welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : بحوث قرآنية في التوحيد والشرك*
تألیف :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

بحوث قرآنية في التوحيد والشرك

بحوث قرآنية
في التوحيد والشرك

يبحث عن تحديد معالم التوحيد و الشرك

مع تطبيقات عمليّة


(5)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على سيّد المرسلين وآله وصحبه المنتجبين.

أمّا بعد،

فهذه بحوث موجزة حول التوحيد والشرك في القرآن الكريم أقدِّمُها إلى الجيل الصاعد من أبناء أُمّتنا الاِسلامية بُغية الحفاظ على كيانهم ووحدة كلمتهم وإنقاذهم من مخالب الشرك وهدايتهم إلى حظيرة التوحيد.

فانّ الهدف الاَسمى لجميع الرسل هو مكافحة الشرك وتحطيم قلاعه، قال سبحانه: (وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوت) .(1)
وقد أضحت مسألة التوحيد والشرك من المسائل الهامّة في عصرنا هذا، لا سيما وأنّها صارت ذريعة لتشتيت الصفوف وتمزيق الوحدة الاِسلامية، مع أنّ الواجب على كلّ مسلم الحفاظ على توحيد الكلمة وتعزيز أواصر الاَخوَّة.

ويأتي الكلام في الموضوع ضمن مقدمة وفصول.


1 ـ النحل | 36 .

(6)


(7)

المقدمة

كلمة التوحيد و توحيد الكلمة

بُني الاِسلام على كلمتين: «كلمة التوحيد» والشهادة على أنّه لاإله إلاّ اللّه ونفي أُلوهية وربوبية كلّ موجود سواه، و«توحيد الكلمة» والاعتصام بحبل اللّه المتين والنهي عن التفرق والتشتت وراء مسائل هامشية لا تمسُّ ـ في كثير من الاَحيان ـ جوهرَ الاِسلام، ورائدُنا في الدعوة إلى الوحدة وحفظ كيان الاِسلام، قوله سبحانه: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَميعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَقُلُوبكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) .(1)

ولو سبرنا أقوال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وسيرته العملية نلمس منها اهتماماته الكبيرة بتوحيد الكلمة ولمّ الشمل، فانّ الوحدة هي دعامة القوة والرفاه ونيل السعادة، كما أنّ التفرقة هي بوَرة الضعف والشقاء والاندحار.


1 ـ آل عمران|103.

(8)

ولنقتصر من سيرته وكلامه (صلى الله عليه وآله وسلم) على الاَُمور التالية:

أ. قدِم النبيص يثرب، و الاَوس و الخزرج يقودان جمله وشبّانهم يطوفون حوله وكانت القبيلتان هما الحجر الاَساس لبناء الدعوة الاِسلامية، ولكن كان بين الطائفتين قبل اعتناق الاِسلام حروب طاحنة أسفرت عن مصرع العديد منهم و كانت البغضاء والعداوة متفشية بينهم، وفي تلك الظروف هبط عليهم النبيورأى ضرورة رأب الصدع وتقريب الخطى بين القبيلتين بل جعْلَهما اخوين متحابين ومتراحمين.

فأوّل خطوة قام بها هي التآخي بينهما حسماً لمادة الخلاف وإنساءً للماضي.(1)

ب. انتصر المسلمون على قبيلة بني المصطلق، فبينا رسول اللّه على مائهم نشب النزاع بين رجل من الاَنصار ورجل من المهاجرين، فصرخ الاَنصاري، فقال: يا معاشر الاَنصار، وصرخ الآخر، وقال: يا معشر المهاجرين، فلما سمعهما النبيصقال: دعوها فانّها منتنة...(2) يعني انّها كلمة خبيثة، لاَنّها من دعوى الجاهلية، واللّه سبحانه جعل الموَمنين إخوة وصيّرهم حزباً واحداً، فينبغي أن تكون


1 ـ الدر المنثور:2|287، تفسير الآية 103 من سورة آل عمران، نقل عن مقاتل بن حيان انّ هذه الآية نزلت في قبيلتين من قبائل الاَنصار، إلى أن قال: فقدم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأصلح بينهم.
2 ـ ابن هشام: السيرة النبوية:3|303، غزوة بني المصطلق.

(9)

الدعوة في كلّ مكان وزمان لصالح الاِسلام والمسلمين عامة، لا لصالح قوم ضد الآخرين، فمن دعا في الاِسلام بدعوى الجاهلية يعزر.

فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يصف كلّدعوة تشقّ عصا المسلمين وتمزق وحدتهم بأنّها دعوى منتنة، وكيف لا تكون كذلك وهي توجب انهدام دعامة الكيان الاِسلامي.

ج. نزل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دار هجرته والتفت حوله القبيلتان: الاَوس والخزرج، فمرَّ شاس بن قيس ـ الذي كان يحمل في قلبه ضغناً للمسلمين ـ على نفر من أصحاب رسول اللّه ص من الاَوس والخزرج في مجلس يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من أُلفتهم وجماعتهم، وصلاح ذات بينهم على الاِسلام، بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية.

فقال: قد اجتمع ملاَ بني قيلة بهذه البلاد، لا واللّه ما لنا معهم إذا اجتمع ملوَهم بها من قرار، فأمر فتى شاباً من اليهود كان معهم، فقال: اعمد إليهم، فاجلس معهم، ثمّ اذكر يوم بُعاث، يوم إقتتلت فيه الاَوس والخزرج، وكان الظفر فيه يومئذ للاَوس على الخزرج، وكان على الاَوس يومئذ حُضير بن سماك الاَشهلي، وعلى الخزرج عمرو بن النُّعمان البياضي، فقتلا جميعاً.

دخل الشاب اليهودي مجتمعَ القوم فأخذ يذكر مقاتلتهم ومضاربتهم في عصر الجاهلية فأحيى فيهم حميَّتها حتى استعدُّوا للنزاع والجدال، وأخذ الشاب يوَجج نار الفتنة.


(10)

فبلغ ذلك رسول اللّهص فخرج إليهم فيمن معه من أصحابه المهاجرين، حتى جاءهم فقالص: يا معشر المسلمين! اللّه، اللّه، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم، بعد أن هداكم اللّه بالاِسلام، وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمر الجاهلية، واستنقذكم من الكفر وألّف به بين قلوبكم.(1)

وقد تركت كلمة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقعاً في نفوسهم، حيث فطنوا إلى أنّـها نزعة من نزعات الشيطان، فندموا على ما وقع منهم ثمّ انصرفوا.

انّ كلمة الرسول، كشفت القناع عن الخدعة اليهودية، وأطفأت نار الفتنة في مهدها، ودخلت في القلوب الموَمنة وصيّرتهم إخواناً متحابِّين.

هذه القصة وكم لها من نظير تعكس لنا المحاولات المستميتة التي يبذلها أعداء الاِسلام بغية الاِطاحة بوحدة المسلمين وتمزيق شملهم.

ولو كان في عصر الرسول شاس أو شاسان من اليهود، ففي الوقت الحاضر المئات بل الاَُلوف منهم جنّدوا قواهم الشيطانية، وأثاروا النعرات الطائفية بين المسلمين من خلال طرح مسائل هامشية لتكدير صفوهم.

إنّ أساليب الاَعداء في إثارة الفتن لا تعدُّ ولا تُحصى، ولهم مخططات مختلفة حسب ما تقتضيه الظروف والبيئات.


1 ـ انظر السيرة النبوية: 1|555ـ556، ط عام 1375هـ.

(11)

فالعقل يفرض على المسلمين رصَّ صفوفهم، وتوحيدَ كلمتهم بغية الوقوف أمام تلك الخُطط والموَامرات .

إنّ مسألة التوحيد ونبذ الشرك من المسائل الهامّة التي تعد الهدف الاَسنى للاَنبياء والمرسلين وكبار المصلحين. فالتوحيد رمز الاِسلام وعزّة المسلمين .

هذا ومع الاعتراف بأهميته ولكن وجدت ـ من خلال البحث في التوحيد والشرك ـ مسائل هامشية صارت ذريعة للاختلاف ووسيلة للتشتت فآثرنا في هذه الرسالة المتواضعة استنطاق القرآن الكريم في هذه المسائل والاستنارة بنور السنة النبوية التي اتفق المسلمون على كونها المصدر الثاني للعقيدة والشريعة بعد الذكر الحكيم.

وأخيراً ندعو المجتمع الاِسلامي إلى ما دعا به القرآن الكريم، وقال: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا) .

فالمسلمون ملّة واحدة يجمعهم إله واحد، وكتاب واحد، ودين واحد، وشريعة واحدة فما يجمعهم أكثر ممّا يفرقهم.

والجميع كما يقول شاعر الاهرام:

انّا لتجمعنا العقيدة أمَّة * ويضمّنا دين الهدى أتباعا
ويؤلف الاِسلام بين قلوبنا * مهما ذهبنا في هوى أشياعا

جعفر السبحاني


(12)


(13)

الفصل الاَوّل

تحديد الاِيمان والكفر

الاِيمان عبارة عن الاِذعان باللّه سبحانه واليوم الآخر ورسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فهذه الاَُمور الثلاثة تشكِّل دعامات الاِيمان وأركانه، وما سواها ترجع بشكل إليها.

نعم لما كان ما خلَّف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من تراث في مجال المعارف والاَحكام ضخماً لا يمكن استحضاره في الضمير ثمّ التصديق به، اضطرّ العلماء إلى تقسيم ما جاء به النبيإلى قسمين: قسم معلوم بالتفصيل كتوحيده سبحانه والحشر يوم المعاد في مجال العقائد، ووجوب الصلاة والزكاة ونحوهما في مجال الاَحكام، وقسم منه معلوم بالاِجمال نعلم وروده في الكتاب والسنّة، فلا محيص للموَمن أن يوَمن بالاَوّل على وجه التفصيل، وبالثاني على وجه الاِجمال.

قال عضد الدين الايجي: الاِيمان: التصديق للرسول فيما علم مجيئه به ضرورة وتفصيلاً فيما علم تفصيلاً، وإجمالاً فيها علم إجمالاً.(1)



1 ـ الايجي، المواقف، ص 384.

(14)

وبعبارة أوضح: أنّ ما جاء به الرسولص إمّا أن يعلم به بالضرورة كوجوب الصلاة والزكاة والجهاد والحج، وإمّا أن لا يعلم به كذلك.

فالموَمن هو الذي يعتقد بصحّة كلّ ما بعث به الرسول «صلى الله عليه وآله وسلم» إلى أُمّته، غير انّ المعلوم بالضرورة، يوَمن به تفصيلاً و ما لم يعلم، يوَمن به على وجه الاِجمال.

ويظهر ممّا تقدم انّ الاِيمان يتجلّى في أُصول ثلاثة:

الاَصل الاَوّل: الاِيمان باللّه سبحانه وتوحيده.

الاَصل الثاني: الاِيمان بالآخرة وحشر الناس في اليوم الموعود.

الاَصل الثالث: الاِيمان برسالة الرسولص وما جاء بها.

والاعتقاد بهذه الاَُصول الثلاثة يورث الاِيمان ويدخل الاِنسان في حظيرته ويتفَّيَ في ظلاله وظلال الاِسلام.

هذا ما عليه علماء الاِسلام دون فرق بين طائفة وأُخرى، وقد آثروا في ذلك ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في غير و احد من المواقف.

1. روى الاِمام علي بن موسى الرضا (عليهما السلام)، عن آبائه، عن علي (عليهم السلام)، قال: «قال النبي ص: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ اللّه، فإذا قالوا حرمت عليَّ دماوَهم وأموالهم».(1)


1 ـ البحار: 68|242.

(15)

2.أخرج الشيخان، عن عمر بن الخطاب، انّعليّاً صرخ: يا رسول اللّه على ماذا، أقاتل؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ اللّه وانّ محمّداً رسول اللّه، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها وحسابهم على اللّه».(1)

3. روى أبو هريرة انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال:

«لا أزال أُقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّاللّه، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم الا بحقها وحسابهم على اللّه».(2) إلى غير ذلك من النصوص الدالة على أنّ محور الاِسلام والكفر كلمة «لاإله إلاّاللّه ومحمد رسول اللّه» و لو اقتصر في بعض على أصل واحد ولم يذكر المعاد وحشر الناس أو لم يذكر رسالته فلوضوحهما.

نعم، ليس الاِيمان بالاَُصول الثلاثة فقط مورثاً للسعادة، ومنقذاً عن العذاب والعقاب، بل لابدّ من انضمام العمل إليه واقترانه بامتثال أوامره ونواهيه في الكتاب والسنّة، وذلك من الوضوح بمكان، وقد وردت في هذا الصدد روايات عديدة نقتصر على قليل منها:

1. روى عبد اللّه بن عمر قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) :

«بني الاِسلام على خمس: شهادة أن لاإله إلاّ اللّه وانّمحمّداً


1 ـ صحيح البخاري: 1|10، كتاب الاِيمان ؛ صحيح مسلم: 7|17، كتاب فضائل علي «عليه السلام».
2 ـ الشافعي: الاَُمّ: 6|157، اقرأ كلامه فيه حول هذا الموضوع.

(16)

رسول اللّه، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحجّ، وصوم شهر رمضان».(1)

2. ما روي عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) متضافراً انّه قال:

«من شهد أن لاإله إلاّ اللّه، و استقبل قبلتنا، وصلى صلاتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم، له ما للمسلم وعليه ما على المسلم».(2)

وعلى ضوء ذلك فالذي يميز الموَمن عن الكافر هو الاعتقاد بالاَُصول الثلاثة، وأمّا ما يوجب السعادة الاَُخروية فهو في ظلّ العمل بالواجبات والانتهاء عن المحرمات.

ويشير إلى الاَمر الاَوّل ما مرّ من الروايات التي تركِّز على العقيدة ولا تذكر من العمل شيئاً. كما تشير إلى الاَمر الثاني الروايات التي تركز على العمل وراء العقيدة.

إذا عرفت ما يُخرج الاِنسان من الاِيمان ويدخله في الكفر ،يعلم منه انّه لا يصح تكفير فرقة من الفرق الاِسلامية مادامت تعترف بالاَُصول الثلاثة.وفي الوقت نفسه لا تنكر ما علم كونه من الشريعة بالضرورة كوجوب الصلاة والزكاة وأمثالهما.

هذا ما نصّ عليه جمهور المتكلمين والفقهاء.(3)

وها نحن نذكر بعض الشواهد على هذا الموضوع.


1 ـ صحيح البخاري: 1|16، باب أداء الخمس من كتاب الاِيمان.
2 ـ ابن الاَثير: جامع الاَُصول: 1|158.
3 ـ لاحظ المواقف للايجي: 392.

(17)

1. قال ابن حزم عندما تكلّم «فيمن يُكفَّر و لا يكفر»:

«وذهبت طائفة إلى انّه لا يُكفَّر ولا يُفسَّق مسلم بقول قاله في اعتقاد أو فتيا، وانّ كلّ من اجتهد في شيء من ذلك فدانَ بما رأى انّه الحقّ فانّه مأجور على كلّحال، إن أصاب الحق فأجران، وإن أخطأ فأجر واحد.وهذا قول ابن أبي ليلى، وأبي حنيفة، والشافعي، وسفيان الثوري، وداود بن علي وهو قول كلّ من عرفنا له قولاً في هذه المسألة من الصحابة (رضوان اللّه عليهم) ما نعلم منهم في ذلك خلافاً أصلاً».(1)

2. وقال شيخ الاِسلام تقي الدين السبكي: إنّ الاِقدام على تكفير الموَمنين عسر جداً، وكلّ من في قلبه إيمان، يستعظم القول بتكفير أهل الاَهواء والبدع مع قولهم لاإله إلاّ اللّه، محمّد رسول اللّه، فانّ التكفير أمر هائل عظيم الخطر.(2)

3. وقال أحمد بن زاهر السرخسي الاَشعري: لما حضرت الوفاةُ أبا الحسن الاَشعري في داري ببغداد أمر بجمع أصحابه ثمّ قال: اشهدوا على أنّني لا أُكفِّرُ أحداً من أهل القبلة بذنب، لاَنّي رأيتهم كلّهم يشيرون إلى معبود واحد والاِسلام يشملهم ويعمهم.(3)


1 ـ ابن حزم: الفصل: 3|291.
2 ـ الشعراني:، اليواقيت والجواهر:2|125، ط عام 1378هـ.
3 ـ الشعراني: اليواقيت والجواهر:2|126.

(18)

4. وقال التفتازاني: إنّ مخالف الحقّ من أهل القبلة ليس بكافر مالم يخالف ما هو من ضروريات الدين كحدوث العالم وحشر الاَجساد، واستدل بقوله: إنّ النبي و من بعده لم يكونوا يفتشون عن العقائد وينبهون على ما هو الحقّ.(1)

السنّة النبوية وتكفير المسلم

قد وردت أحاديث كثيرة تنهى عن تكفير المسلم الذي أقر بالشهادتين فضلاً عمّن يمارس الفرائض الدينية، وإليك طائفة من هذه الروايات:

1. بني الاِسلام على خصال: شهادة أن لا إله إلاّاللّه، وانّمحمّداً رسول اللّه، والاقرار بما جاء من عند اللّه، و الجهاد ماض منذ بعث رسله إلى آخر عصابة تكون من المسلمين...فلا تكفروهم بذنب ولا تشهدوا عليهم بشرك».(2)

2. أخرج أبو داود عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «أيّما رجل مسلم أكفر رجلاً مسلماً فإن كان كافراً وإلاّ كان هو الكافر».(3)


1 ـ التفتازاني: شرح المقاصد:5|227.
2 ـ كنز العمال:1|29، برقم 30.
3 ـ سنن أبي داود:4|221، برقم 4687، كتاب السنة.

(19)

3. أخرج مسلم، عن نافع، عن ابن عمر، انّ النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» قال: «إذا كفّر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما».(1)

4. أخرج مسلم، عن عبد اللّه بن دينار، انّه سمع ابن عمر، يقول: قال رسول اللّه ص: «أيّما امرءٍ قال لاَخيه يا كافر، فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال، وإلاّ رجعت عليه.(2)

5. عقد البخاري باباً باسم «المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلاّ بالشرك»، يقول النبي ص: إنّك امرء فيك جاهلية، وقول اللّه: (إِنَّ اللّهَ لا يغفرُ أَن يُشْركَ بِهِ وَيَغْفرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ) .(3)(4)

6. أخرج الترمذي في سننه عن ثابت بن الضحاك، عن النبي ص قال: «ليس على العبد نذر فيما لا يملك، ولا عن الموَمن كقاتله، ومن قذف موَمناً بكفر فهو كقاتله».(5)

7. أخرج ابو داود عن أُسامة بن زيد قال: بعثنا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)


1 ـ صحيح مسلم: 1|56، باب «من قال لاَخيه المسلم يا كافر» من كتاب الاِيمان.
2 ـ صحيح مسلم: 1|57، باب «من قال لاَخيه المسلم يا كافر» من كتاب الاِيمان، وأخرجه الاِمام أحمد في مسنده:2|22و 60و 142؛ وأخرجه الترمذي في سننه: 5|22 برقم 2637، كتاب الاِيمان.
3 ـ النساء|48.
4 ـ صحيح البخاري: 1|11، باب «المعاصي من أمر الجاهلية» من كتاب الاِيمان.
5 ـ سنن الترمذي: 5|22 برقم 2636، كتاب الاِيمان.

(20)

سرية إلى الحرقات، فنذروا بنا فهربوا فأدركنا رجلاً فلمّا غشيناه قال: لا إله إلاّ اللّه، فضربناه حتى قتلناه فذكرته للنبيص فقال: «من لك بلا إله إلاّاللّه يوم القيامة؟» قال: قلت: يا رسول اللّه، إنّما قالها مخافة السلاح والقتل، فقال: «أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم من أجل ذلك قالها أم لا ؟ من لك بلا إله إلاّ اللّه يوم القيامة؟» قال: فمازال يقولها حتى وددت انّي لم أسلم إلاّ يومئذ.(1)

8.لما خاطب ذو الخويصرة الرسول الاَعظمص بقوله: اعدل، ثارت ثورة من كان في المجلس، منهم خالد بن الوليد قال: يا رسول اللّه الا أضرب عنقه؟ فقال رسول اللّه ص: «لا، فلعله يكون يصلّي» فقال: إنّه رب مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إنّي لم أُوَمر أن أنقب قلوب الناس ولا أشق بطونهم».(2)

وعلى ضوء هذه الاَحاديث المتضافرة والكلمات المضيئة عن الرسولص وعلمائنا السابقين المقتفين أثره يعلم انّ تكفير مسلم ليس بالاَمر الهيّـن بل هو من الموبقات، قال سبحانه: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظيمٌ)(3)

لم يزل المسلمون منذ قرون غرضاً لاَهداف المستعمرين


1 ـ سنن أبي داود:3|45برقم 2643؛ صحيح البخاري: 5|144، باب بعث النبي اسامة بن زيد إلى الحرقات من كتاب المغازي.
2 ـ صحيح البخاري: 5|164، باب بعث علي وخالد بن الوليد من كتاب المغازي.
3 ـ آل عمران|105.

(21)

ومخطَّطاتهم في بث الفرقة بين صفوفهم وجعلهم فرقاً وأُمما متناحرة ينهش بعضهم بعضاً، وكأنّهم ليسوا من أُمّة واحدة كلّ ذلك ليكونوا فريسة سائغة للمستعمرين.وبالتالي ينهبوا ثرواتهم ويقضوا على عقيدتهم وثقافتهم الاِسلامية بشتى الوسائل، ولاَجل ذلك نرى انّه ربما يُشعلون نيران الفتن لاَجل مسائل فقهيةلا تمسّ إلى العقيدة بصلة فيكفِّر بعضهم بعضاً مع أنّالمسائل الفقهية لم تزل مورد خلاف ونقاش بين الفقهاء، فمثلاً:

في مسألة قبض اليد اليسرى باليمنى أقوال فمن قائل بالاستحباب، إلى آخر قائل بالكراهة، إلى ثالث قائل بالتحريم. فلكل مجتهد رأيه فلا يجوز لفقيه أن يكفر فقيهاً أو اتباعه في مسألة القبض، وقس على ذلك مسائل كثيرة تعد من الاَحكام وللاجتهاد فيها مجال واسع.

ونظير ذلك بعض المسائل العقائدية التي ليست من ضروريات الاِسلام بل للعقل والاستدلال دور في تحقيقها، مثلاً:

عصمة الاَنبياء قبل البعثة أو بعدها، أو حدوث القرآن وقدمه، أو صفاته تعالى عين ذاته أو زائد عليها، فليست هذه المسائل محور التوحيد والشرك والاِيمان والكفر ولكلّ محقق، عقيدته ودليله ولا يجوز لآخر تكفيره، ويكفي في ذلك، الاعتقاد بما جاء به النبيإذا لم يكن من أهل التحقيق.


(22)

وبما ذكرنا يعلم انّ تكفير طائفة ، طائفة أُخرى لمسائل فقهية أو عقائدية لم يثبت كونها من ضروريات الدين، أمر محظور وزلَّة لا تغتفر وخدمة للاستعمار الغاشم لا غير.

ونحن لا نريد الاِطالة في الكلام وتكثير الاَمثلة، و تكفي في الاطلاع دراسة وضع المسلمين وتشتتهم ضمن اختلاف بعضهم مع بعض في فروع فقهية أو عقائدية ليست من الضروريات.



(23)

الفصل الثاني

التوحيد، مراتبه و أقسامه

التوحيد ونبذ الشرك من أهمّ المسائل العقائدية التي تصدَّرت المفاهيم والتعاليم السماوية على الاِطلاق، ويعدّ أساساً لسائر المعارف الاِلهية التي جاء بها رسل اللّه في كتبهم وكلماتهم.

وبما انّ للتوحيد مراتب بيّنها علماء الاِسلام في كتبهم العقائدية نأتي بها على سبيل الاِجمال ونردف كلّ قسم منها بآية أو آيات قرآنية ثمّ نبحث باسهاب عن التوحيد في العبادة الذي هو آخر مراتبه.

فنقول: إنّ للتوحيد أقساماً:

الاَوّل: التوحيد في الذات

والمراد منه هو انّه سبحانه واحد لا نظير له، فرد لا مثيل له، بل يمتنع أن يكون له نظير أو مثيل ، قال سبحانه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّميعُ الْبَصير ) .(1)


1 ـ الشورى|11.

(24)

وقال سبحانه: (قُلْ هُوَ اللّه أَحَد* اللّهُالصَّمَد* لَمْ يَلِدْوَلَمْ يُولَدْ*وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَد) .(1)

الثاني: التوحيد في الخالقية

والمراد انّه ليس في صحيفة الوجود خالق غير اللّه سبحانه، ولا موَثر سواه، وانّ ما في الكون من السماوات والاَرض والجبال والبحار والعناصر والمعادن والنباتات والاَشجار فهو مخلوق للّه سبحانه، فوجودها وأفعالها وآثارها كلّها مخلوقة للّه تبارك و تعالى.

فالشمس وحرارتها، والقمر وإنارته، والنار وإحراقه وغير ذلك من الفواعل والاَسباب كلّها مخلوقة للّه تبارك وتعالى مع آثارها ومسبباتها، قال سبحانه: (قُلِ اللّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ القَهّار ) (2) . وقال سبحانه: (اللّهُ خالِقُ كُلّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلّ شَيْءٍ وَكِيل)(3) وقال تعالى: (ذلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إلهَ إِلاّهُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ) .(4) لكن جرت مشيئته على خلق الاَشياء عن طريق أسبابها فكون العالم كله مخلوقاً للّه سبحانه ليس بمعنى إنكار علاقة السببية ، كما سيوافيك .


1 ـ الاخلاص|1ـ4.
2 ـ الرعد|16.
3 ـ الزمر|62.
4 ـ الاَنعام|102.

(25)

الثالث: التوحيد في الربوبية

والمراد منه انّ للكون مدبراً واحداً متصرفاً كذلك لا يشاركه في التدبير شيء فهو سبحانه المدبر الوحيد للكون على الاِطلاق، قال سبحانه: (إِنّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذي خَلَقَالسَّماواتِ وَالاََرْضَ في سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الاََمْر ) (1) وقال سبحانه: (اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرونَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَر كُلٌّ يَجْري لاََجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الاََمْر ) .(2)

تجد انّه سبحانه يذكر بعد خلق السماوات والاَرض، تدبير أمر الخلقة، وربوبيَّتها فيُحصره في ذاته فلا مدبِّر ولا ربّ إلاّ هو، فيكون الخالق هو الموجد، والرب والمدبر لاَمر الخلقة ودوامها واستمرارها.

نعم ثمّة سوَال وهو انّه إذا لم يكن مدبر سواه فما معنى قوله سبحانه:(فَالمُدبِّراتِ أَمْراً) (3) أو قوله تعالى: (وَهُوَ الْقاهِرُ فَوقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَة) (4) فانّ الحفظة جمع «الحافظ» وهم الذين يحفظون العباد ويدبّرون شوَون حياتهم،أفهناك تناف بين هذا الاثبات والحصر السابق؟!


1 ـ يونس|3.
2 ـ الرعد|2.
3 ـ النازعات|5.
4 ـ الاَنعام |61.

(26)

والجواب انّ من كان ملمّـاً بحقائق القرآن وعارفاً بلسانه يقف على عدم وجود أيِّ تناقض وتناف بين ذلك النفي وهذا الاِثبات، وذلك لاَنّ الهدف من حصر التدبير باللّه سبحانه هو حصره به على وجه الاستقلال، أي من يدبر بنفسه غير معتمد على شيء.

وأمّا المثبت لتدبير غيره، فيراد منه انّه يدبر بأمره وإذنه وحوله وقوته على النحو التبعي فكل مدبر في الكون من ملك وغيره فهو مظهر أمره ومنفِّذ إراداته.

وليس هذا بعزيز في القرآن ترى أنّه سبحانه ينسب فعلاً لنفسه وفي الوقت نفسه ينسبه لشخص آخر، ولا تناقض، لاختلاف النسبتين في الاستقلال والتبعية، قال سبحانه: (اللّهُ يَتَّوَفى الاََنْفُسَ حينَ مَوتِها)(1) و قال: (حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا) .(2)

فالتوفّي على وجه الاستقلال هو فعله سبحانه، وأمّا التوفّي بحوله وقدرته وإرادته وأمره فهو فعل الرسل.

وبعبارة أُخرى: هناك فعل واحد وهو التوفّي، يُنسب إلى اللّه بنحو وإلى رسله بنحو آخر، دون أيّ تناف وتنافر بين هذين النسبتين.

ونظيره قوله سبحانه: (وَاللّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُون) (3) وفي الوقت


1 ـ الزمر|42.
2 ـ الاَنعام |61.
3 ـ النساء|81.

(27)

نفسه يعتبر الملائكة كَتَبَة الاَعمال ويقول: (بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِِم يَكْتُبُونَ) .(1)

وبذلك تقف على معنى التوحيد في التدبير والتأثير، وليس معناه خلوّ كلّ موجود من التأثير وانّ آثار الاَسباب تفاض من اللّه سبحانه بلا واسطة، بل معناه انّالآثار والمسببات، للاَسباب نفسها، فالشمس مضيئة، والقمر منير والنار محرقة حقيقة، ولكن بجعل منه سبحانه، فالجميع من مظاهر أمره وإرادته.

ومن زعم انّ معنى التوحيد في الربوبية هو نفي الآثار عن الاَسباب فقد نازع وجدانه، كما نازع الوحي المبين حيث إنّه يثبت الاَثر الطبيعي لكلّ سبب وفي الوقت نفسه يربطهما باللّه سبحانه، قال:(الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الاََرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماء ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا للّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُون) .(2)

تجد انّ الوحي اعترف بسببية الماء لخروج الثمرات الطيّبة وليست هذه الآية وحيدة في هذا الباب، بل في القرآن الكريم نماذج من هذا النوع، قال سبحانه: (وَفِي الاََرْضِقِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخيلٌصِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوان يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الاَُكُلِ إِنَّ في ذلِكَ لآياتٍ لِقَومٍ يعْقِلُونَ) .(3)


1 ـ الزخرف|80.
2 ـ البقرة|22.
3 ـ الرعد|4.

(28)

فتستدلّ الآية على أنّ تدبيره سبحانه فوق تدبير الفواعل الطبيعية، وذلك بشهادة انّ الجنات تثمر أثماراً مختلفة مع وحدة الشرائط والظروف المحيطة بها من وحدة الماء والاَرض، وهذا يدل على أنّ وراء الاَُمور الطبيعية والاَسباب المادية مدبراً فوقها، وعلى الرغم من هذا الاعتراف إلاّ انّه لا ينفي تأثير العوامل الطبيعية من دون أن يراها كافية في خلق هذا التنوّع.

هذا هو منطق القرآن في التوحيد والتدبير والربوبية، فمن أراد التفصيل فليرجع إلى الكتب العقائدية.

الرابع: التوحيد في التشريع والتقنين

والمراد منه انّ التشريع والتقنين للاِنسان حقّمختص باللّه تبارك وتعالى فهو المشرِّع الوحيد للمجتمع الاِنساني ولا يحق لاَحد التقنين. قال سبحانه: (إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ للّه أَمَرَأَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ) (1) والمراد من حصر الحاكمية باللّه هو حصر الحاكمية التشريعية، فالآية تهدف إلى أنّه لا يحق لاَحد أن يأمر وينهى ويحرِّم ويحلِّل سوى اللّه سبحانه ولاَجل انّ المراد من الحكم المختصّ باللّه سبحانه، هو التشريع أردفه بقوله: (أَمَرَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ ) فالمراد من الاَمر هنا هو الاَمر التشريعي.

وقال سبحانه: (أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ)


1 ـ يوسف|40.

(29)

حُكْماً لِقَومٍ يُوقِنُون) (1) فالآية تقسِّم القوانين إلى : إلهية وجاهلية، وبما انّ ما كان من صنع الفكر البشري ليس إلهياً فيكون حكماً جاهلياً البتة.

الخامس: التوحيد في الطاعة

والمراد انّه لا يجب طاعة سوى اللّه تعالى، فهو وحده يجب أن يُطاع وأن تمتثل أوامره ونواهيه، وأمّا طاعة غيره فتجب بإذنه وأمره وإلاّ كانت محرمة موجبة للشرك في الطاعة، قال سبحانه: (وَما أُمِرُوا إِلاّ ليَعْبُدُوا اللّهَمُخْلِصينَ لَهُ الدِّين) (2) والدين في الآية بمعنى الطاعة أي مخلصين الطاعة له ولا يطيعون غيره.

نعم تجب طاعة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لاَمره تعالى، قال سبحانه: (وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍإِلاّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللّه).(3)

وفي آية أُخرى عُدَّت طاعة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من مظاهر طاعة اللّه وقال: (وَمَنْ يُطِعِ الرَّسُول فَقَدْ أَطاعَ اللّه).(4)

وعلى ضوء ذلك فإطاعة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأُولي الاَمر والوالدين إنّما هو بإذنه وأمره سبحانه ولولاه لم تكن طاعتهم واجبة، بل ولا الانقياد لاَوامرهم جائزة فهناك مطاع بالذات وهو اللّه وغيره مطاع بالعرض وبأمره.


1 ـ المائدة|50.
2 ـ البينة|5.
3 ـ النساء|64.
4 ـ النساء|80.

(30)

السادس: التوحيد في الحاكمية

والمراد منه انّالحكم على الناس حقّ مختص باللّه تبارك و تعالى، و حكومة الغير يجب أن تنتهي إلى اللّه تبارك و تعالى، وذلك لاَنّ الحكومة والحاكمية في المجتمع لا تنفك عن التصرف في النفوس والاَموال وتحديد الحريات وذلك فرع ولاية، للحاكم على المحكوم ولولاها لعدَّ التصرف عدواناً وممّا لا شكّ فيه انّ الولاية للّه المالك الحقيقي للاِنسان الخالق له، والمدبر له، فلا يحقّ لاَحد الاِمرة على العباد إلاّ بإذن منه سبحانه.

قال سبحانه: (إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ للّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلينَ).(1) وقال سبحانه: (أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبينَ) (2) فالحكومة على الناس ـ سواء أكانت بصورة القضاء وفضِّ الخصومة أو بصورة الاِمرة ـ حقّ للّه، وغيره يمارسها بإذنه وإلاّ فيكون من قبيل حكم الطواغيت الذي شجبه القرآن في أكثر من آية.

السابع: التوحيد في العبادة

والمراد منه حصر العبادة باللّه سبحانه وهذا هو الاَصل المتفق عليه بين جميع طوائف المسلمين فلا يكون المسلم مسلماً


1 ـ الاَنعام|57.
2 ـ الاَنعام|62.

(31)

إلاّ بعد الاعتراف بهذا الاَصل، وشعار المسلمين الذي يردّدونه كل يوم هو قوله سبحانه: (إِيّاكَ نَعْبُدُ) فعبادة غيره إشراك للغير مع اللّه في العبادة، موجبة لخروج المسلم عن ربقة الاِسلام.

وثمة أمر آخر وهو انّالضابطة الكلية ـ حصر العبادة باللّه سبحانه ـ أمر لا غبار عليه، لكن ثمة أُموراً ربما يتصور انّها من قبيل العبادة لغير اللّه، وهذا ما سنتطرق إليه في الفصل الخامس، وعلى ذلك فالنزاع ليس كبروياً بل صغروي، أي لا نزاع لاَحد في أنّه لا تجوز عبادة غيره، وإنّما الكلام في أنّ هذا الاَمر هل هو عبادة غيره سبحانه أو لا ؟

مثلاً هل إقامة الاحتفالات في الاَعياد والمهرجانات الدينية عبادة لصاحب الذكرى، أو هو تكريم وتبجيل وتعظيم له، فلو كانت عبادة تكون محرمة وشركاً بلا شك، ولو كان تكريماً وتعظيماً له يكون أمراً جائزاً بل مستحباً.

وهناك أمثلة أُخرى ستمر عليك في الفصل الخامس،غير انّ المهم في المقام هو تفسير العبادة تفسيراً منطقياً وتحديدها تحديداً دقيقاً ليعلم من خلالها ما هو الداخل تحتها أو الخارج عنها.

وهذا هو الذي يتكفل بيانه الفصلان التاليان.(1)


1 ـ أحدهما يتضمن بيان حقيقة العبادة ومقوماتها و الآخر يتضمن تعريف العبادة، والاَوّل مقدمة للآخر.

(32)


(33)

الفصل الثالث

حقيقة العبادة ومقوِّماتها

إنّ مفهوم العبادة من المفاهيم الواضحة كالماء والاَرض لكن مع وضوح مفهومهما ربما يصعب التعبير عن حقيقتهما في قالب الاَلفاظ.

وهكذا مفهوم العبادة من المفاهيم الواضحة مفهوماً ومصداقاً، ولكن ربما يصعب تحديدها تحديداً منطقياً يكون جامعاً للاَفراد ومانعاً للاَغيار مع وضوح مصاديقها غالباً.

فخضوع العاشق الولهان للمعشوق، أو الجنديّ لرئيسه، وشدُّ الرحال إلى زيارة كبار الشخصيات كلّها خضوع وخشوع وليست بعبادة.

والرجوع إلى اللغة لا يسمن ولا يغني من جوع، لاَنّ أصحاب المعاجم لم يكونوا بصدد تحديد مفهوم العبادة حتى يُتخذ ما ذكروه مقياساً وتعريفاً جامعاً ومانعاً. فانّـهم فسروه بالخضوع والتذلّل وما شابههما.

يقول ابن منظور في لسان العرب: أصل العبودية الخضوع


(34)

والتذلّل.

ويقول الراغب في المفردات: العبوديّة: التذلّل، والعبادة أبلغ منها لاَنّها غاية التذلّل.

وفي القاموس المحيط: العبادة: الطاعة.

إلى غير ذلك من التعاريف المتقاربة .

و من المعلوم انّ هذه تعاريف بالمعنى الاَعم، إذ ليس مجرّد الخضوع والتذلّل ولا غايتهما حداً للعبادة، فانّ حبّ العاشق للمعشوق لا يعد عبادة له ، كما انّتقبيل المصحف الكريم ليس عبادة للكتاب، وأوضح من ذلك انّ سجود الملائكة لآدم، كقوله سبحانه: (فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلّهُمْ أَجْمَعُونَ* إِلاّإِبْليسَ أَبى) (1) وسجود النبي يعقوب (عليه السلام) وزوجه وأولاده ليوسف (عليه السلام) ، كما في قوله سبحانه: (وَرَفَعَ أَبَوْيهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً) (2) لم يك عبادة للمسجود له، أعني آدم أبا البشر ولا النبي يوسف «عليه السلام» .

وقد بلغ خضوع الصحابة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بمكان انّهم كانوا يتبركون بفضل وضوئه وشعر رأسه، والاِناء الذي يشرب منه الماء، والمنبر الذي كان يجلس عليه، ومن الواضح انّ هذا النوع من التبرّك غاية الخضوع منهم للنبي «صلى الله عليه وآله وسلم» ومع ذلك لم يبلغ حدَّ العبادة ولم يصفهم أحد بأنّهم كانوا


1 ـ الحجر|30ـ31.
2 ـ يوسف|100.

(35)

يألِّهون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويعبدونه كلّذلك يجرّنا إلى أن نقوم بتعريفها حتى يعم جميع المصاديق ويمنع عن دخول غيرها.

والطريق الواضح لحلّ هذه المعضلة هو الوقوف على مقومات العبادة و إمعان النظر في العبادات الصحيحة التي قام بها المسلمون على مرّ العصور، وفي العبادات والطقوس الباطلة التي كانت تُمارَس من قِبَل الوثنيين في الجاهلية والعصر الحاضر حتى نقف على الخصوصيات المكنونة في عمل الجميع والتي على ضوئها تطلق عليها عبادة، إذاً فتحليل أعمالهم والوقوف على الميزات الموجودة فيها والخصوصيات الكامنة يوقفنا أوّلاً على حقيقة العبادة، ويرسم لنا ثانياً تعريفاً جامعاً ومانعاً على نحو يكون مقياساً لتمييز العبادة عن غيرها.

وإليك تحليلها:

لا شكّ انّ الجامع بين جميع أقسام العبادات صحيحها وباطلها هو الخضوع للمعبود سواء أكان مستحقاً له كاللّه سبحانه أو غير مستحق له كالاَصنام والاَوثان أو الاَجرام السماوية من النجم والقمر والشمس والاَرواح والمثل النورية المجردة، فالعبادة في جميع تلك المراحل تتمتع بالخضوع وهو عمل قائم بالجوارح كالرأس واليد وغيرهما، فالعابد يخضع بجلّ جوارحه أو بشيء منها أمام المعبود وهذا أمر لاسترة فيه.

ولكن هناك خصوصية أُخرى موجودة في الجميع وهو أمر


(36)

قائم بالضمير و القلب ولعلّه الاَساس لاِضفاء العبادة على العمل الجارحي، وهي عبارة عن اعتقاد خاص بالمعبود الذي يكون مبدأً للخضوع الظاهري.

فالواجب علينا بيان تلك الخصوصية الموجودة في جميع الاَقسام وإليك التوضيح:

أمّا الموحدون الذين يعبدون اللّه تبارك و تعالى، فخضوعهم نابع عن اعتقادهم بأنّه خالق للكون والاِنسان، والمدبر للعالم الذي بيده كلّ شيء في الدنيا والآخرة، وليس هناك أي خالق ومدبر ومالك لمصالح العباد ومصائرهم في العاجل والآجل سواه.

أمّا العاجل فيعتقدون أنّ الخلق والتدبير والاحياء والاماتة و انزال المطر والخصب و الجدب وكلّما يعدّظاهرة طبيعية من فعله سبحانه لا من فعل غيره الذي لا يملك أي تأثير في مصير الاِنسان.

أمّا الآجل فيعتقدون أنّ الشفاعة ومغفرة الذنوب وغيرهما من الاَُمور الاَُخروية بيده تعالى.

وعلى ضوء ذلك فالعبادة هو الخضوع النابع عن الاعتقاد بخالقيته ومدبريته وكون أزمَّة الاَُمور ومصير الاِنسان في الدنيا والآخرة بيده.

هذا حال الموحدين وأمّا المشركون في عصر الرسالة وقبله وبعده فخضوعهم لمعبوداتهم كان نابعاً عن اعتقاد خاص يضادُّ


(37)

ذلك، فاللازم هو تحصيل ذلك الاعتقاد.

يظهر من بعض الآيات انّ العرب في العصر الجاهلي كانوا موحدين في الخالقية، قال تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَالسَّماواتِ وَالاََرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ العَلِِيم) (1) ولكنّهم في الوقت نفسه كانوا مشركين في التدبير الذي نعبِّر عنه بالربوبية، فكانوا يعتقدون بأرباب، مكان الرب الواحد، ولكلّ رب شأن في عالم الكون.

ويدل على ذلك طائفة من الآيات نذكر بعضها:

1. انّ الموحد يرى انّالعزة بيد اللّه سبحانه ومنطقه، قوله سبحانه: (فلِلّه الْعِزَّةُ جَميعاً) .(2)

ولكن المشرك في عصر الرسالة كان يرى انّ العزة بيد الاَصنام والاَوثان كما يحكي عن عقيدته قوله سبحانه: (وَاتَّخَذُوا مِنْدُونِ اللّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً) .(3)

2. انّ الموحد يرى انّ النصر بيد اللّه تبارك و تعالى و يردّد على لسانه، قوله سبحانه: (وَمَا النَّصْرُ إِلاّمِنْ عِنْدِ اللّهِ الْعَزيزِ الحَكيم).(4)

ولكن المشرك في عصر الرسالة كان يعتقد بأنّالنصر بيد


1 ـ الزخرف|9.
2 ـ فاطر|10.
3 ـ مريم|81.
4 ـ آل عمران|126.

(38)

الآلهة والاَرباب المزيَّفة، قال سبحانه: (وَاتَّخذوا مِنْ دُونِ اللّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُون) .(1)

3. انّ الموحد يوَمن بأنّ أمر التدبير بيد اللّه ، قال سبحانه: (إِنَّ اللّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغيْث) .(2) كما انّ بيده الجدب والخصب قال سبحانه: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخوفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الاََمْوالِ وَالاََنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّر الصّابِرينَ) .(3)

ولكن المشرك كان يستمطر بالانواء بل يستمطر بالاَصنام.

يقول ابن هشام في سيرته: كان عمرو بن لُحَيّ أوّل من أدخل الوثنية إلى مكة وضواحيها، فقد رأى في مآب من أرض البلقاء من بقاع الشام أُناساً يعبدون الاَوثان وعندما سألهم عمّا يفعلون قائلاً: ما هذه الاَصنام التي أراكم تعبدونها؟

قالوا: هذه أصنام نعبدها فنستمطرها فتُمطرنا، ونستنصرها فتنصرنا، فقال لهم: أفلا تعطونني منها صنماً فأسير به إلى أرض العرب فيعبدوه؟

وهكذا استحسن طريقتهم واصطحب معه إلى مكة صنماً كبيراً يقال له «هبل» ووضعه على سطح الكعبة المشرّفة ودعا الناس


1 ـ يس|74.
2 ـ لقمان|34.
3 ـ البقرة|155.

(39)

إلى عبادته.(1)

4.ثمّ إنّ الموحد يرى انّ غفران الذنوب والشفاعة بيده سبحانه فليس هناك غافر للذنوب إلاّ اللّه سبحانه ولا شفيع إلاّ بإذنه، يقول سبحانه: (فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوب إِلاّ اللّه) (2)

ى وقوله سبحانه: (قُلْ للّهِ الشَفاعةُ جَميعاً لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالاََرْض) .(3) ةىوقال سبحانه: (وَلا يَمْلِكُ الَّذينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَة) .(4)

وأمّا المشرك فكان يعتقد بأنّ الشفاعة بيد الآلهة والاَرباب المزيفة، والشاهد عليه انّ الآيات الماضية نزلت رداً على عقيدة المشركين حيث كانوا يعتقدون بأنّهم مالكون مقام الشفاعة بتفويض من اللّه سبحانه ولاَجل ذلك يوَكد على نفي تلك العقيدة في آيات أُخرى، ويقول: (لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلاّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمن عَهْداً)(5) ضى وقال: (وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ) (6) وقال: (وَلا يَملِكُ الَّذينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلاّ مَنْ شَهِدَ بِالحَقّ).(7)


1 ـ انظر السيرة النبوية: 1|76ـ77.
2 ـ آل عمران|135.
3 ـ الزمر|44.
4 ـ الزخرف|86.
5 ـ مريم|87.
6 ـ سبأ|23.
7 ـ الزخرف|86.

(40)

كما يرى انّ مغفرة الذنوب بيد الآلهة والشاهد على ذلك (وصفه سبحانه) نفسه بأنّه «غافر الذنب» .(1)

5.انّ الموحد يرى مصيره عاجلاً و آجلاً بيده سبحانه: وهذا هو إبراهيم الخليل رائد التوحيد يعلن عقيدته أمام الملاَ من المشركين، يقول سبحانه حاكياً عنه: (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدين* وَالَّذي هُوَ يُطْعِمُني وَيَسقين* وَإِذا مَرِضْت فَهُوَ يَشْفين* وَالذي يُميتُني ثُمَّ يُحيين) .(2)

ولكن المشرك يرى كلّ ذلك أو أكثره بيد آلهته وأربابه، كما يعرب عنه قوله سبحانه: (وَمِنَ النّاسِمَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللّهِ أَنْداداً يُحِبُونَهُمْ كَحُبِّ اللّه) (3) ويقول تعالى حاكياً عن لسان المشركين يوم الحشر عند ندمهم عن عبادة الآلهة، (تاللّهِ إِنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبين * إِذْ نُسَويكُمْ بِرَبِّ الْعالَمين) .(4)

6. انّ الموحد يرى أمر التشريع والتحليل والتحريم بيده سبحانه، ويقول: (إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ للّهِ).(5)

ولكن المشرك يرى انّ التشريع بيد الاَحبار والرهبان، قال


1 ـ راجع غافر|3.
2 ـ الشعراء|78ـ 81.
3 ـ البقره|165.
4 ـ الشعراء|97ـ 98.
5 ـ يوسف|40.

(41)

سبحانه: (اتَّخَذوا أَحْبارَهُمْ وَرُهبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللّه) (1) فقد كانوا على اعتقاد انّ الاَحبار والرهبان يملكون مقام التشريع فلهم أن يحلوا الحرام أو يحرموا الحلال بأخذ شيء من حطام الدنيا.

إلى غير ذلك ممّا يبين عقيدة المشركين في العصر الجاهلي ويكشف عن أنّ خضوع المشركين لم يكن خضوعاً مجرداً نابعاً عن الحب المجرد بل ناجماً عن عقيدة خاصة في الآلهة والاَرباب، والاعتقاد بأنّ أمر التدبير بعضه أو كلّه بيدهم وانّمصيرهم موكول إليهم.

نعم لم تكن عقيدتهم في ربوبيتهم على درجة واحدة، بل كانت تختلف حسب اختلاف الظروف والشرائط.

فطائفة منهم تعتقد بسعة ربوبية الاَرباب والآلهة كما كان عليه المشركون في عصر إبراهيم حيث كانوا يعتقدون بربوبية النجم والقمر والشمس للموجودات الاَرضية كما حكاه سبحانه عنهم في عدّة من الآيات، قال سبحانه: (وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالاََرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنينَ* فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوكَباً قالَهذا رَبِّي فَلَمّا أَفَلَ قالَلا أُحِبُّ الآفِلين...) .(2)

وطائفة أُخرى تعتقد بضيق ربوبية تلك الآلهة وتخصها


1 ـ التوبة|31.
2 ـ الاَنعام|75ـ80.

(42)

ببعض ما يمتُّ إلى الاِنسان بصلة كاختصاصهم بحقّ الشفاعة والمغفرة والعزّة والنصرة في الحروب إلى غير ذلك، و من أراد التفصيل فليرجع إلى كتب الملل والنحل.(1)

والذي كان يجمع المشركين في معسكر واحد هو اعتقادهم بمالكية الآلهة شيئاً من الربوبية وإدارة الكون وحياة الاِنسان.

ونلفت نظر القارىَ إلى بعض النماذج ممّا أثر عن المشركين في مجال عقيدتهم.

قال زيد بن عمرو بن نوفل الذي ترك عبادة الاَصنام قبل أن يبعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث يحكي عن عقيدته في الجاهلية ويقول:

أرب واحد أم ألف ربّ * أدين إذا تُقسِّمت الاَُمور
عزلت اللات والعزى جميعاً * كذلك يفصل الجلد الصبور
للا عزّى أدين ولا ابنتيها * ولا صنم بني عمرو أزور

ويقول أيضاً:

إلى الملك الاَعلى الّذي ليس فوقه * إله ولا ربّ يكون مدايناً(2)


1 ـ الشهرستاني: الملل والنحل:2|244.
2 ـ الآلوسي: بلوغ الارب: 2|249.

(43)

هذه الاَشعار وسائر الكلمات المروية قبل مبعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تثبت أمراً واحداً، و هو انّ آلهتهم كان ت تتمتع حسب عقيدتهم بقوة غيبية مالكة لها موَثرة في الكون ومصير الاِنسان، وانّ هوَلاء آلهة وأرباب واللّه سبحانه إله الآلهة وربّالاَرباب.

ويمكن أن نتطرق إلى المواقف التي اتّخذوها أمام أصنامهم وأوثانهم من خلال استعراض الآيات التي تندد بالمشركين وتشجب عملهم.

1. (انَّ الَّذينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ). (1)

2. (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلاتَحويلاً) .(2)

3. (وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللّهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ) .(3)

4. (إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ) .(4)

5. (أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمن إِنِ الْكافِرُونَ إِلاّ في غُرُور ) .(5)


1 ـ الاَعراف|194.
2 ـ الاِسراء|56.
3 ـ يونس|106.
4 ـ فاطر|14.
5 ـ الملك|20.

(44)

6.(إِمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعهُمْ مِنْ دُونِنا لا يَسْتَطيعونَنَصرَ أَنْفُسهِمْ وَلا هُمْ مِنْها يُصْحَبُونَ) .(1) إلى غير ذلك من الآيات المندّدة بعمل المشركين حيث تجد انّه سبحانه يرشدهم إلى الحقيقة الناصعة ويبطل عقيدتهم المزيفة بالحجج التالية:

أ. انّهم ( عباد أَمْثالكُمْ) فلا ربوبية لهم كلاً أو بعضاً.

ب. (فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرّ ) فلا ربوبية لهم حتى يكشفوا الضرّ عنكم.

ج. لا ينْفَعُونَ وَلا يضُرُّونَ، وَلا يسْمَعُون فكيف تعبدونهم؟

كلّ ذلك يكشف عن انّ المخاطبين كانوا على اعتقاد راسخ بأنّ للآلهة قدرة غيبية فوق الاِنسان وانّ زمام كشف الضرّ بأيديهم فينفعون ويضرّون.

إلى هنا تبين انّ حقيقة العبادة قائمة بأمرين:

الاَوّل: يرجع إلى جوارح الاِنسان المشعرة بالتعظيم والخضوع.

الثاني: يرجع إلى عقيدة الخاضع في حقّ المخضوع له بنحو من الاَنحاء من كونه خالقاً أو رباً أو من بيده مصير الاِنسان كلاً أوجزءاً فلا تتحقق مفهوم العبادة إلاّ بتحققهما.

نعم يبقى هنا سوَال وهو انّ العرب في العصر الجاهلي لو


1 ـ الاَنبياء|43.

(45)

كانوا معتقدين بربوبيّة الآلهة، فلماذا يحكي عنهم ا لقرآن بأنّ عبادتهم كانت لاَجل التقرب بعبادتهم إلى اللّه فقط لا غير، قال سبحانه: (أَلا للّهِ الدِّينُ الْخالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّلِيُقَرِّبُونا إِلَى اللّهِ زُلْفى إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ في ما هُمْ فيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفّارٌ ) .(1)

حيث يحكي عنهم سبحانه قولهم: (ما نعبدهم إلاّ ليقربونا إلى اللّه زلفى) أي يقولون: نحن لا نعدُّهم موَثرين في حياتنا ومصيرنا وإنّما نعبدهم لنتقرب بعبادتهم إلى اللّه.

والجواب: انّه لا شكّ حسب ما مرّ من الآيات انّهم كانوا يتّخذونهم آلهة وأرباباً وكانوا يستمطرون ويعتَّزون بهم إلى غير ذلك من صفات الآلهة، ومع ذلك كيف يمكن ان تُحصر عبادتهم في طلب التقرب إلى اللّه، وهذا يدلنا إلى القول بأنّهم كانوا يقولون في ألسنتهم ما ليس في قلوبهم ولذلك نرى انّه سبحانه يقول في ذيل الآية (إِنَّ اللّهَ لا يَهْدي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفّار ) مشيراً إلى أنّهم كاذبين في ذلك المدّعى وإنّما يعبدونهم لغايات دنيوية، وهو اكتساب العزة والنصرة والخصب والنعمة والشفاء والشفاعة.

وحيث إنّه طال الكلام في هذا الفصل الّذي تناولنا فيه بيان مقوّّمات العبادة نحيل تعريفها إلى الفصل اللاحق.


1 ـ الزمر|3.

(46)


(47)

الفصل الرابع

تعريف العبادة

إذا وقفت على مقوّمات العبادة، فيكون من السهل تعريف العبادة تعريفاً منطقياً جامعاً للاَفراد ومانعاً للاَغيار بأحد التعاريف التالية:

التعريف الاَوّل

العبادة هي الخضوع عن اعتقاد بأُلوهية المعبود، فمالم يكن القول والعمل ناشئين من الاعتقاد بالاَُلوهية، لا يكون الخضوع والتعظيم والتكريم عبادة.

والذي يجب أن نلفت نظر القارىَ إليه، هو انّ المراد من الاَُلوهية ليست المعبودية كما هو الرائج في الاَلسن، بل المراد منها الاعتقاد بكونه إله العالم وخالقه ومدبره وانّ أزمة الاَُمور كلّها أو بعضها بيده، فهذا هو المراد من الاِله، والاَُلوهية، فلفظ الاِله كلي و(اللّه) لفظ الجلالة علم، فليس بينهما فرق إلاّ بالكلية والجزئية.


(48)

والذي يدل على ذلك(الخضوع النابع عن الاعتقاد بالاَُلوهيّة) انّ بعض الآيات تأمر بعبادة اللّه وتنهى عن عبادة غيره مدللاً بأنّه لا إله غيره، يقول: (يا قَومِ اعْبُدُوا اللّهَ ما لَكُمْ إِلهٍ غَيْرُهُ) .(1)

ومعنى ذلك أنّ الذي يستحق العبادة من كان إلهاً وليس هو إلاّ اللّه، عندئذٍ كيف تعبدون ما ليس بإله حقيقة و إنّما تدّعون له الاَُلوهية؟ وكيف تنبذون عبادة اللّه وهو الاِله الذي يجب أن يعبد دون سواه؟ وقد وردت هذه الآية بنصها أو مضمونها في كثير من الآيات.(2)

فهذه التعابير تفيد انّ العبادة هي ذلك الخضوع والتذلّل النابعين من الاعتقاد بأُلوهية المعبود، إذ نلاحظ ـ بجلاء ـ كيف استنكر القرآن على المشركين عبادة غير اللّه بأنّ هذه المعبودات ليست آلهة وانّ العبادة من شوَون الاَُلوهية .وحيث إنّ هذا الوصف لا يوجد إلاّ في اللّه سبحانه لذلك تجب عبادته دون سواه.

التعريف الثاني

العبادة هي الخضوع أمام من يعتقد انّه ربّ يملك شأناً من شوَون وجوده وحياته وشوَونه في آجله وعاجله.

سواء كان أمراً مادّياً كالعزّة و النصر، أم معنويّاً كمغفرة الذنوب.


1 ـ الاَعراف|59.
2 ـ وللقارىَ الكريم أن يراجع في ذلك الآيات التالية: الاَعراف|65، 73، 85؛ هود|50، 61، 84؛ الاَنبياء|25؛ الموَمنون|23، 32؛ طه |14.

(49)

والمقصود من الربّ، هو المالك لشوَون الشيء، المتكفّل لتدبيره وتربيته، ولذلك تكون العبودية في مقابل الربوبية.

ويدل على ذلك طائفة من الآيات التي تعلل الاَمر بحصر العبادة في اللّه وحده بأنّه الربّ لا غير، وإليك بعض هذه الآيات:

(وَقالَ الْمَسيحُ يا بَني إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللّهَ رَبّي وَربَّكُمْ) .(1)

(إنَّ هذِهِ أُمَّتكُمْ أُمّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونَ) .(2)

(إِنَّ اللّهَ رَبِّي وَربّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيم) .(3)

وقد ورد مضمون هذه الآيات في آيات أُخرى هي:يونس: 3؛ الحجر :99؛ مريم 36، 65؛ الزخرف:64.

وعلى كلّحال فانّ أوضح دليل على هذا التفسير للفظ العبادة هو الآيات التي سبق ذكرها.

التعريف الثالث

العبادة هي الخضوع أمام من نعتقد انّه إله العالم، أو من فوض إليه أعماله كالخلق والرزق والاِحياء والاِماتة التي تعد من الاَفعال الكونية أو التقنين والتشريع وحقّ الشفاعة والمغفرة التي تعد من


1 ـ المائدة|72.
2 ـ الاَنبياء|92.
3 ـ آل عمران|51.

(50)

الاَفعال التشريعية.

إنّ الموحد يعبد اللّه سبحانه بما انّه قائم بهذه الاَفعال، من دون أن يفوِّض شيئاً منها إلى مخلوقاته، ولكنّ المشركين مع اعتقادهم بأنّآلهتهم وأربابهم مخلوقون للّه تبارك و تعالى، لكن كانوا على اعتقاد انّه فُوض إلى الآلهة أُمور التكوين والتشريع كلّها أو بعضها، فلذلك كانوا يستمطرون بالاَنواء والاَصنام ويطلبون الشفاعة منهم بتصور انّهم مالكون لحقّ الشفاعة، ويطلبون منهم النصرة والعزة في الحرب بزعم انّ الاَمر بيدهم وانّه فوض إليهم.

وعلى ضوء هذه التعاريف الثلاثة يظهر الفرق الجوهري بين التوحيد في العبادة والشرك فيها، فكلّ خضوع نابع عن اعتقاد خاص بإلهية المخضوع له وربوبيته أو تفويض الاَمر إليه فهو عبادة للمخضوع له سواء كان ذلك الاعتقاد الخاص في حقّ المعبود حقاً ـ كما في اللّه سبحانه ـ أو باطلاً كما في حقّ الاَصنام. وعلى كلّ تقدير فالخضوع الناجم عن هذا النوع من الاعتقاد، عبادة للمخضوع له.

وأمّا لو كان الخضوع مجرداً عن هذه العقيدة فهو تعظيم وتكريم، وليس بعبادة، ولا يكون الخاضع مشركاً، ولا عمله موصوفاً بالشرك، غاية الاَمر ربما يكون حلالاً كما في الخضوع أمام الاَنبياء والاَولياء ومن وجب له حقّ بالتعليم والتربية، وربما يكون حراماً كالسجود أمام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والولي «عليه السلام» وغيرهما لا لاَنّه عبادة للمسجود له، بل لانّه لا يجوز السجود لغيره سبحانه وانّ السجود خضوع لا يليق بغيره.


(51)

وبمثل هذا البيان تتميز العبادة عن التعظيم، فتقبيل المصحف وضرائح الاَنبياء وما يمتّ إليهم بصلة إذا كان فارغاً عن اعتقاد الاَُلوهية والربوبية والتفويض فهو ليس عبادة للمخضوع له.

إذا عرفت تلك الضوابط فلنتناول بالبحث الموضوعات الخاصة التي ربما يتصور انّها شرك وعبادة لغير اللّه أو انّها بدعة دخلت في الدين أو حرام كسائر المحرمات، ويأتي كلّ ذلك في ضمن الفصل الآتي.


(52)


(53)

الفصل الخامس

تطبيقات على ضوء تعريف العبادة

ينطوي هذا الفصل على مسائل صارت ذريعة للاختلاف والتشتت، وهي لا تمس العقيدة بصلة، وإنّما هي مسائل فقهية تستنبط أحكامها من الكتاب والسنّة وهذه المسائل هي كالتالي:

1. زيارة القبور.

2. شدّالرحال إلى زيارة قبر النبي ص.

3. البناء على القبور.

4. بناء المساجد على القبور والصلاة فيها.

5. التوسّل بالاَنبياء والاَولياء والصالحين وأقسامه.

6. انتفاع الموتى بأعمال الاَحياء والنذر لهم.

7. التبرّك بآثار الاَنبياء والصالحين.

8. الاحتفال بميلاد النبي ص.

9. البكاء على الميت.

10. الحلف على اللّه بحقّ الاَولياء.

11. الحلف بغير اللّه سبحانه.

12. تسمية المواليد باضافة العبد إلى غير اللّه سبحانه.

وإليك البحث فيها واحدة تلو الاَُخرى:


(54)


(55)

1


زيارة القبور (1)

إنّ زيارة القبور تنطوي على آثار أخلاقية وتربوية هامة، لاَنّ مشاهدة المقابر التي تضمُّ في طياتها مجموعة كبيرة من رفاة الذين عاشوا في هذه الحياة، ثمّ انتقلوا إلى الآخرة، توَدي إلى الحد من الطمع والحرص على الدنيا، وربما يُغيِّر سلوك الاِنسان فيترك الظلم و المنكر ويتوجه إلى اللّه والآخرة.

لذا يقول الرسول الاَعظم ص: «زوروا القبور فانّها تذكّركم بالآخرة».(2)

نعم يستفاد من بعض الاَحاديث انّالنبي «صلى الله عليه وآله وسلم» نهى يوماً عن زيارة القبور ثمّ رخّصها، ولعلّ النهي كان لملاك آخر، وهو أنّ أكثر الاَموات ـ يومذاك ـ كانوا من المشركين،


1 ـ انّ زيارة القبور من المسائل الفرعية الفقهية، ولا تمتُّ إلى العقيدة الاِسلامية بصلة، ولا يتّهم القائل بجوازها بالشرك، وهذه المسألة شأن سائر المسائل يرجع فيها إلى الكتاب والسنة حتى يعلم جوازها أو عدم جوازها.
2 ـ شفاء السقام: 107.

(56)

فنهى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن زيارتهم، ولمّا كثر الموَمنون بينهم رخّصها بإذن اللّه عزّ وجلّ، وقال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فانّها تزهد في الدنيا وتذكر في الآخرة».(1)

وقالت عائشة: انّ رسول اللّه رخّص في زيارة القبور، وقالت: إنّالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: أمرني ربّي أن آتي البقيع وأستغفر لهم. قلتُ: كيف أقول يا رسول اللّه «صلى الله عليه وآله وسلم» ؟

قال: قولي: السلام على أهل الديار من الموَمنين والموَمنات يرحم اللّه المستقدمين منّا والمستأخرين، انّا إن شاء اللّه بكم لاحقون.(2)

وجاء في الصحاح والمسانيد صور الزيارات التي زار بها النبيص البقيع.

قال موَلف كتاب «الفقه على المذاهب الاَربعة»: زيارة القبور مندوبة للاتعاظ وتذكّر الآخرة وتتأكد يوم الجمعة، وينبغي للزائر الاشتغال بالدعاء والتضرّع، والاعتبار بالموتى، وقراءة القرآن للميت فانّ ذلك ينفع الميت على الاَصح، وبما ورد أن يقول الزائر عند روَية القبور: «السّلام عليكم دار قوم موَمنين وإنّا إن شاء اللّه بكم لاحقون» ولا فرق في الزيارة بين كون المقابر قريبة أو بعيدة(3) بل يندب السفر لزيارة الموتى خصوصاً مقابر الصالحين.


1 ـ سنن ابن ماجة: 1|117، باب ما جاء في زيارة القبور.
2 ـ لاحظ صحيح مسلم:2|64، باب ما يقال عند دخول القبور.
3 ـ إلاّ الحنابلة فقالوا إذا كانت القبور بعيدة فزيارتها مباحة لا مندوبة.

(57)

هذه كلمات فقهاء المذاهب الاَربعة حول زيارة القبور.(1)

زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)


هذا كلّه حول زيارة قبور المسلمين، وأمّا زيارة قبر النبيوأئمّة الاِسلام والشهداء والصالحين فلا شكّ انّ لزيارتهم نتائج بنّاءة نشير إليها، كما نشير إلى الاَحاديث الواردة حول زيارة قبورهم ليكون البحث مرفقاً بالتحليل وجامعاً للدليل.

أمّا التحليل: انّ زيارة مراقد هذه الشخصيات هو نوع من الشكر والتقدير على تضحياتهم وإعلام للجيل الحاضر بأنّ هذا هو جزاء الذين يسلكون طريق الحقّ والهدى، والفضيلة والدفاع عن المبدأ والعقيدة، وهذا لا يدفعنا إلى زيارة قبورهم فحسب، بل إلى إبقاء ذكرياتهم حية ساخنة، والمحافظة على آثارهم وإقامة المهرجانات ، في ذكرى مواليدهم،وعقد المجالس وإلقاء الخطب المفيدة في أيّام التحاقهم بالرفيق الاَعلى، وهذا شيء يدركه كلّذي مسكة.

ولاَجل ذلك ترى انّالاَُمم الحية يتسابقون في زيارة مدفن روَسائهم وشخصياتهم الذين ضحُّوا بأنفسهم وأموالهم في سبيل نجاة الشعب، وإنقاذه من مخالب المستعمرين والظالمين، ويقيمون المجالس لاحياء معالمهم، دون أن يخطر ببال أحد انّهذه الاَُمور


1 ـ الفقه على المذاهب الاَربعة:1|540.

(58)

عبادة لهم، فأين التعظيم للشخصيات من عبادتهم؛ فانّالتعظيم تقدير لجهودهم، والعبادة تأليههم واتخاذهم أرباباً. أفهل هناك من يخلط بين الاَمرين منّا أو من غيرنا؟! كلاّ ،لا، شريطة الاِمعان في مقوّمات العبادة وتعريفها الماضيتين في الفصلين السابقين.

إذا وقفت على الآثار البنّاءة لزيارة مطلق القبور وزيارة قبور الاَولياء والصالحين، نذكر خصوص ما ورد من الروايات التي جاء فيها الحث على زيارة قبر النبي الاَعظم (صلى الله عليه وآله وسلم).

أخرج أئمّة المذاهب الاَربعة وحفاظها في الصحاح والمسانيد أحاديث جمّة في زيارة قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نذكر شطراً منها:

1. عن عبد اللّه بن عمر مرفوعاً: من زار قبري وجبت له شفاعتي.

2. عن عبد اللّه بن عمر مرفوعاً: من جاءني زائراً لا تحمله إلاّ زيارتي كان حقاً عليّ أن أكون له شفيعاً يوم القيامة.

3. عن عبد اللّه بن عمر مرفوعاً: من حجّ فزار قبري بعد وفاتي كمن زارني في حياتي.

4. عن عبد اللّه بن عمر مرفوعاً: من حجّ البيت ولم يزرني فقد جفاني.

5. عن عمر مرفوعاً: من زار قبري أو من زارني كنت له شفيعاً أو شهيداً.


(59)

6. عن حاتم بن أبي بلتعه مرفوعاً: من زارني بعد موتي فكأنّما زارني في حياتي.

7. عن أبي هريرة مرفوعاً: من زارني بعد موتي فكأنّما زارني وأنا حيّ، ومن زارني كنت له شهيداً أو شفيعاً يوم القيامة.

8. عن أنس بن مالك مرفوعاً: من زارني في المدينة محتسباً كنت له شفيعاً.

9. عن أنس بن مالك: من زارني ميتاً فكأنّما زارني حيّاً، ومن زار قبري وجبت له شفاعتي يوم القيامة، وما من أحد من أُمّتي له سعة ثمّ لم يزرني فليس له عذر.

10. عن ابن عباس مرفوعاً: من زارني في مماتي كمن زارني في حياتي، ومن زارني حتى ينتهي إلى قبري كنت له يوم القيامة شهيداً، أو قال شفيقاً.

فهذه أحاديث عشرة أخرجها الحفاظ من المحدّثين، وقد جمع أسانيدها وطرقها وصححها تقي الدين السبكي (المتوفّى سنة 756هـ) في كتاب شفاء السقام في زيارةخير الاَنام فمن أراد التفصيل فليرجع إليه.(1)


1 ـ شفاء السقام في زيارة خير الاَنام، الباب الاَوّل في الاَحاديث الواردة في زيارته؛ ولاحظ أيضاً وفاء الوفاء بأحوال دار المصطفى:4|1336.

(60)

ونظم الشيخ شعيب الحريفيش في «الروض الفائق» هذا المعنى في قصيدة مطلعها:

من زار قبر محمد * نال الشفاعة في غد

بالله كرِّر ذكره * وحديثه يا منشدي

واجعل صلاتك دائما * ًجهراً عليه تهتدي

فهو الرَّسول المصطفى * ذو الجود والكفّ النديّ

وهو المشفَّع في الورى * من هول يوم الموعد

والحوض مخصوص به * في الحشر عذب المورد

صلى عليه ربّنا * مالاح نجم الفرقد(1)


1 ـ الروض الفائق: 2|238.

(61)

2 شدّ الرحال إلى زيارة قبر النبي

(صلى الله عليه وآله وسلم)

كان الكلام في استحباب زيارة النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» للحاضر في المدينة، وأمّا استحباب السفر للغائب عنها فيدل عليه أُمور:

الاَوّل: ما ورد في الاَحاديث من الحث على زيارة النبي ص ، فانّها بين صريح في الغائب أو مطلق يعمُّ المقيم والمسافر والحاضر والغائب.

فمن القسم الاَوّل ما رواه عبد اللّه بن عمر، عن النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» انّه قال:

من جاءني زائراً لا تحمله إلاّزيارتي كان حقاً علي أن أكون له شفيعاً يوم القيامة.

فهذا صريح في الغائب وغيره.

الثاني: سيرة النبيص فانّه كان يشدّ الرحال إلى زيارة قبور شهداء أُحد.

أخرج أبو داود عن ربيعة ـ يعني ابن الهُدير ـ عن طلحة بن عبيد اللّه، قال: خرجنا مع رسول اللّهص يريد قبور الشهداء حتى


(62)

إذاأشرفنا على حرّة واقم (1) فلما تدلّينا منها وإذاً بقبور بمحنية(2) قال: قلنا يا رسول اللّه: أقبور اخواننا هذه.

قال: قبور أصحابنا، فلما جئنا قبور الشهداء، قال: هذه قبور إخواننا.(3)

الثالث: إطباق السلف والخلف على شدّالرحال إلى زيارة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ،لاَنّ الناس لم يزالوا في كلّعام إذا قضوا الحج يتوجهون إلى زيارته و منهم من يفعل ذلك قبل الحج.

قال السبكي : هكذا شاهدناه وشاهده من قبلنا وحكاه العلماء عن الاَعصار القديمة... وكلّهم يقصدون ذلك ويعرجون إليه وإن لم يكن طريقهم، ويقطعون فيه مسافة بعيدة وينفقون فيه الاَموال، ويبذلون فيه المهج، معتقدين انّ ذلك قربة وطاعة، واطباق هذا الجمع العظيم من مشارق الاَرض ومغاربها على مرّ السنين وفيهم العلماء والصلحاء وغيرهم يستحيل أن يكون خطأ وكلّهم يفعلون ذلك على وجه التقرب به إلى اللّه عزّ وجلّ ، ومن تأخّر عنه من المسلمين فإنّما يتأخر بعجز أو تعويق المقادير مع تأسفه عليه وودّه لو تيسّر له، و من ادّعى أنّ هذا الجمع العظيم مجمعون على خطأ فهو المخطىَ.


1 ـ الحرّة: الاَرض ذات الحجارة، واقم: اُطم من اطام المدينة وإليه تنسب الحرّة.
2 ـ المحنية: انعطاف الوادي.
3 ـ سنن أبي داود: 2|218 برقم 2043، آخر كتاب الحج.

(63)

وما ربما يقال من أنّ سفرهم إلى المدينة لاَجل قصد عبادة أُخرى وهو الصلاة في المسجد، باطل جداً، فانّ المنازعة فيما يقصده الناس مكابرة في أمر البديهة، فمن عرف الناس، عرف انّهم يقصدون بسفرهم الزيارة من حين يعرجون إلى طريق المدينة، ولا يخطر غير الزيارة من القربات إلاّ ببال قليل منهم، ولهذا قل القاصدون إلى البيت المقدس مع تيسر إتيانه، وإن كان في الصلاة فيه من الفضل ما قد عرف، فالمقصود الاَعظم في المدينة، الزيارة كما أنّ المقصود الاَعظم في مكة، الحج أو العمرة وهو المقصود، وصاحب هذا السوَال إن شكّ في نفسه فليسأل كلّ من توجه إلى المدينة ما قصد بذلك؟(1)

الرابع: انّه إذا كانت الزيارة قربة وأمراً مستحباً على الوجه العام أو الخاص، فالسفر وسيلة القربة، والوسائل معتبرة بالمقاصد فيجوز قطعاً.

الخامس: ما نقله الموَرّخون عن بعض الصحابة والتابعين في هذا المجال.

1.قال ابن عساكر : إنّبلالاً رأى في منامه النبي«صلى الله عليه وآله وسلم» وهو يقول له: ما هذه الجفوة يا بلال، أما آن لك أن تزورني يا بلال؟ فانتبه حزيناً، وجلاً خائفاً، فركب راحلته وقصد


1 ـ شفاء السقام في زيارة خير الاَنام لتقي الدين السبكي:85ـ 86، ط بولاق مصر، وانظر الطبعة الرابعة:211 ـ212 بتلخيص.


(64)

المدينة فأتى قبر النبي ص، فجعل يبكي عنده ويمرغ وجهه عليه، وأقبل الحسن والحسين ـ رضي اللّه عنهما ـ فجعل يضمّهما ويقبلهما فقالا له يا بلال: نشتهي نسمع أذانك الذي كنت توَذن به لرسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ، في السحر ففعل، فعلا سطح المسجد، فوقف موقفه الذي كان يقف فيه، فلمّا أن قال: «اللّه اكبر ـ اللّه اكبر » ارتجَّت المدينة، فلما أن قال: «أشهد أن لا إله إلاّاللّه» ازدادت رجَّتها، فلما أن قال: «أشهد أنّ محمّداً رسول اللّه»خرجت العواتق من خدورهن فقالوا : أبعث رسول اللّهص؟! فما رُئي يوم أكثر باكياً ولا باكية بعد رسول اللّه من ذلك اليوم .(1)

2. انّ عمر بن عبد العزيز كان يبعث بالرسول قاصداً من الشام إلى المدينة ليقرىَ النبي السلام ثمّ يرجع.(2)

قال السبكي: فسفر بلال في زمن صدر الصحابة، ورسول عمر بن عبد العزيز في زمن صدر التابعين من الشام إلى المدينة، لم يكن إلاّ للزيارة والسلام على النبي ولم يكن الباعث على السفر غير ذلك لا من أمر الدنيا ولا من أمر الدين، لا من قصد المسجد ولا من غيره.(3)

3. إنّ عمر لما صالح أهل بيت المقدس وقدم عليه كعب الاَحبار وأسلم وفرح عمر بإسلامه، قال عمر له: هل لك أن تسير


1 ـ تاريخ ابن عساكر:7|137 في ترجمة إبراهيم بن محمد، برقم 493.
2 ـ شفاء السقام،ص 142. أخرجه البيهقي في شعب الاِيمان كما نقله في الصارم المنكي:246، لاحظ تعليقة شفاء السقام.
3 ـ شفاء السقام:143، ط الرابعة.

(65)

معي إلى المدينة وتزور قبر النبي وتتمتع بزيارته؟ فقال لعمر: أنا أفعل ذلك، ولما قدم عمر المدينة أوّل ما بدأ بالمسجد وسلم على رسول اللّه.(1)

4. ذكر ابن عساكر في تاريخه، وابن الجوزي في «مثير الغرام الساكن»، بأسانيدهم إلى محمد بن حرب الهلالي قال: دخلت المدينة، فأتيت قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وزرته وسلمت بحذائه، فجاءه أعرابي فزاره، ثمّ قال: يا خير الرسل انّ اللّه أنزل عليك كتاباً صادقاً، قال فيه: (وَلَو أَنَّهُمْ إِذ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاءُوكَ فَاستَغْفِرُوا اللّهَ وَاستْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّه تَوّاباً رَحيماً) .(2)

وإنّي جئتك مستغفراً ربّك ذنوبي، مستشفعاً بك إلى اللّه ثمّ بكى وأنشأ يقول:

يا خير من دفنت بالقاع أعظمه * فطاب من طيبهن القاع والاكم

نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه * فيه العفاف وفيه الجود والكرم

وقد ذيله أبو الطيب أحمد بن عبد العزيز بأبيات وقال:

وفيه شمس التقى والدين قد غربت * من بعد ما أشرقت من نورها الظلم

حاشا لوجهك أن يبلى وقد هديت * في الشرق والغرب من أنواره الاَُمم (3)


1 ـ فتوح الشام، ج1،(صلى الله عليه وآله وسلم) 148، باب فتح القدس.
2 ـ النساء|64.
3 ـ شفاء السقام:151ـ 152.

(66)

سوَال و اجابة

وثمة سوَال وهو انّه إذا كان شدّ الرحال إلى زيارة القبور وبالاَخص زيارة قبر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) جائزاً، فما معنى هذا الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه، وهو لا تشدّ الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الاَقصى؟

والجواب أوّلاً: انّ هذا الحديث وإن أخرجه مسلم، لكنّه معارض بفعل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) حيث إنّه كان يشد الرحال إلى مساجد غير هذه الثلاثة.

فقدأخرج الشيخان في صحيحهما انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يأتي مسجد قبا راكباً وماشياً فيصلي فيه.(1)

فكيف يجتمع هذا الحديث مع حديث النهي الذي لسانه آب عن التخصيص، وهذا يدل على أنّ الحديث الاَوّل إمّا غير صحيح وعلى فرض صحته نقل محرّفاً.

والدليل على التحريف انّه نقل بوجه آخر أيضاً، وهو إنّما يسافر إلى ثلاثة مساجد: مسجد الكعبة، ومسجدي، ومسجد إيلياء.

وأيضاً بصورة ثالثة تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد.(2)


1 ـ صحيح مسلم:4|127، صحيح البخاري:2|176.

2 ـ أورد مسلم هذه الاَحاديث في صحيحه:4|126، باب لا تشدّ الرحال من كتاب الحج وكذلك النسائي في سننه المطبوع مع شرح السيوطي:2|37ـ 38 ، وقد ذكر السبكي صوراً أُخرى للحديث هي أضعف دلالة على مقصود المستدللاحظ شفاء السقام:98.


(67)

فعلى هذين الصورتين ليس هناك نهي عن شدّ الرحال إلى غير الثلاثة خصوصاً الصورة الثالثة، وأقصى ما فيها الدعوة إلى السفر إلى هذه الثلاثة.

وثانياً: نفترض انّ الصحيح هو الصورة الاَُولى لكن المستثنى منه بقرينة المستثنى محذوف وهو لفظ المسجد، فيكون معناه لا تشدّ الرحال إلى مسجد من المساجد إلاّ إلى هذه المساجد الثلاثة، فلو دلّ فإنّما يدل على النهي على شدّ الرحال إلى مسجد سوى المساجد الثلاثة، وأمّا السفر إلى الاَماكن الاَُخرى فالحديث ساكت عنه غير متعرض لشيء من أحكامه، فانّ النفي و الاِثبات يتوجهان إلى السفر إلى المسجد لا إلى الاَمكنة الاَُخرى، كزيارة النبي ومشاهد الشهداء ومراقد الاَولياء.

وثالثاً: انّ الحديث لا يدل ـ حتى ـ على حرمة السفر إلى مسجد غير هذه الثلاثة، وإنّما هو إرشاد إلى عدم الجدوى في السفر إلى غيرها، وذلك كما قاله الاِمام الغزالي: لاَنّ سائر المساجد متماثلة في الفضيلة بعد هذه المساجد فلا وجه لشدّ الرحال إلى غيرها وإنّما يشد الرحال إذا كان هناك تفاوت في الفضيلة.(1)

وأمّا شدّ الرحال إلى زيارة أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)أو الشهداء فيعلم ذلك ممّا قد أوردناه من الاَحاديث، فإذا خرج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من المدينة لزيارة قبورة الشهداء فأئمّة أهل البيت أئمّة الشهداء


1 ـ احياء علوم الدين للاِمام الغزالي: 2|247.

(68)

تجوز زيارتهم بطريق أولى، انّ الاِمام أمير الموَمنين من أفضل الشهداء، والحسين بن علي أبو الشهداء .فسلام اللّه عليهم يوم ولدوا ويوم استشهدوا ويوم يبعثون أحياء.

وعلى كلّ حال فشدّ الرحال، مسألة فقهية لا صلة لها بالمسائل العقائدية ولا بالشرك ولكلّ مجتهد دليله.


(69)

3


البناء على القبور

المراد من القبور في العنوان هو قبور الاَنبياء والشهداء والاَئمّة الاَولياء الذين لهم مكانة عالية في قلوب الموَمنين، فهل هو أمر جائز أو لا ؟

وهذه المسألة كالمسألتين السابقتين لا تمت إلى العقيدة الاِسلامية بصلة حتى تكون ملاكاً للتوحيد والشرك، وإنّما هي من المسائل الفقهية التي يدور أمرها بين الاِباحة والكراهة والاستحباب وغيرها.

ولا يصحّ لمسلم واع أن يتخذ تلك المسألة ذريعة للشرك والتكفير، فكم من مسائل فقهية اختلفت فيها كلمة الفقهاء، ومن حسن الحظ لم يختلف في هذه المسألة فقهاء الائمة الاَربعة ولا فقهاء المذهب الاِمامي ودليلهم على جواز البناء على قبور تلك الشخصيات عبارة عن سيرة المسلمين منذ رحيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى يومنا هذا.

أ. وارى المسلمون جسد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في بيته المسقف وحرصوا على بذل المزيد من العناية بحجرته الشريفة


(70)

بشتى الاَساليب، وقد جاء ذكرها في الكتب التي ألفت في تاريخ المدينة لا سيما كتاب وفاء الوفاء للعلاّمة السمهوديّ.(1)

وشيّد البناء الموجود عام 1270هـ وهو بحمد اللّه قائم لم يمسه السوء، وسوف يبقى بفضل اللّه تبارك وتعالى محفوظاً مصوناً عن الاندثار، فلو كان البناء على القبور أمراً حراماً لدفنه المسلمون في مكان واسع لا سقف فيه.

ب. انّ البناء على القبور كانت سيرة سائدة بين المسلمين من عصر الصحابة إلى يومنا هذا، وهذه هي كتب الرَحَلات تذكر لنا وصف القبور الموجودة في المدينة التي كانت عليها قباب وعلى قبورهم صخرة فيها اسماوَهم ونحن نذكر من ذلك نزراً يسيراً:

1. يقول المسعودي(المتوفّى445هـ) حول المشاهد والقباب في البقيع: وعلى قبورهم في هذا الموضع من البقيع، رخامة مكتوب عليها بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد للّه مبيد الاَُمم ومحيي الرمم وهذا قبر فاطمة بنت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) سيدة نساء العالمين، وقبر الحسن بن علي بن أبي طالب، وعلي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، و محمد بن علي، و جعفر بن محمد.(2)

2.وذكر السبط ابن الجوزي(المتوفّى عام 654هـ) في تذكرة


1 ـ وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى:2|458، الفصل التاسع.
2 ـ مروج الذهب ومعادن الجوهر:2|288.

(71)

الخواص ص 311 نظير ذلك.

3. كما وصف محمد بن أبي بكر التلمساني المدينة الطيبة وبقيع الغرقد في القرن الرابع بقوله: وقبر الحسن بن علي عن يمينك إذا خرجت من الدرب ترتفع إليه قليلاً عليه مكتوب هذا قبر الحسن بن علي دفن إلى جنب أُمّه فاطمة (عليها السلام).(1)

4. يقول الحافظ محمد بن محمود بن النجار (المتوفّى عام 643هـ)في «اخبار مدينة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) »: في قبة كبيرة عالية قديمة البناء في أوّل البقيع، وعليها بابان يفتح أحدهما في كلّ يوم للزيارة «رضي اللّه عنهم».(2)

5. ويقول ابن جبير الرحالة الطائر الصيت(المتوفّى عام 614هـ) في رحلته في وصف بقيع الغرقد: يقع في مقابل قبر مالك قبر، السلالة الطاهرة إبراهيم بن النبي عليها قبة بيضاء، وعلى اليمين منها تربة ابن عمر ابن الخطاب، وبازائه قبر عقيل بن أبي طالب (رض) وعبد اللّه بن جعفر الطيار (رض)، وبازائهم روضة فيها أزواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وبها روضة صغيرة فيها ثلاثة من أولاد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، و روضة العباس بن عبدالمطلب والحسن بن علي (رض) وهي قبة مرتفعة في الهواء على مقربة من باب البقيع المذكور، وعن يمين الخارج منه، ورأس الحسن إلى رجلي العباس


1 ـ مجلة العرب، رقم 5ـ6، الموَرخة 1393هـ.
2 ـ اخبار مدينة الرسول اهتم بنشره صالح محمد جمال بمكة المكرمة عام 1366.

(72)

وقبراهما مرتفعان عن الاَرض متسعان مغشيان بألواح ملصقة، أبدع الصاق، مرصّعة بصفائح الصفر، ومكوكبة بمسامير على أبدع صفة، وأجمل منظر، وعلى هذا الشكل قبر إبراهيم بن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ،ويلي هذه القبة العباسية بيت ينسب لفاطمة بنت الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ويعرف ببيت الحزن... وفي آخر البقيع قبر عثمان الشهيد المظلوم ذي النورين وعليه قبة صغيرة مختصرة، وعلى مقربة منه مشهد فاطمة ابنة أسد أُمّ عليّ رضي اللّه عنها وعن بنيها.(1)

6. وروى البلاذري انّه لما ماتت زينب بنت جحش سنة عشرين صلّى عليها عمر، وكان دفنها في يوم صائف، ضرب عمر على قبرها فسطاطا.(2)

ولم يكن الهدف من ضربه ذلك الفسطاط تسهيل الاَمر لمن يتعاطى دفنها، بل لاَجل تسهيله لاَهلها حتى يتفيوَا بظله، ويقرأوا ما يتيسر من القرآن والدعاء.

7. يقول السمهودي(المتوفّى 911هـ) في وصف بقيع الغرقد: قد ابتنى عليها مشاهد، منها المشهد المنسوب لعقيل بن أبي طالب وأُمّهات الموَمنين،تحوي العباس والحسن بن علي ...وعليهم قبة شامخة في الهواء، قال ابن النجار: ...وهي كبيرة عالية، قديمة البناء،


1 ـ رحله ابن جبير، طبع بيروت، دار صادر، وقد زار ابن جبير المدينة المنورة عام 578هـ.
2 ـ انساب الاَشراف: 1|436.

(73)

وعليها بابان، يفتح أحدهما في كلّيوم.وقال المطري: بناها الخليفة الناصر أحمد بن المستضيء... وقبر العباس وقبر الحسن مرتفعان من الاَرض متسعان مغشيان بألواح ملصقة أبدع الصاق، مصحفة بصفائح الصفر، مكوكبة بمسامير على أبدع صفة وأجمل منظر.(1)

إلى غير ذلك من الرحالة الذين زاروا المدينة المنورة ووصفوا تلكم المزارات و المشاهد و القباب المرتفعة ونظر الكل إليها بعين الرضا والمحبة لا بعين السخط والغضب.

وهذا النوع من الاتفاق والاِجماع من قبل علماء الاِسلام طيلة قرون أقوى شاهد على جواز البناء على قبور الشخصيات الاِسلامية الذين لهم منزلة ومكانة في القلوب.

ولنعم ما يقول العلاّمة العاملي:

مضت القرون وذي القباب مشيدة * والناس بين مؤسس ومجدد

في كلّ عصر فيه أهل الحل والـ * ـعقد الذين بغيرهم لم يعقد

لم ينكروا أبداً على من شادها * شيدت ولا من منكر ومفند

فبسيرة للمسلمين تتابعت * في كل عصر نستدل ونقتدي (2)


1 ـ وفاء الوفاء:3|916ـ 929.
2 ـ كشف الارتياب: 395.

(74)

البناء على القبور من منظار آخر

إنّ صيانة القبور والآثار الباقية من بيت الوحي والعصمة (عليهم السلام)من مظاهر حب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وتكريمه، وقد أُمر المسلمون في الكتاب والسنّة بحبه وتكريمه و تبجيله، قال سبحانه: (قُلْ إِنْ كانَ آباوَكُمْ وَأَبْناوَُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشيرتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةً تَخْشَونَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَونَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللّهِ وَرَسُولهِوَجِهاد في سَبيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِي اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لا يَهْدي الْقَومَ الْفاسِقينَ) .(1)

وقال سبحانه في وصف الموَمنين:(فَالَّذينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزُّروهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أنْزِلَمَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفلِحُونَ) .(2)

فالآية الكريمة تأمر بأُمور أربعة:

1. الاِيمان به.

2. تعزيره.

3. نصرته.

4. اتباع كتابه وهو النور الذي أُنزل معه.


1 ـ التوبة|24.
2 ـ الاَعراف|157.

(75)

وليس المراد من تعزيره هو نصرته، لاَنّه قد ذكره بقوله: «نصروه» وإنّما المراد توقيره، وتكريمه وتعظيمه بما انّه نبيُّ الرحمة والعظمة ، ولا يختص تعزيره وتوقيره بحال حياته بل يعمها، كما انّ الاِيمان به والتبعية لكتابه لا يختصان بحال حياته الشريفة.

وعلى هذا فحب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ومن يمت إليه بصلة أصل إسلامي يجب أن يهتم به المسلمون ويطبقونه في حياتهم.

ولاَجل كرامة رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ومنزلته يدعو الذكر الحكيم إلى تعظيمه في المجالس وحفظ كرامته ويقول:

(يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصواتَكُمْ فَوْقَ صَوتِ النَّبىِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَولِ كَجَهْرِ بَعْضكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُون).(1)

وقال أيضاً: (إِنَّ الَّذينَ يَغُضُّونَ أَصواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ أُولئِكَ الَّذينَ امْتَحَنَ اللّهُ قُلُوبُهُمْ لِلتَّقوى) .(2)

وقال: (لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِبَعْضِكُمْ بَعضاً).(3)

فأي إجلال أبلغ من هذا، وأي تقدير أورع من هذا التقدير.


1 ـ الحجرات|2.
2 ـ الحجرات|3.
3 ـ النور|63.

(76)

وليس الذكر الحكيم وحده هوالداعي والآمر بحب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، بل السنّة النبوية تضافرت على لزوم حبه.

قال رسول اللّه: «لا يوَمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين».(1)

وقد تواتر مضمون هذه الرواية عن النبي ص، فمن أراد فليرجع إلى الكتب المعدة لهذا الغرض.(2)

مظاهر الحب

إنّ لهذا الحب مظاهر ومجالي، إذ ليس الحب شيئاً يستقر في صقع النفس من دون أن يكون له انعكاس خارجي على أعمال الاِنسان وتصرفاته، بل من خصائصه أن يظهر أثره على سلوك الاِنسان وملامحه.

1. حب اللّه ورسوله لا ينفك عن اتّباع دينه والاستنان بسنّته والانتهاء عن نواهيه، ولا يعقل أبداً أن يكون المرء محباً لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ومع ذلك يخالفه فيما يبغضه ولا يرضيه . و الاِتّباع أحد مظاهرالحبّ قال سبحانه: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ)(3) فمن ادّعى الحب في النفس وخالف في العمل، فقد جمع بين شيئين متخالفين متضادين.


1 ـ صحيح البخاري:1|8، باب حب الرسول من الاِيمان من كتاب الاِيمان.
2 ـ كنز العمال:2|126.
3 ـ آل عمران|31.

(77)

وقد نسب إلى الاِمام الصادق (عليه السلام) البيتان التاليتان:

تعصي الاِله وأنت تظهر حبَّه * هذا لعمري في الفعال بديع

لو كان حبك صادقاً لاَطعته * انّ المحب لمن يحب مطيع(1)

2. ومن مظاهر هذا الحب، صيانة آثارهم وحفظ معالمهم والعناية بكلّ ما يتصل بهم حتى الاحتفاظ بما صلوا فيه من ألبسة أوشربوا منه الماء من أوان أو استخدموه من أشياء، وتشييد مراقدهم، وتعمير قبورهم ... كلّ ذلك انعكاس طبيعي لهذا الحب الكامن في النفوس والود المتمكن في القلوب.

وليس هذا أمراً مختصاً بالمسلمين، بل الاَُمم المتحّضرة المعتزة بماضيها وتاريخها، تسعى إلى صيانة كلّ أثر تاريخي باق من الماضي وصيانة مراقد شخصياتهم العلمية .

وأخيراً نقول: لا شكّ انّ لهدم الآثار والمعالم التاريخية الاِسلامية لا سيما في مهد الاِسلام مكة ومهجر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) المدينة المنوّرة، نتائج ومضاعفات خطيرة على الاَجيال اللاحقة التي سوف لا تجد أثراً لوقائع التاريخ الاِسلامي، وربما توَول إلى الاعتقاد بأنّ الاِسلام قضية مفتعلة وفكرة مبتدعة ليس لها جذور تاريخية، تماماً كما أصبحت قضية السيد المسيح (عليه السلام) في نظر الغرب قضية اسطورية حاكتها أيدي البابوات والقساوسة، لعدم


1 ـ سفينة البحار، مادة حب.

(78)

وجود آثار ملموسة تدل على أصالة هذه القضية ووجودها التاريخي.

إيضاح حديث أبي هياج

بقي هنا سوَال وهو انّ مقتضى هذه الاَدلة وإن كان هو جواز البناء على القبور لكن الحديث العلويّ يمنعنا عنه وهو ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هياج الاَسدي، قال: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن لا تدع تمثالاً إلاّ طمسته ولا قبراً مشرفاً إلاّسويته.(1)

والجواب: انّ الحديث يدل على لزوم تسطيح القبور مقابل تسنيمها ولا صلة له ببناء القبور أو البناء عليه وذلك انّ لفظة «التسوية» تستعمل في معنيين:

1. تطلق ويراد منها مساواة شيء بشيء فعندئذٍ تتعدى إلى المفعول الثاني بحرف التعدية كالباء قال سبحانه: (إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمين) .(2)

وقال سبحانه حاكياً عن حال الكافرين يوم القيامة: (يَومَئِذٍ )


1 ـ صحيح مسلم:3|60،باب الاَمر بتسوية القبر؛ و السنن للترمذي:2|256، باب ما جاء في تسوية القبور.
2 ـ الشعراء|98.

(79)

يَوَدُّالَّذينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُول لَو تُسَوّى بِِِهِمُ الاََرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللّهَ حَديثاً) (1) أي يودّون أن يكونوا تراباً أو أمواتاً تحت الاَرض.

2. تطلق ويراد منها ما هو وصف لنفس الشيء لا بمقايسته إلى شيء آخر، فعندئذٍ تكتفي بمفعول واحد.

قال سبحانه: (الَّذي خَلَقَ فَسَوّى) .(2)

وقال سبحانه: (بَلى قادِرينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ) .(3)

ففي هذين الموردين تقع التسوية وصفاً للشيء لا باضافته إلى غيره.

إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى تفسير الحديث فنقول:

لو أراد من قوله: سويته هو مساواة القبر بالاَرض ـ كمساواة شيء بشيء ـ يلزم أن يتّخذ مفعولاً ثانياً بحرف الجر كأن يقول سويته بالاَرض أي جعلتهما متساويين والمفروض انّه اقتصر بمفعول واحد دون الثاني.

فتعين انّ المراد هو الثاني أي كون المساواة وصفاً لنفس الشيء وهو القبر ومعناه عندئذٍ تسطيح القبر في مقابل تسنيمه،


1 ـ النساء|42.
2 ـ الاَعلى|2.
3 ـ القيامة|4.

(80)

وبسطه في مقابل اعوجاجه، وهذا هو الذي فهمه شراح الحديث، وبما انّ السنّة هي التسطيح، والتسنيم طرأ بعد ذلك، أمر عليّ (عليه السلام) بأن يكافح البدعة ويسطح كلّ قبر مسنم.

وممّا يوَيد انّ المراد هو تسطيح القبر انّ مسلم في صحيحه عنون الباب هكذا «باب الاَمر بتسوية القبر» ثمّ نقل رواية عن ثمامة انّه قال: كنّا مع فضالة بن عبيد في أرض الروم، فتوفي صاحب لنا، فأمر فضالة بن عبيد بقبره فسوّي. قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يأمر بتسويته ثمّ أورد بعده حديث أبي الهياج المتقدم.(1)

وقد فسره أيضاً بما ذكرنا الفقيه القرطبي حيث قال: قال علماوَنا ظاهر حديث أبي الهياج منع تسنيم القبور ورفعها.(2)


1 ـ صحيح مسلم: 3|61، باب الاَمر بتسوية القبر.
2 ـ تفسير القرطبي: 10|380.

(81)

4


بناء المساجد على القبور
والصلاة فيها

إنّ بناء المساجد على القبور أو عندها والصلاة فيها مسألة فقهية فرعية لا تمتُّ إلى العقائد بصلة.

فالمرجع في هذه المسائل هم أئمّة المذاهب وفقهاء الدين يستنبطون حكمه من الكتاب والسنّة، وليس لنا تكفير أو تفسيق واحد من الطرفين إذا قال بالجواز أو بعدمه، وكم من مسألة فقهية اختلفت فيها آراء الفقهاء والمجتهدين، ونحن بدورنا نعرض المسألة على الكتاب والسنّة لنستنبط حكمها من أوثق المصادر الفقهية.

الذكر الحكيم يشرح لنا كيفية عثور الناس على قبور أصحاب الكهف وانّهم ـ بعد العثور ـ اختلفوا في كيفية تكريمهم وإحياء ذكراهم والتبرّك بهم على قولين: فمن قائل: يُبنى على قبورهم بنيان ليُخلَد ذكراهم بين الناس.

إلى قائل آخر: يبنى على قبورهم مسجداً يصلّى فيه.

وقد حكى سبحانه كلا الاقتراحين من دون تنديد بواحد


(82)

منهما، قال سبحانه: (وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا انَّ وَعْدَ اللّهِحَقٌّ وَانَّ السّاعَةَ لا رَيْبَفيها إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرهُمْ فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً ربُّهُمْ أَعْلُمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً).(1)

قال المفسرون: إنّ الاقتراح الاَوّل كان لغير المسلمين ويوَيده قولهم في حقّ أصحاب الكهف:(رَبّهم أَعْلَمُ بِهِم) وهو ينمَّ عن اهتمام بالغ بحالهم ومكانتهم فحوَّلوا أمرهم إلى ربّهم.

وأمّا الاقتراح الثاني فنفس المضمون (اتخاذ قبورهم مسجداً) شاهد على أنّ المقترحين كانوا هم الموَمنين، وما اقترحوا ذلك إلاّ للتبرّك بالمكان الذي دفنت فيه أجساد هوَلاء الموحدين.

والقرآن يذكر ذلك الاقتراح من دون أن يعقب عليه بنقد أورد وهو يدل على كونه مقبولاً عند مُنزل الوحي.

قال الطبري في تفسير الآية: إنّ المبعوث دخل المدينة فجعل يمشي بين ظهري سوقها فيسمع أُناساً كثيرين يحلفون باسم عيسى بن مريم، فزاده فرقاً ورأى أنّه حيران، فقام مُسْنِداً ظهره إلى جدار من جُدُر المدينة، ويقول في نفسه: واللّه ما أدري ما هذا أمّا عشية أمس فليس على الاَرض إنسان يذكر عيسى بن مريم إلاّ قتل، وأمّا الغداة فأسمعهم وكلّ إنسان يذكر أمر عيسى لا يخاف، ثمّ قال في نفسه:


1 ـ الكهف|21.

(83)

لعلّهذه ليست بالمدينة التي أعرف.(1)

سيرة المسلمين في البناء على قبور الصالحين

إنّسيرة المسلمين تكشف عن جواز بناء المساجد على قبور الصالحين الذين يُتبرّك بهم ولهم مكانة عالية في قلوبهم، ويدل على ذلك الاَُمور التالية:

أ. دفن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في بيته الذي فيه وكان في جوار المسجد النبوي ولما كثر المسلمون وازداد عددهم وضاق المسجد بهم أدخلوا الجانب الشرقي ـ الذي كان فيه بيوت أزواج النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والبيت الذي دفن فيه ـ في المسجد النبوي على نحو يقف المصلون أطراف القبر من الجوانب الاَربعة ويحيطون به.

يقول الطبري في حوادث سنة 88: إنّه في شهر ربيع الاَوّل من هذه السنة قدم كتاب الوليد على عمر بن عبد العزيز يأمره بهدم المسجد النبوي وإضافة حجر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وأن يوسعه من قبلته وسائر نواحيه، باشتراء الاَملاك المحيطة به، فأخبر عمر الفقهاء العشرة وأهل المدينة بذلك، فحبذوا بقاء تلك الحُجُر على حالها ليعتبر بها المسلمون، ويكون أدعى لهم إلى الزهد اقتداءً بنبيهم، فكاتب ابن عبد العزيز الوليد في ذلك، فأرسل إليه يأمره بالخراب،


1 ـ تفسير الطبري:15|145.

(84)

وتنفيذ ما ذكره في كتابه الاَوّل، فضجَّ بنو هاشم وتباكوا، ولكن عمر نفّذ ما أمره به الوليد، فأدخل الحجرة النبوية (حجرة عائشة) في المسجد، فدخل القبر في المسجد وسائر حجرات أُمّهات الموَمنين وقد بني عليه سقف مرتفع كما أمر الوليد.(1)

فإذا كان هذا العمل بمرأى ومسمع من فقهاء المدينة العشرة والمسلمين عامة، وفي مقدم التابعين منهم علي بن الحسين زين العابدين وابنه محمد بن علي الباقر (عليهم السلام)اللّذين لم يشك أحد في زهدهما وعلمهما وعرفانهما. فهو أوضح دليل على جواز إقامة المسجد عند قبور الاَنبياء والصالحين والصلاة فيه.

وقد أقر هذا العمل كلّالتابعين وجاء بعدهم إمام دار الهجرة مالك بر أئمّة المذاهب الاَربعة فلم يعترضوا عليه بشيء.

ب . يقول السمهودي في حقّ السيدة فاطمة بنت أسد أُمّ الاِمام أمير الموَمنين علي (عليه السلام) : فلمّا توفيت خرج رسول اللّه فأمر بقبرها فحفر في موضع المسجد الذي يقال له اليوم قبر فاطمة.(2)

والعبارة تدل على أنّهم بنوا المسجد بعد تدفينها.

وقال في موضع آخر: إنّ مصعب بن عمير وعبد اللّه بن جحش دفنا تحت المسجد الذي بني على قبر حمزة.(3)


1 ـ راجع تاريخ الطبري:5|222؛البداية والنهاية:8|65.
2 ـ وفاء الوفاء:3|897.
3 ـ المصدر السابق:3|922.

(85)

ج. انّ السيدة عائشة قضت حياتها في بيتها وصلّت فيه تمام عمرها، ولم يكن بينها وبين القبر أيّ جدار إلى أن دفن عمر فبني جدار حال بينها وبين القبور الثلاثة.(1)

د. روى البيهقي انّ فاطمة بنت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كانت تذهب إلى زيارة قبر عمها حمزة فتبكي وتصلي عنده.(2)

أخرج الحاكم، عن سليمان بن داود، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي بن الحسين (عليهم السلام)، عن أبيه، انّ فاطمة بنت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): كانت تزور قبر عمها حمزة كلّ جمعة فتصلي وتبكي عنده.

قال الحاكم: وهذا الحديث رواته عن آخرهم ثقات. وأقرّه الذهبي عليه ونقله البيهقي في سننه.(3)

وهذا يدل على بناء المسجد على قبر حمزة في حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والصلاة فيه.

هـ. انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ في معراجه الذي بدأ به من المسجد الاَقصى ـ نزل في المدينة، وطور سينا وبيت لحم، وصلـّى فيها، فقال جبرئيل: صليت في «طيبة» وإليها مهاجرتك، وصليت في طور سينا حيث كلم اللّه موسى، وصليت في بيت لحم حيث ولد المسيح.(4)


1 ـ وفاء الوفاء:2|541.
2 ـ السنن الكبرى: 4|78.
3 ـ مستدرك الحاكم:1|377.
4 ـ الخصائص الكبرى:1|154.

(86)

هل هناك فرق بين المدفن والمولد، مع انّ الصلاة في كلٍ، لغاية واحدة وهي التبرّك بالاِنسان المثالي الذي مسّ جسده الطاهر، ذلك التراب بداية عمره أو نهايته؟!

وبما انّ الكتاب ـ مضافاً إلى السيرة المستمرة بعد رحيل رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى يومنا هذا ـ دليل قطعي، يكون محكماً يوَخذ به، وما دلّ على خلافه، يكون متشابهاً، فيرد إلى المحكم ويفسره بفضله.

ربما يتراءى من بعض الروايات عدم جواز اتخاذ قبور الاَنبياء مساجد.

فروي عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) انّه قال: قاتل اللّه اليهود اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد.

وفي رواية أُخرى: لعن اللّه اليهود والنصارى اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد.

وفي رواية ثالثة: ألا وإنّ من كل قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد.(1)

ولنا مع هذه الاَحاديث وقفة قصيرة، وذلك لاَنّ تاريخ اليهود لا يتفق مع مضامين تلك الروايات، لاَنّ سيرتهم قد قامت على قتل


1 ـ للوقوف على مصادر هذه الاَحاديث راجع صحيح البخاري: 2|111 كتاب الجنائز؛ سنن النسائي:2|871، كتاب الجنائز؛ صحيح مسلم:2|68، باب النهي عن بناء المساجد على القبور من كتاب المساجد.

(87)

الاَنبياء وتشريدهم وإيذائهم إلى غير ذلك من أنواع البلايا التي كانوا يصبّونها على أنبيائهم.

ويكفي في ذلك قوله سبحانه: (لَقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَولَ الَّذينَ قالُوا إِنَّ اللّهَ فَقيرٌ وَنَحْنُ أَغْنياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الاََنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَريق) .(1)

وقوله سبحانه: (قُلْ قَدْجاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلي بِالْبَيِّناتِ وَبِالّذي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقينَ) .(2)

وقال سبحانه: (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللّهِ وَقَتْلِهِمُ الاََنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ...) .(3)

أفتزعم انّ أُمّة قتلت أنبياءها في مواطن مختلفة تتحول إلى أُمّة تشيد المساجد على قبور أنبيائها تكريماً وتبجيلاً لهم.

وعلى فرض صدور هذا العمل عن بعضهم، فللحديث محتملات أُخرى غير الصلاة فيها والتبرّك بصاحب القبر وهي:

أ. اتخاذ القبور قبلة.

ب. السجود على القبور تعظيماً لها بحيث يكون القبر مسجوداً عليه.


1 ـ آل عمران|181.
2 ـ آل عمران|183.
3 ـ النساء|155.

(88)

ج. السجود لصاحب القبر بحيث يكون هو المسجود له، فالقدر المتيقن هو هذه الصور الثلاث لا بناء المسجد على القبور تبرّكاً بها.

والشاهد على ذلك انّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) حسب بعض الروايات يصف هوَلاء بكونهم شرار الناس .

أخرج مسلم في كتاب المساجد: انّ أُمّ حبيبة وأُمّ سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال رسول اللّه : (صلى الله عليه وآله وسلم)إنّ أُولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بني على قبره مسجداً، وصوّروا فية تلك الصور، أُولئك شرار الخلق عند اللّه يوم القيامة.(1)

إنّ وصفهم بشرار الخلق يميط اللثام عن حقيقة عملهم إذ لا يوصف الاِنسان بالشر المطلق إلاّ إذا كان مشركاً ـ و إن كان في الظاهر من أهل الكتاب ـ قال سبحانه: (إِنَّ شَرَّ الدّوابّ عِنْدَ اللّهِ الصُّمُّ البُكْمُ الّذينَ لا يَعْقِلُون).(2)

وقال: (إِنَّ شَرَّ الدَّوابّ عِنْدَ اللّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُوَْمِنُونَ) .(3)

وهذا يعرب عن انّ عملهم لم يكن صرفَ بناء المسجد على القبر والصلاة فيه، أو مجرد إقامة الصلاة عند القبور، بل كان عملاً مقروناً بالشرك بألوانه وهذا كما في اتخاذ القبر مسجوداً له أو


1 ـ صحيح مسلم:2|66، باب النهي عن بناء المساجد على القبور من كتاب المساجد.
2 ـ الاَنفال|22.
3 ـ الاَنفال|55.

(89)

مسجوداً عليه أو قبلة يصلى عليه.

قال القرطبي: وروى الاَئمّة عن أبي مرثد الغنوي قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: لا تصلّوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها «لفظ مسلم» أي لا تتخذّوها قبلة فتصلّوا عليها أو إليها كما فعل اليهود و النصارى فيوَدي إلى عبادة من فيها.(1)

إنّ الصلاة عند قبر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) إنّما هو لاَجل التبرّك بمن دفن، ولا غروَ فيه وقد أمر سبحانه الحجيج باتخاذ مقام إبراهيم مصلى قال سبحانه: (وَاتَّخِذوا مِنْ مَقامِ إِبْراهيمَ مُصلّى) .(2)

إنّ الصلاة عند قبور الاَنبياء كالصلاة عند مقام إبراهيم غير انّ جسد النبي إبراهيم (عليه السلام) لامس هذا المكان مرّة أو مرات عديدة، ولكن مقام الاَنبياء احتضن أجسادهم التي لا تبلى أبداً.

هذا وانّ علماء الاِسلام فسروا الروايات الناهية بمثل ما قلناه.

قال البيضاوي: لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور الاَنبياء تعظيماً لشأنهم ويجعلونها قبلة يتوجهون في الصلاة نحوها، واتخذوها أوثاناً، لعنهم ومنع المسلمين عن مثل ذلك. فأمّا من اتخذ مسجداً في جوار صالح وقصد التبّرك بالقرب منه لا للتعظيم ولا


1 ـ تفسير القرطبي:10|38.
2 ـ البقرة|125.

(90)

للتوجه ونحوه، فلا يدخل في الوعيد المذكور.(1)

وقال السندي شارح سنن النسائي: اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، أي قبلة للصلاة ويصلون إليها، أو بنوا مساجد يصلون فيها، ولعلّ وجه الكراهة أنّه قد يفضي إلى عبادة نفس القبر.

إلى أن يقول: يحذر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أُمّته أن يصنعوا بقبره ما صنع اليهود والنصارى بقبور أنبيائهم من اتخاذ تلك القبور مساجد، إمّا بالسجود إليها تعظيماً لها أو بجعلها قبلة يتوجهون في الصلاة إليها.(2)


1 ـ فتح الباري في شرح صحيح البخاري:1|525، طبعة دار المعرفة؛ وقريب منه ما في إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري:2|437، باب بناء المسجد على القبور.
2 ـ سنن النسائي:2|41.

(91)

5


التوسّل بالاَنبياء و الصالحين

إنّ عالم الكون عالم فسيح لا يحيط الاِنسان بأسراره ودقائقه، وما اكتشفه الاِنسان منها فإنّما هو ضئيل بالنسبة إلى ما خفي عليه.

كيف وما أُوتي من العلم إلاّقليلاً ، قال سبحانه: (وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِرَبّي وَما أُوتيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَليلاً) .(1)

هذا هو العالم الفيزيائي الذائع الصيت أنشتاين(المتوفّى عام 1955م) قال: إنّ نسبة ما أعلم إلى ما لا أعلم كنسبة هذا الدرج إلى مكتبتي.(2)

ولو أنصف لكان عليه أن يقول حتى أقل من هذه النسبة، وكان الاَولى أن يقول نسبة هذا الدرج إلى أطباق السماء.

وعلى ضوء ذلك فللّه سبحانه في هذا العالم أسباب و علل لم يصل إليها البشر مع ما بذل من الجهود.


1 ـ الاسراء|85.
2 ـ مجلة رسالة الاِسلام السنة الرابعة، العدد الاَوّل، مقال الكاتب المصري أحمد أمين.

(92)

ثمّ إنّ الاَسباب تنقسم إلى طبيعية ومادية وإلى غيبية وإلهية، أمّا الاَوّل فالنظام الكائن مبني على العلل والاَسباب الطبيعية وتأثير كلّ سبب طبيعي ومادي بإذن اللّه سبحانه، وليس للعلم دور سوى الكشف عن هذه الاَسباب المادية.

غير انّ المادي ينظر إلى هذه الاَسباب بنظرة استقلالية ولكن الاِلهي ينظر إليها نظرة تبعية قائمة باللّه سبحانه، موَثرة بإذنه، وهذا هو ذو القرنين يتمسك بالاَسباب الطبيعية في إيجاد السد أمام يأجوج ومأجوج ويستعين بالاَسباب ولا يراها مخالفاً للتوحيد.

قال سبحانه حاكياً عنه: (آتُوني زُبَرَ الْحَديد حَتّى إِذا سَاوى بَيْنَ الصَّدَفَيْن قالَ انْفُخُوا حَتّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قالَ آتُوني أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً* فَما اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَ مَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً* قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبّي جَعَلَهُ دَكّاءَ وَكانَ وَعْدُ رَبّي حَقّاً).(1)

إنّ الاستعانة بالاَحياء والاستغاثة بهم أمر جرت عليه سيرة العقلاء، وهذا موسى الكليم استغاثه بعض شيعته فأجابه دون أن يخطر ببال أحد انّالاستغاثة لا تجوز إلاّ باللّه، قال سبحانه: (وَدَخَلَ المَدينةَ عَلى حينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاستَغاثَهُ الَّذي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقضى عَلَيْهِ) .(2)


1 الكهف|96ـ 98.
2 ـ القصص|15.


(93)

وما هذا إلاّ لاَنّ موسى وشيعته تعتقد بأنّ المغيث إنّما يغيث بقوة وإذن منه سبحانه، فلا مانع من طلب النجدة والاستغاثة والاستعانة من الاَحياء شريطة القيد المذكور، وقد أُشير إليه في قوله سبحانه: (وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللّهِ الْعَزيزِ الحَكيم) .(1)

***

كلّ ما ذكرنا كان يعود إلى التوسل بالاَحياء والاَسباب الطبيعية، وهذا ليس مورد بحث و نقاش.

إنّما الكلام في التوسل بالاَنبياء والاَولياء لا على الطريق المألوف وله أقسام:

أ. التوسل بدعاء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أو الصالحين في حال حياتهم.

ب. التوسل بذات النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قدسيته وشخصيته.

ج. التوسل بحقّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والاَنبياء والصالحين.

د. التوسل بدعاء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والصالحين بعد رحيلهم.

هـ. طلب الشفاعة من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والاَولياء.

وإليك دراسة كلّواحد منها:

أ. التوسل بدعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو الصالحينفي حال حياتهم

اتّفق المسلمون على جواز التوسل بدعاء الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)


1 ـ آل عمران|126.

(94)

في حال حياته، بل يستحب التوسل بدعاء الموَمن كذلك، قال سبحانه: (ولَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَاسْتَغْفروا اللّهَ وَاسْتَغْفَرَلَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوّاباً رَحيماً) .(1)

تجد انّه سبحانه يدعو الظالمين إلى المجيء إلى مجلس الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) كي يستغفر لهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

وفي آية أُخرى يندد بالمنافقين بأنّهم إذا دعوا إلى المجيء إلى مجلس الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وطلب المغفرة منه تنكروا ذلك واعترضوا عليه بليِّ الرأس، قال سبحانه: (وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِر لَكُمْ رَسُولُ اللّهِ لَوَّوْا رُوَُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ) .(2)

وتاريخ الاِسلام حافل بنماذج عديدة من هذا النوع من التوسل .

ب. التوسل بذات النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) و قدسيته وشخصيته

وها هنا وثيقة تاريخية ننقلها بنصها تعرب عن توسل الصحابة بدعاء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في حال حياته أوّلاً، وبقدسيته وشخصيته ثانياً، والمقصود من نقلها هو الاستدلال على الاَمر الثاني.

روى عثمان بن حنيف انّه قال: إنّ رجلاً ضريراً أتى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: ادع اللّه أن يعافيني؟


1 ـ النساء|64.
2 ـ المنافقون|5.

(95)

فقال(صلى الله عليه وآله وسلم) : إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت وهو خير؟

قال: فادعه ، فأمره(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويصلي ركعتين ويدعو بهذا الدعاء : «اللّهمّ إنّي أسألك وأتوجه إليك بنبيك نبي الرحمة،يا محمد إنّي أتوجه بك إلى ربّي في حاجتي لتقضى، اللّهمّ شفّعه في».

قال ابن حنيف: فواللّه ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتّى دخل علينا كأن لم يكن به ضرّ.

وهذه الرواية من أصح الروايات، قال الترمذي: هذا حديث حق، حسن صحيح.(1)

وقال ابن ماجة: هذا حديث صحيح.(2)

ويستفاد من الحديث أمران

الاَوّل: أن يتوسل الاِنسان بدعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويدل على ذلك قول الضرير: ادعوا اللّه أن يعافيني،وجواب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) : إن شئتَ دعوتُ ، وإن شئت صبرت وهو خير.

الثاني: انّه يجوز للاِنسان الداعي أن يتوسل بذات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في ضمن دعائه وهذا يستفاد من الدعاء الذي


1 ـ صحيح الترمذي5، كتاب الدعوات، الباب 119 برقم 3578 ؛سنن ابن ماجة:1|441 برقم 1385؛ مسندأحمد:4|138؛ إلى غير ذلك.
2 ـ صحيح الترمذي5، كتاب الدعوات، الباب 119 برقم 3578 ؛سنن ابن ماجة:1|441 برقم 1385؛ مسندأحمد:4|138؛ إلى غير ذلك.

(96)

علّمه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) للضرير، والاِمعان فيه يثبت هذا المعنى، وانّه يجوز لكلّ مسلم في مقام الدعاء أن يتوسل بذات النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ويتوجه به إلى اللّه.

وإليك الجمل التي تدل على هذا النوع من التوسل:

1. اللّهمّ إنّي أسألك وأتوجه إليك بنبيّك

انّ كلمه «بنبيّك» متعلّق بفعلين «أسألك» و«أتوجه إليك» والمراد من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه القدسية وشخصيته الكريمة لا دعاءه.

2. محمد نبي الرحمة

نجد انّه يذكر اسم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ثمّ يصفه بنبي الرحمة معرباً عن أنّ التوسل بذات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بما لها من الكرامة والفضيلة.

3. يا محمّد إنّي أتوجه بك إلى ربّي

إنّ جملة: «يا محمّد إنّي أتوجه بك إلى ربّي» تدل على أنّالضرير حسب تعليم الرسول، اتخذ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه وسيلة لدعائه وتوسل بذاته بما لها من المقام والفضيلة.

وهذا الحديث يرشدنا إلى أمرين:

الاَوّل: جواز التوسل بدعاء الرسول.

الثاني:جواز التوسل إلى اللّه بذات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بما لها من الكرامة والمنزلة عند اللّه تبارك و تعالى.

أمّا الاَوّل، فقد جاء في محاورة الضرير مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)


(97)

،فكان الموضوع هو دعاء الرسول، أي طلب الضرير الدعاء منه (صلى الله عليه وآله وسلم) .

وأمّا الثاني، فيستفاد من الدعاء الذي علّمه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) للضرير، فانّه يضمن التوسل بشخص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

نعم لم يكن يدور في خلد الضرير سوى التوسل بدعائه ولكن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) علمه دعاء جاء فيه التوسل بذات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو في نوعه توسل ثان، وبذلك وقفنا على أنّه يستحب للمسلم أن يتوسل بدعاء الصالحين من الاَنبياء والاَولياء كما يجوز له في دعائه التوسل بذواتهم ومقامهم ومنزلتهم.

ويظهر من الاَحاديث الشريفة انّ أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كانوا يتوسلون بذات النبي«صلى الله عليه وآله وسلم» في مقام الابتهال والدعاء حتى بعد رحيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

أخرج الطبراني، عن أبي أُمامة بن سهل بن حنيف، عن عمّه عثمان بن حنيف: انّ رجلاً كان يختلف إلى عثمان بن عفان في حاجة له، فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته، فلقى ابن حنيف فشكا ذلك إليه، فقال له عثمان بن حنيف: ائتِ الميضاة فتوضأ، ثم ائتِ المسجد فصلِ فيه ركعتين، ثمّ قل: «اللّهمّ إنّي أسألك وأتوجه إليك بنبيّنا محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) نبي الرحمة، يا محمد إنّي أتوجه بك إلى ربّي فتقضى لي حاجتي» فتذكر حاجتك ورح حتى أروح معك.

فانطلق الرجل فصنع ما قال له، ثمّ أتى باب عثمان بن عفان،


(98)

فجاء البواب حتى أخذ بيده فأدخله على عثمان بن عفان، فأجلسه معه على الطنفسة، فقال: حاجتك؟ فذكر حاجته وقضاها له، ثمّ قال له: ما ذكرت حاجتك حتى كان الساعة. وقال: ما كانت لك من حاجة فاذكرها.

ثمّ إنّ الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف، فقال له: جزاك اللّه خيراً ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إليَّ حتّى كلّمته فيّ، فقال عثمان بن حنيف: واللّه ما كلّمته، ولكني شهدت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وأتاه ضرير فشكا إليه ذهاب بصره، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : فتصبر؟ فقال: يا رسول اللّه ليس لي قائد فقد شقّ عليَّ.

فقال النبي ص: إئت الميضاة فتوضأ، ثمّ صلّ ركعتين، ثمّ ادع بهذه الدعوات.

قال ابن حنيف: فواللّه ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا الرجل كأنّه لم يكن به ضّر قط.(1)

***

إنّ سيرة المسلمين في حياة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وبعدها، استقرت على أنّهم كانوا يتوسلون بأولياء اللّه والصالحين من عباده، دون أن يدور في خلد أحد منهم بأنّه أمر حرام أو شرك أو


1 ـ المعجم الكبير للحافظ سليمان بن أحمد الطبراني: 9|30ـ 31، باب ما أسند إلى عثمان بن حنيف برقم 8311؛ والمعجم الصغير له أيضاً:1|183ـ 184.

(99)

بدعة، بل كانوا يرون التوسل بدعاء الصالحين طريقاً إلى التوسل بمنزلتهم، وشخصيتهم، فانّه لو كان لدعاء الرجل الصالح أثر، فإنّما هو لاَجل قداسة نفسه وطهارتها، ولولاهما لما استجيبت دعوته، فما معنى الفرق بين التوسل بدعاء الصالح وبين التوسل بشخصه وذاته، حتى يكون الاَوّل نفس التوحيد و الآخر عين الشرك أو ذريعة إليه.

إنّ التوسل بقدسية الصالحين، والمعصومين من الذنب، والمخلصين من عباد اللّه لم يكن قط أمراً جديداً بين الصحابة بل كان ذلك امتداداً للسيرة الموجودة قبل الاِسلام، فقد تضافرت الروايات التاريخية على ذلك وإليك البيان:

1. استسقاء عبد المطلب بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو رضيع:

لقد استسقى عبد المطلب بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو طفل صغير، حتى قال ابن حجر: إنّ أبا طالب يشير بقوله:

وابيض يستقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للاَرامل

إلى ما وقع في زمن عبد المطلب حيث استسقى لقريش والنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) معه غلام.(1)

2. استسقاء أبي طالب بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) :

أخرج ابن عساكر عن ابن عرفلة، قال: قدمت مكة وقريش في


1 ـ فتح الباري: 2|398؛ دلائل النبوة:2|126.

(100)

قحط .... فقالت قريش: يا أبا طالب أقحط الوادي وأجدب العيال، فهلم فاستسق، فخرج أبو طالب ومعه غلام ـ يعني : النبي«صلى الله عليه وآله وسلم» كأنّه شمس دجن تجلت عنه سحابة قتماء، وحوله اغيلمة، فأخذه أبو طالب فألصق ظهره بالكعبة، ولاذ باصبعه الغلام وما في السماء قزعه، فأقبل السحاب من هاهنا و من هاهنا واغدودق وانفجر له الوادي وأخصب النادي والبادي، وفي ذلك يقول أبو طالب في قصيدة يمدح بها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) :

وابيض يستقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمةللاَرامل(1)

وقد كان استسقاء أبي طالب بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو غلام، بل استسقاء عبد المطلب به وهو صبي أمراً معروفاً بين العرب، وكان شعر أبي طالب في هذه الواقعة مما يحفظه أكثر الناس.

ويظهر من الروايات أنّ استسقاء أبي طالب بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان موضع رضا من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فانّه بعد ما بعث للرسالة استسقى للناس، فجاء المطر واخصب الوادي فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) :«لو كان أبو طالب حيّاً لقرّت عيناه، من ينشدنا قوله؟».

فقام علي (عليه السلام) وقال: يا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كأنّك أردت قوله:

وابيض يستقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للاَرامل(2)


1 ـ السيرة الحلبية:1|116.
2 ـ إرشاد الساري: 2|338.

(101)

إنّ التوسل بالاَطفال الاَبرياء في الاستسقاء أمر ندب إليه الشرع الشريف، فهذا هو الاِمام الشافعي يقول : أن يخرج الصبيان، ويتنظفوا للاستسقاء وكبار النساء ومن لا هيئة له منهنّ، ولا أحب خروج ذوات الهيئة ولا آمر بإخراج البهائم.(1)

وما الهدف من إخراج الصبيان والنساء الطاعنات في السن، إلاّ استنزال الرحمة بهم وبقداستهم وطهارتهم، وكلّ ذلك يعرب عن أنّ التوسل بالاَبرياء والصلحاء والمعصومين مفتاح استنزال الرحمة وكأنّالمتوسل بهم يقول: ربّي و سيدي انّ الصغير معصوم من الذنب،و الكبير الطاعن في السن أسيرك في أرضك، وكلتا الطائفتين أحقّ بالرحمة والمرحمة، فلاَجلهم أنزل رحمتك إلينا،حتى تعمنا في ظلهم.

فانّ الساقي ربما يسقي مساحة كبيرة لاَجل شجرة واحدة وفي ظلها تسقى الاَعشاب غير المفيدة.

وعلى ضوء هذا التحليل يفسر توسل الخليفة بعمّ الرسول: «العباس بن عبد المطلب» الذي سيمر عليك، وأنّه كان توسلاً بشخصه وقداسته وصلته بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وتعلم بالتالي انّ هذا العمل كان امتداداً للسيرة المستمرة، وانّ هذا لا يمت إلى التوسل بدعاء العباس بصلة.


1 ـ الاَُمّ:1|248، باب خروج النساء والصبيان في الاستسقاء.

(102)

3.التوسل بعمّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

أخرج البخاري في صحيحه ،عن أنس: «انّ عمر بن الخطاب كان إذا قَحَطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب (رض) فقال: اللّهمّ إنّا كنّا نتوسل إليك بنبيّنا فتسقينا، وانّا نتوسل إليك بعمّ نبيّنا فاسقنا. قال: فيسقون».(1)

هذا ما نصّ عليه البخاري وهو يدل على أنّ عمر بن الخطاب عند دعائه واستسقائه توسل بعمّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وشخصه وشخصيته وقدسيته وقرابته من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا بدعائه ويدل على ذلك:

قول الخليفة عند الدعاء: «اللّهمّ كنّا نتوسل إليك بنبيّنا فتسقينا وانّا نتوسل إليك بعمّ نبيّنا فاسقنا» وهذا ظاهر في أنّ الخليفة قام بنفسه بالدعاء عند الاستسقاء، وتوسل بعمّ الرسول وقرابته منه في دعائه.

ج. التوسل بحقّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والاَنبياء والصالحين

وهناك لون آخر من التوسل وهو التوسل بحقّ الاَنبياء والمرسلين، والمراد الحقّ الذي تفضل به سبحانه عليهم فجعلهم أصحاب الحقوق، وليس معنى ذلك انّ للعباد أو للصالحين على اللّه حقّاً ذاتياً يلزم عليه تعالى الخروج منه، بل الحقّ كلّه للّه، وإنّما المراد


1 ـ صحيح البخاري:2|27 ، باب صلاة الاستسقاء، باب سوَال الناس الاِمام الاستسقاء إذا قحطوا من كتاب الصلاة.

(103)

، الحقّ الذي منحه سبحانه لهم تكريماً، وجعلهم أصحاب حقّ على اللّه، كما قال سبحانه: (وَكانَ حَقّاً عَلَيْنا نَصْرُ الْمُوَْمِنينَ) .(1)

ويدل على ذلك من الروايات ما يلي:

أ. روى أبو سعيد الخدري: قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : من خرج من بيته إلى الصلاة، وقال: اللّهمّ إنّي أسألك بحقّ السائلين عليك، وأسألك بحقّ ممشاي هذا،فانّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياءً ولا سمعة وخرجت اتقاء سُخْطِك وابتغاء مرضاتك، فأسألك أن تعيذني من النار، وأن تغفر لي ذنوبي انّه لا يغفر الذنوب إلاّ أنت، أقبل اللّه عليه بوجهه واستغفر له سبعون ألف ملك.(2)

ب. روى عمر بن الخطاب، قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : لما اقترف آدم الخطيئة، قال: ربّي أسألك بحقّمحمّد لما غفرت لي، فقال اللّه عزّوجلّ: يا آدم كيف عرفت محمّداً ولم أخلقه قال: لاَنّك لما خلقتني بيدك ونفخت فيّمن روحك، رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوباً لا إله إلاّاللّه، محّمد رسول اللّه، فعلمت انّك لم تضف إلى اسمك إلاّ أحبّ الخلق إليك، فقال اللّه عزّ وجلّ: صدقت يا آدم انّه لاَحبّ الخلق إليّ ، وإذا سألتني بحقّه فقد غفرت ولولا محمّد ما خلقتك.(3)


1 ـ الروم|47.
2 ـ سنن ابن ماجة:1|256رقم 778، باب المساجد؛ مسند أحمد:3|21.
3 ـ دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة لاَبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي:5|489، دار الكتب العلمية.

(104)

ج. روى الطبراني بسنده عن أنس بن مالك انّه لما ماتت فاطمة بنت أسد حفروا قبرها، فلمّا بلغوا اللحد حفر رسول اللّه بيده وأخرج ترابه بيده، فلما فرغ دخل رسول اللّه فاضطجع فيه، وقال: اللّه الذي يحيي ويميت وهو حي لا يموت اغفر لاَُمّي فاطمة بنت أسد ولقنها حجتها، ووسّع عليها مدخلها بحقّ نبيّك والاَنبياء الذين من قبلي، فانّك أرحم الراحمين.(1)

إلى هنا تم البحث عن أقسام التوسل الثلاثة وعرفت انّ الجميع يدعمه الكتاب والسنة وتصور انّ التوسل بغيره سبحانه تأليه وعباده لغيره قد عرفت بطلانه وذلك لوجهين:

الوجه الاَوّل: لو كان التوسل بدعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وذاته أو حقّه شركاً يلزم أن يكون كلّ توسل كذلك حتى التوسل بالغير في الاَُمور العادية مع أنّه باطل بالضرورة، لاَنّ الجميع من قبيل التوسل بالاَسباب، عادية كانت أو غير عادية، طبيعيةً كانت أو غير طبيعية.

الوجه الثاني: قد عرفت في تعريف العبادة انّه الخضوع أمام الغير بما هو إله أو ربّ أو مفوض إليه أُموره سبحانه، وليس واحد من هذه القيود متحّققاً في التوسل بالاَنبياء والصالحين والشهداء بل يتوسل بهم بما انّهم عباد مكرمون يستجاب دعاوَهم عند اللّه سبحانه، أو انّ لذواتهم وحقوقهم منزلة عند اللّه، فالتوسل بهم يثير


1 ـ معجم الطبراني الاَوسط: 356 ؛ حلية الاَولياء:3|121؛ مستدرك الحاكم: 3|108.

(105)

بحار رحمته.

كيف يكون التوسل بنبي التوحيد(صلى الله عليه وآله وسلم) شركاً مع أنّه يتوسل به بما انّه مكافح للشرك ومقوض لدعائمه؟

د. التوسل بدعاء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والصالحين بعد رحيلهم

من أقسام التوسل الرائجة بين المسلمين هو التوسل بدعاء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أو الصالحين بعد رحيلهم .

ولكن ثمة سوَالاً يطرح نفسه وهو:

انّ التوسل بدعاء الغير إنّما يصحّ إذا كان الغير حياً يسمع دعاءك ويستجيب لك ويدعو اللّه سبحانه لقضاء وطرك ونجاح سوَالك، أمّا إذا كان المستغاث ميتاً انتقل من هذه الدنيا فكيف يصحّ التوسل بمن انتقل إلى رحمة اللّه وهو لا يسمع؟

والجواب: انّ الموت ـ حسب ما يوحي إليه القرآن والسنّة النبوية ـ ليس بمعنى فناء الاِنسان وانعدامه، بل معناه الانتقال من دار إلى دار وبقاء الحياة بنحو آخر والذي يعبر عنه بالحياة البرزخية.


(106)

وتدل على بقاء الحياة آيات من الذكر الحكيم نقتصر على بعضها:

الآية الاَُولى:

قوله تعالى: (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ في سَبيلِ اللّهِ أَمْواتٌ بَلْأَحْياءٌ وَلكِنْلا تَشْعُرُونَ) .(1)

وقد كان المشركون يقولون: إنّ أصحاب محمّد يقتلون أنفسهم في الحروب دون سبب، ثمّ يقتلون ويموتون فيذهبون، فوافى الوحي رداً عليهم بأنّه ليس الاَمر على ما يقولون، بل هم أحياء وإن كان المشركون وغيرهم لا يدركون ذلك.

الآية الثانية

قوله تعالى: 1. (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون) .

2. (فَرِحينَ بِما آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاّ خَوفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) .

3. (يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَإِنَّ اللّهَ لا يُضيعُ أَجْرَ الْمُوَْمِنينَ) .(2)


1 ـ البقرة|154.
2 ـ آل عمران|169ـ 171.

(107)

والآيات هذه صريحة في بقاء الاَرواح بعد مفارقتها الاَبدان، وبعد انفكاك الاَجسام و بلاها، كما يتضح ذلك من الاِمعان في المقاطع الاَربعة التالية:

1. (أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ).

2.(يُرْزَقُونَ) .

3. (فَرِحينَ) .

4. (وَيَسْتَبْشِرُونَ) .

والمقطع الثاني يشير إلى التنعم بالنعم الاِلهية، والثالث والرابع يشير إلى النعم الروحية والمعنوية، وفي الآية دلالة واضحة على بقاء الشهداء بعد الموت إلى يوم القيامة.

وقد نزلت الآية: إمّا في شهداء بدر وكانوا أربعة عشر رجلاً ثمانية من الاَنصار وستة من المهاجرين، وإمّا في شهداء أُحد وكانوا سبعين رجلاً، أربعة من المهاجرين: حمزة بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير، وعثمان بن شماس، وعبد اللّه بن جحش وسائرهم من الاَنصار، وعلى قول نزلت في حقّ كلتا الطائفتين.

الآية الثالثة

قوله سبحانه: (وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَومِ اتَّبِعُوا المُرْسَلينَ* اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ* وَمالِيَ لا )


(108)

أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرني وَإِلَيْهِ تُرْجَعُون* ءَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ* إِنّي إِذاً لَفي ضَلالٍ مُبينٍ* إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ* قيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمي يَعْلَمُونَ* بِما غَفَرَ لي رَبِّي وَجَعَلَني مِنَ الْمُكْرَمينَ* وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنّا مُنْزِلينَ*إِنْ كانَتْ إِلاّصَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ).(1)

اتفق المفسرون على أنّ الآيات نزلت في رسل عيسى (عليه السلام) ، وقد نزلوا بأنطاكيا داعين أهلها إلى التوحيد وترك عبادة غيره سبحانه، فعارضهم من كان فيها بوجوه مذكورة في نفس السورة.

فبينما كان القوم والرسل يتحاجون إذ جاء رجل من أقصى المدينة يدعوهم إلى اللّه سبحانه وقال لهم:

إتّبعوا معاشر الكفار من لا يطلبون منكم الاَجر ولا يسألونكم أموالكم على ما جاءوكم به من الهدى، وهم مهتدون إلى طريق الحقّ، سالكون سبيله، ثمّ أضاف قائلاً:

ومالي لا أعبد الذي فطرني وأنشأني وأنعم إليّ وهداني وإليه ترجعون عند البعث، فيجزيكم بكفركم أتأمرونني أن أتخذ آلهة من دون اللّه مع أنّهم لا يغنون شيئاً ولا يردون ضرراً عني، ولا تنفعني شفاعتهم شيئاً ولا ينقذونني من الهلاك والضرر، وعندما مهَّد السبيل


1 يس|20ـ 29.


(109)

إلى إبطال مزاعم المشركين وبيان سخافة منطقهم، فعندئذٍ خاطب الناس أو الرسل بقوله: (انّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُون) فسواء أكان الخطاب للمشركين أو للرسل فإذا بالكفار قد هاجموه فرجموه حتى قتل.)

ولكنّه سبحانه جزاه بالاَمر بدخول الجنّة، بقوله: (قيلَ ادخُل الْجَنّة) ثمّ هو خاطب قومه الذين قتلوه، بقوله: (قالَ يا لَيْتَ قَومي يعلَمُون* بِما غَفَر لي رَبّي وَجَعَلَني مِنَ الْمُكْرَمين) .

ثمّ إنّه سبحانه لم يمهل القاتلين طويلاً حتى أرسل جنداً من السماء لاِهلاكهم، يقول سبحانه:(وَما أَنْزَلْنا عَلى قَومِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنّا مُنْزلينَ*إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ) .

أي: كان اهلاكهم عن آخرهم بأيسر أمر، وهي صيحة واحدة حتى هلكوا بأجمعهم، فإذا هم خامدون ساكتون.

ودلالة الآية على بقاء النفس وإدراكها وشعورها وإرسالها الخطابات إلى من في الحياة الدنيا من الوضوح بمكان، حيث كان دخول الجنّة: (قيل ادخُل الجَنّة ) والتمني (يا لَيْتَ قَومي) كان قبل قيام الساعة، والمراد من الجنة هي الجنة البرزخية دون الاَُخروية.

إلى هنا تمّ بيان بعض الآيات الدالة على بقاء أرواح الشهداء


(110)

الذين بذلوا مهجهم في سبيل اللّه.وثمة طائفة من الآيات تدل على بقاء أرواح الكفار بعد انتقالهم عن هذه الدنيا،مقترنة بألوان العذاب، وهناك طائفة أُخرى من الآيات تدل على بقاء الروح بعد رحيل الاِنسان الموَمن والكافر من هذه الدار، ولنذكر هذه الآيات على وجه الاِيجاز:

1.(النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوّاً وَعَشِيَّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَونَ أَشدَّ الْعَذاب) .(1)

تدل الآية بوضوح على أنّآل فرعون يُعرضون على النار قبل قيام الساعة غدوّاً وعشيّاً، كما انّهم بعد قيامها يُدخلون أشدّ العذاب، فعذابهم قبل الساعة غير عذابهم بعدها، وهو دليل صريح على حياة تلك الطغمة.

2. (مِمّا خَطيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَادْخِلُوا ناراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللّهِأَنْصاراً) .(2)

تدل الآية على أنّ قوم نوح اغرقوا أوّلاً فادخلوا ناراً، ولم يجدوا لاَنفسهم أنصاراً وليست هذه النار، نار يوم القيامة بشهادة انّه سبحانه يقول:(فادخلوا ناراً) وهو يدل على تحقق الدخول بلا فاصل زمني بعد الغرق ولو أُريد نار يوم الساعة لكان الاَنسب أن يقول«فيدخلون ناراً».


1 ـ غافر|46.
2 ـ نوح|25.

(111)

3. (حَتّى إِذاجاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوتُ قالَرَبِّ ارْجِعُونِ* لَعَلّي أَعْمَلُ صالِحاً فيما تَرَكْتُ كَلاّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْم يُبْعَثُون) .(1)

إنّ الكافر حينما يواجه الموت يجد مستقبل حياته مظلماً وكأنّه يشاهد العذاب الاَليم بأم عينه بعد موته فيتمنّى الرجوع إلى الحياة الدنيا، فيجاب بـ (كَلاّ) وما يشاهده ليس إلاّ عذاباً برزخياً لا عذاباً أُخروياً ولذلك يقول سبحانه (وَ مِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوم يُبْعَثُون) .

هذه الآيات وغيرها تعرب عن بقاء الحياة بعد الانتقال عن نشأة الدنيا، وإن أطلق الموت عليه فإنّما هو باعتبار انتهاء أمد حياته الدنيوية و اندثار بدنه وأمّا روحه ونفسه فهي باقية بنحو آخر تتنعم أو تعذَّب.

الصلة بين الحياتين: الدنيوية والبرزخية

ربما يمكن أن يقال: انّالآيات دلت على كون الشهداء والاَولياء بل الكفار أحياء، ولكن لا دليل على وجود الصلة بين الحياتين وانّهم يسمعون كلامنا، وهذا هو الذي نطرحه في المقام ونقول:

دلّ الذكر الحكيم على وجود الصلة بين الحياة الدنيوية والبرزخية بمعنى انّ الاَحياء بالحياة البرزخية يسمعون كلامنا


1 الموَمنون|99ـ 100.


(112)

ويشاهدون أفعالنا، وليسوا بمنقطعين تمام الانقطاع عن الحياة الدنيوية وإليك شواهد من الآيات:

1. قال سبحانه: (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمينَ* فَتَولّى عَنْهُمْ وَقالَيا قَومِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصحينَ).(1)

نزلت الآيات في قصة النبي صالح حيث دعا قومه إلى عبادة اللّه وترك التعرض لمعجزته (الناقة) وعدم مسِّها بسوء، ولكنّهم بدل ذلك فقد عقروا الناقة وعتوا عن أمر ربّهم فعمَّهم العذاب فأصبحوا في دارهم جاثمين، فعند ذلك عاد النبي صالح يخاطبهم وهم هلكى، بقوله: (فَتَولى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَومِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحينَ) .

وقد صدر الخطاب من النبي صالح (عليه السلام) بعد هلاكهم وموتهم، بشهادة قوله: (فتَولّى عَنْهُم) في صدر الخطاب المصدرة بالفاء المشعرة بصدور الخطاب عقيب هلاك القوم.

فلو لم تكن هناك صلة بين الحياتين لما خاطبهم النبي صالح بهذا الخطاب.

2. قال سبحانه: (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ)


1 الاَعراف|78ـ 79.

(113)

جاثِمينَ* الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوا فِيها الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرينَ* فَتَوَلّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَومٍ كافِرينَ) .(1)

وقد وردت هذه الآية في حقّ النبي شعيب (عليه السلام) ودلالة الآية كدلالة سابقتها، حيث يخاطب شعيبُ قومَه بعد هلاكهم، فلو كانت الصلة مفقودة ولم يكن الهالكون بسبب الرجفة سامعين لخطاب نبيهم، فما معنى خطابه لهم؟

3. قال سبحانه: (وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ الِهَةً يُعْبَدُونَ).(2)

ترى انّه سبحانه يأمر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بسوَال الاَنبياء الذين بعثوا قبله وأمّا مكان السوَال فلعلّه كان في ليلة الاسراء.

السنة الشريفة والصلة بين الحياتين

ثمة روايات متضافرة بل متواترة تدل على وجود الصلة بين الحياتين، وجمع هذه الروايات بحاجة إلى تأليف كتاب مفرد.

ونكتفي هنا بالحديث المتفق عليه بين المسلمين وهو تكليم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أهل القليب.


1 الاَعراف|91ـ 93.
2 ـ الزخرف|45.


(114)

لقد انتهت معركة بدر بانتصار المسلمين وهزيمة المشركين قتل منهم قرابة سبعين من صناديدهم وساداتهم وطرحت جُثث قتلاهم في القليب، فوقف النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يخاطبهم واحداً تلو الآخر، ويقول: يا أهل القليب، يا عتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة، يا أُمية بن خلف، يا أباجهل، و هكذا عدَّ من كان منهم بالقليب، وقال: هل وجدتم ما وعد ربّكم حقّاً فانّي قد وجدت ما وعدني ربّي حقّاً ؟!

فقال له أصحابه: يا رسول اللّه أتنادي قوماً موتى؟!

فقال (عليه السلام) : ما أنتم بأسمعَ لما أقول منهم، ولكنّهم لا يستطيعون أن يجيبوني.

يقول ابن هشام بعد هذا النقل: إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: يا أهل القليب بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم كذَّبتموني وصدَّقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وقاتلتموني ونصرني الناس.

ثمّ قال: هل وجدتم ما وعدكم ربّي حقّاً ؟!.(1)

أخرج البخاري : عن نافع انّ ابن عمر أخبره، قال: اطّلع النبي (عليه السلام) على أهل القليب، فقال: وجدتم ما وعد ربّكم حقّاً؟!

فقيل له: ندعوا أمواتاً، فقال: ما أنتم بأسمع منهم، ولكن لا يجيبون.(2)


1 ـ السيرة النبوية :1|649؛ السيرة الحلبية:2|179و180.
2 ـ صحيح البخاري: 9|98، باب ما جاء في عذاب القبر من كتاب الجنائز.

(115)

وأخيراً نقول: إنّجميع المسلمين ـ على الرغم من الخلافات المذهبية بينهم في فروع الدين ـ يسلمون على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في الصلاة عند ختامها ويقولون:

«السّلام عليك أَيُّها النَّبيّ ورَحمة اللّه وبركاته».

وقد أفتى الاِمام الشافعي وآخرون بوجوب هذا السلام بعد التشهد، وأفتى الآخرون باستحبابه، لكن الجميع متفقون على أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) علمهم السلام وانّ سنة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثابتة في حياته وبعد وفاته.(1)

فلو انقطعت صلتنا بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بوفاته، فما معنى مخاطبته والسلام عليه يومياً؟!

سوَال و جواب

لو كانت الصلة بيننا وبين من فارقوا الحياة موجودة فما معنى قوله سبحانه: (فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوتى)(2) وقوله سبحانه: (وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي القُبُور ) .(3)

والجواب : بملاحظة الآيات السابقة هو انّ المراد من الاِسماع، الاِسماع المفيد، ومن المعلوم انّسماع الموتى أو من في


1 ـ تذكرة الفقهاء:3|333، المسألة 294؛ الخلاف:1|47.
2 ـ الروم|52.
3 ـ فاطر|22.

(116)

القبور لا يجدي نفعاً بعدما ماتوا كافرين، وإلاّ فهذا هو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، يقول: «الميت يسمع قرع النعال» في حديث أخرجه البخاري عن أنس بن مالك عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إنّ العبد إذا وضع في قبره وتولّى عنه أصحابه حتى أنّه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فيُقعدانه فيقولان له ما كنت تقول في هذا الرجل محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) فيقول: أشهد انّه عبد اللّه ورسوله إلى آخر ما نقل.(1)

وقد مرّ انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يزور القبور، و يخرج آخر الليل إلى البقيع، فيقول: السّلام عليكم دار قوم موَمنين وأتاكم ما توعدون، غداً مأجلون وانّا إن شاء اللّه بكم لاحقون، اللّهمّ اغفر لاَهل بقيع الغرقد.(2)

اتّفق المسلمون على تعذيب الميت في القبر، أخرج البخاري عن ابنة خالد بن سعيد بن العاص انّها سمعت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يتعوذ من عذاب القبر، وأخرج عن أبي هريرة كان رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) يدعو : اللّهمّ إنّي أعوذ بك من عذاب القبر و من عذاب النار.(3)

كلّ ذلك يدل على أنّ المراد من نفي الاسماع هو الاسماع المفيد. تحقيقاً لقوله سبحانه: (حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوتُ قالَ رَبِّ ارجِعُونِ* لَعَلّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلاّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ)


1 ـ البخاري:الصحيح: 2|90، باب الميت يسمع خفق النعال.
2 ـ صحيح مسلم:3|63، باب ما يقال عند دخول القبور من كتاب الجنائز.
3 ـ البخاري:الصحيح: 2|99، باب التعوذ من عذاب القبر من كتاب الصلاة.

(117)

وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَومِ يُبْعَثُون)(1) حيث إنّ الآية صريحة في ردّ دعوة الكفّار حيث طلبوا من اللّه سبحانه أن ُيُرجعهم إلى الدنيا حتى يعملوا صالحاً، فيأتيهم النداء«بكلا» فيكون تمنيهم بلا جدوى ولا فائدة كما انّ سماع الموتى كذلك، لا انّهم لا يسمعون أبداً، إذ هو مخالف لما مرّ من صريح الآيات والروايات.

هـ.طلب الشفاعة

اتّفقت الاَُمّة الاِسلامية على انّ الشفاعة أصل من أُصول الاِسلام نطق به الكتاب والسنّة النبوية، وأحاديث العترة الطاهرة، ولم يخالف في ذلك أحد من المسلمين وإن اختلفوا في بعض خصوصياتها.

وأجمع العلماء على أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أحد الشفعاء يوم القيامة، إلاّ أنّ الكلام في المقام في طلب الشفاعة من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فهل يجوز أن نقول: يا رسول اللّه اشفع لنا عند اللّه، كما يجوز أن نقول: اللّهمّ شفّع نبيّنا محمّداً(صلى الله عليه وآله وسلم) فينا يوم القيامة، أو لا يجوز؟ تظهر حقيقة الحال من خلال الوجوه التالية:

الوجه الاَوّل: انّ حقيقة الشفاعة ليست إلاّ دعاء النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» أو الولي (عليه السلام) في حقّ المذنب وإذا كانت هذه حقيقتَها فلا مانع من طلبها من الصالحين، لاَنّ غاية هذا


1 الموَمنون|99ـ 100.


(118)

الطلب هو طلب الدعاء، فلو قال القائل: «يا وجيهاً عند اللّه اشفع لنا عند اللّه» يكون معناه ادع لنا عند ربّك فهل يرتاب في جواز ذلك مسلم؟

والدليل على أنّ الشفاعة هو طلب الدعاء، ما أخرجه مسلم، عن عبد اللّهبن عباس، انّه قال: سمعت رسول اللّه يقول: ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون باللّه شيئاً إلاّ شفّعهم اللّه فيه.(1) ي قُبل شفاعتهم فيه وليست شفاعتهم إلاّ دعاوَهم له بالغفران.

وعلى هذا فلا وجه لمنع الاستشفاع بالصالحين إذا كان مآله إلى طلب الدعاء.

الوجه الثاني: انّ سيرة المسلمين تكشف عن جواز طلب الشفاعة في عصر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وبعده.

أخرج الترمذي في سننه عن أنس قال: سألت النبي«صلى الله عليه وآله وسلم» أن يشفع لي يوم القيامة، فقال: أنا فاعل، قال: قلت يا رسول اللّه فأين أطلبك؟ فقال: اطلبني أوّل ما تطلبني على الصراط.(2)

نقل ابن هشام في سيرته: انّه لما توفّي رسول اللّه«صلى الله عليه وآله وسلم» كشف أبو بكر عن وجهه و قبله، وقال: بأبي أنت و أُمّي أما الموتة التي كتب اللّه عليك فقد ذقتها، ثمّ لن تصيبك بعدها موتة أبداً.(3)


1 ـ صحيح مسلم:3|53، باب من صلّى عليه أربعون شفعوا فيه من كتاب الجنائز.
2 ـ سنن الترمذي:4|621، كتاب صفة القيامة.
3 ـ السيرة النبوية: 2|656، ط عام 1375هـ و هو يدل على وجود الصلة بين الاحياء والاَموات وقد جئنا به لتلك الغاية.

(119)

وقال الرضي في نهج البلاغة: لما فرغ أمير الموَمنين (عليه السلام) من تغسيل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال كلاماً و في آخره : بأبي أنت و أُمّي طبت حياً وطبت ميتاً أذكرنا عند ربّك.(1)

انّ كلام الاِمام يدلّ على عدم الفرق في طلب الشفاعة من الشفيع في حين حياته وبعد وفاته، وقد كان الصحابة يطلبون الدعاء من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بعد وفاته.

وتصور انّ طلب الشفاعة من الشفيع الواقعي شرك تصور خاطىَ، فانّ المراد من الشرك في المقام هو الشرك في العبادة، وقد علمت انّمقومه هو الاعتقاد بأُلوهية المدعوّ أو ربوبيته أو كون مصير العبد بيده، وليس في المقام من ذلك شيء.

إنّ طالب الشفاعة من الشفعاء الصالحين ـ الذين أذن اللّه لهم بالشفاعة ـ إنّما يعتبرهم عباداً للّه مقربين لديه، وجهاء فيطلب منهم الدعاء، وليس طلب الدعاء من الميت عبادة له، وإلاّلزم كون طلبه من الحي عبادة لوحدة واقعية العمل.

وقياس طلب الشفاعة من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بطلب الوثنيين الشفاعةَ من الاَصنام قياس مع الفارق، لاَنّ المشركين كانوا على اعتقاد بأُلوهية معبوداتهم وربوبيتها، و أين هذا من طلب الموحد الذي لا يراه إلهاً ولا ربّاً ولامن بيده مصير حياته؟! وإنّما تعتبر الاَعمال بالنيات لا بالصور والظواهر.


1 ـ نهج البلاغة: رقم الخطبة 23.

(120)

6


انتفاع الموتى بأعمال الاَحياء

ينتفع الاِنسان بالاِيمان إذا انضمّ إليه العمل الصالح ولا ينفع إيمان تجرد عن العمل، ولاَجل ذلك قرن اللّه سبحانه العمل الصالح إلى جانب الاِيمان في أكثر الآيات، وقال: (إِلاّ الَّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحات) .(1) فالاعتماد على الاِيمان مجرداً عن العمل فعل الحَمْقى.

وهذا هو الاِمام أمير الموَمنين علي (عليه السلام) يوَكد في خطبته على العمل، إذ يقول: «فَاليوم عمل ولا حساب وغداً حساب ولا عمل».(2)

ويقول في خطبة أُخرى: «ألا وإنّ اليوم المضمار وغداً السباق و السَّبقَة الجنةُ والغايةُ النارُ، أفلا تائب من خطيئته قبل منيّته، ألا عامل لنفسه قبل يوم بوَسه».(3)

انتفاع الاِنسان بعمله وعمل غيره

كما أنّ الاِنسان ينتفع بعمل نفسه كصلاته و صومه كذلك ينتفع بعمل غيره إذا كان له دور فيه كما إذاخلَّف أعمالاً خيرية يستفيد منه الناس كصدقة جارية أجراها أو إذا ترك علماً ينتفع به أو


1 ـ العصر|3.
2 ـ نهج البلاغة: الخطبة 42.
3 ـ نهج البلاغة: الخطبة 27.

(121)

ربّى ولداً صالحاً يدعو له، فهو ينتفع بصدقاته وعلومه ودعاء ولده.

ونظيره الجسر الذي بناه، والنهر الذي أجراه، والمدرسة التي شيّدها، والطريق الذي عبّده، فقد ينتفع به لاَنّها أعمال قام بها بنفسه باقية بعد موته.

أخرج مسلم في صحيحه انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ،قال:« إذا مات الاِنسان انقطع عنه عمله إلاّمن ثلاثة:إلاّ من صدقة جارية ، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له».(1)

وأخرج مسلم، عن جرير بن عبد اللّه، قال: قال رسول اللّه : من سنَّ في الاِسلام سنّة حسنةفعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أُجورهم شيء، ومن سنَّ في الاِسلام سنّة سيئة فعمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء.(2)

ففي هذا المورد ينتفع الميت بعد موته بعمل الغير لقيامه في ترغيب ذلك الغير وتشويقه إلى فعله، فانّ من سنّ سنة حسنة كأنّه يدعو الغير بعمله هذا إلى الاقتداء به.

إنّما الكلام فيما إذا لم يكن للميت نصيب في العمل، فهل يصل ثواب عمل الغير إليه إذا أهدى صاحب العمل ثوابه إليه ؟


1 ـ صحيح مسلم:5|73، باب وصول ثواب الصدقات إلى الميت من كتاب الهبات.
2 ـ صحيح مسلم:8|61، باب «من سنّ سنة حسنة أو سيئة» من كتاب العلم.

(122)

فالظاهر من الكتاب والسنّة انّه سبحانه بعميم فضله وواسع جوده يوصل ثواب عمل الغير إلى الميت فيما إذا قام الغير بعمل صالح نيابة عنه وبعث ثوابه إليه، ويدل عليه لفيف من الآيات والروايات.

1. استغفار الملائكة للموَمنين

قال تعالى: (الَّذينَ يَحْمِلُونَ الْعَرشَ وَمَنْحَولَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُوَْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذينَ آمَنُوا رَبّنا وَسِعتَ كُلّشَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحيم).(1)

وقال تعالى:

(تَكادُ السَّماواتُيَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الاََرْضِ أَلا إِنّ اللّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحيم) .(2)

2. دعاء الموَمنين للسابقين إلى الاِيمان

(وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا وَلاِِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالاِِيمان وَلا تَجْعَلْ في قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَوَُوفٌ رَحيمٌ).(3)

فلو لم يكن لاستغفار الملائكة ودعاء الموَمنين للتابعين سبيل


1 ـ الموَمن|7.
2 ـ الشورى|5.
3 ـ الحشر|10.

(123)

اللّه مفيداً، فما معنى نقله سبحانه عنهم كما عرفت.

وأمّا الروايات فحدّث عنها ولا حرج.

1.أخرج مسلم، عن عائشة انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: من مات وعليه صيام صام عنه وليه.(1)

2. وأخرج أيضاً عن ابن عباس، قال: جاء رجل إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: يا رسول اللّه انّ أُمّي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضي عنها، قال: نعم، فدين اللّه أحقّ أن يقضى.(2)

3. روى سعد بن عبادة، انّه قال لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّ أُمّي ماتت و عليها نذر أفيجزي عنها أن أعتق عنها، قال: اعتق عن أُمّك.(3)

4. روى أبو هريرة، انّرجلاً قال للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّ أبي مات وترك مالاً ولم يوص، فهل يكفر عنه ان أتصدق عنه؟ قال: نعم.(4)

5. روى سعد بن عبادة، انّه قال: يا رسول اللّه، إنّ أُمّ سعد ماتت، فأي الصّدقة أفضل؟ قال: الماء. قال: فحفر بئراً، وقال: هذه لاَُمّ سعد.(5)


1 ـ صحيح مسلم:3|155ـ 156، باب قضاء الصيام عن الميت، وفي هذا الباب روايات تركنا ذكرها للاختصار.
2 ـ صحيح مسلم:3|155ـ 156، باب قضاء الصيام عن الميت، وفي هذا الباب روايات تركنا ذكرها للاختصار.
3 ـ سنن النسائي:6|253، باب فضل الصدقة على الميت.
4 ـ صحيح مسلم:5|73، باب وصول ثواب الصدقات إلى الميت من كتاب الهبات.
5 ـ سنن أبي داود:2|130 برقم 1681، باب «في فضل سقي الماء».

(124)

واللام في قوله : هذه لاَُمّ سعد هي لام الاختصاص، نظير قوله سبحانه: (إِنَّما الصَّدقات لِلْفُقَراء) (1) هي دالة على الجهة التي تصرف فيها الصدقة، وليست من قبيل اللام الداخلة على لفظ الجلالة في قولنا : نذرت للّه، فانّ اللام هناك للتقرب وفي المقام لبيان المحل.

وقد اقتصرنا بالقليل من الكثير فمن أراد الوقوف على مصادر الروايات فليرجع إلى المصدر أدناه.(2)

وعلى ذلك سارت المذاهب الفقهية الاَربعة حيث يفتون بانتفاع الميت بعمل الحي حتى إذا لم يوص به ولم يكن له في السعي نصيب.

فهذه الروايات والفتاوى تثبت ضابطة كلية وهي وصول ثواب كلّ عمل قربي إلى الميت إذا أُوتي به نيابة عنه سواء أكان من قبيل الصوم والحج أو غيرهما.

وعلى هذا يعلم صحّة عمل المسلمين حيث يقومون بأعمال حسنة صالحة ربما أهدوا ثوابها إلى أحبائهم وأعزتهم الموتى وهو أمر يوافق عليه الكتاب والسنة، فما يقوم به المسلمون لموتاهم من إهداء ثواب الاَعمال الصالحة لهم، أو ما يفعلونه عند قبور الاَنبياء والاَولياء من إطعام الطعام وتسبيل الماء بنية أن يصل ثوابها إليهم إنّما


1 ـ التوبة|60.
2 ـ لاحظ للوقوف على مصادر هذه الروايات: صحيح مسلم:5|73ـ 78، كتاب النذر؛ سنن النسائي:6|251 فضل الصدقة على الميت.

(125)

يقتدون فيها بسعد بن عبادة الذي سأل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن حكم الصدقة عن أُمّه أينفعها؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : نعم، فقال فأيّ الصدقة أفضل؟ قال: الماء فحفر بئراً،وقال: هذه لاَُمّ سعد.

فهم في هذا سعديون لا يريدون عبادة الموتى، بل يريدون إيصال الثواب إليهم كما فعل سعد.

النذر لاَهل القبور

النذر عبارة عن إلزام الاِنسان نفسه بالقيام بأداء عمل إذا قضيت حاجته كأن يقول: للّه عليَّ أن أختم القرآن إذا نجحت في الامتحان، هذا هو النذر الشرعي ويعتبر أن يكون النذر للّه سبحانه ولا يجوز لغيره .

وربما يلتزم في ضمن النذر إهداء ثواب عمله إلى المقربين له كالاَب والاَُمّ أو الاَنبياء والاَولياء، فيقول: نذرت للّه أن أختم القرآن واهدي ثوابه لفلان. واللام الداخلة على لفظ الجلالة غير اللام الداخلة على لفظة «فلان»فاللام الاَُولى للغاية أي لغاية التقرب إلى اللّه سبحانه، واللام الثانية لبيان موضع الانتفاع.

هذا هو المتعارف بين المسلمين ينذرون عملاً للّه ثمّ يلتزمون بإهداء ثوابه لاَحد أولياء اللّه وعباده الصالحين.

وربما يختصرون في العبارة ويقولون : هذه ـ الشاة ـ منذورة


(126)

للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ، والمراد هو جهة انتفاعه، والقرآن الكريم مشحون بكلا الاستعمالين .

قال سبحانه حاكياً عن امرأة عمران: (رَبِّ إِنّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْني مُحَرَّرَاً) (1) فاللام في هذه الآية نظير قولنا: «صليت للّه ونذرت للّه».

وقال سبحانه: (إِنَّما الصَّدقاتُ لِلْفُقَراءِوَالْمَساكينِ) (2) واللام للفقراء بمعنى الانتفاع،نظير قولنا عند الاختصار: هذا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو للاِمام (عليه السلام) وقد مضى انّسعدَ بن عبادة لما حفر بئراً قال: هذه لاَُمّ سعد.

وبذلك ظهر انّه لا مانع من النذر للاَولياء والصالحين، على ما عرفت من تفسيره.

ولاَجل إيضاح الحال نأتي بكلام بعض المفكرين وعلماء الاِسلام.

يقول الخالدي: إنّ المسألة تدور مدار نيّات الناذرين ، وإنّما الاَعمال بالنيّات فإن كان قصد الناذر الميت نفسه والتقرّب إليه بذلك لم يجز، قولاً واحداً، وإن كان قصده وجه اللّه تعالى وانتفاع الاَحياء ـ بوجه من الوجوه ـ به وثوابه لذلك المنذور له سواء عين وجهاً من


1 ـ آل عمران|35.
2 ـ التوبة|60.

(127)

وجوه الانتفاع أو أطلق القول فيه، وكان هناك ما يطرد الصرف فيه في عرف الناس أو أقرباء الميت، أو نحو ذلك ـ ففي هذه الصورة يجب الوفاء بالنذور.(1)

وقال العزامي في كتاب «فرقان القرآن» :«... ومن استخبر حال من يفعل ذلك من المسلمين، وجدهم لا يقصدون بذبائحهم ونذورهم للاَموات ـ من الاَنبياء والاَولياء ـ إلاّالصدقة عنهم و جعل ثوابها إليهم، وقد علموا أنّ إجماع أهل السنّة منعقد على أنّ صدقة الاَحياء نافعة للاَموات واصلة إليهم، والاَحاديث في ذلك صحيحة مشهورة.(2)

أخرج أبو داود عن ميمونة انّأباها قال لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) :

يا رسول اللّه انّي نذرت إن وُلد لي ذكر أن أنحر على رأس «بُوانة» في عقبة من الثنايا ، عدّة من الغنم.

قال الراوي عنها: لا أعلم إلاّ أنّها قالت: خمسين.

فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : هل من الاَوثان شيء؟

قال: لا.

قال: أوف بما نذرت به للّه.(3)

تجد انّالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يوَكِّد السوَال عن


1 ـ صلح الاخوان: للخالدي: 102 ومابعده.
2 ـ فرقان القرآن: 133.
3 ـ سنن أبي داود:2|81.

(128)

وجود الاَصنام في المكان الذي تذبح فيه الذبائح انّهذا دليل على أنّ النذر الحرام هو النذر للاَصنام حيث جرت عادة أهل الجاهلية على ذلك كما قال تعالى : (...وَما ذبح عَلى النُّصُبِ... ذلِكُمْ فِسْق) .(1)

وكلّ من وقف على أحوال الزائرين للعتبات المقدسة ومراقد أولياء اللّه الصالحين يجد انّهم ينذرون للّه تعالى ولرضاه، ويذبحون الذبائح باسمه عزّ وجلّ بهدف انتفاع صاحب القبر بثوابها وانتفاع الفقراء بلحومها.


1 ـ المائدة|3.

(129)

7


التبرك بآثار الاَنبياء والصالحين

جرت سنة اللّه الحكيمة على إجراء فيضه إلى الناس عن طريق الاَسباب العادية، كما هو المشاهد لكلّ واحد منّا إلاّ انّه سبحانه ربما يُجري فيضه عن طريق علل غير مألوفة أو خارقة للعادة لغايات مختلفة، فتارة تكون الغاية هي الاعجاز واثبات النبوة وأُخرى تكون هي اجلال الشخص وتكريمه.

أمّا الاَول، فكالمعاجز التي يأتي بها الاَنبياء بإذن اللّه سبحانه في مقام الدعوة والتحدّي، والقرآن يعجّ بهذا النوع من المعجزات.

وأمّا الثاني: فنذكر منه نموذجين:

قال سبحانه: (كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرَيَمُ أَنّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِساب) .(1)

وقال سبحانه: (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيكِ رُطَباً جَنِيّاً) .(2)


1 ـ آل عمران|37.
2 ـ مريم|25.

(130)

وما ورد في هذه الآيات من ظهور فيضه سبحانه على خاصة أوليائه إنّما هو من باب الكرامة لا الاِعجاز، فلم تكن مريم (عليها السلام) مدعية للنبوة حتى تتحدى بهذه الكرامة، بل كان تفضّلاً من اللّه سبحانه عليها في فترات متلاحقة.

ويقرب مما ذكرنا قوله سبحانه: (اذْهَبُوا بِقَمِيصي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبي يَأَتِ بَصيراً... *فَلَمّا أَنْ جاءَ البَشيرُ أَلْقيهُ عَلى وَجْههِ فَارتَدَّ بَصيراً).(1)

وممّا لا شكّ فيه انّ يوسف لم يكن مدعياً للنبوة أمام إخوته حتى يتحدّى بهذه الكرامة، وإنّما كان تفضّلاً من اللّه عن هذا الطريق لاِعادة بصر أبيه يعقوب.

هذه الآيات توقفنا على أنّه سبحانه: يُجري فيضه على عباده عن طريقين فتارة عن طريق الاَسباب العادية، وأُخرى عن طريق أسباب غير عادية.

وأمّا تأثير تلكم الاَسباب غير العادية كالاَسباب العادية فكلّها بإذن اللّه سبحانه.

وعلى ضوء ذلك كان المسلمون يتبرّكون بآثار رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث يتبركون بشعره وبفضل وضوئه وثيابه وآنيته ومسِّ جسده الشريف، إلى غير ذلك من آثاره الشريفة


1 ـ يوسف|93ـ96.

(131)

التي رواها الاَخيار عن الاَخيار.

فصارالتبرك بها سنة الصحابة واقتدى آثارهم من نهج نهجهم من التابعين والصالحين.

قال ابن هشام في الفصل الذي عقده لصلح الحديبية: إنّ قريشاً بعثت عروة بن مسعود الثقفي إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فجلس بين يديه وبعد ما وقف على نية الرسول من خروجه إلى مكة رجع إلى قومه وأخبرهم بما دار بينه و بين الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثمّ قال: إنّمحمّداً لا يتوضأ إلاّ وابتدر أصحابه بماء وضوئه، ولا يسقط من شعره شيء إلاّ أخذوه، ثمّ قال: يا معشر قريش لقد رأيت كسرى في ملكه، وقيصر في ملكه، والنجاشي في ملكه، وانّي واللّه ما رأيت ملكاً في قومه قط مثل محمد في أصحابه ولقد رأيت قوماً لا يسلّمونه لشيء أبداً فَرَوْا رأيكم.(1)

وقد ألف غير واحد من علماء الاِسلام ما قام به الصحابة من التبرك بآثار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نذكر عناوينها :

التبرك بتحنيك الاَطفال.

التبرك بالمسح والمس.

التبرك بفضل وضوئه وغسله.

التبرك بسوَر شرابه وطعامه.


1 ـ السيرة النبوية: ابن هشام: 2|314، صلح الحديبية.

(132)

إنّ تبرك الصحابة لم يقتصر على ذلك بل كانوا يتبركون بماء أدخل فيه يده المباركة، وبماء من الآنية التي شرب منها، وبشعره، وعرقه، وظفره، والقدح الذي شرب منه، وموضع فمه، ومنبره، والدنانير التي أعطاها، وقبره وجرت عادتهم على التبرك به، ووضع الخد عليه والبكاء عنده.

وقد ألف المحقّق العلاّمة محمد طاهر بن عبد القادر كتاباً باسم «تبرك الصحابة»، وهو من علماء مكة المكرمة قال فيه : أجمعت صحابة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) على التبرك بآثار رسول اللّه والاهتمام في جمعها وهم الهداة المهديون والقدوة الصالحون فيتبركون بشعره وبفضل وضوئه وعرقه وثيابه وآنيته وبمسِّ جسده الشريف، وبغير ذلك ممّا عرف من آثاره الشريفة التي صحت به الاَخبار عن الاَخيار.

وقد وقع التبرك ببعض آثاره في عهده وأقرّه ولم ينكر عليه،فدلَّ ذلك دلالة قاطعة على مشروعيته، ولو لم يكن مشروعاً لنهى عنه وحذّر منه.

وكما تدل الاَخبار الصحيحة وإجماع الصحابة على مشروعيته تدل على قوة إيمان المتبركين وشدّة محبتهم وموالاتهم ومتابعتهم للرسول الاَعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) كقول الشاعر:

أمرّ على الديار ديار ليلىأقبل ذا الجدار وذا الجدارا

وما حبّ الديار شغفن قلبيولكن حبّ من سكن الديارا(1)


1 ـ تبرك الصحابة:50.

(133)

8


البدعة والاحتفال بميلاد النبي

(صلى الله عليه وآله وسلم)

البدعة في اللغة بمعنى الانشاء والابداع، وأمّا في مصطلح الفقهاء هو إدخال ما ليس من الدين في الدين، وعدُّ ما ليس من الدين منه، وقد أطبق المسلمون على تحريمه لاِطباق الاَدلة عليه وإلى المعنى المصطلح يشير صاحب القاموس، ويقول: البدعة: الحدث في الدين بعد الاِكمال أو ما استحدث في الدين بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الاَهواء.

فالمعنى الجامع للبدعة هو الافتراء على اللّه ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) ،ونشر الافتراء بعنوان انّه من الدين، قال سبحانه: (ءآللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ) (1) فالآية تدل على أنّ كلّ ما ينسب إلى اللّه سبحانه بلا إذن منه فهو أمر محرم، ومن أدخل في الدين ما ليس من الدين أو لا يعلم انّه منه، فقد افترى على اللّه.

وقد عُدَّ المفتري على اللّه من أظلم الناس، قال سبحانه: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ).(2)

هذا، ودلت السنة أيضاً على حرمة البدعة، قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) :


1 ـ يونس|59.
2 ـ الاَنعام|21.

(134)

أمّا بعد، فانّ أصدق الحديث كتاب اللّه، وأفضل الهدى هدى محمّد، وشرّ الاَُمور محدثاتها، وكلّمحدثة بدعة، وكلّ بدعة ضلالة في النار.

وقد أوضحه ابن حجر العسقلاني بقوله: المحدثات جمع محدثة، والمراد بها ما أحدث وليس له أصل في الشرع، ويسمى في عرف الشرع بدعة، وما كان له أصل يدل عليه الشرع فليس ببدعة، فالبدعة في عرف الشرع مذمومة.(1)

والروايات في تحريم البدعة كثيرة اكتفينا بما سبق، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى المصدر المذكور في الهامش.(2)

فإذا كانت البدعة هي الافتراء على اللّه ورسوله والتلاعب بدينه، وادخال ما ليس من الدين، أو ما لم يُعلم انّه من الدين في الدين، فعلى الباحث المتضلِّع تمييز ما ليس ببدعة عن البدعة وان اشتركا في إطلاق تسمية «البدعة » عليهما، وإليك أقسامها:

الاَوّل :أن يقوم به الاِنسان بما انّه من الدين، وهو إمّا ليس من الدين قطعاً أو يشك انّه من الدين و مع ذلك يدخله فيه وينشره بين الاَُمّة.

وعلى هذا فلو قام أحد بعمل بديع ليس له مثيل، ولكن من


1 ـ فتح الباري في شرح صحيح البخاري:13|253.
2 ـ جامع الاَُصول لابن الاَثير:9|566.

(135)

دون أن ينسبه إلى الدين فهو ليس ببدعة، كالصنائع الجديدة، والاَلعاب الرياضية، التي ابتدعها الاِنسان لتوفير الراحة لنفسه إلى غير ذلك من الفوائد المترتبة عليها.

فهذه الصنائع والاَلعاب لم تكن في عصر الرسول ولا الصحابة ولا التابعين ولكن الاِنسان أبدعها وانشأها دون أن يعزوها إلى الدين، فإذاً لا تكون بدعة.

نعم مجرد انّها ليست بدعة لا يكون دليلاً على حلّيتها بل يستنبط حكمها من جهة الحلية والحرمة من الكتاب والسنة والاِجماع والعقل.

فالصنائع والاَلعاب الرياضية من المحدثات ولكنّهما حلالان شرعاً لعدم انطباق عنوان محرم عليهما، بخلاف بعض المحدثات كاختلاط النساء والرجال في الحفلات، فهو أمر محدث مُحرّم، لانطباق عنوان محرم عليه وهو اختلاط الرجال بالنساء السافرات.

الثاني: ما يبدعه الاِنسان وينشئه وليس له نظير في السابق، ولكن يأتي به باسم الدين وله أصل كلي في الشريعة وإن لم ترد الخصوصية فيها. فهذا ما يسمّى بدعة لغة ولا يكون بدعة شرعاً.

أمّا كونه بدعة لغة فلكونه أمراً جديداً وإنشاءً حديثاً في الدين، وامّا انّه ليس ببدعة شرعاً، لوجود أصل كلّي له فيها مسوغ له، وإليك الاَمثلة التالية:

أ. انّالدفاع عن بيضة الاِسلام وصيانة حدوده من الاَعداء أصل


(136)

ثابت في القرآن الكريم، قال سبحانه: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا استَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) (1) وهذا هو الاَصل الثابت في الاِسلام، وأمّا كيفية الدفاع فلم يرد فيها دليل خاص، بل أوكله الشارع إلى مقتضيات الزمان فالتزوّد بالاَسلحة الحديثة كالسفن الحربية والطائرات المقاتلة إلى غير ذلك من وسائل الدفاع ليس بدعة، بل تجسيد للاَصل الثابت في الشرع أعني: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا استَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ)،فهذا النوع من التسليح ورد في الشرع أصله وإن لم يرد بخصوصياته.

ب. حثّ الاِسلام على الاِحسان إلى اليتامى والمساكين والرأفة بهم والعطف عليهم وحفظ أموالهم بيد انّ هذا الاَمر الكلي الذي جاء في الشرع له أساليب مختلفة تُجاري مقتضيات كلّعصر ومصر وإمكانياتهم المتاحة، فاللازم امتثال ما ندب إليه الشرع، أعني: الاَصل الكلي، وأمّا تبيين كيفيته فمتروك إلى المستجدات الزمانية.

ج. ندب الشرع المقدس إلى التربية والتعليم ومكافحة الاَُميّة ولا شكّ انّ لهذا الاَمر الكلي أشكالاً وألواناً مختلفة تتبدل حسب تبدل الظروف حيث كانت التربية والتعليم في العصور السابقة تتحقق من خلال الكتابة بالقصب والدواة، وجلوس المتعلم للاستماع إلى معلّمه، إلاّانّ ذلك تطور اليوم إلى أساليب جديدة تستخدم فيها الاَجهزة المتطورة كالاذاعة والتلفزة والكومبيوتر


1 ـ الاَنفال|60.

(137)

والاشرطة إلى غيرها من وسائل التعليم الحديثة.

إنّ الشارع المقدس لا يخالف هذا التطور ولا يمنع من استخدام الاَجهزة والاَساليب الحديثة، وإنّما أمر بالتعليم والتعلم، وترك اتخاذ الاَساليب إلى الظروف والمقتضيات.

ولو كان أصرّ على اتخاذ كيفية خاصة، لفشل في هدفه المقدس ولفقد مبرّرات خلوده واستمراره، لاَنّ الظروف ربما لا تناسب الاَداة الخاصة التي يقترحها والكيفية الخاصة التي يحددها.

3. ما إذا قام به إنسان باسم الدين وكان أمراً حديثاً ليس له مثيل في السابق ولم يكن له أصل كلي يعضده ويسوغه ويضفي عليه الشرعية.

فهذه هي البدعة المصطلحة المحرمة على الاِطلاق، فمن حاول تغيير الاَذان والاِقامة بتنقيص أو زيادة أو زاد في الصلاة أو نقص منها ونسب كلّ ذلك إلى الشرع فهو بدعة محرمة.

وبالجملة من أراد التدخل في الشريعة الاِسلامية في عباداتها ومعاملاتها وسياساتها بأن ينسب إليها ما ليس منها أو لم يعلم انّه منها فقد أبدع وافتَرى على اللّه الكذب.

الاحتفال بمواليد الاَنبياء والاَئمّة والصالحين

وممّا ذكرنا يعلم حكم الاحتفال بمواليد الاَنبياء والاَئمّة


(138)

والصالحين الذين لهج الكتاب والسنة بمدحهم، فانّ الاحتفال على النحو الرائج لم يرد في الشرع بخصوصه ولكن ورد الاَصل الكلي الذي يسوِّغ هذا الاحتفال ويضفي عليه الشرعية .

فقد أمر الكتاب والسنة بحب النبي «صلى الله عليه وآله وسلم» ووده أوّلاً و تكريمه وتوقيره ثانياً، وحثّ عليهما في الشريعة قال سبحانه: (قُلْإِنْ كانَ آباوَُكُمْ وَأَبْناوَُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشيرَتُكُمْ وَأَموالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَونَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ في سَبيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لا يَهْدِي الْقَومَ الْفاسِقينَ) .(1)

1.وقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) : لا يوَمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من والده وولده والناس أجمعين.(2)

2. قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) : والذي نفسي بيده لا يوَمن أحدكم حتى أكون أحبَّ الناس إليه من والده وولده.(3)

3. قال رسول اللّه ص: ثلاث من كنَّ فيه وجد حلاوة الاِيمان وطعمه: أن يكون اللّه ورسوله أحبَّ إليه ممّا سواهما وأن يحب في اللّه، ويبغض في اللّه، وأن توقد نار عظيمة فيقع فيها أحبّ إليه من أن يشرك باللّه شيئاً.(4)


1 ـ التوبة|24.
2 ـ جامع الاَُصول: 1|237 ـ238 برقم 20 و21 و22.
3 ـ جامع الاَُصول: 1|237 ـ238 برقم 20 و21 و22.
4 ـ جامع الاَُصول: 1|237 ـ238 برقم 20 و21 و22.

(139)

وعلى ضوء ذلك فاقامة الاحتفالات والمهرجانات في مواليدهم والقاء الخطب والقصائد في مدحهم وذكر منزلتهم في الكتاب والسنة تجسيد للحبِّ الذي أمر اللّه ورسوله به، شريطة أن لا تقترن تلك الاحتفالات بالحرام، ومن دعا إلى الاحتفال بمولد النبيص في أيّ قرن من القرون فقد انطلق من هذا المبدأ أي حبّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي أمر به القرآن والسنة .

هذا هو موَلف «تاريخ الخميس» يقول في هذا الصدد: لا يزال أهل الاِسلام يحتفلون بشهر مولده ويعملون الولائم ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويُظهرون السرور ويزيدون في المبرّات ويعتنون بقراءة مولده الشريف ويظهر عليهم من كراماته كلّفضل عظيم.(1)

وقال القسطلاني: ولا زال أهل الاِسلام يحتفلون بشهر مولده ص يعملون الولائم، ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويظهرون السرور، ويزيدون المبرات، ويعتنون بقراءة مولده الكريم، ويظهر عليهم من بركاته كلّ فضل عميم... فرحم اللّه امرءٍ اتخذ ليالي شهر مولده المبارك أعياداً ليكون أشد علّة على من في قلبه مرض وأعياه داء.(2)


1 ـ تاريخ الخميس:1|323 للديار بكري.
2 ـ المواهب اللدنية:1|27.

(140)

9


البكاء على الميت

الحزن والتأثر عند فقدان الاَحبة أمر جُبلت عليه الفطرة الاِنسانية فإذا ابتلي بمصاب عزيز من أعزّائه أو فلذة من أفلاذ كبده وأرحامه يحس بحزن شديد يتعقبه ذرف الدموع على وجناته، دون أن يستطيع أن يتمالك حزنه أو بكاءه.

ولا أجد أحداً ينكر هذه الحقيقة إنكار جدٍ وموضوعية ومن الواضح بمكان انّ الاِسلام دين الفطرة يجاريها ولا يخالفها.

قال سبحانه: (فَأَقِمْوَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنيفاً فِطْرَتَ اللّهِ الّتي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها) .(1)

ولا يمكن لتشريع عالمىٍّ أن يحرم الحزن والبكاء على فقد الاَحبة ويحرم عليه البكاء إذا لم يقترن بشيء يغضب الرب.

ومن حسن الحظ نرى انّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والصحابة الكرام والتابعين لهم بإحسان ساروا على وفق الفطرة.

وهذا رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) يبكي على ولده إبراهيم، ويقول: «العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلاّ ما يرضي ربنا، وإنّا بك يا إبراهيم لمحزونون».(2)


1 ـ الروم|30.
2 ـ سنن أبي داود:1|58؛ سنن ابن ماجة:1|482.

(141)

روى أصحاب السِّيَر والتاريخ، أنّه لمّا احتضر إبراهيم ابن النبي، جاء(صلى الله عليه وآله وسلم) فوجده في حجر أُمّه، فأخذه ووضعهُ في حجره، وقال: «يا إبراهيم إنّا لن نغني عنك من اللّه شيئاً ـ ثمّ ذرفت عيناه وقال: ـ إنّا بك يا إبراهيم لمحزونون، تبكي العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الربّ، ولولا أنّه أمرٌ حقٌّ ووعدٌ صدقٌ وأنّها سبيل مأتيّة لحزَنّا عليك حزناً شديداً أشدّ من هذا».

ولمّا قال له عبد الرحمان بن عوف: أو لم تكن نهيت عن البكاء؟ أجاب بقوله: «لا، ولكن نهيتُ عن صوتين أحمقين وآخرين، صوت عند مصيبة وخمش وجوه وشقّ جيوب ورنّة شيطان، وصوت عن نغمة لهو، وهذه رحمة، ومن لا يَرحم لا يُرحَم».(1)

وليس هذا أوّل وآخر بكاء منه(صلى الله عليه وآله وسلم) عند ابتلائه بمصاب أعزّائه، بل كان(صلى الله عليه وآله وسلم) بكي على ابنه «طاهر» ويقول: «إنّ العين تذرف وإنّ الدمع يغلب والقلب يحزن ولا نعصي اللّه عزّ وجلّ».(2)

وقد قام العلاّمة الاَميني في موسوعته الكبيرة «الغدير» بجمع موارد كثيرة بكى فيها النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والصحابة والتابعون على موتاهم وأعزّائهم عند افتقادهم، وإليك نصّ ما جاء به ذلك المتتبع الخبير.

وهذا هو (صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا أُصيب حمزة ـ رضي


1 ـ السيرة الحلبية:3|348.
2 ـ مجمع الزوائد للهيثمي:3|8.

(142)

اللّه عنه ـ وجاءت صفيّة بنت عبد المطلّب ـ رضي اللّه عنها ـ تطلبه فحال بينها و بينه الاَنصار، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم) : دعوها، فجلست عنده فجعلت إذا بكت بكى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وإذا نشجت نَشَجَ، وكانت فاطمة (عليها السلام) تبكي، ورسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كلّما بكت يبكي، و قال: لن أُصاب بمثلك أبداً.(1)

ولمّا رجع رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) من أُحد بكت نساء الاَنصار على شهدائهن، فبلغ ذلك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: لكن حمزة لا بواكي له، فرجع الاَنصار فقالوا لنسائهم: لا تبكين أحداً حتّى تبدأن بحمزة، قال: فذاك فيهم إلى اليوم لا يبكين ميّتاً إلاّ بدأن بحمزة.(2)

وهذا هو(صلى الله عليه وآله وسلم) ينعي جعفراً ، وزيد بن حارثة، وعبد اللّهبن رواحة، وعيناه تذرفان.(3)

وهذا هو(صلى الله عليه وآله وسلم) زار قبر أُمّه وبكى عليها وأبكى من حوله.(4)

وهذا هو(صلى الله عليه وآله وسلم) يقبّل عثمان بن مظعون وهو ميّت ودموعه تسيل على خدّه.(5)

وهذا هو(صلى الله عليه وآله وسلم) يبكي على ابن لبعض


1 ـ امتاع المقريزي: ص 154.
2 ـ مجمع الزوائد:6|120.
3 ـ صحيح البخاري: كتاب المناقب في علامات النبوّة في الاِسلام؛ سنن البيهقي:4|70.
4 ـ سنن البيهقي: 4|70؛ تاريخ الخطيب البغدادي: 7|289.
5 ـ سنن أبي داود:2|63؛ سنن ابن ماجة:1|445.

(143)

بناته، فقال له عبادة بن الصامت: ما هذا يا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟ قال: الرحمة التي جعلها اللّه في بني آدم وإنّما يرحم اللّه من عباده الرحماء.(1)

وهذه الصدّيقة الطاهرة تبكي على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وتقول: يا أبتاه من ربّه ما أدناه، يا أبتاه أجاب ربّاً دعاه، يا أبتاه إلى جبرئيل ننعاه، يا أبتاه جنّة الفردوس مأواه.(2)

وهذه هي ـ سلام اللّه عليها ـ وقفت على قبر أبيها الطاهر، وأخذت قبضة من تراب القبر فوضعتها على عينها وبكت وأنشأت تقول:

ماذا على مَن شمَّ تربة أحمد * ن لا يشمَّ مدى الزمان غواليا

صُبّت عليَّ مصائبٌ لو أنّها * صُبّت على الاَيّام صِرن لياليا

وهذا أبو بكر بن أبي قحافة يبكي على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ويرثيه بقوله:

يا عين فابكي ولا تسأمي * وحُقَّ البكاء على السيّد

وهذا حسّان بن ثابت يبكيه(صلى الله عليه وآله وسلم) ويقول :

ظللت بها أبكي الرسول فأسعدت * عيونٌ ومثلاها من الجفن أسعد


1 ـ سنن أبي داود:2|58؛ سنن ابن ماجة:1|481.
2 ـ صحيح البخاري، باب مرض النبي ووفاته؛ مسند أبي داود: 2|197؛ سنن النسائي: 4|13؛ مستدرك الحاكم:3|163؛ تاريخ الخطيب:6|262.

(144)

ويقول:

يُبكّون من تبكي السّماوات يومه * ومن قد بكته الاَرض فالناس أكمد

ويقول :

يا عين جودي بدمع منك إسبال * ولا تملنَّ من سحّ وإعوال

وهذه «أروى» بنت عبد المطّلب تبكي عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) وترثيه بقولها:

ألا يا عين ! ويحكِ أسعديني * بدمعك ما بقيت وطاوعيني

ألا يا عين ! ويحك واستهلّي * على نور البلاد واسعديني

وهذه عاتكة بنت عبد المطّلب ترثيه وتقول:

عينيَّ جودا طوال الدّهر وانهمِرا * سكباً وسحّاً بدمع غير تعذير

يا عين فاسحنفري بالدَّمع واحتفلي * حتّى الممات بسجل غير منذور

يا عين فانهملي بالدّمع واجتهدي * للمصطفى دون خلق الله بالنور


(145)

وهذه صفيّة بنت عبد المطّلب تبكي عليه وترثيه (صلى الله عليه وآله وسلم) وتقول:

أفاطمُ بكّي ولا تسأمي * بصحبك ما طلع الكوكبُ

هو المرء يُبكى وحقّ البكاء * هو الماجد السيّد الطيِّب

وتقول:

أعينيّ ! جودا بدمع سجْم * يبادر غرباً بما منُهدمْ

أعينيّ ! فاسحنفرا وأسكبا * بوجدٍ وحزنٍ شديد الاَلمْ

وهذه هند بنت الحارث بن عبد المطّلب تبكي عليه وترثيه وتقول:

يا عين جودي بدمع منك وابتدري * كما تنزّل ماء الغيث فانثعبا

وهذه هند بنت أثاثة ترثيه وتقول:

ألا يا عين ! بكّي لا تملّي * فقد بكر النعيُّ بمن هويتُ

وهذه عاتكة بنت زيد ترثيه وتقول:

وأمست مراكبه أوحشت * وقد كان يركبها زينها

وأمست تُبكّي على سيِّد * تردَّد عبرتها عينها


(146)

وهذه أُمّ أيمن ترثيه(صلى الله عليه وآله وسلم) وتقول:

عين جودي فإنّ بذلك للدمـ * ـع شفاء فاكثري من بكاء

بدموع غزيرة منك حتّى * يقضي الله فيك خير القضاء

وهذه عمّة جابر بن عبد اللّه جاءت يوم أُحُد تبكي على أخيها عبد اللّه بن عمر، وقال جابر: فجعلتُ أبكي وجعل القوم ينهوني ورسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) لا ينهاني، فقال رسول اللّه ص: أبكوه ولا تبكوه فواللّه ما زالت الملائكة تظلّله بأجنحتها حتى دفنتموه.(1)

نعم روي عن عمر بن الخطّاب وعبد اللّه بن عمر أنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «إنّ الميّت يعذَّب ببكاء أهله».(2)

أقول: إنّ ظاهر هذا الحديث يخالف فعل الخليفة في مواطن كثيرة أثبتها التاريخ.

منها: أنّه بكى على النعمان بن مقرن المزني لَمّا جاءه نعيه فخرج ونعاه إلى الناس على المنبر ووضع يده على رأسه يبكي.(3)

ومنها :بكاوَه على خالد بن الوليد عند ما مات وامتنعت النساء


1 ـ الغدير:6|164ـ167.
2 ـ صحيح مسلم:3|41 ـ 44، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه من كتاب الصلاة.
3 ـ العقد الفريد لابن عبد ربّه الاَندلسي:3|235.

(147)

من البكاء عليه، فلما انتهى ذلك إلى عمر، قال: و ما على نساء بني المغيرة أن يرقن من دمعهنّ على أبي سليمان ما لم يكن لغواً ولا لقلقة.(1)

ة

ومنها: بكاوَه على أخيه زيد بن الخطّاب، وكان صحبه رجل من بني عدي بن كعب فرجع إلى المدينة فلمّا رآه عمر دمعت عيناه، وقال: وخلّفت زيداً قاضياً وأتيتني.(2)

فالبكاء المتكرّر من الخليفة يهدينا إلى أنّ المراد من الحديث ـ لو صحّ سنده ـ معنى آخر ، كيف وأنّ ظاهر الحديث لو قلنا به فإنّه يخالف الذكر الحكيم، أعني قوله سبحانه: (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى).(3) ب فأيّمعنى لتعذيب الميّت ببكاء غيره عليه!!

فقه الحديث

كلّهذه النقول توقِفنا على أنّ المراد من الحديث «إنّ الميّت يعذَّب...» ـ إن صحّ سنده ـ غير ما يفهم من ظاهره، وقد كان محتفّاً بقرائن سقطت عند النقل، ولاَجل ذلك توهّم البعض حرمة البكاء على الميّت استناداً إلى هذا الحديث، غافلاً عن مرمى الحديث ومغزاه.

أخرج مسلم في صحيحه، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال:


1 ـ العقد الفريد:3|235.
2 ـ المصدر نفسه.
3 ـ فاطر|18.

(148)

ذُكر عند عائشة قول ابن عمر: الميت يعذب ببكاء أهله عليه، فقالت: رحم اللّه أبا عبد الرحمن، سمع شيئاً فلم يحفظه إنّما مرّت على رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) جنازة يهودي، وهم يبكون عليه، فقال: أنتم تبكون وانّه ليعذب.(1)

وأخرج أبو داود في سننه عن عروة عن عبد اللّهبن عمر قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّ الميّت ليعذَّب ببكاء أهله عليه، فذكر ذلك لعائشة فقالت ـ وهي تعني ابن عمر ـ : إنّما مرّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على قبر يهودي فقال: إنّ صاحب هذا ليُعذَّب وأهله يبكون عليه. ثمّ قرأت (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) .(2)

قال الشافعي: ما روت عائشة عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أشبه أن يكون محفوظاً عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) بدلالة الكتاب والسنّة، فإن قيل: فأين دلالة الكتاب؟ قيل: في قوله عزّوجلّ: (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى...)و(وَأَنْ لَيْسَ لِلاِِْنْسانِ إِلاّ ما سَعى) (3) ي وقوله: (فَمَنْ يعْمَل مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيراً يَرَهُ* وَمَنْ يَعْمَل مِثقالَ ذَرَّةٍ شَرَّاً يَرَهُ) (4) وقوله : (...لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى)(5) فإن قيل: أين دلالة السنّة؟ قيل: قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) لرجل: ابنك هذا؟ قال: نعم، قال: أما أنّه لا يجني عليك ولا تجني عليه.


1 ـ صحيح مسلم:3|44، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه من كتاب الصلاة.
2 ـ سنن أبي داود:3|194، برقم 3129.
3 ـ النجم|39.

4 الزلزلة|7ـ 8.
5 ـ طه.|15.


(149)

فأعلم رسول اللّه مثلما أعلم اللّه من أنّ جناية كلّ امرىَ عليه، كما أنّعمله لا لغيره ولا عليه».(1)

وأخرج مسلم عن ابن عباس:قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : انّ الميت يعذّب ببكاء أهله عليه، فقال ابن عباس: فلمّا مات عمر ذكرت ذلك لعائشة، فقالت: يرحم اللّه عمر، لا واللّه ما حدّث رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) انّ اللّه يعذّب الموَمن ببكاء أحد ولكن قال: انّ اللّه يزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه، قال: وقالت عائشة: حسبكم القرآن :(وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى) .(2)

وما أخرجه مسلم عن هشام بن عروة هو الحقّ دون ما أخرجه عن ابن عباس لاَنّ تعذيب الكافر ببكاء أهله عليه أيضاد يضاد الذكر الحكيم.


1 ـ اختلاف الحديث بهامش كتاب الاَُمّ للشافعي:7|267.
2 ـ صحيح مسلم:3|43، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه من كتاب الصلاة.

(150)

10


الحلف على اللّه بحقّ الاَولياء

إنّ القرآن الكريم يصف بعضَ عبادِ اللّه، بقوله:

(الصّابِرينَ وَالصّادِقينَ وَالقانِتينَ وَالمُنْفِقينَ وَالمُسْتَغْفِرينَ بِالاََسْحار ) .(1)

فلو أنّ أحداً قام في آناء الليل وصلّى ناشئته ثمّ ابتهل إلى اللّه متضرعاً، و قال: «اللّهمّ إنّي أسألُكَ بِحقِّ الْمُستَغْفِرينَ بالاَسحار اغفر لي ذنبي» فهل يجوز ذلك أو لا ؟

يمكن استكشاف الحكم من الاَحاديث المروية عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والاَئمّة الاَطهار.

1. قد أخرج الترمذي وابن ماجة والاِمام أحمد عن عثمان بن حنيف: انّ رجلاً ضريراً أتى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: أُدعو اللّه أن يعافيني، ثمّ نقَلوا أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أمره أن يتوضّأ ويُحسن وضوءه ويصلّي ركعتين ويدعوا بهذا الدعاء: «اللّهمّ إنّي أسألك وأتوجه إليك بنبيك نبيّالرحمة، يا محمّد إنّي


1 ـ آل عمران|17.

(151)

أتوجه بك إلى ربّي في حاجتي لتُقضى اللّهمّ شفّعه في».(1)

2. وروى أبو سعيد الخدري عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الدعاء التالي: «اللّهمّ إنّي أسألك بحقّ السائلين عليك وأسألك بحقّممشاي هذا».(2)

3. أخرج البيهقي عن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول اللّه : (صلى الله عليه وآله وسلم)لما اقترف آدم الخطيئة رفع رأسه إلى السماء فقال: أسألك بحقّ محمّد الا غفرت لي.(3)

4. أخرج الحاكم في مستدركه، و الطبراني في معجمه الاَوسط، وأبو نعيم في حلية الاَولياء، عن أنس بن مالك، انّه لما ماتت فاطمة بنت أسد، حفروا قبرها، فلما بلغوا اللحد، حفره رسول اللّه بيده ، وأخرج ترابه بيده، فلما فرغ، دخل رسول اللّه فاضطجع فيه، وقال: اللّه الذي يحيي و يميت،وهو حيّ لا يموت، اغفر لاَُمّي فاطمة بنت أسد، ولقِّنها حجَّتها ووسِّع عليها مَدْخَلها بحقّ نبيّك والاَنبياء الذين من قبلي فانّك أرحم الرحمين.(4)


1 ـ صحيح الترمذي5، كتاب الدعوات، الباب 119 برقم 3578 ؛سنن ابن ماجه:1|441 برقم 1385؛ مسند أحمد:4|138، إلى غير ذلك من المصادر، وقد مرّ في مبحث التوسل.
2 ـ سنن ابن ماجة: 1|256 برقم 778، باب المساجد؛ مسند أحمد:3|21.
3 ـ البيهقي: دلائل النبوة: 5|489.
4 ـ الحاكم : المستدرك: 3|108؛ الطبراني، المعجم الاَوسط: 356؛ حلية الاَولياء: 3|121.

(152)

إنّ هذه الاَدعية وإن خلت من لفظ القسم بعينه إلاّ انّها تضمنت معنى القسم لوجود باء القسم فيها فكأنّما يقول: اللّهمّ إنّي أسألك بحقّالسائلين عليك أي أُقسمك بحقّهم.

وقد ورد الحلف على اللّه بحقّ الاَولياء في غير واحد من أدعية أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)الذين هم أعدال الكتاب وقرناوَه بنصّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) حيث قال: «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه وعترتي».(1) يقول الاِمام الطاهر الحسين بن علي (عليهما السلام) في دعاء يوم عرفة و هو يناجي ربّه: «بحقّ من انتخبت من خلقك، و بِمَن اصطفَيتَه لنفسك، بِحقِّ من اخترتَ من بريّتك، ومن اجتبيتَ لشأنك، بحقِّ من وصلتَ طاعتَه بطاعتك، وبحقّ من نيَّطت معاداته بمعاداتك.(2)

لما زار الاِمام الصادق (عليه السلام) مرقد جدّه الاِمام أمير الموَمنين (عليه السلام) دعا في ختام الزيارة بقوله: اللّهمّ استجب دعائي، واقبل ثنائي، وأجمع بيني وبين أوليائي، بحقِّ محمّد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين».(3)

وهذه الاَدعية عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) تدلّ على جواز الحلف على اللّه بحقّ أوليائه الصالحين.


1 ـ حديث متواتر عن كلا الفريقين.
2 ـ ابن طاووس: الاقبال: 309.
3 ـ الطوسي: مصباح المتهجد: 682.

(153)

سوَال وإجابة

ربمايقال: انّ المسألة بحقّ المخلوقين غير جائز لاَنّه لا حقّللمخلوق على الخالق.

والجواب أوّلاً: انّهذا اجتهاد في مقابل النص الصريح، إذ لو لم يكن للمخلوق حقّ في ذمة الخالق، فلماذا أقسم النبي آدم «عليه السلام» والنبي محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) على اللّه بالحقوق، الواردة في الروايات؟

وثانياً: انّه سبحانه يُثبت لعباد اللّه الصالحين حقوقاً في ذمته، ويقول: (وَكانَ حَقّاً عَلَيْنا نَصْرُ الْمُوَْمِنينَ)(1)، (وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً في التَّوارةِ وَالاِِنْجيل)(2) (كَذلِكَ حَقّاً عَلَيْنا نُنْجِ الْمُوَْمِنينَ) :(3) (إِنّما التَّوبَةُ عَلى اللّهِ للَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَة) .(4)

وثمة مجموعة من الروايات تشير إلى وجود الحقّ للمخلوق في ذمة الخالق، وإليك نماذج منها:

1. «حقّعلى اللّه عون من نكح التماس العفاف ممّا حرم اللّه».(5)

2. قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «ثلاثة حقّ


1 ـ الروم|47.
2 ـ التوبة|111.
3 ـ يونس|103.
4 ـ النساء|17.
5 ـ الجامع الصغير للسيوطي:2|33.

(154)

على اللّه عونُهم: الغازي في سبيل اللّه، والمكاتب الذي يريد الاَداء، والناكح الذي يريدالتعفف».(1)

3. «أتدري ما حقّالعباد على اللّه».(2)

نعم من الواضح انّه ليس لاَحد بذاته حقّ على اللّه تعالى، حتى لو عبد اللّه قروناً طويلة، لاَنّ كلّما للعبد من حول و قوة، ونعمة فهو للّه تعالى فلم يُبذل العبد شيئاً من نفسه في سبيل اللّهحتى يستحق بذاته الثواب.

فإذاً فما معنى الحقّ؟

والجواب: انّالمقصود من الحقّ في هذه الاَدعية أو الاَحاديث هو المنزلة التي يمنحها اللّه لعباده مقابل طاعتهم وانقيادهم ، لكن بتفضّل وعناية منه، لا بإستحقاق من العبد، فالحقّ الذي يُقسَم به على اللّه حق، جعله اللّه على ذمته لا انّالعبد استحق حقاً على اللّه، ونظير هذا استقراضه سبحانه من عبده، يقوله: (مَنْ ذَا الَّذي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً) .(3)

إنّهذا التعبير نابع من لطفه سبحانه وعنايته الفائقة بعباده الصالحين حتى يعتبر ذاته المقدسة مديوناً لعباده، وعبادَه دُيّاناً أصحاب الحق، ففي هذا الاَمر من الترغيب والتشجيع إلى طاعة اللّه ما لا يخفى.


1 ـ سنن ابن ماجة:2|841.
2 ـ النهاية لابن الاَثير: مادة حق.
3 ـ البقرة|245.

(155)

11


الحلف بغير اللّه

هل يجوز الحلف بغير اللّه سبحانه كالحلف بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و القرآن والكعبة وغيرها من المقدسات أو لا ؟

عندما نستنطق القرآن في ذلك، نرى انّه سبحانه حلف في سورة الشمس وحدها بثمانية أشياء من مخلوقاته هي: الشمس، ضحاها، القمر، النهار، الليل، السماء، الاَرض، والنفس الاِنسانية.(1)

وكذلك ورد الحلف بغير اللّه في سورة النازعات والمرسلات والطارق والقلم والعصر والبلد وإليك نماذج من الحلف بالمخلوق في غير تلك السور.

(وَالتِّينِ وَالزَّيْتُون* وَطُورِسينينَ* وَهذا البَلَدِالاََمين) .(2)

(وَاللَّيلِ إِذا يَغْشى*وَالنَّهارِ إِذا تَجَلّى) .(3)

(وَالْفَجْرِ* وَليالٍ عَشْرٍ*والشَّفعِ وَالوَتْر*واللَّيلِ إِذا يَسْر).(4)


1 ـ الشمس|1ـ7.
2 ـ التين|1ـ3.
3 ـ الليل|1ـ2.
4 ـ الفجر|1ـ4.

(156)

(وَالطُّورِ *وَكِتابٍمَسْطُور* في رَقٍّ مَنْشُورٍ* وَالْبَيْتِالْمَعْمُورِ* وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ* وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ).(1)

(لَعَمْرُكَ إنّهم لَفِي سَكْرَتهِمْ يَعْمَهُون) .(2)

فلو كان الحلف بغير اللّه شركاً وأمراً قبيحاً، فكيف يصدر منه سبحانه وقد وصف الشرك بالفحشاء، وقال: (وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلى اللّهِ ما لا تَعْلَمُونَ) .(3)

والقبيح قبيح مطلقاً دون فرق بين ارتكابه من قِبل الخالق أو المخلوق، وهذا يُعرب عن أنّ الحلف بغير اللّه سبحانه إذا كان لغاية عقلائية أمر لا محذور فيه.

ثمّ إنّ الغاية ـ غالباًـ من حلفه سبحانه بالاَُمور الكونية هي الاِشارة إلى الاَسرار المكنونة فيها ودعوة الناس إلى الامعان فيها وكشف رموزها، ولكن الغاية في حلف الاِنسان بالذوات القدسية ـ وراء الاشارة إلى قدسيّتهم ـ هي امّا الترغيب أو الترهيب أو كسب ثقة المقابل.

وإذا عطفنا النظر إلى السنة النبوية نجد انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يحلف


1 ـ الطور|1ـ6.
2 ـ الحجر|72.
3 ـ الاَعراف|28.

(157)

بغير اللّه سبحانه.

أخرج مسلم في صحيحه: عن أبي هريرة، قال:

«جاء رجل إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا رسول اللّه أي الصدقة أعظم أجراً؟ فقال: أما ـ وأبيك ـ لتنبّأنّه أن تصدّق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل البقاء».(1)

وأخرج أيضاً عن طلحة بن عبيد اللّه، قال:«جاء رجل إلى رسول اللّه ـ من نجد ـ يسأل عن الاِسلام، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : خمس صلوات في اليوم والليل.

فقال: هل عليَّ غيرهن؟

قال: لا... الا أن تطوع،وصيام شهر رمضان.

فقال: هل عليَّ غيرها؟

قال: لا... الا ان تطوع، وذكر له رسول اللّه الزكاة.

فقال الرجل: هل عليّ غيره؟

قال: لا...الا أن تطوع.

فأدبر الرجل وهو يقول: واللّه لا أزيد على هذا ولا أنقص منه.

فقال رسول اللّه : أفلح ـ و أبيه ـ (2) إن صدق.


1 ـ صحيح مسلم: 3|94، باب أفضل الصدقة من كتاب الزكاة.
2 ـ أي: قسماً بأبيه، و «الواو» للقسم.

(158)

أو قال: دخل الجنة ـ وأبيه ـ إن صدق.(1)

وثمةأحاديث أُخرى طوينا الكلام عن ذكرها مخافة الاطالة.

سوَال وجواب

أخرج النسائي في سننه، عن ابن عمر: انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: من حلف بغير اللّه فقد أشرك.(2)

ومعه كيف يجوز الحلف بغير اللّه سبحانه؟

والجواب: انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يشير في قوله هذا إلى نوع خاص من الحلف الرائج في ذلك العصر وهو الحلف بالاَصنام كاللات والعزّى، ويدل على ذلك ما أخرجه النسائي أيضاً في سننه عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «من حلف، فقال في حلفه باللات والعزّى، فليقل لا إله إلاّ اللّه».(3)

وأخرج أيضاً عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لا تحلفوا بآبائكم ولا بأُمّهاتكم ولا بالاَنداد.(4)

إنّ الحديث الاَوّل يكشف عن انّ رواسب الجاهلية ما زالت عالقة في بعض النفوس، فكانوا يحلفون بأصنامهم، فأمرهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقولوا بعد الحلف «لاإله إلاّ اللّه»، لاَجل القضاء على تلك الخلفيات.


1 ـ صحيح مسلم: 1|32، باب «الاِسلام ما هو و بيان خصاله» من كتاب الاِيمان.
2 ـ سنن النسائي:7|8.
3 ـ سنن النسائي:7|8.
4 ـ سنن النسائي:7|8.

(159)

كما انّ الحديث الثاني يشير إلى انّ وجه المنع عن الحلف بالآباء والاَُمّهات لشركهم ويوَيد ذلك اقترانها بقوله ولا بالانداد، والمراد منها هي الاَصنام والاَوثان.

ويظهر من كثير من الفقهاء جواز الحلف بغير اللّه غير انّهم اختلفوا في وجوب الكفارة عند الحنث، وهذا يعرب عن تصافقهم على جواز الحلف وإنّما الاختلاف في انعقاده وكفارته،وإليك بعض النصوص:

قال ابن قدامة: الحلف بالقرآن أو بآية منه أو بكلام اللّه يمين منعقدة تجب الكفارة بالحنث فيها، وبهذا قال ابن مسعود، والحسن وقتادة ومالك والشافعي وأبو عبيد وعامة أهل البيت.

وقال أبو حنيفة : وأصحابه ليس بيمين ولا تجب به كفارة.(1)

وقال ابن قدامة في موضع آخر: ولا تنعقد اليمين بالحلف بمخلوق والاَنبياء وسائر المخلوقات ولا تجب الكفارة بالحنث فيها، وهذا ظاهر كلام الخرقي وهو قول أكثر الفقهاء، وقال أصحابنا : الحلف برسول اللّه يمين موجبة للكفارة.(2)

نعم اتّفق الفقهاء على أنّه لا تفُضَّ الخصومات عند القاضي إلاّ بالحلف باللّه.


1 ـ المغني: 11|193، كتاب اليمين.
2 ـ المصدر نفسه: 11|209.

(160)

12


تسمية المواليد بإضافة العبد إلى غير اللّه سبحانه

لقد تعارف لدى المسلمين تسمية أولادهم بعبد الرسول وعبد الحسين وما ضاهاهما ويجمع الكلّ اضافته إلى أسماء الرسول وأئمّة الاِسلام.

وربما وقع ذلك ذريعة للسوَال عن جوازه، فنقول:

تطلق العبودية ويراد منها أحد المعاني التالية:

1. العبودية هي التي تقابل الاَُلوهية، وهي بهذا المعنى ناشئة من المملوكية التكوينية التي تعمّ جميع العباد، ومنشأ المملوكية كونه سبحانه خالقاً، والاِنسان مخلوقاً.

وعلى ضوء ذلك فالعبودية إذا كانت رمزاً للمملوكية الناشئة من الخالقية، فهي لا تضاف إلاّ إلى اللّه سبحانه كما يقول سبحانه: (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالاََرْضِ إِلاّ اتِى الرَّحمنِ عَبْداً) .(1)

وقال سبحانه حاكياً عن المسيح: (إِنّي عَبْدُ اللّهِ آتانِيَ الكِتابَ وَجَعَلَني نَبِيّاً) .(2)


1 ـ مريم|93.
2 ـ مريم|30.

(161)

2. العبودية الوضعية الناشئة من غلبة إنسان على إنسان في الحروب وقد أمضاها الشارع تحت ظل شرائط معينة مذكورة في الفقه.

فأمر الاسارى ـ الذين يقعون في الاَسر بيد المسلمين ـ موكول إلى الحاكم الشرعي فهو مخيّر بين إطلاق سراحهم بلا عوض أو بأخذ مال منهم أو استرقاقهم.

فإذا اختار الثالث فيكون الاَسير عبداً للمسلم، ولذلك ترى انّالفقهاء عقدوا باباً باسم «العبيد والاماء».

قال سبحانه: (وَأَنْكِحُوا الاََيامى مِنْكُمْ وَالصّالِحينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللّه مِنْ فَضْلِهِ وَاللّهُ واسِعٌ عَليمٌ).(1)

تجد انّه سبحانه ينسب العبودية والاِمائية إلى الذي يتملكونهم ويقول «عبادكم وإمائكم» فيضيف العبد إلى غير اسمه جلّ ذكره.

3. العبودية بمعنى الطاعة وبها فسرها أصحاب المعاجم.(2)

وهذا هو المقصود من تلك الاسماء فيسمون أولادهم باسم عبد الرسول أي مطيع الرسول وعبد الحسين أي مطيعه وكلّمسلم مطيع للرسول والاَئمّة من بعده ولا شكّ انّه يجب إطاعة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و أولي الاَمر. .


1 ـ النور|32.
2 ـ لسان العرب: مادة عبد، وكذلك القاموس المحيط في نفس المادة.

(162)

قال سبحانه: (أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطيعُوا الرَّسُولَ وَأُولي الاََمْرِمِنْكُمْ) .(1)

فعرف القرآن النبي مطاعاً والمسلمين مطيعين، ولا عتب على الاِنسان أن يظهر هذا المعنى في تسمية أولاده وأفلاذ كبده .

نعم المسمى بعبد الرسول هو عبد للرسول و في الوقت نفسه عبد للّه أيضاً و لا منافاة بين النسبتين لما عرفت من انّ العبودية في الصورة الاَُولى هي العبودية التكوينية النابعة من الخالقية ولكنّها في الصورة الثانية ناجمة عن تشريعه سبحانه حيث جعل النبي مطاعاً وأمر الناس باطاعته وشتان ما بينهما.

والحمد للّه ربّالعالمين

جعفر السبحاني
قم ـ الجامعة الاِسلامية



1 ـ النساء|59.
Website Security Test