\
welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 12*
تألیف :العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني*

منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 12

صفحه 1
تفسير سورة التوبة   
    منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / الجزء 12
 
                        (12)

صفحه 2

صفحه 3
12
 
 
الجزء الثاني عشر ويشتمل على تفسير السورتين التاليتين:
الأنفال، التوبة (من الآية 1 إلى 60)
تفسير علمي، أدبي، يحتوي على أبحاث كلامية وعقائدية وتاريخية وروائية
تأليف
الفقيه المحقّق
جعفـر السبحـاني
نشر
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
سبحانى تبريزى، جعفر ، 1308 ـ
      منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / تأليف جعفر السبحاني . ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1398 .
      30ج.    ISBN: 978 - 964 - 357 - 635 - 6 (VOL.12)
ISBN: 978 - 964 - 357 - 510 - 6( 30VOL.SET)
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا .
كتابنامه به صورت زيرنويس.
      1 . تفاسير شيعة ـ ـ قرن 14. الف. مؤسسة امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.
8م 2س/ 98 BP    179 / 297
1398
اسم الكتاب:    منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / ج 12
المؤلف:    الفقيه المحقّق جعفر السبحاني التبريزي
الطبعة:    الأُولى
تاريخ الطبع:    1398 هـ ش / 1440 هـ . ق / 2019 م
المطبعة:    مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:    مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
القطع:    وزيري
عدد النسخ :    1000 نسخة
التنضيد والإخراج الفني:    مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
تسلسل النشر: 1045   تسلسل الطبعة الأُولى: 493
حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة، فلا يجوز شرعاً استنساخ أو نشر إصدارات
المؤسسة إلاّ بعد التنسيق مع المؤسسة واستحصال الموافقة الرسمية
مركز التوزيع
قم المقدسة: ساحة الشهداء: مكتبة التوحيد
?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
http://www.Tohid.ir

صفحه 5
(الرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآن مُبِين)
الحجر: 1.

صفحه 6

صفحه 7

سورة الأنفال

(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ للهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ * كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ * وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ * إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي

صفحه 8
مُمِدُّكُمْ بِأَلْف مِنَ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلاَّ بُشْرى
وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ * إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلاَئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبوُا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَان * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَال أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَة فَقَدْ بَاءَ بِغَضَب مِنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاَءً حَسَنًا إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ * إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ * وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ

صفحه 9
يَسْمَعُونَ* إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ *
وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لاََسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ * وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * وَإِذْ قَالُوا اللهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَاب أَلِيم * وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَمَا لَهُمْ أَلاَّ

صفحه 10
يُعَذِّبَهُمُ اللهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ
أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ * لَِيمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْض فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ * وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَوْلاَكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ * إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَة وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَة وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي

صفحه 11
مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَكِنَّ اللهَ
سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَاللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ * وَ إِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ * إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاَءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلاَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّم لِلْعَبِيدِ * كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْم حَتَّى

صفحه 12
يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ
مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ * إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّة وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ * فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْم خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْخَائِنِينَ * وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ * وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّة وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْء فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ * وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ

صفحه 13
قَوْمٌ لاَ يَفْقَهُونَ * اَلاْنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ
مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ * مَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الاْخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلاَ كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ يُريِدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض وَالَّذِينَ آمَنُوا
وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلاَيَتِهِمْ مِنْ شَيْء حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْم بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ
هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ * وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ

صفحه 14
 
وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض فِي كِتَابِ اللهِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ).

صفحه 15
 
خصائص السورة   

خصائص السورة

تسمية السورة

سُمِّيت هذه السورة بسورة «الأنفال» لأنّها افتُتحت بآية ورد فيها لفظ الأنفال. وروي عن ابن عباس أنّه كان يُسمّي السورة بسورة بدر(1)، لأنّها تتضمّن، على وجه التفصيل، وقائع غزوة بدر، التي كانت في العام الثاني من الهجرة.
وثمّة قرينة، في السُّورة نفسها، على أنّ بعض الآيات نزلت بعد النَّصر المؤزّر في غزوة بدر، كقوله سبحانه:(اَلاْنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ). (2)
عدد آياتها ومحلّ نزولها
عدد آيات السورة خمس وسبعون في عدّ الكوفي، وستّ وسبعون في عدّ المدني والمكّي، وسبع وسبعون في عدّ الشامي. وقد ذكر الطّبرسيّ

1 . تفسير القرطبي:7/360.
2 . الأنفال:66.

صفحه 16
مواضع الاختلاف.(1)
وحكي عن ابن عباس: أنّها مدنيّة إلاّ سبع آيات: أوّلها: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ)(2) إلى آخر سبع آيات بعدها.
وعلى كلّ تقدير، فسياق الآيات يثبت أنّ أكثرها نزل بعد غزوة بدر.
جدير بالتنبيه أنّ في ورود هذه السورة، وهي من المثاني، بين السُّور الطُّوال كلاماً بين المحقّقين في العلوم القرآنية، نقله السيوطي الذي قسّم السُّور حسب كثرة آياتها وقلّتها إلى الطوائف التالية:
الطُّوال، المئون، المثاني، المفصّل
أمّا الأُولى: فعددها سبع، وهي: البقرة، وآل عمران، والنِّساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، ويونس.
وأمّا الثانية: ما وليها سُمّيت بذلك (المئون) لأنّ كلّ سورة منها تزيد على مئة آية أو تقاربها.
وأمّا الثالثة: أي المثاني وهو ما ولي المئين، لأنّها ثنّتها، أي كانت بعدها فهي لها ثوان والمئون لها أوائل. وقال الفرّاء: هي السُّور التي آيها أقل من مئة.
وأمّا الرابعة: أي المفصّل وهو ما ولي المثاني من قصار السُّور، سُمّيت بذلك لكثرة الفصول التي بين السُّور بالبسملة. واختلفوا في أوّله

1 . لاحظ: مجمع البيان:4/459.
2 . الأنفال:30.

صفحه 17
على اثني عشر قولاً.(1)
وعلى هذا فسورة الأنفال من المثاني، ومع ذلك وقعت بين السُّور الطُّوال .

ما هو السبب لوقوعها بين السُّور الطُّوال؟

حكى السيوطي قال: أخرج أحمد وأبوداود والترمذي والنَّسائي وابن حِبّان والحاكم عن ابن عباس قال: قلت لعثمان: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى براءة وهي من المئين فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر «بسم الله الرّحمن الرّحيم» ووضعتموها في السَّبع الطُّوال؟ فقال عثمان: كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) تنزل عليه السُّور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض مَن كان يكتب، فيقول: ضعوا هؤلاء الآيات في السُّورة التي يذكر فيها كذا وكذا. وكانت الأنفال من أوائل ما نزل في المدينة، وكانت براءة من آخر القرآن نزولاً، وكانت قصّتها شبيهة بقصّتها، فظننت أنّها منها، فقبض رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يبيّن لنا أنّها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما، ولم أكتب بينهما سطر «بسم الله الرّحمن الرّحيم» ووضعتها في السَّبع الطُّوال.(2)
يلاحظ عليه: أنّ هذا الخبر مهما تعدّدت أسانيده، لا ينسجم مع
ما تضافر حول ما قام به عثمان، حيث لم يقم إلاّ بتوحيد المصاحف
من حيث القراءات دون جمع القرآن وترتيبه، فإنّ القرآن قد جُمع في

1 . انظر: الإتقان في علوم القرآن:1/199ـ200.
2 . الإتقان في علوم القرآن:1/190.

صفحه 18
عصر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وقد كان لقسم من الصحابة مصحف مرتَّب السُّور، كمصحف أُبَيّ بن كعب، وعبد الله بن مسعود، والتفصيل في
محلّه.(1)

أغراض السورة

تدور آيات السُّورة على محورين:
1. ما يتعلّق بأخبار غزوة بدر.
2. ما يتعلّق بالغنائم والأنفال والجهاد والهجرة.
وأمّا ذكر إجمال ما تضمّنته الآيات واحداً بعد آخر فلا يُعدّ بياناً للغرض، بل هو فهرس لما في السورة من الأخبار والأحكام.
وهذا النوع من الخلط يُرى في غير واحد من التفاسير، فيعدّون مضامين الآيات واحداً بعد الآخر أغراضاً للسُّورة.
سورة الأنفال: الآية 1   
ومن غرر آيات هذه السُّورة، قوله سبحانه:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)(2).
وقوله سبحانه:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ).(3)
وقوله سبحانه: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ

1 . لاحظ: منية الطالبين في تفسير القرآن المبين:1/98ـ115، مقدمة في علوم القرآن.
2 . الأنفال:24.
3 . الأنفال:29.

صفحه 19
وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاَءً حَسَنًا إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ).(1)

الآية: الأُولى

(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ للهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ).

المفردات

الأنفال: جمع نَفْل، وهو الزيادة على الشيء، يقال: نفلتُك كذا إذا زدتَه. وبعبارة أُخرى: النَّفْل: الزيادة على الواجب، وسُمّيت النوافل نافلة لأنّها زيادة على الواجب. والله سبحانه يصف الحفيد بأنّه نافلة، قال تعالى: (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً).(2) فقد عُدّ النبيُّ يعقوب نافلةً لإبراهيم.
وربما تفسّر النافلة بالعطيّة، يقال: نفلتك أي أعطيتك، والنافلة عطيّة التطوّع من حيث لا يجب. وقال الوزير المغربيّ: النَّفَل: الغنيمة، يقال نفّلته: غنمته.(3)
ذات: في الأصل مؤنث (ذا) بمعنى الصاحب، وهو من الأسماء الستّة، ولا يستعمل إلاّ مضافاً. يقال: ذو مال، أي صاحب مال، ولكن حصل التطوّر في استعمال اللَّفظ، فأصبح يُطلق على نفس الشيء وما به الشيء هوهو، يقال: ذات الإنسان، وذات زيد: أي واقعه الذي سُمّي بزيد. وعلى

1 . الأنفال:17.
2 . الأنبياء:72.
3 . المصابيح في تفسير القرآن:481.

صفحه 20
هذا فمعنى قوله: (أَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ): أي حقيقة بينكم، أو حال بينكم السيئة.
وقال الزمخشريّ: فإن قلت: ما حقيقة قوله:(ذَاتَ بَيْنِكُمْ)؟
قلت: أحوال بينكم، يعني ما بينكم من الأحوال، حتى تكون أحوال أُلفة ومحبّة واتّفاق، كقوله: (وَاللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) وهي مضمراتها، ولمّا كانت الأحوال ملابسة للبين قيل لها ذات البين، كقولهم: اسقني ذا إنائك، يريدون ما في الإناء من الشّراب.(1)
التفسير
1. (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ للهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا
اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)
:

الإجابة عن سؤال يتعلّق بالأنفال

الآية تدلّ على وجود سؤال عن الأنفال، وأمّا أنّ السؤال عن أي حكم من أحكام الأنفال، فلم يرد في الآية منه شيء، وإنّما يُعلم من الجواب، ككثير من الآيات، يقول سبحانه:(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ) فهو مجمل يبيِّنه قوله: (قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ)(2)، وقوله سبحانه: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى) فهو مجمل يبيِّنه الجواب، وهو قوله:

1 . تفسير الكشّاف:2/113.
2 . البقرة:222.

صفحه 21
(قُلْ إِصْلاَحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ)(1)، وفي المقام قوله سبحانه:(قُلِ الأَنْفَالُ للهِ وَالرَّسُولِ) يدلّ على وجود التنازع والتنافس، بين جمع من الصحابة، في كيفية توزيع الأنفال، كلٌّ يريدها لنفسه، فجاءت الآية قاطعة لاختلافهم، وتبيّن أنّ أمر الأنفال بيد الله وبيد رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنّها أموال الدَّولة، يتصرّف فيها الحاكم الأعلى.
روى البيهقي بإسناده عن أبي أُمامة قال: سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال، قال: فينا أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النَّفل، فساءت فيه أخلاقنا، فانتزعه الله من أيدينا وجعله إلى رسول الله، وقسّمه رسول الله بين المسلمين عن براءة، يقول: عن سواء.
وفي حديث آخر له، قال: خرجنا مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فشهدت معه بدراً، فالتقى الناس فهزم الله العدوّ، فانطلقت طائفة في آثارهم منهزمون يقتلون، وأكبّت طائفة على العسكر يحوزونه ويجمعونه، وأحدقت طائفة برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لا يصيب العدوّ منه غِرّة، حتى إذا كان اللَّيل وفاء الناس بعضهم إلى بعض، قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها وجمعناها فليس لأحد فيها نصيب. وقال الذين خرجوا في طلب العدوّ: لستم بأحقّ بها منا، نحن نفينا عنها العدوّ وهزمناهم. وقال الذين أحدقوا برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): لستم بأحقّ بها منّا نحن أحدقنا برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وخفنا أن يصيب العدوّ منه غرّة واشتغلنا به، فنزلت:(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ...)فقسّمها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بين المسلمين.(2)

1 . البقرة:220.
2 . تفسير الدرالمنثور:4/5.

صفحه 22
فترى أنّ هذه الرواية وغيرها تدلّ على وجود المشاجرة والاختلاف بين الأصحاب، والله سبحانه فصَل في خصومتهم، فسلب الملك منهم وأثبته لنفسه ولرسوله، فإذا كان المالك هو الرسول بتمليك من الله سبحانه، فليس معنى هذا أنّ تملّكه(صلى الله عليه وآله وسلم) لنفسه شخصياً، بل بما أنّه حاكم المسلمين وسائسهم، فلابدّ من أن يقسّمه بين القوم حسب ما يوحى إليه، فجاءت الآية:(وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ)(1) بياناً لكيفية التقسيم. فهذه الآية بيان لما أُجمل في قوله سبحانه:(قُلِ الأَنْفَالُ للهِ وَالرَّسُولِ).

لا تنافي بين الآيتين فلا نسخ

وبما ذكرنا يظهر أنّ الآية الثانية ليست ناسخة للآية الأُولى، وذلك لأنّه سبحانه لمّا قطع النزاع بقوله: (قُلِ الأَنْفَالُ للهِ وَالرَّسُولِ) عاد في آية الخمس إلى بيان مصارف الخمس، وهي أنّ خمس الغنائم يتعلّق بأصناف ستة، والأخماس الباقية بين المقاتلين، فلا منافاة بين الآيتين حتى يصحّ القول بأنّ الثانية ناسخة للأُولى.
ثمّ إنّ في السورة ذاتها آيتين تكشفان عن وجود التنازع والتخاصم بين القوم، في أمر الأنفال، وهما:
1. قوله تعالى: (مَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الاْخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)(2). وسيأتي

1 . الأنفال:41.
2 . الأنفال:67.

صفحه 23
تفسيره.
2. قوله تعالى: (لَوْلاَ كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)(1). والآية تكشف عن أنّ موقف الصحابة في غزوة بدر في مورد الأنفال، كان مقتضياً لنزول العذاب.
لا شكّ في أنّ لمن حضر غزوة بدر مكانة خاصّة بين المسلمين عامّة قديماً وحديثاً، غير أنّه لا يمكن أن نزن الجميع بكيل واحد، فما سبق من الروايات من تشاجرهم في الغنائم يدلّ على أنّ الحافز لفريق منهم هو الحصول على الغنائم، ولذلك لمّا ورد الوحي بكونها لله وللرسول شقّ على كثير منهم وثَقُل. نعم كان بين هؤلاء مَن باعوا أنفسهم لله سبحانه، ووقفوا موقفاً مشرّفاً عبّروا فيه عن عزمهم على التضحية والفداء كسعد بن معاذ، والمقداد الكندي، كما ستوافيك نصوصهم عند الاستنفار إلى قتال ذات الشوكة من المشركين.
ومن شاء أن يقف على مدى اختلاف القوم في أمر الغنائم ومشاجرتهم مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، فليرجع إلى تفسير الرازي.(2)
ثمّ إنّه سبحانه بعدما رفع النزاع ببيان من هو المالك للأنفال، أمر الحاضرين في غزوة بدر بأُمور ثلاثة:

أمر المؤمنين بأُمور ثلاثة

الأوّل: قال: (فَاتَّقُوا اللهَ): أي اتّقوا معصية الله وخافوا عقابه، واتركوا

1 . الأنفال:68.
2 . لاحظ: تفسير الرازي:15/125.

صفحه 24
المنازعة وارضُوا بما حكم به الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم).
الثاني: (وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ): أي أصلحوا الحالة التي بينكم، واجتنبوا الشِّقاق والجدال اللَّذين يُلقيان بالعداوة والبغضاء بينكم وكونوا إخواناً متحابِّين.
وممّا يجدر ذكره هنا أنّ الإسلام يحثّ على إصلاح ذات البين، وقد وردت في هذا الشأن جملة من الأحاديث والروايات، منها:
1. روي عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «ألا أُنبِّئكم بصدقة يسيرة يحبها الله؟ فقالوا: ما هي؟ قال: إصلاح ذات البين إذا تقاطعوا».(1)
2. وعنه(صلى الله عليه وآله وسلم)، قال:«ليس بالكاذب من أصلح بين النّاس، فقال خيراً أو نَمى خيراً».(2)
3. قال الإمام علي(عليه السلام) في وصيته للحسن والحسين لمّا ضربه ابن ملجم(لعنه الله): «أُوصِيكُمَا، وَجَمِيعَ وَلَدِي وَأَهْلِي وَمَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي، بِتَقْوَى اللهِ، وَنَظْمِ أَمْرِكُمْ، وَصَلاَحِ ذَاتِ بَيْنِكُمْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ جَدَّكُمَا (صلى الله عليه وآله وسلم)يَقُولُ: «صَلاَحُ ذَاتِ الْبَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ الصَّلاَةِ وَالصِّيَامِ».(3)
وقد عقد الكليني في «الكافي» باباً تحت عنوان (الإصلاح بين الناس)(4)، أورد فيه عدة روايات نذكر منها ما يلي:

1 . مستدرك الوسائل:7/263، الباب49 من أبواب الصدقة، برقم9.
2 . سنن أبي داود:920ـ 921، كتاب الأدب، برقم 4920.
3 . نهج البلاغة، قسم الرسائل، برقم 47.
4 . الكافي:2/209ـ210، كتاب الكفر والإيمان.

صفحه 25
4. عن مفضّل قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام):«إذا رأيت بين اثنين من شيعتنا منازعة، فافتدها من مالي».
توضيح الرواية: كما أنّ الدِّيَة تدفع الدَّم، أو كما أنّ الأسير يفتدي بالفداء، كذلك كلّ منهما يفتدى من الآخر بالمال.(1)
5. عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال: «لأن أصلح بين اثنين، أحبُّ إليّ من أن أتصدّق بدينارين».
6. عن أبي حنيفة سابق الحاج، قال: مرّ بنا المفضّل وأنا وخَتَني نتشاجر في ميراث، فوقف علينا ساعة ثمّ قال لنا: تعالوا إلى المنزل فأتيناه، فأصلح بيننا بأربعمائة درهم، فدفعها إلينا من عنده، حتّى إذا استوثق كلّ واحد منّا من صاحبه، قال: أما إنّها ليست من مالي ولكن أبو عبد الله(عليه السلام)أمرني إذا تنازع رجلان من أصحابنا في شيء أن أُصلح بينهما وأفتديها من ماله، فهذا من مال أبي عبد الله(عليه السلام).(2)
الثالث: (وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ) في حُكم تقسيم الأنفال، وفي غير ذلك. ومعنى الطاعة الامتثال لكلّ أمر ولكلّ نهي.
قوله تعالى:(إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) شرط للأوامر الثلاثة، بمعنى أنّه لا يقوم

1 . انظر: مرآة العقول:9/145.
2 . وإذ نحن يجري قلمنا بهذه الكلمات النورانية والأوامر الإلهية، نشاهد الحرب السجال بين دولتين إسلاميتين (السعودية، واليمن) فالأُولى تصبّ القارعات على رؤوس الناس العُزّل، وعلى المساجد والمدارس والمشاريع الحيوية، ولم تتحرك لحدّ الآن ولا دولة واحدة من الدول الإسلامية لتقوم بإصلاح ذات البين، وتوقف الحرب، وقتل النفوس، وهدم البيوت(إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ)(يوسف:86).

صفحه 26
بهذه الأُمور إلاّ المؤمن بالله والمسلّم له. والشَّرط أشبه بالشَّرط المحقِّق للموضوع، نظير قولك: إن رُزقت ولداً فاختنه.

ما هو المراد من الأنفال؟

وردت في القرآن الكريم ألفاظ ثلاثة متقاربة المعنى والمفهوم:
1. الأنفال: ورد هذا اللَّفظ مرّتين في الآية الأُولى من هذه السُّورة.
2. الفيء: ورد بصورة صيغة الماضي «أفاءَ» مرّتين.(1)
3. الغنيمة: ورد بصورة صيغة الماضي«غَنِمْتُمْ» مرّتين(2)، وبصيغة الجمع «مَغانِم»(3) أربع مرّات.(4)
لا شكّ أنّ الغنائم الحربية داخلة في آيتنا هذه، إنّما الكلام في دخول غيرها، فإنّ للأنفال في الروايات معنى وسيعاً، نذكر شيئاً منه.
1. حمّاد بن عيسى، عن بعض أصحابنا، عن العبد الصالح(عليه السلام)(5)، قال: «والأنفال كلّ أرض خربة قد باد أهلها، وكلّ أرض لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب ولكن صالحوا صلحاً وأعطوا بأيديهم على غير قتال. وله(6)رؤوس الجبال، وبطون الأودية والآجام، وكلّ أرض ميتة لا ربّ لها، وله

1 . لاحظ: الحشر:6 و7.
2 . لاحظ: الأنفال:41 و 69.
3 . جمع مَغنم، وهو مصدر ميميّ، أي ما يُغنم.
4 . لاحظ: سورة النساء:94، الفتح:15 و 19، و20.
5 . هو الإمام أبي الحسن موسى الكاظم(عليه السلام).
6 . يعني للإمام.

صفحه 27
صوافي الملوك: ما كان في أيديهم من غير وجه الغصب، لأنّ الغصب مردود، وهو وارث من لا وارث له، يعول من لا حيلة له».(1)
2. روى حفص بن البختري، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«الأنفال ما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، أو قوم صالحوا، أو قوم أعطوا بأيديهم، وكلّ أرض خربة، وبطون الأودية، فهو لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو للإمام من بعده يضعه حيث يشاء».(2)
إنّما الكلام في آيتنا هذه، فهل أُريد بالأنفال خصوص الغنائم أو ما يشمل الأنفال بالمعنى الأعمّ حتى الفيء؟
والجواب: أنّ مقتضى سياق الآية والظروف التي عاشها النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)يومذاك، هو القول الأوّل، أي الغنائم، لأنّ ذكر غير الغنائم ـ حسب ما جاء في الرواية ـ إنّما يصحّ عرفاً فيما لو كان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) مسلَّطاً على بطون الأودية أو رؤوس الجبال أو فتح أرضاً بلا خيل ولا ركاب، فإنّ البحث في هذه الجهات من شأن من له سلطة على بلدان شاسعة ومناطق عديدة، والمفروض أنّ الآية نزلت في السنة الثانية للهجرة، ولم يستقرّ المسلمون بعدُ استقراراً تامّاً، مثلما حصل بعد غزوة الأحزاب.
فالإصرار على إرادة العموم غير تامّ.
ثمّ إنّ كون أمر الأنفال بيد الله ورسوله يدلّ على أنّها من الأموال العامة للدّولة، وأنّها تُصرف في مصالح المسلمين، فإذا كان الإمام المعصوم

1 . وسائل الشيعة:6، الباب1 من أبواب الأنفال، الحديث4.
2 . وسائل الشيعة:6، الباب1 من أبواب الأنفال، الحديث1، ولاحظ بقية روايات الباب.

صفحه 28
متمكّناً من التصرّف فيها، فهو، وإلاّ فالمسؤول عنها هو من له الحكم في غيبة الإمام(عليه السلام)، أعني: الفقيه الجامع للشرائط.
سورة الأنفال: الآيات 2ـ4   

الآيات: الثانية إلى الرابعة

(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا
تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ
هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ)
.

المفردات

وجلت: الوَجَل: استشعار الخوف(1). والظاهر أنّه الخوف مع استشعار العظمة، وربما يقال مع الفَزَع.
يتوكّلون: التوكل: الثِّقة بالله في كلّ ما يحتاج إليه.
حقّاً:مفعول لفعل محذوف، أي أحقّ ذلك حقّاً.
التفسير
2و3. (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا

1 . المفردات للراغب:513، مادة «وجل».

صفحه 29
تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ):
لمّا أمر سبحانه في الآية السابقة بالتقوى وإصلاح ذات البين وإطاعة الله ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ذكر هنا ما هو بمنزلة التعليل لما سبق من الأوامر الثلاثة، وأنّ الكلّ من خصائص الإيمان الكامل بالله سبحانه.
ثمّ إنّ ظاهر قوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ) هو حصر المؤمنين بمن وُجدت فيهم الصفات الخمس التالية. ومن المعلوم أنّ الحصر حصر إضافيّ لا حقيقيّ، بشهادة أنّه سبحانه جاء بنفس هذا الحصر بملاكات أُخرى، كقوله تعالى:(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ)(1)، وقوله تعالى:(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْر جَامِع لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ).(2)
نعم، المؤمن الكامل من عامّة الجهات، هو من يتحلّى بجميع الصفات التي ذكرتها الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة.
وأمّا هذه الصفات الخمس، فإليك بيانها وفق مجيئها في الآيتين:
الأُولى: (إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ).
قد مرّ أنّ الوَجَل هو الخوف مع استشعار العظمة، أو الخوف مع

1 . الحجرات:15.
2 . النور:62.

صفحه 30
الفزع، فإذا ذُكر الله تعالى، وَجِلت قلوبهم، أي استولى عليها الخوف المقترن بالخشوع والخضوع، استشعاراً لعظمته، وتهيّباً من جلاله وعزة سلطانه. وكلّما ازدادت المعرفة بعظمته وجلاله، ازداد وَجَل القلب، وهذا أمر طبيعي يجده الإنسان في نفسه بالنسبة لأصحاب السلطة والقدرة.

الوَجَل والاطمئنان من آثار الإيمان ولا تنافي بينهما

وهنا سؤال يفرض نفسه، وهو أنّه سبحانه يعدّ الوَجَل من آثار ذكر الله تعالى، مع أنّه سبحانه في آية أُخرى يعدّ الاطمئنان من آثار ذكره تعالى ويقول: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)(1) فكيف يمكن الجمع بينهما؟ وقد أُجيب عن ذلك بالقول: إذا ذكرت عندهم عقوبته وعدله ووعيده على المعاصي بالعقاب واقتداره عليه (وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ)تعظيماً له، وأمّا إذا ذكرت نعمة الله على عباده وإحسانه إليهم وفضله ورحمته لهم وثوابه على الطاعات، اطمأنّت قلوبُهم، وسكنت نفوسهم إلى عفو الله تعالى، كما قال سبحانه: (أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)فلا تنافي بين الآيتين، إذ وردتا في حالتين.(2)
وأُجيب عنه بوجه آخر، وهو: أنّ المؤمن ينبغي أن يكون من صفته أنّه إذا نظر في نعم الله عليه ومننه لديه، وعظيم مغفرته ورحمته، اطمأنّ قلبُه، وحَسُن بالله ظنُّه، وإذا ذَكر عظيم معاصيه بترك أوامره، وارتكاب نواهيه، وَجِل قلبُه، واضطربت نفسُه.(3)

1 . الرعد:28.
2 . مجمع البيان:4/464.
3 . مجمع البيان:4/464. وقريب منه في تفسير الرازي:15/118.

صفحه 31
توضيحه: إنّما تتحقّق المنافاة إذا حصلت الحالتان في زمن واحد، وأمّا إذا كانت إحدى الحالتين مقدّمة للأُخرى أو سببَ انتقال إليها، فلا منافاة، فالإنسان إذا لاحظ ما صدر عنه من الأعمال السيّئة وجعل نفسه أمام عظمة الله، وَجِلَ قلبه، وتأخذه رعشة في ظاهره، وخوف في باطنه.
ثمّ إذا توجّهت نفسه إلى ما لله تعالى من رحمة ومغفرة وكونه لطيفاً بعباده، يستولي عليه الاطمئنان. وهذا النوع من الجمع يستفاد من قوله سبحانه:(اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ)(1)ترى أنّ الآية تجعل الخشية أساساً لتوارد أمرين: اقشعرار الجلود، وارتعاش القلوب، ثمّ يعقبها لين الجلود والقلوب، وما هذا إلاّ لأنّ الأُولى ناظرة إلى الخشية التي هي نتيجة ملاحظة ما صدر عنهم من السيئات، واستشعار المؤمنين عظمته تعالى وعزة جلاله وسلطانه، ثمّ إذا ذكروا رحمته ومغفرته تطمئنّ قلوبهم ويزول ما كان يعتريهم من ارتعاش القلوب وانقباض الجلود. وبذلك يظهر الانسجام والاتّفاق بين الآيتين.
الثانية: (وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا).
أي إذا تُليت عليهم آيات الله واستمعوا لها عن تدبّر، ازدادوا بها يقيناً وطمأنينة، لأنّ حضور القلب عند قراءة القرآن، والإمعان فيما ينطوي عليه من حجج وبراهين وحقائق وأسرار، وإعادة النظر فيها عن تدبّر، يورث يقيناً أقوى من السابق.

1 . الزمر:23.

صفحه 32
وعلى هذا، فالتلاوة الحقّة، هي ما اقترنت بإصغاء القارئ له، والإقبال عليه بروحه وقلبه، وإلاّ لا تزيده شيئاً.
وبهذا يظهر أنّ المراد من الزيادة هي الزيادة في الكيف، أي يشتدّ يقينهم، نظير اشتداد يقينهم بالأُمور البديهية. والآية دليل على مسألة كلامية، وهي زيادة الإيمان ونقصه، فلا شكّ أنّ إيمان مطلق المؤمن ليس كإيمان النبيّ والوصيّ، أو كإيمان الراسخين في العلم والسالكين سبيل الله، فالجميع في سلك المؤمنين، ولكن أين إيمان هذا من إيمانهم؟
ثمّ إنّه سبحانه يصف المؤمنين بأنّهم إذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً، وهذا ممّا لا شكّ فيه، وأمّا المشركون فعلى الطرف النقيض، فإذا تليت عليهم آياته لم تزدهم إلاّ ابتعاداً عن الحقّ، قال سبحانه:(وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُورًا)(1).
وهنا يطرح هذا السؤال: كيف يكون أمر واحد ينير، من جانب، قلوب المؤمنين، ويزيد، من جانب آخر جحد الكافرين؟
والجواب واضح، وهو أنّ اختلاف المحلّ واختلاف الاستعداد يورث الاختلاف في الأثر، فكم من رزق كريم يغذّي إنساناً سالماً، وفي الوقت نفسه يورث مرضاً في غيره.
الثالثة: (وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ).
هذه صفة ثالثة للمؤمنين جاءت بصيغة المضارع للدلالة على

1 . الإسراء:41. ولاحظ الآية 46 فيها، والآية 60 من سورة الفرقان.

صفحه 33
استمرار تحلّيهم بها طول حياتهم وهي الاعتماد على الله تعالى في كافة الأحوال ليسهّل لهم العسير ويصونهم عن الزَّلل في العقيدة والعمل.

ما هو المراد من التوكّل في الآية؟

فسّر السيّد الطباطبائي التوكّل بقوله: فالواجب الحقّ على الإنسان أن يتوكّل عليه ويتّبع ما يريده منه بأخذه وكيلاً في جميع ما يهمّه في حياته، فيرضى بما يقدّر له في مسير الحياة، ويجري على ما يحكم عليه من الأحكام، ويشرّعه من الشرائع، فيأتمر بأوامره وينتهي عن نواهيه.(1)
وما ذكره في تفسير التوكّل هو الأنسب لما ورد من وجود المشاجرة بين الأصحاب في الغنائم الحربية، فكلٌّ اختار رأياً، فالمؤمن هو الذي يتّبع ما شرّعه سبحانه لا ما اختاره لنفسه، فمقتضى إيكال الأمر إلى الله تفويض أمر الغنائم إلى الله واتّباع أمره وتشريعه لأنّه أعرف بمصالح الإنسان ومضارّه. وبما ذكرنا يُعلم أنّ سبب التركيز على هذه الصفات للمؤمنين من بين سائر الصفات، هو لوجود خصوصيّة في المقام.
ولكنّ التوكُّل في غير هذا المورد، هو بمعنى الاستمداد من الله سبحانه في جميع مزالق الحياة ومعضلاتها ومشاكلها مع صرف القوى التي أُوتيها في تحصيل المراد.
الرابعة والخامسة: (اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ).

1 . الميزان في تفسير القرآن:9/11ـ 12.

صفحه 34
كانت الصفات الثلاث المتقدّمة تتعلّق بالنّفس الإنسانية فهي التي تَوجَل عند ذكر الله تعالى، ويزداد إيمانها عند تلاوة الآيات، وتكون متوكّلة على الله سبحانه، وأمّا الصفتان الأخيرتان الواردتان في الآية فهما من عمل الجوارح، أعني: الجانب العمليّ والسُّلوكيّ، وهما إقامة الصلاة حيث إنّه إذا كمل إيمان العبد في ظلّ الأوصاف الثلاثة، ظهرت آثاره في حياته وأعماله، فيصلّي لربّه ويعبده، بل يقيم الصلاة في المجتمع بدعوة الآخرين إليها. وإذا كانت الصلاة تعبيراً عن وجود الصلة بين الخالق والمخلوق، فالإنفاق، الذي هو الصفة الخامسة، يعدّ تعبيراً عن وجود الصلة بينه وبين المجتمع، فالمؤمن الكامل مَن يكون في خدمة ربّه سبحانه بالعبادة والتهجُّد، وفي خدمة المجتمع بالإنفاق حسب إمكانه.

الترتيب الطبيعيّ في ذكر الأوصاف الخمسة

ثمّ إنّك عرفت أنّ الأوصاف الثلاثة الأوائل تتعلّق بالنفس الإنسانية، والوصفان الأخيران يقومان في جوارحه، ومع ذلك فقد لوحظ في ذكرها الترتيب الطبيعيّ، وهذا ما يركّز عليه السيد الطباطبائي في كلام مبسوط، نأتي به بعبارة موجزة.
إذا استقرّ الإيمان في قلب المؤمن، فأوّل أثر له فيه هو الوَجَل والخشية، وبعدما يتكامل ويترعرع، يزداد إيمانه عند تلاوة آياته والتدبّر فيها، فيجد في نفسه أنّه لا مؤثّر في الوجود إلاّ هو، وعند ذلك يتوكّل
عليه في مساعيه وأعماله، فإذا كمل الإيمان في نفسه وتجذّر، ظهر أثره
في الجوارح، فيقيم الصلاة خضوعاً لعظمته، ويُنفق ممّا يملكه امتثالاً

صفحه 35
لأمره.(1)
4. (أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ):
كأنّ الآية تأكيد للآية السابقة، أعني قوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ) فعلى هذا فـ(أُولَئِكَ) الذين حازوا الأوصاف الخمسة المتقدّمة (هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا): أي موصوفون بالإيمان قطعاً بلا شكّ. ويستعمل لفظ (حَقًّا) في كلّ شيء لا ريب في تحقّقه، يقول المعلّم للمتعلِّم: أنت ابني حقّاً.

بيان حقيقة الإيمان في كلام حارثة

روى الكليني بإسناده عن عبد الله بن مُسكان، عن أبي بصير، عن
أبي عبد الله ]الصادق[(عليه السلام)قال:«استقبل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)حارثة بن مالك بن النعمان الأنصاري، فقال له: كيف أنت يا حارثة بن مالك؟ فقال:
يا رسول الله مؤمن حقّاً، فقال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): لكلّ شيء حقيقة
فما حقيقة قولك؟ فقال: يا رسول الله عزفت نفسي عن الدنيا، فأسهرت ليلي وأظمأت هواجري، وكأنّي أنظر إلى أهل الجنّة يتزاورون في
الجنّة، وكأنّي أسمع عواء أهل النار في النّار، فقال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):
عبد نوّر الله قلبَه، أبصرتَ فاثبتْ(2)، فقال: يا رسول الله ادعُ الله لي

1 . انظر: الميزان في تفسير القرآن:9/11.
2 . أخرج البزّار نحوه من حديث أنس، وأخرجه الطبراني عن الحارث(كذا) بن مالك الأنصاري نفسه. انظر: المعجم الكبير:3/266 برقم 3367(مع هامش الصفحة المذكورة).

صفحه 36
أن يرزقني الشهادة معك، فقال: اللّهمّ ارزق حارثة الشهادة، فلم يلبث
إلاّ أيّاماً حتى بعث رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)سريّة فبعثه فيها، فقاتل فقتل تسعة ـ أو ثمانية ـ ثمّ قُتل».
قال الكليني: وفي رواية القاسم بن بُرَيد، عن أبي بصير، قال: استشهد مع جعفر بن أبي طالب بعد تسعة نفر، وكان هو العاشر.(1)
ثمّ إنّه سبحانه يَعِدهم بأُمور ثلاثة:
1. (لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ).
أُريد بالدّرجات اختلاف العباد من حيث القرب من الله، وذلك نتيجة درجات الإيمان. نعم يتفرّع على ذلك اختلاف الدرجة في الجنّة، لكن أُريد في المقام اختلاف الدّرجات من حيث الإيمان، ومن حيث اشتداده وكماله.
روى أبو عمرو الزُّبيري في حديث عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: قلت له: أيها العالم أخبرني أيّ الأعمال أفضل عند الله؟ قال:«ما لا يَقبل الله شيئاً إلاّ به» قلت: وما هو؟ قال:«الإيمان بالله الذي لا إله إلاّ هو أعلى الأعمال درجة وأشرفها منزلة وأسناها حظّاً(إلى أن قال)، قلت: صفهُ لي جُعلت فداك حتى أفهمه، قال: الإيمان حالات ودرجات وطبقات ومنازل، فمنه التامّ المنتهى تمامه، ومنه الناقص البيّن نقصانه، ومنه الراجح الزائد رجحانه... إلى آخر ما ذكره.(2)

1 . الكافي:2/54،برقم3، كتاب الإيمان والكفر.
2 . الكافي:2/33ـ34، برقم1.

صفحه 37
ثمّ إنّ هذه الدرجات إنّما هي لمن جمع ما ذُكر من الصفات الخمس في الآية الثانية والثالثة، قال السيد الطباطبائي: والذي تشتمل عليه الآية من إثبات الدّرجات لهؤلاء المؤمنين، هو ثبوت جميع الدّرجات لجميعهم، لا ثبوت جميعها لكلّ واحد منهم، فإنّها من لوازم الإيمان، والإيمان مختلف ذو مراتب، فالدّرجات الموهوبة بإزائه كذلك لا محالة، فمن المؤمنين من له درجة واحدة، ومنهم ذو الدّرجتين، ومنهم ذو الدّرجات، على اختلاف مراتبهم في الإيمان.(1)
2. (وَمَغْفِرَةٌ).
وهي صفح الله سبحانه وستره لما صدر عن الإنسان من الذُّنوب والآثام.
3. (وَرِزْقٌ كَرِيمٌ).
والرِّزق هو نِعَم الجنّة، وهو(كَرِيمٌ): أي نفيس، نظير ما في قوله تعالى:(إنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ)(2). ويفسِّر ما ذكرناه، قوله سبحانه:(فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ).(3)
وبما قدَّمنا من أنّ المراد بالاختلاف هو مراتب القرب من الله سبحانه، يُفسَّر قوله سبحانه:(يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات)(4) فالإيمان المقارن للعلم يورث القرب من الله سبحانه، فكلّما

1 . الميزان في تفسير القرآن:9/12ـ13.
2 . النمل:29.
3 . الحج:51.
4 . المجادلة:11.

صفحه 38
اشتدّ الإيمان وازداد العلم بصفاته وقدرته وعلمه، كلّما اختلفت درجات القرب من الله تعالى.
سورة الأنفال: الآيات 5ـ8   

الآيات: الخامسة إلى الثامنة

(كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ * يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ * وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ).

المفردات

بيتك: البيت: المسكن، والقرية والمدينة. كلّ ذلك بملاك واحد وهو البيتوتة فيها. وأُريد في المقام «المدينة المنوّرة»، واحتمال إرادة المسكن بعيد.
يجادلونك: الجدال: المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة.
يُساقون: السَّوق: الحثّ على السَّير عجلة.
الشَّوكة: الحدّ. ويسمّى الشوك شوكاً لحدّه، وشاكي السلاح بمعنى كونه ذا سلاح حادّ. ولعلّه كناية عن القدرة، وهي مستعارة للبأس، يقال: فلان ذو شوكة، أي ذو بأس.

صفحه 39
دابر: دابر الأمر: آخره.
الحقّ: وقوع الشيء في موقعه الذي هو له، فكلّ ما يوصف بالحقّ فهو واقع في محلّه عند القائل، ويقابله الباطل.
التفسير
بما أنّ تفسير هذه المجموعة من الآيات رهن الوقوف على ما ورد في شأنها من أخبار فلنقدِّم ذكرها قبل الدخول في التفسير، فنقول:

عرض أخبار غزوة «بدر»

إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) سمع أنّ أبا سفيان بن حرب مقبل من الشام في عير لقريش عظيمة، فيها أموال وتجارة من تجاراتهم وفيها ثلاثون رجلاً من قريش، فندب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)المسلمين إليهم وقال: هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعلّ الله ينفِّلكموها، فانتدب الناس فخفَّ بعضهم، وثَقُل بعضهم.(1) وفي مجمع البيان: فقال بعضهم: كيف نخرج ونحن قليل، والعدوّ كثير؟(2)
وهاهنا سؤال، وهو أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) نهى عن النَّهب بشدّة، وقال:«مَنِ انتهب نُهبة فليس منّا»(3) وقال: «إنّ النُّهبة لا تَحِلّ»(4)، وروى البخاري عن

1 . السيرة النبوية:1/607.
2 . مجمع البيان:4/467.
3 . سنن ابن ماجة:891 ، برقم 3937، كتاب الفتن.
4 . نفس المصدر، برقم 3938.

صفحه 40
عُبادة بن الصّامت، قال: بايعْنا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)أن لا ننتَهِب(1)، وعلى هذا فكيف خرج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لمصادرة أموال قريش؟
والجواب: إنّ عمل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ليس من قبيل النَّهب، بل هو تجسيد لقوله تعالى: (فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ)، فإنّ طغاة قريش ومن تبعهم كانوا يصادرون أموال المسلمين الذين هاجروا إلى المدينة، بل كانوا يصادرون أموال مَن أراد الهجرة أو تظاهر بالإسلام، ولم يكن بمقدور النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يسترجع تلك الأموال منهم ويعيدها إلى أصحابها إلاّ بمصادرة ما في قافلة قريش من الأموال.
وهناك نكتة أُخرى، وهي أنّ في عمل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) هذا تحذيراً لقريش بأنّهم إذا استمرّوا في إيذائهم المسلمين في مكّة، فإنّ طريق تجارتهم سيكون في معرض الخطر.
وبعد الإجابة عن هذا السؤال، نتابع عرض فصول القصة.
ثمّ إنّ أبا سفيان حين دنا من الحجاز عند رجوعه من الشام أخذ يتحسّس الأخبار ويسأل من لقي من الرُّكبان، تخوّفاً على ما تحمله القافلة من الأموال، حتى أصاب خبراً من بعض الرُّكبان أنّ محمداً قد استنفر أصحابه لك ولعيرك، فَحَذِرَ فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري، فبعثه إلى مكّة وأمره أن يأتي قريشاً فيستنفرهم إلى أموالهم، ويخبرهم أنّ محمّداً قد عرض لها في أصحابه، فخرج ضمضم بن عمرو سريعاً إلى مكّة...
ولمّا دخل ضمضم بن عمرو إلى مكّة وهو يصرخ ببطن الوادي واقفاً

1 . صحيح البخاري:2/121، كتاب المظالم والغصب، باب النُّهْبى بغير إذن صاحبه.

صفحه 41
على بعيره قد جدع بعيره وحوّل رحله وشقّ قميصه، وهو يقول: يا معشر قريش اللَّطيمة اللَّطيمة، أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه، لا أرى أن تدركوها، الغَوث، الغَوث.

تجهيز قريش للخروج

فتجهّز الناس سراعاً وقالوا: أيظنّ محمد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرميّ، كلاّ والله ليعلمنّ غير ذلك، فكانوا رجلين بين رجلين، إمّا خارج وإمّا باعث مكانه رجلاً، وأوعبت قريش فلم يتخلّف من أشرافها أحد.
ولمّا اطّلع أبو سفيان على نبأ خروج النبيّ مع أصحابه لمصادرة ما في العير من الأموال، ضرب وجه عيره عن الطريق المألوف الذي يمرّ على بدر، وأخذ بها جهة السّاحل وترك بدراً ليساره وانطلق حتى أسرع، ثمّ أرسل إلى قريش: إنّكم إنّما خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم فقد نجّاها الله فارجعوا، فقال أبو جهل بن هشام: والله لا نرجع حتى نردَ بدراً (وكان بدر موسماً من مواسم العرب، يجتمع لهم به سوق كلّ عام)، فنقيم عليه ثلاثاً فننحر الجُزُر(1) ونُطعم الطعام ونسقي الخمر وتعزف علينا القيان وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وبجمعنا، فلا يزالون يهابوننا أبداً بعدها، فامضوا ـ أي إلى بدر ـ ، فجاءوا حتى نزلوا بالعُدوة القصوى من الوادي.
هذا ما يرجع إلى أمر قريش وورودهم بدر لا للحرب، بل لأجل أمر إعلاميّ وهو أنْ تهابهم العرب.

1 . جمع جَزُور، وهو ما يصلَح لأن يُذبح من الإبل.

صفحه 42
أمّا ما يرجع إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فإنّه لمّا وصل وادي «ذَفِران» وجاءه الخبر عن تغيير مسير العير وأنّ قريشاً قد سارت ليمنعوا عيرهم، استشار الناس وأخبرهم عن قريش.

استشارة النبيّ أصحابه للذهاب إلى مقابلة النَّفير

وجه الاستشارة، هو أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) خرج من المدينة لمصادرة أموال القافلة وقد فاتتهم، فلم يكن للنبيّ بُدّ من الاستشارة للذهاب إلى بدر لمقابلة قريش، إذ لم يخرجوا من المدينة إلا لمقابلة العير دون النفير.وعندئذ وقف رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بين تلك الجماعة وقال: «أشيروا عليّ أيها الناس».
فقام أبو بكر وقال: يا رسول الله إنّها قريش وخيلاؤها، ما آمنتْ منذ كفرتْ، ولا ذلّتْ منذ عزّتْ، ولم نخرج على أُهبة الحرب!!(1)
وهذا يعني أنّه رأى من المصلحة أن ينسحبوا إلى المدينة، ولا يواجهوا قريشاً.
فقال له رسول الله: إجلس.
ثم قام عمر بن الخطاب، وقال مثل مقالة أبي بكر، فأمره النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)بالجلوس أيضاً.(2)

1 . نسب الواقديّ نحو هذا القول إلى عمر، وهذا نصّه: يا رسول الله، إنّها والله قريش وعزّها، والله ما ذلّت منذ عزّت، والله ما آمنت منذ كفرت، والله لا تُسلم عزّها أبداً، ولتقاتلنّك، فاتَّهِب لذلك أُهبته، وأعدّ لذلك عدّته.المغازي:1/48. وانظر: إمتاع الأسماع:1/93.
2 . جاء في «السيرة النبوية»: فقام أبو بكر، فقال وأحسن، ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن، ولم يذكر نصّ كلامهما لما فيه من رائحة التخاذل والخوف من مواجهة قريش، وهذا النوع من تحريف التاريخ تمويه للحقيقة وتشويه للوقائع.

صفحه 43
ثم قام «المقداد بن عمرو» وقال: يا رسول الله إمضِ لِما أراك الله، فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربُّك فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربُّك فقاتلا، وإنّا معكما مقاتلون.
فوَالذي بعثك بالحق لو سرتَ بنا إلى بَرك الغِماد(1) لَجالَدْنا معك من دونه حتى تبلغه، ولو أمرتنا أن نخوض جمر الغضا وشوك الهَراس(2)لَخُضناه معك.
فقال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) خيراً ودعا له به.
ثم أعاد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قوله: «أشيروا عليّ أيها الناس» وهو يريد الأنصار، لأنّ المشيرين الثلاثة كانوا من المهاجرين.
فقام سعد بن معاذ الأنصاريّ وقال: والله لكأنّك يا رسول الله
تريدنا؟
فقال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): أجل.
فقال سعد: بأبي أنت وأُمّي يا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إنّا قد آمنّا بك، وصدّقناك وشهدنا أنّ ما جئت به حقٌّ من عند الله، وأعطيناك مواثيقنا وعهودنا على السمع والطاعة، فامضِ يا رسول الله لما أردتَ فنحن معك، فوَالذي بعثك بالحقّ، لو استعرضتَ بنا هذا البحر فخضتَه لخضناه معك ما تخلّف منا رجلٌ واحدٌ، وما نكرهُ أن تلقى بنا عدوَّنا غداً.

1 . موضع وراء مكّة بخمس ليال ممّا يلي البحر، وقيل: بلد باليمن. معجم البلدان:1/399.
2 . شجر كبير الشَّوك.

صفحه 44
إنّا لصُبرٌ في الحرب، صُدق في اللِّقاء، لعلّ الله يريك منّا ما تقرّ به عينك، فسِر بنا على بركة الله، وصِل من شئت، واقطع من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وما أخذت من أموالنا أحبُّ إلينا ممّا تركت.
فسُرَّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بقول سعد ونشّطه ذلك، وأزال سحابة اليأس من النُّفوس، وأشعل ضياء الأمل في القلوب.
ولم يفرغ ذلك الأنصاريّ البطل والقائد المؤمن الشجاع من مشورته الشجاعة إلاّ وأصدر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أمره بالمسير قائلاً: «سيروا على بركة الله وأبشروا، فإنّ الله قد وعدني إحدى الطائفتين، ولن يخلف الله وعده، والله لكأنّي الآن أنظر إلى مصارع القوم».
فتحرّك الجيش الإسلاميّ بقيادة النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) ونزل «بالعُدوة الدنيا» والفاصل بينهم وبين المشركين كثيب.(1) وهو التلّ من الرَّمل.
إذا عرفت ما دار بين النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه حول غزوة بدر، فلنعُد لتفسير آيات المجموعة.
5. (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ):
قوله تعالى: (كَمَا أَخْرَجَكَ) يدلّ على أنّ في المقام مشبَّهاً ومشبَّهاً به ووجه شبه. أمّا المشبّه فهو قضاء الوحي بأنّ الأنفال لله وللرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم).

1 . انظر: السيرة النبوية:1/606ـ615; المغازي للواقدي:1/48; تفسير القمي:1/256ـ260; تاريخ الطبري:2/140; إمتاع الأسماع:1/85ـ93.

صفحه 45
وأمّا المشبّه به فهو خروج النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من المدينة مع جمع من أصحابه بأمر من الله لمّا بلغه خبر عير أبي سفيان مقبلاً من الشام.
وأمّا وجه الشبه، فهو كراهة فريق من المؤمنين كلا الأمرين، أي كرهوا قضاء الوحي في مورد الأنفال كما كرهوا خروجك من بيتك إلى العير. وبما ذكرنا ظهر معنى قوله سبحانه:(كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ): أي كرهوا خروجك من المدينة، كما كرهوا كون أمر الأنفال بيد الله ورسوله، وقد مضى الكلام فيه.
ثم إنّ خروجك كان (بِالْحَقِّ): أي إخراجاً مصحوباً بالحقّ، وذلك لترتُّب المصلحة العليا للإسلام والمسلمين عليه(وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ) كلا الأمرين، فمنشأ الكراهة هو جهلهم بالمصالح في كلا الموردين، ولو كانوا واقفين على المصالح الواقعية فيهما لكانوا مسلِّمين.
وعلى هذا، فقوله: (كَمَا أَخْرَجَكَ) متعلِّق بما يدلّ عليه قوله: (قُلِ الأَنْفَالُ للهِ وَالرَّسُولِ)على ما سبق.
وختاماً نقول: لقد استدلّ الرازي بقوله:(كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ) إلى مذهبه، وهو أنّ أفعال العباد مخلوقة لله سبحانه: يقول: والآية تدلّ على أنّ فعل العبد بخلق الله تعالى، إمّا ابتداءً أو بواسطة القدرة والداعية، اللَّذين مجموعهما يوجب الفعل.(1)
قد عزب عن الرازي بأنّ نسبة الإخراج إلى الله سبحانه لا ينافي اختيار النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، فبما أنّ النبيّ لا يعصي الله سبحانه ويطيعه، فإذا سئل عن

1 . تفسير الرازي:15/127.

صفحه 46
خروجه لصحّ أن يقول: أخرجني ربّي من بيتي إذ لولا أمرُه لَما خرجتُ، ومع ذلك كان في مقدرته أن لا يخرج ويعصي الله سبحانه، لأنّ ذلك يقع في إطار اختياره وإرادته(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولكنّه لا يفعل ذلك لكونه(صلى الله عليه وآله وسلم)معصوماً.
6. (يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ):

تثاقل القوم في مسيرهم إلى «بدر»

الظاهر أنّ مضمون الآية ينطبق على مسيرهم إلى بدر لمواجهة قريش لا إلى القبض على القافلة التجارية الّذي تثاقلوا فيه أيضاً. فإنّ مضمون الآية(كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ)ينطبق على تلك الحالة. وتظهر حقيقة الأمر بذكر ما تقدّم من شرح أحوالهم إذ استنفرهم إلى محاربة ذات الشوكة، يعني النَّفير (وهم قريش) في مقابل العير. قوله تعالى: (يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ): أي فيما ندبتهم إليه من المسير لملاقاة النَّفير (بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ)واتّضح لهم ما سيعقب هذا المسير من رفعة للإسلام والمسلمين، ومن ذلّة للشّرك وأهله، حيث أخبرهم رسول الله بأنّهم سيُنصرون، حتى قال: «والله لكأنّي الآن أنظر إلى مصارع القوم». فكانوا يناقشونه في هذا الأمر الحقّ.
ثمّ إنّه سبحانه شبّه حال المجادلين في فرط فزعهم ورعبهم وهم يُسار بهم إلى القتال، بحال من يساق إلى الموت المتيقَّن، كما يقول:(كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ): أي ينظرون الموت، لأنّ حالة الخوف من الشيء المخوف تبعث على النظر إلى الشيء المخيف نفسه.

صفحه 47
7. (وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ):

وعد النبيّ أصحابه بالظَّفر بالعير أو النَّفير

ظاهر سياق الآية يدلّ على أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أخبر من معه بوعد الله بالظَّفَر بإحدى الطائفتين إمّا العير وإمّا النّفير (رجال قريش) قبل أن يصل إليه خبر تغيير أبي سفيان طريق القافلة، وإلاّ فبعد العلم بذلك لا معنى للوعد بإحدى الطائفتين، كما يقول سبحانه:(وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ)العير أو النَّفير (أَنَّهَا لَكُمْ) وقد عرفت أنّ وقت هذا الوعد كان قبل وصول الخبر بتحوّل أبي سفيان عن الطريق المألوف إلى ساحل البحر.
(وَ) لكنّكم (تَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ) وذات الشوكة هي النَّفير، والتعبير بذات الشوكة للتنبيه على سبب كراهتهم ونفرتهم من ملاقاة النَّفير، وقد عرفت أنّ الشوكة واحدة الشَّوك وأريد به أصحاب الشدّة والسلاح. هذا ما كان في أذهان القوم، (وَ) لكن (يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ) وإحقاق الحقّ هو إظهاره، ويُحتمل أن يراد من كلمات الله ما وعده لأنبيائه عامّة والنبيّ الخاتم خاصّة من النُّصرة وإظهار دينه، قال سبحانه:(وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ)(1).

1 . الصافات:171ـ173.

صفحه 48
ثمّ إنّ محبّة لقاء الطائفة التي لا شوكة لها، إنّما هو منطق الكثير لا الجميع، فإنّ أغلب من سار مع الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) كانوا يريدون لقاء العير لغرض الغنيمة، إذ لم يكن معه إلاّ قلة من الرجال مع كثرة المال، وأمّا النَّفير فلهم الشوكة والقوّة إذ كانوا مقنّعين بالسِّلاح. نعم كان بينهم رجال آمنوا بالنبيّ واتّبعوه في أوقات الشدّة والرّخاء، ونصروه في عامّة المواقف، كالمقداد الكنديّ وسعد بن معاذ، وغيرهما من الذين كانوا يريدون ما أراده الله تعالى.
ولا ريب في أنّ أمير المؤمنين كان في طليعة من يمتثل أمرَ أخيه(صلى الله عليه وآله وسلم)ونهيَه، ولقد عبّر(عليه السلام)عن ذلك بقوله: «وَلَقَدْ عَلِمَ الْمُسْتَحْفَظُونَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّد (صلى الله عليه وآله وسلم) أَنِّي لَمْ أَرُدَّ عَلَى اللهِ وَلاَ عَلَى رَسُولِهِ سَاعَةً قَطُّ. وَلَقَدْ وَاسَيْتُهُ بِنَفْسِي فِي الْمَوَاطِنِ الَّتِي تَنْكُصُ فِيهَا الاَْبْطَالُ، وَتَتَأَخَّرُ فِيهَا الاَْقْدَامُ، نَجْدَةً أَكْرَمَنِي اللهُ بِهَا».(1)
قوله تعالى:(وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ): أي يستأصلهم فلا يُبقي منهم أحداً. ولعلّ المراد كفّار قريش.
8. (لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ):
سورة الأنفال: الآيات 9 ـ 11   
الآية تأكيد لما مرّ في الآية السابقة، أعني قوله تعالى:(أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ)وإحقاق الحقّ هو إظهار الإسلام (وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ): أي الكفر بأهله (وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ) أي الكافرون.
ثمّ إنّ الآية تبيّن لنا ما هي الغاية من الحرب مع المشركين، وهو

1 . نهج البلاغة: الخطبة 197.

صفحه 49
إحقاق التوحيد وبسطه، وإبطال الشرك وقلعه، وجعل المجتمع البشري تحت خيمة التوحيد، فمن اتّهم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)بأنّ الغاية من حروبه هي الاستيلاء على الأموال، فهو على خلاف صريح الآية.
إلى هنا تمّت الآيات التي تحكي لنا عن الحوادث الواقعة قبل توجّه المسلمين إلى آبار «بدر».

الآيات: التاسعة إلى الحادية عشرة

(إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْف مِنَ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلاَّ بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ).

المفردات

إذ: ظرف يحتمل أن يكون متعلّقاً بقوله:(وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ)، كما يحتمل أن يكون مستأنفاً متعلّقاً بفعل مقدّر «اذكر».
تستغيثون: الغَوث: يقال في النُّصرة، والغيث في المطر. واستغثته: طلبت الغَوث أو الغيث فأغاثني. وسواء أكان الغوث والغيث من مادة واحدة أم من مادتين، فالاستغاثة طلب الغَوث، وهو الإعانة على رفع

صفحه 50
الشدّة.
فاستجاب لكم: أي وعدكم بالإغاثة.
مُردِفين: الإرداف: الإلحاق، فالراكب إذا أركب غيره يقال له مردف وللثاني رادف.
هذا ممّا لا شكّ فيه إنّما الكلام فيما هو المراد من قوله:(بِأَلْف مِنَ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ)، وسيأتي بيانه لدى التفسير.
يُغشِّيكم: التغشية الإحاطة.
النُّعاس: ابتداء حال النَّوم قبل الاستثقال فيه، وهو السِّنَة.
أَمَنة: أماناً، والضمير في قوله:(مِنْهُ) يرجع إلى الله تعالى، ويحتمل أن يرجع إلى العدوّ.
رِجز: الرِّجز: الشيء المستقذَر حسّاً أو معنى.
وليربط: أي يشدّ على قلوبكم، وهو كناية عن التشجيع.

التفسير

الأحداث التي وقعت عند آبار بدر

قبل الدخول في تفسير هذه المجموعة نذكر بقية قصة غزوة بدر، أعني ما وقع من الأحداث عند نزول القوم عند آبار بدر.
لمّا سمع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) مقالة سعد بن معاذ أمر بالمسير، فارتحل من ذَفِران، حتى نزل قريباً من بدر.

صفحه 51
وبعث رسول الله عليَّ بن أبي طالب في نفر من أصحابه إلى ماء بدر يلتمسون الخبر له، فأصابوا راوية(1) لقريش فيها غلامان، فأتَوا بهما فسألوهما عن أخبار قريش، فقالا هم والله وراء هذا الكثيب(2) الذي ترى بالعُدوة القصوى، فقال لهما رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):كم القوم؟ قالا: كثير.
قال: ما عدّتهم؟ قالا: لا ندري. قال: كم ينحرون كل يوم؟ قالا: يوماً تسعاً ويوماً عشراً. فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): القوم بين التسعمائة والألف.(3)
ثمّ إنّ في صبيحة السابع عشر من شهر رمضان من السنة الثانية للهجرة ارتحلت قريش من وراء الكثيب وانحدرت إلى وادي بدر، فلما رآها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال:«اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها، تحادُّك وتكذّب رسولك، اللّهمّ فنصرك الذي وعدتني به، اللّهمّ أحنهم الغداة».(4) وكان هذا استغاثة من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).
9. (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْف مِنَ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ):
الظاهر أنّ المستغيثين هم الأصحاب، فإنّهم فزعوا لمّا علموا أنّ اللِّقاء مع قريش ذات الشوكة والقوّة أصبح محتّماً فاستغاثوا وتضرّعوا. ولو صحّت كلتا الاستغاثتين فاستغاثة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لطلب النصر وحفظ الدِّين،

1 . الراوية: الإبل التي يستقى عليها الماء.
2 . الكَثيب: التلّ من الرَّمل.
3 . السيرة النبوية:1/616.
4 . تفسير الدر المنثور:4/22.

صفحه 52
واستغاثة الآخرين للخوف والوجل على أنفسهم، ولكنّ الله يريد أن يُحقّ الحقّ ويُبطل الباطل، كما يقول: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ)وتطلبون منه المعونة (فَاسْتَجَابَ لَكُمْ): أي أغاثكم وأجاب دعاءكم بالنحو التالي: (أَنِّي مُمِدُّكُمْ): أي مُرسلٌ مدداً لكم (بِأَلْف مِنَ الْمَلاَئِكَةِ مُرْدِفِينَ): أي متّبعين غيرهم من الملائكة، والظاهر أنّ المردفين من الملائكة، هم الألف والرادفين منهم هم الألفان لقوله سبحانه: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْر وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَف مِنَ الْمَلاَئِكَةِ مُنْزَلِينَ)(1).
فعلى هذا، فقوله: (بِثَلاَثَةِ آلاَف مِنَ الْمَلاَئِكَةِ مُنْزَلِينَ) منطبق على المردفين والرادفين.
وهذا أحد وجهين احتملها أبو علي الجُبّائيّ، وأوضحه بقوله: أن يكونوا مردفين مثلهم، كما قالوا: أردفت زيداً خلفي.(2) وأراد الجُبّائيّ بقوله: «مثلهم» كونهم ملائكة لا مثلهم في العدد.
ثمّ إنّ الاستغاثة تستعمل فيما أدرك المستغيث أنّه لولا الغَوث والنُّصرة لهلك وقُتل، وبما أنّ صحابة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) تأكّدوا من لقاء عدوّ متغطرس ذي عدد وعُدّة، أخذوا بالاستغاثة بهذا المعنى، ولذلك جاءت الآيات لتهدئة روعهم وطمأنة قلوبهم وأنّه سبحانه ينصرهم.
وأمّا قوله سبحانه في آية أُخرى:(بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ

1 . آل عمران:123 و 124.
2 . نقله الطّبرسي في مجمع البيان:4/473.

صفحه 53
فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلاَف مِنَ الْمَلاَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ)(1)، فإنّه ورد بصورة القضية الشرطية، فلا يدلّ على وقوعه، بل تمّ الأمر بنزول ثلاثة آلاف.
ثمّ إنّه يقع الكلام في دور الملائكة، هل اشتركوا مع المسلمين في المعركة؟ وهل قاموا بعمل عسكري كسائر الناس، أو أنّهم لم يكن لهم دور إلاّ إعطاء الثقة للمؤمنين بالنّصر لإحساسهم بأنّهم من ورائهم؟ الظاهر هو الثاني، كما تكشف عنه الآية التي تلي آيتنا.
فإن قلت: إذا كانت الملائكة غير مرئيّة، فكيف يتحقّق دورهم بإعطاء الثقة والاطمئنان للمعسكر الإسلامي؟
قلت: يمكن أن يتمثّل غير واحد من الملائكة بصورة البشر في معسكر المسلمين، وهم يتصوّرون أنّهم من الأنصار أو المهاجرين مع أنّهم من الملائكة قد تمثّلوا بصورة البشر، ولكن لم تَرِد في ذلك أخبار يمكن التعويل عليها.
وممّا يدلّ على أنّه لم يكن لهم دور إلاّ إعطاء الثقة للمؤمنين بالنَّصر، قوله سبحانه:
10. (وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلاَّ بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ):

1 . آل عمران:125.

صفحه 54

دور الملائكة في غزوة بدر هو إعطاء الثقة

الضمير في قوله:(جَعَلَهُ) وقوله:(بِهِ) يرجع إلى المستفاد من السِّياق، أعني الإمداد، وحاصل الآية :(وَمَا جَعَلَهُ اللهُ): أي إمدادكم بالملائكة (إِلاَّ) لأجل غايتين، هما:
1.(بُشْرى) لكم بأنّكم تتنصرون.
2.(وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ): أي بالإمداد (قُلُوبُكُمْ) ولتسكن به من الزلزال الذي عرض لكم (وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللهِ) لا بكثرة العدد ولا القوّة ولا الشَّوكة، فقد كانت قريش أكثر عدداً وعُدّة من المسلمين، ولكنّه سبحانه قضت إرادته بأن ينتصر الحقّ وينهزم الباطل، فغلب المسلمون الأقلّون عدداً وعُدّة على المشركين، فعلى المؤمنين أن يهيّئوا ما يستطيعون من وسائل القوّة، على أن لا يعدّوا ذلك هو العامل الحاسم للنّصر، بل ما يفيضه الله تعالى من عون وإمداد وكفاية هو العامل الحاسم للنّصر والغلبة، وذلك لأنّ الأُمور كلّها بيده يضعها حيث يشاء (إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ): أي قادر لا يُغلَب، يفعل ما تقضي به الحكمة.
ثمّ إنّ في قوله سبحانه: (وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)دليل على حصر النَّصر في الله سبحانه، وما ذلك إلاّ لأنّ ما لدى الإنسان من حول وقوّة، مفاض عليه من الله سبحانه، فلو انقطعت الصّلة يصبح العبد إنساناً عاجزاً بل ميّتاً. وسيوافيك تفصيل ذلك عند تفسير قوله سبحانه: (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى).
والآية دالّة على أنّ الغاية من نزول الملائكة هي تبشير المسلمين

صفحه 55
بأنّهم منتصرون، وإيجاد الاطمئنان في قلوبهم، لا القتال والمشاركة مع المسلمين فيه.
يؤيّد ذلك ما ذكره أهل السّير من أنّ كثيراً من صرعى قريش قُتلوا بسيف عليٍّ(عليه السلام)، فقد روى الشيخ المفيد في إرشاده أنّ خمسة وثلاثين رجلاً قتل بسيف عليّ(عليه السلام) وأمّا ما سواهم فقد شارك في قتلهم عليّ(عليه السلام)، ثم ذكر أسماء المقتولين.(1)
وقد عدّ الواقدي من قتلى المشركين في وقعة بدر اثنين وخمسين رجلاً، ونسب قتل أربعة وعشرين منهم إلى عليّ(عليه السلام) ممّن انفرد بقتله أو شارك غيره.(2)
وجاء في رسالة الإمام عليّ(عليه السلام) إلى معاوية:«وَعِنْدِيَ السَّيْفُ الَّذِي أَعْضَضْتُهُ بِجَدِّكَ وَخَالِكَ وَأَخِيكَ فِي مَقَام وَاحِد».(3)
11. (إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ):

ترادُف النِّعم على طريق الانتصار

كانت قلوب أكثر المسلمين يملأها الخوف والوجل عندما قابلوا

1 . الإرشاد:39ـ40 طبعة النجف الأشرف.
2 . المغازي للواقدي:1/152.
3 . نهج البلاغة: قسم الرسائل، برقم 64.

صفحه 56
نفير قريش، الذين ظنّوا، لكثرتهم ووفرة سلاحهم، أنّهم سينتصرون، وعند ذاك استغاث المسلمون ربّهم، فاستجاب لهم بإنزال نِعم ربّانيّة كبيرة عليهم، كانت من أسباب الانتصار على العدوّ. وأُصول هذه النِّعم ترجع إلى أمرين، وهما:
1. إغشاؤهم النُّعاسَ عامّة.
2. إنزال الماء من السماء.
وكان للموهبة الثانية فوائد أربع:
أ. التطهير حسِّيّاً بالنظافة التي تشرح الصدور، وتنشِّط الأعضاء في كلّ عمل.
ب. إذهاب رجس الشيطان من الحَدَث الأصغر والأكبر. ويحتمل أنّه أُريد برجز الشيطان وسوسته لهم، فقد روي عن ابن عباس قال: غلب المشركون المسلمين في أوّل أمرهم على الماء، فظمئ المسلمون، وصلّوا مُجنِبين مُحدِثين، وكانت بينهم رمال، فألقى الشيطان في قلوب المؤمنين الحزن، فقال: تزعمون أنّ فيكم نبيّاً وأنّكم أولياء الله، وقد غُلبتم على الماء وتصلّون مُجنِبين مُحدِثين؟ قال: فأنزل الله ماء من السماء، فسال كلّ واد، فشرب المسلمون وتطهّروا، وثبتت أقدامهم، وذهبت وسوسة الشيطان.(1)
ج. الربط على القلوب.
د. تثبيت الأقدام.
إذا عرفت ذلك، فلندخل في تفسير الآيات.

1 . جامع البيان:6/244، برقم 5788.

صفحه 57
1. (إِذْ يُغَشِّيكُمُ) اللهُ سبحانه(النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ) كان أكثر المسلمين خائفين، لكثرة العدو وشدّة بأسه، والله سبحانه عالج خوفهم بالنوم الخفيف، ولمّا استيقظوا لم يجدوا في أنفسهم شيئاً من الخوف، وذلك لأنّ النوم يخفف كثيراً من القلق والاضطراب.
وقد تكرّر نزول هذه النعمة في غزوة أُحد، كما في قوله تعالى:(ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ)(1)، لكنْ مع اختلاف بينهما، حيث عمّت هذه النِّعمة كلّ من شهد بدراً، بينما شملت في أُحد طائفة خاصّة ممّن حضر الغزوة، بشهادة قوله: (مِنْكُمْ).
2. (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَيُطَهِّرَكُمْ بِهِ). بعد أن أخذ المسلمون قسطاً من الراحة بالنوم، وجدوا في أنفسهم حاجة إلى الماء، لأنّ المشركين سيطروا على الماء الموجود في بدر قبل أن يصل المؤمنون إلى بدر وحالوا بينه وبين المسلمين، فأنزل الله المطر للشّرب والتطهير.
3. (وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ). هذه هي النعمة الثالثة، فالله سبحانه أذهب بنزول المطر عن قلوبهم رجز الشيطان، إنّما الكلام فيما هو المراد من رجز الشيطان، وفيه احتمالان:
أ. أُريد هنا الحدث الأصغر والأكبر. وقد مرّ في رواية ابن عباس أنّهم كانوا يصلّون مُحدِثين.
ب. أنّ المراد وسوسة الشيطان، حيث كان يوسوس في قلوب المؤمنين على ما مرّ في رواية ابن عباس، وبذلك ذهبت وسوسة الشيطان.

1 . آل عمران:154.

صفحه 58
4. (وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ). الظاهر أنّ هذا من آثار كلتا النعمتين، فالله سبحانه قوّى بهاتين النعمتين قلوبَهم وثقتهم بالنَّصر وتوطينها على الصبر، نظير ما في قوله سبحانه: (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلاَ أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا)(1).
وحصيلة الكلام: لمّا حصل بالتطهير نشاط في الرُّوح والأعضاء وذهب رجز الشيطان بالاغتسال والوضوء أو ما كان يوسوس به في قلوب المؤمنين بأنّكم تصلّون مُجنِبين مُحدِثين وفيكم ـ كما تزعمون ـ نبيّ، فعند ذلك ربط سبحانه على قلوبهم ووطّنها على الصبر والاستقامة.
5. (وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ) الضمير يرجع إلى الماء النازل من السماء، فقد كان مواضع أرجل المسلمين أرضاً رمليّة، فالله سبحانه أنزل المطر حتى جرى الوادي وتلبّد الرَّمل الذي كان بينهم وبين العدوّ حتى ثبتت عليه الأقدام.
ويحتمل أنّ قوله: (وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ) متفرّع على قوله: (وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ) فإنّ ثبات القلوب واطمئنانها يترتّب عليه ثبات الأقدام في ميدان القتال.
سورة الأنفال: الآيات 12 ـ 14   
وعلى هذا، فالضمير في قوله: (بِهِ) يرجع إلى الإمداد بالرَّبط على القلوب، أي ربط على قلوبكم ليثبِّت به الأقدام، على خلاف ما سبق من أنّه يرجع إلى الماء النازل من السماء.

1 . القصص:10.

صفحه 59

الآيات: الثانية عشرة إلى الرابعة عشرة

(إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلاَئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبوُا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَان * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ).

المفردات

الرُّعب: الخوف والفَزَع.
فوق الأعناق: أُريد به الرؤوس.
بَنان: جمع بنانة، وهي الإصبع من اليدين والرجلين.
شاقّوا: عادوا وخالفوا. وسمّيت العداوة مشاقّة لأنّ كلاًّ من المتعاديين يكون في شِقّ غير الذي يكون فيه الآخر.

التفسير

12.(إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلاَئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبوُا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَان):

صفحه 60

تثبيت المؤمنين وإدخال الرُّعب في قلوب الكافرين

(إِذْ) متعلّق بفعل مقدّر، وهو اذكر (يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلاَئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ) أُريد من المعيّة أنّهم مع المؤمنين بالمعونة والنُّصرة، لا المعيّة المكانية أو غير ذلك، بدليل قوله: (فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا)بإيقاع الظنّ في نفوسهم بأنّهم منصورون، وفي ذلك إزالة للاضطراب الشيطانيّ، وذلك بأنّي (سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ)فصار قذف الخوف والفَزع في قلوب المشركين أعظم نعمة على المؤمنين، حيث صار سبباً لفتور إرادة المشركين وقصور عزائمهم، الأمر الذي دفعهم إلى الهروب من الزحف أو الاستسلام للمجاهدين، وكلٌّ قد أعقب هزيمة نكراء.
روى الصَّدوق بإسناده عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):أنا أشبه الناس بآدم ـ إلى أن قال: ـ يا محمد! صلّى الله عليك قد أرسلتُ كلّ رسول إلى أُمّته بلسانها، وأرسلتك إلى كلّ أحمر وأسود من خلقي، ونصرتك بالرُّعب الذي لم أنصر به أحداً.(1)
وروى بإسناده عن ابن عباس، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «أُعطيت خمساً لم يعطها أحد قبلي: جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، ونُصرِتُ بالرُّعب، وأحلّ لي المَغنَم، وأعطيتُ جوامعَ الكلم، وأُعطيتُ الشفاعة».(2)
وروى أحمد بن حنبل بإسناده عن عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «أُعطيت ما لم يُعطَ أحد من الأنبياء»، فقلنا يا رسول الله ما

1 . الخصال:425، برقم 1، باب العَشَرة.
2 . من لا يحضره الفقيه:1/240، برقم 724.

صفحه 61
هو؟ قال: «نُصِرتُ بالرُّعب، وأُعطيت مفاتيح الأرض، وسُمِّيت أحمد، وجُعل التراب لي طهوراً، وجُعلت أُمّتي خير الأُمم».(1)

قتل المشركين بضرب الهام وضرب الأصابع

قوله سبحانه: (فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ) خطاب للمؤمنين لا للملائكة، لما مرّ من أنّ الغاية من نزول الملائكة هي التبشير لهم بالانتصار وتوطين النفس على الصبر، فيكون قرينة على كون الخطاب للمؤمنين. ثمّ إنّ الضرب فوق الأعناق كناية عن ضرب الهام لا قطع الرؤوس من الأعناق إذ بضرب الهام يُصرع المضروب ويسقط أرضاً. ولو أُريد قطع الرؤوس لقال: اضربوا الرِّقاب كما في قوله:(فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ).(2)
كما أنّ المراد من قوله: (وَاضْرِبوُا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَان) ضرب الأصابع، إذ عندئذ لا يستطيع المضروب القتال، لأنّ السِّلاح يُمسك بالأصابع.
وحاصل الكلام: إنّ الله سبحانه أمر المجاهدين بأمرين في أحدهما فساد الدماغ ووقوع المضروب على الأرض، وفي الآخر العجز عن حمل السِّلاح.
13. (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ):
قوله تعالى: (ذَلِكَ) إشارة إلى أنّ الأمرين الماضيين (ضرب الهام

1 . مسند أحمد:1/98.
2 . محمد:4.

صفحه 62
والبنان) (بِـ)سبب(أَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ): أي عادوهما، فكان كلٌّ في شِقّ غير الذي فيه الآخر (وَمَنْ يُشَاقِقِ اللهَ وَ رَسُولَهُ): أي يخالف أمر الله وأمر رسوله فله وراء ما في الدنيا من الجزاء، العقاب يوم القيامة، كما يقول: (فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) يومذاك.
ولصاحب الكشّاف هنا كلام لطيف، يقول: وسئلت في المنام عن اشتقاق المعاداة، فقلت: لأنّ هذا في عُدوة وذاك في عُدوة، كما قيل: المخاصمة والمشاقّة لأنّ هذا في خصم، أي في جانب وذاك في خصم، وهذا في شِقّ وذاك في شِقّ.(1)
14. (ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ):
الظاهر أنّ قوله تعالى:(ذَلِكُمْ) مبتدأ حُذف خبره، ولا يصلح قوله:(فَذُوقُوهُ) أن يكون خبراً له، إذ لا تدخل الفاء على الخبر إلاّ في صورة خاصّة كأن يكون المبتدأ اسماً موصولاً نحو «الذي يأتيني فهو زيد»، وأمّا الخبر في المقام فيعلم من سياق الآية، كأنّه سبحانه يقول: ذلكم لأجل أنّكم شاققتم الله ورسوله فذوقوه، أي العقاب، والتعبير عن التعذيب بالذَّوق نوع تهكُّم وإهانة.
ثمّ إنّ ما أصابكم من ضرب الرؤوس والبنان هو عذاب الله في الدنيا، وأمّا الآخرة فإنّ لله فيها لوناً آخر من العذاب، وهو التعذيب بالنّار كما يقول:(وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ).
سورة الأنفال: الآيتان 15 ـ 16   

1 . تفسير الكشّاف:2/118.

صفحه 63

الآيتان: الخامسة عشرة والسادسة عشرة

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَال أَوْ
مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَة فَقَدْ بَاءَ بِغَضَب مِنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)
.

المفردات

لَقِيتم: من اللِّقاء، وهو الاجتماع على وجه المقاربة وجهاً لوجه.
زحفاً: الزَّحف: الدنوّ قليلاً قليلاً كما في حَبْو الصبيّ. وأُريد في المقام مشي المقاتل إلى عدوّه في ساحات القتال باحتراس وترصُّد فرصة. ثمّ إنّه يستعمل في مصطلح اليوم للجيوش الكثيرة العدد، فيقال: الفرار من الزَّحف، وهذا مصطلح جديد لا صلة له بالآية.
الأدبار: جمع دُبُر، وهو الخلف. والمراد هنا استدبار العدوّ واستقبال جهة الهزيمة. وإدبار النجوم في قوله سبحانه:(وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ)(1) ضدّ إقبالها.
متحرِّفاً: التَّحرُّف: الانحراف من جهة الاستواء إلى الجانب.
متحيّزاً: صائراً إلى حيِّز، والحيّز المكان.
فئة: جماعة من الناس.

1 . الطور:49.

صفحه 64

التفسير

15. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ):
لمّا أنعم الله على المؤمنين بالنَّصر والغلبة على عدوّ يفوقهم بكثير عدداً وعُدّة، وأكرمهم بإنزال الملائكة لتثبيت قلوبهم، نهاهم عن الفرار من أمام العدوّ في ساحة القتال إلاّ في موضعين يجوز فيهما للمقاتل ترك موقعه (كما سيأتي في الآية التالية)، وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) الخطاب عامّ يشمل أهل بدر وغيرهم، وما يُنقل عن قتادة والضحّاك وغيرهما من اختصاصه بأهل بدر، تردّه طبيعة الحكم، إذ تقتضي أن يكون الحكم عامّاً سائداً في عامّة الأجيال، فإنّ في الثبات أمام العدوّ عزّة، وفي الفرار ذلّة، كما يقول: (إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا) يقتربون منكم تدريجاً (فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ): أي لا تجعلوا ظهوركم مما يليهم، وهو كناية عن الفرار عند مواجهة العدوّ.
والظاهر ـ كما قلنا ـ كون الآية ضابطة كلّية تعمّ جميع المواقف التي يلقَون فيها العدوّ، لقوله سبحانه:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(1).
16. (وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَال أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى

1 . الأنفال:45.

صفحه 65
فِئَة فَقَدْ بَاءَ بِغَضَب مِنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ):

جواز التولّي عن العدوّ في موضعين

قوله تعالى: (وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذ) مبتدأ، خبره قوله: (فَقَدْ بَاءَ بِغَضَب مِنَ اللهِ). والمراد من قوله: (يَوْمَئِذ): أي في ذلك الوقت لا النّهار في مقابل اللّيل، أي وقت الزَّحف ووقت تقابل المجاهدين مع أعدائهم.
وأمّا جزاء التولّي فسيأتي ذكره. ثم إنّه سبحانه استثنى ـ قبل بيان الجزاء ـ حالتين للمقاتل:
أ. (إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَال): أي تاركاً موقعه إلى موقع آخر أصلح للقتال من الأوّل، وكأنّه ينحرف عن وجه العدوّ ويُريه أنّه بصدد الفرار لكنّه يكرّ عليه ثانياً، وقد قيل: الحرب كرّ وفرّ. ويعدّ مثل ذلك خدعة عسكرية، وقد قيل: الحرب خدعة.
ب. (أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَة) بمعنى أن ينعطف المقاتل عن الانفراد بالعدوّ إلى فئة من إخوانه المجاهدين فيلحق بهم ويقاتل معهم.
وأمّا جزاء التولّي في غير هاتين الصورتين فقد بيّنه سبحانه بقوله:(فَقَدْ بَاءَ بِغَضَب مِنَ اللهِ): أي رجع بالتولّي مصحوباً بغضب من الله (وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ): أي وبئس الموضع الذي يصير إليه ذلك المصير.
ثم إنّ كلاًّ من الحالتين المتقدّمتين للمقاتل، تعدّ تولّياً في الظاهر، وليس تولّياً في الحقيقة، إذ هو يريد خوض القتال، ولكن من موقع أفضل.

صفحه 66
روي عن أمير المؤمنين(عليه السلام) أنّه قال في كلام له:«وليعلم المنهزم بأنّه مُسخطٌ ربَّه، وموبقٌ نفسه، وأنّ في الفرار موجدَة الله، والذلَّ اللاّزم والعار الباقي، وإنّ الفارّ لغير مزيد في عمره، ولا محجوز بينه وبين يومه، ولا يرضي ربّه، ولَموت الرَّجل محقّاً قبل إتيان هذه الخصال خير من الرِّضا بالتلبس بها، والإقرار عليها».(1)
وروى الصدوق بإسناده عن محمد بن سنان، أنّ أبا الحسن الرِّضا(عليه السلام)كتب إليه فيما كتب من جواب مسائله: وحرّم الله الفرار من الزَّحف لما فيه من الوهن في الدِّين، والاستخفاف بالرُّسل والأئمة العادلة، وترك نصرتهم على الأعداء، والعقوبة لهم على إنكار ما دعوا إليه من الإقرار بالربوبية وإظهار العدل، وترك الجور وإماتة الفساد، لما في ذلك من جرأة العدوّ على المسلمين، وما يكون في ذلك من السَّبي والقتل وإبطال دين الله عزّ وجلّ، وغيره من الفساد».(2)
سورة الأنفال: الآيات 17 ـ 19   
وروى الطبري بإسناده عن ابن عباس، قال: أكبر الكبائر الشِّرك بالله، والفرار من الزَّحف، لأنّ الله عزّ وجلّ يقول: (وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذ دُبُرَهُ)... (فَقَدْ بَاءَ بِغَضَب مِنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ).(3)

1 . الكافي:5/41 برقم 4; وسائل الشيعة:11، الباب29 من أبواب جهاد العدو وما يناسبه، الحديث1.
2 . عيون أخبار الرضا(عليه السلام):99، الباب33، الحديث1; وسائل الشيعة:11، الباب29 من أبواب جهاد العدو وما يناسبه، الحديث2.
3 . جامع البيان(تفسير الطبري):9/253، برقم 15831.

صفحه 67

الآيات: السابعة عشرة إلى التاسعة عشرة

(فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاَءً حَسَنًا إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ * إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ).

المفردات

مُوهن:اسم فاعل من أوهنه إذا أضعفه.
كيد: الكيد: الاحتيال في إيجاد ما يضرّ مع إظهار خلافه.
تستفتحوا: الاستفتاح: طلب الفتح، وهو النَّصر، وربما يستعمل في الفصل في الأمر.
التفسير
17. (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاَءً حَسَنًا إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ):
روى ابن هشام عن ابن إسحاق أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أخذ حفنة من الحصباء فاستقبل قريشاً بها، ثم قال: شاهت الوجوه ثم نفَحَهم بها.(1)

1 . السيرة النبوية:1/628.

صفحه 68
قال الطبرسي: ذكر جماعة من المفسّرين كابن عباس وغيره: أنّ جبرائيل(عليه السلام)قال للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يوم بدر: خذ قبضة من تراب فارمهم بها، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ لمّا التقى الجمعان ـ لعليّ: «أعطني قبضة من حصى الوادي، فناوله كفّاً من حصىً عليه تراب، فرمى به في وجه القوم وقال: شاهت الوجوه، فلم يبق مشرك إلاّ دخل في عينه وفمه ومنخريه منها شيء...».(1) وبالتأمّل فيما ذكرنا يظهر معنى الفقرتين التاليتين:
أ. (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ).
ب. (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى).

احتجاج الرازي بالآية على الجبر ونقده

وقد احتجّ أصحاب الجبر بهذه الآية وقالوا بأنّ أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، فالقتل والرمي وإن صدرا ظاهراً عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)والمجاهدين لكنّهما في الحقيقة فعل لله سبحانه، وقد أصرّ على ذلك الرازي في تفسيره فقال: فإن قالوا: الدلائل العقلية تمنع من القول بأنّ فعل العبد مخلوق لله تعالى، فنقول هيهات فإنّ الدلائل العقلية في جانبنا والبراهين العقلية قائمة على صحّة قولنا، فلا يمكنكم أن تعدلوا عن الظاهر إلى المجاز.(2)
أظن أنّ الرازي عالم ببطلان مذهبه، ولكنّ الظروف ألجأته إلى مسايرة أصحاب الحديث، أو الأشاعرة! كيف يقول: أفعال العباد مخلوقة لله تعالى، والإنسان المكلّف يأكل ويشرب ويمشي وينكح ويُطلِّق؟ فهل

1 . مجمع البيان:4/484. ورواه الطبري عن السُّديّ. انظر: جامع البيان:9/255، برقم 15840.
2 . تفسير الرازي:15/140.

صفحه 69
الفاعل لهذه الأفعال هو المكلّف أو غيره؟ تعالى الله عمّا يقول الجاهلون. وأمّا نسبة القتل والرمي إلى الله فيأتي بيانها تالياً.
إنّ الكلام يقع تارة في الفقرة الأُولى، وأُخرى في الثانية، أمّا الأُولى فإنّ كثيراً من الإمامية جعلوا الآية دليلاً على التوحيد الأفعالي، بمعنى أنّه لا يوجد في الكون مؤثِّر مستقلّ سواه، وأنّ تأثير سائر العلل إنّما هو على وجه التبعية لإرادته سبحانه ومشيئته، ولذلك نرى أنّه ينسب قبض الأرواح في بعض الآيات، إلى ذاته المقدّسة، ويقول:(اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا)(1) بينما ينسبه، في آيات أُخرى، إلى رسله وملائكته ويقول: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا)(2).
وبعبارة أُخرى: إنّ هذا العالم عالم الأسباب والمسبّبات وأنّ كلّ ظاهرة لابدّ أن تصدر وتتحقّق من مجراها الخاص بها، المقرَّر لها في عالم الوجود، فعلى هذا فنسبة الظواهر الطبيعية إلى أسبابها نسبة مباشرية، وإلى الله سبحانه نسبة سببيّة، ففي قوله سبحانه: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ)نجده أنّه يصف الله بأنّه قتلهم حقيقة، وذلك لأنّ المسلمين إنّما قاموا بذلك بفعل القدرة التي أمدّهم الله بها، فيكون فعلهم فعلاً لله أيضاً; بل يمكن أن يقال: إنّ انتساب الفعل إلى الله تعالى (الذي منه وجود العبد وقوّته وقدرته) أقوى بكثير من انتسابه إلى العبد بحيث ينبغي أن يعتبر الفعل فعلاً لله لا غير، ولكن شدّة الانتساب هذه لا تكون سبباً لأن يكون سبحانه مسؤولاً عن أفعال عباده، فالمقدّمات الأوّلية للظاهرة وإن صحّ أنّها مرتبطة بالله

1 . الزمر:42.
2 . الأنعام:61.

صفحه 70
وناشئة منه إلاّ أنّه لمّا كان الجزء الأخير من العلّة التامّة يرتبط بإرادة الإنسان ومشيئته، بحيث لولاها لماتحقّقت الظاهرة، فيعدّ هو مسؤولاً عن وقوعها.

الفقرتان ليستا بصدد بيان التوحيد الأفعالي

الظاهر أنّ الآية ليست في مقام بيان ما ذُكر من التوحيد الأفعالي، الذي لا شكّ فيه، بل في صدد بيان نكتة أُخرى، وهي سبب انتصار المسلمين مع قلّتهم على المشركين مع كثرتهم، وهو أمران:
السبب الأوّل: عنايته سبحانه بالانتصار(1)، فالمراد من قوله سبحانه:(فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ) نفي أن يكون ما تحقّق في وقعة بدر من الظهور على المشركين وكسر شوكتهم جارياً مجرى العادة والمعروف من نواميس الطبيعة، إذ كيف يمكن لقوم وهم شرذمة قليلون لا يملكون من السلاح ما يملك العدوّ منه كميةً ونوعية، وليس لديهم ـ على ما روي ـ إلاّ فرس أو فرسان، أن يحطّموا جيشاً لا يقاسون به قوّة في عدده وعُدّته من الخيل والرّجال والسّلاح والمُؤَن، لولا الإمدادات الإلهية الغيبيّة، والألطاف الرّبّانيّة، التي تمثّلت بتثبيت أقدام المؤمنين بما أنزل سبحانه من الملائكة، وقذفِ الرُّعب في قلوب المشركين، وتسليط روح الهزيمة عليهم بما رمى به النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من الحصى في وجوههم، فأمعن فيهم المؤمنون قتلاً وأسراً، فبطل بذلك كيدهم وخمدت أنفاسهم وسكنت أجراسهم، فمن الحريّ أن ينسب ما وقع عليهم من القتل بأيدي المؤمنين، والرمي الذي شتّت شملهم وسلّط روح الهزيمة عليهم، إليه سبحانه دون

1 . يأتي السبب الثاني عند تفسير قوله سبحانه:(ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ) الآية:18.

صفحه 71
المؤمنين.(1)
وحاصل الكلام: إنّ النتيجة الحاصلة من انتصار المسلمين وما مُني به العدوّ من قتل وأسر وهزيمة منكرة وإن حصل بأيدي المسلمين ومقاتلتهم ورمي النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) الحصى في وجوههم، ولكن ما كانت تلك النتيجة لتتحقّق لولا عنايته سبحانه بإنزال الملائكة لتثبيت قلوب المؤمنين، وقذف الرُّعب في قلوب الكافرين، إلى غير ذلك من الإمدادات الغيبية التي مرّ ذكرها، فالأَولى أن يُنسب القتل والرمي إليه عزّ وجلّ حقيقة.
وبالجملة، كانت الحرب في هذه الغزوة حرباً غير متكافئة بين الطّرفين، فالعدوّ كان متسلّحاً حتى أُمّ رأسه، وكان عددهم ثلاثة أضعاف عدد المسلمين، ففي هذا النوع من الحروب لا يُتصوّر أن يُكتب النّصر للطرف الأضعف في عدده وأسلحته، فلو تحقّق له ذلك، فلابدّ من وجود عامل آخر سبَّب انتصاره وهزيمة عدوّه. وعند المحاسبة يُحسب الانتصار لله في الحقيقة، وعلى هذا فليست الآية ناظرة إلى التوحيد الأفعالي. نعم، لو قطعنا النظر عن السياق، ونظرنا إلى الآية بمفردها، فهي تصلح أن تكون شاهداً ودليلاً على التوحيد الأفعالي.
أمّا الفقرة الثانية، أعني قوله:(وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ) فيظهر معناها ممّا ورد فيها.
روى العياشي في تفسير هذه الفقرة عن كُليب بن معاوية الأسديّ، عن أبي عبد الله(عليه السلام)قال: «عليٌّ(عليه السلام) ناول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)القبضة التي رمى

1 . انظر: الميزان في تفسير القرآن:9/38.

صفحه 72
بها».(1)
وقد مرّ آنفاً ما نقله الطبرسي عن جماعة من المفسّرين كابن عباس وغيره من أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال لعليّ(عليه السلام): أعطني قبضة من حصى الوادي، فناوله كفّاً من حصى عليه تراب، فرمى به في وجه القوم...
وعلى ضوء هذه الروايات، فالآية بصدد بيان أمر آخر لا صلة له بالتوحيد الأفعالي، وهو أنّ ما قام به النبيّ ظاهراً من إدخال الحصباء في عيون المشركين واحداً واحداً وهي لا تتجاوز القبضة، لا يمكن أن يستند إلى رمية النبيّ ذاتها، وإنّما هو عمل إعجازي لا يتمكّن منه إلاّ الله القادر العظيم، فهو الذي أدخل ما رمى به النبيّ من الحصباء، في عيون المشركين.
وعلى ما ذكرنا، فإنّ الاستدلال بالفقرتين على التوحيد الأفعالي مبنيّ على تجريدهما من موردهما.
قوله تعالى: (وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاَءً حَسَنًا)يطلق البلاء ويراد به الاختبار، إمّا بالنِّعمة لإظهار الشكر، أو بالمحنة لإظهار الصبر. وقد يُستعمل ويراد به الإعطاء. والظاهر أنّ المراد به في الآية هو المعنى الثاني. والضمير في قوله: (مِنْهُ)يرجع إلى الله سبحانه، ويجوز أن يرجع إلى النّصر المستفاد من السِّياق، والأوّل أظهر. وعلى هذا فالله سبحانه يعلّل انتصار المسلمين على الكافرين بقوله: (وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ): أي يعطيهم (مِنْهُ)سبحانه (بَلاَءً): أي عطاء (حَسَنًا)كالغنيمة وغيرها. ثمّ إنّه سبحانه ختم الآية بقوله:(إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)سمع استغاثة المسلمين وعلم نيّاتهم

1 . البرهان في تفسير القرآن:4/293.

صفحه 73
وأحوالهم فاستجاب لهم، ونصرهم.
ثمّ إنّ وجه صيغة الجمع في القتل والإفراد في الرمي، هو أنّ الأوّل مستند في الظاهر إلى المجاهدين، والثاني إلى النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم).
18. (ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ):

السبب الثاني لانتصار المؤمنين

قد تقدّم أنّ لانتصار المسلمين سببين: الأوّل: عنايته سبحانه بالانتصار. الثاني: ما في هذه الآية، أعني:
قوله:(ذَلِكُمْ) مركّب من اسم الإشارة (ذا) أُشير به إلى قتل الكافرين ورميهم والظَّفر بهم، وضمير «كُم» خطاب للمؤمنين، وهو مبتدأ حُذف خبره، والمعنى:(ذا): أي الانتصار بالنحو المذكور ـ أيّها المؤمنون ـ فعلُنا (بالمعنى الذي سبق)، ولذلك عطف عليه قوله: (وَأَنَّ اللهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ): أي مُضعفُ مكرهم وتدبيرهم الخفيّ ضدّ المؤمنين لإيذائهم وإلحاق الهزيمة بهم. وبهذين السببين تمّ انتصار المؤمنين على الكافرين.
19. (إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ):
هل الخطاب في هذه الآية موجّه للمؤمنين أو للمشركين؟ الاحتمال الأوّل ينسجم مع قوله: (إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ) ولكنّه لا ينسجم

صفحه 74
مع الخطابات الأربعة التي جاء بعدها، فإنّ الجميع خطاب للمشركين، أعني قوله: (وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ)، فلا محيص لحفظ سياق الآية من القول بأنّ الآية تخاطب المشركين، فيكون المراد من مخاطبتهم بهذه الصِّيغة:(إِنْ تَسْتَفْتِحُوا)هو الاستهزاء بهم وإهانتهم، فكأنّه سبحانه يحكي عن المشركين أنّهم طلبوا من الله الفتح والظَّفر على المسلمين والله سبحانه يخاطبهم بأنّ ما طلبتموه من الفتح قد حصل، لكن على خلاف ما تريدون.
وعلى كلّ تقدير، فالخطاب للمشركين سواء أُريد بالاستفتاح، الانتصار، أم أُريد به الحكم الفاصل، وعندئذ يكون إشارة إلى ما روي من أنّ أبا جهل حين التقى القوم، قال: اللّهم أيّنا أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا يُعرف، فأَحِنْه الغداة، فكان ذلك استفتاحه، فأنزل الله في ذلك: (إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ).(1)
وروي عن السُّدّي، قال: كان المشركون حين خرجوا إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)من مكّة، أخذوا بأستار الكعبة، واستنصروا الله، وقالوا: اللهم انصر أعزّ الجندين، وأكرم الفئتين، وخير القبيلتين! فقال الله: (إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ) يقول: نصرتُ ما قلتم، وهو محمد(صلى الله عليه وآله وسلم).(2)
قوله تعالى: (وَإِنْ تَنْتَهُوا) عن معاداة النبيّ (فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) لأنّكم ذقتم من الحرب ما ذقتم (وَإِنْ تَعُودُوا) إلى حربه وقتاله (نَعُدْ) إلى مثل ما رأيتم (وَ) لكن (لَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ): أي لا تغني كثرة

1 . جامع البيان (تفسير الطبري):9/259، برقم 15854.
2 . جامع البيان:9/259، برقم 15856.

صفحه 75
جموعكم في المستقبل كما لم تُغنكم يوم بدر، فليكن ذلك عبرة لكم أيّها المشركون، فإنّ النَّصر رهن الصبر والثبات والثقة بالله تعالى (وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ) فلا تضرّهم قلّتهم ولا كثرة عددكم، لأنّ النصر بيد الله، و(اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ)لا مع الكافرين.

إجابة عن سؤال يتعلّق بغزوة أُحد

وهاهنا سؤال، وهو: كيف يخاطب سبحانه هؤلاء المشركين بقوله: (وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ) مع أنّا نرى أنّ الأمر لم يكن
كذلك دوماً، فإنّ فئتهم أغنت عنهم يوم أُحد، حيث ظهروا على المسلمين وأمعنوا فيهم قتلاً وجرحاً، ولذلك قال أبو سفيان بعد انتهاء المعركة:
يوم بيوم؟
والجواب واضح لمن قرأ الأحداث التي وقعت في غزوة أُحد، فإنّ الانتصار كان من نصيب المسلمين، إذ لم يمض زمان طويل إلاّ ووضعت قريش أسلحتها على الأرض وولّت هاربة من أرض المعركة بعد أن تلقّت ضربات قوية، وجّهها إليهم رجال مؤمنون ذوو بأس شديد كعليّ وحمزة وأبي دجانة ومصعب بن عُمير، مخلّفة وراءها غنائم وأموالاً كثيرة، وقد أحرز المسلمون بذلك انتصاراً عظيماً على عدوّهم، القويّ في تجهيزاته، الكثير في أفراده.(1)
نعم حصلت الهزيمة بعد الانتصار، حينما خالف أكثر الرُّماة وصيّة النبيّ، وكان(صلى الله عليه وآله وسلم)قد جعلهم في موضع من جبل أُحد ليصدّوا العدوّ إذا

1 . لاحظ: السيرة النبوية:2/68، تاريخ الطبري:2/194.

صفحه 76
حاول أن يتسلّل منه ويباغت المسلمين من الخلف ويوجّه لهم ضربة قاضية، وأوصى أميرهم عبد الله بن جُبير بقوله: «انضح عنّا الخيل بالنّبل، لا يأتونا من خلفنا، واثبت مكانك إن كانت لنا أو علينا».(1)
وبالرّغم من هذا الخطاب المؤكّد، فقد فارق الرّماة أماكنهم لمّا رأوا هزيمة المشركين ودخول المسلمين عسكرهم لجمع الغنائم، وقالوا في أنفسهم: لمَ نقيم هنا من غير شيء، فقد هزم الله العدوّ فلنذهب ونغنم مع إخواننا؟ ولهذا نزل أربعون رجلاً منهم وتركوا موقعهم الإستراتيجي على الجبل، ولم يبق مع عبد الله بن جبير إلاّ عشرة رجال! وفي هذه اللحظة الحساسة استغل خالد بن الوليد قلّة الرُّماة في ثقبة الجبل، فحمل عليهم بمَن معه من الرجال فقتلهم، ثمّ انحدر من الجبل وهاجم المسلمين الذين كانوا مشتغلين بجمع الغنائم غافلين عمّا جرى فوق الجبل، فوقعوا بالمسلمين ضرباً بالسيوف وطعناً بالرِّماح ورمياً بالنِّبال ورضخاً بالحجارة، فحصلت النّكسة بسبب مخالفة أمر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)ووصيّته، وأمّا أنّه كيف نال المسلمون الانتصار من جديد، فبيانه على عاتق التاريخ.(2)
سورة الأنفال: الآيات 20 ـ 26   

الآيات: العشرون إلى السادسة والعشرين

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ * وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ

1 . الكامل في التاريخ:2/152ـ 154; السيرة النبوية :2/78.
2 . لاحظ كتابنا: سيد المرسلين:2/159 وما بعدها.

صفحه 77
يَسْمَعُونَ * إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ
لاَ يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لاََسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)
.

المفردات

شرّ: الشَّرّ: ضد الخير، أصله أشرّ حذفت همزته تخفيفاً، كما حذفت همزة خير.
الدوابّ: جمع دابّة، كلّ ما يدبّ على الأرض.
الصُّمّ: جمع الأصمّ، وهو من لا يسمع.
البُكم: جمع الأبكم، وهو مَن لا ينطق.
يحول: الحَوْل: الانفصال، يقال: حال بيني وبينكم كذا.
فتنة: الفتنة: أصلها الامتحان، وأُريد بها هنا المنكر الذي ترجع آثاره على فاعله وغيره.

صفحه 78
يتخطّفكم: الخطف والاختطاف: الاختلاس بسرعة، قال سبحانه: (فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ)(1).

التفسير

20. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ):
كان المسلمون كارهين للخروج من المدينة، وكانوا أكثر كراهة لمقابلة النَّفير، ولجهلهم بما في طاعة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) من خير، صار ذلك سبباً للأمر بطاعة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فيما بعد إذ رأوا بأُمّ أعينهم ما فيها من الخيرات والبركات والألطاف الإلهية، ولذلك قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ): أي لا تُعرضوا عن الرّسول، وقد خصّه بالذِّكر لأنّه المناسب للتولّي عنه دون الله سبحانه. ثمّ إنّه سبحانه عطف الرّسول على لفظ الجلالة دون أن يتوسّط بينهما فعل كأطيعوا، بخلاف قوله سبحانه:(أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ)(2)، ولعلّ وجهه أنّ المورد يختصّ بالأوامر الصادرة من الرسول من باب الولاية وكونه سائساً على المسلمين، وعلى هذا فليس هناك إلاّ أمر واحد وإطاعة واحدة ولذلك وُحّدَ الفعلُ. قوله:(وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ)يعني نداءه وأمره ونهيه.

1 . الحج:31.
2 . النساء:59.

صفحه 79

ما هو المراد من السَّماع في قوله: (وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ)؟

المراد من السَّماع هنا هو سماع الفهم والتصديق والإذعان الذي هو شأن المؤمنين، لا السَّماع المطلق المشترك بين المؤمن والمنافق والكافر. والسَّماع في الآية كالسَّماع في قوله سبحانه: (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)(1).
ولقد قيل: التجربة علم ثان، فعلى المؤمن أن يتّخذ درساً ضافياً من غزوة بدر، حيث إنّهم في ظلّ طاعة الله ورسوله نالوا خيراً وبركة وعزّة واستقلالاً.
21. (وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ):
لمّا أمر سبحانه المؤمنين، في الآية السابقة، بإطاعة الله ورسوله، حذّرهم من جماعة يتظاهرون بالسّماع وهم لا يسمعون سماع فهم وتفكير، وهؤلاء عبارة عن فريقين:
1. اليهود وغيرهم من الكفّار الذين يصفهم سبحانه بقوله: (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَع وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً)(2)، فإنّ قولهم: (سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا) بمنزلة قولهم سمعنا بسمعنا ولكن لم نسمعه بقلب واع، ولذلك عصيناه، فهم سمعوا وفي الوقت ذاته لم

1 . البقرة:285.
2 . النساء:46.

صفحه 80
يسمعوا، وليس هذا من مقولة التناقض لاختلاف متعلّقهما، فالله سبحانه ينهى المؤمنين أن يكونوا مثل هؤلاء.
2. المنافقون الذين يصفهم سبحانه بالوصف نفسه، أي يسمعون ظاهراً ولا يسمعون حقيقة، قال سبحانه: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ)(1).
22. (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ):
لمّا نهى سبحانه المؤمنين عن أن يكونوا مثل أحد الفريقين الماضيين، علّل نهيه بقوله: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ) جمع دابّة، وهي كلّ ما يدبّ على الأرض، وفي مصطلح العرف هي الخيل، ولكنّ المراد هو المعنى الأوّل، فشرّ ما يدبّ على الأرض (عِنْدَ اللهِ) هم الذين تتوفّر فيهم الصفات الثلاث:
1. (الصُّمُّ): الذين لا يسمعون.
2. (الْبُكْمُ) الذين يفقدون قوة النُّطق.
وقد قدّم الصُّم على البُكم لأنّ الحالة الثانية، أي كون الإنسان أبكم نتيجة كونه أصمّ.
3. (الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ): الذين يفقدون فضيلة العقل الذي يفرّق به بين الحقّ والباطل.

1 . محمد:16.

صفحه 81
وأُريد بالوصف الأوّل أُولئك الذين لم يفقدوا حاسّة السَّمع، ولكن لا يُلقون السَّمع لمعرفة الحقّ، ولا يُصغون إلى المواعظ الحسنة إصغاءً يُفضي إلى الانتفاع بها.
وأُريد بالثاني أُولئك الذين رُزقوا قوة النُّطق، ولكن لا ينطقون بالحقّ.
وأُريد بالثالث أُولئك الذين رزقوا العقل وإلاّ لم يكونوا مكلّفين، ولكن لا ينتفعون بعقولهم بالتدبّر والتأمّل لتمييز الحقّ عن الباطل. وبكلمة قصيرة: إنّ أُولئك الموصوفين بالصفات الثلاث لا ينتفعون بأدوات المعرفة التي رزقهم الله تعالى إيّاها، لدرك الحقائق، ووعي النُّصح والتذكير.

تبيين كون الكافر شرّ الدّوابّ

وقد يتعجّب الإنسان، لأوّل وهلة، كيف أنّه سبحانه يعدّ الكافر المعاند شرّ الدوابّ؟ وكيف يكون ـ مثلاً ـ شرّاً من الأُسود والفهود والنُّمور؟
ولكن يزول ما اعتراه من تعجّب إذا علم أنّ المراد بالشّرّ الخسّة وفقد الخير بتمامه، لا الشّرّ المترقَّب من الحيوان الضّاري، إذ الإنسان المنتفع بمواهبه فيما يبلغه إلى الكمال هو خير من كلّ ما يدبّ في الأرض، ولكنّ الإنسان الذي أنزل نفسه إلى درجة لا ينتفع بمواهبه السامية يصير أحطّ من كل ما يدبّ، فإنّ غيره من سائر الدوابّ حتى الضواري يمشي وراء منافعه، ولا يعطّل أي عمل لأعضائه.
وإن شئت قلت: الغرض تقدير وجوده من حيث الكمال، فمَن أُوتي مواهب كثيرة يمكن أن توصله إلى ذروة الكمال، وعطّلها إلى حدّ لم ينتفع

صفحه 82
بها أصلاً، فهو فاقد لكلّ خير يُرجى منه.
وقد أُشير إلى ذلك أيضاً في قوله سبحانه:(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ).(1)
23. (وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لاََسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ):
الضمائر ترجع إلى (شَرَّ الدَّوَابِّ) في الآية السابقة الذين لا ينتفعون بمواهبهم السامية من السَّمع والنُّطق والتعقّل. والآية مركّبة من فقرتين لكلّ بيان خاصّ.
الأُولى:(وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لاََسْمَعَهُمْ).
الثانية:(وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ).
أمّا الفقرة الأُولى، فأُريد بالخير هنا، بصيصٌ من نور الفطرة، والميل إلى الهداية التي لم يفسدها سوء التربية وتأثير الأوضاع الاجتماعية الفاسدة، فمعنى الفقرة (وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا): أي شيئاً ولو قليلاً للإقبال على الإيمان (لاََسْمَعَهُمْ): أي وفَّقهم لسماع تفقّه وتدبّر، ولكنّه علم أن لا خير فيهم، بما اجترحوا من السيّئات والخطيئات التي أحاطت بقلوبهم فلم يبق فيها شعاع من نور الفطرة. ثمّ إنّ عدم علمه سبحانه بوجود شيء من الخير دليل على عدم وجوده.
وبعبارة أُخرى: عدم علمه سبحانه بالشيء مساوق لعدم وجوده

1 . البيّنة:8.

صفحه 83
واقعاً، لأنّه المهيمن على العالم كلّه وعلى صحيفة الوجود.
هذا حول الفقرة الأُولى، وقد ثبت أنّه لا خير يُرجى فيهم.
وبهذا يظهر حال الفقرة الثانية، وهو قوله:(وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ) بعد أن علم أنّه لا خير فيهم حتى القليل منه (لَتَوَلَّوْا) ولم ينتفعوا، إذ ليس عندهم بصيص من الإيمان الفطري فلا ينتفعون بالأسماع. وقوله: (وَهُمْ مُعْرِضُونَ)تفسير لقوله: (لَتَوَلَّوْا).
وحاصل الفقرتين: إنّه سبحانه عالم بأنّه لو كان في قلوبهم شيء يبعثهم على سماع الحقّ واستعداد لقبوله، فالله سبحانه يوفِّقهم لسماع آيات الله والانتفاع بها، يقول سبحانه:(إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى)(1)، ولكن ـ يا للأسف ـ أفسد فطرتَهم اتّباعُ الأهواء والتّمادي في العصيان والطغيان، ففقدوا الاستعداد للاهتداء، ففي هذه الحالة لو أسمعهم، بالتلاوة على أسماعهم، آياته وبيّناته، لم تؤثّر فيهم، بل يتولّون وهم معرضون.

إجابة عن سؤال يتعلّق بالآية

بقي في الآية سؤال وهو: ربّما يتصوّر أنّ الفقرتين تشكّلان الشكل الأوّل من الأشكال الأربعة للقياس الاقتراني، وهو بديهي الانتاج، مع أنّ النتيجة هنا غير مطلوبة، حيث تكون صورة القياس كالتالي:
(وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لاََسْمَعَهُمْ)

1 . الكهف:13.

صفحه 84
(وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا) فينتج:
لو علم فيهم خيراً لتولّوا.
مع أنّه سبحانه لو علم فيهم خيراً لَما تولّوا.
وتوضيح هذا الأمر: أنّ من شروط إنتاج الشكل الأوّل تكرار الحدّ الوسط، إذ يجب أن يكون مذكوراً بنفسه في المقدّمتين، مع أنّه في المقام لم يتكرّر.
إذ أُريد من قوله: (لاََسْمَعَهُمْ) الإسماع الحقيقيّ بانتفاعهم بالآيات والبيّنات.
لكن المراد من قوله: (وَلو أَسْمَعَهُمْ) هو السّماع المجرّد عن التأثير، لافتراض عدم العلم بالخير فيهم.
وبعبارة أُخرى: إنّ قوله:(لاََسْمَعَهُمْ) ناظر إلى حال كونهم (فِيهِمْ خَيْرًا)، والجملة الثانية: (وَلو أَسْمَعَهُمْ) ناظرة إلى حال كونهم لا يعلم فيه خيراً، فالحدّ الوسط بين الصغرى والكبرى غير موجود.
24. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ):

الدعوة إلى ما فيه حياة الإنسان

الآية تتشكّل من فقرات ثلاث:
الأُولى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا

صفحه 85
يُحْيِيكُمْ).
الثانية: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ).
الثالثة: (وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ).
فالفقرة الأُولى تدلّ على أنّ في دعوة الرسول حياة الأُمّة.
والثانية تدلّ على حيلولة الله تعالى بين المرء وقلبه.
والثالثة تدلّ على أنّ الحشر إلى الله سبحانه. فلنأخذ في تفسير كلّ فقرة.
أمّا الفقرة الأُولى فالله سبحانه يخاطب المؤمنين ويقول:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ): أي أجيبوا دعوته (إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ)، وهنان سؤالان: ما هو المراد من الموصول في (لِمَا)؟ وما هو المراد من الحياة؟

الجهاد فيه حياة الأُمّة

أمّا جواب الأوّل فواضح، فهو ـ حسب السِّياق ـ الدعوة إلى الجهاد، ومع قطع النظر عن السِّياق فهو راجع إلى كلّ ما يدعو إليه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من المعارف والأحكام.
فلو أخذنا بالسِّياق فالمراد من الموصول الجهاد، فإنّ فيه حياة الأُمة وعزّتها واستقلالها، وفي تركه ذلّتها واستعبادها. يقول الإمام علي(عليه السلام):«أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الْجِهَادَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، فَتَحَهُ اللهُ لِخَاصَّةِ أَوْلِيَائِهِ. وَهُوَ لِبَاسُ التَّقْوى، وَدِرْعُ اللهِ الْحَصِينَةُ، وَجُنَّتُهُ الْوَثِيقَةُ فَمَنْ تَرَكَهُ رَغْبَةً عَنْهُ أَلْبَسَهُ اللهُ ثَوْبَ الذُّلِّ، وَشَمِلَهُ الْبَلاَءُ، وَدُيِّثَ بِالصِّغَارِ وَالْقَمَاءَةِ، وَضُرِبَ عَلَى قَلْبِهِ

صفحه 86
بِالاِْسْهَابِ (الأسداد)، وَأُدِيلَ الْحَقُّ مِنْهُ بِتَضْيِيعِ الْجِهَادِ، وَسِيمَ الْخَسْفَ، وَمُنِعَ النَّصَفَ»(1).
هذا إذا أخذنا بالسِّياق، وإلاّ فالمراد به أعمّ من ذلك، فنقول:

تفسير الحياة بوجوه ثلاثة

إنّ الحياة تارة تطلق ويراد بها الحياة النباتية، مثل قوله: (اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا)(2)، وأُخرى تطلق ويراد بها الحياة الحيوانية، مثل قوله: (إِنَّ الذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى)(3)، وثالثة تطلق على الحياة الأُخروية، نحو قوله: (يَا لَيْتَني قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي)(4)، وعلى هذا فللحياة معنى وسيع، ولذلك ذكر المفسّرون لها وجوهاً:
1. الإيمان، فإنّه حياة القلب، والكفر موته.
2. الحقّ.
3. القرآن والعلم في الدِّين، لأنّ الجهل موت، والعلم حياة، والقرآن سبب الحياة بالعلم، وفيه النجاة والعصمة.
4. الجنّة وما فيها، لما فيها من الحياة الدائمة ونعيم الأبد.
ويمكن أن يقال: إنّ المراد بالحياة في الآية هو الحياة الفكرية والعقلية أوّلاً، والمُثُل والأخلاق الفاضلة ثانياً، والأعمال الصالحة ثالثاً.

1 . نهج البلاغة: الخطبة 27.
2 . الحديد:17.
3 . فصلت:39.
4 . الفجر:24.

صفحه 87
أمّا الأوّل فلأنّ القرآن يدعو إلى التفكّر في مبدأ الكون في كثير من الآيات، منها قوله تعالى: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)(1).
وقد تكرّر قوله سبحانه:(وَمِنْ آيَاتِهِ) في سورة «الروم» ستّ مرّات:(وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَاب)، (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا)، (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)، (وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ)، (وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ)، (وَمِنْ آيَاِتِه أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ).(2) وما هذا إلاّ لحثّ الإنسان على التفكّر في مبدأ الكون والتعرّف على السُّنن المنتظمة التي تحكمه، والتدبّر في الآيات المبثوثة فيه، فالعلم حياة، والجهل موت.
وأمّا المراد الثاني والثالث، أي المُثُل والأخلاق الفاضلة، والأعمال الصالحة، فيتمثّلان في دعوة القرآن إلى مكارم الأخلاق والمُثُل العليا والقوانين التي بها حياة الإنسان المتحضّر في غير واحدة من الآيات حتى روي عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «إنّما بعثت لأُتمِّم مكارم الأخلاق».(3) وقد تجلّت بعض مكارم الأخلاق في قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)(4)،

1 . آل عمران:191.
2 . الروم:20ـ 25.
3 . سنن البيهقي:10/192; كنز العمال:11/420، برقم 31969.
4 . النحل:90.

صفحه 88
فقد أتى في جانبي العقل النظريّ والعمليّ بأفضل ما يُتصوّر، وهذا هو الذي يُسمّيه القرآن بالحياة، التي يفتقدها الكافر. وهذا أحد وجوه المعنى المراد من قوله سبحانه:(مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَر أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)(1)، وفي آية أُخرى يعدّ الكفر موتاً، والإيمان نوراً، يقول:(أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِج مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)(2).

شمول الآية لعامّة الوجوه المحتملة

ويمكن أن يقال بسعة الآية لكلّ ما يدعو إليه النبيّ الأعظم سواء أكان تكليفاً عامّاً أم تكليفاً خاصّاً. ويشهد لذلك ما رواه البخاريّ عن أبي سعيد بن المعلّى قال: كنت أُصلّي في المسجد، فدعاني رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فلم أُجبه. فقلت: يا رسول الله! إنّي كنت أُصلّي. فقال(صلى الله عليه وآله وسلم):ألم يقل الله:(اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ).(3)
والحديث غريب يحتاج إلى توجيه، وهو أنّ المدعو إليه كان واجباً مضيّقاً والصلاة موسَّعاً، فيجوز ترك الثاني لأجل الأوّل.
وإذا أردت أن تلمس الحياة التي دعا إليها النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فقارن بين الحياة في الفترة الجاهلية، والحياة في الفترة الإسلامية، فالمشركون كانوا يئدون

1 . النحل:97.
2 . الأنعام:122.
3 . صحيح البخاري:3/141، برقم 4474، كتاب التفسير.

صفحه 89
بناتهم، ويعبدون الأحجار والأخشاب، ويفتخرون بالإغارة، إلى غير ذلك من المعتقدات الباطلة والأعمال الإجرامية، ولكنّهم بعدما أسلموا حطّموا الأصنام، وعبدوا مصدر الكون خالق السماوات والأرض، واهتمّوا برعاية أولادهم، وعزفوا عن الإغارة على أموال الناس وممتلكاتهم، وصاروا إخواناً متحابّين متآزرين متراحمين، وهذا هو أمير البيان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام)يصف الحياة الجاهلية ويقول:«إِنَّ اللهَ بَعَثَ مُحَمَّداً (صلى الله عليه وآله وسلم)نَذِيراً لِلْعَالَمِينَ، وَأَمِيناً عَلَى التَّنْزِيلِ، وَأَنْتُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ عَلى شَرِّ دِين، وَفِي شَرِّ دَار، مُنِيخُونَ بَيْنَ حِجَارَة خُشْن، وَحَيَّات صُمٍّ، تَشْرَبُونَ الْكَدِرَ، وَتَأْكُلُونَ الْجَشِبَ، وَتَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ، وَتَقْطَعُونَ أَرْحَامَكُمْ. الاَْصْنَامُ فِيكُمْ مَنْصُوبَةٌ، وَالاْثَامُ بِكُمْ مَعْصُوبَةٌ».(1)
بقي هنا شيء، وهو أنّ ظاهر الآية وجوب الاستجابة إذا دعا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولكنّ الحكم كذلك في كلّ من تجب إجابة دعوته وإن لم يكن نبيّاً، فلو دعا الإمام المعصوم إلى المشاركة في الجهاد، أو دعا الحاكم الإسلامي الجامع للشرائط إلى أمر من الأُمور، فتجب إجابة دعوته بملاك واحد، وهو وجوب إطاعته، لقوله سبحانه:(أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ)(2).
هذا كلّه يرجع إلى الفقرة الأُولى من الفقرات الثلاث التي تشتمل عليها الآية.

1 . نهج البلاغة: الخطبة 26.
2 . النساء:59.

صفحه 90

تفسير حيلولة الله بين المرء وقلبه

أمّا الفقرة الثانية، أعني قوله:(وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ)فنقول فيها: إنّ للقلب معنى لغويّاً وهو العضو الصنوبريّ المستقرّ في باطن الصدر، وهو الذي يضخّ الدّم إلى أجزاء البدن المختلفة عبر الشَّرايين، ولكنّ القرآن استخدم هذا اللّفظ وأراد به العقل الذي هو محلّ العزم والإرادة، قال سبحانه:(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ)(1).
إذ لو أُريد بالقلب العضو الصنوبريّ لكان الشرط مستدرَكاً، لوجود هذا العضو في كلّ إنسان، بخلاف ما لو أُريد به العقل الذي هو مركز التدبّر والإرادة، وهو غير متوفّر لدى عامّة الناس.
وأمّا ما هو المراد بالحيلولة، فقيل في معناها: إنّ الله يعلم عزم الإنسان ونيّته، قبل أن تنفعل بعزمه جوارحُه، فشبّه علم الله بذلك بالحائل بين شيئين في كونه أشدّ اتّصالاً بالمحول عنه من أقرب الأشياء إليه على نحو قوله تعالى:(وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)(2).(3)
يلاحظ عليه: أنّه جعل الحائل علم الله سبحانه، وهو خلاف ظاهر الآية، والمتبادر أنّ الحائل هو نفسه سبحانه، ولكن ليس حيلولة مكانية بل حيلولة تدبيرية.

1 . سورة ق:37.
2 . سورة ق:16.
3 . التحرير والتنوير:9/70.

صفحه 91
وفسّره الرازي بأنّ الله يحول بين المرء وبين الانتفاع بقلبه بسبب الموت، يعني بذلك أن تبادروا في الاستجابة فيما ألزمتكم من الجهاد وغيره قبل أن يأتيكم الموت الذي لابدّ منه، ويحول بينكم وبين الطاعة والتوبة. وأضاف: قال القاضي: ولذلك قال تعالى عقيبه ما يدلّ عليه، وهو: (وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) والمقصود من هذه الفقرة الحثّ على الطاعة قبل نزول الموت الذي يمنع منها.(1)
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره وإن كان صحيحاً في نفسه، ولكن في دلالة الآية عليه خفاء، ولو أُريد هذا لقال مثلاً: «استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم» من قبل أن يأتي أحدكم الموت، أو «من قبل أن يأتيكم الموت». والظاهر أنّ ما ذكره من الوجه الخامس في كلامه هو المقصود، قال: إنّ قربه تعالى من عبده أشدّ من قرب العبد منه، والمقصود منه التنبيه على أنّه تعالى لا يخفى عليه شيء ممّا في باطن العبد وممّا في ضميره، ونظير قوله سبحانه:(وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)(2).
ثمّ إنّ قربه سبحانه إلى العبد أكثر من قربه إلى قلبه، ليس قرباً مكانياً بل قرباً قيّوميّاً، فإنّه الخالق للإنسان وقلبه وكلّ ما يرتبط بقلبه، وهو في حدّ ذاته قائم به قياماً قيّوميّاً لا يمكن انقطاعه عن الله سبحانه وإلاّ لشمله العدم، كما هو شأن كلّ وجود إمكانيّ، فهو بحاجة إلى إفاضة الوجود من المفيض في كلّ لحظة من بدء وجوده إلى نهاية عمره، ففي مثله يكون المفيض محيطاً به إحاطة قيّومية، واقفاً على عزائمه ومقاصده، خيراً كانت أو شرّاً.

1 . تفسير الرازي:15/148.
2 . تفسير الرازي:15/149.

صفحه 92
ولمّا كان هذا موقف الربّ من عبده، فعليه أن تكون مقاصده على نحو يرضاه الربّ وإلاّ فيُجزى حسب ما أراد وعمل.
روى أبو الجارود عن الإمام الباقر(عليه السلام) في قوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) أنّه قال: يحول بين المؤمن ومعصيته الّتي تقوده إلى النار، ويحول بين الكافر وبين طاعته أن يستكمل به الإيمان، واعلموا أنّ الأعمال بخواتيمها».(1)
ثمّ إنّه سبحانه عبّر عن الحيلولة بصيغة المضارع «يحول» مشعراً باستمرار ذلك، ووجهه يظهر من إحاطة الربّ بالعبد.
وبذلك يُعلم معنى الفقرة الثالثة، أعني قوله:(وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ): أي تتجلّى في ذلك اليوم مالكيّة الربّ للعبد بعامّة أجزائه.
وعلى ما ذكرنا، فالآية بفقراتها الثلاث منسجمة غير متقطّعة. وللشريف الرضي كلام قريب ممّا أوردنا، يقول: وفي الآية استعارة على بعض التأويلات المذكورة في هذه الآية، والمعنى: أنّ الله تعالى أقرب إلى العبد من قلبه، فكأنّه حائل بينه وبينه من هذا الوجه، أو يكون المعنى: أنّه تعالى قادر على تبديل قلب المرء من حال إلى حال، إذ كان سبحانه موصوفاً بأنّه مقلّب القلوب، والمعنى: أنّه ينقلها من حال الأمن إلى حال الخوف، ومن حال الخوف إلى حال الأمن، ومن حال المساءة إلى حال السرور، ومن حال المحبوب إلى حال المكروه.(2)

1 . تفسير القمي:1/271.
2 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:43.

صفحه 93
ثمّ إنّ الرازي مع ذكائه وسعه علمه قد زلّت قدمه في تفسير الآية، فجعلها دليلاً على الجبر، وقال: أمّا القائلون بالجبر، فقال الواحدي حكاية عن ابن عباس والضحّاك: يحول بين المرء الكافر وطاعته، ويحول بين المرء المطيع ومعصيته، فالسعيد من أسعده الله، والشقيّ من أضلّه الله، والقلوب بيد الله يقلّبها كيف يشاء، فإذا أراد الكافر أن يؤمن والله تعالى لا يريد إيمانه يحول بينه وبين قلبه، وإذا أراد المؤمن أن يكفر والله لا يريد كفره حال بينه وبين قلبه. وقد دلّلنا بالبراهين العقلية على صحّة أنّ الأمر كذلك.(1)
يلاحظ عليه: أنّه لو صحّ ذلك الأمر عنده، فما هي الغاية إذاً من تكليف العصاة والأشقياء مع أنّه سبحانه سوف يحول بينهم وبين تكاليفهم؟ أليس ذلك أمراً عبثياً، لا يصدر عن العاقل فضلاً عن الحكيم المطلق؟ نعم ورد في بعض الروايات شيء ممّا ذكره، ففي الدر المنثور:«يحول بين المؤمن والكفر، ويحول بين الكافر والهدى».(2) غير أنّه مؤوّل بحكم سائر الآيات والروايات، وأنّ المؤمن لأجل إقباله على الله سبحانه واستماع كلماته ودعوة أنبيائه، يحول بينه وبين الكفر، أي يوفّقه لما فيه رضاه، ويصونه عمّا ليس فيه رضاه، وأمّا الكافر فلأجل عناده مع رسله فيحرمه من فيوضه وهداياته. وبذلك تقف على مفاد الروايات التي نقلها البحراني في «البرهان».(3)

1 . تفسير الرازي:15/147.
2 . تفسير الدر المنثور:4/45.
3 . لاحظ: البرهان في تفسير القرآن:4/296.

صفحه 94
25. (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ):

الفتنة وموارد استعمالها في القرآن

قبل أن نشرع في تفسير الآية، نشير إلى ما يوضّحها:
1. ما هو المراد من الفتنة في قوله:(وَاتَّقُوا فِتْنَةً)؟
والجواب: تطلق الفتنة ويراد بها الاختبار، يقول سبحانه:(وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ)(1)، وقال سبحانه:(وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ)(2)، وربما يراد بها المنكر. وسيوافيك أنّ المراد ليس مطلق المنكر بل المنكر الذي لو عُمل به تلحق آثاره السيئة صاحبَه وغيره.
2. ظاهر قوله:(لاَ تُصِيبَنَّ)، أنّه نهيٌ لا نفيٌ بشهادة دخول نون التوكيد عليه، ولكن الأخذ بظاهرها غير واضح، لأنّ الفتنة ليس فاعلاً عاقلاً حتى تنهى عن إصابته لجمع خاص، فلابدّ أن يكون النهي بمعنى النفي فيؤول المعنى إلى: اتّقوا فتنة لا تصيب مجموعة خاصّة بل تتعدّاهم إلى غيرهم.
وقد أطال المفسّرون في بيان معنى الفقرة، وما ذكرناه هو الظاهر، ونظيره ما في قوله تعالى:(قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ)(3)، فإنّ الأخذ بظاهرها غير

1 . الأنفال:28.
2 . العنكبوت:3.
3 . النمل:18.

صفحه 95
تامّ، لأنّه لا معنى لنهي النملة سليمان وجنوده عن التحطيم، ولذلك يُحمل على الإخبار، أي ادخلوا مساكنكم لئلاّ يحطمنّكم سليمان وجنوده.
إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّ الآية تفسَّر بوجهين:
الأوّل: أنّ الآية ناظرة إلى مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنّه إذا شاع المنكر في المجتمع فإنّ تأثير مفاسده والأضرار التي تنتج عنه لا يقتصر على الفاعلين; بل يعمّ المجتمع بكافة أفراده صالحيه وطالحيه، فأمّا الطالح فلأجل دوره في عمل المنكر على مرأى من الآخرين، وأمّا الصالح فلسكوته ولعدم تصدّيه لدفع المنكر، نظير ذلك ما ورد في الآيات التي نزلت حول أُمّة من بني إسرائيل كانوا قد نُهوا عن الاصطياد يوم السبت، ولكنّهم تحايلوا في اصطياد الأسماك بالنحو المذكور في التفاسير، فصاروا طوائف ثلاثة: المذنبون، والناهون، والساكتون، قال سبحانه:(وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَاب بَئِيس بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ).(1)
ترى أنّه سبحانه استثنى ممّن عمّهم العذاب طائفة، وهم الذين كانوا ينهَون عن السُّوء، فدلّ على أنّ الساكتين كانوا يشاركون المذنبين في

1 . الأعراف:163ـ 165.

صفحه 96
الذّنب، فعمّهم العذاب.
التفسير الثاني: أنّ المراد من الفتنة هو المنكر الخاصّ على نحو لو شاع في المجتمع لعمّت آثاره السيئة الجميع حتى المؤمنين المتّقين، من دون أن يكون مخالفاً لعدله سبحانه، وهو عبارة عن إيجاد الاختلاف بين الأُمّة الإسلامية وشقّ العصا والدعوة إلى التفرقة، فهذا النوع من المنكر، أثره السَّيّئ يعمّ الجميع، وهذا نظير إيجاد الاختلال في النظام الإسلامي فإنّ شرر هذا العمل لا يختصّ بمثيري الفتنة فقط، بل سيعمّ الجميع. ويشهد لذلك أنّ الأُمة ابتليت بعد رحيل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بحوادث مرّة شتّتت أمر الأُمة وأضعفتهم، فصاروا أياديَ مختلفة بدل أن يكونوا يداً واحدة.
يقول الإمام علي(عليه السلام): «إِنَّ الشَّيْطَانَ يُسَنِّي لَكُمْ طُرُقَهُ، وَ يُرِيدُ أَنْ يَحُلَّ دِينَكُمْ عُقْدَةً عُقْدَةً، وَ يُعْطِيَكُمْ بِالْجَمَاعَةِ الْفُرْقَةَ، وَبِالْفُرْقَةِ الْفِتْنَةَ. فَاصْدِفُوا عَنْ نَزَغَاتِهِ وَنَفَثَاتِهِ، وَاقْبَلُوا النَّصِيحَةَ مِمَّنْ أَهْدَاهَا إِلَيْكُمْ، وَاعْقِلُوهَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ ».(1)
وللسيد الطباطبائي كلام جميل في تفسير الآية، يقول فيه: الآية تحذِّر عامّة المسلمين من المساهلة في أمر الاختلافات الداخلية التي تهدّد وحدتهم وتوجب شقّ عصاهم واختلاف كلمتهم، ولا تلبث دون أن تحزّبهم أحزاباً وتبعّضهم أبعاضاً، ويكون المُلك لمن غلب منهم، والغلبة لكلمة الفساد، لا لكلمة الحقّ والدِّين الحنيف الذي يشترك فيه عامّة المسلمين.

1 . نهج البلاغة: الخطبة 121.(يُسنّي: يُسهِّل. اعقِلوها على أنفسكم: اربطوها والزَموها).

صفحه 97
فهذه فتنة تقوم بالبعض منهم خاصّة وهم الظالمون، غير أنّ سيّئ أثره يعمّ الكلّ ويشمل الجميع، فتستوعبهم الذلّة والمسكنة وكلّ ما يُترقَّب من مُرّ البلاء بنشوء الاختلاف فيما بينهم، وهم جميعاً مسؤولون عند الله، والله شديد العقاب.(1)
روى الشَّعبيّ عن النُّعمان بن بشير، عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «مَثَل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استَهَموا(2) على سفينة، فأصاب بعضُهم أعلاها وبعضُهم أسفلَها. فكان الذين في أسفلها، إذا استَقَوا من الماء، مرّوا على من فوقهم، فقالوا: لو أنّا خَرَقْنا في نصيبنا خَرْقاً، ولم نُؤذِ مَن فوقَنا، فإن يتركوهم وما أرادوا، هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم، نَجَوا ونَجَوا جميعاً».(3)
وقد تفطّن صاحب المنار لهذا المعنى من الفتنة، وقال: أي واتّقوا وقوع الفتن القومية والملّية العامة التي من شأنها أن تقع بين الأُمم في التنازع على مصالحها العامّة من الملك والسيادة أو التفرّق في الدِّين والشريعة، والانقسام إلى الأحزاب السياسية كالمذاهب، والسياسية كالحكم، فإنّ العقاب على ذنوب الأُمم أثر لازم لها في الدنيا قبل الآخرة كما تقدّم مراراً، ولهذا عبّر هنا بالفتنة، دون الذنب والمعصية، والفتنة البلاء

1 . الميزان في تفسير القرآن:9/51.
2 . استَهَموا: اتّخذ كلّ واحد منهم سهماً، أي نصيباً في السفينة بالقرعة.
3 . صحيح البخاري:2/126، برقم 2493، كتاب الشركة، باب هل يقرع في القسمة والاستهام فيه; سنن الترمذي:635 برقم 2180، كتاب الفتن، تخريج وترقيم صدقي جميل العطّار.

صفحه 98
والاختبار كما تقدّم بيانه مراراً.(1)
إلاّ أنّ صاحب المنار لم يشر إلى مبدأ الفتنة التي سببت الاختلاف، ولكن النظر إلى ما جرى من أحداث في أواخر أيام حياة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)يرشدنا إلى مبدأ الفتن.
روى البخاري عن ابن عباس، قال: لمّا اشتدّ بالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وَجَعُه، قال: «ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تَضِلُّوا بعده».
قال عمر: إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) غَلَبَه الوَجَع، وعندنا كتابُ الله حَسْبُنا، فاختلفوا وكثر اللَّغَط، قال:«قُوموا عنّي، ولا ينبغي عندي التنازع» فخرج ابن عباس يقول: إنّ الرَّزيّة كلَّ الرَّزيّة ما حال بين رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وبين كتابه.(2)
وبذلك يظهر ضعف ما ذكره صاحب المنار، حيث زعم أنّ فتنة عثمان أوّل هذه الفتن التي اختلفت فيها الآراء واختلفت المواقف من أهل الحلّ والعقد.(3)
ونحن نقول: إنّه غفل أو تغافل عن أنّ جذور هذه الفتنة (لو صحّ
أن نسمّيها فتنة) قد سبقت أيام وقوعها، فإنّ من قرأ ما جرى في السقيفة من التشاجر والتنازع بين المهاجرين والأنصار، وما جاء بعد ذلك من
لعبة الشورى السداسيّة التي وضع أساسها عمر بن الخطاب من أجل تعيين الخليفة بعده، يقف على أنّها صارت سبباً لوقوع فتنة بعد فتنة، فإنّ

1 . تفسير المنار:9/637.
2 . صحيح البخاري:1/38، برقم 114، كتاب العلم.
3 . لاحظ: تفسير المنار:9/638.

صفحه 99
استغلال بني أُمية منصّة الخلافة وجعلها ملكاً عضوضاً يرثونه واحداً بعد واحد من آثار الفتن السابقة، خصوصاً الشورى السداسيّة، ونِعمَ الحكم الله سبحانه.
ثمّ إنّ الرازي فسّر الآية بوجه لا يليق بمقامه، فطرح سؤالاً وقال: كيف يليق برحمة الرحيم الحكيم أن يوصل الفتنة والعذاب إلى من يُذنب؟ قلنا:إنّه تعالى قد ينزل الموت والفقر والعمى والزّمانة بعبده ابتداء، إمّا لأنّه يحسن منه تعالى ذلك بحكم المالكية، أو لأنّه تعالى علم اشتمال ذلك على نوع من أنواع الصلاح على اختلاف المذهبين، وإذا جاز ذلك لأحد هذين الوجهين، فكذا هاهنا. والله أعلم.(1)
أقول: إنّ الرازي لما لم يكن من أصحاب التحسين والتقبيح العقليين، فسّر الآية بالإرادة الجُزافية لله سبحانه، تعالى الله عن ذلك.
ثمّ إنّ الآية تشير إلى وجود هذه الفتنة في مستقبل المسلمين. روى السيوطي في الدر المنثور عن قتادة في الآية: علم ـ والله ـ ذوو الألباب من أصحاب محمد حين نزلت هذه الآية أنّه ستكون فتن.(2)
ويدلّ على ما ذكرنا من معنى الفتنة، ما رواه الطبري عن قتادة، قال: قال الزبير بن العوام: لقد نزلت وما نرى أحداً منّا يقع بها، ثم خصّتنا في إصابتنا خاصّة.
وما رواه عن ابن صهبان قال: سمعت الزبير بن العوام يقول: قرأت

1 . تفسير الرازي:15/150.
2 . تفسير الدر المنثور:3/177.

صفحه 100
هذه الآية زماناً وما أرانا من أهلها، فإذا نحن المعنّيون بها.(1)
روى الطبريّ عن قتادة أنّ علياً(عليه السلام) قال للزُّبير يوم الجمل: يا زبير أتذكر يوم مررتَ مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، في بني غنم، فنظر إليّ فضحك وضحكت إليه، فقلتَ: لا يدع ابن أبي طالب زهوه، فقال لك رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): صه، إنّه ليس به زهو ولتقاتلنّه وأنت له ظالم؟ قال: اللهمّ نعم....(2)
وثمّة كلام قيّم للشيخ محمد أبو زهرة المصريّ، حول الآية، جاء فيه: إن ظلم الجماعات لا تقف مغبّاته عند من يرتكبون الظلم، بل يتجاوز إلى الإفساد في الجماعة نفسها. ثمّ قال: ومن أجل هذا حثّ الله تعالى على اتّقاء الفتن، وهي الذنوب، أو الذنوب التي تختبر بها الجماعات، ومن شأنها أن تشيع أو تفسد رأيها العام، كما نرى في عصور الانحلال وشيوع الفساد، وشيوع الدعوات المنحرفة، ويكون فيها الهوى متّبَعاً، والرأي منحرفاً، أو الفتن تموج كموج البحر، كما رأينا في بغي معاوية ومن معه على إمام الهدى عالم المسلمين، وحامل سيف الحقّ عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه.(3)
26. (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ

1 . جامع البيان:9/272 برقم 15920 و 15922.
2 . تاريخ الطبري:3/514(سنة 36هـ)، منشورات مؤسسة الأعلمي، وانظر: تفسير الرازي:15/149.
3 . زهرة التفاسير:6/3099ـ3100.

صفحه 101
الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ):

الإنعام على المهاجرين بالنِّعم الثلاث يستدعي الشُّكر

الظاهر أنّ الآية تخاطب المهاجرين فقط، بقرينة قوله:(فَآوَاكُمْ)فإنّ الإيواء كان مختصّاً بالمهاجرين دون غيرهم.
كان المسلمون في الفترة المكية قليلين، مستضعفين، وكانوا يخافون على أنفسهم التخطُّف، أي أن يأخذهم المشركون بسرعة ويقتلونهم، لكنّ الله سبحانه حوّلهم من تلك الحالة المزرية إلى حالة أُخرى، والآية تحكي عن هذه الحالة:(وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ) في الفترة المكيّة (مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ) استضعافاً سياسياً لا استضعافاً فكرياً وثقافياً، لأنّهم بعد ما أسلموا وتعلّموا معارف الإسلام وأحكامه صاروا ذا ثقافة عالية، قال علي(عليه السلام): «لاَ يَقَعُ اسْمُ الْهِجْرَةِ عَلَى أَحَد إلاّ بِمَعْرِفَةِ الْحُجَّةِ فِي الاَْرْضِ. فَمَنْ عَرَفَهَا وَأَقَرَّ بِهَا فَهُوَ مُهَاجِرٌ، وَلاَ يَقَعُ اسْمُ الاِْسْتِضْعَافِ عَلَى مَنْ بَلَغَتْهُ الْحُجَّةُ فَسَمِعَتْهَا أُذُنُهُ وَوَعَاهَا قَلْبُهُ»(1)، ولكنّهم كانوا في غاية الضعف من حيث العُدّة والعدد(تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ): أي ينتزعكم قومكم بسرعة فيفتكوا بكم في مكة والحرم الشريف، كما كان يَتخطَّف بعضهم بعضاً خارج الحرم، فالله سبحانه أخرجكم من هذا الحالة المأساوية، وأنعم عليكم بنعم ثلاث:
1. (فَآوَاكُمْ) حيث جعل لكم المدينة المنوّرة (دار الهجرة) مأوىً تستقرّون فيه.

1 . نهج البلاغة: الخطبة 189.

صفحه 102
2. (وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ) على الأعداء مطلقاً، وفي خصوص غزوة بدر.
3. (وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ): أي الغنائم.
وهذه النِّعَم الثلاث تُعدّ من أُصول النِّعم الكبرى، وبذلك تظهر صلة الآية بما قبلها، حيث إنّ الانتصار والحصول على الطيِّبات كانا بعد غزوة بدر.
ومن المعلوم أنّ كلّ نعمة من الله تستدعي شكراً، فعليكم أن تشكروا كما يقول:(لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)، والآية تشير إلى سنّة من سنن الله تعالى في حياة البشر، وأنّهم إذا آمنوا وصبروا في طريق الدعوة لازمتهم السعادة الدنيوية والسيادة والاستقلال قبل نِعَم الآخرة. فالمهاجرون لمّا آمنوا وصبروا على أذى قريش ومصاعب الحياة في مكة المكرمة، فالله سبحانه نقلهم إلى حياة أُخرى لا يشذّ فيها شيء من النِّعم.
وبعبارة أُخرى: ربّما يُتصوَّر أنّ الله سبحانه يجازي الإنسان بعمله الصالح في الآخرة فقط، وهذا صحيح ولكنّ الآية تشير إلى أنّ الله سبحانه ربّما يجازي في الدنيا أيضاً، فهذه النِّعم الثلاث كلّها جزاء للعمل الصالح (وهو الاعتقاد بالإسلام) في الدنيا نفسها.
ثمّ إنّ الشكر يتجلّى بصور مختلفة:
1. الشّكر باللِّسان، كقول الإنسان: أشكر الله على ما أنعم. وهذا الشُّكر يقع في الدرجة النازلة.
سورة الأنفال: الآيات 27 ـ 29   
2. الشّكر بالجَنان، وهو الاعتقاد بأنّ ما عنده من النِّعم هي من الله سبحانه، وأنّ عليه أن يصرفها فيما أمر به.

صفحه 103
3. الشّكر العملي، وهو استعمال النّعم فيما خلقه الله لأجله، فالله سبحانه جهّز الإنسان بالحواسّ الخمس، فشكرُها إعمالها فيما رخّص فيه، والابتعاد عمّا حرّم استعمالها فيه.
وكثير من الناس ربّما يتصوّرون أنّ الشّكر باللِّسان يقوم مقام الشّكر بالوجهين الآخرين، مع أنّ المهمّ هو الثالث. قال الإمام علي(عليه السلام) في وصف المتّقين:«غَضُّوا أَبْصَارَهُمْ عَمَّا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِمْ، وَوَقَفُوا أَسْمَاعَهُمْ عَلَى الْعِلْمِ النَّافِعِ لَهُمْ».(1)

الآيات: السابعة والعشرون إلى التاسعة والعشرين

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ).

المفردات

تخونوا: الخيانة: نقض ما وقع عليه تعاقد من دون إعلان بذلك النقض، ويقابلها الوفاء. يقول الزّمخشريّ: معنى الخون النَّقص، كما أنّ معنى الوفاء التَّمام، ومنه تَخوَّنه إذا تنقَّصه، ثم استعمل في ضدّ الأمانة

1 . نهج البلاغة: الخطبة 193.

صفحه 104
والوفاء، لأنّك إذا خُنت الرَّجل في شيء فقد أدخلت عليه النُّقصان فيه، وقد استعير فقيل: خان الدَّلو الكَرَب(1)، وخان المُشتار السَّبب، لأنّه إذا انقطع به فكأنّه لم يفِ له.(2)
أماناتكم: الأمانة: اسم لما يحفظه المرء عند غيره لئلاّ يضيع، مشتقّة من الأمن.
فتنة: وسيلة اختبار وامتحان.
فرقاناً: ما يفرَّق به بين الحقّ والباطل.

التفسير

27. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ):
لقد خاطب الله سبحانه المؤمنين في هذه السورة مرّة بعد مرّة، وهذه هي المرّة الرابعة، حيث يخاطبهم بقوله:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)، وقد خصّ المؤمنين بالخطاب لأنّ المضمون يختصّ بهم، ثمّ إنّه سبحانه نهى المؤمنين عن أمرين:
أ. (لاَ تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ).
ب. (وَ)لا (تَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ).

1 . الكَرَب: الواحدة كَرَبة: حُبيل يصل رِشاء الدَّلو بالخشبة المعترضة عليها.
2 . تفسير الكشّاف:2/122.

صفحه 105

ما هو المراد من خيانة الله والرسول؟

ربّما تفسَّر الخيانة بما ذكره الزمخشري من أنّ خيانة الله هي بأن تعطّلوا فرائضه، وخيانة رسوله بأن لا يستنّوا به.(1)
وروي عن ابن عباس أنّ المراد من خيانة الله ترك الفرائض، ومن خيانة الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم)ترك سنّته.(2) وما ذُكر وإن كان صحيحاً لكنّ سياق الآية ووقوعها بعد الغزوة يسوقنا إلى تفسيرها بوجه آخر، وهو أنّ المراد هو وضع الأسرار العسكرية للمسلمين في تصرّف أعدائهم، أو كما قال إسماعيل بن عبد الرحمن السُّدّيّ(المتوفّى 128هـ): كانوا يسمعون من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) الحديث، فيُفشونه حتى يبلغ المشركين.(3) ويؤيّده ما ورد في شأن نزول الآية وأنّها نزلت في أبي لُبابة بن عبد المنذر الأنصاريّ، على ما قاله الطبرسي مرويّاً عن الباقر والصادق(عليهما السلام)والكلبيّ، والزُّهريّ:
قال: ذلك أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حاصر يهود بني قريظة إحدى وعشرين ليلة، فسألوا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)الصلح على ما صالح عليه إخوانهم من بني النضير على أن يسيروا إلى إخوانهم إلى أذرعات وأريحا من أرض الشام، فأبى أن يُعطيهم ذلك رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ، فقالوا: أرسل إلينا أبا لبابة، وكان مناصحاً لهم، لأنّ عياله وماله وولده كانت عندهم، فبعثه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فأتاهم، فقالوا: ماترى ـ يا أبا لبابة ـ أننزل على حكم سعد بن معاذ؟ فأشار أبو لبابة بيده إلى حلقه، إنّه الذَّبح فلا تفعلوا،

1 . تفسير الكشّاف:2/122.
2 . تفسير الدر المنثور:4/49.
3 . رواه عنه الطبريّ في: جامع البيان:9/277، برقم 15943.

صفحه 106
فأتاه جبرئيل(عليه السلام) فأخبره بذلك، قال أبو لبابة: فو الله ما زالت قدماي من مكانهما حتّى عرفت أنّي قد خنت الله ورسوله، فنزلت الآية فيه.
فلمّا نزلت شدّ نفسه على سارية من سواري المسجد، وقال: والله لا أذوق طعاماً ولا شراباً حتّى أموت، أو يتوب الله عليّ، فمكث سبعة أيّام لا يذوق فيها طعاماً ولا شراباً حتّى خرّ مغشياً عليه، ثمّ تاب الله عليه، فقيل له: يا أبا لبابة، قد تيب عليك. فقال: لا والله، لا أحلُّ نفسي حتّى يكون رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) هو الذي يحلّني، فجاءه وحلّه بيده، ثمّ قال أبو لبابة: إنّ من تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبتُ فيها الذّنب، وأن أنخلع من مالي، فقال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم):«يُجزيك الثُّلث أن تصدّق به».(1)
نعم، كانت حادثة بني قريظة في السنة الخامسة، وأمّا غزوة بدر فكانت في السنة الثانية من الهجرة، فلا يبعد أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أمر بوضع هذه الآية في سورة الأنفال في محلّها، كما هو شأن بعض الآيات.
وعلى كلّ تقدير، فأريد من خيانة الله والرسول إفشاء أسرارهم العسكرية والمقاصد الحربية التي تضيع بإفشائها أهداف الدين، وتُهدر بإضاعتها مساعي المسلمين وجهودهم، فيعود ضرره على عامّة المؤمنين.
وأمّا الفقرة الثانية، أعني قوله:(وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ) فقد جُزم الفعل فيه لكونه عطفاً على قوله: (لاَ تَخُونُوا اللهَ): أي ولا تخونوا أماناتكم، فيمكن أن يقال: إنّ خيانة المؤمنين ليست خيانة مستقلّة بل هي ذيل للفقرة الأُولى، فإنّ خيانة الله والرسول بإفشاء الأسرار العسكرية خيانة للمؤمنين حيث

1 . مجمع البيان:4/823.

صفحه 107
يتضرّر المجتمع الإسلامي عامّة. ومع ذلك يمكن أن يقال: إنّه نهي عن خيانة الأمانات التي يضعها بعض الناس عند بعض. وفي إضافة الأمانات إلى المؤتمنين أنفسهم إشارة إلى فظاعة الخيانة وأثرها السَّيئ، لأنّ الخائن يخون نفسه وهذا من أقبح الأفعال.
ثمّ إنّه سبحانه ذيّل الآية بقوله:(وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) وهو إشارة إلى علم الخائن بالموضوع والحكم، فإنّ تنجّز التكليف فرع العلم بالحكم والموضوع، أي أنّ هذه خيانة، وقد حرّمها الله تعالى.
قلنا بأنّ خيانة الله ورسوله هي كشف الأسرار العسكرية وغيرها، ويؤيّد ذلك قوله تعالى:(إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا)(1)، وبما أنّه سبحانه يأمر ـ بعد هذه الآية ـ بإطاعة الله وإطاعة الرّسول وأولي الأمر، فيكون ذلك دليلاً على أنّ التصدّي للحكم وللوظائف الحكومية هو أمانة الله تعالى وأمانة الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم) يتحملّها القائمون بها، ولذلك يقول الإمام عليّ(عليه السلام)لأحد ولاته: «وَإِنَّ عَمَلَكَ لَيْسَ لَكَ بِطُعْمَة وَلكِنَّهُ فِي عُنُقِكَ أَمَانَةٌ، وَأَنْتَ مُسْتَرْعًى لِمَنْ فَوْقَكَ. لَيْسَ لَكَ أَنْ تَفْتَاتَ فِي رَعِيَّة»(2).
ويخاطب(عليه السلام) عمّاله على الخراج بقوله:«فَأَنْصِفُوا النَّاسَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ، وَاصْبِرُوا لِحَوَائِجِهِمْ. فَإِنَّكُمْ خُزَّانُ الرَّعِيَّةِ، وَوُكَلاَءُ الاُْمَّةِ».(3)
وعن أنس بن مالك قال: قلّما خطبنا نبيُّنا(صلى الله عليه وآله وسلم) أو قال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ

1 . النساء:58.
2 . نهج البلاغة: قسم الرسائل، برقم 5 (تَفْتات: تستبدّ).
3 . نهج البلاغة: قسم الرسائل، برقم 51.

صفحه 108
قال في خطبته:«لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له».(1)
ويتجلّى معنى الأمانة والالتزام بها في الخبر التالي:
جاء الزُّبير وطلحة إلى عليّ(عليه السلام) بعد البيعة بأيّام، فقالا له: يا أمير المؤمنين، قد رأيت ما كنّا فيه من الجَفْوة في ولاية عثمان كلّها، وعلمتَ رأي عثمان كان في بني أُميّة، وقد ولاّك الله الخلافة من بعده، فولِّنا بعض أعمالك، فقال لهما: ارضَيا بقسْم الله لكما، حتى أرى رأيي، واعلما أنّي لا أُشرك في أمانتي إلاّ من أرضى بدينه وأمانته من أصحابي، ومن قد عرفتُ دخيلتَه»، فانصرفا عنه وقد دَخَلهما اليأس.(2)
28. (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ):

الأموال والأولاد من أسباب الافتتان والاختبار

إنّ الاختبار من الموضوعات التي أكّد عليها الذِّكر الحكيم في جملة من الآيات، ففي سورة البقرة يؤكّد على أنّه سبحانه يمتحن الناس (بِشَيء مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْص مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالَّثمَرَاتِ)(3)، وفي آيتنا هذه يختبر الناس بأمرين، كما يقول:(وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ)، وفي آية أُخرى يقول: (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ).(4)

1 . سنن البيهقي:6/288.
2 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:1/231.
3 . البقرة:155.
4 . آل عمران:186.

صفحه 109
وأمّا وجه الافتتان بالأموال والأولاد، فلأنّ الأولاد ثمرة الفؤاد، وفي حديث:«الولد ثمرة القلب» وحبّ الوالدين له أمر فطريّ، فلقد ربّياه في أحضانهما سنين، فامتزج حبُّه بدم كلٍّ منهما وقلبه، وربما يحملهما حبُّه على اقتراف ما حرّم الله سبحانه، فالمؤمن بالله ويوم الجزاء يقدّم طاعة الله على النزول على حكم محبّة إذا أدّت إلى مجاوزة حدوده سبحانه، فيخرج من الابتلاء مرفوع الرأس، وربما يكون الأمر على العكس فتزلّ قدم العبد بسبب الإفراط في حبّ الأولاد. ونظيره حبّ المال، قال سبحانه:(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآب).(1)
فالناس في هذا الاختبار على قسمين:
فمنهم من يعميه حبُّ المال ولا يميّز بين الحلال والحرام، فيجمع القناطير المقنطرة فيها الحلال والحرام، والمظالم و... .
ومنهم من ينظر بنور الله ويرى أنّ الأموال وديعة بيده، فيقتصر على ما أحلّه الله له، ويعرض عما حرّمه الله تعالى.
وفي التاريخ شواهد على أنّ حبّ الأولاد يجرّ الآباء إلى الهلاك، كما أنّ حبّ المال يُفضي إلى التعدّي على أحكامه سبحانه، ومن هذه الشواهد قول الإمام(عليه السلام) للزُّبير بن العوّام: قد كنّا نعدّك من بني عبد المطلب حتّى بلغ

1 . آل عمران:14.

صفحه 110
ابنك ابن السُّوء، ففرّق بيننا وبينك.(1)
ففي معركة الجمل لما التقى الزبير عليّاً(عليه السلام) وذكّره عليّ بقول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) «ليقاتلنّك وهو لك ظالم»، أراد الانصراف عن محاربة الإمام(عليه السلام)ولكنّ ابنه عبد الله عيّره بالجُبن، وخاطبه بقوله:«إنّك قد خرجت على بصيرة، ولكنّك رأيت رايات ابن أبي طالب وعرفت أن تحتها الموت فجبنت، فأحفَظَه حتى أُرعد وغضب، وقال: ويحك إنّي قد حلفت له ألاّ أقاتله، فقال له ابنه: كفِّر عن يمينك بعتق غلامك سرجس، فأعتقه وقام في الصفّ معهم.(2)
ولأجل وقاية المؤمنين من الافتتان بالأموال والأولاد، ختم سبحانه الآية بهذا الترغيب الشديد:(وَأَنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) لمن آثر طاعة الله سبحانه على أمواله وأولاده.
وأمّا صلة الآية بما قبلها، فيمكن أن يقال إن الآية السابقة الّتي تنهى عن خيانة الله والرسول ناظرة إلى ما صدر عن أبي لبابة من خيانة، وهذه الآية ناظرة إلى سبب خيانته، حيث ذُكر أنّه كانت له أموال عند اليهود يخاف ضياعها، ففتنة المال أغرته بأن يُقدم على الخيانة، ويطهّر نفسه بمحاولة الانخلاع من كلّ ماله.(3)
فالله سبحانه ينهى المؤمنين عن تقديم حبّ الأولاد والأموال على أمانة الله والرّسول، والّتي تعني الأسرار العسكرية.

1 . تاريخ الطبري: 3/519.
2 . تاريخ الطبري:3/519 ـ520.
3 . انظر: زهرة التفاسير:6/3107.

صفحه 111
وللإمام علي(عليه السلام) كلام حول الآية يقول فيه:«لاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفِتْنَةِ» لاَِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ إِلاَّ وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى فِتْنَة، وَلكِنْ مَنِ اسْتَعَاذَ فَلْيَسْتَعِذْ مِنْ مُضِلاَّتِ الْفِتَنِ، فَإِنَّ اللهَ سُبْحانَهُ يَقُولُ: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ)».(1)
29. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ):

آثار التقوى تفكيراً وعملاً

قد مرّ في صدر تفسير السورة أنّ هذه الآية من غرر الآيات، وكلّ آياتها غرر، وأنّه سبحانه يحكي عن وجود الملازمة بين التقوى وجعل الفرقان من الله سبحانه، ويخاطب المؤمنين بقوله:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا) والملازمة قطعية سواء عبّر بـ «إنّ» الشرطية أو بـ «إذا»، فما ربما يقال من وجود الترديد والشكّ فيما إذا عبّر بـ«إن» والجزم فيما إذا عبّر بـ«إذا»، فهو ناظر إلى وجود الترديد في وجود الشرط، أي التقوى لا في وجود الملازمة. نعم فرقٌ بين قول القائل: إن أتاك زيد فأكرمه، فالإتيان في الأوّل غير قطعيّ، بخلاف ما إذا قال: «إذا أتاك فأكرمه»، ولكن الملازمة في كلتا القضيتين قطعية.
إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّه سبحانه بعدما حذّر المؤمنين من الافتتان بالأموال والأولاد، وعد المؤمنين بأنّ التقوى لها ثمرات ثلاث:

1 . نهج البلاغة: قسم الحكم، برقم 93.

صفحه 112
1. (يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا).
2. (وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ).
3. (وَيَغْفِرْ لَكُمْ).
ثمّ خُتمت الآية بقوله: (وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ).
أمّا الثمرة الأولى، وهي جعل الفرقان للمتقين، فالتنكير في قوله: (فُرْقَانًا) لبيان العظمة، حيث إنّ للتقوى مراتب مختلفة، أقلّها اجتناب الكبائر وأداء الفرائض، فإذا تزيّنت نفس الإنسان بزينة التقوى، ميّز الإيمانَ عن الكفر، والحقَّ عن الباطل، وعدل في القضاء ولم يُفتتن بالمال والولد ولا بالمناصب والمقامات ولا يخضع للهوى والشهوات. وبذلك يفترق عمّن لا تقوى له، فمثله لا يتحرّر من الأهواء والرغبات، وقد روي:«أنّ حبّ الشيء يعمي ويصمّ».(1)
وحصيلة الكلام: إنّ المتّقي في مجالي العقل النظري والعملي لا يصدر إلاّ عن العقل الحصيف دون الهوى والهَوَس والانقياد إلى العواطف والميول الشخصية، ولذلك قيل: التقوى شجرة والفرقان ثمرتها، أي الفصل بين الحق والباطل، فهناك فرق واضح بين من آمن بالله عزّ وجلّ ربّاً واحداً لا شريك له، وامتثل أوامره ونواهيَه، وبين من اتّخذ الهوى ربّاً لنفسه وإلهاً يُعبد، قال سبحانه:(أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً)(2) .
ولأجل إيضاح مدى تأثير التقوى في حصول الفرقان نقول: الإنسان

1 . الكافي:4/136.
2 . الفرقان:43.

صفحه 113
المتّقي بما أنّه خاضع لحكم الله سبحانه والعقل الحصيف، وطارد للهوى والهوس، يميّز الحسن عن القبيح والعدل عن الظلم، وهذا ما يشير إليه سبحانه بقوله: (إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا)فيكون قضاؤه في الأُمور الفردية والاجتماعية والسياسية وغيرها قضاء صحيحاً.
وأمّا الإنسان الذي يخلو قلبه من التقوى ويخضع لمشتهياته ومنافعه الشخصية، فلا يميّز بين القبيح والحسن، بل ربّما يتجلّى عنده الأوّل صحيحاً، نظير من يضع على عينيه نظّارة ملوّنة حيث يرى كلّ الأشياء بلون نظّارته، وما هذا إلاّ لأنّه ينظر من هذا المنظار الخاصّ، والإنسان المتّبع للهوى ينظر إلى القضايا من منظار خاصّ وهو ما يؤمّن شهواته ومنافعه الشخصية.
وهذا ـ أي التمييز بين الحسن والقبيح ـ أثر التقوى في الدنيا .
وأصدق مثال لما ذكرنا، رجلان قد شاركا في الجيش الأموي غير أنّ أحدهما كان ذا بصيرة فحرّر نفسه من اتّباع الهوى، دون الآخر، أمّا الأوّل فهو الحُرّ بن يزيد الرِّياحيّ(رحمه الله)فإنّه لمّا علم أنّ قائد الجيش الأموي سيقاتل الحسين(عليه السلام) قتالاً أهونه أن تُقطع الرؤوس، أخذ يفكّر مع نفسه، كيف يمكن قتل سبط رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ومن معه من أهل بيته وأصحابه، عندئذ اجتنى من شجرة التقوى ثمرة طيبة يانعة وندم على عمله، مع انّه هو الذي جَعجَع بالحسين(عليه السلام) ومنعه من الرجوع إلى المدينة، فالتحق بالإمام الحسين في صبيحة العاشر من المحرّم، وكان أوّل من استشهد بين يدي الحسين(عليه السلام).
هذا رجل، وهناك رجل آخر اجتنى ثمرة مرّة من شجرة الفسق وهو عمر بن سعد، الذي بات ليلة كاملة يفكّر في أمره، هل يقبل قتال

صفحه 114
الحسين (عليه السلام) أو لا، إلى أن قاده افتتانه بملك الرَّيّ إلى إيثار مقاتلة الحسين(عليه السلام)، وارتكاب تلك الجريمة الكبرى، وقد سُمع وهو يقول: أأترك ملك الرّي والرّيّ مُنيتي *** أمَ ارجعُ مأثوماً بقتل حسين
وفي قتله النّار التي ليس دونها *** حجابٌ وملك الرّىّ قُرة عيني(1)
ولمّا أنّبه عبد الله بن مطيع العَدَويّ على فعلته الشنعاء، بقوله: اخترتَ همدان والرَّيّ على قتل ابن عمك؟! فقال عمر: كانت أُموراً قُضِيتْ من السماء، وقد أعذرتُ إلى ابن عمّي قبل الوقعة فأبى إلاّ ما أبى.(2)
وفي تاريخنا المعاصر نجد أنّ الحرب العالمية الثانية بعد ما طالت عدّة أعوام وراح ضحيتها الملايين من البشر، وهدِّمت المئات من المدن والآلاف من المنشآت، ومع ذلك لم يستفد أحد من الطرفين من القنبلة الذرّية لعدم الحصول عليها يومذاك، ولما تمّت صناعتها، أمر رئيس الولايات المتحدة الامريكية بضرب اليابان بها فأُلقيت على مدينتي «هيروشيما» و«نيكازاكي» وأدّى ذلك إلى محو هاتين المدينتين عن خارطة العالم، وزهقت أرواح جميع من فيهما من السكان.
ولما استنكر عقلاء العالم أجمع هذا العمل الإجرامي، اعتذر رئيس أمريكا بعذر واه نابع عن كفره وعدم تقواه وقال: لو لم أقم بهذا العمل لطالت الحرب وكثرت القتلى، ولذلك أنهيت الحرب بهذا العمل.
ونحن لا نعلّق على قضائه شيئاً، والقارئ الحرّ يقضي بما يوحي إليه

1 . انظر: الكامل في التاريخ:4/53.
2 . طبقات ابن سعد:5/148.

صفحه 115
عقله ووجدانه. هذه الثمرة الأُولى للتقوى، وهي ثمرة دنيويّة، وأمّا ثمرتها الأُخروية فهي عبارة عن الثمرتين الثانية والثالثة .
أمّا الثانية، فهي تكفير السيّئات، كما في قوله تعالى:(وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ)والظاهر أنّ المراد من السيّئات هو السيّئات الصغيرة لقوله سبحانه:(إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ)(1).
وأمّا الثالثة، فهي الغفران، والفرق بين التكفير والغفران هو أنّ الأوّل نوع ستر للصغائر من الذُّنوب، دون محوها من صحف الأعمال، وأمّا الغفران فهو محوها. وهذا هو المراد من قول المفسرين: المراد بالتكفير السّتر في الدنيا، وبالمغفرة الصفح عنها في الآخرة.

أقسام الذنوب في كلام الإمام علي(عليه السلام)

إنّ للإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) كلاماً في أقسام الذنوب، نأتي بنصّه:
قال الراوي: صعد أمير المؤمنين(عليه السلام) بالكوفة المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيّها الناس إنّ الذنوب ثلاثة ثمّ أمسك; فقال له حبّة العُرَنيّ: يا أمير المؤمنين قلتَ: الذنوب ثلاثة ثمّ أمسكت; فقال: ما ذكرتها إلاّ وأنا أُريد أن أفسِّرها، ولكن عرض لي بُهْر حال بيني وبين الكلام، نعم الذنوب ثلاثة: فذنب مغفور، وذنب غير مغفور، وذنب نرجو لصاحبه ونخاف عليه. قال: يا أمير المؤمنين فبيّنها لنا. قال: نعم.
أمّا الذنب المغفور، فعبد عاقبه الله على ذنبه في الدنيا، فالله أحلم وأكرم من أن يعاقب عبده مرّتين.

1 . النساء:31.

صفحه 116
وأمّا الذنب الذي لا يُغفر، فمظالم العباد بعضهم لبعض، إنّ الله تبارك وتعالى إذا برز لخلقه، أقسم قسماً على نفسه، فقال: وعزّتي وجلالي لا يجوزني ظلم ظالم، ولو كفّ بكفّ، ولو مسحة بكفّ، ولو نطحة ما بين القرناء إلى الجمّاء; فيقتصّ للعباد بعضهم من بعض، حتى لا تبقى لأحد على أحد مظلمة، ثم يبعثهم للحساب.
وأمّا الذنب الثالث، فذنب ستره الله على خلقه ورزقه التوبة منه، فأصبح خائفاً من ذنبه، راجياً لربّه، فنحن له كما هو لنفسه، نرجو له الرحمة ونخاف عليه العذاب».(1)
ثمّ إنّه سبحانه يشير إلى شيء آخر يمكن أن يكون ثمرة رابعة للتقوى وهو أنّ الله سبحانه ذو فضل عظيم، ولعلّه يدلّ على أنّ لله
تعالى ـ وراء هذه الثمرات الثلاث ـ جزاءً آخر يمنحه للمتّقي، ولكنّه
لم يذكر شيئاً عن هذا الفضل العظيم، لكي يذهب ذهن القارئ إلى أيّ مذهب شاء.

نقد كلام صاحب المنار

قال السيد محمد رشيد رضا مؤلّف «تفسير المنار»، وهو يتكلّم حول الآية: كان الخلفاء والحكّام من أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ومن تبعهم من خلفاء العرب أعدل حكّام الأُمم في الأرض حتى في عهد الفتح، قال بعض حكماء الإفرنج: ما عرف التاريخ فاتحاً أعدل ولا أرحم من العرب، ولكنّهم لم يتّقوا فتن السياسة والرياسة لقلّة اختبارهم، فعوقبوا عليها بتفرّقهم

1 . الكافي:2/443، برقم 1(البُهْر: تتابع النَّفَس. والجمّاء: الشّاة التي لا قَرن لها).

صفحه 117
فضعفِهم فزوالِ ملكهم وكان من بعدهم من أعاجم المسلمين دونهم لجهلهم بكلّ نوع من أنواع التقوى الواجبة، وحرمانهم من فرقانها، فهم يزعمون أنّهم يجدّدون مجدهم مع جهل هذا الفرقان المبين، وعدم الاعتصام بالتقوى المزكّية للنفس، المؤهِّلة لها للإصلاح في الأرض، بل مع انغماسهم في السُّكر والفواحش لظنّهم أنّ الإفرنج قد ترقَّوا في دنياهم بفسّاقهم وفجّارهم، وإنّما ترقّوا بحكمائهم وأبرارهم الذين وقفوا حياتهم على العلم والعمل النافع.(1)
أقول: إنّ كلامه يشتمل على حقّ وباطل، أمّا الحقّ فمعلوم فقد اعترف به إلاّ أنّ الكلام في نظرته إلى الخلفاء العرب، فأقصى ما قال في حقّهم أنّهم لم يتّقوا فتن السياسة والرياسة لقلة اختبارهم!!
وكأنّه لم يدرِ أنّ الخلفاء العرب لم يكونوا في الانغماس في السُّكر والفواحش أقلّ من أعاجم المسلمين! فلو طالع المرء صحائف من حياة الخلفاء الأمويين الذين استولوا على منصّة الخلافة بالقهر والغلبة، لرأى صدق ما اشتهر وذاع من انغماسهم في شرب الخمر وارتكاب الفواحش، إلى درجة أنّ الوليد بن يزيد بن عبد الملك أراد الحجّ ليشرب الخمر فوق ظهر الكعبة(2)، وأنّه فتح المصحف فإذا بالآية الكريمة:(وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّار عَنِيد)(3)، فألقاه ورماه بالسّهام وأنشد:

1 . تفسير المنار:9/649.
2 . تاريخ الخلفاء للسيوطيّ:300، دارالجيل ـ بيروت، 1408هـ/1988م.
3 . إبراهيم:15.

صفحه 118
تهدّدني بجبّار عنيد *** فها أنا ذاك جبّار عنيدُ
إذا ما جئت ربّك يوم حشر *** فقل يا ربّ مزّقني الوليدُ(1)
سورة الأنفال: الآية30   
ولمّا قُتل الوليد قال أخوه سليمان بن يزيد: بُعداً له! أشهد أنّه كان شَروباً للخمر، ماجِناً، فاسقاً، ولقد راودني على نفسي.(2)

الآية الثلاثون

(وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ).

المفردات

يمكر: المكر: التدبير الخفيّ لعمل الشّرّ، وإذا نسب إلى الله تعالى أُريد به إبطال المكر، أو العقوبة التي تترتّب على مَن يدبّره.
لِيُثبتوك: يقال: أثبته إذا حبسه ومنعه من الحركة وأوثقه.

التفسير

30. (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ):

1 . الكامل في التاريخ:5/290.
2 . تاريخ الخلفاء:300.

صفحه 119

مؤامرة قريش على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)

قوله تعالى:(وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا) عطف على قوله:(إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ)والعامل في الظَّرف قوله في الآية نفسها:(وَاذْكُرُوا).(1)والتعبير بصيغة المضارع (يَمْكُرُ)يدلّ على استمرارهم في إيقاع المكر به.
وهذه الآية تتحدّث عن المؤامرات التي كان يحوكها طغاة قريش ضدّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)قبل الهجرة، التي تعدّ من المقاطع الحسّاسة في التاريخ، حيث قام (صلى الله عليه وآله وسلم)بنفسه بالدّعوة إلى التوحيد، ومناهضة الشِّرك، ومقاومة عبادة الأوثان في بلد غارق في الوثنية، وقد ملأوا بيت التوحيد بـ (360) صنماً.
وإزاء هذا التحدّي لمعتقداتهم الزائفة، أخذ الوثنيون في إيذاء المؤمنين برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، أمّا الرّسول نفسه، فقد كان يحامي عنه أبو طالب ويمنع عنه أذى قومه غالباً. ولمّا توفّي أبوطالب رضوان الله تعالى عليه في السنة العاشرة من البعثة، وتوفّيت بعد ذلك زوج النبيّ الوفيّة خديجة الكبرى الّتي بذلت نفسها ومالها وكلّ ما يمتّ لها بصلة في طريق دعوة زوجها (صلى الله عليه وآله وسلم)، كثر الأذى والتعدّي على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، وفي نهاية الأمر اجتمع في دار النّدوة رؤساء القبائل للتشاور في أمر النبيّ، والتخطيط لاستئصال الدعوة من أصلها وجذورها .
وقد طرحت يومذاك عدّة آراء تستهدف جميعاً التخلّص من محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)ولكن اختلفوا في الأسلوب الذي يحقّق لهم هذا الهدف، وقد

1 . الأنفال:26.

صفحه 120
طرحوا تلك الآراء على وجه «مانعة الجمع والخلوّ» كما يذكرها القرآن الكريم.
أ. (لِيُثْبِتُوكَ): أي يحبسوك في وثاق ويغلقوا عليك باباً. ولكنّ هذا الرأي رُدّ بقول أحدهم: والله لئن حبستموه كما تقولون ليخرجنّ أمره من وراء الباب الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه، فلأوشكوا أن يَثِبوا عليكم فينزعوه من أيديكم.
ب. (أَوْ يَقْتُلُوكَ) وهو رأي أبي جهل الذي عبّر عنه بقوله: أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شاباً جليداً نسيباً وسيطاً فينا، ثم نعطي كلّ فتى منهم سيفاً صارماً، ثم يعمدوا إليه، فيضربوه بها ضربة رجل واحد، فيقتلوه، فنستريح منه، فإنّهم إذا فعلوا ذلك تفرّق دمه في القبائل جميعاً، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعاً، فرضوا منا بالعقل، فعقلناه لهم. (1)
ج. (أَوْ يُخْرِجُوكَ): أي يخرجوك من بين أظهرهم. ورُدّ هذا الرأي من أحد الحاضرين بقوله: ما هذا لكم برأي ألم تروا إلى حسن حديثه وحلاوة منطقه، والله لو فعلتم ذلك ما آمنتم أن يحلّ على حيّ من العرب فيغلب عليكم بذلك.
ثمّ إنّهم ارتضَوا رأي أبي جهل، وباشروا بتنفيذ الخطّة، ولكنّ الله تعالى أطلع نبيّه على ذلك، وأمره بالهجرة إلى المدينة، فالله سبحانه يُخبر هنا عن مكرهم ويقول: (وَيَمْكُرُونَ)بصيغة المضارع الدالّة على استمرار مكرهم للقضاء على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم). وفي الوقت الذي يخبر عن مكرهم، يخبر

1 . السيرة النبوية:1/482.

صفحه 121
أيضاً عمّا يدبّره سبحانه من إبطال مكرهم، فيقول: (وَيَمْكُرُ اللهُ)كلّما استمرّ مكرهم استمرّ مكر الله بالإبطال (وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ).
لقد وعد الله سبحانه رسله بحمايتهم وقال: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ)،(1) والله سبحانه أخبر نبيّه بتخطيطاتهم، وبذلك نجّى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)من شرّهم، ونظير ذلك أن فرعون وملأه لمّا أرادوا قتل موسى (عليه السلام)أخبره سبحانه عن طريق أحد الأقباط وهو مؤمن آل فرعون، كما يقول: (وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ).(2)

كيفية إبطال مكر المشركين

وأمّا كيفية إبطال الله تعالى مكر المشركين، فهذا ما يذكره التاريخ في تفسير قوله سبحانه:(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ)(3)، حيث قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لعليّ(عليه السلام):«يا عليّ إنّ قريشاً اجتمعت على المكر بي وقتلي، وإنّه أوحي إليّ عن ربيّ أن أهجر دار قومي، فنَم على فراشي والتحف ببُردي الحضرميّ، لتخفي بمبيتك عليهم أثري، فما أنت قائل وصانع؟».
فقال عليّ(عليه السلام): أوَ تسلّمنّ بمبيتي هناك يا نبيّ الله؟(4) قال: نعم، فتبسّم

1 . غافر: 51 .
2 . القصص: 20 .
3 . البقرة:207.
4 . انظر إلى هذا التعبير، حيث يدلّ على أنّ الإمام عليّاً(عليه السلام) لم يهتمّ بنفسه، بل سأل النبيّ عن سلامته هو(صلى الله عليه وآله وسلم).

صفحه 122
عليّ(عليه السلام) ضاحكاً مسروراً وأهوى إلى الأرض ساجداً، شكراً لما أنبأه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من سلامته، فلما رفع رأسه قال للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): امضِ لما أُمرت فداك سمعي وبصري وسويداء قلبي، ومُرني بما شئت أكن فيه كمسرتك، واقع منه بحيث مرادك، وإن توفيقي إلاّ بالله.
ثم رقد علي(عليه السلام) على فراش رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) واشتمل ببُرده الحضرميّ الأخضر، ولمّا مضى شطر من الليل حاصر رصد قريش ـ وهم أربعون رجلاً ـ بيت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وقد جرّدوا سيوفهم، ينتظرون لحظة الهجوم على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي كان قد خرج من باب البيت دون أن يشعر به أحد منهم، وذهب إلى المكان الذي كان من المقرر أن يختفي به، إلى آخر ما في هذه القصة من كرامات وإعجاز.(1)
والعجب أنّ صاحب المنار ذكر قصة الهجرة على وجه التفصيل معتمداً على السيرة النبوية وغيرها، لكنّه لم يذكر مبيت عليّ(عليه السلام) على فراش النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، واستعداده للتضحية بنفسه من أجل أن يسلم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)!!
سورة الأنفال: الآيات 31 ـ 33   
وقد جرى على ذلك أيضاً ابن عاشور في تفسيره!!(2) ويعدّ عملهما هذا بخساً لحقّ الإمام، وتغطية للحقيقة وكتماناً لها.

الآيات: الحادية والثلاثون إلى الثالثة والثلاثين

(وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا

1 . لاحظ: السيرة الحلبية:2/29.
2 . لاحظ: تفسير المنار:9/652ـ653، والتحرير والتنوير:9/81ـ82.

صفحه 123
إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * وَإِذْ قَالُوا اللهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَاب أَلِيم * وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ).

المفردات

أساطير: جمع أُسطورة، كأحاديث جمع أُحدوثة، أي قصص الأوّلين وأحاديثهم التي سُطِّرت في الكتب.
فأمطر: قال الخليل: المطر: الماء المنسكب من السَّحاب(1)، واستعير لإنزال الحجارة من السَّماء، نظير إنزال المطر منها.

التفسير

31. (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ):

صرف النّاس عن القرآن، بالأساطير الحكايات

لقد لجأتْ قريش، من أجل إبطال المعجزة الكبرى للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، إلى إطلاق عدّة دعاوى كاذبة، فتارة وصفوا كلامه بالسِّحر، وأُخرى بالكهانة،

1 . العين:7/425.

صفحه 124
وثالثة بأنّه متلقّىً من هنا وهناك، وفي نهاية الأمر عمدوا إلى النَّضر بن الحارث ـ وكان من شياطين قريش وقد قضى شطراً من حياته بالحِيرة في العراق، فتعلّم فيها أحاديث ملوك الفرس وأحاديث(رستم وأسفنديار) ـ فطلبوا منه أن يجمع الناس ويقص عليهم من تلكم الأساطير والحكايات حتى يصرفهم عن الإصغاء إلى القرآن الكريم، وهذا ما ذكره سبحانه في هذه الآية، وقال:(وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا) من القرآن (قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا)بآذاننا ما تحتوي عليه (لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا) القرآن (إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ): أي قصص السابقين الخرافية.
إنّ كلامهم هذا:(لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا) يكشف عن عجزهم الذي يسترونه بهذه المكابرة الفارغة، للتلبيس على النّاس والتعمية عليهم، وهو على طرف النقيض ممّا ذكره الوليد بن المغيرة ـ ريحانة العرب ـ فإنّه بعد ما سمع عدداً من آيات سورة غافر، قام حتى أتى مجلس قومه بني مخزوم فقال:«والله لقد سمعت من محمد آنفاً كلاماً ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجنّ، وإنّ له لَحلاوة، وإنّ عليه لَطلاوة، وإنّ أعلاه لمثمر، وإنّ أسفله لمُغدِق، وإنّه يعلو وما يُعلى عليه» ثم انصرف إلى منزله.(1)
وقال أبو السُّعود العماري (المتوفّى 982هـ): كلامهم هذا في غاية المكابرة ونهاية العناد، كيف لا؟ ولو استطاعوا لَما تأخّروا! فما الذي كان يمنعهم وقد تحدّاهم عشر سنين؟ وقُرِّعوا على العجز، ثم قورعوا بالسيف فلم يعارضوه، مع أنفتهم واستنكافهم أن يُغلبوا لا سيما في باب البيان.(2)

1 . مجمع البيان :5/387.
2 . انظر: تفسير أبي السعود:2/358; صفوة التفاسير:1/502.

صفحه 125
ثمّ إنّ قائل هذا الكلام أُسر يوم بدر، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)لعليّ(عليه السلام):«عَلَيَّ بالنَّضر ابغيه» فجاء به إلى النبيّ، فقال: يا محمد أسألك بالرَّحِم بيني وبينك، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم):«لا رحم بيني وبينك» فكان النَّضر أحد الثلاثة الذين قتلوا يوم بدر بعد الأسر.(1)
32. (وَإِذْ قَالُوا اللهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَاب أَلِيم):

طلب العذاب بعد معرفة الحقّ

ذهب المفسرون إلى أنّ قائل هذا الكلام هم المشركون وعلى رأسهم النَّضر بن الحارث، ومعنى الآية: (وَ) اذكر يا محمد (إِذْ قَالُوا): أي المشركون (اللهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا): أي ما جاء به محمد (هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ)فاعمل فينا أحد أمرين:
1. (فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ) كما أمطرتها على قوم لوط.
2. (أَوِ ائْتِنَا بِعَذَاب أَلِيم): أي شديد مؤلم.
وكلا الأمرين هما من عذاب الدنيا، لأنّهم لا يؤمنون بالآخرة.
وهذا النوع من الدُّعاء يدلّ على شدّة عنادهم وغطرستهم الجوفاء، إذ مقتضى كونه حقّاً من عند الله أن يطلبوا من الله الهداية والتوفيق لاتّباعه، غير أنّهم طلبوا أحد العذابين: إمطار الحجارة، أو تعذيبهم بعذاب أليم آخر.
حكي أنّ معاوية قال لرجل من سبأ: ما أجهل قومك حين ملّكوا

1 . مجمع البيان:4/500. ولاحظ: تفسير الدر المنثور:4/54.

صفحه 126
عليهم امرأة، فقال: أجهل من قومي قومك حين قالوا: (اللهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ) ولم يقولوا: فاهدنا له.(1)
وعلّق الشيخ محمد أبو زهرة المصريّ على هذه الحكاية، بقوله: والجواب لمثل معاوية حقّ، لأنّه هو وأبوه كانا ممّن يُظنّ أنّهم قالوا ذلك، وإنْ أسلموا من بعد، وكانوا من المولَّفة قلوبهم، وأخذوا مئات من النُّوق.(2)
ثم إن قول القائل: (إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ)يدلّ على أنّه بعد معرفة الحقّ يتظاهر بعدم القبول، وهذا يدلّ على أن الإسلام لا يتحقّق بمعرفة الحقّ. بل هو رهن التسليم بعد معرفته، ولذلك يقول الإمام عليّ (عليه السلام): «الاِْسْلاَمُ هُوَ التَّسْلِيمُ».
ويشهد لما ذكرنا أنّ ابليس كان عارفاً بالله سبحانه كمال المعرفة حتّى عبد الله ستّة آلاف سنة .(3)
كما كان ذا يقين بيوم القيامة، بشهادة قوله الذي حكاه عنه سبحانه: (فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)(4)، ومع ذلك عدّه من الكافرين، قال تعالى: (وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ )(5)، وذلك لأنّه ـ لعنه الله ـ فقدَ روح التسليم أمام ما عرَف، ولم يُذعن لِما أُمر به، فصار من مصاديق قوله تعالى: (وَجَحَدُوا بِهَا

1 . تفسير الكشّاف:2/124.
2 . زهرة التفاسير:6/3116.
3 . لاحظ: نهج البلاغة: الخطبة 192 .
4 . الحجر: 36.
5 . ص: 74 .

صفحه 127
وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا )(1).
هذا ما طلبه المشركون فجاء الجواب في الآية التالية.
33. (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ):
ردّ الله سبحانه على المشركين ما طلبوه من العقوبة والعذاب، بأنّ الله سبحانه لا يعذّبهم عذاب الاستئصال الذي طلبوه، بسبب الأمرين التاليين:
أ. وجود النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بين أظهرهم، فإنّ النبيّ أمان لهم، كما قال:(وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ): أي مقيم بين أظهرهم لفضلك وحُرمتك.
ب. الاستغفار، كما قال: (وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ). وربما يتبادر إلى الذِّهن أنّ ضمير(هُمْ)يرجع إلى المشركين الذين طلبوا من الله نزول العذاب على أحد الوجهين المذكورين، فاستغفارهم مانع عن نزول العذاب.
هذا هو ظاهر الآية، ولكن يردُ على هذا التفسير (أعني كون الآية خطاباً للمشركين)، أنّهم لا يستغفرون من شركهم وذنبهم، فما معنى كون استغفارهم مانعاً عن نزول العذاب؟
وقد أُجيب عن ذلك بأنّ المراد: وما كان الله يعذّبهم وفيهم بقيّة من المؤمنين بعد خروجك من مكّة، ذلك أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا خرج من مكّة بقيت فيها بقية من المؤمنين لم يهاجروا بعذر، وكانوا على عزم الهجرة،

1 . النمل: 14 .

صفحه 128
فرفع الله العذاب عن مشركي مكّة لحرمة استغفارهم.(1)
يلاحظ عليه: أنّه تأويل على خلاف ظاهر الآية أو صريحها، فإنّ الضمير في قوله: (وَهُمْ) يرجع إلى المشركين، لا إلى بقيّة المؤمنين، وهذا هو الإشكال الذي لا دافع له، والذي يدعو إلى تفسير الآية بنحو آخر.

التفسير الثاني

لقد أوّل السيد الطباطبائي الآية بغير الوجه المتقدّم، وأفاد بأنّ الآيتين(32 و 33) لا صلة لهما بما قبلهما ومابعدهما، بل هما ناظرتان إلى بعض أهل الكتاب أو بعض من آمن ثمّ ارتدّ من الناس، وعلّل ذلك بالوجهين التاليين:
الأوّل: قوله: (إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ) يدلّ بلفظه على أنّ الذي سمعوه من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بلسان المقال أو الحال هو قوله:«هذا هو الحق من عند الله» وفيه شيء من معنى الحصر، وهذا غير ما كان يقوله لهم: «هذا حق من عند الله» فإنّ القول الثاني يواجَه به الذي لا يرى ديناً سماوياً ونبوّة إلهية كما كان يقول به المشركون وهم الوثنيّون:(مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى بَشَر مِنْ شَيْء)(2). وأمّا القول الأوّل فإنّما يواجَه به من يرى أنّ هناك ديناً حقّاً من عند الله ورسالة إلهية يبلغ الحق من عنده، ثم ينكر كون ما أتى به النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)أو بعض ما أتى به هو الحقّ من عند الله تعالى، فيواجَه بأنّه هو الحقّ من عند الله لا غيره.

1 . انظر: مجمع البيان:4/501.
2 . الأنعام:91.

صفحه 129
الثاني: أنّه لو كان الخطاب للمشركين فلا وجه لكون استغفارهم مانعاً عن نزول العذاب، إذ لا معنى لاستغفار المشرك مع كونه مشركاً، وهذا يدلّ على أنّ القائل كان ممن يستغفر.(1)
وعلى هذا، فيمكن أن يكون السائل في الآية هو نفس السائل في سورة المعارج، قال تعالى:(سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَاب وَاقِع)(2).
ويظهر من بعض الروايات أنّ السائل غير النّضر بن الحارث، بل الحارث بن عمرو الفِهريّ، فقد روي أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كان جالساً ذات يوم فأقبل عليّ(عليه السلام) فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«إنّ فيك شبهاً من عيسى بن مريم، ولولا أن تقول فيك طوائف أُمّتي ما قالت النصارى في عيسى بن مريم لقلت فيك قولاً لا تمرّ بملأ من الناس إلاّ أخذوا التراب من تحت قدميك يلتمسون بذلك البركة»(3) فغضب الحارث بن عمرو الفهريّ، فقال: اللّهم إن كان هذا هو الحقّ من عندك أنّ بني هاشم يتوارثون هرقلاً بعد هرقل فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، فأنزل الله عليه مقالة الحارث، ونزلت هذه الآية:(وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)(4).
هذا غاية توضيح ما ذكره الأُستاذ، فعلى ما ذكره(قدس سره) ينطبق على ما ورد

1 . انظر: الميزان في تفسير القرآن:9/67ـ 71.
2 . المعارج:1.
3 . نقل هذا الحديث أيضاً ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة:5/4.
4 . الكافي:8/57، برقم 18; البرهان في تفسير القرآن:4/317 برقم 4258.

صفحه 130
في سورة المعارج، أعني قوله سبحانه:(سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَاب وَاقِع)(1)، فقد روى المحدّثون والمفسّرون أنّه لمّا بلّغ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في غدير خُمّ ما بلّغ، وشاع ذلك في البلاد أتى جابر بن النَّضر بن الحارث بن كلدة العبدري، قال: يا محمد أمرتنا من الله أنّا نشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّك رسول الله، وبالصلاة والصوم والحجّ والزكاة، فقَبِلنا منك، ثم لم ترضَ بذلك حتى رفعتَ بضبع ابن عمك ففضّلته علينا، وقلت: «مَن كنت مولاه فعليّ مولاه»، فهذا شيء منك أم من الله؟ فقال رسول الله:«والذي لا إله إلاّ هو إنّ هذا من الله». فولّى جابر يريد راحلته، وهو يقول: اللّهم إن كان ما يقول محمد حقّاً فأمطر علينا حجارة من السماء، أو ائتنا بعذاب أليم. فما وصل إليها حتى رماه الله بحجر، فسقط على هامته، وخرج من دبره، وقتله، وأنزل الله تعالى:(سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَاب وَاقِع) الآية.(2)
ولكن يلاحظ على تأويله بوجوه:
سورة الأنفال: الآيات 34 ـ 40   
أوّلاً: أنّ قوله: (إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ) كما يمكن أن يكون بلحاظ المتكلّم ـ كما أفاد ـ يمكن أن يكون بلحاظ المخاطب، فالمشرك ينطق بذلك وهو يعبّر به عن جانب المخاطب، أي حسب نظر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).
ثانياً: أنّ الإشكال الثاني باق على حاله، فإنّ استغفار الكتابيّ أو المرتدّ لا يكون مانعاً عن نزول العذاب، خصوصاً إذا أُريد به المرتدّ، فإنّه برفض الوحي وردّه لا تكون لاستغفاره قيمة.

1 . المعارج:1.
2 . الغدير:1/460، نقله عن «غريب القرآن» للحافظ أبي عبيد القاسم بن سلاّم الهَرَويّ:86. وانظر: شواهد التنزيل للحافظ الحسكانيّ:2/381، برقم 1030.

صفحه 131
وأمّا أمر النبيّ نوح المشركين بالاستغفار، كما في قوله:(فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا)(1) فقد أريد بالاستغفار من الشِّرك، الدخول في حظيرة التوحيد، ولذلك رفضوا أمره إذ كانوا موغلين في الشِّرك.
ثالثاً: أنّا لو قلنا بأنّ الآيتين (32 و 33) لا صلة لهما بما قبلهما، تنقطع الصلة بين الآية(31) و ما يأتي من الآية (34)، كما سيتّضح، فلعلّ ما ذكره المفسرون أَولى بالأخذ، وإن كان على خلاف ظاهر الآية.
ثم إن في كلام الإمام عليّ(عليه السلام)إشارة إلى هذين الأمانين، قال (عليه السلام): «كَانَ فِي الاَْرْضِ أَمَانَانِ مِنْ عَذَابِ اللهِ، وَقَدْ رُفِعَ أَحَدُهُمَا، فَدُونَكُمُ الاْخَرَ فَتَمَسَّكُوا بِهِ: أَمَّا الاَْمَانُ الَّذِي رُفِعَ فَهُوَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) وَأَمَّا الاَْمَانُ الْبَاقِي فَالاِْسْتِغْفَارُ. قَالَ اللهُ تَعَالى: (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ).(2)
وقال الشريف الرضيّ(رحمه الله) بعد ذلك: وهذا من محاسن الاستخراج، ولطائف الاستنباط.

الآيات: الرابعة والثلاثون إلى الأربعين

(وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً

1 . نوح:10.
2 . نهج البلاغة: قصار الحكم، برقم 88 .

صفحه 132
فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ * لَِيمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْض فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ * وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَوْلاَكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ).

المفردات

مُكاءً: صفيراً، يقال: مكا يمكو مُكاء: إذا صفّر بفيه.
تصديةً: التَّصدية: التصفيق، وهو ضرب اليد على اليد، ومنه الصدى، وهو رَجْع الصوت يردّه حاجزٌ كالجبل ونحوه.
يقول حسّان بن ثابت:
نقوم إلى الصلاة إذا دُعينا *** وهمّتك التصدّي والمُكاءُ(1)
حسرةً: الحسرة: الغمّ على ما فات والنَّدم عليه، وأصله الكشف، يقال:

1 . تفسير الدر المنثور:4/61.

صفحه 133
حسر عن ذراعه، يحسر، حسراً.
لِيَميز: التمييز: إخراج الشيء عما يخالفه، وإلحاقه بما يوافقه، بحيث ينفصل عمّا يخالف.
فيَركُمه: الرَّكم: جمع الشيء فوق الشيء حتى يصير رُكاماً مُتراكباً بعضه فوق بعض.

التفسير

34. (وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ):
لمّا تقدّم في الآية السابقة أنّه سبحانه لا يعذّبهم لأجل أمرين: كون النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فيهم وكونهم مستغفرين، جاء البيان القرآني ليؤكّد وجود المقتضي للعذاب، وهو الأُمور التالية:
1. صدّ المسلمين عن دخول المسجد الحرام لأداء المناسك، كما يقول:(وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللهُ): أي لِمَ لا يعذبهم الله؟ وأيّ أمر يوجب ترك تعذيبهم (وَ) الحال (هُمْ يَصُدُّونَ)المؤمنين (عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ): أي يمنعونهم من دخوله؟ وليس لهم هذا الحقّ.
ويظهر من قوله تعالى: (وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)أنّ هذا العمل من المآثم الكبيرة، الّتي يستحقّون عليها العذاب، وذلك لأنّهم

صفحه 134
يتصوّرون أن أرض مكّة ملك لهم، فلهم أن يجيزوا الدخول إليه أو لا، والله سبحانه يردّ عليهم بقوله: (وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ)(1)، وقد كتب الإمام عليّ (عليه السلام)إلى قُثَم بن العباس عامله على مكة: «وَمُرْ أَهْلَ مَكَّةَ أَلاَّ يَأْخُذُوا مِنْ سَاكِن أَجْراً، فَإِنَّ اللهَ سُبْحانَهُ يَقُولُ: (سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ)فَالْعَاكِفُ: الْمُقِيمُ بِهِ، وَالْبَادِي: الَّذِي يَحُجُّ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِ».(2)
روى العياشي عن عبدالصمد بن سعد قال: طلب أبو جعفر(3) أن يشتري من أهل مكة بيوتهم ليزيد في المسجد فأبَوا، فأرغبهم، فامتنعوا، فضاق بذلك، فأتى أبا عبدالله (عليه السلام)، فقال له: إني سألت هؤلاء شيئاً من منازلهم وأفنيتهم لنزيد في المسجد وقد منعوني ذلك، فقد غمنّي ذلك غمّاً شديداً. فقال أبو عبدالله (عليه السلام): «لِمَ يغمُّك ذلك، وحُجّتك عليهم فيه ظاهرة»؟ فقال: وبما احتجُّ عليهم؟ فقال: «بكتاب الله تعالى» فقال: في أيّ موضع؟ فقال: «قول الله تعالى: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْت وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ)(4) قد أخبرك الله أنّ أوّل بيت وضع للناس لَلّذي ببكّة، فإن كانوا هم نزلوا قبل البيت فلهم أفنيتُهم، وإن كان البيت قديماً قبلهم فله فِناؤه». فدعاهم أبو جعفر، فاحتجّ عليهم بهذا، فقالوا له: اصنع ما أحببت.(5)

1 . الحج: 25 .
2 . نهج البلاغة: قسم الرسائل، برقم 67 .
3 . يريد المنصور العباسيّ.
4 . آل عمران: 96 .
5 . تفسير العياشي: 1 / 323، برقم 728.

صفحه 135
2. (وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ): أي ليس لهم حقّ الولاية والقيام على المسجد الحرام لشركهم ومفاسدهم كطوافهم فيه عراة رجالاً ونساءً. نعم، هؤلاء يرون أنفسهم أولياء المسجد وهم يزعمون أنّ من حقّهم أن يسمحوا بدخول من أرادوا ومنع من أرادوا، بل يتصوّرون أنّ ولايتهم إنّما هي بالخلافة عن إبراهيم(عليه السلام) لانتسابهم إليه . وعندئذ يُطرح هذا السؤال: إذا لم يكن هؤلاء أولياء المسجد الحرام فمن هم إذاً أولياؤه؟ وهذا ما أجاب عنه سبحانه بقوله:(إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ)والضمير في قوله: (أَوْلِيَاؤُهُ)يرجع إلى المسجد، فولاية المسجد الحرام ليست إلاّ للمتقين الذين يطيعون الله في أوامره ونواهيه.
ثمّ إنّ قوله سبحانه: (إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ) جملة خبرية أُلقيت بداعي الإنشاء، بمعنى أنّه لا يتولّى المسجد الحرام وما له به صلة إلاّ من كان متّقياً، مطيعاً لأوامر الله، مجتنباً نواهيه.
ثمّ إنّه يطرح هنا سؤال آخر، وهو: أنّ الآيتين الأُوليين نفتا تعذيبهم بوجهين، وهذه الآية تثبت عذابهم بوجهين، بل بوجه ثالث كما سيأتي، فكيف يتمّ التوفيق بينهما؟ يمكن الجواب عن ذلك بوجهين:
الأوّل: أنّ الآيتين الأُوليين بصدد بيان المانع عن نزول العذاب، وأمّا هذه الآية فهي بصدد بيان المقتضي، والمقتضي إنّما يؤثّر إذا لم يكن هناك مانع.
الثاني: أنّ المراد من نفي العذاب هو عذاب الاستئصال وهو منفيّ مطلقاً، والمراد من العذاب في آيتنا هذه هو عذاب القتل بالسيف والأسر،

صفحه 136
وقد شملهم في غزوة بدر وأُحد.(1)
ثمّ إنّه تعالى أكمل الآية بقوله:(وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ): أي يجهلون أنّه لا حقّ لهم في الولاية على المسجد الحرام وبيت الله.
ويستفاد من الآية أنّ الأماكن المقدّسة كالمساجد والمراكز الدينية العلمية لا يتولاّها إلاّ رجال منزّهون عن الرذائل، ويتحلّون بفضائل الأخلاق، على نحو يكونون من مصاديق المتقين، وهذه ضابطة تستفاد من الآية. وبذلك يُعلم أنّ عائلة واحدة لا تصلح لولاية المسجد الحرام والمشاهد المشرّفة لأنّهم بنَوا ملكهم وسيطرتهم على جماجم الأبرياء عبر قرنين من الزمان، وأخيراً جيّشوا الجيوش واستعانوا بمرتزقة من مختلف دول العالم، للعدوان على بلد آمن كاليمن(2)، فقتلوا وجرحوا عشرات الآلاف من المدنييّن، من أطفال ونساء ورجال عُزّل، كما هاجموا بصواريخ طائراتهم الأسواق والمساجد والمنشآت الحيوية، بل حتى مجالس الفرح والتأبين. وبسبب الحصار الخانق والقصف الجوّيّ الهمجيّ يُعاني الشعب اليمنيّ أسوأ أزمة إنسانية في العالم، حيث عمّت المجاعة أكثر الناس، فهؤلاء هم الفسّاق الذين سلب الله ولايتهم على المسجد الحرام، بل وعلى المشاعر المقدّسة والمراكز الدينية المباركة، عسى الله أن يحدث أمراً، ويقطع دابر هؤلاء الذين فرّقوا المسلمين، وشتّتوا أمرهم، بما ورثوه عن ابن تيميّة ومحمد بن عبد الوهاب النّجدي(الذي وطئ عقب ابن تيميّة)

1 . انظر: التبيان في تفسير القرآن:5/115; مجمع البيان:4/502.
2 . بدأ تحالف العدوان(السعوديّ الامريكيّ) الحرب على اليمن، والبغي على شعبه الحرّ الأبيّ في 26 / آذار/ 2015م، ولا يزال متواصلاً إلى هذا اليوم 28/ نيسان/2019م.

صفحه 137
من تعصّب ونزعة إلى التكفير والتبديع.
35. (وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ):
3. هذا هو الوجه الثالث لسلب ولايتهم على المسجد الحرام. قال الطبرسيّ: قال ابن عباس: كانت قريش يطوفون بالبيت عراة يصفّرون ويصفقون. و(صَلاَتُهُمْ) معناه دعاؤهم، أي يقيمون المكاء والتصدية مكان الدعاء والتسبيح.(1)
وفي الدر المنثور: عن ابن عباس أنّ نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عزّ وجلّ:(إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً) قال: المُكاء صوت القنبرة، والتصدية صوت العصافير، وهو التصفيق، وذلك أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كان إذا قام إلى الصلاة وهو بمكة كان يصلّي قائماً بين الحِجر والرُّكن اليمانيّ، فيجيء رجلان من بني سهم، يقوم أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، ويصيح أحدهما كما يصيح المَكّاء(2)، والآخر يصفّق بيديه تصدية العصافير ليُفسد عليه صلاته. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت حسّان بن ثابت يقول:
نقوم إلى الصلاة إذا دُعينا *** وهمّتك التصدي والمكاءُ(3)
ثمّ إنّه سبحانه أتمّ الآية بقوله:(فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ)،

1 . مجمع البيان:4/504.
2 . المَكّاء: طائر من القنابر أبيض اللّون له صفير حسن.
3 . تفسير الدر المنثور:4/61.

صفحه 138
وهذا يدلّ على أنّ المشركين يذوقون العذاب لأجل كفرهم، وهذا يؤيّد الوجه الثاني من الجواب الذي ذكرناه آنفاً، وهو أنّ المنفيّ في الآيتين الأُوليين عذاب الاستئصال، وأمّا الثابت فيما بعدهما فهو العذاب بالقتل والأسر، فقوله: (فَذُوقُوا الْعَذَابَ): أي يوم بدر وأحد وغيرهما (بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ): أي بسبب كفركم.
ثمّ إنّ الآية أوضح دليل على حرمة التصفيق أو الهلهلة داخل المساجد والأماكن المقدّسة حتى الحسينيات ومجالس الفرح أو العزاء في ذكرى مواليد ووفيات النبيّ الأكرم وعترته الطاهرة، فإنّها مراكز مقدّسة، يلزم تنزيهها عن هذه الأعمال التي يقوم بها الفسّاق في مراكز لهوهم ونواديهم.
وبكلمة قصيرة: كلّ عمل يُعدّ هتكاً لحرمة هذه الأماكن فهو ممنوع، نعم التصفيق في المناسبات السارّة أو للتشجيع والتأييد خارج المساجد ونحوها، لا بأس به، إذا تعلّق به غرض عقلائيّ، كتشجيع الطالب في الصفّ الدارسيّ وغيره.
36. (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ):

إنفاق الأموال للصدّ عن سبيل الله

لمّا حكى سبحانه في الآية (34) أحد مواقف المشركين الظالمة من

صفحه 139
المسلمين، أعني صدّهم عن دخول المسجد الحرام، ذكر في هذه الآية موقفاً آخر لهم، وهو محاولة كسر شوكة المسلمين وصدّهم عن الإسلام، وذلك بجمع الأموال من هنا وهناك وإنفاقها في محاربتهم.
روى الطبري عن الزُّهري وآخرين: أنّه لمّا رجع أبو سفيان بن حرب بِعيره، مشى عبد الله بن ربيعة وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أُميّة في رجال من قريش أُصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم ببدر، فكلّموا أبا سفيان بن حرب ومن كان له في تلك العير من قريش تجارة، فقالوا: يا معشر قريش، إنّ محمداً قد وتركم وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه، لعلّنا أن ندرك ثأراً بمن أُصيب منّا! ففعلوا.(1)
إذا عرفت ذلك، فلنرجع إلى تفسير الآية، فالله سبحانه يخبر فيها عن الأُمور التالية:
1. ينفقون أموالهم للصدّ عن سبيل الله.
2. أن ذلك يورثهم حسرة وندماً في الدنيا.
3. لا ينتصرون بل يُغلبون .
4. إلى جهنّم يُحشرون.
وإليك تفسيرها:
أمّا الأوّل، فيقول سبحانه:(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) أراد بهم قريشاً (يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا)النّاس (عَنْ سَبِيلِ اللهِ): أي عن دخولهم في الإسلام واتّباع الحقّ.

1 . جامع البيان (تفسير الطبري):6/306، برقم 16079.

صفحه 140
إنّه سبحانه يقول: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ) ثم يقول: (فَسَيُنْفِقُونَهَا)، فما هو وجه التكرار؟ ويمكن بيانه بوجهين:
1. أُريد من الأوّل إرادة الإنفاق، ومن الثاني القيام بالإنفاق .
2. أُريد من الأوّل الإنفاق في الحال، ومن الثاني استمراره في المستقبل القريب.
وأمّا الثاني، فمآله إلى قوله سبحانه:(وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا)(1)، حيث لم يعلموا أنّ عملهم هذا يورثهم ندماً وحسرة، وقد أُشير إليه بقوله: (ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً)لعدم انتفاعهم بما أنفقوا من أموال لتحقيق أغراضهم الخبيثة، فيعيشون الهمّ والغمّ.
وأمّا الثالث، أي كون الانتصار من نصيب المسلمين والهزيمة من نصيب المشركين، فأشار إليه بقوله: (ثُمَّ يُغْلَبُونَ)، ولفظة (ثُمَّ) هنا للترتيب البياني لا للزماني، وإلاّ فالثاني والثالث حصلا في زمان واحد. هذا كلّه في الدُّنيا.
وأمّا الأمر الرابع، أي مصيرهم في الآخرة، فهذا ما يشير إليه بقوله: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ): أي يُساقون إلى جهنّم ليلاقوا جزاء أعمالهم الإجرامية. وإنّما عدل عن الإضمار إلى الإظهار، بقوله:(وَالَّذِينَ كَفَرُوا) لتقرير كفرهم والتشنيع به عليهم. وقد أشير إلى النتيجتين الأخيرتين في آية أُخرى، أعني قوله تعالى:(قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ)(2).

1 . الكهف:104.
2 . آل عمران:12.

صفحه 141
37. (لَِيمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْض فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ):

تمييز الخبيث من الطيِّب

لقد تحقّق، في انتصار المسلمين على الكافرين في غزوة بدر، كثير من المصالح والأهداف الرّسالية، لكنّه سبحانه يشير في هذه الآية إلى نتيجتين، إحداهما ترجع إلى الدُّنيا، والأُخرى ترجع إلى الآخرة. أمّا الأُولى فهي تمييز الكافر عن المسلم، وتطهير الأرض من الكفرة، كما يقول:(لَِيمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ). وقوله:(لَِيمِيزَ)متعلّق بفعل مقدّر، أي كتبنا النصر والغلبة للمؤمنين لأجل أن يميز الله الخبيث عن الطيِّب، وأريد به التمييز في المجتمع حتى تخلص الأرض للطيّبين، وإلاّ فإنّه سبحانه يعلم مَن هو الخبيث، ومَن هو الطيّب. ونظير الآية قوله سبحانه:(مَا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ)(1)، فالله سبحانه يعلم ما تكنّ الصدور، غير أنّ الخبيث والطيّب لمّا كانا مختلطين غير متميزين، اقتضت إرادته سبحانه أن يفصل هؤلاء عن الآخرين ليخلّص الأرض لمن طاب قلبه ولسانه.
ثم إنّ في قوله سبحانه: (لَِيمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ)إشارة إلى أنّ المجتمع الواحد إذا واجه أمراً ربّانياً ما، فإنّه ينقسم إزاءه إلى قسمين، قسم

1 . آل عمران:179.

صفحه 142
يقبله ويرضاه ويذعن له، وهؤلاء هم الطيّبون نفساً واعتقاداً وسلوكاً، وقسم ينكره ويعارضه، وهؤلاء هم الذين يتّصفون بالخبث في المجالات المذكورة، وعند ذلك يتميّز الخبيث عن الطيّب، وللإمام عليّ (عليه السلام)كلام في هذا الصدد يقول فيه: «وَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ لَتُبَلْبَلُنَّ بَلْبَلَةً، وَلَتُغَرْبَلُنَّ غَرْبَلَةً(1)، وَلَتُسَاطُنَّ سَوْطَ الْقِدْرِ(2)، حَتَّى يَعُودَ أَسْفَلُكُمْ أَعْلاَكُمْ، وَأَعْلاَكُمْ أَسْفَلَكُمْ، وَلَيَسْبِقَنَّ سَابِقُونَ كَانُوا قَصَّرُوا، وَلَيُقَصِّرَنَّ سَبَّاقُونَ كَانُوا سَبَقُوا».(3)
قال سبحانه:(لَِيمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ)ولم يقل: ليميّز الطيب من الخبيث، وما هذا إلاّ لأنّ تمييز أحدهما عن الآخر، أشبه بغربلة الحبوب من الأحجار والأوساخ، فالحبوب تقع أسفل الغربال، وتبقى الأحجار وغيرها في الغربال فترمى جانباً.
وأمّا النتيجة الثانية التي تظهر في الحياة الأُخروية، فقد أشار إليها بقوله: (وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْض فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً)أي يجعلهم كالرُّكام (فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)والظاهر أن الفقرة تفسير لما تقدّم في قوله: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ)فحشرهم هذا عبارة عن اجتماع المتشاكلات وانضمام المتناسبات وائتلاف المؤتلفات واختلاف المتناكرات، فالطيّبون في رياض الجنّة، والخبيثون في سعير جهنّم.

1 . لتغربلنّ غربلة: أي لَتُميّزُنّ كما تُميَّز نَخالة الدقيق من خالصه بالغربال.
2 . لَتُساطُنّ سوطَ القِدْر: السَّوْط: تحريك ما في القدر إذا غلى بالمِسْوَط، ليختلط. والمِسوط: خشبة أو نحوها يُخلط بها.
3 . نهج البلاغة: الخطبة 16 .

صفحه 143
ويمكن أن يقال: إنّ قوله سبحانه: (فَيَرْكُمَهُ) فيه إشارة إلى نوع آخر من العذاب، وهو حشرهم في جهنم بصورة البضائع الّتي يكون بعضها فوق بعض في مكان ضيّق، فيعدّ هذا لوناً آخر من العذاب، على خلاف ما عليه أهل الجنّة، الذين يحكي عنهم سبحانه ما يقولونه عند دخولها:(وَقَالُوا الْحَمْدُ للهِ الذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ).(1)
38. (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ):

التبشير بعد الإنذار

جرت سنّة الله تبارك وتعالى على التبشير بعد الإنذار، وبالعكس، فبعد أن أنذر سبحانه مشركي مكة وغيرهم بما مرّ، فتح لهم باب المغفرة، وذلك من خلال دعوة النبيّ إيّاهم إلى الكفّ عن موقف العناد والجحود، والإنابة إلى الله تعالى، وقال: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا) عمّا هم عليه من الكفر والعداء والصدّ عن سبيل الله (يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ): أي ما تقدّم منهم من جرائم وآثام، فإنّ الإسلام يجبّ ما قبله. والآية نظير قوله سبحانه:(فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ)(2).
والآية تدلّ على أن القرآن لا يَحرِم الإنسان من التوبة والصلاح، ما

1 . الزمر:74.
2 . البقرة:275.

صفحه 144
دام هو حيّ وله إرادة واختيار، ويرى باب التوبة مفتوحاً لكل من أراد، وعلى هذا نزلت الآية الكريمة.
روي عن عمرو بن العاص، قال: لما جعل الله الإسلام في قلبي، أتيت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فقلت: أبسط يدك فلأبايعك، فبسط يمينه فقبضت يدي، قال: ما لك؟ قلت: أردت أن اشترط. قال: اشترط ماذا؟ قلت: أن يغفر لي. قال: أما علمت أنّ الإسلام يهدم ما كان قبله، وأنّ الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأنّ الحجّ يهدم ما كان قبله».(1)
أقول: لو صحّ الحديث فالأُمور بخواتيمها(2)، والرجل في خواتيم عمره قد باع دينه بدنياه، إذ ناصر معاوية وفئته الباغية في قتالهم لإمام الهدى عليّ(عليه السلام)، ثم نبذ حكم القرآن في قضية التحكيم في وقعة صفّين، وأثار بسبب ذلك فتنة عمياء مازالت آثارها السيّئة إلى يومنا هذا، إذ قادت إلى تسلّط معاوية وبني أُمية على رقاب المسلمين ومقدّراتهم، وما الإرهاب والقتل وسفك دماء المسلمين إلاّ من نتائج ذلك الحكم البغيض ومن رضي به من المتعصّبين لا سيما ابن تيمية، ومحمد بن عبد الوهاب، وأتباعهم، وإلى الله المشتكى.
وحاصل الكلام: إنّ الآية نوع وعد لهم، لكن القضية الشرطية لها وجهان: أحدهما أنّهم إذا انتهوا يغفر الله لهم، وأمّا الوجه الآخر فأُشير إليه بقوله: (وَإِنْ يَعُودُوا) إلى عدائهم وصدّهم الناس عن الإسلام، فليحذروا

1 . تفسير الدر المنثور:4/64.
2 . عقد البخاري باباً باسم باب الأعمال بالخواتيم. لاحظ صحيح البخاري: الحديث رقم 6493، كتاب الرّقاق. ولاحظ شرح صحيح مسلم للنووي:16/434.

صفحه 145
من أن يلاقوا ما لقيه الأوّلون، كما قال: (فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ): أي تعذيب الكافرين ونصر المؤمنين في القرون السّالفة.

الكفّار محكومون بالفروع

نقل الرازي أنّ أصحاب أبي حنيفة احتجّوا بهذه الآية على أنّ الكفّار ليسوا مخاطبين بفروع الشرائع، قالوا لأنّهم لو كانوا مخاطبين بها، لكان إمّا أن يكونوا مخاطبين بها مع الكفر أو بعد زوال الكفر. والأوّل باطل بالإجماع، والثاني باطل; لأنّ هذه تدلّ على أنّ الكافر بعد الإسلام لا يؤاخذ بشيء ممّا مرّ عليه في زمان الكفر. وإيجاب قضاء تلك العبادات ينافي ظاهر هذه الآية.(1)
يلاحظ عليه: أنّا نختار الشِّقّ الأوّل، وانّهم مخاطبون بالفروع ولكنّ الكفر مانع عن قبول صلاة الكافر، وبإمكانه أن يزيل هذا المانع ويؤمن ويصلّي، ونظير هذا ما إذا كان لباس المصلّي نجساً، فلو صلّى به لم تُقبل صلاته ولكن بإمكانه أن يزيل المانع بتغيير اللِّباس أو تطهيره، ولا تعدّ مثل هذه الأُمور من الممتنعات بالذّات.
39 و 40. (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَوْلاَكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ):

1 . لاحظ: تفسير الرازي:15/162.

صفحه 146

استمرار الجهاد إلى إزالة الشّرك عن الأرض

لمّا تقدّم في قوله سبحانه:(وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينَ) جاء البيان القرآني ليؤكد أنّ الشِّرك أو افتتان المؤمنين عن دينهم صارا سجيّة راسخة عند المشركين، فهم لا ينتهون عنهما بل يعودون إليهما، ولذلك أمر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بقتالهم إلى حد انتفاء الفتنة، وقال: (وَقَاتِلُوهُمْ): أي المشركين (حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ).
ويقع الكلام: فيما هو المراد بالفتنة هنا.
الظاهر أنّ المراد بها الشِّرك، بمعنى حتى يزول الشِّرك والوثنية عن الجزيرة العربية أو عن وجه البسيطة. ويشهد لذلك قوله سبحانه: (وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ): أي يكون هناك دين واحد وهو دين الله، لا عبادة الأصنام والأوثان، ويجتمع الناس على الدِّين الحقّ وهو دين الإسلام.
وما ذكرناه من التفسير للفتنة، هو المرويّ عن ابن عباس وتؤيّده الأُمور التالية:
1. قوله سبحانه: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلاَمُ)(1).
2. أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ألغى بأمر الله تعالى كلّ أمان للمشركين، حيث أمر بقتلهم جميعاً، قال تعالى:(فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ)(2).
3. أنّ الأنبياء كافّة ابتداءً من آدم(عليه السلام)وانتهاء بخاتمهم(صلى الله عليه وآله وسلم) بُعثوا لغاية واحدة، وهي نشر التوحيد وقلع الوثنية، قال تعالى:(وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّة

1 . آل عمران:19.
2 . التوبة:5.

صفحه 147
رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ)(1)، وهذا هو الهدف الأوّل والأصلي لجميع أنبياء الله، فلذلك أمر سبحانه النبيّ والمسلمين بقتال المشركين حتى لا تكون فتنة، وحتى تختصّ العبادة بالله عزّ وجلّ وحده.
وربّما يُتوهّم أن قوله سبحانه: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ)لا ينسجم مع حرية الاعتقاد الّتي ينادي بها الإسلام .
وهذا خلط من القائل بين مصلح أرضيّ أو حكيم من الحكماء الّذين لهم برامج لإصلاح المجتمع وليس له شأن إلاّ عرض برامجه ثم تركها إلى اختيارهم، وبين مبعوث إلهيّ أُمر من قبل الله سبحانه أن يحقّق ما بُعث به ويجسّده في الخارج، وهذا لا يمكن إلاّ إذا كانت له قوّة عسكرية يقلع بها الموانع حتّى تكون الساحة ممهّدة أمامه لإبلاغ الحقّ إلى الناس، فالمقاتَلة ليس لإلزام الناس بالأخذ بالدِّين حتّى ينافي قوله: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)(2)بل المراد منها رفع العراقيل والموانع أمام تبليغ كلام الله إلى الناس، فبما أنّ المشركين كانوا ينصبون العراقيل أمام تبليغ الإسلام ونشر التوحيد، أمر الله سبحانه بقتالهم حتّى يكون الدِّين كلُّه لله. وسيوافيك تفصيل ذلك في تفسيرنا لسورة التوبة.
نعم، كون الدِّين كلّه لله لا ينافي إقرار أهل الكتاب على دينهم إن دخلوا في الذمّة وأعطوا الجزية، فإنّهم لأجل كونهم من أصحاب الديانات السماوية، فلهم الحقّ بالبقاء عليها وممارسة طقوسهم، بشرط أن يكونوا تحت حكم الحاكم الإسلامي.

1 . النحل:36.
2 . البقرة:256.

صفحه 148
وهناك نكتة مهمة، وهي أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لم ينجح نجاحاً تامّاً في قلع جذور الوثنية والشِّرك في حياته، وإنّما نجح في قطعها من أماكن محدودة من الجزيرة العربية، ولذلك نرى أنّ أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)يفسِّرون هذه الآية بقولهم: «إنّه لم يجئ تأويل هذه الآية، ولو قد قام قائمنا بعد سيرى مَن يدركه ما يكون من تأويل هذه الآية، وليبلغنّ دين محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) ما بلغ اللّيل حتى لا يكون شرك على ظهر الأرض، كما قال:(كُلُّهُ).(1) وبهذا يفسَّر قوله سبحانه: (هُوَ الذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)(2).
لقد تعلّقت إرادته سبحانه على قطع جذور الشِّرك شيئاً فشيئاً من عصر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى عصر ظهور المهدي(عج)، ففي عصره يبلغ منتهاه وكماله.
وقد أشار إليه السيد الآلوسي في تفسيره(3).

موقف شاذ لصاحب المنار في تفسير الآية

فسّر محمد رشيد رضا الفتنة في هذه الآية بقوله: وقاتِلهم حينئذ أيّها الرسول أنت ومن معك من المؤمنين حتى تزول الفتنة بالدِّين بالتعذيب وضروب الإيذاء لأجل ترك الدِّين، كما فعلوا فيكم عندما كانت لهم القوة والسُّلطان في مكة حتى أخرجوكم منها لأجل دينكم، ثمّ صاروا يأتون

1 . البرهان في تفسير القرآن:4/326.
2 . الصف:9.
3 . لاحظ: روح المعاني:9/207.

صفحه 149
لقتالكم في دار الهجرة(فالقتال مستمر حتى يكون الدّين كلّه لله لا يستطيع أحد أن يفتن أحداً عن دينه ليكرهه على تركه إلى دين المُكرِه له فيتقلّده تقيّة ونفاقاً ـ ونقول إنّ هذا المعنى بتعبير هذا العصر ـ ويكون الدين حرّاً، أي يكون الناس أحراراً في الدِّين لا يكره أحد على تركه إكراهاً، ولا يؤذى ولا يعذَّب لأجله تعذيباً.
ثم استدلّ على رأيه بقوله: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ)(1) وقال: سبب نزول هذه الآية أنّ بعض الأنصار كان لهم أولاد تهوّدوا وتنصّروا منذ الصغر، فأرادوا إكراههم على الإسلام فنزلت، فأمرهم النبيّ بتخييرهم.(2)
وحاصل كلامه: إنّ الجهاد محدّد باكتساب الحرية بأن يزول التعذيب والافتتان، فإذا حصل ذلك فالناس مخيّرون في اختيار أيّ دين ومذهب.
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ تفسير الفتنة بالتعذيب والافتتان خلاف سياق الآية، فإنّ الآية تعلِّل وجوب القتال لوحدة الدِّين وكونه لله تعالى، وأمّا على ما ذكره، فينتهي القتال إذا لم يكن في المجتمع إيذاء وافتتان وإن سادت الوثنية والشِّرك ما سادت!!
وثانياً: أنّ ما ذكره يخالف قوله سبحانه في أهل الكتاب:(قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَد وَهُمْ

1 . البقرة:256.
2 . تفسير المنار:9/665.

صفحه 150
صَاغِرُونَ)(1).
وثالثاً: أنّ ما ذكره يضادّ سيرة المسلمين في عصر الخلفاء، فإنّهم قاتلوا لا لأجل كسب الحرية فقط، وإن كان ذلك أحد أهدافهم، وإنّما قاتلوا لضرب الوثنية وعبادة غير الله سبحانه، حتى وإن كانوا مجتنبين عن تعذيب المسلمين وافتتانهم عن دينهم.
والظاهر أنّ صاحب المنار تأثّر بما بثّه المستشرقون من أنّ الإسلام انتشر في العالم بقوّة السَّيف، ولذلك حاول ردّ كلامهم بأنّ الغاية من تجريد السّيف اكتساب الحرية ورفع التعذيب والافتتان، فإذا حصلت الغاية فلا قتال، وتُغمد السُّيوف.
والحقّ في الجواب عن شبهة المستشرقين أن يقال: لمّا كانت الوثنية فكرة خرافية تسبِّب انحطاط الفكر الإنساني، وتتصادم مع مكانة الإنسان، فلذلك لم يسمح الشَّرع الإسلاميّ بأن تبقى متسلّطة على النّاس ولا لحظة واحدة.

زلّة أُخرى لصاحب المنار

نقل صاحب المنار عن الآلوسي أنّه سيتحقّق مضمون هذه الآية إذا ظهر المهديّ، فإنّه لا يبقى على ظهر الأرض مشرك أصلاً، على ما روي عن أبي عبد الله(عليه السلام)، ثم قال: كتب هذا الآلوسي وهو لا يصحّ أصلاً ولا فرعاً.(2)
الظاهر من قوله: لا يصح أصلاً ولا فرعاً، أنّه لا يقول بظهور المهديّ

1 . التوبة:29.
2 . تفسير المنار:9/666.

صفحه 151
في آخر الزمان، أوّلاً، وأنّ انتشار الإسلام لا يتحقّق به عند ظهوره، ثانياً.
أمّا الثاني فقد عرفت أنّ عدداً من الآيات بالإضافة إلى الروايات
يدلّ على ذلك. وأمّا الأمر الأوّل: كيف يقول لا يصحّ أصلاً، وروايات
ظهور المهديّ، بلغت من التواتر مبلغاً لا يمكن لأحد إنكاره؟ وقد ألّف عدد من محدّثي السنّة كتباً ورسائل مستقلّة في أمر المهديّ، نذكر منها
ما يلي:
1. «صفة المهديّ» للحافظ أبي نعيم الإصفهاني.
2. «البيان في أخبار صاحب الزمان» للكنجي الشافعي.
3. «البرهان في علامات مهديّ آخر الزمان» للملاّ علي المتّقي.
4. «العرف الوردي في أخبار المهديّ» للحافظ السيوطي.
5. «القول المختصر في علامات المهديّ المنتظر» لابن حَجَر الهيتمي.
6. «عِقد الدُّرر في أخبار المنتظر» للشيخ يوسف بن يحيى السَّلَمي المقدسي.
ولإتمام الغرض نذكر بعض الروايات:
1. روى أحمد بن حنبل في مسنده عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال:«لو لم يبق من الدهر إلاّ يوم واحد، لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملؤها عدلاً، كما ملئت جوراً».(1)

1 . مسند أحمد:1/99، و ج3/17 و 70.

صفحه 152
2. أخرج أبو داود عن عبد الله بن مسعود، عن النِّبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «لا تذهب ـ أو لا تنقضي ـ الدنيا حتى يَملِك العربَ رجلٌ من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي».(1)
3. أخرج أبو داود عن أُمّ سلمة رضي الله عنها، قالت: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «المهديُّ من عترتي من وُلد فاطمة».(2)
4. أخرج أبو عيسى الترمذي عن عاصم ]بن بَهْدَلة[، عن زِرّ]بن حُبيش[، عن عبد الله ]بن مسعود[، عن النّبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «يلي رجلٌ من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي». قال عاصم: وأخبرنا أبو صالح، عن أبي هريرة:«لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم، لطوّل الله ذلك اليوم حتى يلي».(3) قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
5. روى ابن ماجة عن أبي أُمامة الباهلي، قال: خطبنا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فكان أكثر خطبته حديثاً حدّثناه عن الدّجال، وحذّرناه، فكان من قوله: «إنّه لم تكن فتنة في الأرض منذ ذرأ الله ذرية آدم، أعظم من فتنة الدّجال...» إلى أن قال: «وإمامهم رجل صالح، فبينما إمامهم قد تقدّم ليصلّي بهم الصبح، إذ نزل عليهم عيسى بن مريم، فرجع ذلك الإمام ينكص يمشي القهقهرى، فيقدّم عيسى يصلّي بالناس، فيضع عيسى يده بين كتفيه ثم يقول له: تقدّم فصلّ، فإنّها لك أُقيمت. فيصلّي بهم إ مامهم...».(الحديث)(4)

1 . سنن أبي داود:797، برقم 4282، كتاب المهديّ.
2 . سنن أبي داود:797، برقم 4284، كتاب المهديّ.
3 . سنن الترمذي:650، برقم 2238، كتاب الفتن، باب ما جاء في المهدي.
4 . سنن ابن ماجة: 927، برقم 4077، كتاب الفتن، باب فتنة الدجال وخروج عيسى بن مريم.

صفحه 153

كلام بعض المحقّقين من السنّة حول أحاديث المهديّ

قال بعض المحقّقين المعاصرين من أهل السنّة في الرّدّ على مَن زعم أنّ عدم نقل الصحيحين(لهذه الروايات) دليل على عدم صحّة ما رُوي حول المهديّ: لا أرى لزاماً علينا نحن المسلمين أن نربط ديننا بهما (يعني: صحيحي مسلم والبخاري)، فلنفرض أنّهما لم يكونا، فهل تُشلّ حركتنا وتتوقّف دورتنا؟ لا، فالأُمّة بخير والحمد لله، والذين جاءُوا بعد البخاري ومسلم استدركوا عليهما، واستكملوا جهدهما، ووزنوا عملهما، وكشفوا بعض الخلاف في صحيحيهما، وما زال المحدّثون في تقدّم علميّ، وبحث وتحقيق، ودراسة وجمع، ومقارنة وتمحيص، حتى يغمر الضوء كلّ مجهول، ويظهر كلُّ خفيّ.
إلى أن قال:
إنّ المشكلة ليست مشكلة حديث أو حديثين، أو راو أو راويين، إنّها مجموعة من الأحاديث والآثار تبلغ الثمانين تقريباً، اجتمع على تناقلها مئات الرواة، وأكثر من صاحب كتاب صحيح.
فلماذا نردّ كلّ هذه الكميّة؟ أكلّها فاسدة؟ لو صحّ هذا الحكم لانهار الدِّين ـ والعياذ باللهـ نتيجة تطرّق الشكّ والظنّ الفاسد إلى ماعداها من سنّة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).(1)
أقول: الزَّعم بخلوّ الصحيحين من أحاديث المهديّ، ليس بصحيح،

1 . لاحظ: واحة اليقين لحيدر الطحّان البغداديّ:579ـ 580، عن كتاب «بين يدي الساعة» للدكتور عبد الباقي أحمد محمد سلامة:123ـ 125.

صفحه 154
فقد روى البخاريّ بإسناده عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم، وإمامكم منكم».(1)
وروى مسلم بإسناده عن أبي الزُّبير أنّه سمع جابر بن عبد الله، يقول: سمعت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: «لا تزال طائفة من أُمّتي يقاتلون على الحقّ ظاهرين إلى يوم القيامة، قال: فينزل عيسى ابن مريم(عليهما السلام) فيقول أميرهم: تعال صلّ لنا، فيقول: لا، إنّ بعضكم على بعض أُمراء، تكرمة الله هذه الأُمّة».(2)
سورة الأنفال: الآيات 41 ـ 44   
وإذا علمنا ثبوت صلاة المسيح(عليه السلام) خلف المهديّ المنتظر عند الفريقين، تأكّد لدينا أنّ المراد بهذا الإمام(كما في رواية البخاري) أو الأمير (كما في رواية مسلم) هو المهديّ الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وجوراً.
قال السُّيوطيّ: إنّ صلاة عيسى خلف المهديّ ثابتة في عدّة أحاديث صحيحة بإخبار رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو الصادق المصدوق الذي لا يخلف خبره.(3)
***
ثمّ إنّه سبحانه ختم الآية بقوله: (فَإِنِ انْتَهَوْا): أي عن الشِّرك وعبادة الأوثان (فَإِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) فلو صدقوا فيجزيهم حسب علمه.

1 . صحيح البخاري:2/402، برقم 3449، كتاب أحاديث الأنبياء، باب(51).
2 . صحيح مسلم:94، برقم 286، كتاب الإيمان، باب(71ـ 70)، تحقيق صدقي العطّار.
3 . الحاوي للفتاوى:2/354(كتاب الإعلام بحكم عيسى(عليه السلام)). وانظر: واحة اليقين، للاطّلاع على مزيد من المعلومات حول هذا الموضوع.

صفحه 155
وإن لم ينتهوا كما يقول:(وَإِنْ تَوَلَّوْا): أي لم ينتهوا عن الشرك فالله
سبحانه يؤيّد المسلمين ويمدّهم بمدد غيبي كما يقول: (فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَوْلاَكُمْ): أي وليّكم لا يترككم، وهو (نِعْمَ الْمَوْلَى) الوليّ (وَنِعْمَ النَّصِيرُ): أي الناصر.

الآيات: الحادية والأربعون إلى الرابعة والأربعين

(وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ * إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَة وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَة وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَكِنَّ اللهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ).

صفحه 156

المفردات

غنمتم: الغنم: الفوز بالشيء، قاله الأزهري عن اللّيث.(1)
وقال الراغب: الغَنَم معروف، والغُنْم إصابته والظفر به، ثم استعمل في كلّ مظفور به من جهة العدى وغيرهم.(2)
يوم الفرقان: أُريد به يوم بدر، لأنّه اليوم الذي فرّق فيه بين الإيمان وأهله وبين الكفر وأهله.
الجمعان: جمع المؤمنين، وجمع المشركين.
بالعدوة: العدوة (مثلّثة العين): جانب الوادي وشفيره.
الدنيا: مؤنّث الأدنى، أي الأقرب إلى المدينة.
القصوى: مؤنّث الأقصى، وهو الشفير الأبعد عن المدينة.
الرَّكب: العير الذي كانت فيه متاجر قريش.
أسفل منكم: أي في موضع أسفل منكم إلى ساحل البحر.
لفشلتم: الفشل: ضعف مع الجُبن.
التقيتم: اللِّقاء: مقابلة الشيء ومصادفته معاً.
التفسير
لا شكّ في أنّ للإسلام برامج خاصّة في إدارة البلد ورفع حاجاته، إذ

1 . لاحظ: تهذيب اللغة:8/149، مادة «غنم».
2 . المفردات للراغب:366، مادة «غنم».

صفحه 157
لا تستطيع الحكومة في بلد ما أن تقوم بالوظائف الملقاة على عاتقها إلاّ إذا كانت لها موارد مالية تعتمد عليها.
ولقد أغلق الإسلام في وجه حكومته كلّ السُّبل غير المشروعة التي تعتمد عليها الحكومات الحاضرة، كالضرائب المفروضة على تجارة الخمور والبغاء والقمار وما شابهها، ولكنّه أتاح لها، بدلاً من ذلك، موارد مالية أُخرى، ذكرنا تفصيلها في موسوعتنا «مفاهيم القرآن»(1)، وإليك ذكر هذه الموارد على وجه الإجمال:

1. الأنفال

وهي كلّ أرض مُلكت بغير قتال، وكلّ أرض موات، ورؤوس الجبال وبطون الأودية، والآجام والغابات والمعادن، وميراث من لا وارث له، وما يغنمه المقاتلون بغير إذن الإمام، وكافّة المياه العامّة والأحراش الطبيعية، والمراتع التي ليست حريماً لأحد، وقطائع الملوك وصفاياهم غير المغصوبة.

2. الزكاة

وهي ضريبة تجب في تسعة أشياء: الأنعام وهي: الإبل والبقر والغنم، والنَّقدين وهما: الذهب والفضة، والغَلاّت وهي: الحنطة والشعير والتمر والزَّبيب. والأدلّة عليها من الكتاب والسنّة لا تحصى، وأمّا مقدار ما يؤخذ من هذه الأشياء، فيُطلب من الكتب الفقهية.

1 . لاحظ: مفاهيم القرآن:1/570ـ 587.

صفحه 158

3. الغنائم المأخوذة من أهل الحرب قهراً بالقتال وسيوافيك تفصيله.

4. خُمس الأشياء التالية:

المعادن، الكنز، الغَوص، المال الحلال المختلط بالحرام، الأرض التي اشتراها الذِّمّيّ من المسلم، ما يفضل من مؤونة سنة المكتسب ومؤونة عياله من أرباح التجارات والصناعات والمكاسب. وأحد هذه الأشياء يُخرج منها الخُمس.

5. زكاة الفطرة

وتُسمّى بزكاة الأبدان، وهي التي تجب على كلّ مسلم في عيد الفطر.

6. الخَراج والمقاسمة

وهما ضريبتان مفروضتان على مَن يعمل في الأراضي التي فتحها المسلمون بالقتال.

7. الجزية

وهي الضريبة العادلة المفروضة على أهل الذِّمّة، على رؤوسهم وأراضيهم، إذا عملوا بشرائط الذِّمّة المقرّرة في محلّها، وتقديرها تابع لنظر الحاكم.
8. جباية ضرائب أُخرى ليس لها حدّ معيّن ولا زمان خاص، بل هي موكولة إلى نظر الحاكم الإسلامي يفرضها عند الحاجة إليها، من عمران البلاد أو الجهاد في سبيل الله، أو سدّ عَيلة الفقراء، أو غير ذلك ممّا يحتاج

صفحه 159
إليه قوام البلاد.
هذه صورة إجمالية للموارد المالية، غير أنّ هناك موارد أُخرى متفرّقة يجوز للدولة الإسلامية التصرّف فيها، نظير:
9. المظالم، وهي ما يتعلّق بذمّة الإنسان بتعدٍّ أو إتلاف في مال الغير، ولم يعرف صاحبه، فيجوز للحاكم التصرّف فيها وصرفها في المصارف المقرّرة لها.
10. الكفّارات، مثل كفّارة القتل العَمْد والخطأ، ومخالفة النَّذر والعهد واليمين فيما يتعلّق بالإطعام والإكساء، فيجوز للحكومة أن تتولّى أمرها بدلاً عن صاحب الكفّارة.

11. اللقطة

وهي الضالّة من الأشياء ولم يُعرف لها صاحب، فيجوز للحكومة الإسلامية التصرّف فيها حسب الشروط.

12. الأوقاف والوصايا والنُّذور العامّة

13. الأضاحي

وهي التي يذبحها الحُجّاج في مِنى، فيجوز للحكومة الإسلامية التصرّف فيها لمنفعة المسلمين.

14. توظيف الأموال في المجالات الاقتصادية الكبرى

وذلك من خلال القيام بنشاطات اقتصادية في مجالات الصناعة،

صفحه 160
والتجارة، والزراعة، والعمل المصرفيّ، والتأمين، وتوفير الطاقة، وإدارة شبكات الرّيّ، والمواصلات الجوية والبرّية والبحرية، وإدارة الموانئ والخدمات البريدية والهاتفية وما شابه ذلك لتأمين قسم كبير من ميزانيّتها من هذه الموارد الضخمة.
ولا يعني ذلك حصر هذه النشاطات بيد الدولة الإسلامية وحرمان الشعب منها، بل المجال فيها مفتوح للشعب والحكومة معاً.
هذه صورة إجمالية للموارد المالية للحكومة الإسلامية، ذكرناها ردّاً على مَن يتوهّم أنّه ليس للحكومة الإسلامية موارد مالية منظّمة لإنجاز خططها العمرانية والعلمية والصحّية.
إذا عرفت ذلك، فلندخل في تفسير الآية.
41. (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ):
إنّ لفظ «ما» في قوله: (أَنَّمَا) اسم موصول، وهو اسم «أنّ» التي هي من الحروف المشبَّهة بالفعل، ومقتضى رسم الخطّ أن يكتبا مفصولين «أنّ ما» ولكن لمّا كتبا في المصاحف الأُولى موصولين بقيت كتابتهما على الرّسم السابق، (غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء) بيان للموصول لئلاّ يُتوهّم بأنّ الحكم مخصوص بغنيمة خاصّة، وتلك اللفظة من القرائن الدالّة على أنّه أُريد من

صفحه 161
الغنيمة مطلق ما يغنمه الإنسان، سواء أكان في الحرب أم في غيرها (فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ) لفظة «لله» خبر مقدّم وما بعده مبتدأ مؤخّر، أي فأنّ خمسه لله، واللاّم في قوله: لله، لام التمليك. وبما أنّ مورد الآية الغنائم التي يفوز بها الإنسان في الحرب، فخمس المغنم لله ولمن يذكر بعده من الموارد الخمسة، وأمّا الأخماس الأربعة الباقية المنقولة فللمقاتلين، فالغنائم تقسّم على خمسة أسهم: سهم للموارد الستّة، والأربعة الباقية للمقاتلين حسب رأي الإمام. وأمّا الموارد الستّة، فقد مرّ المورد الأوّل منها وهو (لله)سبحانه، وأمّا الموارد الباقية فإليك بيانها:
الثاني: (وَلِلرَّسُولِ).
الثالث: (وَلِذِي الْقُرْبى). وفي تكرار حرف الجرّ في الموارد الثلاثة، إشارة إلى أنّ لكلٍّ سهماً خاصّاً.
وأمّا ما هو المراد من ذي القربى، فإنّ ذكر الرّسول قبله دليل على أنّ اللاّم في(لِذِي الْقُرْبى)للعهد، أي أقرباء الرّسول لا مطلق القريب، وأمّا مَن هم أقرباء الرسول، فهذا ما تجيب عنه روايات أئمة أهل البيت(عليهم السلام)وهم الأئمّة بعد الرسول وخلفاؤه. ولولا هذه الرّوايات الصريحة لأمكن أن يقال: إنّ المراد كلّ مَن له قرابة مع الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم).
وفي الحديث عن المعصوم(عليه السلام): «فأمّا الخمس فيقسّم على ستّة أسهم: سهم لله، وسهم للرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، وسهم لذوي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل، فالذي لله فلرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فرسول الله أحقّ به فهو له خاصّة، والذي للرّسول هو لذي القربى والحجّة في زمانه، فالنصف له خاصّة والنصف لليتامى والمساكين وأبناء السبيل من آل

صفحه 162
محمد(عليهم السلام)الذين لا تحلّ لهم الصدقة ولا الزكاة، عوّضهم الله مكان ذلك بالخمس...» .(1)
وأمّا الموارد الثلاثة فقد جيء بها مجرّدة عن حرف الجرّ كما في قوله: (وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) مشعراً بأنّ النصف من الخمس للمجموع، فيجوز صرف الجميع في مورد واحد إذا اقتضت المصلحة، ولولا الرّوايات يمكن أن يقال: مطلق الأيتام والمساكين وأبناء السبيل، لكنّ الروايات خصّتهم بيتامى أهل البيت(عليهم السلام) ومساكينهم وأبناء سبيلهم، وما هذا إلاّ عوضاً عن الزكاة فإنّها حُرّمت على بني هاشم وأُبدلت بالخمس.
قوله تعالى:(إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ) الظاهر أنّ الجملة الشرطية تتعلّق بما تقدّم من قوله:(وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ) والغرض من القيد هو العمل بعد العلم، والمعنى: إن كنتم آمنتم بالله فاعلموا أنّ ما غنمتم فأنّ خمسه لله وللرّسول... إلخ.
قوله تعالى: (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ): المؤمنون والمشركون، والجملة عطف على لفظ الجلالة (بِاللهِ): أي إن آمنتم بالله وآمنتم بما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان(يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ)، وأبهم سبحانه ما أنزله يوم الفرقان الذي هو يوم بدر الذي فرّق بين الإيمان والكفر، وهنا احتمالان:
1. قوله سبحانه:(فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّبًا)(2).

1 . الوسائل: 9، الباب1 من أبواب قسمة الخمس، الحديث 8.
2 . الأنفال:69.

صفحه 163
2. أُريد به نزول الملائكة لنصرة المؤمنين، وقد تقدّم قوله سبحانه:(إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلاَئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا)(1).
قوله سبحانه في آخر الآية: (وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ)يتعلّق ببعض ما سبق في الآية وأنّه سبحانه لو فرّق في ذلك اليوم بين الطائفتين ونصر أحدهما على الأُخرى فهو من شؤون كونه (عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ).
إلى هنا خرجنا عن تفسير الآية بجملها وكلماتها، ولكن يقع البحث في أُمور:

الأوّل: ما هو المراد من الغنيمة في الآية؟

إنّ مفسّري السنّة يقولون هي عبارة عمّا يغنمه المسلمون من الكفّار بقتال. وعلى قولهم هذا تكون مسألة الخمس عبارة عمّا لا واقع له في حياتنا العملية في هذه الأيام، إذ لا دولة إسلامية تقاتل الكفّار والمشركين، وأصبحت الآية عندهم كالآيات التي ذكرت أحكام العبيد والإماء التي لا واقع لها في حياتنا العملية، وليس لديهم دليل على الاختصاص إلاّ كونها واردة في قتال المشركين، مع أنّهم أعرف بأنّ المورد لا يكون مخصّصاً إذا كان اللّفظ مطلقاً.
ثمّ إنّ كلاًّ من اللّغة والكتاب العزيز والسنّة يدلّ على أنّ الغنيمة عبارة عن كلّ ما يفوز به الإنسان، سواء أكان عن قتال أم عن غيره؟ وإليك التفصيل:

1 . الأنفال:12.

صفحه 164

أوّلاً: الغنيمة في معاجم اللغة

أ. قال الخليل الفراهيديّ: الغُنم: الفوز بالشيء في غير مشقّة، والاغتنام انتهاز الغنم.(1)
ب. قال الأزهري: قال اللّيث: الغنم: الفوز بالشيء، والاغتنام انتهاز الغنم.(2)
ج. قال ابن فارس: غنم أصل صحيح يدل على إفادة شيء لم يملك من قبل، ثم يختصّ بما أخذ من المشركين.(3)
د. قال ابن منظور: الغنم، الفوز بالشيء من غير مشقّة.(4)
هـ . قال ابن الأثير في تفسير قوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«الرَّهن لمن رهنه، له غنمه وعليه غرمه»: غنمه: زيادته ونماؤه، وفاضل قيمته».(5)
و. قال الفيروزآبادي: الغنم: الفوز بالشيء بلا مشقّة، وغنمه كذا تغنيماً: نَفَله إيّاه، واغتنمه، وتغنّمّه: عدّه غنيمة.(6)
إلى غير ذلك من كلمات مترادفة ومتشابهة في المعاجم، وهذه النصوص تعرب عن أنّ المادّة لم توضع لما يفوز به الإنسان في الحروب فقط، بل معناها أوسع من ذلك، وإن كان يغلب استعمالها في العصور

1 . كتاب العين:4/426، مادة «غنم».
2 . تهذيب اللغة، مادة «غنم».
3 . مقاييس اللغة:4/397، مادة «غنم».
4 . لسان العرب:12/445، مادة «غنم».
5 . النهاية:3/390، مادة «غنم».
6 . القاموس المحيط:4/158، مادة غنم.

صفحه 165
المتأخّرة عن عصر نزول القرآن، في ما يظفر به في ساحة الحرب.

ثانياً: الغنيمة في الكتاب والسنة

أطلق الكتاب المجيد الغنيمة على أجر الآخرة، وهذا يدلّ على أنّ للَّفظ معنىً وسيعاً يشمل كلّ ما يفوز به الإنسان في الدنيا والآخرة، قال سبحانه:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ)(1).
والمراد بالمغانم الكثيرة: هو أجر الآخرة، بدليل مقابلته لعرَض الحياة الدنيا، فيدلّ على أنّ لفظ المغنم لا يختصّ بالأُمور التي يحصل عليها الإنسان في هذه الدُّنيا أو في ساحات الحرب فقط، بل هو عامّ لكلّ مكسب وفائدة وإن كان أُخروياً.
هذا ما في الكتاب. وأمّا السنّة فقد وردت فيها اللّفظة وأُريد بها مطلق الفائدة الحاصلة للإنسان، ومن ذلك:
1. روى ابن ماجة في سننه: أنّه جاء عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«اللّهمّ اجعلها مغنماً ولا تجعلها مغرماً».(2)
2. روى أحمد في مسنده عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«غنيمة مجالس الذِّكر الجنّة».(3)

1 . النساء:94.
2 . سنن ابن ماجة: كتاب الزكاة، باب ما يقال عند إخراج الزكاة، برقم 1797.
3 . مسند أحمد:2/330، 374 و 524.

صفحه 166
3. وروى في وصف شهر رمضان عنه(صلى الله عليه وآله وسلم):«غنم للمؤمن».(1)
4. قال ابن الأثير في النّهاية، عنه(صلى الله عليه وآله وسلم):«الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة». ثم قال: إنّما سمّاه غنيمة لما فيه من الأجر والثواب.(2)
5. من له الغنم، عليه الغُرم (3). وهذه القاعدة في لسان الفقهاء دليل على أن الغنم في اللُّغة هو مطلق الفائدة وإلاّ لم يصحّ ترتّب قوله: «عليه الغُرم» على ما تقدّم .
فقد تبيّن ممّا ذكرناه من كلمات أئمة اللغة وموارد استعمال تلك اللفظة ومادّتها في الكتاب والسنّة، أنّ العرب تستعملها في كلّ مورد يفوز به الإنسان، من جهة العِدى وغيرهم، وإنّما صار حقيقة متشرعة في الأعصار المتأخّرة في خصوص ما يفوز به الإنسان في ساحة الحرب، ونزلت الآية في أوّل حرب خاضها المسلمون تحت لواء رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم يكن الاستعمال إلاّ تطبيقاً للمعنى الكلّي على مورد خاص.
ومن حسن الحظّ أنّه ورد لفظ الخمس في أرباح المكاسب في الحديث النبويّ، وإليك نقل بعض ما وقفنا عليه:
قدم وفد عبد القيس على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: إنّ بيننا وبينك المشركين من مُضَر، وإنّا لا نصل إليك إلاّ في أشهر حُرُم، فمُرنا بجُمل من الأمر، إنْ عملنا به دخلنا الجنّة وندعو إليه مَن وراءنا، قال(صلى الله عليه وآله وسلم):«آمركم بأربع

1 . مسند أحمد:2/177.
2 . النهاية:3/390، مادة «غنم».
3 . قاعدة فقهيّة.

صفحه 167
وأنهاكم عن أربع: آمركم بالإيمان بالله، وهل تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلاّ الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وتعطوا الخمس من المغنم...».(1)
وهناك روايات أُخرى تدل على وجوب الخمس في أرباح المكاسب ذكرناها في رسالتنا«الخمس في الكتاب والسنّة»، فراجع.
وممّا يثير العجب أنّ السنّة اتّفقوا على أنّ في الرِّكاز الخمس، وإنّما اختلفوا في المعادن، فالواجب هو الخمس لدى الحنفيّة والمالكية، وربع العُشر عند الشافعية والحنابلة، وقد استدلّ الحنفية على وجوب الخمس في المعادن بقوله سبحانه:(وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ).(2)
ولعلّ هذا المقدار من البحث يكفي في إثبات ما عليه الشيعة الإمامية في مسألة الخمس، وأنّه يشمل كلّ ما أفاد الإنسانُ حتى أرباح المكاسب.
***
الثاني: أنّه سبحانه ذكر المورد الثالث لتملّك الخمس بصورة الإفراد، وقال: (وَلِذِي الْقُرْبى) وهو ظاهر في أنّه شخص واحد ولا ينطبق إلاّ على أئمة أهل البيت واحداً بعد واحد.
ثم إن علماء السنّة بما أنّهم خصّوا الآية بغنائم دار الحرب عطّلوا الآية عن العمل بها، فإنّ المسلمين ـ منذ قرون ـ لم يخوضوا حرباً مع غير

1 . صحيح البخاري:4/492ـ493، برقم 7556، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى:(وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ); صحيح مسلم:1/35ـ 36 باب الأمر بالإيمان ; سنن النسائي:1/333; مسند أحمد:1/318.
2 . انظر: الفقه الإسلامي وأدلته للدكتور وهبة الزّحيلي:2/775.

صفحه 168
المسلمين فصارت الآية كأنّها خاصّة بالوقائع التي خاضها الرّسول، وبالفتوحات التي جرت بعده(صلى الله عليه وآله وسلم). وهنا يفترق الشيعة عن السنّة في تفسير الآية.
وبذلك صار الخمس عند الشيعة أصلاً مستقلاًّ عن الجهاد، خلافاً للسنّة، حيث جعلوه فرعاً له .
وهناك فرق آخر بين الطائفتين، وهو أنّ الخمس عند الإمامية يُقسم إلى ستّة أسهم كما في الآية نفسها وأنّ سهم الرّسول يرجع إلى الإمام بعده، وأمّا السنّة، فقال الحنفية: إنّ سهم الرّسول سقط بموته، وعلى هذا فيقسّم على خمسة أسهم .
روى الكليني بإسناده عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن الرِّضا (عليه السلام)قال: سُئل عن قول الله عزّ وجلّ: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى...)، فقيل له: فما كان لله، فلمن هو؟ فقال: «لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وما كان لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فهو للإمام...».(1)
وهناك سؤال آخر، وهو أنّ تخصيص ثلاثة أسهم من الخمس لليتامى والمساكين وأبناء السبيل من أهل بيت الرّسول يؤدّي إلى أن يصبح أصحاب الخمس من ذوي الثروات الكبيرة، وهذا ما لا تخفى مفاسده، فكيف جعل الله عزَّوجلّ هذه السِّهام لطوائف ثلاث، مع أن مُؤَنهم أقلّ بكثير من هذه السِّهام؟
والجواب: ما جاء في ضمن رواية عن الإمام موسى الكاظم (عليه السلام)، قال:

1 . وسائل الشيعة:9/512، الباب 1 من أبواب قسمة الخمس، برقم 6 .

صفحه 169
«وله ـ يعني: وللإمام ـ نصف الخمس كمُلاً، ونصف الخمس الباقي بين أهل بيته، فسهمٌ ليتاماهم وسهمٌ لمساكينهم وسهمٌ لأبناء سبيلهم، يقسّم بينهم على الكتاب والسنّة ما يستغنون به في سنتهم، فإن فضل عنهم شيء فهو للوالي، وإن عجز أو نقص عن استغنائهم كان على الوالي أن ينفق من عنده بقدر ما يستغنون به، وإنّما صار عليه أن يموّنهم لأنّ له ما فضلَ عنهم».(1)
بل يظهر من رواية أبي علي بن راشد عن الإمام عليّ الهادي(عليه السلام) أن الجميع إنّما هو لمقام الإمامة وهو يقسّمه حسب ما تقتضيه المصلحة، قال: قلت لأبي الحسن الثالث (عليه السلام): إنّا نؤتى بالشيء، فيقال: هذا كان لأبي جعفر(عليه السلام)(2) عندنا، فكيف نصنع؟ فقال: «ما كان لأبي (عليه السلام)بسبب الإمامة فهو لي، وما كان غير ذلك فهو ميراث على كتاب الله وسنّة نبيّه».(3)
وعلى هذا، فلو زاد الخمس عن حاجاتهم فالزائد للإمام يصرفه في مصالح المسلمين من دون أن يلزم ما تُوهّم.
بقي هنا سؤال آخر، وهو لماذا اهتمّ الإسلام بأقارب الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، وذلك بتأمين حاجاتهم من الخمس؟
والجواب: أنّه لمّا كانت الزكاة محرّمة عليهم، فأقرب الموارد لرفع

1 . الكافي:1/540، برقم 4، كتاب الحجّة، باب الفيء والأنفال; وسائل الشيعة:9/520، الباب 3 من أبواب قسمة الخمس، برقم 1 .
2 . هو الإمام محمد الجواد.
3 . من لا يحضره الفقيه: 2/43ـ44، برقم 14، باب الخمس(95); وسائل الشيعة:9/537، الباب 2 من أبواب الأنفال، برقم 6 .

صفحه 170
حاجاتهم هو من الخمس. وممّا يدلّ على ذلك، ما رواه الطبريّ بإسناده عن مجاهد، قال: قد علم الله أنّ في بني هاشم فقراء فجعل لهم الخمس مكان الصدقة.(1)
ثمّ إنّ للسّادة من أهل بيت الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم)أحكاماً خاصّة في الفقه الإسلامي، ولعلّ الوجه في المقام هو أن يُحفظوا لانتسابهم إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، كما أنّ لذلك تأثيراً خاصّاً في إقدامهم على التضحية للذبّ عن الإسلام وحمايته، ولذلك نرى أنّ كثيراً من الثورات كان بقيادة الحسنيين والحسينيين، والله العالم.

الثالث: إسقاط حقّ ذي القربى بعد رحيل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)

كان الخلفاء الثلاثة بعد النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) يبيحون لأنفسهم الاجتهاد في مقابل النصّ، وقد تجلّى هذا في موارد عديدة، منها: إسقاط سهم ذي القربى من الخمس، وذلك أنّ الله سبحانه وتعالى جعل لهم سهماً وافترض أداءه نصّاً في الذِّكر الحكيم، الذي يتلوه المسلمون آناء الليل وأطراف النهار، وهو قوله عزّ من قائل: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ).(2)
وقد أجمع أهل القبلة كافّة على أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يختصّ بسهم

1 . جامع البيان(تفسير الطبريّ):10/10، برقم 16128.
2 . الأنفال:41.

صفحه 171
من الخمس ويخصّ أقاربه بسهم آخر منه، وأنّه لم يَعهَد بتغيير ذلك إلى أحد حتى قبضه الله إليه وانتقاله إلى الرفيق الأعلى.
فلمّا ولي أبوبكر تأوّل الآية فأسقط سهم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وسهم ذي القربى، ومنع بني هاشم من الخمس، وجعلهم كغيرهم من يتامى المسلمين ومساكينهم وأبناء السبيل منهم.
قال الزمخشري: وعن ابن عباس: الخمس على ستة أسهم: لله وللرّسول سهمان، وسهم لأقاربه حتى قُبض، فأجرى أبو بكر الخمس على ثلاثة، وكذلك روي عن عمر ومَن بعده من الخلفاء، وروي أنّ أبا بكر منع بني هاشم الخمس.(1)
روى البخاري عن عائشة: أنّ فاطمة(عليها السلام) بنتَ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثَها من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ممّا أفاء الله عليه بالمدينة وفَدَك، وما بقي من خمس خيبر...، فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً، فوَجَدتْ فاطمة(عليها السلام) على أبي بكر في ذلك، فهَجَرته فلم تكلّمه حتى توفِّيت، وعاشت بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)ستة أشهر، فلمّا توفّيت دفنها زوجُها عليٌّ ليلاً ولم يؤذن بها أبا بكر، وصلّى عليها... .(2)

إتمام

قال المراغي في تفسير قوله:(وَلِذِي القُربى): قد خصّ الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم)ذلك ببني هاشم وبني أخيه المطَّلب، المسلمين، دون بني عبد شمس

1 . تفسير الكشّاف:2/127.
2 . صحيح البخاري:3/80ـ81، برقم 4240، 4241، كتاب المغازي، باب غزوة خيبر.

صفحه 172
ونوفل، ثم المحتاجين من سائر المسلمين، وهم اليتامى والمساكين وابن السبيل.
وأضاف: روى البخاري عن مُطعم بن جبير(من بني نوفل) قال: مشيت أنا وعثمان بن عفان (من بني عبد شمس) إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقلنا: يا رسول الله أعطيتَ بني المطّلب وتركتنا، ونحن وهم بمنزلة واحدة. فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«إنّما بنو المطّلب وبنو هاشم شيء واحد».
وسرُّ هذا أنّ قريشاً لما كتبت الصحيفة]يعني صحيفة المقاطعة [وأخرجت بني هاشم من مكّة وحصرتهم في الشِّعب ـ لحمايتهم له(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ دخل معهم فيه بنو المطّلب، ولم يدخل بنو عبد شمس، ولا بنو نوفل، لِما كان من عداوة بني أُميّة بن عبد شمس لبني هاشم في الجاهلية والإسلام، فقد ظلّ أبو سفيان يقاتل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ويؤلّب عليه المشركين وأهل الكتاب، إلى أن أظفر الله رسوله ودانت له العرب بفتح مكّة، وكذلك بعد الإسلام خرج معاوية على عليّ وقاتله.(1)
ثمّ إنّ صديقنا محمد جواد مغنية(رحمه الله) ـ بعد ما نقل ما تقدّم من كلام الشيخ المراغي ـ قال: ونعطف نحن على قول الشيخ المراغي، وكذلك قتل يزيد حفيد أبي سفيان الحسين بن علي(عليهما السلام) سبط الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقال الشاعر في هذا العدوان الموروث أباً عن جدّ:
فابن حرب للمصطفى وابن هند *** لعليّ وللحسين يزيدُ(2)

1 . تفسير المراغي:10/4ـ5.
2 . التفسير الكاشف:3/484.

صفحه 173
هذا إجمال ما يمكن أن يقال في تفسير الآية، وأمّا التفصيل فعلى عاتق الفقه.
42. (إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَة وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَة وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ):

العبد يدبّر والله يقدّر

الآية تتحدّث عن المكان الذي نزل فيه الجيشان، وهو آبار بدر، يقول ياقوت الحموي: ماء مشهور بين مكّة والمدينة أسفل وادي الصفراء، بينه و بين الجار وهو ساحل البحر، ليلة، به كانت الوقعة المشهورة.(1)فالمسلمون نزلوا في العدوة الدُّنيا، أي جانب الوادي القريب من المدينة، وكانت الأرض فيه غير مناسبة لنزول الجيش، لكونهاأرضاً رملية، فأنزل الله تعالى المطر فلبّد الأرض تحت أقدام المسلمين، فثبتت على الأرض.
وأمّا المشركون فكانوا في العدوة القصوى، أي الأبعد عن المدينة، وكانت الأرض هناك صلبة، غير أنّه لمّا نزل المطر عاقهم ذلك عن المسير لأنّ الأرض صارت طينية، فلمّا اقتربوا من بدر وجدوا المسلمين قد سبقوهم إليه مجتمعين على الماء. وإلى هذا الوجه يشير قوله سبحانه:(إِذْ أَنْتُمْ): أي المسلمون (بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا): أي بشفير الوادي القريب إلى

1. معجم البلدان:1/357.

صفحه 174
المدينة (وَهُمْ): أي المشركون (بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى): أي بجانب الوادي البعيد عن المدينة، (وَالرَّكْبُ): أي العير في مكان (أَسْفَلَ مِنْكُمْ) من الفريقين وأخفض من منازلهما، لأنّ أصحاب العير كانوا سائرين في طريق الساحل، وهو عادة ما يكون أسفل من غيره، وقد فاتكم وكنتم تأملون أن تدركوه.
ثمّ أشار سبحانه إلى هذا الأمر الغيبيّ: (وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ)أيّها المسلمون للاجتماع في الموضع الذي اجتمعتم فيه (لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ)ووقع الاختلاف بينكم إذا بلغكم كثرة العدوّ وقلّة عددكم (وَلَكِنْ) قدّر الله تعالى لقاءكم من غير ميعاد(لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا)وهو إعزاز الإسلام وأهله وإذلال الشّرك وأهله (كَانَ مَفْعُولاً): أي واجباً ومقدّراً وأمراً كائناً في علمه سبحانه.
والمورد من باب ما قيل: «العبد يدبّر والربّ يقدّر»، حيث خرج المسلمون من المدينة طلباً للعير، ولكنّ الله سبحانه أراد لهم، إعزازاً للإسلام وإعلاءً لكلمة الحقّ، أن يسيروا إلى النّفير، ولو خرج المسلمون من بداية الأمر للجهاد في سبيله وعلموا بكثرة العدوّ لاختلفوا في أمر مواصلة المسير، لأنّ قسماً منهم كانوا يهابون قوّة قريش وغطرستها، ويخشون لقاءها في ساحات القتال، ولكن لمّا قضت إرادة الله سبحانه بإبطال الشِّرك ونشر التوحيد، ستر ذلك كلّه عن المسلمين، ووقعوا في أمر غير مخطّط له ولا متوقّع لهم.
قوله سبحانه: (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ)تعليل لما مضى من الأمر المحتوم. ثمّ إنّ التعليل يتركّب من فقرتين :
1. (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَة).

صفحه 175
2. (وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَة) .
وفي معناهما احتمالان:
الأوّل: أنّ الفقرتين ناظرتان إلى المؤمنين، فهم بين مستشهد في ساحة الجهاد، ففارق الدُّنيا وهو على بيّنة دالّة على سواء السبيل التي سلكها، وبين باق في الحياة وهو أيضاً على بيّنة وحجّة واضحة من ربّه. وعلى هذا فأريد من الهلاك المعنى اللُّغويّ، أي الموت الذي هو ضدّ الحياة. وقد استعمل سبحانه كلمة هلك بمعنى مات في قوله:(إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ)(1).
الثاني: أن يحمل الهلاك والحياة على المعنى الكنائيّ، فأُريد من الأوّل الضّلال، ومن الثاني الهداية. وعلى هذا فتكون الفقرة الأُولى ناظرة إلى المشركين. والثانية إلى المؤمنين، ومعنى الفقرتين أنّ من ضلّ قد ضلّ عن بيّنة من ضلاله، ومن اهتدى فقد اهتدى عن بيّنة تدلّ على صواب ما هو فيه.
ثمّ إنّ الظاهر أنّ حرف اللاّم في قوله: (لِيَهْلِكَ) والمقدّر في قوله:(وَيَحْيَى) هو لام الغرض، وأنّ الله تعالى نصر المسلمين بإمدادات غيبيّة لذينك الغرضين.
فإن قلت: تعليل أفعال الله سبحانه بالأغراض يسبّب كونه سبحانه ناقصاً يكتمل بالأغراض، مع أنّه غنيّ بالذات لا حاجة له إلى شيء.
قلت: إنّ المُحال هو كون الغرض راجعاً إلى شخص الفاعل، إذ هو

1 . النساء:176.

صفحه 176
يستلزم نقصه، ومن ثمّ اكتماله بالغرض، وأمّا إذا كان الغرض للفعل نفسه دون الفاعل، فلا محذور فيه.
وهذا نظير من يعطي الفقير شيئاً، فمن المعلوم أنّه غنيّ عن هذا الفعل، ولكنّ فعله ذو غرض وليس عبثاً، وهو إنعاش الفقير، وسدُّ خَلّته.
ثمّ إنّ الأشاعرة ومنهم الرازي لمّا بنَوا عقيدتهم على امتناع تعليل أفعال الله وأحكامه بالأغراض والمصالح، ورأَوا أنّ الآية تدلّ على
خلاف عقيدتهم، قالوا: إنّا نصرف الآية عن ظاهرها بالدلائل العقلية المشهورة.(1)
يلاحظ عليه: أنّ لازم ما ذكره، هو عرض القرآن على العقيدة، وكونها أصلاً والقرآن فرعاً، وهذا هو التفسير بالرأي الذي حذّر منه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وقال: «من فسّر القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النّار».(2)
هذا ويمكن أن يقال: إنّ اللاّم في الموردين لام العاقبة، وليست لام الغرض، نظير قوله سبحانه:(وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَئَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ)(3).
وهناك زلّة أُخرى للرازي، قال: قوله:(لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَة)ظاهره يقتضي أنّه تعالى أراد من الكافر العلم والمعرفة والخير والصلاح، وذلك يقدح في قول أصحابنا: أنّه أراد الكفر من الكافر، لكنّا نترك هذا

1 . تفسير الرازي:15/168.
2 . حديث مشهور بين الفريقين باختلاف في بعض الألفاظ. لاحظ: سنن الترمذي:4/268; وسائل الشيعة:19، الباب5 من أبواب صفات القاضي، برقم 8.
3 . يونس:88.

صفحه 177
الظاهر بالدلائل المعلومة(1) .
وهذا يعني ترك ظاهر القرآن لعقائد وأفكار مسبقة وإخضاعه لها، وليس هذا إلاّ التفسير بالرأي الذي لا يَخفى خطره على أحد.
ثمّ إنّه نسلّم أنّ الله أراد الكفر من الكافر والإسلام من المسلم، ولكنّه ليس بمعنى تعلّق إرادته بكفر الكافر وإسلام المسلم مباشرة من دون توسّط اختيار الكافر والمسلم، ومثل ذلك لا يستلزم الجبر. وبعبارة أُخرى: إنّه تتوسّط بين الفعل وإرادة الله سبحانه، إرادةُ الفاعل وانحيازُه إلى الفعل وإعداد المقدّمات للإتيان به.
43. (إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَكِنَّ اللهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ):

تقليل عدد المشركين في رؤيا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)

الآية تحكي عن أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) رأى في منامه جيش المشركين قليلاً، أي قليلي العدد، فأخبر برؤياه المسلمين، فصار ذلك سبباً لزوال الخوف عنهم، كما يقول:(إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ)فاعل الفعل هو الله سبحانه، والخطاب للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وضمير الغائب يرجع إلى المشركين، فمعنى الآية: اذكر يا محمد الوقتَ الذي أراك الله هؤلاء المشركين (فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً)وأمّا ما هي الفائدة لإراءة الكثير قليلاً في منامه، فهي ما ذكره بقوله (وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا)وأخبركم النبيّ واقع منامه (لَفَشِلْتُمْ): أي ضعفت عزائمكم (وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي

1 . تفسير الرازي:15/168.

صفحه 178
الأَمْرِ): أي أمر القتال، وذلك لأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)كان يخبر المؤمنين بما أراه الله في منامه، فأراه جيش العدوّ في منامه قليلين فأخبرهم بذلك، ولو أراه حسب الواقع لأخبرهم أيضاً بما رأى، وعندئذ يترتّب عليه الفشل والضعف وكثرة الجدال بينهم: بين فريق يدعو إلى الإقدام وآخر يدعو إلى الإحجام، (وَلَكِنَّ اللهَ سَلَّمَ): أي حفظ المؤمنين من الفشل والتنازع واختلاف الكلمة واضطراب الأمر (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ): أي بما في قلوب الناس من قوّة العزائم وضعفها، والنوايا والخواطر، وما يهمّ به المرء وما يفكّر به.
وهنا سؤال يطرح: كيف يجوز لله سبحانه أن يُري النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، ومن ثمّ المسلمين، الكثيرَ قليلاً؟
وربما يجاب عنه بأنّ رؤيا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في منامه كانت صحيحة، لأنّ قوّة الأعداء وعددهم بالرغم من كثرتهم الظاهرية إلاّ أنّهم كانوا قلّة في الباطن ضعفاء غير قادرين على مواجهة المسلمين، ونحن نعرف أنّ الرؤيا ذات تعبير وإشارة، وأنّ الرؤيا الصحيحة هي التي تكشف الوجه الباطني للأُمور.(1)
وعلى ذلك جرى ابن عاشور وقال: وكانت قلّة العدو في الرؤيا رمزاً وكناية عن وهن أمر المشركين لا عن قلّة عددهم، ولذلك جعلها الله في رؤيا النوم دون الوحي، لأنّ صور المَرائي المناميّة تكون رمزاً لمعان، فلا تُعدّ صورتها الظاهرية خُلفاً لها، بخلاف الوحي بالكلام. (2)

1 . الامثل في تفسير كتاب الله المنزل:5/408.
2 . التحرير والتنوير:9/116.

صفحه 179
يلاحظ عليه: أنّ رؤى الأنبياء تُعدّ قسماً من أقسام الوحي، كما هو الظاهر من قول إبراهيم لابنه إسماعيل(عليهما السلام):(قَالَ يَا بُنيَّ إنِّي أَرى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ).(1)
وعلى هذا فلا فرق بين ما يوحى إليه في المنام أو في اليقظة. أضف إلى ذلك أنّ التصرّف في الرؤيا إنّما يتطرّق إلى رؤيا الآخرين، وأمّا الأنبياء فمنزّهون عن إلمام الشيطان أو القوة الخيالية بما يدركون، فهم إنّما يدركون نفس الواقع، لا شيئاً آخر (أعني ضعف المشركين ووهن أمرهم) حتى يتبدّل ما رآه واقعاً إلى قلّة عددهم، وهذا لو صح إنّما يصحّ في رؤيا سائر الناس .
والذي يمكن أن يقال: إنّه سبحانه أراه قسماً من جيش الكفر لا كلّه، لمصلحة تضمّنت الآية بيانها، وهو أنّه لو أراه واقع الجيش لا قسماً منهم لانتهى إلى فشل المسلمين، لأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يخبرهم بما رأى فيورث ضعفاً في العزيمة واختلافاً في أمر القتال، وإراءة قسم من الجيش لا كلّه ليس أمراً قبيحاً، أو شيئاً كاذباً.
44. (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ):

1 . الصافات:102.

صفحه 180

تقليل عدد المشركين في أعين المؤمنين، وبالعكس

الآية تتحدّث عن تقليل ثان، وهو غير التقليل المذكور في الآية السابقة لأنّها كانت تدور حول إراءة الكثير قليلاً في منام النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأمّا هذه الآية فالتقليل فيها راجع إلى أعين المسلمين والمشركين عند التقائهما في ساحة المعركة، لا في منامهما، وبذلك تفترق الآية عمّا قبلها، فالله سبحانه قلّل عدد المشركين في أعين المؤمنين، وقلّل عدد المؤمنين في أعين المشركين، والحكمة في التقليل الأوّل ـ مضافاً إلى تصديق رؤيا الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم) هي تقوية قلوبهم وطمأنة نفوسهم، ورفع معنويّاتهم، حيث زال عنهم ما كان يخامرهم من تهيّب لقريش وجيشها، فصار ذلك التقليل من أسباب النّصر.
وأمّا الحكمة في التقليل الثاني، فهي أنّ المشركين لما استقلّوا عدد المسلمين، في أوّل الأمر، استهانوا بهم، فوقعوا في فخّ الغرور والاستعلاء، الذي أفضى بهم إلى القتال دون استعداد تامّ، فصار ذلك سبباً لهزيمتهم، وغلبَة المؤمنين.
قال أهل السِّير: كان المسلمون يحسبون عدد المشركين يتراوح بين السبعين والمئة وكانوا في نفس الأمر زهاء ألف، وكان المشركون يحسبون المسلمين قليلاً، فقد قال أبو جهل لقومه، وقد حزر]أي خمّن [المسلمين: إنّما هم أكَلَةُ جزور، أي قرابة المئة، وكانوا في نفس الأمر ثلاثمئة وبضعة عشر.(1)

1 . التحرير والتنوير:9/119.

صفحه 181
إذا عرفت ذلك، فلنرجع إلى تفسير الآية:
قوله تعالى: (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ) عطف على قوله:(إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ) في الآية المتقدّمة، وقد عرفت الفرق بين الإراءتين، فالأولى كانت إراءة في المنام، وهذه رؤية بصرية أراها الله الفريقين، على خلاف ما في الواقع لمصلحة أهمّ، لذلك أضاف الإراءة إلى المسلمين لا إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ) الخطاب موجّه للمؤمنين، والضمير الغائب (هُمْ) كناية عن المشركين (إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً) ليشتدّ بذلك طمعكم فيهم وجرأتكم عليهم (وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ) الخطاب موجّه للمؤمنين، والضمير الغائب يرجع إلى المشركين، أي يقلّلكم في أعين المشركين، ووجهه ـ مضافاً إلى ما مرّ ـ أنّه لو أراهم المؤمنين كثيراً لربّما استولى على المشركين الوهن، وخارت عزائمهم، وتولّوا من حيث أتوا، وعندئذ لا يتحقّق قضاء الله سبحانه، إذ تعلّق قضاؤه بهلاكهم كما يقول:(لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً). وقد تقدّمت هذه الفقرة في الآية السابقة، وفي المجمع: إنّما كرّره سبحانه مع ذكره في الآية الأُولى، لتكرّر الفائدة، لأنّ المعنى في الآية الأُولى: جمَعكم من غير ميعاد،(لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً) من الالتقاء على تلك الصفة. والمعنى هنا: أنّه قلّل كل فريق في عين صاحبه (لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً) من إعزاز الدِّين بجهادكم.(1)
بقي هنا سؤال، وهو أنّ الآية تحكي عن أنّ الله سبحانه قلّل عدد المسلمين في أعين المشركين، مع أنّه يظهر من آية أُخرى خلاف ذلك،

1 . مجمع البيان:4/516.

صفحه 182
قال تعالى: (قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ)(1)، بناءً على أنّ الآية تشير إلى وقعة بدر، فكيف يتمّ التوفيق بينهما؟
سورة الأنفال: الآيتان 45 ـ 46   
والجواب: إنّ موقفَي الآيتين مختلفان، ففي موقع قلّل عددهم في أعين المشركين، وفي موقع آخر كثّر عددهم في أعينهم. أمّا آية سورة الأنفال الدالّة على تقليل عدد المسلمين في أعين الكافرين، فيرجع ما فيها إلى وقت اللّقاء قبل نشوب الحرب، ويشهد لذلك قوله:(وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً)فالآية تحكي عن تقليلين عند اللِّقاء قبل نشوب الحرب: تقليل عدد المشركين في أعين المسلمين لتقوية عزائمهم على قتالهم، وتقليل عدد المسلمين في أعين المشركين ليستهينوا بهم ويندفعوا إلى قتالهم بقلّة مبالاة، ولا يفكّروا في الانسحاب، الأمر الذي تحقّقت فيه إرادة الله سبحانه بقتالهم واستئصالهم.
فظهر أنّ كلا التقليلين كان أمراً لازماً حين اللِّقاء الذي يحكي
عنه قوله سبحانه:(وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى
الْجَمْعَانِ
)
(2).
وأمّا آية آل عمران التي تحكي عن تكثير عدد المسلمين في أعين الكافرين، فهي ناظرة إلى حالة نشوب المعركة، ولم يتميّز بعد المنتصر من المغلوب، ففي هذه الحالة كان اللازم تكثير المؤمنين في أعين الكافرين

1 . آل عمران:13.
2 . الأنفال:41.

صفحه 183
فإنّ ذلك من شأنه أن يوهن عزائمهم ويشيع الرُّعب في قلوبهم، ومن ثمّ هزيمتهم .

الآيتان: الخامسة والأربعون والسادسة والأربعون

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ).

المفردات

فئة: جماعة، وأريد هنا: الكافرة.
فاثبتوا: الثَّبات خلاف الفِرار.
ريحكم: الرِّيح: الدَّولة أو العزّ.

التفسير

عوامل النّصر

بعد أن تحدّث القرآن عن انتصار المسلمين وهزيمة المشركين في واقعة خاصّة (أعني معركة بدر)، جاء البيان القرآني بوصايا كلّية حتى يضعها المسلمون نُصْب أعينهم طول حياتهم. وهذه الوصايا هي عبارة عن الأُمور التالية:

صفحه 184
1. الثبات أمام العدوّ وعدم ترك المعركة.
2. ذكر الله كثيراً.
3. إطاعة الله وإطاعة رسوله.
4. ترك المنازعة والمجادلة وحلّ المشاكل بالتفاهم والتشاور.
5. الصبر في ميدان الجهاد.
هذه وصايا خمس تمثّل عوامل النصر، وستليها وصية سادسة في ضمن المجموعة التالية.
إذا عرفت ذلك، فلنبدأ في تفسير هاتين الآيتين:
45. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ):
قلنا إنّ هذه الآية تشير إلى عوامل النصر، فالله سبحانه يخاطب المؤمنين بقوله:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً) وأريد بالفئة الجماعة الباغية التي تسعى في الأرض فساداً، وما أُشير إليه من العوامل لا يختصّ بغزوة بدر وما شابهها، بل هي ضوابط كلّية عبر الزمان، كما يقول:
1. (فَاثْبُتُوا) أمام العدوّ لا تفرّوا منه. وقد مرّ قوله سبحانه:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ)(1) ففي ظلّ الثبات في ميدان القتال انتصر طالوت وجنوده مع قلّتهم، وانهزم جند جالوت بعد مقتله على يد داود(عليه السلام)، قال سبحانه: (وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ

1 . الأنفال:15.

صفحه 185
وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ).(1)
2. (وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا) بألسنتكم وقلوبكم، لأنّ ذكره يورث الاطمئنان والثقة بالله، قال تعالى: (أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)(2)، كما أنّه سبحانه يأمر زكريا(عليه السلام) بالذِّكر الكثير، ويقول:(آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّام إِلاَّ رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا).(3)
نعم، ربّما يَتوهّم متوهِّم أنّ مَن يحرس البيوت والمحلاّت التجارية ـ مثلاً ـ هو أفضل بكثير ممّن يجلس في بيته مطمئنّاً ويلهج لسانه بذكر الله تعالى.
ولكنّ هذا المتوهِّم غلط في الإشكال، فإنّ كلاًّ من الأمرين ليس منفصلاً عن الآخر حتّى يتردّد بينهما الإنسان، إمّا أن يكون حارساً أو ذاكراً; بل يمكن الجمع بينهما، فالحارس إذا كان ذاكراً لربّه أيضاً، فلا شكّ في أنّه يفضّل على الأوّل .
ولعلّ المراد بذكر الله ذكر ما وعده على لسان رسله للمؤمنين، وقال: (إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ)(4) إلى غير ذلك من الآيات التي تدعو المؤمنين إلى الثقة بالله تعالى، وتحضّهم على الثبات في ميدان الجهاد، وأنّه (نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ).

1 . البقرة:250.
2 . الرعد:28.
3 . آل عمران:41.
4 . محمد:7.

صفحه 186
ثمّ إنّه سبحانه قيّد الذِّكر بالكثرة، لأنّ ذكر الله كثيراً يورث روح التقوى لدى المجاهدين، ويترتّب على ذلك الفوز الفلاح لهم، قاتلين أو مقتولين كما يقول:(لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).
قال الزمخشري: وفي قوله:(لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) إشعار بأنّ على العبد أن لا يفترَ عن ذكر ربّه، أشغلَ ما يكون قلباً وأكثر ما يكون همّاً، وأن تكون نفسه مجتمعة لذلك وإن كانت متوزّعة عن غيره، وناهيك بما في خطب أمير المؤمنين(عليه السلام) في أيام صفِّين وفي مشاهده مع البغاة والخوارج من البلاغة والبيان ولطائف المعاني وبليغات المواعظ والنصائح دليلاً على أنّهم كانوا لا يشغلهم عن ذكر الله شاغل وإن تفاقم الأمر.(1)
وممّا ورد عنه في هذا المجال، قوله(عليه السلام) إذا لقَي العدوَّ محارباً: «اللَّهُمَّ إِلَيْكَ أَفْضَتِ الْقُلُوبُ، وَمُدَّتِ الاَْعْنَاقُ، وَشَخَصَتِ الاَْبْصَارُ،
وَنُقِلَتِ الاَْقْدَامُ، وَأُنْضِيَتِ الاَْبْدَانُ. اللَّهُمَّ قَدْ صَرَّحَ مَكْنُونُ الشَّنَآنِ،
وَجَاشَتْ مَرَاجِلُ الاَْضْغَانِ. اللَّهُمَّ إِنَّا نَشْكُو إِلَيْكَ غَيْبَةَ نَبِيِّنَا، وَكَثْرَةَ
عَدُوِّنَا، وَتَشَتُّتَ أَهْوَائِنَا: (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ، وَأَنْتَ
خَيْرُ الْفَاتِحِينَ
)
(2).(3)
46. (وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ):

1 . تفسير الكشّاف:2/129.
2 . الأعراف:89.
3 . نهج البلاغة: قسم الرسائل، برقم 15.

صفحه 187

من عوامل النصر إطاعة القائد في ميدان الحرب

3. قوله تعالى:(وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ) هذا هو العامل الثالث للنصر، إذ من عوامل النصر إطاعة القائد في ميدان الحرب، فإنّ في إطاعته توحيد القوى وصبّ الجهود في هدف واحد، فيؤثّر في تجاوز العقبات وتحقيق النصر على العدوّ. وفي غير هذه الصورة، كأن يأمر القائد، والمقود لا يسمع أو يصرّ على خلافه، يكون الإخفاق أو الهزيمة من نصيب الجميع. ولعلّ في الفقرة إشارة إلى أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)لمّا ندب المسلمين إلى عير قريش خفّ بعضهم، وثقل بعضهم.(1)
كما أنّه يمكن أن يشير إلى اختلافهم في أمر المسير إلى النّفير، الذي أشارت إليه الآيتان (6 و7) المتقدّمتان، وكشفت عنه أقوال المهاجرين والأنصار التي مضى جانب منها، حيث كانت طائفة منهم يثبّطون النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)عن المسير إلى بدر فزعاً من لقاء قريش، على خلاف آخرين .
وأوضح دليل على أنّ في عدم إطاعة الرسول والقائد الإسلامي يورث خسارة كبيرة هو ما حصل في معركة أُحد، حيث تخلّف الرُّماة عن أوامر الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يثبتوا في مواقعهم وتركوها لمّا رأوا هزيمة المشركين، فخالفوا أوامر قائدهم فدفع المسلمون، نتيجة ذلك، ثمناً باهضاً من أرواحهم ودمائهم .
4. (وَلاَ تَنَازَعُوا) بالاختلاف بينكم فإنّه يُذهب عزّتكم، بل (لا قوّة مع التشتّت).(2) وأوضح مثال له: اختلاف المقاتلين في غنائم بدر على ما

1 . لاحظ: السيرة النبوية:1/607.
2 . القيم الإنسانية للدكتور محمود الموسوي:1/34.

صفحه 188
مرّ، حتى أنّه سبحانه وبّخ هؤلاء بقوله: (لَوْلاَ كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)(1).
إن عدم التنازع من أهمّ أسباب النصر، وعلى فرض ظهوره فاللاّزم رفعه إلى قائد الجيش أو القائد العام. والغريب أن الثقافة المسيطرة على المجتمع الإسلامي في حياتنا المعاصرة تبعث على الأسى والأسف، حيث إن الجهود الّتي تُبذل هنا لبثّ النزاع والاختلاف أكثر بكثير من الجهود التي تُبذل للدعوة إلى الاتحاد ووحدة الكلمة، فنرى مثلاً انقسام الفلسطينيين إلى أحزاب وحركات متناحرة، بالرغم من أنّهم يواجهون كياناً مجرماً متغطرساً، يحتلّ أرضهم، ويستولي على مقدّساتهم، ويرتكب المجازر تلو المجازر التي لا يسلم منها حتى الشيوخ والأطفال والنساء. ونرى أيضاً ما يقوم به حكّام السعودية لا سيما في هذه الأيام (أيام الملك سلمان بن عبد العزيز، ووليّ عهده محمد بن سلمان) من دور تآمريّ لزعزعة الأمن والسلام في المنطقة عبر إشعال نيران الفتن وتأجيج الصراع بين الطوائف والتيارات المختلفة في سوريا والعراق ولبنان وليبيا واليمن، خدمة للمصالح الأمريكية والإسرائيلية.
وبما ذكرنا تظهر أهمّية قوله تعالى: (وَلاَ تَنَازَعُوا).
ثم إنّه سبحانه يشير إلى الأثر السيّئ للتنازع بقوله: (فَتَفْشَلُوا): أي تضعفوا (وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ): أي عزّتكم ودولتكم.
قال الشريف الرضيّ (رحمه الله) حول هذه الفقرة: وهذه استعارة لأنّه لا ريح

1 . الأنفال:68.

صفحه 189
هناك على الحقيقة، وإنّما ذلك على مخرج قول العرب: قد هبَّت ريحُ فلان، إذا تجدّدت له دولة أو ظهرت له نعمة، ويقولون: الرِّيح مع فلان، أي الإقبال معه، والأقدار تساعده، وأصل ذلك أنّ الرِّيح في الحرب إذا كان مجراها مع إحدى الطائفتين كان عوناً لها على أعدائها في تفريق جموعهم وتقويض صفوفهم وإثارة القتام والغبرة في عيونهم ووجوههم، وهذه الأحوال كلّها أعوان عليهم مع عدوّهم.(1)
ولو طرأ التنازع، فيجب على المؤمنين رفع الأمر إلى الحاكم الأعلى، قال سبحانه: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً).(2)
5. (وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) والفرق بين الصبر والثبات، هو أنّ الثبات أعمّ من الصبر، وهو ضدّ الفِرار لكن الصبر عبارة عن ثبات مقابل المكروه بقلب واع، بحيث لا يفزع صاحبُه ولا يجزع ولا يتكاسل ولا يتساهل إلى غير ذلك ممّا هو من شؤون الصابرين، وإلى ذلك يشير قوله سبحانه: (وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) فإنّ في الصبر كمالاً خاصّاً يثبّت الإنسان في مواضع الزَّلل.
قال الإمام علي(عليه السلام) لابنه محمد بن الحنفية يوم أعطاه الراية يوم الجمل: «تَزُولُ الْجِبَالُ وَلاَ تَزُلْ! عَضَّ عَلَى نَاجِذِكَ. أَعِرِ اللهَ جُمْجُمَتَكَ. تِدْ فِي الاَْرْضِ قَدَمَكَ. ارْمِ بِبَصَرِكَ أَقْصَى الْقَوْمِ، وَغُضَّ بَصَرَكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:44.
2 . النساء:83.

صفحه 190
النَّصْرَ مِنْ عِنْدِ اللهِ سُبْحَانَهُ».(1)
إلى هنا تمّ بيان الوصايا الخمس في الآيتين المتقدّمتين، والتي تعدّ من عوامل النصر، وهناك عامل سادس يأتي في المجموعة التالية، والفرق بين الخمسة وما يأتي، هو أنّ الأُولى عوامل إيجابية، وما يأتي في المجموعة التالية هو عامل سلبيّ يمنع المسلمين من أن يخرجوا للجهاد كما خرج صناديد قريش بطراً واستعلاءً.
سورة الأنفال: الآيات 47 ـ 49   

الآيات: السابعة والأربعون إلى التاسعة والأربعين

(وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَاللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ * وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ * إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاَءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).

المفردات

بطراً: البَطَر: تجاوز الحدّ في المرح، وهو دَهَش يعتري الإنسان من

1 . نهج البلاغة: الخطبة 11.

صفحه 191
سوء احتمال النِّعمة وقلّة القيام بحقّها، وصرفها في غير وجهها. وفسّره الوزير المغربي بقوله: التطاول في النِّعمة من غير شكر المنعم.(1) وبعبارة أُخرى هو الاغترار بالنِّعم الوفيرة.
رئاء: مصدر راءى، وهو أن يُظهر الإنسان من نفسه خلاف ما هو عليه ليُثني عليه النّاس ويُعجَبوا به.
جارٌ لكم: أنتم في ذمّتي وحماي.
نكص: النُّكوص: الرجوع القهقرى، يقول الشاعر:
ليس النُّكوص على الأدبار مكرمةً *** إنّ المكارم إقدامٌ على الأَسَلِ
على عقبيه: العَقَبان: مثنّى العَقِب، وهو مؤخَّر القَدَم، والعبارة توكيد لمعنى نكص، وهي كناية عن الانهزام والرجوع إلى الوراء.

التفسير

47.(وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَاللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ):

النهي عمّا يُفسد الجهاد

تضمّنت الآيتان السابقتان عوامل النصر وغلبة العدوّ، وأما هذه الآية

1 . المصابيح في تفسير القرآن:494.

صفحه 192
فذكرت ما يُفسد الإخلاص في الجهاد من أُمور، ولذا نهت المسلمين الخارجين إلى الجهاد عن التلبّس بها، وهي عبارة عن:
1. البطر، 2. الرياء، 3. الصدّ عن سبيل الله.
وهذه الأُمور الثلاثة قد اتّصف بها جيش قريش، لأنّهم خرجوا إلى بدر لحرب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وهم على هذه الصفات، كما يقول:(وَلاَ تَكُونُوا)أيها المسلمون (كَالَّذِينَ): أي قريشاً (خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ)مكة المكرّمة (بَطَرًا): أي بطرين، مسرورين فرحين (وَرِئَاءَ النَّاسِ)من خلال إظهار ما هم عليه من القوّة والعظمة، طلباً للفخر والاستعلاء (وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ): أي يمنعون غيرهم عن دين الله (وَاللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ)فيجازي كلّ إنسان حسب عمله. والآية تشير إلى ما دار بين قريش من الاختلاف بعد العلم أنّ العير قد غيّرت مسيرها إلى ساحل البحر.
روى أصحاب السير أنّ أبا سفيان لما رأى أنّه قد أحرز عيره أرسل إلى قريش: إنّكم إنّما خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم، وقد نجاها الله فارجعوا، فقال أبو جهل بن هشام: والله لا نرجع حتى نرد بدراً فنقيم عليه ثلاثاً فننحر الجُزُر ونطعم الطعام ونسقي الخمر وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا فلا يزالون يهابوننا أبداً بعدها، فامضوا.(1)
ثمّ إنّ البطر والرئاء يتجلّى في كلام أبي جهل، أمّا البطر فلقوله: نُسقي الخمر وتعزف علينا القيان.

1 . السيرة النبوية:1/618.

صفحه 193
وأمّا الرياء فلقوله: تسمع بنا العرب.
وأمّا الصدّ فكان هو الغاية من الخروج.
التدبّر في الآيات الثلاث (45 ـ 47) يدلّ على أن الإسلام يعبّئ جيشه بأُمور إيجابية تمنحه القدرة على الانتصار والغلبة، وهي: الثبات، وذكر الله كثيراً، وإطاعة القائد، والصبر أمام المشاق، ويجنّبه أُموراً سلبيّة، وهي: البطر والمرح، والرّياء، وصدّ الناس عن سبيل الله.
ولكي نقف على التجسيد الحيّ لما ورد في هذه الآية، نأتي بهذا الخبر .
طلب المأمون من الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام)أن يصلّي بالناس صلاة العيد، ويخطب بعد الصلاة، لتطمئنّ بذلك قلوب العامّة، ويعرفوا فضله، فامتنع الإمام من إجابته، وقال له: قَدْ عَلِمْتَ ما كان بَيْني وَبَيْنَكَ مِنَ الشُّروطِ (وهي عدم تدخّله في أيّ أمر من أُمور الحُكم).
فقال المأمون: إنّما أُريد بهذا أن يرسخ في قلوب العامّة والجند والشاكريّة هذا الأمر فتطمئنّ قلوبهم، ويقرّوا لما فضّلك الله به.
وأصرّ المأمون عليه، فاضطرّ إلى إجابته، ولكنّه شرط عليه أن يخرج إلى الصلاة كما كان يخرج جدّه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وجدّه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقال له المأمون: اخرج كيف شئت، وأوعز المأمون إلى القوّات المسلّحة، وإلى سائر الناس باستقبال الإمام الرضا(عليه السلام)، وخرجت الجماهير تنتظر خروج الإمام وقد غصّت بهم الطرقات، وأشرفوا من أعلى منازلهم، ولمّا طلعت الشمس قام الإمام فاغتسل، ولبس عمامة بيضاء، وألقى طرفاً

صفحه 194
منها على صدره الشريف، وطرفاً بين كتفه، وأمر مواليه أن يصنعوا مثل صنعه، ثمّ أخذ بيده عكّازة، وخرج بتلك الحالة الّتي تعنو لها الجباه، ورفع رأسه الشريف إلى السماء، فكبّر أربع تكبيرات، وقد تهيّأ الجيش وتزيّن بأحسن زينة، ثمّ وقف على الباب فكبّر أربعاً، وقال: الله أَكْبَرُ عَلى ما هَدانا، اللهُ أَكْبَرُ عَلى ما رَزَقَنا مِنْ بَهيمَةِ الأنْعامِ. الْحَمْدُ للهِ على ما أبْلانا...
وضجّت الأرض بالتكبير، وماج الناس، وعلت أصواتهم بالتكبير، وتذكّروا في صورة الإمام (عليه السلام)صورة جدّه الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم)الّذي طوّر الحركة الفكريّة في الأرض، وتبيّن لهم زيغ أُولئك الملوك الّذين حكموهم بالظلم والجور.
وكان الإمام العظيم سلام الله عليه يمشي على قدميه، ويقف في كلّ عشر خطوات، ويكبّر الله تعالى أربع مرّات، وتخيّل الناس أنّ السماء والأرض والحيطان تجاوبه، وصارت مرو ضجّة واحدة، وبلغ المأمون ذلك فارتاع وفزع، وانبرى إليه الفضل بن سهل، فقال له: يا أمير المؤمنين، إن بلغ الرضا المصلّى على هذا السبيل افتتن به الناس، فالرأي أن تسأله أن يرجع.
وبعث المأمون بعض جلاوزته إلى الإمام فسأله الرجوع، فدعا (عليه السلام)بخفّه فلبسه، ورجع من دون أن يصلّي بالناس.(1)
وقد أظهرت هذه البادرة روحانيّة الإمام، وزهده في الدنيا، ورفضه

1 . انظر: عيون أخبار الرضا (عليه السلام): 2 / 160ـ162، باب (40)، برقم 21; بحار الأنوار:49/133، برقم 9.

صفحه 195
لمباهج الملك والسلطان.
48. (وَ إِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ):
الآية تتضمّن قيام الشيطان بأُمور ستّة، وهي:
أ. تزيين خروج قريش المشركة من مكّة للغايات التي عرفت، كما يقول:(وَ إِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ).
ب. تشجيعهم على الحرب وأنّ الغلبة والنصر لهم، كما يقول:(وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ).
ج. وعدُهم بأنّهم في ذمّته وحمايته، كما يقول:(وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ).
د. خذلانه لهم، عندما تلاقى الفريقان، ورجوعه القهقرى منهزماً، كما يقول:(فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ).
هـ . تعليل هزيمته بأنّه يرى ما لا تراه قريش، كما في قوله:(إِنِّي أَرى مَا لاَ تَرَوْنَ).
و. الإعلان عن خوفه من الله تعالى، كما في قوله: (إِنِّي أَخَافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ).

ما هو المراد من الشيطان في هذه الآية؟

هذه الأُمور الستة هي ما تتحدّث عنه الآية، إنّما الكلام فيما هو المراد

صفحه 196
من الشيطان، فالمفسّرون على طائفتين:
1. المراد من الشيطان وسوسته وإغواؤه المشركين وتغريره بهم قبل تقابل الصفوف، وبتخلّيه عنهم بعد ذلك. وهذا ما روي عن ابن عباس.
واختاره صاحب الكشّاف وغيره، قال: (وَ إِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ) التي عملوها في معاداة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ووسوس إليهم أنّهم لا يُغلبون، وأوهمهم أنّ اتّباع خطوات الشيطان وطاعته مما يجيرهم، فلما تلاقى الفريقان نكص الشيطان وتبرّأ منهم، أي بطل كيدهم حين نزلت جنود الله، قال: وكذا عن الحسن، كان ذلك على سبيل الوسوسة، ولم يتمثّل لهم.(1)
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكروه من إرجاع كل فقرات الآية إلى وسوسة الشيطان في نفوس قريش، يُستبعد في بعض فقراتها، مثل قوله: (وَإِنِّي جَارٌ)، وقوله:(نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ)، وقوله: (إِنِّي أَرى مَا لاَ تَرَوْنَ)، وهذا يرجّح تمثُّل الشيطان بينهم بشكل صديق يناصحهم ويشجعهم، غير أنّه في آخر الأمر تخلّف عنهم. وهذا ما يؤيّد التفسير الثاني.
2. ما اعتمد عليه غير واحد من المفسرين، بانين تفسيرهم على ما رواه أصحاب السِّير، وهو أنّه لما فرغت قريش من جهازهم وأجمعوا المسير إلى جانب يثرب، ذكروا ما كان بينهم وبين بني بكر بن عبد مناة بن كنانة من الحرب، فقالوا: إنّا نخشى أن يأتونا من خلفنا، فبينما كانت قريش في هذه الفكرة فتبدّى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جُعشم

1 . تفسير الكشّاف:2/130.

صفحه 197
المدلجي، وكان من أشراف بني كنانة، فقال لهم: أنا لكم جار من أن تأتيتكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه، فخرجوا سراعاً.(1)
وذكر الطبرسي في ذيل القصة: ولما رأى إبليس الملائكة قد نزلوا من السماء(في غزوة بدر) وعلم أنّه لا طاقة له بهم، نكص على عقبيه. ولمّا التقَوا كان إبليس في صفّ المشركين آخذاً بيد الحارث بن هشام فنكص على عقبيه، فقال له الحارث: يا سراقة أين؟ أتخذلنا على هذه الحالة ; فقال له: (إِنِّي أَرى مَا لاَ تَرَوْنَ). فلمّا قدموا مكة قالوا: هزم النّاس سراقة، فبلغ ذلك سراقة، فقال: والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغني هزيمتكم، فحلف لهم، فلما أسلموا علموا أنّ ذلك كان الشيطان.(2)
ثمّ إنّ أصحاب القول الأوّل يمنعون أن يتمثّل إبليس بصورة سراقة، مع أنّهم يروون الأمرين التاليين:
1. أنّ إبليس تمثّل بصورة شيخ نجديّ في دار النَّدوة عندما تآمرت قريش على قتل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ليلة هجرته.
2. إنّ جبرئيل كان يتمثل في صورة دحية الكلبيّ.
ثمّ إنّ الآيات صريحة في تمثّل الملائكة للأنبياء والأولياء، كخليل الرحمن(عليه السلام)، وابن أخيه لوط(عليه السلام)، ومريم(عليها السلام).
والظاهر أنّ تمثّله للحارث بصورة «سراقة» كان تمثُّلاً جسمانياً صورياً، لكن الحارث يتصوّر انّه جسماني مادّي.

1 . السيرة النبوية:1/610ـ 612.
2 . انظر: مجمع البيان:4/519.

صفحه 198
وبعد نقل هذين القولين، فالآية غنيّة عن التفسير.
49. (إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاَءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ):
يحكي سبحانه في هذه الآية عن طائفتين وينسب إليهما شيئاً واحداً. هاتان الطائفتان قد أشار إليهما بقوله:(إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ). أمّا الطائفة الأُولى فهم الذين يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام.
والنِّفاق لم يكن موجوداً في مكة، بل وُجدت نواته في المدينة المنوّرة، ويرأسهم عبد الله بن أُبيّ.
سورة الأنفال: الآيتان 50 ـ 51   
وأمّا الطائفة الثانية، فهم الذين في إيمانهم ضعف، حيث تنتابهم الشكوك ويهتزّ اعتقادهم عندما تعرض لهم الشبهات، أو عندما يواجهون حوادث لم يفقهوا حقائقها. وقد ذُكر أنّ المراد بهم ناس من أهل مكّة أقرّوا بالإسلام فخرجوا مع المشركين يوم بدر، فلمّا رأوا قلّة المسلمين قالوا: (غَرَّ هَؤُلاَءِ دِينُهُمْ) إذ لولا غرور دينهم لم يقدموا على مقابلة جيش قويّ أكثر منهم عدّة وعدداً.(1) وعلى ما ذكرنا فقد نطق بهذا الكلام منافقو المدينة (حينما تخلفوا عن الخروج مع المسلمين)، ومرضى القلوب .
وأمّا منطق المؤمن فهو إعداد العدّة، والتمسّك بالأسباب، وفي الوقت نفسه التوكّل على الله تعالى، والثّقة بوعده، كما يقول: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ) والجواب محذوف، أي فهو حسبه، قام مقامه قوله: (فَإِنَّ اللهَ

1 . جامع البيان (تفسير الطبري):10/29ـ30، برقم 16210 و16213.

صفحه 199
عَزِيزٌ)لا يُغلب (حَكِيمٌ) فيما يدبّر من أمر خلقه تكويناً وتشريعاً.

الآيتان: الخمسون والحادية والخمسون

(وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلاَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ * ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّم لِلْعَبِيدِ).

المفردات

يتوفّى: التوفّي: أخذ الشيء بتمامه، وأُريد هنا قبض الرُّوح.
ذوقوا: استعمل الذّوق في مطلق الإحساس مع أنّ الأصل فيه هو الإحساس بالشيء اللَّذيذ، وإطلاقه في مورد العذاب من باب التهكُّم.
الحريق: اضطرام النّار.
بظلاّم: أريد به النسبة إلى الظُّلم، أي لا ينسب إلى الظُّلم، نظير قول القائل:

وليس بذي رمح فيطعنني به *** وليس بذي سيف وليس بنبّالِ(1)التفسير

50. (وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلاَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ):

1 . الشعر لامرئ القيس.

صفحه 200

تعذيب الكافرين حين التوفّي

الظاهر أنّ الآية ناظرة إلى كلّ كافر، وهي تحكي عن تعذيبهم في الدُّنيا والآخرة.
أمّا في الدُّنيا، فحينما تقبض الملائكة أرواح الكافرين يضربون وجوههم وأقفيتهم كما يقول:(وَلَوْ تَرى)أيّها المخاطب، وهو غير معلوم فيعمّ كلّ مخاطب (إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلاَئِكَةُ) ويقبضون أرواحهم، لو رأيت تلك الحال، وجواب (لَوْ) محذوف، وتقديره: لرأيت أمراً عجيباً. وهذا الأمر ما يشير إليه بقوله:(يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ)استهانة بهم وإذلالاً لهم، عقوبةً على غطرستهم واستكبارهم عن الحقّ، هذا عذابهم في الدُّنيا، وأمّا في الآخرة، فهو ما يذكره سبحانه ـ حاكياً عن الملائكة قولهم للكفّار ـ : (وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) بعد هذا في الآخرة.
وبما أنّ الآية ضابطة كليّة، فالظاهر ما ذكرنا، وأنّها لا تختصّ بمن هلك في وقعة بدر من مشركي مكّة. نعم، ربما قيل إنّه كان مع الملائكة يوم بدر مقامع من حديد كلّما ضربوا المشركين بها التهبت النار في جراحاتهم(1)، ولكنّه بعيد لأنّ الآية بصدد بيان ضابطة كليّة.

نسبة التوفّي إلى الله وملك الموت والملائكة

ثمّ إنّه سبحانه ينسب التوفّي إلى الملائكة ويقول:(يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلاَئِكَةُ)، وفي الوقت نفسه ينسبه إلى ذاته عزّ وجلّ ويقول:(اللهُ

1 . انظر: مجمع البيان:4/522.

صفحه 201
يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا)(1)، وفي آية ثالثة ينسبه إلى ملك الموت ويقول:(قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الذِي وُكِّلَ بِكُمْ)(2)، ووجه الجمع بين ذلك، هو أنّ ملك الموت إنّما يصدر عن أمر من الله تعالى، فتصحّ نسبة الفعل إليه وإلى الله بالمباشرة والتسبيب، وأمّا نسبة التوفّي إلى الملائكة فيدلّ على أنّ لملك الموت أعواناً يتولَّون قبض الأرواح نيابة عنه، فالنِّسب بأجمعها صحيحة. ذلك حال الكافرين عند التوفّي.
وأمّا حال المؤمنين، فهو على جهة التضادّ معهم، يقول سبحانه:(الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلاَمٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)(3).
المقابلة بين الحالين (حالي الكفّار والمؤمنين) واضحة، فقوله: (طَيِّبِينَ) يقابل قوله:(يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ)، وقوله: (سَلاَمٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ) يقابل قوله: (ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ).
فالملائكة الموكَّلون بقبض أرواح المشركين هم ملائكة التعذيب، والملائكة الموكَّلون بالمؤمنين هم ملائكة الرحمة، ولذلك تختلف طريقتهم عند قبض الرُّوح.
وختاماً نقول: الآية تشير إلى أنّ الإنسان مركّب من جزأين مأخوذ ومتروك، أمّا المأخوذ فهو الرُّوح، وأمّا المتروك فهو الجسم الماديّ، لِما مرّ من أنّ قوله: (يَتَوَفَّى)بمعنى يأخذ لا بمعنى يُميت، فيدلّ قوله: (إِذْ يَتَوَفَّى

1 . الزمر:42.
2 . السجدة:11.
3 . النحل:32.

صفحه 202
الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلاَئِكَةُ)أنّ ملك الموت يأخذ من الكافر شيئاً وليس هو إلاّ روحه، وأمّا البدن فليس مأخوذاً بل هو متروك، فتكون الآية شاهدة على تجرّد الرُّوح وأنّ سِنخها ليس من سِنخ البدن.
كلّ ما ذكرنا مبنيٌّ على أن التوفّي بمعنى الأخذ لا الإماتة كما هو الصحيح. ويدلّ على ما ذكرنا قوله سبحانه: (اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرى إِلَى أَجَل مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَات لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ).(1)
فلو كان التوفّي بمعنى الإماتة لزم التناقض، حيث إن قوله: (وَالتي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا)معطوف على الأنفس، ولو كان التوفّي بمعنى الأخذ يصير معنى الآية كالتالي: ويميت الّتي لم تمت في منامها ويمسك الّتي قضى عليها الموت ويرسل الأُخرى، إذ كيف يرسل والمفروض أنّه أماتها في منامها.
51. (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّم لِلْعَبِيدِ):

التعذيب تجسيد تمثيليّ لأعمالهم الشّريرة

لفظة (ذَلِكَ) إشارة إلى العذاب الذي ينزل بالكفّار يوم القيامة، والآية بصدد بيان أنّ تعذيبهم ليس أمراً جارياً على خلاف العدل، والله سبحانه هو العادل الذي لا يجور، وإنّما التعذيب هو تجسيد تمثيليّ لأعمالهم السيّئة التي ارتكبوها في الحياة الدُّنيا. والآية تدلّ على أُمور:

1 . الزمر: 42 .

صفحه 203
الأوّل: أنّ العذاب الأُخروي هو تمثُّل للذُّنوب والخطايا التي ارتكبها العاصي في الدُّنيا، فلشرب الخمر أو الزِّنا ـ مثلاً ـ وجودان: وجود مادّيّ دنيويّ، وآخر وجود برزخيّ أُخرويّ، وهذا ما يعبّر عنه بتجسّم الأعمال، الذي يكشف عنه عدد من الآيات، منها قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا).(1)
نعم ليس كلّ تعذيب تمثيلاً للعمل الدنيوي، وإنّما هو قسم منه.
الثاني: أنّ قوله: (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ)يدلّ على أنّ للإنسان سهماً وافراً في صنع مصيره، وأنّه هو الذي يصنع مصيره بإرادته واختياره، وما يقول به الجبريّون في مصير الإنسان وأنّه بتقدير من الله تعالى وليس للبشر فيه صنع، باطل يكذّبه البرهان وظاهر القرآن. وتقديره سبحانه لا ينافي كون الإنسان مختاراً في صنع مصيره.
ثمّ إنّ الاشاعرة ـ الّذين انفصلوا عن المحدّثين في الاستدلال بالأحكام العقلية على المعارف ـ لمّا رأوا أن القول بالجبر أمر منكر عقلاً ومخالف للفطرة، حاولوا الخروج من هذا المأزِق بإثبات وصف للإنسان يعبّر عنه بعنوان (الكسب) فقالوا: إن الله خالق والعبد كاسب، واختلفوا في معنى الكسب اختلافاً كثيراً، ولا يرجع إلى محصّل، حتّى عُدّ من الأُحجّيات الّتي لم يُعلم معناها، وقد قيل في ذلك:
ممّا يقال ولا حقيقة عنده *** معقولة تدنو إلى الأفهامِ

1 . النساء:10.

صفحه 204
الكسب عند الأشعري والحال *** عند البهشمي وطفرة النَّظّامِ(1)
الثالث: أنّه سبحانه ينسب ارتكاب الجرائم كلّها إلى الأيدي، كما قال:(ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ) مع أنّ مصدر قسم من الجرائم هو غير الأيدي كالأسماع والأعين، والأقدام، وفوق الكلّ القلوب.
والجواب: أنّ اليد في الآية كناية عن كلّ ما يقوم به الإنسان من أعمال، وما هذا إلاّ لأنّ اليد في الإنسان من أظهر أدوات العمل ولذلك نسب الكلّ إليها. وهذا يدل على وجود المجاز في القرآن خلافاً لمن منع القول بالمجاز فيه، بأوهام لا يليق ذكرها. وسيوافيك الكلام فيه عند تفسير الآية (71) من سورة (يس).
سورة الأنفال: الآيات 52 ـ 54   
ثمّ إنّ ما يأتي بصيغة (فعّال) تارة يستعمل لإفادة المبالغة، وأُخرى في إفادة النسبة إلى المبدأ، فقوله سبحانه: (لَيْسَ بِظَلاَّم) ينفي النسبة بين الله والظلم، ومثله نفي النسبة بين الخصم ورمي النَّبل في بيت امرئ القيس الذي تقدّم في المفردات.
ثم إنّ للسيد الطباطبائي بياناً آخر لقوله:(لَيْسَ بِظَلاَّم) يقول فيه: قوله: (وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّم لِلْعَبِيدِ)معطوف على موضع قوله: (مَا قَدَّمَتْ): أي وذلك بأنّ الله ليس بظلاّم للعبيد، أي لا يظلم أحداً من عبيده، فإنّه تعالى على صراط مستقيم لا تخلُّف ولا اختلاف في فعله، فلو ظلمَ أحداً لظلمَ كلّ أحد، ولو كان ظالماً لكان ظلاّماً للعبيد.(2)

1 . لاحظ، للوقوف على الآراء المختلفة في تفسير الكسب، كتابنا: بحوث في الملل والنحل: 2 / 162 ـ 180 .
2 . الميزان في تفسير القرآن: 9 / 101 .

صفحه 205
ثمّ إنّ مبدأ الظلم أحد الأمرين: جهل الفاعل بقبحه، أو لحاجته إليه، وكلا الوجهين منتفيان في حقّه سبحانه، ويثبتان كونه سبحانه عادلاً لا يجور، ومن ثمّ يجازي كلّ إنسان بما يستحقّ.
الرابع: الآية تدلّ على أنّ العقل يدرك حُسن الأفعال وقُبحها، ولذلك يقول سبحانه:(وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّم لِلْعَبِيدِ) فلو كان العقل عاجزاً عن دَرْك قبح الظلم لما احتاج سبحانه إلى تعليل فعله بقوله: (وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّم لِلْعَبِيدِ) فدلّت الآية على أنّه تعالى افترض أن المخاطب يدرك قبح الظلم، فينفيه عن نفسه حتى لا يتوهّم ذلك فيه متوهِّم.

الآيات: الثانية والخمسون إلى الرابعة والخمسين

(كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْم حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ).

المفردات

كدأب: الدَّأْب: العادة المستمرّة دائماً على حالة.(1) ولكنّه يختص

1 . المفردات للراغب:174، مادة «دأب».

صفحه 206
بالعادة الاختيارية لا الاضطرارية.

التفسير

52. (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ):

سنّته سبحانه في مورد الكافرين

الآية الواردة في هذه المجموعة بصدد بيان سنّة الله سبحانه في مورد الكافرين والفاسقين والمجرمين وأنّ سنّته واحدة. وتتضمّن الآية نوع تهديد لمشركي مكّة، وتحكي أنّ سنّته فيهم وفي آل فرعون ومَن تقدّمهم من الأُمم الكافرة كعاد وثمود، سنّة واحدة.
يقول سبحانه: (كَدَأْبِ): أي دأب مشركي مكّة ـ لم يُذكر المشبّه ـ يعني عادتهم وطريقتهم كدأب (آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) من الأُمم الهالكة. وأمّا وجه الشبه، فيبيّنه بقوله: (كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ): أي بما أتاهم أنبياؤهم ورسلهم، فاستحقّوا الهلاك بذنوبهم (فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ): أي عاقبهم الله بها (إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ) قادر لا يقدر أحد على منعه عن إحلال العقاب بمن يريد، وهو في الوقت نفسه (شَدِيدُ الْعِقَابِ) لمن استحقّه، والشدّة صفة العقاب.
53. (ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْم حَتَّى

صفحه 207
يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ):

سلب النِّعم غِبّ تغيير ما بأنفسهم

قوله تعالى:(ذَلِكَ) إشارة إلى مجموع ما تقدّم في الآية السابقة، وتشير الآية إلى أنّ أخذ الله لقريش بكفرهم بنعم الله سبحانه كأخذه لآل فرعون والذين من قبلهم، سنّة من سنن الله تعالى، حيث جرت (بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْم) فقد أنعم على آل فرعون والذين من قبلهم بنِعم كبيرة، كما أنعم على قريش بالأمن والرّزق من الثمرات، فالله سبحانه لا يسلب هذه النِّعم عنهم (حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) فيقع الكلام: ماذا أراد سبحانه من تغيير ما بأنفسهم، فإنّ الطوائف الثلاث أعني قريشاً وآل فرعون ومن قبلهم كانوا كفّاراً لم يؤمنوا قطّ، فكيف يقول سبحانه: (حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)؟ وهذا ما يبيّنه السيد الطباطبائي في قوله: ولا تزول نعمة من النِّعم الإلهية ولا تتبدّل نقمة وعقاباً إلاّ مع تبدل محلّه، وهو النُّفوس الإنسانية، فالنِّعمة التي أنعم بها على قوم إنّما أُفيضت عليهم لمّا استعدّوا لها في أنفسهم، ولا يسلبونها ولا تتبدّل بهم نقمة وعقاباً إلاّ لتغييرهم ما بأنفسهم من الاستعداد وملاك الإفاضة وتلبّسهم باستعداد العقاب.(1)
وقد جاء مضمون هذه الآية في سورة الرَّعد، قال تعالى: (إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْم حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)(2).
وحاصل كلامه: إنّ الفطرة السليمة والاستعداد لقبول الخير والعقيدة

1 . الميزان في تفسير القرآن:9/101.
2 . الرعد:11.

صفحه 208
الصحيحة هي التي يتمتّع بها بنو آدم كلّهم، ولكن إذا تغيّر ما بأنفسهم من الاستعداد لقبول العقائد الصحيحة والشريعة الإلهية، وأُقفلت قلوبهم عن قبول كلّ خير، فالله سبحانه ينتزع عنهم نعمهم. ومن قرأ التاريخ الصحيح يتمثّل له معنى الآية.
ثمّ إنّ الرازي نقل عن القاضي كلاماً يتفق مع ما ذكره السيد الطباطبائي، قال: معنى الآية أنّه تعالى أنعم عليهم بالعقل والقدرة وإزالة الموانع وتسهيل السُّبل والمقصود أن يشتغلوا بالعبادة والشكر ويعدلوا عن الكفر، فإذا صرفوا هذه الأحوال إلى الفسق والكفر، فقد غيّروا نعمة الله تعالى على أنفسهم، فلا جرم استحقّوا تبديل النِّعم بالنِّقم، والمَنْح بالمِحَن، قال: وهذا من أوكد ما يدلّ على أنّه تعالى لا يبتدئ أحداً بالعذاب والمضرّة، والذي يفعله لا يكون إلاّ جزاء على معاص سلفت، ولو كان تعالى خلقهم وخلق جسمانهم وعقولهم ابتداء للنّار كما يقول القوم، لما صحّ ذلك.(1)
ثمّ إنّ الرازي صدّق أنّ ظاهر الآية ما قاله القاضي، إلاّ أنّه أورد على الأخذ بظاهر الآية إشكالاً وقال: لو حملنا الآية عليه لزم أن تكون صفة الله تعالى معلّلة بفعل الإنسان، وذلك لأنّ حكم الله بذلك التغيير وإرادته لما كان يحصل إلاّ عند إتيان الإنسان بذلك الفعل، فلو لم يصدر عنه ذلك الفعل لم يحصل لله تعالى ذلك الحكم وتلك الإرادة، فحينئذ يكون فعل الإنسان مؤثراً في حدوث صفة في ذات الله، ويكون الإنسان مغيّراً صفة الله

1 . تفسير الرازي:15/181.

صفحه 209
ومؤثِّراً فيها، وذلك محال في بديهة العقل. فثبت أنّه لا يمكن حمل هذا الكلام على ظاهره، بل الحقّ أنّ صفة الله غالبة على صفات المُحدَثات، فلولا حكمه وقضاؤه أوّلاً لما أمكن للعبد أن يأتي بشيء من الأفعال والأقوال.(1)
لقد عزب عن الرازي أنّه سبحانه قضى على كون الإنسان مختاراً في فعله وتركِهِ قضاءً حتميّاً لا يتغيّر، قال تعالى:(إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا)(2)، وقال سبحانه:(فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)(3) إلى غير ذلك من الآيات، فلو كان الإنسان في فعله مجبوراً وغير مختار لزم الجهل في علم الله سبحانه، تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً. هذا أوّلاً.
وثانياً: أنّ الرازي خلط بين الأوصاف الذاتية والأوصاف الفعلية، فالذي لا يقبل التعليق الى فعل الإنسان هو القسم الأوّل، فعلمُه وقدرتُه مطلقة غير معلّقة وإلاّ لزم تطرق التغيير إلى ذاته.
وأمّا أوصافه الفعلية كالرِّزق والإماتة والإحياء وإنزال المطر وسائر الأفعال فلا مانع من كونها معلّقة إذ لا يلزم منه تطرّق التغيير إلى ذاته، فعالم الكون علمه الفعلي ووصفه، فالتعليق فيه أمر بديهيّ، وصريح القرآن شاهد بذلك، يقول سبحانه: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لاََزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ)(4)، ويقول:(إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ

1 . تفسير الرازي:15/181.
2 . الإنسان:3.
3 . الكهف:29.
4 . إبراهيم:7.

صفحه 210
الْمُحْسِنِينَ).(1)
وأمّا الروايات فحدِّث عنها ولا حرج.
روى الكليني عن أبي عبد الله(عليه السلام):«ما أنعم الله على عبد نعمة فسلبها إيّاه حتى يذنب ذنباً يستحقّ بذلك السَّلب».(2)
وروى أيضاً عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«الذنوب التي تغيّر النِّعم البَغْي... والتي تُنزل النِّقم الظلم... والّتي تحبس الرزق الزّنا...، والتي تعجّل الفناء قطيعة الرَّحِم، والّتي تردّ الدعاء وتُظلم الهواء عقوق الوالدين».(3)
نعم يظهر من بعض الروايات أنّ بعض الذنوب يسرع في سلب النِّعمة أكثر من غيره، وهو الظلم، قال الإمام علي(عليه السلام) في عهده إلى مالك الأشتر:«وَلَيْسَ شَيْءٌ أَدْعَى إِلَى تَغْيِيرِ نِعْمَةِ اللهِ وَتَعْجِيلِ نِقْمَتِهِ مِنْ إِقَامَة عَلَى ظُلْم، فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ دَعْوَةَ الْمُضْطَهَدِينَ، وَهُوَ لِلظَّالِمِينَ بِالْمِرْصَادِ». (4)
إلى غير ذلك من الروايات، وربّما نشير إليها في تفسير الآية الآتية.
54. (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ):
هذه الآية تكرير لما تقدّم في الآية (52)، والغرض هو التأكيد وتثبيت الإنذار والتهديد، ومع ذلك فثَمّة اختلاف بين الآيتين في الأُسلوب في

1 . يوسف:90.
2 . الكافي:2/274، برقم 24.
3 . الكافي:2/447ـ 448، برقم1.
4 . نهج البلاغة: قسم الرسائل، برقم53.

صفحه 211
موارد:
1. في الآية السابقة وصف الأُمم السّالفة الهالكة بقوله:(كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ)، وفي هذه الآية وصفهم بقوله: (كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ).
2. في الآية السابقة جعل الكفر سبباً للعقاب الدنيويّ، وفي آيتنا جعل التكذيب سبباً لإهلاكهم.
3. اكتفى في الآية السابقة بالإشارة إلى معاقبة آل فرعون ولم يذكر نوعها،بينما صرّح بها في آيتنا، وقال: (وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ) مع ما لهم من النِّعم التي يشير إليها قوله سبحانه حكاية عن فرعون: (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْري مِنْ تَحْتِي)(1)، كما أشار سبحانه إلى النِّعم التي أُوتيها قارون، قال سبحانه: (وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ)(2)، فهؤلاء كفروا بنعم الله، فسلبها الله منهم.
4. ختم الآية السابقة بقوله: (إِنَّ اللهَ قَويٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ)، وختمها هنا بقوله: (وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ).

سنّة الله في الأُمم الفاسدة

القرآن الحكيم يذكر سنن الله تبارك وتعالى في التاريخ، وهو موضوع جدير بالدراسة، فبإمكان الباحث أن يجمع ما جاء فيه من آيات تتحدّث عن سنن الله في التاريخ، ويدرسها دراسة عميقة، ليستخلص منها النظرية

1 . الزخرف:51.
2 . القصص:76.

صفحه 212
القرآنية في هذا الموضوع.(1) ومن سننه تعالى أنّ الأُمّة الغارقة في اللَّهو والفساد، هي أُمّة محكومة بالفناء والزَّوال، وهانحن نذكر أُنموذجاً واضحاً لهذه السُّنّة ونقول:
كانت الدولة الإسلامية تعيش في القرون الأُولى في أوج قدرتها وقوّتها، ولذلك أخذوا يفتحون البلاد وينشرون الإسلام وينصبون لواءه على قصور الملوك والبيع والكنائس والمعابد، ولكن شملهم الخذلان في القرن السابع خلال الغزو المغوليّ، على نحو يصفه ابن الأثير الجَزَريّ في تاريخه بالداهية العظمى، ويقول: من الذي يسهل عليه أن يكتب نعيَّ الإسلام والمسلمين؟ ومن ذا الذي يهون عليه ذكر ذلك؟ فياليت أُمّي لم تلدني، وياليتني متُّ قبل حدوثها وكنت نسيّاً منسيّاً إلاّ أنّي حثّني جماعة من الأصدقاء على تسطيرها وأنا متوقِّف، ثمّ رأيت أنّ ترك ذلك لا يُجدي نفعاً.(2)
ثمّ إنّ بعض من يكنّ العداء للشيعة يزعم أنّ سبب سقوط عاصمة الدولة الإسلامية (بغداد) هو الوزير مؤيد الدين ابن العلقميّ، وانّه هو من قام بتسليم مفاتيح بغداد للغزاة المغول، ومن ثمّ فالرجل ومن ثم الشيعة أجمعون من يومها إلى يوم الدين هم المسؤولون عن كارثة سقوط بغداد!!
وهذا ما يجترّه الوهابيون ومن لفّ لفّهم، دون أن يقرأوا صحيفة من صحف تاريخ السقوط.

1 . للمفكّر الإسلاميّ السيد الشهيد محمد باقر الصدر(قدس سره) بحوث قيّمة في هذا الموضوع، طبعت تحت عنوان «السُّنن التاريخية في القرآن».
2 . سيوافيك مصدره.

صفحه 213
نحن نقول: هب أنّ الوزير العلقمي أو نصير الدين الطوسي هما السبب لسقوط الدولة العباسية وسيلان الدماء في عاصمتها، فما هو السبب للانهيار والدّمار اللذين حلاّ بالبلاد من أقصى المشرق الإسلامي إلى العاصمة بغداد، ولم يكن هناك أيّ أثر لإصبع من أصابع الرجلين؟ وإذا أردت أن تعرف مدى جنايات الغزو المغوليّ في المشرق الإسلامي، فلنذكر شيئاً مما ذكره ابن الأثير في كامله، يقول:
لو قال قائل إنّ العالم منذ خلق الله سبحانه وتعالى آدم وإلى الآن لم يُبتلَوا بمثله لكان صادقاً، فإنّ التواريخ لم تتضمّن ما يقاربها ولا ما يدانيها ـ إلى أن قال: هؤلاء لم يُبقوا على أحد، بل قتلوا النساء والرجال والأطفال، وشقّوا بطون الحوامل وقتلوا الأجنّة، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون... فإنّ قوماً خرجوا من أطراف الصين، فقصدوا بلاد تركستان مثل كاشغر وبلاساغون، ثمّ منها إلى بلاد ماوراء النهر مثل سمرقند وبُخارى وغيرها، فيملكونها ويفعلون بأهلها ما نذكره، ثمّ تعبر طائفة منهم إلى خراسان، فيفرغون منها مُلكاً وتخريباً وقتلاً ونهباً، ثمّ يتجاوزونها إلى الريّ وهَمَدان وبلد الجبل وما فيها من البلاد إلى حدّ العراق، ثمّ يقصدون بلاد آذربيجان وآرانيّه ويخربونها ويقتلون أكثر أهلها، ولم ينج إلاّ الشريد النادر في أقلّ من سنة، هذا ما لم يُسمع بمثله.(1)
ونحن نسأل ذوي الاتّهام الباطل: هل كانت يد العلقمي أو نصير الدين تلعب في هذه الحوادث المرّة من وراء الستار؟ أو أنّ للدّمار عللاً

1 . الكامل في التاريخ:12/358ـ 359(سنة617هـ). ولكلامه تتمّة، من أراد فليرجع إليه.

صفحه 214
تكمن في سيرة الخلفاء والأُمراء عبر سنين، حيث اشتغلوا بالخلافات الداخلية، واشتغل الخلفاء باللّهو واللعب، وشرب الخمور وعزف المعازف وسماع المغنّيات، وقد تبعهم الرَّعاع والسُّوقة، فتقوّضت الخيمة الإسلامية التي انضوى تحتها العالم في أوائل قرون العصر الإسلامي.
سورة الأنفال: الآيات 55 ـ 59   
يقول ابن كثير الدّمشقيّ: أحاطت التتار بدار الخلافة يرشقونها بالنِّبال من كلّ جانب حتّى أُصيبت جارية تلعب بين يدي الخليفة وتضحكه، وكانت من جملة حظاياه، وكانت مولَّدة تسمّى عرفة، جاءها سهم من بعض الشبابيك فقتلها وهي ترقص بين يدي الخليفة، فانزعج الخليفة من ذلك وفزع فزعاً شديداً، وأحضر السهم الّذي أصابها بين يديه، فإذا عليه مكتوب:«إذا أراد الله إنفاذ قضائه وقدره أذهب ذوي العقول عقولهم» فأمر الخليفة عند ذلك بزيادة الاحتراز وكثرة الستائر على دار الخلافة، وكان قدوم هولاكوخان بجنوده كلّها ـ وكانوا نحو مئتي ألف مقاتل ـ إلى بغداد في ثاني عشر المحرّم من هذه السنة،(1) يعني سنة (656هـ).

الأخذ بالذنوب وسلب النِّعمة

وفي الختام نورد ما روي عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)حول مضمون الآية بوجه كلّيّ، من غير فرق بين أُمّة وأُخرى، وهو أن كفران النِّعمة يسبِّب سلبها.
روى الكليني عن أبي عمرو المدائني عن أبي عبدالله]الصادق[ (عليه السلام)قال: سمعته يقول: «كان أبي(عليه السلام)يقول: إن الله قضى قضاء حتماً ألاّ ينعم

1 . البداية والنهاية:13/200ـ 213.

صفحه 215
على العبد بنعمة فيسلبها إياه حتّى يُحدث العبد ذنباً يستحقّ
بذلك النِّقمة».(1)
وروى أيضاً عن الهيثم بن واقد الجزري قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام)يقول: «إن الله عزّ وجلّ بعث نبيّاً من أنبيائه إلى قومه وأوحى إليه أن قل لقومك: إنّه ليس من أهل قرية ولا ] أُ [ناس كانوا على طاعتي أصابهم فيها سرّاء فتحولّوا عمّا أُحبّ إلى ما أكره، إلاّ تحوّلت لهم عمّا يحبّون إلى ما يكرهون. وليس من أهل قرية ولا أهل بيت كانوا على معصيتي فأصابهم فيها ضرّاء فتحولوا عمّا أكره إلى ما اُحب إلاّ تحوّلت لهم عمّا يكرهون إلى ما يحبّون، وقل لهم: إنّ رحمتي سبقت غضبي فلا تقنطوا من رحمتي، فإنّه لا يتعاظم عندي ذنب أغفره. وقل لهم: لا يتعرّضوا، معاندين لسخطي ولا يستخفّوا بأوليائي، فإنّ لي سطوات عند غضبي، لا يقوم لها شيء من خلقي».(2)
وفي الدعاء: «اَللّـهُمَّ اغْفِـرْ لِيَ الذُّنُوبَ الَّتي تُنْزِلُ النِّقَمَ، اَللّـهُمَّ اغْفِرْ لِيَ الذُّنُوبَ الَّتي تُغَيِّـرُ النِّعَمَ».(3)

الآيات: الخامسة والخمسون إلى التاسعة والخمسين

(إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّة وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ

1 . الكافي: 2 / 273، باب الذنوب، برقم 22.
2 . الكافي: 2 / 274 ـ 275، باب الذنوب، برقم 25 .
3 . من دعاء الإمام عليّ (عليه السلام) برواية كُميل بن زياد النَّخعي(رحمه الله).

صفحه 216
* فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْم خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْخَائِنِينَ * وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ).

المفردات

الدّوابّ: جمع الدابّة، وهي كلّ نفس تدبّ على الأرض، عقلت أم لم تعقل.
تثقفنّهم: قال ابن فارس: ثَقِفت به إذا ظفرتَ به، والثقافة: المهارة استعملت في مهارة الإمساك بالعدوّ. فقوله سبحانه:(فَخُذُوهُمْ
وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ
)
: أي حيث تمكّنتم بمهارتكم من
الإمساك بهم.(1)
فشرِّد بهم: نكِّل بهم تنكيلاً، وبالغ في القسوة عليهم.
فانبذ: النَّبْذ: الطَّرْح.
على سواء: على طريق واضح لا خداع فيه ولا خيانة.
سبقوا: أي أفلتوا من الظَّفَر بهم.
لا يُعجِزون: لا يجدون الله عاجزاً.

1 . مقاييس اللغة:1/382.

صفحه 217

التفسير

تحدّثت هذه المجموعة من الآيات عن الضوابط والمقرّرات التي يجب مراعاتها عندما تظهر أمارات الخيانة للمواثيق ممّن لا عهد لهم من المشركين والكافرين، ليستتبّ بها الأمن في المجتمع الإسلامي. ولذا فهي لا صلة لها بغزوة بدر، بل هي في الحقيقة ناظرة إلى الطوائف الثلاث التي قطنت المدينة وأطرافها، وقد تحدّثت عن هذه الأحكام بمناسبة خاصّة، وهي انتصار المسلمين في غزوة بدر وأنّ استمرار هذا الانتصار في سائر المواقف رهن العمل بهذه المقرّرات التي تحدثت عنها الآيات الأربع.
55. (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ):

شرّ الدّواب من لا خير فيهم

أمّا الآية الأُولى، فيصف فيها سبحانه هؤلاء الأعداء الذين لا خير فيهم دون أن يشير إلى أعيانهم، بقوله:(إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ) أريد من الشَّرّ من ليس فيه أيّ رجاء للخير، أي الإيمان (عِنْدَ اللهِ) لا عند الناس، وهم (الَّذِينَ كَفَرُوا) وصفَهم بصيغة الماضي(كَفَرُوا)مع أنّهم كانوا كافرين، لبيان تصميمهم على الكفر وإصرارهم عليه.
وبما أنّ الكفر صار راسخاً في طبيعتهم، أخبر سبحانه بقوله:(فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ).
وربما يتساءل بأنّه سبحانه كيف نزّل بعض بني آدم الّذي كرّمه منزلة شرّ الدوابّ، بل جعلهم أضلّ من الأنعام في موضع آخر؟ أو ليس هذا

صفحه 218
بخساً لحقّ الإنسان خليفة الله في الأرض؟
والجواب: إن الإنسان محترم لا بما هو إنسان في مقابل الحيوان، بل بما له من فضائل الصفات وكرائم الأخلاق، فلو تجرّد عنها يصبح حيواناً حقيقة. وفي المقام من الصفات البارزة للإنسان هو احترام ميثاقه، الّذي هو علامة الشرف والعزّة، فلو أعطى عهداً وميثاقاً ثم نقضه بلا سبب وعذر، فقد تجرّد عن شرف الإنسانيّة وكرامتها، ومن ثمّ يصبح إنساناً صورة لا سيرة، كما هو الحال في المقام، فلأجل هذا وصفهم سبحانه بقوله: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ) ثم ذكر شيئاً من رذائل أخلاقهم في الآية التالية.
56. (الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّة وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ):

الطوائف الثلاث الناقضون لعهدهم

دخل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يثرب بدعوة من الأوس والخزرج وقد حصل بين يهود المدينة والمسلمين في بداية هجرتهم إليها نوع من التفاهم لأسباب خاصّة، لأنّ كلا الجانبين كانا موحّدين يعبدان الله تعالى، ويرفضان الأوثان، وكان اليهود يتصوّرون أنّهم يستطيعون ـ إذا اشتدّ ساعد المسلمين، وقويت شوكتهم ـ أن يأمنوا حملات المسيحيين الرُّوم. هذا من جانب، ومن جانب آخر، كانت تربطهم بالأوس والخزرج علاقات عريقة ومواثيق قديمة.
من هنا حاول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يكرّس هذا التفاهم، ويبلوره بعقد

صفحه 219
معاهدة تعايش، ودفاع مشترك بين الأنصار والمهاجرين، وقّع عليها يهود المدينة أيضاً.
ثمّ إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عقد معاهدة أُخرى مع الطوائف اليهودية الثلاث، وكان من أهمّ بنودها:
أن لا يعينوا على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ولا على أحد من أصحابه بلسان ولا يد ولا بسلاح ولا بكراع(أي الخيل وغيرها من المراكب) في السرّ والعلانية، لا بليل ولا بنهار، والله بذلك عليهم شهيد، فإن فعلوا فرسول الله في حِلٍّ من سفك دمائهم، وسبي ذراريهم ونسائهم، وأخذ أموالهم.
وقد كتب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لكلّ قبيلة منهم كتاباً على حدة على هذا الغرار، ثم وقّع عليها «حُيي بن أخطب» عن بني النضير، و«المخيريق» عن قبيلة بني قينقاع، و«كعب بن أسد» عن بني قريظة.(1)
ومع ذلك كلّه، فهذه الطوائف الثلاث جميعاً قد نقضوا عهدهم مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)كما سيوافيك، بل يظهر من الآية التالية أنّهم عاهدوا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أكثر من مرّة ثم نقضوا عهودهم كذلك.
إذا عرفت ذلك، فلننتقل إلى تفسير الآية.
قوله سبحانه: (الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ) الظاهر أنّ «من» تبعيضية (وما يأتي من الأوصاف يدلّ على أنّ الضمير يرجع إلى أهل الكتاب القاطنين في المدينة). وهنا يذكر سبحانه خصيصتين لهؤلاء وكأن طينتهم خُمّرت بهما.

1 . بحار الأنوار:19/110ـ 111.

صفحه 220
1. (ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّة): أي أكثر من مرّة، وهل كان العهد مرة والنقض متعدّداً، أو كان كلٌّ متعدداً؟ وجهان.
(وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ): أي لا يتقون في نقض العهد، بل على وجه الإطلاق لا في مجال العهد ولا في غيره.
ويكفي في اهتمام الإسلام بحفظ العهد، ما روي عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام) قال:«ثلاث لم يجعل الله عزّ وجلّ لأحد فيهن رخصة: أداء الأمانة إلى البَرّ والفاجر، والوفاء بالعهد للبَرّ والفاجر، وبِرّ الوالدين بَرَّين كانا أو فاجرَين».(1)
روي عن ابن عباس وقتادة أنّ المراد بهم بنوقريظة، فإنّهم عاهدوا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أن لا يحاربوه ولا يعينوا عليه عدوّه، ثم نقضوا عهدهم فأمدّوا المشركين بالسلاح والعُدّة يوم بدر، واعتذروا فقالوا: نسينا وأخطأنا، ثم عاهدوه أن لا يعودوا بمثل ذلك، فنكثوا عهدهم يوم الخندق، ومالوا مع الأحزاب وأمدّوهم بالسلاح والأدراع.(2)
وحصيلة الكلام: إنّ الطوائف الثلاث نقضوا عهدهم، فتعامل معهم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وفق ما أقرّوا به في المعاهدة.
أمّا بنو قينقاع فقد جاءت امرأة من العرب إلى سوقهم فجلست عند صائغ تبيع حليّاً لها أو تشتري، وكانت تبالغ في ستر وجهها عن اليهود، فعمد رجل من يهود بني قينقاع فعقد أسفل ثوبها إلى ظهرها، فلمّا قامت

1 . الكافي:2/162، برقم15.
2 . تفسير الكشّاف:2/131.

صفحه 221
المرأة بدت عورتها فضحكوا منها، فصاحت، فوثب رجل من المسلمين إلى ذلك الرجل اليهودي فقتله، واجتمعت بنو قينقاع فقتلوا الرجل المسلم، فغضب المسلمون غضباً شديداً، وهذا هو السبب الذي لأجله أجلاهم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)عن المدينة بعد محاصرتهم خمس عشرة ليلة فذهبوا إلى أذرعات.(1)
وأمّا قبيلة بني النضير فأجلاهم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لأجل مؤامرة قاموا بها، حيث إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)ذهب إلى قلاعهم للاستعانة بهم في دية العامريَّين اللّذين قُتلا خطأ بيد عمرو بن أُميّة الضَّمريّ، وذلك بموجب الاتفاقية بين رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وبين اليهود، وكذا بين بني عامر وغيرهم، فلمّا طرح النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) مسألة التعاون على دفع الدِّية، قالوا: يا أبا القاسم نعينك على ما أحببت، اجلس حتى نطعمك، فلم يقبل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) طلبهم بل جلس مستنداً إلى جدار بيت من بيوتهم، ثم إنّ يهود بني النضير تآمروا على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) حيث حاولوا أن يتخلّصوا من رسول الله باغتياله، وذلك بأن يعلو رجل منهم البيت الذي استند رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى جداره فيلقي عليه صخرة فيقتله، فأحسّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وجود مؤامرة عليه، فقام من مجلسه ورجع إلى المدينة، وأمر الناس أن يصلّوا العصر عند قلعة بني النَّضير، فحاصرهم (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أن اتّفق معهم على أن يتركوا المدينة ولهم ما حملت الإبل من أموالهم. ولم يبق في المدينة إلاّ طائفة واحدة، وهم بنو قريظة، الذين نقضوا عهدهم أيضاً في أثناء معركة الأحزاب، إذ اتّفقوا مع المشركين على مهاجمة المسلمين من الخلف، كما هو مفصّل في الكتب

1 . المغازي:1/177; الطبقات الكبرى:2/28ـ29.

صفحه 222
التاريخية.(1)
وبذلك تجلّى معنى قوله سبحانه:(الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّة وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ).
روى الصَّدوق بإسناده عن عبد الله بن مسعود، عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)قال:«أربع من كنّ فيه فهو منافق، وإن كانت فيه واحدة منهنّ كانت فيه خصلة من النِّفاق حتى يدعها: مَن إذا حدّث كَذَب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر».(2)
57. (فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ):

التنكيل بمن نقض عهده ليعتبر به غيره

الآية تبيّن الموقف الذي يجب على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يتّخذه تجاه من نقض عهده معه، فيأمره سبحانه أن ينكّل بهم متى ما ظفر بهم حتى يكونوا عبرة لمن وراءهم من الطوائف التي يُترقَّب أن ينقضوا عهودهم، يقول سبحانه: (فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ): أي إنّك إن ظفرت في الحرب بهؤلاء الكفّار الذين ينقضون العهد(فَشَرِّدْ بِهِمْ): أي نكّل بهم تنكيلاً يؤثّر في (مَنْ خَلْفَهُمْ) حتى يكون سبباً لشرود من وراءهم من الأعداء وتفرّقهم

1 . لاحظ: السيرة النبوية:2/234; تاريخ الطبري:2/245ـ 246.
2 . الخصال:254، برقم129، باب الأربعة. وروى نحوه البخاري في صحيحه:16، برقم 34، باب علامة المنافق.

صفحه 223
كالإبل الشاردة النادّة، اعتباراً بهم(1)، أو يكون عبرة لهم حتى لا ينقضوا العهد معكم من بعد، ويخافوا أن تتعامل معهم بمثل تعاملك مع مَن قبلهم، ويدلّ على ما ذكرنا قوله: (لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ): أي رجاء أن يعتبروا بما حلّ بمن قبلهم من العقوبة.
58. (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْم خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْخَائِنِينَ):

نبذ العهد عند ظهور علامات النقض من العدوّ

أثبتت البحوث السابقة أنّ الالتزام بالميثاق من الصفات البارزة للإنسان، ومن فقده فقَدَ إنسانيّته ونزّل نفسه منزلة الدوابّ بل شرّها، ومع ذلك نرى أنّه سبحانه، في هذه الآية، يأمر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)بنقض العهد معهم، وعندئذ يتوجّه السؤال: ما هو السبب لنقض العهد؟ أو ليس في هذا تعارضٌ بين الأمرين؟
والجواب: إن الإسلام يؤكّد على الوفاء بالعهد والعمل بالميثاق تأكيداً بالغاً، قال تعالى: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً)،(2) فلو لم تُحترم العهود والمواثيق ولم يُلتزم بها، سواء على مستوى الأفراد أو على مستوى الدُّول، لاضطربت شؤون الحياة، وغمرتها الفوضى، ولَما استقرّ حجر على حجر.

1 . تفسير المنار:10/50.
2 . الإسراء: 34 .

صفحه 224
وكفى في الحضّ على الوفاء بها، ما أوصى به الإمام عليّ(عليه السلام) مالكاً الأشتر في عهده إليه، لمّا ولاّه على مصر: «وَإِنْ عَقَدْتَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ عَدُوِّكَ عُقْدَةً، أَوْ أَلْبَسْتَهُ مِنْكَ ذِمَّةً، فَحُطْ عَهْدَكَ بِالْوَفَاءِ، وَارْعَ ذِمَّتَكَ بِالاَْمَانَةِ، وَاجْعَلْ نَفْسَكَ جُنَّةً دُونَ مَا أَعْطَيْتَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ فَرَائِضِ اللهِ شَيْءٌ النَّاسُ أَشَدُّ عَلَيْهِ اجْتَِماعاً، مَعَ تَفَرُّقِ أَهْوَائِهِمْ، وَتَشَتُّتِ آرَائِهِمْ، مِنْ تَعْظِيمِ الْوَفَاءِ بِالْعُهُودِ... فَلاَ تَغْدِرَنَّ بِذِمَّتِكَ، وَلاَ تَخِيسَنَّ بِعَهْدِكَ...».(1)
ومع ذلك فإنّه سبحانه يأمر في هذه الآية بنقض العهد ولكن لأسباب خاصّة وظروف استثنائيّة، وهي فيما لو شعر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بأن المعاهد عازم على نقض العهد، وإليك البيان.
الآية السابقة تأمر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بأن ينكّل بمن ينقض عهده حتى يكون عبرة لمن وراءه ممن يُتوقّع منه نقض العهد، وأمّا هذه الآية فهي ناظرة لمن لم ينقض عهده ولم تظهر منه خيانة صريحة، ولكنّ القرائن وأمارات الخيانة تشهد على أنّهم بصدد نقض العهد، فعند ذلك يأمر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)بأن يلقي إليهم ما بينه وبينهم من العهد، ويُعلِمهم بذلك، ليكونوا على علم بالنقض على سواء، كما يقول: (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْم خِيَانَةً) بمعنى ظهور بوارقها واتصال أخبار تؤيّد ذلك، ففي هذه الحالة (فَانْبِذْ): أي فاطرح وأَلقِ (إِلَيْهِمْ): أي إلى المشركين العهد الذي بينك وبينهم، ولا تنتظر تحقُّق وقوع الأمر المظنون، لأنّ في انتظار ذلك خطر على الأُمّة.
وبما أنّ نقض العهد من جانب من دون إعلام الطرف الآخر على

1 . نهج البلاغة: قسم الرسائل، برقم 53(لا تَخيسنّ: من خاسَ، بمعنى غدَر ونكث).

صفحه 225
خلاف العدل، فالله سبحانه يأمر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)بأن يخبرهم بنبذه وطرحه، كما يقول: (عَلَى سَوَاء) أي نبذاً على سواء. وهذا أدلّ دليل على أنّ الإسلام ملتزم بأُصول الأخلاق ورعاية العدالة حتى مع خصومه وأعدائه.
فإن قلت: إنّ الله سبحانه يصف النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله:(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)(1)، فكيف يرشده في هاتين الآيتين إلى التغليظ والتشديد؟
قلت: إنّ التشديد والتغليظ في مقابل العدوّ العنيد الذي نقض
عهده غير مرّة أو بصدد النقض على نحو لو لم يعاقبه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أو لم يُلغِ عهده، لتعرّض الإسلام إلى خطر داهم وكبير، وهذا ما يسوّغه العقل الحصيف.
قوله: (إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْخَائِنِينَ) تعليل لقوله: (عَلَى سَوَاء) فإنّ نقض العهد من جانب واحد على غفلة من الخصم، يُعدّ خيانة والله لا يحب الخائنين.
59. (وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ):
يقع الكلام في تفسير الآية في مواضع:

الأوّل: ما هو المراد من السَّبْق والإعجاز؟

السَّبق: تقدُّم شيء على طالب اللّحوق به. والإعجاز: إيجاد ما يعجز عنه.(2)

1 . الأنبياء:107
2 . التبيان في تفسير القرآن:5/147.

صفحه 226
وقال ابن عاشور: السَّبق مستعار للنّجاة ممّن يَطلب، والتفلُّت من سلطنته. شبّه المتخلِّص من طالبه بالسّابق.(1)

الثاني: مفهوم الآية

سورة الأنفال: الآيات 60 ـ 63   
وعلى ضوء معنى اللّفظين المتقدّمين يتّضح مفهوم الآية، فقد نزلت فيمن نجا وأفلت من المشركين في غزوة بدر أو في غيرها، والآية تحذّرهم بأنّ إفلاتهم ليس دليلاً على أنّهم أعجزوا الله أو أعجزوا المسلمين، بل الله سيمكّنهم منهم، ولذلك قد هلك من نجا في غزوة بدر أو في سائر الغزوات.

الثالث: الكلام في فاعل (يَحْسَبنَّ) ومفعولَيه

ثَمّة وجوه في تعيين فاعل الفعل ومفعوليه، نذكر منها وجهين:
1. أنّ الفاعل مضمر، تقديره «أحد»، والموصول وصلته المفعول الأوّل، وقوله:(سَبَقُوا) هو المفعول الثاني.
2. أنّ الفاعل هو الموصول وصلته، والمفعول الأوّل محذوف، والتقدير: لا يحسبنّ الذين كفروا أنفسَهم سبقوا، أي سابقين، بمعنى ناجين من سلطتنا. (إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ): أي إنّ هؤلاء الكفّار لا يُعجزون الله تعالى إذا طلبهم وأراد إهلاكهم.

1 . التحرير والتنوير:9/143.

صفحه 227

الآيات: الستون إلى الثالثة والستين

(وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّة وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْء فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ * وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).

المفردات

أعدّوا: الإعداد: تهيئة الشيء للظَّفر بشيء آخر.
رباط الخيل: الخيل المرابطة أو المربوطة، الجاهزة للقتال.
جنحوا: مالوا.
السَّلم: المسالمة والصُّلح.

التفسير

60. (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّة وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ

صفحه 228
تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْء فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ):

لزوم تسلّح المجاهدين بأرقى أسلحة الدفاع

بما أنّ الإسلام نظام شامل لكافة جوانب الحياة، فلابدّ من أن يؤسِّس دولة تقوم بتطبيق شرائعه جميعاً، وأن تُرفرف رايته في كلّ نقاط العالم لينعم البشر كافة بالعدالة السماوية، وتعيش كافّة الشعوب تحت ظلّه، وهذا الكيان وهذه الدولة لابدّ لها من وسائل دفاع قوية تصونها من كيد الأعداء والخصوم.
واعطف نظرك إلى كافة الموجودات الحيّة، تجد أنّها مجهّزة بآلات للدفاع عن نفسها من غير فرق بين صغيرها وكبيرها، الوحشيّ منها والأهليّ، وذلك لأنّ استمرار التعايش بين الأقران والأعداء لا ينفكّ عن تزاحم وصراع، فالله سبحانه خلقها وجهّزها بوسائل الدفاع. والدين الإسلامي بمنزلة موجود حيّ أحاطت به أصناف من الأعداء، من عدوّ ظاهر إلى آخر خفيّ ومبطن للعداء، فلا يكتب للدولة البقاء أمام الأعداء إلاّ بالاستعداد وتهيئة أدوات الدفاع، وقد أُثر عن بعض الحكماء أن كلّ عهد لم يكن مقروناً بالقوّة والقدرة فهو حبر على ورق، لأنّ الطرف الآخر إذا أحسّ بضعف المعاهد سوف ينقض عهده معه ويرفضه، فلذلك يأمر سبحانه المجتمع الإسلامي دون شخص النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فقط بأُمور:
الأوّل:قوله: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ): أي هيّئوا لقتال أعدائكم(مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ

صفحه 229
قُوَّة): أي ما قدرتم عليه ممّا يُتقوّى به على القتال من الرجال وآلات الحرب. والجملة ضابطة تامّة تستدعي تهيئة ما يناسب كلّ عصر من أسلحة ومعدّات وتجهيزات عسكرية تزيد من القوّة القتالية، التي من مظاهرها اليوم الدبّابات والمدافع والطائرات والصواريخ والطائرات المسيّرة (بدون طيّار) و الغوّاصات، وغير ذلك.
الثاني: قوله: (وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ) وهو من قبيل عطف الخاص على العام، وإنّما خُصّت الخيل بالذِّكر، لأنّها كانت تُعدّ آنذاك من أعظم مظاهر القوّة.
ثمّ إنّ الرِّباط ـ على ما ذكره الراغب ـ هو المكان الذي يُخصّص لإقامة الخيل فيه وحفظها(1)، وعلى هذا فالآية تخاطب المسلمين بأن يهيئوا هذا المكان الذي تربط فيه الخيل لتكون مستعدة للحرب والدفاع، فالدعوة إلى تهيئة الرباط دعوة إلى تهيئة المكان وما فيه. نعم في الكشّاف: الرباط اسم للخيل التي تربط في سبيل الله.(2)
يلاحظ على ما ذكره الكشّاف: أنّه لو كان اسماً للخيل لاستغنى عن ذكر الخيل، وما ذكره في المفردات أوضح، وقد روي عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة وأهلها معانون عليها والمنفق عليها كالباسط يده بالصدقة»(3). ولعلّ الآية تدلّ على أنّه كان يجب على الدولة الإسلامية أن تنشئ معسكرات أو مخيّمات في أماكن

1 . انظر: المفردات للراغب:185، مادة «ربط».
2 . تفسير الكشّاف:2/132.
3 . تفسير الدر المنثور:4/91.

صفحه 230
مختلفة، يتهيّأ فيها الفرسان لركوب الخيل والدفاع عن حدود الدولة وكيانها.
الثالث: قوله: (تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ) هذا هو الواجب الثالث للمجتمع الإسلامي، وهو أنّ الغاية من إعداد القوّة ورباط الخيل هو إدخال الرهبة في قلوب أعداء الله وأعداء المسلمين . ثم إنّه سبحانه يقسّم الأعداء إلى قسمين:
1. من يعرفهم المسلمون كمشركي قريش.
2. (وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ): أي من غير مشركي مكة(لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ)، فعلى هذا فأعداء الإسلام على قسمين: نوع ظاهر العداوة يعرفهم المسلمون، ونوع آخر لا يعرف المسلمون عداوتهم. وأمّا من هو القسم الثاني من الأعداء، فلعلّه أُريد بهم الدول الكافرة القوية آنذاك كالفرس والرُّوم.
ثمّ إنّ في إيجاد الرَّهبة نوع صيانة لدماء النّاس، الموافق منهم والمخالف، فإنّ العدوّ إذا خاف من قدرة المسلمين لم يتجاوز حدّه. وهذا دليل على رحمته بالنّاس، وصيانته لدماء البشر جميعاً.
الرابع: قوله:(وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْء فِي سَبِيلِ اللهِ)، لا يخفى أنّ تهيئة الأُمور المتقدِّمة بحاجة إلى ميزانية مالية، ولذا رغّب سبحانه المؤمنين في الإنفاق في هذا الطريق. وهذا ما وصفه سبحانه بالإنفاق في سبيل الله، فالقوة الرادعة رهن مال يتكفّل بحاجاتها، فقوله:(يُوَفَّ إِلَيْكُمْ)بمعنى يعود عليكم بتمامه. ولعلّ الفقرة من أدلة تجسّم الأعمال، فما أنفقه في سبيل الله في الحياة الدنيا يتمثّل له في الآخرة بالجنّة ونعيمها.

صفحه 231
ثمّ إنّه سبحانه قال: (وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ)الظلم هنا بمعنى النَّقص، أي لا ينقص شيء مما أنفقتم في الدنيا، نظير قوله سبحانه:(كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا)(1): أي لم تنقص، وقوله في آية أُخرى:(وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْر فَلاَِنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْر يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ).(2) والظاهر أنّه أُريد بقوله: (مِنْ شَيْء) هو الخير، فالآيتان متّحدتان مضموناً، لأنّ المراد من الإنفاق هو الإنفاق في سبيل الله وهو لا ينفكّ عن كون الإنفاق خيراً.
نعم، ربما يتصوّر بعض المحدَثين بأنّ وظيفة المصلح هي نشر آرائه وأفكاره بين الناس، وترغيبهم إليها بالبيان واللِّسان(فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)(3)، فلا حاجة إلى إعداد الوسائل العسكرية.

الفرق بين المصلح البشريّ والمصلح الإلهيّ

إنّ هذا القائل قد خلط بين المصلح البشريّ والمصلح الإلهيّ، فإنّ الحكماء والفلاسفة هم أبرز المصلحين البشريِّين على طول التاريخ، وهم في مناهجهم يتّبعون ما ذكره المستشكل، إذ يعلنون عن أفكارهم وينشرونها بواسطة الوسائل المتوفرة في عصرهم بدون أن يهيّئوا قوّة عسكرية يردعون بها المخالفين.
وأمّا المصلحون الإلهيّون(الأنبياء) فمن واجبهم دعوة الناس إلى

1 . الكهف:33.
2 . البقرة:272.
3 . الكهف:29.

صفحه 232
توحيد الله سبحانه ومحاربة الأصنام والوثنية وعبدتهما، ونشر العدل في المجتمع، وإعطاء كلّ ذي حقّ حقّه.
فعلى هذا لا يصح قياس أحد الفريقين بالآخر. ولسيد قطب كلام جدير بالقراءة نذكره بنصّه، قال: إنّ الإسلام ليس نظاماً لاهوتياً يتحقّق بمجرّد استقراره عقيدة في القلوب، وتنظيماً للشعائر، ثم تنتهي مهمّته! إنّ الإسلام منهج عمليّ واقعيّ للحياة، يواجه مناهج أُخرى تقوم عليها سلطات، وتقف وراءها قوى مادّية. فلا مفرّ للإسلام ـ لإقرار منهجه الربّانيّ ـ من تحطيم تلك القوى المادّية، وتدمير السلطات التي تنفّذ تلك المناهج الأُخرى وتقاوم المنهج الربّانيّ.(1)
ونضيف إلى ما ذكره: أنّ القرآن كما يركّز على التوحيد وأنّ الأُمور بيد الله سبحانه وأنّه يعطي الملك من يشاء وينزع الملك ممّن يشاء، نجده أيضاً يركّز على استعداد المسلمين وتجهيز جيوشهم بالقوّة والقدرة، لأنّه سبحانه تعلّقت إرادته بنصر المسلمين فيما لو تمسّكوا بالأسباب التي جعلها الله طريقاً للنصر، فالإيمان بالتوحيد وأنّ الأمر بيد الله تعالى:(وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ)(2)، لا ينافي التجهّز بالأسباب والوسائل، فإنّ الله قد جعل لكلّ شيء سبباً، كما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام)(3)، فطلب المسبّب مجرّداً عن التمسّك بالأسباب أمر خارق للعادة لا يستجاب له إلاّ في مقام الإعجاز والكرامة.

1 . في ظلال القرآن:4/49.
2 . آل عمران:126.
3 . قال(عليه السلام):«أبى الله أن يجري الأشياء إلاّ بأسباب، فجعل لكلّ شيء سبباً...»(الكافي:1/183).

صفحه 233
61. (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ):

قبول الصلح إذا لم يكن خدعة

إنّ الدِّين العالميّ الذي أنزله الله سبحانه لإسعاد البشر إلى يوم القيامة لا يمكن أن يخضع لقانون واحد هو قانون الحرب والدفاع، كما لا يمكن أن يُحكم دائماً بقانون السّلم والموادعة، فإنّ المصالح تختلف باختلاف الظروف، فلازم الخاتمية وكون الإسلام ديناً عالمياً هو وجود قوانين لكلٍّ منها ظروفه وشروطه، ولذلك لمّا أمر المسلمين في الآيات السابقة بتهيئة لوازم الحرب مهما تمكّنوا، أمرهم في هذه الآية بقبول السَّلم إذا مال إليه العدوّ، وقال: (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ): أي للمسالمة والمهادنة (فَاجْنَحْ لَهَا): أي أمِل مثلهم، وتأنيث الضمير إمّا لكون «السّلم» بمعنى المسالمة والموادعة(1)، أو باعتبار كونه مؤنّثاً سماعياً كضدّها أعني الحرب، يقول الزمخشري: السَّلم تؤنَّث تأنيث نقيضها وهي الحرب. واستشهد لذلك ببيت عبّاس بن مرداس:
السّلم تأخذ منها ما رضيتَ به *** والحرب يكفيك من أنفاسها جُرَعُ(2)
ويأتي في إطار الحثّ على قبول الدّعوة إلى الصلح إذا كان فيه مرضاة الله تعالى، قول الإمام عليّ في عهده لمالك الأشتر لمّا ولاّه على

1 . انظر: تلخيص البيان في مجازات القرآن:68.
2 . تفسير الكشّاف:2/133.

صفحه 234
مصر:
«وَلاَ تَدْفَعَنَّ صُلْحاً دَعَاكَ إِلَيْهِ عَدُوُّكَ وَلِلّهِ فِيهِ رِضًى، فَإِنَّ فِي الصُّلْحِ دَعَةً لِجُنُودِكَ، وَرَاحَةً مِنْ هُمُومِكَ، وَأَمْناً لِبِلاَدِكَ، وَلَكِنِ الْحَذَرَ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ عَدُوِّكَ بَعْدَ صُلْحِهِ، فَإِنَّ الْعَدُوَّ رُبَّمَا قَارَبَ لِيَتَغَفَّلَ فَخُذْ بِالْحَزْمِ، وَاتَّهِمْ فِي ذلِكَ حُسْنَ الظَّنِّ»(1).
وعلى ما ذكرنا، فالآية غير منسوخة بقوله: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ)(2)، ولا بقوله تعالى: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ)(3)، بل لكلّ مورد خاص حسب ما يراه الإمام من حرب أو سلم، ويشهد لما ذكرنا أنّ قوله: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) نزلت في سنة تسع وبعث بها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)إلى مكّة، ثم صالح أهل نجران بعد ذلك على ألفي حُلّة: ألف في صفر، وألف في رجب.(4)
ثمّ إنّه أتمّ الآية بقوله:(وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ): أي فوّض أمرك إلى الله في الحرب والسّلم (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) الذي لا تخفى عليه خافية.
والأمر بالتوكُّل في كلتا الحالتين لغاية أنّ الواجب على المسلم إعداد ما يتمكّن منه في حالتي الحرب والسّلم، ولكن يجب أن يعتقد بأنّ ما هيّأه من قبيل العلل الإعدادية والمقتضيات، وليس علّة تامّة للنّصر، بل النّصر من عند الله سبحانه، فيفوِّض ما لم يتمكّن منه إلى الله سبحانه.

1 . نهج البلاغة: قسم الرسائل، برقم53.
2 . التوبة:29.
3 . التوبة:5.
4 . التبيان في تفسير القرآن:5/150.

صفحه 235
قال الشريف الرضيّ حول هذه الآية: وفي قوله: (فَاجْنَحْ) استعارة، والمراد بها فإن مالوا إلى السلم ميل ثبات عليه وركون إليه، لا ميل مكر ومخادعة وإدهان ومواربة، فسالمهم على هذا الوجه الذي طلبوا السّلم عليه.(1)
بقيت هنا نكتة، وهي أنّه سبحانه خاطب المسلمين في الآية السابقة بقوله:(أعِدُّوا)، و(تُرْهِبُونَ) و (وَمَا تُنْفِقُوا)، ولكنّه في هذه الآية خصّ الخطاب بالنبيّ وقال: (فَاجْنَحْ لَهَا)مشعراً بأنّ أمر الدفاع حرباً أو سلماً بيد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) والقائد، فهو الذي يتّخذ القرار النهائيّ في هذه الظروف، وأنّ هذه الأُمور العظيمة بيد الحاكم الأعلى.
62. (وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ):
تقدّم في الآية السابقة أنّ الخصم إذا جنح للسَّلم فعلى النبيّ أن يجنح لها. هذا هو الأصل، ولكن ربما يكون طلب السَّلم والهدنة من العدوّ خديعة حربية، إذ يستهدف من وراء ذلك استغفال المسلمين وانتهاز هذه الفرصة لمهاجمتهم على حين غرّة، فجاء البيان القرآني ليؤكّد للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)أنّ الخصم لو أراد خداعك فالله سبحانه يكفيك شرّهم كما يقول:(وَإِنْ يُرِيدُوا)بطلب السّلم (أَنْ يَخْدَعُوكَ) وكان طلب السَّلم واجهة للاستعداد من جديد للحرب، (فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ)فالله كافيك وعاصمك منهم لأنّه تكفّل بإظهار دينه على الأديان كلّها. ثم أكّد كفايته سبحانه بقوله: (هُوَ الَّذِي

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:68.

صفحه 236
أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ) قوله: (وَبِالْمُؤْمِنِينَ) عطف على قوله: (بِنَصْرِهِ)تكرّر حرف الجرّ بعد واو العطف لدفع توهُّم أنّ يكون معطوفاً على اسم الجلالة.
ثمّ إنّ نصره سبحانه بصورة مباشرة يتحقّق بالأسباب غير الطبيعية كإنزال الملائكة في غزوة بدر، أو إخبار النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بتآمر قريش على قتله كما في ليلة المبيت.
ثم إن قوله سبحانه: (بِالْمُؤْمِنِينَ) لا ينافي التوحيد، لمّا ثبت في محله من تعلّق إرادته سبحانه على تحقُّق المسبَّبات عن طريق أسبابها، فكما أن النصر بالملائكة لا ينافي التوحيد، فكذلك نصره بالمؤمنين لا ينافي التوحيد أيضاً .
وفيما كتبه الإمام عليّ(عليه السلام) من العهد إشارة إلى ما في الآية من أنّ دعوة الخصم إلى السَّلم ربما تكون خدعة، قال: «وَلَكِنِ الْحَذَرَ كُلَّ الْحَذَرِ مِنْ عَدُوِّكَ بَعْدَ صُلْحِهِ، فَإِنَّ الْعَدُوَّ رُبَّمَا قَارَبَ لِيَتَغَفَّلَ، فَخُذْ بِالْحَزْمِ، وَاتَّهِمْ فِي ذلِكَ حُسْنَ الظَّنِّ».(1)
63. (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ):

تأليف قلوب الطائفتين: الأوس والخزرج

لمّا تحدّثت الآية السابقة أنّه سبحانه أيّد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بنفسه مباشرة

1 . نهج البلاغة: قسم الرسائل، برقم 53.

صفحه 237
وبالمؤمنين تسبيباً، جاء البيان القرآني يتحدث عن كيفية نصر الله النبيّ بالمؤمنين، مع أنّ المؤمنين كانوا، قبل الإيمان، شقاق وجدال، والتاريخ يذكر لنا ما جرى بين قبيلتي الأوس والخزرج من حروب طاحنة هلكت فيها نفوس كثيرة، وسفكت فيها الدّماء، فقد كانوا لا يضعون السلاح لا بالليل ولا بالنهار، وكانت آخر حرب سُجّلت بينهم قبل هجرة الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم)إلى المدينة، (يوم بُعاث) وكان النصر فيها حليف الأوس.
وهذا هو الزمخشري يصوّر لنا مدى ما تحمله نفوسهم من حقد وضغينة، وما كان يقع بينهم من قتال شديد، ويقول: كان بينهم من الحروب والوقائع ما أهلك سادتهم ورؤساءهم ودقّ جماجمهم، ولم يكن لبغضائهم أمد ومنتهى، وبينهما التجاور الذي يهيج الضغائن ويديم التحاسد والتنافس، وعادة كلّ طائفتين كانتا بهذه المثابة أن تتجنّب هذه ما آثرته أُختها وتكرهه وتنفر عنه، فأنساهم الله تعالى ذلك كلّه حتى اتّفقوا على الطاعة وتصافّوا وصاروا أنصاراً وعادوا أعواناً، وما ذاك إلاّ بلطيف صنعه، وبليغ قدرته.(1)
والله سبحانه يتحدّث عن تأليف قلوبهم ويقول:(وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ)على نحو (لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ)، وليس كلامه سبحانه مبنيّاً على المبالغة، بل هو حقيقة لا غبار عليها وذلك أنّ للإنفاق وإن كان له تأثير في تأليف القلوب وتقريب الخُطى بين المتباغضين، لكنّه لا يؤثر في قلع البغضاء عن القلوب والأحقاد المتراكمة

1 . تفسير الكشّاف:2/133.

صفحه 238
فيها، إلاّ أن تكون هناك ثورة عارمة في التفكير والعقيدة على نحو تتغيّر عندهم الموازين والملاكات في الصداقة والعداوة، وهذا ما لا يقوم به إلاّ الله سبحانه. ولعلّ قوله سبحانه (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ)إشارة إلى التصرّف في أرواحهم، ونفوسهم فكأنهم صاروا غير ما كانوا عليه من امتلاء صدورهم بالبغضاء والشّحناء.
سورة الأنفال: الآيات 64 ـ 66   
كان الحيّان قبل الإسلام يفتخران بالأنساب والآباء والأموال والأولاد، وكانت الإغارة على أموال العدوّ فخراً وشجاعة، دون أن يفكر الغازي أنّ وراء هذا اليوم يوم يحاسب الله فيه سبحانه هذا الإنسان إن خيراً فخير وإن شراً فشرّ، فجاء الإسلام وأخرجهم من قعر التفكير الجاهلي إلى التفكير الإلهي وعلّمهم أنّ الجميع عباد الله، وأن التفاضل يقوم على أساس تقوى الله، فصاروا إخوة متحابّين، وبالأخصّ أنّهم رأوا بأُمّ أعينهم نعمة الله سبحانه عليهم في غزوة بدر، فقد كان عدد المهاجرين فيها ثمانين رجلاً أو أكثر بقليل، وكان الباقون من الأنصار وقد شكّلوا جيشاً يبلغ عدده (313) مقاتلاً، وواجهوا جيشاً كان أقوى منهم عدّة وعدداً.
قوله تعالى: (وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ) نسب التأليف إلى نفسه، دون نبيّه، لأنّ التأليف والهداية بيد الله سبحانه حقيقة.
ثم ختم سبحانه الآية بهذين الوصفين:(إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) لأنّه تعليل لكفاية الله سبحانه لرسوله من خداع الأعداء وتأييده بنصره وبالمؤمنين، وتأليفه بينهم، فالقائم بذلك لابدّ أن يكون عزيزاً لا يُغلَب، حكيماً في
فعله.

صفحه 239

الآيات: الرابعة والستون إلى السادسة والستين

(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَفْقَهُونَ * اَلاْنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ).

المفردات

حسبُك: الحسب يستعمل في معنى الكفاية، فقولهم: حسبنا الله، أي كافينا.
حرّض: التحريض والحض والحث بمعنى واحد، وهو الترغيب في الفعل بما يبعث على المبادرة إليه(1).
اتّبعك: من الاتّباع، وهو موافقة الداعي فيما يدعو إليه.
صابرون: الصبر ضده الجزع، وهو حبس النفس عما تنازع إليه.
خفّف: التخفيف رفع المشقة.
ضَعفاً: الضَّعف نقصان القوة.

1 . مجمع البيان:4/532.

صفحه 240

التفسير

64. (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ):

تعدّد الكافين ليس مخالفاً للتوحيد

لمّا أمر الله سبحانه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بقتال الكفّار، كما سيأتي في الآية التالية، جاءت هذه الآية تطييباً لنفسه(صلى الله عليه وآله وسلم) وتمهيداً لهذا الأمر، ويكفيه أن يكون الله سبحانه ناصره على أعدائه وقال: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ)والشاهد على ذلك انتصارك على قريش مع قلّة عددكم وكثرتهم (وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)الواو عاطفة، وفي المعطوف عليه وجهان:
الأوّل: أنّه معطوف على لفظ الجلالة، فيكون المعنى: حسبك الله وحسبك من اتّبعك من المؤمنين.
الثاني: أنّه معطوف على الضمير المتّصل في قوله: (حَسْبُكَ)، فيكون المعنى: حسبك ومن اتّبعك من المؤمنين، الله عزّ وجلّ. وهذا الوجه لا يخلو من تكلّف.
ونُقل عن أبي حيّان النحوي أنّ الوجه الثاني مخالف لقول سيبويه، فإنّه جعل زيداً في قولهم: (حسبك وزيداً، درهم) منصوباً بفعل مقدّر، أي كفى زيداً درهم، ولم يجوّز كونه معطوفاً على الضمير المتّصل وإلاّ لقرئ بالجرّ، لأنّ محلّ الضمير المتّصل هو الجرّ.
وربما يرجّح بعضهم الوجه الثاني بحجّة مخالفة الأوّل للتوحيد، فإنّ الكافي هو الله فقط، لا هو والمؤمنون.

صفحه 241
أقول: أمّا ما نُقل عن أبي حيّان من عدم جواز عطف الاسم الظاهر على الضمير، فهو منقوض بقوله سبحانه (إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ)(1)، ومع ذلك فالوجه الأوّل هو المتبادر إلى الأذهان الصافية، وتوهُّم كونه مخالفاً للتوحيد، مردود بأنّ هذا الزّعم يخالف صريح القرآن الكريم، ولنقتصر على ذكر آيتين:
1. (وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا
اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللهِ رَاغِبُونَ
)
(2). ترى أنّه سبحانه عطف
رسوله على لفظ الجلالة، وصارا فاعلَين للفعل، ولم يكن ذلك مخالفاً للتوحيد.
2. (وَمَا نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ)(3).
وقد مضى أنّه سبحانه تارة ينسب التوفّي إلى نفسه، وأُخرى إلى ملك الموت، وثالثة إلى الملائكة، ولم يدُر في خَلَد أحد أنّه يخالف التوحيد، وذلك لأنّ مفاد التوحيد الأفعالي ليس بمعنى حصر الفاعلية في الله سبحانه وسلب التأثير عن غيره حتّى بإذن الله، وتصوير أنّ الله سبحانه قائم مقام العلل، بل مفاده أنّ الفاعل على وجه الاستقلال من دون أن يعتمد على غيره، هو الله سبحانه، وأمّا الآخرون فيقومون بالفعل لكن بإذن من الله سبحانه، فيكون فعلهم فعلاً لله بالأصالة، وفعلاً لهم بالتَّبعية. وبذلك يُعلم أنّ ما أطنب فيه صاحب المنار من الكلام في المقام ـ تأييداً لمذهب إمامه

1 . العنكبوت:33.
2 . التوبة:59.
3 . التوبة:74.

صفحه 242
ابن تيمية ـ هو إطناب مملّ.(1)
نعم، ثَمّة فرق بين قوله سبحانه:(هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ)(2)، وقوله في آيتنا هذه: (حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)حيث جعل النصر بالمؤمنين في عداد نصره سبحانه بالملائكة، غير أنّ النصر بالملائكة غير مرئيّ على خلاف النصر بالمؤمنين، والناصر واحد والأدوات مختلفة، بخلاف المقام، فإنّ الكافي متعدّد، ومع ذلك لا يُعدّ هذا التعدّد مخالفاً للتوحيد، وذلك لأنّ كون المؤمنين كافين من مجاري فيضه سبحانه وتجلّيه، نظير ما عرفت من سائر الآيات.
وبكلمة قصيرة: من يزعم أنّه مخالف للتوحيد الأفعالي فلابدّ أن يفسّر التوحيد بنفي التأثير عن كلّ ما سواه، تأثيراً أصليّاً، أو ظِلِّياً، إسمياً أو حرفياً، ومن المعلوم أنّه مخالف لصريح الآيات، فلا محيص من تفسير الآية بالوجه الأوّل.
65. (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَفْقَهُونَ):

حثّ المؤمنين على القتال

يأمر الله سبحانه نبيّه الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يحثّ المؤمنين ويحرّضهم على

1 . انظر: تفسير المنار:10/75.
2 . الأنفال:62.

صفحه 243
القتال، وهذا من قبيل الأمر بالأمر بشيء، وقد ثبت في علم الأُصول أنّ الأمر الأوّل أيضاً، أمر بنفس الشيء أيضاً.
ثمّ إنّ سبب التحريض على القتال، هو مواجهة المخاطر التي تهدّد الدولة الفتيّة للمسلمين، التي يتربّص بها العدوّ الخارجيّ المتمثّل بالفُرس والرُّوم، والعدوّ الداخليّ المتمثّل بالمشركين في داخل الجزيرة، فلم يكن لهم بدٌّ من القتال لرفع الحواجز والموانع عن طريق تبليغ الدِّين. ولو كان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)والمؤمنون معه أحراراً في تبليغ الدِّين ونشره لما أُمروا بالقتال، ولكن لمّا كان الكفّار بأصنافهم يصدّون النّاس عن اتّباع الإسلام، ويمنعون من إيصال رسالته إليهم، لذلك قال سبحانه:(حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ).
ولقائل أن يقول: أيّ صلة بين ما تقدّم من الأمر بالصلح وبين هذا الخطاب، من تحريض المؤمنين على القتال ؟
والجواب: إنّ المراد من التحريض هو الدعوة إلى الاستعداد للجهاد، فإنّ العدوّ الغاشم لا يؤتمن، وربّما تحدّثه نفسه بنقض العهد، فيجب أن يكون الجيش الإسلاميّ على أُهبة الاستعداد.
قوله تعالى: (إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) وإن كان بصورة الإخبار لكنّه أريد به الإنشاء، بمعنى أنّه إذا بلغ عدد المقاتلين المسلمين عشرين وعدد مقاتلي العدوّ مئتين، فيجب عليهم جهاد العدوّ، وهكذا....
ووجهه: أنّ السابقين إلى الإسلام قبل غزوة بدر كانوا أكثر إخلاصاً وأرسخ إيماناً وأوفر صبراً، فلذلك وجب على كلّ واحد منهم أن يقابل عشرة، وعلّله سبحانه بقوله: (بِأَنَّهُمْ): أي المشركين (قَوْمٌ لاَ يَفْقَهُونَ)

صفحه 244
ومعنى كون المشركين لا يفقهون، هو كون المؤمنين متفقّهين، لا يخافون الموت، ويؤمنون بأنّ الله سبحانه اشترى منهم (أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ)(1).
ومن هنا يُعلم وجه كون المؤمنين متفقّهين، والكافرين جاهلين، فالمؤمن ذو بصيرة، وذو روحية خاصّة لإيقانه أنّ «الجنّة تحت ظلال السيوف»(2) وأنّ لكلّ إنسان عند الله أجلاً (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ)(3)، وأنّ الموت ليس سوى قنطرة للانتقال من الدُّنيا الفانية إلى حياة أبدية، فإذا جاهد وفاز بالشهادة، أو جاهد ثمّ استقام فيما بقي من عمره، أُدخل جنّات النّعيم.
وأمّا الكافر فليس عنده هذه الرؤية، بل يرى الموت فناءً لنفسه وزوالاً لملكه، فلذلك يحتاط عند مقابلة العدوّ، وتضعف لديه دوافع الإقدام على التضحية والثبات في موقفه عند احمرار البأس.
وبعبارة أُخرى: فرق بين من يقاتل من أجل حياة دائمة ونعم خالدة، وبين من يقاتل من أجل نعم زائلة وحياة داثرة، ومنطق كلّ كافر: (مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ)(4) فلو قُتل لم ينل شيئاً إلاّ

1 . التوبة:111.
2 . رواه البخاري في صحيحه:2/228 برقم 2818 بإسناده عن عبد الله بن أبي أوفى عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم). وورد عن الإمام علي(عليه السلام) قوله: «الْجَنَّةُ تَحْتَ أَطْرافِ الْعَوَالِي». نهج البلاغة: الخطبة 124(العوالي: الرِّماح).
3 . النحل:61.
4 . الجاثية:24.

صفحه 245
الخسران، ولذلك يأمر سبحانه أن يقف عشرون مقاتلاً من المسلمين الذين فهموا مقاصد الشريعة أمام مئتي مقاتل من الذين كفروا، ومئة أمام ألف.
قال الإمام عليّ(عليه السلام) في وصف ذوي الإيمان والبأس من الصحابة الكرام:«أَيْنَ الْقَوْمُ الَّذِينَ دُعُوا إِلَى الاِْسْلاَمِ فَقَبِلُوهُ، وَقَرَؤُوا الْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ، وَهِيجُوا إِلى الْجِهَادِ فَوَلِهُوا وَلَهَ اللِّقَاحِ إِلَى أَوْلاَدِهَا،
وَسَلَبُوا السُّيُوفَ أَغْمَادَهَا، وَأَخَذُوا بِأَطْرَافِ الاَْرْضِ زَحْفاً زَحْفاً، وَصَفّاً صَفّاً. بَعْضٌ هَلَكَ، وَبَعْضٌ نَجَا. لاَ يُبَشَّرُونَ بِالاَْحْيَاءِ، وَلاَ يُعَزَّوْنَ
عَنِ الْمَوْتى».(1)
وقال رجل شهد يوم الطّفّ مع عمر بن سعد في وصف أصحاب الحسين السّبط(عليه السلام):«ثارت علينا عصابة، أيديها في مقابض سيوفها كالأُسود الضّارية، تَحطمُ الفرسان يميناً وشمالاً، وتُلقي أنفسها على الموت، لا تقبل الأمان، ولا ترغب في المال، ولا يحول حائل بينها وبين الورود على حياض الموت...».(2)
66. (اَلاْنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ):

1 . نهج البلاغة: الخطبة 121 «اللِّقاح: جمع لَقوح، وهي النّاقة».
2 . انظر: شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:3/263.

صفحه 246

الإخبار بقصد الإنشاء

الظاهر أنّ هذه الآية نزلت متأخّرة عن الآية الأُولى بزمان، والذي يدلّ على تعدّد الواقعة، قوله:(اَلاْنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا)إذ لفظة(اَلاْنَ) تحكي عن تغاير زمان مفاد الآية عمّا سبق، وتكون ناظرة إلى وقائع أُخرى بعد غزوة بدر.
إنّما الكلام فيما هو المراد من الضَّعف، والظاهر أنّ المراد منه هو الضَّعف من حيث الثقة بالله تعالى، التي تنبعث منها جميع الصفات الحسنة الموجبة للفتح والظفر كالشجاعة والصبر، وأمّا الضعف في العدّة والقوّة فلا، إذ من الضروريّ أنّ المؤمنين لم يزالوا يزدادون عدّة وقوّة في زمن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى رحيله، والشاهد لذلك أنّ عدد المقاتلين في غزوة الخندق كان يبلغ ثلاثة آلاف أو أكثر، ولكن أين معنوياتهم فيها ممّا كانت في معركة بدر؟ حيث وصفهم سبحانه في غزوة الخندق بقوله: (هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا * وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَة إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا).(1)
وقس على ذلك غزوة حنين، التي يصف الله تعالى فيها المسلمين بقوله: (إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا

1 . الأحزاب:11ـ 13.

صفحه 247
رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ).(1)، فصحّ أن يقال: إنّ الإسلام كلّما ازداد في زمن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عزّة وشوكة ظاهراً، كلما زاد نقصاً وخموداً في قوى المسلمين من حيث درجة إيمانهم وسجاياهم.(2)
وعلى هذا البيان، فالقوّة والضَّعف ترجع إلى طائفة واحدة كانوا أقوياء في فترة كغزوة بدر، وضعفاء في فترة أُخرى كغزوة الخندق، وذلك لأنّ المسلمين في مجموعهم لم يزالوا مخلصين في غزوة بدر، ولكن لما اتّسع نطاق الإسلام ودخل فيه كثير من النّاس، بينهم جماعات من أهل النِّفاق وضعاف الإيمان، وجب، عندئذ، على كلّ واحد منهم أن يقابل اثنين فقط من الأعداء، فالحكم صدر باعتبار المجموع، لا باعتبار كلّ فرد فرد، وإلاّ فالمخلصون من المؤمنين ما زال الواحد منهم يعادل العشرة.
والذي يوضّح ذلك أنّ اتساع رقعة الإسلام في المعمورة صار سبباً لدخول الكثير من المنافقين ومرضى القلوب والسمّاعين لقوم آخرين وغيرهم بين صفوف المسلمين المخلصين، وذلك أمر طبيعي يعمّ كلّ حركة اجتماعية وسياسية، فكلما قلّ عددهم يكون التماسك بينهم أشدّ والمعنويات أعلى، وأمّا إذا اتسعت من حيث عدد الأفراد فحينئذ يدبّ بينهم الخلاف، وتتفاوت المعنويات، والعلاقات بينهم، فعلى هذا فحصول الضَّعف من حيث المعنويات في المجتمع الإسلامي عبر سنين ليس أمراً غريباً، لما علمتَ من انضمام المنافقين وضعفاء الإيمان وطلاّب الدُّنيا إليهم.

1 . التوبة:25.
2 . الميزان في تفسير القرآن:10/127.

صفحه 248
وبذلك يظهر مفاد قوله تعالى: (اَلاْنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ) التكليف السابق (وَعَلِمَ): أي تحقق وظهر (أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا) من حيث الإيمان والمعنويات (فَـ) كتب عليكم (إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ): أي يجب على المسلم الواحد أن يثبت أمام اثنين من الكافرين (وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ) إذا كنتم ثابتين يغلبوا (بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ): أي مع من يحبس نفسه ولا يجزع أمام المشاكل والصِّعاب.
وبما ذكرنا ظهر أنّ التكليف الثاني ناسخ للتكليف الأوّل.
فإن قلت: يشترط في تحقّق النَّسخ وحدة المكلّف مع الاختلاف في الزمان، وهذا الشَّرط غير متحقِّق في المقام، لأنّ التكليف الأوّل كان متوجهاً لجمع يتمتّعون بمعنويات عالية، بحيث لا يرَون عرض الحياة الدنيا شيئاً هامّاً في مقابل ما وعد الله من الجنة ونعيمها.
وأمّا التكليف الثاني فهو متوجّه لجمع من المؤمنين المخلصين، وفيهم منافقون، وضعفاء الإيمان، وبالاختلاف في وحدة المكلّف ينتفي شرط النَّسخ، وما في كلام الإمام أبي عبد الله]الصادق[(عليه السلام)الذي سنذكره قريباً، فهو ليس من النَّسخ بالمعنى المصطلح.
قلت: المخاطب في الآيتين واحد، وهو من آمن بالله ورسوله في عصر الرسالة، على اختلاف طبقاتهم.
وبعبارة أُخرى: الآيتان من القضايا الخارجية، كقول القائل: قُتل من في الدار، ونهب ما فيها. وليستا من القضايا الحقيقية التي يكون الحكم فيها على العنوان المنطبق على الأفراد عبر الزمان.

صفحه 249
ويدلّ على ما ذكرنا من النّسخ، ما رواه الكليني عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله(عليه السلام)في حديث طويل يقول فيه: «أما علمتم أنّ الله عزّ وجلّ قد فرض على المؤمنين في أوّل الأمر أن يقاتل الرجل منهم عشرة من المشركين، ليس له أن يولّي وجهه عنهم، ومن ولاّهم يومئذ دبره فقد تبوّأ مقعده من النار، ثم حوّلهم عن حالهم رحمة منه لهم، فصار الرجل منهم عليه أن يقاتل رجلين من المشركين تخفيفاً من الله عزّ وجلّ للمؤمنين، فنسخ الرجلان العشرة».(1)
ورواه القمي في تفسيره أيضاً باختلاف في المتن .(2)
بقي الكلام في أمر آخر وهو أنّ الرازي نسب إلى هشام بن الحكم أنّه احتجّ على قوله أنّ الله تعالى لا يعلم الجزئيات إلاّ عند وقوعها بقوله: (اَلاْنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا) قال: إنّ معنى الآية: الآن علم الله أنّ فيكم ضعفاً، وهذا يقتضي أنّ علمه بضعفهم ما حصل إلاّ في هذا الوقت.
ثم نقل عن المتكلّمين تفسيراً للآية.(3)

نقد ما ذكره الرازي في حق هشام بن الحكم

يلاحظ على كلام الرازي أوّلاً: أنّ هشام بن الحكم من أصحاب الإمام الصادق(عليه السلام) وقد تربّى في حجره وصار متكلماً بارزاً ولساناً ناطقاً، يجادل كل فرقة من الفرق بالبرهان والحجّة إلى حدّ أثار إعجاب الكاتب

1 . الكافي:5/69.
2 . تفسير القمي:1/279.
3 . انظر: تفسير الرازي:5/195ـ 196.

صفحه 250
المصري أحمد أمين، حيث قال في حقّه: «أكبر شخصية شيعية في علم الكلام...، وكان جدلاً قويّ الحجّة، ناظر المعتزلة وناظروه، ونقلت له في كتب الأدب مناظرات كثيرة متفرّقة تدلّ على حضور بديهته وقوّة حجّته.(1)
ومثل هذا لا يقول بالمقالة المذكورة، بل هو رأي مكذوب عليه، وقد كذب عليه أعداؤه حتى قالوا بأنّه يقول بأنّ ربّه على أشبار خاصّة.
وأكثر ما يمكن أن يقال: إنّ هذه الآراء الفاسدة ـ إن صحّت نسبتها إليه ـ ترجع إلى بداية أمره، وقبل أن يلتحق بالإمام الصادق ويأخذ عنه، ويدين بمذهب الإمامية.
سورة الأنفال: الآيات 67 ـ 69   
وثانياً: أنّه لو سلّمنا أنّ قوله: (اَلاْنَ)قيد لكلا الفعلين، بمعنى: (اَلاْنَ خَفَّفَ اللهُ). (وَ)الآن (عَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا)، لكنّ المراد من العلم هو العلم في مقام الفعل، وأُريد من العلم الفعلي وجود الشيء وتحقُّقه، فإنّ منزلة العالَم بالنسبة إلى الله سبحانه بمنزلة الصور النفسانية بالنسبة إليها، فكما هي فعل النفس وفي الوقت نفسه علمها بها، فهكذا العالَم فعلُ الله سبحانه وفي الوقت نفسه علمُه في مقام الفعل. وعلى هذا فالآية بمعنى: تحقّق الآن أنّ فيكم ضعفاً. وكم له من نظير في الكتاب العزيز كقوله سبحانه:(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ)(2).
وفي الختام نشير إلى ما في الآية من جمال الفصاحة، حيث إنّ التدبّر

1 . ضحى الإسلام:3/268، بوساطة: هشام بن الحكم لعبد الله نعمة:75.
2 . محمد:31.

صفحه 251
في الآية يقودنا إلى اكتشاف إيجاز بديع استخدم في هذه الآية، ويسمى في علم البديع بالاحتباك، وصورته كما يلي:
1. وصف العشرين بالصبر، ولم يصف المئة بذلك اعتماداً على ما سبق.
2. وصف الألف من الذين كفروا بأنّهم قوم لا يفقهون، ولم يصف «الألفين» منهم في الآية الثالثة بذلك، اعتماداً على ما ورد في الآية الأُولى.
فكلّ من القيدين مراد، فأُثبت في كلّ من الشرطين ما حذف نظيره في الآخر.

الآيات: السابعة والستون إلى التاسعة والستين

(مَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الاْخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلاَ كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ).

المفردات

أسرى: جمع أسير كالقتلى والجرحى، جمع قتيل و جريح، يقول ابن مالك:
فَعْلى لوصف كقتيل وَزَمِنْ *** وَهالك وَمَيِّت به قَمِنْ
وهو من الأسر بمعنى الشدّ، فكلّ من يؤخذ من العسكر في الحرب

صفحه 252
يُشدّ، لئلاّ يهرب، ثم أُطلق على كلّ مأخوذ وإن لم يُشدّ.
يثخن: الثَّخانة: الغلظة، وثوب ثخين ضد رقيق، وأثخن في الأرض إثخاناً: سار إلى العدوّ وأوسعهم قتلاً.
قال الشريف الرضي: هذه استعارة والمراد بها تغليظ الحال وكثرة القتل، وذلك مأخوذ من قول القائل: قد أثخنني هذا الأمر، أي بلغ أقصى المبالغ في الثِّقل عليَّ والإيلام لقلبي.(1)
عَرَض الدنيا: متاعها، سُمّي بذلك لقلّة لبثه.
كتاب من الله سبق: أجمل سبحانه ما هو المكتوب. وسيوافيك بعض الوجوه المحتملة.
التفسير
تتحدّث المجموعة عن أحكام الأسرى، كما تحكي عن سنن النبيّين فيهم، وكأنّ السابقين من الأنبياء قد خاضوا حروباً مع الكافرين دون أن يأخذوا أسرى إلاّ بعد أن يظهر انتصارهم وغلبتهم على الأعداء، فإنّ في أخذ الأسرى قبل ذلك احتمال أن يلحقوا بفئتهم الكافرة ـ بعد إطلاقهم بأخذ الفدية ـ فيعاودوا قتال المؤمنين مرّة أُخرى. وإلى تلك السُنّة يشير قوله تعالى:
67. (مَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الاْخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ):

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:45.

صفحه 253

منع أخذ الأسرى قبل أن تنكسر شوكة العدوّ

يظهر من الآية وما روي من الروايات حولها أنّ المسلمين قد أسروا جمعاً من الكافرين لغاية الفدية قبل أن تنتهي الحرب وتُعلم نتائجها، وهذا أمر ممنوع في عامة الشرائع، لما مرَّ من أنّ إطلاقهم بفدية ـ بعد أسرهم ـ سوف يجعلهم يلتحقون من جديد بجيش العدوّ، ولذلك نرى أنّ الآية تندّد بعمل المسلمين في هذا الخصوص، وأنّه لم يكن أمراً مشروعاً في عامة الشرائع، فعاتبهم سبحانه على قيامهم بهذا العمل غير المشروع.
إذا عرفت ذلك، فلندخل في تفسير الآية.
قوله تعالى:(مَا كَانَ لِنَبِيّ): أي لم يكن من شأن نبيّ من الأنبياء السالفين (أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى)من المشركين للفداء أو المنّ (حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ): أي يسير إلى العدوّ ويوسعهم قتلاً، فيؤول ذلك إلى المعنى التالي: حتى يقوى ويشتدّ ويتمكّن من العدوّ، وعندئذ يجوز أخذ الأسرى. والآية تحكي عن أنّ المجاهدين في غزوة بدر أخذوا الأسرى قبل الإثخان في الأرض لغاية الفداء، أي تحريرهم في مقابل المال، كما يقول: (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا): أي متاعها، وسمّيت المنافع الدنيوية بالعرَض لأنّها لا ثبات لها ولا دوام على عكس نعم الآخرة (وَاللهُ يُرِيدُ الاْخِرَةَ)لكم، أي يريد لكم ثواب الآخرة، الثابت الدائم (وَاللهُ عَزِيزٌ) لا تُغلب أنصاره، فيجب أن يكون المؤمنون أعزّة غالبين (حَكِيمٌ): أي يضع الأُمور في مواضعها، ويدبّرها بحكمته.
والآية تدلّ على التنديد بالمؤمنين في أخذهم الأسرى قبل الإثخان

صفحه 254
في الأرض، حيث إن أخذهم قبل ذلك أمر مبغوض إلى حدٍّ يستحق الآخذ العذاب العظيم، كما سيأتي في الآية التالية.
نعم، بعد أن يستتبّ الأمر وتضع الحرب أوزارها، فيأتي أحد التكليفين، كما في سورة «محمد»، أعني قوله تعالى:(فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً)(1)، فبعد الإثخان يكون أسلوب التعامل مع الأسرى بوجهين:
1. إمّا منّاً، أي تمنّوا عليهم بالعفو وتُطلقوهم بلا عِوَض.
2. وإمّا فداءً، أي أن تطلقوهم بعِوَض.

الفداء أو بيع الإنسان

قلنا إنّه سبحانه خيّر المسلمين في قضية الأسرى بين أمرين:
1. إطلاقهم بلا عوض. وهذا يدلّ على كرامتهم وتكريمهم لمقام الإنسانية.
2. إطلاقهم بعوض.
وقد قام المسلمون في غزوة بدر بالأمر الثاني، فأطلقوا الأسرى بأخذ مبلغ يتراوح ما بين (4000) درهم عن الأسير الغنيّ و(1000) درهم عن الأسير الفقير. وربما يُتصوَّر أنّ الفداء هو نوع من بيع الإنسان بعد أسره، لكنّه توهُّم محض إذ في كلّ حرب إذا كان العدوّ مُشعِلاً لفتيلها تكون سبباً في إهدار الكثير من الطاقات في المجال الاقتصادي والإنساني، فالفداء

1 . محمد:4.

صفحه 255
نوع تعويض عن هذه الخسائر التي لحقت بالمسلمين. أضف إلى ذلك أنّ المسلمين قد تركوا أموالاً كثيرة في مكة عند هجرتهم إلى المدينة فصارت أموالهم بيد المشركين، فيصحّ للمسلمين أخذ الفداء مقابل تحرير الأسرى، ليكون عوضاً عن أموالهم التي صادرتها قريش.
كما أنّ للاسترقاق مصالح تربوية وثقافية، نوضّح حالها في رسالة مستقلة نأتي بها في ذيل تفسير سورة محمد(صلى الله عليه وآله وسلم).
68. (لَوْلاَ كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ):

لولا وجود الكتاب لاستحقّوا العقاب على أخذ الأسرى

يظهر من الآية أنّ أخذ الأسرى لغاية الانتفاع بهم قبل انتهاء الحرب وقبل أن تضع أوزارها، كان ذنباً يستحقّ صاحبه العذاب العظيم، ولكنّه سبحانه لم يؤاخذهم بذلك وعفا عنهم بكتاب من الله كما قال: (لَوْلاَ كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ) أي سُنّة من سنن الله تعالى، وهو عدم التعذيب قبل البيان (لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ).
اختلف المفسّرون في ما هو المراد من (كِتَابٌ) في قوله سبحانه:(لَوْلاَ كِتَابٌ مِنَ اللهِ)، وقد ذكر الطبرسي في ذلك وجوهاً مختلفة، أوضحها، لولا ما مضى من حكم الله أن لا يعذِّب قوماً حتى يبيّن لهم ما يتّقون، وأنّه لم يبيّن لكم ألاّ تأخذوا الفداء، لعذّبكم بأخذ الفداء.(1)

1 . مجمع البيان:3/535.

صفحه 256
ومعنى الآية: أنّه لولا ما كتب سبحانه وفرض على نفسه أن لا يعاقب عبداً إلاّ بعد ما يبيّن له ما يتّقي، كما قال:(وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً)(1) ـ لولا هذا ـ لمسّكم في ما أخذتم من الأسرى، عذاب عظيم.
إلى هنا تبيّن مفاد الآية، إنّما الكلام في بيان مَن هو المخاطب فيها، حيث اختلفت كلمة المفسّرين حسب ما روي، إلى أقوال مختلفة:
1. العتاب متوجّه إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين جميعاً.
2. العتاب متوجّه إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين ماعدا عمر بن الخطّاب.
3. العتاب متوجّه إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين ماعدا عمر، وسعد بن معاذ.
4. العتاب متوجّه إلى المؤمنين دون النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).
5. العتاب متوجّه إلى شخص أو إلى أشخاص أشاروا إليه بالفداء بعدما استشارهم.
وهذه الأقوال ليس لها رصيد في الآية، وإنّما تبنّوها لما روي في المقام من الآثار، وحاشى نبيّ العظمة أن يكون مخاطباً في هذه الآية. والشاهد على ذلك وجود خطابين متوجّهين إلى غير النبيّ:
1. قوله: (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا) وجلّ نبيُّ العصمة أن يكون طالب دنيا.
2. قوله: (لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) فهل يخطر ببال أحد أن يراد به النبيّ مع المؤمنين؟

1 . الإسراء:15.

صفحه 257
كلّ ذلك يدلّ على أنّ العتاب متوجّه إلى الذين أخذوا الأسرى طمعاً بالفدية. فما في الأخبار من أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) استشار أبا بكر وعمر، فقال أبو بكر: فادِهم، وقال عمر: اقتلهم... وقال قائل: لو كان فيهم أبو عمر أو أخوه ما أمره بقتلهم...! فأخذ رسول الله بقول أبي بكر ففاداهم، فأنزل الله:(لَوْلاَ كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): إن كاد ليمسّنا في خلاف ابن الخطاب عذاب عظيم، ولو نزل العذاب ما أفلت إلاّ عمر.(1)
ولا شكّ في أنّ هذه الأخبار، التي تحطّ من مقام النبي الأكرم الذي هو في غنى عن الاستشارة في أحكام الله سبحانه، كلّها مكذوبة، ولو أُمر(صلى الله عليه وآله وسلم) بالاستشارة فإنّما يستشيرهم ـ مع استغنائه عن الاسترشاد بآرائهم ـ تطييباً لأنفسهم، وتأليفاً لها. ثمّ إنّ معنى تلك الأخبار أنّ عمر كان أعرف بمصالح الإسلام والمسلمين من النبيّ الخاتم(صلى الله عليه وآله وسلم)!!

نقد كلام صاحب المنار

وبما ذكرنا يُعلم ما في كلام صاحب المنار من الوهن والضعف قال:إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قَبِل من أسرى بدر الفداءَ برأي أكثر المؤمنين بعد استشارتهم، فتوجّه العتاب إليهم بعد بيان سنّة النبيّين في المسألة الدالّ بالإيماء على شمول الإنكار والعتاب له(صلى الله عليه وآله وسلم)، وسنذكر حكمة ذلك وحكمة هذا الاجتهاد منه بعد بيان ما ورد في الواقعة.(2)

1. تفسير الدر المنثور:4/108.
2 . تفسير المنار:10/98.

صفحه 258
ثمّ إنّه بعد عدّة صفحات قال: إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه قد يخطأ في اجتهاده، ولكنّ الله تعالى يبيّن له ذلك ولا يقرّه عليه، كما صرّح به العلماء، فهو معصوم من الخطأ في التبليغ عن الله تعالى، لا في الرأي والاجتهاد، ومنه ما سبق من اجتهاده(صلى الله عليه وآله وسلم) بمكّة في الإعراض عن الأعمى الفقير الضعيف عبد الله بن أُمّ مكتوم حين جاءه يسأله وهو يدعو كبراء أغنياء المشركين المتكبّرين إلى الإسلام، لئلاّ يُعرضوا عن سماع دعوته، فعاتبه الله على ذلك في قوله: (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى)(1).(2)
وثَمّة ملاحظتان على كلامه، وهما:
الأُولى: إنّ في لفظ الآية دليلاً على أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لا يشاركهم في العتاب، لأنّ العتاب في الآية متعلّق بأخذ الأسرى وليس فيها ما يشعر بأنّه استشارهم فيه أو رضيَ بذلك، ولم يرِد في شيء من الآثار أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم)وصّاهم بأخذ الأسرى، ولا قال قولاً يشعر بالرِّضا بذلك، بل كان ذلك مما أقدمت عليه عامّة المهاجرين والأنصار، على قاعدتهم في الحروب: إذا ظفروا بعدوّهم أخذوا الأسرى للاسترقاق أو الفداء، فقد ورد في الآثار أنّهم بالغوا في الأسر، وكان الرجل يقي أسيره أن يناله الناس بسوء إلاّ عليّ(عليه السلام)فقد أكثر من قتل الرجال ولم يأخذ أسيراً.(3)
الثانية: إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أُمر بالاستشارة في الموضوعات لا في الأحكام الكلّية، فإنّه يتّبع فيها ما يوحى إليه، ومسألة الأسرى قبل أن تنتهي الحرب،

1 . عبس:1ـ2.
2 . تفسير المنار:10/109.
3 . الميزان في تفسير القرآن:9/136.

صفحه 259
موضوع له حكم شرعيّ، وليس من شأن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يستشير في الأحكام من ليس بمعصوم.
وأمّا ما استدلّ به صاحب المنار من أنّ النبيّ يجتهد ويخطأ بإعراضه عن الأعمى الفقير، فهو أمر غير ثابت لما سيوافيك في محلّه من أنّه لا دليل في السورة على أنّ العابس هو النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كيف؟ وقد وصفه ربُّه بأنّه على خُلُق عظيم، وهل يُتصوَّر من له خلق عظيم أن يسلك هذا السلوك؟
ثمّ إنّ الظاهر من بعض الروايات أنّ المشركين الذين حُرّروا بالفدية رجعوا مشركين إلاّ ثلاثة.
روى معاوية بن عمّار عن أبي عبد الله]الصادق[(عليه السلام) في خبر طويل، قال: جيء بالعباس، فقيل له: افدِ نفسك، وافدِ ابنَي أخيك، فقال: يا محمد تتركني أسأل قريشاً في كفّي؟ فقال:«أعط مما خلّفته عند أُمّ الفضل، وقلت لها: إن أصابني في وجهي هذا شيء فأنفقيه على ولدك». فقال له: يا ابن أخي من أخبرك بهذا؟ فقال: «أتاني به جبرئيل(عليه السلام) من عند الله عزّ وجلّ. فقال: ومحلوفه، ما علم بهذا أحدٌ إلاّ أنا وهي، أشهد أنّك رسول الله».
قال: فرجع الأسرى كلّهم مشركين إلاّ العباس وعقيل ونوفل... وفيهم نزلت هذه الآية:(قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ).(1)

تفدية زينب بنت رسول الله زوجها

كان أبو العاص بن الرَّبيع ممن شهد بدراً مع الكفّار، فأسره عبد الله

1 . الكافي:8/202، برقم 244; البرهان في تفسير القرآن:4/361ـ 362 .

صفحه 260
بن جُبير بن النعمان الأنصاري، فلمّا بعث أهل مكّة في فداء أسراهم قدم في فدائه عمرو بن الربيع بمال دفعته إليه زينب بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من ذلك قلادة لها كانت خديجة أُمها قد أدخلتها بها على أبي العاص، ليلة زفافها عليه. فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) للمسلمين:«إن رأيتم ان تطلقوا لها أسيرها وتردّوا عليها مالها فافعلوا»؟ فقالوا: نعم يا رسول الله.(1)
وأضاف ابن هشام قائلاً: فلما رآها (القلادة) رسولُ الله رقَّ لها رقّة شديدة، وقال: «إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها، وتردّوا عليها مالها فافعلوا».(2)

كلام النقيب أبي جعفر البصريّ

يقول ابن أبي الحديد المعتزليّ: قرأت على النقيب أبي جعفر يحيى بن أبي زيد البصريّ العلويّ(رحمه الله)(3) هذا الخبر، فقال: أترى أبا بكر وعمر لم يشهدا هذا المشهد؟ أما كان يقتضي التكريم والإحسان أن يُطيِّب قلب فاطمة(عليها السلام) بفَدَك، ويستوهب لها من المسلمين؟
أتقصر منزلتها عند رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عن منزلة زينب أُختها، وهي سيدة نساء العالمين؟! هذا إذا لم يثبُت لها حقٌّ، لا بالنِّحلة ولا بالإرث؟
فقلت له: فَدَك بموجب الخبر الذي رواه أبو بكر قد صار حقّاً من

1 . أسد الغابة:5/237.
2 . السيرة النبوية:1/653; شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:14/190.
3 . هو: يحيى بن محمد بن محمد، ابن أبي زيد العلويّ الحسنيّ(548ـ613هـ): شاعر، ذو معرفة حسنة بالأدب والنّسب وأيام العرب وأشعارها. الأعلام:8/165.

صفحه 261
حقوق المسلمين، فلم يَجُز له أن يأخذه منهم.
فقال: وفداء أبي العاص بن الرّبيع قد صار حقّاً من حقوق المسلمين، وقد أخذه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)منهم.
فقلت: رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) صاحب الشريعة، والحكمُ حكمه، وليس أبو بكر كذلك.
فقال: ما قلتُ هلاّ أخذه أبو بكر من المسلمين قهراً فدفعه إلى فاطمة(عليها السلام) وإنّما قلت: هلاّ استنزل المسلمين عنه، واستوهبه منهم لها، كما استوهب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فداء أبي العاص؟ أتراه لو قال: هذه بنت نبيِّكم(صلى الله عليه وآله وسلم) قد حضرت تطلب هذه النَّخلات، أفتطيبون عنها نفساً؟ أكانوا منعوها ذلك؟!
فقلت له: قد قال قاضي القضاة أبو الحسن عبد الجبار بن أحمد نحو ذلك. قال: إنّهما لم يأتيا بحسَن في شَرع التكريم، وإن كان ما أتياه حسَناً في الدِّين!!(1)
أي إنّ ما فعلاه وإن كان يوافق موازين الدِّين ـ حسب تصور القاضي ـ ولكنّه لا يناسب شأن فاطمة وتكريمها لمقامها ولمكانها من أبيها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).
69. (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ):

1 . شرح نهج البلاغة:14/190ـ191.

صفحه 262

ما هو المراد من الغنيمة في الآية؟

الفاء في قوله: (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ) فاء تفريع على ما قبلها، فبما أنّ ما سبق يتضمّن عتاباً لهم على أخذ الأسرى قبل الإثخان في الأرض، وصار ذلك سبباً لإمساكهم عن الانتفاع بمال الفداء الذي أخذوه مقابل إطلاق الأسرى، جاء البيان القرآني لدفع توهّم الحظر، فقال:(فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّبًا)والأمر في مظانّ الحظر يفيد الإباحة. وعلى هذا فالمراد من الغنيمة هو الفدية.
وهناك وجه آخر، وهو أنّ المراد من الغنيمة مال العدوّ الذي يُستولى عليه بالقتال والجهاد، فلمّا عوتبوا على أخذ الأسرى الذي تبعه أخذ الفدية، جاء البيان القرآني ليمنّ عليهم بإباحة الأكل من الغنائم التي ظفروا بها.
وعلى هذا فالغنيمة استعملت فيما هو المصطلح. وهناك احتمال ثالث، وهو تجويز الأكل من الفدية والغنيمة.
ثمّ إنّه سبحانه عطف على الأكل قوله:(وَاتَّقُوا اللهَ) ولعلّ المراد عدم العود إلى ما سبق، وعدم ارتكاب أيّ عمل من دون إذن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم). وأتمّ الآية بوصفين من أسماء الله الحسنى، وقال: (إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) والظاهر أنّ ذكر الوصفين لبيان أنّه سبحانه لم يعذّب هؤلاء الذين أسروا قبل الإثخان لأنّه(غَفُورٌ رَحِيمٌ).
سورة الأنفال: الآيتان 70 ـ 71   

الآيتان: السبعون والحادية والسبعون

(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي

صفحه 263
قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ يُريِدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).

المفردات

في أيديكم: في ملككم ووثاقكم.
خيراً: الإيمان والعزم على ترك الشِّرك.
خيراً: المال الأوفر مما أُخذ منكم.
خيانتك: الخيانة: نقض العهد في السِّرّ، والمراد خيانة العهد الذي أعطوه للمسلمين بأن لا يعودوا إلى قتالهم.
فأمكنَ منهم: أي فأمكنك منهم يوم بدر، يقال مكّنته من الشيء تمكيناً، وأمكنته: جعلتُ له عليه قدرة.

التفسير

70. (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ):
جاء في روايات كثيرة لدى الفريقين أنّ الأُسارى كلّهم رجعوا مشركين إلاّ العباس عمّ النبيّ وعقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث، وقد

صفحه 264
تقدّم أنّه لمّا جيء بالعباس قال له النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): افد نفسك وافد ابني أخيك، فقال: يا محمد تتركني اسأل قريشاً في كفّي، فقال له: ائت مما خلّفت عند أُم الفضل.
ثمّ إنّه أُتي النبيّ بمال، فقال للعباس. ابسط رداءك فخذ من هذا المال طرفاً، فبسط رداءه فأخذ طرفاً من ذلك المال، ثم قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): هذا مما قال الله:(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا).(1)
وأريد بقوله «خَيراً» الإيمان بالتوحيد ونبذ الشّرك، وأُريد من علم الله علمه في مقام الفعل الذي يسمّى العلم الفعليّ في مقابل العلم الذاتيّ، وهو هنا وجود الإيمان، أو الميل إليه.
ثمّ إنّه سبحانه يجزيهم بوجهين:
1.(يُؤْتِكُمْ خَيْرًا): أي مالاً أوفر (مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ) من الفداء.
2.(وَيَغْفِرْ لَكُمْ) في الآخرة.
قوله: (وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) إشارة إلى عظمة مغفرته ورحمته، حيث يجزي الأقلّ بالأكثر.
سورة الأنفال: الآيات 72 ـ 75   
71. (وَإِنْ يُريِدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ):

1 . لاحظ: البرهان في تفسير القرآن:4/363، والرواية عن الإمام الباقر(عليه السلام). وأخرج ابن سعد وابن عساكر عن ابن عباس أنّ الآية نزلت في الأُسارى يوم بدر، منهم العباس ونوفل وعقيل. انظر: تفسير الدر المنثور:4/113.

صفحه 265

سجيّة المشركين هي نقض العهود

تقدّم أنّ الأسرى ـ ماعدا ثلاثة منهم ـ رجعوا مشركين، وعاهدوا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أن لا يقاتلوا المسلمين، ومع ذلك لا عبرة بعهدهم، فإنّ من سجيّة المشركين نقض العهود. والآية تشير إلى هذا الموضوع بأنّه لو أقدم واحد من هؤلاء على خيانتك ورجع إلى محاربتك فلا بُعد فيه، كما يقول:(وَإِنْ يُريِدُوا خِيَانَتَكَ) و محاربتك، وجواب الشرط تقديره: فلا بُعد فيه، قام مقامه قوله:(فَقَدْ خَانُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ) بأن أشركوا بالله وأضافوا إليه ما لا يليق به أو قاتلوا المسلمين، ومع ذلك (فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ): أي أمكنك منهم يوم بدر، فغلبت عليهم وأُسروا، ولو عادوا مرّة ثانية فمصيرهم ذات المصير، والله يسلّطك عليهم (وَاللهُ عَلِيمٌ) بما في قلوبهم وخفايا نفوسهم(حَكِيمٌ) في معاملته معهم.

الآيات: الثانية والسبعون إلى آخر السورة

(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلاَيَتِهِمْ مِنْ شَيْء حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْم بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ

صفحه 266
وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ * وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض فِي كِتَابِ اللهِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ).

المفردات

هاجروا: من الهجرة، وهي فراق الوطن إلى غيره من البلاد، وأصله من الهَجْر ضدّ الوصل.
جاهدوا: الجهاد والمجاهَدة: استفراغ الوُسْع في مدافعة العدوّ.
آوَوا: الإيواء: ضمّ الإنسان غيره إليه بإنزاله عنده.
فتنة: الفتنة: أصلها الامتحان، وأريد هنا المحنة.
الأرحام: الرَّحِم: رَحِم المرأة، واستعير الرَّحِم للقرابة، لكونهم خارجين من رحم واحدة.(1)

التفسير

هذه المجموعة من الآيات تقسّم مؤمني صدر الإسلام إلى أقسام، ثم تبيّن منزلة وخصائص كلّ قسم منهم، والأقسام هي:
1. المهاجرون من مكة إلى المدينة قبل غزوة بدر وبعدها.

1 . المفردات للرّاغب:191، مادة «رحم».

صفحه 267
2. الأنصار، أي المدنيّون الذين آووا النبيّ والمهاجرين عند هجرتهم إليهم.
3. الذين آمنوا ولم يهاجروا وبقوا في مكة إلى حين فتحها.
وإليك بيان هذه الطوائف الثلاث من خلال تفسير الآيات.
72. (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلاَيَتِهِمْ مِنْ شَيْء حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْم بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ):

تصنيف مؤمني صدر الإسلام إلى أصناف ثلاثة

وصف سبحانه الطائفة الأُولى من المؤمنين بأوصاف أربعة:
أ. الإيمان: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا).
ب. الهجرة: (وَهَاجَرُوا).
ج. الجهاد بالأموال: (وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ).
د. الجهاد بالأنفس: (وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ).
كما وصف سبحانه الطائفة الثانية بوصفين:
أ. (وَالَّذِينَ آوَوْا) النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) والمهاجرين.

صفحه 268
ب. (وَنَصَرُوا) النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) والمهاجرين بأموالهم وأنفسهم.
وبما أنّ سورة الأنفال نزلت عقب غزوة بدر، أي في أثناء السنة الثانية من الهجرة وبعد تغيير القبلة، فقد أُريد من الطائفتين، من هاجر وآوى قبل غزوة بدر، وقبل أن يستقرّ أمر الدِّين...
وهاتان الطائفتان هما اللّتان أُشير إليهما في سورة التوبة، بقوله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ)(1)، لا الطائفة الثالثة.
ثمّ إنّه سبحانه يثبت لهاتين الطائفتين الولاية ويقول:(أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض)وأريد بالولاية هي الأَولى بالإرث، ولذلك كانوا يتوارثون بالإيمان والهجرة.
روى المفسرون: أنّ المسلمين كانوا يتوارثون بالهجرة، فجعل الله الميراث للمهاجرين والأنصار دون ذوي الأرحام، وأمّا من آمن ولم يهاجر فلا يرث حتى أنزل الله تعالى: (وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض)فنسخت هذه الآية وصار الميراث لذوي الأرحام، من المؤمنين.(2)
فإن قلت: لعلّ المراد من الولاية، هي النُّصرة.
قلت: هذا الاحتمال مرجوح، لأنّ الآية تنفي الولاية للطائفة الثالثة، أي لمن آمن ولم يهاجر، وفي الوقت نفسه تُثبت النصرة لهم ـ كما سيأتي ـ حيث تقول: (وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ)، فلو أريد من الولاية في الآية النُّصرة، للزم التناقض، حيث تنفيها تارة وتقول:(مَا لَكُمْ مِنْ

1 . التوبة:100.
2. مجمع البيان:2/561.

صفحه 269
وَلاَيَتِهِمْ مِنْ شَيْء)وتثبتها أُخرى وتقول: (وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ) فلا محيص من أن يقال من أنّ الولاية المسلوبة هي الولاء بالإرث، والمثبتة هي الولاء بالنُّصرة.

الإشارة إلى الطائفة الثالثة

ثمّ تطرّقت الآية إلى ذكر الطائفة الثالثة كما في قوله تعالى:(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا)أي لم ينضمّوا إلى المؤمنين في المدينة(مَا لَكُمْ مِنْ وَلاَيَتِهِمْ مِنْ شَيْء): أي ولاية الإرث، فليس لكم من ميراثهم من شيء (حَتَّى يُهَاجِرُوا) من بلد الشِّرك إلى المدينة (وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ): أي وإن طلبوا ـ يعني هؤلاء المؤمنين المقيمين في بلد الشّرك ـ النُّصرة لأجل معتقداتهم إذا كافحهم العدوّ وحاول أن يفتنهم عنها (فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ)بالدِّفاع عنهم ومعونتهم.
فانحصرت نصرتهم في أمر الدِّين لا غير، ومع ذلك فليس عليكم نصرتهم في أمر الدِّين على قوم من المشركين بينكم وبينهم عهد ومهادنة كما يقول:(إِلاَّ عَلَى قَوْم بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ)فإنّ نصرتهم نقض للعهد، وهو ما يأباه الإسلام، الذي يؤكّد على الوفاء بالعهد أيَّ تأكيد.
ثم ختم الآية بقوله: (وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) فلا يخفى عليه منها شيء.
73. (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ):

صفحه 270

ولاية الكافرين لا تتعدّاهم إلى المسلمين

تتضمّن الآية أمرين:
1. الإخبار عن ولاية الكافرين بعضهم لبعض.
2. التحذير من ترك ما أوصى الله سبحانه به في الآية السابقة.
أمّا الأمر الأوّل، فليست الفقرة بصدد بيان تكليف للكفّار بأن تأمرهم بولاية بعضهم لبعض، بل المراد الإخبار عن أن ولايتهم تدور بينهم ولا تتعدّاهم إلى المسلمين.
وأمّا الأمر الثاني، فالله سبحانه يشير إلى مصلحة جعل الولاية بين المؤمنين على النحو السابق قائلاً:(إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ).
ويقع الكلام في أُمور ثلاثة:
1. ما هو مرجع الضمير في قوله:(إِلاَّ تَفْعَلُوهُ)؟
2. ما هو المراد من الفتنة في الأرض؟
3. ما هو المراد من الفساد الكبير؟
أمّا الأوّل، فالظاهر أنّ الضمير يرجع إلى كلّ ما أوصى به الله سبحانه في الآية المتقدِّمة، الموالاة في الدِّين والنُّصرة وقطع العلائق مع الكفّار والوفاء بالميثاق.
أمّا الأمر الثاني، فقيل فيه إنّه يراد من الفتنة قوّة الكفر، ومن الفساد الكبير ضعف الإسلام.
يلاحظ عليه: أنّه يلزم أن يكون التاليان أمراً واحداً، فإنّ قوّة الكفر

صفحه 271
تلازم ضعف الإسلام، وظاهر الآية التعدّد.
ويمكن أن يقال إنّه أريد من الفتنة، الفتنة في الدِّين، أي صدّ المسلم عن دينه، ودعوته إلى الشِّرك، فإنّ المسلمين إذا لم يتعاضدوا ويكونوا يداً واحدة، وتولّى بعض المسلمين غيرهم، فإنّ المخالطة ستؤثّر على صلابتهم في الدِّين، خصوصاً أنّ المسلمين لم يكونوا متدرِّبين على الجدال.
وأمّا الأمر الثالث: أعني ما هو المراد من الفساد الكبير، فهو قوّة الكفر وسلطان أهله، وليس هذا أمراً بعيداً، فدعاة الإلحاد في الجامعات ـ مثلاً ـ يسعَون في زعزعة عقائد الشباب من المسلمين الذين ليس لهم وعي كامل بمبادئ الإسلام ومعارفه.
نعم، لو كان بين المسلمين علماء محقّقون قد جنّدوا أنفسهم للذبّ عن الإسلام بالحجّة والبرهان وقوة المنطق، فالاختلاط هنا لا يخشى منه، بل قد يكون سبباً لنشر الإسلام وظهور حقيقته.
74. (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ):
ربما يُتوهَّم أنّ آيتنا هذه تكرار للآية المتقدمة (الآية رقم 72) ولكن التدبّر في مضمون الآيتين يشير إلى أنّ الموضوع وإن كان واحداً ولكن الغاية مختلفة، فالآية الأُولى ناظرة إلى ولاية بعضهم لبعض، وأمّا هذه الآية فناظرة للثناء عليهم والشهادة لهم ولذلك يقول: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا

صفحه 272
وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا) هذا هو الموضوع، ولكنّ المحمول هو الثناء عليهم بقوله: (أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا) وقد أعدّ الله لهم ما عبّر به بقوله: (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ) لسيّئاتهم (وَرِزْقٌ كَرِيمٌ): أي رزق نفيس في الجنّة.
75. (وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض فِي كِتَابِ اللهِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ):

كيفية الوراثة في صدر الإسلام

الآية تتحدّث عن أمرين:
الأوّل: يشير إلى من هاجر.
الثاني: كون أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله.
أمّا الأمر الأوّل، فأشار إليه سبحانه بقوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ): أي من بعد غزوة بدر (وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ) فحكمهم واحد من حيث الولاية، أي لهم ما لكم من الحقوق والامتيازات. كلّ ذلك إذا كانت الهجرة قبل فتح مكّة، إذ لا هجرة بعده.
وأمّا الأمر الثاني، فأشار إليه بقوله سبحانه:(وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض فِي كِتَابِ اللهِ) وقد ذهب المفسرون إلى أنّ الآية ناسخة للتوارث بالهجرة والنصرة وأنّ التوارث بالقرابات كما يشير إليه قوله:(وَأُولُوا الأَرْحَامِ): أي ذوو القرابات(بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض فِي كِتَابِ

صفحه 273
اللهِ): أي في حكمه، ويحتمل أن يراد به آية المواريث (إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ) وهو تعليل لبيان أولوية أولي الأرحام بعضهم ببعض على التوارث بالهجرة والمؤاخاة. هذا ما عليه المفسِّرون.
إلى هنا تمّ تفسير الآيات بجملها وفقراتها، وبقيت هنا أُمور نشير إليها فيما يأتي.
الأمر الأوّل: ذهب أكثر المفسرين إلى أنّ قوله سبحانه:(وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض فِي كِتَابِ اللهِ) ناسخ للوراثة بالمهاجرة، أو بالأخوّة، لكنّ فيه تأمّلاً، لأنّ التوارث بهما ثبت بقوله سبحانه: (أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض)، في سورة الأنفال، وهي نزلت بعد معركة بدر بقليل، فيلزم أن يكون الناسخ والمنسوخ نازلين في زمان واحد، أو يكون الفاصل الزماني بينهما قليلاً، فلابدّ أن تفسّر الفقرة بالأولوية بغير التوارث وإن اشتهر التمسّك به في مورد التوارث عند الفقهاء.
نعم، الذي يمكن أن يكون ناسخاً له هو قوله سبحانه في سورة الأحزاب:(النَّبيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض فِي كِتَابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا)(1)، حيث نزلت الآية في السنة الخامسة من الهجرة.
الأمر الثاني: أنّ صاحب المنار ـ كعادته ـ قال في المقام: والروافض يكفرون بهذه الآيات كلّها بما يطعنون به على جمهور الصحابة وعلى

1 . الأحزاب:6.

صفحه 274
السابقين الأوّلين خاصّة.(1)
يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره فرية بلا ريب، فإنْ أراد من الطعن السبَّ، فالشيعة برآء منه، فالسَّبّ والشَّتم عبارة عن النَّيل من كرامة الرجل وعرضه، وهذا ممنوع شرعاً لقول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «سباب المؤمن فسق وقتاله كفر»، وأمّا ما عليه الشيعة فهو دراسة حياة الصحابة واحداً بعد آخر وبيان فضائلهم ومناقبهم أو ذكر ما صدر عنهم عبر حياتهم مما لا يليق بحالهم، فهذا ليس طعناً بهم ولا سبّاً لهم، وإلاّ لزم اتّهام الذِّكر الحكيم بأنّه طَعَن بالصحابة أيضاً.
وها هو سبحانه يصف جُلّ الصحابة في سورة الجمعة بقوله:(وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا)(2).
روى البخاريّ عن جابر بن عبد الله، قال: أقبلت عير يوم الجمعة ونحن مع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فثار النّاس إلاّ اثنا عشر رجلاً، فأنزل الله: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا)(3).
وأخرج البيهقي في «شعب الإيمان» عن مقاتل بن حيّان، قال: بينا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يخطب النّاس في الجمعة، أقبل شاءٌ وشيء من سمن، فجعل النّاس يقومون إليه، حتّى لم يبق إلاّ قليل، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لو تتابعتم لتأجّج الوادي ناراً».(4)

1 . تفسير المنار:10/135.
2 . الجمعة:11.
3 . صحيح البخاري:3/303 برقم 4899.
4 . نقله السُّيوطيّ في: تفسير الدر المنثور:8/167.

صفحه 275
وقد اقتصرنا على ذكر هذه الآية فقط، ومن أراد أن يتعرّف على نقد القرآن لأصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فعليه أن يمرّ مع التدبّر على الآيات التالية: البقرة:187، آل عمران:144 و 153 و161، الأحزاب:22، الحجرات:6، وغيرها. فعلى الباحث دراسة هذه الآيات على ضوء التفاسير.
نعم سبّ الصحابة والخلفاء شيمة الطلقاء وأبنائهم، روى مسلم في صحيحه عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه، قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً وقال: ما منعك أن تَسُبَّ أبا التراب؟ فقال: أمّا ما ذكرتُ ثلاثاً قالهنّ له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فلن أسبَّه، لأن تكون لي واحدة منهن أحبُّ إليّ من حُمر النَّعم: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول له وقد خلّفه في بعض مغازيه...«أما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبوّة من بعدي»، وسمعته يقول يوم خيبر: «لأُعطينّ الراية رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله...»، ولمّا نزلت هذه الآية:(فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) دعا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً، فقال: «اللّهمّ هؤلاء أهلي».(1)
فعلى صاحب المنار ومن يريد تحقيق الموضوع أن يفرّق بين النقد والسبّ، فاتّهام الشيعة بسبّ الصحابة تهمة أُموية ناصبية اتُّهم بها شيعة آل محمد، ونعمَ الحَكَم الله.
الأمر الثالث: أنّه سبحانه سلب الولاية عمن لم يهاجر فقال: (وَالَّذِينَ

1 . صحيح مسلم:7/120ـ121، باب فضائل علي بن أبي طالب.

صفحه 276
آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلاَيَتِهِمْ مِنْ شَيْء حَتَّى يُهَاجِرُوا) وممن لم يهاجر العباس بن عبد المطلب عمّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) فإذا لم تكن له ولاية فلا ولاية لأولاده بطريق أَولى.
ولقد احتجّ بذلك الإمام الطاهر موسى بن جعفر(عليهما السلام) على هارون العبّاسيّ في حديث طويل دار بينهما، قال: فلمَ قلتم أنّكم ورثتم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)والعمّ يحجب ابن العمّ وقُبض رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وقد توفّي أبو طالب(عليه السلام)قبله، والعباس عمّه حيّ؟ فقلت له: إن رأى أمير المؤمنين أن يعفيني من هذه المسألة ويسألني عن كل باب سواه يريد، فقال: لا أوتجيب، فقلت: فآمنّي قال: قد آمنتك قبل الكلام.
فقلت: إنّ في قول علي بن أبي طالب(عليه السلام) إنّه ليس مع ولد الصلب ذكراً كان أو أُنثى لأحد سهمٌ إلاّ للأبوين والزوج والزوجة; ولم يثبت للعمّ مع ولد الصلب ميراث، ولم ينطق به الكتاب إلاّ أن تيماً وعَديّاً وبني أُمية قالوا: العمّ والد، رأياً منهم بلا حقيقة ولا أثر عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)... إلى أن قال(عليه السلام) قال: زدني يا موسى، قلت: المجالس بالأمانات وخاصة مجلسك، فقال: لا بأس عليك.
فقلت: إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يورث من لم يهاجر، ولا أثبت له ولاية حتى يهاجر، فقال: ما حجّتك فيه؟ فقلت قول الله تعالى:(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلاَيَتِهِمْ مِنْ شَيْء حَتَّى يُهَاجِرُوا) وإن عمّي العباس لم يهاجر، فقال: أسألك يا موسى هل أفتيت بذلك أحداً من أعدائنا أم أخبرت أحداً من الفقهاء في هذه المسألة شيء؟ فقلت: اللهمّ لا، وما سألني عنها إلاّ

صفحه 277
أمير المؤمنين!!!(1)
وقد روى أحمد بن حنبل عن جرير قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«المهاجرون والأنصار بعضهم أولياء بعض، والطلقاء من قريش والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض إلى يوم القيامة».(2)
الأمر الرابع: قال الرازي: تمسّك محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم في كتابه إلى أبي جعفر المنصور بهذه الآية في أنّ الإمام بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)هو علي بن أبي طالب، فقال: قوله تعالى: (وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض) يدلّ على ثبوت الولاية وليس في الآية شيء معيّن في ثبوت هذه الأولوية، فوجب حمله على الكلّ، إلاّ ما خصّه الدليل، وحينئذ يندرج فيه الإمامة، ولا يجوز أن يقال: إنّ أبا بكر كان من أُولي الأرحام لما نقل أنّه(عليه السلام)أعطاه سورة براءة ليبلّغها إلى القوم، ثم بعث عليّاً خلفه، وأمر بأن يكون المبلِّغ هو عليّ، وقال: «لا يؤديها إلاّ رجل منّي»، وذلك يدلّ على أنّ أبا بكر ما كان منه، فهذا هو وجه الاستدلال بهذه الآية.
ثم قال الرازي: والجواب: إن صحّت هذه الدلالة، كان العباس أَولى بالإمامة، لأنّه كان أقرب إلى رسول الله من عليّ. وبهذا الوجه أجاب أبو جعفر المنصور عنه.(3)
يلاحظ عليه: أنّ الإمامة عند الشيعة عامّة، إنّما هي بالوصاية لا

1 . عيون أخبار الرضا:1/79ـ 80، الباب7، برقم9; تفسير نور الثقلين:2/169ـ 170.
2 . تفسير ابن كثير:3/355، طبع دار الفكر.
3 . تفسير الرازي:15/214.

صفحه 278
بالوراثة، وأنّ احتجاج محمد بن عبد الله إنّما هو من باب الجدل، وإلاّ فسليل بيت النبوة والإمامة أعلى وأنبل من أن لا يعرف بأنّ الإمامة ثبتت بتنصيص من الله سبحانه، وبلّغه رسوله الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم).
***
تمّ تفسير سورة الأنفال
والحمد لله ربّ العالمين

صفحه 279

سورة التوبة

(من الآية 1ـ 60)
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم
(بَرَاءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُر وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ * وَأَذَانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَاب أَلِيم * إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ * فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ

صفحه 280
وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَد فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْلَمُونَ * كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ * كَيْفَ وَإِنْ
يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ * اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِن إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ * فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الاْيَاتِ لِقَوْم يَعْلَمُونَ * وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ * أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّة أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ

صفحه 281
وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْم مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ * إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ * أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاْخِرِ وَجَاهَدَ فِي
سَبِيلِ اللهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ * يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَة مِنْهُ وَرِضْوَان وَجَنَّات لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ

صفحه 282
هُمُ الظَّالِمُونَ * قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَاد فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ * لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَة وَيَوْمَ حُنَيْن إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ * ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ*  قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ
مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَد وَهُمْ صَاغِرُونَ * وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتِ النَّصَارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ

صفحه 283
قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنّى يُؤْفَكُونَ * اِتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبى اللهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ
الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَاب أَلِيم * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُم وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لاَِنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ * إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ * إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللهُ

صفحه 284
فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الاْخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ * إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا
وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ * إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُود لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ * لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاْخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ *

صفحه 285
إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاْخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ * وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لاََعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ * لَوْ خَرَجُوا
فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً وَلاََوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَ ظَهَرَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَارِهُونَ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ * إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ * قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذَاب مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ * قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ * وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ * فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ

صفحه 286
وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ * وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ * لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَات أَوْ مُدَّخَلاً لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا
إِلَى اللهِ رَاغِبُونَ * إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).
 

صفحه 287
خصائص السورة   

خصائص السورة

تسمية السورة

سُمِّيت السورة بسورة «براءة» لوجود هذا اللَّفظ في أوّل السورة، وسُمِّيت أيضاً بسورة «التوبة» لقبول توبة الثلاثة الّذين تخلَّفوا عن غزوة تبوك، والّذين أشار سبحانه إلى قصّتهم بقوله: (وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا)إلى أن قال: (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا).(1)
هذا، وللسورة أسماء كثيرة، منها: المُقَشْقِشَة، المبعْثِرة، البَحوث، الفاضحة، المثيرة، الحافرة، المُدَمْدِمة، سورة العذاب.(2) وقد بيّن المفسّرون وجه تسمية كلٍّ منها.
والظاهر أنّ الجميع ـ عدا الأُوليين ـ من صفات السورة لا من أسمائها. والقول بأنّها من أسماء السورة، فيه تسامح.

عدد آياتها ومحلّ نزولها

عدد آيات السورة مئة وتسع وعشرون آية في عدّ الكوفي، ومئة وثلاثون في عدّ الباقين، بناءً على تقسيم الآية الثالثة إلى آيتين.(3)

1 . التوبة: 118.
2 . مجمع البيان: 5 / 3 ـ 4 .
3 . لاحظ: التبيان في تفسير القرآن:5/170.

صفحه 288
والسورة مدنية، وربّما استثنيت منها بعض الآيات، وسيوافيك بيان حاله في محلّه.

أغراض السورة

الغرض المهم أمران:
أ. استنهاض المسلمين وحثّهم على قتال المشركين بعد رفع الأمان عنهم.
ب. فضح المنافقين وكشف الستر عمّا يكنّون في أنفسهم من حقد لرسول الله وللمؤمنين، وما يحوكونه من دسائس ويدبّرونه من مكائد، ومنها اتِّخاذ مسجد الضِّرار.
نعم، جاء في ثنايا السورة ما يرجع إلى الزكاة وغيرها، غير أن معظم آياتها يدور حول ما ذكرناه.
يقول السيد الطباطبائي: والبحث عن معاني آياتها وما اشتملت عليه من المضامين لا يهدي إلى غرض واحد متعيّن على حدّ سائر السور المشتملة على أغراض مشخَّصة تؤمّها أوائلها وتنعطف إليها أواخرها، فأوّلها آيات تؤذن بالبراءة، وفيها آيات القتال مع المشركين، والقتال مع أهل الكتاب، وشطر عظيم منها يتكلّم في أمر المنافقين، وآيات في الاستنهاض على القتال وما يتعرّض لحال المخلّفين، وآيات ولاية الكفّار، وآيات الزكاة، وغير ذلك، ومعظمها ما يرجع إلى قتال الكفّار وما يرجع إلى المنافقين.(1)

1 . الميزان في تفسير القرآن:9/146.

صفحه 289
ومن غرر آياتها قوله تعالى:(قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَاد فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)(1)، وقوله سبحانه: (إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)(2)، إلى غير ذلك.

وجه ترك البسملة في أوّل السورة

لقد صُدّرت جميع سور القرآن بالبسملة، ووجودها فيها دليل على كونها سورة مستقلّة قد تمّ الكلام فيها ، ولكن هذه السورة لم تصدّر بالبسملة في عامّة المصاحف من عصر نزولها إلى يومنا هذا. وقد قيل في ترك ذلك وجوه، نذكر منها ما يلي:
1. أنّها ضُمّت إلى الأنفال بالمقاربة، فصارتا كسورة واحدة، إذ أنّ الأُولى نزلت في ذكر العهود، والثانية في رفع العهود; عن أُبيّ بن كعب.
يلاحظ عليه أوّلاً: بأنّ كون العهود هو الموضوع في السورتين، لا يُسبّب وحدة السورتين، بشهادة أن سورة قريش ابتدأت بما هو كالتعليل لما في آخر سورة الفيل، قال سبحانه: (فَجَعَلَهُمْ كَعَصْف مَأْكُول) (3) وعلّل

1 . التوبة:24.
2 . التوبة:111.
3 . الفيل: 5 .

صفحه 290
بقوله: (لاِيلاَفِ قُرَيْش)(1) مع أنّهما تعدّان سورتين، ومثلهما سورة الانشراح بالنسبة للضُّحى، مع توسّط البسملة بينهما.
وثانياً: أنّ سورة الأنفال نزلت في السنة الثانية للهجرة، وسورة التوبة نزلت في السنة التاسعة، وتصوُّر كونهما سورة واحدة مع وجود هذا الفاصل الزماني، أمر بعيد.
2. روي عن ابن عباس أنّه قال: قلت لعثمان: ما حمَلكم على أن عمدتم إلى «الأنفال» وهي من المثاني، وإلى «براءة» وهي من المئين فقرنتم بينهما، ولم تكتبوا سطر (بسم الله الرحمن الرحيم) ووضعتموها في السبع الطوال; فما حملكم على ذلك؟ قال عثمان: إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)كان إذا نزل عليه الشيء يدعو بعض من يكتب عنده فيقول:«ضعوا هذا في السورة التي فيها كذا وكذا»، وتنزل عليه الآيات فيقول: «ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا». وكانت «الأنفال» من أوائل ما أنزل، و«براءة» من آخر القرآن، وكان قصتها شبيهة بقصتها، وقُبض رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يبيّن لنا أنّها منها فظننت أنّها منها; فمن ثمّ قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر «بسم الله الرحمن الرحيم».(2)
يلاحظ على هذا النقل: بأنّه مخالف لما تضافر من أنّ عثمان لم يكن جامعاً للقرآن الكريم بل القرآن إنّما جُمع في حياة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) على ما هو التحقيق، أو جمع في عصر الخليفة الأوّل على القول الضعيف، وإنّما كان عمل عثمان هو توحيد اللهجة ورفع الاختلاف بين المصاحف

1 . قريش: 1 .
2 . تفسير القرطبي:8/62.

صفحه 291
المستنسخة في عصر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أو بعده.
3. أنّه لم ينزل «بسم الله الرحمن الرحيم» على رأس سورة براءة لأن بسم الله للأمان والرحمة، ونزلت براءة لرفع الأمان بالسيف; عن علي (عليه السلام)، وسفيان بن عُيينة، واختاره أبو العباس المبرّد.(1)
ونقل السيوطي عن ابن عباس قال: سألت علي بن أبي طالب (رضي الله عنه): لم لم تكتب في براءة بسم الله الرحمن الرحيم؟ قال: لأن بسم الله الرحمن الرحيم أمان، وبراءة نزلت بالسيف.(2) وقد مرّ في تفسير سورة الأنفال ما يفيدك في المقام، فلاحظ.

رفع الأمان عن المشركين

كانت سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قبل نزول سورة براءة أن لا يقاتل إلاّ من قاتله، ولا يحارب إلاّ من حاربه وأراده، وقد كان أُنزل عليه في ذلك: (فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً)(3)فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)لا يقاتل أحداً قد تنحّى عنه واعتزله حتّى نزلت عليه (سورة براءة) فأمره الله بقتال المشركين، مَن اعتزله ومن لم يعتزله، إلاّ الّذين قد عاهدهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يوم فتح مكة إلى مدّة، منهم صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو.(4) ولم ينكثوا أيمانهم.

1 . مجمع البيان:5/4ـ5.
2 . الدر المنثور: 4 / 122 .
3 . النساء: 90 .
4 . البرهان في تفسير القرآن: 4 / 383 .

صفحه 292
ثم إن السبب لرفع الأمان عن المشركين هو أنّهم نكثوا أيمانهم، كما سيأتي في تفسير قوله سبحانه: (أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّة أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ )(1)، وإلاّ فلو بقي المشركون على أيمانهم ولم ينقضوا عهودهم لَما تعرّض لهم.
ثم إنّ الّذي أكّد عزم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)على رفع الأمان عنهم هو أن رسول الله قد فتح مكّة سنة ثمان للهجرة ولم يمنع المشركين من الحجّ في تلك السنة، وكانت سنّة العرب في الحجّ أنّه من دخل مكة وطاف بالبيت في ثيابه لم يَحلّ له إمساكها وكانوا يتصدّقون بها ولا يلبسونها بعد الطواف، فكان من وافى مكّة يستعير ثوباً ويطوف فيه ثم يردّه، ومن لم يجد عارية اكترى ثوباً، ومن لم يجد عارية ولا كراء، ولم يكن له إلاّ ثوب واحد، طاف بالبيت عرياناً.
فجاءت امرأة من العرب فلم تجد ثوباً فطافت بالبيت عريانة، فنزلت الآيات من سورة براءة. وعلى هذا فرفع الأمان عنهم كان في السنة التاسعة من الهجرة الّتي لم يحجّ فيها النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإنّما حجّ في السنة العاشرة، وهي حجّة الوداع والبلاغ الّتي علّم فيها المسلمين أركان فريضة الحجّ وسننه، وابطل النسيء، كما سيأتي تفصيله في قوله تعالى: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ )(2).

1 . التوبة: 13.
2 . التوبة: 37 .

صفحه 293

نزول جبرئيل بسورة براءة

كان النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)يفكّر في أمر المشركين وما نقضوا به عهودهم وأيمانهم والأعمال الشنيعة الّتي يرتكبونها في الطواف، وحينذاك نزل جبرئيل بسورة براءة وقد أمره فيها سبحانه بأن يتبرّأ من المشركين ويرفع عنهم أيّ أمان أعطاه إيّاهم بحكم العهود التي أبرمها معهم، ولم يلتزموا بها، واستثنى منهم أُولئك الّذين لم ينقضوا أيمانهم فيتمّ النبيّ عهده معهم إلى مدّتهم.
ثم إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعث أبا بكر ليقرأ على أهل مكة آيات من سورة براءة، فلمّا سار أبو بكر، نزل الوحي على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بأن لا يبلّغها إلاّ هو أو رجل منه(صلى الله عليه وآله وسلم)، فوجّه النبيُّ عليّاً في أثره، فأخذها منه، ورجع أبو بكر. ويدلّ على هذين الأمرين (بعث عليّ، وعزل أبي بكر) ما يلي:
1. روى ابن أبي شيبة بإسناده عن أنس: أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بعث بـ«براءة»مع أبي بكر إلى مكة، فدعاه، فبعث عليّاً، فقال: «لا يبلّغها إلاّ رجل من أهل بيتي».(1)
2. روى النَّسائي بإسناده عن زيد بن يُثَيْع، عن عليّ(عليه السلام): أنّ رسول الله بعث ببراءة إلى أهل مكة مع أبي بكر، ثم أتبعه بعليّ، فقال له: خذ الكتاب فامضِ به إلى أهل مكة، قال: فلحقه فأخذ الكتاب منه، فانصرف أبو بكر

1 . المصنّف:17/137 برقم 32798. وانظر: مسند أحمد:3/212، 283، وخصائص أمير المؤمنين للنَّسائي:82 برقم 72، وكنز العمّال:2/431 برقم 4421.

صفحه 294
وهو كئيب، فقال لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): أنزَل فيَّ شيء؟ قال: «لا، إلاّ أنّي أُمرت أن أُبلّغه أنا أو رجل من أهل بيتي».(1)
3. روى أحمد بن حنبل بإسناده عن حنش عن علي (عليه السلام) قال: لمّا نزلت عشر آيات من براءة على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)دعا النبيّ أبا بكر فبعثه بها ليقرأها على أهل مكة، ثم دعاني النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)فقال لي: أدرك أبا بكر فحيثما لحقته فخذ الكتاب منه، فاذهب به إلى أهل مكّة فاقرأه عليهم، فلحقته بالجُحفة، فأخذت الكتاب منه، ورجع أبو بكر إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا رسول الله نزل فيّ شيءٌ؟ قال: «لا، ولكن جبرئيل جاءني فقال: لن يؤدي عنك إلاّ أنت أو رجل منك».(2)
4. قال السيوطي: وأخرج ابن مردويه عن أبي رافع قال: بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أبا بكر ببراءة إلى الموسم، فأتى جبرئيل (عليه السلام)فقال: «إنّه لن يؤدّيها عنك إلاّ أنت أو رجل منك»، فبعث علياً (عليه السلام)على أثره حتّى لحقه بين مكة والمدينة، فأخذها فقرأها على الناس في الموسم.(3)
5. روى العياشي في تفسيره بإسناده عن أبي عبدالله]الصادق[ (عليه السلام)قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بعث أبا بكر مع براءة إلى الموسم ليقرأها على الناس، فنزل جبرائيل فقال: لا يبلّغ عنك إلاّ عليّ، فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)عليّاً وأمره أن يركب ناقته العضباء وأمره أن يلحق أبا بكر فيأخذ منه براءة ويقرأها على الناس بمكّة، فقال أبو بكر: أسخطة؟ فقال:لا، إلاّ أنّه أُنزل عليه

1 . خصائص أمير المؤمنين:83 برقم 73. وصحّحه محقّق الكتاب أبو إسحاق الأثري.
2 . مسند أحمد: 1 / 151; تفسير الدر المنثور: 4 / 122.
3 . تفسير الدر المنثور: 4 / 124 .

صفحه 295
لا يبلغ إلاّ رجل منك ، فلمّا قدم عليٌّ مكّة وكان يوم النحر بعد الظهر
وهو يوم الحجّ الأكبر، قام ثمّ قال: إنّي رسول رسول الله إليكم، فقرأها عليهم (بَرَاءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا
فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُر
)
عشرين من ذي الحجة ومحرّم وصفر وشهر ربيع الأوّل وعشر من شهر ربيع الآخر، قال: لا يطوف بالبيت عريان ولا عريانة، ولا مشرك إلاّ من كان له عهدٌ عند رسول الله، فمدّته إلى هذه الأربعة الأشهر» .(1)
وللحديث صور أُخرى عند الفريقين يطول بنا المقام لو نقلناها، وإن كان الكلّ يصبّ في أن عليّاً انتُخب لهذا المقام من قبل الله سبحانه.
وممّا يؤكد ما سبق، ما رواه المحدّث أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ في كتابه «السقيفة» قال: وحدّثنا أبو زيد عمر بن شبّة بإسناد رفعه إلى ابن عباس، قال: إنّي لأُماشي عمر في سكّة من سكك المدينة، يده في يدي، فقال: يابن عباس، ما أظنّ صاحبَك إلاّ مظلوماً، فقلت في نفسي: والله لا يسبقني بها، فقلت: يا أمير المؤمنين، فاردُد إليه ظُلامته. فانتزع يده من يدي، ثم مرّ يُهمهِم ساعة ثمّ وقف، فلحقته، فقال لي: يابن عباس، ما أظنّ القوم منعهم من صاحبك إلاّ أنّهم استصغروه، فقلت في نفسي: هذه شرّ من الأُولى، فقلت: والله ما استصغره الله حين أمره أن يأخذ سورة براءة من أبي بكر.(2)

1 . تفسير العياشي: 2 / 73 .
2 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:6/45.

صفحه 296

النتائج المستفادة من هذه الروايات

1. إنّ عليّاً (عليه السلام)أقرب الناس إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)ويدلّ عليه قول جبرئيل: «أو رجل منك». ومن المعلوم أن المراد من الأقربية ليست الأقربية النسبيّة بشهادة أن العباس كان أقرب من عليّ إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، بل أن المراد الأقربية النفسيّة الّتي تؤهِّل صاحبها للزعامة.
2. إن عقد المواثيق ونقضها من الأُمور المهمّة الّتي يقوم بها الحاكم الأعلى للبلاد ـ كما هو المألوف بين عامة الشعوب ـ ولو لم يتمكّن ذلك الحاكم من هذا الأمر، يقوم به أقرب الناس إلى منصّة الحكم والسياسة، فيُعلم من ذلك أن عليّاً كان أقرب الناس إلى ذلك الأمر من كلّ المسلمين.
3. قد عرفت تضافر الروايات على أن العزل والنصب لم يكن بيد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وإنّما جاء جبرئيل بالوحي الالهي، أنّه «لن يؤدّي عنك إلاّ أنت أو رجل منك» وهذا يعني أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)كان مأموراً من قِبَل الله سبحانه بعزل أبي بكر(وردّه)(1) وإرسال عليّ مكانه.
4. تواتر عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال لعليّ(عليه السلام):«أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي»(2) وهذه الصياغة تقتضي العموم، وشمول جميع المنازل ماعدا النبوّة. ومن هذه المنازل ما جاء في قوله سبحانه ـ

1 . انظر: فضائل الصحابة:2/641 برقم 1090(وهذه الرواية حسّنها محقّق الكتاب وصيّ الله بن محمد عباس). ويشهد لذلك ما ورد في رواية النَّسائيّ المتقدّمة من انصراف أبي بكر وهو كئيب.
2 . انظر: مسند أحمد:1/185 و 6/369; صحيح البخاري:2/468، باب مناقب عليّ بن أبي طالب، برقم 3706; الأمالي للطوسي:253، المجلس(9)، برقم 452/44.

صفحه 297
حكاية عن موسى(عليه السلام) ـ:(وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْري)(1)، والمراد بالأمر هنا، هو أمر يخصّ النبيّ ولا يشاركه فيه أحد، وهو التبليغ الابتدائيّ، أي تبليغ ما يتلقّاه النبيّ من وحي ربّه، أوّل مرّة، فليس له أن يستنيب أحداً لتبليغ أصل الوحي.(2)
والحديث المتقدّم:«لا يؤدّي عني إلاّ أنا أو رجل منّي» يعطي عليّاً هذه المنزلة، ويُفرده بها، أعني تبليغ بعض ما يوحى إلى أخيه المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم) تبليغاً ابتدائياً، وليست تأدية سورة براءة عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ مصداقاً لذلك.
وقد أشار الإمام(عليه السلام) إلى اختصاصه بهذه المنزلة، بقوله:«تَاللهِ لَقَدْ عُلِّمْتُ تَبْلِيغَ الرِّسَالاَتِ، وَإِتْمَامَ الْعِدَاتِ، وَتَمَامَ الْكَلِمَاتِ».(3)
قال ابن أبي الحديد في شرح ذلك: فيه إشارة إلى قوله تعالى:(يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللهَ)(4)، وإلى قول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في قصة براءة: «لا يؤدّي عنّي إلاّ أنا ورجل منّي»(5).(6)

توجيه العزل والنصب بغير الوحي الإلهي

ربما يُعلّل العزل والنصب ببعض الوجوه نذكر منها ما يلي:

1 . طه:32.
2 . انظر: الميزان في تفسير القرآن:14/147، 160.
3 . نهج البلاغة: الخطبة 120.
4 . الأحزاب:39.
5 . شرح نهج البلاغة:7/288.
6 . انظر: واحة اليقين لحيدر الطحّان البغدادي:378ـ 381.

صفحه 298
1. قال بعض أهل السنّة: إن الصدّيق كان مظهراً لصفة الرحمة والجمال كما يرشد إليه ما تقدّم في حديث الإسراء وما جاء من قوله (عليه السلام): أرحمُ أمتي، بأمتي أبو بكر، أحال إليه (عليه الصلاة والسلام) أمر المسلمين الّذين هم مورد الرحمة، ولما كان علي (كرّم الله وجهه) الّذي هو أسد الله مظهر جلاله فوّض إليه نقض عهد الكافرين الّذي هو من آثار الجلال وصفات القهر، فكانا كعينين فوّارتين يفور من أحدهما صفة الجمال ومن الأُخرى صفة الجلال في ذلك المجمع العظيم الّذي كان أُنموذجاً للحشر ومورداً للمسلم والكافر.
نقل هذا الوجه الآلوسي في تفسيره، ولمّا كان في غاية الضعف اعتذر عنه وقال: ولا يخفى حُسنه لو لم يكن في البَين تعليل النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم).(1)
2. قال العلماء: إن الحكمة في إرسال علي بعد أبي بكر أن عادة العرب جرت بأن لا ينقض العهد إلاّ من عقده أو من هو منه بسبيل من أهل بيته فأجراهم في ذلك على عادتهم .(2)
ويَرِد عليه ما أورده الآلوسي على الوجه الأوّل، فإنّه ينافي تعليل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، أعني قوله:«لا يؤدّي عني إلاّ أنا أو رجل منّي».
3. قال السيد محمد رشيد رضا: إن بعض الشيعة يكبّرون هذه المزيّة لعلي (عليه السلام)كعادتهم ويضيفون إليها ما لا تصحّ به رواية، ولا تؤيّده دراية، فيستدلّون بها على تفضيله على أبي بكر وكونه أحقَّ بالخلافة منه،

1 . روح المعاني: 10 / 45.
2 . تفسير المنار: 10 / 189 .

صفحه 299
ويزعمون أن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)عزل أبا بكر من تبليغ سورة براءة لأن جبرائيل أمره بذلك وأنّه لا يبلّغ عنه إلاّ هو أو رجل منه، ولا يخصّون هذا النفي بتبليغ نبذ العهود وما يتعلّق به، بل يجعلونه عامّاً لأمر الدين كلّه مع استفاضة الأخبار الصحيحة بوجوب تبليغ الدين على المسلمين كافّة كالجهاد في حمايته والدفاع عنه، وكونه فريضة لا فضيلة فقط .(1)
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ الله سبحانه هو الذي عظّم هذه المزّية لعليّ، وليس الشيعة، فبأمره سبحانه استبدل النبيّ أبا بكر بعليّ، كما دلّت الروايات الصحيحة المتقدّمة.
ثانياً: أنّه نسب القول (بأنّ جبرائيل هو الذي أمر بعزل أبي بكر وأنّه لا يبلّغ عنه إلاّ هو أو رجل منه) إلى الشيعة، وقال إنّهم يزعمون ذلك، وهذا منه عجيب، فالروايات التي تضمّنت القول المذكور أخرجها أعلام السنّة، ومنهم عبد الله بن أحمد بن حنبل، وأبو الشيخ، وابن حبّان، وابن مردويه، وقد مرّ عدد منها، وراجع سائرها في «الدرّ المنثور» للسّيوطي.
ثالثاً: أنّه لم يدرك الفرق بين تبليغ الدين (الذي هو فريضة لا فضيلة، كما قال)، وبين التبليغ الذي خُصّ به الإمام، وهو فضيلة رابية له (عليه السلام)، أعني تبليغ أحكام إلهية لم تُبلَّع من قبل، وتبليغ آيات كريمة ابتداءً. وهذا هو مفاد قول جبرئيل(عليه السلام) للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يؤدّي عنك إلاّ أنت أو رجل منك» يعني أنّ الأُمور الرسالية التي يجب عليك أداؤها لا يؤدّيها غيرك عوضاً عنك إلاّ رجل منك، أي لا يخلفك فيما هو فرضٌ عليك (التأدية الابتدائية) إلاّ رجل

1 . تفسير المنار: 10 / 192 .

صفحه 300
منك.(1)وقد أوضحنا هذا المعنى آنفاً في النقطة(4) من فقرة(النتائج المستفادة من هذه الروايات).
سورة التوبة: الآيات 1 ـ 6   
والحقّ، أنّ صاحب المنار لم يدرس الموضوع دراسة مجرّدة
عن الرأي المسبق، وقد أَخذ ببعض الروايات، وغضّ النظر عن البعض الآخر. ولعمر القارئ لو ورد نزول جبرئيل بالكلمة المذكورة حول أحد اللَّذين سبقا الإمام في الخلافة، لكان موقفه من الروايات على النقيض
من ذلك.

الآيات: السّتّ الأُولى

(بَرَاءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُر وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ * وَأَذَانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَاب أَلِيم * إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ * فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ

1 . انظر: الميزان في تفسير القرآن:9/170.

صفحه 301
وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَد فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْلَمُونَ).

المفردات

براءة: يقال: برأ من الدّين إذا أسقطه عنه، كما يقال: برأ من الذَّنب إذا ثبت عدم صدوره منه. وهي إمّا مبتدأ موصوف بقوله: (مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ)خبره قوله: (إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ) والنكرة الموصوفة تصلح لأن تقع مبتدأ، وأمّا خبر لمبتدأ محذوف، أعني: هذه الآيات براءة .
عاهدتم: العهد: حفظ الشيء ومراعاته حالاً بعد حال .(1) وسمّي الميثاق عهداً للزوم مراعاته، قال سبحانه: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً)(2) .
فسيحوا: من السياحة في الأرض، وهي الانتقال والتَّجوال من أرض إلى أرض.
معجزي الله: لا تعجزون الله بهروبكم من أرض إلى أرض.
مخزي: الخزي: الذُّلّ والفضيحة بما فيه عار .
أذان: الأذان: الإعلام بما ينبغي أن يُعلم.

1 . المفردات للراغب:350، مادة«عهد».
2 . الإسراء: 34 .

صفحه 302
يوم الحجّ الأكبر: الأكبر صفة اليوم لا الحجّ، وهو يوم النّحر الّذي يجتمع فيه المسلم والمشرك يومذاك. وربما يقال: إنّه وصف للحجّ، مقابل العمرة فإنّها حجّ أصغر.
لم يظاهروا: لم يعاونوا. وهو من الأفعال المأخوذة من الجوامد كالظَّهر، نظير «أيّد» من اليد و «ساعد» من الساعد.
انسلخ: السَّلْخ: نزع جلد الحيوان، وأُريد هنا انقضاء الأشهر الحرم.
يقول الشريف الرضي: هذه استعارة لأنّ حقيقة السلخ هي إخراج الشيء ممّا لابسه وخالطه، ألا ترى أنك تقول: سلخت الشاة إن جرّدتها من جلدها، ولا تقول: سلخت القميص إذا نزعته عنك، لما لم يكن بينه وبين جسدك ممازجة ولا مخالطة، فيجوز أن يكون معنى انسلاخ الأشهر الحرم هاهنا تجرّدها من بقية الشهور بانقضائها مجرّداً مشهوراً على خلاف بعض بقية الشهور لتتابع الأشهر الحرم في مباديها وخواتمها واشتهارها في هواديها وروادفها فيكون انقضاؤها مشهوراً، كما كان ابتداؤها مشهوراً، فلفضل شهرتها على بقية الأشهر وصفت بصفة مخالفة لها وزائدة عليها: فقيل: انسلخت، ولم يقل: انقضت .(1)
مَرصد: المَرْصد: الموضع الذي يُرقَب فيه العدوّ، والمَرصد الطريق، ومثله: المرقَب والمَربَأ.
استجارك: الاستجارة: طلب الأمان، من القتل.

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن: 46 .

صفحه 303

التفسير

موادّ اتفاقية الصلح في الحديبية

كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قد عقد اتفاقية صلح وهدنة مع قريش في العام السادس من الهجرة، وعُرفت بصلح الحديبية، وقد تضمّن هذا الصلح شروطاً وموادّاً نشير إلى أهمّها:
1. تعهَّد المسلمون وقريش بترك الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس، ويكفُّ بعضهم عن بعض.
2. من أحبَّ أن يدخل في عقد محمد وعهده ويتحالف معه دخل فيه، ومن أحبَّ أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه.
3. أن لا تعين قريش على محمد وأصحابه أحداً بنفس ولا سلاح.(1)
وعلى ضوء المادة الثانية تحالفت خزاعة مع المسلمين وتعهّد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يدافع عن أرضهم وأموالهم وأنفسهم كلّما تعرّضوا للخطر، وتحالفت قبيلة بني كنانة مع قريش.
ولكنّ قريشاً نقضوا عهدهم فبادروا إلى توزيع الأسلحة على قبيلة بني بكر من كنانة وإلى تحريضهم على أن يُبيِّتوا خزاعة المتحالفين مع المسلمين فيُغيروا عليهم ليلاً ويقتلوا فريقاً ويأسروا آخرين، فقام بنو بكر بالإغارة ليلاً فقتلوا جماعة وأسروا آخرين.
فلمّا اطّلع النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)على نقض العهد وأنّهم قتلوا جماعة وأسروا

1 . السيرة الحلبية: 3 / 21 ; مجمع البيان:5/117; بحار الأنوار : 20 / 352 .

صفحه 304
آخرين من حلفائه(صلى الله عليه وآله وسلم)صار ذلك أحد الأسباب للبراءة ممّا تعاهد عليه مع قريش، ولم يكن ذلك السبب الوحيد بل ما زال المشركون يحاربون المسلمين حيث قَدِروا، ومن جرّاء ذلك، وما تقدّم من طواف العراة بالبيت، عزم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)على نقض العهد بحجة أنّهم لا أيمان لهم، وكان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)على أُهبة من نبذ عهد الصلح والانتصار لخزاعة، عند ذاك نزل قوله تعالى:
1. (بَرَاءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ):
قوله تعالى: (بَرَاءَةٌ): أي انقطاع للعصمة ورفع للأمان، وخروج من العهود (مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى)من؟ (الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)، فكلامه هذا أشبه بما هو الرائج من قولهم: هذا كتاب فلان إلى فلان.
ثم إنّه سبحانه عطف الرسول على ذاته المقدّسة، وقال: (مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ) وذلك لأن الرسول هو الّذي عقد العهود بوصفه إماماً وقائداً، ومن ثمّ كان مأموراً بتنفيذها، ثمّ بنقضها وحلّها. وأمّا سبب البراءة فقد مرّ أنّه قد ظهر من المشركين النقض والخيانة، ولذلك استثنى سبحانه من حفظ عهده ولمن لم ينقض، كما سيوافيك.
وظاهر الآية أن الله ورسوله نبذا كلّ عهد عاهده رسول الله مع المشركين الناقضين للعهود سواء أكان العهد مطلقاً أم مؤقتاً، إلاّ طائفة واحدة وهم من لهم عهد مؤقت ولم ينقضوا ولم يظاهروا، فيتمّ عهدهم إلى مدّتهم.
إنّ رفع الأمان عن المشركين كان حكماً ولائيّاً ولم يكن حكماً

صفحه 305
تشريعياً محضاً، بدليل تشريك الآية للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في البراءة مع الله عزّ وجلّ، لأنّ الحكم التشريعيّ لا ينسب إلاّ إلى الله تعالى وحده.
كما أنّ هذا الحكم لم يكن حكماً جزافياً وإبطالاً للعهد من غير سبب يبيح ذلك، لما عرفت من أنّ المشركين قد نقضوا عهدهم مرّة بعد أُخرى، وكلّ ذلك يشير إلى أنّ القوم كانوا يتحيّنون الفرص للقضاء على الإسلام والمسلمين وغزوهم في عقر دارهم، وعندئذ لم يكن أمام النبيّ من سبيل إلاّ أن ينقض عهده معهم.
وقد أباح الله تعالى إبطال العهد بالمقابلة نقضاً بنقض، حيث قال:(وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْم خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْخَائِنِينَ)(1) فأباح إبطال العهد عند مخافة الخيانة ولم يرض مع ذلك إلاّ بإبلاغ النقض إليهم لئلاّ يؤخذوا على غفلة، فيكون ذلك من الخيانة الممنوعة في الإسلام.(2)
2. (فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُر وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ):

رفع الأمان مع الإمهال

لمّا كان مقتضى نبذ العهد ورفع الأمان عنهم هو عدم التزام النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)بما عاهدهم عليه منذ أذان التبرّي وإعلامه، لكنّ رحمة الله تعالى اقتضت

1 . الأنفال:58.
2 . لاحظ: الميزان في تفسير القرآن:9/150ـ151.

صفحه 306
إعطاءهم مهلة أربعة أشهر حتّى يفكّروا في مصيرهم، فإن أسلموا سَلِموا من القتل، وإلاّ فليستعدّوا للحرب، كما قال تعالى: (فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُر): أي سيروا آمنين حيثما شئتم من الأرض مدّة أربعة أشهر، ومبدؤها هو اليوم الذي تُليَ فيه رفع الأمان على رؤوس الأشهاد، وهو يوم النَّحر. وعلى هذا فيكون بعض هذه الأيام من الأشهر الحُرم كباقي ذي حجّة والمحرّم، والبعض الآخر خارجاً عنها، كشهر صفر وشهر ربيع الأوّل وعشر من شهر ربيع الآخر.(1)
قوله: (وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ)حيثما كنتم من الأرض (غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ): أي لن تفوتوه، فيعجز عن التسلّط عليكم (وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ)يخزيهم ويُذلّهم في الدنيا كما سيخزيهم ويُذلّهم في الآخرة. وكان الأمر كذلك حيث لم تمرّ أربعة أشهر، إلاّ وقد قضي على الشرك والمشركين، وتمّ تطهير أرض الوحي عن لوث الشِّرك.
ثمّ إنّه سبحانه وجّه الخطاب في هذه الآية إلى المشركين، بعدما كان الكلام غير موجّه إليهم، وما هذا إلاّ لأنّه أراد بذلك الخطاب القاطع، إتمامَ الحجّة على الخصم حتى لا يحتجّ أحد منهم بالغفلة أو عدم العلم.
ثمّ إنّ أكثر المفسرين حدّدوا الأربعة أشهر من العاشر من ذي الحجة من سنة تسع للهجرة إلى العاشر من شهر ربيع الآخر من سنة عشر ـ قد تقدّم ما يؤيده من الرواية ـ لأنّ المفروض أنّه رُفع عنهم الأمان يوم النَّحر، فإذا كان هذا هو المبدأ، يكون المنتهى هو العاشر من شهر ربيع الآخر،

1 . تفسير العياشي:2/75.

صفحه 307
وظاهر كلامهم أنّ الشهر الذي رُفع فيه عنهم الأمان كان شهر حرام واقعاً، ولكنّه أمر غير ثابت; لأنّ سدنة الكعبة كانوا يتلاعبون بالأشهر الحرم بما يسمى بالنسيء الّذي ستذكره الآيات التالية، فكانوا يقدّمون الأشهر الحرم تارة ويؤخّرونها أُخرى، وبذلك لا يمكن أن يقال: إنّ الشهر الّذي قُرئت عليهم فيه البراءة كان من الأشهر الحرم واقعاً، أي كان شهر ذي الحجّة الحرام واقعاً، بل كان كذلك تسمية في اللّسان.
نعم، قام النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بتنظيم الأشهر الحرم في السنة العاشرة، وجعل الأشهر الحرم في محلّها، وسيوافيك بيانه في تفسير الآية (31) من سورتنا هذه.
3. (وَأَذَانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَاب أَلِيم):

رفع الأمان عن المشركين يوم الحجّ الأكبر

الفرق بين هذه الآية وما قبلها واضح، وإن كانت النتيجة واحدة، وهي البراءة من المشركين، إلاّ أنّ الغاية في الآية السابقة إبلاغ البراءة إلى المشركين بشهادة قوله:(إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) .
وأمّا هذه الآية فهي توجّه الخطاب إلى الناس جميعاً ليعلموا براءة الله ورسوله من المشركين، حتى يستعدّ غير المشرك لتنفيذ أمر الله بعد خروج

صفحه 308
الأشهر الحرم، فيكون معنى قوله سبحانه:(وَأَذَانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ): أي إعلان إلى الناس كلّهم من المسلم والكافر (يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ)الظاهر أنّ الأكبر وصف للحجّ، بشهادة كونه مجروراً، وليس وصفاً لليوم، ولأنّه قد حجّ فيه المشركون والمسلمون ولم يحجّ بعدها مشرك.
وهذا هو المرويّ عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، فقد سأل فضيل بن عياض أبا عبد الله(عليه السلام) عن الحجّ الأكبر فقال:«إنّما سمّي الأكبر لأنّها كانت سنة حجَّ فيها المسلمون والمشركون، ولم يحجّ المشركون بعد تلك السنة»(1). وقيل: الحجّ الأكبر في مقابل الحجّ الأصغر، وهو العمرة. (2)وقيل غير ذلك .
وأمّا مضمون الإعلان فهو: (أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ): أي من عهد المشركين (وَرَسُولُهُ)بالضمّ وهو مبتدأ والخبر محذوف، أي ورسوله بريء منهم، وإنّما حذف لدلالة الأوّل عليه.(3)
قال الزّمخشري: يُحكى أنّ أعرابياً سمع رجلاً يقرؤها(أي يقرأ رسوله بالجرّ) فقال: إنْ كان الله بريئاً من رسوله فأنا منه بريء،
فلبّبه(4) الرجل إلى عمر، فحكى الأعرابي قراءته فعندها أمر عمر بتعلّم العربية.(5)

1 . البرهان:4/390، نقلاً عن معاني الأخبار للصدوق.
2 . تفسير العياشي:2/77.
3 . وقيل: هو معطوف على محلّ اسم أنّ لأنّه مرفوع، وقيل: هو معطوف على الضمير المستتر في بريء لأنّه اسم فاعل.
4 . أي: أخذ بتلابيبه وجرّه.
5 . تفسير الكشّاف:2/139.

صفحه 309

عليّ(عليه السلام) معلّم قواعد العربية

يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ هذه الحكاية معارضة بما ذكره أبو عبيدة مَعْمَر بن المثنّى(110ـ 209هـ) من أنّ أبا الأسود أخذ عن عليّ العربية، وأنّه
سمع قارئاً يقرأ رسوله (بكسر اللاّم)، فقال لزياد الأمير ]يعني ابن أبيه[: ابغني كاتباً لَقِناً، فأتى به، فقال له أبو الأسود: إذا رأيتني قد فتحتُ
فمي بالحرف فانقُط نقطةً أعلاه، وإذا رأيتني ضممتُ فمي، فانقُط نقطة بين يدي الحرف....(1)
ثانياً: لم نجد في التاريخ أنّ الناس أخذوا بتعلّم العربية في زمان عمر، ولكن الحقّ ما عليه المؤرّخون، يقول الشيخ أبو الخير سلامة الشامي النحوي: إنّ عليّاً دخل عليه أبو الأسود يوماً، قال: فرأيته مفكّراً، فقلت له: مالي أراك مفكّراً يا أمير المؤمنين؟ قال: «إنّي سمعت من بعض الناس لحناً، وقد هممت أن أضع كتاباً أجمع فيه كلام العرب». فقلت: إن فعلت ذلك أحييت أقواماً من الهلاك. فألقى إليّ صحيفة فيها: الكلام كلّه اسم وفعل وحرف، فالاسم ما دلّ على المسمّى، والفعل ما دلّ على حركة المسمّى، والحرف ما أنبأ عن معنى وليس باسم ولا فعل» وجعل يزيد على ذلك زيادات. قال: واستأذنته أن أصنع في النحو ما صنع، فأذن، وأتيته فزاد فيه ونقص.وفي رواية: أنّه ألقى إليه الصحيفة وقال له:«انحَ نحو هذه» فلهذا سُمّي النَّحو نحواً.(2)

1 . انظر: سير أعلام النبلاء للذهبي:4/83، برقم 28.
2 . نقله السيد حسن الصدر في: تأسيس الشيعة:51. وانظر الخبر في: سير أعلام النبلاء:4/83ـ84.

صفحه 310
ثمّ إنّ البيان القرآني أخذ ينصح للمشركين مبيِّناً أنّ الطريق إلى النجاة والفلاح مفتوح وليس بمسدود(فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ): أي رجعتم إلى الفطرة (وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ): أي وإن أعرضتم عن الهدى وأصررتم على الشِّرك (فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ): أي غير مفلتين ولا خارجين عن قدرة الله. هذا هو مصيركم في الدنيا، وأمّا مصيركم في الآخرة فهو العذاب الأليم كما يقول:(وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَاب أَلِيم)وأصل البشارة الإخبار بما فيه مسرّة، وأصله ما يوجِد تغييراً في الوجه وأساريره، واستعماله في الإنذار من باب التهكّم.
4. (إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ):

استثناء صنفين من المشركين وأمثالهما إلى مدّة

ذكر غير واحد من المفسرين أنّ قوماً من بني كنانة وبني ضَمرة كان قد بقي من أجلهم تسعة أشهر، فيكون قوله: (إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) ناظراً إلى هذين الحيَّين.
ثم إنّه سبحانه يعرّفهم بوصفين:
1. (ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا): أي لم يفرِّطوا في شيء من شروط العهد الذي أبرموه معكم، وحافظوا عليه، ووفَوا به على أتمّ وجه.
2. (وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ): أي لم يعاونوا عليكم أيّها المؤمنون

صفحه 311
(أَحَدًا)من أعدائكم، وعندئذ كلّف المسلمين بالأمر التالي:(فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ) حتى تنقضي المدّة، وبما أنّ نقض العهد على خلاف التقوى فالله سبحانه يذكّر المؤمنين بقوله:(إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) وهم الحافظون لعهودهم.
وبما أنّ نقض العهد على قسمين، تارة بشكل مباشر كقتل بعض المسلمين، وأُخرى بطريقة غير مباشرة كمساعدة بعض أعداء المسلمين، عبّر عن الأوّل بقوله:(لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا)، وعن الثاني:(وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أحداً).
5. ( فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَد فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ):
الآية تتضمّن بيان أمرين، كلٍّ ناظر إلى ظرف خاصّ:
الأوّل: تشديد الأمر على المشركين الذين لم يتوبوا بعد مضيّ الأجل المضروب لهم وهو أربعة أشهر، فهدّدهم الوحي الإلهي بأُمور، كما سيوافيك.
الثاني: الموقف من التائبين المنسلخين من الشِّرك، الوافدين إلى أحضان التوحيد.
أمّا الأوّل، فيقول فيه سبحانه: (فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ) والظاهر أنّ

صفحه 312
المراد من الأشهر الحرم ما ورد في قوله: (فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُر)وقد سمّيت بالأشهر الحرم لأنّه سبحانه حرّم فيها التعرض للمشركين، فأجاز لهم السياحة في شرق الأرض وغربها مطمئنّين.
وعلى هذا، فاللاّم في الأشهر الحرم للعهد الذِّكري.
ويحتمل أن يكون من باب تسمية الكلّ باسم الجزء، لأنّ قسماً من هذه الأشهر يقع في الأشهر الحرم المعروفة، كالباقي من ذي الحجة الحرام وشهر المحرّم، أي إذا انسلخت الأشهر التي مرّ ذكرها في الآية الأُولى وبقي المشركون يدبّون في الأرض، فللمسلمين أن يتعاملوا معهم بأحد الوجوه التالية حسب اقتضاء الزمان:
1. (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) أذِنَ سبحانه بقتلهم إذا اقتضت المصلحة ذلك.
2. (وَخُذُوهُمْ): أي إسُروهم.
3. (وَاحْصُرُوهُمْ): أي ضيّقوا عليهم وامنعوهم من التنقّل في البلاد.
4. (وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَد): أي اقعدوا لهم في كلّ طريق ومكان تظنون أنّهم يمرّون فيه، وضيّقوا المسالك عليهم لتتمكنوا من أخذهم، بأحد الأساليب الثلاثة.
بما أنّ لتطهير الأرض من الشِّرك طرقاً مختلفة، ولكلّ طريق ظرف خاصّ، أمر سبحانه المؤمنين بقتل المشركين إذا ظفروا بهم وتهيّأت لهم الظروف لذلك، وإلاّ فليأخذوهم أسرى، فإن عزّ عليهم قتلُهم وأسرُهم، لجأوا إلى محاصرتهم في محالّهم ومساكنهم والتضييق عليهم وتقييد

صفحه 313
تحرّكاتهم، كلّ ذلك إذا عُرفت أمكنتهم، وإلاّ فلولم تُعرف مساكنهم، يقعد لهم في الطرق التي يتردّدون عليها لينفَّذ بحقّهم أحد الأساليب الثلاثة من القتل والأسر والحصر.
فإن قلت: قد حُقّق في علم الأُصول أنّ الأمر بعد الحظر لا يفيد الوجوب، بل يدلّ على رفع الحظر، كقوله سبحانه: (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا).(1) فإنّ الاصطياد غير واجب بعد الخروج عن الإحرام، وعلى هذا فبما أنّ قوله: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) ورد بعد الحظر عن قتلهم، أيام سياحتهم، فلا يستفاد منه الوجوب.
قلت: ما ذكرت من الضابطة صحيح، غير أنّ القرائن هنا تدلّ على الوجوب، ومنها الحكم على المشركين بالأُمور الثلاثة التي عرفت.
إلى هنا تمّ ما يرجع إلى طائفة خاصّة من المشركين، حيث بقوا على الشِّرك.
وأمّا الثاني، أي الموقف من الذين تابوا من الشِّرك وآمنوا بالتوحيد، فيقول فيه سبحانه: (فَإِنْ تَابُوا): أي رجعوا من الكفر وانقادوا للشرع
قلباً (وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ) تصديقاً لتوبتهم وإيمانهم، ففي
هذه الحالة (فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ): أي اتركوهم يسيحون في أرض الإسلام،
لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم (إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)كأنّه
يخاطب المسلمين بالصفح عنهم اقتداء بالله سبحانه، لأجل (إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).

1 . المائدة:2.

صفحه 314

ما هو الوجه لاشتراط إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة؟

بقي هنا أمر، وهو أنّه سبحانه اشترط قبول إيمانهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، حيث قال:(فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ)مع أنّ أركان الإيمان هي الاقرار بتوحيده سبحانه ورسالة نبيّه والإيمان بالبعث يوم الجزاء، بشهادة الرواية التالية:
روى مسلم عن عمر بن الخطاب أنّه قال: ما أحببت الإمارة إلاّ يومئذ]يوم خيبر[، قال: فتساورتُ لها رجاء أن أُدعى إليها، قال: فدعا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عليّ بن أبي طالب فأعطاه إيّاها، وقال: «إمش ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك» فسار (عليٌّ) شيئاً ثم وقف ولم يلتفت وصرخ: يا رسول الله على ماذا أُقاتل الناس؟ قال(صلى الله عليه وآله وسلم):«قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماؤهم وأموالهم إلاّ بحقّها وحسابهم على الله».(1)
والجواب: إنّ الأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة لأجل الإذعان بأنّ إيمانهم إيمان واقعيّ نابع عن طهارة القلب من الشِّرك وآثاره، وليس مجرد لقلقة لسان، فإنّ المراد من إقامة الصلاة المحافظة عليها في أوقاتها، فمن كانت حاله كذلك وأنفق من ماله على فقراء المسلمين كشف ذلك عن تجذّر الإيمان في قلبه، وإلاّ فالأُصول التي عليها مدار الإيمان وحرمة الدماء، هي الأُمور الثلاثة.
ثمّ إنّ الشافعي احتجّ بهذه الآية على أنّ تارك الصلاة يُقتل، قال: لأنّه

1 . صحيح مسلم:7/17، باب فضائل عليّ(عليه السلام).

صفحه 315
تعالى أباح دماء الكفّار مطلقاً بجميع الطرق، ثم حرّمها عند مجموع هذه الثلاثة، وهي التوبة عن الكفر، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، فعندما لم يوجد هذا المجموع، وجب أن تبقى إباحة الدم على الأصل.(1)
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره غفلة عن النكتة التي نبّهنا عليها، فإنّ إلزامهم بالصلاة لأجل أن يُعلم بها إيمانهم واعتقادهم وعدم عنادهم، ولذلك لا يمكن استنباط كفر تارك الصلاة من الآية.
نعم من ترك الصلاة منكراً لوجوبها فبما أنّه منكر لإحدى الضروريات الملازم إنكارها لإنكار الرسالة، فهو محكوم بالكفر والارتداد.
ثمّ إنّ المراد من تخلية السبيل في قوله: (فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ) هو عدم التعرّض لهم في تحركهم وانتقالهم، فيكون في مقابل: (وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَد).
6. (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْلَمُونَ):

حكم من حاول معرفة الحق

لمّا تقدم في قوله سبحانه: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ)استثنى من يستجير بالرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ليسمع كلام الله عزّ وجلّ، فبما أنّ الأمر بقتلهم يقع بعد مضيّ الأشهر الأربعة، تكون الآية ناظرة لمن بقي على شركه ولم يتب وقد مضت المهلة المفروضة، فاستجار الرّسولَ ليسمع

1 . تفسير الرازي:15/225.

صفحه 316
كلام الله، فاستثني مثل هذا، وهذا يكشف عن سموّ مقاصد الإسلام في التعامل مع خصومه، وأنّه لا يستهدف سوى هداية الخلق، واستقامة حياتهم على منهاج الحقّ، لينالوا سعادة الدّارين، وحيث إنّ الغاية من التشديد والتضييق على المشركين، هي نشر التوحيد وتطهير الأرض من الشِّرك، فإنّ هذا الأُسلوب يختصّ بمن أصرّ على شركه ولم يرجع عنه عناداً واستكباراً.
ويتجلّى هذا الأسلوب في موقف الإمام علي(عليه السلام) من البغاة (أهل الشام) لمّا استبطأ أصحابُه إذنَه لهم بقتالهم، فقال:«فَوَ اللهِ مَا دَفَعْتُ الْحَرْبَ يَوْماً إِلاَّ وَأَنَا أَطْمَعُ أَنْ تَلْحَقَ بِي طَائِفَةٌ فَتَهْتَدِيَ بِي، وَتَعْشُوَ إِلَى ضَوْئِي، وَذلِكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْتُلَهَا عَلَى ضَلاَلِهَا، وَإِنْ كَانَتْ تَبُوءُ بِآثَامِهَا».(1)
هذا، وأمّا من تردّد من المشركين في عقيدته وحاول أن يؤمن بالحق إذا بان له، فلا يصحّ قتله صيانة للهدف وغرض الرسالة، إذ من الممكن أن يتبيّن له الحقّ بسماع آيات الله ويرجع عن الشِّرك ويتفيّأ ظلال التوحيد، ولذلك أمر الله سبحانه نبيّه بقوله:(وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ): أي استأمنك بعد انقضاء الأجل المذكور (فَأَجِرْهُ): أي فأمّنه (حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ)ويعلم حقيقة الدعوة الإلهية، فيجب أن تؤمِّنه حتى يسمع، فإن اهتدى وآمن عن علم واقتناع فذاك، وإلاّ (ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ): أي المكان الذي يأمن به على نفسه، حيث لا يكون للمسلمين هناك سلطة، وعندئذ يعود حاله إلى ما قبل الاستجارة فيكون محكوماً بالأساليب الثلاثة السابقة.

1 . نهج البلاغة: الخطبة55.

صفحه 317
وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدل على أنّ منطق الإسلام منطق الحرية أي الإيمان عن طريق العلم واليقين، وأمّا الإيمان النابع عن الخوف وسيطرة السيف، فلا يقيم له الإسلام وزناً. ولذلك جاء لفظ «أحد» تنكيراً، للدلالة على شمول الحكم لكلّ من أراد سماع آيات الله من وضيع أو رفيع.
قال السيد الطباطبائي: وهذا غاية ما يمكن مراعاته من أُصول الفضيلة وحفظ الكرامة ونشر الرحمة والرأفة وشرافة الإنسانية اعتبره القرآن الكريم، وندَب إليه الدين القويم.(1)
وبما ذكرنا ظهر أنّ الآية مخصَّصة للأمر بقتل المشركين، وأمّا ما هو المراد من سماع كلام الله، فالظاهر أنّ المراد بها الآيات التي توضّح له أُصول المعارف وتزيح عن نفسه الشبهات من غير فرق بين ما يرجع إلى إثبات التوحيد وذمّ الشِّرك أو غير ذلك.
ثمّ إنّ هذه الآية من الآيات المحكمة التي لا تقبل النسخ، كيف؟ وهي مبنيّة على أصل من الأُصول المسلَّمة في الإسلام، وهو الدعوة إلى الحقّ من دون إكراه وإجبار، وفسح الفرصة لكلّ من يريد التدبّر فيما بُعث إليه نبيّ الإسلام.
روي أنّ صفوان بن أُميّة قتل أحد المسلمين انتقاماً لأبيه أُميّة بن خلف الذي قُتل في وقعة بدر، ولذا أهدر رسول الله دمه عندما فتح مكّة فطلب عُمير بن وهب من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)أن يعفو عنه، فقبل رسول

1 . الميزان في تفسير القرآن:9/154.

صفحه 318
الله(صلى الله عليه وآله وسلم) شفاعته، فذهب عمير إلى جدّة وأخبره بعفو رسول الله، وقدم به مكة ودخل على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وقال: إنّ عميراً يزعم أنّك قد أمّنتني.
قال:«صدق».
ثم دعاه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الإسلام فقال: اجعلني بالخيار شهرين، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):
«أنت بالخيار فيه أربعة أشهر».(1)
وبهذا أمهله رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أربعة أشهر حتى يُتاح له فيها التفكير في الإسلام، ودعوة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).
روى الكليني بإسناده عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إذا أراد أن يبعث سريّة دعاهم فأجلسهم بين يديه ثم يقول: سيروا بسم الله وبالله وفي سبيل الله وعلى ملّة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، لا تغلوا ولا تمثّلوا ولا تغدروا ولا تقتلوا شيخاً فانياً ولا صبيّاً ولا امرأة ولا تقطعوا شجراً إلاّ أن تضطرّوا إليها، وأيّما رجل من أدنى المسلمين أو أفضلهم نظر الى رجل من المشركين فهو جارٌ يسمع كلام الله، فإن تبعكم فأخوكم في الدين، وإن أبى فأبلغوه مأمنه واستعينوا بالله عليه.(2)
سورة التوبة: الآيات 7 ـ 12   
إنّ دراسة إجمالية وسريعة لهذا الموقف تكشف القناع عن حقيقة مسلّمة في الإسلام وفي تاريخه العظيم، وهي أنّ رؤوس الشِّرك كانوا

1 . انظر:السيرة النبوية لابن هشام:4/66، دار إحياء التراث العربي، 1421هـ ـ 2000م; المغازي:2/854.
2 . الكافي:5/27 برقم1. وروى مثله (مع اختلاف يسير) في: ج5/30 برقم9.

صفحه 319
أحراراً في اختيار العقيدة الإسلامية واعتناقها، فلقد اختاروها واعتنقوها بمحض إرادتهم من دون إكراه أو إجبار، ولا إرعاب أو تخويف، بل
كان النبيُّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) يسعى دائماً إلى أن يحصل اعتناق عقيدة التوحيد
عن طريق التدبّر والتفكير الصحيح، لا عن طريق الإرعاب والتخويف. نعم، يحاول المستشرقون المغرضون إنكار هذه الحقيقة الناصعة وإخفاءها.

الآيات: السابعة إلى الثانية عشرة

(كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ * كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ * اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِن إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ * فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الاْيَاتِ لِقَوْم يَعْلَمُونَ * وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ).

صفحه 320

المفردات

استقاموا: الاستقامة: الاستمرار على جهة الصواب، وحقيقتها عدم الاعوجاج.
يرقبوا: يُراعوا، يقال: رقب الشيء إذا نظر إليه نظرَ تعهُّد ومراعاة.
إِلاًّ: الإلّ: يطلق على النَّسب والقرابة، ويطلق على الحلف والعهد.
ذمّة: الذِمام: ما يُذمّ الرجل على إضاعته من عهد. فيطلق على الأواصر المختلفة من خُلّة وصُحبة وجوار، ممّا يجب في المروءة أن يُحفظ ويُحمى، فيقال: في ذمّتي كذا.
نكثوا: نقضوا، من نَكْث الحبل أو الغزل، ضد إبرامه، وهو نقض فَتْله وحلّ الخيوط التي تألّف منها وإرجاعها إلى أصلها، ومنه قوله سبحانه:(وَلاَ تَكُونُوا كَالتي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّة أَنْكَاثًا)(1).
طعنوا: الطعن: وخز الشيء بالرُّمح، وغيره، والمراد إمّا حربهم المؤمنين أو بسط ألسنتهم في ذمّ الدين ورميه بالعيوب.
أيمانهم: عهودهم.
أئمّة الكفر: رؤساء الكفر والضلالة.
التفسير
تركِّز هذه الآيات الستّ على أمرين:

1 . النحل:92.

صفحه 321
1. تضييق الأمر على المشركين بالقتل والأسر والحصر، كلٌّ حسب المصالح المقتضية له، إلاّ إذا تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة. وتُعلِّل هذا التضييق بأمرين:
أ. أنّهم لا أيمان لهم .
ب. أنّهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم.
2. الوفاء بعهود مَن لم ينقض عهدَه، ولم يطعن في الدِّين، ولم يظهر منه شيء يدلّ على أنّه بصدد نقض العهد أو غير ذلك.
7. (كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ):

استثناء جماعة عاهدوا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قرب المسجد الحرام

قوله تعالى: (كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ) الاستفهام إنكاري مقرون بالتعجُّب، وهو مبتدأ خبره (عَهْدٌ): أي لا يكون للمشركين عهد (عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ) وما ذلك إلاّ لأنّ دين الإسلام دين التوحيد، ودين الآخرين دين الشِّرك فلا يجمعهما شيء ولا يلتقيان في نقطة أبداً حتى يتّفقا عليها، ولو اتّفقا على شيء فيما مضى فلأجل مصلحة وقتية اقتضت ذلك، وهذا بخلاف أهل الكتاب، حيث توجد بينهم وبين المسلمين مشتركات، ولذلك خاطبهم سبحانه بقوله: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَة سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ

صفحه 322
دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ)(1).
ثمّ إنّه سبحانه استثنى من التضييق طائفتين:
الأُولى: ما سبق في الآية السابقة، أعني من استجار واستأمن رسول الله ليسمع كلام الله تعالى.
الثانية: قوله: (إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) وهم بنو ضَمْرة، وبنو جَذيمة بن الدّيل من كنانة، وبنو بكر من كنانة، حيث عقد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)معهم، في وقت الحديبية، ميثاق المتاركة وعدم التعرّض. وبما أنّ مكان عقد العهد (أرض الحديبية) جزء من الحرم، أُطلق عليه تعبير عند المسجد الحرام أي قرب المسجد الحرام، وأمّا سبب استثنائهم فلأجل أنّهم بقوا على عهدهم ولم ينقضوه كما يقول:(فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ) فلو دلّت القرائن على أنّهم بصدد النقض يكون مصيرهم كمصير السابقين الذين نقضوا عهدهم، وأمّا وجه الأمر بحفظ العهد معهم، فلأنّ الوفاء بالعهد من صفات المتقين (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ).
وما هذا إلاّ لأنّ للعهود والمواثيق دوراً كبيراً في حياة المجتمع وعليها تدور رحى حياتهم عبر القرون، ولذلك حرّم نقض العهد بلا وجه ولا دليل، فالنقض الابتدائي من غير نقض من العدوّ المعاهد، حرام، قال تعالى:(وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً)(2). وقد روي «لا دين لمن لا عهد له».(3)

1 . آل عمران:64.
2 . الإسراء:34.
3 . بحارالأنوار:69/198.

صفحه 323
ثمّ إنّ ما استثني في هذه الآية أعني قوله: (إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) هو نفس ما مرّ في الآية الرابعة حيث قال: (إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا)فالظاهر أنّ المراد هم الطائفتان اللّتان أشرنا إليهما.
8. (كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ):

وصف المشركين بعدم مراعاة الإلّ والذّمة

بدأ سبحانه هذه الآية بما بدأ به في الآية السابقة وقال: (كَيْفَ)وتقدير الآية: كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله، وإنّما أعاد لفظة(كَيْفَ) لأجل الجملة المعترضة في الآية السابقة، أعني قوله:(إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) فأعاد هذه اللّفظة للإشارة إلى أنّ وجود العهد بين التوحيد والشِّرك أمر غير ممكن، وهذا لوجهين:
1. قد مرّ أنّ بين التوحيد والشّرك تبايناً تامّاً، وأنّهما لا يتّفقان في شيء، وهذا هو السبب الحقيقي.
2. أنّ المشركين لا يوفون بعهودهم. واستدلّ عليه بالأمر التالي:
(وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ): أي يَغلبوكم (لاَ يَرْقُبُوا): أي لا يراعوا (فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً): أي الأواصر التي يجب احترامها، فأريد من الأوّل القرابة والنَّسَب الموجود بين المسلمين وقريش، ومن الثاني العهد والحلف. وقد مرّ أنّ إطلاق الذمّة على العهد واليمين لأجل وجود الذمّ إذا نُقض وخولف.

صفحه 324
ثمّ حذّر المسلمين من الاغترار بحلاوة كلامهم وإظهار مودّتهم قائلاً: (يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ) من خلال ما يسمعونكم من زُخرف القول ومعسول الكلام (وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ)المشحونة بالغيظ، تصديق ما يذكرونه بأفواههم، فهم من هذه الجهة منافقون.
ثمّ إنّ نسبة الإرضاء إلى الأفواه مجاز عقلي، والأصل يرضونكم بكلامهم. (وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ): أي خارجون عن المروءة وخصال الخير. وأُريد بهم الناقضون للعهد والميثاق.
9. (اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ):
حكم سبحانه في الآية السابقة بفسق هؤلاء، وأريد بالفسق الخروج عن المروءة وحدود الصدق والوفاء، فصاروا ناكثين ناقضين لعهودهم،
ثمّ أشار في هذه الآية إلى الأسباب التي جعلتهم ناكثين وفاسقين،
وهي:
1. (اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلاً): أي استبدلوا بآيات الله الدالّة على توحيده ربوبيةً وعبادةً، وعلى بعثه للناس يوم الجزاء وبعثه خيار خلقه لهداية الناس، فكأنّهم كانوا يملكون هذه الآيات فاستبدلوا بها (ثَمَنًا قَلِيلاً)وهو الحياة الدنيوية المشحونة بالشهوات، فإنّ الاعتقاد بالدِّين يكبح جماح الشهوات المنحرفة .
2. (فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ): أي أعرضوا عن سبيله، أو منعوا الناس عن اتّباع دين الإسلام (إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) من استبدال الكفر بالإيمان،

صفحه 325
والضلالة بالهدى، والصدّ عن دين الله، ونقض العهد، وما يشابه ذلك.
10. (لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِن إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ):
3. (لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِن إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً). لمّا تقدّم في الآية السابقة الحكم بسوء أعمال المشركين، جاءت آيتنا هذه لعرض نموذج من سوء عملهم، وأيّ سوء أكثر قبحاً من هذه الخصلة: (لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِن): أي لا يراعون فيه(إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً): أي قرابة ولا عهداً(وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ)على حدود الله وموازين الميثاق.
ثمّ إنّ قوله تعالى: (لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِن إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً) قد تقدّم ذكر ما يشابهه في الآية الثامنة، والفرق بينهما أنّ الثاني أوسع من الأوّل، حيث إنّ عدم رعاية الإلّ والذمّة في الآية السابقة مختصّ بما إذا كانوا أقوياء والمسلمون ضعفاء، بشهادة قوله: (وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً)بخلاف آيتنا فهي مطلقة تشمل كلتا الصورتين سواء أكانوا أقوياء أم ضعفاء.
وعلى كلّ تقدير، فعدم رعايتهم العهود مع المؤمنين يدلّ على أحقادهم تجاه الدِّين الجديد، فيقتلون ابن العمّ ـ مثلاً ـ لأجل إيمانه بالله ورسوله.
11. (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الاْيَاتِ لِقَوْم يَعْلَمُونَ):

صفحه 326

تحقُّق الأُخوّة بالتوبة من الشرك وأداء الفرائض

من الأساليب التي اتّبعها البيان القرآني هو أنّه يُنذر وفي الوقت نفسه يبشّر، فيشدّد اللَّحن مرّة، ولأجل فتح باب الرجاء يُلين لحنه أُخرى، إذ ليس الغرض الانتقام من هؤلاء; بل الغاية هدايتهم وترغيبهم بدخول الإسلام، ولذلك يكرّر ما سبق ذكره في الآية الخامسة فيقول:(فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَـ)هم (ـإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) لهم ما لكم وعليهم ما عليكم.
ولكنّ الفرق بين الآيتين هو الاختلاف في الجزاء، ففي الآية الخامسة جعل الجزاء تخلية السبيل كما في قوله: (فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ) وأمّا المقام فجعل الجزاء شيئاً أعلى وأنبل وهو اعتبارهم إخواناً في الدين كما في قوله تعالى: (فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ) والأخوّة أقرب رابطة نسبية بين شخصين على مستوى واحد، والأُبوّة أو البنوّة وإن كانت أقوى رابطة بين الطرفين لكنهما ليسا على مستوى واحد، فأحد الطرفين كالسبب والآخر بحكم المسبَّب، وهذا من بدائع أحكام الإسلام حيث جعل المجتمع الإسلامي موصوفاً بالأخوّة التي هي أقرب الروابط وأوثقها بين شخصين على درجة واحدة.
وبما أنّ هذه الأخوّة التي شرّعها الله سبحانه ليست شعاراً سياسياً بل حكماً إلهياً ولها آثار في الإسلام، لذا قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«المسلمون تتكافى دماؤهم، وهم يد على من سواهم ويسعى بذمّتهم أدناهم».(1)
ثمّ إنّك قد عرفت في تفسير الآية الخامسة من السورة أنّ اشتراط

1 . الكافي:1/404، برقم1.

صفحه 327
إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ليس بمعنى كونهما جزءاً من صميم الإيمان، بحيث لو تركهما المؤمن بالله ورسوله يكون خارجاً عن الدين، ولكن قد مرّ وجه الشرط في الآية السابقة لأنّ المشرك كان عدوّاً غادراً لا يمكن الاعتماد على ما يذكره في لسانه من الشهادتين فربما يريد بذلك حقن دمه، وأن يكون كسكِّين الخاصرة، أو من الطابور الخامس. فلابدّ أن يكون الاعتراف لساناً مقروناً بعمل يؤيّد كون إيمانه حقيقياً. ويختم سبحانه الآية بقوله: (وَنُفَصِّلُ الاْيَاتِ) المبيّنة للحقّ والباطل (لِقَوْم يَعْلَمُونَ): أي لقوم يعقلون.
ثمّ إنّ للرازي هنا كلاماً غريباً حول هذه الآية، حيث قال: فإن قيل: المعلّق على الشيء بكلمة «إن» عدمٌ، عند عدم ذلك الشيء، فهذا يقتضي أنّه متى لم توجد هذه الثلاثة لا تحصل الأخوّة في الدِّين، وهو مشكل; لأنّه ربّما كان فقيراً، أو إن كان غنيّاً، لكن قبل انقضاء الحول لا تلزمه الزكاة. قلنا: قد بيّنّا في تفسير قوله سبحانه:(إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ)(1) أنّ المعلّق على الشيء بكلمة «إن» لا يلزم من عدمه، عدمُ ذلك الشيء.(2)
يلاحظ عليه: أنّ إيجاب الزكاة فرع وجود الموضوع، أي كون الرجل واجداً للنِّصاب، فمن لم يملك النِّصاب فالحكم مرفوع عنه لعدم الموضوع، وعلى ما ذكرنا فإيتاء الزكاة واجب على الواجد، وأمّا غيره فليس واجباً عليه حتى يلزم من عدمه عدم الجزاء.

1 . النساء:31.
2 . تفسير الرازي:15/232.

صفحه 328
وبعبارة أُخرى: إنّ عدم وجوب الزكاة على الفقير أشبه بالسالبة بانتفاء الموضوع، وما كان كذلك لا يوصف بأنّ له مفهوماً، حتى يتوجّه ما ذكره السائل، نظير قولك: إن رُزقت ولداً فعلِّمه القرآن، إذ ليس معنى ذلك إن لم تُرزق فلا تعلِّمه القرآن.
12. (وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ):

الأمر بقتال قادة الكفر لممارستهم الغدر والتحريض على الإسلام

الآية تدلّ على أنّ قتال أئمة الكفر رهن وجود أمرين:
1. (وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ): أي بالمظاهرة عليكم، أو على من عاهدكم.
2. (وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ): أي عابوه وقدحوا فيه بإنشاء الشِّعر والاستهزاء ونحوهما. وهو من باب عطف الخاص على العام، لأنّ الطَّعن في الدِّين آية نكث الأيمان والمواثيق.
وأَطلقت الأيمان على الحلف لأجل أنّ كلاًّ من العاقدين للعهد يضع يمينه في يمين الآخر.
3. (فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ)، وهم رؤساء أهل الكفر وقادتهم. وفي جعل الاسم الظاهر مكان الضمير، إذ لم يقل «فقاتلوهم» للإشعار بلزوم قتال أئمّة الكفر لأنّهم هم الذين يمارسون المكر والخداع لصدّ الأتباع عن الإيمان، ويجعلونهم حطباً لنيران حروبهم، ويجرّئونهم على الوقوف في وجه

صفحه 329
الإسلام، فإذا قُتل القادة وهَنوا وتشتّتوا، وقد يُقبلون على الإيمان بالنبيّ ورسالته.
ثمّ إنّه سبحانه علّل لزوم قتالهم بقوله: (إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ): أي لا عهود لهم يلتزمون بها ويتمسّكون بموجبها (لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ) متعلّق بقوله: (فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ) وكأنّ بدء المقاتلة ينتهي بانتهائهم عن الشِّرك، وأنّ الغرض الأقصى من القتل هو تطهير الأرض من الشِّرك.
هذا هو مفاد الآية، إنّما المهمّ بيان مصداقها، فقد اختلفت كلمة المفسرين إلى أقوال:
1. أنّهم هم الذين آمنوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وصاروا إخواناً للمسلمين في الدِّين، ثمّ رجعوا فارتدّوا عن الإسلام ونكثوا ما بايعوا عليه من الإيمان والوفاء بالعهد، وقعدوا يطعنون في دين الله ويقولون ليس دين محمد بشيء، فهم أئمة الكفر ذوو الرئاسة.(1)
وعلى ما ذكره فالآية متمّمة لما سبق في الآية المتقدّمة فيعاملهم معاملة الإخوان إلاّ إذا نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الآية ناظرة إلى المعاهد مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أو الدولة الإسلامية، والمشرك إذا آمن وأقام الصلاة وآتى الزكاة، يخرج عندئذ عن كونه معاهداً ذا أيمان مع النبيّ حتى يترتّب عليه النكث ويقال في حقّه:(وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ).
ثانياً: أنّ الآية تذكر جماعة نكثوا أيمانهم فطعنوا في الدين فأُمر

1 . تفسير الكشّاف:2/141.

صفحه 330
المسلمون بقتال أئمّة الكفر، وهذا دليل على أنّ الآية ناظرة إلى المشركين الذين لم يؤمنوا حتى صاروا ناكثين وطاعنين في الدِّين.
2. عن قتادة: (أَئِمَّةَ الْكُفْرِ): أبو سفيان، وأبو جهل، وأُميّة بن خلف، وسُهيل بن عمرو، وعتبة بن ربيعة.(1)
يلاحظ عليه: أنّ هؤلاء بين من أسلم قبل نزول هذه الآية في فتح مكة، أو قتل في معركة بدر.
3. عن مجاهد: أريد بهم أهل فارس والروم.
يلاحظ عليه: بأنّهم لم يكن بينهم وبين قيادة الدولة الإسلامية أي عهد حتى ينكثوه.
4. الآية ناظرة إلى المرتدّين بعد رحيل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم).
يلاحظ عليه: أنّهم لم يكونوا معاهدين بل كانوا مسلمين فارتدّوا.
5. ما أخرجه ابن أبي شيبة عن حذيفة أنّه قال: «ما قوتل أهل هذه الآية بعد».(2)
ويؤيد ما روي عن حذيفة، ما جاء عن الإمام علي(عليه السلام) من أنّه قرأ هذه الآية على أصحابه يوم الجمل ثم قال:«والذي فلق الحبة وبرأ النسمة واصطفى محمداً(صلى الله عليه وآله وسلم) بالنبوّة إنّهم لاصحاب هذه الآية وما قوتلوا منذ

1 . تفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم:6/1761 برقم 10022.
2 . انظر روح المعاني:10/59. وأخرجه عن حذيفة أيضاً ابن أبي حاتم في: تفسير القرآن العظيم:6/1761 برقم 10024.

صفحه 331
نزلت».(1)
روى العيّاشي في تفسيره عن حنان بن سدير عن أبي عبد الله(عليه السلام)قال: سمعته يقول: دخل عليّ أُناس من أهل البصرة فسألوني عن طلحة وزبير فقلت لهم كانا إمامين من أئمة الكفر; انّ عليّاً (صلوات الله عليه) يوم البصرة لما صفّ الخيول قال لأصحابه: لا تعجلوا على القوم حتى أُعذر فيما بيني وبين الله وبينهم، فقام إليهم فقال: يا أهل البصرة هل تجدون عليّ جوراً في الحكم؟ قالوا: لا. قال: فحيفاً في قسم؟ قالوا: لا. قال: فرغبة في دنيا أصبتها لي ولأهل بيتي دونكم، فنقمتم عليّ فنكثتم عليّ بيعتي؟ قالوا: لا. قال: فأقمت فيكم الحدود وعطلتها عن غيركم؟ قالوا: لا. قال: فما بال بيعتي تُنكث وبيعة غيري لا تُنكث؟ إنّي ضربت الأمر أنفه وعينه فلم أجد إلاّ الكفر أو السيف، ثم ثنى إلى أصحابه فقال: إنّ الله يقول في كتابه:(وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ...) فقال أمير المؤمنين(عليه السلام):والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة واصطفى محمداً(صلى الله عليه وآله وسلم) بالنبوّة إنّكم لأصحاب هذه الآية وما قوتلوا منذ نزلت.(2)
أقول: لو صحّ ما روي عن الإمام علي(عليه السلام) فلابدّ من حمله على الجري والتطبيق، وأنّ الاستدلال بالآية كان بالملاك وهو نكث الأيمان فقط،
حيث إنّ الزبير وطلحة كانا قد بايعا علياً في دار الهجرة ثم نكثا
بيعتهما، ومن ثمّ فهو من باب تطبيق الآية على المورد لا أنّه مورد
نزول الآية. أضف إلى ذلك أنّ قوله:(وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ) لا ينطبق

1 . البرهان في تفسير القرآن:4/401.
2 . تفسير العياشي:2/77ـ 78.

صفحه 332
على رؤساء وقعة الجمل.
والذي يمكن أن يقال: إنّ الآية ناظرة إلى من استقاموا على عهدهم، وهم الذين أشير إليهم بقوله:(فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ) فأُمر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) والمسلمون بحفظ العهود ماداموا هم في عهدهم، إلاّ إذا نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في الإسلام.
سورة التوبة: الآيات 13 ـ 16   

الآيات: الثالثة عشرة إلى السادسة عشرة

(أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّة أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْم مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).

المفردات

نكثوا: مرّ معنى النّكْث في المجموعة السابقة، وهو ضدّ الإبرام.
همّوا: عزموا.

صفحه 333
يُخزهم: الخزي: الذّلّ والهَوان.
غيظ: الغيظ: الغضب الشديد.
وليجة: قال الشريف الرضيّ: الوليجة والدخيلة والبطانة بمعنى واحد، وهي عبارة عمّن يتخذه الإنسان موضعاً لسرّه، ومستروحاً لنفثه، ومستشاراً لأمره، قال سبحانه:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً)(1).(2)

التفسير

الظاهر أنّ هذه المجموعة عود على بدء، وتحذير من التواني في مواجهة المشركين ـ باستثناء الذين ظلّوا على عهدهم ـ بالطرق الثلاثة المتقدّمة: القتل والأسر والحصر، وتحريض على قتالهم بأوضح الأدلة وأقوى الأساليب، ولذلك بدأ البيان القرآني الآية الأُولى بالاستفهام الإنكاري في قوله:(أَلاَ) الذي يحوِّل النفيَ إلى إثبات، وقال:
13. (أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّة أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ):

1 . آل عمران:118.
2 . انظر: تلخيص البيان:70.

صفحه 334

الأسباب المبررة لقتال المشركين

تضمّنت هذه الآية الأسباب المبرّرة للقتال، كما تضمّنت الآيتان التاليتان النتائج النافعة المترتّبة عليه .
يظهر من قوله سبحانه: (إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا)(1)، وقوله: (إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ)(2).. يظهر أنّ المشركين كانوا على صنفين:
فمنهم من بقي على عهده مع المسلمين، ومنهم من نكث، فالآية ناظرة لمحاربة الصنف الثاني، للأسباب التالية:
1. نقض العهود، وأشار إليه بقوله: (نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ). ذهب المفسّرون إلى أنّ المراد منه نكثهم صلح الحديبية إذ أعانوا حلفاءهم بني بكر على خُزاعة المتحالفين مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).
يقول الطبرسي: هم مشركو قريش وأهل مكّة.(3)
وفي تفسير المنار: نكثهم لأيمانهم التي حلفوها لتأكيد عهدهم الذي عقدوه مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه في الحديبية ـ أو لعهدهم الذي عقدته أيمانهم ـ على ترك القتال عشر سنين يأمن بها الناس من الفريقين على أنفسهم ويكونون أحراراً في دينهم، فلم يلبثوا أن نكثوا بمظاهرة حلفائهم

1 . التوبة:4.
2 . التوبة:7.
3 . مجمع البيان:5/22.

صفحه 335
بني بكر على خزاعة حلفاء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كما تقدّم، وكان ذلك ليلاً بالقرب من مكة على ماء يسمى الهجير، فكان نكثهم هذا من أفظع ما عهد من الغدر، كما يدلّ عليه الشِّعر الذي أنشده عمرو بن سالم الخزاعيّ وهو واقف على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إذ كان جاءه لينبِّئه بذلك وهو قوله:
لاهمّ إنّي ناشدٌ محمدا *** حلف أبينا وأبيه الأتلدا(1)
يلاحظ عليه: أنّ هذه المظاهرة على خزاعة كانت قبل فتح مكة، ولذلك قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا سمع قول الخزاعيّ: لا نُصرتُ إن لم أنصرْكم، وتجهّز الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى مكة سنة ثمان من الهجرة، وهؤلاء قد أسلموا بعد فتح مكّة، فلم يبق مبرّر للتحريض على قتالهم، لأنّ آيات البراءة نزلت بعد فتح مكة في أواخر العام التاسع، اللّهمّ إلاّ أن يكون ذكر نكث هؤلاء سبباً للأمر بقتال المشركين الباقين استناداً إلى أنّ شيمة أهل الشِّرك هي نكث العهد، فمن بقي على الشِّرك فهو كإخوته السابقين ينكث عهده مثل إخوته، وبذلك يظهر معنى السبب الثاني الآتي.
2. العزم على نفي الرسول، وأشار إليه بقوله: (وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ): أي عَزَموا على إخراجه من وطنه، قال تعالى: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ)(2)، حيث كان الإخراج أحد الوجوه التي اتّفقوا عليها. والاستناد إلى إخراج الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي تمّ على يد قريش كالاستناد إلى نكث الأيمان، فإنّ قريشاً عند نزول هذه الآية كانوا قد أسلموا ولكن بما أنّ الكفر كلّه ملّة واحدة يذكر سبحانه جرائمهم

1 . تفسير المنار:10/232.
2 . الأنفال:30. ومعنى «ليُثبتوك»: ليمنعوك من الحركة بحبس أو قيد.

صفحه 336
السابقة ليُلهبَ بها عزائم المسلمين ويحرّضهم على قتال من بقي منهم. والغرض النهائي من التذكير بما سبق من الجرائم هو إثارة حماسة المسلمين لاستئصال البقية الباقية من الشِّرك، لا أنّ هؤلاء هم الذين يقاتلون.
3. البدء بالعدوان، وأشار إليه بقوله: (وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّة) وأُريد منه أنّهم بدأوا بالقتال يوم بدر، وقالوا حين سَلِمت قافلة أبي سفيان: لا ننصرف حتى نستأصل محمداً والذين معه. والاستناد إلى هذا الوجه كالاستناد إلى الأسباب السابقة.
وفي ختام الآية يشجِّع المؤمنين ويقول:(أَتَخْشَوْنَهُمْ): أي أتخافون أن ينالكم من قتالهم مكروه (فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ): أي تخافوا عقابه في ترك أمره بقتالهم (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ): أي مصدّقين بعقاب الله وثوابه. وفي ذلك غاية الفصاحة لأنّه جمع بين التقريع والتشجيع.(1)
14 و 15.(قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْم مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ):

النتائج الخمس لقتال المشركين

أمر سبحانه بقتال المشركين الناقضين للعهود البادئين بالعدوان، وقال:(قَاتِلُوهُمْ) ولا تتوانَوا في قتالهم، لِما فيه من الآثار الإيجابية التالية:

1 . التبيان في تفسير القرآن:5/184.

صفحه 337
1. (يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ). وفي هذا إهانة للمشركين وكرامة للمسلمين.
2. (وَيُخْزِهِمْ): أي يُذلُّهم بما فيه الفضيحة عليهم. وفي هذا عزُّ المسلمين.
3. (وَيَنْصُرْكُمْ)أيّها المسلمون (عَلَيْهِمْ). وهذه كرامة صريحة لهم، قال سبحانه: (إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ).(1)
4. (وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْم مُؤْمِنِينَ): أي ويزيل عن نفوسهم ما لحقها من ألم وهمّ بسبب ما لاقوه من ظلم واضطهاد من المشركين. وأُريد بهؤلاء القوم ـ كما قيل ـ قبيلة خُزاعة حلفاء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم). وعن ابن عباس: هم قوم من اليمن قدموا مكة فأسلموا فلقوا من أهلها أذىً كثيراً، فشكَوا إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال:«أبشروا فإنّ الفرج قريب».(2)
5. (وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ) الفقرة تدلّ على أنّ قلوب المؤمنين كانت تشتعل غضباً لله تعالى على المشركين، وبقتالهم وقتلهم والغلَبة عليهم، يُطفأ هذا الغضب.
وعلى كلّ تقدير، ففي قتال هؤلاء شفاء لصدور قوم مؤمنين وإذهاب لغيظ قلوبهم.
فالطائفة الأُولى يحصل لهم السُّرور والانشراح، والطائفة الثانية تستريح من كرب الغيظ.

1 . محمد:7.
2 . تفسير أبي السعود:2/258.

صفحه 338
(وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ) إخباره سبحانه بقبول التوبة لا صلة له بالقتال وليس من آثاره بشهادة أنّه جاء مرفوعاً: (وَيَتُوبُ) ولو كان من آثاره لجاء مثل أقرانه مجزوماً. والغاية من ذكرها هو منح الفرصة للمشركين للتوبة وأنّه سبحانه يقبل توبة كلّ تائب. وبما أنّ ظهور بوادر انتصار المسلمين ربما يكون سبباً لتوبة المشركين، يبشّرهم سبحانه بقبول توبتهم ويقول:(وَيَتُوبُ اللهُ): أي يرجع بالرحمة (عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلِيمٌ)بنيّاتهم (حَكِيمٌ) في تشريعه.

استدلال المجبّرة بالآية

مَن قرأ الآية بذهن صاف غير مسبق بالمجادلات الكلامية، يقف على أنّ المراد بقوله سبحانه:(يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ) هو أنّ نسبة التعذيب إلى الله كنسبة الفتح إلى الأمير كقولهم: فتح الأمير المدينة، والحال أنّ الفاتح هو جيش الأمير، فبما أنّ الجيش أطاع أوامر الأمير صحّت نسبة الفتح إلى الأمير تسبيباً، وإلى الجيش مباشرة. نعم، إنّ المورد أقوى من المثال لأنّ نسبة المولى سبحانه إلى أفعال عبيده، لا تتلخّص في الآمرية والمأمورية، بل هي فوق ذلك، وذلك لأنّ فعل العبد لا يخلو من نسبتين: نسبة إلى الله لأنّه خالق العبد ومُنعمه ومجهّزه بأدوات الفعل، ونسبة إلى العبد لأنّه باختياره يستخدم القوى والأدوات في مقاصده، وقد تضافر عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)أنّهم قالوا: «لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين».
إذا عرفت ذلك، فلنأت بكلام الرازيّ الذي استدلّ فيه بالآية على صحّة مذهبه، قال: احتجّ أصحابنا على قولهم بأنّ فعل العبد مخلوق لله

صفحه 339
تعالى بقوله: (يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ) فإنّ المراد من هذا التعذيب، القتل والأسر، وظاهر النصّ يدلّ على أنّ ذلك القتل والأسر فعل الله تعالى، إلاّ أنّه تعالى يدخله في الوجود على أيدي العباد، وهو صريح قولنا ومذهبنا.(1)
ثمّ إنّه نقل عن الجُبّائي(المعتزليّ) جوابه عن هذا الاستدلال وقال: لو جاز أن يقال إنّه تعالى يعذّب الكفّار بأيدي المؤمنين لجاز أن يقال:(فيما إذا قتل الكافر المؤمن) إنّه يعذّب المؤمنين بأيدي الكافرين، ولجاز أن يقال: إنّه يكذّب أنبياءه على ألسنة الكفّار ويلعن المؤمنين على ألسنتهم، لأنّه تعالى خالق لذلك، فلما لم يجز ذلك عند المجبّرة، عُلم أنّه تعالى لم يخلق أعمال العباد وإنّما نسب ما ذكرناه إلى نفسه على سبيل التوسُّع من حيث إنّه حصل بأمره وألطافه، كما يضيف جميع الطاعات إليه بهذا التفسير.
والعجب أنّ الرازيّ قال: إنّ أصحابنا أجابوا عن الجُبّائي فقالوا: أمّا الذي أنزلتموه علينا فالأمر كذلك إلاّ أنّا لا نقوله باللِّسان. ثمّ بسط الكلام في الالتزام باللّوازم القبيحة الّتي نحن ننزّه قلمنا عن ذكرها.(2)
وعلى كلّ تقدير، فكلّ هذه المشاكل نبعت عن إعراض القوم عن أحد الثّقلين اللّذين خلّفهما رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في أُمّته، حيث فسّروا أمثال هذه الآيات بقولهم: «لا جبر ولا تفويض بل أمر بين الأمرين».
وممّا يجدر التنبيه عليه أنّ صاحب المنار لم يرتض استدلال الرازيّ هذا، وقال:إنّ الرازيّ جبريٌّ قُحّ ولكن لا يلتزم كلّ الأشاعرة ما يلتزمه

1 . تفسير الرازي:16/2.
2 . تفسير الرازي:16/2ـ3.

صفحه 340
ويسنده إليهم، فهذا البيضاوي من فحولهم يفسّر تعذيب المشركين بأيدي المؤمنين بتمكينهم منهم.(1)
ثمّ إنّ صاحب المنار بسط الكلام في تفنيد المذهبين (الأشاعرة والمعتزلة)، وجاء ببيان رصين يتّفق وما عليه الإمامية، وهو وإنْ لم يذكر شيئاً من مذهب الإمامية لكنّ كلامه ينطبق عليه(2)، وقد تبع في ذلك أُستاذه الشيخ محمد عبده في رسالة التوحيد؟(3)
16. (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ):

ذمّ القاعدين عن الجهاد

انتقل البيان القرآني من ذكر ما يترتّب على قتال المشركين من نتائج ظاهرة إلى غرض آخر، وهو ذمّ بعض المندسِّين بين المسلمين أو ذمّ ضعفاء الإيمان الذين آثروا البقاء في المدينة على الخروج إلى الجهاد، واتّخذوا من غير المؤمنين وليجة وبطانة.
يظهر من الآية أنّ قسماً من المسلمين كانوا يدّعون الإيمان بالله

1 . تفسير المنار:10/197.
2 . لاحظ: تفسير المنار:10/198ـ 200.
3 . لاحظ: رسالة التوحيد:59ـ 62. ولمعرفة تفصيل ذلك راجع كتابنا «بحوث في الملل والنحل»:2/186ـ190.

صفحه 341
وآياته ويتظاهرون بالاستعداد لجهاد العدوّ إلى غير ذلك، ولكن كان ذلك لقلقة في اللِّسان دون الحقيقة في الجَنان، والله سبحانه يذكِّرهم بأنّ دار الدنيا دار امتحان والله لا يتركهم بحالهم حتى يميّز الصادق عن الكاذب. وقد أشير إلى هذا في سورة آل عمران، بعد غزوة أُحد، يقول سبحانه:(وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ اَلَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ)(1).
قوله: (وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ) بمعنى لا تدخلون الجنّة حتى يعلم الله الذين جاهدوا ويعلم الصابرين، ولفظة (لَمَّا) للنَّفي، ولكنّه لا لنفي العلم ، بل لنفي المعلوم، أي جهاد المجاهدين وصبر الصابرين. فيكون المعنى: لا تدخلون الجنة إلاّ إذا تحقّق منكم الجهاد في سبيل الله، والصبر أمام العدوّ.
وبذلك يُعلم أنّ المراد من نفي العلم نفي المعلوم، والمراد من نفي المعلوم عدم تحقّقه، فإذا تحقّق الجهاد والصبر فعندئذ تدخلون الجنة.
وبما ذكرنا يظهر مفاد آياتنا، أعني:(أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا): أي أن تُتركوا وشأنَكم من غير امتحان وابتلاء، ومن دون أن يتجسّد الإيمان في سلوككم وأعمالكم (وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ) تحقُّق أمرين منكم:
1. (الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ) ولبَّوا نداء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عند الدعوة إلى الجهاد في الحرّ والبرد.
2. (وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً):

1 . آل عمران:141ـ 142.

صفحه 342
أي لم يتّخذوا لأنفسهم بطانة من الأعداء، أهل الكفر والشِّرك والفسق والنِّفاق.
ثمّ حذّر سبحانه المؤمنين من اتّخاذ بطانة من الأعداء، فقال: (وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ): أي مطَّلع على حقيقة ما تعملون ظاهراً وتُخفون باطناً. وعلى هذا فمعنى قوله: (وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ) مثل قوله في الآية السابقة، أي ما يتحقّق الجهاد وعدم اتّخاذ الوليجة والبطانة دون الله ورسوله والمؤمنين.
ثمّ إنّ المنهيّ عنه هو اتّخاذ الوليجة والبطانة من أعداء الإسلام، يُدخلونهم في شؤونهم، ويطلعونهم على أسرار المؤمنين وغير ذلك من الأُمور التي ربما تهدّد سلامة المجتمع وأمن النظام الإسلامي.
نعم اتّخاذ الوليجة غير الصلة بالكفّار بمعنى إقامة العلاقات التجارية والزراعية والصناعية إذا لم تسبِّب خطراً على النظام، وهذا ما يعبّر عنه في العُرف الدبلوماسي بالاحترام المتبادل، وها هو القرآن الكريم يصرِّح بذلك في قوله: (إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)(1)<