\
welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : الشركة والتأمين في الشريعة الإسلاميّة الغرّاء*
تألیف :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الشركة والتأمين في الشريعة الإسلاميّة الغرّاء

1
الشركة والتأمين
في
الشريعة الإسلاميّة الغرّاء

2

3
الشركة والتأمين
في
الشريعة الإسلاميّة الغرّاء
الفقيه المحقّق
جعفر السبحاني
نشر
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

4
4
جعفر السبحاني التبريزي، 1347 ق ـ
      الشركة والتأمين في الشريعة الإسلاميّة الغرّاء / جعفر السبحاني . ـ قم : مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، 1431 ق . = 1388 .
      ص 344.    ISBN 978 - 964 - 357 - 435 - 2
      أُنجزت الفهرسة طبقاً لمعلومات فيبا .
      1 . معاملات (فقه). 2 . بيمه (فقه). الف. مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام). ب. العنوان.
4ش 2س/ 1/191 BP    372 / 297
اسم الكتاب:   … الشركة والتأمين في الشريعة الإسلاميّة الغرّاء
المؤلف:   … العلاّمة الفقيه المحقّق جعفر السبحاني
الطبعة:   … الأُولى ـ 1431 هـ . ق
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
القطع:    … وزيري
عدد الصفحات:    …344
عدد النسخ :   … 1000 نسخة
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
مركز التوزيع
قم المقدسة
ساحة الشهداء ; مكتبة التوحيد
?7745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org

5

6

7
الشركة في الشريعة
الإسلاميّة الغرّاء

8

9
   الشركة والتأمين في الشريعة الإسلاميّة الغرّاء
مقدّمة المؤلّف   
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول ربّ العالمين محمد وآله الطيبين الطاهرين .
أمّا بعد; فقد اقترح عليّ بعض حضّار بحوثي الفقهية إلقاءَ محاضرات في الشركة وأقسامها، قديمها وحديثها، لأنّها ممّا تعمّ فيه البلوى، وقد انتشرت الشركات بأنواعها المختلفة في الأقطار الإسلامية، فتلزم دراستها ودراسة أحكامها، وقبل الشروع في المقصود نذكر مقدّمة لتكون تمهيداً لسائر المباحث.
الشركة ـ بكسر وسكون ـ على زنة: نعمة، أو ـ بفتح وكسر ـ على زنة: كلمة، أو ـ بفتح وسكون ـ على زنة: فتحة، اسم مصدر فعل: شَرِكَ، على وزن: عَلِمَ، يقال: شَرِكَ فلانٌ فلاناً في البيع والميراث.
ثم إنّ ظاهرة الشركة من أقدم الظواهر في حياة الإنسان، ويمكن استكشافها في حياته بالتدبّر فيما يلي:
1. أنّ كبير العائلة كان يمتلك كلّ شيء وعندما يموت يشارك الباقون من العائلة في ميراثه، وهذا في الجملة لا يمكن إنكاره، وإن كان بعض الورّاث يظلم البعض الآخر.

10
2. الحياة البسيطة للإنسان القديم كانت تبعثه إلى المشاركة في العمل لقضاء حاجاته، فكانوا يتعاونون في الصيد واقتطاف الأثمار من أشجار الغابات، وغير ذلك. فكانت ا لشركة دعامة في حياتهم.
3. كان نقل المتاع من بلد إلى بلد للتجارة أساس الحياة في الجزيرة العربية، فكانت قريش تتاجر بالمشاركة بين الحين والآخر، تسافر إلى اليمن في الشتاء وإلى الشام في الصيف، وذلك لغاية التجارة بالتصدير والاستيراد بالمشاركة، وإلى ذلك أشار سبحانه بقوله: (لإِيلاَفِ قُرَيْش * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ)(1) .
وهذه العوامل الثلاثة وغيرها فرضت الشركة على الإنسان في حياته البدوية والحضارية.
وقد أُشير إلى تلك الظاهرة في القرآن الكريم والسنّة الشريفة في غير مورد، فقد جاء في القرآن الكريم الإلماع إلى كلا النوعين:
أمّا الشركة بسبب الميراث، فقال سبحانه: (فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْن غَيْرَ مُضَارّ وَصِيَّةً مِنَ اللهِ وَ اللهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ)(2) .
أي أنّ الإخوة والأخوات من قبل الأُم متساوون في الميراث .
وأمّا الشركة بسبب التجارة فهذا ما جاء في قوله تعالى: (إِنَّ هَذَا أَخِي

1 . قريش: 1 و 2 .
2 . النساء: 12 .

11
لَهُ تِسْعٌ وَ تِسْعُونَ نَعْجَةً وَ لِي نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّني فِي الْخِطَابِ * قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَ إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَ قَلِيلٌ مَا هُمْ وَ ظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَ خَرَّ رَاكِعًا وَ أَنَابَ)(1)، والخلطاء هم الشركاء.
وأمّا الحديث فيكفي ما رواه الشيخ عن هشام بن سالم، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سألته عن الرجل يشارك في السلعة؟ قال: «إن ربح فله، وإن وضع فعليه ».(2)
ولعلّ ما ذكرنا كاف في إثبات مشروعية الشركة قبل الإسلام وبعده.
***
وقد قسّموا الشركة إلى: الشركة الملكية، والشركة العقدية.
فالأوّل منهما هي الشركة الحاصلة من الميراث، أو امتزاج المالين قهراً أو اختياراً، كما سيوافيك.
وأمّا الأُخرى فكما إذا أشرك أحدهما الآخر في ماله في مقابل ثمن، أو أشرك كلّ منهما الآخر في رأس مال الشركة من دون حاجة إلى الامتزاج أو الاختلاط.
وقد ركّز المشهور على القسم الأوّل خصوصاً المصنّف في المسائل الآتية.

1 . ص: 23 ـ 24. قوله أَكْفِلْنِيهَا اضمنها اليّ واجعلني كافلها وقوله وَ عَزَّني: أي عليني في الكلام .
2 . الوسائل: 13، الباب 1 من أبواب الشركة، الحديث 1 .

12
وأجملوا الكلام في الشركة العقدية، مع أنّ الرائج في الوقت الحاضر هو القسم الثاني.

أقسام الشركة

قسّم الفقهاء الشركة إلى الأقسام التالية:
1. شركة الأموال، وأُطلق عليها شركة العنان، وهي الشركة في الأموال لغاية التجارة.
2. شركة الأعمال، ويطلق عليها شركة الأبدان.
3. شركة الوجوه.
4. شركة المفاوضة.
فقالت الإمامية بصحّة القسم الأوّل وبطلان الأقسام الثلاثة مع مساس الحاجة اليوم إلى شركة الأعمال، وستوافيك أقوال الفقهاء من الفريقين فيها.
هذا كلّه حول الشركة المعنونة في الكتب الفقهية، وأمّا الشركات الحديثة الّتي فرضتها الحضارة على الإنسان، فسنبحث في شرحها بعد الفراغ عن الشركات المعنونة في الكتب الفقهية على ضوء كتاب «العروة الوثقى» للسيد الطباطبائي (قدس سره)، فانتظر.
ولذا فكتابنا ينقسم إلى مقصدين:
الأوّل: في الشركات المعنونة في الكتب الفقهية .
الثاني: الشركات الحديثة.

13
المقصد الأوّل
الشركة المعنونة في الكتب الفقهية
ذكر المصنّف (رحمه الله) في مقدّمة الكتاب أُموراً أربعة، وهي:
1. تعريف الشركة.
2. أسباب الشركة وأقسامها.
3. متعلّقها.
4. كيفيتها.
وإليك دراسة الكل واحداً تلو الآخر.

14
   

15

في تعريف الشركة

قال (قدس سره):
وهي عبارة عن كون الشيء الواحد لاثنين أو أزيد ملكاً أو حقّاً.*

* الأوّل: في تعريف الشركة

عرّفها المحقّق في «الشرائع» بقوله: اجتماع حقوق المُلاّك في الشيء الواحد على سبيل الشياع .(1)
فقوله: «اجتماع حقوق المُلاّك» بمنزلة الجنس، الشامل للاجتماع مع التمييز في مكان واحد، كما إذا كان على المنضدة دراهم لأشخاص مختلفين مع تميز درهم كلّ عن الآخر.
وقوله: «في الشيء الواحد على سبيل الشياع»، بمنزلة الفصل، وأراد بقوله: «في شيء واحد» الواحد الشخصي الحقيقي فخرج به أمران:
1. الاتحاد في المكان ـ كما مرّ ـ إذ ليس هو الاتحاد في نفس الشيء، بل في أمر خارج عنه، أعني: المكان.
2. الواحد الاعتباري، كما إذا كانت خشبة البيت لواحد، وحائطه لآخر، وأرضه لثالث، إذ ليس هو واحد حقيقياً.(2)    

1 . شرائع الإسلام: 2 / 129 .
2 . لاحظ جامع المقاصد: 8 / 7 ; مسالك الأفهام: 4 / 302 ; جواهر الكلام: 26 / 284 .

16
  هذا ما يرجع إلى توضيح تعريف المحقّق، وأُورد عليه بوجوه:
الأوّل: عدم شموله للشركة في القصاص، وحد القذف والخيار والرهن والشفعة، وذلك لأنّه ليس هناك ملك حقيقي فلا مالك حقيقة.
وأجاب عنه في «المسالك» بحمل الملك على الاستحقاق، الذي هو أعمّ منه. فكأنّه قال: اجتماع حقوق المستحقين في الشيء الواحد.
الثاني: عدم صدق الشياع على موارد النقض ، فإنّ المتبادر من الشياع، هو الشياع في الأموال، لا الحقوق، إلاّ أن يحمل الشياع على المعنى المجازي.
ويمكن الذب عن ذلك بأنّه بصدد تعريف الشركة في الأموال، لا الحقوق، فلا يرد النقض بالشركة في الخيار ونظائره.
ثم إنّ التعريف بما أنّه غير مشير إلى سبب الشركة من عقد أو فعل اختياري أو غير اختياري، ينطبق على كلا القسمين: الشركة الملكية والشركة العقدية.
ولعل المصنّف ـ لأجل هذين الأشكالين ـ عدل إلى تعريف آخر فقال: «كون الشيء الواحد لاثنين أو أزيد ملكاً أو حقاً».
ويرد عليه: أوّلاً: أنّه عرّفها باسم المصدر ـ أعني: نتيجة الشركة ـ وبالمعنى المسبّبي دون أن يعرّفها بالمعنى المصدري والسببي أي المشاركة، والمقام يناسب تعريفه بالمعنى الثاني .
وثانياً: لم يذكر المنفعة مع أنّ متعلّق الشركة قد يكون هو المنفعة، كما إذا استأجرا مكاناً للانتفاع بها على وجه المشاركة، اللّهم إلاّ أن يقال بدخول المنفعة تحت قوله: «أو ملكا» فإنّ متعلّق الشيء قد يكون العين    

17
  وأُخرى المنفعة. كما سيوافيك.
نعم أضاف كلمة «حقاً» وبالتالي سلم عمّا يرد على تعريف المحقّق.
وثالثاً: أنّه لمّا عرفها بالمعنى المسبّبي فقد سكت عمّا هو السبب للشركة، وأنّه تارة يكون هو الإرث والمزج وغيرهما من الأسباب الفعلية، وأُخرى العقد وإنشاء الشركة ; ويسمّى الأوّل بالشركة الملكية، والثاني بالشركة العقدية.
وقد صبّ فقهاؤنا العظام ـ قدس الله أسرارهم ـ جلّ اهتمامهم بالشركة بالمعنى الأوّل، أي الحاصل بسبب الإرث والمزج، وقلّ اهتمامهم ببيان أقسام الشركة الحاصلة بالعقد، فإنّ الضروري في حياتنا الاجتماعية اليوم صبّ الاهتمام على بيان أحكام الشركة العقدية، خصوصاً بعد ظهور شركات حديثة والّتي ملأت العالم الإسلامي.
وقد حذف المصنّف قيد الشياع، لما سيوافيك من أنّ كيفية الشركة تارة تكون بنحو الشياع، وأُخرى تكون بنحو الكلي في المعيّن، كما إذا باع صاعاً من صبرة.
ولحذف لفظ «الشياع» عن التعريف وجه آخر.
وهو أنّ الشياع ـ عند المصنّف ـ ليس ملازماً للشركة، بل هو أخّص منها، إذ ربّما يجتمعان كما في المال والحق الموروثين، وربّما يفترقان بمعنى أنّه تتحقّق الشركة من دون الشياع، وهذا ما أسماه المصنّف في البحث التالي بالشركة الظاهرية، سواء أكانت اختيارية أم قهرية. وذلك كما في مزج دقيق الحنطة بدقيق الشعير، فإنّ ملكية كل مالك بالنسبة إلى دقيق ماله، محفوظة    

18
  في الواقع لكنّها غير متميزة فلذلك تكون الشركة ظاهرية لا واقعية ; ونظيره مزج الخل بالدبس على ما سيأتي. فتكون النتيجة أنّ الشركة أعمّ من الشياع. وسيوافيك الكلام فيه عن قريب .
وعرّفه العالم الحقوقي المصري في كتابه المعروف بالوسيط بقوله: الشركة عقد بمقتضاه يلتزم شخصان أو أكثر بأن يساهم كلّ في مشروع مالي بتقديم حصّة من مال أو عمل للاقتسام، قد ينشأ من هذا المشروع من ربح أو خسارة .(1)
وقد أشار إلى مقومات الشركة العقدية بذكر الأُمور التالية:
1. العقد.
2. شخصان أو أكثر للمساهمة.
3. وجود رأس مال لتحقيق المشاركة.
4. اقتسام الربح أو الخسارة الّذي هو الغاية من إنشاء الشركة.
وقد ركّز ـ من القسمين ـ على القسم العقدي دون الملكي لمساس الحاجة إلى الأوّل كثيراً.
ولعلّ هذا المقدار من البحث حول التعريف واف بالمقصود .

1 . الوسيط: 5 / 217، برقم 156 .

19
في أسباب الشركة وأقسامها

الشركة الملكية: أسبابها وأقسامها

1. إمّا واقعية قهرية كما في المال، أو الحقّ الموروث.
2. وإمّا واقعية اختيارية من غير استناد إلى عقد، كما إذا أحيا شخصان أرضاً مواتاً بالاشتراك، أو حفرا بئراً، أو اغترفا ماءً، أو اقتلعا شجراً.
3. وإمّا ظاهرية قهرية، كما إذا امتزج مالهما من دون اختيارهما ـ ولو بفعل أجنبي ـ بحيث لا يتميّز أحدهما من الآخر، سواء كانا من جنس واحد، كمزج حنطة بحنطة، أو جنسين كمزج دقيق الحنطة بدقيق الشعير، أو دهن اللوز بدهن الجوز، أو الخل بالدبس.
4. وإمّا ظاهرية اختيارية، كما إذا مزجا باختيارهما لا بقصد الشركة فإنّ مال كلّ منهما في الواقع ممتاز عن الآخر، ولذا لو فرض تمييزهما اختصّ كلّ منهما بماله ز
وأمّا الاختلاط مع التميّز فلا يوجب الشركة ولو ظاهراً، إذ مع الاشتباه مرجعه الصلح القهري أو القرعة.*

* الثاني: أسباب الشركة وأقسامها

قال المحقّق: وأمّا سبب الشركة فقد يكون إرثاً، وقد يكون مزجاً    

20
  في العين، وقد يكون حيازة.
ولمّا كان تحقّق الشركة بالحيازة أشبه بشركة الأبدان وهي غير صحيحة عند الإمامية، عقبّ المحقّق وقال: «كون الأشبه في الحيازة اختصاص كلّ واحد بما حازه»(1). من غير فرق بين ما إذا نوى كلّ منهما أنّ ما يحوزه له ولشريكه وعدمه.
ولكن المصنّف ذكر أسباب الشركة بالنحو التالي:
1. إمّا واقعية قهرية، في المال أو الحق بسبب الإرث.
2. وإمّا واقعية اختيارية، بسبب الإحياء، كما إذا أحيا شخصان أرضاً مواتاً بالاشتراك، أو حفرا بئراً أو اغترفا ماءً أو اقتلعا شجراً.
3. وإمّا ظاهرية قهرية بسبب الامتزاج، كما إذا امتزج مالهما من دون اختيارهما ولو بفعل أجنبي بحيث لا يتميّز أحدهما عن الآخر، سواء أكان من جنس واحد كمزج حنطة بحنطة، أو من جنسين كمزج دقيق الحنطة ودقيق الشعير.
4. وإمّا ظاهرية اختيارية بسبب المزج الاختياري، كما إذا مزجا باختيارهما لا بقصد الشركة، فإن مال كلّ منهما ـ في الواقع ـ ممتاز عن الآخر. فلا شركة واقعاً وإن كانت ظاهرة.
5. وإمّا واقعية بسبب العقد، وله صوره سيوافيك بيانها.
أقول: إنّ ما ذكره من تقسيم الشركة إلى ظاهرية وواقعية مبني    

1 . شرائع الإسلام: 2 / 129 .

21
  على اختصاص الشركة بالإشاعة، كما هو الحال في الموروث لشخصين أو المملوك بالإحياء، فإنّ كلّ جزء ملك لشخصين دون أن يكون جزء لشخص وجزء آخر لشخص آخر، وأمّا غير هذه الصورة كما لو كان مملوك كلّ غير الآخر مثل مزج دقيق الحنطة بدقيق الشعير أو الخل بالدبس ، فالشركة ظاهرية أو حكمية يجري عليها أحكام الشركة وإن لم يكن من مقولتها لعدم وجود الشياع واقعاً. هذا كلّه في المزج الّذي لايتميّز ملك كل شريك عن الآخر في الظاهر، وأمّا الاختلاط الّذي يسود التميّز على ملك كلٍّ، فلا شركة فيه لا واقعاً ولا ظاهراً عند المصنّف، بل المرجع عند التقسيم، التصالح أو القرعة، فصارت الأقسام عنده ثلاثة :
1. الشركة الواقعية. كما في الملك الموروث .
2. الشركة الظاهرية كما في الامتزاج.
3. لا شركة ظاهراً ولا واقعاً كما في صورة الاختلاط .
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ تقسيم الشركة إلى واقعية وظاهرية غير تام، وذلك لأنّ الشركة أمر عرفي، فهي إمّا محقّقة، أو غير محقّقة. فعلى الأُولى يكون لها قسم واحد، وعلى الثانية فليس هناك موضوع للشركة حتى توصف بالظاهرية.
وبعبارة أُخرى: إذا امتزج مال أحد الشخصين بمال الآخر ـ سواء أكان الامتزاج خارجاً عن اختيارهما أو حاصلاً باختيارهما ـ فإن كان الممتزج في نظر العرف أمراً ثالثاً (1) غير الأمرين السابقين فالشركة محقّقة، كمزج    

1 . هذا في مورد الشركة الملكية، لا العقدية إذ لا تتوقف الشركة في الثانية على المزج ولا على التداخل كما سيوافيك.

22
  دقيق الحنطتين أو دقيق الحنطة بدقيق الشعير، أو دهن اللوز بدهن الجوز، أو الخل بالدبس، فإنّ عملية الامتزاج تُنتج أمراً ثالثاً من غير فرق بين حصول الامتزاج باختيارهما أو بغيره.
وثانياً: أنّ ما ذكره إنّما يتم لو كان الملاك في تحقق الشركة تداخل المملوكين لا تداخل الملكيتين .
توضيحه: أنّه يمكن أن يقال بتحقّق الشركة وإن لم يحصل بالمزج أمر ثالث، كما إذا امتزجت حنطة زيد الصفراء بحنطة عمرو الحمراء، أو بشعيره على نحو لا يمكن الإفراز إلاّ بأُجرة باهظة، ففي هذه الصورة تتحقّق الشركة قهراً. وذلك لكفاية تداخل الملكيتين، وإن لم يكن هناك تداخل بين المملوكين .
فإنّ مملوك كلّ وإن كان محفوظاً في الواقع، حيث لا تدخّل بين المملوكين لكن العرف لا يعتبر الملكية الإفرازية في المقام، لعدم ترتّب الأثر لها، بل تنقلب الملكية الإفرازية عندئذ إلى الملكية المشتركة.
نعم لو تحقّق الإفراز عادت الملكية الفرزية لحدوث الموضوع وزوال الموضوع السابق.
وبالجملة لا فرق عندنا بين الامتزاج والاختلاط ، سواء أ كان من مقولة تداخل المملوكين كما في امتزاج الدهنين، أو من مقولة تداخل الملكيتين كما في اختلاط الحنطة مع الشعير .    

23
  وإن شئت قلت: تداخل السلطتين وإن لم يكن هناك تداخل المملوكين والمسلّطين ، يُحقّق الشركة وإن كان المملوكان متميزين ، لكن هذا النوع من التميّز ، غير كاف في اعتبار الملكية الفرزية والاستقلالية، فلا محيص من انقلاب الفرزية إلى الملكية المشتركة.
نعم لو اشتبه الغنمان لرجلين أو درهمين لهما دون أن يكون بين الشيئين المختلطين تفاوت في القيمة يتفارقان بالصلح أو بالقرعة. دون أن تكون هنا شركة ملكية .
فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّ هنا أُموراً ثلاثة :
1. الامتزاج .
2. الاختلاط.
3. الاشتباه .
ففي الأوّلين تتحقّق الشركة الملكية ، دون الثالث، وإنّما يحصل التفريق بينهما بالصلح أو القرعة. وإنّما تتحقق الشركة في صورة الاشتباه بالعقد.
ثم إنّ في عدّ الأسباب بالنحو المذكور في المتن تطويل أو إطناب ويمكن أن يلخّص بالنحو التالي: أنّ السبب إمّا الإرث، وإمّا الفعل بأنواعه الثلاثة حسب ما ذكره المصنّف أو الأربعة حسب ما اخترناه ، وإمّا العقد بأقسامه الثلاثة على ما سيأتي.
ولقد أحسن المحقّق حيث قال: وسبب الشركة قد يكون: إرثاً، وقد    

24
   

الشركة العقدية: أسبابها وأقسامها

وإمّا واقعية مستندة إلى عقد غير عقد الشركة، كما إذا ملكا شيئاً واحداً بالشراء أو الصلح أو الهبة أو نحوها.
وإمّا واقعية منشأة بتشريك أحدهما الآخر في ماله، كما إذا اشترى شيئاً فطلب منه شخص أن يشركه ويسمى عندهم بالتشريك. وهو صحيح لجملة من الأخبار.
وإمّا واقعية منشأة بتشريك كلّ منهما الآخر في ماله ويسمّى هذا بالشركة العقدية ومعدود من العقود.*
  يكون عقداً، وقد يكون مزجاً، وقد يكون حيازة(1)، ولو عبّر عن الأخيرين بالفعل تكون العبارة أوجز.
* هذا كلّه إذا كان السبب إرث المورّث، أو عمل أحد الشريكين، أو كليهما، أو شخص أجنبي. وبالجملة ما يكون السبب غير العقد، وأمّا إذا كان سبب الشركة هو العقد فقد ذكر له المصنّف أقساماً ثلاثة ندرسها تالياً.
1. العقد غير العقد للشركة، كما إذا ملكا شيئاً واحداً بالشراء، أو الصلح، أو الهبة، أو نحوها، وهذا من مسلّمات الفقه.
2. تشريك أحدهما الآخر في ماله في مقابل شيء، كما إذا اشترى شيئاً فطلب منه شخص أن يُشركه فيه. ويدلّ على صحّة هذا النوع من    

1 . شرائع الإسلام: 2 / 129. وقد تبعه العلاّمة في التذكرة: 16 / 307 .

25
  الشركة ـ مضافاً إلى السيرة المستمرة بين العقلاء من دون ردّ ـ جملة من الروايات منها ما رواه الشيخ عن هشام بن سالم، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سألته عن الرجل يشارك في السلعة؟ قال: «إن ربح فله، وإن وضع فعليه» .(1)
3. تشريك كلّ منهما الآخر في ماله، وهذا هو المعروف بالشركة العقدية، ومعدود من العقود، وهو رائج بين العقلاء، وهو المقصود في هذا الباب، وما ذكره من التعريف في صدر الفصل من قوله: «كون شيء واحد لاثنين أو أزيد ملكاً أو حقاً» تعريف بالجامع بين كون السبب إرثاً أو فعلاً أو عقداً، ولذلك عرفه بقوله بأنّه تشريك كلّ منهما الآخر في ماله بالعقد.
وعرّفه في «جامع المقاصد» بقوله: إنّها عقد ثمرته جواز تصرف الملاك للشيء الواحد على سبيل الشياع، وقال بعد ذلك: ولا يدخل فيه المستحقون للإرث ونحوهم .(2)
وطريقة تشكيل هذا النوع من الشركة هو أن يدفع كلّ من الشركاء ـ بعد العقد ـ سهماً من رأس مال الشركة، ثم يقوم الكل أو بعضهم بإدارة العمل في الشركة ويكون الربح حسب نسبة السهام.
فإن قلت: لا تتحقّق الشركة بالعقد، بل لابدّ من مزج المالين في تحقّق الشركة العقدية مع أنّ المزج نفسه يقتضي الشركة.    

1 . الوسائل: 13، الباب 1 من أبواب كتاب الشركة، الحديث 1. ولاحظ بقية الروايات في نفس الباب .
2 . جامع المقاصد: 8 / 9 .

26
  قلت: إنّ المزج إنّما يقتضي الشركة إذا لم تكن لها منشأ، أمّا إذا فرض إنشاؤها بالعقد فلا يترتّب على المزج أثر، ويكون المزج وفاءً للشركة، كتسليم المبيع للمشتري الذي هو وفاءٌ للعقد. لا إنشاء للبيع. حتّى أنّه إذا اختلفت الحنطتان وعاء ومكاناً ووصفاً لكن المالكين أشرك كلّ الآخر في ماله، تتحقّق الشركة وإن لم يكن هناك مزج غاية الأمر ربّما يتوقف الاتّجار على المزج وهو أمر آخر.
قال في المسالك: إنّ الشركة تطلق على معنيين:
أحدهما: اجتماع حقوق الملاك في الشيء الواحد على سبيل الشياع.
وثانيهما: عقد ثمرته جواز تصرف الملاك بالشيء الواحد على سبيل الشياع فيه، وهذا هو المعنى الذي به تندرج الشركة في جملة العقود ويلحقها الحكم بالصحة والبطلان.(1)
ثم إنّ صاحب الحدائق ردّ على صاحب المسالك وقال: لا يخفى على مَنْ تأمل الأخبار الجارية في هذا المضمار أنّه لا يفهم منها معنى للشركة إلاّ الأوّل.
وهذا المعنى الثاني الّذي ذكره لا يكاد يُشم له رائحة منها (2).
متعلّق الشركة   
وأورد عليه في الجواهر من أنّ إنكار عقد الشركة رأساً واضح الفساد، بل يمكن دعوى إجماع الخاصة والعامة على خلافه .(2)    

1 . المسالك: 4 / 301 .   2 . الحدائق: 21 / 148 .
2 . الجواهر: 26 / 287 .

27
تقسيم الشركة حسب متعلقها
ثم إنّ الشركة قد تكون في عين، وقد تكون في منفعة، وقد تكون في حقّ.*
  أقول: إذا صحّ إنشاء مفهوم الشركة بنحو القسم الثاني ـ أي إذا كان التشريك من جانب واحد كتشريك أحدهما الآخر في ماله ـ يكون إنشاؤها على النحو الثالث أيضاً ممكناً، لأنّه إذا صح إنشاؤها من طرف واحد صح من كلا الجانبين، والتأمّل في صحّته مخالف للتحقيق كما هو مخالف للسيرة. تمّ الكلام في تبيين كلا القسمين من الشركة: الملكية والعقدية.

* الثالث: متعلّق الشركة

قال العلاّمة في القواعد: ثم المشترك قد يكون عيناً، وقد يكون منفعة، وقد يكون حقاً .
أقول: الاشتراك في العين ظاهر، والاشتراك في المنفعة يتحقّق بالإجارة، والحبس والسُّكنى ولا ينافي ما ذكره هنا مع ما سيأتي منه من قوله: «وكذا لا تصح في المنافع». لأنّ المقصود في المقام هو الشركة في منفعة الدار وانتفاعهما بها معاً، وأمّا المراد ممّا يأتي فهو عبارة عن جعل المنفعة رأس مال للشركة، وهو غير جائز عند المصنّف وإن كان الحق جوازه فانتظر.
والمراد من الاشتراك في الحق هو الاشتراك في الخيار أو القصاص     

28
في كيفية الاشتراك   
تقسيم الشركة حسب كيفيتها
وبحسب الكيفية إمّا بنحو الإشاعة وإمّا بنحو الكلّي في المعين، وقد تكون على وجه يكون كلّ من الشريكين أو الشركاء مستقلاً في التصرف كما في شركة الفقراء في الزكاة والسادة في الخمس والموقوف عليهم في الأوقاف العامّة ونحوها.*
  أو غيرهما.

* الرابع: في كيفية الاشتراك

ذكر المصنّف أنّ الشركة حسب الكيفية تارة تكون بنحو الإشاعة، وأُخرى بنحو الكلّي في المعيّن، وقد تكون على وجه يكون كلّ من الشريكين أو الشركاء مستقلاًّ في التصرف كما في شركة الفقراء في الزكاة، والسادة في الخمس، والموقوف عليهم في الأوقاف العامّة.
أمّا الأُولى: أعني: الإشاعة، فهو واضح، وعليه أكثر الشركات العقدية.
وأمّا الثاني: أي أن تكون بنحو الكلي في المعيّن. فهذا كما لو باع منّاً من الصبرة المعيّنة لزيد، فإنّ المن الكلّي يكون لزيد والباقي للمالك البائع، وبذلك يكونان شريكين في الصبرة المعيّنة.
قال صاحب الجواهر في المقام: إنّما الكلام في ملك الكلي في الصبرة، مثلاً كالصاع منها، وكملك مائة في الثلث بالوصية، ونحو ذلك، بناء على    

29
  عدم تنزيله على الإشاعة، فهو ممّا لا إشكال في صدق الشركة معه، ولا إشاعة إلاّ أن يراد منها عدم التعيين (فيلحق الكلّي في المعين بالإشاعة) لا خصوص الثلث والربع ونحوهما.(1)
وأورد عليه السيد الحكيم في المستمسك بأنّ معنى الشركة في المملوك كون الملك على نحو الجزء المشاع، والمفروض في المقام عدمُه، بشهادة أنّه لو تلفت الصبرة ولم يبق منها إلاّ صاع فهو متعلّق للشريك دون المالك الأوّل. وتفسير الإشاعة بعدم التعيين خلاف المقطوع به من كلامهم، وعليه فلا شركة في المقام.(2)
أقول: قد مر أنّ الملاك في حصول الشركة الملكية هو تحقّق عنوان ثالث يغاير الأوّلين، والمفروض في الكلام كذلك، لأنّ المالك الأوّل يملك الصبرة إلاّ صاعاً والمشتري يملك الصاع دون الصبرة، غير أنّ الامتزاج أو الاختلاط جعل المملوكين شيئاً ثالثاً يشارك فيه الطرفان، فهو منسوب إليهما، وهذا لا ينافي أن يختلف حكم الصبرة عند التلف، فلو كانت الشركة على وجه الكسر ـ كالربع ـ يُحسب التلف عليهما بالنسبة. وإن كانت على «صاع من صبرة» يحسب التلف على المالك اللّهم إلاّ إذا تلف الكل فيحسب على الطرفين .
وأمّا الثالث: أعني ما أشار إليه بقوله: وقد تكون على وجه يكون كلّ    

1 . الجواهر: 26 / 286 .
2 . مستمسك العروة: 13 / 13 .

30
  من الشريكين أو الشركاء مستقلاً في التصرف كما في شركة الفقراء بالزكاة، والسادة في الخمس... الخ.
أقول: قد ثبت في محله أنّ المالك للزكاة هو العناوين الثمانية التي ذكرت في الآية المباركة، وأمّا أعيانها فهي مصارف للزكاة وليست بملاك لها.
فالشركة بينهم منتفية موضوعاً.
وبذلك يُعلم أنّ الفقير لا يملك شيئاً من الزكاة قبل القبض، ولذلك لا يجب البسط والاستيعاب، فلو كانت ملكاً لهم يجب البسط .
ومنه يظهر حال الخمس فإنّ الظاهر أنّ المالك هو عنوان الإمامة، كما هو المستفاد من رواية أبي علي ابن راشد قال: قلت لأبي الحسن الثالث (عليه السلام): إنّا نؤتى بالشيء فيقال: هذا كان لأبي جعفر (عليه السلام)عندنا، فكيف نصنع؟ فقال: «ما كان لأبي (عليه السلام)بسبب الإمامة فهو لي، وما كان غير ذلك فهو ميراث على كتاب الله وسنة نبيه ».(1)
كما أنّ مصاديق العناوين الثلاثة بعده ـ أعني: اليتامى والمساكين وابن السبيل ـ مصارف للخمس حيث إنّ إمام الأُمّة يجب أن يدير معيشتهم ويسد خلّتهم.
أقسام الشركة   
وأمّا الرابع ـ أعني: الموقوف عليهم بالأوقاف العامّة ـ : فهو على قسمين :
1. أن يكون وقفاً للانتفاع، كوقف المدارس للسكنى فهو لا يملك    

1 . الوسائل: 6، الباب 2 من أبواب الأنفال، كتاب الخمس، الحديث 6 .

31
  إلاّ الانتفاع لا تمليك المنفعة ولا تمليك الانتفاع ، ولو غصبه غاصب لا يجوز له أن يأخذ منه شيئاً.
2. أن يكون وقفاً للتمليك، كما لو أوقف البستان على ذريته أو فقراء بلده، فالمالك أيضاً هو العنوان ولا مشاركة فيه.
وأمّا الأفراد فهي مصاديق العنوان لا نفسه، وإن شئت قلت: مصارف الوقف.
وحصيلة الكلام: أنّ المالك هو العناوين في عامة الموارد، وأمّا الأفراد فهي مصارف لها ولا يملكون إلاّ بالقبض.
إلى هنا تمّت دراسة ما يرجع إلى المتن.
بقي هنا شيء وهو أنّ المصنّف لم يشر في المقام إلى أقسام أصل الشركة ـ وإن إشار إلى أقسام الشركة التمليكية والعقدية في ثنايا البحث عن أسبابهما. نعم سيأتي منه التصريح بها فيما بعد ـ ولأجل إكمال الكلام نذكر الأقسام هنا إجمالاً.

الخامس: أقسام الشركة

قد مرّ في التمهيد أنّ الشركة تقسّم إلى الأقسام التالية:
1. شركة العنان وهي شركة الأموال، وإنّما أطلق عليها (العنان) وسيوافيك وجه التسمية .
2. شركة الأعمال، ويطلق عليها شركة الأبدان أيضاً .    

32
الشركة في الديون    
المسألة 1: لاتصحّ الشركة العقديّة إلاّ في الأموال، بل الأعيان، فلا تصحّ في الديون، فلو كان لكلّ منهما دين على شخص، فأوقعا العقد على كون كلّ منهما بينهما لم يصحّ.*
  3. شركة الوجوه.
4. شركة المفاوضة.
وسيوافيك تعاريفها في المسألة الأُولى وأنّ المشهور هو صحّة القسم الأوّل وبطلان الأقسام الأُخرى. وربّما يكون المختار خلاف ما هوالمشهور في بعض الأقسام .
* ذكر المصنّف (قدس سره)في هذه المسألة أنّ الشركة العقدية لا تصحّ إلاّ في الأعيان، ولا يكفي كون الشيء مالاً كالديون والمنافع، ورتّب على ذلك عدم صحّة الشركة في الأُمور التالية:
1. الديون 2. المنافع 3. الأعمال وتسمّى شركة الأبدان 4. شركة الوجوه 5. شركة المفاوضة، وبإخراج هذه الأُمور عن صلاحيّة الشركة فيها انحصرت الشركة العقدية بالشركة في الأعيان المملوكة، والتي تسمّى بشركة العنان.
ولنأخذ كلّ واحد منها بالدراسة حسب ضوء عبارة المصنّف:

1. الشركة في الديون

الشركة في الديون تتصّور على وجهين:
1. أن يكون الرجلان مشاركين في الدين على ذمّة شخص، كما إذا    

33
  باعا العين المشاعة بينهما من ثالث نسيئة، فيكون الثمن في ذمة المبتاع مشتركاً بينهما، وهذا الوجه خارج عن محطّ البحث. لأنّ محور البحث جعل الدين رأس مال للشركة وهو غير متحقّق في المقام .
2. أن يتعلّق عقد الشركة بالدين، حتى يصير الدين، بعد ما كان مختصاً لشخص مشتركاً بين شخصين، كما إذا كان لزيد دينٌ على شخص ولعمرو أيضاً دين على هذا الرجل، فأراد كلّ من الدائنين أن يشرك الآخر في دينه على ذمّة الرجل فيقول: أشركتك في الدين الذي لي في ذمّة فلان، فإذا تعقّب بالقبول يكون الدين مشتركاً بينهما بعدما كان مختصّاً.
ويمكن تصويره بوجه آخر، وهو أن يكون لكلٍّ دين في ذمَّة رجلين، فأراد كلّ أن يشارك الآخر في الدين الذي على ذمّة كلّ منهما.
ثم إنّ الغاية من تعلّق عقد الشركة بالدين هو جعل مجموع الديون رأس مال للإتّجار عند وفاء المديون، وهذا هو المقصود في المقام، ولم يذكرها ـ الشركة في الدين ـ المحقّق في الشرائع ولاصاحب الجواهر في شرحه، وقد قيل لبطلانه وجهان:
1. أنّ صحّة الشركة رهن الامتزاج، وهو غير محقّق في المقام.(1)
يلاحظ عليه: أنّه لو كان شرطاً فإنّما هو شرط في الشركة الملكية لا الشركة العقدية، فلو كان المالان متمايزين كأن يكون لأحدهما الحنطة الصفراء وللآخر الحنطة الحمراء فأشرك كلّ منهما صاحبه في ماله لكفى    

1 . المستمسك: 13 / 15 .

34
  انعقاد الشركة العقدية وإن لم يمتزجا، وإن كان سيحصل الامتزاج في النهاية عند الاتجار بهما. نعم الامتزاج أو الاختلاط شرط في الشركة الملكية، ولكن الكلام في الشركة العقدية، وسيوافيك شرحه في المسألة الرابعة.
2. ما ذكره السيد الخوئي (رحمه الله) قائلاً: بأنّ حقيقة الشركة هذه ترجع إلى تمليك كلّ من المتعاقدين حصةً ممّا له في ذمّة مدينه، بالآخر بإزاء تمليكه له حصة ممّا له في ذمّة مدينه، فهي في الحقيقة معاوضة بلفظ الشركة، وهي ممنوعة لنهي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عن بيع الدين بالدين، فإنّ المنصرف منه هو النهي عن المعاوضة بالدين مطلقاً ومن غير اختصاص بعنوان الدين. كما يشهد له ما ورد في جملة من النصوص من النهي عن قسمة الدين بأن يجعل تمام ما في ذمّة المدين الأوّل لأحد الورثة في قبال كون تمام ما في ذمة المدين الثاني للوارث الآخر. فإنّها تؤكد منع الشارع المقدّس عن تعويض الدين بالدين ومبادلته بمثله تحت أي عنوان من العناوين كان.(1)
يلاحظ عليه: أنّ بيع الدين بالدين يستعمل في موردين:
الأوّل: إذا كان المبيع والثمن ديناً والذي يطلق عليه بيع الكالي بالكالي، وهو المروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال : «لا يباع الدين بالدين». (2) والمراد به بيع الكالي بالكالي بأن يكون المثمن والثمن نسيئة ، وهذا لا صلة له بالمقام.
الثاني: ما ورد في بعض الروايات وهو أنّ الرجل يشتري دين رجل    

1 . مباني العروة الوثقى: 3 / 443 .
2 . الوسائل: 13، الباب 15 من أبواب الدين والقرض، الحديث 1 .

35
  على مدين بأقل ليأخذ من المديون أكثر. لكنّه ليس له أن يأخذ إلاّ ما دفعه إليه .
روى أبو حمزة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام)عن رجل كان له على رجل دين فجاءه رجل فاشتراه منه بعرَضْ ] المتاع [ ، ثم انطلق إلى الذي عليه الدين فقال: أعطني ما لفلان عليك فإنّي قد اشتريته منه، كيف يكون القضاء في ذلك؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام): «يرد الرجل الذي عليه الدين، ماله (ثمن المتاع) الذي اشترى به من الرجل الذي له الدين».(1)
ونظيره ما رواه محمد بن الفضيل، عن الرضا (عليه السلام)قال: قلت للرضا (عليه السلام): رجل اشترى ديناً على رجل ثم ذهب إلى صاحب الدين فقال له: ادفع إليّ ما لفلان عليك فقد اشتريته منه؟ قال: «يدفع إليه قيمة ما دفع إلى صاحب الدين وبرئ الذي عليه المال من جميع ما بقي عليه» .(2)
فمصب الرواية الأُولى هو اشتراء متاع في مقابل دين في ذمة شخص لكن قيمة المتاع أقل من الدين، كما أنّ الثمن الّذي اشترى به أقل، ممّا على المديون فلا صلة للروايتين ببيع الدين بالدين وإن ذكره صاحب الوسائل تحت هذا العنوان، وأمّا ما له صلة بالمقام فهو النبوي، عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): فما استنتجه السيد الخوئي من هذه الروايات من منع الشركة بالدين غير واضح جداً .    

1 . الوسائل: 13، الباب 15 من أبواب الدين والقرض، الحديث 2 .
2 . الوسائل: 15، الباب 15 من أبواب الدين والقرض،الحديث 3 .

36
  فتلخص من ذلك أنّ روايات الباب لا صلة لها بما نحن فيه .
بقي الكلام في مفاد الروايتين الأخيرتين فالظاهر أنّ الأمر «بدفع خصوص ما اشترى به لا دفع ما في ذمّته»، لغاية أن لا يكون ذلك ذريعة للربا، لأنّ أصحاب الأموال ربّما يقومون باشتراء الدين نقداً بأقل ممّا للبائع على ذمة المديون ثم يرجعون إلى المديون بنفس الدين، مثلاً ربما يشترون الدين الّذي هو مائة دينار بثمانين ديناراً ويأخذون من المديون تمام ما عليه، وهذا العمل لا يفترق عن الربا حقيقة.
فإن قلت: إنّ المفروض في الرواية الأُولى أنّ المشتري اشترى الدين بمتاع لا بالنقد، ومع ذلك فالإمام (عليه السلام)أمر أن لا يأخذ إلاّ نفس ما دفع أي قيمة المتاع.
قلت: الظاهر أنّ المشتري والدائن اتّفقا على قيمة أقل ممّا في ذمّة المديون، ثم اشترى الدائن المتاع بنفس القيمة، فلو أخذ ما على المديون فقد أخذ أزيد ممّا دفع، هذا كله حول مضمون الروايات.
وأمّا السند فقد وصفه العلاّمة المجلسي بالجهالة، ومع ذلك نقل الِشهيد الثاني أنّ الشيخ وابن البراج عملا بمضمونهما (1).
وقال في الجواهر: وظاهر الدروس العمل بهما، إلاّ أنّهما كما ترى ضعيفتان ولا جابر لهما، بل شهرة الأصحاب بقسميها على خلافهما لمخالفتهما لأُصول المذهب وقواعده .(2)    

1 . المسالك: 3 / 46 .   2 . الجواهر: 25 / 60 .

37
  أقول: إنّ موضع الخلاف قوله: «برئ الّذي عليه المال» إذ عندئذ يبقى الباقي لصاحب الدين، وقد قام العلاّمة الحلي بتوجيه الرواية فقال: وليس بعيداً من الصواب أن تحملا على أمرين:
الأوّل: الضمان أي ضمان المشتري عمّن عليه الدين ويكون إطلاق البيع عليه والشراء نوع من المجاز، إذ الضامن إذا أدّى عن المضمون عنه بإذنه عرضاً عوضاً عن الدين كان له المطالبة بالقيمة، وهو نوع من المعاوضة يشبه البيع، بل هو في الحقيقة، وإنّما ينفصل عنه بمجرد اللفظ لا غير. فليس له إلاّ أن يأخذ نفس ما دفع كما هو الحال في كل ضامن .
المحمل الثاني: أن يكون البيع وقع فاسداً فإنّه يجب على المديون دفع ما يساوي مال المشتري، إليه بالإذن الصادر من صاحب الدين ويبرأ من جميع ما بقي عليه من مال المشتري لا من البائع، ويجب عليه دفع الباقي إلى البائع لبراءته من المشتري.
وهذان المحملان قريبان يمكن صرف الرواية إليهما .(1)
ولا يخفى أنّ ما ذكره من الوجهين يدفع الإشكال من الروايتين من جانب خاص، وهو أنّ المديون لا يردّ على المشتري إلاّ ما دفع إلى الداين، وذلك لكونه ضامناً والضامن لا يأخذ إلاّ ما دفع، أو لكون العقد فاسداً، وأمّا براءة ذمة المديون من الباقي كما هو صريح قوله: «ويبرئ الّذي عليه المال من جميع ما بقى عليه، فالإشكال باقي بحاله .    

1 . مختلف الشيعة: 5 / 372 .

38
وكذا لا تصح في المنافع بأن يكون لكلّ منهما دار ـ مثلاً ـ وأوقعا العقد على أن تكون منفعة كلّ منهما بالنصف مثلاً ; ولو أرادا ذلك صالح أحدهما الآخر نصف منفعة داره بنصف منفعة دار الآخر، أو صالح نصف منفعة داره بدينار مثلاً، وصالحه الآخر نصف منفعة داره بذلك الدينار.*
الشركة في المنافع   
  ثم إنّ شبهة الربا فيما إذا كان المبيع والثمن من النقود، وأمّا إذا كان المبيع متاعاً فلا إشكال فيه، كما إذا باع قفيز حنطة في الذمة يساوي ديناراً بربع دينار، ومثله إذا كان الثمن متاعاً كما إذا باع الدينار من الدين بربع القفيز، فالصورتان لا غبار عليهما، إنّما الإشكال فيما إذا كان المبيع والثمن كلاهما من النقود ، وهذا ما يسبب الربا إذا أخذ أكثر ممّا دفع فالقول بالبطلان أشبه بالقواعد من القول بالصحة وأخذ ما دفع. والله العالم .
وأمّا استدلال السيد الخوئي على البطلان بما ورد من النهي عن قسمة الدين فلا صلة له بالمقام، وذلك لوجود الفرق بين المقامين وهو احتمال أن يستوفى أحد الدينين دون الآخر فيتضرر الوارث بذلك، ولذلك نهى الشارع عن قسمة الدين .
وعلى كلّ تقدير فالظاهر عدم المانع من هذا النوع من الشركة بشرط أن يكون مقدّمة للاتّجار به بعد استيفائه.

* 2. الشركة في المنافع

هذا القسم من أقسام الشركة لم يذكره المحقّق في «الشرائع»    

39
  وتبعه صاحب الجواهر، ومقتضى إطلاق المقام كونها جائزة عندهما.
وبما أنّه يجب في الشركة وجود رأس مال ـ حقيقة أو حكماً ـ فرأس المال هنا هو منفعة الدار المتمثلة بقابلية الدار للانتفاع بها.
وهذا النوع من الشركة أمررائج، مثلاً لو فرضنا أنّ فندقاً لشخص ينزل فيه المسافرون في أيام خاصة وقد ضاق بهم ، وإلى جنبه فندق آخر مثله، فيتفق صاحب الفندقين على التشريك بالانتفاع بهما فينزل فيهما المسافرون، وبالتالي تتقاسم الأُجرة لكلا الفندقين بالمناصفة أو بحسب كثرة السكن وقلّته.
وعلى هذا فلا يرد على هذا النوع من الشركة إشكالٌ إلاّ القول بشرطية الامتزاج، وقد عرفت أنّه ليس بشرط في الشركة العقدية على القول به فهو شرط في الشركة الملكية.
وبما ذكرنا من أنّ مصب الشركة أي رأس مالها هو قابلية الانتفاع بالمكانين يظهر أنّ تفسير الشركة في المنافع، بالشركة «في الأُجرة الحاصلة من استيفاء منفعة عين الآخر» تفسير غير صحيح، لأنّ الأُجرة غير موجودة أوّلاً حتّى تملك، ومجهولة ثانياً، فلاتقع رأس مال للشركة.
وعلى ما ذكرنا من تفسير الشركة في المنافع، لا وجه لبطلانها، إلاّ الإجماع، وهو كماترى، فإنّ المسألة غير معنونة في مثل الشرائع والجواهر، فكيف يمكن ادّعاء الإجماع؟!
وأمّا الامتزاج فقد عرفت محلّه.    

40
  ثم إنّ المصنّف لمّا قال ببطلان الشركة في الانتفاع حاول تصحيحها عن طريق الصلح، وذكر هنا وجهين:
1. المصالحة بين الحصتين ـ أي المنفعتين ـ وإلى ذلك أشار بقوله: صالح أحدهما الآخر نصف منفعة داره بنصف منفعة دار الآخر، فالصلح يقع بين المنفعتين.
شركة الأعمال في الفقه الإسلامي   
2. المصالحة بين المنفعة والدينار، وإلى ذلك أشار بقوله: صالح نصف منفعة داره بدينار مثلاً، وصالحه الآخر نصف منفعة داره بذلك الدينار.
وبذلك يعلم عدم الحاجة إلى المصالحة بعد صحة العمل بنفسه .
ثم إنّ البحث عن الصحّة والبطلان بحث حيثي ونسبي، بمعنى أنّه مركز على صلاحية المنفعة لتكون رأس مال للشركة، وأمّا اجتماع سائر شروط الشركة فغير مقصود في المقام، إذ من المعلوم أنّ صحّة كلّ قسم من أقسام الشركة رهن اجتماع سائر الشروط، وبذلك يُعلم أنّ تفريق السيد الخوئي (رحمه الله)في المقام بين ما يكون الزمان محدوداً ومعيّناً، بأن يملّك كلٌ منهما صاحبه، نصف منفعة داره في زمان محدد ومعيّن، وبين ما إذا لم يكن كذلك، فيصح في الأوّل دون الثاني (1)، في غير محلّه، لأنّ البطلان لأجل جهالة الزمان شرط في عامة أقسام الشركة، ولا يختص بالشركة في المنافع .

1 . مباني العروة الوثقى: 3 / 243 .

41
وكذا لاتصح شركة الأعمال، وتسمى شركة الأبدان أيضاً وهي أن يوقعا العقد على أن يكون أجرة عمل كلّ منهما مشتركاً بينهما، سواء اتفق عملهما كالخياطة، أو كان عمل أحدهما الخياطة والآخر النساجة، وسواء أكان ذلك في عمل معيّن أو في كلّ ما يعمل منهما.
ولو أرادا الاشتراك في ذلك صالح أحدهما الآخر نصف منفعته المعيّنة أو منافعه إلى مدة كذا بنصف منفعة أو منافع الآخر، أو صالحه نصف منفعته بعوض معيّن، وصالحه الآخر أيضاً نصف منفعته بذلك العوض *

* 3. شركة الأعمال في الفقه الإسلامي

شركة الأبدان أو الأعمال أحد أقسام الشركة الّتي تعرض لها العلماء في كتبهم الفقهية، وينبغي تحرير محل النزاع، وذلك لأنّ الشركة في الأعمال تتصور على وجهين :
الأوّل: لو أجر اثنان نفسهما بعقد واحد وعمل واحد بأُجرة معينة، صحّت الشركة وكانت الأُجرة بينهما، أو حاز اثنان معاً مباحاً، كما لو اقتلعا شجرةً معاً، أو اغترفا ماءً دفعة بآنية واحدة، أو صادا بشبكة واحدة سمكةً كان الصيد بينهما.
والظاهر أنّ هذا القسم خارج عن مصب كلماتهم كما ستوافيك .
الثاني: أن يوقّعا اثنان على عملين بشرط أن تكون أُجرة كلّ    

42
  منهما مشتركة بينهما، سواء اتّفقا في العمل كالخياطة كان يعمل كل برأسه، وشاركا في الأُجرة، أو اختلفا كالخياطة والنساجة، وهذا هو المبحوث في المقام.
ثم إنّ الأصحاب بين من قام بتعريف الشركة في الأعمال، وبين من اكتفى في مقام التعريف بذكر الأمثلة فقط، وإليك الإشارة إلى كلا القسمين:
1. قال الشيخ الطوسي: هي أن يشترك الصانعان على أنّ ما يرتفع منهما من كسبهما فهو بينهما على حسب شرطهما، سواء أكانا متّفقي الصنعة كالنجارين والخبازين، أو مختلفي الصنعة كالنجار والخباز .(1)
2. وقال العلاّمة: هي أن يشترك اثنان فصاعداً فيما يكتسبونه بأيديهم، تساوت الصنعة أو اختلفت .(2)
3. عرفه المصنّف بقوله : هي أن يوقعا العقد على أن تكون أُجرة عمل كلٍّ منهما مشتركاً بينهما، سواء اتفق عملهما كالخياطة، أو كان عمل أحدهما الخياطة والآخر النساجة.
   
ومن الأصحاب من اقتصر في التعريف على ذكر المثال، كالشيخ المفيد في المقنعة ،(3) والمحقّق في الشرائع .(4)    

1 . الخلاف: 3 / 330، كتاب الشركة، المسألة 6.
2 . قواعد الأحكام: 2 / 324 .
3 . المقنعة: 632 .
4 . شرائع الإسلام: 2 / 130 .

43
  هذا كلّه يرجع إلى أصحابنا الإمامية، وأمّا غيرهم فقد عرّفها ابن قدامة في المغني وقال: معنى شركة الأبدان أن يشترك اثنان أو أكثر فيما يكتسبونه بأيديهم كالصُّنّاع يشتركون على أن يعملوا في صناعاتهم، فما رزق الله تعالى فهو بينهم.(1)
وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية:
إنّ شركة الأعمال هي أن يتعاقد اثنان على أن يتقبّلا نوعاً معيناً من العمل أو أكثر، أو غير معيّن، لكنّه عام، وتكون الأُجرة بينهما بنسبة معلومة، وذلك كالخياطة والصباغة والبناء وتركيب الأدوات الصحية، أو كلّ ما يتقبّل فلابدّ من التعاقد قبل التقبّل .(2)
فما ذكره من التعاقد قبل التقبّل هو الأمر المهم في المقام، فإنّ شركة الأعمال شركة عقدية وليست شركة ملكية الّتي تحصل بمزج المالين اختياراً أو بلا اختيار، فذكر هذا القيد لازم في التعاريف.
هذه هي تعاريف الفقهاء لشركة الأبدان فلندرس أقوالهم فيها .

أقوال الفقهاء في شركة الأعمال

المشهور بين فقهاء الإمامية هو بطلان شركة الأعمال، وكلّ مَنْ تعرض منهم لها أفتى به.    

1 . المغني لابن قدامة: 5 / 111 .
2 . الموسوعة الفقهية الكويتية: 16 / 37، مادة «شرك» .

44
  نعم ربّما تأمل فيه بعض المتأخّرين، وسيوافيك قوله.
أمّا الصدوق فلم يذكرها في «المقنع»، وما نقله في الينابيع الفقهية (1) عن المقنع من تقسيم الشركة إلى الشركة في الأموال والأبدان فإنّما هو موجود في المقنعة للشيخ المفيد لا في المقنع للصدوق، فليس في المقنع بحث عن الشركة بتاتاً.
وأوّل مَنْ عنونه في الكتب الفقهية هو شيخنا المفيد فقال:
والشركة لا تصح إلاّ في الأموال، ولا تصحّ بالأبدان والأعمال، وإذا اشترك اثنان في عمل كنساجة ثوب، أو بناء دار أو نجارة باب وما أشبه ذلك لم تصحّ شركتهما وكان لكلّ واحد منهما أجر عمله خاصّة، فإن لم يتميّز عملاهما لاختلاطهما قُضي بالصلح بينهما.(2)
وقال السيد المرتضى: وممّا انفردت به الشيعة الإمامية أنّ الشركة لا تصح إلاّ في الأموال ولا تصحّ في الأبدان والأعمال، ومتى اشترك اثنان في عمل كصياغة عِقْد ونساجة ثوب وما أشبه ذلك، لم يثبت بينهما شركة.(2)
وقال الشيخ في «الخلاف»: شركة الأبدان عندنا باطلة، وهي أن يشترك الصانعان على أنّ ما يرتفع لهما من كسبهما فهو بينهما على حسب شرطهما.(3)    

1 . الينابيع الفقهية: 17 / 3 .   2 . المقنعة: 632، طبع النشر الإسلامي.
2 . الانتصار: 229.
3 . الخلاف: 3 / 330، كتاب الشركة، المسألة 6 .

45
  وقال ابن زهرة: وَمِنْ شرطِ صحة الشركة أن تكون في مالين متجانسين، إذا خلطا اشتبه أحدهما بالآخر ـ إلى أن قال: ـ وعلى ما قلناه لاتصح شركة الأبدان، وهي الاشتراك في أُجرة العمل.(1)
5. وقال ابن إدريس: لا تصح شركة الأبدان، وهي الاشتراك في أُجرة العمل.(2)
6. وقال الكيدري: ولا تصح شركة الأبدان، وهي الاشتراك في أُجرة العمل.(2)
7. وقال المحقّق: ولا تصح الشركة بالأعمال، كالخياطة والنساجة .(4)
8. وأمّا العلاّمة في القواعد فبعد أن عرّف شركة الأبدان وغيرها قال: والكل باطل .(3)
وأنت إذا سبرت الكتب الفقهية لأصحابنا ـ بعد العلاّمة الحلي ـ تجد القول بالبطلان أمراً مسلّماً عندهم حتى أنّ السيد العاملي في «مفتاح الكرامة» نقل الإجماع المنقول على البطلان عن تسعة عشر كتاباً(4) ، ولم يظهر بينهم مخالف إلاّ ما نسب إلى ابن الجنيد، ولكن عبارته المنقولة في (المختلف) مبهمة تحتاج إلى مزيد تأمّل.    

1 . غنية النزوع: 1 / 263 .   2 . السرائر: 2 / 399 .
2 . إصباح الشيعة: 259 .             4 . شرائع الإسلام: 2 / 130.
3 . قواعد الأحكام: 2 / 325 .
4 . المستمسك: 13 / 7 .

46
  نعم يظهر الميل إلى الصحة من المحقّق الأردبيلي مطلقاً وصاحب الحدائق في خصوص الشركة في حيازة المباحات.
قال الأوّل: لايظهر دليل على عدم الجواز سوى الإجماع، فإن كان فهو، وإلاّ فلا مانع، فإنّه يرجع إلى الوكالة في بعض الأُمور، وتمليك مال في البعض الآخر، وبذل نفس وعمل في مقابلة عوض، ولا مانع منه في العقل والشرع .(1)
وقال الثاني (أعني: صاحب الحدائق): وسببية الحيازة إمّا بأن يشتركا في نصب حبالة الصيد المشترك ورمي السهم المثبِت له (الصيد)، فيشتركان في ملكه، أو بأن يقتلعا شجرة أو يغترفا ماءً دفعة، فإنّه تتحقّق الشركة بذلك في الجملة، إلاّ أنّه يكون لكلّ منهما من ذلك المحاز بنسبة عمله، ويختلف ذلك بالقوة والضعف، ولو اشتبه مقدار كلّ واحد فطريق التخلّص، الصلح، وما كان من الحيازة على غير الوجوه المذكورة فإنّه يختص كلّ بما حازه على الأظهر. هذا مع تميزه، لأنّه في معنى شركة الأبدان، وهي جائزة على الأشهر الأظهر .(2)
ولا يخفى أنّ ما صحّحه خارج عن محل النزاع كما عرفت في صدر البحث .
وأمّا القسم الثاني فلو اختصّ كلّ بما حازه فهو بمعنى بطلان الشركة، ولا معنى لقوله: وهي جائزة على الأشهر الأظهر .
وأمّا فقهاء السنة ففي الخلاف: أنّ الشافعي قال بالبطلان .    

1 . مجمع الفائدة والبرهان: 10 / 193 .
2 . الحدائق الناضرة: 21 / 156 .

47
  وقال أبو حنيفة: يجوز مع اتّفاق الصنعة واختلافها، ولا يجوز في الاحتطاب والاحتشاش والاصطياد والاغتنام.
وقال مالك: يجوز الاشتراك مع اتفاق الصنعة ولا يجوز مع اختلافها.
وقال أحمد: يجوز الاشتراك في جميع الصنائع وفي الاحتشاش والاحتطاب والاصطياد والاغتنام .(1)
وحاصل الأقوال: إنّ الشافعي يوافق أصحابنا في البطلان. وأمّا أبو حنيفة فقد خصّها بمورد الصنعة، سواء أكانت متفقة أم مختلفة ولم يجوزه في الاشتراك في المباحات العامّة.
وأمّا مالك فخصّها بالصنعة المتّفقة، وخالف أبا حنيفة في مختلفها. وأمّا أحمد فقال بالجواز على وجه الإطلاق .
وقال في المغني: معنى شركة الأبدان أن يشترك اثنان أو أكثر فيما يكتسبونه
بأيديهم، كالصُّناع يشتركون على أن يعملوا في صناعاتهم فما رزق الله تعالى فهو بينهم، فإن اشتركوا فيما يكتسبون من المباح، كالحطب والحشيش والثمار المأخوذة من الجبال والمعادن والتلصلص على دار الحرب، فهذا جائز نص عليه أحمد في رواية أبي طالب، وبهذا قال مالك.
وقال أبو حنيفة: يصح في الصناعة ولا يصحّ في اكتساب المباح    

1 . الخلاف: 3 / 330، كتاب الشركة، المسألة 6 .

48
  كالاحتشاش والاغتنام، لأنّ الشركة مقتضاها الوكالة ولا تصحّ الوكالة في هذه الأشياء، لأنّ من أخذها ملكها.(1)
وقال الشافعي: شركة الأبدان كلّها فاسدة لأنّها شركة على غير مال ولم تصح كما لو اختلفت الصناعات.(2)
وما نقله عن الأئمة الأربعة نفس ما نقله الشيخ في الخلاف غير أنّ الشيخ خصّ قول مالك بصورة اتفاق الصنعة لا مع اختلافها، ومن المعلوم أنّ كتاب المغني يمثل فقه الإمام أحمد، فلا غرو في أن لا ينقل مذهب مالك على وجه دقيق.
وقال القرطبي: شركة الأبدان بالجملة عند أبي حنيفة والمالكية جائزة، ومنع منها الشافعي.. إلى أن قال: ومن شرطها عند مالك اتفاق الصنعتين والمكان، وقال أبو حنيفة: تجوز مع اختلاف الصنعتين ويشترك عنده الدباغ والقصار ولا يشتركان عند مالك.(3)
وما نقله عن مالك مطابق لما نقله الشيخ، ومن المعلوم أنّ «بداية المجتهد» تُمثّل مذهب الإمام مالك. وقد نقل إمام مذهبه بوجه دقيق.
نعم وافق ابن حزم الشافعي فذهب إلى عدم الجواز، وسيأتي كلامه في آخر المقال فانتظر.
هذه هي الأقوال عندالفريقين فلندرس أدلة المانعين من أصحابنا.    

1 . لعلّه ناظر إلى القاعدة المعروفة من جاز ملك، وفي رواياتنا «للعين ما رأت ولليد ما أخذت».
2 . المغني لابن قدامة: 5 / 111 .   3 . بداية المجتهد: 2 / 255 .

49

  أدلّة القائلين بعدم الجواز

استدلّ أصحابنا على عدم الجواز بوجوه ندرسها تالياً:

1. الإجماع على البطلان

1. إجماع الطائفة على عدم الجواز، وهذا هو الظاهر من غير واحد من القائلين بالمنع: منهم: السيد المرتضى في الانتصار، قال: وممّا انفردت به الشيعة الإمامية أنّ الشركة لا تصح إلاّ في الأموال ولا تصح في الأبدان والأعمال.. إلى أن قال: دليلنا على صحّة ما ذهبنا إليه، الإجماع المتردّد.(1)
ومنهم: الشيخ في «الخلاف»، قال: دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (2) .
ومنهم: ابن إدريس فإنّه بعدما شرح عدّة من الشركات وهي شركة المفاوضة وشركة الوجوه وشركة الأبدان قال: وإجماعنا منعقد على فساد ذلك أجمع.(3)
ومنهم ا: لعلاّمة، قال: دليلنا: إجماع الفرقة، وخلاف ابن الجنيد غير معتد به، لانقراضه وحصول الاتفاق بعده .(4)
ومنهم: المحقّق الثاني حيث علّق على قول العلاّمة: «والكل باطل    

1 . الانتصار: 229، تحقيق السيد محمد رضا الخرسان.
2 . الخلاف: 3 / 331، المسألة 6 .
3 . السرائر: 2 / 400 .
4 . المختلف: 6 / 230.

50
  سوى الأوّل» بقوله: سوى شركة العنان، وذلك باتفاقنا.(1)
ومنهم: الشهيد الثاني قال: ولا خلاف عندنا في بطلان شركة الأعمال إلاّ من ابن الجنيد حيث أجازها مع تشاركهما في الفضل .(2)
ومنهم: المحقّق الأردبيلي، قال: ولا يظهر دليل على عدم الجواز سوى الإجماع، فإن كان فهو وإلاّ فلا مانع، فإنّه يرجع إلى الوكالة في بعض الأُمور، وتمليك مال في البعض الآخر، وبذل نفس وعمل في مقابل عوض، ولا مانع منه في العقل والشرع .(3)
إلى غير ذلك من الكلمات الّتي ورد فيها ذكر الإجماع.
يلاحظ عليه: بما حقّق في محله من أنّ الإجماع إنّما يكون حجة على الحكم إذا كشف عن وجود الدليل الشرعي الواصل إلى المجمعين وغير الواصل إلينا. أو عن اشتهار الحكم عند أصحاب الأئمة.
ومن المعلوم أنّ هذا القول ليس له هذا الشأن، وذلك:
أوّلاً: لو كان في المسألة نص بين القدماء لجاء ذكره في الفقه الرضوي الّذي هو نتيجة الروايات المعتبرة مع حذف أسانيدها، أو لذكره الشيخ الصدوق في المقنع، كلّ ذلك يسبب الريب والشك في أنّ الإجماع مستند إلى الدليل.    

1 . جامع المقاصد: 8 / 13.
2 . مسالك الأفهام: 4 / 307 .
3 . مجمع الفائدة والبرهان: 10 / 193 .

51
  ثانياً: أنّ المجمعين استدلّوا وراء الإجماع بأدلّة أُخرى كما ستوافيك، فلو كان الحكم اتفاقياً لم يحتج إلى الاستدلال بأدلّة أُخرى، وذلك يقرب كون إجماع المجمعين مستنداً إلى الأدلّة الّتي نتلوها عليك.

2. كونها غررية

استدلّ الشيخ وآخرون على البطلان بنهي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عن بيع الغرر، وهذا غرر بدلالة أنّ كلّ واحد منهما لا يدري أيكسب صاحبُه شيئاً أو لا يكسب وكم مقدار ما يكسبه .(1)
وجاء في «الغنية»: ويدل على فساد هذه الشركة أيضاً أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قد نهى عن الغرر وهو حاصل فيها، لأنّ كلّ واحد من الشريكين لا يعلم أيكسب الآخر شيئاً أم لا، ولا يعلم مقدار ما يكسبه .(2)
وقال ابن إدريس: والّذي يدلّ على فساد ذلك كلّه (يعني شركة الأبدان) نهيه (عليه السلام)عن الغرر، وفي هذه غرر عظيم، وهو حاصل وداخل فيها، لأنّ كلّ واحد من الشريكين لايعلم أيكسب الآخر شيئاً أم لا، ولا يعلم مقدار ما يكسبه.(3)
إلى غير ذلك ممّن استدلّ بهذا الحديث.
يلاحظ عليه: أنّ الوارد في النصوص هو النهي عن بيع الغرر، لا    

1 . الخلاف: 2 / 331 .
2 . الغنية: 1 / 264 .
3 . السرائر: 2 / 400 .

52
  نفس الغرر. وعلى فرض التسليم فيختص النهي بموارد الغرر، بمعنى الجهل بمقدار ما يكسبه الشريك الآخر دونما إذا علم ما يكسبه على وجه الإجمال، وأحيانا على وجه التفصيل. ومن حسن الحظ أنّ أكثر شركة الأعمال الّتي يعبّر عنها بشركة الخدمات من هذا القبيل.
1. نفترض أنّ عدداً من المعلمين يؤسّسون مدرسة خاصة يشاركون فيها بتدريس الطلاب الكتابة، والحساب، وتحفيظ القرآن إلى غير ذلك من الدروس.
فإنّ هؤلاء المعلّمين يشتركون في الأُجور الّتي يدفعها الطلاب في آخر السنة أو الفصل.
2. وهكذا الأطباء حينما يؤسّسون مستوصفاً، يعالج كلّ طبيب منهم المرضى حسب تخصّصه، ومن ثم فهم يشتركون في المبالغ الّتي يدفعها المرضى إلى إدارة المستوصف مقابل العلاج.
3. ونظيره مكاتب المهندسين الذين يقومون برسم الخرائط اللازمة لبناء عمارة سكنية، فكلّ مهندس وخبير يرسم الخارطة حسب اختصاصه، فمنهم من يرسم الخارطة الأساسية للبناء، والثاني يخطط لقنوات تكييف الهواء، أو لأنابيب المياه، وغيره للمجاري الصحية، أو لتأسيس الكهرباء، وهكذا.
4. ومثال آخر يتّضح من خلال ملاحظة الشركة الّتي تقوم بتأسيس شبكة الماء في الشوارع والأزقة، فهذه الشركة تتألّف من عدد من    

53
  الأخصائيين والفنين والعمال الماهرين، فكلّ من هؤلاء له عمل خاص به، فهناك من يقوم بالرسم وأخذ القياسات والتخطيط، وهناك من يحفر المجاري والقنوات، وهناك من يوصل الأنابيب بعضها بالبعض، وهكذا.
ففي كلّ هذه الأمثلة يشترك العاملون في إنجاز العمل الكبير، كلٌ من موقعه، ومن بعد الإنجاز فهم يقتسمون الأرباح بينهم لكلّ منهم بحسب عمله واختصاصه بعد إخراج ما تمّ صرفه في مجال عملهم.
وعلى ضوء ذلك فلو كانت هناك اتفاقية بين الشركاء في الأرباح الّتي يحصلون عليها، فلا غرر في البين، ولا ضرر، والغرر الجزئي يعفى عنه.
أضف إلى ذلك: أنّ الشركة في الأعمال كانت هي الأصل في حياة الإنسان القديم والجديد، فإنّ الأدوات اللازمة لإنجاز الأعمال كانت قليلة، والطاقة البشرية لم تكن كافية لإنجاز عمل كبير، فلم يكن بد من الاشتراك بالأعمال.
5. فمثلاً حفرالقنوات كان يقع على عاتق الاشتراك بالأعمال، حيث كان العمال يشاركون في حفر قناة بطول 10 كيلومترات أو أكثر كلّها تحت الأرض يتوسط بين كلّ 50 متر فتحة لإخراج التراب وتمهيد القناة لمرور الماء.
هذه الأعمال ليس شأن عمل فرد واحد، بل هي عمل جماعة يشارك بعضهم البعض حتى يبلغوا الهدف، ولم يرد نهي عنه في المجامع الحديثية .
6. وهكذا قنوات السقي المأخوذة من الأنهار الكبيرة كدجلة والفرات، فهي نتيجة اشتراك جماعة في إنجاز هذا المشروع لغاية الاستفادة منه    

54
  بشكل مشترك في سقي الأراضي الزراعية.
7. وقد صارت الشركة في الأعمال أمراً رائجاً في عامة البلدان غبّ الثورة الصناعية، يرجع إليها الفقيه وغيره من غير أن يدور في خلدهم أنّها شركة باطلة، وأبسط الأمثلة على ذلك هو الاستفادة من مكاتب السيارات الخاصة في التنقل في داخل المدن أو خارجها، إذ ربّما تكون هذه الشركة مؤلفة من شركة الأموال والأعمال.
ويظهر من كلّ من علّل فساد الشركة «بأنّ كلّ شريك لا يعلم أيكسب الآخر شيئاً أم لا، ولا يعلم مقدار ما يكسبه» أنّهم فرضوا المسألة فيما إذا عمل كلّ شريك على انفراد، دون أن يطّلع أحدهما على عمل الآخر، ودون أن تكون علاقة بين العملين، فعندئذ يرد التعليل من أنّ الشريك لا يعلم بما يكسبه الشريك الآخر.
وأمّا على الفروض الّتي ذكرناها أو ما هو الرائج في أيامنا الحاضرة من شركات الخدمات، فالكلّ يصب عمله في مورد واحد معيّن وكلّ يكمّل عمل الآخر، ولذلك قيّد مالك الجواز باتفاق الصنعتين والمكان خلافاً لأبي حنيفة حيث جوّز مع اختلاف الصنعتين فيشترك عنده الدباغ والقصار، ودليل مالك زيادة الغرر الّذي يكون عند اختلاف الصنعتين أو اختلاف المكان .(1) ولكن الميزان هو أن يكون العمل الجماعي عملاً يكمل بعضه بعضاً أو يرفع حاجات الشركة بشكل مترابط.    

1 . بداية المجتهد: 2 / 255.

55
  وحصيلة الكلام في شركة الأعمال: أنّه يجب أن يوصف بالتعاون في البر ويدخل تحت قوله سبحانه: (وَ تَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ)، وعلى ذلك فلابدّ من شمول العمومات لهذا النوع من الشركة من رعاية أُمور:
1. أن تكون الشركة أمراً عرفيّاً ذائعاً بين الناس على نحو يعدّونها من أنواع الشركات، فخرج ما إذا اشتركا في نوعين من الصناعة خصوصاً إذا كانا في مكانين مختلفين لا يربط أحدهما بالآخر إلاّ الاتفاق عند إجراء الصيغة، كما إذا شارك التجار مع الخياط في المنافع، ومن المعلوم أنّ هذا النوع من الشركة غير رائج ولا يرغب فيها العقلاء إلاّ الشذاذ منهم .
2. أنّ ما ذكرنا من الأمثلة إنّما يحتجّ بها إذا كانت الأُجرة لمجموع الأفراد من المهندسين والعمال وغيرهم ممّن يشاركون في العمل ويكون تقسيم الأُجرة حسب اتفاقهم عند تأسيس الشركة، وأمّا إذا كانت هناك عقود متعدّدة حسب اختلاف ماهية العمل فالذي يرسم الخارطة الأساسية للبناء يعقد مستقلاً مع صاحب العمل، كما أنّ المخطط لقنوات تكييف الهواء يعقد أيضاً مستقلاً، وهذا يخرج عن الشركة في الأعمال، لأنّ محور الشركة وحدة العقد لا العقود .
3. أن يكون العقد بين الأشخاص وصاحب العمل وتكون الأُجرة لأنفسهم، سواء أكانت الشركة تمليكة أو عقدية.
وأمّا إذا كان طرف التعهد عنوان الشركة كالرافدين والمتقين بحيث يكون للعنوان شخصية مستقلة فهو الّذي يملك ويعقد ويشترط    

56
  كما سيوافيك تفصيله هذا عند دراسة الشركات الحديثة، فيخرج أكثر هذه الأمثلة عن شركة الأعمال، إذ يكون طرف العهد عندئذ هو نفس الأشخاص، فلا محيص عن تبيين هذه الأمثلة على نحو ينطبق عليه عنوان الشركة في الأعمال.

3. كون المعاملات توقيفية

استدلّ غير واحد من المانعين على أنّ المعاملات توقيفية، ولم يرد في الشرع ما يدلّ على جوازها.
يقول الشيخ الطوسي: العقود الشرعية تحتاج إلى أدلّة شرعية وليس في الشرع ما يدلّ على صحّة هذه الشركة.(1)
وقال السيد المرتضى: إنّ معوّل القائلين بالجواز كلّها على الظنون والحسبان والرأي والاجتهاد، ومرجعنا فيما نذهب إليه فيها إلى توقيف، فما قلناه أولى .(2)
وقد استدلّ به صاحب الجواهر، وقال في رد استدلال القائل بالجواز بقوله تعالى: (إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاض)(2) ما هذا نصّه : والتراضي بما لم تثبت شرعيته غير مجد، والمراد بالتجارة عن التراضي ما ثبت التكسّب به شرعاً.(3)    

1 . الخلاف: 3 / 331 .   2 . الانتصار: 230.
2 . النساء: 29 .
3 . الجواهر: 26 / 296 .

57
  يلاحظ عليه: مإذا يريد من توقيفية المعاملات؟ فإنّ لكلامه احتمالين:
1. أنّ الشركة في الأعمال لم تكن موجودة في عصر الرسالة، حتّى تشمله العمومات والإطلاقات فإن أراد ذلك فهو مردود بما ذكرنا من أنّ الشركة في الأعمال أصل عقلائي بنى عليه، صرح الحياة، وقد مرّ أنّ الحياة البدائية للإنسان كانت مشحونة بهذا النوع من التعاون والتعاضد وعلى هذا فالأدلّة العامة تشملها بلا ترديد.
نفترض أنّه لم تكن موجودة في عصر الرسالة لكن الأدلّة تشمل كل عقد عقلائي، سواء أكان موجوداً في عصر الرسول أم لا، غاية الأمر يجب أن يكون مجرداً عمّا حرّمه الله كالربا والغرر، والشرط المخالف لمقتضى العقد أو الكتاب والسنة.
ويؤيد ذلك أنّ تعليق الحكم بالوصف مستمر بالعلّية، فإيجاب الوفاء بالعقود إنّما هو لأجل كونه عقداً وتعهداً والتزاماً، ومن المعلوم أنّ نقض العهد على خلاف كرامة الإنسان، وعلى هذا فلا فرق بين العقد الرائج في عصر الرسالة والرائج بعده، لأنّ الموضوع لوجوب الوفاء هو العهد .
فالمعاملات إذا لم تكن منهياً عنها ـ لا موضوعاً ولا شرطاً ـ فهي مواثيق بين المتعاملين يجب الوفاء بها، وعلى ضوء ذلك فكلّ عقد عقلائي ينعقد بين فردين يجب الوفاء به بشرط أن لا يكون ممّا حرمه الله سبحانه، كما إذا كان ربوياً أو غررياً أو غير ذلك، وبالجملة فكلّ معاملة لم يكن فيها عنصر ممّا حرمه الله وضعاً أو تكليفاً، جزءاً أو شرطاً، فهو واجب الوفاء.    

58
  2. أنّ الشركة في الأعمال كانت موجودة في عصر الرسالة، لكن وجودها في عصرها لا يكفي إلاّ إذا علم رضى الشارع بهذا النوع من العقد والظاهر أنّ عبارة الجواهر ناظرة إلى هذا الاحتمال حيث قال: إنّ المراد التراضي بما شرعه الله .
يلاحظ عليه: انّه لو اريد ذلك لا تسد باب التمسك بالعمومات في الموارد المشكوكة، لأنّه إذا كان الموضوع هو البيع والعقد الشرعيين أو التراضي بشيء عُلمت شرعيته، يصير بالعمومات من قبيل التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية.
وقد طرح الشيخ الأنصاري إشكال صاحب الجواهر في تعريف البيع وأجاب عنه بأنّ الموضوع للحلية ووجوب الوفاء هو البيع والعقد العرفيان إلاّ ما خرج بالدليل. فتكون شرعية الشيء عند العرف طريقاً إلى شرعيته عند الشرع، إلاّ إذا قام الدليل على تخلّف الطريق كما في بيع الكلب والخنزير ، أو سائر المحرمات.

4. تمليك المعدوم

يظهر من السيد الخوئي أنّ وجه البطلان هو أنّها من قبيل تمليك المعدوم، ولذلك فصّل في المقام بين الشركة في الأُجرتين اللتين تحصل لهما من عملهما وبين الشركة في نفس المنفعة ; أمّا الأوّل فقال: لا ينبغي الإشكال في بطلانها لما تقدّم غير مرّة من عدم الدليل على صحّة تمليك المعدوم فإنّه ليس للإنسان أن يملك غيره ما لا يملكه بالفعل.
وأمّا الثاني ـ أعني: الشركة في نفس المنفعة ـ فهو أن يملك كلٌ    

59
  منهما نصف خياطته في ذلك اليوم له، فلا وجه لبطلانها فإنّها من شركة المنافع، وقد عرفت صحّتها بناءً على عدم اعتبار الامتزاج.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه لا مانع من تمليك المعدوم عند وجود المقتضي، وهو استعداد كلّ شريك للعمل المربح، ولذلك يصح اشتراط تمليك ثمرة شجرة معيّنة عند البيع فيقول: اشتريت الثوب بشرط أن تكون ثمرة هذه الشجرة في الصيف لي وما هذا إلاّ لوجود المقتضي للإثمار. أضف إلى ذلك: لا مانع من تمليك المعدوم بشرط الوجود وهو أمر عرفي.
وثانياً: فإن أراد من تمليك نصف خياطته في ذلك اليوم، تمليكه قبل العمل فهو أيضاً من قبيل تمليك المعدوم، وإن أراد بعده فهوخارج عن نصب البحث، لأنّه منعقد على عقد الشركة مثل الاشتغال بالعمل.

5. عدم المزج

يظهر من الحلبي أنّ المانع هو عدم وجود المزج بين العملين فإنّه بعد ما عرّف الشركة بقوله: أن تكون في مالين متجانسين إذا اختلطا اشتبه أحدهما بالآخر، فرّع على هذا بطلان شركة الأبدان، وذلك لعدم المزج فيها .(1)
وقال في المسالك: لأنّ كلّ واحد متميّز ببدنه ومنافعه، فيختص بفوائده، كما لو اشتركا في مالين منهما متميزان .(2)    

1 . غنية النزوع: 1 / 263.
2 . مسالك الأفهام: 4 / 307 .

60
  يلاحظ عليه: أنّ المزج هو شرط في الشركة الملكية لا الشركة العقدية، والأساس في الثاني هو العقد، سواء أكان هناك مزج أم لا.

6. من قبيل شركة المنافع

إنّ شركة الأعمال قسم من شركة المنافع وهي باطلة.
يلاحظ عليه: أنّ بطلان شركة المنافع أوّل الكلام، إذ يقع السؤال عن الفرق بين تمليك عمل الإنسان منفعة عمله لشخص آخر، بالإجارة تارة وبالشركة أُخرى فيجوز في الأوّل دون الثاني مع أنّه تفكيك بلا وجه، إذ كيف يجوز تمليك منفعة داره ولا يجوزتمليك منفعة عمله.
على أنّ شركة الأعمال غير شركة المنافع وإن كانت النتيجة واحدة.
إلى هنا تبيّن أنّه ليس في المسألة دليل شرعي قاطع يعتمد عليه في الحكم بالبطلان، وعندئذ يكون المعتمد هو العمومات والإطلاقات السالمة عن الدليل بالخلاف.
وأمّا أصالة الفساد الّتي ركن إليها صاحب الجواهر في كلامه فهي محكومة بالدليل الاجتهادي والسيرة العقلائية عبر الزمان من دون ردع.(1)
إلى هنا ظهر أنّه لا دليل صالح يركن إليه في الإفتاء بالبطلان أنّ الدليل الوحيد لتجويز هذه الشركة هو العمومات والإطلاقات أوّلاً، والسيرة العقلائية عبر الزمان ثانياً .    

1 . جواهر الكلام: 26 / 296 .

61

  ابن حزم وبطلان شركة الأعمال

إنّ ابن حزم مؤخّر الظاهريين أفتى بعدم جواز الشركة بالأبدان مطلقاً، وقال: لا تجوز الشركة بها أصلاً، لا في دلالة، ولا في تعليم، ولا في خدمة، ولا في عمل يد، ولا في شيء من الأشياء، فإن وقعت فهي باطل لا تلزم ولكلّ واحد منهم أو منهما ما كسب، فإن اقتسماه وجب أن يُقضى له بأخذه.
ثم استدلّ بوجوه إمّا لا صلة لها بالموضوع، أو لا دلالة لها. أمّا الأوّل، فكالتالي:
1. قوله تعالى: (وَ لاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْس إِلاَّ عَلَيْهَا)(1).
2. قوله تعالى: (لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَ عَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ)(2).
3. قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ دماءكم وأموالكم عليكم حرام». (2) وفسّره بقوله: فلا يحل أن يقضى بمال مسلم أو ذمّي لغيره، إلاّ بنص قرآن أو سنّة، وإلاّ فهو جور .
وأمّا الثاني فاستدلّ عليه بقوله تعالى: (لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاض مِنْكُمْ)(3) .(4)    

1 . الأنعام: 164 .   2 . البقرة: 286 .
2 . سنن البيهقي: 5 / 8 ; صحيح البخاري: 1 / 35 .
3 . النساء: 29 .
4 . المحلّى: 8 / 122 ـ 124 .

62
  أقول: أمّا الآية الأُولى فهي ناظرة إلى الأُمور الأُخروية بشهادة صدرها وذيلها، أمّا الصدر فيقول سبحانه : (قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبًّا وَ هُوَ رَبُّ كُلِّ شَيء وَ لاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْس إِلاَّ عَلَيْهَا)، أمّا الذيل فقوله تعالى: (وَ لاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ)، ومجموع الآية يدلّ على أنّها بصدد بيان أنّ كلّ إنسان مسؤول عن أعماله، وهو يتحمّل وزر عمله لا غير، ولا صلة للآية بما إذا اتّفق العاملان على أن يحفرا بئراً لإنسان مسلم يسقي منه زرعه، فليس هناك عمل سيِّئ حتى يكون عليها لا على غيرها، ولا وزر تتحمّله هي لا غيرها.
وأمّا الآية الثانية فهي بصدد بيان أنّ لكلّ إنسان ما له وما عليه، وهذا لا ينافي أن يملك الإنسان ما يملك لغيره بعقد مرضي بينهما.
فنتيجة عمل كلّ إنسان له ولكن له أيضاً أن يشارك الغير فيه .
وأمّا قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)فهو بصدد بيان حرمة دم المسلم وماله، ولكن أين هذا من عدم جواز أن يهب المسلم ماله بطيب النفس للغير .
وأمّا الثالثة ـ وإن كان لها صلة بالموضوع ـ إلاّ أنّ الدلالة ضعيفة، وذلك لأنّ الاستدلال إمّا بصدرها، أعني قوله سبحانه: (لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ)، فيلاحظ عليه بأنّ الباء في قوله: (بِالْبَاطِلِ) للسببية، والمراد هو الأكل بالأسباب الباطلة كالرشوة والقمار والغصب. وكون الشركة في الأعمال بطيب النفس من الأسباب الباطلة، أوّل الكلام.
وإمّا بذيلها ـ أعني: (إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاض) ـ فالمفروض وجود التراضي.    

63

  أدلّة المجوّزين من السنّة

ثم إنّ فقهاء السنّة استدلّوا بوجه غير ناهض لإثبات الجواز، فهؤلاء مكان أن يعتمدوا على العمومات والإطلاقات وعلى السيرة العقلائية غير المردودة من جانب الشرع استدلّوا بما روى أبو عبيدة عن عبدالله بن مسعود قال: أشرك رسول الله بيني وبين عمّار وسعد بن أبي وَقاص، فجاء سعد بأسيرين ولم يجيئا بشيء.(1)
فإن قلت: إنّ الحديث لا يدل على المطلوب، إذ ليس فيه أنّ هؤلاء اشتركوا فيما يغتنمونه في الحرب ثم خاضوا في ميادينها إنّما يدل على أنّ سعداً أتى بأسيرين دون الآخرين وأشرك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بينهم.
قلت: الظاهر خلاف ما ذكر بشهادة قوله: «فجاء سعد»، فإنّ توسط «الفاء» حاك عن المراد من قوله: «أشرك» أي عقد الإشراك بينهم ويشهد على ما ذكر صورة أُخرى للحديث .
قال: اشترك سعد بن أبي وقاص وعبدالله بن مسعود وعمّار بن ياسر فيما يغتنمونه، فأتى سعد بأسيرين ولم يأتيا بشيء، فأقرّهما النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). قال أحمد: أشرك النبي بينهم.(2)    

1 . المغني: 5 / 111. ولاحظ ما رواه البيهقي في سننه : 6 / 79، باب الشركة في الغنيمة; والدارقطني في سننه: 3 / 31. والحديث ضعيف لوجود الانقطاع بين أبي عبيدة وأبيه ـ أعني: عبدالله بن مسعود ـ لأنّه لا يروي عن أبيه شيئاً. لاحظ إرواء الغليل: 5 / 295 ; المحلّى: 8 / 122 .
2 . تذكرة الفقهاء: 16 / 315. أخرجه أبو داود برقم 3388، وابن ماجة برقم 2288 ; سنن البيهقي: 6 / 79. والسند أيضاً مثل السابق منقطع، لأنّ أبا عبيدة لا يروي عن أبيه شيئاً.

64
  وأجاب عنه العلاّمة بوجهين:
1. الغنائم مشتركة بين الغانمين بحكم الله تعالى فكيف يصحّ اختصاص هؤلاء بالشركة فيها؟
2. لا نسلّم أنّ سعداً أعطاهم على سبيل الوجوب، بل أراد التبرّع والوفاء بالوعد الّذي لا يجب إنجازه، أمّا على سبيل اللزوم فلا.(1)
وهناك جواب آخر وهو: أنّ غنائم بدر كانت لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فكان له أن يدفعها إلى مَنْ شاء، فيحتمل أن يكون فَعَل ذلك لهذا، وذلك بشهادة قوله سبحانه: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ للهِ وَالرَّسُولِ)(2)، وقد فسّروا الأنفال في الآية بالغنائم الّتي حازها المسلمون في غزوة بدر.
نعم الأنفال في مصطلح الفقهاء هو الفيء الوارد في قوله سبحانه: (وَمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْل وَلاَ رِكَاب وَلَكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيءْ قَدِيرٌ * مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَللهِ وَلِلرَّسُولِ وَلذِي الْقُرْبى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)(3).
والأنفال في مصطلح الحديث أيضاً هي الفيء، بل أوسع من ذلك    

1 . تذكرة الفقهاء: 16 / 315 .
2 . الأنفال: 1 .
3 . الحشر: 6 ـ 7 .

65
  من رؤوس الجبال وبطون الأودية و... (1)
وفي الختام نلفت نظر القارئ إلى نكتة وهي أنّ شركة الأعمال كانت في الأزمنة السابقة شركة في الأعمال فقط، دون أن تكون مقرونة بالأموال، وأمّا في العصر الحاضر فإنّ شركات الخدمات هي في الواقع تتألف من شركة الأعمال وشركة الأموال، أي أنّها مزيج منهما، وهذا ينطبق على ما ذكرناه من الأمثلة، فالأطباء الذين أسّسوا المستوصف، فإنّ الأجهزة الطبية والأدوات واللوازم الخاصة بالفحص والعلاج كلّها ملك الأطباء، فهم يعملون بواسطة هذه الأموال.
وكذلك مكاتب المهندسين، فهم يمتلكون أدوات الرسم الهندسي، ويعملون بواسطتها.
وعلى ضوء هذا فإبطال هذا النوع من الشركة بوجوه غير ناهضة، أو الاحتياط في مقام الإفتاء بعدم الجواز، يوجب شل الحياة الاجتماعية والاقتصادية في المجتمعات.
وأقصى ما يمكن أن يقال هو: أنّه يجب على المشاركين عقد الشركة على وجه يحدد عمل المشاركين بنحو يرفع الجهل والغرر غير المعفو من أعمالهم.    
***

1 . الوسائل: 7، الباب 1 من أبواب الأنفال.

66

  تصحيح شركة الأعمال

ثم إنّ غير واحد من الفقهاء لمّا أحس بضرورة هذا النوع من الشركة صاروا إلى تصحيحها بوجه آخر، نذكر منهم:
1. المحقّق الأردبيلي ـ فإنّه (قدس سره)لمّا واجه الإجماع على البطلان ـ حاول التصحيح بوجه آخر وقال ـ كما مرّ ـ فإنّه يرجع إلى الوكالة في بعض الأُمور، وتمليك مال في البعض الآخر ] في مقابل مال آخر [، وبذل نفس وعمل في مقابلة عوض، ولا مانع عنه في العقل والشرع .(1)
2. السيد الطباطبائي اليزدي، إذ قال: ولو أرادا الاشتراك في ذلك صالح أحدهما الآخر نصف منفعته المعيّنة أو منافعه إلى مدة كذا بنصف منفعة أو منافع الآخر، أو صالحه نصف منفعته بعوض معيّن وصالحه الآخر أيضاً نصف منفعته بذلك العوض .(2)
3. السيد الخوئي فقد صحّح شركة الأعيان عن طريق كونها شركة في المنافع وأن يملك كُلٌّ منهم نصف خياطته في ذلك اليوم لصاحبه في قبال تمليك صاحبه نصف خياطته في ذلك اليوم له. نعم لو كان مصبُّ الشركة هو الأُجور المحصّلة فلا يجوز، لأنّه من مقولة تمليك المعدوم.(3)
ولا يخفى أنّ ما ذكروه وإن كان موافقاً للاحتياط، ولكنّه أمر لا يخطر    

1 . مجمع الفائدة والبرهان: 10 / 193 .
2 . العروة الوثقى: فصل في أحكام الشركة، المسألة 1 .
3 . مباني العروة الوثقى: 3 / 245 .

67
  ببال أحد من المتشاركين. وكان الأولى صرف الهمة إلى تصحيحها لا إلى إرجاعها إلى أمر مغفول عنه عند المتشاركين. على أنّك قد عرفت الإشكال في قوله: «ولا يجوز تمليك المعدوم».
***

شركة الأعمال فرع من الشركات المعنوية

إلى هنا جرينا على غرار ما ذكره الأصحاب حول شركة الأعمال، إذ أنّهم صوّروها بصورة شركة بسيطة بين شخصين يصبان جهودهما في عمل جزئي خاص، وهناك أمر آخر ربّما يندفع به أكثرما أُشكل عليها، وهو: أنّ الشركة في الأعمال من أقسام الشركة المعنوية بمعنى أنّ الشركة ـ نفسها ـ تعتبر شخصاً اعتبارياً قانونياً يتمتع بجميع الحقوق إلاّ ما كان منها ملازماً لصفة الإنسان الطبيعية ولها ذمة مالية مستقلة، فبعد إجراء أُمور تعتبرها القوانين المدنية للبلد يصبح عنوان الشركة مالكاً لعامة الأموال والمنافع الّتي تدرها ويكون الأعضاء هم أصحاب الحق في الشركة، وعلى ضوء ذلك فالعمال كلهم يعملون لهذه الشخصية الاعتبارية، ويملّكون منافع أيديهم لها، لا لواحد من الشركاء ولا لاثنين منهم، بل الكلّ في خدمة الشركة حتى تجتمع المنافع في الشركة. نعم بمجرد قسمة الأموال تبطل الشركة ولا يبقى منها أثر.
وعلى ضوء ذلك فما أُثير حولها من الإشكال فالجميع مندفع أيضاً بما عرفت، والّذي يحتاج إلى التوضيح هو حل الإشكال الثالث ـ أعني: توقيفية المعاملات ـ فيندفع أيضاً بوجود هذا النوع من الشخصية الاعتبارية    

68
  في الشريعة الإسلامية، نظير:
1. بيت المال الذي له عنوان اعتباري يتملّك ما يرجع إلى الدولة الإسلامية من الأموال.
2. الزكوات فإنّ المالك لها هو عنوان الفقراء لا مصاديقهم، وإنّما هم مصارف لها.
3. الخمس فإنّ المالك له هو مقام الإمامة والولاية كما هو الوارد في رواية أبي علي بن راشد قال: قلت لأبي الحسن الثالث (عليه السلام): إنّا نؤتى بالشيء، فيقال: هذا كان لأبي جعفر (عليه السلام)عندنا، فكيف نصنع؟ فقال: «ما كان لأبي (عليه السلام)بسبب الإمامة فهو لي، وما كان غير ذلك فهو ميراث على كتاب الله وسنّة نبيه».(1)
فإنّ ظاهر العبارة أنّ المالك للخمس هو مقام الإمامة والخلافة من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم). وأمّا الموارد فهي مصارف لا أنّهم مُلاّك حقيقة .
4. الأراضي المفتوحة عنوة ملك لعنوان المسلمين الذي يصدق على الموجودين والمعدومين.
روى محمد الحلبي قال: سُئل أبوعبدالله (عليه السلام)عن السواد ما منزلته؟ فقال: «هو لجميع المسلمين لمن هو اليوم، ومن يدخل في الإسلام بعد اليوم، ولمن لم يخلق بعد» (2) .    

1 . الوسائل: 7، (كتاب الخمس) الباب 2 من أبواب الأنفال، الحديث 6 .
2 . الوسائل: 17، الباب 18 من أبواب إحياء الموات، الحديث 1 .

69
ولا تصح أيضاً شركة الوجوه، وهي أن يشترك اثنان وجيهان لا مال لهما بعقد الشركة على أن يبتاع كلّ منهما في ذمّته إلى أجل، ويكون ما يبتاعه بينهما فيبيعانه ويؤدّيان الثمن ويكون ما حصل من الربح بينهما. وإذا أرادا ذلك على الوجه الصحيح وكَّل كلّ منهما الآخر في الشراء فاشترى لهما وفي ذمتهما.*
  على أنّك عرفت أنّ توقيفية المعاملات لا تنسجم مع كون الإسلام ديناً خالداً وشريعة خالدة إلى يوم القيامة، وقد ملأت الشركات المعنوية العالم من غير فرق بين البلاد الإسلامية وغيرها.

* 4. شركة الوجوه

أقول: قد عُرّفت شركة الوجوه بتعاريف مختلفة أشهرها ما ذكره المصنّف في المتن، واعترف به العلاّمة في «التذكرة» فقال: شركة الوجوه فسّرت بمعان أشهرها: أن يشترك اثنان وجيهان عند الناس لا مال لهما ليبتاعا في الذمة، إلى أجل، على أن ما يبتاعه كلّ واحد منهما يكون بينهما ثم يبيع كلّ منهما ما اشتراه ويؤدي منه الثمن فما فضل فهو بينهما.(1)
وإنّما سمّي بهذا الاسم لاشتراك وجهين (2) .
ثمّ إنّ في شركة الوجوه احتمالات ناشئة من قول المصنّف: «في    

1 . تذكرة الفقهاء: 16 / 312 .
2 . يقال رجل وجه: ذو جاه وقدر. وعرّفها في السرائر بقوله: أن يشتركا على أن يتصرف كلّ واحد منهما بجاهه لا برأس ماله على أن يكون ما يحصل من فائدة بينهما. السرائر: 2 / 399 ـ 400 .

70
  ذمّته إلى أجل» وقول العلاّمة: «في الذمّة إلى أجل» فظاهر العبارة الأُولى كون الثمن في ذمة الشريك المبتاع، وظاهر عبارة التذكرة أنّ الثمن في ذمّتهما، وهذا صار مبدأ الاحتمالات التالية:
الأوّل: أن يبتاع كلّ من الشريكين، والمثمن والربح لهما. والثمن في ذمّة الشريك المبتاع.
الثاني: أن يبتاع كلّ من الشريكين والمثمن لهما والربح بينهما. والثمن في ذمّتهما.
الثالث: أن يبتاع كلّ من الشريكين لنفسه (والمثمن للمشتري) بثمن في ذمّته على أن يكون الربح بينهما .
أمّا الاحتمال الأوّل ـ أعني: أن يكون الثمن في ذمّة المشتري، والمثمن والربح لهما ـ فهو يناقض الضابطة الكلّية من دخول المعوض في ملك يخرج العوض عن ملكه، والمفروض أنّ الثمن في ذمّة المشتري، (المبتاع) فكيف يدخل المعوض في ملك كليهما؟
وأمّا الاحتمال الثاني وهو أن يبتاع كلّ من الشريكين والثمن في ذمّتهما والمثمن والربح لهما فيكون الشراء للآخر فضولياً، ولا يصح هذا إلاّ بإجازته حتى يقع الشراء له أيضاً، إلاّ أن يقال: إنّ عقد الشركة إذن عام في أن يشتري له أيضاً .
وأمّا الثالث وهو أن يبتاع كلّ من الشريكين لنفسه بثمن في ذمّته على أن يكون الربح بينهما. ويتوجّه عليه الإشكال المذكور في الاحتمال الأوّل،    

71
  فإنّ الربح تابع للأصل، فإذا كان المبيع مختصاً لأحدهما فكيف يكون الربح بينهما؟!
وهناك احتمال رابع، وهو أن يتعاقد اثنان فأكثر بدون ذكر رأس مال على أن يشتريا نسيئة ويبيعا نقداً، ويقتسما الربح بينهما بنسبة ضمانهما للثمن (1).
ولا يخفى أنّ هذا الوجه هو نفس الوجه الثالث لكن الربح في الثالث بينهما بالمناصفة وهنا بنسبة ضمانهما للثمن. مثلاً لو اشترى عيناً نسيئة وقيمتها مائة دينار ثم باعها وربح، واشترى الآخر عيناً أُخرى ثمنها خمسون ديناراً في الذمّة ثم باعها وربح، فالأرباح تقسّم بينهما أثلاثاً، لأنّ الأوّل ضمن ضعفين فيكون له من الربح سهمان وللآخر سهم واحد .
نعم يرد عليه ما مرّ من الإشكال في الأوّل والثالث.
وحصيلة الكلام: أنّه إذا كان الثمن في ذمة المشتري كما هو الحال في الاحتمال الأوّل والثالث والرابع، فيرد عليه الإشكال بأنّ الثمن إذا كان على ذمّة المشتري كيف يكون المبيع وربحه مشتركاً بينه وبين الشريك؟ دونما إذا كان الثمن على ذمّتهما فيصح تملّك الشريك المثمن وربحه بالإجازة المتأخّرة، أو كون الشركة إذناً في الشراء.
هذا كلّه حول التفسير الأوّل لشركة الوجوه. وهناك تفسيرات أُخرى ذكرها العلاّمة في «التذكرة»، وإليك ذكرها ثم الكلام عن أحكامها:    

1 . الموسوعة الكويتية الفقهية: 26 / 37، نقلاً عن فتح القدير: 5 / 30 .

72
  1. أن يبتاع وجيه في الذمّة ويفوّض بيعه إلى خامل، ويشترطا أن يكون الربح بينهما.
2. أن يشترك وجيهٌ لا مال له وخاملٌ ذو مال (1) ليكون العمل من الوجيه والمال من الخامل، ويكون المال في يده لا يسلّمه إلى الوجيه، والربح بينهما.
3. أن يبيع الوجيهُ مالَ الخامل بزيادة ربح ليكون بعض الربح له .
وتسمية هذه الأقسام بشركة الوجوه من قبيل تسمية الكلّ باسم الجزء، إذ المفروض أنّ أحدهما له وجه دون الآخر.
وأمّا أحكامها، فالأوّل يصح إذا وكّل الوجيهُ الخاملَ في بيع المثمن، بشرط أن يكون الربح بينهما، ووجهه أنّ الوجيه لوجهاته يشتري العين بثمنها الواقعي ولا يكون مغبوناً، بخلاف الخامل فإذا دفع المثمن إلى الخامل ليبيعه فيربح قطعاً، فيكون الربح بينهما حسب الاشتراط في الوكالة.
وأمّا الثاني فصحّته لا تحتاج إلى بيان، لأنّه من باب المضاربة.
وأمّا الثالث فهو عكس الأوّل، فإذا وكله الخامل وشرط كون الربح بينهما، يصحّ البيع .
فالأوّل والثالث من الوكالة، والثاني من باب المضاربة.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ ادّعاء الإجماع على بطلان شركة الوجوه مع هذه الاحتمالات الكثيرة، أمر غيرتام، إذ لم يتعيّن معقد الإجماع حتى يدّعى عليه. ولابدّ من عرضها على الضوابط الكلّية كما عرفت .

1 . المراد من المال ما يصلح أن يقع ثمناً، عيناً كان كالدينار والدرهم، أو لا كالأوراق النقدية.

73
وشركة المفاوضة أيضاً باطلة، وهي أن يشترك اثنان أو أزيد على أن يكون كلّ ما يحصل لأحدهما من ربح تجارة أو زراعة أو كسب آخر أو إرث أو وصية أو نحو ذلك مشتركاً بينهما، وكذا كلّ غرامة ترد على أحدهما تكون عليهما. *

* 5. شركة المفاوضة

سمّيت بالمفاوضة، بمعنى شركة المساواة لأنّها من تفاوض الشريكين في المال: تشاركا فيه وتساويا، يقال: قوم فوضى: أي متساوون لا رئيس لهم، ومنه قولهم: «لا يُصلح الناس فوضى لاسراة لهم»: متساوون لا سادة لهم يفصلون خصوماتهم .
وقد استُدلّ على بطلانها بوجهين:
الأوّل: أنّ ربح العين كلّه يكون لصاحبه، فانتقال بعضه إلى غير صاحبه خلاف الضابطة.
وأنّ الغرامة تكون على صاحبها، فثبوتها على غيره خلاف الدليل .(1)
وقد أُورد عليه: أنّ ما ذُكر مقتضى إطلاق الدليل فلا مانع من تقييده بالاشتراط في ضمن عقد لازم لأنْ يدخل في ملك المشروط له بعد أن يدخل في ملك المشروط عليه، لا قبل أن يدخل. نظير اشتراط شيء من الربح للعامل في المضاربة، فإنّ المراد به اشتراط أن يدخل الربح في ملك العامل بعد    

1 . المستمسك: 13 / 21.

74
فانحصرت الشركة العقدية الصحيحة بالشركة في الأعيان المملوكة فعلاً وتسمّى بشركة العنان.*
  أن يدخل في ملك المالك لا قبله ليكون خلاف الأدلّة الأوّلية.
يلاحظ على التصحيح: أنّ ما ذكره ليس تصحيحاً للشركة، بل محاولة لتصحيح النتيجة. ولو بالاشتراط في ضمن عقد لازم.
الثاني: ما عليه السيد الخوئي (رحمه الله) من أنّه من قبيل تمليك ما قد يملك في المستقبل، وهو باطل جزماً .(1)
والأَولى أن يقال: إنّها معاملة مغمورة مبهمة، غير عقلائية، لا تشملها العمومات والإطلاقات ويكون المرجع أصالة الفساد ولا تقاس بشركة الوجوه، فإنّ دائرة الشركة فيها ضيقة حيث تختص بالبيع، وقد مرّ بطلان قسم وصحة قسم آخر، بخلافها فإنّها تعمّ كلّ فائدة وخسارة طول العمر فيشارك الآخر حتى فيما يلزمه لعدوان وغصب وضمان، فأيّة معاملة أخطر منها.(2)
وممّا يجدر ذكره: أنّ شركة المحاصة ـ أي الشركات الحديثة ـ أشبه بشركة المفاوضة كما سيوافيك بيانه في الفصل الثاني من الكتاب.
* قد تبين ممّا سبق صحّة الشركة في الديون والمنافع والأعمال، بل الوجوه في بعض صورها.
وأمّا تسمية الشركة في الأعيان بشركة العنان، فقد ذكروا له    

1 . مباني العروة الوثقى: 3 / 246 .   2 . السرائر: 2 / 400 .

75
  وجوهاً سبعة.(1)
من عنان الدابة، إمّا لاستواء الشريكين في ولاية الفسخ والتصرف، واستحقاق الربح على قدر رأس المال كاستواء طرفي العنان، أو كاستواء الفارسين إذا سوّيا بين فرسيهما في السير، أو لأنّ كلّ واحد منهما يمنع الآخر من التصرف كما يشتهي كمنع العنان الدابة، لأنّ الآخذ بعنان الدابة حبس إحدى يديه على العنان، ويده الأُخرى مطلقة يستعملها كيف شاء، كذلك الشريك منع بالشركة نفسه من التصرف في المشترك كما يريد، وهو مطلق اليد بالنظر إلى سائر أمواله.
وقيل: من «عَنَّ» إذا ظهر، إمّا لأنّه ظهر لكلّ منهما مال صاحبه، أو لأنّها أظهرُ أنواع الشركة، ولذلك أجمع على صحّتها.
وقيل: من المُعانّة، وهي المعارضة، فإنّ كلّ واحد منهما عارض بما أخرجه من ماله ما أخرجه الآخر.(2)

1 . أربعة منها لأجل مناسبة بينها وبين عنان الدابة، واثنان منهما مبنيان على أخذه من الظهور، وواحداً منها على أخذه من المعارضة.
2 . تذكرة الفقهاء: 16 / 310 ; جامع المقاصد: 8 / 10 ; مسالك الأفهام: 4 / 310 .

76
المسألة 2: لو استأجر اثنين لعمل واحد بأُجرة معلومة صح وكانت الأُجرة مقسمة عليهما بنسبة عملهما، ولا يضر الجهل بمقدار حصة كلّ منهما حين العقد. لكفاية معلومية المجموع، ولا يكون من شركة الأعمال التي تكون باطلة، بل من شركة الأموال، فهو كما لو استأجر كلّ منهما لعمل وأعطاهما شيئاً واحداً بأزاء أُجرتهما.*

* عقد الشركة بين المالك والعمال

لو استأجر اثنين لعمل واحد كنقل المتاع من مكان إلى مكان آخر أو خياطة ثوب واحد بأُجرة معلومة صحّ وكانت الأُجرة مقسمة عليهما بنسبة عملهما ويمكن الإشكال بوجهين:
1. الجعل بمقدار حصة كل منهما حين العقد.
وأجاب عنه المصنّف بكفاية معلومية المجموع، غاية الأمر لو تساويا في العمل يقتسمان الأُجرة على وجه التساوي وإن اختلفا، يأخذ كل حسب مقدار عمله.
2. أنّه من قبيل شركة الأعمال. وأجاب عنه أيضاً بوجهين:
الأوّل: أنّه ليس من شركة الأعمال، بل من شركة الأموال، وذلك لأنّ العقد في الأولى بين العاملين، بخلاف المقام فإنّ العقد هنا بين المالك والعاملين.
الثاني: أنّ المقام أشبه باستجارة عاملين لكلّ منهما عمل    

77
  خاص وأعطاهما شيئاً واحداً بإزاء أُجرتهما، كما لو استأجر زيداً لعمل كالخياطة بنصف دينار وبكراً لعمل آخر كالنجارة، مثله، فأعطاهما ديناراً ليقتسماه، فإنّه صحيح بلا إشكال.
هذا ما يرجع إلى إيضاح المتن، والتحقيق أنّ هنا صوراً تختلف أحكامها:
1. إذا استأجر عاملين لعمل من سنخ واحد بأُجرة معيّنة، ككنس البيت الكبير، وحفر الأرض في مساحة معيّنة، صح العقد لأنّه يُريد توزيع العمل بينهما نصفين متساويين، فيكون مرجع إجارتهما كذلك، إجارة كلّ منهما على نصف العمل بنصف الأُجرة، وعندئذ استحق كلٌّ نصف الأُجرة، وهذا صحيح; ولو عمل أحدهما أزيد من الآخر أو شكَّ في الزيادة فسيأتي حكمه في آخر البحث ، وليس هناك جهل بالنسبة إلى مقدار العمل ولا إلى مقدار الأُجرة، أي لا جهل بالنسبة إلى ما يستحقه المالك على ذمّة العاملين كما لا جهل لما يستحقه العاملان على ذمّة المالك. كما أنّه ليس من شركة الأعمال لما مرّ.
فإن قلت: إنّ بطلان العقد لأجل وجود جهلين:
1. جهل المستأجر بمقدار العمل الّذي يملكه في ذمّة كلّ من الأجيرين.
2. جهلهما بما يخصّ كلاًّ منهما من الأُجرة في ذمّة المستأجر فإنّه قادح في الصحّة والعلم بمجموع العملين والأُجرتين لا ينفع في الصحة بعد الجهالة بما لكلّ واحد منهما، وما عليه.(1)
قلت: إنّ الشركة العقدية على النحو المذكور أمر رائج لا يدور    

1 . مباني العروة الوثقى: 3 / 246 ـ 247 .

78
  الجهل في خلد أحد من المستأجر والأجيرين، لا جهل المستأجر بما يملكه ـ من العمل ـ في ذمّة كلّ من الأجيرين، ولا جهل كل منهما بما يملكه ـ من الأُجرة ـ في ذمة المستأجر.
وذلك لوجود انصراف العقد في أمثال المقام إلى توزيع العمل بينهما على وجه التساوي، فيرتفع به جهل المستأجر بما يملك في ذمّة كلّ من الأجيرين حيث يملك في ذمّة كلّ، نصف العمل، وبالتالي يرتفع جهل كلّ من الأجيرين بما يملك كلّ في ذمّة المستأجر، حيث يملك في ذمّته من الأُجرة حسب العمل الّذي تُرِكَ عليه .
ويترتّب على ما ذكرنا من الانصراف أنّه لا يجوز لأحد الأجيرين التجاوز إلى نصف الآخر بأن يعمل أكثر ممّا ترك عليه من النصف، ولو تجاوز وعمل لا يستحق شيئاً من الأُجرة لعدم الإذن من الشريك فيكون عمله تبرعيّاً محضاً إلاّ أن يكون بينهما اتفاق على العمل الزائد.
2. إذا استأجر عاملين لعملين متجانسين أو مختلفين بعقدين ، كلّ بأُجرة معيّنة، مثلاً نصف دينار، وبعد إنجازهما العمل أعطاهما ديناراً واحداً ليقتسماه، وهذا ممّا لا إشكال فيه، بل لا شركة فيه، لأنّه عقد مع كلّ، عقداً مستقلاً، فكلّ يملك نصف دينار في ذمّة المالك، فله أن يدفع لكلّ عامل نصف دينار، كما أنّ له أيضاً أن يدفع لهما ديناراً واحداً ليقتسماه، بشرط رضاهما بذلك. وهذا المذكور في المتن استطراداً .
3. اذاعقد المالك عقد شركة مع عدد من العمال لهم خبرات مختلفة    

79
  لبناء بيت، بأُجرة واحدة للجميع، تقسّم عليهم بنسبة عملهم.
ومن المعلوم أنّ بناء البيت رهن رسم الخارطة من قبل المهندس ، وحفر الأساس، ونقل التراب إلى الخارج، وتثبيت الأساس، ورفع الهيكل الحديدي للبيت، ثم بناء الجدران والسقوف من قبل البناء، وتثبيت الشبابيك والأبواب، والأدوات الصحية والكهربائية، وهلمّ جرّا .
وهذه الأعمال تختلف قيمتها. فلو عقد شركة مع هؤلاء يتسرب الجهل إلى جانب العمال، فإنّ كلّ عامل لا يدري ماذا يكون نصيبه وسهمه من هذه الأُجرة على ذمة المالك. وأمّا المالك فهو وإن كان يعلم مجموع الأُجرة، ولكنّه يجهل أُجرة كلّ واحد منهم. ولكن جهله غير مضرّ بعد العلم بمجموع الأُجرة الّذي في ذمّته. إنّما الإشكال في ناحية العامل.
ولكنّ الأمر الرائج حالياً في مثل هذه الأعمال أنّ المالك يتعاقد مع المقاول في أن يبني له البيت وفق مواصفات خاصة في مقابل أُجرة معيّنة، والمقاول يقوم بعقد إجارة مع كلّ عامل بأُجرة معيّنة، وهذا النوع من العقد بالنحو الرائج لا إشكال فيه .
ثم إنّ المصنّف عاد إلى الصورة الأُولى المذكورة في المتن وطرح مسألة اختلاف العاملين في مقدار العمل، وذكر له صورتين:

80
ولو اشتبه مقدار عمل كلّ منهما فإن احتمل التساوي حمل عليه، لأصالة عدم زيادة عمل أحدهما على الآخر.*
* الصورة الأُولى: إذا احتمل التساوي، وعندئذ يحمل عليه، لأصالة عدم زيادة عمل أحدهما على الآخر، وهذا ما نقله الشهيد الثاني عن العلاّمة حيث قال: في المسألة وجهان ذكرهما العلاّمة :
أحدهما: تساويهما في الحاصل من غير نظر إلى العمل، لأصالة عدم زيادة أحدهما على الآخر، ولأنّ الأصل مع الاشتراك، التساوي، ولصدق العمل على كلّ واحد منهما، والأصل عدم زيادة أحد العملين على الآخر، والحاصل تابع للعمل.
والوجه الثاني: الرجوع إلى الصلح، لأنّه طريق إلى تيقّن البراءة، كما في كلّ مال مشتبه، ولا شبهة في أنّه أولى مع اتفاقهما عليه .(1)
فإن قلت: إنّ الأصل (أصالة عدم الزيادة) غير أصيل لوجهين:
1. تعارضهما أصالة عدم التساوي.
2. أنّ الأصل الموضوعي إنّما يصح إذا صار منقحاً لموضوع الدليل الاجتهادي نظير أصالة الطهارة في الثوب المشكوكة طهارته ونجاسته، حيث إنّه يجريانها فيه يثبت موضوع الدليل الاجتهادي ـ أعني قوله: «صل في ثوب طاهر ـ وأمّا المقام فليس الإطلاق موضوعاً للأثر الشرعي، إذ ليس المدار    

1 . مسالك الأفهام: 4 / 333 ; لاحظ القواعد: 2 / 326 .

81
  في الاستحقاق نسبة أحد العملين إلى الآخر، حتّى يرتفع الجهل بأصالة عدم الزيادة، بل على مقدار نسبة العمل إلى ما يقابله من الأُجرة، ومن المعلوم أنّ النسبة مجهولة والأصلان لا يصلحان لإثباتها.(1)
قلت: لو كان المرجع الأصلين المذكورين كان لما ذكره وجه، ولكن المرجع أصل حكمي وهو أصالة عدم استحقاق أحدهما على الآخر بشيء، وهذا يكفي في رفع الجهل وإثبات واقع التساوي، ولا حاجة إلى تعيين مقدار نسبة العمل إلى ما يقابله من الأُجرة حتّى يكون الأصل بالنسبة إليه مثبتاً.
ثم إنّ أكثر المعلّقين أصرّوا على الصلح في المقام، وهو صحيح لو كان المرجع الأصلين الماضين.
وبذلك يعلم أنّه لا ملزم للأخذ بالوجه التالي في كلام الشهيد الثاني، فلاحظ .
وعلى كل تقدير فلو قلنا بالصلح، فلابدّ من التصالح اختياراً، لا صلحاً قهرياً، لأنّ مورده فيما لو ودع أحد الرجلين ديناراًعند شخص والآخر دينارين، فُرِق أحد الدنانير فواحد منهما لصاحب الدينارين قطعاً، وأمّا الآخر فهو مورد الصلح القهري .

1 . المستمسك: 13 / 23.

82
وإن علم زيادة أحدهما على الآخر فيحتمل القرعة في المقدار الزائد، ويحتمل الصلح القهري. *
* الصورة الثانية: إذا عُلمت الزيادة وشك في مقدارها، فقد ذكر المصنّف أنّ فيه وجهين، القرعة في المقدار الزائد، والصلح فيه. ولكن المرجع غيرهما، وذلك لأنّ الأمر لا يخلو من الشقوق التالية:
1. إذا علم بزيادة عمل أحدهما على عمل الآخر، وعُلم مقدار الزيادة استحق أُجرة الزيادة بشرط أن يترك العاملَ العملَ للآخر، ويقوم بعمل أزيد من نصيبه باتّفاق من الأجير الآخر، وإلاّ يكون العامل الآخر متبرعاً في العمل.
2. إذا علمت الزيادة وشك في مقدارها يؤخذ بالمتيقّن وينفى الزائد بالأصل لأصالة عدم استحقاق الأجير على الآخر أزيد ممّا علم .
3. إذا علمت الزيادة وعلم مقدارها ولكن جُهل صاحبها وتردّد بين عاملين، فيحصل العلم الإجمالي باستحقاق أحدهما على الآخر شيئاً بالجعل والاتفاق ولكن لا أثر لهذا العلم الإجمالي، لأنّه إنّما يؤثر إذا دار الأمر بين تكليفين لمكلّف واحد، وأمّا المقام فالتردد بين مكلّفين لتكليف واحد حيث إنّ كلّ واحد من العاملين يعلم إجمالاً (1) أنّه إمّا دائن أو مدين فينفي استحقاق كلّ منهما على الآخر شيئاً بالأصل ولا يعدّ الأصلان متعارضين لعدم وحدة المكلّف فلاتصل النوبة إلى الصلح والقرعة.    

1 . حامل العلم الإجمالي هو العاملان، لا المالك فلا تغفل.

83
  واعلم أنّ المحقّق عنون المسألة بشكل آخر فقال: السابعة: قد بيّنا أنّ شركة الأبدان باطلة، فإن تميزت أُجرة عمل أحدهما عن صاحبه، اختصّ به، وإن اشتبهت قسّم حاصلهما على قدر أُجرة مثلهما، وأُعطي كلّ واحد منهما ما قابل أُجرة مثل عمله .(1)
والمحقّق عنون المسألة على أساس بطلان شركة الأبدان ولكن وقعت الشركة واستؤجرا بعنوان الشركة، ففرض هنا صورتين:
1. أن يسمّي المالك أُجرة كلّ واحد عند العقد بأن استأجرهما بعقدين وثمنين، سواء أكانت أُجرتهما متساويتين أم مختلفتين. وعندئذ يستحق كُلٌّ ما سُمّي له، لصحة عقد الإجارة وبطلان عقد الشركة، لتقدّم الأوّل على الثاني.
2. استأجرهما بثمن معين من دون أن يسمّي أُجرة كلّ واحد بعينه، فبما أنّ الشركة باطلة فالمسمّى من الأُجرة لا يعتد به، فلا محيص من تقسيم عملهما على قدر أُجرة مثل عملهما، وإعطاء كلّ واحد منهما ما قابل أُجرة مثل عمله، نظير ما إذا باع المالين المتفاوتين بالقيمة لمالكين بثمن واحد. فلو عملا بالنصف تقسم أُجرة المثل بينهما وهكذا.

1 . شرائع الإسلام: 2 / 134 .

84
المسألة 3: لو اقتلعا شجرةً أو اغترفا ماءً بآنية واحدة، أو نصبا معاً شبكة للصيد أو أحييا أرضاً معاً، فإن ملّك كلّ منهما نصف منفعته بنصف منفعة الآخر اشتركا فيه بالتساوي، وإلاّ فكل منهما بنسبة عمله ولو بحسب القوة والضعف. *

* المشاركة في القلع ونحوه

قال المحقّق: لو اقتلعا شجرة أو اغترفا ماءً دفعة تحقّقت الشركة (1) .
وأمّا المحاز ففيه وجوه:
الأوّل: ما ذكره الشهيد الثاني من أنّه لكلّ واحد من المحاز بنسبة عمله، ويختلف ذلك بالقوة والضعف. ولو اشتبه مقدار كلّ واحد فطريق التخلّص بالصلح .(2)
الثاني: ما اختاره صاحب الجواهر، قال: أو يحكم بالنصف لأصالة عدم زيادة أحدهما على الآخر، بل قد يحتمل كونه كذلك مع اختلافهما في القوة والضعف لصدق اتّحاد فعلهما بالسببية، واندراجها في قوله: من حاز ملك، ولعدم الدليل على اقتضاء ذلك التفاوت في المحاز .(2)
الثالث: ما اختاره السيد الخوئي من التفريق بين كون العمل مركباً ذا أجزاء، وكونه بسيطاً لا جزء له، ففي الأوّل كالكتابة والخياطة والبناء لا    

1 . شرائع الإسلام : 2 / 129 .   2 . مسالك الأفهام: 4 / 305 .
2 . جواهر الكلام: 26 / 290 .

85
  محيص عن الالتزام بملكية كلّ منهما بنسبة عمله، ولا وجه للتنصيف بعد فرض اختلاف مقدار عمل أحدهما عن الآخر.
وفي الثاني يقسّم بينهما بالسوية، إذ العمل الواحد البسيط مستند إليهما لا محالة على حدّ سواء، وإن كان أحدهما أقوى من الآخر، إذ لولا كلّ منهما لما تحقّق نهائياً، ففي مثل القلع واغتراف مقدار معيّن من الماء دفعة (بالدلو) لا يتحقّق هذا العمل إلاّ بهما.
ومثله الصيد فإنّ نصب الشبكة المؤدّي إلى الاستيلاء على السمك أثر وحداني يستند إليهما على حدٍّ سواء، وإن اختلفا في نسبة صنعها، فإنّه لا أثر له.(1)
أقول: ما ذكره من التفصيل خارج عن موضوع البحث، ففيما لو كان العمل مركّباً وكلّ قام بمثل عمل الآخر كيفية ولكن اختلف كمية، فتقسم الأُجرة بنسبة عملهما، فلو كتب أحدهما ثلثي الكتاب والآخر الثلثَ الثالث، تقسّم الأُجرة بينهما أثلاثاً.
إنّما الكلام في الأُمور البسيطة الوحدانية، ففي هذا الموارد تلاحظ مهارة أحد الشريكين وتأثير عمله وكيفية ممارسته. فلو كان أحد العاملين أكثر مهارة من الآخر على نحو يثمّن العرف عمله بأكثر ممّا يثمن عمل الآخر ; فالأُجرة تقسّم بنسبة عملهما. فلو افترضنا أنّ مال التجارة قد غرق في البحر فيجتمع العمال لإخراجه من البحر، فللرافعة ومن يعمل عليها والغواصون    

1 . مباني العروة: 3 / 252 .

86
ولو اشتبه الحال فكالمسألة السابقة، وربما يحتمل التساوي مطلقاً، لصدق اتحاد فعلهما في السببية واندراجهما في قوله: من حاز ملك. وهو كما ترى.*
في شروط الشركة العقدية   
  الذين يغوصون في الماء ويربطون الكلاليب بالمتاع الغارق، أجر لا يسوّى مع عمل العامل العادي وإن توقّف الإنقاذ على عمله أيضاً. هذا كلّه إذا عُلمت زيادة التأثير.
فإن قلت: جرى الأصحاب في موارد الضمانات وغيرها على خلاف ما ذكر، فلو أتلف اثنان مال ثالث ضمناه بالسوية، وإن كان فعل أحدهما أقوى من صاحبه، كما لو كانت ضربته أقوى من ضربة الآخر، ولو تساوى اثنان في فعل ثالث يقبض من كليهما وإن كانت ضربة أحدهما أقوى من الآخر .(1)
قلت: الفارق هو الارتكار العقلائي، الحاكم على أنّ الأُجرة بمقدار العمل وقيمته، وأين هو من مورد الإتلاف والقتل، فيعد الكلّ مجرماً إذا باشراه إلاّ إذا كان أحدهما سبباً والآخر مباشراً .
* وأمّا لو احتمل التساوي ـ كما احتملت الزيادة ـ فقد مرّ حكمه في المسألة السابقة من أنّ المرجع عدم استحقاق أحدهما شيئاً على الآخر، وإن كانت قطعيّة، ودارت بين القليلة والكثيرة، يؤخذ بالقدر المتيقّن، ولو كانت قطعية وتردد المستحق بين الأجرين، فقد قلنا بعدم تنجيز العلم الإجمالي،    

1 . مباني العروة: 3 / 252 .

87
المسألة 4: يشترط على ما هو ظاهر كلماتهم في الشركة العقدية ـ مضافاً إلى الإيجاب، والقبول، والبلوغ، والعقل، والاختيار، وعدم الحجر لفلس أو سفه ـ امتزاج المالين سابقاً على العقد أو لاحقاً، بحيث لا يتميّز أحدهما من الآخر، من النقود كانا أو من العروض. *
  لعدم دوران الأمرين التكليفي بل بين المكلّفين.(1)
ثم قوله: من حاز ملك، ليس حديثاً، بل هو من كلمات الفقهاء. وأمّا الوارد عن طريق الشرع فقوله: لليد ما أخذت وللعين ما رأت .(2)
* ذكر المصنّف في هذه المسألة شروطاً للشركة العقدية :
1. الشروط العامة في سائر العقود.
2. شرطية الامتزاج بين المالين.
3. اتّحاد المالين في الجنس والوصف.
4. كيفية التخلّص من الإشكال عند فقدان الشرطين .
5. ما هو المعتبر في الإيجاب والقبول؟

1. الشروط العامة في سائر العقود

أمّا الشروط العامة، كشرطية الإيجاب والقبول والبلوغ والعقل    

1 . حيث إنّ كلاًّ من العاملين يعلم إجمالاً بأنّه إمّا دائن ـ لو كان عمله أقوى من الآخر، أو مدين ـ لو كان بالعكس .
2 . الوسائل: 16، الباب 38 من أبواب الصيد والذبائح، الحديث 1 .

88
  والاختيار وعدم الحجر لفلس أو سفه، فقد فرغنا من البحث عنها في غير واحد من بحوثنا خاصة كتاب «البيع في الشريعة الإسلامية الغرّاء»، ولا حاجة لإطالة الكلام فيها، إنّما الكلام في الشرطين: الثاني والثالث.

2. الامتزاج بين المالين

من شروط الشركة العقدية: الامتزاج بين المالين   
الظاهر من غير واحد من الأصحاب شرطية الامتزاج في الشركة العقدية:
قال الشيخ في «الخلاف»: لا تنعقد الشركة إلاّ في مالين مثلين في جميع صفاتهما، ويخلطان، ويأذن كلّ واحد من الشريكين لصاحبه في التصرف فيه. وبه قال الشافعي . وقال أبو حنيفة: تنعقد للشركة بالقول وإن لم يخالطاهما بأن يعيّنا المال ويحضراه ويقولا تشاركنا في ذلك، صحّت الشركة، إلى أن قال: إنّ ما اعتبرناه مجمع على انعقاد الشركة به وليس على انعقادها بما قاله دليل.(1)
وقال ابن زهرة عند ذكر شرط صحّة الشركة: وأن يخلطا حتى يصير مالاً واحداً .(2)
وقال العلاّمة في «التذكرة»: لاتصحّ الشركة إلاّ بمزج المالين وعدم الامتياز بينهما، عند علمائنا، وبه قال زُفَر، فالخلطة شرط في صحّة الشركة، ومتى لم يخلطاه لم تصحّ، وبه قال الشافعي، حتى لو تلف مال أحدهما لم يكن له نصيب في ربح مال الآخَر; لأنّ مال كلّ واحد منهما يتلف منه دون صاحبه، فلم تنعقد الشركة عليه، كما لو كان من المكيل.    

1 . الخلاف:3 / 337، المسألة 2 .
2 . غنية النزوع: 263 .

89
  وقال أبو حنيفة: ليس من شرط الشركة خلطُ المالين، بل متى أخرجا المالين وإن لم يمزجاه وقالا: قد اشتركنا، انعقدت الشركة; لأنّ الشركة إنّما هي عقد على التصرّف، فلايكون من شرطها الخلطة، كالوكالة .
والفرق ظاهر; فإنّ الوكالة ليس من شرطها أن يكون من جهة الوكيل مالٌ، بخلاف الشركة.
وقال مالك: ليس من شرط الشركة الخلطةُ والمزجُ، بل من شرطها أن تكون يدهما على المالين أو يد وكيلهما بأن يجعل في حانوت لهما أو في يد وكيلهما دون الخلط ; لأنّ أيديهما على المال، فصحّت الشركة، كما لو خلطاه.
والفرق أنّ المال بالخلط يصير مشتركاً، فيوجد فيه الاشتراك، بخلاف ما إذا لم يمتزجا.(1)
أقول: الإمعان فيما نقلناه عن الشيخ وابن زهرة حتى العلاّمة يدلّ على أنّ الإجماع انعقد على صحّة الشركة عند مزج المالين دون غيره، ومعناه عدم الإجماع على الصورة الثانية، لا انعقاده على بطلانه حتى أنّ المحقّق ذكر المزج من أسباب الشركة، وقال: وسبب الشركة قد يكون إرثاً، وقد يكون عقداً، وقد يكون مزجاً.(2)
وهكذا العلاّمة في «القواعد» عدّ المزج من أسباب الشركة في مورد يقبل المزج.(3)    

1 . تذكرة الفقهاء: 16 / 331 ـ 332 .
2 . شرائع الإسلام: 2 / 129 .   3 . القواعد: 2 / 326 .

90
  فلابدّ من عرض المسألة على القواعد.
والذي يمكن أن يقال: المزج شرط في الشركة الملكية، أي ما يحصل بسبب غير العقد، وقد قلنا بأنّ المزج حتى الاختلاط من أسباب الشركة، حتى ولو اختلطت الحنطة البيضاء مع الحنطة الحمراء على وجه يعسر عزل كلّ واحد عن الآخر تتحقّق الشركة بتداخل السلطتين والملكيتين وإن لم يكن هناك تداخل في المملوكين، لأنّه إذا تعسّر العزل تلغى الملكية الإفرازية ـ عند العرف ـ وتتبدل إلى الملكية الاشتراكية.
لكن الكلام في الشركة العقدية ـ أي ما يكون السبب الوحيد هو العقد ـ ففيه يكون شرط المزج أمراً زائداً أو سبباً للغوية العقد .
أمّا إذا سبق المزج أو تقارنا فتكون سبباً للغوية العقد، وإن تأخر عن العقد فالشركة تكون محقّقة والمزج أمراً لغواً.
ولذلك نرى أنّ المحقّق الأردبيلي ذهب إلى أنّ عقد الشركة يتحقّق في غير المتجانسين من العروض غير ذات الأمثال، بل تكون قيميات ومختلفات، فيمكن أن يحصل الربح كما في غيرها بأن يأذن أحدهما لصاحبه في التجارة بها، فاتّجر وحصل الربح .(1)
وصرّح المحدّث البحراني بعدم الدليل على شرطية الامتزاج وقال: بأنّا لم نظفر لهم بدليل على ما ذكروه من شرط التجانس ولا شرط الامتزاج، بل ظاهر الأخبار العموم.(2)    

1 . مجمع الفائدة: 10 / 197 .   2 . الحدائق الناضرة: 21 / 154 .

91
  ولذلك صار غير واحد إلى توجيه شرطية المزج مع وجود العقد بالوجوه التالية:
1. أنّ المزج المتأخّر يكون كاشفاً عن تحقّق ا لشركة بالعقد السابق فلا يكون لغواً .(1)
2. أنّ المزج يوجب شركة ظاهرية إلاّ أنّه حيث لحق العقد أو لحقه العقد أوجب الشركة بينهما حقيقة.(2)
3. أنّ الشركة العقدية على قسمين :
الأوّل: مجرد عقد شركة بين المالكين في المالين فقط، وهذه لم يقم دليل على اعتبار المزج فيها.
الثاني: عقد شركة بين المالكين في ماليهما مع الآخر في التصرف منهما لهما، وهي التي يعتبر فيها المزج بين المالين على نحو لا يتميز أحدهما عن الآخر.(3)
ولايخفى أنّ الجميع تكلّف، أمّا جعله كاشفاً فالظاهر أُريد منه جعله شرطاً متأخّراً فلم يدل عليه دليل، بل النصوص على خلافه، فقد مرّ أنّه يجوز تشريك أحد الشخصين الآخر في ماله، كما إذا اشترى شيئاً فطلب منه شخصاً أن يُشرّكه فيه وهو المسمّى عندهم بالتشريك، وقد مرّ ما يدلّ عليه من     

1 . جواهر الكلام: 26 / 288 ـ 289.
2 . مباني العروة الوثقى: 3 / 54 .
3 . المستمسك: 16 / 26 .

92
من شروط الشركة العقدية: اتحاد المالين في الجنس والوصف   
  صحيح إسحاق بن عمار.(1) ترى أنّ مجرد العقد يوجب الشركة.
وأمّا الثاني: أي تبديل الشركة الظاهرية بالعقد إلى الشركة الواقعية، فإنّه يتم إذا تقدّم المزج دون ما تأخّر، لافتراض أنّ الشركة الواقعية تحقّقت بالعقد فلايبقى مجال للشركة الظاهرية .
وأمّا الثالث: من جعل المزج شرطاً في التصرف فالظاهر عدم تمامه، إذ بعد المزج أيضاً يتوقّف التصرف على اتفاق جديد، على كيفية الاتّجار.
وهنا كلام متين للسيّد الاصفهاني قال: وما اشتهر من أنّه لابدّ في الشركة العقدية من خلط المالين قبل العقد أو بعده مبني على ما هو الغالب من كون رأس المال من الدراهم أو الدنانير وكان لكلّ منهما مقدار ممتاز عمّا للآخر، وحيث إنّ الخلط والمزج فيهما أسهل أسباب الشركة ذكروا أنّه لابدّ من امتزاج الدراهم بالدراهم والدنانير بالدنانير حتى يحصل الاشتراك في رأس المال، لا أنّه يعتبر ذلك حتى أنّه لو فرض كون الدراهم أو الدنانير مشتركة بين اثنين بسبب آخر غير المزج كالإرث أو كان المالان ممّا لا يوجب خلطهما الاشتراك لم تقع الشركة العقدية .(2)

1 . الوسائل: 16، الباب 1 من أبواب الشركة، الحديث 4 .
2 . وسيلة النجاة: 100، كتاب الشركة.

93
بل اشترط جماعة اتحادهما في الجنس والوصف. والأظهر عدم اعتباره. بل يكفي الامتزاج على وجه لا يتميّز أحدهما من الآخر، كما لو امتزج دقيق الحنطة بدقيق الشعير ونحوه، أو امتزج نوع من الحنطة بنوع آخر. بل لا يبعد كفاية امتزاج الحنطة بالشعير وذلك للعمومات العامة، كقوله تعالى: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)، وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «المؤمنون عند شروطهم» (1)، وغيرهما، بل لولا ظهور الإجماع على اعتبار الامتزاج أمكن منعه مطلقاً، عملاً بالعمومات. ودعوى عدم كفايتها لإثبات ذلك، كماترى.*

* 3. اتحاد المالين في الجنس والوصف

قد مرّ الكلام في عدم شرطية المزج، ويترتّب على ذلك عدم شرطية التماثل في الجنس والوصف أيضاً ، لأنّ التماثل فيهما لغاية تحقّق المزج، فإن كان المزج غير لازم، فما هو مقدّمة له أولى بعدم الوجوب، وهذا الفرع كالفرع السابق لم يتحقّق فيه إجماع. وإنّما الإجماع على الصحّة في هذه الصورة وعدم الإجماع في غيرها.
قال المحقّق: ويثبت ذلك في المالين المتماثلين في الجنس والصفة، سواء أكانا أثماناً أو عروضاً.(2) وكلام المحقّق ناظر إلى أنّه المتفق عليه بين الأصحاب وليس ناظراً إلى نفي الغير.
وحصيلة الكلام: أنّه يجب التفريق بين القسمين : الشركة:    

1 . الوسائل: 15، الباب 20 من أبواب المهور، الحديث 4.
2 . الشرائع: 2 / 129 .

94
في شروط الشركة العقدية   
  الملكية والعقدية، فالملاك في الأُولى تداخل الملكيتين إمّا لعدم إمكان عزل أحدهما عن الآخر كما في الأدهان من المائعات أو دقيق حنطة مع دقيق الشعير، أو عُسر العزل فصار كلّ منهما سبباً لإلغاء الملكية الإفرازية وانقلابه إلى الملكية الاشتراكية كما في امتزاج نوع من الحنطة بنوع آخر، أو الحنطة بالشعير.
نعم لو لم يكن هناك امتزاج ولا اختلاط، بل كان هناك اشتباه بين الغنمين أو بين الدرهمين فالمرجع هناك القرعة أو التصالح.
وأمّا الشركة العقدية فهي بمعزل عن هذه الشروط، والعقد سبب تام لحصول الشركة، سواء أكان هناك مزج أو لا، تماثلا في الجنس والوصف أو لا، فتحقّق الشركة في الصور التالية:
1. يكفي أن يشارك المالك غير المالك بالعين التي اشتراها.
2. أن يقول أحد المالكين للعينين: شاركتك، وقبل الآخر حصلت الشركة في عينه.
ثم قال الآخر للأوّل: شاركتك، وقال الأوّل: قبلت، حصلت الشركة في عينه أيضاً .
3. إذا قال أحدهما: تشاركنا في مالينا، ويقول الآخر: قبلت.
وعلى كلّ تقدير فأساس الخلط في المسألة هو عدم التمييز لما هو شرط في الشركة الملكية، وما هو شرط في الشركة العقدية.
ثم إنّ المصنّف استدلّ على صحة غير المتماثلين بالعمومات العامّة كقوله تعالى: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) وهو في محله.

95
لكن الأحوط مع ذلك أن يبيع كلٌ منهما حصة ممّا هو له بحصة ما للآخر، أو يهبها كل منهما للآخر، أو نحو ذلك في غير صورة الامتزاج الذي هو المتيقّن.*
هذا، ويكفي في الإيجاب والقبول كلّ ما دلّ على الشركة من قول أو فعل.**

* 4. كيفية التخلّص من الإشكال عند فقدان الشرطين

لو قلنا بشرطية الامتزاج والتماثل، فطريق التخلّص والوصول إلى المقصود أحد الأمرين:
1. بيع كُلٍّ نصف عينه من الآخر.
2. هبته كذلك، ثم يقوم الآخر بنفس ذلك العمل .(1)

** 5. ماهو المعتبر في الإيجاب والقبول؟

الكلام في مشروط الإيجاب والقبول، لفظيين كانا أو فعليين هو ما حقّقناه في كتاب البيع في الشريعة الإسلامية الغرّاء، فلا نعود إليها.

1 . تذكرة الفقهاء: 16 / 335، المسألة 154 .

96
المسألة 5: يتساوى الشريكان في الربح والخسران مع تساوي المالين، ومع زيادة فبنسبة الزيادة ربحاً أو خسراناً، سواء كان العمل في أحدهما أو منهما، مع ا لتساوي فيه أو الاختلاف أو من متبرع أو من أجير هذا مع الإطلاق.*
لو كان لأحد الشريكين زيادة كان له من الربح بقدر الزيادة   
* ذكر المصنّف في هذه المسألة فروعاً سبعة، ونشير هنا إلى خمسة منها ويأتي السادس والسابع في المستقبل:
1. تساوي الشريكين في الربح والخسران مع تساوي المالين .
2. مع عدم التساوي فبنسبة الزيادة ربحاً وخسراناً.
3. لو شرطا في العقد زيادة للعامل منهما أو لمن عمله أزيد .
4. لو شرطا الزيادة لغير العامل منهما أو للأقل عملاً.
5. لو شرطا كون الخسارة على أحد أزيد.
وإليك دراسة الفروع واحداً تلو الآخر.

1. تساوي الشريكين في الربح والخسران

مساواة الشريكين في الربح والخسران مع تساوي المالين، أصل عقلائي لا خلاف فيه لتبعية الربح والخسران لأصل المال.
قال المحقّق: ويتساوى الشريكان في الربح والخسران، مع التساوي(1).    

1 . شرائع الإسلام: 2 / 130 .

97
  وجهه: أنّه لا شبهة في كون الربح تابعاً للمال لأنّه نماؤه، والترجيح عند إطلاق العقد مع التساوي في المال ترجيح بلا مرجّح، والمسألة مورد اتفاق إنّما الكلام في الفرع الثاني.

2. مع عدم التساوي فبنسبة الزيادة ربحاً وخسراناً

قال المحقّق: ولو كان لأحدهما زيادة، كان له من الربح بقدر رأس ماله، وكذا عليه من الخسارة .(1)
ويدلّ عليه الأصل المذكور في الفرع السابق، فإذا كان مال أحدهما أزيد من مال الآخر فالربح لمجموع المالين وينقسم بنسبتهما، من غير فرق عند الإطلاق بين كون العمل من أحدهما أو منهما مع التساوي فيه، أو الاختلاف، أو من متبرع أو من أجير، وذلك لتراضيهما عليه وليس المرضي أمراً مخالفاً للشرع.
نعم خالف بعض فقهاء الشافعية حيث اشترطوا تساوي المالين في القدر، قال الشيخ في «الخلاف»: لا فرق بين أن يتّفق المالان في المقدار أو يختلفا فَيُخرج أحدهما أكثر ممّا أخرجه الآخر، وبه قال أكثر أصحاب الشافعي، وقال أبو القاسم الأنماطي ـ من أصحابه ـ : إذا اختلف مقدار المالين بطلت الشركة .(2)
وقال العلاّمة: لا يشترط في الشركة تساوي المالين في القدر، بل    

1 . شرائع الإسلام: 2 / 130 .
2 . الخلاف: 3 / 332، المسألة 8 .

98
ولو شرطا في العقد زيادة لأحدهما، فإن كان للعامل منهما أو لمن عمله أزيد، فلا إشكال ولا خلاف عندهم في صحّته*
  يجوز أن يكون مال أحدهما أكثر من مال الآخر. وبه قال الحسن والشعبي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي، وهو أحد قولي الشافعية، وقال بعض الشافعية: لا تجوز الشركة حتى يستوي المالان في القدر، لأنّ الشافعي شرط أن يخرج أحدهما مثل ما يخرج الآخر. ثم ضعّفه بأنّ الاستواء في الربح مختصّ بصورة الاستواء في المال لا في الاختلاف .(1)
   

* 3. لو شرط في العقد زيادة للعامل منهما أو لمن عمله أزيد

قال المحقّق: أمّا لو كان العامل أحدهما وشُرطت الزيادة للعامل صحّ، ويكون بالقراض أشبه.(2)
هذا ما يرجع إلى الشق الأوّل ولم يذكر شيئاً يرجع إلى الشق الثاني، أعني جعل الزيادة لمن عمله أزيد .
وقال في المسالك: صحّة الفرض المذكور واضحة، لكون الربح في مقابلة عمل، فيكون العقد شركة وقراضاً ويلزم مثله فيما إذا عملا معاً وشرطت الزيادة لمن زاد في العمل ـ إلى أن قال: ـ لاشتراك الجميع في كون الزيادة في الربح في مقابلة عمل، فكأنّ العقد عقد معاوضة من ا لجانبين بالنظر إلى أنّ العمل متقوّم بالمال .(2)    

1 . تذكرة الفقهاء: 16 / 336 .   2 . شرائع الإسلام: 2 / 130 .
2 . مسالك الأفهام: 4 / 314 .

99
  وقال في الجواهر بعد عبارة المحقّق: بل لا خلاف فيه بينهم على ما اعترف به جماعة، بل ولا في جوازه مع العمل منهما أيضاً وشرطت الزيادة لمن زاد عمله على الآخر، وإن كان ظاهر العبارة (للاقتصار على الوجه الأوّل) يوهم خلافه .(1)
أقول: إنّ تملّك الربح من باب القراض، غير تام لعدم انطباق تعريفه على المقام، لأنّ القراض الذي هو عبارة عن المضاربة، وهو عقد بين المالك والعامل، وأمّا المقام فهو عقد بين المالكين أو العاملين فكيف يمكن أن يتملّك من باب المضاربة. والظاهر أنّه يتملّك بنفس الشرط في العقد، فإنّ الشرط في حدّ نفسه أمر جائز وهو جعل الأُجرة في مقابل العمل فيشمله قوله: «المؤمنون عند شروطهم» فيصح العقد والشرط في كلا الصورتين.
وما ربّما يقال بأنّ دليل نفوذ الشرط لا يكون مشرّعاً، بل هو ناظر إلى لزوم ما يكون جائزاً وصحيحاً في حدّ نفسه،(2) غير تام لأنّه لو كان معنى قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «المؤمنون عند شروطهم» شروطهم الشرعية لزم عدم التمسّك به في مورد من الموارد، أمّا ما كان بيّن الجواز فلا حاجة فيه إلى القاعدة لكفاية قوله تعالى:(أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) الشامل للعقد مع توابعه، وأمّا ما كان مشكوك الجواز كما هو الحال في المقام ، فالمفروض أنّ الدليل قاصر، إذ لم تحرز شرعية الشرط .    

1 . الجواهر: 26 / 300 .
2 . مباحث فقهية: 294 .

100
  وقد مرّ نظير ذلك عن صاحب الجواهر في التمسّك بقوله سبحانه: (تِجَارَةً عَنْ تَرَاض)حيث فسّره بالتكسّب المشروع، والظاهر أنّ العناوين المأخوذة في الآية المباركة والحديث النبوي هو التكسّب والشرط المشروعين عرفاً والذي يُعد طريقاً إلى التكسّب والشرط الشرعي. فإذا صار التكسّب والشرط أمراً عرفياً عند العرف يكون مرآة إلى ما هو المشروع عند الشارع (إلاّ إذا دلّ الدليل على التخلّف) كما هو الحال في قوله سبحانه: (أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ)(1) حيث يتمسّك به في الموارد المشكوكة شرعاً إذا ثبت كونه بيعاً عرفاً، على ما حقّقه الشيخ في آخر تعريف البيع من كتاب المتاجر.
هذا مضافاً إلى أنّ الحكم موافقاً للفطرة الإنسانية، فإنّ الأُجرة لمن عمل، والحرمان للعاطل، ولا يذهب عمل مسلم سُدى .
والربح ليس حصيلة المالين فقط، بل إنّ لعمل العامل دوراً في تحقّق الربح ونموه فلا يمكن غض النظر عنه. ولذلك نرى أنّ للعمل في المضاربة قسطاً من الربح. وقد أفتى المصنّف بصحّة الشرط والعقد وادّعى عدم الخلاف.

1 . البقرة: 275 .

101
أمّا لو شرطا لغير العامل منهما أو لغير من عمله أزيد ففي صحّة الشرط والعقد، وبطلانهما، وصحّة العقد وبطلان الشرط ـ فيكون كصورة الإطلاق ـ أقوال، أقواها الأوّل.
وكذا لو شرطا كون الخسارة على أحدهما أزيد، وذلك لعموم: «المؤمنون عند شروطهم».*

* 4. اشتراط الزيادة لغير العامل أو للأقل عملاً(1)

إذا شرطت الزيادة لغير العامل أو للأقل عملاً مع تساوي المالين فقد ذكر المصنّف أنّ فيه أقوالاً ثلاثة:
1. العقد والشرط صحيحان.
2. العقد والشرط باطلان.
3. العقد صحيح والشرط باطل، فيكون حكمه حكم مالم يشترط .
ثم قوّى القول الأوّل، فلندرس أدلّة الأقوال:

1. صحة العقد والشرط

استدلّ على هذا القول بعموم: «المؤمنون عند شروطهم»، نعم    

1 . وقد عبّر المحقّق عن هذا الفرع بالنحو التالي: ولو شرط لأحدهما زيادة في الربح مع تساوي المالين، أو التساوي في الربح والخسران مع تفاوت المالين، قيل: تبطل الشركة... الخ وسيوافيك ذيل كلامه . الشرائع: 2 / 130 .

102
ودعوى: أنّه مخالف لمقتضى العقد، كما ترى. نعم هو مخالف لمقتضى إطلاقه. والقول بأنّ جعل الزيادة لأحدهما من غير أن يكون له عمل يكون في مقابلتها ليس تجارة. بل هو أكل بالباطل كما ترى باطل. *
  التمسّك به فرع إحراز كون الشرط أمراً عرفياً عقلائياً حتى يعمّه الدليل، والظاهر أنّ الأمر كذلك، إذ قد يكون لأحد الشركاء وجاهة خاصّة في مجال التجارة، فإذا دخل في الشركة مع جماعة، يكون للشركة مقام ممتاز في المجتمع يعتمدون عليها ويستقبلونها بالبيع والشراء اعتماداً على ذلك الوجيه. وعلى هذا فمكانته ربّما تُسبّب أن يضع سائر الشركاء له سهماً خاصّاً، وربّما يسعدون بذلك ويتقبّلونه برحابة صدر، فيكون من مصاديق الشروط العرفية التي لم يردع عنها الشارع. فيشمله قوله: «المؤمنون عند شروطهم». وربّما يكون أحد الشركاء كثير الأولاد، قليل المال وسماحة الشركاء تسبب جعل سهم له أكثر من الباقين إلى غير ذلك من الدواعي إلى هذا الشرط .
وإن شئت قلت: الشرط إذا كان أمراً عرفياً مقبولاً عندهم ولم يكن مخالفاً لمقتضى العقد ولا مخالفاً للكتاب والسنّة يكون نافذاً بحكم قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «المؤمنون عند شروطهم»، الذي هو المرآة لكون الشرط شرعياً أيضاً .

* 2. بطلان العقد والشرط

قال الشيخ في «الخلاف»: لا يجوز أن يتفاضل الشريكان في الربح مع التساوي في المال، ولا أن يتساويا فيه مع التفاضل في المال، ومتى شرط خلاف ذلك كانت الشركة باطلة. وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة:    

103
  يجوز ذلك. ثم استدلّ بأنّ ما قلناه مجمع على جوازه وليس على جواز ما ذكره دليل.(1)
وقال المحقّق في «الشرائع»: ويتساوى الشريكان في الربح والخسران ـ إلى أن قال: ـ ولو شرط لأحدهما زيادة في الربح مع تساوي المالين أو التساوي في الربح والخسران مع تفاوت المالين، قيل: تبطل الشركة ـ أعني: الشرط والتصرف الموقوف عليه ـ ويأخذ كلّ منهما ربح ماله، ولكلّ منهما أُجرة مثل عمله بعد وضع ما قابل عمله في ماله; وقيل: تصح الشركة والشرط. والأوّل أظهر .(2)
واستدلّ على بطلان الشرط بوجوه:
الأوّل: أنّ الشرط مخالف لمقتضى العقد، فإنّ مقتضاه متابعة الربح للمال فإذا كان العاملان متساويين في المال يكون اشتراط الزيادة مع عدم العمل أو اشتراطها عند نقصان العمل على خلاف مقتضى العقد .
وقد أشار المصنّف إلى هذا الدليل بقوله: إنّه مخالف لمقتضى العقد. وعلّق عليه السيد الحكيم بأنّه لا يحضره من ادّعى ذلك.
على كل تقدير فقد أجاب عنه في المتن بأنّه مخالف لمقتضى إطلاقه، وأورد عليه السيد الحكيم (رحمه الله)بأنّ الشركة وإن لم تكن علّة تامة على التساوي في الربح لكنّها مقتضية للتساوي، وهذا المقدار كاف في بطلان الشرط    

1 . الخلاف: 4 / 332، المسألة 9. وإطلاق كلام الشيخ وما يأتي من المحقّق يشمل المقام.
2 . شرائع الإسلام: 2 / 130، في أقسام الشركة.

104
  على خلافه لكونه حينئذ مخالف للكتاب، المراد أنّه مخالف للحكم الاقتضائي.(1)
يلاحظ عليه: بأنّه ممنوع صغرى وكبرى. أمّا الصغرى فلنمنع كونه على خلاف مقتضى العقد، فإنّ المراد منه هو التفكيك بين العقد وأثره اللازم غير المنفك عنه، كما إذا باع بلا ثمن وآجر بلا أُجرة، فهذا النوع من الشرط يُعدّ على خلاف مقتضى العقد ويحمل الكلام على عدم الإرادة الجدية للبيع والإجارة وأمّا المقام فما هو مقتضى العقد ولازمه غير المنفك نفس المشاركة في الربح، فالمشاركة في التجارة دون أن يكون مشاركاً في الربح يُعد أمراً سفهياً.
وأمّا التساوي مائة بالمائة مع اختلاف المشاركين في نجاح الشركة لا يُعدّ أمراً مخالفاً لمقتضى العقد.
وأمّا الكبرى فلو سلّمنا أنّه على خلاف مقتضى العقد، فليس كلّ مخالف له مخالفاً للكتاب والسنّة، فإنّ المراد من الثاني ما يكون مضاداً للحكم الوارد في المصدرين كجعل الطلاق بيد الزوج، أو جعل النفقة عليها إلى غير ذلك من الأحكام المضادة لما ورد في الكتاب والسنة، وأمّا مساواة الشريكين في الربح مائة بالمائة لم ترد في الكتاب والسنّة حتى يعدّ مخالفاً لهما. وأمّا كون الربح تابعاً للمال فلو افترضنا وروده في السنة، فالمراد به كونه سبباً للتساوي عند الإطلاق، أي عند عدم سبب آخر يقيد الإطلاق، كما هو الحال في كلّ شرط يُغير مقتضى الإطلاق ككون الثمن نقداً عند الإطلاق لا عند اشتراط    

1 . المستمسك: 13 / 30 .

105
  النسيئة.
الثاني: ما أشار إليه في المتن أيضاً من أنّه أكل للمال بالباطل الوارد في الآية المباركة باعتبار عدم مقابلة الزيادة لعوض، لكون الفرض أنّها ليست في مقابل مال ولا وقع اشتراطها في عقد معاوضة لتضم أحد العوضين ولا اقتضى تملّكها عقد هبة، والأسباب المثمرة للملك معدودة وليس هذا أحدها .
فلو قلنا بأنّ الشرط الفاسد مفسد يثبت هذا القول، وإلاّ فيثبت القول الثالث، أعني: بطلان الشرط دون العقد .(1)
أقول: إنّ قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاض)(2) ناظراً إلى الأسباب الباطلة، فإنّ «الباء» في قوله «بالباطل» للسببية، فيجب أن يتّسم الأكل بالبطلان عند العرف، وهي كأكل مال اليتيم بغير سبب كالتجارة ، أو أكل مال الغير بالظلم، أو أخذ الرشوة لإبطال الحق أو المقامرة أو غير ذلك.
وأمّا اشتراط الزيادة لغير العامل أو للأقل عملاً إذا كان وجيهاً واشتراكه موجباً لرواج الشركة، فهذا لا يعد أكلاً للمال بالباطل مع التراضي، ومشروعية الأمر عند العقلاء.
الثالث: ما ربّما يقال: إنّ هذا الشرط إمّا شرط فعل (يملك الربح الزائد بعقد آخر) أو شرط نتيجة. والأوّل خارج عن محلّ الكلام، لأنّ المفروض    

1 . الجواهر: 26 / 301 .
2 . النساء: 29 .

106
  أنّ المشروط له يملك الربح الزائد بنفس العقد، فتعين الثاني وهو لا يصح إلاّ فيما إذا لم يكن للشرط سبب خاص عند الشرع وإلاّ فلا يصح بدونه. ومن المعلوم أنّ صيرورة مال شخص لغيره يحتاج إلى سبب شرعي والمفروض عدمه.(1)
يلاحظ عليه: بأنّ السبب هو نفس العقد، لأنّه يشترط في ضمن عقد الشركة أن يكون له هذا المقدار من الربح إذا تحقّق، فأي سبب أوضح من عقد الشركة الذي يُنشأ الشركة مع توابعها.
الرابع: أنّ الربح المشترط كونه للغير إذا كان موجوداً بالفعل ومملوكاً له، كما لو كان ربحاً لتجارة سابقة، فلا مانع من أخذه في العقد، لأنّه شرط سائغ، والمالك مسلّط على ماله يتصرف فيه كيف يشاء.
وأمّا إذا لم يكن كذلك، كما هوالحال فيما نحن فيه حيث إنّ ربح التجارات الآتية أمر معدوم ولا وجود له بالفعل، فلا يصح أخذه شرطاً، إذ لا يصح تمليك المعدوم، وكان مثله من الشرط المخالف لمقتضى السنّة، إلاّ ما أخرجه الدليل كالمضاربة والمزارعة والمساقاة.
يلاحظ عليه: بأنّه يكفي في صحّة تمليك الأمر المعدوم، وجود المقتضي له، خصوصاً إذا كان معلقاً على وجوده في المستقبل مثلاً إذا باع متاعاً وشرط أن تكون له ثمرة شجرة معينة في بستان المشتري، فإنّ العادة جرت على كون الشجرة مثمرة في كلّ سنة إلاّ ما شذّ وندر، وهذا المقدار من    

1 . مباحث فقهية: 297 .

107
  الاقتضاء كاف في تمليك المعدوم خصوصاً إذا قُيّد بشرط الوجود.
أضف إليه: أنّه لو كان تمليك مثل هذا النوع مخالفاً للسنّة، لما صحّ تخصيصها بالمضاربة والمزارعة والمساقاة، لأنّ لسان الدليل آب عنه .
الخامس: أنّ المعاوضة على مال الغير تقتضي دخول العوض في ملك مالك المعوض عنه، فالربح يجب أن يدخل في ملك مالك المال، فلا يصح اشتراط خلاف ذلك، لأنّه إن صحّ الشرط بطلت المعاوضة وإن صحّت المعاوضة بطل الشرط.
نعم إذا كان المراد تمليك مقدار التفاوت للشريك بعد أن يدخل في ملك شريكه صحّ، لكنّه خلاف الظاهر من جعل التفاوت له في غير مقام المعاوضة.
نعم إذا كان الجعل في مقام المعاوضة ـ كما إذا كان له عمل ـ فإنّ ذلك قرينة على كون المقدار خارجاً عن ملك الشريك إلى ملكه، لأنّه عوض العمل الّذي ترجع فائدته إلى مَنْ يخرج من ملكه، كما في الصورتين الأُوليين (زيادة الربح للعامل منهما أو لمن عمله أزيد) اللتين لا خلاف فيهما في صحّة الشرط، ولأجل ذلك كانت المضاربة لا مخالفة فيها للقاعدة من أجل أنّ جزء الربح المجعول للعامل في مقابل عمله، فيكون المراد صيرورته للعامل بعد أن يدخل في ملك المالك، لا قبل أن يدخل في ملكه، ليلزم مخالفة القاعدة.(1)
يلاحظ عليه: أنّ مقتضى الشركة عند الإطلاق هو دخول الربح بالمناصفة مثلاً في ملك كلّ من الشريكين، فخروج جزء من ربح أحد    

1 . المستمسك: 13 / 33 .

108
  الطرفين إلى ملك الآخر يحتاج إلى دليل.
ولكن كونها هذا مقتضى طبع الشركة لا ينافي أن يسدّ الشرطُ بابَ هذا الاقتضاء وأن يدخل الربح (ما عدا الزيادة) بالمناصفة في ملك كلّ واحد من الشريكين، وأمّا الزيادة فإنّها تدخل في ملك الآخر من أوّل الأمر، عملاً بالشرط.
وما ذكره في مورد المضاربة ـ من أنّ الربح يدخل في ملك المالك ثم يخرج من ملكه إلى ملك العامل ـ محل نظر، لأنّه مبني على أنّه لا دور للعمل في الربح، بل الربح فيها يدخل في ملك كلّ واحد من بدء الأمر حسب ما اتّفقا عليه .
على أنّ هذا الوجه (الخامس) ينسجم مع القول الثالث الآتي، أعني: صحّة العقد وبطلان الشرط .
إلى هنا تبيّن عدم تمامية القول الثاني ـ أعني: بطلان العقد والشرط ـ فلندرس دليل القول الثالث.

3. بطلان الشرط فقط

هذا هو القول الثالث وحاصله:
أنّ الشرط فاسد وليس بمفسد .
أمّا أنّه فاسد فلأحد الوجوه المذكورة في القول الثاني من أنّه من مقولة تمليك المعدوم، أو خروج الربح الزائد على ما يُستحق من ملك أحد    

109
ودعوى أنّ العمل بالشرط غير لازم لأنّه في عقد جائز مدفوعة أوّلاً: بأنّه مشترك الورود، إذ لازمه عدم وجوب الوفاء به في صورة العمل (عمل أحدهما دون الآخر) أو زيادته. وثانياً: بأنّ غاية الأمر جواز فسخ العقد فيسقط وجوب الوفاء بالشرط والمفروض في صورة عدم الفسخ، فما لم يفسخ يجب الوفاء به، وليس معنى الفسخ حل العقد من الأوّل، بل من حينه، فيجب الوفاء بمقتضاه مع الشرط إلى ذلك الحين، هذا. *
  الشركاء ودخوله في ملك الآخر من دون أن يكون في مقابله معاوضة، يحتاج إلى دليل.
وأمّا أنّه ليس بمفسد، فلأنّ الشرط، التزام في التزام، فللمشروط التزام، وللشرط التزام آخر، فلا مانع من شمول وجوب الوفاء لأحد الالتزامين المشروع وعدم شموله للآخر غير المشروع .
نعم لو كان الشرط مخالفاً لمقتضى العقد، فالفاسد من الشروط مفسد، لأنّ الشرط لا ينسجم مع مقتضى العقد وينافيه، كما إذ باع بلا ثمن وآخر بلا أُجرة، ونظيره إذا كان الشرط مجهولاً وسبباً يسريان الجعل إلى المثمن أو الثمن فالفاسد منهما مفسد.
* والظاهر أنّ العبارة إلى قوله: «مع الشرط إلى ذلك الحين» من تتمة القول الثالث أعني: أنّ العقد يجب الوفاء به دون الشرط، وأمّا كيفية صلته به فيظهر تالياً:
إنّ المحقّق عنون المسألة في المختصر النافع وقال: «ولو شرط    

110
  أحدهما في الربح زيادة (عمّا يستحقه بنسبة ماله) فالأشبه أنّ الشرط لا يلزم (أي القول الثالث) والسيد علي الطباطبائي بعد ما نقل ذلك الكلام عن المحقّق، نقل عن العلاّمة ووالده وولده أنّهم حكموا باللزوم (أي القول الأوّل) نظراً إلى عمومي الأمر بالوفاء بالعقود، ولزوم الشروط.
ثم ردّ على هذا القول وقال: إنّ الشركة من العقود الجائزة المستعقبة بجواز الفسخ والرجوع بلا ريبة، وهما ينافيان اللزوم بلا شبهة .(1)
وهذا ما نقله المصنّف بقوله: «ودعوى أنّ العمل بالشرط غير لازم، لأنّه في عقد جائز» فإذا كان أصل العقد جائزاً، فكيف يكون البائع لازم الوفاء؟!
ثم ردّ عليه المصنّف بوجوه ثلاثة وقال:
1. أنّ الإشكال مشترك الورد في عامة الصور الصحيحة، كما إذا اشترط الزيادة للعامل، أو للأكثر عملاً.
2. أنّ كون العقد جائزاً بمعنى جواز فسخه، وإذا فسخ لا ينحل العقد من الأوّل، بل من حين الفسخ فتترتّب الآثار بين العقد والفسخ. ولكن المفروض في المقام عدم الفسخ، وعندئذ فما لم يفسخ يجب العمل بالمشروط والشرط .
3. ثم إذا فسخ، ينحلّ العقد من حين الفسخ لا من أصله فيجب الوفاء بالعقد مع الشرط إلى حين الفسخ .
إلى هنا تمّ عرض أدلّة الأقوال الثلاثة في الفرع الرابع، وإليك الكلام في الفرع الخامس.    

1 . رياض المسائل: 9 / 61، ط النشر الإسلامي.

111
ولو شرط تمام الربح لأحدهما بطل العقد، لأنّه خلاف مقتضاه. نعم لو شرطا كون تمام الخسارة على أحدهما فالظاهر صحّته لعدم كونه منافياً.*

  الفرع الخامس: جعل الخسارة على أحدهما أزيد من الآخر

فهذا هو الفرع الخامس الّذي أشرنا إليه في صدر البحث وهو اشتراط كون الخسارة على أحدهما أزيد من الآخر، فيجري فيه كلّ ما ذكر في الفرع الرابع من الأقوال والأدلّة وقد عرفت أنّ الحق صحة القول الأوّل من صحة الشرط والعقد.
وأمّا صحيحة رفاعة فهي ناظرة إلى الفرع السابع الّذي سيأتي من المصنّف وهو جعل الخسارة على أحدهما فقط.
* قد مرّ أنّ في المسألة الخامسة فروع سبعة وقد تمّ الكلام في خمسة منها، وبقي فرعان وهما:
1. لو اشترط كون تمام الربح لأحدهما .
2. لو شرطا كون تمام الخسارة على أحدهما.
أمّا الفرع الأوّل: فقد فرّق المصنّف بين كون تمام الربح لأحدهما وبين كونه بعضه له، فأفتى ببطلان الأوّل وصحة الثاني كما مرّ، وصار هذا سبباً لتعجب السيد الحكيم (رحمه الله) حيث قال : لم يتّضح وجه الفرق بين تمام    

112
  الربح وبعضه في كون شرط الأوّل مخالفاً لمقتضى العقد دون الثاني .(1)
كيفية العمل منفرداً أو مشاركاً تابع لما اتفقا عليه   
يلاحظ عليه: أنّ الغاية من الشركة هو الاسترباح والانتفاع فجعل الربح كلّه لواحد منهما غير جعل بعضه له، فالأوّل يُعد عقداً سفهياً، بل وربّما يُستدَلُّ به على أنّ العاقد لم يقصد الشركة بالإرادة الجدية، وذلك لأنّ الغاية من الشركة هو الاسترباح، والمفروض أنّه قد غض النظر عنه. بخلاف جعل قسم منه لأحد الشركاء لدواع عقلائية فليس فيه أحد المحذورين .
وأمّا الفرع الثاني وهو جعل تمام الخسارة على أحدهما. فوجه الصحّة فيه هو وجود الفرق بين الربح والخسارة، فإنّ الغاية من الشركة ـ كما مرّ ـ هو الاسترباح، فصيرورة أحد الشريكين صفر اليد بالنسبة إلى الربح يُعد دليلاً على فقدان الإرادة الجدية بالنسبة إلى الشركة. بل يعد العقد أمراً سفهياً.
وهذا بخلاف الخسارة فإنّها بالنسبة إلى الربح قليلة ربّما لا يتفق ويسعى الشركاء أن لا يتوجّه إلى أحد منهم الخسارة فاشتراط عدم كونه شريكاً في الخسارة لا يُعدّ شرطاً مخالفاً لمقتضى العقد.
أضف إلى ذلك: أنّ صحيحة رفاعة، دليل على صحّة هذا النوع من الشرط، لأنّه لو كان شرطاً فاسداً، لا ينقلب صحيحاً بطيب النفس. والصحيحة هي: قال رفاعة: سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام)عن رجل شارك رجلاً في جارية له وقال: إن ربحنا فيها فلك نصف الربح وإن كانت وضيعة فليس عليك شيء؟ فقال: «لا أرى بهذا بأساً إذا طابت نفس الجارية ».(2)    

1 . المستمسك: 13 / 35 .
2 . الوسائل: 13، الباب 1 من أبواب أحكام الشركة الحديث 8 . وقد عرفت كيفية الدلالة.

113
مسألة 6: إذا اشترطا في ضمن العقد كون العمل من أحدهما أو منهما مع استقلال كلّ منهما أو مع انضمامهما فهو المتّبع ولا يجوز التعدِّي، وإن أطلقا لم يجز لواحد منهما التصرف إلاّ بإذن الآخر.
ومع الإذن بعدالعقد أو الاشتراط فيه: فإن كان مقيداً بنوع خاص من التجارة لم يجز التعدي عنه، وكذا مع تعيين كيفية خاصة. وإن كان مطلقاً فاللازم الاقتصار على المتعارف من حيث النوع والكيفية، ويكون حال المأذون حال العامل في المضاربة، فلا يجوز البيع بالنسيئة، بل ولا الشراء بها، ولا يجوز السفر بالمال .
وإن تعدّى عمّا عيّن له أو عن المتعارف ضمن الخسارة والتلف، ولكن يبقى الإذن بعد التعدي أيضاً، إذ لا ينافي الضمان بقاءه.
والأحوط مع إطلاق الإذن ملاحظة المصلحة، وإن كان لا تبعد كفاية عدم المفسدة . *
  فإن قلت: إذا كان الشرط صحيحاً فما معنى تقييده بطيب النفس؟
قلت: تقييده به لعلّه لاحتمال أنّ الشريك رضي بذلك ظاهراً لا باطناً، لأنّ تحمَّل الوضيعة كلّها ربّما يتفوه به الإنسان عفواً من دون الرضا الباطني، ولذلك قيّد الإمام صحّة الشرط بطيب النفس، فتدبّر.
* في المسألة فروع:
1. كيفية العمل منفرداً أو مشاركاً، مستقلاً وغير مستقل، تابع لما    

114
  اتفقا عليه في العقد أو مع الإذن بعده، وإن أُطلق لا يجوز لواحد التصرف إلاّ بإذن الآخر.
إذا كان العمل مقيداً بنوع خاص من التجارة فهو المتبع   
2. إذا كانت الشركة مقيدة بنوع خاص من التجارة، كالتجارة بالقماش (1)أو مع تعيين كيفية خاصّة كالبيع والشراء نقداً فيُتبع المقيد، وإن كانت مطلقة فاللازم الاقتصار على المتعارف من حيث النوع والكيفية. فيكون حال المأذون حال العامل في المضاربة.
3. وإن تعدّى عمّا عُيّن له أو عن المتعارف ضمن الخسارة والتلف، لكنَّ الإذنَ بَعدُ باق.
4. هل يشترط وجود المصلحة في التصرف أو يكفي عدم المفسدة ؟
أمّا الفرع الأوّل: أعني: ما إذا كانت لعقد الشركة ضابطة خاصة وضعها المتشاركون تنص على استقلال كلّ واحد في العمل، أو على اشتراكهما في العمل، أو استقلال واحد دون الآخر فيجب الاتّباع، أخذاً بالقيود الواردة في العقد.
وأمّا إذا اشتركا وكان العقد لا يتعرض لحدود العمل فقد أفتى المصنّف بأنّه لم يجز لواحد منهما التصرف إلاّ بإذن الآخر، وهو متين .
وذلك لأنّ الأصل في التصرف في مال الغير هو الحرمة، إلاّ إذا كان بإذنه، وعلى ذلك فتصرف كلٍّ رهن إذن جديد.    

1 . وقد مثّل له المصنّف بالتجارة في الحضر حيث قال: ولا يجوز السفر بالمال، ولكن المثال بعيد عن التعبير .

115
  والأولى أن يقال: إنّه كان هناك متعارف في البلد في الشركة على نحو يكون قرينة على انصراف العقد إليه فيُتبع ما هو المتعارف، وإلاّ فالتصرف رهن الإذن الجديد.
وأمّا الفرع الثاني: أعني: إذا كان العمل مقيداً بنوع خاص من التجارة أو تعيين كيفية خاصة كالبيع نقداً، فهو المتبع.
وجهه: لزوم الوفاء بالعقد وتوابعه والمفروض تحديد العقد بتجارة نوع خاص،كالتجارة بالقماش، أو كيفية خاصة مثلاً كالبيع نقداً لا نسيئة فيتبع. وأمّا إذا كان مطلقاً فقد قال المصنّف: اللازم الاقتصار على المتعارف من حيث النوع والكيفية، وذلك لأنّ التعارف قرينة على التقييد أو صالح له.
ولازم ما ذكره، هاهنا، من تقديم المتعارف على الإطلاق هو تقديم المتعارف في الفرع الأوّل، مع أنّه لم يقيّده به. وقد عرفت التقييدين.
وأمّا الفرع الثالث: أعني: إذا تعدّى عن الضوابط الموجودة في عقد الشركة أو تعدّى عن المتعارف، فانتهى إلى تلف المال، أو إلى الخسارة فقد أفتى المصنّف بأنّه يضمن الخسارة والتلف لكن الإذن بعد باق.
أقول: أمّا بقاء الإذن. فلإطلاق العقد الشامل لما لحقه التلف أو الخسارة. اللّهم إذا تلف كلّ المال فلا معنى لبقائه مع عدم الموضوع .
وأمّا ضمان الخسارة والتلف فلفرض أنّه متعد، وعدم الضمان من شؤون الأمين لا المتعدي.
وربّما يفصل بين التلف والخسارة بالحكم بالضمان في الأوّل،     

116
  لأنّه بتصرفه تصرفاً غير مأذون يكون متعدياً ومتلفاً لمال الغير فيضمنه لا محالة، وأمّا عدم ضمانه للخسارة فلأجل أنّ العقد الصادر على خلاف ما عُيّن له أو المتعارف لمّا لم يكن عقداً مأذوناً فيه كان عقداً فضولياً ومعه يتخيّر المالك الشريك بين إجازته وقبض الثمن المسمّى وبين ردّه والمطالبة بماله على تقدير كونه موجوداً، وبدله على تقدير تلفه، وعلى كلّ تقدير فلا يضمن الشريك البائعُ الخسارةَ.(1)
يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره وإن كان صحيحاً لكن هناك طريقاً رابعاً وهو أن يطلب الشريك ـ مع إجازة البيع ـ جبر الخسارة الّتي توجهت إلى شريكه، مثلاً إذا باع الشيء الثمين بثمن رخيص، فللشريك وراء الطرق الثلاثة المذكورة في كلامه طريق رابع، وهو إمضاء العقد الفضولي بشرط جبر الشريك التفاوت بين المسمّى وقيمة المثل، وهذا ما يسمّى بضمان الخسارة.
وأمّا الفرع الرابع: أعني: ملاحظة المصلحة، عند إطلاق الإذن.
وجهه: أنّ التجارة لغاية الاسترباح لا تبديل مال بمال من دون ربح. نعم ربّما يتفق قليلاً وجود المصلحة ببيع مال بنفس القيمة الّتي اشتراه بها، فما ذكره المصنّف من كفاية عدم المفسدة، مورد تأمل.
العامل أمين لا يضمن التلف   
وحاصل الكلام: أنّه تجب رعاية أمرين:
الأوّل: اتّباع الضابطة الواردة في العقد وعامة الموارد.
الثاني: اتّباع القرائن المكتنفة بالعقد، أعني: المتعارف بين التجار    

1 . مباني العروة الوثقى: 3 / 264 .

117
مسألة 7: العامل أمين، فلا يضمن التلف ما لم يفرط (أو يتلف) أو يتعدَّى.*
  في نفس البلد.
وفي غير هاتين الصورتين فتصرّف كلّ واحد في الموارد المشكوكة رهن إذن الشريك الآخر .
* ما ذكره مطابق للقاعدة، فإنّ الضمان رهن أحد الأُمور التالية:
1. إذا كانت اليد عادية، فيضمن حتى ولو تلف بسبب الغير، أو بالأسباب الطبيعية.
2. الإتلاف فمن أتلف مال الغير فهو له ضامن.
3. التفريط في صيانة مال الغير كما إذا جعل مال الشركة غير مأمون من السُّراق.
والمفروض في المقام عدم واحد من هذه الأُمور، وإلاّ فيضمن .

118
مسألة 8 : عقد الشركة من العقود الجائزة، فيجوز لكلّ من الشريكين فسخه، لا بمعنى أن يكون الفسخ موجباً للانفساخ من الأوَّل أو من حينه بحيث تبطل الشركة، إذ هي باقية ما لم تحصل القسمة، بل بمعنى جواز رجوع كلّ منهما عن الإذن في التصرف الّذي بمنزلة عزل الوكيل عن الوكالة، أو بمعنى مطالبة القسمة، وإذا رجع أحدهما عن إذنه دون الآخر فيما لو كان كلّ منهما مأذوناً، لم يجز التصرف للآخر، ويبقى الجواز بالنسبة إلى الأوّل، وإذا رجع كلّ منهما عن إذنه لم يجز لواحد منهما. وبمطالبة القسمة يجب القبول على الآخر .*
* ذكر المصنّف في هذه المسألة فروعاً نشير إلى رؤوسها:
1. عقد الشركة من العقود الجائزة.
2. ما هو المراد من فسخ الشركة؟
3. إذا رجع أحدهما عن إذنه دون الآخر، لا يجوز التصرف للمخاطب المعزول ويجوز للعازل.
4. إذا طالب أحدهما القسمة يجب على الآخر القبول.
5. إذا اشتركا على أن يكون لأحدهما زيادة في الربح أو نقصان في الخسارة، يمكن إبطال هذا الاتّفاق فقط دون الشركة.
وإليك دراسة الفروع واحداً بعد الآخر.    
   

119

  الفرع الأوّل: عقد الشركة من العقود الجائزة

كون الشركة من العقود الجائزة هو المشهور على لسان الأصحاب، قال المحقّق: ولكلّ من الشركاء الرجوع في الإذن والمطالبة بالقسمة، لأنّها غير لازمة (1).
وقال العلاّمة: ويجوز الرجوع في الإذن والمطالبة بالقسمة، إذ الشركة من العقود الجائزة من الطرفين.(2)
وقال في «التذكرة»: الشركة عقد جائز من الطرفين وليست من العقود اللازمة بالإجماع، فإذا اشتركا بمزج المالين وأذِنَ كلّ منهما لصاحبه في التصرف فلكلّ من الشريكين فسخها، لأنّ الشركة في الحقيقة توكيل وتوكّل.(3)
يظهر من هذه العبارات كون الجواز أمراً مسلّماً عندهم ولم ينقل الخلاف حتى أنّ المحقّق الكركي علل جواز الرجوع بإرجاع الشركة إلى عقد الوكالة الّذي هو عقد جائز بالاتّفاق وقال: لمّا كانت الشركة عبارة عن توكيل وتوكّل، كان فسخها جائزاً من الطرفين كالوكالة، فمتى رجعا عن الإذن انفسخت من الجانبين، وكذا لو قالا أو أحدهما: فسخت الشركة، لأنّ الوكيل ينعزل إذا عزل نفسه، وفسخها من أحد الجانبين يقتضي عزل كلّ منهما.(4)    

1 . شرائع الإسلام: 2 / 131 .
2 . قواعد الأحكام: 2 / 327 .
3 . تذكرة الفقهاء: 16 / 349، المسألة 168 .
4 . جامع المقاصد: 8 / 22 ـ 23 .

120
  يمكن أن يقال: إنّ الشركة من العقود الّتي أمر الله سبحانه الوفاء بها، وليس معناها الإذن في التصرف لكلّ من الشريكين ـ كالوكالة ـ بل هي عهد واتفاق بين الشركاء على التجارة برأس مال خاص متعلّق بهم، وليس هذا التعهد بأقل من التعهد في مورد الإجارة أو غيرها. نعم لازم هذا التعهد الإذن في التصرف وفق المرسوم المشترك بينهما.
وما اشتهر بين المتأخّرين من تقسيم العقود إلى عقد عهدي وعقد أدنى وأنّ اللزوم من آثار القسم الأوّل دون الثاني وإن كان صحيحاً إلاّ أن كون عقد الشركة عقداً إذنياً نظير عقدي العارية والوديعة أوّل الكلام، للفرق الواضح بين الشركة وبينهما، بل متلقى العرف في المقامّ هو أنّ الشركة تعاهد من الطرفين على العمل بماليهما إلى مدّة معيّنة ليتساويا في الربح والخسران، ولأجل كون المتلقى أنّه عقد لازم تراهم يشدّ دون على ذكر بنود الشركة وشروطها وتواليها وكيفيّة حلّها وأين هذا من العقود الإذنية كالعارية والوديعة ؟
ويترتّب على ما ذكرنا ـ وراء اللزوم ـ ثمرة أُخرى وهي صلاحية عقد الشركة لتعلّق الفسخ به، لأنّه عقد مشدّد قابل للحلّ، خلافاً لمن جعله عقداً إذنياً قائماً بالإذن، فإذا رجع عن الإذن لايبقى موضوع للفسخ حتّى يتعلّق به، ولذلك حاولوا تفسير الفسخ المتعلّق بعقد الشركة بحرمة تصرف الشريك في المال المشترك أو وجوب قبول القسمة كما سيوافيك في الفرع التالي.
وبذلك يُعلم أنّ عقد الشركة المؤجل إلى أجل، عقد لازم يجب الوفاء به إلى آخر الأجل، ولا يجوز لأحد من الشركاء فسخه من جانبه، إلاّ إذا اتفقا    

121
  على الفسخ وسحب الأموال وقسمتها.
أضف إلى ذلك: أنّ رغبة الناس إلى الشركة المحددة إلى وقت معيّن إنّما تتحقّق إذا أيقن الشركاء بأنّ هذا العمل عمل جماعي لا ينحلَ بانسحاب أحد الشركاء، ولو فرض جواز الفسخ لكلّ من الشركاء قبل بلوغ الأجل ربّما لا يُرغب في الشركة، لاختلاف الأذواق في المعاملات، واختلاف رأس مال الأفراد فإذا رجع ربّما يشلّ أمر الشركة لكثرة رأس ماله وقلة رأس مال الآخرين، وقد قلنا بمثله أيضاً في المضاربة الّتي هي عقد جائز عند الفقهاء، لكنّها عندنا عقد لازم يجب الوفاء به أخذاً بقوله سبحانه: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)، وعلى ما ذكرنا فلا يجوز الفسخ إلاّ باتفاق الشركاء على حلّ العقد.

الفرع الثاني: ما هو المراد من فسخ الشركة؟

قد عرفت أنّ الشركة تنقسم إلى شركة ملكية وشركة عقدية، فيلزم أن يطرح معنى الفسخ في كلّ من القسمين:
أمّا القسم الأوّل: فبما أنّ من أسبابه امتزاج المالين على نحو لا يتميّز أحدهما عن الآخر أو يصعب عزلهما والشركة بهذا المعنى لا تقبل الفسخ ما دام المال مشاعاً ولا تتبدّل الملكية الاشتراكية بالملكية الاختصاصية ما دامت الإشاعة حاكمة على المال. نعم تبطل الشركة بالتقسيم وعزل الأموال والمفروض عدمه والموجود إنّما هو لفظة فسخت، ومن المعلوم أنّه لا يؤثر في رفع الإشاعة الخارجية .
وإن شئت قلت: إنّ الشركة الملكية ـ بسبب الامتزاج ـ أمر    

122
  تكويني تحصل لأجل عدم التميز بين المالين، ومثل هذه لا تتحوّل إلى الملكية الخاصّة باللفظ، فلابدّ من تفسير الفسخ بأحد الوجهين المذكورين في المتن، أعنى: جواز رجوع كلّ منهما عن الإذن في التصرف فلا يحلّ للآخر التصرف أو مطالبة القسمّة.
هذا كلّه حول الشركة الملكية.
وأمّا القسم الثاني: ـ أعني: الشركة العقدية ـ فإعمال الفسخ فيها مشكل، لأنّ عقد الشركة عند الأصحاب من العقود الإذنية كالعارية والوديعة والوكالة، ومن المعلوم أن قوامها بالإذن، فلو رجع الشريك عن إذنه فلا موضوع للفسخ سواء أفسر بالفسخ من حين العقد أو من حين الفسخ، ولذلك لا محيص عن تفسير الفسخ في هذا القسم أيضاً بالأمرين الماضيين في القسم الأوّل.
هذا على مبنى الأصحاب، وأمّا على المختار من أنّ عقد الشركة من العقود العهدية اللازمة نظير الإجارة والبيع، فيصلح لأن يتعلّق به الفسخ، لأنّه لا ينحلّ إلاّ به، وعلى هذا فمجرّد رجوع الشريك عن إذنه لا يؤثر في جواز التصرف ما دام العقد باقياً نظير رجوع البائع إلى المثمن فلا أثر له ما دام العقد باقياً وسائداً. وقد مرّ بعض الكلام في الفرع السابق، فلاحظ.

الفرع الثالث: إذا رجع أحدهما عن إذنه دون الآخر لا يجوز التصرف للمخاطب المعزول دون العازل

إذا طالب أحدهما القسمة، جواز إبطال زيادة في الربح أو نقصان في الخسارة   
وجهه: أنّ التصرف في مال الغير رهن الإذن، والمفروض انتفاؤه بالنسبة إلى المعزول دون العازل. وعلى المختار لا يصح ما ذكر إلاّ في الشركة    

123
وإذا أوقعا الشركة على وجه يكون لأحدهما زيادة في الربح أو نقصان في الخسارة يمكن الفسخ، بمعنى إبطال هذا القرار، بحيث لو حصل بعد ربح أو خسران كان بنسبة المالين على ما هو مقتضى إطلاق الشركة.*
مسألة 9: لو ذكر في عقد الشركة أجلاً لا يلزم، فيجوز لكلّ منهما الرجوع قبل انقضائه. إلاّ أن يكون مشروطاً في عقد لازم فيكون لازماً.**
  الملكيّة لا في العقدية.

الفرع الرابع: إذا طالب أحدهما القسمة

إذا طالب أحدهما القسمة يجب القبول على الآخر وفيه: السيرة القطعية في المواريث، فإنّه ليس لبعض الورثة الانتفاع من التقسيم والمطالبة ببقاء الشركة على حالها. وذلك في غير العقديّة، لما عرفت من لزوم التركة فيه .

الفرع الخامس: جواز إبطال زيادة في الربح أو نقصان في الخسارة

* بناءً على صحّة هذا الشرط وكان الشرط أمراً خارجاً عن واقع الشركة يجوز إبطال هذا الاتّفاق، مع حفظ الشركة، فيكون إبطاله موافقاً للقاعدة.
وإن شئت قلت: إنّه من مقولة إسقاط مَنْ له الشرط شرطه، أو إسقاط ذي الحق حقّه.
** قد عرفت أنّ الشركة العقدية المؤجلة عقد لازم لا تنحل بفسخ أحد

124
الشركاء، ولا يجوز لكلّ منهم مستقلاً الرجوع عن الإذن في التصرف    
المسألة 10: لو ادّعى أحدهما على الآخر الخيانة أو التفريط في الحفظ فأنكر، عليه الحلف مع عدم البيّنة.*
  قبل انقضاء الأجل.
نعم كلّ من جعل الشركة من قسم العقود الإذنية ـ في مقابل العقود العهدية ـ يجوز عنده الرجوع عن الإذن قبل انقضاء الوقت.
وبهذا يُعلم أنّ لزوم الشركة ذاتي لا يحتاج إلى جعلها شرطاً ضمن عقد لازم آخر.
نعم من جعلها من العقود الإذنية يتوقّف لزومها على جعلها شرطاً ضمن عقد لازم، ولو فعل ذلك يكون لزومها تكليفياً لا وضعياً بمعنى أنّه إذا تخلّف ولم يعمل بالشرط وفسخ يجوز للآخر فسخ العقد أيضاً، مع أنّ المطلوب اللزوم الوضعي، بمعنى أنّه لا يصح لكلّ من الشركاء الرجوع عن الإذن إلى آخر الأجل.

* ادّعاء الخيانة أو التفريط على الشريك

ما ذكره (قدس سره)هو الموافق للقاعدة، إذ البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر.
   

125
المسألة 11: إذا ادّعى العامل التلف، قبل قوله مع اليمين، لأنّه أمين.*

* ادّعاء العامل التلف

الأمين على قسمين:
1. الأمين الّذي ائتمنه الشخص على حفظ ماله وصيانته من الخطر تبرعاً من دون أن يكون منتفعاً به. وهذا كالودعي فيه قولان:
الأوّل: يقبل قوله إذا ادّعى التلف من دون إفراط وتفريط مع اليمين. وإليه ينظر قولهم ليس على الأمين إلاّ اليمين، دون القسم الآخر، أعني: الأمين على المال لغاية انتفاعه، كما سيوافيك.
قال المحقّق في الشرائع: إذا ادّعى التلف أو ادعى الرد ولا بيّنة له، فالقول قوله، وللمالك إحلافه على الأشبه .(1)
واستدلّ عليه في «الجواهر» بعموم البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر، ونسبه في «التذكرة» إلى علمائنا .
الثاني: أنّه لا يمين عليه. وهو المحكي عن الصدوق والشيخ في النهاية وابن حمزة ، بل في الفقيه: قضى مشايخنا (رحمهم الله)على أنّ قول المودع مقبول فإنّه مؤتمن ولا يمين عليه .(2)    

1 . الشرائع: 2 / 167 .
2 . الجواهر: 27 / 148 .

126
  ويؤيّد ذلك القول بعض الروايات (1).
2. الأمين على المال ولكنّه قبله لغاية الانتفاع به، فهو منتفع بالمال وليس متبرعاً، وذلك كالمستعير والمستأجر، فالظاهر فيه التفصيل بين المأمون والمتهم أخذاً بما ورد في مورد الإجارة. ففي رواية أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام)في الجمال: يكسر الّذي يحمل أو يهريقه، قال: «إن كان مأموناً فليس عليه شيء، وإن كان غير مأمون فهو ضامن ».(2)
وأيضاً ما رواه ابن أبي عمير، عن جعفر بن عثمان قال: حمل أبي متاعاً إلى الشام مع جمال وذكر أنّ حملاً منه ضاع، وذكر ذلك لأبي عبدالله (عليه السلام)فقال: «أتتهمه»؟ قلت: لا. قال: «فلا تضمّنه ».(3)
وبهذا المعنى روايات أُخر يُقيّد بها ما دلّ على عدم الضمان على الإطلاق، وما دلّ على الضمان كذلك فتكون النتيجة التفصيل بين كونه مأموناً أو غير مأمون. والظاهر أنّ الأمر في الشريك كذلك، فيكتفي في المأمون باليمين ويضمن المتهم. وكون المورد هو الأجير لا يمنع من إلغاء الخصوصية بالنسبة إلى الشريك، والجامع هو تفويض الإنسان ماله لرجل يتمتع به تارة بالإجارة وأُخرى بالشركة، والله العالم.

1 . الوسائل: 18، الباب 25 من أبواب أحكام الدعوى، الحديث 3 .
2 . الوسائل: 13، الباب 30 من أبواب كتاب الإجارة، الحديث 7.
3 . الوسائل: 13، الباب 30 من أبواب الإجارة، الحديث 6 .

127
المسألة 12: تبطل بالمرض والجنون والإغماء والحجر بالفلس أو السفه، بمعنى: أنّه لا يجوز للآخر التصرف، وأمّا أصل الشركة فهي باقية.*
* في المسألة فروع:
1. بطلان الشركة بالموت والجنون والإغماء والحجر بالفلس والسفه، بمعنى عدم جواز التصرف للآخر، لكن مع بقاء أصل الشركة، فإنّه لا ينحل إلاّ بالتقسيم.
2. لو اشتُرطت زيادة أحدهما في الربح أو النقصان في الخسارة، يبطل ما اشتُرط بإحدى هذه الطوارئ فيما بعدُ، لا فيما قبلها.
3. لو تبيّن بطلان الشركة ـ لا بطلان المعاملة ـ فالواقع منها قبل العلم ببطلان الشركة محكوم بالصحة لوجود الإذن.
4. لو كان الإذن فيها مقيداً بصحّة الشركة تصبح المعاملات بالنسبة إلى مَنْ يكون إذنه مقيّداً فضوليةً.
5. لو كان العامل واحداً يأخذ أُجرة مثل عمله، وإن كانوا كثيرين يأخذ كلّ أُجرة مثل عمله بالنسبة إلى حصة الآخر.
فهذه فروع خمسة ندرسها واحداً تلو الآخر.

الأوّل: بطلان الشركة بالطوارئ الأربعة

اشتهر بين الفقهاء بطلان الشركة بالطوارئ، واكتفى في الشرائع    

128
  باثنين منها فقال: ويبطل الإذن بالجنون والموت .(1)
وقال العلاّمة في القواعد: وتنفسخ بالموت والجنون .(2)
وعطف عليه في جامع المقاصد: الإغماء والحجر للسفه والفلس، كالوكالة.(2)
وقال في الجواهر بعد عبارة المحقّق: والإغماء وغيرهما ممّا تبطل به العقود الجائزة، كالحجر لسفه أو فلس، وغير ذلك، بخلاف أصل الشركة فإنّها لا تبطل بشيء من ذلك(3)، ثم ينتقل أمر القسمة إلى الوارث أو الولي أو غيرهما، كما هو واضح.(4)
أقول: لمّا كانت الشركة عند المشهور من العقود الإذنية لا العهدية، صارت قائمة بالإذن، دائرة مدار وجوده أو اعتباره، فمع عدم الإذن كما في الموت أو عدم اعتباره كما في الجنون والإغماء، تبطل الشركة .
أقول: البطلان في هذه الصور لأجل أنّ قوام الشركة بالإذن، وهو إمّا غير موجود، أو غير معتبر .
أمّا الأوّل: كما في صورة الموت فالإذن غير موجود أوّلاً، وانتقال المال إلى الورثة ثانياً، والمفروض عدم إذنهم. وبعبارة أُخرى: أنّ جواز    

1 . شرائع الإسلام: 2 / 131 .   2 . قواعد الأحكام: 2 / 327.
2 . جامع المقاصد: 8 / 320.
3 . وجهه: أنّ الشركة الملكية المتحقّقة بالمزج ملكية مشاعة لا تتبدل إلى الملكية الاختصاصية إلاّ بالتقسيم، ولذلك قال: لا تبطل الشركة.
4 . جواهر الكلام: 26 / 308 .

129
  تصرّف العامل في المال مستند إلى إذن المالك وحيث إنّ المال انتقل من الآذن إلى ورثته، فبطل إذنه فلا يصح تصرفه إلاّ بإذن الشريك الجديد.
وأمّا الثاني أي عدم اعتباره كما هو الحال في صورة الجنون فالإذن موجود ولكنّه غير معتبر. وأمّا البطلان بالإغماء فحكمه حكم الجنون، إذ لا شأن لإذنه على فرض وجوده في خزانة ذهنه.
ومثل الجنون، الحجر للسفه والفلس، فلعدم اعتبار إذنه، لأنّ الأموال في سلطان الغرماء والسفيه ممنوع من التصرف فلا شأن لإذنه. فلا يصح للمأذون السابق التصرف بعدم وجود الإذن المعتبر فعلاً .
إنّما المهم هو تفسير بطلان الشركة مع كون المال مشاعاً فإنّها لا تنحل إلاّ بالقسمة فالمال مالم يقسم مشاع بين الشركاء، ولا يفرز إلاّ بالتقسيم، وإنّما يراد به ما تقدم سابقاً من عدم جواز التصرف في المال .
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ عطف الإغماء على الموت بعيد جدّاً، إذ لا فرق عند العرف بين النوم والإغماء، إلاّ بالضعف والشدة، فالإذن بالتصرف مخزون في نفسه كما في النوم اللّهم إلاّ إذا طال زمانه، كما لو أُغمي عليه سنة أو أكثر.
وثانياً: أنّ ما ذكره من أنّ قوام الشركة بالإذن بالتصرف، من خصائص الشركة الملكية الحاصلة بالمزج، فتبقى ببقاء الإذن وتنتفي بانتفائه أو انتفاء اعتباره.
وأمّا الشركة العقدية فقوامها بالعقد والعهد الّذي له بقاء اعتباري إلى نهاية الأجل، فهو داخل ضمن قوله سبحانه: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) إلى نهاية    

130
  الأجل وهذه الطوارئ لا تسبّب خدشة في العقود. فبقاء الشركة رهن بقاء العقد والعهد عند العرف، وارتفاعها رهن بلوغ الأجل .
والعجب أنّ المشهور قالوا بذلك في موت الموجر وأنّ الإجارة لا تبطل بموته ، وإنّما تنتقل العين المستأجرة إلى الورثة مسلوبة المنفعة في مقابل ما دفعه المستأجر إلى المورِّث، ولم يقولوا به في المقام، ونظير ذلك المضاربة فموت المالك لا يبطلها على ما حقّقناه .
ومن يقول ببطلان الشركة فإنّما يدرسها بمنظار ضيّق ويُحصرها بالشركات الجزئية الرائجة بين متوسطي الحال من الناس الّتي لا تتجاوز عن الشركة الملكيّة، ولو نظر إلى الموضوع من أُفق عال ودُرِس في دائرة وسيعة خصوصاً بين أصحاب الثروات والشركات الكبيرة الّتي يساهم فيها عدد من التجار لأجل الربح، ربّما يتغير النظر، لأنّ الموضوع في هذه الشركات هو العهد والعقد ، فما دام العقد موجوداً والعهد سائداً تترتب عليه آثاره ولا تزلزلها هذه الطوارئ عن الصحة.
فإن قلت: إنّ الشريك في علم الله سبحانه كان فاقداً للصلاحية فيمابعد الموت، إلى نهاية الأجل، فكيف يحكم ببقاء الشركة بعد طارئة الموت؟ قلت أوّلاً: لو صح ذلك لجرى في باب الإجارة أيضاً ; فإنّ الموجر لم يكن في علمه سبحانه واجداً لصلاحية التأجير فيما بعد الموت. فكيف بقيت الإجارة بعده. فيقتصر في الصحّة على زمان حياته، مع أنّهم أفتوا بصحّة الإجارة مع موت الموجر أثناء الأجل.    

131
  وثانياً: ليس كون الشريك واجداً للصلاحية في علم الله سبحانه، أو فاقداً لها فيه، موضوعاً للزوم الوفاء، بل الموضوع هو وجود العهد والعقد اللّذين لهما بقاء عرفي إلى نهاية الأجل، فيجب الوفاء به ما دام موجوداً عرفاً.
وإن شئت قلت: إنّ المتبع هو إطلاق قوله سبحانه: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)وشموله لما بعد الطوارئ عند انعقاد الشركة، فهو المحكّم مالم يدل دليل على الخلاف.
وعلى ما ذكرنا فلا تبطل الشركة وتكون باقية إلى نهاية الأجل ويكون حكم التصرفات بعد الطوارئ حكمها قبلها، حتى في الحجر بالفلس حيث يقوم الغرماء مقام الشريك في الربح والخسارة إلى أن ينتهي أمدها، إلاّ إذا اتفق الشركاء على الإقالة .

132
نعم يبطل أيضاً ما قرراه من زيادة أحدهما في النماء بالنسبة إلى ماله، أو نقصان الخسارة كذلك.*

* الثاني: بطلان اشتراط الزيادة في النماء والنقصان في الخسارة

قد مرّ أنّه يصح لأحد الشركاء اشتراط الزيادة في الربح أو النقصان في الخسارة، وليس الموضوع في كلامه في الربح، لأنّ المتقدّم منه على عامل البطلان يجب العمل فيه على ما اشترط، والمتأخّر منه غير متحقّق، بل في نماء المال المشترك كالصوف واللبن والنتاج الحاصلة بعد البطلان فينقسم حسب رأس المال، لا حسب الشرط. إذا عرفت هذا فاعلم أنّه لو قلنا بأنّ الشركة من العقود الإذنية فيبطل الشرط بالطوارئ لتبعية بطلان الفرع لبطلان الأصل.
وأمّا على ما قررنا من أنّها من العقود العهدية فما دام العهد والعقد باقيين إلى نهاية الأجل، فالشرطان نافذان حتى بعد الموت والجنون، تمسّكاً بإطلاق قوله تعالى: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) وشموله لعامة حالات العقد الّتي منها ما بعد الموت والجنون والإغماء.

133
وإذا تبيّن بطلان الشركة فالمعاملات الواقعة قبله محكومة بالصحة، ويكون الربح على نسبة المالين، لكفاية الإذن المفروض حصوله.
نعم لو كان مقيّداً بالصحّة يكون كلّها فضولياً بالنسبة إلى من يكون إذنه مقيداً. *

* الثالث: إذا تبيّن بطلان الشركة

إذا تبيّن بطلان الشركة يقع الكلام في مقامين:
الأوّل: إذا لم يكن الإذن الموجود في الشركة، مقيداً بصحتها، ففي هذه الصورة المعاملات الواقعة، قبل التبيّن محكومة بالصحة، ويُقسّم الربح على نسبة المالين، وذلك لكفاية الإذن المفروض حصوله في المقام، وإن كانت الشركة باطلة، نظير ذلك إذا تبيّن بطلان الوكالة فالمعاملات الّتي قام بها الوكيل تكون محكومة بالصحة، لأنّ الوكالة وإن بطلت لكن الإذن الموجود في ضمنها كاف في إضفاء الصحة على عمل الوكيل إلى وقت التبيّن. وهكذا الشركة إذا بطلت، بقى الإذن فيها فيصحّ لأجلها التصرف الصادر من الشريك .
أقول: إنّ فساد عقد الشركة تارة يكون لأجل فقدان العاقد لبعض الشروط، كالبلوغ والعقل، وأُخرى لأجل فقدان العقد بعض الشروط المعتبرة كالتعليق على شرط في المستقبل بناءً على أنّ التعليق يوجب البطلان .
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّه لو كان الفساد مستنداً إلى القسم الأوّل فلازم ذلك بطلان كل المعاملات الصادرة من الشريكين، سواء أكان قبل التبين أم بعده، لأنّه لا عبرة بإذن المجنون والصغير والمحجور عليه .    

134
  ولو كان الفساد مستنداً إلى فقد بعض الشروط المعتبرة في العقد، ككون العقد معلقاً لا منجزاً فلازم ذلك صحة عامة المعاملات، سواء صدرت قبل التبين أو بعده، لوجود الإذن في كلتا الحالتين .
والظاهر أنّ كلام المصنّف في القسم الأوّل لمّا ذكر في أوّل المسألة من بطلان الشركة بالموت والجنون والإغماء والحجر بالسفه والفلس وهذا يدلّ على أنّ مصب كلامه هو الشروط المعتبرة في المتعاقدين ففي مثله تبطل الشركة ويبطل الإذن الموجود فيه من غير فرق من طروء الفساد على الشركة من أوّلها أو أواسطها، فلو فسد وكان غير مكشوف فإذا كشف يحكم بعامة المعاملات بالبطلان من منذ طروء الفساد.
وحصيلة الكلام: أنّ الفساد لو كان لأجل فقد المتعاقدين الشروط اللازمة من أوّل الأمر أو وسطه يحكم ببطلان المعاملات منذ طروء الفساد من غير فرق بين ما صدر قبل تبيّن البطلان أو بعده.
وأمّا لو كان الفساد لأجل فقدان العقد بعض الشروط اللازمة فيحكم على المعاملات بالصحة قبل الكشف وبعده، لكفاية الإذن، وعلى كلّ حال فالتفصيل الموجود في كلامه غير صحيح.
المقام الثاني (وهو يمثّل الفرع الرابع من المسألة): إذا كان الإذن مقيداً بالصحة (فيما إذا كان الإذن مقيداً ، كما إذا كان الفساد لفقدان بعض الشروط في العقد) ففي هذه الصورة تبطل المعاملات، كلّها لعدم وجود الإذن بها لافتراض كون الإذن مقيداً بالصحة فيصبح الكل فضولياً محتاجاً إلى إذن الشريكين.

135
ولكلّ منهما أُجرة مثل عمله بالنسبة إلى حصة الآخر إذا كان العمل منهما، وإن كان من أحدهما فله أُجرة مثل عمله. *

* الفرع الخامس: استحقاق العامل أُجرة مثل عمله

اختلف المعلّقون على عبارة المصنّف في فهم هذا الفرع، وأكثرهم على أنّه راجع إلى الفرع الرابع، أعني: ما إذا كان الإذن مقيّداً بالصحة. وفرض بطلان المعاملة.
وقال بعضهم: إنّه ذيل للفرع الثالث ـ أعني: إذا لم يكن الإذن مقيّداً بصحة الشركة وفرض صحة المعاملة ـ ونحن ندرسه على كلا الاحتمالين.
أمّا على الاحتمال الأوّل فبما أنّ الإذن كان مقيّداً بصحّة الشركة والمفروض بطلانها يكون الإذن منتفياً والمعاملة فضولية، فلا معنى لاستحقاق أُجرة المثل للعمل الفضولي ما دام كونه فضوليّاً. حتّى ولو كانت المعاملة صحيحة لا يستحق الشريك أُجرة سوى الربح حسب نسبة ماله، وما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده. فكيف يستحق الأُجرة؟!
وأمّا لو أجاز فيكون الربح بينهما دون أن يكون لأحدهما أو كليهما أُجرة المثل، لأنّ الشريكين لا يستحقّان في الشركة الصحيحة وراء الربح شيئاً آخر حتّى وإن عيّن في عقد الشركة أُجرة للعامل لأنّ المفروض بطلان الشركة، والإجارة ليست عقد شركة على النظام السابق .
وأمّا على الاحتمال الثاني وأنّه راجع إلى الفرع الثالث، أعني:    

136
المسألة 13: إذا اشترى أحدهما متاعاً وادّعى أنّه اشتراه لنفسه وادّعى الآخر أنّه اشتراه بالشركة، فمع عدم البيّنة القول قوله مع اليمين، لأنّه أعرف بنيته. كما أنّه كذلك لو ادّعى أنّه اشتراه بالشركة وقال الآخر: إنّه اشتراه لنفسه، فإنّه يقدّم قوله أيضاً لأنّه أعرف، ولأنّه أمين. *
  صحة المعاملة لأجل عدم تقيّد الإذن بصحّة الشركة، فتكون النتيجة كون الربح بينهما، وأمّا الأُجرة فهي تابعة لقانون الشركة، فإن عين فيه للعامل أُجرة وراء الربح بكون لكلّ أو لواحد منهما أُجرة المثل، وإلاّ فيشتركان في الربح فقط. فتأمّل.
* في المسألة فرعان متعاكسان:
1. لو اشترى أحد الشريكين متاعاً وادّعى أنّه اشتراه لنفسه، وادّعى الآخر خلافه.
2. لو ادّعى أنّه اشتراه بالشركة، وقال الآخر اشتراه لنفسه.
أمّا الفرع الأوّل: فمع عدم البيّنة للآخر يقدم قول المشتري مع اليمين وعلّله بقوله: هو أعرف بنيته.
يلاحظ عليه: بعدم وجود الضابطة على قبول قول الرجل في عمله، إلاّ في موارد خاصة كما إذا أخبر ذو اليد بأنّ الثوب قد طهّره.
أمّا قبول قول كلّ قائل في كلّ أمر يرجع إليه على وجه الكلية فهو غير ثابت، نعم يقبل قول المرأة في كونها حاملاً أو حائلاً معتدة أو غير    

137
  معتدة، طاهرة أو غيرها.
ويمكن أن يعلل بأنّ ظاهر الفعل هو أنّه يشتري لنفسه، إذ الاشتراء للشركة يحتاج إلى نية زائدة والأصل عدمها فلا يعارض بأصالة عدم الانفراد، إذ لا يترتب عليه الأثر .
والأولى أن يلاحظ ظاهر العمل فرب عمل يناسب كونه للنفس ورب عمل آخر يناسب كونه للشركة، فلعل ظهور الفعل يقدم على قوله الحاكي عن نيته، خصوصاً إذا اشترى مبيعاً ثميناً لا يقدر على شرائه إلاّ بأموال الآخرين .
والحاصل: أنّ الكلام كلامه إلاّ إذا دل ظاهر العمل أنّه للغير.
وأمّا الفرع الثاني: فهو أسهل من الفرع الأوّل، لجريان السيرة على قبول قول الوكيل فيما هو وكيل فيه والشركة أشبه بالوكالة، ولعلّ المورد من مصاديق قولهم: من ملك شيئاً ملك الإقرار به .
تمّ الكلام في أحكام الشركة المتداولة في الكتب الفقهيّة
صبيحة يوم الأربعاء سادس ربيع الثاني من شهور عام 1430 هـ
بيد مؤلفه جعفر السبحاني
والحمد لله الّذي بنعمته تتم الصالحات

138

139
المقصد الثاني
الشركات الحديثة
وفيه تمهيد وفصول:
الفصل الأوّل: مشروعية شركة الأشخاص الحديثة
الفصل الثاني: مشروعية شركة الأموال
الفصل الثالث: الشخصية المعنوية والشركة التجارية
الفصل الرابع: الشركات الحديثة والفرائض المالية

140

141

تمهيد:

قد تعرّفت في صدر الكتاب على أنّ فقهاء الإسلام قد قسّموا الشركة إلى أربعة أقسام: شركة العنان، الأعمال، الوجوه، المفاوضة. واتّفقوا على صحّة الأُولى واختلفوا في الثلاث الباقية، وإن كان المشهور بين الإمامية هو البطلان فيها.
إلاّ أنّ النهضة الصناعية الحديثة تسبّبت في إيجاد أنواع أُخرى من الشركات وبأسماء مختلفة، وقد راجت تلك الشركات في بلادنا الإسلامية، فتجب على الفقيه دراسة أحكامها، من دون خضوع للوضع الراهن من الرواج، فنقول:
وقبل الخوض في المقصود علينا أن نعرف هيكلية البحث، وذلك يتم في ضمن أُمور تمهيدية:

الأوّل: المسائل المطروحة للدراسة

البحث في الشركات الحديثة تارة يختص بجوهرها (وهو الذي نطرحه في المقام)، وأُخرى يتعلّق بالأُمور الجانبية، (النظام الإداري أو ما يفرضه القانون عند الانحلال) وهذا موكول لوقت آخر.
أمّا ما يرتبط بصميم الموضوع فهو عبارة عمّا يلي:

142
1. مشروعية عقد الشركات الحديثة وعدم مخالفتها للقواعد العامّة، المستنبطة من الكتاب والسنّة وما اتّفق عليه الفقهاء.
2. عقد الشركات الحديثة مبني على صحّة الشخصية المعنوية لها وأنّ للشخصية المعنوية من الأحكام ما للشخص باستثناء ما يرجع إلى الشخص بما هو إنسان كأحكام الأُسرة والولاية والحكومة.
3. إذا ربحت الشخصية المعنوية بعد إخراج المؤن فهل يتعلّق الخمس والزكاة بالأرباح أو لا؟ وذلك لأجل توهّم عدم تعلّقهما بها لأجل أنّ الفريضة قد تعلّقت بالمكلّف، قال سبحانه: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً)(1). والشركة المعنوية ليست مكلفاً وليس لها هذا الوصف من صفات الإنسان .
هذه الأُمور الثلاثة الّتي يجب البحث فيها حتى تكون نواة للبحث الوسيع. ويأتي البحث فيها في المستقبل ضمن فصول ثلاثة.
نعم هناك أمران مطروحان في كلّ كتاب أُلّف حول الشركات الحديثة، نظير: النظام الإداري الذي يفرضه القانون على تلك الشركات، والذي يختلف باختلاف الدول والبلدان، أو ما يفرضه القانون عليها عند انحلالها. فهذان الأمران خارجان عن مجال البحث، إذ ليس لإدارة الشركات نظام موحّد بين البلدان حتى نطرحه على طاولة البحث.
فالقوانين التجارية السائدة في إيران تغاير ما هو سائد في مصر أو العراق أو غيرها من البلدان.

1 . التوبة: 103 .

143
فلا يمكن للفقيه أن يعقد بحثاً لكلّ بلد بلد .

الثاني: تقسيم الشركات إلى مدنية وتجارية

المعروف هو تقسيم الشركة إلى مدنية وإلى تجارية، ولكلّ تعريف خاص.
ولكنّ السنهوري ذكر لمطلق الشركة تعريفاً واحداً ، وقال:
الشركة عقد بمقتضاه يلتزم شخصان أو أكثر بأن يساهم كُلٌّ منهم في مشروع ماليّ بتقديم حصة من مال أو عمل لاقتسام ما قد ينشأ عن هذا المشروع من ربح أو خسارة .(1)
ومع ذلك اعترف بوجود الفرق بين الشركتين، وقال:
فإنّ الشركة المدنية لا تدخل في أعمال التجارة، بل تقوم بالأعمال المتعلّقة بالعقارات والزراعة والأراضي والأعمال الفنية كبناء الدور وبيعها واستغلالها.
وأمّا الأعمال الأُخرى نظير الاستيراد والتصدير والنقل البري والبحري فهي تقع ضمن إطار عمل الشركة التجارية.
وبما أنّ ماهية الشركتين تختلف، لذلك تختلف آثارهما، وأهمها الأُمور التالية:
شكل الشركات التجارية وإجراءات تكوينها تختلف عنها في

1 . الوسيط في شرح القانون المدني: 5 / 218 .

144
الشركات المدنية. نذكر ما يهُمنا في المقام.
1. في الشركة المدنية، الشريك مسؤول عن ديون الشركة، حتى في ماله الخاص .
وأمّا في الشركة التجارية فتارة: يكون مسؤولاً في ماله الخاص بالتضامن، وأُخرى: يكون مسؤولاً في حدود الأسهم الّتي يحملها (كما هو الحال في شركة التوصية).
2. موت الشريك أو الحجر عليه أو الخسارة أو إفلاسه أو انسحابه من الشركة المدنية، يقضيها، ولا يقع ذلك غالباً في الشركة التجارية.
3. الشركة المدنية تخضع للقضاء المدني، والشركة التجارية تخضع للقضاء التجاري.
4. يجوز إشهار إفلاس الشركة التجارية وتصفيتها تصفية قضائية،
ولا يجوز ذلك في الشركة المدنية، وإذا كانت الشركة الواحدة تباشر
أعمالاً، بعضها مدني وبعضها تجاري، اتخذت صفتها تبعاً للأعمال الغالبة.(1)
ما ذكرُه من الخصوصيات أُمور وضعيّة يمكن التخلّف عنها في بدء الأمر، وأمّا إذا اتّفقوا عليها عند العقد فلا محيص عن اتّباعها أخذاً بوجوب الوفاء بالعقود .
وغير خفي على النابه أنّ التفريق بين الشركتين وتسميتها بالتجاري

1 . الوسيط في شرح القانون المدني: 5 / 234 هامش الصفحة بتلخيص.

145
والمدني مجرد اصطلاح، وإلاّ فالجميع داخل في العقود ولكلّ من الآثار ما لسائر العقودمن الشروط واللزوم والخيار.
وبعبارة أُخرى: كلاهما عقد وإنّما يختلفان في المتعلّق فهذه تمارس الاستيراد والتصدير فيسمى بالعقد التجاري، وتلك تمارس الأعمال المتعلّقة بالعقارات فتسمّى بالعقد المدني.

الثالث: تعريف الشركة التجارية

الشركة التجارية عقد بين شخصين أو أكثر، وفي الوقت نفسه لها شخصية معنوية.
والتعريف الأسدّ، ما يكون جامعاً لكلتا الخصوصيتين:
وإليك بعض التعاريف :
1. الشركة عقد بمقتضاه يلتزم شخصان أو أكثر بأن يساهم كلٌّ منهم في مشروع مالي بتقديم حصة من مال أو عمل لاقتسام ما قد ينشأ عن هذا المشروع من ربح أو خسارة .(1)
2. مؤسسة تنشأ من شخصين أو أكثر للقيام بأعمال تجارية مع التزام المتعاقدين بأن يقدّم كلّ منهما حصته من نقود أو عروض أو عمل للمؤسسة، لاقتسام ما قد ينشأ من أعمالها من المنافع أو الأضرار.
فالأوّل منهما يركز على الجانب العقدي، والثاني يركز على كونها

1 . الوسيط: 5 / 218 .

146
ذات شخصية معنوية لقوله أو مؤسسة، وفي التعريف التالي إشارة إلى كلا الأمرين.
الشركة التجارية: عقد بمقتضاه يحصل اتفاق من جانب شخصين أو أكثر لإيجاد رأس مال مستقل، وتخصيص ذلك لمؤسسة (1) قد أُسست لغرض خاص، لاقتسام ما قد ينشأ من أعمالها من المنافع والأضرار.

الرابع: تقسيم الشركات التجارية إلى شركات الأشخاص وشركات الأموال

الشركات التجارية على قسمين:
1. شركات الأشخاص.
2. شركات الأموال.
أمّا الأُولى: فهي الّتي تتكون بالنظر للاعتبار الشخصي للشركاء من حيث هويتهم وجنسيتهم وملاءتهم وصفاتهم ومؤهلاتهم، ونظراً لأهمية الاعتبار الشخصي في شركات الأشخاص لا يسوغ التفرّغ من حصته إلى الغير دون موافقة الآخرين، ولذلك يؤدي أيُّ تغيير في شخصية أحد الشركاء أو أهليته أو ملاءته إلى تعديل شركة أو حلّها، ويكون جميع الشركاء أو بعضهم ملتزمين بجميع التزامات الشركة حتى في أموالهم الخاصة، ويسمّى الأوّل (ضمان جميعهم) بشركة التضامن والآخر (ضمان البعض) بشركة التوصية،(2) وسيوافيك تعريفهما وحدودهما.

1 . إشارة إلى كون الشركة ذات شخصية معنوية.
2 . الشركات التجارية للدكتور جاك يوسف حكيم: 42 ـ 43. ومثلها، الشركة المدنيّة حيث إنّ الشريك مسؤول عن ديون الشركة حتّى في ماله الخاص فتذكر.

147
أمّا الثانية ـ أي شركة الأموال ـ فهي الّتي تستمد اعتمادها المالي من موجوداتها لا من شخصية الشركاء وملاءتهم، ولا يكون كلّ شريك فيها مسؤولاً إلاّ في حدود الأسهم والحصص الّتي يملكها.(1) ويسوغ التفرغ من حصته إلى الغير من دون إذن من سائر الشركاء.

الخامس: الشخصية المعنوية أساس الشركة التجارية

ثم إنّ عامّة هذه الشركات الحديثة خصوصاً شركة الأموال تدور على تصويب الشخصية المعنوية للشركات بمعنى أنّ للشركة ـ مع قطع النظر عن المدير أو المديرين وأصحاب الأسهم والحقوق ـ شخصية معنوية هي الّتي تملك الأموال المقدمة من قبل الشركاء ولها ذمّة كالأشخاص الحقيقيين.
وبعبارة أُخرى: حقيقة هذه الشركات تقوم بالاعتراف الرسمي على عنوان الشركة الّذي يسجل في الدوائر المختصة بتسجيل الشركات، فهي الّتي تملك الأموال وتكون رابحة أو خاسرة، دائنة ومدينة.
ولا يعدّ أصحاب الأموال إلاّ أصحاب الحقوق في الشركة دون أن يكونوا مالكين لما قدموه من الأموال ما دامت الشركة باقية.
نعم عند انحلال الشركة ترجع الأموال إلى أصحابها بحسب نسبة أسهمهم.

1 . نفس المصدر.

148
وبما أنّ العنوان المسجّل هو المالك فهي الّتي تقيم الدعوى في المحاكم، وتخضع لما يقضي به القضاء، من دون تردد.
فكما أنّ الإنسان الحقيقي كزيد يملك ويهب ويربح ويخسر، فهكذا الشركة ذات الشخصية المعنوية في اعتبار العقلاء لها واقعية في عالم الاعتبار اعترفت بها الحكومات والعقلاء فما دامت الشركة باقية تكون هي المرجع في كلّ الأحكام.
فإذا أُقيمت دعوى من الشركة على أحد أو أُقيمت ضد الشركة، فالمحامي يكون وكيلاً عن الشركة يدافع عنها لا عن الأشخاص الحقيقيين الذين أسّسوا هذه الشركة.
فلو اعترف الفقيه بصحّة هذا الأمر الاعتباري الحديث لناسب البحث في ماهيّة هذا النوع من الشركات بما له من الحدود والقيود من جانب الدولة أو الدول الخارجية.
وبما أنّا سنبحث عن حقيقة الشخصية المعنوية في المستقبل (1)نطوي الكلام في المقام .
إذا عرفت ما ذكرنا من التمهيدات يقع الكلام في المسائل الأربع الّتي أشرنا إليها في فهرس المقصد الثاني كل مسألة في فصل يخصّها.

1 . سيأتي الكلام فيها في الفصل الثالث.

149

      الفصل الأوّل:

شركة الأشخاص الحديثة

إنّ شركة الأشخاص تنقسم إلى الأقسام التالية:
1. شركة التضامن.
2. شركة التوصية البسيطة.
3. شركة التوصية بالأسهم.
4. شركة المحاصّة.
ولنأخذ كلاًّ بالدراسة واحداً تلو الآخر.

150

151
قد عرفت أنّ الشركة التجاريّة تنقسم إلى شركة الأشخاص وشركة الأموال، والمقصود في المقام هو القسم الأوّل، وإليك أصنافه .

شركة الأشخاص

إنّ لشركة الأشخاص أقساماً ندرسها واحداً تلو الآخر .

1. شركة التضامن ومشروعيتها

شركة التضامن: هي الشركة الّتي يعقدها شخصان أو أكثر بقصد الاتّجار، ويكون جميع الشركاء ملزمين بالتضامن بجميع التزامات الشركة حتى في أموالهم الخاصة. وحصص الشركاء غير قابلة للتداول والبيع إلاّ برضا الجميع. (1)
وتسميتها بالتضامن واضح، لضمان عامة الشركاء للخسارة الواردة عليها، فلو أفلست الشركة يلزم الشركاء أداء ديون الشركة من سائر أموالهم، حتى الأموال الخارجة عن حدود الشركة .
وأمّا تسميتها بشركة الأشخاص؟ فلأنّهم هم الذين يتعاملون مع الناس، والناس يعرفونهم ويعتمدون على وجاهتهم وملاءتهم، وهذا النوع من الشركة أشبه بشركة الوجوه من هذه الناحية.
هذه هي ماهية الشركة وهنا إشكالان :

1 . الوسيط في شرح القانون المدني لعبدالرزاق السنهوري المصري: 5 / 234 برقم 166 .

152
الأوّل: أنّ الضمان في المقام من مقولة ضمان ما لم يجب .
الثاني: أنّ منع التداول مخالف لكون المالك مختاراً في التصرف في ملك، ومخالفاً لكون صاحب المال، ذا سلطنة فيه .
وإليك دراستهما واحد بعد الآخر.

الإشكال الأوّل: الضمان في المقام من مقولة ضمان ما لم يجب

أمّا الأشكال الأوّل: فحاصل الجواب عنه هو صحة ضمان مالم يجب أوّلاً، وأنّ المراد من الضمان في المقام، غير الضمان المصطلح في كتاب الضمان .
توضيحه: إنّ الضمان عبارة عن انتقال ما في ذمّة شخص إلى ذمّة شخص آخر، حسب ما عرّفه الإمامية، أو عبارة عن ضم ذمّة إلى ذمّة أُخرى، كما عليه فقهاء السنّة، وعلى كلّ تقدير فالضمان رهن وجود ذمة مشغولة، فما لم تكن هناك ذمة موصوفة بالاشتغال فلا يتحقّق الضمان، ولذلك قالوا ببطلان ضمان ما لم يجب أي ما لم يثبت.
وشركة التضامن من تلك المقولة الممنوعة حيث إنّ الشركاء يلتزمون عند تأسيس الشركة بضمان جميع التزامات الشركة مع أنّ ذمّة الشركة بعدُ لم تصر مشغولة بشيء حتى يضمن هؤلاء، فكيف يصح ضمانهم مع عدم وجود الدين والمطالبة ؟
هذا هو الإشكال في هذا النوع من الشركة، وما هو مثلها.
فنقول: إنّ عدم صحّة ضمان مالم يجب هو المشهور بين فقهائنا منذ

153
عصر الشيخ في مبسوطه إلى عصرنا هذا، ولنذكر بعض الكلمات:
قال الشيخ: ولا يصح مالم يجب، سواء أكان معلوماً أم مجهولاً، فالمجهول الّذي ليس بواجب مثل أن يقول: ضمنت لك ما تُعامِلُ فلاناً آخر ما تقرضه أو تداينه، فهذا لا يصح لأنّه مجهول، ولأنّه غير واجب في الحال، والمجهول الّذي هو واجب ـ يريد ما هو ثابت ـ مثل أن يقول: أنا ضامن لما يقضي لك به القاضي على فلان أو ما يشهد لك به البيّنة من المال عليه، أو ما يكون مثبتاً في دفترك فهذا لا يصح، لأنّه مجهول وإن كان واجباً في الحال.
وقال قوم: يصح أن يضمن ما تقوم به البيّنة دون ما يخرج به في دفتر الحساب. ولست أعرف به نصّاً، والمعلوم الّذي لا يجب (لا يثبت) مثل أن يقول: أنا ضامن لما تقرضه لفلان من درهم إلى عشرة، فهذا لا يصحّ، لأنّه غير واجب .(1)
فالضمان الممنوع في كلام الشيخ هنا على أقسام ثلاثة: مجهول غير ثابت، ومجهول ثابت، ومعلوم غير ثابت .
وقال في موضع آخر: والّذي يقتضيه مذهبنا أنّه لا يجوز ضمان نفقة الزوجة، لأنّ النفقة لا تجب عندنا بالعقد وإنّما تجب نفقة يوم بيوم... إلى أن قال: لو قال واحد منهم لبعض أرباب الأموال: ألق متاعك في البحر ليخف عنّا ما نحن فيه، فقبل منه، فلا ضمان على من سأله.(2)

1 . المبسوط: 2 / 335 .   2 . المبسوط: 4 / 305 .

154
وقال في «الخلاف»: لا يصحّ ضمان المجهول، سواء أكان واجباً أو غير واجب، ولا يصح ضمان ما لم يجب سواء أكان معلوماً أو مجهولاً. وبه قال الشافعي وسفيان الثوري وابن أبي ليلى والليث بن سعد وأحمد بن حنبل .
وقال أبو حنيفة ومالك: يصحّ ضمان ذلك .
دليلنا: ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه نهى عن الغرر، وضمان المجهول غرر، لأنّه لا يدري كم قدراً من المال عليه .(1)
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من الدليل ـ لو تمّ ـ فإنّما يدلّ على عدم صحّة ضمان المجهول لا ضمان ما لم يثبت في الذمّة، إذا كان معلوماً، مضافاً إلى أنّ المنصوص هو أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)نهى عن بيع الغرر لا عن نفس الغرر.
هذه الكلمات من الشيخ صارت منهجاً للآخرين فذهب كلّ من تأخّر عنه إلى بطلان ضمان ما لم يثبت في الذمة، لاحظ المصادر الفقهية المذكورة في الهامش .(2)
أقول: إنّ اتّفاقهم أو اشتهار البطلان بينهم مبني على أنّ الضمان ـ سواء أُخذ من «ضَمِنَ» بمعنى نقل ما بذمّة إلى ذمّة أُخرى، أم أُخذ من «ضمّ» بمعنى ضمّ ذمّة إلى ذمّة، والأوّل هو المشهور بين الإمامية، وأمّا

1 . الخلاف: 3 / 319، كتاب الضمان، المسألة 13. والممنوع في الخلاف أقسام أربعة خلافاً للمبسوط حيث ذكر فيه أصنافاً ثلاثة.
2 . السرائر: 2 / 72 ـ 73 ; شرائع الإسلام: 2 / 359 وج 4 / 1028 ; تحرير الأحكام: 2 / 572 ; تذكرة الفقهاء: 14 / 313 ; إيضاح الفوائد: 2 / 89 ; جامع المقاصد: 5 / 321 ; وغيرها.

155
الثاني فهو المعروف بين فقهاء أهل السنّة ـ فرع اشتغال الذمّة، من غير فرق بين النقل والضمّ. وأمّا إذا لم يثبت شيء في الذمّة فلا يعقل الضمان بهذا المعنى.
هذا هو مبنى أقوالهم وأساس كلامهم.
ومع اتّفاقهم على عدم صحّة ضمان مالم يثبت، فقد أفتوا بصحّته في مواضع مختلفة واكتفوا فيه بوجود المقتضي وإن لم يكن ثابتاً بالفعل، وإليك بعض الموارد الّتي تناهز العشرة:

1. ضمان الدرك

يجوز عندهم بلا خلاف ضمان درك الثمن للمشتري إذا ظهر كون المبيع مستحقاً للغير أو ظهر بطلان البيع لفقد شرط من شروط صحّته، إذا كان ذلك بعد قبض الثمن ـ كما قيّد به الأكثر ـ أو مطلقاً ـ كما قيّد آخر ـ (1). هذا كلّه في ضمان الثمن إذا احتمل كون المثمن مستحقاً للغير .
وهناك نوع آخر من ضمان الدرك، وهو درك ما يحدثه المشتري في الأرض من بناء أو غرس إذا بانت الأرض مستحقة للغير، يقول الشهيد الثاني: ولو ضمن للمشتري ضامن عن البائع درك ما يحدثه المشتري في الأرض من بناء أو غرس على تقدير ظهورها مستحقة لغير البائع وقلعه لها أو أخذه أُجرة الأرض فالأقوى جوازه لوجود سبب الضمان حالة العقد وهو كون الأرض مستحقة للغير .(2)

1 . الروضة البهية: 4 / 124 .   2 . مسالك الأفهام: 9 / 359. وانظر: شرائع الإسلام: 2 / 359 .

156
 
2. الضمان بالأمر بالإتلاف
يظهر من غير واحد صحّة الضمان فيما إذا قال: «ألق متاعك في البحر وعليّ ضمانه» حذراً من غرق السفينة.
قال المحقّق: ولو قال ألق متاعك في البحر وعليّ ضمانه، ضمن دفعاً لضرورة الخوف، ولو لم يكن خوف فقال: ألقه وعليّ ضمانه، ففي الضمان تردد، أقربه أنّه لا يضمن .(1)

3. ضمان مال الجُعالة

قال العلاّمة: إن ضمن مال الجُعالة قبل الشروع في العمل لم يصح الضمان، لأنّه ضمان ما لم يجب، إذ العقد غير لازم والمال الثابت بالعقد غير ثابت في الذمة فكيف يلزم فرعه، وإن ضمن بعد الفراغ من العمل واستحقاقه للمال صحّ ضمانه قطعاً، لأنّه ضمان ما قد ثبت وجوبه ; وإن ضمن بعد الشروع في العمل وقبل إتمامه، فالأقرب جواز الضمان لوجود سبب الوجوب، وانتهاء الأمر فيه إلى اللزوم، كالثمن في مدة الخيار، وهو أحد قولي الشافعي .(2)

4. ضمان نفقة الزوجة

قال السيد الطباطبائي اليزدي: يجوز ضمان النفقة الماضية للزوجة

1 . شرائع الإسلام: 4 / 258، في تزاحم الموجبات، كتاب الديات.   2 . تذكرة الفقهاء: 14 / 317 .

157
لأنّها دين على الزوج، وكذا نفقة اليوم الحاضر لها إذا كانت ممكنة في صبيحته، لوجوبها عليه حينئذ، وإن لم تكن مستقرة لاحتمال نشوزها في أثناء النهار، بناءً على سقوطها بذلك.
وأمّا النفقة المستقبلة فلا يجوز ضمانها عندهم، لأنّه من ضمان مالم يجب، ولكن لا يبعد صحّته، لكفاية وجود المقتضي وهو الزوجية.(1)

5. ضمان الجريرة

إذا قال أحد الرجلين للآخر: عاقدتك على أن تنصرني وتمنع عني وتعقل عنّي وترثني، وقال الآخر: قبلت، كفى ذلك في لزوم العقل، أي تحمل الدية عن الآخر، وصار ضمان الجريرة مبدأً للإرث.
قال المحقّق: ومن توالى وركن إلى أحد برضاه فاتّخذه ولياً يعقله ويضمن حدثه ويكون ولاؤه له، صحّ ذلك ويثبت به الميراث .(2)

6. ضمان العين المستأجرة

قال السيد الطباطبائي اليزدي: ولو شرط الموجر على المستأجر ضمان العين المستأجرة مع عدم التعدّي والتفريط، فالمشهور عدم الصحّة، لكن الأقوى صحّته، وأولى بالصحّة إذا اشترط عليه أداء مقدار مخصوص من ماله على تقدير التلف أو التعيّب لا بعنوان الضمان .(3)

1 . العروة الوثقى: 5 / 427 ـ 428 .
2 . جواهر الكلام: 39 / 254 ـ 255 ; شرائع الإسلام: 4 / 39، الميراث بالولاء.
3 . العروة الوثقى: 2 / 600 كتاب الإجارة، الفصل الرابع.

158

7. ضمان العارية

قال السيد الاصفهاني: العارية أمانة بيد المستعير لا يضمنها لو تلفت إلاّ بالتعدي أو التفريط. نعم لو شرط الضمان ضمنها وإن لم يكن تعدٍّ ولا تفريط.(1)

8 . براءة الطبيب من الضمان

قال السيد الأُستاذ: الظاهر براءة الطبيب ونحوه، من البيطار والختّان، بالإبراء قبل العلاج، والظاهر اعتبار إبراء المريض إذا كان بالغاً عاقلاً فيما لا ينتهي إلى القتل، والولي فيما ينتهي إليه ، وصاحب المال في البيطار، والولي في القاصر، ولا يبعد كفاية إبراء المريض الكامل العقل حتى فيما ينتهي إلى القتل، والأحوط الاستبراء منهما.(2)
والشاهد في أنّ الإبراء كالضمان فرع ثبوت الشيء، فما لم يكن الشيء ثابتاً لا معنى للتبري عنه بالفعل، فإذا جاز الإبراء لأجل وجود المقتضي كالطبابة والختان فيجوز الضمان أيضاً عند وجود المقتضي .

9. ضمان الصنجة (3)

يقول العاملي: قد جوّزوا ضمان أشياء كثيرة ليست ثابتة في الذمة، كضمان الأعيان المضمونة وضمان العهدة (ضمان الثمن) ونقصان الصنجة

1 . وسيلة النجاة: كتاب العارية; تحرير الوسيلة: 1 / 594، المسألة 12، كتاب العارية.
2 . تحرير الوسيلة: 2 / 561، المسألة رقم 6 في موجبات الضمان.
3 . الصنجة ما يوزن به كالاوقية والرطل وهي معربة «سنگ» بالفارسية .

159
وغير ذلك، فهي إمّا مستثناة أو الشرط أغلبي.(1)

10. ضمان المقبوض بالعقد الفاسد

قال السيد الطباطبائي اليزدي: اختلفوا في جواز ضمان الأعيان المغصوبة والمقبوضة بالعقد الفاسد ونحوهما على قولين ذهب إلى كلّ منهما جماعة، والأقوى الجواز، سواء كان المراد ضمانها بمعنى التزام ردها عيناً ومثلها أو قيمتها على فرض التلف، أو كان المراد ضمانها بمعنى التزام مثلها أو قيمتها إذا تلفت، وذلك لعموم قوله: «الزعيم غارم»، والعمومات العامة مثل قوله تعالى : (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) .
ودعوى أنّه على التقدير الأوّل يكون من ضمان العين بمعنى الالتزام بردّها مع أنّ الضمان نقل الحق من ذمّة إلى أُخرى، وأيضاً لا إشكال في أنّ الغاصب أيضاً مكلّف بالرد، فيكون من ضم ذمّة إلى أُخرى، وليس ذلك من مذهبنا.
وعلى الثاني: يكون من ضمان ما لم يجب، كما أنّه على الأوّل أيضاً كذلك بالنسبة إلى ردّ المثل أو القيمة عند التلف من قبيل ضمان ما لم يجب. لا بالنسبة إلى ردّ العين لثبوت الضمان بوضع اليد على العين المغصوبة أو المضمونة فهو من قبيل ضمان ما يجب.
مدفوعة بأنّه لا مانع منه بعد شمول العمومات، غاية الأمر أنّه ليس من

1 . مستمسك العروة الوثقى: 13 / 264 نقلاً عن مفتاح الكرامة.

160
الضمان المصطلح، وكونه من ضمان ما لم يجب لا يضر بعد ثبوت المقتضي، ولا دليل على عدم صحة ضمان ما لم يجب من نصّ أو إجماع، وإن اشتهر في الألسن، بل في جملة من الموارد حكموا بصحّته... .(1)

الضمان في المقبوض بالعقد الفاسد تأكيد لضمان العقد

لاشك أنّ البائع ضامن المبيع إذا بان مستحقاً للغير، وهكذا المشتري سواء أضمن أم لم يضمن، إذ بنفس العقد ضمن المبيع، أي أن يدفع إليه المبيع بوصف أنّه ملكه حتى يتملّكه الآخر، فلو فُرض أنّه ضمن المبيع أو الخسارة بعقد مستقل بعد البيع أو في ضمن البيع فيكون بمنزلة التأكيد للضمان السابق .
يقول السيد الطباطبائي: ولو ضمنه البائع (ضمان ما يحدثه المشتري من بناء أو غرس..)، قيل: لا يصح أيضاً كالأجنبي وثبوته بحكم الشرع لا يقتضي صحّة عقد الضمان المشروط بتحقّق الحق حال الضمان، وقيل بالصحة لأنّه لازم بنفس العقد فلا مانع من ضمانه لما مرّ من كفاية تحقق السبب، فيكون حينئذ للضمان سببان، نفس العقد والضمان بعقده، ويظهر الثمرة فيما لو أسقط المشتري عنه حق الضمان الثابت بالعقد فإنّه يبقى الضمان العقدي، كما إذا كان لشخص خياران بسبين، فأسقط أحدهما.(2)
***

1 . العروة الوثقى: 2 / 776، كتاب الضمان، المسألة 38 .
2 . العروة الوثقى: 2 / 778، كتاب الضمان، المسألة 41 .

161
وقد ظهر ممّا ذكرنا انّه إذا كان في المورد مقتض للضمان صحّ الضمان، وان لم يكن المضمون به ثابتاً في الذمة.
ومن حسن الحظ ان المقتضي في المقام موجود وهو العقود الّتي تمارسها الشركة مع الآخرين، ولما كانت التجارة مظنة الخسارة أو افلاس الشركة يضمن الشركاء ديونها بادائها من خارج اموالهم.
وان شئت قلت: ان الضمان المصطلح عبارة عن نقل ذمة إلى ذمة، أو ضمها إليها وكلا الأمرين فرع الاشتغال، واما المقام فالضمان فيه خارج عن المعنى المصطلح بل هو عبارة عن تعهد الشخص أو الاشخاص ذي السهام والحقوق ـ في ضمن عقد تجاري ـ الخسارة المحتملة العارضة (بالافلاس وغيره) إلى من كان يتعامل مع الشركة. فيضمنها وان لم يكن هناك اشتغال بالفعل ولكن الموضوع في مظان الضرر والخسارة.
وعلى ذلك جرت شركات التأمين المعروفة في هذا العصر فصاحب المال يعطي الشركة مالاً في قبال أن تضمن، أو في قبال أن تنشئ الضمان، فتنشئ الضمان ويلزمها ذلك، وهذا أمر صحيح لعموم الوفاء بالعهد.
والعجب أنّ بعض من عاصرناه يصحّح عقد التأمين وفي الوقت نفسه يقول بعدم صحّة ضمان ما لم يثبت في الذمّة.
إلى هنا تمت دراسة الاشكال الأوّل حول مفاد الضمان في المقام، بقي الكلام في دراسة الاشكال الثاني: أعني مشكل عدم التبادل .

162

الإشكال الثاني: منع التبادل متأخّر للمالكية والسلطنة

إنّ الّذي تميزت به هذه الشركة عن سابقتها، هو وجود منع التداول في هذا النوع من الشركة، وهو يخالف أمرين:

أوّلاً: مقتضى المالكية للسهم

فإنّ كلّ سهيم يملك ما قدّمه للشركة للاسترباح ولم يخرج بعدُ عن ملكيته، غاية الأمر صار الملك المفروز ملكاً مشاعاً وهو بعد في حيازته ومن آثار الملكية التصرف فيما يملك بالبيع والانتقال والمفروض أنّه ممنوع من التداول، فيكون المنع مخالفاً لمقتضى المالكية.
والجواب: أنّ المراد من المنافاة ما يكون الجمع بين المشروط والشرط أمراً متناقضاً عند العرف، كما إذا باع وشرط عدم الثمن، أو آجر وشرط عدم الأُجرة، أو تزوّج وشرطت الزوجة عدم الاستمتاع مطلقاً، فهذا النوع من الشرط والمشروط لا يجتمعان عرفاً ويعدّان متناقضين ويوجب عدم صدق البيع والإجارة والتزويج.
لكن المقام ليس كذلك فالجمع بين كون الشريك مالكاً وكونه مستفيداً من توابعه وأرباحه وبين عدم تمكّنه ـ في مدة معلومة ـ من نقله إلى الغير لا يعد أمراً غريباً وجمعاً بين المتناقضين، وأقصى ما يقال: إنّ المالك رضي بتحديد آثار المالكية ما دامت الشركة باقيةً ولم يصل
أجلها.

163
 
ثانياً: مقتضى سلطنة الناس على أموالهم
إنّ اشتراط عدم التداول يخالف مقتضى سلطنة الناس على أموالهم فقد سُلِب عن السهيم سلطنة التداول بالبيع والهبة.
والجواب نفس ما سبق في مورد مقتضى المالكية، إذ فرق بين سلب السلطنة على وجه الإطلاق وبين تحديدها مؤقتاً ما دامت الشركة باقية لم يصل أجلها. فالأوّل ينافي أصل السلطنة دون الثاني، فإنّه تحديد لإطلاقها لاسلب لإصلها .
ويؤيد ما ذكرنا ـ أعني: تحديد السلطنة لا ينافي أصلها ـ مشروعية المحدودية في السلطنة في الملك المشاع في مورد الشفعة، فإنّ الشريك يريد بيع سهمه من أخيه وحميمه، ومع ذلك فإن باع منهما فالشريك الآخر أولى من أخذه بنفس الثمن، وقد شرع حق الشفعة لمصلحة الشريك لئلاّ يدخل في الملك المشاع من لا ينسجم معه .

2. شركة التوصية البسيطة

وهي الشركة الّتي تعقد بين شريك واحد أو أكثر يكونون مسؤولين بالتضامن كما في القسم السابق، وبين شريك واحد أو أكثر يكونون أصحاب حصص مالية وخارجين عن الإدارة ولا يكونون مسؤولين إلاّ في حدود حصصهم من رأس المال ويسمّون موصين (1). والركن الجوهري

1 . الوسيط في شرح القانون المدني : 5 / 235، برقم 166. بخلاف القسم الثاني فيسمّونَ «مساهمين».

164
لهذا النوع من الشركة عبارة عن الأُمور التالية:
1. إنّ هذه الشركة مركّبة من شركة أشخاص بالنسبة إلى الشركاء المتضامنين، وشركة أموال بالنسبة إلى الشركاء الموصين.
2. إنّ الشركاء المتضامنين لهم مسؤولية كبرى حيث يكونون مسؤولين عن التزامات الشركة برأس مالهم فيها وما يمتلكون خارجها، بخلاف الشركاء الموصين فمسؤوليتهم ـ عند الخسارة ـ محدودة بحدود حصصهم من رأس المال فلا يضمنون عن التزاماتها إلاّ بمقدار رأس مالهم فيها.
3. إنّ إدارة الشركة بيد الشركاء المتضامنين فالبيع والشراء وعامّة شؤون التجارة بأيديهم. بخلاف الشركاء الموصين فليس لهم شأن إلاّ المشاركة في الربح والخسارة حسب حصصهم في رأس المال .
هذه هي حقيقة شركة التوصية البسيطة. إنّما الكلام في مدى انسجامها مع الفقه الإسلامي، وهذا ما سندرسه تالياً.

شركة التوصية البسيطة والفقه الإسلامي

يقع البحث في شركة التوصية البسيطة من منظار الفقه الإسلامي من جهات:
الأُولى: أنّ لهذه الشركة شخصية معنوية فهي الضامنة في الحقيقة عن التزامات الشركة، ومع ذلك نرى أنّ فيها قسمين آخرين من الضمان،

165
فالشركاء المتضامنون لهم مسؤولية وضمان عن التزامات الشركة بكافة ما يمتلكون، وفي الوقت نفسه للشركاء الموصين ضمان أيضاً حسب حصصهم في رأس المال.
فاجتمعت هنا ضمانات ثلاثة :
الشركة تتحمل الأُولى منها، والمتضامنون الثانية، والموصون الثالثة، وهنا يكمن الإشكال، والجواب أنّه لا تمنع عنه قواعد الشرع، لأنّ الضمان هنا ليس من قبيل نقل ذمّة إلى ذمّة، وإنّما هو من قبيل ضمّ ذمّة إلى ذمّة عند المباشرة بالتجارة فللدائن أن يرجع إلى أيّ واحد منها.
الثانية: أنّ في شركة التوصية نوعين من الضمان:
فالشركاء المتضامنون يضمنون بكل ما يمتلكون، ولكن أصحاب الحصص يضمنون في حدود حصصهم في رأس المال، وهو في الحقيقة مركّب من ضمان تضامنيّ يضمن بكلّ ما يمتلك، وضمان محدود يشبه بالشركة ذات المسؤولية المحدودة الّتي هي من أقسام شركة الأموال.
وبما أنّك ستعرف صحّة هذا النوع من الشركة، فلا مانع من اجتماع نوعين من الضمان، نظير ما أن يضمن أحدٌ عن كلّ الدين لزيد والآخر أن يضمن نصفه، بشرط أن يكون الضمان من قبيل ضمّ الذمّة إلى الذمّة لا نقلها.
الثالثة: اختلاف الشركاء في الإدارة، فالشركاء المتضامنون لهم حق الإدارة دون الشركاء الموصين، ولا يعد مثل ذلك خلاف مقتضى الشركة،

166
لأنّ معنى انحصار الإدارة بالشركاء المتضامنين هو أنّ الشركاء الموصين يسلّمون حق الإدارة إلى الطائفة الأُولى (أو يوكّلونهم) لأنّهم أبصر، أو أنّ مسؤوليتهم أكبر، أو غير ذلك من الأسباب الّتي تسبّب انحصار الإدارة بيد المتضامنين دون الموصين.
وربّما تسمح قوانين الشركة للموصين أن يشاركوا في انتخاب المدير العام التنفيذي، أو أن يشاركوا في هيئة الإدارة أو هيئة الرقابة أو غير ذلك ممّا يسبّب وجود العلائق بين الشركة والموصين.
نعم: نقل عن بعض فقهاء الشافعية أنّه إذا شُرط على بعض الشركاء بعدم التصرف تكون الشركة فاسدة.
يلاحظ عليه: بأنّ التصرف في الشركة مرتبط بالكفاءة فربّما لا يكون لبعض الشركاء هذه المزية، وبالتالي يجعلون مسؤولية التصرف على عاتق الأكفّاء من أصحاب الشركة.
ويمكن الاستئناس لهذا من شركة المضاربة، فالمضاربة شركة بين اثنين: أحدها مالك المال ; والآخر مباشر العمل، ولا يملك شيئاً من رأس المال ولكن يباشر التصرف في جميع هذه الأموال فقط، ولا يجوز للمالك التدخل في عمله.
وعلى كلّ تقدير، فهذا النوع من الشركة ينسجم مع القواعد العامّة للإسلام في التجارة.

167
 
3. شركة التوصية بالأسهم
وهي الشركة الّتي تتكون من شركاء متضامنين يكونون مسؤولين في ممتلكاتهم الخاصّة عن أي دين على الشركة وشركاء مساهمين مسؤولين بنسبة حصصهم في رأس المال، ويقسّم رأس المال إلى أسهم قابلة للتداول ذات قيمة متساوية.(1)
وهذا النوع من الشركة يتركّب من طائفتين متضامنين بكلّ ممتلكاتهم وشركاء مساهمين مسؤولين بنسبة حصتهم في رأس المال.
ولكنّها تفارق الشركة السابقة في أمرين:
1. أنّ الشركاء الموصين يشاركون بدفع الأموال والنقود إلى الشركة، ولكنّهم في نوع التوصية يشترون الأسهم الّتي لكلّ سهم قيمة متساوية مع غيره.
2. أنّ الشركاء الموصين ممنوعون من تداول ما يملكونه من الشركة بخلاف هذا النوع فإنّ السهام قابلة للتداول.

شركة التوصية بالأسهم والفقه الإسلامي

الظاهر أنّ هذا النوع من الشركة لا يخالف الضوابط الفقهية، لما عرفت من أنّ هذه الشركة تشارك النوع السابق في كثير من الجهات، وقد

1 . الوسيط في شرح القانون المدني: 5 / 235، برقم 166 .

168
عرفت عدم مخالفتها للقواعد العامّة للتجارة في الإسلام .

4. شركة المحاصّة

وهي شركة تعقد بين شخصين أو أكثر على أن تكون الشركة مقصورة على العلاقة بين الشركاء فلا تسري في حق الغير ولا يتم تسجيل اتّفاقية شركة المحاصّة في السجّل التجاري ولا يتم إشهارها ويجب أن يدير أحد الشركاء العمل باسم الخاص، ولايكون للشركة اسم تجاري أو عنوان أو ذمّة ماليّة غير ذمّة الشركاء، وتقسّم الأرباح والخسائر الّتي تنشأ من أعمالهم بين الشركاء حسب الشروط المتفق عليها في عقد الشركة، سواء حصلت تلك الأرباح أو الخسائر من قبلهم منفردين أو مجتمعين.
وليس لشركة المحاصة شخصية معنوية ولا يكون للغير رابطة قانونية في أعمال الشركة إلاّ مع الشريك أو الشركاء الذين تعاقد معهم فمن عقد من الشركاء المحاصّين عقداً مع الغير يكون مسؤولاً عنه وحده .
نعم إذا تعاملت الشركة مع الغير بهذه الصفة (صفة الشركة) يجوز للغير أن يمسك بعقد الشركة كشخصية اعتبارية.
ووجه ذلك هو أنّ هذه الشركة شركة مؤقتة بين بعض الأفراد لإنجاز عملية معينة وبعد انتهائها تنتهي الشركة ويقسمون الأرباح والخسائر حسب العقد المحرر بينهم .
وتظهر شركة المحاصة في صور كثيرة مثل شراء المحصولات الموسمية وبيعها وشراء المنقولات والبضائع وبيعها وتتكون هذه الشركات

169
ـ شركات المحاصة ـ غالباً للقيام بعمليات مؤقتة ولفترة قصيرة ولأجل ذلك لا تسجل في السجل التجاري ولا تشهر.

شركة المحاصة والفقه الإسلامي

إنّ شركة المحاصة كسائر الشركات في أنّها عقد شرعي له من الأحكام ما لسائر العقود والشروط واللزوم والخيار إلى غير ذلك، وكون الشركة مؤقة موسمية لا يؤثر في أحكامها وعقدها كسائر العقود الشرعية.
إلى هنا تمّ الكلام في شركة الأشخاص، ودونك البحث عن أهمّ شركات الأموال .

170

171

      الفصل الثاني

في شركات الأموال

إنّ شركة الأموال تنقسم إلى الأقسام التالية:
1. شركة المساهمة العامة والفقه الإسلامي.
2. شركة المساهمة الخاصّة والفقه الإسلامي.
3. الشركة ذات المسؤولية المحدودة والفقه الإسلامي.

172

173
قد مرّ أنّ الشركات التجارية تنقسم إلى شركة الأشخاص وقد مرّت بعامّة أقسامها، وشركة الأموال وهي الّتي تستمد ـ باعتمادها على المال ـ من موجوداتها لا من شخصية الشركاء وملاءتهم، ولا يكون كلّ شريك فيها مسؤولاً إلاّ في حدود الأسهم والحصص الّتي يملكها.
ولها أقسامٌ ندرسها واحداً بعد الآخر .

1. شركة المساهمة العامّة

يقع الكلام في شركة المساهمة العامّة في أُمور:
أ. تعريفها.
ب. شروط صحّتها.
جـ . خصائصها.
وإليك الكلام فيها واحداً تلو الآخر:

174
 
أ. تعريف شركة المساهمة العامّة
شركة المساهمة أهم شركات الأموال متساوية، فالمؤسسون يضمنون قسماً من رأس المال، كما أنّ المساهمين يضمنون القسم الآخر باشتراء سهامها، والغاية من تأسيسها هو جمع الأموال الموجودة عند الأشخاص ثم الاتّجار بها ففي الحقيقة وسيلة لاستثمار الأموال الضئيلة بالاتّجار بها.
ولذلك يقسم مالها إلى أسهم متساوية القيمة، ويكون لكل شريك عدد من هذه الأسهم، ويتفاوت الشركاء تفاوتاً كبيراً في عدد الأسهم الّتي يملكونها، ولا يكون كل شريك مسؤولاً إلاّ في حدود الأسهم الّتي يملكها.(1)
وبذلك ظهر وجه تسمية الشركة بالمساهمة العامة لعدم اختصاص رأس المال بالمؤسسين وإنّما يتعلّق بهم شيء من رأس المال نظير (20 %) وأمّا الباقي فهو للمساهمين.
وقد وضع القانون قيوداً كثيرة على تأسيس شركات المساهمة قصد بها حماية المساهمين وحماية المتعاملين مع هذه الشركات. وأهمّ هذه القيود ما يلي:

1 . الوسيط في شرح القانون المدني: 5 / 235 برقم 20166. بتصرف منّا. نعم هنا سؤال وهوكيف لا يكون ضامناً إلاّ في حدود الأسهم، مع اليسار والتمكن من أداء ديون الشركة ممّا يملكه خارج الأسهم. وسيوافيك جوابه بعد الفراغ من أقسام شركة الأموال.

175
أ. لا يجوز الترخيص في إنشاء مساهمة إلاّ إذا كان من الأعضاء المؤسّسين سبعة على الأقل.(1)
ب. يجب أن يكون رأس مال الشركة (2) كافياً لتحقيق غرضها، ولا تؤسّس الشركة إلاّ إذا كان رأس مالها مكتتباً بالكامل، وقام كلّ مكتتب بأداء الربع على الأقل من القيمة الاسمية (الأصلية) للأسهم الّتي اكتتب فيها.(3)
ج. يقسّم رأس مال الشركة إلى أسهم متساوية.
ثمّ إنّ هذه القيود تختلف حسب قانون كلّ بلد، ولذلك تركنا ما ذكره السنهوري من الخصوصيات للقانون المصري.
هذا ما يرجع إلى التعريف.

ب. شروط الصحة

إنّ شروط صحّتها ـ حسب القانون ـ تختلف حسب اختلاف البلاد، والّذي يمكن أن يكون متفقاً عليه عند الأكثر عبارة عمّا يلي:

1. الأهلية

يشترط في صحّة الشركة أن يكون الشريك أهلاً لإبرام عقد الشركة،

1 . العدد المذكور اعتبره القانون لمصالح المساهمين . وليس بمعتبر شرعاً.
2 . أُريد من رأس مال الشركة، المجموع ممّا ضمنه المؤسّسون، والمساهمون .
3 . وهذا يختلف حسب قانون التجارة في البلاد، ففي بلادنا يجب تضمين 20 % لرأس المال من جانب المؤسّسين والباقي الآخر من المساهمين، ولا يكفي ذلك إلاّ إذا دفع المؤسّسون 35 % لما ضمنوا إلى المصرف وتسجيله برقم الحساب التابع للشركة.

176
فالصبي غير المميّز وعديم التمييز بوجه عام كالمجنون والمعتوه ليسوا أهلاً لأن يكونوا شركاء، ويكون عقد الشركة في هذه الحالة باطلاً. ولكن يجوز للوليّ أو الوصيّ أو القيّم أن يشارك بمال محجور، ويكون ذلك من قبيل استثمار هذا المال.
وأمّا البالغ فيجب أن يكون قد بلغ سنّ الرشد، فيصبح أهلاً للالتزام في ماله، فمتى بلغ الشخص سنّ الرشد كان أهلاً لعقد الشركة.
ويجوز للبالغ الشريك التوكيل في إبرام عقد الشركة، ولابدّ أن تكون الوكالة خاصة .

2. الرضا بالشركة غير مشوب

يشترط أن يكون الشريك راضياً بالشركة دون أن يشوبه غلط تدليس أو إكراه، وإلاّ يكون عقد الشركة قابلاً للإبطال لمصلحة الشريك الّذي شاب رضاه عيب، وله بعد الوقوف على التدليس أو رفع الإكراه أن يجيز العقد وفقاً للقواعد المقرّرة في إجازة العقود القابلة للإبطال.(1)

3. المساهمة بحصة مالية

إنّ كلّ شريك يجب أن يساهم بحصة في رأس مال الشركة ; وإنّ هذه الحصة قد تكون نقوداً، أو أوراقاً مالية، أو منقولات، أو عقارات أو حق انتفاع، أو ديناً في ذمّة الغير، أو اسماً تجارياً، أو شهادة اختراع، أو عملاً

1 . الوسيط للسنهوري: 5 / 251 ـ 252 .

177
لواحد من الشركاء أو أكثر، أو غير ذلك يصلح أن يكون محلاًّ للالتزام.(1)
ولكنّ في جعل الدين في ذمّة الغير سهماً، موضع اختلاف عند الفقهاء، وإن كان الأقوى عندنا صحّة جعلهما سهماً. ونظير الدين، جعل العمل سهماً للشركة فقد منعه الفقهاء. ومرّ تحقيق الكلام فيه .

4. الربح والخسارة بنسبة الحصّة

طبيعة الشركة تقتضي أن يكون نصيب كلّ شريك في الربح والخسارة بنسبة حصّة في رأس المال، فإذا لم يعيّن عقد الشركة نصيب كلّ من الشركاء في الأرباح والخسائر كان نصيب كلّ منهم في ذلك بنسبة حصة في رأس المال.(2)
إلى هنا تمّ ما ذكروه من شروط الصحّة ويضاف إلى ما ذكروه كلّ ما يشترط شرعاً في صحّة كلّ عقد بين المتعاقدين.

ج. خصائصها ومواصفاتها

1. تمثّل شركة المساهمة، الأُنموذج لشركات الأموال فإنّها تقوم على أُمور ثلاثة :
أ. على حجم رأس مال .
ب. على السمعة المالية .
جـ . على قيمة الأسهم في تداولها في أسواق المال حيث يتراجع ـ

1 . نفس المصدر: 5 / 257 .   2 . نفس المصدر: 5 / 285 .

178
عدا مرحلة التأسيس ـ الاعتبار الشخصي، فيختفي دور الأشخاص .
وبذلك تتجسّد فكرة الشخصية المعنوية المستقلة بوضوح، فيظهر كيان اقتصادي خارج الأشخاص، ولا تتدخل أموال هذا الكيان مع أموال الأشخاص المكوّنين له .
2. لا يظهر اسم الشركاء في اسم الشركة لعددهم الكبير، ولغياب الاعتبار الشخصي، ولذلك يكون للشركة اسم مبتكر إضافة إلى دلالته على نشاط الشركة.
3. ربما تُشبه شركة المساهمة بالدولة، فكما أنّ الدولة مركّبة من سلطات ثلاث: التقنينية، التنفيذية، القضائية، فهكذا شركة المساهمة تتألف من هيئات لكلّ شأن خاص، وهي:
أ. الهيئة العامّة ـ الّتي هي بمنزلة السلطة التقنينية ـ وهي الّتي تضع الخطوط الرئيسية لنشاط الشركة.(1)
ب. مجلس الإدارة وهو بمثابة السلطة التنفيذية، يقوم بتنفيذ قرارات الهيئة العامة ويُسأل أمامه.(2)
ج. الرقابة المالية الّتي هي بمثابة السلطة القضائية.
نعم ربّما تتشكّل شركة المساهمة العامة ولا يكون لهذه الأُمور الثلاثة وجود متميز، إذ ربّما يتداخل البعض في البعض، إذ ربّما يكون أعضاء

1 . وهي حسب مصطلحنا الجمعية العامة.
2 . وهي حسب مصطلحنا هيئة الإدارة.

179
مجلس الإدارة من كبار المساهمين وهم في ذات الوقت أعضاء الهيئة العامّة.
4. ومن أبرز خصائص شركة المساهمة، المسؤولية المحدودة للمساهمين في ديون الشركة، فلا يسأل المساهم إلاّ بمقدار قيمة الأسهم الّتي اكتتب بها، فإن كانت قيمتها مدفوعة بالكامل فلا يسأل بأكثر منها.
نعم يكون الضمان بحدود رأس المال في بداية نشاط الشركة أمّا بعد ذلك فتسأل بكل موجوداتها.
أمّا إذا كانت بعض الأقساط غير مدفوعة فيسأل بمقدار غير المدفوع من قيمتها.
5. يقسم رأس المال في شركة المساهمة إلى أجزاء صغيرة تسمّى الأسهم وهي قابلة للتداول، وهذه الخاصّة والخاصّة المتقدّمة (المسؤولية المحدودة) هي الّتي تشجّع الأفراد على المشاركة في هذه الشركات، حيث إنّ المسؤولية محدودة أوّلاً، وللشريك أن يتخلّى عنها في أي وقت شاء ببيع سهمه للغير ثانياً، ولذلك تسمّى الشركة المفتوحة، إذ يستطيع كلّ شريك أن يدخل فيها أيّ فرد كان وتنتهي شراكته بالتخلّي عن الأسهم في سوق الأموال.

شركة المساهمة العامّة والفقه الإسلامي

إنّ شركة المساهمة العامّة لها شخصية معنوية وهي الّتي تملك جميع الأسهم وتكون هي الدائنة والمديونة.

180
وعند ذلك يطرح هذا السؤال: أنّ المالك أحد اثنين:
1. الشخصية المعنوية هي المالكة للأسهم وجميع الأموال والعقارات والأجهزة والمصانع، عند ذلك فلماذا تقسّم الأرباح على أصحاب الأسهم، فإنّ السهام قد خرجت عن ملك أصحابها ودخلت في ملكية الشخصية المعنوية؟ ولا يمكن لشيء واحد مالكان .
2. إن المالك نفس الأشخاص، وعندئذ تخرج عن شركة الأموال إلى شركة الأشخاص والمفروض خلافه .
وهذا هو الّذي يجب أن يُجاب عنه على وجه ينطبق مع الشريعة الإسلامية .
والّذي يمكن أن يقال: إنّ الصحيح هو الشق الأوّل، وأنّ أصحاب الأسهم يُملّكون ما بأيديهم من النقود والعقار للشركة المعنوية، فتكون الشركة ذات الشخصية المعنوية هي المالكية ولكن بشرطين :
الأوّل: إذا ربحت الشركة أن يكون لكلّ سهم من الربح حسب الحصص.
الثاني: إذا انحلّت الشركة ترجع أموالها إلى مَن قدّم الأموال إليها.
ولو صحّ ذلك الجواب يكون المعنى أنّ التمليك يكون تمليكاً مؤقتاً، ما دامت الشركة قائمة، ولكن يشترط على المالك الثاني (الشركة ذات الشخصية المعنوية) أنّه لو ربح يكون لكل سهم من الربح حسب الحصص يتعلّق به الربح حسب حصّته.

181
وبما أنّ التمليك معلّق على بقاء الشركة، فإذا انحلّت الشركة وتحقّق الشرط يرجع الملك إلى المالك الأوّل.

2. شركة المساهمة الخاصّة

عرفت بأنّها الشركة الّتي يُقسم رأس مالها إلى أسهم متساوية القيمة قابلة للتداول، ويكون لكلّ شريك عدد من هذه الأسهم، ولا يكون كلّ شريك مسؤولاً إلاّ في حدود الأسهم الّتي تملكها،(1) وتؤسّس بواسطة عدد لا يقل عن ثلاثة أشخاص ولا يسمح للجمهور باكتتاب الأسهم،(2)ورأس مالها لابدّ أن لا يقل عن المبلغ المحدد في القانون يدفعه المؤسّسون بالكامل.
أقول: لا فرق بين المساهمة العامّة والخاصّة إلاّ في جواز الاكتتاب، فإنّه يسمح في الأُولى الاكتتاب ودعوة الجمهور للمشاركة فيها دون الثانية، والكلام في كونه على وفق الشريعة وعدمه، نفس الكلام في المساهمة العامّة.

3. الشركة ذات المسؤولية المحدودة

الشركة المحدودة عبارة عمّا تكون المسؤولية فيها محدودة بمقدار

1 . يطرح في المقام نفس الإشكال المطروح في المساهمة العامة، أعني: مشكلة عدم الضمان مع اليسار.
2 . ولذلك وصفت بالمساهمة الخاصة مقابلة للمساهمة العامة الّتي يُسمح فيها اكتتاب الأسهم. وهذا أحد الفوارق بين الشركتين: العامة والخاصّة.

182
رأس المال الموجود عندهم فيقال إنّه شركة محدودة برأس مالهم وليس لهم ضمان زائد عن رأس المال الموجود لديهم.
ويشترط أن تكون الأموال الّتي تشكل رأس مال الشركة، مؤدّاة سواء أكانت من الأموال النقدية أم كانت من العروض.
ولابد أن يكون رأس المال المؤدّى معيّناً، مثلاً: بأن يكون المقدار المعيّن نقداً والمقدار الآخر عروضاً.
وتكون الشركة محدودة بسندات خاصة. ويعيّن من بين أصحاب الأموال مدير أو مدراء للقيام بأعمال الشركة، فهم المسؤولون فيها في قبال المشتري.
إنّ هذا النوع من الشركة يشارك شركة المساهمة العامة من جهة محدودة المسؤولية بمقدار أموالها ولكن يفارقها من وجهين:
الأوّل: أنّ للأشخاص دوراً في تأسيس الشركة وإدارتها بخلاف شركة المساهمة العامة، إذ فيها يختفي دور الأشخاص ويكون الاعتبار بأموال الشركة، وذلك لأنّه إنّما يقوم بهذا النوع من الشركة جماعة بينهم صداقة وخلة وبما أنّ لشركة المساهمة العامة قيوداً وشروطاً اعتبرها القانون، وربما يصعب تحلّي الشركة بها، فهؤلاء بوصف أنّهم أصدقاء يرغبون عنها ويرجّحون تشكيل هذا النوع من الشركة الّتي هي حرة من أكثر الشروط والقيود وبين المؤسسين تفاهم في أُمور الشركة.
الثاني: أنّ شركة المساهمة العامة ذات أسهم قابلة للتداول على ما مرّ

183
لاختفاء الأشخاص فيها وصيرورة الأمر إلى أموال الشركة، بخلاف المقام فإنّ رأس المال لا يقسم إلى أسهم، وليس للشريك بيع ما يملك به من رأس المال من الغير إلاّ برضا الكل، أو برضا ثلاثة أرباع من أصحاب الشركة على الأقل.
فلو تضرّرت الشركة فهنا صور:
1. لو كان هناك قصور من ناحية الشركاء بحيث كان الواجب عليهم أن يقوموا بأُمور ولكن قصّروا في وظائفهم فتضررت الشركة، فيكون المسؤول هم الشركاء الذين أوجدوا هذا الضرر.
2. إذا كان المدير أو المدراء قد اشتروا شيئاً أعقب الضرر لهذه الشركة وكان الشراء حينئذ لو خُلّي وطبعه موجباً لانتفاع الشركة، لكن الحوادث الخارجة عن اختيار المدير كنزول السوق أو لكثرة الاستيراد، أوجب تضرر الشركة، فالمسؤول أيضاً هم الشركاء، لأنّ المدير أمين قام بوظيفته.
3. لو كان هناك تفريط من المدير واشترى مع العلم بأنّ الشراء يوجب الضرر، وكانت القرائن تؤيده، كان هو المسؤول عن الضرر الوارد.
وفي جميع الصور إذا لم يكن رأس المال وافياً لأداء الديون يقتصر بالموجود من رأس المال، وليس للديّان طرح الدعوى بالنسبة إلى بقية ديونهم.
هذه هي ماهية الشركة المحدودة.

184
إنّما الكلام في انطباقها على الشريعة الإسلامية .

عدم الضمان مع اليسار

وربّما يستشكل بأنّه إذا خسرت الشركة وكانت مدينة للناس وقد قصر رأس المال عن أداء الديون ولهم أموال خارج الشركة فكيف لا يضمنون للديّان مع أنّهم غير معسرين، بل واجدين لما يؤدّي ديونهم؟
وهذا الإشكال، لا يختصّ بهذا القسم، بل يأتي في القسمين المتقدّمين: المساهمة العامة والمساهمة الخاصة، كما مرّ الإشارة إليه في الهامش مرة بعد أُخرى، ويمكن الإجابة عنه بوجهين:
1. أنّ هذه الشركة ليست شركة الأشخاص بل هي شركة الأموال، وبما أنّ للشركة شخصية معنوية معتبرة فهي الّتي تتعامل وتتّجر وتربح أو تخسر، فإذا خسرت الشركة تكون هي المسؤولة أمام الديّان، والمفروض قصور رأس المال عن أداء تمام الديون، وإنّما تقدر على أداء بعضها.
وبعبارة أُخرى: إذا كان طرف المعاملة مع الناس هو الأشخاص كان عليهم أن يؤدّوا ديونهم من مال خارج عن رأس مال الشركة، لأنّهم هم المسؤولون أمام الناس.
وأمّا إذا كان طرف المعاملة هي نفس الشركة المعنوية المعروفة بشعار الشركة المحدودة فيكون الضمان متعلّقاً بها، لا يتعدى إلى سائر أموال المشاركين.

185
2. أنّ الشركة لمّا تأسّست ووضعت لنفسها قوانين وضوابط وسجّلتها في الدوائر المختصة بتسجيل الشركات، فعندما تبدأ بالتعامل مع الناس فكأنّها تعقد معهم عقداً بهذه الشروط، فالمحدودية في الضمان هي شرط في كلّ عقد تعقده الشركة في معاملاتها، ولمّا كان الشرط أمراً لا يخالف الكتاب والسنّة ولا مقتضى العقد، يكون نافذاً، وليس مقروناً بأي جهالة ولا إبهام ولا غرر.

186

187

      الفصل الثالث

الشخصية المعنوية

الشخصية المعنوية في الشريعة الإسلامية
أسئلة والأجوبة عنها:
1. خلو التشريع عن اعتبار الشخصية المعنوية
2. لم يحرز كونها عقداً شرعياً.
3. الموارد المعدودة لا تصلح لانتزاع الضابطة
4. مورد الأمثلة هو الأموال العامة
نتائج الشخصية المعنوية:
الأُولى: الذمّة المستقلة
الثانية: أموال الشركة ضمان لدائنها
الثالثة: لا تقع المقاصة بين دين شخصي على الشريك ودين الشركة
الرابعة: إفلاس الشركاء لا يسري إلى الشركة وبالعكس
الخامسة: حق التقاضي
السادسة: موطن الشركة وجنسيتها
السابعة: للشركة التجارية جنسية
الثامنة: الأهلية

188
   

189

الشخصية المعنوية والشركة التجارية

البحث عن اعتبار الشخصية المعنوية للشركة التجارية، هو الموضوع الثالث الّذي أشرنا إليه في صدر التمهيد فنقول:
مكانة الشخصية المعنوية هي مكانة الشخص الحقيقي في جميع الأحكام إلاّ ما يرتبط بحقوق الأُسرة أو السياسة. فكما أنّ الشخص الحقيقي كزيد يملك ويتملّك، يبيع ويشتري، ويكون دائناً ومديناً، فهكذا يكون للشخص الاعتباري للشركة، هذه الشؤون في عالم الاعتبار ، وبما أنّ الأمر الاعتباري سهل المؤونة فلا مانع من أن يحلّ العنوانُ محل الفرد، والشخصيةُ مكان الشخص في كلّ الشؤون إلاّ ما يتصور فيها من أوصاف الشخص الحقيقي.
إنّ الشخصيّة المعنوية للشركة التجارية محلّ اتفاق بين أهل التقنين في الغرب فاتّفقوا على أنّه إذا تضافرت أركان الشركة وانعقدت الشركة صحيحة كانت نفس الشركة شخصاً معنوياً بمجرد تكوينها، وإن اختلفوا في وجود الشخصية المعنوية للشركات المدنية كما تقدم، ولكنّها ظاهرة جديدة في الفقه الإسلامي .

190
   

الشخصية المعنوية في الشريعة الإسلامية

وإذا أردنا أن نقف على موقف الشريعة من الشخصية المعنوية يمكننا الاستئناس بفهمها ممّا جاء في الشرع وصار موضوعاً للأحكام دون أن يكون شخصاً، نظير :
1. بيت مال المسلمين، فإنّ بيت المال يكون مالكاً دائناً ومديناً حسب ما يمثّل إدارته الحاكم الشرعي، فيصبح بيت المال شخصية معنوية لها من الأحكام ما للشخص، غير ما يرتبط بالصفة الإنسانية للإنسان.
2. الأراضي المفتوحة عنوة: وهو عنوان اعتباري، لها من الأحكام ما للمالك الحقيقي في غيرها، فالمالك لهذه الأراضي هو عنوان «المسلمين» من عصر الفتح إلى يوم القيامة، لا تباع ولا توهب ولكن تقبل من الآخرين للخراج .
عن محمد الحلبي قال: سئل أبو عبدالله (عليه السلام)عن السواد ما منزلته؟ فقال: «هو لجميع المسلمين، لمن هو اليوم، ولمن يدخل في الإسلام بعد اليوم، ولمن لم يخلق بعد...».(1)
3. الإمامة، في الفقه الشيعي لها شخصية معنوية تملك الأخماس وغيرها لإدارة الأُمور المهمّة في المجتمع الإسلامي ، والظاهر من بعض الروايات أنّ الأخماس ملك لمقام الإمامة والإمام هو المدير لها، ففي رواية عن أبي علي بن راشد، قال: قلت لأبي الحسن الثالث (عليه السلام): إنّا نؤتى بالشيء

1 . وسائل الشيعة: ج 16، الباب 18 من أبواب إحياء الموات، الحديث 1 .

191
فيقال: هذا كان لأبي جعفر (عليه السلام)عندنا، فكيف نصنع؟ فقال: «ما كان لأبي(عليه السلام)بسبب الإمامة فهو لي، وما كان غير ذلك فهو ميراث على كتاب الله وسنّة نبيّه».(1)
4. عنوان الفقراء والمساكين، بالنسبة إلى الزكاة، فإنّ الزكاة ملك للعناوين الثمانية الواردة في الآية المباركة، ولا يملك الفقير شيئاً من الزكاة إشاعة وغيرها من سائر الصدقات إلاّ بالإقباض، وما هذا إلاّ لأنّ المالك هو العنوان، والمصاديق مصارف لها.
5. الموقوف عليهم، فإنّ الوقف ملك للموقوف عليهم بما لهم من استمرار عبر القرون والأعصار، ولذلك لا يباع ولا يوهب حتى يستمرّ الوقف حسب نيّة الواقف عبر الأزمان، وليس الموقوف ملكاً للفرد الموجود من الموقوف عليهم، وإلاّ لانتقل إلى الوارث، وإنّما هو ملك للعنوان ينتفع به مصاديقه واحداً تلو الآخر.
6. الكعبة المشرفة، تتملّك الهدايا وما عليها من الثياب والزينة .
7. المسجد، عنوان اعتباري يتملّك ماله من الفرش والأواني والكتب وغيرها.
إلى غير ذلك ممّا يوجد في الفقه الإسلامي ممّا يمكن الاستئناس به بفهم الشخصية المعنوية، الّتي يتبناه الغرب وإن كانت موجودة في الفقه الإسلامي، بصورة أُخرى .

1 . وسائل الشيعة: ج 9، الباب 2 من أبواب الأنفال وما يختصّ بالإمام، الحديث 6 .

192
نعم ربّما يختلج بالبال بعض الأسئلة حول الشخصية المعنوية فتلزم الإجابة عنها .

السؤال الأوّل: خلّو التشريع عن اعتبار الشخصية المعنوية

إنّ الشخصية المعنوية لم تكن معهودة في عصر الرسالة ولا في عصور أحد الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام)، حتى يكون السكوت عنها تقريراً لجوازها.
الجواب: لا يضرّ خلوالتشريع الإسلامي عن التصريح بصحة الشخصية المعنوية لما قلنا في محله في عدم صحة انحصار المعاملات الصحيحة بالموجودة في عصر التشريع أو عصر أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، بل يكفي في مشروعية كل معاملة دخولها تحت العمومات الواردة في الكتاب والسنّة، مثل قوله (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) وقوله : «المؤمنون عند شروطهم»، وبما أنّ الشخصية المعنوية ـ حسب الفرض ـ خالية عن أي عنصر منهي عنه كالربا والغرر والمخالفة لمقتضى العقد، يكفي ذلك في كونها من مصاديق العمومات الواردة على نحو القضايا الحقيقية. أضف إلى ذلك ما ذكر من العناوين السبعة الّتي وردت في الشريعة .

السؤال الثاني: لم يحرز كونها عقداً شرعيّاً

إنّ الموضوع هو العقود الشرعية الصحيحة الّتي نعلم بكونها عقداً عند الشرع والشخصية المعنوية بعد مورد شك في كونها مطهرة للعقد الشرعي بعد فالتمسّك بالعموم في المقام لإثبات مشروعية هذه النوع من

193
الشركات أشبه بالتمسّك بالعام في الشبهة المصداقية له.
الجواب: إنّ الموضوع هو العقد الصحيح عرفاً، لا العقد الصحيح شرعاً، وإلاّ امتنع التمسّك بالعمومات عند الشك في صحّة عقد عند الشك في الشرائط والأجزاء، مع أنّ الفقهاء اتّفقوا على التمسّك بها لأجل رفع الشك في الشرطية والجزئية . غاية الأمر أنّ العقد الصحيح عرفاً طريق ومرآة للعقد الصحيح شرعاً إلاّ إذا دلّ دال الدليل على خطأ الطريق وعدم التطابق بين الاعتبارين ، كبيع الخمر والخنزير والكلب أو البيع الربوي أو الغرري. فإنّها عقود عرفية صحيحة لكن الشرع حرّمها وأخرجها عن الاعتبار في محيط الشرع فما لم يدل دليل على خروج شيء عن تحت العمومات، فالعمومات كافية في إثبات المشروعية له.
وهاهنا نكتة، وهي: إنّ الإمعان فيما أشرنا إليه من الآيات يثبت أنّ مناط وجوب الوفاء هو كون الشيء عقداً وعهداً أو كون المعاملة عن تراض وطيب النفس، أو أنّه التزام مؤمن لمؤمن آخر، فهذا هو المناط للوفاء بها. والجميع موجود في الشخصية المعنوية، غاية الأمر أخرج الشارع من هذه الضابطة ما كان غررياً أو ربوياً أو كان المبيع غير مملوك، وأمثال ذلك.

السؤال الثالث: الموارد المعدودة لا تصلح لانتزاع الضابطة

الموارد الّتي أُشير إليها، موارد محدودة، فكيف يمكن انتزاع ضابطة كلية وهي مشروعية الشخصية المعنوية في عامة المجالات بشرط أن لا يكون فيها عنصر محرم؟!

194
الجواب: ما ذكرنا ليس من قبيل القياس، بل التوسعة من منظار آخر وهو أنّ باب المعاملات يغاير باب التعبديات. فالتعبديات ممّا أقفل الشارع بابها بوجه العباد، فلا يجوز لهم التدخل فيها من دون إذن خاص.
وأمّا المعاملات فهي أُمور عرفية ابتكرها الناس قبل البعثة النبوية وأقرّها الشارع لهم. غاية الأمر أضاف ـ تارة ـ إليها قيوداً وشروطاً لمصالح كامنة فيها، وردّ ـ أُخرى ـ ما اشتمل على المحرمّات.
وقد مرّ أنّ ما هو السبب لتصحيح الشخصية المعنوية دخولها تحت العمومات والإطلاقات وأنّ الملاك للصحة كون المورد عقداً عرفياً خالياً عن المحرمات .

السؤال الرابع: مورد الأمثلة هو الأموال العامّة

ما ذكرته من الأمثلة الّتي اعترف فيها الشرع بالشخصية الحقوقية يجمعها عنوان خاص، وهو كونها من قبيل الأموال العامة دون أن تكون أموالاً لأشخاص معينين فالتعدي عنها إلى غير الصدقات وإلى غير الأموال العامّة أمر غير صحيح.
نعم يمكن إلحاق المؤسسات الخيرية والخدمات ذات النفع العام بما ذكرنا من الأمثلة لافتراض أنّ التأسيس كان لغاية التعاون على البر والتقوى.
الجواب : الفرق غير فارق لما عرفت من أنّ الباعث لوجوب العمل بالالتزام ليس كون الشيء ممّا ينتفع به عامة الناس بل كون المورد عقداً

195
والتزاماً عرفياً وتجارة عن تراض مجرّداً عن المحرمات الّتي جعلها الشارع حدّاً للحلال والحرام.
***
ربّما يستدل على صحّة الشخصية المعنوية بما رواه الفريقان في الكتب الفقهية من قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الناس مسلّطون على أموالهم».
قيل: ومقتضى التسلّط على المال جواز تمليك المال لما يعتبره العقلاء مالكاً، سواء أكان هو الشخص أو الشخصية .
يلاحظ عليه: بأنّ الحديث ـ على فرض ثبوته ـ ليس بمشرّع، فلا يمكن التمسّك به في مورد نشك في مشروعيته، فلو شككنا في مشروعية عقد من العقود فلا يبرّره تسلّط الناس على أموالهم. وإنّما يتمسّك به في مورد ثبتت المشروعية له، فيكون الناس مختارين في كيفية صرف أموالهم فيها بأي نحو شاءوا، وهذا أمر واضح لمن تدبّر في كلمات الشيخ الأنصاري وغيره حول الحديث .
وربّما يستدل على بطلان الشخصية المعنوية بأصالة عدم ترتّب الأثر على العقد المذكور وعدم انتقال الثمن من المشتري إلى الشركة وبالعكس.
والإجابة عنه واضحة بأنّه أصل عملي محكوم بالعمومات الواردة في الكتاب والسنة، فهي أدلة اجتهادية، والأصل المذكور دليل فقاهي لا موضع له مع وجود الدليل الاجتهادي.

196

نتائج الشخصية المعنويّة

ثم إنّ الحقوقيين بعد اعتبارهم للشركة، شخصية معنوية ـ كنفس الشخص ـ ، ذكروا لها نتائج نذكر المهم منها:

الأُولى: الذمّة المستقلة

إنّ للشركة ذمّة مالية مستقلة عن الذمّة المالية للشركاء، ولذلك لا يعتبر المال المملوك للشركة ـ رأس المال ونماؤه ـ ملكاً مشاعاً بين الشركاء، بل هو ملك للشركة ذاتها، لأنّها أصبحت شخصاً معنوياً.
وما ذلك إلاّ لأنّ الشركة شخص قانوني لا يمكن أن تفي بالتزامها وتقوم بنشاطاتها من دون أن يكون لها ذمّة مالية، ولذلك تُعدّ أموال الشركة ملكاً للشركة ولا تعدّ مالاً مشاعاً للشركاء، لأنّ ما يدفعه كلّ شريك من الحصص، يصبح ملكاً للشركة وليس للشركاء إلاّ حق احتماليٌّ في الأرباح وحصة منها تناسب ما قدّمه عند تصفية الشركة، نعم إذا انحلّت الشركة تصبح أموالها ملكاً مشاعاً بين الشركاء كلّ يأخذ حصّته.

الثانية: أموال الشركة ضمان لدائنها

لدائن الشركة حق مباشر على مال الشركة فلهم استيفاء ديونهم دون أن يزاحمهم فيه الدائنون الشخصيون للشركاء.
مثلاً إذا كانت الشركة مدينة لشخص لأجل الاستقراض أو شراء شيء نسية فله أن يرجع إلى الشركة لاستيفاء دينه وفي الوقت نفسه إذا كان

197
فرد من أعضاء الشركة مديناً لشخص لأجل شراء شيء لنفسه لا للشركة فليس للدائن الثاني أن يزاحم الدائن الأوّل. بل له أن يرجع إلى شخص المدين، إذا كان له مال خارج الشركة.

الثالثة: لا تقع المقاصة بين دين شخصي على الشريك ودين للشركة

فإذا كان للشخص دين شخصي على الشريك وفي الوقت نفسه كان الشخص الدائن مديناً للشركة، لا يجوز أن يتمسّك بالمقاصّة بين الدين الّذي له على الشريك والدين الّذي عليه للشركة، بأن يجعل طلبه من الشريك عوضاً عن دينه للشركة وتتحقق البراءة بالتهاتر، ذلك لأنّه دائن على الشريك ومدين للشركة، فهو في الحقيقة دائن على شخص ومدين لشخص آخر.

الرابعة: إفلاس الشركاء لا يسري إلى الشركة وبالعكس

إفلاس الشركاء لا يسري إلى الشركة، وهكذا إفلاس الشركة إلى إفلاس الشركاء، لأنّ لكلّ منهما شخصيّته، وأمواله المستقلة فعند إفلاس الشركة لا يمتدّ الإفلاس إلى الشركاء، لأنّ مسؤولية هؤلاء عن ديون الشركة محدودة بمقدار المساهمة برأس المال.

الخامسة: حق التقاضي

للشركة التجارية الّتي تمثّل الشخصية المعنوية حق التقاضي باعتبارها شخصاً معنوياً فترفع الدعاوي على الغير، بل على الشركاء كما

198
تُرفع عليها الدعاوي من الغير أو من الشركاء، ويمثّلها في الدعاوي الّتي ترفع منها أو عليها نائبها (وكيل الشركة) وذلك دون حاجة إلى إدخال الشركاء كلّهم أو بعضهم في الدعوى، إذ المفروض أنّ شخصية الشركة متميّزة عن شخصية الشركاء فيها.

السادسة: موطن الشركة وجنسيتها

للشركة التجارية ككلّ شخص معنوي موطن، وهو المكان الّذي يوجد فيه مقرّها الرئيسي أو مركز إدارتها ويسمّى عادة بمقرّ الشركة.

السابعة: للشركة التجارية جنسيّة

للشركة التجارية جنسية لا ترتبط بجنسيّة الشركاء وتكون جنسيّتها عادة هي جنسية الدولة الّتي اتّخذت فيها مركز إدارتها الرئيسي، ويترتّب على ذلك أنّ الشركات الّتي أُسست في الخارج واتّخذت مركز إدارتها في إقليم دولة أجنبيّة تعتبر شركات أجنبيّة . وبالتالي يسري على نظامها القانوني، قانونُ الدولة الّتي تنتمي إليها بجنسيّتها.

الثامنة: الأهلية

المراد من الأهلية هو قابليّة الشخصية المعنوية كنفس القابلية الموجودة في الشخص، فكما أنّه تضرب عليه الضرائب والحقوق، فهكذا الشركة تضرب عليها الضرائب والحقوق، وكما أنّ الشخص الحقيقي له أهلية البيع والشراء والإجارة والرهن والهبة والاتّهاب، فهكذا لها هذه الأنشطة.

199
وحصيلة الكلام: أنّه يعامل معها بنفس المعاملة للشخص الحقيقي، ولا بأس بأن يشبه الشخصية المعنوية عند ولادتها بولادة شخص، فكما أنّ للشخص هذه الأُمور التالية:
1. الاسم.
2. الجنسية.
3. الموطن.
4. الذمّة الماليّة المستقلة.
5. الأهلية.
فهكذا للشركة هذه الأُمور الخمسة الّتي عرفتها في ثنايا البحث.(1)
***
بقي الكلام في تعلّق الخمس والزكاة بالشخصية المعنوية حسب معايير الفقه الإسلامي.

1 . وقد جرينا في تقرير هذه الأُمور حسب ما قرّره الحقوقي المصري السنهوري في كتابه: «الوسيط في شرح القانون المدني»: 5 / 290 ـ 297 .

200

201

      الفصل الرابع

الشركات الحديثة والفرائض المالية

1. تعلّق الخمس بأرباح التجارات
2. تعلّق الزكاة بمحاصيل الشركات الزراعية
حكم الشركات الهرمية
أدلة عدم مشروعيتها

202

203
إذا ثبتت مشروعية الشركات الحديثة وأنّها من مصاديق قوله سبحانه: ( أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)، يقع الكلام في كيفية تعلّق الفرائض المالية
بأرباحها.
فلنقدّم البحث في أرباح التجارات الّتي هي موضوع للخمس، ثم نتبعه بالبحث عن تعلّق الزكاة بمحاصيل الشركات الزراعية.

1. تعلّق الخمس بأرباح التجارات

اتّفقت كلمة الإمامية على تعلّق الخمس بكل ما يفضل عن مؤونة الإنسان ومؤونة عياله لسنة كاملة، لكن يقع الكلام في المقام في كيفية تعلّقه بالأرباح، وذلك لما مرّ من أنّ رأس المال في الشركة ملك للشخصية المعنوية وقد أخرجه المالك عن سلطنته وملّكه للشركة، فصارت الشركة هي المالك لا الشخص، وعندئذ يقع الكلام في وجوب إخراج الخمس على الشركة، مع أنّه من وظائف الإنسان، وقد مرّ أنّ الشخصية المعنوية تشارك الشخص إلاّ فيما يرجع إلى الصفة الإنسانية، والخمس ممّا يتعلّق

204
بالمكلّفين والشخصية ليس لها هذا الشأن (التكليف).
فقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لوفد عبد القيس: «آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع، آمركم بالإيمان بالله وهل تدرون ما الإيمان بالله: شهادة أن لا آله إلاّ الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وتعطوا الخمس من المغنم ».(1)
والشخصية المعنوية ليست مكلّفة بشيء من هذه الأُمور الّتي منها إعطاء الخمس .
ونظيره معتبرة سماعة قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام)عن الخمس؟ فقال: «في كلّ ما أفاد الناس من قليل أو كثير». (2) ومن المعلوم أنّ الشخصية المعنوية ليست من مصاديق الناس.
وهكذا سائر ما ورد من الروايات حول وجوب الخمس في كلّ ما أفاد.
ويجاب عن الإشكال بما قدّ مرّ من أنّ كلّ شريك عندما يملّك حصته للشركة لا يملكها لها على وجه الإطلاق، بل يملّكها مشروطاً بشرطين:
أ. أن تكون له حصة بالأرباح حسب حصّته .
ب. إذا انحلّت الشركة ترجع حصته إليه .
فعلى ضوء هذا فالأرباح عند رأس السنة تخرج عن ملك الشركة وتدخل في ملك المشاركين.

1 . صحيح البخاري: 9 / 160، باب والله خلقكم وما تعملون من كتاب التوحيد.
2 . وسائل الشيعة: ج 6، الباب 8 من أبواب ما يجب فيه الخمس، الحديث 6 .

205
بل يمكن أن يقال بدخول الأرباح في ملكهم منذ ظهورها فيها، وعندئذ ينطبق عليه عنوان الناس والمكلف وغيرها، فيجب على الأرباح ـ بعد وضع المؤن ـ الخمس، بلا إشكال.
ولو افترضنا أنّ الشركاء حاولوا رفع سقف رأس المال، بجعل الأرباح جزءاً منه، فهذا يحتاج إلى تمليك ثان حتى تُملّك الأرباحُ للشركة، وعندئذ يجب عليه التخميس لدخول الأرباح في ملك الشركاء قبل تمليكها للشخصية المعنوية للاستثمار.
هذا ما يتعلّق بالخمس وأمّا الزكاة فهذا ما نبحثه تالياً.

2. تعلّق الزكاة بمحاصيل الشركات الزراعية

ذهب الفقهاء إلى أنّ في الحنطة والشعير عند انعقاد حبّهما الزكاة، وفي ثمر النخل حين اصفراره أو إحمراره، وفي ثمر الكرم عند انعقاده حُصْرماً .
نعم تجب الزكاة في الحنطة والشعير على مَنْ كان مالكاً عند انعقاد الحب، وفي ثمر النخل على من كان مالكاً حين الاصفرار أو الإحمرار، وفي ثمر الكرم على من كان مالكه عند انعقاده حُصرماً.
وهنا قول آخر: تجب الزكاة على من كان مالكاً عند صدق الحنطة والشعير والتمر والعنب في الزبيب.
ومن المعلوم أنّ المالك في هذه الحالات هو الشخصية المعنوية، وليست بمكلفة، وقد مرّ أنّها تفقد ما يثبت للإنسان بوصف كونه إنساناً،

206
فتكون النتيجة عدم وجوب الزكاة على محاصيل الشركات الزراعية وإن بلغت آلاف الأطنان.
الجواب: أنّه لا إشكال في عدم الوجوب إذا بلغ مجموع المحاصيل حدّ النصاب، ولكن لم يصل نصيب كلّ واحد من الشركاء حدّه. وقد ورد في صحيح محمد بن قيس قوله (عليه السلام): «ولا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرقه»(1)، والشاهد في قوله: «ولا يجمع بين متفرّق»، لو أُريد من التفرّق، التفرّق في الملك بتعدّد المالكين، فلا يجمع بين أنصبهم وإن كانوا في مكان واحد .
إنّما الكلام إذا بلغ نصيب كلّ واحد حدّ النصاب، بعد التوزيع، فالظاهر وجوب الزكاة عندئذ، لأنّ مالكية الشخصية المعنوية تعبير آخر عن مالكية الشركاء، فإنّ العنوان في المقام يلازم المعنون.
توضيحه: أنّ العناوين بالنسبة إلى المعنون على قسمين:
الأوّل: تارة لا يكون الحكم على العنوان حكماً على المعنون، لعدم الملازمة كمالكية الدولة ومالكية السلطات الثلاث المتمثّلة فيها الدولة. فلا يلزم من مالكيتها مالكية رؤوساء هذه السلطات الذين يمثّلون الدولة، أو مع الوزراء الذين يصبحون عماداً للدولة.
الثاني: ما يكون الحكم على العنوان مرآةً للحكم على المعنون، وذلك لعدم كون المعنون منحازاً عن العنوان كانحيازه في القسم الأوّل. فإذا انعقدت الحبّة أو صدق عنوان الحنطة والشعير، في ملك الشخصية

1 . الوسائل: ج 6، الباب 11 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 1 .

207
المعنوية كأنّها انعقدت في ملك الشركاء.
ويؤيد ذلك أمران:
الأوّل: أنّ الشركة والشركاء في نظر العرف في عرض واحد، لا أنّ الثانية في طول الأُولى، وهذا يكفي في إيجاب الزكاة على الشخصية المعنوية.
الثاني: الأخذ بالملاك، فإنّ إيجاب الفريضة المالية في الغلاّت الأربع لغاية سد حاجة الفقراء والمساكين، فلا فرق بين كون المالك عند انعقاد الحبة هو الشخصية المعنوية أو الشركاء، وإلاّ لزم جواز الفرار عن الفرائض المالية بإنشاء الشركات الزراعية.
هذا ما سنحت به الفرصة لدراسة أحكام الشركات الحديثة، وأمّا دراسة أحكام النظام الإداري الّتي تفقد الإطار الموحّد في كافة البلدان. أو دراسة القوانين المصوبة عند انحلال الشركات، فالجميع خارج عن الغرض المنشود، لاختلاف القوانين في الموردين حسب آراء الحقوقيين في أكثر البلاد الغربية والشرقية.

208
   
حكم الشركات الهرمية
ظهر في السنيين الأخيرة في العالم عامّة وفي بلادنا خاصّة نوع من الشركات الهرمية استطاعت أن تجذب إليها عدداً من المشتركين والزبائن، ما هو الموقف الشرعي من هذه الشركات، وهل تصح المعاملة معها؟

الجواب

البحث عن هكذا نوع من الشركات وبيان الموقف الشرعي منها يتطلب أمرين:
الأوّل: بيان ماهية تلك الشركات وتوضيح حقيقتها.
الثاني: بيان الحكم الشرعي وموقف الشرعية منها.
من الصور الرائجة لتلك الشركات أن تشكّل شركة تحمل اسماً معيناً ولنفترض «شركة الشمس» تشترط للاشتراك في عضويتها أن يملأ المشترك قسيمة اشتراك محددة السعر ولنفترض أنّه ألف دينار، ثم يدرج في نفس القسيمة أسماء خمسة أشخاص بصورة مرتبة: مثلاً:
1. زيد. 2. عمرو. 3. بكر. 4. عدي. 5. خالد.
شريطة أن يقترن اسم الشخص الأوّل مع رقم حسابه المصرفي.
ثم بعد شراء القسيمة لابدّ من القيام بثلاثة خطوات:
الأُولى: يضع «الألف دينار» في الحساب المصرفي للشخص الأوّل.

209
الثانية: يضع مبلغا آخر ولنفترض ألف دينار في حساب الشركة التي تدير هذه العملية.
الثالثة: ثم يرسل جميع وثائقه الرسمية عن طريق البريد إلى عنوان الشركة الّتي أصبح عضواً فيها.
ثم يبقى منتظراً لرد الشركة عليه.
بعد ذلك يأتي جواب الشركة يحمل إليه أربع أوراق (قسائم اشتراك) تحمل أسماء الأشخاص الخمسة الذين ذكرهم باستثناء الاسم الأوّل ولكن يحتل اسمه المرتبة الخامسة من التسلسل، وبطبيعة الحال أنّ الأسماء الأربعة الأُخرى سيتقدم كلّ منها مرتبة واحدة، يعني أنّ الثاني في القائمة السابقة يكون الأوّل وهكذا.
بعد وصول هذه الأوراق يسعى العضو لبيعها على من يرغب في الاشتراك، أي يبحث عن أربعة من الزبائن الجدد، فإذا تمكّن من ذلك حينئذ على كل واحد من هؤلاء الأربعة أن يقوم بنفس الخطوات الّتي قام بها هو سابقا، يعني شراء كل قسيمة بألف دينار من العضو الأوّل (وحينئذ سوف يؤمن ما بذله العضو الأوّل من المال حين الاشتراك، بل قد يربح مقداراً من المال).
ثم يقوم كل واحد من هؤلاء الأربعة بوضع مبلغ من المال (ولنفرض ألف دينار) في الحساب المصرفي للشخص الأوّل في القائمة ومثله في حساب الشركة المشرفة; ثم إرسال الوثائق عن طريق البريد إلى عنوان الشركة، وهذا يعني أنّ كل واحد من الأربعة قد أنفق ما يزيد عن ثلاث آلاف

210
دينار وعليهم الانتظار حتى يأتي جواب الشركة.
بعد ذلك يأتي جواب الشركة حاملاً لكلّ واحد منهم مرسولة فيها أربع قسائم اشتراك جديدة، في كل منها يحمل اسم العضو الثاني، التسلسل الخامس واسم العضو الأوّل التسلسل الرابع، وحينئذ على كل واحد من هؤلاء الأربعة الذين يقعون في عرض واحد بيعها على أربعة من الزبائن الجدد، وعلى المشتري الجديد دفع مبلغين آخرين بالإضافة إلى سعر القسيمة، المبلغ الأوّل يدفعه إلى صاحب التسلسل الأوّل في القائمة ومبلغ آخر يدفعه للشركة المشرفة على العملية، ثم يقوم بإرسال الوثائق إلى عنوان الشركة ويبقى منتظراً لرد الشركة عليه.
من هنا نرى أنّ عدد الزبائن الذين جذبوا بواسطة العضو الأوّل أربعة والذين جذبوا بواسطة الرديف الثاني ستة عشر عضواً.
ثم يجب على هؤلاء الستة عشر- بعد تحقّق عضويتهم في الشركة ـ القيام بنفس الخطوات السابقة يعني القيام بعد شراء قسيمة الاشتراك بقيمة ألف دينار بعملين: الأوّل: وضع ألف دينار في حساب الشخص صاحب التسلسل الأوّل في القسيمة، وألف دينار في حساب الشركة، ثم إرسال الوثائق إلى عنوان الشركة وانتظار الرد منها.
بعد ذلك يأتي الرد من الشركة حاملاً 64 قسيمة لكلّ واحد منهم أربعة ليجلبوا للشركة 64 زبوناً (عضوا) جديداً، وعلى كل واحد من هؤلاء الأربعة والستين أن يقوم بعملين بالإضافة إلى شراء القسيمة ثم إرسال

211
الوثائق إلى الشركة لينتظر الجواب، وبهذا يرتفع عدد الأعضاء من 64 إلى 256 عضواً.
فاذا تمكن الأربعة والستون من بيع 256 قسيمة فحينئذ ترسل الشركة لكل واحد منهم أربع قسائم، وبالتبع تتكرر الخطوات السابقة نفسها من قبل الأعضاء الجدد فإذا تمكنوا من بيع الأربع قسائم الّتي أُرسلت لهم سوف يصل الرقم إلى (1024) حاصل ضرب 256 × 4 وفي النهاية: ينزل اسم العضو الأوّل ـ بالتدريج ـ من الرديف الخامس ويقع في الرديف الأوّل ويأخذ من كل واحد من الأعضاء المشتركين ألف دينار بلا عوض وتصير النتيجة تملك (1024000 دينار) حاصل ضرب 1000 دينار × 1024 عضواً من دون أن يخسر ديناراً واحداً، بل كل ما صرفه في بدء الأمر يُؤمّن من خلال بيع القسائم الأربعة الأُولى فقط، و بالنتيجة سوف تمتلك هذا الرقم الضخم.
وهكذا كلما تواصل الاشتراك يملك العضو الثاني المبلغ بعد العضو الأوّل، وهكذا سائر الأعضاء كالعضو الأوّل يملكون المال من دون أن يبذلوا شيئاً قبال ذلك.
هذه حقيقة وماهية تلك الّتي ملأ اسمها الدنيا، وما هي إلاّ حيلة يرمي من ورائها الطامعون والمحتالون واللاهثون وراء الثراء وتكديس المال، الهيمنة على أموال الشعوب الفقيرة. وبقطع النظر عن الأدلّة الشرعية المحرمة لهذه الشركات، فإنّا سنكشف من خلال الأرقام الحسابية عن تلك الأرقام النجومية.

212
إنّما يمتلك العضو الأوّل المال إذا بلغ عدد الأعضاء المشتركين 1024، لكن الأعضاء الأربعة الذين يقعون في الرديف الثاني إنّما يملكون المال إذا بلغ عدد الأعضاء 4096 حاصل ضرب الرقم (1024) في (4)، وهكذا أعضاء الرديف الثالث الذين يقعون في مرتبة واحدة وعدد (16 عضواً) إنّما يمكنهم تملّك المال إذا بلغ عدد الأعضاء المشتركين (16386) حاصل ضرب (4096) في الرقم (4)، وهكذا أعضاء الرديف الرابع (64 عضواً) يملكون المال إذا بلغ عدد الأعضاء 65536 حاصل ضرب السابق في (4)، أمّا أعضاء الرديف الخامس (256) فيملكون المال إذا بلغ عدد الأعضاء (262144) حاصل ضرب الرقم السابق في (4).
ولو رجعنا إلى حساب الاحتمالات هنا نرى أنّ احتمال حصولهم على المبلغ المذكور يقترب من الصفر إن لم يكن صفراً!! فكيف يمكن لهذه الشركة أن تؤمن لجميع الأعضاء ذلك المبلغ والحال أنّ احتمال تحقّقه للعضو الأوّل بعيد جداً؟!
ولهذا وصفت هذه الشركات بالأُسطورة الّتي لا يمكنها أن تكسب ثقة الناس واطمئنانهم بصورة منطقية إلاّ إذا استطاعت أن تخدع الأعضاء الأوائل بالاشتراك فيها من دون إجراء أي عملية حسابية والركون إلى الوعود الكاذبة الّتي تؤملهم بها.
إلى هنا إتضح لنا حقيقة ماهية الشركات الهرمية.
أدلّة عدم مشروعية الشركات الهرمية   

213

أدلّة عدم مشروعيتها

1. العمل والانتاج هو أساس الاقتصاد الإسلامي

إنّ الاقتصاد الإسلامي يقوم على ركيزتي العمل والانتاج لا الحظ والنصيب; وقد روي عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) انّه قال: «ملعون من ألقى كلّه على الناس».
والمستفاد من الأحاديث الإسلامية أنّ الإنتاج هو أساس الحياة الإسلامية، فعن أبي عمرو الشيباني قال: رأيت أبا عبد اللَّه (عليه السلام) وبيده مسحاة وعليه إزار غليظ يعمل في حائط له والعرق يتصاب منه على ظهره فقلت: جعلت فداك أعطني أكفك. فقال: «إنّي أحب أن يتأذّى الرجل بحر الشمس في طلب المعيشة».
كذلك ورد في الأحاديث الإسلامية أنّ الزارعين هم كنوز الله في الأرض، روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «الزارعون كنوز الله في أرضه».
وفي عهد الإمام أمير المؤمنين لمالك الأشتر (رضي الله عنه) ركّز الإمام على أهمية الصناع وأوصاه بهم قائلاً:
«فَإِنَّهُمْ مَوَادُّ الْمَنَافِعِ، وَأَسْبَابُ الْمَرَافِقِ »(1).
وقد ذمت الشريعة الإسلامية الغرّاء حالة التواكل والكسل وعدم استغلال الطاقات الّتي منحها الله تعالى للإنسان، نكتفي هنا برواية واحدة عن الإمام موسى بن جعفر (عليهما السلام) والّتي جاء فيها:

1 . نهج البلاغة: كتاب 53 .

214
«إنّ الله ليبغض العبد النوّام، وإنّ الله ليبغض العبد الفارغ».
انطلاقاً من ذلك لو أنّ هذا النوع من الشركات شاعت في وسط المجتمع الإسلامي لتحوّل المجتمع إلى مجموعة من الأفراد البطالين الذين لا يعتمدون إلاّ على الحظ والنصيب واللعب ولتعطّلت جميع النشاطات الاقتصادية كالزراعة والصناعة وتجمّدت حالات الإبداع والابتكارات العلمية.
ومع هذا المحذور كيف يمكن التوفيق بين هكذا اقتصاد والاقتصاد الإسلامي. وسنشير في نهاية البحث أنّ عملية الاعتماد على البخت والنصيب كانت شائعة في أوساط المجتمع الجاهلي، وقد أشار إليها القرآن الكريم تحت عنوان «الأزلام».

2. التجارة تدار وفقاً للأساليب العقلائية المتعارفة

إنّ الاقتصاد الإسلامي يقوم على أساس كون التجارة تدار وفقاً للأسباب والأساليب المتعارفة والعقلائية الرائجة بين العقلاء، وحرمة أي نوع من الربح القائم على الأُمور الواهية والباطلة، قال تعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاض مِنْكُمْ )(1) .
وظاهر الآية المباركة أنّ تملّك أموال الآخرين لابدّ أن يكون طريق التجارة وإلاّ فهو من مصاديق آكل المال بالباطل المنهي عنه.
قد يقال: إنّ الهبة من أسباب التمليك الشرعية وإنّ الهدية مملكة؟

1 . النساء: 29 .

215
قلنا: إنّ الهبة ليست من مقولة التجارة، بل هي نوع تكريم واحترام للأقارب والأصدقاء، والحال أنّ الشركات الهرمية ـ مع هذه الشمولة والسعة ـ صبغت نفسها بصبغة تجارية ووعدت الناس بأن تجعل منهم أثرياء من خلال هذا الطريق.

3. المعاملة غررية

نقل المحدّثون عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه نهى عن كلّ معاملة غررية «نهى النبي عن بيع الغرر» والغرر لغة بمعنى الخطر; وإذا فسر بالجهل فإنّما يعود ذلك لكون الجهل يؤدي إلى الخطر. وأي معاملة أخطر من الدخول في معاملة لا يكون احتمال الوصول فيها إلى الهدف العالي (1024000 دينار) إلاّ احتمالاً ضعيفاً جداً أي نسبة الواحد إلى الآلاف.

4. حكم القمار

إنّ روح هذه المعاملة نوع من القمار والمقامرة، ففي الحقيقة أنّ الإنسان يبذل مقداراً من المال على أمل الحصول على مبالغ طائلة. والعجيب أنّ هذا النوع من المقامرة موجود في العصر الجاهلي يعبر عن بـ «الأزلام»، وقد أشار القران الكريم الى ذلك في قوله تعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلَوةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ )(1).

1 . المائدة: 90 ـ 91 .

216
وحينما أشار القرآن الكريم في الآية الثالثة من سورة المائدة إلى المحرمات عد منها (وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلاَمِ)(1)، ومعناه طلب قسم الأرزاق بالقداح الّتي كانوا يتفاءلون بها، وأن الأزلام عشرة سبعة لها أنصباء، وثلاثة لا أنصباء لها .
فالّتي لها أنصباء: الفذ والتوأم والمسبل والنافس والحلس والرقيب والمعلى. فالفذ له سهم، والتوأم سهمان، والمسبل له ثلاثة أسهم، والنافس له أربعة أسهم، والحلس له خمسة أسهم، والرقيب له ستة أسهم، والمعلى له سبعة أسهم .
والّتي لا أنصباء لها: السفيح، والمنيح، والوغد. وكانوا يعمدون إلى الجزور فيجزئونه أجزاء ثم يجتمعون عليه فيخرجون السهام ويدفعونها إلى رجل، وثمن الجزور على مَن تخرج له الّتي لا أنصباء لها وهو القمار فحرّمه الله تعالى. وقد حرم الإسلام هذه اللحوم لا لأنّها محرمة ذاتاً، بل للقمار والقمارية الّتي سببت تمليكها، وواضح أنّ تحريم القمار في قوله: (وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلاَمِ)لا يختص باللحوم، بل تعمّ الحرمة كلّ شيء جرى فيه القمار. وقد اجتمع كل الضرر والنشاطات الاجتماعية غير المدروسة والخرافية فيه.

1 . المائدة: 3 .

217

5. يؤدي إلى النزاع والتناحر في المجتمع

أشار القرآن الكريم إلى أنّ إحدى علل تحريم الخمر والقمار كونهما يؤدّيان إلى وقوع العداوة والبغضاء في الوسط الاجتماعي ممّا يخلق حالة من التشاحن والصراع في وسط المجتمع، ومن هنا نرى اليوم أنّ الكثير من المرافعات في المحاكم موضوعها مخالفات الشركات الهرمية الّتي استطاعت أن تستغفل الكثير من الناس وتزيّن لهم الأُمور وتوعدهم بسراب يحسبه الظمآن ماء.

6. وحدة الحقيقة وتعدد الأساليب

تعدّد أساليب جلب الزبائن حيث تغيّرت الطريقة اليوم إلى أُسلوب بيع الألماس، فمن يشتري ألماسة ثم يعرف أربعة من المشترين يعطى كذا وكذا من المال، والحقيقة أنّ تغيير الأُسلوب لا يغير من الواقع شيئاً، بل هو ذريعة واحتيال ليس إلاّ، لأنّ ماهية الشركة هي نفس الماهية إذ الهدف جلب الزبائن مع انتظار ما وعدت به الشركة من الربح اعتماداً على الحظ والنصيب.
ولكن تبقى الحقيقة واحدة حتى مع تغيير الأُسلوب.

7. الجذور الاجنبية

إنّ الكثير من الشركات الّتي في ظاهرها إيرانية الانتساب ويدورها شخصيات تحمل صبغة دينية ويخدعون الناس من هذا الطريق حيث

218
يتصورون إنّها شركات إيرانية ودينية صرفة، وهي في الواقع يقف وراءها شركات أجنبية ومافيات خارجية يسعون من وراء ذلك ابتلاع ثروات الشعب ونقلها إلى خارج البلاد ليبقى الشعب يعيش حالة الفقر والعوز والحاجة.

8. انهيار اقتصاد البلدان الّتي أجازت عمل تلك الشركات

قد جربت بعض البلدان هذا النوع من الشركات إلاّ أنّها لم تحصد إلاّ الخيبة والخسران. فعلى سبيل المثال نرى ألبانيا أجازت عمل تلك الشركات فلم تمر إلاّ فترة يسيرة حتى واجهت ثورة شعبية حيث أحسّ الشعب بأنّ اقتصاد البلاد يسير في منحدر خطير ممّا أدّى إلى تشكيل حكومة جديدة استطاعت إلغاء القوانين والتراخيص الّتي سمحت للشركات المذكورة بالعمل.
انطلاقاً من كل ما ذكرنا لا يجوز للإنسان المسلم أن يلطّخ يديه ويلوث نفسه بمثل هذه الأعمال الّتي تؤدي إلى خراب دنياه وضياع آخرته.
تمّ كتاب الشركة بيد مؤلّفه جعفر السبحاني
في الثاني من شهر جمادى الأُولى
من شهور عام 1430 هـ
والحمد لله الّذي بنعمته تتم الصالحات

219
التأمين
في
الشريعة الإسلامية الغرّاء

220

221

تمهيد:

الإنسان رهن نكبات ونوائب لا تنتهي ما دام يعيش في هذه الدار الّتي أوّلها عَناء وآخرُها فناء، فالمخاطر تَحدقُ به من كلّ جانب، تُصيبه وهو في بيته، وتُرهقه وهو في مقر عمله، وتناله وهو يستقل الطائرة أو السيارة أو يخوض البحر بسفينته.
والإنسان قد يُرزأ في نفسه أو في صحّته أو في عضو من أعضائه، أو في مقتنياته، ولكي تُجبر خسارته ويُخفِّف من وطأة المصيبة عليه أو على أُسرته، لم يزل نراه يتمسّك بأُمور مختلفة لكي يقلّل الأضرار المتوجّهة إليه، وقد كان لكل زمن نوع خاص من التأمين.
فللتأمين جذور قديمة في حياة الإنسان في القرون الغابرة ولكن بأشكال مختلفة، منها:

1. ضمان الجريرة أو ضمان الولاء

إنّ ضمان الولاء كان رائجاً في المجتمع العربي قبل الإسلام، فإذا خاطب أحدٌ شخصاً، وقال: عاقدتُك على أن تنصرني وتمنع عني وتعقل

222
عني وترثني، فقال الآخر: قبلتُ، فقد تحقّق العقد وصار القابل ضامناً لعقله ودينه في مقابل أنّه يرثه. فكان هذا نوعاً من التعاون حيث إنّ المخاطب يضمن ديته فتخفف مصيبته في مقابل أنّه يرثه بعد موته.

2. ضمان العاقلة

إنّ القتل إن كان عمداً وجبت الدية على الجاني في ماله.
وأمّا دية الخطأ المحض فهي على العاقلة والمراد بها العصبة. وبما أنّ العصبة لا تنحصر بفرد واحد، بل تتشكّل من جماعة كبيرة فتقسَّمُ الديةُ عليهم، وبذلك يحصل التخفيف على الخاطئ.

3. التعاون العشائري

إذا جنى أحد أفراد العشيرة على شخص آخر من عشيرة أُخرى، فالرائج بين العشائر هو المشاركة في دفع الدية.
كلّ ذلك كان رائجاً في المجتمعات السابقة تقليلاً للخسائر وتسهيلاً للأمر على الفاعل.
ولمّا كانت الحياة مقرونة بالمصائب والمخاطر، التجأ الإنسان في المجتمعات السابقة إلى هذه الأنماط من التأمين لتخفيف الوطأة عليه.
   
وهناك نوع رابع جوّزه الفقهاء في كتبهم ويسمّونه بضمان الدرك، ويراد به أنّ المشتري ربّما يتخيّل أنّ المبيع مستحق للغير، وليس البائع مالكاً. فعندئذ يشتري المبيع ولكن يطلب الضمان وأنّه إذا بان مستحقاً

223
للغير يضمن عن البائع شخص آخر .
ونظيره في جانب البائع فربّما يحتمل أن يكون الثمن مستحقاً للغير، فلا يبيع إلاّ بوجود ضامن يضمن له الثمن.
هذه الأُمور الجزئية كانت سائدة بين الناس، غير أنّ اتّساع التجارة البرية والبحرية صار سبباً لإنشاء الشركات لتأمين البضائع المستوردة أو المصدّرة.

انتشار التأمين

قد ذكر الدكتور عبدالرزاق أحمد السنهوري تاريخ انتشار التأمين على وجه الإجمال، ونحن نذكره باختصار.
يقول: ظهرت الحاجة إلى التأمين أوّل ما ظهرت في أُوربا في أواخر القرون الوسطى، فبدأ التأمين البحري في الانتشار منذ أواخر القرن الرابع عشر مع انتشار التجارة البحرية بين مدن إيطاليا والبلاد الواقعة في حوض البحر الأبيض المتوسط. وكان التأمين آنذاك مقصوراً على البضائع الّتي تنقلها السفن ولم يمتد إلى التأمين على حياة البحّارة والرُّكّاب. فالتأمين البحري كان أوّل أنواع التأمين في الظهور، وأعقبه بعد مدّة طويلة، التأمين البري، إذ بدأ ظهور هذا التأمين في انجلترا في خلال القرن السابع عشر، وأوّل صورة ظهرت منه كانت صورة التأمين من الحريق، وانتشر التأمين من الحريق في خلال القرن الثامن عشر في كثير من البلاد، خاصة في ألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية .

224
ثم ظهرت صور جديدة للتأمين أهمها: التأمين من المسؤولية وكان التأمين من الحريق قبل ذلك يشمل التأمين من مسؤولية المستأجر عن الحريق، ومسؤولية الجار عن الحريق، وكذلك ظهر ـ بانتشار الصناعة والآلات الميكانيكية وتعرض العمال لمخاطرها ـ التأمين في حوادث العمل.
أمّا التأمين على الحياة فقد تأخّر في الظهور إلى اقتراب القرن التاسع عشر.
وظهرت صور جديدة للتأمين في غضون القرن العشرين، وإليك رؤوسها:
1. التأمين من السرقة .
2. التأمين من تلف المزروعات والآلات الميكانيكية.
3. التأمين من موت المواشي.
4. تأمين العمال من إصابات العمل .
5. تأمين العمال من المرض والعجز والشيخوخة.
6. التأمين من حوادث السيارات.
7. التأمين من أخطار الحروب.
8. التأمين من حوادث النقل الجوي والبحري.
   
9. التأمين من المسؤولية عن مزوالة المهنة (مسؤولية الطبيب والجراح) .

225
10. التأمين من استهلاك السندات، وتأمين الدين.(1)
وكلّما اتّسع نطاق المسؤولية واشتدّت الحاجة إلى التأمين ظهرت صور متنوعة من التأمينات الاجتماعية . كلّ ذلك لأجل أنّ التأمين يقلّل ضرر الإنسان حيث يمتلك رصيداً لمستقبله ومستقبل أُسرته، فيندفع إلى السباحة في تيار الحياة بعزم قوي وهمّة عالية وهو مرتاح النفس مطمئن البال .
***

1

تعريف التأمين

من خلال قراءة آراء المجيزين والمانعين للتأمين ـ على ما سيوافيك ـ قد لا توجد حاجة إلى ذكر تعريف خاص للتأمين، خصوصاً أنّ للتأمين أقساماً كثيرة، فالتعريف بشكل جامع للأقسام ومانع للأغيار، أمر مشكل، ومع ذلك كلّه نذكر بعض ما ذُكر من التعاريف:
1. التأمين: عقد يلتزم المؤمِّن بمقتضاه أن يؤدّي إلى المؤمَّن له، أو إلى المستفيد الّذي اشترط التأمين لصالحه، مبلغاً من المال أو إيراداً مرتباً أو أي عوض مالي آخر في حالة وقوع الحادث أو تحقّق الخطر المبيّن بالعقد،

1 . الوسيط للسنهوري: 7 / 1096 ـ 1097 .

226
وذلك في نظير(مقابل) قسط أو أية دفعة مالية أُخرى يؤديها المؤمَّن له للمؤمِّن .(1)
أفرض إنّ شخصاً يتعرض لخطر في شخصه ـ كما في التأمين على الحياة ـ أو في ماله ـ كما في التأمين من الحريق أو التأمين من المسؤولية ـ فيعمد إلى تأمين نفسه من هذا الخطر بأن يتعاقد مع شركة تأمين يؤدي لها أقساطاً دورية في نظير (مقابل) أن يتقاضى منها مبلغاً من المال عند تحقّق الخطر، وقد أُسمي هذا الشخص المؤمَّن له، ويجوز أن يشترط دفع المال عند تحقّق الخطر لشخص آخر غيره، ففي التأمين على الحياة مثلاً قد يشترط المؤمَّن له دفع مبلغ التأمين لزوجته أو لأولاده فيسمّى هذا الشخص الآخر المستفيد.
2. التأمين: عقد واقع بين المؤمّن والمستأمن (المؤمِّن له) بأن يلتزم المؤمّن جبر خسارة كذائية إذا وردت على المستأمن في مقابل أن يدفع المؤمن له مبلغاً أو يتعهد بدفع مبلغ يتّفق عليه الطرفان.(2)
3. عُرّف التأمين في قانون التأمين الإيراني بما هذا ترجمته:
إنّ عقد التأمين عقد بموجبه يتعهد أحد الطرفين بأن يدفع لآخر مقداراً معيّناً من المال أو يعوّضه خسارة كذائية عند وقوع حادث أو لحوق ضرر بالمؤمَّن له، في مقابل أن يدفع الآخر مبلغاً يتفقان عليه في العقد.

1 . الوسيط للسنهوري: 7 / 1084 .
2 . تحرير الوسيلة: 2 / 547، المسائل المستجدة، المسألة 1 .

227
ويقال للمتعهد: (المؤمِّن)، ولطرف التعهد: (المؤمن له أو المستأمن)، ولما يدفعه المؤمّن: (حق التأمين)، ولما يكون مؤمّناً عليه: (موضوع التأمين).
سواء أقلنا بأنّ التأمين عقد من العقود أو أنّه داخل في الهبة المعوضة أو من مقولة الصلح والضمان فليس ما جاء في عهد الإمام علي (عليه السلام)إلى واليه مالك الأشتر، من عقد التأمين بل هو مساعدة من الدولة إلى الضعفاء. وذلك لأنّ التأمين عقد بين المؤمِّن والمستأمن على اتّفاق مالي بينهما، فالمؤمِّن يتحمّل الخسارة في مقابل الرواتب الّتي يدفعها المؤمَّن له، إليه وهذا القيد ليس موجوداً في الموردين المذكورين .
فقد جاء في هذا العهد قوله (عليه السلام): «وَاجْعَلْ لَهُمْ قِسْماً مِنْ بَيْتِ مَالِكَ»(1).
ومثله ما روي عنه(عليه السلام) أنّه مرّ عليه شيخ مكفوف كبير، يسأل، فقال أمير المؤمنين(عليه السلام): ما هذا؟ قالوا: يا أمير المؤمنين نصراني، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «استعملتموه حتّى إذا كبر وعجز منعتموه، أنفقوا عليه من بيت المال»(2).
***

1 . نهج البلاغة، عهد الإمام إلى مالك الأشتر: 438 .
2 . وسائل الشيعة: 11، الباب 19 من أبواب جهاد العدو، الحديث 1 .

228

قوام التأمين بأُمور أربعة

قد تلخّص من هذه التعاريف أنّ قوام التأمين بمايلي:
1. إنّه عقد يتم بتراضي الطرفين، ولا يتوقف انعقاده على شكل معيّن.
2. أنّه عقد معاوضة، يقوم على أنّ المستأمن يدفع أقساط التأمين، فيتملّكه المؤمِّن في مقابل قبول المسؤولية عند طروء الحادث، ويتفرّع عليه أنّ العلاقة بين الطرفين ليست قائمة على أساس التبرّع.
3. أنّه عقد مُلزِم للطرفين بعد تمام الإجراءات المطلوبة، بحيث لا يحق لأحدهما الانفكاك عمّا التزم به.
4. أنّه عقد زمني يكون الزمن عنصراً أساسياً فيه، حيث يلتزم المؤمِّن تحمُّل الأخطار المؤمَّن منها لمدة محدّدة ابتداءً من تاريخ محدّد .
ما نقلناه من التعاريف إنّما ينسجم مع القول بكون عقد التأمين عقداً مستقلاً، لا صلة له بسائر العقود، وأمّا من يدخل عقد التأمين في الهبة المعوضة أو يراه ضماناً أو صلحاً فيختلف تعريفه مع ما ذكرنا من التعاريف.
وبما أنّ المختار عندنا أنّه عقد مستقل فلا حاجة إلى تعريفه بصورة الهبة المعوضة أو الضمان أو الصلح .

229

2

تقسيم التأمين

يقسم التأمين إلى: تأمين تعاوني وتأمين تجاريّ ثابت، وإليك بيان كلّ منهما:

التأمين التعاوني

وهو أن يتفق عدة أشخاص على أن يدفع كلّ واحد منهم مبلغاً معيناً لتعويض الأضرار الّتي قد تصيب أحدهم إذا تحقّق خطر معيّن.
والتأمين بهذا المعنى أشبه بصندوق تعاوني تؤسّسه عدّة من أصحاب الخير، فيخصّون جزءاً من أموالهم بهذا الصندوق لإغاثة المستغيثين، أو لجبر الخسارة الّتي تصيب أفراد هذه الجمعية فقط .
فلا شكّ أنّه من مصاديق قوله سبحانه: (وَ تَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوَى)(1)، ولكنّه قليل التطبيق في وقتنا الحاضر، ولا يوجد مثل هذا الصندوق إلاّ بين العوائل الكبيرة أو بعض العشائر، ولا يكفي لمهمة التأمين في التجارة البحرية أو الجوية أو البرية، أو في جبر الخسائر الّتي تسببها

1 . المائدة: 2 .

230
الزلازل والحروب والفتن، ولذلك لجأ الناس إلى تأسيس تأمين آخر، وهو التالي.

التأمين التجاريّ

فهو أن يلتزم المؤمَّن له بدفع قسط محدد إلى المؤمِّن، وهو شركة التأمين المكونة من أفراد مساهمين، يتعهد (أي المؤمن) بمقتضاه دفع أداء معيّن عند تحقق خطر معيّن. وهو النوع السائد الآن. ويدفع العوض إمّا إلى مستفيد معيّن أو إلى شخص المؤمَّن له أو إلى ورثته، وهذا هو الّذي نخصصه بالدراسة المفصلة، .
***
وهناك تقسيم آخر وهو تقسيمه إلى: التأمين على الأشخاص، والتأمين من الأضرار.
أمّا النوع الأوّل: فالمراد به التأمين من الأخطار الّتي تهدد الشخص في حياته أو في سلامة أعضائه أو صحّته أو قدرته على العمل، وبعبارة أُخرى: يكون الخطر المؤمن منه يتعلّق بحياة الإنسان أو صحّته وسلامته .(1)
وله أنواع:

1 . الوسيط: 7 / 1373 .

231

1. التأمين من الإصابات

وهو عقد يلتزم بمقتضاه المؤمِّن في مقابل أقساط التأمين أن يدفع للمؤمَّن له أو للمستفيد ـ إذا لحقته إصابة بدنية ـ مصروفات العلاج والأدوية كلّها أو بعضها.

2. التأمين من المرض

وهو أن يلتزم المؤمَّن بدفع مبلغ معيّن للمؤمَّن له في حالة ما إذا مرض ـ أثناء مدة التأمين ـ وأن يرد عليه مصروفات العلاج والأدوية كلّها أو بعضها حسب الاتفاق. والخطر المؤمن منه قد يشمل جميع الأمراض، وقد يقتصر على الأمراض الجسمية، أو على العمليات الجراحية، أو بعض الأمراض دون البعض الآخر.

3. التأمين على الحياة

وهو عقد يلتزم بمقتضاه المؤمِّن بأن يدفع لطالب التأمين أو لشخص ثالث مبلغاً من المال عند موت المؤمَّن له أو عند بقائه حيّاً مدة معيّنة. وللتأمين على الحياة صور كثيرة تزداد يوماً بعد يوم، نذكر منها على وجه الإيجاز:
1. التأمين لحالة الوفاة.
2. التأمين لحالة البقاء (أي بقاء المؤمَّن له على حياته حيّاً).
3. التأمين المختلط (بين الحالتين السابقتين).

232
4. التأمين الاجتماعي أو التأمين على الموظفين والعمال.
والتأمين على الحياة قد يكون على حياة الشخص نفسه وقد يكون على حياة الغير، وفي الحالة الثانية تشترط موافقة المؤمَّن له قبل إبرام العقد.(1)
وأمّا النوع الثاني: في هذا التقسيم وهو التأمين من الأضرار ويكون فيه الخطر المؤمّن منه أمراً يتعلق بمال المؤمَّن له لا بشخصه، وله أنواع كثيرة، منها: التأمين البحري، والتأمين البري، والتأمين الجوي، والتأمين على الأشياء، والتأمين على المسؤولية .(2)

3

دراسة التأمين بما هو هو وعلى النحو المتعارف بين الناس   

دراسة التأمين بما هو هو
وعلى النحو المتعارف بين الناس
اللازم على الفقيه في عامة المسائل الفقهية والمستجدة خاصة دراسة المسألة بما هي هي لا بملابساتها ومقارنتها أوّلاً، وبالنحو المتعارف بين الناس ثانياً.

1 . التأمين الإسلامي: 83 ـ 91.
2 . الوسيط: 7 / 1522; التأمين الإسلامي: 79 و 92 وما بعدها.

233
أمّا الأوّل: فدراسة المسألة بما هي هي فلأجل أنّ بيان الحكم فرع تحليل الموضوع، فالذي يتحمّل الحكم جوازاً ومنعاً هو نفسه. وأمّا أنّ القائمين بمثل هذه المسائل ربّما يرتكبون أُموراً محرمة في طريق المسألة أو بعدها، فهي خارجة عن مسؤولية الفقيه.
فلو كان التأمين بما هو هو عقداً مقبولاً عقلاً وشرعاً، ولكن افترضنا أنّ شركات التأمين تستثمر الأموال المتجمعة عندها عن طريق الأقساط بالإقراض الربوي أو سائر المعاملات غير المشروعة، فهذا لا يكون دليلاً على عدم مشروعية التأمين بما هو هو، وهذا هو ما ركّزنا عليه بأنّ الموضوع للجواز والمنع هو ذات المسألة وموضوعها مجرداً عما ربّما يلحقها من المحذور جراء ممارسات القائمين بشأن هذه الشركات .
وأمّا الثاني: فهو أنّ كثيراً من المحلّلين يُدخلون عقد التأمين تحت عنوان المضاربة الشرعية أو الجعالة أو الصلح أو غير ذلك، ممّا ليس منه أثر بين الناس، لا في فكر المؤمِّن ولا في تفكّر المؤمَّن له فهذا النوع من التحليل ليس بصحيح ، لأنّ العقود تابعة للقصود، فإذا قصد المتعاقدان ما هو المفهوم الرائج فلا ينفعه إدخال التأمين تحت سائر العقود المشروعة. وسيوافيك أنّ قسماً من الفقهاء ـ سنّة وشيعة ـ حاولوا تصحيح التأمين ببعض هذه الطرق.

234
   

4

التأمين وآراء الفقهاء فيه

إنّ التجارة البرية والبحرية كانت أمراً رائجاً في المجتمعات المتحضرة، وكانت لقريش رحلتان شتاءً إلى اليمن وصيفاً إلى الشام، وطبيعة الحال تقتضي أن يكون للتاجر العالق قلبه بماله، فكرة لتضمين ماله في الطرق وصيانته من تطاول اللصوص والسرقة. وقد عرفت مبدأ فكرة التأمين في الغرب، وأنّها بدأت تنمو وتنتشر في البلاد الغربية من القرن الثاني عشر، إنّما الكلام في تبيين مبدأ الفكرة بين المسلمين، فربّما يقال أنّ أوّل من أفتى بحكم التأمين هوالعلامة أحمد بن يحيى المرتضى الفقيه الزيدي (764 ـ 840 هـ) مؤلف كتاب «البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار»، فقد قال في كتابه هذا: إنّ ضمان ما يسرق أو يغرق باطل .(1)
فإنّ عبارته تنطبق على التأمين البحري وضمان السرقة في مقابل شيء نفس التأمين.
أقول: ما ذكره وإن كان ينطبق على التأمين ولكنّه فرع من مسألة كلية مطروحة في الفقه وهي ضمان الأعيان الخارجية، وأنّه هل يصح أو لا؟ فإنّ القائل بالمنع يخصّ الضمان بضمان ما في الذمّة ويمنع عن ضمان الأمر الخارجي عنها.

1 . البحر الزخار : 144 .

235
وللمسألة جذور في الفقه الإسلامي .
قال المحقّق: وفي ضمان الأعيان المضمونة، كالغصب، والمقبوض بالبيع الفاسد، تردّد، والأشبه الجواز .(1)
وقد بسط الكلام فيه صاحب الجواهر عند شرحه لعبارة المحقّق هذه.(2)
ولعلّ عبارة الفقيه الزيدي ناظرة إلى تلك المسألة، لا إلى التأمين ومع ذلك يمكن أن تكون ناظرة إلى مسألتنا. وعلى كل تقدير فلمسألة التأمين جذور في الفقه الإسلامي، ولنذكر أقوال الفقهاء الذين درسوا هذه المسألة بشكل واضح، وهم:
1. العلاّمة ابن عابدين(3) فقد عقد في حاشيته المعروفة بـ «رد المحتار على الدر المختار»: فصلاً باسم: استئمان الكافر وقال: وفيما قررنا يظهر جواب ما كثر السؤال عنه في زماننا، وهو أنّه جرت العادّة أنّ التجار إذا استأجروا مركباً من حربي يدفعون له أُجرته ويدفعون أيضاً مالاً معلوماً لرجل حربي مقيم في بلاده، يسمّى ذلك المال «سوكرة» على أنّه مهما هلك من المال الّذي في المركب بحرق أو غرق أو نهب أو غير ذلك، فذلك الرجل ضامن له بمقابلة ما يأخذه منهم وله وكيل عنه ] كافر [مستأمن في دارنا يقيم في بلاد السواحل الإسلامية بإذن السلطان، يقبض

1 . شرائع الإسلام: 2 / 109، كتاب الضمان، في الحق المضمون.
2 . جواهر الكلام : 26 / 140 .
3 . هو محمد أمين بن عمر بن عبدالعزيز عابدين الدمشقي، الفقيه الحنفي المتوفّى عام 1250 هـ .

236
من التجار مال السوكرة، وإذا هلك من مالهم في البحر شيء يؤدّي ذلك المستأمن (الكافر) للتجار بدله تماماً.
قال: والّذي يظهر لي أنّه لا يحلّ للتاجر أخذ بدل الهالك من ماله، لأنّ هذا التزام ما لا يلزم (أي ضمان ما لم يجب). (1)
ثم أورد على نفسه وقال:
فإن قلت: إنّ المودع إذا أخذ أُجرة على الوديعة يضمنها إذا
هلكت .
فأجاب: أنّ مسألتنا ليست من هذا القبيل، لأنّ المال ليس في يد صاحب السوكرة بل في يد صاحب المركب، وإن كان صاحب السوكرة هو صاحب المركب يكون أجيراً مشتركاً قد أخذ أُجرة على الحفظ وعلى الحمل وكلّ من المودع والأجير المشترك لا يضمن ما لا يمكن الاحتراز عنه كالموت والغرق ونحو ذلك .(2)

1 . قد مرّ منّا في كتاب الشركة أنّ الضمان بمعنى قبول المسؤوليّة، وجبر الخسارة عند التلف أمر معقول ومشروع اذاكان مورد الضمان مظنة للتلف وطروء الخسارة، والضمان بهذا المعنى لا صلة له بالضمان المصطلح، سواء أفسر بنقل الذمة إلى ذمّة أو ضمّها إلى أُخرى، فلاحظ.
2 . حاصل كلامه: وجود الفرق بين الودعي والمؤمِّن حيث إنّ المال يقع في يد الودعي دون المقام، إذ هو في يد صاحب المركب، ولو افترض وحدة المؤمِّن وصاحب المركب، فلا يصح الضمان فيما لا يمكن الاحتراز عنه كالموت والغرق من غير فرق في ذلك بين المؤمِّن والودعي ولعل وجه عدم الصحة، كونهما من قضاء الله الّذي لا يبدلّ ولا يغير فكيف يضمن عنه.
يلاحظ عليه: أنّ ضمان ما لا يمكن الاحتراز عنه ليس بمعنى المقابلة مع قضاء الله سبحانه، بل بمعنى جبر الخسارة الواردة على صاحب المتاع من هذه الناحية، ولا فرق في الضمان بهذا المعنى، بين سرقة المال، وغرق المركب.

237
فإن قلت: سيأتي قبيل باب كفالة الرجلين ] إذا [ قال لآخر: اسلك هذا الطريق فإنّه آمن، فسلك وأخذ ماله، لم يضمن ; ولو قال: إن كان مخوفاً وأُخذ مالك فأنا ضامن، ضمن. وعلّله الشارح هناك بأنّه ضمن الغارّ صفة السلامة للمغرور نصاً. انتهى. أي بخلاف الأُولى فإنّه لم ينص على الضمان بقوله: فأنا ضامن. وفي جامع الفصولين: الأصل أنّ المغرور إنّما يرجع على الغارّ لو حصل الغرور في ضمن المعاوضة أو ضمن الغارّ صفة السلامة للمغرور فصار كقول الطحان لرب البرّ إجعله في الدلو فجعله فيه فذهب من النقب إلى الماء وكان الطحان عالماً به يضمن إذ غرّه في ضمن العقد وهو يقتضي السلامة. انتهى.
قلت: لابدّ في مسألة التغرير من أن يكون الغارّ عالماً بالخطر كما يدلّ عليه مسألة الطحان المذكورة، وأن يكون المغرور غير عالم، إذ لا شكّ أنّ ربّ البُرّ لو كان عالماً بنقب الدلو يكون هو المضيّع لماله باختياره، ولفظ المغرور ينبئ عن ذلك لغة، لما في القاموس: غرّه غرّاً وغروراً فهو مغرور وغرير: خدعه وأطمعه بالباطل فاغترّ هو. انتهى. ولا يخفى أنّ صاحب السوكرة لا يقصد تغرير التجار ولا يعلم بحصول الغرق، هل يكون أم لا، وأمّا الخطر من اللصوص والقطاع فهو معلوم له وللتجار، لأنّهم لا يعطون مال السوكرة إلاّ عند شدّة الخوف طمعاً في أخذ بدل الهالك، فلم تكن مسألتنا من هذا القبيل أيضاً .(1)

1 . حاصل السؤال: أنّ هنا صوراً ثلاثاً: 1. إذا قال اسلك هذا الطريق فإنّه آمن.
2. إذا قال إسلك إن أخذ مالك فأنا ضامن.
3. قال الطحان لصاحب البرّ: اجعله في الدلو وفيه ثقب يعلم به الطحان دون صاحب البُرّ، فلا يضمن في الأوّل، ويضمن في الثاني والثالث .
وحاصل ما أجاب: وجود الفرق بين الطحان والمقام لوجود التغرير فيه دون صاحب السوكرة، لأنّه لم يقصد تغرير التجار ولا يعلم بحصول الغرق، وأمّا الخطر من اللصوص والقطاع فصاحب السوكرة والتجار في العلم وعدمه سياق.

238
نعم قد يكون للتاجر شريك حربيّ في بلاد الحرب فيعقد شريكه هذا العقد مع صاحب السوكرة في بلادهم ويأخذ منه بدل الهالك ويرسله إلى التاجر، فالظاهر أنّ هذا يحل للتاجر أخذه، لأنّ العقد الفاسد (1) جرى بين حربيين في بلاد الحرب، وقد وصل إليه مالهم برضاهم، فلا مانع من أخذه .
وقد يكون التاجر في بلادهم فيعقد معهم هناك ويقبض البدل في بلادنا، أو بالعكس. ولاشكّ أنّه في الأُولى إن حصل بينهما خصام في بلادنا لا يقضي للتاجر بالبدل، وإن لم يحصل خصام ودفع له البدل وكيله المستأمن هنا يحل له أخذه، لأنّ العقد الّذي صدر في بلادهم لا حكم له فيكون قد أخذ مال حربي برضاه.
وأمّا في صورة العكس بأن كان العقد في بلادنا والقبض في بلادهم، فالظاهر أنّه لا يحلّ أخذه ولو برضا الحربيّ لابتنائه على العقد الفاسد الصادر في بلاد الإسلام، فيعتبر حكمه هذا ما ظهر لي في تحرير هذه

1 . يريد بالعقد الفاسد، عقد التأمين فإذا كان الأخذ مبنياً على العقد الفاسد لا يحلّ الأخذ من غير فرق بين صدور العقد في بلاد الإسلام أو في بلاد الكفر، ولذلك حكم بالفساد في كلتا الصورتين.

239
المسألة فاغتنمه فإنّك لا تجده في غير هذا الكتاب .(1)
2. مفتي الديار المصرية الشيخ محمد عبده ففي شهر صفر سنة 1321 هـ سئل عن التأمين بالنحو التالي:
رجل يُريد أن يتعاقد مع جماعة على أن يدفع لهم مالاً من ماله الخاص على أقساط معينة ليعملوا فيها بالتجارة، واشترط عليهم أنّه إذا قام بما ذُكر وانتهى زمن الاتفاق المعين بانتهاء الأقساط المعينة وكانوا قد عملوا في ذلك المال وكان حيّاً، أخذ ما يكون له من المال مع ما يخصّه من الأرباح ; وإذا مات في أثناء تلك المدّة يكون لورثته، أو لمن له حق الولاية في ماله أن يأخذ المبلغ، فهل يكون مثل هذا التعاقد ـ الّذي يكون مفيداً لأربابه، بما ينتجه لهم من الربح ـ جائز شرعاً؟ نرجو التكرم بالإفادة.
فأجاب الشيخ بقوله: لو صدر مثل هذا التعاقد بين ذلك الرجل، وهؤلاء الجماعة، على الصفة المذكورة، كان ذلك جائزاً شرعاً، ويجوز لذلك الرجل ـ بعد انتهاء الأقساط، والعمل في المال وحصول الربح ـ أن يأخذ ـ لو كان حيّاً ـ ما يكون له من المال، مع ما خصّه من الربح، وكذا يجوز لمن يوجد بعد موته، من ورثته أو من له ولاية التصرف في ماله بعد موته أن يأخذ ما يكون له من المال، مع ما أنتجه من الربح، والله أعلم .(2)
يلاحظ عليه: أنّ السائل سأل عن شيء أشبه بالمضاربة،(3) أو نفسها

1 . ردّ المحتار على الدر المختار: 3 / 249 ـ 250 .
2 . التأمين الإسلامي للدكتور علي محي الدين القره داغي:149.
3 . لأنّ الغالب أو الأغلب في المضاربة دفع المال من المالك مرّة واحدة لا أقساطاً، والمفروض في كلام السائل هو الثاني.

240
والشيخ أجاب طبقاً للسؤال، ولا صلة للسؤال والجواب بالتأمين.
والفرق بين التأمين والمضاربة واضح، لأنّ المال في المضاربة ملك المضارب ولا يخرج عن ملكه، بخلاف الأقساط الّتي يدفعها المستأمِن فهي تدخل في ملك المؤمِّن غاية الأمر يلتزم بجبر الخطر إذا توجّه إلى نفس المستأمن وماله.
وبذلك يُعلم أنّ ما نقل عن الشيخ عبدالوهاب خلاّف من أن أقرب العقود إلى التأمين هو عقد المضاربة، ليس بتام.
أضف إلى ذلك: أنّه لو افترضنا أنّ «المؤمَّن له » أعطى قسطاً واحداً أو أقساطاً قليلة ثم مات، يجب على شركة التأمين أن تدفع إلى ورثته أضعاف ما دفعه المؤمَّن له عبر سنوات حسب ما اتفقوا عليه ، وأين هذا من المضاربة الّتي لا تملِّك المضارب سوى رأس ماله وربحه عند انتهاء أجل المضاربة؟!
3. الشيخ محمد بخيت المطيعي مفتي الديار المصرية في وقته حيث قال في رسالته المسمّاة: (أحكام السوكورتاه) الّتي طبعت عام 1906 م: إنّ عقد التأمين فاسد وإنّ سبب فساده يعود إلى الضرر والخطر.
4. فقهاء المجلس الأعلى للأوقاف المصري عرض المسألة على أعضائه من كبار العلماء، وهم بين حنفي ومالكي، وقد اجتمع رأيهم على أنّ الشركة المؤمِّنة تقع تحت حكم (أَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ)(1).(2)

1 . النساء: 161.
2 . التأمين الإسلامي للدكتور علي محيي الدين القره داغي نقلاً عن الشيخ محمد أحمد فرج السنهوري المنشورة في بحوث اقتصادية وتشريعية للمؤتمر السابع لمجمع البحوث الإسلامية العالمية عام 1992 م .

241
5. الشيخ أبو زهرة، وقد أفتى بالتحريم، وقال في كلام مفصّل ما حاصله: إنّ المذاهب الإسلامية القائمة لا يوجد فيها من العقود الّتي تجيزها ما يتشابه مع عقد التأمين، أيّاً ما كان نوعه، وأنّ قاعدة الأصل في العقود والشروط الإباحة لا تكفي لإباحة التأمين لاشتماله على أُمور غير جائزة، وهي:
أ. الغرر والقمار.
ب. عقد لا محلّ له .
ج. التزام ما لا يلزم ضمان ما لم يجب .
وليس فيه تبرع واضح، بل هو في نظر أهله قائم على المعاوضة ولا مساواة فيه فأحد طرفيه مغبون لا محالة، وأنّه لا توجد حاجة ولا ضرورة تدعو إلى التأمين مع قيام الأسباب المحرمة، مع إمكان دفع الحاجة بما ليس محرّماً. وإلى أنّ الربا يلازم التأمين على النفس ومن وسائل الاستغلال عند الشركات، الإقراض بفائدة وليس عملها من باب المضاربة (1).(2)

1 . التأمين الإسلامي للدكتور علي محيي الدين القره داغي نقلاً عن الشيخ محمد أحمد فرج السنهوري المنشورة في بحوث اقتصادية وتشريعية للمؤتمر السابع لمجمع البحوث الإسلامية العالمية عام 1992 م .
2 . استدلّ الكاتب على البطلان بوجوه:
1. أحد الطرفين مغبون. 2. لا ضرورة تدعو إلى التأمين. 3. الربا يلازم التأمين على النفس. 4. شركات التأمين يقرضون المال بفائدة.
يلاحظ على الأوّل: أنّ صاحب المال ليس بمغبون مطلقاً، أمّا عند حدوث الحادثة فواضح إذ تكون الخسارة من جانب المؤمَّن له في مقابل مبلغ يسير، وأمّا عند عدمها فيكفي تحصيل الطمأنينة وسكون النفس في مقابل دفع مال رخيص، ولايعد هذا النوع من المبادلة من قبل صاحب المال، غبناً، وأمّا المؤمِّن فلأنّه يقدّم على ذلك عن علم واطّلاع وهو يعلم أنّه لو غرق المال أو سرق لوجب عليه إعطاء مال عظيم، ومع ذلك كيف يطلق عليه أنّه مغبون والّذي يبعثه على عقد التأمين هو أنّه لو خسر في مورد لربح في موارد كثيرة، وهذا هو الداعي لإنشاء مؤسسة التأمين وتضمين الأموال في البرّ والبحر .
وأمّا الثاني: فضعفه ظاهر فإنّ الحياة في زماننا هذا لا تطيب بدون التأمين خصوصاً بين العمال والموظفين.
وأمّا الثالث: فكون التأمين على النفس يلازم الربا لا يدل على بطلان التأمين مطلقاً في غير مورد النفس، وستوافيك دراسة هذا الإشكال في المستقبل.
وأمّا الرابع: وهو استثمار التأمين بالأقساط المأخوذة وإقراضها بفائدة فقد مر أنّ المحرمات الجانبية لا توجب بطلان نفس المعاملة بما هي هي كما مرّ.

242
6. الفقيه المعاصر الدكتور وهبة الزحيلي، وقد ناقش هذه المسألة في كتابه «الفقه الإسلامي وأدلّته»، فقال: والحقيقة أنّ عقد التأمين من عقود الغرر ـ العقود الاحتمالية المترددة بين وجود المعقود عليه وعدمه ـ وقد نهى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)عن بيع الغرر، ويقاس عليه عقود المعاوضات المالية فيؤثر الغرر فيها كما يؤثر في عقد البيع .
وعقد التأمين مع الشركات من عقود المعاوضات المالية، فيؤثر فيه الغرر، كما يؤثر في سائر عقود المعاوضات المالية. وقد وضعه رجال القانون تحت عنوان «عقود الغرر»، لأنّ التأمين لا يكون إلاّ من حادث مستقبل غير محقّق الوقوع، أو غير معروف وقوعه، فالغرر عنصر لازم لعقد التأمين.
والغرر في التأمين كثير، لا يسير، ولا متوسط، لأنّ من أركان التأمين:

243
«الخطر» والخطر هو حادث محتمل لا يتوقف على إرادة المتعاقدين.
ثم إنّه ردّ من يصحّح التأمين بوجود الحاجة العامة، قائلاً: بأنّ معنى كون الحاجّة عامة أن تكون هي متعيّنة في قضائها حيث تُسد جميع الطرق المشروعة للوصول إلى الغرض، سوى ذلك العقد الّذي فيه الغرر، ثم قال: وبناءً عليه لا يحل لتاجر وغيره من المستأمنين أخذ بدل الهالك من مال السوكرة; لأنّه مال لا يلزم من التزم به، ولأن اشتراط الضمان على الأمين باطل.(1)
وحاصل كلامه: أنّه من العقود الغررية، وسيوافيك الكلام فيه في الفصل السادس تحت عنوان «شبهات وإيضاحات»: 1. التأمين والنهي عن بيع الغرر؟
7. الدكتور علي محيي الدين القره داغي رئيس قسم الفقه والأُصول بجامعة قطر، فقد ألّف كتاباً موسّعاً باسم التأمين الإسلامي: دراسة فقهية تأصيلية مقارنة بالتأمين التجاري مع التطبيقات العملية.
وقد نقل أدلّة القائلين بالصحّة كما نقل أدلّة القائلين بالخلاف ووافق ـ نهاية ـ للمانعين وحرمة التأمين التجاري دون التأمين التعاوني بشرط أن يكون خالياً من الربا ومن أيّة مخالفة شرعية أُخرى. ثم إنّه عقد فصلاً للتأمين الإسلامي الّذي يقوم على مبدأ التعاون والتبرع وليس شيئاً مستقلاً وراء التأمين التعاوني(2) بالشرط المذكور، وإن أسهب الكلام فيه.

1 . الفقه الإسلامي وأدلته: 4 / 444 ـ 445، ط . دار الفكر .
2 . وقد مرّ الكلام فيه فلاحظ.

244
وقد أتحفنا المؤلف ـ زيد عزه ـ بكتابه هذا وهو أحد مصادرنا في نقل آراء وأقوال فقهاء السنة في مجال التأمين.
هذه آراء سبعة من فقهاء السنّة، وقد استمرت دراستهم للمسألة بعدها في المؤتمرات فالأكثر على التحريم والأقل على التحليل، أو التفريق بين التأمين التجاري فيحرم والتحريم التعاوني، فيجوز:
وأمّا علماء الشيعة فسنذكر منهم ما يلي:
8. السيد الفقيه الطباطبائي اليزدي (1247 ـ 1337 هـ) فهو أوّل من تعرض للمسألة في مجموعة له حول المسائل الفقهية الّتي أُلّفت بصورة السؤال والجواب.
فجاء في سؤال برقم 312: هكذا أُناس يمضون إلى الهند ويشترون أجناساً وبها أُناس يضمنون لهم سلامة أموالهم إلى أوطانهم بأُجرة معلومة مثلاً من المائة لهم اثنان أو ثلاثة، فإن أصاب أموالهم تلف يُسلّمون لهم قيمة الأموال، هل يجوز هذا العمل؟
وهل فيه ترك الاتّكال على الله، والاعتماد على المخلوق لحفظ المال؟ أفدنا ممّا علمك الله ولك الأجر، والعمل المذكور باصطلاحهم يسمّونه «بيمه» .(1)
فأجاب: المعاملة المذكورة ليست شرعية وإذا أُريد تطبيقها على

1 . سؤال وجواب: 188، مسائل البيع. الطبعة الحديثة، وفي الطبعة الأُولى على ما ببالي مكان «بيمه» سوكرة.

245
الوجه الشرعي له أن يصالح ماله لصاحب التأمين بالقيمة المعيّنة، ويشترط عليه أن يكون له خيار الفسخ إذا أعطى له مثلاً مائة درهم إلى زمان معيّن، وحينئذ فإن تلف المال فله القيمة (أخذاً بالضابطة: كلّ بيع قد تلف في زمن الخيار فهو ممّن لا خيار له. وهو المؤمِّن) وإن سلم يُسلّم إليه مائة درهم ويفسخ المعاملة.
ويجوز أن يتصرف في المال الّذي يأخذه من صاحب التأمين ـ على فرض التلف ـ من جهة رضاه بذلك ولو مع فساد المعاملة، كما أنّه أيضاً يعطيه مائة درهم برضاه ولو مع فساد المعاملة في صورة السلامة.
هذا ولو كان صاحب التأمين من الكفّار الحربيين فالأمر سهل، لأنّ ماله فيء للمسلمين ولو كانت المعاملة فاسدة .
هذا وما ذكره من الوجوه الثلاثة لا بأس بها لو أُريد تصحيح التأمين ولو على غير النحو الرائج، ولكن السائد بين الناس غير ما ذكره .
أمّا الوجه الأوّل: بداهة أنّ صاحب المال لا يبيع ماله بشرط الخيار في مقابل القيمة الواقعية للمتاع. كما أنّه لا يعطي مائة درهم بعنوان الفسخ للمعاملة إذا وصل المتاع إلى صاحبه سالماً.
وأمّا الوجه الثاني: وهو رضاية الطرفين بالتصرف في المال مطلقاً، سواء أكانت المعاملة صحيحة أم فاسدة، فلو صحّ ما ذكره يلزم تأسيس فقه جديد، يلزم تصحيح كلّ تصرف في العوضين إذا كانت المعاملة باطلة إذا رضى كلّ بالتصرف فيما دفعه مطلقاً، سواء أكانت المعاملة شرعية أم لا.

246
وأمّا الوجه الثالث: فلا بأس به فيما إذا كانت شركة التأمين متعلّقة للكافر الحربي، وأين هذا من شركات التأمين الموجودة في البلاد الإسلامية .
أضف إلى ما ذكر: أنّ كون تلف المال من المؤمِّن تمسّكاً بقولهم: «التلف في زمن الخيار ممّن لا خيار له» غير تام، لأنّ القاعدة مختصّة بما إذا كان المبيع حيواناً، لا مطلقاً، سواء أكان الخيار للمشتري فتكون نفس قاعدة أُخرى: صاحب الحيوان بالخيار ثلاثة أيام، أم للبائع كما إذا كان الحيوان ثمناً وكان له الخيار في العقد، وليست للقاعدة سعة لعامة الموارد، وقد حقّقنا المسألة في رسالة خاصة.
9. الفقيه المحقّق الأُستاذ الشيخ حسين الحلّي (1)، فقد ألقى محاضرات علمية (عام 1383 هـ) حول التأمين وقررها تلميذه الجليل الشهيد السيد عز الدين بحر العلوم (قدس سره)ونشرها ضمن بحوث فقهية، وحاصل ما أفاد يأتي في كلمتين:
الأُولى: أنّ المعاملة التأمينية قابلة للاندراج في باب الضمان يجري عليها ما يجري على الضمان من أحكام إلاّ أنّه صدّه عن الإفتاء بذلك شبهة أنّ الضمان لا يكون إلاّ على ما في الذمم وليس منها ضمان الأعيان الخارجية (الأمتعة الّتي تحملها السفن أو الطائرات من مكان إلى آخر).
الثانية: عرضها على القواعد العامة وحاصل ما أفاد هو إمكان اعتبار

1 . وقد حضرنا بحوثه عند إقامتنا في النجف الأشرف عام 1370 هـ ، كان رحمه الله: محقّقاً، مدقّقاً متواضعاً، زاهداً، مجمعاً للفضائل والكمالات .

247
هذه المعاملة عقداً مستقلاً مؤلفاً من إيجاب وقبول، كما هو الحال في باقي المعاملات الإنشائية، فتكون حينئذ مشمولة للعمومات القاضية بالوفاء بالعقد، كقوله تعالى: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)، أو قوله عزوجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاض)(1). على أنّها غير مختصة بالعقود السائدة في عصر الرسالة، بل هو جار في كلّ ما يتعاقد عليه الطرفان مالم يكن فيه خلل ممنوع من قبيل الربا.
ثم قال: ولعلّ هذا الوجه أصحّ الوجوه المتقدمة وأنّها ليست بمعاملة غررية (2) .
10. الأُستاذ الكبير السيد الإمام الخميني (رحمه الله) (1320 ـ 1409 هـ)، فقد طرح مسألة التأمين متصلة مع سائر المسائل المستجدة بعد ما أُطلق سراحه عام 1383 هـ ، فأوّل مسألة ناقشها هي مسألة التأمين فخرج بصحة التأمين وأنّه عقد مستقل، وما هو الرائج ليس صلحاً ولا هبة معوضة بلا شبهة.
وقال: يحتمل أن يكون ضماناً بعوض، والأظهر أنّه مستقل ليس من باب ضمان العهدة، بل من باب الالتزام بجبران الخسارة وإن أمكن الإيقاع بنحو الصلح والهبة المعوضة والضمان المعوض، ويصح على جميع التقادير على الأقوى، وعقد التأمين لازم ليس لأحد الطرفين فسخه إلاّ مع الشرط، ولهما التقايل(3).

1 . النساء: 29 .
2 . بحوث فقهية: 33 و 35 .
3 . تحرير الوسيلة: 2 / 458، المسألة 6 .

248
أقول: إنّ المصطلح في الهبة المعوضّة وجود الهبة من كلا الطرفين، ولكنّ المتحقّق في المقام وجود الهبة من جانب المستأمن في مقابل الضمان من الجانب الآخر، ويكون مرجعه إلى الضمان المعوّض دون أن يكون غيره كما توهمه العبارة.
فعلى أي حال فقد كنت أحضر هذه الدروس اغتناماً للفرصة، لأنّي كنت مطمئنّاً من أنّ النظام الشاهنشاهي المقبور لا يترك السيد الأُستاذ حرّاً لكي يستمر في إلقاء دروسه، ويواصل خطاباته المندّدة بالنظام، ولذلك فاجأه الاعتقال الثاني بعد عدة شهور وأُقصي إلى تركيا عام 1384 هـ .
وقد دون محاضراته في هذه المسألة بعض حضّار دروسه، فشكر الله مساعي الأُستاذ والتلميذ.(1)
غير أنّ الأُستاذ (قدس سره)قد درّس المسألة في منفاه من جديد وأدرج فروعها في كتابه القيّم «تحرير الوسيلة»، ونحن نسير على ضوء هذا الكتاب عند البحث عن الفروع.
11. الفقيه المعاصر الراحل السيد محمد الشيرازي (1347 ـ 1424 هـ) فقد ناقش المسألة في موسوعته الفقهية (2) وخرج بالنتيجة التالية: أنّ التأمين معاملة عقلائية، تشملها أدلّة العقود، وهو أن يؤمِّن الإنسان نفسه، أو نفس إنسان آخر، أو بضاعته في مقابل عطاء، سواء كان تأميناً عن العطب،

1 . قد نشرت محاضراته حول عقد التأمين في مجلّة فقه أهل البيت، العدد الأوّل من السنة الأُولى عام 1416 هـ بقلم المحقّق: محمدي الجيلاني.
2 . الفقه: الجزء 108 حول كتاب الاقتصاد.

249
أو عن المرض والآفة، وسواء كان شاملاً أو لا؟ كأن يؤمن سيارته عن كلّ حادث، سواء كان عطبها بسبب السائق نفسه المالك للسيارة، أو بسبب اصطدام إنسان آخر بها، أو بسبب العوارض الطبيعية كخرابها بواسطة الحر والمطر والبرد، أو بسبب سرقة السارق لبعض أجزائها أو لكلها أو بسبب حيوان كأكل الأرضة لأخشابها، إلى غير ذلك.(1)
ثم إنّه (قدس سره)أكد على دخول التأمين تحت العمومات وقال: إنّ عدم وجود العقد في زمن الشارع لا يلازم عدم صحّته بعد شمول العمومات والإطلاقات له، فحال العقد حال المأكول والملبوس والمركوب وغيرها ممّا لم تكن في زمن الشارع، ومع ذلك تشملها الأدلة حلاًّ أو حرمة، مثلاً الطائرة لم تكن في زمن الشارع ومع ذلك يشملها دليل (كلّ شيء مطلق)، والهيروئين لم يكن في زمن الشارع ومع ذلك يشمله دليل (لا ضرر)، إلى غير ذلك من الأمثلة والأدلّة .(2)
12. الفقيه المعاصر السيد عبدالكريم الأردبيلي (المولود 1345 هـ) دام ظله، فقد ناقش المسألة في كتابه القيّم «فقه الشركة على نهج الفقه والقانون» وقد ذيّله بكتاب التأمين وشرح مسائله على ضوء كتاب تحرير الوسيلة للسيد الإمام (رحمه الله) حيث احتمل في بدء البحث أن يكون التأمين على نحو الهبة المعوضة بأن يقول المستأمن: وهبت كذا مقداراً من مالي شهرياً للشركة على أن تتحمّل الشركة كذا مقداراً من المال خسارة لمدة عشر

1 . الفقه: 108 / 126، قسم الاقتصاد.
2 . نفس المصدر: 127 .

250
سنوات، مثلاً لو حدث حادث بمالي أو نفسي .
فتقول الشركة: قبلت بهذه الهبة وعندئذ تتحمل وتلزم نفسها بما اشترطه الواهب من تحمل الخسارة عند حدوثها، فتكون الهبة من طالب التأمين إيجاباً منه، وموافقة الشركة تقريراً على نفسها قبولاً منها.
كما احتمل أن يكون على وجه الصلح، بأن يتصالح الطرفان على أن يتحمّل أحدهما ـ وهو هنا الشركة ـ الخسارة الّتي ترد على الطرف الآخر، بشرط أن يدفع الطرف الآخر له مقداراً معيّناً من المال.
ثم إنّه ـ دام ظله ـ ردّ كلا الوجهين وقال: الحق أنّ كلاً من الاحتمالين أجنبي بالمرّة، ولا يقصد طالب التأمين بذل ماله إلى الشركة، بشرط تعهدها تحمل الخسارة. والحال أنّ مفهوم البذل داخلٌ في معنى الهبة، ومقوّم لها، كما أنّ التسليم مقوّم لمعنى الصلح، وليس من قصد المستأمنين ـ أي واحد منهما ـ ، كما هو واضح .(1)
13. الفقيه المعاصر السيد محمد صادق الحسيني الروحاني (دام ظلّه) فقد خرج في بحثه بالنتيجة التالية: أنّ عملية التأمين تنطبق على ضمان الأعيان غير المضمونة، غاية الأمر ليست ضماناً مجانياً، بل بعوض معيّن يشترط على المؤمن له أن يدفعه دفعة أو أقساطاً.
ثم ذكر وجهاً ثانياً لتصحيح التأمين وقال: وإن أبيت عمّا ذكرناه ولم يثبت لك مشروعية الضمان على غير ما في الذمم يمكن تطبيق عملية

1 . فقه الشركة على نهج الفقه والقانون، كتاب التأمين: 218 .

251
التأمين على الهبة المعوضة بأن يهب المؤمَّن له في كلّ سنة أو شهر أو دفعة مبلغاً للمؤمِّن ويملكه مجاناً ويشترط عليه أن يملكه مبلغاً يعادل قيمة المؤمّن عليه إن حدث حادث بالمال أو كذا مقداراً من المال لو حل به موت أو تلف عضو من أعضائه يدفعه لأُسرته، وهذا شرط سائغ لا مانع منه.
فيكون من مصاديق الهبة المعوضة .
ثم ذكر وجهاً ثالثاً وهو أنّه يمكن أن يكون من مقولة الصلح فإنّ حقيقة الصلح هي التراضي والتسالم، وفي المقام يتسالم المؤمِّن والمؤمَّن له على أن يدفع المؤمَّن له مبلغاً أقساطاً أو دفعة ويتحمل المؤمِّن الخسارة الّتي تحل للمؤمَّن له، أو يدفع مقداراً من المال لو تلف بعض أعضائه أو حلّ به الموت، لأسرته.
ثم احتمل احتمالاً رابعاً وهو أنّه عقد مستقل .(1)
ولا يخفى أنّ الوجه الواضح هو الوجه الأخير أي دراسة المسألة على أنّها أمر مستقل بشرط أن تتجرّد من الأُمور المحرمة كالقمار والرهان والربا، والجهالة والغرر.
وأمّا الوجوه الثلاثة الأُولى فكلّها لا تخلو من إشكال:
أمّا الضمان فلو صحّ في الأعيان الخارجيّة فإنّما يتم في الأمتعة الّتي تحملها السفن والطائرات، ولكن مجال التأمين أوسع من ذلك، نظير

1 . المسائل المستحدثة: 69 ـ 70، ط 1384 هـ .

252
التأمين الصحي للموظفين والعمال فليس هناك شيء خارجي تتضمّنه شركة التأمين، وإنّما هو تعهّد منه على أنّه لو مرض المؤمِّن أو أُجريت له عملية جراحية فهي تقوم بدفع تكاليف العملية والعلاج .
ومثله التأمين على التقاعد حيث يؤخذ من رواتب الموظفين والعمال شيءٌ لأجل التقاعد، فإذا حان وقته تقوم الدولة بدفع رواتب التقاعد لهم.
وأمّا الهبة المعوضة فلا تخلو من إشكالين:
الأوّل: أنّ مرجع الهبة المعوضة في المقام إلى الضمان المعوّض لا غير وليس مقابلاً له كما مر.
الثاني: عدم صدق الهبة حتّى من جانب المستأمن، وذلك لأنّ المتبادر منها كون الداعي للإعطاء هوكرامة الواهب وسماحته حيث يخصّ شيئاً من ماله للموهوب له تكريماً له، ولكنّ الداعي في المقام هو تضمين المؤمن ماله إذا هلك، فأين الإعطاء بداعي الكرامة والسماحة يا ترى؟!
وأمّا الصلح فالظاهر أنّ الصلح يختصّ بما إذا وجد تخاصم بين الطرفين ونزاع في مال أو دين أو غير ذلك فسيتصالحان بشيء، وأمّا التصالح الابتدائي من دون نزاع فهو أوّل الكلام، قال سبحانه: (فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ)(1). فالظاهر منه هو دفع التخاصم بالتصالح نظراً إلى أنّ الطرفين اخوان.

1 . الحجرات: 10 .

253
14. العلاّمة الحجة السيد محسن الخرازي ـ حفظه الله ـ ، أحد الأساتذة في جامعة قم. فله مقال حول التأمين، نشر في مجلة «فقه أهل البيت(عليهم السلام)» في العدد السابع عشر من السنة الخامسة، عام 1412 هـ .
هذه أقوال مشاهير فقهاء الإسلام من السنّة والشيعة في هذه المسألة المستجدّة، أوردناها على وجه التفصيل ليقف القارئ على مواقفهم في المسألة ووجه جزمهم بالتحريم أو بالتحليل، وسندرس المسألة على ضوء الأدلة الشرعية.
***

5

ما هو الدليل على مشروعية التأمين؟

قد وقفت على البحوث العلمية حول مسألة التأمين من قبل فقهاء الإسلام، كما تعرّفت على آرائهم وأدلّتهم، فهم بين ناف للحلّية، ومثبت لها، ومفصّل بين التأمين التجاري فلا يحلّ، والتأمين التعاوني فيحلّ .
وقد مرّ أنّ غير واحد من القائلين بالحليّة حاول أن يضفي عليه صبغة الشرعية بإدخاله تحت عنوان المضاربة أو الهبة المعوضة أو الصلح، إلاّ أنّ هذه المحاولة ـ مع التقدير لها ـ غير ناجعة، لعدم انطباقها على الوضع السائد الآن على التأمين بين الناس .

254
والّذي يمكن أن يحل عقدة المشكلة هو دراسة نظريتين :
الأُولى: أنّ التأمين عقد مستقل عقلائي تشمله عمومات الكتاب والسنّة في مورد العقود.
الثانية: انّ التأمين العقدي من تلك المقولة.
لكن النظرية الأُولى أوسع وأشمل لعامة أقسام التأمين، وأمّا النظرية الثانية فهي مختصّة بتأمين الأموال أو الأضرار، وعلى كلّ تقدير فنحن ندرس كلاًّ من النظرتين على وجه يناسب هذه الرسالة.
   

النظرية الأُولى: التأمين عقد مستقل داخل تحت عموم الوفاء بالعقود

وحاصل هذه النظرية: أنّ التأمين عقد من العقود داخل تحت ما دلّ على وجوب الوفاء بها ويمكن تقريبه بوجوه خمسة:
الأوّل: لاشكّ أنّ الحضارة الحديثة أنشأت عقوداً جديدة لم يكن لها أثر في عصر نزول الآيات وصدور الروايات الإمضائية للعقود والعهود، فهل تختص الإطلاقات بالمعاملات المتداولة في عصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وتبقى كلّ معاملة حديثة تحت المنع، أو أنّها إطلاقات إمضائية لعنواني العقد والبيع، فتعمّ المعاملات القديمة والجديدة.
فإن قلت: إنّ قوله سبحانه: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) ناظر إلى استغراق الأنواع الموجودة في عهد الرسالة ومنصرف عن النوع المستجد بعدها.
قلت: أوّلاً: ظاهر الآية أنّ اللام لاستغراق الأفراد لا الأنواع، ومن المعلوم أنّ وجوب الوفاء لا يختصّ بالأفراد الموجودين في عهد الرسالة،

255
بل يعمّ الأفراد الّتي تأتي بعده، وعندئذ لا يكون هناك أي فرق بين فرد لنوع موجود في عصرها وفرد لنوع وجد بعده.
وعلى ذلك فعامة أفراد التأمين داخلة في الآية.
وثانياً: نفترض أنّ الآية ناظرة إلى استغراق الأنواع، فبأي دليل يُقال بانصراف الآية إلى الأنواع السائدة في عهد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)لا الأنواع المستجدة.
الثاني: أنّ تعليق الحكم بالوصف مشعر بالعلّية، فإذا قال: أكرم العالم، يفهم منه أنّ علّة الحكم هي «العلم» فهكذا المقام، فإذا قال: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)يفهم منه أنّ السبب لإيجاب الوفاء هو كون الشيء عقداً وعهداً صادراً من متكلم عاقل حكيم، فيكون عقده بما هو هو محترماً من غير نظر إلى كون مفاد العقد بيعاً أو جعالة أو إجارة، أو غير ذلك.
وبعبارة أُخرى: أنّ نقض العهد ورفض الالتزام على خلاف كرامة الإنسان، وعلى هذا فلا فرق بين عهد رائج في عصر الرسالة وماليس كذلك، فإنّ الملاك الملِزم لوجوب الوفاء هو التعهد والالتزام.
إنّه سبحانه وتعالى علّل حرمة استرجاع ما أعطاه الزوج للزوجة من المهر، إذا كرهها وأراد طلاقها، بقوله: (وَ كَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَ قَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْض وَ أَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا)(1) .
أي كيف تأخذون ذلك منهن، مع إفضاء بعضكم لبعض (كناية عن

1 . النساء: 21 .

256
الوقاع) أوّلاً، ووجود الميثاق الغليظ بينكم ثانياً، ولعلَّ الغليظ تأكيد للميثاق، لأنّ طبعه هو كونه غليظاً وشديداً.
وكون التعليل وارد في مورد النكاح لا يضرّ بالمقصود، وهو عمومية التعليل، وأنّ الميثاق ممّا يجب أن يحترم ولا ينقض من غير فرق بين مقام دون مقام.
فالمعاملات المستحدثة إذا لم تكن منهياً عنها، لا موضوعاً ولا شرطاً، فهي مواثيق بين المتعاملين، يجب الوفاء بها.
هذا وقد سبقنا إلى هذه الفكرة عالمان جليلان أحدهما من الشيعة والآخر من السنّة .
أمّا الأوّل: فهو الفقيه السيد عبد الفتاح المراغي (المتوفّى 1250 هـ) إذ قال في هذا الصدد: ولا يبعد منع الانصراف إلى المتعارف نظراً إلى العموم الاستغراقي، فهو مفيد لعموم الأفراد ـ لا الأنواع ـ على مقتضى الوضع والعرف وحمله على استغراق الأنواع ممّا لا شاهد له ـ إلى أن قال: ـ ولم أجد وجهاً في إخراج الأنواع النادرة دون الأفراد النادرة من الأنواع الشائعة.(1)

عموم الموصول للحكم والموضوع

وقد بنى المحقّق النائيني، شمول العمومات بالمعاملات المستحدثة،

1 . العناوين: 2 / 15 ـ 16 .

257
على كون اللام للعهد أو للاستفراق ورجحّ الثاني قائلاً بان الأوّل خلاف الظاهر لاسيّما في مثل هذه الاحكام .
وقال أيضاً لو لم يكن السبب متعارفاً في زمان الشارع وصار متعارفاً بعده كالأمر بالقاء المتاع في البحر وتعهداً لأمر الضمان ونحو ذلك من استيفاء مال أو عمل، بأمر ماليّ معامليّ لجاز التمسك بصحته بعموم اوفوا بالعقود.
وقال أيضاً إذا لم يكن السبب متعارفاً في زمان الشارع كبعض اللغات المستحدثة، وصار ايجاد المسببات متعارفا بها وصدق عليها عنوان المعاملة، أو إذا لم يكن المسبب متعارفاً في زمانه، وصار متعارفاً في عصر فيتمسك باطلاق أدّلة العناوين لصحتهما، ولا وجه لدعوى الاختصاص ولا الانصراف.
وعلى ضوء هذا ذهب الفقيه المغفور له الشيخ محمد جواد مغنية إلى اندراج المعاملات الحديثة تحت العمومات حيث قال: ان المعاملات والمعاوضات الّتي تستدعيها الحياة الاجتماعية لا تدخل في عدّ ولا حصر وهي تتسع وتزداد كلمات تقدّمت الحياة وتطورت، وكل معاملة عرفية قديمة أو حديثة يجب تنفيذها على حسب ما يقصده المتعاملان ما دامت لاتتنافي مع مبادئ الشريعة الغرّاء .(1)
ويظهر الميل إلى الشمول من المحقّق الخوئي (2). (2)

1 . منية الطالب: 1 / 238 ـ 239.   2 . لاحظ مصباح الفقاهة: 2 / 168 .
2 . فقه الإمام الصادق (عليه السلام): 3 / 14 .

258
وأمّا الثاني: فهو الفقيه السوري مصطفى أحمد الزرقا، إذ قال: والشرع الإسلامي لم يحصُر التعاقد في موضوعات معيّنة يمنع تجاوزها إلى موضوعات أُخرى، وليس في نصوص الشريعة ما يوجب تحديد أنواع العقود أو تقييد موضوعاتها، إلاّ بأن تكون غير منافية لما قرره الشرع من القواعد والشروط العامّة، والمبدأ العام في هذا الشأن قول القرآن الكريم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)(1).(2)
وعلى ضوء ما ذكرنا فكل عقد عقلائي يقع بين شخصين يجب عليهما الوفاء به بشرط أن لا يكون مشتملاً على ما حرّمه الله، كما في العقد الربوي والغرري، ولم يكن في العرف معدوداً من أكل المال بالباطل، وبالجملة إذا شملته أدلة الحلّية في المعاملات ولم يكن ممّا حرّمه الله فهو ممّا يجب الوفاء به.
والفقيه إذا أمعن النظر في أنّ الأدلة المحلّلة تعتمد على عنوان العقد الّذي هو شيء مشدّد لا ينتقض، وعلى التجارة من تراض، أو على عنوان الصلح بين المسلمين، في قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الصلح جائز بين المسلمين، إلاّ ما حرّم حلالاً أو حلل حراماً»، يذعن بأنّ الميزان ليس هو العنوان التالد أو الحادث، بل الموضوع انطباق هذه العناوين على المورد، سواء أكان له مصداق في عهد الرسالة أو لا.
الثالث: إنّ الاقتصار على المواضيع السائدة والمعروفة في عصر

1 . المائدة: 1 .
2 . المدخل الفقهي العام: 1 / 571 .

259
الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)ينافي روح الرسالة الخاتمة وشموليتها لعامة الأعصار إلى يوم القيامة، إذ كما أنّ المعاملات الموجودة في عصره (صلى الله عليه وآله وسلم)لم تكن وليدة يوم وإنّما حدثت وظهرت في المجتمع عبْر قرون وستستمر تلك الحالة حسب تجدد الحاجات بتطور الحياة، فلا يكون للمجتمع بدّ من علاج المشاكل وتلبية المتطلبات بإحداث معاملات واتفاقيات تلبّي حاجاته الّتي هي من لوازم تطور الحياة.
وعندئذ، فإيقاف حكم التحليل بالمتواجد في عصر الرسالة، لا ينسجم مع خاتميتها وكونها ملبية لحاجات المجتمع البشري إلى يوم القيامة.
وعلى هذا فتخصيص حكم العقود والمعاملات بما هو السائد في عصر الرسالة، يعرقل عجلة الحياة السليمة الّتي هي وليدة فطرة الإنسان الطالبة للتطور والتجديد .
ولسيدنا الأُستاذ (قدس سره)هنا كلام متين ذكره عند دراسته لعقد التأمين، قال: إنّ دعوى قصر العمومات على العهود المتداولة في زمن الوحي والتشريع خلاف المفهوم منها وتضييق لدائرتها، حيث إنّ تلك القضايا العامّة تأبى عن مثل هذا الجمود والتحجّر المخالف للشريعة السمحة السهلة، ولا أظن أنّه يختلج ببال أحد من العرف ـ العارف باللسان، العاري الذهن عن الوساوس ـ أنّ قوله تعالى: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) الوارد في مقام التقنين المستمر إلى يوم القيامة، منحصر في العهود المعمول بها في ذلك الزمان، فإنّ مثل

260
هذا الجمود مستلزم للخروج عن دائرة الفقه، بل عن ربقة الدين، نعوذ بالله من ذلك.
لعمرك إنّ هذا الجمود ليس بأقل من جمود بعض المذاهب الإسلامية على كثير من الظواهر، الّذي هو أبرد من الزمهرير .(1)
الرابع: قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاض منكم)(2) .
وجه الاستدلال: أنّ الباء في قوله «بالباطل» للسببية: أي لا تأكلوا أموالكم بالأسباب الباطلة كالسرقة والقمار والرشوة.
فيكون الاستثناء ناظراً إلى السبب غير الباطل، وهو كون التجارة ناشئة عن تراضي المتعاقدين من غير فرق بين كون الاستثناء منقطعاً ـ كما هو الظاهر ـ أو غير منقطع، وهو خلاف الظاهر.
وما ربّما يقال من أنّ الاستثناء المنقطع خلاف البلاغة، مدفوع بوروده في الذكر الحكيم، قال سبحانه: (لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلاَ تَأْثِيمًا * إِلاَّ قِيلاً سَلاَمًا سَلاَمًا)(2) .
وقال سبحانه: (فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ)(4) .
وعلى كلّ تقدير فالآية تدل على حلّية التجارة عن تراض وهو

1 . فقه أهل البيت: العدد الأوّل ص 8 .         2 . النساء: 29 .
2 . الواقعة: 25 ـ 26.                      4 . الحجر: 30 ـ 31 .

261
متحقّق في عقد التأمين، وسيوافيك أنّ التراضي إنّما يفيد في الملكية إذا كان مجرداً عن المحرمات.
الخامس: قد تضافر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وأهل بيته(عليهم السلام)أنّ المسلمون عند شروطهم إلاّ كلّ شرط خالف كتاب الله عز وجل فلا يجوز .(1)
والاستدلال به رهن شموله للالتزامات الابتدائية، كما هو الحال في المقام.
ولكن المشهور أنّ الشرط عبارة عن الالتزام في التزام، ولا يطلق على الالتزام الابتدائي بنحو الحقيقة، فإذا التزم بإتيان شيء لا يقال: شرط إتيانه، أو شرط عليه ذلك.
ومع ذلك يمكن الاستدلال بإلغاء الخصوصية وتسرية الحكم إلى الالتزام الابتدائي، وإلى ذلك مال سيدنا الأُستاذ في «البيع» حيث قال: نعم لا يبعد إلغاء الخصوصية عرفاً من الشروط الضمنية إلى الابتدائية، بل إلى مطلق القرار والجعل بمناسبة الحكم والموضوع، بأن يقال: إنّ العرف يفهمون من قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «المؤمنون عند شروطهم» أنّ ما يكون المؤمن ملزماً به هو جعله وقراره من غير دخالة عنوان الشرط فيه، فالضمنية والابتدائية، والشرط وسائر عهوده على السواء في ذلك، تأمل .(2)
بهذه الوجوه الخمسة يستطيع الفقيه أن يحكم بكون التأمين عقداً مستقلاً له من الأحكام ما لسائر العقود من البيع والإجارة والنكاح وغيرها.

1 . الوسائل: 12، الباب 6 من أبواب الخيار، الحديث 1، ولاحظ سائر روايات الباب .
2 . كتاب البيع: 1 / 87 ـ 93 .

262
   
النظرية الثانية: عقد التأمين: عقد ضمان
لاشكّ أنّ الضمان عقد بين الضامن والمضمون له.
قال المحقّق: وهو عقد شُرّع للتعهد بمال أو نفس. (1) إنّما الكلام في مفاده في ضمان الأموال فهل هو بمعنى نقل الحق من ذمّة المضمون عنه إلى ذمّة الضامن، أو من مقولة ضم ذمّة إلى ذمّة، فعلى الأوّل تبرأ ذمّة المضمون عنه بضمان الضامن، وعلى الثاني تبقى ذمّته مشغولة مالم تفرغ ذمّة المضمون عنه بدفع المضمون به، فالأصحاب على الأوّل وفقهاء السنة على الثاني .
يقول المحقّق: ومع تحقّق الضمان ينتقل المال إلى ذمّة الضامن ويبرأ المضمون عنه، وتسقط المطالبة عنه ] حتّى [ ولو أبرأ المضمونُ له المضمونَ عنه، لم يبرأ الضامن على قول مشهور لنا. (2) وما ذلك إلاّ لأنّ نتيجة الضمان هي نقل ما في ذمّة إلى ذمّة، لا الجمع بين الذمّتين.
وأمّا الآخرون فالضمان عندهم من مقولة ضم الذمم، وقد جعل الشهيد الثاني (رحمه الله) مبنى الخلاف في اشتقاق كلمة «الضمان» وقال: واعلم أنّ الضمان عندنا مشتقّ من «الضمن»، لأنّه يجعل ما كان في ذمّته من المال في ضمن ذمّة أُخرى، أو لأنّ ذمّة الضامن تتضمن الحق، فالنون فيه أصلية، بناءً

1 . شرائع الإسلام: 2 / 107 .
2 . شرائع الإسلام: 2 / 108 .

263
على أنّه ينقل المال من الذمّة إلى الذمّة. وعند أكثر العامّة أنّه غير ناقل، وإنّما يفيد اشتراك الذمّتين، فاشتقاقه من الضمِّ، والنون فيه زائدة، لأنّه ضم ذمّة إلى ذمّة فيتخيّر المضمون له في المطالبة. (1)
***
إذا عرفت الاختلاف البارز في تفسير الضمان بين فقهاء الشيعة والسنّة، فاعلم أنّ إدخال عقد التأمين تحت «قاعدة الضمان» على مذهب أصحابنا يتوقّف على القول بأنّ للضمان معنى وسيعاً جامعاً للفردين أو أنّ له معنيين مختلفين ولكل معنى مورد خاص:
الأوّل: نقل ما في ذمّة إلى ذمّة أُخرى، وهذا يختّص بباب الديون حيث ينتقل ما في ذمّة المضمون عنه إلى ذمّة الضامن.
الثاني: التعهّد وقبول المسؤولية، في مقابل المضمون له من دون أن يكون هناك نقل ما في ذمّة إلى ذمّة أُخرى، وهذا كما في مورد الأعيان المضمونة بالاستيلاء عليها لقوله (عليه السلام): «على اليد ما أخذت حتّى تؤدي»، أو غير المضمونة كضمان العين المستعارة إذا كانت ذهباً أو فضة.
فليس ضمان الغاصب أو المستعير كونَ العين الخارجية في ذمّتهما، لأنّ الذمّة ظرف الكلّيات كالديون لا الأعيان الخارجية، بل بمعنى المسؤولية وأنّهما مسؤولان عن العين، فلو ثبت أنّ للضمان معنى وسيعاً

1 . مسالك الأفهام: 4 / 171، كتاب الضمان. ولاحظ: التنبيه في الفقه الشافعي: 106 ; تحفة الفقهاء: 3 / 238 ; المغني لابن قدامة: 5 / 70 و 73 .

264
شامل للفردين، أو أنّ له معنيين مختلفين فلا مانع من إدخال عقد التأمين تحت الضمان بالمعنى الثاني.
ومن حسن الحظ ثبوت هذا المعنى في الموردين التاليين:

الأوّل: ضمان الأعيان المضمونة

إنّ الأصحاب لمّا خصّوا الضمان بانتقال ما في الذمّة فقد تكلّموا في ضمان الأعيان المغصوبة، قال المحقّق: وفي ضمان الأعيان المضمونة، كالغصب والمقبوضة بالبيع الفاسد، تردد، والأشبه الجواز.(1)
ولكنّ الظاهر من صاحب الجواهر عدم الجواز حيث قال: إنّ عموم (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) إنّما يقتضي وجوب الوفاء بكلّ عقد على حسب مقتضاه، وقد عرفت أنّ الضمان عندنا من النواقل، وأنّ شرطه ثبوت المال في الذمّة، والأعيان المضمونة إنّما يجب ردّها]تكليفاً[، وهو ليس بمال في الذمّة، والغاصب مثلاً مخاطب به إجماعاً .(2)
ولكنّ الحق ما يظهر من المحقّق، وذلك لأنّ المنع مبني على أن يكون للضمان مصداقاً أو معنى واحداً وهو ضمان ما في الذمّة وهوغير صادق في الغاصب والمستعير.
ضمان الأعيان المضمونة والأعيان الشخصية غير المضمونة   
وأمّا لو قلنا بأنّ له مصداقاً أو معنى آخر وهو قبول المسؤولية أمام

1 . شرائع الإسلام: 2 / 109، في الحق المضمون، كتاب الضمان. وقوله: «الأشبه الجواز» ظاهر في ضمان الشخص الثالث عن الغاصب والقابض بالعقد الفاسد.
2 . جواهر الكلام: 26 / 140 ـ 141 .

265
المضمون له، فيكون المقام من مصاديق الضمان بهذا المعنى. ويؤيد ما ذكر صحة الكفالة فإنّها من مقولة الضمان .
ولذلك ذهب غير واحد من الأصحاب إلى صحّة ضمان العين الخارجية المضمونة، ونقله في الجواهر عن العلاّمة في تحريره وإرشاده ومحكي المبسوط.(1)
ولذلك قال المحقّق في تعريف الضمان: «وهو عقد شُرّع للتعهد بمال أو نفس»، والكفالة داخلة تحت قوله: «أو نفس» مع أنّ المكفول عنه شخص خارجي ليس في الذمّة، ومع ذلك يصح عقد الضمان بين الكفيل والمكفول له.
وقال أيضاً: للمكفول له مطالبة الكفيل بالمكفول عنه، عاجلاً إن كانت مطلقة، أو معجلة، وبعد الأجل إن كانت مؤجّلة، فإن سلّمه تسليماً تامّاً فقد برأ، وإن امتنع كان له حبسه حتّى يحضره أو يؤدي ما عليه .(2)
فأي فرق بين العين الخارجية المضمونة والشخص المكفول عنه. فليس من النقل فيهما عين ولا أثر.

الثاني: ضمان الأعيان الشخصية غير المضمونة

المقصود من الأعيان الشخصية غير المضمونة هي الأعيان الخارجية من دون أن تكون مغصوبة أو مقبوضة بالعقد الفاسد، فهل يصح لشخص

1 . جواهر الكلام: 26 / 130 .
2 . شرائع الإسلام: 2 / 115 .

266
أن يضمنها، كما إذا قال: الق متاعك في البحر وأنا ضامن، أو يضمن المستعير العارية ونظائرهما؟ الظاهر صحة ذلك بمعنى قبول المسؤولية .
يقول المحقق الخوئي: قد يكون معنى الضمان هو التعهد بالمال وكون مسؤوليته عليه من دون انتقاله ـ بالفعل ـ إلى ذمّته، كما هو الحال في موارد ضمان العارية مع الشرط أو كون العين المستعارة ذهباً أو فضة، فإنّ ضمانها ليس بالمعنى المصطلح جزماً، إذ لا ينتقل شيء بالعارية إلى ذمّة المستعير، فإنّ العين لا تقبل الانتقال إلى الذمّة وهو غير مشغول الذمّة ببدلها قبل تلفها، فليس ضمانها إلاّ بمعنى كون مسؤوليتها في عهدته بحيث يكون هو المتعهّد بردها ولو مثلاً أو قيمة عند تلفها. ونتيجة ذلك إلزام المستعير بردّها عيناً أو مثلاً أو قيمة.(1)
فلو صحّ الضمان الإنشائي الابتدائي بهذا النحو يمكن إدراج التأمين في هذا النوع من الضمان، والموجب على النحو الأوّل هو الضامن والقابل صاحب المال، وعلى الثاني العكس، والمضمون هو العين الخارجية.
فلو صحّ هذا النوع من الضمان فتكون مساحة الضمان أوسع فتعمّ الأُمور الثلاثة:
1. ضمان الديون في الذمم. المشتمل على النقل من ذمّة إلى أُخرى.
2. ضمان الأعيان المضمونة كالعين المغصوبة. والمقبوض بالعقد الفاسد بمعنى كون الشخص مسؤولاً عن العين يردها أو ردّ عوضها عند

1 . مباني العروة الوثقى: 114 ـ 115، كتاب المساقاة.

267
التلف من مثل أو قيمة. ويصح لشخص ثالث الضمان عن الغاصب والقابض بالعقد الفاسد.
3. ضمان الأعيان غير المضمونة ابتداءً بالإنشاء، كضمان المستعير.
وقد كان هذا النحو من الضمان (القسم الثالث) موجوداً بين أصحاب المحلات التجارية وحُرّاس السوق، فكلّ صاحب محلّ يعقد ضماناً مع الحارس على أن يضمن له ماله إلى سنة أو أكثر بشرط أن يدفع إليه كلّ شهر كذا مبلغ من المال.
وليكن التأمين من هذا القبيل ولا إشكال في هذا النوع من الضمان إلاّ ما يظهر من الأصحاب من لزوم ثبوت الاشتغال ، وأمّا المقام فليس هناك أي اشتغال حتّى ينتقل إلى الضامن .
ولذلك نرى أنّ المحقّق يعرّف الضمان في الحق المضمون بقوله: وهو كلّ مال ثابت في الذمّة.(1)
ويقول العلاّمة: يصح ضمان كلّ مال ثابت في الذمّة، وكذا يصح ضمان ماليس بلازم ولكن يؤول إلى اللزوم، كما في الجعالة قبل الفعل، وكذا مال السبق والمناضلة، أمّا لو ضمن العمل في الجعالة والسبق، فإنّه لا يصح قطعاً.(2)
وقال (قدس سره)في المسألة التالية: لا يصح ضمان ماليس بلازم، ولايؤول إلى

1 . شرائع الإسلام: 2 / 109 .
2 . تحرير الأحكام: 2 / 551، المسألة 3915، كتاب الضمان.

268
اللزوم، مثل ضمان الدين قبل تحقّقه، بأن يقول: ضمنتُ عنه ما يستدينه منك، أو ما تعطيه فهو من ضماني، سواء أطلق أو عيّن، مثل ضمنت ما تُعطيه من درهم إلى عشرة.
وهذا هو المسمّى عندهم بضمان ما لا يجب، وقالوا بعدم صحّته، ومع هذا فقد صحّحوا الضمان في موارد يكون المقتضي موجوداً وإن لم تكن العلّة التامّة موجودة، كما في الموارد التالية:

الأوّل: ضمان الدرك، أو ضمان العهدة

اتّفق الفقهاء ـ عدا بعض الشافعية ـ على صحّة ضمان الدرك والعهدة وعرّفوه بقولهم: هو أن يضمن شخص لأحد العاقدين ما بذله للآخر إن خرج مقابله مستحقاً أو معيباً أو ناقصاً، فجوّزه الفقهاء إلاّ بعض الشافعية بتوهّم أنّه ضمان ما لا يجب .(1)
وحاصله: أنّه عندما تم العقد بين البائع والمشتري وحصل التقابض، ولكن المشتري يحتمل أن يكون المبيع مستحقاً للغير فيأخذ ضامناً في مقابل ما دفع من الثمن، وهكذا العكس.
وقال المحقّق (رحمه الله): إذا ضمن عُهدة الثمن، لَزِمه دركه في كلّ موضع يثبت بطلان البيع من رأس... ثم قال: أمّا لو طالب بالأرش، رجع على الضامن، لأنّ استحقاقه ثابت عند العقد، وفيه تردد.
موارد صُحِّح فيها الضمان   
ثم قال أيضاً: إذا خرج المبيع مستحقاً، رجع على الضامن، أمّا لو

1 . المغني: 4 / 596 .

269
خرج بعضه رجع على الضامن بما قابل المستحق، وكان في الباقي بالخيار، فإن فسخ رجع بما قابله على البائع خاصة.(1)
وقال السيد اليزدي: يجوز عندهم بلا خلاف بينهم، ضمان درك الثمن للمشتري، إذا ظهر كون المبيع مستحقاً للغير، أو ظهر بُطلان البيع، لفقد شرط من شروط صحّته، إذا كان ذلك بعد قبض الثمن، كما قيّد به الأكثر، أو مطلقاً، كما أطلق آخر، وهو الأقوى .(2)

الثاني: ضمان مال السبق والرماية

قد عرفت أنّهم اتّفقوا على عدم صحّة ضمان مالم يثبت ولكن استثنوا منه ضمان مال السبق والرماية.
قال المحقّق: وكذا يصح ضمان ماليس بلازم ولكن يؤول إلى اللزوم، كمال الجُعالة قبل فعل ما شُرِط ; وكمال السبق والرماية، على تردد.(3)
وقال في الجواهر: وفاقاً للمحكي عن المبسوط والتحرير والمختلف ومجمع البرهان والتذكرة... إلى أن قال: إذا شرع في العمل، بل لعلّه المراد ممّا عن الخلاف والغنية يصحّ ضمان مال الجعالة إذا فعل ما شُرِط الجعالةُ به بناء على إرادة الكشف من الشرط المزبور بقرينة استدلالهم عليه بقوله تعالى: (وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِير وَ أَنَا بِهِ زَعِيمٌ)(4) .

1 . شرائع الإسلام: 2 / 110، كتاب الضمان.
2 . العروة الوثقى: 2 / 777، أحكام الضمان، المسألة 39 .
3 . الشرائع: 2 / 109 .   4 . يوسف: 72 .

270
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الزعيم غارم» ويرجع الثاني إلى العمومات الّتي هي العمدة .(1)

الثالث: ضمان مال الجعالة

ذهب المحقّق إلى جواز ضمان مال الجعالة وقال: وكذا ماليس بلازم لكن يؤول إلى اللزوم كمال الجعالة قبل فعل ما شُرط.(2) وقد مرّ كلام المحقّق في ذلك.

الرابع: الضمان عند خوف غرق السفينة

قال السيد اليزدي: لو قال عند خوف غرق السفينة: ألق متاعك في البحر وعليّ ضمانه، صحّ بلا خلاف بينهم، بل الظاهر الإجماع عليه، وهو الدليل عندهم; وأمّا إذا لم يكن لخوف الغرق بل لمصلحة أُخرى من خفّة السفينة أو نحوها، فلا يصحّ عندهم، ومقتضى العمومات صحّته أيضاً.(2)
وعلّق السيد الخوئي على هذا الموضع وقال: بل السيرة العقلائية قائمة على الصحّة .

الخامس: ضمان نفقة الزوجة المستقبلة

لاشكّ في جواز ضمان النفقة الماضية للزوجة، وكذا نفقة اليوم الحاضر إذا كانت ممكّنة في صبيحتها حينئذ، وإن لم تكن مستقرة، وأمّا النفقة المستقبلة فلا يجوز ضمانها عندهم، لأنّه من ضمان مالم يجب،

1 . جواهر الكلام: 26 / 137 .   2 . شرائع الإسلام: 2 / 109 .
2 . العروة الوثقى: 2 / 779، أحكام الضمان، المسألة 42 .

271
ولكن لا تبعد صحته لكفاية وجود المقتضي وهو الزوجية.(1)
هذه هي الموارد الّتي استثنيت من ضمان مالم يثبت سببه ولكن الإمعان فيما ذكرناه من المستثنيات يثبت بأنّ الميزان ليس ثبوت الاشتغال بالفعل ولا وجود سببه ومقتضيه، بل الميزان كون الضمان أمراً عقلائياً نافعاً في أُمور العباد ومعاشهم ومعادهم. فإذا كان هناك داع عقلائي للتضمين يطلبه العقلاء من صميم ذاتهم فلا وجه للحكم ببطلانه، إذ لم يدل دليل على ثبوت الاشتغال حتّى يعتمد عليه، ولذلك نرى أنّ السيد اليزدي يقول: ولا دليل على عدم صحّة ضمان مالم يجب من نص أو إجماع، وإن اشتهر في الألسن، بل في جملة من الموارد حكموا بصحّته، وفي جملة منها اختلفوا فيه فلا إجماع .(2)
وقال أيضاً: قد علم من تضاعيف المسائل المتقدّمة الاتفاقية والخلافية أنَّ ما ذكروه في أوّل الفصل من تعريف الضمان وأنّه نقل الحق الثابت من ذمّة إلى أُخرى وأنّه لا يصح في غير الدين ولا في غير الثابت حين الضمان لا وجه له، وأنّه أعمّ من ذلك حسب ما فصّل .(3)
وممّن قال بسعة مساحة الضمان الشيخ المحقّق حسين الحلي (قدس سره)حيث قال: إنّ منطقة الضمان العقدي أوسع من الاقتصاد على فرد دون آخر، فكما يجري في الديون كذلك يجري في الأعيان الخارجية من

1 . العروة الوثقى: 2 / 775، أحكام الضمان، المسألة 35 .
2 . العروة الوثقى: 2 / 777، أحكام الضمان، المسألة 38.
3 . العروة الوثقى: 2 / 779، أحكام الضمان، تتمة.

272
الأموال، والعقارات وغيرها من النفوس مملوكة وغير مملوكة فيمكن للشركة ـ حينئذ ـ أن تضمن هذه الأشياء، لأنّ الضمان ـ كما بيّناه ـ ليس إلاّ التعهد وإدخال الشيء في العهدة، وهو اعتبار يقرّه العقلاء، حيث يدخل الضامن المضمون في عهدته وحيازته .(1)
***
وعلى ضوء ما ذكرنا فلا مانع من إدراج التأمين في كثير من الموارد في الضمان الإنشائي، وليعلم أنّ توسيع عقد الضمان إلى الأعيان المضمونة وغير المضمونة وإن كان يُسبّب دخول عقد التأمين تحت عقد الضمان، لكن لا يصحّ إدخال عامة أقسام عقد التأمين تحته: نظير التأمين الصحّي للموظفين والعمال، فليس هناك عين خارجي حتى يضمنه المؤمّن، ومثله التأمين على التقاعد فلا مناص في تصحيح هذه الأقسام .
فظهر بما ذكرنا أنّه يمكن تصحيح التأمين بعامة أقسامه أو بعضها بالطريقين الماضيين:
الأوّل: كون التأمين عقداً مستقلاً غير خاضع لأحد العقود السائدة.
شبهات القائلين بالتحريم   
الثاني: كونه داخلاً في الضمان الإنشائي، الّذي قد عرفت حاله .
نعم ما ذكرناه من الوجهين إنّما يعتمد عليهما إذا كان التأمين مجرّداً عمّا يوجب البطلان دونما إذا قارنه، وعلى هذا فلابدّ من دراسة الشبهات المثارة حول التأمين حتّى تتّضح الحقيقة بأجلى مظاهرها.

1 . بحوث فقهية: 30 .

273

6

شبهات وإيضاحات

قد عرفت أنّ عقد التأمين يمكن أن يكون عقداً مستقلاً كما أنّه يحتمل أن يكون داخلاً في عقد الضمان الإنشائي، لكن كونه داخلاً تحت أحد الأمرين لا يكفي إلاّ أن يتجرد عمّا يبطله، فقد ناقش المستدلّون على التحريم بأُمور خمسة كلّها تهدف إلى أنّ عقد التأمين مقرون بما يبطله.

1

التأمين والنهي عن بيع الغرر

اتّفق الفقهاء على الرواية التالية وهي أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) نهى عن بيع الغرر، وورد هذا الحديث في مصادرنا ومصادر أهل السنّة.(1)
وقد اختلفت كلمتهم في تفسير الغرر والذي وَصلنا إليه في (كتاب البيع) أنّ المراد منه هو الخطر، وقد مثّلوا لذلك ببيع الطير في الهواء والسمك في الماء.

1 . وسائل الشيعة:12، الباب40 من أبواب آداب التجارة، الحديث3. انظر صحيح مسلم: 3/1153، كتاب البيوع; سنن البيهقي:5/338، إلى غير ذلك من المصادر.

274
التأمين والنهي عن بيع الغرر   
وقد قلنا هناك بأنّ الفعل (غرّ) إذا كان ثلاثياً مجرداً فهو بمعنى (خدع) يقال: غرّ يغرّه غرّاً وغروراً وغرّة أي خدعه وأطمعه بالباطل، وأمّا إذا كان الفعل ثلاثياً مزيداً فيه فهو بمعنى التعريض للهلكة يقال: غرّره بنفسه وماله تغريراً، عرّضهما للهلكة من غير أن يُعرف، والاسم الغرر، والغرر الخطر.(1)
فظهر بما ذكرنا أنّ الغرر ليس بمعنى الجهل ولا بمعنى الخدعة، بل هو بمعنى الخطر الذي يعبر عنه بتعريض المال والنفس للهلكة.
نعم ربما يكون الجهل سبباً لتعريض المال والنفس للهلكة، ولذلك عرّفه الجرجاني بقوله: ما يكون مجهول العاقبة، لا يُدرى أيكون أو لا.(2)
ثمّ إنّ منشأ الغرر لايتحدّد بحدّ خاص، والذي يمكن أن يكون مفيداً في المقام هو الأُمور التالية:
أ. الغرر في الوجود وهو من أشد أنواع الغرر، كما إذا باع الطير في الهواء أو السمك في الماء مع الشك في وجوده.
ب. الغرر في الحصول وهو أشبه ـ أيضاً ـ بالغرر في الوجود، كما إذا أيقن بوجودهما في الهواء والماء ولكن شك في قدرة التسليم.
ج. الغرر في مقدار العوض كالجهالة بقدر الثمن، ولذلك قالوا: إنّ معرفة قدر الثمن شرط في صحة البيع.
د. الغرر في الأجل حيث إنّ العقد الذى يكون فيه الأجل مجهولاً

1 . لسان العرب:15/11، مادة «غرّ».
2 . التعريفات للجرجاني مادة «غرر».

275
باطل، ولذلك يشترطون في الإجارة، الأُجرة المعلومة إلى أجل
معلوم.
وعلى كلّ تقدير فالنهي عن بيع الغرر ليس نهياً تكليفياً، بل إرشاداً إلى الفساد والبطلان. ويدلّ على ذلك ما رواه الكليني عن محمد بن يحيى مرسلاً، عن بعض أصحابه، عن الحسين بن حسن، عن حمّاد، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «يُكره أن يشتري الثوب بدينار غير درهم، لأنّه لا يدري كم الدينار من الدرهم».(1)
والكراهة في الرواية ليست الكراهة المصطلحة، بل إرشاداً إلى عدم صحّة المعاملة. ويدلّ على ذلك ما رواه السكوني عن جعفر، عن أبيه، عن علي(عليهم السلام) عن رجل يشتري السلعة بدينار غير درهم إلى أجل قال: «فاسد. فلعل الدينار يصير بدرهم ».(2)
وفساد المعاملة لأجل كونها غررية، أي تعرض المال للهلكة.
فالقائلون بحرمة التأمين يدّعون وجود الغرر(3) بأقسامه الأربعة فيه. وإليك توضيح مقالهم مع مناقشته بالبيان التالي:

1 . الوسائل:12، الباب23 من أبواب أحكام العقود، الحديث1.
2 . نفس المصدر، الحديث2.
3 . إنّ الاستدلال بحديث النهي عن بيع الغرر على المقام يتم على مبنى صحّة القياس، أي قياس كلّ المعاوضات ـ و إن لم يكن بيعاً ـ وأمّا على القول بالمنع، فالقائل به في فسحة من الإجابة عن الاستدلال لبطلان القياس عنده وعدم صحّة قياس كلّ المعاوضات بالبيع، وأمّا نحن فقد جرينا في المتن على مبنى القوم القائلين بالقياس وناقشنا دليلهم على فرض الصحّة.

276

التأمين والغرر في الوجود والحصول

إنّ مبلغ التأمين الذي هو دين في ذمّة الشركة غير محقّق الوجود، لأنّ وجوده يتوقّف على وجود الخطر المؤمَّن منه، إن وجد وجد، وإن انتفى لم يوجد. ومثله الغرر في الحصول والمراد به هو أنّ محل العقد ـ مع كونه موجوداً ـ يكون على خطر الحصول عليه بحيث لا يدري عند التعاقد، هل يحصل على المقابل الذي بذل فيه العوض أو لا؟ فيكون دخوله على هذا مخاطرة على الحصول مثل بيع السمك في الماء.(1)
يلاحظ عليه: أنّ كلا الوجهين غير صالحين، أمّا الأوّل فهل يصح عقد التأمين غررياً بمجرد أنّ مبلغ التأمين الذي هو دين في ذمة الشركة غير محقّق الوجود، لأنّه مشروط بوجود الخطر المشكوك تحقّقه، إذ لو صار مجرد الشك في الوجود سبباً للغرر يجب أن تكون عامّة المعاملات غير النقدية غررية، لأنّ الثمن ليس موجوداً في يد المشتري. وهو بعدُ في المستقبل مشكوك.
فإن قال بوجود الفرق بين كون الثمن نسيئة والمقام حيث إنّ المشتري يلتزم مطلقاً بدفع الثمن بخلاف عقد التأمين فإنّ الشركة تلتزم بدفع مبلغ التأمين إن وجد الخطر المؤمن منه وإلاّ فلا.
لكن هذا الفرق غير فارق، لأنّ المفروض أنّه إذا وجد الخطر يكون

1 . هذان الوجهان نقلهما الدكتور على محيي الدين القره باغي عن الدكتور حسين حامد عن بحثه بعنوان «حكم الشريعة الإسلامية في عقود التأمين»: ص 66 . ط. دار الاعتصام، 1979 م.

277
المؤمِّن مستعداً لدفع ما تعهد على المؤمَّن له ، وإن لم يوجد الخطر فليس هناك أي التزام من المُؤمِّن بدفع بشيء حتى يكون مصدراً للغرر.
إذ من الواضح أنّ طرفي العقد يتمنّيان أن لا يحصل الخطر، حتى تدفع الشركة ما تعهده، أمّا صاحب الشركة فواضح، لأنّه ينتفع في المقام بتمام الأقساط دون أن يصرف ديناراً; وأمّا صاحب المال فإنّما يتمنّى أن لا يصيبه الخطر، لأنّ في الإصابة بالخطر عقبات إدارية تعوق التاجر عن محله، وعندئذ كيف يُعدّ عدم دفع المبلغ عند انتفاء الخطر سبباً للغرر.
ومنه يظهر حال الوجه الثاني ـ أي الغرر في الحصول ـ حيث قال: لا يدري عند التعاقد هل يحصل على المقابل الذي بذل فيه العوض أم لا؟
وجه الضعف ـ مضافاً إلى ما ذكرنا ـ : أنّ الشركة إذا كانت شركة معتبرة وكان لها رصيد مالي في البنوك، فهذا يسبب اعتماد المشتري على الشركة بالنسبة في العمل بما تعهد عند حصول الخطر.
وبالجملة هذا الاستدلال لو صحّ لزم بطلان معاملات النسيئة والسلم الذي يكون المبيع نسيئة والثمن نقداً، والأخير صحيح عندنا وعند بعض من فقهاء السنّة.

التأمين والغرر في مقدار العوض

أمّا الغرر في مقدار العوض فقد ذكروا في وجهه ما هذا لفظه: إنّ الغرر في مقدار العوض موجود في عقد التأمين حيث إنّ عقده ينطوي على الغرر في مقدار العوض وبالأخصّ في التأمين من الأضرار، لأنّ مبناه على

278
التعويض وكلا الطرفين لا يعلم مقدار الضرر ولا مقدار عوضه عند التعاقد إلى أن يقع الخطر المؤمن منه.
وبعبارة واضحة: إنّ عقد التأمين التجاري من عقود المعاوضات المالية الاحتمالية المشتملة على الغرر الفاحش، لأنّ المستأمن لا يستطيع أن يعرف وقت العقد مقدار ما يعطي أو يأخذ، فقد يدفع قسطاً أو قسطين، ثم تقع الكارثة فيستحق ما التزم به المؤمِّن، وقد لا تقع الكارثة أصلاً فيدفع جميع الأقساط ولا يأخذ شيئاً. وكذلك المؤمِّن لا يستطيع أن يحدد
ما يعطي، وقد ورد في الحديث الصحيح عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)النهي عن بيع الغرر.
يلاحظ عليه: أنّ الغرر منتف في كلا الجانبين أمّا المؤمَّن له فلأنّ ما يعطيه المؤمِّن له ليس في مقابل ما تدفعه شركة التأمين عند وقوع الكارثة وليس هناك معاوضة بين المالين. بل المبلغ الذي يدفعه المؤمَّن له إنّما هو في مقابل قبول المؤمِّن المسؤوليةَ لجبر ما يصيبه من الضرر، فكم فرق بين كون الأقساط عوضاً بما يجبر الغرر وبين كونها في مقابل قبوله مسؤولية شرعية قانونية على أنّه لو أصاب ماله ضرر بأي نحو من الأنحاء فهو يجبره حسب ما اتفقا عليه؟! وهذا النوع من المعاملة ليست غرريّة بمعنى كونها خطرية بل فيها صيانة للمال الكثير بشيء قليل .
وأمّا المؤمِّن فالمعاملة من جانبه ليست خطرية أيضاً، وذلك لأنّ الشركة ترى نفسها أمام طلبات كثيرة من التجار وأصحاب الأموال يطلبون عقد التأمين لصيانة أموالهم، فهي في موقفها هذا على يقين بأنّ من يصيبهم

279
الخطر إنّما هو عشرة بالمائة من المساهمين، والبقية يبقون بعيدين عن الخطر والغرر، وعندئذ ترى الشركة نفسها رابحة لا خاسرة وطالبة لعقد التأمين لا راغبة عنه، فهل ينطبق عليه عنوان الغرر أو الخطر؟
وحصيلة الكلام: أنّ الغرر إنّما هو بمعنى الخطر وهو من غرّر بنفسه وكذلك بالمال تغريراً، أعرضها للهلكة من غير أن يعرف(1)، وليس عقد التأمين الرائج في أقطار العالم من مقولة تعريض المال للهلكة، بل هو أفضل وسيلة لصيانة المال من الهلاك والضياع. وهكذا الكلام في ناحية المومَّن فلأجل كثرة الطلبات وقلة الخطر بالنسبة إليه يضفي للعقد صلاحية.
إنّ تفسير الغرر، بالخدعة غير صحيح كما مرّ، كما أنّ تفسيره بالجهل أو الجهالة تفسير له بأحد أسبابه، إذ ربما يكون الجهل سبباً لتعريض المال إلى الهلاك.

التأمين والغرر في الأجل

يقول القائل بوجود الغرر في الأجل بأنّ أجل دفع مبلغ التأمين في معظم أنواع التأمين مجهول، بل التأمين العمري مرتبط تماماً بأجل مجهول جهالة كبيرة.(2)

1 . تاج العروس، مادة «غرر».
2 . التأمين الإسلامي للدكتور علي محيي الدين القره داغي: 171. الظاهر أنّ الغرر على هذا البيان منحصر في جانب المؤمِّن، بخلاف الغرر في العوض فإنّه يتم ـ في نظر القائل. كلا الطرفين فلاحظ.

280
يلاحظ عليه: أولاً: أنّ ما ذكره من الإشكال غير جامع، فإنّ الأصل في تأمين التجارات البحرية أو البرية معلوم جدّاً حيث يذكر أنّ مدّة التأمين مثلاً إلى ستة أشهر التي يطمئن الطرفان بوصول البضائع إلى مقصدها، فلا يكون الجهل بالأجل في بعض الموارد سبباً للبطلان.
وثانياً: أنّ المستشكل تصوّر أنّ المانع هو الجهل وقد قلنا بأنّ الغرر ليس هو الجهل بل هو الخطر، ولا يعدّ مثل هذه المعاملات وإن كان الأجل مجهولاً أمراً خطرياً، لما عرفت من أنّ موقف الشركة ليس موقف بائع في مقابل طلب واحد، بل إنّ موقفها موقف الشركة التي لها رصيد مالي في مقابل الطلبات الكثيرة من أصحاب الأموال الراغبين في عقد التأمين، فلا يعدّ الجهل بالأجل مانعاً حتى في التأمين العمري.
إلى هنا تمت دراسة الدليل الأوّل للمانعين.
***
   

281

2

عقد التأمين والرهانة والمقامرة

استدلّ القائلون بحرمة التأمين التجاري تارة بالنهي عن الغرر وأُخرى بأنّه نوع من الرهان والمقامرة، ولو لم يكن منهما فيقاس عليهما، وتعلم حقيقة الأمر من خلال ذكر تعريفهما.
وعرّفت المقامرة بأنّها عقد يتَعهد بموجبه، كلّ مقامر أن يدفع إذا خسر المقامرة، للمقامر الذي يكسبها، مبلغاً من النقود أو أيّ شيء آخر يُتفق عليه.
وعُرّف الرهان بأنّه عقد يتعهد بموجبه كلّ من المتراهنين أن يدفع ـ إذا لم يصدَّق قوله في واقعة غير محقّقة ـ للمتراهن الذي يصدَّق قوله فيها، مبلغاً من النقود أو أي شيء آخر يتفق عليه.(1)
ثمّ إنّ المقامرة تفارق الرهان في أنّ المقامر يقوم بدور عملي في محاولة تحقيق الواقعة غير المحقّقة.
أمّا المتراهن فلا يقوم بدور عملي في محاولة تحقيق صدق قوله: فلو أردنا أن نجسد عمل المقامر والمراهن فلنذكر المثال التالي:

1 . الوسيط للسنهوري: 7 / 985 ـ 986 .

282
إذا اشترك المتبارون في أحد الألعاب واتّفقوا على أنّ من يربح هذه اللعبة يأخذ من الخاسر مبلغاً معيناً، فهذا هو عقد المقامرة.
ولو افترضنا أنّ حول الملعب متفرجون لا يشتركون باللعب ولكنّهم يراهنون على فوز بعض هؤلاء اللاعبين أو أحد الفريقين، وهذا هو الرهان.(1)
ثمّ إنّ القائلين بالتحريم يقولون: إنّ الخصائص التي تُحدِّد طبيعة العقدين ـ المقامرة والرهان ـ توجد في عَقد التأمين تماماً، وذلك أنّ عقد التأمين عقد يتعهد بموجبه، أحد العاقدين(شركة التأمين) أن يدفع إلى المتعاقد الآخر (المستأمن) مبلغاً من النقود أو أيّ عوض مالي آخر يُتفق عليه، إذا حدثت واقعة معينة(الخطر المؤمَّن منه)، في مقابل تعهد العاقد الآخر(المستأمن) بدفع مبلغ آخر هو أقساط التأمين مدة عدم وقوع الحادث، فطبيعة عقد التأمين هي طبيعة عقدي القمار والمراهنة، وإن اختلفت أسماء عناصره وأطرافه، وهي كونه من عقود المعاوضات المالية الاحتمالية الملزمة للجانبين.(2)
وبعبارة واضحة: في التأمين تعهّدان: تعهد من جانب المومِّن وهو أن يدفع مبلغاً عند حدوث الكارثة، وتعهد من جانب المؤمَّن له وهو أن يدفع

1 . التأمين الإسلامي للدكتور علي محيي الدين القره داغي: 174.
2 . التأمين الإسلامي : 175، نقلاً عن الدكتور حسين حامد في بحثه حول: حكم الشريعة الاسلامية في عقود التأمين.

283
الأقساط إلى زمان عدم وقوعها، فأشبهة التعهدان، بتعهدي المتقامرين أو المتراهنين .
يلاحظ عليه: وجود الفرق الجوهري بين المقامرة والرهان وعقد التأمين، وإن حاول المستدل أن يجعل عقد التأمين من أقسامهما، وذلك لأنّه يسود على الأوّلين روح المغالبة والمصارعة، حيث إنّ المقامر يقوم بدور عملي في محاولة تحقيق مأربه، ويتغلب كلّ فرد أو فريق مثلاً في كرة القدم مثلاً على رقيبه.
كما أنّ المتراهن يحرص كلّ الحرص على أن يتغلب فريق على فريق أو فرد على آخر، ولا يقر له قرار إلاّ أن يرى النتيجة النهائية للمباراة.
وأين ذلك من عقد التأمين مع الشركة؟! أمّا المؤمَّن له فهو لا يتمنّى أبداً تلف ماله ، بل يتمّنى أن تصل بضاعته إلى مقصدها دون أن تصاب بشيء، وبالتالي لا تخسر الشركة بدفع مبلغ إليه، وهكذا الحال في جانب الشركة، أفيصح بعد هذا البيان أن نقول: إنّ المتعاقدين في التأمين بصدد المقامرة والرهان.
ومجرد اشتراك الجميع في أنّ أحد الطرفين متعهّد بدفع مال إلى الآخر عند وقوع الحادثة والطرف الآخر متعهّد بدفع شيء إلى الشركة مدة عدم وقوع الحادثة، لا يكون دليلاً على كونه مصداقاً للميسر.
وأوضح دليل على عدم دخول عقد التأمين تحت المقامرة والرهان هو أنّ المتشرّعين يتحاشون عن القمار والرهان ويعدّونهما عمل

284
النوكى(1)، بخلاف عقد التأمين فالمتشرع وغيره أمامه سواء، والجميع يتقبلونه، لأنّه يسبب اطمئنان صاحب المال من جانب ونشاط التجارة من جانب آخر.
ثمّ إنّ الدكتور السنهوري أيّد كون عقد التأمين من أقسام المقامرة والرهان إذا عقد مع فرد واحد فقط فيكون عقد التأمين عقد مقامرة أو رهاناً وأمّا إذا عقدت مع عدد كبير من المؤمِّن لهم، يكون له أساس صحيح، وإليك نصّ عبارته : إنّ شركة التأمين لا تبرم عقد التأمين مع مؤمّن له واحد، أو مع عدد قليل من المؤمن لهم، ولو أنّها فعلت لكان عقد التأمين مقامرة أو رهاناً، ولكان عقداً غير مشروع، إذ تكون الشركة قد تعاقدت مع مؤمَّن له على أنّه إذا احترق منزله مثلاً دفعت له قيمته، وإذا لم يحترق كان مقابل التأمين حيث الذي دفعه المؤمَّن له، حقاً خالصاً وهذا هو الرهان بعينه، ولكنّ الشركة تتعاقد مع عدد كبير من المؤمّن لهم، وتتقاضى من كلّ منهم مقابل التأمين، ومن مجموع ما تتقاضاه من هؤلاء جميعاً تعوض العدد القليل الذين تحترق منازلهم، فيفي ما تتقاضاه من المؤمَّن لهم بما تدفعه من التعويض لبعضهم، لأنّها تحسب مقابل التأمين على أساس فني مستمد من الإحصاء على النحو الّذي سنبيّنه فيما يلي عند الكلام في الأُسس الفنية للتأمين. فالتأمين، إذا نظر إليه من الجانب الآخر وهو العلاقة ما بين الشركة ومجموع المؤمَّن لهم، لا يحمل طابع المقامرة أو الرهان. والشركة، إذا حدّدت مقابل التأمين تحديداً دقيقاً على الأُسس الفنية الصحيحة،

1 . النوكى: الحمقى.

285
وأحسنت إدارة أعمالها، لا تتعرض لخطر يزيد على الخطر الّذي تتحمّله الشركات عادة في أعمال التجارة الأُخرى غير أعمال التأمين.(1)
ونجد مثل ذلك عند الشيخ علي الخفيف حيث إنّه قال: إذا اقتصر العاقد في التأمين على فرد مثلاً فإنّه يكون عقد رهان ومقامرة لا يقرّه قانون ولا شريعة لمكان الغرر والمقامرة الظاهرة فيه حينئذ لانتهاء الأمر فيه إلى خسارة لأحد الطرفين، وربح للطرف الآخر.(2)
وقريباً من هذا ما قاله الأُستاذ مصطفى أحمد الزرقا.(3)
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره السنهوري في الصورة الثانية صحيح لا غبار عليها إنّما الكلام فيما ذكره في الصورة الأُولى، أعني: عقد التأمين مع فرد، فإنّ عقد التأمين في هذه الحالة يُعدّ عملاً سفهياً خارجاً عن العقود التي تدور عليها حياة المجتمع، لأنّه إذا تفرّد المؤمَّن له أو قلّ يتصاعد احتمال توجّه الخسارة على الشركة، خسارة لا تجبر بالأقساط فيعدّ العمل عملاً خارجاً عن عمل العقلاء لا أنّه يكون مقامرة أو رهان، لما عرفت من أنّ السائد على المقامرة هو روح المغالبة والمصارعة، وأنّ طرفي المقامرة والرهان يصيبهما القلق والاضطراب والترقّب للنتيجة التي تسفر عنها نتيجة المباراة، وأين هذا من عقد التأمين الذي يخلو من هذه الحالة؟!

1 . الوسيط:7/1086.
2 . نقله عنه الدكتور علي محيى الدين القره باغي في التأمين الإسلامي ص 176، عن بحثه إلى المؤتمر العالمي الأول للاقتصاد الإسلامي، بمكة المكرمة، ص 9.
3 . التأمين الإسلامي :176.

286
وأضعف من هذا ما قاله بعضهم من أنّ عقد التأمين عقد فاسد شرعاً، لأنّه معلّق على خطر، تارة يقع وتارة لا يقع فهو قمار معين.(1) وأيّده ـ أيضاً ـ الشيخ أبو زهرة.(2)
وجه الضعف: أنّ هذا القياس ـ عند القائلين بحجيته ـ إنّما يصحّ فيما لو كان هناك تشابه جدّي بين الموضوعين كما في قياس الفقاع على الخمر، حيث يشتركان في أوضح الآثار وهو الإسكار، فأين هذا من قياس التأمين على المقامرة والرهان مع أنّ الخصيصة الواضحة للرهان والمقامرة هي روح التغالب والتكالب بين الطرفين، وهو غير موجود في عقد التأمين وإنّما السائد عليه هو روح التسالم والتصالح والمؤاخاة، فالأوّل ينبت العداء والبغضاء بين المتقامرين كما قال سبحانه: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَ الْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَ الْمَيْسِرِ)(3)، والثاني يسبب نشاط التجارة وترسيخ العلائق فلا أظن أحداً يتّهم عقد التأمين بأنّه منبت لهذا الأثر الروحي السيء.

1 . رسالة أحكام السيكورتاه:6، ط 1906م.
2 . مقال منشور في مجلة حضارة الاسلام، العدد5، العام 4: 242ـ 252.
3 . المائدة: 91 .

287

3

التأمين ومشكلة الربا

استدلّ القائلون بحرمة عقد التأمين بوجه ثالث وهو أنّه يلازم الربا، حيث إنّ ما يدفعه المستأمن نقداً قد يُرد عليه بأكثر أو أقل عند حدوث الخطر المؤمَّن منه.
فإذا اعتبر عقد التأمين معاوضة يلزم الربا المعاوضي، إذ يكون أحد العوضين المتماثلين إمّا أقل أو أكثر من الآخر.(1)
يلاحظ عليه: أنّ الربا المحرم لا يخلو عن قسمين: ربا قرضي، وربا معاوضي. أمّا الأوّل فهو أن يقرض شخصاً مثلاً مائة دينار ليأخذ منه بعد سنة مائة وعشرين ديناراً.
وأمّا الربا المعاوضي فهو عبارة عن معاوضة المتماثلين: المكيلين والموزونين بشيء زائد مكان المعاوضة مثلاً بمثل.
إذا عرفت ذلك فنقول: أمّا الأوّل منهما فغير موجود قطعاً، فإنّ المؤمَّن

1 . ما ذكرناه من التعبير هنا أفضل ممّا عبّر به القائل بالتحريم حيث أدخل فيه مصطلحي ربا الفضل وربا النسيئة مع أنّ المقصود يتحقّق من دون استخدام كلا المصطلحين، انظر لمعرفة تعريف المصطلحين، الموسوعة الفقهية الكويتية:22/57.

288
له لا يقرض الشركة بدفع الأقساط، كما أنّ الشركة لا تأخذها بنية أن تردها بمثل أو بزيادة في أجل معين، فلم يبق إلاّ الاحتمال الثاني وهو أن يكون الربا المتوهّم في المقام هو الربا المعاوضي، ولكنّه منتف أيضاً، لأنّ المؤمَّن له إنّما يدفع الأقساط في مقابل المسؤولية التي تتحمّلها الشركة لا أنّه يعاوض الأقساط بما تدفعه الشركة عند وقوع الحادثة، فليس هناك أي معاوضة بين الأقساط وما تدفعه الشركة لجبر الخسارة.
نعم دفع الأقساط هو الداعي، لأن تنهض الشركة على عقد اتفاقية بين الطرفين، ولا يدخل الداعي في عقد المعاوضة.
أضف إلى ذلك: أنّ موضوع الربا المعاوضي هو المكيل أو الموزون من المتجانسين، والأقساط التي يدفعها المؤمَّن له من المعدود ومثله المؤمِّن إذ يقوم بجبر الخسارة بالعملة الرائجة.
وفي نهاية المطاف نأتي بما ذكره المحقّق الشيخ حسين الحلّي ـ طاب ثراه ـ حيث تصوّر أنّ التأمين على الحياة في بعض أنواعه ربويّ، كما إذا قامت الشركة بدفع فوائد سنوية أو شهرية (إضافة إلى مبلغ التأمين المتّفق على تسليمه إلى طالب التأمين عند حدوث الخطر); لأنّ هذه الزيادات المدفوعة ما هي إلاّ فوائد ربوية، لأنّ هذا النوع من المعاملات منزّل على القرض الربوي، حيث يكون دفع المال من قبل المؤمَّن له ـ والذي هو طالب التأمين ـ قرضاً إلى الشركة، ويكون دفع الفوائد إنّما هو في قبال المال الذي أقرضه إلى الشركة.

289
وطبيعي أنّ هذا النوع من التأمين يكون مشكلاً من الوجهة الشرعية ولا يمكن توجيهه مادام أنّ المعاملة نزلت على صورة القرض، وأخذ الفائدة في قبال ذلك فإنّ هذه معاملة ربوية، ولا طريق إلى تصحيحها بإحدى الطرق الشرعية والتي تسوغ مثل هذه المعاملات فراراً من الربوية.(1)
أقول: قد عرفت أنّ ما يدفعه المؤمَّن له ليس قرضاً إلى الشركة حتى يكون ما تدفعه من الفوائد ربا، بل هو في مقابل تقبل المسؤولية عند طروء ضعف القوى والحواس بأن يدير ما يحتاج إليه، كما أنّ ما يدفعه المؤمِّن ليس عوضاً عمّا أخذه، بل وفاء بالمسؤولية الّتي تقبلها عند العقد، وسيوافيك الإشارة إلى ما ذكرنا في المسألة الثامنة في المسائل الّتي
ذكرها السيد الأُستاذ في المقام فانتظر، وأمّا الزيادات المدفوعة فليس من الفوائد الربويّة، بل لأجل ترغيب الآخرين للمشاركة في عقد التأمين على الحياة.

1 . بحوث فقهيّة: 41 .

290

4

عقد التأمين وأكل المال بالباطل

ربّما يستدلّ على حرمة عقد التأمين بوجه رابع وهو أنّ عقد التأمين من مقولة أكل أموال الناس بالباطل، قال سبحانه:(يا أيُّها الّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكُم بَيْنَكُمْ بِالباطِلِ إلاّ أنْ تَكُونَ تِجارةً عَن تَراض مِنكُم)(1).
فالتراضي وإن كان موجوداً لكن يجب أن يكون وراء التراضي سبب شرعي، وعقد التأمين ليس سبباً شرعياً، بل سبب باطل لاشتماله على الغرر والمقامرة والرهان والربا.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه لو ثبت ما ذكره المستشكل فهو ليس دليلاً مستقلاً، بل هو عصارة الأدلّة الثلاثة المتقدّمة، حيث إنّ اشتمال عقد التأمين على الغرر و المقامرة والرهان أو الربا جعله من الأسباب الباطلة، ومن المعلوم أنّ السبب الباطل، غير مؤثر.
وثانياً: أنّ المراد بالباطل هو الأسباب المحرمة كالرشوة، فإنّ
الباء للسببية، أي لا تأكلوا أموالكم بينكم بسبب باطل كالقمار
والرشوة والكذب في المعاملة، إلى غير ذلك من الأُمور المنهية، وقد

1 . النساء: 29.

291
عرفت خلو عقد التأمين من هذه الأُمور المحرمة شرعاً.
وثالثاً: كيف يكون من مقولة أكل المال بالباطل مع أنّ شركة التأمين تقوم بأعمال إرشادية وتعليمات خاصة في طريق حفظ الأموال والممتلكات والبيوت من الآفات والبلايا كالحريق والسرقة، وتوزع في ذلك كتباً وكراسات تحتوي تعليمات عملية لصيانة الأموال.
وهذا النوع من الأعمال منضماً إلى المسؤولية المهمة التي تتعهد بها الشركة يضفي على العقد الصحة، ويصير المقام من باب أكل مال في مقابل مال.
ولمّا كان الإشكال مركّزاً على أنّ المؤمِّن ربّما يأخذ شيئاً ولا يعطي شيئاً وذلك فيما إذا لم تحدث الكارثة فصار شبيهاً بأكل المال بالباطل، أجاب سيدنا الأُستاذ (قدس سره) عن الإشكال على النحو التالي; قال: إنّ حليّة العوض في المعاملات غير منوطة بالانتفاع عن المعوّض، فإنّ من استأجر بيتاً للضيافة إجارة مشروطة بها بمعنى أنّه شرط على نفسه في ضمن عقد الإجارة أن لا ينتفع به إلاّ للضيافة، أو استأجر حانوتاً لاختزان القمح كذلك، فاتّفق أنّه لم يرد عليه ضيف في مدّة الإجارة، أو أجدبت السنة فلم ينتفع بالعين المستأجرة; فإنّه لا إشكال في صحّة الإجارة حينئذ، وأنّ ما يأخذه المؤجر يكون من تجارة عن تراض.
هذا مع أنّ ما يؤخذ ـ فيما نحن فيه ـ في قبال هذا التعهّد الخطير قليل في الغاية ويسير إلى النهاية، والعقلاء يرغبون فيه ويرونه من أحكم طرق

292
حفظ الأموال والنفوس، ولا يكاد يفرّق ذو مسكة بين هذا وبين استئجار الحرّاس لحفظ الأموال والنفوس في الحكم بالصحّة مع قوّة الداعوية في التأمين; لأجل التضمين المحقّق فيه دون الاستئجار، كما لا يخفى على أُولي الأبصار.(1)
أقول: ما ذكره في ذيل كلامه من أنّ العقلاء يرغبون فيه... في غاية المتانة، وأمّا ما أفاده في صدر كلامه، فليس مقنعاً لأجل الفرق بين المقام وما مثل به، وذلك لأنّ المستأمن ربما يدفع المبلغ، دفعة أو أقساطاً، دون أن يدفع المؤمِّن في مقابله شيئاً، وهذا بخلاف مورد المثالين من إجارة البيت للضيافة أو إجارة المخزن للقمح، فإنّ الأُجرة فيهما في مقابل تسليط الموجر على العين لهاتين الغايتين وما يقابل الأُجرة ليس إلاّ تسلّط المستأجر على العين لإحدى الغايتين وهو حاصل، وعدم انتفاعه بها، لا يكون دليلاً على كون الأُجرة بلا مقابل.

1 . مجلة فقه أهل البيت(عليهم السلام)، العدد1، السنة الأُولى: 11.

293

5

ضمان ما لم يجب

إنّ الضمان سواءً فُسّر بنقل ذمّة إلى ذمّة أو بأنّه ضم ذمّة إلى ذمّة، فرع اشتغال ذمّة المضمون عنه، والمفروض أنّ الضمان في عقد التأمين ضمان ابتدائي يُراد بالعقد إيجاد الاشتغال، فلا ينطبق عليه مفهوم الضمان.
أقول: الاعتراض متوجّه إلى الطريق الثاني لتصحيح عقد التأمين، وهو جعله من باب عقد الضمان ويتوجّه إليه الاعتراض المذكور.
وأمّا على القول أنّه عقد مستقل فالاعتراض أشبه بالسالبة بانتفاء الموضوع، ولكنّك قد عرفت أنّه لو قلنا بتصحيح التأمين عن طريق الضمان، فلا دليل على بطلان الضمان الابتدائي، إذ للضمان معنيين، أو أنّ له معنى وسيعاً يشمل كلا الفردين، وقد أشبعنا الكلام فيه بمالا حاجة للتكرار، وإنّما ذكرناه في المقام لأجل استيعاب ما توهم من الإشكالات.
أضف إلى ذلك: أنّه يمكن استفادة صحّة الضمان الابتدائي من رواية يعقوب بن شعيب عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يبيع للقوم بالأجر، عليه ضمان مالهم؟ قال: «إذا طابت نفسه بذلك; إنّما أخاف أن

294
يغرموه أكثر ممّا يصيب عليهم، فإذا طابت نفسه فلا بأس».(1)
فقد صحّح الإمام(عليه السلام) ضمان الأجير إذا آجر نفسه لبيع أموال الغير، ومعلوم أنّ الأجير غير ضامن إلاّ إذا طابت نفسه بالضمان .
***

1 . الوسائل:12، الباب19 من أبواب أحكام العقود، الحديث2.

295
 
خاتمة المطاف

التأمين على الحياة

التأمين على الحياة ـ كما قيل ـ لا يختلف في جوهره وحقيقته عن التأمين من الأضرار أو ضد الإصابات أو التأمين الصحي أو نحو ذلك.
والّذي صار سبباً لذكره مستقلاً أحد أمرين:
1. ربّما يذهب إلى ذهن السامع أنّ المراد به التعهد على تأمين روحه وحياته.
2. أنّه ربّما يفهم منه التأمين ضد الإقدار أو عدم التوكّل على الله تعالى.
وكلّ ذلك أوهام ربّما تسبق إلى ذهن السامع، بل المراد به هو أنّ المستأمن يدفع مبلغاً في دفعة أو في كلّ شهر لحمايته في حالة عجزه عن العمل ما دام حيّاً، أو لورثته بعد موته أو للمستفيد كالزوجة، وقد مرّ أن ما يدفعه المستأمن إنّما يملّك الشركة في مقابل قبول المسؤولية عن حمايته في حال عجزه وهرمه أو عن أولاده وورثته وأنّ ما تدفعه الشركة من مبلغ ليس عوضاً عمّا دفعه في حال قدرته وحياته، وإنّما هو وفاءً بالمسؤولية الّتي تقبلها عند العقد.
إنّ التفكير بالمستقبل وضمان الحياة المستقبلية، سواء أتعلّق الأمر

296
بالمؤمَّن له أو بورثته وأولاده أمر مرغوب فيه، فلو كان الغرض من التأمين على الحياة أو التأمين على العمر هو ملء هذا الفراغ في حياة الإنسان فهو عمل مشروع ندب إليه الشارع، فقد روي عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)أنّهم قالوا: «اعمل لدنياك كأنّك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنّك تموت غداً».(1)
فإذا كان عقد التأمين وفق مبادئ الشريعة وضوابطها ـ كما قررنا ـ فلا مانع منه بشرط أن نركز على موضوع، وهو أنّه ليس هناك معاوضة ولا مبادلة، بل هو دفع أقساط شهرية لدفع الشركة إلى تحمّل المسؤولية لترميم حياة المستأمن عند هرمه وعجزه، أو تأمين حياة ورثته إلى مدة معيّنة.
ولذلك فلو مات المستأمن قبل أن يعجز وكان عقد التأمين مخصصاً لحياة المستأمن فقط تتملك الشركة ما دفعه المستأمن من أقساط من دون أن تدفع إليه شيء.
ولو افترض أنّ التأمين كان أوسع من ذلك على حياته وحماية ورثته بعد وفاته، فلو افترضنا أنّه دفع أقساطاً قليلة ثم توفّي كان على الشركة حماية حال الورثة على النحو المذكور في العقد، وربّما تدفع الشركة أكثر بكثير ممّا دفعه المستأمن، وليس هذا رباً، لما قلنا من أنّ عقد التأمين ليس عقد معاوضة أي مبادلة هذا بهذا وإلاّ جاءت مشكلة الغرر والربا، وإنّما هو عقد بين الطرفين ليقوم المستأمن بدفع الأقساط ويقبل المؤمّن المسؤولية

1 . من لا يحضره الفقيه: 3 / 156 برقم 3569 ; وسائل الشيعة: ج 12، الباب 28 من أبواب استحباب التجارة; مستدرك الوسائل: ج 1، الباب 25 من أبواب مقدمة العبادات.

297
بالنسبة إلى الدافع وإلى ورثته، بل المستفيد منه كالزوجة.
والحاصل: أنّ التأمين على الحياة إيجاد نوع من الضمان للإنسان عند عجزه ومرضه ولورثته من بعده أو للمستفيد.
***
إلى هنا تمت دراسة عقد التأمين المصطلح بالتأمين التجاري، وبقيت هنا نكات علينا ذكرها:
الأُولى: أنّ كثيراً ما نرى في مَن كتب حول التأمين من فقهاء السنة يذكرون أنّ الأصل في المعاملات والشروط هو الصحة، وفي الوقت نفسه نرى أنّ الأصل في المعاملات والشروط هو الفساد عند فقهاء الشيعة، ولكن لا تعارض بين القولين، لأنّ المراد من الأصل عند أصحابنا، هو النظر إلى المعاملة مع الشك في شمول العمومات والإطلاقات للمورد، وأمّا معه فربّما يتغيّر حكم المورد فيكون صحيحاً لازماً كما هو الحال في عقد التأمين، ولكن المراد منه عند الآخرين هو النظر إلى المسألة بما أنّها من مصاديق وجوب الوفاء بالعقود والشروط. ومن المعلوم أنّ حكم المورد بالنظر إليه هو الصحة واللزوم.
وبذلك يختلف مقتضى الأصل عند الفريقين، فلو نظرنا إلى المسألة بما هي هي مع الشك في دخول المورد تحت الأدلّة، فالأصل بقاء مال كلّ شخص في ملكه ولا ينتقل بالعقد إلاّ إذا دلّ الدليل على الانتقال، ولكن ثبت دخول المورد تحت العموم فالنتيجة بالنسبة إلى وجوب الوفاء بالعقد،

298
هي العكس وهي صحة العقد ولزوم الوفاء وانتقال مال كلّ شخص إلى من يقابله.
الثانية: أنّ عقد التأمين عقد لازم كسائر العقود، وقد ثبت في محلّه أنّ مقتضى العقد بما هو شد شيء بشيء، هو اللزوم لا الجواز، فلا ينفسخ العقد إلاّ بدليل، والتأمين أيضاً عقد من العقود يجب الوفاء به الّذي ينتزع منه لزوم العقد. حتّى أن عقد المضاربة الّذي هو عقد جائز عند المشهور، عقد لازم عندنا إلى أن يبلغ أجل العقد. وسيوافيك الكلام فيه في شرح المسألة السادسة من المسائل المذكورة في تحرير الوسيلة. فانتظر.
الثالثة: هل يجوز إجبار الناس على التأمين، أو إجبار الشركات التجارية على تأمين أموالها التجارية البرية أو البحرية، أو إجبار أصحاب المعامل على تأمين عمالها، أو غير ذلك؟ الظاهر لا، لفقدان طيب النفس إلاّ أن يكون هناك حكم حكومي على لزوم عقد التأمين.

التأمين التعاوني

سبق منّا تقسيم التأمين إلى تأمين تجاريّ وتأمين تعاوني، وقد مرّ الكلام في الأوّل ووقفت على أدلّة المجيزين والمانعين وعلى ما يمكن أن يكون مصحّحاً لهذا النوع من التأمين، ولكن بقي الكلام في التأمين التعاوني، وهو اتّفاق جماعة على تكوين رأس مال مشترك لتعويض ما يلحق بأحدهم من الخسارة.

299
وقد عرّفه الأُستاذ مصطفى أحمد الزرقا بقوله: وهو تعاون مجموعة من الأشخاص ممّن يتعرضون لنوع من المخاطر على تعويض الخسارة الّتي قد تصيب أحدهم، عن طريق اكتتابهم بمبالغ نقدية ليؤدى منها التعويض لأي مكتِتب منهم عندما يقع الخطر المؤمَّن منه.(1)
والمبدأ في هذا النوع من التأمين هو التبرع والتعاون، وأنّ حملة الوثائق يتبرعون بالأقساط المقدّرة وعوائدها لصالح صندوق التأمين التعاوني.
ونلفت النظر إلى أُمور:
1. أنّ هذا النوع من التأمين من مصاديق قوله سبحانه: (وَ تَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوَى وَ لاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَ الْعُدْوَانِ )(2)، وهو عمل
مستحسن عقلائي يريد تفتيت الأضرار المتوجهة إلى المساهمين بواسطة ما يدفعوه من الأموال إلى الصندوق.
2. إنّ ما يدفعه جميع المساهمين إنّما يدفعونه باسم الوديعة دون أن يخرج من ملكيتهم، غاية الأمر يأذن المساهم لأن يُؤدّى منه الخسارة الّتي تتوجّه على المساهمين، ولذلك لو اقتضت الظروف انحلال هذه الجمعية فالموجود من الأموال يرجع إلى المساهمين.
وبما أنّ الأموال المودعة أموال صامتة غير متحركة (لا يتّجر بها)

1 . نظام التأمين لمصطفى الزرقا: 42 ـ 43، ط . مؤسسة الرسالة بعمان.
2 . المائدة: 2 .

300
يسمّى هذا النوع بالتأمين التعاوني البسيط خلافاً للقسم الآخر الّذي سيوافيك تالياً.

التأمين التعاوني المركّب

وهذا النوع من التأمين التعاوني نفس التأمين التعاوني السابق الذكر غير أنّه يفارقه بتأسيس الشركة بالأموال والاتّجار بها لا لغاية الربح، بل لغاية التعاون وتقليل الأضرار، ولذلك عرّفوه بصور مختلفة:
1. أن تقوم جماعة بإنشاء شركة تعاونية للتأمين، يجمع كلّ عضو فيها بين صفة المؤمّن والمستأمن، ويدفع كلّ مشترك مبلغاً كلّ عام أونصف سنة أو شهر، قد يختلف من عام إلى آخر تبعاً لحاجة الشركة إلى الأموال الّتي تلزم لتعويض الخطر طول العام.
ولا يسعى أي شريك من الشركاء جرّ مغنم من اشتراكه، لأنّ مقصد الجميع هو تعويض الخسارة الّتي تلحق بأي منهم دون نظر إلى مكسب مادي .(1)
إنّ التأمين التعاوني من عقود التبرع الّتي يقصد بها أصالة التعاون على تفتيت الأخطار والاشتراك في تحمّل المسؤولية عند نزول الكوارث، وذلك عن طريق إسهام أشخاص بمبالغ نقدية تخصّص لتعريف مَن يصيبه الضرر، فجماعة التأمين التعاوني بكلا قسميه لا يستهدفون تجارة ولا ربحاً من أموال غيرهم وإنّما يقصدون توزيع الأخطار بينهم والتعاون

1 . عقد التأمين في الفقه الإسلامي، لخليل رضا المنصوري: 10 .

301
على تحمّل الضرر، وفي الوقت نفسه كلّ يملك ما دفعه من الأقسام ما لم يصرف في دفع الخسارة عن المساهمين، كما أنّه يملك ما يترتّب عليها من الربح بالتجارة، إذ يجوز أن يقوم جماعة من المساهمين أو من يمثلهم باستثمار ما جمع من الأقساط لتحقيق الغرض الّذي من أجله أنشأ هذا التعاون، سواء أكان القيام بذلك تبرعاً أيضاً أم مقابل أجر.
والظاهر أنّ هذا النوع من العقد لازم إذا كان مؤجّلاً محدّداً ولا يصح لأحد أن يرجع فيما دفع .
لكن هذا النوع من التأمين يحل العقدة في بعض المشاكل والموارد فيحل مشاكل أصحاب مهنة واحدة أو قبيلة بينهم وشائج الرحم، وأمّا التجارات العامة الكبيرة وشركات النقل والحمل في بلد كبير فلا تحل العقدة، إلاّ بالنوع الثاني من التأمين وهو التجاري على ما عرفت بشرط أن لا يرتكب أصحاب الشركة عملاً محرماً غير مشروع.
ومع ذلك كلّه فللتأمين التعاوني دور مهم في تقليل آثار الكوارث والنوازل ـ ولو في إطار خاص ـ فاللازم على الحكومات والعلماء والوعاظ دعوة الناس إلى مباشرة التأمين التعاوني. ومشاركة الأهالي في هذا النوع من الصندوق لكي تُفتَّت الأخطار بإشراك الجميع في المسؤولية عند نزول الكوارث.
ولكن يجب على مدير الصندوق والقائمين على إدارة هذا النوع من التأمين أن يراعوا الضوابط الشرعية والمُثُل والقيم الأخلاقية مع كلّ من

302
يساهم في الصندوق، وفي نهاية كلّ سنة يقدّموا تقارير عن أعمالهم ونشاطاتهم وخدماتهم لكي يجلبوا بذلك ثقة الناس بالصندوق وتكون المساهمة أكثر فأكثر.
ثم إذا التزم المساهمون أو الهيئة الإدارية أن لا يخرجوا في نشاطاتهم وأعمالهم عن الضوابط الشرعية فعندئذ يتّسم التأمين التعاوني بصفة التعاون الإسلامي، فليس للتعاون الإسلامي صيغة خاصّة أو فرق جوهري بين هذا النوع من التأمين التعاوني إلاّ الالتزام بالضوابط الشرعية في الأعمال والتجارة فقط.
وما ربّما يُرى من بعض المؤلفين عقد فصل خاص باسم التأمين الإسلامي(1)، فليس هذا إلاّ صورة كاملة من التأمين التعاوني المجرد عن صبغة الإسلام وضوابطه .
إلى هنا تم ما أردناه من تحقيق التأمين ببيان أقسامه وأحكامه، فلنعد للمسائل الّتي ذكرها السيد الأُستاذ الإمام الخميني (رحمه الله) في «تحرير الوسيلة»، فنسير على ضوء ما ذكره.

1 . الدكتور علي محيي الدين القره داغي في كتاب «التأمين الإسلامي»:203.

303
المسألة الأُولى: التأمين عقد واقع بين المؤمِّن والمستأمن (المؤمَّن له) بأن يلتزم المؤمِّن جبر خسارة كذائية إذا وردت على المستأمن في مقابل أن يدفع المؤمَّن له مبلغاً، أو يتعهد بدفع مبلغ يتفق عليه الطرفان. *
] أحكام التأمين في تحرير الوسيلة [(1)

* حقيقة عقد التأمين

هنا أُمور:
1. أنّ التأمين عقد بين طرفين، المؤمِّن والمستأمن.
2. أنّ المستأمن كما يمكن أن يكون شخصاً حقيقياً يمكن أن يكون أمراً معنوياً كالشركات والمؤسسات حيث تعقد مع إدارة شركة التأمين لجبر الأخطار والأضرار الّتي ربما تهدّدها.
3. أنّ هذا العقد ليس عقداً تبرعياً بل الاتّفاق على قبول المؤمِّن مسؤولية دفع الخسارة عن المؤمَّن له، في مقابل استعداد المستأمن لدفع مبلغ أو أقساط إليه حسب ما اتفقا عليه.
ولكن التعريف قاصر عن شمول التأمين على العمر والحياة كحالة التقاعد والعجز عن العمل. ولا يضر ذلك لأنّ المهم هو التأمين على دفع الأضرار والخسارات.

1 . ذكرها (قدس سره)عند دراسة المسائل المستحدثة، راجع تحرير الوسيلة: 2 / 547 .

304
   
المسألة الثانية: يحتاج هذا العقد كسائر العقود إلى إيجاب وقبول، ويمكن أن يكون الموجبُ المؤمِّنَ والقابلُ المستأمنَ، بأن يقول المؤمِّن: عليّ جبر خسارة كذائية في مقابل كذا أو أنا ملتزم بجبر خسارة كذائية في مقابل كذا فيقبل المستأمن، و ] يمكن [ العكس بأن يقول المستأمنُ: عليّ أداء كذا في مقابل جبر خسارة على كذا، فيقبل المؤمِّنُ، أو في مقابل عهدتك جبرها، ويقع بكل لفظ.*

* الموجب والقابل في عقد التأمين

لاشكّ أنّ عقد التأمين من العقود ـ لا من الإيقاعات ـ لأنّه تعهد من الجانبين ـ كالبيع والتجارة ـ لا من جانب واحد كالعتق والإبراء والطلاق .
وقد سمّي التعهد من الجانبين بالعقد تشبيهاً بحبلين منفصلين يتّصل أحدهما بالآخر بالعُقدة ، قال سبحانه: (أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ)(1)، فإذا توارد تعهّد كلّ من الزوج والزوجة على مورد واحد يشكل عقدة بين التعهدين ويعبر عن المجموع بالعقد. ولاشك أنّ التأمين بما أنّه قائم بالمستأمن والمؤمِّن فهو عقد. وعلى هذا هنا عقد، وعقدة وهي غير العقد.
إنّما الكلام في الموجب والقابل فقد اختار الإمام أنّه ليس هناك وجه لأن يكون أحد الطرفين موجباً والآخر قابلاً، بل يصلح أن يكون كلّ منهما موجباً أو قابلاً.
أقول: إنّ تمييز الموجب عن القابل أمر واضح فيما إذا كان أحد العوضين

1 . البقرة: 237 .

305
عيناً والآخر نقداً، ويشكل الأمر فيما إذا كان كلّ من العوضين نقداً أو كان كلاهما متاعاً فتمييز الموجب عن القابل أو البائع عن المشتري يحتاج إلى دقة. فقد قلنا في محله: إنّه إذا كان غرض أحد المتعاملين حفظ مالية ماله في ضمن أيّ متاع كان منضماً إلى تحصيل الربح والمنفعة وكان نظر الآخر إلى رفع الحاجة فقط فالأوّل بائع والثاني مشتر.
نعم فيما إذا كان غرض كلّ من المتعاملين حفظ مالية المال فقط ضمن أي متاع كان أو كان غرضهما رفع الحاجة، فالظاهر أنّه معاوضة مستقلة لا تدخل أحد العناوين المتعارفة.
وأمّا المقام فقد رجّح المحقّق الشيخ حسين الحليّ (قدس سره)أنّ طالب التأمين هو الموجب والمؤمِّن هو القابل، قال ما هذا لفظه:
الإيجاب: ويتم من قبل طالب التأمين بعد أن تُقدِّمَ الشركةُ له استمارة تحتوي على بيان النوع الّذي يَؤمَّن الشخص عليه: ثروة أو نفساً أو ما شابه وعلى القسط الّذي يتفق عليه الجانبان، يدفعه المؤمَّن له مرتباً، وعلى مبلغ التأمين الّذي يجب على الشركة دفعه كتعويض عند حلول الخطر المؤمن عليه (1) إضافة إلى بقية الشروط المتفق عليها بين الشركة وبين طالب التأمين.
ويكون توقيع هذه الاستمارة من قبل طالب التأمين إيجاباً منه بذلك القبول: ويكون بتصدير الوثيقة الّتي تؤدي وجود التعاقد بين الجانبين ومصدر هذه الوثيقة ـ عادة ـ الشركة لتدفعها إلى طالب التأمين. وبهذا يتم الركن الأوّل من الأركان المطلوبة في عملية التأمين.(2)    

1 . ولعلّ الاصحّ المؤمَّن منه.   2 . بحوث فقهية: 15 .

306
المسألة الثالثة: يشترط في الموجب والقابل كلّ ما يشترط فيهما في سائر العقود كالبلوغ والعقل وعدم الحجر والاختيار والقصد، فلا يصح من الصغير والمجنون والمحجور عليه والمكره والهازل ونحوه.*
  ومع ذلك كله يمكن أن يكون الموجب هو المؤمِّن والقابل هو المستأمن، وذلك بالبيان التالي:
وهو أنّ المائز بين الموجب والقابل في البيع وأمثاله أنّ موقف الموجب موقف طالب الربح والمنفعة، وموقف المشتري موقف رفع الحاجة، وهذا هو المائز السائد في البيع والشراء، فلو كان هذا هو المائز فموقف المؤمِّن هو موقف طالب الربح والمنفعة حيث يؤسّس شركة لتلك الغاية، وأمّا موقف المستأمن فهو موقف رفع الحاجة بجبر الخسارة الاحتمالية المتوجهة إليه في أجل محدد، فعلى ضوء هذا فالمؤمِّن هو الموجب أي يتعهد جبر الخسارة في مقابل ما يدفعه المستأمن من المال والمستأمن هو القابل لذلك التعهد.
وعلى كلّ تقدير فلا فائدة مهمة في تعيين الموجب والقابل إذا كان واقع التأمين حاصلاً بكلتا الصيغتين.

* الشروط العامّة لعقد التأمين

بما أنّ عقد التأمين عقد من العقود الشرعية، فيشترط فيه ما يشترط في سائر العقود تماماً من دون استثناء، فمن شروطه:
1. العقل، فإنّ المجنون غير مكلّف، فكيف يخاطب بقوله تعالى:    

307
 (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)؟!
2. البلوغ، لأنّ عقد التأمين نوع تصرف في الأموال وغير البالغ ممنوع من التصرف، قال سبحانه: (وَ ابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ)(1).
3. الرشد، للآية السابقة حيث يستفاد منها اجتماع الشرطين في صحة تصرف اليتيم وهما البلوغ والرشد، فالسفيه محجور عليه.
4. عدم الحجر، لأنّ المفلّس ممنوع التصرف إذا ضرب الحاكم على أمواله بالحجر .
5. الاختيار، وإن شئت قلت: طيبّ النفس أو التراضي، لقوله سبحانه: (لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاض مِنْكُمْ)(2). وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «رفع عن أُمّتي تسعة: ... وما أُكرهوا عليه».
6. القصد، لأنّ الإنشاء بالإيجاب والقبول رهن الجد، فالهازل غير قاصد فلا يُعبأ بعقده.
وبما أنّ الفقهاء قد أشبعوا الكلام في الشروط العامّة للعقود، وقمنا نحن بتوضيحها مفصّلاً في «أحكام البيع»، نكتفي بهذا المقدار.

1 . النساء: 6 .
2 . النساء: 29 .

308
المسألة الرابعة: يشترط في التأمين مضافاً إلى ما تقدم أُمور:
الأوّل: تعيين المؤمن عليه من شخص أو مال أو مرض ونحو ذلك.
الثاني: تعيين طرفي العقد من كونهما شخصاً أو شركة أو دولة مثلاً.
الثالث: تعيين المبلغ الّذي يدفع المؤمَّن له إلى المؤمِّن.
الرابع: تعيين الخطر الموجب للخسارة كالحرق والغرق والسرقة والمرض والوفاة، ونحو ذلك.
الخامس: تعيين الأقساط الّتي يدفعها المؤمَّن له لو كان الدفع أقساطاً، وكذا تعيين أزمانها.
السادس: تعيين زمان التأمين ابتداءً وانتهاءً.
وأمّا تعيين مبلغ التأمين بأن يعيّن ألف دينار مثلاً فغير لازم، فلو عيّن المؤمَّن عليه والتزم المؤمِّن بأنّ كلّ خسارة وردت عليه فعليّ أو أنا ملتزم بدفعها، كفى. *

* الشروط الخاصة لعقد التأمين

ما تقدّم من الشروط يوصف بالشروط العامة للعقود حيث تعتبر في العقود جميعاً، وأمّا الشروط الستة المذكورة في المتن فهي من مختصّات عقد التأمين، لقوامه بها،    

309
  وسندرسها تالياً:

الأوّل: تعيين المؤمَّن عليه

والمراد تعيين مورد التأمين، فهل هو متاع تجاريّ، أو شخص كتابي الحياة، أو مرض، فيقوم المومِّن في كل من هذه الموارد بوظيفته المختلفة حسب اختلاف مورد التأمين كما هو واضح.

الثاني: تعيين طرفي العقد

فإذا كان التأمين عقداً قائماً بالموجب والقابل فيتوقف على وجود المؤمَّن والمؤمِّن له (المستأمن)، لكون الإيجاب والقبول قائمين بهما على ما عرفت.
نعم لا يشترط أن يكون المؤمِّن شخصاً ربّما يكون شركة أو دولة، ولكنّه لا ينافي لزوم وجود الشرائط العامّة ـ أيضاً ـ فيهما ، كالعقل والبلوغ، لأنّ الشركة وإن كانت طرف العقد ولكن روحها هي الهيئة المديرة لها فيشترط فيها تلك الشروط العامة.

الثالث: تعيين المبلغ

تعيين مقدار مبلغ التأمين الّذي يدفعه المؤمَّن له إلى المؤمِّن على الوجه الكلي في زمان التأمين إلى نهايته والفرق بين هذا الشرط والشرط الخامس واضح فالتعيين هنا يتعلّق بمجموع المبلغ، وفي الشرط الخامس بالاقساط مقدارها وكيفية أدائها . وهذا الشرط مع سابقه من أركان التأمين.    

310

  الرابع: بيان الخطر الموجب للخسارة

إذا كان البيت مورداً للتأمين فيجب ان يعين الخطر الموجب للخسارة فهل ان بين لأجل حرق البيت، أو انهدامه لأجل الزلازل والسيول أو السرقة فلازم ان تعين جهة الخطر .

الخامس: تعيين أقساط التأمين

المستأمن تارة يقوم بدفع مبلغ التأمين دفعة واحدة، وأُخرى يرغب في تقسيط المبلغ، فلابد فيه من اتّفاق الطرفين على المقدار وكيفية التقسيط. وقد تقدم الفرق بين هذا الشرط وما ورد في الشرط الثالث .

السادس: تعيين زمان التأمين

يشترط في هذا العقد تعيين مدة التأمين، إذ لولاها لما تعيّن عدد الأقساط.
ولعلّ عدّ بعض هذه الشروط من الأركان وبعضها الآخر من الشروط أفضل .
وعلى كلّ تقدير فالتأمين يقوم على أساس هذه الشروط، فيبطل بعدمها.

311
المسألة الخامسة: الظاهر صحّة التأمين مع الشرائط المتقدّمة من غير فرق بين أنواعه من التأمين على الحياة أو على السيارات والطائرات والسفن ونحوها، أو على المنقولات براً وجواً وبحراً، بل على عمال شركة أو دولة أو على أهل بيت أو قرية أو على نفس القرية أو البلد أو أهلهما.*
وكان المستأمن حينئذ الشركاء أو رئيس الشركة أو الدولة أو صاحب البيت أو القرية، بل للدول أن يستأمنوا أهل بلد أو قطر أو مملكة.**

* شمولية التأمين وعموميته

الوجه في ذلك هو أنّ عقد التأمين عقد مستقل يقوم على أساس الاحترام بالعهد، وعلى ذلك فلا فرق بين مورد دون مورد، فكما أنّ البيع والإجارة يعم كلّ مبيع وكلّ عين مستأجرة إلاّ ما منع عنه الشارع فهكذا عقد التأمين، فإطلاقه يعم كلّ الموارد من غير فرق بين مورد ومورد.
** يريدمن «المستأمن» من يطلب التأمين ويدفع اقساطه وبما يقوم بذلك شركاء المعمل ـ مثلاً ـ أو رئيس الشركة أو الدولة أو صاحب البيت أو مالك القرية، ويجوز لكل دولة ان يستأمن أهل بلدها. كل ذلك لاطلاق الادلة .

312
المسألة السادسة: الظاهر أنّ التأمين عقد مستقل، وما هو الرائج ليس صلحاً ولا هبة معوضة بلا شبهة، ويحتمل أن يكون ضماناً بعوض، والأظهر أنّه مستقل ليس من باب ضمان العهدة، بل من باب الالتزام بجبران الخسارة وإن أمكن الإيقاع بنحو الصلح والهبة المعوضة والضمان المعوض، ويصح على جميع التقادير على الأقوى، وعقد التأمين لازم ليس لأحد الطرفين فسخه إلاّ مع الشرط، ولهما التقايل. *

التأمين عقد مستقل

* قد بسطنا الكلام في ذلك ـ فيما سبق ـ وأثبتنا أنّ الرائج بين الناس هو ما ذكره (قدس سره)من كونه عقداً مستقلاً .
وأمّا تصحيح عقد التأمين بالأُمور التالية ـ وإن كان صحيحاً ـ لكنّه غير مقصود بين المتعاقدين، وهي:
أ. التصالح بين الطرفين على النحو المذكور في العقد.
ب. الهبة المعوضة.
ج. الضمان بعوض .
فاللازم على الفقيه دراسة ما هو الرائج، وأمّا تصحيحه بأُمور لا تدور في خلد أحد المتعاقدين، فليس بصحيح.
نعم يبقى الكلام في كونه عقداً لازماً أو جائزاً فالظاهر أنّه عقد لازم كسائر العقود، فلازم الأمر بالوفاء، سواء أكان المفهوم منه الحكم التكليفي    

313
  أو الحكم الوضعي، أنّه عقد لازم لا ينفسخ إلاّ بالتقايل، أو مع الشرط.
وأمّا التفصيل بين المؤمِّن والمؤمَّن له، بلزومه على الأوّل وجوازه على الثاني، بمعنى أنّ له أن يمتنع عن أداء أقساط التأمين متى شاء ويستدعي الفسخ فهو كماترى، إذ ليس له التنصّل من أداء الأقساط إذا تمكن منها إلاّ برضا المؤمِّن، اللّهم إلاّ إذا صار عاجزاً فلزوم العقد منصرف عنه.
وعلى كلّ تقدير فلو اتّفقا على الفسخ فإنّما ينفسخ من زمان الفسخ لا من أوّل العقد، وعلى ذلك فالأقساط التي دفعها إلى المؤمِّن لا ترجع إليه، لأنّها في مقابل تقبّل المسؤولية المتدرجة، فما مضى منها فالعقد بالنسبة إليه لازم الوفاء، وما لم يأت واتّفقا على التقايل، ينفسخ العقد ولا يكون أحد الطرفين محكوماً بشيء.

314
المسألة السابعة: الظاهر صحة التأمين بالتقابل، وذلك بأن تتفق جماعة على تكوين مؤسسة فيها رأس مال مشترك لجبر خسارة ترد على أحدهم، وهذا أيضاً صحيح على الأظهر.
وهو معاملة مستقلة أيضاً مرجعها الالتزام بجبر خسارة من المال المشترك في مقابل جبر خسارة كذلك.
ويمكن أن يقع العقد بنحو عقد الضمان، بأن يضمن كلٌّ خسارة شركائه بالنسبة في مقابل ضمان الآخر، إلاّ أنّ الأداء من المال المشترك.
ولكن الأظهر فيه الالتزام بجبر الخسارة في مقابل جبر بنسبة ما لهم المشترك من ذلك المال، وهذا العقد لازم.
ويحتمل أن يكون عقد شركة التزم كلّ في ضمنه خسارة كلّ واحد منهم، وحينئذ يكون جائزاً لا لازماً.*

* التأمين التعاوني

يشير المصنّف (قدس سره)في هذه المسألة إلى التأمين التعاوني، فمرادهُ من قوله: «صحّة التأمين بالتقابل»، هو ذاك النوع من التأمين ، وقدمرّ تصوير ذلك عند البحث عنه، وقد عرّفه بالعبارة التالية: «اتفاق جماعة على تكوين مؤسسة فيها رأس مال مشترك لجبر خسارة ترد على أحدهم»، وإن شئت قلت: تكوين صندوق تعاوني لجماعة خاصة لدرء الخسارة الواردة على أحدهم من ذلك الصندوق بلا تفاوت بينهم، وهذا النوع من التأمين التعاوني كأصل التأمين     

315
  عقد مستقل يجب الوفاء به ما دامت المدّة غير مقضيّة، ونتيجة تكوين هذه المؤسسة ما ذكره بقوله: «الالتزام بجبر خسارة من المال المشترك في مقابل جبر خسارة كذلك» من المال المشترك.
ثم ان المصنّف ذكر في التأمين بالتقابل احتمالات أربعة:
1. أن يكون عقداً مستقلاً غير داخل تحت إحدى العقود المعروفة وجعله أوّل الاحتمالات وقال: وهو معاملة مستقلة أيضاً مرجعها الالتزام (التعهد) بجر خسارة من المال المشترك في مقابل جبر خسارة من المال المشترك .
2. ان يكون داخلاً في عقد الضمان بأن يضمن كُلٌّ خسارةَ شركائهِ بالنسبة في مقابل ضمان الآخر، إلاّ أنّ الأداء من المال المشترك.
وقد اشار إلى ذلك الوجه بقوله «ويمكن ان يقع بنحو عقد الضمان بان يضمن كل خسارة شركائه بالنسبة في مقابل ضمان الآخر ».
والأولى أن يقول بأن يضمن كلٌّ خسارةَ شركائهِ بالنسبة في مقابل ضمان الآخرين، مثلاً إن زيد يضمن خسارة سائر الشركاء كما أنّ الآخرين يضمنون خسارته هو، ولكن الأداء من المال المشترك.
ومعنى قوله: «بالنسبة»، هو أنّ الشخص الواحد يضمن واحداً بالمائة من المبلغ الّذي يدفع تعويضاً لخسارة أحد الشركاء فيما لو كان عددهم مائة شخص، كما أنّ الآخرين كذلك كلٌّ يضمن واحداً بالمائة. ولا اشكال في هذا النوع من الضمان وان كان من مقولة «ضمان ما لا لم يجب» لما مرّ من    

316
  أنّه صحيح إذا كان عقلائيّاً ولم يشتمل على أمر محرّم.
3. أن يكون التأمين بالتقابل من مقولة الالتزام بجبر الخسارة في مقابل جبر، بنسبة ما لهم المشترك من ذلك المال. واشار إليه بقوله ولكن الاظهر الالتزام بجبر الخسارة الخ.
والفرق بين الثاني والثالث أنّ الثاني من مقولة الضمان فينتقل المضمون به إلى ذمة الضامن غير أنّه ضمن أن يدفع من المال المشترك بالنسبة، وأمّا الثالث فإنّما هو التزام تكليفي بجبر الخسارة من دون عقد ضمان، من دون اشتغال ذمّته بشيء ومع ذلك فالعمل بهذا الالتزام لازم.
ثم إنّ العقد على هذه الوجوه الثلاثة لازم.
3. أنّ هؤلاء الجماعة بدل أن يؤسّسوا مؤسسة فيها رأس مال أسّسوا شركة التزم كلّ فيما ضمنه، خسارة كلّ واحد منهم، وبما أنّ الشركة عند المصنّف عقد جائز، أفتى (قدس سره)بأنّه جائز لا لازم. غير أنّ المختار عندنا لزوم الشركة ما دام الأجل باقياً ولا ينحلّ إلاّ بالتقايل. وإليه اشار بقوله «ويحتمل ان يكون عقد شركة..

317
المسألة الثامنة: الظاهر صحة التأمين المختلط مع الاشتراك في الأرباح الّتي تحصل للشركة من الاستفادة بالاتّجار بتلك المبالغ المجتمعة من المشتركين .
سواء كان التأمين على الحياة بأن يدفع مبلغ التأمين عند وفاة المؤمَّن عليه أو عند انتهاء مدة التأمين (وللمؤمِّن الحق في الاشتراك في الأرباح حسب القرار، فيضاف نصيب كلّ من الأرباح إلى مبلغ التأمين) أو على جبر الخسارة مع الاشتراك في الأرباح كما ذكر.
فإنّ ذلك شركة عقدية مع شرط أو شرائط سائغة.
ولو كان من بعضهم العمل ومن بعضهم النقود وكان القرار نحو المضاربة صحّ أيضاً عندي، لعدم اعتبار كون المدفوع في مال المضاربة الذهبَ والفضةَ المسكوكين، بل المعتبر كونه من النقود في مقابل العروض، وهذا العقد لازم إن لم يرجع إلى المضاربة، وإن كان عقد مضاربة في ضمنه التأمين فجائز من الطرفين.*

* التأمين المختلط مع الاشتراك في الأرباح

هل المسألة ذيل للتأمين بالتقابل أو مسألة مستقلة يعمها وغيرها والظاهر هو الأوّل لقوله «ولو كان من بعضهم العمل ومن بعضهم النقود» فان ضميرالجميع يعود إلى الشركاء في التأمين بالتقابل.     

318
  وقد أشار المصنّف (قدس سره)في هذه المسألة إلى أُمور:
الأوّل: التأمين المختلط مع الاشتراك في الأرباح الّتي تحصل للشركة بالاتّجار.
توضيحه: أنّ المؤمِّن يتملك في التأمين التجاري كلّ الأقساط، فإذا اتّجر بها تكون الأرباح كلّها له، أمّا في المقام، فلأنّ التأمين هنا ليس تأميناً بسيطاً، بل مختلطاً مع الاشتراك في الأرباح، فكأنّ المستأمن يقوم بعملين:
1. يعقد التأمين مع الشركة.
2. ويشترط عليها بأنّه إذا اتّجر بالأقساط يكون له سهم من الأرباح، من غير فرق بين أن يكون التأمين على الحياة بأن يدفع مبلغ التأمين عند وفاة المؤمن عليه (مورد التأمين) أو عند انتهاء مدة التأمين أو يكون التأمين على جبر الخسارة مع الاشتراك في الارباح ويكون للمؤمِّن عندئذ حق في الاشتراك في الأرباح حسب الاتفاق، فيضاف نصيب كلّ من الأرباح إلى مبلغ التأمين.
الثاني: أنّ هذا النوع من العقد، صحيح، أمّا نفس العقد فلأنّه عقد تأمين قد فرغنا من صحّته، وأمّا الشرط فهو أيضاً شرط سائغ.
الثالث: إذا كان العمل من بعض الشركاء ومن بعضهم العقود وكان من باب المضاربة فيكون عقد مضاربة.
الرابع: ربّما يقال ببطلان هذه المضاربة، لأنّه يشترط في عقد    

319
المسألة التاسعة: لو التزم المؤمِّن بدفع إضافة على مبلغ التأمين فالظاهر أنّه لا بأس به، كمن أمَّن على حياته عند شركة التأمين لمدة معلومة على مبلغ معلوم واستوفت الشركة أقساطاً شهرية مقدرة في قبال التأمين وتلتزم الشركة بدفع مبلغ إضافة على مبلغ التأمين ترغيباً لأهل التأمين، فإنّ تلك الزيادة ليست من الربا القرضي، لعدم كون أداء الأقساط قرضاً، بل التأمين معاملة مستقلة اشترط في ضمنها ذلك، والشرط سائغ نافذ لازم العمل.*
  المضاربة أن يكون المال من الذهب والفضة المسكوكين، والمفروض في المقام أنّه من النقود لا منهما، ولكنّ المصنّف رد على ذلك بأنّه يكفي في المضاربة كون رأس المال من النقود (كالأوراق النقدية) لا من العروض، والمفروض كون الشرط موجوداً.
وأمّا ما ادّعي من الإجماع على شرطية كون المال من الذهب والفضة فمصبّه ردّ كفاية العروض لا ردّ كفاية النقود.
ثم إنّه قال: إنّه لو قلنا إنّ عقد التأمين بهذا الشرط عقد مستقل غير داخل في المضاربة يكون عقداً لازماً، وإن قلنا بكونه مضاربة يكون عقداً جائزاً، لأنّ المضاربة عند المؤلف عقد جائز، خلافاً لما اخترناه.

* التزام المؤمن بدفع شيء إضافي على مبلغ التأمين

قد بيّنا فيما سبق أنّ ما يدفعه المستأمن للمؤمِّن أو لشركة التأمين    

320
  ليس قرضاً ولا هبة وإنّما يدفعه في مقابل المسؤولية الّتي يتحملها المؤمِّن أو شركة التأمين، وعلى ضوء ذلك فلو قامت الشركة بدفع مبلغ إضافي على مبلغ التأمين ترغيباً للناس للمشاركة في أمر التأمين فهو إحسان منها إليهم.
ربّما يتصور أنّه إذا كان ما يدفعه المؤمِّن أكثر ممّا دفعه المستأمن عبر الأقساط، يكون رباً ولكن الإجابة عنه واضحة، لما قلنا سابقاً من أنّ ما يدفعه المستأمن ليس إقراضاً ثم استيفاءً حتّى يكون من باب الربا القرضي، وإنّما يتملك المؤمِّن الأقساط في مقابل المسؤولية، فيكون ما يدفعه بعد ذلك وفاءً للمسؤولية، لا أداءً للقرض، ولذلك ربّما يكون ما تدفعه الشركة أزيد ممّا أخذت وربّما يكون مساوياً.
ويظهر من المصنّف (قدس سره)أنّ توهّم وجود الربا القرضي يكمن في دفع إضافة على مبلغ التأمين مع أنّ التوهّم يجري فيما إذا كانت الأقساط المدفوعة أقل ممّا يدفعه المؤمِّن من مبلغ التأمين عند حدوث الخطر كما مرّ.

321
المسألة العاشرة: لا بأس بإعادة التأمين بأن طلب بعض شركات التأمين لدى شركات عظيمة أوسع منها التأمين لشركته التأمينية. *

إعادة التأمين أو تأمين المؤمن

وحاصل الكلام: أنّ عقد التأمين عقد مستقل، والشرط شرط سائغ لازم العمل.
* يريد المصنّف بأنّه ربّما تكون شركة التأمين صغيرة تؤمِّن لعشرات الأفراد، ومع ذلك ربّما تخاف أنّها ربّما لا تستطيع الوفاء بالتزاماتها ، ولأجل ذلك تعقد مع ما فيها من الأموال والأثاث وما تحملت من المسؤولية في مقابل الأفراد، مع شركة تأمينية كبيرة عقداً تأمينياً جديداً.
وبهذا يظهر أنّ عبارة المصنّف (رحمه الله) غير واضحة، فالأَولى أن يعبر بالنحو التالي: «لا بأس بإعادة التأمين بأن يطلب بعض شركات التأمين من الشركات العظيمة تأمينها بما لها من الأموال والأملاك والالتزامات».
تمّ الكلام في عقد التأمين وتمّ شرح المسائل
الّتي ذكرها سيدنا الأُستاذ (قدس سره)
في آخر تحرير الوسيلة
وذلك في سلخ شهر جمادى الأُولى من شهور عام 1430 هـ
والحمدلله الّذي بنعمته تتم الصالحات
جعفر السبحاني
قم ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

322

323
الفهارس الفنية
1. فهرس مصادر التأليف
2. فهرس المحتويات

324

325
   

فهرس مصادر التأليف

نبدأ تبرّكاً بالقرآن الكريم
حرف الألف
1 . إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل: محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت ـ 1405 هـ .
2 . إصباح الشيعة: قطب الدين البيهقي الكيدري (من أعلام القرن السادس الهجري) مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، قم ـ 1416 هـ .
3 . الانتصار: الشريف المرتضى علي بن الحسين الموسوي (355 ـ 436 هـ) مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم ـ 1415 هـ .
4 . إيضاح الفوائد: محمد بن الحسن بن يوسف بن المطهر الحليّ (ابن العلاّمة) (682 ـ 771 هـ) المطبعة العلمية، قم ـ 1387 هـ .
حرف الباء
5 . البحر الزخّار: أحمد بن يحيى المرتضى الزيدي (764 ـ 840 هـ) مؤسسة الرسالة، بيروت ـ 1394 هـ .
6 . بحوث فقهية: عز الدين بحر العلوم (المتوفّى 1411 هـ) محاضرات الشيخ حسين الحليّ، مطبعة الآداب، النجف الأشرف ـ 1384 هـ .

326
7 . بداية المجتهد: ابن رشد محمد بن أحمد بن محمد القرطبي الأندلسي (المتوفّى 595 هـ) دار الفكر، بيروت ـ 1415 هـ .
8 . البيع: الإمام الخميني (1320 ـ 1409 هـ) مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، طهران ـ 1421 هـ .
حرف التاء
9 . التأمين الإسلامي: علي محيي الدين القره داغي، دار البشائر الإسلامية، بيروت ـ 1426 هـ .
10 . تحرير الأحكام: العلاّمة الحليّ الحسن بن يوسف بن المطهر (648 ـ 726 هـ) مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، قم ـ 1420 هـ .
11 . تحرير الوسيلة: الإمام الخميني (1320 ـ 1409 هـ) مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، طهران ـ 1421 هـ .
12 . تحفة الفقهاء: علاء الدين السمرقندي (المتوفّى 539 هـ) دار الكتب العلمية، بيروت ـ 1414 هـ .
13 . تذكرة الفقهاء: العلاّمة الحليّ الحسن بن يوسف بن المطهر (648 ـ 726 هـ) مؤسسة آل البيت(عليهم السلام)، قم ـ 1416 هـ .
14 . التعريفات: الجرجاني علي بن محمد (المتوفّى 816 هـ) المطبعة الخيرية، القاهرة ـ 1306 هـ .
15 . التنبيه في فقه الشافعي: أبو إسحاق إبراهيم بن علي الشيرازي (393 ـ 476 هـ) شركة دار الأرقم، بيروت ـ 1418 هـ .

327
حرف الجيم
16 . جامع المقاصد: المحقّق الكركي علي بن الحسين (المتوفّى 940 هـ) مؤسسة آل البيت(عليهم السلام)، قم ـ 1408 هـ .
17 . جواهر الكلام: محمد حسن النجفي (المتوفّى 1266 هـ) دار الكتب الإسلامية، طهران ـ 1365 هـ . ش .
حرف الحاء
18 . الحدائق الناضرة: يوسف البحراني (المتوفّى 1186 هـ) مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم .
19 . حكم الشريعة الإسلامية في عقود التأمين: حسين حامد، دار الاعتصام ـ 1979 م .
حرف الخاء
20 . الخلاف: محمد بن الحسن الطوسي (385 ـ 460 هـ) مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم ـ 1409 هـ .
حرف الراء
21 . رد المحتار على الدر المختار: ابن عابدين محمد أمين بن عمر بن عبدالعزيز الدمشقي (المتوفّى 1250 هـ) دار الفكر، بيروت ـ 1415 هـ .
22 . الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية: الشهيد الثاني زين الدين بن علي العاملي (911 ـ 965 هـ) مكتبة الداوري (أُفست عن منشورات جامعة النجف الدينية) قم ـ 1410 هـ .
23 . رياض المسائل: السيد علي الطباطبائي (المتوفّى 1231 هـ) مؤسسة

328
النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم ـ 1420 هـ .
حرف السين
24 . السرائر: ابن إدريس الحليّ محمد بن منصور بن أحمد (المتوفّى 598 هـ) مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم ـ 1410 هـ .
25 . السنن: ابن ماجة محمد بن يزيد القزويني (207 ـ 275 هـ) دار الفكر.
26 . السنن: أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني (المتوفّى 257 هـ) دار الفكر ـ 1410 هـ .
27 . السنن: البيهقي أحمد بن الحسين بن علي (المتوفّى 458 هـ) دار الفكر.
28 . السنن: الدارقطني علي بن عمر (المتوفّى 385 هـ) دار الكتب العلمية، بيروت ـ 1417 هـ .
29 . سؤال وجواب: محمد كاظم الطباطبائي اليزدي (1247 ـ 1337 هـ) مركز نشر علوم إسلامي، طهران ـ 1376 هـ . ش.
حرف الشين
30 . شرائع الإسلام: المحقّق الحلّي جعفر بن الحسن (602 ـ 676 هـ) مطبعة الآداب، النجف الأشرف ـ 1389 هـ .
31 . الشركات التجارية: جاك يوسف حكيم .
حرف الصاد
32 . الصحيح: البخاري محمد بن إسماعيل (المتوفّى 256 هـ) دار الفكر، 1401 هـ .
33 . الصحيح: مسلم بن الحجاج القشيري (المتوفّى 261 هـ) دار إحياء

329
التراث العربي، بيروت .
حرف العين
34 . العروة الوثقى: محمد كاظم الطباطبائي اليزدي (1247 ـ 1337 هـ) المكتبة العلمية، طهران.
35 . عقد التأمين في الفقه الإسلامي: خليل رضا المنصوري.
36 . العناوين: عبد الفتاح المراغي (المتوفّى 1250 هـ) مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم ـ 1417 هـ .
37 . عوالي اللآلي: ابن أبي جمهور محمد بن علي بن إبراهيم الأحسائي (المتوفّى 880 هـ) مطبعة سيد الشهداء، قم ـ 1403 هـ .
حرف الغين
38 . غنية النزوع: حمزة بن علي بن زهرة الحلبي (511 ـ 585 هـ) مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، قم ـ 1417 هـ .
حرف الفاء
39 . فتح القدير: محمد بن علي بن محمد الشوكاني (المتوفّى 1250 هـ) عالم الكتب.
40 . الفقه: السيد محمد الشيرازي (1347 ـ 1424 هـ) دار العلوم، بيروت ـ 1407 هـ .
41 . الفقه الإسلامي وأدلّته: وهبة الزحيلي (معاصر) دار الفكر.
42 . فقه الشركة على نهج الفقه والقانون: عبدالكريم الموسوي الأردبيلي

330
(تولد 1345 هـ) منشورات مكتب أمير المؤمنين (عليه السلام)، قم ـ 1414 هـ .
حرف القاف
43 . قواعد الأحكام: العلاّمة الحلّي الحسن بن يوسف بن المطهر (648 ـ 726 هـ) مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم ـ 1419 هـ .
حرف اللام
44 . لسان العرب: محمد بن مكرم ابن منظور الأفريقي المصري (المتوفّى 711 هـ) نشر أدب الحوزة، قم ـ 1405 هـ .
حرف الميم
45 . مباني العروة الوثقى: السيد أبوالقاسم الخوئي (1317 ـ 1413 هـ) المطبعة العلمية، قم ـ 1408 هـ .
46 . المبسوط: محمد بن الحسن الطوسي (385 ـ 460 هـ) المكتبة المرتضوية لإحياء آثار الجعفرية، طهران ـ 1387 هـ .
47 . مجلة حضارة الإسلام: الصادرة في دمشق، العدد الخامس من السنة الرابعة .
48 . مجلة فقه أهل البيت(عليهم السلام): الصادرة في قم المقدسة، العدد الأوّل من السنة الأُولى.
49 . مجمع البيان: الفضل بن الحسن الطبرسي (471 ـ 548 هـ) دار المعرفة، بيروت ـ 1408 هـ .

331
50 . مجمع الفائدة والبرهان: المحقّق أحمد الأردبيلي (المتوفّي 993 هـ) مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم .
51 . المحلّى: ابن حزم علي بن أحمد بن سعيد (المتوفّى 456 هـ) دار الفكر.
52 . مختلف الشيعة: العلاّمة الحلّي الحسين بن يوسف بن المطهر (648 ـ 726 هـ) مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم ـ 1413 هـ .
53 . المدخل الفقهي العام: مصطفى أحمد الزرقا، نشر مطبعة الحياة، دمشق ـ 1383 هـ .
54 . المسائل المستحدثة: محمد صادق الحسيني الروحاني، قم المقدسة ـ 1384 هـ .
55 . مسالك الأفهام: الشهيد الثاني زين الدين بن علي العاملي (911 ـ 965 هـ) مؤسسة المعارف الإسلامية، قم ـ 1414 هـ .
56 . مستمسك العروة الوثقى: السيد محسن الحكيم (المتوفّى 1390 هـ) منشورات مكتبة آية الله المرعشي، قم، إيران .
57 . المغني: عبدالله بن أحمد بن محمد بن قدامة (المتوفّى 620 هـ) دار الكتاب العربي، بيروت.
58 . المقنعة: المفيد محمد بن محمد بن النعمان العكبري (336 ـ 413 هـ) مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم ـ 1410 هـ .

332
59 . من لا يحضره الفقيه: الشيخ الصدوق محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (المتوفّى 381 هـ) مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين، قم .
60 . الموسوعة الفقهية الكويتية: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية،الكويت ـ 1414 هـ .
حرف النون
61 . نظام التأمين: مصطفى أحمد الزرقا، مؤسسة الرسالة، عمان.
62 . نهج البلاغة: جمع الشريف الرضي (359 ـ 404 هـ) بيروت ـ 1387 هـ .
حرف الواو
63 . وسائل الشيعة: الحر العاملي محمد بن الحسن (المتوفّى 1104 هـ) مؤسسة آل البيت(عليهم السلام)، قم ـ 1412 هـ .
64 . الوسيط في شرح القانون المدني: عبد الرزاق السنهوري المصري، دار إحياء التراث العربي، بيروت .
65 . وسيلة النجاة: السيد أبو الحسن الاصفهاني (1284 ـ 1365 هـ) النجف الأشرف ـ 1364 هـ .
حرف الياء
66 . الينابيع الفقهية: علي أصغر مرواريد (معاصر) دار التراث والدار الإسلامية، بيروت ـ 1410 هـ .

333
فهرس المحتويات
الموضوع     الصفحة
الشركة
في الشريعة الإسلاميّة الغرّاء   7
مقدّمة المؤلّف    9
أقسام الشركة   12
المقصد الأوّل:
الشركة المعنونة في الكتب الفقهية   13
وفيها أُمور:
   الأوّل: في تعريف الشركة   15
   الثاني: أسباب الشركة وأقسامها   19
      الشركة العقدية: أسبابها وأقسامها   24
   الثالث: متعلّق الشركة   27
   الرابع: في كيفية الاشتراك   28
   الخامس: أقسام الشركة   31

334
الموضوع    الصفحة
      1. الشركة في الديون   32
      2. الشركة في المنافع   38
      3. شركة الأعمال في الفقه الإسلامي   41
         أقوال الفقهاء في شركة الأعمال   43
         أدلّة القائلين بعدم الجواز   49
            1. الإجماع على البطلان   49
            2. كونها غررية   51
            3. كون المعاملات توقيفية   56
            4. تمليك المعدوم   58
            5. عدم المزج   59
            6. من قبيل شركة المنافع   60
         ابن حزم وبطلان شركة الأعمال   61
         أدلّة المجوّزين من السنّة   63
         تصحيح شركة الأعمال   66
         شركة الأعمال فرع من الشركات المعنوية   67
      4. شركة الوجوه   69
      5. شركة المفاوضة   73
         عقد الشركة بين المالك والعمال   76
         المشاركة في القلع ونحوه   84

335
الموضوع    الصفحة
في شروط الشركة العقدية   87
   1. الشروط العامة في سائر العقود   87
   2. الامتزاج بين المالين   88
   3. اتحاد المالين في الجنس والوصف   93
   4. كيفية التخلّص من الإشكال عند فقدان الشرطين   95
   5. ماهو المعتبر في الإيجاب والقبول؟   95
أحكام الشركة   96
   1. تساوي الشريكين في الربح والخسران   96
   2. مع عدم التساوي فبنسبة الزيادة ربحاً وخسراناً   97
   3. لو شرط في العقد زيادة للعامل منهما أو لمن عمله أزيد   98
   4.اشتراط الزيادة لغير العامل أو للأقل عملاً، وفيه ثلاثة أقوال   101
      1. صحة العقد والشرط   101
      2. بطلان العقد والشرط   102
      3. بطلان الشرط فقط   108
   5. جعل الخسارة على أحدهما أزيد من الآخر   111
      لو اشترط كون تمام الربح لأحدهما   111
      لو شرطا كون تمام الخسارة على أحدهما   112
كيفية العمل منفرداً أو مشاركاً تابع لما اتّفقا عليه    114
إذا كان العمل مقيداً بنوع خاص من التجارة   115

336
الموضوع    الصفحة
إذا تعدّى الضوابط الموجودة في عقد الشركة   115
في ملاحظة المصلحة عند إطلاق الإذن   116
العامل أمين لا يضمن التلف ما لم يفرط   117
فروع في الشركة العقدية   118
   الفرع الأوّل: عقد الشركة من العقود الجائزة   119
   الفرع الثاني: ما هو المراد من فسخ الشركة؟   121
   الفرع الثالث: إذا رجع أحدهما عن إذنه دون الآخر لا يجوز
         التصرف للمخاطب المعزول دون العازل   122
   الفرع الرابع: إذا طالب أحدهما القسمة   123
   الفرع الخامس: جواز إبطال زيادة في الربح أو نقصان
         في الخسارة   123
      ادّعاء الخيانة أو التفريط على الشريك   124
      ادّعاء العامل التلف   125
في بطلان الشركة وفيها فروع   127
   الأوّل: بطلان الشركة بالطوارئ الأربعة   127
   الثاني:بطلان اشتراط الزيادة في النماء والنقصان في الخسارة   132
   الثالث: إذا تبيّن بطلان الشركة   133
   الرابع: إذا كان الإذن مقيداً بالصحة    134
   الخامس: استحقاق العامل أُجرة مثل عمله   135

337
الموضوع    الصفحة
المقصد الثاني:
الشركات الحديثة   139
وفيه تمهيد وفصول
أُمور تمهيدية:   141
   الأوّل: المسائل المطروحة للدراسة   141
   الثاني: تقسيم الشركات إلى مدنية وتجارية   143
   الثالث: تعريف الشركة التجارية   145
   الرابع: تقسيم الشركات التجارية إلى شركات الأشخاص
         وشركات الأموال   146
   الخامس: الشخصية المعنوية أساس الشركة التجارية   147
الفصل الأوّل: شركة الأشخاص الحديثة   149
   شركة الأشخاص، وفيها أقسام   151
      1. شركة التضامن ومشروعيتها، وفيها إشكالان   151
         الإشكال الأوّل: الضمان في المقام من مقولة ضمان
         ما لم يجب   152
            موارد أفتى العلماء بصحّتها   155
               1. ضمان الدرك   155
               2. الضمان بالأمر بالإتلاف   156
               3. ضمان مال الجُعالة   156

338
الموضوع    الصفحة
               4. ضمان نفقة الزوجة   156
               5. ضمان الجريرة   157
               6. ضمان العين المستأجرة   157
               7. ضمان العارية   158
               8 . براءة الطبيب من الضمان   158
               9. ضمان الصنجة   158
               10. ضمان المقبوض بالعقد الفاسد   159
         الضمان في المقبوض بالعقد الفاسد تأكيدلضمان العقد   160
      الإشكال الثاني: منع التبادل متأخّر للمالكية والسلطنة،
         وهو مخالف لأمرين   162
         أوّلاً: مقتضى المالكية للسهم   162
         ثانياً: مقتضى سلطنة الناس على أموالهم   163
   2. شركة التوصية البسيطة   163
      شركة التوصية البسيطة والفقه الإسلامي   164
   3. شركة التوصية بالأسهم   167
      شركة التوصية بالأسهم والفقه الإسلامي   167
   4. شركة المحاصّة   168
      شركة المحاصة والفقه الإسلامي   169

339
الموضوع    الصفحة
الفصل الثاني: في شركات الأموال   171
أقسام شركات الأموال   173
   1. شركة المساهمة العامّة، وفيها أُمور   173
      أ. تعريف شركة المساهمة العامّة   174
      ب. شروط الصحة   175
         1. الأهلية   175
         2. الرضا بالشركة غير مشوب   176
         3. المساهمة بحصة مالية   176
         4. الربح والخسارة بنسبة الحصّة   177
      ج. خصائصها ومواصفاتها   177
         شركة المساهمة العامّة والفقه الإسلامي   179
   2. شركة المساهمة الخاصّة   181
   3. الشركة ذات المسؤولية المحدودة   181
      عدم الضمان مع اليسار   184
الفصل الثالث: الشخصية المعنوية   187
الشخصية المعنوية والشركة التجارية   189
الشخصية المعنوية في الشريعة الإسلامية   190
أسئلة وأجوبة   192
   السؤال الأوّل: خلّو التشريع عن اعتبار الشخصية المعنوية   192

340
الموضوع    الصفحة
   السؤال الثاني: لم يحرز كونها عقداً شرعيّاً   192
   السؤال الثالث: الموارد المعدودة لا تصلح لانتزاع الضابطة   193
   السؤال الرابع: مورد الأمثلة هو الأموال العامّة   194
   نتائج الشخصية المعنويّة   196
      الأُولى: الذمّة المستقلة   196
      الثانية: أموال الشركة ضمان لدائنها   196
      الثالثة: لا تقع المقاصة بين دين شخصي على الشريك
         ودين للشركة   197
      الرابعة: إفلاس الشركاء لا يسري إلى الشركة وبالعكس   197
      الخامسة: حق التقاضي   197
      السادسة: موطن الشركة وجنسيتها   198
      السابعة: للشركة التجارية جنسيّة   198
      الثامنة: الأهلية   198
الفصل الرابع: الشركات الحديثة والفرائض المالية   201
تعلّق الخمس بأرباح التجارات   203
تعلّق الزكاة بمحاصيل الشركات الزراعية   205
حكم الشركات الهرمية   208
   الجواب   208
   أدلّة عدم مشروعيتها   213

341
الموضوع    الصفحة
      1. العمل والانتاج هو أساس الاقتصاد الإسلامي   213
      2. التجارة تدار وفقاً للأساليب العقلائية المتعارفة   214
      3. المعاملة غررية   215
      4. حكم القمار   215
      5. يؤدي إلى النزاع والتناحر في المجتمع   217
      6. وحدة الحقيقة وتعدد الأساليب   217
      7. الجذور الاجنبية   217
      8. انهيار اقتصاد البلدان الّتي أجازت عمل تلك الشركات   218
التأمين
في الشريعة الإسلامية الغرّاء   219
تمهيد حول التأمين، وفيه أشكال   221
   1. ضمان الجريرة أو ضمان الولاء   221
   2. ضمان العاقلة   222
   3. التعاون العشائري   222
انتشار التأمين   223
بحوث حول التأمين   225
1. تعريف التأمين   225
   قوام التأمين بأُمور أربعة   228
2. تقسيم التأمين   229

342
الموضوع    الصفحة
   التأمين التعاوني   229
   التأمين التجاريّ   230
      1. التأمين من الإصابات   231
      2. التأمين من المرض   231
      3. التأمين على الحياة   231
3. دراسة التأمين بما هو هو   232
   وعلى النحو المتعارف بين الناس   232
4. التأمين وآراء الفقهاء فيه   234
5. ما هو الدليل على مشروعية التأمين؟ وفيه نظريتان   253
   النظرية الأُولى: التأمين عقد مستقل داخل تحت عموم
         الوفاء بالعقود   254
      عموم الموصول للحكم والموضوع   256
   النظرية الثانية: عقد التأمين: عقد ضمان، وفيها وجوه   262
      ضمان الأعيان المضمونة   264
      ضمان الأعيان الشخصية غير المضمونة   265
   تصحيح الضمان في موارد   268
      الأوّل: ضمان الدرك، أو ضمان العهدة   268
      الثاني: ضمان مال السبق والرماية   269
      الثالث: ضمان مال الجعالة   270

343
الموضوع    الصفحة
      الرابع: الضمان عند خوف غرق السفينة   270
      الخامس: ضمان نفقة الزوجة المستقبلة   270
6. شبهات وإيضاحات   273
   1. التأمين والنهي عن بيع الغرر   273
      التأمين والغرر في الوجود والحصول   276
      التأمين والغرر في مقدار العوض   277
      التأمين والغرر في الأجل   279
   2. عقد التأمين والرهانة والمقامرة   281
   3. التأمين ومشكلة الربا   287
   4. عقد التأمين وأكل المال بالباطل   290
   5. ضمان ما لم يجب   293
خاتمة المطاف: التأمين على الحياة   295
   التأمين التعاوني   298
   التأمين التعاوني المركّب   300
   أحكام التأمين في تحرير الوسيلة   303
      حقيقة عقد التأمين   303
      الموجب والقابل في عقد التأمين   304
      الشروط العامّة لعقد التأمين   306
      الشروط الخاصة لعقد التأمين   308

344
الموضوع    الصفحة
         الأوّل: تعيين المؤمَّن عليه   309
         الثاني: تعيين طرفي العقد   309
         الثالث: تعيين المبلغ   309
         الرابع: بيان الخطر الموجب للخسارة   310
         الخامس: تعيين أقساط التأمين   310
         السادس: تعيين زمان التأمين   310
         شمولية التأمين وعموميته   311
         التأمين عقد مستقل   312
         التأمين التعاوني   314
         التأمين المختلط مع الاشتراك في الأرباح   317
         التزام المؤمن بدفع شيء إضافي على مبلغ التأمين   319
         إعادة التأمين أو تأمين المؤمن   321
الفهارس الفنية   323
1. فهرس مصادر التأليف   325
2. فهرس المحتويات   333
%%%