welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : البلوغ حقيقته ، علاماته وأحكامه*
تألیف :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

البلوغ حقيقته ، علاماته وأحكامه

البلوغ
حقيقته ، علاماته وأحكامه

تأليف
الفقيه المحقق

آية الله الشيخ جعفر السبحاني


(4)


(وَمَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِينَفرُوا كَافَّةً فَلَو لا نفر مِن كُلِّ فِرقَةٍ منهم طائفةٌ ليتفقهوا في الدينِ ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلَّهم يحذرون)

(التوبة : 122 )


(5)

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد للّه ربّالعالمين
والصلاة و السّلام على محمّد و آله الطيّبين الطاهرين.

أمّا بعد: فهذه رسالة وجيزة في البلوغ، حقيقته وعلائمه:

للبحث عن البلوغ جوانب متعددة، فتارة يبحث عنه في علم الطب، وأُخرى في الحقوق والقانون الوضعيّ، وثالثة في الفقه الاِسلامي، ورابعة في العرف وعامة الناس، وإشباع الكلام في كلّ واحد، من تلك الجوانب بحاجة إلى بحث مسهب خارج عن هدف الرسالة وإنّما نشير إليها بوجه موجز:

أمّا الجانب العلمي والطبي فيبحث فيه عن عوارض البلوغ المختلفة، من اشتداد العظم، وغلظة الصوت، وطول القامة، ونموّ الصدر في الرجل، وظهور الثديين في المرأة، وظهور الشعر في العانة إلى غير ذلك من العوارض


(6)

الطبيعية التي تظهر عند بلوغ الذكر والاَُنثى، وقد تعرّض إليها علم وظائف الاَعضاء مفصلاً.(1)

وأمّا الجانب الحقوقي والقانوني فيبحث فيه عن البلوغ بما انّه مبدأ زوال الحجر عن الاِنسان، فإنّ غير البالغ محجور في تصرفاته عامّة، فإذا بلغ، نفذت تصرفاته، فبُذِلت جهود لمعرفة عوارض البلوغ وعلائمه من هذه الزاوية.

وأمّا الجانب الفقهي فيبحث عن البلوغ الذي هو مبدأ التكليف ومن لم يبلغ فقد رفع عنه القلم، فالبلوغ موضوع للاَحكام التكليفية والوضعيّة.

وفي الوقت نفسه هو أمر عرفي وله حقيقة لغوية عرفية يعرفها الناس مفهوماً ومصداقاً، غير أنّ الشارع مع إمضائه للمفهوم العرفي جعل له ضوابط رفع بها الاِبهام الذي يحفُّ حوله فليست للبلوغ حقيقة شرعية أو متشرعية.


(1) و من أراد التفصيل فليرجع إلى سلسلة كتاب: «چه مى3دانم» باللغة الفارسية الجزء المختص بالبلوغ .


(7)

البلوغ في الذكر الحكيم

إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى تحقيق البلوغ من منظار الذكر الحكيم، وقد عبّـر عنه سبحانه في آياته بالتعابير الثلاثة التالية:

بلوغ الحلم، بلوغ النكاح، بلوغ الاَشد.

فلنتناول كلّ واحد منهابالبحث:

الاَوّل: بلوغ الحُلُم

قال سبحانه: «يا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنُكُمُ الّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَ مِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ ثَلاثُ عَوراتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَ لا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآياتِ وَ اللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» .(1)

وقال سبحانه: «وَإِذا بَلَغَ الاََطْفالُ مِنْكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا


(1) النور:58.


(8)

اسْتَأذَنَ الّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آياتِهِ وَ اللّهُ عَلِيمٌ حَكيمٌ» .(1)

أمر سبحانه: العبيدَ والاِماء والاَطفال أن يستأذنوا إذا أرادوا الدخول إلى مواضع الخلوات. فقوله: «الّذينَمَلَكَتْ أَيمانكُم» إشارة إلى العبيد والاِماء، وقوله: «وَ الّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُم» إشارة إلى الاَطفال غير البالغين.

وأمّا مواضع الخلوة، فهي عبارة عن الاَوقات الثلاثة من أوقات ساعات الليل والنهار وفسّرت بالشكل التالي:

1. «مِنْ قَبْل صَلاةِ الْفَجْرِ» حيث إنّ الاِنسان يبيت عرياناً أو بلباس النوم.

2. «وَ حينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَهِيرَة» للنوم أو للترويح عن أنفسهم نتيجة الاِرهاق والتعب الذي يصيبهم.

3. «وَ مِنْ بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ» حينما يأوي الرجل إلى امرأته ويخلو بها.

فهذه الاَوقات الثلاثة التي أمر اللّه سبحانه الاِماء والعبيد والاَطفال بالاستئذان عند الدخول وسمّاها «ثَلاثُ عَورات لَكُمْ» .

نعم رفع عنهم أيّجناح في غير هذه الاَوقات الثلاثة، وقال: «لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَ لاعَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ» أي بعد هذه الاَوقات الثلاثة، ثمّبيّن وجه رفع الجناح، بقوله: «طوّافون عَلَيْكُم» أي هوَلاء الخدم والاَطفال يطوفون بعضهم على بعض، فلا يمكن الاستئذان في كلّ دخول.


(1) النور:59.


(9)

وأمّا الآية الثانية فقد أمر سبحانه الطائفتين بالاستئذان على وجه الاِطلاق، وهما: البالغون من الاَطفال حيث قال: «وَ إِذا بَلَغَ الاََطْفالُ مِنْكُمُ الحُلُم» ، والاَحرار الكبار كما قال سبحانه: «كَمَا اسْتَأْذَنَ الّذينَ مِنْ قَبْلِهِمْ» .(1)

فحصيلة الآيتين: انّ العبيد والاِماء وغير البالغين يستأذنون في ساعات الليل والنهار ثلاث مرات، وأمّا البالغون والكبار الاَحرار يستأذنون في جميع الاَوقات، هذا ما يرجع إلى تفسير الآية حسب ظاهرها.

ولصاحب الكشاف هنا كلام قيِّم نأتي بنصه، قال: كان أهل الجاهلية يقول الرجل منهم إذا دخل بيتاً غير بيته حُيِّيتم صباحاً، وحُيّيتم مساء، ثمّ يدخل فربّما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف واحد، فصدّ اللّه عن ذلك، وعلّم الاَحسن والاَجمل، وكم من باب من أبواب الدين هو عند الناس كالشريعة المنسوخة، قد تركوا العمل به، وباب الاستئذان من ذلك بينا أنت في بيتك إذا رعف عليك الباب بواحد من غير استئذان ولا تحية من تحايا إسلام ولا جاهلية، وهو ممّن سمع ما أنزل اللّه فيه وما قال رسول اللّه _ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم _، ولكن أين الاَُذن الواعية؟!(2)


(1) إشارة إلى ما ورد في الآية 27 أعني قوله سبحانه:««يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيوتاً غيرَ بُيُوتِكُمْ حَتّى تَسْتَأْنِسُوا»» . لاحظ الميزان.
(2) الزمخشري: الكشاف: 2|69.


(10)

ما هو المراد من بلوغ الحلم؟

قد عرفت أنّالاستئذان في جميع الاَوقات منوط ببلوغ الحلم، وهو آية البلوغ، ولكن يجب تحقيق معناه، فنقول: هنا عدّة احتمالات:

أ. أن يكون المراد من الحلم هو العقل الذي يحصل بعد التمييز، فهناك طفولية، وتمييز وتعقّل، فالبالغ رتبة العقل يستأذن في جميعها، ويوَيده استعمال الحلم في القرآن بمعنى العقل، قال سبحانه: «أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا أَمْ هُمْ قَومٌ طاغُونَ» .(1)

ب. أن يكون المراد هي الروَية في المنام، وفي القاموس: الحلم بالضم، والاِحتلام: الجماع في النوم سواءخرج منه المني أم لا.

ج. الاِحتلام كناية عن خروج المنيّ، وهو الذي عبّر به الفقهاء كالمحقق في الشرائع سواء كان في اليقظة أو في المنام، ولا خصوصية للاِحتلام أي الجماع في النوم، فإنّه قد يتحقّق بدون خروج المني، كما أنّخروج المني قد يتحقّق بدونه، فالعبرة حينئذٍ في البلوغ بخروج المني دون الروَية في المنام.

د. أن يكون المراد هوالاستعداد لخروج المني بالقوة القريبة من الفعل، وذلك بتحريك الطبيعة والاحساس بالشهوة، سواء انفصل المني معه عن الموضع المعتاد أم لم ينفصل، لكن بحيث لو أراد ذلك بالوطء أو الاستمناء تيسر له وكون الخروج شرطاً في الغُسل لا يقتضي كونه كذلك في البلوغ،


(1) الطور:32.


(11)

ضرورة دوران الاَمر في الاَوّل على الحدثية المتوقف صدقها ولو شرعاً على الخروج، بخلاف الثاني الذي هو أمر طبيعي لا يختلف بظهور الانفصال وعدمه.(1)

هذه هي المحتملات، والاَوّل بعيد جداً، لاَنَّ تعليق الحكم على أمر معنوى (العقل) في مجال الاَطفال يوجب الفوضى، وربما يقع الاِنسان في حيرة من أمره عند تطبيق الضابطة على المورد، وانّهذا الطفل هل بلغ من العقل، مبلغ الرجال الموضوع للحكم أو لا؟

وأمّا الثاني فالآية تقسم الاَولاد إلى قسمين:

1. «الّذين لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُم» .

2. الّذينَ بَلَغُوا الحُلم.

والقسم الثاني بما أنّهم بلغوا الحلم، فهم المسوَولون عن تطبيق الحكم على الموضوع، وأمّا القسـم الاَوّل فبما أنّـهم غير مكلّفيـن، فالاَوليـاء هم المسوَولون عن تطبيق الحكم على الموضوع، فإذن يجب أن يكون الموضوع أمراً ظاهراً بيَّناً وجوداً وعدماً، والروَية الجنسية التي هي التفسير الثاني للآية أمر خفي لا يطّلع عليه الاَولياء بسهولة حتى يميّزوا البالغين للحلم عن غيرهم.

وبذلك يعلم عدم صحّة الوجه الرابع، لاَنّ استكشاف الاستعداد وعدمه أمر صعب، فمن أين يقف الولي على انّه مستعد للجماع أو لا؟ فيتعين المعنى الثالث، وعليه بعض الروايات كما سيوافيك.


(1) النجفي: الجواهر:26|11.


(12)

وإن أبيت فالمعنيان: الثالث والرابع من جهة القرب سواء.

فإن قلت: إذا كان خروج المني هو الملاك، فجعله علامة للبلوغ أمر لغو، وذلك لتأخره عن الخمس عشرة سنة الذي هو الحدّ عند المشهور للبلوغ السنّي.

قلت: إنّ تأخر الاحتلام أمر غالبي وليس أمراً دائمياً، كما يقول صاحب الجواهر:

ولقد شاهدنا من احتلم في ثلاث عشرة سنته واثنتي عشرة سنته، وقال بعض الاَفاضل: ينبغي القطع بالاِمكان في الثلاث عشرة فما فوقها لقضاء العادة بالاحتلام في ذلك غالباً.(1)

روي مرفوعاً عن أبي عبد اللّه _ عليه السلام _ أنّه قال: «يثغر الغلام لسبع سنين، ويوَمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لاَربع عشرة».(2)

ولقد حدّثني بعض زملائي أنّه احتلم وله من العمر عشر سنين.

على أنّه لا يكون لغواً، لاَنّ الرجوع إلى الاِحتلام إذا جُهِلَ السن، وإلاّ فلو علم السن فيحكم بالبلوغ، وأمّا إذا جهل فالاِحتلام يكشف عن البلوغ الحادث به أو السابق عليه.

* * *


(1) النجفي: الجواهر: 26|13.
(2) الوسائل:الجزء 15، الباب 74، من أبواب أحكام الاَولاد، الحديث 5.


(13)

الثاني: بلوغ النكاح

قال سبحانه: «وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَ لا تَأْكُلُوها إِسرافاً وَ بِدْاراً أَنْيَكْبَرُوا وَ مَنْ كانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَ مَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللّهِ حَسِيباً» .(1)

اتّفق الفقهاء على أنّه لا يدفع مال اليتيم إلاّ بعد البلوغ واستئناس الرشد، فقد عبّرت الآية عن الشرط الاَوّل ببلوغ النكاح وهو في اللغة بمعنى الوطء، ولا شكّ انّه لا يشترط إذا علم البلوغ والرشد، فلا محالة يفسّر بما فسّرت به الآية الاَُولى، وهو خروج المني كما هو المختار، أو قابليته على النكاح والوطء وهو الاحتمال الرابع فيها.

الثالث: بلوغ الاَشد

جاء بلوغ الاَشد في غير واحد من الآيات:

قال سبحانه: «وَ لا تَقْرَبُوا مالَالْيَتِيمِ إِلاّبِالّتي هِيَ أحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ» .(2)

وقال سبحانه: «وَلَمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَ عِلْماً وَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنينَ»(3).


(1) النساء:6.
(2) الاَنعام: 152.
(3) يوسف: 22.


(14)

وقال عزّ وجلّ: «ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ» .(1)

وقال عزّ وجلّ: «وَلَمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ اسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً».(2)

وقال سبحانه: «ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً» .(3)

وقال عزّ وجلّ: «وَوَصَّيْنَا الاِِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحساناً» ـ إلى أن قال: ـ «حَتّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ بَلَغَ أَرْبَعينَ سَنَة» .(4)

والآية الثانية نزلت في يوسف، والرابعة في موسى، وغيرهما في نوع الاِنسان.

والمراد من بلوغ الاَشد بلوغه من القوة، الذي يكون مبدوَه الاحتلام ونهايته بلوغ الاَربعين، ولاَجل ذلك ترى انّه جمع في سورة الاَحقاف بين بلوغ الاَشد وبلوغ الاَربعين.

والآية الثالثة تدل على أنّ بلوغ الاَشد، خروج عن الطفولية، ودخول في البلوغ؛ كما أنّالآية الخامسة تقسم حياة الاِنسان إلى ثلاثة مراحل: الطفولة، وبلوغ الاَشد، والشيخوخة.وهي تدل على أنّ البلوغ أمر تدريجيّ له مراتب من القوة والشدّة، وإنّ الشارع جعل المرتبة البدائية منه، موضوعاً للاَحكام.


(1) الحج:5.
(2) القصص:14.
(3) غافر:67.
(4) الاَحقاف:15.


(15)

وعلى ضوء ذلك فالآيات المذكورة تنطبق على الاِحتلام الملازم لخروج المني من دون فرق بين خروجه حين اليقظة أو المنام، ولا يستفاد من الآيات أزيد من ذلك، وقد أشار القرآن إلى علامة واحدة واضحة للبلوغ وهي الاِحتلام، ولا ينافيه وجود علامات أُخرى له.

البلوغ في السُنّة

وقد وردت علامات للبلوغ في السنّة الشريفة:

1. الاحتلام.

2. الاِنبات.

3. السن.

فلنتناول كلّواحدة منها بالبحث، فنقول:

1. الاحتلام

لقد تضافرت الروايات على أنّ الاِحتلام من أمارات البلوغ، وقد عبّر عنه في الروايات، تارة بالفعل الماضي، أعني: قوله: «إذا احتلم». أو بالمصدر، أعني: قوله: «إِذا بَلَغُوا الحُلُم» ، كما نلاحظه من الروايات التالية:

1. ما في خبر طلحة بن زيد، من قول أبي عبد اللّه عليه السَّلام: «فإذا بلغوا


(16)

الحلم كتبت عليهم السيئات».(1)

2. ما في رواية حمران من قول أبي جعفر_ عليه السلام _: «لا يخرج من اليتم حتى يبلغ خمس عشرة سنة، أو يحتلم، أو يشعر، أو ينبت».(2)والاِنبات هو وجود الشعر في العانة، بخلاف الاَوّل وهو وجوده في غيرها.

إلى غير ذلك من الروايات.(3)

والروايات تعاضد الآية، حيث إنّالبلوغ أمر تدريجي، فلو احتلم قبل السن يحكم ببلوغه، وأمّا إذا احتلم بعد السن فيكشف عن بلوغه السابق.

والظاهر من الروايات وكلمات الفقهاء عدم الفرق بين الذكر والاَُنثى.

قال المحقّق: من علامات البلوغ خروج المني الذي يكون منه الولد من الموضع المعتاد ويشترك في هذا، الذكور والاِناث.(4)

وقال العلاّمة في «القواعد»: الثاني خروج المني الذي يكون منه الولد من الموضع المعتاد سواء الذكر والاَُنثى.(5)

وقال السيد الطباطبائي في العروة: المرأة تحتلم كالرجل، ولو خرج منها المني حينئذٍ وجب عليها الغسل، والقول بعدم احتلامهن ضعيف.(6)


(1) الوسائل: الجزء 1، الباب 4، من أبواب مقدمات العبادات، الحديث 1،2، 9، 11، 12.
(2) الوسائل: الجزء 1، الباب 4، من أبواب مقدمات العبادات، الحديث 1،2، 9، 11، 12.
(3) الوسائل: الجزء 1، الباب 4، من أبواب مقدمات العبادات، الحديث 1،2، 9، 11، 12.
(4) نجم الدين الحلي: الشرائع: 2| 351، كتاب الحجر.
(5) القواعد على ما في مفتاح الكرامة:5|267.
(6) الطباطبائي: العروة الوثقى، فصل في غسل الجنابة، المسألة 6.


(17)

وفي صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه _ عليه السلام _ قال: سألته عن المرأة ترى في المنام ما يرى الرجل، قال: «إن أنزلت فعليها الغسل، وإن لم تنزل فليس عليها الغسل».(1)

ومع هذا الدعم من الفقهاء والروايات على احتلام المرأة، نجد انّثلّة من علماء الطبيعة ينفون أن يكون للمرأة منيّاً، بل يرون انّ لها بويضة تتلاقح مع الحيوان المنوي، وليس لها سائل دافق باسم المني، وما يشاهد من السوائل عند الملاعبة فليس منيّاً لها. واللّه العالم.

2. الاِنبات:

والمراد إنبات الشعر على العانة من دون فرق بين الذكر والاَُنثى، قال الشيخ في الخلاف: الاِنبات دلالة على بلوغ المسلمين والمشركين.

وقال أبو حنيفة: الاِنبات ليس بدلالة على بلوغ المسلمين ولا المشركين ولا يحكم به بحال.

وقال الشافعي: هو دلالة بلوغ المشركين وفي دلالته على بلوغ المسلمين قولان.

دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم من غير تفصيل.

وأيضاً ما حكم به سعد بن معاذ على بني قريظة، فإنّه قال: حكمتُ بأن يُقتل مقاتِِلهم، ويُسبى ذراريهم وأمر بأن يكشف عن عورتهم، فمن نبت فهو من المقاتلة، ومن لم ينبت فهو من الذراري، فبلغ ذلك النبيّ _ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم _ فقال:


(1) الوسائل: الجزء1، الباب 7 من أبواب الجنابة، الحديث 5، راجع سائر أحاديث الباب.


(18)

«لقد حكم سعد بحكم اللّه من فوق سبع سماوات» وروي «سبعة أرفعة».(1)

والعجب من بعضهم التفريق في هذه العلامة بين المشرك والمسلم. وهل العلامة مطلق إنبات الشعر ولو في الوجه وتحت الاِبط والصدر أو نباته على العانة فقط؟ ويذكر الاَطباء الثانية (الاِنبات على العانة) على اعتقاد منهم بأنّ إنبات الشعر على العانة له صلة بالقابلية على الاِنجاب، وقد وردا في بعض الروايات معاً ـ كما مرّ ـ قوله: أشعر أو أنبت قبل ذلك.

ثمّ الظاهر من إطلاق معقد الاِجماع انّه علامة البلوغ مطلقاً من غير فرق بين الذكر والاَُنثى ومن فرّق بينهما، فقد فرّق بلا وجه.

هذه هي العلامات العامة المشتركة بين الذكر والاَُنثى، بقي الكلام في العلامة الخاصة لكل منهما وهي السن، وقد ألّفنا الرسالة لاِيضاح هذا الجانب.

3. السن:

يقع الكلام في مقامين: سن البلوغ في الذكر، وسنّ البلوغ في الاَُنثى.


(1) الطوسي: الخلاف:3|281، المسألة 1، كتاب الحجر.


(19)

المقام الاَوّل: سن البلوغ في الذكر

لا شكّ انّ السن علامة للبلوغ وقد تضاربت أقوال السنّة، والقول المشهور عند الشيعة هو بلوغه خمس عشرة سنة، ولا بأس بنقل كلمات الفريقين:

1. قال الشيخ في الخلاف: يراعى في حدّالبلوغ في الذكور بالسن خمس عشرة سنة، وبه قال الشافعي، وفي الاِناث تسع سنين، وقال الشافعي: خمس عشرة سنة مثل الذكور.

وقال أبو حنيفة: الاَُنثى تبلغ باستكمال سبع عشرة سنة، وفي الذكور عنه روايتان:

إحداهما: يبلغ باستكمال تسع عشرة سنة، وهي رواية الاَصل.

والاَُخرى: ثمان عشرة سنة، وهي رواية الحسن بن زياد اللوَلوَي.

وحكي عن مالك أنّه قال: البلوغ بأن يغلظ الصوت، وأن ينشق الغضروف وهو رأس الاَنف، وأمّا السن فلا يتعلق به البلوغ.وقال داود: لا يحكم بالبلوغ بالسن.(1)

2. وقال العلاّمة: الذكر والمرأة مختلفان في السن، فالذكر يُعلم بلوغه بمضي خمس عشرة سنة، والاَُنثى بمضي تسع سنين عند علمائنا، وممّن خالف بين الذكر والاَُنثى أبوحنيفة، وسوّى بينهما الشافعي والاَوزاعي وأبو ثور وأحمد بن حنبل ومحمد وأبو يوسف، وقالوا: حدّ بلوغ الذكر والاَُنثى بلوغ خمس عشرة سنة.


(1) الطوسي: الخلاف: 3|282، المسألة 2، كتاب الحجر.


(20)

وقال أبو حنيفة: حدّ بلوغ المرأة سبع عشرة سنة بكلّ حال، وله في الذكر روايتان، إحداهما سبع عشرة سنة أيضاً، والاَُخرى ثمان عشرة كاملة.

وقال أصحاب مالك: حدّ البلوغ في المرأة سبع عشرة سنة، وثمان عشرة سنة.(1)

وأمّا أقوال أصحابنا فالظاهر انّها لا تتجاوز عن الثلاثة:

1. انّه الخمس عشرة سنة، وهو القول المشهور الذي كاد أن يكون مورد الاتفاق قبل ظهور الاَردبيلي _ قدس سره _ نعم مال هو في آخر كلامه إلى غيره.

2. انّه الاَربع عشرة سنة، نسبه العلاّمة إلى ابن الجنيد في مختلف الشيعة وقال: استدل ابن الجنيد بحديث أبي حمزة الثمالي وظاهر عبارته انّ المستدل هو ابن الجنيد، لا العلاّمة.

3. انّه الثلاث عشرة سنة، وهو مختار الشيخ في قضاء النهاية، قال في باب «جامع من القضايا والاَحكام» روى عاصم بن حميد عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر _ عليه السلام _ قلت له: في كم تجري الاَحكام على الصبيان؟ قال: «في ثلاث عشرة سنة أو أربع عشرة سنة...».(2) والمعروف انّ النهاية هو كتاب الفتوى بتجريد المنقول عن الاَسانيد، ولكنّه عدل عنه في كتاب الخلاف كما سيوافيك.

وأمّا القول بالعشر سنين فلا صلة له بالبلوغ وإنّما أجاز الشيخ وغيره وصيةَ الصبي إذا بلغ العشر سنين، كما سيوافيك بيانه.


(1) ابن المطهر الحلي: تذكرة الفقهاء:2|74، كتاب الحجر.
(2) الطوسي: النهاية: 354.


(21)

هذه هي الاَقوال ولنذكر خصوص من ادّعى الاِجماع أو الاتّفاق أو الشهرة بالنسبة إلى القول الاَوّل:

1. قال الشيخ في الخلاف: يراعى في حدّ البلوغ في الذكور بالسن خمس عشرة سنة، وبه قال الشافعي، إلى أن قال: دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم.(1)

2. وقال الطبرسي في تفسير قوله سبحانه: «وَابْتَلُوا اليَتامى»(2) قال أصحابنا: حدّ البلوغ إمّا كمال خمس عشرة سنة، أو بلوغ النكاح، أو الاِنبات.(3)

3. قال ابن إدريس: والاعتماد عند أصحابنا على البلوغ في الرجال وهو إمّا الاحتلام، أو الاِنبات في العانة، أو خمس عشرة سنة وفي النساء الحيض أو الحمل أو تسع سنين.(4)

4. وقال ابن زهرة: حدّ السن في الغلام خمس عشرة سنة، وفي الجارية تسع سنين بدليل الاِجماع المشار إليه.(5)

5. قال العلاّمة في التذكرة: السن عندنا دليل على البلوغ، وبه قال جماهير العامة كالشافعي والاَوزاعي وأبي حنيفة وأصحابه وأحمد بن حنبل، لما رواه العامة عن ابن عمر: قال: عرضت على رسول اللّه في جيش وأنا ابن ثلاث عشرة سنة فردّني، وعرضت عليه يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فردّني، وعرضت عليه عام الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فقبلني.


(1) الطوسي: الخلاف: 3|282، كتاب الحجر، المسألة 2.
(2) النساء:6.
(3) الطبرسي: مجمع البيان:3|16.
(4) ابن إدريس: السرائر:2|199، نوادر كتاب القضاء.
(5) بن زهرة: الغنية: 215، كتاب الحجر.


(22)

وعن أنس عن النبي _ صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم _ قال: إذا استكمل المولود خمس عشرة سنة، كتب ما له وما عليه وأخذت منه الحدود.

وقال تحت قوله: تذنيب: لا يحصل البلوغ بنفس الطعن في سن الخامس عشر إذا لم يستكملها عملاً بالاستصحاب وفتوى الاَصحاب.(1)

6. وقال أيضاً: المشهور انّ حدّ البلوغ في الصبي خمس عشرة سنة.

وقال ابن الجنيد أربع عشرة سنة.(2)

7. وقال الفاضل الآبي: السن وفي كميته اختلاف والعمل على أنّه خمس عشرة سنة، ولعلّ ما وردت بدون ذلك من الروايات محمولة على ما إذا احتلم أو أنبت في تلك السنة فإنّا نشاهد من احتلم في اثني عشرة وثلاث عشرة سنة.(3)

8. وقال ابن فهد: في الحدّ الذي يعرف به بلوغ الذكر للاَصحاب أقوال ثلاثة: المشهور خمس عشرة، ثمّذكر رواية حمزة بن حمران، ثمّذكر القول الثاني وهو ثلاث عشرة إلى أربع عشرة ولم يذكر القول الثالث إلاّبالاِشارة وهو القول بالعشرة وسيوافيك انّه مختص بنفوذ الوصية.(4)

9. وقال الفاضل المقداد: في تفسير قوله تعالى: «حَتّى إِذا بَلَغُوا النِكاح» أو يبلغ خمس عشرة سنة عندنا.(5)

10. وقال الشهيد الثاني: في شرح قول المحقّق «وبالسن» وهو بلوغ


(1) ابن المطهر: التذكرة: 74ـ75، كتاب الحجر، البحث الثاني في السن.
(2) ابن المطهر: المختلف:5|431، كتاب الحجر، ط موَسسة النشر الاِسلامي.
(3) الفاضل الآبي: كشف الرموز: 1|552، كتاب الحجر.
(4) ابن فهد: المهذّب البارع: 2|517ـ 518.
(5) الفاضل المقداد: كنز العرفان:2|103.


(23)

خمس عشرة سنة للذكر، وفي أُخرى إذا بلغ عشراً وكان بصيراً، قال: والمشهور بين أصحابنا بل كاد أن يكون إجماعاً هوالاَوّل ويعتبر إكمال السنة الخامسة عشرة، وأمّا رواية بلوغ العشر في جواز الوصية فهي صحيحة وفي معناها روايات إلاّأنّها لا تقتضي البلوغ.(1)

هوَلاء من أفتوا بالخمس عشرة سنة وادّعوا عليه الاِجماع أو الشهرة وأمّا الذين أفتوا بالخمس عشرة سنة ولم يدّعوا عليه الاِجماع فحدِّث عنه ولا حرج، فقد نقله السيد العاملي، عن كثير من الكتب الفقهية، ومن أراد فليرجع إلى «مفتاح الكرامة».(2)

دليل القول المشهور

ولنتناول دليل القول المشهور بالبحث ثمّنعد إلى القولين الآخرين.

واعلم أنّه يدلّ على القول المشهور أُمور:

1. خبر حمران قال: سألت أبا جعفر _ عليه السلام _ : قلت له متى يجب على الغلام أن يوَخذ بالحدود التامة، ويقام عليه ويوَخذ بها؟ قال: « إذا خرج عنه اليتم وأدرك» قلت: فلذلك حدّ يعرف به؟ فقال: «إذا احتلم أو بلغ خمس عشرة سنة، أو أشعر، أو أنبت قبل ذلك، أُقيمت عليه الحدود التامة وأُخذ بها وأُخذت له ـ إلى أن قال: ـ ولا يخرج من اليتم حتى يبلغ خمس عشرة سنة، أو يحتلم، أو يشعر، أو ينبت قبل ذلك».(3)


(1) زين الدين العاملي: المسالك: 4|144، كتاب الحجر.
(2) العاملي، مفتاح الكرامة: 5|238، كتاب الحجر.
(3) الوسائل: الجزء 1، الباب 4 من أبواب مقدمة العبادات، الحديث 2.


(24)

وفي سند الرواية 1. عبد العزيز العبدي 2. حمزة بن حمران، 3.حمران.

أمّا الاَخير فهو حمران بن أعين يصفه أبو غالب الزراري، بقوله: لقي سيدنا سيد العابدين علي بن الحسينعليمها السَّلام، وكان من أكبر مشايخ الشيعة المفضّلين الذين لا يشك فيهم، وكان أحد حملة القرآن، ومن بعده يذكر اسمه في القراءات.(1)

وأمّا الثاني، فلم يرد في حقّه مدح ولا ذم، ولكن رواية المشايخ كصفوان وابن أبي عمير، وجمع كثير من الاَكابر عنه (2)، يورث الوثوق.

وأمّا الاَوّل فضعّفه النجاشي قائلاً: كوفي روى عن أبي عبد اللّه، ضعيف ذكره ابن نوح، له كتاب، يرويه جماعة ـ إلى أن قال: ـ عن الحسن بن محبوب بن عبد العزيز بكتابه.(3)ويحتمل جداً أن يكون تضعيفه لوجود الغلو في عقيدته الذي لا ينافي صدق لسانه ويوَيده احتمال اتحاده مع عبد العزيز بن عبد اللّه الذي روى الاربليّ في كشف الغمة ما يدل على وجود الغلو فيه.(4)وعلى كلّتقدير فالرواية صالحة للتأييد بل للاستدلال، وسنعود إليها أيضاً عند الكلام في بلوغ الاَُنثى.

2. صحيح يزيد الكناسي قال: قلت لاَبي جعفر _ عليه السلام _: متى يجوز للاَب أن يزوج ابنته ولا يستأمرها؟ قال: إذا جازت تسـع سنين ـ إلى أن قال:ـ قلت: فالغلام يجري في ذلك مجرى الجارية؟ فقال: «يا أبا خالد انّ


(1) قاموس الرجال:4|13و28.
(2) قاموس الرجال:4|13و28.
(3) قاموس الرجال: 6|179.
(4) قاموس الرجال:6|178.


(25)

الغلام إذا زوّجه أبوه ولم يدرك كان بالخيار إذا أدرك وبلغ خمس عشرة سنة أو يشعر في وجهه أو ينبت في عانته قبل ذلك».(1)

والسند لا غبار عليه إلاّ في الاَخير، وأمّا يزيد فهو أبو خالد القماط الذي ترجَمه النجاشي، وقال: يزيد أبو خالد القماط كوفي، ثقة، روى عن أبي عبد اللّه له كتاب يرويه جماعة.(2)ولم يصفه النجاشي بالكناسي.

ولكن وُصِفَ في سند الرواية بالكناسي الذي عنونه الشيخ ولم يوثقه، وتُحْتَمَل وحدة الراويين فيكون ثقة، ويحتمل تعددهما بشهادة انّه لو كان الوارد في رجال النجاشي هو نفس ما عنونه الشيخ، كان عليه، وصفه بالكناسي لاَنّ اشتهاره به كما يظهر من الشيخ، يوجب ذكره.

والذي يدل على التعدّد، اختلاف من يروي عنهما، فيروي عن يزيد أبي خالد القماط: 1. درست بن منصور، 2. علي بن عقبة، 3. إبراهيم بن عمر، 4. خالد بن نافع، 5. صالح بن عقبة، 6. صفوان بن يحيى، 7. محمد ابن أبي حمزة، 8. محمد بن سنان، 9. يحيى بن عمران، 10. ثعلبة.

ويروي عن يزيد الكناسي: 1. هشام بن سالم، 2. أبو أيوب، 3. جميل بن صالح، 4. حسن بن محبوب، 5. علي بن رئاب.

ولو كان الاسمان لمسمّى واحد، يلزم اشتراكهما فيمن يروى عنهما في الغالب.

مضافاً إلى ما في المتن من التفصيل الغريب حيث حكم انّ الجارية البالغة إذا عقدت بعد البلوغ فليس لها الخيار، بخلاف غير البالغة وهو


(1) الوسائل: الجزء 14، الباب 6 من أبواب عقد النكاح، الحديث 9.
(2) النجاشي: الرجال: رقم 1224.


(26)

عجيب جداً، ولاَجل ذلك أعرض عنه المشهور.(1)نعم ورد في الوسائل اسم «بريد» مكان «يزيد» وهو تصحيف قطعاً، لاَنّ كلّ من كُنّي بـ «أبي خالد»، فاسمه يزيد كأبي خالد الاَعور، وأبي خالد البزاز، وعلى كلّ تقدير لم يثبت أن يزيد الكناسي الوارد في الرواية والذي عنونه الشيخ ولم يوثّقه، نفس ما عنونه النجاشي باسم يزيد أبو خالد القماط ووثقه فالرواية صالحة للتأييد لا للاحتجاج كالرواية السابقة.

3. ما رواه يزيد الكناسي عن أبي جعفر _ عليه السلام _ وفيه: أمّا الحدود الكاملة التي يوَخذ بها الرجال فلا، ولكن يجلد في الحدود كلّها على مبلغ سنّه (فيوَخذ بذلك ما بينه وبين خمس عشرة سنة) ولا تبطل حدود اللّه في خلقه ولا تبطل حقوق المسلمين بينهم.(2)

والمذكور بين الهلالين رواه الشيخ في التهذيب دون الكليني، أضف إليه، انّه يحتمل وحدة الروايتين وإن اختلفتا في اللفظ كثيراً وتوَيده وحدة السند في ما روي في باب النكاح وما روي في باب الحدود، فعدّه رواية ثالثة كما في الجواهر لا يخلو من تأمّل.

هذه هي الروايات التي عرفت حالها، ولاَجل ذلك قال الاَردبيلي: وبالجملة ما رأيت خبراً صحيحاً صريحاً في الدلالة على خمس عشرة سنة فكيف في إكماله؟(3)

ولكن في الشهرة المحقّقة والاِجماعات المدعاة غنى وكفاية، وقد حقّقنا في الاَُصول انّ الشهرة الفتوائية بنفسها حجّة شرعية، وكان أصحاب


(1) لاحظ كتابنا: نظام النكاح في الشريعة الاِسلامية:1|169.
(2) الوسائل: الجزء 18، الباب 6 من أبواب مقدمات الحدود، الحديث 1.
(3) مجمع الفائدة: 9|188.


(27)

الاِمام الصادق، يقدّمونها على النص المسموع من الاِمام لاحتمال التقيّة في المسموع دون المشهور بين أصحابه، فلاحظ.(1)

وكمله من شواهد في الروايات النبوية وفقه السيرة النبوية نأتي بها:

1. «فإذا استكمل المولود خمس عشرة سنة كتب ماله، وماعليه، وأخذ منه الحدود».(2)

2. انّ عبد اللّه بن عمر عرض على النبي عام بدر وهو ابن ثلاث عشرة سنة فردّه، وعرض عليه عام أُحد وهو ابن أربع عشرة سنة فردّه، ولم يره بالغاً، وعرض عليه عام الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة فأجازه في المقاتلة.(3)

3. عرض على النبي يوم أُحد: أُسامة بن زيد، وزيد بن ثابت واستيذن ظهير فردهم، ثمّ أجازهم يوم الخندق وهم أبناء خمس عشرة سنة وانّمن جملة من ردّ في ذلك اليوم البراء بن عازب وأبو سعيد الخدري، وزيد ابن أرقم.(4)

4. ويمكن استفادة القول المشهور من صحيح معاوية بن وهب قال: سألت أبا عبد اللّه _ عليه السلام _ في كم يوَخذ الصبيّ بالصيام؟ قال: «ما بينه وبين خمس عشرة سنة وأربع عشرة سنة، فإنّ هو صام قبل ذلك فدعه، ولقد صام ابني فلان قبل ذلك فتركته».(5)


(1) المحصول: 3|214.
(2) الخلاف: الجزء 3، كتاب الحجر، المسألة 2.
(3) سنن البيهقي: 6|55.
(4) عيون الاَثر، كما في الجواهر:26|25.
(5) الوسائل: الجزء7، الباب 29 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1.


(28)

والمراد من قوله: «كم يوَخذ الصبيّ بالصيام» أي يوَمر به لئلاّ يشقّ له بعد البلوغ.

ولا غبار في السند، وأمّا تقديم خمس عشرة سنة على أربع عشرة سنة، فلعلّه من تصرف الراوي، وقد عبر الصدوق في «المقنع» بقوله: روي أنّ الغلام يوَخذ بالصوم ما بين أربع عشرة سنة إلى خمس عشرة سنة إلاّ أن يقوى قبل ذلك.(1)

وعلى ضوء ذلك فقد كان تعبير الاِمام بالنحو التالي:

«ما بينه وبين أربع عشرة سنة إلى خمس عشرة سنة» ومن المعلوم أنّه يشتد الاَخذ حسب بلوغه وطعنه في العمر.

وجه الاستدلال: انّ الرواية بصدد بيان وظيفة الولي وأنّها تنتهي ببلوغ الصبي الخمس عشرة ولازمه استقلال الصبي وانتهاء ولاية الوليّ، وهو يلازم البلوغ.

ويدلّ على ما ذكرنا صدر هذه الرواية المروية في الوسائل في أبواب أعداد الفرائض ونوافلها، جاء فيه: كم يوَخذ الصبي في الصلاة؟ قال: «ما بين سبع سنين وست سنين».(2)وبما أنّالصلاة أخف من الصوم يوَخذ الصبي في السنين الست أو السبع، وأمّا الصوم فيحتاج إلى قوّة وقدرة فيوَخذ إذا بلغ أربع عشرة أو خمس عشرة، فدلالة الرواية على القول المشهور دلالة التزامية.

5. مرسلة عباس بن عامر، عمّن ذكره عن أبي عبد اللّه _ عليه السلام _ قال:


(1) الصدوق: المقنع:195، كتاب الصوم، الباب 8.
(2) الوسائل:الجزء 3، الباب 3 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 1.


(29)

«يوَدّب الصبي على الصوم ما بين خمس عشرة سنة إلى ست عشرة سنة».(1)

وجه الاستدلال على القول المشهور على نحو ما مرّفي الرواية السابقة وهوأنّ الرواية بصدد بيان وظيفة الولي وأنّها تنتهي عند الست عشرة ومعناه انتهاء الولاية واستقلاله في تصرفاته وهو يلازم البلوغ.

هذه هي الروايات التي تدل على القول المشهور إمّا بالدلالة المطابقية أو الاِلتزامية، ولعلّ المجموع يثبت القول المشهور وإن كان كلّ واحد غير خال عن الاِشكال. نعم، لا محيص عن حمل الرواية الاَخيرة على إكمال الخمس عشرة والدخول في الست عشرة حتى تنطبق على الروايات السابقة وحملها على إكمال الست عشرة يستلزم تحقّق البلوغ بالدخول في السبع عشرة ولم يقل به أحد.

عرض الروايات المخالفة

هناك روايات تدل على أنّ حدّالبلوغ هو الثلاث عشرة فإن أُريد منه كمال العدد والدخول في الاَربع عشرة، تنطبق على قول ابن الجنيد إذا أراد ـهو ـ من قوله أربع عشرة، الدخولَ في الرابع عشر، وهذه الروايات لا تتجاوز عن ثلاث:

1. خبر أبي حمزة الثمالي.

2. صحيح ابن سنان الذي روي بطرق ثلاثة وتنتهي الجميع إلى عبد اللّه بن سنان.

3. رواية عمار الساباطي.


(1) الوسائل: الجزء7، الباب 29 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 13.


(30)

1. خبر أبي حمزة الثمالي

روى أبو حمزة الثمالي عن أبي جعفر عليه السَّلام قال: قلت له: في كم تجري الاَحكام على الصبيان؟ قال: «في ثلاث عشرة وأربع عشرة» قلت: فإن لم يحتلم فيها، قال: «وإن كان لم يحتلم، فإنّ الاَحكام تجري عليه».(1)

وقوله: «كم تجري الاَحكام» يعم العبادات والمعاملات والسياسات، والاِمام يركّز على السن بما هو سن، وانّه تجري عليه الاَحكام إذا بلغ الثلاث عشرة، وحمله على ما إذا أنبت أو أشعر، كما عليه الشيخ الطوسي لرفع المعارضة بينها وما دلّ على الخمس عشرة سنة خلاف الظاهر.

2. صحيح عبد اللّه بن سنان

وقد روي بأسانيد ثلاثة مع الاختلاف في المضمون، وإليك بيانها:

أ. صحيح عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السَّلام قال: سأله أبي وأنا حاضر عن قول اللّه عزّ وجلّ: «حَتّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ»(2) قال: «الاحتلام» قال: فقال: يحتلم في ست عشرة وسبع عشرة سنة ونحوها؟ فقال: «لا إذا أتت عليه ثلاث عشرة سنة كتبت له الحسنات وكتبت عليه السيئات، وجاز أمره إلاّ أن يكون سفيهاً أو ضعيفاً».(3)

والرواية تعم العبادات والمعاملات بقرينة انّ السائل سأل عن تفسير قوله تعالى: «حَتّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ» الذي ورد في المعاملات.


(1) الوسائل: الجزء13، الباب 45 من أحكام الوصايا، الحديث3.
(2) الاَحقاف:15
(3) الوسائل:الجزء 13، الباب 44 من أحكام الوصايا، الحديث8.


(31)

قال سبحانه: «وَ لا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالّتي هِيَأَحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ» .(1)

ب. صحيح عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السَّلام قال: «إذا بلغ أشده ثلاث عشرة سنة ودخل في الاَربع عشرة، وجب عليه ما وجب على المحتلمين احتلم أو لم يحتلم، وكتبت عليه السيئات، وكتبت له الحسنات وجاز له كلّشيء إلاّ أن يكون ضعيفاً أو سفيهاً».(2)

والرواية تعم الاَحكام والمعاملات بقرينة التركيز على بلوغ الاَشد وفي السند الحسن بن بنت الياس، والمراد منه هو الحسن بن علي بن زياد الوشاء الثقة الذي نقل عنه النجاشي في ترجمته، أنّه قال: لقد رأيت في هذا المسجد (مسجد الكوفة) تسعمائة رجل كلٌّ يقول: حدّثني جعفر بن محمدعليمها السَّلام.

ج. صحيح عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السَّلام قال: «إذا بلغ الغلام ثلاث عشرة سنة كتبت له الحسنة وكتبت عليه السيئة وعوقب، وإذا بلغت الجارية تسع سنين كذلك وذلك أنّها تحيض لتسع سنين».(3)

والرواية قابلة للحمل على العبادات، وسيوافيك الكلام في ذيل الحديث.

3. رواية عمار الساباطي

روى الشيخ بسنده عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب (م|262هـ)


(1) الاَنعام:152.
(2) الوسائل: الجزء13، الباب 44 من أحكام الوصايا، الحديث 11.
(3) الوسائل: الجزء13، الباب 44 من أحكام الوصايا، الحديث 12.


(32)

عن أحمد بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن فضال الثقة، عن عمرو بن سعيد المدائني الثقة، عن مصدق بن صدقة الثقة، عن عمّار الساباطي الثقة عن أبي عبد اللّه عليه السَّلام قال: سألته عن الغلام متى تجب عليه الصلاة؟ قال: «إذا أتى عليه ثلاث عشرة سنة، فإن احتلم قبل ذلك فقد وجبت عليه الصلاة وجرى عليه القلم، والجارية مثل ذلك إن أتى لها ثلاث عشرة سنة أو حاضت قبل ذلك فقد وجبت عليها الصلاة وجرى عليها القلم».(1)

والرواية معارضة لفتوى المشهور وهل هنا جمع دلالي بين الفريقين الظاهر، لا بل يجب الرجوع إلى المرجّحات؟ وأنّالترجيح للصنف الاَوّل لاَنّه المشهور فتوى ونقلاً، وسيوافيك بعض ما قيل من الجمع مع ما هو الحقّ في المقام.

نعم هناك روايات تدلّ على نفوذ وصية الصغير إذا بلغ عشر سنين.

روى أبو بصير المرادي عن أبي عبد اللّه عليه السَّلام أنّه قال: «إذا بلغ الغلام عشر سنين وأوصى بثلث ماله في حقّ جازت وصيته وإذا كان ابن سبع سنين فأوصى من ماله باليسير في حقّ جازت وصيّته».(2)

ولكن الروايات لا تمتُّ إلى المقام بصلة، لاَنّ نفوذ الوصية لا يدل على بلوغه حتى يحكم عليه بجميع الاَحكام، وإنّما هو حكم خاص في باب الوصية، وقد عمل بتلك الروايات أكثر علمائنا كما حكاه الشيخ الحر العاملي في حاشيته على هذا الباب في كتاب «الوسائل»، حيث قال: أكثر


(1) الوسائل:الجزء 1، الباب 4 من أبواب مقدمة العبادات، الحديث 12.
(2) الوسائل: الجزء13، الباب 44 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 2، ولاحظ الحديث 1، 3، 4، 5، 6، 7.


(33)

علمائنا على صحّة وصيّة من بلغ عشراً، وابن الجنيد على صحّة وصيّة الصبي لثمان والبنت لسبع لرواية الحسن بن راشد، ذكره في «التذكرة» وقد تقدّمت الرواية في كتاب الصدقات.(1)

وأمّا الجمع بين الروايات فهناك تقريبات مختلفة:

الاَوّل: ما ذكره المحدّث البحراني: قال: فلا يبعد عندي في الجمع بين الاَخبار المذكورة حمل ما دلّ على البلوغ بخمس عشرة على الحدود والمعاملات، كما هو مقتضى سياق رواية حمران الدالّة على أنّحدّ البلوغ هو الخمس عشرة سنة، وحمل ما دلّ على ما دون ذلك على العبادات.(2)

يلاحظ عليه: أنّ رواية ابن سنان التي هي الدليل المهم للقول المخالف (ثلاث عشرة) في المقام جاءت في مورد المعاملات حيث سأل السائلُ الاِمامَ عن معنى بلوغ الاَشد وفسّـرهعليه السَّلام بالسن المذكور واللفظة وردت في الآية في باب الاَموال، قال سبحانه: «وَ لا تَقْرَبُوا مالَ اليَتيمِ إِلاّ بِالّتي هِيَ أَحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ» .(3)

الثاني: حمل ما دلّ على أنّ سن البلوغ هو الخمس عشرة على باب الحدود.

يلاحظ عليه: أنّ رواية حمران التي هي الدليل المهم للقول بالخمس عشرة جاءت في مورد المعاملات أيضاً، وقد جاء فيه قوله: والغلام لا يجوز أمره في الشراء والبيع ولا يخرج عن اليتم حتى يبلغ خمس عشرة.(4) وهو دليل


(1) الوسائل: الجزء13، الباب 44 من أبواب أحكام الوصايا، قسم التعليقة.
(2) البحراني: الحدائق:13|185.
(3) الاَنعام:152.
(4) الوسائل: الجزء1، الباب 4 من أبواب مقدمات العبادات، الحديث 2.


(34)

على شموله لباب المعاملات أيضاً.

أضف إلى ذلك انّ الظاهر من رواية علي بن الفضل الواسطي كفاية السن المزبور في تحليل المطلقة ثلاثاً.(1)

الثالث: ما ذكره أيضاً صاحب الحدائق بقوله: ويحتمل خروج بعضها مخرج التقية إلاّ أنّه لا يحضرني الآن مذهب العامة في هذه المسألة.(2)

أقول: إنّ أحداً من العامة لم يذهب إلى القول بثلاث عشرة.

نعم، قال الشافعي وجماعة بأنّ سن البلوغ في الذكر هو الخمس عشرة.

الرابع: ما ذكره أيضاً صاحب الحدائق بقوله: ويمكن أن يحمل الاختلاف في هذه الاَخبار على اختلاف الناس في الفهم والذكاء وقوة العقل وقوة البدن، ولذا ورد في رواية الثمالي: « ثلاث عشرة وأربع عشرة».وفي صحيحة معاوية بن وهب: «خمس عشرة وأربع عشرة» ولذا تراها أيضاً اختلفت في الاحتلام، فظاهر موثقة عبداللّه بن سنان انّالاحتلام في ست عشرة وسبع عشرة ونحوهما، وظاهر رواية عيسى بن يزيد انّه يحتلم لاَربع عشرة، وظاهر موثقة عمّار أنّه يحتلم قبل ثلاث عشرة، إلاّ أنّه لا يبعد أن يكون هذا من قبيل ما يقع في رواياته من التهافتات والغرائب كما يفهم منها أيضاً من أنّبلوغ الجارية إذا أتى لها ثلاث عشرة سنة مع استفاضة الاَخبار واتّفاق العلماء على أنّها تبلغ بتسع سنين أو عشر.(3)


(1) الوسائل: الجزء 15، الباب 8 من أبواب أقسام الطلاق، الحديث1.
(2) الحدائق:13|185.
(3) الحدائق: 13|184ـ185.


(35)

يلاحظ عليه: أنّما ذكره إنّما يصحّ إذا كان الدليل على البلوغ هو الاحتلام، وإنبات الشعر على العانة ولا شكّ أنّهما يختلفان حسب اختلاف الاَمزجة.

إنّما الكلام في انسجامه مع القول بأنّ للبلوغ وراء الاحتلام والاِنبات دليلاً آخر، وهو السن وقد اضطربت الروايات فيه، بين خمس عشرة إلى ثلاث عشرة، فتفسير الاختلاف بالاختلاف في الاَمزجة يوجب الفوضى في المجتمع، فمن مصلِّ وصائم في الثلاث عشرة بادّعاء انّه قويّ البنية، إلى تارك للصلاة ومفطر للصوم بادّعاء انّه ضعيف البنية.

وهناك جمع آخر للروايات المتعارضة أشار إليها الفيض الكاشاني في كتابه «مفاتيح الشرائع» حيث جعل للبلوغ مراتب باعتبار التكاليف غير أنّ كلامه ناظر إلى اختلاف الروايات في حق الاَُنثى، لا في حق الذكر، ولاَجل ذلك نأتي بنص كلامه في المقام الثاني.

والحقّ أن يقال: إنّ المورد من الموارد التي يرجع فيه إلى المرجحات، وقد قررنا في محلّه أنّ المرجحات عند القوم على قسمين قسم تميّز به الحجّة عن اللا حجة كالشهرة العملية، وآخر ترجح به إحدى الحجتين على الاَُخرى كمخالفة العامة، أو موافقة الكتاب (على تأمّل في الاَخير) .

والمقام من قبيل القسم الاَوّل، فإنّ ما دلّعلى الخمس عشرة وإن كان لا يتجاوز عن روايتين لكنّهما مشهورتان رواية وفتوى، بخلاف الثانية فإنّها وإن امتازت بالشهرة الروائية، لكنها في الوقت نفسه غير مفتى بها، قد أعرض عنها المشهور من العلماء، وإمعان النظر في رواية عمر بن حنظلة وغيرها يثبت أنّ موافقة الشهرة من الاَُمور التي تُضفي الحجّية للحديث


(36)

الموافق وتسلبها عن المخالف، وليست الشهرة العملية كمخالفة العامة التي تميز الحجة الفعلية، عن الحجة الشأنيّة (1)

ثمّ إنّ ظاهر الاَخبار وعبارات الاَصحاب انّ المراد من الخمس عشرة هو إكمالها إذ لا يطلق على من دخل في الخمس عشرة انّه ذو سن كذا، قال الشهيد في المسالك: ويعتبر إكمال السنة الخامسة عشرة في الذكر والتاسعة في الاَُنثى فلا يكفي الطعن فيها عملاً بالاستصحاب وفتوى الاَصحاب، ولاَنّ الداخل في السنة الاَخيرة لا يسمّى ابن خمس عشرة سنة لغة ولا عرفاً والاكتفاء بالطعن فيها وجه للشافعية.(2)

بقي هنا أُمور:

الاَوّل: نسب إلى الصدوق أنّه قال بالثلاث عشرة للغلام مع أنّ كلامه في المقنع لا يوافق الحكاية قال: اعلم أنّ الغلام يوَخذ بالصيام إذا بلغ تسع سنين على قدر ما يطيق، فإن أطاق إلى الظهر أوبعده صام إلى ذلك الوقت، فإذا غلب عليه الجوع والعطش أفطر، وإذا صام ثلاثة أيام ولاءً أُخذ بصوم الشهر كلّه.

وروي أنّ الغلام يوَخذ ما بين أربع عشرة سنة إلى خمس عشرة سنة إلاّ أن يقوى قبل ذلك.(3)

وأنت ترى أنّه ليس بصدد بيان حدّالبلوغ وإنّما هو بصدد بيان


(1) لاحظ كتاب المحصول في علم الاَُصول: 3| 206ـ214، للموَلّف.
(2) زين الدين العاملي: المسالك:1|255، كتاب الحجر.
(3) الصدوق، المقنع: 195، كتاب الصيام، الباب 8.


(37)

وظيفة الولي وانّها تمتد إلى خمس عشرة سنة فالعبارة ظاهرة في دعم القول المشهور ولا دلالة لها على خلافه.

الثاني: استظهر المحقّق الاَردبيلي من كتابي «التهذيب» و«الاستبصار» أنّ الشيخ قائل بأنّ حدّالبلوغ هو ثلاث عشرة سنة، قال: وهو الظاهر من التهذيب والاستبصار حيث ذكر فيهما رواية عمّار عن أبي عبد اللّه عليه السَّلام قال: سألته عن الغلام متى تجب عليه الصلاة؟ قال: «إذا أتى عليه ثلاث عشرة سنة، فإذا احتلم قبل ذلك فقد وجب عليه الصلاة وجرى عليه القلم، والجارية مثل ذلك إن أتى لها ثلاث عشرة أو حاضت قبل ذلك وجبت عليها الصلاة وجرى عليها القلم».(1)

ثمّ نقل بعد ذلك رواية إسحاق بن عمّار عن أبي عبد اللّه عليه السَّلام، قال: «إذا أتى على الصبي ست سنين وجبت عليه الصلاة، وإذا أطاق الصوم وجب عليه الصيام» (2).

ثمّ إنّه تصدى بتأويل الحديث الاَخير دون الاَوّل، وهذا يدل على أنّ الحديث الاَوّل مختاره وإلاّ لو كان الاَوّل كالثاني كان عليه تأويلهما، وإليك نصّكلام الشيخ في تأويل الحديث الثاني.

قال: قوله عليه السَّلام: «إذا أطاق وجب عليه الصيام» محمول على التأديب دون الفرض، لاَنّ الفرض إنّما يتعلّق وجوبه بحال الكمال على ما بيّناه، وكذلك قوله عليه السَّلام: «إذا أتى عليه ست سنين» وفي الخبر الآخر«أو سبع سنين وجب عليه الصلاة» محمول على الاستحباب والتأديب، لاَنّ الفرض يتعلّق


(1) الوسائل:الجزء 1،الباب 4 من أبواب مقدمة العبادات، الحديث 12.
(2) الوسائل: ج3 الباب 3 من اعداد الفرائض، الحديث 4.


(38)

بحال الكمال على ما بيّناه.(1)

يلاحظ على ما ذكره بأنّ الشيخ ذكر قبل الحديث الاَوّل، حديث علي ابن جعفر وقد أُنيط وجوب الصلاة والصوم بمراهقة الحلم وهو يتأخّر عن الثلاث عشرة، قال: عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السَّلام قال: سألته عن الغلام متى يجب عليه الصوم والصلاة؟ قال: إذا راهق الحلم وعرف الصلاة والصوم».

ولعلّه اعتمد على هذا الحديث دون حديث إسحاق بن عمّار.

الثالث: يظهر من المحقّق الاَردبيلي الجنوح إلى القول بالثلاث عشرة سنة، قال: وليس على إكمال خمس عشرة إجماع، فإنّ البعض ذهب إلى أنّالشروع يكفي، وذهب البعض إلى ثلاث عشرة، ثمّ ذكر كلام الشيخ في التهذيب الآنف الذكر، قال: والظاهر انّ غيره أيضاً ذهب إلى ثلاث عشرة من الذكور، فلا إجماع في عدم الوجوب إلاّ بالحلم أو الاِنبات أو خمس عشرة.

ثمّ استدل برواية معاوية بن وهب التي مرّت، هذا تمام الكلام في بلوغ الصبي، وإليك الكلام في بلوغ الصبية.


(1) الاَردبيلي: مجمع الفائدة و البرهان:9|189 بتوضيح منا؛ التهذيب:2|381، و الحديث الاَوّل برقم 5 و الثاني برقم 8.


(39)

المقام الثاني: سنّ البلوغ في الاَُنثى

استقر المذهب الفقهي للشيعة على أنّحدّ البلوغ للاَُنثى هو تسع سنين، ولو خالف فقيه في كتاب رجع عنه في كتاب آخر، وربما يمكن الجمع بين بعض الاَقوال، مثلاً من قال بعشر سنين، فيراد منه إكمال التسع ولا يعلم إلاّ بالدخول في العشر، والشهرة الفتوائية بلغت حدّاً لا حاجة إلى نقل كلمات الموافقين، وإنّما تلزم الاِشارة إلى المخالف أو من تُستشم من كلامه المخالفة، ومع ذلك ننقل بعض الكلمات من الفريقين:

1. قال الشيخ في «الخلاف»: يراعى في حدّ البلوغ في الاِناث بالسن تسع سنين.(1)

ثمّادّعى الاِجماع عليه ولم يذكر قولاً آخر.

2. وقال في «نهايته»: وحدّ الجارية التي يجوز لها العقد على نفسها، أو يجوز لها أن تولّي من يعقد عليها تسع سنين فصاعداً.(2)

3. وقال في «المبسوط»: وأمّا البلوغ فهو شرط في وجوب العبادات الشرعية، وحدّه الاحتلام في الرجال، والحيض في النساء، أو الاِنبات، أو الاشعار، أو يكمل له خمس عشرة سنة، والمرأة تبلغ عشر سنين.(3)

ولا تنافي بين القولين كما عرفت.


(1) الطوسي: الخلاف: 3|382، المسألة 2، كتاب الحجر.
(2) الطوسي: النهاية:468، كتاب النكاح، باب من يتولى العقد على النساء.
(3) الطوسي: المبسوط:1|266، كتاب الصوم، فصل في ذكر حقيقة الصوم.


(40)

4. وقال ابن إدريس في «السرائر»: والمرأة تعرف بلوغها من خمس طرائق: إمّاالاحتلام، أو الاِنبات، أو بلوغ تسع سنين، وقد ذكر شيخنا أبوجعفررحمه اللّه في «مبسوطه» في كتاب الصوم عشر سنين(1)، وفي «نهايته» تسع سنين وهوالصحيح، فإذا بلغتها وكانت رشيدة سلَّم الوصي إليها مالها، وهو بلوغها الوقت الذي يصحّ أن تعقد على نفسها عقدة النكاح ويحل للبعل الدخول بها بغير خلاف بين الشيعة الاثني عشرية، ـ والحيض والحمل ـ وهكذا يذكر في الكتب، والمحصّل من هذا بلوغ التسع سنين، لاَنّها لا تحيض قبل ذلك ولا تحمل قبل ذلك فعاد الاَمر إلى بلوغ التسع سنين.(2)

5. وقال في «المبسوط» في كتاب الحجر: وأمّا السن فحدّه في الذكور خمس عشرة سنة، وفي الاِناث تسع سنين وروي عشر سنين.(3)

فقد أفتى في كتاب «النهاية» وكتاب الحجر من «المبسوط» بالتسع، وأفتى في كتاب الصوم من «المبسوط»بالعشر، وبما أنّ كتاب الحجر متأخر، وضعاً عن الصوم فقد عدل عمّا في الصوم، أو أراد منه إكمال التسع الذي يعلم بدخول العشر.

6. وقال ابن سعيد: وبلوغ المرأة والرجل بالاحتلام، وتختص المرأة بالحيض وبلوغ عشر سنين.(4)لعلّه أراد الدخول في العشر ليكون دليلاً


(1) سيوافيك أنّه عدل عنه في كتاب الحجر أيضاً، و كأنّه قدَّس سرَّه لم يقف على عدوله في ذلك الكتـاب.
(2) ابن إدريس الحلي: السرائر:1|367، كتاب الصوم.
(3) الطوسي: المبسوط:2|283ـ284، كتاب الحجر.
(4) ابن سعيد: الجامع للشرائع:153، كتاب الصوم.


(41)

على كمال التسع.

7. وقال ابن حمزة: في كتاب الخمس: وبلوغ الرجل بأحد ثلاثة أشياء: الاحتلام، والاِنبات، وتمام خمس عشرة سنة، وبلوغ المرأة بأحد شيئين: الحيض، وتمام عشر سنين.(1)

8. ولكنّه عدل عنه في كتاب النكاح المتأخر عنه وضعاً، قال: وبلوغ المرأة يعرف بالحيض، أو بلوغها تسع سنين فصاعداً.(2)

9. وقال العلاّمة في «التذكرة»: والاَُنثى بمضي تسع سنين عند علمائنا.(3)

10. وقال المحقّق الاَردبيلي في شرح قول العلاّمة: «وببلوغ تسع»: وأمّا السن فالاَخبار عليه كثيرة في النكاح حيث جوّز الدخول بعد التسع دون قبله، وهو مشعر بالبلوغ بعده لثبوت تحريم الدخول قبله عندهم ـ كأنّه ـ بالاِجماع ويفهم من التذكرة كون البلوغ بتسع إجماعياً عندنا فتأمّل، كذا في الحدود، وفي الاَخبار المتقدمة أيضاً دلالة عليه فافهم.(4)

11. وقال المحدّث البحراني: وبلوغ التسع بمعنى كمالها في الاَُنثى على المشهور.(5)


(1) ابن حمزة: الوسيلة:137، كتاب الخمس.
(2) ابن حمزة: الوسيلة:301، كتاب النكاح.
(3) ابن المطهر: التذكرة: 2|75.
(4) الاَردبيلي: مجمع الفائدة:9|192، كتاب الديون. و قد تقدم عبارة التذكرة في الصبي.
(5) البحراني: الحدائق:12|181.


(42)

12. وقال في «الجواهر» في شرح قول المحقّق«والاَُنثى تسع»: على المشهور بين الاَصحاب بل هو الذي استقر عليه المذهب خلافاً للشيخ في صوم المبسوط، وابن حمزة في خمس الوسيلة، فبالعشر إلاّ أنّ الشيخ قد رجع عنه في كتاب الحجر فوافق المشهور، وكذا الثاني في كتاب النكاح منها بل قد يرشدك ذلك منهما إلى إرادة توقّف العلم بكمال التسع على الدخول على العشر.(1)

وقد علم من كلماتهم أنّ القول بالتسع هو المشهور، وانّه لم يثبت قائل بالعشر غير الشيخ وابن حمزة وقد عدلا عن رأيهما فالشيخ عدل عنه في كتاب الحجر، وابن حمزة عدل عنه في كتاب النكاح، وعبارة ابن سعيد قابلة للحمل على كمال التسع.

وهناك أقوال أُخر منها:

1. بلوغ الاَُنثى، بثلاث عشرة سنة.

2. بلوغها بالطمث والحيض.

3. للبلوغ مراتب حسب اختلاف الاَحكام.

وإليك استعراض الاَقوال واحداً تلو الآخر.


(1) النجفي: الجواهر:26|38.


(43)

1
حدّ البلوغ في الاَُنثى هوتسع سنين

ثمة طوائف من الروايات تدلّ على أنّ حدّ البلوغ في الاَُنثى هو التسع سنين، وليست دلالتها على نمط واحد، بل تدل على المطلوب بدلالات شتى، كما ستظهر، وإليك هذه الطوائف:

الطائفة الاَُولى: ما تدل على أنّ حدّ البلوغ في الاَُنثى هو التسع.

الطائفة الثانية: ما تدلّ على أنّ حدّ البلوغ ما أوجب على الموَمنين الحدودَ، وهو التسع.

الطائفة الثالثة: ما تدل على أنّها إذا بلغت التسع، يترتب عليها ما يترتب على البالغ من كتابة الحسنات والسيئات وإقامة الحدود، وجواز البيع والشراء.

الطائفة الرابعة: ما تدلّ على أنّه لا يجوز الدخول بالزوجة مالم تبلغ التسع.

الطائفة الخامسة: ما تدل على أنّ الدخول قبل التسع لو انتهى إلى العيب يضمنه الزوج أو الحاكم.

الطائفة السادسة: ما تدلّ على أنّالدخول قبل التسع موجب للحرمة


(44)

الاَبدية.

الطائفةالسابعة: ما تدل على أنّ المطلّقة دون التسع تتزّوج على كلّحال.

الطائفة الثامنة: ما تدلّعلى أنّ المزوجة ولها تسع سنين ليست بمخدوعة، أو ليست بصبية.

الطائفة التاسعة: ما تدل على سقوط الاستبراء عمّن اشترى جارية صغيرة مالم تبلغ، وتفسّره بنهاية التسع.

الطائفة العاشرة: ما تدل على أنّ الزوجة لها الخيار إذا زوجت قبل التسع دون ما زوجت بعدها.

هذه هي طوائف عشر تركّز على التسع، وتتخذه موضوعاً لكثير من الاَحكام، وتدل بالتواتر المعنوي على مدخليتها في الاَحكام الشرعية، والاِعراض عن هذه الاَخبار والقول بأنّحدّالبلوغ هو الثلاث عشرة سنة، أو خصوص روَية الدم ترك لما تواتر إجمالاً عن أئمة أهل البيتعليهم السَّلام في مجال التحديد.

وبعبارة أُخرى، اتّفقت كلمتهم ـ تبعاً للنص ـ على أنّ عمد الصبيان خطأ.(1) وعمد الصبي وخطوَه واحد.(2)هذا من جانب ومن جانب آخر، نرى في هذه الروايات الهائلة، الاعتبار بفعل الاَُنثى وقصدها إذا بلغت التسع في مختلف الاَبواب، فيكشف عن خروجه عن حد الصبا وهو عين القول بالبلوغ.


(1) الوسائل: الجزء 19، الباب 11 من أبواب العاقلة، الحديث 3و2.
(2) الوسائل: الجزء 19، الباب 11 من أبواب العاقلة، الحديث 3و2.


(45)

ولعلّ بعض ماجاء في ضمن هذه الطوائف من الاَحكام خاضع للنقاش، ولكنّه لا يسقطها عن الدلالة على أنّ التسع سنين، موضوع للاَحكام التكليفية.

وإليك دراسة تلك الطوائف واحدة بعد الاَُخرى:

الطائفةالاَُولى: ما تدل على أنّحدّ البلوغ في الاَُنثى هو التسع سنين

1. ما رواه الصدوق بسند صحيح في «خصاله» عن ابن أبي عمير، عن غير واحد، عن أبي عبد اللّه عليه السَّلام قال: «حدّ بلوغ المرأة تسع سنين».(1)

2. ما رواه الكليني بسند صحيح عن ابن أبي عمير عن رجل، عن أبي عبد اللّه عليه السَّلام قال: قلت: الجارية ابنة كم لا تستصبا... قالعليه السَّلام: «وأجمعوا كلّهم على أنّابنة تسع لا تستصبا إلاّ أن يكون في عقلها ضعف وإلاّ فإذا بلغت تسعاً فقد بلغت».(2)

الطائفةالثانية: ما تدل على أنّ حدّ البلوغ هو ما أوجب اللّه على الموَمنين الحدود

قد وردت روايات عديدة على أنّ ذات التسع تقام عليها الحدود.


(1) الوسائل: الجزء 14، الباب 45 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 10.
(2) الوسائل: الجزء 14 ، الباب 12 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 2.


(46)

3. ما رواه الكليني بسند معتبر عن علي بن الفضل الواسطي في حديث قال: كتبت إلى الرضا عليه السَّلام ما حد البلوغ؟ فقال: «ما أوجب اللّه على الموَمنين الحدود».(1)

وسيوافيك تضافر الروايات على أنّالاَُنثى إذا بلغت التسع تقام عليها الحدود.(2)

وقفة قصيرة مع الاَحاديث

أمّا الحديث الاَوّل: فلا شكّ في صحّة السند، لما حقّقناه في محله من أنّ ابن أبي عمير لا يرسل ولا يروي إلاّ عن ثقة، وأجبنا على ما حوله من الاِشكالات المثارة.(3)نعم ربما يثار حولها إشكال من حيث صحّة المتن وهو ادعاء أنّ لفظ البلوغ في عصر الوحي والعصور القريبة منه لا يضاف إلاّ بمثل الحلم والنكاح والاَشد، ولا يضاف إلى المرء والمرأة.

يلاحظ عليه: أنّ البلوغ في مصطلح الوحي والحديث والفقهاء بمعنى واحد، ولا دليل على كونه عند الفقهاء غيره عند الاَوّلين.

إنّ البلوغ إذا نسب إلى الفاعل، يضاف إلى المرء والمرأة يقول سبحانه: «حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ»(4)ويقال: بلوغ الرجل والاَُنثى، وإذا تركت نسبته إلى الفاعل، يضاف إلى متعلقه من الحلم والاَشدّ والنكاح بلوغ ويقال: الحلم أو


(1) الوسائل: الجزء15، الباب 8 من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 1.
(2) لاحظ الروايات برقم 4، 5، 6، 7 من هذا التسلسل.
(3) لاحظ كليات في علم الرجال:217ـ234.
(4) الاَنعام:152.


(47)

النكاح أو الاَشدّ. وكلّمن الاستعمالين صحيح.

وعلى كل تقدير فابن أبي عمير عربي صميم، لا يخطأ في التعبير.

وهذا ابن منظور يقول: بلغ الغلام: احتلم، وبلغت الجارية ثمّ ينقل عن التهذيب: بلغ الصبي والجارية إذا أدركا وهما بالغان، وروى عن الشافعي انّه قال: سمعت فصحاء العرب يقولون جارية بالغ.(1)

ومنه يظهر حال سند الحديث الثاني، وأمّا الثالث، ففي سنده «سهل» بن زياد الآدمي، وعلي بن الفضل الواسطي، أمّا الاَوّل فالاَمر فيه سهل، فإنّ اتقان رواياته خير شاهد على كون الرجل، محدِّثاً بارعاً ضابطاً، وإن طعن فيه أحمد بن محمد بن عيسى القمي، فقد طعن أيضاً في أحمد بن محمد بن خالد البرقي ثمّ ندم وشيّع جثمانه يوم وفاته، ولم يكن الطعن إلاّ لاختلافه معهما في مقامات الاَئمّة، فقد كان القميّون على اعتقاد خاص فيهم، نقل المفيد في «تصحيح الاعتقاد» شيئاً من عقائدهم.(2)وما صوّر غلوّاً في ذلك الوقت، فقد قبله الاَصحاب بعده إلى يومنا هذا.

أمّا الثاني فقد عدّه الشيخ في رجاله من أصحاب الرضا عليه السَّلام وقال الصدوق في المشيخة: إنّه صاحب الرضا عليه السَّلام.(3) وقال المحقّق التستري: كونه صاحبه عليه السَّلام فوق التوثيق.(4)

وبذلك اتّضحت صحّة الاحتجاج بالروايات الثلاث وأنّه لا غبار عليها متناً وسنداً.


(1) لسان العرب: 8|420، ماده بلغ.
(2) المفيد: تصحيح الاعتقاد:66.
(3) الفقيه:4|474.
(4) قاموس الرجال: 7|533، برقم 5254.


(48)

الطائفة الثالثة: ما تدل على أنّها إذا بلغت تسعاً، يترتّب عليها ما يترتّب على البالغ

هناك روايات تدل على أنّذات التسع يترتب عليها ذهاب اليتم، وجواز دفع المال إليها، وجواز أمرها في الشراء والبيع والاَخذ لها وبها، وكتابة الحسنات لها والسيئات عليها إلى غير ذلك ممّا يعدّ من أحكام البالغ، فالاستدلال بهذا النحو من الاَحاديث استدلال إنّي، وانتقال من المعلول إلى العلة أو من وجود الحكم إلى وجود الموضوع، وإليك دراسة هذا القسم.

4. معتبرة حمران قال: سألت أبا جعفر عليه السَّلام ... فالجارية متى تجب عليها الحدود التامة وتوَخذ بها ويوَخذ لها؟ قال: «إنّ الجارية ليست مثل الغلام، إنّالجارية إذا تزوّجت ودخل بها ولها تسع سنين، ذهب عنها اليتم، ودفع إليها مالها، وجاز أمرها في الشراء والبيع، وأخذ لها وبها».(1)

فقد رتب على الجارية التي تزوّجت ودخل بها ولها تسع سنين، خمسة أحكام:

أ. ذهاب اليتم عنها.

ب. دفع مالها إليها.

ج. جواز أمرها في الشراء والبيع.

د.إقامة الحدود التامةعليها.

هـ. الاَخذ لها وبها.


(1) الوسائل:الجزء 1، الباب 4 من أبواب مقدمة العبادات، الحديث 2.


(49)

وربّما يخطر إلى بعض الاَذهان أنّالموضوع في الرواية المذكورة هو التسع سنين في ظرف التزويج والدخول، لا مطلق التسع ولكن يتّضح بطلانه بأدنى تأمّل، فانّالمقصود من فرض تزوجها والدخول بها، هو التأكد من تحقّق بلوغها التسع لا أنّهما شرط لبلوغها ويحتمل أن يكون ذكرهما لغاية حصول الرشد، فإنّ الجارية في هذه الظروف لا تنفك عن الرشد، ويوَيده أنّ الرواية تركّز على حالها، ليُدفع إليها أموالها ويجوز أمرها في الشراء والبيع.

وأمّا السند فقد روي بسند صحيح عن عبد العزيز العبدي، عن حمزة ابن حمران، عن حمران فقد تطرقنا لهوَلاء الثلاثة سابقاً، ونقول الآن:

أمّا الاَخير: فهو حمران بن أعين أخو زرارة، ولا شكّ في وثاقته وجلالته، ولمّا توفي، قال الاِمام الصادق عليه السَّلام: «واللّه مات موَمناً».

وروي في التهذيب أنّالصادق عليه السَّلام قال عن ابنة حمران: «إنّ لاَبيها حقاً، ولا يحملنا ذلك على أن لا نقول الحق» ووصفه أبوغالب الزراري في «رسالته» بأنّه من أكبر مشايخ الشيعة المفضّلين الذين لا يشك فيهم.(1)

وأمّاالثاني: فهو ابنه، فقد ذكره النجاشي في «رجاله» وأنّه روى عن أبي عبد اللّه ولم يذكر فيه شيئاً وللصدوق طريق إليه.(2)

وفي «جامع الرواة» نقل كثير من المشايخ عنه ويناهز عددهم إلى ثلاثة وعشرين شيخاً.

وأمّا الاَوّل: فقد ضعّفه ابن نوح أبو العباس أحمد بن علي شيخ


(1) التستري: قاموس الرجال:4|13 ـ 22.
(2) المصدر نفسه: 284.


(50)

النجاشي.(1) وقد مرّ الكلام في سندها عند البحث عن بلوغ الذكر. وانّ التضعيف لاَجل الغلوّ الذي لا ينافي صدق لسانه.

5. صحيحة يزيد الكناسي، قال: قلت لاَبي جعفر عليه السَّلام متى يجوز للاَب أن يزوّج ابنته ولا يستأمرها، قال: «إذا جازت تسع سنين، فإن زوّجها قبل بلوغ التسع سنين كان الخيار لها إذا بلغت تسع سنين ـ إلى أن قال: ـ قلت: أفتقام عليها الحدود وتوَخذ بها وهي في تلك الحال، وإنّما لها تسع سنين، ولم تدرك مدرك النساء في الحيض؟ قال: «نعم، إذا دخلت على زوجها ولها تسع سنين ذهب عنها اليتم، ودفع إليها مالها وأُقيمت الحدود التامّة عليها ولها».(2)

وسيوافيك الاستدلال بصدره.

وقد عرفت وجه فرض التزويج والدخول في الرواية السابقة، كما مرّالكلام في سند الحديث عند البحث في بلوغ الذكر فلاحظ.

6. عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه عليه السَّلام قال: «وإذا بلغ الغلام ثلاث عشرة سنة كتبت له الحسنة وكتبت عليه السيئة، وعوقب؛ وإذا بلغت الجارية تسع سنين فكذلك، وذلك أنّها تحيض لتسع سنين».(3)

نعم ما ورد فيه في حقّ الغلام على خلاف المشهور، فلا يوَخذ به. وليست الرواية كالشهادة إذا ترك جزء منها يُترك الباقي، بل الرواية إذا ترك جزء منها لا يترك الجزء الآخر، وسيوافيك إن شاء اللّه توضيح قوله: «وذلك انّها تحيض لتسع سنين». حيث يعلل البلوغ ببلوغها الحيض، مع أنّ


(1) النجاشي: الرجال: برقم 639.
(2) الوسائل: الجزء14، الباب 6 من أبواب عقد النكاح، الحديث 9.
(3) الوسائل: الجزء13، الباب 44 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 12.


(51)

التحيّض متأخر في الاَغلب عنه.

7. روى علي بن الحسن، عن العبدي، عن الحسن بن راشد، عن العسكري عليه السَّلام قال: «إذا بلغ الغلام ثمان سنين، فجائز أمره في ماله، وقد وجب عليه الفرائض والحدود، وإذا تم للجارية سبع سنين فكذلك».(1)

وفي بعض النسخ التسع مكان السبع.(2)

ولعلّ السبع مصحف التسع وقد وقع التصحيف في هذه الكلمة في غير مورد.

8. مرسلة حفص المروزي عن الرجل عليه السَّلام: «إذا تمّ للغلام ثمان سنين فجائز أمره وقد وجبت عليه الفرائض والحدود، وإذا تمّ للجارية تسع سنين فكذلك».(3)وهي قرينة على أنّالسبع في رواية ابن راشد مصحف التسع.

9. مرسل الفقيه، قال: قال أبو عبد اللّه عليه السَّلام: «إذا بلغت الجارية تسع سنين دفع إليها مالها، وجاز أمرها في مالها، وأُقيمت الحدود التامّة لها وعليها».(4)يحتمل اتحاد الرواية مع بعض ما يأتي.

الطائفة الرابعة: ما تدل على عدم جواز الدخول بالصغيرة المزوّجة ما لم تبلغ التسع

10. صحيحة الحلبي، عن أبي عبد اللّه عليه السَّلام قال: «إذا تزوّج الرجل


(1) الوسائل: الجزء13، الباب 16 من أبواب الوقوف و الصدقات، الحديث 4.
(2) جامع أحاديث الشيعة:1، الباب 11 من أبواب مقدمات العبادات، الحديث 689 و 688.
(3) جامع أحاديث الشيعة:1، الباب 11 من أبواب مقدمات العبادات، الحديث 689 و 688.
(4) الوسائل: الجزء13، الباب 45 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 4.


(52)

الجارية وهي صغيرة، فلا يدخل بها حتى يأتي لها تسع سنين».(1)

وهي صريحة في أنّ وجه المنع لكونها صغيرة مادامت دون التسع، فإذا جاز عنها جاز له الدخول، فيكشف انّها بإكمالها التسع تخرج عن الصغر.

11. خبر زرارة، عن أبي جعفر عليه السَّلام: «لا يدخل بالجارية حتى يأتي لها تسع سنين أو عشر سنين».(2)سيوافيك وجه الجمع بين السنّين، وهو استحباب التأخير عن التسع، إلى العشر سنين.

12. مرسلة عمّار السجستاني قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السَّلام يقول لمولى له: «انطلق وقل للقاضي، قال رسول اللّه: حدّ المرأة أن يدخل بها على زوجها ابنة تسع سنين».(3)

13. صحيح عبد الكريم بن عمرو، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السَّلام قال: «لا يدخل بالجارية حتى يأتي لها تسع سنين أو عشر سنين».(4)

14. صحيح أبي أيوب الخزاز، قال: سألت إسماعيل بن جعفر، متى تجوز شهادة الغلام؟ فقال: إذا دخل عشر سنين، قلت: ويجوز أمره؟ قال: فقال: إنّرسول اللّه دخل بعائشة وهي بنت عشر سنين، وليس يدخل بالجارية حتى تكون امرأة، فإذا كان للغلام عشر سنين جاز أمره وجازت شهادته.(5)

15. ما روي عن إسماعيل بن جعفر، في حديث أنّرسول اللّه دخل بعائشة وهي بنت عشر سنين، وليس يدخل بالجارية حتى تكون امرأة.(6)


(1) الوسائل: الجزء 14، الباب 45 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 1، 2، 3، 4.
(2) الوسائل: الجزء 14، الباب 45 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 1، 2، 3، 4.
(3) الوسائل: الجزء 14، الباب 45 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 1، 2، 3، 4.
(4) الوسائل: الجزء 14، الباب 45 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 1، 2، 3، 4.
(5) الوسائل: الجزء 18، الباب 22 من أبواب الشهادات، الحديث 3.

(6) الوسائل: الجزء 14، الباب 4 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث5. وجه الاستدلال هو سماعه من أبيه، كما هو مقتضى طهارته بشرط أن يكون المراد من العشر هو الدخول فيه، و في الجواهر: 26|40 بل عن النبي انّه دخل بعائشة قبل تجاوز التسع.


(53)

الطائفة الخامسة: ما تدل على ضمان من دخل بزوجته الصغيرة وعيبت وليس لها تسع سنين

16.صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السَّلام قال: «من وطأ امرأته قبل تسع سنين، فأصابها عيب، فهو ضامن».(1)

17. خبر طلحة بن زيد، عن جعفر، عن أبيه، عن علي عليه السَّلام قال: «من تزوّج بكراً فدخل بها في أقلّ من تسع سنين، فعيبت ضمن».(2)

18. خبر غياث بن إبراهيم، عن جعفر، عن أبيه، عن علي عليه السَّلام قال: «لا توطأ بالجارية لاَقل من عشر سنين، فإن فعل فعيبت فقد ضمن».(3)

19. صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السَّلام قال: «من دخل بامرأة قبل أن تبلغ تسع سنين، فأصابها عيب، فهو ضامن».(4)

20. صحيحة بريد بن معاوية، عن أبي جعفر عليه السَّلام في رجل إقتضّ جارية ـ يعني امرأته ـ فأفضاها؟ قال: «عليه الدية إن كان دخل بها قبل أن تبلغ تسع سنين».(5)

21. صحيحة حمران، عن أبي عبد اللّه عليه السَّلام قال: سئل عن رجل تزوج جارية بكراً لم تُدْرِك، فلما دخل بها اقتضَّها فأفضاها، فقال: «إن كان دخل بها حين دخل بها ولها تسع سنين فلا شيء عليه، وإن كانت لم تبلغ تسع سنين، أو كان لها أقلّمن ذلك بقليل حين دخل بها فأقتضّها، فإنّه أفسدها


(1) الوسائل: الجزء 14، الباب 45 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 5، 6، 7، 8.
(2) الوسائل: الجزء 14، الباب 45 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 5، 6، 7، 8.
(3) الوسائل: الجزء 14، الباب 45 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 5، 6، 7، 8.
(4) الوسائل: الجزء 14، الباب 45 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 5، 6، 7، 8.
(5) الوسائل: الجزء 14، الباب 34 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 3.


(54)

وعطّلها على الاَزواج، فعلى الاِمام أن يغرمه ديتها وإن أمسكها ولم يطلقها حتى تموت فلا شيء عليه».(1)

الطائفة السادسة: ما تدلّ على أنّ الدخول قبل التسع موجب للحرمة الاَبدية

22. روى يعقوب بن زيد، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه عليه السَّلام قال: «إذا خطب الرجل المرأة فدخل بها قبل أن تبلغ تسع سنين فُرّق بينهما ولم تحل له أبداً».(2)وربما تستفاد الحرمة الاَبديّة من رواية بريد بن معاوية(3)وحمران(4)عن أبي عبد اللّه عليه السَّلام وقد تقدّمتا ضمن روايات الطائفة الخامسة فلا نعيد.

الطائفة السابعة: ما تدل على أنّ المطلّقة دون التسع تتزّوج على كلّحال

23. روى عبد الرحمان بن الحجاج قال: سمعت أبا عبد اللّه عليه السَّلام يقول: «ثلاث يتزوّجن على كلّ حال: التي يئست من المحيض ومثلها لا تحيض» قلت: ومتى تكون كذلك؟ قال: «إذا بلغت ستين سنة فقد يئست من المحيض ومثلها لا تحيض، والتي لم تحض ومثلها لا تحيض» قلت: ومتى تكون كذلك؟ قال: «ما لم تبلغ تسع سنين فإنّها لا تحيض ومثلها لا تحيض،


(1) الوسائل: الجزء 14، الباب 45 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 9.
(2) الوسائل: الجزء 14، الباب 34 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، الحديث 2، 3، 1. ولاحظ رقم 20 و21 من الاَرقام المتسلسلة.
(3) الوسائل: الجزء 14، الباب 34 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، الحديث 2، 3، 1. ولاحظ رقم 20 و21 من الاَرقام المتسلسلة.
(4) الوسائل: الجزء 14، الباب 34 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، الحديث 2، 3، 1. ولاحظ رقم 20 و21 من الاَرقام المتسلسلة.


(55)

والتي لم يدخل بها».(1)

إنّتجويز التزويج للمطلّقة لما دون التسع للاِطمئنان ببراءة رحمها من الولد، لاَنّها لا تحيض فيما دون التسع، وأمّا التسع فبما أنّها أوان نضوج الطبيعة (البلوغ) فالتحيض أمر ممكن فلا تتزوج إلاّ بعد العدة.

الطائفة الثامنة: ما تدلّ على أنّ البكر في تسع سنين ليست بمخدوعة

24. روى محمد بن هاشم، عن أبي الحسن الاَوّل عليه السَّلام قال: «إذا تزوّجت البكر بنت تسع سنين فليست بمخدوعة».(2)

روى ابن أبي عمير عن رجل، عن أبي عبد اللّه عليه السَّلام قال: قلت الجارية ابنة كم لا تستصبا، أبنت ست أو سبع؟ فقال: «ابنة تسع لا تستصبا، وأجمعوا كلّهم على أنّ ابنة تسع لا تستصبا إلاّ أن يكون في عقلها ضعف وإلاّ فإذا بلغت تسعاً فقد بلغت».(3)وقد مضى الاستدلال بذيله ولاَجله لم نرقِّمْه.

25. عن محمد بن مسلم قال: سألته عن الجارية يتمتع بها الرجل، قال: «نعم إلاّ أن تكون صبية تخدع» قال: قلت أصلحك اللّه وكم الحدّالذي إذا بلغته لم تخدع؟ قال: «بنت عشر سنين».(4)

ويحمل على الدخول في العشر.


(1) الطوسي: تهذيب الاَحكام:7|469، الحديث 89، باب الزيادات في فقه النكاح، لاحظ الوسائل: الجزء 15، الباب 2 من أبواب العدد، الحديث3. و بين النقلين اختلاف يسير.
(2) الوسائل: الجزء14، الباب 12 من أبواب المتعة، الحديث 3و2.
(3) الوسائل: الجزء14، الباب 12 من أبواب المتعة، الحديث 3و2.
(4) الوسائل:الجزء 14، الباب 12 من أبواب المتعة، الحديث 4.


(56)

الطائفة التاسعة: ما تدل على أنّ الاَمة لا تستبرأ إلى تسع سنين

26. روى محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن الرضا عليه السَّلام في حدّ الجارية الصغيرة السن الذي إذا لم تبلغه لم يكن على الرجل استبراوَها، قال: «إذا لم تبلغ استبرئت بشهر»، قلتُ: وإن كانت ابنة سبع سنين أو نحوها مما لا تحمل، فقال: «هي صغيرة ولا يضرك أن لا تستبرئها» فقلت: ما بينها وبين تسع سنين؟ فقال: «نعم تسع سنين».(1)

الطائفة العاشرة: ما تدلّ على أنّ الزوجة لها الخيار إذا زوجت قبل التسع دون ما زوجت بعدها

27. روى يزيد الكناسي قال: قلت لاَبي جعفر عليه السَّلام متى يجوز للاَب أن يزوج ابنته ولا يستأمرها؟ قال: «إذا جازت تسع سنين، فإن زوجها قبل بلوغ تسع سنين كان الخيار لها إذا بلغت تسع سنين».(2) وقد مضى الاستدلال به بنحو آخر في الحديث رقم 5.

وبما أنّما ورد هنا متحد مع ما ورد في الحديث 5، كما هو الحال في الحديث رقم 14و15، فتبلغ عدد الروايات اللاّتي وقفنا عليها خمساً وعشرين رواية.


(1) الوسائل: الجزء14، الباب 3 من أبواب نكاح العبيد و الاِماء، الحديث 11.
(2) الوسائل: الجزء 14، الباب 6 من أبواب عقد النكاح، الحديث 9.


(57)

أسئلة وأجوبة

ربّما تثار أسئلة حول هذه الروايات الدالة على أنّ سن البلوغ في الاَُنثى هو التسع سنين، وهي ليست بمهمة ولا جديرة بالبحث، بيد أنّ مثيرها لمّا اختار خلاف القول المشهور عاد وأثار تلك الاَسئلة لكي يضعّف بها أدلّة القول المشهور، ولولا انّه اتّخذ موقفاً مسبقاً في هذه المسألة لما جاد ذهنه بها، ولا أثارها خياله ووهمه.

وعلى أية حال فنقوم باستعراض تلك الاَسئلة وتحليلها والجواب عنها:

1. التسع إمّا أمارة طبيعيّة أو تعبديّة

إنّ بلوغ التسع لا يخلو من حالتين، إمّا أن يكون أمارة طبيعية للبلوغ، أو أمارة تعبدية بحكم الشارع.

أمّا الاَُولى: فلاَنّ بلوغ الاِناث الطبيعي يبدأ من السنة الثانية عشرة، والشاهد على ذلك أنّإنبات الشعر على العانة وكذا الطمث لا يظهران إلاّ بعد فترة طويلة من التسع، فكيف تكون التسع أمارة طبيعية للبلوغ مع أنّه يتقدم زماناً على الاَمارتين الاَخيرتين اللّتين لا شكّ في أماريّتهما الطبيعيّة ولا معنى لاَن تكون الثلاثة أمارة طبيعية مع أنّواحدة منها دائمة التقدّم على الاَخيرتين.


(58)

وأمّا الثانية: فلاَنّ الاِمام عليه السَّلام يعلّل كون التسع سن البلوغ بتحيّضها في هذا السن.(1)ومع التعليل كيف يكون المعلّل أمراً تعبديّاً؟

يلاحظ عليه: أنّه لا شكّ انّ التسع أمارة طبيعية للبلوغ كشف عنها الشارع، لاَنّالمراد من البلوغ هو حدوث طفرة أو قفزة نوعيّة في مزاج الاِنسان وبُنيته توَثر في عظمه ولحمه وعصبه وحاسته وفكره شيئاً فشيئاً، ولا دليل على ظهور جميع آثار البلوغ دفعة واحدة، لاَنّ له درجات ومراتب تختلف شدّة وضعفاً فتظهر أثار البلوغ تدريجياً حسب تقدّم سنِّ الاِنسان نحو الاَمام.

فعلى ضوء ذلك فلا مانع من أن يكون التسع أمارة طبيعية كإنبات الشعر والتحيض، غير انّالتسع أمارة لاَُولى المراحل، بخلاف الاَخيرتين فإنّهما علامتان للمراحل المتأخرة، ولاَجل ذلك لو جهل سن الجارية وظهر عليها العلامتان الاَخيرتان يحكم عليها بسبق البلوغ، فهما علامتان عند الجهل بالسنِّ.

ومنشأ الاعتراض هو تصور أنّه ليس للبلوغ إلاّ مرتبة واحدة وهو البلوغ الجنسي الذي تظهر آثاره عند إنبات الشعر أو تحيّض الجارية، فعند ذلك عاد يطرح السوَال السابق، بأنّه كيف يكون التسع سنين أمارة طبيعية للبلوغ مع أنّالبلوغ الطبيعي (الجنسي) يتأخر عن التسع بسنتين أو أكثر؟!

وقد عرفت أنّه لا يراد من البلوغ، البلوغُ الجنسي بل بلوغ الجارية حدّاً ومرتبة تلازم الطفرة النوعية في مزاجها وبُنْيتِها، وقد كشف الشارع عن مبدئه، وهو التسع سنين، ويحتمل سبق البلوغ على هذا الحدّ، لكن الشارع اختاره موضوعاً للتكاليف.


(1) الوسائل: الجزء 13، الباب 44 من أحكام الوصايا، الحديث 12. مرّ برقم 6.


(59)

2. منشأ الترديد بين التسع والعشر

لو كان التسع هو الحدّالشرعي للبلوغ، فلماذا نجدُ الترديد بينه وبين العشر في قسم من الروايات؟ فمثلاً يقول الاِمام الباقر عليه السَّلام: «لا يدخل بالجارية حتى يأتي لها تسع سنين أو عشر سنين».(1)

ونرى مثل هذا الترديد في جانب الصبي، قال الاِمام الصادق عليه السَّلام: «يُوَدَب الصبي على الصوم ما بين خمس عشرة سنة إلى ست عشرة سنة».(2)

وقال الشيخ الصدوق: روي أنّ الغلام يوَخذ بالصوم ما بين أربع عشرة إلى خمس عشرة سنة إلاّ أن يقوى قبل ذلك.(3)

وروى معاوية بن وهب عن الاِمام الصادق عليه السَّلام أنّه قال له: في كم يوَخذ الصبي بالصيام؟ قال: «ما بينه وبين خمس عشرة سنة وأربع عشرة سنة».(4)

أقول: إنّ الهدف في الحديث الاَوّل هو تحديد الموضوع لجواز الدخول بالجارية والحدّالشرعي له هو التسع سنين، وأمّا الترديد بينه وبين العشر سنين فلعلّه لاَجل استحباب التأخير حتى تتكامل قابليتها أكثر ممّا مضى.

والعجب أنّ المستشكل طرح ما وردمن الترديد في تأديب الغلام بين خمس عشرة إلى ست عشرة، وقد استقصينا الكلام في ذلك، وقلنا: إنّ مصبّ


(1) الوسائل: الجزء 14، الباب 45 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 2.
(2) الوسائل: الجزء 7، الباب 29 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 13.
(3) الصدوق: المقنع: 195، كتاب الصوم.
(4) الوسائل: الجزء 7، الباب 29 من أبواب من يصحّ عنه الصوم، الحديث 1.


(60)

السوَال هو وظيفة الولي، ولا صلة له بالطفل. ومثله الترديد بين الاَربع عشرة والخمس عشرة فهو لاَجل بيان وظيفة الولي بين هذين الحدين.

وحصيلة الكلام عدم رجوع الترديد إلى بيان حدّالبلوغ وإنّما يعود إلى بيان وظيفة الولي بين هذين المقطعين.

3. جواز التزويج لا يناسب التعبدية

قال الاِمام الباقر عليه السَّلام: «الجارية إذا بلغت تسع سنين ذهب عنها اليُتْم وزوجت وأُقيمت عليها الحدود التامة لها وعليها».(1)

ترى أنّه رتّب على التسع أُموراً:

أ. إقامة الحدود لها وعليها.

ب. جواز التزويج وذهاب اليتم عنها.

والاَوّل من الاَُمور التشريعية التي يكون تحديد مبدئها بيد الشارع وأمّا التزويج فهو من الاَُمور الطبيعية الذي يتوقف على تكامل البنية المزاجية والبدنية والرغبة النفسية ولا دور للشارع بما هو مقنن ولا للوالدين في تحديد هذا الاَمر.

يلاحظ عليه: أنّ الغاية من التزويج ليس هو خصوص الاستمتاع عن طريق الدخول بها حتى يقال بأنّتلك الغاية لا تتحقّق إلاّ في السنين التي تعقّب التسع، بل الغاية هو مطلق الاستمتاع بأنواعه وأقسامه، فلو كانت البنية المزاجية والبدنية تسوِّغ الاستمتاع بالدخول، كما هو كذلك في


(1) الوسائل: الجزء 1، الباب 4 من أبواب مقدمة العبادات، الحديث 2.


(61)

بعض المناطق الحارة لترتب عليه جميع تلك الاستمتاعات، وإلاّ لتوقف على حصول شرطه وهو الاستعداد المزاجي، فيكون للشارع دور في تحديد سن التزويج الذي يقصد منه مطلق الاستمتاع لا خصوص الدخول.

وليس هذا أمراً جديداً، فإنّ البلوغ السنّي والجنسي لا يكفيان في ذهاب اليتم مع أنّ الاِمام رتّبه على التسع أيضاً، بل يتوقف على وجود الرشد المالي، قال سبحانه: «وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتّى إِذا بَلَغُوا النِكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ» .(1)

4. قصور التسع عن التصرف المالي

ثمة طائفة من تلك الروايات رتبت على البلوغ السنّي جواز التصرف، ولا شكّ أنّ البلوغ السنّي وحتى الجنسي كالاحتلام والحيض لا يكفيان لتسليم المال إلى الغلام والجارية، بل يتوقف على استئناس الرشد منهما، فإذا فرض الشارع في سن التسع، جواز تصرفها في أموالها يكشف عن كون ذات التسع في مورد الروايات امرأة ناضجة جنسياً إلى حدّسوغ الاِمام دفع مالها إليها، وعلى ذلك لا يكون دليلاً على أنّ التسع بما هو تسع موضوع للحكم بل التسع الملازم لدفع المال، وهو غير قول المشهور.

أقول: إنّ التسع أخذ موضوعاً لعدّة من الاَحكام ومنها تسليم مالها إليها لكن لا بمعنى أنّها علّة تامة للدفع، وإنّما هي مقتضية لهذا الحكم أي أنّلذات التسع ذلك الشأن بخلاف ما دونها، وليس معنى ذات الشأن أنّها


(1) النساء:6.


(62)

كذلك بالفعل، بل ربما يتوقف على حصول شرط آخر، وهو استئناس الرشد، فإن كانت ذات التسع رشيدة في الاَُمور المالية يدفع إليها مالها، وإلاّفيصبر الوليّ إلى حصول الرشد. فلا وجه للقول بأنّ الموضوع هو التسع الملازم لدفع المال حتى يغاير قول المشهور بأنّ التسع ذات الاقتضاء لدفع المال. ومبدأ الاِشكال أنّه تصوّر انّ ذات التسع علّة تامة لدفع المال وغفل عن كونها علّة مقتضيةكما صوّرها القرآن الكريم، حيث قال: «وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتّى إِذا بَلَغُوا النِكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ».

تجد انّه سبحانه لم يقتصر على بلوغ النكاح فقط بل ذكر شرطاً آخر وهو استئناس الرشد منهم، فالروايات كنفس الآية ناظرة إلى الاقتضاء لا إلى العلة التامة، فإن كان الشرط الآخر موجوداً يدفع المال إليها وإلاّ فينتظر.

5. التسع موضوع لقسم من الاَحكام لا كلّها

وقد وقع بلوغ التسع في هذه الروايات موضوعاً لقسم من الاَحكام، كإقامة الحدود، والتصرف بالاَموال وجواز الدخول، والخروج عن اليتم، ولا دليل على أنّه أيضاًموضوع للصيام والحج، والزكاة والصلاة والستر.

يلاحظ عليه: لو افترضنا عدم وجود دليل عام لترتب عامة الاَحكام عليه، فيكفي في المقام القياس الاَولوي، فإذا حكم عليه بالقطع والجلد، والرجم والتصرف في الاَموال والدخول، فالاَولى أن يكون محكوماً بالاَحكام الحقيقية، على أنّ جواز التصرف في الاَموال كاشف عن رشدها، مضافاً إلى


(63)

بلوغها ـ قال سبحانه: «وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتّى إِذا بَلَغُوا النِكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ» .(1)ترى أنّه سبحانه يرتّب التصرف في الاَموال، على أمرٍ زائد على البلوغ، فإذا كانت التسع موضوعاً لمثل تلك الاَحكام يكشف عن وصولها قمة البلوغ حتى فوضت إليها أموالها.

أضف إلى ذلك أنّهنا روايات تدل على ترتّب كلّ الاَحكام على من بلغت التسع نظير:

صحيحة ابن سنان: «إذا بلغ الغلام ثلاث عشرة سنة كتبت له الحسنة، وكتبت عليه السيئة، وعوقب؛ وإذا بلغت الجارية تسع سنين كذلك».(2)

ويوَيدها خبر المروزي عن الرجل قال: إذا تم للغلام ثمان سنين فجائز أمره، وقد وجبت عليه الفرائض والحدود، وإذا تم للجارية تسع سنين فكذلك.(3)

والفقيه إذا نظر إلى هذه الروايات في مختلف الاَبواب والاَحكام، بذهن صافٍغير مشوب بالشُبَه والاستحسانات، يقضي بأنّ الشارع، قد أخذ تسع سنين مبدأً للبلوغ ورتّب عليه عامة أحكام البالغين، غاية الاَمر لو فقدت الجارية في بعض المناطق، الشرائط اللازمة من القابليات والقدرات بالنسبة إلى بعض الاَحكام يُنظر إلى حصولها في المستقبل.


(1) النساء:6.
(2) مرّ برقم 6.
(3) مرّ برقم 8.


(64)

2
حدّالبلوغ في الاَُنثى هو الثلاث عشرة سنة

هذا هو الاحتمال الثاني في بلوغ الاَُنثى ولم نجد بين المتقدّمين والمتأخرين من اعتمد على ذلك الوجه غير ما يظهر من المحقّق الكاشاني:

ويمكن الاستدلال عليه بأُمور:

1. موثقة عمّار الساباطي، عن أبي عبد اللّهعليه السَّلام قال: سألته عن الغلام متى تجب عليه الصلاة؟ قال: «إذا أتى عليه ثلاث عشرة سنة، فإن احتلم قبل ذلك فقد وجبت عليه الصلاة وجرى عليه القلم، والجارية مثل ذلك إن أتى لها ثلاث عشرة سنة أو حاضت قبل ذلك فقد وجبت عليها وجرى عليها القلم».(1)

والسند مثل الدلالة معتبر إنّما الكلام في صحّة الاحتجاج إذ فيها:

أوّلاً: أنّمضمونه لا يوافق المدعى، لاَنّها تضمّنت كون المعيار: ثلاث عشرة سنة إلاّ إذا حاضت قبل ذلك فعلى ذلك يجب تغيير العنوان بالنحو التالي: حد البلوغ هو الثلاث عشرة سنة إلاّ إذا حاضت قبل ذلك.


(1) الوسائل: الجزء 1، الباب 4 من أبواب مقدمة العبادات، الحديث 12.


(65)

وثانياً: أنّها رواية أعرض عنها الاَصحاب في المقيس عليه (الغلام) فضلاً عن المقيس (الجارية) وعمار وإن كان متهماً بالفطحية (وإن قيل بعدوله عنها إلى الطريقة الحقّة)، لكنّه ثقة بلا كلام إلاّ انّه يعمل برواياته في غير ما ينفرد بنقله، وقد نقل الشيخ الطوسي في «التهذيب» عن جماعة من الاَصحاب انّ ما ينفرد عمار بنقله لا يعمل به.(1)

أضف إلى ذلك أنّ روايات عمار لا تخلو من اضطراب، وقد اتّهم بعدم إجادته للعربية.

قال المحدّث البحراني: لا يبعد أن يكون هذه الرواية من قبيل ما يقع في رواياته من التهافتات والغرائب.(2)

2. صحيحة عبد اللّه بن سنان، قال: إذا بلغ أشده، ثلاث عشرة سنة ودخل في الاَربع عشرة وجب عليه ما وجب على المحتلمين احتلم أو لم يحتلم، وكتبت عليه السيئات وكتبت له الحسنات وجاز له كلّشيء إلاّ أن يكون ضعيفاً أو سفيهاً.(3)

وجه الدلالة أنّالرواية بصدد تفسير «بلوغ الاَشد» الوارد في القرآن الكريم وهو غير مختص بالغلام بل يعمّه والجارية، قال سبحانه: «وَ وَصَّيْنَا الاِِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحساناً حَمَلَتْهُ أُمّهُ كُرهاً وَوَضَعَتهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهراً حتّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ» .(4)


(1) تنقيح المقال: 2|319، ترجمة عمّار.
(2) الحدائق: 13|185.
(3) الوسائل: الجزء 13، الباب 44 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 11.
(4) الاَحقاف: 15.


(66)

فتكون النتيجة أنّ بلوغ الاَشد هو الحد المشترك بين الغلام والجارية، وقد فسّر بثلاث عشرة سنة.

أقول، أوّلاً: إنّ الآية لا تدل على أزيد من أنّ بلوغ الاَشد هوحدّ البلوغ في الغلام والجارية، ولكن لا تدلّ على أنّبلوغ الاَشد في كلا الصنفين يتحقّق في زمان واحد، إذ من المحتمل أن يكون ظرف حصوله في أحد الصنفين متقدماً على حصوله في ظرف آخر، وتصديق ذلك سهل بالنظر إلى أنّهما صنفان من نوع واحد ومن المحتمل اختلافهما في سرعة النضوج وبطئه، وقد دلّت التجارب العلمية على أنّالموجود، الضعيف البنية، أسرع رشداً من الموجود القوي البنية، مثلاً الازهار تنمو كل يوم أكثر من نمو شجرة الصنوبر، ومن المعلوم أنّالذكور أقوى بنية من الاِناث وهذا شيء لا يمكن إنكاره.

وبذلك تبيّن عدم صحّة الاستدلال بالرواية على المدعى، فإنّ تطبيق بلوغ الاَشد في الغلام على ثلاث عشرة، لا يصلح دليلاً على كون الجارية كذلك وانّبلوغ الاَشدّ فيها، بإتمامها الثلاث عشرة كما لا يخفى إذ اشتراكهما في أمر، لا يدل على وحدة زمانه فيهما.

وحصيلة الكلام: أنّ الغلام والجارية يبلغان عند بلوغ الاَشد، وأمّا انّالغاية تتحقق في كلا الصنفين على نحو واحد فهذا ممّا لا تدل عليه الآية ولا الرواية.

وثانياً: الظاهر أنّ لعبد اللّه بن سنان رواية واحدة نقلت بصور وأسانيد مختلفة في الباب الرابع والاَربعين من أبواب أحكام الوصايا، وما ذكرناه إحدى تلك الصور، وإليك الاِشارة إلى الصورتين الاَخيرتين:


(67)

أ. عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه عليه السَّلام قال: سأله أبي وأنا حاضر عن قول اللّه عزّوجلّ: «حَتّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ» قال: «الاحتلام...».

ب. عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه عليه السَّلام، قال: «إذا بلغ الغلام ثلاث عشرة سنة».

فالصورة الاَُولى من الاَخيرتين ظاهرة في الذكر بشهادة أنّه فسّر بلوغ الاَشد بالاحتلام، وهو منصرف إلى الذكور لا الاِناث وإن قلنا بصحّة احتلامها، ووجه الانصراف إنّما هو كثرة استعماله في الذكور، وقلّة استعماله في الاِناث لا كثرة الوجود حتى يقال انّ الثانية لا تصلح للاِنصراف.

كما أنّ الصورة الثانية بشهادة لفظ الغلام صريحة في الذكور، ومع هذا الاختلاف في نقل رواية واحدة كيف يمكن استفادة حكم الاَُنثى بحجّة انّ الاِمام فسّر بلوغ الاَشد بثلاث عشرة سنة.

3. خبر أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر عليه السَّلام، قال: قلت له: في كم تجري الاَحكام على الصبيان؟ قال: «في ثلاث عشرة وأربع عشرة» قلت: فإنّه لم يحتلم فيها، قال: «وإن كان لم يحتلم، فإنّ الاَحكام تجري عليه».(1)

وجه الاحتجاج أنّالصبيان وإن كان جمع الصبي، ولكنّه يستعمل في جنس الصبي، وقد جاء في غير واحد من الروايات لفظ الصبيان وأُريد منه مطلق الصغير.

قال: روى إسحاق بن عمّـار، عن جعفر، عن أبيه، «إنّ عليّاً كان يقول: عمد الصبيان خطأ يحمل على العاقلة».(2)


(1) الوسائل: الجزء:13، الباب 45 من أحكام الوصايا، الحديث 3.
(2) الوسائل: الجزء19، الباب 11 من أبواب العاقلة، الحديث 6.


(68)

أقول: إنّ استعمال لفظة الصبيان في مطلق الصغير وإن كان صحيحاً ويشهد له كثير من الروايات، لكن القرينة في الرواية تدل على أنّه أُريد به خصوص الصبي، حيث قال في ذيل الرواية، قال: قلت: فإنّه لم يحتلم فيها، قالعليه السَّلام: «وإن كان لم يحتلم ...».

فإنّ الاحتلام منصرف إلى الغلام دون الجارية حتى لو قلنا بصحّة احتلامها، فهو أمر نادر الوجود ولا يستعمل فيها إلاّ نادراً فلا ينصرف إليها اللفظ.

وبذلك ظهر أنّه لا دليل معتبر على أنّ حدّ البلوغ في الجارية هو الثلاث عشرة إلاّ موثقة عمار مع أنّ الحكم في المقيس عليه، فيها أعني: الغلام، معرض عنه، فكيف يستدل به على المقيس أي الجارية؟!

علاج الروايات

الظاهر أنّه لا جمع دلالي مقبول بين الطائفتين من الروايات، فتصل النوبة إلى الترجيح، ومن المعلوم أنّالترجيح مع التسع لوجوه:

الاَوّل: انّ الحدّ المذكور قد دلّ عليه ما يناهز خمساً وعشرين رواية بين صحيح وموثّق وحسن وضعيف، وكلّ واحد منها وإن كان خبر واحد، لكن المجموع يفيد القطع بصدوره عن الاَئمّة عليهم السَّلام، والتواتر اللفظي وإن كان غير متحقّق، لكن التواتر المعنوي ـ أعني: الجامع بين مضامين تلك الروايات ـ متحقّق، ومعه كيف يمكن العدول منها إلى غيرها؟!

فلو أخذنا بالثلاث عشرة يلزم رفض ما ثبت وروده بالتواتر الاِجمالي،


(69)

وهذا بخلاف الثلاث عشرة، فإنّه لم يدل عليه إلاّ خبر واحد، وهو موثّقة عمّـار، وأمّا دلالة الخبرين الاَخيرين فإنّما كانت باستنباط المستدل، لا بالدلالة اللفظية، حيث إنّ إسراء حكم الغلام المذكور فيهما إلى الجارية كانت نظرية لا دلالة.

الثاني: انّ الشهرة العملية مع الطائفة الاَُولى، وقد أمر الاِمام الصادق عليه السَّلام في مقبولة عمر بن حنظلة بأخذ المجمع عليه عند الاَصحاب، قال: «ينظر إلى ما كان من روايتهما عنّا في ذلك الذي حكما به المجمعَ عليه عند أصحابك فيوَخذ به من حكمنا، ويُترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك، فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه».(1)

ومن نظر إلى الكتب الفقهية الاستدلالية أو الفتوائية يجد القول الاَوّل مشهوراً متّفقاً عليه، والقول الثاني شاذاً متروكاً، وقد ذكرنا في أبحاثنا الاَُصولية (2) إنّ الشهرة العملية ليست من مرجّحات إحدى الحجّتين على الاَُخرى، بل هي من مميزات الحجّة من لا حجّة، بشهادة أنّ الاِمام جعل المجمع عليه لا ريب فيه، ومعنى ذلك أنّ خلافه فيه كلّ الريب الذي يساوي الباطل لا فيه بعض الريب، وإلاّ فلو كان المخالف ما فيه الريب، يلزم اجتماع اليقين بالشيء مع احتمال خلافه، وهو أمر محال، وذلك لاَنّ اتّفاق الاَصحاب ـ حسب تعبير الاِمام ـ ممّا لا ريب فيه، وما هو كذلك يورث اليقين، ولازم ذلك أن يكون الطرف المقابل ممّا لا ريب في بطلانه، وإلاّ فلو كان فيه الريب بمعنى احتمال صدقه يلزم اجتماع اليقين بالشيء،


(1) الوسائل: الجزء 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 1.
(2) المحصول في علم الاَُصول: 3|207.


(70)

مع احتمال خلافه.

فالشاذ النادر داخل في بيّن الغيّ من أقسام التثليث الوارد في ذيل المقبولة، لا في القسم الثالث وهو الاَمر المشكل الذي يرد علمه إلى اللّه ورسوله.

الثالث: انّالمتتبع في سيرة أصحاب الاَئمّة عليهم السَّلام يقف على أنّهم كانوا يتركون ما سمعوه شفاهاً من لسان الاِمام، ويأخذون بما اتّفقت عليه كلمة بطانتهم، وهذا يرشدنا إلى أنّ ما اتّفق عليه الاَصحاب بما أنّهم بطانة علوم الاَئمّة مقدّم على ما سمعوه من نفس الاِمام، لاحتمال وجود التقية فيما سمعوه دون ما اتّفقوا عليه، نظراً لوقوفهم على فتوى الاِمام عن كثب.

روى سلمة بن محرز، قال: قلت لاَبي عبد اللّه عليه السَّلام: إنّ رجلاً مات وأوصى إليّ بتركته وترك ابنته، قال: فقال لي: «اعطها النصف» قال: فأخبرت زرارة بذلك، فقال لي: اتّقاك إنّما المال لها، قال: فدخلت عليه بعد فقلت: أصلحك اللّه إنّأصحابنا زعموا أنّك اتقيتني، فقال: «لا واللّه ما اتقيتك، ولكنّي اتقيت عليك أن تضمن فهل علم بذلك أحد؟» قلت: لا، قال: «فاعطها ما بقي».(1)

إنّ لشيخنا المفيد كلمة قيّمة، يجب على مَن يُفتي بكل خبر، ولا يراعي ضوابط حجّيته، أن يطالعها ويتدبّر فيها ونحن نأتي ببعضها:

قال: «إنّ المكذوب منها لا ينتشر بكثرة الاَسانيد، انتشارَ الصحيح المصدوق على الاَئمّة عليهم السَّلام فيه، وما خرج للتقية لا تكثر روايته عنهم، كما


(1) الوسائل: الجزء 17، الباب 4 من أبواب ميراث الاَبوين و الاَولاد، الحديث 3.


(71)

تكثر رواية المعمول به، بل لابدّ من الرجحان في أحد الطرفين على الآخر من جهة الرواة حسب ما ذكرته».

«ولم تجمع العصابة على شيء كان الحكم فيه تقية ولا شيء دلّس فيه ووضع مخروصاً عليهم وكذب في إضافته إليهم، فإذا وجدنا أحد الحديثين متفقاً على العمل به دون الآخر علمنا أنّالذي اتّفق على العمل به هو الحقّ في ظاهره وباطنه، وانّالآخر غير معمول به، إمّا للقول فيه على وجه التقية، أو لوقوع الكذب فيه».

«وإذا وجدنا حديثاً يرويه عشرة من أصحاب الاَئمّة عليهم السَّلام يخالفه حديث آخر في لفظه ومعناه، ولا يصحّ الجمع بينهما على حال، رواه اثنان أو ثلاثة، قضينا بما رواه العشرة ونحوهم على الحديث الذي رواه الاثنان أو الثلاثة، وحملنا ما رواه القليل على وجه التقية أو توهم ناقله».(1)

فتدبّر في ما رواه جماهير الاَصحاب في بلوغ الاَُنثى، وما تفرد به عمّـار.

هذه مكانة الشهرة الفتوائية، وقيمة الاِعراض عن الرواية، فالعدول عن هذه السيرة والتمسك بشواذ الروايات، عدول عن الطريق المهيع.


(1) المفيد: تصحيح الاعتقاد:71، ط تبريز.


(72)

3
المعيار هو الطمث والحيض

وهذا هو القول الثالث في بلوغ الاَُنثى، وحاصله: أنّ المعيار في الحكم على الجارية بالبلوغ هو روَية الدم المعبَّر عنه بالطمث والتحيض، وهي أمارة طبيعية على نضوج المزاج وخروجها عن الصبا، ويدلّ عليه لفيف من الروايات:

1. صحيحة عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه عليه السَّلام : «وإذا بلغت الجارية تسع سنين فكذلك، وذلك أنّها تحيض لتسع سنين».(1) والتعليل يحكي عن كون المدار هو روَية الدم، ولو قيل بالتسع سنين فإنّما هو لاَجل كونها ترى الدم في هذا السن.

يلاحظ عليه: أنّالدليل لا ينطبق على المدّعى، لاَنّ المدّعى كون المعيار هو التحيض بالفعل، ومن المعلوم عدم تحقّقه في ذلك السنّ غالباً لاَنّالتجارب أثبتت أنّ المتعارف في الجواري أنّهنّ يرين الدم من ثلاث عشرة، لا قبلها إلاّ قليلاً، وعندئذٍ كيف يمكن أن يُفسر التعليل بالتحيض


(1) الوسائل: الجزء 13، الباب 44 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 12.


(73)

الفعلي، حتى ينطبق على المدّعى، فلا مناص من حمل التعليل على الشأن والاستعداد والاقتضاء، أي بما أنّلهنّ ذلك التهيّوَ للطمث حُكِم عليهنّ بكتابة الحسنات والسيئات في ذلك السن، وربما ينقلب ذلك الشأن إلى الفعلية في النقاط الحارة، وقد عرفت أنّالنبي دخل على عائشة ولها عشر سنين وقد بلغت مبلغ المرأة.

2. خبر أبي بصير، عن أبي عبد اللّه عليه السَّلام أنّه قال: «على الصبي إذا احتلم، وعلى الجارية إذا حاضت، الصيام والخمار إلاّأن تكون مملوكة، فإنّه ليس عليها خمار، إلاّ أن تحب أن تختمر وعليها الصيام».(1)

وإليه أشار الصدوق في «الفقيه» بقوله: «وفي خبر آخر: على الصبيّ إذا احتلم الصيام، وعلى المرأة إذا حاضت، الصيام».(2)

وأسقط الخمار.

وأشار إليه في المقنع بقوله: وروي عن أبي عبد اللّه عليه السَّلام أنّه قال: «على الصبي إذا احتلم الصيام، وعلى المرأة إذاحاضت، الصيام والخمار».(3)

أمّا المنقول عن أبي بصير، ففيه: أوّلاً: أنّه ضعيف بابن أبي حمزة الواقفي البطائني أوّلاً، ومحمد بن القاسم الواقفي ثانياً، وروى الكشي عن نصر بن الصباح أنّه قال: القاسم بن محمد الجوهري لم يلق أبا عبد اللّه، وهو مثل ابن أبي غراب، وقالوا: إنّه كان واقفياً، وهو واقفي غير موثق، وقد رد جمع من الفقهاء روايته، منهم: المحقّق في «المعتبر» حيث قال: والجواب،


(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 29 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 7 و 12 . والاَخير مروي في الجزء 1، الباب 4 من أبواب مقدمات العبادات برقم10؛ و في الجزء 3، الباب 29 من أبواب لباس المصلي، الحديث 3.
(2) الوسائل: الجزء 7، الباب 29 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 7 و 12 . والاَخير مروي في الجزء 1، الباب 4 من أبواب مقدمات العبادات برقم10؛ و في الجزء 3، الباب 29 من أبواب لباس المصلي، الحديث 3.
(3) المقنع:195، باب الوقت الذي يوَخذ الصبي فيه بالصوم.


(74)

الطعن في السند، فإنّ القاسم بن محمد واقفي، وفي «المسالك»: إنّ القاسم بن محمد لم يوثق مع أنّه واقفي.(1)

والعجب من بعض أهل التحقيق حيث وصف الرواية بالصحّة في كلام له حول بلوغ الاَُنثى.(2)

وأمّا المنقول عن الصدوق فهو نفس خبر أبي بصير، نقل بتجريد السّند، وقال: وفي خبر: «على الصبي إذا احتلم...» كما عبر عنه في «المقنع» بقوله: وروي عن أبي عبد اللّهعليه السَّلام، ولم ينسبه إلى الصادق جازماً، وما يظهر من كلام البعض أنّه قال: قال الصادق، فلا يوافق المصدر.

وثانياً: أنّ الرواية عطفت الخمار على الصيام فلازم ذلك الالتزام بعدم وجوبه عليها إلاّإذا حاضت وهل يمكن الالتزام بذلك؟

وثالثاً: أنّ صدر الرواية قابل للجمع بينه وبين قول المشهور، وهو كون المعيار في الغلام خمس عشرة سنة، ولكن ذيل الرواية غير قابل للجمع بينه وبين قول المشهور وهو كون المعيار في الجارية التسع.

توضيح الاَمرين أنّ تعليق وجوب الصيام على الصبي في صدر الرواية، بالاحتلام، لا ينافي وجوبه ببلوغ خمس عشرة سنة، لاَنّه محمول على ما إذا تقدّم الاحتلام على البلوغ بالسن، وهو ليس أمراً نادراً وإن كان قليلاً. غاية الاَمر ترفع اليد عن مفهوم الجملة الشرطية الدالّة على عدم وجوبه عليه مالم يحتلم وإن بلغ الخمس عشرة.


(1) المامقاني: تنقيح المقال: 3|24.
(2) لاحظ مجلة الفكر الاِسلامي العدد 3و4 تحت عنوان «متى تصوم الجارية».


(75)

وأمّا قوله: «وعلى الجارية إذا حاضت الصيام»، فلا يمكن تصحيحه بحمله على تقدّم الحيض على التسع، لاَنّه نادر جداً، ولا يمكن حمل الرواية عليه، إذ معناه لغوية كون الطمث دليلاً على بلوغ الاَُنثى، لتقدّم الدليل الآخر عليه وهو التسع سنين. ولا معنى لجعل شيء علامة، تتقدّمها علامةأُخرى دائماً، فلا مناص من طرح الذيل والاَخذ بالمشهور رواية وفتوى.

3. موثقة إسحاق بن عمار قال: سألت أبا الحسن عليه السَّلام عن ابن عشر سنين يحج، قال: «عليه حجّة الاِسلام إذا احتلم، وكذلك الجارية عليها الحج إذا طمثت».(1)

4. معتبر شهاب(2)عن أبي عبد اللّه عليه السَّلام قال: سألته عن ابن عشر سنين يحج، قال: «عليه حجّة الاِسلام إذا احتلم، وكذلك الجارية عليها الحج إذا طمثت».(3)

يلاحظ أنّالحديثين بقرينة وجود السوَال عن وجوب الحج على ابن عشر سنين، وبقرينة ما رواه مسمع بن عبد الملك عن أبي عبد اللّه عليه السَّلام في حديث قال: لو أنّغلاماً حجّ عشر حجج، ثمّاحتلم كانت عليه فريضة الاِسلام.(4)بصدد نفي ما ارتكز في ذهن السائلين من وجوب الحجّ في عشر سنين وانّه لو حجّ، لكفى عن حجّة الاِسلام، فردّ الاِمام ذلك الزعم


(1) الوسائل: الجزء 8، الباب 12 من أبواب وجوب الحج، الحديث 1و2.
(2) هو شهاب بن عبد ربّه بن أبي ميمونة، وثّقه النجاشي في ترجمة ابن أخيه إسماعيل بن عبد الخالق برقم 49.
(3) الوسائل: الجزء 8، الباب 12 من أبواب وجوب الحج، الحديث 1و2.
(4) الوسائل: الجزء 8، الباب 13 من أبواب وجوب الحجّ، الحديث 1.


(76)

بأنّالحجّ يجب بعد البلوغ، من غير فرق بين الذكر والاَُنثى، ولاَجل التركيز على أمرٍملموس من علائم البلوغ، أشار إلى الاحتلام في الذكر والطمث في الجارية، حتى يقع الرد موقعه ومع هذا، لا يمكن استفادة الانحصار من الحديثين وانّه لولا الاحتلام في الغلام والطمث في الاَُنثى لما وجب وهذا واضح لمن تدبّر الروايتين.

5. معتبرة السكوني عن أبي عبداللّه عليه السَّلام قال: «أتى علي عليه السَّلام بجارية لم تحض قد سرقت فضربها أسواطاً ولم يقطعها».(1)

يلاحظ عليه: أنّالرواية تحكي عملاً للوصيعليه السَّلام، وهو عدم القطع، وليس صريحاً في أنّعدم القطع لاَجل عدم البلوغ وإن كان ظاهراً فيه، بل من المحتمل عدم إحراز الشرائط اللازمة في القطع، كما يحتمل أن يكون لاَجل عفو الاِمام عنها لعدم ثبوت السرقة بالبينة، بل بالاِقرار وقد تقرر في محلّه أنّه إذا قامت البيّنة فليس للاِمام أن يعفو، وإذا أقرّ الشخص على نفسه فذاك إلى الاِمام إن شاء عفا وإن شاء قطع.(2)على أنّ الحدود تدرأ بالشبهة.(3)وكفى فيها وجود الشك ـ مع عدم الطمث ـ في بلوغها التسع سنين.

6. ما رواه الصدوق بسند ضعيف، عن يونس بن يعقوب أنّه سأل أبا عبد اللّه عن الرجل يصلّي في ثوب واحد، قال: «نعم» قال: قلت فالمرأة؟


(1) الوسائل: الجزء 18، الباب 28 من أبواب السرقة، الحديث 6.
(2) الوسائل: الجزء 18، الباب 18 من أبواب مقدمات الحدود، الحديث 3.
(3) الوسائل: الجزء 18، الباب 24 من أبواب مقدمات الحدود، الحديث 4.


(77)

قال: «لا، ولا يصلح للحرة إذا حاضت إلاّ الخمار إلاّ أن لا تجده».(1)

وسند الصدوق إلى يونس بن يعقوب ضعيف.

7. روى عبد اللّه بن جعفر الحميري في «قرب الاِسناد»، عن السندي ابن محمد، عن أبي البختري، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي عليهم السَّلام قال: «إذا حاضت الجارية فلا تصلّي إلاّ بخمار».(2)

والسندي: هو أبان بن محمد، هو ابن اخت صفوان بن يحيى، وثقه النجاشي، إلاّ أنّ الكلام في أبي البختري وهو وهب بن وهب الذي يصفه النجاشي بقوله: روى عن أبي عبد اللّه، وكان كذاباً وله أحاديث مع الرشيد في الكذب، ووصفه الشيخ بالضعف وانّه عامي المذهب.(3)

8. روى الكليني بسند صحيح عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السَّلام قال: «لا تصلح للجارية إذا حاضت إلاّ أن تختمر إلاّ أن لا تجده».(4)

9. روى الصدوق بسند غير نقيّ عن محمد بن مسلم، قال: وسألته عن الاَمة إذا ولدت، عليها الخمار، قال: «لو كان عليها، لكان عليها إذا هي حاضت وليس عليها التقنع».(5)

10. روى النوري في «المستدرك» عن «الجعفريات» بسند عن علي عليه السَّلام قال: «قال رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: لا يقبل صلاة جارية قد حاضت حتى


(1) الوسائل: الجزء 3، الباب 28 من أبواب لباس المصلي، الحديث 4و13.
(2) الوسائل: الجزء 3، الباب 28 من أبواب لباس المصلي، الحديث 4و13.
(3) المامقاني: تنقيح المقال:3|282.
(4) الوسائل: الجزء 14، الباب 126 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 1.
(5) الوسائل: الجزء 3 ، الباب 29 من أبواب لباس المصلي، الحديث 7.


(78)

تختمر».(1)

وما نقله في «المسالك»، يرجع إلى هذه الروايات قال: قوله صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «إذا بلغت المحيض لا يصلح أن يرى منها إلاّهذا» وأشار إلى الوجه والكفين وقوله: «لا تقبل صلاة حائض إلاّ بخمار».(2)

هذه الروايات الخمس توَكد على خصوص الخمار مطلقاً أو في حال الصلاة، ولا تشير إلى سائرالاَحكام المترتبة على البلوغ، فلو صحّ الاَخذ بها مع غض النظر عن إعراض المشهور عنها فتحمل على تأكّد الوجوب.

ثمّ إنّ الذي يورث الريب في هذه الخمسة الاَخيرة، ورود مضمونها من طرق غيرنا فقد رووا عن رسول اللّه صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: «لا يقبل اللّه صلاة حائض إلاّ بخمار». قال ابن حجر: رواه الخمسة إلاّ النسائي، وصحّحه ابن خزيمة.(3)المراد من الحائض، هو من حاضت، وإلاّ فالصلاة في حالة الحيض ساقطة.


(1) مستدرك الوسائل: الجزء 3، الباب 22 من أبواب لباس المصلّي، الحديث 1.
(2) زين الدين العاملي: مسالك الافهام:1|247.
(3) ابن حجر العسقلاني: بلوغ المرام:42، الحديث 221.


(79)
4
للبلوغ مراتب حسب اختلاف الاَحكام

وهذا هو النظر الرابع وهو خيرة الفيض الكاشاني في «مفاتيح الشرائع» ولننقل نصه:

قال: «والتوفيق بين الاَخبار يقتضي اختلاف معنى البلوغ بحسب السن بالاِضافة إلى أنواع التكاليف كما يظهر ممّا روي في باب الصيام: أنّه لا يجب على الاَُنثى قبل إكمالها الثلاث عشرة سنة، إلاّ إذا حاضت قبل ذلك. وما روي في باب الحدود أنّ الاَُنثى توَاخذ بها، وهي توَخذ لها تامة إذا أكملت تسع سنين.

إلى غير ذلك ممّا ورد في الوصية والعتق ونحوهما أنّها تصح من ذي العشر.(1)

وأورد عليه في «الجواهر» وقال:

1. إنّ ما ذكره مخالف لاِجماع العلماء فإنّهم مع اختلافهم في حدّالبلوغ بالسن مجمعون على أنّ البلوغ الرافع للحجر هو الذي يثبت به التكليف، وانّ الذي يثبت به التكليف في العبادات هو الذي يثبت به التكليف في غيرها، وانّه لا فرق بين الصلاة وغيرها من العبادات فيه.


(1) الفيض الكاشاني: مفاتيح الشرائع:14، المفتاح الثاني.


(80)

بل هو أمر ظاهر في الشريعة ومعلوم من طريقة فقهاء الفريقين، ولم يسمع من أحد منهم تقسيم الصبيان بحسب اختلاف مراتب السن بأن يكون بعضهم بالغاً في الصلاة غير بالغ في الزكاة أو بالغاً في العبادات دون المعاملات، أو بالغاً فيهما غير مانع في الحدود وما ذاك إلاّ لكون البلوغ بالسن أمراً متحداً غير قابل للتجزئة والتنويع.(1)

واختار التفصيل نفسه بعض المحقّقين المعاصرين وحاصله: أنّ البلوغ بمراتبه المختلفة موضوع لاَحكام كذلك.

1. ففي مجال العقائد يكفي إجراء الشهادتين على اللسان عن وعي ودرك وإن لم يبلغ الخمس عشرة سنة من الذكور، والتسع في الاَُنثى، فلو أسلم ولد الكافر وأذعن بهما كإذعان سائر الاَفراد، فهو محكوم بالاِسلام، ويخرج عن كونه تابعاً لوالديه.

2. وفي مورد العقود، كالبيع والاِجارة والرهن والاِيصاء والعتق والطلاق يكفي البلوغ إلى عشر سنين بشرط الرشد الفكري والعقلاني.

3. وبالنسبة إلى الحدود والتعزيرات يكفي بلوغ الاَُنثى مبلغ النساء، ومن علائمه التزويج، وتعالي البنية البدنية وإن لم تبلغ العشر.

4. وفي مجال العبادات، يكفي أحد الاَمرين الطمث، أو البلوغ إلى ثلاث عشرة سنة خصوصاً في الصوم.(2)

يلاحظ عليه: أوّلا: أنّ هذا التفصيل، يخالف ما تواتر إجمالاً عن أئمّة أهل البيت عليهم السَّلام من أنّحدّ البلوغ في الاَُنثى هو التسع ولو في قسم من الاَحكام، وهي من الكثرة بمكان لا يمكن طرحها بتاتاً، اللّهمّ إلاّ أن يقصد


(1) النجفي: الجواهر:26|41.
(2) كاوشى در فقه:251.


(81)

من كلامه في الشق الثاني «عشر سنين»، هو إكمال التسع والدخول في العشر، فعندئذٍ فقد عمل بها في مورد العقود.

ثانياً: لا يراد من صحّة عقود البالغ، مجرد إجراء الصيغة اللفظية وكالة عن الغير، بل مباشرتها بنفسه، ومن المعلوم أنّها فرع موَّهلات وقابليّات البائع، والموجر والراهن والمطلّق، فإذا كان بلوغ العشر مع الرشد المناسب كافياً للموضوع، فلماذا لا يكون كافياً في مجال العبادات التي لا تتجاوز عن عدّة ركعات، وإمساك عن الطعام والشراب مدّة قصيرة. فالقياس الاَولوي يستدعي عطف العبادات على المعاملات في تحديد سن البلوغ مع شرطه.

5. انّ القول بكفاية أحد الاَمرين من الطمث أو البلوغ إلى ثلاث عشرة سنة يعتمد على موثقة عمار، يرويها فطحي عن فطحي إلى أن تصل إليه، وقد عرفت أنّ الرواية متروكة، انفرد بها عمار، ونقل الشيخ في «الاستبصار» انّ الاَصحاب لا يعملون بمتفرّداته، فكيف يصحّ الاعتماد على حديث معرض عنه طيلة قرون. وإنّي أجلّ شيخنا المحقّق العزيز أنار اللّه برهانه عن الاِفتاء بهذا التفصيل الذي يوجب الفوضى في المجتمع الاِسلامي ويُضفي للمسألة إجمالاً وإبهاماً، ولعلّه ـ دام ظلّه ـ يجدد النظر فيما أفاد.

رحم اللّه الماضين من علمائنا وحفظ اللّه الباقين منهم
والحمد للّه ربّ العالمين
تمّت الرسالة بيد موَلّفها
الفقيه الحاج ميرزا
محمد حسين السبحاني
سادس
شهر صفر المظفر من شهور عام 1418هـ في جوار
الحضرة الفاطمية في قم المحمية زادها اللّه شرفاً.

Website Security Test