welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : البدعة مفهومها ، حدها وآثارها ومواردها*
تألیف :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

البدعة مفهومها ، حدها وآثارها ومواردها

البدعة
مفهومها ، حدها وآثارها ومواردها

تأليف
الفقيه المحقق

آية الله الشيخ جعفر السبحاني


(2)


(3)

البدعة
مفهومها، حدّها وآثارها


(4)


(5)

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة :

البدعة وآثارها الموبقة

والحمد للّه ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّد رسله، وخاتم أنبيائه وآله ومن سار على خطاهم وتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

البدعة في الدين من كبائر المعاصي وعظائم المحرّمات، دلّ على حرمتها الكتاب والسنّة، وقد أُوعِد صاحبُها النار على لسان النبيّ الاَكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وما هذا إلاّ لاَنّ المبتدع ينازع سلطان اللّه تبارك وتعالى في التشريع والتقنين، ويتدخّل في دينه ويشـرِّع ما لم يشرِّعه الدين، فيزيد عليه شيئاً و ينقص منه شيئاً في مجالي العقيدة والشريعة، كل ذلك افتراء على اللّه.

بُعث النبيّ الاَكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بحبل اللّه المتين وأمر المسلمين الاعتصام به ونهى عن التفرّق وقال:

«وَاعتَصِموا بِحَبلِ اللّهِ جَميعاً ولا تَفَرَّقوا واذكُروا نِعمَةَ اللّهِ عَليكُمْ إذْ كُنْتُمْ أعْداءً فَأَلَّفَ بَينَ قُلوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعمَتِهِ إخْوانا» (آل عمران|103).


(6)

ولكن المبتدع يستهدف حبل اللّه المتين ليوهنه ويخرجه من متانته بما يزيد عليه أو ينقص منه، وبالتالي يجعل من الاَُمّة الواحدة أُمماً شتّى، يبغض بعضهم بعضاً ويلعن بعضهم بعضاً، فيحولون إلى شيعٍ وطوائف متفرّقين، فرائس للشيطان وأذنابه، وعلى شفا حفرة من النار، على خلاف ما كانوا عليه في عصر الرسالة.

إنّ المسلمين بعدَ رحيل الرسول تفرّقوا إلى أُمم ومذاهبَ مختلفة ولم يكن ذلك إلاّ إثر تلاعب المبتدعين في الدين والشريعة بإدخال ما ليس من الدين في الدين وكان عملهم تحويراً لصميم العقيدة الاِسلامية وشريعتها. فلولا البدعة والمبتدعون وانتحال المبطلين، لكانت الاَُمّة الاِسلامية أُمّة واحدة، لها سيادتها على جميع الاَُمم والشعوب في المعمورة. وما أثنى ظهورهم إلاّ دبيبُ المبتدع بينهم، فشتَّتهم وفرَّقهم بعد ما كانوا صامدين كالجبل الاَشم.

إنّ الحروب الدموية التي خاضها المسلمون في عصر الخلافة وبعدها وخضّبت الاَرض بالدماء الطاهرة وسلّ المسلمون سيوفَهم في وجه بعضهم، مكان سلّها في وجه الاَعدا فسقط منهم آلاف القتلى والجرحى على الاَرض كانت نتيجة البِدْع في الدين النابعة عن الاَهواء والميول النفسانية فكانوا يحاربون باسم الدين. ولم يكن الدين إلاّ في جانب واحد، لا في جوانب متكثرة.

إنّ صراط النجاة في الاِسلام هو صراط واحد مستقيم دعا إليه الموَمنين عامّة وقال: «وأَنَّ هذا صِراطي مستقياً فاتَّبِعوهُ ولا تَتَّبعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سِبِيلِهِ ذلِكُمْ وصّاكُمْ بِهِ لَعلَّكُمْ تَتَّقُونَ» (الاَنعام ـ 153) ويأمر المسلمين أن يدعوا اللّه سبحانه، أن يديمهم على هذا الصراط كي لا ينحرفوا يميناً وشمالاً كما يقول سبحانه تعليماً لعباده: «إهْدِنا الصِّـراطَ المُسْتَقِيم» ولكن المبتدع يسوق بالناس إلى سبل منحرفة لا تنتهي إلى السعادة التي أراد اللّه سبحانه لعباده.


(7)

إنّ حق التشريع والتقنين للّه تبارك وتعالى وقد استأثر به وقال: «إنِ الحُكْمُ إلاّ لِلّهِ أمَرَ ألاّ تَعْبُدُوا إلاّ إيّاهُ» (يوسف ـ 40) والمراد من الحكم هو التشريع بقرينة قوله: «أمرَ ألاّ تعبدوا إلاّ إيّاه» فالبدعة هو تشريك الناس في ذلك الحق المستأثر، ودفع زمام الدين إلى أصحاب الاَهواء كي يتلاعبوا في الشريعة كيفما شاءوا، وكيفما اقتضت مصلحتهم ومصلحة أسيادهم وأربابهم، فذلك الحق المستأثر يقتضي ألاّ يتدخّل أحد في سلطان اللّه وحظيرته، قال سبحانه: «وما كانَ لِمُوَْمِنٍ ولا مُوَْمِنَةٍ إذا قَضَـى اللّهُ وَرَسُولُهُ أمراً أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ من أمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللّهَ ورسولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً» (الاَحزاب ـ 26).

إنّ المبتدع يتصرف في التشريع الاِسلامي فيجعل منه حلالاً وحراماً بدون إذن منه سبحانه وفي ذلك يقول سبحانه:

«قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أنزَلَ اللّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعلتُمْ مِنْهُ حَراماً وحَلالاً قُلْ ءَآللّهُ أذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلى اللّهِ تَفْتَرُونَ» (يونس ـ 59) الآية واردة في عمل المشركين، حيث جعلوا ما أنزل اللّه لهم من الرزق بعضه حراماً وبعضه حلالاً فحرّموا السائبة والبحيرة والوصيلة ونحوَها فرد عليهم سبحانه وقال: «ءَآللّهُ أذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلى اللّهِ تَفْتَرُونَ» أي أنّه لم يأذن لكم في شيء من ذلك، بل أنتم تكذبون على اللّه، ثم يهددهم بالعذاب فيقول: «وما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللّهِ الكَذِبَ يَومَ القِيامَةِ إنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلى النّاسِ ولكنَّ أكثَرَهُمْ لا يَشْكُرونَ» (يونس ـ 60) ويوَكد عليه في آية أُخرى ويقول سبحانه: «ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هذا حَلالٌ وهذا حَرامٌ لِتَفتَـرُوا عَلى اللّهِ الكَذِبَ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللّهِ الكَذِبَ لا يُفلِحُونَ» (النحل ـ 116).

إنّ أصحاب الاَهواء في كلّ زمان حتى في عصر الرسالة كانوا يقترحون على النبيّ الاَكرم أن يغيّر دينه ويأتي بقرآن غير هذا، حتى يكون مطابقاً لما تستهويه


(8)

أنفسهم، فأمر اللّه سبحانه أن يرد اقتراحهم بقوله: «قُلْ ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقآءِ نَفْسِي إنْ أتَّبِعُ إلاّ ما يُوحى إلَـيَّ إنِّـي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّـي عَذَابَ يَومٍ عَظيمٍ» (يونس ـ 15).

كان في عصر الرسالة من كان يتقدّم على اللّه ورسوله لا مشياً وإنّما تقديماً لفكرته على الوحي فنزل الوحي مندِّداً لهم و قال: «يا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَينَ يَدَيِ اللّهِ ورَسُولِهِ واتَّقُوا اللّهَ إنَّ اللّهَ سَميعٌ عَليمٌ» (الحجرات ـ 1).

إنّ الكذب من المحرّمات الموبقة التي أوعدَ اللّهُ عليها النار، والبدعة من أفحش الكذب، لاَنّها افتراء على اللّه ورسوله، قال سبحانه: «ومن أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَـرى عَلَـى اللّهِ كَذِباً أو كَذَّبَ بِآياتِهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ» (الاَنعام ـ 21) فالمبتدع يظهر بزيّ المحق عند المسلمين فيفتري على اللّه تعالى دون أن يكشفه الناس فيضلّهم عن الصراط المستقيم.

إنّ للّه في كل واقعة حكماً إلهيّاً لا يتبدّل ولا يتغيّر إلى يوم القيامة، فإذا حكم الحاكم وفق ذلك الحكم فهو حاكم عادل معتمد على منصَّة الحق، إلاّ أنّ المبتدع يحكم على خلاف ذلك الحق فيصفه سبحانه بكونه كافراً وظالماً وفاسقاً، قال سبحانه: «وَمَنْ لَمْ يَحكُمْ بِما أنْزَلَ اللّهُ فَأُولئكَ هُمُ الكافِرونَ» وقال عزّ من قائل: «ومَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ» وقال تعالى: «وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ» (المائدة ـ 44، 45، 47).

فما حال إنسان يحكم عليه القرآن بالكفر تارة، والظلم ثانياً والفسق ثالثاً؟ فهل تُرجى له النجاة بعد أن أضلّ كثيراً من الناس وشقّ صفوف المسلمين وجعل السبيل الواحد سُبلاً كثيرة تضلّهم إلى مهاوي الهالكين.

ولعلّ هذا المقدار من التقديم يكفي في تبيّن موضع البدعة وموقف المبتدع عند اللّه سبحانه، ولاَجل ذلك نرى أنّ النبي الاَكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) شدّد على البدعة، وندّد


(9)

بالمبتدع بأفصح العبارات وأبلغها وسيوافيك لفيف من الروايات.

ولقد قام العلماء القدامى والجدد بتأليف كتب ورسائل حول البدعة نذكر البعض منها:

1ـ البدع والنهي عنها. لابن وضّاح القرطبي.

2ـ الحوادث والبدع. للطرطوشي.

3ـ الباعث. لاَبي شامة.

4ـ الاعتصام. لاَبي إسحق الشاطبي الغرناطي في جزأين وقد أسهب الكلام فيها.

5ـ البدعة أنواعها وأحكامها. لصالح بن فوزان بن عبد اللّه فوزان ـ طبع الرياض.

6ـ البدعة تحديدها وموقف الاِسلام منها. تأليف الدكتور عزّت علي عطية ـ نشر دار الكتاب العربي.

7ـ البـدعـة في مفهومها الاِسلامي الدقيق. تأليف الدكتور عبد الملك السعدي ـ طبع بغداد.

8 ـ البدع. تأليف أبي الحسين محمد بن بحر الرُّهني الشيباني، ذكرها أبو العباس النجاشي (352 ـ 450 هـ) في رجاله (1).

9ـ البدع المحدثـة. للشريف أبو القاسم الكوفي المتوفى بفسا سنة 352هـ وطبع باسم الاستغاثة، في النجف الاَشرف.

10ـ البدعـة. تأليف الدكتور الشيخ جعفر الباقري. وهي دراسة موضوعية لمفهوم البدعة وتطبيقاتها على ضوء منهج أهل البيت وقد قرأنا خلاصة الكتاب وهو على وشك الصدور قريباً.


(1)النجاشي: الرجال: رقم الترجمة 1044.


(10)

مع الاحترام والتكريم لجهودهم إلاّ أنّ غالب هوَلاء الكُتّاب نظروا إلى المسألة على أساس إمام مذهبهم فالاَوّل والثاني من هذه الكتب اعتمدا على رأي الاِمام مالك ـ رضي اللّه عنه ـ كما أنّ الكتاب الخامس اتّخذ من مذهب ابن تيمية مقياساً في حكمه، فخرج بنفس النتيجة التي خرج بها إمام مذهبه.

وأمّا الاِمام الشاطبي فقد أطنب وأسهب كثيراً في تأليفه ولم يركّز على نفس البدعة تحديداً ومصداقاً.

ودراسة البدعة تتوقّف على دراسة منهجيّة غير منحازة لمذهب خاص، وهذا يتوقف على الاجتهاد الحرّ من دون أن يتّخذ رأي إمام محوراً ورأي إمام آخر مسنداً بل ينظـر إلى الكتاب والسنّة وسيرة المسلمين نظرة عامة شمولية فاحصة.

نعم لا تفوتنا الاِشارة إلى الميزة الموجودة فيما كتبه الدكتور السعدي فقد أفاض الكلام في الجزئيات التي ربّما وصفت بالبدعة وأثبت بدليل قاطع كونها غير بدعة، كما لا تفوتنا الاِشارة بمنهجية البحث في كتاب الدكتور عزّت علي عطية وقد نال به درجة الدكتوراه بمرتبة الشرف الاَُولى، ولكنّه في بعض المواضيع افتقد الشجاعة الاَدبية ولم يتجرّأ على تجاوز السدود التي فرضتها عليه البيئة، فترى أنّه يتوقف في التوسّل بالنبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) مع أنّه قد تضافرت الروايات على جوازه.

وللجميع منّا الشكر الجزيل، ولكن الحقيقة بنت البحث فلا عتب علينا إذا ناقشنا بعض آرائهم نتيجة الاجتهاد الحر، رزقنا اللّه توحيد الكلمة كما رزقنا كلمة التوحيد.

10 رمضان المبارك
عام 1415 هـ
جعفر السبحاني



(11)

ألقينا الضوء على موضوع البدعة ودرسناه بما يغني معرفة جميع جوانبه وطرحناه هنا في الفصول التالية :

الفصل الاَوّل: نصوص البدعة في الكتاب والسنّة.

الفصل الثاني: البدعة في اللغة والاصطلاح.

الفصل الثالث: تحديد مفهوم البدعة ومقوماتها.

الفصل الرابع: الابتداع في تفسير البدعة.

الفصل الخامس: البدعة وأسباب نشوئها.

الفصل السادس: تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة.

الفصل السابع: تقسيم البدعة إلى عادية وشرعية.

الفصل الثامن: تقسيم البدعة إلى حقيقية وإضافية.

الفصل التاسع: لا بدعة في ما فيه الدليل نصاً أو اطلاقاً.

الفصل العاشر: الخطوط العامة لحصانة الدين من الابتداع.

الفصل الحادي عشر: كيفية التوصل إلى مكافحة البدع والقضاء عليها.

الفصل الثاني عشر: مسائل عشر على طاولة التطبيق.


(12)


(13)

الفصل الاَوّل

نصوص البدعة في الكتاب والسنّة

لقد اتّفقت الاَدلّة الشرعيّة على حرمة البدعة، وقد ذكرنا قسماً وافراً من الآيات الكريمة في مقدمتنا التي تعرّفت عليها ولا لزام لتكرارها، ونذكر هنا ما لم يرد هناك:

البدعة في الكتاب:

1ـ قال سبحانه: «وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيهِمْ إلاَّ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللّهِ فَمَا رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها» (الحديد ـ 27)، فالآية تعبّـر عن الرهبانية بأنّها كانت من مبتدعات الرهبان ولم تكن مفروضة عليهم من قبل، وإنّما تكلّفوها من عند أنفسهم وسيوافيك تفسير الاستثناء في مبحث تحديد البدعة.

2ـ قال سبحانه: «إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِـي شَـيءٍ إنَّما أَمْرُهُمْ إلى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ» (الاَنعام ـ 159) وقد


(14)

فُسّـرت الآية بأهل الضلالة وأصحاب الشبهات والبدع من هذه الاَُمّة، قال الطبرسي: ورواه أبو هريرة وعائشة مرفوعاً وهو المروي عن الباقر ( عليه السلام ) فجعلوا دين اللّه أدياناً لاِكفار بعضهم بعضاً وصاروا أحزاباً وفِرَقا ويخاطب سبحانه نبيّه بقوله: «لست منهم في شيء» وانّه على المباعدة التامة من أن يجتمع معهم في معنى من مذاهبهم الفاسدة، وليس كذلك بعضهم مع بعض لاَنّهم يجتمعون في معنى من معانيهم الباطلة، وإن افترقوا في شيء فليس منهم في شيء لاَنّه بريء من جميعهم (3).

3ـ قال سبحانه: «قُلْ هُوَ القادِرُ على أنْ يَبْعَثَ عَلَيكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أوْ مِنْ تَحتِ أَرجُلِكُمْ أو يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً ويُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ» (الاَنعام ـ 65) والآية بعموم لفظها تبيّن أنواع النُّذُر التي أنذر اللّه بها عباده، تبدأ من بعث العذاب من فوق، إلى بعثه من تحت الاَرجل وتنتهي بتمزيق الجماعة إلى شيع، فتفرّق الاَُمّة إلى فرق وشِيَع يعادل إنزال العذاب عليها من كل جهاتها. قال الحسن البصري: التهديد بإنزال العذاب والخسف يتناول الكفّار وقوله: «أو يلبسكم شيعاً» يتناول أهل الصلاة (4).

وقال مجاهد وأبو العالية: إنّ الآية لاَُمّة محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أربع، ظهر اثنتان بعد وفاة رسول اللّه فأُلبسُوا شِيعاً وأُذيق بعضكم بأْس بعض وبقيت اثنتنان (5).

4ـ قال سبحانه: «اتَّخذُوا أحْبارَهُمْ ورُهبانَهُمْ أرْباباً مِنْ دُونِ اللّهِ والمَسيحَ ابْنَ مَريمَ وما أُمِرُوا إلاّ لِيَعْبُدُوا إلهاً واحِداً لا إله إلاّ هُوَ سُبحانَهُ عَمّـا يُشْـرِكُوَن» (التوبة ـ 31).


(1)الطبرسي: مجمع البيان: 2|389.
(2)المصدر نفسه: 315.
(3)الشاطبي (أبو إسحاق): الاعتصام: 2|61.


(15)

يظهر ممّا رواه الطبري وغيره أنّهم كانوا مشركين في مسألة التقنين، روي عن الضحاك: «اتّخذوا أحبارهم ورهبانهم» أي قرّاءهم وعلماءهم «أرباباً من دون اللّه» يعني سادة لهم من دون اللّه، يُطيعونهم في معاصي اللّه فيُحلّون ما أحلّوه لهم ممّا قد حرّمه اللّه عليهم، ويُحرّمون ما يحرّمونه عليهم ممّا قد أحلّه اللّه لهم.

وروي أيضاً عن عدي بن حاتم قال: انتهيت إلى النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وهو يقرأ في سورة براءة: «اتَّخذُوا أحبارَهُمْ ورهبانَهُمْ أرباباً منْ دونِ اللّهِ» قال: قلت: يا رسول اللّه إنّا لسنا نعبدهم، فقال: «أليس يُحرّمون ما أحلّ اللّه فتحرّمونه، ويُحلّون ما حرّم اللّه فتحلّونه؟» قال: قلت: بلى، قال: «فتلك عبادتهم» (1).

* * *

البدعة في السنّة:

لقد تعرّفت في التقديم وبعده على مجموعة من الآيات الواردة في البدعة وموبقاتها، وإليك ما ورد في السنّة النبوية من نصوصٍ وما رواه أئمة أهل البيت عن جدهم، ونقتصر على قليل من كثير منها إذ يتعذّر علينا نقلها جميعاً.

روى الفريقان حول البدعة والتشديد عليها روايات كثيرة نقتبس منها ما يلي:

1ـ روى الاِمام أحمد عن جابر قال: «خطبنا رسول اللّه فحمد اللّه وأثنى عليه بما هو أهل له ثم قال: أمّا بعد فإنَّ أصدقَ الحديث كتاب اللّه، وإنّ أفضل الهدى هدى محمد، وشرّ الاَُمور محدثاتها، وكلّ بدعة ضلالة» (3).


(1)الطبري: التفسير: 10|80 ـ 81.
(2)الاِمام أحمد: المسند: 3|310 ، طبع بيروت، دار الفكر.


(16)

2ـ روى أيضاً عن جابر قال: «كان رسول اللّه يقوم فيخطب فيحمد اللّه ويُثني عليه بما هو أهله و يقول: من يهد اللّه فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، إنّ خير الحديث كتاب اللّه وخير الهدى هَدي محمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وشرّ الاَُمور محدثاتها وكل محدثة بدعة» (1).

3ـ روى أيضاً عن عرباض بن سارية قال: «صلّـى بنا رسول اللّه الفجر ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بيّنة، قال: أُوصيكم بتقوى اللّه ... وإيّاكم ومحدثات الاَُمور، فإنّ كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة» (2).

4ـ روى ابن ماجة عن جابر بن عبد اللّه: «كان رسول اللّه إذا خطب احمرّت عيناه ثم يقول: أمّا بعد فإنّ خير الاَُمور كتاب اللّه وخير الهدى هَديُ محمد، وشرّ الاَُمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة» (3).

5ـ روى مسلم في صحيحه: «كان رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إذا خطب: احمرّت عيناه وعلا صوته، واشتدّ غضبه، حتى كأنّه منذر جيشٍ، يقول: صبّحكم ومسّاكم، ويقول: بُعِثْتُ أنا والساعة كهاتين، ويقرن بين اصبعيه: السبّابة والوسطى، ويقول: أمّا بعد، فإنّ خير الحديث كتاب اللّه، وخير الهدي هَديُ محمد، وشرّ الاَُمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، ثم يقول: أنا أولى بكل موَمن من نفسه، من ترك مالاً فلاَهله، ومن ترك ديناً أو ضياعاً فإليّ وعليّ» (4).


(1)الاِمام أحمد: المسند: 371.
(2)المصدر نفسه: 4|126 ولاحظ أيضاً ص 127 ولاحظ البحار: 2|263 فقد جاءت فيها نفس النصوص وفي ذيلها: «وكلّ ضلالة في النار».
(3)ابن ماجة القزويني: السنن: 1 الباب السابع الحديث 45، ط بيروت دار إحيار التراث العربي عام 1395.
(4) ابن الاَثير: جامع الاَُصول: 5 الفصل الخامس، الخطبة رقم 3974.


(17)

6ـ روى النسائي قال: «كان رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يقول في خطبته: نحمد اللّه ونثني عليه بما هو أهله، ثم يقول: من يهدِ اللّه فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، إنّ أصدق الحديث كتاب اللّه، وأحسن الهدى هَديُ محمد، وشرّ الاَُمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار، ثم يقول: بعثت أنا والساعة كهاتين، وكان إذا ذكر الساعة احمرّت وجنتاه، وعلا صوته، واشتدّ غضبه، كأنّه نذير جيشٍ، يقول: صبّحكم ومسّاكم، ثم قال: من ترك مالاً فلاَهله، ومن ترك ديناً أو ضياعاً فإليَّ، (أو عليّ) وأنا أولى بالموَمنين» (1).

7ـ روى ابن ماجة: «قال رسول اللّه: لا يقبل اللّه لصاحب بدعة صوماًولا صلاة ولا صدقة ولا حجّاً ولا عمرة ولا جهاد» (2).

8 ـ قال رسول اللّه: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ» (3).

قال الشاطبي: وهذا الحديث عدّه العلماء ثُلثَ الاِسلام لاَنّه جمع وجوه المخالفة لاَمره ( عليه السلام ) ويستوي في ذلك ما كان بدعة أو معصية (4).

9ـ روى مسلم عن أبي هريرة قال: «قال رسول اللّه: من دعى إلى هدى كان له من الاَجر مثل أُجور من تبعه لا ينقص ذلك من أُجورهم شيئاً، ومن دعى إلى ضلالة كان عليه من الاِثم مثل آثام من يتبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً» (5).


(1) ابن الاَثير: جامع الاَُصول: 5 الفصل الخامس الخطبة رقم 3974.
(2)ابن ماجة القزويني: السنن: 1|19.
(3)مسلم: الصحيح: 5|133 كتاب الاَقضية الباب 8، ومسند أحمد: 6|270.
(4)الشاطبي (أبو إسحاق): الاعتصام: 1|68.
(5)مسلم: الصحيح: 8|62 كتاب العلم، ورواه البخاري في الصحيح الجزء 9، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة.


(18)

10ـ روى مسلم عن جرير بن عبد اللّه: «من سنّ في الاِسلام سنّة حسنة فعُمل بها بعده، كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أُجورهم شيء، ومن سنّ في الاِسلام سُنّة سيئة فعمل بها بعده كتب له مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء» (1).

11ـ روى مسلم عن حذيفة أنّه قال: «يا رسول اللّه هل بعد هذا الخير شرّ؟ قال: نعم، قوم يستنّون بغير سنّتي ويهتدون بغير هداي ...» (2).

12ـ روى مالك في الموطأ من حديث أبي هريرة: «أنّ رسول اللّه خرج إلى المقبرة فقال: السلام عليكم دار قوم موَمنين وإنّا إن شاء اللّه بكم لاحقون ـ إلى أن قـال: ـ فليُذادنَّ رجـال عـن حوضي كما يذاد البعير الضال، أُناديهم ألا هلمّ ! ألا هلمّ ! ألا هلمّ ! فيقال: إنّهم قد بدّلوا بعدكم، فأقول: فسحقاً ! فسحقاً ! فسحقاً !» (3). وعموم اللفظ يشمل أهل البدع أيضاً. وإن لم يرتدّوا عن الدين.

هذا اثنا عشر حديثاً رواه الحفاظ من المحدثين ولنقتصر بهذا المقدار من هذا الطريق.

وأمّا ما رواه أصحابنا عن النبي الاَكرم أو عن أئمة أهل البيت فحدّث ولا حرج وربّما تكون هناك وحدة في اللفظ واختلاف جزئي في التعبير.

13ـ روى الكليني عن محمد بن جمهور رفعه قال: قال رسول اللّه : «إذا


(1)مسلم: الصحيح: 8|61، كتاب العلم.
(2)المصدر نفسه: 5|206، كتاب الامارة .
(3)مالك: الموطأ، كتاب الطهارة باب جامع الوضوء، الحديث 30، مسلم: الصحيح: 1|150، كتاب الطهارة.


(19)

ظهرت البدع في أُمتي فليظهر العالم علمه، فمن لم يفعل فعليه لعنة اللّه» (1).

14ـ وبهذا الاسناد قال: قال رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : «من أتى ذا بدعة فعظّمه فإنّما يسعى في هدم الاِسلام» (2).

15ـ وبهذا الاسنـاد قال: قال رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : «أبى اللّه لصاحب البدعة بالتوبة» قيل: يا رسول اللّه وكيف ذلك؟ قال: «إنّه قد أُشرِبَ في قلبه حبّها» (3).

16ـ روى محمـد بـن مسلم عـن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال: خطب أمير الموَمنين ( عليه السلام ) الناس فقال: «أيُّها الناس إنّما بَدْءُ وقوع الفتن، أهواءٌ تُتَّبَع، وأحكام تُبتدع، يُخالَف فيها كتاب اللّه، يتولّـى فيها رجال رجالاً، فلو أنّ الباطل خلص من مزاج الحق لم يخف على المرتادين، ولو أنّ الحق خلص من لبس الباطل انقطعت عنه ألسن المعاندين ولكن يوَخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث فيمزجان فهناك يستولي الشيطان على أوليائه، وينجو الذين سبقت لهم من اللّه الحسنى» (4).

17ـ روى الحسن بن محبوب رفعه إلى أمير الموَمنين ( عليه السلام ) أنّه قال: «إنّ من أبغض الخلق إلى اللّه عزّ وجلّ لَرجلين: رجل وكّله اللّه إلى نفسه فهو جائر عن قصد السبيل، مشغوف بكلام بدعة، قد لهج بالصوم والصلاة فهو فتنة لمن افتتن به، ضالّ عن هدى من كان قبله، مضلّ لمن اقتدى به في حياته وبعد موته، حمّال خطايا غيره، رهن بخطيئته» (5).

18ـ روى عمر بن يزيد عن الاِمام الصادق ( عليه السلام ) أنّه قال: «لا تصحبوا أهل البدع ولا تجالسوهم فتصيروا عند الناس كواحد منهم قال رسول اللّه: المرء


(1)الكليني: الكافـي: 1|54ـ 55 ح 2، 3، 4، 1، باب البـدع. ولفظ الاَخير مطابق لما في نهج البلاغة الخطبة: 50، دون الكافي لكونه أتم.
(2)الكليني: الكافـي: 1|54ـ 55 ح 2، 3، 4، 1، باب البـدع. ولفظ الاَخير مطابق لما في نهج البلاغة الخطبة: 50، دون الكافي لكونه أتم.
(3)الكليني: الكافـي: 1|54ـ 55 ح 2، 3، 4، 1، باب البـدع. ولفظ الاَخير مطابق لما في نهج البلاغة الخطبة: 50، دون الكافي لكونه أتم.
(4)الكليني: الكافـي: 1|54ـ 55 ح 2، 3، 4، 1، باب البـدع. ولفظ الاَخير مطابق لما في نهج البلاغة الخطبة: 50، دون الكافي لكونه أتم.
(5)المصدر نفسه: ح6.


(20)

على دين خليله وقرينه» (1).

19ـ وروى داود بن سرحان عن الاِمام الصادق ( عليه السلام ) قال: «قال رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : إذا رأيتم أهل الريب والبدع من بعدي فأظهروا البراءة منهم، وأكثروا من سبّهم والقول فيهم والوقيع ...» (2).

20ـ قال أمير الموَمنين ( عليه السلام ) : «ما اختلفت دعوتان إلاّ كانت إحداهما ضلالة» (3).

21ـ وقال ( عليه السلام ) : «ما أُحدثت بدعة إلاّ ترك بها سنّة فاتّقوا البدع وألزموا المهيع إنّ عوازم الاَُمور أفضلها وإنّ محدثاتها شرارها» (4).

22ـ قال الاِمام الصادق ( عليه السلام ) : «من تبسّم في وجه مبتدع فقد أعان على هدم دينه» (5).

23ـ وقال ( عليه السلام ) : «من مشـى إلى صـاحب بدعـة فوقّـره فقد مشـى في هـدم الاِسلام» (6)وقد روي أيضاً باختلاف يسير «مضى» (تحت رقم 14).

24ـ روي مرفوعاً عن رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يقول: «عليكم بسنّة،فعمل قليل في سنّة خير من عمل كثير في بدعة» (7).

وللاِمام عليّ ( عليه السلام ) في نهج البلاغة وراء ما نقلناه كلمات دُرّية في ذمّ البدعة، نقتبس ما يلي:

25ـ فاعلم أنّ أفضل عباد اللّه عند اللّه إمام عادل هُدِيَ وهَدى فأقام سنّة معلومة وأمات بدعة مجهولة، وإنّ شرّ الناس عند اللّه إمام جائر ضلّ وضُلَّ به،


(1)المصدر نفسه: 2|375.
(2)المصدر نفسه: 2|375.
(3)المجلسي: البحار: 2|264 ح 14 و 15، ولاحظ أيضاً: 36| 288 ـ 289.
(4)المجلسي: البحار: 2|264 ح 14 و 15، ولاحظ أيضاً: 36| 288 ـ 289.
(5)المصدر نفسه: 8|23 الطبعة القديمة.
(6)المجلسي: البحار: 2|304 ح45.
(7) المصدر نفسه: 2|261 ح3.


(21)

فأمات سنّة مأخوذة وأحيا بدعة متروكة (1).

26ـ وقال: «أوه على إخواني الذين تلوا القرآن فأحكموه وتدبّروا الفرض فأقاموه، أحيوا السنّة وأماتوا البدعة» (2).

27ـ وقال أيضاً: «إنّما الناس رجلان: متبع شرعة، ومبتدع بدعة» (3).

28ـ وقال: طوبى لمن ذلّ في نفسه وطالب كسبه ـ إلى أن قال : ـ وعزل عن الناس شرّه وَسَعتْه السنّة ولم ينسب إلى البدعة (4).

ختامه مسك:

ونذكر حديثين عن رسول اللّه وبذلك يكون ختامه مسك.

29ـ قال رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : «إذا رأيتم صاحب بدعة فاكفهرّوا في وجهه فإنّ اللّه ليبغض كل مبتدع ولا يجوز أحد منهم على الصراط ولكن يتهافتون في النار مثل الجراد والذباب» (5).

30ـ وقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : «من غشّ أُمّتي فعليه لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين» قالوا: يا رسول اللّه وما الغش؟ قال: «أن يبتدع لهم بدعة فيعملوا بها» (6).

هذا قسم ممّا وقفنا عليه من الروايات، وهي كثيرة يفوتنا حصرها. وقد نقل الشاطبي قسماً وافراً من كلمات الصحابة والتابعين ومن أراد فليرجع إلى كتابه الاعتصام ونكتفي بهذا المقدار.


(1)الرضي: نهج البلاغة، الخطب 164، 182، 176.
(2)الرضي: نهج البلاغة، الخطب 164، 182، 176.
(3)الرضي: نهج البلاغة، الخطب 164، 182، 176.
(4)المصدر نفسه: قسم الحكم ـ رقم 123.
(5)ابن الاَثير: جامع الاَُصول: 9|566، المتقي الهندي: كنز العمال: 1|221 ح1118ويشتمل الاَخير على أحاديث لم نذكرها وقد بثّها في الاَجزاء التالية من كتابه: 8،15،7،11،2،3 فلاحظ.
(6)ابن الاَثير: جامع الاَُصول: 9|566، المتقي الهندي: كنز العمال: 1|221 ح1118ويشتمل الاَخير على أحاديث لم نذكرها وقد بثّها في الاَجزاء التالية من كتابه: 8،15،7،11،2،3 فلاحظ.


(22)


(23)

الفصل الثاني

البدعة في اللغة والاصطلاح

لقد مضت نصوص الكتاب والسنّة في حرمة البدعة وآثارها الهدامة، ولاَجل تحديد مفهومها تحديداً دقيقاً يلزم علينا نقل نصوص أهل اللغة في تفسير البدعة وكلمات الفقهاء والمحدّثين حتى تلقي ضوءاً على ما نتبنّاه من الوقوف على مفهوم البدعة.

قال الخليل: البدع: إحداث شيء لم يكن له من قبل خلق ولا ذكر ولا معرفة ... البدع: الشيء الذي يكون أوّلاً في كل أمر كما قال اللّه: «ما كُنْتُ بِدعاً مِنَ الرُّسُلِ» أي لست بأوّل مرسل. والبدعة اسم ما ابتدع من الدين وغيره، والبدعة ما استحدث بعد رسول اللّه من الاَهواء والاَعمال (2).

وقال ابن فارس: البدع له أصلان: ابتداء الشيء وصنعه لا عن مثال، والآخر الانقطاع والكَلال (3).

والمقصود في المقام هو المعنى الاَوّل.

وقال الراغب: الاِبداع إنشاء صنعة بلا احتذاء ولا اقتداء والبدعة في


(1)الخليل: ترتيب العين: 72.
(2)ابن فارس: المقاييس: 1|209 مادة «بدع».


(24)

المذهب، إيراد قول لم يستنّ قائلها وفاعلها بصاحب الشريعة وأماثلها المتقدمة وأُصولها المتقنة (1).

وقال الفيروز آبادي: البدعة ـ بالكسر ـ الحدث في الدين بعد الاِكمال، أو ما استحدث بعد النبي من الاَهواء والاَعمال (2).

إلى غير ذلك من الكلمات المماثلة لللغويين، ولا نطيل الحديث بنقل غير ما ذكر.

والاِمعان في هذه الكلمات يثبت بأنّ البدعة في اللغة وإن كانت شاملة لكل جديد لم يكن له مماثل سواء أكان في الدين، أم العادات، كالاَطعمة والاَلبسة والاَبنية والصناعات وما شاكلها، ولكن البدعة التي ورد النص على حرمتها هي ما استحدثت بعد رسول اللّه من الاَهواء والاَعمال في أُمور الدين، وينص عليه الراغب في قوله: «البدعة في المذهب، إيراد قول لم يستنّ قائلها وفاعلها فيه»، ونظيره قول القاموس: «الحدث في الدين بعد الاِكمال».

كل ذلك يعرب عن أنّ إطار البدعة المحرّمة، هو الاِحداث في الدين، ويوَيده قوله سبحانه في نسبة الابتداع إلى النصارى بإحداثهم الرهبانية وإدخالهم إياها في الديانة المسيحية، قال سبحانه: «وَرَهَبانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا ما كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إلاّ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللّهِ فَما رَعَوْهَا حَقَّ رِعايَتِها» (الحديد ـ 27).

فقوله سبحانه: «ما كتبناها عليهم» يعني ما فرضناها عليهم ولكنّهم نسبوها إلينا عن كذب.

وأمّا التطوير في ميادين الحياة وشوَونها فإن كان بدعة لغة فليس بدعة شرعاً بل يتبع التطوير في الحياة جوازاً ومنعاً الحكم الشرعي بعناوينه فإنّ حرّمه الشرع ولو تحت عنوان عام فهو محرّم، وإلاّ فهو حلال لحاكمية أصل البراءة في العادات ما لم يرد دليل على الحرمة، وسيوافيك تفصيلها في المستقبل.


(1)الراغب: المفردات: 28.
(2)الفيروزآبادي: القاموس: 3|6.


(25)

البدعة في اصطلاح العلماء:

لا ريب أنّ البدعة حرام ولا يشك في حرمتها مسلم واع، لكن المهم في الموضوع تحديدها وتعيين مفهومها بشكل دقيق، حتى تكون قاعدة كلّية يرجع إليها عند الشك في المصاديق، فإنّ واجب الفقيه رسم القاعدة وواجب غيره تطبيقها على مواردها، وهذا الموضوع من أهمّ المواضيع فيها.

وقد عُرفت البدعة بتعاريف مختلفة، بين دقيق يحدّدها بالدقّة ولا يتسامح فيها، وبين من يتسامح في تعريفها، وإليك بعضها:

1ـ البدعة: ما أُحدث ممّا لا أصل له في الشريعة يدلّ عليه، أمّا ما كان له أصل من الشرع يدلّ عليه فليس ببدعة شرعاً وإن كان بدعة لغة (1).

2ـ البدعة: أصلها ما أُحدث على غير مثال سابق، وتطلق في الشرع في مقابل السنّة فتكون مذمومة (2).

ويقول ابن حجر في موضع آخر: المحدثات جمع محدثة، والمراد بها أي في حديث «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»: ما أُحدث وليس له أصل في الشرع ويسمّى في عرف الشرع بدعة، وما كان له أصل يدلّ عليه الشرع فليس ببدعة (3).

3ـ البدعة لغة: ما كان مخترعاً، وشرعاً ما أُحدث على خلاف أمر الشرع ودليله الخاص أو العام (4).

4ـ البدعة في الشرع موضوعه الحادث المذموم (5).


(1)ابن رجب الحنبلي: جامع العلوم الحكم: 160 طبع الهند.
(2)ابن حجر العسقلاني: فتح الباري: 5|156 و 17|9.
(3)ابن حجر العسقلاني: فتح الباري: 5|156 و 17|9.
(4)ابن حجر الهيتمي: التبيين بشرح الاَربعة: 221.
(5)الزركشي: الابداع: 22.


(26)

5ـ إنّ البدعة الشرعية هي التي تكون ضلالة، ومذمومة (1).

6ـ البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية، وعرّفه الشاطبي أيضاً في مكان آخر بنفس ذلك وأضاف في آخره: «يقصد بالسلوك عليها: المبالغة في التعبّد للّه تعالى» (2) وما أضافه ليس أمراً كلّياً كما سيوافيك عند البحث عن أسباب نشوء البدعة ودواعيها ودواعيها.

وهذه التعاريف، تحدّد البدعة تحديداً وتصوّر لها قسماً واحداً والمحدود في هذه التعاريف هو البدعة في الشرع والدين الاِسلامي، والتدخّل في أمر التقنين والتشريع.

وهناك من حدّدها ثمّ قسمها إلى: محمودة ومذمومة، منهم من يلي:

1ـ عن حرملة بن يحيى، قال: سمعت الشافعي ـ رحمه اللّه ـ يقول: البدعة، بدعتان: بدعة محمودة وبدعة مذمومة، فما وافق السنّة فهو محمود وما خالف السنّة فهو مذموم.

2ـ وقـال الربيع: قـال الشافعـي ـ رحمه اللّه ـ: المحدثات من الاَُمور ضربان: أحدهما يخالف كتاباً أو سنّة أو إجماعاً أو أثراً، فهذه البدعة الضلالة، والثاني ما أُحدث من الخبر لا خلاف فيه لواحد من هذا، فهي محدثة غير مذمومة (3).

3ـ قال ابن حزم: البدعة في الدين، كل ما لم يأت في القرآن ولا عن رسول اللّه إلاّ أنّ منها ما يوَجر عليه صاحبه ويُعذّر بما قصد إليه من الخير، ومنها ما يوَجر عليه صاحبه ويكون حسناً وهو ما كان أصله الاِباحة كما روي عن عمر ـ رضي اللّه عنه ـ «نعمت البدعة هذه ـ إلى أن قال: ـ ومنها ما يكون مذموماً ولا يُعذّر صاحبه وهو ما قامت الحجة على فساده فتمادى القائل به» (4).


(1)محمد بخيت المصري: أحسن الكلام: 6.
(2)الشاطبي: الاعتصام: 1|37.
(3)ابن حجر العسقلاني: فتح الباري: 17|10.
(4)ابن حزم: الفصل كما في البدعة، للدكتور عزت: 161.


(27)

4ـ وقال الغزالي: وما يقال: إنّه أبدع بعد رسول اللّه، فليس كل ما أبدع منهياً بل المنهي عنه بدعة تضاد سنّة ثابتة، وترفع أمراًمن الشرع مع بقاء علّته، بل الاِبداع قد يجب في بعض الاَحوال إذا تغيّرت الاَسباب (1).

5ـ وقال الشيخ عبد الحق الدهلوي في شرح المشكاة: إعلم أنّ كل ما ظهر بعد رسول اللّه بدعة، وكل ما وافق أُصول سنّته وقواعدها أو قيس عليها فهو بدعة حسنة وكل ما خالفها فهو بدعة سيّئة وضلالة (2).

6ـ وقال ابن الاَثير: البدعة بدعتان: بدعة هدى، وبدعة ضلال، فما كان في خلاف ما أمر اللّه به ورسوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فهو في حيّز الذم والاِنكار، وما كان واقعاً تحت عموم ما ندب اللّه إليه، وحثَّ عليه اللّه أو رسوله فهو في حيّز المدح، وما لم يكن له مثال موجود كنوع من الجود والسخاء وفعل المعروف فهو من الاَفعال المحمودة، ولا يجوز أن يكون ذلك في خلاف ما ورد الشرع به، لاَنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قد جعل له في ذلك ثواباً فقال: «من سنّ سنّة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها» وقال في ضدّه: «ومن سنّ سنّة سيّئة كان عليه وزرها و وزر من عمل بها» وذلك إذا كان في خلاف ما أمر اللّه به ورسوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

ومن هذا النوع قول عمر ـ رضي اللّه عنه ـ : «نعمت البدعة هذه (التراويح)» لما كانت من أفعال الخير وداخلة في حيز المدح، سمّاها بدعة ومدحها، إلاّ أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لم يسنّها لهم وإنّما صلاّها لياليَ ثم تركها ولم يحافظ عليها، ولا جمع الناس لها، ولا كانت في زمن أبي بكر، وإنّما عمر ـ رضي اللّه عنه ـ جمع الناس عليها وندبهم إليها، فبهذا سمّاها بدعة، وهي على الحقيقة سنّة، لقوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : «عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين من بعدي» وقوله: «اقتدوا باللذين


(1)الغزالي: الاحياء: 2|3 ط الحلبي.
(2)الكشّاف لاصطلاحات الفنون كما في البدعة، للدكتور عزت: 162.


(28)

من بعدي: أبي بكر وعمر» وعلى هذا التأويل يحمل الحديث الآخر «كل محدثة بدعة» إنّما يريد ما خالف أُصول الشريعة ولم يوافق السنّة. وأكثر ما يستعمل المبتدع عرفاً في الذم(1).

هذه كلمات أعلام السنّة وإليك ما ذكره أصحابنا في الموضوع مقتصراً بالاَقل منها:

7ـ قال السيد المرتضى: البدعة: الزيادة في الدين أو نقصان منه من اسناد إلى الدين (2).

8 ـ قال العلاّمة في المختلف: كل موضع لم يشرع فيه الاَذان فإنّه يكون بدعة (3).

9ـ قال الشهيد السعيد محمد بن مكي العـاملي (ت ـ 786هـ): محدثـات الاَُمور بعد عهد النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) تنقسم أقساماً لا يطلق اسم البدعة عندنا إلاّ على ما هو محرّم منها (4).

ومع ذلك كلّه فقد خالف الشهيد كلامه في كتاب الذكرى، وقال:

10ـ إنّ لفظ البدعة غير صريح في التحريم فإنّ المراد بالبدعة ما لم يكن في عهد النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ثم تجدّد بعده وهو ينقسم إلى: محرّم ومكروه.

11ـ قال الطريحي (ت ـ 1086هـ): البدعة: الحدث في الدين وما ليس له أصل في كتاب ولا سنّة وإنّما سميت بدعة لاَنّ قائلها ابتدع هو نفسه، والبِدَع


(1)ابن الاَثير: النهاية: 1|79 وكلامه صريح في أنّ النبيّ لم يصلّها جماعة إلاّ ليالي فتركها، وإن أقامتها جماعة كانت من سنّة عمر، إذ للخليفتين ـ حسب الرواية ـ حقّ التسنين الذي يعبّـر عنه بسنّة الصحابي.
(2)الشريف المرتضى: الرسائل: 3|83.
(3)العلاّمة: المختلف: 2|131.
(4)الشهيد الاَوّل: القواعد والفوائد: 2|144 ـ 145 القاعدة 205 وقد ذكر الاَقسام الخمسة غير واحد من الفقهاء منهم القرافي في الفروق: 4|202 ـ 205 وسيوافيك الكلام في عدم صحّة هذا التقسيم.


(29)

_ بالكسر والفتح ـ: جمع بدعة ومنه الحديث «من توضّأ ثلاثاً فقد أبدع» أي فعل خلاف السنّة لاَنّ ما لم يكن في زمنه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فهو بدعة (1).

12ـ وقـال المجلسـي (ت ـ 1110هـ): البدعة في الشـرع: ما حدث بعـد الرسول ولم يرد فيه نصّ على الخصوص ولا يكون داخلاً في بعض العمومات، أو ورد نهي عنه خصوصاً أو عموماً، فلا تشمل البدعة ما دخل في العمومات مثل بناء المدارس وأمثالها الداخلة في عمومات إيواء الموَمنين وإسكانهم وإعانتهم، وكإنشاء بعض الكتب العلمية، والتصانيف التي لها مدخل في العلوم الشرعية، وكالاَلبسة التي لم تكن في عهد الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والاَطعمة المحدثة فإنّها داخلة في عمومات الحلّية، ولم يرد فيها نهي.

وما يفعل منها على وجه العموم إذا قصد كونها مطلوبة على الخصوص كان بدعة كما أنّالصلاة خير موضوع ويستحب فعلها في كل وقت. ولو عيّن ركعات مخصوصة على وجه مخصوص في وقت معيّن صارت بدعة، وكما إذا عيّن أحد سبعين تهليلة في وقت مخصوص على أنّها مطلوبة للشارع في خصوص هذا الوقت بلا نصّ ورد فيها كانت بدعة، وبالجملة إحداث أمر في الشريعة لم يرد فيها نص بدعة سواء كانت أصلها مبتدعة أو خصوصيتها مبتدعة، ثم ذكر كلام الشهيد عن قواعده (2).

13ـ وقال المحدّث البحراني (ت ـ 1186هـ): الظاهر المتبادر من البدعة لا سيما بالنسبة إلى العبادات إنّما هو المحرّم، ولما رواه الشيخ الطوسي عن زرارة ومحمد بن مسلم والفضيل عن الصادقين ( عليهما السلام ) : «إنّ كلّ بدعة ضلالة وكل ضلالة سبيلها النار» (3).


(1)الطريحي النجفي: مجمع البحرين: ج1، مادة «بدع» لاحظ «ترتيب المجمع».
(2)المجلسي: البحار: 74|202 ـ 203.
(3)البحراني (الشيخ يوسف): الحدائق: 10|180.


(30)

14ـ وقال المحقق الاشتياني (ت ـ 1322هـ): البدعة: إدخال ما علم أنّه ليس من الدين في الدين ولكن يفعله بأنّه أمر به الشارع (1).

15ـ وقال أيضاً: البدعة: إدخال ما لم يعلم أنّه من الدين في الدين (2).

16ـ وقال السيد محسن الاَمين: البدعة: إدخال ما ليس من الدين في الدين كإباحة محرّم أو تحريم مباح، أو إيجاب ما ليس بواجب أو ندبة، أو نحو ذلك سواء كانت في القرون الثلاثة أو بعدها، وتخصيصها بما بعد القرون الثلاثة لا وجه له، ولو سلمنا حديث «خير القرون قرني» فإنّ أهل القرون الثلاثة غير معصومين بالاتّفاق وتقسيم بعضهم لها إلى حسنة وقبيحة، أو إلى خمسة أقسام ليس بصحيح، بل لا تكون إلاّ قبيحة، ولا بدعة فيما فهم من إطلاق أدلّة الشرع أو عمومها أو فحواها أو نحو ذلك وإن لم يكن موجوداً في عصر النبيّ (3).

تلك ستّة عشر نصّاً من كلمات مشاهير علماء الاِسلام، فمنهم من خصّ التعريف بالبدعة في الدين فجعله قسماً واحداً، ومنهم عمّمها فقسّمها، إلى ممدوحة ومذمومة، والحافز الوحيد إلى ذاك هو اقتفاء قول عمر في صلاة التراويح ولولا صدور ذاك التقسيم عنه لما خطر في بال هوَلاء ذاك التقسيم.

ويبدو أنّ أوضح التعاريف ما نقلناه عن العلمين: الاشتياني والسيد الاَمين، فإنّهما ـ قدّس سرّهما ـ أتيا باللبّ، وحذفا القشر فمقوّم البدعة، هو التصرّف في الدين عقيدة وتشريعاً بإدخال ما لم يعلم أنّه من الدين فيه فضلاً عمّـا علم أنّه ليس منه قطعاً، والذي يوَخذ على تعريفهما أنّه لا يشمل البدعة بصورة النقص كحذف شيء من أجزاء الفرائض.


(1)الاشتيانـي: بحر الفوائد: 80 وترى قريباً من هذه الكلمات في فرائد الشيخ الاَنصاري: 30 وفوائد الاَُصول للمحقق النائيني: 2|130.
(2)الاشتيانـي: بحر الفوائد: 80 وترى قريباً من هذه الكلمات في فرائد الشيخ الاَنصاري: 30 وفوائد الاَُصول للمحقق النائيني: 2|130.
(3)الاَمين العاملي (السيد محسن): كشف الارتياب: 143.


(31)

الفصل الثالث

تحديد مفهوم البدعة ومقوّماتها

إنّ الاَمر المهم بعد الوقوف على النصوص، هو تحديد مفهوم البدعة التي وقعت موضوعاً للحكم الشرعي كسائر الموضوعات الواردة في المصدرين الرئيسيين، فما لم تحدّد ولم نقف على مفهومها الدقيق وعلى ما هو معتبر في صميمها عند الشرع، لا يمكن لنا تطبيق الحكم الكلّي على مصاديقها ومواضيعها. والذي حصل لدينا بعد دراسة الاَدلّة أنّ البدعة التي هي الموضوع لدى الشرع، تتمتّع بقيود ثلاثة نذكرها بالتدريج:

الاَوّل: التدخّل في الدين عقيدة وحكماً، بزيادة أو نقيصة.

الثاني: أن تكون هناك إشاعة ودعوة.

الثالث: أن لا يكون هناك دليل في الشرع يدع جوازها لا بالخصوص ولا بالعموم.

وإليك دراسة هذه القيود المكوّنة لمفهوم البدعة التي اتّخذها الكتاب والسنّة موضوعاً للحكم:


(32)

التدخّل في الدين بزيادة أو نقيصة:

هل انّ الموضوع في المصدرين هو نفس البدعة أو خصوص البدعة في الدين؟ فلو قلنا بأنّ الموضوع نفس البدعة بسيطاً، سواء كان الاِحداث والاِبداع راجعاً إلى صميم الدين أو غيره، فيكون الحكم بحرمة ذلك الموضوع الواسع أمراً غير ممكن ولاَجل ذلك لجأ أصحاب ذلك القول إلى تقسيمها إلى أقسام خمسة حسب انقسام الاَحكام.

وأمّا إذا كان الموضوع هو الاَمر المركّب، أي البدعة في الدين، فذلك له حكم واحد لا يقبل التخصيص ولا تعلم صحّة أيّ النظرتين إلاّ بدراسة الآيات والروايات.

إنّ دراسة ما سبق من النصوص تثبت بوضوح على أنّ الموضوع في الكتاب والسنّة هو البدعة في الدين لا مطلقها، فلو كان الكتاب والسنّة يتكلّمان فيها فإنّما يتكلّمان فيها باسم الدين والشريعة وعن البدعة فيهما، لاَنّ كلّ متكلّم إنّما يتكلّم في إطار اختصاصه ومقامه وحسبَ شأنه، فالكتاب العزيز كتاب إلهي جاء لهداية الناس إلى ما فيه مرضاة اللّه بتشريعه القوانين والسنن، والنبيّ الاَكرم مبعوث لتبيان ذلك الكتاب بأقواله وأفعاله وتقريراته قال تعالى: «وأنْزَلْنا إلَيكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ ولَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ» (النحل ـ 44).

وعلى ضوء ذلك فإنّ الكتاب والسنّة يتكلّمان بتلك الخصوصية التي يمتلّكانها، فإذا تكلّما عن البدعة فإنّما يتكلّمان عن البدعة الواردة في حوزتهما وقيد الدين والشريعة وإن لم يذكرا في متون النصوص غالباً؛ لكنّهما مفهومان من القرائن الموجودة فيها فلا عبرة بالاِطلاق بعد القرائن الحافّة على الكلام، هذا ما نستنبطه من مجموع الخطابات الواردة في الاَدلّة قبل دراسة أيّ واحد منها تفصيلاً.


(33)

وأمّا دراستها تفصيلاً فإليك البيان:

1ـ تضافرت الآيات على ذمّ عمل المشركين حيث كانوا يقسمون رزق اللّه إلى ما هو حلال وحرام فجاء الوحي مندِّداً بقوله: «قُلْ ءَآللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَـى اللّهِ تَفْتَرُونَ» (يونس ـ 59) وفي آية أُخرى يعدّ عملهم افتراءً على اللّه كما يقول: «ولا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هذا حَلالٌ وهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَـى اللّهِ الكَذِبَ» (النحل ـ 116) ومن المعلوم أنّ المشركين كانوا ينسبون الحكمين إلى اللّه سبحانه، وأنّه سبحانه جعل منه حلالاً وحراماً، فكان عملهم بدعة في الدين.

2ـ قد تعرّفت في التقديم، أنّه سبحانه يصف من لم يحكم بما أنزل اللّه، بكونه كافراً وفاسقاً، ومن المعلوم أنّ أحبار اليهود كانوا يحرّفون الكتاب فيصفون ما لم يحكم به اللّه، بكونه حكم اللّه، قال سبحانه: «فَوَيلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقْولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللّهِ لِيَشْتَـرُوا بِهِ ثَمَنَاً قَلِيلاً فَوَيلٌ لَهُمْ مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا يَكّسِبُونَ» (البقرة ـ 79) فقوله: «هذا مِنْ عِنْدِ اللّهِ» صريح في أنّهم كانوا يتدخّلون في الشريعة الاِلهية فيعرِّفون ما ليس من عند اللّه على أنّه من عند اللّه، وهذا يثبت بأنّ الموضوع في هذه الآية وأمثالها هو البدعة في الدين لا مطلقها.

3ـ تـرى أنّه سبحانـه يذمّ الرهبان لابتـداعهم ما لم يكتب عليهم قال سبحانه: «وَرَهبانيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيهِمْ إلاّ ابْتِغاءَ رِضوانِ اللّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها» (الحديد ـ 27) ومعنى الآية أنّهم كانوا ينسبون الرهبانية إلى شريعة المسيح مدّعين بأنّه هو الذي شرع لهم ذلك العمل، والقرآن يردّهم بقوله: «ما كتبناها عليهم» .

4ـ إنّه سبحانـه وصـف أهـل الكتـاب بأنّهم اتّخذوا رهبانهم وأحبارهم أرباباًمن دون اللّه، وقد فسّـره النبيّ الاَكرم بأنّهم كانوا يحرّمون ما أحلّ اللّه فيتبعونهم أتباعهم، أو يحلّلون ما حرّم اللّه عليهم فيقبلونه بلا تردّد، ومن المعلوم أنّ


(34)

الاَحبار والرهبان يعرِّفون ما تخيّلوه من الحرام والحلال حكمَ اللّه سبحانه، وليس هذا إلاّ البدعة في الشرع، والتدخّل في أمر الشريعة، وإذا تدبّرت في هذه الآيات وأمثالها تقف على أنّ الآيات تدور على محور واحد هو البدعة في الدين لا مطلقها، ولا يضر عدم ذكر القيد في اللفظ إذ هو مفهوم من القرائن القطعية.

ثمّ إنّ في قوله: «إلاّ ابتغاء رِضوان اللّه» وجهان: فمنهم من يجعله استثناءً منقطعاً، أي ما كتبا عليهم الرهبانية وإنّما كتبنا عليهم ابتغاء رضوان اللّه، ومنهم من يجعله استثناءً متّصلاً، بمعنى أنّه سبحانه كتب عليهم أصل الرهبانية لاَجل كسب رضوان اللّه ولكنّهم لم يراعوا حقّها. فتكون البدعة على الاَوّل نفس الرهبانية وعلى الثاني الخروج عن حدودها.

هذا كلّه حول الآيات، وأمّا السنّة، ففيها قرائن كثيرة تعطي نفس المفهوم الذي أعطته الآيات وإليك تلك القرائن:

1ـ ففي الرواية الاَُولى: يبتـدىَ النبيّ كلامه بقوله: «أصدق الحديث كتاب اللّه وأفضل الهدى هدي محمد» وهذا يدل على أنّ ما اتّخذه النبي موضوعاً للبحث هو ما يرجع إلى كتاب اللّه وهدي نبيه، فإذا قال بعده: «وشرّ الاَُمور محدثاتها» يكون المراد أي ما دخل في الشريعة من أُمور، وإذا قال: «كل بدعة ضلالة أي البدعة فيما يتكلّم عنه، ومن المعلوم أنّه يتكلّم عن دعوته وشريعته، فتحوير كلامه إلى مطلق البدعة وإن لم يمسّ الكتاب والسنّة، تأويل للظاهر بلا دليل.

2ـ ثم إنّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يحكم على كل بدعة بالضلال، ومن المعلوم أنّه لا يصدق إلاّ على البدعة في الشريعة وأمّا غيرها فهي على أقسام كما قالوا.

3ـ روى مسلم في صحيحـه أنّ رسـول اللّه إذا خطب احمرّت عيناه وعلا صوته، واشتدّ غضبه كأنّه منذرُ جيش ثم يقول: «أمّا بعد، فإنّ خير الحديث كتاب اللّه وخير الهدى هدي محمد الخ» ومن المعلوم أنّ الاَرضية الصالحة لثوران غضبه ليس إلاّ تدخّل المبتدع في شريعته، لا مطلق التدخل في شوَون الحياة وإن لم تمسّ


(35)

دينه، خصوصاً إذا كان في مصلحة الاِنسان.

4ـ إنّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وصف البدعة بالضلالة وقال: «إنّ صاحبها في النار» ولا تصدق تلك القاعدة إلاّ على صاحب البدعة في الشريعة.

5ـ إنّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عندما رأى أنّ رجالاً يُذادُون عن حوضه فأخذ يناديهم بقوله: «ألا هلمّ ألا هلمّ ألا هلمّ» فإذ ينادي المنادي بقوله: «إنّهم قد بدلوا بعدك» فيقول النبي: «فسحقاً! فسحقاً! فسحقاً!» ومن المعلوم أنّه قد بدّلوا دين الرسول وشريعته وإلاّ لما كانوا مستحقين دعاءه بقوله: «فسحقاً...».

6ـ دلّت الروايات السابقة على أنّه إذا ظهرت البدع في الاَُمّة فعلى العالم أن يظهر علمه وإلاّ فعليه لعنة اللّه.

7ـ كما دلّت على أنّ صاحب البدعة لا تقبل توبته.

8 ـ وإنّ من زار ذا بدعة فقد سعى في هدم الاِسلام.

9ـ وأوضح من الكل ما خطب الاِمام علي ( عليه السلام ) حيث قال: «إنّما بدء وقوع الفتن أهواء تتبع، وأحكام تبتدع يخالف كتاب اللّه».

10ـ وفي رواية أُخرى: ما أُحدثت بدعة إلاّ تركت فيها سنّة، فاتركوا البدع والزموا المهيع إنّ عوازم الاَُمور أفضلها، وإنّ محدثاتها شرارها (3).

11ـ هذا ما تعطيه نصوص الكتاب والسنّة، وتليهما نصوص لفيفٍ من أهل اللغة الذين سبقت نصوصهم نظير:

قول الخليل: والبدعة: ما استحدثت بعد رسول اللّه .

وقول الراغب: البدعة في المذهب: إيراد قول لم يستنّ قائلها وفاعلها فيه بصاحب الشريعة.


(1)قد سبقت مصادرها في الفصل الاَوّل فلاحظ.


(36)

وقول الفيروزآبادي: البدعة: الحدث في الدين بعد الاِكمال أو ما استحدث بعد النبي من الاَهواء والاَعمال.

وتليه نصوص لفيف من الفقهاء نظير قول ابن رجب الحنبلي: البدعة: ما أُحدث ممّا لا أصل له في الشريعة يدل عليه.

وقول ابن حجر العسقلاني: البدعة: ما أُحدث وليس له أصل في الشرع.

وقول ابن حجر الهيتمي: البدعة: ما أُحدث على خلاف أمر الشارع ودليله الخاص.

وقول الزركشي: البدعة الشرعية: هي التي تكون ضلالة (1).

ومن يدرس هذه النصوص جليلها ودقيقها يقف على أنّ موضوع البحث في مجموع الاَدلّة هو الاَمر الذي يمتّ إلى الشريعة بصلة، وأنّ اللّه سبحانه ونبيّه الصادع بالحق يهيبان بالمجتمع الاِسلامي عن البدعة والكذب على اللّه والتدخّل في الكتاب والسنّة والتلاعب بما أنزل اللّه في مجالي العقيدة والشريعة، وهذا أمر واضح لا سترة عليه، وبذلك يختلف اتّجاهنا في تفسير النصوص عن غيرنا.

فإذا ثبت ذلك تقف على أنّ البدعة ليس لها إلاّ قسم واحد ولها حكم واحد لا يُخصص ولا يُقيّد بل هو بمثابةٍ لا يقبل التخصيص، وهذا نظير قوله سبحانه: «إنَّ الشِّـرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ» (لقمان ـ 23) فإنّ تلك القاعدة لا تقبل التخصيص أي يمتنع تجويز الظلم والشرك في مكان دون مكان، نظير قوله سبحانه: «أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كَالمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيفَ تَحْكُمُونَ» (القلم ـ 35).

ثم إنّ ما توصّلنا إليها من نتيجة قد توصّل إليها الشاطبي بطريقة أُخرى نأتي بموجزها:


(1)قد مضت النصوص في مواضعها.


(37)

«قال: الباب الثالث في أنّ ذمّ البدع والمحدثات عام لا يُخَصُّ محدثة دون غيرها ـ إلى أن قال:ـ فاعلموا ـ رحمكم اللّه ـ أنّ ما تقدم من الاَدلّة حجّة في عموم الذم من أوجه:

أحدها: أنّها جاءت مطلقة عامة على كثرتها لم يقع فيها استثناء البتة، ولم يأت فيها ما يقتضي أنّ منها ما هو هدى، ولا جاء فيها: كلّ بدعة ضلالة إلاّ كذا وكذا. ولا شيء من هذه المعاني، فلو كان هنالك محدثة يقتضي النظر الشرعي فيها الاستحسان، أو أنّها لاحقة بالمشروعات، لذكر ذلك في آية أو حديث، لكنّه لا يُوجد، فدلّ على أنّ تلك الاَدلّة بأسرها على حقيقةٍ ظاهرها من الكلّية التي لا يتخلّف عن مقتضاها فرد من الاَفراد.

الثاني: أنّه قد ثبت في الاَُصول أنّ كل قاعدة كلّية أو دليل شرعي كلّي إذا تكرّرت في مواضع كثيرة وأتى بها شواهد على معان أُصولية أو فروعية ولم يقترن بها تقييد ولا تخصيص، مع تكرّرها وإعادة تقررها، فذلك دليل على بقائها على مقتضى لفظها من العموم كقوله تعالى: «ألاّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخرى * وَأنْ لَيْسَ لِلاِنْسانِ إلاّ ما سَعى» (النجم ـ 38 ـ 39)، فما نحن بصدده من هذا القبيل إذ جاء في الاَحاديث المتعدّدة أنّ كلّ بدعة ضلالة، وأنّ كلّ محدثة بدعة، وما كان نحو ذلك من العبارات الدالة على أنّ البدع مذمومة ولم يأت في آية ولا حديث، تقييد ولا تخصيص، ولا ما يفهم منه خلاف ظاهر الكلية فيها.

الثالث: إجماع السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن يليهم على ذمّها كذلك وتقبيحها والهروب عنها ـ إلى أن قال : ـ فهو بحسب الاستقراء، إجماع ثابت، فدل على أنّ كل بدعة ليست بحق، بل هي من الباطل.

الرابع: أنّ متعَقل البدعة يقتضي ذلك بنفسه، لاَنّه من باب مضادة الشارع


(38)

واطِّراح الشرع، وكل ما كان بهذه المثابة فمحال أن ينقسم إلى حسن وقبيح (1) وأن يكون منه ما يمدح منه وما يذمّ، إذ لا يصحّ في معقول ولا منقول استحسان مشاقّة الشارع (2).

إلى هنا تمّ الكلام في تحديد البدعة من حيث كون الموضوع بسيطاً ومركّباً، ويترتب عليه أنّه لا تعمّ البدعة غير الشريعة كالعادات والصناعات والاعلام وغيرها، بل يستخرج حكمها من الكتاب والسنّة بنفس عناوينها، لا بما هي بدعة، فربّما تكون حلالاً وأُخرى حراماً، لكن ليس كل حرام بدعة، كما سيوافيك بيانه.

البدعة إشاعة ودعوة:

إذا كانت البدعة هي إدخال ما ليس في الدين فيه أو نقصه منه في مجال العقيدة والشريعة؛ فهل يتحقّق مفهومها بقيام الشخص بذلك العمل، وحده في بيته ومنزله، كأن يزيد في صلاته ما ليس فيها أو ينقص منها شيئاً، أو أنّه ليس ببدعة وإن كان عمله باطلاً و بفعله عاصياً؟ بل إنّما البدعة تتوقّف على إشاعة فكرة خاطئة في العقيدة، أو عمل غير مشروع في المجتمع ودعوتهم إليه بعنوان أنّه من الشرع، ولك أن تستظهر ذلك القيد من الآيات والروايات، فإنّ عمل المشركين في التحليل والتحريم لم يكن عملاً شخصياً في الخفاء، بل إنّ المُبتدعَ الاَوّل قد أحدث فكرة وأشاعها، ودعا الناس إليها، كما كان الحال كذلك في الرهبان والاَحبار، ويشهد على ذلك بوضوح ما رواه مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول


(1)لا يخفى أنّ الاِمام الشاطبي يقول في كلمته هذه بالحسن والقبح العقليين مع أنّه خلاف مذهبه، لاحظ الصفحة 114 من الاعتصام.
(2)الاِمام الشاطبي: الاعتصام: 1|141 ـ 142.


(39)

اللّه : ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من دعا إلى هدى كان له من الاَجر مثل أُجور من تبعه لا ينقص من ذلك من أُجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الاِثم مثل آثام من يتبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً (1).

ويدل عليه قول القائل يوم القيامة : «إنّهم قد بدّلوا بعدك» فإنّ تبديل الدين، ليس عملاً شخصياً بل هو عمل جماعي، إلى غير ذلك من القرائن الموجودة في الروايات.

إلى هنا خرجنا بنتيجتين:

الاَُولى: أنّ مصبّ البدعة في الاَدلّة هو الدين والشرع.

الثانية: أنّ البدعة لا تنفك عن الدعوة إلى الباطل.

وإليك بيان القيد الثالث.

عدم وجود أصل لها في الدين:

العنصر الثالث المقوّم لمفهوم البدعة هو فقدان الدليل على جواز العمل لا في الكتاب ولا في السنّة وذلك ظاهر، إذ لو كان هناك دعم من الشارع للعمل، لما كان أمراً جديداً في الدين أو تدخّلاً في الشرع، ولاَجل ذلك قلنا: إنّ أفضل التعاريف هو قولهم: «إدخال ما ليس من الدين في الدين» أو «إدخال ما لم يُعلم من الدين في الدين» وبعبارة واضحة، البدعة في الشرع: ما حدث بعد الرسول ولم يرد فيه نص على الخصوص ولم يكن داخلاً في بعض العمومات، وإن شئت قلت: إحداث شيء في الشريعة لم يرد فيه نصّ، سواء كان أصله مبتدعاً، كصوم عيد الفطر، أو خصوصيته مبتدعة كالاِمساك إلى غسق الليل ناوياً به الصوم المفروض،


(1)لاحظ الفصل الاَوّل، الحديث التاسع.


(40)

معتقداً بأنّه الواجب في الشرع، وفي النصوص السابقة للعلماء تصريح على ذلك.

قال ابن حجر العسقلاني: والمراد بالبدعة، ما أحدث وليس له أصل في الشرع، وما كان له أصل يدل عليه الشرع فليس ببدعة.

قال ابن رجب الحنبلي: البدعة: ما أُحدث ممّا لا أصل له في الشريعة يدل عليه، أمّا ما كان له أصل في الشرع يدلّ عليه فليس ببدعة شرعاًوإن كان بدعة لغة(1).

وقال العلاّمة المجلسي: البدعة في الشرع: ما حدث بعد الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ولم يرد فيه نص على الخصوص ولا يكون داخلاً في بعض العمومات أو ورد نهي عنه خصوصاً أو عموماً (2)

وعلى ضوء ذلك تنحل هناك عويصة المصاديق التي ربّما تعدّ من البدعة لاَجل عدم ورود نص خاص فيه ولكن تشمله العمومات بصورة كلّية، فهذا لا يكون بدعة.

وذلك لاَنّه لو كان هناك نص خاص لاَخرجه عن البدعة وهذا واضح جداً، أمّا إن لم يكن هناك نصّ خاصّ ولكن العمومات تشمله بعمومها، فهذا ما نوضحه بالمثال التالي: إنّ الدفع عن بيضة الاِسلام و حفظ استقلاله وصيانة حدوده عن الاَعداء أصل ثابت في القرآن الكريم، قال سبحانه: «وأعِدَّوا لَهُمْ مَا اسْتطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الخَيلِ تُرهِبونَ بِهِ عَدُوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ» (الاَنفال ـ 60) فإنّ قوله: «مِنْ قوَّة» مفهوم كلّـي يشمل عامّة كيفية الدفاع ونوع السلاح وشكل الخدمة العسكرية المتبعة كل عصر ومصر، فالجميع برمته هو تطبيق لهذا المبدأ، وتجسيد لهذا الاَصل، فالتسلّح بالغواصات والاَساطيل البحرية والطائرات المقاتلة


(1)مضت النصوص في محلّها.
(2)المجلسي: البحار: 74|202.


(41)

إلى غير ذلك من أدواة الدفاع، ليس بدعة بل تجسيد لهذا الاَصل و من حلاله.

إنّ من يرم التجنيد العسكري بأنّه بدعة فهو غافل عن حقيقة الحال فإنّ الاِسلام يأمر بالاَصل ويترك الصور والاَشكال لمقتضيات العصور .

إلى هنا خرجنا بلزوم قيود ثلاثة في تحقّق البدعة وصدقها:

1ـ أن يكون تدخّلاً في الشريعة وتصرّفاً فيها عقيدة وحكماً.

2ـ أن تكون هناك إشاعة بين الناس.

3ـ أن لا يكون هناك أصل على المشروعية لا خاصّاً ولا عامّاً.

ويجمع الكل «القول في الدين بغير علم على الاَغلب، بل مع العلم بالخلاف ولكن يقدّم رأيه عليه، بظنّ الاِصلاح أو غيره من الحوافز».

هذا هو تحديد البدعة بمفهومها الدقيق الذي نتّخذه قاعدة كلّية، ونستكشف به حال الموضوعات التي تضاربت فيها الاَقوال والاَفكار بين موسِّع ومضيِّق وسيوافيك شرحها.


(42)


(43)

الفصل الرابع

الابتداع في تفسير البدعة

ما لم يكن في القرون الثلاثة:

ارتحل النبيّ الاَكرم إلى الرفيق الاَعلى بعد أن أكمل الشريعة وبيّن جليلها ودقيقها وما تحتاج إليه الاَُمّة إلى يوم القيامة، قال سبحانه: «اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأتْمَمْتُ عَلَيكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاِسلامَ دِيناً» (المائدة ـ 4) وحفاظاً على دينه وصيانته من التحريف والتبديل، أمر التمسّك بالثقلين ولم يرضَ للاَُمّة غيرهما لئلاّ يكون الدين أُلعوبة بأيدي المغرضين والطامعين، والمقياس في تميّز البدعة عن السنّة هو الرجوع إلى الثقلين سواء أفسر بالكتاب والعترة كما هو المتضافر، أم بالكتاب والسنّة كما رواه الاِمام مالك في الموطأ بسند مرسل (2)ل، والحديثان متقاربا المضمون، لاَنّ العترة لا تنشد إلاّ السنّة النبويّة، أخذها كابر عن كابر إلى أن تصل إلى النبيّ الاَكرم، فما وافقهما فهو سنّة وما خالفهما فهو بين


(1)مالك بن أنس: الموطأ: 648 برقم 1619.


(44)

معصية وبدعة، مع الفرق الواضح بينهما فلو أُذيعت الفكرة أو العمل بين الناس فتصير بدعة، وإن اكتفى بها من دون دعوة وإشاعة فهي معصية.

ومن العجب أنّ أُناساً صاروا بتحديد البدعة وتمييزها عن السنّة، وقد جاءوا في تحديدها ببدعة وفرية جديدة لا دليل لها في الكتاب والسنّة، وهي أنّ المقياس في تمييز البدعة عن السنّة هو القرون الثلاثة الاَُولى بعد رحيل الرسول. فما حدث فيها فهو سنّة وما حدث بعدها فهو بدعة، وإن تعجب فإليك نص القائل:

وممّا نحن عليه، أنّ البدعة ـ وهي ما حدثت بعد القرون الثلاثة ـ مذمومة مطلقة خلافاً لمن قال: حسنة وقبيحة، ولمن قسّمها خمسة أقسام إلاّ إن أمكن الجمع بأن يقال: الحسنة ما عليها السلف الصالح شاملة للواجبة والمندوبة والمباحة وتكون تسميتها بدعة مجازاً، والقبيحة ما عدا ذلك شاملة للمحرّمة والمكروهة فلا بأس بهذا الجمع (1).

وهذه النظرية الشاذّة عن الكتاب والسنّة، نظرية خاصة استنتجها القائل ممّا رواه الشيخان في باب فضائل أصحاب النبيّ وإليك نصّهما.

روى البخاري قال: سمعت عمران بن الحصين يقول: قال رسول اللّه: خير أُمّتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، قال عمران: فلا أدري أذَكرَ بعد قرنه قرنين أو ثلاثة، ثم إنّ بعدكم قوماً، يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يوَتمنون ويَنذرون ولا يفون ويظهر فيهم السمن.

وروى أيضاً عن عبد اللّه ـ رضي اللّه عنه ـ أنّ النبيّ قال: خير الناس قَرني ثم الذين يلُونهم ثم يجيىَ قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمنيه شهادته، قال: قال إبراهيم: وكانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار (2).


(1)الهدية السنية، الرسالةالثانية: 51.
(2)ابن حجر العسقلاني: فتح الباري في شرح صحيح البخاري: 7|6 باب فضائل أصحاب النبي، النووي: شرح صحيح مسلم: 8|84 ـ 85.


(45)

إنّ الاحتجاج بهذه الرواية على أنّ الميزان في تمييز البدعة عن السنّة، هو أنّ كل ما حدث في القرون الثلاثة الاَُولى فليس ببدعة، وأمّا الحادث بعدها فهو بدعة، باطل بوجوه:

الاَوّل: إنّ القرن في اللغة هو النسل (1)وبهذا المعنى استعمل في القرآن الكريم قال سبحانه: «فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وأنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخرين» (الاَنعام ـ 6) وبما أنّ المتعارف في عمر كلّ نسل هو الستّون أو السبعون، يكون المراد، مجموع تلك السنين التي تتراوح بين 180 و 210 وأين هو من تفسير الحديث بثلاثمائة سنة؟!

الثاني: إنّ شرّاح الحديث اختلفوا في تفسير الرواية، وعلى كلّتفسير لا يستفاد منها ما يتبنّاه الكاتب، فمن قائل إلى أنّ المراد من القرن في قوله: «قرني» هو أصحابه ومن «الذين يلونهم» أبناءهم ومن «الثالث» أبناء أبنائهم.

إلى آخر بأنّ قرنه ما بقيت عين رأته، ومن الثاني ما بقيت عين رأت من رآه، ثم كذلك.

إلى ثالث أنّ قرنه الصحابة، والثاني التابعون والثالث تابعوهم (2).

وعلى كلّ تقدير تكون المدّة أقلّ من ثلاثة قرون، فمثلاً نأخذ بالقول الاَخير الذي هو أعمّ الاَقوال وأوسعها.

فإنّ آخر من مات من الصحابة هو أبو الطفيل وقد اختلفوا في تاريخ وفاته على أقوال: أنّه توفّي سنة 120 هـ أو دونها أو فوقها بقليل، وأمّا قرن التابعين فآخر من توفّي منهم كان عام 170هـ أو 180 هـ و آخر من عاش من أتباع التابعين ممّن يقبل قوله، من توفي حدود 220هـ، فيقل عن ثلاثة قرون بثمانين سنة وهذا


(1)الخليل: العين: ابن منظور: اللسان، مادة «قران».
(2)النووي: شرح صحيح مسلم : 16|85.


(46)

كثير جداً، ولاَجل عدم انطباقه على ثلاثة قرون قال ابن حجر العسقلاني: وفي هذا الوقـت (220هـ) ظهـرت البدع فاشياً، وأطلقت المعتزلة ألسنتها، ورفعت الفلاسفة روَوسها، وأمتُحِن أهل العلم ليقولوا بخَلْق القرآن، وتغيّرت الاَحوال تغيّراً شديداً ولم يزل الاَمر في نقص إلى الآن (1).

ولو افترضنا أنّ القرن يستعمل في مائة سنة فلا يصحّ تفسير الحديث به، لاَنّ المحور في الحديث في تمييز قرن عن قرن آخر هو الاَشخاص حسب أعمارهم، فعلى ذلك يجب أن يكون الملاك في تبادل القرون وتمايزها ملاحظة من كانوا يعيشون فيه حيث قال: «خير أُمّتي قرني» ولم يقل القرن الاَوّل ثم قال «ثم الذين يلونهم» فلم يقل ثم القرن الثاني وقال: «ثم الذين يلونهم» ولم يقل القرن الثالث، فلا محيص عند حساب السنين ملاحظة الاَشخاص الذين كانوا يعيشون في قرنه والقرنين اللّذين يليانه.

الثالث: ماذا يراد من خير القرون وشرّها، وما هو الملاك في الوصف بالخير والشر ؟

فأنّ هناك ملاكات ثلاثة للخير والشر للوصف بهما وكلّ محتمل:

1ـ فأنّ أهل القرن الاَوّل كانوا خير القرون لاَجل أنّه لم يدب فيهم دبيب الخلاف في الاَُصول والعقائد، وكانوا متماسكين في الاَُصول متّحدين في العقائد.

2ـ كونهم خير القرون لاَجل سيادة الطمأنينة عليهم وكان الجميع متظلّل بظلّ الصلح والسلم إخواناً.

3ـ كونهم خير القرون لاَجل تمسّكم بأهداف الدين في مقام العمل وتطبيق الشريعة.

وأيّ واحد أُريد من هذه الملاكات، فالقرآن والسنّة والتاريخ القطعي لا


(1)ابن حجر العسقلاني: فتح الباري في شرح صحيح البخاري: 7|4.


(47)

يدعمه بل يكذبه، وإليك البيان:

فإن كان الملاك، العقائد الصحيحة والباطلة وأنّ المسلمين كانوا متمسّكين جملة واحدة، بمعتقد واحد صحيح في القرون الثلاثة الاَُولى ثم ظهرت روَوس الشياطين ودبّت فيهم المناهج الكلامية الفاسدة ـ فإن كان الملاك هذا ـ فتاريخ الملل والنحل لا يصدّق ذلك بل ويكذّبه، فإنّ الخوارج ظهروا بين الثلاثين والاَربعين من القرن الاَوّل وكانت لهم ادّعاءات وشبهات وعقائد سخيفة خضّبوا في طريقها وجه الاَرض، ولم يتمّ القرن الاَوّل إلاّ ظهرت المرجئة الذين دعوا المجتمع الاِسلامي إلى الانحلال الاَخلاقي رافعين عقيرتهم بأنّه لا تضرّ مع الاِيمان معصية، فقد ضلّوا وأضلّوا كثيراً حتى دبّ الارجاء بين المحدثين وغيرهم في القرن الثاني وقد ذكر أسماءهم جلال الدين السيوطي في تدريب الراوي (1).

كان الارجاء يقود المجتمع الاِسلامي إلى الانحلال الاَخلاقي والفوضى في جانب العمل إلى أن ظهرت المعتزلة في أوائل القرن الثاني عام 105هـ قبل وفاة الحسن البصري بقليل، فتوسّع الشقاق بين المسلمين وقسّمهم إلى فرق كثيرة، وكان النزاع قائماً على قدم وساق منذ أن ظهر الاعتزال عن طريق واصل بن عطاء إلى أواسط القرن الخامس الذي قضي فيه على الاعتزال.

إنّ القرن الثاني كان عصر ازدهار المذاهب الكلامية وكانت الاَمصار ميداناً لتضارب الاَفكار.

فمن متزمّتٍ يقتصر في وصفه سبحانه بالاَلفاظ الواردة في الكتاب والسنّة ويفسّـرها بمعانيها الحرفية، من دون إمعان وتدبّـر، ويرفع صوته بأنّ للّه يداً ووجهاً ورجلاً وأنّه مستقرّ على عرشه.

إلى مرجئي يكتفي بالاِيمان بالقول، ويقدّمه ويوَخر العمل يسوق المجتمع


(1)السيوطي: تدريب الراوي: 1|328.


(48)

إلى الانحلال الخلقي وترك الفرائض.

إلى محكِّم يكفّر كل الطوائف الاِسلامية غير أهل نحلته الذين كانوا يبغضون الخليفتين عثمان وعليّاً وكانوا يكفّرون الصدّيق الاَعظم عليّ (عليه السّلام) .

إلى معتزلي يوَوّل الكتاب والسنّة إلى ما يوافق معتقده وعقليته.

إلى جهميّ ينفي صفات اللّه كلّها، وينفي الاستطاعة والقدرة عن الاِنسان ويحكم بفناء الجنّة والنار . وقد هلك جهم بن صفوان عام 128 هـ.

إلى كرّامي يقول: الاِيمان قول باللّسان وإن اعتقد الكفر بقلبه فهو موَمن، وانّه سبحانه جسم لا كالاَجسام. وقد هلك «كرّام» عام 255 هـ.

إلى غير ذلك من المناهج الرجعيّة التي أفسدت المسلمين والمجتمع الاِسلامي بعقائدها الفاسدة، فكيف يمكن ـ من هذا الجانب ـ وصف هذه القرون خيراً ؟!

هذا إذا كان الملاك في الوصف بالخير وحدة، المسلمين في العقيدة.

وإن كان الملاك صفاء المجتمع من حيث السلم والصلح وسيادة الطمأنينة على المسلمين فهذا ما يكذّبه التاريخ، فإنّ القرن الاَوّل كان صحيفة سوداء في التاريخ الاِسلامي، وكان قرناً دموياً لم يرَ التاريخ مثله.

فكيف يكون خير القرون؟! وأيّ يوم فيه كان يوم صفاء وصلح؟!

أيوم قُتل فيه الخليفة عثمان بن عفان في عقر داره بمرآى ومسمع من المهاجرين والاَنصار؟

أيوم فتنة الجمل الذي قتلت فيه عشرات الآلاف من الطرفين بين صحابي وتابعي وقد عقب ذلك ترميل النساء وإيتام الاَطفال وحدوث الاَزمة والشدّة؟

أيوم صفّين الذي خرج فيه أمير الشام بوجه الاِمـام عليّ ( عليه السلام ) الـذي


(49)

بايعه المهاجرون والاَنصار ، بيعة لم ير لها نظير في التاريخ، فظهر صِدَام بين طائفتين من المسلمين كانت نتيجته إراقة دماء عشرات الاَُلوف إلى أن انتهت إلى التحكيم؟

أيوم ظهر الخوارج على الساحة الاِسلامية يَغيرون ويقتلون الاَبرياء إلى أن انتهت فتنتهم بقتل مشايخهم في النهروان؟

أيوم أُغير على آل رسول اللّه بكربلاء وقتل فيه أبناء المصطفى وفيهم سبطه وريحانته سيد شباب أهل الجنّة، وسبيت بنات الزهراء ومن معهنّ من نساء أهل البيت حتى لم يبقَ بيت له برسول اللّه صلة إلاّ وقد ضُجَّت فيه النوائح وعمته الآلام والاَحزان؟

أيوم أُبيحت فيه مدينة رسول اللّه في وقعة الحرة الشهيرة فقتل الاَصحاب والتابعون ونهبت الاَموال، وبقرت بطون الحوامل، وهتكت الاَعراض، حتى ولدت الاَبكار لا يعرف من أولادهن؟ (1).

أيوم حاصر جيش بني أُمية مكّة المكرمة والبيت العتيق ورموه بالحجارة لاَجل القضاء على عبد اللّه بن الزبير؟

أيوم تسلّم عبد الملك بن مروان منصّة الخلافة وقد عيّن الحجاج بن يوسف عاملاً على العراق، فسفك دماءً طاهرة وقتل الاَبرياء وزجّ بالسجون رجالاً ونساءً من دون أن تظلّهم مظلّة تقيهم حرّ الشمس وبرد الليل القارص؟

هذا وبعد لم يتمّ القرن الاَوّل وهذه نماذج من حوادث دموية وقعت فيه، فكيف يمكن أن يكون ذلك القرن خير القرون وأفضلها وإن كان صاحب القرن هو الرسول الاَعظم أفضل الخلق؟ إلاّ أنّ سيرته، من سيرة أُمّته التي وقفت على


(1)صائب عبد الحميد: منهج في الانتماء المذهبي: 281.


(50)

صورة مجملة من سيرتها الدموية (1).

وإن كان الملاك هو تمسّكهم بالدين في مجال الاَحكام والفروع فهو أيضاً لم يكن متحققاً، وإن شئت فارجع إلى ما حدث بعد رحيل النبي في نفس عام الرحلة، فإنّ كثيراً ممّن رأى النبيّ الاَكرم وأدركه وسمع حديثه أصبح يمتنع عن أداء الزكاة، بل أصبح البعض مرتدّاً عن دين الاِسلام لولا أنّ الخليفة الاَوّل قام بقمعهم وردّ عاديتهم.

لا ندري هل نصدق هذا الحديث أم نوَمن بما حدّث القرآن الكريم، حيث يعرّف قوماً أفضل وأعرف بمواقع الاِسلام ممّن كان في حضرة النبيّ من الصحابة الكرام، يقول سبحانه: «يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَومٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أذِلَّةٍ عَلى المُوَْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلى الكافِرينَ يُجاهِدُونَ في سَبيلِ اللّهِ ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُوَْتِيهِ مَنْ يَشاءُ واللّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ» (المائدة ـ 54) قل لي من هوَلاء الذين يعتزّ اللّه بهم سبحانه ويفضّلهم على أصحاب النبيّ؟ فلاحظ التفاسير (2).

لا ندري هل نوَمن بهذا الحديث الذي رواه الشيخان أم نوَمن بما رواه نفسهما في باب آخر، قالا: قال رسول اللّه: يرد عليَّ يوم القيامة رهط من أصحابي فيُهلئون عن الحوض فأقول: يا ربّ أصحابي، فيقول: إنّه لا علم لك بما أحدثوا بعدك إنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى (3).


(1)لاحظ في الوقوف على هذه الحوادث المرّة، تاريخ الطبري، تاريخ اليعقوبي، مروج الذهب للمسعودي وتاريخ الكامل للجزري، والاِمامة والسياسة لابن قتيبة إلى غير ذلك من المعاجم التاريخية المعتبرة.
(2)الرازي: مفاتيح الغيب: 3|427 تفسير النيسابوري بهامش تفسير الطبري: 6|165.
(3)ابن الاثير: جامع الاَُصول: 11|120 برقم 7973.


(51)

هل نوَمن بهذا الحديث أم نوَمن بما رواه الموَرخون في حياة الوليد بن عقبة وهو الذي وصفه سبحانه بكونه فاسقاً وقال: «إنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا» (الحجرات ـ 6) وقد أطبق المفسّـرون في نزولها على الوليد بن عقبة.

هذا وقد ولّـى الكوفة أيام خلافة الخليفة الثالث فشرب الخمر وقام يصلّـي بالناس صلاة الفجر فصلّـى أربع ركعات، وكان يقول في ركوعه وسجوده: اشربي واسقني، ثم قاء في المحراب ثمّ سلّم وقال: هل أزيدكم إلى آخر ما ذكره (1).

وليس الوليد شخصاً وحيداً بين من عاصر النبيَّ الاَكرم، بل كان فيهم أصناف مختلفة لا يمكن الحكم باستقامتهم فضلاً عن الحكم بعدالتهم.

فقد كان فيهم المنافقون المعروفون بالنفاق (2)والمختفون به (3)ومرضى القلوب (4).

ة والسماعون كالريشة في مهب الرياح (5)وخالطوا العمل الصالح بالسيّىَ (6) والمشرفون على الارتداد (7)والمسلون غير الموَمنين (8)والموَلّفة قلوبهم (9) والمولّون أمام الكفار (10)والفاسق (11).

نحن نترك تفسير الحديث إلى آونة أُخرى ولعلّ المحققين يجدون له تفسيراً ينطبق على التاريخ القطعي المشهور والملموس.


(1)ابن الاَثير: الكامل: 2|52، الجزري: أُسد الغابة: 5|91 إلى غيرهما من المصادر الكثيرة.
(2)سورة المنافقون: الآيات 1 ـ 8.
(3)التوبة: 101.
(4)الاَحزاب: 12.
(5)التوبة: 45 ـ 47.
(6)التوبة: 102.
(7)آل عمران: 154.
(8)الحجرات: 14.
(9)التوبة: 60.
(10)الاَنفال: 16.
(11)الحجرات: 6.


(52)

الابتداع في تفسير البدعة:

إنّ من البدعة في تفسيرها، هو جعل السلف معياراً للحق والباطل والاِصرار عليه، ترى أنّ كثيراً ممّن ينتمون إلى السلفية يصفون كثيراً من الاَُمور بالبدعة بحجّة أنّها لم تكن في عصر الصحابة والتابعين، وهذا ابن تيمية يصف الاحتفال في مولد النبيّ بدعة بحجّة أنّه لم يفعله السلف مع قيام المقتضى له وعدم المانع منه، ولو كان هذا خيراً محضاً أو راجحاً، لكان السلف ـ رضي اللّه عنهم ـ أحق منّا فإنّهم كانوا أشدّ محبّة لرسول اللّه وتعظيماً له منّا وهم على الخير أحرص (1).

ويقول في حق القيام للمصحف وتقبيله: «لا نعلم فيه شيئاً مأثوراً عن السلف» (2).

وقد ورث هذه الفكرة كثير ممّن يوَمن بمنهجه، وهذا هو عبد اللّه بن سليمان ابن بليهد الذي قام باستفتاء علماء المدينة بتخريب قباب الصحابة وأئمّة أهل البيت في بقيع الغرقد عام 1344هـ وقد نشر مقالاً في جريدة أُمّ القرى في عدد جمادي الآخر سنـة 1345هـ وجاء فيهـا قوله: لم نسمع في خير القرون أنّ هذه البدعة: البناء على القبور ، حدثت فيها بل بعد القرون الخمسة (3).

وبدورنا نشكر الشيخ ابن بلهيد حيث وسع الاَمر على المسلمين وأدخل عليها قرنين آخرين بعدما قصر موَلف الهدية السنيّة العصمة على أهل القرون الثلاثة الاَُولى، ولكن نهيب بصاحب المقال بأنّ المسلمين وفي مقدمتهم عمر بن


(1)ابن تيمية: اقتضاء الصراط المستقيم: 276.
(2)ابن تيمية: الفتاوى الكبرى: 1|176.
(3)السيد الاَمين: كشف الارتياب: 357 ـ 358.


(53)

الخطاب ـ رضي اللّه عنه ـ قد فتحوا القدس وفيها مقابر الاَنبياء ومقام إبراهيم ويعقوب وأولادهم وعليها قباب وأبنية ولم يَدُر بخلد أحدٍ، حتى الخليفة بأنّها بدعة كي يهدموها بمعاولهم.

إنّ هناك كلاماً جميلاً للاَُستاذ الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، فقد ألف كتاباً باسم «السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي» وقد أدّى فيه حقّ المقال، نقتطف منه ما يلي:

إنّ من الخطأ بمكان أن نعمد إلى كلمة (السلف) فنصوغ منها مصطلحاً جديداً، طارئاً على تاريخ الشريعة الاِسلامية والفكر الاِسلامي، ألا وهو «السلفية» فنجعله عنواناً مميزاً تندرج تحته فئة معيّنة من المسلمين، تتّخذ لنفسها من معنى هذا العنوان وحده مفهوماً معيناً، وتعتمد فيه على فلسفة متميزة، بحيث تغدوا هذه الفئة بموجب ذلك، جماعة إسلامية جديدة، في قائمة جماعات المسلمين المتكاثرة والمتعارضة بشكل موَسف في هذا العصر، تمتاز عن بقية المسلمين بأفكارها وميولاتها بل تختلف عنهم حتى بمزاجها النفسي ومقاييسها الاَخلاقية كما هو الواقع اليوم فعلاً.

بل إنّما لا نعدو الحقيقة إن قلنا: إنّ اختراع هذا المصطلح بمضامينه الجديدة التي أشرنا إليها، بدعة طارئة في الدين، لم يعرفها السلف الصالح لهذه الاَُمة ولا الخلف الملتزم بنهجه.

فإنّ السلف ـ رضوان اللّه عليهم ـ لم يتّخذوا من معنى هذه الكلمة بحدّ ذاتها مظهراً لاَيّ شخصية متميّزة، أو أيّ وجود فكري أو اجتماعي خاص بهم، يميّزهم عمّن سواهم من المسلمين، ولم يضعوا شيئاً من يقينهم الاعتقادي أو التزاماتهم السلوكيّة والاَخلاقية في إطار جماعة إسلامية ذات فلسفة وشخصيّة فكرية مستقلّة. بل كان بينهم وبين من نسمّيهم اليوم بالخلف منتهى التفاعل وتبادل


(54)

الفهم والاَخذ والعطاء تحت سلطان ذلك المنهج الذي تمّ الاتفاق عليه، والاحتكام إليه، ولم يكن يخطر في بال السابقين منهم ولا اللاحقين بهم أنّ حاجزاً سيختلق ليرتفع ما بينهما، بصُنع طائفة من المسلمين فيما بعد، وليقسم سلسلة الاَجيال الاِسلامية إلى فريقين، يصبغ كلاّ ً منهما بلون مستقلّ من الاَفكار والتصوّرات والاتّجاهات، بل كانت كَلِمتا السلف والخلف في تصوراتهم لا تعني ـ من وراء الانضباط بالمنهج الذي ألمحنا إليه ـ أكثر من ترتيب زماني كالذي تدل عليه كلمتا: (قبل وبعد) (1).

إنّ ما ذكره هذا المحقق هو الحق القراح الذي لا يرتاب فيه من له إلمام بالكتاب والسنّة وسيرة المسلمين وتاريخهم، وأين هذا وما ذكره الدكتور سيد الجميلي حيث جعل للسلفيّة والسلف حقيقة شرعية وقال: كلمة السلفية والسلف مصطلحان شرعيان (2)وليس هذا الاشتباه منه ببعيد لضآلة علمه بالتاريخ وإن كنت في شك فانظر كيف فسّـر الاَشاعرة بقوله: هم من أتباع أبي موسى الاَشعري المتوفّى سنة 44هـ مع أنّهم من أتباع أبي الحسن الاَشعري المولود عـام 260هـ والمتوفى عام 324هـ وهو من أحفاد أبي موسى الاَشعري، فهذا مبلغ علمه ويريد أن يقضي به بين الفقهاء والمجتهدين والمحدّثين !!

* * *


(1)الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي: السلفية: 13 ـ 14.
(2)الدكتور سيد الجميلي: مناظرات ابن تيمية مع فقهاء عصره.


(55)

الفصل الخامس

البدعة وأسباب نشوئها

البدعة عمل اختياري للمبدع ولها ـ كسائر الاَفعال الاختيارية ـ أسباب وغايات يعد الجميع مناشىَ لها و لا توجد البدعة إلاّ في ظلّ أسباب وغايات، ومن خلال عرض النصوص الدينية وما دخل في التاريخ من بدع، يمكن التوصّل إلى ما نتبنّاه في هذا الفصل.

1ـ المبالغة في التعبّد للّه تعالى:

هذا العنوان ذكره الشاطبي لدى تعريفه للبدعة، حيث قال: «طريقة مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبّد للّه تبارك وتعالى» (2). وهذا وإن لم يكن أمراً كلّياً صادقاً في جميع مواردها لكنّه أحد أسباب نشوء البدع، كما يشهد له التاريخ، ولعلّ من هذا المنطلق استأذن عثمان بن مظعون النبيّ في


(1)الشاطبي: الاعتصام: 1|37.


(56)

الاِخصاء فقال النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : «ليس منّا من خصي أو اختصى إنّ اختصاء أُمّتي الصيام »،إلى أن قال : ائذن لي في الترهّب، قال: «إنّ ترهّب أُمّتي الجلوس في المساجد لانتظار الصلاة» (1) فإنّ المبتدع ربّما يتصوّر أنّ ما اخترعه من طريقة توصله إلى رضا اللّه سبحانه أكثر ممّا رسمه صاحب الشريعة، فلاَجل ذلك يترك قول الشارع ويعمل طبق فكرته ويذيع ذلك بين الناس باسم الشرع، ولهذا أيضاً شواهد في التاريخ نقتطف منها ما يلي:

أ ـ روى جابر بن عبد اللّه: إنّ رسول اللّه كان في سفر فرأى رجلاً عليه زحام قد ظُلِّل عليه فقال: «ما هذا؟» قالوا: صائم، قال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : «ليس من البرّ الصيام في السفر» (2).

ب ـ روى الكليني عن الاِمام الصادق ( عليه السلام ) قال: إنّ رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) خرج من المدينة إلى مكّة في شهر رمضان ومعه الناس وفيهم المشاة، فلمّا انتهى إلى كُراع الغميم دعا بقدح من ماء فيما بين الظهر والعصر فشرب وأفطر ثم أفطر الناس معه وثمَّ أُناس على صومهم فسمّاهم رسول اللّه العصاة وإنّما يوَخذ بآخر أمر رسول اللّه (3).

فإنّ الاِنسان المتزمّت يتخيّل أنّه لو سافر صائماً يكن عمله أكثر قبولاً عند اللّه تبارك وتعالى، ولكنّه غافل عن مناطات التشريع وملاكاتها العامّة التي توجب الاِفطار في السفر ليكون الدين رفقاً بالاِنسان يجذب الناس إليه، قال سبحانه: «وما جَعَلَ عَلَيكُمْ في الدّينِ مِنْ حَرَجٍ» (الحج ـ 78).

ج ـ روى مالك في الموطأ: إنّ رسول اللّه رأى رجلاً قائماً في الشمس فقال:


(1)الشاطبي: الاعتصام: 1|325.
(2)أحمد بن حنبل: المسند: 3|319 و 399، لاحظ الفقيه للصدوق: 2|92 الحديث 2.
(3)الكليني: الكافي: 4|127 ح5 باب كراهية الصوم في السفر .


(57)

«ما بال هذا؟» قال: نذر ألاّ يتكلّم ولا يستظلّ من الشمس ويصوم، فقال رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : «مره فليتكلّم وليستظلّ وليجلس وليتمّ صيامه» (1).

د ـ روى البخاري عن قيس بن أبي حازم: دخل رسول اللّه على امرأة فرآها لا تتكلّم فقال: «ما لها؟» فقيل: حجة مصمّتة، فقال لها: «تكلّمي فإنّ هذا لا يحلّ، هذا من عمل الجاهلية» فتكلّمت (2).

هـ ـ إنّ متعة الحج ممّا نصّ عليها الكتاب العزيز فقال: «ومَنْ تمتَّعَ بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَـرَ مِنَ الهَدْي» (البقرة ـ 196) والمقصود من متعة الحج هو حج التمتع، وهو أن ينشىَ المتمتع بها إحرامه في أشهر الحج من الميقات، فيأتي مكّة ويطوف بالبيت ثم يسعى بين الصفا والمروة ثم يقصّـر ويحلّ من إحرامه، فيقيم بعد ذلك مُحلاّ حتى ينشىَ في تلك السنة نفسها إحراماً آخر للحج من مكة ويخرج إلى عرفات، ثم يفيض إلى المشعر الحرام ثم يأتي بأفعال الحج على ما هو مبيّن في محله، هذا هو التمتع بالعمرة إلى الحج وهو فرض بعد عن مكة بثمانية وأربعين ميلاً من كلّ جانب، وإنّما أُضيف الحج بهذه الكيفية إلى التمتّع (حج التمتع) أو قيل عنه: التمتع بالحجّ، لما فيه من المتعة أي اللذّة بإباحة محظورات الاِحرام في المدّة المتخلّلة بين الاِحرامين.

ولكن كان بين صحابة النبيّ من يستكره ذلك، روى الدارمي قال: سمعت عام حجّ معاوية يسأل سعد بن مالك: كيف تقول بالتمتع بالعمرة إلى الحج؟ قال: حسنة جميلة، فقال: قد كان عمر ينهى عنها فأنت خير من عمر؟ قال: عمر خير منّي وقد فعل ذلك النبيّ هو خير من عمر (3).


(1)مالك ابن أنس: الموطأ، كتاب الاِيمان والنذور: 317 ح 1022.
(2)البخاري: الصحيح: 5|41 ـ 42 باب أيام الجاهلية.
(3)الدارمي: السنن: 2|36 كتاب المناسك.


(58)

وروى الترمذي قال: حدّثنا قتيبة بن سعيد عن مالك بن أنس عن ابن شهاب عن محمد بن عبد اللّه بن الحارث بن نوفل، أنّه سمع سعد بن أبي وقاص والضحاك ابن قيس عام حجّ معاوية بن أبي سفيان وهما يذكران التمتّع بالعمرة إلى الحج، فقال الضحاك بن قيس: لا يصنع ذلك إلاّ من جهل أمر اللّه تعالى. فقال سعد: بئس ما قلت يابن أخي! فقال الضحاك: فإنّ عمر بن الخطاب قد نهى عن ذلك. فقال سعد: قد صنعها رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وصنعناها معه، هذا حديث صحيح.

وروى ابن إسحاق عن الزهري عن سالم قال: إنّي لجالس مع ابن عمر في المسجد إذ جاءه رجل من أهل الشام فسأله عن التمتّع بالعمرة إلى الحج، فقال ابن عمر: حسن جميل. قال: فإنّ أباك كان ينهى عنها. فقال: ويلك! فإن كان أبي نهى عنها وقد فعله رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأمر به، أفبقول أبي آخذ، أم بأمر رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ؟! قم عنّي (1).

ولاَجل ذلك كان هذا الصحابي يحرم بإحرام واحد للعمرة والحج، مع أنّ النبيَّ أمر بإحرامين: إحرام للعمرة ثم يتحلّل ويتمتّع بمحظورات الاِحرام ثم يحرم للحج، وما هذا إلاّ لزعم أنّ ترك التمتع بين العملين أكثر قربة إليه تعالى وقد برّر فتواه بعد الاعتراف، بأنّ عمرة التمتّع سنّة رسول اللّه بقوله: ولكنّني أخشى أن يعرسوا بهنّ تحت الاراك ثم يروحوا بهنّ حجّاجاً (2).

هذه نماذج من كثير ممّا تعرض إليها التاريخ في شتّى المناسبات، والجامع لذلك هو المبالغة في التعبّد للّه ـ حسب زعمه ـ وهي ناشئة عن قلة استيعاب المبتدع على ما يجب أن يعرفه، فإنّ اللّه سبحانه أعرف بمصالح العباد ومفاسدهم


(1)القرطبي: الجامع لاَحكام القرآن: 2|388.
(2)أحمد بن حنبل: المسند: 1|49.


(59)

وبأسباب السعادة والشقاء ولا يشذّ عن علمه شيء، وكم في التاريخ الاِسلامي شواهد واضحة على هذا النوع من السبب (1).

2ـ اتباع الهوى:

إنّ استعراض تاريخ المتنبّئين الذين ادّعوا النبوّة عن كذب ودجل، يثبت بأنّ الاَهواء وحبّ الظهور والصدارة كان له دور كبير في نشوء هذه الفكرة وظهورها على صعيد الحياة، والمبتدع وإن لم يكن متنبئاً إلاّ أنّ عمله شعبة من شعب التنبوَ، وفي الروايات إشارات وتصريحات على ذلك.

خطب الاِمام أمير الموَمنين ( عليه السلام ) الناس فقال: أيّها الناس إنّما بدءُ وقوع الفتن أهواء تُتَّبع، وأحكام تبتدع، يخالف فيها كتاب اللّه، يتولّـى فيها رجال رجالاً ... (2).

إنّ لحبّ الظهور دوراً كبيراً في الحياة الاِنسانية فلو كانت هذه الغريزة جامحة لاَدّت بالاِنسان إلى ادّعاء مقامات ومناصب تختصّ بالاَنبياء، ولعلّ بعض المذاهب الظاهرة بين المسلمين في القرون الاَُولى كانت ناشئة عن تلك الغريزة.

روى ابن أبي الحديد في شرح النهج أنّ علياً مرّ بقتلى الخوارج فقال: بوَساً لكم لقد ضرّكم من غرّكم، فقيل: ومن غرّهم؟ فقال: الشيطان المضلّ، والنفس الاَمّارة بالسوء، غرّهم بالاَماني وفسحت لهم في المعاصي ووعدتهم الاظهار فاقتحمت بهم النار (3).


(1)لاحظ السيرة النبويّة لابن هشام، صلح الحديبية: 2|316ـ 317.
(2)الكليني: الكافي: 1|54 ح1، باب البدع.
(3)ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة: 19|235.


(60)

3 ـ حبّ الاستطلاع إلى ما هو دونه:

إنّ حبّ الاستطلاع من نعم اللّه سبحانه، إذ في ظلّه يقف الاِنسان على مجاهيله ويكتشف معلومات تهمّه في حياته، ولولا ذلك الحبّ لكان الاِنسان اليوم في أوليات حياته في العلم والمعرفة قال سبحانه: «اللّه أخرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والاَبصارَ والاَفئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» (النحل ـ 78) ومع اشتراك الكلّ في تلك النعمة المعنوية إلاّ أنّ الطاقات الكامنة لدى الاِنسان تختلف من واحد إلى آخر، فليس لكلّ إنسان قابلية التطلّع إلى كل شيء واستعراض جميع المجاهيل، ولاَجل ذلك ربّما أدّى ذلك العمل إلى الزلّة في الفكر والمعتقد، ولذلك ترى عليّاً ( عليه السلام ) ينهى عن الغور في القدر فيقول: «طريق مظلم فلا تسلكوه، وبحر عميق فلا تلجوه، وسرّ اللّه فلا تتكلّفوه» (1) ولكن الاِمام نفسه تكلّم في مواضيع أُخر عن القضاء والقدر ولكن حينما يجد إنساناً مقتدراً على درك المفاهيم الغامضة.

إنّ القرون الثلاثة الاَُول، كانت قرون ظهور المذاهب الكلامية والفقهية وكانت الاَمصار وحواضرها الكبرى ميداناً لمطارحات الفرق المختلفة، وقد ظهرت في تلك القرون أكثر المذاهب والفرق، مع أنّ الحقّ كان في طرف واحد، فلو أنّهم توحّدوا في العقائد؛ لما أدّى بهم الاَمر إلى شقّ العصى وإيجاد الفرقة، وبالتالي ذهاب الوحدة الاِسلامية في مهبّ الريح ضحية البحوث الكلامية والفقهية وغير ذلك.

كان للخوض في الآيات المتشابهات دور كبير في ظهور البدع في الصفات


(1)نهج البلاغة: قسم الحكم: رقم 287.


(61)

الخبرية، وفي تفسير اليد والرجل والوجه للّه سبحانه الواردة في الكتاب والسنّة، فقد كان البسطاء يخوضون في تفسيرها من دون إرجاعها إلى المحكمات التي هي أُمّ الكتاب وما هذا إلاّ لاَجل قصور أفهامهم وقلّة بضاعتهم العلمية، فكان واجبهم السكوت وسوَال الراسخين في العلم، دون الخوض فيها.

إنّ للشيخ الرئيس أبي علي ابن سينا نصيحة لطلاب الفلسفة والحكمة، يحثّهم على أن لا يذيعوا ذلك العلم بين أُناس ليس لهم قابلية التفكّر الواسع ويقول في آخر كتاب الاِشارات:

«أيُّها الاَخ إنّـي قـد مخضـت لك في هـذه الاِشـارات عن زبـدة الحـق، وألقمتك قفي (1) الحكم في لطائف الكلم. فصُنه عن الجاهلين والمبتذلين ومن لم يرزق الفطنة الوقّادة والدربة والعادة وكان صغاه (2)مع الغاغة، أو كان من ملحدة هوَلاء الفلاسفة ومن همجهم فإن وجدت من تثق بنقاء سريرته واستقامة سيرته وبتوقّفه عمّا يتسرّع إليه الوسواس، وبنظره إلى الحقّ بعين الرضا والصدق فآته ما يسألك منه مدرّجا مجزءاً مفرقاً تستفرس ممّا تسلفه لما تستقبله. وعاهِده باللّه وبأيمان لا مخارج لها ليجري فيما يأتيه مجراك متأسّياً بك فإن أذعتَ هذا العلم أو أضعته فاللّه بيني وبينك وكفى باللّه وكيلاً (3).

4ـ التعصّب الممقوت:

وهناك سبب آخر لا يقل تأثيره عمّا سبق من الاَسباب وهو تقليد الآباء والاَجداد وصيانة كيانهم وسننهم فإنّ اتّباع الاَهواء القَبلية والقومية وما شاكل فإنّها


(1)القفي: الشيء الذي يوَثر به للضيف.
(2)صغاه: ميله.
(3)كتاب الاِشارات: 3|419.


(62)

من أعظم سدود المعرفة وموانعها، وهي التي منعت الاَُمم عبر التاريخ من الخضوع أمام براهين الاَنبياء ورسله الواضحة كما يقول سبحانه: «وكذلِكَ ما أرسَلْنا مِنْ قَبلِكَ في قَريَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إلاّ قالَ مُتْرَفُوها إنّا وَجَدْنا آباءَنا على أُمّةٍ وإنّا على آثارِهِمْ مُقْتَدُون» .

ومن هذا المنطلق، اقترح تميم بن جراشة على النبيّ ـ عندما جاء على رأس وفد من الطائف يخبره بإسلام قومه ـ اقترح عليه:

أن يكتب لهم كتاباً بأن يفي لهم بأُمور يقول: قدمتُ على النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في وفد ثقيف فأسلمنا وسألناه أن يكتب لنا كتاباً فيه شروط؟ فقال: اكتُبوا ما بدا لكم ثم إيتوني به، فسألناه في كتابه أن يُحلّ لنا الربا والزنا فأبى عليّ ـ رضي اللّه عنه ـ أن يكتب لنا، فسألنا خالد بن سعيد بن العاص فقال له علي: تدري ما تكتب؟ قال: أكتب ما قالوا ورسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أولى بأمره، فذهبنا بالكتاب إلى رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فقال للقارىَ: إقرأ، فلمّا انتهى إلى الربا قال: ضع يدي عليها في الكتاب، فوضع يده فقال: «يا أيّها الذين آمنوا اتَّقوا اللّه وذروا ما بقي من الرِّبا» الآية، ثمّ محاها، وأُلقيت علينا السكينة فما راجعناه فلمّا بلغ الزنا وضع يده عليها (وقال): «و لا تقربوا الزّنا إنّه كان فاحشة» الآية، ثم محاه وأمر بكتابنا أن ينسخ لنا (1).

ورواه ابن هشام بصورة أُخرى قال: وقد كان ممّا سألوا رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن يدع لهم الطاغية، وهي اللاّت، لا يهدمها ثلاث سنين، فأبى رسول اللّهذلك عليهم فما برحوا يسألونه سنة سنة، ويأبى عليهم، حتى سألوا شهراً واحداً بعد مقدمهم، فأبى عليهم أن يدعها شيئاً مسمّى، وإنّما يريدون بذلك فيما يظهرون أن يتسلّموا بتركها من سفهائهم ونسائهم وذراريهم ويكرهون أن يروّعوا قومهم بهدمها حتى يدخلهم الاِسلام، فأبى رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إلاّ أن يبعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن


(1)ابن الاَثير: أُسد الغابة: 1|216 مادة «تميم» و ج3|406.


(63)

شعبة فيهدماها، وقد كانوا سألوه مع ترك الطاغية أن يعفيهم من الصلاة، وأن لا يكسروا أوثانهم بأيديهم. فقال رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : أمّا كسر أوثانكم بأيديكم فسنعفيكم منه، وأمّا الصلاة، فأنّه لا خير في دين لا صلاة فيه، فقالوا: يا محمد ! فسنوَتيكها، وإن كانت دناءة (1).

انظر إلى التعصّب المميت للعقل يسأل رسول اللّه ـ الذي بعث لكسر الاَصنام وتحطيم كل معبود سوى اللّه ـ أن يدع لهم الطاغية وهي اللاّت لا يهدمها ثلاث سنين

وكان هذا الاقتراح نابعاً عن العصبية لطرق الآباء وسلوكهم. وكان المقترح في حضرة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يريد الابتداع في الدين بيده.

هذه هي الاَسباب العامّة وهناك أسباب خاصّة لظهور البدع في المجتمع الاِسلامي لا تخفى على القارىَ الكريم.

5ـ التسليم لغير المعصوم:

إنّ من أسباب نشوء البدع التسليم لغير المعصوم، فلا شك أنّه يخطأ وربّما يكذب فالتسليم لقوله سبب للفرية على اللّه سبحانه والتدخّل في دينه عقيدة وشريعة.

إذا كان النبيّ الاَكرم خاتم النبيين وكتابه خاتم الكتب وشريعته خاتم الشرائع فلا حكم إلاّ ما حكم به، ولا سنّة إلاّ ما سنّه، والخروج عن هذا الاِطار تمهيد لطريق المبتدعين، وعلى ضوء ذلك فلا معنى معقول لتقسيم السنّة إلى سنّة النبىّّ وسنّة الصحابة، وتلقّي الاَخيرة حجّة شرعية وإن لم يسندها إلى المصدرين


(1)ابن هشام: السيرة النبوية: 2|537 ـ 543.


(64)

الرئيسيين.

إنّ كتب الحديث والفقه تطفح بسنّة الصحابة، وهناك سنن تُنسب إلى الخليفة الاَول وإلى الثاني وإلى الثالث، فما معنى هذه السنن لو لم تستند إلى الكتاب والسنّة ولو أُسندت فلا معنى لاِضافتها إليهم.

والاِفتاء بمضمون تلك السنن بدعة في الشريعة.

وهناك كلام للدكتور عزّت علي عطية، فقد جعل الاقتداء بأئمّة أهل البيت تسليماً لغير المعصوم ثمّ قال: نتسائل عن الصلة بين هذا الاِمام وبين اللّه جلّ جلاله، هل هي وحي، أم إلهام أم حلول؟ إن كانت وحياً فقد نفوه، وإن كانت حلولاً فهو الكفر، بعينه، وإن كانت إلهاماً فما الذي يفرق بينه وبين وساوس الشيطان وخطرات النفوس (1).

إنّ الدكتور عطية لم يدرس عقائد الاِمامية حقّها وإنّما اكتفى بكتاب صغير كتب في بيان العقائد لا في البرهنة عليها، ولو أنّه رجع إلى علمائهم وموَلفاتهم لوقف على الدليل على عصمة الاَئمّة فإنّ أحد الاَدلّة هو حديث الثقلين الذي أطبق المحدّثون على نقله وهو أنّ رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال: إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي لن تضلّوا ما إن تمسّكتم بهما. فإن كانت العترة عدلاً للكتاب وقريناً له فتوصف بوصفه، فالكتاب معصوم عن الخطأ «لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه» فتكون العترة مثله.

وأمّا مصدر علومهم؛ فغالب علومهم مأخوذ من الكتاب والسنّة إذ أخذ عليّ ( عليه السلام ) عن النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وأخذ الحسن (عليه السّلام) عن أبيه، وهكذا كل إمام أخذ عن أبيه، علم يتناقل ضمن هذه السلسلة الطاهرة المعروفة، ولم يأخذ أحد


(1)الدكتور عزت علي عطية: البدعة: 245.


(65)

منهم ( عليهم السلام ) عن صحابي ولا تابعي أبداً، بل أخذ الجميع عنهم ومنهم انتقلت العلوم إلى الآخرين كما تلقّاها رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من لدن حكيم خبير.

قال الاِمام الباقر ( عليه السلام ) : «لو كنّا نحدّث الناس برأينا وهوانا لهلكنا ولكن نحدثهم بأحاديث نكنزها عن رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كما يكنز هوَلاء ذهبهم وفضتهم».

وهناك مصدر آخر لعلومهم وهو أنّهم محدّثون كما أنّ مريم كانت محدّثة، كما كان عمر بن الخطاب محدّثاً حسب ما رواه البخاري، روى أبو هريرة قال: قال النبي: «لقد كان فيمن قبلكم من بني إسرائيل رجال يُكلَّمون من غير أن يكونوا أنبياء فإن كان من أُمّتي أحد فعمر» (1).

والدكتور خلط التحدّث بالوحي:

وأمّا أنّهم بماذا يميّزون الاِلهام عن وساوس الشيطان، فليس بأمر عسير فإنّ الوساوس تدخل القلب بتردّد والاِلهام يرد النفس بصورة علم قاطع ولاَجل ذلك تلقّت مريم وأُمّ موسى ما أُلهما به، كلاماً إلهياً، لا وسوسة شيطانية.


* * *


(1)البخاري: الصحيح: 2|194، باب مناقب عمر بن الخطاب.


(66)


(67)

الفصل السادس

في تقسيم البدعة إلى حسنة وسيّئة

إذا كانت البدعة بمعنى التدخّل في أمر الشرع بزيادة أو نقيصة في مجالي العقيدة والشريعة من غير فرق بين العبادات والمعاملات والاِيقاعات والسياسات، فليس لها إلاّ قسم واحد لا يُثنّى ولا يتكثّر ولكن ربّما تقسم البدعة إلى تقسيمات نذكر منها ما يلي:

البدعة الحسنة والبدعة السيئة:

لقد جاء هذا التقسيم في كلمات الاِمام الشافعي، وابن حزم والغزالي والدهلوي وابن الاَثير إلى غير ذلك، والاَصل في ذلك قول الخليفة عمر بن الخطاب، وقد ظهر على لسانه في السنة الرابعة عشرة من الهجرة عندما جمع الناس للصلاة بإمامة أُبي بن كعب في شهر رمضان، ووصف الجماعة بقوله «نعمت البدعة هذه» والاَصل في ذلك ما رواه البخاري (2)وغيره.


(1)البخاري: الصحيح: 3|44ـ 45 كتاب الصوم، باب فضل من قام رمضان.


(68)

قال عبد الرحمن بن عبد القارىَ: خرجت مع عمر بن الخطاب ـ رضي اللّه عنه ـ ليلة رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرّقون يصلّـي الرجل لنفسه، ويصلّي الرجال فيصلّـي بصلاته الرهط فقال عمر: إنّي أرى لو جمعت هوَلاء على قارىَ واحد لكان أمثل ثمّ عزم فجمعهم على أُبي بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أُخرى والناس يصلّون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعمت البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، يريد آخر الليل وكان الناس يقومون أوّله (1).

إنّ إقامة صلاة التراويح جماعة لا تخلو من صورتين:

الاَُولى: إذا كان لها أصل في الكتاب والسنّة، فعندئد يكون عمل الخليفة إحياء لسنّة متروكة سواء أراد إقامتها جماعة أو جمعهم على قارىَ واحد، فلا يصحّ قوله: «نعمت البدعة هذه» إذ ليس عمله تدخّلاً في الشريعة .

الثانية: إذا لم يكن هناك أصل في المصدرين الرئيسين، لا لاِقامتها جماعة أو لجمعهم على قارىَ واحد، وإنّما كره الخليفة تفرّق الناس، ولاَجل ذلك أمرهم بإقامتها جماعة، أو بقارىَ واحد، وعندئذ تكون هذه بدعة قبيحة محرّمة.

توضيح ذلك:

إنّ البدعة التي تحدّث عنها الكتاب والسنّة هي التدخل في أمر الدين بزيادة أو نقيصة والتصرف في التشريع الاِسلامي، وهي بهذا المعنى لا يمكن أن تكون إلاّ أمراً محرّماً ومذموماً ولا يصحّ تقسيمه إلى حسنة وقبيحة، وهذا شيء واضح ولا يحتاج إلى استدلال.

نعم، البدعة بالمعنى اللغوي التي تعمّ الدين وغيره تنقسم إلى قسمين، فكل شيء محدث مفيد في حياة المجتمعات من العادات والرسوم، إذا أُدّي به من دون


(1)ابن الاَثير: النهاية: 1|79.


(69)

الاسناد إلى الدين، ولم يكن محرّماً بالذات شرعاً، كان بدعة حسنة، أي أمراً جديداً مفيداً للمجتمع، كما إذا احتفل الشعب بيوم استقلاله في كل عام، أو اجتمع للبراءة من أعدائه أو أقام الاَفراح لمولد بطل من أبطاله، وبالجملة ما هو حلال بالذات لا مانع من أن تتّفق عليه الاَُمّة وتتّخذه عادة ومتّبعاً في المناسبات ويكون بدعة لغوية.

نعم، ما كان محرماً بالذات، فلو اتّخذ أمراً مرسوماً ورائجاً مثل دخول النساء سافرات متبرّجات في مجالس الرجال في الاستقبالات والضيافات، فهذا أمر حرام بالذات أوّلاً، وليس بمحرم من باب البدعة الشرعية بمعنى التدخل في أمر الدين والتسنين فيه والتشريع على خلاف ما شرّعه الشارع، وإنّما هو عمل محرم اتّخذ رائجاً لا باسم الدين ولا باسم الشريعة وأقصى ما يعتذر بأنّه مقتضى الحضارة العصرية مع الاعتراف بكونه مخالفاً للشرع، ولو قيل إنّه بدعة قبيحة أو مذمومة، فإنّما هو بحسب معناها اللغوي.

وبذلك يظهر أنّ أكثر من أطنب الكلام في تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة، فقد خلط البدعة في مصطلح الشرع بالبدعة اللغوية فأسهبوا في الكلام وأتوا بأمثلة كثيرة زاعمين أنّها من البدع الشرعية مع أنّ أمرها يدور بين أمرين:

إمّا أنّها عمل ديني يوَتى بها باسم الدين والشريعة ولكن يوجد لها أصل فيهما فتخرج بذلك من تحت البدعة، كتدوين الكتاب والسنّة إذا خيف عليهما التلف من الصدور، وبناء المدارس والرُّبَط وغيرهما، وقد مثلوا بالتدوين للبدعة الواجبة وببناء المدارس والرُّبَط بالبدعة المستحبة، مع أنّهما ليسا ببدعة لوجود أصل صالح لهما في الشريعة.

أو أنّها عمل عادي لا يوَتى بها باسم الدين بل يوَتى بها لاَجل تطوير الحياة وطلب الرفاه، فتكون خارجاً عن موضوع البدعة في الشرع كنخل الدقيق، فقد ورد


(70)

أنّ أوّل شيء أحدثه الناس بعد رسول اللّه، اتّخاذ المناخل ولين العيش من المباحات.

وإنّما يصح إطلاق البدعة عليها بالمعنى اللغوي بمعنى الشيء الجديد سواء كان عملاً دينياً أو عادياً، وقد وافَقَنا على نفس ذاك التقسيم لفيف من المحققين.

منهم أبو إسحاق الشاطبي في كلام مسهب نذكر منه ما يلي: إنّ متعقل البدعة يقتضي ذلك بنفسه لاَنّه من باب مضادة الشارع واطّراح الشرع، وكل ما كان بهذه المثابة فمحال أن ينقسم إلى حسن وقبيح، وأن يكون منه ما يمدح ومنه ما يذم، إذ لا يصح في معقول ولا منقول استحسان مشاقة الشارع، وأيضاً فلو فرض أنّه جاء في النقل استحسان بعض البدع أو استثناء بعضها عن الذمّ لم يتصوّر لاَنّ البدعة طريقة تضاهي المشروعة من غير أن تكون كذلك. وكون الشارع يستحسنها دليل على مشروعيتها إذ لو قال الشارع: «المحدثة الفلانية حسنة» لصارت مشروعة.

ولمّا ثبت ذمّها، ثبت ذمّ صاحبها لاَنّها ليست بمذمومة من حيث تصوّرها فقط، بل من حيث اتّصف بها المتّصف، فهو إذن المذموم على الحقيقة، والذمّ خاصّة التأثيم، فالمبتدع مذموم آثم، وذلك على الاِطلاق والعموم (1).

ومنهم العلاّمة المجلسي قال: إحداث أمر لم يرد فيه نص بدعة، سواء كان أصله مبتدعاً أو خصوصياته مبتدعة فما ربما يقال: إنّ البدعة منقسمة بانقسام الاَحكام الخمسة أمر باطل، إذ لا تطلق البدعة إلاّ على ما كان محرّماً كما قال رسول اللّه: «كلّ بدعة ضلالة وكل ضلالة سبيلها إلى النار » (2).


(1)الشاطبي: الموافقات: 1|142.
(2)المجلسي: البحار: 2|303 ح42.


(71)

ومنهم الشهيد في قواعده: محدثات الاَُمور بعد النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) تنقسم أقساماً لا يطلق اسم البدعة عندنا إلاّ على ما هو محرّم منها (1).

سوَال وإجابة:

وهناك سوَال يطرح نفسه، وهو أنّه إذا كانت البدعة قسماً واحداً وأمراً محرّماً مقابل السنّة، لا تقبل التقسيم إلى غيره فما معنى قوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : «من سنّ في الاِسلام سنّة حسنة فعمل بها بعده، كتب له أجر من عمل بها ولا ينقص من أُجورهم من شيء، ومن سنّ سنّة سيئة فعُمِلَ بها بعده كتب له مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء» (2).

والجواب: أنّ الشقّ الاَوّل راجع إلى المباحات العامّة المفيدة للمجتمع كإنشاء المدارس والمكتبات وسائر الاَعمال الخيّرة، فلو أنّ رجلاً قام ـ برفض الاَُمّية ـ بإنشاء مدرسة أو مكتبة وصار عمله أُسوة للغير، فقام الآخرون بإنشاء مدارس في سائر الاَمكنة، فهو سنّة حسنة.

وأمّا الشقّ الثاني: فهو راجع إلى الاَُمور المحرّمة بالذات فلو قام أحد بضيافة أشرك فيها النساء السافرات المتبرّجات، ثم صار عمله قدوة للآخرين، فعلى هذا المسنن وزر عمله ووزر من عمل بسنته.

وعلى ضوء ذلك فالحديث لا يمتّ بالبدعة المصطلحة، ولم يكن ببال أحد من الشخصين التدخل في أمر الشارع بالزيادة والنقيصة بل كلّ قام بعمل خاصّ حسب دواعيه وحوافزه النفسية، فالاِنسان العاطفي يندفع إلى القسم الاَوّل الذي


(1)الشهيد: القواعد والفوائد: 2|144 ـ 145 القاعدة 205، ونعلّق على كلامه أنّ القسم إنّما يكون بدعة إذا أتى باسم الدين، وإلاّ يكون محرّماً ومعصية لا بدعة.
(2)مسلم: الصحيح: 8|61 كتاب العلم.


(72)

ربّما يكون مباحاً أو مسنوناً، ومن حسن الحظّ، يكون عمله قدوة، والاِنسان الاِجرامي يندفع إلى القسم الثاني، فيعصى اللّه سبحانه لا باسم البدعة بل بارتكاب عمل محرّم ومن سوء الحظ يكون عمله قدوة.

فكلا العملين لا صلة لهما بالبدعة الشرعية أصلاً ، ولو أُطلقت فإنّما تطلق عليهما بالمعنى اللغوي، أي إبداع أمر لم يكن، سواء أكان مباحاً أم حراماً، ومن المعلوم أنّه ليس كل محرّم بدعة وإن كانت كل بدعة محرّمة.



(73)

الفصل السابع

تقسيم البدعة إلى عادية وشرعية

قد تعرّفت على أنّ للبدعة تقسيمات باعتبارات مختلفة، وعرفت مدى صحّة تقسيمها إلى الحسنة والسيئة، ومنها تقسيمها إلى عادية وشرعية، وهذا العنوان أوضح ممّا ذكره الشاطبي حيث قال: تقسيمها إلى العادية والتعبّدية (2) وذلك لاَنّ الاَُمور التعبّدية قسم من الاَحكام الشرعية التي يعتبر في صحّة امتثالها قصد القربة والاِتيان بها لاَجل التقرب وكسب الرضا وامتثال الاَمر، وهي منحصرة بالطهارات الثلاث: الوضوء والتيمّم والغسل بأقسامه، والصلاة والزكاة والصوم والحج والنذر وما ضاهاها ولكن الاَُمور الشرعية التي للشارع فيها دور، أوسع من التعبديات. ولذلك قسّم الفقهاء الاَحكام الشرعية إلى أربعة:

1ـ العبادات ويدخل فيها ما ذكرناه من الاَصناف.

2ـ العقود وتدخل فيها عامة المعاملات ممّا تحتاج إلى إيجاب وقبول، كالبيع والرهن والوديعة والصلح والشركة والمضاربة والمساقاة والمزارعة إلى غير ذلك ممّا


(1)الشاطبي: الاعتصام: 2|79.


(74)

هو مذكور في محلّه.

3ـ الاِيقاعات وهي ما تقوم بجانب واحد كالطلاق بأقسامه والايلاء والظهار وتدخل فيها المواريث إلحاقاً حكماً.

4ـ السياسات ويدخل فيها القضاء والحدود والديات وما شابهها.

فلو كان هناك شيء خارج عن الاَبواب الاَربعة موضوعاً فهو بوجه ملحق بواحد منها، فهذه كلّها أُمور شرعية للشارع فيها دور ، إمّا تأسيساً واختراعاً كالعبادات والحدود والديات، أو إمضاءً واعترافاً لما في يد العقلاء لكن بتحديدها بشروط مذكورة في الفقه، فالتدخل في هذه الاَبواب الاَربعة بزيادة أو نقيصة كالنكاح بلا صداق، أو البيع بلا ثمن، والاِجارة بلا أُجرة، والطلاق في أيام الحيض، أو تجويز الربا وبيع الكلب والخنزير ، أو تحوير الاَحكام الشرعية في باب السياسات، كلّها بدعة في أُمور شرعية.

فهذا ما يُلزمنا من أن نعبّـر بالشرعية مكان التعبدية، إلاّ أن يراد منها ما يرادف مطلق الاَحكام والاَُمور الشرعية فإذاً لا مشاحة في الاصطلاح.

وأمّا العادية فهي تدور بين تقاليد أو أعراف بين الناس سواء أكانت لها جذور في تاريخ الاَقوام أم كانت أمراً محدثاً، وبين ما هو تطوير في الحياة في عامة مظاهرها ممّا يمتّ بحياتهم الصناعية أو الثقافية أو الزراعية أو غير ذلك، وكل ذلك أُمور عادية تركها الشارع إلى الناس وجعل الاَصل فيها الاِباحة لكنّه حددها بأُطر عامة ولم يتدخل في جزئياتها، فكلّما لم تخالف الضوابط العامّة فالناس فيها أحرار يفعلون ما يشاءون ويعملون ما يريدون بشرط أن لا تخرج عن تلك الاَُطر الكلية.

فعلى ذلك يقع البحث في صدق البدعة في الاَُمور العادية مقابل الاَُمور الشرعية التي تعرّفت على معناها الواسع، أو لا يقع. وبما أنّك وقفت على حدود


(75)

البدعة وأنّها عبارة عن الزيادة أو النقيصة في الشريعة والتدخل في الاَُمور الدينية، فلا تصدق في مورد الاَُمور العادية بأيّ نحو كانت، إذ ليست هي أُموراً تمت بالشرع، فأمرها يدور بين الجائز والحرام لا بين البدعة والسنّة. وليس كل حرام بدعة وإليك التوضيح:

إنّ لكل قوم آداباً خاصة وسنّةً في اللقاءات السنوية والاَُمور العمرانية والخياطة والمعاشرة وفي كيفية استغلال الطبيعة، مثلاً ربّما تقتضي مصلحتهم تخصيص يوم واحد لتكريم زعيمهم، أو يوم واحد للبراءة من عدوّهم، أو توجب المصالح التطوير في الاَُمور العمرانية وماضاهاها، أو في استغلال الطبيعة بالاَجهزة الحديثة فقد ترك الشارع هذه الاَُمور إلى الناس ولم يتدخل فيها، إلاّ بوضع الاَُطر العامّة لها، وهي أن لا يكون العمل مخالفاً للقواعد والضوابط العامّة، ولولا هذه المرونة لما كان الاِسلام ديناً عالمياً سائداً ولتوقفت حركته منذ أقدم العصور، ونأتي بمزيد من التوضيح بمثال:

قد حدثت في العصور الاَخيرة عدة تقاليد في ميدان الاَلعاب الرياضية ككرة القدم والسلّة، والطائرة والمصارعة والملاكمة وغير ذلك، فبما أنّها أُمور عادية محدثة فلا تعدُّ بدعة في الدين ولو صح إطلاق البدعة فإنّما هو باعتبار المعنى اللغوي أي الشيء الجديد في ميادين الحياة، لا في الاَُمور الشرعية، غاية الاَمر يجب أن تحدد شرعيتها بالضوابط الكلية بأن لا يكون هناك اختلاط بين اللاعبين نساءً ورجالاً وأن لا يكون هناك ضرر واضرار كما هو المحتمل في الملاكمة.

والحاصل: أنّ الاَصل في الاَُمور العاديّة هو البراءة حتى يدل دليل على خلافه.

وقد صرّح بذلك لفيف من العلماء منهم، ابن تيمية، يقول:

إنّ أعمال الخلق تنقسم إلى قسمين:


(76)

1ـ عبادات (1) يتخذونها ديناً ينتفعون بها في الآخرة أو في الدنيا والآخرة والاَصل أن لا يُشـرَّع منها إلاّ ما شرّع اللّه.

2ـ عادات ينتفعون بها في معايشهم والاَصل فيها أن لا يُحظر فيها إلاّ ما حظّر اللّه (2).

ثمّ إنّه لو أتى في العادات بما حظّرْ اللّه لا تعدُّ بدعة بل يكون محرّماً، لاَنّ المفروض أنّه يأتي به ويحدثه باسم التقاليد لا باسم الدين، وربّما يعترف بكونه على خلاف الدين كإشراك النساء السافرات في الضيافة مع الرجال. حتى وإن صار الاَمر العادي المحرّم رائجاً بينهم.

نعم، شذّ قول الدكتور عزت علي في المقام حيث يقول: في ما حظّره اللّه منها إذا كان من الاَُمور المحدثة كان بدعة (3).

يلاحظ عليه: بما ذكرناه في تحديد البدعة بتضافر الكتاب والسنّة على كونه التداخل في أمر الشريعة بالزيادة والنقيصة و تنسيبه إلى الشارع، وهذا لا يصدق على كل محـدث في الاَُمور العادية وإن كان محرّماً، نعم هو بدعة بالمعنى اللغوي، حتى لو صار عمله الاِجرامي سنّة سيئة يكون عليه وزر كل من عمله بها، لكن لا بما أنّه أبدع في الدين، وتدخّل في الشريعة وقد مرّ نص في تفسير قوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من سنّ سنّة حسنة ... إلخ ما يفيدك في المقام.

قال الشيخ شلتوت: التكاليف الشرعية تنقسم إلى عقائد وعبادات ومحرّمات (4)، ثم قال: أمّا ما لم يتعبدنا (5)اللّه بشيء منه ، وإنّما فوّض لنا الأمر فيه


(1)يريد من العبادات: الاَُمور الشرعية من دون أن تختص بما يعتبر في امتثالها قصد القربة.
(2)ابن تيمية: اقتضاء الصراط المستقيم: 129.
(3)عزت علي: البدعة: 265.
(4)لا يخفـى ما من المسامحـة في هذا الحصر، لاَنّ التكاليف الشرعية أوسع من الثلاثة كالاَحوال الشخصية.
(5)يريد من التعبّد، ما للشارع فيه دور فيعم جميع أبواب الفقه والاَقسام الاَربعة.


(77)

باختيار ما نراه موافقاً لمصلحتنا، ومحققاً لخيرنا بحسب العصور والبيئات، فانّ التصرف فيه بالتنظيم أو التغير، لا يكون من الابتداع الذي يوَثّر على تدين الاِنسان وعلاقته بربّه، بل أنّ الابتداع فيه من مقتضيات التطوّر الزمني الذي لا يسمح بالوقوف عند حدّ الموروث من وسائل الحياة عن الآباء والاَجداد (1).

الاِسلام بين التزمّت والتحلل من القيود الشرعية:

إنّ بين المسلمين من يريد حصر الاَُمور السائغة الموجودة في عصر الرسول الاَكرم حتى يعد نَخْل الدقيق بدعة بحجة أنّه لم يكن في عصره ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أيّ منخل (2) وبين من يريد التحلّل من كل قيد ديني في مجال العمل، فلا يلتزم في حياته بشيء ممّا جاء به الاِسلام.

فالاِسلام لا هذا ولا ذاك، فهو يرفض التزمّت إذا كان العمل غير خارج عن الاَُطر العامّة الواردة في الكتاب والسنّة، كما يرفض التحلّل من كل قيد، فآفة الدين ليست منحصرة بالثاني بل آفة الاَوّل ليست بأقل منه.

فانّ حصر الجائز من الاَُمور العادية بما كان رائجاً في عصر النبي أو عصر الصحابة، كَبْت للاَدمغة وتقييد للحركة الحضارية عن التقدم نحو الكمال. وإظهار للاِسلام بأنّه غير قابل للتطبيق في جميع الاَعصار المتقدمة فضلاً عن عصر الذرة.

من الاَسباب التي أوجبت خلود الدين الاِسلامي، وأعطته الصلاحية للبقاء مع اختلاف الظروف وتعاقب الاَجيال كونه ديناً جامعاً بين الدعوة إلى المادة والدعوة إلى الروح، وديناًوسطاً بين المادية البحتة والروحية المحضة، فقد آلف


(1)الشيخ شلتوت: الفتاوى: 163.
(2)الشاطبي: الاعتصام: 2|73.


(78)

بتعاليمه القيمة بينهما، موَالفة تفي بحق كل منهما، بحيث يتيح للاِنسان أن يأخذ قسطه من كل منهما بقدر ما تقتضيه المصلحة.

وذلك أنّ المسيحية غالت في التوجّه إلى الناحية الروحية، حتى كادت أن تجعل كل مظهر من مظاهر الحياة المادية خطيئة كبرى، فدعت إلى الرهبانية والتعزّب وترك ملاذ الحياة والانعزال عن المجتمع، والعيش في الاَديرة وقلل الجبال وتحمّل الظلم والرفق مع المعتدين، كما غالت اليهودية في الانكباب على المادة حتى نسيت كل قيمة روحية وجعلت الحصول على المادة بأيّ وسيلة كانت، المقصد الاَسنى، ودعت إلى القوميّة الغاشمة والطائفية الممقوتة.

وهذه المبادىَ سواء أصحّت عن الكليم والمسيح ( عليهما السلام ) أم لم تصحّ (ولن تصح إلاّ أن يكون لاِصلاح انغمار الشعب الاِسرائيلي في ملاذ الحياة يوم ذاك وإنجائهم عن التوغّل في الماديات وسحبهم إلى المعنويات بشدة وعنف وإن شئت قلت: كانت تعاليمه إصلاحاً موَقتاً لاِسراف اليهود وغلوّهم في عبادة المال حتى أفسدوا أخلاقهم، وآثروا دنياهم على دينهم) هذه المبادىَ لا تتماشى مع الحضارات الاِنسانية التقدمية ولا تسعدها في معترك الحياة، ولا تتلاءم مع حكم العقل ولا الفطرة السليمة.

لكن الاِسلام جاء لينظر إلى واقع الاِنسان، بما هو كائن، لا غنى له عن المادة، ولا عن الحياة الروحية، فأولاهما عنايته، ودعا إلى المادة والالتذاذ بها بشكل لا يضر الحياة الروحية كما دعا إلى الحياة الروحية بشكل لا تصادم فطرته وطبيعته.

هذه هي حقيقة الاِسلام ومرونته وسبب تماشيه مع الحضارات المختلفة حتى حضارة اليوم الصناعية، فلو حدّدنا الجائزة من العاديات بما في عصر النبيّ تكون النتيجة حياد الاِسلام عن الساحة، وبطلانه مع أنّه خاتم الشرائع وكتابه خاتم الكتب ونبيّه خاتم النبيين.


(79)

هلم معي ندرس آراء المتزمتين في الاَُمور العادية ثم نبكي على الاِسلام وأهله:

1ـ يقـول الشاطبـي: إنّ من السلف من يرشـد كلامه إلى أنّ العاديات كالعبادات، فكما أنّنا مأمورون في العبادات بأن لا نحدث فيها فكذلك العاديات، وهو ظاهر كلام محمد بن أسلم، حيث كره في سُنّة العقيقة مخالفة من قبله في أمر العاديين وهو استعمال المناخل، مع العلم بأنّه معقول المعنى نظراً ـ واللّه أعلم ـ إلى أنّ الاَمر باتباع الاَوّلين على العموم غلب عليه جهة التعبّد، ويظهر أيضاً من كلام من قال: أوّل ما أحدث الناس بعد رسول اللّه، المناخل (1).

2ـ يحكى عن الربيع بن أبي راشد، أنّه قال: لولا أنّي أخاف من كان قبلي لكانت الجبانة مسكني إلى أن أموت، إذ السكنى أمر عادي بلا إشكال، ثم يقول: وعلى هذا الترتيب يكون قسم العاديات داخلاً في قسم العباديات فدخول الابتداع فيه ظاهر ، والاَكثرون على خلاف هذا (2).

3ـ روى الغزالي: أنّ رجلاً قال لاَبي بكر بن عياش: «كيف أصبحت؟» فما أجابه قال: دعونا من هذه البدعة (3).

4ـ روى عن أبي مصعب صاحب مالك أنّه قال: «قدم علينا ابن مهدي ـ يعني المدينة ـ فصلّـى ووضع رداءه بين يدي الصف، فلما سلّم الاِمام رمقه الناس بأبصارهم ورمقوا مالكاً ـ وكان قد صلّـى خلف الاِمام ـ فلمّا سلّم قال: من هاهنا من الحرس؟ فجاءه نفسان، فقال: خذا صاحب هذا الثوب فاحبساه. فحبس، فقيل له: إنّه ابن مهدي، فوجّه إليه وقال: أما خفت اللّه واتقيته أن وضعت ثوبك بين يديك في الصف وشغلت المصلّـين بالنظر إليه، وأحدثت في مسجدنا شيئاً ما


(1)الشاطبي: الاعتصام: 2|79.
(2)الشاطبي: الاعتصام: 2|79.
(3)أبو حامد الغزالي: إحياء علوم الدين: 2|251 كتاب العزلة.


(80)

كنّا نعرفه وقد قال النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : «من أحدث في مسجدنا حدثاً فعليه لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين»؟ فبكى ابن مهدي، وآلى على نفسه أن لا يفعل ذلك أبداً في مسجد النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ولا في غيره» (1).

5ـ حكى ابن وضاح قال: ثوَب الموَذّن بالمدينة في زمان مالك. فأرسل إليه مالك فجاءه، فقال له مالك: ما هذا الذي تفعل؟ فقال: أردت أن يعرف الناس طلوع الفجر فيقوموا. فقال له مالك: لا تفعل، لا تحدث في بلدنا شيئاً لم يكن فيه، قد كان رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بهذا البلد عشر سنين وأبو بكر وعمر وعثمان فلم يفعلوا هذا، فلا تحدث في بلدنا ما لم يكن فيه، فكفّ الموَذن عن ذلك وأقام زماناً، ثمّ إنّه تنحنح في المنارة عند طلوع الفجر، فأرسل إليه مالك فقال له: ما الذي تفعل؟ قال: أردت أن يعرف الناس طلوع الفجر، فقال له: ألم أنهك أن لا تحدث عندنا ما لم يكن؟

فقال: إنّما نهيتني عن التثويب. فقال له: لا تفعل. فكفّ زماناً. ثم جعل يضرب الاَبواب، فأرسل إليه مالك.

فقال: ما هذا الذي تفعل؟ فقال: أردت أن يعرف الناس طلوع الفجر، فقال له مالك: لا تفعل، لا تحدث في بلدنا ما لم يكن فيه (2).

ومراده من التثويب هو ما يقوله الموَذن بين الاَذان والاِقامة «قد قامت الصلاة» أو «حيّ على الصلاة» أو «حيّ على الفلاح» أو قوله «الصلاة يرحمكم اللّه».

والعجب أنّ الشاطبي مع إمامته في الفقه ربّما يتأثّر أحياناً بتلك الكلمات فيقول: فتأمل كيف منع مالك من إحداث أمر يُخف شأنه عند الناظر فيه ببادي


(1)الشاطبي: الاعتصام: 2|68.
(2)المصدر نفسه: 69.


(81)

الرأي، وجَعَله أمراً محدثاً وقد قال في التثويب أنّه ضلال وأنّه بيّن لاَنّ كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة ولم يسامح الموَذن في التنحنح ولا في ضرب الاَبواب، لاَنّ ذلك جدير بأن يتّخذ سنّة كما منع من وضع رداء عبد الرحمن بن مهدي خوفاً من أن يكون حدثاً أحدثه.

6ـ يقول الشاطبي: وقد أحدث في المغرب المسمّى بالمهدي تثويباً عند طلوع الفجر وهو قولهم «أصبح وللّه الحمد» إشعاراً بأنّ الفجر قد طلع، لاِلزام الطاعة، وحضور الجماعة، وللغد ولكل ما يوَمرون به فيخصه هوَلاء المتأخّرون تثويباً بالصلاة كالاَذان، ونقل أيضاً إلى أهل المغرب فصار ذلك كلّه سنّة في المساجد إلى الآن. فإنّا للّه وإنّا إليه راجعون (1).

هذه نماذج ممّا ذكره الشاطبي وغيره فتخيّلوها بدعة في الدين، وأين هذه من البدعة في الدين؟ أفترى هل يقوم أحد بهذه الاَعمال الماضية باسم الدين؟

أو يقوم باسم الاَُمور العادية لتسهيل الاَُمور ولو كان الجاهل يتلقّاها أمراً دينياً فوباله على جهله لا على الفاعل وقد اتّفقنا مع الشاطبي في تحديد البدعة، وقد جعلها هو خاصة بالاَُمور الشرعية ـ ومع ذلك نسي هنا ما ذكره في مقام التحديد ـ نحن نفترض أنّ هذه الاَعمال تتّخذ سنّة حسب مرور الاَيام ولكنّها تكون سنّة عادية، لا دينية، ولا يمنع عنها إذا كانت مصلحة ولم ينطبق عليها عنوان محرّم، ولو تخيله الجاهل سنناً دينية فعلى العالم إرشاده، لا إعمال الضغط على المجتمع حتى يولّـى عن الاِسلام وأهله ويوادعهما.

والسبب الوحيد لهذه الزلاّت والاشتباهات التي تشوّش سمعة الاِسلام، وتعرّفه ديناً متزمتاً لا يقبل المرونة إنّما هو جعل سيرة السلف وجوداً وعدماً معياراً للحق والباطل مكان الكتاب والسنّة في ذلك، فأين هذه الغلظة من المرونة الملموسة في الكتاب والسنّة؟ يقول سبحانه:


(1)الشاطبي: الاعتصام: 2|70.


(82)

«وما جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إبراهيمَ هُوَ سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ» (الحج ـ 78).

«ما يُريدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ» (المائدة ـ 6).

«يُريدُ اللّهُ بِكُمُ اليُسْـرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْـرَ» (البقرة ـ 185).

«رَبَّنا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْـراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَـى الذِينَ مِنْ قَبْلِنا» (البقرة ـ 286).

فهذه الآيات تصرّح بأنّ اللّه تعالى رفع عن أُمّة محمّد الاِصر، ولم يفرض عليهم حكماً حرجاً صعباً كما كان في الاَُمم الماضية.

وقد ورد في حديث عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أنّه قال: «ممّا أعطى اللّه أُمّتي وفضّلهم على سائر الاَُمم، أعطاهم ثلاث خصال لم يعطها إلاّ لنبيّ، وذلك أنّ اللّه تبارك وتعالى كان إذا بعث نبياًقال له: اجتهد في دينك ولا حرج عليك، وإنّ اللّه تبارك وتعالى أعطى ذلك أُمّتي حيث يقول: «ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» (1).

وظاهر هذا الحديث أنّ رفع الحرج الذي منّ اللّه به على هذه الاَُمة المرحومة كان في الاَُمم الماضية خاصّاً بالاَنبياء، وأنّ اللّه أعطى هذه الاَُمّة ما لم يعط إلاّ الاَنبياء الماضين ـ صلوات اللّه عليهم أجمعين ـ .

وسئل عليّ ( عليه السلام ) : أيُتوضّأ من فضل وضوء جماعة المسلمين (أحبّ إليك) أو يُتوضأ من ركوٍ أبيض مخمر؟ فقال: «لا، بل من فضل وضوء جماعة المسلمين، فإنّ أحبّ دينكم إلى اللّه الحنيفية السمحة السهلة» (2).

واشتهر عن رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قوله: «بُعثت بالحنيفية السمحة السهلة» (3).


(1)البحراني: البرهان: 3|105.
(2)الحرّ العاملي: الوسائل: ج1 باب 8 من أبواب الماء المضاف والمستعمل الحديث 3.
(3)الكليني: الكافي: 1|164.


(83)

إنّ الاِسلام دين عالمي لا إقليميّ، ودين خاتم ليس بعده دين. وقد انتشر الدين في المجتمعات البشرية بصورة سريعة وكانت لذلك أسباباً وعللاً، منها: يسر التكاليف وسهولة الشريعة، فلو كان الاِسلام خاضعاً لهذا النوع من التزمّت وما يتغناه ابن الحاج (1)من سمادير الاَهازيج في كتاب المدخل لقرىَ عليه السلام في أوّل يومه، فهذا الرجل أخذ يحدث ألواناً من شتى الاَباطيل ويفتريها ويسمّيها بدعة مع أنّها لا تمتّ لها بصلة، بل تدور بين كونها إمّا أُموراً عادية خارجة عن موضوع البدعة بتاتاً، وإمّا أُموراً شرعية لها دليلها العام وإن لم يكن لها دليل خاص، وسيوافيك توضيح القسم الاَخير في الفصل القادم.

يقول ابن الحاج:

1ـ المراوح في المساجد من البدع وقد منعها علماوَنا ـ رحمة اللّه عليهم ـ إذ أنّ اتّخاذها في المساجد بدعة (2).

2ـ إنّ فرش البسط والسجادات قبل مجيء أصحابها من البدع المحدثة وينبغي لاِمام المسجد أن ينهى الناس عمّـا أحدثوه من إرسال البسط والسجادات وغيرها قبل أن يأتي أصحابها (3).

3ـ إلى أن جاء ابن الحاج يحدّد ثمن اللباس الذي يجوز لبسه ويقول: أثمان أثوابهم القميص من الخمس إلى العشر وما بينهما من الاَثمان، وكان جمهور العلماء وخيار التابعين قيمة ثيابهم ما بين العشرين والثلاثين، وكان بعض العلماء يكره أن يكون على الرجل من الثياب ما يجاوز قيمته أربعين درهماً وبعضهم إلى المائة


(1)أبو عبد اللّه العبدريّ المالكي المتوفّى سنة 737 هـ ومع ذلك له كلمة قيمة في زيارة القبور لاحظ ج1|254.
(2) ابن الحاج: المدخل:2| 212، 224.
(3) ابن الحاج: المدخل:2| 212، 224.


(84)

ويعدّه إسرافاً فيما جاوزها وعلى ذلك فهو من البدع الحادثة بعدهم (1).

4ـ لابد من ترك فرش السجاد على المنبر لاَنّها ليست موضعاً للصلاة (2).

هذه نماذج من أفكار الرجل حول البدعة، أفترى أنّ الاِسلام الذي يعرفه هذا الرجل المتزمّت ممّا يصلح نشره في العالم، ويصلح لدعوة المثقفين والمفكرين إليه، وهل هذا هو الاِسلام الذي يصفه النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بالحنيفية السمحة السهلة؟!

الاَصل في العادات الاِباحة:

كان على هوَلاء الذين يتحدثون باسم الاِسلام أن يدرسوا الكتاب والسنّة ويقفوا على أنّ الاَصل في العادات الاِباحة ما لم يدل دليل على خلافها، فإنّ كل ما ذكره من الاَُمور عادية حتى سكب ماء الورد على قبر الميت احتراماً له، من هذه الاَُمور التي يتصوّرها ابن الحاج من البدعة (3)والاَصل فيها الاِباحة لا الحظر فانّ الحكم بالحظر بدعة، صدر من القائل.

يقـول سبحانه: «وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَـثَ رَسُـولاً» (الاِسـراء ـ 15) ويقول: «ومَا كانَ ربُّكَ مُهْلِكَ القُرى حَتّى يَبْعَثَ في أُمّها رَسُولاً» (القصص ـ 59) ومعنى الآيتين أنّه ليس من شأن اللّه أن يعذّب الناس أو يهلكهم قبل أن يبعث رسولاً وليست لبعث الرسول خصوصية وموضوعيّة، ولو أُنيط جواز العذاب ببعثهم فإنّما هو لاَجل كونهم وسائط للبيان والاِبلاغ، والملاك هو عدم جواز التعذيب بلا بيان وإبلاغ، فتكون النتيجة أنّه لا يحكم على حرمة شيء قبل بيان حكمه و وصوله إلى يد المكلّف وهذه الاَُمور التي أضفى ابن الحاج عليها اسم البدعة، كلّها أُمور عادية ما ورد النهي عنها، مثلاً:

إذا شككنا أنّ لعبة كرة القدم أو الاستماع إلى الاِذاعة هل هما جائزان أو لا ؟


(1)المصدر نفسه: 238، 264 ، 224.
(2)المصدر نفسه: 238، 264 ، 224.
(3)المصدر نفسه: 238، 264 ، 224.


(85)

فالاَصل بعد التتبع وعدم العثور على الدليل المحرّم، هو الحلية.

فبذلك علم أنّ جميع العادات من قول أو فعل محكوم بالاِباحة ما لم نجد نصّاً على تحريمه في الكتاب والسنّة، سواء أكان حادثاً أم غير حادث، أو سواء أصارت سنّة أم لا ما لم ينطبق عليه عنوان خاص أو أحد العناوين الكلية المحرمة «كالاِسراف» و «الاِعانة على الاِثم» و «تقوية شوكة الكفّار» و «الاضرار بالمسلمين» و «الاضرار بالنفس و النفيس» تعدّ أمراً مباحاً.

وعلى أساس ذلك فإنّ جميع المصنوعات الحديثة التي هي من نتائج التقدم الحضاري التكنولوجي مثل الهاتف والتلغراف والتلفزيون والسيّارة والطائرة وما شابهها واستخداماتها المتعارفة، محكومة بالحلّية والاِباحة لعدم وجود نص خاص على تحريمها في الكتاب والسنّة، ولعدم انطباق أحد العناوين العامّة المحرّمة عليها.

وقد كان معظم المشايخ المتزمتين يحرمون كل ذلك في بدء حركتهم ودعوتهم أيام «عبد العزيز» ولكنّهم عندما أُزيحوا عن منصَّة الحكم، وحلّ الآخرون محلّهم أباحوه وصاروا يتحدّثون في الاِذاعة والتلفزيون ويستخدمون كل معطيات الحضارة الحديثة، ويحلّلون كل أشيائها واستخداماتها.

فإذا كان قول الرجل «كيف أصبحت» وإدخال المراوح إلى المساجد، وفرش البسط في المساجد وعلى المنابر ولبس ما زادت قيمته على ما حدّده، وسكب ماء الورد على القبر من البدع، فعلى الاِسلام السلام.

ثمّ إنّ بعض ما عـدّه ابـن الحـاج مـن الاَُمور الدينية من البدع بتصوّر أنّه لم يكن بين السلف؛ مردود بوجود دليل عليه في الشرع وهذا ما سندرسه في الفصل القادم.

* * *


(86)


(87)

الفصل الثامن

تقسيم البدعة إلى حقيقية واضافية

هذا التقسيم قام به الشاطبي في كتابه وعرَّف الحقيقية بأنّها ما لم يدل عليها دليل شرعي لا من كتاب ولا سنّة ولا إجماع ولا استدلال معتبر عند أهل العلم لا في الجملة ولا في التفصيل وإن ادّعى مبتدعها ومن تابعه أنّـها داخلة في ما استنبط من الاَدلّة لاَنّ ما استند إليه شُبه واهية لا قيمة لها.

أمّا البدعة الاِضافية فقد عرفها بأنّها ما لها شائبتان:

إحداهما: لها من الاَدلّة متعلق فلا تكون من تلك الجهة بدعة.

والاَُخرى: ليس لها متعلق إلاّ مثلَ ما للبدعة الحقيقية، أي أنّها بالنسبة لاِحدى الجهتين سنّة لاستنادها إلى دليل وبالنسبة للجهة الاَُخرى بدعة، لاَنّها مستندة إلى شبهة لا إلى دليل أو لاَنّها غير مستندة إلى شيء.

وسميت إضافية لاَنّها لم تتخلص لاَحد الطرفين: (المخالفة الصريحة) أو (الموافقة الصريحة) (2).


(1)الشاطبي: الاعتصام: 1|286 ـ 287.


(88)

أقول: قد تقدم البحث عن البدعة الحقيقية فلا حاجة إلى إيضاحها من جديد فانّ تحريم الحلال أو تحليل الحرام استناداً إلى شبه واهية أو بلا شبهة، بدعة حقيقية، وقد مرت الاَمثلة فيما سبق والمهم إيضاح المقصود من البدعة الاِضافية التي لها شائبتان من جهة تشبه السنّة ومن جهة تشبه البدعة، وتتضح بالاَمثلة التالية التي ذكرها الشاطبي نفسه:

1ـ تخصيص يوم أو أيام، غير ما نهى الشارع من صومه أو ندب إلى صومه، بالصوم والمداومة عليه.

2ـ تخصيص الاَيام الفاضلة بأنـواع من العبادات لم تشرع لها خصوصاً كتخصيص اليوم الفلاني بكذا وكذا من الركعات أو بصدقة كذا وكذا، أو الليلة الفلانية بكذا وكذا من الركعات أو قراءة القرآن أو الذكر، فانّ ذلك التخصيص والعمل به إذا لم يكن بحكم الوفاق، أو بقصد يقصد مثله أهل العقل والفراغ والنشاط كان تشريعاً زائداً.

3ـ ومن ذلك تحرّي ختم القرآن في بعض ليالي رمضان أو قراءة القرآن أو الدعاء بهيئة الاجتماع في عشية يوم عرفة في المسجد تشبّهاً بأهل عرفة ونحو ذلك.

4ـ ومن ذلك الاَذان والاِقامة في صلاة العيدين.

والسبب في كون هذه الاَُمور بدعاً أُمور ذكرها الشاطبي:

أوّلاً: أنّ فيها تخصيصاً بغير مخصص من الشرع وقد أصبحت بهذا التخصيص غير ما كانت عليه بدونه، فكما أنّ الصلاة المفروضة لا تصح قبل الوقت مع كونها هي هي، لوقوعها في غير وقتها المخصص لها. فكذلك ما تقدم من الاَمثلة بما انضمّ إليها من الاَوصاف غير الواردة تصير غير مشروعة.

ثانياً: أنّ مثل هذه الاَُمور عمل اشتبه أمره، أهو بدعة فينهى عنه أم غير بدعة فيعمل به؟ ومثل هذا جاء الاَمر بالتوقي فيه والاحتراز منه كما يجب التوقف عن تناول اللحم المشتبه فيه.


(89)

ثالثاً: مخالفة السنّة، حيث ترك مثل هذا العمل مع ظهور ما يقتضي فعله في عهد الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأصحابه، وعلى فرض أنّه وقع في بعض الاَحيان فالاَمر الاَشهر والاَكثر عدم فعله كما في سجود الشكر حيث لم يداوم الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والصحابة عليه وإن ورد.

رابعاً: أنّ العمل بمثل هذه الاَُمور قد يوَدي إلى اعتقاد ما ليس بسنّه سنّة، وكذلك فالمداومة على فعل لم يداوم عليه الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قد توَدي إلى اعتقاد النافلة سنّة، وهذا فساد عظيم لاَنّ اعتقاد ما ليس بسنّة سنّة، والعمل به على حد العمل بالسنّة، نحو من تبديل الشريعة، وعلى ذلك كان قطع عمر للشجرة التي يتبرك بها الصحابة، ونهيه الصحابي عن الاِحرام من بلده، ونحو ذلك ونهيه عن إتيان المساجد التي صلّى فيها رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ولذلك كان مالك بن أنس وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد وتلك الآثار للنبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ما عدا «قباء» وحده، وأيضاً كان مالك يكره المجيىَ إلى بيت المقدس خيفة أن يتخذ ذلك سنّة، وكان يكره مجيىَ قبور الشهداء ويكره مجيىَ «قباء» خوفاً من ذلك (1).

يلاحظ على هذا التقسيم:أنّه لا طائل تحته ويعلم ذلك ببيان أمرين:

1ـ شمول الدليل لجميع الحالات والكيفيات:

أنّ مورد النقاش ما إذا كان لدليل العمل العبادي إطلاق يعم جميع الصور والكيفيات بأن كان جميع الحالات والصور المتصورة له، أمراً مسوَّغاً يشمله الدليل بإطلاقه أو عمومه وسعة دلالته، مثلاً إذا دلّ الدليل على استحباب قراءة القرآن مطلقاً من غير تقييد بحالة خاصة فعمّ جميع الحالات سواء أكانت بهيئة الانفراد أم بهيئة الاجتماع.


(1)الشاطبي: الاعتصام: 1| الباب الخامس بأجمعه.


(90)

أو دلّ على استحباب قراءة الدعاء مطلقاً من غير تقييد بحالة خاصة فعمّ الدليل جميع الكيفيات، وبعبارة أُخرى: دلّ الدليل بإطلاقه بسوغ جميع الاَقسام من غير تخصيص بتلاوة القرآن بصورة الانفراد أو بهيئة الاجتماع ومثله دليل الدعاء.

ومثل ذلك إقامة الصلاة في المساجد فالدليل يشمل جميع المساجد سواء أصلّـى فيها النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أم لم يصل، سواء أُقيمت الصلاة فيها يوماً أو أياماً أو طول السنة أو لا وهكذا سائر الاَمثلة، فلو نفترض عدم وجود إطلاق للدليل فهو خارج عن حريم البحث.

2ـ التداوم على هيئة أو فرد لا يرجع إلى تخصيص التشريع:

إنّ اختيار كيفية خاصة كالدعاء بهيئة الاجتماع أو تخصيص يوم في الاسبوع للصوم ليس بمعنى تخصيص التشريع بالفرد المختار وانّ السائغ هو ، لا غير ، بل العامل يعتقد بتسويغ جميع الصور والكيفيات وفي الوقت نفسه يختار كيفية أو فرداً خاصاً لاَجل أنّه أوفق بنشاطه والعوامل المحيطة به.

وبعبارة أُخرى: لا يلتزم بكيفية خاصة إلاّ لاَجل أنّه يتلاءم مع نشاطه ويساعده على تحقيق غرضه مع الاعتراف بأنّ جميع الكيفيات من حيث الفضيلة سواء.

* * *

إذا تعرفت على الاَمرين تقف على أنّ الاَمثلة التي قدمها الشاطبي مثالاً للبدعة الاِضافية بين بدعة حقيقية أو سنّة حقيقية، فلو افترصنا عدم إطلاق الدليل للكيفية التي اختارها العامل أو كان له إطلاق ولكنّه يخصص التشريع بمختاره وينفي غيره فيكون عمله هذا مصداقاً للبدعة الحقيقية.

وأمّا إذا لم يكن هناك قصور في سعة الدليل أو لم يكن في نيته أي تخصيص وتدخّل في أمر الشريعة وإنّما كان الاختيار لملاكات اتفاقية، فلا يعد العمل بدعة


(91)

إذ لم يكن تدخلاً في أمر الشارع وبذلك يظهر حكم الاَمثلة، كتخصيص يوم أو أيام ـ غير ما نهي عن صيامه ـ بالصوم، أو كتخصيص يوم بنوع من العبادة كقضاء الصلوات الواجبة التي فاتت منه، أو ختم القرآن بهيئة الاجتماع مطلقاً أو في يوم عرفة، فإنّ سعة رقعة الدليل كافية في كونها سنَّة إذا لم يكن من قصده نفي سائر الكيفيات بل كان التخصيص تابعاً لعوامل داخلة في حياة الاِنسان.

وأمّا الاَسباب التي اتّخذها ذريعة للحكم بالبدعة فإليك دراستها:

أمّا السبب الاَوّل أعني قوله «إنّ فيها تخصيصاً بغير مخصص من الشرع» فغير مضر ، إذ التخصيص إنّما يكون بدعة إذا نسبه إلى الشرع دون ما كان نتيجة ظروف فرضت عليه اختيار هذا الفرد مع الاعتراف بأنّه مثل سائر الاَفراد.

وأمّا السبب الثاني: أعني قوله «انّ مثل هذه الاَُمور عمل اشتبه أمره ...» فهو مثل الاَوّل فانّه مشتبه لمن لم يدرس البدعة حقها دون من درسها.

وأمّا السبب الثالث: أعني قوله: «مخالفة السنّة حيث ترك مثل هذا العمل ...» فذلك لاَنّ تركهم لا يكون حجّة على كون العمل بدعة بعد افتراض سعة رقعة الدليل وتركهم فرداً خاصاً لا يدل على عدم مشروعيته إذ لم يكونوا يعانون من الاِتيان بسائر الاَفراد فلاَجله تركوا ذاك الفرد، بخلاف الاِنسان الذي فرضت الظروف عليه مداومة هذا الفرد أو كان نشاطه محفوظاً فيه دون سائر الاَفراد.

قال التفتازاني: «ومن الجهلة من يجعل كل أمر لم يكن في زمن الصحابة بدعة مذمومة، وإن لم يقم دليل على قبحه تمسكاً لقوله ( عليه السلام ) : «إيّاكم ومحدثات الاَُمور»، ولا يعلمون أنّ المراد بذلك هو أن يجعل في الدين ما ليس منه. عصمنا اللّه من اتباع الهوى، وثبتنا على اقتفاء الهدى بالنبي وآله» (1).

وأمّا السبب الرابع: أعني قوله: «انتهاء هذا العمل إلى اعتقاد ما ليس بسنّة


(1)التفتازاني: شرح المقاصد: 5|232.


(92)

سنّة» فهو أيضاً مثله فانّه يجب على العالم إرشاد الجاهل لا ترك العمل الذي دلّ الشرع على جوازه بالاِطلاق والعموم.

ولو صحّ ما ذكره يجب ترك المسنونات أحياناً، لئلاّ يتخيل الجاهل أنّها فريضة، فعلى من يرى القبض في الصلاة سنّة، تركه في حين بعد حين، دفعاً لعادية الجهل.

وعلى من يقم صلاة التراويح جماعة، تركها والاِتيان بها فرادى لئلاّ يعتقد الجاهل أنّ التشريع مختص بالجماعة.

إلى غير ذلك من المضاعفات التي لا يلتزم بها الشاطبي وغيره، فجهل الجاهل لا يكون سبباً لترك المسنون، لاَنّه لو قصّـر في التعليم فما ذنب من يريد الاِتيان به وإنّما علينا دفع عاديته.

وبذلك يظهر حسن الاِتيان بالصلاة في المساجد التي صلّـى النبي فيها، وذلك لعموم الدليل الشامل لتمام المساجد التي صلّـى فيها أم لم يصل، وإنّما يختار ذلك لاَجل التبرك الذي تضافر النص بجوازه، وليس تخصيصها بالعبادة بمعنى ورود النص به بالخصوص، وإنّما يختاره لغرض آخر وهو التبرك.

وأمّا كراهة مالك؛ المجيىَ إلى بيت المقدس، فهو على خلاف السنّة حيث رخص النبيّ السفر إليه كما سيوافيك عند البحث عن شدّ الرحال إلى زيارة قبر النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

ومنه يظهر حال كراهته زيارة قبورة الشهداء أو المجيىَ إلى مسجد قباء فانّه إعراض عن السنّة التي رسمها النبي، حيث أمر بزيارة القبور، وكان يجيىَ إلى مسجد قباء كل أُسبوع مرة ويصلّي فيه.

وما أجمل قول الاِمام الباقر عن جده رسول اللّه( صلى الله عليه وآله وسلم ) «إنّ هذا الدين متين، فأوغلوا فيه برفق» (1).


(1)الكليني: الكافي: 2|86 ح1.


(93)

الفصل التاسع

لا بدعة في ما فيه الدليل نصاً أو إطلاقاً

قد تعرّفت على أنّ حقيقة البدعة هي الافتراء على اللّه والفرية عليه بإدخال شيء في دينه أو نقصه منه وتنسيبه إلى اللّه ورسوله، وإذا كان هذا هو الملاك فالمورد الذي يتمتع بالدليل يكون خارجاً عن البدعة موضوعاً.

والدليل على قسمين:

الاَوّل: أن يكون هناك نص في القرآن والسنّة بشخص المورد وحدوده وتفاصيله وجزئياته، كالاحتفال بعيدي الفطر والاَضحى والاجتماع في عرفة ومنى، فعندئد لا يكون هذا الاحتفال والاجتماع بدعة، بل سُنّة إذ قد أمر به الشارع بالخصوص فيكون امتثالاً، لا ابتداعاً.

الثاني: أن يكون هناك دليل عام في المصدرين الرئيسين يشمل بعمومه المصداقَ الحادث وإن كان الحادث يتّحد مع الموجود في عهد الرسالة حقيقة وماهية، ويختلف معه شكلاً، ولكن الدليل العام يعم المصداقين ويشمل الموردين ويكون حجّة فيهما. وإليك بعض الاَمثلة:


(94)

1ـ قال سبحانه: «وإذا قُرِىَ القُرآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ» (الاَعراف ـ 204) والآية تبعث إلى استماع القرآن عند قراءته والاِنصات له، والمصداق الموجود لها في ظرف الرسالة هو استماع القرآن مباشرة من فم القارىَ الذي يقرأ القرآن في المسجد، أو في البيت، ولكن الحضارة الصناعية أحدثت مصداقاً آخراً لم يكن به عهد في ظرف الرسالة كقرءاة القرآن من خلال المذياع والاِذاعة المرئية، فالآية حجة في كلا الموردين وليس لنا ترك الاستماع والاِنصات في القسم الثاني بحجّة أنّه لم يكن في ظرف الرسالة، وذلك لاَنَّ العربي الصميم عندما يتدبّر في مفهوم الآية لا يرى فرقاً بين القراءتين، فلو قلنا حينئذ بوجوب الاستماع أو ندبه فليس هذا قولاً بغير دليل أو بدعة في الدين.

2ـ قال النبيّ الاَكرم: «طلب العلم فريضة على كلّ مسلم» (2)ومن الواضح أنّ العلوم حتى ما يمت إلى الشرع، كانت في ظرف صدور الحديث محدودة، ولكن المحدودية لا تمنع عن شمول الحديث للعلوم التي ابتكرها المسلمون لفهم الكتاب والسنّة كعلم اللغة والصرف والنحو والبلاغة، بل والفقه المدوَّن عبر العصور وذلك لاَنّ الحديث بصدد ضرب قاعدة كلية، فليس لمسلم وصف هذه العلوم بالبدعة بحجة أنّها لم تكن في عصر الرسالة. لاَنّ شأن الشارع الصادع إلقاء الاَُصول وبيان القواعد والضوابط لا بيان المصاديق وبالاَخص ما لم يكن في عصره.

3ـ لا شك أنّ من واجب المسلمين حفظ القرآن والسنّة النبوية من الضياع، لاَنّ الاِسلام ليس ديناً إقليميّاً بل ديناً عالمياً وليس ديناً موَقتاً بل خاتماً، فطبيعة ذلك الدين تقتضي لزوم حفظ نصوصه وسنّته حتى ترجع إليها الاَجيال اللاحقة.

لحق النبيّ إلى الرفيق الاَعلى ورأى المسلمون أنّ من واجبهم حفظُ القرآن من


(1)الهيتمي: مجمع الزوائد: 1|19.


(95)

الضياع خصوصاً بعد ما لحقت بالمسلمين في الحروب، خسارة كبيرة باستشهاد مجموعة كبيرة من القرّاء فصار الحكم الكلي (لزوم حفظ القرآن) مبدأ لاِجراء عمليات مختلفة عبر الزمان، وكلّها أُمور دينية مستمدة من الحكم الكلي أي لزوم حفظ القرآن والسنّة، فعمدوا على كتابة القرآن وتنقيطه وإعراب كلمه وجمله، وعدّ آياته وتمييزها بالنقاط الحمراء وأخيراً طباعته ونشره، وتشجيع حفّاظه وقرّائه وتكريمهم في احتفالات خاصة إلى غير ذلك من الاَُمور التي تعتبر كلّها دعماً لحفظ القرآن وتثبيته وإن لم يفعل بعضها رسول اللّه ولا أصحابه ولا التابعون، إذ يكفينا وجود أصل له في الاَدلة.

4ـ إنّ من واجب المسلمين الاستعداد الكامل أمام هجمات الكفّار، وأخذ الحيطة والحذر في كل ما يكون هناك احتمال للخطر عليهم، يقول سبحانه: «وأعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوّةٍ ومِنْ رِباطِ الخَيلِ تُرْهِبُونَ بِِهِ عَدُوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ» (الاَنفال ـ 60) ففي الآية نوعان من الدليل: خاص في مورد رباط الخيل فلو جهزت الحكومة الاِسلامية جندها بالخيل فقد امتثلت الاَمر الاِلهي، كما أنّه إذا قامت بالتسلّح بالغوّاصات والاَساطيل البحرية والطائرات المقاتلة إلى غير ذلك من وسائل الدفاع فقد جسّدت الآية وطبّقتها على مصاديقها التي لم تكن موجودة في عصر النبي، وإنّما حدثت بعده، فهذه الموارد كلّها أُمور شرعية غير عادية بشهادة أنّ الاِنسان يقوم بها بنية امتثال ما ورد في الشرع، وليس للمتزمّت أن يرفضها بحجة أنّه ليس هنا دليل خاص عليها، وذلك لاَنّ اللازم في نفي البدعة لزوم الدليل عاماً أو خاصّاً لا وجود دليل خاص، فالدليل العام بعمومه حجّة في جميع الاَجيال على جميع الناس في كل الموارد التي تجسّد الضابطة الكلية.

5ـ قال رسول اللّه: إنّ أفضلكم من تعلّم القرآن وعلّمه (1).


(1)البخاري: الصحيح: 2|158، لاحظ سنن الترمذي رقم 3071 وغيرهما.


(96)

وغير خفيّ على القارىَ النابه أنّ كيفية التعليم في عصر الرسالة تختلف كثيراً بما في عصرنا، فكلا العملين يعدّان تعليماً وتجسيداً لكلام الرسول، يقصد به رضا اللّه سبحانه وتقرّبه، وليس للمتزمت رفض الاَساليب الحادثة لتعلّم الكتاب والسنّة.

والحق أنّ هذا الموقف موضع زلّة لاَكثر من يصف عمل المسلمين في بعض الموارد بالبدعة بحجة عدم وجود دليل خاص عليه، فقد ضلّوا ولم يميّزوا بين الدليل الخاص والدليل العام. وخصّوا الدليل بالاَوّل مع أنّ الكتاب والسنّة مليئان بالضوابط والقوانين العامّة، وإليك بعض الاَمثلة:

أ ـ قال سبحانه: «لَنْ يَجْعَلَ اللّهُ لِلكافِرِينَ على المُوَْمِنينَ سَبِيلاً» (النساء ـ 141) فالآية تنفي أي سبيل للكافر على الموَمن، فمن المعلوم أنّ السبل مختلفة حسب تطوير الحضارات وكثرة المواصلات وتطوّر العلاقات بين الناس، ففي عصر الرسالة كان السبيل السائد هو تسلّط الفرد الكافر على المسلم ككون العبد المسلم رقّاً للكافر أو تمليك المصحف منه وما قاربهما، وأمّا في عصرنا هذا؛ فحدّث عن السبيل ولا حرج، فأين هو من تدخل الكفّار في مصير المسلمين حكومة وشعباً حتى صار روَساء الحكومات الاِسلامية أسرى بيد الاستكبار العالمي.

ب ـ يقول سبحانه: «وَتَعاونُوا على البِـرِّ والتَّقْوى ولا تَعاوَنُوا على الاِثْمِ والعُدْوانِ» (المائدة ـ 2) فإنّ التعاون الموجود في العصور السابقة كان محدوداً في إطار ضيق، وأكثر ما كان يتحقّق هو اشتراك جمع من مدينة واحدة أو من قبيلة معيّنة على أن يتعاونوا فيما بينهم، وأين هذا من التعاون السائد في عصرنا هذا كتعاون دول المنطقة على إجراء مشروع مفيد للمنطقة، أو تعاونهم على ضرب حكومة إسلامية فتيّة خوفاً على كراسيهم ومناصبهم.

ولو أنّ المتزمتين درسوا هذا البحث دراسة عميقة لربّما خمدت ثورتهم ضد المسلمين الذين يقومون بأعمال الخير امتثالاً لحكم الدين، ولكن بحجة أنّها


(97)

مدعمة من الشرع، بدليل عام لا خاص.

كان في التاريخ الاِسلامي أُناساً يفهمون ـ بصفاء أذهانهم وخلوص قرائحهم ـ أنّ ما ورد في الكتاب والسنّة من وصفه سبحانه بصفات الجمال والكمال أُسوة لما لم يرد، فللمسلم أن يدعو ربّه بأوصاف جميلة وإن لم يرد بحرفيتها في الكتاب والسنّة.

روى الطبراني: انّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) مرّعلى أعرابي وهو يدعو في صلاته ويقول: «يا من لا تراه العيون، ولا تخالطه الظنون، ولا يصفه الواصفون، ولا تغيّره الحوادث، ولا يخشى الدوائر، يعلم مثاقيل الجبال، ومكاييل البحار، وعدد قطر الاَمطار، وعدد ورق الاَشجار، وعدد ما أظلم عليه الليل، وأشرق عليه النهار، لا توارى سماء منه سماء، ولا أرض أرضاً، ولا بحر ما في قعره، ولا جبل ما في وعره، اجعل خير عمري آخره، وخير عملي خواتمه، وخير أيّامي يوم ألقاك».

فوكّل رسول اللّه بالاَعرابي رجلاً وقال: إذا صلّى فأتني به، وكان قد أُهدِي بعض الذهب إلى رسول اللّه، فلمّا جاء الاَعرابي، وهب له الذهب، وقال له: تدري لم وهبت لك؟

قال الاَعرابي: للرحم التي بيني وبينك.

قال الرسول الكريم: إنّ للرحم حقّاً، ولكن وهبت لك الذهب لحسن ثنائك على اللّه (1).

وأين هذا الكلام ممّا روي عن الشاذلي أنّه كان يقول: «من دعا بغير ما دعا به رسول اللّه فهو مبتدع» (2).

* * *


(1)محمد الغزالي: تراثنا الفكري في ميزان الشرع والعقل: 102.
(2)إسماعيل حقّي البروسوي: روح البيان: 9|385.


(98)


(99)

الفصل العاشر

الخطوط العامّة لحصانة الدين
من الابتداع

كان النبي الاَكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) واقفاً على أنّه يدبّ دبيبُ البدعة في دينه بعد رحيله، وأنّ سماسرة الاَهواء يبثّون بذور البدع في المجتمع الاِسلامي وتنمو عبر الزمان، ولم يكن شيء عند الرسول أعزّ من الدين الذي بُعث من أجله وضحّى في نشره النفس والنفيس وتحمّل عبأً عظيماً في طريق دعوته.

وقد قام بأمر الحصانة بطرق متعددة نذكر منها ما يلي:

الاَُولى: التحذير من البدع والمبتدعين:

إنّ الخط الدفاعي الاَوّل الذي وضعه رسول اللّه لحصانة دينه تمثّل في ذم البدع والمبتدعين وتحذير المجتمع الاِسلامي منهما في هتافاته الكثيرة وبياناته البليغة، وقد تعرّفت على قسم منها في التقديم وبعده، وإليك بعضها:


(100)

قال رسول اللّه : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» (2).

وقال: «إيّاكم والبدع فانّ كل بدعة ضلالة وكل ضلالة تسير إلى النار» (3).

وقال: «أصحاب البدع كلاب النار» (4).

وقال: «أهل البدع شر الخلق والخليقة» (5).

وقال: «يجيىَ قوم يميتون السنّة ويوغلون في الدين، فعلى أُولئك لعنة اللّه ولعنة اللاعنين والملائكة والناس أجمعين» (6).

وقال: «من وقّر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الاِسلام» (7).

وقال: «إذا رأيتم صاحب بدعة فاكفهرّوا في وجهه» (8).

إلى غير ذلك من البيانات البليغة التي تحذر المجتمع الاِسلامي من البدعة والمبتدعين الذين يظهرون بعد رحيله، وبذلك أعطى بصيرة لمن خلفه حتى لا يغترّوا بكلام المبتدعين فإنّه سراب لا ماء.

الثانية: الاِشارة بوجود الكذّابة على لسانه:

وقف النبي الاَكرم على أنّ هناك أُناساً في حياته أو بعد رحيله يكذبون أو سيكذبون على لسانه فيبدلون دينه، وقال في حديث يرشد المسلمين إلى وجود الكذابين ليأخذوا حذرهم:

«من كذّب عليَّ فليتبوّأ مقعده من النار» (9).

أو «من كذّب عليّ متعمّداً فليتبوّأ مقعده من النار» (10).

أو «من يقُل عليَّ ما لم أقُل فليتبوّأ مقعده من النار» (11).


(1) لاحظ علاء الدين الهندي: كنز العمال: 1 حديث 1101، 1113، 1094، 1095، 1145، 1029 و 1676.
(2) لاحظ علاء الدين الهندي: كنز العمال: 1 حديث 1101، 1113، 1094، 1095، 1145، 1029 و 1676.
(3) لاحظ علاء الدين الهندي: كنز العمال: 1 حديث 1101، 1113، 1094، 1095، 1145، 1029 و 1676.
(4) لاحظ علاء الدين الهندي: كنز العمال: 1 حديث 1101، 1113، 1094، 1095، 1145، 1029 و 1676.
(5) لاحظ علاء الدين الهندي: كنز العمال: 1 حديث 1101، 1113، 1094، 1095، 1145، 1029 و 1676.
(6) لاحظ علاء الدين الهندي: كنز العمال: 1 حديث 1101، 1113، 1094، 1095، 1145، 1029 و 1676.
(7) لاحظ علاء الدين الهندي: كنز العمال: 1 حديث 1101، 1113، 1094، 1095، 1145، 1029 و 1676.
(8) البخاري: الصحيح: 1|27، السنن لابن ماجة: 1|13، الصحيح لمسلم: بشرح النووي: 661 والترمذي رقم 2796 إلى غير ذلك من المصادر.
(9) البخاري: الصحيح: 1|27، السنن لابن ماجة: 1|13، الصحيح لمسلم: بشرح النووي: 661 والترمذي رقم 2796 إلى غير ذلك من المصادر.
(10) البخاري: الصحيح: 1|27، السنن لابن ماجة: 1|13، الصحيح لمسلم: بشرح النووي: 661 والترمذي رقم 2796 إلى غير ذلك من المصادر.


(101)

إنّ التاريخ يشهد بأنّ الاَُمّة الاِسلامية ـ في عصر الخلفاء ـ يوم اتسعت رقعة البلاد الاِسلامية واستوعبت شعوباً كثيرة، شهدت دخول جماعات عديدة من أحبار اليهود وعلماء النصارى في الاِسلام، مثل كعب الاَحبار، وتميم الداري ووهب بن منبه، وعبد اللّه بن سلام، الذين تسلّلوا إلى صفوف المسلمين، وراحوا يدسّون الاَحاديث الاِسرائيلية، والخرافات والاَساطير النصرانية في أحاديث المسلمين وكتبهم وأذهانهم.

وقد ظلّت هذه الاَحاديث المختلفة تُخيِّم على أفكار المسلمين ردحاً طويلاً من الزمن، وتوَثّر في حياتهم العملية، وتوجّهها الوجهة المخالفة لروح الاِسلام الحنيف في غفلة من المسلمين وغَفوتهم، ولم ينتبه إلى هذا الاَمر الخطير، إلاّ من عصمه اللّه كعلي ( عليه السلام ) الذي راح يحذّر المسلمين عن الاَخذ بمثل هذه الاَحاديث المختلفة فقال: «فلو علم الناس أنّه منافق كاذب، لم يقبلوا منه ولم يصدّقوا قوله، ولكنّهم قالوا: صاحب رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ورآه وسمع منه ولقف عنه» (1).

نماذج وأرقام عن الاَحاديث الموضوعة:

وحسبك لمعرفة ما أصاب المسلمين وما تعرّضت له الاَحاديث، ولمعرفة الذين لعبوا هذا الدور الخبيث في غفلة من الاَُمة ما كُتب في هذا الصدد مثل كتاب:

ميزان الاعتدال للذهبي.

تهذيب التهذيب للعسقلاني.

لسان الميزان للعسقلاني.


(1)نهج البلاغة: الخطبة 210.


(102)

ونظائرها من الكتب التي صنّفت في هذا المجال.

ولعلّ فيما قاله البخاري صاحب «الصحيح» المعروف، إشارة إلى طرف من هذه الحقيقة المُرّة، حيث قال ابن حجر في مقدمة فتح الباري:

إنّ أبا علي الغساني روى عنه قال: خرّجت الصحيح من 600 ألف حديث(1).

وروى عنه الاِسماعيلي أنّه قال:

أحفظ مائة ألف حديث صحيح وأحفظ مائتي ألف حديث غير صحيح(2).

ويعرب عن كثرة الموضوعات اختيار أئمّة الحديث أخبار تآليفهم (الصحاح والمسانيد) من أحاديث كثيرة هائلة، والصفح عن غيرها، وقد أتى أبو داود في سننه بأربعة آلاف وثمانمائة حديثاً وقال: انتخبته من خمسمائة ألف حديث (3).

ويحتوي صحيح البخاري من الخالص بلا تكرار على ألفي حديث وسبعمائة وواحد وستين حديثاً، اختاره من زهاء ستمائة ألف حديث (4).

وفي صحيح مسلم أربعة آلاف حديث أُصول دون المكررات صنّفه من ثلاثمائة ألف (5).

وذكر أحمد في مسنده ثلاثين ألف حديث، وقد انتخبه من أكثر من سبعمائة


(1)من الهدى الساري مقدمة فتح الباري: 4.
(2)المصدر نفسه: 5.
(3)الذهبي: طبقات الحفاظ: 2|154، تاريخ بغداد: 9|57.
(4)إرشاد الساري: 1|208، صفوة الصفوة: 4|143.
(5)الذهبي: طبقات الحفاظ : 2|151، 157، شرح صحيح مسلم للنووي: 1|32.


(103)

وخمسين وألف حديث وكان يحفظ ألف ألف حديث (1).

وقد قام الباحث الكبير المجاهد العلاّمة الاَميني في موسوعته (الغدير) ـ الجزء الخامس ـ باستخراج أسماء الكذّابين والوضّاعين للحديث على حسب الحروف الهجائية فبلغ عددهم 700.

وما قام به رحمه اللّه، وإن كان عملاً كبيراً يشكر عليه، غير أنّه لو قامت بهذا الاَمر لجنة من الباحثين لعثروا على أضعاف ما ذكره ذلك الباحث الكبير.

كان تحذير النبي الاَكرم عن الدجالين الكذّابين وشيوع الكذب على لسانه سبباً لقيام العلماء لوضع علم الرجال وبيان مقاييس يُميّز به الصحيح عن السقيم.

وقال: وقد تنبّأ الرسول بما سيصيب سنّته الشريفة ويصيب المسلمين فيما بعد على أيدي الكذّابين ووضّاعي الحديث وأعداء الاِسلام، وفي الوقت نفسه أخبر عمّن يقف في وجه هذا الخطر العظيم إذ قال: «يحمل هذا الدين في كل قرن عدول ينفون عنه تأويل المبطلين وتحوير الغالين وانتحال الجاهلين كما ينفي الكير خبث الحديد» (2).

روى السيوطي أنّ عثمان بن عفان لمّا أراد أن يكتب المصاحف، أرادوا أن يلقوا الواو التي في سورة التوبة في قوله تعالى: «يا أيُّها الَّذينَ آمَنُوا إنَّ كثيراً مِنَ الاَحْبارِ والرُّهبانِ ليَأكُلونَ أموالَ النّاسِ بالباطِل ويَصُدُّونَ عَنْ سبِيلِ اللّهِ والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّة ولا يُنْفِقُونَها فِـي سَبِيلِ اللّه فَبَشِّـرْهُمْ بِعَذابٍ ألِيمٍ» (التوبة ـ 34) قال أُبي بن كعب: لتلحقنّها أو لاَضعنّ سيفي على عاتقي (3).


(1)الذهبي: طبقات الحفاظ: 9|17.
(2)الكشي: الرجال: 5.
(3)السيوطي: الدر المنثور: 3|232.


(104)

كان الخليفة: يريد أن يقرأ قوله تعالى: «والذين يكنزون» بدون واو العطف لتكون هذه الجملة وصفاً للاَحبار واليهود. وهذا مضافاً إلى كونه خلاف التنزيل وتغييراً في ما نزل به الوحي كما تلاه الرسول وقرأه على مسامع القوم، فإنّ حذف الواو كان يعني أنّ آية حرمة الكنز لا ترتبط بالمسلمين بل هي صفة للاَحبار والرهبان وكان يقصد من هذه إضفاء طابع الشرعية على اكتناز الاَموال الطائلة.

وهذا يكشف عن مدى حفظ الاَُمّة لنص الكتاب بهذه الصورة الدقيقة الاَمينة، بيد أنّ حفظ الاَُمّة كان محدوداً لا يتجاوز هذا الحد، إذ كان غير شامل لجوانب أُخرى من الشريعة وأُصولها ومصادرها وينابيعها.

الثالثة: محاولة كتابة الصحيفة:

هذا هو الخط الدفاعي الثالث الذي حاول الرسول وضعه لمكافحة دبيب البدعة، وهنا نقتبس ما ذكره الاِمام الشاطبي حرفياً، يقول:

لقد كان عليه الصلاة والسلام حريصاً على أُلفتِنا وهدايتنا، حتى ثبت من حديث ابن عباس ـ رضي اللّه عنهما ـ أنّه قال: لمّا حضر النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب ـ رضي اللّه عنه ـ فقـال: «هلمّ أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده» فقال عمر: إنّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) غلبه الوجع، وعندكم القرآن فحسبنا كتاب اللّه، واختلف أهل البيت واختصموا فمنهم من يقول: قرّبوا يكتب لكم رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كتاباً لن تضلّوا بعده، وفيهم من يقول كما قال عمر، فلما كثر اللغط والاختلاف عند النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال: «قوموا عنّي» فكان ابن عباس يقول: إنّ الرزية كل الرزية ما حال بين رسول اللّه وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب اختلافهم ولغطهم (1).


(1)الشاطبي: الاعتصام: 2|171 ـ 172 ولاحظ صحيح البخاري.


(105)

الرابعة: التعريف بالثقلين:

إنّ النبي الاَكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) نبّه الاَُمّة وبيّن لها المرجع والملاذ بعد رحيله بقوله: «يا أيّها الناس، إنّي تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا: كتاب اللّه، وعترتي أهل بيتي» (1).

وقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : «إنّي تركت ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي: كتاب اللّه حبل ممدود من السماء إلى الاَرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما» (2).

وقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : «إنّي تارك فيكم خليفتين: كتاب اللّه حبل ممدود ما بين السماء والاَرض، وعترتي أهل بيتي وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض» (3).

وقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه، وأهل بيتي، وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض» (4).

وقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : «إنّي أُوشك أن أُدعى فأُجيب، وإنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه عزّ وجلّ، وعترتي، كتاب اللّه حبل ممدود من السماء إلى الاَرض وعترتي أهل بيتي، وانّ اللطيف الخبير أخبرني أنّهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض، فانظروا كيف تحلفوني فيهما» (5).

وقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في منصرفه من حج الوداع ونزوله غدير خم: «كأنّي دُعيت


(1)كنزل العمال: 1|44، أخرجه الترمذي والنسائي عن جابر.
(2)المصدر نفسه: أخرجه الترمذي عن زيد بن أرقم.
(3) أحمد: المسند: 5|182 ـ 189.
(4)الحاكم: المستدرك: 3|148.
(5)أحمد: المسند: 3|17 ـ 26. أخرجه من حديث أبي سعيد الخدري.


(106)

فأجبت، إنّي قد تركت فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر: كتاب اللّه، وعترتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض» (1).

وللكاتب الاِسلامي منشىَ المنار كلام ذكره في تعليقته على كتاب الاعتصام للشاطبي قال: رواه ابن أبي شيبة والخطيب في المتّفق والمفترق عنه وهو: «تركت فيكم ما لن تضلوا إن اعتصمتم به: كتاب اللّه، وعترتي أهل بيتي»، و رواه الترمذي والنسائي عنه بلفظ «يا أيُّها الناس إنّي تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا: كتاب اللّه، وعترتي أهل بيتي» والحديث مرويّ بلفظ «العترة» بدل «السنّة» عن كثير من الصحابة منهم: زيد بن ثابت، وزيد بن أرقم، وأبو سعيد الخدري، وروي عن أبي هريرة بلفظ «السنّة» بدل «العترة» وفي كلا السياقين بلفظ «لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض» والجمع بينهما في المعنى أنّ عترته أهل بيته يحافظون على سنّته، أي لا يخلو الزمان عن قدوة منهم يقيمون سنّته لا يُثنيهم عنها التقليد ولا الابتداع ولا الفتن (2).

الخامسة: التعريف بسفينة النجاة:

إنّ النبيّ الاَكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) شبّه أهل بيته بسفينة نوح فقال: «ألا إنّ مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح، من ركبها نجى، ومن تخلّف عنها غرق» (3).

وفي حديث آخر يقول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : «إنّما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح، من ركبها نجى، ومن تخلّف عنها غرق. وإنّما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطّة


(1)الحاكم: المستدرك: 3|109، أخرجه عن حديث زيد بن أرقم.
(2)الشاطبي: الاعتصام: 2|156، قسم التعليقة.
(3)رواه الحاكم في مستدركه بسنده عن أبي ذر: 3|151.


(107)

في بني إسرائيل من دخله غفر له» (1).

وفي حديث ثالث: «النجوم أمان لاَهل الاَرض من الغرق، وأهل بيتي أمان لاَُمتي من الاختلاف فإذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس» (2).

ومن المعلوم أنّ المراد ليس جميع أهل بيته على سبيل الاستغراق، لاَنّ هذه المنزلة ليست إلاّ لحجج اللّه، وهم ثلّة منتخبة مصطفاة من أهل بيته، وقد فهمه ابن حجر فقال: يحتمل أنّ المراد بأهل البيت الذين هم أمان: علماوَهم، لاَنّهم الذين يهتدى بهم كالنجوم، والذين إذا فُقِدوا جاء أهل الاَرض من الآيات ما يوعدون.

وقال في مقام آخر: إنّه قيل لرسول اللّه: ما بقاء الناس بعدهم؟ قال: «بقاء الحمار إذا كسر صلبه» (3).

والمراد من تشبيههم ( عليهم السلام ) بسفينة نوح، من أنّ من لجأ إليهم في الدين فأخذ فروعه وأُصوله عنهم نجا من عذاب اللّه، ومن تخلّف عنهم كان كمن أوى يوم الطوفان إلى جبل ليعصمه من أمر اللّه فما أفاده شيئاً فغرق وهلك.

والوجه في تشبيههم بباب حطة، هو أنّ اللّه تعالى جعل ذلك الباب مظهراً من مظاهر التواضع لجلاله والبخوع لحكمه، وبهذا كان سبباً للمغفرة، وقد جعل انقياد هذه الاَُمة لاَهل بيت نبيّها وأتباعهم أيضاً مظهراً من مظاهر التواضع لجلاله والبخوع لحكمه، وبهذا كان سبباً للمغفرة.

وقد أوضح ابن حجر حقيقة التشبيه في الحديث الشريف فقال: «ووجه تشبيههم بالسفينة أنّ من أحبّهم، وعظّمهم شكراً لنعمة مشرفهم وأخذ بهدي


(1)النبهاني: الاَربعون حديثاً: 216 نقله عن الطبراني في الاَوسط.
(2)رواه الحاكم في مستدركه بسنده عن ابن عباس: 3|149.
(3) ابن حجر: الصواعق: 91، 142 (الباب الحادي عشر ).


(108)

علمائهم نجا من ظلمة المخالفات، ومن تخلّف عن ذلك غرق في بحر كفر النعم، وهلك في مفاوز الطغيان ـ إلى أن قال: ـ وبباب حطة ـ يعني ووجه تشبيههم بباب حطة ـ أنّ اللّه جعل دخول ذلك الباب الذي هو باب أريحاء أو بيت المقدس من التواضع والاستغفار سبباً للمغفرة، وجعل لهذه الاَُمة مودة أهل البيت سبباً لها» (1).

دور أئمّة أهل البيت في مكافحة البدع:

إنّ لاَئمّة أهل البيت دوراً بارزاً في مكافحة البدع، والردّ على الاَفكار الدخيلة على الشريعة عن طريق أهل الكتاب الذين تظاهروا بالاِسلام وبزيّ المسلمين نظراء كعب الاَحبار، وتميم الداري، ووهب ابن منبه ومن كان على شاكلتهم.

إنّ كتـب الحديث ـ من غير فرق بين الصحـاح وغيرها ـ مشحونة بأخبار التجسيم والتشبيه والجبر ونفي الاستطاعة المكتسبة ونسبة الكذب والعصيان إلى الاَنبياء والرسل، وقد تأثّر بها المحدثون السُذَّج وحسبوا أنّها حقائق راهنة فنقلوها إلى الاَجيال اللاحقة، وقد حيكت العقائد على نول هذه الاَحاديث، ولم يتجرّأ أحد من المفكرين الاِسلاميين القدامى والجدد على نقدها إلاّ من شذّ.

نرى في مقابل هذه البدع أنّ أئمّة أهل البيت يكافحون التجسيم والتشبيه والجبر وغيرهما، بخطبهم ورسائلهم ومناظراتهم أمام حشد عظيم وفي وسع القارىَ الكريم مراجعة نهج البلاغة للاِمام عليّ ( عليه السلام ) و كتاب التوحيد للشيخ الصدوق (306 ـ 381هـ) وكتاب الاحتجاج للشيخ الطبرسي (ت 550 هـ) إلى غير ذلك من الكتب الموَلّفة في ذلك المضمار، وما أحلى المناظرات التي أجراها


(1)لاحظ الصواعق: 153 (الباب الحادي عشر ).


(109)

الاِمام عليّ بن موسى الرضا ( عليه السلام ) في عاصمة الخلافة الاِسلامية (مرو) يوم ذاك مع الماديين والملحدين وأحبار اليهود وقساوسة النصارى، بل ومع المتزمّتين المغترّين بتلك الاَحاديث.

كانت لفكرة الاِرجاء التي تدعو إلى التسامح الديني في العمل، واجهة بديعة عند السذج من المسلمين ولا سيما الشباب منهم، فقام الاِمام الصادق ( عليه السلام ) بردّها والتنديد بها، وقد أصدر بياناً فيها حيث قال: «بادروا أولادكم بالحديث قبل أن تسبقكم إليهم المرجئة» (1).

هذا هو الاِمام الثامن عليّ بن موسى الرضا ( عليه السلام ) يكافح فكرة روَية اللّه تبارك وتعالى بالعين، ويرد الفكرة المستوردة من اليهود والتي اغترّ بها بعض المحدّثين، وإليك ما جرى بينه وبين أحدهم باسم أبي قرّة.

قال أبو قرّة: إنّا روينا أنّ اللّه عزّ وجلّ قسم الروَية والكلام بين اثنين، فقسم لموسى ( عليه السلام ) الكلام ولمحمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الروَية.

فقال الاِمام عليّ بن موسى الرضا ( عليه السلام ) : فمن المبلّغ عن اللّه عزّ وجلّ إلى الثقلين الجنّ والاِنس «لا تُدْرِكُهُ الاَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الاَبْصارَ» (الاَنعام ـ 103) «ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً» (طه ـ 110) و «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ» (الشورى ـ 11) أليس محمّداً ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ؟

قال أبو قرّة: بلى.

قال الاِمام: فكيف يجيء رجل إلى الخلق جميعاً فيخبرهم أنّه جاء من عند اللّه وأنّه يدعوهم إلى اللّه بأمر اللّه ويقول: «لا تدركه الاَبصار وهو يدرك الاَبصار» و «ولا يحيطون به علماً» و «ليس كمثله شيء» ثم يقول: أنا رأيته بعيني وأحطت


(1)الكليني: الكافي: 6|47، الحديث 5، ولاحظ البحار: 68|297.


(110)

به علماً وهو على صورة البشر. أما تستحيون؟ ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا أن يكون يأتي عن اللّه بشيء ثم يأتي بخلافه من وجه آخر (1).

هذا نموذج من نماذج كثيرة أوردناه حتى يكون أُسوة لنماذج أُخرى.

وإن أردت أن تقف على مدى مكافة الاَئمة الاثني عشر للبدع المحدثة فعليك مقارنة كتابين قد أُلّفا في عصر واحد بيد محدّثين في موضوع واحد، وهما:

1ـ التوحيد لابن خزيمة (ت ـ 311 هـ).

2ـ التوحيد للشيخ الصدوق (306 ـ 381 هـ).

قارن بينها، تجد الاَوّل مشحوناً بأخبار التجسيم والتشبيه والجبر وما زال المتسِّمون بالسلفية ينشرونه عاماً بعد عام، كأنّ ضالّتهم فيه.

وأمّا الثاني ففيه الدعوة إلى التوحيد وتنزيه الحق، ومعرفته بين التشبيه والتعطيل، وتبيين الآيات التي اغترّ بعضهم بظواهرها من دون التدبّر بالقرائن الحافّة بها.

وبذلك تبيّن أنّ النبيّ الاَكرم قد جعل من الاَئمّة واجهة دفاعية لصد البدع وأفكار المتبدعين ولا تتبين تلك الحقيقة إلاّ بعد معرفتهم ومراجعة كلماتهم.

* * *

السادسة: دعم الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر:

إذا كانت البدعة من أعظم الكبائر والمنكرات، فعلى السلطة التنفيذية للحكومات الاِسلامية، دعم الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر للقيام بمواجهة المبتدعين وردعهم عن أعمالهم، فإنّ البدعة أوّل يومها بذرة في الاَذهان،


(1)الصدوق: التوحيد، باب ما جاء في الروَية: 111.


(111)

ثم يستفحل عودها عبر الزمن حتى تصير شجرة خبيثة ولذلك دعا الذكر الحكيم إلى القيام بهذا الاَمر وقال: «وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَونَ عَنِ المُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ المُفْلِحُون» (آل عمران ـ 104) وفي آية أُخرى: «كُنْتُمْ خَيْرَ أُمّةً أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْروفِ وَتَنْهَونَ عَنِ المُنْكَرِ» (آل عمران ـ 110).

والاَُمّة عبارة عن جماعة تجمعهم رابطة العقيدة ووحدة الفكر، غير أنّ الواجب على الجميع غير الواجب على جماعة خاصة، فيجب على كل مسلم ردع المنكر بقلبه ولسانه، وأمّا القيام بأكثر من ذلك فهو على القويّ المطاع العالم بالمعروف، وبذلك يجمع بين الآيتين، حيث إنّ الثانية ترى الاَمر بالمعروف فريضة على الجميع والاَُولى تراه فريضة على أُمّة خاصة، فالمراتب النازلة فريضة على الكل والمراتب العالية وظيفة للاَقوياء من الاَُمة.

ويكفي في أهمية تلك الفريضة قوله سبحانه: «الَّذِينَ إنْ مَكَّنّاهُمْ في الاَرضِ أقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ وأَمَرُوا بِالمَعْرُوفِ وَنَهَوا عَنِ المُنْكَرِ وللّهِ عاقِبَةُ الاَُمور» (الحج ـ 41).

وهذا الاِمام أمير الموَمنين يعلّل قيامه ونضاله، بردع البدع ويقول: «اللّهمّ إنّك تعلم أنّه لم يكن الذي كان منّا، منافسة في سلطان، ولا التماس شيء من فضول الحطام، ولكن لنردَّ المعالم من دينك، ونظهر الاِصلاح في بلادك» (1)و ردّ المعالم من دينه، كناية عن رفض البدع التي كانت قد ظهرت على الساحة الاِسلامية لاَجل التساهلات.

وقال الاِمام الباقر ( عليه السلام ) : «إنّ الاَمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبيل الاَنبياء ومنهاج الصلحاء، فريضة عظيمة بها تقام الفرائض وتأمن المذاهب، وتحلّ


(1)نهج البلاغة، الخطبة: 127.


(112)

المكاسب، وتردّ المظالم، وتعمر الاَرض، وينتصف من الاَعداء ويستقيم الاَمر» (1).

وقد كان في العصور الماضية نشاط للآمرين بالمعروف في خصوص متابعة المساجد والموَذنين والوعّاظ والقرّاء حتى لا يخرجوا عن حدود الشريعة، يقول ابن إخوة: ومن وظائف المحتسِب مراقبة المساجد والموَذنين والوعاظ والقراء، وعدم السماح لتصدّي هذه المشاغل إلاّ لمن اشتهر بين الناس بالدين والخير والفضيلة ويكون عالماً بالاَُمور والعلوم الشرعية ـ إلى آخر ما ذكره ـ (2).

فهذه هي الخطوط الدفاعية التي وضعها الاِسلام أمام المبتدعين، وهناك أُمور أُخرى للقضاء على البدعة والحدّ من نشاط المبتدعين، نوَخر بيانها إلى آونة أُخرى.



(1)الحر العاملي: الوسائل: 11|395.
(2)ابن إخوة القرشي: معالم القربة في أحكام الحسبة: 179.


(113)

الفصل الحادي عشر

كيفية التوصل إلى مكافحة البدع
والقضاء عليها ؟

بقي هنا أمر هام وهو، كيف نتوصل إلى مكافحة البدع ونقضي عليها؟ وهو سوَال مهمّ يبيّن موقفنا في هذا العصر أمام تيارات البدع قديماً وحديثاً، وفي الحقيقة أنّ ما نذكره في الجواب، هو واجب العلماء المفكّرين الذين يتحرّقون لمعرفة الحق بين منعرجات الاَهواء النفسية والانتماءات العصبية.

إنّ القضاء على البدع ولو نسبياً يتمّ بالقيام بأُمور هي:

الاَوّل: دراسة العقائد الاِسلامية على ضوء الكتاب والسنّة الصحيحة والفطرة الاِنسانية والعقل السليم ونفي الاكتفاء برسالة الطحاوية «للاِمام الطحاوي»، والاِبانة «للاِمام الشيخ الاَشعري» فإنّهما ـ رضوان اللّه عليهما ـ قد أدّيا رسالتهما في عصرهما بأحسن وجه، ولم يكن في وسعهما إلاّ ما ألّفا ونشرا وإن تأثّرا بالروايات غير الصحيحة، إذ في ثنايا ذينك الكتابين التلميح إلى التشبيه والتعطيل وتعريف الاِنسان بلا اختيار وإرادة، كالريشة في مهبّ الريح، إلى غير ذلك ممّا ترده الفطرة السليمة كجواز تعذيب الطفل يوم القيامة بالنار، ومن الموَسف جداً


(114)

الاكتفاء بدراسة العقائد بهذين الكتابين وما شاكلهما في مقابل التشكيكات البراقة التي تثيرها كل يوم الوسائل الاِعلامية على الاِطلاق في معسكر الغرب والشرق، وهل يمكن صد هذا التيار بهذه الكتب، كلا ومن قال نَعم، فإنّما يقوله بلسانه وينكره بقلبه. كل ذلك يسوقنا إلى أن نعطي للعقائد والمعارف قسماً أوفر في دراساتنا، حتى تتميز البدع عن غيرها، نعم انّ من يتلقى كل ما ذكره أحمد بن حنبل في كتاب السنّة والاِمامين السابقين في رسالتهما لا غبار عليه، وإن كان ضد الكتاب والسنّة المتواترة والعقل الفطري الصريح فلا يحسّ وظيفة أصلاً، وكلامنا مع المفكّرين الواعين العالمين بما يجري في البلاد، على الاِسلام والشباب وما تثار من إشكالات حول الاَُصول حتى التوحيد نفسه.

الثاني: تمحيص السُّنّة ودراستها من جديد دراسة عميقة سنداً ومضموناً مقارنةً مع الكتاب والسنن القطعية عن الرسول، فانّ أكثر البدع لها جذور في السنّة المدونة وهوعنها بريء وانّما اختلقها الوضّاعون الكذّابون على لسانه. غير أنّ مسلمة أهل الكتاب وبما أنّهم لم يروا النبيّ الاَكرم قد نسبوها إلى أنبيائهم وكتبهم، ونسبها بعض السلف إلى نفس النبي الاَكرم، وها نحن نضع أمامك حديثين رواهما إلى الشيخان في مورد الاَنبياء حتى نتخذهما مقياساً لما لم نذكره.

إنّه سبحانه يعرّف فضله على النبي الاَكرم بقوله: «وأنزلَ اللّهُ عليكِ الكتابَ والحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وكانَ فَضْلُ اللّهِ عليكَ عَظِيماً» (النساء ـ 131) والمراد من فضله سبحانه في ذيل الآية هو علم النبي الذي أفاضه اللّه عليه ووصفه بكونه عظيماً، مضافاً إلى ما في صدر الآية من إنزال الكتاب والحكمة عليه.

ومع ذلك نرى أنّ الرسول في الصحيحين يُعرّف بصورة أنّه لا علم له بأبسط الاَُمور وأوضح السنن الطبيعية في عالم النباتات، حيث رأى أنّ قوماً يلقّحون النخيل فنهاهم عن ذلك قائلاً بأنّه لا يظن أنّه يغني شيئاً فتركه الناس،


(115)

وواجهوا الخسارة وعدم الاِثمار، فأتوا إلى النبي الاَكرم فقال ما قال، وإليك نص الرواية:

1ـ روى مسلم، عن موسى بن طلحة عن أبيه، قال: مررت ورسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بقوم على روَوس النخل، فقال: «ما يصنع هوَلاء؟» فقالوا: يُلقِّحونه، يجعلون الذكر في الاَُنثى فتلقح، فقال رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : «ما أظن يغني ذلك شيئاً»، فأُخبروا بذلك، فتركوه، فأخبر رسول اللّه بذلك، فقال: «إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فانّـي إنّما ظننت ظناً فلا توَاخذوني بالظن، ولكن إذا حدّثتكم عن اللّه شيئاً فخذوا به، فإنّي لن أكذب على اللّه عزّ وجلّ» (2).

وروى عن رافع بن خديج، قال: قدم نبي اللّه المدينة وهم يأبرون النخل يقولون: يلقّحون النخل فقال: «ما تصنعون»؟ قالوا: كنّا نصنعه ، قال: «لعلّكم لو لم تفعلوا كان خيراً» فتركوه، فنقصت قـال: فذكروا ذلك له، فقال: «إنّما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فانّما أنا بشر»(3).

والعجب أنّ موَلف الصحيح مسلم النيسابوري ذكر الحديث في باب أسماه بـ «وجوب امتثال ما قاله شرعاً دون ذكره ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من معايش الدنيا على سبيل الرأي» نحن نعلق على الحديث بشيء بسيط ونترك التفصيل إلى القارىَ.

أوّلاً: نفترض أنّ النبي الاَكرم ليس نبياً، ولا أفضل الخليقة، ولا من أُنزل إليه الكتاب والحكمة، ولا من وصف اللّه سبحانه علمه بكونه عظيماً، ولكن كان عربياً صميماً ولد في أرض الحجاز، وعاش بين ظهراني قومه وغيرهم في الحضر والبادية، وقد تكررت سفراته إلى الشام، وكل إنسان كان هذا شأنه يقف على أنّ النخيل لا يثمر إلاّ بالتلقيح، فما معنى سوَاله ما يصنع هوَلاء؟ ! فيجيبونه بقولهم: إنّهم


(1)مسلم: الصحيح: 15|125 و126 الباب 38، كتاب الفضائل.
(2)مسلم: الصحيح: 15|125 و126 الباب 38، كتاب الفضائل.


(116)

«يلقحونه» أفيمكن أن يكون هذا الشيء البسيط خفيّاً على النبي ؟!

ثانياً: كيف يمكن للنبي النهي عن التلقيح وهو سنّة من سنن اللّه في عالم الحياة، وقال سبحانه: «ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللّهِ تَبدِيلاً ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللّهِ تَحْوِيلاً» (فاطر ـ 43) ومع ذلك فكيف يقول: «ما أظن يغني ذلك شيئاً»؟!

ثالثاً: إنّ الاعتذار الوارد في الرواية يسيىَ الظن بكل ما يقوله النبي الاَكرم، فان كان المخبر بهذه الدرجة من العلم، فكيف يمكن الاعتماد بما يُخبر عن اللّه سبحانه؟! كل ذلك يسيء الظن بكل ما يذكره بلسانه ويخرج من شفتيه، والاَسوأ من ذلك ما نُسب إليه من الاعتذار بقوله: «وإذا حدّثتكم عن اللّه شيئاً فخذوا به، فانّي لن أكذب على اللّه عزّ وجلّ»، لاَنّ فيه تلميحاً إلى أنّه ـ والعياذ باللّه ـ يكذب في مواضع أُخر.

فلو كانت الرواية ونظائرها مصادر للعقيدة، تكون النتيجة أنّ النبي ربّما يكون جاهلاً بأبسط السنن الجارية في الحياة، فهل يصح التفوّه بذلك؟

2ـ لو كان الحديث الاَوّل يحط من منزلة النبي الاَكرم، فالحديث الثاني يحط من مكانة الكليم موسى ( عليه السلام ) .

أخرج الشيخان في صحيحهما بالاسناد إلى أبي هريرة، قال: لمّا جاء ملك الموت إلى موسى ( عليه السلام ) فقال له: أجب دعوة ربك، فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها، قال: فرجع الملك إلى اللّه تعالى فقال: إنّك أرسلتني إلى عبدٍ لك لا يريد الموت، ففقأ عيني، قال فردّ اللّه إليه عينه، وقال: ارجع إلى عبدي فقل: الحياةَ تريد، فإن كنت تريد الحياة، فضع يدك على متن ثور، فما توارت بيدك من شعرة فانّك تعيش بها سنة (1).


(1)مسلم: الصحيح: 7، كتاب الفضائل في باب فضائل موسى؛ البخاري: الصحيح: 4، كتاب بدء الخلق، باب وفاة موسى: 157.


(117)

وأخرجه ابن جرير الطبري في تاريخه، وقال: إنّ ملك الموت كان يأتي الناس عياناً حتى أتى موسى فلطمه ففقأ عينه ـ إلى أن قال : ـ إنّ ملك الموت جاء إلى الناس خفيّاً بعد وفاة موسى (1).

والحديث غني عن التعليق ولا يوافق الكتاب ولا سنّة الاَنبياء ولا العقل السليم من جهات هي:

1ـ إنّـه سبحـانـه يقـول: «إذا جاءَ أجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ» (يونس ـ 49) فظاهـر قوله: «أجب ربك» أنّه كان ممّن كتب عليه الموت وجاء أجله ومع ذلك تأخّر.

2ـ من درس حياة الاَنبياء بشكل عام يقف على أنّهم ( عليهم السلام ) ما كانوا يكرهون الموت كراهة الجاهلين، وهل كانت الدنيا عند الكليم أعز من الآخرة، وهل كانت تُخفى عليه نعمها ودرجاتها؟!

3ـ ما ذنب ملك الموت إن هو إلاّ رسول من اللّه مجنّد له، يعمل بإمرته، فهل كان يستحق لمثل هذا الضرب؟!

4ـ كيف تُرِك القصاص من موسى مع أنّه سبحانه يقول: «وكَتَبْنا عَلَيهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بالنَّفْسِ وَالعَيْنَ بِالْعَينِ والاَنْفَ بِالاَنْفِ والاَُذُنَ بِالاَُذُنِ والسِّنَّ بِالسِّنِّ والجُروحَ قِصاصٌ» (المائدة ـ 45).

5ـ وهل كان ملك الموت أضعف من موسى حتى غلبه عليه وفقأ عينه ولم يتمكن من الدفاع، ولم يزهق روحه مع كونه مأموراً به من ربّه؟ أنا لا أدري، وأظن أنّ القارىَ في غنىً عن هذه التعليقات فانّ مضمون الحديث يصرّح بأعلى صوته انّه مكذوب.


(1)الطبري: التاريخ: 1|305 ، باب وفاة موسى.


(118)

فتمحيص السنّة فريضة على المفكرين لكي يقضوا بذلك على البدع التي ما انفكت تتلاعب بالدين، ولا يقوم بذلك إلاّ من امتحن اللّه قلبه بالتقوى ولا تأخذه في اللّه لومة لائم، وإن رماه المتطرفون بأنواع التهم والاَباطيل، ولا غرو فانّ المصلحين في جميع الاَجيال كانوا أغراضاً لنبال الجهال.


(119)

الفصل الثاني عشر

مسائل عشر على طاولة التطبيق

إنّ الغاية القصوى من تحديد مفهوم البدعة، هو الاهتداء إلى مصاديقها وتمييزها عن السنّة فهناك أُمور وصفها البعض بالبدعة والآخر بالسنّة وما زال النزاع على قدم وساق، وسنختار مسائل عشر لبحثها وهي:

1ـ الاحتفال بمولد الرسول.

2ـ شد الرحال لزيارة قبر النبي الاَكرم.

3ـ القبض في الصلاة.

4ـ صلاة الضحى في السنّة.

5ـ إقامة صلاة التراويح جماعة.

6ـ الطلاق ثلاثاً دفعة أو دفعات في مجلس واحد.

7ـ النهي عن متعة الحج.

8 ـ الاتمام في السفر.

9ـ الصيام في السفر.

10ـ روَية اللّه تعالى.


(120)

فلعلّ من العسير على القارىَ الذي كانت سيرته القبض في الصلاة عند التلاوة، أو إقامة صلاة التراويح جماعة، أن يترك مذهبه الذي نشأ عليه منذ نعومة أظفاره، بل ونشأ عليه قومه طيلة قرون عديدة، ولكن لمّا كان الحق أحق أن يُتّبع، لذا نقترح عليه أن يتخلّـى عمّا كان عليه حسب تقليده ويدرس المسألة من رأس على ضوء أدلّتها، منحازاً عن كل رأي مسبّق، وعند ذلك يتجلّى له الحق بأجلى مظاهره ويسهل قبوله وإن كان على خلاف ما نشأ عليه، وهذا ما نطلبه من القرّاء في دراستهم لهذا الفصل.

وإليك البحث عن الجميع واحداً تلو الآخر:



(121)

المسألة الاَُولى:

الاحتفال بمولد النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم )

لقد طال النزاع في الآونة الاَخيرة عن طريق وسائل الاعلام وغيرها في الاحتفال بمولد النبي الاَكرم، وقد رفع بعضهم شعار البدعة فيه بينما يراه الاَكثرون أنّه من السنّة. وإليك دراسة الموضوع في ضوء الاَدلّة.

النبي أصل في الكتاب والسنّة :

قد تعرّفت على أنّ العنصر المقوّم للبدعة هو عدم الدليل على جواز العمل، فلو كان هناك دليل خاص على جواز العمل، أو دليل عام يشمل المصاديق المحدثة فليس ذلك ببدعة، وقد ذكرنا لك أمثالاً كثيرة، وعلى ضوء ما ذكر نركز في هذا الفصل على وجود دليل عام على الاحتفال بيوم ميلاده، وإن لم يكن هناك دليل خاص، وأمّا الدليل فكما يلي:

الحب والبغض خلّتان تتواردان على قلب الاِنسان، تشتدّان وتضعفان، ولنشوئهما واشتدادهما أو ضعفهما عوامل وأسباب.

ولا شك أنّ حب الاِنسان لذاته من أبرز مصاديق الحب، وهو أمر بديهي لا يحتاج إلى البيان، وجبلي لا يخلو منه إنسان، ومن هذا المنطق حب الاِنسان لما يرتبط به أيضاً، فهو كما يحب نفسه يحب كذلك كل ما يمت إليه بصلة، سواء كان اتصاله به جسمانياً كالاَولاد والعشيرة، أو معنوياً كالعقائد والاَفكار والآراء


(122)

والنظريات التي يتبنّاها، وربّما يكون حبّه للعقيدة أشد من حبّه لاَبيه وأُمه فيذب عن حياض العقيدة بنفسه ونفيسه، وتكون العقيدة أغلى عنده من كل شيء حتى نفسه التي بين جنبيه.

فإذا كانت للعقيدة هذه المنزلة العظيمة تكون لموَسّسها ومغذّيها والدعاة إليها منزلة لا تقل عنها إذ لولاهم لما قام للعقيدة عمود، ولا اخضرّ لها عود، ولاَجل ذلك كان الاَنبياء والاَولياء بل جميع الدعاة إلى الاَُمور المعنوية والروحية محترمين لدى جميع الاَجيال من غير فرق بين نبي وآخر ومصلح وآخر، فالاِنسان يجد من صميم ذاته خضوعاً تجاههم، وإقبالاً عليهم.

ولهذا لم يكن عجيباً أن تحترم، بل تعشق النفوس الطيبة طبقة الاَنبياء والرسل منذ أن شرّع اللّه الشرائع وابتعث الرسل، فترى أصحابها يقدّّمونهم على أنفسهم بقدر ما أُوتوا من المعرفة والكمال.

النبي في الكتاب :

ولوجود هذه الاَرضية في النفس الاِنسانية والفطرة البشرية، تضافرت الآيات والاَحاديث على لزوم حب النبي وكل ما يرتبط به، وليست الآيات إلاّ إرشاداً إلى ما توحي فطرة الاِنسان إليه قال سبحانه: «قُلْ إِنْ كانَ آباوَُكُمْ وأبْناوَُكُمْ وإخْوانُكُمْ وَأَزواجُكُمْ وعَشِـيرَتُكُمْ وأَمْوالٌ اقْتَـرَفْتُمُوها وتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها ومَساكِنُ تَرضَـوْنَها أَحَبُّ إلَيكُمْ مِنَ اللّهِ ورَسُولِهِ وجِهادٍ في سَبِيلِهِ فَتَـربَّصُوا حَتَّى يَأْتِـيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ واللّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ» (التوبة ـ 24).

وقال سبحانه: «وَمنْ يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ والَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الغالِبُونَ» (المائدة ـ 56).

ويقول سبحانه: «فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وعَزَّرُوهُ ونصروه واتَّبَعُوا النُّوَر الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئكَ هُمُ المُفْلِحُونَ» (الاَعراف ـ 157).


(123)

فالآية الكريمة تأمر بأُمور أربعة:

1ـ الاِيمان به.

2ـ تعزيره.

3ـ نصرته.

4ـ اتباع كتابه وهو النور الذي أُنزل معه.

وليس المراد من تعزيره، نصرته، لاَنّه قد ذكره بقوله: «ونصروه» وإنّما المراد توقيره، وتكريمه وتعظيمه بما انّه نبي الرحمة والعظمة، ولا يختص تعزيره وتوقيره بحال حياته بل يعمها وغيرها، تماماً كما أنّ الاِيمان به والتبعيّة لكتابه لا يختصان بحال حياته الشريفة.

هذه هي العوامل الباعثة إلى حب النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وهذه هي الآيات المرشدة إلى ذلك.

ولاَجل دعم المطلب نذكر بعض ما ورد من الروايات في الحث على حبّه ومودته.

النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في السنّة:

قال رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :

1ـ «لا يوَمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده والناس أجمعين».

2ـ «والذي نفسي بيده لا يوَمن أحدكم حتى أكون أحب الناس إليه من والده وولده».

3ـ «ثلاث من كنّ فيه ذاق طعم الاِيمان: من كان لا شيء أحب إليه من اللّه ورسوله، ومن كان لئن يحرق بالنار أحب إليه من أن يرتد عن دينه، ومن كان يحب للّه ويبغض للّه».


(124)

4ـ «واللّه لا يكون أحدكم موَمناً حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده».

5ـ «لا يوَمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه».

6ـ «من أحب اللّه ورسوله صادقاً غير كاذب، ولقى الموَمنين فأحبهم، وكان أمر الجاهلية عنده كمنزلة نار أُلقي فيها، فقد طعِمَ طعم الاِيمان، أو قال: فقد بلغ ذروة الاِيمان».

إنّ الذي يرى سعادته في ما جاء به رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من شريعة ودين، هو الذي يذوق طعم الاِيمان، وتذَوّق طعم الاِيمان لا يتحقّق إلاّ عندما يستنّ الاِنسان بسنّة رسول اللّه ويعمل بشريعته فيحصل على سعادته.

7ـ عن أبي رزين قال: قلت: يا رسول اللّه ! ما الاِيمان؟ قال: «أن تعبد اللّه ولا تشرك به شيئاً، ويكون اللّه ورسوله أحب إليك ممّا سواهما، وتكون أن تحرق بالنار أحب إليك من أن تشرك باللّه شيئاً، وتحب غير ذي نسب لا تحبه إلاّ للّه، فإذا فعلت ذلك فقد دخل حب الاِيمان في قلبك كما دخل قلب الظمآن حب الماء في اليوم القائظ».

8 ـ «ثلاث من كنّ فيه وجد حلاوة الاِيمان: أن يكون اللّه ورسوله أحب إليه ممّا سواهما».

9ـ عن أنس أنّ رجلاً سأل النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عن الساعة، فقال: متى الساعة؟ قال: «وما أعددت لها»؟ قال: لا شيء إلاّ أنّي أحب اللّه ورسوله، فقال: «أنت مع من أحببت». قال أنس: فما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : «أنت مع من أحببت».

10ـ أبو ذر قال: يا رسول اللّه! الرجل يحب القوم ولا يستطيع أن يعمل بعملهم؟ قال: «أنت يا أبا ذر مع من أحببت» قال: فإنّي أُحب اللّه ورسوله، قال: «فإنّك مع من أحببت»، قال: فأعاد (ها) أبو ذر، فأعادها رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .


(125)

11ـ «من أحيا سنّتي فقد أحبّني ومن أحبّني كان معي في الجنة».

12ـ «والذي نفس محمد بيده ليأتينّ على أحدكم يوم ولا يراني، ثم لئن يراني أحب إليه من أهله وماله معهم».

13ـ «إنّ أحدكم سيوشك أن يحب ينظر إليّ نظرة بما له من أهل وعيال».

14ـ «من أشد أُمتي لي حُباً أُناس يكونون بعدي يودّ أحدهم لو رآني بأهله وماله».

15ـ «أشد أُمتي لي حباً قوم يكونون بعدي يودّ أحدهم أنّه فقد أهله وماله وأنّه رآني».

16ـ «إنّ أُناساً من أُمتي يأتون بعدي يودّ أحدهم لو اشترى روَيتي بأهله وماله».

17ـ «من دعا بهوَلاء الدعوات في دبر كل صلاة مكتوبة حلّت له الشفاعة منّي يوم القيامة: اللّهمّ أعط محمد الوسيلة، واجعل في المصطفين محبته، وفي العالمين درجته، وفي المقرّبين ذكر داره».

18ـ «من قـال في دبر كل صلاة مكتوبـة: اللّهمّ أعط محمـداً الدرجـة والوسيلة، اللّهمّ اجعل في المصطفين محبته وفي العالمين درجته، وفي المقرّبين ذكره، من قال تلك في دبر كل صلاة فقد استوجب عليّ الشفاعة، ووجبت له الشفاعة».

وقد روي عن أبي بكر قال: الصلاة على النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أمحق للخطايا من الماء للنار، والسلام على النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أفضل من عتق الرقاب، وحب رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أفضل من عتق الاَنفس أو قال: من ضرب السيف في سبيل اللّه عزّ وجلّ (5).

* * *


(1)راجع للوقوف على هذه الاَحاديث ونظائرها جامع الاَُصول: ج1 نقلاً عن صحيح البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، وكنز العمال: ج2، و 6 و12.


(126)

اختلاف الاَُمّة في درجات حبّهم للنبي ( صلى الله عليه وآله وسلم )

وليست الاَُمّة الموَمنّة في ذلك شرعاً سواء، بل هم فيه متفاوتون على اختلاف درجات عرفانهم به كاختلافهم في حب اللّه تعالى.

قال الاِمام القرطبي: كل من آمن بالنبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إيماناً صحيحاً لا يخلو عن وجدان شيء من تلك المحبة الراجحة غير أنّهم متفاوتون، فمنهم من أخذ من تلك المرتبة بالحظ الاَوفى، ومنهم من أخذ منها بالحظ الاَدنى، كمن كان مستغرقاً في الشهوات محجوباً في الفضلات في أكثر الاَوقات، لكن الكثير منهم إذا ذكر النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) اشتاق إلى روَيته بحيث يوَثرها على أهله وولده وماله ووالده، ويبذل نفسه في الاَُمور الخطيرة، ويجد مخبر ذلك من نفسه وجداناً لا تردّد فيه (3).

مظاهر الحب في الحياة:

إنّ لهذا الحب مظاهر ومجالي، إذ ليس الحب شيئاً يستقر في صقع النفس من دون أن يكون له انعكاس خارجي على أعمال الاِنسان وتصرفاته، بل انّ من خصائص الحب أن يظهر أثره على جسم الاِنسان وملامحه، وعلى قوله وفعله، بصورة مشهورة وملموسة.

فحب اللّه ورسوله الكريم لا ينفك عن اتّباع دينه، والاستنان بسنّته، والاِتيان بأوامره والانتهاء عن نواهيه، ولا يعقل أبداً أن يكون المرء محباً لرسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أشدَّ الحب، ومع ذلك يخالفه فيما يبغضه ولا يرضيه، فمن ادّعى حباً في نفسه وخالفه في عمله فقد جمع بين شيئين متخالفين متضادين.


(1)فتح الباري: لابن حجر: 1|50 ـ 51.


(127)

ولنعم ما قال الاِمام جعفر الصادق ( عليه السلام ) في هذا الصدد موجهاً كلامه إلى مدّعي الحب الاِلهي كذباً:

تعصي الاِله وأنتَ تظهر حبَّه * هذا لعمري في الفعال بديع
لو كان حبك صادقاً لاَطعته * إنّ المحب لمن يحب مطيع (1)

للحبِّ مظاهر وراء الاتباع:

نعم لا يقتصر أثر الحب على هذا، بل له آثار أُخرى في حياة المحب، فهو يزور محبوبه ويكرمه ويعظمه ويزيل حاجته، ويذب عنه، ويدفع عنه كل كارثة ويهيىَ له ما يريحه ويسره إذا كان حياً.

وإذا كان المحبوب ميتاً أو مفقوداً حزن عليه أشد الحزن، وأجرى له الدموع كما فعل النبي يعقوب ( عليه السلام ) عندما افتقد ولده الحبيب يوسف ( عليه السلام ) فبكاه حتى ابيضّت عيناه من الحزن، وبقي كظيماً حتى إذا هبّ عليه نسيم من جانب ولده الحبيب المفقود، هشَّ له وبشَّ، وهفا إليه شوقاً وحبّاً.

بل يتعدّى أثر الحب عند فقد الحبيب وموته هذا الحد، فنجد المحب يحفظ آثار محبوبه، وكل ما يتصل به، من لباسه وأشيائه كقلمه ودفتره وعصاه ونظارته. كما ويحترم أبناءه وأولاده، ويحترم جنازته ومثواه، ويحتفل كل عام بميلاده وذكرى موته، ويكرمه ويعظمه حباً به ومودة له.

إلى هنا ثبت، أنّ حب النبي وتكريمه أصل من أُصول الاِسلام لا يصح لاَحد إنكاره، ومن المعلوم أنّ المطلوب ليس الحب الكامن في القلب من دون أن يرى أثره على الحياة الواقعية، وعلى هذا يجوز للمسلم، القيام بكل ما يعد مظهراً


(1)سفينة البحار: مادة «حب».


(128)

لحب النبي شريطة أن يكون عملاً حلالاً بالذات ولا يكون منكراً في الشريعة، نظير:

1ـ تنظيم السنّـة النبوية، وإعراب أحاديثهـا وطبعهـا ونشرها بالصـور المختلفة، والاَساليب الحديثة، وفعل مثل هذا بالنسبة إلى أقوال أهل البيت وأحاديثهم.

2ـ نشر المقالات والكلمات، وتأليف الكتب المختصرة والمطولة حول حياة النبي وعترته، وإنشاء القصائد بشتى اللغات والاَلسن في حقّهم، كما كان يفعله المسلمون الاَوائل.

فالاَدب العربي بعد ظهور الاِسلام يكشف عن أنّ إنشاء القصائد في مدح رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان ممّا يعبّـر به أصحابها عن حبهم لرسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

فهذا هو كعب بن زهير ينشىَ قصيدة مطولة في مدح رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) منطلقاً من إعجابه وحبه له ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فيقول في جملة ما يقول:

بانت سعاد فقلبي اليوم متبول * متيّم إثرها لم يُفد مكبول
نُبِّئتُ أنّ رسول اللّه أوعدني * والعفوّ عند رسول اللّه مأمول

ويقول:

مهلاً هداك الذي أعطاك نـا * فلة القرآن فيها مواعيظ وتفصيل
إنّ الرسول لنور يستضاء به * مهنّد من سيوف اللّه مسلول (1)

وقد ألقى هذه القصيدة في حضرة رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأصحابه، ولم ينكر عليه


(1)ابن هشام: السيرة النبوية: 2|513.


(129)

رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

وهذا هو حسّان بن ثابت الاَنصاري يرثي النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ويذكر فيه مدائحه، ويقول:

بطيبة رسم للرسول ومَعْهَد * مُنير وقد تعفو الرسول وتحمد

إلى أن قال:

يدل على الرحمان من يقتدي به * وينقذ من هول الخزايا ويرشد
إمام لهم يهديهم الحق جاهداً * معلم صدقٍ إن يعطيعوه يَسْعدُوا(1)

وهذا هو عبد اللّه بن رواحة ينشىَ أبياتاً في هذا السياق فيقول فيها:

خلّوا بني الكفار عن سبيله * خلّوا فكل الخير في رسوله
يا رب إنّي موَمن بقيله * أعرف حق اللّه في قبوله (2)

هذه نماذج ممّا أنشأها الشعراء المعاصرون لعهد الرسالة في النبي الاَكرم ونكتفي بها لدلالتها على ما ذكرنا.

ولو قام باحث بجمع ما قيل من الاَشعار والقصائد حول النبي الاَكرم لاحتاج في تأليفه إلى عشرات المجلدات.

فإنّ مدح النبي كان الشغلَ الشاغل للمخلصين والموَمنين منذ أن لبّى الرسول دعوة ربّه، ولا أظن أنّ أحداً عاش في هذه البسيطة نال من المدح بمقدار ما ناله الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من المدح بمختلف الاَساليب والنظم.


(1)ابن هشام: السيرة النبوية: 2|666.
(2)المصدر نفسه: 371.


(130)

وهناك شعراء مخلصون أفرغوا فضائل النبي ومناقبه في قصائد رائعة وخالدة مستلهمين ما جاء في الذكر الحكيم والسنّة المطهرة في هذا المجال، فشكر اللّه مساعيهم الحميدة وجهودهم المخلصة.

3ـ تقبيل كل ما يمـت إلى النبي بصلة كباب داره، وضريحه وأستار قبره انطلاقاً من مبدأ الحب الذي عرفت أدلّته.

وهذا أمر طبيعي وفطري فبما أنّ الاِنسان الموَمن لا يتمكّن بعد رحلة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من تقبيل الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) (1) فيقبّل ما يتصل به بنوع من الاتصال، وهو كما أسلفنا أمر طبيعي في حياة البشر حيث يلثمون ما يرتبط بحبيبهم ويقصدون بذلك نفسه. فهذا هو المجنون العامري كان يقبّل جدار بيت ليلى ويصرّح بأنّه لا يقبّل الجدار، بل يقصد تقبيل صاحب الجدار ، يقول:

أمرّ على الديار ديار ليلى * أُقبّل ذا الجدار وذا الجدارا
فما حب الديار شغفن قلبي * ولكن حب من سكن الديارا

4ـ إقامة الاحتفالات في مواليدهم وإلقاء الخطب والقصائد في مدحهم وذكر جهودهم ودرجاتهم في الكتاب والسنّة، شريطة أن لا تقترن تلك الاحتفالات بالمنهيات والمحرمات.

ومن دعا إلى الاحتفال بمولد النبي في أيّ قرن من القرون، فقد انطلق من هذا المبدأ أي حب النبي الذي أمر به القرآن والسنّة بهذا العمل.

هذا هو موَلف تاريخ الخميس يقول في هذا الصدد: لا يزال أهل الاِسلام يحتفلون بشهر مولده، ويعملون الولائم، ويتصدّقون في لياليه بأنواع الصدقات،


(1)دخل أبو بكر حجرة النبي ص بعد رحيله وهو مسجّى ببرد حبرة فكشف عن وجهه ثم أكبّ عليه فقبله ثم بكى فقال: بأبي أنت يا نبي اللّه لا يجمع اللّه عليك موتتين، أمّا الموتة التي كتبت عليك فقد مُتَّها. لاحظ صحيح البخاري: 2|17 كتاب الجنائز.


(131)

ويظهرون السرور، ويزيدون في المبرّات، ويعتنون بقراءة مولده الشريف، ويظهر عليهم من كراماته كل فضل عظيم (1).

وقال أبو شامة المقدسي في كتابه: ومن أحسن ما ابتدع في زماننا ما يفعل في اليوم الموافق ليوم مولده ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من الصدقات والمعروف بإظهار الزينة والسرور، فإنّ في ذلك مع ما فيه من الاِحسان للفقراء شعاراً لمحبته (2).

أنا لا أُوافق الشيخ المقدسي في تسميته للاحتفال بالبدعة إلاّ أن يريد البدعة بالمعنى اللغوي، كما أنّ الاحتجاج على حسن الاحتفال بالاَعمال الجانبية من صدقات ومعروف وإظهار الزينة ...، فإنّ هذه الاَُمور الجانبية لا تسوغ الاحتفال، ولا تضفي عليه صبغة شرعية ما لم يكن هناك دليل في الكتاب والسنّة، قد عرفت وجود الدليل.

وقال القسطلاني: ولا زال أهل الاِسلام يحتفلون بشهر مولده (عليه السّلام) ، ويعملون الولائم، ويتصدّقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويظهرون السرور، ويزيدون في المبرّات، ويعتنون بقراءة مولده الكريم، ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عظيم ... فرحم اللّه امرىَ اتخذ ليالي شهر مولده المبارك أعياداً، ليكون أشد علّة على من في قلبه مرض وأعيا داء (3).

إذا عرفت ما ذكرناه فلا نظن أن يشك أحد في جواز الاحتفال بمولد النبي الاَكرم، احتفالاً دينياً فيه رضى اللّه ورسوله، ولا تصح تسميته بدعة، إذ البدعة هي التي ليس لها أصل في الكتاب والسنّة، وليس المراد من الاَصل؛ الدليل الخاص، بل يكفي الدليل العام في ذلك.


(1)الديار بكري: تاريخ الخميس: 1|323 .
(2)الحلبي: السيرة: 1|83 ـ 84.
(3)المواهب اللدنية: 1|148.


(132)

ويرشدك إلى أنّ هذه الاحتفالات تجسيد لتكريم النبي؛ وجدانك الحر، فانّه يقضي ـ بلا مرية ـ على أنّها إعلاء لمقام النبي وإشادة بكرامته وعظمته، بل يتلقاها كل من شاهدها عن كثب على أنّ المحتفلين يعزّرون نبيّهم ويكرمونه ويرفعون مقامه اقتداءً بقوله سبحانه: «ورَفَعنا لكَ ذِكْرَكَ» (الانشراح ـ 4).

السنّة النبوية وكرامة يوم مولده ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :

1ـ أخرج مسلم في صحيحه عن أبي قتادة أنّ رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) سئل عن صوم يوم الاثنين فقال: «ذاك يوم ولدت فيه، وفيه أُنزل عليّ» (2).

يقول الحافظ ابن رجب الحنبلي ـ عند الكلام في استحباب صيام الاَيام التي تتجدّد فيها نعم اللّه على عباده ـ ما هذا لفظه: إنّ من أعظم نعم اللّه على هذه الاَُمّة إظهار محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وبعثته وإرساله إليهم، كما قال اللّه تعالى: «لَقَدْ مَنَّ اللّهُ علَـى الموَمنينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أنْفُسِهِمْ» فصيام يوم تجدّدت فيه هذه النعمة من اللّه سبحانه على عباده الموَمنين حسن جميل، وهو من باب مقابلة النعم في أوقات تجدّدها بالشكر (3).

2ـ روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس ـ رضي اللّه عنه ـ قال: لمّا قدم النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسُئلوا عن ذلك، فقالوا: هو اليوم الذي أظفر اللّه موسى وبني إسرائيل على فرعون، ونحن نصوم تعظيماً له، فقال رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : «نحن أولى بموسى» وأمر بصومه (4).

وقد استدل ابن حجر العسقلاني بهذا الحديث على مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي على ما نقله الحافظ السيوطي، فقال: فيستفاد فعل الشكر للّه على ما


(1)مسلم: الصحيح: 2|819.
(2)ابن رجب الحنبلي: لطائف المعارف: 98.
(3)مسلم: الصحيح: 113، وأخرجه البخاري: 7|215.


(133)

منّ به في يوم معين من إسداء نعمة، أو دفع نقمة ويعاد ذلك، نظير ذلك اليوم من كل سنة. والشكر للّه يحصل بأنواع العبادة، كالسجود والصيام والصدقة والتلاوة، وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي نبي الرحمة في ذلك اليوم (1).

3ـ وللسيوطي أيضاً كلام آخر نأتي بنصه، يقول: وقد ظهر لي تخريجه على أصل آخر، وهو ما أخرجه البيهقي عن أنس انّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عقّ عن نفسه بعد النبوة مع أنّه قد ورد أنّ جده عبد المطلب عقّ عنه في سابع ولادته، والعقيقة لا تعاد مرة ثانية، فيحمل ذلك على أنّ الذي فعله النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إظهار للشكر على إيجاد اللّه إيّاه رحمة للعالمين وتشريع لاَُمته كما كان يصلّي على نفسه، لذلك فيستحب لنا أيضاً إظهار الشكر بمولده بالاجتماع، وإطعام الطعام، ونحو ذلك من وجوه القربات وإظهار المسرّات (2).

4ـ أخرج البخاري عن عمر بن الخطاب أنّ رجلاً من اليهود قال له: يا أمير الموَمنين! آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت لاتّخذنا ذلك اليوم عيداً. فقال: أيّ آية؟ قال: «اليومَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأتْمَمْتُ عَلَيكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاِسلامَ دِيناً» (المائدة ـ 3).

فقال عمر: إنّي لاَعلم اليوم الذي نزلت فيه، والمكان الذي نزلت فيه، ورسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قائم بعرفة يوم الجمعة (3).

وأخرج الترمذي عن ابن عباس نحوه وقال: فيه نزلت في يوم عيد من يوم جمعة ويوم عرفة، وقال الترمذي: وهو صحيح (4).


(1)السيوطي: الحاوي للفتاوي: 1|196.
(2)السيوطي: الحاوي للفتاوي: 1|196.
(3)البخاري: الصحيح: 8|270، وكما أخرجه الترمذي في 5|250، وفي الروايات المتضافرة أنّها نزلت في الثامن عشر من ذي الحجة في حجة الوداع.
(4)البخاري: الصحيح: 8|270، وكما أخرجه الترمذي في 5|250، وفي الروايات المتضافرة أنّها نزلت في الثامن عشر من ذي الحجة في حجة الوداع.


(134)

وفي هذا الاَثر موافقة سيدنا عمر بن الخطاب (رض) على اتخاذ اليوم الذي حدثت فيه نعمة عظيمة، عيداً لاَنّ الزمان ظرف للحدث العظيم، فعند عود اليوم الذي وقعت فيه الحادثة كان موسماً لشكر تلك النعمة، وفرصة لاِظهار الفرح والسرور (1).

نرى أنّ المسيح عندما دعا ربه أن ينزل مائدة عليه وعلى حوارييه قال: «اللّهمَّ ربَّنا أنْزِلْ عَلَينا مائِدَةً ِمَن السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيدَاً لاِوَّلِنا وَآخِرِنا وآيَةً مِنْكَ وارْزُقْنا وأَنْتَ خَيرُ الرّازِقينَ» (المائدة ـ 114).

فقد اتّخذ يوم نزول النعمة المادية التي تشبع البطون عيداً، والرسول الاَكرم نعمة عظيمة منّ بها اللّه على المسلمين بميلاده، فلم لا نتّخذه يوم فرح وسرور؟

الاستدلال بالاِجماع:

ذكروا أنّ أوّل من أقام المولد هو الملك المظفر صاحب اربل، وقد توفي عام 630 هـ، وربّما يقال: أوّل من أحدثه بالقاهرة الخلفاء الفاطميون؛ أوّلهم المعجز لدين اللّه، توجّه من المغرب إلى مصر في شوال 361 هـ، وقيل في ذلك غيره، وعلى أيّ تقدير فقد احتفل المسلمون حقباً وأعواماً من دون أن يعترض عليهم أيّ ابن أُنثى، وعلى أيّ حال فقد تحقّق الاِجماع على جوازه وتسويغه واستحبابه قبل أن يولد باذر هذه الشكوك، فلماذا لم يكن هذا الاِجماع حجة؟ مع أنّ اتفاق الاَُمّة بنفسه أحد الاَدلّة، وكانت السيرة على تبجيل مولد النبي إلى أن جاء ابن تيمية، والعز بن عبد السلام (2) والشاطبي فناقشوا فيه ووصفوه بالبدعة، مع أنّ الاِجماع انعقد قبل هوَلاء بقرنين أو قرون، أو ليس انعقاد الاِجماع في عصر من العصور حجة بنفسه؟


(1)عيسى الحميري: بلوغ المأمول: 29.
(2)هو عبد العزيز بن عبد السلام السلمي الدمشقي (577 ـ 660 هـ): فقيه شافعي، له من الكتب «التفسير الكبير» و «مسائل الطريقة» وغيرها. (أعلام الزركلي: 4|21. دار الملايين ـ بيروت).


(135)

أوهام وتشكيكات:

إنّ للقائلين بالمنع تشكيكات وشبه كلّها سراب لا ماء، نذكرها بنصوصهم:

أ ـ الاحتفال نوع من العبادة:

قال محمد حامد الفقي: والمواليد والذكريات التي ملاَت البلاد باسم الاَولياء هي نوع العبادة لهم وتعظيمهم (1).

يلاحظ عليه: أنّ العنصر المقوّم لصدق العبادة على العمل هو الاعتقاد بإلوهية المعظَّم له أو ربوبيته، أو كونه مالك لمصير المعظِّم المحتفل، وأنّ بيده عاجله وآجله، ومنافعه ومضاره ولا أقل، وبيده مفاتيح المغفرة والشفاعة.

وأمّا إذا خلا التعظيم عن هذه العناصر وقام بالاحتفال بذكرى رجل ضحّى بنفسه ونفيسه في طريق هداية المحتفلين، فلا يعد ذلك عبادة له وإن أُقيمت له عشرات الاحتفالات وأُلقيت فيها القصائد والخطب.

ومن المعلوم أنّ المحتفلين المسلمين يعتقدون أنّ النبي الاَكرم عبد من عباد اللّه الصالحين، وفي الوقت نفسه هو أفضل الخليقة، ونعمة من اللّه إليهم، فلاَجل تكريمه يقيمون الاحتفال أداءً لشكر النعمة.

ب ـ لم يحتفل السلف بمولد النبي:

قال ابن تيمية: إنّ هذا لم يفعله السلف مع قيام المقتضي له، وعدم المانع منه، ولو كان هذا خيراً محضاً أو راجحاً لكان السلف ـ رضي اللّه عنهم ـ أحق به منّا، فإنّهم كانوا أشد محبّة لرسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وتعظيماً له منّا، وهم على الخير أحرص (2).


(1)محمّد حامد الفقي في تعليقته على فتح المجيد: 154.
(2)ابن تيمية: اقتضاء الصراط المستقيم: 293 ـ 294.


(136)

يلاحظ عليه: بما تعرّفت عليه في الفصل الرابع من أنّ المقياس في السنّة والبدعة هو الكتاب والسنّة وإجماع المسلمين أو السيرة العملية المتصلة بعصر النبي، وأمّا غير ذلك فليس له وزن ولا قيمة ما لم يكن هناك اعتماد على هذه الاَُصول الاَربعة، ولم يكن السلف أنبياءً ولا رسلاً، وليس الخلف بأقل منهم، بل الجميع أمام الكتاب والسنّة سواسية، فلو كان هناك دليل من الكتاب والسنّة على جواز الاحتفال، فترك السلف لا يكون مانعاً، على أنّ ترك السلف لم يكن مقارناً بتحريم الاحتفال أو كراهيته فغاية ما هناك أنّهم لم يفعلوا، وقد أمر اللّه بما في هذه الآية: «وما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا» (الحشر ـ 7) ولم يقل في حق النبي «وما تركه فانتهوا عنه» فكيف الحال في حق السلف؟!

ج ـ إنّها مضاهاة للنصارى في ميلاد المسيح:

يقول ابن تيمية: وكذلك ما يحدثه بعض الناس إمّا مضاهاة للنصارى في ميلاد المسيح ( عليه السلام ) ، وإمّا محبّة للنبي وتعظيماً له واللّه قد يثيبهم على هذه المحبة والاجتهاد لا على البدع (1).

يلاحظ عليه: أنّ ابن تيمية ليس على يقين بأنّ المسلمين يقيمون الاحتفال مضاهاةً للنصارى، أضف إلى ذلك أنّ الاَساس الذي يجب أن يبنى عليه عمل المسلم هو: انطباق العمل على الكتاب والسنّة، فلا تكون المضاهاة مانعة عن اتّباع الكتاب والسنّة، وإن افترضنا أنّ أوّل من احتفل، احتفل مضاهاةً، إلاّ أنّ المحتفلين في هذه القرون براء من هذه التهمة.

د ـ تخصيص المولد بيوم للاحتفال به بدعة:

إنّ عموم الدليل يقتضي أن تكون جميع الاَيام بالنسبة للاحتفال سواسية،


(1)المصدر السابق.


(137)

فتخصيص يوم واحد في جميع البلاد بالاحتفال بدعة، وإن لم يكن أصل العمل بدعة (1).

هذا هو الدليل الهام للقائلين بالمنع، ولكن الجواب عنه واضح، وذلك لاَنّ جميع الاَيام بالنسبة إلى الاحتفال وإن كانت سواسية إلاّ أنّ تخصيص يوم واحد للاحتفال به، فلاَجل خصوصيات في ذلك اليوم، وليست في غيره إلاّ ما شذّ، وهو أنّ ذلك اليوم تشرّف بولادته فهو من أفضل الاَيام، كما أنّ البقعة التي ضمّت جسده الشريف هي من أفضل البقاع، ومن ثم خصّ النبي الاَكرم يوم الاثنين بفضيلة الصوم وبيّن أنّ سبب التخصيص هو أنّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ولد فيه، فصار كل ذلك سبباً لاختيار هذا اليوم دون سائر الاَيام، نعم في وسعهم الاحتفال في غير هذا اليوم أيضاً، بل كل يوم أرادوا تكريم النبي والاحتفاء به.

ثم إنّ الذي نلفت نظر القائل بالمنع إليه،. هو أنّه لم يقترن ولن يقترن ادّعاء ورود الاَمر الشخصي على هذا التخصيص، وانّما الكل يتّفق على جواز الاحتفال في جميع الاَيام غير أنّ تخصيص ذلك اليوم هو لاَجل خصوصية كامنة فيه.

نعم، من احتفل في مولد النبي وادّعى ورود الشرع به، أو حثّه على هذا التخصيص فهو مبتدع، ولا أظن على أديم الاَرض رجلاً يدّعي ذلك.

وبعبارة موجزة، فإنّ كون الاحتفال بدعة رهن أمرين؛ وكلاهما منتفيان:

1ـ عدم الدليل العام على الاحتفال.

2ـ ادّعاء ورود الشرع بذلك اليوم الخاص وحثّه عليه.

فعندئد فلا معنى لادّعاء البدعة.

هـ ـ الاحتفالات تشتمل على أُمور محرّمة:

إنّ هذه الاحتفالات مشتملة على أُمور محرّمة في الغالب كاختلاط النساء


(1)صالح الفوزان: البدعة: 17.


(138)

بالرجال، وقراءة المدائح مع الموسيقى والغناء (1).

يلاحظ عليه: أنّ هذا النوع من الاستدلال ينمّ عن قصور باع المستدل، وهذا يدل على أنّه قد أعوزه الدليل، فأخذ يتمسّك بالطحلب شأن الغريق المتمسّك به.

فإنّ البحث، في نفس مشروعية العمل بحد ذاتها. وأمّا الاَُمور الجانبية العارضة عليه فلا تكون مانعاً من الحكم بالجواز، وما ذكره لا يختص بالاحتفال، بل كل عمل يجب أن يكون بعيداً عن المحرّمات، فعلى المحتفلين أن يلتزموا بذلك، ويجعلوا مجالسهم مهبطاً للنور.

وفي الختام نركز على أمر وهو ، أنّ الاستدلال على الجواز أو المنع بالاَُمور الجانبية خروج عن الاستدلال الفقهي، فانّ الحكم بالجواز والمنع ذاتاً يتوقّف على كون الشيء بما هو هو جائزاً أو ممنوعاً، وأمّا الاستدلال على أحدهما بالاَُمور الطارئة فليس استدلالاً صحيحاً.

وهناك نكتة أُخرى، وهي أنّ الاستدلال على الجواز بما جرت عليه سيرة العقلاء من إقامة الاحتفالات على عظمائهم قياس مع الفارق، لاَنّ الاحتفالات الرائجة بين العقلاء من الاَُمور العادية، والاَصل فيها هو الحلّية، وأمّا الاحتفال بمولد النبي فإنّما هو احتفال ديني وعمل شرعي فلا يقاس بتلك الاحتفالات، بل لابد من طلب دليل شرعي على جوازه، وبذلك تقدر على القضاء بين أدلّة الطرفين.

نعم، لا يمكن أن ننكر أنّ ما يقيمه العقلاء من احتفال، له تأثير في نفوسنا وتحفيز لنا للاِقبال على الاحتفال بمولد النبي، وفي هذا الصدد يقول العلاّمة الاَميني:


(1)ابن الحاج: المدخل: 2|2.


(139)

«لعلّ تجديد الذكرى بالمواليد والوفيات، والجري على مراسم النهضات الدينية، أو الشعبية العامة، والحوادث العالمية الاجتماعية، وما يقع من الطوارق المهمة في الطوائف والاَحياء، بعدِّ سنيها، واتخاذ رأس كل سنة بتلكم المناسبات أعياداً وأفراحاً، أو مآتماً وأحزاناً، وإقامة الحفل السارّ، أو التأبين، من الشعائر المطّردة، والعادات الجارية منذ القدم، ودعمتها الطبيعة البشرية، وأسّستها الفكرة الصالحة لدى الاَُمم الغابرة، عند كل أُمّة ونحلة، قبل الجاهلية وبعدها، وهلمّ جرّاً حتى اليوم.

هذه مراسم اليهود، والنصارى، والعرب، في أمسها ويومها، وفي الاِسلام وقبله، سجّلها التاريخ في صفحاته.

وكأنَّ هذه السُّنّة نزعة إنسانية، تنبعث من عوامل الحب والعاطفة، وتسقى من منابع الحياة، وتتفرع على أُصول التبجيل والتجليل، والتقدير والاِعجاب، لرجال الدين والدنيا، وأفذاذ الملاَ، وعُظماء الاَُمة إحياءً لذكراهم، وتخليداً لاِسمهم، وفيها فوائد تاريخية اجتماعية، ودروس أخلاقية ضافية راقية، لمستقبل الاَجيال، وعظات وعبر، ودستور عملي ناجع للناشئة الجديدة، وتجارب واختبارات تولد حنكة الشعب، ولا تختصّ بجيل دون جيل، ولا بفئة دون أُخرى.

وإنّما الاَيام تقتبس نوراً وازدهاراً، وتتوسّم بالكرامة والعظمة، وتكتسب سعداً ونحساً، وتتخذ صبغة ممّا وقع فيها من الحوادث الهامّة، وقوارع الدهر ونوازله... » (1).


(1)الاَميني: سيرتنا وسنتنا: 38 ـ 39، الطبعة الثانية.


(140)

المسألة الثانية:

شدّ الرحال لزيارة قبر النبي الاَكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم )

اتّفق المسلمون على جواز زيارة القبور وخاصة زيارة قبور الاَنبياء والصالحين، إلاّ ما حكي عن ابن سيرين والنخعي والشعبي والنسبة غير ثابتة، وقد تضافـرت الروايات على هذا الجواز وأنّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) زار قبر أُمه فبكى وأبكى من حوله وقال: «استأذنت ربّي في أنّ أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور فإنّها تذكّركم الموت» (1).

وقال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فأنّها تزهد في الدنيا وتذكّر الآخرة» (2).

ونقتصر من الروايات الكثيرة على هذا المقدار (3).


(1)مسلم: الصحيح: 3|65، باب استئذان النبي ربّه في زيارة قبر أُمّه.
(2)الترمذي: الصحيح :3|274، باب الجنائز المطبوع مع شرح ابن العربي المالكي. وقال بعد نقل هذا الحديث عن بريدة:حديث بريدة صحيح والعمل على هذا عن أهل العلم ولا يرون بزيارة القبور بأساً وهو قول ابن مالك والشافعي وإسحاق.
(3)تحسن مراجعة المصادر الآتية: سنن ابن ماجة: 1|114 ط. الهند باب ما جاء في زيارة القبور، أبو داود: الصحيح :2|195، كتاب الجنائز، باب زيارة القبور..مسلم: الصحيح :4|73 كتاب الجنائز، باب زيارة القبور. إلى غيرها من المصادر.


(141)

وقد روى في السنن كيفية زيارة النبي الاَكرم لقبور البقيع، فلاحظ المصدر(1).

وأمّا زيارة قبر النبي الاَكرم فليس هناك أيّ خلاف بين المسلمين في استحباب زيارته، وهذا محمد بن عبد الوهاب يقول: «تسن زيارة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إلاّ أنّه لا يشد الرحال إلاّ لزيارة المسجد والصلاة فيه» (2).

نعم، ينسب إلى ابن تيمية التشكيك في مندوبية زيارة النبي الاَكرم، ولكن كلامه في كتاب الرد على الاخنائي على خلاف ذلك (3).

حتى أنّ المقدسي (4)صرّح بأنّه كان معتقداً بزيارة النبي الاَكرم وقال: «قال رحمه اللّه (يعني ابن تيمية) في بعض مناسكه، باب زيارة قبر النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : إذا أشرف على مدينة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قبل الحج أو بعده فليقل ما تقدم فإذا دخل استحبّ له أنّ يغتسل، نصّ عليه الاِمام أحمد، فإذا دخل المسجد بدأ برجله اليمنى وقال: بسم اللّه والصلاة على رسول اللّه اللّهمّ اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك، ثمّ يأتي الروضة بين القبر والمنبر فيصلّي بها ويدعو بما شاء، ثمّ يأتي قبر النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فيستقبل جدار القبر ولا يمسّه ولا يقبّله، ويجعل القنديل الذي في القبلة عند القبر على رأسه ليكون قائماً وجاه النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ويقف متباعداً كما يقف لو ظهر في حياته بخشوع وسكون منكّس الرأس غاض الطرف متحضراً بقلبه جلالة موقفه ثم يقول:

السلام عليك يارسول اللّه ورحمة اللّه وبركاته، السلام عليك يا نبي اللّه وخيرته من خلقه، السلام عليك يا سيد المرسلين وخاتم النبيين وقائد الغرّ


(1)النسائي: السنن:4|76 ـ 77 مضافاً إلى المصادر المتقدمة.
(2)الهدية السنية، الرسالة الثانية.
(3)لاحظ ابن تيمية: الرد على الاَخنائي:13.
(4)أبو عبد اللّه محمد بن أحمد بن عبد الهادي الحنبلي المقدسي.


(142)

المحجّلين أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وأشهد أنّك رسول اللّه، أشهد أنّك قد بلّغت رسالات ربّك ونصحت لاَُمتك ودعوت إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة وعبدت اللّه حتى أتاك اليقين، فجزاك اللّه أفضل ما جزى نبياً ورسولاً عن أُمّتة. اللّهمّ آته الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً» (1).

ولذلك لا نطيل الكلام في إثبات استحباب زيارة قبر النبي الاَكرم، ولعلّنا نخصص بحثنا لبيان حكم مطلق الزيارة وبالاَخص زيارة قبور الاَنبياء والاَولياء في المستقبل، إنّما الكلام هنا هو التركيز على حكم شد الرحال لزيارة قبر النبي الاَكرم، فقد رآه ابن تيمية ومن لفّ لفّه، أمراً حراماً مستدلاً بحديث أبي هريرة أنّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال:

«لاتشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، ومسجد الحرام والمسجد الاَقصى».

وروي هذا الحديث بصورة أُخرى وهي:

«إنّما يسافر إلى ثلاثة مساجد: مسجد الكعبة، ومسجدي ومسجد إيليا»

وروي بصورة ثالثة وهي:

«تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد ...» (2).

أقول: رفع القناع عن وجه الحقيقة يتوقف على دراسة أمرين:

الاَوّل: ما يدلّ على استحباب السفر لزيارة قبره ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

الثاني: دراسة وتحليل الحديث الذي تمسّك به ابن تيمية على تحريم السفر.

وإليك الكلام حولهما واحداً تلو الآخر:


(1)المقدسي: الصارم المنكي في الرد على السبكي: ص7. ط1 ، القاهرة، المطبعة الخيرية.
(2)مسلم: الصحيح: 4|126، كتاب الحج، باب لاتشد الرحال.أبو داود: السنن: 1|469 كتاب الحج. النسائي: السنن :2| 37 ـ 38 المطبوع مع شرح السيوطي.


(143)

ما يدلّ على استحباب السفر:

يمكن الاستدلال على استحباب السفر بوجوه كثيرة لكننا نقتصر على وجهين:

الاَوّل: إطباق السلف والخلف على السفر للزيارة:

وهذا لا يمكن لاَحد إنكاره، وقد استمرت السيرة قروناً عديدة، وممن أوضح تلك السيرة الفقيه السبكي، بقوله:

1ـ إنّ الناس لم يزالوا في كل عام إذا قضوا الحج يتوجهون إلى زيارته ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ومنهم من يفعل ذلك قبل الحج، هكذا شاهدناه وشاهده من قبلنا، وحكاه العلماء عن الاَعصار القديمة، كما ذكرناه في الباب الثالث، وذلك أمر لا يرتاب فيه، وكلّهم يقصدون ذلك ويعرجون إليه، وإن لم يكن طريقهم، ويقطعون فيه مسافة بعيدة وينفقون فيه الاَموال، ويبذلون فيه المهج، معتقدين أنّ ذلك قربة وطاعة، وإطباق هذا الجمع العظيم من مشارق الاَرض ومغاربها على مر السنين. وفيهم العلماء والصلحاء وغيرهم، يستحيل أن يكون خطأ، وكلهم يفعلون ذلك على وجه التقرّب به إلى اللّه عزّ وجلّ، ومن تأخر عنه من المسلمين فإنّما يتأخر بعجز أو تعويق المقادير، مع تأسفه عليه و ودّه لو تيسر له، ومن ادّعى أنّ هذا الجمع العظيم مجمعون على خطأ فهو المخطىَ (1).

إنّ جريان السيرة على السفر في القرون الماضية بلغ في الوضوح ما لم يستطع أحد أن ينكره، حتى أنّ الحنبلي المقدسي الذي أفرد كتاباً في الرد على السبكي لم يتعرض للسيرة وماتحدّث عنها بكلمة مع أنّه كان بصدد نقد الكتاب، ولاَجل أن


(1)الاِمام تقي الدين السبكي، شفاء السقام في زيارة خير الاَنام: 100.


(144)

تتضح حال السيرة نذكر بعض النصوص من العلماء:

2 ـ قال أبو الحسن الماوردي ( ت | 450هـ): فإذا عاد ولي الحاج، سار به على طريق المدينة لزيارة قبر رسول اللّه ليجمع لهم بين حجّ بيت اللّه عزّ وجلّ، وزيارة قبر رسول اللّه رعاية لحرمته وقياماً بحقوق طاعته وذلك وإن لم يكن من فروض الحجّ، فهو من مندوبات الشرع المستحبة وعبادات الحجيج المستحبة(1).

3 ـ قـال ابن الحـاج محمّد بن محمّد العبـدري القيرواني المالكـي (ت| 737هـ): وأمّا عظيم جنـاب الاَنبياء والرسـل ـ صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين ـ فيأتي إليهم الزائر ويتعيّن عليه قصدهم من الاَماكن البعيدة، فإذا جاء إليهم فليتصف بالذل والاِنكسار، والمسكنة والفقر، والفاقة والحاجة والاِضطرار والخضوع ويحضر قلبه وخاطره إليهم وإلى مشاهدتهم بعين قلبه لا بعين بصره لاَنّهم لا يبلون ولايتغيرون ... إلى آخر ما ذكره (2).

4ـ قال شيخ الاِسلام أبو يحيى زكريا الاَنصاري الشافعي ( ت | 925هـ) في ما يستحب لمن حجّ: ثم يزور قبر النبي ويسلّم عليه وعلى صاحبيه بالمدينة المشرّفة (3).

إلى غير ذلك من النصوص الواردة حول استحباب السفر لزيارة قبر النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الحاكية عن تطابق الاَُمّة على السفر.

5ـ قال الشيخ علاء الدين الحصكفي الحنفي في آخر كتاب الحج: وزيارة قبره ( صلى الله عليه وآله وسلم ) مندوبة بل قيل واجبة لمن له سعة، ويبدأ بالحـج لو كان فرضـاً ويخيّر


(1)أبو الحسن الماوردي: الاَحكام السلطانية: 105.
(2)ابن الحاج: المدخل: 1|257 فضل زيارة القبور.
(3)أسنى المطالب في شرح روض الطالب: 1|501.


(145)

لو كان نفلاً ما لم يمرّ بـه، فيبدأ بزيارتـه لا محالة ولينـوي معه زيارة مسجده» (1).

6ـ وقد نقل أنّه لما صالح عمر بن الخطاب أهل بيت المقدس جاءه كعب الاَحبار فأسلم ففرح به، فقال عمر له: هل لك أنّ تسير معي إلى المدينة، وتزور قبره وتتمتع بزيارته؟ قال: نعم (2).

7ـ وقد تضافر النقل على أن بلالاً بعد ما نزل الشام وأقام بها، شد الرحال لزيارة قبر النبي الاَكرم، قال جمال الدين المزي: أنّه لم يوَذّن لاَحد بعد النبي إلاّ مرة واحدة في قدمة قدمها لزيارة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) طلب منه الصحابة ذلك، فأذن ولم يتم الاذان (3).

الثاني: إنّ مقدّمة المستحب مستحبة :

إذا كان زيارة النبي الاَكرم أمراً مندوباً ولم تخصص الزيارة لمن كان مقيماً في المدينة ونزيلاً فيها، فلم لا تكون مقدمتها مستحبّة إذ من القواعد إنّ وسيلة القربة قربه، وقد وردت روايات على مشروعية تلك القاعدة؟

يقول السبكي في هذا الصدد:

قال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : «ألا أدلّكم على ما يمحو اللّه به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يارسول اللّه، قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط» رواه مسلم (4)والخطى إلى المساجد إنّما شرّفت لكونها وسيلة إلى عبادة.

وقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : «إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد،


(1)الحنفي المفتي بدمشق (ت |1088): الدر المختار في شرح تنوير الاَبصار، آخر كتاب الحج.
(2)الزرقاني المالكي المصري: شرح المواهب: 8|299.
(3)جمال الدين المزي: تهذيب الكمال: 4|286، ابن منظور : مختصر تاريخ دمشق: 5|365.
(4)ورواه الاِمام مالك، وأحمد، والترمذي، والنسائي.


(146)

لاتخرجه إلاّ الصلاة، لم يخط خطوة إلاّ رفعت له بها درجة وحطّ عنه بها خطيئة» رواه البخاري ومسلم (1).

وقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : «أعظم الناس أجراً في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى» رواه البخاري ومسلم (2).

وقال رجل: مايسرّني أنّ منزلي إلى جنب المسجد، إنّي أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي، فقال رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : «قد جمع اللّه لك ذلك كله» رواه مسلم.

وقال جابر: كانت ديارنا نائية عن المسجد، فأردنا أنّ نبيع بيوتنا فنقرب من المسجد، فنهانا رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فقال: «إنّ لكم بكل خطوة درجة» رواه مسلم.

وقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : «من تطهّر في بيته، ثم مشى إلى بيت من بيوت اللّه ليقضي فريضة من فرائض اللّه، كانت خطوتاه إحداهما تحط خطيئة والاَُخرى ترفع درجة» رواه مسلم.

وقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : «من غدا إلى المسجد أو راح أعدّ اللّه له نزلاً كلّما غدا أو راح» رواه البخاري ومسلم والاِمام أحمد (3).

هذا كله ما ذكره السبكي في مقدمة المستحب وقال بالملازمة بين استحباب ذي المقدّمة ومقدمته.

ولو قلنا بعدم الملازمة بين الاستحبابين ولكن لا محيص عن عدم التضاد بين الحكمين، إذ كيف يمكن أن تكون الزيارة مستحبة للنائي ويكون السفر حراماً؟ فلا محيص عن كونه مباحاً لا حراماً.

هذا كله حول دليل القائل بجواز شد الرحال.


(1)ورواه أبو داود والبيهقي، وفيه زيادات، وكذلك الطبراني، والحاكم.
(2)ورواه ابن ماجة.
(3)السبكي: شفاء السقام، باب في كون السفر إليه قربة: 102، ولكلامه صلة فمن أراد فليرجع إليه فإنّه ممتع.


(147)

دراسة دليل القائل بالتحريم:

ليس للقائل بالتحريم إلاّ دليل واحد وهو ما عرفت من رواية أبي هريرة وقد نقلت بصور مختلفة قد تعرفت عليها، والمناسب لما يرومه المستدل الصورة التالية:

«لاتشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الاَقصى» فتحليل الحديث يتوقف على تعيين المستثنى منه وهو لا يخلو من صورتين:

1 ـ لاتشد إلى مسجد من المساجد إلاّ إلى ثلاثة مساجد ...

2 ـ لاتشد إلى مكان من الاَمكنة إلاّ إلى ثلاثة مساجد...

فلو كانت الاَُولى كما هو الظاهر، كان معنى الحديث عدم شد الرحال إلى أيّ مسجد من المساجد سوى المساجد الثلاثة ولا يعني عدم شد الرحال إلى أيّ مكان من الاَمكنة إذا لم يكن المقصود مسجداً، فالحديث يكون غير متعرض لشد الرحال لزيارة الاَنبياء والاَئمّة الطاهرين والصالحين لاَنّ موضوع الحديث إثباتاً ونفياً هو المساجد، وأمّا غير ذلك فليس داخلاً فيه، فالاستدلال به على تحريم شد الرحال إلى غير المساجد، باطل.

وأمّا الصورة الثانية: فلا يمكن الاَخذ بها إذ يلزمها كون جميع السفرات محرّمة سواء كان السفر لاَجل زيارة المسجد أو غيره من الاَمكنة، وهذا لايلتزم به أحد من الفقهاء.

ثمّ إنّ النهي عن شد الرحال إلى أيّ مسجد غير المساجد الثلاثة ليس نهياً تحريمياً، وإنّما هو إرشاد إلى عدم الجدوى في سفر كهذا، وذلك لاَنّ المساجد الاَُخرى لاتختلف من حيث الفضيلة، فالمساجد الجامعة كلها متساوية في الفضيلة، فمن العبث ترك الصلاة في جامع هذا البلد والسفر إلى جامع بلد آخر


(148)

مع أنّهما متماثلان.

وفي هذا الصدد يقول الغزالي: القسم الثاني وهو أن يسافر لاَجل العبادة إمّا لحجّ أو جهاد ... ويدخل في جملته: زيارة قبور الاَنبياء ( عليهم السلام ) وزيارة قبور الصحابة والتابعين وسائر العلماء والاَولياء، وكل من يتبرّك بمشاهدته في حياته يتبرّك بزيارته بعد وفاته، ويجوز شد الرحال لهذا الغرض، ولا يمنع من هذا قوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : «لاتشد الرحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الاَقصى، لاَنّ ذلك في المساجد، فإنّها متماثلة (في الفضيلة) بعد هذه المساجد، وإلاّ فلا فرق بين زيارة قبور الاَنبياء والاَولياء والعلماء في أصل الفضل، وإن كان يتفاوت في الدرجات تفاوتاً عظيماً بحسب اختلاف درجاتهم عند اللّه» (1).

يقول الدكتور عبد الملك السعدي: إنّ النهي عن شد الرحال إلى المساجد الاَُخرى لاَجل أنّ فيه إتعاب النفس دون جدوى أو زيادة ثواب لاَنّ في الثواب سواء، بخلاف الثلاثة لاَنّ العبادة في المسجد الحرام بمائة ألف، وفي المسجد النبوي بألف، وفي المسجد الاَقصى بخمسمائة فزيادة الثواب تحبّب السفر إليها وهي غير موجوده في بقية المساجد (2).

والدليل على أنّ السفر لغير هذه المساجد ليس أمراً محرّماً ما رواه أصحاب الصحاح والسنن: «كان رسول اللّه يأتي مسجد قباء راكباً وماشياً فيصلّي فيه ركعتين» (3).

ولعلّ استمرار النبي على هذا العمل كان مقترناً لمصلحة تدفعه إلى السفر إلى قباء والصلاة فيه مع كون الصلاة فيه أقل ثواباً من الثواب في مسجده.


(1)الغزالي: احياء علوم الدين: 2|247 كتاب آداب السفر، ط دار المعرفة، بيروت.
(2)الدكتور عبد الملك السعدي، البدعة: 60.
(3)مسلم: الصحيـح :4|127. البخـاري: الصحيـح 2|76. النسـائي: السنن2|37 المطبوع مع شرح السيوطي.


(149)

دراسة النهي عن شدّ الرحال:

إنّ لابن تيمية في المقام كلمة فيها مغالطة واضحة، إذ مع أنّه قدّر المستثنى منه لفظ المساجد إلاّ أنّه استدل على منع شد الرحال لزيارة قبور الاَنبياء والصالحين بمدلوله أي بالقياس الاَولوي، فقال في الفتاوى:

«فإذا كان السفر إلى بيوت اللّه غير الثلاثة ليس بمشروع باتفاق الاَئمّة الاَربعة بل قد نهى عنه الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فكيف بالسفر إلى بيوت المخلوقين الذين تتخذ قبورهم مساجد وأوثاناً وأعياداً ويشرك بها وتدعى من دون اللّه حتى أنّ كثير من معظّميها يفضّل الحج إليها على الحج إلى بيت اللّه» (1).

ولو صح ذلك النقل من ابن تيمية ففي كلامه أوهام شتى وإليك بيانها:

1 ـ قال: «إذا كان السفر إلى بيوت اللّه غير الثلاثة ليس بمشروع».

يلاحظ عليه: من أين وقف على أنّ السفر إلى غير المساجد الثلاثة محرّم، وقد عرفت أنّ النهي ليس تحريمياً مولوياً وإنّما هو إرشاد إلى عدم الجدوى، ولاَجل ذلك لو ترتبت على السفر مصلحة لجاز كما عرفت من سفر النبي إلى مسجد قباء مراراً.

2 ـ نسب عدم المشروعية إلى الاَئمّة الاَربعة، إلاّ أنّنا لم نجد نصّاً منهم على التحريم، ووجود الحديث في الصحاح لايدل على أنّهم فسّـروا الحديث بنفس ما فسر به ابن تيمية.

ولا يخفى على الاَئمّة ظهور الحديث في الدلالة على عدم الجدوى، لا كون العمل محرّماً.


(1)ابن تيمية: الفتاوى، كما في كتاب البدعة للدكتور عبد الملك السعدي.


(150)

3 ـ إنّ عدم جواز السفر إلى غير المساجد الثلاثة لايكون دليلاً على عدم جوازه إلى «بُيوتٍ أَذِنَ اللّهُ أنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ» (1)إذ لا ملازمة بينهما، لاَنّه لايترتب على السفر في غير مورد الثلاثة أية فائدة سوى تحمّل عناء السفر، وقد عرفت أنّ فضيلة أيّ جامع في بلد، نفسها في البلد الآخر، وليس اكتساب الثواب متوقّفاً على السفر، وهذا بخلاف المقام فإنّ درك فضيلةقبر النبي يتوقّف على السفر، ولايدرك بدونه.

4 ـ يقول: «إنّ المسلمين يتخذون قبور الاَنبياء أوثاناً وأعياداً ويشرك بها» «كبرت كلمة تخرج من أفواههم» أفمن يشهد كل يوم بأنّ محمّداً عبده ورسوله ويكرمه ويعظّمه لاَنّه سفير التوحيد ومبلغه، ـ أفهل ـ يمكن أن يتخذ قبره وثناً؟!

5 ـ يقول: «تدعى من دون اللّه» إنّ عبادة الغير حرام لامطلق دعوته، فعامّة المسلمين حتى ابن تيمية يقول في صلاته «السلام عليك أيّها النبي ورحمة اللّه وبركاته». والمراد من قوله سبحانه: «ولاتَدعُوا مَعَ اللّهِ أحَدا»(الجن ـ 18): لاتعبدوا مع اللّه أحداً . قال سبحانه: «أدعُوني أستَجِبُ لَكُمْ إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتي سَيَدخُلوُنَ جَهَنَّمَ داخِرين» (غافر ـ 60) فسمّى سبحانه دعوته: عبادة فإذاً الدعوة على قسمين: دعوة عبادية إذا كان معتقداً بإلوهية المدعوّ بنحو من الاَنحاء، ودعوة غير عبادية، إذا دعاه على أنّه عبد من عباده الصالحين، يستجاب دعاوَه عند اللّه، والدعوة بهذا النوع توَكد التوحيد.

6 ـ نقل: أنّ بعض المسلمين يفضّل السفر إلى تلك الاَماكن على الحج إلى بيت اللّه، لكنها فرية بلا مرية، وليس على وجه البسيطة مسلم واع يعتقد بهذا ويعمل عليه.

7 ـ لو كان السفر إلى القبور أمراً محرّماً فلماذا شد النبي الرحال لزيارة قبر


(1)سورة النور : 36.


(151)

أُمّه بالاَبواء وهو منطقة بين مكة والمدينة، أفصار النبي بهذا ـ والعياذ باللّه ـ مشركاً أو أنّ الرواية التي أطبق المحدثون على نقلها مكذوبة، اللّه لاهذا ولا ذاك وأنّما .........

8 ـ إنّ ما ذكره من أسباب المنع تتحقق للمجاور للقبر بدون شد الرحال، فاللازم منع ارتكاب المحرّمات عند قبره لا منع السفر إليه.

9 ـ احتمال أنّ المراد من زيارة القبور هو زيارة جميع القبور بدون تخصيص لزيارة قبر مشخّص، احتمال ساقط وذلك لاَنّ «ال» (الجنسية) إذا دخلت على الجمع أبطلت جمعيته وصار المراد بالمدخول أيّ فرد يتحقق به جنس القبر ويستوي في ذلك المفرد والجمع.

10 ـ كيف يقال ذلك مع أن السيدة عائشة ـ رضي اللّه عنها ـ كانـت تزور قبر أخيها عبد الرحمن بخصوصه (1)حتى أنّ النبي يخص بعض القبور بالزيارة وقد وضع حجرات على قبر أخيه من الرضاعة عثمان بن مضعون وقال: «لتعرف بها قبر أخي» ولا تترتب على التعرّف فائدة سوى زيارته.



(1)ابن قدامة: المغني: 2|270.


(152)

المسألة الثالثة:

القبض بين البدعة والسنّة

إنّ قبض اليد اليسرى باليمنى ممّا اشتهر ندبه بين فقهاء أهل السنّة.

فقالت الحنفية: إنّ التكتّف مسنون وليس بواجب، والاَفضل للرجل أن يضع باطن كفّه اليمنى على ظاهر كفّه اليسرى تحت سُرّته، وللمرأة أن تضع يديها على صدرها.

وقالت الشافعية: يسن للرجل والمرأة، والاَفضل وضع باطن يمناه على ظهر يسراه تحت الصدر وفوق السرّة ممّا يلي الجانب الاَيسر .

وقالت الحنابلة: إنّه سنّة، والاَفضل أن يضع باطن يمناه على ظاهر يسراه، ويجعلها تحت السرة.

وشذّت عنهم المالكية فقالوا: يُندَب إسدالُ اليدين في الصلاة الفرض، وقالت جماعة أيضاً قبلهم، منهم: عبد اللّه بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وعطاء، وابن جريج، والنخعي، والحسن البصري، وابن سيرين، وجماعة من الفقهاء.

والمنقول عن الاِمام الاَوزاعي التخيير بين القبض والسدل (1).


(1)محمّد جواد مغنية: الفقه على المذاهب الخمسة: 110، ولاحظ رسالة مختصرة في السدل للدكتور عبد الحميد : 5.


(153)

وأمّا الشيعة الاِمامية، فالمشهور أنّه حرام ومبطل، وشذّ منهم من قائل بأنّه مكروه، كالحلبي في الكافي (1).

ومع أنّ غير المالكية من المذاهب الاَربعة قد تصوبوا وتصعّدوا في المسألة، لكن ليس لهم دليل مقنع على جوازه في الصلاة، فضلاً عن كونه مندوباً، بل يمكن أن يقال: إنّ الدليل على خلافهم، والروايات البيانية عن الفريقين التي تبيّن صلاة الرسول خالية عن القبض، ولا يمكن للنبي الاَكرم أن يترك المندوب طيلة حياته أو أكثرها، وإليك نموذجين من هذه الروايات: أحدهما عن طريق أهل السنّة، والآخر عن طريق الشيعة الاِمامية، وكلاهما يُبيّنان كيفية صلاة النبي وليست فيهما أية إشارة إلى القبض فضلاً عن كيفيته.

ألف ـ حديث أبي حميد الساعدي:

روى حديث أبي حميد الساعدي غير واحد من المحدّثين، ونحن نذكره بنص البيهقي، قال: أخبرناه أبو عبد اللّه الحافظ:

فقال أبو حميد الساعدي: أنا أعملكم بصلاة رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، قالوا: لِمَ، ما كنت أكثرنا له تبعاً، ولا أقدمنا له صحبة؟! قال: بلى، قالوا: فأعرض علينا، فقال: كان رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يحاذي بهما مَنْكَبيه، ثم يكبّـر حتّى يقرّ كل عضو منه في موضعه معتدلاً، ثم يقرأ، ثم يكبّـر ويرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يركع ويضع راحتيه على ركبتيه، ثم يعتدل ولا ينصب رأسه ولا يقنع، ثم يرفع رأسه، فيقول: سمع اللّه لمن حمده، ثم يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه حتى يعود كل عظم منه إلى موضعه معتدلاً، ثم يقول: اللّه أكبر، ثم يهوي إلى


(1)النجفي: جواهر الكلام: 11|15 ـ 16.


(154)

الاَرض فيجافي يديه عن جنبيه، ثم يرفع رأسه فيثني رجله اليسرى فيقعد عليها ويفتح أصابع رجليه إذا سجد، ثم يعود، ثم يرفع فيقول: اللّه أكبر، ثم يثني برجله فيقعد عليها معتدلاً حتى يرجع أو يقر كل عظم موضعه معتدلاً، ثم يصنع في الركعة الاَُخرى مثل ذلك، ثم إذا قام من الركعتين كبّـر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه كما فعل أو كبّـر عند افتتاح صلاته، ثم يصنع مثل ذلك في بقية صلاته، حتى إذا كان في السجدة التي فيها التسليم أخّر رجله اليسرى وقعد متوركاً على شقّه الاَيسر، فقالوا جميعاً: صدَق هكذا كان يصلّي رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) (1).

و الذي يوضح صحّة الاجتماع به الاَُمور التالية:

1ـ تصديق أكابر الصحابة (2)وهذا العدد لاَبي حميد يدل على قوة الحديث، وترجيحه على غيره من الاَدلّة.

2ـ أنّه وصف الفرائض والسنن والمندوبات ولم يذكر القبض، ولم ينكروا عليه، أو يذكروا خلافه، وكانوا حريصين على ذلك لاَنّهم لم يسلّموا له أوّل الاَمر أنّه أعملهم بصلاة رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، بل قالوا جميعاً: صدقت هكذا كان رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يصلّي، ومن البعيد جداً نسيانهم وهم عشرة، وفي مجال المذاكرة.

3ـ الاَصل في وضع اليدين هو الاِرسال، لاَنّه الطبيعي فدلّ الحديث عليه.

4ـ هذا الحديث لا يقال عنه إنّه عام وأحاديث القبض خصصته، لاَنّه وصف وعدد جميع الفرائض والسنن والمندوبات وكامل هيئة الصلاة، وهو في معرض التعليم والبيان، والحذف فيه خيانة، وهذا بعيد عنه وعنهم.


(1)البيهقي: السنن: 2|72، 73، 101، 102، أبو داود: السنن: 1|194، باب افتتاح الصلاة، الحديث 730ـ 736، الترمذي: السنن: 2|98 باب صفة الصلاة.
(2)منهم أبو هريرة، وسهل الساعدي، وأبو أُسيد الساعدي، وأبو قتادة الحارث بن ربعي، ومحمد بن مسلمة.


(155)

5ـ بعض من حضر من الصحابة قد روى أحاديث القبض، فلم يعترض، فدلّ على أنّ القبض منسوخ، أو على أقل أحواله بأنّه جائز للاعتماد لمن طول في صلاته، وليس من سنن الصلاة، ولا من مندوباتها، كما هو مذهب الليث بن سعد، والاَوزاعي، ومالك (1).

هذا هو الحديث الذي قام ببيان كيفية صلاة النبي وقد روي عن طريق أهل السنّة، وقد عرفت وجه الدلالة، وإليك ما رواه الشيعة الاِمامية.

ب ـ حديث حماد بن عيسى:

روى حماد بن عيسى عن الاِمام الصادق ( عليه السلام ) أنّه قال: «ما أقبح بالرجل أن يأتي عليه ستون سنة أو سبعون سنة فما يقيم صلاة واحدة بحدودها تامة» قال حماد: فأصابني في نفسي الذل، فقلت: جعلت فداك فعلّمني الصلاة، فقام أبو عبد اللّه مستقبلَ القبلة منتصباً فأرسل يديه جميعاً على فخذيه قد ضمّ أصابعه وقرّب بين قدميه حتى كان بينهما ثلاثة أصابع مفرجات، واستقبل بأصابع رجليه (جميعاً) لم يُحرفهما عن القبلة بخشوع واستكانة، فقال: اللّه أكبر، ثم قرأ الحمد بترتيل، وقل هو اللّه أحد، ثم صبر هنيئة بقدر ما تنفس وهو قائم، ثم قال: اللّه أكبر، وهو قائم ثم ركع وملاَ كفيه من ركبتيه مفرّجات، و ردّ ركبتيه إلى خلفه حتى استوى ظهره، حتى لو صبت عليه قطرة ماء أو دهن لم تزل لاستواء ظهره وتردّد ركبتيه إلى خلفه، ونصب عنقه، وغمض عينيه ثم سبح ثلاثاً بترتيل وقال: سبحان ربي العظيم وبحمده، ثم استوى قائماً، فلما استمكن من القيام قال: سمع اللّه لمن حمده، ثم كبّـر وهو قائم، ورفع يديه حيال وجهه، وسجد، ووضع يديه إلى الاَرض قبل ركبتيه وقال: سبحان ربي الاَعلى وبحمده، ثلاث مرات، ولم يضع شيئاً من


(1)الدكتور عبد الحميد: رسالة مختصرة في السدل: 11 .


(156)

بدنه على شيء منه، وسجد على ثمانية أعظم: الجبهة، والكفين، وعيني الركبتين، وأنامل إبهامي الرجلين، والاَنف، فهذه السبعة فرض، ووضع الاَنف على الاَرض سنّة، وهو الاِرغام، ثم رفع رأسه من السجود فلمّا استوى جالساً قال: اللّه أكبر، ثم قعد على جانبه الاَيسر، ووضع ظاهر قدمه اليمنى على باطن قدمه اليسرى، وقال: أستغفر اللّه ربي وأتوب إليه، ثم كبر وهو جالس وسجد الثانية، وقال كما قال في الاَُولى ولم يستعن بشيء من بدنه على شيء منه في ركوع ولا سجود، وكان مجنّحاً، ولم يضع ذراعيه على الاَرض، فصلّـى ركعتين على هذا.

ثم قال: «يا حمّاد هكذا صل، ولا تلتفت، ولا تعبث بيديك وأصابعك، ولا تبزق عن يمينك ولا (عن) يسارك ولا بين يديك» (1).

ترى أنّ الروايتين بصدد بيان كيفية الصلاة المفروضة على الناس وليست فيهما أيّة إشارة إلى القبض بأقسامه المختلفة فلو كان سنّة لما تركه الاِمام في بيانه، وهو بعمله يجسّد لنا صلاة الرسول، لاَنّه أخذه عن أبيه الاِمام الباقر، وهو عن أبيه عن آبائه، عن أمير الموَمنين، عن الرسول الاَعظم ـ صلوات اللّه عليهم أجمعين ـ فيكون القبض بدعة، لاَنّه إدخال شيء في الشريعة وهو ليس منه.

ثم إنّ للقائل بالقبض أدلّة نأخذ بدراستها:

إنّ مجموع ما يمكن الاستدلال به على أنّ القبض سنّة في الصلاة لا يعدو عن مرويات ثلاثة:

1ـ حديث سهل بن سعد. رواه البخاري.

2ـ حديث وائل بن حجر. رواه مسلم ونقله البيهقي بأسانيد ثلاثة.

3ـ حديث عبد اللّه بن مسعود. رواه البيهقي في سننه.


(1)الحر العاملي: الوسائل: 4، الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة، الحديث 1. ولاحظ الباب 17، الحديث 1 و 2.


(157)

وإليك دراسة كل حديث:

ألف: حديث سهل بن سعد:

روى البخاري عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: «كان الناس يُوَمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة» قال أبو حازم: لا أعلمه إلاّ يَنمي ذلك إلى النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) (1).

قال إسماعيل (2): يُنمى ذلك ولم يقل يَنمي.

والرواية متكفّلة لبيان كيفية القبض إلاّ أنّ الكلام في دلالته بعد تسليم سنده. ولا يدل عليه بوجهين:

أوّلاً: لو كان النبي الاَكرم هو الآمر بالقبض فما معنى قوله: «كان الناس يوَمرون»؟ أوَما كان الصحيح عندئذ أن يقول: كان النبي يأمر؟ أوليس هذا دليلاً على أنّ الحكم نجم بعد ارتحال النبي الاَكرم حيث إنّ الخلفاء وأُمراءهم كانوا يأمرون الناس بالقبض بتخيّل أنّه أقرب للخشوع؟ ولاَجله عقد البخاري بعده باباً باسم باب الخشوع. قال ابن حجر: الحكمة في هذه الهيئة أنّه صفة السائل الذليل، وهو أمنع عن العبث وأقرب إلى الخشوع، كان البخاري قد لاحظ ذلك وعقّبه بباب الخشوع.

وثانياً: أنّ في ذيل السند ما يوَيد أنّه كان من عمل الآمرين، لا الرسول الاَكرم نفسه حيث قال:

قال إسماعيل: «لا أعلمه إلاّ ينمى ذلك إلى النبي» بناءً على قراءة الفعل


(1)ابن حجر: فتح الباري في شرح صحيح البخاري: 2|224، باب وضع اليمنى على اليسرى. ورواه البيهقي في السنن الكبرى: 2|28، الحديث 3، باب وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة.
(2)المراد: إسماعيل بن أبي أويس شيخ البخاري كما جزم به الحميدي. لاحظ فتح الباري: 9|325.


(158)

بصيغة المجهول.

ومعناه أنّه لا يعلم كونه أمراً مسنوناً في الصلاة غير أنَّه يُعزى وينسب إلى النبي، فيكون ما يرويه سهل به سعد مرفوعاً.

قال ابن حجر: ومن اصطلاح أهل الحديث إذا قال الراوي: ينميه، فمراده: يرفع ذلك إلى النبي (1).

هذا كلّه إذا قرأناه بصيغة المجهول، وأمّا إذا قرأناه بصيغة المعلوم، فمعناه أنّ سهلاً ينسب ذلك إلى النبي، فعلى فرض صحّة القراءة وخروجه بذلك من الاِرسال والرفع، يكون قوله: «لا أعلمه إلاّ ...» معرباً عن ضعف العزو والنسبة، وأنّه سمعه عن رجل آخر ولم يسم.

ب ـ حديث وائل بن حجر:

وروي بصور:

1ـ روى مسلم، عن وائل بن حجر: أنّه رأى النبي رفع يديه حين دخل في الصلاة كبّـر، ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى، فلمّـا أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب، ثم رفعهما، ثم كبّـر فركع ... (2).

والاحتجاج بالحديث احتجاج بالفعل، ولا يحتج به إلاّ أن يعلم وجهه، وهو بعدُ غير معلوم، لاَنّ ظاهر الحديث أنّ النبي جمع أطراف ثوبهِ فغطّى صدره به،


(1)المصدر نفسه: هامش رقم 1.
(2)مسلم: الصحيح: 1|382 ، الباب 5 من كتاب الصلاة، باب وضع يده اليمنى على اليسرى، وفي سند الحديث «همام» ولو كان المقصود، هو همام بن يحيى فقد قال ابن عمار فيه: كان يحيى القطّان لا يعبأ بـ «همام» وقال عمر بن شيبة: حدثنا عفان قال: كان يحيى بن سعيد يعترض على همام في كثير من حديثه. وقال أبو حاتم: ثقة في حفظه. لاحظ هدى الساري: 1|449.


(159)

ووضع يده اليمنى على اليسرى، وهل فعل ذلك لاَجل كونه أمراً مسنوناً في الصلاة، أو فعله لئلاّ يسترخي الثوب بل يلصق الثوب بالبدن ويتّقي به نفسه عن البرد؟ والفعل أمر مجهول العنوان، لا يكون حجّة إلاّ إذا علم أنّه فعل به لاَجل كونه مسنوناً.

إنّ النبيّ الاَكرم صلّـى مع المهاجرين والاَنصار أزيد من عشر سنوات، فلو كان ذلك ثابتاً من النبي لكثر النقل وذاع، ولما انحصر نقله بوائل بن حجر، مع ما في نقله من الاحتمالين.

نعم روي بصورة أُخرى ليس فيه قوله: «ثم التحف بثوبه» وإليك صورته:

2ـ روى البيهقي بسنده عن موسى بن عمير: حدثني علقمة بن وائل، عن أبيه: أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان إذا قام في الصلاة قبض على شماله بيمينه، ورأيت علقمة يفعله (1).

وبما أنّه إذا دار الاَمر بين الزيادة والنقيصة فالثانية هي المتعينة، فيلاحظ عليها بما لوحظ على الاَُولى وأنّ وجه الفعل غير معلوم.

على أنّه لو كان النبي مقيماً على هذا العمل، لاشتهر بين الناس، مع أنّ قوله: «ورأيتُ علقمة يفعله» يعرب عن أنّ الرواي تعرّف على السنّة من طريقه.

3ـ رواه البيهقي أيضاً بسند آخر عن وائل بن حجر (2)ويظهر الاِشكال فيه بنفس ما ذكرناه في السابق.


(1)البيهقي: السنن: 2|28، وفي سند الحديث عبد اللّه بن جعفر، فلو كان هو ابن نجيح قال ابن معين: ليس بشيء، وقال النسائي: متروك، وكان وكيع إذا أتى على حديثه جز عليه، متفق على ضعفه. لاحظ دلائل الصدق للشيخ محمد حسن المظفر: 1|87.
(2)المصدر نفسه: وفي سنده عبد اللّه بن رجاء. قال عمرو بن علي الفلاس: كان كثير الخلط والتصحيف ليس بحجّة. لاحظ هدى الساري: 1|437.


(160)

ج ـ حديث عبد اللّه بن مسعود:

روى البيهقي مسنداً عن ابن مسعود ـ رضي اللّه عنه ـ أنّه كان يصلّـي فوضع يده اليسرى على اليمنى فرآه النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فوضع يده اليمنى على اليسرى (1).

يلاحظ عليه: مضافاً إلى أنّه من البعيد أن لا يعرف مثل عبد اللّه بن مسعود ذلك الصحابي الجليل ما هو المسنون في الصلاة مع أنّه من السابقين في الاِسلام، أنّ في السند هشيم بن بشير وهو مشهور بالتدليس (2).

ولاَجل ذلك نرى أنّ أئمّة أهل البيت كانوا يتحرّزون عنه ويرونه من صنع المجوس أمام الملك.

روى محمد بن مسلم عن الصادق أو الباقر ( عليه السلام ) قال: قلت له: الرجل يضـع يده في الصلاة ـ وحكي ـ اليمنـى على اليسرى؟ فقال: ذلك التكفير، لا يفعل.

وروى زرارة عن أبي جعفر ( عليه السلام ) أنّه قال: وعليك بالاِقبال على صلاتك، ولا تكفّر، فإنّما يصنع ذلك المجوس.

وروى الصدوق بإسناده عن علي ( عليه السلام ) أنّه قال: وعليك بالاِقبال على صلاتك، ولا تكفّر، فإنّما يصنع ذلك المجوس.

وروى الصدوق بإسناده عن علي ( عليه السلام ) أنّه قال: لا يجمع المسلم يديه في صلاته وهو قائم بين يدي اللّه عزّ وجلّ يتشبّه بأهل الكفر ـ يعني المجوس ـ (3).


(1)البيهقي: السنن: 2|28، باب وضع اليد اليمنى على اليسرى، الحديث 5.
(2)هدى الساري: 1|449.
(3)الحر العاملي: الوسائل: 4 الباب 15 من أبواب قواطع الصلاة، الحديث 1و 2 و7.


(161)

وفي الختام نلفت نظر القارى إلى كلمة صدرت من الدكتور علي السالوس، فهو بعد ما نقل آراء فقهاء الفريقين، وصف القائلين بالتحريم والاِبطال بقوله: «وأُولئك الذين ذهبوا إلى التحريم والاِبطال، أو التحريم فقط، يمثّلون التعصب المذهبي وحب الخلاف، تفريقاً بين المسلمين» (1).

ما ذنب الشيعة إذا هداهم الاجتهاد والفحص في الكتاب والسنّة إلى أنّ القبض أمر حدث بعد النبي الاَكرم، وكان الناس يوَمرون بذلك أيام الخلفاء، فمن زعم أنّه جزء من الصلاة فرضاً أو استحباباً، فقد أحدث في الدين ما ليس منه، أفهل جزاء من اجتهد أن يُرمى بالتعصب المذهبي وحب الخلاف؟!

ولو صح ذلك، فهل يمكن توصيف الاِمام مالك به؟ لاَنّه كان يكره القبض مطلقاً، أو في الفرض أفهل يصح رمي إمام دار الهجرة بأنّه كان يحب الخلاف؟!

أجل لماذا لا يكون عدم الاِرسال ممثلاً للتعصب المذهبي وحب الخلاف بين المسلمين، يا ترى؟!



(1)فقه الشيعة الاِمامية ومواضع الخلاف بينه وبين المذاهب الاَربعة: 183.


(162)

المسألة الرابعة:

صلاة الضحى

صلاة الضّحى من النّوافل الرّواتب المشهورة في كتب الفقه والحديث لاَهل السنّة وإن كانت مجهولة ومتروكة عند الكثير من عامّتهم.

وفي هذه العجالة نلقي نظرة خاطفة على مايتعلّق بصلاة الضحى من قبيل: حكمها وأقوال الفقهاء حولها، ووقتها، وعدد ركعاتها وأدلّة مشروعيّتها عندهم وبالاَخير نظر فقهاء الشيعة حولها.

ما هو حكمها ؟

صلاة الضّحى على المشهور عندهم سنّة كما عليه الحنابلة والحنفيّة والشافعيّة.

وفي مقابل المشهور هناك أقوال أُخر وهي:

1 ـ إنّها مندوبة (1)ـ كما عليه المالكيّة ـ فيستحب المداومة عليها.

2 ـ لاتستحبّ أصلاً.


(1) يفرق بين المسنون والمندوب، بأنّ الاَوّل هو ما واظب عليه النبي ص والخلفاء الراشدون والثاني هو ما أمر به النبي ص ولم يواظب عليه. (الفقه على المذاهب الخمسة، للشيخ محمّد جواد مغنية: 78).


(163)

3 ـ يستحبّ فعلها تارة وتركها أُخرى فلا يستحبّ المداومة عليها.

4 ـ تستحبّ صلاتها والمحافظة عليها في البيوت.

5 ـ لاتشرع إلاّ بسبب مثل الشكر وغيره.

6 ـ إنّها بدعة (1).

متى وقتها ؟

وقتها من ارتفاع الشمس قدر رمح، إلى زوالها والاَفضل أن يبدأها بعد ربع النهار. وعبّر عن وقتها بهذه العبارة أيضاً: وأفضل وقتها إذا علت الشمس واشتدّ حرّها ويمتدّ وقتها إلى زوال الشمس، وأوله حين تبيضّ الشمس (2).

كم عدد ركعاتها ؟

أقلّها ركعتان وأكثرها ثمان، وقيل أثنتا عشرة ركعة، وقال الحنفيّة: أكثرها ستّ عشرة، وذهب بعض الشافعية والطبري إلى أنّه لا حدّ لاَكثرها.

وقالوا بأنّه يكره أنّ يصلّى في نفل النّهار زيادة على أربع ركعات بتسليمة واحدة (3).

ما هي أدلّة مشروعيّتها عندهم ؟

لا دليل لهم على مشروعيّتها إلاّ مجموعة أحاديث وردت في مجاميعهم الحديثيّة.


(1)راجع: الشرح الكبير على المغني، لابن قدامة المقدسي: 1|775 ـ و الفقه على المذاهب الاَربعة، لعبد الرحمن الجزيري: 1|332، وفقه السنّة، للسيد سابق: 1|185، وزاد المعاد، لابن قيم الجوزية: 1|116 ـ 119. ونيل الاَوطار، للشوكاني: 3|62.
(2)راجع: الشرح الكبير على المغني، لابن قدامة المقدسي: 1|775 ـ و الفقه على المذاهب الاَربعة، لعبد الرحمن الجزيري: 1|332، وفقه السنّة، للسيد سابق: 1|185، وزاد المعاد، لابن قيم الجوزية: 1|116 ـ 119. ونيل الاَوطار، للشوكاني: 3|62.
(3)راجع: الشرح الكبير على المغني، لابن قدامة المقدسي: 1|775 ـ و الفقه على المذاهب الاَربعة، لعبد الرحمن الجزيري: 1|332، وفقه السنّة، للسيد سابق: 1|185، وزاد المعاد، لابن قيم الجوزية: 1|116 ـ 119. ونيل الاَوطار، للشوكاني: 3|62.


(164)

ولكن بعد التمحيص والتنقيب يتجلّـى عدم نهوضها للحجّية على ذلك.

لاَنّها إمّا مجملة تقصر دلالتها عن الاِثبات، وإمّا مرويّة عن طرق لايصح الاحتجاج بها.

مضافاً إلى معارضتها بأحاديث نافية للمشروعيّة راجحة عليها سنداً ودلالة.

وإليك نماذج من تلك الطّوائف الثّلاث، وعليها يمكن قياس سائر الاَحاديث التي لم نذكرها هنا رعاية للاختصار:

الطائفة الاَُولى :

الاَحاديث المحاطة بالاِجمال، منها:

1 ـ ما روي عن نعيم بن همّاز، قال: سمعت النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يقول: قال اللّه عزّ وجلّ: يا ابن آدم لاتعجزني من أربع ركعات في أوّل نهارك أكفك آخره (2).

رواه أبو داود وأحمد والترمذي.

ولفظه: ابن آدم اركع من أوّل النهار أربع ركعات أكفك آخره».

وليس في هذا تصريح بصلاة الضحى ولا ظهور لاحتمال أنّ المقصود من الاَربع هو فريضة الفجر ونافلتها كما اختاره ابن تيميّة وابن قيم (3)واحتمله البعض الآخر مثل الشوكاني والعراقي (4).

2 ـ ماروي عن أبي هريرة قـال: «أوصاني خليلي بثلاث لا أدعهنَّ حتى


(1)التاج الجامع للاَُصول: 1|321.
(2)زاد المعاد: 1|120.
(3)نيل الاَوطار: 3|64.


(165)

أموت: صوم ثلاثة أيام من كلّ شهر، وصلاة الضحى ونوم على وتر» (1).

احتمل في هذا الحديث اختصاص الوصيّة بأبي هريرة وأمثاله الذين لايستيقظون لنافلة الليل أو ينشغلون عنها، بأنّ يصلّوها في الضحى قضاءً ويوَيده قوله: «ونوم على وتر».

قال ابن قيّم: «وأمّا أحاديث الترغيب فيها والوصيّة بها فالصحيح منها كحديث أبي هريرة وأبي ذرّ لا يدلّ على أنّها سنّة راتبة لكلّ أحد، وإنّما أوصى أبا هريرة بذلك، لاَنّه قد روي أنّ أبا هريرة كان يختار درس الحديث باللّيل على الصّلاة فأمره بالضّحى بدلاً من قيام الليل، ولهذا أمره لا ينام حتى يوتر ولم يأمر بذلك أبا بكر وعمر وسائر الصحابة» (2).

3 ـ روي عن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة أنّه قال: «دخلت على عمر بن الخطاب بالهاجرة فوجدته يسبّح فقمت وراءه فقرّبني حتّى جعلني حذاءه عن يمينه، فلما جاء يرفأ تأخرتُ فصففنا وراءه» (3).

ولكن عمل الخليفة مجهول العنوان فمن أين يعلم بأنّه كان يصلّي الضحى؟ خاصّة مع شهادة ولده كما سيأتي بأنّه ما كان يصلّيها.

ثمّ إنّ الهاجرة لغة ليس بمعنى الضحى، بل «بمعنى نصف النهار عند زوال الشمس إلى العصر» (4)على المشهور، فسبحة الهاجرة تنطبق على نافلة الظهر وبناءً على ما حكي عن ابن السكّيت بأنّ: الهاجرة إنّما تكون بالقيظ وقبل الظهر بقليل وبعدها بقليل (5)فالرواية مجملة إذ كما يحتمل فيها صلاة الضحى يحتمل


(1)صحيح البخاري: 2|73.
(2)زاد المعاد: 1|118.
(3)الموطّأ للامام مالك: 131، الحديث 209. «يرفأ» اسم خادم عمر .
(4)لسان العرب مادة هجر.
(5)لسان العرب مادة هجر.


(166)

نافلة الظهر ولا مرجّح للاَوّل على الثاني.

4 ـ ما روي عن أبي هريرة قال: «ما رأيت رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يصلّي الضّحى قطّ إلاّ مرّة» (1).

فصدر الحديث ينفي صلاة الضحى وذيله مجمل لاحتمال أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان قد صلّى صلاة بسبب آخر كالحاجة أو غيرها وخفي على أبي هريرة فتصور أنّه صلّى الضحى، إذ ليس فيه أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أعرب عن نيّة عمله.

5 ـ ما روي عن أنس أنّه قال: «رأيت رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في سفر صلّى سبحة الضّحى ثماني ركعات فلّما انصرف قال: «إنّي صلّيت صلاة رغبة ورهبة، سألت ربّي ثلاثاً فأعطاني اثنين ومنعني واحدة: سألته ألاّ يبتلي أُمّتي بالسنين ففعل، وسألته ألاّ يظهر عليهم عدوّهم ففعل، وسألته ألاّ يلبسهم شيعاً فأبى عليّ» (2).

يرد على الاستدلال به، أوّلاً: مثل ما مضى على سابقه، وثانياً : يتناقض ذيله مع الواقع التاريخي للاَُمّة الاِسلامية، فكم من بلد إسلاميّ ابتلي بالقحط والسّنين، وما أكثر البلدان الاِسلامية التي وقعت تحت سيطرة أعدائها في الزمن الغابر والحاضر.

وهذا ممّا يطمئننا باختلاقه ووضعه.

الطائفة الثانية :

الاَحاديث الموضوعة :

قال ابن قيم الجوزيّة (691 ـ 751) في تقييم أحاديث صلاة الضحى:


(1)مسند الاِمام أحمد بن حنبل: 2|446.
(2)فقه السنّة: 1|185.


(167)

«وعامّة أحاديث الباب في أسانيدها مقال، وبعضها موضوع لايحلّ الاحتجاج به» (1).

ثمّ ذكر عدّة أحاديث قد صرّح أعلام الرجاليّين بكون نقلتها وضّاعين كذبة، منها:

1 ـ ماروي عن أنس مرفوعاً: «من داوم على صلاة الضحى ولم يقطعها إلاّ عن علّة كنت أنا وهو في زورق من نور في بحر من نور».

وضعه زكريّا بن دريد الكندي عن حميد.

2 ـ حديث يعلى بن أشدق عن عبد اللّه بن جراد: عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أنّه قال: «من صلّـى منكم صلاة الضحى فليصلّها متعبّداً، فانّ الرّجل ليصلّيها السّنة من الدّهر ثمّ ينساها ويدعها فتحنّ إليه كما تحنّ الناقة على ولدها إذا فقدته».

وياعجباً للحاكم كيف يحتج بهذا وأمثاله ؟! فإنّه يروي هذا الحديث في كتاب أفرده للضحى وهذه نسخة موضوعة على رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، يعني نسخة يعلى بن الاَشدق.

وقال ابن عدي: روى يعلى بن الاَشدق عن عمّه عبد اللّه بن جراد عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أحاديث كثيرة منكرة وهو وعمّه غير معروفين. وبلغني عن أبي مسهر قال: قلت ليعلى بن الاَشدق: ما سمع عمك من حديث رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ؟فقال: جامع سفيان وموطّأ مالك وشيئاً من الفوائد.

وقال أبو حاتم بن حبان: لقي يعلى عبد اللّه بن جراد فلمّـا كبر اجتمع عليه من لا دين له فوضعوا له شبهاً بمائتي حديث فجعل يحدّث بها وهو لايدري. وهو الذي قال له بعض أصحابنا: أيّ شيء سمعته عن عبد اللّه بن جراد ؟ فقال: هذه النسخة، وجامع أبي سفيان لاتحلّ الرّواية عنه بحال.


(1)زاد المعاد: 1|119.


(168)

3 ـ حديث عمر بن صبيح عن مقاتل بن حبان عن عائشة: «كان رسول اللّه يصلّي الضحى اثنتي عشرة ركعة».

وهو حديث طويل ذكره الحاكم في صلاة الضحى وهو حديث موضوع المتّهم به عمر بن صبيح.

قال البخاري: حدثني يحيى بن علي بن جبير قال: سمعت عمر بن صبيح يقول: أنا وضعت خطبة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وقال ابن عدي: منكر الحديث. وقال ابن حبّان: يضع الحديث على الثّقات لايحلّ حديثه إلاّ على جهة التعجّب منه. وقال الدّارقطني: متروك، وقال الاَزدي: كذّاب.

4 ـ حديث عبد العزيز بن إبان عن الثوري عن حجاج بن فرافصة عن مكحول عن أبي هريرة مرفوعاً: «من حافظ على سبحة الضحى غفرت ذنوبه وإن كانت بعدد الجراد وأكثر من زبد البحر».

ذكره الحاكم أيضاً. وعبد العزيز هذا، قال ابن نمير: هو كذّاب. وقال يحيى: ليس بشيء كذّاب خبيث يضع الحديث. وقال البخاري والنسائي والدّار قطني: متروك الحديث.

5 ـ حديث النهاس بن فهم عن شداد عن أبي هريرة يرفعه: «من حافظ على سبحة الضحى غفرت ذنوبه وإن كانت أكثر من زبد البحر».

والنهاس، قال يحيى: ليس بشيء ضعيف. كان يروي عن عطاء عن ابن عباس أشياء منكرة.

وقال النسائي: ضعيف. وقال ابن عدي: لايساوي شيئاً. وقال ابن حبان: كان يروي المناكير عن المشاهير، ويخالف الثقات، لايجوز الاحتجاج به. وقال الدارقطني: مضطرب الحديث تركه يحيى القطان (1).


(1)راجع حول الاَحاديث الموضوعة وعمّـا جاء حول رواتها، زاد المعاد: 1|119 ـ 120.


(169)

الطائفة الثالثة:

الاَحاديث النافية لمشروعية صلاة الضحى:

فهي معارضة للاَحاديث المثبتة وباعتبار قوّة دلالتها وأسنادها رجّحها جماعة من علماء العامّة على غيرها كما صرّح بذلك ابن قيم.

قال: «وطائفة ثانية ذهبت إلى أحاديث الترك ورجّحتها من جهة صحّة اسنادها وعمل الصحابة بموجبها» (2).

منها :

1ـ مـا رواه البخـاري بسنـده عن مورّق قـال: قلت لابـن عمـر: أتصلّي الضحى؟ قال: لا. قلت: فعمر؟ قال: لا. قلت: فأبو بكر؟ قال: لا. قلت: فالنبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ؟ قال: لا أخاله» (3).

2 ـ وما رواه أيضاً بسنده عن عائشة، قالت: ما رأيت رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) سبّح سبحة الضّحى وإنّي لاَسبّحها» (4).

وقد استدلّ بعضهم بهذه الرواية لنفي الضحى لصحّة اسنادها. «قال أبو الحسن علي بن بطال: فأخذ قوم من السلف بحديث عائشة ولم يروا صلاة الضحى وقال قوم: إنّها بدعة» (5).


(1)زاد المعاد: 1|117.
(2)صحيح البخاري: 2|73.
(3)المصدر نفسه ـ ومسند أحمد بن حنبل: 6|209.
(4)زاد المعاد: 1|117.


(170)

وأمّا قول عائشة: بأنّـي أُسبّحها، فهو اجتهاد في مقابل النصّ ولا قيمة له في سوق الاعتبار الشرعي.

3 ـ وما رواه أيضاً بسنده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنّه قال: ما حدّثنا أحد أنّه رأى النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يصلّي الضّحى غير أمّ هانىَ، فإنّها قالت: إنّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) دخل بيتها يوم فتح مكّة فاغتسل وصلّـى ثماني ركعات فلم أر صلاةً أخفّ منها غير أنّه يتم الركوع والسجود» (1).

ونفى هذا الحديث حديثَ أحد رأى النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يصلّـي الضّحى، وأمّا رواية أُمّ هانىَ فليست ظاهرة في صلاة الضحى، ويحتمل قويّاً أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) صلّى تلك الركعات شكراً للّه على ما منّ عليه بفتح مكة. ولذلك ذهب جماعة من علماء العامّة «بأنّها لاتشرع إلاّ بسبب (2) الخ».

4 ـ ما رواه أحمد بن حنبل بسنده عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، قال: رأى أبو بكرة ناساً يصلّون الضّحى فقال: إنّهم ليصلّون صلاة ما صلاّها رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ولا عامّة أصحابه ـ رضي اللّه عنهم ـ » (3).

5 ـ ما رواه مسلم في صحيحه بسنده عن حفص بن عاصم قال: مرضتُ مرضاً فجاء ابن عمر يعودني. قال: وسألته عن السّبحة في السفر؟ فقال: صحبت رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في السفر فما رأيته يسبّح ولو كنتُ مسبّحاً لاَتممتُ وقد قال اللّه: «لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِـي رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ» » (4).


(1)البخاري: 2|73.
(2)نيل الاَوطار للشوكاني: 3|53.
(3)مسند الاِمام أحمد بن حنبل: 5|45.
(4)صحيح مسلم: 5|199، كتاب المسافرين.


(171)

6 ـ وما رواه البخاري بسنده عن مجاهد، قال: دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد فإذا عبد اللّه بن عمر جالس إلى حجرة عائشة وإذ أُناس يصلّون في المسجد صلاة الضحى. قال: فسألناه عن صلاتهم؟ فقال: بدعة» (1).

7 ـ وروي عن الشعبي قال: «سمعت ابن عمر يقول: ما ابتدع المسلمون أفضل من صلاة الضّحى» (2).

ففي هاتين الروايتين صرّح ابن عمر بكون صلاة الضّحى بدعة، وإن رآها فضيلة بناءً على مسلك والده في جواز الابتداع الحسن.

8 ـ روي عن أبن عباس أنّه قال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : «أُمرت بالضّحى ولم توَمروا بها» (3).

بناءً على صحة الحديث، فالظاهر أنّ المراد من الاَمر هنا هو أصل التشريع لا الوجوب لاَنّه لم يثبت وجوب شيء من النوافل على النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) خاصّة ما عدا نافلة اللّيل.

وعليه فلم تشرع نافلة الضحى للمسلمين لاَنّه نفى الاَمر بها عليهم.

* * *

إلى هنا تبيّن أنّه لم يوجد حديث صحيح فيه دلالة واضحة على مشروعية صلاة الضّحى. وأمّا ما ادّعيت صحته فهو إمّا معارض بالراجح عليه سنداً ودلالة، أو فيه إجمال لايمكن أن يستدل به على المقصود.


(1)صحيح البخاري: 3|3، باب العمرة.
(2)زاد المعاد: 1|118.
(3)نيل الاَوطار للشوكاني: 3|61.


(172)

موقف الاِمامية من صلاة الضحى :

صلاة الضحى عند فقهاء الاِمامية، بدعة لايجوز فعلها.

وقد اتّفقوا وأجمعوا على هذا الرّأي كما صرّح بذلك السيد الشريف المرتضى في رسائله (1)وشيخ الطائفة في الخلاف (2) والعلاّمة الحلّي في المنتهى (3)، والعلاّمة المجلسي في البحار (4) والمحدّث البحراني في الحدائق الناضرة (5).

ويدلّ على هذا الرّأي قبل الاِجماع، أوّلاً: عدم الدليل الشرعي المعتبر على مشروعية صلاة الضحى، وهذا يكفي للقول بعدمها إذ لايطالب النافي بدليل، بل الدليل على المدّعي.

وثانياً: الاَخبار المستفيضة الواردة عن طرق أهل البيت ( عليهم السلام ) النافية لمشروعية صلاة الضحى والمصرّح في بعضها أنّ العمل بها بدعة ومعصية، منها:

1 ـ ما رواه الشيخ الطوسي عن الحسين بن سعيد عن حمّاد بن عيسى عن حريز عن زرارة وابن مسلم والفضيل، قالوا: سألناهما ( عليهما السلام ) عن الصلاة في رمضان نافلة باللّيل جماعة؟ فقالا: إنّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان إذا صلّى العشاء الآخرة انصرف إلى منزله، ثم يخرج من آخر الليل إلى المسجد فيقوم فيصلّي فخرج في أوّل ليلة من شهر رمضان ليصلّي كما كان يصلّي، فاصطفّ الناس خلفه فهرب منهم


(1)رسائل الشريف المرتضى: 1|221.
(2)الخلاف، موسوعة الينابيع الفقهية: 28|220.
(3)البحار: 80|158.
(4)المصدر نفسه: 155.
(5)الحدائق الناضرة: 6|77.


(173)

إلى بيته وتركهم ففعلوا ذلك ثلاثة ليال، فقام في الرابع على منبره فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال: «أيّها الناس إنّ الصلاة بالليل في شهر رمضان النافلة في جماعة بدعة، وصلاة الضحى بدعة فلا تجتمعوا ليلاً في شهر رمضان ولاتصلّوا صلوة الضّحى فإنّ ذلك معصية، ألا وأنّ كلّ بدعة ضلالة وكلّ ضلالة سبيلها إلى النار» ثم نزل وهو يقول: «وقليل في سنّة خير من كثير في بدعة» (1).

2 ـ ما حكي عن دعائم الاِسلام عن أبي جعفر الباقر ( عليه السلام ) أنّه قال لرجل من الاَنصار سأله عن صلاة الضحى فقال: «إنّ أوّل من ابتدعها قومك الاَنصار سمعوا قول رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : «صلاة في مسجدي تعدل ألف صلاة» فكانوا يأتون من ضياعهم ضحى فيدخلون المسجد فيصلّون، فبلغ رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فنهاهم عنه (2).



(1)التهذيب: 3|69 ـ 70 ومثله في الاستبصار: 1|467، الفقيه: 2|132 والوسائل: 5|192.
(2)المجلسـي: البحار: 80|159، النوري: المستدرك: 3|70. لاحظ: من لا يحظره الفقيه: 9|566 وفي الاَخير زيادة على ما في المتن.


(174)

المسألة الخامسة:

إقامة صلاة التراويح جماعةً

اتفقت كلمة الفقهاء على أنّ نوافل شهر رمضان (صلاة التراويح) سُنّة موَكَّدة، وأوّل من سنّها رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وقال: من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدّم من ذنبه (1).

إنّ استجلاء الحق في جواز إقامتها جماعة، أو كونها بدعة يطلب تقديم أُمور:

هل تُسنُّ الجماعة في مطلق النوافل أو لا ؟

المشهور عند أهل السنّة جواز إقامة النوافل بالجماعة وأنّ الاَفضل في بعضها إقامتها منفرداً، وإليك تفصيل مذاهبهم:

قالت المالكية: الجماعة في صلاة التراويح مستحبة أمّا باقي النوافل فإنّ صلاتها جماعة تارة يكون مكروهاً، وتارة يكون جائزاً، فيكون مكروهاً إذا صلِّيت بالمسجد أو صلّيت بجماعة كثيرين، أو كانت بمكان يكثر تردد الناس عليه،


(1)البخاري: الصحيح: باب فضل من قام رمضان، برقم: 2008، مسلم: الصحيح: 2|176 باب الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح. ط دار الجيل، ودار الآفاق، بيروت.


(175)

وتكون جائزة إذا كانت بجماعة قليلة، ووقعت في المنزل ونحوه في الاَمكنة التي لا يتردد عليها الناس.

وقالت الحنفية: تكون الجماعة سنّة كفاية في صلاة التراويح والجنازة، وتكون مكروهة في صلاة النوافل مطلقاً والوتر في غير رمضان، وإنّما تكره الجماعة في ذلك إذا زاد المقتدون عن ثلاث. أمّا الجماعة في وتر رمضان ففيها قولان مُصحّحان، أحدهما: أنّها مستحبة فيه، وثانيهما: أنّها غير مستحبة ولكنّها جائزة وهذا القول أرجح.

وقالت الشافعية: أمّا الجماعة في صلاة العيدين والاستسقاء والكسوف والتراويح ووتر رمضان فهي مندوبة.

وقالت الحنابلة: أمّا النوافل فمنها ما تُسَنُّ فيه الجماعة وذلك كصلاة الاستسقاء والتراويح والعيدين، ومنها ما تباح فيه الجماعة كصلاة التهجّد و رواتب الصلاة المفروضة (1).

وقال المقدسي في الشرح الكبير : ويجوز التطوّع في جماعة وفرادى، لاَنّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فَعلَ الاَمرين كليهما، وكان أكثر تطوعه منفرداً ومع ذلك اتفقوا على أنّ التطوع في البيت أفضل، لقول رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : «عليكم بالصلاة في بيوتكم فإنّ خير صلاة المرء في بيته إلاّ المكتوبة».

وقال ( عليه السلام ) : «إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيباً من صلاته، فإنّ اللّه جاعل في بيته من صلاته خيراً» رواهما مسلم، وعن زيد بن ثابت أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال: «صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا


(1)الفقه على المذاهب الاَربعة، كتاب الصلاة، حكم الاِمامة في صلاة الجمعة والجائـزة والنوافل: ص407. وفي ص 340 هي سنّة عين موَكدة عند ثلاثة من الاَئمّة وخالفت المالكية.


(176)

إلاّ المكتوبة» رواه ابن داود، ولاَنّ الصلاة في البيت أقرب إلى الاِخلاص وأبعد من الرياء وهو من عمل السر، والسر أفضل من العلانية (1).

قالت الاِمامية: تشرع الجماعة في الصلوات الواجبة، ولا تشرع في المستحبة، إلاّ في الاستسقاء والعيدين مع فقد الشروط (2) وقالت المذاهب الاَربعة: تشرع مطلقاً في الواجبة والمستحبة (3).

2ـ التراويح لغة واصطلاحاً:

التراويح جمع ترويحة وهي في الاَصل اسم للجلسة مطلقاً، ثم سميت بها الجلسة بعد أربع ركعات في ليالي رمضان، لاستراحة الناس بها، ثمّ سُميت كل أربع ركعات ترويحة، وهي أيضاً اسم لعشرين ركعة في الليالي نفسها.

قال ابن منظور: والترويحة في شهر رمضان سُميت بذلك لاستراحة القوم بعد كل أربع ركعات. وفي الحديث صلاة التراويح، لاَنّهم كانوا يستريحون بين كل تسليمتين. والتراويح جمع ترويحة، وهي المرة الواحدة من الراحة، تفعيلة منها، مثل تسليمة من السلام (4).

عدد ركعاتها عند الفريقين:

اختلف الفقهاء في عدد صلاة نوافل شهر رمضان، أمّا الشيعة فقد ذهبت إلى أنّ نوافل ليالي شهر رمضان، ألف ركعة في تمام الشهر.


(1)المغني والشرح: 1|771، دار الكتاب العربي، وط أُفست: 1403|1983.
(2)إذ عند اجتماع الشروط، تكون واجبة.
(3)محمد جواد مغنية: الفقه على المذاهب الخمسة: 1|133.
(4)لسان العرب: ج2، مادة «روح».


(177)

قال الاِمام الصادق ( عليه السلام ) : ممّا كان رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يصنع في شهر رمضان كان يتنفل في كل ليلة ويزيد على صلاته التي كان يصلّيها قبل ذلك منذ أوّل ليلة إلى تمام عشرين ليلة، في كل ليلة عشرين ركعة: ثماني ركعات منها بعد المغرب، واثنتي عشرة بعد العشاء الآخرة، ويصلّـي في العشر الاَواخر في كل ليلة ثلاثين ركعة: اثنتي عشرة منها بعد المغرب، وثماني عشرة بعد العشاء الآخرة ويدعو ويجتهد اجتهاداً شديداً، وكان يصلّـي في ليلة إحدى وعشرين: مائة ركعة ويصلّـي في ليلة ثلاث وعشرين: مائة ركعة ويجتهد فيهما (1).

وأمّا غيرهم فقد قال الخرقي في مختصره: وقيام شهر رمضان عشرون ركعة، يعني صلاة التراويح (2).

وقال ابن قدامة في شرحه: والمختار عند أبي عبد اللّه (الاِمام أحمد) عشرون ركعة، وبهذا قال الثوري، وأبو حنيفة، والشافعي. وقال مالك: ستة وثلاثون، وزعم أنّه الاَمر القديم، وتعلّق بفعل أهل المدينة (3).

والظاهر أنّه ليس في عددها عند أهل السنّة دليل معتمد عليه يحكي عن قول الرسول أو فعله أو تقريره، والقول بالعشرين يعتمد على فعل عمر، كما أنّ القول بالستة والثلاثين يعتمد على فعل عمر بن عبد العزيز.

وقد فصل القول في ذلك عبد الرحمان الجزيري في «الفقه على المذاهب الاَربعة» و قال:

روى الشيخان أنّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) خرج من جوف الليل ليالي من رمضان، وهي ثلاث متفرقة: ليلة الثالث، والخامس، والسابع والعشرين، وصلّـى في المسجد، وصلّى الناس بصلاته فيها، وكان يصلّـي بهم ثماني ركعات ويُكْملون باقيها في بيوتهم،


(1)الطوسي: التهذيب: 3|62 رقم 213.
(2)المغني: 2|137 ـ 138.
(3)المغني: 2|137 ـ 138.


(178)

فكان يسمع لهم أزيز، كأزيز النحل» وقال: ومن هذا يتبين أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) سنّ لهم التراويح، والجماعة فيها، ولكن لم يصلِّ بهم عشرين ركعة، كما جرى عليه من عهد الصحابة ومن بعدهم إلى الآن، ولم يخرج إليهم بعد ذلك، خشية أن تُفرضَ عليهم، كما صرح به في بعض الروايات، ويُتَبيّنُ أنّ عددها ليس مقصوراً على الثماني ركعات التي صلاّها بهم، بدليل أنّهم كانوا يكملونها في بيوتهم، وقد بيّن فعل عمر (رض) أنّ عددها عشرون، حيث إنّه جمع الناس أخيراً على هذا العدد في المسجد، ووافقه الصحابة على ذلك. نعم زيد فيها في عهد عمر بن عبد العزيز ـ رضي اللّه عنه ـ فجعلت ستاً وثلاثين ركعة، ولكن كان القصد من هذه الزيادة مساواة أهل مكة في الفضل، لاَنّهم كانوا يطوفون بالبيت بعد كل أربع ركعات مرة، فرأى ـ رضي اللّه عنه ـ أن يصلّـى بدل كل طواف أربع ركعات (1).

هذا وقد بسط شرّاح البخاري وغيرهم القولَ في عدد ركعاتها إلى حدٍّ قلّ نظيره في أبواب العبادات، فمن قائل: إنَّ عدد ركعاتها 13 ركعة، إلى آخر: أنّها 20 ركعة، إلى ثالث: أنّها 24 ركعة، إلى رابع: أنّها 28 ركعة، إلى خامس: أنّها 36 ركعة، إلى سادس: أنّها 38 ركعة، إلى سابع: أنّها 39 ركعة، إلى ثامن: أنّها 41 ركعة، إلى تاسع: أنّها 47 ركعة، وهلمّ جرّا (2).


(1)الفقه على المذاهب الاَربعة: 1|251، كتاب الصلاة، مبحث صلاة التراويح، ولا يخفى أنّه لو كان المقياس في الزيادة، هو عدد الطواف بعد كل أربع ركعات فعندئذٍ يصل عددها إلى أربعين ركعة في كل ليلة لاَنّهم إذا كانوا يطوفون بعد كل أربع ركعات مرّة واحدة، يكون عدده خمس مرات، فإذا كان مقابل كل مرّة منه أربع ركعات، يصل عددها إلى عشرين ركعة (5*9= 20) فتضاف إلى العشرين ركعة الاَصلية فيصير المجموع 40 ركعة. نعم يصح ذلك بناءً على ما نقله ابن قدامة المقدسي من أنَّ الطواف كان بين كل ترويحة ، لاحظ : 1|749.
(2)ابن حجر العسقلاني: فتح الباري: 4|204، شهاب الدين القسطلاني: إرشاد الساري: 3|426، العيني: عمدة القاري: 11|126، وقد تكلّفوا في الجمع بين هذه الاَقوال المتشتتة، فلاحظ.


(179)

والاَغرب من هذا تدخّل عمر بن عبد العزيز في أمر الشريعة، فأدخل فيها ما ليس منها ليتساوى ـ في رأيه ـ أهل المدينة وأهل مكة في الفضل والثواب، فانّ فسح المجال لهذا النوع من التدخّل يجعل الشريعة أُلعوبة بيد الحكام يحكمون فيها بآرائهم.

حكم إقامتها جماعة:

إنّ الشيعة الاِمامية ـ تبعاً للاِمام عليّ وأهل بيته ( عليهم السلام ) ـ يقيمون نوافل شهر رمضان بلا جماعة ويرون إقامتها جماعة بدعة حقيقية، حدثت بعد رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، بمقياس (1)ما أنزل اللّه به من سلطان .

قال الشيخ الطوسي: نوافل شهر رمضان تصلّـى انفراداً والجماعة فيها بدعة.

وقال الشافعي: صلاة المنفرد أحبّ إليَّ منه، وشنع ابن داود على الشافعي في هذه المسألة، فقال: خالف فيها السنّة والاِجماع.

واختلف أصحاب الشافعي في ذلك على قولين:

فقال أبو العباس وأبو إسحاق وعامة أصحابه: صلاة التراويح في الجماعة أفضل بكل حال، وتأوّلوا قول الشافعي فقالوا: إنّما قال: النافلة ضربان، نافلة سُنَّ لها الجماعة، وهي: العيدان، والخسوف، والاستسقاء. ونافلة لم تُسنّ لها الجماعة، مثل: ركعتي الفجر ،والوتر، وما سنَّ لها الجماعة أوكَد مما لم تُسنّ لها الجماعة، ثم قال: فأمّا قيام شهر رمضان فصلاة المنفرد أحبُّ إليّ، يعني ركعات الفجر والوتر، التي تفعل على الانفراد أوكد عن قيام شهر رمضان.


(1)العسقلاني: فتح الباري: 4|204، ذكره لجمع الناس على إمام واحد.


(180)

والقول الثاني: منهم من قال بظاهر كلامه، فقال: صلاة التراويح على الانفراد أفضل منها في الجماعة، بشرطين، أحدهما: أن لا تختلّ الجماعةُ بتأخّرهِ عن المسجد، والثاني: أن يطيل القيام والقراءة فيصلّـي منفرداً، أو يقرأ أكثر ممّا يقرأ إمامه.

وقد نصّ في القديم على أنّه لو صلّـى في بيته في شهر رمضان فهو أحبُّ إليّ، وإن صلاّها في جماعة فهو حسن، واختار أصحابه مذهب أبي العباس وأبي إسحاق.

ثمّ استدلّ الشيخ الطوسي على مذهب الاِمامية بإجماعهم على أنّ ذلك بدعة، وأيضاً روى زيد بن ثابت (1): انّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال: صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في المسجد إلاّ المكتوبة (2).

إذا وقفت على آراء الفقهاء فإليك دراسة الاَدلّة:

أمّا أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) فقد اتفقت كلمتهم على أنّ الجماعة في النوافل مطلقاً بدعة، من غير فرق بين صلاة التراويح وغيرها، وهناك صنفان من الروايات:

أحدهما: يدل على عدم تشريع الجماعة في مطلق النوافل.

ثانيهما: ما يدل على عدم تشريعها في صلاة التراويح.

أمّا الصنف الاَوّل فنذكر منه روايتين:

1ـ قال الاِمام الباقر ( عليه السلام ) : «ولا يُصلّـى التطوعُ في جماعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار » (3).


(1)أبو داود: السنن: 2|69.
(2)الطوسي: الخلاف، كتاب الصلاة، المسألة: 268.
(3)الصدوق: الخصال: 2|152.


(181)

2ـ قال الاِمام عليّ بن موسى الرضا ( عليه السلام ) في كتابه إلى المأمون: «ولا يجوز أن يصلّـى تطوع في جماعة لاَنّ ذلك بدعة» (1).

وأمّا الصنف الثاني، فقد تحدّث عنه الاِمام الصادق ( عليه السلام ) وقال: لما قدم أمير الموَمنين ( عليه السلام ) الكوفة أمر الحسن بن علي أن ينادي في الناس: لا صلاة في شهر رمضان في المساجد جماعة. فنادى في الناس الحسنُ بن علي بما أمره به أمير الموَمنين، فلمّا سمع الناس مقالة الحسن بن علي (عليه السّلام) صاحوا: وا عمراه، وا عمراه، فلمّـا رجع الحسن إلى أمير الموَمنين ( عليه السلام ) قال له: ما هذا الصوت؟ قال: يا أمير الموَمنين! الناس يَصيحُونَ: وا عمراه وا عمراه، فقال أمير الموَمنين: قل لهم: صلّوا (2).

وربّما يتعجب القارىَ من قول الاِمام «قل لهم صلّوا» حيث تركهم يستمرون في الاِتيان بهذا الاَمر المبتدع ولكن إذا رجع إلى سائر كلماته يتجلّـى له سرّ تركهم على ما كانوا عليه.

قال الشيخ الطوسي: إنّ أمير الموَمنين لمّا أنكر، أنكر الاجتماع، ولم يُنكر نفس الصلاة فلمّا رأى أنّ الاَمر يَفسْد عليه ويفتتن الناس، أجاز أمرهم بالصلاة على عادتهم (3).

ويدل عليه:

ما رواه سليم بن قيس قال: خطب أمير الموَمنين، فحمد اللّه وأثنى عليه ثمّ صلّـى على النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ثمّ قال: ألا إنّ أخوف ما أخاف عليكم خلتان: اتّباع الهوى، وطول الاَمل ـ ثم ذكر أحداثاً ظهرت بعد رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وقال: ـ ولو حملتُ


(1)الصدوق: عيون أخبار الرضا: 266.
(2)الطوسي: التهذيب: 3 الحديث 227.
(3)المصدر نفسه.


(182)

الناسَ على تركها ... لتفرّق عنّي جنديّ حتى أبقى وحدي أو قليل من شيعتي ... واللّه لقد أمرتُ الناسَ أن لا يجتمعوا في شهر رمضان إلاّ في فريضة وأعلمتهم أنّ اجتماعهم في النوافل بدعة، فتنادى بعض أهل عسكري ممن يقاتل معي: يا أهل الاِسلام غُيِّرت سنّة عمر، ينهانا عن الصلاة في شهر رمضان تطوعاً، وقد خفت أن يثوروا في ناحية جانب عسكري ... (1).

تسنّم الاِمام منصّة الخلافة بطوع ورغبة من جماهير المسلمين، و واجه أحداثاً ظهرت بعد رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وأراد إرجاع المجتمع الاِسلامي إلى عهد رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في مجالات مختلفة، ولكن حالت العوائق دون نيّته، فترك بعض الاَُمور بحالها، حتى يشتغل بالاَهم فالاَهم، فلاَجله أمر ابنه الحسن أن يتركهم بحالهم حتى لا يختل نظام البلاد، ولا يثور الجيش ضده.

روى أبو القاسم ابن قولويه (ت 369 هـ) عن الاِمامين: الباقر والصادق ( عليهما السلام ) قالا: كان أمر أمير الموَمنين بالكوفة إذا أتاه الناس فقالوا له: إجعل لنا إمامـاً ـ يوَمّنا في رمضان فقال لهم: لا، ونهاهم أن يجتمعوا فيه، فلمّا أحسّوا، جعلوا يقولون: ابكوا رمضانَ وا رمضاناه، فأتى الحارث الاَعور في أُناس فقال: يا أمير الموَمنين ضجّ الناس وكرهوا قولك، قال: فقال عند ذلك: دعوهم وما يريدون يُصلّ بهم من شاءوا (2).

هذه الروايات تدلّنا إلى موقف أئمّة أهل البيت في إقامة نوافل شهر رمضان بالجماعة.


(1)الكليني: الكافي: 8|58.
(2)محمد بن إدريس: السرائر: 3|638.


(183)

صلاة التراويح في حديث الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :

تختلف روايات أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) عن بعض ما رواه أصحاب السنن فرواياتهم ( عليهم السلام ) صريحة في أنّ النبيّ الاَكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان ينهى عن إقامة نوافل رمضان بالجماعة وإنّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لمّا خرج بعض الليالي إلى المسجد ليقيمها منفرداً، ائتمّ به الناس فنهاهم عنه، ولمّا أحسّ إصرارهم على الائتمام ترك الصلاة في المسجد واكتفى بإقامتها في البيت، وإليك بعض ما روي:

سأل زرارةُ، ومحمد بن مسلم، والفضيلُ أبا جعفر الباقر وأبا عبد اللّه [الصادق] ( عليهما السلام ) عن الصلاة في شهر رمضان نافلة بالليل جماعة؟ فقالا: «إنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان إذا صلّـى العشاء الآخرة انصرف إلى منزله ثمّ يخرج من آخر الليل إلى المسجد فيقوم فيصلّـي، فخرج في أوّل ليلة من شهر رمضان ليصلّـي كما كان يصلّـي، فاصطفّ الناس خلفه فهرب منهم إلى بيته وتركهم، ففعلوا ذلك ثلاث ليال فقام ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في اليوم الرابع على منبره فحمد اللّه وأثنى عليه ثمّ قال: أيّها الناس إنّ الصلاة بالليل في شهر رمضان من النافلة في جماعة بدعة، وصلاة الضحى بدعة، ألا فلا تجتمعوا ليلاً في شهر رمضان لصلاة الليل ولا تصلّوا صلاة الضحى، فإنّ تلك معصية ألا فإنّ كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة سبيلها إلى النار» ثم نزل وهو يقول: قليل في سنّة خير من كثير في بدعة (1).

روى عبيد بن زرارة عن الاِمام الصادق ( عليه السلام ) قال: كان رسول اللّه ( عليه السلام ) يزيد في صلاته في شهر رمضان إذا صلّـى العتمة صلّـى بعدها، فيقوم الناس خلفه فيدخل ويدعهم ثم يخرج أيضاً فيجيئون ويقومون خلفه فيدعهم ويدخل مراراً (2).


(1)الصدوق: الفقيه، كتاب الصوم: 87.
(2)الكليني: الكافي: 4|154.


(184)

ولعلّـه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قام بهذا العمـل مرتين، تـارة في آخـر الليل ـ كما في الرواية الاَُولى ـ، وأُخرى في صلاة العتمة ـ كما في الرواية الثانية ـ.

لكن المروي عن طريق أهل السنّة بخلاف ذلك وإليك نصّ الشيخين البخاري ومسلم:

روى الاَوّل، قال: حدّثني يحيى بن بكير : حدّثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب: أخبرني عروة: انّ عائشـة ـ رضي اللّه عنها ـ أخبرته أنّ رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) خرج ليلة من جوف الليل فصلّـى في المسجد، وصلّـى رجال بصلاته فأصبح الناس فتحدّثوا، فاجتمع أكثر منهم، فصلّـى فصلّوا معه، فأصبح الناس فتحدّثوا فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فصلّـى بصلاته، فلمّا كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله حتى خرج لصلاة الصبح، فلمّا قضى الفجر أقبل على الناس فتشهّد ثم قال: أمّا بعد فانّه لم يخفَ عليّ مكانكم. ولكنّي خشيت أن تُفرضَ عليكم فتعجزوا عنها. فتوفّي رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والاَمر على ذلك (1).

وروى أيضاً في باب التهجد: انّ رسول اللّه صلّـى ذاتَ ليلة في المسجد فصلّـى بصلاته ناس، ثمّ صلّـى من القابلة فكثر النَّاسُ ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة والرابعة فلم يخرج إليهم رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فلمّا أصبح قال: قد رأيتُ الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج إليكم إلاّ أنّي خشيتُ أن تُفرض عليكم وذلك في رمضان (2).

روى مسلم قال: حدّثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة انّ رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) صلّـى ذات ليلة فصلّـى بصلاته


(1)أي على ترك الجماعة في صلاة التراويح. لاحظ البخاري: الصحيح: باب فضل من قام رمضان: 9|58.
(2)البخاري: الصحيح: 2|63 باب التهجّد بالليل. وبين الروايتين اختلاف فيما خرج ص فيها من الليالي فعلى الاَُولى خرج ثلاث ليال وعلى الثانية خرج ليلتين.


(185)

ناس، ثمّ صلّـى من القابلة فكثر الناس ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة (1)فلم يخرج إليهم رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فلمّا أصبح قال: قد رأيت الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج إلاّ أنّي خشيت أن تفرض عليكم، قال: وذلك في رمضان.

وحدّثني حرملة بن يحيى: أخبرنا عبد اللّه بن وهب: أخبرني يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير أنّ عائشة أخبرته أنّ رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) خرج من جوف الليل فصلّـى في المسجد فصلّـى رجال بصلاته فأصبح الناس يتحدّثون بذلك، فاجتمع أكثر منهم، فخرج رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في الليلة الثانية فصلّوا بصلاته فأصبح الناس يذكرون ذلك فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج فصلّوا بصلاته فلمّا كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله فلم يخرج إليهم رسول اللّه، فطفق رجال منهم يقولون: الصلاة، فلم يخرج إليهم رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حتى خرج لصلاة الفجر، فلمّا قضى الفجر أقبل الناس ثمّ تشهّد فقال: أمّا بعد فإنّه لم يخف عليَّ شأنكم الليلة ولكنّي خشيت أن تفرض عليكم صلاة الليل فتعجزوا عنها (2) والاختلاف بين ما رواه أصحابنا عن أمير الموَمنين عليّ ( عليه السلام ) وما رواه الشيخان واضح فعلى الاَوّل، نهى النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عن إقامتها جماعة، وأسماها بدعة، وعلى الثاني ترك النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الاِقامة جماعة خشية أن تفرض عليهم، مع كونها موافقةً للدين والشريعة، إذاً فأيّ القولين أحقّ أن يتبع؟ يعلم بالبحث التالي:

إنّ في حديث الشيخين مشاكل جديرة بالوقوف عليها من جهات:

إنّ بعض الرّوايات توَيّد موقف أمير الموَمنين ( عليه السلام ) من صلاة التراويح


(1)مسلـم: الصحيح: 6|41. وغيره، والظاهر وحـدة الرواية الثانية للبخاري مع هذه الرواية لاتحـاد الراوي والمرويّ عنه والمضمون.
(2)مسلم: الصحيح: 6|41. والاختلاف بين روايتي مسلم كالاختلاف بين روايتي البخاريّ فلاحظ.


(186)

وتوقفنا على أنّ القضيّة لم تنقل على وجه الدقة، وذلك ما رواه زيد بن ثابت حيث قال: «احتجر رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حجيرة بخصفة أو حصير فخرج رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يصلّـى فيها، قال: فتتبع إليه رجال وجاءوا يصلّون بصلاته، ثم جاءوا ليلة فحضروا وأبطأ رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عنهم فلم يخرج إليهم، فرفعوا أصواتهم، وحصبوا الباب، فخرج إليهم رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) مغضباً فقال لهم: «ما زال بكم صنيعكم حتى ظننت أنّه سيكتب عليكم، فعليكم الصلاة في بيوتكم، فانّ خير صلاة المرء في بيته إلاّ المكتوبة» رواه مسلم(1).

وأمّا ما ورد من طرق الخاصّة فأصرح في النهي، بل هو صريح في كون التنفّل جماعة في رمضان بدعة ومعصية.

والذي ينسبق إلى الذهن من ملاحظة مجموع الرّوايات أنّ القضيّة لم تنقل بحذافيرها في كلّ واحدة منها، وإنّ الطائفة الاَُولى التي توهّم استفادة مشروعيّة التراويح منها، لم تذكر إلاّ جانباً واحداً من القضيّة، وأغفل رواتها بقيّة الجوانب إمّا عمداً أو سهواً، وإذا أردنا أن نستنبط حكماً شرعياً فعلينا أن ننظر إلى مجموعها.

والذي يظهر من المجموع أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لمّا التفت إلى اقتداء المسلمين به نهاهم عن ذلك ولم يقرّر عملهم، وأمّا سكوته في اللّيلة الاَُولى أو الثانية، فهو لمصلحة خاصّة، ولعلّها كانت من أجل طرح الرّدع والنهي عن الاِتيان بها جماعة بحضور ملاَ عظيم من الناس حتى تتناقله الجماهير كي لا يقع في بقعة النسيان.

الثانية: ما معنى قوله: «خشيتُ أن تفرض عليكم. فتعجزوا عنها»؟

وهل مفاده: أنّ التشريع تابع لاِقبال الناس وإدبارهم، فلو كانَ هناك اهتمام ظاهر من الناس، فيفرض عليهم، وإذا كان إدبار، فلا يفرض عليهم؟!

مع أنّ الملاك في الفرض هو وجود مصالح واقعية في المتعلّق، سواء أكان


(1)ابن قدامى المقدسي: الشرح الكبير على المقنع: 1|749.


(187)

هناك اهتمام ظاهر أم لا. إنّ تشريعه سبحانه ليس تابعاً لرغبة الناس أو إعراضهم، وإنّما يتبع لملاكات هو أعلم بها سواء أكان هناك إقبال أم إدبار.

قال ابن حجر في شرح جملة «إلاّ أنّي خشيت أن تفرض عليكم»: إنّ ظاهر هذا الحديث أنّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) توقّع ترتب افتراض الصلاة بالليل جماعة على وجود المواظبة عليها ـ ثم قال: ـ وفي ذلك إشكال (1).

ولكن ابن حجر لم يبيّن مقصوده من الاِشكال ويمكن أن يكون إشارة ـ مضافاً إلى ما ذكرنا من أنّ الاَحكام تابعة للملاكات الواقعيّة لا لرغبة النّاس بها وعنها ـ إلى أنّ كثيراً من الاَعمال المستحبة واظب عليها النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والمسلمون ولم يخش الافتراض عليهم، وبعض الاَحكام الواجبة لم يواظب عليها كثير من المسلمين حتى في زمن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فضلاً عمّـا بعده ولم يتغيّر حكمها من الوجوب إلى عدمه، مثل حكم الجهاد الذي تقاعس عنه بعض المسلمين فواجههم اللّه سبحانه بالتقريع والتبكيت في مثل قوله سبحانه: «وَما لَكُمْ إذا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا في سَبِيلِ اللّهِ اثّاقَلْتُمْ إلَـى الاَرضِ» (التوبة ـ 38).

أضف إلى ذلك أنّ هذه الخشية تتنافى والاَحاديث الناصّة على أنّ الفرائض خمس لا غير ، قال العسقلاني: «وقد استشكل الخطابي أصل هذه الخشية مع ما ثبت في حديث الاِسراء من أنّ اللّه تعالى قال: هنّ خمس وهنّ خمسون، لا يبدّل القول لديّ، فإذا أمن التبديل فكيف يقع الخوف من الزيادة؟»(2).

نعم ذكر العسقلاني في فتح الباري وكذلك القسطلاني في إرشاد الساري من هنا وهناك عدّة أجوبة، لكنّها جميعاً توجيهات باردة وتمحّلات واهية لا تغني ولا تسمن من جوع.

وقد حكى عن صاحب شرح التقريب بعد أن ذكر تلك الاَجوبة أنّه قال:


(1)فتح الباري: 3|10.
(2)فتح الباري: 3|10.


(188)

«ومع هذا فانّ المسألة مشكلة ولم أر من كشف الغطاء في ذلك» (1) وانّ هذه الاِشكالات الواردة والتي بقيت بلا جواب تجعل الاِنسان يشكّك في صحّة انتساب هذه الجملة إلى النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فيحتمل قويّاً أنّها موضوعة.

الثالثة: لو افترضنا أنّ الصحابة أظهرت اهتمامها بصلاة التراويح بإقامتها جماعة أفيكون ذلك ملاكاً للفرض على غيرهم ولم تكن نسبة الحاضرين إلى الغائبين إلاّ شيئاً لا يذكر، فانّ مسجد النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يومذاك كان مكاناً محدوداً لا يسع إلاّ ما يقارب ستة آلاف نفر أو أقل، فقد جاء في الفقه على المذاهب الخمسة: «كان مسجد رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) 35 متراً في 30 متراً ثمّ زاده الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وجعله 57 متراً في 50 متراً» (2). أفيمكن جعل اهتمامهم كاشفاً عن اهتمام جميع الناس بها في جميع العصور إلى يوم القيامة؟!

الرابعة: وجود الاختلاف في عدد الليالي التي أقام النبيّ فيهما نوافل رمضان جماعة.

فعلى ما نقله البخاري في كتاب الصوم أنّ النبيّ الاَكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) صلّـى التراويح مع الناس ثلاث ليال، وعلى ما نقله في باب التحريض على قيام الليل، أنّه صلاّها ليلتين، ووافقه مسلم في كلا النقلين ويظهر ممّا ذكره غيرهما ـ كما مر في صدر المقال ـ أنّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أقامها في ليال متفرقة (ليلة الثالث، والخامس، والسابع والعشرين). وهذا يعرب عن عدم الاهتمام بنقل فعل الرسول على ما عليه، فمن أين تطمئن على سائر ما جاء فيه من أنّ النبي استحسن عملهم؟!

الخامسة: انّ الثابت من فعل النبيّ، أنّه صلاّها ليلتين، أو أربع في آخر الليل، وهي لا تزيد عن ثماني ركعات، فلو كان النبي أُسوةً فعلينا الاقتداء به فيما


(1)إرشاد الساري: 3|428.
(2)محمد جواد مغنية: الفقه على المذاهب الخمسة: 2850.


(189)

ثبت. لا فيما لم يثبت بل ثبت عدمه.

وقد صرح بما ذكر القسطلاني، ووصف ما زاد عليه بالبدعة وقال:

1ـ أنّ النبيّ لم يسنّ لهم الاجتماع لها.

2ـ ولا كانت في زمن الصديق.

3ـ ولا أوّل الليل.

4ـ ولا كل ليلة (1).

5ـ ولا هذا العدد (2).

ثم التجأ في إثبات مشروعيتها إلى اجتهاد الخليفة وسيوافيك الكلام فيه.

وقال العيني: إنّ رسول اللّه لم يسنّها لهم ولا كانت في زمن أبي بكر. ثم اعتمد في شرعيته إلى اجتهاد عمر واستنباطه من إقرار الشارع الناس يصلّون خلفه ليلتين (3). وسيوافيك الكلام فيه.

وقال الشاطبي: «وممّن نبّه بذلك من السلف الصالح، أبو أُمامة الباهلي ـ رضي اللّه عنه ـ قال: أحدثتم قيام شهر رمضان ولم يكتب عليكم. إنّما كتب عليكم الصيام فدوموا على القيام إذ فعلتموه ولا تتركوه، فإنّ أُناساً من بني إسرائيل ابتدعوا بدعاً لم يكتبها اللّه عليهم ابتغوا بها رضوان اللّه فما رعوها حقّ رعايتها فعاتبعهم اللّه بتركها فقال: «ورهبانيةً ابتدعوها» » (4).


(1)لاحظ أيضاً رواية أبي ذرّ في سنن النسائي: 3|165، وسنن ابن ماجة: 42، فقد أقام النبي ثلاث ليال: ليلة 23 و 25 و 27 من ليال شهر رمضان. مضافاً إلى ما مرّ من الاختلاف في نقل البخاري بين روايتيه ومسلم كذلك.
(2)القسطلاني: إرشاد الساري: 3|426.
(3)العيني: عمدة القاري: 11|126.
(4)الشاطبي: الاعتصام: 2|291.


(190)

السادسة: إنّه إذا أخذنا برواية أحد الثقلين (أهل بيت النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ) تُصبح إقامة النوافل جماعة، بدعة على الاِطلاق، وإن أخذنا برواية الشيخين فالمقدار الثابت ما جاء في كلام القسطلاني، و الزائد عنه يصبح بدعة إضافية، حسب مصطلح الاِمام الشاطبي والمقصود منها ما يكون العمل بذاته مشروعاً، والكيفية التي يُقام بها غير مشروعة.

ولم يبق ما يحتجّ به على المشروعية إلاّ جمع الخليفة الناس على إمام واحد، ويحتج بعمله على مشروعية الاِتيان بها جماعة في عصر الرسالة إلاّ أنّ الخليفة أبدع وحدة الاِمام بعد ما كان الناس أوزاعاً، وهو ما نشرحه في البحث التالي:

جمع الناس على إمام واحد في عصر عمر :

روى البخاري: تُوفّـي رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والناسُ على ذلك (يعني ترك إقامة التراويح بالجماعة) ثم كان الاَمر على ذلك في خلافة أبي بكر، وصدراً من خلافة عمر (1).

وروى أيضاً عن عبد الرحمان بن عبد القاري أنّه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب ـ رضي اللّه عنه ـ ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلّـي الرجلُ لنفسِه، ويصلّـي الرجلُ بصلاته الرهط (2) فقال عمر: إنّي أرى لو جمعتُ هوَلاء على قارىَ واحد لكان أمثل. ثم عزمَ فجمعهم على أُبيّ بن كعب. ثم خرجت معه ليلة أُخرى والناس يُصلّون بصلاة قارئهم، قال عمر: نِعمَ البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون ـ يريد آخر الليل ـ وكان الناس يقومون أوّله.


(1)البخاري: الصحيح، باب فضل من قام رمضان: الحديث 2010.
(2)الرهط: بين الثلاثة إلى العشرة.


(191)

لكن الظاهر من شراح الصحيح، انّ الاتيان جماعة لم تكن مشروعة وإنّما قام التشريع بعمله وإليك بيانه في ضمن أمرين:

1ـ قوله: «فتوفي رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والناس على ذلك، ثم كان الاَمر على ذلك في خلافة أبي بكر».

فقد فسّـره الشرّاح بقولهم: أي على ترك الجماعة في التراويح، ولم يكن رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) جمع الناس على القيام (1).

وقال بدر الدين العيني: والناس على ذلك (أي على ترك الجماعة) ثم قال: فإن قلت: روى ابن وهب عن أبي هريرة: خرج رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وإذا الناس في رمضان يصلّون في ناحية المسجد، فقال: «ما هذا» فقيل: ناس يصلّـي بهم أُبي بن كعب، فقال: «أصابوا ونِعمَ ما صنعوا»، ذكره ابن عبد البر . ثم أجاب بقوله، قلت: فيه مسلم بن خالد وهو ضعيف، والمحفوظ أنّ عمر ـ رضي اللّه عنه ـ هو الذي جمع الناس على أُبي بن كعب ـ رضي اللّه عنهـ(2).

.

وقال القسطلاني: والاَمر على ذلك (أي على ترك الجماعة في التراويح) ثم كان الاَمر على ذلك في خلافة أبي بكر ، إلى آخر ما ذكره (3).

2ـ قوله: «نِعمَ البدعة»:

إنّ الظاهر من قوله «نِعمَ البدعة هذه» أنّها من سُنن نفس الخليفة ولا صلة لها بالشرع، وقد صرّح بذلك لفيف من العلماء.

قال القسطلاني: سمّاها (عمر) بدعة، لاَنّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لم يسنّ لهم الاجتماع لها، ولا


(1)ابن حجر العسقلاني: فتح الباري: 4|203.
(2)عمدة القاري في شرح صحيح البخاري: 6|125، وجاء نفس السوَال والجواب في فتح الباري.
(3)إرشاد الساري: 3|425.


(192)

كانت في زمن الصديق، ولا أوّل الليل ولا كلّ ليلة ولا هذا العدد ـ إلى أن قال: ـ وقيام رمضان ليس بدعة لاَنّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر»، وإذا اجتمع الصحابة مع عمر على ذلك زال عنه اسم البدعة.

وقال العيني: وإنّما دعاها بدعة، لاَنّ رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لم يسنّها لهم، ولا كانت في زمن أبي بكر ـ رضي اللّه عنه ـ ولا رغب رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فيها (1).

وهناك من نقل أنّ عمر أوّل من سنّ الجماعة، ونذكر منهم من يلي:

1ـ قـال ابن سعد في ترجمـة عمـر : هو أوّل من سنّ قيام شهر رمضان بالتراويح، وجمع الناس على ذلك، وكتب به إلى البلدان، وذلك في شهر رمضان سنة أربع عشرة (2).

2ـ وقال ابن عبد البر في ترجمة عمر: وهو الذي نوّر شهر الصوم بصلاة الاشفاع فيه (3).

قال الوليد بن الشحنة عند ذكر وفاة عمر في حوادث سنة 23هـ: وهو أوّل من نهى عن بيع أُمهات الاَولاد ... أوّل من جمع الناس على إمام يصلّـي بهم التراويح (4).

إذا كان المفروض أنّ رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لم يسنّ الجماعة فيها، وإنّما سنَّها عمر، وهل يكفي في كونها مشروعة؟ مع أنّه ليس لاِنسان ـ حتى الرسول ـ حقّ التسنين والتشريع، وإنّما هو ( صلى الله عليه وآله وسلم ) مبلغ عن اللّه سبحانه.

إنّ الوحي يحمل التشريع إلى النبي الاَكرم وهو ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الموحى إليه وبموته


(1)عمدة القاري: 6|126 ـ وقد سقط لفظة «لا» من قوله و «رغب» كما أنّ كلمة «بقوله» بعد هذه الجملة في النسخة مصحّف «قوله» فلاحظ.
(2)ابن سعد: الطبقات الكبرى: 3|281.
(3)الاستيعاب: 3|1145 برقم 1878.
(4)روضة المناظر كما في النص والاجتهاد: 150.


(193)

انقطع الوحي وسدّ باب التشريع والتسنين، فليس للاَُمة إلاّ الاجتهاد في ضوء الكتاب والسنّة، لا التشريع ولا التسنين ومن رأى أنّ لغير اللّه سبحانه حقّ التسنين فمعنى ذلك عدم انقطاع الوحي.

قال ابن الاَثير في نهايته، قال: ومن هذا النوع قول عمر ـ رضي اللّه عنه ـ: نِعمَ البدعة هذه (التراويح) لما كانت من أفعال الخير وداخلة في حيز المدح سماها بدعة ومدحها، إلاّ أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لم يسنّها لهم وإنّما صلاّها ليالي ثم تركها، ولم يحافظ عليها، ولا جمعَ الناس لها، ولا كانت في زمن أبي بكر وإنّما عمر ـ رضي اللّه عنه ـ جمع الناس عليها وندبهم إليها فبهذا سمّاها بدعة وهي في الحقيقة سنّة، لقوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : «عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين من بعدي»، وقوله: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» (1).

التشريع مختص باللّه سبحانه:

إنّ هوَلاء الاَكابر مع اعترافهم بأنّ النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لم يسنّ الاجتماع، برّروا إقامتها جماعة بعمل الخليفة، ومعناه أنّ له حقّ التسنين والتشريع، وهذا يضاد إجماع الاَُمّة، إذ لا حـقّ لاِنسان أن يتدخّل في أمر الشريعة بعد إكمالها، لقوله تعالى: «اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاِِسْلامَ دِيناً» (المائدة ـ 3) وكلامه يصادم الكتاب والسنّة، فانّ التشريع حقّ اللّه سبحانه لم يفوّضه لاَحد والنبيّ الاَكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) مبلّغ عنه.

أضف إلى ذلك: لو كان للخليفة استلام الضوء الاَخضر في مجال التشريع والتسنين، فلم لا يكون لسائر الصحابة ذلك الضوء مع كون بعضهم أقرأ منه كأُبي بن كعب، وأفرض كزيد بن ثابت، وأعلم كعليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) ؟ فلو


(1)ابن الاَثير: النهاية: 1|79.


(194)

كان للجميع ذلك الضوء لانتشر الفساد وعمّت الفوضى أمر الدين ويكون الدين أُلعوبة بأيدي غير المعصومين.

وأمّا التمسّك بالحديثين، فلو صحّ سندهما فإنّهما لا يهدفان إلى أنّ لهما حقّ التشريع، بل يفيد لزوم الاقتداء بهما لاَجل أنّهما يعتمدانِ على سنّة النبيّ الاَكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، لا أنّ لهما حقّ التسنين.

نعم يظهر ممّا رواه السيوطي عن عمر بن عبد العزيز أنّه كان يعتقد أنّ للخلفاء حقّ التسنين، قال: قال حاجب بن خليفة: شهدت عمر بن عبد العزيز يخطب وهو خليفة، فقال في خطبته: ألا أنّ ما سنّ رسول اللّه وصاحباه فهو دين نأخذ به وننتهي إليه، وما سنّ سواهما فإنّا نرجئه (1).

وعلى كل تقدير ، نحن لسنا بموَمنين بأنّه سبحانه فوّض أمر دينه في التشريع والتقنين إلى غير الوحي، وفي ذلك يقول الشوكاني: «والحقّ أنّ قول الصحابي ليس بحجة فإنّ اللّه سبحانه وتعالى لم يبعث إلى هذه الاَُمّة إلاّ نبيّنا محمداً ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وليس لنا إلاّ رسول واحد، والصحابة ومن بعدهم مكلّفون على السواء باتّباع شرعه والكتاب والسنّة، فمن قال إنّه تقوم الحجّة في دين اللّه بغيرهما، فقد قال في دين اللّه بما لا يثبت، وأثبت شرعاً لم يأمر به اللّه (2).

نعم، نقل القسطلاني عن ابن التين وغيره: إنّ عمر استنبط ذلك من تقرير النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من صلّـى معه في تلك الليالي وإن كان كره ذلك لهم فإنّما كرهه خشية أن يفرض عليهم. فلمّا مات النبيّ حصل الاَمن من ذلك ورجح عند عمر ذلك لما في الاختلاف من افتراق الكلمة، ولاَنّ الاجتماع على واحد أنشط لكثير من المصلّين (3).


(1)أبو زهرة: تاريخ المذاهب الاِسلامية. كما في بحوث مع أهل السنّة: 235.
(2)المصدر نفسه.
(3)العسقلاني: فتح الباري: 4|204.


(195)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ ما ذكره في آخر كلامه يبرّر جمع الناس على إمام واحد، مكان الاَئمّة المتعددة دونما إذا كان موضع النقاش إقامتها بالجماعة واحداً كان الاِمام أو كثيراً.

وثانياً: أنّ معنى كلامه أنّ هناك أحكاماً لم تسنّ ما دام النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حيّاً، لمانع خاص كخشية الفرض و لكن في وسع آحاد الاَُمّة تشريعها بعد موته ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ومفاده فتح باب التشريع بملاكات خاصة في وجه الاَُمّة إلى يوم القيامة، وهذه رزية ليست بعدها رزية، وتلاعب بالدين واستئصاله.

نعم حاول الكثير من القائلين بمشروعيّة التراويح التّفصيّ عن نهي النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عن إقامة نافلة رمضان جماعة بأنّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) علّل نهيه بخشية الافتراض وقد أمن هذا بعده (1) وزالت تلك الخشية (2).

ليت شعري، لماذا زالت تلك الخشية فحصل الاَمن من الافتراض بعد وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ؟

هل ذلك إلاّ من أجل انقضاء عصر التشريع؟

وإذا سلّم انتهاء عصر التشريع الافتراض، لماذا لم نقل بانتهاء عصر أيّ تشريع آخر كجعل التّجميع مستحبّاً أو مباحاً أيضاً؟

والصحيح هو انتهاء عصر التشريع بكلّ جوانبه وأنحائه لاَنّه منحصر بيد اللّه على لسان نبيّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فأيّ تصرّف في الاَحكام الشرعيّة بنقصها أو زيادتها على لسان غير المعصوم، يعتبر بدعة، وكلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النّار.

* * *


(1)ابن قدامى: الشرح الكبير على المقنع: 1|749.
(2)إرشاد الساري: 3|426.


(196)

ثمّ إنّ لسيّدنا شرف الدين العاملي هناك كلاماً نافعاً نورده بنصّه قال: كان هوَلاء ـ عفا اللّه عنهم وعنّا ـ رأوه رضي اللّه عنه قد استدرك (بتراويحه) على اللّه ورسوله حكمة كانا عنها غافلين.

بل هم للغفلة ـ عن حكمة اللّه في شرائعه ونظمه ـ أحرى، وحسبنا في عدم تشريع الجماعة في سنن شهر رمضان وغيرها انفراد موَديها ـ جوف الليل في بيته ـ بربه عزّ وعلا يشكو إليه بثّه وحزنه ويناجيه بمهماته مهمة مهمة حتى يأتي على آخرها ملحّاً عليه، متوسّلاً بسعة رحمته إليه، راجياً لاجئاً، راهباً راغباً، منيباً تائباً، معترفاً لائذاً عائذاً، لا يجد ملجأً من اللّه تعالى إلاّ إليه، ولا منجي منه إلاّ به.

لهذا ترك اللّه السنن حرة من قيد الجماعة ليتزودوا فيها من الانفراد باللّه ما أقبلت قلوبهم عليه، ونشطت أعضاوَهم له، يستقل منهم من يستقل، ويستكثر من يستكثر، فإنّها خير موضوع، كما جاء في الاَثر عن سيّد البشر.

إمّا ربطها بالجماعة فيحد من هذا النفع، ويقلل من جدواه.

أضف إلى هذا أنّ إعفاء النافلة من الجماعة يمسك على البيوت حظّها من البركة والشرف بالصلاة فيها، ويمسك عليها حظّها من تربية الناشئة على حبّها والنشاط لها، ذلك لمكان القدوة في عمل الآباء والاَُمهات والاَجداد والجدّات، وتأثيره في شد الاَبناء إليها شدّاً يرسخها في عقولهم وقلوبهم، وقد سأل عبد اللّه بن مسعود رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : أيّما أفضل، الصلاة في بيتي، أو الصلاة في المسجد؟ فقال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) «ألا ترى إلى بيتي ما أقربه من المسجد، فلاَن أُصلّـي في بيتي أحب إليّ من أن أُصلّـي في المسجد إلاّ أن تكون صلاة مكتوبة» رواه أحمد وابن ماجة وابن خزيمة في صحيحه كما في باب الترغيب في صلاة النافلة من كتاب الترغيب والترهيب للاِمام زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي المنذري. وعن زيد بن ثابت أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال: «صلّوا أيّها الناس في بيوتكم فانّ أفضل صلاة المرء في بيته إلاّ


(197)

الصلاة المكتوبة» رواه النسائي وابن خزيمة في صحيحه.

وعن أنس بن مالك، قال: قال رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : «أكرموا بيوتكم ببعض صلاتكم» وعنه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال: «مثل البيت الذي يذكر اللّه فيه والبيت الذي لا يذكر اللّه فيه مثل الحي والميت» وأخرجه البخاري ومسلم.

وعن جابر بن عبد اللّه قال: قال رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : «إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيباً من صلاته، وانّ اللّه جاعل في بيته من صلاته خيراً» رواه مسلم وغيره ورواه ابن خزيمة في صحيحه بالاسناد إلى أبي سعيد. والسنن في هذا المعنى لا يسعها هذا الاِملاء.

لكن الخليفة ـ رضي اللّه عنه ـ رجل تنظيم وحزم، وقد راقه من صلاة الجماعة ما يتجلّى فيها من الشعائر بأجلى المظاهر إلى ما لا يُحصى من فوائدها الاجتماعية التي أشبع القول علماوَنا الاَعلام ممّن عالجوا هذه الاَُمور بوعي المسلم الحكيم، وأنت تعلم أنّ الشرع الاِسلامي لم يهمل هذه الناحية، بل اختص الواجبات من الصلوات بها، وترك النوافل للنواحي الاَُخر من مصالح البشر «وما كان لموَمن ولا موَمنة إذا قضى اللّه ورسوله أمراً أن تكون لهم الخيرة من أمرهم» (1).

وحصيلة الكلام: قد روي عن النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) انّه قال: «فصلّوا أيّها الناس في بيوتكم فانّ أفضل صلاة المرء في بيته إلاّ الصلاة المكتوبة» (2).

وأمر النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بأداء النوافل في البيوت ابتعاداً عن الرياء والسمعة مطلقاً وليس مقيّداً بزمانه، وهذا يدلّ على مرجوحيّة أداء النوافل في المساجد.

فلو كانت الجماعة مشروعة في النوافل لكان الاِتيان بها في المساجد جماعة أفضل من الاِتيان بها في البيوت، إلاّ أنَّ تصريح النبي بأنّ الاِتيان بها في البيوت


(1)النص والاجتهاد: 151 ـ 152.
(2)النسائي: السنن: 3|161.


(198)

أفضل كما في الحديث، فهذا ممّا يلوّح ـ على الاَقلّ ـ بعدم مشروعيّة الجماعة فيها.

والعجيب انّ ابن حزم مع اعترافه بأفضليّة كلّ تطوّع في البيوت استثنى ما صلّـي جماعة في المسجد.

قال: «مسألة: وصلاة التطوع في الجماعة أفضل منها منفرداً، وكلّ تطوع فهو في البيوت أفضل منه في المساجد إلاّ ما صلّي منه جماعة في المسجد فهو أفضل» (1).

ولنعم ما ذكر في التعليقة على كلامه السالف حيث قال المعلّق ما نصّه: «قال ابن حزم: ما كان ( عليه السلام ) ليدع الاَفضل، وهذا في هذه الوجهة، ثم قال هنا: الجماعة أفضل للمتطوّع، وقد علم كلّ عالم انّ عامّة تنفّل رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان منفرداً، فعلى ما أصّل ابن حزم، كيف يدع الاَفضل!! فعلمنا بهذا أنّ صلاة الجماعة تفضل بخمسة وعشرين درجة إذا كانت فريضة لا تطوّعاً وهو نقد وجيه، وهو الحق» (2).

خاتمة المطاف:

إنّ عمل الخليفة، لم يكن إلاّ من قبيل تقديم المصلحة على النص وليس المورد أمراً وحيداً في حياته، بل له نظائر في عهده نذكر منها ما يلي:

1ـ تنفيذ الطلاق ثلاثاً بعد ما كان في عهد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وبعده طلاقاً واحداً.

2ـ تحريم متعة الحج. وقد كانت جائزةً في عصر الرسول.

وإليك الكلام فيهما واحداً بعد الآخر.


(1)ابن حزم (456 هـ): المحلّـى: 3|38.
(2)المصدر نفسه.


(199)

المسألة السادسة:

الطلاق ثلاثاً دفعة أو دفعات
في مجلس واحد

من المسائل التي أوجبت انغلاقاً وعنفاً في الحياة وانتهت إلى تمزيق الا َُسرة وتقطيع صلات الاَرحام في كثير من البلاد، مسألة تصحيح الطلاق ثلاثاً دفعة واحدة، بأن يقول: أنت طالق ثلاثاً، أو يكرّره ثلاث دفعات ويقول في مجلس واحد: أنتِ طالق، أنتِ طالق، أنتِ طالق. فتحسب ثلاث تطليقات حقيقة وتحرم المطلّقة على زوجها حتى تنكح زوجاً غيره.

إنّ الطلاق عند أكثر أهل السنّة غير مشروط بشروط عائقة عن التسرّع في إيقاعه، ككونها غير حائض، أو في غير طهر المواقعة، أو لزوم حضور العدلين. فربّما يتغلّب الغيظ على الزوج ويأخذه الغضب فيطلّقها ثلاثاً في مجلس واحد، ثمّ يندم على عمله ندامة شديدة تضيق عليه الاَرض بما رحبت فيطلب المَخلَص عن أثره السيّىَ، ولا يجد عند أئمّة المذاهب الاَربعة و الدعاة إليها مخلصاً فيقعد ملوماً محسوراً ولا يزيده السوَال والفحص إلاّ نفوراً عن الفقه والفتوى.

نحن نعلم علماً قاطعاً بأنّ الاِسلام دين سهل وسمح، وليس فيه حرج وهذا يدفع الدعاة المخلصين إلى دراسة المسألة من جديد دراسة حرّة بعيدة عن أبحاث


(200)

الجامدين الذين أغلقوا باب الاجتهاد في الاَحكام الشرعية على وجوههم، وعن أبحاث أصحاب الهوى الهدّامين الذين يريدون تجريد الا َُمم عن الاِسلام، وأن ينظروا إلى المسألة ويطلبوا حكمها من الكتاب والسنّة، متجرّدين عن كلّ رأي مسبق فلعلّ اللّه يحدث بعد ذلك أمراً، وربّما تفك العقدة ويجد المفتي مَخلصاً من هذا المضيق الذي أوجده تقليد المذاهب.

وإليك نقل الاَقوال:

قال ابن رشد: جمهور فقهاء الاَمصار على أنّ الطلاق بلفظ الثلاث حكمه حكم الطلقة الثالثة، وقال أهل الظاهر وجماعة: حكمه حكم الواحدة ولا تأثير للفظ في ذلك (1).

قال الشيخ الطوسي: إذا طلّقها ثلاثاً بلفظ واحد، كان مبدعاً ووقعت واحدة عند تكامل الشروط عند أكثر أصحابنا، وفيهم من قال: لا يقع شيء أصلاً وبه قال علي ـ عليه الصلاة والسلام ـ وأهل الظاهر ، وحكى الطحاوي عن محمد بن إسحاق أنّه تقع واحدة كما قلناه، وروي أنّ ابن عباس وطاوساً كانا يذهبان إلى ما يقوله الاِمامية.

وقال الشافعي: فإن طلّقها ثنتين أو ثلاثاً في طهر لم يجامعها فيه، دفعة أو متفرّقة كان ذلك مباحاً غير محذور ووقع. وبه قال في الصحابة عبد الرحمان بن عوف، ورووه عن الحسن بن علي ـ عليهما الصلاة والسلام ـ ، وفي التابعين ابن سيرين، وفي الفقهاء أحمد وإسحاق وأبو ثور.

وقال قوم: إذا طلّقها في طهر واحد ثنتين أو ثلاثاً دفعة واحدة، أو متفرقة،


(1)ابن رشد: بداية المجتهد: 2|62 ، ط بيروت.


(201)

فعل محرّماً وعصى وأثم، ذهب إليه في الصحابة علي ـ عليه الصلاة والسلام ـ ، وعمر ، وابن عمر ، وابن مسعود، وابن عباس، وفي الفقهاء أبو حنيفة وأصحابه ومالك، قالوا: إلاّ أنّ ذلك واقع (1).

قال أبو القاسم الخرقي في مختصره: وإذا قال لمدخول بها: أنت طالق، أنت طالق، لزمه تطليقتان إلاّ أن يكون أراد بالثانية إفهامها أن قد وقعت بها الا َُولى فتلزمه واحدة، وإن كانت غير مدخول بها بانت بالا َُولى ولم يلزمها ما بعدها لاَنّه ابتداء كلام.

وقال ابن قدامة في شرحه على مختصر الخرقي: إذا قال لامرأته المدخول بها : أنت طالق مرّتين ونوى بالثانية ايقاع طلقة ثانية، وقعت لها طلقتان بلا خلاف، وإن نوى بها إفهامها أنّ الا َُولى قد وقعت بها أو التأكّد لم تُطلّق إلاّ مرّة واحدة، وإن لم تكن له نيّة وقع طلقتان وبه قال أبو حنيفة ومالك، وهو الصحيح من قولي الشافعي وقال في الآخر: تطلّق واحدة.

وقال الخرقي أيضاً في مختصره: «ويقع بالمدخول بها ثلاثاً إذا أوقعها مثل قوله : أنت طالق، فطالق فطالق، أو أنت طالق ثمّ طالق، ثم طالق، أو أنت طالق، ثمّ طالق وطالق أو فطالق.

وقال ابن قدامة في شرحه: إذا أوقع ثلاث طلقات بلفظ يقتضي وقوعهنّ معاً، فوقعن كلّهنّ كما لو قال: أنت طالق ثلاثاً (2).

وقال عبد الرحمان الجزيري: يملك الرجل الحر ثلاث طلقات، فإذا طلق الرجل زوجته ثلاثاً دفعة واحدة، بأن قال لها: أنت طالق ثلاثاً، لزمه ما نطق به من


(1)الشيخ الطوسي: الخلاف: 2 كتاب الطلاق ، المسألة 3. وعلى ما ذكره، نقل عن الاِمام عليّ رأيان متناقضان، عدم الوقوع والوقوع مع الاثم.
(2)ابن قدامة: المغني: 7|416.


(202)

العدد في المذاهب الاَربعة وهو رأي الجمهور، وخالفهم في ذلك بعض المجتهدين: كطاوس وعكرمة وابن إسحاق وعلى رأسهم ابن عباس ـ رضي اللّه عنهم ـ (1).

إلى غير ذلك من نظائر تلك الكلمات التي تعرب عن اتّفاق جمهور الفقهاء بعد عصر التابعين على نفوذ ذلك الطلاق محتجّين بما، تسمع، ورائدهم في ذلك تنفيذ عمر بن الخطاب، الطلاق الثلاث بمرأى ومسمع من الصحابة ولكن لو دلّ الكتاب والسنّة على خلافه فالاَخذ به متعيّن.

دراسة الآيات الواردة في المقام:

قال سبحانه:

«والمُطلَّقاتُ يَتَربَّصنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثلاثةَ قُروءٍ ولا يَحلُّ لَهُنَّ أن يكتُمنَ ما خلَقَ اللّهُ في أرحامِهنَّ إنْ كُنَّ يُوَمِنَّ باللّهِ واليومِ الآخرِ وبُعولَتُهنَّ أحقُّ بِرَدِّهنَّ في ذلكَ إنْ أَرادُوا إصلاحاً ولَهُنَّ مثلُ الَّذِي عليهنَّ بالمعروفِ وللرجال عليهنَّ درجةٌ واللّهُ عزيز حكيم» (البقرة|228).

«الطلاق مرّتان فامساك بمعروف أو تسريحٌ بإحسانٍ ولا يحلُّ لكُمْ أنْ تأخذُوا مِمّا آتيتموهنّ شيئاً إلاّ أن يخافا ألاّ يُقيما حُدودَ اللّهِ فإن خِفتُمْ ألاّ يُقيما حُدودَ اللّهِ فلا جُناحَ عَليهِما فيما افتدَتْ بهِ تِلكَ حُدودُ اللّهِ فَلا تَعتَدُوها وَمَن يَتَعَدَّ حُدودَ اللّهِ فَأُولئكَ هُمُ الظّالِمونَ» (البقرة|229).


(1)عبد الرحمان الجزيري: الفقه على المذاهب الاَربعة: 4|341.


(203)

«فَإن طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعدُ حَتى تَنكحَ زوجاً غيرَهُ فإن طلَّقها فَلا جُناحَ عَلَيهما أن يَتَراجَعا إن ظنّا أن يُقيما حُدودَ اللّهِ وَتِلكَ حُدودُ اللّهِ يُبَيِّنُها لِقَومٍ يَعلَمونَ» (البقرة|230).

«وإذا طَلَّقتُمُ النِساءَ فَبَلَغنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمسِكُوهُنَّ بَمَعرُوفٍ أَو سَـرِّحُوهُنَّ بِمَعرُوفٍ ولا تُمسِكوهنَّ ضِراراً لِتَعتَدوا وَمَن يَفعل ذلِكَ فَقَد ظَلَمَ نَفسهُ ...» (البقرة|231).

جئنا بمجموع الآيات الاَربع ـ مع أنّ موضع الاستدلال هو الآية الثانية ـ للاستشهاد بها في ثنايا البحث وقبل الخوض في الاستدلال نشير إلى نكات في الآيات:

1ـ قوله سبحانه: «وَلَهُنّ مِثلُ الَّذِي عليهنَّ بالمعروف» كلمة جامعة لا يوَدّى حقّها إلاّ بمقال مسهب، وهي تعطي أنّ الحقوق بينهما متبادلة، فما من عمل تعمله المرأة للرجل إلاّ وعلى الرجل عمل يقابله، فهما ـ في حقل المعاشرة ـ متماثلان في الحقوق والاَعمال، فلا تسعد الحياة إلاّ باحترام كل من الزوجين الآخر، وقيام كلّ بوظيفته تجاه الآخر ، فعلى المرأة القيام بتدبير المنزل والقيام بالاَعمال فيه، وعلى الرجل السعي والكسب خارجه، هذا هو الاَصل الاَصيل في حياة الزوجين الذي توَيدها الفطرة، وقد قسم النبيّ الا َُمور بين ابنته فاطمة وزوجها علي ( عليه السلام ) فجعل أُمور داخل البيت على ابنته وأُمور خارجه على زوجها ـ صلوات اللّه عليهما ـ .

2ـ «المرّة» بمعنى الدفعـة للدلالـة على الواحـد في الفعل، و «الامساك» خلاف الاطلاق، و «التسريح» مأخوذ من السرح وهو الاطلاق يقال: سرح الماشية في المرعى: إذا أطلقها لترعى. والمراد من الامساك هو ارجاعها إلى عصمة الزوجية. كما أنّ المقصود من «التسريح» عدم التعرّض لها لتنقضي عدتها في كل


(204)

طلاق أو الطلاق الثالث الذي هو أيضاً نوع من التسريح. على اختلاف في معنى الجملة. وإن كان الاَقوى هو اثاني وسيوافيك توضيحه ودفع ما أثار الجصاص من الاشكالين حول هذا التفسير بإذن من اللّه سبحانه.

3ـ قيّد الاِمساك بالمعروف، والتسريح بإحسان ، مشعراً بأنّه يكفي في الامساك قصد عدم الاضرار بالرجوع، وأمّا الاضرار فكما إذا طلّقها حتى تبلغ أجلها فيرجع إليها ثم يطلّق كذلك، يريد بها الاضرار والايذاء، وعلى ذلك يجب أن يكون الامساك مقروناً بالمعروف، وعندئذ لو طلب بعد الرجوع ما آتاها من قبل، لا يعد أمراً منكراً غير معروف، إذ ليس اضراراً.

وهذا بخلاف التسريح فلا يكفي ذلك بل يلزم أن يكون مقروناً بالاحسان إليها فلا يطلب منها ما آتاها من الاَموال. ولاَجل ذلك يقول تعالى: «ولا يحلّ لكم أن تأخذوا ممّا آتيتموهنّ شيئاً» أي لا يحلّ في مطلق الطلاق استرداد ما آتيتموهنّ من المهر، إلاّ إذا كان الطلاق خلعاً فعندئذ لا جناح عليها فيما افتدت به نفسها من زوجها.

وقوله سبحانه: «فيما افتدت به» دليل على وجود النفرة من الزوجة فتخاف أن لا تقيم حدود اللّه فتفتدي بالمهر وغيره لتخلّص نفسها.

4ـ لم يكن في الجاهلية للطلاق ولا للمراجعة في العدة، حدّ ولا عدّ، فكان الاَزواج يتلاعبون بزوجاتهم يضارّوهنّ بالطلاق والرجوع ما شاءوا، فجاء الاِسلام بنظام دقيق وحدّد الطلاق بمرّتين، فإذا تجاوز عنه وبلغ الثالث تحرم عليه حتى تنكح زوجاً غيره.

روى الترمذي: كان الناس، والرجل يُطلِّق امرأته ما شاء أن يطلّقها، وهي امرأته إذا ارتجعها وهي في العدّة، وإن طلّقها مائة مرّة أو أكثر ، حتى قال رجل


(205)

لامرأته: واللّه لا أُطلقك فتبيني منّي، ولا آويك أبداً قالت: وكيف ذلك؟ قال: أُطلّقك فكلّما همَّت عدّتك أن تنقضي راجعتك، فذهبت المرأة فأخبرت النبي فسكت حتى نزل القرآن: «الطلاق مرّتان ...» (1).

5ـ اختلفوا في تفسير قوله سبحانه: «الطلاق مرّتان فامساك بمعروف أو تسريح باحسان» إلى قولين:

ألف: إنّ الطلاق يكون مرّتين، وفي كلّ مرّة إمّا إمساك بمعروف أو تسريح باحسان، والرجل مخيّر بعد ايقاع الطلقة الا َُولى بين أن يرجع فيما اختار من الفراق فيمسك زوجته ويعاشرها باحسان، وبين أن يدع زوجته في عدّتها من غير رجعة حتى تبلغ أجلها وتنقضي عدّتها.

وهذا القول هو الذي نقله الطبري عن السدي والضحاك فذهبا إلى أنّ معنى الكلام: الطلاق مرتان فامساك في كلّ واحدة منهما لهنّ بمعروف أو تسريح لهنّ باحسان، وقال: هذا مذهب ممّا يحتمله ظاهر التنزيل لولا الخبر الذي رواه إسماعيل بن سميع عن أبي رزين (2).

يلاحظ عليه: أنّ هذا التفسير ينافيه تخلّل الفاء بين قوله: «مرّتان» وقوله «فامساك بمعروف» فهو يفيد أنّ القيام بأحد الاَمرين بعد تحقّق المرّتين، لا في أثنائهما. وعليه لابدّ أن يكون كل من الامساك والتسريح أمراً متحقّقاً بعد المرّتين، ومشيراً إلى أمر وراء التطليقتين.

نعم يستفاد لزوم القيام بأحد الاَمرين بعد كلّ تطليقة، من آية أُخرى أعني قوله سبحانه: «وإذا طلّقتم النساء فبلغن أجلهنّ فأمسكوهنّ بمعروف أو


(1)الترمذي: الصحيح : 3 كتاب الطلاق، الباب 16، الحديث 1192.
(2)الطبري: التفسير : 2|278 وسيوافيك خبر أبي رزين.


(206)

سرّحوهنّ بمعروف ولا تمسكوهنّ ضراراً لتعتدوا» (1).

ولاَجل الحذر عن تكرار المعنى الواحد في المقام يفسّـر قوله: «فامساك بمعروف أو تسريح باحسان» بوجه آخر سيوافيك.

ب ـ أنّ الزوج بعد ما طلّق زوجته مرّتين، يجب أن يتفكّر في أمر زوجته أكثر ممّا مضى، فيقف أن ليس له بعد التطليقتين إلاّ أحد الاَمرين: إمّا الامساك بمعروف وادامة العيش معها، أو التسريح باحسان بالتطليق الثالث الذي لا رجوع بعده أبداً، إلاّ في ظرف خاص.

فيكون قوله تعالى: «أو تسريح باحسان» اشارة إلى التطليق الثالث الذي لا رجوع فيه ويكون التسريح متحقّقاً به. وهنا سوَالان أثارهما الجصاص في تفسيره:

1ـ كيف يفسّـر قوله: «أو تسريح باحسان» بالتطليق الثالث. مع أنّ المراد من قوله في الآية المتأخّرة «أو سرِّحوهُنَّ بأحسان» هو ترك الرجعة وهكذا المراد من قوله «فإذا بلَغنَ أجَلَهُنَّ فأمسكوهنَّ بِمعَروفٍ أو فارقوهنَّ بمعروف» (الطلاق|2) هو تركها حتى ينتهي أجلها، ومعلوم أنّه لم يرد من قوله: «أو سرِّحوهنَّ بمعروف» أو قوله: «أو فارقوهنَّ بمعروف» :طلّقوهنّ واحدة أُخرى(2).

يلاحـظ عليه: أنّ السوَال أو الاشكال ناشىَ من خلط المفهوم بالمصداق، فاللفظ في كلا الموردين مستعمل في السرح والاطلاق، غير أنّه يتحقّق في مورد بالطلاق، وفي آخر بترك الرجعة ، وهذا لا يعد تفكيكاً في معنى لفظ واحد في


(1)البقرة: الآية 231 وأيضاً في سورة الطلاق: (فإذا بلغن أجلهنّ فأمسكوهنَّ بمعروف أو فارقوهنَّ بمعروف) (الطلاق|2).
(2)الجصاص: التفسير : 1|389.


(207)

موردين، ومصداقه في الآية 229، هو الطلاق، وفي الآية 231، هو ترك الرجعة، والاختلاف في المصداق لا يوجب اختلافاً في المفهوم.

2ـ إنّ التطليقة الثالثة مذكورة في نسق الخطاب بعده في قوله تعالى: «فإنْ طلَّقها فلا تحلُّ لهُ من بَعد حتّى تنكحَ زوجاً غيره» وعندئذ يجب حمل قوله تعالى: «أو تسريحٌ باحسان» المتقدم عليه على فائدة مجدّدة وهي وقوع البينونة بالاثنين (1)بعد انقضاء العدّة.

وأيضاً لو كان التسريح باحسان هو الثالثة لوجب أن يكون قوله تعالى: «فإن طلّقها» عقيب ذلك هي الرابعة، لاَنّ الفاء للتعقيب قد اقتضى طلاقاً مستقلاّ ً بعد ما تقدم ذكره (2).

والاجابة عنه واضحة، لاَنّه لا مانع من الاجمال أولاً ثمّ التفصيل ثانياً، فقوله تعالى: «فإن طلّقها» بيان تفصيلي للتسريح بعد البيان الاجمالي، والتفصيل مشتمل على ما لم يشتمل عليه الاجمال من تحريمها عليه حتى تنكح زوجاً غيره. فلو طلّقها الزوج الثاني عن اختياره فلا جناح عليهما أن يتراجعا بالعقد الجديد إن ظنّا أن يُقيما حدود اللّه فأين هذه التفاصيل من قوله: «أو تسريح باحسان» .

وبذلك يعلم أنّه لا يلزم أن يكون قوله: «فإن طلّقها» طلاقاً رابعاً.

وقد روى الطبري عن أبي رزين أنّه قال: أتى النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) رجل فقال: يا رسول اللّه أرأيت قوله: « الطلاق مرّتان فامساك بمعروف أو تسريح باحسان» فأين الثالثة؟ قال رسول اللّه: «امساك بمعروف أو تسريح باحسان» هي الثالثة (3).


(1)الاَولى أن يقول: بكل طلاق.
(2)الجصاص: التفسير : 1|389.
(3)الطبري: التفسير : 2|278.


(208)

نعم الخبر مرسل وليس أبو رزين الاَسدي صحابياً بل تابعي.

وقد تضافرت الروايات عن أئمّة أهل البيت أنّ المراد من قوله: «أو تسريح باحسان» هي التطليقة الثالثة (1).

إلى هنا تمّ تفسير الآية وظهر أنّ المعنى الثاني لتخلّل لفظ «الفاء» أظهر بل هو المتعيّن بالنظـر إلى روايات أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) .

بقي الكلام في دلالة الآية على بطلان الطلاق ثلاثاً بمعنى عدم وقوعه بقيد الثلاث، وأمّا وقوع واحدة منها فهو أمر آخر، فنقول:

الاستدلال على بطلان الطلاق ثلاثاً :

إذا تعرّفت على مفاد الآية، فاعلم أنّ الكتاب والسنّة يدلاّن على بطلان الطلاق ثلاثاً، وأنّه يجب أن يكون الطلاق واحدة بعد الا َُخرى، يتخلّل بينهما رجوع أو نكاح، فلو طلّق ثلاثاً مرّة واحدة. أو كرّر الصيغة فلا يقع الثلاث. وأمّا احتسابها طلاقاً واحداً ، فهو وإن كان حقّاً، لكنّه خارج عن موضوع بحثنا، وإليك الاستدلال عن طريق الكتاب أوّلاً والسنّة ثانياً:

أوّلاً: الاستدلال عن طريق الكتاب:

1ـ قوله سبحانه: «فامساك بمعروف أو تسريح باحسان» .

تقدّم أنّ في تفسير هذه الفقرة من الآية قولين مختلفين، والمفسّـرون بين من


(1)البحراني: البرهان: 1|221، وقد نقل روايات ست في ذيل الآية.


(209)

يجعلونها ناظرة إلى الفقرة المتقدّمة أعني قوله : «الطلاق مرّتان... » ومن يجعلونها ناظرة إلى التطليق الثالث الذي جاء في الآية التالية، وقد عرفت ما هو الحق، فتلك الفقرة تدل على بطلان الطلاق ثلاثاً على كلا التقديرين.

أمّا على التقدير الاَوّل، فواضح لاَنّ معناها أنّ كلّ مرّة من المرّتين يجب أن يتبعها أحد أمرين: إمساك بمعروف، أو تسريح باحسان.

قال ابن كثير: أي إذا طلّقتها واحدة أو اثنتين، فأنت مخيّر فيها ما دامت عدّتها باقية، بين أن تردّها إليك ناوياً الاصلاح والاحسان وبين أن تتركها حتى تنقضي عدتها، فتبين منك، وتطلق سراحها محسناً إليها لا تظلمها من حقّها شيئاً ولا تضارّ بها (1)وأين هذا من الطلاق ثلاثاً بلا تخلّل واحد من الاَمرين ـ الامساك أو تركها حتى ينقضي أجلها ـ سواء طلّقها بلفظ: أنت طالق ثلاثاً، أو: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق.

وأمّا على التقدير الثاني، فإنّ تلك الفقرة وإن كانت ناظرة لحال الطلاق الثالث، وساكتة عن حال الطلاقين الاَولين، لكن قلنا إنّ بعض الآيات، تدل على أنّ مضمونها من خصيصة مطلق الطلاق، من غير فرق بين الاَولين والثالث فالمطلق يجب أن يُتبعَ طلاقه بأحد أمرين:

1ـ الامساك بمعررف.

2ـ التسريح باحسان.

فعدم دلالة الآية الا َُولى على خصيصة الطلاقين الاَولين، لا ينافي استفادتها من الآيتين الماضيتين (2) ولعلّهما تصلحان قرينة لالقاء الخصوصية من ظاهر الفقرة «فامساك بمعروف أو تسريح باحسان» وإرجاع مضمونها إلى مطلق


(1)ابن كثير: التفسير : 1|53.
(2)الآية 231 من سورة البقرة والآية 2 من سورة الطلاق.


(210)

الطلاق ولاَجل ذلك قلنا بدلالة الفقرة على لزوم اتباع الطلاق بأحد الاَمرين على كلا التقديرين، وعلى أي حال فسواء كان عنصر الدلالة نفس الفقرة أو غيرها ـ كما ذكرنا ـ فالمحصّل من المجموع هو كون اتباع الطلاق بأحد أمرين من لوازم طبيعة الطلاق الذي يصلح للرجوع.

ويظـهر ذلك بوضوح إذا وقفنا على أنّ قوله: «فبلغن أجلهنّ» من القيود الغالبية، وإلاّ فالواجب منذ أن يطلّق زوجته، هو القيام بأحد الاَمرين، لكن تخصيصه بزمن خاص وهو بلوغ آجالهن، هو لاَجل أنّ المطلّق الطاغي عليه غضبه وغيظه، لا تنظفىَ سورة غضبه فوراً حتى تمضي عليه مدّة من الزمن تصلح فيها، لاَن يتفكّر في أمر زوجته ويخاطب بأحد الاَمرين، وإلاّ فطبيعة الحكم الشرعي «فامساك بمعروف أو تسريح باحسان» تقتضي أن يكون حكماً سائداً على جميع الاَزمنة من لدن أن يتفوّه بصيغة الطلاق إلى آخر لحظة تنتهي معها العدّة.

وعلى ضوء ما ذكرنا تدلّ الفقرة على بطلان الطلاق الثلاث وأنّه يخالف الكيفية المشروعة في الطلاق، غير أنّ دلالتها على القول الاَوّل بنفسها، وعلى القول الثاني بمعونة الآيات الا َُخر.

2ـ قوله سبحانه: «الطلاق مرّتان» .

إنّ قوله سبحانه: «الطلاق مرّتان» : ظاهر في لزوم وقوعه مرّة بعد أُخرى لا دفعة واحدة وإلاّ يصير مرّة ودفعة، ولاَجل ذلك عبّـر سبحانه بلفظ «المرّة» ليدلّ على كيفية الفعل وانّه الواحد منه، كما أنّ الدفعة والكرّة والنزلة، مثل المرّة، وزناً ومعنىً واعتباراً.

وعلى ما ذكرنا فلو قال المطلِّق: أنت طالق ثلاثاً، لم يطلِّق زوجته مرة بعد أُخرى، ولم يطلّق مرّتين، بل هو طلاق واحد، وأمّا قوله «ثلاثاً» فلا يصير سبباً


(211)

لتكرّره، وتشهد بذلك فروع فقهية لم يقل أحد من الفقهاء فيها بالتكرار بضم عدد فوق الواحد. مثلاً اعتبر في اللعان شهادات أربع، فلا تجزي عنها شهادة واحدة مشفوعة بقوله «أربعا». وفصول الاَذان المأخذوة فيها التثنية، لا يتأتّى التكرار فيها بقراءة واحدة واردافها بقوله «مرتين» ولو حلف في القسامة وقال: «أُقسم باللّه خمسين يميناً أنّ هذا قاتله» كان هذا يميناً واحداً. ولو قال المقرّ بالزنا: «أنا أُقرّ أربع مرّات أنّي زنيت» كان اقراراً واحداً، ويحتاج إلى اقرارات، إلى غير ذلك من الموارد التي لا يكفي فيها العدد عن التكرار.

قال الجصاص: «الطلاق مرّتان» ، وذلك يقتضي التفريق لا محالة، لاَنّه لو طلّق اثنتين معاً لما جاز أن يقال: طلّقها مرّتين، وكذلك لو دفع رجل إلى آخر درهمين لم يجز أن يقال: أعطاه مرتين، حتى يفرق الدفع، فحينئذ يطلق عليه، وإذا كان هذا هكذا، فلو كان الحكم المقصود باللفظ هو ما تعلّق بالتطليقتين من بقاء الرجعة لاَدّى ذلك إلى اسقاط فائدة ذكر المرّتين، إذ كان هذا الحكم ثابتاً في المرة الواحدة إذا طلّق اثنتين، فثبت بذلك أنّ ذكر المرتين إنّما هو أمر بايقاعه مرتين، ونهى عن الجمع بينهما في مرّة واحدة (1).

هذا كلّه إذا عبّـر عن التطليق ثلاثاً بصيغة واحدة، أمّا إذا كرّر الصيغة كما عرفت، فربّما يغتر به البسطاء ويزعمون أنّ تكرار الصيغة ينطبق على الآية، لكنّه مردود من جهة أُخرى وهي:

أنّ الصيغة الثانية والثالثة تقعان باطلتين لعدم الموضوع للطلاق، فإنّ الطلاق إنّما هو لقطع علقة الزوجية، فلا زوجية بعد الصيغة الا َُولى حتى تقطع، ولا رابطة قانونية حتى تصرم.

وبعبارة واضحة: إنّ الطلاق هو أن يقطع الزوج علقة الزوجيّة بينه وبين


(1)الجصاص: أحكام القرآن : 1|378.


(212)

امرأته ويطلق سراحها من قيدها، وهو لا يتحقّق بدون وجود تلك العلقة الاعتبارية الاجتماعية، ومن المعلوم أنّ المطلّقة لا تطلق، والمسرَّحة لا تسرح.

وربّما يقال: إنّ المطلقة ما زالت في حبالة الرجل وحكمها حكم الزوجة، فعندئذ يكون للصيغة الثانية والثالثة تأثير بحكم هذه الضابطة. ولكن الاِجابة عنه واضحة وذلك لاَنّ الصيغة الثانية لغوٌ جداً، وذلك لاَنّ الزوجة بعدها أيضاً بحكم الزوجة. وإنّما تخرج عنه إذا صار الطلاق بائناً وهو يتحقق بالطلاق ثلاثاً.

والحاصل: أنّه لا يحصل بهذا النحو من التطليقات الثلاث، العدد الخاص الذي هو الموضوع للآية التالية أعني قوله سبحانه: «فإن طلَّقها فلا تحلُّ له حتّى تنكح زوجاً غيره» وكيف لا يكون كذلك، وقد قال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : لا طلاق إلاّ بعد نكاح، وقال: ولا طلاق قبل نكاح (1).

فتعدّد الطلاق رهن تخلّل عقدة الزواج بين الطلاقين، ولو بالرجوع، وإذا لم تتخلّل يكون التكلّم أشبه بالتكلّم بكلام لغو.

قال السماك: إنّما النكاح عقدة تعقد، والطلاق يحلّها، وكيف تُحل عقدة قبل أن تعقد؟! (2).

3ـ قوله سبحانه: «فطلّقوهنّ لعدّتهنّ» .

إنّ قوله سبحانه: « الطلاق مرّتان» وارد في الطلاق الذي يجوز فيه الرجوع (3)، ومن جانب آخر دلّ قوله سبحانه: «وإذا طلّقتم النِّساءَ فطلِّقوهنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا العِدَّةَ» (الطلاق|1). على أنّ الواجب في حقّ هوَلاء هو


(1)البيهقي: السنن الكبرى: 7|318 ـ 321، الحاكم: المستدرك: 2|24.
(2)المصدر نفسه: 7|321.
(3)فخرج الطلاق البائن كطلاق غير المدخولة، وطلاق اليائسة من المحيض الطاعنة في السن وغيرهما.


(213)

الاعتداد واحصاء العدّة، من غير فرق بين أن نقول أنّ «اللام» في «عدّتهنّ» للظرفية بمعنى «في عدّتهنّ» أو بمعنى الغاية، والمراد لغاية أن يعتددن، إذ على كلّ تقدير يدلّ على أنّ من خصائص الطلاق الذي يجوز فيه الرجوع، هو الاعتداد واحصاء العدّة، وهو لا يتحقّق إلاّ بفصل الاَوّل عن الثاني، وإلاّ يكون الطلاق الاَوّل بلا عدّة واحصاء لو طلّق اثنتين مرّة. ولو طلّق ثلاثاً يكون الاَوّل والثاني كذلك.

وقد استدلّ بعض أئمّة أهل البيت بهذه الآية على بطلان الطلاق ثلاثاً.

روى صفوان الجمّـال عن أبي عبد اللّه ( عليه السلام ) : أنّ رجلاً قال له: إنّي طلّقت امرأتي ثلاثاً في مجلس واحد؟ قال: ليس بشيء، ثمّ قال: أما تقرأ كتاب اللّه : « يا أيُّها النبيّ إذا طلّقتُمُ النِّساءَ فَطَلّقوهنّ لعدّتهنَّ ـ إلى قوله سبحانه: ـ لعلَّ اللّه يُحدثُ بعدَ ذلكَ أمراً» ثمّ قال: كلّ ما خالف كتاب اللّه والسنّة فهو يرد إلى كتاب اللّه والسنّة (1).

أضف إلى ذلك: أنّه لو صحّ التطليق ثلاثاً فلا يبقى لقوله سبحانه: «لعلَّ اللّه يحدث بعد ذلك أمراً» فائدة لاَنّه يكون بائناً ويبلغ الاَمر إلى ما لا تحمد عقباه، ولا تحل العقدة إلاّ بنكاح رجل آخر وطلاقه مع أنّ الظاهر أنّ المقصود حلّ المشكل من طريق الرجوع أو العقد في العدّة.

ثانياً: الاستدلال عن طريق السنّة:

قد تعرّفت على قضاء الكتاب في المسألة، وأمّا حكم السنّة، فهي تعرب عن أنّ الرسول كان يعد مثل هذا الطلاق لعباً بالكتاب.


(1)عبد اللّه بن جعفر الحميري: قرب الاسناد : 30، ورواه الحر العاملي في وسائل الشيعة ج15 الباب 22، الحديث 25.


(214)

1ـ أخرج النسائي عن محمود بن لبيد قال: أُخبر رسول اللّه عن رجل طلّق امرأته ثلاث تطليقات جميعا، فقام غضباناً ثم قال: أيلعب بكتاب اللّه وأنا بين أظهركم؟ حتى قام رجل وقال: يا رسول اللّه ألا أقتله؟ (1). إنّ محمود بن لبيد صحابي صغير وله سماع، روى أحمد باسناد صحيح عنه قال: أتانا رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فصلّـى بنا المغرب في مسجدنا فلمّـا سلّم منها...(2).

ولو سلمنا عدم سماعه كما يدّعيه ابن حجر في فتح الباري (3)فهو صحابي ومراسيل الصحابة حجة بلا كلام عند الفقهاء، أخذاً بعدالتهم أجمعين.

2ـ روى ابن إسحاق عن عكرمة عن ابن عباس قال: طلق ركانة زوجته ثلاثاً في مجلس واحد فحزن عليها حزناً شديداً، فسأله رسول اللّه: كيف طلّقتها؟ قال: طلقتها ثلاثاً في مجلس واحد. قال: إنّما تلك طلقة واحدة فارتجعها (4).

والسائل هو ركانة بن عبد يزيد، روى الاِمام أحمد باسناد صحيح عن ابن عباس قال: طلّق ركانة بن عبد يزيد أخو بني مطلب امرأته ثلاثاً في مجلس واحد فحزن عليها حزناً شديداً قال: فسأله رسول اللّه: كيف طلّقتها؟ قال: طلّقتها ثلاثاً. قال، فقال: في مجلس واحد؟ قال: نعم. قال: فإنّما تلك واحدة فأرجعها إن شئت. قال: فأرجعها فكان ابن عباس يرى إنّما الطلاق عند كلّ طهر(5).


(1)النسائي: السنن: 6|142، السيوطي: الدر المنثور : 1|283.
(2)أحمد بن حنبل: المسند : 5|427.
(3)ابن حجر: فتح الباري: 9|315، ومع ذلك قال: رجاله ثقات، وقال في كتابه الآخر بلوغ المرام 249 : رواته موثّقون، ونقل الشوكاني في نيل الاَوطار : 7|11، عن ابن كثير أنّه قال: اسناده جيد، أُنظر «نظام الطلاق في الاِسلام» للقاضي أحمد محمد شاكر: 37.
(4)ابن رشد: بداية المجتهد: 2|61، ورواه آخرون كابن قيم في اغاثة اللهفان: 156 والسيوطي في الدر المنثور : 1|279 وغيرهم.
(5)أحمد بن حنبل: المسند: 1|265.


(215)

الاجتهاد مقابل النص:

التحق النبيّ الاَكرم بالرفيق الاَعلى وقد حدث بين المسلمين اتّجاهان مختلفان، وصراعان فكريان، فعليّ ومن تبعه من أئمّة أهل البيت، كانوا يحاولون التعرّف على الحكم الشرعي من خلال النصّ الشرعي آية ورواية، ولا يعملون برأيهم أصلاً، وفي مقابلهم لفيف من الصحابة يستخدمون رأيهم للتعرّف على الحكم الشرعي من خلال التعرّف على المصلحة ووضع الحكم وفق متطلّباتها.

إنّ استخدام الرأي فيما لا نصّ فيه، ووضع الحكم وفق المصلحة أمر قابل للبحث والنقاش، إنّما الكلام في استخدامه فيما فيه نص، فالطائفة الثانية كانت تستخدم رأيها تجاه النص، لا في خصوص ما لا نصّ فيه من كتاب أو سنّة بل حتى فيما كان فيه نصّ ودلالة.

يقول أحمد أمين المصري: ظهر لي أنّ عمر بن الخطاب كان يستعمل الرأي في أوسع من المعنى الذي ذكرناه، وذلك أنّ ما ذكرناه هو استعمال الرأي حيث لا نصّ من كتاب ولا سنّة، ولكنّا نرى الخليفة سار أبعد من ذلك، فكان يجتهد في تعرّف المصلحة التي لاَجلها نزلت الآية أو ورد الحديث، ثمّ يسترشد بتلك المصلحة في أحكامه، وهو أقرب شيء إلى ما يعبّـر عنه الآن بالاسترشاد بروح القانون لا بحرفيته (1).

إنّ الاسترشاد بروح القانون الذي أشار إليه أحمد أمين أمر، ونبذ النص والعمل بالرأي أمر آخر، ولكن الطائفة الثانية كانوا ينبذون النص ويعملون بالرأي، وما روي عن الخليفة في هذه المسألة، من هذا القبيل. وإن كنت في ريب


(1)أحمد أمين: فجر الاِسلام : 238، نشر دار الكتاب.


(216)

من ذلك فنحن نتلو عليك ما وقفنا عليه:

1ـ روى مسلم عن ابن عباس، قال: كان الطلاق على عهد رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر: طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إنّ الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم (1).

2ـ وروى عن ابـن طاووس عن أبيه: أنّ أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم انّما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأبي بكر وثلاثاً من (خلافة) عمر؟ فقال: نعم (2).

3ـ وروى أيضاً: أنّ أبا الصهباء قال لابن عباس: هات من هناتك، ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول اللّه وأبي بكر واحدة؟ قال: قد كان ذلك فلمّـا كان في عهد عمر تتابع الناس في الطلاق فأجازه عليهم (3).

4ـ روى البيهقي، قال: كان أبو الصهباء كثير السوَال لابن عباس، قال: أما علمت أنّ الرجل كان إذا طلّق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها، جعلوها واحدة على عهد النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأبي بكر ـ رضى اللّه عنه ـ وصدراً من امارة عمر ـ رضى اللّه عنه ـ فلمّـا رأى الناس قد تتابعوا فيها، قال: أجيزوهن عليهم (4).

5ـ أخـرج الطحاوي من طريق ابن عباس أنّه قال: لمّا كان زمن عمر ـ رضى اللّه عنه ـ قال: يا أيّها الناس قد كان لكم في الطلاق أناة وإنّه من تعجل أناة اللّه في الطلاق ألزمناه إياه (5).


(1) مسلم: الصحيح: 4 باب الطلاق الثلاث، الحديث 1ـ3. التتابع: بمعنى الاكثار من الشر.
(2) مسلم: الصحيح: 4 باب الطلاق الثلاث، الحديث 1ـ3. التتابع: بمعنى الاكثار من الشر.
(3) مسلم: الصحيح: 4 باب الطلاق الثلاث، الحديث 1ـ3. التتابع: بمعنى الاكثار من الشر.
(4)البيهقي: السنن: 7|339، السيوطي: الدر المنثور: 1|279.
(5)العيني: عمدة القارىَ: 9|537، وقال: اسناده صحيح.


(217)

6ـ عن طاووس قال: قال عمر بن الخطاب: قد كان لكم في الطلاق أناة فاستعجلتم أناتكم وقد أجزنا عليكم ما استعجلتم من ذلك (1).

7ـ عن الحسن: أنّ عمر بن الخطاب كتب إلى أبي موسى الاَشعري: لقد هممت أن أجعل إذا طلّق الرجل امرأته ثلاثاً في مجلس أن أجعلها واحدة، ولكنّ أقواماً جعلوا على أنفسهم، فألزِم كلّ نفس ما ألزَمَ نفسه. من قال لامرأته: أنت عليَّ حرام، فهي حرام، ومن قال لامرأته: أنت بائنة، فهي بائنة، ومن قال: أنت طالق ثلاثاً، فهي ثلاث (2).

هذه النصوص تدلّ على أنّ عمل الخليفة لم يكن من الاجتهاد فيما لا نصّ فيه ولا أخذاً بروح القانون الذي يعبّـر عنه بتنقيح المناط واسراء الحكم الشرعي إلى المواضع التي تتشارك المنصوص في المسألة، كما إذا قال: الخمر حرام، فيسري حكمه إلى كلّ مسكرٍ أخذاً بروح القانون وهو أنّ علّة التحريم هي الاسكار الموجود في المنصوص وغير المنصوص، وانّما كان عمله من نوع ثالث وهو الاجتهاد تجاه النص ونبذ الدليل الشرعي، والسير وراء رأيه وفكره وتشخيصه، وقد ذكروا هنا:

تبريرات لحكم الخليفة:

لمّا كان الحكم الصادر عن الخليفة يخالف نصّ القرآن أو ظاهره، حاول بعض المحقّقين تبرير عمل الخليفة ببعض الوجوه حتّى يبرّر حكمه ويصحّحه ويخرجه عن مجال الاجتهاد مقابل النص بل يكون صادراً عن دليل شرعي، بيانها:


(1)المتقي الهندي: كنز العمال: 9|676، برقم 27943.
(2)المتقي الهندي: كنز العمال: 9|676، برقم 27943.


(218)

1ـ نسخ الكتاب بالاجماع الكاشف عن النص:

إنّ الطلاق الوارد في الكتاب منسوخ، فان قلت: ما وجه هذا النسخ وعمر ـ رضى اللّه عنه ـ لا ينسخ، وكيف يكون النسخ بعد النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ؟ قلت: لمّا خاطب عمر الصحابة بذلك فلم يقع انكار، صار اجماعاً ، والنسخ بالاجماع جوّزه بعض مشايخنا، بطريق أنّ الاجماع موجب علم اليقين كالنص فيجوز أن يثبت النسخ به، والاجماع في كونه حجّة أقوى من الخبر المشهور.

فان قلت: هذا اجماع على النسخ من تلقاء أنفسهم فلا يجوز ذلك في حقهم، قلت: يحتمل أن يكون ظهر لهم نص أوجب النسخ ولم ينقل إلينا (1).

يلاحظ عليه أولاً: أنّ المسألة يوم أفتى بها الخليفة، كانت ذات قولين بين نفس الصحابة، فكيف انعقد الاجماع على قول واحد، وقد عرفت الاَقوال في صدر المسألة. ولاَجل ذلك نرى البعض الآخر ينفي انعقاد الاجماع البتة ويقول: وقد أجمع الصحابة إلى السنة الثانية من خلافة عمر على أنّ الثلاث بلفظ واحد واحدة، ولم ينقض هذا الاجماع بخلافه، بل لا يزال في الا َُمّة من يفتي به قرناً بعد قرن إلى يومنا هذا» (2).

وثانياً: أنّ هذا البيان يخالف ما برّر به الخليفة عمله حيث قال: إنّ الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم ، ولو كان هناك نص عند الخليفة، لكان التبرير به هو المتعيّن.

وفي الختام نقول: أين ما ذكره صاحب العمدة ممّا ذكره الشيخ صالح بن محمد العمري (المتوفى 1298) حيث قال: إنّ المعروف عند الصحابة والتابعين


(1)العيني: عمدة القارىَ: 9|537.
(2)تيسير الوصول: 3|162.


(219)

لهم باحسان إلى يوم الدين، وعند سائر العلماء المسلمين: أنّ حكم الحاكم المجتهد إذا خالف نصّ كتاب اللّه تعالى أو سنّة رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وجب نقضه ومنع نفوذه، ولا يعارض نصّ الكتاب والسنّة بالاحتمالات العقليّة والخيالات النفسية، والعصبيّة الشيطانية بأن يقال: لعلّ هذا المجتهد قد اطّلع على هذا النصّ وتركه لعلّة ظهرت له، أو أنّه اطّلع على دليل آخر، ونحو هذا ممّا لهج به فرق الفقهاء المتعصّبين وأطبق عليه جهلة المقلّدين (1).

2ـ تعزيرهم على ما تعدّوا به حدود اللّه:

لم يكن الهدف من تنفيذ الطلاق ثلاثاً في مجلس، إلاّ عقابهم من جنس عملهم، وتعزيرهم على ما تعدّوا حدود اللّه، فاستشار أُولي الرأي، وأُولي الاَمر وقال: إنّ الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم؟ فلمّـا وافقوه على ما اعتزم أمضاه عليهم وقال: أيّها الناس قد كانت لكم في الطلاق أناة وأنّه من تعجّل أناة اللّه ألزمناه إيّاه (2).

لم أجد نصّاً فيما فحصت في مشاورة عمر أُولي الرأي والاَمر، غير ما كتبه إلى أبي موسى الاَشعري بقوله: «لقد هممت أن أجعل إذا طلّق الرجل امرأته ثلاثاً في مجلس أن أجعلها واحدة ...» (3)وهو يخبر عن عزمه وهمّه ولا يستشيره، ولو كانت هنا استشارة كان عليه أن يستشير الصحابة من المهاجرين والاَنصار القاطنين في المدينة وعلى رأسهم علي بن أبي طالب، وقد كان يستشيره في مواقف خطيرة


(1)العمري: ايقاظ همم أُولي الاَبصار : 9.
(2)أحمد بن حنبل: المسند : 1|314، برقم 2877، وقد مرّ تخريج الحديث أيضاً، لاحظ نظام الطلاق في الاِسلام لاَحمد محمد شاكر: 79.
(3)المتقي الهندي: كنز العمال : 9|676، برقم 27943.


(220)

ويقتفي رأيه.

ولا يكون استعجال الناس، مبرّراً لمخالفة الكتاب والسنّة بل كان عليه ردع الناس عن عملهم السيّىَ بقوّة ومنعة، وكيف تصحّ موَاخذتهم بما أسماه رسول اللّه لعباً بكتاب اللّه (1).

يقول ابن قيم: إنّ هذا القول قد دلّ عليه الكتاب والسنّة والقياس والاجماع القديم، ولم يأت بعده اجماع يبطله ولكن رأى أمير الموَمنين عمر ـ رضى اللّه عنه ـ أنّ الناس قد استهانوا بأمر الطلاق وكثر منهم ايقاعه جملة واحدة، فرأى من المصلحة عقوبتهم بامضائه عليهم ليعلموا أنّ أحدهم إذا أوقعه جملة بانت منه المرأة، وحرّمت عليه، حتى تنكح زوجاً غيره نكاح رغبة، يراد للدوام لا نكاح تحليل، فإذا علموا ذلك كفوا عن الطلاق المحرَّم، فرأى عمر أنّ هذا مصلحة لهم في زمانه، ورأى أنّ ما كانوا عليه في عهد النبيّ وعهد الصديق، وصدراً من خلافته كان الاَليق بهم، لاَنّهم لم يتابعوا فيه وكانوا يتّقون اللّه في الطلاق، وقد جعل اللّه لكلّ من اتّقاه مخرجاً، فلمّـا تركوا تقوى اللّه وتلاعبوا بكتاب اللّه وطلّقوا على غير ما شرّعه اللّه ألزمهم بما التزموه عقوبة لهم فإنّ اللّه شرّع الطلاق مرّة بعد مرّة، ولم يشرّعه كلّه مرّة واحدة (2).

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من التبرير لعمل الخليفة غير صحيح، إذ لو كانت المصالح الموَقتة مبررة لتغيّر الحكم فما معنى «حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة» ولو صحّ ما ذكره لتسرّب التغيّر إلى أركان الشريعة، فيصبح الاِسلام ألعوبة بيد الساسة، فيأتي سائس فيحرِّم الصوم على العمال لتقوية القوة العاملة في المعامل.


(1)السيوطي: الدر المنثور : 1|283.
(2)ابن قيم الجوزية: اعلام الموقعين : 3|36.


(221)

وفي الختام نذكر تنبّه بعض علماء أهل السنّة في هذه العصور لما في تنفيذ هذا النوع من الطلاق، ولاَجل ذلك تغيّر قانون محاكم مصر الشرعية وخالف مذهب الحنفية بعد استقلالها وتحرّرها عن سلطنة الدولة العثمانية.

ويا للاَسف أنّ كثيراً من مفتي أهل السنّة على تنفيذ هذا النوع من الطلاق، ولاَجل ذلك يقول موَلّف المنار بعد البحث الضافي حول المسألة: «ليس المراد مجادلة المقلّدين أو ارجاع القضاة والمفتين عن مذاهبهم، فإنّ أكثرهم يطّلع على هذه النصوص في كتب الحديث وغيرها ولا يبالي بها لاَنّ العمل عندهم على أقوال كتبهم دون كتاب اللّه وسنّة رسوله (1).



(1)السيد محمد رشيد رضا: المنار: 2|386، الطبعة الثالثة 1376.


(222)

المسألة السابعة:

النهي عن متعة الحج

إنّ الكاتب المصري أحمد أمين، يصف الخليفة عمر بن الخطاب بأنّه كان ممّن يأخذ بروح القانون لا بلفظه (1) وهو يريد بذلك تفسير ما شوهدت منه في بعض الموارد من مخالفة للنصوص ولو صح ما ذكره في بعضها، لكنّه غير صحيح في البعض الآخر. ونحن نرى أنّه كان ممّن يجتهد تجاه النص، ويأخذ بالرأي مكان الاَخذ بالدليل.

إنّ العاطفة الدينية دفعت الكاتبَ المصري إلى ذاك التفسير، ولكنّه لو كان متأمّلاً فيما سبق من تنفيذ الطلاق الثلاث وما يأتي منه في هذه المسألة من تحريم حجّ التمتّع، وحصره في القران والافراد يقف على أنّه كان ممن يقدّم المصلحة المزعومة على الذكر الحكيم وتنصيص النبيّ الاَكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وإنّه ما نهى عن متعة الحج وما هدّد فاعلها، إلاّ لاَجل أنّه كان يكره أن يغتسل الحاج تحت الاراك ثم يفيض منه إلى الحجّ ورأسه يقطر ماءً، لاَنّ التحلّل من محظورات الاِحرام بين العمرة والحج، من لوازم ذاك النوع من الحج، وهو ممّا كان لا يروقه.


(1)أحمد أمين: فجر الاِسلام: 238. نشر دار الكتاب.


(223)

وإن كنت في شكّ فاقرأ ما نتلوه عليك:

اتّفق الفقهاء على أنّ أنواع الحج ثلاثة: تمتع، وقران، وافراد.

والمقصود من الاَوّل، هو إحرام الشخص بالحج في أشهره (شوال وذي القعدة وذي الحجة) والاِتيان بأعمالها، والتحلّل من محظورات الاِحرام بالفراغ منها، ثم الاِحرام بالحج من مكّة والاِتيان بأعماله من الوقوف بعرفات والاِفاضة إلى المشعر و ...

ويصح هذا النوع من الحج ممّن كان آفاقياً، أي من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ويبتعد بيته من مكة بمقدار يجوز فيه تقصير الصلاة. وعند الاِمامية مَن نأى عن مكة 48 ميلاً من كلّ جانب و هو لا يتجاوز عن 16 فرسخاً.

وأمّا القسمان الآخران، فالقران عند أهل السنّة هو الاِحرام بالحج والعمرة معاً ويقول: لبّيك اللّهمّ بحجّ وعمرة، فيأتى بأعمال الحجّ أوّلاً ثمّ العمرة بإحرام واحد. وهو القران الحقيقي.

وهناك قسم يسمّى بالقران الحكمي، وهو أن يدخل إحرام الحجّ في إحرام العمرة ثم يجمع بين أعمالهما. وذلك بأن يحرم بالعمرة أوّلاً. وقبل: أن يطوف لها إمّا أربعة أشواط، أو قبل أن يشرع فيه يحرم بالحجّ، على اختلاف ببين الحنفية والشافعية، وهل يكتفي بطواف وسعي واحد، أو لكلٍّ طوافه وسعيه؟ فيه اختلاف.

وأمّا الافراد، فهو أن يُحرم بالحجّ من ميقات بلده، وبعد الفراغ من أعماله، يُحـرم بالعمـرة، والقران والافـراد، يشترك فيهما جميع النـاس ولا يختـص بغير الآفاقي.

هذا لدى أهل السنّة وأمّا الاِمامية، فالقران والافراد واجب على من لم يكن بين مكّة وبيته 48 ميلاً، وأمّا النائي عن هذا الحد، فواجبه هو حجّ التمتع.


(224)

والقران والافراد، ليسا أمرين متغايرين عندهم، بل يتمتع كل منهما بإحرام للحج وإحرام للعمرة، غير أنّ الاِحرام في الاَوّل يقترن بسوق الهدي دون الثاني، وعلى ذلك لا يجوز عندهم الاِتيان بالحج والعمرة بإحرام واحد، ولا إدخال إحرام الحج في إحرام العمرة كما في القران الحكمي (1).

والاَصل في حج التمتع، قوله سبحانه: «فَإذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إلَـى الحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَـرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ فِي الحَجِّ وَسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَـرَةٌ كامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَـمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِـرِي الْمَسْجِدِ الحَرامِ واتَّقُوا اللّهَ واعْلَمُوا أنَّ اللّهَ شَدِيدُ العِقابِ» (البقرة ـ 196).

وتفسير الآية: إنّ من «تمتع» بسبب الاِتيان «بالعمرة» بما يحرم على المحرم كالطيب والمخيط والنساء ومتوجّها «إلى الحجّ» فعليه «ما استيسر من الهدي» من البدنة أو البقرة أو الشاة. ثم بيّن كيفية الصيام وقال: «ثلاثة أيام في الحجّ» متواليات و «سبعة إذا رجعتم» إلى أوطانكم «تلك عشرة كاملة وذلك» أي التمتع بالعمرة إلى الحجّ فرض من لم يكن أهله باعتبار موطنه ومسكنه «حاضري المسجد الحرام» أي لم يكن من أهل مكة وقراها «واتَّقوا اللّه» فيما أُمرتم به ونهيتم عنه في أمر الحج «واعملوا أنّ اللّه شديد العقاب» .

والآية صريحة في جواز التمتّع بمحظورات الاِحرام بعد الاِتيان بأعمال العمرة وقبل التوجّه إلى الحج ولم يدّع أحد كونها منسوخة بآية، أو قول أو فعل، بل أكّد النبيّ الاَكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) تشريعه بعمله.

روى أهل السير والتاريخ: انّ رسول اللّه خرج في العام العاشر من الهجرة إلى الحجّ لخمس ليال بقين من ذي القعدة، وقالت عائشة: لا يَذكُر ولا يذكُر النّاسُ إلاّ الحجّ حتى إذا كان بسرف وقد ساق رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الهدي، وأشراف من


(1)لاحظ المختصر النافع للمحقّق الحلّـي: 78، والجامع لاَحكام القرآن للقرطبي: 2|391، والمغني لابن قدامة: 3|233، والفقه على المذاهب الاَربعة للجزيري: 2|684 وغيرها.


(225)

أشراف الناس، أمر الناس أن يحلّوا بعمرة إلاّ من ساق الهدي ـ إلى أن قالت:ـ ودخل رسول اللّه مكّة فحلّ كل من كان لا هدي معه وحلَّت نساوَه بعمرة، ولمّا أمر رسول اللّه نساءه أن يحللن بعمرة قلن: فما يمنعك يا رسول اللّه أن تحلّ معنا؟ فقال: إنّي أهديتُ فلا أحلّ حتى أنحَرَ هديي.

إنّ رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان بعث علياً ـ رضي اللّه عنه ـ إلى نجران فلقيه بمكّة وقد أحرم، فدخل على فاطمة بنت رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فوجدها قد حلَّت وتهيّأت فقال: مالك يا بنت رسول اللّه؟ قالت: أمرنا رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أن نَحلّ بعمرة فحللنا، ثم أتى رسول اللّه فلمّا فرغ من الخبر عن سفره قال له رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : إنطلِق فطف بالبيت وحلّ كما حلّ بأصحابك، قال: يا رسول اللّه إنّي أهللتُ، فقال: إرجع فاحلل كما حلّ أصحابُك، قال: يا رسول اللّه إنّي قلت حين أحرمتُ: اللّهمّ إنّي أُهلُّ بما أهلَّ به نبيُّك وعبدُك ورسولُك ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال: فهل معك من هدي؟ قال: لا، فأشركه رسول اللّه في هديه و ثبتَ على إحرامه مع رسول اللّه حتى فرغا من الحج ونحر رسول اللّه الهدي عنهما(1).

هذا هو الذكر الحكيم المدعم بالسنّة وإجماع الاَُمّة ومع ذلك نرى أنّ بعض الصحابة لا يروقه متعة الحج لا في عصر الرسالة ولا بعده بل يفتي بتحريمها ! وإليك البيان:

1ـ روى ابن داود انّ النبيّ أمر أصحابه أن يجعلوها عمرة يطوفوا ثم يقصِّـروا ويُحلّوا إلاّ من كان معه الهدي فقالوا: أننطلق إلى منى وذكورنا تقطر، فبلغ ذلك رسول اللّه فقال: «لو أنّي استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت ولولا أنّ معي الهدي لاَحللت» (2).

2ـ روى مالك عن محمد بن عبـد اللّه أنّه سمـع سعـد بـن أبي وقاص


(1)ابن هشام: السيرة النبوية: 4|601 ـ 602.
(2)أبو داود: السنن: 2|156 ، رقم 1789.


(226)

والضحاك بن قيس عام حجَّ معاوية بن أبي سفيان وهما يذكران التمتّعَ بالعمرة إلى الحج فقال الضحاك بن قيس: لا يفعل ذلك إلاّ من جهل أمر اللّه عزّ وجلّ. فقال سعد: بئس ما قلت يا ابن أخي، فقال الضحاك: فإنّ عمر بن الخطاب قد نهى عن ذلك فقال سعد: قد صنعها رسول اللّه وصنعناها معه (1).

3ـ وروى عن عبد اللّه بن عمر: أنّه قال: واللّه لاَن أعتمر قبل الحج وأهدي أحبّ إليَّ من أن أعتمر بعد الحجّ في ذي الحجة (2).

4ـ روى الترمذي عن سالم بن عبد اللّه أنّه سمع رجلاً من أهل الشام وهو يسأل عبد اللّه بن عمر عن التمتّع بالعمرة إلى الحج فقال عبد اللّه بن عمر : حلال، فقال الشامي: إنّ أباك قد نهى عنها؟! فقال عبد اللّه بن عمر: أرأيت إن كان أبي نهى عنها وصنعها رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أأمر أبي نتبع أم أمر رسول اللّه؟ فقال الرجل: بل أمر رسول اللّه، فقال: لقد صنعها رسول اللّه (3).

5ـ روى مسلم عن أبي نضرة قال: كان ابن عباس يأمر بالمتعة وكان ابن الزبير ينهى عنها، قال: فذكرت ذلك لجابر بن عبد اللّه فقال: على يدي دار الحديثُ، تمتّعنا مع رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فلمّا قام عمر قال: إنّ اللّه كان يُحلّ لرسوله ما شاء، بما شاء وإنّ القرآن قد نزل منازلهُ، فأتمّوا الحجّ والعمرة للّه كما أمركم اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ـ إلى أن قال في الحديث:ـ فأفصلوا حجّكم من عمرتكم، فإنّه أتمّ لحجّكم وأتمّ لعمرتكم (4).

ومن العجب أنّ الزرقاني يقوم بتصويب فتوى الخليفة ويعلّق على الرواية ويقول: الاِتمام في قوله سبحانه «فأتمّوا الحجّ والعمرة للّه» يقتضي استمرار الاِحرام


(1)الاِمام مالك: الموطا، كتاب الحج رقم 60، والترمذي: السنن، كتاب الحج رقم 823.
(2)المصدر نفسه: رقم 61.
(3)الترمذي: الصحيح: كتاب الحج، باب ما جاء في التمتّع رقم 824.
(4)مسلم: الصحيح: 4|38 كتاب الحج، باب في المتعة بالحج والعمرة.


(227)

إلى فراغ الحج ومنع التحلّل، والمتمتّع متحلّل ويستمتع بما كان محظوراً عليه (1).

يلاحظ عليه أوّلاً: لو صحّ ما ذكره من التفسير تلزم المعارضة بين صدر الآية، أعني قوله «وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه» وبين ذيلها الدالّة على جواز التمتّع بين الاِحرامين بقوله «فمن تمتّع بالعمرة إلى الحجّ» وهو كما ترى.

وثانياً: أنّ الاِتمام يهدف إلى فعل كلّ من الحج والعمرة تماماً، بمعنى: إذا شرعتم في فعلِ كلٍّ فأتمّوه، مثل قوله: «وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ» (البقرة ـ 124). وقوله سبحانه: «ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ» (البقرة ـ 187) لا إلى الاستمرار.

وثالثاً: إذ كان التفسير تبريراً لنهي الخليفة، فهو في الوقت نفسه تخطئة للنبيّ الاَكرم حيث أمر أصحابه وأهل بيته بالتحلّل وإنّما لم يتحلّل نفسه لاَجل سوق الهدي.

نعم أراد الخليفة من قوله: «فافصلوا حجكم من عمرتكم» وهو الاِتيان بالعمرة في غير أشهر الحجّ، روى الجصاص عن ابن عمر أنّ عمر قال: أن تفرّقوا بين الحج والعمرة فتجعلوا العمرة في غير أشهر الحج، أتمّ لحجّ أحدكم (2).

6ـ روى الاِمام أحمد بن أبي نضرة عن جابر قال: متعتان كانتا على عهد النبيِّ فنهانا عنهما عمر ـ رضي اللّه عنه ـ فانتهينا (3).

7ـ روى ابن حزم في المحلّـى بسنده قال: قال عمر بن الخطاب: متعتان كانتا على عهد رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأنا أنهى عنهما وأضرب عليهما ـ ثم قـال:ـ هذا لفظ أيوب، وفي رواية خالد: أنا أنهى عنهما وأُعاقب عليهما: متعة النساء ومتعة الحج (4).


(1)تعليقة الزرقاني، المطبوعة على هامش صحيح مسلم: 4|38.
(2)الجصاص: أحكام القرآن: 1|285.
(3)الاِمام أحمد: المسند: 1|52، و 3|325.
(4)ابن حزم: المحلى: 7|107، الجامع للاَحكام للقرطبي: 2|392.


(228)

8 ـ لم يكن نهي الخليفة عن متعة الحج مستنداً إلى دليل شرعي وإنّما نهى عنه لما كرهه أن يظلّوا معرسين بهنّ في الاراك، ثم يروحون في الحج تقطر روَوسهم (1).

وهذا هو الذي نوّهنا به في صدر البحث، أنّ الخليفة ومن لفّ لفّه، كانوا يقدّمون المصالح المزعومة على النصوص الشرعية مهما تضافرت وتواترت.

ثمّ إنّ المتأخّرين قاموا بحفظ كرامة الخليفة، فحرّفوا الكلم عن مواضعه وأوّلوا نهي الخليفة بوجهين:

1ـ قالوا: إنّ ما حرّمه وأوعد عليه، غير هذا وإنّما هو أن يحرم الرجل بالحج حتى إذا دخل مكّة فسخ الحجّ إلى العمرة، ثم حُلّ وأقام حلالاً حتى يهلّ بالحجّ يوم التروية (2).

وهذا كما ترى، لا يوافق ما مرّ من النصوص، خصوصاً ما نقلناه من المناظرة بين سعد والضحاك بن قيس من صحيح مسلم، ومن وقف على النصوص الكثيرة، والمناظرة الدائرة بين النبيّ وأصحابه، وبين الصحابة أنفسهم يقف على أنّه نهى عن حجّ التمتّع.

روى البخـاري عن مروان بن الحكم قال: شهدتُ عثمانَ وعليّاً ـ رضي اللّه عنهما ـ ، وعثمان ينهى عن المتعة وأن يجمع بينهما، فلمّا رأى عليٌّ (النهيَّ) أهلّ بهما: لبّيك بعمرة وحجّة قال: ما كنت لاَدَع سنّة النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لقول أحد (3).

2ـ إنّ نهي الخليفة عن متعة الحجّ لاَجل اختصاص إباحة المتعة بالصحابة في عمرتهم مع رسول اللّه فحسب.


(1)الاِمام أحمد: المسند: 1|50، ابن ماجة: السنن: 2، كتاب الحج، باب التمتّع بالعمرة إلى الحج: 9799، والبيهقي: السنن: 5|20.
(2)القرطبي: الجامع لاَحكام القرآن: 2|2092.
(3)العيني: عمدة القاري: 5|198.


(229)

ويكفينا في الرد عليه قول ابن القيم: «إنّ تلكم الآثار الدالّة على الاختصاص بالصحابة بين باطل لا يصحّ، عمّن نُسبِ إليه البتة، وبين صحيح عن قائل غير معصوم لا يعارض به نصوص المشرِّع المعصوم، ففي صحيحة الشيخين وغيرهما عن سراقة بن مالك قال: مُتْعَتُنا هذه يا رسول اللّه ألعامنا هذا أم للاَبد؟ قال: لا بل للاَبد (1).

قال العيني في قوله سبحانه: «فمن تمتّع بالعمرة إلى الحج»: أجمع المسلمون على إباحة التمتّع في جميع الاَعصار وأمّا السنّة فحديث سراقة «المتعة لنا خاصة أو هي للاَبد؟ قال: هي للاَبد» ، وحديث جابر المذكور في صحيح مسلم في صفة الحج نحو هذا. ومعناه: «أهل الجاهلية كانوا لا يجيزون التمتّع، ولا يرون العمرة في أشهر الحج فبيّن النبيّأنّ اللّه قد شرّع العمرة في أشهر الحج وجوّز المتعة إلى يوم القيامة» (2).



(1)صحيح البخاري: 3|148 كتاب الحج، باب عمرة التنعيم، مسند أحمد: 3|388 و 4|175، سنن البيهقي: 5|19.
(2)العيني: عمدة القاري: 5|198.


(230)

المسألة الثامنة:

وجوب القصر في السفر

قد تعرّفت على أنّ غير الحنفية والزيدية والظاهريّة تذهب إلى التخيير بين القصر والاِتمام غير أنّ الحنفية والاِمامية تذهبان إلى كون القصر فرضاً وعزيمة، وإليك دراسة المسألة قولاً ودليلا:

فقهاء الشيعة على كون القصر عزيمة :

قال السيد المرتضى علم الهدى (355 ـ 436هـ) في الاِنتصار:

«وممّا انفردت به الاِمامية القول: بأنّ المسافر يلزمه التقصير ما لم ينو المقام في البلد الذي يدخله عشرة أيام فصاعداً، وإذا نوى ذلك وجب عليه الاِتمام، وأنّ من عداهم من الفقهاء يخالف في ذلك. فأبو حنيفة وأصحابه والثوري يقولون: إنّه إذا نوى إقامة خمسة عشر يوماً أتم وإن نوى أقل من ذلك قصّر.

وقال الشافعي ومالك وهو قول سعيد بن المسيب والليث: إذا نوى إقامة أربعة أيّام أتم.

وقال الاَوزاعي: إذا نوى إقامة ثلاثة عشر يوماً أتمّ. وروى عن ابن حي أنّه


(231)

قال: إن مرّ المسافر بمصره الذي فيه أهله وهو منطلق ماضٍ في سفره قصّر فيه الصلاة مالم يقم به عشراً، فإن أقام به عشراً أو بغيره من سفره أتمّ الصلاة» (2).

وقال الشيخ الطوسي (385 ـ 460هـ) في الخلاف:

«التقصير في السفر فرض وعزيمة، والواجب من هذه الصلوات الثلاث: الظهر والعصر والعشاء الآخرة ركعتان، فإن صلّى أربعاً مع العلم وجب عليه الاَعادة.

وقال أبو حنيفة مثل قولنا إلاّ أنّه قال: إن زاد على ركعتين، فان كان تشهد في الثانية صحّت صلاته، ومازاد على الثنتين يكون نافلة إلاّ أنّ يأتم بمقيم فيصلّي أربعاً فيكون الكلّ فريضة أسقط بها الفرض.

والقول بأنّ التقصير عزيمة مذهب علي ( عليه السلام ) وعمر، وفي الفقهاء مالك وأبي حنيفة وأصحابه.

وقال الشافعي: هو بالخيار بين أنّ يصلّي صلاة السفر ركعتين وبين أن يصلي صلاة الحضر أربعاً، فيسقط بذلك الفرض عنه.

وقال الشافعي: التقصير أفضل.

وقال المزني: والاِتمام أفضل، وبمذهبه قال في الصحابة: عثمان، وعبد اللّه ابن مسعود، وسعد بن أبي وقاص، وعائشة، وفي الفقهاء: الاَوزاعي، وأبو ثور» (3) .

وقال المحقّق الحلي (602 ـ 676هـ) في شرائع الاِسلام:


(1)المرتضى: الاِنتصار : في ضمن سلسلة الينابيع الفقهية: 3|207.
(2)الطوسي: الخلاف: 1|569 كتاب الصلاة: المسألة 321، ط. جماعة المدرسين، قم.


(232)

«وأمّا القصر: فإنّه عزيمة إلاّ أن تكون المسافة أربعاً ولم يرد الرجوع ليومه على قول، أو في أحد المواطن الاَربعة: مكة والمدينة والمسجد الجامع بالكوفة والحائر، فإنّه مخير والاِتمام أفضل، وإذا تعيّن القصر فأتمّ عامداً أعاد على كل حال، وإن كان جاهلاً بالتقصير فلا إعادة ولو كان الوقت باقياً، وإن كان ناسياً أعاد في الوقت ولا يقضى إن خرج الوقت (1).

هذا يرجع إلى قول الشيعة الاِمامية، وقد تعرفت على اتّفاقهم على القصر وسيوافيك نصوص أئمة الشيعة ( عليهم السلام ) في ذلك الموضوع بعد إنهاء الكلام في أقوال سائر الفقهاء من السنّة:

أهل السنّة في كون القصر عزيمة أو رخصة :

قال أبو بكر الرازي الجصاص (ت 370هـ): وقد اختلف الفقهاء في فرض المسافر، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: فرض المسافر ركعتان إلاّ صلاة المغرب فإنّها ثلاث: فإن صلّى المسافر أربعاً ولم يقعد في الاثنتين، فسدت صلاته وإن قعد فيهما مقدار التشهد تمت صلاته بمنزلة من صلى الفجر أربعاً بتسليمة، وهو قول الثوري، وقال حماد بن أبي سليمان: إذا صلّى أربعاً أعاد. وقال الحسن بن صالح: إذا صلّـى أربعاً متعمّداً أعاد إذا كان ذلك منه الشيء اليسير، فإذا طال في سفره وكثر لم يُعِد. قال: وإذا افتتح الصلاة على أن يصلّـي أربعاً، استقبل الصلاة حتّى يبتدئها بالنية على ركعتين، وإن صلّى ركعتين وتشهد، ثمّ بدا له أن يتمّ فصلّى أربعاً، أعاد. وإن نوى أن يصلّـي أربعاً بعد ما افتتح الصلاة على ركعتين ثم بدا له فسلّم في الركعتين، أجزأته.


(1)الحلي: الشرائع:1|135.


(233)

وقال مالك: إذا صلّى المسافر أربعاً، فإنّه يعيد ما دام في الوقت، فإذا مضى الوقت فلا إعادة عليه.

قال: ولو أن مسافراً افتتح المكتوبة ينوي أربعاً فلمّا صلّى ركعتين بدا له،فسلّم، أنّه لا يجزيه، ولو صلى مسافر بمسافرين فقام في الركعتين فسبحوا به فلم يرجع، فإنّهم يقعدون ويتشهدون ولا يتبعونه. وقال الاَوزاعي: يصلّي المسافر ركعتين، فإن قام إلى الثالثة وصلاّها فإنّه يلغيها ويسجد سجدتي السهو.

وقال الشافعي: ليس للمسافر أن يصلّي ركعتين إلاّ أن ينوي القصر مع الاِحرام، فإذا أحرم ولم ينو القصر كان على أصل فرضه أربعاً (1).

وقال ابن حزم: صلاة الصبح ركعتان في السفر والحضر أبداً، وفي الخوف كذلك، وصلاة المغرب ثلاث ركعات في الحضر والسفر أبداً، ولا يختلف عدد الركعات إلاّ في الظهر والعصر والعتمة فإنها أربع ركعات في الحضر للصحيح والمريض وركعتان في السفر، وفي الخوف ركعة كل هذا إجماع متيقن إلاّ أنّ كون هذه الصلوات ركعة في الخوف ففيه خلاف (2).

وقد مضى شمس الدين السرخسي على مذهب الاِمام أبي حنيفة وقال: مسافر صلّى في سفره أربعاً أربعاً فإن كان قعد في كل ركعتين قدر التشهد فصلاته تامة والاَُخريان تطوّع له، وإن كان لم يقعد فصلاته فاسدة عندنا. ثمّ استدل بحديث عائشة كما سيوافيك (3).

وذكر ابن قدامة الاَقوال بالتفصيل ننقل منه ما يلي:

قال: المشهور عن أحمد أنّ المسافر إن شاء صلّى ركعتين، وإن شاء أتمّ،


(1)الجصاص: أحكام القرآن: 2|253.
(2)ابن حزم: المحلى: 4|264 ، المسألة 5110.
(3)السرخسي: المبسوط: 1|229.


(234)

وروى عنه أنّه توقف وقال: أنا أحبّ العافية في هذه المسألة. وممّن روي عنه الاِتمام في السفر: عثمان وسعد بن أبي وقاص وابن مسعود وابن عمر وعائشة ـ رضى اللّه عنهم ـ وبه قال الاَوزاعي والشافعي وهو المشهور عن مالك. وقال حماد بن أبي سليمان: ليس له الاِتمام في السفر، وهو قول الثوري وأبي حنيفة. وأوجب حماد الاِعادة على من أتمّ.

وقال أصحاب الرأي: إن كان جلس بعد الركعتين قدر التشهد فصلاته صحيحة وإلاّ لم تصحّ، وقال عمر بن عبد العزيز: الصلاة في السفر: ركعتان حتم لا يصلح غيرهما. وروي عن ابن عباس أنّه قال: من صلّى في السفر أربعاً فهو كمن صلّى في الحضر ركعتين (1).

وقد ذكر القرطبي الاَقوال مع الاَدلّة، والاَقوال المذكورة في كتابه نفس الاَقوال التي مرّ ذكرها والاَدلّة فسيوافيك بيانها. وأنت تجد الاَقوال مبسوطة في الكتب الفقهية فلا نطيل المقام بتكرارها.

فتخلص أنّ الاَقوال لا تتجاوز الاثنين بين الرخصة والعزيمة وإن اختلف القائلون بالرخصة في أفضلية القصر أو الاِتمام، كما أنّ القائلين بالعزيمة كالاَحناف الحاكمين ببطلان التمام يستثنون ما إذا جلس المصلي بعد إتمام الركعتين مقدار التشهد.

ثم هنا مواضع أُخر للبحث وراء كون القصر رخصة أو عزيمة ولكن الذي يهمنا في هذه الرسالة هو التركيز على أن القصر عزيمة لا رخصة ونترك البحث في سائر المواضع إلى آونة أُخرى.


(1)ابن قدامة: المغني، مع الشرح الكبير:1|107 ـ 108.


(235)

القائل بكون القصر عزيمة:

استدل القائل بالعزيمة بوجوه:

الاَوّل: ما ورد عن أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) .

الروايات الواردة عن طرق أهل البيت ( عليهم السلام ) حول وجوب القصر على المسافر فوق حد التواتر، فقد جمع صاحب وسائل الشيعة حوالي (248) حديثاً حول صلاة المسافر أكثرها يدلّ على المطلوب.

وهذه الاَحاديث تركّز على وجه التفصيل تارة وعلى وجه الاِجمال أُخرى بأنّ القصر عزيمة وكان أمراً مسلّماً عند أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) وإنّما حدث القول بالجواز في عهد بعض الخلفاء، وقد أتينا بهذه الروايات، لاَنّ كل واحدة منها تشير إلى نكتة خاصة في صلاة المسافر وإن كان الجميع يركز على أنّ القصر فريضة لا تترك.

ونذكر هنا نماذج منها على سبيل المثال لا الحصر:

1 ـ لمّا سأل زرارة ومحمد بن مسلم أبا جعفر الباقر ( عليه السلام ) عن حكم التقصير في السفر وذكرا أنّ الكتاب قال: «فَلَيسَ عَلَيْكُم جُناحٌ أن تَقصُرُوا مِنَ الصَّلوة» ولم يقل: «افعَلُوا» فكيف يدلّ على الوجوب؟

فأجاب الاِمام ( عليه السلام ) :«أوليس قال اللّه : «إنَّ الصَّفَا وَالمَروةَ مِن شَعائِرِ اللّهِ فَمَن حَجَّ البَيتَ أوِ اعتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما» ألا ترون أنّ الطواف بهما واجب مفروض، لاَنّ اللّه عزّ وجلّ ذكره في كتابه وصنعه نبيّه، كذلك التقصير في


(236)

السفر شيء صنعه النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وذكره اللّه تعالى ذكره في كتابه» (2)وسيوافيك الحديث برمته عند نقد دليل القائل برخصة التقصير:

2 ـ وقال رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : «من صلّى في السفر أربعاً فأنا إلى اللّه منه بريء» يعني متعمّداً (3).

3 ـ وقال الصادق ( عليه السلام ) : «المتمم في السفر كالمقصر في الحضر»(4) .

4ـ وقال الرضا ( عليه السلام ) : «إنَّ الصّلاة إنّما قصرت في السفر، لاَنّ الصلاة المفروضة أوّلاً إنّما هي عشر ركعات، والسبع إنّما زيدت فيها بعدُ فخفَّف اللّه عزّ وجلّ عن العبد تلك الزيادة لموضع سفره وتعبه ونصبه واشتغاله بأمر نفسه وظعنه وإقامته لئلاّ يشتغل عمّا لا بدّ منه من معيشته رحمة من اللّه عزّ وجلّ وتعطّفاً عليه، إلاّ صلاة المغرب فإنّها لا تقصر، لاَنّها صلاة مقصرة في الاَصل. وإنّما وجب التقصير في ثمانية فراسخ لا أقل من ذلك ولا أكثر، لاَنّ ثمانية فراسخ مسيرة يوم للعامّة والقوافل والاَثقال فوجب التقصير في مسيرة يوم، ولو لم يجب في مسيرة يوم، لما وجب في مسيرة ألف سنة، وذلك لاَنَّ كل يوم يكون بعد هذا اليوم فإنّما هو نظير هذا اليوم، فلو لم يجب في هذا اليوم لما وجب في نظيره إذا كان نظيره مثلَه لا فرق بينهما، وإنّما ترك تطوع النهار ولم يترك تطوع اللّيل، لاَنّ كلّ صلاة لا يقصر فيها لا يقصر في تطوّعها. وذلك أنّ المغرب لا يقصر فيها فلا تقصير فيما بعدها من التطوّع، وكذلك الغداة لاتقصير فيها فلا تقصير فيما قبلها من التطوّع، وإنّما صارت العتمة مقصورة وليس تترك ركعتيها، لاَنّ الركعتين ليستا من الخمسين، وإنّما هي زيادة في الخمسين تطوّعاً ليتم بها بدل كلّ ركعة من الفريضة ركعتين من التطوّع، وإنمّا جاز للمسافر والمريض أن يصلّيا صلاة اللّيل في أوّل اللّيل لاشتغاله


(1)الشيخ الصدوق: من لا يحضره الفقيه: 1|338.
(2)الشيخ الصدوق: من لا يحضره الفقيه: 1|341.
(3)نفس المصدر.


(237)

وضعفه، وليحرز صلاته، فيستريح المريض في وقت راحته، وليشتغل المسافر بأشغاله وارتحاله وسفره» (1).

5 ـ وروى الشيخ الطوسي باسناده عن أبي جعفر علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن الاَوّل ( عليه السلام ) عن الرجل يخرج في سفره وهو في مسيرة يوم، قال: «يجب عليه التقصير في مسيرة يوم، وإن كان يدور في عمله» (2).

6 ـ وعن الكليني بسنده عن أبي عبد اللّه ( عليه السلام ) قال: «بينا نحن جلوس وأبي عند والٍ لبني أُمية على المدينة، إذ جاء أبي فجلس فقال: كنتُ عند هذا قُبيل فسألهم عن التقصير فقال قائل منهم: في ثلاث، وقال قائل منهم: في يومٍ وليلة، وقال قائل منهم:رَوُحة، فسألني. فقلت له: إنّ رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لمّا نزل عليه جبرئيل بالتقصير، قال له النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :في كم ذاك؟ فقال: في بريدٍ، قال: وأي شيء البريد؟ فقال ما بينَ ظلّ عِير إلى فيء وُعيرٍ. قال: ثم عبرنا زماناً ثم رأى بنو أُمية يعملون أعلاماً على الطريق وأنّهم ذكروا ما تكلّم به أبو جعفر ( عليه السلام ) فذرعوا ما بين ظل عيرٍ إلى فيء وُعيرٍ، (3)ثم جزّوه على اثني عشر ميلاً فكانت ثلاثة آلاف وخمسمائة ذراع كل ميل، فوضعوا الاَعلام، فلمّا ظهر بنو هاشم غيّروا أمر بني أُمية غيره، لاَنّ الحديث هاشمي فوضعوا إلى جنب كل علَم علَماً» (4).


(1)نفس المصدر: 349.
(2)الحر العاملي: وسائل الشيعة: الباب1 من أبواب صلاة المسافر الحديث16.
(3)هما جبلان بالمدينة معروفان والاَوّل في جانب المشرق، والثاني في جانب المغرب.
(4)وسائل الشيعة، الباب 2 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 13. قال ابن إدريس في السرائر حول معنى البريد: وأصل البريد أنـّهم ينصبون في الطريق أعلاماً فإذا بلغ بعضها راكب البريد نزل عنه وسلّم ما معه من الكتب إلى غيره فكأنّ ما به من الحرّ والتعب يبرد في ذلك أو ينام فيه الراكب والنوم يسمى برداً، فسمّي ما بين الموضعين بريداً ،وإنّما الاَصل الموضع الذي ينزل فيه الراكب: ثم قيل: للدابة بريد وإنّما كانت البرد للملوك ثم قيل للسائر بريد.
لا حظ موسوعة الينابيع الفقهية: 4|743.


(238)

7 ـ روى الكليني بسنده عن زرارة عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال: «حجّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فأقام بمنى ثلاثاً يصلّـي ركعتين، ثمّ صنع ذلك أبو بكر، وصنع ذلك عمر، ثم صنع ذلك عثمان ست سنين، ثم أكملها عثمان أربعاً فصلى الظهر أربعاً ـ إلى أن قال : ـ فقال للموَذن: اذهب إلى علي ( عليه السلام ) فقل له فليصل بالناس العصر، فأتى الموَذن علياً ( عليه السلام ) فقال له: إنّ أمير الموَمنين عثمان يأمرك أن تصلي بالناس العصر فقال: إذن لا أُصلي إلاّ ركعتين كما صلّى رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فرجع (فذهب) الموَذن فأخبر عثمان بما قال علي ( عليه السلام ) .قال: اذهب إليه وقل له: إنّك لست من هذا في شيء اذهب فصل كما توَمر، فقال ( عليه السلام ) : لا واللّه لا أفعل، فخرج عثمان فصلّى بهم أربعاً، فلمّا كان في خلافة معاوية واجتمع الناس عليه وقُتِل أمير الموَمنين ( عليه السلام ) حجّ معاوية فصلّى بالناس بمنى ركعتين الظهر، ثم سلم فنظر بنو أُمية بعضهم إلى بعض وثقيف ومن كان من شعية عثمان ثم قالوا: قد مضى على صاحبكم وخالف و أشمت به عدوَّه، فقاموا فدخلوا عليه فقالوا: أتدري ماصنعتَ؟ مازدت على أن قضيتَ على صاحبنا و أشمتَّ به عدوَّه ورغبتَ عن صنيعه وسنَّته، فقال: ويلكم أما تعلمون أنّ رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) صلّى في هذا المكان ركعتين وأبو بكر وعمر وصلّى صاحبكم ست سنين كذلك، فتأمروني أن أدع سنّة رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وماصنع أبو بكر وعمر وعثمان قبل أن يحدث؟! فقالوا: لا واللّه مانرضى عنك إلاّ بذلك، قال: فاقبلوا فإنّي متبعكم (مشفعكم) وراجع إلى سنّة صاحبكم فصلّى العصر أربعاً، فلم يزل الخلفاء والاَُمراء على ذلك إلى اليوم» (1).

8ـ روى الشيخ الطوسي بإسناده عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه ( عليه السلام ) قال: سألته عن التقصير؟ قال: إذا كنت في الموضع الذي تسمع فيه الاَذان فأتم، وإذا كنت في الموضع الذي لا تسمع فيه الاَذان فقصِّـر وإذا قدمت من


(1)الوسائل: الباب3 من أبواب صلاة المسافر: الحديث9.


(239)

سفرك فمثل ذلك (1).

9 ـ روى الشيخ الصدوق بإسناده عن عمار بن مروان، عن أبي عبد اللّه ( عليه السلام ) قال: سمعته يقول: «من سافر قصّر وأفطر إلاّ أن يكون رجلاً سفره إلى صيد أو في معصية اللّه أو رسول لمن يعصي اللّه أو في طلب عدو أو شحناء أو سعاية أو ضرر على قوم من المسلمين» (2).

10ـ روى الشيخ الطوسي بإسناده عن أبي سعيد الخراساني قال: دخل رجلان على أبي الحسن الرضا ( عليه السلام ) بخراسان فسألاه عن التقصير؟ فقال لاَحدهما: «وجب عليك التقصير لاَنّك قصدتني»، وقال للآخر: «وجب عليك التمام لاَنّك قصدت السلطان» (3).

11 ـ وعن الكليني بسنده عن محمد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السّلام) قال: «ليس على الملاّحين في سفينتهم تقصير، ولا على المكاري والجمال» (4) .

12 ـ وروى الشيخ الطوسي بإسناده عن أبي بصير قال: قال أبو عبد اللّه ( عليه السلام ) : «إذا عزم الرجل أن يقيم عشراً فعليه إتمام الصلاة، وإن كان في شك لا يدري ما يقيم فيقول: اليوم أو غداً، فليقصر ما بينه وبين شهر فإن أقام بذلك البلد أكثر من شهر فليتم الصلاة» (5).

إلى هنا تم ما أردنا نقله عن أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) ومن حسن الحظ ورود روايات تدعم تلك النظرية رويت عن طرق أهل السنة وبضم هذه إلى هاتيك يعلم تضافر الروايات على كون القصر عزيمة وإليك دراسة ما روي في الصحاح والسنن والمسانيد.


(1)الوسائل: الباب6 من أبواب صلاة المسافر: الحديث3.
(2)المصدر نفسه: الباب8 من أبواب صلاة المسافر: الحديث3.
(3)المصدر نفسه: الحديث6.
(4)المصدر نفسه: الباب11 الحديث4.
(5)المصدر نفسه: الباب15 الحديث13.


(240)

تظافر الروايات على لزوم القصر من طرق أهل السنّة:

صرّح المحقّقون من أهل السنّة والجماعة بأنّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في عامّة أسفاره كان ملتزماً بالاِتيان بالصلوات الرباعية قصراً ولم يثبت أنّه أتم.

قال ابن قدامى: «أمّا السنّة فقد تواترت الاَخبار أنّ رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان يقصر في أسفاره حاجّاً ومعتمراً وغازياً» (2).

وقال ابن قيم الجوزية: «وكان ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يقصر الرباعية فيجعلها ركعتين من حين يخرج مسافراً إلى أن يرجع إلى المدينة، ولم يثبت أنّه أتم الرباعية في سفره البتة» (3).

وهذه السيرة المباركة القطعية إنّ دلت على شيء، فإنّما تدل على وجوب قصر الصلاة في السفر، لاَنّه لو كان القصر رخصة لاَتم في بعض أسفاره في ملاء من الناس حتى لا يظنّوا بأنّ القصر عزيمة ومرض.كما هو ديدنه في فعل المستحبات فضلاً عن المباحات، إذ كان ربما يتركها لئلاّ يتصوّر الناس أنّها فريضة.

وإليك نماذج من الروايات الحاكية لسنّة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وعمل أصحابه به حول القصر في الصلاة والتي يستفاد منها أنّ القصر عزيمة:

1 ـ ما روي عن يعلى بن أُمية أنّه قال: قلت لعمر بن الخطاب:«فَلَيسَ عَلَيْكُم جُناحٌ أن تَقْصُـرُوا مِنَ الصّلاةِ إن خِفتُم أن يَفتِنَكُمُ الّذينَ كَفَرُوا»فقد أمن الناس، فقال: عجبتَ ممّا عجبتُ منه فسألتُ رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عن ذلك فقال: صدَقة تصَدَّقَ اللّه بها عليكم فاقبلوا صدقته» رواه الخمسة إلاّ البخاري (4).


(1)ابن قدامى: المغني: 2|87.
(2)ابن قيم: زاد المعاد في هدى خير العباد:1|158.
(3)التاج الجامع للاَصول:1|295. والآية 101 من سورة النساء.


(241)

وقوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) :«فاقبلوا صدقته» أمر والظاهر أنّه يدل على الوجوب فلا يجوز رد صدقة اللّه بإتيان الصّلاة تماماً في السفر، إذ في رد صدقته سبحانه أنانية أمامه.

نعم، القصر في الآية مقيد بالخوف مع أنّ رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قصّر في الخوف والاَمن، وهذا يكشف عن أنّ الخوف حكمة التشريع لا علّته. وبعبارة أُخرى ليس مناطاً للتشريع حتى يدور الحكم مداره، وكم له في التشريع من نظير.

ويمكن أن يقال: إنّ التشريع في بدء الاَمر كان مختصاً بصورة الخوف، ولكن توسعت دائرة التشريع في عصر رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بإيحاء من اللّه إلى رسوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ومن المعلوم أن الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ليس مشرّعاً بل هو مبلغ للتشريع.

2 ـ ما روي عن ابن عمر أنّه قال: صحبت النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبو بكر وعمر وعثمان كذلك (1).

3 ـ عن نافع عن عبد اللّه (بن عمر) قال: صليتُ مع النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بمنى ركعتين وأبي بكر وعمر وعثمان صدراً من امارته ثم أتمها (2).

4 ـ ما روى عمران بن حصين، قال: غزوت مع رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وشهدت معه الفتح فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلاّ ركعتين، ويقول: «يا أهل البلد، صلّوا أربعاً فإنّا (قوم) سفر» (3).

وفي هذا الحديث تصريح بمواظبة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) على إتيان الرباعية قصراً طيلة ثماني عشرة ليلة، ولو كان رخصة لاَتى بها بعض الاَحيان تامة، خاصة وأنّ المقام يقتضي تعليم أحكام الصلاة لاَهل مكة الذين أصبحوا يدخلون في دين اللّه أفواجاً عام الفتح، فهم جديدو عهد بالاِسلام.


(1)البخاري: الصحيح: 2|57.
(2)البخاري: الصحيح: 2|54، مسلم الصحيح: 5|202.
(3)أبو داود السجستاني: السنن: 2|10 : الحديث 1229.


(242)

وأمّا صلاته قصراً بعد مرور ثماني عشرة ليلة، فالظاهر أنّه كان لاَجل عدم نيّة الاِقامة مدّة تقطع السفر وأنّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ربما كان يخرج من مكة إلى خارجها فلم يكن متمكناً عن الاِقامة.

5 ـ ما روي عن حارثة بن وهب أنّه قال: صلى بنا النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) آمَنَ ما كانَ بمنى ركعتين (1).

6 ـ وعن عبد الرحمن بن يزيد يقول: صلى بنا عثمان بن عفان(رض) بمنى أربع ركعات، فقيل ذلك لعبد اللّه بن مسعود (رض) فاسترجع ثم قال: صلّيت مع رسول اللّه بمنى ركعتين وصلّيت مع أبي بكر (رض) بمنى ركعتين، وصلت مع عمر بن الخطاب (رض) بمنى ركعتين، فليت حظّي من أربع ركعات ركعتان متقبّلتان (2).

وجاء في المغني بدل الجملة الاَخيرة «ثم تفرّقت بكم الطرق وَوَدَدْت أن لي من أربعٍ ركعتين متقبلتين» (3).

وهل استرجاع ابن مسعود إلاّ للظاهرة التي طرأت آنذاك أوّل مرة، وهي عدم الاكتراث بسيرة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والتي استمر عليها الشيخان ونفس عثمان في صدر خلافته ؟

7 ـ وعن عائشة أنّها قالت: فرض اللّه الصلاة حين فرضها ركعتين، ثم أتمّها في الحضر، فأُقرّت صلاة السفر على الفريضة الاَُولى (4).

8 ـ وعن سفيان ،عن الزهري، عن عروة عن عائشة(رض) قالت: الصلاة


(1)البخاري: الصحيح: 2|53 ،مسلم: الصحيح :5|205،ولفظ «آمن» أفعل التفضيل من الاَمن.
(2)البخاري: الصحيح : 2|54، مسلم: الصحيح: 5|204.
(3)ابن قدامى: المغني: 2|89.
(4)مسلم: الصحيح: 5|194.


(243)

أوّل ما فرضت ركعتين فأُقرّت صلاة السفر وأُتمت صلاة الحضر، قال الزهري: فقلت لعروة: ما بال عائشة تُتِمَّ ؟ قال: تأوّلت ما تأوّل عثمان (1).

الظاهر من الروايتين الاَخيرتين أنّ الفريضة في السفر هو الركعتان، وعلى ذلك فالزيادة عليها لاتصدقه الاَدلة.

قال الشوكاني في شرح الحديث: وهو دليل ناهض على الوجوب، لاَنّ صلاة السفر إذا كانت مفروضة ركعتين لم تجز الزيادة عليها كما أنّها لا تجوز الزيادة على أربع في الحضر (2).

وأمّا تأويل عثمان وكذلك عائشة فسيأتي الكلام عنهما.

9 ـ عن مجاهد، عن ابن عباس قال: فرض اللّه الصلاة على لسان نبيكم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في الحضر أربعاً وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة (3) .

قال الشوكاني: فهذا الصحابي الجليل قد حكى عن اللّه عزّ وجلّ أنّه فرض صلاة السفر ركعتين، وهو أتقى للّه وأخشى من أن يحكي أنّ اللّه فرض ذلك بلا برهان.

10 ـ عن موسى بن سلمة الهذلي قال: سألت ابن عباس: كيف أُصلي إذا كنت بمكة إذا لم أُصلّ مع الاِمام؟ فقال: ركعتين سنّة أبي القاسم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) (4).

11 ـ وروي عن عمر (رض) أنّه قال: صلاة السفر وصلاة الجمعة ركعتان والفطر والاَضحى ركعتان تمام غير قصر على لسان محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) (5).


(1)البخاري: الصحيح: 2|54، مسلم: الصحيح: 5|194.
(2)الشوكاني: نيل الاَوطار: 2|200.
(3)مسلم : الصحيح: 5|196.
(4)الشوكاني: نيل الاَوطار: 2|201.
(5)مسلم: الصحيح: 5|196.


(244)

12ـ عن عاصم قال: صحبت ابن عمر في طريق مكة، قال: فصلّى لنا الظهر ركعتين، ثم أقبل وأقبلنا معه حتى جاء رحله وجلس وجلسنا معه، فحانت منه التفاتة نحو حيث صلّى فرأى أُناساً قياماً، فقال: ما يصنع هوَلاء؟

قلت: يسبّحون. قال: لو كنت مسبّحاً أتممت صلاتي.

يا ابن أخي صحبت رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه اللّه، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه اللّه، وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه اللّه، ثم صحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه اللّه، وقد قال اللّه: «لَقَد كانَ لَكُم في رَسُولِ اللّهِ أُسوَةٌ حَسَنَة» (1).

والظاهر أنّ نظر ابن عمر إلى عمل عثمان في غير منى، وإلاّ فقد أتمّ هو فيها.

13 ـ وعن ابن عباس قال: افترض رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ركعتين في السفر كما افترض في الحضر أربعاً (2).

14 ـ وروي عنه أيضاً أنّه قال: «من صلّـى في السفر أربعاً فهو كمن صلّى في الحضر ركعتين» (3).

15 ـ وروى عن صفوان بن محرز أنّه سأل ابن عمر عن الصلاة في السفر؟ فقال: ركعتان فمن خالف السنّة كفر (4).

16 ـ وعن ابن عمر قال: إنّ رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أتانا ونحن ضلاّل فعلّمنا، فكان فيما علّمنا أنّ اللّه عزّ وجلّ أمرنا أن نصلّي ركعتين في السفر. رواه النسائي (5).


(1)صحيح مسلم بشرح النووي: 5|197.
(2)الطبراني: نصب الراية: 2|189.
(3)ابن قدامى: المغني: 2|107.
(4)ابن قدامى: المغني: 2|107.
(5)الشوكاني: نيل الاَوطار: 2|204.


(245)

قوله: «أمرنا أن نصلّي ركعتين في السفر» تصريح بأنّ القصر في السفر أمر من قبل اللّه، وأي شيء أصرح منه يدلّ على أنّه فرض وعزيمة؟

17 ـ وقال عمر بن العزيز: الصلاة في السفر ركعتان حتم لا يصلح غيرها(1) .

18 ـ وعن عمر بن الخطاب عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال: «صلاة المسافر ركعتان حتى يوَوب إلى أهله أو يموت» (2).

19 ـ عن إبراهيم أنّ عمر بن الخطاب(رض) صلى الظهر بمكة ركعتين فلمّا انصرف قال: يا أهل مكّة إنّا قوم سفر فمن كان منكم من أهل البلد فليكمل، فأكمل أهل البلد (3).

20 ـ عن أنس بن مالك قال: خرجنا مع رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من المدينة إلى مكة، فكان يصلي ركعتين ركعتين، حتّى رجعنا إلى المدينة (4) .

21 ـ عن أبي الكنود عبد اللّه الاَزدي قال: سألت ابن عمر عن صلاة السفر، فقال: ركعتان نزلتا من السماء فإن شئتم فردّوهما (5).

22 ـ عن السائب بن يزيد الكندي قال: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، ثمّ زيد في صلاة الحضر وأُقرّت صلاة السفر (6).

23 ـ عن ابن مسعود قال: من صلى في السفر أربعاً أعاد الصلاة (7).


(1)ابن قدامى: المغني: 2| 108: ابن حزم: المحلى: 4|271.
(2)الجصاص: أحكام القرآن: 2|254.
(3)أبو يوسف: الآثار: ص 30، 75 كما في الغدير: 8|113.
(4)الاِمام أحمد: المسند: 3|190، البيهقي: السنن الكبرى: 3|136 ـ 145.
(5)الحافظ الهيثمي: مجمع الزوائد: 2|145: فقال: رجاله موثقون.
(6)المصدر نفسه: ص 155. ومر نظير هذا الحديث عن السيدة عائشة.
(7)المصدر نفسه: ص 155.


(246)

24 ـ عن سلمان قال: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فصلاها رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بمكّة حتّى قدم المدينة فصلاها بالمدينة ما شاء اللّه، وزيد في صلاة الحضر ركعتين وتركت الصلاة في السفر على حالها (1).

25 ـ عن جعفر بن عمر قال: انطلق بنا أنس بن مالك إلى الشام إلى عبد الملك ونحن أربعون رجلاً من الاَنصار ليفرض لنا فلمّا رجع وكنّا بفج الناقة صلّى بنا الظهر ركعتين، ثم دخل فسطاطه وقام القوم يضيفون إلى ركعتيهم ركعتين أُخريين، فقال: قبح اللّه الوجوه فواللّه ما أصابت السنّة ولا قبلت الرخصة، فأشهد لسمعت رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يقول: «إنّ قوماً يتعمّقون في الدين، يمرقون كما يمرق السهم من الرميّة» (2).

26 ـ عن ثمامة بن شراحيل قد خرجت إلى ابن عمر فقلت: ما صلاة المسافر؟ قال: ركعتين ركعتين إلاّ صلاة المغرب ثلاثاً. إلى آخر الحديث (3).

27 ـ عن أبي هريرة قال: أيّها الناس إنّ اللّه عزّ وجلّ فرض لكم على لسان نبيكم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الصلاة في الحضر أربعاً (4).

هذا ما وقفنا عليه من النصوص عن النبي الاَعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، وقد أخذ بها لفيف من الصحابة وغيرهم، منهم: عمر بن الخطاب، وابنه، وابن عباس، وجابر، وجبير بين مطعم، والحسن، والقاضي إسماعيل، وحماد بن أبي سليمان، وعمر بن عبد العزيز، وقتادة، والكوفيون (5).

* * *


(1)المصدر نفسه: ص 156.
(2)الاِمام أحمد: المسند: 3| 159 ، الحافظ الهيثمي: مجمع الزوائد: 2|155.
(3)الاِمام أحمد: المسند: 2|154.
(4)المصدر نفسه: 2|400.
(5)القرطبي: الجامع لاَحكام القرآن: 5|351.


(247)

أضف إلى ذلك اتّفاق فقهاء الشيعة من عصر الاِمام أمير الموَمنين (عليه السّلام) إلى يومنا هذا.

أترى مع هذه الاَحاديث مجالاً للقول بأنّ القصر في السفر رخصة لا عزيمة؟! ولو كان الاِتمام في السفر سائغاً لكان رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يعرب عنه بقول أو بفعل ولو بإتيانه في العمر مرّة لبيان جوازه كما يفعل في غير هذا المورد.

أخرج مسلم في صحيحه من حديث بريدة قال: كان النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يتوضأ عند كل صلاة فلمّا كان يوم الفتح صلّى صلوات بوضوء واحد. فقال له عمر: إنّك صنعت شيئاً لم تكن تصنعه؟ فقال: «عمداً صنعته» أي لبيان الجواز (1).

ولو كان هناك ترخيص لما خفي على أكابر الصحابة حتّى نقدوا من أتمّها نقداً مرّاً. وبذلك تعلم قيمة تبرير عمل المتمّين بأنّ الاِتمام والقصر مسألة اجتهادية اختلف فيها العلماء (2).

وذلك لاَنّ الاجتهاد تجاه النّص لا مساغ له، ولم يكن في المسألة أيّ خلاف إلى يوم أتم فيه عثمان يوم منى.

ويعرب عن وحدة الكلمة ما روي أنّ معاوية لمّا قدم مكّة صلّى الظهر قصراً فنهض إليه مروان وعمرو بن عثمان فقال له: ما عاب أحدٌ ابنَ عمك ما عبتَه به، فقال لهما: وما ذاك؟فقالا له: ألم تعلم أنّه أتم الصّلاة بمكّة؟ قال لهما: ويحكما وهل كان غير ما صنعت؟ قد صلّيتها مع رسول اللّه ومع أبي بكر وعمر.قالا: فإنّ ابن عمك قد أتـمّها وإنّ خلافك إيّاه لهو عيب فخرج معاوية إلى العصر فصلاها أربعاً (3).

إلى هنا تمّ البحث حول أدلّة القول بكون القصر عزيمة. فلنأخذ بالبحث عن أدلّة القول بالرخصة.


(1)مسلم: الصحيح: 1|122، الشوكاني: نيل الاَوطار: 1|258.
(2)محب الدين الطبري: الرياض النضرة: 2|251.
(3)الاِمام أحمد: المسند: 4|94.


(248)

دراسة أدلّة القول بكون القصر رخصة:

استدل القائلون بكون القصر رخصة وهم غير الاِمامية والحنفية والزيدية والظاهرية بوجوه مختلفة، بالكتاب تارة، والسنّة أُخرى، والاِجماع ثالثة استقصاها ابن قدامة وهي كما يلي:

الاحتجاج بالكتاب :

قوله تعالى: «فَلَيسَ عَلَيكُم جُناحٌ أن تَقْصُـرُوا مِنَ الصَّلاةِ إن خِفتُم أن يَفتِنَكُمُ الّذينَ كَفَرُوا إنَّ الكافِرِينَ كانُوا لَكُم عَدُواً مُبِيناً» (النساء ـ 101).

تقريبه: أنَّ الجناح هو الاِثم، ورفع الجناح يدّل على الجواز، فتكون النتيجة أنَّ القصر رخصة والمكلّف مخيّر بين فعله وتركه كسائر الرُّخَص.

يلاحظ عليه: أوّلاً : أنّ المفسرين ذكروا للآية تفسيرين: أحدهما: هو أنّ القصر عبارة عن تخفيف عدد الركعات كما في صلاة المسافر. وثانيهما: عبارة عن تخفيف كيفية الصّلاة ووصفها من تبدّل الركوع والسجود إلى الاِيماء، أو الاِتيان بالصلاة راكباً أو ماشياً حسبماً تقتضيه الظروف كما ورد في صلاة الخوف أو شدة الخوف والمطاردة والمسايفة ـ كما روي عن ابن عباس في إحدى روايته وابن جريج عن ابن طاووس عن أبيه، ومال إلى الوجه الثاني بعض الاَعلام من أهل السنّة كأبي بكر الرازي الجصاص (ت 370هـ) (2)وبعض أكابر الشيعة الاِمامية كالسيد المرتضى في الانتصار (3)والقطب الراوندي في فقه القرآن (4) وعندئذ لا يصح


(1)الجصاص: أحكام القرآن: 2|252.
(2)السيد المرتضى: الانتصار: ص53 ط النجف الاَشرف.
(3)قطب الدين الراوندي: فقه القرآن ،نقلاً عن موسوعة الينابيع الفقهية: 4|516.


(249)

الاستدلال بالآية على الرخصة على التقدير الثاني.

وثانياً: أنّ الآية ليست بصدد بيان أنّ القصر رخصة أو عزيمة، لاَنّها وردت في رفع توهم الحظر، وكان المخاطب يتصوّر أنّ القصر نقصان في الصلاة وهو أمر محظور، فنزلت الآية لدفع هذا التوهم لتطيب أنفسهم بالقصر ويطمئنّوا إليه. (1) وأمّا أنّه واجب أو سائغ فإنّما يطلب من دليل آخر وهو السنّة وقد عرفت أنّها تضافرت على كونه عزيمة.

نظير ذلك قوله سبحانه في السعي بين الصفا والمروة، فقد وردت فيه تلك اللفظة مع كونه عزيمة قال سبحانه: «إنَّ الصَّفَا والمَروَةَ مِن شَعائِرِ اللّه فَمَن حَجَّ البَيتَ أو اعتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيهِ أن يَطَّوَّفَ بِهما وَمَن تَطَوَّعَ خَيراً فَإنَّ اللّهَ شاكِرٌ عَلِيم»(البقرة ـ 158) مع كون الطواف واجباً، وذلك لاَنّ المقام مقام التشريع، ويكفي فيه مجرد الكشف عن جعل الحكم من غير حاجة إلى استيفاء جميع الحكم وخصوصياته (2).

ويوَيد هذا التفسير ما روي عن الباقر ( عليه السلام ) وقد سأله زرارة ومحمد بن مسلم وقالوا: ما نقول في الصّلاة في السفر كيف هي ؟ وكم هي ؟ فقال: «إنّ اللّه عزّ وجلّ يقول: «وَإذا ضَرَبتُمْ في الاَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيكُم جُناحٌ أن تَقصُرُوا مِنَ الصَّلاة» فصار التقصير في السفر واجباً كوجوب التمام في الحضر» قالا: قلنا: إنّما قال اللّه عزّ وجل: «فَلَيسَ عَلَيكُم جُناحٌ» ولم يقل «إفعلوا»، فكيف أوجب ذلك كما أوجب التمام في الحضر؟ فقال ( عليه السلام ) : «أو ليس قد قال اللّه عزّ وجلّ: «إنَّ الصَّفَا والمَروَةَ مِنْ شَعائِرِ اللّهِ فَمَن حَجَّ البَيتَ أو اعتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيهِ أن يَطَّوَّفَ بِهِما» ألا ترون أنّ الطواف لهما واجب مفروض؟ لاَنّ اللّه عزّ وجلّ ذكره في كتابه


(1)الزمخشري: الكشاف: 1|294 ط دار المعرفة بيروت.
(2)السيد الطباطبائي: الميزان في تفسير القرآن: 5|61.


(250)

ووصفه نبيه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وكذلك التقصير في السفر شيء صنعه النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وذكره اللّه ـ تعالى ذكره ـ في كتابه...» (1).

الوجه الثاني: الاحتجاج بالسنّة :

وهي لا تتجاوز عن أحاديث ثلاثة:

الحديث الاَوّل:

ما روي عن يعلى بن أُمية قال: قلت لعمر بن الخطاب: «فَلَيسَ عَلَيْكُم جُناحٌ أن تَقْصُـرُوا مِنَ الصَّلاة إنْ خِفتُمْ أنْ يَفتِنَكُمُ الّذِينَ كَفَرُوا» فقال: عجبتَ ممّا عجبتُ منه. فسألتُ رسولَ اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فقال: «صدقة مَنَّ اللّه بها عليكم فاقبلوا صدقته» رواه مسلم. وهذا يدلّ على أنّه رخصة وليس بعزيمة وأنّها مقصورة (2).

وذلك لاَنّ المتصدّق عليه لا يجب عليه قبول الصدقة.

يلاحظ عليه: أوّلاً: قياس صدقة اللّه وهديته، على صدقات الناس وهداياهم قياس مع الفارق، وذلك لاَنّ المهدى إليه أو المتصدّق عليه لا يجب عليه قبول الهدية أو الصدقة إذا كان المتصدّق إنساناً مثله، وإما إذا كان المتصدّق هو اللّه سبحانه فيجب قبولها وذلك لاَنّ صدقة اللّه أمر امتناني وأمتناناته سبحانه ليست أُموراً اعتباطية، بل هي ناشئة من الحكمة البالغة الاِلهية فحيث يعلم اللّه بأنّ المصالح الذاتية للبشر تقتضي ذلك الامتنان يمنّ بها على العباد، فيصبح القبول أمراً مفروضاً عليهم.

وربّما يظهر من أحاديث أئمة أهل البيت أنّه يحرم ردّ صدقة اللّه فقال الصادق ( عليه السلام ) :إنّه قال رسول اللّهص:«إنّ اللّه عز وجلّ تصدّق على مرضى


(1)الصدوق: من لا يحضره الفقيه: 1|338 :ط . دار التعارف، بيروت.
(2)ابن قدامة: المغني: 2|108.


(251)

أُمتي ومسافريها بالتقصير والاِفطار، أيسرّ أحدكم إذا تصدّق بصدقة أن ترد عليه» (1) .

وثانياً: قوله «فاقبلوا صدقته» أمر وهو يدلّ على وجوب القبول، فيدل الحديث على أنّ القصر عزيمة لا رخصة.

الحديث الثاني:

روى الاَسود، عن عائشة أنّها قالت: خرجت مع رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في عمرة رمضان فأفطر وصمتُ، وقصّر وأ تممتُ فقلت: يارسول اللّه بأبي أنت وأُمي أفطرتَ وصمتُ وقصّرتَ وأتممتُ فقال: «أحسنتِ» رواه أبو داود الطيالسي في مسنده وهذا صريح في الحكم (2).

ولم نجد الرواية بعد الفحص في مسند أبي داود الطالسي، نعم جاء في سنن الدار قطني بهذا الاَسناد: حدثنا أبو بكر النيسابوري، ثنا عبد اللّه بن محمد بن زياد، وعبد اللّه بن محمد بن إسحاق المروزي، قالا ثنا محمد بن إبراهيم بن كثير الصوري، وحدثنا أبو بكر النيسابوري، ثنا عبد اللّه بن محمد بن عمرو الغزّي، قالا: ثنا محمد بن يوسف الفريابي، ثنا العلاء بن زهير، عن عبد الرحمن بن الاَسود، عن أبيه، عن عائشة قالت: خرجت. الحديث (3).

يلاحظ على الاستدلال: أوّلاً: أنّ الحديث لا يحتج به، ويكفي في ذلك ما ذكره ابن حزم قال: «أمّا الّذي من طريق عبد الرحمن بن الاَسود فانفرد به العلاء بن زهير الاَزدي، لم يروه غيره، وهو مجهول» (4). وحكى الشوكاني عنه أنّه قال: «هذا


(1)وسائل الشيعة: 1|175.
(2)ابن قدامى: المغني: 2|108.
(3)الاِمام الدار القطني (المتوفى 385): السنن: 2|188.
(4)ابن حزم: المحلى: 4|265: ط . دار الجيل، بيروت.


(252)

حديث لا خير فيه وطعن فيه» (1).

قال ابن حبّان : كان يروي عن الثقات ما لا يشبه حديثَ الاِثبات فبطل الاحتجاج به فيما لم يوافق الاِثبات. وقال ابن معين: ثقة، وقد اختلف في سماع عبد الرحمن منها، فقال الدارقطني: أدرك عائشة ودخل عليها وهو مراهق. قال الحافظ: وهو كما قال ففي تاريخ البخاري وغيره ما يشهد لذلك، وقال أبو حاتم: أُدخِلَ عليها وهو صغير ولم يسمع منها. وادّعى ابن أبي شيبة والطحاوي ثبوت سماعه منها. وفي رواية الدار قطني، عن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عائشة قال أبو بكر النيسابوري: من قال فيه عن عائشة فقد أخطأ. واختلف قول الدار قطني فيه فقال في السنن، إسناده حسن، وقال في العلل: المرسلة أشبه» (2).

وثانياً: جاء في حديث عائشة أنّها قالت: خرجت مع رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في عمرة رمضان إلخ، وهذا ما يخالف التاريخ القطفي لسيرة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فقد جاء في السيرة الحلبية «لا خلاف أنّ عمرة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) لم تزد على أربع، أي كلّهن في ذي القعدة مخالفاً للمشركين، فإنّهم كانوا يكرهون العمرة في أشهر الحج ويقولون هي من أفجر الفجور ... وأوّل تلك الاَربعة عمرة الحديبية، التي كانت في ذي القعدة التي صدّه فيها المشركون عن البيت.

وثانيها: عمرته من العام المقبل وهي عمرة القضاء وكانت في ذي القعدة ... وثالثها: عمرته ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حين قسّم غنائم حنين، وكانت من الجعرانة وكانت في ذي القعدة.

ورابعها: عمرته ( صلى الله عليه وآله وسلم ) مع حجة الوداع ... فإنّه أحرم لخمس بقين من ذي القعدة، وقد قالت عائشة (رض): «اعتمر رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ثلاثاً سوى التي قرنها


(1)الشوكاني: نيل الاَوطار: 3|202 و 203.
(2)الشوكاني: نيل الاَوطار: 3|202 و 203.


(253)

بحجة الوداع».

وأخرج البخاري ومسلم: «أنّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) اعتمر أربع عمر كلّها في ذي القعدة إلاّ التي في حجته. أي فإنّه لم يوقعها في ذي القعدة، بل أوقعها في ذي الحجّة تبعاً للحج.

ثم قـال: ولكن روى الدارقطـني ـ رحمه اللّه ـ : عنهـا أنّها ـ رضى اللّه عنها ـ قـالت: «خرجت مع رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في عمرة في رمضان فأفطر وصمتُ، وقصّر وأتممت» قال في الهدى: إنّه غلط عليها وهو الاَظهر، فإنّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ما اعتمر في رمضان قط» (1).

وثالثا: الظاهر من هذا الحديث أنّ عائشة على الرغم من روَيتها لاِفطار النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وقصره في السفر صامت وأتمّت بلا حجّة بل من بدع نفسها، ثم بعد ذلك أخبرت الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عمّا صنعت فأقرّ عملها. وهنا تطرح أسئلة كثيرة، منها:

1 ـ لماذا خالفت عائشة عمل النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ؟ وهل هذا كان منها اجتهاداً مخالفاً لعمل الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ؟ولا يقال بأنّها كانت تعلم الحكم الشرعي وهو جواز الاِتمام والصوم، لاَنّ ظاهر الحديث يكذّب ذلك.

2 ـ قد روي عنها أنّها كانت تتم الصلاة في السفر وبرّر عملها بأنّها تأوّلت كما تأوّل عثمان كما سيوافيك، ولو كان هذا الحديث صحيحاً وأنّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أقرّ عملها، فأي حاجة لها إلى التساوَل والاجتهاد؟

ولعله لعدم وجود جواب صحيح لتلك الاَسئلة قال ابن القيّم: «سمعتُ شيخ الاِسلام ابن تيمية يقول: هذا الحديث كذب على عائشة،ولم تكن عائشة تصلّي بخلاف صلاة رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وسائر الصحابة، وهي تشاهدهم يقصرون ثم تتم هي وحدها بلا موجب. كيف وهي القائلة: «فرضت الصلاة ركعتين فزيد في


(1)علي بن برهان الدين الحلبي: السيرة الحلبية: 3|340 و 341.


(254)

صلاة الحضر وأُقرَّت صلاة السفر »فكيف يُظنّ أنّها تُزيد على ما فرض اللّه، وتخالف رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأصحابه. قال الزهري لعروة لما حدّثه عن أبيه عنها بذلك: فما شأنّها تتم الصلاة؟ فقال: تأوّلت كما تأوّل عثمان، فإذا كان النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قد حسّن فعلها وأقرّها عليه فما للتأويل حينئذ من وجه، ولا يصح أن يضاف إتمامها إلى التأويل على هذا التقدير» (1).

الحديث الثالث:

وروى (أي أبو داود) بإسناده عن عطاء عن عائشة أنّ رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان يتم في السفر ويقصر (2).

يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ هذا الحديث جاء في سنن الدار قطني بهذا الاِسناد: حدثنا محمد بن منصور بن أبي الجهم، ثنا نصر بن علي، ثنا عبد اللّه بن داود، عن المغيرة بن زياد الموصلي، عن عطاء، عن عائشة الخ، ثم قال: المغيرة بن زياد ليس بالقوي (3).

ولم نجد هذا الحديث في مسند أبي داود الطيالسي بهذا الشكل، بل ورد ذلك بهذه الكيفية:

حدثنا يونس، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا طلحة، قال: سمعت عطاء يحدّث عن عائشة قالت: كل ذلك فعل رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في السفر صام وأفطر (4).


(1)ابن قيم الجوزية: زاد المعاد: 1|161.
(2)ابن قدامى: المغني: 2|109.
(3)سنن الدارقطني: 2|189 ط. دار المعرفة بيروت.
(4)مسند أبي داود الطيالسي: 6|209: ط. دار الباز، مكة المكرمة.


(255)

وجاء نفس الحديث أيضاً بهذا الاِسناد والمتن في سنن الدار قطني، ثم قال في آخره: طلحة ضعيف (1)إذن فالحديث من حيث السند لا يحتج به.

وثانياً: اعترف بعض أعلام السنّة بأن الحديث غير صحيح. قال ابن القيم بعد أن ذكر الحديث: «فلا يصح. وسمعت شيخ الاِسلام ابن تيمية يقول: هو كذب على رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) انتهى. وقد روى «كان يقصر وتتم» الاَوّل بالياء آخر الحروف والثاني بالتاء المثناة من فوق. وكذلك «يفطر وتصوم» أي تأخذ هي بالعزيمة في الموضعين. قال شيخنا ابن تيمية: وهذا باطل ما كانت أُم الموَمنين لتخالف رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وجميع أصحابه فتصلّـي خلاف صلاتهم. كيف والصحيح عنها أنّ اللّه فرض الصلاة ركعتين ركعتين، فلمّا هاجر رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إلى المدينة زيد في الحضر، وأُقرت صلاة السفر فكيف يظن بها ـ مع ذلك ـ أن تصلّـي بخلاف صلاة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والمسلمين معه. قلت: وقد أتمت عائشة بعد موت النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) . قال ابن عباس وغيره: إنّها تأوّلت كما تأوّل عثمان، وإنّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان يقصر دائماً، فركّب بعض الرواة من الحديثين حديثاً. وقال: فكان رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يقصر وتتم هي. فغلط بعض الرواة فقال كان يقصر ويتم، أي هو» (2).

وثالثاً: الحديث مجمل ولم يبيّن فيه بأنّ الاِتمام الذي حصل من النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) هل كان مع اجتماع شرائط القصر من قطع المسافة وعدم الاِفاقة وغير ذلك أم لا ؟ فحيث يحتمل أنّه أتم النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) مع عدم اجتماع شرائط القصر في سفره لا يمكن الاستدلال به على جواز الاِتمام مطلقاً خاصة وأنّه مخالف لما تواتر عن سنته حول القصر في السفر.


(1)الدارقطني: السنن: 2|189.
(2)ابن القيم: زاد المعاد: 1|158.


(256)

الوجه الثالث: عمل الصحابة وإجماعهم وإجماع الفقهاء :

قال ابن قدامى:

1 ـ عن أنس قال: كنّا ـ أصحاب رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ـ نسافر فيتم بعضنا ويقصر بعضنا ويصوم بعضنا ويفطر بعضنا، فلا يعيب أحد على أحد، ولاَنّ ذلك إجماع الصحابة ـ رحمة اللّه عليهم ـ بدليل أنّ فيهم من كان يتم الصلاة ولم ينكر الباقون عليه بدليل حديث أنس (1).

يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّه ليس المنقول عن أنس في صحيح مسلم أنّه يتم بعضنا ويقصر بعضنا، نعم جاء فيه فلم يعب الصائم على المفطر و «المفطر على الصائم» (2) كما لم يوجد في غيره من الصحاح و فالظاهر أنّ الاِتمام والقصر زيدا في الحديث من قبل القائلين بالرخصة.

وثانياً: سلمنا صحة الزيادة لكن ليس فيه أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) اطلّع على فعلهم فأقرّهم عليه حتى يكون التقرير حجّة علينا ،وليس عمل الصحابي بمجرّده حجّة ما لم يعلم كونه مستنداً إلى قول النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وعمله.

وثالثاً: أنّ إجماع الصحابة المنقول هنا يعارضه عمل النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وإجماع الصحابة الثابت بالتواتـر وأنّ الخـلاف ـ الذي حصل بينهم ـ حدث زمن الخليفة الثالث، فلم يثبت الاِجماع بعد وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بدليل أنّ جمعاً من الصحابة نقدوا عمل عثمان، وأمّا ما نقل من إجماعهم زمن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فعلى فرض وقوعه ليس بحجة.

قال الشوكاني: «وقد تقرر أنّ إجماع الصحابة في عصره ليس بحجّة والخلاف


(1)ابن قدامى: المغني: 2|109.
(2)مسلم الصحيح : 7|235.


(257)

بينهم في ذلك مشهور بعد موته وقد أنكر جماعة منهم على عثمان لما أتم بمنى وتأوّلوا له تأويلات» (1).

2 ـ واستدل ابن قدامى بعمل بعض الصحابة فقال: «وكانت عائشة تتم الصلاة، رواه مسلم والبخاري وأتمّها عثمان وابن مسعود وسعد. قال عطاء: كانت عائشة وسعد يوفيان الصلاة في السفر ويصومان، وروى الاَثرم بإسناده عن سعد أنّه أقام بمعان شهرين فكان يصلّـي ركعتين ويصلّـي أربعاً، وعن المسور بن مخرمة قال: أقمنا مع سعد ببعض قرى الشام أربعين ليلة يقصرها سعد ويتمّها» (2).

ويلاحظ عليه: أنّ عمل عائشة وعثمان كما ذكر سابقاً كان ناشئاً عن تأوّل واجتهاد، وقد خالفهم كثير من الصحابة فلا يكون عملهما حجّة خاصة وأنّ اجتهادهما كان في مقابل النصوص المتواترة عن الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

قال ابن قيم نقلاً عن شيخه ابن تيمية: «وأمّا بعد موته ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فإنّها أتمّت كما أتمّ عثمان وكلاهما تأوّل تأويلاً والحجّة في رواياتهم لا في تأويل الواحد منهم مع مخالفه غيره له» (3).

* * *

كلام حول تأويل عثمان وعائشة :

ثم إنّ التأويل الذي صدر من عثمان وعائشة فقد اختلف في معرفة وجهه، وذكر النوويّ له عدّة وجوه وهي: أنّ عثمان إمام الموَمنين وعائشة أُمهم فكأنّهما في


(1)الشوكاني: نيل الاَوطار: 3|202.
(2)ابن قدامى: المغني: 2|109.
(3)ابن قيم: زاد المعاد: 1|161.


(258)

منازلهما ... وقيل: لاَنّ عثمان تأهل بمكّة، وقيل: فعل ذلك من أجل الاَعراب الذين حضروا لئلاّ يظنوا أنّ فرض الصّلاة ركعتان أبداً حضراً وسفراً...وقيل: كان عثمان نوى الاِقامة بمكة بعد الحجّ ... وقيل: كان لعثمان أرض بمنى و ... ثم أبطل جميع هذه الوجوه ورجّح القول بأنّهما رأيا القصر جائزاً والاِتمام جائزاً فأخذا بأحد الجائزين وهو الاِتمام» (1).

يلاحظ عليه: أنّ هذا الاجتهاد حجّة لصاحبه لو اجتمعت فيه شروط الاجتهاد ولم يكن اجتهاد مقابل النص مضافاً إلى أنّ عثمان قد برّر عمله بالوجه الاَخير عندما واجه نقود الصحابة له، نعم لمّا ضاقت به السبل تمسك بالرأي الذي رآه، فقد نقل الموَرّخون من الطبري وغيره «حجّ بالناس في سنة 29 عثمان فضرب بمنى فسطاطاً فكان أوّل فسطاط، ضربه عثمان بمنى، وأتم الصلاة بها وبعرفة، فذكر الواقدي «بالاِسناد» عن ابن عباس قال: إنّ أوّل ما تكلّم الناس في عثمان ظاهراً أنّه صلّـى بالناس بمنى في ولايته ركعتين حتى إذا كانت السّنة السادسة أتمّها، فعاب ذلك غير واحد من أصحاب النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وتحكم في ذلك من يريد أن يُكثِرَ عليه حتى جاءه علي ( عليه السلام ) فيمن جاءه فقال: واللّه ما حدث أمر ولا قدم عهد ولا عهدت نبيك يصلّي ركعتين، ثم أبا بكر، ثم عمر، وأنت صدراً من ولايتك، فما أدري ما يرجع إليه؟ فقال: رأي رأيته.

وعن عبد الملك بن عمرو بن أبي سفيان الثقفي عن عمه قال: صلّى عثمان بالناس بمنى أربعاً فأتى آت عبد الرحمن بن عوف فقال: هل لك في أخيك؟ قد صلّى بالناس أربعاً، فصلّى عبد الرحمن بأصحابه ركعتين، ثم خرج حتى دخل على عثمان فقال له: ألم تصلّ في هذا المكان مع رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ركعتين؟ قال: بلى، قال: ألم تصلّ مع أبي بكر ركعتين؟ قال:


(1)صحيح مسلم بشرح النووي: 5|195.


(259)

بلى. قال: أفلم تصلّ مع عمر ركعتين؟ قال: بلى قال: ألم تصل صدراً من خلافتك ركعتين؟ قال: بلى. قال: فاسمع منى يا أبا محمد إنّي أجزت أنّ بعض من حجّ من أهل اليمن وجفاة الناس قد قالوا في عامنا الماضي: إنّ الصلاة للمقيم ركعتان هذا إمامكم عثمان يصلّي ركعتين، وقد اتّخذت بمكة أهلاً فرأيت أن أُصلّـي أربعاً لخوف ما أخاف على الناس وأُخرى قد اتخذت بها زوجة، ولي بالطائف مال، فربما اطلعته فأقمت فيه بعد الصدر. فقال عبد الرحمن بن عوف: ما من هذا شيء لك فيه عذر، أمّا قولك، اتخذت أهلاً، فزوجتك بالمدينة تخرج بها إذا شئت، وتقدم بها إذا شئت، إنمّا تسكن بسكناك.

وأمّا قولك: ولي مال بالطائف، فإنّ بينك وبين الطائف مسيرة ثلاث ليال وأنت لست من أهل الطائف.

وأمّا قولك: يرجع من حجّ من أهل اليمن وغيرهم فيقولون: هذا إمامكم عثمان يصلّي ركعتين وهو مقيم. فقد كان رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ينزل عليه الوحي والناس يومئذ، الاِسلام فيهم قليل، ثم أبو بكر مثل ذلك، ثم عمر، فضرب الاِسلام بجرانه فصلّى بهم عمر حتّى مات ركعتين. فقال عثمان: هذا رأي رأيته.

قال: فخرج عبد الرحمن فلقي ابن مسعود فقال: أبا محمّد غير ما يعلم ؟ قال: لا، قال: فما أصنع؟ قال: إعمل أنت بما تعلم، فقال ابن مسعود: الخلاف شر، قد بلغني أنّه صلّى أربعاً فصلّيت بأصحابي أربعاً، فقال: عبد الرحمن بن عوف: قد بلغني أنّه صلّى أربعاً فصليت بأصحابي ركعتين، وأمّا الآن فسوف يكون الذي تقول، يعني نصلّـي معه أربعاً (1).

وممّا مضى يعلم أنّ عبد اللّه بن مسعود الذي عزى إليه إتمام الصلاة في السفر إنّما فعل ذلك مراعاة للسياسة الوقتية اتّباعاً لما رآه عثمان خلافاً لرأي نفسه


(1)البلاذري: الاَنساب : 5|39: الطبري: التاريخ : 5|56، ابن الاَثير: الكامل 3|42، ابن كثير: التاريخ 7|154، ابن خلدون:التاريخ: 2|386.


(260)

في لزوم القصر، فقد روي عنه كما مر أنّه استرجع من تلك الظاهرة وقال: ثم تفرّقت بكم الطرق فلوددت أنّ لي من أربع ركعات ركعتين متقبّلتين. قال الاَعمش: حدثني معاوية بن قرة عن أشياخه: إنّ عبد اللّه صلّى أربعاً فقيل له: عبت على عثمان ثم صليت أربعاً؟ قال: الخلاف شر (1) .

وقد رأى بعض الصحابة مثل رأيه في لزوم متابعة الخليفة تهرباً من الشر إلاّ أنّهم كانوا يعيدون صلاتهم قصراً بعد أن يقتدوا بالخليفة أربعاً.

قال ابن حزم: «روينا من طريق عبد الرزاق، عن عبد اللّه بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر: إنّه كان إذا صلّى مع الاِمام بمنى أربع ركعات انصرف إلى منزله فصلّى فيه ركعتين أعادها» (2).

وهوَلاء كانوا يرون رعاية شوَون السياسة الزمنية خوفاً من الشر أولى من رعاية حفظ الاَحكام كما نزلت من عند اللّه والوقوف أمام تبدّلها وتغييرها إلاّ أنّ بعض الصحابة يرى خلاف ذلك، فهذا علي ( عليه السلام ) أبى أن يصلّي أربعاً في منى رغم إصرار عثمان وبني أُمية. حيث قيل له: صلّ بالناس، فقال: إن شئتم صلّيت لكم صلاة رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ـ يعني ركعتين ـ قالوا: لا إلاّ صلاة أمير الموَمنين ـ يعنون عثمان ـ : أربعاً، فأبى عثمان» (3).

هذا وأنّ بني أُمية قد اتـّخذوا من أُحدوثة عثمان سنّة مستمرة مقابل سنّة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) إلى الاَبد وإن لم يكن لهم عذر شرعي للاِتمام كما حاول عثمان أن يتشبث ببعض الاَعذار.

فقد قال ابن حنبل بسنده عن عبد اللّه بن الزبير قال: لمـّا قدم علينا معاوية


(1)أبي داود: السنن:1|308، كتاب الاِمام الشافعي: 1| 159، و 7| 175.
(2)ابن حزم: المحلى: 4|270.
(3)ابن حزم: المحلى: 4|270.


(261)

حاجاً قدمنا معه مكة، قال: فصلى بنا الظهر ركعتين، ثم انصرف إلى دار الندوة قال: وكان عثمان حين أتم الصلاة إذا قدم مكّة صلّـى بها الظهر والعصر والعشاء الآخرة أربعاً أربعاً، فإذا خرج إلى منى وعرفات قصر الصلاة، فإذا فرغ من الحج وأقام بمنى أتمّ الصلاة حتى يخرج من مكة، فلمّا صلّـى بنا الظهر ركعتين نهض إليه مروان بن الحكم وعمر بن عثمان فقالا له: ما عاب أحد ابن عمك بأقبح ما عبته به. فقال لهما: وما ذاك؟ قال: فقالا له: ألم تعلم أنّه أتم الصلاة بمكّة؟ قال: فقال لهما: ويحكما وهل كان غير ما صنعت؟ قد صلّيتهما مع رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ومع أبي بكر وعمر ـ رضى اللّه عنهما ـ: قالا: فانّ ابن عمك قد كان أتمّها وإنّ خلافك إيّاه له عيب. قال: فخرج معاوية إلى العصر فصلاّها بنا أربعاً» (1) .

هذا كلّه حول تأويل عثمان وعبد اللّه بن مسعود.

حول تأويل السيدة عائشة :

وأمّا تأويل عائشة فالمشهور أنّـها تأوّلت كما تأوّل به عثمان وقد ذكر في ذلك من وجوه:

قال ابن جرير الطبري في تفسيره قوله: «وَإذا ضَرَبتُمْ في الاَرْضِ» الخ بسنده عن عمر بن عبد اللّه بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق قال: سمعت أبي يقول: سمعت عائشة تقول: في السفر أتـمّوا صلاتكم، فقالوا: إنّ رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يصلّي في السفر ركعتين فقالت: إنَّ رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان في حرب وكان يخاف، هل تخافون أنتم (2) وكأنّها رأت أنّ القيد الوارد في الآية، خصّص الحكم بالخوف.


(1)أحمد بن حنبل: المسند: 4|94.
(2)الطبري: جامع البيان في تفسير القرآن: 4|155.


(262)

وقال الشوكاني: «قيل في تأويل عائشة أنّها إنّما أتمت في سفرها إلى البصرة لقتال علي ( عليه السلام ) والقصر عندها إنّما يكون في سفر طاعة ـ إلى أن قال: ـ وأمّا تأول عائشة فأحسن ما قيل فيه ما أخرجه البيهقي بإسناد صحيح من طريق هشام بن عروة عن أبيه أنّها كانت تصلّـي في السفر أربعاً، فقلت لها: لو صلّيت ركعتين، فقالت: يا ابن أُختي أنّه لا يشق علي، وهو دال على أنّها تأوّلت أنّ القصر رخصة وأنّ الاِتمام لمن لا يشق عليه أفضل» (1).

حول تأويل ابن أبي وقاص :

وأمّا عمل سعد بن أبي وقاص من أنّه أقام بمعان شهرين يصلّـي ركعتين ويصلّـي أربعاً، أو أنّه أقام ببعض قرى الشام ويفعل كذلك فتصحيحه مشكل لاَنّ المسافر إمّا أن يقصد الاِقامة في مكان أو يكون متردّداً ،فإن قصد الاِقامة فحكمه الاِتمام من أوّل القصد، وإن كان متردّداً فبعد الشهر يصلّـي تماماً، اللّهم إلاّ أن يقال بأن سعداً كان يحتاط بالجمع بين القصر والاِتمام ،كما يوَيده ظاهر كلام الراوي، وعلى كل حال لا يكون عمله حجّة على غيره، لاَنّه غاية ما يكون منه اجتهاد قد يعذر فيه لنفسه.

3 ـ قال ابن قدامة حول إجماع الجمهور من الفقهاء:

«لو ائتم بمقيم صلّى أربعاً وصحت الصّلاة، والصّلاة لاتزيد بالاِئتمام. قال ابن عبد البر: وفي إجماع الجمهور على أنّ المسافر إذا دخل في صلاة المقيمين فأدرك منها ركعة يلزمه أربع، دليل واضح على أنّ القصر رخصة، إذ لو كان فرضه ركعتين لم يلزمه أربع بحال» (2).


(1)الشوكاني: نيل الاَوطار: 3|211 و 212.
(2)ابن قدامى: المغني: 2|108.


(263)

يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ هذا الاِجماع غير تام لاَنّ بعض المذاهب الاِسلامية كالشيعة الاِمامية لا يرون ذلك ولا يجيزون للمسافر إذا اقتدى بمقيم أن يصلّـي أربعاً، بل عليه أن يصلّـي ركعتين وإن كان الاِمام متماً.

وثانياً: أنّ بعض المذاهب من السنّة كالحنفية وإن كان يرون صحة الاِجماع إلاّ أنّـهم يقولون بتغيّر فرض المسافر بمجرّد دخوله في الجماعة. وهذا غير القول بأنّه له الاِتمام من أوّل الاَمر قال أبو بكر الجصاص: «واحتج من قال بالتخيير أنّه لو دخل في صلاة مقيم لزمه الاِتمام، فدلّ على أنّه مخير في الاصل، وهذا فاسد، لاَنّ الدخول في صلاة الاِمام يغير الفرض. ألا ترى أنّ المرأة والعبد فرضهما يوم الجمعة أربع، ولو دخلا في الجمعة صليا ركعتين، ولم يدلّ ذلك على أنّهما مخيران قبل الدخول بين الاَربع والركعتين» (1).

* * *


(1)أبو بكر الجصاص: أحكام القرآن: 2|255.


(264)

المسألة التاسعة:

الاِفطار في السفر

اتّفقت كلمة الفقهاء على مشروعية الاِفطار في السفر تبعاً للذكر الحكيم والسنّة المتواترة إلاّ أنَّهم اختلفوا في كونه عزيمة أو رخصة، نظير الخلاف في كون القصر فيه جائزاً أو واجباً.

ذهبت الاِمامية تبعاً لاَئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) والظاهرية إلى كون الاِفطار عزيمة واختاره من الصحابة: عبد الرحمن بن عوف وعمر وابنه عبد اللّه وأبو هريرة وعائشة وابن عباس، ومن التابعين: علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ( عليهم السلام ) وأبنه محمّد الباقر ( عليه السلام ) وسعيد بن المسيب وعطاء وعروة بن الزبير وشعبة والزهري والقاسم بن محمد بن أبي بكر ويونس بن عبيد وأصحابه (1).

وذهب جمهور أهل السنّة وفيهم فقهاء المذاهب الاَربعة إلى كون الاِفطار رخصة وإن اختلفوا في أفضلية الاِفطار والصوم.


(1)ابن حزم: المحلّـى: 6|258.


(265)

كلمات أعلام الاِمامية في كون الاِفطار عزيمة :

هذا بيان إجمالي للاَقوال والآراء وإليك التفصيل:

قال الشيخ الصدوق (306 ـ 381هـ):

«إذا سافرتَ في شهر رمضان فافطر على حدّ ما بيّنتُ لك الحدّ الّذي يجبّ فيه التقصير في الصوم والصلاة في باب المسافر، واعلم أنّ كل من وجب عليه التقصير في السفر فعليه الاِفطار، وكل من وجب عليه التمام في الصلاة فعليه الصيام، متى أتم صام ومتى قصر أفطر».

والذي يلزمه إتمام الصّلاة والصوم في السفر: المكاري والكري والاشتقان (1) وهو البريد والراعي والملاّح، لاَنّه عملهم، وصاحب الصيد إذا كان صيده بطراً أو أشَراً، فعليه التمام في الصلاة والاِفطار في الصوم، وإذا كان صيده ممّا يعود به على عياله فعليه التقصير في الصـوم والصلاة ـ إلى أن قال: ـ وقال أبو الحسن[الاِمام عليّ] ( عليه السلام ) :«ليس من البرّ الصوم في السفر، فإن صام الرجل وهو مسافر، فإن كان بلغه أنّ رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) نهى عن ذلك فعليه القضاء وإن لم يكن بلغه فلا شيء عليه» (2).

وقال الشيخ المفيد : (636 ـ 413هـ):

«وكل مسافر في طاعة اللّه عزّ وجلّ ممّن حضره أكثر من سفره يجب عليه التقصير في الصوم والصلاة، وكل مسافر في مباح فذلك حكمه، إلاّ المسافر في طلب الصيد للتجارة خاصة، فإنّه يلزمه التقصير في الصيام، ويجب عليه إتمام


(1)الظاهر أنّ الاِشتقان معرّب «دشتبان».
(2)الصدوق: المقنع: 62.


(266)

الصلاة....

إلى أن قال: ومن أتم في سفر الطاعة أثم وأخطأ، وكان كمن قصّر في حضره، ووجب عليه الاِعادة للصيام، إلاّ أن يفعل ذلك بجهالة، ولا يكون مـمّن سمع آية التقصير، ولا عرف الحكم في ذلك من الفقهاء....

إلى أن قال: ولا يجوز لاَحد أن يصوم في السفر تطوعاً ولا فرضاً، إلاّ صوم ثلاثة أيّام ـ لدم المتعة ـ من جملة العشرة الاَيام، ومن كانت عليه كفّارة يخرج عنها بالصيام، وصوم النذر إذا نواه في الحضر والسفر، معاً أو علّقه بوقت من الاَوقات، وصوم ثلاثة أيّام للحاجة (أربعاء وخميس وجمعة) متواليات عند قبر النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أو في مشهد من مشاهد الاَئمة (عليهم السّلام) .

وقد روى حديث في جواز التطوّع في السفر بالصيام، وجاءت أخبار بكراهية ذلك، وأنّه ليس من البرّ الصوم في السفر، وهي أكثر، وعليها العمل عند فقهاء العصابة، فمن أخذ بالحديث لم يأثم إذا كان أخذه من جهة الاِتباع، ومن عمل على أكثر الروايات، واعتمد على المشهور منها في اجتناب الصيام في السفر على كل وجه، سوى ما عدّدناه كان أولى بالحقّ واللّه الموفق للصواب»(1).

قال السيد المرتضى: (355 ـ 436هـ):

وممّا ظنّ انفراد الاِمامية ولها فيه موافق متقدم، القول بأنّ من صام شهر رمضان في السفر تجب عليه الاِعادة، لاَنّ أبا حنيفة وأصحابه يقولون: إنّ الصوم في السفر أفضل من الاِفطار.

وقال مالك والثوري: الصوم في السفر أحبّ إلينا من الاِفطار لمن قوى عليه.


(1)المفيد: المقنعة: 348 ـ 350.


(267)

وقال الشافعي: هو مخير بين الصوم والاِفطار والصوم أفضل. وروي عن ابن عمران الفطر أفضل، وروي عن أبي هريرة أنّ من صام في السفر لم يُجزِه وعليه أن يصوم في الحضر، وهذا مذهب الاِمامية والحجة لقولنا الاِجماع المتكرّر» (1) .

وقال الشيخ الطوسي (385 ـ 460هـ):

«المسألة 53 كل سفر يجب فيه التقصير في الصلاة يجب فيه الاِفطار وقد بيّنا كيفية الخلاف فيه، فإذا حصل مسافراً لا يجوز له أن يصوم، فإن صام كان عليه القضاء، وبه قال أبو هريرة وستة من الصحابة، وقال داود: هو بالخيار بين أن يصوم ويقضي وبين أن يفطر ويقضي، فوافقنا في وجوب القضاء وخالف في جواز الصوم، وقال أبو حنيفة والشافعي ومالك وعامة الفقهاء: هو بالخيار بين أن يصوم ولا يقضي، وبين أن يفطر ويقضي.

وبه قال ابن عباس.

وقال ابن عمر: يكره أن يصوم فإن صامه فلا قضاء عليه ـ دليلنا ـ إجماع الفرقة، وأيضاً قوله تعالى: «فَمَنْ كانَ مِنْكُم مَريضَاً أو عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَر» فأوجب القضاء بنفس السفر فليس في الظاهر ذكر الاِفطار، وروي عن جابر أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال: ليس من البرّ الصيام في السفر «والصائم في السفر كالمفطر في الحضر» وروي عن جابر أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بلغه أنّ أُناساً صاموا فقال: أُولئك العصاة» (2).

إلى غير ذلك من الكلمات المبثوثة في الكتب الفقهية كالحلبي (374 ـ 447هـ) في كـافيه، وسـلاّر (ت 463هـ) في مراسمـه، وابن البـراج (400 ـ 481هـ) في مهذّبه، وابن حمزة ( ت بعد 576هـ) في وسيلته، وابن إدريس (543


(1)المرتضى: الانتصار: 66.
(2)الشيخ الطوسي: الخلاف: 1|354: كتاب الصوم: المسألة 53.


(268)

ـ 598هـ) في سـرائـره، والمحقّـق (602 ـ 676هـ) في شرائعـه، والعلاّمة الحلـي (648 ـ 726هـ) في قاطبة كتبه الفقهية، إلى غيرهم حتى نصل إلى فقهاء العصر الحاضر من الشيعة الاِمامية من غير فرق بين صوم رمضان أو صوم غيره من الواجبات إلاّ ما استثني.

كلام ابن حزم في كون الاِفطار عزيمة :

ووافق الشيعة في كون الاِفطار عزيمة مذهب الظاهرية، لكن في خصوص صوم رمضان لا في مطلق الصوم الواجب.

قال ابن حزم: «مسألة: ومن سافر في رمضان ـ سفرَ طاعة أو سفر معصية، أو لا طاعة ولا معصية ـ فرض عليـه الفطر إذا تجاوز ميلاً أو بلغه أو إزاءه، وقد بطل صومه حينئذ لا قبل ذلك، ويقضي بعد ذلك في أيام أُخر، وله أن يصومه تطوّعاً، أو عن واجب لزمه، أو قضاء عن رمضان خال لزمه، وإن وافق فيه يوم نذره صامه لنذره. وقد فرق قوم بين سفر الطاعة، وسفر المعصية فلم يروا له الفطر في سفر المعصية وهو قول مالك، والشافعي. قال علي: والتسوية بين كل ذلك هو قول أبو حنيفة، وأبي سليمان... (1).

إلى أن قال: وأمّا قولنا «يجوز الصوم في السفر فإنّ الناس اختلفوا فقالت طائفة: من سافر بعد دخول رمضان فعليه أن يصومه كلّه، وقالت طائفة: بل هو مخير إن شاء صام وإن شاء أفطر، وقالت طائفة: لا بد له من الفطر ولا يجزئه صومه، ثم افترق القائلون بتخييره فقالت طائفة: الصوم أفضل، وقالت طائفة: الفطر أفضل، وقالت طائفة: هما سواء، وقالت طائفة: لا يجزئه الصوم ولا بد له


(1)ابن حزم: المحلى: 6|243.


(269)

من الفطر ...ثم استدلّ على مذهبه وقال:

روينا من طرق سليمان بن حرب، نا حماد بن سلمة، عن كلثوم بن جبر، عن رجل من بني قيس أنّه صام في السفر فأمره عمر بن الخطاب أن يعيد.....

وعن عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه قال: نهتني عائشة أُم الموَمنين عن أن أصوم رمضان في السفر. وعن أبي هريرة: ليس من البرّ الصيام في السفر. ومن طريق شعبة عن أبي حمزة نصر بن عمران الضبعي قال: سألت ابن عباس عن الصوم في السفر؟

فقال: يسر وعسر خذ بيسر اللّه تعالى.

قال أبو محمّد: إخباره بأن صوم رمضان في السفر عسر إيجاب منه لفطره وعنه أيضاً: الاِفطار في رمضان في السفر عزمة.

وعن عمار مولى بني هاشم ـ هو ابن أبي عمار ـ عن بن عباس أنّه سئل عمّن صام رمضان في السفر، فقال ابن عباس: لا يجزئه ـ يعني لا يجزئه صيامه ـ.

وعن ابن عمر أنّه سئل عن الصوم في السفر فقال: من كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيّام أُخر.

وعن يوسف بن الحكم الثقفي أنّ ابن عمر سئل عن الصوم في السفر فقال: إنّما هي صدقة تصدّق اللّه بها عليك أرأيت لو تصدقت بصدّقة فردت عليك؟ ألم تغضب؟ قال أبو محمد: هذا يبين أنّه كان يرى الصوم في رمضان مغضِباً للّه تعالى، ولا يقال هذا في شيء مباح أصلاً.

وعن كلثوم بن جبر أنّ امرأة صحبت ابن عمر في سفر فوضع الطعام فقال لها: كلي قالت: إنّي صائمة قال: لا تصحبينا.

وعن مسلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه قال: يقال: الصيام في السفر


(270)

كالاِفطار في الحضر. قال أبو محمد: هذا إسناد صحيح، وقد صح سماع أبي سلمة عن أبيه ولا يقول عبد الرحمن بن عوف: في الدين: يقال كذا، إلاّ عن الصحابة أصحابه رضي اللّه عنهم، وأمّا خصومنا فلو وجدوا مثل هذا لكان أسهل شيء عليهم أن يقولوا: لا يقول ذلك إلاّ عن رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

وعن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه قال: الصائم في السفر كالمفطر في الحضر، وهذا سند في غاية الصحة.

وعن المحرر ابن أبي هريرة قال: صمت رمضان في السفر فأمرني أبو هريرة أن أُعيده في أهلي وأن أقضيه فقضيتة.

وعن عبد الرحمن بن حرملة أنّ رجلاً سأل سعيد بن المسيب: أُتِمَّ الصلاة في السفر وأصوم؟ قال: لا. فقال: إنّي أقوى على ذلك.

قال سعيد: رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان أقوى منك قد كان يقصر ويفطر.

وعن عطاء أنّه سئل عن الصوم في السفر فقال: أمّا المفروض فلا، وأمّا التطوع فلا بأس به. وعن عروة بن الزبير أنّه قال في رجل صام في السفر: أنّه يقضيه في الحضر، قال شعبة: لو صمت رمضان في السفر لكان في نفسي منه شيء. وعن الزهري قال: كان الفطر آخر الاَمرين من رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وإنّما يوَخذ من أمر رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بالآخر فالآخر.

وعن الشعبي قال: لا تصوموا في السفر.

وعن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ( عليهم السلام ) أنّ أباه كان ينهي عن صيام رمضان في السفر، وكان محمد بن علي ( عليهما السلام ) ينهي عن ذلك أيضاً. وعن القاسم بن محمد بن أبي بكر قال: لا يصوم المسافر أفطر أفطر. وعن يونس بن عبيد وأصحابه أنّهم أنكروا صيام رمضان في السفر»(1).


(1)المصدر: ص 248.


(271)

ونقلنا كلامه بطوله لما فيه آراء الصحابة والتابعين على وجه مبسّط.

والمحصل مـمّا نقله ابن حزم أنّ أعلام الصحابة كعمر، وابنه عبد اللّه، وعبد اللّه بن عباس وأبي هريرة وعائشة وعبد الرحمن بن عوف وكبار التابعين كالاِمام السجاد ( عليه السلام ) والاِمام الباقر ( عليه السلام ) وغيرهما كسعيد بن المسيب وعطاء وعروة بن الزبير وشعبة والزهري والقاسم بن محمد بن أبي بكر ويونس بن عبيد وأصحابه كلّهم ذهبوا إلى كون الاِفطار عزيمة وهو نفس ما ذهبت إليه الاِمامية.

إلى هنا تم ذكر أسماء القائلين بكون الاِفطار عزيمة وإليك بيان أسماء القائلين بكونه رخصة مع اختلافهم في أفضلية الصوم أو الاِفطار.

كلمات القائلين بكون الاِفطار رخصة

قال الجصـاص (ت 370هـ): قال أصحابنا: الصوم في السفر أفضل من الاِفطار. وقال مالك والثوري: الصوم في السفر أحب إلينا لمن قوى عليه. وقال الشافعي إن صام في السفر أجزاه، ثم أخذ في الاستدلال على فضيلة الصوم في السفر (1) .

وقال السرخسي (ت 456هـ): «إنّ أداء الصوم في السفر يجـوز في قول جمهور الفقهاء وهذا قول أكثر الصحابة وعلى قول أصحاب الظواهر لا يجوز. ـ إلى أن قال: ـ إنّ الصوم في السفر أفضل من الفطر عندنا، وقال الشافعي ـ رحمه اللّه تعالى ـ : الفطر أفضل لاَنّ ظاهر ما روينا من الآثار يدل على أنّ الصوم في السفر لا يجوز، فإن ترك هذا الظاهر في حق الجواز بقي معتبراً في أنّ الفطر أفضل وقاس بالصلاة فإنّ الاقتصار على الركعتين في السفر أفضل من الاِتمام، فكذلك الصوم لاَنّ السفر


(1)ابن حزم: المحلى: 6|256 ـ 258.


(272)

يوَثر فيهما قال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : إنّ اللّه وضع عن المسافر شطر الصلاة والصوم» (1).

وقال حول المسافر إذا صام فأفطر:

«مسافر أصبح صائماً في رمضان ثم أفطر قبل أن يقوم عصره أو بعد ما قدم، فلا كفارة عليه لاَنّ أداء الصوم في هذا اليوم ما كان مستحقاً عليه حين كان مسافراً في أوّله، فهذا والفطر في قضاء رمضان سواء. وحكي عن الشافعي ـ رحمه اللّه تعالى ـ أنّه إن أفطر بعدما صار مقيماً فعليه الكفّارة وجعل وجود الاِقامة في آخره كوجودها في أوّله ولكنّا نقول: الشبهة تمكّنت بالسفر الموجود في أوّل النهار فإنّه ينعدم به استحقاق الاَداء وصوم يوم واحد لا يتجزّى في الاستحقاق (2) .

وقال ابن قدامة المقدسي: «وحكم المسافر حكم المريض في إباحة الفطر وكراهية الصوم وإجزائه إذا فعله، وإباحة الفطر لمسافر ثابتة بالنص والاِجماع وأكثر أهل العلم على أنّه إن صام أجزاه.

إلى أن قال: والفطر في السفر أفضل، وهو مذهب ابن عمر وابن عباس وسعيد بن المسيب والشعبي والاَوزاعي، وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: الصوم أفضل لمن قوى عليه، يروي ذلك عن أنس وعثمان بن أبي العاص لما روى سلمة بن المحبق أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال: «من كانت له حمولة تأوي إلى شبع فليصم رمضان حيث أدركه، رواه أبو داود، ولاَنّ من خيّـر بين الصوم والفطر كان الصوم أفضل كالتطوع، قال عمر بن عبد العزيز ومجاهد وقتادة: أفضل الاَمرين يسرهما لقول اللّه تعالى: «يُرِيدُ اللّهَ بِكُمُ اليُسرَ» ولنا ما تقدم من الاَخبار في الفصل الذي قبله، وروي عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أنّه قال :«خيركم الذي يفطر في السفر ويقصر» ولاَنّ فيه خروجاً من الخلاف فكان أفضل كالقصر وقياسهم ينتقض بالمريض وبصوم الاَيّام


(1)أبو بكر الرازي الجصاص: أحكام القرآن: 1|215.
(2)السرخسي: المبسوط: 3|91 ـ 92.


(273)

المكروه صومها» (1) .

وقال القرطبي: «واختلف العلماء في الاَفضل من الفطر أو الصوم في السفر، فقال مالك والشافعي في بعض ما روي عنهما: الصوم أفضل لمن قوى عليه. وجعل مذهب مالك التخيير وكذلك مذهب الشافعي قال الشافعي ومن اتّبعه: هو مخير، ولم يفضل، وكذلك ابن علية (2).

إذا وقفت على آراء الفقهاء فلنذكر أدلّة القولين وندرسها بدقة وأمانة، ونقدّم البحث فيما هو المختار عند الاِمامية والظاهرية وخيرة جمع كبير من الصحابة والتابعين وهو القول:

الاِفطار في السفر عزيمة :

ويدلّ عليه الكتاب والسنّة ثم إجماع الاِمامية والظاهرية، أمّا الكتاب فيدل عليه قوله سبحانه: «يا أَيُّها الّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الّذِينَ مِن قَبلِكُم لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أيّاماً مَعدُوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنكُمْ مَريضاً أو عَلَـى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أَيّامٍ أُخَرَ وَعَلـَى الّذِينَ يُطيقُونَهُ فِديَةٌ طَعامُ مِسكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْـراً فَهُو خَيرٌ لَهُ وأن تَصُومُوا خَيرٌ لَكُم إنْ كُنتُمْ تَعلَمُون * شَهرُ رَمضانَ الّذِي أُنزِلَ فيهِ القُرآنُ هُدًى لِلناسِ وَبَينِّاتٍ مِنَ الهُدى والفُرقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كانَ مَريضاً أو عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَر يُريدُ اللّهُ بِكُمُ اليُسرَ وَلا يُريدُ بِكُمُ العُسرَ وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ وَلِتُكَبِّـروا اللّهَ عَلَـى ما هَداكُم وَلَعَلَّكُمْ تَشكُرُونَ» (البقرة | 183 ـ 185).


(1)المصدر نفسه: ص76.
(2)ابن قدامة المقدسي: الشرح الكبير على المقنع: 3|17 ـ 19.


(274)

سياق الآيات يدلّ على أنّها نازلة مرّة واحدة والكل على سبيكة خاصة لا تهدف إلاّ إلى بيان حكم الصيام في شهر رمضان، فتقطيع الآيات أو حملها بحمل بعضها على شهر رمضان والبعض الآخر إلى غيره لا يساعده السياق وأنت إذا تأمّلت الآيات وجدتها كلاماً موضوعاً لبيان عرض واحد وذا سياق مثله، متسق الجمل، رائق المبيان.

فإذا حملت جملة على غير موضوع واحد (صيام شهر رمضان) لوجدت الآيات مختلة السياق، متطاردة الجمل يدفع بعضها بعضاً.

ومن العجيب ما روي عن بعضهم من تسرّب النسخ إلى بعض هذه الآيات ببعضها الآخر وهذا القول جداً ينزل الآيات عن روعتها وجمالها.

فلنأخذ بتفسير الآيات الثلاث بشكل موجز ونركّز على المواضيع التي تصلح لاَن تكون دليلاً على الحكم الشرعي.

أمّا الآية الاَُولى: فتحكي عن فرض الصيام على الموَمنين كفرضه على الاَُمم الماضية والغاية من هذا الفرض هو كسب التقوى كما قال سبحانه: «لَعَلَّكُم تَتَّقُون» فإنّ الصائم يترك شهواته الطبيعية المباحة امتثالاً لاَمره واحتساباً للاَجر عنده فتتقوّى بذلك إرادته على ترك الشهوات الجامحة.

وأمّا الآية الثانية: فنفسّرها جملة بعد أُخرى:

قال سبحانه: «أيّاماً مَعدُودات»

أي معينات بالعدد وقليلات، وليس شيئاً كثيراً، وتنكير الاَيّام للدلالة على القلّة والتحقير كقوله سبحانه: «وَشَـرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعدُودَة» (يوسف | 20) وبّما أنّ تلك الاَيّام مبهمات صارت الآية الثالثة مفسرة لها حيث قال: «شَهرُ رَمَضانَ الّذي أُنزِلَ فيهِ القُرآن».


(275)

ومن الزعم الباطل حمل الاَيّام المعدودات على غير رمضان أعني ثلاثة أيّام من كل شهر (وعينها بعضهم بأنّها الاَيّام البيض الثالثة عشر وما بعدها) ثم نسخها بالآية التالية أي آية شهر رمضان ... ،وقد عرفت أنّ هذا النوع من التفسير تلاعب بآيات القرآن وتفسير بلا دليل، والآيات الثلاث منظومة واحدة لها دلالة واحدة وتركيز على شيء واحد لا تتجاوز عن بيان حكم شهر رمضان صياماً وإفطاراً.

قال سبحانه: «فَمَن كانَ مِنْكُمْ مَريضاً أو عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّام أُخر».

استثنى سبحانه صنفين: المريض والمسافر، والفاء للتفريع، والجملة متفرّعة على قوله: «كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِّيامُ» وعلى قوله: «أيّاماً مَعدُودات» فنبّه بالاستثناء على أنّه لو عرض عارض فهو يوجب ارتفاع الحكم عن الاَيّام المعدودات، أعني: شهر رمضان، لا عن صيام عدّة من أيّام أُخر خارج شهر رمضان تساوي ما فات المكلّف من صيام الاَيّام عدداً فيكون مفاد الآية: هو: أنّ المفروض عليهم القضاء بعد شهر رمضان، وعلى هذا فقوله: «فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخر».

وعلى هذا المعنى فالآية بدلالتها المطابقية تفرض عليهما القضاء الذي هو يلازم عدم فرض الصيام عليهما وهذا يدل على أنّ الاِفطار عزيمة إذ المكتوب عليهما من أوّل الاَمر هو القضاء.

ثم إنّ القائلين بالرخصة لما رأوا أنّ ظاهر الآية تدلّ على أنّ المفروض عليهم هو القضاء لا الاَداء حاولوا تطبيق الآية على ما يتبنونه من الرخصة فقدّروا لفظة «فافطر» وقالوا: إنّ معنى الآية فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فأفطر، فعليه عدّة من أيّام آخر، ولو لم يفطر فلا.

تلاحظ عليه أُمور:

1 ـ إنّ التقدير يحتاج إلى دليل، والاَصل هو عدم التقدير ولولا كون الرخصة


(276)

هي المشهورة بين المذاهب لما خطر على بال أحد من المفسّرين تقدير اللفظ المزبور.

2 ـ نفترض تقدير اللفظة ومع ذلك لا يكون صريحاً في الرخصة إذ غاية ما يدل عليه أنّ الاِفطار لا يقع معصية بل جائزاً بالجواز بالمعنى الاَعم من الوجوب والاِستحباب والاَباحة، وأمّا كونه جائزاً بالمعنى الاَخص فلا دليل عليه بل الدليل على خلافه.

3 ـ لو كان مفاد الآية هو عدم كتابة الصوم على الصنفين وفرض القضاء عليهما كانت الآية وافية بأداء المراد لا قصور فيها، أمّا لو كان المراد هو كتابة الصيام على الصنفين أيضاً غير أنّهما مخيّران بين الاِفطار والقضاء، والصيام وعدم القضاء، فالآية غير وافية بأداء هذا المعنى الذي تتبنّاه المذاهب الاَربعة، والآية في مقام التشريع يجب أن تكون وافية بمراد المشرّع بنحو واضح.

قال سبحانه: «وَعَلى الّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِديةٌ طَعامُ مِسكين»

هذا هو القسم الثاني من المستثنى وهو من لا يستطيع الصوم إلاّ بمشقة كثيرة، فالواجب عليه فدية طعام مسكين عن كل يوم من أوسط ما يطعمون منه أهليهم.

وهذه الجملة أيضاً ظاهرة في أن المشروع في حقّه هو الاِفطار والفدية، وهو يوَيد ما استظهر أنّه من الجملة السابقة الواردة في حقّ المريض والمسافر، والجميع ظاهر في الوجوب التعييني بمعنى أنّ المفروض والمشروع في حقّ هذين الصنفين هو القضاء للمريض والمسافر والفدية على من يشق عليه الصوم وهذا هو الواجب بلا عدل له.

قال سبحانه: «فَمَن تَطَّوَعَ خَيراً فَهُو خَيرٌ لَهُ».


(277)

التطوّع من الطوع مقابل الكره، وهو الاِتيان بالفعل بالرضا والرغبة، واختلف المفسّرون في تفسير تلك الجملة إلى أقوال، فمنهم من قال بأنّ المراد أن يزيد على إطعام المسكين (1)وفسّرها صاحب المنار بأنّ المراد من زاد على تلك الاَيام المعدودات بأن صام غير شهر رمضان أيضاً (2).

والظاهر عدم صحتهما لاَنّه سبحانه لم يقل من تطوّع زيادة، بل قال: من تطوّع خيراً، فليست الزيادة مورداً للنظر بل المراد من أتى بالصوم عن طوع ورغبة فهو خير له يثاب بعمله، وكأنّه سبحانه ضرب قاعدة كلية بأنّ من تطوّع الخير والصلاح فهو خير له.

قال سبحانه: «وأن تَصُومُوا خَيرٌ لَكُم إن كُنتُم تَعلَمُون».

أي الصيام خير لكم لما فيه من تربية النفس وتغذية الاِيمان وزيادة التقوى وهو حكم كلي لاصله له بمن سبق من الاَصناف السابقة.

إنّ القائلين بكون الاِفطار رخصة يتمسّكون بتلك الجملة ويزعمون بأنّ الخطاب فيها لاَهل الرخص وإنّ الصيام في رمضان خير لهم من الترخيص بالاِفطار.

يلاحظ عليه: أنّ الحكم بكون الصوم خيراً لهم غير مطرد إذ ربما يكون الصوم ضاراً بالمريض والمسافر فكيف يقول سبحانه: «وَأن تَصُومُوا خَيرٌ لَكُم» ، بصورة قضية كلية عامة؟

أضف إلى ذلك أنّ الظاهر أنّ الجملة خطاب لجميع الموَمنين الذين سبق ذكرهم في الآية الاَُولى، حيث قال سبحانه: «يا أيُّـها الّذِينَ آمَنُوا» فيخاطبهم مرة ثانية «وَأن تَصُومُوا خَيرٌ لَكُم» فهو خطاب للموَمنين قاطبة لا أنّه خطاب


(1)القرطبي الجامع لاَحكام القرآن: 2|280.
(2)تفسير الجلالين: 22.


(278)

للمسافر والمريض اللّذين ذكرا استطراداً.

إلى هنا خرجنا بنتيجتين

الاَُولى: أنّ قوله سبحانه:«فمن كان مريضاً ...» ظاهر في أنّ التشريع الاَوّلي هو القضاء عليهما ومعنى ذلك عدم كتابة الصوم عليهما في شهر رمضان، فمن حمله على أنّ الصيام كتب عليهما لكن يجوز لهما الاِفطار والقضاء فسّر الآية بلا دليل وسلطان.

الثانية: أنّ قوله: «وَأنْ تَصُومُوا خَيرٌ لَكُم» بصدد ضرب القانون الكلّـي ولا صلة له بالصنفين وعلى ذلك فقوله : «فمن كان مريضاً » دليل على أن الاِفطار عزيمة كما أنّ قوله «وإن تصوموا ...» فاقد للدلالة على الرخصة.

قال سبحانه: «شَهرُ رَمضانَ الّذِي أُنزِلَ فيهِ القُرآنُ هُدًى لِلناسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الهُدى والفُرقان» الآية بصدد بيان الاَيّام المعدودات وأنّ الحكمة في تخصيص هذا الشهر بالصيام لاَجل أنّه شهر رمضان، شهر نزل فيه القرآن الذي فيه هدى للناس وآيات بيِّنات واضحات فيها من الهداية، والفرقان بين الحق والباطل.

قال سبحانه: «فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهرَ فَليَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَريضاً أو عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّام ٍ أُخر» والجملة بصدد ضرب القاعدة وهو أنّ من شهد الشهر بسلامة وحضر فيه بأن لم يكن مسافراً فيلزم عليه الصيام، أي كتب عليه الصيام، وأمّا من لم يكن كذلك كما كان مريضاً أو مسافراً فلا يصمه بمعنى لم يكتب عليه الصوم. فالاِتيان بقوله: «فمن كان مريضاً» بعد قوله: «فمن شهد منكم الشهر» هو الصوم وحكم غير الشاهد هو الاِفطار دليل على أنّ اللّه سبحانه بصدد بيان حكم الشاهد للشهر، فيصبح الاِفطار عزيمة.

ثم إنّه سبحانه ذكر جملاً ثلاث:


(279)

أ ـ « يريد اللّه بكم اليسر ولا يريد بكم العسر».

وهو بيان لحكمة رفع الصيام عن الاَصناف الثلاثة أي أُمروا بالاِفطار لاَجل اليسر ودفع العسر، حتى من غير فرق بين المريض والمسافر ومن يشق عليه الصيام.

ب ـ «ولتكملوا العدة»:

وهو راجع إلى القضاء للمريض وللمسافر أي أنّ الموضوع عنهما هو حكم الصيام في شهر رمضان ،وأمّا القضاء بعدد الاَيّام المعدودات فلا.

ج ـ «ولتكبّروا اللّه على ما هداكم لعلّكم تشكرون»:

الجملة غاية أصل الصيام وليست غاية للاستثناء واللّه سبحانه يطلب من عباده تكبيره في مقابل هدايتهم حتى يكونوا شاكرين لنعمه.

هذا تفسير الآيات الثلاث حسب ما يوحيه ظاهرها، وقد تعرفت على أنّ القائل بالعزيمة والرخصة يتمسّكان بهما وأنّ المتبادر هو العزيمة لا غير.

وأمّا الروايات فسنعالجها عند البحث عن أدلّة القائل بالرخصة. ومن حسن الحظ أنّه هناك روايات متضافرة عن أئمة أهل البيت صريحة في كون أنّ إفطار الصنفين عزيمة كما أنّ هناك روايات متضافرة عن طريق أهل السنّة تنتهي أكثرها إلى النبي الاَكرم صريحة في كون الاِفطار لهما عزيمة، والشارع بكتابه وعمل نبيه في كراع الغميم أبان الحقّ وبيّن أنّ الاَفطار عزيمة وأنّ الصوم معصية ومن صام فقد عصى، وسمّى المتخلّفين بالعصاة ولو كان هناك تخيير بين الصوم والاِفطار فقد كان قبل عام الفتح وقضى عليه التشريع الاَحدث كما سيوافيك بيانه.


(280)

الثاني: الاستدلال على العزيمة بالسنّة :

تضافرت السنّة المتواترة الواردة من طرق الشيعة والسنّة على أنّ الاِفطار في السفر عزيمة، ونذكر من كل من الفريقين أحاديث عشرة.

فقد ورد من طرق الشيعة أحاديث كثيرة تدل على وجوب الاِفطار في السفر وعدم صحة الصوم من المسافر نذكر منها ما يلي:

1 ـ ما رواه الكليني بسنده عن الزهري عن علي بن الحسين ( عليه السلام ) في حديث:

قال: وأمّا صوم السفر والمرض فإنّ العامّة قد اختلفت في ذلك، فقال قوم: يصوم، وقال آخرون: لا يصوم، وقال قوم: إن شاء صام وإن شاء أفطر، وأمّا نحن فنقول: يُفْطر في الحالين جميعاً، فإن صام في حال السفر أو في حال المرض فعليه القضاء، فإنّ اللّه عزّ وجلّ يقول: «فَمَن كانَ مِنكُم مَريضاً أو على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّام ٍ أُخر» فهذا تفسير الصيام» (1).

2 ـ روى الكليني بسنده عن زرارة عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال: «سمّى رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قوماً صاموا حين أفطر وقصّر: عُصاة، وقال: هُم العصاةُ إلى يوم القيامة، وإنّا لنعرف أبناء أبنائهم إلى يومنا هذا». ورواه الشيخ الطوسي بإسناده عن محمد بن يعقوب، ورواه الصدوق بإسناده عن حريز مثله (2).

3 ـ روى أيضاً بسنده عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه ( عليه السلام ) قال: سمعته يقول: قال رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : «إنّ اللّه عزّ وجلّ تصدّق على


(1)الاِمام عبده : المنار: 2|158.
(2)وسائل الشيعة، الباب1 من أبواب من يصح منه الصوم، الحديث2.


(281)

مرضى أُمتي ومسافريها بالتقصير والاِفطار، أيسرّ أحدكم إذا تصدق بصدقة أن تُردَّ عليه» (1).

4 ـ روى الكليني بسنده عن يحيى بن أبي العلاء عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال:« الصائم في السفر في شهر رمضان كالمفطر فيه في الحضر» ثم قال: «إنّ رجلاً أتى النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فقال: يارسول اللّه، أصوم شهر رمضان في السفر؟ فقال: لا، فقال: يارسول اللّه، إنّه عليّ يسير، فقال رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : إنّ اللّه عزّ وجلّ تصدّق على مرضى أُمتي ومسافريها بالاِفطار في شهر رمضان،أيُعجبُ أحدكم لو تصدق بصدقة أن ترد عليه».

ورواه الصدوق والشيخ مثله (2).

5 ـ روى الكليني بسنده عن أبان بن تغلب عن أبي جعفر ( عليه السلام ) قال: «قال رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : خيار أُمتي الذين إذا سافروا أفطرُوا وقصّروا ... » (3).

6 ـ روى الكليني بسنده عن عيص بن القاسم، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «إذا خرج الرجل في شهر رمضان مسافراً أفطر» وقال: «إنّ رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) خرج من المدينة إلى مكة في شهر رمضان ومعه الناس وفيهم المشاة فلمّا انتهى إلى كراع الغميم دعا بقدح من ماء فيما بين الظهر والعصر فشربه وأفطر، ثم أفطر الناس معه وتمّ ناس على صومهم فسمّاهم العصاة، وإنّما يوَخذ بآخر أُمور رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) »(4).


(1)المصدر نفسه: الحديث3.
(2) وسائل الشيعة، الباب1 من أبواب من يصح منه الصوم، الحديث4.
(3)المصدر نفسه الحديث5.
(4)المصدر نفسه الحديث6.


(282)

7 ـ روى أيضاً بسنده عن عبيد بن زرارة قال: قلت لاَبي عبد اللّه (عليه السّلام) : «قوله عزّ وجلّ «فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهرَ فَليَصُمهُ» قال: ما أبينها، من شهد فليصمه، ومن سافر فلا يصمه». ورواه الصدوق أيضاً (1).

8 ـ روى الشيخ الطوسي بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن صفوان بن يحيى، عن أبي الحسن ( عليه السلام ) أنّه سئل عن الرجل يسافر في شهر رمضان فيصوم؟ قال:« ليس من البر الصوم في السفر» (2).

9 ـ روى الصدوق قال: قال الصادق ( عليه السلام ) «ليس من البر الصيام (الصوم) في السفر» (3).

10 ـ وروى أيضاً بإسناده عن السكوني عن جعفر بن محمد عن أبيه ( عليهما السلام ) قال: «قال رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : إنّ اللّه عزّ وجلّ أهدى إليّ وإلى أُمتي هدية لم يُهدِها إلى أحد من الاَُمم كرامة من اللّه لنا، قالوا: وما ذلك يارسول اللّه؟ قال: الاِفطار في السفر، والتقصير في الصلاة، فمن لم يفعل ذلك فقد ردّ على اللّه عزّ وجلّ هديته» (4).

وقد مرّ أنّ هدية اللّه واجب القبول على المسلم، لاَنّ ردّها على خلاف مقتضى العبودية وهو من المحرّمات فيكون الصوم في السفر باعتباره به رداً عملياً لهدية اللّه من المحرمات.

ونقتصر من الكثير بالقليل ونأتي بما رواه أهل السنة.


(1)المصدر نفسه الحديث7.
(2)وسائل الشيعة، الباب1 من أبواب من يصح منه الصوم، الحديث8.
(3)المصدر نفسه: الحديث10.
(4)المصدر نفسه: الحديث11.


(283)

ما رواه أهل السنّة في مجال الاِفطار:

1 ـ ما جاء في الصحيحة عن جابر بن عبد اللّه(رض) قال: كان رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في سفر فرأى زحاماً ورجلاً قد ظلّل عليه، فقال:« ما هذا»؟ فقالوا: صائم، فقال: «ليس من البرّ الصوم في السفر». ولفظ الحديث في صحيح مسلم: ليس البرّ أن تصوموا في السفر (1).

لا شكّ أنّ المقابل للبرّ هو الاِثم لقوله تعالى: «وتَعاوَنُوا عَلَى البِرَّ وَالتَّقوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الاِثمِ والعُدوان» (المائدة ـ 2) فإذا لم يكن الصوم في السفر برّاً فهو إثم، والذي يبين إطلاق النهي من غير اختصاصه بصورة الحرج هو أنّ مثل هذا الحديث قد صدر عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في غير هذا المورد، وهو ما رواه النمر بن تولب عن الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وفقاً للهجة حمير وطيء الذين يبدلون لام التعريف بالميم حيث قال ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : «ليس من امبر امصيام في امسفر» (2)ويقال: إنّ السائل سأله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بقوله: امن امبر امصيام في امسفر؟ فأجابه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) طبقاً للغته:« ليس من امبر امصيام في امسفر» فإذا لم يكن برّاً فهو إثم لا محالة إذ لا ثالث لهما. ومن المعلوم أنّ الاَمر العبادي إذا انطبق عليه عنوان الاِثم يكون محرماً والمحرّم لا يكون مقرّباً ويكون باطلاً محتاجاً إلى القضاء.

ولك أنّ تستظهر مفاد الحديث من الآيات التي تنفي بعض الاَشياء أن يكون من مصاديق البرّ.

يقول سبحانه: «ليسَ البِـرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُم قِبَلَ المَشـرِقِ والمَغرِب...» (البقرة |177).


(1)المصدر نفسه: الحديث12.
(2)البخاري: الصحيح :3|44، مسلم: الصحيح: 7|233.


(284)

وقوله:«لَيْسَ البِرَّ أنْ تَأْتُوا البُيوتَ مِنْ ظُهُورِها...» (البقرة |189).

ونفي البرّ كناية عن سقوطه عن القيمة والوزن في مجال التشريع لو لم نقل إنّه يكون محرماً، لكونه تشريعاً وإدخالاً في الدين ما ليس منه.

ورواية جابر، وإن كانت واردة في من وقع في حرج شديد، ولكن المورد غير مخصص وذلك لاَنّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ضرب قاعدة كلية وحكم بأنّ كل صيام في السفر ليس ببر والحجّة هي القاعدة والمورد من أحد مصاديقها، ويشهد لما ذكرنا أنّ الصيام المقارن للحرج الشديد والضرر العظيم محرّم على المسافر والحاضر، فعلم أنّ النهي لاَجل صيامه في السفر لا لوقوعه في حرج شديد لما عرفت من عدم مدخلية للسفر فيما إذا كان مقارناً للحرج والضرر، فتأكيد النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) على السفر يبيّـن أنّ الموضوع للحرمة هو السفر لا الحرج.

قال ابن حزم: «فإن قيل: إنّما منع عليه السلام في مثل حال ذلك الرجل قلنا: هذا باطل لا يجوز، لاَنّ تلك الحال محرم البلوغ إليها باختيار المرء للصوم في الحضر كما هو في السفر، فتخصيص النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بالمنع من الصيام في السفر إبطال لهذه الدعوى المفتراة عليه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وواجب أخذ كلامه ( عليه السلام ) على عمومه» (1).

2 ـ وما رواه الاِمام أحمد من طريق سفيـان بن عيينة ،عن الزهري، عن صفوان بن عبد اللّه بن صفوان، عن أُم الدرداء، عن كعب بن عاصم الاَشعري قال: سمعت رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يقول:« ليس من البر الصيام في السفر» (2)‌ .

وروى ابن ماجة مثل ذلك عن ابن عمر وقال في الزوائد: اسناد حديث ابن


(1)راجع ابن الاَثير: النهاية: مادة برور ،لسان العرب: مادة برر ومغني اللبيب: 1|48: حرف الهمزة أم نعم لم يرد في هذه المصادر سوَال وإنّما ورد الجواب.
(2)ابن حزم: المحلى: 6|254.


(285)

عمر صحيح، لاَنّ محمد بن المصفى، ذكره ابن حبّان في الثقات، وثّقه مسلمة والذهبي في الكاشف وقال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: صالح وباقي رجال الاسناد على شرط الشيخين (1).

3 ـ ما رواه مسلم عن عبد اللّه بن عباس أنّ رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) خرج عام الفتح في رمضان فصام حتى بلغ الكديد ثم أفطر، قال: وكان صحابة رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يتّبعون الاَحدث فالاَحدث من أمره (2) .

4 ـ وعن ابن شهاب بهذا الاِسناد مثل حديث الليث، قال ابن شهاب: فكان يتبعون الاَحدث فالاَحدث من أمره ويرونه الناسخ المحكم (3).

يستفاد من هذين الحديثين أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان يصوم في السفر ثم نسخ ذلك فأمر بالاِفطار، فالاَمر بالاِفطار ناسخ محكم ولا يجوز لنا اتباع المنسوخ بعد مجيء الناسخ.

كما يمكن أن يستفاد هذا النسخ من بعض أحاديث أئمة أهل البيت فقد روي عن الاِمام الصادق ( عليه السلام ) في تفسير قوله سبحانه: «مَن كانَ مَريضاً أو عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّام ٍ أُخر» أنّه قال: لم يكن رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يصوم في السفر تطوعاً ولا فريضة منذ نزلت هذه الآية بكراع الغميم عند صلاة الهجير، فدعا رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بإناء فشرب وأمر الناس أن يفطروا فقال قوم: لو تممنا يومنا هذا، فسمّاهم النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) العصاة، فلم يزالوا يسمّون بذلك الاسم حتى قبض عليه السلام(4).

فإنّ المفهوم من قوله: «لم يكن رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يصوم في السفر ... منذ نزلت


(1)أحمد بن حنبل: المسند: 5|434، سنن ابن ماجة: 1|532 الحديث1664.
(2)سنن ابن ماجة: 1|532: الحديث 1665.
(3)صحيح مسلم: 7|229.
(4)صحيح مسلم: 7|229.


(286)

هذه الآية» هو أنّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كان يصوم قبل نزول الآية.

5 ـ وروى مسلم عن جابر بن عبداللّه (رض) أنّ رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان فصام حتى بلغ كراع الغميم فصام الناس، ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس إليه، ثم شرب فقيل له بعد ذلك: إنّ بعض الناس قد صام؟ فقال: «أُولئك العصاة، أُولئك العصاة» (1) .

وهذا الحديث صريح في أنّ الصوم في السفر معصية لا تجوز

6 ـ وروى ابن ماجة عن عبد الرحمن بن عوف، قال: قال رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : «صائم رمضان في السفر كالمفطر في الحضر» (2).

7 ـ وروى أيضاً عن أنس بن مالك، رجل من بني عبد الاَسهل (وقال علي بن محمد: من بني عبد اللّه بن كعب) قال: أغارت علينا خيل رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، فأتيت رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وهو يتغدى فقال: «أدنُ فكل» قلت: إنّي صائم. قال: «أُجلس أحدّثك عن الصوم أو الصيام. إنّ اللّه عزّ وجلّ وضع عن المسافر شطر الصلاة ،وعن المسافر والحامل والمرضع، الصوم أو الصيام». واللّه لقد قالهما النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) كلتاهما أو إحداهما. فيالهف نفسي. فهلا كنت طعمت من طعام رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) (3).

فالوضع بمعنى الرفع وهو كناية عن عدم التشريع ومن المعلوم أنّ أيّ عمل عبادي ليس له رصيد في التشريع يكون باطلاً.

8 ـ روى أنّ دحية الكلبي خرج من قرية من دمشق إلى قدر ثلاثة أميال في رمضان ثم إنّه أفطر وأفطر معه أُناس وكره آخرون أن يفطروا، فلمّا رجع إلى قريته،


(1)الراوندي: فقه القرآن: في ضمن سلسلة الينابيع الفقهية:6|217.
(2)مسلم: الصحيح: 7|232.
(3)ابن ماجة: السنن: 1|532، الحديث 1666.


(287)

قال: واللّه لقد رأيت اليوم أمراً ما كنتُ أظّن أنّي أراه، إنّ قوماً رغبوا عن هدى رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يقول ذلك للّذين صاموا قبلُ، رواه أبو داود (1) .

ياتُرى فهل يمكن أن يتعجب مثل دحية الكلبي عن قوم لم يفعلوا شيئاً إلاّ أنّهم أخذوا بالرخصة في الصوم سفراً؟

فتعجبه وتأوّهه هذا ينبي عن أنّهم كانوا مخالفين لسنّة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وهذا يعرب عن أنّ الاِفطار كان هو السائد على الاَوساط الاِسلامية ولو كان أمراً جائزاً لما كان لتعجبه وجه.

9 ـ قال البخاري في «باب من أفطر من السفر ليراه الناس» وساق الحديث عن ابن عباس قال: خرج رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) من المدينة إلى مكة فصام حتى بلغ عسفان، ثم دعا بماء فرفعه إلى يديه ليريه الناس فأفطر حتى قدم مكة وذلك في رمضان (2).

10 ـ ما نقله الخطابي في أعلام التنزيل عن ابن عمر أنّه قال: لو صام في السفر قضى في الحضر (3).

إلى هنا تم الكلام حول أدلّة القائلين بكون الاِفطار في السفر عزيمة، وإليك أدلّة القائلين بخلاف ذلك.

* * *

أدلّة القائلين بكون الاِفطار رخصة :

استدلّ القائلون بكون الاِفطار في السفر رخصة لا عزيمة بدليلين من الكتاب والسنّة.


(1)المصدر نفسه: 1|533، الحديث 1667.
(2)ابن قدامة: المغني: 2|93.
(3)البخاري: الصحيح: 3|44.


(288)

أمّا الكتاب فقوله تعالى: «أيّاماً مَعدوداتٍ فَمَنْ كانَ مِنكُمْ مَريضاً أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أيّامٍ أُخَرَ وَعَلى الّذِينَ يُطِقُونَهُ فِديَةٌ طَعامُ مَسكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيراً فَهُوَ خَيرٌ لَهُ وأن تَصُومُوا خَيرٌ لَكُمْ إنْ كُنتُم تَعلَمُون»(البقرة ـ 184).

تقريبه :

إنّ قوله «وأن تصوموا خير لكم» راجع إلى المسافر فهو يدلّ مضافاً إلى جواز الصيام في السفر، يدلّ على أفضليته فيه وينتج أنّ الاِفطار رخصة والصيام أفضل.

يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ الاستـدلال إنّما يتم لو لم نقـل بأنّ الآية الثانية «شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن ...» ناسخة للآية المتقدمة برمتها ومنها قوله: «وأن تصوموا خير لكم». وإلاّ فعلى القول بالنسخ كما رواه الاِمام البخاري يسقط الاستدلال وإليك ما روى: قال: (باب وعلى الذين يطيقونه فدية) قال ابن عمر وسلمة بن الاَكوع: نسختها «شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر...» (1).

وثانياً: أنّ الاستدلال مبني على أن لا يكون قوله سبحانه: «وأن تصوموا خير لكم» ناسخاً لقوله: «وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيراً فهو خير له » كما رواه الاِمام البخاري عن ابن أبي ليلى أنّه حدّثه أصحاب محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : نزل رمضان فشق عليهم فكان من أطعم كل يوم مسكيناً ترك الصوم ممّن يطيقه ورخص لهم في ذلك فنسختها: «وأن تصومـوا خير لكم»فأُمروا بالصوم (2).


(1)الفخر الرازي: التفسير الكبير: 5|76.
(2)البخاري: الصحيح: 3|44.


(289)

إذ على هذا التفسير لا صلة بالمنسوخ والناسخ بالمسافر، بل كلاهما ناظران إلى الحاضر فقد كان من يطيقه تاركاً للصوم مقدماً للفدية فنزل الوحي وأمرهم بالصوم، فأيّ صلة له بالموضوع (1).

وثالثاً: مع غض النظر عمّـا سبق من الاَمرين وتسليم أنّ الآية ليس فيها نسخ ـ كما هو الحقّ على ما قدمناه في صدر البحث ـ نقول: إنّ قوله «وأن تصوموا خير لكم» حض على الصيام ودعوة إلى تلك العبادة من غير نظر إلى المريض والمسافر والمطيق وإنّما هو خروج عن الآية بإعطاء بيان حكم كلّـي وهو أنّ الصيام خير للموَمنين وليس عليهم أن يتخلّوا عنه لاَجل تعبه.

ولاَجل ذلك يقول:« إن كنتم تعلمون».

قال العلاّمة الطباطبائي: «قوله تعالى: «وأن تصوموا خير لكم ان كنتم تعلمون» جملة متمّمة لسابقتها، والمعنى بحسب التقدير: تطوّعوا بالصوم المكتوب عليكم فإن التطوّع بالخير خير والصوم خير لكم فالتطوّع به خير، على خير وربما يقال: إنّ الجملة، أعني: قوله: «وأن تصوموا خير لكم» خطاب للمعذورين دون عموم الموَمنين المخاطبين بالعرض والكتابة، فإنّ ظاهرها رجحان فعل الصوم غير المانع من الترك فيناسب الاستحباب دون الوجوب، ويحمل على رجحان الصوم واستحبابه على أصحاب الرخصة. ومن المريض والمسافر فيستحب لهم اختيار الصوم على الاِفطار والقضاء.

ويرد عليه: عدم الدليل عليه أوّلاً، واختلاف الجملتين، أعني قوله: «فمن كان منكم» قوله: «وأن تصوموا خير لكم»، بالغيبة والخطاب ثانياً، وأنّ الجملة الاَُولى (ليست) مسوقة لبيان الترخيص والتخيير، بل ظاهر قوله: «فعدّة من أيّام أُخر» تعيّن الصوم في أيّام أُخر كما مر ثالثاً، وإنّ الجملة الاَُولى على تقدير ورودها لبيان الترخيص في حقّ المعذور لم يذكر الصوم والاِفطار حتى يكون قوله: «وأن


(1)البخاري: الصحيح: 3|45: باب وعلى الذين يطيقونه فدية.


(290)

تصوموا خير لكم» بياناً لاَحد طرفي التخيير، بل إنّما ذكرت صوم شهر رمضان وصوم عدة من أيام أُخر وحينئذ لا سبيل إلى استفادة ترجيح صوم شهر رمضان على صوم غيره من مجرد قوله: «وأن تصوموا خير لكم» من غير قرينة ظاهرة رابعاً، وإنّ المقام ليس مقام بيان الحكم حتى ينافي ظهور الرجحان كون الحكم وجوبياً بل المقام ـ كما مر سابقاً ـ مقام بيان ملاك التشريع وإنّ الحكم المشرَّع لا يخلو عن المصلحة والخير والحسن كما في قوله: «فَتُوبُوا إلى بارِئِكُم فَاقْتُلُوا أنفُسَكُم ذلِكُم خَيرٌ لَكُم» (البقرة | 54) وقوله تعالى: «فَاسعَوا إلى ذِكرِ اللّهِ وَذَرُوا البَيعَ ذلِكُم خَيرٌ لَكُم» (الجمعة ـ 9) وقوله تعالى: «تُوَمِنُونَ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبيلِ اللّهِ بِأَموالِكُم وَأَنفُسِكُم ذلِكُم خَيرٌ لَكُم إن كُنتُم تَعلَمُون»(الصف ـ 11) والآيات من ذلك كثيرة خامساً (1).

* * *

أدلة القائل بالرخصة من السنّة :

هذا وقد استدل القائل بالرخصة ببعض الروايات، وهي بين قاصرة سنداً أو قاصرة دلالة، وإليك دراستها برمتها وقبل أن نذكر النصوص نلفت نظر القارىَ إلى أُمور:

1 ـ إنّ البحث مركز على حكم صيام شهر رمضان في السفر، وإن الاِفطار عزيمة أو رخصة، وأمّا صيام غيره في السفر فخارج عن موضوع البحث.

2 ـ إنّ النبي الاَكرم أمر بالاِفطار في عام الفتح وكان الاَمر قبله على التخيير، فلو دلّ حديث على التخيير فإنّما يصح الاستدلال بها إذا ورد بعد عام الفتح، وإلاّ فالتخيير قبل الفتح ليس مورداً للنقاش.


(1)الطباطبائي: الميزان: 2|14.


(291)

3 ـ لو افترضنـا دلالّة الرّوايـات على التخيـير، فتقع المعارضة بين الاِمرة بالاِفطار والحاكمة على التخيير فلا بد من الرجوع بالمرجحات فما وافق الكتاب فهو الحجّة أوّلاً كما أنّ الاَكثر عدداً، أو ما كان رواتها أفقه وأعلم، فهو المقدم على غيره.

وعلى ضوء هذه الاَُمور ندرس الروايات المجوّزة للاَمرين ونقول: إنّ الروايات المجوّزة على أصناف:

أ ـ ما ليس بصريح في ورودها في شهر رمضان:

1 ـ ما رواه البخاري بسنده عن عائشة أنّ حمزة بن عمرو الاَسلمي قال للنبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : أأصوم في السفر؟ وكان كثير الصيام، فقال:«إنّ شئت فصم وإن شئت فافطر» (1).

يلاحظ عليه: أوّلاً: بأنّ التخيير بين الصوم والاِفطار المستفاد من الحديث ليس صريحاً ولا ظاهراً في صوم رمضان ولا الصوم الواجب، بل الظاهر هو الصوم المندوب بدليل قوله: «وكان كثير الصيام» وهذا لا يطلق إلاّ على المتطوع.

وثانياً: يحمل على ما قبل نسخ التخيير في السفر، فإنّه يستفاد من بعض الروايات كما مرّ أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فرض الاِفطار على المسافر في أمره الاَخير.

2 ـ ما رواه أيضاً بسنده عن أبي الدرداء ـ رضي اللّه عنه ـ قال: خرجنا مع النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في بعض أسفاره في يوم حار حتّى يضع الرجل يده على رأسه من شدة الحرّ وما فينا صائم إلاّ ما كان من النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وابن رواحة (2).

ويرد على الاستدلال ما ذكر في الاستدلال السابق مضافاً إلى احتمال أنّ


(1)البخاري: الصحيح: 3|43.
(2)البخاري: الصحيح: 3|43.


(292)

صوم النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وابن رواحة كان نذراً معيناً.

3 ـ ما رواه أيضاً بسنده عن أنس بن مالك قال: كنّا نسافر مع النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فلم يَعِب الصائمُ على المفطر ولا المفطر على الصائم (1).

يلاحظ عليه: بمثل ما قلناه في الحديثين السابقين مضافاً إلى أنّ الحديث لم يذكر فيه أنّ النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) علم بصيام بعضهم فسكت عنهم حتى يكون هذا التقرير حجّة علينا، وأمّا سكوت بعض الصحابة فلا يكون حجّة علينا لعدم إجماعهم على التخيير بين الصوم والاِفطار في السفر كما ذكرنا، ولو حصل إجماع فهو ليس حجّة، لاَنّ القائل بحجية إجماع الصحابة إنّما قال به بعد وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأمّا قبل وفاته ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فلم يجمعوا على القول بالرخصة ولا العزيمة كما بيّنا.

4 ـ ما رواه مسلم بسنده عن طاووس عن ابن عباس ـ رضى اللّه عنهما ـ قال: لا تَعب على من صام ولا على من أفطر قد صام رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في السفر وأفطر (2).

ويلاحظ على الاستدلال بما ذكرناه من أنّه ليس صريحاً في شهر رمضان.

5 ـ ما رواه أيضاً بسنده عن حمزة بن عمرو الاَسلمي ـ رضي اللّه عنه ـ أنّه قال: يارسول اللّه أجد بي قوّة على الصيام في السفر فهل عليّ جناح؟ فقال رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : « هي رخصة من اللّه فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه» قال هارون في حديثه: هي رخصة ولم يذكر: من اللّه (3).

يلاحظ على الاستدلال بما ذكرناه سابقاً.

6 ـ ما روي عن علي أنّه صام في سفر، لاَنّه كان راكباً، وأفطر سعد مولاه لاَنّه كان ماشياً (4).


(1)البخاري: الصحيح: 3|44.
(2)مسلم: الصحيح: 7|232.
(3)مسلم: الصحيح: 7|238.
(4)ابن حزم: المحلى: 6|247.


(293)

ويحمل هذا على التطوّع إذ ليس فيه أنّه كان صائماً في رمضان.

ب ـ ما يدلّ على لزوم الصوم لفقد شرط الاِفطار

1 ـ ما روي عن عبيدة السلماني عن علي بن أبي طالب قال: «من أدركه رمضان وهو مقيم ثم سافر بعد، لزمه الصوم لاَنّ اللّه تعالى قال: «فمن شهد منكم الشهر فليصمه» (1).

يلاحظ عليه: بأنّ الظاهر من الحديث أنّ المقيم إذا كان صائماً في رمضان فتجدّد له السفر ولم يبيّت نيّة السفر فعليه صوم ذلك اليوم وإن كان مسافراً، ومعنى الرواية اشتراط تبيّت نيّة السفر في الاِفطار، وأمّا إذا تجدّد السفر فعليه الصوم، والقول بالصوم في مثله، لا يضر بكون الاِفطار عزيمة لمن بيّت السفر من اللّيل.

2 ـ ما رواه أبو داود بسنده عن سلمة بن المحبق عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أنّه قال: «من كانت له حمولة يأوي إلى شبع فليصم رمضان حيث أدركه» (2).

يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ الحديث ظاهـر في حكم المكاري وهو دائم السفر، لاَنّ الحمولة ـ بالضم ـ هي الاَحمال، يعني أنّه يكون صاحب أحمال يسافر بها. ولا شك في أنّ المكاري كما قلنا يجب عليه الصوم ولا يمكن تسرية حكمة إلى غيره.

وثانياً: أنّ الحديث مخدوش من حيث السند.

قال ابن حزم: وأمّا حديث ابن المحبق: «من كان يأوي إلى حمولة أو شبع فليصم» فحديث ساقط ،لاَنّ رواية عبد الصمد بن حبيب ـ وهو بصري ـ ليس الحديث عن سنان بن سلمة بن المحبق وهو مجهول» (3).


(1)ابن حزم: المحلى: 6|247.
(2)مسند أبي داود: 2|292.
(3)ابن حزم: المحلى: 6|249.


(294)

ج ـ ما هو ضعيف سنداً لا يحتج به :

وهناك روايات ضعاف لا يصح الاحتجاج بها أو اجتهاد من الراوي ولا يمت إلى النبي بصلة، ولو افترضنا قوّة دلالتها وظهورها في شهر رمضان:

1 ـ ما روي عن العطريف بن هارون مرسلاً: أنّ رجلين سافرا فصام أحدهما وأفطر الآخر فذكرا ذلك لرسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فقال:« كلاكما أصاب» (1).

2 ـ وما روي مرسلاً عن أبي عياض: «أنّ رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أمر أن ينادي في الناس من شاء صام ومن شاء أفطر» (2).

يلاحظ على الاستدلال أولاً : أنّهما مرسلان ولا حجّة في مرسل.

وثانياً: أنّهما ليسا ظاهرين في رمضان، ويمكن حملهما على التطوع.

وثالثاً: يمكن حملهما على ما قبل نسخ التخيير والاَمر الاَخير ورد على الاِفطار في السفر.

3 ـ ما روى عن حمزة بن عمرو الاَسلمي أنّه قال: يارسول اللّه أجد بي قوّة على الصيام في السفر ؟فقال رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) «أي ذلك شئت ياحمزة» (3)

يلاحظ على الاستدلال بمثل ما ذكر في الحديث الاَوّل أوّلاً، وأنّ سند هذا الحديث ضعيف ثانياً. قال ابن حزم: «وأمّا حديث حمزة بن عمرو الذي ذكرناه ههنا الذي فيه إباحة الصوم في رمضان السفر، فأنّما هو من رواية ابن حمزة ـ ابنه محمد بن حمزة ـ وهو ضعيف وأبوه كذلك، وأمّا الثابت من حديث حمزة هو ما نذكره إن شاء اللّه تعالى» (4)وقد نقلناه فيما سبق عن البخاري ومسلم.


(1)ابن حزم: المحلى: 6|247.
(2)ابن حزم:المحلى: 6|248.
(3)ابن حزم: المحلى: 6|248.
(4)ابن حزم: المحلى: 6|250.


(295)

4 ـ ما روي عن عائشة أنّها كانت تصوم في السفر وتتم الصلوة (1).

يلاحظ عليه: أنّ صيام عائشة في السفر وإتمامها للصلاة كان اجتهاداً منها غير مستند إلى رواية فليس فيه حجّة علينا وذكروا لها تأويلات لاجتهادها، مرّ البحث عنها في مسألة القصر في الصلاة فلا نعيد.

د ـ ما هو غير دال على ما يتبنّاه المستدل

1 ـ ما رواه مسلم بسنده عن عبد اللّه بن عباس ـ رضي اللّه عنهما ـ أنّ رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) خرج عام الفتح في رمضان فصام حتى بلغ الكديد، ثم أفطر، قال: وكان صحابة رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يتبعون الاَحدث فالاَحدث من أمره (2).

قال النووي في شرحه: فيه دليل لمذهب الجمهور أنّ الصوم والفطر جائزان (3).

يلاحظ عليه: أنّ الحديث ظاهر في أنّ الاَمر الاَخير الذي بيّنه النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) هو الاِفطار فهو ناسخ للحكم السابق أي جواز الصوم في السفر ويدل عليه قوله: «كان صحابة رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يتبعون الاَحدث فالاَحدث من أمره» والمقصود من أمره الاَخير هو الاَمر بالاِفطار لما رواه مسلم بسنده عن الزهري: وكان الفطر آخر الاَمرين وإنّما يوَخذ من أمر رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بالآخر فالآخر. (4).

2 ـ وفي حديث آخر روى مسلم بسنده عن ابن شهاب، قال ابن شهاب: فكانوا يتبعون الاَحدث من أمره ويرونه الناسخ المحكم (5).


(1)ابن حزم: المحلى: 6|247.
(2)مسلم: الصحيح بشرح النووي: 7|230.
(3)مسلم: الصحيح بشرح النووي: 7|230.
(4)مسلم: الصحيح: 7|231.
(5)مسلم: الصحيح: 7|231.


(296)

فإذا كان الاَمر الاَخير الناسخ المحكم هو الاِفطار والاَمر يدل على الوجوب، فأيّ علاقة بمدعى القوم؟

وحصيلة البحث: أنّ هذه الروايات بينما هي غير صريحة في كون الصيام المرخص صيام شهر رمضان، بل من المحتمل أنّ المرخص صياماً نذرياً في غير شهر رمضان، وبينما هي صريحة في شهر رمضان لكن الاَمر بالصيام لاَجل فقدان الشرط اللازم للاِفطار ككون الرجل مكارياً أو غير مبيّت للصيام من اللّيل وبينما هو ضعيف سنداً لا يحتج به.

ولو افترضنا دلالة هذا الصنف برمته على أنّ الاِفطار رخصة فيقع التعارض بين الصنفين فيكون المرجع هو المرجحات المذكورة في باب التعادل والترجيح.

وأولى المرجحات هو موافقة الكتاب، ومن المعلوم أنّ الصنف الاَوّل يدعمه الكتاب وهو يرد الصنف الثاني لما عرفت من ظهور الكتاب في أنّ المفروض على الاَصناف الثلاثة هو القضاء من أوّل الاَمر لا الصيام، لكنّهم إذا أفطروا قضوا.

ثم بعد ذلك المرجح تأتي مرحلة سائر المرجحات، ومن المعلوم أنّ الصنف الاَوّل أصرح وأظهر دلالة بخلاف الصنف الثاني، وأنّ رواة الصنف الاَوّل أكابر الصحابة وأعلامها الذين لا يشق غبارهم فعند ذلك لا محيص للفقيه من أخذ الصنف الاَوّل ورفض الصنف الثاني وإرجاع علمه إلى أصحابه.



(297)

المسألة العاشرة:

1
روَية اللّه تعالى في الدارين

هذه هي المسألة العاشرة التي كان للمبتدعة فيها دور قويّ إلى حد إحلال البدعة مكان السنّة، والتشبيه محل التنزيه، فصارت روَية اللّه في الآخرة من العقائد الاِسلامية، واحتلّت مكاناً عالياً فيها إلى حدّ تكفير منكرها، وإن كان إنكارها لدليل واجتهاد.

ولاَجل رفع القناع عن وجهها، ندرسها ـ حيادياً ـ في ضوء الكتاب والسنّة والعقل الصريح الذي به عرفنا وجوده سبحانه، ولكن قبل الخوض في نقل الاَقوال، وإقامة البرهان، نذكر مقدمة موجزة، تتضمن سمات العقيدة الاِسلامية حتى يرجع إليها القارىَ عند الشك والتردد في جانب الاِيجاب والسلب للمسألة.

سمات العقيدة الاِسلامية:

إنّ للعقيدة الاِسلامية سمات وعلائم تتميز بها عن غيرها، ونذكر منها في المقام أُموراً ثلاثة:


(298)

1ـ سهولة العقيدة ويسرها:

العقيدة الاِسلامية لها سمات أوضحها أنَّها عقيدة سهلة يسرة فهمُها وتعلُّمها، وذلك لاَنّها عقيدة شمولية لا تختص بالفلاسفة والمتكلّمين والمفكِّرين، ولا يعني ذلك سذاجتَها وابتذالها وعدم خضوعها للبراهين العقلية، بل يعني أنّها في متانتها ورصانتها وخضوعها للبراهين والاَدلّة، بعيدة عن الاَلغاز والاِبهامات، فلو فسِّـرت وبُيّنت لَفهمها عامّة الناس حسب مستوياتهم، فهي بسمتها هذه في جبهة مخالفة لما تتبنّاه نصرانية اليوم والاَمس، فقد حاقتها إبهامات في العقيدة وألغاز في الدين، بحيث لم يتيسّـر لاَحد لحدِّ الآن حلُّ مشاكلها وتبيينها للمفكرين فضلاً عن عامّة الناس، فنأتي بنموذج:

إنّ المسلم إذا سئل عن معتقَده في التوحيد وصفاته وسماته يقول: «هو اللّه أحد، اللّه الصمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد» وقد جاء في الاَثر أنّ جماعة من أهل الكتاب سألوا النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وقالوا: إنسِب، لنا ربك فنزلت سورة التوحيد (2).

فالعقيدة الاِسلامية في هذا المجال واضحة المفاهيم، جليّة المعالم لا يكسوها إبهام ولا يسترها لغز فيخرج المسلم في مقام الوصف وتبيين العقيدة، مرفوع الرأس والهامة، إذ مع عقيدته براهينها الواضحة، يقف عليها من درس عقيدته.

وأمّا لو سئل النصراني في ذلك المجال، فإنّه يتلعثم في بيانها، فتارة يقول: إنّه واحد وفي الوقت نفسه ثلاثة، ثم يضيف: إنّه لا منافاة بين كون الشيء واحداً وكثيراً، ومن المعلوم أنّ هذه العقيدة يعلوها الاِبهام ويكسوها الاِجمال، لا تقبله الطباع السليمة إذ كيف نذْعن بأنّه سبحانه واحد لا نظير له ولا مثيل ولا ندّ، ولكنّه مع ذلك له أنداد ثلاثة وأمثال متعددة، فهذه العقيدة يناقض أولُها آخرها ويردّ آخرُها أوّلها، فهو سبحانه إمّا واحد لا نظير له وإمّا كثير له أمثال.


(1)الطبرسي: مجمع البيان: 5|564.


(299)

وقس على ذلك سائر المواضيع في العقيدة الاِسلامية، وقابلْها مع ما تقول سائر الشرائع فيها، ترى تلك السّمة بنفسها في العقيدة الاِسلامية ونقيضها في غيرها.

إنّ من العوامل التي ساعدت على انتشار الاِسلام بسرعة في مختلف الحضارات وتغلغله بين الاَوساط، اتّسامه بسهولة العقيدة ويسر التكليف.

يقول الاَُستاذ الشيخ محمد محمد المدني المغفور له:

يقول اللّه عزّ وجلّ في حضِّ العباد على التفكّر في خلقه وآثاره وما له من تصريف وتدبير: «إنَّ في خَلْقِ السَّمواتِ والاَرْضِ وَاخْتِلافِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لاَُولي الاَلبابِ» .

«قُلِ انْظُرُوا ماذا في السَّموات والاَرضِ»، «فَانُظُروا كَيفَ بَدأ الخَلقَ»، «انْظُرُوا إلى ثَمَرِهِ إذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ»، «فانْظُرْ إلَى آثارِ رَحْمَتِ اللّهِ كَيفَ يُحيِي الاَرضَ بَعدَ مَوتِها»، «قُلْ سِيرُوا في الاَرضِ ثمَّ انْظُرُوا»، «وفي أنفسِكُمْ أفَلا تُبصِـرونَ».

ويقول اللّه عزَّ وجلَّ في وصف نفسه، وإعلام المخلوقين بأنَّه فوق ما يعقلون أو يدركون: «وَهوَ القاهِرُ فوقَ عبادهِ وهو الحكيمُ الخبيرُ»، «ليسَ كمثلِهِ شيءٌ وهوَ السَّميعُ البصيرُ»، «قُلْ هُوَ اللّهُ أحَدٌ* اللّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ * ولَم يَكُنْ لَهُ كُفُواً أحدٌ»، «وجَعَلُوا للّهِ شُرَكاءَ الجِنِّ وخَلَقَهُمْ وخَرَقُوا لَهُ بَنينَ وَبناتٍ بغَيرِ عِلمٍ سُبحانهُ وتَعالى عَمّا يَصفونَ * بَديعُ السَّمواتِ والاَرضِ أَنّى يكونُ لَهُ ولَدٌ ولَم تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وخَلَقَ كُلَّ شَيءٍ وهُوَ بِكلِّ شَيءٍ عَليمٌ * ذلكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إلهَ إلاّ هُوَ خالقُ كلِّ شَيءٍ فَاعْبُدُوهُ وهوَ عَلى كُلِّ شَيءٍ وَكِيلٌ * لا تُدْرِكُهُ الاَبصارُ وهُوَ يُدْرِكُ الاَبصارَ وهُوَ اللَّطيفُ الخَبيرُ » .

فالقرآن الكريم لم يأت لنا أبداً بشيء يفصح عن ذات اللّه تعالى من حيث الحقيقة والكنه، وإنّما هو يلفت دائماً إلى آثار اللّه في الخلق والتصريف (1).


(1)مجلة رسالة الاِسلام، العدد 49|50 ـ 51، القاهرة دار التقريب بين المذاهب الاِسلامية.


(300)

2ـ المطلوب في العقائد هو الاِذعان، وفي الاَحكام العمل:

وهناك أمر ثان نلفت إليه نظر القارىَ وهو الفرق الواضح بين العقيدة والاَحكام الشرعية العملية فإنّ المطلوب في الاَُولى، هو الاعتقاد الجازم ومن المعلوم أنّ الاِذعان بشيء رهن مقدّمات بديهية أو نظرية منتهية إليها حتى يستتبع اليقين والاِذعان، وهذا بخلاف الاَحكام الشرعية فإنّ المطلوب فيها هو العمل وتطبيقها في مجالات الحياة، من دون التوقف على الاِذعان بقطعيتها وصدورها عن الشارع. وهذا الفرق بين العقائد والاَحكام يجرّنا إلى التأكّد من صحة الدليل وإتقانه أو ضعفه وبطلانه في مجال العقائد أكثر من الاَحكام، ولذلك نرى أئمّة الفقه يعملون بأخبار الآحاد في مجال الاَحكام والفروع العملية ولا يشترطون إفادتها القطع واليقينَ، وهذا بخلاف العقائد فبما أنّ المطلوب فيها هو عقد القلب ورسوخ الفكرة في القلب والنفس، يرفضون خبر الآحاد في ذلك المجال ويشترطون تواتر النص أو استفاضته إلى حدّ يورث العلم.

3ـ خضوعها للبرهان العقلي:

وهناك أمر ثالث وراء هذين الاَمرين وهو أنّه لا يمكن لباحث إسلامي يريد تبيين العقائد الاِسلامية بأُسلوب علمي رائع، أن يرفض العقل بتاتاً ويقتنع بالنصوص وذلك لاَنّ الاَخذ بالنص رهن ثبوت أُصول موضوعية قبله، عليها تبتنى نبوّة الرسول الاَكرم وحجّية قوله، فما لم يثبت للعالم صانع حكيم باعث للاَنبياء والرسل لهداية الناس مدعمهم بالمعجزات والبيّنات لا تثبت نبوة الرسول الاَعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وحجية كلامه في مجال العقيدة، وكيف لنا أن نعتمد في مجال العقائد على النصوص الشرعية حتى في إثبات الصانع ونبوّة رسوله فإنّه مستلزم للدور المحال.


(301)

وهذا هو الذي يفرض علينا أن لا نصكّ أذاننا عن صوت العقل ونقف على أنّ العمود الفقري للعقائد التي يبنى عليها صَرح النبوة المحمدية ( صلى الله عليه وآله وسلم ) هو اتّباع العقل ودلالته، ولذلك نرى أنّ الكتاب العزيز يتوصل في إثبات هذا الاَصل من الاَُصول بدلالة العقل وإرشاده، فيستدلّ على أُصول التوحيد بقضاء العقل ويتكلّم باسم العقل ويقول: «لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلاّ اللّهُ لَفَسَدَتا فَسُبحانَ اللّهِ رَبِّ العَرشِ عَمّـا يَصِفُونَ» (الاَنبياء |22) فيستدل على توحيده ونفي الاِله المتعدّد بقضية شرطية وهي ترتّب الفساد في الكون على تعدد الآلهة.

ويقول سبحانه: «مَا اتَّخذَ اللّهُ مِنْ وَلَدٍ وما كانَ مَعَهُ مِنْ إلهٍ إذاً لَذَهبَ كُلُّ إلهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلا بَعضُهُمْ عَلى بَعضٍ سُبحانَ اللّهِ عَمّـا يَصِفُونَ» (الموَمنون|91).

ويقول سبحانه: «قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إذاً لاَبْتَغَوْا إلى ذِي العَرشِ سَبيلاً» (الاِسراء |42)، فالآيات الثلاث على اختلافها في الاِجمال والتفصيل تحتوي برهاناً مشرقاً خالداً على جبين الدهر.

ويقول سبحانه: «أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيرِ شَـيءٍ أَمْ هُمُ الخالِقُونَ» (الطور|35) فيستمد من الفطرة في إبطال وجود الممكن وتحقّقه بلا علّة وصانع.

نرى أتقن البراهين وأوضحها في إبطال ربوبية الاَجرام السماوية من خلال مناظرة إبراهيم الخليل ( عليه السلام ) مع عبدتها فيستدل بالاَُفول على بطلان ربوبيتها ضمن آيات، قال سبحانه: «وكذلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكوتَ السَّمواتِ والاَرضِ وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ * فَلَمّا جَنَّ عَلَيهِ الَّيْلُ رَءَا كَوكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَما أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الآفِلينَ * فَلَمّا رَءَا القَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمّـا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَـمْ يَهْدِنِـي رَبِّي لاَََكُونَنَّ مِنَ القوم الضّالِّينَ * فَلَمّا رَءَا الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا ربِّي هذا أكْبَرُ فَلَمّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوم إِنّي بَرِيءٌ ممّا تُشْرِكُونَ * إنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمواتِ والاَرضَ حَنِيفاً وما أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ» (الاَنعام |75ـ 79) .


(302)

فقد بلغ الخليل النهاية في مجال المعرفة على وجه رأى ملكوت السموات والاَرض فأراه سبحانه ملكوتهما، أي كونهما قائمين باللّه سبحانه وما ذلك إلاّ ليكون موقناً ومذعناً لاَصول الوحيد، وما أراه ملكوت السموات والاَرض إلاّ بإلهامه البرهان الدامغ الذي أثبت به بطلان ربوبية الكوكب والقمر والشمس وانتهى في آخره إلى أنّه لا إله إلاّ هو، وقال بعد ذكر البراهين «إنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمواتِ والاَرضَ حَنِيفاً وما أَنَا مِنَ المُشْرِكِينَ» (الاَنعام|79) .

فهذه الآيات ونظائرها تكشف عن أصل مو ضوعي في الشريعة الاِسلامية، وهو أنّ الغاية من طرح الاَُصول العقائدية هي الوصول إلى الاِذعان واليقين لا التعبّد بها دون يقين، وهذا يفرض علينا أن نفتح مسامعنا لنداء العقل ودعوته خصوصاً في الاَُصول الاَولية التي تُبنى عليها نبوّة النبي الاَكرم، فمن حاول إعدام العقل ورفضه عن ساحة البحث، والاكتفاء بالنص فقد لعب على حبل خاسر إذ أنّ بديهة العقل تحكم بأنّ الاكتفاء بالسمع في عامّة الاَُصول مستلزم للدور وتوقف صحّة الدليل على ثبوت المدعى وبالعكس.

إنّ رفض العقل في مجال البرهنة على العقيدة عند بعض الفرق صار سبباً لتغلغل العقائد الخرافية بين لفيف من الطوائف الاِسلامية، وفي ظل هذا الاَصل أي إبعاد العقل عن الساحة دخلت أخبار التجسيم والتشبيه في الصحاح والمسانيد عن طريق مستسلمة الاَحبار والرهبان الذين تظاهروا بالاِسلام وأبطنوا اليهودية والنصرانية وخدعوا عقول المسلمين، فحشروا عقائدهم الخرافية بين المحدّثين والسُّذَّج من الناس اغتراراً بإسلامهم وصدق لهجتهم.

إنّ من مواهبه سبحانه للاِنسان أنّه أنار مصباح العقل في كل قرن وزمان ليكون حصناً أمام نفوذ الخرافات والاَوهام إلى ذهنه وفكره، وليميّز به الاِنسان الحقَّ عن الباطل فيما له فيه حقّ القضاء، وكلامنا هذا لا يعني إلى أنّ المرجع


(303)

الوحيد في العقيدة هو العقل دون الشرع وإنّما يهدف إلى أنّ اللَّبنات الاَوليّة لصرح المعتقد الاِسلامي يجب أن تكون خاضعة للبرهان غير مناقضة لحكم العقل.

نعم، بعد ما ثبتت الاَُصول الموضوعية في مجال العقيدة وثبتت في ظلها نبوّة النبيّ الاَكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يكون كل ما جاء به النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) حجّة في العقائد والاَحكام، لكن بشرط الوصول إلينا عن طريق مفيد للعلم، والاِذعان بأنّه ممّا صدر عن النبي الاَكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

وقد خرجنا في هذه المقدمة الموجزة بنتائج ثلاث:

الاَُولى: أنّ العقيدة الاِسلامية سهلة يسرة، لا تكلُّف في الاعتناق بها.

الثانية: أنّ المطلوب في العقائد هو الاِذعان وعقد القلب، وهذا لا يحصل إلاّ بعد ثبوت المقدمات المنتهية إليه وليس من شأن أخبار الآحاد، خلق اليقين والاِذعان ما لم يثبت صدورها عن مصدر الوحي على وجه القطع واليقين، بخلاف الاَحكام فإنّ المطلوب فيها هو العمل تعبّداً. ولا يتوقف على العلم بالصدور.

الثالثة: أنّ الاَُصول التي تبنى عليها ثبوت النبوّة لا تثبت إلاّ بالعقل دون الشرع.

ففي ضوء هذه النتائج الثلاثة ندرس فكرة روَية اللّه تعالى يوم القيامة التي أوجدت ضجّة في الآونة الاَخيرة بين المفكّرين الواعين ومقلدة أخبار الآحاد والمخدوعين بالاِسرائيليات من الروايات وسوف تقف على حقيقة الاَمر بإذنه سبحانه.


(304)

2
التجسيم، والتشبيه، والجهة، والروَية

أفكار مستوردة وبدع يهوديّة

لمّا انتشر الاِسلام في الجزيرة العربية وضرب بجرانه أراضيها، ودخل الناس في الاِسلام زرافاتٍ ووحدانا، لم تجد اليهود والنصارى المتواجدين فيها محيصاً إلاّ الاستسلام فدخلوا فيه متظاهرين به، غير معتقدين غالباً إلاّ من شملتهم العناية الاِلهية منهم وكانوا قليلين، ولكن الاَغلبية الساحقة منهم خصوصاً الاَحبار والرهبان، بقوا على ما كانوا عليه من العقائد السابقة.

وبما أنّهم كانوا من أهل الكتاب عارفين بما في العهدين من القصص والحكايات والاَُصول والعقائد، عمِدوا إلى نشرها بين المسلمين بخداع خاصّ، وبطريقة تعليميّة، وكانت السذاجة تغلب على عامّة المسلمين فتلقَّوهم علماء ربانيين، يحملون العلم فأخذوا ما يلقون، بقلب واع، ونيّة صادقة وبالتالي نشروا في هذا الجو المساعد كلَّ ما عندهم من القصص الاخرافية والعقائد الباطلة، خصوصاً فيما يرجع إلى التجسيم والتشبيه وتصغير الاَنبياء في أنظار المسلمين بإسناد المعاصي الموبقة إليهم، والتركيز على القدر وسيادته في الكون على كل شيء حتى على إرادة اللّه سبحانه ومشيئته، ولم تكن روَية اللّه بأقلّ ممّا سبق في تركيزهم


(305)

عليها، فما ترى في كتب الحديث قديماً وحديثاً من الاَخبار الكثيرة حول التجسيم، والتشبيه، والقدر السالب للاختيار والروَية ونسبة المعاصي إلى الاَنبياء، فكل ذلك من آفات المستسلمة من اليهود والنصارى فقد حسبها المسلمون حقائق راهنة وقِصصاً صادقة، فتلقَّوها بقبول حسن نشرها السلف بين الخلف واستديم الاَمر على ذلك.

ومن العوامل التي فسحت المجال للاَحبار والرهبان لنشر ما في العهدين بين المسلمين حظر تدوين حديث الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ونشره ونقله والتحدّث به أكثر من مائة سنة، فأوجد الفراغ الذي خلّفه هذا العمل أرضيه مناسبة لظهور بدع يهودية ونصرانية وسخافات مسيحية وأساطير يهودية خصوصاً من قبل كهنة الرسول ورهبان النصارى.

كان التحدّث بحديث الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أمراً مكروهاً بل محظوراً من قبل الخلفاء إلى عصـر عمر بن عبد العزيز (19 ـ 101 هـ) بل إلى عصـر المنصور العباسي (143هـ) ولكن كان المجال للتحدّث بالاَساطير من قبل هوَلاء أمراً مسموحاً به، وهذا هو تميم بن أوس الداري من رواة الاَساطير وقد أسلم سنة تسع للهجرة، وهو أوّل من قصّ بين المسلمين واستأذن عمر أن يقصّ على الناس قائماً، فأذن له وكان يسكن المدينة ثم انتقل إلى الشام بعد قتل عثمان (1).

فإذا سَمحت الظروف بمثل هذا الكتابي أن يتحدّث بما تعلّم في حياته السابقة ومنعت عن التحدّث بحديث الرسول كان المجال خصباً لنشر الاَساطير والعقائد الخرافية.

يقول الشهرستاني: «وضع كثير من اليهود الذين اعتنقوا الاِسلام أحاديث


(1)ابن عبد البر: الاستيعاب في هامش الاِصابة، وابن حجر: الاِصابة: 1|189، والجزري: أُسد الغابة: 1|215، والمتقي الهندي: كنز العمال: 1|281 برقم 29448.


(306)

متعدّدة في مسائل التجسيم والتشبيه وكلّها مستمدّة من التوراة» (1).

وهذا هو المقدسي يتكلّم عن وجود هذه العقائد بين عرب الجاهلية، يقول: وكان فيهم من كل ملّة ودين وكانت الزندقة والتعطيل في قريش، والمزدكية والمجوسية في تميم، واليهودية والنصرانية في غسان، وعبادة الاَوثان في سائرهم (2).

قال ابن خلدون: إنّ العرب لم يكونوا أهل كتاب ولا علم وإنّما غلبت عليهم البداوة والاَُمية، وإذا تشوّقوا إلى معرفة شيء ممّا تتوق إليه النفوس البشرية في أسباب المكوَّنات وبدء الخليقة وأسرار الوجود فإنّما يسألون عنه أهلَ الكتاب قبلهم، ويستفيدونه منهم وهم أهل التوراة من اليهود ومن تبع دينهم من النصارى مثل كعب الاَحبار ووهب بن منبه، وعبد اللّه بن سلام وأمثالهم فامتلاَت التفاسير من المنقولات عندهم وتساهلَ المفسرون في مثل ذلك وملاَوا كتب التفسير بهذه المنقولات، وأصلها كلّها كما قلنا من التوراة أو ممّا كانوا يفترون (3).

ولو أردنا أن ننقل كلمات المحققين حول الخسارة التي أحدثتها مستسلمة اليهود والنصارى لطال بنا الكلام وطال مقامنا مع القرّاء.

ومن أكابر أحبار اليهود الذين تظاهروا بالاِسلام هو كعب الاَحبار فقد خدع عقولَ المسلمين وحتى الخلفاء والمترجمين عنه من علماء الرجال. وقد أسلم في زمن أبي بكر وقدِمَ من اليمن في خلافة عمر فأخذ عنه الصحابة وغيرهم.

قال الذهبي: العلاّمة الحبر الذي كان يهودياً فأسلم بعد وفاة النبيّ وقدم المدينة من اليمن في أيام عمر (رض) وجالس أصحاب محمد فكان يحدّثهم عن الكتب الاِسرائيلية ويحفظ عجائب ـ إلى أن قال: ـ حدّث عنه أبو هريرة ومعاوية


(1)الشهرستاني: الملل والنحل: 1|117.
(2)المقدسي: البدء والتاريخ: 4|31.
(3)ابن خلدون: المقدمة | 439.


(307)

وابن عباس وذلك من قبيل رواية الصحابي عن تابعي وهو نادر عزيز، وحدّث عنه أيضاً أسلم «مولى عمر» وتبيع «الحميري ابن امرأة كعب» وروى عنه عدّة من التابعين كعطاء بن يسار وغيره مرسلاً وقع له رواية في سنن أبي داود والترمذي والنسائي (1).

وعرّفه الذهبي أيضاً في بعض كتبه بأنّه من أوعية العلم (2)

فقد وجد الحبر الماكر جوّاً ملائماً لنشر الاَساطير والقصص الوهمية وبذلك بثّ سمومه القاتلة بين الصحابة والتابعين وقد تبعوه وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً.

وقد تنبّه إلى جسامة الخسارة التي أحدثها ذلك الحبر، لفيف من السابقين منهم ابن كثير في تفسيره حيث إنّه بعد ما أورد طائفة من الاَخبار في قصة ملكة سبأ مع سليمان قال: والاَقرب في مثل هذه السياقات أنّها متلقّاة عن أهل الكتاب، ممّا وجد في صحفهم كروايات كعب ووهب سامحهما اللّه تعالى في ما نقلاه إلى هذه الاَُمّة من أخبار بني إسرائيل من الاَوابد والغرائب والعجائب ممّا كان وما لم يكن، وممّا حُرِّف وبُدِّل وفُسِخَ، وقد أغنانا اللّه سبحانه عن ذلك بما هو أصح منه وأنفع وأوضح وأبلغ (3).

والذي يدلّ على عمق مكره وخداعه لعقول المسلمين أنّه ربّما ينقل شيئاً من العهدين، وفي الوقت ذاته نرى أنّ بعض الصحابة الذين تتلمذوا على يديه وأخذوا منه، ينسب نفس ما نقله إلى الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، والذي يبرّر ذلك العمل حسن ظنّهم وثقتهم به، فحسبوا المنقول أمراً واقعياً فنسبوه إلى النبيّ زاعمين أنّه إذا كان


(1)الذهبي: سير أعلام النبلاء: 3|489.
(2)الذهبي: تذكرة الحفّاظ: 1|52.
(3)ابن كثير: التفسير، قسم سورة النمل: 3|339.


(308)

كعب الاَحبار عالماً به، فالنبيّ أولى بالعلم منه.

فإن كنت في شكّ من ذلك فاقرأ نصّين في موضوع واحد أحدهما للاِمام الطبري في تاريخه ينقله عن كعب الاَحبار في حشر الشمس والقمر يوم القيامة، والآخر للاِمام ابن كثير صاحب التفسير ينقله عن أبي هريرة عن النبيّ الاَكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ومضمون الحديث ينادي بأعلى صوته بأنّه موضوع مجعول على لسان الوحي نشره الحبر الخادع وقَبِلَه الساذج من المسلمين ونشره.

1ـ قال الطبري: عن عكرمة قال: بينا ابن عباس ذات يوم جالس إذ جاءه رجل فقال: يا ابن عباس سمعت العجب من كعب الحبر يذكر في الشمس والقمر قال: وكان متّكئاً فاحتفر ثم قال: وما ذاك؟ قال: زعم يُجاء بالشمس والقمر يوم القيامة كأنّهما ثوران عقيران فيقذفان في جهنم، قال عكرمة: فطارت من ابن عباس شفة ووقعت أُخرى غضباً ثم قال: كذب كعب، كذب كعب، كذب كعب، ثلاث مرّات، بل هذه يهودية يريد إدخالها في الاِسلام، اللّه أجلّ وأكرم من أن يعذّب على طاعته، ألم تسمع قول اللّه تبارك وتعالى: «وسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْنِ» إنّما يعني دوَوبهما في الطاعة فكيف يعذِّب عبدين يُثني عليهما أنّهما دائبان في طاعته قاتلَ اللّه هذا الحبر وقبّح حبريته، ما أجرأه على اللّه وأعظم فريته على هذين العبدين المطيعين للّه، قال: ثم استرجع مراراً(1).

پ.2ـ قال ابن كثير: روى البزار عن عبد العزيز بن المختار قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن في هذا المسجد مسجد الكوفة، وجاء الحسن فجلس إليه فحدث قال: حدثنا أبو هريرة أنّ رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال: «إنّ الشمس والقمر ثوران في النار عقيران يوم القيامة» فقال الحسن: وما ذنبهما؟ فقال: أُحدثك عن رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وتقول أحسبه قال: وما ذنبهما، ثم قال: لا يروى عن أبي هريرة إلاّ من هذا


(1)الطبري: التاريخ: 1|44 ط بيروت.


(309)

الوجه (1).

إنّ كعب الاَحبار لما أسلم بعد رحيل الرسول لم يتمكن من إسناد ما رواه من الاَساطير إلى النبيّ الاَكرم، ولو كان مدركاً لحياته وإن كان قليلاً لنسب الاَساطير إليه ولكن حالت المشيئة الاِلهية دون أمانيه الباطلة.

ولكن أبا هريرة لما صحب النبي واستحسن الظن بكعب الاَحبار ـ أُستاذه في الاَساطير ـ نسب الرواية إلى النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) .

هذا نموذج قدّمته إلى القارىَ لكي يقف على دور الاَحبار والرهبان في نشر البدع اليهودية والنصرانية بين المسلمين، ولا يُحسن الظن بمجرّد النقل بلا تأكيد من صحته.

هذا غيض من فيض وقليل من كثير ممّا لعب به مستسلمة اليهود والنصارى في أحاديثنا وأُصولنا، ولولا أنّ سبحانه قيّض في كل آونة رجالاً مصلحين كافحوا هذه الخرافات وأيقظوا المسلمين من السبات، لذهبت هذه الاَساطير بروعة الاِسلام وصفائه وجلاله.

* * *

كعب الاَحبار وتركيزه على التجسيم والروَية:

إنّ المتفحص في ما نقل عن ذلك الحبر يقف على أنّه كان يركّز على فكرتين يهوديتين: الاَُولى فكرة التجسيم، والثانية روَية اللّه تعالى.

يقول عن الفكرة الاَُولى: «إنّ اللّه تعالى نظر إلى الاَرض فقال إنّي واطىَ على بعضك، فاستعلت إليه الجبال، وتضعضعت له الصخرة، فشكر لها ذلك فوضع


(1)ابن كثير: التفسير: 4|475 ط دار الاحياء.


(310)

عليها قدمه فقال: هذا مقامي، ومحشر خلقي وهذه جنتي وهذه ناري، وهذا موضع ميزاني، وأنا ديّان الدين» (1).

ففي هذه الكلمة من هذا الحبر تصريح على تجسيمه تعالى أوّلاً، وتركيز على أنّ الجنة والنار والميزان ستكون على هذه الاَرض، ومركز سلطانها سيكون على الصخرة، وهذا من صميم الدين اليهودي المحرّف، هذا حول التجسيم.

وأمّا تركيزه على الروَية فقد أشاع فكرة التقسيم فقال: إنّ اللّه تعالى قسم كلامه وروَيته بين موسى ومحمّد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) (2) ومنه انتشرت هذه الفكرة، أي فكرة التقسيم بين المسلمين.

ومن أعظم الدواهي أنّ الرجل تزلّف إلى الخلفاء في خلافة عمر وعثمان وحدّث عن الكثير من القصص الخرافية، وبعد ما توفّي عثمان تزلّف إلى معاوية ونشر في عهده ما يوَيد به ملكه ودولته، ومن كلماته في حق الدولة الاَموية يقول: مولد النبيّ بمكة، وهجرته بطيبة وملكه بالشام (3).

وبذلك أضفى على الدولة الاَموية صبغة شرعية وجعل ملكهم وسلطتهم امتداداً لملك النبي وسلطته.

الروَية في كتب العهدين:

إذا كان كعب الاَحبار وزملاوَه يحملون فكرة الروَية فلا غرو ولا عجب في أنّهم اتّبعوا في نشر الفكرة العهدَ القديم، وإليك بعض ما ورد فيه تصريح بروَية الربّ.


(1)أبو تميم الاصفهاني: حلية الاَولياء: 6|20.
(2)ابن أبي الحديد: شرح نهج البلاغة: 3|237.
(3)الدارمي: السنن: 1|5.


(311)

1ـ وقال (الرب) لا تقدر أن ترى وجهي لاَنّ الاِنسان لا يراني ويعيش. قال الرب هو ذا عندي مكان فتقف على الصخرة، ويكون من اجتاز مجدي أني أضعك في نقرة من الصخرة وأترك بيدي حتى أجتاز، ثم أرفع يدي فتنظر ورائي وأمّا وجهي فلا يرى (سفر الخروج آخر الاصحاح الثالث والثلاثين) .

وعلى هذا فالرب يُرى قفاه ولا يُرى وجهه.

2ـ «رأيت السيد جالساً على كرسي عال ... فقلت: ويل لي لاَنّ عيني قد رأتا الملك ربّ الجنود» (اشعيا: ج6 ص 1ـ 6) والمقصود من السيد هو اللّه جلّ ذكره.

3ـ «كنت أرى أنّـه وضعت عروش وجلس القديم الاَيام، لباسه أبيض كالثلج، وشعر رأسه كالصوف النقي، وعرشه لهيب نار» (دانيال 7: 9) .

4ـ «أمّا أنا فبالبرّ أنظر وجهك» (مزامير داود: 17: 15) .

5ـ «فقال منوح لامرأته: نموت موتاً لاَنّنا قد رأينا اللّه» (القضاه 13: 23) .

6ـ «فغضب الرب على سليمان، لاَنّ قلبه مال عن الرب، إله إسرائيل الذي تراءى له مرتين» (الملوك الاَول 11: 9) .

7ـ «وقد رأيت الرب جالساً على كرسيه وكل جند البحار وقوف لديه» (الملوك الاَول 22: 19) .

8 ـ «كان في سنة الثلاثين في الشهر الرابع في الخامس من الشهر وأنا بين المسبيين عند نهر خابور، أنّ السماوات انفتحت فرأيت روَى اللّه ـ إلى أن قال: ـ هذا منظر شبه مجد الرب، ولما رأيته خررت على وجهي وسمعت صوت متكلّم» (حزقيال 1: 1 و 28) .

إنّ فكرة الروَية تسرّبت إلى المسلمين من المتظاهرين بالاِسلام كالاَحبار والرهبان، وصار ذلك سبباً لجرأة طوائف من المسلمين على جعلها في ضمن


(312)

العقيدة الاِسلامية، بحيث يُكفّر منكرها أحياناً أو يفسّق ولما صارت تلك العقيدة راسخة في القرنين الثاني والثالث بين المسلمين، عاد المتكلمون الذين تربّوا بين أحضانهم للبرهنة والاستدلال على تلك الفكرة من الكتاب أوّلاً والسنّة ثانياً، ولولا رسوخها بينهم لما تحمّلوا عبء الاستدلال وجهد البرهنة، وسوف يوافيك أنّ الكتاب يرد فكرة الروَية ويستعظم أمرها وينكرها ويستفظعها بشدة وحماس، وما استدل به على جواز الروَية من الكتاب فلا مساس له بالموضوع فانتظر حتى يأتيك البيان.

إنّ مسألة روَية اللّه تعالى قد طرحت على صعيد البحث والجدال في القرن الثاني عندما حيكت العقائد على نسق الاَحاديث، وقد وردت فيها روَيته سبحانه يوم القيامة فلاَجل ذلك عُدّت من العقائد الاِسلامية. حتى أنّ الاِمام الاَشعري عند ما تاب عن الاعتزال ولحق بأهل الحديث رقى يوم الجمعة كرسياً ونادى بأعلى صوته: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أُعرّفه نفسي، أنا فلان بن فلان كنت قلت بخلق القرآن وأنّ اللّه لا يُرى بالاَبصار وأنّ أفعال الشرّ أنا أفعلها، وإنّي تائب مقلع معتقد للرد على المعتزلة (1).

وقال في الاِبانة: وندين بأنّ اللّه تعالى يُرى في الآخرة بالاَبصار كما يرى القمر ليلة البدر يراه الموَمنون، كما جاءت الروايات عن رسول اللّه (2).

وقال في كتابه الآخر: بسم اللّه إن قائل قائل: لم قلتم إنّ روَية اللّه بالاَبصار جائزة من باب القياس؟ قيل له: قلنا ذلك لاَنّ ما لا يجوز أن يوصف به تعالى ويستحيل عليه لا يلزم في القول بجواز الروَية (3).


(1)ابن النديم: الفهرست: 271، ابن خلكان: وفيات الاَعيان: 3|285.
(2)الاِمام الاَشعري: الاِبانة: 21.
(3)الاِمام الاَشعري، اللمع: 61 بتلخيص.


(313)

وهذا النص يعرب عن أنّ الروَية كانت في ذلك العصر وفي عصر الاِمام أحمد جزءاً من العقائد الاِسلامية ولذلك لا تجد كتاباً كلامياً للاَشاعرة إلاّ ويذكر روَية اللّه تبارك وتعالى في الآخرة ويقررها جزء من العقائد الاِسلامية، حتى أنّ الاِمام الغزالي مع ما أُوتي من مواهب كبيرة وكان من المصرّين على التنزيه فوق ما يوجد في كتب الاَشاعرة، لم يستطع أن يخرج عن إطار العقيدة وقال: العلم بأنّه تعالى مع كونه منزّهاً عن الصورة والمقدار، مقدساً عن الجهات والاَنظار، يُرى بالاَعين والاَبصار (1).

ثم إنّهم اختلفوا في الدليل على الروَية، ففرقة منهم اعتمدوا على الاَدلّة العقلية دون السمعية كسيف الدين الآمدي أحد مشايخ الاَشاعرة في القرن السابع (551 ـ 631 هـ) يقول: لسنا نعتمد في هذه المسألة على غير المسلك العقلي إذ ما سواه لا يخرج عن المظاهر السمعية وهي مما يتقاصر عن إفادة القطع واليقين فلا يذكر إلاّ على سبيل التقريب (2).

وفرقة أُخرى كالرازي وغيره قالوا: العمدة في جواز الروَية ووقوعها هو جواز السمع وعليه الشيخ الشهرستاني في نهاية الاِقدام (3).

الروَية بالاَبصار لا بالقلب ولا بالروَيا ولا بالحسّ السادس:

إنّ محلّ النزاع بين الاَشاعرة وقبلهم الحنابلة وأصحاب الحديث وبين غيرهم من أهل التنزيه، هو روَية اللّه سبحانه بالاَبصار التي هي نعمة من نعم اللّه سبحانه وطريق إلى وقوف الاِنسان على الخارج.


(1)الغزالي: قواعد العقائد: 169.
(2)الآمدي: غاية المرام في علم الكلام: 174.
(3)الرازي: معالم الدين: 37، والاَربعين: 148، والمحصل: 138، والشهرستاني: نهاية الاقدام: 699.


(314)

يقول سبحانه: «واللّهُ أخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعلَمُونَ شَيئاً وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والاَبصارَ والاََفئدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» (النحل |78) .

فالمُثبِت للروَية والنافي لها يركِّز على موضوع واحد هو الروَية بالاَبصار وأنّ الخارج عن هذا الموضوع خارج عن إطار العقيدة.

وبذلك يظهر أنّ الروَية بغير الاَبصار تأويل للعقيدة التي أصرّ بها أصحاب أحمد بن حنبل الملتحق به الاِمام الاَشعري ولا يمت بموضوع البحث بصلة، فقد نقل عن «ضرار» و «حفص الفرد» أنّ اللّه لا يرى بالاَبصار ولكن يخلق لنا يوم القيامة حاسّة سادسة غير حواسنا فندركه بها (1).

يقول ابن حزم: إنّ الروَية السعيدة ليست بالقوة الموضوعية بالعين بل بقوة أُخرى موهوبة من اللّه (2).

إلى غير ذلك من الكلمات التي حرّفت النقطة الرئيسة في البحث ومعتقد أهل الحديث والاَشاعرة، ونحن نركّز في البحث على الروَية بالاَبصار، وأمّا الروَية بغيرها فخارجة عن مجاله.

فإذا كانت الحنابلة والاَشاعرة مصرّين على جواز الروَية فأئمة أهل البيت ومن تبعهم من الاِمامية والمعتزلة والزيدية والاِباضية قائلون بامتناعها في الدنيا والآخرة.

فالبيت الاَموي والمنتمون إليه من أهل الاَخبار كانوا من دعاة التجسيم والتشبيه والجبر وإثبات الجهة، والروَية للّه سبحانه، وأمّا الاِمام أمير الموَمنين وبيته الطاهر وشيعتهم كانوا من دعاة التنزيه والاختيار ورافضين هذه البدع المستوردة من اليهود بحماس.


(1)الاِمام الاَشعري: مقالات الاِسلاميين: 261.
(2)ابن حزم: الفصل: 3|2.


(315)

وقد نجم في ظلّ العراك الفكري بين العلويين والاَمويين منهجان في مجال المعارف كلّ يحمل شعاراً، فشيعة الاِمام وأهل بيته، يحملون شعار التنزيه والاختيار، والاَمويون وشيعتهم يحملون شعار التشبيه والجبر وقد اشتهر من زمان قديم قولهم:

«العدل والتنزيه علويان»

« الجبر والتشبيه أمويان»

فصارت النتيجة في النهاية أنّ كلّ محدّث متزلّف إلى البيت الاَموي يحشد أخبار التجسيم والجبر، بلا مبالاة واكتراث، لكن الواعين من أُمّة محمد الموالين لاَهل بيته، يتجنّبون عن نقل تلك الاِثارة.

قال الرازي في تفسير قوله: «لَيسَ كَمِثلهِ شيءٌ»: احتجّ علماء التوحيد قديماً وحديثاً بهذه الآية على نفي كونه جسماً مركّباً من الاَعضاء والاَجزاء، حاصلاً في المكان والجهة قالوا: لو كان جسماً لكان مثلاً لسائر الاَجسام فيلزم حصول الاَمثال والاَشياء وذلك باطل بصريح قوله تعالى: «ليس كمثله شيء» ـ إلى أن قال: ـ

واعلم أنّ محمد بن إسحق بن خزيمة أورد استدلال أصحابنا بهذه الآية في الكتاب الذي سمّاه بالتوحيد، وهو في الحقيقة كتاب الشرك، واعترض عليها، وأنا أذكر حاصل كلامه بعد حذف التطويلات، لاَنّه كان رجلاً مضطرب الكلام، قليل الفهم، ناقص العقل، فقال: «نحن نثبت للّه وجها ونقول: إنّ لوجه ربّنا من النور والضياء والبهاء، ما لو كشف حجابه لاَحرقت سبحات وجهه كلّ شيء أدركه بصره، ووجه ربّنا منفيّ عنه الهلاك والفناء، ونقول: إنّ لبني آدم وجوهاً كتب اللّه عليها الهلاك والفناء، ونفى عنها الجلال والاِكرام، غير موصوفة بالنور والضياء والبهاء، ولو كان مجرّد إثبات الوجه للّه يقتضي التشبيه لكان من قال: إنّ لبني آدم وجوهاً وللخنازير والقردة والكلاب وجوهاً، لكان قد شبَّه وجوه بني آدم بوجوه الخنازير والقردة والكلاب، ثم قال: ولا شك أنّه اعتقاد الجهمية لاَنّه لو قيل له:


(316)

وجهك يشبه وجه الخنازير والقردة لغضب ولشافهه بالسوء، فعلمنا أنّه لا يلزم من إثبات الوجه واليدين للّه إثبات التشبيه بين اللّه وبين خلقه».

إلى أن قال: وأقول: هذا المسكين الجاهل إنّما وقع في أمثال هذه الخرافات لاَنّه لم يعرف حقيقة المثلين، وعلماء التوحيد حقّقوا الكلام في المثلين ثم فرعوا عليه الاستدلال بهذا الآية (1).

وليس ابن خزيمة أوّل أو آخر محدّث تأثّر بهذه البدع بل كانت الفكرة تتغلغل بين أكثر أهل الحديث، منهم:

1ـ عثمـان بن سعيد بن خالد بن سعيد التميمي الدارمي السجستاني صاحب المسند (توفي عام 280 هـ) صاحـب النقض يقول فيه: إنّ اللّه فوق عرشه وسماواته.

2ـ خشيش بن اصرم موَلّف كتاب الاستقامة، يعرّفه الذهبي بأنّه كان صاحب سنّة وأتباع يرد فيه على أهل البدع ويريد منه أهل التنزيه الذين يرفضون أخبار التشبيه (توفي عام 253 هـ) (2).

3ـ أحمد بن محمد بن الاَزهر بن حريث السجستاني السجزي، نقل الذهبي في ميزان الاعتدال عن السلمي قال: «سألت الدارقطني عن الاَزهري، فقال: هو أحمد بن محمد بن الاَزهر بن حريث، سجستاني منكر الحديث، لكن بلغني أنّ ابن خزيمة حسن الرأي فيه وكفى بهذا فخراً» (3).

يلاحظ عليه أنّه: كفى بهذا ضعفاً، لاَنّ ابن خزيمة هذا رئيس المجسّمة والمشبّهة، ومنه يعلم حال السجستاني، والجنس إلى الجنس يميل.


(1)الرازي: مفاتيح الغب: 27|150 ـ 151.
(2)الذهبي: تذكرة الحفّاظ: 2|551 ، وسير أعلام النبلاء: 12|250.
(3)ميزان الاعتدال: 1|132.


(317)

4ـ محمد بن إسحاق بن خزيمة (223 ـ 311هـ) . وقد ألّف «التوحيد وإثبات صفات الرب» (1) وكتابه هذا مصدر المشبّهة والمجسّمة في العصور الاَخيرة، وقد اهتمّت به الحنابلة، وخصوصاً الوهابية، فقاموا بنشره على نطاق وسيع، وسيوافيك بعض أحاديثه.

5ـ عبـد اللّه بن أحمد بن حنبـل (213 ـ 290 هـ)، يروي أحاديث أبيه (الاِمام أحمد بن حنبل)، وكتابه «السنّة» المطبوع لاَوّل مرّة بالمطبعة السلفية ومكتبتها عام 1349هـ ، مشحون بروايات التجسيم والتشبيه، يروي فيه ضحك الرب، وتكلّمه واصبعه، ويده، ورجله، وذراعيه، وصدره وغير ذلك ممّا سيمرّ عليك بعضها.

وهذه الكتب الحديثية الطافحة بالاِسرائيليات والمسيحيات جرَّت الويل على الاَُمّة وخدع بها المغفّلون من الحنابلة والحشوية وهم يظنّون أنّهم يحسنون صنعاً.

الروَية في كلمات الاِمام علي ( عليه السلام ):

إنّ المراجع إلى خطب الاِمام عليّ ( عليه السلام ) في التوحيد وما أثر عن أئمّة العترة الطاهرة، يقف على أنّ مذهبهم في ذلك امتناع الروَية وإنّه سبحانه لا تدركه أوهام القلوب، فكيف بأبصار العيون؟! وإليك نزراً يسيراً ممّا ورد في هذا الباب:

1ـ قال الاِمام علي ( عليه السلام ) في خطبة الاَشباح: «الاَوّل الذي لم يكن له قبل فيكون شيء قبله، والآخر الذي ليس له بعد فيكون شيء بعده، والرادع أناسي


(1)سير أعلام النبلاء: 14|365.


(318)

الاَبصار عن أن تناله أو تدركه» (1).

2ـ وقد سأله ذعلب اليماني فقال: هل رأيت ربّك يا أمير الموَمنين؟ فقال ( عليه السلام ): «أفأعبد ما لا أرى؟» فقال: وكيف تراه؟ فقال: «لا تدركه العيون بمشاهدة العيان ولكن تدركه القلوب بحقائق الاِيمان. قريب من الاَشياء غير ملابس، بعيد منها غير مبائن» (2).

3ـ وقال ( عليه السلام ): «الحمد للّه الذي لا تدركه الشواهد، ولا تحويه المشاهد، ولا تراه النواظر، ولا تحجبه السواتر» (3).

إلى غير ذلك من خطبه ( عليه السلام ) المطفوحة بتقديسه وتنزيهه عن إحاطة القلوب والاَبصار به (4).

وأمّا المرويّ عن سائر أئمّة أهل البيت ( عليهم السلام )، فقد عقد ثقة الاِسلام الكليني في كتابه «الكافي» باباً خاصاً للموضوع روى فيه ثمان روايات (5)، كما عقد الصدوق في كتاب التوحيد باباً رواية، يرجع قسم منها إلى نفي الروَية الحسّية البصرية وقسم منها يثبت روَية معنوية قلبية سنشير إليه، وفي الكل نور للقلوب وشفاء للصدور (6).

إكمال: إنّ للاِمام الطاهر علي بن موسى الرضا ( عليه السلام ) احتجاجاً في المقام على مقال المحدّث أبي قرة حيث ذكر الحديث الموروث عن الحبر الماكر «كعب الاَحبار»: من أنّه سبحانه قسم الروَية والكلام بين نبيّين كما تقدم.


(1)نهج البلاغة: الخطبة 87 طبعة مصر المعروف بطبعة عبده. والاِناسي: جمع إنسان، وإنسان البصر هو ما يرى وسط الحدقة ممتاز عنها في لونها.
(2)نهج البلاغة: الخطبة 174.
(3)نهج البلاغة: الخطبة: 180.
(4)لاحظ الخطبتين 48 و 81 من الطبعة المذكورة.
(5)الكافي: 1|95 باب إبطال الروَية.
(6)التوحيد: الباب 8 ص 107ـ 122.


(319)

فقال أبو قرة: فإنّا روينا: أنّ اللّه قسم الروَية والكلام بين نبيّين، فقسّم لموسى ( عليه السلام ) الكلامَ، ولمحمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الروَية.

فقال أبو الحسن ( عليه السلام ): «فمن المبلِّغ عن اللّه إلى الثقلين الجنِّ والاِنس إنَّهُ «لا تُدْرِكهُ الاَبْصارُ» ، « لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلماً» و « لَيسَ كَمِثْلِهِ شَـيءٌ» أليس محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ؟» قال: بلى.

قال أبو الحسن ( عليه السلام ): «فكيف يجيء رجل إلى الخلق جميعاً فيخبرهم إنّه جاء من عند اللّه، وإنّه يدعوهم إلى اللّه بأمر اللّه، ويقول: إنَّهُ «لا تُدركهُ الاَبصارُ» ، « لا يحيطونَ بِهِ عِلماً» و «ليسَ كَمِثلهِ شيءٌ» ثم يقول: أنا رأيته بعينيّ وأحطتُ به علماً وهو على صورة البشر، أمّا تستحيون؟ أمّا قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا: أن يكون أتى عن اللّه بأمر ثم يأتي بخلافه من وجه آخر».

فقال أبو قرة: إنّه يقول: «ولَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى» (النجم ـ 13) .

فقال أبو الحسن ( عليه السلام ): «إنّ بعد هذه الآية ما يدل على ما رأى حيث قال: «ما كَذَبَ الفُوَادُ ما رأى» (النجم ـ 11) يقول: ما كذب فوَاد محمد ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ما رأت عيناه ثم أخبر بما رأت عيناه فقال: «لَقَدْ رَأى ِمْن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى» (النجم ـ 18) فآيات اللّه غير اللّه، وقال: «ولا يُحيطُونَ بِهِ عِلماً» (طه ـ 110) فإذا رأته الاَبصار فقد أحاط به العلم ووقعت المعرفة».

فقال أبو قرة: فتكذب بالرواية؟

فقال أبو الحسن ( عليه السلام ): «إذا كانت الرواية مخالفة للقرآن كذّبتها، وما أجمع المسلمون عليه إنّه لا يحاط به علماً، ولا تدركه الاَبصار، وليس كمثله شيء» (1).


(1)الطبرسي: الاحتجاج: 2|375ـ 376.


(320)

3
الروَية في منطق العلم والعقل

إنّ الروَية في منطق العلم والعقل لا يتحقق إلاّ إذا كان الشيء مقابلاً أو حالاّ في المقابل من غير فرق بين تفسيرها حسب رأي القدماء أو حسب العلم الحديث، فإنّ القدماء كانوا يفسرون الروَية على النحو التالي:

خروج الشعاع من العين وسقوطه على الاَشياء ثم انعكاسه عن الاَشياء فرجوعه إلى العين لكي تتحقّق الروَية.

ولكنّ العلم الحديث كشف بطلان هذا التفسير وقال:

إنّها صدور الاَشعة من الاَشياء ودخولها إلى العين عن طريق عدستها وسقوطها على شبكية العين فتُحقّق الروَية.

وعلى كلّ تقدير فالضرورة قاضية على أنّ الاِبصار بالعين متوقّف على حصول المقابلة بين العين والمرئي، أو حكم المقابلة كما في روَية الصور في المرآة. وهذا أمر تحكم به الضرورة وإنكاره مكابرة واضحة، فإذا كانت ماهية الروَية هي ما ذكرناه فلا يمكن تحققها فيما إذا تنزّه الشيء عن المقابلة أو الحلول في المقابل.

وبعبارة واضحة: أنّ العقل والنقل اتّفقا على كونه سبحانه ليس بجسم ولا جسماني ولا في جهة، والروَية فرع كون الشيء في جهة خاصة، وما شأنّه هذا لا


(321)

يتعلّق إلاّ بالمحسوس لا بالمجرّد.

ثم إنّ الرازي أراد الخدش في هذا الاَمر البديهي ولكنّه رجع خائباً واعترض على هذا الاستدلال بوجهين:

الاَوّل: أنّ ادّعاء الضرورة والبداهة على امتناع روَية الموجود المنزّه عن المكان والجهة أمر باطل، لاَنّه لو كان بديهياً لكان متّفقاً عليه بين العقلاء وهذا غير متّفق عليه بينهم، فلا يكون بديهياً ولذلك لو عرضنا قضية أنّ الواحد نصف الاثنين لا يختلف فيه اثنان، وليست القضية الاَُولى في البداهة في قوة القضية الثانية (1).

يلاحظ عليه: بأنّه خفى على الرازي أنّ للبداهة مراتب مختلفة، فكون نور القمر مستفاداً من الشمس قضية بديهية ولكن أين هذه البداهة من بداهة قولنا: الواحد نصف الاثنين؟ أضف إلى ذلك أنّ العقلاء متّفقون على لزوم المقابلة أو حكمها على تحقق الروَية، وإنّما خالف فيه، أمثال من خالف القضايا البديهية كالسوفسطائيين حيث ارتابوا في وجودهم وعلومهم وأفعالهم مع أنّهم كانوا يعدّون من الطبقات العليا في المجتمع اليوناني.

الثاني: أنّ المقابلة شرط في الروَية في الشاهد فلم قلتم إنّه في الغائب كذلك وتحقيقه، هو أنّ ذات اللّه تعالى مخالفة بالحقيقة والماهية لهذه الحوادث والمختلفات في الماهية لا يجب استواوَها في اللوازم فلم يلزم من كون الاِدراك واجباً في الشاهد عن حضور هذه الشرائط، كونه واجباً في الغائب عند حضورها (2).

هذا كلامه في كتاب الاَربعين ويقول في تفسيره: «ألم تعلموا أنّ ذاته تعالى مخالفة لسائر الذوات، ولا يلزم من ثبوت حكم في شيء ثبوت مثل ذلك الحكم فيما يخالفه، والعجب أنّ القائلين بالامتناع يدّعون الفطنة والكياسة ولم يتنبّه أحد


(1)الرازي: الاَربعون: 190، ولاحظ أيضاً مفاتيح الغيب: 13|130.
(2)الرازي: الاَربعون: 190 ـ 191، وانظر أيضاً: 217، 218، 313.


(322)

لهذا السوَال ولم يخطر بباله ركاكة هذا الكلام» (1).

يلاحظ عليه: أنّ الرازي غفل عن أنّ الروَية من الاَُمور الاِضافية القائمة بالرائي والمرئي فالتقابل من لوازم الروَية بماهي هي، فاختلاف المرئي في الماهيات كاختلاف الرائي في كونه حيواناً أو إنساناً لا مدخلية له في هذا الموضوع، فافتراض نفس الروَية وتعلّقها بالشيء وغضّ النظر عن الرأي وخصوصيات المرئي يجرّنا إلى أنّ القول بأنّ الروَية رهن التقابل أو حكمه. وذلك لاَنّ الموضوع لحكم العقل من لزوم المقابلة في الروَية، هو نفسها، بما هي هي، والموضوع متحقّق في الشاهد والغائب، والمادّي والمجرّد، فاحتمال انفضاض الحكم باختلاف المرئي، يناقض ما حكم به باتاً بأنّ الروَية بما هي هي لا تنفك عن التقابل، فإنّه أشبه بقول القائل: إنّ نتيجة 2+2، هو الاَربعة، لكن إذا كان المعدود مادّياً لا مجرّداً، ويردّ بأنّ الموضوع نفس اجتماع العددين وهو متحقّق في كلتا الصورتين.

وبكلمة موجزة: انّ الروَية بالعين رابطة مادية بين العين والمرئيّ وهي تتوقف على كون المرئي مادّياً واللّه سبحانه منزّه عن المادة.

أضف إلى ذلك ماذا يريد من الغائب، هل يريد الموجود المجرد عن المادة ولوازمها؟ فبداهة العقل تحكم بأنّ المنزّه عن الجسم والجسمانية والجهة والمكان لا يتصوّر أن يقع طرفاً للمقابلة. وإن أراد منه الغائب عن الاَبصار مع احتمال كونه جسماً أو ذا جهة، فذلك إبطال للعقيدة الاِسلامية الغراء التي تبنّتها الاَشاعرة وحتى الرازي نفسه في غير واحد من كتبه الكلامية وفي غير موضع في تفسيره.

ولقائل يسأل الرازي، انّه لو لو وقعت الروَية على ذاته سبحانه فهل تقع على كلِّه أو بعضِه فلو وقعت على الكلّ يكون محاطاً لا محيطاً وهذا باطل بالضرورة، ولو وقعت على الجزء فيكون، ذا جزء مركّباً. ومما ذكرنا يُتميّزُ الفطنُ عن الغبيّ، والكلام الرصين عن الركيك فلاحظ.


(1)الرازي: مفاتيح الغيب: 13|130.


(323)

المحاولة اليائسة في تجويز الروَية:

إنّ مفكري الاَشاعرة الذين لهم قدم راسخة في المسائل العقلية لما وقعوا أمام هذا الدليل ذهبوا يميناً ويساراً للجمع بين الروَية والتنزيه، وإليك بيان ذلك:

1ـ الروَية بلا كيف:

هذا العنوان هو الذي يجده القارىَ في كتب الاَشاعرة وربّما يعبِّـر عنه خصومهم بـ «البلكفة» ومعناه أنّ اللّه تعالى يُرى بلا كيف وأنّ الموَمنين في الجنة يرونه بلا كيف، أي منزّهاً عن المقابلة والجهة والمكان.

يلاحظ عليه: أنّ تمني الروَية بلا مقابلة ولا جهة ولا مكان، أشبه برسم أسد بلا رأس ولا ذنب على جسم بطل، فالروَية التي لا يكون المرئي فيها مقابلاً للرائي ولا متحققاً في مكان ولا متحيزاً في جهة كيف تكون روَية بالعيون والاَبصار؟

والحق أنّ قول الاَشاعرة كأهل الحديث: «بلا كيف»، مهزلة لا يُعتمد عليها فإنّ الكيفية ربّما تكون من مقوّمات الشيء ولولاها لما كان عنه أثر، فمثلاً يقولون: إنّ للّه يداً ورجلاً وعيناً وسمعاً بلا كيف، ويصرحون بوجود واقعيات هذه الصفات حسَب معانيها اللغوية لكن بلا كيفية.

وهذا كما ترى فأنّ اليد في اللغة العربية وضعت للجارحة حسب ما لها من الكيفية، فإثبات اليد للّه بالمعنى اللغوي مع حذف الكيفية، يكون مساوياً لنفي معناه اللغوي ويكون راجعاً إلى تفسيرها بالمعاني المجازية التي تفرّون منها فرار المزكوم من المسك، ومثله القدم والوجه وبعبارة أُخرى: أنّ الحنابلة والاَشاعرة يصرّون على أنّ الصفات الخبرية كاليد والرجل والقدم والوجه، في الكتاب والسنّة، يجب أن تُفسَّـر بنفس معانيها اللغوية، ولا يجوز لنا حملها على معانيها المجازية


(324)

كالقدرة في اليد مثلاً ولما رأوا أنّ ذلك يلازم التجسيم التجأوا إلى قولهم: يد بلا كيف، ولكنّهم ما دروا أنّ الكيفية في اليد والوجه وغيرهما مقوّمة لمفاهيمها فنفي الكيفية يساوق نفي المعنى اللغوي فكيف يمكن الجمع بين المعنى اللغوي والحمل عليه بلا كيف، ومنه يعلم حال الروَية بالبصر والعين فإنّ التقابل، مقوّم لمفهومها فإثباتها بلا كيف، يلازم نفي أصل الروَية وقد عرفت أنّ الكلام في النظر بالبصر والروَية بالعين، لا الروَية بالقلب أو في النوم ـ وقد أوضحنا حال الصفات الخبرية في بحوثنا الكلامية (1).

2ـ اختلاف الاَحكام باختلاف الظروف:

إنّ بعض المثقَّفين من الجُدد لما وجدوا في بواطن عقولهم أنّ الروَية لا تنفك عن الجهة، التجأوا إلى القول بأنّ كل شيء في الآخرة غيره في الدنيا، ولعل الروَية تتحقق في الآخرة بلا هذا اللازم السلبي.

يلاحظ عليه: بأنّه رجم بالغيب، فإن أرادوا من المغايرة بأنّ الآخرة ظرف للتكامل وأنّ الاَشياء توجد في الآخرة بأكمل الوجود وأمثله، فهذا لا مناقشة فيه، يقول سبحانه: «كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ ِرزقاً قالُوا هذا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُوتُوا بِهِ مُتَشابِهاً» (البقرة ـ 25)، إن أرادوا أنّ القضايا العقلية البديهية تتبدّل في الآخرة إلى نقيضها فهذا يوجب انهيار النُّظم الكلامية والفلسفية والاَساليب العلمية التي يعتمد عليها المفكرون من أتباع الشرائع وغيرهم، إذ معنى ذلك أنّ النتائج المثبتة في جدول الضرب سوف تتبدّل في الآخرة إلى ما يباينها فتكون النتيجة ضرب 2*2=5 أو 10 أو ... وإنّ قولنا: «كل ممكن يحتاج إلى علّة» يتبدل في الآخرة إلى أنّ الممكن غني عن العلّة، فعند ذلك لا يستقرّ حجر على حجر وتنهار جميع المناهج الفكرية، ويصير الاِنسان سوفسطائياً مائة بالمائة.


(1)لاحظ بحوث في الملل والنحل: 2|96 ـ 105.


(325)

3ـ عدم الاكتراث عن إثبات الجهة:

إنّ أساتذة الجامعات الاِسلامية في الرياض ومكة المكرمة والمدينة المنورة بدَل أن يُجهدوا أنفسهم في فهم المعارف ويتجرّدوا في مقام التحليل عن الآراء المسبّقة، نرى أنّهم يدعمون شباب الجامعات وخريجيها بدعم مالي وفكري ليجمعوا من هنا وهناك أُموراً حول الروَية وبالتالي خرجوا بنتيجة إثبات الجهة للّه حتى يتسنّى لهم إثبات الروَية، وهذا العمل أشبه بدفع الفاسد بالاَفسد وإن كنت في شك من ذلك فاستمع لما يلي:

يقول الدكتور أحمد بن محمد آل حمد خريج جامعة أُم القرى: إنّ إثبات روَية حقيقية بالعيان من غير مقابلة أو جهة، مكابرة عقلية لاَنّ الجهة من لوازم الروَية وإثبات اللزوم ونفي اللازم مغالطة ظاهرة.

ومع هذا الاعتراف تخلّص عن الالتزام بإثبات الجهة للّه ويقول: إنّ إثبات صفة العلوّ للّه تبارك وتعالى ورد في الكتاب والسنّة في مواضع كثيرة جداً فلا حرج في إثبات روَية اللّه تعالى من هذا العلو الثابت له تبارك وتعالى، ولا يقدح هذا في التنزيه لاَنّ من أثبت هذا أعلم البشر بما يستحقّ اللّه تعالى من صفات الكمال.

أمّا لفظة الجهة فهي من الاَلفاظ المجملة التي لم يرد نفيها ولا إثباتها بالنص فتأخذ حكم مثل هذه الاَلفاظ (1).

يلاحظ عليه:

أوّلاً: من أين يدعى أنّ الكتاب والسنّة أثبت العلوّ للّه الذي هو مساوق للجهة فإن أراد قوله سبحانه: «ثمَّ اسْتَوى عَلَى العَرشِ» فقد حقّق في محلّه بأنّ استواءه على العرش كناية عن استيلائه على السموات والاَرض، وعدم عجزه عن


(1)أحمد بن ناصر: روَية اللّه تعالى: 61، نشر معهد البحوث العلمية في مكة المكرمة.


(326)

التدبير، وأين هو من إثبات العلوّ للّه؟! فقد أوضحنا مفاد هذه الآيات في أسفارنا الكلامية (1).

وإن أراد ما جمعه ابن خزيمة وأضرابه من حشويات المجسّمة والمشبّهة، فكلّها بدع يهودية أو مجوسية تسرّبت إلى المسلمين يرفضها القرآن الكريم وروايات أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ).

ثانياً: إذا افترضنا صحّة كونه موجوداً في جهة عالية ينظر إلى السموات والاَرض فكيف يكون محيطاً بكل شيء وموجوداً مع كلّ شيء؟ فإذا كان هذا معنى التنزيه فسلام اللّه على التجسيم، ونعم ما قال شاعر المعرة:

ويا موت زر إنّ الحياة ذميمة

ويا نفس جدي إنّ دهرك هازل

أقول: إنّ الذي كانت تستهدفه رسالات السماء كان يتلخص في توحيده سبحانه وأنّه واحد لا نظير له ولا مثيل أولاً، وتنزيهه سبحانه عن مشابهة الممكنات والموجودات ثانياً.

لكن أصحاب الحديث بعد رحيل الرسول توغّلوا في وحل الشرك والتجسيم وأبطلوا كلتا النتيجتين، فقالوا بحماس؛ بقدم القرآن وعدم حدوثه فأثبتوا بذلك مثلاً للّه في الاَزلية وكونه قديماً كقدمه سبحانه.

وأثبتوا للّه سبحانه العلو والجهة اغتراراً ببعض الظواهر والاَحاديث المستوردة فأبطلوا بذلك تنزيهه سبحانه وتعاليه عن مشابهة المخلوقات.

فخالفوا رسالات السماء في موردين أصليين:

1ـ التوحيد بالقول بقدم القرآن.

2ـ التنزيه بإثبات الجهة والروَية.

«كالَّتي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوّةٍ أنْكاثاً» . (النحل | 92)


(1)الاِلهيات: 1|330ـ 340.


(327)

4
موقف الذِّكر الحكيم من أمر الروَية إجمالاً

إنّ الذكر الحكيم يصف اللّه سبحانه بصفات تهدف جميعها إلى أنّه منزّه عن الجسم والجسمانية، وأنّه ليس له مثل ولا نظير، ولا ندّ ولا كفو، وأنّه محيط بكل شيء، ولا يحيطه شيء إلى غير ذلك من الصفات المنزّهة التي يقف عليها الباحث من جمع الآيات الواردة في هذا المجال وبدورنا نشير إلى بعضٍ منها:

قال سبحانه:

«فاطِرُ السَّمواتِ والاَرضِ جَعلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ الاَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَوَُكُمْ فيهِ لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وهوَ السَّميعُ البَصيرُ» (الشورى ـ 11) .

«قُلْ هُوَ اللّهُ أحدٌ * اللّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ * ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أحَدٌ» (الاِخلاص: 1ـ 4) .

«هُوَ الاَوّلُ والآخِرُ والظّاهرُ والباطِنُ وهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ» (الحديدـ3).

«هُوَ الَّذِي خَلقَ السَّمواتِ والاَرضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى العَرشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الاَرضِ وما يَخْرُجُ مِنْها وما يَنزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها وهوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنتُمْ واللّهُ بِما تَعمَلُونَ بَصِيرٌ» (الحديد ـ 4) .


(328)

«هُوَ اللّهُ الَّذِي لا إلهَ إلاّ هُوَ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُوَمِنُ المُهَيْمِنُ العَزيزُ الجَبّارُ المُتَكَبِّرُ سُبحانَ اللّهِ عَمّـا يُشرِكُونَ» (الحشر ـ 23) .

«هُوَ اللّهُ الخالِقُ البارِىَُ المُصَوِّرُ لَهُ الاَسماءُ الحُسنى يُسبِّحُ لَهُ ما في السَّمواتِ وَالاَرضِ وَهُوَ العَزيزُ الحكيمُ» (الحشر ـ 24) .

«ما يَكونُ مِنْ نَجوى ثَلاثَةٍ إلاّ هُوَ رابِعُهُم ولا خَمسةٍ إلاّ هُوَ سادِسُهُمْ ولا أَدنى مِنْ ذلكَ ولا أكثرَ إلاّ هوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يومَ القِيامة إنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيءٍ عَليمٌ» (المجادلة ـ 7) .

8 ـ «ألا إنَّهُمْ في مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ ألا إنَّهُ بِكُلِّ شَـيءٍ مُحيطٌ» (فصلت ـ 54).

«اللّهُ لا إلهَ إلاّ هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَومٌ لَهُ ما في السَّمواتِ وما في الاَرضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلاّ بِإذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَينَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ ولا يُحِيطُونَ بِشَيءٍ مِنْ عِلمِهِ إلاّ بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمواتِ والاَرضَ ولا يَوَُدُهُ حِفْظُهُما وهوَ العَليُّ العَظيمُ» (البقرة ـ 255) .

10ـ «لا تُدرِكُهُ الاَبصارُ وهوَ يُدرِكُ الاَبصارَ وهوَ اللَّطِيفُ الخَبيرُ» (الاَنعام ـ 103) .

وحصيلة هذه الآيات أنّه لا يوجد في صفحة الوجود له مثل، وهو أحد لا كفو له، لم يلد ولم يولد بل هو أزليّ، فبما أنّه أزليّ الوجود، فوجوده قبل كل شيء أي لا وجود قبله، وبما أنّه أبديّ الوجود فهو آخر كل شيء إذ لا وجود بعده، وبما أنّه خالق السماوات والاَرض فالكون قائم بوجوده فهو باطن كل شيء، كما أنّ النظام البديع دليل على وجوده فهو ظاهر كل شيء.

لا يحويه مكان لاَنّه خالق السماوات والاَرض وخالق الكون والمكان، فكان قبل أن يكون أيّ مكان، وبما أنّ العالم دقيقه وجليله، فقير محتاج إليه قائم به، فهو


(329)

مع الاَشياء معيّة قيومية لا معيّة مكانية، ومع الاِنسان أينما كان. فلا يكون من نجوى ثلاثة إلاّ هو رابعهم ولا خمسة إلاّ هو سادسهم، ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلاّ هو معهم أينما كانوا وذلك مقتضى كونه قيّوماً وما سواه قائماً به ولا يمكن للقيوم الغيبوبة عمّـا قام به، وفي النهاية هو محيط بكل شيء لا يحيطه شيء، فقد أحاط كرسيّه السماوات والاَرض، فالجميع محاط وهو محيط، ومن كان بهذه المنزلة لا تدركه الاَبصار الصغيرة الضعيفة ولا يقع في أُفقها ولكنّه لكونه محيطاً يدرك الاَبصار.

هذه صفاته سبحانه في القرآن ذكرناها على وجه الاِيجاز وأوردناها بلا تفسير. وقد علمت أنّ من سمات العقيدة الاِسلامية كونها عقيدة سهلة لا إبهام فيها ولا لغز فلو وجدنا شيئاً في السنّة أو غيرها ما يصطدم بهذه الصفات فيحكم عليه بالتأويل إن صحّ السند، أو بالضرب عرض الجدار إن لم يصح فمن تلا هذه الآيات وتدبّر فيها، يحكم بأنّه سبحانه فوق أن يقع في وهم الاِنسان وفكره ومجال بصره وعينه، وعند ذلك لو قيل له: إنّه جاء في الاَثر أنّكم سترون ربّكم يوم القيامة كما ترون هذا (البدر) لا تضامّون في روَيته (1).

يتلقّاه أمراً مناقضاً لما تلا من الآيات أو استمع إليها، ويحدث في نفسه ويقول: «الخالق البارىَ الذي هو ليس بجسم ولا جسماني، لا يحويه مكان، محيط بالسموات والاَرض كيف يُرى يوم القيامة كالبدر في جهة خاصة وناحية عالية مع أنّه كان ولا علو ولا جهة بل هو خالقهما، وأين هذه الروَية من وصفه سبحانه بأنّه لا يحويه مكان ولا يقع في جهة وهو محيط بكل شيء؟!.

ولا يكون التناقض بين الوصفين بأقل من التناقض الموجود في العقيدة النصرانية من أنّه سبحانه واحد وفي الوقت نفسه ثلاثة، وكلّما حاول القائل بالروَية


(1)البخاري: الصحيح: 4|200.


(330)

الجمع بين العقيدتين، لا يستطيع أن يرفع التعارض والاصطدام بين المعرفتين في أنظار المخاطبين بهذه الآيات والرواية، ومن جرّد نفسه عن المجادلات الكلامية والمحاولات الفكرية للجمع بين المعرفتين يرى التعريفين متصادمين فأين القول بأنّه سبحانه بعيد عن الحسّ والمحسوسات، منزّه عن الجهة والمكان، محيط بعوالم الوجود من تنزّله سبحانه منزلة الحسّ والمحسوسات، واقعاً بمرأى ومنظر من الاِنسان يراه ويبصره كما يبصر البدر، يشاهده في أُفق عال وقد تعرّفت في التمهيد على أنّ السهولة في العقيدة وخلوّها عن الاَلغاز من سمات العقيدة الاِسلامية، فالجمع بين المعرفتين كجمع النصارى بين كونه واحداً وثلاثاً.

هذا من جانب، ومن جانب آخر نرى أنّه سبحانه كلّما طرح مسألة الروَية في القرآن الكريم فإنّما طرحها باستعظام من أن ينالها الاِنسان ويتلقّى سوَالها وتمنّيها من الاِنسان أمراً فظيعاً وقبيحاً وتطلّعاً إلى ما هو دونه.

1ـ قال سبحانه: «وإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُوَْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وأنْتُمْ تَنْظُرونَ * ثُمَّ بَعثناكُمْ مْن َبعدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرونَ» (البقرة ـ 55 ـ 56) .

2ـ وقال سبحانه: «يَسأَلُكَ أهْلُ الكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أكبَرَ مِنْ ذلكَ فَقالُوا أرِنَا اللّهَ جَهْرَةً فَأَخذتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا العِجْلَ مِنْ بَعدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلكَ وآتَينا مُوسى سُلطاناً مُبِيناً» (النساء ـ 153) .

3ـ وقال سبحانه: «ولَمّا جاءَ مُوسى لمِيقاتِنا وكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيكَ قَالَ لَنْ تَرانِي ولكِنِ انْظُرْ إلَى الجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسوفَ تَراني فَلَمّا تَجَلّـى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمّـا أفاقَ قالَ سُبحانَكَ تُبتُ إلَيكَ وأنَا أوّلُ الموَمنينَ» (الاَعراف ـ 143) .


(331)

4ـ وقال سبحانه: «و اختارَ مُوسى قَومَهُ سَبعِينَ رَجُلاً لِميقاتِنا فَلَمّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهُم مِنْ قَبلُ وإيّايَ أَتُهلِكُنا بِما فعلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إنْ هِيَ إلاّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وتَهدِي مَنْ تَشاءُ أَنتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وارحَمنا وأنتَ خَيرُ الغافِرينَ» (الاَعراف ـ 155) .

فالمتدبّر في هذه الآيات يقضي بأنّ القرآن الكريم يستعظم الروَية ويستفظع سوَالها ويقبّحه ويعدّ الاِنسان قاصراً عن أن ينالها على وجه ينزل العذاب غبَّ سوَالها. فلو كانت الروَية أمراً ممكناً ولو في وقت آخر لكان عليه سبحانه أن يتلطّف عليهم بأنّكم سترونه في الحياة الآخرة لا في الحياة الدنيا، ولكنّا نرى أنّه سبحانه يقابلهم بنزول الصاعقة فيقتلهم ثم يحييهم بدعاء موسى، كما أنّ موسى لما طلب الروَية وأُجيب بالمنع تاب إلى اللّه سبحانه وقال: «أنا أوّل الموَمنين» بأنّك لا تُرى. فإذا كانت الروَية نعمة عظمى كما يدّعيها القوم، فلا وجه لنزول العذاب عند طلبها غاية الاَمر، يجاب السائل بعدم الاِمكان في الدنيا.

فالاِمعان بما ورد فيها من عتاب وتنديد بل وإماتة وإنزال عذاب يدلّ بوضوح على أنّ الروَية فوق قابلية الاِنسان، وطلبه إليها أشبه بالتطلّع إلى أمر محال. فعند ذلك لو قيل للمتدبر بالآيات: إنّه روى قيس بن أبي حازم أنّه حدّثه جرير و قال: خرج علينا رسول اللّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ليلة البدر فقال: «إنّكم سترون ربّكم يوم القيامة كما ترون هذا لا تضامون في روَيته» (1) يجد الحديث مناقضاً لما ورد في هذه الآيات ويحدِّث في نفسه أنّه كيف صار الاَمر الممتنع أمراً ممكناً، والاِنسان غير الموَهّل على الروَية موَهّلاً لها.

إنّ هنا محاولتين، للتخلّص من التضاد الموجود بين الآيات، وخبر قيس بن أبي حازم الدال على وقوع الروَية في الآخر نأتي بهما.


(1)البخاري: الصحيح: 4|200.


(332)

المحاولة الاَُولى:

إنّ تعارض الآيات والرواية من قبيل تعارض المطلق والمقيّد، فلا مانع من الجمع بينهما بحمل الاَُولى على الحياة الحاضرة، والثانية على الحياة الآخرة (1).

يلاحظ عليه: بأنّ الجمع بين الآيات والرواية على نحو ما ذكر أشبه بمحاولة فقيه إذا فوجىَ بروايتين تكون النسبة بينهما هو العموم والخصوص المطلق، فيجمع بينهما بحمل المطلق على المقيد، ولو صح ما ذكر فانّما هو في المسائل الفرعية لا العقائدية، وليست الآيات الواردة فيها كالمطلق، والحديث كالمقيد، بل هي بصدد بيان العقيدة الاِسلامية على أنّه سبحانه فوق أن تناله الروَية وإنّ من تمنّاها فإنّما تمنّى أمراً محالاً.

والدافع إلى هذا الجمع إنّما هو تزمّتهم بالروايات وتلقّيهم صحيح البخاري وغيره صحيحاً على الاِطلاق لا يقبل النقاش والنقد، فلم يكن لهم محيص من المعاملة بالروايات والآيات معاملة الاِطلاق والتقيّد، ولاَجل ذلك فكلّما تليت هذه الآيات للقائلين بالجواز يجيبون بأنّ الجميع يعود إلى هذه الدنيا ولا صلة له بالآخرة، ولكنهم غافلون عن أنّ الآيات تهدف في تنديدها و توبيخها إلى ملاحظة طلب نفس الروَية بما هي هي، بغضِّ النظر عن الدنيا والآخرة، ولا صلة لها بظرف السوَال، فحمل تلك الآيات على ظرف خاص تلاعب بالكتاب العزيز وتقديم للسنّة على القرآن واعتماد على الظن مكان وجود القطع واليقين.

وأيمن اللّه لو لم يكن في الصحاح حديث قيس بن أبي حازم وغيره لما كان لديهم أيّ وازع على تأويل الآيات.


(1)يظهر ذلك الجواب عن أكثر المتأولين لآيات النفي حيث يقدرونها بالدنيا.


(333)

المحاولة الثانية:

لقد تصدّى أبو الحسن الاَشعري للاِجابة عن الآيات الاَخيرة وزعم أنّ الاستعظام إنّما كان لطلبهم الروَية تعنّتاً وعناداً قال: «إنّ بني إسرائيل سألوا روَية اللّه عزّ وجلّ على طريق الاِنكار لنبوّة موسى وترك الاِيمان به حتى يروا اللّه لاَنّهم قالوا: «لَنْ نُوَمنَ لكَ حتّى نرَى اللّهَ جَهرةً» فلمّا سألوه الروَية على طريق ترك الاِيمان بموسى ( عليه السلام ) حتى يريهم اللّه من غير أن تكون الروَية مستحيلة عليه، كما استعظم اللّه سوَال أهل الكتاب أن ينزل عليهم كتاباً من السماء من غير أن يكون ذلك مستحيلاً ولكن لاَنّهم أبوا أن يوَمنوا بنبيّ اللّه حتى ينزل عليهم من السماء كتاباً (1).

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ ما ذكره من أنّ الاستعظام لاَجل كون طلبهم كان عن عنادٍ، وتعنّتٍ لا لطلب معجزة زائدة، لو صحّ فإنّما يصح في غيره هذه الآيات، أعني في قوله سبحانه: «وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَينا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُتُوّاً كَبِيراً» (الفرقان ـ 21) لا في ما تلوناه من الآيات فإنّ الظاهر منها أنّ الاستعظام والاستفظاع راجعان إلى نفس السوَال بشهادة قوله: «فَقَدْ سَأَلوا مُوسى أكبَرَ مِنْ ذلكَ فَقالوا أرِنا اللّهَ جَهرةً فأَخَذَتْهُمُ الصّاعِقةُ بظُلْمِهِمْ» (النسـاء ـ 153) والذي يوضّـح ذلك أنّ التوبيخ والتنديد راجعان إلى نفس السوَال، مع غضّ النظر عن سبب السوَال وهل هو لغاية زيادة العلم أو للعتوّ ؟ أُمور:

1ـ أنّه سبحانه سمّى سوَالهم ظلماً وتعدياً عن الحد.

2ـ أنّ موسى سمّى سوَالهم، سوَالاً سفهياً.

3ـ عندما طلب موسى الروَية أُجيب بالخيبة والحرمان، ولم يكن سوَاله عن


(1)الابانة عن أُصول الديانة: 15، ط دار الطباعة المنيرية ـ القاهرة.


(334)

عناد واستكبار ولو كانت الخيبة مختصة بالدنيا، كان عليه سبحانه، الرجوع إليه بالعطف والحنان بأنّها غير ممكنة في هذه الدار وسوف تراني في الآخرة.

وثانياً: أنّه سبحانه وإن جمع في آية سورة النساء (1) بين نزول الكتاب من السماء عليهم، وروَية اللّه جهرة، لكن كون الاَوّل أمراً ممكناً لا يكون دليلاً على كون الثاني مثله، وذلك لاَنّ وجه الشبه بين الاَمرين ليس الاِمكان أو الاستحالة حتى يكونا مشاركين فيهما بل هو طلب أمر عظيم، وشيء ليسوا مستأهلين له، فلا يكون إمكان الاَوّل دليلاً على إمكان الثاني.

على أنّ قوله سبحانه: «فَقَدْ سَألوا مُوسى أكبرَ مِنْ ذلكَ»، مشير إلى الفرق بين الطلبين مع المشاركة في أمر الاستعظام وهو استحالة الثاني، دون الاَوّل ولذا أسماه: أكبر.

وبذلك يقف على ضعف ما ذكره الرازي في تفسيره، لكونه مأخوذاً من كلام إمامه الاَشعري. ونقل كلام أبي الحسين المعتزلي في كتاب التصفح وناقشه بوجه غير تام (2).



(1)النساء|153.
(2)الرازي: مفاتيح الغيب: 3|85.


(335)

5
روَية اللّه في الذكر الحكيم
دراسة أدلّة النافين
الآية الاَُولى:«لا تدركه الاَبصار»

قد عرفت تعبير الكتاب عن الروَية إجمالاً، وانّه يعد طلب الروَية وسوَالها أمراً فظيعاً، قبيحاً موجباً لنزول الصاعقة والعذاب، والآيات السالفة وضّحت موقف الكتاب من هذه المسألة لكن على وجه الاِجمال، غير أنّا إذا استنطقنا ما سبق من الآيات، نقف على قضاء الكتاب في أمر الروَية على وجه التفصيل وقد عقدنا هذا الفصل لدراسة بعض ما سبق، وتحليله حتى نتأكَّد مما فهمنا من الكتاب العزيز وإليك البيان:

قال سبحانه: «ذلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إلهَ إلاّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَـيءٍ فَاعْبُدوهُ وهوَ عَلى كُلِّ شَـيءٍ وَكِيلٌ لا تُدرِكُهُ الاَبصارُ وهوَ يُدرِكُ الاَبصارَ وهوَ اللَّطيفُ الخَبيرُ» (الاَنعام: 102ـ 103) تقرير الاستدلال يتمّ في مرحلتين:


(336)

المرحلة الاَُولى: في بيان مفهوم الدرك لغة:

الدرك في اللغة: اللحوق والوصول وليس بمعنى الروَية، ولو أُريد منه الروَية فإنّما هو باعتبار قرينيّة المتعلّق، قال ابن فارس: الدرك له أصل واحد (أي معنى واحد) وهو لحوق الشيء بالشيء ووصوله إليه، يقال: أدركت الشيء، أدركه إدراكاً، ويقال: أدرك الغلام والجارية إذا بلغا، وتدراك القوم: لحق آخرُهم أوّلهم، فأمّا قوله تعالى: «بَلِ ادّاركَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ» (النمل|66) فهو من هذا، لاَنّ علمهم أدركهم في الآخرة حين لم ينفعهم (1).

وقال ابن منظور مثلَه، وأضاف: ففي الحديث «أعوذ بك من درك الشقاء» أي لحوقه يقال: مشيتُ حتى أدركتُه، وعشتُ حتى أدركتُه وأدركته ببصري أي رأيته (2).

إذا كان الدرك بمعنى اللحوق والوصول فله مصاديق كثيرة فالاِدراك بالبصر التحاق من الرائي بالمرئي بالبصر، والاِدراك بالمشي كما في قول ابن منظور: «مشيت حتى أدركته» التحاق الماشي بالمتقدم بالمشي وهكذا غيره.

فإذا قال سبحانه: «لا تدُركُهُ الاَبصارُ» يتعيّن ذلك المعنى الكلّـي (اللحوق والوصول) بالروَية ويكون معنى الجملة أنّه سبحانه تفرّد بهذا الوصف تعالى عن الروَية دون غيره.

الثانية: في بيان مفهوم الآيتين:

إنّه سبحانه لما قال: «وهوَ عَلَى كُلِّ َشيءٍ وَكيلٌ» ربّما يتبادر إلى بعض


(1)ابن فارس: مقاييس اللغة: 2|366.
(2)ابن منظور: اللسان: 10|419.


(337)

الاَذهان أنّه إذا صار وكيلاً على كل شيء يكون جسماً قائماً بتدبير الاَُمور الجسمانية فدفعه بأنّه سبحانه مع كونه وكيلاً لكل شيء «لا تُدركُهُ الاَبصارُ» .

ولما يتبادر من ذلك الوصف إلى بعض الاَذهان أنّه إذا تعالى عن تعلّق الاَبصار فقد خرج عن حيطة الاَشياء الخارجية وبطل الربط الوجودي الذي هو مناط الاِدراك، والعلم بينه وبين مخلوقاته دفعه بقوله: «وهُوَ يُدركُ الاَبصارَ» ثم علّل بقوله: «وهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ» و «اللطيف» هو الرقيق النافذ في الشيء و «الخبير» من له الخبرة الكاملة فإذا كان تعالى محيطاً بكل شيء لرقّته ونفوذه في الاَشياء، كان شاهداً على كل شيء، لا يفقده ظاهر كل شيء وباطنه، ومع ذلك فهو عالم بظواهر الاَشياء وبواطنها من غير أن يشغله شيء عن شيء أو يحتجب عنه شيء بشيء.

وبعبارة أُخرى أنّ الاَشياء في مقام التصور على أصناف:

1ـ ما يَرى ويُرى، كالاِنسان.

2ـ ما لا يَرى ولا يُرى، كالاَعراض النسبية كالاِبوّة والبنوّة.

3ـ ما يُرى ولا يَرى، كالجمادات.

4ـ ما يَرى ولا يُرى وهذا القسم تفرد به خالق جميع الموجودات بأنّه يَرى ولا يُرى والآية بصدد مدحه وثنائه، بأنّه جمعَ بين الاَمرين يَرى ولا يُرى لا بالشق الاَوّل وحده نظير قوله سبحانه: «فَاطِرِ السَّمواتِ والاَرضِ وَهوَ يُطعِمُ ولا يُطعَمُ» (الاَنعام ـ 14) ودلالة الآية على أنّه سبحانه لا يُرى بالاَبصار بمكان من الوضوح، غير أنّ للرازي ومن لفّ لفه تشكيكات نأتي بها مع تحليلها.

الشبهة الاَُولى:

1ـ أنّ الآية في مقام المدح فإذا كان الشيء في نفسه تمتنع روَيته فلا يلزم من


(338)

عدم روَيته مدح وتعظيم للشيء، أمّا إذا كان في نفسه جائز الروَية ثم إنّه قدر على حجب الاَبصار عن روَيته وعن إدراكه كانت هذه القدرة الكاملة دالّة على المدح والعظمة، فثبت أنّ هذه الآية دالة على أنّه جائز الروَية حسب ذاته (1).

إنّ هذا التشكيك يحطّ من مقام الرازي فهو أكثر عقلية من هذا التشكيك، وذلك لاَنّه زعم أنّ المدح بالجملة الاَُولى، أعني قوله سبحانه: «لا تدركُهُ الاَبصارُ» وغفل عن أنّ المدح بمجموع الجزأين المذكورين في الآية، بمعنى أنّه سبحانه لعلوّ منزلته لا يُدرَك وفي الوقت يُدرِك غيره، وهذا ظاهر لمن تأمّل في الآية ونظيرتها أي يُطعِم ولا يُطعَم، فهل يرضى الرازي بأنّه سبحانه يمكن له الاَكل والطعم.

الشبهة الثانية:

إنّ لفظ الاَبصار صيغة جمع دخل عليها الاَلف واللام فهو يفيد الاستغراق فقوله: «لا تدركه الاَبصار» بمعنى لا يراه جميع الاَبصار، وهذا يفيد سلب العموم ولا يفيد عموم السلب (2).

يلاحظ عليه: أنّ المتبادر في المقام كما في نظائره هو عموم السلب أي لا يدركه أحد من ذوي الاَبصار نظير قوله سبحانه: «إنَّ اللّهَ لا يُحِبُّ المُعتَدِينَ» (البقرة|190) وقوله سبحانه: «فإنَّ اللّهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ» (آل عمران ـ 32) وقال سبحانه: «واللّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ» (آل عمران ـ 57) .

يقول الاِمام علي ( عليه السلام ): «الحمد للّه الذي لا يبلغ مدحته القائلون، ولا يحصي نعماءه العادّون، ولا يوَدّي حقه المجتهدون، الذي لا يدركه بُعد الهمم، ولا


(1)الرازي: مفاتيح الغيب: 13|125.
(2)الرازي: مفاتيح الغيب: 13|126.


(339)

يناله غوض الفطن» (1).

فهل يحتمل الرازي في هذه الآيات والجمل سلب العموم وأنّه سبحانه لا يحب جميع المعتدين والكافرين والظالمين ولكن يحب بعضَ المعتدين والكافرين والظالمين، أو أنّ بعض القائلين يبلغون مدحته، ويحصون نعماءه. وهذا دليل على اتخاذ الرازي للموقف المسبَّق، ثم دراسة القرآن لاَجل دعمه، وهو آفة لفهم الصحيح من الكتاب.

الشبهة الثالثة: الاِدراك هو الاِحاطة:

إنّ هذه الشبهة ذكرها ابن حزم في فِصَله، والرازي في مفاتيح الغيب، وابن قيّم في كتاب حادي الاَرواح إلى بلاد الاَفراح (2) وقد أسهبوا الكلام في تطوير الشبهة ولا يسع المقام لنقل عباراتهم كلّها وإنّما نشير إلى المهم من كلماتهم.

وبما أنّ الاَساس ـ لكلام هوَلاء ـ هو ابن حزم الظاهري نذكر نصّ كلامه أوّلاً، قال: إنّ الاِدراك في اللغة يفيد معنى زائد على النظر، وهو بمعنى الاِحاطة وليس هذا المعنى في النظر والروَية، فالاِدراك (الاِحاطة) فيض عن اللّه تعالى على كل حال في الدنيا والآخرة والدليل على ذلك قوله سبحانه: «فَلَمّا تراءا الجَمْعانِ قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ * قالَ كَلاّ إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ» ففرق اللّه عزّ و جلّ بين الاِدراك والروَية فرقاً جليّاً لاَنّه تعالى أثبت الروَية بقوله: «فَلَمّا تراءا الجَمْعانِ» وأخبر تعالى بأنّه رأى بعضهم بعضاً فصحت منهم الروَية لبني إسرائيل، ولكن نفى اللّه الاِدراك، بقول موسى ( عليه السلام ) لهم: «كلا إنّ معيَ ربّي سيهدينِ» فأخبر تعالى أنّه رأى أصحاب فرعون بني إسرائيل ولم يدركهم، ولا


(1)نهج البلاغة، الخطبة الاَُولى.
(2)وقبلهم الطبري كما سيوافيك نصّه في خاتمة المطاف.


(340)

شك في أنّ ما نفاه اللّه تعالى غير الذي أثبته فالاِدراك غير الروَية والحجّة لقولنا قول اللّه تعالى (1).

يلاحظ عليه: أنّ الشبهة تعرب عن أنّ صاحبها لم يقف على كيفية الاستدلال بالآية على نفي الروَية فزعم أنّ أساسه هو كون الاِدراك في اللغة بمعنى الروَية فردّ عليه بأنّه ليس بمعنى الروَية بشهادة أنّه سبحانه جمع في الآية بين إثبات الروَية ونفي الدرك، ولكنه غفل عن أنّ مبدأ الاستدلال ليس ذلك وقد قلنا سابقاً: إنّ الاِدراك في اللغة بمعنى اللحوق والوصول وليس بمعنى الروَية ابتداءً، وإنّما يتعيّن في النظر والروَية حسب المتعلق، ولاَجل ذلك لو جرّد عن المتعلق ـ كما في الآية ـ لا يكون بمعنى الروَية، ولذلك جمع فيها بين الروَية ونفي الدرك، لاَنّ الدرك هناك بحكم عدم المتعلق كالبصر بمعنى اللحوق والوصول فقد وقع التراءي بين الفريقين ورأى فرعون وأصحاب بني إسرائيل ولكن لم يدركوهم أي لم يلحقونهم.

وعلى ضوء ذلك إذا جرّد عن المتعلق بمثل البصر والسمع يكون بمعنى اللحوق، وإذا اقترن بمتعلّق مثل البصر يتعين في النظر والروَية لكن على وجه الاِطلاق من غير تقيّد بالاِحاطة.

فبطل قوله «بأنّ الاِدراك يدل على معنى زائد على النظر وهو الاِحاطة»، بل الاِدراك مجرّداً عن القرينة لا يدل على الروَية أبداً، ومع اقتران القرينة و وجود المتعلّق يدل على الروَية والنظر على وجه الاِطلاق من غير نظر إلى الفرد الخاص منها أعني الروَية.

وبذلك يظهر أنّ ما أطنب به الرازي في كلامه لا يرجع إلى شيء.


(1)ابن حزم: الفصل في الملل والنحل: 3|32 ولاحظ: ابن القيم: حادي الاَرواح إلى بلاد الاَفراح: 299.


(341)

حيث قال: لا نسلّم أنّ إدراك البصر تعبير عن الروَية بل هو بمعنى الاِحاطة، فالمرئي إذا كان له حد ونهاية وأدركه البصر بجميع حدوده وجوانبه ونهاياته صار كأنّ ذلك الاِبصار إحاطة به فسمّى هذه الروَية إدراكاً، أمّا إذا لم يحط البصر بحوانب المرئي لم تسمّ تلك الروَية إدراكاً، فالحاصل أنّ الروَية جنس تحتها نوعان، روَية مع الاِحاطة وروَية لا مع الاِحاطة. والروَية مع الاِحاطة هي المسماة بالاِدراك فنفي الاِدراك يفيد نفيَ نوع واحد من نوعي الروَية، ونفي النوع لا يوجب نفس الجنس، فلم يلزم من نفي الاِدراك عن اللّه تعالى نفي الروَية عنه، ثم قال: فهذا وجه حسن مقبول في الاعتراض على كلام الخصم (1).

يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره الرازي افتراء على اللغة حفاظاً على المذهب وهذا أشبه بتفسير القرآن بالرأي، ولولا أنّ الرازي من أتباع المذهب الاَشعري لما تجرّأ بذلك التصرف.

نسأله: ما الدليل على أنّ الاِدراك إذا اقترن بالبصر يكون بمعنى الاِدراك الاِحاطي، مع أنّنا نجد خلافه في الاَمثلة التالية، نقول: أدركت طعمه، أو ريحه، أو صوته، فهل هذه بمعنى أحطنا إحاطة تامة عليها، أو أنّه بمعنى مجرد الدرك بالاَدوات المذكورة من غير اختصاص بصورة الاِحاطة، مثل قولهم أدرك الرسول، فهل هو بمعنى الاِحاطة بحياته أو يراد منه إدراكه مرة أو مرتين، ولم يفسره أحد من أصحاب المعاجم بما ذكره الرازي.

وحاصل الكلام أنّ اللفظة إذا اقترنت ببعض أدوات الاِدراك كالبصر والسمع يحمل المعنى الكلي أي اللحوق والوصول على الروَية والسماع سواء كان الاِدراك عل وجه الاِحاطة أو لا، وأمّا إذا تجرّدت اللفظة عن القرينة تكون بمعنى نفس اللحوق، قال سبحانه: «حَتّى إذا أَدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ آمَنتُ أنَّهُ لا إلهَ إلاّ الَّذِي


(1)الرازي: مفاتيح الغيب: 13|127.


(342)

آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إسرائيلَ وأنَا مِنَ المُسْلِمِينَ» (يونس ـ 90) ومعنى الآية: حتّى إذا لحقه الغرق و رأى نفسه غائصاً في الماء استسلم وقال «آمنت ...» .

وقال سبحانه: «فاضرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي البَحرِ يَبَساً لا تَخافُ دَرَكاً ولا تَخشى» (طه ـ 77) .

أي لا تخاف لحوق فرعون وجيشه بك وبمن معك من بني إسرائيل وقال سبحانه: «فَلَمّا تراءَا الجَمعانِ قالَ أصحابُ مُوسى إنّا لَمُدرَكونَ» (الشعراء ـ 61) فأثبت الروَية ونفى الدرك و ما ذلك إلاّ لاَنّ الاِدراك إذا جُرِّد عن المتعلّق لا يكون بمعنى الروَية بتاتاً بل بمعنى اللحوق.

نعم إذا اقترن بالبصر يكون متمحّضاً في الروَية من غير فرق بين نوع ونوع، وتخصيصه، بالنوع الاِحاطي لاَجل دعم المذهب، افتراء على اللغة.



(343)

روَية اللّه في الذكر الحكيم
دراسة أدلّة النافين

الآية الثانية: الروَية إحاطة علمية باللّه سبحانه

قال سبحانه: «يَومئذٍ لا تَنفعُ الشَّفاعةُ إلاّ مَنْ أذِنَ لَهُ الرَّحمنُ وَرَضِيَ لهُ قَولاً * يَعلمُ ما بينَ أيديِهمْ وما خَلفَهُمْ ولا يُحيطونَ بِهِ عِلماً» (طه ـ 109 ـ 110) .

إنَّ الآية تتركب من جزأين:

الاَوّل: قوله: «يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم» .

الثاني: قوله: «ولا يحيطون به علماً» .

والضمير المجرور في قوله «به» يعود إلى اللّه سبحانه.

ومعنى الآية:

اللّه يحيط بهم لاَنّه «يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم» ويكون معادلاً لقوله: «وهو يُدركُ الاَبصارَ» ولكنهم «لا يحيطون به علماً» ويساوي قوله «لا تدركه الاَبصار» .

وأمّا كيفية الاستدلال فبيانها أنّ الروَية سواء أوقعت على جميع الذات أم على


(344)

جزء منه، نوع إحاطة علمية من البشر به سبحانه، وقد قال: «ولا يحيطون به علماً» .

ولكن الرازي لاَجل التهرب من دلالة الآية على امتناع روَيته سبحانه قال: بأنّ الضمير المجرور يعود إلى قوله: «ما بينَ أيديهِم وما خَلفهم» أي لا يحيطون بما بين أيديهم وما خلفهم واللّه سبحانه محيط بما بين أيديهم وما خلفهم.

أقول: إنّ الآية تحكي عن إحاطة علمه سبحانه يوم القيامة بشهادة ما قبلها «يومئذٍ لا تنفع الشفاعة إلاّ من أذن له الرَّحمن ورضِـيَ له قولا» وعندئذ يكون المراد من الموصول في قوله سبحانه: «يعلم ما بين أيديهم» هو الحياة الاَُخروية الحاضرة وقوله سبحانه: «وما خلفهم» هو الحياة الدنيوية الواقعة خلف الحياة الاَُخروية وحينئذ لو رجع الضمير في قوله: «ولا يحيطون به علماً» إلى الموصولين يكون مفاد الآية عدم إحاطة البشر بما يجري في النشأتين وهو أمر واضح لا حاجة إلى التركيز عليه. وهذا بخلاف إذا رجع إلى «اللّه» تكون الآية بصدد التنزيه ويكون المقصود أنّ اللّه يحيط بهم علماً وهوَلاء لا يحيطون كذلك على غرار سائر الآيات.


(345)

روَية اللّه في الذكر الحكيم
دراسة أدلّة النافين

الثالثة: ردّ السوَال بنفي الروَية موَبداً

قال سبحانه: «ولَمّا جاءَ مُوسى لمِيقاتِنا وكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيكَ قَالَ لَنْ تَرانِي ولكِنِ انْظُرْ إلَى الجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسوفَ تَراني فَلَمّا تَجَلّـى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمّا أفاقَ قالَ سُبحانَكَ تُبتُ إلَيكَ وأنَا أوّلُ الموَمنينَ» (الاَعراف ـ 143) .

استدلّ ـ بهذه الآية ـ النافي والمثبت، ومن المعلوم أنّه ليس لها إلاّ مدلول واحد فكيف يمكن التمسك بها على قولين متناقضين، وما هذا إلاّ لاَنّ أحد المستدلين ينظر إلى الآية لا بنيّة دراستها مجرّدة عن كل هوى سابق وإنّما ينظر إليها ليحتج بها على ما يتبناه وهذا من قبيل التفسير بالرأي الذي نهى النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) عنه بالخبر المتواتر. وبالتالي قلّ من نظر إليها بموضوعية خالية عن كل رأي مسبق.


(346)

مفهوم الآية عند عرضها على عربي صميم:

لا شك أنّنا إذا عرضا الآية على عربي صميم لم يتأثر ذهنه بالمناقشات الكلامية الدائرة بين النفاة والمثبتين وطلبنا منه أن يبيّن الاِطار العام للآية ومفادها ومنحاها وأنّها بصدد بيان امتناع الروَية أو جوازها؟ يجيب بصفاء ذهنه بأنّ الاِطار العام لها هو تعاليه سبحانه عن الروَية وأنّ سوَاله أمر عظيم فظيع لا يمحى أثره إلاّ بالتوبة، ففهم ذلك العربي حجّة لنا لا يجوز لنا العدول عنها، والقرآن نزل بلسان عربي مبين ولم ينزل بلسان المتكلمين أو المجادلين.

كما أنّا إذا أردنا أن نفسر مفاد الآية تفسيراً صناعياً، فلا شك أنّه يدل أيضاً على تعاليه عنها وذلك بوجوه:

1ـ الاِجابة بالنفي الموَبد:

لما سأل موسى روَية اللّه تبارك وتعالى أُجيب بـ «لن تراني» والمتبادر من هذه الجملة أي قوله «لن تراني» هو النفي الاَبدي الدال على عدم تحققها أبداً.

والدليل على ذلك هو تتبّع موارد استعمال كلمة «لن» في الذكر الحكيم، فلا تراها متخلّفة عن ذلك حتى في مورد واحد.

1ـ قال سبحانه: «إنَّ الَّذينَ تَدعونَ منْ دونِ اللّهِ لَنْ يَخلُقوا ذُباباً ولَوِ اجتمَعُوا لَهُ» (الحج ـ 73) .

«إنْ تَستغفِرْ لَهمْ سَبعينَ مرّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ» (التوبة ـ 80) .

«إنَّ الَّذينَ كَفَروا وصَدُّوا عنْ سبيلِ اللّهِ ثمَّ ماتُوا وهم كفّارٌ فلنْ يَغفرَ اللّهُ لهمْ» (محمد ـ 34) .


(347)

«سواءٌ عَليهمْ أَسْتغفَرتَ لهمْ أمْ لمْ تَستغفِرْ لَهُمْ لنْ يغفرَ اللّهُ لَهُمْ» (المنافقون ـ 6) .

«ولَنْ تَرضى عَنكَ اليَهودُ ولا النَّصارى حتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهمْ» (البقرة ـ 120) .

«فإنْ رَجَعكَ اللّهُ إلى طائفةٍ منهمْ فَاستَأْذَنوكَ لِلخُروجِ فَقلْ لنْ تَخرُجُوا مَعِيَ أبداً ولَنْ تُقاتِلوا معيَ عدُوّاً» (التوبة ـ 83) .

إلى غير ذلك من الآيات الصريحة في أنّ «لن» تفيد التأبيد.

وربّما نوقش في دلالة «لن» على التأبيد مناقشة ناشئة عن عدم الوقوف الصحيح على مقصود النحاة من قولهم «لن» موضوعة للتأبيد، ولتوضيح مرامهم نذكر أمرين ثم نعرض المناقشة عليهما.

1ـ إنّ المراد من التأبيد ليس كون المنفي ممتنعاً بالذات بل كونه غير واقع، وكم فرق بين نفي الوقوع ونفي الاِمكان، نعم ربّما يكون عدم الوقوع مستنداً إلى الاستحالة الذاتية.

2ـ إنّ المراد من التأبيد هو النفي البات وهذا قد يكون غير محدد بشيء وربّما يكون محدداً بظرف خاص، فيكون معنى التأبيد، بقاء النفي بحالة ما دام الظرف باقياً.

إذا عرفت الاَمرين تقف على وهن ما نقله الرازي عن الواحدي من أنّه قال: ما نقل عن أهل اللغة أنّ كلمة لن للتأبيد، دعوى باطلة، والدليل على فساده قوله تعالى في حق اليهود: «ولنْ يتمنَّوهُ أبَداً بِما قدَّمتْ أيديهمْ واللّهُ عليمٌ بِالظّالمينَ» (البقرة ـ 95) قال: وذلك لاَنّهم يتمنون الموت يوم القيامة بعد دخولهم النار، قال سبحانه: «ونادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلينا ربُّكَ قالَ إنَّكمْ ماكِثونَ» (الزخرف ـ 77)


(348)

فإنّ المراد من «ليقض علينا» هو القضاء بالموت (3).

وجه الضعف ما عرفت من أنّ التأبيد على قسمين، غير محدّد ومحدّد بإطار خاص، ومن المعلوم أنّ قوله سبحانه: «ولن يتمنّونه» ناظر إلى التأبيد في الاِطار الذي اتخذه المتكلم ظرفاً لكلامه وهو الحياة الدنيا، فالمجرمون ما داموا في الحياة الدنيا لا يتمنون الموت أبداً، لعلمهم بأنّ اللّه سبحانه بعد موتهم يقدّمهم للحساب والجزاء ولاَجل ذلك لا يتمنوه أبداً قط. وأما تمنيهم الموت بعد ورودهم العذاب الاَليم فلم يكن داخلاً في مفهوم الآية الاَُولى حتى يعد التمني مناقضاً للتأبيد.

ومن ذلك يظهر وهن كلام آخر وهو: أنّه ربما يقال: إنّ «لن» لا تدل على الدوام والاستمرار، بشهادة قوله: «إنّي نَذَرتُ للرَّحمنِ صَوماً فلنْ أُكلِّمَ اليومَ إِنسِيّاً» إذ لو كانت «لن» تفيد تأبيد النفي لوقع التعارض بينها وبين كلمة «اليوم» لاَنّ اليوم محدد معيّن، وتأبيد النفي غير محدد ولا معيّن، ومثله قوله سبحانه على لسان ولد يعقوب: «فلنْ أبرحَ الاَرضَ حتّى يأذنَ لي أبي» حيث حدّد بقاءه في الاَرض بصدور الاِذن من أبيه (4).

وجه الوهن: أنّ التأبيد في كلام النحاة ليس مساوياً للمعدوم المطلق بل المقصود هو النفي البات الذي لا يشق، والنفي البات الذي لا يكسر ولا يشق على قسمين: تارة يكون الكلام غير محدد بظرف خاص ولا تدل عليه قرينة حالية ولا مقالية فعندئذ يسابق التأبيدُ المعدوم المطلق، وأُخرى يكون الكلام محدّداً بزمان حسب القرائن اللفظية والمثالية فيكون التأبيد محدداً بهذا الظرف أيضاً، ومعنى قول مريم: «فلن أُكلِّم اليوم إنسيّا» هو النفي البات في هذا الاِطار ولا ينافي تكلمها بعد هذا اليوم.


(1)الرازي: مفاتيح الغيب: 14|227.
(2)عباس حسن: النحو الوافي: 4|281 كما في كتاب روَية اللّه للدكتور أحمد بن ناصر.


(349)

والحاصل أنّ ما أُثير من الاِشكال في المقام ناشىَ من عدم الاِمعان فيما ذكرنا من الاَمرين فتارة حسبوا أنّ المراد من التأبيد هو الاستحالة فأوردوا بأنّه ربّما يكون المدخول أمراً ممكناً كما في قوله «فَقُلْ لَن تَخرجوا معيَ أبداً» (التوبة ـ 83) وأُخرى حسبوا أنّ التأبيد يلازم النفي والمعدوم المطلق فناقشوا بالآيات الماضية التي لم يكن النفي فيها نفياً مطلقاً، ولو أنّهم وقفوا على ما ذكرنا من الاَمرين لسكتوا عن هذه الاعتراضات.

وبما أنّه سبحانه لم يتخذ لنفي روَيته ظرفاً خاصاً، يكون مدلوله أنّه لا تتحقق الروَية أبداً لا في هذه الدنيا ولا في الآخرة.

والحاصل أنّ الآية صريحة في عدم احتمال الطبيعة البشرية لذلك الاَمر الجلل ولذلك أمره أن ينظر إلى الجبل عند تجلّيه، فلمّـا اندكّ الجبل خرّ موسى مغشياً عليه من الذعر، ولو كان عدم الروَية مختصاً بالحياة الدنيا لما احتاج إلى هذا التفصيل بل كان في وسعه سبحانه أن يقول لا تراني في الدنيا ولكن تراني في الآخرة فاصبر حتى يأتيك وقته، والاِنسان مهما بلغ كمالاً في الآخرة فهو لا يخرج عن طبيعته التي خلق عليها وقد بيّن سبحانه أنّه خلق ضعيفاً.

2ـ تعليق الروَية على أمر غير واقع:

علّق سبحانه الروَية على استقرار الجبل وبقائه على الحالة التي هو عليها عند التجلّـي. وعدم تحوّله إلى ذرات ترابية صغار بعده، والمفروض أنّه لم يبق على حالته السابقة وبطلت هويته وصار تراباً مدكوكاً فإذا انتفى المعلق عليه (بقاء الجبل على حالته) ينتفي المعلق، وهذا النوع من الكلام، طريقه معروفة، حيث يعلِّقون وجود الشيء بما يعلم أنّه لا يكون، واللّه سبحانه بما أنّه يعلم أنّ الجبل لا يستقر في مكانه ـ بعد التجلّـي ـ فيعلّق الروَية على استقراره، حتى يستدل بانتفائه


(350)

على انتفائه قال سبحانه: «ولا يدخلون الجنّة حتى يلج الجمل في سَمِّ الخياط» (الاَعراف ـ 40) .

والحاصل أنّ المعلَّق عليه هو وجود الاستقرار بغض النظر عن كونه أمراً ممكناً أو مستحيلاً، والمفروض أنّه لم يستقر فبانتفائه ينتفي ما علِّق عليه وهو الروَية، وبالاِمعان فيما ذكر تستغني عن جلّ ما ذكره المتكلمون من المعتزلة و الاَشاعرة حول المعلَّق عليه (1).

ولاِراءة نموذج من كلامهم نأتي بما ذكره الرازي قال: إنّه تعالى علَّق روَيته على أمر جائز والمعلّق على الجائز جائز فيلزم كون الروَية في نفسها جائزة بدليل قوله: «فإن استقرَّ مكانه فسوف تراني» واستقرار الجبل أمر جائز الوجود في نفسه فثبت أنّه تعالى علّق روَيته على جائز الوجود في نفسه ... (2).

يلاحظ عليه: أنّ المعلّق عليه، ليس إمكان الاستقرار وكونه أمراً ممكناً مقابل كونه أمراً محالاً عليه حتى يكون أمراً حاصلاً، ويلزم عليه وجود المعلق أعني الروَية مع أنّ المفروض عدمها بل المعلّق عليه بقاء الجبل على ما كان عليه، إذ لو كان المعلق عليه إمكان الاستقرار فقد كان بحالته التي كان عليها حين التكلم، والمفروض أنّه لم يبق عليها بل دُكَّ وصار تراباً مستوياً بالاَرض.

3ـ تنزيهه سبحانه بعد الاِفاقة عن الروَية:

تذكر الآية بأنّ موسى لما أفاق فأوّل ما تكلّم به هو تسبيحه سبحانه وتنزيهه


(1)القاضي عبد الجبار: شرح الاَُصول الخمسة: 265، والشريف الجرجاني: المواقف: 8|121، والرازي: مفاتيح الغيب: 14|231، وإنّي ـ بدوري ـ أضنُّ بالحبر والقلم والورق من صرفها في نقل كلماتهم في المقام.
(2)الرازي: مفاتيح الغيب: 14|231.


(351)

وقال «سبحانك» وذلك لاَنّ الروَية لا تنفك عن الجهة والجسمية وغيرهما من النقائص فنزّه سبحانه عنها، فطلبها نوع تصديق لها.

ومن مصاديق التفسير بالرأي ما ربّما يقال: إنّ المراد هو تنزيه اللّه وتعظيمه وإجلاله عن أن يتحمّل روَيته من كتب عليه الفناء، حتى لا يتعارض مع ما ورد من إثبات الروَية عن اللّه ورسوله في دار الآخرة، وليست الروَية من النقائص على ما يدّعيه نفاتها فهي ليست نقصاً في المخلوق بل هي كمال، وكل كمال اتّصف به المخلوق وأمكن أن يتصف به الخالق، فالخالق أولى (1).

يلاحظ عليه: بأنّه من أين وقف على اختصاص النفي بمن كتب عليه الفناء، مع إطلاق الآية ولماذا لا يجعل الموضوع لعدم تحملها، الوجود الاِمكاني القاصر المحفوظ في كلتا الدارين.

وما ذكره في آخر كلامه من أنّ كل كمال اتصف به المخلوق وأمكن أن يتصف به الخالق فالخالق أولى به صحيح من حيث الضابطة والقانون، لكنّه باطل من حيث التطبيق على المورد، فانّ ما يوصف به المخلوق على قسمين فمنه ما يكون كمالاً له ككونه عالماً قادراً حيّاً سميعاً بصيراً فاللّه أولى بأن يوصف به، ومنه ما لا يكون كمالاً له ككونه مرئيّاً للغير، فلا يوصف به سبحانه ولو افترضنا كونه كمالاً في الاَوّل فهو موجب للنقص في الثاني لاستلزامه التجسيم والتشبيه والجهة والحاجة إلى المكان، تعالى عمّـا يقول الظالمون علوّاً كبيراً.

وكان الاَولى للكاتب وأشياخه فروخ الحشوية أن لا يخوضوا في أغوار هذه المسائل التي ما شمّها ولا ولج بابها، لا هو ولا شيوخه.

إذا لم تستطع أمراً فدعه * وجاوزه إلى ما تستطيع


(1)الدكتور أحمد بن ناصر: روَية اللّه تعالى: 47 ـ 48.


(352)

4ـ توبته لاَجل طلب الروَية:

إنّه ( عليه السلام ) بعد ما أفاق، أخذ بالتنزيه أوّلاً والتوبة والاِنابة إلى ربّه ثانياً، وظاهر الآية أنّه تاب من سوَاله كما أنّ الظاهر من قوله: «وأنا أوّل الموَمنين» أنّه أوّل المصدقين بأنّه لا يرى بتاتاً.

إنّ للباقلاني ـ أحد دعاة مذهب الاِمام الاَشعري ـ كلاماً في تفسير التوبة، أشبه بالتفسير بالرأي قال:

يحتمل أنّ موسى تاب لاَجل أنّه ذكر ذنوباً له قد قدّم التوبة منها، فجدد التوبة عند ذكرها لهول ما رأى، أو تاب من ترك استئذانه منه سبحانه في هذه المسألة العظيمة (1).

كل ما ذكره وجوه لا يتحملها ظاهر الآية وإنّما تورط فيها لاَجل دعم المذهب وهذا هو الذي ندد به النبي الاَكرم وقال: «من فسّـر القرآن برأيه فليتبوّأْ مقعده من النار» ومثله قول الرازي في تفسير قوله: «وأنا أوّل الموَمنين» بأنّه لا يراك أحد في الدنيا، أو أوّل الموَمنين بأنّه لا يجوز السوَال منك إلاّ باذنك (2).

شبهتان للمخالف:

قد تقدم أنّ الآية استدل بها النفاة والمثبتون وقد تعرفت على استدلال النافين وليس استدلال المثبتين للروَية استدلالاً علمياً، وإنّما يرجع محصل كلامهم إلى إبداء شبهتين نأتي بهما:


(1)الباقلاني (ت 403هـ) : التمهيد: 270 ـ 271.
(2)الرازي: مفاتيح الغيب: 14|235 بتلخيص. لاحظ خاتمة المطاف تجد فيها كلمات السلف الصالح في تفسير التوبة.


(353)

الاَُولى: لو كانت ممتنعة لما سألها الكليم:

إنّ الآية دالة على أنّ موسى ( عليه السلام ) سأل الروَية ولا شك أنّ موسى ( عليه السلام ) يكون عارفاً بما يجب ويجوز ويمتنع على اللّه تعالى، فلو كانت الروَية ممتنعة على اللّه تعالى لما سألها وحيث سألها علمنا أنّ الروَية جائزة على اللّه تعالى (1).

الاستدلال بطلب موسى إنّما يكون متقناً إذا تبين أنّه ( عليه السلام ) طلبها باختيار ومن غير ضغط من قومه فعندئذ يصلح للتمسك به ظاهراً وأنّى للمستدل إثبات ذلك، مع أنّ القرائن تشهد على أنّه سأل الروَية على لسان قومه حيث كانوا مصرّين على ذلك على وجه يأتي بيانه، وتوضيحه يتوقف على بيان أُمور:

1ـ أنّه سبحانه ذكر قصة ميقات الكلام وطلب الروَية أوّلاً (الاَعراف ـ 143).

2ـ أنّه سبحانه أتبعها بذكر قصة العجل وما دار بين موسى وأخيه وقومه ثانياً (الاَعراف 148 ـ 154) وقد تقدمت آياتهما.

3ـ ثم نقل اختيار موسى من قومه سبعين رجلاً لميقاته سبحانه وقال: «واختارَ مُوسى قومَهُ سَبعينَ رَجلاً لميقاتِنا فَلمّا أخذتهُمُ الرَّجفةُ قالَ ربِّ لَو شئتَ أهلكتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وإيّايَ أتُهلكُنا بِما فعلَ السُّفهاءُ مِنّا إنْ هيَ إلاّ فِتنتُكَ تُضِلُّ بِها منْ تَشاءُ وَتهدي مَنْ تشاءُ أنتَ وَلِيُّنا فاغفِرْ لَنا وارحَمنا وأنتَ خيرُ الغافرينَ» (الاَعراف ـ 155) .

والاِجابة الحاسمة تتوقف على توضيح أمر آخر وهو: هل كان سوَال موسى الروَية من متممات طلب القوم الروَية أو كان أمراً مستقلاً، لا صلة له بطلب القوم من غير فرق بين القول بوقوع الطلبين في زمان واحد أو زمانين بل المهم، وجود


(1) الرازي: مفاتيح الغيب: 14|229.


(354)

الصلة بين السوَالين وعدمها وكون الثاني من توابع السوَال الاَوّل.

والظاهر بل المقطوع هو الاَوّل ويدل على ذلك أمران:

الاَوّل: سياق الآيات ليس دليلاً قطعياً:

إنّ ذهاب موسى بقومه إلى الميقات كان قبل تحقق قصة العجل لقوله سبحانه: «يَسألُكَ أهلُ الكتابِ أنْ تُنزِّلَ عَليهمْ كِتاباً من السَّماءِ فقدْ سأَلوا مُوسى أكبرَ منْ ذلكَ فقالُوا أرِنا اللّهَ جَهرةً فأخذتهُمُ الصّاعقة بظُلمهِمْ ثمَّ اتَّخَذُوا العِجلَ منْ بعدِ ما جاءَتهمُ البيِّناتُ فَعفوْنا عن ذلكَ» (النساء ـ 153) فانّ تخلّل لفظة «ثم» حاك عن تأخرها عن الذهاب، ومع ذلك كلّه فقد جاء ذكر ذهابهم في سورة الاَعراف بعد ذكر قصة العجل، وهذا لو دلّ على شيء فإنّما يدل على أنّ السياق ليس دليلاً قطعياً لا يجوز مخالفته، فكما جاز تأخير المتقدم وجوداً في مقام البيان فكذلك يجوز تكرار ما جاء في أثناء القصة في آخرها لنكتة ستوافيك.

فما نقله الرازي عن بعضهم من أنّهم خرجوا إلى الميقات ليتوبوا عن عبادة العجل فقالوا في الميقاة: أعطنا ما لم تعطه أحداً قبلنا ... (1)ليس بشيء وقد عرفت تصريح الآية على تقدم السوَال على عبادته.

الثاني: استقلال السوَالين غير معقول:

إنّ لاحتمال استقلال السوَالين صورتين:

الاَُولى: أن يتقدم سوَال موسى روَية اللّه لنفسه ثم يحدث ما حدث، من خروره صعقاً وإفاقته وإنابته، ثم إنّه بعد ما سار بقومه إلى الميقات سأله قومه أن يُرِي اللّه لهم جهرة فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون.


(1)الرازي: مفاتيح الغيب: 14|239.


(355)

الثانية: عكس الصورة الاَُولى، بأن يسير موسى بقومه إلى الميقات ثم يسألونه روَية اللّه جهرة فيحدث ما حدث، ثم هو في يوم آخر أو بعد تلك الواقعة يسأل الروَية لنفسه فيخاطب بقوله: «لن تراني ولكن انظر إلى الجبل» .

إنّ العقل يحكم بامتناع كلتا الصورتين عادة حسب الموازين العادية.

أمّا الاَُولى: فلو كان موسى متقدماً في السوَال وسمع من اللّه ما خاطبه به من قوله: «لن تراني» لكان عليه أن يذكِّر قومه بعواقب السوَال وأنّه سألها ربّه ففوجىَ بالغشيان، مع أنّا نرى أنّه لم يذكرهم بشيء ممّا جرى عليه غبَّ طلبهم. ولو ذكّرهم لما سكت عنه الوحي.

أمّا الثانية: فهو أيضاً مثله لاَنّه إذا تقدم سوَال قومه الروَية وشاهد موسى ما شاهد وسمّى عملهم فعل السفهاء فلا يصح في منطق العقل أن يطلب الكليم ذلك لنفسه مستقلاً.

كل ذلك يعرب عن أنّه لم يكن هناك ميقاتان ولا لقاءان ولا سوَالان مستقلان وإنّما كان هناك ميقات واحد ولقاء واحد وسوَالان بينهما ترتّب و صلة، والدافع إلى السوَال الثاني هو نفس الدافع إلى السوَال الاَوّل، وعندئذ لا يدل سوَال موسى الروَية على كونها أمراً ممكناً لاندفاعه إلى السوَال من قبل قومه.

توضيح ذلك: أنّ الكليم لما أخبر قومه بأنّ اللّه كلّمه وقرّبه وناجاه، قال قومه: لن نوَمن بك حتى نسمع كلامه كما سمعتَ فاختار منهم سبعين رجلاً لميقاته، وسأله سبحانه أن يكلِّمه فلمّا كلَّم اللّه وسمع القوم كلامه قالوا: « لن نوَمن لك حتى نرى اللّه جهرة» فعند ذلك أخذتهم الصاعقة بظلمهم، وإلى هذه الواقعة تشير الآيات التالية:

«وإذْ واعَدنا مُوسى أربعينَ ليلةً ثمَّ اتَّخَذَتمُ العِجلَ منْ بعدِهِ وأنتمْ ظالمونَ» (البقرة ـ 51) .


(356)

«وإذْ ُقلتمْ يا مُوسى لنْ نوَمنَ لكَ حتّى نَرى اللّهَ جهرةً فأخذتكُمُ الصّاعقةُ وأنتمْ تَنظرون» (البقرة ـ 55) .

«يسألُكَ أهلُ الكتابِ أنْ تُنزِّلَ عليهمْ كتاباً منْ السَّماءِ فقدْ سَألوا موسى أكبرَ من ذلكَ فقالوا أرِنا اللّهَ جهرةً فأخذتهمُ الصّاعقةُ بظلمهم» (النساء ـ 153).

«واختارَ مُوسى قومَهُ سَبعينَ رَجلاً لميقاتِنا فَلمّا أخذتهُمُ الرَّجفةُ قالَ ربِّ لَو شئتَ أهلكتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وإيّايَ أتُهلكُنا بِما فعلَ السُّفهاءُ مِنّا إنْ هيَ إلاّ فِتنتُكَ تُضِلُّ بِها منْ تَشاءُ وَتهدي مَنْ تشاءُ أنتَ وَلِيُّنا فاغفِرْ لَنا وارحَمنا وأنتَ خيرُ الغافرين» (الاَعراف ـ 155) .

إلى هذه اللحظة الحساسة لم يحُم الكليم حول الروَية ولم ينبس بها ببنت شفة ولم يطلب شيئاً، وإنّما طلب منه سبحانه أن يحييهم حتى يدفع عن نفسه اعتراض قومه إذا رجع إليهم وهو القائل «قال ربّ لو شئت أهلكتهم من قبل وإيّاي أتهلكنا بما فعل السُّفهاء منّا إن هي إلاّ فتنتك» .

فلو كان هناك سوَال فإنّما كان بعد هذه المرحلة وبعد إصابة الصاعقة السائلين وعودهم إلى الحياة بدعاء موسى وعندئذ يطرح السوَال نفسه وهو، هل يصح للكليم أن يطلب السوَال بدافع نفسه وقد رأى بأُمّ عينيه ما رأى؟ كلاّ، وكيف يصح له أن يسأله وقد وصف السوَال فعلاً للسفهاء فلم يبق هناك إلاّ احتمال آخر، وهو أنّه بعد ما عاد قومه إلى الحياة أصرّوا على موسى وألحّوا عليه أن يسأل الروَية لنفسه لا لهم حتى تحل روَيته للّه مكان روَيتهم فيوَمنوا به بعد إخباره بالروَية (1). وهذا هو المعقول والمترقّب من قوم واللجاج، وبما أنّ موسى لم يُقدِم على السوَال إلاّ بإصرار منهم حتى يسكتهم لم يتُوجه إلى الكليم أيُّ تبعة ولا موَاخذة بل خوطب بقوله «لن تراني ولكن انظر إلى


(1)أو لتسمعوا النص باستحالة ذلك من عند اللّه، كما سيوافيك في كلام الزمخشري.


(357)

الجبل فإن استقرَّ مكانه فسوف تراني» .

إنّ للاِمام الطاهر علي بن موسى الرضا ( عليهما السلام ) كلاماً ـ حول سوَال موسى ـ نأتي برمته:

قال علي بن محمّد بن الجهم: حضرت مجلس المأمون وعنده الرضا علي بن موسى ( عليهما السلام ) فقال له المأمون: يا ابن رسول اللّه أليس من قولك: أنّ الاَنبياء معصومون؟ قال: «بلى» فسأله عن آيات من القرآن، فكان فيما سأله أن قال له: فما معنى قول اللّه عزّ وجلّ: «ولمّا جاء موسى لميقاتنا وكلَّمه ربُّه قال ربّ أرني أنظر إليك قال لن تراني» الآية؟ كيف يجوز أن يكون كليم اللّه موسى بن عمران ( عليه السلام ) لا يعلم أنّ اللّه ـ تعالى ذكره ـ لا تجوز عليه الروَية حتى يسأله هذا السوَال؟

فقال الرضا ( عليه السلام ): «إنّ كليم اللّه موسى بن عمران ( عليه السلام ) علم أنّ اللّه، تعالى عن أن يُرى بالاَبصار، ولكنّه لما كلّمه اللّه عزّ وجلّ وقرّبه نجيّاً، رجع إلى قومه فأخبرهم أنّ اللّه عزّ وجلّ كلّمه وقرّبه وناجاه، فقالوا: لن نوَمن لك حتى نسمع كلامه كما سمعت، وكان القوم سبعمائه ألف رجل، فاختار منهم سبعين ألفاً، ثم اختار منهم سبعة آلاف ثم اختار منهم سبعمائة ثم اختار منهم سبعين رجلاً لميقات ربّه، فخرج بهم إلى طور سينا، فأقامهم في سفح الجبل، وصعد موسى ( عليه السلام ) إلى الطور وسأل اللّه تبارك وتعالى أن يكلّمه ويسمعهم كلامه، فكلّمه اللّه تعالى ذكره، وسمعوا كلامه من فوق وأسفل ويمين وشمال ووراء وأمام، لاَنّ اللّه عزّ وجلّ أحدثه في الشجرة، ثم جعله منبعثاً منها حتى سمعوه من جميع الوجوه، فقالوا: لن نوَمن لك بأنّ هذا الذي سمعناه كلام اللّه حتى نرى اللّه جهرة، فلمّا قالوا هذا القول العظيم واستكبروا وعتوا بعث اللّه عزّ وجلّ عليهم صاعقة فأخذتهم بظلمهم فماتوا، فقال موسى: يا رب ما أقول لبني إسرائيل إذا رجعت إليهم وقالوا: إنّك ذهبت بهم فقتلتهم لاَنّك لم تكن صادقاً فيما ادّعيت من مناجاة اللّه


(358)

إيّاك، فأحياهم اللّه وبعثهم معه.

فقالوا: إنّك لو سألت اللّه أن يريك أن تنظر إليه لاَجابك وكنت تخبرنا كيف هو فنعرفه حق معرفته، فقال موسى ( عليه السلام ): يا قوم إنّ اللّه لا يُرى بالاَبصار ولا كيفية له، وإنّما يعرف بآياته ويعلم باعلامه، فقالوا: لن نوَمن لك حتى تسأله، فقال موسى ( عليه السلام ) : يا رب إنّك قد سمعت مقالة بني إسرائيل وأنت أعلم بصلاحهم، فأوحى اللّه جلّ جلاله إليه: يا موسى اسألني ما سألوك فلن أُوَاخذك بجهلهم، فعند ذلك قال موسى ( عليه السلام ): «ربِّ أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقرَّ مكانه فسوف تراني فلمّا تجلّى ربّه للجبل (بآية من آياته) جعله دكّاً وخرَّ موسى صعقا فلمّا أفاق قال سبحانك تبت إليك (يقول: رجعت إلى معرفتي بك عن جهل قومي) وأنا أوّل الموَمنين» منهم بأنّك لا ترى.

فقال المأمون: للّه درّك يا أبا الحسن.

والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة، وقد أخرجه الصدوق بتمامه في كتاب عيون أخبار الرضا ( عليه السلام ) (1).

وللزمخشري في المقام تفسير رائع قال: ما كان طلب الروَية إلاّ ليبكت هوَلاء الذين دعاهم سفهاء وضُلاّلاً وتبرأ من فعلهم، وذلك أنّهم حين طلبوا الروَية أنكر عليهم وأعلمهم الخطأ ونبّههم على الحق فلجّوا وتمادوا في لجاجهم، وقالوا لابد، ولن نوَمن حتى نرى اللّه جهرة، فأراد أن يسمعوا النص من عند اللّه باستحالة ذلك وهو قوله: «لن تراني» ليتيقّنوا وينزاح عنهم ما دخلهم من الشبهة فلذلك قال: «ربِّ أرني أنظر إليك» (2).

وعلى كل تقدير فما ذكره صاحب الكشاف قريب ممّا ذكرناه، وكلا البيانين يشتركان في أنّ السوَال لم يكن بدافع من نفس موسى بل بضغط من قومه.


(1)الصدوق: التوحيد: باب ما جاء في الروَية: ص 121 برقم 24.
(2)الزمخشري: الكشاف: 1|573 ـ 574 ط مصر.


(359)

ولكنّ الرازي ناقش في هذه المقالة وقال:

«ظاهر الحال يقتضي أن تكون هذه القصة مغايرة للقصة المتقدمة، لاَنّ الاَليق بالفصاحة إتمام الكلام في القصة الاَُولى في وضع واحد ثم الانتقال منها بعد تمامها إلى غيرها، فأمّا ذكر بعض القصة (سوَال موسى الروَية) ثم الانتقال منها إلى قصة أُخرى (اتخاذ العجل ربّاً) ثم الانتقال منها بعد تمامها إلى بقية الكلام في القصة الاَُولى (سوَال قوم موسى) يوجب نوعاً من الخبط والاضطراب والاَولى صون كلام اللّه تعالى عنه (1).

والجواب: أنّه سبحانه أخذ ببيان قصة مواعدة موسى ثلاثين ليلة من آية 142 وختمها في الآية 155 فالمجموع قصة واحدة كسبيكة واحدة، ولكن سبب العود إلى ما ذكر في أثناء القصة في آخرها هو إبراز العناية بسوَال الروَية وأنّه كان مسألة مهمة في حياة بني إسرائيل.

فقد اتّضح ممّا ذكرنا عدم دلالة الآية على إمكان روَيته سبحانه بطلب موسى.

الشبهة الثانية: تجلّيه على الجبل:

إنّ تجلّيه سبحانه للجبل هو روَية الجبل ربَّ العالمين، وهو لما رآه سبحانه اندكّت أجزاوَه، فإذا كان الاَمر كذلك ثبت أنّه تعالى جائز الروَية، وأقصى ما في الباب أن يقال: الجماد جماد، والجماد يمتنع أن يرى شيئاً، إلاّ أن نقول: لا يمتنع أن يقال: إنّه تعالى خلق في ذلك الجبل الحياة والعقل والفهم ثم خلق فيه الروَية متعلقة بذات اللّه (2).


(1)الرازي: مفاتيح الغيب: 15|70.
(2) المصدر نفسه: 14|232.


(360)

يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من روَية الجبال إيّاه مع الحياة والعقل والفهم شيء نسجه فكره، وليس في الآية أيّ دليل عليه والحافز إلى هذه الفكرة هو الدفاع عن الموقف المسبق والعقيدة التي ورثها، وظاهر الآية أنّه سبحانه تجلّى للجبل وهو لم يتحمّل تجلّيه لا أنّه رآه وشاهده.

وأمّا التجلّي فكما يحتمل أن يكون بالذات كذلك يحتمل أن يكون بالفعل، فمن لم يتحمل تجلّيه بفعله وقدرته فأولى أن لا يسكت عن تجلّيه بذاته، وعندئذ فمن المحتمل جداً أن يكون تجلّيه بآثاره وقدرته وأفعاله فعند ذلك لا يدل على تجلّيه على الجبل بذاته.

أضف إلى ذلك: أنّ أقصى ما تعطيه الآية هو الاِشعار وهل يمكن الاَخذ به أمام الدلائل القاطعة عقلاً ونقلاً على امتناع روَيته.

إلى هنا تم ما أردناه من دلالة الذكر الحكيم على امتناع الروَية وقد استنطقنا الآيات السالفة بوجه تفصيلي رائع وتعرّفت على موقفه من الروَية بالعيون والاَبصار.


(361)

6
روَية اللّه في الذكر الحكيم
دراسة أدلّة المثبتين

استدل القائلون بجواز الروَية بآيات متعددة، والحق أنّ الآيات على قسمين:

الاَوّل: ما له أدنى ظهور فيما يدعونه من جواز الروَية.

الثاني: ما ليس له أدنى ظهور في مدعاهم.

فلاَجل ذلك نبحث عن أدلتهم في مقامين:

المقام الاَوّل
قوله سبحانه: «إلى ربِّـها ناظرة»

ولا تجد آية صالحة لهذا القسم إلاّ قوله سبحانه:

«كلاّ بل تحبّونَ العاجلةَ * وتَذرونَ الآخرةَ * وجوهٌ يومئذٍ ناضرةٌ * إلى ربّها ناظرةٌ * ووجوهٌ يومئذٍ باسرةٌ * تظنُّ أن يُفعلَ بها فاقرةٌ» (القيامة: 20ـ 25).

يقول الشارح القوشجي في شرحه لتجريد الاعتقاد: إنّ النظر إذا كان بمعنى الانتظار يستعمل بغير صلة، ويقال: انتظرته، وإذا كان بمعنى التفكّر يستعمل بلفظة «في» وإذا كان بمعنى الرأفة يستعمل بلفظة «اللام» وإذا كان بمعنى الروَية استعمل بلفظة «إلى» فيحمل على الروَية (1).

أقول: لقد طال الحوار حول المقصود من النظر في الآية، بين مثبتي الروَية


(1)القوشجي: شرح التجريد: 334.


(362)

ونفاتها ولو أتينا بها لطال بنا المقام، فإنّ المثبتين يركّزون على أنّ الناظرة بمعنى الروَية كما أنّ نفاتها يفسرونها بمعنى الانتظار، مع أنّ تسليم كونه بمعنى الروَية غير موَثر في إثبات مدعيها كما سيظهر. والحق عدم دلالتها على جواز روَية اللّه بتاتاً وذلك لاَمرين.

الاَوّل: أنّه سبحانه استخدم كلمة «وجوه» لا «عيون» فقسّم الوجوه إلى قسمين «وجوه ناضرة» و «وجوه باسرة» ونسب النظر إلى الوجوه لا العيون، فلو كان المراد هو الروَية لكان المتعين استخدام العيون بدل الوجوه. والعجب أنّ المستدل غفل عن هذه النكتة التي تحدّد معنى الآية وتخرجه عن الاِبهام والتردد بين المعنيين وأنت لا تجد في الاَدب العربي القديم ولا الحديث مورداً، نسب فيه النظر إلى الوجوه وأُريدت منه الروَية بالعيون والاَبصار بل كلما أُريدت منه الروَية، نسب إليهما.

الثاني: لا نشك أنّ «الناظرة» قوله: «إلى ربّها ناظرة» بمعنى الرائية ونحن نوافق المثبتين بأنّ النظر إذا استعمل مع «إلى» يكون بمعنى الروَية، لكن الذي يجب أن نلفت إليه نظر المستدل هو أنّه ربّما يكون المعنى اللغوي ذريعة لتفهيم معنى كنائي يكون هو المقصود بالاَصالة لا المدلول اللغوي، فلو قلنا: زيد كثير الرماد، فلا شك أنّه مستعمل في معناه اللغوي ولكن كثرة الرماد مراد استعمالي لا جدي، وإنّما المراد الجدي ما اتّخذ المعنى الاستعمالي وسيلة لاِفهامه للمخاطب وهو جوده وسخاوَه وكثرة إطعامه، فإذا قال الرجل: زيد كثير الرماد، فليس علينا أن نصف القائل بأنّه أخبرنا عن كثرة الرماد في بيت زيد الذي يُعدّ أوساخاً ملوثة لبيته، فيكون قد ذمّه مكان مدحه، بل يجب علينا أن نصفه بأنّه أخبر عن جوده وسخائه، والعبرة في النسبة بالمعنى الجدي لا الاستعمالي وهذه هي القاعدة الكلية في تفسير كلمات الفصحاء والبلغاء.

هلمّ معي نستوضح مفاد الآية وأنّه ماذا أُريد منه استعمالاً، و