welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : الفكر الخالد في بيان العقائد/ ج1*
تألیف :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الفكر الخالد في بيان العقائد/ ج1

الفكر الخالد
في
بيان العقائد

حوارات عقائدية بتحليل عقلي رصين، وشواهد قرآنية
محكمة مستلّة من تفسير «منشور جاويد»

تأليف

آية الله جعفر السبحاني

إعداد

اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ

تعريب

خضر ذو الفقاري

الجزء الأوّل


(2)

اسم الكتاب:   الفكر الخالد في بيان العقائد / ج 1

تأليف:    آية الله جعفر السبحاني

إعداد:   أكبر أسد عليزاده بمساعدة سعيد ديني

تعريب:    خضر آتش فراز (ذوالفقاري)

المطبعة:   مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ

التاريخ:   1425 هـ . ق / 1383 هـ . ش

الكمية:   2000 نسخة

الناشر:   مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ

الصفّ والإخراج باللاينوترون:   مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ


(3)

(4)

(5)

المقدّمة

إنّ حقيقة الإنسان وقيمته الواقعية تكمن في علمه ومعرفته، وعلى أقلّ تقدير انّها تشكّل الجزء الأهم في شخصيته، فالإنسان العاري من العلم والمعرفة إنسان غير متكامل، بل لابدّ من إدراجه ووضعه في ضمن قائمة البهائم، ولقد أفرغ الشاعر الإيراني مولوي هذه الحقيقة في بيت من الشعر يخاطب فيه الإنسان بما معناه:

أيّها الإنسان إنّما حقيقتك علمك ومعرفتك، وما عدا ذلك تكون مجموعة من العظام والعصب.

كما أشار الشاعر العربي المعروف المتنبّي إلى هذا المعنى وتلك الحقيقة بقوله:

لولا العقولُ لكانَ أدنى ضَيغَم      أدْنى إلى شرف من الإنسانِ(1)

ولقد حاز ربيب الرسول الأكرم وسيد الأوصياء وإمام العلم والبلاغة أمير المؤمنين قصب السبق في هذا المجال حيث عبّر عن تلك الحقيقة بأبلغ عبارة وأفصحها عندما قال ـ عليه السَّلام ـ:


1 . ديوان المتنبي:4/308.


(6)

«قيمة كلّ امرئ ما يحسنه».

ونحن إذا ألقينا نظرة على تاريخ حياة المفكّرين والعلماء وأصحاب الاختراعات والاكتشافات العلميّة تتجلّى لنا حقيقة مهمّة في شخصيّة هؤلاء العظام وهي: أنّهم كثيرو التفكير والتأمّل والإمعان في الأُمور، وقليلو الكلام.

لقد ركّزت آيات الذكر الحكيم على أهمية التفكير والتأمّل والتعمّق وخاصة التفكير في خلق السماوات والأرض والتّفكير في النفس الإنسانيّة وحقيقتها. وفي سائر المخلوقات والوجودات حيث قال سبحانه:

(وَيَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّمواتِ وَالأَرض).(1)

وفي آية أُخرى يدعو سبحانه وتعالى الإنسان إلى التفكير والتأمّل في نفسه وخلقه:

(سَنُرِيهِمْ آياتنا فِي الآفاقِ وَفي أَنْفُسِهِمْ).(2)

وقبل أن يلتفت الغرب إلى أهميّة التجربة والتحليل وكيفية الاستفادة منها في تحصيل العلم، كان القرآن الكريم قد دعا المسلمين إلى الاستفادة من ذلك الأُسلوب والمنهج العلمي قبل أربعة عشر قرناً حيث قال سبحانه:

(قُل انْظُرُوا ماذا فِي السَّمواتِ وَالأَرْض).(3)

ومن المسلّم به انّ هذه الدعوة القرآنية للنظر في السماوات والأرض لا يراد منها النظرة السطحية العابرة، بل المراد حقيقة النظرة المقرونة بالتفكير والتعمّق والتأمّل التي تستطيع أن تفتح أبواب السماء بوجه الإنسان.

إنّ هذه الآيات وغيرها من آيات الذكر الحكيم التي تحثّ الإنسان وتدعوه إلى أعماق فكره والاستفادة من قدراته العقلية دليل واضح على أهمية التفكير


1 . آل عمران:192.
2 . فصلت:54.
3 . يونس:101.


(7)

والتأمّل في خلق الإنسان والعالم. ثمّ إنّ الذين يمرّون على تلك الحوادث مرور الكرام ولا يولونها أهمية تذكر هؤلاء بعيدون كلّ البعد عن حقيقة وأهمية تلك الآيات القرآنية، ولكن الذين يقفون عند كلّ صغيرة وكبيرة في هذا العالم ويولونها أهمية كبرى ويمنحونها قسطاً من التفكير والتأمّل حتّى لو كانت الحادثة من البساطة بدرجة سقوط تفاحة من شجرة ما في فضاء هادئ وبعيد عن أعين الناس فإنّهم يجنون نتاج هذا الفكر والاهتمام والاستفادة من تلك الحوادث، فتكون النتيجة اكتشاف قانون يُعدّ من أهمّ القوانين العلمية والذي أصبح له الفضل الكبير في نتاجات أُخرى واكتشافات جديدة، ألا وهو قانون الجاذبية، الذي اكتشفه ذلك العالم المفكّر، وكانت نقطة الانطلاق في هذا الاكتشاف العظيم سقوط تفاحة من شجرة قد شاهد مئات الآلاف ـ إن لم أقل أكثر من ذلك ـ هذه الظاهرة ولكنّهم مرّوا عليها مرور الكرام ولم يولوها أيّ أهمية تذكر.

التدبّر في آيات الذكر الحكيم

لقد حثّ الرسول الأكرم وأهل بيته ـ عليهم السَّلام ـ على تلاوة القرآن الكريم لما لها من الثواب والفاعلية في سمو الروح ونقاء القلب، ولكن من المسلم أنّ الهدف من هذه الدعوة لا ينحصر في ذلك، بل الهدف النهائي المتوخّى من تلاوة القرآن الكريم أن تكون التلاوة مقدّمة للتدبّر في معاني القرآن الكريم ومفاهيمه السامية والعمل وفقاً لما ورد فيها من أوامر ونواهي وإرشادات، بل القرآن يعتبر التدبّر هو أحد الأهداف المتوخّاة من نزول القرآن حيث قال سبحانه:

(كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيدبّروا آياتهِ وَليتذكّر أُولوا الأَلباب).(1)


1 . ص:29.


(8)

ثمّ إنّ التدبّر في آيات الذكر الحكيم يتمّ بصورتين:

الأُولى: وهي أن يستعرض المفسّر أو المفكّر آيات السورة بصورة متسلسلة ويمعن النظر فيها ويكشف حقائقها ويصل إلى مرادها، وهذا الأُسلوب هو الأُسلوب المتّبع قديماً حيث يفسّرون القرآن الكريم بصورة ترتيبية،ولقد دوّنوا دورات تفسيرية كثيرة اعتماداً على هذا الأُسلوب.

الثانية: انّ القرآن الكريم تحدّث عن الكثير من الحقائق والموضوعات، سواء ما كان يتعلّق بالآفاق أو الأنفس، أو ما يتعلّق بالأُمور الفردية أو الاجتماعية، أو الأُمور التشريعية والتكوينية، وفي مناسبات مختلفة حيث نرى أنّه يعاود الحديث عن الموضوع في أكثر من آية وفي أكثر من سورة وفي كلّ مرّة يسلّط الضوء على جانب من جوانب ذلك الموضوع، فقد تتوزع الآيات التي تتحدث عن موضوع محدد على أكثر من عشر سور من سور القرآن الكريم. وحينئذ فلو تصدى المفسّر ـ الذي يريد إدراك حقيقة ذلك الموضوع واكتشاف مكنونه ـ لجمع تلك الآيات المتفرقة ووضع بعضها إلى جنب البعض الآخر ودراستها دراسة متناسقة مترابطة، لانفتحت أمامه آفاق كثيرة من العلم والمعرفة وانكشفت الحقيقة بأجلى صورها.

فعلى سبيل المثال هناك كم هائل من الآيات المباركة المتفرقة في السور القرآنية قد تحدّثت عن خلق الإنسان، ولا ريب أنّ اكتشاف حقيقة الرؤية القرآنية ونيل النتيجة المتوخّاة يكمن في إطار جمع تلك الآيات على صعيد واحد ودراستها بصورة منظمة من خلال ضم بعضها إلى البعض الآخر، وحينئذ ينكشف الغموض ويرتفع الإبهام وتتجلّى الحقيقة ويتضح الهدف والمراد النهائي من تلك الآيات بصورة مجتمعة.

وهذا هو المنهج والطريق الذي سلكناه منذ سنوات، وكانت أوّل ثمار


(9)

ذلك الجهد المبارك والمنهج القويم الذي اعتمدناه والذي أطلقنا عليه اسم «التفسير الموضوعي» هي أن صدر لنا عام 1392هـ الجزء الأوّل من موسوعة «مفاهيم القرآن»، وقد اشتملت هذه الموسوعة على مواضيع عقائدية متنوعة انطلاقاً من رؤية قرآنية، وتقع تلك الموسوعة في عشر مجلدات، انجز الجزء الأخير منها عام 1420هـ.

وبما أنّ تلك الموسوعة كانت باللغة العربية فلقد ارتأينا ولسد الفراغ والخلل في المكتبة الفارسية وحل مشكلة الشباب الناطقين باللغة الفارسية الذين تتوق نفوسهم وبشدة إلى التفسير الموضوعي، أن ندون لهم تفسيراً موضوعياً تحت عنوان «منشور جاويد» أي «الميثاق الخالد» وبصورة أشمل وأوسع حيث اشتملت الموسوعة على أربعة عشر جزءاً.

كما اشتملت الموسوعة الفارسية على موضوعات ومسائل كثيرة ومتنوعة: عقائدية، اجتماعية، أخلاقية، تاريخية، بالإضافة إلى وجود الكم الهائل من التساؤلات والإشارات والإشكالات والحلول القويمة والمعمّقة لها.

ولأهمية تلك التساؤلات وقيمة تلك الحلول والإجابات بالنسبة إلى الكثير من الخطباء والمحدّثين والكتّاب، فقد تصدّى سماحة الشيخ أكبر أسد علي زاده مسؤول قسم الإجابة عن الأسئلة في مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ وبمساعدة الشيخ سعيد ديني ـ و من خلال مراجعتهم المستمرة للموسوعة المذكورة لاستخراج الإجابة منها للرد على الاستفسارات الكثيرة التي ترد إلى المؤسسة ـ إلى تدوين تلك الإجابات وتنظيمها في مجلدين مستقلين، شكر اللّه مساعيهم الحثيثة وجهودهم المباركة، سائلاً المولى أن يوفّقهما للمزيد من العطاء العلمي والفكري انّه سميع الدعاء.


(10)

كما أتقدّم بالشكر الجزيل والثناء الجميل إلى الشيخ الفاضل الجليل خضر آتش فراز(ذوالفقاري) وهو أحد المحقّقين الكفوئين في مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ حيث قام بترجمة الكتاب ونقله إلى اللغة العربية بأُسلوب رصين، ودقة متناهية، وأمانة خالصة كما هو شأنه; كما بذل جهوداً حثيثة بتقويم نصّ الكتاب وضبطه، وتهذيب عباراته، ومراجعة النصوص مع مصادرها الأصلية، وتصحيحه بدقة حتّى ظهر بهذا الشكل اللائق، فشكر اللّه سعيه وجزاه عن الإسلام خير الجزاء ووفّقه للمزيد من البذل والعطاء.

وفي الختام أود أن أُعرب عن ارتياحي الكبير، وارتياح أعضاء مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ ورواد تفسير القرآن الكريم، لهذا العمل القيم وهذه الخطوة المباركة داعياً المولى القدير أن تكون مناراً يهتدي به أبناؤنا وبناتنا الشباب، وأن يكون المركب الأمين الذي يقلّهم إلى ساحل الأمن والنجاة في هذا المعترك الفكري الخطير الذي يتلقّف الشباب فيه الكثير من الأفكار المتضادّة والنظريات المتباينة.

جعفر السبحاني           
قم ـ مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ
17 ربيع الأوّل، 1425هـ.ق    


(11)

الفصل الأوّل
معرفة الله


(12)


(13)

1
مفهوم الربّ

سؤال: هناك العديد من المفاهيم والمصطلحات التي قد يقع التوهّم أو الخلط في مداليلها، ومن تلك المفاهيم مفهوم «الربّ»، الرجاء تسليط الضوء على هذا المفهوم.

الجواب: ينبغي لمن يتوخّى معرفة الحقيقة والوصول إلى كنه الأُمور التي يروم البحث والتحقيق فيها والخوض في مسائلها أن يطّلع وبصورة دقيقة على معرفة المفاهيم والمصطلحات التي تكوّن الأساس في العلم الذي يريد الخوض في غماره، أو على الأقل يكثر تداولها في ذلك العلم، ومن المعلوم أنّ مفهومي الربّ والإله من المفاهيم الجوهرية في علم الكلام، ونظراً لأهميّة الموضوع وحيويّته فقد أفردنا رسالة خاصة لمعالجة هذه القضية تحت عنوان «الأسماء الثلاثة»، وسنوضّح هنا بصورة مختصرة أحد هذه الأسماء والذي ورد في متن السؤال، فنقول:

من الأسماء التي تطلق على اللّه سبحانه «الربّ» و لفظة «الربّ» وإن كانت لم تستعمل إلاّ مضافة، مثل: ( ربُّ العرش)،(ربُّ العالمين)، (ربُّ السّماواتِ والارضِ)، ( ربُّ الناسِ)،(ربّ الفَلق)، (ربّكم)، (ربّنا)


(14)

و...وبالرغم من ذلك نرى من اللائق أن نبحث عن كلمة «الربّ» بصورة مستقلة.

قال ابن فارس: الربّ: المالك، والخالق، والصاحب، والمصلح.(1)

كما عرفه الفيروز آبادي بقوله: ربّ كلّ شيء مالكه ومستحقّه أو صاحبه.(2)

وقد استخدمت كلمة «الربّ» في القرآن الكريم ومعاجم اللغة في موارد متعددة،ولكنّها جميعاً تحمل في حقيقتها معنى واحداً، وإليك بيانها:

1. التربية: مثل ربّ الولد، رباه.

2. الإصلاح والرعاية: مثل ربّ الضيعة.

3. الحكومة والسياسة: مثل فلان ربّ قومه، أي ساسهم وجعلهم ينقادون له.

4. المالك: كما جاء في الخبر عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «أربّ غنم أم ربّ إبل».

5. الصاحب: ربّ الدار، أو كما جاء في القرآن الكريم: (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذا الْبَيْتِ).(3)

لا شكّ أنّ لفظة الرب وإن استعملت في هذه الموارد وما يشابهها، ولكنّها ـ جميعاً ـ ترجع إلى معنى واحد أصيل، وهو: من بيده أمر التدبير والإدارة، والتصرّف.

وعلى هذا الأساس إذا قيل لصاحب المزرعة أنّه (ربّ الضيعة) فلأجل أنّ إصلاح أُمور الضيعة مرتبط به وفي قبضته.


1 . مقاييس اللغة:2/381، ط 1، دار إحياء الكتب العربية.
2 . القاموس المحيط:1/206، دار إحياء التراث العربي، بيروت ، ط1، 1412هـ.
3 . قريش:3.


(15)

وهكذا إذا أُطلق على سائس القوم صفة الرب، فلأنّ أُمور البلد والشعب مفوضة إليه; وإذا أطلقنا على صاحب الدار ومالك الشيء اسم (الرب)، فلأنّه فوّض إليه أمر تلك الدار وإدارتها والتصرّف فيها كما يشاء.

فعلى هذا يكون المربّي والمصلح والرئيس والمالك والصاحب مصاديق وصوراً لمعنى واحد، ولا ينبغي أن نعتبرها معاني متمايزة ومختلفة للفظة الربّ، بل أنّ معنى (الرب) المشتق من (رَبَبَ) لا (ربّى) هو: من بيده أمر التدبير والإدارة والتصرّف، وإذا أمعنا النظر في آيات الذكر الحكيم يظهر لنا وبجلاء هذا المعنى، فإذا أطلق يوسف ـ عليه السَّلام ـ لفظ الرب على عزيز مصر الذي كان يعيش في داره وفي كنفه حيث قال: (...إِنَّهُ رَبّي أَحْسَنَ مَثْوايَ...).(1) فما ذلك إلاّ لأجل أنّ يوسف الصديق ـ عليه السَّلام ـ قد تربّى في بيت عزيز مصر وفي كنفه، وكان العزيز متكفّلاً بتربيته الظاهرية وقائماً بشؤونه.

وكذلك الأمر في وصف يوسف عزيز مصر بكونه ربّاً لصاحبه في السجن، حيث قال: (...أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُُ خَمْراً...).(2) فلأنه كان سيد مصر وزعيمها ومدبّر أُمورها ومتصرّفاً في شؤونها ومالكاً لزمامها.

وأمّا وصف القرآن الكريم اليهود والنصارى بأنّهم اتّخذوا أحبارهم أرباباً من دون اللّه تعالى بقوله سبحانه:(اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَ رُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللّهِ...) .(3) فلأجل أنّهم منحوهم السلطة على التقنين، وأعطوهم زمام تشريع الحلال والحرام، واعتبروهم أصحاب سلطة في تحليل الحرام وتحريم


1 . يوسف:23.
2 . يوسف:41.
3 . التوبة:31.


(16)

الحلال.

وحينما يصف اللّه نفسه بأنّه «ربّ البيت»، فلأنّ أُمور هذا البيت مادّيها ومعنويّها ترجع إليه سبحانه، ولاحق لأحد غيره في التصرّف فيه سواه مهما كان هذا الغير.

وهكذا إذا وصف اللّه نفسه بأنّه (ربُّ السَّماواتِ و الأَرْضِ...) (1) و (وَ أَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى)(2) ، فلأجل أنّه تعالى مدبّرها والمتصرّف في عالم الخلق كلّه. بما في ذلك كوكب (الشعرى)، وأنّ شؤون هذا العالم بيده وتحت سلطته واختياره سبحانه.

يتّضح من هذا البيان أنّ لفظة «الرب» لها معنى واحد لا غير وأنّ سائر المعاني مصاديق مختلفة لواقعية واحدة، وفي كلّ الموارد يوجد معنى واحد محفوظ وهو الاختيار والإرادة.

ومن الجدير بالذكر الإشارة إلى نكتة مهمة وهي، أنّ الشائع بين الوهّابيين أنّهم قسّموا التوحيد إلى:

1. التوحيد في الربوبية.

2. التوحيد في الإلوهية.

وفسّروا التوحيد في الربوبية بمعنى التوحيد في الخالقية، بمعنى أنّه لا يوجد للعالم إلاّ خالق واحد وهو اللّه سبحانه، وفسّروا القسم الثاني«التوحيد في الإلوهية» بالتوحيد في العبادة، بمعنى أنّه لا يوجد معبود في العالم إلاّ اللّه تعالى.


1 . الصافات:5.
2 . لنجم:49.


(17)

والحقّ أنّهم وقعوا في خطأ في فهم كلا المصطلحين،وهذا يؤكد أهمية فهم المصطلحات، لأنّ التوحيد الربوبي، غير التوحيد الخالقي، إذ انّ معنى «الربوبية» ليس هو الخالقية، بل معناه التدبير والإرادة، وتصريف شؤون العالم. ولذلك يمكن للإنسان أن يدّعي أنّ الخالق للعالم واحد وهو اللّه تعالى، وهذا الخالق قد أوكل مهمة تدبير العالم إلى مخلوقات سماوية أو إلى الأرواح. وهذا ما كان شائعاً في زمن النبي إبراهيم ـ عليه السَّلام ـ ، حيث كان أهل بابل يؤمنون بوجود خالق واحد، ولكن في نفس الوقت كانوا يعتقدون بتعدّد الأرباب مثل الشمس والقمر والكواكب.

نعم لابدّ من الالتفات إلى نقطة جديرة بالاهتمام، وهي أنّه ومن الناحية الواقعية، انّ التدبير في عالم الخلق لا ينفصل عن الخالقية، بل انّ تدبير عالم الوجود ملازم للخالقية. ولكن ليس بحثنا هنا في الواقع الخارجي، بل بحثنا بحث مفهومي نقصد به فصل مفهوم «الرب» عن مفهوم «الخالق»، والسبب في ذلك لأنّنا لو راجعنا المعاجم اللغوية نجدها تعطي لكلّ من المفهومين معنى خاصاً به، فمعنى كلمة «رب» غير معنى كلمة «خالق»، كما أنّ معنى «المدبرية» غير معنى «الخالقية»، وهذا الفرق يحسّه الإنسان في حياته الاعتيادية، فالفلاّح مثلاً «رب» للبستان، ولكنّه ليس بخالق له،ولذلك وانطلاقاً من هذا التصور والفهم لكلا المفهومين نجد أنّ مشركي«بابل» قد ذكروا لكلّ من المفهومين ـ في الخارج ـ مصداقاً مغايراً للمصداق الآخر، وميّزوا بين خالق العالم وربّ العالم.(1)


1 . منشور جاويد:2/248ـ 251.


(18)

2
الإنسان وغريزة الشعور الديني

سؤال: إذا استعرضنا حياة الإنسان وتاريخه تظهر أمامنا حقيقة جليّة، وهي أنّنا نجد الإنسان يسعى وبكلّ جهد للتحقيق والبحث عن اللّه والدين والمسائل الميتافيزيقية«ماوراء الطبيعة»، وهنا يطرح التساؤل التالي نفسه: ما هو السبب الّذي يدعو الإنسان لذلك،ولماذا كلّ هذا البحث والاهتمام؟

الجواب: انّ الشعور الديني أو الغريزة الدينية لدى الإنسان هي كباقي الغرائز النفسية، إذ يستيقظ هذا الشعور الديني وينطلق في باطن كلّ إنسان كبقية الأحاسيس الباطنية من دون حاجة إلى معلم ومن دون إرشاد أو توصية من أحد.

فكما يحسّ الإنسان باطنياً وذاتياً في فترة من فترات حياته بميل شديد ورغبة ملحة إلى أُمور، كالجاه أو الثروة أو الجمال أو الجنس، وذلك تلقائياً ودون تعليم معلم،كذلك يستيقظ في باطنه «ميل إلى اللّه» وإحساس تلقائي يدفعه بدون إرادته إلى التفتيش عنه، وهو إحساس يتعاظم ويتزايد ويظهر ويتجلّى أكثر فأكثر أثناء البلوغ، حتّى أنّ علماء النفس يتّفقون في أنّ بين «أزمة البلوغ» و «القفزة المفاجئة في المشاعر الدينية» في الفرد ارتباطاً وتلازماً لا ينكر.


(19)

ففي هذه الأوقات نشاهد نهضة قوية،وقفزة نوعية، واندفاعة شديدة في الشعور الديني حتّى عند أُولئك الذين كانوا قبل تلك الفترة غير مكترثين بالدين وقضايا الإيمان.

ويبلغ الشعور الديني ذروته في سن السادسة عشرة حسب نظرية «استانلي هال».

وإذا ما أردنا أن نطرح هذا الموضوع بصورة مضغوطة ومختصرة نرى أنّ هذا الشعور ينطلق من شخصية الشاب الذي يخضع لمجموعة من المؤثرات المختلفة، والتي تسمح له لكشف علّة وجوده وحصرها في اللّه تعالى.

إنّ ظهور «الميل المفاجئ» إلى الدين وإلى اللّه ومسائل الإيمان دون تعليم أو توجيه لهو أحد الدلائل القاطعة على فطرية هذا الأمر، وكون هذا الإحساس يظهر فطرياً شأن بقية الأحاسيس الإنسانية الفطرية الأُخرى، وانّ هذه الأحاسيس تظهر في سنين خاصة من عمر الشباب، ولكن علينا أن لا نغفل عن نقطة مهمة جدّاً، وهي: انّ هذا الإحساس، وكذا بقية الأحساسيس والمشاعر الإنسانية لو لم تحظ بالمراقبة الصحيحة والرعاية اللازمة يمكن ـ بل من المحتم ـ أن تعتريها سلسلة من الانحرافات والتقلّبات.

وعندما نجد «الشعور الديني» منتشراً و سائداً في كلّ مكان من العالم، وفي كلّ عصر من عصور التاريخ البشري، فمن البديهي أنّنا نستنتج أنّ هذا الشعور نداء باطني فطري لا محرك له سوى الفطرة، لأنّه لو كان للظروف الجغرافية أو العوامل الأُخرى دخل في انتشار هذا الشعور، لوجب أن يوجد في مكان دون مكان، ولدى شعب دون شعب، ولدى طبقة خاصة من الناس ممّن تتوفّر لديهم الظروف الجغرافية أو السياسية أو الاقتصادية الخاصة، في حين


(20)

نرى أنّ الأمر على العكس من هذا تماماً حيث شمول الظاهرة لجميع الأعصار والأزمان وجميع الأماكن والمجتمعات.

وعلى هذا الأساس يمكن أن يكون لعوامل الدعاية المضادة والخاطئة أثرها في عرقلة رشد ونمو الكثير من النداءات والغرائز الإنسانية، ولكنّها لا تستطيع القضاء عليها وإلغاءها بالكامل.

الشعور الديني أو البعد الرابع في الروح الإنسانية

إذا كان القرآن الكريم وأحاديث أئمّة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ تعتبر الشعور الديني أمراً نابعاً من الفطرة، وراجعاً إليها، فإنّ علماء الغرب وخاصة علماء النفس منهم يصفون هذا الشعور بأنّه البعد الرابع للروح الإنسانية.

ومع اكتشاف الشعور الديني لدى الإنسان، وإنّ غريزة الشعور الديني تعدّ إحدى العناصر الأوّلية والثابتة والطبيعية للروح الإنسانية، تهافتت نظرية الأبعاد الثلاثة وانكسر سورها، وثبت انّه إضافة للأبعاد والغرائز الثلاث الموجودة في الإنسان يوجد بعد وشعور آخر هو «الشعور الديني» والذي لا يقل أصالة عن الغرائز الأُخرى.

وها نحن نشير هنا بصورة مختصرة إلى كلّ من هذه الأبعاد الأربعة:

1. غريزة حبّ الاستطلاع:

والتي عبّروا عنها بغريزة الصداقة وبما أنّ هذا الاصطلاح غير موصل لمقصودهم لذلك أبدلنا كلمة «الصداقة» بكلمة «الاستطلاع».

وهذه الغريزة هي التي دفعت وتدفع الفكر الإنساني ـ منذ البداية ـ إلى البحث وإلى دراسة المسائل والمشاكل والسعي لاكتشاف المجهولات وفك الرموز واستكناه الحقائق...، وهي الغريزة التي نشأت في ظلها العلوم


(21)

والصناعات وتوّسعت المعارف وتطوّرت وتقدّمت...، وهي الغريزة التي ساعدت المكتشفين والمخترعين منذ القدم وكانت عوناً ومشجعاً لهم، على مواصلة البحث المضني لاكتشاف ألغاز الطبيعة وأسرار الحياة وكشف القناع عنها وإزاحة الستار عن الحقائق المجهولة، وتحمّل كلّ الصعوبات والمتاعب في ذلك الطريق الوعر والشائك.

2. غريزة حب الخير:

وهي منشأ ظهور الأخلاق، ومعتمد الفضائل والسجايا الإنسانية والصفات النفسانية المتعالية.

وهي الغريزة التي تدفع الإنسان إلى أن يحب بني نوعه ويطلب العدل، والحقّ، والسلام.

وهي التي توجد في المرء نوعاً من الميل الفطري الباطني إلى الأخلاق النبيلة والسجايا الحميدة،ونفوراً من الرذائل والصفات الذميمة.

3. غريزة حب الجمال

وهي منشأ الفنون الجميلة قديماً وحديثاً، وسبب ظهور الأعمال الفنّية في شتّى مجالات الحياة.

4. غريزة التديّن

وتعني أنّ كلّ فرد من أبناء الإنسان يميل بنحو ذاتي وفطري، وبحكم غريزته إلى (اللّه) ويميل إلى التديّن، وينجذب عفوياً إلى معرفة ماوراء الطبيعة والقوّة الحاكمة على هذا الكون الذي يعيش ضمنه ويكون وجود الإنسان فرعاً من وجوده وجزءاً من أجزائه.(1)


1 . منشور جاويد:2/50ـ 53.


(22)

3
الاسم الأعظم

سؤال: من الأسماء التي شاع بين الناس استعمالها «الاسم الأعظم»، هل يمكن أن تعطينا صورة عن ذلك المصطلح وماذا يراد منه؟

الجواب: لقد أشارت الأحاديث الإسلامية إلى أنّ من بين أسماء اللّه تعالى الاسم الأعظم إذا دُعي به استجيب الدعاء، ولقد وقع البحث في حقيقته، هل هو من قبيل الألفاظ، أو هو حقيقة أُخرى؟ ولقد بحث العلاّمة الطباطبائي الموضوع بصورة مفصّلة في تفسير الميزان، نأتي بخلاصته:

لقد شاع بين الناس أنّه اسم لفظي من أسماء اللّه سبحانه، إذا دُعي به استجيب،ولكنّهم عندما استعرضوا أسماء اللّه تعالى لم يعثروا على هذا الاسم من بينها، لذلك اعتقدوا أنّه مؤلّف من حروف مجهولة تأليفاً مجهولاً لنا لو عثرنا عليه أخضعنا لإرادتنا كلّ شيء.

والجدير بالذكر انّ في بعض الروايات الواردة إشعار ما بذلك، كما ورد أنّ «بسم اللّه الرّحمن الرّحيم» أقرب إلى اسم اللّه الأعظم من بياض العين إلى سوادها، وما ورد أنّه في آية الكرسي، وأوّل سورة آل عمران، وما ورد أنّ حروفه متفرقة في سورة الحمد يعرفها الإمام، وإذا شاء ألّفها ودعا بها فاستجيب له.


(23)

وما ورد أنّ آصف بن برخيا وزير سليمان دعا بما عنده من حروف اسم اللّه الأعظم فأحضر عرش ملكة سبأ عند سليمان ـ عليه السَّلام ـ في أقلّ من طرفة عين، وما ورد أنّ اسم اللّه الأعظم على ثلاث وسبعين حرفاً قسّم اللّه بين أنبيائه 72 منها واستأثر بواحدمنها عنده في علم الغيب.

ولكن البحوث العلمية تردُّ تلك النظرية فأنّ البحث الحقيقي في العلّة والمعلول وخواصها يدفع ذلك كلّه، فأنّ التأثير الحقيقي يدور مدار وجود الأشياء في قوته وضعفه والمسانخة بين المؤثر والمتأثر، والاسم اللفظي إذا اعتبرنا من جهة خصوص لفظه كان مجموعة أصوات مسموعة هي من الكيفيات العرضية(مقولة الكيف المسموع)، وإذا اعتبر من جهة معناه المتصوّر كان صورة ذهنية، وعلى كلّ حال من المستحيل أن يكون صوت أوجدناه من طريق الحنجرة، أو صورة خيالية نصوّرها في ذهننا تمتلك تلك القوة والقدرة بحيث يقهر بوجوده وجود كلّ شيء ويتصرّف فيه، في الوقت الذي يكون هو ـ الاسم الأعظم ـ في نفسه معلولاً لإرادة وذهن الإنسان.

وعلى هذا الأساس الأسماء الإلهية واسمه الأعظم خاصة وإن كانت مؤثرة في عالم الخلق، لكنّها أنّما تؤثر بحقائقها لا بالألفاظ الدالّة عليها،ولا بمعانيها المفهومة من ألفاظها المتصوّرة في الأذهان، وبالطبع لابدّ من القول أنّ المؤثر والفاعل الموجد لكلّ شيء هو اللّه سبحانه بما له من الصفة الكريمة المناسبة له التي يحويها الاسم المناسب، لا تأثير اللفظ أو صورة مفهومه في الذهن.

من جهة أُخرى أنّ اللّه سبحانه وعد إجابة دعوة من دعاه، كما في قوله:(... أُجيبُ دعوةَ الدّاعِ إِذا دَعان...).(1)


1 . البقرة:186.


(24)

ولكن ليس مقصود الآية أيّ دعاء كان، حتّى الدعاء الذي لم ينقطع عن الأسباب الطبيعية ولم يتوجّه إلى اللّه بالكامل، بل الاستجابة تتوقّف على الدعاء والطلب الحقيقي، وأن يكون الدعاء والطلب منه تعالى لا من غيره، فمن انقطع عن كلّ سبب واتّصل بربه لحاجة من حوائجه، فقد اتّصل بحقيقة الاسم المناسب لحاجته، فيؤثر الاسم بحقيقته ويستجاب له، وذلك حقيقة الدعاء بالاسم، ولو كان هذا الاسم هو الاسم الأعظم انقاد لحقيقته كلّ شيء واستجيب للداعي به دعاؤه على الإطلاق، ومعنى تعليمه تعالى نبيّاً من أنبيائه أو عبداً من عباده اسماً من أسمائه أو شيئاً من الاسم الأعظم هو أن يفتح له طريقة الانقطاع إليه تعالى باسمه ذلك في دعائه ويرتبط بواقع ذلك الاسم.

وعلى هذا الأساس ينبغي أن نُفسّر ما جاء بالروايات وأن نطلق على الأسماء اللفظية والصور الذهنية اسم الاسم(1).(2)


1 . تفسير الميزان:8/354ـ 356.
2 . منشور جاويد:2/79ـ 81.


(25)

4
القرب الإلهي

سؤال: إذا أخذنا بنظر الاعتبار أنّ اللّه تعالى منزّه عن المكان، كيف توجّهون لنا الفكرة القائلة أنّ الطاعة تبعث إلى التقرب من اللّه تعالى؟ وما المقصود من هذا القرب؟

الجواب: أبداً لا يمكن القول إنّ المقصود من القرب هو القرب المكاني، لأنّ اللّه تعالى ليس بجسم ولا جسماني ومنزّه عن المكان بنحو يقترب منه العبد مكانياً، ولكنّه سبحانه و تعالى في نفس الوقت أقرب إلينا من حبل الوريد.(1)

كذلك لا يمكن أن يكون الهدف من هذا القرب هو القرب المقامي أو الاجتماعي، كما يقال مثلاً، وكيل الوزارة أقرب إلى الوزير من كلّ أحد وأنّه مقرّب لديه. بل أنّ هذا التقرّب نوع «قرب معنوي»، وأنّ إطلاق لفظ «قرب» نوع من المجاز، ولوجود الاشتراك والتشابه بين هذا القرب والقرب المكاني، استعملت لفظة القرب في هذا المعنى.


1 . اقتباس من قوله تعالى:(نحن أقرب إليه من حبل الوريد) (ق:16).


(26)

إنّ التقرّب من اللّه ليس قرباً مكانياً ولا اجتماعياً ولا مجازياً، بل هو قرب واقعي وحقيقي يحصل عليه العباد في ظل إطاعة اللّه وعبادته والإخلاص في العمل، ويرتقون في سلّم التكامل، ويقتربون من اللّه بحيث تقل الفاصلة بينهم و بين اللّه سبحانه.

من الممكن أن يطرح السؤال التالي: إذا كان اللّه تعالى منزّهاً عن المكان وانّ القرب منه ليس قرباً اجتماعياً ولا مكانيّاً، إذاً ما المقصود من «القرب الإلهي» وعروج العبد وقربه منه؟

وجواب عن السؤال: هو أنّ إله العالم كمال مطلق وغير محدود، والسائرين في طريق العبودية في ظل الكمالات التي يكسبونها من هذا الطريق يحصلون على كمالات غير متوفّرة لدى غيرهم، ولذا يقتربون من اللّه تعالى.

ففي عالم الخلق كلّ إنسان يقترب من اللّه بنسبة كماله، ولكن كلّما اشتدّ كمال الإنسان ازداد قربه من الذات الإلهية التي هي الكمال المطلق واللامحدود.

ومن المسلّم أنّ الملائكة وفي ظل الكمال الذي يملكونه أقرب إلى اللّه تعالى من كثير من الموجودات، ومن هذه الجهة بعضهم «حاكم ومطاع»، وبعضهم الآخر«مطيع» و«مأمور».

ثمّ إنّ مرتبة الإنسان من الناحية الوجودية أعلى من الجمادات والنباتات والحيوانات وأقرب إلى اللّه تعالى، والمعيار في القرب والبعد، هو ذلك الكمال الوجودي الذي يقرّبه من مركز الكمال المطلق.

وإضافة إلى الكمالات المتوفرة لدى الإنسان ـ بحكم الضرورة ـ يستطيع الإنسان من خلال سلوك طريق العبودية وإقامة الفرائض الدينية أن يحصل على


(27)

الكثير من تلك الكمالات، فالإنسان من خلال طي هذا الطريق يرتقي في درجات السمو والرفعة والتكامل ويقترب من اللّه ويسمو عن المرتبة الحيوانية، بل يرتقي إلى درجة فوق درجة الملائكة.(1)


1 . منشور جاويد:5/169ـ 170.


(28)

5
اللّه كمال مطلق

سؤال: حينما يقال إنّ اللّه هو الكمال المطلق واللامتناهي، يتبادر إلى الذهن السؤال التالي: ما المراد من الكمال هنا؟

الجواب: عندما نطلق صفة الكمال على اللّه سبحانه ونقول: إنّ اللّه كمال مطلق وغير متناه، نقصد بذلك نفس الصفات الجمالية للّه سبحانه، كالعلم والقدرة والحياة والإرادة.

وحينما ينطلق الإنسان ليطوي طريق الطاعة الزاهر فأنّه ـ وبلا شك ـ يخطو في درجات الكمال ليرتقي سلّمه و يمسّك بناصيته، ومعنى ذلك أنّ مثل هذا الإنسان يكتسب كمالاً وجودياً وعلماً وقدرة أكثر، وإرادة نافذة وحياة خالدة، بحيث يمكن القول حينها إنّه قد ارتقى إلى درجة أعلى من درجة الملائكة وانّه حصل على كمال أكثر ممّا كان لديه.

لقد سعى الإنسان دائماً للتمكن من الهيمنة على العالم، وسعى أيضاً للقيام بأعمال يعجز عنها الإنسان العادي، فقد سعى المرتاضون ومن خلال الرياضة النفسية المحرمة والمؤلمة للنفس لتقوية النفس والروح والحصول على قدرات عالية.


(29)

ولكن الطريق الصحيح الذي تُنال به السعادة الدنيوية والأُخروية هو طريق التذلّل والخضوع في مقابل ساحة القدس الإلهي، ومن خلال طيّ طريق العبودية للّه سبحانه وكسب المقامات والقدرات الروحية والنفسية ثمّ السيطرة على النفس والعالم.

ولقد أشار الرسول الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ـ في ضمن حديث ـ إلى المقامات العالية لسالكي طريق الحق والسائرين في طريق العبودية والطاعة ومنزلتهم لدى اللّه سبحانه في الحديث القدسي المعروف:

« ما تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدٌ بِشَيء أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَ إِنَّهُ لِيتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّافِلَةِ حَتّى أُحِبَّهُ، فَإِذا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذي يَسْمَعُ بِهِ وَ بَصَرَهُ الّذي يُبْصِرُ بِهِ وَ لِسانَهُ الَّذي يَنْطِقُ بِه، وَيَدَهُ الَّتي يَبْطِشُ بِها، إِنْ دَعاني أَجَبْتُهُ، وَ إِنْ سَأَلَني أعْطَيْتُهُ».(1)

إنّ الإمعان في هذا الحديث القدسي يكشف لنا وبوضوح عظمة الكمال الإنساني الذي يكتسب في ظلّ القيام بالفرائض والإتيان بالنوافل بحيث تصل القدرات البشرية إلى حدّ تستطيع معه ـ و بالاستعانة بالقدرة الإلهية ـ أن تتلقّى الذبذبات الصوتية التي تعجز عن إدراكها القدرات والإمكانات العادية والطبيعية، ويرى الصور والأشباح التي تعجز عن رؤيتها كذلك، وبالنتيجة تتحقّق كلّ رغباته وأغراضه.

ولا شكّ أنّ المقصود من قوله: «كنت سمعه... وبصره» هو أنّ ذلك الإنسان وفي شعاع القدرة الإلهية يكون بصره أنفذ، وسمعه أشدّ، وقدرته أوسع.(2)


1 . أُصول الكافي:2/352، طبعة دار الكتب الإسلامية.
2 . منشور جاويد:5/170ـ 171.


(30)

6
اللّه، وجود غير متناه

سؤال:كيف تفسّرون لنا فكرة أنّ وجود اللّه غير متناه؟

الجواب: إنّ محدودية الموجود ملازمة للتلبّس بالعدم.

لنفترض كتاباً طبع بحجم خاص، ثمّ لننظر إلى كلّ طرف من أطرافه الأربعة، فإنّا نرى أنّه ينتهي ـ و لا شكّ ـ إلى حدّ معيّن ينتهي إليه وجود الكتاب، وحدوده وحجمه، ولا شيء وراء ذلك.

ولنفترض سلسلة جبال الهملايا أو سلسلة جبال زاكروس فهي مع عظمتها محدودة أيضاً، ولذلك لا نجد بعد انتهاء كلّ من السلسلتين أيَّ أثر لهما، وذلك دالّ على أنّ كلاً من السلسلتين محدودتان بحدود معيّنة.

من هذا البيان نستنتج أنّ «محدودية» أيّة حادثة من حيث «الزمان»، أو محدودية أيّ جسم من حيث «المكان» هي أن يكون وجوده مشوباً بالعدم، وأنّ المحدودية والتلبّس بالعدم متلازمان.

ولذلك فإنّ جميع الظواهر والأجسام المحدودة «زماناً ومكاناً» مزيجة بالعدم، ويصحّ لذلك أن نقول في حقّها بأنّ الحادثة الفلانية لم تتحقّق في


(31)

الزمان الفلاني، أو أنّ الجسم الفلاني لا يوجد في المكان الفلاني.

على هذا الأساس لا يمكن اعتبار ذات «اللّه» محدودة، لأنّ لازم المحدودية هو الامتزاج بالعدم، والشيء الموجود الممزوج بالعدم، موجود باطل لا يليق بالمقام الربوبي الذي يجب كونه حقاً ثابتاً مائة بالمائة، كما هو منطق القرآن الكريم والعقل حول «اللّه» سبحانه حيث ورد في الذكر الحكيم قوله تعالى.

(ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ هُوَ الْحَقُّ وَ أَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ...).(1)

ويمكننا أن نستدلّ لإثبات «لا محدودية» الذات الإلهية بدليل آخر، هو:

«انتفاء عوامل المحدودية في ذاته» لأنّ للمحدودية موجبات وأسباباً، منها: «الزمان والمكان»، فهما من أسباب محدودية الظواهر والأجسام.

فالحادثة التي تقع في برهة خاصة من الزمان فبما انّ وجودها مزيج بالزمان، فمن الطبيعي أن لا تكون هذه الظاهرة في الأزمنة الأُخرى.

كما أنّ الجسم الذي يشغل حيّزاً ومكاناً معيناً من الطبيعي أن لا يكون في مكان وحيز آخر، وهذا هو معنى (المحدودية).

في هذه الصورة لابدّ أن يكون وجود «اللّه» المنزّه عن «الزمان» و «المكان» منزّهاً من هذه القيود المحددة.

وحيث لا يمكن تصوّر «الزمان والمكان» في شأنه تعالى، لزم وصفه سبحانه باللامحدودية من جانب الزمان والمكان.(2)


1 . الحج:62.
2 . منشور جاويد:2/191ـ 192.


(32)

7
الصفات الجمالية والجلالية

سؤال: ما المقصود من صفات اللّه الجمالية والجلالية؟

الجواب: من التقسيمات الرائجة في صفات اللّه تعالى هو تقسيمها إلى قسمين:

الصفات الجمالية، والجلالية: فإذا كانت الصفة تحكي عن كمال في مرحلة الذات ومثبتة لجمال في الموصوف، ومشيرة إلى واقعية في ذاته سمّيت: «ثبوتية ذاتية» أو «جمالية»، مثل العالم والقادر والحيّ; وإذا كانت الصفة هادفة إلى نفي نقص وحاجة عنه سبحانه سمّيت: «سلبية أو جلالية».

فصفات الجمال علامة الكمال والجمال، وصفات الجلال علامة تنزّهه سبحانه عن النقص.

ولعلّ هذين الاصطلاحين أُخذا من الآية المباركة: (تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ وََالإِكْرَامِ )(1)

والمشهور أنّ الصفات الجمالية ثمانية، وهي: العلم،


1 . الرحمن:78.


(33)

القدرة، الحياة، السمع، البصر، التكلّم، الغنى، والصدق.(1)

وأمّا الصفات السلبية فقد حصروها في سبع، وهي: أنّه تعالى ليس بجسم، ولا جوهر، ولا عرض، وأنّه غير مرئي، ولا متحيز، ولا حال في غيره، ولا يتّحد بشيء.

ومفاد سلب هذه الصفات عنه تعالى أنّ اللّه أسمى وأجلّ من أن يوصف بتلك الصفات.

إرجاع جميع الصفات إلى صفة واحدة

يمكن إرجاع جميع الصفات الثبوتية إلى صفة ثبوتية واحدة، والصفات السلبية إلى أمر واحد، مثلاً في مورد الأُولى يمكن القول أنّ كلّ وصف يُعدّ كمالاً فاللّه متّصف به، فإذا قلنا : إنّ اللّه عالم وقادر وحي، فإنّنا نطلقها عليه من حيث إنّ هذه الأسماء تُعد كمالاً للوجود المطلق.

وهكذا الكلام في الصفات السلبية حيث يمكن القول، كلّ أمر يعتبر نقصاً وعيباً فهو منزّه عنه سبحانه.

وعلى هذا الأساس يكون اللّه سبحانه متّصفاً بوصف ثبوتي واحد، هو «الكمال المطلق»; ومتّصف بوصف سلبي واحد، وهو سلب كلّ أنواع النقص.

إنّ حصر الصفات الثبوتية والسلبية ليس له معيار علمي واضح، وانّ ما ذكر من الصفات تُعد مصاديق بارزة في جانب الصفات الثبوتية أو السلبية،


1 . بعض هذه الصفات مثل الصدق والتكلّم من صفات الفعل وليس من الصفات الثبوتية الذاتية، ولكن باعتبار أنّ المتكلّمين ذكروا هذه الصفات ضمن الصفات الثبوتية نحن أيضاً نقتفي أثرهم في ذلك. كما أنّ صفة الغنى مرادفة لوجوب الوجود.


(34)

ويؤيّد ما ذكرنا إنّ الأسماء والصفات التي وردت في القرآن الكريم تفوق بأضعاف المرّات العدد الذي ذكر في القسمين المذكورين.

نظرية القول بتعدّد الصفات

إذا كان لابدّ من القول بتعدّد الصفات يجب القول أنّ الصفات الثبوتية لا تتجاوز أربع صفات، هي: العلم، والقدرة، والحياة، والاختيار. وأمّا باقي الصفات مثل السمع والبصر فأنّها ترجع إلى العلم، وأمّا الكلام والصدق فهما من صفات الفعل; وأمّا الغنى فإنّه رمز وجوب الوجود الذي هو منبع جميع الصفات.

وهكذا القول في الصفات السلبية حيث يمكن حصرها في عدم كونه جسماً، ولا جسمانياً، ولا عرضاً،ولا متحيّزاً; وأمّا باقي الصفات السلبية فقد ذكرت لغرض نقد معتقدات بعض الفرق، مثل نفي الحلول والاتّحاد الذي قالت به المسيحية، حيث اعتقدوا أنّ اللّه متّحد مع المسيح، أو الرّد على بعض عقائد الصوفية الذين اعتقدوا بأنّ اللّه قد حلّ في القطب وغيره. كذلك نفي صفة «المحل» ناظرة لردّ عقيدة الكرامية حيث ذهبوا إلى أنّ الذات الإلهية محلاً للحوادث، وكذلك نفي الرؤية ناظرة إلى عقيدة أهل الحديث والأشاعرة حيث ذهبوا إلى أنّ اللّه تعالى يُرى يوم القيامة، ومن العجيب هنا أنّ الأشاعرة اعتبروا الرؤية من الصفات الثبوتية وأنّ «العدلية» اعتبروها من الصفات السلبية.(1)


1 . منشور جاويد:2/71ـ73.


(35)

8
صفات الذات وصفات الفعل

سؤال: ما هي صفات الذات وصفات الفعل للّه سبحانه؟

الجواب: من التقسيمات الرائجة هي تقسيم صفاته سبحانه إلى: صفات الذات، وصفات الفعل. فالعلم والقدرة والحياة من صفات الذات، والخلق والرزق والمغفرة من صفات الفعل.

وهذا التقسيم وإن كان صحيحاً و واقعاً محكماً في محله، ولكن المهم هو أن نعطي تعريفاً جامعاً للقسمين معاً، إذ من الممكن تعريف الاثنين بالتعريف التالي:

كلّما كان تصوّر الذات كافياً لاتّصافها بالوصف، وفي حمل الوصف على الذات لا نحتاج إلاّ تصور الذات يطلق على هذه الصفة، صفة الذات، وفي المقابل إذا كان فرض الذات وحدها غير كاف في الاتّصاف، بل يحتاج إلى ضم فعل من أفعاله سبحانه، فحينئذ نطلق على هذه الصفة، صفة الفعل، مثل الخالق والرازق، لأنّ وصف اللّه سبحانه بهاتين الصفتين يحتاج إلى تصوّر شيء غير الذات الإلهية، وذلك لأنّه ما لم تتم عملية الخلق والرزق لا يمكن وصف اللّه سبحانه بـ«الخالق» و «الرازق» فعلاً.


(36)

وعلى هذا الأساس كلّما كانت الذات الإلهية تستحق الوصف في إطار فعله سبحانه، فإنّ هذه الصفة يطلق عليها صفة الفعل.

وهناك طريق آخر لتمييز صفات الذات عن الفعل، وهو أنّ كلّما يجري على الذات على نسق واحد(الإثبات دائماً) فهو من صفات الذات. مثل العلم والقدرة حيث يمكن القول فقط أنّ اللّه سبحانه عالم وقادر، ويستحيل أن نصفه بالجهل والعجز، وأمّا ما يجري على الذات على الوجهين بالسلب تارة وبالإيجاب أُخرى، فهو من صفات الأفعال. مثلاً نقول اللّه محيي الموتى يوم القيامة وغير محييهم قبل يوم القيامة، وأنّه خالق زيد اليوم وليس بخالقه أمس.

وهذا الطريق، قبله الشيخ الكليني في«الكافي»(1)، والمفيد في «تصحيح الاعتقاد»(2)، وقد يكون في بعض الروايات إشارة إلى هذا الملاك(3).(4)


1 . الكافي:1/111.
2 . تصحيح الاعتقاد:185.
3 . توحيد الصدوق، باب صفات الذات وصفات الفعل، الحديث1.
4 . منشور جاويد:2/73ـ 74.


(37)

9
الصفات النفسية والإضافية

سؤال: ما المقصود من صفات اللّه النفسية والإضافية؟

الجواب: يمكن تقسيم الصفات الثبوتية إلى قسمين: صفات حقيقية، وصفات ذاتية.

والمراد من الأُولى ما تتّصف به الذات من دون أن يلاحظ فيها الانتساب إلى الخارج ولا الإضافة إليه، كالحياة، وهذه يطلق عليها الصفة الحقيقية.

ويقابلها الصفات الإضافية، وهي ما كان لها إضافة إلى الخارج عن الذات، كالعلم بالمعلوم والقدرة على المقدور، فهذه يطلق عليها وصف الإضافية.

وعلى هذا الأساس تكون الصفات الانتزاعية غير الصفات الإضافية، لأنّ الصفات الانتزاعية، هي الصفات التي ينتزعها الذهن من الواقع، مثل الخالقية والرازقية، فإنّها منتزعة من حقيقة الفعل الإلهي; في الوقت الذي نرى أنّ الصفات الإضافية مخفية في نفس المفهوم المنتسب إليه، إذاً في هذا التقسيم جعلت الصفات الإضافية في مقابل الصفات الحقيقية، وعلى هذا الأساس يكون التقسيم للصفات ثلاثياً: 1. الصفات الحقيقية، 2. الصفات الإضافية،


(38)

3. الصفات الانتزاعية.

وبهذا يكون وصف الحياة حقيقياً، ووصف العلم إضافياً، ووصف الخالقية انتزاعياً. هذا هو التقسيم، ولكن المعروف بين المحقّقين شيء آخر، وهو تقسيم صفات اللّه تقسيماً ثنائياً:

الصفات الحقيقية، والصفات الإضافية; وذلك لأنّهم قسّموا الصفات الحقيقية إلى نحوين: إمّا أن تكون خالية من كلّ أنواع الإضافة لغير الذات مثل الحياة، وإمّا أن تكون الصفة في عين كونها حقيقة لها إضافة لغير الذات، مثل العلم بالموجودات، والخلق; ويطلق على القسم الأوّل اسم (الحقيقي والنفسي المحض)، وعلى القسم الثاني (الحقيقي والنفسي ذا الإضافة)، في مقابل هذا النوع من الصفات هناك صفات ليس لها منشأ إلاّ الانتزاع وليس لها واقعية في الخارج وراء ذلك الانتزاع، ويطلق على هذه الصفات وصف الصفات الإضافية والانتزاعية، وطبقاً لهذا الاصطلاح يكون مصطلح (الإضافة) نفس مصطلح (الانتزاع)، ويكون التقسيم ثنائياً: حقيقي إضافي، أو حقيقي انتزاعي.(1)


1 . منشور جاويد:2/74ـ 75.


(39)

10
السميع والبصير

سؤال: من المسلّم انّ اللّه تعالى منزّه عن الجسم والجسمانية، فإذا أخذنا ذلك بنظر الاعتبار كيف يمكن لنا توجيه وصفه سبحانه وتعالى لنفسه بالسميع والبصير؟

الجواب: لقد ورد وصف البصير في القرآن الكريم إحدى وخمسين مرّة، حيث وصف سبحانه وتعالى نفسه بالبصير في (43) منها، وورد وصف السميع(47) مرّة وصف سبحانه نفسه فيها جميعاً باستثناء مورد واحد، وهذا المورد المستثنى عبارة عن قوله تعالى:(...فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصيراً).(1)

إنّ السمع والبصر من أكبر وأنفع وسائل المعرفة، ومن بين الحواس الخمسة الظاهرية تكون هاتان الحاسّتان من أهمّ وسائل و سبل ارتباط الإنسان بالعالم الخارجي، ولذلك يتمتعان بقيمة أعلى.

ومن هنا أُطلقت هاتان الصفتان على اللّه سبحانه دون الصفات الأُخرى، مثل «الشامّة» و«الذائقة» و «اللامسة»، والحال أنّ ملاك إطلاق صفتي البصير


1 . الإنسان:2.


(40)

والسميع موجود في باقي أسماء الحواس، وإذا كان ملاك كونه سبحانه سميعاً وبصيراً حضور المبصرات والمسموعات عنده، فإنّ نفس هذا المعنى موجود في «المشمومات» و «المذوقات» و «الملموسات»، ولكنّ العلّة والسبب في هذا التمايز هو أنّ السمع والبصر يتمتعان بشرف وقيمة أعلى أوجبت إطلاق هذه الصفات عليه سبحانه، وسيأتي توضيح ذلك في آخر البحث إن شاء اللّه تعالى.

معنى كونه سبحانه سميعاً بصيراً

يطلق لفظ البصير على اللّه سبحانه بملاكين:

1. حضور المبصرات عنده سبحانه، في الوقت الذي يكون مقترناً بالسميع، كما يقول سبحانه: (...إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً). (1)

2. علمه سبحانه بجزئيات وخواص الأشياء في الوقت الذي يكون مقترناً بحرف «الباء»، كما يقول سبحانه: (...وَ كَفى بِرَبِّكَ بِذنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً).(2)

ويقول سبحانه: (...وَ كانَ اللّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً).(3)

ويقول أيضاً: (...ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمنُ إِنّهُ بِكُلِّ شَيْء بَصِيرٌ).(4)

إنّ متعلّق البصر في هذه الآيات مختلف، فتارة يكون «جميع الأشياء» ،


1 . النساء:58.
2 . الإسراء:17.
3 . الفتح:24.
4 . الملك:19.


(41)

وأُخرى«العباد»، وثالثة «أعمال العباد»، وأُخرى «ذنوب العباد».

ثمّ إنّ بعض المفسّرين فسّروا وصف البصير بحضور المبصرات عنده سبحانه، وهذا المعنى يصحّ في مورد الأشياء القابلة للرؤية، ولكن في بعض الموارد أُطلق لفظ البصير في أُمور غير قابلة للرؤية، مثل «الذنوب»، لأنّ كثيراً من الذنوب غير قابلة للرؤية، وبالطبع لابدّ أن يكون المقصود بالبصير هنا العلم بالجزئيات، والشاهد على ذلك إنّنا نرى في الموارد التي تكون فيها الذنوب متعلّقاً للبصير نراها مقترنة بلفظ «الخبير»، كما يقول سبحانه:(بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبيراً بَصِيراً).

ولعلّ هدف الآيات المباركة أنّ اللّه يعلم علماً تفصيلياً بما يجري في العالم لا علماً إجمالياً، وكلّ شيء في السرّ والعلن لا يخرج عن ساحة قدسه سبحانه.

من هذا البيان يتّضح أنّ نظرية المنكرين لتعلّق علم اللّه بالجزئيات، بذريعة أنّ ذلك يستلزم التغيّر في الذات الإلهية لا تنسجم مع ظاهر هذه الآيات. ولعلّه لكون لفظة بصير تتضمن في اللغة العربية معنى الدقة والإمعان، لذا استعمل القرآن تلك اللفظة في الموارد التالية:

1. التعرف على خصوصيات النفس: (بَلِ الإِنْسَانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ).(1)

والمقصود من الخصوصيات هنا الصفات والسجايا الحسنة والسيئة والميول الجميلة والقبيحة.

2. أسرار العالم الخفية. وهذا ما يظهر لنا من قصة السامري، حيث قال


1 . القيامة:14.


(42)

لموسى ـ عليه السَّلام ـ :(بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ...).(1)

إلى هنا اتّضح لنا معنى البصير، وسوف نشرع بتفسير لفظ (السميع).

تفسير وصف السميع

يظهر من القرآن الكريم أنّه استعمل لفظ السميع في معنيين:

الأوّل: بمعنى حضور المسموعات عنده سبحانه وتعالى، وهذا المعنى له السهم الأوفر في الاستعمال.

والمعنى الثاني: (المجيب) يقول تعالى: (...سَمِيعُ الدُّعَاء) .(2)

والحقّ أنّه لا يوجد للسميع إلاّ معنى واحد، وهو (السمع) وأنّ اللّه سبحانه في كلّ حال يسمع دعاء عباده، ولكن تارة يقترن السمع بالإجابة، وأُخرى لا يقترن، وجملة (سَمِيعُ الدُّعاء) جامعة لكلا المعنيين، وإذا فرضنا انّ المقصود من لفظ (سَمِيعُ الدُّعاء) أنّه مجيب الدعاء، فإنّ تلك الخصوصية لا تستفاد من اللفظ، وإنّما نستفيدها من القرائن الخارجية.

السمع والبصر بدون أدوات طبيعية

لا يخفى على الجميع أنّ الرؤية عند الإنسان وأيّ حيوان آخر إنّما تحدث بواسطة سلسلة من العمليات الفيزياوية والطبيعية، وعلى هذا الأساس لا يمكن تصوّر السمع في حقّه سبحانه من خلال هذا الطريق، ولذلك لا مناص من التمسّك بقاعدة «خذ الغايات،واترك المبادئ»، لأنّه لا هدف للإبصار غير العلم بالمبصرات، وهكذا الهدف من السمع وهو العلم بالأمواج الصوتية،


1 . طه:96.
2 . آل عمران:38.


(43)

فكلّما تحقّقت تلك الغاية بدون الحاجة إلى سلسلة من الأدوات والوسائل والفعّاليات الفيزياوية، ففي مثل هذه الحالة تحصل حقيقة السامع والبصير، وأنّ الآيات القرآنية المباركة لا تثبت أكثر من ذلك، وهو كون اللّه بصيراً وسميعاً، وأمّا أنّه سبحانه يمتلك خصوصيات الوجودات الإمكانية فلا تدلّ عليه الآيات.

ومن هنا وباعتبار أنّ جميع الوجودات الإمكانية حاضرة لديه سبحانه، فلا شكّ أنّ المبصرات والمسموعات تكون هي أيضاً حاضرة لديه بصورة قهرية.

من هذا المنطلق نرى الكثير من المحقّقين يذهبون إلى أنّ هذين الوصفين ـ السميع والبصير ـ من شعب علم اللّه سبحانه بالجزئيات، وأنّ حقيقة العلم هي حضور المعلوم لدى العالم لا غير، وإذا ذهب بعض المتكلّمين إلى أنّ سمع اللّه يرجع إلى علم اللّه بالمسموعات فأنّ قوله هذا صحيح، إذ من المسلم أنّ حضور الموجودات لدى اللّه سبحانه أعلى من حضورها لدى الإنسان عن طريق الصورة الذهنية.

من هنا يطرح السؤال التالي: إذا كان حضور المسموعات والمبصرات لديه سبحانه مصحّحاً لتوصيفه بالسميع والبصير، فليكن هذا بعينه مصحّحاً لتوصيفه بأنّه لامس وذائق وشام؟

والإجابة عن هذا السؤال واضحة وهي: إنّ شرف وكرامة هذه الأوصاف لا يمكن قياسه مع وصفي السميع والبصير، لأنّ أكثر علم الإنسان بالأشياء يحصل من خلال طريق السمع والبصر من هذه الجهة أنّ وصف اللّه بهذين الوصفين لا يلازم وصفه سبحانه بباقي الصفات المذكورة.

إضافة إلى ذلك إنّ لازم كون أسمائه سبحانه توقيفية ـ و إن كنّا لا نقول بذلك ـ الاكتفاء بالأسماء والصفات التي وصف اللّهُ بها في الكتاب والسنّة.


(44)

وفي الختام نشير إلى أنّ فرقة الأشاعرة استعملوا لفظ السميع والبصير في حقّه تعالى بنفس المعنى الذي يستعمل عند الإنسان، ولكنّهم للفرار من القول بالتجسيم أضافوا قيداً إلى كلامهم وهو «بدون كيف»، ولكنّنا بيّنا في بحوثنا المتعلّقة بعقائد الأشاعرة، وبالخصوص في كتابنا«بحوث في الملل والنحل» إنّ إضافة مثل هذا القيد لا تجدي نفعاً، ومن أراد التفصيل فعليه مراجعة الكتاب المذكور.

الروايات الواردة عن المعصومين ـ عليهم السَّلام ـ

قال أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : «والبصير لا بتفريق آلة، والشاهد لا بمماسّة».(1)

وقال ـ عليه السَّلام ـ : «يسمع لا بخروق وأدوات».(2)

وقال ـ عليه السَّلام ـ في خطبة أُخرى: «بصير لا يوصف بالحاسّة».(3)

وقد جمع المعنى كلّه الإمام جعفر بن محمد الصادق ـ عليه السَّلام ـ في قوله: «سميع بصير، أي سميع بغير جارحة، وبصير بغير آلة، بل يسمع بنفسه ويُبصر بنفسه»(4).(5)


1 . نهج البلاغة، الخطبة 155.
2 . نهج البلاغة، الخطبة186.
3 . نهج البلاغة، الخطبة 179.
4 . توحيد الصدوق:144.
5 . منشور جاويد:2/161ـ 166.


(45)

11
تعدّد الصفات وبساطة الذات

سؤال: كيف يتناسب القول بتعدّد صفات اللّه سبحانه مع بساطة ذاته سبحانه؟

الجواب :إنّ السؤال إنّما يتوجّه إذا كان كلّ واحد من هذه الصفات يكون جزءاً خاصّاً ويحتل موضعاً معيّناً من ذاته سبحانه، فحينئذ يمكن القول بأنّه يستلزم التركيب في ذاته سبحانه، ولكن إذا قلنا بأنّ كلّ واحد من هذه الصفات يكوّن «تمام» الذات، برمّتها وبأسرها، فلا يبقى حينئذ أيّ مجال لتصوّر التركيب في شأنه تعالى، إذ ما المانع من أن يكون شيء على درجة من الكمال بحيث تكون ذاته، علماً كلّها، وقدرة كلّها، وحياة كلّها، دون أن تظهر أيّة كثرة في ذاته، نعم لو كانت هناك كثرة فإنّما هي في عالم الاعتبار والذهن دون الواقع الخارجي، إذ يكون في هذه الصورة مصداق العلم في اللّه نفس مصداق القدرة، ويكون كلاهما نفس مصداق الذات بلا مغايرة ولا تعدّد.

ولتقريب هذا المعنى الدقيق نشير إلى مثال له في عالم الممكنات.

ولنأخذ مثلاً: (الإنسان) فكلّ وجوده مخلوق للّه، بينما هو أيضاً بكلّه


(46)

معلوم له سبحانه دون أن يكون معنى ذلك أنّ جزءاً من ذات الإنسان معلوم للّه والجزء الآخر مخلوق له سبحانه، بل كلّه معلوم للّه في عين كونه مخلوقاً كلّه له سبحانه، وليست جهة المعلومية في الخارج غير جهة المخلوقية.

وللمزيد من التوضيح لاحظ النور، فإنّ الإضاءة والحرارة من خواص النور ولكن ليست الكاشفية والإضاءة مرتبطة بناحية خاصة من وجوده، بل الإضاءة والكاشفية خاصّية تمامه دون تبعّض، كما أنّ الحرارة هي أيضاً خاصّية تمام وجوده دون أن يستلزم ذلك أيّ تعدد في ذات النور وحقيقته.


(47)

12
مراتب التوحيد

سؤال: لننقل الحديث إلى مراتب التوحيد، فما هي أقسام ومراتب التوحيد؟

الجواب: انّ للتوحيد مراتب فصّلها العلماء في كتبهم الكلامية والاعتقادية، وحدّدوها في أربعة أقسام نشير إليها بصورة إجمالية:

الاوّل: التوحيد في الذات

والمراد منه هو أنّه سبحانه واحد لا نظير له، فردٌ لا مثيل له، بل لا يمكن أن يكون له نظير أو مثيل.

وليس هو سبحانه لا نظير له ولا مثيل، بل أنّ ذاته سبحانه بسيط مطلق، منزّه عن التركيب والأجزاء. وفي هذا القسم أُشير إلى نوعين من التوحيد:

1. في ذاته لا نظير له في الوجود ولا مثيل.

2. انّه بسيط ومنزّه عن التركيب.

الثاني: التوحيد في الصفات

نحن نعتقد أنّ اللّه تعالى موصوف بكلّ الصفات الكمالية فإنّه عالم،


(48)

قادر، حيّ و... ولكن هذه الصفات تتفاوت فيما بينها من حيث المفهوم، فما نفهمه من لفظة عالم غير ما نفهمه من لفظة قادر. ولكن النقطة الجديرة بالبحث هي أنّ هذه الصفات متغايرة مفهوماً ولكنّها في الخارج متحدة وانّها جميعاً عين ذاته سبحانه.

فمثلاً علم اللّه عين ذاته، وأنّ ذاته سبحانه علمٌ كلّها وفي نفس الوقت ذاته سبحانه عين قدرته، وليس معنى ذلك أنّ واقع علمه سبحانه في ذاته شيء وواقع قدرته شيء آخر،بل كلٌ منهما عين الأُخرى والجميع عين ذاته.

ولتقريب هذا المعنى الدقيق نشير إلى المثال التالي: من المعلوم أنّ كلّ واحد منّا مخلوق للّه بينما هو أيضاً معلومٌ له سبحانه، وصحيح أنّ مفهوم «المعلوم» غير مفهوم «المخلوق»، ولكن في مقام التطبيق جميع وجودنا معلوم له، وكذلك جميع وجودنا مخلوق له دون أن يكون معنى ذلك أنّ جزءاً من ذاتنا معلوم للّه والجزء الآخر مخلوق له سبحانه، بل كلّه معلوم للّه في عين كونه مخلوقاً كلّه له، ولكن في مقام المصداق كلّ صفة من الصفتين عين الأُخرى والمجموع عين ذاتنا.

الثالث: التوحيد في الأفعال

نحن نعلم أنّ هناك في عالم الطبيعة سلسلة من العلل والأسباب الطبيعية لها آثار خاصّة مثل الشمس والإشراق الذي هو أثرها ومعلولها، والنار والإحراق الذي هو أثرها ومعلولها، والسيف والقطع الذي هو أثره ومعلوله، والتوحيد الأفعالي هو أن نعتقد بأنّ هذه الآثار مخلوقة هي أيضاً للّه تعالى كما أنّ عللها مخلوقة له سبحانه.


(49)

ثمّ إنّ التوحيد الأفعالي لا يعني إنكار العلل الطبيعية، بل يعني الاعتراف بأنّ للعلل كالشمس والنار والسيف تمام المشاركة في ظهور آثارها، وأنّ هذه الآثار هي من خواص هذه العلل، ومع هذا الاعتراف لابدّ من الإذعان بأنّه لا مؤثّر حقيقة في صفحة الوجود إلاّ اللّه، وأنّ تأثيره سبحانه على نحو الاستقلال وأمّا تأثير ما سواه من المؤثرات إنّما هو في ظل قدرته تعالى، فمنه تكتسب الشمس القدرة على الإشراق والإضاءة، ومنه تكتسب النار خاصية الإحراق والحرارة، وأنّه تعالى هو الذي منح هذه العلل والأسباب هذه الخواص وأعطاها هذه الآثار كما منحها وجودها قبل ذلك.

الرابع: التوحيد في العبادة

يعني أنّ العبادة لا تكون إلاّ للّه وحده، وأنّه لا يستحقّ أحدٌ أن يتخذ معبوداً مهما بلغ من الكمال والجلال وحاز من الشرف والعلاء، ذلك لأنّ الخضوع العبودي أمام كلّ أحد لا يجوز إلاّ لأحد سببين لا يتوفران إلاّ في اللّه تعالى:

1. أن يبلغ المعبود حدّاً من الكمال يخلو معه عن أي عيب أو نقص، فيستوجب ذلك الكمال أن يخضع له كلّ منصف ويعبده كلّ من يعرف قيمة ذلك الكمال المطلق.

فمثلاً الشيء الذي يتحلّى بالوجود اللامتناهي الذي لا يشوبه عدم، والعلم اللامحدود الذي لا يخالطه جهل، والقدرة المطلقة التي لا يمازجها عجز، والحياة والبصر والسمع اللامتناهي، هذه الأُمور تدفع كلّ ذي وجدان سليم وضمير حي إلى التعظيم والخضوع لصاحبها وإظهار العبودية أمامه


(50)

والتذلّل له.

2. أن يكون ذلك المعبود بيديه مبدأ العالم والإنسان ومنشأ حياته، فيكون خالقه وواهب الجسم والروح له ومانح الأنعم والبركات ومسبغها عليه بحيث لو قطع عنه فيضه لحظة من اللحظات عاد عدماً واستحال خبراً بعد أثر.

هذا والجدير بالذكر أنّ عبادة الأنبياء والأئمّة والأولياء الصالحين للّه سبحانه لم تكن إلاّ لكمال ذلك المعبود المطلق، فهم لمعرفتهم الفضلى واطّلاعهم الأعمق على عالم الغيب عبدوا اللّه سبحانه لما وجدوا فيه من الجمال المطلق والكمال اللامحدود، ولأجل أنّهم وجدوه أهلاً للعبادة والتقديس والخضوع والتعظيم عبدوه وقدّسوه وخضعوا له وعظموه. حتى أنّهم كانوا سيعبدونه «حتماً» حتّى ولو لم يكن هناك العامل والسبب الثاني للعبادة، في حين أنّ الآخرين إنّما يعبدون اللّه لكونه خالقهم ومصدر وجودهم وسابغ الأنعم عليهم وواهب القدرة لهم، ولأنّ بيده مفتاح كلّ شيء.

على كلّ حال سواء كانت علّة العبادة هي كمال المعبود، أو كانت ملاكاً آخر، فإنّ العبادة لكلا الملاكين المذكورين مخصوصة باللّه وليس معه في ذلك شريك أبداً، وبذلك تكون عبادة غير اللّه أمراً مرفوضاً في منطق العقل والشرع على السواء.

هذا ثمّ إنّ هناك مجالات أُخرى يجب توحيده سبحانه فيها، وهي:

1. التوحيد في الحاكمية

لقد وجه القرآن الكريم عناية خاصة إلى «التوحيد في الحاكمية» بحيث يتبين بوضوح أنّ الحكم والولاية ووفقاً للنظرية القرآنية منحصران في اللّه تعالى


(51)

وحده، وانّه لا يحق لأحد أن يحكم العباد دونه، وأنّه لا شرعية لحاكمية الآخرين إلاّ إذا كانت مستمدة من الولاية والحاكمية الإلهية وقائمة بأمره تعالى، وفي غير هذه الصورة لن يكون ذلك الحكم إلاّ «حكماً طاغوتياً» لا يتّصف بالشرعية مطلقاً ولا يقرّه القرآن والشرع أبداً.

على أنّنا حينما نطرح هذا الكلام ونقول: بأنّ الحكم محض حقّ للّه تعالى وأنّ الحاكمية منحصرة فيه دون سواه، فليس يعني ذلك أنّ على اللّه أن يباشر هذه الحاكمية بنفسه، ويحكم بين الناس ويدير شؤون البلاد والعباد دونما واسطة، ليقال إنّ ذلك محال وغير ممكن، أو يقال إنّ ذلك يشبه مقالة الخوارج إذ قالوا للإمام علي ـ عليه السَّلام ـ رافضين حكمه وإمارته:

«إن الحكم إلاّ للّه، لا لك يا علي، ولا لأصحابك».(1)

بل مرادنا هو: أنّ حاكمية أي شخص يريد أن يحكم البلاد والعباد، لابدّ أن تستمد مشروعيتها من:«الإذن الإلهي» له بممارسة الحاكمية، فما لم تكن مستندة إلى هذا الإذن لم تكن مشروعة ولم يكن لها أي وزن، ولا أي قيمة مطلقاً.

ونفس هذا الكلام جار في مسألة الشفاعة أيضاً، فعندما يصرّح القرآن وبوضوح قائلاً: (قُلْ للّهِ الشَّفعَةُ جَمِيعاً). (2) لايعني أنّه لا يشفع إلاّ اللّه، إذ لا معنى لأن يشفع اللّه لأحد، بل المفاد والمراد من هذه الآية هو أنّه ليس لأحد أن يشفع إلاّ بإذن اللّه، وأنّه لا تنفع الشفاعة إذا لم تكن برضاه ومشيئته.


1 . كان هذا شعار الخوارج يرددونه في المسجد وغيره من الأمكنة.
2 . الزمر:44.


(52)

2. التوحيد في الطاعة

كما أنّ الحاكمية على العباد مختصة باللّه سبحانه، كذلك لا يجوز لأحد أن يطيع أحداً غير اللّه، فالطاعة هي الأُخرى حقّ منحصر باللّه سبحانه لا يشاركه فيها أحد ولا ينازعه فيها منازع.

وأمّا لو شاهدنا القرآن يأمرنا ـ في بعض الموارد ـ بطاعة غير اللّه، مثل الأنبياء والأولياء فليس معنى ذلك أنّ طاعة هؤلاء واجبة بالذات، بل معناه أنّ وجوب طاعتهم هو (عين) طاعته سبحانه، وبأمره.

وبتعبير أجلى: حيث إنّ اللّه تعالى (أمر) بطاعة هؤلاء، لهذا وجبت إطاعتهم واتّباع أوامرهم والانقياد لأقوالهم امتثالاً لأمر اللّه وتنفيذاً لإرادته، فلا يكون هناك حينئذ إلاّ (مطاع واحد) في واقع الحال وهو اللّه جلّ جلاله، وأمّا إطاعة الآخرين (أي غير اللّه) فليست إلاّ في ظلّ إطاعة اللّه تعالى شأنه، وفرع منها.

3. التوحيد في التقنين

إنّ حقّ التقنين والتشريع ـ هو الآخر ـ مختص باللّه في نظر القرآن الكريم فليس لأحد سوى «اللّه» حقّ التقنين والتشريع وجعل الأحكام وسنّ القوانين للحياة البشرية.

ولذلك فإنّ الذين أعطوا مثل هذا الحقّ للأحبار والرهبان خرجوا من دائرة التوحيد في التقنين ودخلوا في زمرة المشركين.

وعلى هذا الأساس تكون وظيفة الأفراد الآخرين كالأنبياء والأئمّة بيان الأحكام، ووظيفة الفقهاء والمجتهدين العظام هي استنباط الأحكام ومعرفة


(53)

القوانين وطرح البرامج، لا تقنين وتشريع الأحكام. ويمكن إدراج هذا القسم ـ أي التوحيد في التقنين ـ تحت قسم (التوحيد الأفعالي) ولكن من الأفضل أن نفرد له قسماً خاصّاً، وبحثاً مستقلاً، لأنّ المقصود بالأفعال في «التوحيد الأفعالي»، هو الأفعال التكوينية، أي المرتبطة بعالم الخلق والتكوين والطبيعة، في حين أنّ التقنين والتشريع نوع من الأُمور الاعتبارية والجعلية العقلائية، ومن هنا يكون فصل هذين البحثين أمراً مناسباً جدّاً.


(54)

13
ملاك الشرك في العبادة

سؤال: ما هو معيار وملاك الشرك في العبادة؟

الجواب: من مراتب التوحيد، التوحيد في العبادة بمعنى الاعتقاد بأن العبودية والعبادة تختصّ باللّه تعالى، وأنّ غيره ـ مهما كان ـ غير لائق بأن يعبد، وهذا ما نؤكده في صلاتنا اليومية حيث نخاطبه سبحانه بقولنا:

(إِيّاكَ نَعْبُدُ).

ويمكن تعريف العبادة بثلاثة تعاريف مختلفة:

ألف. هي الخضوع اللفظي أو العملي النابع من الاعتقاد بإلوهية المعبود.

وعلى هذا الأساس كلّ لفظ أو عمل لا ينشأ من هذا الاعتقاد لا يُعدّ عبادة.

ويؤيد ذلك الآيات التي تأمر بعبادة اللّه سبحانه و تنهى عن عبادة غيره.

يقول سبحانه:(...يقَوْمِ اعْبُدوُا اللّه مَالَكُمْ مِنْ إِله غَيْرُه...) .(1)


1 . الأعراف:59.


(55)

ب. العبادة هي الخضوع والخشوع أمام موجود يعتقد أنّه ربّه ومدبّره. شبيه صاحب البستان أو الضيعة الذي يقوم بإدارة أُمورها وتربيتها، وهذا يعني أنّ ملاك عبادة المعبود هو الاعتقاد بربوبيته.

والشاهد على هذا التعريف الآيات التي تحصر سبب العبودية للّه سبحانه بكونه هو الرب الوحيد.

1. (...وَ قالَ الْمَسِيحُ يا بَني إِسرائيل اعْبُدُوا اللّهَ رَبِّي وَ ربَّكُمْ...).(1)

2. (إِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) .(2)

3. (إِنَّ اللّهَ رَبِّي وَربُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذَا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ) .(3)

ج. العبادة هي الخضوع أمام من يعتقد بأنّه إله العالم، أو الخضوع أمام موجود يعتقد أنّ أُمور العالم قد فوّضت إليه، سواء كانت الأُمور التكوينية، كالخلق والرزق والإحياء والإماتة، أو كانت من قبيل الأُمور التشريعية، مثل التقنين والشفاعة والمغفرة.

إنّ الإنسان الموحّد يؤمن بأنّ جميع الأُمور التكوينية والتشريعية تصدر حقيقة من اللّه سبحانه وتعالى، وإنّ اللّه سبحانه لم يفوّض أمر مخلوقاته إلى موجود آخر، ولذلك يعبد اللّه سبحانه ويطيعه; أمّا الإنسان المشرك وإن كان يعتقد أنّ الآلهة والأرباب الأُخرى مخلوقة للحق تعالى، ولكنّه في نفس الوقت يعتقد أنّ بعض أو كلّ الأُمور التكوينية والتشريعية قد فوضت إليهم، وانطلاقاً من هذا المعتقد يتوجّه إلى الكواكب والأصنام ليطلب منها هطول المطر


1 . المائدة:72.
2 . الأنبياء:92.
3 . آل عمران:51، وآيات أُخرى بنفس المضمون كما في سورة يونس:99، الحجر:65، مريم:36، والزخرف:64.


(56)

والشفاعة والعون والنصرة في الحق، لأنّ تلك الأُمور قد فوّضت إليهم.

وبإمعان النظر في التعاريف الثلاثة الماضية بالعبادة يتّضح جليّاً المعيار الأساسي للتوحيد والشرك في العبادة. فكلّ خضوع ناشئ من الاعتقاد بإلوهية أو ربوبية المعبود أو كون المعبود قد فوض إليه أمر الموجودات يُعدُّ عبادة، سواء أكان هذا الاعتقاد حقاً وصحيحاً، كما في عبادة اللّه سبحانه; أو كان الاعتقاد باطلاً و غير صحيح، كما في عبادة الأصنام.

أمّا إذا كان خضوع الإنسان مجرّداً عن هذا الاعتقاد فلا يعدُّ خضوعه عبادة، بل يُعدُّ تعظيماً وتقديساً ولا يعتبر الإنسان الخاضع حينئذ مشركاً ولا عمله شركاً.

ولكن الجدير بالذكر أنّ هذا التعظيم والاحترام غير العبادي تارةً يكون جائزاً وحلالاً، كتعظيم الأنبياء والأولياء والمعلّمين والمربّين; وأُخرى يكون حراماً وغير جائز، مثل السجود للأنبياء و الأولياء، ولكن حرمة هذا العمل لا تنبع من كونه عبادةً، بل بسبب الدليل الذي حرم السجود لغير اللّه وأنّ ما سواه سبحانه لا يستحقّ السجود له.

من هنا و بعد أن اتّضح الفرق بين التعظيم والعبادة نصل إلى النتيجة التالية، وهي:إنّ بعض الأعمال التي يقوم بها الإنسان من قبيل تقبيل القرآن الكريم أو أضرحة الأنبياء والأولياء وما يتعلّق بهما لا يُعدُّ عبادة إذا لم يكن مقترناً باعتقاد الإلوهية أو الربوبية أو التفويض.


(57)

14
السجود لآدم و التوحيد في العبادة

سؤال: مع الاعتقاد بوجوب التوحيد في العبادة كيف يمكن لنا أن نوجه سجود الملائكة لآدم ـ عليه السَّلام ـ ؟

الجواب: لقد ذكرت في هذا المجال إجابات متعدّدة ومختلفة، ولكنّ الجواب المحكم والمتقن عن هذه الشبهة والإشكالية هو التمييز بين أنواع السجود، فليس كلّ سجود يُعدّ عبادة للمسجود له، بل تارةً يكون السجود عبادة، وذلك إذا كان نابعاً من الاعتقاد بإلوهية وربوبية المسجود له ـ أي الاعتقاد بأنّ المسجود له هو اللّه أو مصدر الأفعال الإلهية ـ أمّا إذا كان السجود مجرّداً عن هذا الاعتقاد، كما إذا سجد احتراماً وتعظيماً للأولياء أو الآباء فلا يُعدُّ حينئذ عبادة، وباعتبار أنّه ليس لسجود الملائكة لآدم علةٌ غير التعظيم والتكريم لآدم ـ عليه السَّلام ـ ، وأنّ الملائكة لا يحملون ذرة اعتقاد بإلوهية آدم ـ عليه السَّلام ـ ، فلذلك لا يُعدُّ سجودهم ـ الملائكة ـ عبادة.

روى أبو بصير، قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : سجدت الملائكة لآدم ـ عليه السَّلام ـ ووضعوا جباههم على الأرض؟ قال: «نعم تكرمة من اللّه تعالى».(1)


1 . بحار الأنوار:11/139.


(58)

وفي حديث آخر عن أبي الحسن الثالث ـ عليه السَّلام ـ ، قال:

«إنّ السجود من الملائكة لآدم لم يكن لآدم وإنّما كان ذلك طاعة للّه ومحبّة منهم لآدم».(1)

إنّ القرآن الكريم يشهد وبجلاء أنّ أبناء يعقوب ـ عليه السَّلام ـ قد سجدوا أمام يوسف ـ عليه السَّلام ـ ليتحقّق صدق رؤيا يوسف ـ عليه السَّلام ـ ،حيث قال سبحانه:(وَرَفَعَ ابَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً...).(2)

إنّ الآية المباركة تبيّن وبوضوح أنّ السجود للإنسان في بعض الشرائط الخاصّة لا يُعدُّ عبادة، وأنّ ذلك كان جارياً في الشرائع السابقة، وإن كان قد حُرِّمَ ذلك في الشريعة الإسلامية حتّى إذا كان لا يُعدُّ عبادة.(3)


1 . بحار الأنوار:11/139، وفي نور الثقلين:1/49 نحوه.
2 . يوسف:100.
3 . منشور جاويد:4/253ـ 254.


(59)

15
التوسّل بالأسباب و التوحيد في الربوبية

سؤال: هل التوسّل بالأسباب الطبيعيّة والماديّة يُعدُّ شركاً؟

الجواب: إنّ التوسّل بالأسباب الطبيعية والمادية لا يُعدُّ شركاً عند جميع الشعوب والأديان، فلا تجد شعباً أو أُمّة تعدّه من الشرك، بل انّ أساس حياة الإنسانية قوامه بالاعتماد على هذه الأسباب الطبيعية،ولكنّ الوهابيّين اعتبروا التمسّك بالأسباب غير الطبيعية والعادية نوعاً من الشرك، وتصوّروا أنّ الاعتقاد بتأثير تلك الأسباب ملازم للاعتقاد بإلوهيّتها، وبنوا على هذا التصوّر أنّ التوسّل بها يُعدُّ عبادة لها.

إذا اعتقد إنسان ما ـ حقّاً أو باطلاً ـ أنّه يوجد لنيل مرامه طريقان: أحدهما: طبيعي، و الآخر: غير طبيعي; فينبغي عليه أن يسلك الطريق الطبيعي في حال توفّره لنيل مطلوبه. وإذا لم يتسنّ له الوصول إلى غرضه من خلال الطريق الطبيعي، فبإمكانه أن يسلك الطريق الغير الطبيعي الذي سيوصله إلى الغرض بعد طيّ مقدّمات وشرائط خاصة. فحينئذ إذا سلك الإنسان الطريق الطبيعي بهذه النيّة معتقداً أنّ اللّه قد منحها التأثير.(1)


1 . (هو الذي جعل الشمس ضياءً والقمر نوراً...)(يونس:5).


(60)

أو يسلك الطريق الغير الطبيعي في اعتقاد أنّ اللّه سبحانه قد جعل الشفاء ـ وتحت شرائط خاصة ـ في قبضة من التراب، أو أنّ اللّه أعطى المسيح ـ عليه السَّلام ـ القدرة على شفاء المرضى بإذنه تعالى من خلال المسح بيده على المريض، وكذلك منحه القدرة على أحياء الموتى; فلا يُعدّ ذلك شركاً.

فإذا يئس الإنسان من تأثير العلل والأسباب الطبيعية، ولكنّه لم ييأس ويرى أنّ نافذة الأمل مازالت مفتوحة أمامه ويتّجه صوب تربة كربلاء أو أنفاس السيد المسيح ـ عليه السَّلام ـ ، فهل من الصحيح يا ترى أن نقول إنّه قد اتّخذ من التراب أو المسيح إلهاً يعبده من دون اللّه، في الوقت الذي نراه يُصرّح بمعتقده: أنّ اللّه سبحانه هو الذي منح التراب ذلك الأثر، وهو الذي أعطى لعبده السيد المسيح تلك القدرة؟! فإذا كان التوسّل بالأسباب غير الطبيعية يُعدُّ شركاً فلابدّ من عدّ التوسّل بالأسباب الطبيعية شركاً أيضاً.

نعم من الممكن أن تناقش هذا الإنسان ـ الذي يعتقد أنّ اللّه قد منح تربة سيد الشهداء ـ عليه السَّلام ـ القدرة على الشفاء، أو منح السيد المسيح ـ عليه السَّلام ـ القدرة على الابراء والإحياءـ وتخطئه، أو تطلب منه الدليل والبرهان على معتقده، وأن تنفي أنّ اللّه قد منح التربة أو السيد المسيح تلك القدرة والطاقة، ولكن ليس من حقّك أن تعدُّه مشركاً بسبب ذلك الاعتقاد، وذلك لأنّ أساس الاستفادة من الأسباب الطبيعية وغير الطبيعية عنده على حدّ سواء، حيث يؤمن بأنّ اللّه هو الذي منح الشمس خاصية الإشراق، ومنح القمر خاصية التلألؤ، ومنح النار خاصية الإحراق، و العسل خاصية الشفاء.(1)

إنّ اللّه الذي منح تلك الأشياء خصائصها هو نفسه الذي منح التراب


1 . (... فيه شفاء للناس)(النحل:69).


(61)

الحسيني والمسيح ـ عليه السَّلام ـ تلك القدرة بلطفه ومنّه.

ثمّ إنّ نفس هذا الكلام يجري في الإجابة عن مسألة التوسّل بالأرواح المقدّسة لأولياء اللّه الذين ضمّت الأرض أجسادهم الطاهرة، وأرواحهم فإنّها حيّة في عالم الغيب.

وّ لأُستاذنا الإمام الخميني ـ قدَّس سرَّه ـ في هذا المجال كلام يسلّط الضوء فيه على حقيقة الأمر، نأتي بخلاصته: إذا اعتقدنا إلوهية أحد، أو اعتقدنا أنّ له القدرة على التأثير بصورة مستقلّة، وتوسّلنا به لقضاء حاجاتنا اعتماداً على هذا المعتقد، فلا شك انّنا حينئذ قد وقعنا في الشرك. ولكن لو طلبنا حاجتنا ونحن نحمل اعتقاداً مغايراً لذلك، وذلك بأن اعتقدنا أنّ اللّه القادر على كلّ شيء قد منح التراب تلك الخصوصية إكراماً للإمام الذي أُريق دمه وضحّى بكلّ وجوده وكيانه من أجل الدين الحنيف، فلا شكّ أنّه لا توجد أيّ شائبة شرك في فعلنا هذا.

فإذا قال العبد: إنّ اللّه الذي منح الدواء القدرة على الشفاء، هو نفسه الذي منح التراب الذي أُريق عليه دم سيد الشهداء المظلوم تلك القدرة على الشفاء، فيستحيل أن نصف عمله واعتقاده هذا بالشرك، وأن نصف ما توسّل به أنّه[إله] له يعبده من دون اللّه.(1)

وما نقرأه في المعارف الإسلامية العالية:«إنّ اللّه هو المسبّب والمعطّل».

فإنّ المقصود من ذلك أنّ اللّه سبحانه فتارة يمنح الظاهرة خاصية التأثير، وتارة أُخرى يسلب منها ذلك الأثر.فتارة يمنح التراب الأسود أثراً خاصاً بحيث إذا امتزج مع الحلّي أن يكون عِجلاً له خوار، كما جاء ذلك في قصة السامري


1 . كشف الأسرار:53.


(62)

حينما سأله موسى ـ عليه السَّلام ـ عمّا فعله( قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ).(1) فأجابه السامري بقوله: ( قَالَ بَصُرتُ بِمَالَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لي نَفْسي).(2)

فعلّل السامري عمله هذا بأنّه أخذ قبضة من أثر الرسول فعالج بها مطلوبه، فعاد العجل له خوار.

إذاً فليس عجيباً من اللّه تعالى الذي منح قبضة التراب التي مرّت عليها أقدام الرسول الحيّ موسى ـ عليه السَّلام ـ هذه القدرة العجيبة أن يمنح التراب ـ الذي أُريق عليه أزكى وأطهر دم، ألا وهو الدمّ الخالد لسيد الشهداء ـ عليه السَّلام ـ والعصابة المؤمنة التي أُريقت دماؤهم على تلك التربة ـ القدرة على الشفاء تحت شرائط خاصة، فلا يُعدّ ذلك أمراً عجيباً، بل أنّ التمسك بمثل ذلك المعتقد يعتبر عين التوحيد; وتارة أُخرى نجد أنّ اللّه سبحانه قد منح قميص يوسف ذلك الأثر العجيب بحيث بمجرد أن أُلقي على وجه أبيه يعقوب ـ عليه السَّلام ـ ارتدّ بصيراً، وهذا ما تحدّثنا عنه الآية المباركة:(فَلَمَّآ أَنْ جَآءَ الْبَشِيرُ أَلْقيهُُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً...). (3)

وعلى هذا الأساس فلا منافاة بين التوحيد وبين التوسّل بالأسباب وإن كانت غير طبيعية.

ثمّ هل من الصحيح مع ملاحظة تلك النماذج التي تطرق لها القرآن الكريم عدّ التوسّل بالأسباب غير الطبيعية سبباً للشرك وعبادة لغير اللّه؟!


1 . طه:95.
2 . طه:96.
3 . يوسف:96.


(63)

إنّ التوسّل بالأرواح المقدّسة والاستمداد بالنفوس الطاهرة الخالدة عند ربّها نوعٌ من التمسك بالأسباب غير الطبيعية، وأمّا البحث عن أنّ هذه الأرواح والنفوس هل في مقدورها أن تغيث من يستغيث بها أو لا؟ فهو خارج عمّا نحن بصدده الآن، فإنّ ما يهمّنا هنا هو البحث عن مسألة التوسّل بتلك الأسباب غير الطبيعية، هل تنسجم مع التوحيد في العبادة، أو أنّها نوع شرك؟

فإذا اعتقد الإنسان ولسبب ـ صحيح أو غير صحيح ـ أنّه في حالة عجز الأسباب الطبيعية عن تلبية مراده فإنّ اللّه سبحانه قد منح الأرواح المقدّسة القدرة على حلّ المشكلات بإذن اللّه تعالى، وأنّه يستطيع من خلال الاعتماد على العامل الغيبي حلّ مشكلاته، إنّ هكذا اعتقاد يستحيل أن يُعدّ شركاً وثنويةً في العبادة، نعم هناك بحثٌ آخر: هل أنّ هذا الاعتقاد صحيح أو غير صحيح؟ لسنا بصدد البحث عن هذه المسألة فعلاً، ويمكن بحثها في مجال آخر.(1)


1 . منشور جاويد:2/411ـ 417.


(64)

16
طلب الشفاعة من غيراللّه سبحانه

سؤال: هل طلب الشفاعة من غيره سبحانه يُعدّ عملاً محرّماً؟

الجواب: من الأدلّة التي تمسّك بها الوهابيّون لتحريم طلب الشفاعة من أولياء اللّه أنّهم قالوا: إنّ القرآن الكريم قد نهى عن دعاء غير اللّه سبحانه، وإنّ طلب الشفاعة من غيره سبحانه يُعدُّ نوع دعاء وطلب من غيره، قال تعالى:(فَلا تَدْعُوا مَعَ اللّهِ أَحَداً).(1)

فإذا كان دعاء غير اللّه أمراً محرّماً، ومن جهة ثانية كانت الشفاعة حقّاً ثابتاً لأولياء اللّه، فإنّ طريق الجمع هو أن نطلب الشفاعة من اللّه لا من الأولياء، ثمّ قالوا: والشاهد على أنّ هذا النوع من الدعاء، عبادة ،الآية التالية:

( وَ قَالَ رَبُّكُمْ ادْعُوني أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَستَكبروْنَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ). (2)

فإذا أمعنّا النظر نجد أنّ الآية في بدايتها استعملت لفظ الدعوة وفي آخرها استعملت لفظ العبادة، وهذا شاهد على أنّ مفهومي الدعوة والعبادة يعتبران مفهوماً واحداً.


1 . الجن:18.
2 . غافر:60.


(65)

وقد ورد في كتاب «إرشاد القلوب» والكتب الأخلاقية الأُخرى: «الدُّعاء مُخّ الْعِبادَة». هذه هي الشبهة التي أثارها الوهابيون.(1)

جواب الشبهة

أوّلاً: ليس المقصود من تحريم دعاء غير اللّه في قوله سبحانه: (فَلا تَدْعُوا) تحريم مطلق دعاء غير اللّه، بل المنهي عنه عبادة غيره سبحانه، بشهادة صدر الآية حيث يقول سبحانه: (وَ إِنَّ الْمَساجِدَ للّه)، فهذه الجملة دليل على أنّ المقصود في الآية هو النهي عن دعاء خاص كان يُعدّ ملازماً للعبادة، والنهي عن القيام المقترن بالذلّة والخضوع غير المتناهيين مقابل من يعتقد أنّ إدارة العالم بيده وأنّه الحاكم المطلق في الخلق.(2)

ولا شكّ أنّ هذه القيود غير موجودة في طلب الشفاعة من إنسان يعتقد أنّ اللّه أعطاه حقّ الشفاعة بإذنه سبحانه.

ثانياً: إنّ الّذي حُرّم في الآية المباركة هو أن ندعو مع اللّه غيره، وأن نعتبر المدعو في رتبة اللّه سبحانه، ويوضح ذلك بجلاء قوله تعالى:(مع اللّه)، فإذا توسّل إنسان بشخص الرسول الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ طالباً منه أن يدعو له ربّه ليغفر له ذنوبه أو يقضي له حاجته، فإنّ ذلك الإنسان بلا شكّ ولا ريب لم يدعُ (مع اللّه) أحداً، بل في الواقع أنّ هذا الدعاء لا يخرج عن كونه دعاءً للّه وحده.

نعم إذا عُدَّ التوسّل وطلب الحاجة من الأوثان نوعاً من الشرك، فإنّما ذلك بسبب أن المشركين كانوا يعتقدون أنّ الأوثان قادرة على تلبية حاجاتهم وتوفير


1 . إرشاد القلوب للديلمي:135.
2 . في الواقع أنّ معنى الآية هو: فلا تعبدوا مع اللّه أحداً كما ورد في قوله سبحانه: (ولا تدعوا مع اللّه إلهاً آخر).


(66)

متطلّباتهم، والحال أنّها في الواقع أعجز من أن تفعل شيئاً لنفسها فضلاً عن غيرها، ولذلك ذمّ القرآن الكريم اعتقادهم هذا بقوله: (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَ لا أََنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ).(1)

وقوله سبحانه:(إنَّ الّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ...).(2)

وبعبارة مختصرة: إنّ المشركين اعتقدوا أنّ الأوثان تمتلك القدرة الخارقة على الفعل، ولذلك وقفوا أمامها بمنتهى الذلّة والخضوع، مستمدّين منها العون لقضاء حوائجهم، ومعتقدين أنّها الفاعل التام والمتصرف المطلق في عالم الخلق.

وبالطبع أنّ طلب الحاجة بهذا النحو من الاعتقاد يعدّ و بلا شكّ ولا ريب حراماً قطعاً وشركاً جليّاً لا يمكن الفرار منه.

وأمّا الدعاء وطلب الشفاعة من شخص قد منحه اللّه ذلك المقام فلا يُعدُّ شركاً، لعدم توفر شروط الشرك فيه.

ثالثاً: إنّ للدعاء معنىً وسيعاً وشاملاً، وأحياناً يطلق على العبادة على نحو الاستعمال المجازي، كما في قوله تعالى: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ...).(3)

وكما ورد في الحديث:«الدُّعاء مخّ العبادة».(4) والذي استدلّ به المانع لطلب الشفاعة من البشر، والحال أنّ مثل هذه الاستعمالات الجزئية والمجازية لا تعتبر مبرراً ودليلاً لتفسير الدعاء بالعبادة دائماً، ورفض طلب الحاجة من غير اللّه ودعائه، واعتبار ذلك أمراً غير معقول وأنّه شرك.(5)


1 . الأعراف:197.
2 . الأعراف:194.
3 . غافر:60.
4 . إرشاد القلوب للديلمي:135.
5 . منشور جاويد:8/141ـ 143.


(67)

17
الاعتقاد بالسلطة الغيبية ومسألة الشرك

سؤال: هل الاعتقاد بالسلطة الغيبية سببٌ للشرك؟

الجواب: لا شكّ في أنّ طلب الحاجة من أحد ـ بصورة جدية ـ إنّما يصحّ إذا اعتقد طالب الحاجة بأنّ المطلوب منه قادرٌ على إنجاز حاجته.

وهذه القدرة قد تكون قدرة ظاهرية ومادية، كأن نطلب من أحد أن يسقينا ماءً ويجعله تحت تصرفنا ومتناول أيدينا.

وقد تكون القدرة قدرة غيبية خارجة عن نطاق المجالات الطبيعية والقوانين المادية، كأن يعتقد أحدٌ بأنّ الإمام عليّاً ـ عليه السَّلام ـ قلع باب خيبر بقدرة خارجة عن قدرة الإنسان العادي، وأنّه قلعه بقدرة غيبية.أو يعتقد أنّ المسيح ـ عليه السَّلام ـ كان يقدر بقدرة غيبية على منح الشفاء لمن استعصى علاجه من دون أن يستعمل دواء أو يقوم بإجراء عملية جراحية للمريض.

إنّ الاعتقاد بمثل هذه القدرة الغيبية إن كان ينطوي على الإيمان بأنّها مستندة إلى الإذن الإلهي والمشيئة والقدرة الإلهية، فهي حينئذ لا تختلف عن القدرة المادية الظاهرية، بل هي كالقدرة المادية التي لا يستلزم الاعتقاد بها الشرك، لأنّه سبحانه الذي أعطى القدرة المادية لذلك الفرد هو أيضاً أعطى


(68)

القدرة الغيبية لآخر، دون أن يُعدّ المخلوق خالقاً وأن يتصوّر استغناءه عن اللّه سبحانه وتعالى.

النظرية الوهابية

ثمّ إنّ الوهابيّين قالوا لو أنّ أحداً طلب من أحد أولياء اللّه ـ حيّاً كان أم ميّتاً ـ شفاء علّته أو ردّ ضالّته أو أداء دينه، فهذا ملازم لاعتقاد السلطة الغيبية في حقّ ذلك الولي، وأنّ له سلطة على الأنظمة الطبيعية الحاكمة على الكون، والاعتقاد بمثل هذه السلطة لغير اللّه عين الاعتقاد بإلوهية ذلك المسؤول، وطلب الحاجة في هذا الحال يكون مشركاً.

فلو طلب إنسان ضامئ الماء من خادمه،فقد اتّبع الأنظمة الطبيعية لتحقيق مطلبه، فلا يُعدّ ذلك شركاً; أمّا إذا طلب الماء من إمام أو نبي موارى تحت التراب أو يعيش في مكان بعيد، فإنّ مثل هذا الطلب ملازم للاعتقاد بسلطة غيبية لهذا النبي أو الإمام بحيث يستطيع أن يوفر الماء للسائل من دون التوسّل بالأسباب والعلل المادية، وهذا عين الاعتقاد بإلوهية المسؤول.

وممّن صرّح بهذا الكلام أبو الأعلى المودودي، فإنّ عبارته تحكي عن ذلك، حيث قال: صفوة القول إنّ التصوّر الذي لأجله يدعو الإنسان الإله ويستغيثه ويتضرّع إليه، هو ـ لا جرم ـ تصوّر كونه مالكاً للسلطة المهيمنة على قوانين الطبيعة والقوى الخارجة عن دائرة نفوذ قوانين الطبيعة.(1)

مناقشة نظرية المودودي

إنّ أساس الخطأ الذي وقع فيه الكاتب أنّه تصوّر أنّ الاعتقاد بالسلطة


1 . المصطلحات الأربعة:17.


(69)

الغيبية للأشخاص يُعدّ شركاً وثنويةً مطلقاً، ولم يفرّق أو لم يرد أن يفرّق بين نوعين من الاعتقاد، فلا شكّ أنّه يوجد فرق أساسيٌ بين الاعتقاد بالسلطة الغيبية المتكئة على السلطة والقدرة الإلهية وبين الاعتقاد بالسلطة المستقلة عن سلطة اللّه سبحانه، والذي يُعدّ سبباً للشرك هو الاعتقاد الثاني دون الأوّل.

إنّ القرآن الكريم يذكر وبصراحة تامة أسماء عدد من الأشخاص الذين كانوا يتمتعون بسلطة غيبية وأنّ إرادتهم كانت حاكمة على القوانين الطبيعية.

وها نحن نذكر أسماء عدد من هؤلاء الذين صرح القرآن بامتلاكهم لتلك القدرة.

1. النبي يوسف ـ عليه السَّلام ـ والسلطة الغيبية

لقد أمر يوسف ـ عليه السَّلام ـ إخوته بقوله الذي حكاه عنه القرآن الكريم: (اذْهَبُوا بِقَمِيصي هذا فَألْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً...* فَلَمّا أَنْ جاءَ الْبَشيرُ أَلْقاهُُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً...).(1)

إنّ ظاهر الآية يفيد أنّ رجوع البصر إلى يعقوب كان بإرادة يوسف، وأنّه لم يكن فعلاً مباشرياً للّه سبحانه، وإنّ ما فعله يوسف كان بقدرة مكتسبة منه سبحانه.

ولو كان إشفاء يعقوب مستنداً إلى اللّه سبحانه مباشرة بلا دخالة يوسف، لما أمر إخوته أن يلقوا قميصه على وجه أبيهم، بل يكفي هناك دعاؤه من مكان بعيد، وليس عمله هذا إلاّ تصرّفاً لولي اللّه في الكون بإذنه سبحانه.


1 . يوسف:93ـ 96.


(70)

2. موسى ـ عليه السَّلام ـ والقدرة الغيبية

لقد أمر اللّه موسى ـ عليه السَّلام ـ أن يضرب بعصاه الحجر لتنفجر منه اثنتا عشرة عيناً بعدد قبائل بني إسرائيل،قال تعالى: (...اضْربْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً...).(1)

كما أمره سبحانه مرّة أُخرى أن يضرب بعصاه البحر لينفلق البحر أمام بني إسرائيل، كما في قوله تعالى:(فَأَوحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْق كَالطَّودِ الْعَظِيم).(2)

ولا شكّ أنّه لا يمكن أن ننكر تأثير ضرب موسى بالعصى وإرادته ذلك العمل، في تفجير العيون وتحوّل ماء البحر كالطود العظيم، وإن كان إذنه سبحانه ومشيئته فوق إرادة موسى ـ عليه السَّلام ـ وعمله.

3. النبي سليمان ـ عليه السَّلام ـ والسلطة الغيبية

إنّ النبيّ سليمان ـ عليه السَّلام ـ كان يتحلّى بمواهب وقدرات غيبية كثيرة وواسعة، ولقد أشار القرآن الكريم إلى تلك المواهب بقوله تعالى:(وأُوتينا من كُلِّ شَيْء).(3)

ولقد أشارت الآيات القرآنية إلى تلك المواهب بصورة مفصلة، كما في الآيات 17ـ 44 من سورة النمل، والآية 12 من سورة سبأ، و81 من سورة الأنبياء، و36ـ 40 من سورة ص، بحيث ترشدنا تلك الآيات إلى عظمة القدرة


1 . البقرة:60.
2 . الشعراء:63.
3 . النمل:16.


(71)

الموهوبة لسليمان ـ عليه السَّلام ـ ،ولكي يطلّع القرّاء الكرام بصورة إجمالية على تلك القدرات نذكر قسماً من الآيات التي تتعلّق بهذا النبي، ليتّضح جلياً أنّ الاعتقاد بالقدرات الغيبية لأولياء اللّه من المسائل التي أخبر القرآن الكريم عنها.

أشار القرآن الكريم أنّه كان لسليمان سلطة على الجن والطير، وكان يعلم لغة الطيور والحشرات، كما ورد في قوله تعالى: (وَوَرِثَ سُليمانُ داودَ وَقالَ يا أَيُّهَا النّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْء إِنَّ هذا لَهُوَ الفَضْلُ الْمُبين* وَحُشِرَ لِسُلَيْمَـنَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ* حَتّى إِذا أَتَوا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْل ادْخُلُوا مَسَكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيمانُ وَجُنُودُه وَهُمْ لا يَشْعُرُون* فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَولِها وَقالَ رَبِّ أَوزِعْني أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ...).(1)

وأنت إذا اطّلعت على قصة الهدهد والمهمة التي أُوكلت إليه من قبل سليمان ـ عليه السَّلام ـ ليحمل رسالته إلى ملكة سبأ، كما يصف ذلك القرآن الكريم، تأخذك الدهشة والعجب لهذا الأمر، لذلك ندعو إلى مطالعة الآيات 20ـ 44 من سورة النمل والتدبّر وإمعان النظر فيها.

كما أنّ صريح القرآن الكريم يرشد إلى أنّ سليمان ـ عليه السَّلام ـ كانت له السلطة الغيبية على الريح بحيث تجري بإرادته وطبقاً لأوامره يقول تعالى: (ولِسُلَيْمَـنَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الّتي بَـرَكْنَا فِيها وَكُنّا بِكُلِّ شَيْء عَـلِمِينَ).(2)

والنكتة الجديرة بالانتباه هي قوله تعالى: (تَجْري بِأَمْرِهِ) حيث تشير إلى أنّ


1 . النمل:16ـ19.
2 . الأنبياء:81.


(72)

الريح كانت تأتمر بأمر سليمان ـ عليه السَّلام ـ وتخضع لإرادته.

4. المسيح ـ عليه السَّلام ـ والسلطة الغيبية

إنّ متابعة الآيات القرآنية المباركة يرشد إلى القدرات الغيبية التي كان يتحلّى بها السيد المسيح ـ عليه السَّلام ـ ونحن ـ و على نحو الإشارة لمقامه ـ عليه السَّلام ـ ـ نذكر الآية التي تحدث فيها ـ عليه السَّلام ـ عن قدراته ومواهبه:(...أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرَاً بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ).(1)

وإذا كان السيد المسيح قد قيّد كلّ آية يخبر بها عن نفسه، كالخلق وإحياء الموتى بـ(إِذن اللّه)فلأنّه ـ و بلا شكّ ـ لا يستطيع أيُّ نبي التصرف في الكون إلاّ بإذنه سبحانه، كما ورد ذلك في قوله سبحانه:(...وَما كانَ لِرَسُول أَنْ يَأْتِيَ بِآيَة إِلاّ بِإِذْنِ اللّهِ...).(2)

وفي الوقت نفسه نسب السيد المسيح ـ عليه السَّلام ـ تلك الأفعال الغيبية لنفسه حيث يقول: أنا (أُبرئ) و (احي) و (أُنبئكُم بِما تأكُلون وما تدخرون في بيوتكم) فإنّها تدلّ على المراد من البحث دلالة واضحة، وذلك لأنّ الجميع قد ورد بصيغة المتكلّم.

وليس أنبياء اللّه: يوسف و موسى و سليمان و المسيح هم وحدهم يتحلّون بقدرات غيبية وسلطة على عالم الطبيعة فقط، بل هناك الكثير من الأنبياء


1 . آل عمران:49.
2 . الرعد:38.


(73)

والملائكة يمتلكون تلك القدرات الغيبية، وقد وصف القرآن الكريم جبرئيل بأنّه (شديد القوى)(1)ووصف الملائكة بقوله: (فَالْمُدَبّراتِ أَمْراً). (2)

كما وصف القرآن الكريم الملائكة بصفات عديدة، منها: أنّها مدبرة لشؤون العالم، وأنّها تتوفى الأنفس، وأنّها الحافظة للإنسان والرقيب عليه، وأنّها الكاتبة لأعمال الإنسان، والمهلكة للأقوام والشعوب الكافرة، وأنّه وبلا شك أنّ من يمتلك أدنى درجات الاطّلاع على القرآن الكريم يعرف وبلا ريب أنّ الملائكة تمتلك قدرات وطاقات غيبية، وأنّها بالاتّكاء على القدرة الإلهية تقوم بأعمال خارقة للعادة.

فإذا كان الاعتقاد بالسلطة الغيبية لأحد ملازماً للاعتقاد بإلوهيته، لزم أن يكون جميع هؤلاء آلهة من وجهة نظر القرآن الكريم، وهذا ما لا يقول به أحد من الناس.

إنّ طريق حلّ هذه القضية إنّما يتم من خلال التفريق بين القدرة الاستقلالية وبين القدرة المكتسبة، حيث إنّ الاعتقاد باستقلالية قدرة الأنبياء والملائكة وغيرهم يُعدُّ وبلا ريب شركاً، ولكن الاعتقاد بأنّ تلك القدرات والطاقات مكتسبة من القدرة الإلهية المستقلة ومستندة إليها، يُعدُّ عين التوحيد وروح الوحدانية.


1 . النجم:5.
2 . النازعات:5.


(74)

18
طلب الشفاعة من الأولياء ومسألة الشرك

سؤال: هل طلب الشفاعة من أولياء اللّه يُعدُّ شركاً في العبادة؟

الجواب: لا شكّ أنّ الشفاعة حقّ خاص باللّه سبحانه، فالآيات القرآنية ـ إضافة إلى البراهين العقلية ـ تدلّ على ذلك كقوله تعالى: (قُلْ للّهِ الشَّفَاعَة ُ جَمِيعاً...).(1)

ومع الالتفات إلى هذا الأصل نذكر أنّه قد دلّت آيات كثيرة أُخرى على أنّ اللّه تعالى أذن لفريق من عباده أن يستخدم هذا الحقّ و يشفع ـ في ظروف خاصة وشروط معينة ـ حتّى أنّ بعض هذه الآيات صرّحت بخصوصيات وأسماء طائفة من هؤلاء الشفعاء، كقوله تعالى:

(وَكَمْ مِنْ مَلَك فِي السَّمَـوَتِِ لا تُغْني شَفَاعَتُهُمْْ شَيْئاً إِلاّمِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى).(2)

كما أنّ القرآن أثبـت «المقام المحمود» لنبـي الإسلام محمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقال سبحانه:


1 . الزمر:44.
2 . النجم:26.


(75)

(عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ ربُّكََ مَقاماً مَحْمُوداً).(1)

وقال المفسّرون: إنّ المقصود بالمقام المحمود: مقام الشفاعة، بحكم الأحاديث المتضافرة التي وردت في هذا الشأن.

كلّ هذا ممّا اتّفق عليه المسلمون، إنّما الكلام في أنّ طلب الشفاعة ممّن أُعطي له حقّ الشفاعة، كأن يقول: «يا رسول اللّه اشفع لنا» هل هو شرك أو لا؟ وهل هذا يجدي نفعاً أم لا؟

وليس البحث في المقام في كون هذا الطلب مجدياً أو لا، أنّما الكلام في أنّ هذا الطلب هل هو عبادة أو لا؟ وهل هو شرك أم لا؟ لأنّنا فعلاً في صدد معرفة حدود التوحيد والشرك لا معرفة كونه مفيداً أو لا.

إنّه مع الاتّفاق على معيار وملاك التوحيد والشرك يتّضح بجلاء حكم المسألة المذكورة، فلو اعتقدنا بأنّ من نطلب منهم الشفاعة لهم أن يشفعوا لمن أرادوا ومتى أرادوا نعتقد أنّهم آلهة صغيرة وأنّهم قد فوّض إليهم أمر الشفاعة بحيث يشفعون لمن شاءوا من دون رجوع إلى إذنه وإجازته سبحانه وتعالى، فإنّ من المحتّم أنّ هذا الطلب والاستشفاع عبادة، وأنّ الطالب يكون مشركاً، وذلك لأنّ الشفاعة من خصائص المقام الربوبي والإلهي، ولا شكّ أنّ طلب الفعل الإلهي وما هو من شؤونه من غيره يُعدُّ شركاً.

أمّا لو استشفعنا لأحد هؤلاء الشفعاء ونحن نعتقد بأنّه محدود مخلوق للّه لا يمكنه الشفاعة لأحد إلاّ بإذنه، فهذا الطلب لا يختلف عن طلب الأمر العادي ماهيّة، ولا يكون خارجاً عن نطاق التوحيد، وإن تصوّر أحد انّ هذا


1 . الإسراء:79.


(76)

العمل ـ أعني: طلب الشفاعة من أولياء اللّه ـ يشبه في ظاهره عمل المشركين واستشفاعهم بأصنامهم، فهو تصوّر باطل بعيد عن الحقيقة، لأنّ التشابه الظاهري لا يكون أبداً معياراً للحكم، بل المعيار الحقيقي للحكم إنّما هو قصد الطالب و كيفية اعتقاده في حقّ الشافع، ومن الواضح جدّاً أنّ المعيار هو النيّات والضمائر، وأنّه لا مرية في أنّ اعتقاد الموحد في حقّ أولياء اللّه يختلف ـ تماماً ـ عن اعتقاد المشرك في حقّ الأصنام والأوثان.

فإذا كان معيار الحكم التشابه الظاهري، فلا محيص من عدّ الطواف بالبيت، ومسّ الحجر الأسود، والسعي بين الصفا والمروة سبباً للشرك، لأنّ هذه الأعمال تشبه بظاهرها أعمال المشركين ولا تختلف معها.

الوهابيّون وطلب الشفاعة

إنّ الوهابيّين يعتبرون مطلق طلب الشفاعة من أولياء اللّه شركاً وعبادة ويظنون أنّ القرآن لم يصف الوثنيّين بالشرك إلاّ لخضوعهم وخشوعهم وتضرّعهم وبكائهم وعويلهم أمام تلك الأصنام وطلبهم الشفاعة منها، كما يقول سبحانه:

(وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤلاءِ شُفَع آؤُنَا عِنْدَ اللّهِ...).(1)

وعلى هذا فالشفاعة وإن كانت حقاً للشفعاء الحقيقيّين من أولياء اللّه إلاّ أنّه لا يجوز طلبه منهم، لأنّه عبادة.

إنّ الاستدلال بهذه الآية يمكن الإجابة عنه بوجهين:


1 . يونس:18.


(77)

1. ليس في الآية أدنى دلالة على مقصودهم، وإذا ما رأينا القرآن يصف هؤلاء بالشرك، فليس ذلك لأجل استشفاعهم بالأوثان، بل لأجل أنّهم كانوا يعبدونها لغاية أن تشفع لهم بالمآل.

وتوضيح ذلك أنّ المشركين كانوا يقومون بعملين:

الف: كانوا يعتقدون أنّ للأصنام نفوذاً و منزلة لدى الحضرة الإلهية، وتصوّروا أنّه ومن خلال عبادتهم يتمكّنون من جلب رضاهم. ولقد أشار سبحانه وتعالى إلى تلك الحقيقة في نفس الآية بقوله:

(وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ)، فمن هذه الجهة كانوا مشركين.

ب: إنّهم عقدوا الأمل على تلك الأوثان وطلبوا الشفاعة منها، ولقد أشار سبحانه وتعالى إلى تلك الحقيقة بقوله:

(وَيَقُولُونَ هؤلاءِ شُفَع آوُنَا عِنْدَ اللّهِ).

فمن خلال الإمعان في معنى هذه الآية وملاحظة أنّ هؤلاء المشركين كانوا يقومون بعملين: (العبادة، وطلب الشفاعة) يتّضح جلياً أنّ علّة اتّصافهم بالشرك واستحقاقهم لهذا الوصف كانت لأجل عبادتهم لتلك الأصنام لا لاستشفاعهم بها.

ولو كان الاستشفاع بالأصنام عبادة لها لما كان هناك مبرر للإتيان بجملة (وَيَقُولُونَ هؤلاءِ شُفَعاؤنا) بعد قوله: (ويَعْبُدُونَ...).

إنّ عطف الجملة الثانية على الأُولى يحكي عن أنّ موضوع عبادة الأصنام يغاير مسألة طلب الشفاعة منها، لأنّه في الحقيقة، عبادة الأصنام تُعدُّ شركاً وثنوية، وأمّا طلب الشفاعة من الأحجار والخشب يُعدُّ عملاً سفهياً لا يصدر إلاّ


(78)

من إنسان أحمق ويكون بعيداً عن لغة المنطق والعقل والعلم.

فإذا كان من المستحيل أن تكون الآية المباركة دالّة على أنّ طلب الشفاعة من الأصنام يُعدُّ عبادةً لها فمن الأولى أنّها لا تدلّ على أنّ طلب الشفاعة من أولياء اللّه الأحياء والمقرّبين منه سبحانه علامة ورمزاً لعبادتهم.

2. إذا تجاوزنا ذلك،فأنّ هناك فرقاً بين الاستشفاعين، فالوثني يعتبر الصنم ربّاً مالكاً للشفاعة يمكنه أن يشفع لمن يريد وكيفما يريد، ولا ريب أنّ هذا الاستشفاع شرك، ولأجل ذلك يقول سبحانه منتقداً هذه العقيدة:

(قُلْ للّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً...).(1)

والحال أنّ المسلمين لا يعتقدون بأنّ أولياءهم يملكون هذا المقام، فهم يتلون آناء الليل وأطراف النهار. قوله سبحانه:

(...مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاّ بِإِذْنِهِ...).(2)

ومع هذا التفاوت البيّن والفرق الواضح، كيف يصحّ قياس هذا بذاك؟! فإنّ ذلك بعيد عن الإنصاف والموضوعية التي ينبغي أن يتحلّـى بها الكُتّاب والمؤلّفون و أصحاب العقائد الإسلامية والمحسوبون عليها.


1 . الزمر:44.
2 . البقرة:255.


(79)

19
الاستعانة بغير اللّه ومسألة الشرك

سؤال: هل الاستعانة بغير اللّه تعدُّ شركاً؟

الجواب: تشهد الأدلّة العقلية على أنّ جميع شؤون الممكن، وجوده وقدرته وطاقاته كلّها من اللّه تعالى، فكما أنّ الممكن محتاج في وجوده إلى اللّه تعالى كذلك الأمر في أعماله وأفعاله الصادرة منه، فإنّه في جميع ذلك لا ينفك عن الحاجة إلى القدرة الإلهية.

صحيح انّ الإنسان في عمله وتصرّفاته مختار وحرّ، ولكن كلّ عمل يعمله أو حركة يتحركها خاضع للمدد الإلهي والقدرة الإلهية، فإذا وصلت إليه القدرة الإلهية تمكّن من القيام بعمله، ولكن بمجرّد أن ينقطع عنه الفيض الإلهي ولو لحظة واحدة يصبح عاجزاً لا يقدر على أيّ شيء.

وهذا الأمر لا يختصّ بالإنسان في حاجته إلى اللّه في وجوده وحركته، بل كلّ الأسباب والعوامل الطبيعية محتاجة إلى اللّه في وجودها وفي قدرتها على القيام بأيّ فعل كان. فإذا انقطع عنها الفيض والمدد الإلهي ولو لحظة واحدة تصبح تلك العوامل الطبيعية عاجزة عن القيام بعملها مهما كان ذلك الفعل.

وعلى هذا الأساس لا يوجد في عالم الوجود مؤثر وفاعل غني حقيقة، إلاّ


(80)

ذات اللّه سبحانه الذي وصف نفسه ومخلوقاته في القرآن الكريم:

(يا أَيُّهَا النّاسُ أَنْتُمُ الْفُقراءُإِلَى اللّهِ وَاللّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَميد).(1)

وهذا يعني أنّ كلّ ما في الكون فقير ومحتاج ولا يوجد عامل أو فاعل في العالم وإن كان قوياً ومقتدراً ـ و لو كان أكبر من الشمس ألف مرة ـ فهو أيضاً محتاج وفقير ولا يستطيع أن يفعل شيئاً بدون الاتّكاء على القدرة الإلهية.

يتّضح من ذلك البيان وبصورة جلية أنّه يوجد في صفحة الوجود معين ومساعدٌ حقيقي واحد، وأنّ الممكنات المستعانة به بحكم كونها فقيرة بالذات لا تستطيع أن تفعل شيئاً بدون الاتّكاء عليه، وكذلك لا يستطيع موجود مهما أُوتي من قدرة أن يكون مانعاً من نفوذ إرادة اللّه القهّار، إنّ الآية التالية ونظيراتها توضح لنا وبجلاء تلك الحقيقة:

(قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللّهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً).(2)

الاستعانة بغير اللّه

إنّ الاستعانة بغير اللّه يمكن أن تتحقّق بصورتين:

1. أن نستعين بعامل ـ سواء أكان طبيعياً أم غير طبيعي ـ مع الاعتقاد بأنّه مستند إلى اللّه، بمعنى أنّه قادر على أن يعين العباد ويزيل مشاكلهم بقدرته المكتسبة من اللّه وإذنه سبحانه، وهذا النوع من الاستعانة ـ في الحقيقة ـ لا ينفك عن الاستعانة باللّه ذاته، لأنّه ينطوي على الاعتراف بأنّه هو الذي منح تلك العوامل ذلك الأثر وأذن به وإن شاء سلبها وجرّدها منه، فإذا استعان الزارع


1 . فاطر:15.
2 . الأحزاب:17.


(81)

الموحّد والعارف باللّه بعوامل طبيعية كالشمس والماء وحرث الأرض والمواد الكيمياوية، فقد استعان باللّه حقيقة، لأنّه تعالى هو الذي منح تلك العوامل ذلك الأثر وأذِنَ به ومنحها القدرة والطاقة بحيث تستطيع إنماء ما أودع في بطن الأرض من بذر ثمّ إنباته والوصول به إلى حدّ الكمال.

2. أن نستعين بإنسان أو عامل طبيعي مع الاعتقاد بأنّه مستقل في وجوده وغني في فعله عن اللّه بحيث يستطيع مساعدتنا من دون الاتّكاء على القدرة الإلهية ومن دون أخذ الإذن والإجازة منه، فلا شكّ أنّ هذا الاعتقاد يكون شركاً، والاستعانة في هذه الحالة تكون مخالفة للآيات التي حصرت الاستعانة بذات اللّه سبحانه.

ولقد توهم صاحب المنار في بيانه لهذه الحقيقة إذ تصوّر أنّ حدّ التوحيد هو: أن نستعين بقدرتنا في تحصيل مقاصدنا. ونتعاون فيما بيننا ـ في الدرجة الأُولى ـ ثمّ نفوّض بقية الأمر إلى اللّه القادر ونطلب منه لا من سواه.(1)

إذ صحيح أنّنا يجب أن نستفيد من قدراتنا، أو من العوامل الطبيعية المادية، ولكن يجب بالضرورة أن لا نعتقد لها بأيّة أصالة وغنى واستقلال وإلاّ خرجنا عن حدود التوحيد.

فإذا اعتقد أحد بأنّ هناك ـ مضافاً إلى العوامل والقوى الطبيعية ـ سلسلة من العلل غير الطبيعية تستطيع بإذن اللّه وإجازته تقديم العون لمن استعان بها دون أن يكون لها أيُّ استقلال لا في وجودها ولا في أثرها، فإنّ هذا الفرد لو


1 . يقول الشيخ محمد عبده في تفسير (إيّاك نستعين): يجب علينا أن نقوم بما في استطاعتنا من ذلك، ونبذل في إتقان أعمالنا كلّ ما نستطيع من حول وقوّة، وأن نتعاون ويساعد بعضنا بعضاً على ذلك، ونفوض الأمر فيما وراء كسبنا إلى القادر على كلّ شيء ونلجأ إليه وحده ونطلب المعونة للعمل والموصل لثمرته منه سبحانه دون سواه.(المنار:1/58).


(82)

استعان بهذه القوى غير الطبيعية مع الاعتقاد المذكور لا تكون استعانته عملاً صحيحاً فحسب، بل تكون استعانة باللّه ذاته، كما لا يكون بين هذين النوعين من الاستعانة (الاستعانة بالعوامل الطبيعية والاستعانة بعباد اللّه الأبرار) أي فرق مطلقاً، فإذا كانت الاستعانة بالعباد الصالحين شركاً، لزم أن تكون الاستعانة في صورتها الأُولى هي أيضاً معدودة في دائرة الشرك.

من هذا البيان اتّضح انّ هناك صنفين من الآيات وردا في مسألة الاستعانة: صنف يحصر الاستعانة باللّه فقط ويعتبره الناصر والمعين الوحيد دون سواه، والصنف الآخر يدعونا إلى سلسلة من الأُمور المعينة غير اللّه ويعتبرها ناصرة ومعينة إلى جانب اللّه، واتّضح أيضاً انّه لا تعارض بين هذين الصنفين من هذه الآيات.

إلاّ أنّ فريقاً من الذين لا يدركون معارف القرآن العقلية نجدهم يتمسّكون بالصنف الأوّل من الآيات فيخطّئون أيّ نوع من الاستعانة بغير اللّه، ثمّ يضطرون إلى إخراج الاستعانة بالقدرة الإنسانية والأسباب المادية من عموم تلك الآيات الحاصرة بالاستعانة باللّه بنحو التخصيص، بمعنى أنّ الاستعانة لا تجوز إلاّ باللّه، إلاّ في الموارد التي أذن بها وأجاز أن يستعان فيها بغيره، فطبقاً لمنطق هؤلاء تكون الاستعانة بالقدرة الإنسانية والعوامل الطبيعية ـ مع أنّها استعانة بغير اللّه ـ جائزة ومشروعة، في حين أنّ هدف الآيات هو غير هذا تماماً.

فإنّ مجموع الآيات يدعو إلى أمر واحد وهو: عدم الاستعانة بغير اللّه ، وأنّ الاستعانة بالعوامل الأُخرى يجب أن تكون بنحو لا يتنافى مع حصر الاستعانة باللّه، بل تكون بحيث تُعدّ استعانة باللّه لا بغيره. وبتعبير آخر: إنّ المعين والناصر الوحيد هو الذي يستمد منه كلّ معين وناصر قدرته وتأثيره، ليس إلاّ اللّه سبحانه،


(83)

ولكنّه ـ مع ذلك ـ توجد في الكون سلسلة من العلل والأسباب تستطيع بإذنه وأمره وقدرته أن تمدّ يد العون لمن استعان بها، ولذلك تكون الاستعانة بها كالاستعانة باللّه، وذلك لأنّ الاستعانة بالفرع استعانة بالأصل.

ونشير هنا إلى بعض الآيات من الصنفين:

(...وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللّهِ الْعَزِيز الحَكيم).(1)

وقوله تعالى: (إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعين).(2)

هذه الآيات نماذج من الصنف الأوّل، وهناك آيات من الصنف الثاني تدعونا إلى الاستعانة بغير اللّه من العوامل والأسباب:

1.(وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِوَالصَّلوةِ).(3)

2.(...وَتَعاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوى...).(4)

3. (...ما مَكَّنّي فِيهِ رَبِّي خَيرٌ فَأَعِينُوني...).(5)

4. (...وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّين فَعَلْيكُمُ النَّصْرُ...).(6)

إنّ مفتاح حلّ التعارض بين هذين الصنفين من هذه الآيات واضح وجليٌّ جدّاً، وهو: إنّ في الكون مؤثراً تاماً وفاعلاً مستقلاً واحداً غير معتمد على غيره لا في وجوده ولا في فعله، وهو اللّه سبحانه، وأمّا العوامل الأُخرى فجميعها مفتقرة ـ في وجودها وفعلها ـ إليه وهي تؤدّي ما تؤدّي بإذنه ومشيئته وقدرته، ولو لم يعط تلك العوامل ما أعطاها من القدرة والطاقة فإنّها تعجز عن القيام بأدنى عمل ما.


1 . آل عمران:126.
2 . الفاتحة:5.
3 . البقرة:45.
4 . المائدة:2.
5 . الكهف:95.
6 . الأنفال:72.


(84)

ولقد أشارت سورة التوحيد إلى تلك الحقيقة، إذ بيّنت أنّ المعين الحقيقي والواقعي وفي جميع المراحل هو اللّه، فلا تصحّ الاستعانة بأحد باعتبار معيناً مستقلاً ولهذه الجهة حصرت مثل هذه الاستعانة باللّه وحده، ولكن هذا لا يمنع بتاتاًمن الاستعانة بغير اللّه باعتبار ذلك الغير غير مستقل(أي باعتباره معيناً بالاعتماد على القدرة الإلهية)، ومعلوم أنّ استعانة كهذه لا تنافي حصر الاستعانة باللّه سبحانه، وذلك:

أوّلاً: لأنّ الاستعانة المخصوصة باللّه هي غير الاستعانة بالعوامل الأُخرى، فالاستعانة المخصوصة باللّه هي: ما تكون باعتقاد أنّه قادر على إعانتنا بالذات وبدون الاعتماد على غيرها، في حين أنّ الاستعانة بغير اللّه سبحانه إنّما هي على نحو آخر، أي مع الاعتقاد بأنّ المعين قادر على الإعانة مستنداً على القدرة الإلهية لا بالذات وبنحو الاستقلال; فإذا كانت الاستعانة ـ على النحو الأوّل ـ خاصة باللّه تعالى، فإنّ ذلك لا يدلّ على أنّ الاستعانة بصورتها الثانية مخصوصة به أيضاً.

ثانياً: إنّ الاستعانة بمخلوقات اللّه غير منفكّة عن الاستعانة باللّه، بل هي عين الاستعانة به تعالى، وليس للموحد الذي يرى أنّ الكون كلّه من فعل اللّه ومسند إليه مناص من هذا، وبما أنّ صاحب المنار لم يتصوّر للاستعانة بالأرواح المقدّسة أكثر من صورة واحدة، لذلك ذهب إلى الملازمة بين الاستعانة بها وبين الشرك حيث يقول:

«ومن هنا تعلمون انّ الّذين يستعينون بأصحاب الأضرحة والقبور على قضاء حوائجهم وتيسر أُمورهم و شفاء أمراضهم و نماء حرثهم و زرعهم و هلاك أعدائهم وغير ذلك من المصالح، هم عن صراط


(85)

التوحيد ناكبون وعن ذكر اللّه معرضون».(1)

ولا يخفى عدم صحّة كلامه هذا، إذ الاستعانة بغير اللّه كالاستعانة بالعوامل الطبيعية على نوعين:

أحدهما عين التوحيد، والآخر موجب للشرك; أو أحدهما مذّكر باللّه ومقرب منه والآخر مبعّد عن اللّه.

إنّ حدّ التوحيد والشرك لا يكمن في كون الأسباب ظاهرية أو غير ظاهرية، إنّما يكمن في الاستقلال وعدم الاستقلال، و الغنى والفقر، و الأصالة وعدم الأصالة.

إنّ الاستعانة بالعوامل غير المستقلّة المستندة إلى اللّه، التي لا تعمل ولا تؤثر إلاّ بإذنه تعالى ليس فقط غير موجبة للغفلة عن اللّه، بل هي خير موجّه،ومذكّر باللّه. إذ معناها انقطاع كلّ الأسباب وانتهاء كلّ العلل إليه سبحانه.

ومع هذا كيف يقول صاحب المنار:«أُولئك عن ذكر اللّه معرضون»؟! ولو كان هذا النوع من الاستعانة موجباً لنسيان اللّه والغفلة عنه للزم أن تكون الاستعانة بالأسباب المادية الطبيعية هي أيضاً موجبة للغفلة عنه.

على أنّ الأعجب من ذلك هو كلام شيخ الأزهر الشيخ محمود شلتوت الذي نقل ـ في هذا المجال ـ نصّ كلمات عبده دون زيادة ونقصان، وختم المسألة بذلك، وأخذ بظاهر الحصر في (إِيّاكَ نَسْتَعِين) غافلاً عن حقيقة الآية وعن الآيات الأُخرى المتعرّضة لمسألة الاستعانة.(2)


1 . المنار:1/59.
2 . راجع تفسير شلتوت:36ـ 39.


(86)

20
القدرة والعجز ومسألة التوحيد والشرك

سؤال: هل القدرة والعجز حدّان للتوحيد والشرك؟

الجواب: ربّما يستفاد من كلمات الوهابيّين أنّ هناك معياراً آخر للشرك في العبادة، وهو «قدرة المستغاث على تحقيق الحاجة وعجزه عنها» فإذا طلب أحد من آخر حاجة لا يقدر عليها إلاّ اللّه عدّ عمله عبادة وشركاً، فهذا هو ابن تيمية يكتب في هذا الصدد قائلاً:

«من يأتي إلى قبر نبي أو صالح ويسأله حاجته ويستنجده، مثل أن يسأله أن يزيل مرضه أو يقضي دينه أو نحو ذلك ممّا لا يقدر عليه إلاّ اللّه عزّ وجلّ، فهذا شرك صريح يجب أن يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلاّ قتل».(1)

لقد جعل ابن تيمية في هذه العبارة معياراً آخر للشرك، وهو قدرة المسؤول وعجزه عن تلبية السائل، وهذا خلاف التفصيل السابق حيث اعتبر


1 . زيارة القبور والاستنجاد بالمقبور:156. وفي رسائل «الهدية السنية» ص 40 نجد ما يقرب من هذا المعنى أيضاً.


(87)

هناك الميزان هو موت وحياة الطرف المستغاث، ولو كان الميزان ما ذكره ابن تيمية هنا لكان الأجدر به أن يضيف بعد قوله: «قبر نبي أو صالح» جملة أُخرى هي:«أو ولي حيّ» ليتّضح أنّ المعيار الذي اعتمده ـ هنا ـ ليس هو موت المستغاث وحياته، بل قدرته على تلبية الحاجة وعدم قدرته على ذلك، كما فعل الصنعاني ـ الذي يُعدّ من كُتّاب الوهابية ـ حيث قال: «من الأموات أو من الإحياء».

وإليك في ما يأتي نصّ عبارته:

«الاستغاثة بالمخلوقين الأحياء فيما يقدرون عليه ممّا لا ينكرها أحد... و إنّما الكلام في استغاثة القبوريين و غيرهم بأوليائهم وطلبهم منهم أُموراً لا يقدر عليها إلاّ اللّه تعالى من عافية المريض و غيرها...وقد قالت أُم سليم يا رسول اللّه: خادمك أنس ادع اللّه له و قد كانت الصحابة يطلبون الدعاء منه و هو حيّ و هذا أمر متّفق على جوازه، و الكلام في طلب القبوريين من الأموات أو من الأحياء أن يشفوا مرضاهم و يردوا غائبهم...ونحو ذلك من المطالب التي لا يقدر عليها إلاّ اللّه».(1)

ففي البحث السابق كان المعيار هو: حياة وموت المستغاث، فلم يكن الطلب من الحيّ موجباً للشرك بينما كان الطلب من الميّت موجباً لذلك، ولكن في هذا المبحث جُعل ميزان الشرك في العبادة هو طلب الحاجة التي لا يقدر عليها إلاّ اللّه سبحانه من العبد، ولذلك لا يكون هناك أيُّ تأثير لحياة المستغاث أو موته وأنّما الملاك قدرته وعجزه.


1 . كشف الارتياب:272.


(88)

والحقّ أنّ هذا الرأي أضعف من أن يحتاج إلى مناقشة ونقد، وذلك أنّ قدرة المستغاث أو عجزه إنّما يكون معياراً لعقلائية مثل هذا الطلب وعدم عقلائيته، لا معياراً للتوحيد والشرك.

فالساقط في بئر ـ مثلاً ـ لو استغاث بالأحجار والصخور المحيطة به واستنجد بها عدَّ في نظر العقلاء أحمقاً وعمله غير عقلائي، و أمّا لو استغاث بإنسان واقف على فوهة البئر قادر على إنقاذه كان طلبه عملاً عقلائياً يستحقّ الثناء.

وعلى هذا الأساس لا ينبغي أن نقف طويلاً أمام هذه النظرية لنقدها ومناقشتها، بل ينبغي أن نركّز الكلام وبصورة مفصلة على مباحث أُخرى.


(89)

21
التبرّك بآثار الأولياء

سؤال: هل يُعدّ التبرك بآثار الأولياء سواء في أثناء حياتهم أو بعد مماتهم سبباً للشرك؟

الجواب: لقد اعتبر الوهابيّون التبرك بآثار الأولياء شركاً، ووصفوا من يقبّل محراب النبي أو منبره بالمشرك، وإن كان عمله منزّهاً ومجرّداً عن الاعتقاد بإلوهية النبي، بل الدافع له للقيام بهذا العمل هو حبّه وتبجيله واحترامه للنبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ولكلّ ما يمتّ إلى النبي بصلة.

ولكن لا ندري ماذا يقول هؤلاء الوهابيّون وكيف يفسرون قصة قميص يوسف ـ عليه السَّلام ـ ؟!

إنّ يوسف ـ عليه السَّلام ـ قد أمر وكما جاء في القرآن الكريم بأن يُلقى قميصه على وجه أبيه(اذْهَبُوا بِقَميصي هذا فَألقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبي يَأْتِ بَصِيراً).(1)

وكذلك فعل يعقوب ـ عليه السَّلام ـ حيث وضع قميص يوسف على عينيه فارتدّ بصيراً: (فَلَمّا أَنْ جاءَ الْبَشير أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارتَدّ بَصيراً).(2)


1 . يوسف:93.
2 . يوسف:96.


(90)

فلا ندري لو أنّ النبي يعقوب ـ عليه السَّلام ـ قد تبرك بقميص يوسف على مرآى من النجديين وأتباع محمد بن عبد الوهاب ماذا يكون موقفهم منه؟! وكيف يا ترى يعاملونه؟! وكيف يصفون ذلك العمل الصادر من نبي معصوم ومصان من الخطأ؟!

فلو أنّ إنساناً مسلماً قبّل ضريح النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أو وضع تراب قبره على عينيه، أو صنع مثل ذلك عند قبور الأئمّة احتراماً ومودة وتبرّكاً بآثارهم اقتداءً بالنبي يعقوب ـ عليه السَّلام ـ واعتقاداً منه أنّ اللّه تعالى قد منح ذلك التراب والمكان المقدّس خاصّية التأثير، فلماذا يا ترى يكون مثل هذا الإنسان موضعاً للسبّ واللعن والتشهير والتكفير؟!(1)


1 . تبرك الصحابة بآثار رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ تأليف الشيخ محمدطاهر بن عبد القادر المكي.


(91)

22
تعظيم أولياء اللّه وتخليد ذكرياتهم

سؤال: هل تعظيم أولياء اللّه وتخليد ذكرياتهم شرك؟

الجواب: يعتبر الوهابيون تعظيم أولياء اللّه وتخليد ذكرياتهم وإحياء مناسبات مواليدهم أو وفيّاتهم بدعةً وحراماً، كأنّهم أعداء ألدّاء وخصوم أشدّاء لهؤلاء العظماء والأولياء من الرجال الإلهيّين، ويعتبرون اجتماع الناس في المجالس المعقودة لهذا الشأن شركاً وضلالاً.

ففي هذا الصدد يكتب محمد حامد الفقي رئيس جماعة أنصار السنّة المحمدية في هوامشه على كتاب «فتح المجيد»: الذكريات التي ملأت البلاد باسم الأولياء هي نوع من العبادة لهم وتعظيمهم(1) .(2)

إنّ نقطة الخلل في تفكير هؤلاء وبكلمة واحدة إنّهم لم يضعوا حدّاً


1 . فتح المجيد:154 ثمّ نقل عن كتاب قرة العيون ما يشابه هذا المضمون.
2 . أجمع المسلمون منذ عصر الرسول الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وحتى عصرنا الحاضر على التبرّك بآثار الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ باستثناء الفرقة الوهابية التي منعت ذلك، ولقد جمع الشيخ محمدطاهر بن عبد القادر المكي الشواهد التاريخية القطعية على تبرك المسلمين بآثاره ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في رسالة طبعها عام 1385 وأسماها بـ «تبرك الصحابة بآثار الرسول».


(92)

للتوحيد والشرك وللعبادة على الأخص، ولذلك تصوّروا أنّ كلّ نوع من أنواع التعظيم يُعدُّ عبادة وشركاً، وهذا ما يظهر من كلام الفقي حيث قرن في عبارته السابقة بين لفظتي العبادة والتعظيم، وتصوّر أنّ للّفظتين معنى واحداً.

وممّا لا شكّ فيه أنّ القرآن وفي أكثر من مورد قد عظّم فريقاً من الأنبياء والأولياء وبعبارات صريحة كما يقول في شأن زكريا ويحييعليمها السَّلام:

(إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونََ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خَاشِعِينَ).(1)

فلو أنّ أحداً من الناس أقام مجلساً عند قبر من عناهم اللّه وسمّاهم في هذه الآية وقرأ في ذلك المجلس تلك الآية المادحة معظماً بذلك شأنهم، فهل اتّبع غير القرآن؟!

كما أنّ القرآن الكريم يمتدح وبصراحة تامة شأن أهل بيت النبي ـ عليهم السَّلام ـ ويعظمهم ويقول:

(وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً).(2)

فلو اجتمع جماعة من المؤمنين في يوم ميلاد علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ ـ وهو أحد الآل ـ وقالوا: إنّ علياً كان يطعم الطعام للمسكين واليتيم والأسير، ويثنون على الأمير بما أثنى عليه القرآن الكريم أكانوا بعملهم هذا مشركين وعن الصراط ناكبين؟!

وكيف يكون الإنسان مشركاً إذا احتفل بذكرى ميلاد النبي الأكرم وتلا الآيات المادحة لرسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، أو قرأ ترجمة تلك الآيات بلغة أُخرى، أو سكب


1 . الأنبياء:90.
2 . الإنسان:8.


(93)

هذا الثناء الإلهي القرآني في قالب الشعر وأنشد ذلك في محفل يقصد به تكريم الرسول والثناء عليه تأسّياً بما ورد في القرآن الكريم؟!

إنّ أعداء تكريم الرسول الأكرم وأولياء اللّه يتسترون على عدائهم هذا بستار محاربة الشرك ليتسنّى لهم من خلال ذلك الوقوف أمام كلّ حالات التكريم والثناء على الرسول.

وإذا قيل: إنّ هذه المجالس التي تُعدّ للتكريم والثناء لم تكن في عصر الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فإنّ جواب ذلك: إنّ عدم وجودها في زمن الرسول ليس دليلاً على كونها شركاً.

فلو أنّ أحداً من الناس أقام الاحتفالات التكريمية أو مجالس العزاء في ذكرياتهم ونسب عمله هذا إلى الشارع المقدّس وادّعى بأنّ اللّه ورسوله قد أمرا بذلك، يلزم أن نتفحص عن مدى صحّة هذه النسبة، لنرى هل أنّهما أمرا بذلك على نحو العموم، أو بصورة خاصة؟ أو أنّهم لم يأمرا بذلك؟

فلو ثبت أنّ هذه النسبة غير صحيحة، فحينئذ يدخل عمله هذا في باب البدعة ولا يُعدُّ شركاً في العبادة.

ولذلك نرى أنّ نقطة الخلل في الفكر الوهابي تكمن ـ هنا ـ في الخلط بين مفهومي البدعة والشرك في العبادة.

أمّا لو ثبت أنّه قد صدرت الإجازة بذلك من قبل اللّه أو من قبل الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ سواء على نحو العموم أو الخصوص، ففي هذه الصورة يخرج العمل من تحت مفهوم البدعة أيضاً، فضلاً عن الخروج عن مفهوم الشرك.

ومن حسن الحظ أنّ القرآن الكريم قد أجاز ذلك على نحو العموم.

إنّ القرآن الكريم أثنى على أُولئك الذين أكرموا النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وعظّموا شأنه


(94)

وبجّلوه، بقوله:

(...فَالّذِينَ ءَامَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الّذي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون).(1)

إنّ الأوصاف التي وردت في هذه الآية والتي استوجبت الثناء الإلهي:

1. (آمنوا به)،

2.(عَزَّرُوهُ)،

3. (نَصَرُوهُ)،

4. (واتَّبعُوا النّور الَّذي أنزل مَعَه).

فهل يحتمل أحد أن تختص هذه الجمل : (آمنوا به)، (نَصَرُوهُ)، (واتَّبعُوا النّور)بزمن النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ؟ إنّ من المسلّم به أنّه إذا صح هذا الاحتمال في خصوص الجمل الثلاثة الماضية فأنّه لا يصحّ قطعاً في جملة (عَزَّرُوهُ)، والتي تعني نصرة الرسول أو تعظيمه أو تكريمه.(2)

أضف إلى ذلك أنّ القائد العظيم يجب أن يكون موضعاً للتكريم والاحترام والتعظيم في كلّ العهود والأزمنة.

فهل إقامة المجالس لإحياء ذكرى المبعث أو المولد النبوي وإنشاد الخطب والمحاضرات والقصائد والمدائح إلاّ مصداق جليّ لقوله تعالى: (وعَزَّرُوهُ)، والتي تعني أكرموه وعظّموه؟

عجباً كيف يعظّم الوهابيون أمراءهم الذين هم أُناس عاديون ويبجّلونهم بما يفوق ما يفعله غيرهم اتّجاه أولياء اللّه أو اتّجاه منبر النبي ومحرابه، فلا يكون


1 . الأعراف:157.
2 . مفردات الراغب: مادة «عزر».


(95)

عملهم شركاً ويُعدّ عمل غيرهم شركاً وضلالاً ومحاربة للإسلام؟!

إنّ المنع عن تعظيم الأنبياء والأولياء وتكريمهم ـ أحياء وأمواتاً ـ يصوّر الإسلام في نظر الأعداء ديناً جامداً لا مكانة فيه للعواطف الإنسانية، كما يصوّر تلك الشريعة السمحاء المطابقة للفطرة الإنسانية شريعة تعتقد الجاذبية المطلوبة القادرة على اجتذاب أهل الملل الأُخرى واكتسابهم.

وماذا يقول الذين يخالفون إقامة مجالس العزاء للشهداء في سبيل اللّه في قصة يعقوب ـ عليه السَّلام ـ الذي بكى على ابنه حتى ابيضّت عيناه من الحزن؟! وماذا يكون ياترى حكم النجديين وأتباع محمد بن عبد الوهاب لو كان النبي يعقوب ـ عليه السَّلام ـ يعيش في أوساطهم فعلاً؟! وبماذا يصفون حزنه وبكاءه على ولده يوسف ـ عليه السَّلام ـ ؟! إنّه ـ عليه السَّلام ـ بكى ولده ليلاً ونهاراً، وسأل عنه القريب والبعيد والقاصي والداني وحثّ الجميع للبحث عنه وتقصّي أخباره، ولقد وصف لنا القرآن الكريم شدّة حزنه وتحرّقه على ولده وذهاب بصره بقوله تعالى: (وابيضّت عَيناهُ مِنَ الحُزن...).(1)

إنّ ذهاب بصر يعقوب ـ عليه السَّلام ـ ومرضه لم يؤديا إلى نسيان يوسف فحسب، بل كلّما اقتربت ساعة اللقاء كلّما اشتدّت شعلة العشق والشوق في قلب الشيخ الكبير لولده العزيز، ولذا نرى القرآن الكريم يصف لنا تلك الحالة بأروع وصف، حيث أشار إلى أنّ يعقوب ـ عليه السَّلام ـ قد أحسّ بريح يوسف وشمّ عطره المبارك، ومازالت القافلة التي تحمل قميصه ـ عليه السَّلام ـ تبعد عن يعقوب ـ عليه السَّلام ـ عدّة فراسخ(إِنّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُف لَولا أَن تُفندون).(2)


1 . يوسف:84.
2 . يوسف:94.


(96)

وبدل أن نرى كوكب يوسف ـ عليه السَّلام ـ يبحث عن شمس يعقوب نرى أنّ شمس يعقوب تطرق الأبواب باباً باباً لتبحث عن كوكبها الضائع يوسف ـ عليه السَّلام ـ .

فلماذا يكون إظهار هذه العلاقة في حال حياة الولد (يوسف) جائزاً ومشروعاً ومطابقاً لأُصول التوحيد بينما إذا مات عُدَّ شركاً؟!

فإذا اتّبع أحد طريق يعقوب فبكى يوسفه وعدّد خصاله الحميدة وأثنى على صفاته الجميلة وأذرف الدموع بسبب فقده، فلماذا لا يُعدُّ عمله اقتداء وتأسّياً بيعقوب ـ عليه السَّلام ـ ويُعدُّ عبادة لمن فقده وشركاً باللّه؟!(1)

لا ريب في أنّ مودة ذوي القربى هي إحدى الفرائض الإسلامية التي دعا إليها القرآن بأوضح تصريح، فلو أراد أحد أن يقوم بهذه الفريضة الدينية بعد أربعة عشر قرناً فكيف يمكنه؟ وما هو الطريق إلى ذلك؟ هل هو إلاّ أن يفرح في أفراحهم ويحزن في أحزانهم؟

فإذا قام أحد ـ لإظهار سروره ـ مجلساً يذكر فيه حياتهم وتضحياتهم، أو يبيّن مصائبهم وما جرى عليهم من الظلم وغصب حقوقهم، فهل فعل إلاّ إظهار المودة المندوب إليها في القرآن الكريم؟!

وإذا زار أحدٌ ـ لإظهار مودّة أكثر ـ قبور وأضرحة أقرباء الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأبنائه الطاهرين وأقام مثل تلك المجالس عند القبور الطاهرة، فإنّه بلا شكّ ولا ريب في نظر عقلاء العالم والمفكّرين من ذوي البصيرة وبعد النظر لم يفعل إلاّ إظهار التقرب والمودّة لهم وليس عمله عبادة وشركاً إلاّ أن يدّعي الوهابيون أنّه من الواجب أن تحبس العواطف والأحاسيس والمودة والحبّ في صدور أصحابها ولا


1 . إضافة إلى ذلك، وردت روايات متواترة في موضوع إقامة مراسم العزاء وأحياء ذكرى آل رسول اللّه المظلومين،وقد ذكر العلاّمة الأميني قسما من تلك الروايات في كتابه «سيرتنا وسنتنا».


(97)

يحق لأحد أن يظهر شيئاً منها إلى الخارج.

إنّ من يلاحظ عصر الرسول وما تلاه من عصور التحول العقائدي والفكري يجد إقبال الأُمم المختلفة ذات التقاليد والعادات المتنوعة على الإسلام وكثرة دخولهم واعتناقهم هذا الدين، ويجد أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ والمسلمين كانوا يقبلون إسلامهم ويكتفون منهم بذكر الشهادتين دون أن يعمدوا إلى تذويب ما كانوا عليه من عادات اجتماعية وصهرها في بوتقة واحدة، ولم يشكل الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ والخلفاء من بعده محاكم للتفتيش العقائدي والبحث عن آداب ورسوم تلك الملل والأقوام.

وقد كان ولا يزال احترام العلماء وتبجيلهم ـ أحياء وأمواتاً ـ وتخليد ذكرياتهم والحضور عند قبورهم وإظهار الود والتعلّق بتلك الآثار يُعدُّ من رسوم وعادات شعوب وأقوام العالم، واليوم نجد الشعوب المختلفة ـ الشرقية والغربية ـ تعظم وتخلد ذكريات عظمائها وتزور قبور أبنائها بحيث يمضون عدة ساعات في طوابير طويلة لكي يتسنّى لهم الوقوف لحظة واحدة إلى جنب تلك القبور، لإظهار الحبّ والتبجيل لها، ويرون أنّ عملهم هذا يُعدُّ نوعاً من التكريم والاحترام النابع من العاطفة والمشاعر الداخلية الغريزية.

وصفوة القول : إنّنا لم نجد مورداً عمد فيه النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إلى قبول إسلام الوافدين والداخلين فيه بعد أن يشترط عليهم أن ينبذوا تقاليدهم الاجتماعية هذه وبعد أن يفحص عقائدهم، بل نجده ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يكتفي من الوافدين الجدد للإسلام بذكر الشهادتين ورفض الأوثان، وإذا كانت هذه العادات و التقاليد شركاً لزم أن لا يقبل النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إسلام تلك الجماعات والأفراد إلاّ بعد أن تتعهّد له بنبذ تلك التقاليد والمراسم.


(98)

كما أنّنا نلاحظ أنّ المسيح ـ عليه السَّلام ـ قد دعا اللّه سبحانه لينزل عليهم مائدة سماوية، ليكون يوم نزولها عيداً لهم قال سبحانه:

(رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لأَوَّلِنا وَآخِرنا وَآيَةً مِنكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقيِنَ ).(1)

فهل يا ترى أنّ وجود ومنزلة النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أقل من مائدة السيد المسيح السماوية والتي عُدّ يوم نزولها عيداً؟! فإذا اعتبرت تلك المائدة آية إلهية واحتفل بنزولها انطلاقاً من ذلك المعتقد، أليس النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أكبر آية إلهية؟

قال تعالى في حقّ الرسول: (وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ).(2)

وهل لعقد مجالس الفرح والسرور والاحتفاء بذكرى ميلاده الميمون معنى إلاّ رفع اسمه ومقامه وإحياء ذكراه. ولماذا لا نتأسّى بالقرآن الكريم؟! أليس القرآن لنا أُسوة وقدوة؟!


1 . المائدة:114.
2 . الإنشراح:4.


(99)

23
دعوة الصالحين ومسألة التوحيد

سؤال: هل دعوة الصالحين عبادة لهم؟

الجواب: تبيّن من البحوث السابقة أنّ طلب الحاجة من غير اللّه مع الاعتقاد بأنّ المسؤول لا يملك شيئاً من شؤون المقام الإلهي، وأنّه عبد من عبيده لم يفوِّض إليه شيئاً، ولو قام بفعل شيء ما فإنّما يقوم به بإذن اللّه، فلا يُعدُّ ذلك شركاً.

وبقي في هذا المجال مطلب آخر، وهو أنّ القرآن الكريم نهى ـ في موارد متعدّدة ـ عن دعوة غير اللّه سبحانه، واعتبر أنّ تلك الدعوة عبادة وكأنّه قد اقترنت الدعوة بالعبادة، وإليك الآيات المتضمّنة، بل المصرّحة بذلك:

(وَان الْمَساجِدَ للّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللّهِ أَحَداً).(1)

(لَهُ دَعْوَةُ الحَقّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجيبُونَ لَهُمْ بِشَيْء...).(2)


1 . الجن:18.
2 . الرعد:14.


(100)

(وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ).(1)

(...وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِير).(2)

(إِنَّ الَّذينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ...).(3)

(قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرّ عَنْكُمْ وَلا تَحْويلاً).(4)

(أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبّهِمُ الوَسِيلَة).(5)

(وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللّهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ...).(6)

(إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَ آءَكُمْْ...).(7)

(وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللّهِ مَنْ لا يَسْتَجيبُ لَهُ إِلى يَومِ الْقِيامَةَ...).(8)

ولقد استنتج الوهابيّون من هذه الآيات مساوقة دعوة الصالحين والأولياء مع عبادتهم، فلو وقف شخص إلى جنب قبر النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أو في مكان بعيد وقال متوسّلاً: يا محمد، فنداؤه ودعوته بنفسها عبادة للمدعو،كما يقول الصنعاني في هذا الصدد:

«وقد سمّى اللّه الدعاء: عبادة بقوله: (أُدْعُوني أَسْتَجِب لَكُمْ إِنَّ الّذينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادتي)ومن هتف باسم نبي أو صالح بشيء أو قال اشفع لي


1 . الأعراف:197.
2 . فاطر:13.
3 . الأعراف:194.
4 . الإسراء:56.
5 . الإسراء:57.
6 . يونس:106.
7 . فاطر:14.
8 . الأحقاف:5.


(101)

إلى اللّه في حاجتي أو استشفع بك إلى اللّه في حاجتي أو نحو ذلك أو قال: اقض ديني أو اشف مريضي أو نحو ذلك فقد دعا ذلك النبي و الصالح، والدعاء عبادة بل مخها، فيكون قد عبد غير اللّه و صار مشركاً، إذ لا يتم التوحيد إلاّبتوحيده تعالى في الإلوهية باعتقاد أن لا خالق ولا رازق غيره، وفي العبادة بعدم عبادة غيره ولو ببعض العبادات، وعبّاد الأصنام إنّما أشركوا لعدم توحيد اللّه في العبادة».(1)

ويرد على كلام الصنعاني هذا أنّه لا مرية أنّ لفظة الدعاء تعني في لغة العرب: النداء لطلب الحاجة، بينما تعني لفظة العبادة معنى آخر، وهو: «الخضوع النابع من الاعتقاد بالإلوهية والربوبية» ولا يمكن اعتبار المفهومين مترادفين ومشتركين في المعنى، أي لا يمكن القول إنّ كلّ نداء وطلب يساوق العبادة والخضوع، وذلك للأسباب التالية:

أوّلاً: إنّ القرآن استعمل لفظة الدعوة والدعاء في موارد لا يمكن أن يكون المراد فيها العبادة مطلقاً، مثل قوله تعالى:

(قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوتُ قَومي لَيْلاً وَنَهاراً).(2)

فهل يمكن أن نقول: إنّ نوحاً ـ عليه السَّلام ـ قد عبد قومه ليلاً ونهاراً؟!

وكذلك قال تعالى حاكياً عن الشيطان قوله:

(...وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطان إِلاّ أَنْ دَعَوتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لي...).(3)


1 . تنزيه الاعتقاد للصنعاني كما في كشف الارتياب:272ـ 274، والآية 60 من سورة غافر.
2 . نوح:5.
3 . إبراهيم:22.


(102)

فهل يحتمل أن يكون مقصود الشيطان هو أنّه عبد أتباعه؟ في حين أنّ العبادة ـ لو صحت وافترضت ـ فإنّما تكون من جانب أتباعه له لا من جانبه اتجاه أتباعه.

في هذه الآيات ونظائرها ـ و التي لم نذكرها روماً للاختصار ـ استعملت لفظة الدعاء والدعوة في غير معنى العبادة، ولهذا لا يمكن أن نعتبرهما مترادفتين،ولذلك فلو دعا إنسان ولياً أو نبياً أو رجلاً صالحاً، فإنّ عمله ذلك لا يكون عبادة له، وذلك لأنّ الدعاء أعمّ من العبادة.(1)

ثانياً: إنّ المقصود من الدعاء في مجموع الآيات المذكورة هو ليس مطلق النداء، بل نداء خاص يمكن أن يكون ـ مآلاً ـ مرادفاً للفظ العبادة، لأنّ مجموع هذه الآيات وردت حول الوثنيين الذين كانوا يتصوّرون بأنّ أصنامهم آلهة صغار قد فوّض إليها بعض مقام الشأن الإلهي، ويعتقدون في شأنها بنوع من الاستقلال في الفعل، ومعلوم أنّ الخضوع والتذلّل أو أي نوع من القول والعمل أمام شيء باعتقاد أنّه إله كبير أو إله صغير لكونه ربّاً أو مالكاً لبعض الشؤون الإلهية كالشفاعة والمغفرة،يكون عبادة ولا شكّ أنّ خضوع الوثنيين ودعاءهم واستغاثتهم أمام أوثانهم كانت تنبع من اعتقادهم أنّ هذه الأصنام آلهة أو أرباب أو مالكة لحق الشفاعة و...، وباعتقاد أنّها مستقلة في التصرف في أُمور الدنيا والآخرة، ومن البديهي أنّ أي دعوة لهذه الموجودات وغيرها مع هذه الشروط


1 . النسبة بين الدعاء والعبادة عموم وخصوص من وجه: ففي هذه الموارد يصدق الدعاء ولا تصدق العبادة، وأمّا في العبادة الفعلية المجردة عن الذكر كالركوع والسجود فتصدق العبادة، لأنّها تقترن مع الاعتقاد بإلوهية المسجود له ولا يصدق الدعاء لخلوّه عن الذكر اللفظي. ويصدق كلا المفهومين «الدعاء والعبادة» في أذكار الصلاة، لأنّها دعوة بالقول ناشئة عن الاعتقاد بإلوهية المدعو.


(103)

عبادة لا محال.

وأوضح شاهد على أنّ دعوتهم كانت مقرونة باعتقاد إلوهية تلك الأصنام الآية التالية:

(...فَما أَغْنَتْ عَنْهُمءَالِهَتُهُمُ الَّتي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ مِنْ شَيْء...).(1)

وعلى هذا الأساس فإنّ الآيات المذكورة لا ترتبط بموضوع بحثنا مطلقاً، إذ الموضوع في بحثنا هو الدعوة مجرّدة عن الاعتقاد بالإلوهية والمالكية والاستقلالية في التصرف في أُمور الدنيا والآخرة، بل تكون الدعوة نابعة من كون المدعو عبداً من عباد اللّه المكرمين،وأنّه ذو مقام معنوي استحقّ به منزلة النبوّة أو الإمامة، ولأنّه وعد المتوسلين به باستجابة دعائهم وإنجاح طلباتهم فيما إذا قصدوا اللّه عن طريقه، قال تعالى في حقّ الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :

(...وَلَو أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَاسْتَغْفَروا اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوّاباً رََحِيماً).(2)

ثالثاً: إنّ في نفس الآيات المذكورة إشارة واضحة إلى أنّ المقصود ليس مطلق الدعاء وطلب الحاجة، بل المقصود قسم خاص منه، وهو ما كان ملازماً للعبادة، ومن هذه الجهة نجد أنّ في بعض الآيات وبعد الإتيان بلفظ الدعوة يستعمل مصطلح العبادة في نفس المعنى المقصود، مثل قوله تعالى:

(وَقالَ رَبّكُم ادْعُوني أَسْتَجِب لَكُمْ إِنَّ الَّذينَ يَسْتَكْبِرونَ عَنْ عِبادَتي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرينَ).(3)


1 . هود:101.
2 . النساء:64.
3 . غافر:60.


(104)

وبإمعان النظر في الآية المباركة نجد أنّه قد جاء في صدرها لفظ (ادْعُوني) وفي ذيلها استعمل لفظ (عبادَتي) ، وهذا شاهد جليٌّ على أنّ المقصود من هذه الدعوة هو دعوة واستغاثة خاصة في مقابل موجودات يعتقد أنّها تمتلك صفات الإله.

قال الإمام السجاد ـ عليه السَّلام ـ في دعائه:

«فسمّيت دعاءك عبادة و تركه استكباراً و توعّدت على تركه دخول جهنم داخرين». (1)

وربّما وردت في إحدى الآيتين ذاتي المضمون الواحد لفظة الدعوة، ووردت في الآية الأُخرى لفظة الدعاء، مثل قوله تعالى:

(قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً...).(2)

وفي آية أُخرى يقول سبحانه:

(قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا...).(3)

وفي آية أُخرى:

(...وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِير).(4)

فقد استعمل في هذه الآية لفظ (تَدْعُونَ) وفي نفس الوقت استعمل لفظ (تَعْبُدُونَ) في آية أُخرى تحمل نفس المضمون وهي قوله تعالى:


1 . الصحيفة السجادية، دعاء 45. والمقصود الآية 60 من سورة غافر.
2 . المائدة:76.
3 . الأنعام:71.
4 . فاطر:13.


(105)

(...إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً...).(1)

وقد ترد كلتا اللفظتين في آية واحدة وتستعملان في معنى واحد كما في قوله سبحانه:

(قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ...)(2).(3)

ونحن ندعو القارئ الكريم أن يراجع بنفسه المعجم المفهرس مادتي «عبد» و «دعا» ليرى بنفسه كيف عُبِّر عن مضمون واحد في آية بلفظ العبادة وفي آية أُخرى عُبِّر عن نفس المضمون بلفظ«الدعوة»، وهذا بنفسه شاهد على أنّ المقصود من الدعوة في هذه الآيات هو العبادة والخضوع، وليس مطلق النداء.

هذا والقارئ الكريم إذا درس مجموع الآيات التي ورد فيها لفظ الدعوة وأُريد منه القسم الملازم للعبادة لرأى أنّ الآيات إمّا وردت حول خالق الكون الذي يعترف جميع الموحّدين بإلوهيته وربوبيته ومالكيته. أو وردت في شأن الأوثان التي كان عبدتُها يتصوّرون أنّها آلهة صغيرة ومالكة لمقام الشفاعة، وفي هذه الحالة فإنّ الاستدلال بهذه الآيات في مورد بحثنا الذي يكون فيه دعاء أولياء اللّه والاستغاثة بهم مجرداً عن الاعتقاد بأنّهم يملكون إحدى تلك الصفات الإلهية يكون من أغرب أنواع الاستدلال ومن أعجب العجب.

ثمّ إنّ الاطّلاع على معتقدات الوثنيّين في عصر الرسالة يزيح الستار عن تلك الحقيقة.


1 . العنكبوت:17.
2 . الأنعام:56.
3 . وبهذا المضمون وردت الآية 66 من سورة غافر.


(106)

24
طلب الأُمور الخارقة للعادة

سؤال: هل طلب الأُمور الخارقة للعادة حدٌّ للشرك؟

الجواب: لا شكّ أنّ لكلّ ظاهرة ـ بحكم قانون العلّيّة ـ علّة لا يمكن أن توجد بدونها، فليس في الكون الفسيح كلّه ظاهرة حادثة لا ترتبط بعلّة،ومعاجز الأنبياء وكرامات الأولياء غير مستثناة من هذا الحكم، فهي لا تكون من دون علة، غاية الأمر أنّ علّتها ليست من سنخ العلل الطبيعية، وهو غير القول بكونها موجودة بلا علّة مطلقاً.

فإذا ما تبدّلت عصا موسى ـ عليه السَّلام ـ إلى ثعبان ، وإذا ما عادت الروح إلى الجسد الميت بإعجاز السيد المسيح ـ عليه السَّلام ـ ، وإذا ما انشق القمر نصفين في إعجاز خاتم الأنبياء، أو سبّح الحصى في يده ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فليس معنى ذلك انّها لا ترتبط بعلّة كسائر الظواهر الحادثة، بل ترتبط بعلل خاصة غير العلل الطبيعية.

وقد يتصوّر أنّ طلب الأُمور الطبيعية والمألوفة لا يُعدُّ شركاً ولكن طلب الأُمور الخارقة للعادة والخارجة عن السنن الطبيعية يُعدُّ شركاً وملازمة للاعتقاد بإلوهية الجانب الآخر المسؤول.


(107)

وها نحن نتعرض لدراسة هذه النظرية لنرى مدى صحّتها أو سقمها.

إنّ القرآن الكريم قد أشار وفي آيات متعدّدة إلى أنّه قد جرت سيرة العقلاء على طلب المعجزة والأُمور الخارقة للعادة من مدّعي النبوة، وقد نقل القرآن تلك السيرة عن الذين عاصروا الأنبياء من دون أن يعقب على ذلك بالردّ أو النقد، مثلاً ـ وبصريح القرآن ـ انّ قوم موسى ـ عليه السَّلام ـ قد طلبوا منه إنزال المطر ليتخلّصوا من حالة الجدب والجفاف التي كانوا يعيشونها في التيه، يقول سبحانه:

(...وَ أَوحَيْنا إِلى مُوسى إِذ اسْتَسقاهُ قَومهُ أَنِ اضْرِب بِعَصاكَ الْحَجَر...).(1)

قد يقال أنّه لا إشكال في طلب الأمر الخارق للعادة من الأحياء، ولكن الإشكال في طلبه من الموتى. ومن البديهي انّ الإجابة عن هذا المدّعى واضحة جداً، وذلك لأنّه ليس للموت والحياة مدخلية في وصف العمل المطابق لأصل التوحيد بنحو تارة يكون شركاً وأُخرى يكون عين التوحيد.

سليمان ـ عليه السَّلام ـ وطلب عرش بلقيس

إنّ سليمان ـ عليه السَّلام ـ قد طلب من حضّار مجلسه إحضار عرش ملكة سبأ بطريقة خارقة للعادة، يقول سبحانه واصفاً تلك الحالة:

(قاَلَ يا أَيُّها المَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتيني بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُوني مُسْلِمِينَ *قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الجِنّ أَنا ءَاتيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ...).(2)


1 . الأعراف:160.
2 . النمل:38ـ 39.


(108)

فإذا صحّت هذه النظرية ـ طلب الأُمور الخارقة للعادة يُعدُّ شركاً ـ فلابدّ من الإذعان بأنّ طلب المعجزة وفي جميع العصور من مدّعي النبوة يُعدُّ شركاً، وذلك لأنّ الناس في الواقع يطلبون المعجزة والأُمور الخارقة للعادة من مدّعي النبوة لا من اللّه سبحانه، قال تعالى:

(...إِنْ كُنْـتَ جِئْتَ بـآيَة فَأْتِِ بِهـا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقيِنَ).(1)

والحال أنّ جميع شعوب العالم ـ ولتمييز النبيّ الصادق من الكاذب ـ يلجون هذا الطريق، كما أنّ الأنبياء أنفسهم يدعون الناس للقدوم إليهم ومشاهدة معجزاتهم.

إضافة إلى ذلك أنّ القرآن الكريم قد نقل لنا حوارات تلك الشعوب مع مدّعي النبوّة وطلبهم الإتيان بالمعجزة، ومن دون أن يستنكر القرآن ذلك الطلب، وهذا يحكي كون هذا الطلب أمراً مقبولاً.

فلو فرضنا أنّ أُمّة من الأُمم الباحثة عن الحقيقة تأتي إلى المسيح ـ عليه السَّلام ـ وتقول له: إن كنت صادقاً فيما تدّعي من النبوة والارتباط بالسماء، فاشف لنا هذا المريض أو ردّ بصر هذا الأعمى إليه. فممّا لا شكّ ولا ريب فيه أنّ عملهم هذا لا يُعدُّ شركاً، بل هو عمل عقلائي صادر من أُناس يبحثون عن الحقيقة، ولذلك يستحقون المدح والثناء، فلو صدر هذا الطلب من النصارى بعد رحيل المسيح ـ حسب معتقدهم ـ و طلبوا من روحه الطاهرة والمقدّسة شفاء المرضى، فلماذا يا ترى يُعدُّ عملهم هذا شركاً؟!


1 . الأعراف:106.


(109)

وقد قلنا سابقاً إنّه لا مدخلية للموت والحياة فيه بأن يكونا طرفاً للشرك أو التوحيد.(1)

خلاصة الجواب

إلى هنا اتّضح جلياً وبصريح القرآن الكريم أنّ هناك مجموعة من عباد اللّه المخلصين تمتلك القدرة على الإتيان بالأُمور الخارقة للعادة، وقد صدرت على أيديهم ـ فعلاً ـ أُمور من هذا القبيل، وكذلك صرح القرآن أنّ هناك عدداً كبيراً من الأفراد طلبوا من أنبيائهم القيام بتلك الأفعال والاستفادة من تلك القدرة والموهبة الإلهية.

وإذا ما ادّعى الوهابيون بأنّه لا يستطيع أحد الإتيان بتلك الأفعال إلاّ اللّه سبحانه فإنّ ادّعاءهم هذا مخالف لصريح الآيات، وأنّ الآيات المباركة تشهد بخلافه.


1 . لمزيد الاطّلاع على معجزات السيد المسيح انظر آل عمران آية 49 والمائدة الآية 100ـ 110.


(110)

25
القرآن وإلوهية المسيح ـ عليه السَّلام ـ

سؤال: لقد طرحت مسألة إلوهية المسيح تحت نظرية التثليث، هل يمكن أن توضّح لنا الرؤية القرآنية لهذه النظرية؟ وكيف أبطل القرآن هذه النظرية؟

الجواب: لقد أقام القرآن الكريم لردّ هذه الدعوة برهانين في غاية الوضوح والعمومية، وها نحن نشير إليهما فيما يأتي:

البرهان الأوّل: قدرة اللّه على إهلاك المسيح.

البرهان الثاني: انّ المسيح مثل بقية البشر يأكل ويمشي و...

يقول تعالى حول البرهان الأوّل:

(...فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ في الأَرْضِ جَميعاً وَللّهِ مُلْكُ السَّموَاتِ وَ الأرْضِ وَمَابَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَآء...).(1)

ولا ريب أنّ جميع النصارى يعترفون بأنّ السيد المسيح ـ عليه السَّلام ـ ابن


1 . المائدة:17.


(111)

لمريم ـ عليها السَّلام ـ ،ولذلك يقولون المسيح ابن مريم.

فإذا كان عيسى ـ عليه السَّلام ـ ابناً لمريم، فلابدّ إنّه بشر كسائر البشر، وآدمي كبقية الآدميّين، محياه ومماته بيد اللّه وتحت قدرته، فإن شاء سبحانه منح الجميع الحياة وإن شاء سلبها عنهم، وإذا كان المسيح من زمرة البشر ـ و هو كذلك ـ فكيف تعتبره النصارى إلهاً وهو لا يملك لنفسه حياة ولا موتاً؟!

ومن الجدير بالذكر أنّ القرآن الكريم قد ركّز في هذه الآية وبصورة كاملة وجلية على بشرية المسيح، ولذلك وصفه بكونه (ابن مريم) ويتحدّث عن «أُمّه» و عن جميع من في الأرض بقوله: (وَأُمّه وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَميعاً) مشيراً بذلك إلى بشريته، بل وليثبت أنّ المسيح ـ عليه السَّلام ـ لا يخرج عن كونه بشراً وفرداً من أفراد النوع الإنساني يشترك مع بني نوعه في كلّ الأحكام على السواء.

وبعبارة أُخرى أوضح: إنّ هناك قاعدة في الفلسفة الإسلامية يطلق عليها «حكم الأمثال» ومؤدّاها «حكم الأمثال في ما يجوز وفي ما لايجوز واحد». فإذا كان هلاك أفراد الإنسان ـ ما عدا المسيح ـ ممكناً كان هلاك المسيح أيضاً ممكناً كذلك لكونه منهم، وفي هذه الصورة كيف تعتبره النصارى إلهاً والإله لا يجوز عليه الموت؟!

ولتتميم هذا المطلب يختم القرآن الكريم الآية بجملة ( وللّه ملك السموات والأرض و مابينهما).

وفي الحقيقة أنّ هذه الجملة تكون علّة للحكم السابق، فمعناه أنّ اللّه يملك إهلاك عيسى وأُمّه وكلّ أفراد البشر، لأنّهم جميعاً ملكه وفي قبضته وتحت قدرته.


(112)

البرهان الثاني: المسيح والآثار البشرية

يؤكّد القرآن الكريم أنّ المسيح ـ عليه السَّلام ـ وأُمّه شأنهم شأن بقية الأنبياء يأكلون الطعام لتلبية حاجاتهم ورفع النقص قال تعالى:

(مَّا الْمَسيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدّيقَةٌ كَانَا يَأَكُلاَنِ الطَّعَامَ...).(1)

وهذا يعني أنّه ليس بين المسيح وأُمّه وبين غيره من الأنبياء والرسل أيُّ فرق وتفاوت، فهم يأكلون عندما يجوعون ويتناولون الطعام كلّما أحسّوا بالحاجة إليه، ومن المعلوم أنّ الاحتياج دليل الإمكان، والإله منزّه عن الحاجة والإمكان.

فالمسيح ـ عليه السَّلام ـ إنسان ممكن ولد من إنسان ممكن آخر وهي السيدة مريم ـ عليها السَّلام ـ ، وكلاهما يطيعان اللّه سبحانه ويعبدانه ويتوسّلان لسدِّ جوعهم بتناول الطعام، ومع هذه الصفات كيف يمكن لإنسان عاقل أن يعتقد بإلوهيتهما؟!

إنّ هذه الآية لا تبطل إلوهية المسيح فحسب، بل تبطل إلوهية أُمّه أيضاً، إذ يستفاد من بعض الآيات إنّ مريم ـ عليها السَّلام ـ كانت معرضاً لهذه التصوّرات الباطلة أيضاً حيث يقول سبحانه:

(...ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَ أُمِّيَ إِلهَيْنِ مِن دُونِ اللّه...).(2)

نظرية بنوّة السيد المسيح

تعتبر مسألة بنوّة المسيح ـ عليه السَّلام ـ للّه سبحانه إحدى مظاهر الشرك في «الذات»


1 . المائدة:75.
2 . المائدة:116.


(113)

حيث تصوّر حقيقة الإله الواحد في صورة آلهة متعدّدة ويقوم «التثليث» النصراني في الحقيقة على هذا الأساس، أي على أساس اعتبار المسيح ابناً للّه سبحانه.

وقد فنّد القرآن الكريم هذا الاعتبار الخاطئ وأبطله وبصورة جلية بطريقين:

الف: عن طريق البراهين العلمية الستة الدالّة على استحالة أن يكون للّه ولدٌ مطلقاً، سواء كان هذا الولد عيسى ـ عليه السَّلام ـ أم غيره.(1)

ب: عن طريق بيان تولّد المسيح من أُمّه واستعراض حياته البشرية الدالّ على بطلان خصوص بنوّة السيد المسيح. وليس النصارى هم وحدهم ممّن ينفرد في الاعتقاد بوجود ولد للّه، بل إنّ مشركي العرب كانوا يتصوّرون أنّ (الملائكة) بنات اللّه، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الاعتقاد بقوله سبحانه:

(وَيَجْعَلُونَ للّهِ اْلبَناتِ سُبْحَانَهُ...)(2).(3)

وها نحن نورد أدلّة القرآن الكريم التي تنفي اتّخاذ الولد للّه سبحانه، سواء كان السيد المسيح أم غيره.

ألف: ليست له سبحانه أيّة زوجة حتّى يكون له ولد منها.

ب: إنّه تعالى خالق كلّ شيء.

قال تعالى:


1 . أقام القرآن الكريم ستة أدلّة لإبطال نظرية بنوّة المسيح وقد جاءت هذه البراهين ضمن أربع آيات من آيات الذكر الحكيم.
2 . النحل:57.
3 . انظر: الإسراء:40، الصافات:149ـ 153، الزخرف:19، الطور:39، ولقد أشار القرآن الكريم إلى وجود طائفة من يهود عصر الرسالة كانت تعتقد أنّ [عزير ]ابن اللّه، حيث قال سبحانه:(وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيرٌ ابن اللّه...) (التوبة:30).


(114)

(بَدِيعُ السَّمَـواتِ وَالأرْضِ أَنَّى يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَـاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْء وَ هُوَ بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ).(1)

إنّ الآية المباركة تشير إلى برهانين لاستحالة اتّخاذ الولد للّه سبحانه:

الأوّل: إنّ معنى اتّخاذ الولد هو انفصال جزء من الوالد (الحيمن) واستقراره في رحم الأُمّ، ثمّ تكامله بعد طيّ فترة زمنية معينة، وهذا يستلزم الحاجة إلى وجود الزوجة للّه جلّ شأنه، والحال أنّ الجميع ينزّهون اللّه سبحانه من اتّخاذ الزوجة، كما قال سبحانه (ولم تك له صاحبة).

الثاني: إنّ فكرة اتّخاذ الولد تستلزم ـ حتماً ـ أن يكون الولد غير مخلوق للّه، بل يكون مثيلاً ونظيراً له في الاتّصاف بجميع صفات الإلوهية، كالاستقلال والغنى، لأنّ الابن ليس مخلوقاً للأب، بل هو جزء منه ينمو ويترعرع خارج ذاته والحال أنّ اللّه سبحانه خالق كلّ شيء: ( وخلق كل شَيْء)، كما ورد في صدر الآية جملة: ( بديع السموات والأرض)الدالّة أيضاً على ما قلنا.

ج: اللّه مالك كلّ شيء:

(الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَواتِ وَالأرْضِ وَ لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَ خَلَقَ كُلَّ شَيْء فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً) .(2)

إنّ الآية المباركة تشير إلى برهان آخر لبطلان بنوّة المسيح، وذلك من خلال الاستدلال بالملكية التكوينية المطلقة لما سواه، لأنّ ملكية الإنسان بالنسبة لأمواله تنبع من عقد اجتماعي لغرض إدارة شؤون الحياة وتحريك عجلتها، إلاّ أنّ مالكية اللّه للسماوات والأرض وما بينهما مالكية تكوينية تنبع من خالقيته سبحانه للأشياء.(3)


1 . الأنعام:101.
2 . الفرقان:2.
3 . منشور جاويد:2/202ـ 206.


(115)

26
حقيقة التثليث وأدلّة بطلانها

سؤال: ما هي حقيقة نظرية التثليث، وما هو الدليل على بطلان هذه النظرية؟

الجواب: لقد بيّن صاحب قاموس الكتاب المقدس المستر هاكس حقيقة التثليث وما هو المقصود بالثالوث المقدس، وفسّر النظرية بقوله: إنّ الطبيعة الإلهية تتألّف من ثلاثة أقانيم متساوية الجوهر، أي: الأب، والابن، وروح القدس.

والأب هو خالق جميع الكائنات بواسطة الابن، والابن هو الفادي، وروح القدس هو المطهر، وهذه الأقانيم الثلاثة مع ذلك ذات رتبة واحدة وعمل واحد.(1)

والأقنوم ـ لغة ـ يعني: الأصل والشخص، فإذاً يصرح المسيحيون بأنّ هذه الآلهة الثلاثة ذات رتبة واحدة وعمل واحد وإرادة واحدة.

ومن هنا يمكن أن نتصوّر للتثليث صورتين لا تتناسب أي واحدة منهما مع


1 . قاموس الكتاب المقدس:344.


(116)

المقام الربوبي:

1. أن يكون لكلّ واحد من هذه الآلهة الثلاثة وجود مستقل عن الآخر، بحيث يظهر كلّ واحد منها في تشخّص ووجود خاص، فكما أنّ لكلّ فرد من أفراد البشر وجوداً خاصّاً به خارجاً وكلّ واحد منهم له شخصية مستقلة، كذلك يكون لكلّ واحد من هذه الأقانيم أصل مستقل وشخصية خاصة متميزة عمّا سواها.

وبعبارة أُخرى: إنّ هناك طبيعة واحدة ولكنّها تتألّف من ثلاثة أفراد، كلّ فرد منها يمثّل إلهاً تاماً ومستقلاً. غير أنّ هذه النظرية هي عين نظرية الشرك الجاهلي وقد تجلّى في النصرانية في صورة التثليث. ولكن دلائل التوحيد قد أبطلت أيّ نوع من أنواع الشرك من الثنوية والتثليث، وقد ذكرنا الأدلّة على استحالة وجود الشريك والندّ للّه سبحانه.

والعجب أنّ مخترعي هذه البدعة من رجال الكنيسة يصرّون ـ بشدة ـ على التوفيق بين هذا التثليث والتوحيد ويقولون: إنّ الإله في نفس كونه ثلاثة هو واحد، وفي كونه واحداً هو ثلاثة!! وهل هذا إلاّ تناقض واضح؟!وإنّه كما يقال: أكوس طويل اللحية!!

وهل يوجد عاقل في العالم كلّه يدّعي أنّ الثلاثة تساوي واحداً؟! وهل لهذا التأويل من سبب غير أنّهم وجدوا أنفسهم في زاوية حرجة لا يمكن الفرار منها إلاّ بمثل هذه التأويلات الباردة؟! وذلك لأنّهم واجهوا الأدلّة والبراهين المحكمة للموحّدين، والتي تدلّ بوضوح وجلاء على نفي كلّ أنواع الشرك والتثليث، وهذه البراهين بدرجة من القوة والمتانة بحيث لا يمكن التخلّص منها; ولكنّهم من جانب آخر خضعوا للعقيدة الموروثة، أيّ عقيدة التثليث


(117)

التي ترسخت في قلوبهم أيّما رسوخ، إلى درجة إنّهم أصبحوا غير قادرين على التخلّص منها والتملّص من حبائلها، فلم يجدوا مفراً إلاّ الالتجاء إلى الجمع بين المتناقضين ـ التوحيد والتثليث ـ و قالوا: إنّ الإله واحد في ثلاثة وثلاثة في واحد!!

2. التفسير الآخر للتثليث هو: أن يقال: إنّ الأقانيم الثلاثة ليس لكلّ منها وجود مستقل، بل هي بمجموعها تؤلّف ذات إله الكون، وفي الحقيقة لا يكون أيّ واحد من هذه الأجزاء والأقانيم إلهاً بمفرده، بل الإله هو المركب من هذه الأجزاء الثلاثة.

ويرد على هذا النوع من التفسير أنّ معنى هذه النظرية هو كون اللّه مركّباً محتاجاً في تحقّقه وتشخّصه إلى هذه الأجزاء «الأقانيم الثلاثة» بحيث مالم تجتمع لم يتحقّق وجود اللّه.

وفي هذه الصورة تواجه أرباب الكنيسة إشكالات أساسية وتحشرهم في زاوية حرجة، ومن هذه الإشكالات:

ألف: أن يكون إله الكون محتاجاً في تحقّق وجوده إلى الغير (وهو كلّ واحد من هذه الأقانيم باعتبار أنّ الجزء غير الكلّ) في حين أنّ المحتاج إلى الغير لا يمكن أن يكون إلهاً واجب الوجود، بل يكون حينئذ ممكناً مخلوقاً محتاجاً إلى غيره ليرفع حاجته كغيره من الممكنات.

ب: انّ القول بأنّ الأقانيم الثلاثة تمثّل وجودات مستقلة، وكلّ واحد منها من ناحية الوجود واجب الوجود وضروري الوجود، فإنّ هذا القول ـ و بلا شك ـ يعني الاعتقاد بوجود ثلاثة وجودات تتصف بأنّها واجبة الوجود.

أمّا إذا كان كلّ واحد منها ممكن الوجود محتاجاً في تحقّقه إلى علّة


(118)

تخرجه من العدم، فلا شكّ أنّه في مثل هذه الحالة يكون وجود هذه الأجزاء الثلاثة محتاجاً إلى إله يفيض عليها الوجود والتحقّق، وبلا شكّ ليس لهذا القول من نتيجة إلاّ الاعتراف بأنّ هذا الإله المركّب من أقانيم ثلاثة يحتاج في تحقّقه إلى علّة أُخرى ويكون معلولاً ومخلوقاً لإله آخر يتّصف بالبساطة وعدم التركّب، لأنّه مع الاتّصاف بذلك لا مفرّ من التفكير بإله آخر ليخرج هذا المركب من العدم إلى حيّز الوجود.

ج: انّهم يدّعون: أنّ في الطبيعة الإلهية أشخاصاً ثلاثة، وأنّ كلّ واحد منها يملك تمام الإلوهية، والحال أنّهم يقولون: إنّ الثالوث لا تقبل التجزئة.

وبعبارة أُخرى: انّ بين الكلامين تناقضاً واضحاً، لأنّه إذا كان هناك في الواقع ثلاثة أقانيم وثلاثة شخصيات، فهذا ملازم للقول بتجزئة الثالثوث، وأمّا إذا قلنا إنّه غير قابل للتجزئة فحينئذ كيف يمكن أن نتصوّر وجود ثلاثة وجودات مستقلة؟! بل لابدّ من القول بوجود مركّب من ثلاثة أقانيم.

وإذا كانت شخصية الابن إلهاً، فلماذا يا ترى كان الابن يعبد أباه؟! وهل يعقل أن يعبد إله إلهاً آخر مساوياً له وأن يمد إليه يد الحاجة؟!

د: يدّعي المسيحيون أنّ كلّ واحد من الآلهة الثلاثة مالك لتمام الإلوهية ويقولون: إنّ الإلوهية قد تجسّدت في عيسى ابن مريم، وإنّه صلب ـ بعد أن عاش فترة محددة ـ من أجل تطهير وفداء أُمّته التي تلوّثت بالذنوب الموروثة.

وهذه النظرية تواجه عدّة إشكالات وتتوجّه إليها أسئلة جدّية من قبيل: كيف يمكن أن يتجسّد الإله غير المحدود في وجود محدود زماناً ومكاناً باعتباره جسماً، إذ من المسلّم انّ السيد المسيح وجود ـ جسم ـ عاش في مكان محدود ـ فلسطين ـ و في زمان محدود، وقد أحاط به اليهود وقتلوه كما يذهب إلى ذلك


(119)

النصارى.

ثمّ كيف لم يختل نظام الوجود بعد موته، إذ المفروض أنّه كان مرتبطاً به ومتعلّقاً به عندما كان حيّاً وهو الذي يدير شؤونه و يدبّر أُموره؟!

ثمّ إنّ نظرية التثليث تواجه العشرات من التساؤلات الجدّية والمهمة التي يعجز أصحاب النظرية من الإجابة عنها، إذ أنّ هذه النظرية صبغت الديانة المسيحية بخرافة الوثنية الباطلة.

وفي الختام : إنّ الإنسان إذا اطّلع على مثل تلك النظريات وتلك الديانات الباطلة والخرافية يذعن ويعترف بقيمة الآيات القرآنية الكريمة التي تحدّثت عن التوحيد والوحدانية.(1)


1 . منشور جاويد:2/213ـ 216.


(120)

27
تسرّب نظرية التثليث إلى الديانة المسيحية

سؤال: هل يمكن أن تبيّن لنا كيف تسرّّبت خرافة التثليث إلى الديانة المسيحية؟

الجواب: يقول الأُستاذ فريد وجدي نقلاً عن دائرة معارف«لاروس»:

إنّ تلامذة المسيح الأوّليّين الذين عرفوا شخصه، وسمعوا قوله، كانوا أبعد الناس عن اعتقاد أنّه أحد الأركان الثلاثة المكونة لذات الخالق، وما كان بطرس ـ الذي يُعد أحد حوارييه ـ يعتبره إلاّ رجلاً موحى إليه من عند اللّه، أمّا بولس فإنّه خالف عقيدة التلامذة الأقربين لعيسى وقال: إنّ المسيح أرقى من إنسان وهو نموذج إنسان جديد، أي عقل سام متولد من اللّه.(1)

إنّ التاريخ البشري يرينا أنّه طالما عمد بعض أتباع الأنبياء ـ بعد وفاة الأنبياء أو خلال غيبتهم ـ إلى الشرك والوثنية تحت تأثير المضلّين، وبذلك كانوا ينحرفون عن جادة التوحيد التي هي المهمة الكبرى والهدف الأساس والغاية القصوى لأنبياء اللّه ورسله.


1 . دائرة معارف القرن العشرين:2/760، مادة ثالوث.


(121)

ولعل من أفضل النماذج لذلك ما جرى لبني إسرائيل وميلهم إلى عبادة العجل وترك التوحيد.

وهو ما أثبته القرآن الكريم(1) و التاريخ للأجيال القادمة.

وعلى هذا الأساس فلا داعي للعجب إذا ما تسرّبت خرافة التثليث إلى الديانة النصرانية بعد ذهاب السيد المسيح ـ عليه السَّلام ـ وغيابه عن أتباعه.

إن تقادم الزمن قد رسخ فكرة التثليث وعمقها في قلوب النصارى وعقولهم بحيث لم يستطع حتّى أكبر مصلح مسيحي «مارتن لوثر» ـ الذي هذّب العقائد المسيحية من كثير من الأساطير والخرافات وأسّس المذهب البروتستانتي ـ التخلّص من مخالب هذه الخرافة وأحابيلها.

القرآن الكريم ونظرية التثليث

يرى القرآن الكريم أنّ نظرية التثليث مرتبطة بالأديان السابقة على المسيحية ويعتقد أنّ المسيح ـ عليه السَّلام ـ ما كان يدعو إلاّ للّه الواحد الأحد، إذ يقول سبحانه:

(لَقَدْ كَفَرَ الَّذِيَن قَالُوآ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابنُ مَرْيَمَ وَ قَالَ الْمَسِيحُ يَـبَني إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللّهَ رَبّيِ وَ رَبَّكُمْ إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيْهِ الجَنَّة... ).(2)

يعتبر القرآن أنّ النصارى هم الذين أدخلوا هذه الخرافة ـ تقليداً للأديان


1 . طه:85ـ 99.
2 . المائدة:72.


(122)

السابقة ـ في العقائد المسيحية حيث قال سبحانه:

(...وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ).(1)

لقد أثبتت تحقيقات المحقّقين المتأخّرين صحّة الرؤية القرآنية بوضوح لا لبس فيه، حيث دلّت على أنّه قد أُدخلت ـ في القرن السادس قبل الميلاد ـ إصلاحات على الدين البراهماتي ممّا أدّى إلى ظهور الديانة الهندوسية، وقد تجلّى الربّ الأزلي الأبدي وتجسد ـ لدى البراهمة ـ في ثلاث مظاهر وآلهة هي:

1. براهما (الخالق).

2. فيشنو(الواقي).

3. سيفا (الهادم).

ويوجد هذا الثالوث الهندوكي المقدّس في المتحف الهندي في صورة ثلاث جماجم متلاصقة، ويوضح الهندوس هذه الأُمور الثلاثة في كتبهم الدينية بالنحو التالي:

«براهما»: هو الموجد في بدء الخلق وهو دائماً الخالق اللاهوتي ويسمّى بالأب.

«فيشنو»:هو الواقي الذي يسمّى عند الهندوكيين بالابن الذي جاء من قبل أبيه.

«سيفا»: هو المفني الهادم والمعيد للكون إلى سيرته الأُولى.


1 . التوبة:30.


(123)

لقد أثبت مؤلف كتاب «العقائد الوثنية في الديانة النصرانية» في دراسته الشاملة لهذه الخرافة وغيرها من الخرافات التي تعجُّ بها الديانة النصرانية أنّ هذا الثالوث المقدّس كان في الديانة البراهماتية وغيرها من الديانات الخرافية قبل ميلاد السيد المسيح ـ عليه السَّلام ـ بمئات السنين. وقد استدلّ لإثبات هذا الأمر بكتب قيّمة وتصاوير حيّة توجد الآن في المعابد والمتاحف يمكن أن تكون سنداً حيّاً ومؤيّداً قوياً لنظرية القرآن الكريم.

كما أنّ الكاتب غوستاف لوبون كتب في هذا الصدد قائلاً: لقد واصلت المسيحية تطوّرها في القرون الخمسة الأُولى من حياتها مع أخذ ما تيسّر من المفاهيم الفلسفية والدينية اليونانية والشرقية، وهكذا أصبحت خليطاً من المعتقدات الشرقية خاصة المصرية والإيرانية التي انتشرت في المناطق الأوروبية حوالي القرن الأوّل الميلادي فاعتنق الناس تثليثاً جديداً مكوناً من الأب والابن وروح القدس مكان التثليث القديم المكون من «نروپي تر» و «ژنون» و «نرو»(1).(2)


1 . قصة الحضارة.
2 . منشور جاويد:2/198ـ 201.


(124)

28
البلايا والشرور في عالم الخلق

سؤال: هل من الممكن نسبة الظلم والأفعال القبيحة والشرور إلى ساحة القدس الإلهي أم لا؟ وكيف يمكن توجيه ذلك؟

الجواب: إنّ للأعمال القبيحة وغير اللائقة جنبتين، وبعبارة أُخرى: انّه يمكن دراستها من خلال طريقين:

1. الجانب الوجودي، الإثباتي.

2. الجانب العدمي، السلبي.

إذا نظرنا إلى أي فعل قبيح نجد أنّه لا يكون قبيحاً إذا طالعناه من الجانب الوجودي، ويكون قبيحاً إذا طالعناه من الجانب الثاني، أي الجانب العدمي.

مثلاً اللقاء الجنسي الذي يتم بين الرجل والمرأة بصورة غير مشروعة وغير قانونية، فإنّ مثل هذا اللقاء غير المشروع لا يختلف عن اللقاء المشروع في الجوانب الوجودية، فكلاهما سواء من حيث إنّ العملين نتيجة الغريزة الجنسية.

غايته أنّ التفاوت بين هذين اللقاءين هو أنّ الأوّل غير مأذون به من قبل


(125)

اللّه و السلطة التشريعية، في حين أنّ العمل الثاني مأذون به من قبل اللّه وانّه موافق لرأي السلطة التشريعية المتمثلة فيه سبحانه. وعلى هذا فإنّ عامل القبح في «الزنا» هو صفة اللامشروعية التي هي أمرٌ عدمي وسلبي مائة بالمائة، والذي تتعلّق به القدرة إنّما هو الجانب الوجودي للشيء وليس الجانب العدمي السلبي، لأنّ الأُمور العدمية والجوانب السلبية أحقر من أن تتعلّق بها القدرة الإلهية،بل يستحيل تعلّق عملية الخلق بها.

وإنّك بالإمعان في هذا المثال بإمكانك أن تتناول بالتحليل بقية الأفعال القبيحة كالظلم والخداع والخيانة والجناية، فالظلم مثلاً إنّما يكون قبيحاً، لأنّه يؤدي إلى ضياع حقّ المظلوم،ويؤدي إلى توقّف نمو المجتمع وتقدمه، ثمّ إنّ نفس التساؤل السابق يطرح نفسه في مسألة البلايا والشرور كالزلزلة والسيول وأمثال ذلك، ولتوضيح تلك التساؤلات والاستفهامات لابدّ من تحليل تلك الظواهر.

تحليل ظاهرة البلايا والشرور (1)

لو تناولنا بالتحليل أي ظاهرة من الظواهر التي تتصف بالشر لتبيّن لنا أنّ تلك الصفة ناشئة من كون الشيء مصحوباً بالعدم.

فالمرض ـ على سبيل المثال ـ إنّما يكون شراً غير مرغوب فيه، لأنّ المريض حال مرضه يكون فاقداً للصحّة والعافية، وهكذا بالنسبة إلى الأعمى والأصم فإنّما يُعدّ العمى والصمم شراً لفقدان وصفي السمع والبصر وعدمهما


1 . لمزيد الاطّلاع والتعمّق في البحث حول البلايا والشرور وعدم انسجامها ـ ظاهراً ـ مع الحكمة والعدل الإلهي يراجع كتاب الإلهيات:1/273ـ286 لآية اللّه الشيخ جعفر السبحاني.


(126)

ليس غير، وذلك لأنّ الإنسان المفكّر والمتحلي بالفضائل يرى أنّ نعمتي السمع والبصر من أهم الأُمور الأساسية لكماله، والنقطة الجديرة بالذكر أنّ صفتي العمى والصمم ليس لهما واقعية حقيقية في العين أو الأُذن، فما العمى أو الصمم ـ في الواقع ـ سوى حالة الفقدان والعدمية.

ومن ملاحظة هذه النقطة ومقارنة كلّ الأُمور والموارد المعدودة من الشرور مع المثال المذكور يتبين لنا أنّ الشر ملازم لنوع من العدم الذي لايحتاج إلى موجد وفاعل، بل هو عين ذلك الفقدان، فكلّ البلايا والشرور والقبائح إنّما تكون شروراً وأُموراً غير مرغوب فيها، لكونها فاقدة لنوع من الوجود أو مستلزمة لنوع من العدم.

وعلى هذا الأساس فإنّ الحيوانات المفترسة والضارة إنّما تكون شراً، لأنّها تجر إلى فقدان سلسلة من الأُمور والجهات الوجودية، لأنّ هذه الموجودات ـ الحيوانات المفترسة والمضرة والآفات ـ توجب الموت وفقدان الحياة أو فقدان عضو من الأعضاء أو قوة من القوى، أو تتسبّب في منع نمو القابليات والاستعدادات، فلو كانت هذه الشرور كالزلازل والآفات الحيوانية والنباتية لا تنطوي على مثل هذه النتائج لما عدّت من الشرور ولما كانت أُموراً قبيحة غير مطلوبة.

وعلى هذا فإنّ الموت والجهل والفقر والحرمان إنّما تكون شروراً لكونها ترافق أنواعاً من العدم، فالعلم كمال وواقعية يفقدها الجاهل، والحياة حقيقة وكمال يفقدها الميت، والفقير هو من يفتقد المال الذي يوفر له سبل العيش.

وخلاصة القول: إنّه لا يوجد في هذا العالم إلاّ نوع واحد من الموجودات وهو ما يكون خيراً وجميلاً وحسناً، وأمّا الشرور فهي من نوع العدم، والعدم


(127)

ليس مخلوقاً، بل هو من باب ـ عدم الخلق ـ وليس من باب ـ خلق العدم ـ.

وعلى هذا الأساس لا يمكن أن يقال أنّ للعالم خالقين: أحدهما خالق الخير، والآخر خالق الشر; وإذا أردنا أن نقرب الفكرة بمثال حسّي نقول: إنّ مثل الوجود والعدم كمثل الشمس والظل فعندما نقيم تحت الشمس شاخصاً يحدث على الأرض ظل بسبب ذلك الشاخص الذي منع من وصول النور، وما الظل في الحقيقة إلاّ عدم النور، لأنّ الظل هو الظلمة، والظلمة ليست إلاّ «عدم» النور، فلا يصحّ أن نتساءل هنا: ما هي حقيقة الظل؟ إذ ليست للظل واقعية خارجية وحقيقة عينية تقابل حقيقة النور وجوهره إنّما الظل هو عدم النور، ومعنى هذا أنّه ليس للظل أو الظلمة منبع ينبعان منه ومنشأ ينشآن منه، هذا ولصدور الآفات والشرور من جانب اللّه توجيهات أُخرى نذكرها فيما يأتي.

تحليل آخر لظاهرة الشرور

إنّ هنا تحليلاً آخر لظاهرة الشرور ينطلق من أنّ الشرور هل هي أُمور حقيقية أو أُمور نسبية؟

بتحليل سريع وتحقيق عاجل يمكن معرفة أنّ الشرور أُمور نسبية لا حقيقية، وأنّه لا يوجد شيء يُعدُّ بذاته شراً وأنّ صفة الشر ليست جزءاً من ذوات وحقائق الأشياء الموصوفة بالشر، بل الشر حالة تنسب إلى شيء من الأشياء عندما يقاس إلى شيء آخر، فسمّ الحية والعقرب وافتراس الذئب لا تكون شراً بالنسبة إلى الحيّة والعقرب والذئب، بل هي إحدى وسائل كمالها الموجب لبقائها واستمرار حياتها و وجودها، نعم إنّما هي شرٌ إذا ما قيست إلى الإنسان وتضرر البشر بها، فالمطر الغزير مثلاً لا يكون شراً في حدّ ذاته، بل عند ما


(128)

يقاس بشيء آخر يتصف حينئذ بهذا الوصف.

فلو نزل المطر الغزير في فصل مناسب فأحيا الزرع والنبات واخضرت بسببه المزارع والحدائق وأينعت الأثمار يكون خيراً حينئذ، ولكن يكون شراً من جهة كونه موجباً لانهدام الأكواخ وجرف بعض المحاصيل في الصحارى والبراري.

وعلى هذا الأساس فإنّ اللّه تعالى حينما خلق العقرب لم يخلق شيئين ويفعل أمرين:

أحدهماخلق ذات العقرب، والآخر خلق شرها، بل فعل اللّه سبحانه شيئاً واحداً، وهو أنّه تعالى منح هذا الموجود لباس الوجود، وإنّما الإنسان هو الذي يصف العقرب بالشريّة والقبح عندما يقيسه إلى شيء آخر.(1)


1 . منشور جاويد:2/271ـ 278.


(129)

29
نسبة الحسنة والسيئة إلى اللّه

سؤال: إذا كانت نسبة الحسنة والسيئة(الخير والشر) إلى اللّه كما في الآية 78 من سورة النساء، فكيف تفسّر الآيات التي تنسب الحسنات إلى اللّه والسيئات إلى الإنسان نفسه، كالآية 79، من نفس السورة؟

الجواب: إنّ الإجابة عن هذا السؤال تتّضح من خلال ما أثبتناه سابقاً من نسبية الشرور والبلايا، لأنّ كلّ أنواع الشرور والبلايا حتى الأفاعي والعقارب إذا نظرنا إليها من الزاوية الوجودية، أي من كونها ظاهرة اكتسبت وجودها من اللّه سبحانه، فانّها حينئذ تكون جميلة وحسنة. وإنّما تتّصف هذه الموجودات بالسوء إذا كانت هناك نسبة بينها و بين حياة الإنسان وكانت غير ملائمة لحياته، فحينئذ نقول: إنّ الأفعى والعقرب بلاء وشرّ لحياة الإنسان.

فإذا كانت الآية الأُولى تنسب كلّ أنواع النصر والهزيمة إلى اللّه وتنسب هطول الأمطار والسيول كذلك إلى اللّه سبحانه، فمن جهة كون الآية تركّز على أنّ كلّ ظاهرة باعتبارها وجوداً فإنّها تكتسب وبصورة قهرية حظّاً من الحسن والجمال من جانب اللّه سبحانه، ولذلك لا يمكن في هذا الظرف أن توصف بكونها ظاهرة سيئة ـ وإذا كان القرآن الكريم قد وصفها في الآية الأُولى بكونها


(130)

سيّئة، فما ذلك إلاّ لكون القرآن يتكلّم بلغة المخاطبين ـ وذلك لأنّه مادام لم توجد مقايسة ونسبة بين تلك الظاهرة وبين الإنسان فلا يصحّ وصفها بالسوء، بل تكون وجوداً حسناً وجميلاً، ولذلك نسبت الآية الأُولى الجميع إلى اللّه سبحانه.

نعم تتّصف بالسوء إذا كان هناك نسبة بينها و بين حياة الإنسان فقدرة العدو مثلاً سيّئة ومضرة بالقياس إلى الطرف الآخر، والمطر مضر وشرّ بالقياس إلى تخريب المنازل، ففي مثل هذه الحالة فقط يمكن أن توصف هذه الظواهر بالشرّ والسوء وفي هذه الصورة بالذات يقول الناس: «لقد نزل البلاء».

في مثل تلك الصورة تنسب السيّئة إلى الإنسان نفسه ويقال:

(وما أصابك من سيئة فمن نفسك) لماذا؟ لأنّ في مثل تلك الظروف لا يمكن تجاهل تأثير أعمال الإنسان السيّئة وماضيه وتاريخه المظلم وتقاعسه في أداء واجباته، وذلك لأنّ جميع مظاهر الانهزام والانكسار والبلايا معلولات لتقصير وتقاعس الإنسان، سواء على المستوى الفردي أو المستوى الجماعي.

فإنّ الشاب المدمن على الخمر ـ مثلاً ـ يجب بالبداهة أن ينتظر سلسلة من البلايا والمصائب والمحن، والأُمّة التي لا تبني السدود في وجه السيول يجب حتماً أن تنتظر الدمار والخراب، والبيوت التي لا تبنى على أساس مقاومة الزلازل يجب حتماً أن تنتظر الخراب والدمار على أثر الزلازل، إنّ مثل هذه المجتمعات التي تقصر في هذه الأُمور لابدّ أن تكون في معرض المصائب والمحن والمآسي، ولهذا قال اللّه تعالى في الآية الثانية: (وما أَصابك مِنْ حَسَنَة فَمِنَ اللّه وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَة فَمِنْ نَفْسِكَ...).


(131)

لقد كان الأنبياء ـ عليهم السَّلام ـ يذمون من يتطير بهم ويتشاءم من وجودهم:(قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكم أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ...).(1)

وهم بذلك يُشيرون إلى أنّ علّة المحن والمصائب كامنة في نفس العصاة والمنكوبين وهو أمرٌ ناشئ منهم ونابعٌ من أعمالهم أنفسهم.

وإذا ما وجدنا في آية أُخرى من القرآن الكريم قوله سبحانه: (...أَلا إِنّما طائرهُمْ عِنْدَ اللّه وَلكنَّ أَكثَرَهُمْ لا يَعْلَمُون).(2)

فلاشك أنّ المقصود في هذه الآية أنّ اللّه سبحانه عظيم وكبير في علمه ومعرفته بحيث لا يخفى عليه شيء من مصيركم وما تؤول إليه حياتكم.

إنّ النكتة الجديرة بالاهتمام هي: إنّ الآية الأُولى تصرح بأنّ مصير الإنسان ومستقبله مرهون به (طائركم معكم)، وذلك لأنّ أعمال الإنسان وأفعاله هي التي تصنع مصير الإنسان.

أمّا إذا كان الحديث عن علم اللّه وإحاطته بمستقبل وبمصير الإنسان نجد الآية الأُخرى تتحدث بلحن آخر وبطريقة مختلفة عن الأُولى حيث تعتبر أنّ علم اللّه محيط بمصير الإنسان ومستقبله، قال تعالى: (إِنّما طائركُمْ عِندَ اللّه).

إنّ القرآن الكريم يعتبر ـ و في آيات أُخرى ـ حالات الإنسان وأعماله السابقة علّة لوقوعه في المحن والتقلّبات قال تعالى: (وَما أصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَة فَبِما كَسَبَتْ أَيديكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثير).(3)


1 . يس:19.
2 . الأعراف:131.
3 . الشورى:30.


(132)

وفي آية أُخرى يقول سبحانه:(...إِنَّ اللّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوم حتّى يُغَيِّروا ما بِأَنْفُسِهِمْ...).(1)

وكذلك الآية 53 من سورة الأنفال تتضمن معنى قريباً من هذا المعنى.(2)


1 . الرعد:11.
2 . منشور جاويد:2/313ـ 315.


(133)

30
فلسفة الابتلاء والاختبار

سؤال: من الواضح أنّ الاختبار إنّما يجري لغرض تحصيل العلم وكشف الحقائق المجهولة، وإذا ما أخذنا بنظر الاعتبار انّ اللّه عالم بسرّ الإنسان وعلانيته، ومطّلع على ماضيه ومستقبله، فحينئذ يطرح التساؤل التالي:

ما الحاجة إذاً إلى هذا الامتحان وذلك الاختبار وما هي فلسفته؟

الجواب: انّ الاختبار والامتحان الإلهي يمثّل سنّة عامة لا تختص بفرد دون فرد أو جماعة دون أُخرى، بل يخضع لها الجميع حسب إمكاناتهم وقابلياتهم، فكلّ يتعرض لذلك الامتحان الإلهي ويدخل في بوتقة ذلك الاختبار، ولقد صرّح القرآن الكريم بشمولية الاختبار وعمومية الامتحان الإلهي بقوله سبحانه:

(أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الّذينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ البَأْساءُوَالضَّرّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالّذينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَريبٌ) .(1)


1 . البقرة:214.


(134)

وبالطبع أنّ جملة (مَتى نَصْرُ اللّه) ليست من قبيل الاستفهام الاعتراضي، بل هي نوع دعاء وطلب للمدد والعون الإلهي.

ولكن المسألة المهمة هنا هي معرفة الهدف من الامتحان والاختبار وفلسفة ذلك.لا شكّ أنّ للابتلاء الإلهي أهدافاً وغايات متعدّدة، فمن هذه الأهداف تفجير القدرات والطاقات الإنسانية الكامنة، وكذلك من خلال هذا الطريق يتسنّى للأفراد الاقتراب من الكمال المطلوب، فإذا لم يتعرّض الإنسان للاختبار والامتحان والابتلاء تبقى كمالاته وقدراته كالكنز الدفين في أعماق التربة لا يعلم منها شيء.

إنّ بيان وتوضيح هذه الفكرة ـ التي مفادها أنّ الامتحان والاختبار بالنسبة إلى المجتمعات البشرية يعدّ عامل تكامل وسلّماً للرقي والسمو الإنساني ـ يحتاج إلى ذكر عدّة نقاط، هي:

1. تنمية الطاقات والاستعدادات الكامنة

إنّ الإنسان وبسبب عدم البلوغ العلمي والنضج الفكري يضطر لرفع أي إبهام يواجهه وأي معضلة تعتريه، إلى أن يطرق ويلج باب الاختبار، وبالطبع أنّ مثل هذا التصوّر يستحيل على اللّه سبحانه وتعالى العالم بما كان وسيكون، ولا يعتريه النقص أو الجهل بحال من الأحوال، ولكن ذلك لا يمنع من أن تكون للاختبار والامتحان الإلهي غاية وهدف يمكن أن نطلق عليها اسم تفجير الطاقات وتفعيل القوى والاستعدادات الكامنة وإخراجها إلى حيّز الفعلية أو تربية وتنمية تلك الاستعدادات، وذلك لأنّ الطاقات البشرية حالها حال جميع الأُمور الأُخرى لا يمكن أن تنتقل من مرحلة القوة إلى الفعل من دون الاستعانة بوسائل وأسباب خاصة، والوسيلة التي تستطيع أن تظهر كلّ تلك اللياقات إلى


(135)

حيّز الفعلية هي عملية الاختبار والامتحان.

فالكلّ منّا يعلم أنّ الفلزات إنّما تظهر استعداداتها ولياقاتها وقدرتها على الدوام والاستمرار حينما توضع في أفران الاختبار وتسلط عليها نيران الامتحان.

إنّ إحدى وسائل الامتحان والاختبار الإلهي هي تلك المصاعب التي تواجه الإنسان والتقتير في الرزق وفي مستلزمات الحياة الضرورية، ولذلك نرى الإنسان يتساءل منذ اللحظات الأُولى لوعيه للحياة ولبدء عمله وحركته على وجه البسيطة ما الهدف من كلّ هذه المصاعب وهذا التقتير في الرزق، وبتعبير القرآن الكريم لماذا هذه (البأساء والضرّاء) ؟

ولكن بمجرد أن يمعن الإنسان التفكير وينظر بدقة إلى المثال الذي سقناه سابقاً(المعادن في كير الحداد) يدرك جيداً أنّ تلك المصاعب التي يتعرض لها وتواجهه في الحياة هي التي تبني شخصيته وتفجّر طاقاته الكامنة وتحدّد له استقامته وثباته في مسيره، كمثل الشجرة التي تنمو في قلب الصحراء وفوق الرمال القاحلة وأمام الرياح الملتهبة فإنّه وبلا أدنى شكّ أنّ مثل هذه الشجرة ستقاوم كلّ تقلّبات الأحوال وتصمد أمام تقلّبات الظروف مهما اشتدت وصعبت أي أنّها تمتلك حينئذ صفة خاصة هي صفة المقاومة والثبات، وهذا بخلاف الشجرة التي تنمو في ظلّ ظروف ناعمة وفي جوّ طبيعي وأرض نديّة وتربة طيّبة فأنّها وبلا شكّ لا تمتلك القدرة على مواجهة تقلّبات الحياة من الجفاف أو الحرارة أو العواصف، أو ما شاكل ذلك، يقول أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ : «ألا وإنّ الشجرة البرية(1) أصلب عوداً، والرواتع الخضرة(2) أرق جلوداً،


1 . التي تنبت في البرّ الذي لا ماء فيه.
2 . الأشجار والأعشاب الغضة الناعمة التي تنبت في الأرض الندية.


(136)

والنابتات العذية(1) أقوى وقوداً وأبطأ خموداً».(2)

إنّ الإنسان الذي يخضع للاختبار ويبتلى بأشدّ المصائب، يتعلم كيف يشق طريق الحياة ويطوي جادتها بنحو تسهل لديه مصاعب الحياة وتهون عليه شدائدها وتصبح أمراً طبيعياً حيث إنّه يعمل فكره وعقله ويستفيد من طاقاته ويفجر كمالاته المودعة فيه ويفعّلها لتخليص نفسه ونجاتها.

وبالطبع لا يمكن أن ندّعي أنّ الامتحان والاختبار مثمر ومفيد لجميع الأفراد، وأنّ الجميع يخرجون من بوتقة الاختبار ويجتازون مراحله بنجاح وموفقية، بل الذي ندّعيه هو أنّه في حالة توفر الأرضية المناسبة يكون الامتحان سبباً لارتقاء الإنسان في سلّم الكمال وبروز الخصائص النفسية الكامنة في أعماقه، ولقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الهدف في قوله تعالى:

(...وَلِيَبْتَلِي اللّهُ ما في صُدُورِكُم و لِيُمَحِّصَ ما في قُلوبكُمْ وَ اللّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) .(3)

إنّ قوله تعالى: (وَ اللّهُ عَليمٌ بِذاتِ الصُّدُور) يشير إلى أنّ هدف اللّه تعالى من الاختبار ليس هو تشخيص الواقعيات، بل الهدف والغاية هو التربية وتفجير وإظهار الطاقات والكفاءات الكامنة في مركز وجود الإنسان، ولقد أطلق العرب في لغتهم لفظة «التمحيص» على ذلك المعنى، ومن يراجع كلمات أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ وحكمه يجده قد أشار إلى ضرورة ولابدّية الاختبار وفلسفته، وانّه لا ينبغي أن يطلب الإنسان من ربّه عدم الامتحان والابتلاء، بل


1 . الزرع الذي لا يسقيه إلاّ ماء المطر.
2 . نهج البلاغة، ص 418، قسم الرسائل برقم 45 من كتاب له إلى عثمان بن حنيف تحقيق صبحي الصالح.
3 . آل عمران:154.


(137)

الذي ينبغي هو أن يطلب منه تعالى أن لا يبتليه بأمر يعجز عن القيام به أو يفشل فيه، ثمّ يوضح لنا ـ عليه السَّلام ـ الهدف من الاختبار وهو إظهار وإبراز الصفات والخصال الحسنة أو السيئة التي تمنح الإنسان شخصيته حيث يقول ـ عليه السَّلام ـ : «لا يقولن أحدكم: «اللّهم إنّي أعوذ بك من الفتنة»، لأنّه ليس أحد إلاّ وهو مشتمل على فتنة، ولكن من استعاذ فليستعذ من مضلاّت الفتن، فانّ اللّه سبحانه وتعالى يقول: (وَاعْلَمُوا إِنّما أَموالكُمْ وَأَولادكُمْ فِتْنَة)، ومعنى ذلك إنّه يختبرهم بالأموال والأولاد ليتبين الساخط لرزقه والراضي بقسمه، وإن كان سبحانه أعلم بهم من أنفسهم، ولكن لتظهر الأفعال التي بها يُستحق الثواب والعقاب، لأنّ بعضهم يُحب الذكور ويكره الإناث، وبعضهم يحب تثمير المال، ويكره انثلام الحال».(1)

ولك أن تقول: إنّ الابتلاء الإلهي دوره كدور صاحب البستان، فإنّ الفلاح عندما يضع البذرة ـ ذات الاستعداد والقدرة ـ تحت التراب، فإنّ تلك البذرة ومن خلال الاستفادة من الإمكانات والمواهب الطبيعية تأخذ طريقها إلى النمو والرشد وانّها في طيّها لهذا الطريق الشائك تقابل كمّاً هائلاً من المشاكل والصعوبات التي تعترض طريقها من الأعاصير الشديدة والبرودة القاتلة والحرارة المحرقة، ولذلك ينبغي عليها أن تقاوم كلّ تلك الصعوبات وتجتاز كلّ تلك العقبات، لكي تبرز استعداداتها وتفجر قدراتها الكامنة فيها فتتحول إلى غصن جميل وثمرة يانعة شهية ولذيذة. فإذا لم تتعرض تلك البذرة إلى كلّ تلك الشدائد ولم تمر في بوتقة الاختبار فمن المستحيل أن تبرز كمالها وتظهر استعداداتها الكامنة فيها.


1 . نهج البلاغة، الكلمات القصار، رقم 93.


(138)

2. الابتلاء معيار الثواب والعقاب

لا شكّ أنّ مجرّد وجود الصفات والخصال الحسنة أو السيئة في النفس الإنسانية لا يُعد معياراً للثواب أو العقاب، فإنّه ما لم تظهر تلك الصفات يستحيل معاقبة الإنسان بِصِرْف وجود تلك الصفة فيه أو إثابته كذلك، وانّ تلك الصفات الكامنة لا يمكن أن تظهر ما لم تخضع لبوتقة الاختبار والابتلاء والتمحيص، وهذا هدف آخر من الأهداف المتوخّاة من الابتلاء، ولقد أشار أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ إلى تلك الحقيقة بقوله: «وإن كان سبحانَهُ أعلمُ بِهِم مِنْ أنفسهم و لكن لتظهر الأفعال التي بها يستحقّ الثّواب و العقاب».(1)

3. تمييز الصالحين من الطالحين

إنّ الهدف الثالث من أهداف الابتلاء والاختبارالإلهي هو تمييز الصالح من الطالح، وذلك لأنّه في المجتمع الإسلامي الكلّ يدّعي لنفسه السبق ويرى نفسه في عداد الثوار وزمرة المجاهدين والمؤمنين، ويدافع عن نفسه ويرى لها تلك الحسنة وهذه الصفة الحميدة، في الوقت الذي يوجد فيهم المنافقون والمؤمنون والصالحون والطالحون بل فيهم من يكيد للإسلام ويتربّص به الدوائر. ومنهم من يدافع عنه بكلّ ما أُوتي من قوة، فإنّ من الطبيعي في مثل تلك الأجواء والظروف تكون الطريقة المثلى والأُسلوب الأفضل للتمييز بين الأصناف الصالحة والطالحة والمؤمن والمنافق هو أن يتعرض الجميع للابتلاء والامتحان الإلهي. وإلاّ يكون الجميع في مرتبة واحدة وصف واحد ولا يمكن


1 . المصدر نفسه.


(139)

تمييز بعضهم عن البعض الآخر إذا عاش الجميع في رخاء، ولقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك المعنى بقوله:

(ما كانَ اللّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الخَبيثَ مِنَ الطَّـيِّبِ ...) .(1)

وفي آية أُخرى يقول سبحانه:

(ليَميزَ اللّهُ الخَبيثَ مِنَ الطَّـيِّبِ وَيَجْعَل الخَبيثَ بعضَهُ عَلى بَعْض فَيرْكُمَهُ جَميعاً فيَجْعَلُهُ في جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ)(2). (3)


1 . آل عمران:179.
2 . الأنفال:37.
3 . منشور جاويد:1/261ـ 269.


(140)

(141)

الفصل الثاني
النبوّة


(142)

(143)

31
لزوم بعثة الأنبياء

سؤال: من البحوث الكلامية المهمة بحث النبوّة ومن المسلّم به أنّ المعتقد لابدّ أن يدعم بالدليل القاطع، فما هي الأدلّة العقلية والنقلية التي يمكن إقامتها لإثبات لزوم بعثة الأنبياء؟

الجواب: لقد أقام المتكلّمون العديد من الأدلّة العقلية لإثبات لزوم بعثة الأنبياء، ومن بين تلك الأدلّة، دليل «قاعدة اللطف» أو ما يعبّر عنه ـ أحياناً ـ بـ«مصالح العباد».

تقرير دلالة قاعدة اللطف على لزوم البعثة

ينبغي قبل الدخول في تقرير القاعدة أن نشير إلى نقطة مهمة وهي: انّ اللطف في اصطلاح المتكلّمين يطلق على معنيين:

1. اللطف المُحصِّل.

2. اللطف المقرِّب.

ويقصد باللطف المحصِّل هو: عبارة عن القيام بالمبادئ والمقدّمات التي


(144)

يتوقّف عليها غرض الخلقة وصونها من العبث واللغو.

وأمّا اللطف المقرب فهو: عبارة عن القيام بما يكون محصّلاً وسبباً لتقرّب العباد من الطاعة والامتثال للأوامر الإلهية، والابتعاد عن العصيان والتمرّد، من دون أن يتنافى مع أصل الاختيار والحرية في التصميم واتخاذ القرار.

ثمّ إنّه يمكن إثبات لزوم بعثة الأنبياء من خلال قاعدة اللطف على أساس كلا المعنيين (اللطف المحصّل والمقرّب).

أمّا اللطف المحصّل فلأنّه من الثابت أنّ الهدف من خلق الإنسان هو معرفة اللّه، وتكامله الروحي والمعنوي. ومن البديهي أنّ الوصول إلى هذا الهدف وتحصيل تلك الغاية المهمة لا يتسنّى للإنسان ولا يمكن له نيله إلاّ إذا توفّرت قيادة حكيمة تستطيع أن تأخذ بيد الإنسان في هذا الطريق ألا وهي قيادة الأنبياء ـ عليهم السَّلام ـ ، وذلك لأنّ العقل مهما أُوتي من قدرة على الإدراك فإنّه عاجز عن طي هذا الطريق الشائك وبصورة كاملة لوحده، وكذلك الكلام في الفطرة الإنسانية، فهي أيضاً كالعقل عاجزة عن تسليط الأضواء على جميع الزوايا الخافية في طريق الحركة والتكامل البشري!

ولكن عبارات المتكلّمين نراها في هذا المجال تنسجم مع قسم واحد من أقسام اللطف وهو «اللطف المقرب».

وحاصل ذلك: انّ العقل يرشد الإنسان وبصورة مستقلة إلى سلسلة من التكاليف والوظائف الأخلاقية، من قبيل: شكر المنعم، ورعاية العدل في المعاشرة، وأداء الأمانات فإنّه يرى كلّ ذلك حسناً يجب امتثاله، كما أنّه يدرك أنّ هناك مجموعة من الصفات والأفعال قبيحة يجب اجتنابها من قبيل: كفران النعمة، والظلم وخيانة الأمانة، وغير ذلك من الأُمور القبيحة والذميمة.


(145)

ولا شكّ أنّ من بين أفعال الإنسان هناك سلسلة من الأفعال يستطيع الإنسان القيام بها والاقتراب منها من خلال مراعاة أوامر وإرشادات العقل وبالتالي يكون موفقاً في هذا المجال، وكذلك توجد سلسلة من الأفعال التي يحكم العقل بوجوب الاجتناب والابتعاد عنها.

ولكن مع ذلك كلّه انّنا نجد أنّ قدرة العقل محدودة وغير قابلة لإدراك جميع الأُمور الحسنة أو القبيحة، إذ إنّ هناك الكثير من الأُمور التي يعجز العقل عن إبداء رأيه فيها، ولكن اللّه تعالى العالم بكلّ شيء مطلع عليها وعالم بها ويستطيع أن يوصلها إلى الإنسان من خلال طريق آخر غير طريق العقل، وهذا الطريق هو «بعث الأنبياء» وهذا ما يصطلح عليه «بقاعدة اللطف» التي يذهب الحكماء إلى وجوبها على اللّه سبحانه(بمعنى أنّ مقتضى الحكمة والرحمة الإلهية يوجب على اللّه بعث الأنبياء).

وعلى هذا الأساس يكون بعث الأنبياء ـ باعتباره مصداقاً جلياً لـ«اللطف الإلهي على عباده» ـ واجباً ولازماً.

وقد بيّن المحقّق الطوسي ـ قدَّس سرَّه ـ هذا المعنى بعبارة مختصرة ومعبّرة حيث قال:

«وهي واجبة لاشتمالها على اللطف في التكاليف العقلية».(1)

إنّ منهج المتكلّمين لإثبات وجوب بعثة الأنبياء يبتني على كون النبوة لطفاً في التكاليف العقلية وانّها شرط في التكاليف السمعية(الشرعية) وما كان مشتملاً على تلك الخصائص والصفات فإنّه لازم.

وتوضيح ذلك: قال المقداد السيوري: الثالث: في وجوب بعثته ويدخل فيه بيان غايتها ولنا فيه طريقان; أحدهما: طريقة المتكلّمين وهو انّها مشتملة على


1 . كشف المراد:273، ط قم، مصطفوي.


(146)

اللطف في التكليف العقلي وشرط في التكليف السمعي، وكلّ ما كان كذلك فهو واجب، امّا بيان أولى الصغرى فلانّ العبادات متلقاة من النبي ولا شكّ انّ المواظبة عليها باعثة على معرفة المعبود الواجبة عقلاً فيكون لطفاً فيها. ولانّ الثواب والعقاب لطفان ولا يعلم تفاصيلهما إلاّ من جهته أيضاً، وأمّا بيان ثانيهما فظاهر.

وأمّا الكبرى: فلما تقدّم من وجوب اللطف وكذا التكليف فشرطه لو لم يكن واجباً لجاز الاخلال به فيجوز الاخلال بالمشروط الواجب وهو على الحكيم محال.(1)

الحكماء ووجوب بعثة الأنبياء

لقد سلك الحكماء طريقاً آخر لإثبات لزوم بعثة الأنبياء وهو: ضرورة حاجة المجتمع البشري إلى القانون، والذي يكون بدوره سبباً لصيانة النظام وحفظ النسل البشري، ولا شكّ انّ وضع هكذا قانون يستطيع حفظ النظام والنسل البشري وبصورة واقعية وعادلة خارج عن قدرة الإنسان، سواء كان فرداً أو جماعة، وذلك لأنّه ينبغي للمقنن أن يتوفّر على مجموعة من المؤهلات والشرائط العالية، التي لا يمكن توفرها إلاّ لدى اللّه سبحانه، وذلك بالبيان التالي:

نزعة الإنسان إلى الحياة المدنية

ممّا لا شكّ فيه أنّ الإنسان ميّال للحياة الاجتماعية كما لا ريب ـ و بشهادة التجربة ـ انّه لا يتسنّى للإنسان أن يحيا حياة اجتماعية منسجمة وصحيحة من


1 . اللوامع الإلهية:166ـ 167، ط تبريز.


(147)

دون قانون جامع وشامل، ولذلك لابدّ من سنّ قانون تتوفر فيه المزايا التالية:

1و2. تحديد حقوق ومسؤوليات أفراد المجتمع:

لأنّه ما لم تحدد وتعيّن وظائف الأفراد ومهامهم وحقوقهم سوف تحدث وبلا شكّ حالة من التصادم والتنازع بينهم حتّى لو كان هؤلاء الأفراد قد وصلوا إلى درجة عالية من التكامل المعنوي وكانوا ملائكيين، لأنّ جهلهم وعدم اطّلاعهم على حقوقهم وواجباتهم سوف يجرهم إلى الصراع والتنازع.

فما لم يتحقّق هذان الأمران من خلال تشريع جامع فإنّه لا يمكن الوصول إلى حياة اجتماعية هادئة وبعيدة عن الصراع والصدام.

3. أن يتوفر في المقنن الشرطان التاليان:

الف: أن يكون المقنن عارفاً بالإنسان معرفة كاملة

إنّ أهمّ خطوة في وضع القانون،معرفة المقنّن بالمورد الذي يضع له القانون، فحينئذ لابدّ أن يكون عارفاً بأسرار جسم الإنسان وروحه ونفسياته،لتكون تشريعاته ناجحة وناجعة في معالجة مشاكل الإنسان، مثله مثل الطبيب كلّما كانت معلوماته كاملة كلّما كان علاجه مفيداً وناجعاً في قلع المرض.

ب: أن لا يكون المقنن منتفعاً بالقانون

لأنّه من الواضح جلياً أنّ المقنّن إذا كان ينتفع بالقانون الذي يسنّه، فإنّه حينئذ وانطلاقاً من حبّ الذات والأنانية سوف يرسم القانون بصورة تؤمن له منافعه الشخصية أو منافع المقربين منه، وحينئذ سيكون ذلك حجاباً يحجب عقل المقنّن وفكره عن الموضوعية في التشريع.


(148)

4. وجود الضمانة التنفيذية للقانون

من الواضح جيّداً أنّ القانون ليس مجرّد حبر على ورق، بل أنّ القانون إنّما يلبي أهداف المشرع عندما تتوفر الضمانة التنفيذية لذلك القانون، فإذا كان القانون بشرياً فلا ريب انّ الضمانة التنفيذية لم تتحقّق من خلال رجال الشرطة والقوة القضائية، حيث تستطيع هاتان المؤسستان من الحد من مخالفة القانون ظاهراً ـ و بشكل محدودـ وقد ينجر الأمر إلى أن ينحرف نفس المدافعين عن القانون ـ الشرطة والقوة القضائية ـ وينخدعون بسبب عوامل كثيرة لمخالفة القانون والتعاون مع المنحرفين عن القانون.

وأمّا إذا كان القانون إلهياً فلا شكّ ولا ريب أنّه سيحظى بقدر من القداسة والاحترام الكبيرين، وسوف يتوفر على قدر أكبر من الضمانة التنفيذية في ظلّ الإيمان باللّه واليوم الآخر.

فهكذا دستور شامل و جامع يستطيع أن يمنح الرفاه والاستقرار والطمأنينة للمجتمع، ولكنّه وبلا ريب لا يمكن توفر ذلك إلاّ في القانون الإلهي. لأنّ المقنن البشري وبسبب محدودية علمه وقصور معارفه ومدركاته في مجالات علم النفس والاجتماع و...، وعدم قدرته على معرفة العواطف والإحساسات والمشاعر النفسية بصورة دقيقة، يصل إلى طريق مسدود ومن ثمّ يصاب بالفشل والانكسار.

وإذا تجاوزنا كلّ ذلك فإنّ الإنسان مهما سعى للحفاظ على طهارته ونقائه الروحي والمعنوي، لكنّه لا يمكن أن يتخلّص من قبضة القدرة الخفية لحبّ الذات ومصالحه ومصالح قومه ومقربيه وأحبته وأصدقائه، وبالنتيجة سوف


(149)

تسوقه تلك الضغوط والتوجهات الداخلية إلى النفعية والمصلحية.

وبصرف النظر عن هذين الأمرين، فإنّ الأمر الثالث، أي الضمانة التنفيذية والرقابة الداخلية ضعيفة جدّاً في القوانين البشرية، وذلك بسبب عدم قدسيتها، ولذلك نجد يوماً بعد يوم يزداد عدد المحاكم القضائية ومراكز الشرطة وتكثر السجون والسجناء في جميع أنحاء العالم.

هذه الأُصول دعت الحكماء إلى الاعتقاد بأنّه ولغرض كمال الإنسان وحفظ النوع البشري لابدّ من وجود قانون كامل وشامل وهذا لا يتوفر إلاّ في الشرائع السماوية التي تطرح عن طريق الأنبياء، ولذلك ينبغي أن يبعث اللّه تعالى الأنبياء، وهم يحملون تشريعاً متكاملاً يتسنّى من خلاله حفظ النظام وبقاء النوع البشري.(1)

هذه هي خلاصة الطريقين اللّذين ذكرهما المتكلّمون والحكماء لإثبات لزوم بعثة الأنبياء نقلناهما بصورة مختصرة وعبارة واضحة ووافية بالمطلب، ومن يروم التوسع في البحث فعليه مراجعة المصادر التي ذكرناها في الهامش.

ومن المناسب جدّاً هنا أن نشير إلى الرواية التي رواها هشام بن الحكم عن الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ في خصوص لزوم بعثة الأنبياء وقد تمت الإشارة في هذه الرواية إلى كلا المنهجين المذكورين: منهج المتكلّمين ومنهج الحكماء.

يقول هشام بن الحكم:

سأل الزنديق الذي أتى أبا عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ فقال: من أين أثبت أنبياءً ورسلاً؟


1 . انظر: الإشارات:1/371; تلخيص المحصل، 363، ط طهران; كشف المراد:371، ط قم، مصطفوي; اللوامع الإلهية:167، ط تبريز; المغني للقاضي عبد الجبار:15/19، ط مصر; شرح الأُصول الخمسة:563،ط القاهرة.


(150)

قال أبو عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : «إنّا لمّا أثبتنا أنّ لنا خالقاً صانعاً متعالياً عنّا وعن جميع ما خلق، وكان ذلك الصانع حكيماً لم يجز أن يشاهده خلقه ولا يلامسوه،ولا يباشرهم ولا يباشروه،ويحاجّهم ويحاجّوه،فثبت أنّ له سفراء في خلقه، يدلّونهم على مصالحهم ومنافعهم وما به بقاؤهم وفي تركه فناؤهم، فثبت الآمرون والناهون عن الحكيم العليم في خلقه، وثبت عند ذلك أنّه له معبّرين وهم الأنبياء وصفوته في خلقه، حكماء مؤدَّبين بالحكمة مبعوثين بها، غير مشاركين للناس في أحوالهم على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب، مؤيدين من عند الحكيم العليم بالحكمة والدلائل والبراهين والشواهد من إحياء الموتى... فلا تخلو أرض اللّه من حجة يكون معه علم يدلّ على صدق مقال الرسول ووجوب عدالته».(1)

الأدلّة النقلية على لزوم بعثة الأنبياء

لقد وردت في هذا المجال آيات وروايات كثيرة بيّنت فلسفة وجود الأنبياء مثل: إكمال وتثبيت الدين، حل الاختلافات، فك الخصومات، إقامة القسط والعدل في المجتمع، تزكية النفوس، تعليم الكتاب والحكمة، وإتمام الحجّة وإلقائها على العباد.

الهدف الأوّل: إقامة ونشر التوحيد والوحدانية

إنّ الهدف من خلق الإنسان يكمن في معرفته بالمبدأ والمعاد وأنّ الإنسان الفاقد لتلك المعرفة إنسان ناقص قد توقّف عند حدود الجانب الحيواني فقط.

وأمّا الموجودات الأُخرى كالنباتات والحيوانات فإنّها تتكامل من خلال قوّة الغريزة المودعة فيها، ولكن الإنسان المزود بقوتي الغريزة والعقل لا يتمكن من


1 . بحار الأنوار:11/29ـ 30.


(151)

خلال هذين العنصرين من الوصول إلى الكمال المطلوب، والشاهد على ذلك التاريخ الطويل للإنسان حيث نرى وعلى طول تلك الفترة أنّه قد أناخ ركابه في حضيض ومستنقع الانحراف عن التوحيد والوحدانية والحق والمعرفة ومازلنا نشاهد أكثر من ميليارد إنسان مازالوا يخضعون أمام الأصنام المتعددة من الجمادات والحيوانات قد استولت عليهم تلك الأوثان وسلبتهم شخصيتهم التي ينبغي أن يكونوا عليها، وكذلك مازلنا نشاهد في الهند الملايين من الناس يعبدون الأبقار من دون اللّه سبحانه، وكذلك نجد في اليابان ـ تلك الدولة الصناعية ـ انّ الشعب الياباني قد صنع لكلّ ظاهرة كونية تمثالاً ورمزاً ونسب تلك الظاهرة إلى ذلك الرمز.

وعلى هذا الأساس من اللازم في كلّ عصر وزمان يكون فيه الناس على استعداد لتلقي الدعوة الإلهية أن يبعث اللّه الأنبياء ـ عليهم السَّلام ـ ليرشدوا الناس إلى ذلك الهدف (التوحيد) الذي تنطوي فيه عملية تكامل الإنسان ورقيّه، وفي غير هذه الصورة لا يمكن أن يتحقّق الغرض من الخلقة ولا يمكن أن ينال الإنسان آماله وطموحاته التي يرنو إليها.

وهناك سلسلة من الآيات القرآنية الكريمة توضّح وبجلاء هذا الهدف نذكر هنا بعضاً منها:

1. (وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّة رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ...). (1)

2. (وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ وَارْجُوا اليَومَ الآخِرَ...).(2)


1 . النحل:36.
2 . العنكبوت:36.


(152)

3. (وَإِلى عاد أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَومِ اعْبُدُوا اللّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِله غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُون).(1)

إنّ مجموع هذه الآيات يشهد على أنّ أحد الأهداف لبعثة الأنبياء هو تحقيق معرفة الإنسان بالمبدأ و المعاد بنحو إذا لم يكن الأنبياء في أوساط المجتمع لا يتحقق ذلك الهدف إلاّ نادراً، وكما ذكرنا سابقاً إنّه ومع كلّ هذا التطور الحضاري والقفزة الصناعية والعلمية مازال الإنسان متمسّكاً بالشرك والوثنية، ومازال المسيحيون يعتقدون إلوهية المسيح.

فيا ترى كيف يكون مسير البشرية بالنسبة إلى المبدأ والمعاد إذا لم يبعث في أوساطهم أمثال هؤلاء المعلّمين الإلهيّين؟! ويكفيك أن تفكر في عمق الفاجعة التي تحل بالبشرية حينئذ.

وبالإضافة إلى الآيات التي ذكرناها فإنّ الرسول الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ والأئمّة المعصومين ـ عليهم السَّلام ـ قد أشاروا إلى هذا الهدف من بعثة الأنبياء في مطاوي أحاديثهم ـ عليهم السَّلام ـ ، وهانحن نذكر بعض تلك الكلمات لتوضيح ذلك الهدف.

يقول الرسول الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في ضمن حديث:

«ولا بعََثَ اللّهُ نَبِيّاً ولا رَسُولاً حتّى يَسْتَكْمِلَ الْعَقْلُ، وَيَكُونَ عَقْلُهُ أَفْضَلَ مِنْ عُقُولِ أُمَّتِهِ».(2)

ويقول أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ :

«إلى أنْ بَعَثَ اللّهُ سُبحانَهُ مُحَمَّداً رسول اللّهِ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لإنْجازِ عِدَتِهِ وَتَمام نُبُوَّتِهِ... وَأَهْل الأَرضِ يَومَئِذ مِلَلٌ مُتَفَرِّقَةٌ وَأَهْواءٌ مُنْتَشِرَةٌ


1 . الأعراف:65.
2 . الكافي:1/13، كتاب العقل والجهل، الحديث11.


(153)

وَطَرائِقُ مُتَشَتِّتَةٌ، بينَ مُشَبِّه للّهِ بِخَلْقِهِ أَو مُلْحِد في اسْمِهِ أَوْ مُشير إِلى غيْرِهِ، فَهَداهُمْ بِهِ مِنَ الضَّلالَةِ وَأَنْقَذَهُمْ بِمَكانِهِ مِنَ الجَهالَةِ».(1)

لقد أشار أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ في هذا المقطع من الخطبة إلى توجّهات انحرافية في المجتمع والعدول عن جادة التوحيد، وأشار ـ عليه السَّلام ـ إلى الغرض من بعثة الأنبياء وبيّن أنّهم بعثوا لإنقاذ المنحرفين من الضلالة وهدايتهم وإعادتهم إلى ساحة النور والتوحيد.

كذلك يشير أمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ إلى ذلك الغرض بقوله:

«وَلِيَعْقِلَ العِبادُ عَنْ رَبِّهِمْ ما جَهَلُوهُ، فَيَعْرِفُوهُ بِرُبُوبِيَّتِهِ بَعْدَ ما أَنْكَرُوا، وَيُوَحِّدُوهُ بالإلهِيَّةِ ِ بَعْدَ ما أضدّوهُ».(2)

ونظير ذلك ما روي عن الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ :

«لِيَعْقِلَ العِبادُ عَنْ رَبِّهِمْ ما جَهَلُوهُ وَعَرَفُوهُ بِرُبُوبِيَّتِهِ بَعْدَ ما أَنْكَرُوا، وَيُوحِّدُوا بِالإِلهيّةِِ بَعْدَ ما أَضَدّوهُ».(3)

الهدف الثاني: حلّ الاختلافات

إنّ الهدف الثاني لبعثة الأنبياء هو رفع الاختلافات والتمزّق الذي يحدث في المجتمعات، حيث إنّ الأنبياء بعثوا وهم يحملون التعاليم والشرائع السماوية لوضع حدّ لهذه الاختلافات وهذا التفرّق، وبالطبع إنّ هذه التشريعات إنّما تجدي


1 . نهج البلاغة، الخطبة1.
2 . نهج البلاغة: الخطبة143.
3 . بحار الأنوار:11/38، نقلاً عن علل الشرائع، ص 51.


(154)

نفعاً في الأوساط المؤمنة والمعتقدة بأحقيّة التشريع السماوي، وأمّا الجماعات التي غلبت عليها روح التجاوز والبغي، فانّها وبلا شكّ لا تخضع لمثل هذه التعاليم السماوية، بل انّها تسعى وبكلّ جهد لتشديد حالة الاختلاف وتعميق الفرقة في المجتمع.

ولقـد أشـارت الآيـة المباركـة إلى هذا الهـدف مـن بعثـة الأنبيـاء حيث قال سبحـانه:

(كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرينَ وَمُنْذِرينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الكِتابَ بِالحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاّ الَّذينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإِذْنِهِ وَ اللّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراط مُسْتَقيم).(1)

الهدف الثالث: فصل الخصومات

إنّ بعض الأنبياء ـ عليهم السَّلام ـ بالإضافة إلى قيامهم بالتبليغ وتبيين أحكام الشريعة للناس استطاعوا أن يقوموا بتشكيل حكومة إلهية، ومن الطبيعي إنّه لا يمكن لأي حكومة كانت أن تستغني عن السلطات الثلاث:

1. القانون

2. المنفذون للقانون.

3. القضاة ليحكموا بين الناس بالعدل والقسط في حال ظهور الاختلاف في الموضوعات.


1 . البقرة:213.


(155)

ويطلق على هذه السلطات الثلاثة اسم: القوة التشريعية،القوة التنفيذية، القوة القضائية. ويجمع هذه السلطات الثلاثة عنوان الحكومة.

ولقد أشار القرآن الكريم إلى أسماء عدد من الأنبياء الذين قاموا ـ بالإضافة إلى المقام السامي لتبليغ أحكام اللّه والإرشاد والهداية ـ بفصل الخصومات التي كانت تقع بين الناس في الموضوعات. والجدير بالذكر أنّ هذه الاختلافات لم تكن من قبيل الاختلاف في الأحكام الإلهية،بل أنّ المتخاصمين كانوا يؤمنون بأصل الأحكام الإلهية، ولكنّهم وبسبب جهلهم وعدم معرفتهم بتلك الأحكام المتعلّقة بموضوع النزاع يلتجئون إلى الأنبياء ـ عليهم السَّلام ـ طالبين منهم بيان الحكم الإلهي في الموارد المتنازع فيها، وفي الحقيقة إنّ هذا ـ أيضاًـ هو أحد الأهداف المهمة لبعثة الأنبياء الذي يمكن أن يعتبر فرعاً من الأصل الكلّي الذي هو (فصل الخصومات)، وهانحن نشير إلى بعض النماذج من آيات الذكر الحكيم التي تشير إلى هذا المعنى:

يقول سبحانه وتعالى في حقّ داود ـ عليه السَّلام ـ :

(يا داوُدُ إِنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ...) .(1)

وفي آية أُخرى يصفه سبحانه بقوله:

(...وَآتاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ...) .(2)

ومن الطبيعي جدّاً إنّ الذين يكون بيدهم زمام قيادة المجتمع يجب أن يكونوا هم القضاة والحكام في المجتمع، سواء كان ذلك بصورة مباشرة بأن يتصدوا


1 . ص:26.
2 . البقرة:251.


(156)

بأنفسهم لمسند القضاء، أو يكون ذلك بصورة غير مباشرة، وذلك من خلال تعيين ونصب القضاة الصالحين في المجتمع.

ولقد أشارت بعض الآيات المباركة إلى منهجية وطريقة القضاء عند داود وسليمانعليمها السَّلام حيث قال سبحانه و تعالى في وصفهما:

(...وَكُلاًّ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً...) .(1)

ولم ينفرد داود وسليمان ـ عليه السَّلام ـ بهذا المنصب والمقام ـ القضاء والحكومة ـ بل أنّ هناك بعض الآيات التي يستفاد منها أنّ بعض أبناء إبراهيم ـ عليه السَّلام ـ قد امتلكوا ذلك المقام السامي والشامخ يقول سبحانه:

(...فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهيمَ الْكِتابَوَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً).(2)

ومن المسلّم به أنّه لا يمكن أن نتصوّر وجود سلطان واسع وملك عظيم خالياً من النزاعات والخصومات ومن ثمّ خالياً عن القضاء والحكم.

يقول اللّه سبحانه في حقّ النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ الذي هو أحد أبناء إبراهيم ـ عليه السَّلام ـ :

(...وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ المُقْسِطينَ).(3)

وفي آية أُخرى يقول سبحانه:

(...فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَل اللّهُ...) .(4)


1 . الأنبياء:79.
2 . النساء:54.
3 . المائدة:42.
4 . المائدة:48.


(157)

وكذلك يقول سبحانه:

(وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَل اللّهُ ...) .(1)

من مجموع هذه الآيات والآيات التي تحدّثت عن قضاء الأنبياء وحكمهم يمكن الوصول إلى النتيجة التالية وهي: انّ أحد الأهداف الأساسية التي من أجلها بعث الأنبياء ـ عليهم السَّلام ـ هو فصل الخصومات وحل المرافعات، وبمعنى آخر رفع الاختلافات في الموضوعات، مع الأخذ بعين الاعتبار أنّنا تارة نرى أنّ بعض الأنبياء قد بعثوا لبيان وحل الاختلافات في الأُمور الكلّية، وأُخرى في الأُمور الجزئية، أي المرافعات والخصومات التي تتعلّق بالموضوعات، وبالنتيجة أنّ كلا النوعين وجهان لعملة واحدة، والتي كانت سبباً لبعث الأنبياء.

الهدف الرابع: إقامة القسط والعدل بين الناس

جاء في بعض آيات الذكر الحكيم أنّ الغرض والهدف من بعث الأنبياء وإنزال الكتب السماوية هو إقامة القسط والعدل بين الناس، يقول سبحانه:

(لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الكتابَ وَالمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الحَديدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ...).(2)

ومن الواضح أنّ جملة (لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ) التي جاءت في الآية المباركة كأنّها سلطت الضوء على بيان الهدف من بعثة الأنبياء وإنزال الكتب السماوية، ألا وهو بسط القسط والعدل بين الناس،ومن العجيب أنّ الآية بعد أن ذكرت


1 . المائدة:49.
2 . الحديد:25.


(158)

نزول الكتاب والميزان أردفتهما بإنزال الحديد، وأشارت إلى القدرات العجيبة والخصائص المهمة لذلك المعدن، ولعلّ النكتة في الربط المذكور بين إنزال الكتب والحديد هي أنّ إقامة العدل والقسط لابدّ أن تتم من خلال هذين الطريقين: طريق التعليم والتبليغ والإرشاد، وهذا الطريق ينفع أصحاب القلوب الطاهرة والفطرة السليمة; والطريق الآخر ـ القوة والضغط ـ ينفع أمام المعاندين والمشاكسين الذين لا يخضعون لمنطق العقل والدليل.

وفي هذه الآية إشارة إلى أنّ إجراء العدل وقيام الناس بالقسط هدف لجميع الأنبياء.

ونظير ذلك ـ في كلّيتها وعموميتها ـ الآية 47 من سورة يونس حيث جاء فيها:

(وَلِكُلِّ أُمَّة رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ).

ثمّ إنّه في هذه الآية المباركة وإن لم يصرّح باسم القاضي أو صفته ولكن الظاهر منها أنّ الحاكم والقاضي هنا هو اللّه سبحانه ورسوله الموكَل من قبله لإجراء القسط والعدل بين الناس.

الهدف الخامس: تزكية النفوس وتعديل الغرائز

إنّنا نرى وخلافاً لنظرية بعض الحكماء الذين لخّصوا شخصية الإنسان في الفكر والعقل(النفس الناطقة) أنّ نصف شخصية الإنسان يتقوّم بالغرائز والميول الفطرية، وبما أنّ مجال حركة الفلاسفة وزاوية نظرهم قد سُلِّطَت على الجانب الفكري والإدراكات العقلية للإنسان. بذلك عرّفوه بالموجود المفكّر، وأمّا علماء


(159)

الأخلاق والذين لهم اهتمامات خاصة في تزكية الإنسان وتكامله فإنّ نقطة الوصل والارتباط بينهم وبين الإنسان هو الجانب الغرائزي والميول، ولذلك نظروا إليه وكأنّه مجموعة من الغرائز والشهوات.

وعلى هذا الأساس يمكن لنا أن نعرّف شخصية الإنسان تعريفاً جامعاً ونبيّنها بقولنا: إنّ شخصية الإنسان تتألف من قسمين أساسيين: العقل والإدراك، والآخر: الغرائز والميول والرغبات.

إنّ هناك العديد من الآيات التي تشير إلى أنّ الهدف من بعثة الأنبياء هو تزكية وتطهير النفوس وأخلاق الناس، يقول سبحانه:

(وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ وَالحِكْمَةَ) .

ولقد وردت هذه الجملة في آيات متعدّدة من الذكر الحكيم.(1)

والجدير بالذكر أنّه توجد نكتة ينبغي الالتفات إليها وهي انّنا في الوقت الذي نجد فيه انّ اللّه سبحانه حينما يبيّن في بعض الآيات الهدف من بعثة النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يقدّم التزكية والتربية على التعليم ولكن حينما يدعو إبراهيم ـ عليه السَّلام ـ ربّه أن يبعث في أهل مكة وأطرافها رسولاً منهم نراه يقدّم التعليم على التزكية، وهنا يطرح التساؤل التالي نفسه: ما هي فلسفة هذا التقدّم والتأخّر، وما هي النكتة الخفية في ذلك؟ سنبيّن ذلك في البحوث القادمة إن شاء اللّه تعالى.

وبالطبع إنّه قد أُشير إلى هذا الهدف الكبير تارة بلفظ «التزكية» وأُخرى بلفظ «التقوى» و «التوبة». وعلى هذا الأساس فإنّ الآيات التي جاء بها الأنبياء والتي حثّت على التقوى والتوبة ورغّبت فيهما كلّها تنسلك في طريق تحقيق ذلك


1 . انظر آل عمران:164، الجمعة:2.


(160)

الهدف السامي والعظيم من أهداف بعثة الأنبياء ـ عليهم السَّلام ـ وأنّها جميعاً تسعى لتأمين الهدف الأخلاقي في بعثة الأنبياء.(1)

وقد أُشير في بعض الآيات إلى الضمانة التنفيذية لمثل هذه القيادة حيث قال سبحانه وتعالى:

(رُسُلاً مُبَشِّرينَ وَ مُنْذِرينَ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَالرُّسُلِ وَ كانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكيماً) .(2)

فإنّ جملة (مُبَشِّرينَ وَمُنْذِرينَ) تشير إلى الثواب والعقاب الذي أعدّه اللّه سبحانه للمطيعين وللعاصين.

ولقد أشار أمير المؤمنين إلى هذه الضمانة التنفيذية بقوله:

«بَعَثَ رُسُلَهُ بِما خَصَّهُمْ بهِ مِنْ وَحْيِهِ، وَجَعَلَهُمْ حُجَّةً لَهُ عَلى خَلْقِهِ، لئَلاّ تَجِبَ الحُجَّةُ لَهُمْ بِتَرْكِ الإِعْذارِ إِلَيْهِمْ، فَدَعاهُمْ بِلِسانِ الصِّدْقِ إِلى سَبِيلِ الحَقِّ... فَيَكُونُ الثَّوابُ جَزاءً وَالعِقابُ بَواءً».(3)

كما أنّه ـ عليه السَّلام ـ أشار في خطبة أُخرى إلى أنّ أُصول تعاليم الأنبياء أُمور فطرية قد أودعها اللّه في خلقه، وأنّ مسؤولية الأنبياء تكمن في تنمية وبناء هذه الميول الفطرية، وكأنّهم ـ عليهم السَّلام ـ مذكرون لا مبدعون وأنّ ما جاءوا به من تعاليم وإرشادات كان الإنسان قد تعلّمها من خلال مدرسة الفطرة، ولكن هذه الجواهر الفطرية القيّمة


1 . انظر الآيات:108، 110، 126، 177، 179، 184، من سورة الشعراء; و 74، 86 من سورة الأعراف; و الآية 61 من سورة هود; و26 من النمل; و36 من سورة العنكبوت.
2 . النساء:165.
3 . نهج البلاغة، الخطبة144.


(161)

تحتاج إلى مهندسين من الطراز الأوّل لاستخراجها وتفعيلها حيث يقول ـ عليه السَّلام ـ :

«واصْطَفى سُبْحانَهُ مِنْ وُلْدِهِ أَنْبِياءَ أَخَذَ عَلى الوَحْي مِيثاقَهُمْ، وعَلى تَبْليغِالرِّسالَةِ أَمانَتَهُم3... فَبَعثَ فِيهِمْ رُسُلَهُ، وَواتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِياءَهُ، لِيَسْتَأدُوهُمْ مِيثاقَ فِطْرَتِهِ، وَيُذَكِّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِهِ، وَيَحْتَجّوا عَلَيْهِمْ بِالتَّبْليغِ، وَيُثيرُوا لَهُمْ دَفائِنَ العُقُولِ».(1)

إلى هنا تمّ بيان هذا الهدف من بعثة الأنبياء والذي يظهر أنّه يتألف من مقدّمتين:

الأُولى: أنّ وجود الإنسان يشتمل على مجموعة من الغرائز والميول الفطرية.

الثانية: أنّ الاستفادة الصحيحة من تلك الغرائز والميول بعيداً عن الإفراط والتفريط بحاجة إلى قيادة حكيمة .

إذاً تكامل الإنسان ورقيّه يحتاج إلى قيادة تستطيع ترشيد تلك الغرائز والميول الفطرية.

الهدف السادس: تعليم الناس الكتاب والحكمة

لقد أشارت آيات من الذكر الحكيم إلى أنّ أحد أهداف بعثة الأنبياء هو تعليم الناس الكتاب الإلهي والحكمة، ولا شكّ أنّ المقصود من الكتاب هو الكتاب المنزل على كلّ نبيّ في عصره، كصحف نوح وإبراهيمعليمها السَّلام وتوراة موسى وإنجيل المسيحعليمها السَّلام وقرآن نبي الإسلام محمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

كما أنّ المقصود من الحكمة هو تلك الدساتير والقوانين الحكيمة التي


1 . نهج البلاغة: الخطبة1.


(162)

تضمن للإنسان سعادة الدنيا والآخرة، لا خصوص الحكمة المرادفة للفلسفة النظرية في مصطلح أهل المعقول.

قال تعالى حاكياً عن إبراهيم دعاءه بقوله:

(رَبَّنا وَابْعَث فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمالكِتابَوَالحِكْمَة...) .(1)

الهدف السابع : إقامة الحجّة على العباد

يستفاد من بعض آيات الذكر الحكيم أنّ الهدف من بعثة الأنبياء هو إتمام الحجّة وإقامتها على العباد، قال سبحانه:

(رُسُلاً مُبَشِّرينَ وَمُنْذِرينَ لِئَلاّيَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَ كانَ اللّهُ عَزيزاً حَكيماً) .(2)

ويقول سبحانه:

(يا أَهْلَ الكِتابِ قَدْجاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَة مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٌ وَلا نَذير فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌواللّهُ على كُلّ شَيء قَدِيرٌ)(3) .(4)


1 . البقرة:129.
2 . النساء:165.
3 . المائدة:19.
4 . منشور جاويد:10/17ـ65.


(163)

32
الفرق بين النبي والرسول

سؤال: إذا نظرنا إلى مصطلحي النبي والرسول نجد للوهلة الأُولى انّه يوجد ترادف بينهما، أي أنّ مفهوم الرسول هو نفس مفهوم النبي، فهل هذا التصوّر صحيح أو يوجد بينهما اختلاف؟

الجواب: إنّ المتتبع لآيات الذكر الحكيم يجد أنّها حينما تتطرق للتعريف بأنبياء اللّه تستخدم ـ غالباً ـ مصطلحي «النبي» و«الرسول»، فتارة يرد مصطلح «النبي» فقط، وتارة أُخرى يرد مصطلح «الرسول» فقط، وتارة أُخرى يرد كلا المصطلحين، والذي يظهر من بعض الآيات أنّه يوجد تفاوت بين المصطلحين، يقول سبحانه:

(وَمَا أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُول وَلا نَبِىّ إِلاّ إِذا تَمَنّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ).(1)

يتّضح من هذه الآية أنّها تدلّ على أنّ هناك طائفتين: طائفة الأنبياء وطائفة الرسل، كما أنّه توجد بالإضافة إلى الآية السابقة آيات أُخرى وإن كانت لا ترتقي


1 . الحج:52.


(164)

إلى مستوى الآية المذكورة في الدلالة على التفريق، ومن هذه الآيات قوله سبحانه:

(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوراةِ وَالإِنْجِيلِ...) . (1)

وقوله سبحانه:

(وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوْسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً وكانَ رَسُولاً نَبِيّاً).(2)

ويقول سبحانه:

(وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ وَكانَ رَسُولاً نَبِيّاً).(3)

وهكذا نرى أنّه سبحانه يذكر النبي بعد الرسول تارة مستعملاً حرف العطف وأُخرى مجرداً عنها وهو آية اختلافهما في المفاد، ومن ذلك يظهر انّ احتمال الترادف بين اللفظين ضعيف، هذا من جهة، ومن جهة أُخرى إنّ احتمال كون المقصود من الرسول شخصاً غير المقصود من النبي لا ينسجم مع ظاهر تلك الآيات، وذلك لأنّ في تلك الآيات قد استعمل اللفظان كوصف لإنسان واحد فالموصوف في الآية الأُولى هو الرسول الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وفي الآية الثالثة هو النبي إسماعيل ـ عليه السَّلام ـ .

والحال أنّ في الآية 52 من سورة الحجّ قد تمّ عطف كلمة النبي على كلمة الرسول بحرف العطف (واو الجمع)، ويظهر من ذلك التقسيم يعني أنّه توجد


1 . الأعراف:157.
2 . مريم:51.
3 . مريم:52.


(165)

طائفتان: طائفة الرسل، وطائفة الأنبياء.

وعلى هذا الأساس سعى المفسّرون للبحث والتنقيب عن الفرق بين الرسول والنبي وذكروا في هذا المجال آراء مختلفة، ولكنّه من بين جميع تلك الآراء المختلفة هناك رأي اتّفق عليه المفسرون وهو أنّ «الرسول» أخصّ من النبي.

ومن الجدير بالانتباه هو انّ هذه الآيات وغيرها من آيات الذكر الحكيم التي استخدم فيها لفظ النبي والرسول تدلّ جميعها على الحقيقة التالية: وهي انّ ملاك الاتّصاف بالنبوة وإطلاق النبي هو ارتباط الأنبياء بالمقام الربوبي، أي انّ النبوة متقوّمة بالاتصال باللّه والإنباء عنه ونزول الوحي إلى من يسند إليه منصبها بإحدى الطرق. وأمّا الرسالة فهي متقوّمة بتحمّل الرسول إبلاغ ما أُوكل إليه إبلاغه من الأوامر والنواهي والقوانين الإلهية.

وإذا ما وجدنا في بعض الموارد أنّه قد استعملت كلمة النبي من دون رعاية للضابطة المذكورة، فلا شكّ أنّ ذلك بسبب نكتة قد أدّت إلى هذا العدول. وإلاّ يكون للمصطلحين مفهومان :أحدهما «النبوة» وهو مقدّم على الثاني الذي هو «الرسالة».

ومن هنا يتّضح بجلاء أنّه لا يمكن أن يكون اللفظان مترادفين مفهوماً، بل لكلّ منهما مفهوم يختلف عن المفهوم الآخر.

نعم هما متساويان غالباً في المصداق والانطباق الخارجي، بمعنى أنّ كلّ نبي (موحى له) هو رسول: أي تقع على عاتقه مهمة الإبلاغ والإرشاد. كما أنّ كلّ رسول (يحمل رسالة من قبل اللّه سبحانه) فهو نبي يوحى له.

ولكن في الأوّل الحكم غالبي يعني أنّ الأكثرية الغالبة من الأنبياء الذين يوحى لهم هم في نفس الوقت يحملون رسالة إلهية وتشريعات سماوية أُمروا


(166)

بإبلاغها، وإن كان هناك حالات نادرة من النبوة الخاصة، حيث نجد في بعض الروايات إشارة إلى أنّ بعض الأنبياء غير مبعوث إلى تنفيذ رسالة ما، كما جاء في «الكافي» باب طبقات الأنبياء والرسل والأئمّة.

عن هشام بن سالم، عن الإمام أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال:«الأنبياء والمرسلون على أربع طبقات: فنبيّ منبّأ في نفسه لا يعدو غيرها، ونبيٌّ يرى في النوم ويسمع الصوت ولا يعاينه في اليقظة ولم يبعث إلى أحد وعليه إمام مثل ما كان إبراهيم على لوط ـ عليه السَّلام ـ ، ونبيٌّ يرى في منامه ويسمع الصوت ويعاين الملك وقد أُرسل إلى طائفة قلّوا أو كثروا كيونس... وعليه إمام; والذي يرى في نومه ويسمع الصوت ويعاين في اليقظة وهو إمام مثل أُولي العزم،وقد كان إبراهيم ـ عليه السَّلام ـ نبيّاً وليس بإمام حتّى قال اللّه :(إِنّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِماماً قَالَ وَمِنْ ذُرّيّتي) فقال اللّه: (لا يَنالُ عَهدي الظّالِمين)من عبد صنماً أو وثناً لا يكون إماماً».(1)

وممّا لا ريب فيه أنّنا في مقام المقارنة بين النبي الموحى إليه من قبل اللّه وبين الإنسان الرسول الذي كُلِّف من قبله سبحانه في تنفيذ مهمة ما ، وإذا ما أهملنا هذه النكتة الدقيقة في المقارنة فانّنا نجد أنّ القرآن الكريم يتوسّع في استعمال كلمة الرسول فيطلقه على الإنسان والملك بخلاف النبي فلا يستعمله إلاّ في الإنسان كما ورد في قوله سبحانه:

(...إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّاً) .(2)


1 . الكافي:1/174، الحديث1; وبالطبع إنّ إطلاق صفة النبي على مثل هؤلاء الأفراد يُعدّ نوعاً من التوسع والمسامحة في الإطلاق وإلاّ فما معنى نبوة لا تتجاوز شخص الإنسان نفسه غير أن نقول: إنّ هذه النبوة بمعنى تلقّي الخبر فقط.
2 . مريم:19.


(167)

ويقول سبحانه:

(...حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا...) .(1)

بل يتوسّع القرآن في استعمال الرسول فيطلقه على المبعوث لا من جانبه سبحانه، كما ورد ذلك في قصة يوسف ـ عليه السَّلام ـ .

(...فَلَمّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ...) .(2)

وبالالتفات إلى هذين النوعين من الاستعمال لمصطلح الرسول يستحيل القول: إنّ النبي والرسول متساويان، بل يكون مفهوم الرسول أوسع من مفهوم النبي من جهة تعدّد المصاديق، وفي الواقع تصحّ النظرية التي تقول: إنّ النسبة بينهما هي العموم والخصوص المطلق، لأنّ كلّ نبي ـ باستثناء النبي المبعوث لنفسه ـ رسول، وليس كلّ رسول نبيّاً، لأنّنا قد عرفنا أنّ بعض الرسل ليسوا بأنبياء كالملائكة والأفراد العاديين الذين يرسلون من قبل غيرهم من الناس كالأُمراء والحكام مثلاً.

وبالطبع إنّ هذا المطلب خارج عن بحثنا، لأنّ بحثنا يدور حول الرسول الاصطلاحي لا الرسول اللغوي والعرفي.

نتائج البحث

من خلال البيان السابق نصل إلى النتائج التالية:

الأوّل: إنّ النبوّة والرسالة مفهومان متغايران حيث إنّ النبوة متقوّمة في الاتّصال بعالم الغيب والإنباء عنه، وأمّا الرسالة فهي متقوّمة بتحمل الرسول إبلاغ


1 . الأنعام:61.
2 . يوسف:50.


(168)

كلام من المرسل إلى المرسل إليه، وأنّ وصف أي إنسان بأحد هذين الوصفين فإنّما هو بسبب هذين الملاكين المتمايزين.

الثاني: إنّ مقام النبوّة أعلى وأسمى من مقام الرسالة، لأنّ الحيثية المقوّمة للنبوة هي حيثية الاتّصال والارتباط بالمقام الربوبي، واستعداد النفس لوعي ما ينزل به الوحي من المبدأ الأعلى، وأمّا الحيثية المقوّمة للرسالة فهي حيثية تحمل تنفيذ عمل أو إبلاغ قول من المرسل، وأين شرف الاتّصال باللّه والمبدأ الأعلى من شرف تحقيق وتنفيذ عمل في الخارج أو إبلاغ كلام عن شخص إلى الغير.

وبالطبع انّ في مجال الانطباق على المصاديق يكون النبيّ أفضل من الرسول، وذلك لأنّه في حال اجتماع النبوة والرسالة في شخص واحد فيكون نبياً ورسولاً فإنّ فضيلته وشرفه إنّما ينبعان من كونه نبياً لا من كونه رسولاً، وإذا ما كان لرسالته فضل أيضاً، فبلا ريب أنّ الفضل النابع من جهة النبوة أفضل من الفضل والشرف النابعين من جهة الرسالة.

الثالث: النبوّة أساس رسالة الإنسان من اللّه سبحانه، إذ رسالة الإنسان من جانب اللّه ـ كما قلنا ـ لإبلاغ أمره أو زجره لا تتحقّق إلاّ باتّصاف الرسول بالنبوة، وأنّ الرسول الذي أُمرنا باتّباعه ووجوب طاعته هو الرسول المبعوث من قبل اللّه، لا أي رسول حتّى لو كان ملكاً أو كان رسولاً من قبل إنسان آخر. وعلى هذا الأساس تكون المرتبة الأُولى هي مرتبة النبوة والارتباط بعالم الغيب، وبعد ذلك تتعقبها مرتبة الرسالة.

الرابع: إنّ النسبة بين مفهوم النبي وبين مفهوم الرسول الخاص ـ أعني: الإنسان المبعوث من جانب اللّه سبحانه ـ هي نسبة التساوي بحيث كلّما صدقت النبوّة صدقت بتبعها الرسالة، وأنّ الأنبياء الفاقدين للرسالة حالة شاذّة ونادرة لا


(169)

تتجاوز عدد الأصابع. ومن المعلوم أنّ الشاذ النادر لا يمكن أن يعتبر ملاكاً للتمايز والمقارنة، أضف إلى ذلك إنّ مثل تلك النبوة الفاقدة للرسالة ليس لها مفهوم واضح. وعلى هذا الأساس فلا فرق بين أن نقول: «محمّد رسول اللّه وخاتم النبيّين» و بين أن نقول: «وخاتم الرسل» للتلازم بين الأمرين من حيث المصداق.

وعلى فرض كون مفهوم النبي أعمّ من الرسول ويكون شاملاً للأنبياء الذين ليست لديهم رسالة، ففي هذه الحالة أيضاً يكون إيصاد باب النبوة ملازماً لإيصاد باب الرسالة.

بقيت هناك نكتة وهي أنّ القرآن الكريم قد استعمل عبارة «خاتم النبيّين» ولم يستعمل عبارة «خاتم الرسل» فما ذلك إلاّ لأجل أنّ النبوة أساس للرسالة من جانب اللّه، وأنّ ختم النبوة يلزم منه ختم الرسالة قطعاً.

وبعبارة أُخرى: إذا ختم مقام الاتّصال بالوحي وتلقي الرسالة والأوامر، فحينئذ ينتفي موضوع الرسالة قطعاً.(1)


1 . منشور جاويد:10/257ـ 273.


(170)

33
الأنبياء أُولو العزم

سؤال:من المصطلحات المستخدمة في وصف بعض الأنبياء هو مصطلح «أُولو العزم» ما المراد منه؟

الجواب: لقد وصف اللّه سبحانه طائفة من رسله بأنّهم «أُولو العزم» حيث قال:

(فَاصْبِر كَما صَبَرَ أُوْلُوا العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَونَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّساعَةً مِنْ نَهاربَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاّ الْقَومُ الْفَسقُونَ) .(1)

ففي الآية المباركة يأمر اللّه النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بالصبر والصمود في وجه الأعداء كوقوف سلفه من الرسل« أُولو العزم» الذين واجهوا معانديهم وصمدوا أمام مخالفيهم، ومن الحريّ بنا وقبل توضيح المقصود من «أُولو العزم» أن نسلط الأضواء على المعنى اللغوي والقرآني للفظة العزم.


1 . الأحقاف:35.


(171)

العزم في اللغة والقرآن

يظهر من ابن فارس في «مقاييس اللغة» أنّ لهذا اللفظ معنى واحداً وهو القطع. وإليه يرجع معناه الآخر وهو العزم ، وكأنّه يقطع التحيّر والشك،قال:«عزم» له أصل واحد صحيح يدلّ على العزيمة والقطع.(1)

وأمّا الاستعمال القرآني لهذه اللفظة فالظاهر أنّه نفس الاستعمال اللغوي، أي بمعنى التصميم القطعي والجدي، أو ما يصطلح عليه «عقد القلب». ويشهد لذلك طائفة من الآيات:

1. (...فَإِذا عَزَمَ الأَمْرُ ...) .(2)

2. (...فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ...).(3)

3. (وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ...) .(4)

4. (...وَ لا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ...) .(5)

5. (...وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ). (6)

والتدبّر في الآية الأخيرة يعطي أنّ العزم ليس مرادفاً للصبر والثبات، بل يوجد بينهما تلازم، وذلك كما يظهر من الآية التالية:

(...وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ) .(7)

ومن قوله تعالى:


1 . المقاييس:4/380.
2 . محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :21.
3 . آل عمران:159.
4 . البقرة:227.
5 . البقرة:235.
6 . آل عمران:186.
7 . لقمان:17.


(172)

(وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ) .(1)

ومع أنّ الآيات المذكورة تحكي المغايرة بين «الصبر» و «العزم» ولكنّنا مع ذلك نرى الزمخشري في كشافه قد ذهب إلى أنّ اللفظين مترادفان حيث قال: «أُولو العزم أي أُولو الجدّ والثبات».(2)

ومن خلال هذا البيان يتّضح المقصود من الآية التالية:

(وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً) .(3)

بناء على ذلك، فالعزم لغة هو القطع مقابل الوصل، وفي القرآن الكريم استعمل بمعنى عقد القلب لعلاقة التناسب بينه و بين المعنى اللغوي.

ولذلك نرى أنّ معنى لفظة العزم: هو التصميم القطعي، وأنّ لفظة «أُولو» معناها أصحاب. وعلى هذا الأساس يكون معنى أُولو العزم: أصحاب و ذوو التصميم القطعي والإرادة الثابتة، والقصد المؤكّد الذي لاينفصم عن العمل والسعي في سبيل اللّه سبحانه. وبعد أن عرفنا المقصود من «أُولو العزم» ننتقل إلى بحث آخر وهو:

من هم أُولو العزم من الرسل؟

لقد ذكرت كتب التفاسير وجوهاً واحتمالات مختلفة للإجابة عن التساؤل المذكور نذكرها هنا بصورة مختصرة:

الوجه الأوّل: هم الذين بعثوا إلى شرق الأرض وغربها، جِنّها وإنسها.(4)


1 . الشورى:43.
2 . الكشاف:3/126.
3 . طه:115.
4 . حق اليقين:111، للسيد عبد اللّه شبر.


(173)

والجدير بالذكر أنّ هذا التفسير ينسجم مع النظرية القائلة بأنّ رسالة الأنبياء السابقين هي رسالة عالمية شأنها شأن الرسالة الإسلامية المحمّدية; والحال أنّ عالمية الرسالة تنحصر برسالة النبي الأكرم محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقط. وأمّا غيره من الرسل السابقين فلا تمتلك رسالتهم تلك الخصوصية، حتى رسالة النبي موسى ـ عليه السَّلام ـ ورسالة المسيح ـ عليه السَّلام ـ كانت مختصة بقومهما وبالمناطق التي بعثا فيها ولم تكونا رسالتين عالميتين، ولقد فصّلنا القول في هذه المسألة في موسوعتنا مفاهيم القرآن.(1)

الوجه الثاني: إنّ المقصود من «أُولو العزم» هم كلّ الرسل، لأنّه لم يبعث اللّه رسولاً إلاّ كان ذا عزم راسخ وإرادة محكمة في طريق تبليغ الرسالة الإلهية، لأنّه لا جهاد من دون عزم وثبات.

وعلى هذا الأساس تكون لفظة «مِنْ» في قوله تعالى:

(أُولو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) بيانية لا تبعيضية، ويكون معنى الآية: اصبر واستقم كما صبر واستقام المرسلون من «أُولو العزم» من قبلك.

ويؤيد ذلك ـ كون جميع الأنبياء من« أُولو العزم» ـ قوله سبحانه:

(وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوح وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً) .(2)

ولا ريب أنّ العمل بالميثاق الغليظ يتوقف على العزم الراسخ والإرادة القوية التي تستتبع الصبر والثبات، وأمّا تخصيص الخمسة بالذكر فما هو إلاّ لعظمة شأنهم ورفعة مكانهم، وهناك آيات أُخرى بنفس مضمون الآية


1 . مفاهيم القرآن:3/77ـ 106.
2 . الأحزاب:7.


(174)

المذكورة.(1)

وقد يقال: إذا كان جميع الأنبياء هم من «أُولو العزم» فكيف وصف القرآن الكريم آدم ـ عليه السَّلام ـ بأنّه لا عزم له؟ كما ورد في قوله:

(وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَم مِنْ قبلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً) .(2)

ويمكن الإجابة عن الإشكال المذكور بأنّ الآية تتعلّق بفترة ما قبل الهبوط إلى الأرض، والحال أنّ بحثنا يتعلّق بـ «دار التكليف» ولا دليل على أنّ آدم قد نسيَ العهد الإلهي ولم يكن له عزماً في هذه الدار.

نقد الوجه الثاني

إنّ هذه النظرية المطروحة في الوجه الثاني قابلة للمناقشة والمؤاخذة،وذلك:

أوّلاً: الظاهر أنّ حرف «مِنْ» في قوله(مِنَ الرُّسُل) تبعيضية لا بيانية، وهذا شاهد على أنّ الأنبياء ينقسمون إلى طائفتين: طائفة ارتقت إلى المقام الشامخ «أُولو العزم»، وطائفة أُخرى لم ترتق إلى هذا المقام الشامخ، فكيف ياترى يُدّعى أنّ جميع الأنبياء هم من «أُولو العزم»؟!

ثانياً: أنّ الاستدلال بأخذ الميثاق من الأنبياء دليل على أنّهم كانوا أصحاب عزم وإرادة راسخة غير صحيح، وذلك لأنّ أخذ الميثاق لا يدلّ على وجود العزم في مقام العمل بالميثاق، لأنّ اللّه سبحانه قد أخذ ذلك الميثاق من جميع البشر قبل خلقهم ولم يقم أكثر الناس بذلك الميثاق الذي أُخذ منه يقول


1 . لشورى:13، آل عمران:81.
2 . طه:115.


(175)

سبحانه:

(أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ*وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ) .(1)

الوجه الثالث: يذهب أصحاب هذا الرأي إلى أنّ المقصود من «أُولو العزم» ليس جميع الأنبياء، بل المقصود طائفة منهم، وهم الرسل الذين صبروا كثيراً في طريق تبليغ الرسالة، وكانوا كالطود الشامخ أمام المصاعب والآلام وأساليب التكذيب والأذى التي تعرضوا لها.

ومن الواضح أنّ هذه النظرية تستبطن مطلبين:

الف: إنّه ليس جميع الأنبياء هم من« أُولو العزم».

ب: أنّ المقصود هو تلك الطائفة من الأنبياء التي صبرت في طريق تبليغ الرسالة وكانت كالطود الشامخ.

وأمّا الصبر والثبات في الموارد الأُخرى فلا يكون ملاكاً للاتّصاف بصفة «أُولو العزم»، وكأنّ معنى الآية: اصبر واستقم كما صبر «أُولو العزم» من الرسل في طريق تبليغ الرسالة.

ونحن إذا راجعنا القرآن الكريم لا نعثر على آية نستطيع من خلالها تعيين تلك الطائفة من«أُولو العزم»، نعم أُشير في بعض الروايات إلى أسماء أربعة منهم، مثل: نوح ـ عليه السَّلام ـ ، إبراهيم ـ عليه السَّلام ـ ، موسى ـ عليه السَّلام ـ ، و عيسى ابن مريمعليمها السَّلام.(2)

وفي الوقت الذي نرى أنّ هذه النظرية قد حصرت الملاك في كونهم« أُولو العزم» هو ابتلاؤهم بالشدائد والبلايا في طريق تبليغ رسالتهم ونشرها بين الناس،


1 . يس:60ـ 61.
2 . انظر تفسير البرهان:2/179.


(176)

نجد أنّ الروايات الواردة في تفسير الآية توسع الملاك وتطبّق الآية على الأنبياء الذين صبروا في غير مجال تبليغ الرسالة، كصبر يعقوب على فقدان ولده وذهاب بصره، ويوسف ـ عليه السَّلام ـ على الجبّ والسجن للمحافظة على نقائه وطهارته أمام مغريات امرأة العزيز، وداود إذ يبكي على زلّته أربعين سنة، وعيسى لم يضع لبنة على لبنة وقال: إنّها معبرة فاعبروها ولا تعمروها، وقال اللّه تعالى في آدم: (فنسي وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً) ، وفي يونس حيث قال: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ) .(1)

أي لا تكن مثل يونس في استعجال عقاب قومه وإهلاكهم ولا تخرج من بين قومك من قبل أن يأذن لك اللّه.(2)

ولكن الرواية على خلاف ظاهر الآية فلا يمكن الأخذ بها، بل الرواية الأُولى أحكم من الثانية، خاصة وانّ الرواية الثانية جاء فيها انّ الذبيح بدل (إسماعيل)(إسحاق)، وهذا خلاف القرآن،وانّه شبيه بالروايات الإسرائيلية.(3)

الوجه الرابع: إنّ المقصود من «أُولو العزم» حسب هذه النظرية كلّ من جاء بشريعة مستأنفة تنسخ شريعة من تقدّمه، وهم خمسة: أوّلهم نوح، ثمّ إبراهيم، ثمّ موسى، ثمّ عيسى، ثمّ محمّد ـ عليهم السَّلام ـ .

روي عن ابن عباس وقتادة وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد اللّهعليمها السَّلام قال:«وهم سادة النبيّين، وعليهم دارت رحى المرسلين».(4)


1 . القلم:48.
2 . مجمع البيان:5/169; مفاتيح الغيب: 7/ 468.
3 . بعض المفسرين فسّر ذلك بالأنبياء الذين أُمروا من قبل اللّه بالجهاد والقتال في طريق نشر الدين، ومن الطبيعي أنّ هذا التفسير يتّحد مع هذه النظرية، ولذلك لم نورده كوجه ونظرية مستقلة.
4 . مجمع البيان:5/194.


(177)

وقد ورد هذا التفسير في بعض الروايات الخاصة، فقد روى ذلك الكليني بسند موثّق عن الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ ، وروى الصدوق رحمه اللّه ذلك بسند موثق أيضاً عن الإمام الرضا ـ عليه السَّلام ـ .(1)

ولكنّ هنا سؤالاً يطرح نفسه وهو أنّه لم يثبت نسخ كلّ شريعة لاحقة لما تقدّمها؟فعيسى ـ عليه السَّلام ـ ـ مثلاً ـ لم ينسخ شريعة موسى ـ عليه السَّلام ـ ، وقد بيّن الغاية من بعثته وهي القضاء بين بني إسرائيل وفكّ الخصومات، حيث قال سبحانه:

(قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيه).(2)

فإنّ معنى ذلك أنّ المسيح جاء مبيّناً لا ناسخاً لما تقدّمه من الشرائع، إلاّ إذا كان المقصود من النسخ هو تجديد بعض الأحكام ورفع القيود والأغلال التي كانت موجودة، حيث قال سبحانه:

(...وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ...).(3)

الوجه الخامس: المقصود من «أُولو العزم» هم الرسل الثمانية عشر الذين ورد ذكرهم في سورة الأنعام من الآية (82ـ 86) وهم: إبراهيم، إسحاق،


1 . تفسير البرهان:4/178ـ 179. وسند الكليني هو كالتالي: عِدّة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن خالد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة بن مهران، قال: قلت لأبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ : قول اللّه عزّ وجلّ:(فاصبر كما صبر أُولوا العزم من الرسل) فقال: نوح وإبراهيم و....
وأمّا سند الصدوق فهو: حدّثنا محمد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني قال: حدثنا محمد بن سعيد الكوفي الهمداني قال: حدّثنا علي بن الحسن بن علي بن فضّال، عن أبيه، عن أبي الحسن الرضا ـ عليه السَّلام ـ ، قال: «إنّما سمّي أُولو العزم، لأنّهم كانوا أصحاب العزائم والشرائع...».
2 . الزخرف:63.
3 . آل عمران:50.


(178)

يعقوب، نوح، داود، سليمان، أيوب، يوسف، موسى، هارون، زكريا، يحيى، عيسى، ألياس، إسماعيل، اليسع، يونس، و لوط.

والدليل على ذلك قوله سبحانه بعد ذكرهم ـ عليهم السَّلام ـ :

(أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ) .(1)

وفي نفس الآية يقول سبحانه:(فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ) .

وهذا الوجه من أضعف الأقوال وأبعدها عن الحق في تفسير «أُولو العزم»، لأنّه سبحانه لم يخص الاهتداء بالثمانية عشر فقط، بل قد أشار إلى آبائهم وأبنائهم وإخوانهم بقوله:

(وَمِنْ آبائِهِمْ وَ ذُرِّيّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراط مُسْتَقيم) .(2)

ثمّ أعقب ذلك بقوله سبحانه:

(أُولئِكَ الَّذِينَ هَدى اللّهُ فَبِهُداهُمُاقْتَدِه...) .

ولا وجه لحصر الهداية بالثمانية عشر فقط.

أضف إلى ذلك: إنّ من بين هؤلاء الثمانية عشر اسم النبي يونس الذي ورد في حقّه قوله تعالى:

(فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ...) .

حيث نُهي الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عن اتّباع طريقة يونس ـ عليه السَّلام ـ العجولة.

والذي يظهر أنّ أفضل وأحكم الوجوه هو الوجه الثالث والرابع، وهو أنّ


1 . الأنعام:89.
2 . الأنعام:87.


(179)

المقصود من «أُولو العزم» هم تلك الطائفة من الأنبياء الذين صبروا في طريق رسالاتهم وتبليغ دين اللّه وصمدوا أمام الحوادث كالطّود الشامخ لم يعتريهم تزلزل ولا خوف، وعلى رأس هؤلاء الأنبياء أصحاب الشرائع وهم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى والنبي الأكرم ـ عليهم السَّلام ـ .

وبالنتيجة: أنّ الوجه الثالث ينطبق مع الوجه الرابع في جهة من الجهات وهي أنّ الأنبياء أصحاب الشرائع من «أُولو العزم».

وأمّا جهة التفاوت بين الوجه الرابع والثالث فهي أنّ الوجه الرابع يحصر «أُولو العزم» بعدد خاص، ولكن الوجه الثالث يطرح عنواناً عاماً ينطبق على المذكورين في الوجه الرابع وغيرهم من الأنبياء أصحاب الإرادة القوية والعزم الراسخ. ولكنّ الوجه الرابع أقرب إلى الواقع، لأنّه مدعوم بروايتين معتبرتين تشهدان له من بين الوجوه.


(180)

34
خصائص الأنبياء العلمية

سؤال: ما هي الخصائص العلمية التي يتحلّى بها الأنبياء ـ عليهم السَّلام ـ ، أو بعبارة أُخرى: ما هي الخصائص التي ينبغي أن يتحلّـى بها الأنبياء؟

الجواب: لا ريب انّ الأنبياء يتحلّون بالكثير من الخصائص الحميدة والصفات الحسنة، ونحن هنا واستلهاماً من آيات الذكر الحكيم نشير إلى هذه الخصائص:

إحدى هذه الخصائص هي العلم الواسع والمعرفة الشاملة والعميقة للقضايا في جميع المجالات وعلى مختلف الأصعدة ، ونذكر هنا وبصورة مختصرة الأبعاد المختلفة لخاصيتهم العلمية والمعرفية مستعينين بالقرآن الكريم.

ألف: المعرفة التامّة بالتشريع الإلهي

من الخصائص الملازمة للأنبياء والتي لا تنفك عن مقام النبوة بحال من الأحوال هي العلم الجامع والمعرفة التامة بالتشريع والتقنين الإلهي.

وبعبارة أُخرى: المعرفة بما يحقّق الهدف من بعثة الأنبياء، فانّ الهدف من بعثة الأنبياء هو: التعليم والتربية وإقامة العدل والقسط في المجتمع وهداية


(181)

الناس إلى جادة التوحيد، وبالطبع انّ مثل هذه المهمة الشاقة والعسيرة تحتاج إلى معرفة تامة واطّلاع واسع لكي يتسنّى للنبي أن يقوم بالمهمة الخطيرة الموكلة إليه على أحسن وجه.

ولا يمكن أن نتصوّر أنّ اللّه سبحانه وتعالى يكلّف طائفة من الناس ويرسلهم للقيام بمهمة خاصة وتحقيق هدف معين وفي نفس الوقت لا يزودهم بالوسائل والإمكانات الضرورية التي يحتاجون إليها لتحقيق وإنجاز ما يراد منهم.

ومن الممكن معرفة ولمس حقيقة علم الأنبياء من خلال مراجعة الآيات الكثيرة التي تحدّثت عن علومهم ـ عليهم السَّلام ـ نذكر نماذج منها:

1. ما ورد في حقّ داود ـ عليه السَّلام ـ :

(...وَآتاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ...) .(1)

2. وقال سبحانه في حقّ يوسف ـ عليه السَّلام ـ :

(وَلَمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَ عِلْماً...).(2)

3. وأمّا لوط فقد وصفه سبحانه بقوله:

(وَلُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً...) .(3)

4. وقال سبحانه واصفاً موسى ـ عليه السَّلام ـ :

(وَلَمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً...) .(4)


1 . البقرة:251.
2 . يوسف:22.
3 . الأنبياء:74.
4 . القصص:14.


(182)

والنكتة الجديرة بالانتباه في هذه الآيات المذكورة أنّها بعد أن تشير إلى إعطاء مقام «الحكم» أو «الملك» تردفهما بصفة العلم والمعرفة مشعرة بأنّ لازم النبوّة العلم بالتشريع والتقنين وإجراء الأحكام الإلهية.(1)

ب: المعرفة بملاكات التشريع

المعرفة بالتشريع كالسكّة ذات وجهين تشكّل الأحكام الوجه الأوّل منها والملاكات تشكل الوجه الآخر، وبما أنّ الفعل الإلهي منزّه عن العبث فلا شكّ أنّ التشريعات الإلهية التي هي بذاتها أحد أفعال اللّه سبحانه لا تخلو عن الملاك (المصالح والمفاسد) والأنبياء يعلمون بتلك الملاكات.

وإنّنا وإن لم نعثر على دليل قرآني يصرح بذلك، ولكن بالتمعّن في بعض الآيات والروايات يمكننا إدراك حقيقة معرفة الأنبياء بملاكات الأحكام واطّلاعهم عليها.

لقد أشار القرآن إلى ملاكات بعض الأحكام، ويمكن الاستفادة من هذه الآيات أنّ اللّه سبحانه قد أطلع النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ على تلك الملاكات، وبما أنّ هذه الخاصيّة «الاطّلاع على الملاكات» لم تكن من مختصّات الرسول الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لذلك يمكن القول: إنّ بقية الأنبياء مطّلعون على ملاكات الأحكام أيضاً.

إنّ القرآن الكريم يشير إلى ملاك تحريم الخمر والميسر في قوله تعالى:

(إِنَّما يُريدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي


1 . بالإضافة إلى الوصف المذكور يمكن القول بخصوص الآيات التي تتعلّق بيوسف ولوط وموسى أنّ المقصود من «الحكم» هو نفس التعاليم الحكيمة التي منحت لهم من قبل اللّه سبحانه، يقول سبحانه في حقّ النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :(ذلك ممّا أوحى إليك ربّك من الحكمة)(الإسراء:39).


(183)

الخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللّهِ وَ عَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) .(1)

ويقول سبحانه مشيراً إلى ملاك تشريع الصلاة:

(...وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ...).(2)

ج: العلم بمنطق الطير

لا ريب أنّ العلم بلغة الطير من الكمالات التي وهبها اللّه لداود وسليمانعليمها السَّلام، وقد جاء ذلك في الآيات 15و 16 من سورة النمل وأنّ تحليل هاتين الآيتين يقودنا إلى الاطّلاع على العلم الواسع الذي اتّصف به هذان النبيّان وكذلك النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وبعض الأنبياء الآخرين، يقول سبحانه:

(وَلَقَدْآتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالاَ الحَمْدُ للّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِير مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنينَ).(3)

ويقول سبحانه أيضاً:

(وَ وَرِثَ سُلَيمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْء إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ).(4)

فإنّ جملة: ( وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْء) تحكي عن شمولية وسعة خاصة، وهي


1 . المائدة:91.
2 . العنكبوت:45.
3 . النمل:15.
4 . النمل:16.


(184)

أنّ هذين النبيّين يتوفران على كلّ كمال ولا يفقدان أي كمال، إلاّ إذا اقتضت المصلحة، عدم وجود ذلك الكمال عندهما كما كان الرسول الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عاجزاً عن نظم الشعر، كما في قوله تعالى: (وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ ...). (1)

وعاجزاً عن القراءة والكتابة قبل البعثة كما في قوله:

(وَ ما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابوَ لا تَخُطُّهُ بِيَمِينكَ...)(2)

وما ذلك إلاّ لمصلحة عليا وأهمّ اقتضت أن لا يمنح اللّه سبحانه نبيّه ذلك الكمال، لأنّه لو كان قادراً على نظم الشعر لكان ذلك ذريعة للكافرين لاتّهام القرآن بأنّه نتاج القدرة الفنية والأدبية للرسول الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وكذلك لو كان الرسول الأكرم يعرف القراءة والكتابة لاتّهمه مخالفوه بأنّ ما جاء به من القرآن الكريم إنّما هو اقتباس ونقل من كتب القدماء من علماء اليهود والنصارى.

وليتجلّى الحق ناصعاً نسف القرآن الكريم تلك الاتّهامات الواهية التي لا أساس لها من الصحة وبيّن زيفها من خلال ما ذكرناه من الآيتين.

ولقد أشار القرآن الكريم إلى شمولية وسعة علم النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بتعبير خاص وطريقة متميزة حيث قال سبحانه:

(...وَأَنْزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً) .(3)

ولا ريب أنّ ورود جملة :(وَكانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً) عقيب الإشارة إلى علم النبي وحكمته المفاضة عليه من اللّه، يدلّ على عظمة علمه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ويكفي في


1 . يس:69.
2 . العنكبوت:48.
3 . النساء:113.


(185)

ذلك فخراً وسمواً أنّ اللّه سبحانه يصفه بأنّه عظيم، وحسبك هذا التعبير الإلهي، في الوقت الذي نرى أنّ القرآن الكريم نفسه يصف علم المجموعة البشرية وعلم بني الإنسان قاطبة بأنّه قليل، حيث يقول سبحانه:

(...وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً).(1)

د. الاطّلاع على الغيب

إنّ قسماً من علم الأنبياء هو اطّلاعهم على الأسرار الخفية والتي تقع وراء الستار أو ما يعبّر عنه بـ «علم الغيب» ، ولقد وردت في هذا المجال آيات كثيرة نذكر نماذج منها:

1. تنبّؤ النبي نوح بكيفية مستقبل النسل القادم

لقد بذل شيخ الأنبياء ـ عليه السَّلام ـ جهوداً حثيثة ولبث في قومه فترةً طويلة جداً لهدايتهم وإرشادهم ولكنّه ـ عليه السَّلام ـ بعد تلك الجهود يأس من إيمانهم فدعا ربّه بإهلاكهم وإبادتهم فقال:

(...رَبّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الكافِرينَ دَيّاراً* إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَ لا يَلِدُوا إِلاّ فاجِراً كَفّاراً).(2)

فلقد تنبّأ ـ عليه السَّلام ـ بقضيّتين وأشار إليهما، وهما:

ألف. انّ الكافرين لا يؤمنون في المستقبل وأنّهم سيضلّون العباد ويميلون بهم عن الصراط المستقيم.


1 . الإسراء:85.
2 . نوح:26ـ 27.


(186)

ب. أنّ ذرية هؤلاء الكافرين جميعهم من الفجرة الكفّارين.

2. معرفة يعقوب ـ عليه السَّلام ـ الكاملة بمستقبل ابنه يوسف ـ عليه السَّلام ـ

لمّا قصّ يوسف رؤياه على أبيه يعقوب وأنّه قد رأى في المنام أنّ أحد عشر كوكباً والشمس والقمر قد سجدوا له، فسّر يعقوب رؤيا ولده يوسف مخبراً عن حقيقة مستورة من خلال تلكم الرؤيا حيث قال:

(...يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ *وَكَذلِكَ يَجْتَبيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْويلِ الأَحاديثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَويْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) .(1)

ومن الملاحظ هنا أنّ يعقوب ـ عليه السَّلام ـ قد أشار إلى مجموعة من الأُمور الغيبية وأخبر عنها بصورة جازمة وقطعية.

ألف. كيد ومكر إخوة يوسف.

ب. إنّ اللّه سيهب ليوسف علم تأويل الأحاديث وتفسير الرؤيا.

ج. إنّ اللّه سبحانه سيهب ليوسف النبوة.

3. المسيح ـ عليه السَّلام ـ والتنبّؤ بالغيب

لقد أشار القرآن الكريم إلى نوعين من الإخبارات الغيبية التي كان يتحلّـى بها السيد المسيح:


1 . يوسف:5ـ6.


(187)

ألف. الإخبار عمّا يدّخر الناس في بيوتهم.

قال تعالى مشيراً إلى هذه الخاصية:

(...وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ في بُيُوتِكُمْ...) .(1)

ب: التبشير بنبوّة النبي محمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ

لقد بشّر السيد المسيح أُمّته بقدوم نبي يأتي من بعده اسمه أحمد، ولقد أشار القرآن الكريم إلى تلك النبوءة بقوله سبحانه:

(...وَمُبَشِّراً بِرَسُول يَأْتِي مِنْ بعدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ...) .(2)

4. إنباء النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بالغيب

لقد أشار القرآن الكريم إلى الإخبارات الغيبية للنبي الأكرم في موارد متعدّدة نكتفي بذكر نموذج منها. إنّ النبي الأكرم أسرّ إلى إحدى زوجاته حديثاً وأمرها بإخفائه لكنّها أخبرت غيرها به فأفشت السرّ، وأطلع اللّه نبيّه على ما جرى من إفشاء سرّه، فعرّف رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ زوجته التي أفشت السرّ ببعض ما ذكرت وأفشت، وأعرض عن البعض الآخر فلم يخبرها بجميع ما أخبرت به، فسألته عن مصدر علمه و أنّه كيف اطّلع على إخبارها وإفشائها سرّه؟!

فقال ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : نبّأني العليم الخبير بسرائر الصدور، ولقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الواقعة بقوله سبحانه:

(وَإِذْأَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً فَلَمّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللّهُ


1 . آل عمران:49.
2 . الصف:6.


(188)

عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْض فَلَمّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قال َنَبَّأَنيَ الْعَلِيمُالخَبيرُ).(1)

إنّ الموارد المذكورة تمثّل بعض النماذج لاطّلاع الأنبياء على الأُمور الغيبية التي أشار القرآن الكريم إليها، وهناك نماذج أُخرى ذكرها القرآن الكريم أعرضنا عن ذكرها روماً للاختصار.(2)


1 . التحريم:3.
2 . على سبيل المثال يقول سبحانه في حقّ نبي اللّه صالح ـ عليه السَّلام ـ وإخبار قومه بوقوع الهلاك عليهم بعد ثلاثة أيام(تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعدٌ غير مكذوب)(هود:65).


(189)

35
رسالة شيخ الأنبياء نوح ـ عليه السَّلام ـ

سؤال: من الواضح أنّ رسالة النبي الأكرم محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كانت رسالة عالمية، فهل كانت رسالة النبي نوح عالمية أيضاً، أو كانت تقتصر على أقوامه وتنحصر في المناطق الجغرافية التي بُعث فيها؟

الجواب: إنّ شريعة نوح ـ عليه السَّلام ـ كانت خاصة بقومه الذين كان يعيش بين ظهرانيهم والشاهد على ذلك قوله سبحانه:

(إنَّا أرْسَلْنا نُوحاً إلى قَوْمِهِ...).(1)

وفي آية أُخرى يقول سبحانه:

(...أنّهُ لَنْ يُؤ3منَ مِنْ قَوْمِكَ إلاّ مَنْ قَدْ آمَنَ...).(2)

حيث يستظهر من هاتين الآيتين اختصاص رسالته ومحدوديتها في قومه فقط.

أضف إلى ذلك أنّ عمومية الرسالة تتطلّب وجود مدنية وتطور في وسائل الاتّصال ليتمكّن الرسول من إيصال نداء رسالته وصوت دعوته إلى جميع أنحاء


1 . نوح:1.
2 . هود:36.


(190)

العالم، وذلك لم يكن الحدّ الأدنى منه متوفراً في زمن نوح ـ عليه السَّلام ـ .

فإن قلت: إنّ ذلك التطوّر المدني وتطور وسائل الاتّصال لم تكن متوفرة في مكة المكرمة التي بعث فيها الرسول الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ومع ذلك نحن نؤمن بعالمية رسالته؟

قلنا: إنّ ذلك صحيح، ولكن هناك نكتة لابدّ من الالتفات إليها وهي انّ مكة والمدينة تقعان في مفترق طرق التجارة بين الشام واليمن، وكانت ولسنين طويلة قبل بعثة النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ توجد بين الشرق والغرب حركة اتّصال وتبادل تجاري وكان لذلك كلّه وسائطه المناسبة لتلك البرهة من الزمن،وقد استفاد النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من تلك الإمكانات لإيصال صوت رسالته إلى العالم، ولكن في عصر نوح يختلف الأمر حيث لم تكن مدنية ولم تكن تلك الإمكانات متوفرة كي يبعث برسالة عالمية، إلاّ إذا قلنا: إنّه لم يوجد على وجه الأرض في تلك الفترة من البشر إلاّ تلك الأقوام التي كان يعيش نوح ـ عليه السَّلام ـ بين ظهرانيهم، وحينئذ ستكون رسالة نوح ـ عليه السَّلام ـ عالمية أيضاً لانحصار العالم في قومه.

ولكنّ ذلك مجرد فرضية ذهنية ولا يمكن القطع بأنّ العالم المعاصر لنوح ـ عليه السَّلام ـ كان منحصراً بالقوم الذين بُعِثَ فيهم.

هل أنّ عالمية الطوفان دليل على عالمية رسالته؟

إنّ الطوفان الذي حصل في زمن نوح ـ عليه السَّلام ـ كان عالمياً حيث شمل جميع الناس، والشاهد على عمومية الطوفان دعاء نوح حيث طلب من ربّه أن لا يبقي على الأرض أحداً من الكافرين(ربِّ لا تَذَرْ عَلى الأَرْضِ مِنَ الْكافِرينَ ديّاراً)(1).


1 . نوح:26.


(191)

هذا من جهة، ومن جهة ثانية نحن نعلم أنّ إبادة الكافرين من دون إلقاء الحجة عليهم على خلاف السنّة الإلهية.(1)

ومن المعلوم أنّ كلمة الأرض في قوله تعالى:(ربِّ لا تَذَرْ عَلى الأَرْضِ ...) لها معنى واسع يشمل جميع العالم، والشاهد الآخر أنّ اللّه تعالى قد أوصى نوحاً أن يحمل في السفينة من كلّ نوع اثنين قال تعالى: (قُلنا احمل فيها من كُلّ زوجين اثنين)(2)، وما ذلك إلاّ للحفاظ على النسل الحيواني من الانقراض، فلو لم يكن الطوفان عالمياً فما هي الحاجة إلى حمل تلك الحيوانات في السفينة؟

ولكن يمكن القول: إنّ المقصود من الأرض في الآية المباركة هو المحيط الذي كان يعيش فيه نوح مع قومه، وهذا الاستعمال متعارف وغير بعيد، قال سبحانه: (فَسِيرُوا فِي الأرْضِ) وأمّا بالنسبة إلى حمل الحيوانات في السفينة يمكن أن يكون الغرض منه حفظ نسلها في ذلك المحيط لا في جميع أرجاء المعمورة، وذلك لأنّ انتقال الحيوانات من نقطة إلى نقطة أُخرى يحتاج إلى مدّة طويلة.

ويمكن أن نستظهر من مجموع الآيات أنّ شريعة نوح ـ عليه السَّلام ـ كانت تتعلّق بمنطقة واسعة كان يعيش فيها نوح والقوم الذين بعث فيهم، وأنّ الطوفان قد عمّ تلك المنطقة الواسعة.

والجدير بالذكر أنّه قد ذهب بعض المفسّرين إلى عالمية الطوفان بغضّ النظر عن عالمية رسالة نوح ـ عليه السَّلام ـ ويستدلّون على ذلك ببقايا الحيوانات التي عثر عليها في قمم الجبال حيث يذهبون إلى أنّه لولا طوفان نوح ما كان هناك سبب لوجود تلك الحيوانات على هذه القمم الشاهقة.(3)


1 . (وما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حتّى يَبْعَثَ في أُمّها رَسولاً)(القصص:59).
2 . هود:40.
3 . منشور جاويد:11/150ـ 152.


(192)

36
الولاية التكوينية للأولياء الإلهيّين

سؤال: لا ريب أنّ الولاية التكوينية من شؤون الموجود الذي له هيمنة وسيطرة على الخلق والمحيط به، والمجرد من صفات المادة والماديات، وهذا لا يصدق إلاّ على اللّه سبحانه، وعلى هذا الأساس يطرح السؤال التالي نفسه: كيف ياترى نفسّر الولاية التكوينية لأولياء اللّه سبحانه؟

الجواب: انّ عالم الخلق، عالم الأسباب والمسبّبات ولقد تعلّقت الإرادة الإلهية الحكيمة بذلك، وهو أنّ ما من ظاهرة أو حادثة إلاّ ولها علّة خاصة تصدر عنها، وفي نفس الوقت ينتهي جميع نظام العلل والمعاليل إلى اللّه سبحانه وتستمد قدرتها منه، فهو سبحانه الذي يخلق السبب ويمنحه القدرة والطاقة ويُهيّئه لإيجاد معلوله الخاص وفي الحقيقة أنّ المؤثّر الواقعي في تمام العالم كلّه وجود واحد هو اللّه سبحانه وتستمد منه كلّ العلل والأسباب قدرتها وإليه تنتهي.

إنّ حقيقة التوحيد هو أن نعتقد أنّه لا مؤثر بالاستقلال إلاّ اللّه وحده ولا يمكن أن نتصوّر وجود موجود يكون مقابلاً للقدرة الربوبية، بحيث يستطيع التأثير في إيجاد معلوله بصورة مستقلة أو يستطيع التصرّف في عالم الخلق بنحو


(193)

تكون إرادته مستقلة عن الإرادة الإلهية، وهذا الاعتقاد هو ما يصطلح عليه في علم الكلام بالتوحيد الأفعالي، وقد بحث ذلك بصورة مفصلة وشاملة عند التعرض لبحث مراتب التوحيد.

فإذا سلّمنا بهذا الأصل يكون الاعتقاد بالولاية التكوينية لأولياء اللّه ليس منزّهاً عن الشرك فقط، بل هو عين التوحيد، وذلك لأنّنا حينما نعتقد بأيّ حركة تصدر من الإنسان، سواء كانت من الأُمور العادية كالمشي والكلام، أو كانت من الأُمور الغير العادية كمعجزات الأنبياء وكرامات الأولياء أنّها صدرت منه على نحو الاستقلال وبدون الاتّكاء على القدرة والحول الإلهي، فلا ريب أنّ مثل هذا التصوّر يكون شركاً.

ولكن إذا اعتقدنا بأنّ العبد مهما كان مقامه ومرتبته لا يمكن أن يستقل في فعله وعمله عن القدرة والإرادة الإلهية، فلا ريب أنّنا حينئذ لم نتجاوز جادة التوحيد ولم ننحرف عن الصراط المستقيم.

فليس ملاك التوحيد والشرك بأن تنسب الأفعال العادية والأُمور الطبيعية إلى العباد ونعتقد انّهم يقومون بها بصورة مستقلة،وأمّا الأُمور العظيمة والكبيرة الخارجة عن النظام الطبيعي فننسبها إلى اللّه بصورة مباشرة، لأنّنا حينئذ ومن أجل الفرار من الشرك نقع في الشرك الذي نفرّ منه، بل انّ ملاك التوحيد في الفاعلية هو الاعتقاد بأنّ الإنسان وفي جميع حركاته وسكناته وأفعاله غير مستقل عن اللّه سبحانه وعن القدرة الإلهية، وانّ الإرادة والمشيئة الإلهية فوق إرادة الجميع ولا تفاوت حينئذ بين ما يصدر من الإنسان من عمل، سواء كان عادياً أو كان خارقاً للعادة.

وبعبارة أُخرى: لابدّ أن نوزن جميع المواقف والأفعال لمخلوقات العالم


(194)

بالنسبة إلى المقام الربوبي بحيث لا يستطيع موجود ـ سواء كان مادياً أو مجرّداً ـ أن يقوم وبدون الإذن والقدرة الإلهية بإنجاز أي عمل كان، وانّ كلّ فعل وتأثير بدءاً بتشعشع الشمس ومروراً بنور القمر ونزولاً إلى مشي الإنسان وكلامه وصعوداً إلى إحياء الموتى وشفاء المرضى من قبل المسيح ـ عليه السَّلام ـ و...، كلّ ذلك يكون في ظل القدرة الإلهية من دون تمييز بين الفاعل العاقل والغير العاقل وبين الأفعال العادية والغير العادية وانّ جميع أفعال الإنسان تكون معلولة له بمعنى، وبمعنى آخر تكون معلولة للّه سبحانه.

وهذه الحقيقة لا تؤيدها وتثبتها البراهين الفلسفية فقط، بل أنّ الروايات المتواترة عن أهل بيت النبوة والرسالة قد أثبتتها، وقد عبّرت عن ذلك بـ«بل أمرٌ بين الأمرين» وذلك لأنّ طائفة من المسلمين نسبت الأفعال الصادرة من العباد إلى اللّه سبحانه بصورة مستقيمة وانّ العباد ليسوا إلاّ آلة لا غير، وهذه الطائفة يصطلح عليها العلماء بالمجبرة; وفي مقابل هذه الطائفة هناك طائفة أُخرى يصطلح عليها اسم «المفوّضة» تعتقد أنّ الإنسان مستقل في أفعاله وما يصدر عنه ولا يحتاج إلى القدرة الإلهية، ويعتقدون أنّ الإنسان محتاج إلى اللّه سبحانه في وجوده فقط لا في فعله.

ولكنّ الأئمّة المعصومين واستلهاماً من القرآن الكريم وعلوم النبي الأكرم قد ردّوا على تلك الطائفتين وفنّدوا كلتا النظريتين بقولهم:

«لا جَبْرَ وَلا تَفويضَ بَلْ مَنْزِلَةٌ بَيْنَ المَنْزِلَتَيْنِ».(1)

إنّ قدرة عيسى ـ عليه السَّلام ـ على الإحياء والإشفاء يمكن أن ننسبها إلى اللّه ونقول:«اللّه هو الذي أحيا»، ذلك لأنّ قدرة المسيح ـ عليه السَّلام ـ تنبع من قدرة اللّه بحيث


1 . بحار الأنوار:5/71.


(195)

لو سلب اللّه سبحانه منه تلك القدرة يستحيل عليه حينئذ إشفاء المرضى وإحياء الموتى.

وفي نفس الوقت يمكن نسبة تلك الأفعال إلى المسيح ـ عليه السَّلام ـ ونقول: «إنّ المسيح أحيا الموتى، وذلك لأنّه قد أعمل قدرته ـ التي منحه اللّه سبحانه إيّاها ـ بتمام حريته وإرادته في تلك الموارد».

ثمّ إنّنا نرى أنّ القرآن الكريم ينسب قبض الأرواح إلى اللّه سبحانه ويعتبره فعلاً له سبحانه حيث يقول سبحانه:

(اللّهُ يَتَوفَّى الأَنْفُسَ حينَ مَوْتِها...) .(1)

وفي آية أُخرى ينسب ذلك إلى ملك الموت ويقول:

(قُلْ يَتَوَفَّيكُمْ مَلَكُ المَوْتِ الَّذي وُكِّلَ بِكُمْ...) .(2)

والنكتة في هاتين النسبتين، إنّ ملك الموت مأمورٌ إلهي وجندي غيبي للّه سبحانه يقدر على قبض الأرواح من خلال القدرة التي استمدها من اللّه سبحانه.

وكذلك الكلام في القدرة العجيبة والمحيّرة للسيد المسيح ـ عليه السَّلام ـ فإنّه يمتلك نفس الحالة والموقع التي يمتلكها ملك الموت فكلاهما مأمور من قبله سبحانه يتحرك في ظلّ قدرته وسلطانه للقيام بما يوكل إليه من مهام. وعلى هذا الأساس يكون الاعتقاد بكون الولاية التكوينية شركاً باللّه، اعتقاد لا أساس له من الصحة ويكشف عن عدم الدقّة في نسبة علل العالم إلى اللّه سبحانه وتعالى.


1 . الزمر:42.
2 . السجدة:11.


(196)

الولاية التكوينية وموضوع البشرية

قد يتصوّر أنّ القيام بالأعمال الخارقة للعادة والتصرف في عالم الخلق لا ينسجم مع مقام البشرية بحيث إنّ القدرة البشرية لا يمكن لها القيام إلاّ بالأعمال والأفعال العادية والطبيعية ولا يمكن أن تتخطّى بحال من الأحوال تلك المنزلة وذلك المقام المرسوم لها أبداً.

وعلى هذا الأساس نرى أنّه لمّا طلب مشركو قريش من النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أن يقوم ببعض الأفعال الإعجازية أجابهم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بقوله:

(...سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاّ بَشَراً رَسُولاً) .(1)

والإجابة عن هذا المدّعى وبصورة إجمالية: لقد أُثيرت هذه الشبهة خلال القرنين الأخيرين اللّذين ازدادت فيهما حركة المستشرقين لدراسة الإسلام ووصلت إلى أوجها، فمن بين الشبه التي طرحوها تلك الشبهة حيث قالوا: إنّ نبي الإسلام فاقد لكلّ معجزة وكرامة، وقد تمسّكوا بالآية المذكورة لإثبات مدّعاهم.!!(2)

إنّ الاستدلال بالآية المذكورة على نفي الولاية التكوينية بالإضافة إلى كونه


1 . الإسراء:93.
2 . لقد جمع مؤلف كتاب «مشكاة صدق» الذي هو أحد علماء المسيحيين في بيت المقدس أكثر تلك الآيات في كتابه المذكور، وقد ترجم ذلك الكتاب إلى اللغة الفارسية وطبع في مدينة لاهور، وقد قام أخيراً أحد أذناب الاستعمار بجمع القسم الأعظم من تلك الآيات في كتابه الموسوم بـ «رسالت بيست و سه ساله»أي رسالة الثلاث والعشرين عاماً، وقد كتبت في نقد هذا الكتاب كتاباً تحت عنوان «راز بزرگ رسالت» أي «سرّ الرسالة العظيم» بيّنتُ فيه المراد من الآيات المذكورة، وتوضيح هدفها بصورة جلية.


(197)

ميلاً مسيحياً، يحكي عن عدم إدراك وفهم لتلك الآيات التي عرّف الرسول فيها حقيقة نفسه وأحال فيها صدور المعجزات على الإرادة والمشيئة الإلهية.

ولقد بحثنا وبصورة شاملة مفاد تلك الآيات في كتابنا «رسالت جهانى پيامبران» أي رسالة الأنبياء العالمية، ولذلك لا نرى ضرورة لتكرار ما ذكرناه هناك ولكن يمكن الإشارة إلى ذلك بصورة إجمالية.

إنّهم طلبوا من النبي القيام بسبع معجزات بعضها من الأُمور المستحيلة والممتنعة عقلاً. مثل الإتيان باللّه كما ورد في الآية: (أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ) وبعضها الآخر ممّا لا ينسجم مع هدف الرسالة ويكون مغايراً تغايراً كاملاً لهدف الرسالة ومنافياً له، مثل إسقاط السماء على الأرض والتي لا شكّ سيؤدي إلى هلاك الجميع كما ورد في قوله:(أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً...) .(1)

ولا ريب أنّ ذلك ينافي هدف الرسالة الذي هو هداية الناس وقيادتهم إلى الصراط المستقيم،والبعض الآخر وإن كان في حدّ نفسه ممكناً ولا يتنافى مع هدف الرسالة ولكنّه على فرض الإتيان به لا يكون دليلاً على صدق الرسول وعلى ارتباطه بعالم الوحي، وذلك كطلبهم منه أن تكون له جنة و... حيث قالوا: (أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخيلوَعِنَب...) .

ومن الواضح انّ الثراء والتمكّن المادي لا يكون دليلاً على نبوة الإنسان وإلاّ لكان الرأسماليون كلّهم أنبياء إلهيّين.


1 . لقد ورد طلبهم من الرسول بالصورة التالية: (وقالوا لن نؤمن لك حتّى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً* أو تكون لك جنّة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيراً* أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً أو تأتي باللّه والملائكة قبيلاً* أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيّك حتّى تنزل علينا كتاباً نقرؤه قل سبحان ربّي هل كنت إلاّ بشراً رسولاً)(الإسراء:90ـ 93).


(198)

ولقد ردّ القرآن الكريم على ذلك الطلب بجملتين هما:

1. (سُبْحانَ رَبِّي) أي تنزّه ربّي،فقد ردّ سبحانه في هذه الجملة على طلب الرؤيا والمشاهدة الذي طلبوه من النبي، وكذلك ردّ على طلبهم ما ينافي هدف الرسالة من إسقاط السماء على رؤوسهم، و ردّ أيضاً على طلبهم بعض الأُمور التي تكون من قبيل الأُمور اللغوية التي لا تجدي نفعاً في هداية الناس وإرشادهم، ولذلك طلب سبحانه من نبيه أن ينزّهه عن كلّ واحد من تلك الأُمور المذكورة.

2. جملة: (...هَلْ كُنْتُ إِلاّ بَشَراً رَسُولاً) فإنّها على خلاف اعتقاد المستدل، لأنّ النبي الأكرم لم يُشر إلى عجزه ولم يعرّف نفسه بأنّه عاجز، بل أنّ جملة (هَلْ كُنْتُ إِلاّ بَشَراً رَسُولاً)تشير إلى معنى آخر، وهو أنّ مقام النبي مقام المأمور والمطيع للأمر الإلهي لا غير، وانّه ينفذ إرادة اللّه سبحانه كلّما شاء اللّه ذلك، وأمّا الأعمال والأفعال فإنّها بيد اللّه سبحانه وليس باستطاعة النبي التسليم مقابل كلّ ما يطلب منه من دون انتظار الإذن الإلهي.

وبعبارة أُخرى: انّ الآية في مقام الجواب ـ بعد تنزيه اللّه ـ قد ركّزت على كلمتي «بشر» و «رسول» والهدف من ذلك أنّ الرسول الأكرم أراد أن يبيّن لهم خطأ تفكيرهم وعدم صحّة طلبهم،وذلك بالبيان التالي:

إنّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كشف لهم أنّ طلبهم منه تلك الأُمور الخارقة للعادة لا يخرج عن حالتين:

إمّا أنّهم يطلبون منه ذلك باعتبار كونه بشراً مثلهم، وقد ردّ عليهم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بأنّ ـ و بلا ريب ـ طلبهم هذا باطل، لأنّ تلك الأُمور التي أرادوها تحتاج إلى قدرة إلهية تستطيع القيام بها، ولا شكّ أنّ قدرة الإنسان العادي مهما كان مقامه لا يمكن


(199)

أن تصل إلى درجة القدرة الإلهية، وذلك الإنسان يعجز عن الإتيان بتلك الأُمور الخارجة عن قدرته.

وأمّا إذا كان طلبهم منه تلك الأُمور باعتبار كونه نبياً ورسولاً، فكذلك طلبهم باطل وغير صحيح، وذلك لأنّ النبي لا يعدو عن كونه مأموراً فما يأمر به اللّه يمتثله وما ينهى عنه ينتهي عنه ويتركه وليس للنبي الحرية والإرادة المطلقة والاختيار الكامل والمستقل أمام الإرادة الإلهية بحيث يفعل ما يشاء متى يشاء، بل إرادته تابعة لإرادة اللّه سبحانه.

والخلاصة: أنّ الإتيان بالمعجزة لا يقع تحت اختيار وإرادة الرسول بحيث متى ما شاء هو أو طلب الناس منه الإتيان بالمعجزة يأتي بها بلا فصل، بل النبي في الواقع ينطلق ويتحرك في ظلّ الإرادة الإلهية وتبعاً لها ولا يخرج عنها أبداً كما لا يمكن للناس أن تحدد للنبي تكليفه في الفعل أو الترك، بل تكليفه نابع من الأمر الإلهي فقط. ولا فرق في ذلك بين النبي الأكرم محمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وبين سائر الأنبياء، ويمكننا الاستدلال على هذا الأمر بآيتين من الذكر الحكيم هما قوله سبحانه:

(...وَماكانَ لِرَسُول أَنْ يَأْتِيَ بِآيَة إِلاّ بِإِذْنِ اللّهِ...) .(1)

وقوله عزّ شأنه:(وَما كانَ لِرَسُول أَنْ يَأْتيَ بِآيَة إِلاّ بِإِذْنِ اللّهِ فَإِذا جاءَأَمْرُ اللّهِ قُضِيَ بِالحَقِّ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ).(2)

ولا ريب أنّ الإرادة الإلهية الحكيمة و الإذن بالإتيان بالمعجزة غير متوفرين دائماً مهما كانت الشروط، بل للمعجزة شروطها الخاصة بحيث متى ما توفّرت تلك الشروط يأتي الإذن الإلهي. من هذا المنطلق نرى أنّ الآيات النافية لطلب المعجزة


1 . الرعد:28.
2 . غافر:78.


(200)

ناظرة إلى الموارد التي يكون فيها الإذن الإلهي ـ و بسبب عدم توفر الشروط ـ غير متحقّق فعلاً، وهذا الأمر يختلف اختلافاً تاماً مع ادّعاء انّ النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لم يأت بمعجزة غير القرآن الكريم، وهذا ما يصطلح عليه علمياً: انّ نفي الأخص لا يدلّ على نفي الأعم.(1)


1 . منشور جاويد:5/196ـ 201.


(201)

37
عصمة الأنبياء وأدلّتها

سؤال: من النظريات المطروحة في علم الكلام نظرية عصمة الأنبياء، ولابدّ لكلّ نظرية أن تدعم بالدليل القاطع والبرهان الساطع، فما هي ياترى الأدلّة العقلية والنقلية لتلك النظرية؟

الجواب: لقد ذهب المفكّرون الشيعة إلى عصمة الأنبياء، وأنّهم معصومون من الذنب وكونهم مصونين من الخطأ قبل البعثة وبعدها، من غير فرق بين الذنوب الصغيرة والكبيرة والعمد والسهو. ونشير في البداية وبصورة مختصرة إلى الدليل العقلي للعصمة، ثمّ نشرع في ذكر الدليل القرآني على ذلك، ثمّ إنّنا نكتفي بدليلين من الأدلّة العقلية فقط، لأنّهما أكثر من غيرهما قوة وإحكاماً في إقناع الوجدان البشري.

1. القول بالعصمة يولد الوثوق بأفعالهم وأقوالهم

إنّ الهدف الأسمى والغاية القصوى من بعثة الأنبياء هو هداية الناس إلى التعاليم الإلهية وتربيتهم، ولا تحصل تلك الغاية إلاّ في ظلّ بعض شروط من أهمّها الإيمان بصدق المبعوثين والمربّين، ومع فقدان هذا الشرط تذهب جميع جهود ذلك


(202)

المربّي أدراج الرياح ويكون عمله كالنقش على الماء.

ولا ريب أنّه كلّما كان فعل المربي مطابقاً لقوله، كلّما تمكّن من جذب الناس إليه، ويكون ذلك سبباً لتوجه الناس إلى الدين الذي يدعو له.

وأمّا إذا كان هناك انفصام بين القول والعمل، فلا شكّ أنّه سيفقد حينئذ ثقة الناس واعتمادهم عليه وتصديقهم بصحّة دعواه. وحينئذ يتساءل كلّ عاقل: لو كان ذلك المربي مؤمناً بصحّة نظريته ورسالته فمن المستحيل أن يمارس عملاً أو يقوم بفعل يخالف تلك النظرية، بل ينبغي أن يكون هو السبّاق للعمل بما يدعو إليه.

ومن الممكن أن يقال: إنّه يكفي في الاعتماد على النبي مصونيته عن معصية واحدة، وهي الكذب فقط، أي أنّه لا يكذب. ولكن من الممكن أن يرتكب مخالفات أُخرى، وهذا لا يدلّ على زيف دعواه وبطلان نظريته وعجزه عن التربية والهداية.

والجواب: أنّ التفكيك بين المعاصي فرضية محضة لا يصحّ أن تقع أساساً للتربية العامّة لما فيها من الإشكالات:

أوّلاً: أنّ المصونية عن المعاصي نتيجة لإحدى العوامل التي ذكرناه في بحوثنا عند البحث عن حقيقة العصمة حيث قلنا: إنّ العصمة مقابل الذنوب جميعها أو بعضها معلول لسلسلة من الملكات والحالات النفسية التي تردع الإنسان عن الإقدام على المخالفة، ومن بين تلك الملكات يمكن الإشارة إلى «العشق الإلهي وحبّ الجمال والجلال» أو «الخوف من عواقب الذنوب» و غير ذلك. ففي مثل هذه الصورة كيف يمكن أن نتصوّر التفكيك بين الذنوب؟ وكيف نفترض وجود إنسان مستعد للقيام بأيّ نوع من أنواع الذنوب من قبيل


(203)

قتل النفس وهتك الأعراض وأكل المال بالباطل وغير ذلك ولكنّه في نفس الوقت يستحيل أن يكذب على اللّه تعالى؟ فإذا لم تكن في الإنسان صفة أو حالة الخوف من اللّه فلا وجه للتفكيك بين الذنوب.

ثانياً: لو صحّ التفكيك بينهما في عالم الثبوت والواقع، لا يمكن إثباته (الداعي لا يكذب أبداً وإن كان يرتكب سائر المعاصي) في حقّ الداعي ومدّعي النبوة.

إذ كيف يمكن للإنسان أن يقف على أنّ مدّعي النبوة مع ركوبه المعاصي واقترافه للمآثم لا يكذب أصلاً، حتى ولو صرّح الداعي إلى الإصلاح بنفس هذا التفكيك لسرى الريب إلى نفس هذا الكلام أيضاً.

وخلاصة ذلك: انّ الهدف من بعثة الأنبياء ـ الذي هو هداية الناس ودعوتهم إلى الدين ـ لا يتحقّق إلاّ في ظلّ «كسب اعتماد الناس وثقتهم بالداعي».

وإنّ هذا الهدف والمسلك العام لا يتحقّق إلاّ من خلال نزاهة وعصمة المربّي،وعلى هذا الأساس لابدّ أن يكون الأنبياء ـ وبحكم العقل ـ معصومين من الذنب والعصيان ليتسنّى لهم كسب الناس وانضمامهم إلى الدعوة والسير في طريق الهداية.

ويمكن أن يتصوّر أنّه يكفي في جلب ثقة الناس وقبولهم للدعوة نزاهة النبي عن اقتراف الذنوب وارتكاب المعاصي علانية وعلى مرأى ومسمع من الناس، وهذا لا ينافي كونه عاصياً ومقترفاً للذنوب في الخلوات وفي الخفاء، وهذا القدر من النزاهة كاف في جلب الثقة.

ولا ريب أنّ هذا التصوّر بحقّ الأنبياء يهدم الهدف من بعثتهم، وذلك لأنّه في حال تجرّد النبي عن السبب المانع والرادع النفسي عن اقتراف الذنب وإنّما


(204)

يبتعد عن الذنب أمام أعين الناس لغرض جلب رضاهم وثقتهم به، ففي هذه الصورة يفقد النبي ثقة الناس بصدقه، لأنّه من أين يعلم الناس أنّ هذا النبي في مجال تبيين الدساتير والأحكام الإلهية لا يكذب على اللّه؟

وحينئذ يفتقد الناس الملاك الحقيقي لتشخيص الصدق من الكذب.

أضف إلى ذلك أنّه يمكن للإنسان أن يخدع الآخرين بتزيين الظاهر مدة قليلة، ولكنّه لا يستطيع التستر على تلك الصفة النفاقية مدة طويلة فلا ينقضي زمان إلاّ وتنكشف السرائر ويُزاح الستار عن الحقيقة وتنكشف سَوْأته وتظهر عيوبه.

والخلاصة: انّ مثل هذه النظريات لا تنسجم مع بعثة الأنبياء، هذا من جهة، ومن جهة أُخرى إنّها غير قابلة للإجراء والتنفيذ على الأرض، وبهذا ينحصر طريق كسب الثقة وجلب الاعتماد بنزاهة وعصمة الأنبياء من الذنوب الظاهرة والخفية، وكلّ فرضية من قبيل الفرضيتين السابقتين لا تتجاوز عن كونها نظرية خيالية وتوهّماً باطلاً.

2. عوامل الجذب والانزجار

إنّ السيد المرتضى قد قرّر هذا البرهان ببيان آخر، وقال ما هذا حاصله: إنّ الهدف من بعثة الأنبياء إنّما يتحقّق حينما تكون حياة الدليل(النبي) الإلهي منزّهة عن أيّ ضعف، لأنّه لا شبهة في أنّ من تجوز عليه كبائر المعاصي ولا نأمن منه عدم الإقدام على الذنوب لا تكون أنفسنا ساكنة إلى قبول قوله واستماع وعظه كسكونها إلى من لانجوّز عليه شيئاً من ذلك، وهذا معنى قولنا: إنّ وقوع الكبائر منفّر عن القبول والمرجع فيما ينفّر وما لا ينفّر إلى العادات واعتبار ما تقتضيه،


(205)

وليس ذلك ممّا يستخرج بالأدلة والمقاييس، ومن رجع إلى العادة علم ما ذكرناه وأنّه من أقوى ما ينفّر عن قبول القول، فإنّ حظّ الكبائر في هذا الباب إن لم يزد على حظ السخف والمجون والخلاعة لم ينقص عنه.

فإن قيل: أليس قد جوّز كثير من الناس عليهم الكبائر مع أنّهم لم ينفروا عن قبول أقوالهم والعمل بما شرّعوه من الشرائع، وهذا ينقض قولكم: إنّ الكبائر منفّرة؟

قلنا: هذا سؤال مَن لم يفهم ما أوردناه، لأنّا لم نرد بالتنفير ارتفاع التصديق وأن لا يقع امتثال الأمر جملة، وإنّما أردنا ما فسّرناه من أنّ سكون النفس إلى قبول قول من يجوز ذلك عليه لا يكون على حدّ سكونها إلى من لا يجوز ذلك عليه، وإنّا مع تجويز الكبائر نكون أبعد عن قبول القول، كما أنّا مع الأمان من الكبائر نكون أقرب إلى القبول، وقد يقرب من الشيء ما لا يحصل الشيء عنده، كما يبعد عنه ما لا يرتفع عنده.

ألا ترى أنّ عبوس الداعي للناس إلى طعامه وتضجّره وتبرّمه منفّر في العادة عن حضور دعوته وتناول طعامه، وقد يقع مع ما ذكرناه الحضور والتناول ولا يخرجه من أن يكون منفّراً; وكذلك طلاقة وجهه واستبشاره وتبسّمه يقرب من حضور دعوته وتناول طعامه، وقد يرتفع الحضور مع ما ذكرناه ولا يخرجه من أن يكون مقرباً، فدلّ على أنّ المعتبر في باب المنفر والمقرب ما ذكرناه دون وقوع الفعل المنفر عنه أو ارتفاعه.

فإن قيل: فهذا يقتضي أنّ الكبائر لا تقع منهم في حال النبوة، فمن أين يُعلم أنّها لا تقع منهم قبل النبوة، وقد زال حكمها بالنبوة المسقطة للعقاب والذم، ولم يبق وجه يقتضي التنفير؟


(206)

قلنا: الطريقة في الأمرين واحدة، لأنّا نعلم أنّ من نجوّز عليه الكفر والكبائر في حال من الأحوال وإن تاب منهما وخرج من استحقاق العقاب به لا نسكن إلى قبول قوله مثل سكوننا إلى من لا يجوز ذلك عليه في حال من الأحوال ولا على وجه من الوجوه، ولهذا لا يكون حال الواعظ لنا، الداعي إلى اللّه تعالى ونحن نعرفه مقترفاً للكبائر مرتكباً لعظيم الذنوب، وإن كان قد فارق جميع ذلك وتاب منه عندنا وفي نفوسنا، كحال من لم نعهد منه إلاّ النزاهة والطهارة، ومعلوم ضرورة الفرق بين هذين الرجلين فيما يقتضي السكون والنفور، ولهذا كثيراً ما يعيّر الناس من يعهدون منه القبائح المتقدّمة بها وإن وقعت التوبة منها ويجعلون ذلك عيباً ونقصاً وقادحاً و مؤثراً، وليس إذا كان تجويز الكبائر قبل النبوة منخفضاً عن تجويزها في حال النبوة وناقصاً عن رتبته في باب التنفير (ولأجل ذلك) وجب أن لا يكون فيه شيء من التنفير، لأنّ الشيئين قد يشتركان في التنفير وإن كان أحدهما أقوى من صاحبه، ألا ترى أنّ كثرة السخف والمجون والاستمرار عليه والانهماك فيها منفر لا محالة، وأنّ القليل من السخف الذي لا يقع إلاّ في الأحيان والأوقات المتباعدة منفر أيضاً، وإن فارق الأوّل في قوّة التنفير ولم يخرجه نقصانه في هذا الباب عن الأوّل من أن يكون منفراً في نفسه.

فإن قيل: فمن أين قلتم إنّ الصغائر لا تجوز على الأنبياء ـ عليهم السَّلام ـ في حال النبوة وقبلها؟

قلنا: الطريقة في نفي الصغائر في الحالتين هي الطريقة في نفي الكبائر في الحالتين عند التأمّل، لأنّا كما نعلم أنّ من يجوز كونه فاعلاً لكبيرة متقدّمة قد تاب منها وأقلع عنها ولم يبق معه شيء من استحقاق عقابها وذمّها، لا يكون سكوننا إليه كسكوننا إلى من لا يجوز ذلك عليه، فكذلك نعلم أنّ من نجوّز عليه


(207)

الصغائر من الأنبياء ـ عليهم السَّلام ـ أن يكون مقدماً على القبائح مرتكباً للمعاصي في حال نبوّته أو قبلها وإن وقعت مكفرة لا يكون سكوننا إليه كسكوننا إلى من نأمن منه كلّ القبائح ولا نجوّز عليه فعل شيء منها.(1)

القرآن وعصمة الأنبياء من المعصية

بعد أن ذكرنا الدليل العقلي على عصمة الأنبياء ينبغي أن نرى الموقف القرآني من تلك القضية، انّ نظرة فاحصة إلى القرآن الكريم تبيّن لنا وبوضوح أنّ القرآن ينسجم مع حكم العقل في هذه المسألة، وصحيح أنّ القرآن الكريم لم يصرّح بعصمة الأنبياء على نحو الدلالة المطابقية كما صرّح في عصمة الملائكة، ولكن يمكن من خلال الإمعان في آيات الذكر الحكيم العثور على آيات كثيرة يمكن الاستدلال من خلالها على إثبات المطلوب ـ عصمة الأنبياء ـ وها نحن نشير إلى عدّة طوائف من آيات الذكر الحكيم.

الطائفة الأُولى

إنّ المتتبع للقرآن الكريم يجد هناك ثلاث آيات إذا ضممنا بعضها إلى بعض نستطيع إثبات عصمة الأنبياء، وهذه الآيات هي:

1. إنّ القرآن الكريم بعد أن يذكر أسماء عدد من الأنبياء والرسل يردفه بقوله: (أُولئِكَ الَّذينَ هَدَى اللّهُ فَبهُديهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاّذِكْرى لِلْعالَمينَ) .(2)

2. ويقول سبحانه : (...وَمَنْ يُضْلِلِ اللّهُ فَما لَهُ مِنْ هاد * وَمَنْ يَهْدِ اللّهُ فَما


1 . تنزيه الأنبياء:4ـ6.
2 . الأنعام:90.


(208)

لَهُ مِنْ مُضِلّ...) .(1)

3.ويقول سبحانه أيضاً: (أَلَمْ أَعْهَدْإِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبينٌ*وَأَنِ اعْبُدُوني هذا صِراطٌ مُسْتَقيمٌ* وَلَقَدْأَضَلَّ مِنْكُمْ جِبلاًّ كَثيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ).(2)

ومن خلال ضمّ هذه الآيات بعضها إلى بعض نستطيع التوصل إلى عصمة الأنبياء، لأنّ الآية الأُولى وبحكم مفاد جملة: (أُولئِكَ الَّذينَ هَدَى اللّهُ)تدلّ على أنّ الأنبياء مهديّون بهداية اللّه سبحانه على وجه يوجب الاقتداء بهم واتّخاذهم أُسوة.

وفي الآية الثانية نرى أنّ جملة: (وَمَنْ يَهْدِ اللّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلّ) تدلّ على أنّ من شملته الهداية الإلهية لا يضلّ ولا مضلَّ له، وأمّا الآية الثالثة فانّها تصرح بأنّ العصيان نفس الضلالة أو مقارن وملازم لها حيث تقول: (وَلَقَدْأَضَلَّ مِنْكُمْ جِبلاًّ كَثيراً ) وما كانت ضلالتهم إلاّ لأجل عصيانهم ومخالفتهم لأوامره ونواهيه.

وبالالتفات لهذه المضامين الثلاثة يمكن وبوضوح استنباط عصمة الأنبياء، وذلك إذا كان الأنبياء مهديّين بهداية اللّه سبحانه، ومن جانب آخر لا يتطرق الضلال إلى من هداه اللّه، ومن جانب ثالث إذا كانت كلّ معصية ضلالة يستنتج انّ من لا تتطرق إليه الضلالة لا يتطرق إليه العصيان.

وإذا أردنا أن نفرغ مفاد هذه الآيات في قالب الأشكال المنطقية نقول:

كلّ معصية وذنب ضلالة وانحراف.


1 . الزمر:36ـ 37.
2 . يس:60ـ 62.


(209)

والضلالة والانحراف لا سبيل لها إلى ساحة الأنبياء.

النتيجة: المعصية والذنب لا سبيل لها إلى ساحة الأنبياء.

الطائفة الثانية

إنّ القرآن الكريم وعد الذين يطيعون اللّه ورسوله بأنّهم سيحشرون مع الذين أنعم اللّه عليهم وهم:

1. الأنبياء، 2. الصدّيقون، 3. الشهداء، 4. الصالحون.

حيث يقول سبحانه:

(وَمَنْ يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنَعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدّيقينَ وَالشُّهَداءِ وَالصّالِحينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً).(1)

وعلى هذا الأساس يكون «الأنبياء» من الذين أنعم اللّه عليهم بلا شك ولا ريب هذا من جهة، ومن جهة ثانية يصف اللّه سبحانه وتعالى في سورة الفاتحة هذه الطائفة بأنّهم:

( غَيْرِالْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضّالّينَ) .(2)

أي أنّهم لم يكونوا مورداً لغضب اللّه وسخطه ولا هم ناكبون عن الصراط المستقيم، فإذا انضمت الآية الأُولى الواصفة للأنبياء بالإنعام عليهم إلى هذه الآية الواصفة لهم بأنّهم غير المغضوب عليهم ولا الضآلين، يستنتج عصمة الأنبياء


1 . النساء:69.
2 . الحمد:7.


(210)

بوضوح، لأنّ العاصي من يشمله غضب اللّه سبحانه ويكون ضالاً بقدر عصيانه ومخالفته.

الطائفة الثالثة

انّه سبحانه يصف جملة من الأنبياء بمجموعة من الصفات يقول تعالى:

(أُولـئِكَ الَّذِينَ أَنْعَـمَ اللّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّـةِ آدَمَ وَمِمَّـنْ حَمَلْنا مَعَ نُوح وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْراهيمَ وَإِسْـرائيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنا وَاجْتَبَيْنا إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُالرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً) .(1)

فمن الملاحظ انّ الآية الكريمة تصف الأنبياء بالأوصاف التالية:

1. (أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمْ) .

2. (هَدَيْنا) .

3. (وَاجْتَبَيْنا) .

4. (خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً) .

ثمّ إنّه يصف في الآية التالية لهذه الآية ذرية هؤلاء وأولادهم بأوصاف تقابل الصفات الماضية حيث يقول سبحانه:

(فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَونَ غَيّاً).(2)

ومن الملاحظ أنّه سبحانه يصف هذا الخلف بأوصاف ثلاثة تضاد أوصاف


1 . مريم:58.
2 . مريم:59.


(211)

آبائهم، وهذه الصفات هي:

1. (أَضاعُوا الصَّلاةَ) .

2. (وَاتَّبَعُوا الشَّهَوات) .

3. (يَلْقَونَ غَيّاً) .

وبحكم المقابلة بين الصفات المذكورة للطائفتين يمكن التوصّل إلى النتيجة التالية وهي: انّ الأنبياء ممّن لم يضيع الصلاة ولم يتبع الشهوات وممّن لا يلقون غيّاً، وكلّ من كان كذلك فهو مصون من الخلاف ومعصوم من اقتراف المعاصي، لأنّ العاصي لا يعصي إلاّ لاتّباع الشهوات وسوف يلقى أثر غيّه وضلالته.

الطائفة الرابعة

لا ريب أنّ المصلحين وعظماء العالم يقودون المجتمع إلى طريق الهداية والسعادة من خلال أقوالهم وأفعالهم، وانّ الجماعات المنقادة لهؤلاء المصلحين تتّخذ من أقوالهم وأفعالهم أُسوة وقدوة للاقتداء بهم والسير على نهجه، ولا ترى فرقاً بين القول والعمل في مجال التربية والإصلاح حتّى إذا فرضا انّ المصلح دعاهم إلى الاقتداء بقوله دون عمله، نجد انّ الناس يتعاملون مع هذه الدعوة باعتبارها بعيدة عن المنطق السليم، وحينئذ وبلا ريب أنّهم سيتفرقون عنه وينفصلون عن طريقه ومسلكه.

ففي مثل هذه الشروط الحاكمة في المجتمع نرى القرآن الكريم يقول:

(وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُول إِلاّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللّهِ...) .(1)


1 . النساء:64.


(212)

إنّ هذه الآية وبالالتفات إلى الأرضية السابقة تفيدنا انّه يجب الاقتداء بأقوال الأنبياء وأفعالهم وانّه إذا كان قول النبيّ حجّة وجديراً بالاتّباع، فإنّه وبلا شكّ تكون أفعاله كذلك.

وكلّما كان عمل الأنبياء مطابقاً لما جاءوا به من نظام إلهي لا يكون الاقتداء بهم خالياً من الإشكال فحسب، بل يكون لائقاً بالاقتداء والتبعية.

وأمّا إذا اعتقدنا أنّ هؤلاء الأنبياء غير معصومين عن الخطأ وجوزنا عليهم الوقوع في الخطأ وارتكاب الذنب عن قصد أو غير قصد، ففي هذه الصورة سنواجه مشكلة أساسية وهي: انّنا وبموجب هذه الآية مأمورون بوجوب اتّباعهم والاقتداء بهم، والعمل طبقاً لمنهجهم هذا من جهة.

ومن جهة ثانية باعتبار كون عملهم مخالفاً للقوانين الإلهية يجب علينا مخالفتهم وعدم الاقتداء بهم، لأنّ الصادر منهم أمر منكر يحرم الاقتداء به واتّباعه وتجب مخالفته، وحينئذ يقع المكلّف في حيرة، لأنّه في الواقع من قبيل الأمر بالمتناقضين.

وهذا التكليف محال قطعاً، وهذا يكشف لنا أنّ الأمر الوارد في الآية السابقة الدالّ على إطاعة النبي مطلقاً انّ النبيّ معصوم عن الوقوع في الخطأ والانحراف وارتكاب الذنب، وهذا هو معنى العصمة.

الطائفة الخامسة

إنّ هناك طائفة من الآيات تحث المسلمين على الاقتداء بالنبي الأكرم وقبول دعوته من دون قيد أو شرط، وهذا النوع من الآيات يشهد على عصمته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وها نحن نذكر هذه الآيات ونوضح دلالتها قال تعالى:


(213)

(قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَحيم).(1)

ويقول سبحانه:(مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللّهَ...).(2)

ويقول في آية أُخرى:

(وَمَنْ يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللّهَ وَيَتَّقهِ فَأُولئِكَ هُمُ الفائِزونَ).(3)

كما أنّه سبحانه يُندد بمن يتصوّر انّ على النبي أن يقتفي أثر الرأي العام بقوله:

(وَاعْلَمُوا أَنَّ فيكُمْ رَسُولَ اللّه لَوْ يُطيعُكُمْ في كَثير مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْْ...).(4)

إنّ هذه الآيات تدعو إلى طاعة النبي و الاقتداء به بلا قيد وشرط.

بل هناك آيات أُخرى تصرح انّ طاعة الرسول فرع طاعة اللّه سبحانه، وهذا يدلّ على عصمة الأنبياء من وجهين:

1. انّ جميع دعواته وأوامره القولية مرضية من قبل اللّه وانّها واجبة الإطاعة والانقياد إليها.

فإذا فرضنا أنّه غير معصوم من الذنب والخطأ في القول ففي مثل هذه الحالة لا يمكن أن تكون جميع أوامره ودعوته لازمة التنفيذ على العباد، وبما أنّه


1 . آل عمران:31.
2 . النساء:80.
3 . النور:52.
4 . الحجرات:7.


(214)

سبحانه قد أمر باتّباعه والاقتداء به في جميع أقواله، فهذا الأمر يكشف أنّ النبي لم ولن يخالف الأوامر الإلهية ولم يخرج عمّا يرضي اللّه قيد شعرة، وإنّ ما يقوله هو عين الحقيقة دائماً.

2. انّ الدعوة عن طريق العمل والفعل من أقوى العوامل تأثيراً في مجال التربية والتعليم وأرسخها، وكلّ عمل يصدر من الرسل فالناس يتلقّونه دعوة عملية إلى اقتفاء أثره في ذلك المجال. فإنّ مقام النبوة في المجتمع مقام حسّاس ودقيق جداً حيث تخضع أقوالهم وأعمالهم للمراقبة الدقيقة من قبل المجتمع، وحينئذ يتّخذ المجتمع من حياتهم أُسوة وقدوة له، فإذا كان هؤلاء الأنبياء غير معصومين ومنزّهين فمن المستحيل أن يأمر اللّه باطاعتهم من دون قيد ولا شرط وخاصة انّ القرآن قد عرّفه بكونه «أُسوة» وأمر المجتمع بالاهتداء بنوره قولاً وعملاً واتّخاذه أُسوة لهم حيث قال سبحانه:

(لَقَدْ كانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرجُوا اللّه وَاليَومَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللّهَ كَثيراً).(1)

إنّ اعتبار الرسول أُسوة وقدوة يدلّ دلالة واضحة على أنّ جميع ما يصدر من الرسول من قول أو فعل، فإنّه منزّه عن الخطأ مهما قلّ وانّ جميع ما يصدر عنه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مطابقاً لرضاه سبحانه وموافقاً لحكمه وانّه عين الحقيقة.

الطائفة السادسة

هناك طائفة من الآيات تحكي لنا قول الشيطان بعد طرده من قبل اللّه تعالى حيث قال:


1 . الأحزاب:21.


(215)

(...فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعينَ* إِلاّعِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصينَ).(1)

وقد ورد هذا المضمون في الآيتين 39 و40 من سورة الحجرات حيث قال:

(...وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعينَ* إِلاّعِبادَكَ مِنْهُمُ المُخْلَصينَ) .

فهذه الآيات ونظائرها تحكي عن نزاهة المخلصين عن إغواء الشيطان وجرّهم إلى جادة الانحراف، ولا ريب انّ النزاهة عن الإغواء والانحراف تعني العصمة المطلقة، لأنّ كلّ فرد إذا اقترف ذنباً مهما كان صغيراً، فهذا يعني انّه قد وقع تحت إغواء الشيطان ومصائده وانّ للشيطان سهماً في هذا الذنب حيث إنّ عمل الشيطان هو الوسوسة في الصدور لا غير، وتنزّه الفرد عن الغواية يلازم التنزّه عن المعصية والتمرد على الشيطان، كما أنّ ارتكاب الذنب والمخالفة مهما صغرت لا تنفك عن إغواء الشيطان ودعوته وتحريكه. وعلى هذا الأساس كلّما تنزّه عباد اللّه المخلصون عن إغواء الشيطان، فبالطبع هذا يجرّ إلى تنزّههم عن الذنب.

هذه طائفة من الآيات التي دلّت على أنّ المخلصين معصومون ومنزّهون عن الذنب، وفي هذا المجال هناك طائفة أُخرى من الآيات تثني على هؤلاء المخلصين وتمدحهم.(2)

وإلى جنب هذه الآيات هناك آيات أشارت إلى مصاديق وجزئيات«المخلصين» منها قوله تعالى:

(وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولي الأَيْدي وَالأَبْصارِ* إِنّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَة ذِكْرَى الدّارِ* وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا


1 . ص:82ـ 83.
2 . انظر الصافات:40، 74، 128، 160، 169.


(216)

لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الأَخْيار*وَاذْكُرْإِسْماعِيلَوَاليَسَعَ وَذا الكِفْلِوَكُلٌّ مِنَ الأَخْيارِ).(1)

فهؤلاء الأنبياء الذين ورد ذكرهم في الآية وبحكم قوله: (إِنّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَة) كلّهم من المخلصين الذين شهدت الآيات على نزاهتهم، وبضمّ هذه الطائفة من الآيات التي حدّدت المصاديق من المخلصين إلى الطائفة الأُخرى التي أثبتت أنّ «المخلصين» منزّهون عن إغواء الشيطان،وأنّهم معصومون من الذنب، يتّضح جلياً انّ هذه الطائفة من الأنبياء الذين ذكرت أسماؤهم في الآية السالفة معصومون ومنزّهون من الذنب قطعاً.

و الجدير بالذكر أنّ هناك أصل مسلم بين العلماء وهو: القول بعدم الفصل بين الأنبياء من ناحية العصمة حيث إنّ الجميع متّفقون إمّا على القول بعصمة الأنبياء أو عدم عصمتهم، ولا يوجد هناك من يفصل بين نبي دون نبي بأن يثبت العصمة لهذا دون ذاك. فإذا أخذنا هذا الأصل بعين الاعتبار يثبت انّ إثبات العصمة لطائفة من الأنبياء يستلزم إثباتها لجميع الأنبياء وإن لم يرد اسمهم في الآيات المحدّدة للمصاديق.

هذا بعض ما يمكن الاستدلال به على عصمة الأنبياء وبقيت هناك آيات يمكن الاستدلال بها على العصمة مثل قوله سبحانه:

(...وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراط مُسْتَقيم) .(2)

إذ يمكن القول: إنّ المقصود من الاجتباء في قوله: (اجْتَبَيْنا) هو إفاضة العصمة عليهم بلا فصل بين نبي ونبي آخر.(3)


1 . ص:45ـ 48.
2 . الأنعام:87.
3 . منشور جاويد:5/37ـ 48.


(217)

38
حقيقة العصمة

سؤال: ما هي حقيقة العصمة؟

الجواب: يمكن القول وبصورة مختصرة انّ حقيقة العصمة هي الدرجة القصوى من التقوى، أي انّ العصمة ترجع إلى التقوى، بل هي الدرجة العليا منها، فما توصف وتعرّف به التقوى توصف و تعرّف به العصمة، فكلّما تصوّرنا معنى للتقوى نجد ذلك المعنى وبصورة أكمل موجوداً في العصمة، فإذا قلنا: إنّ التقوى حالة نفسانية تعصم الإنسان عن اقتراف الكثير من القبائح والمعاصي فلابدّ من القول أيضاً: إنّ العصمة ملكة نفسانية راسخة في النفس،تعصم الإنسان عن ارتكاب الذنب بصورة مطلقة فلا يرتكب المعاصي مطلقاً، بل لا يفكّر فيها أبداً ولا يحوم حولها. وعلى هذا الأساس عرّف المحقّقون العصمة بأنّها: قوّة تمنع الإنسان عن اقتراف المعصية والوقوع في الخطأ.(1)

وبعبارة أُخرى: العصمة ملكة نفسانية راسخة في النفس لها آثار خاصة لا تنفك عنها كسائر الملكات النفسانية كالشجاعة والعفّة والسخاء فإنّها جميعاً من


1 . الميزان:2/142، ط طهران.


(218)

الصفات التي ترسخ في النفس الإنسانية وتستحكم وتتطلب آثاراً خاصة بها. فإذا كان الإنسان شجاعاً وجسوراً، سخياً وباذلاً، عفيفاً و نزيهاً يطلب في حياته معالي الأُمور ويتجنب عن سفاسفها،فيطرد ما يخالف ذلك من الآثار كالخوف والجبن والبخل والإمساك والقبح والسوء ولا يرى في حياته أثراً منها، ولا ريب أنّ العصمة من هذه المقولة، فإذا بلغ الإنسان درجة قصوى من التقوى والعفاف والنزاهة، وصارت تلك حالة راسخة في نفسه يصل حينئذ إلى حدّ لا يُرى في حياته أثر للعصيان والطغيان والتمرد والتجري والانحراف، وتصير نفسه نقيّة عن كلّ أنواع المعصية.

ولكنّ هناك سؤالاً يطرح نفسه وهو: كيف يصل الإنسان إلى هذا المقام من التقوى والخشية من اللّه؟ وما هي العوامل التي تساعده وتمكّنه من الوصول إلى هذه الحالة بحيث تسمو نفسه إلى درجة لا يفكر بالمعصية؟

العصمة النسبية والمطلقة

لكي يتّضح المطلب جليّاً لابدّ من الإشارة إلى أنّ العصمة المطلقة تختص بطبقة خاصة من الناس وهم الأنبياء والأئمّة ـ عليهم السَّلام ـ ، ولكنّ العصمة النسبية ـ ونعني بها المصونية في مقابل بعض الذنوب ـ لا تختص بالأنبياء والأئمّة فقط. بل تعمّ الكثير من الناس الشرفاء فإنّ الإنسان الشريف وإن كان غير معصوم من جميع الذنوب، وأنّه يقترف بعض المعاصي، لكنّه وبلا ريب يجتنب عن بعضها اجتناباً تاماً بحيث يتجنّب عن التفكير بها فضلاً عن ارتكابها، وعلى سبيل المثال الإنسان الشريف لا يتجول عارياً في الشوارع والطرقات، ويعدّ ذلك من الذنوب والقبائح الكبيرة التي لا ينبغي ارتكابها، بل لا ينبغي التفكير بها، كما أنّ كثيراً من الناس


(219)

معصومون من اقتراف السرقة المسلّحة وقتل الإنسان البريء وكذلك الانتحار، أي انّهم يمتلكون حالة نفسانية تعتبر كلّ تلك الأفعال من الأُمور القبيحة التي ينبغي للإنسان التنزّه عنها والتنفّر حتّى من التفكير فيها.

إذا تعرفنا على العصمة النسبية التي هي موجودة لدى غالب الأفراد تقترب حينئذ حقيقة العصمة المطلقة في أذهاننا، ويمكن لنا حينئذ التعرف على ماهيّتها بحيث يمكننا أن نعرفها : بأنّها قوّة باطنية وحالة نفسانية ونوع من التقوى والنزاهة الداخلية تمنع صاحبها من التفكير في الذنب فضلاً عن ارتكابه. وإذا ما سلبت هذه الحالة منه يعود إنساناً عادياً يتصف بالعصمة النسبية فقط لا العصمة المطلقة.

العصمة نتيجة العلم بعواقب المعاصي

هناك نظرية أُخرى لتبيين حقيقة العصمة يذهب إليها بعض المحقّقين، ومفادها: إنّ العصمة عبارة عن وجود العلم القطعي اليقيني بعواقب المعاصي و الآثام، علماً قطعياً لا يغلب ولا يدخله شكّ ولا يعتريه ريب.(1)

ومعنى كلام العلاّمة الطباطبائي ـ قدَّس سرَّه ـ : انّ العلم الذي لا يغلب هو العلم بلوازم الذنوب، ومن المسلّم انّه ليس كلّ علم بلوازم الذنوب يبعث على المصونية والعصمة من الذنب، بل ينبغي أن يكون العلم بدرجة من القوّة والشدّة بحيث تتجسّد آثار الذنوب أمام الإنسان ويراها ببصيرة القلب، ففي مثل هذه الحالة يصبح صدور الذنب من ذلك الإنسان من قبيل المحال العادي، أي يستحيل عادةً أن يصدر منه الذنب.


1 . الميزان:2/82.


(220)

وهذه النظرية لا تتنافى مع ما ذكرناه في النظرية الأُولى، بل النظرية الثانية تمثّل الأساس من النظرية الأُولى، وذلك:

إنّ حالة الخشية المطلقة من اللّه، وبتعبير آخر: «الدرجة القصوى من التقوى»لا يمكن أن تتحقّق من دون العلم القطعي بلوازم وتبعات المعصية والذنب، وذلك لأنّ الإنسان المعصوم بسبب علمه يدرك ويلمس آثار وتبعات الذنوب، وبذلك يستطيع أن يُؤمن نفسه من الإصابة بتلك الأُمور حيث إنّه يرى ومن هذا العالم الدنيوي مقامات أصحاب الجنة ودركات أصحاب الجحيم ويحسّ لهيب جهنم بنحو ودرجة يمتنع عندها ظهور أيّ عامل من عوامل ارتكاب الذنوب في روحه وفي نفسه، ويكون في الواقع حقيقة ومصداقاً لقوله تعالى:

(كَلاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقينِ* لَتَرَوُنَّ الْجَحيمَ).(1)

فانّه في ظلّ علم اليقين الذي يحمله يطلُّ من هذه الدنيا على العالم الآخر ليرى ما فيه وتتّضح له الصورة حتّى يستحيل عليه أن يحوم حول الذنب أو يفكّر فيه، ومن هذا المنطلق نرى أنّ العلاّمة الطباطبائي ـ قدَّس سرَّه ـ يرى أنّ العصمة من مقولة العلم القطعي، وأنّ هذا العلم القاطع ينتج درجة عالية من التقوى، وفي النتيجة انّ النظريتين منسجمتان انسجاماً تاماً ولا تنافي بينهما.

العصمة نتيجة الاستشعار بعظمة الرب وكماله وجماله

إنّ هنا نظرية ثالثة لتفسير حقيقة العصمة بأنّها استشعار العبد بعظمة الخالق وحبّه وتفانيه في معرفته وعشقه له يصدّه عن سلوك ما يخالف رضاه


1 . التكاثر:5ـ6.


(221)

سبحانه.

إنّ الإنسان المعصوم وبسبب معرفته القصوى بمعدن الكمال المطلق وجماله وجلاله يجد في نفسه انجذاباً نحو الحقّ وتعلّقاً خاصاً به بحيث لا يستبدل برضاه شيئاً، وهذا الكمال المطلق يؤجج في نفسه نيران الشوق والمحبة ويدفعه إلى أن لا يبتغي سواه، ولا يطلب سوى إطاعة أمره وامتثال نهيه، ويصبح كلّ ما يخالف أمره ورضاه منفوراً لديه وقبيحاً في نظره أشدّ القبح وعندئذ يصبح هذا الإنسان مصوناً عن المخالفة بعيداً عن المعصية بحيث لا يؤثر على رضاه شيئاً وإلى ذلك يشير أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ بقوله:

«ما عَبَدْتُكَ خَوْفاً مِنْ نارِكَ وَلا طَمَعاً فِي جَنَّتِكَ بَلْوَجَدْتُكَ أَهْلاً لِلْعِبادَةِ».(1)

وعلى هذا الأساس سواء قلنا: إنّ العصمة معلولة للكمال النفساني والروحي للمعصوم، أو إنّها نتيجة العلم القطعي الذي لا يغلب، أو إنّها استشعار المعصوم بعظمة الرب، فعلى كلّ حال تكون العصمة غير خارجة عن ذات الإنسان الكامل، بل هي قوّة في النفس تعصم الإنسان عن الوقوع في مخالفة الرب سبحانه، ولكن هناك بعض الروايات تصرّح بأنّ العصمة نتيجة لأمر خارجي يطلق عليه «روح القدس» يعصم الأولياء من ارتكاب الخطأ، وهذا ما سنبحثه في مكان آخر.


1 . عوالي اللآلي:1/404.


(222)

39
الجذور التاريخية لظهور نظرية العصمة

سؤال: لكي نفهم أصالة أي مفهوم من المفاهيم الإسلامية لابدّ من تسليط الضوء على جذور ذلك المفهوم وبيان نشأته، ومن تلك المفاهيم، مفهوم العصمة، لذلك يرجى تسليط الضوء على بيان الجذور التاريخية لهذا المفهوم.

الجواب: لقد وردت لفظة العصمة في القرآن الكريم بجميع مشتقاتها المختلفة ثلاث عشرة مرّة، كلّها ترجع إلى معنى واحد وهو الإمساك والمنع.

يقول ابن فارس: «عصم أصل واحد صحيح يدلّ على إمساك ومنع وملازمة والمعنى في ذلك كلّه معنى واحد».(1)

والقرآن الكريم استعمل ذلك المفهوم بنفس معناه اللغوي، فعلى سبيل المثال حينما يدعو اللّه سبحانه الناس إلى الإيمان يأمرهم بالاعتصام بحبل اللّه ويستعمل كلمة «العصمة» فيقول سبحانه:

(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا...) .(2)


1 . المقاييس:4/331.
2 . آل عمران:103.


(223)

وحينما ينقل لنا موقف النبي يوسف ـ عليه السَّلام ـ وامتناعه عن الاستجابة والامتثال لدعوة امرأة العزيز ومراودتها إيّاه يقول تعالى:

(...وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعصَمَ...) .(1)

ومن الملاحظ انّه قد استعملت لفظة العصمة في الآية الأُولى في الإمساك والتحفّظ، وفي الثانية في المنع والامتناع، والكلّ يرجع إلى معنى واحد.

وأحياناً يطلق لفظ العصمة على الشيء الذي يمتلك خاصية الوقاية ويمنع الإنسان من الوقوع في ما يكره، ومن هذا المنطلق، أُطلق هذا المصطلح على قمم الجبال، يقول الشيخ المفيد ـ قدَّس سرَّه ـ : إنّ العصمة في أصل اللغة هي ما اعتصم به الإنسان من الشيء كأنّه امتنع به عن الوقوع في ما يكره، وليس هو جنساً من أجناس الفعل، ومنه قولهم: اعتصم فلان بالجبل، إذا امتنع به، ومنه سمّيت العصم، وهي وعول الجبال لامتناعها بها.(2)

ومن هذه الجهة أطلق العرب على الحبل الذي يشدّ به الرحل أو الحمل لفظ «العصام»، لأنّه وبواسطة هذا الحبل يحفظ من السقوط والتبعثر. وعلى كلّ تقدير المقصود من هذا اللفظ في بحثنا هو صيانة عباد اللّه الصالحين من الخطأ والعصيان، بل الصيانة في الفكر والعزم، فالمعصوم المطلق من لا يخطأ في حياته ولا يعصي اللّه في عمره ولا يريد العصيان ولا يفكّر به.

الجذور التاريخية لنظرية العصمة

لا ريب انّ علماء اليهود ليسوا هم الذين ابتدعوا فكرة العصمة، وذلك


1 . يوسف:32.
2 . أوائل المقالات:134، باب القول في العصمة ما هيّ.


(224)

لأنّهم قد نسبوا إلى أنبيائهم الكثير من المعاصي حتّى أنّ العهد القديم يذكر من ذنوب الأنبياء ـ عندهم ـ ما يصل بعضها إلى حدّ الكبائر!

كما أنّ علماء النصارى وإن كانوا ينزّهون السيد المسيح من كلّ عيب وشين ولكنّ تنزيههم هذا لا ينطلق من رؤيتهم للمسيح على أساس كونه بشراً أُرسل لتعليم الناس وإنقاذهم، بل ينطلقون في ذلك التنزيه من فكرة مفادها انّ المسيح هو «الإله المتجسد» أو هو ثالث ثلاثة، وعند ذلك لا يمكن أن يكون المسيحيون مبدعين لهذه المسألة في الأبحاث الكلامية، لأنّ موضوعها الإنسان المرسل وهم يرون أنّ السيد المسيح فوق العنصر البشري.

ثمّ إنّ بعض المستشرقين قد أدلى بدلوه في هذا الصدد وحاول الخوض لتفسير منشأ العصمة، منهم:«المستشرق رونالدسن» في كتابه«عقيدة الشيعة» حيث اعتبر انّ الفكرة وليدة العقل والذهنية الشيعية، فقال: إنّ فكرة عصمة الأنبياء في الإسلام مدينة في أصلها، وأهميتها التي بلغتها بعدئذ إلى تطور «علم الكلام» عند الشيعة، وأنّهم أوّل من تطرق إلى بحث هذه العقيدة ووصف بها أئمتهم ويعلّل «رونالدسن» ذلك بأنّ الشيعة لكي يثبتوا دعوى الأئمّة ـ وأحقيّتهم ـ تجاه الخلفاء السنيّين أظهروا عقيدة عصمة الرسل بوصفهم أئمة أو هداة.(1)

وهذا الرأي يذهب إليه المستشرق اليهودي «جُلد تسيهر» صاحب كتاب «العقيدة والشريعة».

إنّ نظرة تحليلية إلى تاريخ ذلك المفهوم والمصادر الإسلامية «الكتاب والسنّة» تبيّن لنا وهن هذا التحليل وركاكته وأنّه لا يبتني على أُسس علمية


1 . عقيدة الشيعة:328; العقيدة والشريعة:180.


(225)

رصينة، بل هو من الأوهام والأساطير التي اخترعتها ذهنية هؤلاء الرجال الذين ابتعدوا عن التحقيق العلمي ولجأوا إلى الوهم والخيال عداءً منهم للإسلام والمسلمين بصورة عامة وللشيعة وأئمّتهم بصورة خاصة.

ولكي تنكشف الحقيقة ويتّضح الأمر جليّاً لابدّ من دراسة المسألة في إطار المصادر الإسلامية الأصيلة.

القرآن الكريم ومسألة العصمة

إنّ العصمة التي هي بمعنى المصونية عن الخطأ والنسيان ـ وبغض النظر عن مصاديقها ـ قد وردت في الذكر الحكيم كثيراً، فقد جاء وصف بعض الملائكة هكذا:(...عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لايَعْصُونَ اللّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ).(1)

ولا يوجد أوضح وأدل على المطلوب من قوله سبحانه: (...لا يَعْصُونَ اللّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ)، ولقد كان الصدر الأوّل من المسلمين ومن خلال تلاوة هذه الآية المباركة ـ ليلاً ونهاراً ـ يدركون وبلا أدنى ريب أنّ الملائكة معصومون ويعتبرون ذلك من الأُمور المسلّمة عندهم.

وإذا كانت هذه الآية قد أثبتت العصمة للملائكة فإنّ هناك آيات أُخرى تصف القرآن الكريم بأنّه مصون عن الخطأ والاشتباه حيث يقول سبحانه:

(لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ...) .(2)

ويقول جلّ اسمه:(إِنَّ هذَا الْقُرآنَ يَهْدِي لِلَّتي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ


1 . التحريم:6.
2 . فصلت:42.


(226)

الْمُؤْمِنينَ...) .(1)

فهذه الأوصاف ونظائرها تنص على مصونية القرآن من كلّ خطأ وضلال وأنّه يتصدر المرتبة العليا من العصمة والنزاهة، وبالالتفات إلى هذه الآيات التي تتحدث عن عصمة الملائكة وعصمة القرآن الكريم، لابدّ من الإذعان أنّ مفهوم العصمة هو من المفاهيم القرآنية التي طرحها القرآن الكريم وألفت نظر المسلمين إليها لا أنّـها استعيرت من خارج العالم الإسلامي، أو أنّها من إبداعات الشيعة لأغراض مذهبية.(2)


1 . الإسراء:9.
2 . منشور جاويد:5/4ـ6.


(227)

40
العصمة موهبة إلهية أو أمر اكتسابي

سؤال: هل العصمة موهبة إلهية أو أمر اكتسابي بحيث يتسنّى لكلّ إنسان الحصول عليها والتحلّي بها؟

الجواب:لا شكّ انّ «العدالة» وقسماً من مراتب التقوى من الأُمور الاكتسابية التي يتسنّى لكلّ إنسان سويّ نزيه ومتحرّر من قيود شهوات النفس الأمّارة بالسوء الحصول عليها والتحلّي بها، ولكنّ البحث في مجال آخر، وهو:

إنّ العصمة سواء فُسِّرت بكونها هي الدرجة العليا من التقوى أو بكونها العلم القطعي بعواقب المآثم والمعاصي أم فسّرت بالاستشعار بعظمة الرب وجماله وجلاله، هل هي موهبة إلهية لعباده المخلصين أم هي أمرٌ يحصل عليه الإنسان من خلال الاكتساب؟

الظاهر من كلمات المتكلّمين انّ العصمة موهبة من مواهب اللّه سبحانه يتفضّل بها على من يشاء من عباده بعد توفر الأرضية الصالحة والقابلية المصحّحة لإفاضتها عليهم، وأنّها غير قابلة للتحصيل والكسب أبداً.

وبعبارة أُخرى: انّ العصمة لطف إلهي يتفضّل به اللّه ـ و تحت بعض


(228)

الشروط ـ على عباده المعصومين، ولمزيد الاطّلاع نأتي ببعض النصوص لعلماء الإسلام في هذا المجال:

يقول أُستاذالكلام الشيعي ورائده الشيخ المفيد:

«العصمةُ لطف يفعله اللّه بالمكلّف بحيث يمنع من وقوع المعصية وترك الطاعة مع قدرته عليهما».(1)

ويقول أيضاً في كتاب «تصحيح الاعتقاد»: والعصمة من اللّه تعالى لحججه التوفيق واللطف والاعتصام من الحجج بها عن الذنوب والغلط في دين اللّه تعالى، والعصمة تفضّل من اللّه تعالى على من علم أنّه يتمسّك بعصمته، والاعتصام فعل المعتصم، وليست العصمة مانعة من القدرة على القبيح ولا مضطرة للمعصوم إلى الحسن، ولا ملجئة له إليه، بل هي الشيء الذي يعلم اللّه تعالى انّه إذا فعله بعبد من عبيده لم يؤثر معه معصية له، وليس كلّ الخلق يُعلم هذا من حاله، بل المعلوم منهم ذلك هم الصفوة والأخيار.(2)

وليس الشيخ المفيد هو الوحيد الذي يذهب إلى كون العصمة «موهبة إلهية» بل ذهب إلى ذلك تلميذه الجليل السيد المرتضى حيث اعتبر انّ العصمة لطف إلهي، وقال:

«العصمة هي لطف اللّه الذي يفعلُه تعالى فيختار العبدُ عنده الامتناع عن فعل القبيح».(3)

كما صرّح المحقّقان العلاّمة الحلّي والفاضل المقداد بكون العصمة موهبة


1 . النكت الاعتقادية:45ـ 46، ط بغداد.
2 . تصحيح الاعتقاد المطبوع ضمن مصنفات الشيخ المفيد:4/128.
3 . أمالي المرتضى:2/347.


(229)

إلهية.

فقد ذكر العلاّمة الحلّي ذلك في «كشف المراد» و قال:«العصمة لطف يفعله اللّه تعالى بصاحبها لا يكون معه داع إلى ترك الطاعة وارتكاب المعصية ثمّ فسّر أسباب هذا اللطف بأُمور أربعة».(1)

كما أنّ العلاّمة المقداد السيوري قال في كتابه القيّم:«اللوامع الإلهية في المباحث الكلامية»:

العصمة لطف يفعله اللّه بالمكلّف بحيث يمتنع منه وقوع المعصية، لانتفاء داعيه ووجود صارفه مع قدرته عليه، ثمّ نقل عن الأشاعرة بأنّها هي القدرة على الطاعة وعدم القدرة على المعصية.(2)

ثمّ إنّه نقل عن بعض العلماء قولهم: إنّ المعصوم خلقه اللّه جبلة صافية وطينة نقية ومزاجاً قابلا، وخصّه بعقل قوي وفكر سوي، وجعل له ألطافاً زائدة، فهو قوي بما خصّه على فعل الواجبات واجتناب المقبحات، والالتفات إلى ملكوت السماوات، والإعراض عن عالم الجهات، فتصير النفس الأمّارة مأسورة مقهورة في حيّز النفس العاقلة.(3)

إلى غير ذلك من الكلمات التي تصرح بكون العصمة موهبة إلهية لعباده المخلصين، وانّ هذا ممّا اتّفق عليه القائلون بالعصمة حيث الكلّ فسّرها بالموهبة الإلهيّة، وهذا هو الرأي المختار عندنا أيضاً، وأمّا ما ذهب إليه الأشاعرة من كون العصمة سلب القدرة على ارتكاب الذنب فإنّه كلام لا أساس له من الصحة.


1 . كشف المراد:228، ط صيدا.
2 . اللوامع الالهية:169.
3 . اللوامع الإلهية:169.


(230)

ثمّ إنّ أُستاذنا العلاّمة الطباطبائي رحمه اللّه قد فسّر العصمة بأنّها : العلم الذي لا يغلب الذي يمنحه اللّه للمعصوم.(1)

إضافة إلى ذلك أنّ هناك بعض الآيات القرآنية التي تؤيد ـ وبنحو ما ـ كون العصمة موهبة إلهية.

فقد جاء في سورة (ص) بعد ذكر «إبراهيم» و «إسحاق» و«يعقوب» وصفهم بقوله تعالى:

(وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأَخْيارِ) .(2)

كما ورد في القرآن أيضاً وصف أنبياء بني إسرائيل بقوله:

(وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْم عَلَى الْعالَمينَ).(3)

ويقول تعالى في حق أهل بيت النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :

(...إِنَّما يُريدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً).(4)

ومن المسلّم به أنّ إزالة أي نوع من أنواع الرجس والذنب لا يمكن أن يتحقّق إلاّ في ظلّ منح العصمة لأصحابها.

ولا ينحصر الأمر في الآيات المذكورة، بل توجد آيات أُخرى في هذا المجال لا تخفى على من له علم بالقرآن الكريم جميعها تشهد ـ وبصورة ما ـ على كون العصمة موهبة إلهية، وخاصة آية التطهير التي ذكرناها والتي تعتبر انّ


1 . الميزان:5/81.
2 . ص:47.
3 . الدخان:32.
4 . الأحزاب:33.


(231)

متعلّق الإرادة الإلهية هو إزالة الرجس والذنب عنهم، ولا ريب انّ المقصود من هذه الإرادة هي الإرادة التكوينية لا التشريعية، لأنّ الإرادة التشريعية حقٌّ لجميع الأفراد حيث أراد سبحانه من الجميع سلوك طريق الطاعة والعبودية للّه سبحانه والتخلّص عن الرجس من خلال هذا الطريق المهيع.(1)


1 . منشور جاويد:5/20ـ 24.


(232)

41
العصمة المفاضة وكونها فخراً لأصحابها

سؤال: إذا كانت العصمة أمراً مفاضاً وموهبة من اللّه منحها للمعصومين فحينئذ ما هو وجه افتخار المعصومين وفضلهم على غيرهم من الناس؟

الجواب:لا ريب انّ العصمة موهبة إلهية،وفخر لصاحبها، وهي لطف منه تعالى، ولكن هذا اللطف لا يمكن أن يفاض على جميع الأفراد، بل أنّه يفاض بعد تحقّق الأرضية الصالحة في نفس المعصوم تقتضي إفاضة تلك الموهبة الإلهية إليه.

ولا شكّ أنّ قسماً من تلك القابليات خارج عن اختيار الإنسان،وقسماً آخر يقع في إطار إرادته واختياره، فعلى سبيل المثال: الكمالات والقابليات الروحية التي تكون عاملاً مساعداً في إفاضة العصمة وتوفر الأرضية اللازمة لذلك الفيض،هي من قبيل الأُمور الوراثية التي تنتقل من الآباء والأجداد إلى الأبناء، ولقد أثبت «علم الأحياء» بما لا شكّ فيه تلك الحقيقة، سواء كانت تلك الصفات والروحيات صالحة أو طالحة، كالشجاعة والجبن وغير ذلك، ومن هذا المنطلق نجد أنّ الأنبياء ـ وكما يرسم لنا ذلك تاريخ حياتهم ـ كانوا


(233)

يتولّدون في البيوتات الصالحة والعريقة بالفضائل والكمالات ومازالت تنتقل تلك الكمالات والفضائل الروحية السامية من نسل إلى نسل وتتكامل إلى أن تتجسد في نفس النبي حتّى يتولّد وهو يحمل روحاً طيبة وقابليات كبيرة واستعدادات واسعة تكوّن الأرضية المناسبة لإفاضة المواهب الإلهية عليه.

ثمّ إنّ العامل الوراثي ليس هو العامل الوحيد لانتقال الكمالات الروحية وتكوّن القابليات والاستعدادات المقوّمة للشخصية، بل هناك عامل آخر لتكوّنها وهو عامل التربية. وعلى هذا الأساس تكون الكمالات والفضائل المتوفرة في بيئتهم ومحيطهم تنتقل إليهم من طريق التربية.

ففي ظلِّ هذين العاملين:«الوراثة، والتربية» ـ وهما بلا شك خارجان عن الاختيار ـ تنشأ سلسلة من الكمالات الروحية والقابليات الأخلاقية، وتتوفر الأرضية اللازمة لإفاضة «العصمة» من اللّه سبحانه على الأنبياء والأئمّة.

وليس هذان العاملان هما السبب الوحيد لإفاضة العصمة، بل هناك عوامل أُخرى لاكتساب الأرضية الصالحة داخلة في إطار الاختيار وحرية الإنسان وهي:

1. المجاهدات الفردية والاجتماعية للأنبياء، فعلى سبيل ا لمثال إبراهيم ويوسف وموسى(1)والنبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قبل البعثة، فلقد كانوا يجاهدون النفس الأمّارة أشدّ الجهاد ويمارسون تهذيب أنفسهم، بل ومجتمعهم لتوفير اللياقات والقابليات وإعداد الأرضية اللازمة والنفوس المستعدة لتلقّي هذا الفيض بنحو


1 . لقد ورد في القرآن الكريم الإشارة إلى قسم من مجاهدات هؤلاء الأنبياء العظام الثلاثة، وكذلك في تاريخ النبي الأكرمصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم قبل البعثة توجد دلائل واضحة وشفافة تُعدّ الأرضية اللازمة لمثل تلك الإفاضات.


(234)

إذا أُفيض عليهم ذلك فإنّهم سيستفيدون من هذا اللطف لتهذيب الفرد والمجتمع.

صحيح انّنا لن نطّلع على جميع جزئيات تاريخ الأنبياء، ولكنّ في نفس الوقت تكون مثل تلك القابليات والاستعدادات عاملاً مؤثراً في إفاضة اللطف الإلهي عليهم.

2. علم اللّه سبحانه ووقوفه على ضمائرهم ونيّاتهم ومستقبل أمرهم، وعلمه أنّهم ذوات مقدّسة لو أُفيضت إليهم تلك الموهبة لاستعانوا بها في طريق الطاعة ولسعوا وبشكل يبعث على الإعجاب والدهشة في الإصلاح الفردي والاجتماعي.

فهذه العوامل التي يكون بعضها واقعاً في إطار الاختيار وبعضها الآخر خارجاً عن اختيارهم توجد القابليات والأرضية المناسبة والصالحة لإفاضة وصف العصمة عليهم وانتخابهم لذلك المقام السامي، ولا شكّ حينئذ تكون العصمة مفخرة للنبي باعتبار أنّه باختياره وبجهاده قد وفّر قسماً من تلك الأسباب الدخيلة في الإفاضة.

وفي الختام لابدّ من الإشارة إلى نكتة مهمة وهي: لا ريب أنّ إفاضة العصمة في المراحل الأُولى لأولياء اللّه، وهي مرحلة العصمة في دور الطفولة خارجة عن إطار بعض تلك الشرائط كالمجاهدات قبل البعثة، بل انّ تلك الشروط مؤثرة في المراحل العليا من العصمة.

وعلى هذا الأساس يمكن التعرف على أهمية العامل الرابع(علم اللّه ووقوفه...) من خلال بعض الزيارات والأدعية، فقد ورد في زيارة الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء(سلام اللّه عليها):


(235)

«يا مُمْتَحَنَةُ امْتَحَنَكِ اللّهُ الَّذي خَلَقَكِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَكِ وَكُنتِ لِمَا امْتَحَنَكِ بِهِ صابِرَةً».

وقد ورد في دعاء الندبة:

«أَوليائِكَ الَّذينَ اسْتَخْلَصْتَهُمْ لِنَفْسِكَ ... بَعْدَ أَنْ شَرَطْتَّ عَلَيْهِمُ الزُّهْدَفي دَرَجاتِ هذِهِ الدُّنْيَا الدَّنِيَّة... فَشَرَطُوا لَكَ ذلِكَ وَعَلِمْتَ مِنْهُمُ الوَفاءَبِهِ».(1)


1 . منشور جاويد:5/24ـ 26.


(236)

42
العصمة والاختيار

سؤال:هل العصمة تعني أنّ المعصوم عاجز عن ارتكاب الذنوب؟ وإذا كان الأمر كذلك وانّه قد سُلِبت منه القدرة على ارتكاب الذنب فممّا لا ريب فيه لا يكون ترك الذنب حينئذ فخراً له. كيف تجيبون عن هذا الإشكال؟

الجواب: إنّ الإجابة عن هذا التساؤل تتّضح من خلال البحوث السابقة، لأنّ العصمة لا تسلب الاختيار عن الإنسان، سواء فسّرناها بأنّها الدرجة القصوى من التقوى، أو أنّها نتيجة العلم القطعي بعواقب المآثم والمعاصي، أو أنّها نتيجة الاستشعار بعظمة الرب والمحبة للّه سبحانه، فعلى كلّ تقدير يكون الإنسان المعصوم مختاراً في فعله قادراً على الفعل والترك.

وإذا ما أردنا أن نقرب الفكرة بمثال حسّي نقول: صحيح أنّه لا يوجد إنسان عاقل واقف على وجود الطاقة الكهربائية في الأسلاك المنزوعة الجلد يقدم على مسكها، كما أنّ الطبيب لا يتناول سؤر المصابين بالأمراض السارية كالجذام والسل وغير ذلك، لعلمهما بعواقب ذلك، ولكنّ في الوقت نفسه يرى كلّ واحد منهما أنّه قادر على ذلك الفعل بحيث لو قرّر في يوم ما التخلّص من


(237)

حياته يقوم بارتكاب ذلك الفعل ولا يعجز عنه، وهذا يعني أنّهما يرجّحـان التـرك على الفعل، لعلمهما بالعواقب الوخيمة للفعل ولا يقدمان عليه طيلة حياتهم، ولكنّ ترك الفعل شيء وعدم القدرة على ارتكابه شيء آخر كما هو واضح.

وبعبارة أُخرى يمكن القول: إنّ صدور مثل هذه الأفعال من الإنسان العاقل والراغب في سلامته يُعدّ من قبيل المحال العادي لا المحال العقلي، ولا ريب أنّ الفرق بين الاستحالتين واضح جداً، ففي المحال العادي يكون صدور الفعل من الفاعل ممكناً بالذات غير أنّه يرجّح أحد الطرفين على الآخر بنوع من الترجيح، بخلاف المحال العقلي فإنّ الفعل فيه يكون ممتنعاً بالذات فلا يصدر لعدم إمكانه الذاتي، فعلى سبيل المثال صدور القبيح منه سبحانه أمر ممكن بالذات بمعنى أنّه داخل في إطار قدرته، فهو يستطيع أن يدخل المطيع في نار جهنم والعاصي في نعيم الجنة، غير أنّه لا يصدر منه ذلك الفعل لكونه مخالفاً للحكمة، فإنّ مقتضى الحكمة إثابة المطيع لا تعذيبه.

وعلى هذا الأساس لا يعتبر «عدم القيام بالفعل» دليلاً على عدم القدرة عليه، فالفرد المعصوم وبسبب التقوى العالية والعلم القطعي بآثار المآثم والمعاصي وبسبب استشعاره بعظمة الخالق يتجنّب اقتراف الذنوب واكتسابها وإن كان قادراً على ذلك .

الرؤية القرآنية

يمكننا ومن خلال الآيات المباركة التالية أن نطّلع على نظرية القرآن الكريم في هذا المجال، فقد قال سبحانه:


(238)

(...وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراط مُسْتَقيم* ذلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشآءُ مِنْ عِبادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَعَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) .(1)

فلو كان الإنسان المعصوم غير قادر على ارتكاب الذنب، فما معنى قوله:(...وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَعَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ)؟

إذ فرض كون المعصومين لا يقدرون على ارتكاب الذنب الذي هو أعم من الشرك وغيره يجعل الآية أجنبية عنها، كما أنّه ورد في آية البلاغ قوله سبحانه:

(يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ...).(2)

فالآية تدلّ بوضوح لا ريب فيه أنّ النبي قادر على العصيان، وأنّه بالرغم من وجود صفة العصمة قادر على ترك الرسالة وعدم تبليغ ما أنزل إليه من ربّه.


1 . الأنعام:87ـ88.
2 . المائدة:67.


(239)

43
عصمة آدم ـ عليه السَّلام ـ والشجرة المنهي عنها

سؤال: إذا قلنا: إنّ الأنبياء ـ عليهم السَّلام ـ معصومون، فكيف ياترى التوفيق بين هذه النظرية وبين ارتكاب النبي آدم ـ عليه السَّلام ـ ، النهي الصادر إليه في خصوص الأكل من الشجرة؟

الجواب: من خلال مراجعة مجموع الآيات التي تتعلّق بقصة آدم ـ عليه السَّلام ـ يتّضح انّ آدم قد خالف الأمر الإلهي الموجّه إليه في خصوص الأكل من تلك الشجرة المنهي عنها، وقد عُبِّر عن تلك الواقعة بتعابير مختلفة من قبيل:(...ذاقَا الشَّجَرةَ...)(1)، (...فَأَكَلا مِنْها...)(2) و (...عصى آدَمُ ربَّهُ...)، (3)وهذا أقوى ما تمسّك به المخالفون لعصمة الأنبياء. ويمكن توضيح نظريتهم بالشكل التالي: إنّ آدم ـ عليه السَّلام ـ قد خالف النهي الموجه إليه في قوله تعالى:(...وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَة...)(4) ، ولا ريب أنّ مخالفة النهي المؤكد موجبة للذنب، ولا يمكن أن ينسجم ارتكاب الذنب مع القول بالعصمة.


1 . الأعراف:22.
2 . طه:121.
3 . طه:121.
4 . الأعراف:19.


(240)

إنّ الإجابة عن هذا الإشكال تتّضح من خلال دراسة نوع النهي الإلهي، لأنّ نهيه سبحانه كأمره ينقسم إلى نوعين هما:

1. الأمر والنهي الصادران من موقع المولوية والسلطة، انّ الآمر تارة ينطلق من موضع مولويته وسلطته في إصدار أوامره ونواهيه، وفي تلك الحالة تكون الأوامر والنواهي مولوية، وحينئذ فإذا كانت تلك النواهي بصورة مؤكدة يطلق على ذلك النهي المولوي التحريمي، وإن لم تكن مؤكدة فيطلق عليها اسم النواهي المولوية التنزيهية(الكراهة).

والقسم الأعظم من الأوامر والنواهي الإلهية تقع تحت هذه المقولة، وانّ مخالفة النهي المولوي التحريمي تستوجب العقاب الإلهي، ولكنّ مخالفة النهي المولوي التنزيهي لا تستوجب العقاب الإلهي ولكنّها تكون سبباً لتكدّر الروح والنفس الإنسانية.

2. الأمر والنهي من موقع النصح والإرشاد، فالآمر هنا يأمر وينهى انطلاقاً من موضع النصح والهداية والعظة والتذكير باللوازم الطبيعية للعمل المنهي عنه، أي يتّخذ لنفسه موقف الناصح المشفق لا الآمر المتسلّط، ففي مثل هذه الحالة تكتسب الأوامر والنواهي صفة الإرشادية، ولا تكون نتيجتها إلاّ تلك اللوازم الطبيعية للفعل ولا تستتبع أيّ عقاب أو جزاء.

إذا عرفنا ذلك فلندرس النهي الموجه إلى آدم ـ عليه السَّلام ـ في قوله تعالى: (وَلا تَقْرَبا)فهل هو من النواهي المولوية أو الإرشادية؟ فإذا كان النهي مولوياً فلا شكّ أنّ مخالفة آدم ـ عليه السَّلام ـ تكون على خلاف العصمة وتكون موجبة لارتكاب الذنب، وأمّا إذا كان النهي من قبيل النهي الإرشادي فحينئذ لا تكون نتيجة المخالفة إلاّ حصول اللازم الطبيعي للعمل ولا يكون لها أثر آخر يوجب ارتكاب الذنب


(241)

ومخالفة العصمة.

ونحن إذا راجعنا الآيات المتعلّقة بالنهي عن الأكل من الشجرة المذكورة نجد هناك قرائن تدلّ وبوضوح على أنّ الخطاب ينطلق من موقع النصيحة والإرشاد لا من موقع المولوية والسلطة، وهذه القرائن هي:

1. ما ورد في سورة طه من قوله تعالى:

(...ياآدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَ لِزَوجِكَ فَلا يُخْرجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى* إِنَّ لَكَ ألاّ تَجُوعَ فِيها وَلاتَعْرى* وَ أَنَّكَ لا تَظْمَؤُاْ فِيها وَ لا تَضْحى).(1)

فهذه الآيات تكشف النقاب عن نوعية هذا النهي، وتصرّح بأنّ النهي كان نهياً إرشادياً، لصيانة آدم ـ عليه السَّلام ـ عمّا يترتب عليه من الآثار المكروهة والعواقب غير المحمودة، ونحن إذا لاحظنا هذه الآيات ـ الآيات الثلاثة ـ نجدها تحلُّ محل جملة (...وَلاتَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمينَ)(2)الواردة في سورتي البقرة والأعراف.

وبالالتفات إلى وحدة الهدف في الآيتين يتّضح أنّ المقصود من الظلم العمل الذي في غير محله ووضع الشيء في غير موضعه لا بمعنى مخالفة القانون وتخطّي الأوامر وتعدّي الحدود، إذاً مفاد الآية الورادة في سورة البقرة يتّضح من خلال الآيات الثلاثة الواردة في سورة طه حيث إنّها تحكي لنا وبوضوح أنّ لحن الخطاب الإلهي فيها هو لحن الناصح المشفق لا النهي المولوي، وهل يوجد لحنٌ أكثر شفقة من قوله:

الف:(إنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَ لِزَوجِكَ).


1 . طه:117ـ119.
2 . البقرة:35 ; الأعراف:19.


(242)

ب: (فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ).

ج: (فَتَشْقى).

فهذه الجملة تحكي لنا انّ عاقبة ونتيجة مخالفة هذا النهي هي الخروج من الجنة والانتقال إلى دار الدنيا التي هي دار عناء وشقاء ومحنة وبلاء، وقد تتّضح القضية بصورة أجلى إذا ما قارنّا بين نعيم الجنة والمشاق والمتاعب الموجودة في دار الدنيا كالجوع والعطش والعرى وغير ذلك.

وعلى هذا الأساس وبالالتفات إلى تلك الجمل لابدّ من القول: إنّ المقصود في قوله تعالى:

(ولا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ) هو النصح والشفقة، وانّ المقصود من الظلم في قوله: (ظالمين)هو ارتكاب الفعل الذي لا تكون نتيجته إلاّ المشقة والعناء.

2. القرينة الثانية التي تدلّ على كون الأمر الموجه إلى آدم ـ عليه السَّلام ـ إرشاداً ونصيحة لانهياً مولوياً هي قول الشيطان نفسه الذي ينقله اللّه سبحانه:

(وَقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحينَ)(1) .وهذا يكشف عن أنّ خطابه سبحانه إليهما كان بصورة النصح، وكأنّ الشيطان قد اقتبس هذه النصيحة من كلامه سبحانه ثمّ أطّر وزيّن خديعته بتلك الصورة من النصح والشفقة.

3. حينما أكل آدم وحواء من تلك الشجرة وبدت لهما سؤاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، في هذه الحالة العصيبة والموقف الحرج ناداهما اللّه سبحانه بقوله:


1 . الأعراف:21.


(243)

(أَلَمْ أنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَ أَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبينٌ).(1)

وهذا الخطاب يكشف انّ النهي الذي كان موجهاً إليهما ينطوي على تلك العاقبة التي ينبغي لهما التحرز منها وعدم الوقوع فيها، ولكنّهما حينما ارتكبا الفعل وظهرت لهما نتيجة ذلك العمل جاء النداء الناصح والمشفق من قبله سبحانه مذكراً لهما بالنصيحة التي قد أولاهما إيّاها، فقال سبحانه:(أَلَمْ أَنَهَكُما عَنْ تِلْكُما الشَّجرة وأقل...).

4. إنّ القرآن الكريم حينما يذكر لنا مصير آدم وحواء وخروجهما من الجنة يصف ذلك بقوله:

(فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْهَا فَأَخْْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ...). (2)

من مجموع هذه القرائن وغيرها الموجودة في الآيات الواردة حول قصة آدم ـ عليه السَّلام ـ يتّضح جليّاً انّ النهي في هذا المقام كان نهياً إرشادياً لا مولوياً، وكان الهدف إبقاء آدم ـ عليه السَّلام ـ بعيداً عن عوامل الشقاء والتعب. أمّا محاولة اعتبار ذلك النهي، نهياً مولوياً تنزيهياً(كراهتي) فلا تنسجم مع التأكيدات الواردة في الآية.

كما أنّ هناك محاولة أُخرى لإثبات انّ هذه المخالفة لا يمكن أن تُعدَّ معصية، وذلك بالتوجيه التالي: انّ جزاء المخالفة للنهي المولوي التكليفي يتبدّل بالتوبة إذا قُبِلت، ولم يتبدّل في موردهما فأنّهما تابا و قُبلت توبتهما ولم يرجعا إلى ما كانا فيه من الجنة، ولولا انّ التكليف إرشادي لاستلزم قبول التوبة رجوعهما إلى ما كانا فيه من مقام القرب.(3)


1 . الأعراف:22.
2 . البقرة:36.
3 . الميزان:1/131، مؤسسة إسماعيليان.


(244)

ويرد على هذه النظرية انّ التوبة ترفع المؤاخذة فقط، ولا أثر لها في رفع الأثر الوضعي للفعل، وممّا لا ريب فيه انّ الخروج من الجنة كان أثراً وضعياً للفعل لا المؤاخذة الإلهية حتّى يرتفع بالتوبة.

العصمة وزلّة آدم ـ عليه السَّلام ـ

لقد ورد في سورة البقرة بيان كيفية عمل آدم وحواء بقوله تعالى: (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ)وحينئذ يمكن أن يطرح التساؤل التالي: كيف يمكن أن تنسجم العصمة مع الزلّة؟

ويمكن الإجابة عن هذا التساؤل بأنّه لا يمكن حصر الزلل بمخالفة النهي المولوي فقط، بل مخالفة النصح والإرشاد يقع في إطار الزلل أيضاً، فكما يزلّ مخالف النهي المولوي كذلك يزلُّ مخالف النهي الإرشادي.

العصمة وقول آدم ـ عليه السَّلام ـ (ربّنا ظلمنا أَنفسنا)(1)

إنّ هذه الجملة التي صدرت من آدم وحواء لمّا ندما على فعلهما كانت من الجمل التي تمسّك بها المخالفون للقول بعصمة الأنبياء حيث قالوا: كيف يكون معصوماً والحال أنّه يعترف باقتراف الظلم وأنّه ظالم لنفسه؟

والجواب عن هذه الشبهة هو: انّ مصطلح «الظلم» في اللغة العربية ليس إلاّ بمعنى تجاوز الحدّ ووضع الشيء في غير موضعه.(2)

ولا ريب انّ العمل الذي صدر من آدم ـ عليه السَّلام ـ ـ وبأي تفسير فسّرناه ـ يُعدُّ


1 . الأعراف:23.
2 . لسان العرب، مادة «ظلم».


(245)

تجاوزاً عن الحدّ ووضعاً للشيء في غير موضعه، ولكنّ هذا لا يمكن أن يُعدَّ انتهاكاً وتجاوزاً للقانون الإلهي وانّ آدم ـ عليه السَّلام ـ قد دخل وبسبب فعله هذا في زمرة المذنبين والعاصين، من ذلك البيان يمكن التوصل إلى المراد من جملة (فَتَكُونا مِنَ الظالِمينَ) الواردة في سورة البقرة الآية 35.

نعم انّ الظلم في الاصطلاح المعاصر يطلق على من تجاوز وانتهك القانون الإلهي وتعدّى الحدود الإلهية أو سحق حقوق الآخرين. وانّ الآيات التي وردت في ذم الظلم والظالمين ناظرة إلى هذا النوع خاصة، وإن كان الظلم في لغة العرب لا ينحصر في هذا النوع، فقد ورد في مدح عديّ بن حاتم الطائي المعروف بكرمه وسخائه الشعر التالي:

بأبه اقتدى عديّ في الكرم     ومن يشابه أبه فما ظلم

والمقصود من هذا البيت انّ خلق عديّ كان خلقاً كاملاً ومطلوباً وكان من قبيل وضع الشيء في محله.

ثمّ إنّ هذا الأمر يتّضح جليّاً إذا علمنا انّ مسألة الظلم الواردة في قصة آدم قد أضيف فيها الظلم إلى نفسه ـ عليه السَّلام ـ ، ومن المعلوم أنّ ظلم النفس في القرآن الكريم ورد مقابلاً لعمل السوء قال سبحانه:(وَ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُوراً رَحيماً). (1)

العصمة وقوله «عصى» و «غوى» و «تاب»

ربّما يتمسّك بعض المنخدعين بالمعنى المتبادر اليوم من هذه الألفاظ ويتصوّر أنّ آدم ـ عليه السَّلام ـ قد ارتكب ما يخالف العصمة. والحال انّ هذه الألفاظ


1 . النساء:110.


(246)

جميعهاـ وبالالتفات إلى معناها اللغوي وأصلها لا المعنى المتبادر منها اليوم ـ لا تدلّ على المعصية أبداً، وذلك بالبيان التالي:

1. أمّا لفظة «عصى» فأنّ معنى العصيان في لغة العرب هو خلاف الطاعة، قال ابن منظور: العصيان خلاف الطاعة، العاصي الفصيل إذا لم يتبع أُمّه.(1)

وهذا يدلّ على أنّه ليس كلّ مخالفة تُعدُّ في الاصطلاح ذنباً، لأنّ الإنسان الذي لا يسمع كلام الناصح المشفق يقال في حقّه أنّه خالف كلامه، ولكن لا تُعدّ تلك المخالفة ذنباً في المصطلح.

2. وأمّا لفظة «غوى» فالجواب عنها انّ الغيّ يستعمل في لغة العرب بمعنى الخيبة، قال الشاعر:

فمن يلق خيراً يحمد الناس أمره     و من يغو لا يعدم على الغي لائماً

أي ومن حُرم من الخير ولم يلقه، لا يحمده الناس ويلومونه. ونحن إذا فسّرنا الغي بأيّ معنى من هذه المعاني فلا يستلزم ذلك الذنب والمعصية الشرعية، فلنفرض انّ «غوى» مأخوذة من «غيّ» بمعنى الضلالة مقابل «الرشد» كما ورد في قوله تعالى:(...قَدْ تَبَيّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ...)(2).

لكن ليس كلّ ضلال معصية، فإنّ من ضلّ في طريق الكسب أو في طريق التعلّم أو تشكيل الأُسرة ولم يلتفت إلى كلام ناصحيه يصدق عليه أنّه غوى: أي ظلّ، لأنّه لم يصل إلى النتيجة المطلوبة والمتوخّاة من عمله، ولكنّ ذلك لا يلازم المعصية.


1 . لسان العرب:10/167.
2 . البقرة:256.


(247)

ثمّ إنّ كلّ من يطالع قصة آدم ـ عليه السَّلام ـ مطالعة دقيقة ويمعن النظر فيها ويرى العنوان الذي من أجله خُلق آدم وهو عنوان «الخليفة في الأرض»، وكيف علّمه اللّه سبحانه وتعالى الأسماء واعتبره معلِّماً للملائكة في هذا الخصوص، وكيف أمر اللّه سبحانه الملائكة بالسجود له، وطرده سبحانه للشيطان بسبب عصيانه لهذا التكريم، ثمّ كيف أسكنه اللّه سبحانه في محيط تتوفر فيه كلّ النعم الإلهية وهو الجنة وتحذيره من كيد الشيطان ومصائده وانّه عدوٌّ له ولذريته، فلا يشك حينئذ بأنّه ـ عليه السَّلام ـ قد خسر الكثير من خلال خديعة الشيطان له ولزوجته.

3. ثمّ إنّ توبة آدم ـ عليه السَّلام ـ وقعت هي الأُخرى وسيلة بيد المخالفين للعصمة، لأنّهم يرون أنّ التوبة نتيجة ارتكاب الذنب، وارتكاب الذنب لا ينسجم مع القول بالعصمة، والحال أنّ التوبة أعمّ من صدور الذنب، فقد يرتكب الإنسان عملاً لا يليق بشأنه ولا ينسجم مع مقامه ثمّ يندم على ذلك ويتوب منه، ولا ريب أنّ مقام ومنصب آدم ـ عليه السَّلام ـ يستوجب ـ مع كلّ هذه المقدّمات ـ أن لا ينسى العهد الإلهي، ولكنّه فعلاً قد ارتكب عملاً لا يليق بشأنه ـ وإن لم يكن ذلك العمل في ذاته حراماً ـ فمن اللائق به الندم والتوبة من ذلك، وقد ورد في الحديث:

«إنَّ رَسُولَ اللّهِ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كَانَ يَتُوبُ إِلَى اللّهِ عزَّ وجَلَّ كُلَّ يَوْم مِنْ غَيْرِ ذَنْب». (1)

العصمة وطلب المغفرة

من الأُمور التي تمسّك بها المخالفون للعصمة في قصة آدم ـ عليه السَّلام ـ ما ورد في القرآن الكريم من قوله تعالى:


1 . سفينة البحار:6/661ـ 662، الطبعة الجديدة.


(248)

(...وَ إِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَ تَرْحَمْنا لنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرينَ).(1)

لا ريب أنّنا إذا نظرنا إلى عظمة المقام الإلهي ونظرنا إلى العمل الصادر من الأولياء نجد أنّ مثل هذه التعابير طبيعية جداً ولكنّها في نفس الوقت من المستحيل أن تكون دليلاً على ارتكاب الذنب والمعصية، انّ الأولياء والصالحين العظام حينما يصدر منهم ترك الأولى نجدهم يستعظمون ذلك ويلجأون إلى اللّه بالتضرع والدعاء وكأنّهم قد ارتكبوا ذنباً كبيراً.

نعم انّ ترك الأولى من الإنسان العارف ـ بالنسبة إلى معرفته ـ يُعدُّ ذنباً عرفانياً وإن لم يكن ذنباً شرعياً. ومن هذا المنطلق فاللائق بشأن آدم ـ عليه السَّلام ـ في مقابل كلّ هذا اللطف العظيم أن يظهر الندم والتوبة ويطلب المغفرة من اللّه سبحانه وتعالى والتصميم على أن لا يصغي لكلام غير اللّه سبحانه.(2)


1 . الأعراف:23.
2 . منشور جاويد:11/85ـ 92.


(249)

44
المعجزة أو الطرق العامّة لإثبات النبوة

سؤال: ما هي حقيقة المعجزة، وما هي الخصائص التي ينبغي أن تتوفر فيها؟

الجواب: لقد ذكر المتكلّمون العديد من التعاريف المختلفة للمعجزة ولكنّ التعريف الجامع الذي يمكن ذكره في تعريفها هو: المعجزة أمر خارق للعادة مقرون بالدعوة والتحدي مع عدم المعارضة ومطابقته للدعوة.(1)

فقدجاء في هذا التعريف للمعجزة عدد من القيود نشير إليها بصورة إجمالية.

1. خرق العادة:

انّ المعجزة مع كونها ظاهرة خارجية تطلب لنفسها علّة خاصة، ولكنّها أبداً لا تسير حسب المنهج والطرق الاعتيادية للعلاقة بين العلّة والمعلول السائدة بين القوانين المتعارفة، بل تكون على خلاف تلك القوانين المتعارفة، فعلى سبيل المثال الحيّة الصغيرة تتحوّل وعلى أثر مرور الزمان إلى أفعى، أو أنّ المريض بسبب المعالجة والمراقبة الدائمة وتناول الدواء يبرأ من المرض


1 . كشف المراد:218; و شرح تجريد القوشجي:645.


(250)

ويستعيد صحته، وأنّ المياه الجوفية تستنبط من الأرض من خلال حفر القنوات والآبار العميقة أو غير العميقة، ولكن إذا حدثت تلك النتائج بدون توفر العلل الاعتيادية فلا مناص أنّها تُعدّ حينئذ أُموراً خارقة للعادة، كتحول العصا وبلحظة واحدة إلى حيّة تسعى، أو استعادة المريض صحته بمجرد أن يمسح عليه الولي بكفه، أو أن ينبع الماء بمجرد ضرب الأرض بالعصا، ولا شكّ أنّ هذه الأُمور تكون معاجز خارقة للعادة.

وبالطبع انّه من الممكن أن يكون عمل ما خارقاً لعادة في زمان ويكون اعتيادياً في زمان آخر، فعلى سبيل المثال انّ معالجة المصابين بمرض السل وغيره من الأمراض المستعصية لم تكن في السابق من الأُمور الاعتيادية ولكن الآن ومع تطور تكنولوجيا الطب أصبحت وإلى حد ما ذات جنبة اعتيادية، وكذلك كان الطيران والتحليق في السماء من الأُمور الخارقة للعادة ولكنّه أصبح الآن من الأُمور المتعارفة والاعتيادية، نعم أصبحت أُموراً عادية ولكن ليست خارقة للعادة، وذلك لأنّها تعتمد العلل والأسباب الطبيعية المعروفة وتستمد العون منها والحال أنّ المعجزة دائماً تكون «خارقة للعادة» سواء كان ذلك في الماضي أو في الحال، وذلك لأنّ صاحبها يعتمد العلل والأسباب الخفية.

وبعبارة أُخرى: انّ الأُمور الغير الاعتيادية من الممكن أن تتحول وبالتدريج إلى حالات اعتيادية، كمعالجة السل وبعض الأمراض المستعصية حيث كان يوصف الطبيب المعالج لها بأنّه يقوم بعمل غير اعتيادي. ولكن العمل الصادر عن طريق المعجزة دائماً يكون غير اعتيادياً حتّى مع تطور العلم واكتشاف خفايا وجزئيات الأُمور، فإنّ علم الطب مهما تطور فانّه ستبقى عملية شفاء المرضى من خلال مسح السيد المسيح ـ عليه السَّلام ـ من الأُمور الخارقة للعادة، أي


(251)

أنّـها كانت ولا تزال خارقة للعادة، والنكتة في ذلك كلّه أنّ الأُمور غير العادية سابقاً والعادية فعلاً كلاهما ينبعان من معين العلل الطبيعية، ولكن مع تطور العلم واكتشاف طرق حديثة ووسائل متطوّرة تخرج تلك الأُمور وبالتدريج من حالتها الغير الاعتيادية، ولكن الأمر في المعجزة يختلف عن ذلك تماماً، لأنّها دائماً تنطلق من علل غير طبيعية، وانّ هذه العلل لا يمكن أن تكون اعتيادية، وعلى هذا الأساس تكون المعجزة دائماً أمراً غير اعتيادي.

2. دعوى النبوة:

من القيود التي ذكرت للمعجزة هي دعوى النبوة، بمعنى انّ من يأتي بأمر خارق للعادة إنّما يطلق على فعله هذا اسم المعجزة فيما إذا اقترن عمله بادّعاء أنّه صاحب منصب إلهي من جانب اللّه سبحانه، وفي غير هذه الحالة يطلق على عمله ذلك عنوان «الكرامة».

إنّ الصالحين والعظماء من الأولياء قد تجري على أيديهم بعض الأفعال التي لا تنسجم مع العلل والأسباب الطبيعية العادية ولكن في نفس الوقت انّهم ليسوا بأنبياء إلهيّين ولا عملهم يُعدّ من نوع المعجزة، فهذا القرآن الكريم يحدّثنا عن السيدة مريم ـ عليها السَّلام ـ بقوله:

(...كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِساب).(1)

ويوجد بين الأُمم السابقة والأُمّة الإسلامية الكثير من الأولياء الذين ـ ومن خلال طيّ طريق تهذيب النفس والسير والسلوك ـ استطاعوا التصرف والهيمنة على عالم التكوين فضلاً عن إخضاع بدنهم لإرادتهم واختيارهم.


1 . آل عمران:37.


(252)

3. التحدي:

انّ الشرط الثالث للمعجزة هو أن يدعو صاحبها العالم إلى مقابلته ومنازلته لإبطال معجزته إن استطاعوا، فإذا ما تجرد العمل الخارق للعادة عن تلك الدعوة لا يُعدّ معجزة.

ومن الطبيعي انّ ادّعاء المنصب والإتيان بعمل خارق للعادة يكون ملازماً للتحدي، وذلك لأنّه إذا ادّعى فرد ما منصباً إلهياً وقام لإثبات صدق دعواه بعمل خارق للعادة، فهذا يعني انّه يقول للناس: أيّها الناس إنّ اللّه هو الذي وهبني منصب النبوة وانّي رسول من قِبَله بهذه الشريعة، وإن كنتم تشكّون في ذلك وتعتبرون ما جئت به نتاج ذهني الخاص وفكري فهلمّوا وأتوا به إن استطعتم.

4. عدم المعارضة:

إنّ الأمر الخارق للعادة إنّما يكون دليلاً على صحّة قول المدّعي إذا كان مقترناً بالإضافة إلى القيود السابقة بعدم قدرة الناس على معارضته وعجزهم عن مقابلته والإتيان بما جاء به أو إبطاله حتّى إذا اجتمع كلّ العلماء و المتخصّصين في العالم، ففي مثل هذه الحالة يطلق على عمله أنّه معجزة وإلاّ ـ إن استطاعوا المعارضة ـ يكون عمله فعلاً عاديّاً.

فلقد كانت والى زمن قريب عملية زراعة الأعضاء، كقرنية العين أو القلب تُعدّ من الأُمور فوق الاعتيادية، ولكن لم تمض فترة إلاّ ووجدنا الكثير من الناس قد دخلوا هذا المضمار وخرجوا منه منتصرين، ولذلك لا يطلق على هذا العمل عنوان المعجزة.

ثمّ إنّ هذا القيد من القيود المهمّة للمعجزة، ولقد أشارت إليه آيات الذكر الحكيم تارة بصورة خاصة، وأُخرى على وجه العموم.

ففي قصة موسى ـ عليه السَّلام ـ وفي ميدان الصراع بين الحقّ والباطل والمعجزة


(253)

والسحر خاطب موسى ـ عليه السَّلام ـ فرعون وملأه بقوله:

(...قَدْ جِئْناكَ بِآيَة مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى).(1)

وبما أنّ مفهوم كلام موسى ـ عليه السَّلام ـ انّ الآخرين عاجزون عن مواجهته وإبطال معجزته، لذلك نجد فرعون يقول في جواب كلام موسى:

(فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْر مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُوَلا أَنْتَ مَكاناً سُوىً).(2)

وكذلك نرى القرآن الكريم يذكر بأنّ المشيئة الإلهية الحكيمة والقدرة القاهرة له سبحانه اقتضت أن يكون النصر حليف الأنبياء والرسل دائماً على مخالفيهم، يقول سبحانه:

(إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَومَ يَقُومُ الأَشْهادُ).(3)

ويقول أيضاً:(كَتَبَ اللّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللّهَ قَويٌّ عَزِيزٌ) .(4)

5. مطابقة العمل للدعوى

فيما إذا توفرت الشروط الأربعة يبقى هناك شرط آخر، وهو مطابقة العمل للدعوى، كما في إناطة قريش إيمانها بنبوّته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، بشق القمر، وتسبيح الحصى وغير ذلك، فقام ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بما اقترحوا عليه بإذن اللّه سبحانه، أمّا إذا كان عمل مدّعي


1 . طه:47.
2 . طه:58.
3 . غافر:51.
4 . المجادلة:21.


(254)

النبوة مخالفاً ومكذّباً لمدعاه، فحينئذ لا يكون دليلاً على صدقه فقط بل سيكون دليلاً على كذبه وفضيحته وانّه قد افترى على اللّه كذباً، وقد أخزاه اللّه تعالى، فلو ادّعى أنّ الدليل على صدقه أنّه يشفي المرضى بمجرد المسح على جسدهم، ولكنّه بعد أن يقوم بالعمل يموت المريض أو تسوء حالته الصحية، فلا شكّ أنّه كاذب في دعواه حينئذ، وهذا ما حدّثنا به التاريخ عن مسيلمة الكذّاب حيث ينقل ابن الأثير في الكامل الحكاية التالية:

أتته امرأة فقالت: إنّ نخلنا لسحيق، وإنّ آبارنا لجُرُزٌ(مجدبة) فادعُ اللّه لمائنا ونخلنا كما دعا محمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لأهل هزمان ... ففعل مسيلمة ذلك فغار ماء الآبار ويبس النخل.

وقال له نهار: أمرّ يدك على أولاد بني حنيفة مثل محمد، ففعل وأمرّ يده على رؤوسهم وحنّكهم فقرع كلُّ صبيّ مسح رأسه، ولثغ كلّ صبيّ حنّكه(1).(2)


1 . الكامل في التاريخ:2/362، باب ذكر مسيلمة وأهل اليمامة ضمن أحداث السنة الحادية عشرة للهجرة.
2 . منشور جاويد:10/280ـ 287.


(255)

45
الفرق بين المعجزة والسحر

سؤال: هناك بعض الأفعال تشترك مع المعجزة في كونها خارقة للعادة ظاهراً يطلق عليها اسم السحر، هنا يطرح السؤال التالي: كيف وما هي الطريقة التي يجب اعتمادها للتمييز بين الفعلين المعجزة والسحر؟

الجواب: للتمييز بين هذين الفعلين الخارقين للعادة هناك العديد من الأساليب والطرق التي بمجموعها تكون عاملاً مساعداً في حلّ هذه العقدة وحصول الاطمئنان في النفس.

1. انّ عمل المرتاضين والسحرة إنّما هو نتيجة مباشرة للتعليم والتمرين، فهؤلاء وفي ظلّ التعليم والتمارين المستمرة يصلون إلى القدرة على القيام بتلك الأفعال، حيث إنّ السحر والشعبذة لها أُصولها الخاصة وطرقها المعروفة القابلة للتعلّم والإدراك بحيث إذا لم يطو الساحر تلك الدورة التعليمية فأنّه لا يختلف حينئذ مع أي إنسان آخر، والحال انّ الأنبياء ومن خلال دراسة تاريخ حياتهم لم يخضعوا لأي سابقة تدريسية ولم يتعلّموا على يد أحد من الناس، بل أنّ جميع أعمالهم إبداعية وغير مسبوقة بمقدّمات خاصة وهذا ما يشهد به تاريخ حياتهم كما قلنا.


(256)

فهذا النبي موسى بن عمران ـ عليه السَّلام ـ نال مقام النبوة وبعث رسولاً وزوّد بالمعجزة الإلهية «العصا».(1) في طريق عودته من مدين إلى مصر، ومن الواضح أنّه لم يكن يفكّر ولم يتصوّر تلك الأُمور.

و السيد المسيح قد جاء بالمعجزات العجيبة والمحيّرة للعقول كإحياء الموتى وشفاء المرضى«الأكمه» و«الأبرص» وغيرهم(2) من دون أن يدخل أي جامعة طبية ولم يحضر عند أي أُستاذ، ومن دون أن يمارس أي تمرين أو تجربة.

2. بما أنّ عمل المرتاضين والسحرة هو نتيجة التعليم والدراسة، لذلك نرى أنّما يقومون به يقبل المعارضة والمواجهة، وذلك لأنّه بإمكان بقية الأفراد النابهين وأصحاب الامتيازات الخاصة أن يتعلّموا تلك الطرق التي تعلّمها المرتاضون والسحرة ويواجهونهم من خلال نفس الطريق.

3. انّ السحرة والمرتاضين لا يتحدّون الآخرين ولا يطلبون المواجهة فيما يقومون به، وذلك لأنّهم يعلمون جيداً انّ عملهم نتيجة التعليم والتعلّم والتمرين، وأنّ هذا الطريق مفتوح أمام جميع الناس الراغبين في سلوك ذلك الطريق، وأمّا ما يقوم به الأنبياء فانّه مقترن ومنذ اللحظات الأُولى بالتحدي وطلب المواجهة وتعجيز الآخرين لإثبات أحقّيّتهم فيما يدعونه، فهذا القرآن الكريم يتحدّى الجميع في الإتيان بمثل تلك المعجزة الخالدة حيث يقول سبحانه:


1 . أُنظر القصص:31.
2 . انظر آل عمران:29.


(257)

(...لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْض ظَهِيراً ).(1)

وكذلك فَعَلَ النبي موسى بن عمران ـ عليه السَّلام ـ حينما حقّر عمل السحرة بقوله:

(...ما جِئْتُمْ بِهِِ السِّحْرُ إِنَّ اللّهَ سَيُبْطِلُهُ ...).(2)

ولذلك نرى أنّ أوّل من آمن بموسى ـ بعد إبطال سحرهم ـ هم السحرة أنفسهم، وذلك لأنّهم علموا علماً يقينياً بأنّ ما جاء به موسى خارج عن إطار السحر وفنونه، وأنّه ينبع من قدرة عليا وذلك لعلمهم بفنّ السحر وطرقه، وعلموا أنّ العلّة في هزيمتهم أمام موسى هو اعتمادهم على القدرة المحدودة للإنسان، والحال أنّ الأنبياء يتّكئون على القدرة اللامحدودة للّه سبحانه ويستمدون العون منها.

4. بما أنّ عمل المرتاضين والسحرة معلول للتعليم والتمرين فانّه يقع في إطار خاص غير قابل للتنوع، فعلى سبيل المثال يقوم المرتاض وعلى أثر الرياضة التي يمارسها بتعطيل حركة القطار مثلاً، ولكنّه يعجز عن القيام بعمل آخر خارج عن حدود تلك الرياضة التي مارسها، والحال انّ معاجز الأنبياء متنوّعة ومتعدّدة، وذلك لأنّها مطابقة لمقتضيات الزمان وتابعة للطلبات المختلفة للناس، ولذلك نقرأ في خصوص عصا موسى انّها تحوّلت إلى ثعبان مبين.(3)

وبضرب موسى الحجر بنفس هذه العصا انفجرت منه اثنتا عشرة عيناً(4) وبضربه البحر(فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فرق كَالطَّودِ العَظيم).(5)


1 . الإسراء:88.
2 . يونس:81.
3 . الأعراف:107.
4 . البقرة:60.
5 . الشعراء:63.


(258)

كذلك يحدّثنا القرآن عن معجزة أُخرى لموسى ـ عليه السَّلام ـ حيث يقول سبحانه:(وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُج بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوء).(1)

كذلك يحدّثنا في سورة الإسراءعن المعاجز التسع لموسى ـ عليه السَّلام ـ حيث يقول سبحانه:(وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آيات بَيِّنات).(2)

كما أنّ السيد المسيح ـ عليه السَّلام ـ وفي المرحلة الأُولى لمواجهته لبني إسرائيل جاء بعدد من المعاجز المتنوّعة:

1. خلق الطير من الطين بإذنه سبحانه:

(...أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَانْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِاللّهِ...).

2. شفاء المرضى: (وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ...) .

3. إحياء الموتى بإذن اللّه: (...وَأُحْيِ المَوْتى بِإِذْنِ اللّهِ...) .

4. وأُخبركم بما تدّخرون في بيوتكم:(...وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَ ما تَدَّخِرُونَ في بُيُوتِكُمْ...).(3)

ولا ريب أنّ العلّة في محدودية عمل السحرة والمرتاضين وتنوّع وشمولية عمل الأنبياء هو اتّكاء الطائفة الأُولى على القدرات البشرية المحدودة واتّكاء الطائفة الثانية على القدرة الإلهية اللا متناهية.

5. التمايز بين هدف الأنبياء وهدف السحرة، فإنّ الأنبياء ـ عليهم السَّلام ـ إنّما يقومون بتلك الأفعال الخارقة للعادة من أجل تحقيق هدف سام، وهو تغيير المجتمع


1 . النمل:12.
2 . الإسراء:101.
3 . آل عمران:49.


(259)

ونقله من الضلال إلى الهداية ومن الشرك والجحود إلى التوحيد وإلى الإيمان بالمعاد وإرساء أُسس المجتمع على قواعد أخلاقية سامية، والحال انّ هدف المرتاضين والسحرة هدف مادي بحت حيث يلهثون وراء المادة وطلب المقام والمنصب والجاه.

6. كما أنّ الأنبياء يمتازون عن السحرة والمرتاضين في الهدف ـ كما قلناـ كذلك يمتازون من جهة الروح والأخلاق والملكات النفسانية، فالأنبياء وأصحاب الكرامات أُناس عظماء وأتقياء، ولا توجد أي نقطة سوداء في تاريخ حياتهم أبداً، والحال انّ حياة السحرة والمرتاضين على خلاف ذلك تماماً.(1)


1 . منشور جاويد:10/311ـ 315.


(260)

46
علّة المعجزة

سؤال: من الأُصول المسلّمة، أصل العلّية والمعلولية وأنّ كلّ موجود ممكن لا يمكن أن يصدر بدون علّة، وهذا من القوانين العقلية القطعية الشاملة والتي لا تقبل التخصيص أبداً، وحينئذ يطرح السؤال التالي: هل المعجزة ظاهرة حدثت بلا علّة أو لا؟

وعلى القول الثاني فما هي تلك العلّة؟

الجواب: لا شكّ انّ المعجزة ظاهرة تحتاج إلى علّة وانّها لا تعتبر نقضاً لقانون العلّيّة أبداً وإن كانت خارجة عن نطاق العلل والأسباب الطبيعية المعروفة، وإنّما لها علّتها الخاصة، ولكنّ عدم وجود العلّة الطبيعية لا يستلزم عدم وجود العلّة مطلقاً.

نعم انّ الذين يذهبون إلى أنّ الوجود يساوي المادة وانّ العلل منحصرة بالعلل الطبيعية المعروفة، هؤلاء فقط يرون أنّ المعاجز والتصديق بها يعني نقض القانون العقلي ونقض قانون العلّية والمعلولية، ومن المعلوم أنّ هذا الكلام مبني على حكم مسبق في حصر العلل بالعلل المادية فقط، فإذا ما وجدت ظاهرة من دون تلك العلل الطبيعية فانّهم يعتبرون التصديق بها نقضاً


(261)

للقانون.

ويرد على هذه النظرية وهذا النحو من التفكير أوّلاً: انّ الوجود لا يساوي المادة، بل هو أوسع منها، وعلى هذا الأساس إذا ما فقدت الظاهرة العلل الطبيعية فهذا لا يعني فقدان العلّة مطلقاً، بل أقصى ما يدلّ عليه عدم وجود العلّة المادية، ومن المعلوم أنّ فقدان الأخصّ(العلل المادية) لا يدلّ على فقدان الأعم أصل العلّة.

إذ من الممكن أن تفتقد الظاهرة العلّة المادية ولكنّها في نفس الوقت تنشأ من علّة غير مادية مجرّدة خارجة عن إطار الحسّ والتجربة.

كما يمكن الإجابة بجواب آخر وهو انّ العلل الطبيعية تنقسم إلى نوعين:

الف: علل طبيعية معروفة.

ب: علل طبيعية غير معروفة.

فإنّ مجال العلم هو كشف العلل من القسم الثاني، ولذلك إذا كانت المعجزة فاقدة للعلل الطبيعية المعروفة فلا يعني ذلك أنّها فاقدة للعلل الطبيعية مطلقاً، إذ من الممكن انّ الأنبياء يستفيدون من العلل الطبيعية غير المعروفة، وبالطبع انّ هذا مجرد احتمال لاأكثر،ويكفي في رفع الإشكال الدليل العقلي، وهذا ما سنوضحه هنا.

علّة المعجزة

يتّضح ممّا ذكرنا أنّ المعجزة ليست ظاهرة من دون علّة وإن لم تكن علّتها ـ كالعلل الطبيعية ـ معروفة للناس، وحينئذ لابدّ من البحث لمعرفة علّة تلك الظاهرة. وفي هذا المجال هناك ثلاث فرضيات هي:


(262)

1. المعجزة معلولة للعوامل الغيبية: من الممكن أن تكون المعجزة معلولة للعوامل الغيبية من قبيل الملائكة الإلهية، بحيث حينما يطلب النبي من اللّه سبحانه عملاً خارقاً للعادة تتدخل تلك العوامل الغيبية ـ و بإذن من اللّه ـ في إنجاز ذلك العمل وتحقيق تلك المعجزة.

2. المعجزة معلولة لعوامل طبيعية غير معروفة: انّ الفرضية الثانية تذهب إلى أنّ علل المعاجز أُمور طبيعية غير معروفة، وبما أنّ الأنبياء يتوفّرون على علم واسع وكبير وانّهم على اطّلاع بأسرار الطبيعة لذلك يستفيدون من تلك العوامل ـ الغير المعروفة لدى غيرهم ـ للإتيان بالأُمور الخارقة للعادة.

3. انّ علل المعاجز هي النفس والإرادة القوية للأنبياء ـ عليهم السَّلام ـ : الاحتمال الثالث هو أنّ معاجز الأنبياء معلولة لنفس الأنبياء وإرادتهم القوية، وعلى هذا الأساس تكون أعمال الأنبياء والأولياء الخارقة للعادة غير معلولة للأسباب الغيبية ولا العوامل المادية والطبيعية الغير المعروفة، بل تكون معلولة للنفس القوية والإرادة القطعية للأنبياء.

إذ انّ نفوسهم ـ عليهم السَّلام ـ وفي إطار التهذيب والتزكية وقطع العلائق المادية والتوجه والتقرب إلى مبدأ الخلق تصل إلى درجة وحدّ من الكمال والاقتدار بحيث تصبح بموجبه قادرة على التصرف بعالم الطبيعة وإخضاعه لإرادتها وتسخيره في خدمتها. كما أنّ نفوس الناس العاديين تقدر على الهيمنة والتصرف في قوى البدن المادية فكذلك نفوس الأولياء قادرة على التأثير في الموجودات الأُخرى وإخضاعها لخدمتها.(1)


1 . منشور جاويد:10/291ـ 294.


(263)

47
الاعجاز شاهد على صدق المدّعي

سؤال: هل المعجزة دليل على صدق دعوى القائم بها أم لا؟

الجواب:لقد كان النا س وعلى مرّ التاريخ يتعاملون مع معاجز الأنبياء بأنّها دليل على صدق صاحبها وانّه مبعوث من اللّه حقاً، ولذلك نجدهم يطلبون وبلا فصل من مدّعي النبوة الإتيان بآية تدلّ على صدق مدّعاه وتدعم رأيه، ولا ريب انّ الآية هنا تعني المعجزة، فهاهم قوم صالح يطالبونه بالإتيان بالمعجزة لإثبات صدقه في دعواه يقول سبحانه:(ما أَنْتَ إِلاّ بَشَرٌ مثْلُنا فَأْتِ بِآيَة إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ) .(1)

بل قد نجد الأنبياء أنفسهم ـ و قبل أن يطلب منهم الناس ذلك ـ يتقدّمون بالتذكير بأنّهم يملكون دليلاً على صدق دعواهم وهو المعجزة وانّهم قادرون على الإتيان بأمر خارق للعادة، وهذا ما فعله كلّ من النبي موسى والنبي عيسيعليمها السَّلام كما يحدّثنا القرآن الكريم عن ذلك حيث يقول سبحانه حاكياً خطاب موسى لفرعون وملئه:


1 . الشعراء:154.


(264)

(حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللّهِ إِلاّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَة مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائيلَ*قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَة فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَالصّادِقينَ).(1)

ثمّ إنّ السيد المسيح كذلك خاطب بني إسرائيل بقوله:

(...أَنّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَة مِنْ رَبِّكُمْ...) .(2)

ثمّ ذكر بعد ذلك معاجزه في ذيل الآية.

وعلى هذا الأساس يمكن القول إنّ المعجزة قد اعتبرت ـ ومنذ العصور السابقة ـ دليلاً على صدق القائم بها، وانّ الناس ـ البعيدين عن الأهواء والتعصّب الأعمى ـ يسلّمون للأنبياء بمجرد رؤيتهم المعجزة ويؤمنون بهم.

ولكن البحث المهم والذي يطرح هنا هو: هل توجد علاقة منطقية ورابطة عقلية بين المعجزة وبين ما يدّعيه النبي بنحو ينتقل العقل والفطرة إلى صدق دعوى النبي بمجرد مشاهدة المعجزة، أو أنّه لا توجد مثل تلك العلاقة المنطقية وانّ تأثير المعجزة في الواقع تأثير نفسي إقناعي فقط، وعلى هذا الأساس لا تكون المعجزة دليلاً كافياً و برهاناً تامّاً لإقناع العلماء والمفكّرين وأصحاب العقول من الناس، بل يحتاج مثل هؤلاء إلى أن يقيم لهم النبي الدليل العقلي القاطع والبرهان الساطع على صدق مدّعاه ليتسنّى له جذبهم إلى الإيمان من خلال هذا الطريق، وأمّا المعجزة فإنّه يستخدمها في مجال هداية وإرشاد العوام من الناس الذين لا يتحلّون بدرجة عالية من الفكر والتعقّل وإنّما يكتفون بظواهر الأُمور ويذعنون بها ويعتبرونها المعيار الأساسي لتمييز الحق عن الباطل.


1 . الأعراف:105ـ 106.
2 . آل عمران:49.


(265)

ولقد اعتمد النظرية الثانية ـ مؤخراً ـ أحد الكتّاب المصريين حيث قال ما هذا حاصله:لا يمكن للمعجزة أن تكون دليلاً عقلياً ولا علمياً لإثبات صدق ادّعاء صاحبها، بل هي دليل إقناعي يأتي بها الأنبياء لإقناع الناس وجذبهم إلى الدين والإيمان بالرسالة، حيث إنّ عوام الناس كلّما شاهدوا أمراً خارقاً للعادة قد صدر من إنسان فإنّهم يقعون تحت تأثير ذلك الفعل ويمدّون لصاحبه يد الطاعة والخضوع، والحال انّه لا توجد أيّ علاقة منطقية بين صدور المعجزة وصدق القائم بها. ولذلك ينبغي على الذين يدّعون أنّ المعجزة دليل على حقّانية الدعوى أن يثبتوا وجود العلاقة المنطقية بين القضيتين، وفي غير هذه الحالة فإنّ ادّعاءهم لا يخرج من كونه مجرّد ادّعاء، بل هو شبيه من يدّعي أنّ قيام الطبيب بعملية زراعة القلب ـ و لأوّل مرّة ـ دليل على نبوّته.(1) و من هذا المنطلق تكون مهمة الأنبياء حينئذ إقامة الدليل والبرهان للعلماء والمفكّرين من أجل إقناعهم وإرشادهم واعتماد منهج الإتيان بالمعجزة لإقناع وجذب العوام من الناس.

ويرد على هذه النظرية بجوابين هما:

الجواب الأوّل: انّ هذه النظرية تحكي عن جهل صاحبها بكيفية دلالة المعجزة على صدق دعوى القائم بها. ولذلك نراه قد اعتبر المعجزة من الأدلّة الإقناعية لا البرهانية.

والحال انّ الأمر على عكس ذلك تماماً، فإنّ دلالة المعجزة على صدق مدّعي النبوّة دلالة برهانية، وذلك بالبيان التالي:

إنّ هذا البرهان يعتمد على أصل مسلّم، وهو أنّ اللّه حكيم، والحكيم لا


1 . منشور جاويد:10/302.


(266)

ينقض غرضه، وبالالتفات إلى هذا الأصل يظهر لنا وبجلاء انّ المعجزة دليل برهاني على صدق دعوى النبوة.

إنّ مدّعي النبوّة الذي يتحلّى بتاريخ مشرق وسابقة نزيهة، إذ لم يخطو ـ طوال عمره ـ و لو خطوة واحدة على خلاف الأُصول الأخلاقية والطريق القويم، فإذا ما قام هكذا إنسان ـ مع كلّ تلك الشروط ـ بأمر خارق للعادة حيّر فيه عقول الناس، فلا ريب انّه سوف يجذب إليه قطاعات المجتمع بدرجة عالية جدّاً قد تصل إلى مائة بالمائة ولا كلام في ذلك.

وأمّا إذا كان مدّعي النبوة كاذباً ومنحرفاً في تصرفاته وأخلاقه، فلا شكّ حينئذ أنّ الحكمة الإلهية تقتضي ـ و منذ اللحظات الأُولى ـ عدم منح تلك القدرة و الطاقة لمثل هكذا إنسان، لأنّ ذلك من قبيل نقض الغرض المنافي لحكمة بعث الأنبياء.

فكلّما كان مدّعي النبوة ذا تاريخ مظلم وكانت رسالته المدعاة مناقضة للعقل والفطرة، فحينئذ يكون سلوكه الاجتماعي ومحتوى رسالته شاهدين على كذب مدّعاه، ولا يمكن له والحال هذه أن يجذب إليه عوام الناس فضلاً عن علمائهم، لأنّه يحمل شهادة بطلان دعوته معه.

وأمّا إذا كان تاريخ حياته مشرقاً وكانت رسالته ساطعة ونيّرة تنسجم مع العقل والفطرة وبالإضافة إلى هذين الأمرين يمتلك نقطة قوّة أُخرى وهي الإتيان بالمعجزة المحيّرة للعقول، فحينئذ فإن كان صادقاً فهذا يكون سبباً لتأمين غرض الرسالة، وإن لم يكن صادقاً فلا شكّ انّه ينافي الغرض من البعثة، وحينئذ يجب وبمقتضى الحكمة أن لا يزود هذا الإنسان بتلك القدرة منذ اللحظات الأُولى، وذلك لأنّ هذه القدرة والقوّة ستكون سبباً لتوجّه الناس نحو


(267)

الفرد الكاذب، ولا ريب انّ التوجّه نحو الإنسان الكاذب يكون مضاداً لهداية الناس وإرشادهم الذي هو غرض البعثة.

وبعبارة أُخرى: انّ العلاقة بين الدليل والمدلول تارة تكون علاقة خاصة مثلاً: انّ العقل يحكم بوجود العلاقة المباشرة بين النظم ودخالة العقل والشعور في ذلك النظم، وكذلك برهان الإمكان فإنّه يحكم بالملازمة القطعية بين وجود الممكن واستناده إلى الواجب، ففي هذين الموردين وغيرهما من الموارد تكون العلاقة بين الدليل والمدلول علاقة خاصة ومستقيمة، وهذه العلاقة غير موجودة في غير ذلك من الأدلّة والنسب.

وتارة تكون العلاقة بين الدليل والمدلول علاقة عامّة بمعنى أنّه يقع عدد من القضايا الكثيرة تحت إطار دليل ما وهذه القضايا تثبت بصورة عامّة وإن كانت كلّ واحدة من هذه القضايا في حدّ ذاتها لها دليل خاص بها، فعلى سبيل المثال كلّما أثبتنا صدق إنسان بعد تعرضه لاختبارات كثيرة ثمّ إنّ هذا الإنسان أخبر بقضايا مختلفة فإنّنا حينئذ نعلم بصدق كلامه في جميع تلك القضايا علماً شخصياً ولكن في نفس الوقت لا مانع من أن يكون لكلّ قضية دليلها الخاص، فمثلاً لو أخبر عن قضايا بعضها تتعلّق بالحقل الاجتماعي وأُخرى في الأُمور الطبيعية وثالثة بالمسائل الكيمياوية وغير ذلك، فنحن ولا ريب انطلاقاً من كونه صادقاً نذعن بكلامه ونصدق خبره، ولكن ذلك لا يمنع أن يكون لكلّ واحدة من تلك القضايا دليلها الخاص الذي يثبت صدقها عن طريق الحس والتجربة أو العقل.

إنّ مسألة كون اللّه حكيماً يُعدّ برهاناً كلياً على صدق ما يدّعيه الأنبياء في الأُصول والفروع، وانّ ما يدّعونه ليس مخالفاً للواقع بشهادة أنّهم قد زوّدوا


(268)

بالمعجزة، والحكيم لايمنح المعجزة ـ مطلقاً ـ للإنسان الكاذب، إذاً نحن بإمكاننا أن نثبت صدق جميع المسائل الشرعية من خلال هذا الطريق، ولكن ذلك لا يمنع أن يكون لتلك المسائل والقضايا طريق آخر لإثبات صدقها كالطريق النظري والعلمي.

ولقد أشارت آيات الذكر الحكيم إلى هذا البرهان، كما أشار سبحانه وتعالى إلى صدق النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بقوله:

(وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأَقاوِيلِ *لأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ* ثَمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الوَتِينَ*فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحْد عَنْهُ حاجِزينَ).(1)

فالآية تحكي لنا حقيقة جليّة، وهي انّ النبيّ إذا نسب إلى اللّه شيئاً على خلاف الواقع (كذباً) فانّه وطبقاً لمفاد الآية الكريمة سيتعرض لأشدّ العقوبات التي تصل إلى حدّ قطع الوتين الذي هو كناية عن الموت والقتل، لماذا؟ وما هي الميزة التي يمتاز بها النبي عن الآخرين بحيث يتعامل معه اللّه بهذه الصرامة، إذ نجد الآلاف من الناس الذين يكذبون على اللّه سبحانه ولكنّهم لم يتعرضوا لما تعرض له الرسول من التهديد حيث إنّهم يبقون على قيد الحياة لسنين طويلة رغم كذبهم؟

الجواب: هو انّ جميع شروط انجذاب الناس نحو الرسول متوفرة في شخص الرسول فبالإضافة إلى سوابقه اللامعة وتاريخه النيّر انّه يمتلك معجزة خالدة توفر الأرضية اللازمة لانجذاب الناس نحوه، وفي هذه الصورة لابدّ أن يكون صادقاً في قوله، وإلاّ فانّ مقتضى الإرادة الحكيمة للّه سبحانه سلب هذه القدرة منه لكي لا تكون وسيلة لإضلال الناس وانحرافهم عن جادة الصواب.


1 . الحاقة:44ـ 47.


(269)

وعلى هذا الأساس فالآية لا تتحدث عن كلّ إنسان يكذب على اللّه سبحانه لكي تثبت من خلال هذا الطريق نبوة كلّ مدّعي النبوة، بل تتحدّث عن أمثال النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ الذي توفّرت فيه جميع عوامل الجذب، فإنّ هكذا إنسان ـ لو فرضنا جدلاً ـ حينما يكذب على اللّه سبحانه، فإنّه سيواجه الغضب والسخط الإلهي.

إنّ القرآن الكريم حينما يتحدّث عن معاجز الأنبياء نجده يصفها بالكلمات التالية «البيّنة» و «الآية» و البيّنة لغة تعني وضوح الشيء، و«الآية» بمعنى علامة الحقيقة والواقع، وهذا إنّما يتمّ في صورة ما إذا كانت العلاقة بين المعجزة ودعوى النبوة علاقة منطقية وحقيقية لا مجازية وصورية. وعلى هذا الأساس لامناص من القول: إنّ علاقة ورابطة معجزات الأنبياء بما يدّعونه علاقة ورابطة منطقية.

الجواب الثاني: وها هنا جواب آخر عن هذا الإشكال نذكره من خلال التقرير التالي: إنّ الأنبياء يدّعون انّهم تُنزّل عليهم ملائكة الوحي وانّهم يرونهم ويسمعون نداء الغيب، وحسب الاصطلاح انّهم يدركون إدراكاً خاصاً يطلق عليه عنوان الوحي، وهذا الإدراك ليس من سنخ الإدراكات الحسيّة والعقلية للإنسان حيث يدّعي الأنبياء أنّهم زوّدوا بسلسلة من الإدراكات الخاصة بهم فقط والتي لم تمنح لغيرهم مكّنتهم من مشاهدة الصور الغيبية وسماع أصوات ماوراء الطبيعة.

وحينئذ يرتفع صوت المعترضين عالياً بالاحتجاج عليهم بما يلي:

إذا كنتم تدّعون انّكم تملكون إدراكاً غيبياً وانّ ذلك الأمر خاص بكم ولا يشارككم فيه غيركم، فمن أين لنا أن نعلم أنّكم صادقون فيما تدّعون؟ وما دمتم تقولون إنّ الآخرين محرومون من إدراك هذه الأُمور الغيبية وغير الطبيعية، إذاً يجب عليكم ولإثبات صدق مدّعاكم أن تأتوا بأُمور خارقة للعادة يمكن لنا أن نراها


(270)

بشرط أن لا تكون من قبيل الوحي ورؤية الملائكة التي لا يمكن للآخرين إدراكها، فأتوا بآية نراها لنشهد بصدقكم ولنطّلع على الغيب من خلال مشاهدة هذه المعاجز والأُمور الخارقة للعادة. وبعبارة أُخرى: نعلم بوجود المشابه من خلال مشابهه. من هذا المنطلق نجد أنّ الأنبياء قد زوّدوا ومنذ الوهلة الأُولى لمراحل البعثة بالمعجزة لكي يتسنّى لهم إثبات مدّعاهم من خلال ذلك الطريق.

إنّ الذين أذعنوا بصدق النبي من خلال هذا الطريق لا ريب أنّهم سيذعنون وبصورة قهرية بجميع القضايا التي تقع في إطار العقل النظري والعقل العملي التي يسمعونها من النبي. وبعبارة أُخرى: من خلال اليقين بصدق الرسول يذعنون لتمام الشريعة مثل ذلك، كالصحفي الذي ينقل العشرات من التقارير ونحن عندنا يقين بأنّه إنسان نزيه بعيد عن الكذب والافتراء، فإنّنا ومن خلال هذا اليقين الإجمالي يحصل لنا العلم بجميع ما ينقله من التقارير والأخبار . وبالطبع انّ هذا اليقين الإجمالي بصدق كلام النبي لا يمنع أن يكون لكلامه في أُصول العقيدة وإطار العقل النظري دليل وبرهان خاص يثبت ذلك، ولذلك نجد القرآن الكريم يستعمل البرهان والاستدلال بصورة كثيرة لإثبات المعارف والمفاهيم الإسلامية ويعتمد منهج العقل في المسائل التي تتعلّق بالمبدأ والمعاد والقيادة وغير ذلك، نشير هنا إلى نماذج من ذلك:

1. في مجال إثبات وجود الخالق يقول سبحانه:

(...أَفِي اللّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالأَرْضِ...) .(1)

ويقول أيضاً: (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاّ اللّه لَفَسَدَتا...) .(2)


1 . إبراهيم:10.
2 . الأنبياء:22.


(271)

ثمّ إنّه يستدلّ على وجود اللّه بأنّ إنكار وجود الخالق يستلزم الخُلف والدور حيث يقول سبحانه:

(أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْء أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ) .(1)

2. وفي مجال إبطال نظرية إلوهية المسيح يقول تعالى: (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاّ رَسُولٌ قَدْخَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ...) .(2)

3. ولإثبات لزوم وجود القيامة يقول سبحانه: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرجعُونَ) .(3)

ومن المعلوم أنّ في كلّ آية من الآيات المذكورة قد ورد برهان عقلي دقيق لإثبات ما ورد في نفس الآية من ادّعاء، ومن الواضح جداً انّ هذه البراهين العقلية الدقيقة والفلسفية لا يمكن أن يدركها إلاّ بعض أصحاب الاختصاص، ولكن يبقى السؤال عن تكليف بقية طبقات المجتمع بالنسبة إلى محتوى الشريعة فما هو تكليفهم ياترى؟

الجواب: كما ذكرنا سابقاً انّ تكليف عموم الناس هو الإذعان واليقين بصدق دعوى صاحب الشريعة وفي ظل هذا اليقين الإجمالي يحصل اليقين التفصيلي بتمام محتويات الشريعة.

لقد اتّضح وبصورة جليّة من خلال هذين البيانين (الجوابين) العلاقة المنطقية بين المعجزة وبين صدق مدّعي النبوة.(4)


1 . الطور:35.
2 . المائدة:75.
3 . المؤمنون:115.
4 . منشور جاويد:10/301ـ 308.


(272)

48
المعجزة وقانون النظم

سؤال: قد يتصوّر البعض انّ الإتيان بالمعجزة على خلاف قانون النظم في عالم الخلق، وذلك لأنّ أصل النظم يبتني على أساس كون كلّ موجود ممكن يخضع في وجوده إلى سلسلة من الأسباب والعلل المنظمة من قبل اللّه سبحانه، والحال أنّ المعجزة تبتني على تجاوز كلّ هذه الأسباب والعلل والظهور إلى حيّز الوجود بلا توسط تلك الأسباب والعلل الطبيعية، وحينئذ يكون أصل الإعجاز منافياً لأصل النظم ولا ينسجم معه، وبما أنّ أحد الطرق العقلية لإثبات الخالق هو برهان النظم، فتكون النتيجة حينئذ أنّ المعجزة بالرغم من أنّها تثبت صدق نبوّة الأنبياء، ولكنّها توجّه لطمة قوية إلى إثبات وجود الخالق، كيف يمكن التخلّص من هذه الإشكالية؟

الجواب: تتّضح الإجابة عن هذه الإشكالية وبصورة جليّة من خلال ملاحظة الجواب السابق الذي ذكرناه حيث أثبتنا هناك انّ ظاهرة المعجزة ليست من الظواهر الخارجة عن قانون العلّية وأثبتنا أيضاً أنّ جميع الأُمور الخارقة للعادة تابعة لأسباب وعلل وعوامل خاصة بها، سواء فسّرنا تلك الأسباب بالعوامل الطبيعية غير المعروفة، أو فسّرناها بالإرادة والنفس القوية للأنبياء، أو


(273)

فسرناها بالعوامل الغيبية غير المادية، فعلى كلّ حال انّ هذه العوامل تُعدّ من ضمن مجموعة نظام الخلق وانّها كالعوامل الطبيعية من حيث النسبة والقياس لمعلولاتها.

وبعبارة أُخرى: انّ الأُمور الخارقة للعادة لا تخدش الحكم والقانون الكلّي ولا تخصّص القاعدة العقلية (بأنّ لكلّ معلول علّة) وأنّها لا تخطو ولو خطوة واحدة على خلاف قانون النظم، غاية ما في الأمر انّ المعجزة والأُمور الخارقة للعادة توسع من مساحة العلل في عالم الوجود، حيث إنّ السبب الذي دعا إلى ذلك التصوّر المذكور في متن السؤال هو حصر قانون العلّية بالعلل المادية المعروفة، إلاّ أنّ معاجز الأنبياء ردّت على ذلك التصوّر وأحكمت قانون العلّية، إلاّ أنّها وسّعت نطاق العلل بصورة أكبر حيث أخرجته عن الحدود المادية الضيّقة.

نعم لو كان الأنبياء حينما يأتون بالمعجزة يخلقون حالة من الفوضى واللانظام وينقضون قانون العليّة، ففي هذه الصورة وبلا ريب يرد الإشكال المذكور وتُعدّ حينئذ المعجزات مخالفة لقانون العلّية وقانون النظم، ولكن كما ذكرنا انّ مثل هذا التصوّر في خصوص معاجز الأنبياء والأُمور الخارقة للعادة لا يعدو كونه توهّماً ليس إلاّ، وانّ منشأ هذا التوهّم هو التفكير المادي الضيق الذي يحصر عالم الوجود في إطار المادة المحدودة فقط.

ثمّ إنّ معاجز الأنبياء لا أنّها لا تنافي إثبات وجود الخالق فقط، بل أنّها ـ و بطريقة ما ـ تثبّت وتحكّم ذلك، وفي الواقع أنّها نافذة على عالم الغيب، وذلك لأنّ معنى الإعجاز هو أنّ هذا العالم يخضع لإرادة عقل كبير مهيمن ومحيط بجميع الأُمور بحيث متى شاء العدول من الطريقة الكلية السائدة يعدل


(274)

بسبب وجود مصالح وأغراض خاصة تقتضي ذلك العدول، والحال إذا قلنا: إنّ القدرة الحاكمة على هذا العالم هي سلطة القوانين المادية الصلبة التي لا تقبل الانعطاف الفيزياوي وانّ عالم الوجود يسير في قبضة تلك العلاقات المادية والطبيعية، فلا ينبغي أبداً أن يتغيّر طبقاً لإرادة الإنسان ورغبته.(1)


1 . منشور جاويد:10/299ـ 300.


(275)

49
فلسفة أُمّيّة النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ

سؤال: ما المراد من كون النبي أُمّيّاً؟ وما هي فلسفة كونه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أُمّيّاً؟

الجواب:لقد ورد مصطلح «الأُمّيّ» وبالأشكال التالية: «أُمّيّ» «أُمّيّون» و «أُمّيّين» ست مرات(1)في القرآن الكريم، وكان المراد في جميعها معنى واحداً فقط، وذلك المعنى هو الإنسان أو الناس الذين يبقون على الحالة والوضع التي ولدوا عليها، والمقصود من البقاء على الحالة والكيفية السابقة هو أنّهم بالنسبة إلى صفة القراءة والكتابة لم تتغير حالتهم عمّا ولدوا عليه، فكما أنّهم كانوا في الأيام الأُولى لولادتهم غير قادرين على القراءة والكتابة، فكذلك لم يحدث أيُّ تحول في حياتهم من هذه الجهة، وقد أُطلق في اللغة العربية على مثل هذه الحالة (عدم التحوّل والتغيّر) مصطلح «الأُميّة» و على الشخص الذي يتّصف بهذه الحالة مصطلح «الأُمّيّ».

ونحن إذا راجعنا القرآن الكريم نجد أنّه يصفه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بوصف «الأُمّيّ» ويوضح أنّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وإلى حين نزول الوحي عليه كان أُمّيّاً، حيث يقول سبحانه:


1 . انظر الأعراف:157ـ 158; البقرة:78; و آل عمران:20ـ 75; الجمعة:2.


(276)

(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوراةِ وَالإِنّجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَليْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الّتي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَروُهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون).(1)

ونحن إذا أمعّنا النظر في الآية المباركة نجد أنّه سبحانه يصف النبي الأكرم بخصال عشر(2)، القسم الأعظم منها يدلّ على صدق دعوة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وهذه الصفات هي:

1. رسول، 2. نبي، 3. أُمّي، 4. مكتوب اسمه في التوراة والإنجيل، 5. منعوت فيهما بأنّه يأمر بالمعروف، 6. وينهى عن المنكر، 7. ويحل لهم الطيّبات، 8. ويحرّم عليهم الخبائث، 9. ويضع عنهم إصرهم،10. ويضع عنهم الأغلال التي كانت عليهم.

وهذه الخصال العشر جميعهاـ باستثناء الأُولى والثانية ـ تدلّ على صحّة وصدق نبوّة النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، ومن يطالع القرآن الكريم لا يجد أيّ آية تدلّ على حقّانية النبي الأكرم كهذه الآية التي جمعت فيها كلّ تلك الصفات والأدلّة، وكأنّ الآية تريد أن تعرف العالم على أدلّة وبراهين نبوّته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وتقول لهم: إنّ دليل نبوّته يتمثل في:

1. انّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إنسان أُمّيّ لم يقرأ ولم يكتب، وقد جاء والحال هذه بكتاب


1 . الأعراف:152.
2 . لقد أوصل الفخر الرازي في تفسيره مفاتيح الغيب:4/309تلك الصفات الموجودة في الآية إلى تسع صفات والحال أنّنا إذا اعتبرنا «الإصر» و «الأغلال» صفتين متغايرتين فحينئذ يكون عدد الصفات عشر صفات.


(277)

يعجز الجميع عن مواجهته ومعارضته ولا يشكّ أحد في عظمة تعاليم وقوانين ومفاهيم ذلك الكتاب ، ولا شكّ أنّه وبحساب الاحتمالات والمحاسبات العقلية يستحيل على إنسان لم يقرأ ولم يكتب وقد عاش في مجتمع جاهلي ومحيط متخلّف أن يأتي ـ و بدون الاستعانة باليد الغيبة ـ بمثل هكذا كتاب عظيم في كلّ جوانبه.

2. انّ هذا النبي قد ذكرت خصائصه وصفاته في الكتب السماوية السابقة كالتوراة والإنجيل، وأنّها مازالت عند أتباعها من اليهود والنصارى وانّه قد بشّر به كلّ من النبي موسى وعيسيعليمها السَّلام، حيث قال سبحانه:

(قُلْ يا أَيُّها النّاسُ إِنّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمواتِ وَالأَرْضِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللّه وَرَسُولِه النَّبِيّ الأُمّيّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبَعُوهُ لَعَلَّكمْ تَهْتدُون).(1)

والشاهد على أنّ المقصود من لفظ «الأُميّ» هو الشخص الذي لا يقرأ ولا يكتب الآية التالية:

(وَ مِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلاّ أَمانِيَّ وَ إِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنُّونَ) .(2)

إنّ مجيء جملة «لا يعلمون» بعد كلمة «أُمّيّون» و هذا يعني أنّ قول:(لا يعلمون الكتاب)جملة تفسيرية لقوله:(أُمّيّون) بمعنى أنّ طائفة من اليهود فاقدة للثقافة وغير قادرة على القراءة والكتابة يجهلون واقع كتابهم الذي أُنزل


1 . الأعراف:158.
2 . البقرة:78.


(278)

على نبيّهم وهو التوراة، وكذلك يجهلون محتوى ذلك الكتاب ولا يميزون بين التوراة الحقيقية وبين التوراة المحرّفة ولكونهم «أُمّيّين» تبقى معرفتهم مجرد أُمنية(1)لا غير وفي الآية التالية يقول سبحانه:

(فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَليلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وََوَيْلٌ لَهُمْ مِمّا يَكْسِبُونَ).(2)

فالإمعان في هاتين الآيتين لا يدع مجالاً للشك والترديد في أنّ معنى الأُمّيّ في الآية ليس هو العاجز عن القراءة والكتابة واللغة السامية حيث إنّ القرآن الكريم يقسّم اليهود إلى طائفتين:

1. الطائفة الأُولى هي التي لا تقرأ ولا تكتب ولا تعرف عن التوراة شيئاً.

2. وأمّا الطائفة الثانية فهي الطائفة التي تجيد القراءة والكتابة ولكنّها تستغل ذلك لتحقيق مآربها وأهدافها السيّئة والمشؤومة حيث تسعى لنشر التوراة المحرّفة بين الناس وبصورة واسعة جدّاً لكي يتسنّى لهم من خلال هذا الطريق جمع أكبر مقدار ممكن من الثروة والمال، ولو كانت الطائفة الأُولى تُجيد القراءة والكتابة لما وقعت لقمة سائغة وفريسة سهلة لهذه الطائفة الماكرة والمخادعة ولأمكنها تمييز الصحيح من الخطأ والحق من الباطل.

فلسفة أُميّة النبي

لقد وقف المجتمع الجاهلي والأُميّ موقف المتحيّر والمتعجّب أمام


1 . انّ المراد من الأماني هنا هي الخيالات والتوهّمات الواهية التي يحملها اليهود من قبيل كونهم شعب اللّه المختار.
2 . البقرة:79.


(279)

المعجزة الخالدة والآية العظمى للرسول الأكرم«القرآن الكريم»، لأنّهم لم يكونوا يصدقون أنّ اللّه سبحانه وتعالى سيوحي إلى إنسان منهم بذلك الكتاب العظيم، وتلك الرسالة الباهرة التي يرشدهم فيها الرسول إلى الهدى ويحذرهم من طريق الضلال والانحراف، وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم في الآية المباركة التالية:

(أَكانَ لِلنّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُل مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النّاسَ وَ بَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْق عِنْدَ رَبِّهِمْ...) .(1)

ولذلك سعى المجتمع الجاهلي لتوجيه تلك المعجزة الخالدة «القرآن الكريم» بصورة يفصلها عن عالم الغيب وعالم التعليم والهداية الإلهية ولقد ذكروا في هذا المجال العديد من التفسيرات والتحليلات الواهية النابعة من وهمهم وخيالهم الواهي.

وقد أشار القرآن الكريم إلى نماذج من تلك الخيالات الواهية والأفكار الساذجة في عدد من الآيات نشير إلى بعضها قال تعالى:

(وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاّ إِفْكٌ افْتَريهُ وَ أَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاءُوا ظُلْماً وَ زُوراً).(2)

وقال تعالى أيضاً حاكياً تلك الخيالات الباطلة: (وَقالُوا أَساطِيرُ الأَوَّلينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَ أَصِيلاً).(3)

ففي هاتين الآيتين إشارة إلى نوعين من التهم التي أُلصقت بالنبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وهي:


1 . يونس:2.
2 . الفرقان:4.
3 . الفرقان:5.


(280)

1. انّ هذا الكتاب (القرآن) لم يكن من لدنه سبحانه وانّما هو من اختراعات النبي وتنظيمه ونسبته إلى اللّه، وقد أعانه على ذلك العمل قوم آخرون(إِنْ هذا إِلاّ إِفْكٌ افْتَريهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ) .

2. إنّ هذا الكتاب (القرآن) إنّما هو في الواقع من إملاءات أصحاب الكتب السماوية السابقة حيث كان أحبار اليهود وقساوسة النصارى ـ حسب هذه التهمة ـ يملون على النبي أفكارهم بكرة وأصيلاً، وبالنتيجة فإنّ هذا الكتاب لا يمثل عملية الوحي والبعث من قبل اللّه للنبي الأكرم.

إنّ هذه الآيات وغيرها من الآيات الأُخرى المشابهة لها تحكي لنا سعي مشركي مكة وجهودهم الحثيثة في تصوير القرآن بأنّه نتاج عقل الرسول وانّه مترشح من ذهنيته وخياله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ والسعي لإقناع الآخرين بتلك التهم الواهية التي ألصقوها بالرسول الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، ومن تلك التهم أنّه استعان في تنظيم القرآن بالكهنة و...

أو انّ القرآن مأخوذ من العهدين وغيرهما من الكتب.

ولقد تصدى القرآن الكريم للردّ على تلك التهم الواهية والأكاذيب الباطلة وبيّن زيفها وركاكتها بصورة إجمالية.

حيث قال سبحانه: (قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمواتِ وَ الأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحيماً).(1)

إلاّ أن القرآن و في سورة العنكبوت قد تصدّى للردّ على هذه الأفكار السقيمة بصورة مفصّلة وبضرس قاطع حيث خاطب اللّه النبي الأكرم بقوله سبحانه: (وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتاب وَ لا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَرْتابَ


1 . الفرقان:6.


(281)

الْمُبْطِلُونَ) .(1)

فلو كان النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في فترة صباه قد تعلّم القراءة والكتابة وأنّه قد سعى إلى الكتاتيب ودور التعليم كباقي الصبية الذين حضروا تلك الدروس وتعلّموا القراءة والكتابة، فهل ياترى يكون بإمكانه أن يصرح بعد نزول الوحي عليه وفي مجتمع يعرف كلّ خصوصياته بهذه الآية التي تنفي عنه القراءة والكتابة ويناديهم وبصوت عال أيّها الناس أنّكم تعلمون أنّني لم أقرأ ولم أكتب أبداً، فكيف جاز لكم أن تنسبوا مضامين آيات القرآن الكريم إلى الكتب الأُخرى؟!

لا ريب أنّ المتكلّم عندما يقول :«ما جاءني من أحد» فإنّ لفظة «من» زائدة جيء بها لتأكيد عموم النفي بمعنى أنّه لم يأت إليه أيُّ إنسان أبداً، وأمّا إذا قال: «ما جاءني أحدٌ» ففي هذه الجملة من الممكن أنّه قد جاءه شخص أو شخصان إلاّ أنّ المتكلّم ـ ومن باب المسامحة ـ لم يحسب هذا المجيء، ولذلك تقوم العرب ولنفي هذا الاحتمال وتأكيده بوضع كلمة «من» قبل الشيء المنفي فتقول «ما جاءني من أحد».

ومن الواضح أنّ الآية الكريمة جاءت مطابقة لتلك القاعدة البلاغية حيث استعملت كلمة «من» في قوله تعالى: ( ما كنت تتلوا من قبله من كتاب) لتأكيد عمومية وشمولية النفي بأنّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لم يقرأ ولم يكتب أيّ كتاب كان. فالخلاصة انّ من قواعد اللغة العربية انّ النكرة إذا وقعت في سياق النفي تدلّ على العموم والشمول خاصة إذا اقترنت بـ «من» كما في الآية المذكورة:(ما كنت تتلوا من كتاب).


1 . العنكبوت:48.


(282)

ولم يكتف القرآن الكريم بهذه الآية في ردّ هذه الأفكار الواهية، بل نجده في آية أُخرى يأمر النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بأن يخاطب العرب ويذكرهم بتاريخ حياته وانّه قد لبث فيهم عمراً يناهز الأربعين، وأنّهم يعرفون جيداً انّه لم يقرأ كتاباً ولم يخط صحيفة، فكيف جاز لكم رميي بالإفك الشائن وتطلبون مني أن أُبدّل القرآن، حيث قال تعالى:

(قُلْ لَوْ شاءَ اللّهُ ما تَلَوتُهُ عَلَيْكُمْ وَ لا أَدْريكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ).(1)

بمعنى: إذا كنتم تعتقدون انّ القرآن نتاج فكري الخاص وترشحات ذهني وأنّني قد قمت بذلك العمل في ظلّ الاستفادة من القراءة والكتابة والاتّصال بالعلماء والمفكّرين من الأديان الأُخرى ولذلك أراكم الآن تطلبون مني أن أُبدّل هذا القرآن بكتاب آخر، فمن الحريّ بكم أن تلقوا نظرة إلى تاريخ حياتي لتعرفوا هل أملك هذه القدرة سابقاً، وممّا لا ريب فيه أنّني لو كنت أملك ذلك لذكرت الكثير من تلك المعاني والمضامين قبل البعثة في مجالسكم ونواديكم، إذ لبثت فيكم قبل ذلك أربعين سنة ولكنّكم لم تجدوا شيئاً من ذلك أبداً فلماذا كلّ ذلك التفكير الخاطئ(أفلا تعقلون)؟!

من هنا يتّضح جليّاً انّ النبي الأكرم ـ ولسلسلة من المصالح الاجتماعية ـ لم يكن قبل البعثة يعرف القراءة والكتابة وانّه كان رجلاً أُميّاً لم يتعلم عند أحد من الناس، وكذلك لم يتعلم القراءة والكتابة عن طريق


1 . يونس:16.


(283)

الغيب، لأنّه لو كان يعرف القراءة والكتابة من خلال الغيب مثلاً لما خاطبه القرآن الكريم ووصفه بـ«الأُميّ»، لأنّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لو كان قد تعلّم القراءة والكتابة ـ وإن كان عن طريق الغيب ـ فإنّه قد تحوّل حينئذ من الحالة التي كان عليها حين ولادته إلى حالة أُخرى تختلف عنها، والحال انّنا نجد انّ القرآن الكريم يقول له: إنّك ما زلت على الحالة التي أنت عليها حين ولدتك أُمّك من ناحية القراءة والكتابة وانّك «أُمّيّ».(1)


1 . منشور جاويد:7/248ـ 260.


(284)

50
أدلّة عصمة النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ

سؤال: ما هي الأدلّة التي يمكن إقامتها لإثبات عصمة النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ؟

الجواب: إنّ عصمة النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من العصيان والخطأ كعصمة باقي الأنبياء ـ عليهم السَّلام ـ ،فهو ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ معصوم في المراحل الثلاثة التالية:

1. مرحلة تلقّي الوحي وحفظه وأدائه إلى الأُمّة.

2. العصمة في مرحلة القول والفعل.

3. العصمة في مرحلة تطبيق الشريعة في حياته الفردية والاجتماعية.

إنّ جميع الأدلّة العقلية والنقلية التي دلّت على عصمة الأنبياء والتي ذكرناها سابقاً هي بعينها تجري وبصورة واضحة وجليّة في حقّ النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، ولذلك فلا حاجة لتكرار البحث فيها هنا، إلاّ أنّ الأمر الذي دعانا إلى العودة لفتح موضوع العصمة وبحث عصمة النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بصورة مستقلة هو:

ألف: وجود عدد من الآيات الدالّة أو المشعرة بعصمة النبي الأكرم بصورة خاصة وإن كنّا هنا لم نذكر منها إلاّ آيتين فقط.

ب: إنّنا في البحوث السابقة لم نتعرض لدراسة عصمة الأنبياء في الأُمور


(285)

العادية أي في غير مرحلة التبليغ وتبيين الشريعة ولذلك اقتضى الأمر أن نعود مرة أُخرى للبحث في المسألتين:

الأُولى: خصوص عصمة النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

والثانية: عصمة مطلق الأنبياء عن الخطأ والزلل.

وبما أنّنا قد تعرّضنا سابقاً لبيان الدليل العقلي (وبصورة مفصّلة) على عصمة الأنبياء من الذنب، ولذلك سنقتصر في المرحلة الأُولى على ذكر الأدلّة النقلية فقط الدالّة على عصمة النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ،وأمّا في المرحلة الثانية ـ العصمة عن الخطأ سهواً ـ فانّنا سنتطرق إلى بيان الأدلّة العقلية مقرونة بذكر الأدلّة النقلية من آيات الذكر الحكيم.

العصمة من الذنب

بالإضافة إلى الآيات الكثيرة السابقة التي تدلّ على عصمة الأنبياء من العصيان والخلاف هناك آية أُخرى تدلّ على عصمة النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حيث جاء في سورة الإسراء قوله تعالى:

(وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً).(1)

ومن الواضح أنّ الآية المباركة تشير إلى حركة حثيثة وجهود كبيرة قام بها المشركون لمحاولة فتنة الرسول الأكرم وإخراجه عن الطريق القويم من خلال الافتراء على اللّه سبحانه، وفي هذه الأجواء العصيبة والمحاولات الخطرة والدسائس الخبيثة تمتدُّ يد اللطف الإلهي إلى النبيّ الأكرم لمساعدته والأخذ بيده لتجاوز هذا


1 . الإسراء:73.


(286)

المنعطف الخطر والمنزلق الحاد حيث قال سبحانه وتعالى مخاطباً النبي الأكرم:

(وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيئاً قَلِيلاً) .(1)

ثمّ يبيّن سبحانه للنبي الأكرم عاقبة الركون للمشركين فيقول سبحانه:

(إِذاً لأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَ ضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تِجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصيراً).(2)

لقد ذكر المفسّرون وجوهاً متعدّدة لبيان سبب نزول هذه الآيات، ولكن أوضح هذه الوجوه ما ذكره الطبرسي في مجمعه: انّ المشركين قالوا له: كفّ عن شتم آلهتنا وتسفيه أحلامنا واطرد هؤلاء العبيد والسقاط الذين رائحتهم رائحة الصنان حتى نجالسك ونسمع منك، فطمع في إسلامهم فنزلت الآية.(3)

وليس المهم هنا البحث في سبب نزول الآيات المباركة، فإنّه على كلّ حال لا يؤثر على مفاد الآية، ولذلك سنركّز البحث على قوله تعالى: (ولَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ)ولتوضيح دلالتها على العصمة نشير إلى عدّة نقاط هي:

1. إنّ بعض ضيقي الأُفق سعوا لاتّخاذ الآية دليلاً على عدم عصمة النبي الأكرم، إلاّ أنّ المحقّقين من العلماء وأصحاب النظر الثاقب والفكر العميق اعتبروا الآية من الأدلّة النقلية الدالّة على عصمة النبي الأكرم حقيقة، ومن العجب أن تقع آية واحدة مطرحاً لكلتا الطائفتين فيفسرها كلّ حسب ما يتوخّاه مع أنّ الآية لا تتحمل إلاّ معنى واحداً.

2. من اللازم تعيين الفاعل للفعل «كادوا» في قوله: (وَإِنْ كادُوا


1 . الإسراء:74ـ 75.
2 . الإسراء:74ـ 75.
3 . مجمع البيان:3/431.


(287)

لَيَفْتِنُونَكَ)، فبالإمعان في الضمير في كلا الفعلين «كادوا» و «يفتنونك» يتّضح انّ الضمير يرجع إلى المشركين فيكون معنى الآية انّها تخبر عن دنو المشركين من إزلاله وصرفه عمّا أُوحي إليه لا عن دنو النبي وقربه من الزلل والانصراف عمّا أُوحي إليه، ولا ريب انّ بين المعنيين فرقاً واضحاً.

3. إنّ قوله سبحانه: (وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيئاً قَلِيلاً) مركب من جملتين: الأُولى شرطية، والأُخرى جزائية. أمّا الأُولى فقوله: ( ولولا أن ثَبَّتْناكَ) والأُخرى : (لَقَدْ كِدْتَّ تَرْكَنُ إليهم)، وبما أنّ لولا في الآية امتناعية تدلّ على امتناع الجزاء لوجود التثبيت، فيكون معنى الآية: لولا تثبيتنا لقد كدت تركن إليهم، وهذا يدلّ على عدم تحقّق الركون إليهم لوجود الشرط، وهو التثبيت من قبل اللّه سبحانه للنبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

4. انّ هذا التثبيت الإلهي في الواقع هو تثبيت في مرحلتي التفكير والعمل معاً، بمعنى أنّ التثبيت في مجال التطبيق متفرع على التثبيت في مجال التفكير، إذ لا يستقيم عمل إنسان ما لم يستقم تفكيره، وهذا يعني أنّ اللطف الإلهي كان بصورة بحيث إنّه أحاط الرسول الأكرم بلطفه سبحانه بدرجة لم يقترب من المشركين ولم يساومهم في خصوص عبادة أوثانهم، لا في مجال الفكر لدرجة لم يخطر في ذهنه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ذلك، وكذلك في مقام العمل فلم يصدر منه عمل من هذا القبيل.

ولا ريب أنّ هذا التثبيت هو عين العصمة والتسديد الإلهي لنبيّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بواسطة روح القدس وغيره.

5. انّ تثبيته سبحانه لنبيّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في هذه الآية لم يكن أمراً مختصّاً بتلك الواقعة الخاصة التي أشارت إليها الآية الكريمة، بل كان التثبيت والتسديد أمراً


(288)

عاماً وشاملاً لجميع الوقائع المشابهة لتلك الواقعة، لأنّ السبب الذي أوجب إفاضة التثبيت عليه فيها يوجب إفاضته عليه في جميع الوقائع المشابهة، ولا معنى لتثبيته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في واقعة وتركه لحاله أمام وقائع أُخرى قد تؤدي به إلى الانزلاق.

6.انّ تثبيته سبحانه لنبيّه لا يخرج النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عن كونه فاعلاً مختاراً حيث لا يستطيع النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ المخالفة، بل انّه وبالرغم من التثبيت والتسديد الإلهي له يبقى قادراً على الطاعة والعصيان والنقض والإبرام، ومن هذا المنطلق نجد الآية الثالثة تخاطب النبي الأكرم بالقول:(إِذاً لأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَ ضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً) .

وعلى ضوء ما ذكرنا من النكات يتّضح جلياً أنّ الآية المباركة تنسجم انسجاماً تاماً مع مذاق «العدلية» القائلين بعصمة الأنبياء ـ عليهم السَّلام ـ وتبعث الأمل في نفوسهم، وذلك انّها تدلّ دلالة واضحة على أنّ اللّه سبحانه وتعالى لا يترك نبيّه لحاله ولا يكله إلى نفسه طرفة عين أبداً، وانّه سبحانه يأخذ بيده في كلّ المواقع التي يتعرض فيها إلى الخطر والزلل والانحراف، ويمنحه الثبات والتسديد، ويبعده عن الاقتراب من الذنب فضلاً عن ارتكابه، وفي الحقيقة انّ جملة : (وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ)، نظير قوله سبحانه: (وَلَولا فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ).(1)

لكن الآية الأُولى راجعة إلى صيانته عن العصيان،والثانية ناظرة إلى تسديده عن السهو والخطأ في الحياة، وبغض النظر عن هذا التفاوت بين الآيتين فإنّ طريقة البيان وكيفية الدلالة في الآيتين متّحدة، وبعد تمام البحث في هذه


1 . النساء:113.


(289)

النقطة نشرع في البحث في خصوص عصمة النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عن الخطأ.

عصمة النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـعن الخطأ والاشتباه

إنّ عصمة ومصونية النبي الأكرم من الخطأ والاشتباه في أُموره الحياتية والحالات الاعتيادية من المسائل التي وقع فيها البحث في علم الكلام، وقد ذُكرت في هذا المجال أقوال وآراء ونظريات متعدّدة، ولا ريب انّ العقل يحكم هنا بشرطية العصمة، وذلك من أجل المحافظة على اعتماد الناس على النبي ووثوقهم بقوله وعمله.

وبالإمكان تصوير حكم العقل بالصورة التالية:

إنّ الخطأ والاشتباه ـ في غير التبليغ ـ يكون على نحوين:

الف: الخطأ في أداء الوظائف الشرعية الفردية منها أو الاجتماعية كالخطأ في الركعات أو قتل إنسان بريء.

ب: الخطأ في أُمور حياته اليومية.

لا ريب انّ مسألة وثوق الناس بالنبي واعتمادهم على أقواله وأفعاله من العوامل المهمة في تحقيق أهداف الأنبياء ونشر الرسالة، وهذا يستدعي أن يلتزم النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في مجال العمل بالوظائف والتكاليف الفردية منها والاجتماعية وأن يكون مصوناً من الاشتباه والخطأ فيها، وذلك لأنّ الاشتباه والخطأ في هذا القسم يولّد وبصورة تدريجية حالة الشكّ والترديد لدى الناس في تعاليم النبي وأقواله، وحينئذ يتساءلون مع أنفسهم إذا كان النبي يخطأ في عمله ووظائفه فمن الذي يضمن لنا أنّه لا يخطأ أيضاً في مجال بيان الأحكام والمفاهيم الإسلامية؟

إنّ هذا الفكر يستوجب ان يصان النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في أعماله الاعتيادية


(290)

والوقائع اليومية،وذلك لأنّ الاشتباه في هذه الموارد يسلب اعتماد الناس عليه ويؤدّي إلى التشكيك في التعاليم التي جاء بها.

تنبيه: لا يتوهّم انّنا ندّعي الملازمة بين الخطأ والاشتباه في الوظائف وبين الخطأ في تبليغ التعاليم والأحكام، إذ من الممكن أن يكون الإنسان معصوماً من قبل اللّه تعالى في القسم الثاني ، لكنّه لا يكون معصوماً في أُمور حياته الاعتيادية، فقد يقع في الخطأ والاشتباه والزلل فيها، ولا شكّ انّ التفكيك بين الحالتين صحيح جدّاً.

إنّ هذا التفكيك من الأُمور الجليّة والمقبولة عند العلماء والمفكّرين،ولكنّ الكلام هنا مع الناس الآخرين الذين لا يستطيعون التمييز بين تلك المسائل ولا ينظرون إلى حالة التفكيك بين القضيتين، بل ينظرون إلى الجميع نظرة واحدة ويسوقون الجميع بعصا واحدة، ويرون أنّ وجود الشكّ والترديد أو الخطأ والاشتباه في الحياة الاعتيادية للنبي موجب لنمو حالة الشكّ والترديد في بقية الأُمور المتعلّقة بالنبوة.

إنّ اللّه سبحانه وتعالى من أجل تحقّق الغرض من البعثة وأهدافها لابدّ من أنْ يجهز ويزود النبي بصفة العصمة، لكي لا تخدش حالة الاعتماد على النبيّ بين الناس ولو يسيراً، أي أنّ حالة الوثوق والاعتماد تبقى بدرجة مائة بالمائة. وحينئذ ستتحقّق أهداف ومقاصد البعثة التي تتمثل في تربية الناس وهدايتهم إلى طريق الخير والصلاح. لقد روي عن الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ أنّه قال:«روح القدس تحمل النبوة، وروح القدس لا ينام ولا يغفل ولا يلهو ولا يسهو».(1)

إلى هنا تمّ الكلام في بيان حكم العقل بوجوب عصمة الأنبياء من الخطأ


1 . بصائر الدرجات:134.


(291)

والسهو وحان الوقت للحديث عن بيان منطق القرآن في هذا الخصوص، ولا ريب أنّ منطق القرآن والعقل متطابقان هنا ولا يوجد أدنى اختلاف بينهما.

القرآن وعصمة النبي من الخطأ والسهو

إنّه من الممكن الاستفادة من الآية التالية لإثبات عصمة النبي من الخطأ والسهو.

(وَلَوْلا فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَ رَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَ ما يُضِلُّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْء وَ أَنْزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَ الحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَ كانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظيماً) .(1)

لقد ذكر المفسّرون في شأن نزول الآية عدّة توجيهات مختلفة لا يسع المجال لذكرها جميعاً، وهانحن نذكر نموذجاً منها على سبيل المثال وبصورة ملخّصة وهي: أنّه قد سرق درعٌ لأحد الصحابة، فشك صاحب الدرع بأنّ السارق هو أحد أفراد «بنو أُبيرق» وحينما أحسّ السارق بالخطر وانكشاف أمره ألقى الدرع في بيت أحد اليهود وطلب من أفراد قبيلته الذهاب إلى النبيّ الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ للشهادة عنده ببراءته من تهمة السرقة وإلقاء تبعة السرقة على اليهودي باعتبار أنّ الدرع قد عُثِر عليه في بيته، وهذا شاهد قوي على اتّهام اليهودي وبراءة السارق الحقيقي من بني أُبيرق، وفي هذه الشرائط الحسّاسة نزلت هذه الآية والآية التي تليها.

وسواء أصحّ سبب النزول المذكور أم لم يصحّ فإنّنا نستطيع ومن خلال ملاحظة جميع الوجوه التي ذكرت لبيان أسباب نزول الآية المباركة، أن ندرك


1 . النساء:113.


(292)

الحقيقة التالية، وهي أنّ الرسول الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ تعرّض لمؤامرة وخديعة خطيرة جداً كادت أن توقعه في فخ الحكم ـ خطأ ـ على خلاف الواقع حيث سعت تلك المجموعة المخادعة ومن خلال تصوير مشهد تمثيلي وبيان الأُمور على خلاف الواقع أن تجذب النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إلى ساحة الحدث من أجل الحكم خلافاً للحق وتبرئة صاحبهم، ولكن اللطف الإلهي أحاط بالنبي ليصونه من الخطأ والاشتباه ويزيح الستار عن وجه الحقيقة مبيّناً للنبي الأُمور على حقيقتها، وكشف النقاط المبهمة فيها، ويعلمه الحقيقة كما هي.

إذا اتّضح ذلك ينبغي أن نتعرض لبيان كيفية دلالة تلك الآيات على عصمـة النبي ومصـونيتـه من الخطأ والاشتباه، وذلك مـن خلال الأُسلوب التالي:

إنّ الناظر في الآية يجد انّها تشتمل على ثلاث جمل هي:

الف: (وَ أَنْزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ) .

ب: (وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ) .

ج:(وَكانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً) .

فالجملة الأُولى ناظرة إلى بيان مباني وأُسس القضاء، وهما: الكتاب والسنّة (الحكمة)، فإنّ الاطّلاع على هذين المصدرين والمعرفة التامّة بهما سبب مهم للعصمة والمصونية في مجال الأحكام الإلهية، وبالنتيجة لا يقع النبي أبداً في مشكلة الخطأ والاشتباه في بيان الأحكام، وذلك لأنّ جميع ما تحتاج إليه البشرية إلى قيام الساعة موجود في هذين المصدرين، ولكن من الواضح أنّ العلم بالقوانين الكلّية لا يكون سبباً للعصمة والمصونية من الاشتباه في مجال الموضوعات والجزئيات وبحسب المصطلح في مجال تطبيق


(293)

الكلّيات على مصاديقها، بل المصونية والعصمة في هذا المجال تحتاج إلى دليل آخر لإثباتها من خلاله.

والشاهد على ذلك انّنا إذا لاحظنا سبب النزول الذي ذكر للآية حيث كاد الرسول أن يقع في مشكلة الحكم بخلاف الواقع، إلاّ أنّ اليد الإلهية قد أدركته مع العلم أنّ النبي كان عالماً ومطّلعاً على الأحكام الكلّية ولكن مع ذلك كلّه لم يكن مع علمه بتلك الكلّيات واطّلاعه عليها موجباً لعصمته ومصونيته، بل الذي صانه هو العلم بالإضافة إلى أمر آخر، وهذا الأمر الآخر هو ما بيّنته الجملة الثانية في الآية المباركة حيث قال تعالى: (وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ) .

وحينئذ يطرح السؤال التالي نفسه ما هي حقيقة ذلك العلم الذي علّمه اللّه تعالى لنبيّه والذي لم يكن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يعلمه؟ فهل هو العلم بالأحكام الإلهية الكلية التي وردت في الكتاب والسنّة؟ أو أنّ المقصود من العلم هو العلم بخصوصيات الوقائع والأحداث؟

لا شكّ ولا ريب أنّ الاحتمال الأوّل باطل جدّاً ولا أساس له من الصحة، وذلك لأنّ علم النبي بكليّات الأحكام قد أشارت إليه وبوضوح تام الجملة الأُولى فلا حاجة هنا إلى التكرار والتأكيد، أضف إلى ذلك لا يوجد من يحتمل أنّ النبيّ الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لم يكن مطّلعاً على أحكام شريعته لكي تتوفر الأرضية لذلك التأكيد من خلال الجملة الثانية.

إذاً المقصود من الجملة هو الاحتمال الثاني، أي إزاحة الستار عن وجه الحقيقة وكشف الأُمور والحوادث والمؤامرة التي أُريد منها إيقاع النبي في الخطأ والاشتباه وإلصاق التهمة بإنسان بريء، وهذا ما أشارت إليه آية أُخرى تتعلّق بذلك الأمر حيث جاءت فيها جملة (بِما أَريكَ اللّهُ) والآية المباركة هي: (إِنّا


(294)

أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أَريكَ اللّهُ وَ لا تَكُنْ لِلْخائِنينَ خَصِيماً).(1)

ففي هذه الآية تمّ بيان أصلين لقضاء وحكم النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وهما:

1.(أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ) .

2. (بِما أَريكَ اللّهُ) .

ولا ريب أنّ (الباء) في كلمة «بما» بمعنى «السببية»، يعني أنّ اللّه سبحانه قد أنزل إليك الكتاب لتستطيع من خلاله وبالإضافة إلى بيان الحقائق من قبل اللّه سبحانه أن تحكم بين الناس من دون أن تقع في الخطأ والاشتباه أبداً.

وعلى هذا الأساس يظهر أنّ النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وبالإضافة إلى علمه بالكتاب والسنّة فإنّه مسلّح ومجهز بعلم خاص، وهو ما أشارت إليه الآية المباركة: (وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ)وقد عبّر عن ذلك المعنى في آية أُخرى بقوله: (بِما أَريك اللّه).

ولكي لا يتوهّم أنّ هذه المصونية تختص بمورد خاص أو تختص بمجال القضاء فقط وانّ باب الخطأ مفتوح أمام النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في الحوادث الأُخرى، جاء قوله سبحانه في الجملة الثالثة: (كانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً)، ليوصد هذا الاحتمال وينفي هذا التوهّم.

إنّ الشيء الذي يصفه اللّه سبحانه وتعالى بالعظمة يختلف عن الشيء الذي نصفه نحن بالعظمة ولابدّ من الفصل بينهما، فإنّ الفضل والكرم الإلهي العظيم علامة على أنّ النبي الأكرم مصون من الخطأ والاشتباه في جميع مسير حياته، سواء


1 . النساء:105.


(295)

على مستوى القضاء والحكم أو المعاشرة والمعاملة مع الناس أو غير ذلك.

والخلاصة: انّه وبسبب المصلحة الكامنة في أمر الرسالة ولكون النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إسوة وقدوة للأُمّة فلابدّ أن تكون حياته بنحو لا تحتمل الأُمّة في حقّه الخطأ والاشتباه، وذلك لأجل أن لا تتحيّـر الأُمّة ولا تضطرب في أمر طاعته والتسليم له.

المنكرون لعصمة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ

لقد تمسّك المخالفون لعصمة النبي الأكرم بسلسلة من الآيات والأحاديث التي اتّخذوها ذريعة لإثبات معتقدهم لكي يتسنّى لهم من خلال ذلك تشويش أذهان البسطاء من الناس في خصوص أمر العصمة، ولكي يتّضح الأمر جلياً ويتم البحث على أكمل وجه لابدّ من التعرض إلى تلك الأدلّة ودراستها ومناقشتها.

فنذكر أوّلاً الآيات المباركة و بعد ذلك نتعرض لدراسة الروايات التي استندوا إليها.

1. النهي عن اتّباع أهواء المشركين و...

لقد خاطب اللّه سبحانه نبيّه بسلسلة من «القضايا الشرطية» منها قوله تعالى:

(...وَ لَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مالَكَ مِنَ اللّهِ مِنْ وَلِىّ وَلا نَصِير).(1)


1 . البقرة:120.


(296)

ولقد ورد نفس هذا المضمون وفي نفس السورة في الآية رقم 154 إلاّ أنّه ورد فيها بدل قوله: (مالَكَ مِنَ اللّهِ...) قوله تعالى : (إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظّالِمينَ) .

كما ورد مضمون الآية الأُولى في سورة الرعد الآية 37 مع فارق يسير جداً، وهو انّه جاء بدل قوله: (وَ لا نَصِيراً) كلمة (وَلا واق).

إنّ هذه الآيات وما يشابهها من الآيات التي سنذكرها لاحقاً لا تدلّ وبأي شكل من الأشكال على نفي عصمة النبي، وذلك لأنّ القضية الشرطية لا تدلّ إلاّ على الملازمة بين الشرط والجزاء، لا على تحقّق الطرفين، فالآية لا تدلّ على تحقّق الشرط«اتّباع هوى المشركين» و لا تدلّ على إمكان تحقّقه، بل الآية على خلاف المخطئة أدلُّ حيث إنّها تنسجم انسجاماً تاماً مع القول بالعصمة، وهذا شبيه قوله سبحانه لنبيّه: (وَ لَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلاً).(1)

ثمّ يقول سبحانه في الآية التالية: (إِلاّ رَحْمََةً مِنْ رََبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً) .(2)

ففي الوقت الذي يعلّق سبحانه مشيئته وإرادته في سلب الوحي من النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يطرحها بصورة القضية الشرطية، ومن المعلوم المقطوع به عند الجميع انّ هكذا مشيئة وإرادة لم تتحقّق أبداً وانّه سبحانه لا يستلب من نبيه ما أوحى إليه، بل انّه سبحانه يُتم رسالته وشريعته بواسطة النبي الأكرم.

إنّنا وقبل دراسة وبيان النكتة في هذا النمط من الآيات التي تخاطب النبي


1 . الإسراء:86.
2 . الإسراء:87.


(297)

بنحو القضية الشرطية ولكن بلحن حاد وبأُسلوب تهديدي وتوبيخي، نذكر منها آيتين فقط هما:

(وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَ إِلَى الَّذينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرينَ) .(1)

وقوله سبحانه: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأَقاوِيلَ* لأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيََمينِ* ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتينَ*فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَد عَنْهُ حاجِزينَ) .(2)

إنّ جميع الإنذارات والتقارير الواردة بصورة الشرط «إذا» لا تدلّ على تحقّق الطرفين لكي تكون دليلاً على نفي العصمة.ولكن يبقى هنا سؤال يطرح نفسه وهو إذا كانت هذه الآيات لا تدلّ على نفي العصمة، فما هو الهدف ياترى من طرح مثل تلك القضايا الشرطية التي لا تتحقّق وبصورة عملية أبداً؟

ويمكن الإجابة عن هذا التساؤل من خلال الإشارة إلى وجهين من الوجوه المتنوعة التي ذكرت لبيان فلسفة طرح تلك القضايا الشرطية.

1. انّ هذه الآيات تخاطب النبي بما أنّه إنسان ذو غرائز بشرية، أي انّها ناظرة إلى الطبيعة الإنسانية للنبي والتي لا يمتنع صدور الذنب والخطأ والمخالفة منها، وذلك لأنّ الأنبياء من طبيعة البشر ومن جنسهم وليسوا من جنس آخر فوق البشر لكي لا يتصوّر صدور الذنب والخطأ منهم، بل أنّهم بشر كباقي الأفراد معرّضون للخطأ والاشتباه والتوبيخ لولا العناية الإلهية واللطف الإلهي الذي يحوطهم، وهذا ما نطلق عليه مصطلح العصمة، فلولا ذلك فإنّ صدور الذنب والخطأ مترقّب منهم والذي يمنع من وقوعه هو العناية الإلهية


1 . الزمر:65.
2 . الحاقة:44ـ 47.


(298)

والفيض الإلهي الذي يجعـل صـدور كـلّ ذلك من قبيـل «المحال العادي» ويضفي عليهم نوعــاً من القداسة والطهارة، فإذاً هذا القسم من الآيات ناظر إلى الجوانب البشرية للأنبياء فقط ولم تكن هنا مسألة العصمة والمصونية من الخطأ مطروحة، وإذا ما كان الأنبياء معصومين ومنزّهين من الخطأ، فإنّ ذلك لسبب آخر وهو كونهم موجودات إلهية يستحيل عليها أن تلج باب المعصية والذنب.

2. انّ هذه الآيات جميعها تركّز على الجانب التربوي، والهدف منها تعريف الناس بوظائفهم وتكاليفهم أمام اللّه سبحانه من خلال مخاطبة شخص النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، ولا ريب انّ هذا النوع من أُسلوب الخطاب الحاد والشديد اللحن لا يثير التعصّب الجاهلي والعناد، بل يؤدّي إلى خضوعهم لتلك التعاليم وحثّهم وتحريكهم نحو الإيمان بالرسالة حيث يتساءلون حينئذ مع أنفسهم إذا كان النبي الأكرم مع عظمته وجلاله وقداسته يخاطب بتلك الخطابات الحادة على فرض صدور الذنب والخطأ منه وانّه يوبّخ بهذه الطريقة الحادّة، فماذا سيكون الموقف منّا ياترى إذا ارتكبنا تلك الذنوب ووقعنا في الخطأ؟!

وعلى ذلك تكون الآيات واردة بطريقة «إيّاك أعني واسمعي يا جارة»، ولا ريب أنّ هذا الأُسلوب من الأساليب المثلى والصحيحة في التربية وتبيين الحقائق، انّ الذين تمسّكوا بهذا النوع من الخطابات لدعم أفكارهم الخاطئة لا ريب أنّهم يجهلون ألف باء المعارف القرآنية ولا يفهمون من أُصول التربية الصحيحة شيئاً . وفي الالتفات إلى هذا الأصل يتّضح جلياً عدم صحّة أيّة فكرة تشير إلى عد م عصمة النبي الأكرم.


(299)

وكذلك يتّضح من خلال هذا الأصل الهدف من الآيات الأُخرى التي تمسّك بها المنكرون للعصمة، ومن أجل إكمال البحث نشير إلى قسم من هذه الآيات:

1. لقد كان المسلمون يتوجّهون في صلاتهم نحو بيت المقدس، ولكنّه ولمصالح معينة اقتضت صدور الأمر الإلهي للنبي الأكرم وللمسلمين بالتوجّه في صلاتهم شطر المسجد الحرام، وهذا ما عُبّر عنه تاريخياً بتغيير القبلة، ولقد أثار هذا الحدث ضجّة كبيرة في أوساط اليهود والمنافقين، وقد أشارت بعض الآيات والروايات إلى تلك الضجة ولكن القرآن الكريم وقف بصرامة وحزم شديدين أمام هذه الضجة المفتعلة، وردّ على جميع الإشكالات التي أثارها الجاهلون بعلل الأحكام من اليهود والمنافقين، ثمّ بعد ذلك توجّه إلى النبي الأكرم مخاطباً إيّاه بقوله: (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرينَ) .(1)

كما أنّ القرآن الكريم أبطل نظرية إلوهية المسيح وأثبت أنّ ولادته من الطاهرة مريم ـ عليها السَّلام ـ كمثل خلق آدم ـ عليه السَّلام ـ حيث خلقه سبحانه من تراب، وأثبت القرآن الكريم أنّ التولّد من مريم الطاهرة وخلق آدم من تراب لا يُعدّان دليلاً على كون آدم والمسيحعليمها السَّلام أبناءً للّه جلّ جلاله، وبعد أن أبطل ذلك بالدليل القاطع نجد القرآن الكريم يلتفت إلى النبي الأكرم مخاطباً له بقوله سبحانه:(الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرينَ) .(2)

ومن المعلوم أنّ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قد اطّلع على عالم الغيب ورأى ملك الوحي وسمع كلامه وأنّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ شاهد بأُمّ عينه آيات اللّه سبحانه ليلة المعراج، وممّا لا


1 . البقرة:147.
2 . آل عمران:60.


(300)

ريب فيه أنّ من يكون كذلك لا يمكن أن يتطرّق الشكّ والريب إلى قلبه وفكره، وعلى هذا الأساس لابدّ أن تكون الآيات التي تخاطبه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بأن لا يكون من المتمرين لم تكن متوجهة إليه حقيقة، بل جاءت لتذكير المسلمين بأن لا يقعوا فريسة سهلة أمام كيد المخادعين ولا ينجرفوا مع تيار المفترين وأن لا يتأثروا بالكلام الفارغ والدعايات الواهية لهؤلاء وأن لا يلقوا بأنفسهم في جحيم الريب والشكّ.

2. انّ اللّه سبحانه خاطب نبيّه في مسألة الحكم التي مرّ تفصيلها سابقاً في البحث عن أدلّة عصمة النبي عن الخطأ والاشتباه حيث قال سبحانه: (وَلا تُجادِلْ عِنَ الَّذينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللّهَ لايُحِبُّ مَنْ كانَ خَوّاناً أَثيماً).(1)

وقال سبحانه في آية أُخرى:(إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ الناسِ بِما أَريكَ اللّهُ وَ لا تَكُنْ لِلْخائِنينَ خَصيماً) .(2)

إنّ هذا النوع من الخطابات يصلح لهداية وإرشاد طائفة من الناس الذين لا يتحمّلون الصراحة، وكأنّ لسان حالهم يقول: النقد جيد ولكن بشرط أن يتوجّه للآخرين فقط.

ومن هذا المنطلق فإنّ أفضل وسيلة وأسلم طريق لمخاطبة هؤلاء هو استعمال الخطاب غير المباشر، لأنّ الخطاب غير المباشر مهما كان حاداً ومُرّاً فإنّه لايُثير ردود فعل شديدة اتّجاههم، لأنّه موجّه للآخرين.

ولا ريب انّ النبي الأكرم كان مجبوراً على القضاء والحكم في مسألة الدرع المسروقة وأن يكون حكمه طبقاً لقواعد وقوانين القضاء التي تعتمد على الشواهد


1 . النساء:107.
2 . النساء:105.


(301)

الظاهرية ولم يكن ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مدافعاً وسنداً للخائنين، ولكن تلك القواعد والضوابط القضائية قد لا تصيب الواقع، وفي النتيجة يضيع حق إنسان بريء، ولذلك نجد أنّ اللطف والعناية الإلهية قد امتدّت إلى النبي الأكرم على الفور لتطلعه على حقيقة الأمر (بِما أَريكَ اللّهُ) ولتنقذه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من الوقوع في الخطأ أو الاشتباه في الحكم.

ولكنّه سبحانه أراد بذلك الخطاب الحاد تحقير وإسقاط تلك المجموعة التي سعت عالمة للدفاع عن السارق والشهادة زوراً ببراءته من السرقة،فوجّه سبحانه الخطاب إلى النبي الأكرم لتعرف تلك الطائفة خطورة وقبح العمل الذي ارتكبته، ولتعرف موقعها في هذه الواقعة الدنيئة.

3. انّ اللّه سبحانه وتعالى قد أصدر في سورة الإسراء مجموعة من الأوامر الحكيمة التي عبّرنا عنها بعنوان «منشور جاويد» أي «الميثاق الخالد »،وانّ هذه الأوامر الحكيمة تبدأ وتنتهي بمضمون واحد حيث قال سبحانه:(لا تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماًمَخْذُولاً) .(1)

وفي ختام ذلك الميثاق يقول سبحانه: (...وَ لا تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلهاً آخََرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدحُوراً).(2)

إنّ نظرة تحليلية إلى هذه الخطابات والأوامر تظهر بأنّها واحدة وانّها ـ جميعاً ـ ناظرة إلى جهة واحدة أو جهتين هما:

1. إنّ صدور الذنب أو الخطأ من المعصوم ـ باعتباره إنساناً ـ أمر ممكن ومتوقع، وإنّ هذه الخطابات ناظرة إلى هذه الخصيصة ـ الجانب البشري في


1 . الإسراء:22.
2 . الإسراء:39.


(302)

المعصوم ـ وليست ناظرة إلى كونه معصوماً من الخطأ والذنب.

2. إنّ مصبّ الخطاب ـ ظاهراً ـ هو النبي الأكرم ولكن المخاطب الحقيقي والواقعي الأُمّة الإسلامية، ولا ريب أنّ هذا النوع من أساليب الخطاب رائج بين شعوب العالم كافّة، وبالالتفات إلى هـذين البيـانين وتلك الآيات التي ذكرناها نكتفي بذكر ذلك المقدار فلا حاجة إلى ذكر باقي الآيات المباركة.(1)


1 . منشور جاويد:7/268ـ 282.


(303)

51
العصمة وطلب المغفرة

سؤال: هناك الكثير من الآيات التي نجد فيها النبي الأكرم يطلب المغفرة من اللّه سبحانه، فما هي فلسفة ذلك الطلب وما هو الهدف المنشود منه؟

الجواب: لا ريب أنّ القرآن الكريم قد خاطب النبي وفي آيات كثيرة وأمره بطلب المغفرة من اللّه سبحانه، وفي بعض الآيات نجد بالإضافة إلى طلب المغفرة إضافة كلمة (الذنب)، كما ورد ذلك في سورة النساء مثلاً حيث قال سبحانه:(وَ اسْتَغْفِرِ اللّهَ إِنَّ اللّهَ كانَ غَفُوراًرَحِيماً).(1)

وفي سورة غافر قال تعالى:(...وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَ سَبِّح بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالعَشيّ وَ الإِبكار).(2)

وفي سورة محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ الآية 19 جاء الأمر الإلهي للنبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بطلب المغفرة له وللمؤمنين حيث قال سبحانه: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ اللّهُوَ اسْتَغْفِر لِذَنْبِكَ وَ لِلْمُؤْمِنينَ وَ المُؤمِنات وَاللّه يعَلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَ مَثْويكُمْ) .


1 . النساء:106.
2 . غافر:55.


(304)

وجاء في سورة النصر في الآية الثالثة قوله سبحانه: (وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوّاباً).

وحينئذ يطرح السؤال التالي نفسه، كيف ياترى ينسجم طلب المغفرة مع القول بعصمة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ؟

وجواب عن ذلك يتّضح من خلال التعرّف على المسؤوليات والمهام الخطيرة للنبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

ومن الواضح والمسلّم به بين العقلاء أنّ عظمة الشخصية وخطر المسؤولية يقتضيان أن تكون النظرة إلى تلك الشخصية تختلف اختلافاً جوهرياً عن غيرها، فربّ عمل يُعدّ صدوره من شخص جرماً ومخالفة ولكنّه لا يُعدّ كذلك إذا صدر من إنسان آخر أقلّ شأناً من سابقه، بل قد يكون عمل ما بحكم العقل جرماً وذنباً إذا وقع في محيط معين ولا يُعدّ ذلك العمل نفسه جرماً إذا وقع في مكان آخر مغاير لذلك المكان السابق.

ولتوضيح الأمر جليّاً نقول: إنّ الأحكام الإلهية لا تنحصر في الواجبات والمحرمات فقط، بل هناك إلى جنب الواجب يوجد المستحب وإلى جنب المحرم يوجد المكروه ولا محيص عن الإتيان بالواجب وترك الحرام، وإنّ ترك الواجب يؤدي إلى المؤاخذة والعقاب وكذلك فعل المحرم.

وأمّا المستحبات والمكروهات ففي الوقت الذي لا يكون لتركها أو ارتكابها أي مؤاخذة قانونية ولكن قد تتوفر بعض الشروط بنحو يحكم العقل فيها بوجوب المستحب وحرمة المكروه. وبالطبع انّ هذا لا يعني أنّ المستحب قد تحول إلى واجب شرعي وانّ المكروه قد تحول إلى حرام شرعي، وذلك لأنّ الحدود والأحكام الإلهية لا تتغير أبداً، بل المراد من ذلك أنّ العقل وبالالتفات


(305)

إلى تلك الشرائط يحكم بوجوب القيام بالمندوب ووجوب ترك المكروه ويرى ذلك أمراً ضرورياً، ويعدُّ ذلك نوعاً من الواجب في إطار العقل بحيث إذا لم يصغ الإنسان ـ و في تلك الشروط ـ إلى نداء العقل يُعدّ عمله ذلك «تركاً للأولى» حسب الاصطلاح الشرعي ويعتبر ذنباً و جرماً حسب حكم العقل، إذ من الصحيح انّ عمل المستحبات وترك المكروهات سبب للجمال وتزيين الأفعال والأعمال، وانّ مخالفتها لا تستدعي أي أثر، ولكن قد يحكم العقل وبسبب وجود سلسلة من الشرائط كالعلم والمعرفة العالية بمقام الأمر والنهي الإلهي، وعظم المسؤولية، التي يتحلّى بها النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وخطورتها بوجوب المستحب وحرمة المكروه.

ويحكم على النبي في حال المخالفة بوجوب إظهار الاعتذار وطلب المغفرة.

ولكي يتّضح الأمر جلياً نشير إلى مثالين في المقام هما:

1. إذا لاحظنا حياة الإنسان البدوي قياساً إلى حال الإنسان المتحضّر نجد أنّ الإنسان البدوي يتحلّى بنوع من الآداب والرسوم البسيطة، وذلك لبعده عن الحياة المدنية المتحضّرة، ولذلك لا يرتقب منه أن يتحلّى بآداب ورسوم الإنسان المدني والمتحضّر، وهذا بخلاف الإنسان المتحضّر فالمرجو منه القيام بالآداب والرسوم الرائجة في الحضارات الإنسانية، فإذا لم يراع ذلك الإنسان المتحضّر آداب ورسوم المدنية فانّه يقع مورداً للذم والتوبيخ والعتاب.

كذلك الأمر بين سكان المدن أنفسهم، فإنّ المترقّب والمتوقّع من الإنسان المتعلّم غير المترقّب من الإنسان الجاهل وإن كان الجميع يقطنون في مدينة واحدة، كذلك لا يكون المرجو من سكان مراكز المحافظات وعواصم


(306)

البلدان كالمترقّب من الساكنين في الأقضية والنواحي. وعلى هذا الأساس فما يصدر من الناس العاديّين لو صدر من إنسان آخر أرقى منزلة وأعلى درجة يعدّ قبيحاً ومذموماً ويلام عليه عند العقلاء، ولذلك نجد أنّ الانضباط في الأوساط العسكرية يكون بدرجة عالية جداً بحيث تعدُّ المخالفة في العرف العسكري ـ مهما ـ كانت صغيرة جداً، ذنباً وخطأ لا يمكن السكوت عليه، الأمر الذي يقتضي أن يكون الفرد العسكري عالماً بجزئيات القوانين العسكرية الحاكمة. إذاً كلّما كان مقام الشخص عالياً ومنزلته ساميةً ورفيعةً وكانت مسؤولياته خطيرة وعظيمة تزداد تكاليفه وواجباته وانّ ما يتوقّع منه أكبر ممّا يتوقّع من غيره من الناس العاديين.

2. المثال الآخر الذي يقرّب لنا الفكرة ويصبّها في قالب المحسوس هو مثال العاشقين، فإنّنا إذا نظرنا إلى حال العاشق الولهان نجده هائماً بمعشوقته وذائباً بكلّ وجوده وإحساساته ومشاعره في معشوقه ومحبوبه قلباً وفكراً وروحاً بحيث لا تغيب عن مخيّلته صورة حبيبه ولو لحظة واحدة، هذه هي لغة الحبّ وقانون العاشقين، ولذلك تعدُّ أدنى غفلة عن المعشوق ـ ولو كانت لأداء الحاجات الضرورية ـ ذنباً وجرماً حسب لغة العاشقين، لأنّ قيمة الحبّ تكمن في الاستمرار بالتذكر والذوبان في الخليل، ومن هذا المنطلق لو غفل العاشق ولو لحظة يرى من اللازم عليه التوبة وطلب الاعتذار حتّى لو كانت غفلته ناشئة من القيام بما يحتاجه من الأُمور الطبيعية المباحة كالأكل والشرب، لأنّ قانون الحبّ ولغته لا يسمحان له بذلك ويعتبران ما صدر منه جرماً، ولذلك نرى العاشقين يعرضون عن الأكل والشرب ويهجرون النوم والراحة ويكتفون من ذلك بالنزر اليسير الذي يكفي لسدّ الرمق فقط.


(307)

يتّضح من خلال هذين المثالين وبجلاء الهدف من الاستغفار كما يتّضح المراد من الذنب المذكور في الآيات.

لا ريب انّ النبي الأكرم ـ وبحكم آيات العصمة ـ معصوم ومصون من أي مخالفة للقوانين والأحكام الإلهية ويستحيل أن يترك الواجب أو يفعل الحرام، ولكن هناك نكتة جديرة بالاهتمام وهي أنّ الوظائف العرفانية والأخلاقية للرسول الأكرم لا تنحصر في هذين القسمين(العمل بالواجبات وترك المحرمات) بل مقتضى عرفانه ومعرفته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بالمقام الربوبي يستوجبان أن لا ينقطع الرسول عن ذلك المقام ولو لحظة واحدة، وينبغي عليه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أن يقوم بمراعاة جميع آداب الشأن الإلهي بالنحو الأكمل وأن يقدّم الأليق على اللائق دائماً، فلو فرضنا أنّ الرسول انقطع ولو لحظة واحدة لشأنه الخاص باعتباره إنساناً، فانّ هذا الانقطاع اليسير جداً يُعدُّ في منطق العرفان ذنباً وجرماً يتطلّب التوبة والمغفرة والإنابة وإن كان في منطق الشرع وطبقاً لموازين الكتاب والسنّة لا يُعدُّ جرماً ولا ذنباً.

ونحن إذا أمعنّا النظر في أسباب نزول بعض الآيات والقرائن الحافّة بها يتّضح لنا جلياً أنّ استغفار النبي من تلك الأُمور ناشئ من المعرفة العالية والعرفان السامي للنبي الأكرم الذي يوجب عليه القيام بالأُمور بشكل وطريقة أُخرى، وهذا ما يصطلح عليه المفسّرون «ترك الأولى».

فإذا كان النبي الأكرم قد أُمِرَ بطلب المغفرة في تلك الآيات أو أنّ الأنبياء قد طلبوا المغفرة كنوح وإبراهيم وموسى، فانّ طلبهم هذا يندرح تحت المعنى الذي ذكرناه، فعلى سبيل المثال نجد أنّ النبيّ نوحاً ـ عليه السَّلام ـ يطلب المغفرة ويناجي ربه بقوله: (رَبِّ اغْفِرْ لي وَ لِوالِدَيَّ وَ لِمَنْ دَخَلَ بَيْتي مُؤْمِناً...) .(1)


1 . نوح:28.


(308)

وإبراهيم ـ عليه السَّلام ـ يقول:(رَبَّنَا اغْفِر لي وَ لِوالِدَيَّ وَ لِلْمُؤْمِنينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِساب).(1)

وموسى ـ عليه السَّلام ـ يقول:( قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمين).(2)

وهذا النبي الأكرم يقول: (سَمِعْنا وَ أَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَ إِلَيْكَ الْمَصيرُ).(3)

إنّ جميع الطلبات تلك تدخل في المعنى الذي بيّناه سابقاً، وإنّ الإنسان مهما سعى وجدّ لكسب رضى اللّه سبحانه وتعالى عندما يزن عمله مهما كبر وعظم بالنسبة إلى المقام الربوبي يجد أنّه لم يؤد حقّ اللّه كما ينبغي له سبحانه ويعترف حينئذ بعجزه وقصوره عن إدراك ذلك ويعبّر عن عجزه بقوله: «ما عَبَدْناكَ حَقَّ عِبادَتِكَ» .

ولقد روى مسلم في صحيحه عن المزني أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: إنّه ليغان على قلبي وإنّي لأستغفر اللّه في اليوم مائة مرة»(4).(5)


1 . إبراهيم:41.
2 . الأعراف:151.
3 . البقرة:285.
4 . صحيح مسلم:8/72، باب استحباب الاستغفار.
5 . منشور جاويد:7/282ـ 287.


(309)

52
العفو الإلهي وعصمة النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ

سؤال: كيف ينسجم القول بعصمة النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مع ما ورد في سورة التوبة ،الآية 43، حيث قال سبحانه: (عَفَا اللّهُ عَنْكَ) ؟

الجواب: إذا رجعنا إلى دراسة الواقع التاريخي للآية المباركة نجدها نزلت حينما كان الرسول الأعظم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يعدُّ العدّة ويهيِّئ الجيوش في مواجهة الروم ومحاربتهم في تبوك إلاّ أنّ المنافقين أبوا الاشتراك في تلك المعركة والالتحاق بصفوف المجاهدين وتعلّقوا بأعذار كاذبة واستأذنوا الرسول بالإقامة في المدينة وعدم الخروج فأذن لهم النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وقبل عذرهم ظاهراً، فنزلت الآية المباركة: (عَفَا اللّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذينَ صَدَقُوا وَ تَعْلَمَ الْكاذِبينَ).(1)

ومن الواضح أنّ الآية تتضمّن التصريح بعفوه سبحانه كما يقول: (عَفَا اللّهُ عَنْكَ) كما تتضمن نوع اعتراض على النبي حيث أذن لهم في عدم الاشتراك كما يقول سبحانه: (لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) .

وحينئذ يطرح التساؤلان التاليان:


1 . التوبة:43.


(310)

الف: كيف ينسجم العفو مع العصمة؟

ب: كيف يوجه الاعتراض والعتاب الصادر من اللّه لنبيّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في قوله: (لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ)؟

وللإجابة عن التساؤل الأوّل نقول: إنّ جملة (عَفَا اللّهُ عَنْكَ) يمكن أن تفسّر بمعنيين كلاهما ينطبق على قواعد وقوانين اللغة العربية، ولتعيين أحد المعنيين لابدّ من وجود قرينة تؤيد ذلك المعنى، وهذان المعنيان هما:

1. انّها جملة خبرية حاكية عن شمول عفوه سبحانه للنبي في الزمان الماضي، أي أنّها إخبار عن تحقّق العفو، كما في قولنا: «نصر زيدٌ عمراً» فإنّها جملة خبرية ولكن لا بمعنى الإخبار عن الماضي، وإنّما المراد منها الإنشاء وطلب العفو كما في قوله: «أيّدك اللّه».

فعلى المعنى الأوّل تكون الجملة خبرية والهدف منها هو الإخبار عن تحقّق مفادها، ففي هذه الصورة تكون الآية ـ بنظر البعض ـ تدلّ تلويحاً على أنّ المخاطب بها قد صدر منه فعل استحق العفو الإلهي، ولكنّ هذا الاحتمال باطل جداً ولا أساس له من الصحّة، وذلك لأنّ الإنسان مهما عظم وسمت مرتبته وقداسته وطهارته فإنّه ـ و بالقياس إلى المقام الربوبي ـ يبقى بحاجة إلى العفو الإلهي، بل كلّما ازداد غناه ازدادت حاجته إلى العفو، وكلّما ازداد سعيه ازداد ثوابه، ولا ريب أنّ العارفين والمقرّبين من اللّه سبحانه حينما ينظرون إلى عظم مسؤولياتهم وعظم المقام الربوبي يذعنون بقصور أعمالهم وضآلة عباداتهم وجهودهم، وحينئذ يلجأون وبلا اختيار إلى التضرّع والخشوع وهم ينادونه سبحانه بقولهم: «ما عَبَدْناكَ حَقَّ عِبادَتِكَ»، فإذا كانت معاصي و ذنوب الناس العاديّين تحتاج إلى طلب العفو والمغفرة الإلهية، فإنّ ترك الأولى من المعصومين والقيام ببعض


(311)

المباحات من العارفين وتحت شروط خاصة تقتضي هي أيضاً طلب العفو والمغفرة.

وأمّا على الاحتمال الثاني فالجملة وإن كانت بظاهرها خبرية إلاّ أنّها في الواقع جملة إنشائية تفيد إنشاء الدعاء وطلب العفو والمغفرة والرحمة، أي بمعنى «عفا اللّه عنك» و«غفر اللّه لك» و«أيّدك اللّه»، ومن الواضح جدّاً أنّ الآية حينئذ لا تدلّ بوجه من الوجوه على صدور الذنب والخلاف من الإنسان العادي فضلاً عن النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وذلك لأنّ طلب العفو هذا يُعدّ نوع تقدير وتكريم واحترام للمخاطب، ويستحيل أن يكون ملازماً لصدور الذنب والمعصية منه، ونحن نرى بالوجدان انّنا حينما نخاطب إنساناً ما بقولنا:«غفر اللّه لك» فلا يدلّ كلامنا هذا على أنّ الشخص المخاطب قد وقع في الذنب والجريمة فعلاً لكي نطلب من اللّه أن يغفر له خطيئته وذنبه.

فقد اتّضح جليّاً أنّ الآية، سواء فُسرت بالوجه الأوّل أو الثاني، لا تدلّ على صدور الذنب، بل أنّ ظاهر الآية أنّـها جملة إنشائية تفيد الدعاء، والغرض منها تكريم وتبجيل الرسول الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

كما أنّه قد اتّضح أيضاً و من خلال هذا البيان الجواب عن السؤال الثاني، وذلك لأنّه وإن كان لحن الآية لحن اعتراض، ولكن هذا الاعتراض على أي شيء؟ لا شكّ أنّه اعتراض على ترك الأولى والأفضل لا اعتراض على ارتكاب المحرم، والشاهد على هذا المدّعى التعليل الوارد في ذيل الآية، لأنّ المنافقين حينما طلبوا من النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ الإذن لهم بالبقاء وعدم الخروج للجهاد في معركة تبوك وقد أجازهم النبي وسمح لهم بالبقاء، وهذه الحالة تحمل في طيّاتها خاصّيتين.

الف: انّ المنافقين كانوا مصمّمين على عدم الخروج للجهاد، سواء أذن لهم


(312)

النبي في البقاء في المدينة أم لم يأذن، وما كان طلبهم واستئذانهم في البقاء إلاّ تظاهراً وتحايلاً يراد منه الحفاظ على ماء وجوههم، ولكي لا تتّضح حقيقتهم وتنكشف سرائرهم، ولقد أشارت الآية إلى ذلك المعنى بجملة(وتعلم الكاذبين) ثمّ أردفت ذلك بقوله تعالى:

(وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدّوا لَهُ عُدَّةً وَ لكِنْ كَرِهَ اللّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَ قَيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدينَ) .(1)

فالآية توضّح وبجلاء أنّهم كانوا عازمين على عدم المشاركة في الجهاد ولم يفكّروا بالخروج أبداً، وما كان استئذانهم إلاّ نوع تغطية لقبيح عملهم، ولكن تظاهروا أمام الناس أنّهم لولا إذن الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لهم في البقاء لكانوا في صفوف المجاهدين يقاتلون العدو جنباً إلى جنب، وفي الواقع أنّ عملهم هذا من قبيل ما يقوم به المجرمون من مسح أثر الجريمة.

ب: على فرض أنّ هذه الطائفة كانت عازمة على الخروج إلى الجهاد مع المؤمنين إلاّ أنّ خروجهم هذا في الواقع لا يحلّ أي عقدة ولا يزيل أي مشكلة، بل أنّ وجودهم سيكون سبباً لانتشار الريب والشكّ والفوضى في صفوف المقاتلين المؤمنين، وقد أشارت الآية الكريمة إلى هذا المعنى بوضوح تام حيث قال تعالى:

(لَوْ خَرَجُوا فيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلاّ خَبالاً وَلأَوضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفيكُمْ سَمّاعُونَ لَهُمْوَاللّهُ عَليمٌ بِالظّالِمينَ) .(2)

وعلى هذا الأساس فإنّ قبول طلب هذه الطائفة ـ التي إمّا أن تكون غير


1 . التوبة:46.
2 . التوبة:47.


(313)

قاصدة للخروج للجهاد أصلاً، أو على فرض الخروج للجهاد، فإنّ وجودها لا يزيد المسلمين إلاّ ضرراً ـ لا يفوّت على المسلمين أي مصلحة من ناحية القوة، نعم الذي يفوت في هذا الإذن في البقاء هو مصلحة شخص النبي الأكرم، إذ لو لم يأذن لهم في البقاء وأمرهم بالخروج للجهاد لانكشف وظهر كذبهم وخداعهم له وللمسلمين، ولقد أشارت الآية إلى هذا المعنى حيث قال سبحانه:(...لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذينَ صَدَقُوا وَ تَعْلَمَ الْكاذِبينَ).(1)

ولا ريب أنّ تفويت هكذا مصلحة يُعدّ من قبيل ترك الأولى.

بل يمكن القول: إنّ في هذه الواقعة لم يصدر من النبي حتّى ترك الأولى وإنّما الآية تسعى إلى إظهار معنى آخر، وهو بيان الأخلاق العالية التي يتحلّى بها الرسول الأكرم من اللطف والرحمة و...، وكأنّ الآية تخاطب الرسول بقولها: يا رسول اللّه لماذا تعاملت معهم بهذه الدرجة من اللين واللطف والحياء والتواضع وأذنت لهم ولم تدع ماهيتهم وحقيقتهم الزائفة تنكشف لك وليتميز لك العدو من الصديق؟!

إنّ الهدف من هذه الخطابات الحادة بيان ماهية وحقيقة المنافقين الكاذبة، ولكن بأُسلوب غير مباشر حيث وجّهت العتاب إلى أعز وأكرم إنسان وهو النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، لأنّ العواطف اللامتناهية لذلك الإنسان العظيم والعزيز تمنعه من تحقير وإذلال عدوه بصورة مباشرة.

ومن الطبيعي انّه لا يدرك هذا النوع من لطيف الخطاب إلاّ من عرف طريقة مخاطبة العظيم للإنسان العزيز.

وهناك نكتة مهمة لابدّ من الإشارة إليها وهي أنّه صحيح أنّ النبي


1 . التوبة:31.


(314)

الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حُرِم من خلال هذا الطريق من معرفة المنافقين، ولكنّ هناك طريقين آخرين عرف ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وميّز من خلالهما المنافقين عن المؤمنين والكاذبين عن الصادقين، وهذان الطريقان هما:

الف: لحن القول، لا شكّ انّ طريقة كلام المنافقين ولحن قولهم تختلف بالكامل عن طريقة كلام المؤمنين ولحن خطابهم، وقد تسنّى للرسول الأكرم التمييز بين الطائفتين من خلال هذه الصفة، قال تعالى:

(وَلَوْ نَشاءُ لأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرفْتَهُمْ بِسيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ في لَحْنِ القَوْلِ وَ اللّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ) .(1)

ب. علم الغيب: وهناك طريق ثالث لمعرفة المنافقين وهو الاستعانة بعلم الغيب الذي هو ليس من العلوم الحسّية ولا العقلية، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الطريق بقوله سبحانه:

(ما كانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَميزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَ ما كانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَ لكِنَّ اللّهَ يَجْتَبي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ...).(2)

إنّ هذه الآية ومن خلال الالتفات إلى صدرها وذيلها توضّح وبجلاء انّ اللّه سبحانه يطلع أنبياءه ومن خلال طريق الغيب على حقيقة المنافقين وحقيقة المؤمنين.

وعلى هذا الأساس فلو انّ النبيّ قد حُرِمَ من معرفة حقيقة هذه الطائفة من خلال الطريق الأوّل(الاختبار بالجهاد) ولم يتوفّق إلى معرفتهم ولكن لم يوصد


1 . محمد:30.
2 . آل عمران:179.


(315)

الطريق في وجهه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، بل هناك طريقان آخران لتحصيل تلك المعرفة، وهما: «لحن الخطاب» و «علم الغيب». نعم يمكن القول : إنّ المؤمنين حُرِموا من معرفة هؤلاء المنافقين ولكنّ ذلك في الواقع لا يُعدُّ ذنباً يستحق اللوم.


(316)

53
العصمة وغفران الذنب

سؤال : انّه من المعلوم حسب القول بنظرية العصمة يكون النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ معصوماً من كلّ أنواع الذنب والعصيان والمخالفة، فكيف ينسجم هذا القول مع ما ورد في أوّل سورة الفتح حيث أخبر سبحانه عن غفران ذنبه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ما تقدّم منه و ما تأخّر؟

الجواب: من الآيات التي تمسّك بها النافون لعصمة النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ هذه الآية الواردة في سورة الفتح، بل الآية من أقوى ما تمسّك به هؤلاء حيث قالوا: إنّ اللّه أخبر عن غفران ذنب النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ الأعم من المتقدّم والمتأخّر، وهذا يعني أنّه قد صدر منه الذنب في الماضي ويتوقّع أن يصدر منه الخطأ والذنب في المستقبل، وهذا دليل واضح على عدم العصمة، والآية التي تمسّكوا بها هي:

(إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً* لِيَغْفِرَ لَكَ اللّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ وَ يُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَ يَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقيماً* وَ يَنْصُرَكَ اللّهُ نَصْراً عَزيزاً).(1)


1 . الفتح:1ـ3.


(317)

ولكن إذا أمعنّا النظر في الآيات الثلاث يتّضح لنا وبجلاء انّ المراد من الآية ليس هو الذنب الشرعي ـ أي ما اعتبره القرآن والسنّة ذنباً ـ بل المراد هو الاتهامات والنسب التي كان المشركون وخصوم الرسالة يصفونه بها، لأنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قد واجه المشركين والملحدين مواجة صارمة وحادّة حيث سفّه أحلامهم وذمّ آلهتهم وكشف عن انحرافهم مستعيناً بالبراهين والأدلّة الساطعة والمحكمة، فكانت ردّة فعلهم أن وصفوه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بأنّه كاهن وساحر وكذّاب، فكان النبي في نظر هؤلاء مذنباً ولم ترتفع تلك التهم والافتراءات عنه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إلاّ بعد فتح مكة وما شاهدوه من الخلق السامي له ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في التعامل معهم، فإذاً المقصود من الذنب ما كان قريش تصفه به، كما أنّ المراد من المغفرة هو إذهاب وإزالة آثار تلك النسب من المجتمع.

ولقد أشار الإمام الرضا ـ عليه السَّلام ـ عندما سأله المأمون عن مفاد الآية فقال: «لم يكن أحد عند مشركي أهل مكة أعظم ذنباً من رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، لأنّهم كانوا يعبدون من دون اللّه ثلاثمائة وستين صنماً، فلمّا جاءهم بالدعوة إلى كلمة الإخلاص كبر ذلك عليهم وعظم وقالوا:

(أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجبٌ* وَ انْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَ اصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيءٌ يُراد* ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هذا إِلاّ اخْتِلاقٌ).(1)

فلمّا فتح اللّه عزّ وجلّ على نبيّه محمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مكة قال له: يا محمد: (إِنّا فَتَحْنا لَكَ(مكة) فَتْحاً مُبِيناً *لِيَغْفِرَ لَكَ اللّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّر) عند مشركي أهل مكة بدعائك إلى توحيد اللّه عزّ وجلّ فيما تقدّم، وما تأخّر، لأنّ مشركي مكة،


1 . ص:5ـ7.


(318)

أسلم بعضهم وخرج بعضهم عن مكة، ومن بقي منهم لم يقدر على إنكار التوحيد عليه إذا دعا الناس إليه، فصار ذنبه عندهم في ذلك مغفوراً بظهوره عليهم» فقال المأمون: للّه درّك يا أبا الحسن(1).(2)


1 . بحارالأنوار:17/90، والاحتجاج:2/222.
2 . منشور جاويد:7/292ـ 306.


(319)

54
النبي الأكرم ومعاجزه

سؤال: من المعلوم أنّ النبي قد جاء بمعجزة خالدة وهي القرآن الكريم، فهل انحصرت معاجز الرسول في القرآن فقط أو أنّه جاء بمعجزات أُخرى؟

الجواب: إنّ شبهة انحصار معاجز النبي الأكرم في القرآن الكريم قد أُثيرت ولأوّل مرّة من قبل الكتّاب المسيحيين لتقليل أهمية الدعوة المحمدية والحط من شأن الرسول الأكرم ومنزلته وعظمته حيث زعموا أنّ معاجزه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كانت منحصرة في القرآن الكريم وانّه كان يتحدى قومه بالقرآن فقط وكلّما طالبه قومه بأن يأتي لهم بمعجزة أحالهم على القرآن ولم يظهر لهم أية معجزة غيره.

فهذا القسيس الألماني المعروف «فندر» صاحب كتاب «ميزان الحق» الذي كتبه حول حياة الرسول الأكرم يقول في كتابه المذكور ص 377 منتقداً النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : إنّ من شروط النبوة أن يأتي مدّعيها بمعجزة لإثبات مدّعاه ولكنّ محمّداً لم يأت بأي معجزة قط. ثمّ استشهد على مدّعاه بالآية 50 من سورة العنكبوت، والآيات 89ـ 93 من سورة الإسراء، والآيتان 109و 110 من سورة الأنعام وغيرها من الآيات.

ولم ينفرد «فندر» بطرح هذه الشبهة والانتقاد، بل أثارها قساوسة آخرون،


(320)

منهم مؤلف كتاب «منار الحقّ» الذي تُرجم إلى اللغة العربية حيث أثار الشبهة في كتابه المذكور.(1)

وقد ذكر المرحوم فخر الإسلام(2): إنّ «المسيو جورج دوروي» ألّف كتاباً حول حياة نبي الإسلام ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ رسم في الصفحة 157 منه صورة خيالية للنبي الأكرم وبيده ورقة من القرآن الكريم وكتب تحت الصورة:هكذا كان محمد كلّما طالبه قومهُ بمعجزة ردّهم قائلاً ليس لي ان آتيكم بمعجزة إلاّ بإذن اللّه ولكنّ اللّه لم يمنّ عليّ بهذه النعمة، أي نعمة إظهار المعاجز.(3)

إنّ كلام هذا المستشرق يتألّف من فقرتين : الفقرة الأُولى منها هي عين الحقيقة وهي قوله: «إنّه ليس لي أن آتيكم بمعجزة إلاّ بإذن اللّه».

وهذا كلام صحيح نؤمن به ونعتقده ويؤيّده القرآن الكريم حيث قال سبحانه: (...وَ ما كانَ لِرَسُول أَنْ يَأْتِيَ بِآيَة إِلاّ بِإِذْنِ اللّهِ...) .(4)

وأمّا الفقرة الثانية فهي افتراء وكذب حيث ادّعى أنّ النبي الأكرم قال: «ولكنّ اللّه لم يمنّ عليّ بهذه النعمة ولم يعطني أيّة معجزة» ولا ريب أنّ هذا الكلام تقوّل وافتراء على الرسول الأكرم، بل دلّت الشواهد الكثيرة على أنّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قد أتى بمعاجز كثيرة لقومه، وانّ العناية واللطف الإلهي ـ في هذا المجال ـ شملته كباقي الأنبياء والرسل ـ عليهم السَّلام ـ .

كذلك من بين القساوسة القدامى نجد القسيس«اناركلي» مؤلّف كتاب


1 . أنيس الأعلام:5/349ـ 351.
2 . هو قس مسيحي أسلم وكتب حول النصرانية وما فيها من تناقضات وخرافات كتابه القيّم«أنيس الأعلام» وغيره من الكتب القيّمة.
3 . أنيس الأعلام:5/351.
4 . الرعد:38.


(321)

«مشكاة الصدق» الذي طبع في لاهور عام 1901م قد سطّر هذه الشبهة في كتابه المذكور وسبق بقية الكتّاب المسيحيين في إثارة تلك الشبهة، واستشهد بآيات من القرآن الكريم على مزعمته هذه.

ثمّ إنّ بعض كتّاب السيرة المعاصرين قد نقل تلك الشبهة وطريقة الاستدلال عليها واعتبرها من بنات أفكاره مدّعياً أنّ الرسول الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كلّما واجهه قومه بطلب المعجزة منه قابلهم بالسكوت أو الانصراف وكان يكتفي بالردّ عليهم:(إِنّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ)(1)، وما عليّ إلاّ البلاغ، و قوله: (إِنْ أَنا إِلاّ نَذيرٌ وَبَشير).(2)

إنّ هذا الكاتب لم يُشر إلى جذور تلك الشبهة في أوساط الكتّاب المسيحيين، وكأنّه المؤسّس والباني لهذه الفكرة وهذا البحث!!

المحاسبة العقلية تفنّد مزعمة القساوسة

إنّنا سواء قلنا: إنّ النبي منتخب من قبل اللّه، أو قلنا إنّه نابغة من النوابغ ومصلح اجتماعي، فعلى كلّ حال نجد الرسول الأعظم قد قرن نفسه في القرآن الكريم بباقي الأنبياء كموسى وعيسى ـ عليهم السَّلام ـ ، بل أنّه وصف نفسه بأنّه خاتم الأنبياء وكتابه خاتم الكتب، وهذا يعني أنّه في مرتبة أسمى وأعلى من باقي الأنبياء ـ عليهم السَّلام ـ .

وهذا الرسول الإلهي أو المصلح الاجتماعي حسب تعبير البعض حينما تحدّث عن حياة الأنبياء السابقين أخبر عن وقوع معاجز كثيرة على أيديهم، فقال في شأن موسى ـ عليه السَّلام ـ :(وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آيات بَيِّنات...).(3)


1 . الكهف:110.
2 . الأعراف:188.
3 . الإسراء:101.


(322)

وقال في حقّه أيضاً: (وأَدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوء فِي تِسْعِ آيات إِلى فِرْعَونَ وَقَوْمِهِ...) .(1)

ثمّ إنّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عندما يتحدّث عن المسيح ـ عليه السَّلام ـ ودعوته يصفه بوحي من اللّه بقوله:

(وَرَسُولاً إِلى بَني إِسْرائيلَ أَنّي قَدْجِئْتُكُمْ بِآيَة مِنْ رَبِّكُمْ أَنّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَ الأَبْرَصَ وَ أُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللّهِوَ أُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَ ما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ) .(2)

ثمّ إنّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لم يثبت لهذين النبيينعليمها السَّلام الإتيان بالمعاجز فحسب، بل أثبتها لكثير من الأنبياء من قبله، وهذا واضح لمن راجع القرآن الكريم و الآيات التي تعرّضت لذكر أحوال الأنبياء وقصصهم.

فهل من الصحيح ياترى أن يأتي إنسان ويدّعي النبوة والرسالة، ويدّعي أيضاً أنّ جميع الدعوات والرسالات كانت مقرونة بالمعجزات والأُمور الخارقة للعادة ثمّ يذكر لإثبات مدّعاه مجموعة من المعاجز لمن سبقه من الأنبياء، ولكنّه حينما يطلب منه الإتيان بالمعجزة يواجه ذلك إمّا بالسكوت أو الانصراف؟!

فالمحاسبة العقلية تدعم وبكلّ قوة موقف النبي الأكرم في مقابل طلب المعجزة منه، لأنّه نبيّ كباقي الأنبياء، ولابدّ أن يأتي بالمعجزة في الحالات التي


1 . النمل:12.
2 . آل عمران:49.


(323)

يكون فيها الإتيان بالمعجزة نافعاً ومفيداً لهداية الناس وإرشادهم إلى الطريق القويم، حكمه في ذلك حكم من سبقه من الأنبياء الذين ذكرهم في كتابه.

وأمّا إذا قلنا: إنّه نابغة من النوابغ، وإنّه مصلح اجتماعي، وإنّه يريد من خلال نبوغه الفكري وقوة شخصيته هداية البشرية وإن كان قد صبغ أفكاره ونظرياته بصبغة النبوّة وأوحى إلى الناس بأنّه نبي مرسل، فلا ريب أنّ مثل هكذا إنسان والذي يتميّز بالعبقرية والنبوغ لا يخفى عليه خطورة البحث عن حياة الأنبياء السابقين، وادّعاء أنّ كلّ نبيّ لابدّ أن تكون دعوته مقرونة بالمعجزة، لأنّه حينئذ يكون قد أعطى الناس الذريعة بل الورقة الرابحة في مطالبته بالإتيان بالمعجزة كباقي الأنبياء إلزاماً له بما ادّعاه، وليس بإمكانه حينئذ السكوت أمام ذلك الطلب أو الهروب منه.

ولهذا السبب نجد أنّ منتحلي النبوة كذباً ينكرون معاجز الأنبياء، أو يحاولون وبكلّ جهد تأويل ما يدلّ على صدور المعجزة من الأنبياء، وما ذلك إلاّ تخلّصاً من الإحراج فيما إذا طالبهم الناس بالمعجزة ولكي لا يفتضح أمرهم وينكشف زيفهم أمام الملأ، وهذا على العكس تماماً من سيرة الرسول الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حيث كان يؤكّد دائماً وباختيار منه ـ أي من دون أن يطلب الناس منه ذلك ـ و بصراحة تامّة على معاجز الأنبياء السابقين، بل يؤكد على أنّ دعوى الرسالة مقرونة دائماً بطلب المعجزة.

وعلى هذا الأساس كيف يمكن لمثل هذا الإنسان أن يتخلّص من طلب المعجزة؟ وكيف يتسنّى له الهروب من ذلك الموقف الحرج إذا كان كاذباً، نعوذ باللّه من ذلك؟!

خلاصة القول: إنّ الإمعان فيما ذكرناه يوضّح لنا بما لا ريب فيه أنّ النبي


(324)

لم يكن فاقداً للمعجزة، وإنّ ما زعمه القساوسة ـ في هذا المجال ـ باطل، وذلك لأنّه:

1. انّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ صرح بما لا ريب فيه أنّ ادّعاء النبوة والرسالة يلازم طلب المعجزة، أي أنّ مدّعي النبوة يطالبه الناس بالإتيان بالمعجزة والأُمور الخارقة للعادة لإثبات صدق مدّعاه.

2. انّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أثبت وبضرس قاطع صدور المعجزة والأُمور الخارقة للعادة على أيدي الأنبياء السابقين.

3. انّه ادّعى كونه خاتم الأنبياء والمرسلين وانّه أفضلهم. ومن المعلوم أنّ «الأفضلية» تقتضي أن تجري المعجزة على يديه كباقي الأنبياء إن لم نقل بجريانها بصورة أكمل وأفضل، لأنّه من غير الصحيح أن يدّعي الإنسان الأفضلية لنفسه على الآخرين ولكنّه في نفس الوقت فاقد لصفات كمالية متوفرة عند من هم أدنى منه مرتبة وفضلاً. فهل من الصحيح أن يدّعي إنسان أنّه سيد الأطباء والعالم الذي لا يجارى في ميدان الطب وأنّه أفضل من جميع أطباء الدنيا وفي نفس الوقت يعترف بعجزه عن معالجة بعض الأمراض ويرى أنّ من هو أدنى منه رتبة أقدر على علاج تلك الأمراض المستعصية؟!

فكلّما قلنا: إنّ النبي محمداً ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ رسول مبعوث من قبل اللّه، فلازم ذلك أن يكون مزوّداً بالمعجزة كباقي الأنبياء، وأمّا إذا قلنا: إنّه مفكّر ومصلح اجتماعي فحينئذ لا ينبغي له الاعتراف بنظرية المعجزة وإنّ كلّ نبيّ لابدّ أن يأتي بأُمور خارقة للعادة، بل ينبغي عليه كسائر المدّعين للنبوة كذباً أن ينكر أصل المعجزة وبصورة كليّة لكي لا يقع في الحرج.

إنّ هذه المحاسبات الإجمالية تكفي أن تكون دليلاً للمنصفين


(325)

وللواقعيين، أضف إلى ذلك أنّ آيات الذكر الحكيم قد أثبتت للنبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ معاجز أُخرى بالإضافة إلى معجزة القرآن الكريم، ولو فرضنا أنّ القرآن الكريم لا يعتبر كتاباً سماوياً بالنسبة إلى الإنسان المسيحي، ولكنّه على أقل تقدير يُعدّ سنداً تاريخياً قطعياً، ومن هذا المنطلق سوف نتعرض لذكر سلسلة من الآيات التي أكّدت على معاجز النبي الأُخرى.

معاجز النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في القرآن الكريم

تشهد آيات الذكر الحكيم على أنّ النبيّ الأكرم جاء ـ و بالإضافة إلى المعجزة الخالدة: القرآن الكريم ـ بعدد من المعاجز والأفعال الخارقة للعادة ولم يكتف لهداية الناس وإرشادهم بالقرآن فقط، بل كلّما اقتضت الحاجة ودعت الضرورة جاء وبإذن اللّه بالمعجزة اللازمة، ومن هذه المعاجز التي أشار لها القرآن الكريم:

المعجزة الأُولى: إنشقاق القمر

قال تعالى:(اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ *وَ إِنْ يَرَوا آيَةً يُعْرِضُوا وَ يَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ) .(1)

أطبق المفسّرون المسلمون كالزمخشري في كشافه، والطبرسي في مجمعه، والفخر الرازي في مفاتيح الغيب، وابن مسعود في تفسيره و... على ما يلي: اجتمع المشركون إلى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقالوا: إن كنت صادقاً فشق لنا القمر فلقتين، فقال لهم رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : إن فعلت تؤمنون؟ قالوا: نعم، وكان ليلة بدر فسأل رسول اللّه ربّه


1 . القمر:1ـ2.


(326)

أن يعطيه ما قالوا وأشار بأصبعه إلى القمر فانشق القمر فلقتين، ورسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ينادي: يا فلان يا فلان اشهدوا.

ونحن هنا لا نريد التعرض إلى خصوصيات هذه المعجزة والإشكالات الصبيانية التي أُثيرت حولها، بل المهم هو دلالة الآية على وقوع المعجزة، وحينئذ لابدّ من أن نشرع في تفسير الآية:

قوله تعالى: (اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ) انّ الآية تشير إلى قرب وقوع القيامة حسب النظرة القرآنية وإن كان ذلك بعيداً في نظر الكافرين، وقد أكّد القرآن هذه الحقيقة في آية أُخرى حيث قال سبحانه: (إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَ نَريهُ قَرِيباً).(1)

ثم قال سبحانه بعد إخباره عن اقتراب الساعة: (وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) .

ومن المعلوم أنّ «انشق» فعل ماض ولا يمكن حمله ومن دون دليل على المستقبل، أي انّ الجملة تكون بمعنى الإخبار عن وقوع الانشقاق في المستقبل وحسب المصطلح لا يمكن القول: إنّ «انشق» يعني «ينشق».

أضف إلى ذلك انّ الجملة السابقة(اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ) جاءت بصيغة الماضي وبمعنى تحقّق الاقتراب فعلاً، وبالطبع انّ جملة انشق القمر معطوفة عليها، فلابدّ أن تكون الجملة المعطوفة أيضاً بمعنى الماضي. وبالنتيجة لا يمكن لنا وبدون دليل أن نحمل لفظ «انشق» على المضارع، وانّه إخبار بأنّه حينما تقوم القيامة في المستقبل سوف ينشق القمر فلقتين.

ولكن قد يُثار التساؤل التالي: ما هو وجه المناسبة بين اقتراب الساعة وبين انشقاق القمر على يد الرسول الأكرم؟

والجواب عن هذا التساؤل واضح، لأنّ انشقاق القمر وظهور النبي


1 . المعارج:6ـ7.


(327)

الخاتم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من شرائط وعلامات القيامة، فمن هذه الجهة عطفت الجملتان إحداهما على الأُخرى. ولا ريب أنّ علامات القيامة محقّقة حسب الرؤية القرآنية حيث قال سبحانه: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ السّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ).(1)

وقال سبحانه في آية أُخرى: (وَ إِنْ يَرَوا آيَةً يُعْرِضُوا وَ يَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ).

ومن المعلوم أنّ المراد من (آية) هو العلامة، وهي غير القرآن الكريم، والشاهد على ذلك انّه استعمل الفعل «يروا»ولو كان المقصود من الآية هو القرآن لكان من المناسب أن يأتي بفعل ينسجم مع القرآن الكريم كالنزول وغير ذلك.

ولا ريب أنّ قوله: (يروا آية) إشارة إلى معجزة شق القمر التي ذكرت في الآية السابقة.

ثمّ إنّ الإمعان في أجواء الآية يوضح وبجلاء انّ ظرف و زمان انشقاق القمر هو في هذه الدنيا لا في عالم الآخرة، وذلك لأنّه لا يمكن لأي أحد أن يصف تلك المعجزة في عالم الآخرة بأنّها سحر مستمر وانّهم سحروا كما سُحِر آباؤهم الأوّلون.

وخلاصة القول: إنّ قوله : (سحر مستمر) إشارة واضحة إلى عملية «شقّ القمر» التي جرت على يد النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ . وقد نقل لنا المفسّرون أنّ أبا جهل حينما رأى هذه المعجزة العظمى خاطب المشركين بقوله: «سَحَرَكُمْ ابْنُ أَبي كَبشَةَ» وأبو كبشة هو أحد أجداد الرسول الأكرم من جهة الأُمّ، ولذلك كان المشركون يصفون النبي بأنّه ابن أبي كبشة.


1 . الزخرف:66.


(328)

المعجزة الثانية: معراج النبي

إنّ الإسراء بالنبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى من المعاجز التي ادّعاها النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لنفسه وأكّدها القرآن الكريم وبصراحة تامّة حيث قال سبحانه: (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ).(1)

ولا شك أنّ هذه الرحلة الطويلة وفي منتصف الليل من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى والتي تمّت في فترة قياسية في زمن كانت فيه وسائط النقل بدائية جداً يُعدُّ معجزة كبيرة من معاجز النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وقد أثبت القرآن الكريم تلك المعجزة ودافع عنها بقوة في سورة النجم بحيث لم يبقِ شكّاً في القضية، بل انّ القرآن الكريم يخبرنا انّ هذ الرحلة النبوية لم تنحصر بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى، بل تجاوزت ذلك إلى عالم آخر أبعد من هذه المسافة كثيراً، إذ تشير انّ هذه الرحلة قد انتهت عند «سدرة المنتهى».(2)

ونحن لسنا بصدد البحث في تفاصيل حادثة المعراج تلك، وهل انّ هذا المعراج كان جسمانياً أو روحانياً؟ أو ...، كذلك لسنا بصدد الردّ على الإشكالات الصبيانية الواهية التي قد تثار بوجه تلك القضية والدفاع عنها.

بل إنّنا في مقام التركيز على نقطة واحدة وهي أنّ القرآن الكريم قد أثبت هذه المعجزة للنبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وتطرق لها في سورتي الإسراء والنجم ودافع عنها بقوة. ومع ذلك كلّه كيف جاز للمسيحييّن ومقلّديهم الادّعاء: «انّ المسلمين ينسبون إلى نبيهم مجموعة من المعاجز، ولكنّ الإنسان تنتابه الحيرة والعجب


1 . الإسراء:1.
2 . النجم:13ـ18.


(329)

حينما يرى أنّ القرآن الكريم لم يذكر من تلك المعاجز شيئاً ولا أخبر عنها».

ونحن بدورنا أيضاً نتعجب من هؤلاء الذين ينسبون أنفسهم إلى العلم والفكر كيف ياترى يفسّرون هذه الآيات الواردة في القرآن الكريم؟! وكيف جاز لهم القول بأنّ القرآن الكريم لم ينسب للنبي أي معجزة؟!

ثمّ إنّ الروايات والأحاديث الإسلامية حول معراج النبي بدرجة من الكثرة بحيث يستحيل القول إنّها جميعاً من الأحاديث المجعولة والموضوعة.

والحقّ انّ الإنسان ينتابه العجب والحيرة من منهج هؤلاء الذين يدرسون حياة النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حيث تراهم يذعنون ويسلّمون أمام خرافة وقصّة خيالية ينقلها الطبري عن طريق الآحاد، وهي قصة «الغرانيق»، ويستدلّون بذلك لإثبات روح المساومة والخضوع عند النبي الأكرم، أو أنّهم يعتمدون على ما نسب للسيدة خديجة ـ عليها السَّلام ـ مع «ورقة بن نوفل» حول رسالة النبي، وينطلقون من تلك القصة لإثبات أنّ النبي لم يكن على يقين من أمره، ولكنّهم في نفس الوقت يتجاهلون الأحاديث والروايات المتواترة التي نقلها الطبري نفسه وغيره من المفسّرين والمؤرّخين ويشطبون على ذلك كلّه.

إنّ هؤلاء الكتّاب المتعصبين قد حكموا مسبقاً ثمّ راحوا يبحثون عن الدليل لدعم مدعاهم، فتشبّثوا بما يناسب حكمهم ونظريتهم بكلّ غثّ واكتفوا حتّى بالخبر الواحد، ولكنّهم أعرضوا عن المئات من الروايات والأحاديث، لا لشيء إلاّ لأنّها لم تنسجم مع معتقدهم وحكمهم، بل تنافيه بصراحة تامة.

المعجزة الثالثة: مباهلة النبي لأهل الكتاب

إنّ موضوع مباهلة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لنصارى نجران من القضايا التي تعرّض لها


(330)

القرآن الكريم في سورة آل عمران الآية 61، وأثبت أنّ النبيّ الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان على استعداد تام ولإثبات أحقيّة رسالته أن يباهل كبار نصارى نجران، وقد ضرب لذلك موعداً محدداً معهم وأخبرهم بصورة قطعية بهلاكهم وفنائهم إذا ما باهلوه، ولم يكتف النبي بإظهار استعداده للمباهلة مع نصارى نجران فقط، بل أعلن ذلك للعالم كلّه حيث قال سبحانه:

(فَمَنْ حاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكاذِبينَ) .(1)

وقد استعدّ النصارى للمباهلة، ولكنّهم حينما رأوا النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بتلك الهيبة العظيمة حيث جاء ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ محتضناً الحسين آخذاً بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعليٌّ يمشي خلفها، راعهم ذلك المنظر المهيب وأعلنوا انصرافهم عن المباهلة حيث أدركوا بما لا ريب فيه أنّ هذه المباهلة لا تكون نتيجتها إلاّ العذاب القطعي والإبادة من على وجه الأرض.

ثمّ إنّه لم ينحصر الأمر في نصارى نجران فقط، بل إنّنا نجد أنّه لم يتصد أحدٌ وطيلة حياة الرسول الأكرم لطلب المباهلة معه. صحيح انّ إعجاز النبي في إبادة نصارى نجران لم يتحقّق بالفعل، ولكنّ استعداد النبي للقيام بتلك المعجزة يُعدُّ صفعة محكمة لمن يدّعي انّ النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لم يكن على استعداد للإتيان بالمعجزة حينما يطلب ذلك منه، وانّه كان يواجه تلك الطلبات بالسكوت والانصراف والهروب والاكتفاء بالقول ما أنا إلاّ بشير ونذير.


1 . آل عمران:61.


(331)

المعجزة الرابعة: النبي الأعظم وبيّناته

تفيد الآية التالية أنّ النبيّ الأعظم جاء إلى الناس بالكثير من البيّنات، وهي المعجزات حيث قال سبحانه:

(كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَ شَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَ جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ...) .(1)

والشاهد في الآية جملة (وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ) و «البيّنات» جمع «البيّنة» بمعنى المبيّن لحقيقة الأمر.

ومن الممكن القول ـ ابتداءً ـ :إنّ المراد من البيّنات في الآية هو القرآن الكريم، أو يُراد البشائر الواردة في الكتب السماوية النازلة قبل القرآن حول النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ولكن ملاحظة الآيات الأُخر التي استعملت فيها هذه الكلمة وأُريد منها المعاجز والأعمال الخارقة للعادة توجب القول: إنّ المراد من البيّنات إمّا خصوص المعاجز والأُمور الخارقة للعادة، أو الأعمّ منها ومن غيرها الذي يشمل المعجزات أيضاً، ولا دليل على حصر مفاد الآية في القرآن الكريم أو البشائر الواردة في الكتب السماوية.

إذا عرفنا ذلك نشير إلى طائفة من الآيات:

1. (...وَ آتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ...) .(2)

2. (...ثُمَّ اتَّخَذُوا العِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ...).(3)


1 . آل عمران:86.
2 . البقرة:87.
3 . النساء:53.


(332)

3.(...إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ...) .(1)

4. (...وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ...)(2).(3)

المعجزة الخامسة: إخبار النبي عن الغيب كالمسيح ـ عليه السَّلام ـ

يعتبر القرآن الكريم الإخبار عن المغيبات من معاجز السيد المسيح ـ عليه السَّلام ـ حيث قال سبحانه:

(...وَ أُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ...).(4)

ولقد جاءت هذه الجملة إلى جنب الآيات التي تعرضت لذكر سائر معاجز السيد المسيح ـ عليه السَّلام ـ ، ومن المعلوم أنّ النبيّ الأكرم قد أخبر عن طائفة من المغيّبات بواسطة الوحي الذي يوحى إليه(5)، نذكر نماذج من تلك الإخبارات


1 . المائدة:110.
2 . الأعراف:101.
3 . هناك آيات أُخرى جاءت فيها لفظة البيّنات بمعنى المعجزات والأُمور الخارقة للعادة، ومن هذه الآيات: سورة يونس الآيات 13و74، سورة النحل الآية 44، سورة طه الآية 72، سورة غافر الآية 28، سورة الحديد الآية 25، وسورة التغابن الآية 16 و....
صحيح انّ المعنى اللغوي لكلمة «البيّنات» هو المعجزات والأُمور الخارقة للعادة، ولكن معناها أوسع وأشمل وانّ إحدى مصاديق البيّنات هو المعجزة، والبيّنة بمعنى المبيّن لحقيقة الأمر والكاشف له، وإذا ما أطلق لفظ البيّنة على المعجزة فانّما يطلق بلحاظ انّ المعجزة توضّح وتكشف ارتباط النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ باللّه سبحانه وتكشف عن صدق رسالته ودعوته، ولكن لما استعملت تلك اللفظة في آيات كثيرة وأُريد منها خصوص المعجزة على هذا الأساس نفسّر لفظة البيّنات في الآية المذكورة بنحو تشمل المعجزات والأُمور الخارقة للعادة.
4 . آل عمران:49.
5 . لقد بسط سماحة الشيخ السبحاني البحث في الإخبار عن المغيبات وبصورة مفصّلة في المجلد الثالث من مفاهيم القرآن، ص 503ـ 508، فمن أراد المزيد من الاطّلاع عليه مراجعة المصدر المذكور.


(333)

الغيبية التي جاءت في القرآن:

منها: إخبارهم بانتصار الروم بعد الهزيمة التي منوا بها على يد الفرس حيث قال سبحانه: (ألم* غُلِبَتِ الرُّومُ * في أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِين).(1)

كما أخبر عن موت أبي لهب وامرأته أُمّ جميل على الكفر:(تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَب).(2)

كذلك أخبر عن موت الوليد بن المغيرة على الكفر والشرك(سَأُصْلِيهِ سَقَر* وَما أَدراكَ ما سَقَر).(3)

كذلك أخبر عن هزيمة قريش في معركة بدر:(سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُر).(4)

أفلا تُعدّ كلّ هذه الإخبارات شاهداً على امتلاك النبي لمعجزات أُخرى غير القرآن؟!

معاجز الرسول الأعظم في الأحاديث الإسلامية

قد ورد في الكثير من الأحاديث والروايات الصحيحة التي تنص على أنّ الرسول أظهر الكثير من المعاجز والأفعال الخارقة للعادة، وقد ألّف العلماء المسلمون العديد من الكتب في هذا المجال حيث جمعوا فيها تلك المعجزات، فمَن أراد الاطّلاع عليها بصورة مفصّلة فعليه مراجعة تلك المؤلّفات


1 . الروم:1ـ4.
2 . سورة المسد إلى آخر السورة.
3 . المدثر:26ـ 27.
4 . القمر:45.


(334)

القيّمة، وبالخصوص ما كتبه الشيخ العاملي في كتابه «إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات».

ثمّ إنّ هناك نكتة جديرة بالاهتمام ، وهي انّ الأحاديث والروايات الإسلامية التي تتعلّق بمعجزات الرسول الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ تمتاز عن روايات اليهود والنصارى حول معاجز أنبيائهم بميزتين رئيسيّتين هما:

الأُولى: من المعلوم جداً انّ الفاصلة الزمنية بين عصرنا وعصر حوادث العهد النبوي أقصر بكثير ممّا بيننا و بين حوادث عهد النبيّين عيسى وموسيعليمها السَّلام، ومن المعلوم أنّ قصر الفاصلة الزمنية يوجب الاطمئنان بالروايات الإسلامية بدرجة أعلى بكثير من روايات اليهود والنصارى.

الثانية: انّ الروايات الإسلامية نقلت بصورة متواترة، وذلك لأنّ الذين رووا تلك الروايات واهتموا بها هم أكثر من الذين رووا واهتموا بمعجزات المسيح وموسيعليمها السَّلام، بل انّ رواياتهم تنتهي إلى الآحاد، ومن الطبيعي جدّاً انّ درجة الاطمئنان الحاصلة من الخبر المتواتر أعلى بكثير ممّا يحصل من خبر الآحاد الذي لا يفيد على أحسن الاحتمالات إلاّ الظنّ.

وقد يقال: إنّ روايات اليهود والنصارى حول معاجز أنبيائهم هي متواترة أيضاً.

والجواب: لو سلّمنا بصحّة هذه الدعوة، فإنّ صدقها على تواتر معاجز النبي الأكرم يكون صحيحاً بطريق أولى، على أنّنا لا نسلّم بتلك الدعوة أساساً، فإنّ رواياتهم لم تنقل بطريق التواتر أبداً.(1)


1 . منشور جاويد:7/209 ـ 223.


(335)

55
مسألة سهو النبي

سؤال: هناك بعض الروايات التي تشير إلى قضية سهو النبي نرجو تسليط الأضواء على هذه القضية وبيان المراد من السهو في هذه الروايات؟

الجواب: إنّ مجموع الروايات التي رواها الفريقان الشيعة والسنّة حول هذا الموضوع لا يتجاوز اثني عشر حديثاً.(1)

وقد انقسم المتكلّمون والفقهاء الإمامية في هذا المجال إلى طائفتين:

الطائفة الأُولى:

وهي الأكثرية الغالبة ذهبت إلى استحالة السهو، ومن أبرز أعلام هذه الطائفة: الشيخ المفيد، الشيخ الطوسي، الخواجه نصير الدين الطوسي، المحقّق الحلّي صاحب شرائع الإسلام، الشهيد الأوّل، العلاّمة الحلّي، وغيرهم من الأعلام.

ومن بين هذه الطائفة امتاز الشيخ المفيد بإصراره على النفي وقد بذل جهداً كبيراً في إثبات عدم سهو النبي في عدد من مؤلّفاته، بل لم يكتف بذلك حيث ألّف رسالة مفردة ردّ فيها على القائلين بجواز سهو النبي الأكرم، وقد


1 . صحيح البخاري:2/68; بحار الأنوار:17/97ـ 129.


(336)

أدرجها العلاّمة المجلسي في بحاره.(1)

ونذكر هنا نماذج من كلمات العلماء الأعلام منها:

1. قال المحقّق الطوسي في «تجريد الاعتقاد»: وتجب في النبي العصمة ليحصل الوثوق والاطمئنان بكلامه وأيضاً يجب عدم السهو.(2)

2. وقال العلاّمة الحلّي في شرحه لكلام الخواجه الطوسي: وان لا يصحّ عليه السهو لئلاّ يسهو عن بعض ما أُمر بتبليغه.(3)

3. وقال المحقّق الحلّي في «المختصر النافع»: والحقّ رفع منصب الإمامة عن السهو في العبادة.(4)

4. وقال العلاّمة الحلّي في بعض كتبه الفقهية في بحث مسألة التكبير في سجدتي السهو: احتج المخالف بما رواه أبو هريرة عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: ثمّ كبّر وسجد.

والجواب: انّ هذا الحديث عندنا باطل لاستحالة السهو على النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

وقال في مسألة أُخرى: قال الشيخ(الطوسي): وقول مالك باطل، لاستحالة السهو على النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .(5)

5. قال الشهيد في «الذكرى»: وخبر ذي اليدين متروك بين الإمامية، لقيام


1 . بحارالأنوار:17/122ـ 129.
2 . كشف المراد:195.
3 . كشف المراد:195.
4 . المختصر النافع:45.
5 . منتهى المطلب:1/418ـ 419.


(337)

الدليل العقلي على عصمة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عن السهو.(1) هذا هو الرأي السائد بين الإمامية.

الطائفة الثانية: وهم:

ألف: انّ الشيخ الصدوق (المتوفّى 381هـ) وأُستاذه محمد بن الحسن بن الوليد (المتوفّى 343هـ) هما أوّل من ذهب إلى جواز سهو النبي، واعتبر القول بعدم سهو النبي بأنّه من شعار الغلاة والمفوّضة.

ولكن لابدّ من الالتفات إلى نكتة مهمة، وهي أنّ الشيخ الصدوق لا يقول بجواز سهو النبي مطلقاً، بل انّه يرى أنّ للنبيّ الأكرم حالات بعضها خاصة به و الأُخرى مشتركة بينه و بين سائر المكلّفين، فالحالة التي اختصّ بها هي النبوة والتبليغ لا يجوز فيها السهو، وأمّا الحالات المشتركة كالعبادات فالسهو فيها جائز. ثمّ إنّهرحمه اللّه يفصل بين سهو النبي والسهو الصادر من الناس العاديين حيث يعتبره عند الناس العاديين نتيجة نفوذ وسيطرة الشيطان، ولكنّ سهو النبي والمعصومين ناتج من الإرادة الإلهية «إنساء اللّه»، وهذا ما يظهر من كلامه ـ قدَّس سرَّه ـ حيث قال: وذلك لأنّ جميع الأحوال المشتركة يقع على النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فيها ما يقع على غيره... فالحالة التي اختصّ بها هي النبوة، والتبليغ من شرائطها، ولا يجوز أن يقع عليه في التبليغ ما يقع عليه في الصلاة، لأنّها عبادة مخصوصة، والصلاة عبادة مشتركة، وبها تثبت له العبودية، وبإثبات النوم له عن خدمة ربّه عزّ وجلّ من غير إرادة له وقصد منه إليه، نفي الربوبية عنه، لأنّ الذي لاتأخذه سنة ولا نوم هو اللّه الحيّ القيوم، وليس سهو النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كسهونا، لأنّ سهوه من اللّه عزّ وجلّ، وإنّما أسهاه ليعلم أنّه بشر مخلوق فلا يتّخذ ربّاً معبوداً دونه، وليعلم الناس بسهوه حكم السهو متى سهوا،


1 . الذكرى:215.


(338)

وسهونا عن الشيطان، وليس للشيطان على النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ والأئمّة ـ صلوات اللّه عليهم ـ سلطان :(إِنّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُون).(1)

ثمّ نقل عن أُستاذه ابن الوليد أنّه كان يقول: أوّل درجة في الغلو نفي السهو عن النبي.(2)

ب: ثمّ الظاهر من السيد المرتضى(المتوفّى 436هـ) أنّه يقول في تفصيل آخر وهو: انّ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إنّما لا يجوز عليه النسيان فيما يؤدّيه عن اللّه تعالى، أو في شرعه، أو في أمر يقتضي التنفير عنه. فأمّا فيما هو خارج عمّا ذكرناه فلا مانع من النسيان.(3)

ج: كذلك ذهب إلى القول بالتفصيل أمين الإسلام الطبرسي صاحب «مجمع البيان» .(4)

د. وأمّا العلاّمة المجلسي فقد قال: إنّ هذه المسألة في غاية الإشكال، لدلالة كثير من الآيات والأخبار على صدور السهو عنهم ـ عليهم السَّلام ـ ... وإطباق الأصحاب إلاّ ما شذّ منهم على عدم جواز السهو عليهم، مع دلالة بعض الآيات والأخبار عليه في الجملة، وشهادة بعض الدلائل الكلامية والأُصول المبرهن عليه، مع ما عرفت في أخبار السهو من الخلل والاضطراب، وقبول الآيات ـ الدالّة على جواز السهو ـ للتأويل، واللّه يهدي إلى سواء السبيل.(5)


1 . النحل:100.
2 . من لا يحضره الفقيه:1/232.
3 . تنزيه الأنبياء:87.
4 . انظر مجمع البيان:2/317.
5 . بحار الأنوار:17/118ـ 119.


(339)

وبما أنّه ـ قدَّس سرَّه ـ لم يذكر رأيه هنا بصورة قاطعة يمكن القول: إنّه من المتوقّفين في المسألة، إلاّ أنّه يمكن الاستفادة من ذيل كلامه بأنّه من المخالفين لنظرية سهو النبي.

التحقيق في المسألة

يظهر ومن خلال ملاحظة آراء المحقّقين أنّ نظرية المرحوم الشيخ الصدوق ـ على فرض صحّة الأخبار التي استند إليها وحجّيتها في البحوث العقائدية ـ هي أقرب إلى الواقعية، إذ من الممكن أن تقتضي المصالح الإلهية أن يتطرق السهو إلى النبي الأكرم من خلال إنساء اللّه له، وخاصة إذا كان ذلك العمل يكون سبباً للحد من غلو المغالين وتنزيه النبي ممّا يصفونه به، فتكون حينئذ المصلحة في الإنساء والسهو كبيرة، وعلى كلّ حال فالقضية قضية «إنساء اللّه» لا غلبة الشيطان على أفكاره ومشاعره ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

هذا ولكنّ الكلام في حجّية تلك الروايات بنحو تصلح للاستناد إليها والاحتجاج بها في باب العقائد، وقد تتّبع الباحث المعاصر الشيخ الشوشتري في رسالة خاصة جميع تلك الروايات في آخر المجلد الحادي عشر من «قاموس الرجال»، ومن أراد التحقيق في تلك الروايات والأحاديث فعليه مراجعة الرسالة المذكورة.


(340)

56
حادثة المباهلة

سؤال: لقد تمّت الإشارة إلى حادثة المباهلة عند البحث عن معاجز النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بما يناسب المقام هناك ونودّ هنا العودة إلى دراسة تلك الحادثة بصورة مفصّلة نرجو تسليط المزيد من الأضواء على هذه الواقعة التاريخية المهمة؟

الجواب: قبل البدء في بيان حادثة المباهلة أودّ الإشارة إلى بيان الموقع التاريخي لـ «نجران»، تقع نجران بقراها السبعين التابعة لها في نقطة من نقاط الحجاز واليمن الحدودية، وكانت هذه المنطقة في مطلع ظهور الإسلام المنطقة الوحيدة التي غادر أهلها الوثنية لأسباب معينة واعتنقوا الديانة المسيحية(1)، من بين مناطق الحجاز.

وحينما بدأ الرسول الأكرم في مخاطبة ملوك العالم ورؤسائهم ودعوتهم إلى الانضواء تحت راية الإسلام واعتناق الدين الإسلامي الحنيف كان من بين الذين دعاهم الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أُسقف نجران(2)(أبوحارثة)، فكتب إليه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كتاباً يدعوه


1 . ذكر ياقوت الحموي في معجم البلدان:5/266ـ 277 علل اعتناقهم للمسيحية.
2 . الأُسقف معرب كلمة يونانية هي ايسكوپ، وتعني: الرقيب و المناظر، وهو اليوم أعلى من منصب القسيس.


(341)

فيه إلى الإسلام. ولقد تعرضت كتب التاريخ والسير لتلك الحادثة، وإليك مضمون الكتاب المذكور:

«باسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب من محمد رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إلى أُسقف نجران وأهل نجران إن أسلمتم فإني أحمد إليكم اللّه إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب; وأمّا بعد فإنّي أدعوكم إلى عبادة اللّه من عبادة العباد، وأدعوكم إلى ولاية اللّه من ولاية العباد، فإن أبيتم فالجزية، فإن أبيتم آذنتكم بحرب والسلام».(1)

وقد أضافت بعض المصادر التاريخية الشيعية انّ النبيّ الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كتب في ذلك الكتاب الآية المرتبطة بأهل الكتاب(2) والتي تدعوهم إلى عبادة اللّه وحده لا شريك له.

قَدِمَ سفير رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ «نجران» وسلّم الكتاب إلى أُسقف نجران فأولاه عناية تامة وقرأه بإمعان وتدبّر، ثمّ أمر بتشكيل لجنة استشارية للتداول في الأمر واتّخاذ القرار المناسب، وكانت اللجنة تتشكّل من شخصيات سياسية ودينية بارزة وكان من بين أعضاء هذه اللجنة«شرحبيل» المعروف بحكمته ورجاحة عقله وقوة تدبيره، فقال في معرض الإجابة عن استشارة الأسقف: إنّي ليس لي في النبوة رأي ولو كان أمر من أُمور الدنيا أشرت عليك فيه وجهدت لك، ولكن إذا كان لابدّ من الإشارة أقول: لقد سمعنا كراراً من ساداتنا وعلمائنا ما وعد اللّه إبراهيم في ذرية إسماعيل من النبوة، وانّه لابدّ من أن يأتي يوم تنتقل فيه النبوة


1 . البداية والنهاية ص 53; بحار الأنوار:21/285.
2 . الآية هي قوله تعالى: (قُلْ يا أَهل الكتاب تعالَوا إِلى كَلِمَة سَواء بَيْنَنا وَبَيْنكُمْ أَلاّ نعبدَ إِلاّ اللّهَ وَلا نُشرِكَ بهِ شَيئاً).(آل عمران:64).


(342)

من نسل إسحاق إلى نسل إسماعيل فما يؤمنك أن يكون هذا الرجل ـ يعني: محمداً ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ـ هو النبي الموعود.

فخرج المتشاورون بنتيجة مفادها أن يبعثوا وفداً إلى المدينة للتفاوض مع الرسول الأكرم ودراسة دلائل نبوّته، واختير لهذه المهمة ستون شخصاً من علماء نجران وعقلائهم، وكان على رأسهم ثلاثة أشخاص من أساقفتهم، هم:

1. «أبو حارثة بن علقمة»: أُسقف نجران الأعظم والممثل الرسمي للكنائس الروميّة في الحجاز.

2. «عبد المسيح»: رئيس وفد نجران المعروف بعقله ودهائه،وتدبيره.

3. «الأيهم»: وكان من ذوي السن ومن الشخصيات المحترمة عند أهل نجران.(1)

قدم الوفد المسيحي المدينة عصراً و دخلوا المسجد على رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وهم يرتدون الزيّ الكنسي وثياب الديباج والحرير ويلبسون خواتيم الذهب ويحملون الصلبان في أعناقهم، فأزعج منظرهم هذا ـ و خاصة في المسجد ـ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فشعروا بانزعاج النبي ولكنّهم لم يعرفوا سبب ذلك فسألوا «عثمان بن عفان و عبد الرحمن بن عوف» وكانت بينهم صداقة قديمة، فأشار الرجلان إلى أنّ معرفة ذلك وحلّ تلك العقدة لا يتم إلاّ من خلال علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ ، فجاءا إليه وقالا له:ما ترى يا أبا الحسن في هؤلاء القوم؟

فقال ـ عليه السَّلام ـ : أرى أن يضعوا حللهم هذه وخواتيمهم ثمّ يعودون إليه، ففعلوا ذلك ثمّ دخلوا على النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بغير ملابسهم السابقة وبصورة متواضعة فسلّموا


1 . تاريخ اليعقوبي:2/66; السيرة الحلبية:3/211و 212.


(343)

عليه، فرد ـ عليهم السَّلام ـ واحترمهم وقبل بعض هداياهم التي أهدوها إليه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

ثمّ إنّ الوفد وقبل أن يبدأوا مفاوضاتهم مع النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قالوا: إنّ وقت صلاتهم قد حان واستأذنوه في أدائها، فأراد الناس منعهم،ولكنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أذن لهم وقال للمسلمين: «دعوهم» فاستقبلوا المشرق، فصلّوا صلاتهم.(1)

مفاوضات الوفد مع النبي

لقد نقل جمع من كتّاب السيرة والمحدّثين الإسلاميين نصّ الحوار الذي دار بين وفد نجران المسيحي ورسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، ولكنّ السيد ابن طاووس امتاز من بين هؤلاء بأنّه نقل نص هذا الحوار وقضية المباهلة بنحو أدق وأكثر تفصيلاً ممّا ذكره الآخرون من المحدّثين والمؤرّخين. فقد ذكر جميع خصوصيات المباهلة من بدايتها إلى نهايتها ناقلاً ذلك من كتاب «المباهلة» لمحمد بن عبد المطلب الشيباني وكتاب «عمل ذي الحجة» للحسن بن إسماعيل.(2)

غير أنّ نقل جميع تفاصيل هذه الواقعة التاريخية الكبرى ـ التي قصّر وللأسف الشديد حتّى في الإشارة إليها إشارة عابرة بعض أصحاب السير ـ أمرٌ خارج عن نطاق هذا الكتاب، ولهذا سنكتفي بنقل جانب من هذا الحوار الذي رواه الحلبي في سيرته.(3) حيث سجّل الحلبي الحوار بالصورة التالية:

عرض رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ على وفد نجران وتلا عليهم القرآن، فامتنعوا وقالوا: قد كنّا مسلمين قبلك.


1 . السيرة الحلبية:3/212.
2 . من أراد الوقوف على خصوصيات وتفاصل هذه الواقعة التاريخية فليرجع إلى كتاب «الإقبال» للمرحوم السيد ابن طاووس ص 496ـ 513.
3 . السيرة الحلبية:3/239.


(344)

فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «كَذِبْتُمْ، يمنعكم من الإسلام ثلاث: عبادتكم الصليب، وأكلكم لحم الخنزير، وزعمكم أنّ للّه ولداً».

فقالوا: المسيح هو اللّه لأنّه أحيا الموتى، وأخبر عن الغيوب، وأبرأ من الأدواء كلّها، وخلق من الطين طيراً.

فقال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «هو عبد اللّه وكلمته ألقاها إلى مريم».

فقال أحدهم: المسيح ابن اللّه، لأنّه لا أبَ له.

فسكت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عنهم، فنزل الوحي بقوله تعالى:

(إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُراب).(1)

فقال وفد نجران: إنّا لا نزداد منك في أمر صاحبنا إلاّ تبايناً، وهذا الأمر الذي لا نقرّه لك، فهلمّ فلنلاعنك أيّنا أولى بالحق فنجعل لعنة اللّه على الكاذبين.(2)

فأنزل اللّه عزّ وجلّ آية المباهلة على رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :

(فَمَنْ حاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جائَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكاذِبينَ).(3)

فدعاهم إلى المباهلة، فقبلوا، واتّفق الطرفان على أن يقوما بالمباهلة في اليوم اللاحق.


1 . آل عمران:59.
2 . بحار الأنوار:21/325، ولكنّ آية المباهلة وكما يستفاد من السيرة الحلبية تفيد أنّ النبي هو الذي اقترح المباهلة ابتداءً كما تفيد عبارة (تعالَوا ندع أَبْناءنا...).
3 . آل عمران:61.


(345)

خروج النبي للمباهلة

حان وقت المباهلة... وكان النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ووفد نجران قد اتّفقا على أن يجريا المباهلة خارج المدينة في الصحراء... ، فاختار رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من المسلمين ومن عشيرته وأهله أربعة أشخاص فقط، وقد اشترك هؤلاء في هذه المباهلة دون غيرهم، وهؤلاء الأربعة لم يكونوا سوى علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ ، وفاطمة الزهراء ـ عليها السَّلام ـ بنت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، والحسن، والحسينعليمها السَّلام; لأنّه لم يكن بين المسلمين من هو أطهر من هؤلاء نفوساً، ولا أقوى وأعمق إيماناً.

طوى رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ المسافة بين منزله، وبين المنطقة التي تقرر التباهل فيها في هيئة خاصة مثيرة، فقد غدا محتضناً الحسين(1) آخذاً بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه وعليٌّ خلفها، وهو يقول: إذا دعوت فأمِّنوا.

كان وفد نجران ورؤساؤهم قد قال بعضهم لبعض ـ قبل أن يغدو رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إلى المباهلة ـ : انظروا محمداً في غد فإن غدا بولده وأهله فاحذروا مباهلته، وإن غدا بأصحابه فباهلوه فانّه ليس على شيء. وهم يقصدون أنّ النبي إذا جاء إلى ساحة المباهلة محفوفاً بأُبّهة مادّية وقوة ظاهرية تحفُّ به قادة الجيش والجنود، فذلك دليل على عدم صدقه; وإذا أتى بأهله وأبنائه بعيداً عن أيّة مظاهر مادية وتوجّه إلى اللّه بهم وتضرع إليه سبحانه كما يفعل الأنبياء، دلّ ذلك على صدقه، لأنّ ذلك آكد في الدلالة على ثقته بحاله واستيقانه بصدقه حيث استجرأ على تعريض أعزّته وأفلاذ كبده وأحبِّ الناس إليه لذلك ولم يقتصر على تعريض نفسه له، وهذا يدلّ على ثقته ويقينه بكذب خصمه.


1 . جاء في بعض الروايات انّ النبي غدا آخذاً بيد الحسن والحسين تتبعه فاطمة وبين يديه عليٌّ.(بحارالأنوار:21/338).


(346)

وفيما كان رجال الوفد يتحادثون في هذه الأُمور فإذا بالرسول الأكرم قد طلع عليهم هو والأغصان الأربعة من شجرته المباركة بوجوه روحانية نيّرة، فاضطرب الوفد وأخذ ينظر بعضهم إلى بعض بتعجب ودهشة وحيرة، وأخذوا يتساءلون بعضهم مع البعض الآخر كيف خرج الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بابنته الوحيدة وأفلاذ كبده وكبدها المعصومين للمباهلة، فأدركوا أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ واثق من نفسه ودعوته وثوقاً عميقاً ومعتقد بذلك اعتقاداً راسخاً، إذ انّ المتردّد غير الواثق بدعوته لا يجازف ولا يخاطر بأحبّائه وأعزّته ويعرضهم للبلاء السماوي.

ولهذا قال أسقف نجران: يا معشر النصارى إنّي لأرى وجوهاً لو شاء اللّه أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله بها، فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة.(1)

انصراف وفد نجران عن المباهلة

لمّا رأى وفد نجران هذا الأمر ـ خروج النبي بتلك الصورة المهيبة ـ و سمعوا ما قاله أسقف نجران، تشاوروا فيما بينهم ثمّ اتّفقوا على عدم مباهلة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ معلنين عن استعدادهم لدفع الجزية مهما كانت للنبي كلّ سنة لتقوم الحكومة الإسلامية في المقابل بالدفاع عن أنفسهم وأموالهم، فقبل النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بذلك وتقرر أن يتمتع نصارى نجران بسلسلة من الحقوق في ظل الحكومة الإسلامية لقاء مبالغ ضئيلة يدفعونها سنوياً.

ثمّ قال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «أما والذي نفسي بيده لقد تدلّى العذاب على أهل نجران، ولو لاعنوني لمسخوا قردة وخنازير، ولأُضرم الوادي عليهم ناراً،


1 . بحار الأنوار:21/277; العمدة لابن الطريق:189.


(347)

ولاستأصل اللّه تعالى نجران وأهله».(1)

وعن عائشة: انّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ خرج ـ أي يوم المباهلة ـ وعليه مرط(2)مرجَّل من شعر أسود فجاء الحسن فأدخله، ثمّ جاء الحسين فأدخله، ثمّ فاطمة ثمّ علي، ثمّ قال:

(إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً).(3)

ثمّ قال الزمخشري في نهاية هذا الكلام:وفيه دليل لاشيء أقوى منه على فضل أصحاب الكساء ـ عليهم السَّلام ـ ،وفيه برهان على صحّة نبوّة النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، لأنّه لم يرو أحد من موافق ولا مخالف أنّهم أجابوا إلى ذلك.(4)

صورة العهد النبوي لأهل نجران

بعد أن انصرف وفد نجران من المباهلة ووافقوا على دفع الجزية سألوا النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أن يكتب مقدار الجزية التي اتّفق على دفعها من قبل أهالي نجران إلى النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأن يضمن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أمن نجران في ذلك الكتاب، فكتب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ـ عليه السَّلام ـ وبأمر من النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ نص الكتاب التالي:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم. هذا ما كتب النبي محمد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ رسول اللّه لنجران وحاشيتها إذا كان له عليهم حكمة في كلّ ثمرة وصفراء وبيضاء وسوداء ورقيق فأفضل عليهم وترك ذلك لهم: ألفي حلّة من حلل الأواقي في كلّ رجب ألف


1 . بحار الأنوار:21/281.
2 . كساء.
3 . الأحزاب:33.
4 . الكشاف:1/328«لينبه على لطف مكانهم وقرب منزلتهم...».


(348)

حلّة، وفي كلّ صفر ألف حلة، كلّ حلّة أوقية، وما زادت حلل الخراج أو نقصت عن الأواقي فبالحساب، وما نقصوا من درع أو خيل أو ركاب أو عرض أخذ منهم بالحساب، وعليهم في كلّ حرب كانت باليمن ثلاثون درعاً، وثلاثون فرساً، وثلاثون بعيراً عارية مضمونة لهم بذلك، وعلى أهل نجران مثواة رسلي(واستضافتهم) شهراً فدونه، ولهم بذلك جوار اللّه وذمّة محمد النبي رسول اللّه على أنفسهم وملّتهم وأرضهم وأموالهم وبيعهم ورهبانيتهم على أن لا يعشروا ولا يأكلوا الربا ولا يتعاملوا به فمن أكل الربا منهم بعد ذلك فذمّتي منه بريئة».(1)

وقد كتبت صورة العهد على جلد أحمر وشهد عليها اثنان من أصحاب النبي الأكرم، ثمّ ختمها ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وأعطاها إلى رؤساء الوفد. ونحن إنّما أوردنا ذلك العهد وبصورة إجمالية لنبرهن على شدة العدالة والإنصاف في القضاء التي كان يتمتع بها الرسول الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، ولنؤكد كذلك أنّ الحكومة الإسلامية تختلف جذرياً مع الحكومات الطاغوتية التي تستغل ضعف الآخرين لتملي عليهم ضرائب باهضة وشروطاً تعجيزية لا يمكن القيام بها بحال من الأحوال على العكس من الحكومة الإسلامية التي تراعي وفي جميع الأحوال أُصول العدالة الإنسانية وتعتمد روح المسالمة ولا تتجاوز ذلك ولو بخطوة واحدة.

فضيلة كبرى

تعتبر واقعة المباهلة وما نزل فيها من القرآن أكبر فضيلة تدعم موقف الشيعة على مرّ التاريخ، لأنّ ألفاظ الآية النازلة في المباهلة ومفرداتها تكشف عن مقام ومكانة من باهل بهم رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ والذين يتّخذهم الشيعة قادة لهم، الأمر


1 . فتوح البلدان:76; إمتاع الأسماع:502; إعلام الورى:78ـ 79.


(349)

الذي يقتضي من أصحاب الوجدان الحر والفطرة السليمة الإذعان بأحقّية هذه المجموعة التي خرج بها الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لإثبات التوحيد وأحقّية الرسالة الإسلامية.

فهذه الآية اعتبرت الحسن والحسين أبناءً لرسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، وفاطمة الزهراء ـ عليها السَّلام ـ المرأة الوحيدة التي ترتبط برسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ويصدق عليها عنوان «نساءنا»، وقد عبّر عن عليّ ـ عليه السَّلام ـ بأنفسنا فكان وبحكم هذه الآية بمنزلة نفس الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ،فهل توجد فضيلة أعظم وأسمى من ذلك؟!

هذا ويستفاد من الأحاديث الواردة عن أئمّة أهل البيت أنّ المباهلة لا تختص بالنبي الأكرم، بل يجوز أن يتباهل كلّ مسلم في القضايا الدينية مع من يخالفه ويجادله فيها، وقد جاءت طريقة المباهلة والدعاء المخصوص بها في كتب الحديث، وللوقوف على هذا الأمر يراجع كتاب «نور الثقلين».(1)

وقد كتب السيد الأُستاذ العلاّمة الطباطبائي ـ قدَّس سرَّه ـ :

تعتبر المباهلة إحدى المعجزات الخالدة للإسلام، ولذلك يستطيع كلّ إنسان مؤمن ـ واقتداء بالنبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ـ من أجل أن يثبت حقيقة من الحقائق الإسلامية أن يدعو المخالفين للمباهلة ويطلب منهم ذلك، ويدعو اللّه سبحانه أن يظهر الحقّ ويزهق الباطل، ويهلك المعاند(2).(3)


1 . نور الثقلين:1/291ـ 292.
2 . رسالة المباهلة للسيد الطباطبائي باللغة الفارسية. وقد صرحت بعض الروايات الإسلامية في هذا الموضوع. انظر أُصول الكافي:1/538، كتاب الدعاء، باب المباهلة.
3 . منشور جاويد:7/95ـ 109.


(350)

57
خاتمية النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ
وأدلّتها

سؤال: ما هي الأدلّة التي يمكن إقامتها لإثبات خاتمية النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

الجواب: تعتبر مسألة الخاتمية من المسائل البديهية في أوساط المسلمين حيث اتّفقت الأُمّة الإسلامية على أنّ النبي محمّداً ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ هو خاتم الأنبياء، وأنّ دينه خاتم الأديان، وكتابه خاتم الكتب والصحف السماوية، وقد أُوصد باب الرسالة والنبوة من بعده ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

وقد جاء التصريح بهذه الحقيقة والتأكيد عليها في القرآن الكريم والأحاديث الإسلامية المتواترة وخطب وكلمات علماء المسلمين، وأشار إليها الشعراء في قصائدهم حتّى اعتبر لقب خاتم النبيّين من ألقابه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ المعروفة،ولم يشذ في ذلك إلاّ حزب سياسي تستّر بستار الدين من أجل بثّ التفرقة في الأُمّة، وهذا الحزب هو «البهائية» وبعد ظهور هذه الفرقة وبفاصلة قصيرة ظهر حزب سياسي آخر في بلاد الأديان ـ الهند ـ مرتبط بالمستعمر البريطاني، وقد أطلق على هذا الحزب اسم «القاديانية» حيث ألقى بذور الشك والريبة في أذهان البسطاء والسذّج من أبناء تلك القارة معتمداً أُسلوباً تفسيرياً عجيباً وتأويلاً غريباً.

ولسنا هنا بصدد الإجابة عن جميع الشبهات والإشكاليات التي أُثيرت


(351)

حول الخاتمية، بل المقصود هو بيان الرؤية القرآنية في هذا المجال، ولذلك سنقتصر في البحث على بعض الآيات الواضحة في هذا المجال.

الخاتمية في القرآن

لقد ذُكرت الخاتمية في القرآن الكريم في آيات كثيرة نقتصر على ذكر بعضها كنماذج فقط:

1. (مَا كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَد مِنْ رِجَالِكُمْ وَ لكِنْ رَسُولَ اللّهِ وَ خاتَمَ النَّبِيّينَ وَ كَانَ اللّهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيماً).(1)

توضيح ذلك: من المعروف أنّ الرسول الأكرم قد تبنّى زيداً قبل عصر الرسالة، وكان من الأعراف الخاطئة بين العرب في ذلك الوقت أنّهم ينزلون الأدعياء منزلة الأبناء الحقيقيّين ويتعاملون معهم معاملة الابن الحقيقي، ويرتّبون على ذلك جميع الآثار والنتائج التي تتعلّق بالابن الحقيقي كأحكام الزواج والميراث وغير ذلك، فيمنعون على المتبنّي أن يتزوّج زوجة الولد الذي ادّعاه بعد طلاقها أو بعد موته، فأراد اللّه سبحانه أن يبطل تلك العادة الجاهلية وأن ينسخ تلك السنّة الخاطئة، فأمر رسوله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أن يتزوّج زينب زوجة زيد بعد مفارقته لها.

فتزوّجها رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فأوجد ذلك الزواج ضجّة بين المنافقين والمتوغّلين في النزعات الجاهلية والمنساقين وراءها، واستغلوا ذلك للتشهير بالرسول الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حيث أشاعوا أنّ محمّداً قد تزوج زوجة ابنه، فردّ اللّه سبحانه على تلك المزاعم الباطلة والطعون الواهية:(مَا كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَد مِنْ رِجَالِكُمْ ـ من الذين لم يلدهم ومنهم زيد ـ وَ لكِنْ رَسُولَ اللّهِ ـ وهو لا يترك ما أمره اللّه به ـ وَ خاتَمَ


1 . الأحزاب:40.


(352)

النَّبِيّينَ ـ أي وآخرهم خُتِمت به النبوة فلا نبي بعده ولا شريعة سوى شريعته، فنبوّته أبدية وشريعته باقية إلى يوم القيامة ـ وَ كَانَ اللّهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيماً)

2. (تَبارَك الَّذي نَزَّلَ الْفُرقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمينَ نَذِيراً).(1)

وصريح الآية المباركة أنّ الغاية من تنزيل الفرقان على الرسول الأكرم كون القرآن نذيراً للعالمين، أي الخلائق كلّها من بدء نزوله إلى يوم يبعثون.

قال الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ في تفسيره للعالمين: عنى به الناس، وجعل كلّ واحد عالماً، وقال: العالم عالمان: الكبير وهو الفلك بما فيه والصغير لأنّه مخلوق على هيئة العالم.(2)

3. (إِنَّ الّذينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهُمْ وَ إِنَّهُ لَكِتابٌ عَزيرٌ*لايَأْتيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ و َلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزيلٌ مِنْ حَكيم حَميد) .(3)

والمقصود من الذكر في الآية الشريفة هو القرآن الكريم، ويؤيد ذلك آيات أُخرى وردت في الذكر الحكيم، كقوله سبحانه: (إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنّا لَهُ لَحافِظُونَ).(4)

وقوله سبحانه:(وَ قالُوا يا أَيُّهَا الَّذي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ).(5)

(وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّروُنَ).(6)


1 . الفرقان:1.
2 . المفردات للراغب:349.
3 . فصلت:41و 42.
4 . الحجر:9.
5 . الحجر:6.
6 . النحل:44.


(353)

ولا ريب أنّ المقصود من الذكر في جميع الآيات هو القرآن الكريم، والضمير في قوله: (لا يأتيه) يرجع إلى الذكر ، وعلى هذا يكون معنى الآية انّ القرآن الكريم هو الكتاب الذي لا يتطرق إليه الباطل بأيّ وجه من الوجوه وبأيّ صورة من الصور.

وصور الباطل هي:

1. لا يأتيه الباطل: أي لا ينقص منه شيء ولا يزيد فيه شيء.

2. لا يأتيه الباطل بمعنى لا يأتيه كتاب يبطله وينسخه، فهو حقّ ثابت لا يبدل ولا يغيّر.

3. لا يأتيه الباطل: أي لا يتطرق في إخباره عمّا مضى ولا في إخباره عمّا يجيء الباطل فكلّها تطابق الواقع.

ويتّضح من الآية وبصورة جلية أنّ القرآن الكريم مصون ومحفوظ من كلّ ذلك الباطل ولا طريق للباطل بكلّ أنواعه إلى القرآن الكريم إلى قيام الساعة، وهذا يدلّ على حقّانيّته وحجّيته إلى ذلك اليوم الموعود، لأنّه لا يمكن ووفقاً للآيات المذكورة أن يكون حجة محدودة بأمد معين، بل يكون متبعاً إلى قيام الساعة، ونفس هذا المعنى يستفاد من آية:(إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنّا لَهُ لَحافِظُونَ).

فالآيتان تدلاّن على أنّ القرآن حق وثابت لا يتطرّق إليه الريب والباطل، فإذا كان القرآن حقّاً مطلقاً ومصوناً من تسلّل الباطل إليه، وحجة للناس إلى يوم القيامة، فهذا يلازم دوام رسالته وثبات نبوّته وخاتمية شريعته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

وبعبارة أُخرى: انّ الشريعة الجديدة ـ المفترضة النزول ـ إمّا أن تكون عين الشريعة الإسلامية الحقّة التي لا يأتيها ولا يدانيها الباطل كما أثبتنا ذلك، أو تكون


(354)

هذه الشريعة غير الشريعة الإسلامية. فعلى الفرض الأوّل لا حاجة إلى نزول الشريعة الثانية، لأنّها مطابقة حسب الفرض للشريعة الأُولى فلا تأتي بشيء جديد.

وعلى الفرض الثاني فإمّا أن تكون الثانية حقّة كالأُولى ـ يعني كلاهما حق ـ فيلزم كون المتناقضين حقاً، أو تكون إحداهما حقّة دون الأُخرى وهنا لابدّ من بيان وتمييز الرسالة الحقّة عن الباطلة.

وبما أنّنا قد أثبتنا وبالدليل القرآني الصريح أحقّية الشريعة الإسلامية وأحقّية القرآن وأبديتهما، فتكون النتيجة الطبيعية والمسلّمة بطلان كلّ شريعة تدّعى بعد الشريعة الإسلامية، وكلّ من ادّعى ذلك أو سيدّعي فهو كذاب مفتر.

4. (قُلْ أَيُّ شَيْء أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللّهُ شَهِيدٌ بَيْنَي وَبَيْنَكُمْ وَ أُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ و َمَنْ بَلَغَ) .(1)

وقد فسّر المرحوم أمين الإسلام الطبرسي الآية بقوله:

أي لأُخوّف به من بلغه القرآن إلى يوم القيامة، ولذا قال النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ :

«من بلغه إنّي أدعو إلى أن لا إله إلاّ اللّه فقد بلغه» أي بلغته الحجة وقامت عليه ، حتى قيل: من بلغه القرآن فكأنّما رأى محمّداً ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وسمع منه، وحيثما يأتي القرآن فهو داع ونذير».(2)

فهذه الآية هي الأُخرى تدلّ دلالة واضحة وجليّة على استمرار الرسالة المحمدية إلى يوم القيامة.


1 . الأنعام:19.
2 . مجمع البيان:4/282.


(355)

ولكن ينبغي الإشارة إلى نكتة مهمة وهي: انّ هذا المعنى إنّما يستفاد من الآية إذا عطفنا قوله تعالى: (مَنْ بَلَغَ) على الضمير في قوله: (لأُنذركم).

وقد يتصوّر انّ جملة (وَ مَنْ بَلَغَ) معطوفة على الضمير الفاعل في قوله:(لأُنذِرَكُمْ)فيكون مفاد الآية حينئذ أنّني أُنذركم، وكذلك من بلغه القرآن ووصل إليه يجب عليه هو أيضاً أن يقوم بعملية تبليغ الرسالة ونشر القرآن والمعارف الإسلامية بين الناس.

ولكنّ هذا الاحتمال لا ينسجم مع القواعد وأُصول اللغة العربية، وذلك لأنّ الضمير المتّصل المرفوع والضمير المستتر لا يعطف عليهما، إلاّ بعد توكيدهما بالضمير المنفصل نحو «جئت أنا وزيد» و «قم أنت وعمرو»، أو بعد أن يفصل بين المعطوف والمعطوف عليه فاصل نحو (ما أشركنا ولا آباؤُنا)(1).

5. (وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلاّ كافّةً لِلنّاسِ بَشيراً وَ نَذِيراًوَ لكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ).(2)

إنّ الإمعان والتأمّل في الآية المذكورة يرشدنا إلى كون كلمة (كافّة) حالاً من الناس، وتقدير الآية «وما أرسلناك إلاّ للناس كافّة».

ويحتمل كونها حالاً من الضمير المنصوب في (أَرْسَلْناكَ) ، ويكون مفاد الآية حينئذ: «وما أرسلناك إلاّ لتكفهم وتردعهم من خلال تذكيرهم بالعذاب الإلهي الذي سيُصيب المذنبين والعاصين وأصحاب الأفعال القبيحة والسيّئة».

ولكنّ هذا الاحتمال ضعيف جدّاً وذلك:

أوّلاً: ـ لا حاجة عندئذ إلى لفظة كافّة بعد ورود جملة : (بَشيراً ونذيراً) إذ لا


1 . الأنعام:148.
2 . سبأ:28.


(356)

معنى للكف والردع إلاّ تخوفيهم من عذابه وعقابه حتّى يرتدعوا بالتأمل فيما أوعد اللّه في كتابه العزيز كما نقول لشارب الخمر: لا تشرب الخمر لأنّه سيصيبك عذاب من اللّه شديد، وهذا هو عين الإنذار الوارد في الآية فلا حاجة إلى كلمة كافة.

ثانياً: انّ القرآن الكريم لم يستعمل كلمة(كافّة) إلاّ بمعنى عامّة، كقوله سبحانه:

(يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كافَّةً).(1)

وقوله:

(وَ قاتِلُوا الْمُشْرِكينَ كافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كافَّةً).(2)

وقوله:

(وَ ما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً).(3)

ومن الواضح أنّ لفظة كافّة في جميع الآيات بمعنى عامّة، وهي حال من الناس، وتكون الآية دليلاً على كون الرسالة المحمدية رسالة عالمية ودائمة، أي أنّه مبعوث إلى الناس إلى يوم القيامة.

ويؤيد ذلك ما ورد من الروايات التي نقلها ابن سعد في طبقاته الكبرى، وهي:

1. عن أبي هريرة أنّ النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال:«أُرْسِلتُ إِلَى النّاسِ كافَّةً وَبِيَ خُتِمَ النَّبِيُّونَ». (4)


1 . البقرة:208.
2 . التوبة:36.
3 . التوبة:122.
4 . الطبقات الكبرى:1/122.


(357)

2. وعن خالد بن معدان قال، قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «بُعِثْتُ إلَى النّاسِ كافَّةً».(1)

ومن المعلوم أنّ لفظ «كافّة» في الروايتين بمعنى «عامّة» وحال من «الناس»، وهذا بنفسه دليل واضح على أنّ كلمة «كافّة» في الآية المذكورة بمعنى «عامة» وحال من «الناس» وفي الحقيقة يمكن القول : إنّ النبي الأكرم أشار في هاتين الروايتين إلى مضمون الآية المذكورة.

وفي الختام نشير إلى نكتة معينة، وهي:

إنّ الآيات التي استدلّ بها على خاتمية النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ تنقسم من ناحية الدلالة إلى نوعين:

1. قوله تعالى:(وَلكِنْ رَسُولَ اللّهِ و َ خاتَمَ النَّبِيينَ) تدلّ بصراحة تامة على إيصاد باب النبوة بصورة مطلقة، سواء أكان المدّعي للنبوة صاحب رسالة وشريعة مستقلة، أو كان مروّجاً لشريعة النبي الأكرم.

2. وأمّا الآيات الأربع الأُخرى فإنّها تدلّ على استحالة مجيء كتاب سماوي آخر ينسخ القرآن الكريم والشريعة الإسلامية، ولا تدل على أكثر من ذلك، فالواقع أنّ غرضنا من ذكر الآيات الأربع المذكورة هو الاستدلال على هذا المعنى وإثبات بطلان دعوة من ادّعى أنّه نبي وأنّه جاء بكتاب سماوي جديد(2). (3)


1 . الطبقات الكبرى:1/122.
2 . الجدير بالذكر أنّ القرآن الكريم لم يكتف بإثبات الخاتمية بالآيات الخمس المذكورة بل هناك آيات أُخرى في هذا المجال لم نذكرها روماً للاختصار.
3 . منشور جاويد:7/317ـ 336.


(358)

58
اعتناق الديانات الأُخرى
ومسألة النجاة

سؤال: يستدلّ البعض على أحقّية الديانات الأُخرى بالآية 62من سورة البقرة(1) حيث يدّعي أنّ الإنسان ـ و وفقاً للنظرية القرآنية ـ يكفيه للنجاة والفوز يوم القيامة اعتناق أي دين شاء ولا يجب عليه التمسّك بالدين الإسلامي والشريعة المحمدية. نرجو من سماحتكم تسليط الضوء على هذه النظرية وبيان نقاط الخلل فيها.

الجواب: انّ القرآن الكريم في هذه الآية ينتقد ـ و اعتماداً على الآيات الأُخرى ـ الأفكار الواهية والمعتقدات الباطلة لليهود والنصارى الذين اعتبروا أنّ الهدى الحقيقي والنجاة يوم القيامة منوط بمجرد تحقق الاسم أو الوصف لاغير، فيكفي للنجاة أن يسمّى الإنسان يهودياً أو نصرانياً، وأن يعتنق اليهودية أو المسيحية، ثمّ إنّهم ارتفعوا بالعنصر اليهودي أو المسيحي إلى درجة اعتبروهما شعب اللّه المختار وإنّهم أفضل من باقي الشعوب، وقد ردّت الآية المباركة وآيات أُخرى على تلك الدعوى بنداء عالمي وشمولي حيث اعتبرت أنّ جميع


1 . وهي قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُون).


(359)

أفراد النوع الإنساني متساوون أمام اللّه سبحانه، ولا فضل لشعب على شعب، ولا أُمّة على أُمّة، وانّ مجرد التسميات ـ اليهودية والنصرانية ـ لا تغني شيئاً وأنّها مجرد ألفاظ وأسماء فارغة لا يمكن أن تبعث على السعادة والخلود، فهي ألفاظ خالية وجوفاء لا ثمرة فيها ولا يمكنها أن تُحقّق الأمن والاطمئنان والسعادة للإنسان يوم القيامة، بل أنّ الأساس الحقيقي للنجاة والعلّة الأساسية لطرد عوامل الخوف والحزن والفزع يوم القيامة لا تتحقّق إلاّ إذا اعتقد الإنسان ومن صميم قلبه وآمن إيماناً حقيقياً باللّه وقرن إيمانه بالعمل الصالح، ومن دون هذين العاملين ـ الإيمان والعمل الصالح ـ يستحيل على أي إنسان من أيّ شعب كان أن يحصل على نافذة أمل في النجاة يوم القيامة.

وعلى هذا الأساس تكون الآية المذكورة غير ناظرة إلى مشروعية الديانات السابقة وإمضائها وقبولها فعلاً بحيث إنّ الإنسان مخيّر وحرّ في اختيار أي طريق شاء وأي رسالة اختار للفوز في النجاة، بل الهدف من الآية هو إبطال فكرة التفوّق اليهودي أو المسيحي لمجرد كونهم يهوداً أو مسيحيين تلك الفكرة المزعومة والواهية.

وهذه الحقيقة لم تنحصر في الآية المذكورة، بل هناك آيات أُخرى أشارت إلى ذلك المعنى، منها قوله تعالى في سورة العصر:

(وَالْعَصْرِ* إِنَّ الإِنْسانَ لَفِي خُسْر* إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَتَواصَوا بِالحَقِّ وَتَواصَوا بِالصَّبْرِ).

إنّ القرآن الكريم ولبيان حقيقة أنّ ملاك النجاة يكمن في الإيمان الواقعي والقيام بالتكاليف والأعمال الصالحة يؤكّد وفي نفس الآية على كلمة الإيمان حيث كرّرها في نفس الآية بقوله سبحانه:


(360)

(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصّابئينَ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ).

وحينئذ يكون المقصود من قوله (آمنوا) في صدر الآية هم الناس الذين اعتنقوا الإسلام ظاهراً دون أن يترسخ الإيمان في قلوبهم وإنّما أُطلق عليهم لفظ المؤمنين ظاهراً، وانّ المقصود من (آمنوا) الثانية هو الإيمان الحقيقي وهو الاعتقاد الراسخ في القلب والتي تظهر آثاره في العمل، أي الذي يكون مقروناً بالعمل.

وبالالتفات إلى هذه المقدّمة يتّضح جليّاً أنّ هدف الآية هو الردّ على الأفكار القومية «اليهودية» و «المسيحية» والردّ على نظرية تمايز أتباع هاتين الديانتين وأنّهم يمتلكون خصوصية تميزهم عن باقي أفراد البشر لدى اللّه سبحانه، فتبطل الآية ذلك المدّعى وتبيّن أنّ الناس سواسية عند اللّه سبحانه وتعالى، كما تبطل الآية فكرة كون الانتساب بالاسم فقط إلى الديانة المسيحية أو اليهودية موجباً للنجاة حتّى إذا تجرد عن التزكية والطهارة النفسية والإيمان القلبي والعمل الصالح.

وحينئذ لا يمكن القول: إنّ الآية بصدد إعطاء قاعدة عامّة ومصالحة كلّية بأنّ جميع أتباع المذاهب والديانات هم من الفائزين يوم القيامة، وذلك لأنّ الآية المبحوث عنها ليست في مقام بيان هذه الفكرة وتوضيح هذه النظرية، بل الآية ناظرة إلى نفي الأفكار الباطلة والنظرية الأنانية التي تقصر النجاة على اليهود والنصارى فقط، لا إثبات أنّ اتّباع أي دين سبب للنجاة والفلاح والخلود وانّ اتّباع رسالات جميع الأنبياء تكون سبباً للخلاص والنجاة يوم القيامة، ولذلك لابدّ ولدراسة هذه النظرية نفياً أو إثباتاً من الرجوع إلى الآيات الأُخرى.


(361)

ثمّ إنّه لابدّ من الإشارة إلى حقيقة مهمة وهي انّه ليس من الصحيح الاكتفاء في تفسير القرآن بآية واحدة واعتبارها هي المعيار والمقياس الأساسي للحق أو الباطل وغضّ النظر عن الآيات الأُخرى، بل الحقيقة إنّ آيات القرآن الكريم يفسر بعضها بعضاً ويبيّن بعضها البعض الآخر، ولأمير المؤمنين ـ عليه السَّلام ـ عبارة ذهبية ينبغي على جميع المفسّرين والراغبين في معرفة المفاهيم القرآنية هضمها واعتمادها منهجاً أساسياً في التفسير وبيان الحقائق القرآنية حيث يقول ـ عليه السَّلام ـ : «وينطق بعضه ببعض، ويشهد بعضه على بعض».(1)

ونحن حينما ندرس الآيات الأُخرى التي تتعلّق برسالة النبي الأكرم نجدها تعلّق هداية ونجاة أهل الكتاب على شرط واضح، وهو انّ هذه الهداية والنجاة مشروطان باعتناق الدين الإسلامي والعمل وفق شريعة الرسول الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، حيث يقول سبحانه في هذا المجال:(فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا...).(2)

وحينئذ لابدّ من العودة لمعرفة عقيدة المسلمين وأنّهم بأيّ شيء آمنوا وما هو كتابهم لنرى هل اليهود والنصارى حقّقوا ذلك الشرط أو لا؟

إنّ المسلمين يؤمنون أنّ الرسول هو خاتم الأنبياء والرسل وبه أوصد باب النبوّات يقول سبحانه:

(...وَلكِنْ رَسُولَ الّلهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ...).(3)

كذلك يعتقدون أنّ الرسول الأكرم قد جاء برسالة شاملة وشريعة كاملة وعالمية، وأنّ شريعته أكمل الشرائع، وأنّ كتابه خاتم الكتب والمهيمن والرقيب


1 . نهج البلاغة، الخطبة192،طبعة عبده.
2 . البقرة:137.
3 . الأحزاب:40.


(362)

عليها حيث يقول سبحانه:

(وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ...) .(1)

ولا ريب أنّ المهيمن بمعنى الحافظ والحارس والشاهد والمراقب، وعلى هذا الأساس يكون القرآن الكريم حافظاً لأُصول الكتب السماوية السابقة ورقيباً عليها، فيكون مقصود الآية أنّه كلّما وقع التحريف في الكتب السماوية السابقة، فإنّ القرآن الكريم هو المراقب والشاهد والحامي لأُصولها بحيث تكفي مراجعته لإثبات الحقّ من الأُصول ومعرفة نقاط التحريف ونفي الباطل الذي حدث بسبب التحريف.

ثمّ إنّ المسلمين يعتقدون كذلك بأنّ المبعوث بهذا القرآن بما أنّه يمثل الحلقة الأخيرة من سلسلة الأنبياء، وانّ رسالته وشريعته أكمل الرسائل وأتمّ الشرائع،وأنّها رسالة عالمية لا تنحصر بجيل دون جيل أو بقوم دون قوم، لذلك نجده يخاطب العالم أجمع بقوله:

(...يا أَيُّهَا النّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً...).(2)

حيث يؤكّد لهم أنّ رسالته لهم جميعاً، وأنّه لا مبرر لهم ـ بعد رسالته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ـ في اعتناق أيّة رسالة، أو العمل بأي شريعة غير الإسلام، ولذلك نجده ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يتصدّى وبصورة عملية في السنة السابعة والثامنة من الهجرة لإثبات تلك الحقيقة، حيث كتب كتباً وأرسل وفوداً إلى رؤساء الممالك التي تعتنق الديانات


1 . المائدة:48.
2 . الأعراف:158، وهناك آيات أُخرى تدلّ على عالمية رسالته واستمراريتها ذكرنا بعضها في البحوث السابقة.


(363)

الأُخرى كالزرتشتية والمسيحية ودعاهم إلى اعتناق الدين الإسلامي وألزمهم بذلك، ورأى أنّ ذلك يجب عليهم، ولقد نقل لنا التاريخ تلك الكتب والرسائل بما لا ريب فيه.(1)

نتيجة البحث

إنّ الهدف من الآية هو نفي الامتيازات الموهومة التي جعلها اليهود والنصارى لأنفسهم، وأمّا البحث عن أحقيّة أي رسالة ووجوب تبعية واعتناق أي دين للفوز بالسعادة والخلود فهذا ممّا يفهم من الآيات الأُخرى والأحاديث النبوية، ولحسن الحظ انّها تتّفق جميعاً على وجوب اعتناق الدين الإسلامي والعمل بالشريعة المحمدية الخاتمة وانّ الرسالات السابقة رسالات تختص كلّ منها بزمان خاص لا تتجاوزه.(2)


1 . للاطّلاع على هذه الرسائل يراجع كتاب «مكاتيب الرسول» للميانجي.
2 . منشور جاويد:3/222ـ 226.


(364)

(365)

الفصل الثالث
الإمامة


(366)

(367)

59
معنى الإمامة

سؤال: ما المقصود من مفهوم الإمام عند أهل اللغة والقرآن الكريم؟

الجواب: لقد عرّف أئمّة اللغة الإمام تعاريف عديدة نذكر قسماً منها:

قال ابن فارس في تعريفه:

«الإمام:كلّ مَن اقتدي به وقدِّم في الأُمور،و النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إمام الأئمّة والخليفة إمام الرعية والقرآن إمام المسلمين».(1)

وأمّا ابن منظور فقد عرفه في «لسان العرب» بقوله:

«الإمام من ائتم به من رئيس وغيره وفي التنزيل: (فَقاتِلُوا أَئِمّة الكُفْر) أي قاتلوا رؤساء الكفر وقادتهم، الذين ضعفاءهم تبع لهم».

ثمّ قال:

«إمام كلّ شيء قيِّمُه والمصلح له والقرآن إمام المسلمين...».(2)


1 . مقاييس اللغة:1/28.
2 . لسان العرب:12/24مادة «أمم».


(368)

وأمّا الفيروز آبادي في «القاموس» فقد أورد نفس عبارة اللسان ولم يضف عليها شيئاً ولكنّه ركّز القول على ذكر مصاديق الإمام وعدَّ من معاني الإمام: القرآن والنبي والخليفة وقائد الجيش، ثمّ قال بعد ذلك:

«وما يتعلمه الغلام كلّ يوم و ما امتثل عليه المثالُ ، والدليل...وخشبة يسوّى عليها البناء».(1)

إنّ هذه التعريفات جميعها تشير إلى معنى واحد تقريباً، وهو الشيء الذي ينبغي للإنسان الاقتداء والإئتمام به واعتباره أُسوة وقدوة ومتبوعاً له، سواء كان ذلك الشيء إنساناً أو أمراً آخر فإنّه يطلق عليه لفظ الإمام حتّى يطلق ذلك على المثال الذي يضربه المعلم لتلاميذه ويرسمه لهم وعلى قبّان البناء، وكذلك على الشاقول و...، وذلك لأنّ كلّ من المثال أو الخط أو القبّان أو الشاقول أو خيط البناء كلّها تعتبر أُسوة ونموذجاً للعمل ينبغي اعتمادها واتّباعها وتطبيق العمل وإنجازه على وفقها.

وأمّا الإمام في الاصطلاح فهو:

الإنسان الملكوتي الكامل والمثالي، الذي يقع في قمة هرم الهداة،وهو المحور الذي يأخذ بيد الأُمّة إلى الكمال والرقي في المجالات الفردية والاجتماعية والذي يجب على الأُمّة امتثال أوامره وتوجيهاته واعتباره أُسوة وقدوة لها في أعماله وأفعاله وتقريراته.

مفهوم الإمامة في القرآن

لقد ورد لفظ الإمام مع بعض مشتّقاته في القرآن الكريم اثنتا عشرة مرة:


1 . القاموس المحيط: مادة «أمم».


(369)

سبع منها جاء بصورة «المفرد»، وخمس منها جاء بنحو «الجمع»،وفي جميع تلك الموارد جاءت لفظة الإمام وصفاً لأشياء متعدّدة نذكرها على نحو الإجمال:

1. الإنسان: وهو الشخص الذي يتحمّل مسؤولية إمامة وقيادة مجموعة من الناس، قال سبحانه: (إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِماماً) .(1)

فتارة يكون هذا الإمام مفيداً ونافعاً للمأمومين وللتابعين كما في المثال الذي ورد في الآية الكريمة، وتارة أُخرى يكون هذا الإمام مضراً لتابعيه إلى حد يوردهم المهالك ويوقعهم في المهاوي في الدارين الدنيا والآخرة، كما يقول سبحانه:(وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النّارِ وَيَوْمَ القِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ).(2)

فالإمام بكلا مصداقيه سواء أكان إمام حقّ أم باطل لا يختصّ بهذا العالم، بل هما يتحمّلان مسؤولية الإمامة في الدارين، كما يقول سبحانه وتعالى وبصورة شاملة:(يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناس بِإِمامِهِمْ...) .(3)

ويقول في خصوص إمامة فرعون: (يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النّارَ...).(4)

2. الكتاب: قال تعالى: (...وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً...).(5)

3. الطريق:قال تعالى:(فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ وَإِنَّهُما لَبِإِمام مُبين) .(6)

ففي هذه الآية عبّر عن «الطريق» بلفظ الإمام، وذلك لأنّ المسافر يتّخذ من الطريق إماماً وهادياً له ويتبعه للوصول إلى المقصد الذي يريده.


1 . البقرة:124.
2 . القصص:41.
3 . الإسراء:71.
4 . هود:98.
5 . هود:17.
6 . الحجر:79.


(370)

4. اللوح المحفوظ: كقوله تعالى: (...وَكُلَّ شَيْء أَحْصَيْناهُ في إِمام مُبين).(1)

وبما أنّه قد عبّر عن اللوح المحفوظ بعنوان الكتاب، فحينئذ يمكن دمج هذا القسم في القسم الثاني، ولكن بما أنّ حقيقة وواقعية«اللوح المحفوظ» غير معلومة لنا لذلك ذكرناها هنا بصورة مستقلّة، وأمّا إذا فسّرنا هذه الآية في الإمام المعصوم، فحينئذ يدخل هذا القسم في القسم الأوّل.

فبالالتفات إلى المعنى اللغوي للإمام حينئذ يطرح السؤال التالي وبصورة جدّية: ما المقصود من جعل الإمامة في الآية؟ونحن في مقام الإجابة عن هذا التساؤل المهم نحاول تسليط الضوء على أهم شيء في هذه المسألة وهو تحليل ومعرفة ماهية وحقيقة الإمامة من خلال البحوث الآتية.

ومن العجب أنّ كثيراً من المفسّرين مرّوا على هذه المسألة المهمة مرور الكرام ولم يولوها الأهمية التي تستحقّها من البحث و التحقيق.

الإمامة في الأحاديث الإسلامية

لقد وردت روايات كثيرة على لسان المعصومين ـ عليهم السَّلام ـ في هذا المجال نكتفي بذكر البعض منها، وهي:

لقد وصف الإمام الثامن ـ عليه السَّلام ـ الإمامة كالتالي:

«إنّ الإمامَةَ زِمامُ الدِّينِ، وَنِظامُ الْمُسْلِمينَ، وَصَلاحُ الدُّنْيا، وَعِزُّالْمُسلِمينَ».(2)


1 . يس:12.
2 . الكافي:1/200، كتاب الحجة باب فضل الإمام، طبع دار الكتب الإسلامية.


(371)

وقال ـ عليه السَّلام ـ أيضاً:

«الإمامُ يُحَلِّلُ حَلالَ اللّهِ وَيُحَرِّمُ حَرامَهُ، وَيُقيمُ حُدُودَ اللّهِ، وَيَذُبُّ عَنْ دينِ اللّهِ، وَيَدْعُو إلى سَبيلِ اللّهِ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَالْحُجَّةِ الْبالِغَةِ... عالِمٌ بِالسِّياسَةِ، مُسْتَحِقٌّ لِلرِّئاسَةِ».(1)

وقال الإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ :

«اتَّقُوا الْحُكُومَةَ فَإِنَّ الْحُكُومَةَ إِنَّما هِيَ لِلإمامِ ، العالِمِ بِالقَضاءِ،العادِلِ في المُسْلِمينَ».(2)

وقال الإمام علي ـ عليه السَّلام ـ :

«...والإِمامَةَ نِظاماً لِلأُمَّةِ، وَالطّاعَةَ تَعْظِيماً لِلإِمامَةِ»(3).(4)


1 . تحف العقول: ص 440، مؤسسة النشر الإسلامي. ويمكن أيضاً مراجعة كتاب الكافي:1/200، كتاب الحجة مع اختلاف يسير مثل باب ما يجب من حق الإمام وغيره.
2 . وسائل الشيعة:18/7، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 1، الحديث3.
3 . نهج البلاغة: الحكمة252.
4 . منشور جاويد:5/229ـ 231و 269ـ 270.


(372)

60
موقع الإمامة في الفكر الشيعي

سؤال: ما هي الأهمية التي يوليها الشيعة للإمامة، وما هو موقعها ومنزلتها في الفكر الشيعي؟

الجواب: احتلت الإمامة في الفكر الشيعي مقاماً مرموقاً حيث أولاها مفكّرو الشيعة أهمية كبرى، إذ اعتبروا الإمامة مقاماً ومنصباً إلهياً لابدّ لصاحبه أن ينصب من قبل اللّه تعالى.

وبعبارة أُخرى: كما أنّ مقام النبوة مقام ومنصب إلهي، ولابدّ أن يعيّن النبي أو الرسول من قبل اللّه سبحانه، ويستحيل على أيّ إنسان مهما كان أن يصل إلى هذا المقام السامي وهذه المرتبة العالية من خلال انتخاب الأُمّة له، كذلك الأمر في مقام الإمامة فإنّه مقام إلهي يستحيل فيه على الإنسان أن يناله من خلال انتخاب الأُمّة أو من خلال انتخاب أهل الحلِّ والعقد له، أو من خلال الشورى أو ما شابه ذلك.

وفي الحقيقة انّ الناس قد انقسموا في مسألة النبوة إلى طائفتين: طائفة مؤمنة، وأُخرى كافرة، ويستحيل على الأُمّة كالحكومات الديمقراطية أن يكون لها برنامج خاص في انتخاب النبي أو عدم انتخابه، وذلك لأنّ قضية النبوة


(373)

خارجة في الواقع عن إطار الانتخابات والديمقراطية والشورى وغيرها، ولا معنى لكلّ هذه المناهج هنا، وذلك لأنّ النبوة في الواقع ترتبط بمسألة المعرفة وعدم المعرفة، والإيمان والإنكار، والتصديق والتكذيب وهذه الأُمور لها أُسلوب خاص ومنهج معين لمعالجتها لا يتماشى أبداً مع أُسس الانتخابات والشورى وغيرها.

فلو أنّ جميع سكّان المعمورة انتخبوا وبحرية تامّة إنساناً ما(كمسيلمة الكذّاب) لمقام النبوة ولم يخالف في ذلك أحد، وفي نفس الوقت لو أعرض الجميع عن إعطاء رأيهم إلى الرسول الكريم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فلا ينبغي للديمقراطيين والليبراليين أن يعتبروا لذلك الانتخاب والرد أدنى قيمة موضوعية، كذلك لا معنى هنا لمفاهيم ونظريات أُخرى كالوراثة، والتنصيب أو الانتخاب البشري، أو الغلبة والانتصار و...، إذ انّ منصب النبوة ومقام الرسالة منصب إلهي ومقام سماوي لا يخضع لجميع تلك المعايير التي ذكرناها والتي يعتمدها أبناء النوع الإنساني لتعيين وتنصيب المسؤولين والحكام.

فإذا عرفنا ذلك نقول: إنّ الأمر نفسه يجري في مقام الإمامة، وبتعبير أصح: إنّ ملاك الإمامة أمرٌ حقيقي وواقعي في الإمام، كما أنّ النبوة حقيقة في النبي، وكذلك النبوغ فانّه حقيقة واقعية في النابغة. وعلى هذا الأساس لابدّ من السعي لمعرفة النبي أو الإمام أو النابغة لا تعيّنهم.

ومن الواضح أنّه قد يتسنّى تارة للأُمّة الوصول إلى المنهج الموضوعي لتمييز الجواهر الحقيقية عن المزيّفة. وأُخرى لا تمتلك الأُمّة هذا المنهج فلابدّ أن تستعين بطريق آخر للتمييز، وهذا الطريق في الواقع هو الوحي الإلهي، ويستحيل اعتماد السنن الارستقراطية أو الانتخابات المزوّرة، أو من خلال انتحال وخلق الفضائل الزائفة التي لا تقوم على أساس موضوعي وقاعدة


(374)

مستحكمة، أو من خلال اعتماد الطرق الرسمية والإدارية والاستعانة بالعوامل الداخلية أو الخارجية واعتماد ذلك كلّه ليكوّن الملاك لنيل ذلك المقام السامي.

فإذا ما أردنا أن نحلّل القضية بصورة أدق ونوضح أنّه لماذا تكون مسألة النبوة أو الإمامة خارجة عن مجال الانتخابات والشورى وانّها أسمى وأجلّ من أن تخضع لهذه الأساليب والمناهج نقول:

يوجد في الواقع مقامان:

مقام ومنصب يتحقّق من خلال العوامل والأسباب الخارجة كالوكالة التي قد تتحقّق من خلال الانتخابات وصناديق الاقتراع، وقد تحصل من خلال تنصيب المقامات العليا.

المقام الثاني هو المقام الذي لا يخضع بحال من الأحوال للانتخابات أو التنصيب البشري فعلى سبيل المثال: مقام النبوغ أو التقوى، أو الشاعرية، أو كون الإنسان مخترعاً أو مكتشفاً أو كاتباً أو مؤلفاً أو كونه بطلاً في ميادين الرياضة، فإنّ هذه المقامات لا معنى لاعتماد منهج الترشيح والانتخاب فيها، لأنّ النابغة نابغة سواء انتخب أو لم ينتخب، بل حتى لو لم يعترف أحد بنبوغه، وكذلك الأمر في الكاتب فانّه كاتب كذلك،وهكذا الأمر في الشاعر، فهل يوجد عاقل في الدنيا يمنح الشاعر صفة الشاعرية من خلال الانتخاب أو التنصيب؟!!

فمقام ومنصب كلّ من ابن سينا نابغة الفلسفة المشائية وشهاب الدين السهروردي أُستاذ الفلسفة الإشراقية، وسيبويه رجل الأدب العربي، والمحقّق الحلّي أُستاذ الفقه الشيعي و... جزء من ذاتهم ولم يمنح لهم من خلال عملية


(375)

انتخابية أو أوامر تنصيبية، وحسب التعبير الفلسفي أنّ تلك المقامات من الأُمور «الحقيقية، والواقعية» لا من الأُمور «الاعتبارية» و «الجعلية».

ثمّ لابدّ من الالتفات إلى نكتة مهمة وهي: انّ الشيعة حينما يشترطون أن يكون الإمام منصوباً من قبل اللّه سبحانه فإنّهم يقصدون من ذلك: انّ الإنسان الذي اجتمعت فيه شروط القيادة والإمامة أجمع لابدّ أن يعرّف من قبل اللّه سبحانه وتعالى، وفي الحقيقة يكون التنصيب الإلهي وسيلة لإزاحة الستار وكشف الواقع لا لتعيين ذلك الفرد للخلافة والإمامة، وذلك لأنّ صاحب هذا المقام غير مردّد في الواقع حتى يحتاج إلى تعيين، بل انّ المنصب ملازم لصاحبه الذي توفّرت فيه الشروط فيأتي الوحي الإلهي لإزاحة ستار الجهل عن هذه الحقيقة المخفية.

كذلك نشير إلى نكتة أُخرى مهمة وهي أنّ مفاهيم «النصب» و «الانتصاب» وغيرها من أدبيات النظم المستبدة والمتفرعنة حينما تطلق يقفز إلى الذهن مفاهيم أُخرى ملازمة لها كالاستبداد والقهر وسلب الحريات وهضم حقوق الآخرين. وعلى هذا الأساس يكون استعمال مثل تلك المفاهيم في البحوث العقائدية وعلى أساس قاعدة «تداعي المعاني» غير صحيح، لأنّه يستدعي كلّ تلك المفاهيم السلبية، ولذلك لابدّ من البحث هنا لتوضيح أنواع التنصيب.

لا ريب أنّ تنصيب الأفراد غير الكفوئين ليشغلوا مقاعد في مجالس الأعيان أو في المجالس الاستشارية أو البلدية وغيرها من المناصب يؤدّي إلى حرمان الأفراد والشخصيات الكفوءة ولكنّ النصب الإلهي لا يؤدي أبداً إلى تلك النتيجة السلبية، لأنّه في الواقع كشف لستار الحقيقة وتعريف الفرد اللائق والكفوء لمقام القيادة والإمامة في جميع شؤونها المادية والمعنوية والذي


(376)

يستطيع بكفاءة عالية أن يقود البشرية ويأخذ بيدها إلى الكمال المطلوب ويوصلها إلى ساحل الأمان، وإذا ما فرضنا أنّ هذا التنصيب لم يتحقّق من قبل اللّه سبحانه وتعالى، فهذا يعني أنّه سبحانه لم يعرف للأُمّة الفرد اللائق والجدير للقيام بهذه المهمة، وحينئذ لا يمكن للدين أن يكتمل خاصة إذا أخذنا بنظر الاعتبار الفراغ الذي حصل بسبب رحيل الرسول الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

لقد استطاع عالم الاجتماع ابن خلدون أن يبيّن حقيقة النظريتين الشيعية والسنيّة في خصوص الإمامة، وبعبارة وجيزة حيث عرف الإمامة عند أهل السنّة بقوله:

«الإمامة، المصالح العامة التي تفوض إلى نظر الأُمّة ويتعيّن القائم لها بتعيينهم».

ثمّ قال:

«الإمامة لدى الشيعة: ركن الدين وقاعدة الإسلام، ولا يجوز لنبي إغفاله ولا تفويضه إلى الأُمّة،بل يجب عليه تعيين الإمام لهم و يكون معصوماً من الكبائر والصغائر».(1)

وبعبارة أوضح: أنّ الإمامة والقيادة هي استمرار للقيام بوظائف الرسالة، وأنّ الإمام يتولّى جميع وظائف الرسول.(2) مع فارق واحد بينهما وهو أنّ الرسول


1 . مقدمة ابن خلدون:196، طبع المكتبة التجارية، مصر.
2 . وبعبارة أدق: إنّ الإمامة ـ بعد النبوة ـ استمرار لمقام إمامة النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، حيث إنّه وبرحيل النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ تمّت النبوة والرسالة ولكن مقام إمامته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ استمر بواسطة الأئمّة من بعده، وإذا ما قد يقال: إنّ «الإمامة» استمرار لوظائف«الرسالة»، فإنّ في ذلك التعبير نوعاً من المسامحة،إذ في الحقيقة انّ إمامة الإمام بعد الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ استمرار «لإمامة» النبي الأكرم، وذلك لأنّ النبي يمتلك بالإضافة إلى مقام «النبوّة» و «الرسالة» مقام «الإمامة» كإبراهيم الخليل ـ عليه السَّلام ـ .


(377)

هو الباني والمؤسس للدين وهو الطرف المتلقّي للوحي وهو صاحب الكتاب، فإذا استثنينا هذه الأُمور يكون الإمام نسخة أُخرى مطابقة للنبي من حيث تبيين الأحكام والأُصول والفروع وحماية الدين من التحريف وهو المرجع في جميع الأُمور الدينية والدنيوية الذي يتابع وظائف النبي ومهامه باعتباره خليفته والقائم مقامه.

وعلى أساس هذه النظرية التي أثبتنا فيها انّ الإمامة استمرار لوظائف الرسالة وانّ الإمام نسخة أُخرى للنبي باستثناء النبوة والوحي، لابدّ أن يتوفر في الإمام بالإضافة إلى الشروط السابقة شرطان آخران هما:

1. أن يكون أعلم الأُمّة في أُصول وفروع الإسلام، وأن لا يكون علمه مكتسباً من الأفراد العاديين، وذلك لكي يتسنّى له تبيين أُصول وفروع الإسلام وتلبية جميع الاحتياجات العلمية والمعنوية للأُمّة، وأن لا تضطر الأُمّة ـ مع وجوده ـ إلى الاستعانة بشخص آخر غيره.

وبعبارة أُخرى يشترط أن يتوفّر في الإمام العلم الكافي والمعرفة الواسعة بالمعارف الدينية والأُصول الكلّية وفروع الأحكام، لأنّه ما لم تتوفر لديه تلك الإمكانيات الواسعة من العلم لا يستطيع أن يسدّ الفراغ الذي أحدثه غياب الرسول الأكرم في المجتمع.

2. أن يكون الإمام معصوماً من الذنب ومصوناً من ارتكاب الخطأ.(1)


1 . منشور جاويد:5/110ـ 114.


(378)

61
مقام الإمامة والنبوة

سؤال: هل انّ مقام الإمامة أعلى من مقام النبوة؟

الجواب: انّ إمامة الخليل أعلى من مقام النبوة.

أوّلاً: «النبوة » في الواقع بمعنى تلقّي الوحي و «الرسالة» بمعنى تبليغ ذلك الوحي، والحال أنّ «الإمامة» زعامة وقيادة المجتمع في جميع النواحي انطلاقاً من الأُصول والمعارف الإلهية. ولا شكّ أنّ كلّ مقام من هذه المقامات يخضع إلى سلسلة من المواهب والكفاءات والاستعدادات التي ينبغي أن تتوفر في الشخص لتشمله الرعاية واللطف الإلهي وليحمل هذا الوسام الشريف، وإذا كانت النبوة والرسالة تحتاج إلى مجموعة من الشروط والاستعدادات، فإنّ الإمامة تحتاج إلى شروط أُخرى أشدّ وأعقد من الشروط التي ينبغي أن تتوفّر في النبي أو الرسول. وذلك لأنّ الإنسان الإلهي المرتبط بالوحي في المرحلة الأُولى يحتاج إلى مؤهّلات وشروط تؤهّله إلى تلقّي الوحي واستلام التعاليم والأحكام الإلهية، وفي المرحلة الثانية «الرسالة» أنّه مكلّف في نشر التعاليم الإلهية وتحقيق البرنامج الإلهي في المجتمع لكي يتسنّى للأُمّة ومن خلال القيادة


(379)

الرشيدة والحكيمة أن تطوي الطريق لنيل السعادة في الدارين.

وبعبارة أُخرى: انّ مجال وإطار عمل الأنبياء والرسل باعتبارهم حاملين للنبوة والرسالة، هو تبيين الأحكام والتذكير، ولكن عندما يصلون إلى مقام الإمامة تقع على كاهلهم مسؤولية خطيرة جداً، وهي تربية الإنسان الجاهل وتأمين جميع مستلزمات البشرية في جميع الأقسام، ولا ريب أنّ القيام بهذه المهمة الصعبة والخطرة للغاية لا يمكن أن يتحقّق ما لم يتوفر النبي الإمام على مجموعة من الصفات التي منها التحلّي بالصبر والاستقامة والثبات وتحمّل المصاعب والعناء وشدّة المحن في سبيل اللّه تعالى، ومن هذا المنطلق نرى إبراهيم لم ينل مقام الإمامة إلاّ بعد أن طوى سلسلة من الامتحانات الصعبة والاختبارات العسيرة التي خرج منها مرفوع الرأس بعد أن ثبت وقاوم وصبر وسيطر على نفسه وتحمل ما يعجز اللسان عن وصفه.

وعلى هذا الأساس يكون القيام بمهام الإمامة ـ الملازمة لكم هائل من العقبات والمشاكل المعقدة والمقترنة أيضاً بالمصائب والفتن ومجاهدة الأهواء والغرائز والميول والتي تستدعي الاحتراق والفناء في هذا الطريق ـ بحاجة إلى درجة عالية من العشق الإلهي والذوبان في الحب الإلهي، وإلاّ فلا يمكن بحال من الأحوال أن يوفق النبي أو الرسول للقيام بتلك المهمة الصعبة، ولذلك نجد النبي إبراهيم ـ عليه السَّلام ـ مُنح هذا المقام السامي في أُخريات حياته الشريفة.

ثانياً: انّ الهداية التي تحصل من الأنبياء والرسل لا تحتاج إلى شيء غير التذكير وبيان الطريق، والحال انّ الهداية الحاصلة من الإمامة تتحقّق من خلال الإيصال إلى المقصد المطلوب، يعني أنّ الإمام في الواقع ينفذ إلى باطن الإنسان وروحه وأحاسيسه ومشاعره بحيث يهيمن على قلب الإنسان ويسري في


(380)

دمه وعروقه ويهديه من خلال هذا الطريق. فالإمام كالشمس التي تسطع بأشعتها لتبعث الحياة في النباتات وتؤثر في نموها وازدهارها، كذلك الإمام يفعل فعله في القلوب المستعدة ليوجد فيها حالة من الانقلاب والتحوّل الكامل.

إنّ الإمام وفي ظل القدرة الإلهية والوحي الإلهي، يخرج القلوب المستعدة والمتهيئة من الظلمات إلى النور، وهذا المقام السامي مُنح لإبراهيم ـ عليه السَّلام ـ ولأمثاله من الأنبياء بعد اجتياز سلسلة من الاختبارات الصعبة التي ولّدت فيهم تلك الروح القوية والقدرة العجيبة في التأثير.

فالإمام ـ وفقاً لهذه النظرية ـ يعد من مجاري الفيض الإلهي، بل من علل وصول الفيض الإلهي (الهداية) إلى الناس،فكما أنّ الفيض المادي يحتاج إلى سلسلة من المجاري والعلل المادية، كذلك الفيض المعنوي ـ و هو الهداية التكوينية ـ يحتاج إلى سلسلة من المجاري والعلل، ولا ريب أنّ هذا النوع من الهداية الذي يرتبط بمواهب وكفاءات خاصة خارج عن إرادته واختياره، إذ انّ النفوس المستعدة تنجذب بصورة قهرية إلى هداية الإمام وتدخل في إطار الهداية التكوينية.

الخلاصة: الأنبياء باعتبارهم يمتلكون خاصية الهداية التشريعية بحيث يستطيعون هداية المجتمع من خلال تبليغ الرسالة وإرشاد الناس وبيان الأوامر والنواهي فمن هذه الجهة يطلق عليهم وصف «النبي»، ولكن من جهة امتلاكهم القدرة على الهداية التكوينية وكونهم السبب في كمال وسعادة الإنسان وتصرفهم في قلوب ونفوس الناس وجذبهم إلى محيط الهداية التكوينية، يطلق عليهم من هذه الجهة وصف «الإمام».(1)


1 . منشور جاويد:5/ 262ـ 263 .


(381)

62
النبي، الرسول، الإمام

سؤال: ما هي الفروق التي يمكن تصوّرها بين المفاهيم التالية: النبي، الرسول، الإمام؟

الجواب: انّ لفظ «النبي» مأخوذ من «النبأ» بمعنى الخبر الخطير والعظيم ويكون معناه اللغوي: هو الحامل للخبر العظيم أو المخبر عنه.(1)

لقد أُطلق لفظ «النبي» في القرآن الكريم على الأشخاص الذين تلقّوا الوحي الإلهي من اللّه سبحانه، وبطرق مختلفة، وهذه هي حقيقة «النبي»، وكلّ ما ذكر للنبي من صفات وخصائص ومميزات في الكتب اللغوية أو التفسيرية أو الحديثية، فإنّها جميعاً خارجة عن مفهوم «النبي»، ولا دخل لها في حقيقته، ولا ينطبق عليها لفظ«النبي» وإنّما تستفاد تلك المعاني من قرائن خارجية.

يقول الشيخ الطوسي في تعريفه:


1 . إذا كانت صيغة «نبي» لازمة فحينئذ تعطي المعنى الأوّل، وإذا كانت متعدّية فحينئذ تشير إلى المعنى الثاني، وإن كان الظاهر هو المعنى الثاني والذي ينسجم بنحو ما مع معنى «الرسول».


(382)

«إنّه مؤد من اللّه بلا واسطة من البشر».(1)

فـ«النبي» بمعنى متلقّي«النبأ» أو المخبر عن اللّه سبحانه، وأمّا لفظ «الرسول » ـ إذا كانت رسالته من اللّه لا من البشر(2) فحينئذ تكون رسالته في إطار مفهوم النبوة ـ فيكون معنى «الرسول»: هو عبارة عمّن تحمّل رسالة من إبلاغ كلام أو تنفيذ عمل من جانب اللّه سبحانه.

وبعبارة أُخرى: أنّ هذين المفهومين «النبوة» و «الرسالة» حينما يشيران إلى خصوصية أو خصوصيات من تلقّى الوحي من الأنبياء، فحينئذ إذا لوحظ خصوصية حمل النبأ وتلقّي الوحي فقط فهذا هو النبي، وأمّا إذا لوحظت خصوصية تبليغ الوحي ونشره فحينئذ يطلق على صاحبها مفهوم الرسول.

هذا هو المعنى الحقيقي والواقعي لكلا المفهومين، وإنّ جميع ما ذكر من الخصوصيات والمميزات في كتب اللغة والتفسير والكلام لهذين المفهومين لا علاقة له بالمعنى الحقيقي لهما.

«فالنبي» و «الرسول» وفقاً لهذه النظرية ليس لهما إلاّ مهمة الإنذار والتحذير والتبليغ والإرشاد فقط لا الأمر والنهي وإصدار الأوامر والمقرّرات وإنّما وظيفتهم انعكاس الوحي الإلهي ونشر الأوامر والنواهي الإلهية، ولقد وصف القرآن الكريم الأنبياء والرسل وبصورة كلّية حيث قال سبحانه:

(...فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرينَ وَمُنْذِرِينَ...).(3)


1 . الرسائل العشر:111، وعبارة الشيخ تحكي عن أنّه أخذ لفظ «النبي» متعدياً لا لازماً، وتحكي أنّه نفى في مفهوم النبي وساطة البشر لا وساطة الملائكة.
2 . كقوله :(فلمّا جاءه الرسول) (يوسف:50) حيث أشارت الآية إلى الرسول الذي بعثه عزيز مصر إلى يوسف ـ عليه السَّلام ـ .
3 . البقرة:213.


(383)

وقال تعالى في خصوص النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : (فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ*لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِر).(1)

فهاتان الآيتان وبالإضافة إلى قوله تعالى: (...فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبينُ) (2)، تشيران ـ بالإضافة إلى ما قلنا سابقاً من أنّ النبي لا يأمر ولا ينهى من تلقاء نفسه ـ إلى حقيقة أُخرى وهي: انّ حقيقة دور الأنبياء ودعوتهم هو الإرشاد والهداية.

إنّ الأنبياء الإلهيّين حينما يتحركون في دائرة النبوة والرسالة يسعون وبجد للهداية وبيان الخطوط الحمراء للشريعة والنواهي والأوامر الإلهية، وبيان طريق السعادة والفلاح للناس منطلقين في ذلك كلّه من تلقّي الوحي والأوامر الإلهية، وليس لهم في هذا المجال نظر ورأي بصورة مستقلّة عن الوحي وكلّ ما يقولونه ويفعلونه هو كلام اللّه وأوامره، فهم في الواقع ترجمان للوحي الإلهي.

وفي الحقيقة انّه لا يوجد في هذه الساحة إلاّ هاد ومرشد واحد وقائد متفرّد وهو اللّه سبحانه وتعالى، وانّ سلسلة الأنبياء والرسل مأمورون له سبحانه، وانّ من ينقاد في هذه الأُمّة ويؤمن فإنّما ينقاد له سبحانه ويؤمن به، وكذلك من يعصي ويتمرد ويكفر فإنّما يكفر باللّه سبحانه ويتمرّد عليه سبحانه وليس للأنبياء طاعة ولا عصيان خاص بهم بصورة مستقلة،وقد عبّر القرآن عن هذه الحقيقة بقوله:

(مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللّهَ...) .(3)

وذلك لأنّ الآمر الحقيقي هو اللّه، والرسول متلقّ لكلامه سبحانه ومترجم


1 . الغاشية:21ـ 22.
2 . المائدة:92.
3 . النساء:80.


(384)

لوحيه.

وأمّا قوله سبحانه: (وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُول إِلاّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللّهِ...) .(1)

فلا يعني أنّ للنبي أو للرسول إطاعة وعصياناً مستقلاً عن إطاعة اللّه ومعصيته سبحانه، بل أنّ جملة (بِإِذْنِ اللّهِ) تشير إلى أنّ الرسول ليس هو المطاع الواقعي، بل المطاع الواقعي هو اللّه سبحانه وتعالى، وإطاعة الرسول تبعاً لإطاعة اللّه.

وإذا أردنا أن نعبّر عن هذه الحقيقة بمصطلح علمي لابدّ من القول: إنّ إطاعة اللّه سبحانه لها موضوعية، وأمّا إطاعة الرسول فمأخوذة على نحو الطريقية، ونحن إنّما نطيع الرسول لأنّ إطاعته هي عين إطاعة اللّه سبحانه وطريق إليها لا أنّها شيء آخر.

إلى هنا تبين لنا المعنى الحقيقي للفظ النبي والرسول، وقد حان الوقت لبيان المقام المعنوي الآخر الذي ينتظر هاتين الطائفتين، فكلّما أُدخل النبي والرسول بوتقة الاختبار وتعرض لسلسلة من الاختبارات والابتلاءات الصعبة بحيث استطاع أن يرتقي بكمالاته واستعداداته من مرحلة القوة إلى الفعلية، ويصل في مجال العشق الإلهي إلى مرحلة الذوبان والوله، بدرجة يهيمن العشق الإلهي على قلبه وأحاسيسه ومشاعره ويفرغ قلبه من كلّ شيء إلاّ اللّه سبحانه، فحينما يصل إلى هذه المرحلة من العشق والذوبان المطلق في الذات الإلهية يجتبيه اللّه سبحانه وينصبه لمقام إدارة أُمور الأُمّة بالإضافة إلى مقامي تلقي الوحي والتبليغ والتبشير والإنذار، وهذا المقام هو مقام الإمامة الذي يمتلك من خلاله حق الأمر والنهي والتكليف والردع وإدارة المجتمع بالصورة الصحيحة ليوصله


1 . النساء:64.


(385)

إلى حدّ الكمال.

كذلك ليس لأيّ إنسان (مهما كانت درجة كماله) حق الولاية على الآخرين، بل الولاية حق للّه سبحانه وتعالى وحده. نعم يمكن أن يمنح اللّه ـ و لمصالح معينة واعتماداً على ولايته المطلقة ـ هذا الحق للإنسان الكامل الذي اجتاز الاختبار وتقلّبات الحياة بنجاح ويمنحه مقام الإمامة والولاية والطاعة والقيادة بحيث يمتلك حق الأمر والنهي والتكليف وتكون له طاعة مستقلة.

ولا شكّ أنّ هذا المقام غير مقام النبوة والرسالة الذي يتلخّص في تلقّي الوحي وتبليغ الأحكام والأوامر الإلهية، فإذا وصل إلى مقام الإمامة فحينئذ يرتقي إلى منزلة ومرتبة أُخرى، وهي تحمّل مسؤولية وقيادة الأُمّة وتنظيم المجتمع وإدارة شؤونهم كما قلنا.

ففي النبوة والرسالة المجردتين عن الإمامة تكون إطاعة الرسول هي عين إطاعة اللّه سبحانه، ولا يوجد ـ أبداً ـ نوعان من الطاعة، ولكن حينما يرتقي الرسول إلى مقام الإمامة وينال وسام النصب الإلهي لمنصب الإمامة، يكون حينئذ له حقّ الأمر والنهي، وتكون له طاعة مستقلة.(1)


1 . منشور جاويد:5/250ـ 253.


(386)

63
عصمة الأئمّة

سؤال: ما هي الأدلّة العقلية والنقلية التي يمكن إقامتها لإثبات عصمة الأئمّة؟

الجواب: يجب على الإمام أن يكون معصوماً ومنزّهاً من الذنب، لأنّه ما لم يتّصف الإمام بصفة العصمة لا يكون حينئذ موضوعاً لوثوق الناس بقوله وفعله، ولا يمكن أن يكون قدوة وأُسوة لهم، كذلك لا يتسنّى له بدون العصمة ان ينفذ إلى قلوب الناس ومشاعرهم وأحاسيسهم، وعلى هذا الأساس فلابدّ للإمام ـ و لجلب وثوق الناس به واعتمادهم عليه ونفوذه في عقولهم وتفكيرهم ـ أن يكون معصوماً من كلّ أنواع الزلل والخطأ العمدي والسهوي.(1)

ثمّ إنّه كما ازدادت شروط الإمامة وفقاً للمذهب الشيعي ـ بالإضافة إلى الكفاءات الذاتية والعدالة أُضيفت شروط أُخرى كـ«سعة العلم» و «العصمة»ـ كذلك ازدادت وظائفه ومهامه، إذ بالإضافة إلى تأمين العدالة الاجتماعية وتحكيم


1 . بما أنّ الإمام مبين لأحكام الحوادث المستجدة ومفسرٌ لآيات القرآن الكريم و... فهذا يعني أنّه يمتلك نفس الوظائف التي كانت للرسول، وبالطبع فانّ الدليل العقلي الذي يحكم بلزوم عصمة النبي نفسه يجري في حقّ الإمام ويحكم بلزوم عصمته.


(387)

الأمن ونشر الإسلام وغير ذلك من الأُمور المشابهة لها يكون الإمام مسؤولاً عن تحقيق مسألتين هما:

1. بيان أُصول و فروع الإسلام وتلبية جميع متطلّبات المجتمع الإسلامي العلمية والفكرية والسياسية.

2. صيانة الدين من كلّ أنواع الانحراف لتصل المعارف والأحكام الإلهية إلى الناس نقية خالصة من كلّ شين وعيب، بحيث تنتقل ـ هكذا ـ من الخلف إلى السلف ولا يتمكّن النفعيون وتجار الحديث والتاريخ وأعداء الإسلام التلاعب بحقائق الدين الإسلامي.

الدليل الآخر على العصمة

لقد تبيّن في البحوث السابقة وبصورة جليّة نظرية المدرستين ـ المدرسة الإمامية ومدرسة الخلفاء ـ في مسألة الإمامة والخلافة وتبيّن سبب اشتراط المدرسة الشيعية«العصمة» في الإمام ولم يشترط ذلك في المدرسة الأُخرى، بل نظروا إلى هذا الشرط نظرة التعجب والحيرة.

ففي أصل النظرية الشيعية ـ التي ترى أنّ الإمامة استمرار لوظائف النبوة والرسالة وانّ جميع وظائف النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قد حوّلت إلى الإمام باستثناء وظيفة تأسيس الدين وكونه الطرف المباشر لتلقّي الوحي ـ يكون الإمام بعد النبي معصوماً أيضاً، وإلاّ فإنّه لا يستطيع أن يقوم بأداء الوظائف المحولة إليه، وأمّا وفق النظرية السنية ـ التي ترى أنّ مقام الإمامة كمقام رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء ـ فإنّهم يكتفون بما تتطلّبه تلك الوظائف من الكفاءة والدراية في إدارة البلاد وإن لم يكن قادراً على القيام بباقي وظائف ومهام النبوة والرسالة.

ونحن إذا راجعنا كتب الملل والنحل أو الكتب الكلامية لأهل السنّة نجد


(388)

أنّهم يعتبرون إحدى نقاط الضعف في المذهب الشيعي هو القول بعصمة الإمام علي وأولاده ـ عليهم السَّلام ـ ، ويتعجّبون بل يستوحشون من هذه النظرية كما نتعجّب نحن من نظرية «المجبرة».

ولا ريب أنّ علّة تعجّبهم وحيرتهم أنّهم نظروا إلى القضيّة من الزاوية التي ينظرون منها إلى مسألة الإمامة، إذ أنّها عندهم لا تتجاوز كونها منصباً عادياً، وأنّ الإمام عندهم إنسان عادي لا يمتاز عن غيره من المسلمين بغير بعض المواهب والكفاءات التي يستلزمها منصب الإدارة فقط! ومن الطبيعي وفقاً لهذه النظرية أن يكون الاعتقاد بعصمة علي وأولاده ـ عليهم السَّلام ـ باعثاً على الحيرة والتعجّب!!

والحال ووفقاً للنظرية الشيعية التي ترى أنّ الإمام كالنبي واسطة في نزول الفيض المعنوي من جانب اللّه سبحانه إلى الأُمّة، لا يوجد أدنى مجال للتعجّب والحيرة في القول بالعصمة.

ومن خلال هذا البحث يمكن الحصول على نتيجتين:

1. انّ مقام الإمامة ـ بعد النبيّ الأكرم ـ مقام تنصيصي أي تابع للنص الإلهي، لأنّ الإنسان العادي وإن كان من جهة العلم والمعرفة يمكن أن يحصل على درجة عالية من العلم والمعرفة إلاّ أنّه ما لم يخضع للتربية الإلهية ويتلقّى العلوم النبوية عن طريق الوحي لا يتمكّن من سدّ الفراغ ورفع الإشكالات والإبهامات التي تقع في الطريق.

2. ما لم يكن خليفة النبي معصوماً من الذنب والمخالفة، بل من الخطأ والاشتباه ولو في مجال الأُمور التي تتعلّق بالشريعة يستحيل عليه القيام بوظائف النبي وملء الفراغ الحاصل برحيله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ .

وعلى هذا الأساس تكون التربية الإلهية والعلم الواسع والعصمة من الذنب


(389)

والخطأ من الشروط الأساسية لبيان أحكام الحوادث المستجدة، وتفسير مقاصد آيات الذكر الحكيم، والإجابة عن الشبهات والإشكالات، وصيانة الدين من كلّ أنواع التحريف.

أضف إلى ذلك: أنّ جميع الأدلّة العقلية التي أُقيمت لإثبات عصمة النبي من قبيل: تحقيق أهداف البعثة، كسب ثقة الناس، فإنّها جميعاً تجري ـ وبنحو ما ـ في حق الإمام وفقاً للنظرية الشيعية، وإذا أردنا أن نصيغ ذلك الدليل بعبارة مختصرة نقول: إنّ عصمة الإمام لازم للنظرية التي ترى أنّ مقام الإمامة استمرار لمقام النبوة ووظائفها، أو أنّه استمرار لمقام إمامة النبي، ولا ريب أنّ هذه الاستمرارية لا يمكن أن تحصل من دون الإيمان بعصمة الإمام.

وقد حان الوقت لبيان الدليل السابق بصورة أُخرى مفصّلة حيث نقول:

لقد حدث وبرحيل النبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ سلسلة من الفراغات في المجتمع الإسلامي لا يمكن سدّها إلاّ بوجود إمام معصوم.

وبعبارة أُخرى: إذا كان سدّ تلك الفراغات ـ التي سنذكرها ـ ضرورياً، فلابدّ انّها تسد بوجود الإمام المعصوم، وإلاّ فلا يمكن للإنسان العادي سدّها وملء الفراغ.

وهذه الفراغات هي:

1. بيان أحكام الحوادث المستجدة التي لا سابق لها.

2. تفسير مقاصد وأهداف آيات الذكر الحكيم.

3. الإجابة عن الشبهات وحلّ الإشكالات.

4. صيانة وحفظ الرسالة الإسلامية من كلّ أنواع التحريف.

هذه هي الوظائف التي كان يقوم بها النبي الأكرم في حياته ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فكان بوجوده


(390)

الشريف يسد الخلل الذي يحصل في تلك المجالات. وهانحن نشير و ـ حسب الترتيب ـ إلى تلك الوظائف بصورة إجمالية:

ألف. لقد كان النبي مبيّناً لأحكام جميع المسائل المستحدثة التي تحتاجها الأُمّة.

ولا ريب أنّ هذه الحاجة استمرت بعد رحيله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حيث تواجه الأُمّة دائماً مسائل مستحدثة الأمر الذي يقتضي وجود شخصية تستطيع أن تبيّن للأُمّة أحكام تلك المسائل المستجدة التي لم تقع في زمن الرسول لكي يوضح ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أحكامها، وقد واجهت الأُمّة بالفعل الكثير من تلك المسائل التي تحيّرت في حلّها، ولذلك أخذت الأُمّة تشرّق وتغرّب باحثة عمّن يضع لها العلاج الناجع والحل النافع فالتجأت إلى أدلّة ظنيّة وتخيّلات لم تزدها إلاّ حيرة وضياعاً.

ب. لقد كان النبيّ الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في حال حياته المباركة يقوم بتوضيح وتفسير قسم من الآيات وبيان الأبعاد المختلفة للقسم الآخر منها، وكان يسد بذلك حاجة المسلمين، لكن بقيت هذه الحاجة تلازم المسلمين بعد رحيله حتّى أنّهم انقسموا في تفسير قسم من الآيات، بل اختلفوا حتّى في الآيات التي تتعلّق بالوضوء وحدّ السارق والفرائض اختلفوا اختلافاً شديداً.

ج. كما كان الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يتصدّى للرد على الشبهات والإشكالات التي يثيرها اليهود والنصارى وبقية الأقوام والملل القاطنة في المدينة أو الذين يتردّدون عليها. ويشهد على ذلك وبصورة جلية الآية التي تدلّ على إبطال إلوهية المسيح ـ عليه السَّلام ـ (1)، ولقد بقيت هذه المهمة على قوتها بعد رحيل الرسول الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ حيث انحدر إلى المدينة سيل من الشبهات والإشكالات التي أثارها أحبار اليهود


1 . آل عمران:59.


(391)

وقساوسة النصارى وغيرهم، وانّ تاريخ الخلفاء وعجز الكثير من أصحاب الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عن الإجابة عن تلك الإشكالات وردّ الشبهات شاهد صدق على بقاء تلك الحاجة وبقاء تلك الثغرة التي تركها رحيل الرسول مفتوحة.

د. انّ مسألة حفظ وصيانة الرسالة الإسلامية من التحريف والوضع والجعل التي انبرى للقيام بها قلّة من الوضّاعين والمغرضين، لا يمكن تجاهلها والمرور عليها مرور الكرام، فلقد كانت محاولة الوضع والتحريف في زمن الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ موجودة بصورة أو أُخرى. ولكنّها راجت بصورة أكبر بعد رحيله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إلى الرفيق الأعلى.

ومن الطبيعي أنّ كلّ محاولة للتحريف والجعل كانت تمنى بالفشل الذريع من خلال مراجعة الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ والتصدّي من قبله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ لمعالجة المشكلة، ولكن بعد رحيله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وعدم وجود الشخص المعصوم ـ أو بعبارة أُخرى عدم رجوع الأُمّة إلى الإمام المعصوم الذي ينبغي الرجوع إليه ـ الذي يمكن من خلاله حلّ المشكلة والقضاء على كلّ محاولات التحريف والوضع وتمييز الحقّ عن الباطل والصحيح عن السقيم، أوجد في المجتمع الإسلامي مشكلة كبرى بحيث تمكن تيار الدس والوضع من زرق الكم الهائل من الأحاديث والروايات المجعولة في مصادر التراث الإسلامي بحيث تمكّنت أن تقلب وجهة تاريخ الحديث في صدر الإسلام.

ثمّ إنّ مسألة التحريف لم تقتصر على مجال الحديث والرواية، بل أنّ نشوء الفرق المختلفة بعد رحيله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ والتي يشهد عليها تاريخ الملل والنحل، يُعدّ دليلاً واضحاً على وجود عملية التحريف في مجالي الأُصول والفروع بحيث لم يمر على رحيله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فترة طويلة إلاّ والمسلمون انقسموا إلى فرق ومذاهب مختلفة وصلت إلى ما يربو على 72فرقة، أو أكثر من ذلك، واحدة منها ـ هي الناجية ـ على الحقّ


(392)

والباقية باطلة جميعها بلا ريب.

إنّ تلك المشاكل والإشكالات كانت تعالج ببركة وجوده ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ولا ريب بعد رحيله ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ستبقى تلك المشكلات على حالها وقوتها ولا يوجد أحد يمتلك القدرة على التصدّي لمعالجة المرض، نعم يوجد طريق واحد لحلّ المعضلة وهو أن نؤمن بوجود شخص يكون خليفة للرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ يمتلك من الصفات والمؤهّلات التي تساعده ليكون واسطة الفيض الإلهي على الأُمّة كما كان الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فحينئذ تستطيع الأُمّة التخلّص ممّا يحيق بها من الأخطار وتنعم بالفيض الإلهي، وإلاّ فلا.

إنّ هذه الفجوات ونقاط الخلل لا يمكن أن تسد من خلال الخليفة المنتخب من قبل الأُمّة، بل لابدّ لحلّها ومعالجتها من وجود إمام وخليفة يتحلّى بما كان يتحلّى به الرسول الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ من التربية الإلهية والعلم الواسع والعصمة من الذنب والخطأ، وإلاّ فستبقى تلك الفجوات والثغرات على قوتها. ولا ريب أنّ معرفة وتشخيص المصداق الذي يتحلّـى بتلك الصفات والمؤهلات لا يمكن لأيّ إنسان تحصيله إلاّ من خلال طريق واحد لا ثاني له وهو التنصيص الإلهي لأنّه لابدّ لهذا الفرد ـ و كما قلنا ـ أن يخضع للتربية والإعداد و التأهيل الإلهي والتعليم الخارق للعادة، وبعد أن تتم عملية إعداده وتأهيله تأتي مرحلة تعريفه إلى الأُمّة من قبل النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وفي الوقت المناسب.

إنّ هذه الحسابات والمعادلات التي ذكرناها هنا بصورة مضغوطة(1) تثبت ـ بالإضافة إلى ضرورة النصّ على الإمام ـ العصمة أيضاً، وبما أنّنا قد تعرّضنا في بحث النبوة لبيان الأدلّة العقلية لإثبات عصمة النبي الأكرم، وأثبتنا أيضاً أنّ تلك البراهين والأدلّة تجري في حقّ الإمام أيضاً فلذلك لانرى ضرورة لإعادتها هنا.


1 . هناك آيات أُخرى يمكن الاستدلال بها على عصمة الأئمة ـ عليهم السَّلام ـ صرفنا عنها النظر روماً للاختصار.


(393)

ثمّ إنّه إذا كانت هناك سلسلة من الآيات التي تثبت عصمة الأنبياء بصورة عامّة وعصمة الرسول الأكرم بصورة خاصة، فإنّ هناك آيات أُخرى تدلّ وبصورة كليّة على عصمة ومصونية الأئمّة ـ عليهم السَّلام ـ .

ونحن هنا نكتفي بالبحث في آيتين من الذكر الحكيم هما:

1. الآية التي تتعلّق بإمامة إبراهيم ـ عليه السَّلام ـ .

2. آية التطهير.(1)

عصمة الإمام في آية الابتلاء

من المفاهيم الجديرة بالبحث والتحليل «مفهوم الإمام في القرآن» فإنّ مفهوم «الإمام» كمفاهيم: «النبي» و«الرسول» و «الصدّيقين» و«الشهداء» و «الصالحين» جدير بالبحث والدراسة والتفسير.

ولقد ذكر القرآن الكريم تلك المفاهيم مجتمعة ـ إلاّ مفهوم الإمامة ـ في آية من الذكر الحكيم وهي قوله تعالى:

(وَمَنْ يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمْ مِنَالنَّبِيِّينَ وَالصِّدّيقينَ وَالشُّهَداءِوَالصّالِحينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفيقاً).(2)

والحقّ أنّ كلّ واحد من تلك المفاهيم جدير بالاهتمام ويستحقّ البحث والدراسة والتحليل والتوضيح، وإذا كان القرآن الكريم قد ذكر في هذه الآية المباركة المفاهيم الخمسة، فإنّه في آيات أُخرى تعرض للإشارة ولبيان موضوع


1 . الأحزاب:33.
2 . النساء:69.


(394)

«الإمامة» و «الأئمّة» و تحدّث عن تلك المفاهيم ومن أبرز الآيات التي وردت في بحث «الإمامة» قوله تعالى:

(وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهيمَ رَبُّهُ بِكَلِمات فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمينَ) .(1)

كيفية دلالة الآية على عصمة الإمام

لقد بحثنا الآية المباركة وبصورة شاملة ومفصّلة، وسلّطنا الأضواء على جميع الجزئيات وجميع النظريات والآراء التي ذكرت للآية الشريفة في موسوعتنا «مفاهيم القرآن»، وبيّنا هناك أنّ الآية تدلّ بما لا ريب فيه على عصمة الإمام.(2)

ونشير هنا إلى دلالة الآية بصورة إجمالية:

1. إنّ الإمام هو القائد وهو الأُسوة والقدوة، ولا ريب أنّ الإنسان غير المعصوم لا يمكن أن يكون أُسوة وقدوة للآخرين.

وبعبارة أُخرى: ينبغي للأُمّة أن تجري في أقوالها وأفعالها طبقاً لأقوال وأفعال الإمام. فكيف يكون الإنسان غير المعصوم من الذنب وغير المصون من الخطأ أُسوة وقدوة للأُمّة تطبق أعمالها وأقوالها على أفعاله وأقواله؟!!

2. إنّ الإمام هو الشخص المطاع بدون قيد أو شرط، أي أنّ إطاعته واجبة مطلقاً، ولا شكّ أنّ من تجب إطاعته مطلقاً وبلا قيد ولا شرط لا يمكن إلاّ أن يكون معصوماً.

3. إنّ الآية تصرح بصورة واضحة وتامّة انّ الظالمين لا يمكن أن ينالهم


1 . البقرة:124.
2 . انظر مفاهيم القرآن:5/197ـ 259.


(395)

العهد الإلهي وهو «الإمامة» التي طلبها إبراهيم ـ عليه السَّلام ـ لذريته وقد أوضحنا في موسوعتنا «مفاهيم القرآن» انّ طلب إبراهيم قد استجيب في بعض ذرّيته ـ عليه السَّلام ـ ، وهذا البعض هو تلك الطائفة من ولده ـ عليه السَّلام ـ الذي لا توجد في صفحة حياتهم أي نقطة ضعف أو خلل، وأمّا غيرهم من ذريته وإن كانوا في حال التصدّي يتحلّون بالنقاء والطهارة ولكن مع ذلك لا ينالهم ذلك العهد الإلهي ويشملهم النفي الوارد في قوله تعالى:(لا يَنالُ عَهدي الظّالمين)(1).(2)

آية التطهير وعصمة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ

إنّ آية التطهير لا تخفى على مَن لهم معرفة بالقرآن الكريم بل حتّى أُولئك الناس الذين ليست لهم معرفة كبيرة بالقرآن الكريم يحفظون تلك الآية، وهي قوله تعالى:

(وَقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلَيَّةِ الأُولى وَأَقِمْنَالصَّلاةَ وَآتينَ الزَّكاةَ وَأَطعْنَ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) .(3)

وقد استدلّ بها علماء الشيعة ومفكّروهم ـ منذ الأيام الأُولى لتدوين الحديث والتفسير ـ على عصمة «أهل البيت» الذين نزلت الآية بحقّهم واعتبروا الآية أحد الأدلّة على عصمة هذه المجموعة.

ومن المسائل المهمة في دراسة الآية هو توضيح وبيان معنى «الرجس»، فقد


1 . البقرة:124.
2 . منشور جاويد:5/214ـ 278.
3 . الأحزاب:33.


(396)

عرّف اللغوي المعروف والمشهور ابن فارس«الرجس» بـ«القذارة» حيث قال: هو القذارة الأعم من المادية والمعنوية.(1)

ولقد ذكرت هذه اللفظة في الذكر الحكيم ثمانية مرات ووصفت بها أشياء متعدّدة هي: الخمر، والميسر، والأنصاب، والأزلام، والكافر، والميتة، والدم المسفوح، ولحم الخنزير، والأوثان، وقول الزور(2). وإلى غير ذلك من الموارد.

ويمكن القول ومن خلال ملاحظة مجموع الآيات: إنّ «الرجس» يساوي «القذارة» التي تستنفر منها النفوس، سواء كانت هذه القذارة مادية كالدم والميتة، ولحم الخنزير; أو كانت معنوية، كما هو الحال في القمار والكافر وعابد الوثن و وثنه، فهذه وإن كانت في الظاهر نظيفة ولكن بالالتفات إلى المفاسد الكامنة في القمار وعبادة الوثن وعقائد الكافر اعتبرت جميع تلك الموضوعات من «الرجس».

ولا شكّ أنّ المقصود من «الرجس» الوارد في الآية الكريمة ليس هو القذارة المادية الظاهرية، بل المقصود هو الأعمال القبيحة عرفاً أو شرعاً، أي القذارة المعنوية الموجودة في الكافر والعاصي، سواء كانت المعصية صغيرة أو كبيرة، وهذا يساوي الذنب وعدم الطاعة لا غير وإنّ تنزّه الإنسان وطهارته من هذه القذارة يلازم العصمة والصيانة من الذنب.

والشاهد على ذلك جملة: (وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) التي وردت تأكيداً لقوله: (لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ) وهذه الجملة قد وردت في القرآن الكريم بمعنى التطهير والتنزيه من الذنب والصيانة من كلّ أنواع المخالفة حيث قال تعالى:


1 . المقاييس:2/49.
2 . انظر المعجم المفهرس لآيات القرآن، مادة «رجس».


(397)

(إِنَّ اللّهَ اصْطَفيكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفيكِ عَلى نِساءِ الْعالَمينَ).(1)

ولا ريب أنّ هذا التطهير يساوي الطهارة من القذارات الروحية والمعنوية الملازم للعصمة.

وبالطبع انّ «التطهير» له مراتب ودرجات كثيرة وليست جميع مراتبه ملازمة للعصمة، كما قال سبحانه وتعالى بخصوص مسجد قبا والمصلّين فيه:

(...فيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَ اللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرينَ) .(2)

وبما أنّ الآية قد نَفَتْ القذارة بنحو مطلق حيث جاءت لفظة (الرجس) مقترنة بالألف واللام، وهذا يعني: أنّ المنفي في الآية هو عموم الرجس، وذلك لأنّ المنفي جنس الرجس لا نوعه ولا صنفه، ومن المعلوم أنّ نفي الجنس يلازم نفي الطبيعة مطلقاً أي بعامة مراتبها، ولأجل ذلك لم يكتف سبحانه بقوله:(ليذهب عنكم الرِّجس) بل أكّده بقوله: (ويطهّركم تطهيراً)، وهذا يلازم العصمة بلا ريب وبلا شكّ، إذ لو كان المراد نفي مرتبة من مراتب الرجس كالمعاصي الكبيرة لما كان لنفي «الرجس» بنحو نفي الجنس معنى، وكذلك لا معنى حينئذ لتأكيد ذلك بجملة (يُطَهِّرَكُمْ) .

والحاصل: انّه يمكن الاستدلال بدليلين أنّ المنفي في الآية مطلق القذارة المعنوية الأعم من الصغيرة والكبيرة عن أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ ، وذلك:

1. انّه قد نفيت عنهم طبيعة «الرجس» و «القذارة»، ومن المعلوم أنّ نفي الجنس يلازم نفي جميع المراتب والأفراد.

2. انّ نفي الرجس والقذارة قد أُكد بجملة :(لِيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) ومن


1 . آل عمران:42.
2 . التوبة:108.


(398)

المعلوم أيضاً أنّه إذا كان المقصود هو نفي بعض مراتب القذارة لا جميعها، فحينئذ لا يكون للتأكيد معنى مناسب جداً.

وقد اتّضح من هذا البيان أنّه لا أساس لنظرية بعض المفسّرين الذين ذهبوا إلى أنّ المراد من (الرِّجس) المنفي في الآية هو الشرك أو الذنوب الكبيرة، لأنّ هذا التفسير ينافي ظاهر الآية، وذلك لأنّ «الرجس» ليس معناه الشرك أو الذنوب الكبيرة، بل (للرجس) معنى أوسع وأشمل، وقد نُفي عن أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ بنحو مطلق، ونفي الشيء بنحو مطلق وبلا قيد وبلا شرط يلازم نفي جميع مراتب ذلك الشيء لا نفي مرتبة منه، كما في قولنا: «لا رجل في الدار» أو «لا خير في الحياة».(1)


1 . منشور جاويد:5/281ـ 284.


(399)

64
أهل البيت في آية التطهير

سؤال: بعد أن بيّنتم المراد من الرجس في الآية وبيّنتم أيضاً أنّ الآية تدلّ على عصمة أهل البيت ـ عليهم السَّلام ـ ولكن يبقى هنا سؤال وهو: من المعلوم «أنّ القضية لا تثبت موضوعها» ولذلك ينجر البحث إلى السؤال عن مصداق أهل البيت في الآية ومن هم هؤلاء الذين عنتهم الآية؟

الجواب: لقد وردت لفظة أهل البيت في القرآن الكريم مرتين إحداهما في هذه الآية، والأُخرى في قوله تعالى: (قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَةُ اللّهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْت).(1)

وقد جاء هذا اللفظ مركباً من كلمتين يمكن من خلالهما تحديد المفهوم المراد من «الأهل» ومن الموارد التي استعملت فيها كلمة «الأهل» في اللغة العربية وهي:

1. أهل الأمر.

2. أهل الإنجيل.(2)


1 . هود:73.
2 . المائدة:47.


(400)

3. أهل الكتاب.(1)

4. أهل الإسلام.

5. أهل الرجل.

6. أهل البيت.

7. أهل الماء.

وقد اتّفقت كلمة أهل اللغة على أنّ «الأهل» و «الآل» كلمتان بمعنى واحد، وأنّ أصل «الآل» هو الأهل.

يقول ابن منظور: أصلها أهل ثمّ أُبدلت الهاء همزة فصارت في التقدير «أأل»، فلمّا توالت الهمزتان أبدلوا الثانية ألفاً.(2)

وحينما هجم إبرهة الحبشي على مكة المكرمة أخذ عبد المطلب بحلقة باب الكعبة وأنشد قائلاً: «انصر على آل الصليب... وعابديه اليوم آلك».(3)

وبالالتفات إلى موارد استعمال هذه الكلمة يمكن تحديد مفهوم هذه اللفظة كالتالي:

إنّه يقصد منه المضاف الذي له علاقة خاصة بالمضاف إليه، أي في من كان له علاقة قوية بمن أُضيف إليه، ولذلك قال ابن منظور في «لسان العرب»: «أهل الرجل أخصّ الناس به».

وبعبارة أُخرى: كلّما أُطلقت لفظة : (أهل الرجل) فإنّه يراد منها هم أخصّ الناس به و المرتبطون والمتعلّقون به.


1 . آل عمران:46.
2 . لسان العرب:11/28ـ 30.
3 . تاج العروس: مادة «أهل».


(401)

وعلى هذا الأساس لا شكّ