\
welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 13*
تألیف :العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني*

منية الطالبين في تفسير القرآن المبين/ ج 13

صفحه 1
مقدّمة المؤلّف   
    منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / الجزء 13
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
(13)

صفحه 2

صفحه 3
 
13   
 
 
 
 
 
 
 
الجزء الثالث عشر ويشتمل على تفسير السورتين التاليتين:
سورة التوبة (من الآية 61 إلى آخر السورة)، يونس
 
تفسير علمي، أدبي، يحتوي على أبحاث كلامية وعقائدية وتاريخية وروائية
 
تأليف
الفقيـه المحقّـق
جعفـر السبحـانـي
 
نشر
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
سبحانى تبريزى، جعفر ، 1308 ـ
      منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / تأليف جعفر السبحاني . ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1398 .
      30ج.    ISBN: 978 - 964 - 357 - 630 - 1 (VOL.13)
ISBN: 978 - 964 - 357 - 510 - 6( 30VOL.SET)
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا .
كتابنامه به صورت زيرنويس.
      1 . تفاسير شيعة ـ ـ قرن 14. الف. مؤسسة امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.
8م 2س/ 98 BP    179 / 297
1398
 
 
اسم الكتاب:    منية الطالبين في تفسير القرآن المبين / ج 13
المؤلف:    الفقيه المحقّق جعفر السبحاني التبريزي
الطبعة:    الأُولى
تاريخ الطبع:    1398 هـ ش / 1440 هـ . ق / 2019 م
المطبعة:    مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:    مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
القطع:    وزيري
عدد النسخ :    1000 نسخة
التنضيد والإخراج الفني:    مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
 
تسلسل النشر: 1040   تسلسل الطبعة الأُولى: 489
حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة، فلا يجوز شرعاً استنساخ أو نشر إصدارات
المؤسسة إلاّ بعد التنسيق مع المؤسسة واستحصال الموافقة الرسمية
مركز التوزيع
قم المقدسة: ساحة الشهداء: مكتبة التوحيد
?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
http://www.Tohid.ir

صفحه 5
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
(الرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَ قُرْآن مُبِين)
 
الحجر: 1.

صفحه 6
 

صفحه 7
 
سورة الأنبياء   

سورة التوبة من الآية 61

إلى آخر السورة
 
(وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْر لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ * أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ * يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَة مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ * الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْض يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَعَدَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ

صفحه 8
وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ * كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاَدًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاَقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ
الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوح وَعَاد وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ * وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْن وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِنْ وَلِيّ وَلاَ نَصِير * وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ

صفحه 9
إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ * أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ * الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ *
اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ * فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَالُوا لاَ تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ * فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلَى طَائِفَة مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّة فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ * وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ * وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ * وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ * رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ * لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ

صفحه 10
خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ سَيُصيِبُ الَّذِينَ كَفَرُوا
مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا للهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيل وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لاَ تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ * الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَات عِنْدَ اللهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلاَ إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ

صفحه 11
الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّات تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ
الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَاب عَظِيم * وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكّيِهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لاَِمْرِ اللهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْم أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ * أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ وَرِضْوَان خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُف هَار فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ

صفحه 12
أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ
الْعَظِيمُ * اَلتَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الاْمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ * مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ * وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لاَِبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَة وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لاََوَّاهٌ حَلِيمٌ * وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ * إِنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيّ وَلاَ نَصِير * لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيق مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ * وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لاَ مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ * مَا كَانَ لاَِهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلاَ يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ

صفحه 13
يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلاَ يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ
لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ * وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ * أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَام مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ * وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْض هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَد ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَفْقَهُونَ * لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ).

صفحه 14

الآيات: الحادية والستون إلى الثالثة والستين

سورة التوبة: الآيات 61 ـ 63   
(وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْر لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ * أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ).

المفردات

يؤذون: من الأذى: ما يؤلم الحيَّ المُدركَ في بدنه أو نفسه.
أُذُن: الأُذن: يقال رجل أُذن، أي يسمع كلَّ ما يقال له ويصدّقه. قال الشريف الرضي: وهذه استعارة لأنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ليس بأُذن على الحقيقة وإنّما المراد بذلك معنيان:
أحدهما أن يكون على معنى قول القائل إذا وصف غيره بكثرة الصلاة والصيام أو الأكل والنوم: ما فلان إلاّ صلاة وصوم، أو: أكل ونوم; فيكون معنى ذلك وصفه(صلى الله عليه وآله وسلم) بكثرة الإصغاء إلى الأقوال والأُذن إلى الكلام.
والمعنى الآخر أن يكون قولهم: (هُوَ أُذُنٌ) أي بمعنى الأُذن السليمة الحاسّة لا يخفى عليه شيء من القول المسموع فكأنّهم وصفوه(صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّ قول كلّ قائل يتّصل إلى سمعه ويقرّ في قلبه، وأخرجوا ذلك مخرج الذمّ

صفحه 15
له(صلى الله عليه وآله وسلم) فحاشى له من عيب العائب، وطعن الثالب. والقولان يرجعان إلى معنى واحد.(1)
يحادد الله: المحادّة: المخالفة.

التفسير

61. (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْر لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ):

مناسبة النُّزول

قال عليّ بن إبراهيم القمّي في سبب نزول الآية: إنّ عبد الله بن نبتل كان مُنافقاً، وكان يقعد إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فيسمع كلامه وينقله إلى المنافقين، ويَنُمَّ عليه، فنزل جبرئيل(عليه السلام) على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا محمد إنّ رجلاً من المنافقين يَنُمّ عليك وينقل حديثك إلى المنافقين، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): من هو؟ فقال: يا رسول الله، الرجل الأسود الوجه، الكثير شعر الرأس، ينظر بعينين كأنّهما قدران، وينطق بلسان شيطان. فدعاه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فأخبره فحلف أنّه لم يفعل، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«قد قبلت منك فلا تفعل» فرجع إلى أصحابه، فقال: إنّ محمداً أُذن، أخبره الله أنّي أنُمُّ عليه وأنقل أخباره فقبل،

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:48ـ 49.

صفحه 16
وأخبرته أنّي لم أفعل ذلك فقبل.(1)

طعن بعد طعن

قد تقدّم أنّ من أخلاق المنافقين إيذاء الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بأساليب مختلفة، حيث نقل عنهم سبحانه لمزهم في الصَّدقات، وقال مخاطباً نبيّه الكريم:(وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ)(2)، وهنا يشير إلى أُسلوب آخر من أساليبهم الماكرة التي ترمي إلى إيذائه (صلى الله عليه وآله وسلم) وزعزعة ثقة النّاس به، وهو توصيف النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بقولهم هو أذن، كما يقول سبحانه:(وَمِنْهُمُ): أي من المنافقين (الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ) نسب الإيذاء إلى الجماعة مع أنّه كان فعل رجل واحد لتصديق الآخرين كلامه (وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ) كنّى عن النبيّ باسم الجارحة للمبالغة، وكأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)يتلخّص في كونه أُذناً وسماعاً لكلّ كلام وليس له أمر آخر، ولذلك يقال للجاسوس هو عين، كأنّ هويّته تتلخص في المراقبة، وفي كلام الإمام علي(عليه السلام):«فَإِنَّ عَيْنِي ـ بِالْمَغْرِبِ ـ كَتَبَ إِلَيَّ يُعْلِمُنِي».(3)
ثمّ إنّ المنافق أراد بكلامه هذا أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) يصدّق كلّ ما وصل إليه من الأخبار من دون تحقيق. ومن المعلوم أنّ تصحيح وتصديق خبر كلّ مخبر من أكبر العيوب في القادة والرؤساء، والله سبحانه يردّ على طعنهم هذا بقوله:(قُلْ)هو (أُذُنُ خَيْر لَكُمْ) وكلامه هذا من الأُسلوب الحكيم الذي

1 . تفسير القمي:1/300; البرهان في تفسير القرآن:4/492ـ 493 برقم 4613.
2 . التوبة:58.
3 . نهج البلاغة: قسم الرسائل، برقم 33.

صفحه 17
يحمل فيه المخاطب كلام المتكلّم على غير ما يريده، تنبيهاً له على أنّه الأَولى بأن يراد، فقال: (قُلْ) يا رسول الله هو (أُذُنُ خَيْر لَكُمْ) لأنّه يسمع ما يبلغه عنكم ولا يؤاخذكم، وفي الوقت نفسه يسمع معاذيركم ويقبلها منكم، فقبول كلا الخبرين المتعارضين خير لكم، فصار أُذناً في الخير لا أُذناً في الشَّرّ.
نعم، تصديقه(صلى الله عليه وآله وسلم) لما يبلغه عن المنافقين ولِما يقدّمونه بين يديه من معاذير، ليس تصديقاً جدّيّاً، وإنّما هو من باب المداراة، فإنّ آلة الرئاسة ـ كما يقول أمير المؤمنين ـ سعة الصدر(1)، فتصديق كلّ أحد تصديق ظاهريّ بما أنّه لا يرتِّب عليه أثراً (لا على الأوّل ولا على الثاني)، وليس تصديقاً واقعيّاً. وأمّا لو أراد ترتيب أثر على قول ما، فلا يرتّبه إلاّ بعد التحقيق ووضوح الحال.
ثم إنّه سبحانه ذكر نوعين من التصديق، فقال:(يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ) فعدّى فعل الإيمان بما يسمع من الله سبحانه بالباء، وإلى ما يسمع من المؤمنين باللام.ولو أريد بالمؤمنين، المتظاهرون بالإيمان، يكون تصديقه لهم لمصالحهم فقط، كما مرّ توضيحه. وبذلك يفترق إيمانه بالله وبهم (وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ)وكونه رحمة للذين آمنوا لا ينافي كونه رحمة للعالمين، حيث قال: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)(2)، وذلك لأنّ المنتفع بهذه الرحمة الشّاملة هو المؤمن دون غيره، فمثل النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)كمثل الغيث إنّما تنتفع به الأرض الصالحة للزراعة دون الأرض السَّبخة.

1 . لاحظ: نهج البلاغة: قصار الحكم، برقم 176.
2 . الأنبياء: 107 .

صفحه 18
وحصيلة الكلام: إنّ القائد يمكن أن يتعامل مع من آمن به ويخبره عمّا سمعه ورآه، على أحد وجوه ثلاثة:
1. أن يرتِّب أثراً على كلّ ما يسمع، سواء أكان متناقضاً أم لا، فهذا القائد ليس له شخصية فكرية مستقلّة، حيث يقبل كلّ ما سمع من دون أن يحلّل الصحيح من الزائف .
2. أن يسدّ باب السَّماع والاستماع، ولا يفسح المجال لكلمات الآخرين وآرائهم، وهذا هو المستبدّ الّذي لا ينفع أُمّته أبداً. قال الإمام عليّ (عليه السلام): «مَنِ اسْتَبَدَّ بِرَأْيِهِ هَلَكَ»(1).
3. أن يفتح أبواب الحوار مع الناس ويستمع إلى أقوالهم وكلماتهم ووجهات نظرهم سواء أعلم بصدقها أم كذبها، بصحّتها أم عدم صحّتها حتّى أنّه لو علم بكذب خبر ما لا يتّهم صاحبه بالكذب احتراماً له وحفظاً للوحدة، ولكنه عند العمل يغربل الأقوال، فما يجده صحيحاً تؤيّده القرائن والشواهد يعمل به، ويطرح الآخر. وهذه هي سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فكونه «أذن خير» بمعنى أنّه لا يخرق السِّتر، بل يستمع إلى خبر المنافق الكاذب، كما يستمع إلى خبر المسلم الصادق .
وإلى ما ذكرنا يشير قوله تعالى: (فَبَِما رَحْمَة مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ )(2) .
وأدلّ دليل على رحمته، هو إصراره على حفظ ماء وجه المخبر

1 . نهج البلاغة: قصار الحكم، برقم 161.
2 . آل عمران: 159 .

صفحه 19
باصطناع احتمال ما، كما في قصة ماعز الأسلميّ وإقراره أمامه (صلى الله عليه وآله وسلم).
قال الإمام الصادق (عليه السلام): «أتى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)رجل، فقال: إني زنيت، فصرف النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وجهه عنه، فأتاه من جانب آخر، ثم قال مثل ما قال أوّلاً، فصرف عنه. ثم جاء الثالثة، فقال: يا رسول الله: إنّي زنيت وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة... إلى آخر الخبر».(1)
ترى أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يحاول حفظ كرامة هذا المسلم حتّى لا يقرّ بالزِّنا، ويحافظ على حرمته، وذلك بصرف وجهه عنه.
وعلى هذا مشى الإمام عليّ (عليه السلام)في مقابل من أقرّ أمامه بالزِّنا.(2)
ثمّ إنه سبحانه ختم الآية بقوله: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)، ظاهر الآية إنذار بعذاب الآخرة، وذكر النبيّ بوصف رسول الله ايماء إلى وجه استحقاق مؤذيه العذاب الأليم.(3)
ثمّ إنّ لصاحب المنار في الدفاع عن الإسلام والقرآن موقفاً جميلاً، غير أنّه في تفسيره يحمل روحاً طائفية، فيتحامل على الشيعة بأقبح الألفاظ وألذعها، فيقول ـ مثلاً ـ : وفي ذلك حِكم بالغة تقطع كلّ وتين من قلوب الرافضة وإن لم تقطع ألسنتهم الكاذبة الخاطئة.(4)
دراسة ما يذكره صاحب المنار في حقّ الشيعة
يقول ذلك، بَينا هو يعدّ نفسه من المصلحين، كأستاذه محمد عبده،

1 . الوسائل: 18، الباب 15 من أبواب حد الزنا، الحديث 2 .
2 . لاحظ : الوسائل: 18، الباب 16 من أبواب حد الزنا، الحديث 1 و 3 و 5 .
3 . التحرير والتنوير:1/136.
4 . تفسير المنار:10/519.

صفحه 20
وعبد الرحمن الكواكبي، وقبلهما السيد جمال الدين الأسد آبادي!! فمن كان يحمل هذه الروحية البغيضة لا يمكن له أن يحكم بحقّ، وينظر إلى الواقع بعين مجرّدة، والشاهد على ذلك أنه كتب في تفسير قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) ما هذا نصّه: ولكن لا يدخل في هذا كلّ ما يؤذي أحداً من سلائل آله وعترته بأيّ سبب من أسباب التنازع بين الناس في الحقوق المالية والجنائية والمخاصمات الشخصية لأنّ منها ما يكون فيها المنسوب إلى الآل الكرام جانياً آثماً ومعتدياً وظالماً، ثم عطف على ما ذكره قوله: وهذه فاطمة سيدة نساء أهله بل سيدة نساء العالمين كمريم(عليهما السلام) قد تأذّت من «الصديق الأكبر الذي كان أحب الرجال إليه»، كما كانت أحبّ النساء إليه، لأنّه لم يعطها ما ظنّت من ميراثها منه(صلى الله عليه وآله وسلم)وعذره أنّه منفّذ لأمره ومقيم لشرعه، وقد أخبره(صلى الله عليه وآله وسلم)بنطق فمه أنّ الأنبياء لا يورثون وما تركوه فهو صدقة، فعمله بوصيته، لا يمكن أن يُعدّ إيذاء له، فتأذّيها(عليها السلام)، لم يكن عن إيذاء منه «عليه الرضوان»، وكلّ منهما معذور.(1)
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ الجاني الآثم المعتدي من الآل خارج عن مورد الآية، لأنّ جنايته تؤذي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فكيف يكون إيذاؤه سبباً لإيذائه؟ وما خصّه بالذِّكر إلاّ ليبرّر قضاءه في حقّ فاطمة(عليها السلام).
ثانياً: أنّ عطف فاطمة (مع أنّه وصفها بأفضل الأوصاف لئلاّ يُرمى بالنَّصب) على الجناة من الآل، من باب عطف الضدّ على الضدّ، فإنّه(صلى الله عليه وآله وسلم)نصّ على عصمتها بقوله:«فاطمة بضعة منّي فمن أغضبها فقد أغضبني».(2) وفي

1 . تفسير المنار:10/605.
2 . فتح الباري في شرح صحيح البخاري:7/84.

صفحه 21
رواية قال:«يا فاطمة إنّ الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك».(1) وفي رواية ثالثة: «يا فاطمة ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين وسيدة نساء هذه الأُمة وسيدة نساء المؤمنين».(2) فإنّ هذه الروايات تثبت لبنت المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم) مكانة شامخة حتى صار غضبها ورضاها ملاكاً لكشف غضبه سبحانه ورضاه، وهذا إن دل على شيء فإنّما يدلّ على عصمتها، فهو سبحانه بما أنّه عادل وحكيم لا يغضب إلاّ على الكافر والعاصي، ولا يرضى إلاّ عن المؤمن والمطيع، فإذا كانت هذه مكانة الزهراء(عليها السلام) فإنّها ماتت واجدة على من سلبها حقّها، ففي صحيح البخاري من حديث فاطمة، قال: فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلِّمه حتى توفيت.(3)
أفبعد هذا التصريح بعصمة بنته يكون حالها كحال بقية سلالة الآل؟! كيف يكون حالها كحال الباقين مع أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) خصّها بأنّ إيذاءَها إيذاؤه، أفيمكن تخصيص ذلك بشيء؟!

حول: «ما تركناه صدقة»

إنّ الاحتجاج بما روي: «لا نورث إنّ ما تركناه صدقة» ساقط من وجوه:
أمّا أوّلاً: فلو صدر منه(صلى الله عليه وآله وسلم) ففيه الرَّيب كل الرَّيب، إذ كيف يخصّ أبا بكر به، ولم يذكره لبنته التي هي مورد الحديث ومحوره؟! بل كان من واجب

1 . المستدرك على الصحيحين:3/154; مجمع الزوائد:9/203.
2 . المستدرك على الصحيحين:3/156(وصحّحه مؤلّفه الحاكم النيسابوريّ، ووافقه الذّهبيّ).
3 . صحيح البخاري:1036، برقم 4241.

صفحه 22
النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يذكره على رؤوس الأشهاد، لبنته وأزواجه، مع أنّه لم يروه إلاّ لمن ليس له علاقة بهذا الموضوع.
وثانياً: كانت للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وراء فدك أموالٌ أُخرى كبيوت أزواجه، فإنّ الخليفة لم يتعرّض لها بسوء بل تركها لهنّ، حتى أنّه دُفن في بيت عائشة بإذن منها، كما أنّ عمر بن الخطاب دُفن في بيتها بإذن خاص منها، فلو كان ما تركه صدقة، فلماذا ملكت عائشة حجرتها واحتاج الخليفة إلى الاستئذان منها.
وثالثاً: نحن نفترض أنّ الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لا نورث ما تركناه صدقة، ولكن من المحتمل جدّاً، أنّ الفعل «لا نورث» فعل معلوم لا مجهول، ومعناه: نحن معاشر الأنبياء لا نورث الأشياء التي تركناها صدقة، فتكون لفظة «ما» مفعولاً للفعل المبنيّ على الفاعل، وعند ذلك لا صلة للحديث بكلّ ما يتركه النبيّ حتّى أمواله الشخصية، والمقصود النهائيّ هو أنّ الصدقة لا تورث كالزكاة وأمثالها.
ورابعاً: أنّه لو كانت فدك صدقة، فلماذا أقطعها عثمان لمروان، وكانت في يد أبنائه يرثها واحداً بعد واحد، إلى أن استولى عليها العباسيون فكان لها مصير آخر، مذكور في التاريخ، فتارة تُردّ إلى أولاد فاطمة(عليها السلام)وأُخرى تنتزع منهم، حسب اختلاف الظروف وطبائع الحكّام ومزاجهم.
ثمّ إنّ صاحب المنار ذيّل كلامه بقوله: فماذا يقال بعد هذا فيمن ارتدّوا عن الإسلام من مدّعي هذا النسب الشريف بحقّ وبغير حقّ، كغلاة الشيعة الباطنية من فاطمية مصر والإسماعيلية الذين أسّسوا جمعياتهم السرّية لمحو الإسلام من الأرض من طريق دعوى عصمة أئمّة آل البيت كما هو معلوم وبيّناه مراراً؟ هل يقال إنّ مَن يؤذيهم يعدّ مؤذياً لرسول الله وهم أعدى

صفحه 23
أعدائه وأخبث المفسدين لديه ومن دونهم مبتدعة الروافض وخرافاتهم معروفة وجناياتهم على الإسلام والشيعة مشهورة؟(1)
تُرى أنّه يتهجّم على الشيعة جميعاً غير أنّه يفرّقهم بين ملحد ومبتدع، فالفاطميون هم الملاحدة، والشيعة الإمامية هم المبتدعة الذين جنوا على الإسلام والمسلمين!!
إنّ القضاء الحاسم حول ما ذكره في حقّ فاطمية مصر على عاتق التاريخ، ولكن نسأل الرجل أهؤلاء الذين أسّسوا الأزهر الشريف (الذي من ثمراته أُستاذك المرحوم الشيخ محمد عبده ثم أنت ومن بعدك) وأسسوا مئات المساجد والمعاهد، هم الذين حاولوا محو الإسلام؟! ونعمَ الحكم الله بينه وبينهم. وأمّا ما في آخر كلامه من جناية مبتدعة الروافض على الإسلام والمسلمين فهي دعوى مجرّدة يؤاخذه الله عليها يوم لا ينفع مال ولا بنون.
ومن أراد أن يقف على تاريخ الشيعة الإمامية وأُصولهم وفروعهم، وما قدّموه للأُمّة الإسلامية من خدمات جليلة في كلّ المجالات، فعليه الرجوع إلى الجزء السادس من موسوعتنا «بحوث في الملل والنحل».
62. (يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ):
الضمير في قوله:(يَحْلِفُونَ) يرجع إلى الذين وصفوا النبيّ بأنّه أُذُن، وأريد بضمير الخطاب في قوله: (لَكُمْ) و(لِيُرْضُوكُمْ) المؤمنون، كما أنّ

1 . تفسير المنار:10/606.

صفحه 24
الضمير في قوله:(يُرْضُوهُ)يرجع إلى الله سبحانه.
مقتضى السياق أن يقول: يرضوهما، ولكن عدل عن ضمير التثنية إلى ضمير المفرد، لوجهين:
1. أنّ في الإفراد إشعاراً بأنّ رضا الرَّسول(صلى الله عليه وآله وسلم) هو رضا الله تعالى عينه، فرضا الله سبحانه لا ينفكّ عن رضا الرَّسول(صلى الله عليه وآله وسلم).
2. أنّ إفراد الضمير مقتضى أدب التوحيد صوناً لمقامه من أن يعدل به أحد.
ولتلك الغاية يذكر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) مفرداً بالرّغم من اشتراك غيره معه في الحكم، يقول تعالى:(يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللهُ النَّبيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا)(1) ويقول: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ)(2).
كلّ ذلك تعزيزاً وتكريماً لنبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم).
هذا ما يتعلّق ببيان مفردات الآية، فلنرجع إلى تفسيرها.
روى الطبريّ في شأن نزول الآية عن قتادة قال: ذُكر لنا أنّ رجلاً من المنافقين قال: والله إنّ هؤلاء لخيارنا وأشرافنا، وإن كان ما يقول محمد حقّاً لهم شرّ من الحمير، فسمعها رجل من المسلمين، فقال: والله إنّ ما يقول محمد حقّ، ولأنت شرّ من الحمار، فسعى بها الرجل إلى نبيّ الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فأرسل إلى الرجل فدعاه، فقال له: ما حملك على الذي قلت؟ فجعل يلتعن ]يلعن نفسه [ويحلف بالله ما قال ذلك، قال: وجعل الرجل المسلم يقول:

1 . التحريم:8.
2 . البقرة:285.

صفحه 25
اللّهمّ صدِّق الصادق وكذِّب الكاذب، فأنزل الله في ذلك:(يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ...).(1)
قوله تعالى: (يَحْلِفُونَ بِاللهِ) ـ كذباً ـ (لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَ) لكن (اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ)وتقدير الآية: والله أحقّ أن يرضوه، ورسوله أحق أن يرضوه، كما في قول الشاعر:
نحن بما عندنا وأنت بما *** عندك راض والرأي مختلفُ
والمعنى: نحن بما عندنا راضون،... وأنت بما عندك راض.
حُذِف التصريح برضا النبيّ لبيان الملازمة بين الرضاءين، كما مرّ.
ثمّ إنّه سبحانه يذكر بأنّ إرضاء الله ورسوله أحقّ من إرضاء المؤمنين، وذلك لأنّ المؤمنين يصدِّقونهم إذا لم يجدوا دليلاً على كذبهم لعدم اطّلاعهم على ما في صدورهم من الضغائن، ولكنّ الله سبحانه لا يَخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فلا يرضى بيمينهم الكاذبة. وأتمّ الآية بقوله: (إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ): أي مصدِّقين بالله تعالى، ومقرّين بنبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، فلا يرضى الله سبحانه عنهم ولا رسوله إلاّ إذا نَزَعوا عن النّفاق وصاروا مؤمنين.
63. (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ):
كانت الآية السابقة تخاطب المنافقين بلسان النُّصح وتطلب منهم كسب رضا الله ورسوله، وأمّا هذه الآية فخاطبتهم بلسان التهديد: (أَلَمْ

1 . جامع البيان (تفسير الطبري): 6/213ـ 214 برقم 16924; تفسير الدر المنثور:4/228.

صفحه 26
يَعْلَمُوا): أي ألم يعقلوا(أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ)أي يشاقق ويعادي (اللهَ وَرَسُولَهُ)ويتجاوز الحدّ في المخالفة لهما(فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا). فمن
يلمز النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في تقسيم الصَّدقات أو يصفه بكونه أُذن أو غير ذلك، فجزاؤه نار جهنّم يصلاها يوم القيامة (ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ) الذلّ العظيم، والهوان الكبير.

كلام لصاحب «روح البيان» يكشف عن مدى إيذاء النبيّ وأهل بيته(عليهم السلام)

ثمّ إنّ لصاحب تفسير «روح البيان» كلاماً في المقام يكشف عمّا تعرّض له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وأهل بيته(عليهم السلام) من أنواع العذاب في سبيل الرسالة وتبليغها، يقول في شرح هذه الآية: واعلم أنّ كلّ نبيّ أُوذي بما لا يحيط به نطاق البيان، وكان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أشدّهم في ذلك كما قال:«ما أُوذي نبيٌّ مثل ما أُوذيت»، ولما كانت الأذيّة سبب التصفية، كان المعنى: ما صُفّيَ نبيٌّ مثل ما صُفِّيت. ثمّ نقل عن الشيخ الشهير بأفتاده أفندي، قوله: وإنّما كان الحسن مسموماً، والحسين مذبوحاً رضي الله عنهما بسبب أنّ كمال تعيّنهما كان بالشهادة، وكان النبي(عليه السلام)قادراً على تخليصهما بالشفاعة من الله تعالى، ولكنّه رأى كمالهما في مرتبتهما راجحاً على الخلاص، حتى أنّه(عليه السلام) دفع قارورتين لواحدة من أزواجه المطهرة، وقال: «إذا اصفرّ ما في إحداهما يكون الحسن شهيداً بالسُّمّ، وإذا احمرّ ما في الأُخرى يكون الحسين شهيداً بالذَّبح» فكان كذلك.(1)
سورة التوبة: الآيات 64 ـ 66   

1 . روح البيان لإسماعيل حقّي البُروسَوي الحنفي:3/548.

صفحه 27

الآيات: الرابعة والستون إلى السادسة والستين

(يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَة مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ).

المفردات

يحذر: الحَذَر: التحفُّظ مما يُخشى ويُخاف منه.
مُخرج: من الإخراج أي إظهار الشيء الخفيّ المستتر.
نخوض: الخَوض: الدُّخول في الشيء، وكثيراً ما يستعمل في الدُّخول في الأمر الباطل.
نلعب: اللَّعب: فعل ما فيه سقوط المنزلة لتعجّل اللذّة كفعل الصبيّ.
لا تعتذروا: من الاعتذار: الإدلاء بالعذر لمحو أثر الذنب، وترك المؤاخذة عليه.
طائفة: الجماعة من الناس.
مجرمين: من الإجرام، بمعنى القطع باعتبار كون المجرم ينقطع عن الحق إلى الباطل.
 

صفحه 28

التفسير

خوف المنافقين من الاطّلاع على خططهم

يظهر من غير واحدة من الآيات أنّ أكثر ما كان المنافقون يسرّونه، فالله سبحانه يخبر نبيّه به عن طريق الوحي، ومن نماذج ذلك ما في سورة (المنافقون) حيث اتّفق المنافقون على عدم الإنفاق على من عند رسول الله من ذوي الحاجة، فأطلع الله سبحانه النبيَّ عليه عن طريق الوحي، قال تعالى: (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا)(1)، كما أنّهم حرّضوا على إخراج المهاجرين من المدينة المنوّرة، فاطّلع عليه النبيّ عن طريق الوحي، قال تعالى:(يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ)(2) إلى غير ذلك من الآيات التي تشهد على اطّلاع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) على ما كانوا يُسرّونه، وما يدبّرونه من مكائد، وهكذا في هذه الآيات الثلاث.
64. (يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ):
هذه الآية من الآيات التي تكشف عن سَوأة المنافقين في غزوة تبوك، وتقول: (يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ): أي على المنافقين (سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ): أي تخبر المنافقين(بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ)فكانوا يقولون عسى أن لا يُفشى علينا هذا! ولمّا كشفت هذه الآية وما بعدها عن سوءاتهم سمّيت السورة

1 . المنافقون:7.
2 . المنافقون:8.

صفحه 29
بـ«الفاضحة»، لأنّها فضحت وكشفت عمّا كان يدور بينهم من أقوال منكرة وما يضمرونه من سوء، فالله سبحانه يأمر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)أن يجيبهم بقوله: (قُلْ)يا رسول الله لهم (اسْتَهْزِئُوا) وهو وعيد بصيغة الأمر (إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ)سيكشف ويخرج عمّا في قلوبكم (مَا تَحْذَرُونَ)انكشافه من الخطط والمكائد التي تستهدف الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين من أصحابه.

تفسير خوف المنافقين من نزول الآية في حقّهم

بقي الكلام في أمرين:
الأوّل: أنّ المنافقين لم يكونوا مؤمنين برسالة النبيّ، واتّصاله بالله عن طريق الوحي، وأنّ السُّور القرآنية موحاة منه إليه، فكيف يحذرون نزول سورة تنبئهم بما في قلوبهم؟ وبعبارة أُخرى: إنّ حذر المنافقين وتحرّزهم من نزول سورة من الله تعالى تفضحهم وتكشف أسرارهم، آية أنّهم يعتقدون برسالة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، هذا من جانب، ومن جانب آخر: إنّ المنافق هو من أظهر الإيمان وأبطن الكفر فكيف يعتقد بنزول سورة من الله على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)؟ هذا هو الإشكال الذي طرحه المفسِّرون، وقد أجابوا عنه بوجوه:
1. ذهب صاحب الكشّاف إلى أنّ الضمائر الثلاثة في قوله: (عَلَيْهِمْ)و (تُنَبِّئُهُمْ)و (قُلُوبِهِمْ)ترجع إلى المؤمنين.(1)
يلاحظ عليه: أنّه خلاف سياق الآية.
2. ما حكي عن الأصمّ أنّه قال: إنّهم كانوا يعرفون كونه رسولاً صادقاً

1 . لاحظ: تفسير الكشاف:2/47.

صفحه 30
من عند الله تعالى إلاّ أنّهم كفروا به، حسداً وعناداً.(1)
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من المعنى لا ينسجم مع كونهم منافقين، فإنّ المنافق هو الذي يستر كفره بظاهر إيمانه، وفي فرض القائل لم يستروا كفرهم بشيء بل أظهروه بلسانهم.
3. قال الشريف الرضيّ: هذه استعارة لأنّ السورة نطقها من جهة البرهان لا من جهة اللِّسان، فكأنّه تعالى أراد أنّ الناس يعلمون بهذه السورة النازلة في المنافقين كوامنَ نفوسهم وعقائد قلوبهم، ويعرفون بهم حقّ معرفتهم، بما أعطاه الله تعالى من أوصافهم، وذمٍّ من أخلاقهم.(2)
4. قال السيد الطباطبائي: الخطاب للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)ووجه الكلام إليه وهو يعلم بتعليم الله أن هذا الكلام الّذي يتلوه على الناس كلام إلهي وقرآن منزل من عنده، فيصف سبحانه الكلام الّذي يخاف منه المنافقون، بما له من الوصف عند النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وهوأنّه سورة منزلة من الله على الناس، ومنهم المنافقون، لا على ما يراه المنافقون أنّه كلام بشريّ يدعى كونه كلام الله .(3)
وأضاف السيد الطباطبائي: إنّ المنافقين كانوا يحذرون أن يتلو النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عليهم وعلى الناس كلاماً هذا نعته الواقعيّ، وهو أنّه سورة منزلة عليهم بما أنّها متوجّهة بمضمونها إليهم، قاصدة نحوهم تنبّئهم بما في قلوبهم، فيظهر للناس ما كانوا يسرّونه من كفرهم وسوء نيّاتهم.(4)

1 . تفسير الرازي:16/121.
2 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:49.
3 . الميزان في تفسير القرآن: 9 / 326 ـ 327.
4 . انظر: الميزان في تفسير القرآن:9/327.

صفحه 31
والفرق بين ما ذكره الشريف الرضي والسيد الطباطبائي، أنّ وصف السورة بالإنزال من الربّ بحسب الناس ونظرهم عند الشريف الرضيّ، وبحسب نظر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عند الطباطبائي.
وبذلك نستغني عن كثير من الأجوبة التي أجيب بها عن السؤال.
الثاني: ماذا أُريد بالاستهزاء في قوله:(قُلْ اسْتَهْزِئُوا) فإنّ كلامهم السابق لم يصدر عنهم عن استهزاء؟
والجواب: أنّه أريد بالاستهزاء هو نفاقهم وما ترتّب عليه من الآثار، بشهادة أنّه سبحانه سمّى نفاقهم استهزاء حاكياً في ذلك قولهم: (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ)(1) فأريد بالاستهزاء ستر ما يحذرون ظهوره. والأمر تعجيزي أي دوموا على نفاقكم وستر ما تحذرون خروجه من عندكم إلى مرأى الناس ومسمعهم فـ(إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ).
65. (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ):

مناسبة النُّزول

ورد في شأن نزول الآية: أنّه بينا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يسير في غزوته إلى تبوك، وبين يديه ناس من المنافقين، فقالوا: أيرجو هذا الرجل أن يفتح قصور الشّام وحصونها؟ هيهات هيهات، فأطلع الله نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) على ذلك، فقال

1 . البقرة:14.

صفحه 32
نبيّ الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«إحبسوا عليَّ الرَّكْب، فأتاهم، فقال: «قلتم كذا؟ قلتم كذا؟» قالوا: يا نبيّ الله: إنّما كنّا نخوض ونلعب، فأنزل الله تبارك وتعالى فيها ما تسمعون.(1)
إذا عرفت ذلك، فلنرجع إلى تفسير الآية.
قوله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ): أي هؤلاء المنافقين، عمّا تكلّموا به من كلام باطل آثم في حقّك وحقّ الإسلام (لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ): أي ما كنّا جادّين في الذي صدر منّا، بل كان على سبيل اللّعب واللهو، فكان عذرهم أقبح من ذنبهم، فاعتذروا عمّا تعاطَوه بأنّهم كانوا هازلين لا جادّين، فأمر سبحانه نبيّه أن يقول:(قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ): أي حججه وبيّناته (وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ)فهل الله جلّت عظمته وآياته لعبة للتلهّي؟! وهل أرسل أنبياءه للسخرية والاستهزاء؟!
66. (لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَة مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ):

تفسير كفر المنافقين بعد الإيمان

ظاهر الآية أنّهم كانوا قبل هذا مؤمنين فكفروا بهذا الاستهزاء الذي سمَّوه خوضاً ولعباً، مع أنّهم كانوا كافرين قبل هذا، حيث إنّ المنافق يبطن الكفر ويظهر الإيمان، فماذا يُراد بالآية؟

1 . جامع البيان(تفسير الطبريّ):6/216 برقم 16932 و 16933. وانظر: التبيان في تفسير القرآن:5/251.

صفحه 33
والجواب: أنّهم قبل استهزائهم كانوا كافرين واقعاً وإن كانوا مسلمين حكماً وظاهراً، لأنّهم أظهروا الإسلام فجرى عليهم ما جرى على سائر المسلمين ولكنّهم بعد هذا الاستهزاء الذي اعترفوا به صاروا كافرين واقعاً وظاهراً، ولذلك يقول:(لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ).
قوله تعالى: (إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَة مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً) ظاهر الآية أنّ المنافقين كانوا على صنفين: منهم من يستحقّ العفو، ومنهم مَن لا يستحقّ إلاّ العذاب، فلعلّ الطائفة الأُولى هم الضعفاء التابعون، وأمّا الثانية فهم الرؤساء المتبوعون الذين يؤثّرون في الأتباع بأساليبهم الماكرة وأموالهم وزُخرف أقوالهم، فلذلك يأمر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بالعفو عن طائفة دون أُخرى، ويعلِّله بقوله:(بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ): أي متأصِّلين في الجريمة.
ويحتمل أيضاً أن يراد من الطائفة الأُولى الذين تابوا وأخلصوا الإيمان بعد النِّفاق، ومن الطائفة الثانية المصرّون على النِّفاق غير تائبين منه، فاستحقّت الطائفة الأُولى العفوَ وتَرْك العذاب، دون الطائفة الأُخرى.
وبما ذكرنا من الاحتمال الثاني يظهر وجه ترتّب تعذيب طائفة على العفو عن طائفة أخرى، وذلك لأنّ معشر المنافقين استحقّوا العذاب جميعاً، فلو خرجت طائفة عن هذه القاعدة لتوبتهم وإيمانهم فإنّ الباقين مشمولون بها لا محالة لإصرارهم على الكفر.

الآيات: السابعة والستون إلى السبعين

(الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْض يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ

صفحه 34
الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَعَدَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ * كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاَدًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاَقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوح وَعَاد وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ).
سورة التوبة: الآيات 67 ـ 70    

المفردات

بعضهم من بعض: أي متشابهون في النِّفاق وصفاً وعملاً.
يقبضون أيديهم: كناية عن البخل.
نسوا الله: تركوا امتثال أوامره، فصار بمنزلة المنسيّ.
فنسيهم: جازاهم حسب نسيانهم.
الفاسقون: الخارجون عن الطاعة.
وعد: يستعمل في الخير والشر.
لعنهم: أبعدهم من الرحمة.

صفحه 35
مقيم: ثابت لا يتحوّل.
بخَلاقهم: بنصيبهم.
خضتم: دخلتم في الباطل.
حبطت: قال الراغب: حبط من الحَبَط، وهو أن تكثر الدابة أكلاً حتى ينتفخ بطنها.(1) وعلى هذا فالحبط هنا بمعنى الفساد.
أصحاب مدين: قوم شعيب.
المؤتفكات: قرى قوم لوط.

التفسير

الآية الأُولى من هذه المجموعة تذكر خصائص المنافقين وحالاتهم، بينما تذكر الآية الثانية مصيرهم يوم القيامة، وأمّا بقية الآيات فتوعدهم بأنّه سيجري عليهم ما جرى على الأُمم السابقة، وإليك التفسير.
67. (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْض يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ):

المنافقون كلّهم على شاكلة واحدة

قوله تعالى: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ) من غير فرق بين الذكر والأُنثى

1 . المفردات للراغب:106، مادة «حبط».

صفحه 36
(بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْض): أي متشابهون سجيّة وفكراً وعملاً، كأنّ كلاً منهم عين الآخر. وقد جاءت هذه الفقرة في آية أُخرى تخصّ أولي الألباب من المؤمنين، أعني قوله تعالى:(فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِل مِنْكُمْ مِنْ ذَكَر أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْض)(1)، وكأنّهم أغصان شجرة واحدة، قال الشاعر:
تلك العصا من هذه العُصيّةْ *** هل تلد الحيّة إلاّ حيّةْ
ثمّ إنّه سبحانه يذكر لهم صفات مختلفة تندرج جميعاً تحت عنوان: رذائل الأعمال، وهي:
1. أنّهم (يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ) وأيّ منكر أقبح من النِّفاق ونقض الأيمان؟
2. (وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ): أي عن الأفعال الحسنة، وفي طليعتها الإيمان بالله ورسوله. وهذه الفقرة تدلّ على أنّ الإنسان قادر على إدراك حُسن الأفعال وقُبحها من غير حاجة إلى تنصيص الشارع عليهما، فإنّ المتبادر من الفقرة أنّ المنافقين حسب فطرتهم يعرفون المنكر والمعروف، ولكن لخبث ذواتهم يأمرون بالأوّل وينهون عن الثاني، وهذا دليل على أنّ الإنسان بفطرته السليمة يستطيع أن يعرف حُسن الأفعال وقُبحها خلافاً للأشاعرة الذين يرَون أنّ الحسن والقبح من الأُمور الشرعية لا العقلية، فما حسّنه الشارع، فهو حَسَن، وما قبّحه فهو قبيح، وأنّه ليس للعقل تلك المنزلة.
وهم بهذا القول يعارضون صريح الآيات الدالة على أنّ الإنسان يدرك قبح فعله وحسنه، والشاهد على ذلك أنّ الذِّكر الحكيم يؤاخذهم على

1 . آل عمران:195.

صفحه 37
إدراكهم حسن الأفعال وقبحها، يقول سبحانه: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)(1)، فإنّ الاحتجاج عليهم بأنّه سبحانه لا يسوّي بين المجرم والمسلم فرع معرفة كلّ إنسان بأنّ التسوية بينهما أمر قبيح، قبل أن تُشرَّع، ولذلك أتمّ الآية بقوله:(مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ).
3. (وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ) كناية عن البخل، كما أنّ بسط اليد كناية عن الإنفاق والكرم.
4. (نَسُوا اللهَ): أي تركوا طاعة الله تعالى، فصار ذلك بمنزلة النسيان (فَنَسِيَهُمْ)ونسيانه لهم حرمانُهم من رحمته وكرامته، فإذا صار الإنسان محروماً من العطاء يقال له: نُسيَ. وتعبيره سبحانه عن عمله بالنِّسيان، من باب المشاكلة والمقابلة، حيث عبّر عن عمله بما عبّر به عن أعمال المنافقين (وَ)الحال (مَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا)(2)، فهو جلّ شأنه منزّه عن النّسيان الذي هو بمعنى السَّهو والغفلة، لكمال علمه وإحاطته بكلّ شيء.

معنى نسيان الله إيّاهم

وهذه الآية أفضل دليل على وجود المجاز في القرآن الكريم، حيث إنّ وصف الله سبحانه بالنِّسيان لا يُعقَل ولا يَصحّ إلاّ عن طريق المجاز أو عن طريق المشاكلة، حيث نزّل حرمانَهم من كرامات الله منزلة المنسيّ(النِّسيان). وما ذكرناه من تفسير النِّسيان هو الظاهر من كلام أمير البيان(عليه السلام).(3)

1 . القلم:35ـ36.
2 . مريم:64.
3 . انظر: تفسير العيّاشي:2/242 برقم 1854.

صفحه 38
ونحو هذا المعنى المجازيّ، ما ورد عن الإمام علي بن الحسين زين العابدين في أحد أدعيته، قال(عليه السلام) مناجياً ربّه تعالى:
«ولا تُرسلْني من يدكَ إرسالَ من لا خيرَ فيه، ولا حاجةَ بكَ إليه، ولا إنابةَ له، ولا تَرم بيَ رَمْيَ مَنْ سقطَ من عين رعايتك، ومَنِ اشتمل عليه الخزيُ من عندك...».(1)
5. (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ): أي الخارجون عن طاعة الله وطاعة رسوله، مأخوذ من فَسَق الرُّطب إذا خرج عن قشره، وهو أعمّ من الكفر. وبهذا المعنى يصف سبحانه الشيطان بالفِسْق، يقول: (فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ)(2): أي خرج عن طاعة ربّه.
68. (وَعَدَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ):
بعد أن أشار سبحانه، في الآية السابقة، إلى الصفات الذميمة للمنافقين، أخبر هنا عن مصيرهم في الآخرة، فقال:(وَعَدَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ): أي الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر (وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا): أي ماكثين فيها أبداً (هِيَ حَسْبُهُمْ): أي هي جزاءٌ كاف على أعمالهم الإجرامية(وَلَعَنَهُمُ اللهُ): أي أبعدهم من رحمته (وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ)دائم لا يزول. وقد عبّر سبحانه عن الوعيد بـ(وَعَدَ)تهكّماً وإذلالاً. وفي الآية دليل على دوام النّار وعدم فنائها، وكون المنافقين والكافرين معذَّبين فيها دوماً

1 . الصحيفة السجّاديّة الكاملة: دعاؤه في يوم عَرَفة.
2 . الكهف:50.

صفحه 39
بلا انقطاع.
69. (كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاَدًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاَقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ):

تشبيه فريق المنافقين بالأُمم السابقة

الآية تتضمّن تشبيهاً، وأريد به تشبيه وعد المنافقين بالعذاب بوعد الأقوام السابقة به، فيكون وجه الشَّبه هو التعذيب. ويحتمل أن يكون وجه الشَّبه أمراً آخر وهو تشبيه أفعال المنافقين بأفعال الآخرين. والوجه الأوّل هو الأظهر. وعلى كلّ تقدير، فهذه الآية وما بعدها تُخبر بأنّهم ليسوا أشدّ قوّة وأكثر أموالاً من الأُمم السابقة، فكما أنّ أموالهم وأولادهم لم تنفعهم ولم تمنعهم من عذاب الله، فأنتم أيضاً كذلك، كيف؟ والأقوام السابقة كانوا أشدّ منكم في القوّة، غير أنّ الجميع من المشبّه والمشبه به يتمتعون في هذه الدنيا أياماً قلائل ثم تُحبط أعمالهم في الدنيا والآخرة. وإليك التفسير.
قوله تعالى:(كَالَّذِينَ): أي مثَلكم ـ يا معشر المنافقين ـ مثَل الذين (مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً) في أبدانهم(وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاَدًا)، فلم ينفعهم ذلك شيئاً وحلّ بهم عذاب الله تعالى(فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاَقِهِمْ): أي بنصيبهم من الدنيا وصرفوه في معصية الله سبحانه.
إلى هنا تمّ بيان حال الأقوام السابقة وأنّهم كانوا كذا وكذا مستمتعين

صفحه 40
بما أوتوا من قوّة وكثرة من الأموال والأولاد .
وأمّا تشبيه حال الطائفتين: الكفّار والمنافقين بالأقوام السابقة وبيان وجه الشبه من التمتُّع بالنصيب ثم حبط الأعمال، فقد ساقه البيان القرآني كما يأتي: (فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاَقِكُمْ): أي بنصيبكم ممّا أوتيتم من النِّعم (كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ): أي بحظّهم (وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا): أي خضتم في الكفر والاستهزاء والأقوال المنكرة والأفعال الأثيمة، كما خاض الأوّلون، ولكن صارت النتيجة واحدة.
وربما يقال: مقتضى القاعدة أن يقول: كالذين خاضوا، وقد أجيب عنه بوجوه ذكرها الطبرسي في «مجمع البيان»، أظهرها:
إنّ إفراد الموصول لأنّه صفة للخوض المفرد المقدّر، والتقدير: خضتم كالخوض الذي خاضوا فيه. وهناك وجوه أُخرى فلاحظ.(1)
وبما ذكرنا ظهر أنّه لا تكرار في الآية كما يُتوهَّم، فإنّ موقع قوله:(فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاَقِهِمْ)غير موقع قوله: (كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ)، فإنّ الأوّل لبيان حال الأقوام السابقة من حيث القوة والقدرة والاستمتاع بالنصيب. وأمّا الثانية فهي لبيان وجه التشبيه للاستمتاع والخوض بين الطائفتين.
وعلى كلّ تقدير، فـ (أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ). هذه الفقرة تخبر عن أمرين:
1. حبْط أعمالهم الإيجابية ـ نظير صلة الرّحم وصنع المعروف

1 . مجمع البيان:5/41.

صفحه 41
والصدقة وقِرى الضيوف ـ في الدنيا والآخرة. أمّا حبطها في الآخرة فهو أنّهم لا يثابون عليها لأنّهم لم يبتغوا بها وجه الله، وأمّا في الدنيا، فهنا وجوه قد مرّت عليك في تفسير قوله سبحانه:(قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ * وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ).(1)
إنّما الكلام في حبط أعمالهم في الدنيا، فيُحتمل أن يُراد أنّهم لم ينتفعوا بأعمالهم وأموالهم. وربما يقال: أريد استئصالها وإتلافها بحلول أنواع العذاب على تلك الأُمم (2). وهناك احتمال ثالث، وهو أنّه يراد من بطلانها في الدنيا بأنّها لا ترفع من شأن المنافق والكافر عند أهل الوعي والإيمان.(3)
2. (وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) لأنّهم أتعبوا أنفسهم ولم ينتفعوا إلاّ أياماً قلائل، ثمّ يلاقون بعدها مصيرهم القاتم. قال سبحانه: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * اَلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا).(4)
70. (أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوح وَعَاد وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ):

1 . التوبة: 53ـ 54.
2 . لاحظ: التفسير الكاشف:4/67.
3 . لاحظ: التحرير والتنوير:10/149.
4 . الكهف:103ـ104.

صفحه 42

تحذير المنافقين من الوقوع فيما وقعت فيه الأُمم الهالكة

الاستفهام في قوله: (أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) استفهام توبيخي، والمراد به التقرير والتحذير، أي ألم يبلغهم نبأ هؤلاء فيتّعظوا؟
وهؤلاء عبارة عن أقوام ستة أُهلكوا بعذاب الاستئصال، وقد جاء ذكرهم على وجه التفصيل في غير واحدة من السُّور، وأوجز الإشارة إليهم في المقام، وهم:
1. (قَوْمِ نُوح) الذين أُغرقوا بالطُّوفان.
2. (وَعَاد) الذين هلكوا بالرِّيح. ونبيُّهم هود(عليه السلام).
3. (وَثَمُودَ) الذين استئصلوا بالصَّيحة. ونبيُّهم صالح(عليه السلام).
4. (وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ) حيث سلب نمرود عنهم النِّعمة.
5. (وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ) الذين استئصلوا، كقوم صالح، بالصَّيحة. ونبيّهم شعيب(عليه السلام).
6. (وَالْمُؤْتَفِكَاتِ): أي نبأ المؤتفكات، وهو جمع مؤتفكة اسم فاعل من الانتفاك وهو الانقلاب.. أُهلكوا بالخسف، فقُلبت ديارهم وصار عاليها سافلها، وأُمطروا بالحجارة. روى أبو بصير عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: قلت: قوله: (وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ)؟ قال: أولئك قوم لوط(عليه السلام)انتفكت عليهم: انقلبت عليهم(1).
ثمّ إنّ هؤلاء عُذِّبوا بجزاء أعمالهم (فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)، حيث كذّبوا الرُّسل وتمرّدوا عليهم عناداً ومكابرة.

1 . الكافي:8/181.

صفحه 43
وحاصل الآية: إنّ على المنافقين في زمن الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يكونوا على حذر من أن يكون مصيرهم كمصير هؤلاء، فإنّ سنّة الله في عباده واحدة لا يظلم أحداً، ومن حلّ به العذاب فإنّما نتيجة أعمالهم. ومن سوء حظّ كبراء قريش من المترفين الطُّغاة أنّهم أُهلكوا في غزوة بدر، ولم يتّعظوا بمن سبقهم، علوّاً واستكباراً.

الآيتان: الحادية والسبعون والثانية والسبعون

(وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض
يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ
الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ
جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ
طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْن وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)
.

المفردات

عدْن: العَدْن: الثبات والاستقرار، ويحتمل أن يكون اسماً لجنّة خاصّة، كما سيأتي.
الرِّضوان: مصدر رضيَ.
 

صفحه 44
سورة التوبة: الآيتان 71 ـ 72   

التفسير

71. (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ):

وصف المؤمنين بصفات تقابل أوصاف المنافقين

عرّف سبحانه المؤمنين والمؤمنات هنا بذكر صفات لهم تقابل صفات المنافقين والمنافقات، حيث إنّ صفاتهم تتلخص بخمس:
1. الأمر بالمنكر.             2. النهي عن المعروف.         3. البخل وعدم الانفاق.
4. نسيان الله سبحانه.         5. مخالفة أوامر الله تعالى.
فحُكموا في نهاية المطاف بالنسيان، كما قال: (فَنَسِيَهُمْ) وقد مرّ تفسيره بحرمانهم من الرحمة الإلهية، والتوفيق الرّبّاني.
وأمّا المقام، فالمؤمنون وصفوا بصفات خمس تقابل صفات المنافقين كما سيأتي، وقُضيَ لهم في نهاية المطاف بالرحمة. غير أنّ هنا تفاوتاً في عرض الطائفتين، فعبّر عن أهل النِّفاق بقوله:(الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْض)، وأمّا عن أهل الإيمان، فعبّر بقوله:(وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض)، فلو أريد بالولاية ولاية المودّة والنُّصرة، فيمكن أن يقال: إنّ

صفحه 45
المؤمنين في صفّ واحد تسودهم روح المودّة والولاية، فيقدّمون المصالح الاجتماعية على منافعهم الشخصية، وأمّا المنافقون وإن كانوا على شاكلة واحدة، لكن لا تسود فيهم المودّة والنُّصرة مثل ما تسود بين المؤمنين، ولذلك قال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم):«مثل المؤمنين في توادّهم وتعاطفهم وتراحمهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسَّهر والحُمّى».(1)
إذا عرفت ذلك، فلنعد إلى بيان صفات المؤمنين، والتي تقابل صفات المنافقين.
1 و2. (يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ)، وقال سبحانه: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ)(2)، على خلاف عمل المنافقين، كما مرّ.
3. (وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ)، فلو أريد بها الدعوة إلى الصلاة وإقامتها بين الناس فيكون من أعظم مصاديق الأمر بالمعروف.
4. (وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ) كفريضة مالية ذات أبعاد اجتماعية وروحية، حيث تساهم في معالجة الفقر ورفع المستوى المعيشي للفقراء، وفي تزكية النّفس وتطهيرها من البخل والشُّحّ. وهذه الصفة في مقابل قوله في المنافقين:(وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ).
5. (وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ) في مقابل قوله في المنافقين: (نَسُوا اللهَ).
وهذه الصفات الخمس للمؤمنين، قد وردت، مقرونة بحكمة تشريع

1 . مسند أحمد:4/270.
2 . الحج:41.

صفحه 46
كلٍّ منها، في خطبة لفاطمة الزّهراء، قالت(عليها السلام):«جعل الله الإيمان تطهيراً لكم من الشِّرك، والصلاة تنزيهاً لكم عن الكبْر، والزّكاة تزكية للنّفس ونماءً في الرِّزق... وطاعتنا نظاماً للملّة، وإمامتنا أماناً من الفرقة... والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مصلحة للعامّة».(1)
هذا وفي نهاية المطاف يؤكّد سبحانه أنّ المؤمنين المتحليّن بالأوصاف المذكورة، مشمولون برحمة الله كما يقول: (أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ)بخلاف المنافقين فإنّما يشملهم قوله سبحانه: (فَنَسِيَهُمْ). حيث إنّ المراد من نسيان الله سبحانه إيّاهم هو حرمانهم من رحمته.
ثمّ إنّه سبحانه ختم الآية بقوله:(إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) ولعلّه علّة للفقرة الأخيرة، أي قوله: (سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ)فهو بعزّته يجعل المؤمنين مشمولين برحمته ولا يمتنع ذلك عليه، وبحكمته كتب هذا الجزاء الحسن لهم.
72. (وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْن وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ):
لمّا تقدّم في الآيات السابقة بيان صفات كلٍّ من المؤمنين والمنافقين، وأنّهم يتميّزون بصفات خمس متضادّة، كما أنّهم يتميّزون في المصير، حيث إنّ مصير المنافقين نسيان الله إيّاهم بمعنى قطع رحمته عنهم، وأمّا

1 . الاحتجاج لأحمد بن علي الطبرسيّ:1/258ـ259 برقم 49; أعيان الشيعة:1/316. وانظر: بلاغات النساء لأحمد بن طَيفور:28.

صفحه 47
المؤمنون فهم مشمولون برحمة الله سبحانه، عاد البيان القرآني في هذه الآية إلى ذكر تميّز آخر في المصير، وهو ما أعدّ الله لأهل الإيمان من حُسن الجزاء، في مقابل ما أعدّه لأهل النّفاق والكفر من سوء الجزاء، فقال: (وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً): أي قصوراً يطيب العيش فيها، حيث لا يشعر ساكنوها بملل ولا نصَب ولا وَصَب، (فِي جَنَّاتِ عَدْن): أي في جنات خُلد. ويحتمل أن تكون (عَدْن)جنّة خاصّة، فقد روي عن أبي الدّرداء، عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «عَدْن داره ـ دار الله ـ التي لم ترها عين، ولم تخطر على قلب بشر، لا يسكنها غير ثلاثة: النبيّين والصدِّيقين والشهداء، يقول الله عزّ وجلّ: طوبى لمن دخلك».(1)(وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ)التنكير في قوله: (وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ)يحتمل وجهين:
1. يراد به التعظيم والتكبير.
2. يراد به اليسير من الرِّضوان.
ثمّ إنّ قوله: (أَكْبَرُ): أي أكبر من الجنات وما فيها من النَّعيم.
وذلك لأنّ حقيقة العبودية التي يندب إليها كتاب الله هي عبوديته تعالى حبّاً له لا طمعاً في جنة أو خوفاً من نار، وأعظم السعادة والفوز عند المحبّ أن يستجلب رضا محبوبه دون أن يسعى لإرضاء نفسه، وكأنّه للإشارة إلى ذلك ختم الآية بقوله:(ذَلِكَ): أي كسب رضوان الله (هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).(2)

1 . جامع البيان(تفسير الطبريّ):10/226 برقم 16961; مجمع البيان:5/95.
2 . انظر: الميزان في تفسير القرآن:9/339.

صفحه 48
وإنّما صار الرِّضوان أكبر من الثواب لأنّه لا يوجد شيء منه إلاّ بالرِّضوان، وهو الداعي إليه، الموجب له، كما يقول القائل أعطيتك ووصلتك ثم يقول:«وحُسن رأيي فيك ورضايَ عنك خير من جميع ذلك».(1)
أخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«إذا دخل أهل الجنّة الجنّة، قال الله: هل تشتهون شيئاً فأزيدكم؟ قالوا: يا ربَّنا وهل بقي شيء إلاّ قد أنلْتناه؟ فيقول: نعم، رضائي فلا أسخط عليكم أبداً»(2). ورواه الحاكم النّيسابوريّ بنحو ذلك، وقد جاء في ذيله: «يقول: رضواني أكبر».(3)
ونظير الآية قوله سبحانه:(يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَة مِنْهُ وَرِضْوَان وَجَنَّات لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ)(4)، وقوله سبحانه:(وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ)(5).
ثمّ إنّ الرِّضوان تارة ينسب إلى الله سبحانه، وهذا هو المقصود في الآية، حيث قال:(وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ)، وأُخرى ينسب إلى السالك إلى الله حيث إنّ الرضا بقضائه وقدره منزل من منازل السلوك بعد الصبر حيث يرضى بما فيه رضا الله سبحانه، وإلى هذا القسم يشير الحكيم السبزواري بقوله:

1 . انظر: التبيان في تفسير القرآن:5/259.
2 . تفسير الدر المنثور:4/238.
3 . المستدرك على الصحيحين:1/82.
4 . التوبة:21.
5 . الحديد:20.

صفحه 49
أعظم باب الله في الرضا وُعي *** وخازن الجنّة رضواناً دُعي(1)
ثمّ إنّ الفرق بين الصبر والرضا واضح، فالفقير الصابر غير الفقير الراضي، فإنّ الأوّل يحسّ بالألم ولكن يصبر ولا يعترض، وأمّا الراضي فالفقر والغنى عنده سيّان، فهو يلتذّ بكلّ منهما، وهذا ما يذكره الحكيم السبزواري بقوله:
فقراً على الغنى صبور ارتضى *** وذان سيّان لصاحب الرضا
ويقول في الشرح: هذا من باب التمثيل، فكذا يختار الصبور المرض على الصحّة والموت على الحياة وكلّ بلاء على رفاهية، والجميع عند صاحب الرضا سواسية، ثم يشرح ذلك بقوله:
عن عارف عُمِّر سبعين سنةْ *** أن لم يقل رأساً لأشيا كائنةْ
يا ليت لم تقع ولا لمَ ارتفعْ *** ممّا هو المرغوب ليته وقعْ(2)
وللبحث عن رضى العبد بما قضى الله صلة، تطلب من محلّها.

الآيتان: الثالثة والسبعون والرابعة والسبعون

(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ

1 . شرح منظومة السبزواري:352.
2 . نفس المصدر.

صفحه 50
يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِنْ وَلِيّ وَلاَ نَصِير).

المفردات

سورة التوبة: الآيتان 73 ـ 74   
جاهد: من الجهاد، وهو استفراغ الوسع في مدافعة العدوّ.
اغلظ: الغلظة ضدّ الرِّقّة، والمراد بها الخشونة والشدّة في المعاملة.
همّوا: الهَمّ: العَزْم على فعل شيء، سواء أمضاه أم لم يُمضه. قال الشاعر:
وهمُّكَ ما لم تُمضِهِ لَكَ مُنصِبُ.

التفسير

73. (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ):
الآية تتضمّن أُموراً ثلاثة، وهي:
1. أمرّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بجهاد الكفّار والمنافقين.
2. أمرُه(صلى الله عليه وآله وسلم) بالتغليظ عليهم.
3. الإخبار عن مصيرهم الذي يصيرون إليه.

ما هو المراد من جهاد المنافقين؟

أمّا الأوّل، فقوله:(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ) وقد دلّ التاريخ

صفحه 51
على أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)لم يقاتل المنافقين بل تعامل معهم معاملة المسلمين، فعلى هذا فأريد بالجهاد معناه الوسيع، أي السعي في طريق دفع العدوّ، أمّا الكفّار فبالتبليغ والإرشاد، فإن لم ينفع فالقتال، وأمّا المنافقون فببذل الجهد في مقاومتهم حسب اقتضاء المصلحة، فتارة تقتضي المصلحة البشاشة في الوجه، وأُخرى الوعظ باللِّسان، وثالثة العبوس في الوجه، إلى غير ذلك من مراتب المصلحة التي تُرك إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) تقديرها. وكون الجهاد مستعملاً في الجهاد بالسيف هو من مصاديق الجهاد، وإلاّ فالجهاد بمعنى السعي وله طرق مختلفة.
يقول السيد الطباطبائي: ربما يسبق إلى الذهن أنّ المراد بجهادهم مطلق ما تقتضيه المصلحة من بذل غاية الجهد في مقاومتهم، فإن اقتضت المصلحة هُجروا ولم يخالطوا ولم يعاشروا، وإن اقتضت وُعظوا باللِّسان، وإن اقتضت أُخرجوا وشرّدوا إلى غير الأرض، أو قُتلوا إذا أخذ عليهم الردّة، أو غير ذلك.(1)
ثمّ إنّ من ألطف التعابير في طريق نشر الدعوة الإسلامية التعبير بالجهاد دون القتال، وهذا يشعر بأنّ الغاية هي السعي في إصلاح المجتمع وأنّ القتال من باب آخر الدواء الكيّ.
وأمّا الثاني: أعني قوله: (وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ): أي عاملهم بالغلظة والشدّة حسب سوء حالهم، فلا يقاتلون إلاّ إذا أظهروا الكفر البواح بالردّة، وقد روي عن ابن عباس في تفسير الآية أنّه قال: جهاد الكفّار بالسيف، وجهاد

1 . الميزان في تفسير القرآن:9/339.

صفحه 52
المنافقين باللِّسان.(1)
ثمّ إنّ الأمر بالتغليظ على الكفّار والمنافقين لا ينافي كونه(صلى الله عليه وآله وسلم) رحمة للعالمين، وذلك لانّ التغليظ هنا يعدّ آخر الدواء لهذا الداء العَياء، وقد مرّ أنّهم آذوا رسول الله بصور مختلفة، كما أنّهم تآمروا على قتله غيلة والله سبحانه حفظه وصانه من شرّهم، ففي مثل هذه الموارد لا محيص من قطع جذور الفساد حتى يأمن الرسول والمسلمون من شرور الأشرار ومكائدهم، في اللّيل والنّهار.
وأمّا الثالث، أعني الإخبار عن مصيرهم الذي يصيرون إليه، فقوله تعالى: (وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ): أي منزلهم ومقرّهم جهنّم (وَبِئْسَ الْمَصِيرُ): أي بئس المكان الذي يُصار إليه جهنّم.
74. (يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِنْ وَلِيّ وَلاَ نَصِير):

إنذار المنافقين بوجوه مختلفة

هذه الآية على وجازتها تحكي عن أُمور:

1 . تفسير الدر المنثور:4/239.

صفحه 53
1. نُطْق بعض المنافقين بكلمة الكفر.
2. إطلاع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) على كلمتهم الكافرة، وإنكارهم النُّطق بها حينما سئلوا عنها.
3. تكذيب الله سبحانه لهم، وتأكيد نُطقهم بكلمة الكفر.
4. الإشارة إلى تآمرهم على اغتيال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) حين رجوعه من تبوك.
5. الإشارة إلى حياة البؤس والفقر التي كان يعيشها المنافقون قبل أن يدخلوا في سلك المسلمين، وأنّ الله سبحانه ورسوله قد أغناهم من فضله.
6. الكشف عن طباعهم اللّيئمة، حيث صار إغناء الله ورسوله لهم سبباً للبغض والعداء، بدل الشكر والثناء.
وفي نهاية المطاف، يذكر سبحانه أنّ باب التوبة مفتوح، فإن تابوا يكون الفلاح معهم، وإلاّ فالله يعذِّبهم في الدنيا والآخرة، ولا يجدون في الأرض وليّاً ولا نصيراً لهم.
هذا مفاد الآية، وإليك تطبيق ما مضى على فقراتها.
الضمائر الثلاثة في(يَحْلِفُونَ) و (قَالُوا) و (وَلَقَدْ قَالُوا) ترجع إلى المنافقين. والآية تحكي عن تكلّم المنافقين فيما بينهم بكلمة الكفر، وعندما سُئلوا عنها أنكروا، فقوله: (يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُوا)إشارة إلى تكذيبهم النُّطق بكلمة الكفر، وقوله:(وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ)إشارة إلى صدور تلك الكلمة منهم وأنّهم نطقوا بكلمة الكفر في حقّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم). وأمّا ما هي كلمة الكفر التي نطقوا بها فالوحي الإلهي سكت عن ذلك تنزيهاً للذكر الحكيم عن التكلّم بها حتى لا يتعبّد المسلمون بتلاوتها، والله سبحانه يكذِّبهم

صفحه 54
ويقول:(وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ)وأريد من الإسلام هو الإسلام الجاري على ظاهر حالهم، ولقد مرّ نظيره في قوله تعالى:(لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ)(1). ثم أشار سبحانه إلى ائتمارهم فيما بينهم لاغتيال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)بدفعه عن راحلته من عَقَبة في الطريق عند رجوعه من تبوك، فقال:(وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا).
روى الواقديّ وغيره، أنّه بينما كان حذيفة بن اليمان يسوق ناقة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وعمّار بن ياسر يقودها، إذ التفت(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى خلفه، فرأى في ضوء ليلة مقمرة فرساناً متلثّمين لحقوا به من وراء لينفِّروا به ناقته وهم يتخافتون، فغضب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وصاح بهم، وأمر حذيفة أن يضرب وجوه رواحلهم، فعرفوا أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) علم بمكرهم ومؤامرتهم، فأسرعوا تاركين العقبة، حتى خالطوا النّاس، يقول حذيفة: فعرفتهم برواحلهم.(2)
ثمّ إنّه سبحانه يشير إلى خصلة سيئة للمنافقين، وهي أنّهم كانوا يعيشون قبل الإسلام في فقر مدقع فمكّنهم الإسلام من إنتاج الثروة وإنماء المال من كلّ جهة، وهذا النوع من السَّبب يقتضي الرضا والشكر، ولكن ـ يا للعجب ـ صار عندهم سبباً للنِّقمة والسَّخَط كما يقول: (وَمَا نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ)، المصدر المنسبك من (أَنْ أَغْنَاهُمُ) مفعول (نَقَمُوا): أي وما نقموا إلاّ إغناء الله ورسوله إيّاهم.
ثمّ إنّ وصف إغناء الله سبحانه بالنقمة من باب المدح بصورة الذّمّ، فإنّ

1 . التوبة:66.
2 . انظر: المغازي للواقديّ:3/1042ـ 1045; التبيان في تفسير القرآن:5/260ـ261; تفسير المراغيّ:10/165.

صفحه 55
إغناءهم شرف وكرامة للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وليس عيباً ولا نقمة، وهذا من المحسنات في الكلام.
وأفرد الضمير في(فَضْلِهِ)ولم يقل: فضلهما، لأنّه لا يجمع بين اسم الله واسم غيره تعظيماً لله جلّ شأنه.
قال السيد الطباطبائي: وهناك وراء التعظيم أمر آخر قدّمنا القول فيه في تفسير قوله تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَة)(1)، في الجزء السادس من الكتاب، وهو أنّ وحدته تعالى ليست من سنخ الوحدة العددية حتى يصحّ بذلك تأليفها مع وحدة غيره واستنتاج عدد من الأعداد منه.(2)
توضيحه: إنّ الوحدة العددية عبارة عن ماهيّة لها فرد، كالشمس بناءً على أنّ لها في ظروفنا فرداً واحداً، أو أفراد كالإنسان، والله سبحانه ليس له ماهيّة حتى يُتصوّر له فرد أو أفراد، بل وحدته وحدة حقّة، بمعنى أنّه ليس له مثيل ولا نِدّ، لأنّه صِرف الوجود وهو لا يتكثّر ولا يتعدّد، يقول الحكيم السبزواري:
وما له تكثُّر قد حصلا *** ففيه ما سواه أيضاً دَخَلا
أمّا الوجود ما له من ثانِ *** ليس قُرى وراء عبّادانِ(3)
وفي نهاية الآية خيّرهم الله بين الخير والشّرّ، وقال: (فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ) في الدُّنيا والآخرة (وَإِنْ يَتَوَلَّوْا): أي يُعرضوا عن الحقّ (يُعَذِّبْهُمُ اللهُ

1 . المائدة:73.
2 . الميزان في تفسير القرآن:9/341.
3 . شرح المنظومة للحكيم السبزواري:333.

صفحه 56
عَذَابًا أَلِيمًا): أي مؤلماً (فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ)أمّا في الآخرة فواضح، إذ يعذّبهم بنار جهنّم، وأمّا في الدنيا فبما عرفت من أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)قد أُمر بجهادهم بالغلظة. ولعلّ قوله: (فِي الدُّنْيَا) إشارة إلى ما مرّ في قوله:(فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)(1)، وأيّ عذاب أشدّ من أنّهم يعيشون في خوف ووجل حتّى أنّهم لو وجدوا (مَلْجَأً أَوْ مَغَارَات أَوْ مُدَّخَلاً لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ)(2)!! وفي نهاية المقام قال سبحانه: (وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِنْ وَلِيّ وَلاَ نَصِير) أريد من الأرض المجتمع الإسلامي، فهم لا يتولَّونهم ولا ينصرونهم.
سورة التوبة: الآيات 75 ـ 78   
والفرق بين الوليّ والنصير، أنّ الأوّل عبارة عمن يتولّى الأمر من جانب المولّى عليه، وهو عاجز عن القيام به بتاتاً. وأمّا الثاني ـ أعني النصير ـ فهو عبارة عمّن يساعد الطرف الذي يقوم بالأمر ولكن يحتاج إلى معين، وهؤلاء ليس لهم وليّ ولا نصير. يقول السيد الطباطبائي في تفسير الفقرة: معناه أنّ هؤلاء لا وليّ لهم في الأرض يتولّى أمرهم ويصرف العذاب عنهم، ولا نصير ينصرهم ويمدّهم بما يدفعون به العذاب الموعود عن أنفسهم لأنّ سائر المنافقين أيضاً منهم، وكلمة الفساد تجمعهم، وأصلهم الفاسد منقطع عن سائر الأسباب الكونية، فلا وليَّ لهم يتولّى أمرهم ولا ناصر لهم ينصرهم. ولعلّ هذه الجملة من الآية إشارة إلى ما أومأنا إليه في معنى عذاب الدنيا.(3)

1 . التوبة:55.
2 . التوبة:57.
3 . الميزان في تفسير القرآن:9/341ـ342.

صفحه 57

الآيات: الخامسة والسبعون إلى الثامنة والسبعين

(وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ * أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ).

المفردات

عاهد: المعاهدة: هي أن يقول: عليّ عهد الله لأفعلن كذا، فإنّه يكون بذلك قد عقد على نفسه وجوب ما ذكره.(1)
لَنصدّقنّ: أصله لنتصدّقنّ، قلبت التاء صاداً، واُدغمت فيها.
بخلوا: البخل: منع السائل، وأُريد في المقام منع الزّكاة.
فأعقبهم: أورثهم. وفاعل الفعل، البخل المعلوم من السياق.
يلقَونه: الظاهر أنّ الضمير هنا يرجع إلى الله سبحانه وأُريد من لقائه موتهم، لقوله سبحانه:(مَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ اللهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لاَت)(2).
نجواهم: النَّجوى: الكلام الخفيّ.

1 . مجمع البيان:5/99.
2 . العنكبوت:5.

صفحه 58

التفسير

نكث العهد والكذب من مظاهر النِّفاق

إنّ للنِّفاق مظاهر متعددة في مجالات مختلفة، يُعرف بها المنافقون، وقد عرض القرآن الكريم، في المجال المالي منها، لبعض تلك المظاهر، ومنها الحرص والطمع، كما مضى في قوله سبحانه: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ)(1). ومنها الشُّحّ وعدم الإنفاق في سبيل الله، كما مرّ في قوله سبحانه: (وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ).(2)
ومن مظاهر النِّفاق نكث العهد والكذب، وهذا ما كشفت عنه هذه المجموعة من الآيات، حيث ذكرت أنّ من المنافقين من عاهد الله تعالى لئن رُزق مالاً ليتصدّقنّ، فلما رُزق نكث عهده، ولم يَفِ به، كما هو شأن المنافق، الذي أخبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عن علامته، بقوله:«آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كَذَب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتُمن خان».(3)

مناسبة النزول

قيل في شأن نزول الآيات: أنّها نزلت في ثعلبة بن حاطب، وكان من الأنصار، فقال للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): ادع الله أن يرزقني مالاً، فقال: يا ثعلبة، قليل تؤدي

1 . التوبة:58.
2 . التوبة:67.
3 . صحيح البخاريّ:1/16 برقم 33; من لا يحضره الفقيه:4/361.

صفحه 59
شكره خير من كثير لا تطيقه، أما لك في رسول الله أُسوة حسنة؟ والذي نفسي بيده لو أردت أن تسير الجبال معي ذهباً وفضة لسارت، ثم أتاه بعد ذلك فقال: يا رسول الله: ادع الله أن يرزقني مالاً، والذي بعثك بالحقّ لئن رزقني الله مالاً لأعطينّ كلّ ذي حق حقّه، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم):اللّهم ارزق ثعلبة مالاً، قال: فاتّخذ غنماً فنمَت كما ينمو الدود، فضاقت عليه المدينة، فتنحّى عنها، فنزل وادياً من أوديتها، ثم كثرت نُموّاً حتى تباعد عن المدينة، فاشتغل بذلك عن الجمعة والجماعة، وبعث رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إليه المصدّق ليأخذ الصدقة، فأبى وبخل، وقال: ما هذه إلاّ أخت الجزية، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): يا ويح ثعلبة، يا ويح ثعلبة، وأنزل الله الآيات، عن أبي أمامة الباهلي، وروى ذلك مرفوعاً.(1)
وقيل: إنّ ثعلبة أتى مجلساً من الأنصار فأشهدهم، فقال: لئن آتاني الله من فضله تصدّقت منه وآتيت كلّ ذي حق حقّه، ووصلت منه القرابة، فابتلاه الله، فمات ابن عمّ له فورَّثه مالاً، ولم يف بما قال، فنزلت الآيات ـ عن ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة.(2)
75. (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ):

1 . مجمع البيان:5/101. ورواه ابن أبي حاتم(المتوفّى 327هـ) بإسناده عن أبي أمامة الباهليّ. تفسير القرآن العظيم:6/1847 برقم 10406.
2 . مجمع البيان:5/101. وروى ابن أبي حاتم نحوه بإسناده عن ابن عباس. تفسير القرآن العظيم:6/1849 برقم 10500.

صفحه 60
قوله تعالى: (وَمِنْهُمْ): أي من المنافقين (مَنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ): أي أعطانا من رزقه (لَنَصَّدَّقَنَّ)على الفقراء، وأصل الفعل: لنتصدقنّ (وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ) بالإنفاق في سبيل الله.
76. (فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ):
أخبر سبحانه أنّ هؤلاء نقضوا عهدهم مع الله تعالى بعد أن رزقهم ما تمنّوه من الأموال، كما قال:(فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ) لم يتصدّقوا مما آتاهم الله، بل (بَخِلُوا بِهِ)، ومنعوا حقّ الله (وَتَوَلَّوْا)عن طاعة الله (وَهُمْ مُعْرِضُونَ)عمّا وجب عليهم من العمل بالعهد.
77. (فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ):

إخبار الآية عن موت بعض المنافقين على النِّفاق

الآية تحكي أنّ بخلهم بما أوجب الله عليهم، أورث في قلوبهم نفاقاً ومكّنه منها، كما يقول:(فَأَعْقَبَهُمْ): أي أورثهم البخل (نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ): أي يوم يلقَون الله تعالى، وهو كناية عن الموت، فقد كانوا على النِّفاق وماتوا عليه. ثمّ إنّه سبحانه ذكر سرّ ذلك بأنّ سببه أمران:
1. (بِمَا أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ) حيث عاهدوا الله لنصدّقنّ، ولكن أخلفوا، ولم يَفوا بعهدهم.
2. (وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) كما مرّ في قوله سبحانه:(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ

صفحه 61
إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ)(1)، فالكذب من علامات النِّفاق وثمراته.
وهاتان الخَصلتان الذميمتان (إخلاف الوعد، والكذب) لا تنفكّ إحداهما عن الأُخرى، كما لا ينفكّ الوفاء عن الصِّدق، قال أمير المؤمنين(عليه السلام):«إِنَّ الْوَفَاءَ تَوْأَمُ الصِّدْقِ، وَلاَ أَعْلَمُ جُنَّةً أَوْقى مِنْهُ، وَمَا يَغْدِرُ مَنْ عَلِمَ كَيْفَ الْمَرْجِعُ».(2)
وفي الآية دلالة على معجزة للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) حيث إنّه أخبر، بوحي من الله سبحانه، أنّ هؤلاء سيموتون على النِّفاق، بشهادة قوله: (فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ).
78. (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ):
إنّ هؤلاء المنافقين ربّما ظنّوا أنّ أعمالهم السيِّئة تَخفى على الله سبحانه، حيث عاهدوا الله في وقت ونقضوه في وقت آخر، فنبّه على بطلان ظنّهم السيئ به، بقوله:(أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ): أي ما تنطوي عليه صدورهم (وَنَجْوَاهُمْ): أي كلامهم الخفيّ الذي يتناجون به بينهم؟ فلا يغيب عن الله شيء في الأرض ولا في السماء (وَأَنَّ اللهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ) يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فيعلم عهدهم ونقض عهدهم، فمن يؤمن بالله سبحانه يجب عليه الوفاء بعهده.

1 . التوبة:65.
2 . نهج البلاغة: الخطبة41.

صفحه 62

الآيتان: التاسعة والسبعون والثمانون

(الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ).

المفردات

سورة التوبة: الآيتان 79 ـ 80   
يلمزون: لَمَز: عابَ وانتَقص.
المطوّعين: جمع المطوِّع، وأصله المتطوّع (فأُدغمت التاء في الطاء)، وهو من تبرّع بالشّيء، وزاد على ما يجب عليه.
جهدهم: الجهد: أقصى ما يستطيعه الإنسان. وبعبارة أُخرى: الطاقة.
فيسخرون: يستهزئون.

التفسير

هاتان الآيتان تتضمّنان بيان أمرين:
1. أنّ المنافقين يلمزون المتصدِّقين، موسرهم ومعسرهم، غنيّهم وفقيرهم، فمن تصدّق بالكثير يتّهمونه بالرّياء، ومن تصدّق بالقليل ممّا يقدر عليه، وهو ثمرة جهده، يستهزئون به ويسخرون منه، كلّ ذلك لغاية

صفحه 63
إضعاف عزائم المجاهدين وعدم الخروج إلى تبوك.
2. أنّ الله سبحانه يخبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عن كون الاستغفار في حقّ المنافقين وعدمه سواء، فالله سبحانه لا يغفر لهم على كلّ حال، ولا تنالهم مغفرة الله.
79. (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ):

لَمْز المتصدّقين المؤمنين، موسرهم ومعسرهم

الموصول أعني:(الَّذِينَ) مبتدأ، خبره قوله تعالى:(سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ)وأُريد بهم المنافقون الذين سبق ذكرهم في الآيات السابقة، فهم(الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ) والمتطوّع ـ كما مرّ في المفردات ـ هو مَن تبرّع بالشيء، وزاد على الواجب عليه، ومنه قوله سبحانه: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِين فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ)(1)، أي من زاد في الفدية على طعام مسكين واحد.
قوله: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) متعلِّق بـ(الْمُطَّوِّعِينَ)، وقوله: (فِي الصَّدَقَاتِ)متعلِّق بقوله: (يَلْمِزُونَ). وهذه الفقرة تشير إلى من تبرّع أزيد من الواجب عليه.
وهناك من المؤمنين مَن تصدّق بمبلغ جهده وقدْر طاقته، وهذا ما أشار إليه بقوله:(وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ).

1 . البقرة:184.

صفحه 64
روى البخاري عن أبي مسعود، قال: لمّا أُمرنا بالصدقة، كنا نتحامل، فجاء أبو عقيل بنصف صاع وجاء إنسان بأكثر منه، فقال المنافقون: إنّ الله لغنيٌّ عن صدقة هذا، وما فعل هذا الآخر إلاّ رئاءً، فنزلت (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ...)(1).
قال علي بن إبراهيم القمّي في شأن نزول الآية: فجاء سالم بن عُمير الأنصاري بصاع من تمر، فقال: يا رسول الله، كنت ليلتي أجيراً لجرير(2)حتى نِلتُ صاعين تمراً، أمّا أحدهما فأمسكته، وأمّا الآخر فأُقرضه ربّي، فأمر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أن ينثره في الصدقات، فسخر منه المنافقون، وقالوا: والله إنّ الله لغنيٌّ عن هذا الصّاع، ما يصنع الله بصاعه شيئاً، ولكنْ أبا عقيل(3) أراد أن يذكر نفسه ليُعطى من الصدقات، فقال:(سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).(4)
ثمّ إنّ عطف قوله: (وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ) على ما قبله، يدل بحكم المقابلة أنّ المراد هم الذين يتصدّقون بالقليل من المال، وهو أقصى ما يستطيعونه، غير أنّ ابن عاشور فسّر الفقرة الثانية بوجه آخر وقال: لا يجدون سبيلاً إلى إيجاد ما يتصدّقون به إلاّ طاقتهم أي جهد أبدانهم، إلى أن قال: وفيه ثناء على قوة البدن والعمل، وأنّها تقوم مقام المال.(5)

1 . صحيح البخاري:1152، برقم 4668، كتاب تفسير القرآن، وقوله: نتحامل أي نتكلف.
2 . كذا، وفي رواية عن ابن عباس، رواها الطبريّ في «جامع البيان:10/243 برقم 17021»: «بتّ ليلتي أجرّ بالجرير الماء). والجرير: الحبل.
3 . وقيل: إنّ اسم أبي عقيل، حبحاب، وقيل غير ذلك. كما قيل إنّ الذي جاء بالصّاع، هو سهل بن رافع، وقيل أبو خيثمة الأنصاري، وقيل غير ذلك. انظر: فتح الباري:8/331.
4 . تفسير القمّي:1/301.
5 . التحرير والتنوير:10/162ـ163.

صفحه 65
ولا يخفى أنّ ما ذكره من التفسير وإن كان صحيحاً في نفسه ولكن لا يدلّ عليه سياق الآية.
ويدلّ على ضعفه أنّ قوله سبحانه:(فِي الصَّدَقَاتِ) قيد لكلا الشِّقَّين، وتقدير الآية: الذين يلمزون المطوِّعين من المؤمنين والذين لا يجدون إلاّ جهدهم في الصدقات، وهذا دليل على أنّ الطائفة الثانية أيضاً قدّمت شيئاً من المال للصدقات.
وعلى كلّ تقدير(فَـ) المنافقون (يَسْخَرُونَ مِنْهُمْ): أي يستهزئون بالمؤمنين الذين استجابوا لدعوة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الإنفاق في سبيل الله وينتقصونهم، والله سبحانه يقابل سخريتهم بقوله: (سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ): أي يجازيهم بمثل ذنبهم، ولعلّ المراد هو فضحهم في الدنيا، وكشف ما تنطوي عليه نفوسهم من الرذائل: (وَلَهُمْ) مضافاً إلى ذلك (عَذَابٌ أَلِيمٌ) في الآخرة.

التعبير بالسُّخرية من باب المشاكلة

إنّ التعبير عن الجزاء بالسُّخرية من باب المشاكلة، وكم له من نظير في القرآن الكريم، وقد مرّ بعضه في هذه السورة.
روي عن الإمام الرضا(عليه السلام) في معنى: (سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ)...:«أنّ الله تعالى، لا يسخر ولا يستهزئ ولا يمكر ولا يخادع، ولكنّه ـ تعالى ـ يجازيهم جزاء السُّخرية وجزاء الاستهزاء وجزاء المكر والخديعة; تعالى الله عمّا يقول الظالمون علوّاً كبيراً».(1)

1 . التوحيد للصدوق:163، عيون أخبار الرضا
(عليه السلام):1/126.

صفحه 66
80. (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ):

التسوية بين الاستغفار وعدمه

تستهدف الآية بعث اليأس في نفوس هؤلاء المنافقين من أن تشملهم رحمة الله، وهي تتضمّن بيان أمرين:
1. التسوية بين الاستغفار وعدمه، وأنّه لا يفيدهم على كلّ حال.
2. سبب عدم انتفاعهم باستغفار النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).
أمّا الأوّل، فقد أشار إليه بقوله:(اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ) فهما سواء (إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ) والمراد بالسَّبعين هنا الكثرة، فمازال العرب، بل حتى غيرهم، يبالغون بالسَّبعة والسَّبعين ويعبّرون بهما عن الكثرة المطلقة دون التقيّد بنفس العدد. وعلى هذا فلفظة (أَوْ) في قوله: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ) لبيان التسوية بين الأمرين، لا لبيان التخيير، وهذا ما يفهمه كلّ من تدبّر في الآية الكريمة. وهو نظير قوله سبحانه: (اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لاَ تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ)(1).
وأمّا الأمر الثاني، أعني سبب عدم انتفاع المنافقين باستغفار النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، فأشار إليه تعالى بقوله:(ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ). أي أنّهم كافرون بالله ورسوله (وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ): أي هم فاسقون خارجون عن دين

1 . الطور:16.

صفحه 67
الله وطاعته، ومن ثمّ لم يكونوا بأهل للانتفاع باستغفار النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).
وبناءً على هذا التفسير الذي ذكرناه للآية، نحن نجزم بعدم صحّة جميع الأخبار التي تتحدّث أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال حين نزلت هذه الآية: «والله لأزيدن على السَّبعين» وينبغي عدم الالتفات إليها، منها ما روي عن مجاهد، قال: لمّا نزلت (إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ) قال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): سأزيد على سبعين، فأنزل الله في السورة التي يُذكر فيها المنافقون:(لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ).(1)
ونظير ذلك ما روي عن ابن عباس: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا نزلت هذه الآية: أسمع ربي قد رخّص لي فيهم، فوالله لأستغفرنّ أكثر من سبعين
مرّة، فلعلّ الله أن يغفر لهم، فقال الله من شدّة غضبه عليهم:(سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)(2).(3)

نقد بعض ما روي حول الآية من الروايات

وممّن ردّ هذه الأخبار ولم يعوّل عليها من مفسّري السنّة: أبو القاسم القشيريّ(4)، وعبد الكريم الخطيب(5)، وممّن ردّها من مفسري الشيعة: أبو

1 . المنافقون:6.
2 . المنافقون:6.
3 . جامع البيان(تفسير الطبريّ):10/249 برقم 17042، وص 250 برقم 17047; تفسير الدر المنثور:4/254.
4 . انظر: زهرة التفاسير لمحمد أبو زهرة:7/3391.
5 . انظر: التفسير القرآني للقرآن:5/855.

صفحه 68
جعفر الطوسي(1) والسيد الطباطبائي، الذي قال: والنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أجلّ من أن يخفى عليه ما أنزله الله إليه أو أن لا يثق بما وعدهم الله من العذاب المخلّد وعداً حتمياً، فيطمع في نقض القضاء المحتوم بالإصرار عليه تعالى والإلحاح في طلب الغفران لهم، أو أن يخفى عليه أنّ الترديد في الآية لبيان اللَّغْوية وأن لا خصوصية لعدد السَّبعين حتى يطمع في مغفرتهم لو زاد على السَّبعين.(2)
وممّا ذكرنا يظهر أنّ ما رواه العيّاشي أيضاً في تفسيره بما يوافق مضمون الروايات، لا تصحّ نسبته إلى الإمام الرضا(عليه السلام).(3) وسيوافيك عدد من هذه الروايات التي لا يصدّقها العقل ولا النقل في تفسير قوله سبحانه: (وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا)(4)، فانتظر.
سورة التوبة: الآيات 81 ـ 83   

الآيات: الحادية والثمانون إلى الثالثة والثمانين

(فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَالُوا لاَ تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ * فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ

1 . انظر: التبيان في تفسير القرآن:5/268.
2 . الميزان في تفسير القرآن:9/354.
3 . لاحظ: تفسير العياشي:2/111، برقم 94.
4 . التوبة:84.

صفحه 69
إِلَى طَائِفَة مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّة فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ).

المفردات

المخلَّفون:اسم مفعول من خلّف فلاناً وراءه، إذا تركه خلفه.
بمقعدهم: مقعد: صيغة اسم زمان ومكان، وهي في الوقت نفسه مصدر ميمي أُريد به المصدر، أي بقعودهم.
خلاف: مصدر خالف يخالف خلافاً، ويستعمل بمعنى بَعْد، يقال: جلست خلاف فلان، أي خلفه وبعده، وفي قوله سبحانه:(وَإِذًا لاَ يَلْبَثُونَ خِلاَفَكَ إِلاَّ قَلِيلاً)(1): أي بعدك. ويقال: إنّه يراد به مخالفة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)ومجانبة أمره.
الخالفين: القاعدين.

التفسير

دلّ قوله سبحانه: (لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ)(2) على تخلّف عدد ممّن حول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فصاروا مخلَّفين، وكأنّهم فرحوا بقعودهم بعد رسول الله، لأنّ في القعود راحة

1 . الإسراء:76.
2 . التوبة:42.

صفحه 70
بخلاف المسير الطويل والشّاقّ إلى تبوك. وهذا ما يصفهم به سبحانه بقوله:
81. (فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَالُوا لاَ تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ):

التعريف بالمنافقين بوجوه

الآية تشرح لنا أحوال المنافقين ونوازعهم الروحية، في مقاطع أربعة:
1. (فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللهِ): أي استشعروا في أنفسهم ارتياحاً وسروراً بقعودهم بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في المدينة مستريحين في بيوتهم بين أهلهم وأولادهم.
2. (وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ): أي ضنّوا بأموالهم ونفوسهم عن بذلها على طريق جهاد العدوّ، الذي كان يهدّد عاصمة الدولة الإسلامية.
ويا ليت أنّهم قعدوا عن الجهاد فقط، واقتصروا على ذلك، ولكنّهم، إمعاناً منهم في إفساد الأُمور، أخذوا يثبّطون الآخرين عن الخروج إلى قتال أعداء الله تعالى، وهذا ما يشير إليه المقطع التالي.
3. (وَقَالُوا لاَ تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ)في محاولة منهم للتأثير سلباً على دور الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في تحشيد النّاس للجهاد، وتوهين عزائمهم بتهويل المصاعب أمامهم لينصرفوا عن التوجّه إلى تبوك! فأين هؤلاء الذين قعدوا عن الجهاد وأخذوا يثبِّطون الآخرين عن المشاركة فيه، من الذين لمّا لم

صفحه 71
يجدوا وسيلة للذهاب راحوا والدّموع تسيل من أعينهم؟! كما قال سبحانه:(وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ)(1).
ثمّ إنّ الامتناع لأجل حرارة الجوّ كان ذريعة للفرار من الجهاد بالأموال والأنفس، نظير ما يذكره الإمام علي(عليه السلام) في خطبته عندما كان يستنهض الناس للجهاد ويقول: «فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّيْرِ إِلَيْهِمْ فِي أَيَّامِ الْحَرِّ قُلْتُمْ: هـذِهِ حَمَارَّةُ الْقَيْظِ، أَمْهِلْنَا يُسَبَّخُ(2) عَنَّا الْحَرُّ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّيْرِ إِلَيْهِمْ فِي الشِّتَاءِ قُلْتُمْ: هـذِهِ صَبَارَّةُ الْقُرِّ، أمْهِلْنا يَنْسَلِخْ عَنّا الْبَرْدُ; كُلُّ هذَا فِرَارَاً مِنَ الحَرِّ وَالْقُرِّ; فَإِذَا كُنْتُمْ مِنَ الْحَرِّ وَالْقُرِّ تَفِرُّونَ; فَأَنْتُمْ وَاللهِ مِنَ السَّيْفِ أَفَرُّ!».(3)
روي عن الإمام الباقر(عليه السلام) قال:«كانت تبوك آخر غزوة غزاها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وهي غزوة الحرّ(وَقَالُوا لاَ تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ) وهي غزوة العُسرة».(4)
4. (قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ): أي أنّ هؤلاء غفلوا عن أنّ وراءهم ناراً أشدّ حرارة من حرارة الجو التي اتّخذوها ذريعة للقعود.
قال أمير المؤمنين(عليه السلام) محذّراً من نار جهنم وواصفاً لها:«فَاحْذَرُوا نَاراً قَعْرُهَا بَعِيدٌ، وَحَرُّهَا شَدِيدٌ، وَعَذَابُهَا جَدِيدٌ. دَارٌ لَيْسَ فِيهَا رَحْمَةٌ، وَلاَ تُسْمَعُ فِيهَا دَعْوَةٌ، وَلاَ تُفَرَّجُ فِيهَا كُرْبَةٌ».(5)

1 . التوبة:92.
2 . سبّخ الحرّ: فَتَر وخَفَّ.
3 . نهج البلاغة: الخطبة:27.
4 . تفسير الدر المنثور:3/265.
5 . نهج البلاغة: قسم الرسائل، برقم 27.

صفحه 72
82. (فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ):
بدأت هذه الآية بفاء النتيجة في قوله:(فَلْيَضْحَكُوا) وعليه يكون الأمر بالضِّحك والبكاء إنشاءً ظاهراً لكن أُريد به الإخبار، وهو أنّ فرحهم بقعودهم بعد رسول الله، مدّةٌ قليلة في هذه الدُّنيا، كما يقول:(فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً).
وهكذا الحال في: (وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا) فهو ناظر إلى الإخبار عن مصيرهم في الآخرة بأنّ حزنهم كثير، حيث قال: (قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ). ثمّ يعلِّل كثرة بكائهم بقوله: (جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)من معاص وأعمال منكرة.
وإلى ما ذكرنا يشير الرازي بقوله: إنّهم إن فرحوا وضحكوا في كلّ عمرهم فهذا قليل، لأنّ الدنيا بأسرها قليلة، وأمّا حزنهم وبكاؤهم في الآخرة فكثير لأنّه عقاب دائم لا ينقطع، والمنقطع بالنسبة إلى الدائم قليل.(1) وعلى هذا فالأمر بالضِّحك والبكاء إنشاء أريد به الإخبار.
روي عن أنس بن مالك عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال:«لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً».(2)
83. (فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلَى طَائِفَة مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ

1 . تفسير الرازي:16/150.
2 . مجمع البيان:5/107.

صفحه 73
لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّة فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ):

شأن نزول الآية

ظاهر الآية يدلّ على أنّها نزلت والنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في أثناء سفره إلى تبوك وهو بعدُ لم يصل إلى المدينة. قوله:(فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلَى طَائِفَة مِنْهُمْ): أي أرجعك الله إلى طائفة من المخلَّفين، فإنّ الفعل «رجع» يستعمل تارة لازماً، وأُخرى متعديّاً كما في قوله: (فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا)(1) ومثله في المقام.
ثمّ إنّ المراد من هذه الطائفة من المخلّفين التي خصّها سبحانه بالذكر، هو الطائفة التي تخلّفت عن الجهاد بسبب النّفاق الذي رسخ في قلوبها، لأنّ هناك من تخلّف بسبب ضعف الإيمان، أو ضعف العزيمة، أو غير ذلك.
قوله: (فَاسْتَأْذَنُوكَ): أي طلب هؤلاء المخلَّفون منك الإذن (لِلْخُرُوجِ)إمّا إلى غزوة أو إلى أمر آخر(فَقُلْ) لهم حينئذ هذين الأمرين:
1. (لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا)فليس لكم في المستقبل شرف صحبة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بالخروج.
2. (وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا) في ميدان الجهاد. والفقرتان نظير قوله سبحانه:(سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلاَمَ اللهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ

1 . طه:40.

صفحه 74
بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لاَ يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً)(1).
ثمّ إنّ الفعلين: (تَخْرُجُوا) و (تُقَاتِلُوا) يدل على التعدّد، فأريد بالأوّل مطلق الخروج أعمّ من الغزو وغيره، كالمصاحبة لأداء مناسك الحج، وأريد بالثاني خصوص الخروج للقتال، وبذلك يختلف متعلّق الفعلين.
وأمّا ما هو السبب لهذين الحرمانين، فهذا ما يذكره سبحانه بقوله:(إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّة): أي إنّكم تخلّفتم في الوقت الحرج العسير، فعصيتم أمر الله ورسوله، فشأنكم هو (فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ)الظاهر أنّ المراد بهم الصبيان والعجزة والنّساء، فشأنكم هذا، لا الجهاد في سبيل الله تعالى.
وهنا احتمال آخر، وهو أنّ استئذانهم للخروج في قوله:(فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ) كان لغرض سياسيّ، يُراد به التّستّر على عملهم الشَّنيع، وهو التخلُّف عن الجهاد في الوقت العصيب، وطبيعة النِّفاق هو القعود لا بذل المال والنَّفس.
سورة التوبة: الآيات 84 ـ 89   

الآيات: الرابعة والثمانون إلى التاسعة والثمانين

(وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ * وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ * وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللهِ

1 . الفتح:15.

صفحه 75
وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ * رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ * لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).

المفردات

لا تصلّ: قيل: أريد به صلاة الجنازة، والظاهر مطلق الدعاء، كما سيوافيك بيانه لدى التفسير.
تزهق: تخرج.
الطَّول: قال الراغب: الطَّول: خُصّ به الفضل والمنّ.(1) وأُريد به هنا الغنى والقوّة.
الخوالف: قال الأخفش وأبو عبيدة: الخالفون جمع، واحدهم خالف وهو من يخلف الرجل في قومه. والظاهر أنّه أُريد به النِّساء والصِّبيان لتخلّفهم عن الجهاد.
طُبع على قلوبهم: خُتم عليها.

1 . المفردات للراغب:312، مادة «طول».

صفحه 76

التفسير

84. (وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ):

النهي عن الصلاة على المنافقين

تشهد القرائن على أنّ النبيّ كان يصلّي على أصحابه صلاة الميّت. وكان(صلى الله عليه وآله وسلم) يتعامل مع عامّة أصحابه معاملة المسلم ولو كان في الواقع منافقاً، وذلك لمصلحة هو أعرف بها، لأنّ التفريق بينهم كان يورث مشاكل اجتماعية كبيرة، لسيادة النزعة العشائرية آنذاك على المجتمع، وكان المسلمون والمنافقون من عشيرة واحدة يجمعهم عِرق واحد، فلو فرّق النبيّ بينهم بطرد المنافقين والتعامل معهم معاملة الكفّار لواجه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)مشاكل كثيرة، وانفضّ حبل الوحدة.
كان الأمر على هذا حتى نزلت الآية تنهى عن الصلاة على من أظهر الكفر البواح، نظير مَن يصفهم سبحانه بقوله:(لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَ ظَهَرَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَارِهُونَ)(1) أو الذين تآمروا على قتل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) :(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ)فهؤلاء هم الذين نهى الله سبحانه نبيّه عن الصلاة عليهم إذا مات أحدهم، وقال: (وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ) للدعاء والزيارة وذلك (إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ): أي خارجون عن طاعة الله تعالى.

1 . التوبة:48.

صفحه 77
ويحتمل عموم النهي عن الصلاة على كلّ من عُرف بالنِّفاق وإن لم ينطق بكلمة الكفر، إذ صار تقاعسهم عن الجهاد سبباً لحرمانهم من المراسم التي يجهَّز بها الموتى من التغسيل والتكفين والصلاة. وهذا النوع من الكفاح السَّلبيّ يؤثّر في تطهير المجتمع منهم، وتحقيرهم وإذلالهم وتحطيم شخصيتهم.
قال الرازي: إنّه تعالى أمر رسوله أن يسعى في تخذيلهم وإهانتهم وإذلالهم، فالذي سبق ذكره في الآية الأولى وهو منعهم من الخروج معه إلى الغزوات سبب قويّ من أسباب إذلالهم وإهانتهم، وهذا الذي ذكره في هذه الآية، وهو منع الرسول من أن يصلّي على من مات منهم، سبب آخر قويّ في إذلالهم وتخذيلهم.(1)
هذا ممّا لا كلام فيه، إنّما الكلام في الفقرتين اللَّتين وردتا في الآية، وهما:
الأُولى:(وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا).
الثانية:(وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ).
إنّ كلاًّ من الفقرتين تستهدف هدم شخصية المنافق، وهزّ العصا في وجوه حزبه ونظائره. والنهي عن هذين الأمرين يختصّ بالمنافقين دون المؤمنين، فعلى هذا يجب تدقيق النظر في كلٍّ منهما.
أقول: إنّ لفظة أحد في قوله: (وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا)بحكم ورودها في سياق النفي تفيد العموم والاستغراق الأفرادي. ولفظة (أَبَدًا)

1 . تفسير الرازي:16/153.

صفحه 78
تفيد الاستغراق الزماني، فيكون معناها: لا تصلِّ على أحد من المنافقين في أيّ وقت كان.
ومع الانتباه إلى هذين اللَّفظين، نعرف ـ بوضوح ـ أنّ النهيَ عن الصلاة على المنافق عند الموت لا يعني خصوص صلاة الميِّت عند الدَّفن، لأنّها ليست قابلة للتكرار في أزمنة متعدّدة، ولو أُريد ذلك لم تكن هناك حاجة إلى لفظة (أَبَدًا) لأنّ المقصود، أي النهي عن صلاة الميّت على المنافق عند الموت يكفي في بيانه قوله:(وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَد مِنْهُمْ) وهذا بخلاف ما أريد بالصلاة في الآية مطلق الدعاء والترحُّم، سواء أكان عند الدَّفن أم بعده، فبما أنّه قابل للتكرار صحّ أن يقال: (وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا) فعلى هذا يكون المقصود هو النهي عن الترحُّم على المنافق و الاستغفار له سواء أكان بالصلاة عليه أو بغيرها، وسواء أكان حين الدَّفن أم بعده. وممّن تنبّه إلى ذلك القاضي البيضاوي قال: ولا تقم على قبره، ولا تقف عند قبره للدَّفن أو الزيارة.(1)

دلالة الآية على زيارة قبر المؤمن

جدير بالتنبيه أنّ قوله: (مِنْهُمْ) صفة لـ (أَحَد)، وقوله: (مَاتَ) صفة أُخرى له، لأنّ تقديره: «على أحد ميّت منهم».
إلى هنا تبيّن معنى الفقرة الأُولى. وإليك بيان الفقرة الثانية، أعني قوله: (وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ): بما أنّ هذه الفقرة معطوفة على الجملة السابقة، فيكون تقديرها: لا تقم على قبر أحد منهم أبداً، لأنّ كلّ ما ثبت للمعطوف عليه من

1 . تفسير البيضاوي:1/416.

صفحه 79
القيد، أعني:(أَبَدًا)، يثبت للمعطوف أيضاً.
وبما ذُكر يُعلم أنّ المراد من القيام على القبر ليس خصوص وقت الدَّفن، لأنّ المفروض عدم إمكان تكرار القيام على القبر وقت الدَّفن، مع أنّ اللّفظ (أَبَدًا) المقدَّر في الفقرة الثانية يفيد إمكانية تكرار هذا العمل، وهذا يدلّ على أنّ القيام على القبر لا يختصّ بوقت الدَّفن بل يعمّه وغيره، فهذا حرام في حقّ المنافق، وجائز في حقّ المؤمن.
وعلى هذا، تكون الآية من أدلّة جواز زيارة قبر المؤمن والصلاة والدعاء على روحه، حتى بعد سنين.
يقول الشيخ الطبرسي: وفي هذه الآية دلالة على أنّ القيام على
القبر للدعاء عبادة مشروعة، ولولا ذلك لم يخصّ سبحانه بالنهي عنه، الكافر.(1)
هذا كلّه حسب الآية، وأمّا عرض المسألة على السنّة، فقد روى أصحاب الصِّحاح والسُّنن، أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «زوروا القبور، فإنّها تذكِّركم الآخرة»(2)، وقال أيضاً:«كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنّها تزهِّد في الدُّنيا، وتذكّر الآخرة».(3)
ولعلّ النهي المؤقّت كان سببه أنّ أموات المسلمين كانوا مشركين

1 . مجمع البيان:5/108.
2 . سنن ابن ماجة:367 برقم 1569، كتاب الجنائز، باب ما جاء في زيارة القبور.
3 . رواه ابن ماجة(1571) عن ابن مسعود. وروى نحوه الترمذيّ عن بُريدة، وقال: حديث بُريدة حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم، لا يرَون بزيارة القبور بأساً. وهو قول ابن المبارك والشافعيّ وأحمد وإسحاق. سنن الترمذي:320ـ321 برقم 1056.

صفحه 80
وعبدة للأصنام، وقد قطع الإسلام كل العلاقات مع الشِّرك وأهله، فنهى النبيُّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عن زيارة الأموات، ولمّا كثر الموت في المسلمين رخّص في ذلك.
ويُحتمل أن يكون السبب أمراً آخر، وهو أنّ المسلمين كانوا حديثي عهد بالإسلام، فكانوا ينوحون على قبور موتاهم نياحة باطلة تخرجهم عن نطاق الشريعة، ولمّا تركّز الإسلام في قلوبهم وتعلّموا الأحكام، ألغى النبيُّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ بأمر الله تعالى ـ النهي عن زيارة القبور، لِما فيها من الآثار الحسنة والنتائج الطيبة. وعلى هذا الأساس كان(صلى الله عليه وآله وسلم) يزور قبر أُمّه السيدة آمنة بنت وهب (رضوان الله تعالى عليها)، وكان يأمر الناس بزيارة القبور لأنّ زيارتها تذكّر الآخرة، قالت عائشة: إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) رخّص في زيارة القبور، وقالت: إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «فأمرني ربّي أن آتي البقيع فأستغفر لهم»، كلّ ذلك يدلّ على مشروعية زيارة القبور لما فيها من تذكير بالآخرة وتقليل العلاقة بالدنيا وزخارفها، والروايات في هذا الباب كثيرة، ومن أراد التفصيل فليراجع كتابنا «الوهابية في الميزان»(1).

روايات حول سبب نزول الآية

1. روى البخاري عن نافع عن ابن عمر قال: لمّا توفّي عبد الله بن أُبيّ، جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فسأله أن يعطيه قميصه يكفّن فيه أباه فأعطاه، ثمّ سأله أن يصلّي عليه، فقام رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)ليصلّي، فقام

1 . لاحظ: الوهابية في الميزان:95ـ 98.

صفحه 81
عمر فأخذ بثوب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا رسول الله تصلّي عليه وقد نهاك ربُّك أن تصلّي عليه؟ فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«إنّما خيّرني الله فقال:(اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً) وسأزيده على السَّبعين» قال: إنّه منافق. قال: فصلّى عليه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فأنزل الله تعالى: (وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ).
2. وروى أيضاً عن ابن عبّاس عن عمر بن الخطاب أنّه قال: لمّا مات عبد الله بن أُبيّ بن سلول دُعي له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ليصلّي عليه، فلمّا قام رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وثبْتُ إليه، فقلت: يا رسول الله أتصلّي على ابن أُبيّ، وقد قال يوم كذا: كذا وكذا؟ قال: أُعدِّد عليه قوله، فتبسّم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وقال:«أخِّر عنّي يا عُمر» فلمّا أكثرتُ عليه قال:«إنّي خُيِّرتُ فاخترتُ لو أعلمُ أنّي إن زدت على السَّبعين يُغفر له لزِدتُ عَليها» قال: فصلّى عليه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ثمّ انصرف، فلم يمكث إلاّ يسيراً، حتّى نزلت الآيتان من براءة(وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا) إلى قوله: (وَهُمْ فَاسِقُونَ) قال: فعجبتُ بعد من جرأتي على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، والله ورسوله أعلم.
وروى عن ابن عمر: لما تُوفّي عبد الله بن أُبيّ جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فأعطاه قميصه وأمره أن يكفّنه فيه ثمّ قام يصلّي عليه فأخذ عمر بن الخطاب بثوبه فقال: تُصلّى عليه وهو منافق وقد نهاك الله أن تستغفر لهم؟ قال: «إنّما خيّرني الله ـ أو أخبرني الله ـ فقال: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ) فقال: سأُزيد على سبعين» قال: فصلّى عليه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وصلّينا معه ثمّ أنزل الله عليه: (وَلاَ تُصَلِّ عَلَى

صفحه 82
أَحَد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ).(1)

مشاكل في الروايات الثلاث

تجد في هذه الروايات الثلاث مشاكل كثيرة تجعلها في عداد الموضوعات وإن رواها البخاري في صحيحه، وقد حكم كثير من العلماء كالقاضي أبي بكر الباقلاني وإمام الحرمين والغزالي وغيرهم بعدم صحتها من وجوه. ذكر ذلك السيد محمد رشيد رضا، والمراغي في تفسيريهما.(2)
هذا، وقد أورد صاحب المنار أجوبة المتأخّرين عن تلك الوجوه، ونحن نذكر المهم من الإشكالات الّتي لا يمكن الذبُّ عنها:
1. إنّ نسبة هذا القول:«إنّما خيّرني الله» إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ كما في الروايات الثلاث ـ أمر لا يليق به (صلى الله عليه وآله وسلم) لما عرفت من أنّ الترديد في الآية(اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ)ليس للتخيير بل لبيان اللَّغْوية، وهذا شيء لا يَخفى على من له إلمام بهذا النوع من الصيغ، فضلاً عن أفصح من نطق بالضّاد، وقد تكرّر حديث التخيير في الروايات الثلاث.
كما لا يليق به(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يُنسب إليه القول:«إنّي خيرت فاخترت، لو أعلم أنّي إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها» لِما عرفت من أنّ هذا التعبير وأمثاله لبيان الكثرة، وليس للعدد فيه خصوصية.
2. كيف يستغفر النبيّ الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) لرأس المنافقين الذي ثبت كفره

1 . صحيح البخاري:3/204ـ205، برقم 4670، 4671، 4672، كتاب التفسير.
2 . تفسير المنار:10/666; تفسير المراغي:4/176.

صفحه 83
قبل غزوة تبوك، وهو القائل: (لاَ تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا)، والقائل: (لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ)(1)، وفيه وفي أمثاله نزل قوله سبحانه: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)(2) وقد نزلت هذه الآيات في السنة السادسة من الهجرة، وأعلم الوحيُ النبيَّ لَغوية الاستغفار في حقّه وحقّ نظرائه، ومع كلّ هذا هل يُتصوَّر أن يقوم النبيّ بفعل لا طائل تحته، وإن دعي إليه من جانب ولده؟
3. إنّ مفاد هذه الروايات أنّ عمر بن الخطاب كان أعلم بحُكم الله سبحانه أو بالمصالح العامّة من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم). ولعلّ للعواطف القلبية تجاه الخليفة مدخلية تامّة في وضع هذه الروايات حتى أنّ الرازي اغترّ بهذه الرواية وغيرها فقال: واعلم أنّ هذا يدلّ على منقبة عظيمة من مناقب عمر، وذلك لأنّ الوحي نزل على وفق قوله في آيات كثيرة من آية أخذ الفداء عن أُسارى بدر ـ وقد سبق شرحه ـ وثانيها: آية تحريم الخمر، وثالثها: آية تحويل القبلة، ورابعها: آية أمر النِّسوان بالحجاب، وخامسها: هذه الآية، فصار نزول الوحي على مطابقة قول عمر منصباً عالياً ودرجة رفيعة له في الدِّين، فلهذا قال(صلى الله عليه وآله وسلم) في حقّه: «لو لم أُبعث لبُعثت يا عمر نبيّاً»!!!(3)
وفي نهاية المطاف نذكر كلاماً لصاحب المنار فإنّه بعدما نقل أقوال العلماء حول هذه الآية وما يتعلّق بها من الروايات، وكيفية الجمع بينهما،

1 . المافقون:7ـ8.
2 . المنافقون:6.
3 . تفسير الرازي:16/152.

صفحه 84
قال: إنّ هذا الحديث معارض للآيتين]يعني من الآيتين قوله تعالى: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ)(1) وقوله:(وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا)(2) [فالذين يعنون بأصول الدين ودلائله القطعية أكثر من الروايات والدلائل الظنية، لم يجدوا ما يجيبون به عن هذا التعارض إلاّ الحكم بعدم صحّة الحديث ولو من جهة متنه، وفي مقدمتهم أكبر أساطين النُّظّار كالقاضي أبي بكر الباقلاني وإمام الحرمين والغزاليّ، ووافقهم على ذلك الداوديّ من شرّاح البخاري. وأمّا الذين يعنون بالأسانيد أكثر من عنايتهم بالمتون، وبالفروع أكثر من الأُصول، فقد تكلّفوا ما بيّنّا خلاصته عن أحفظ حفّاظهم. ومن الأُصول المتّفق عليها أنّه ما كلّ ما صحّ سنده يكون متنه صحيحاً، وما كلّ ما لم يصحّ سنده يكون متنه غير صحيح. وإنّما يعوّل على صحّة السَّند إذا لم يعارض المتن ما هو قطعيّ في الواقع أو في النُّصوص، وأنّ القرآن مقدّم على الأحاديث عند التعارض وعدم إمكان الجمع، فمن أطمأنّ قلبه لما ذكروا من الجمع أو لوجه آخر ظهر له، فهو خير له من ردّ الحديث، ومن لم يظهر له ذلك فلا مندوحة له عن الجزم بترجيح القرآن والتماس عذر لرواة الحديث بنحو ما ذكرناه في تعارض أحاديث الرِّجال.(3)
85. (وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ):

1 . التوبة:80.
2 . التوبة:84.
3 . تفسير المنار:10/672، ولاحظ: الجزء 9/489 منه.

صفحه 85

ما هو السرّ في كثرة أموال وأولاد المنافقين؟

الآية كأنّها جواب عمّا يدور في خَلَد البسطاء من المجتمع، ببيان أنّه لو كان المنافقون بُعداء عن رحمة الله تعالى، فلماذا رُزقوا من الأولاد والأموال ما يبهر العيون؟! فجاء البيان القرآني ليزيل هذا التوهُّم، ويقول إنّ ما رُزقوا من ذلك نعمة في الظاهر، ولكنّه يصبح نقمة في الباطن. وقد مرّ شرح هذا الكلام في قوله تعالى: (فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الحَياةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ)(1)، فلا نعيد شرح ما ذكرناه.
86. (وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ):
الظاهر أنّ الآية بصدد بيان الحالتين المختلفتين بين المنافقين والمؤمنين، فالفريق الأوّل منطقهم هو: (ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ)، ومنطق الفريق الثاني ـ كما سيأتي في الآية 89 ـ (جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ)وبذلك يتّضح وجه التكرار، فإنّ مضمون الآية تقدّم في قوله سبحانه: (لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاْخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ * إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاْخِرِ)(2).
إذا عرفت هذا، فلنشرع في تفسير آيتنا هذه.
قوله سبحانه:(وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ) ولعلّه أُريد بها سورة براءة، إذ تُطلق

1 . التوبة:55.
2 . التوبة:44ـ 45.

صفحه 86
السورة على بعضها أيضاً، لأنّ فيها الأمر بالإيمان والجهاد، (أَنْ آمِنُوا بِاللهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ): أي بأن آمنوا بصدق بالله وتمسّكوا به وجاهدوا مع الرّسول لنصرة الإسلام (اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ):أي استأذنك في التخلّف أصحاب المال والقدرة (وَقَالُوا)لك (للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم))(ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ)من النِّساء والصِّبيان. ولا شكّ في أنّ قعودهم عن الجهاد مع الصحّة في البدن والسّعة في المال، وطلبهم من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يكونوا في صف النّساء والصِّبيان، يدلّ على عدم إيمانهم، ولذلك صدّر سبحانه الآية بقوله: (آمِنُوا بِاللهِ) وكأنّهم لم يكونوا مؤمنين قبل ذلك!!
87. (رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ):
الآية تتضمّن بيان أمرين:
الأوّل:التنديد بهؤلاء المنافقين، حيث نزّلوا أنفسهم في الضعف والعجز منزلة النِّساء، كما هو صريح قوله: (رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ)وكفى به خزياً وهواناً.
روى جابر الجعفيّ عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام) في قوله:(رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ)، قال: «مع النِّساء».(1)
وقال الشريف الرضيّ(رحمه الله) حول هذه الفقرة:
وهذه استعارة عجيبة التركيب لأنّ الخوالف هاهنا النِّساء المقيمات

1 . تفسير العيّاشي:2/103.

صفحه 87
في دار الحيّ بعد رحيل الرجال، وإنّما سُمّي النِّساء الخوالف تشبيهاً لهن بالخوالف التي واحدتها خالفة، وهي الأعمدة تكون في أواخر بيوت الحيّ المضروبة، فشبّههنّ لكثرة لزوم البيوت بالخوالف التي تكون في البيوت، وقد قيل إنّ الخوالف أيضاً زوايا البيوت وواحدتها خالفة، والمعنى واحد.
وقد يجوز أن يكون المراد بقوله تعالى:(رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ) حقيقة الخوالف التي هي أعمدة البيوت، أي رضوا بأن يقعدوا في بيوتهم فيكونوا في الملازمة لها كخوالفها وأعمدتها.
وقد يجوز أن يكون الخوالف هاهنا جمع فرقة خالفة، وهي الجماعة التي تقعد عن الغزو كالشيوخ والنِّساء وذوي العاهات والولدان. وممّا يقوّي ذلك قوله تعالى أمام هذا الكلام:(فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ)(1).(2)
الثاني: انغلاق قلوبهم عن نفوذ نور الهداية إليها، وإدراك عواقب الأُمور، كما قال:(وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ): أي بلغت قلوبهم في الميل إلى الكفر إلى الحدّ الذي لا يفقهون معه حقيقة الإيمان وأسرار الجهاد. والطبع على القلب هو الختم عليها، وهو كناية عن عدم وجود أيّ منفذ فيها لدخول نور الهداية، ومن ثمّ ضلّت عقولهم عن إدراك الحقائق الإلهية، وعميت عيونهم عن إبصار طريق العزّة والكرامة.
88. (لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ):

1 . التوبة:83.
2 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:74.

صفحه 88

المقارنة بين المنافق والمؤمن عملاً ومصيراً

لمّا ذكرت الآية السابقة حال المنافقين في أمر الإيمان والجهاد في سبيل الله والتي ظهر فيها تقاعسهم عن أداء تلك الفريضة، جاء الوحي لبيان حال الرّسول والذين التفّوا حوله بإيمان راسخ وقال:(لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ)بشهادة اختلاف قول المؤمنين مع المنافقين في موضعين: إمّا عملاً، فالمؤمنون حالهم أنّهم (جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ). وأمّا المنافقون فمقالتهم:(ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ).
وإمّا مصيراً وعاقبة، فعاقبة المؤمنين ما يحكيه قوله سبحانه:(وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ)والخيرات صيغة جمع محلّى باللاّم تشمل كل خير في الدنيا والآخرة(وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)وهذا في مقابل عاقبة المنافقين التي أشار إليه تعالى بقوله:(وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ).
ولعلّ قوله: (وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ)أريد به الحياة الطيبة في الدنيا، وقوله: (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) إشارة إلى السعادة الأُخروية.
وكم هو الفارق بين مؤمن ذي همّة قعساء يذبّ عن دينه وأرضه وعرضه، وبين رجل متقاعس يؤثر الدّعة مع الذلّة، فيرضى أن يكون مع الخالفين وإن كان العدوّ على عتبة الباب.
89. (أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ):
الآية تحكي عن إعداد الله سبحانه وتهيئته الجنّة للمؤمنين الذين جاهدوا مع الرسول، كما يقول:(أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ

صفحه 89
خَالِدِينَ فِيهَا). ثم وصف ذلك بقوله: (ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)لأنّه حاصل على وجه الدّوام.
ثمّ إنّه سبحانه قال: (أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ) ولم يقل: وعدهم الله، إذ الوعد حاك عن قضاء حتميّ واجب الوفاء، مع أنّ أمر الجنّة موقوف على خواتيم الأعمال، فلعلّ بعض من جاهد مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يتنكّب عن الطريق السَّويّ الذي يؤدّي إلى الجنّة، فلا يصحّ الإخبار عن قضاء حتميّ عن الجميع. روى البخاري عن سهل بن سعد السّاعدي، قال: قال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم):«إنّ العبد لَيعمل، فيما يرى الناس، عملَ أهل الجنّة وإنّه لمن أهل النّار، ويعمل فيما يرى الناس، عملَ أهل النّار وهو من أهل الجنّة، وإنّما الأعمال بخواتيمها».(1)
فإن قلت: لو صحّ ما ذُكر، فلماذا قال سبحانه:(وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيماً)(2).
قلت: قضى قضاء حتميّاً، لا للجميع بل لبعضهم بشهادة قوله:(مِنْهُمْ)فإنّ لفظة «من» للتبعيض لا للتَّبيين، لأنّ «من» التَّبيينية لا تدخل على الضمير.

الآيات: التسعون إلى الثالثة والتسعين

(وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ سَيُصيِبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * لَيْسَ

1 . صحيح البخاري:4/207، كتاب الرقاق، برقم 6493.
2 . الفتح:29.

صفحه 90
عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا للهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيل وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ).

المفردات

سورة التوبة: الآيات 90 ـ 93   
المعذّرون: أصله المعتذرون، من «اعتذر» أُدغمت التاء في الذّال لتقارب المخرجين لقصد التخفيف. هذا على القول من أنّه (اسم فاعل) من اعتذر من باب الافتعال. وربّما يقال إنّه اسم فاعل من عذّر بمعنى تكلّف العذر بلا عذر في الواقع.
ثمّ الاعتذار قد يكون بالكذب كما في قوله تعالى:(يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ)(1)، وقد يكون بالصِّدق، كما في قول لبيد:
إلى الحَول ثمّ اسم السّلام عليكما *** ومَن يبكِ حولاً كاملاً فقد اعتذرْ أي جاء بعذر صحيح.
وعلى الثاني يكون عذرهم غير حقيقيّ، بل محض كذب. وسيوافيك

1 . التوبة:94.

صفحه 91
أنّ الظاهر هو الأوّل.
الأعراب: العرب ولَد إسماعيل(عليه السلام)، والأعراب جمعه في الأصل، وصار ذلك اسماً لسكّان البادية. وقيل: الأعراب من صيغ الجموع لكن ليس لها واحد من لفظ جمعه، ولذا يطلق عليه اسم جمع، يقال في الواحد: أعرابيّ.
الضعفاء: جمع ضعيف، وهو مَن كان له وهن في القوة البدنية من غير مرض.
الحَرَج: الضِّيق، وأُريد ضيق التكليف.
نصحوا: أخلصوا. والنُّصح: العمل النافع للمنصوح. والتوبة عن إخلاص هي التوبة النَّصوح.
سبيل: طريق، وأُريد السلطة والمؤاخذة والمعاقبة.
تفيض: من الفيض: الجري عن امتلاء. يقال: فاضت العين دمعاً كأنّه جعل العين كلّها دمع فائض.
حَزَناً: ألماً في القلب لفوت أمر.

التفسير

90. (وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ سَيُصيِبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ):
الأعراب هم سكان البادية وقد جاء ذكرهم في هذه السورة ستَّ مرّات:

صفحه 92
1. (وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ).
2. (الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا).(1)
3. (وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا).(2)
4. (وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ).(3)
5. (وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ).(4)
6. (وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ).(5)
وإذا كانوا على أقسام مختلفة بين منافق ومؤمن، فلا يصحّ تفسير (الأَعْرَابِ) في آيتنا بخصوص المنافقين.
ومع ذلك كانوا على صنفين:

منطق الأعراب حول تخلّفهم من الجهاد

1. الّذين جاءُوا إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) معتذرين عن المشاركة في الجهاد وهم رهط عامر بن الطُّفيل قائلين: إن نحن غزونا معك، تُغِيرُ أعرابُ طيّ على حلائلنا وأولادنا ومواشينا. ولا يظهر من الآية كونهم صادقين فيما اعتذروا به أو كاذبين، وإنّما الفرق بين هذا الصِّنف والصِّنف الآخر مع اشتراك الجميع في القعود عن الجهاد، هو قيام هذا الصِّنف بالاعتذار دون الآخر.

1 . التوبة:97.
2 . التوبة:98.
3 . التوبة:99.
4 . التوبة:101.
5 . التوبة:120.

صفحه 93
2. الّذين تخلّفوا وقعدوا في بيوتهم من دون أن يعتذروا، كما يقول: (وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ) من الأعراب، أي أظهروا الإيمان بالله ورسوله كذباً.
والتقابل بين الصنفين يدلّ على إيمان الصِّنف الأوّل، ونفاق الثاني، حيث خصّ الكذب بالقاعدين غير المعتذرين.
ويشهد لذلك قوله:(سَيُصيِبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) حيث خصّ العذاب الأليم بالذين كفروا منهم، لا جميعهم، والمفروض أنّ الصِّنف الثاني كذّبوا الله ورسوله فصاروا كفاراً لا يُتصوَّر فيهم التبعيض، فلا محيص من القول بأنّ ضمير (مِنْهُمْ) يرجع إلى كلا الصِّنفين، حتى يُستفاد منه التبعيض. والتبعيض لأجل أنّ الصِّنف كانوا مؤمنين أو كان فيهم مؤمنون، فلذلك قال: (سَيُصيِبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ). وهذا التفسير مبنيّ على أنّ كلا الصنفين كانا من الأعراب.

تفسير الآية بوجه آخر

التفسير الماضي كان مبنيّاً على أنّ كُلاًّ من الصنفين ـ معتذرين وغير معتذرين ـ كانوا من الأعراب، وقد بيّن سبحانه مصير الكل بَيد أنّه يحتمل أن تكون الفقرة الثانية ناظرة إلى المنافقين من أهل المدينة، والمقصود ذمّ منافقي المدينة وبيان عنادهم، وذلك بقياس حالهم بحال المعتذرين من الأعراب، حيث إنّ دعوة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)أثّرت في الأعراب وجاءوا ليعتذروا عن المشاركة في الجهاد بأعذار قدّموها بين يديه، بخلاف المنافقين، أي الذين قعدوا بلا استئذان، فصاروا أسوأ حالاً من الأعراب.

صفحه 94
وعلى هذا تكون الفقرة الثانية ناظرة إلى منافقي الحضر، حيث صاروا أقلّ أدباً وأخلاقاً، فقعدوا بلا عذر.
91 و92. (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا للهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيل وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ):

نفي السبيل عن الطوائف الأربع

استثنت هاتان الآيتان من لهم أعذار مقبولة، وهم طوائف أربع:
الأُولى: الضُّعفاء، وأُشير إليهم بقوله: (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ) جمع ضعيف وهو مَن قوّته ناقصة فلا يقدر على الجهاد، كالشّيخ، ومَن خُلق ضعيفاً في بدنه، وذي العاهة الدائمة.
الثانية: المرضى، وأُشير إليهم بقوله: (وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى) جمع مريض، وهو من له مقدرة على الجهاد، ولكن طرأ على صحّته تغيّر واضطراب، يشقّ معه الجهاد.
روى نصر بن مزاحم المنقريّ بإسناده عن عبد الرحمن بن جندب ]عن أبيه[(1)، قال: لمّا أقبل عليّ(عليه السلام) من صفّين، أقبلنا معه... ثمّ غدا وأقبلنا معه

1 . كذا في رواية أبي مخنف، كما في تاريخ الطبريّ.

صفحه 95
حتى جزنا النخيلة ورأينا بيوت الكوفة، فإذا نحن بشيخ جالس في ظلّ بيت على وجهه أثر المرض، فأقبل إليه عليّ ونحن معه حتى سلّم عليه وسلّمنا عليه، فردّ ردّاً حسناً ظنّنا أن قد عرفه...(إلى أنّ دار الحديث معه ـ إلى قول أمير المؤمنين له): هل شهدت معنا غزاتنا هذه؟ قال: لا والله ما شهدتها، ولقد أردتها، ولكن ماترى بي من لَحَب الحُمّى(1) خذّلتني عنها، قال عليّ(عليه السلام):(لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ)إلى آخر الآية.(2)
والإمام بتمسُّكه بإطلاق الآية، علّمنا كيفية الاستفادة من الآية في غير مورد النُّزول.
الثالثة: الفقراء العاجزون عن الإنفاق، وأُشير إليهم بقوله: (وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ): أي ليس لديهم نفقة المسير إلى جهاد العدوّ ووسيلة السَّفر، وكانت آنذاك يتحمّلها المجاهد نفسه.
وستأتي الرابعة في تفسير قوله تعالى:(وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ)(3).
فالله سبحانه يقول: ليس على هؤلاء (حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا للهِ وَرَسُولِهِ): أي كانوا مخلصين في إيمانهم، قائمين على سائر وظائفهم من تشجيع الواجدين لشروط الجهاد والمحافظة على عاصمة الدولة الإسلامية وعيال المجاهدين وأموالهم. ثمّ إنّه سبحانه علّل نفي الحرج عن المذكورين بقوله:

1 . لَحَب الحمّى: إنحالها الجسم، يقال لَحِب الرّجل، إذا أنحله الكِبَر.
2 . وقعة صفّين:607ـ608; المعيار والموازنة لأبي جعفر الإسكافي:192ـ193; تاريخ الطبري:4/42.
3 . التوبة:92.

صفحه 96
(مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيل) لأنّ من أخلص في إيمانه وقام بسائر وظائفه فهو ممّن وقع في حصن حصين لا يصيبه ما يكره.
ثمّ إنّ الفقهاء اتّخذوا قوله سبحانه :(مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيل)قاعدة رتّبوا عليها فروعاً، نذكر شيئاً منها:
1. قال المحقّق جعفر بن الحسن الحلّيّ: إنّ الولاية في مال الطفل والمجنون للأب والجدّ للأب، فإن لم يكونا فللوصيّ، فإن لم يكن فللحاكم.
ولمّا لم يذكر المحقّق ولاية المؤمنين بعضهم على بعض، استدرك الفقيه محمد حسن ابن باقر النجفيّ صاحب «الجواهر» ذلك وقال: إنّ مقتضى قاعدة الإحسان ولاية المؤمنين بعضهم على بعض ولزوم التعطيل بل والضَّرر في كثير من الموارد .(1)
2. قال المحقّق: (ولو اختلف في التلف فالقول قول الوكيل لأنّه أمين وقد يتعذّر إقامة البيّنة بالتلف غالباً فاقتنع بقوله دفعاً لالتزام ما تعذّر غالباً) وعلّله صاحب «الجواهر» بالقواعد التالية: قاعدة العُسر والحَرَج والإحسان والأمانة.(2)
ولكن جعلُ المقام من مصاديق قاعدة الإحسان لا يخلو من نظر; لأنّ المتيقّن من القاعدة من كان محسناً ولم يكن منتفعاً، والوكيل منتفع.
3. قال المحقّق: فالبعير لا يؤخذ إذا وُجد في كلأ وماء فلو أخذه ضمنه. وقال صاحب «الجواهر»: وفي ضمانه بنيّة الحفظ لمالكه قولان، من إطلاق

1. جواهر الكلام: 26 / 103، كتاب الحجر.
2. جواهر الكلام: 27 / 433، كتاب الوكالة.

صفحه 97
الأخبار بالنهي، والإحسان.(1)
4. لو كانت السفينة مشحونة بأموال شخص واحد، فرأى ربّان السفينة بأنّ نجاتهم ونجاة أموال صاحب الأموال هو بإلقاء قسم من أمواله في البحر لتخفّ السفينة، فألقاها فهو ليس بضامن.
5. لو افترضنا أنّ الوليّ حبس المبيع لغاية ارتفاع الأسعار، وكان أمراً عقلائياً، ولكن نزل السُّوق، فلا ضمان على الوليّ.
6. لو قام الوليّ بالزراعة في أرض المولّى عليه غير أنّ الجفاف أضرّ بالمحصول، ولم يفِ حتّى بثمن ما صُرف في الزراعة، فلا حرج عليه.
إلى غير ذلك من الفروع الّتي ذكرها الفقهاء في تصرّف الأولياء وعدول المؤمنين والحكام إنّما لغاية دفع الضرر أو إيصال المنفعة.(2)
الرابعة: الفقراء الذين لم يجد النبيّ ما يحملهم عليه من الدّواب، وأُشير إليهم بقوله: (وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ).
ذكر المفسرون أنّ الآية نزلت في البكّائين الذين جاءوا إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا: يا رسول الله احملنا فإنّه ليس لنا ما نخرج عليه، كما يحكي ذلك عنهم سبحانه بقوله:(وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ) على الدّوابّ، قاصدين الخروج معك للجهاد، قلت: (لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ). هذا هو ظاهر الآية، وما في بعض المأثورات من أنّهم ما سألوا الدوابّ بل سألوا

1. جواهر الكلام: 38 / 221.
2 . لاحظ: الإيضاحات السنية للقواعد الفقهية:3/84ـ93.

صفحه 98
النِّعال،(1) خلاف سياق الآية.
ثم إنّه سبحانه يصف حال هذه الطائفة بقوله: (تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ): أي تسيل أعينهم دمعاً (حَزَنًا): أي لأجل الألم الذي وخز قلوبهم بسبب الحرمان من الجهاد بين يديّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)(أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ): أي لأنّهم لم يجدوا ما ينفقونه للمشاركة في الجهاد.
ظاهر قوله:(أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ) أنّهم كانوا يفتقدون المأكل والمشرب، وعندئذ يدخلون في الفقراء الذين أشير إليهم بقوله: (وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ)(2). ولعلّ تخصيصهم بالذِّكر لأجل الإشادة بمكانتهم وإخلاصهم ومنزلتهم عند الله، إذ لا شكّ أنّ لهؤلاء منزلة رفيعة عند الله حيث امتازوا عن الطوائف السابقة، بالرغبة الشديدة في الجهاد والتّضحية بالنفس على طريق العزّة والكرامة ابتغاء مرضاة الله تعالى، فحضورهم عند النبيّ وسؤالهم إيّاه أن يحملهم على ما يوصلهم إلى ساحة القتال، وبكاؤهم بعد اليأس على وجه صارت أعينهم فيّاضة بالدمع، مضافاً إلى عدم تمكّنهم من الإنفاق، أفضل دليل على رسوخ إيمانهم بالله ورسوله، فاستحقّوا لذلك العناية والذِّكر مستقلاًّ .
قال السيد الطباطبائي: إنّ عطف هذا الصِّنف على ما تقدّمه، من عطف الخاص على العام عناية بهم، لأنّهم في أعلى درجة من النُّصح، وإحسانهم ظاهر.(3)

1 . تفسير الدر المنثور:4/265.
2 . التوبة:91، مرّ تفسيره.
3 . الميزان في تفسير القرآن:9/363.

صفحه 99
93. (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ):

المؤاخذة واللَّوم على المتخلفين عن الجهاد مع التمكّن

لمّا دلّت الآيتان السابقتان على أنّه لا تَبعة على تخلّف الطوائف الأربع: 1. الضعفاء، 2.المرضى، 3. الفقراء الذين ليس لديهم نفقة الجهاد، 4. والفقراء الذين ليس عند الرّسول ما يحملهم عليه إلى الجهاد، وأنّه لا سبيل عليهم ولا مؤاخذة، صار ذلك سبباً لبيان من تخلَّفوا عن الجهاد بلا عذر مع كونهم أقوياء، أصحّاء، أغنياء، كما يقول: (إِنَّمَا السَّبِيلُ): أي المؤاخذة واللَّوم (عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ)واجدون كلّ الشروط ومع ذلك ضعفت عزائمهم، حيث (رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ)كالنِّساء والأطفال والعجزة، وكفاهم ذُلاً وحقارة حيث رضوا بالانتظام في سلكهم، والله سبحانه يجيبهم بقوله: (وَطَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ)لأجل ذنوبهم وخطاياهم (فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ)سوء مصيرهم لانطماس بصيرتهم.
ثمّ إنّ المراد بالطبع على القلوب هو الختم عليها، فعن إبراهيم بن أبي محمود، قال: سألت أبا الحسن الرضا(عليه السلام) عن قول الله عزّ وجلّ: (خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ)(1)، قال: «الختم هو الطَّبْع على قلوب الكفّار...

1 . البقرة:7.

صفحه 100
كما قال عزّ وجلّ: (بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا)(1).(2)
وليس من شكّ أنّ سوء أعمالهم، وإعراضهم عمّا أتى به الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)من الهدى والبيّنات، وتولّيهم عن دعوته إلى الجهاد، هو الذي أدّى ـ وَفْق سنّة الله القائمة في مسير الإنسان في هذه الحياة ـ إلى الطبع على قلوبهم، وانقطاع الألطاف الإلهية عنهم.
وبعبارة أُخرى: إنّ قلوبهم صارت مسدودة من جميع الجهات، فلا ينفذ إليها نور هدايته سبحانه، ولا تنفعهم دعوة الأنبياء، وإنّ مَن أحاطت به خطيئته يكون مختوماً على قلبه ومطبوعاً عليه.
سورة التوبة: الآيات 94 ـ 96   

الآيات: الرابعة والتسعون إلى السادسة والتسعين

(يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لاَ تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ).

1 . النساء:155.
2 . عيون أخبار الرضا
(عليه السلام):1/123ـ 124; تفسير نور الثقلين:1/33.

صفحه 101

المفردات

نبَّأنا: عرَّفَنا.
مأواهم: المأوى: اسم المكان الذي يُؤى إليه، ويراد به المصير، ولو فسّر بـ«مستقرّهم» لكان أفضل.
انقلبتم: رجعتم، نظير قوله تعالى: (انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ)(1).
رجس: الرِّجس: الشيء الخبيث المستقذَر، وأُريد به الرِّجس المعنويّ، كالرِّجس الموجود في الميسر والأنصاب والأزلام. قال سبحانه:(إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ)(2).

التفسير

سياق الآيات يدلّ على أنّ هذه المجموعة نزلت في أثناء عودة المجاهدين من غزوة تبوك وهم بعدُ في الطريق لم يصلوا إلى المدينة، حيث أخبرهم سبحانه أنّ المتخلّفين عن الجهاد سيعتذرون إليكم، وعلّمهم كيف يُجيبونهم. ويؤيّد ما ذكرنا ما روي من أنّها نزلت في الجدّ بن قيس ومعتّب بن قُشير وأصحابهما من المنافقين وكانوا ثمانين رجلاً، وأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)ـ لمّا قدم المدينة راجعاً من تبوك ـ قال: لا تجالسوهم ولا تكلّموهم(3)، وقيل في

1 . آل عمران:144.
2 . المائدة:90.
3 . مجمع البيان:5/115.

صفحه 102
شأن نزول الآية غير ذلك.
94. (يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لاَ تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ):

اعتذار المنافقين عن تخلّفهم بالأكاذيب

أخبر سبحانه عمّا ينوي المتخلّفون فِعلَه، بقوله: (يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ)بالأكاذيب و الأعذار الباطلة (إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ)من غزوة تبوك (قُلْ) يا محمد(لاَ تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ): أي لن نصدّقكم فيما تقولون (قَدْ نَبَّأَنَا اللهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ): أي أعلمنا حقيقة ما تقولون من كونه كذباً. نعم قد نبّأ الله تعالى نبيّه وهو(صلى الله عليه وآله وسلم) نبّأ أصحابه، فصحّ أن يقول: قد نبّأنا الله. هذا حالكم فيما مضى (وَ)أمّا في المستقبل (سَيَرى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ): أي سيعلم الله فيما بعد ورسوله هل تقيمون على النِّفاق أو تتوبون منه. وعلى كلّ تقدير (ثُمَّ تُرَدُّونَ)بعد الموت (إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ)الذي يعلم السرّ والعلانية وهما عنده سواء، وإنّما توصف الأشياء بهما بالنسبة إلى غيره سبحانه، وما روي عن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام): «الغيب ما لم يكن والشهادة ما قد كان»(1)، بيان لبعض المصاديق، (فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)من خير وشرّ، ويجازيكم وفق أعمالكم.
وفي قوله: (وَسَيَرى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ) نافذة أمل ورجاء لهؤلاء

1 . معاني الأخبار:146.

صفحه 103
المخلَّفين. وهذا يدلّ على فضل الله سبحانه على عباده، حيث لم يحكم عليهم بحكم قاطع، بل علّقه على ما سيقومون به.
بقي هنا سؤال، وهو: أنّه لو كان المراد أنّه سبحانه يرى عملكم في المستقبل من صالح وطالح، فهذا لا يختصّ بالله ورسوله، بل يراه المؤمنون أيضاً في أنهم بقوا على النِّفاق أو تخلّصوا منه وصاروا مؤمنين، لأنّ أفعالهم في المستقبل تكشف عن نواياهم وبما يدور في قلوبهم.
قلت: ولعلّ سبب عدم عطف«المؤمنون» على (اللهُ)، (وَرَسُولُهُ) هو أنّ المتحدّث في هذه الفقرة هم المؤمنون أنفسهم، وعلى هذا فلا يصحّ عطف «المؤمنون» على (اللهُ)، (وَرَسُولُهُ)، والدليل على ذلك تقدّم الفعلين على قوله: (فَسَيَرى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ) وهما:
1. (لاَ تَعْتَذِرُوا).
2. (قَدْ نَبَّأَنَا اللهُ).
وبعد ذلك لا يناسب عطف «المؤمنون» على ما تقدّم. وسيوافيك مزيد بيان في تفسير الآية (106) من سورتنا، فانتظر.
95. (سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ):
هذه الآية والتي بعدها تدلاّن على أنّ المخلَّفين عندما استقبلوا الجيش الإسلامي حلفوا مرّتين، فتارة حلفوا لغاية إعراض المؤمنين عنهم، وهذا ما

صفحه 104
تذكره آيتنا هذه، وأُخرى حلفوا لكسب رضا المجاهدين، كما في الآية التالية. أمّا الأوّل فالله سبحانه أجاز الإعراض عنهم، وأمّا الثاني فلا، وإليك التفسير:
قوله تعالى: (سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ): أي رجعتم. وغايتهم من الحلف (لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ): أي حتى لا تتعرّضوا لهم بالعتاب والتقريع، والله سبحانه يرخِّص في ذلك ويقول: (فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ)لا تصديقاً لهم بما يحلفون له من الأعذار، وإنّما للسّبب التالي:(إِنَّهُمْ رِجْسٌ): أي كالشيء الخبيث المستقذَر، ينبغي اجتنابه وعدم الاقتراب منه (وَمَأْوَاهُمْ): أي مستقرّهم (جَهَنَّمُ) وذلك (جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) من المعاصي وقبائح الأعمال.
وما تضمّنته الآية من الأمر بالإعراض عنهم، إنّما هو إهانة وتحقير لهم، وليس قبولاً لما يعتذرون به، وكأنّهم أدون من أن يصرف المؤمنون أوقاتهم الشريفة لسماع أعذارهم ومناقشاتهم.
روي أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لما رجع قال: «لا تُكلِّموهم ولا تجالسوهم، فأعرضوا عنهم كما أمر الله».(1)
96. (يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ):
الآية هذه تدلّ على أنّ الحلف هنا كان لغرض آخر يختلف عن غرض

1 . تفسير الدر المنثور:4/266.

صفحه 105
الحلف في الآية المتقدّمة، وهو (يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ) والله سبحانه يقول: (فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) فإذا كانت الحال كذلك، فعلى المؤمنين أن لا يرضَوا عنهم، ولذلك يكون ما روي عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من تحريم المجالسة والمكالمة، باقياً على حاله.
ومن المعلوم أنّ قطع الصلة مع المنافقين ينغّص عليهم حياتهم ويحسّون بمرارتها، حيث لا يجالسهم ولا يحادثهم جمهور المسلمين، فتضيق عليهم الأرض رغم سعتها. والآية تشير إلى طريقة سياسية لطرد المنافقين أو غيرهم من الفئات التي تخطّط وتتآمر ضد الإسلام والمسلمين، فالطريق الأفضل لتبديد شملهم هو ما دلّت عليه الآية، وفسّره النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)بعدم المجالسة والمكالمة، ويا للأسف أنّ المسلمين مازالوا مبتلين بهذه الفئات في مجتمعاتهم، وهم يتآمرون ضدّهم في المجالات السياسية والاقتصادية والأخلاقية، بإشارة من الغرب الذي تلعب يده من وراء الستار، فإنّ هذه الفئات كالطابور الخامس في مجتمعاتنا ولكنّهم يحتلّون أكثر المناصب والدوائر والمنشآت في كلّ الأزمنة والأمكنة.
وفي نهاية الكلام، ننقل ما روي عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال:«من التمس رضا الله بسخط الناس، رضيَ الله عنه وأرضى عنه الناس; ومن التمس رضا الناس بسخط الله، سخط الله عليه وأسخط عليه الناس».(1)

الاقتضاب في كلام صاحب المنار

ربما ينتقل المتكلّم من غرض إلى آخر، فليزم أن يكون بين الأمرين

1 . مجمع البيان:5/116.

صفحه 106
صلة وتناسب وإلاّ يكون اقتضاباً، ولذا يعترض الأدباء على أبي تمّام في بيتيه التاليين في ذمّ الشّباب، بالاقتضاب، حيث قال:
لو رأى الله أنّ في الشيب خيراً *** جاورتْهُ الأبرارُ في الخُلد شيبا
كلّ يوم تُبدي صروف الليالي *** خُلُقاً من أبي سعيد رغيبا
ترى أنّه ليس بين البيتين أي صلة ومناسبة.
والعجب أنّ صاحب المنار سلك هذا المسلك في المقام، فبعد أن فسّر الآيات التي مرّت، والتي تدور حول المنافقين، انتقل إلى عمل المشركين، ثم وصف توسّل المسلمين بالأنبياء والأولياء بأنّه نفس عمل المشركين وقال: «ويجب التنبيه في هذا المقام لجهل فظيع وقفنا عليه بمذاكرة بعض المشتغلين بعلوم الدين التقليدية، مخالف لهذه الآية وأمثالها من كتاب الله تعالى، وهو زعمهم أنّ ما عابه الكتاب الحكيم على المشركين والكافرين من أعمال الشِّرك والكفر كدعاء غير الله واتّخاذ أولياء من دونه يقرّبونهم إليه، ويشفعون لهم عنده فيما يطلبون، من دفع ضرّ وجلب نفع ممّا لا ينال بالكسب، فهو خاصّ بهم وبأوليائهم وشفعائهم، وأنّ وقوع مثله من المسلمين لا ينافي صحّة إيمانهم، والاعتداد بإسلامهم، للفرق الواضح بين من يدعو الأصنام والأوثان ويجعلها واسطة بينه وبين الله تعالى تشفع له عنده وتقرّبه إليه زلفى، ومن يدعو الأنبياء والأولياء لذلك وهم عباد الله المكرمون، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.(1)
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ لكلّ مقام مقالاً، فكيف انتقل من تفسير الآيات

1 . تفسير المنار:11/6.

صفحه 107
التي تتعلق بنفاق المنافقين وأيمانهم الكاذبة وأعمالهم الباطلة، إلى عمل المشركين ثم إلى عمل المسلمين من التوسّل بالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وآله(عليهم السلام) وهذا يدل على أنّ للرجل غرضاً خاصّاً وهو نشر الفكر الوهابيّ التكفيريّ بين قرّاء تفسيره، بمناسبة وبغير مناسبة.
إنّ الرجل كرّر البحث عن التوسُّل الذي جعله نوعاً من العبادة في غير واحد من أجزاء كتابه، ولكنّه لم يحدّد لنا معنى الشِّرك في العبادة، حتى يميّز بين الدعاء التوحيديّ والدعاء الشركيّ، وهذا لا يُعلم إلاّ من دراسة عقائد الوثنيين في آلهتهم.
دلّت الآيات الكريمة على أنّ الوثنيين كانوا مشركين في الربوبية موحِّدين في الخالقية، فهم يرون الخير والشرّ بيد آلهتهم المزعومة وأنّ بيدهم دفع الضرّ وجلب النفع، ولا ينال الإنسان إلاّ بدعائهم. ويدلّ على ذلك قوله سبحانه حاكياً عن حال المشركين يوم القيامة:(إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ)(1) وكانت الآلهة والله الخالق عندهم سواء. ويعرب عن ذلك قوله: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ)(2)، وقوله سبحانه ـ حاكياً عن عقيدة المشركين بالآلهة المزعومة ـ :(وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا)(3)، فما يقوم به هؤلاء من دعاء هذه الآلهة بهذه العقيدة التي يسوّونهم فيها بربّ العالمين ويرون أنّ النصر والعز بأيديهم، يكون عبادة لهم وشركاً بواحاً، وأين هذا ممّا يدعو به المسلمُ النبيَّ الخاتم، ليسأل الله تبارك وتعالى

1 . الشعراء:98.
2 . يس:74.
3 . مريم:81.

صفحه 108
أن يفكّ بجاهه مشكلته، ويقضي حاجته، ويخرجه من الفقر، وما إلى ذلك؟! وكون العملين متشابهين في الظاهر لا يسبب عطف أحدهما على الآخر، إذ الميزان هو المعاني والحقائق لا الصور والظواهر، وإلاّ يكون عمل المسلمين في مناسك الحجّ عملاً شركياً لوجود التشابه بين عملهم وعمل المشركين. وما ذكره من أنّ الشرك والكفر لا يختلف حُكمه باختلاف متعلِّقه، فمن يدعو مع الله صنماً أو كوكباً كمن يدعو نبيّاً أو ملَكاً، غير صحيح، لأنّ الحكم وإن كان لا يختلف باختلاف المتعلِّق، لكن يختلف من حيث النيّة والعقيدة، فالمشرك يدعو صنماً باعتبار أنّه بيده العزّ والنصر، بينما المسلم يدعو النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بما أنّ دعاءه مستجاب عند الله، كما كان يدعوه في حال حياته، وقد أمر به الله سبحانه وقال: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيًما)(1) .
ثمّ إنّه يدّعي في ذيل كلامه بأنّ مشركي العرب لم يكونوا يسمّون أصنامهم أرباباً، بل كانوا يعتقدون ويقولون إنّ ربّ العالمين وخالقهم ومدبّر أُمورهم الذي يجير ولا يجار عليه هو الله وحده.(2)
يلاحظ على كلامه: أنّ مشركي العرب، كما كانوا يسمّون أصنامهم آلهة، يسمّونهم أرباباً أيضاً، فهذا زيد بن عمرو بن نفيل وهو من الأحناف، قد قال:
أربٌّ واحد أم ألف ربٍّ *** أدين إذا تقسمَّت الأُمورُ

1 . النساء:64.
2 . تفسير المنار:11/7.

صفحه 109
عزلت اللاّت والعُزّى جميعاً *** كذلك يفعل الجَلد الصَّبورُ
إلى آخر ما قال.(1)
وهذا شاعر آخر عاصر البعثة النبوية يذمّ المشركين ويقول:
أربٌّ يبول الثعلبان برأسه *** لقد ذلّ من بالت عليهم الثعالبُ(2)

الآيات: السابعة والتسعون إلى التاسعة والتسعين

(الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَات عِنْدَ اللهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلاَ إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).

المفردات

الأعراب: مرّ بيان معناه في الآية (90).
مَغرَماً: ما يُدفع من المال قهراً وظلماً.
يتربّص: ينتظر.

1 . تاريخ مدينة دمشق:19/513.
2 . البداية والنهاية:2/427، والبيت لراشد بن عبد ربه.

صفحه 110
سورة التوبة: الآيات 97 ـ 99   
الدوائر: جمع دائرة: يطلق على تغيير الحال من استقامة إلى اختلال. قال الراغب: دار يدور دوراناً، ثمّ عُبّر بها عن الحادثة، وسمّيت الدار داراً لأنّ لها حائطاً يدور عليها، وكأنّ المصائب حينما تأتي تدور حول الإنسان.
السَّوء: (بفتح السّين) مصدر: ساءه يسوءه ضدّ سرّه. وأمّا السُّوء (بضمّ السِّين) فاسم لما يسيء.
قُرُبات: مفردها قُربة، وهي ـ كما في المفردات ـ :الحظوة، أي المنزلة والمكانة، ومنه قوله:(تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى)(1) والقُربان ما يُتقرَّب به إلى الله، وجمعه قرابين.
صلوات الرسول: أدعيته. وتطلق الصلاة على الدُّعاء، نظير قوله:(وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ).(2)

التفسير

قد سبق منّا القول: إنّ الأعراب لم يكونوا على نمط واحد، بل كان فيهم المؤمن والمنافق، فهذه المجموعة من الآيات تتعرض لذكر صفات المؤمن والمنافق منهم:
97. (الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ):

1 . سبأ:37.
2 . التوبة:103.

صفحه 111
وصف سبحانه في هذه الآية صنفاً من الأعراب، بصفات ثلاث:
1. أنّهم (أَشَدُّ كُفْرًا).
2. (وَ)أنّهم أشدّ(نِفَاقًا).

ما هو الوجه لكون الأعراب أشدّ كفراً؟

قال الرازي في تفسير الفقرتين: السَّبب، فيه وجوه: الأوّل: أنّ أهل البدو يشبهون الوحوش. والثاني: استيلاء الهواء الحارّ اليابس عليهم، وذلك يوجب مزيد التّيه والتكبّر والنّخوة والفخر والطيش عليهم. والثالث: أنّهم ما كانوا تحت سياسة سائس، ولا تأديب مؤدِّب، ولا ضبط ضابط، فنشأوا كما شاءوا، ومن كان كذلك خرج على أشدّ الجهات فساداً. والرابع: أنّ من أصبح وأمسى مشاهداً لوعظ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، وبياناته الشافية، وتأديباته الكاملة، كيف يكون مساوياً لمن لم يؤاثر هذا الخير، ولم يسمع خبره. والخامس: قابلْ الفواكه الجبلية بالفواكه البستانية، لتعرف الفرق بين أهل الحَضَر والبادية.(1)
3.(وَ)أنّهم (أَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللهُ).
لا شكّ أنّ في أهل البادية كفّاراً ومنافقين، كما أنّ في أهل الحضر كذلك، ولكنّ كفّار البادية ومنافقيهم أشدّ كفراً ونفاقاً من أمثالهم من المتحضّرين، وما هذا إلاّ لأنّ أهل البادية بُعداء عن أسباب الحضارة والمعرفة، وعن بركات الوحي وتعاليمه، كلّ ذلك صار سبباً لغلظة الطبع وجفوته. ومن هنا صار كفرهم أشدّ و نفاقهم آكد من أهل الحَضَر، ولكن هذا

1 . تفسير الرازي:16/166.

صفحه 112
ليس ذنباً لهم بل هو أثر الظروف التي يعيشون فيها. وبذلك يعلم أنّ الآية ليست بصدد ذمّ البَدَويّ من حيث إنّه إنسان عاش في تلك الظروف، أو بصدد مدح الحَضَريّ بما هو كذلك، بل الظروف التي يعيشون فيها تسبّب الرِّقّة والمرونة عند الحَضَريّ دون البَدَويّ، ومع ذلك فالبدويّ يتمتّع بقوّة الجَنان وفصاحة اللِّسان.(1)
روي أنّ زيد بن صوحان كانت يده اليسرى قد قطعت يوم اليمامة، وكان قاعداً يوماً يروي الحديث وإلى جانبه أعرابي، فقال له:إنّ حديثك يعجبني وإنّ يدك تريبني(2)، فقال زيد: إنّها الشِّمال، فقال: والله ما أدري اليمين يقطعون أو الشمال، فقال زيد: صدق الله، وقرأ:(الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).(3)
روى الكليني عن علي بن أبي حمزة قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام)يقول: «تفقهوا في الدين فإنّه من لم يتفقه في الدين فهو أعرابيّ...».(4)
وروى عن المفضَّل بن عمر قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول: «عليكم بالتفقّه في دين الله ولا تكونوا أعراباً! فإنّه من لم يتفقه في دين الله لم ينظر الله إليه يوم القيامة ولم يُزكِّ له عملاً».(5)

1 . انظر: التفسير الكاشف:4/92.
2 . زعم الأعرابي أنّ يد زيد قطعت حدّاً للسرقة، فأجاب زيد بأنّ اليد المقطوعة هي الشمال، وما يُقطع فيها هي اليمين، وهي موجودة.
3 . التبيان في تفسير القرآن:5/283ـ 284.
4 . الكافي:1/31، برقم 6.
5 . الكافي:1/31، برقم 7.

صفحه 113
وبذلك تعرف حقيقة قوله تعالى:(وَأَجْدَرُ): أي أَولى وأَحرى (أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ)فهم أجدر بالجهل من الحَضَري، لمعرفة ما أنزل الله من التكاليف والأحكام (وَاللهُ عَلِيمٌ) بما في قلوب خلقه (حَكِيمٌ) فيما أنزل من الأصول والفروع.
98. (وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ):

تصنيف الأعراب إلى صنفين

هذه الآية تصف فريقاً من الأعراب بوصفين:
1. (وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا): أي يعتقد بأنّ ما ينفقه في سبيل الله غرامة وخسران. وهذا خصيصة من لا يؤمن بالبعث والجزاء، إذ يتصوّر أنّ ما يدفعه من مال إنّما يدفعه عن قهر، وفي غير مقابل.
2. (وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ): أي ينتظر هذا الفريق تقلب الأُمور على رسول الله والمؤمنين، وحلول النّكبات بهم، كموت القائد وهلاك التابعين، فإنّهم لمّا يئسوا من نجاح كلّ مؤامرة، تحقّق لهم مقاصدهم، صارت أُمنيتهم موت الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) كما يقول سبحانه:(أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ)(1).
قوله سبحانه: (عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ): دعاء عليهم أن ينزل عليهم البلاء والعذاب. وقال الشيخ مغنيّة: ويجوز أن يكون إخباراً عن الحال التي يكون

1 . الطور:30.

صفحه 114
عليها المنافقون يوم القيامة من العذاب والوبال.(1)
قوله تعالى: (وَاللهُ سَمِيعٌ) لقولهم (عَلِيمٌ) بنيّاتهم.
99. (وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَات عِنْدَ اللهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلاَ إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ):
قد سبق منّا أنّ ذمّ الأعرابيّ ليس راجعاً إلى شخصه، وإنّما الذمّ يرجع إلى الظروف التي تؤثِّر في تكوين طبيعة تفكيره وعقيدته، ومع ذلك يوجد في هذه الظروف القاسية من هو أعلى تفكيراً وعقيدة من أهل الحضر، فيصف قسماً منهم بوصفين:
1. (وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) وهذا يقابل قوله تعالى:(الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا).
2. (وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَات عِنْدَ اللهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ): أي يجعل هذا القسم من الأعراب ما ينفقه موجباً لقربه من الله سبحانه وسبباً لدعاء الرسول له، لأنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يدعو للمتصدّقين بالخير والبركة. وهذا يقابل قوله تعالى: (وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا).
سورة التوبة: الآية 100   
ثمّ إنّه سبحانه يشهد على صدق نيّاتهم ويقول: (أَلاَ إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ): أي إنّ تلك النّفقة التي قدّموها بنيّة التقرب إلى الله، قد تقبلّها سبحانه منهم.
ثمّ إنّه سبحانه يذكر مصيرهم ويقول:(سَيُدْخِلُهُمُ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ): أي

1 . التفسير الكاشف:4/93.

صفحه 115
في جنّته، لأنّها محلّ إفاضة رحمة الله (إِنَّ اللهَ غَفُورٌ): أي يستر كثيراً على المؤمنين سيّئاتهم (رَحِيمٌ)بهم.

الآية: المئة

(وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّات تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).

التفسير

تتضمّن الآية أُموراً أربعة:
1. تصنيف أصحاب الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أصناف ثلاثة، سيأتي ذكرهم.
2. شمول رضا الله لهم.
3. رضا هؤلاء ـ أي الأصناف الثلاثة ـ عن الله سبحانه.
4. بيان مصيرهم وأنّ الله أعدّ لهم جنات تجري تحتها الأنهار.
وإليك التفسير.
قوله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان)الظاهر أنّ «الواو» استئنافية، وليست بعاطفة فيرجع التصنيف إلى الأعراب، فأين هؤلاء من هذا، فتدبّر. وهذه الفقرة تشير إلى الأصناف الثلاثة:

صفحه 116
أ. (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ).
ب. (وَ) السّابقون الأوّلون من (الأَنْصَارِ)، لأنّها معطوفة على المهاجرين بحكم الواو في (وَالأَنْصَارِ).
ج. (وَالَّذِينَ): أي من أصحاب النبيّ (اتَّبَعُوهُمْ): أي اتّبعوا السابقين في الهجرة والنُّصرة اتِّباعاً (بِإِحْسَان) أو اتّباعاً في أعمال حسنة.

حول السابقين في الهجرة والنُّصرة

لقد ذكر سبحانه السّبق والأولوية ولم يذكر متعلِّقهما، غير أنّ وصفهم بكونهم مهاجرين وأنصاراً يرفع الإجمال عن الآية، وأنّ الملاك هو السَّبق في الهجرة والنُّصرة، فالآية تحكي عن تعلّق رضا الله سبحانه بالسّابقين الأوّلين بالهجرة والنُّصرة.
أمّا الهجرة فإنّها تتضمّن ترك الأوطان والعشيرة والأولاد، والحياة في الغربة، فتكون بذلك عملاً شاقّاً، فصارت أَولى بشمول رضا الله لهم. وأمّا النُّصرة فتتجسّد في إيواء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)وإيواء من آمن به، وبذل المال لهم، والدفاع عنهم، فلما قدم النبيّ المدينة سبق جماعة إلى نصرته وتقاعس آخرون، وعلى هذا فالملاك السَّبق في الهجرة والسَّبق في النُّصرة.
هذا هو حال الهجرة والنُّصرة، لكنّ الثناء ورضا الله سبحانه يختصّ بالسابقين في هذين المضمارين لا بكلّ مهاجر وناصر، بشهادة وجود(مِنْ)في قوله:(مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ)، فمَن وُصِفوا بأحد الأمرين: السَّبق في الهجرة أو السَّبق في النُّصرة، فالله سبحانه ـ كما سيأتي ـ قد (رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ)، إنّما الكلام في مصاديق الموصوفين بهذين الملاكَين: «السَّبق

صفحه 117
في الهجرة، والسَّبق في النُّصرة»، ويعلم حالهم بما سنذكره.
في كلّ ثورة اجتماعية تقوم ضد المجتمع الفاسد، يوجد سبّاقون يوصفون بأنّهم طلائع الثورة وأعمدتها، وعلى عاتقهم يقع ثقل الثورة ومهماتها، وهؤلاء حينما يرون القائد وحيداً في دعوته يلتفّون حوله ويحيطون به ليدفعوا الأخطار عنه، وعملهم هذا لا يخلو من دعم ونصر وتضحية. والثورة الإسلامية على المجتمع الوثنيّ الفاسد كانت من مصاديق هذه الضابطة، فقد نهض رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بمهمّة التغيير والإصلاح في مجتمعه الجاهليّ وحيداً في أوّل يومه، وبعد حين لبّى دعوته رجال مؤمنون، فتحملوا أنواع الأذى والعذاب، ولم يروا منجاة لهم إلاّ الهجرة إلى الحبشة أو إلى المدينة المنوّرة، فهؤلاء هم السّابقون الأوّلون من المهاجرين.
وأمّا السّابقون الأوّلون في النُّصرة فهم الذين بايعوا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في البيعتين الأُولى والثانية، وقد كان عدد المبايعين من الأنصار في العقبة الأُولى اثني عشر رجلاً، وفي العقبة الثانية قرابة السَّبعين، فهؤلاء هم الذين بايعوا للنصرة والدفاع عنه إذا نزل بأرضهم، فهؤلاء هم السّابقون الأوّلون في النُّصرة.
وبعبارة أُخرى: الذين صبروا على الفتنة والتعذيب والخروج من بلادهم وديارهم والخروج إلى الحبشة والمدينة هم السّابقون الأوّلون في الهجرة، كما أنّ الذين آمنوا بالرسول وبايعوه على النُّصرة وعلى إيوائه وإيواء من هاجر إليهم من المؤمنين، هم السّابقون الأوّلون في النُّصرة، كلّ ذلك ينطبق على من هاجر قبل معركة بدر التي كانت مبدأ ظهور الإسلام

صفحه 118
وقوّته، أو آمن بالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وآواه وتهيّأ لنصرته بعدما هاجر إلى المدينة المنورة.
هذه هي كبرى القاعدة، وأمّا مصاديقها وأشخاصها وأعيانها، فعلى عاتق تاريخ السِّيَر.
ومع ذلك، فلا يفوتنا عرفانهم حسب ما يُرشدنا إليه قوله سبحانه: (وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان)، فيُشترط في التابعين التبعيّة الموصوفة بالإحسان، وأن يكون عملهم نظير عمل السابقين في الهجرة والنُّصرة، وأمّا لو تخلّف، فلا.
وإذا كان هذا هو الشرط في التابعين فأَولى أن يكون شرطاً في السّابقين في الهجرة والنُّصرة، فلو ثبت في التاريخ، ثبوتاً قطعياً أنّ من السّابقين مَن ركب الزّلل بعد رحيل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، بل حتى في حياته(صلى الله عليه وآله وسلم) بعد نزول الآية، فلا يشمله رضا الله سبحانه لأجل كون الرضا مشروطاً في جميع الأصناف، بوجود الإحسان في الحياة.
ما ذكرنا من التفسير مبنيٌّ على أنّ متعلِّق السبق هو الهجرة والنُّصرة. وهناك احتمال آخر اختاره ابن عاشور، وقال: المقصود في السبق، السبق في الإيمان فالسّابقون من المهاجرين هم الذين سبقوا بالإيمان قبل أن يهاجر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة، والسّابقون من الأنصار هم الذين سبقوا قومهم بالإيمان، وهم أهل العقبتين الأُولى والثانية.(1)، والنتيجة على كلا التفسيرين واحدة، فلا يتجاوز مفاد الآية كما ذكرنا.

1 . التحرير والتنوير:10/191.

صفحه 119

حول التابعين للسابقين بإحسان

إلى هنا تبيّن حال الصِّنفين الأوّلَين. وأمّا الصِّنف الثالث، فهم الذين وصفهم سبحانه بقوله: (وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان)، يطلق التابعون على من لم يَر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بل رأى أصحابه، لكن هذا مصطلح جديد بين المحدّثين لا صلة له بما في الآية.
إنّما الكلام في متعلّق الاتّباع، والظاهر أنّهم اتبعوا الصنفين السابقين في الهجرة والنُّصرة، فالصِّنفان الأوّلان، إمامان متبوعان، والصِّنف الثالث هو التابع، وهم الذين هاجروا بعد عزّ الإسلام وظهور قوّته وشوكته، أو نصروه كذلك. ولأجل تأخّرهم في الهجرة والنُّصرة صاروا أتباعاً، والصِّنفان الأوّلان متبوعَين. وعلى هذا، فالمراد من الصِّنف الثالث، هو كلّ من هاجر بعد غزوة بدر أو آمن ونصر بعدها كذلك. وربما يمتدّ صدق الفقرة إلى ما قبل الفتح إذ لا هجرة بعده.
ثمّ إنّ من المعروف بين المنطقيِّين أنّ القضايا تنقسم إلى قضايا خارجية وقضايا حقيقية، أمّا الأُولى فهي لا تصدق إلاّ على المصاديق الموجودة حين الإخبار، نظير قول القائل: قُتل مَن في العسكر، ونُهب ما في الدار. وأمّا الثانية فهي عبارة عن الحكم على موضوع له مصاديق مفروضة ومقدّرة عبر الزمان، كقولك: أكرِم العالم، أو أحَلّ الله البيعَ، فتنطبق على الموجود حين التشريع وما يأتي بعده.
وعلى ضوء ما ذكرنا، فالآية من قبيل القضايا الخارجية التي تنطبق على المصاديق المحقَّقة عند نزول الآية. وعلى هذا، فتفسير الفقرة الثانية بكلّ من هاجر ونصر إلى يوم القيامة، بعيد عن مساق الآية. ويشهد لذلك

صفحه 120
الإخبار بالرِّضا، حيث قال سبحانه:(رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ)فإنّ الفعل الماضي أصدق دليل على أنّ المراد هو المصاديق المحقَّقة، لا أعمّ منها ولا من المقدّر عبر الزمان.

تفسير الاتِّباع بإحسان

بقي الكلام في معنى الاتّباع بإحسان، وفيه وجهان:
تارة يكون وصفاً للاتّباع، أي اتّباعاً حسناً. وعلى هذا تكون الباء للملابسة والمصاحبة، أي اتّباعاً مصحوباً بإحسان.
وأُخرى يكون وصفاً لأعمال التابعين بأن يتّبعوا الصِّنفين الأوّلين بالعمل الصالح. ومن المعلوم أنّ المعنى الأوّل يلازم المعنى الثاني إذ لا يوصف الاتّباع بالإحسان إلاّ أن يكون في العمل أيضاً كذلك.
ثمّ إنّه سبحانه يخبر عن مكانة ومنزلة هذه الأصناف بقوله:(رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ)، ثم يبيِّن جزاءهم بقوله: (وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّات تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ) وهذه الفقرة تخالف سائر أخواتها في هذا المضمار، فإنّ الجميع يشتمل على لفظة «من» كما في قوله:(تَجْرِي مِنْ تَحْتَهَا الأَنْهَارُ)(1) ولكن هذه الفقرة خلت منها، ومن المعلوم أنّ لفظة «من» في هذه المواضع للتأكيد كقولك: ما جاءني من أحد، ولعلّ الآية استغنت عن التأكيد لحصول ما يُغني عنه من فعل (أَعَدَّ)المؤذِن بكمال العناية (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) إذ لا فوز أعظم من الحياة الخالدة في جنّات لها أوصافها في الذكر الحكيم.

1 . البقرة:25.

صفحه 121
إلى هنا تمّ تفسير الآية. بقي الكلام في أمر آخر وهو أنّ بعض المفسرين جعلوا الآية دليلاً على عدالة أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من أوّلهم إلى آخرهم، محسنهم ومسيئهم، بشهادة أنّ الله أخبر عن رضاه عنهم.

هل الآية دليل على عدالة الصحابة كلّهم؟

نقل صاحب المنار ـ المتحمّس لإثبات عدالة الصحابة جميعاً ـ ما روي عن أبي صخر حُميد بن زياد قال: أتيت محمد بن كعب القرظي فقلت له: ما قولك في أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟ فقال: جميع أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في الجنّة، محسنهم ومسيئهم. فقلت: من أين تقول هذا؟ قال: اقرأ قوله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ)، وقال: (وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَان)شرَط في التابعين شريطة، وهي أن يتّبعوهم في أفعالهم الحسنة دون السيّئة. قال أبو صخر: فكأنّي لم أقرأ هذه الآية قطّ.(1)
وقد تبعه أكثر من أتى بعده، فهذا هو الخطيب البغدادي يقول: عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم وإخباره عن طهارتهم واختياره لهم.
ثم روى عن أبي زرعة الرازي قوله: إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله فاعلم أنّه زنديق، وذلك لأنّ الرسول حقّ، والقرآن حقّ، وما جاء به حقّ، وإنّما أدّى إلينا ذلك كلّه الصحابة، وهؤلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا ليُبطلوا الكتاب والسنّة، والجرح بهم أَولى، وهم زنادقة.(2)

1 . تفسير المنار:11/16ـ 17.
2 . الإصابة:1/17.

صفحه 122
ومن الواضح أنّ ما ذكره أبوزرعة الرازي بهتان لا ريب فيه، إذ أنّ نقد الصحابيّ عقيدة وفعلاً ليس لغاية إبطال الكتاب والسنّة، ولا لإبطال شهود المسلمين، وإنّما الغاية هي نفسها في البحث عن عدالة التابعين ومن بعدهم، فالغاية في الجميع هو التعرّف على الصالحين والطالحين حتى يتسنّى لنا أخذ الدِّين من الصالحين لا من الطالحين، فكان على أبي زرعة أن يصف الرّجل الذي يتحرّى ذلك بأنّه من المحقِّقين في الدِّين والمتحرِّين للحقيقة.
وأمّا آيتنا هذه فلا تدلّ على مرامهم، وذلك لأنّه سبحانه قيّد الصنف الصالح بالاتّباع بإحسان، وقد مرّ أنّ الإحسان عبارة عن الإيمان والعمل الصالح، فإذا كان الحال في التابعين كذلك فليكن الحال كذلك في الصنفين الأوّلين فهما إمامان متبوعان في الإيمان والعمل الصالح، فذكر الاتّباع بإحسان في الصنف الثالث أغنى عن ذكره في الصنفين الأوّلين، فهم بما أنّهم سابقون في الهجرة والنُّصرة، موصوفون بالإيمان والعمل الصالح، فلا شكّ أنّ الموصوف بذلك هو عادلٌ يُرجى منه الخير ولا يُرجى منه الشرّ.
وعلى هذا، فلو دلّ الدليل القطعي أنّ قسماً من الصنفين الأوّلين أو الثالث ارتكبوا أعمالاً لا تنسجم مع الإيمان والعمل الصالح، فيكون دليلاً على خروجهم من الآية.
وإلاّ فالقول بأنّ كلّ صحابيّ جاز القنطرة، سواء أطاع أم عصى، عملَ صالحاً أو عملَ سيّئاً، فهو مخالف لصريح الآيات التي تحدّد رضى الله تعالى بعدم الفسق، والتي يقول فيها تعالى:(فَإِنَّ اللهَ لاَ يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ)(1)،

1 . التوبة:96.

صفحه 123
وقوله: (وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)(1)، وقوله: (وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ)(2).
وعلى ما ذكرنا، فرضا الله سبحانه عن السابقين في الهجرة والنُّصرة مشروط بالإحسان، فلو تخلّف واحد منهم، يكون خارجاً عن مراد الآية.

الآية ناظرة إلى صنف خاص من الصحابة

إنّ الآية تمدح السّابقين لا كلّ صحابيّ بما هو صحابيّ، بل تمدح المهاجرين والأنصار بما أنّهم آمنوا وعملوا الصالحات، وسبقوا في الهجرة والنُّصرة، أو تبعوا الأوّلين في ذلك الأمر، وأين هذا مما يقال في مدلول الآية: إنّ من صَدَق عليه أنّه مهاجر أو أنصاريّ أو تابعيّ، فإنّ الله قد رضي عنه رضاً لا سخط بعده أبداً، وأوجب في حقّه المغفرة والجنّة، سواء أحسن بعد ذلك أم أساء، اتّقى أم فسد.وبالجملة كشفت الآية عن تعلُّق الرِّضا بجماعة خاصّة، وأين هؤلاء من تعلّق الرضا بعامة الصحابة الذين يبلغ عددهم نحو مئة ألف، والمسجَّل من أسمائهم حوالي خمسة عشر ألفاً.

الفرق بين الإعداد والوعد

وممّا يؤيد ما ذكرنا أنّه سبحانه قال: (وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّات) ولم يقل: «وعدهم بالجنّات»، فإنّ الوعد قضاء حتميّ لا يُخلف، بخلاف الإعداد والتهيئة، فإنّه بمعنى وجود المقتضي للدُّخول في الجنّة. وبذلك يُعلم مدى أدب صاحب المنار في المقام حيث خرج ـ كما هي عادته ـ عن أدب الإسلام

1 . التوبة:80.
2 . آل عمران:57.

صفحه 124
وأدب القرآن والأدب النبويّ في مقام الاحتجاج، فقال: هذه الشهادة من ربّ العالمين للطبقات الثلاث من أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يدمغ حقُّها باطلَ الرّوافض الذين يطعنون فيهم، ويحثوا التراب في أفواههم.(1)
قد سبق منّا أنّ إخباره سبحانه بتعلّق رضاه بهذه الأصناف الثلاثة محدّد بكونهم باقين على ما كانوا عليه من الإيمان والعمل الصالح والعدالة، وإلاّ فلو دلّ الدليل على خروج فئة عن هذه الضابطة، فالآية ساكتة عن تلك الفئة، وذلك لأنّ الأُمور بخواتيمها. روى البخاري بإسناده عن سهل بن سعد الساعديّ عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال:«إنّ العبد ليعمل، فيما يرى الناس، عمل أهل الجنّة وإنّه لمن أهل النار، ويعمل، فيما يرى الناس، عمل أهل النار وهو من أهل الجنّة، وإنّما الأعمال بخواتيمها».(2)
وليس منزلة الصحابة من الأوّلين والآخرين أعلى وأنبل ممّا يحدّث عنه الذِّكر الحكيم بقوله: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ)(3).
وعلى هذا، فتعلّق الرِّضا بفئة أو شخص في فترة معيّنة لا يكون دليلاً على بقاء الرّضا إلى نهاية أعمارهم، فلو دلّ دليل على تنكّب هؤلاء عن الصراط المستقيم، فهذا لا يكون مخالفاً للآية لأنّ لكلٍّ ظرفاً وأمداً خاصّاً. ونحن نذكر ما ورد في الذكر الحكيم ممّا يدلّ على تنكّب بعض هؤلاء عن الصراط المستقيم.

1 . تفسير المنار:11/16.
2 . صحيح البخاري:4/207ـ 208، برقم 6493، كتاب الرقاق، باب الأعمال بالخواتيم.
3 . الأعراف:175.

صفحه 125

عدالة الصحابة في القرآن الكريم

إنّ ادّعاء عدالة كلّ الصحابة لا يتّفق مع الآيات التالية:

1. تنبؤ القرآن بارتداد لفيف من الصحابة

قال تعالى:(وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ).(1)
قال ابن قيّم الجوزية: كانت وقعة أُحد مقدّمة وإرهاصاً بين يدي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)]،وقد [نبّأهم ووبّخهم على انقلابهم على أعقابهم إن مات رسول الله أو قتل.(2)

2. ترك الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قائماً وهو يخطب

كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يخطب الجمعة، إذ قدمت المدينة قافلة تجارية، فابتدرها أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)حتّى لم يبق معه إلاّ إثنا عشر رجلاً، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«والذي نفسي بيده، لو تتابعتم حتى لا يبقى منكم أحد سال بكم الوادي ناراً، فنزلت هذه الآية:(وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)(3).(4)

1 . آل عمران:144.
2 . زاد المعاد:253.
3 . الجمعة:11.
4 . انظر: تفسير الدر المنثور:8/167.

صفحه 126

3. الخيانة بالنكاح سرّاً

قال تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ).(1)
قال ابن كثير: كان الأمر في ابتداء الإسلام، هو إذا أفطر أحدهم إنّما يحلّ له الأكل والشرب والجماع إلى صلاة العشاء، وإن نام قبل ذلك، فمتى نام أو صلّى العشاء حرم عليه الطعام والشراب والجماع إلى الليلة القادمة، ثمّ إنّ أُناساً من المسلمين أصابوا من النِّساء والطعام في شهر رمضان بعد العشاء، منهم عمر بن الخطاب، فشكَوا ذلك إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فأنزل الله، الآية.(2)
فهل يصحّ لنا أن نصف من خانوا أنفسهم بارتكاب الحرام بأنّهم: عدول ذوي ملَكة رادعة عن اقتراف الكبائر والإصرار على الصغائر؟ أو أنّ كثيراً منهم لم يكونوا حائزين تلك الملكة؟

4. تسمية أحد الصحابة فاسقاً

قال تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَة فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)(3).
اشتهر بين المؤرّخين والمفسّرين أنّ الآية نزلت في الوليد بن عُقبة بن

1 . البقرة:187.
2 . تفسير ابن كثير:1/219.
3 . الحجرات:6.

صفحه 127
أبي مُعَيط حين بعثه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) على صدقات بني المصطلق إلى حارث بن ضرار وهو رئيسهم، ليقبض ما كان عنده ممّا جمع للزكاة، فلما أن سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق، فَرِق ] أي خاف [فرجع، حتى إذا أتى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال: يا رسول الله إنّ الحارث قد منعني الزكاة وأراد قتلي!!... إلى آخر ما ذُكر، فجاءت الآية تصرّح بفسق الوليد.(1)
إلى غير ذلك من القضايا التي ذكرها القرآن الكريم في حقّ الصحابة، والتي تدلّ على أنّه لا يمكن الحكم بعدالة الجميع أيّاً ما كانوا; بل فيهم العادل والفاسق والصالح والطالح، ومَن يُستدرّ به الغمام، ومَن لا يمكن الاعتماد على قوله في قضية من القضايا.
أضف إلى ذلك أن بينهم ضعفاء العقول ومن في قلوبهم مرض، والسمّاعون والمنافقون المندسون بين الصحابة، كلّ ذلك يبعثنا للتفتيش عن حال الصحابيّ، حتى يؤخذ الدِّين من عين صافية.

الاستدلال على عدالة الصحابة بالنهي عن سبّ أصحابه

ربّما يُستدلّ على عدالة الصحابة بما ورد عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من أنّه نهى عن سبّ أصحابه، كما جاء في الخبر عنه: «ولا تسبّوا أصحابي...»، لكن يلاحظ عليه بأمرين:
الأوّل: أنّه لو صحّ الحديث سنداً فهو على خلاف المقصود أدلّ، لأنّ النبيّ يخاطب الصحابة ويقول لهم: لا تسبّوا أصحابي، ومعنى ذلك، وجود

1 . انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد:2/161ـ162; جامع البيان (تفسير الطبريّ):13/152ـ153، الأرقام: 31689ـ31695.

صفحه 128
السابّ في عصر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من الصحابة في حقّ بعضهم، ومن المعلوم أنّ السبّ فسوق، فقد روي عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال:«سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر» وما ربّما يقال من أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يخاطب الأجيال الآتية، لا الجيل المعاصر له، فهو كماترى مخالف لصريح الرواية، حيث إنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول:«لا تسبّوا» والمخاطبون هم الحاضرون في مجلس الخطاب، ولو كان المخاطبون هم المسلمون في الأجيال الآتية لغيّر كلامه وقال: سباب أصحابي حرام، كما قال: «سباب المؤمن فسوق».
أضف إلى ذلك: أنّ السبّ حرام، ولكن ذكر سيرة حياتهم بإيجابياتها وسلبياتها لا يُعدّ انتقاصاً لهم. وبعبارة أُخرى: السبّ هو الشتم، ولا شكّ أنّ سبّ المؤمن فسوق، وأمّا نقد حياة الصحابة بذكر إيجابياتهم وسلبياتهم فلا يُعدّ سبّاً، وإنّما هو نقد لسيرتهم إن خيراً فخير وإن شرّاً فشر. ويشهد لذلك الحوار الّذي جرى بين معاوية بن أبي سفيان وسعد بن أبي وقّاص، ورواه مسلم في صحيحه عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً، فقال: ما منعك من أن تسبّ أبا التراب؟ فقال: أما ما ذكرتُ ثلاثاً قالهنّ له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فلن أسبّه، لاَن تكون لي واحدة منهن أحبّ إليّ من حُمر النَّعم.
ثمّ أشار إلى فضائل ثلاثة للإمام علي(عليه السلام) وهي:
1. قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) لعليّ(عليه السلام):«أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبوّة بعدي».
2. إعطاؤه الراية يوم خيبر وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«لأعطينّ الراية رجلاً يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله».

صفحه 129
3. لمّا نزلت الآية: (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ)(1) دعا رسول الله عليّاً وفاطمة وحسناً وحسيناً، فقال: اللّهمّ هؤلاء أهلي.(2)
الأمر الثاني: أنّ المستدلّ خلط بين السبّ والنَّقد، والشيعة برآء من السبّ، فهم يرَون السبَّ فسقاً حسب قول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو عمل النَّوكى، وأمّا النَّقد، أي دراسة سلوك الصحابي خلال حياته، وما فيها من قوّة وضعف، فهو سيرة القرآن الكريم، حيث يذكر حسنات الصحابة وسيئاتهم، وصالح أعمالهم وطالحها، وقد أشار القرآن الكريم إلى أعمالهم الإيجابية، كما أشار إلى السلبية منها، وهذا أمر واضح لمن قرأ الآيات التالية: البقرة:187; آل عمران:144، 153، 161; الحجر:6; الأحزاب:22; الجمعة:6.

رأي غريب للرازي

ثمّ إنّ موضوع رضا الله تبارك وتعالى هو السَّبق في فترة خاصّة، أي في زمن ضعف الإسلام واضطهاد المسلمين، فمن سبق إلى الهجرة في تلك الفترة فهو من السّابقين، من غير فرق بين من هاجر في شهر ومن هاجر بعده في شهر آخر. وبذلك يُعلم ضعف ما ذكره الرازي بقوله: إنّ أسبق الناس إلى الهجرة هو أبو بكر; لأنّه كان في خدمة الرسول عليه الصلاة والسلام، وكان مصاحباً له في كلّ مسكن وموضع، فكان نصيبه من هذا المنصب أعلى من نصيب غيره، وعلي بن أبي طالب وإن كان من المهاجرين الأوّلين إلاّ أنّه إنّما هاجر بعد هجرة الرسول عليه الصلاة والسلام، ولا شكّ أنّه إنّما بقي بمكة

1 . آل عمران:61.
2 . انظر: صحيح مسلم:7/120، باب فضائل عليّ بن أبي طالب.

صفحه 130
لمهمّات الرّسول إلاّ أنّ السَّبق إلى الهجرة إنّما حصل لأبي بكر، فكان نصيب أبي بكر من هذه الفضيلة أوفر.(1)
وقد عزب عن الرازي أنّه لو صحّ ما زعم لوجب أن يكون كل مَن هاجر إلى الحبشة أفضل من أبي بكر لأنّهم هاجروا قبل أن يهاجر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ومن معه إلى المدينة.
ولو صحّ ما زعم من أنّ الميزان هو الهجرة إلى المدينة فلازم كلامه أن يكون مصعب بن عمير الذي بعثه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لتعليم الأنصار ما معه من القرآن أفضل من أبي بكر، بل كلّ مَن هاجر إلى المدينة قبل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)أفضل من أبي بكر.
سورة التوبة: الآيتان 101 ـ 102   

الآيتان: الأُولى والثانية بعد المئة

(وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَاب عَظِيم * وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).

المفردات

حولكم: حول الشيء: المحيط به، من حال يحول إذا دار، ومنه الحَوْل

1 . تفسير الرازي:16/169.

صفحه 131
الذي يقال للسَّنة.
مَرَدوا:مَرَد على الأمر: مَرِنَ عليه ودَرِب به، ومنه: الشيطان المارد. وأريد من مارس النِّفاق ممارسة كاملة، يجتنب فيها الأمارات التي تكشف عن نفاقه.

التفسير

101. (وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَاب عَظِيم):

انتشار النِّفاق بين الأعراب وأهل المدينة

لمّا تقدّم ذكر المؤمنين من المهاجرين والأنصار السّابقين إلى الهجرة والنُّصرة، عاد البيان القرآني إلى ذكر المنافقين، وخصّ بالذِّكر من حَذِق منهم النِّفاق ومارسه بحيث لا يفطن إلى نفاقه أحد، وقال: (وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ) الذين كانوا يسكنون حول المدينة، وهم من مُزَينة وجُهَينة وأشجع وأسلم وغِفار، كانت منازلهم حول المدينة، نعم كان فيهم مؤمنون صادقون (وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ): أي مَرِنوا عليه وحَذِقوه بحيث لا يشعر به أحد.
ويظهر أنّ قوله: (مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ) قيد لمنافقي أهل المدينة، وليس قيداً لهم وللأعراب، وهذا هو الأنسب لانّ الحَضَريّين أكثر حِذْقاً من

صفحه 132
البَدَويين.
ولأجل ممارستهم المُتقَنة لأساليب النّفاق واجتناب أماراته، يخاطب الله سبحانه نبيّه بقوله: (لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ): أي لا تعرفهم أيها الرسول، حسب النظر إليهم، وهذا لا ينافي معرفته بهم عن طريق آخر، كما يقول سبحانه:(وَلَوْ نَشَاءُ لاََرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيَماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ)(1). والغرض هو إخطارالمؤمنين ليكونوا على وجل، وليأخذوا حِذْرَهم في الحياة.
ثمّ إنّه سبحانه يبيّن مصيرهم بقوله: (سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ) وقد ذكر المفسرون وجوهاً في تفسير (مَرَّتَيْنِ) من دون دليل مُقنع، والثاني من التعذيبين واضح، وهو التعذيب عند الموت، قال تعالى: (وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلاَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ)(2)، إنّما الكلام في التعذيب الأوّل، ولعلّه هو عبارة عن العذاب الاجتماعي المتمثّل في فضيحتهم وهتك أسرارهم وكشف خبث نواياهم.
ذكر الرازي في تفسير تعدّد العذابين وجوهاً سبعة، أفضلها ما ذكره في الوجه السابع، قال: أحد العذابين ضرب الملائكة الوجوه والأدبار، والآخر عند البعث.(3)
قوله تعالى: (ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَاب عَظِيم) وهذا العذاب في الآخرة، على خلاف العذابين الأوّلين فهما حاصلان في الدنيا، كما هو واضح.

1 . محمد:30.
2 . الأنفال:50.
3 . تفسير الرازي:16/174.

صفحه 133
102. (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ):

حكم الصِّنف السادس ممّن صحب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)

هؤلاء صنف سادس ممّن صحب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، فليسوا هم من الصِّنفين الأوّلَين، أعني السّابقين إلى الهجرة والنُّصرة، ولا من التابعين للصِّنفين بإحسان ولا من الصِّنفين الآخَرين من الأعراب(اللَّذين أُشير إليهما
في الآيتين: 98 و99) بل صنف آخر، وهم مَن اشتملت صحيفة أعمالهم
على أعمال حسنة وأُخرى سيّئة، وقد جاءوا إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)معترفين بذنوبهم، فاستحقّوا بذلك رجاء المغفرة، كما يقول سبحانه: (وَ)
ثم (آخَرُونَ) ممّن حولكم من الأعراب و من أهل المدينة (اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ): أي أقرّوا بمعاصيهم مع معرفتهم بها (خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا) فهم مصادر أفعال جميلة وفي الوقت نفسه مصادر أفعال سيّئة قبيحة، فالله سبحانه يَعِدهم بقوله: (عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ)حتى يكونوا على
طمع وإشفاق، رجاء أن يتوبوا، فيرجع عليهم سبحانه بالتوبة والمغفرة والرحمة، ولذلك ختم الآية بقوله: (إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)فلعلّه علّة لرجاء قبول توبتهم.
ومن المعلوم أنّ الرجاء بالمعنى الحقيقي لا يُعقل في حقّه سبحانه، لأنّه من شأن الجاهل لا العالم، ولكن استُعمل في المقام تنزُّلاً لفكر المخاطب، حتى لا يقطع المخاطب بالمغفرة فيتجاوز حدَّه، بل يكون بين الخوف والرجاء، فإنّ الرجاء الكامل من دون حذر وخوف يُفضي إلى

صفحه 134
الطغيان، كما أنّ الحذر مجرَّداً عن الرجاء يورث اليأس، فعلى هؤلاء أن يعيشوا بين الأمرين.
وعلى ما ذكرنا، فهؤلاء الذين يذكرهم سبحانه بقوله: (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا) هم من الأعراب أو من أهل المدينة، ممّن لم تنطوِ قلوبهم على النِّفاق، ولكن خلطوا بين عملين: صالح، وطالح، فهم في موقع الرّجاء لقبول توبتهم، وبما أنّ منهم من يُعدّ من الأعراب، فيكون للأعراب أصناف ثلاثة، صنفان مرّا في تفسير الآيتين(98 و 99)، والصنف الثالث هو ما ذُكر في هذه الآية.
سورة التوبة: الآية 103 ـ 106   
نقل السيوطي في شأن نزول الآية عن ابن عباس قال: كانوا عشرة رهط تخلّفوا عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)في غزوة تبوك، فلما حضر رجوع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أوثق سبعةٌ منهم أنفسهم بسواري المسجد، وكان ممرّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)إذا رجع في المسجد عليهم، فلما رآهم قال: من هؤلاء الموثقون أنفسهم؟ قالوا: هذا أبو لبابة وأصحاب له تخلّفوا عنك يا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، أوثقوا أنفسهم وحلفوا أنّهم لا يُطلقهم أحد حتى يطلقهم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ويعذرهم. قال: وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى يكون الله تعالى هو الذي يطلقهم، رغبوا عنّي وتخلّفوا عن الغزو مع المسلمين، فلمّا بلغهم ذلك قالوا: ونحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله هو الذي يطلقنا، فأنزل الله عزّ وجلّ:(وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).(1)

1 . تفسير الدر المنثور:4/275.

صفحه 135

الآيات: الثالثة بعد المئة إلى السادسة بعد المئة

(خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكّيِهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لاَِمْرِ اللهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).

المفردات

صدقة: الصَّدقة: ما ينفقه المؤمن قربة لله تعالى. وأريد بها في الآية الزكاة الواجبة.
تطهرهم: التَّطهير: إزالة الدَّنس. والمراد به هنا تطهير النَّفس من دنس الآثام.
تزكّيهم: من قولهم: رجل زكيّ، أي زائد الخير والفضل. وأُريد بها هنا تنمية النَّفس وترفيعها بالخيرات.
مُرجَون: مؤخَّرون وموقوفون لما يردُ من أمر الله تعالى فيهم، من أرجأه أي أخّره. وفي الذِّكر الحكيم: (أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ

صفحه 136
حَاشِرِينَ)(1): أي أخَّر أمر موسى وأخيه(عليهما السلام).

التفسير

لمّا تقدّم ذكر طائفة أُخرى من الأعراب أو من أهل المدينة كانوا قد اعترفوا بذنوبهم، فأصبح قبول توبتهم مرجوّاً لقوله سبحانه: (عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ)، أمر الله سبحانه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يأخذ من أموالهم صدقة وقال:
103. (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكّيِهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ):

تطهير النبيّ نفوس المصدّقين

أمر سبحانه نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قائلاً: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ): أي من أموال التائبين (صَدَقَةً) زكاة، والظاهر أنّ المراد بها الزّكاة المفروضة، لأنّ حمله على غيرها يحتاج إلى دليل، وربما قيل أمر بأخذ الصدقة على سبيل الكفّارة للذنوب تشديداً للتكليف، وهو بعيد. نعم أمر بأخذ الزّكاة من هؤلاء التائبين، ولكن المورد لا يخصِّص الحكم، والنصّ عام وإن كان السبب خاصّاً.
ثمّ علّل سبحانه حكمة أخذ الصدقة بوجهين:
أ. (تُطَهِّرُهُمْ) من دنس الذنوب وأوضار الآثام.
ب. (وَتُزَكّيِهِمْ بِهَا): أي تنمّي أنفسهم بالخيرات والبركات بتلك

1 . الأعراف:111.

صفحه 137
الصدّقة.
وهنا يُثار سؤال: هل الضمير المستتر في قوله: (تُطَهِّرُهُمْ) يرجع إلى الصَّدقة، أي تطهِّرهم الصدقة، فتكون التاء للتأنيث، أو هو خطاب للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)والفعل مذكر؟ الظاهر هو الثاني، بقرينة قوله: (وَتُزَكّيِهِمْ بِهَا)فإنّ الضمير يرجع إلى الصدقة، وتقدير الآية: تطهّرهم وتزكيهم بها.
فإن قلت: على ما ذُكر يكون الفعلان جواباً للأمر، أعني:(خُذْ)، ولازم ذلك أن يكونا مجزومين، مع أنّهما مرفوعان.
قلت: إنّ الشيخ الطوسي التفتَ إلى ذلك وقال: ولا يجوز أن يكون جواباً للأمر، لأنّه لو كان كذلك لكان مجزوماً، فعلى هذا فجواب الأمر محذوف، نظير أن يقال: خذ من أموالهم صدقة، فهو خير لهم، تطهّرهم وتزكيهم بها.(1)
فعلى ما ذكرنا فالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) هو الذي يقوم بهذين العملين: تطهير النفوس من درن الآثام، وتنميتها بالخير والبركة، والارتفاع بها إلى مراتب المخلصين.
ثمّ إنّه سبحانه يأمر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يدعو لمن يأخذ منه الصَّدقة، ويقول:(وَصَلِّ عَلَيْهِمْ)وقد روي أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يدعو لمن يؤدي الزكاة بالخير والبركة. وظاهر الآية وجوب الدعاء على آخذ الزكاة إلاّ أن يدلّ دليل على استحبابها.
نعم، ليس للدعاء صيغة خاصّة. وفي الحقيقة الدعاء من الآخذ نوع

1 . لاحظ: التبيان في تفسير القرآن:5/296.

صفحه 138
شكر لمؤدّي الزكاة، فلو قال: آجرك الله فيما أعطيت وبارك لك فيما أبقيت، فقد أدّى الوظيفة.
وممّا يدلّ على فضيلة الصدقة سواء أكانت فريضة أم مندوبة، ما رواه محمد بن مسلم عن أحدهما]الباقر أو الصادق(عليهما السلام)[، قال:«كان علي بن الحسين(عليهما السلام) إذ أعطى السائل قبّل يد السائل، فقيل له: لمَ تفعل ذلك؟ قال: لأنّها تقع في يد الله قبل يد العبد»، وقال:«ليس من شيء إلاّ وُكِّل به ملك إلاّ الصدقة فإنّها تقع في يد الله». قال الفضل: أظنّه يقبِّل الخبز أو الدّرهم.(1)
وروى ابن أبي حاتم بإسناده عن عبد الله بن مسعود، قال: ما تصدّق رجل بصدقة، حتى يضعها في يد الله قبل أن يضعها في يد السّائل، وهو يضعها في يد السّائل، ثمّ قرأ: (هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ).(2)
ثمّ إنّه سبحانه يعلّل دعاء النبيّ لمؤدّي الزكاة بقوله: (إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ) فإنّ دعاء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)يورث ارتياح قلوبهم، حيث يطمئنّون إلى قبول عملهم وغفران ذنوبهم، ويستعدّون لدفعها في وقت آخر أيضاً.
وممّا يلاحظ في هذه الفقرة أنّه سبحانه جعل صلاته(صلى الله عليه وآله وسلم) نفس السَّكن والطمأنينة مبالغةً. وهذا فنّ من فنون البلاغة، يُسمّى تشبيهاً بليغاً، لأنّه حُذفت منه أداة التشبيه، ووجه الشَّبَه.
قال الرازي في تفسير قوله:(سَكَنٌ لَهُمْ): إنّ روح محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) كانت روحاً قويّة مشرقة صافية باهرة، فإذا دعا محمد لهم وذكرهم بالخير، فاضت

1 . تفسير العياشي:2/257، برقم 1885.
2 . تفسير القرآن العظيم:6/1877 برقم 10052.

صفحه 139
آثار من قوّته الروحية على أرواحهم، فأشرقت بهذا السبب أرواحهم وصفت أسرارهم، وانتقلوا من الظلمة إلى النور، ومن الجسمانية إلى الروحانية.(1)
وخُتمت الآية باسمين مباركين، هما: (وَاللهُ سَمِيعٌ)لدعاء النبيّ (عَلِيمٌ)بكلّ شيء، وبما في قلوب المتصدّقين، أو بما في الأمر بأخذ الصدقات من الخير والمصلحة.

إلفات نظر

ظاهر قوله سبحانه:(وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ) جواز الصلاة على المؤمن مفرداً، ولذلك صارت سنّة علمائنا الإمامية، الصلاة بعد ذكر أحد الأنبياء والأئمّة مفرداً تبعاً للذكر الحكيم، ومع ذلك نرى أنّ بعض السنّة يتردّد في ذلك أو يستشكل وربما يمنع لأنّه يؤدي إلى الاتّهام بالرفض، وإن كنت في شكّ من ذلك فأقرأ ما ذكره الزمخشري في تفسير قوله سبحانه:(إِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبيّ)(2) قال: فإن قلت: فما تقول في الصلاة على غيره؟ قلت: القياس جواز الصلاة على كلّ مؤمن لقوله تعالى: (هُوَ الذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ) وقوله تعالى: (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ)وقوله:«اللّهم صلّ على أبي أَوفى»، ولكنّ للعلماء تفصيلاً في ذلك، وهو أنّها إن كانت على سبيل التَّبع، كقولك: صلى الله على النبيّ وآله، فلا كلام فيها، وأمّا إذا أُفرد غيره من أهل البيت بالصلاة كما يُفرد هو فمكروه، لأنّ ذلك صار

1 . تفسير الرازي:16/184.
2 . الأحزاب:56.

صفحه 140
شعاراً لذكر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ولأنّه يؤدّي إلى الاتّهام بالرفض.(1)
وممّا يبعث على العجب قول ابن حجر العسقلاني في هذا الصَّدد: اختلف في السلام على غير الأنبياء بعد الاتّفاق على مشروعيته في الحيّ، فقيل يشرع مطلقاً، وقيل بل تَبَعاً، ولا يفرد لواحد لكونه صار شعاراً للرافضة، ونقله النووي عن الشيخ أبي محمد الجويني.(2)
ومعنى ذلك أنّه لم يجد مبرراً لترك ما شرّعه الإسلام، إلاّ عمل الرافضة بسنّة الإسلام، ولو صحّ ذلك، لوجب على القائل أن يترك عامّة الفرائض والسُّنن التي يعمل بها الروافض حسب زعمه.
ثمّ إنّ الرازي مع كونه إمام المشكّكين قد خضع للحقيقة في
المقام، وقال: إنّ أصحابنا يمنعون من ذكر «صلوات الله عليه» و «عليه
الصلاة والسلام» إلاّ في حقّ الرّسول. والشيعة يذكرونه في عليّ
وأولاده، واحتجّوا عليه بأنّ نصّ القرآن دلّ على أنّ هذا الذكر جائز في
حقّ من يؤدّي الزكاة، فكيف يمنع ذكره في حق عليّ والحسن والحسين رضي الله عنهم؟ ورأيت بعضهم قال: أليس أنّ الرَّجل إذا قال: سلام عليكم، يقال له: وعليكم السلام، فدلّ هذا على أنّ ذكر هذا اللفظ جائز في حق جمهور المسلمين، فكيف يمتنع ذكره في حقّ آل بيت الرسول عليه الصلاة والسلام.(3)
كما أنصف صاحب المنار في المقام، حيث قال: والأفضل الجمع بين

1 . تفسير الكشّاف:2/549.
2 . فتح الباري:11/14.
3 . تفسير الرازي:16/181.

صفحه 141
الصلاة والسلام عليه(صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى آله، وأكثر المسلمين يخصّ بالسلام الأنبياء والملائكة، وكذا جماعة آل بيته(صلى الله عليه وآله وسلم)، والشيعة يلتزمون السلام على
السيدة فاطمة وبعلها وولديهما والأئمّة المشهورين من ذرّية
السبطين، ويوافقهم كثير من أهل السنّة وغيرهم في الزهراء والسِّبطين ووالدهما سلام الله ورضوانه عليهم إذا ذكروا جماعة أو أفراداً. وأمّا
الصلاة والسلام على الآل بالتَّبَع للرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم)فهو مجمع عليه، ومنه صلاة التشهُّد، وكذا عطف الصحابة والتابعين على الآل ذائع في الكتب والخطب والأقوال.(1)
104. (أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ):
ذكر الطبرسي في سبب نزول الآية: أنّهم لما سألوا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يأخذ من أموالهم ما يكون كفارة لذنوبهم، امتنع من ذلك انتظاراً لإذن من الله سبحانه فيه، فبيّن الله أنّه ليس قبول التوبة إلى النبيّ وأنّ ذلك إلى الله عزّ اسمه، فإنّه الذي يقبلها ويأخذ الصدقات.(2) فنزلت الآية (أَلَمْ يَعْلَمُوا)الاستفهام للتّقرير، أي ألم يعلم أولئك التائبون من ذنوبهم(أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ) ثم ضمّ إلى قبول التوبة قوله: (وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ): أي يتقبّلها بأنواعها، ووجه الجمع أنّ التوبة مطهِّرة، وإيتاء الصدقة كما مرّ تطهِّر، فإعطاء الصَّدقة، توبة ماليّة.

1 . تفسير المنار:11/26.
2 . مجمع البيان:5/128.

صفحه 142
فعلى هذا تكون توبتهم بدفع الصدقات. ويحتمل أن تكون بغيره، ويؤيّد الثاني ما في ذيل الآية (وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ): أي يقبل التوبة (الرَّحِيمُ): أي العظيم الرحمة بعباده، ومن مظاهر رحمته قبول الصدقات وصرفها في مواضعها.
ثمّ إنّه لا يخفى أنّ في هذا التعبير: (وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ) الكثير من اللَّطافة، فإنّ الله هو الذي يأخذ الصدقات، ومن المعلوم أنّ الآخذ هو النبيّ أو الإمام أو الجابي، لكن لمّا كان أخذهم بإذن من الله سبحانه، كأنّ الجميع يمثل أخذ الله سبحانه، وقد مرّ في الحديث السابق: «أنّ الصدقة، لا تقع في يد العبد حتى تقع في يد الربّ».(1)
105. (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ):

عرض الأعمال على الرّسول والمؤمنين

يأمر الله سبحانه في هذه الآية نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) بأن يخاطب المكلّفين سواء أكانوا من المتصدِّقين أم غيرهم.. يأمره بقوله: (اعْمَلُوا)لماذا؟ لقوله: (فَسَيَرى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ).
وأكثر المفسرين على أنّ المراد بالرؤية هنا هو ظهور آثار أعمالهم في المستقبل، وقد رووا لتأييد ذلك حديثاً، وهو:«لو أنّ رجلاً عمل عملاً في

1 . البرهان في تفسير القرآن:4/540، برقم 4691.

صفحه 143
صخرة لا باب لها ولا كوّة لخرج عمله إلى الناس كائناً ما كان» حتى أنّ الرازي فرّق بين رؤية الله ورؤية نبيّه والمؤمنين، وقال: فكأنّه قيل: إن كنت من المحقّين المحقّقين في عبودية الحقّ، فاعمل الأعمال الصالحة لله تعالى، وإن كنت من الضعفاء المشغولين بثناء الخلق فاعمل الأعمال الصالحة لتفوز بثناء الخلق، وهو الرسول والمؤمنون.(1)
ويستشهدون بشعر زهير:
ومهما تكن عند امرئ من خليقة *** وإن خالها تَخفى على الناس تُعلمِ
يقول صاحب المنار: فإذا كانت الخلائق النفسية، والأعمال السّرّية لا تخفى على الناس مهما يكن من محاولة صاحبها لإخفائها، فماذا يقال في الأعمال التي هي مقتضى العقائد والأخلاق، وما انطبعت عليه النفس من الملكات، ومرنت عليه من العادات؟ نرى المؤمنين الصادقين يخفون بعض أعمال البِرّ التي يُستحبّ إخفاؤها كالصدقة على الفقير المتعفِّف ستراً عليه، ومبالغة في الإخلاص لله تعالى الذي ينافيه الرياء وحبّ السمعة، ولكنّهم لا يلبثون أن يشتهروا بها، ونرى بعض المنافقين يخفون بعض أعمال النفاق خوفاً من الناس لا من الله، ولكنّهم لا يلبثون أن يفتضحوا بها، ومن أمثال العوام: إنّ الذي يختفي هو الذي لا يقع.(2)
ويظهر من الرازي أنّه مقتنع بهذا التفسير، فقال في تفسير قوله: (وَقُلِ

1 . تفسير الرازي:16/189.
2 . تفسير المنار:11/34.

صفحه 144
اعْمَلُوا فَسَيَرى اللهُ عَمَلَكُمْ): إنّه ترغيب عظيم للمطيعين وترهيب عظيم للمذنبين، فكأنّه تعالى قال: اجتهدوا في المستقبل، فإنّ لعملكم في الدنيا حكماً وفي الآخرة حكماً. أمّا حكمه في الدنيا فهو أنّه يراه الله ويراه الرسول ويراه المسلمون، فإن كان طاعة حصّل منه الثناء العظيم والثواب العظيم في الدنيا والآخرة، وإن كان معصية حصّل منه الذم العظيم في الدنيا والعقاب الشديد في الآخرة، فثبت أنّ هذه اللفظة الواحدة جامعة لجميع ما يحتاج المرء إليه في دينه ودنياه ومعاشه ومعاده.(1)
أقول: الظاهر أنّ الآية تستهدف معنى آخر وهو عرض الأعمال على الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى المؤمنين عرضاً بشكل خفيّ غير معروف، فيكون الرسول والمؤمنون شهداء على الأعمال، ولتوضيح ذلك نقدِّم أُموراً:
1. قد ورد في بعض ما روي عن أهل البيت(عليهم السلام) أنّ الرسول تُعرض عليه الأعمال، فعن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «إنّ أعمال العباد تُعرض على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كلّ صباح، أبرارها وفجّارها، فاحذروا، فليستحيي أحدكم أن يعرض على نبيّه العمل القبيح.(2)
وعن سماعة عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سمعته يقول: «ما لكم تسوءون رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟» فقال له رجل: كيف نسُوؤه؟ فقال:«أمّا تعلمون أنّ أعمالكم تُعرض عليه؟ فإذا رأى فيها معصية ساءه ذلك، فلا تسوءُوا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وسرُّوه».(3)

1 . تفسير الرازي:16/188.
2 . تفسير القميّ:1/304.
3 . الكافي:1/219 برقم 3; البرهان في تفسير القرآن:4/541 برقم 3.

صفحه 145
وعن عبد الله بن أبان الزيّات ـ وكان مكيناً عند الرِّضا(عليه السلام) ـ قال: قلت للرِّضا(عليه السلام): ادعُ الله لي ولأهل بيتي، فقال: «أو لست أفعل، والله إنّ أعمالكم لتُعرض عليّ في كل يوم وليلة». قال فاستعظمت ذلك، فقال لي:«أما تقرأ كتاب الله عزّ وجلّ:(وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) قال: هو والله عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)».(1)
2. أنّ هذه الرؤية ـ أي رؤية الأعمال ـ إنّما تتحقّق في الحياة الدنيوية بشهادة قوله: (وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)والإنباء عن الأعمال كناية عن الإجزاء على وفقها، فكأنّ الفقرة الأُولى:(فَسَيَرى اللهُ عَمَلَكُمْ) مرحلة العلم والاطّلاع، والفقرة الثانية مرحلة الجزاء.
3. أنّ رؤية الله عزّ وجلّ للأعمال ـ بمعنى علمه بها ـ لا يختصّ بصورة تحقّقها، بل يعلمها قبل وقوعها، لكن لمّا جاء ذكر علمه في عداد علم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين، ذكر علمه في صورة عالم الوجود والتحقّق.
4. لو كان المراد من علم المؤمنين بأعمال المنافقين هو ظهور آثارها في المستقبل وإنْ حاول المنافقون إخفاءها، فإنّه لا يختصّ بالمؤمنين بل المنافقون أيضاً يرون أعمال المؤمنين بظهور آثارها في المستقبل، فإنّ لكلّ عمل أثراً خاصّاً يظهر في المجتمع، مع أنّه سبحانه يخصّ ذلك العلم بذاته المقدّسة، وبرسوله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وبالمؤمنين، ولذلك يقول القائل:
ومهما تكن عند امرئ من خليقة *** وإن خالها تَخفى على الناس، تُعلمِ

1 . الكافي: 1/219ـ 220برقم 4; البرهان في تفسير القرآن:4/541 برقم 4.

صفحه 146

المراد من الرؤية، هي الغيبية لا الطبيعية

يقول السيد الطباطبائي: فلو كان المراد من رؤية المؤمنين أعمال العاملين، ظهور آثارها ونتائجها، وبعبارة أخرى: ظهور أنفسها في ألبسة نتائجها لهم، لم تختصّ المشاهدة بقوم دون قوم، ولا بعمل قوم دون عمل قوم، فما بال الأعمال يراها المؤمنون ولا يراها المنافقون وهم أهل مجتمع واحد؟(1)
5. أنّ الظاهر من إضافة العمل إلى ضمير المخاطب (عَمَلَكُمْ)، وما في ذيل الآية(فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) هو أنّ المراد كلّ الأعمال ظاهرة كانت أم خفيّة، صالحة كانت أم طالحة، ومن المعلوم أنّ جميع الأعمال خصوصاً إذا كانت خفيّة عن الأنظار لا يمكن أن تتّضح للنبيّ والمؤمنين بالطرق العادية الطبيعية، ومن ادّعى ذلك فدعواه بعيدة كلّ البعد عن المنطق.
كلّ ذلك يحدونا إلى القول بأنّ المراد من الرؤية، هو الرؤية الغيبية الخارجة عن حدود الطرق العادية، وأنّ الله سبحانه يُطْلع نبيّه والمؤمنين على أعمال العباد صالحهم وطالحهم، سرّها وعلنها، وبهذا يكونون من شهداء الأعمال، يشهدون على الأُمّة بخيرها وشرّها، كما يدل عليه أمثال قوله تعالى:(وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ).(2)
فإن قلت: ما هو الداعي لعرض الأعمال على النبيّ والمؤمنين،

1 . الميزان في تفسير القرآن:9/379.
2 . الزّمر:69.

صفحه 147
والإخبار بذلك؟
قلت: إنّ له أثراً عظيماً، فإذا علم الإنسان بأنّ له مراقباً قوياً ذا رؤية لأعماله خارجة عن حدود الطرق العادية، فسوف يحفّزه ذلك على اجتناب المعاصي والأعمال المنكرة.
وبما ذكرنا يُعلم أنّ المراد بالمؤمنين ليس مطلق مَن آمن بالله
ورسوله، إذ من المعلوم أنّ هذه الرؤية فضيلة رابية لنفوس زكية متعلّقة
بالله مُعرضة عن غيره. ولهذا ورد أنّ المعنيّ بهم هم أئمة أهل البيت(عليهم السلام). ولعلّ هناك جماعة أُخرى ارتقت إلى درجة عالية من الإيمان والأخلاق
ربّما يرون أعمالنا بصورة غيبية، وهؤلاء هم الذين يعبَّر عنهم بشهداء الأعمال.
106. (وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لاَِمْرِ اللهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ):

ما هو السرّ للترديد بين التعذيب والترحّم؟

الآية تتحدّث عن الصنف الثالث من الأعراب وممن هم حول المدينة، يقول:(وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لاَِمْرِ اللهِ): أي مؤخَّرون، وموقوفون لما يرِدُ من أمر الله تعالى فيهم، وكأنهم كانوا أشدّ وطئاً من الصنف السابق، فلا تُعيّن الآية مصيرهم بل تتردّد بين تعذيبهم أو قبول توبتهم، كما يقول: (إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ) والله سبحانه عالم بمصيرهم، لكن خاطبهم بالترديد ليكونوا على الخوف والرجاء، فإن شاء عذّبهم وإن شاء قبل توبتهم.

صفحه 148
يقول الطبرسي: لفظة (إِمَّا) لوقوع أحد الشيئين، والله سبحانه عالم بما يصير إليه أمرهم، ولكنّه سبحانه خاطب العباد بما عندهم، ومعناه: ولكن كان أمرهم عندكم على هذا، أي على الخوف والرجاء.(1)
(وَاللهُ عَلِيمٌ) بما يؤول إليه مآلهم، (حَكِيمٌ) فيما يفعله بهم.
ولعلّ الفرق بين هؤلاء والصنف المتقدّم أنّ المتقدِّمين سارعوا إلى التوبة، وأولئك لم يسارعوا إليها.
روى الكليني بإسناده عن زرارة، عن أبي جعفر]الباقر[(عليه السلام) في قول الله عزّ وجلّ:(وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لاَِمْرِ اللهِ)، قال: قوم كانوا مشركين، فقتلوا مثل حمزة وجعفر وأشباههما من المؤمنين، ثمّ إنّهم دخلوا في الإسلام، فوحّدوا الله وتركوا الشِّرك ولم يعرفوا الإيمان بقلوبهم فيكونوا من المؤمنين، فتجب لهم الجنّة، ولم يكونوا على جحودهم فيكفروا، فتجب لهم النّار، فهم على تلك الحال، (إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ).(2)
سورة التوبة: الآية 107 ـ 110   
روي عن مجاهد وغيره أنّها نزلت في كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أُمية.(3)
يلاحظ عليه: أنّه سيأتي الكلام في حقّهم في الآية 118 من
هذه السورة، أعني قوله:
(وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا)، فلا يصحّ تفسير
الآية بهم.

1 . مجمع البيان:5/130.
2 . الكافي:2/407، برقم1; تفسير العيّاشي:2/261 برقم 1901.
3 . انظر: تفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم:6/1878 برقم 10056 و 10057; تفسير الرازي:16/191.

صفحه 149

الآيات: السابعة بعد المئة إلى العاشرة بعد المئة

(وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْم أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ * أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ وَرِضْوَان خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُف هَار فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).

المفردات

ضراراً: الضِّرار والمضارّة: إيصال الضَّرر. ولعل الأوّل يراد به إيصال الضَّرر عمداً لإيجاد الضِّيق، كما هو المفهوم منه في قوله تعالى:(وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوف أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوف وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا)(1)، فإن قوله: (لِتَعْتَدُوا) غاية للإمساك ضراراً، ويدلّ على أنّ الغاية من الإمساك هو إيصال الضَّرر عن عمد وإيجاد الضِّيق

1 . البقرة:231.

صفحه 150
على الزوجة. ويشهد لذلك سائر مشتقّات هذه المادة من باب المفاعلة.(1)
إرصاداً: ترقُّباً وانتظاراً، يقال: رصده، يرصده، رصداً: إذا رقَبَه.
بنيانه: البنيان مصدر كالغفران، وأريد هنا المبنى من دار أو مسجد.
شفا: حافّة النهر وجانبه، قال تعالى:(وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَة مِنَ النَّارِ)(2).
جُرُف: قال ابن منظور: الجرف: ما أكل السيل من أسفل شقّ الوادي والنّهر، والجمع أجراف وجروف .(3)
هار: مقلوب، من هار يهور فهو هائر، كقولهم: شاك السلاح، وشائك السلاح، يقال: هار البناء وتهوّر إذا سقط، نحو: انهارَ.
ريبة: اسم من الرَّيب، وهو ما تضطرب فيه النفس ويتردّد الوهم ويسوء الظن، نظير قوله:(وَ إِنَّنَا لَفِي شَكّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيب)(4).
تَقطَّعَ قُلُوبُهم: أصلها تتقطّع، أي تتفرّق أجزاءً، وهو كناية عن الموت.
 
التفسير

أبوعامر و قصة مسجد الضّرار

كانت «المدينة» و «نجران» تُعتبران بالنسبة إلى أهل الكتاب منطقتين

1 . لاحظ: النساء:12.
2 . آل عمران:103.
3 . لسان العرب:9/25، مادة «جرف».
4 . هود:62.

صفحه 151
واسعتين ومركزيتين في شبه الجزيرة العربية، فقد كانوا يتمركزون في هاتين المنطقتين أكثر من أيّ مكان آخر، ولهذا اعتنق فريقٌ من عرب الأوس والخزرج الدين المسيحيّ واليهوديّ.
ويبدو أن «أبا عامر» (والد حنظلة غسيل الملائكة، المستشهد في غزوة أُحد)، كان قد تنصّر في العهد الجاهلي، فانسلك في صفوف الرُّهبان، فلمّا ظهر نجم الإسلام من أُفق المدينة بعد هجرة النبيّ إليها، وغلبت الشريعة الجديدة على سائر الشرائع انزعج «أبو عامر» من هذه الظاهرة بشدّة، فشرع بالتعاون مع منافقي الأوس والخزرج. وقد عرف رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)خططهم التخريبية، وأراد اعتقاله، فخرج «أبو عامر» من المدينة إلى مكّة، ومن مكّة إلى الطائف، وهرب من الطائف، بعد سقوطها، إلى الشام، وأخذ يقود من هناك شبكة تجسّسيّة لحزب المنافقين.
وقد كتب إلى المنافقين في المدينة في إحدى رسائله إليهم أن استعدّوا بما استطعتم من قوّة وسلاح، فإنّي ذاهب إلى قيصر وآت بجنود ومخرج محمداً وأصحابه من المدينة، وابنوا مسجداً في قُباء في مقابل مسجد المسلمين، وصلّوا فيه في أوقات الصلاة، ليمكنهم ـ تحت غطاء أداء الفرائض ـ التحدّث حول الأُمور المتعلّقة بالإسلام والمسلمين، وكيفية تنفيذ المؤامرات الحزبية ضدّهم.
لقد كان «أبو عامر» على غرار أعداء الإسلام في العصر الحاضر يرى أنّ أفضل وسيلة لهدم واستئصال الدين في بلد يسوده الدين، هو الاستفادة من نفس سلاح الدين، ومن المعلوم أنّه يمكن توجيه الضربة إلى الدين باسم الدين أكثر من أيّ عامل أو وسيلة أُخرى.

صفحه 152
لقد كان «أبو عامر» يعلم أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لا يسمح لحزب المنافقين بإقامة مركز لهم مطلقاً إلاّ إذا كان له صبغةٌ دينيّةٌ، وكان تحت غطاء مسجد.
وعندما كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يتجهّز إلى «تبوك» أتاه جماعة من المنافقين وقالوا له: إنّا قد بنينا مسجداً لذي العلّة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية، وإنّا نحبّ أن تأتينا فتصلّي فيه لنا وتدعو بالبركة، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم):«إنّي على جناح سفر، ولو قدمنا أتيناكم إن شاء الله، فصلينا لكم فيه».(1)
لقد بادر حزب النِّفاق إلى اختيار نقطة من الأرض في قباء، وسارعوا إلى إقامة مركز لهم تحت غطاء المسجد، ولمّا عاد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من تبوك حضروا عنده وطلبوا منه أن يصلّي فيه ركعتين ليُسبغوا بذلك الشرعيّة على مركزهم، وفي هذه الأثناء نزل جبرئيل على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وأخبره بحقيقة هذا الأمر، وسمّاه في آيات نزَلَ بها على النبيّ بمسجد الضِّرار، ووصفه بأنّه مركز بُني لإيجاد الفُرقة بين المسلمين، والتآمر عليهم، إذ يقول تعالى:(وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ...).
وبعد هذه المقدمة التاريخية، نعود إلى تفسير الآيات.
107. (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ):

1 . المغازي:2/1046; مجمع البيان:5/135ـ 136; التحرير والتنوير:10/202.

صفحه 153

أغراضهم الأربعة من بناء مسجد الضِّرار

قوله: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا) اختلف المفسرون في إعراب الآية، فهل الواو عاطفة أو استئنافية، وأوضح الوجهين أن يقال: إنّها عاطفة، فكأنّه يقول:ومنهم الذين اتّخذوا، على غرار ما سبق من الأقسام، من أصناف المنافقين(مَسْجِدًا): أي بنوا مسجداً، ثمّ ذكر سبحانه الأغراض الخبيثة التي بنوا المسجد لأجلها، وتتلخص في أربعة أُمور:
1. (ضِرَارًا) مفعول لأجله لقوله:(اتَّخَذُوا) وهكذا ما سيليه من الأغراض الباقية، أي اتّخذوه لمحاولة إيقاع الضَّرر بالمؤمنين الذين يصلّون في مسجد قُبا الذي بُني عند مقدم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)من مكّة إلى المدينة.
2. (وَكُفْرًا): أي تقوية للكفر، أو للكفر بالله ورسوله.
3. (وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ): أي لتفريق المؤمنين المجتمعين في مسجد واحد، حيث كان الجميع يصلّون فيه، كتفاً إلى كتف، في صفوف متراصّة. ولا شكّ في أنّ من أشدّ ما يُرعب أعداء الإسلام، هو الحضور الجماهيري الواسع في الساحات، ومنها المسجد، ولذلك يسعَون جاهدين إلى فَلِّ هذا التجمّع، الذي يعزّز التآزر والتلاحم بين المؤمنين، ويقوّي الكيان الإسلاميّ، ويزيده عظمة ومهابة في عيون الأعداء المتربّصين به الشرّ.
4. (وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ): أي ترقّباً وانتظاراً لمن حارب الله ورسوله قبل هذه الأيّام. وقد مرّ أنّ «أبا عامر» هو الذي دعاهم إلى بناء المسجد، وإعداد القوة اللاّزمة، لأنّه سيأتيهم بجنود قيصر لحرب محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) راصدين مستعدّين للحرب معه.

صفحه 154
هذه هي الأهداف الواقعية لبناء المسجد (وَ) هم مع ذلك، وبكلّ وقاحة (لَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى)من التوسعة على أهل الضعف والعلّة من المسلمين في الليالي المطيرة والأوقات الحرجة. وبما أنّ الحلف كذباً هو رأس مال المنافقين وجُنّة لهم(1)، يقول سبحانه:(وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) في حلفهم، وأنّهم لا يريدون ببنائه إلاّ تلك الأغراض الفاسدة، التي تقدّم ذكرها.
108. (لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْم أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ):
لمّا كان واقع هذا المسجد غير ما يتظاهرون به، نهى الله تعالى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عن الصلاة فيه، وقال: (لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا) وأكّد النهي بقوله:(أَبَدًا)حتى لا يصلّي فيه إلى نهاية عمره، ويقتدي به المسلمون.
ثمّ إنّه سبحانه بدأ بالمقارنة بين المسجدين بوجهين، فتارة يصف حال مسجد قُباء(2) وحده (كما سيأتي)، وأُخرى يقارن بين أساسي المسجدين.
أمّا الأوّل، فقد وصفه بقوله سبحانه: (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ): أي وُضع أساسه الذي يقوم عليه البناء (عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْم): أي تقوى الله وطاعة أمره من

1 . إشارة إلى قوله سبحانه:(اِتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً)
(المنافقون:2).
2 . يقع مسجد قُباء في الجنوب الغربيّ من المدينة المنورة، على بُعد خمسة كيلومترات من المسجد النبويّ الشريف.

صفحه 155
أوّل يوم ابتُدئ في بنائه، يؤمّه المخلصون للصلاة وعبادة الله تعالى، ولم يؤسَّس ليكون وكراً لأهل النِّفاق الذين يتآمرون على الإسلام ونبيّه، كالذين يؤمُّون مسجد الضّرار. وحاصل الوصف أنّ مسجد قُباء مسجد أُسّس على أن يطاع فيه الله تعالى، ويُتّقى حرامه، والحال أنّ المسجد الآخر أُسّس ليكون مأوىً للمحارب والمفسد والمتآمر، فهذا المسجد (أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ): أي أحرى أن تصلِّي فيه (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا)يحضرون فيه كلّ يوم خمس مرات حتى لا يبقى عليهم شيء من أدران الذنوب، وعلى هذا فالمراد من الطهارة هو الطهارة من أوضار الذنوب والمعاصي والمكاره (وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ): أي الذين يبالغون في الطهارة منها.
109. (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ وَرِضْوَان خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُف هَار فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ):

بيان الفوارق بين المسجدين

كانت الآية السابقة في صدد وصف مسجد قُباء أو كلّ مسجد يشبهه في الأساس، أي التقوى وطاعة الله سبحانه، أمّا آيتنا ففي صدد المقارنة بين أساسي المسجدين: مسجد قُباء، ومسجد الضِّرار.
وحاصل الآية أنّ هنا مسجداً وضعه مؤسِّسه على تقوى الله وطاعته، وهناك مسجد آخر أُسِّس على الضِّرار والتآمر، فعمل المؤسِّس الأوّل أشبه بمن يبني بنياناً على أساس رصين، فيبقى ما بقي الدهر، وعمل الثاني أشبه

صفحه 156
بمن يبني بناءً على حافّة نهر أكل السَّيل من تحتها، فينهار الأساس والبناء، فلن ينتفع الباني من بنائه إلاّ أيّاماً قليلة، حيث إنّ مقتضى البناء على أساس رصين هو البقاء، ومقتضى البناء على حافّة النهر التي أكل السَّيل من تحتها هو السقوط والانهيار.
إذا عرفت ذلك، فلندخل في تفسير الآية.
قوله تعالى: (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ) المسجد(عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ): أي على أساس التقوى وطاعة الله تعالى، وهو أساس ثابت رصين (خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى)أمر باطل، وهو ما عبّر عنه بقوله: (شَفَا جُرُف هَار): أي على حافّة النّهر التي أُكل ما تحتها، فكما أنّ تلك الحافّة تسقط، فهكذا البناء المبنيّ على الدَّجل والباطل والنِّفاق، يسقط، إنّما الكلام في تعيين المورد الذي يسقط فيه، فالله سبحانه يصوّر البناء على الباطل وكأنّه بناء على شفير جهنّم، فإذا سقط يسقط ومَن فيه في نار جهنّم، كما يقول: (فَانْهَارَ بِهِ): أي بالباني ومن كان في المسجد (فِي نَارِ جَهَنَّمَ)ووقع فيها(وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) لأنّ ظلمهم يكون مانعاً من نفوذ الهداية الإلهية إلى أعماق نفوسهم.
يقول الشريف الرضيّ(رحمه الله) حول الآية: وهذه استعارة والمراد بها ذكر ما بناه المنافقون من مسجد الضِّرار بعدما بناه المؤمنون من المسجد المعروف بقُباء، لأنّ المؤمنين وضعوا هذا البناء وهم مؤمنون متَّقون وعارفون موقنون، فكأنّهم وضعوه على قواعد من الإيمان وأساس من الرِّضوان، والمنافقون إنّما وضعوا ذلك البناء كيداً للمؤمنين وإرصاداً للمسلمين، فكأنّهم وضعوه على شفا جرف هار منقوض وأساس واه منتقض، فكأنّما انهار بهم في نار جهنّم، أي أسقطهم ذلك الفعل في عذاب النار ودائم العقاب،

صفحه 157
وهذه من محاسن الاستعارات.(1)
110. (لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ):
الآية يعلوها الإبهام، ويحتمل أن يكون المراد أنّ هؤلاء المنافقين الذين بنوا البنيان كانوا مرتابين في الدعوة الإسلامية، وسيظلّون على هذا الحال إلى أن يموتوا. وعلى هذا فيكون معنى الآية: لا يزال بنيانهم الذي بنوه كاشفاً عن ريبة في قلوبهم، وهذه الرِّيبة باقية (إِلاَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ): أي حتّى يموتوا (وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).
وعلى هذا، فالآية تحكي عن خبر غيبيّ، وهو أنّ الرِّيبة لا شكّ تبقى في قلوبهم ولا تزول حتى الموت، فتتلاشى بالموت بتلاشي قلوبهم (وَاللهُ عَلِيمٌ) بأحوال الطرفين (حَكِيمٌ)في رفع أحد الصنفين ووضع الآخر.
وعلى هذا المعنى لا صلة للآية بهدم البناء، بل الآية ناظرة إلى أنّ الشكّ والرَّيب ترسّخ في قلوبهم إلى وقت الموت.
وهناك احتمال آخر اختاره صاحب الكشّاف، وقال: لما هدم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) مسجد الضرار، ازداد غيظهم وعظم نفاقهم، فمعنى قوله: (لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ): أي لا يزال هدمه سبب شكّ ونفاق زائد على شكّهم ونفاقهم لا يزول وسْمُه عن قلوبهم، ولا يضمحلّ أثره (إِلاَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ) قِطَعاً وتتفرّق أجزاؤه .(2)

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:51.
2 . تفسير الكشّاف:2/215.

صفحه 158
يلاحظ عليه بوجهين: أوّلاً: ليس في الآية أيَّة قرينة على أنّها ناظرة لحالة الهدم وتخريب البناء حتى يكون سبباً لبقاء الرِّيبة في قلوبهم.
وثانياً: أنّ هدم البناء يكون سبباً للغيظ والغضب وتشديد النِّفاق، فلا يكون سبباً للرِّيبة والشكّ. ولعل الوجه الأوّل أوضح. وقد ذكر الرازي لحصول الرِّيبة بمعنى الشكّ وجوهاً، فراجعها ـ عزيزي القارئ ـ إذا أحببت.(1)
قال الشريف الرضيّ(رحمه الله) حول هذه الآية: وهذه استعارة ومعناها أنّ
ذكر البنيان الذي بنَوه لا يزال ريبة في قلوبهم يخافون معها إنزال الله
سبحانه بهم ضروب العقاب أو بسْط المؤمنين عليهم لما ظاهروهم به
من العناد والشِّقاق، فهم أبداً بنفوسهم مستريبون وعليها خائفون
مشفقون، فلا يزالون على ذلك إلى أن تقطَّع قلوبهم حسرة، وتزهق نفوسهم خيفة.(2)
سورة التوبة: الآيتان 111 ـ 112   
إنّ هذا الأمر الالهي في تخريب وكر التجسُّس والإرصاد، لهو ضابطة كلية، ففي المجتمع الذي يسود فيه الدِّين وللناس فيه رغبة شديدة يلجأ المنافق، إذا حاول التدليس والإضرار، إلى الوسيلة الناجعة لديه، وهي أن يتدّرع بالدِّين ثم ينّفذ مخططه، وهؤلاء المنافقون أرادوا أن ينشئوا وكراً لأبي عامر (الراهب) حتّى يجتمعوا فيه ويتشاوروا لتنفيذ مخطّطاتهم، فلم يجدوا مكاناً أكثر أمناً لهم من مسجد يقومون ببنائه، حتّى لا يشكّ فيهم أحد من المؤمنين ويفضح أمرهم، فهم يجتمعون فيه في أوقات الصلاة لكن لا

1 . لاحظ: تفسير الرازي:16/197ـ 198.
2 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:51.

صفحه 159
لأجل الصلاة بل للتشاور والتخطيط، وتهيئة الأجواء لقدوم رئيسهم أبي عامر.
فلذلك أمر الله سبحانه أن يُهدم هذا المسجد حتّى لا يُتَّخذ وكراً للمنافقين، وأمر بجعله كُناساً تُلقى فيه الجِيَف حتى يتبيّن للمجتمع أنّ الوكر وإن سُمّي بالمسجد، ليس له قيمة في الإسلام، بل يليق به أن يكون موضعاً للنفايات.

الآيتان: الحادية عشرة والثانية عشرة بعد المئة

(إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * اَلتَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الاْمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ).

المفردات

أوفى: اسم تفضيل من وفى بالعهد، إذا فعل ما عاهد عليه.
السائحون:السائح: من ساح في الأرض يسيح سيحاً، إذا استمرّ في الذهاب، ويراد به من يتردّد بين المساجد والمعابد، أو من يتردّد إلى ساحات

صفحه 160
الجهاد، أو أعمّ من ذلك كمن يسيح في الأرض للعبرة أو طلب العلم.
هذا ما يرجع إلى تفسير المفردات، وأمّا الإعراب فقوله:(وَعْدًا)نُصب بفعل مقدَّر، أي وعدهم وعداً، والضمير في (عَلَيْهِ) يرجع إلى الله. قوله: (حقًّا) وصف لقوله: (وَعْدًا): أي وعدهم الله الجنّة على نفسه وعداً حقّاً.

التفسير

111. (إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ):

التقدير والتكريم لجهود المؤمنين

بعد أن تحدّثت الآيات السابقة عن المنافقين الذين تقاعسوا عن الجهاد واعتذروا بأعذار واهية، اقتضى المقام أن يذكر سبحانه المؤمنين الذين يبذلون أنفسهم ونفائسهم في طريق مرضاة الله تعالى، فالآية تقدير وتكريم لجهودهم، كما أنّها تحثّ على الاستمرار على هذا المنهج.
والآية تشتمل على أجمل التمثيلات وألطفها، حيث جعل الله عزّ وجلّ ذاته مشترياً والمؤمنين بائعين، وأنفسهم وأموالهم سلعة ومبيعاً، والجنّة ثمناً، وكونه مكتوباً في الكتب السماوية: التوراة والإنجيل والقرآن، وثيقة وسنداً للمبايعة.

صفحه 161
قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ) فالأنفس والأموال بمنزلة السلعة التي تُعرض للبيع (بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) التي هي الثَّمن، وبما أنّ هذا الثَّمن مؤجَّل، فهو إذاً وعد. قوله: (يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ) كأنّه جواب عن سؤال مقدّر، وهو يشترط في عقد البيع تسليم البائع السلعة للمشتري، فجاء الجواب بأنّ المبيع الذي يجب أن يُقدَّم عبارة عن خوض القتال نصرة لدين الله وإعلاءً لكلمته(فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ)، في هذه الفقرة إشارة إلى ثباتهم في مقارعة الأعداء واستعدادهم لبيع أنفسهم، كما يمكن أن تشير إلى ما ينبغي أن يسعى إليه المؤمن في ميدان القتال، والذي تجلّى في الدعاء الآتي للإمام عليّ زين العابدين(عليه السلام)، وهو يدعو للمجاهد في سبيل الله:«فإن ختمت له بالسعادة، وقضيت له بالشّهادة، فبعد أن يجتاح عدوّك بالقتل، وبعد أن يجهَدَ بهم الأسر...»(1).
وربما يطرأ في ذهن القارئ سؤال آخر وهو أنّه هل هناك إمكان الإقالة والاستقالة؟ فجاء الجواب بالنفي (وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا): أي وعداً حقاً على الله فرضه على نفسه في الكتب الثلاثة، أعني التوراة والإنجيل والقرآن، فقوله: (فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ)وما بعده، حال من قوله: (وَعْداً).
وذكر الرازيّ في معنى قوله تعالى:(وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ) أنّ الأمر بالقتال موجود في الكتب السماوية الثلاثة وجميع الشرائع.(2)
ثمّ أكّد سبحانه جواب السؤال بقوله: (وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ): أي لا

1 . الصحيفة السجّادية الكاملة: دعاؤه لأهل الثّغور.
2 . لاحظ: تفسير الرازي:16/201.

صفحه 162
يوجد في صحيفة الكون أوفى بالعهد من الله، وهو يفي بعهده يوم القيامة.
ثمّ جاء البيان القرآني يأمر المؤمنين بإظهار الفرح والسُّرور بهذا البيع الرابح ويقول: (فَاسْتَبْشِرُوا): أي فلتفرحوا وتسرّوا (بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَ) ما (ذَلِكَ) إلاّ لأنّه (هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)الظفر الكبير الذي لا يقاربه شيء.
ولعلّ كونه فوزاً عظيماً، هو أنّ البائع باع على المشتري ما هو ملك له حقيقة، وإنّما مَلَكه بتمليك منه، مع أنّ السنّة الجارية في البيوع الرابحة كون السلعة ملكاً للبائع حقيقة لا للمشتري.

مكانة الجهاد عند أهل اليبت(عليهم السلام)

روى الكلينيّ بإسناده عن ميمون القدّاح، عن أبي عبد الله(عليه السلام) :«أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) كان إذا أراد القتال، قال هذه الدعوات:اللّهمّ إنّك أعلمتَ سبيلاً من سُبلك جعلت فيه رضاك، وندبت إليه أولياءك، وجعلته أشرف سُبلك عندك ثواباً، وأكرمها لديك مآباً، وأحبّها إليك مسلكاً، ثم اشتريت فيه من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنة، يقاتلون في سبيل الله فيَقتلون ويُقتلون وعداً عليه حقّاً، فاجعلني ممّن اشترى فيه منك نفسه، ثم وفى لك ببيعه الذي بايعك عليه غير ناكث، ولا ناقض عهداً، ولا مبدّلاً تبديلاً، بل استيجاباً لمحبّتك، وتقرّباً به إليك...».(1)
وقال أمير المؤمنين علي(عليه السلام): «لَيْسَ لاَِنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلاَّ الْجَنَّةَ، فَلاَ تَبِيعُوهَا إِلاَّ بِهَا».(2)

1 . الكافي:5/46.
2 . نهج البلاغة: قصار الحكم برقم 456.

صفحه 163
وكان الإمام الصادق(عليه السلام) يقول: «أيا مَن ليست له همّة، إنّه ليس لأبدانكم ثمن إلاّ الجنّة، فلا تبيعوها إلاّ بها».(1)
وقال السيد محمد رشيد رضا: ويروى عن جدّنا الإمام جعفر الصادق(عليه السلام) في معنى الآية:
أُثامن بالنفس النفيسة ربَّها *** فليس لها في الخلق كلِّهمُ ثمنْ
بها أشتري الجنّات إنْ أنا بعتُها *** بشيء سواها إنّ ذلكمُ غَبَنْ
إذا ذهبتْ نفسي بدنيا أصبتُها *** فقد ذهبت ]نفسي[ وقد ذهب الثّمنْ(2)
وقد جاء في تفسير القرطبي: «أنّ هذه الأبيات أنشدها الأصمعي للصادق(عليه السلام)».(3)
112. (اَلتَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الاْمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ):

1 . مجمع البيان:5/140.
2 . تفسير المنار:11/49. ولاحظ: الدر الثمين(ديوان المعصومين):619.
3 . تفسير القرطبي(الجامع لأحكام القرآن):8/268.

صفحه 164

أوصاف المجاهدين في سبيل الله

لمّا بيّن سبحانه، في الآية السابقة، أنّ من أوصاف المؤمنين الصادقين الجهاد في سبيل الله ببذل الأنفس والأموال، أتبع ذلك ببيان سائر أوصافهم (التسعة)، ومع ملاحظة كون الجهاد وصفاً أوّلياً يكون المجموع عشرة أوصاف، كما يقول:
1. (اَلتَّائِبُونَ): أي هم الراجعون إلى طاعة الله تعالى، المنقطعون إليه. ويحتمل أن يراد التائبون من ذنوبهم، ويشهد لذلك قوله تعالى:(فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ)(1).
2. (الْعَابِدُونَ): أي الذين يعبدون الله وحده ولا يعبدون غيره.
3. (الْحَامِدُونَ): أي يحمدون الله تعالى ويشكرونه. أمّا الحمد فلأجل صفاته الجمالية والجلالية، وأمّا الشكر فلنعمه السابغة.
4. (السَّائِحُونَ) من السياحة وهو السير في الأرض، والأنسب بالنسبة إلى سائر الصفات هو السير إلى أماكن ذكر الله وعبادته كالمساجد والحج والعمرة. ويحتمل تفسيره بالأعمّ، أي السير في الأرض لصلة الأرحام وكسب العلم والاعتبار بما حلّ بالأقوام البائدة من العذاب، لقوله سبحانه: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)(2).
5 و 6. (الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ) فلو أُريد الجمع بينهما فينطبق على الصلوات المفروضة والنوافل المندوبة، ولو أُريد كلٌّ بمفرده فينطبق الثاني

1 . التوبة:11.
2 . غافر:82.

صفحه 165
على السجود شكراً وتذلُّلاً أيضاً. ولعلّه لذلك ـ أي كون السجود أعمّ من كونه في الصلاة ـ لم يقترن بالواو.
7 و 8. (الاْمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ) مقتضى القاعدة أن يقول: «الناهون عن المنكر» مجرّداً عن الواو، وذلك لأنّ المعدودات تُسرد بغير ذكر الواو، وإنّما عطف لأجل الملازمة بينهما في الغالب.
وربما يقال: إنّ هذه الواو هي (واو الثمانية) حيث جرت سنّة العرب أنّ المعدودات إذا بلغت سبعة يبدأون الثامن بالواو، فيقولون: ستة، سبعة، وثمانية، وكأنّ السبعة عندهم عدد كامل، وهذا ما يدّعيه بعض الأُدباء، قال ابن هشام الأنصاريّ المصريّ: وذكرها جماعة من الأُدباء كالحريري، ومن المفسرين كالثعالبي، وزعموا أنّ العرب إذا عَدّوا قالوا: ستة، سبعة وثمانية، إيذاناً بأنّ السبعة عدد تام وأنّ ما بعدها عدد مستأنف، واستدّلوا بآيات، إحداها:(سَيَقُولُونَ ثَلاَثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ)(1)، وثانيها: (حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا)(2).(3)
أقول: أمّا الواو في الآية الأُولى، أي قوله:(وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ)، فيجوز أن تكون عاطفة، وجملة (وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) معطوفة على ما قبلها، فإنّ الصفة إذا تعدّدت يجوز فيها العطف وعدمه. وأمّا الآية التي في سورة الزُّمر فالواو فيها حاليّة، ولولاها لم يحصل الغرض المطلوب، فإنّ الغرض من هذه الجملة هو

1 . الكهف:22.
2 . الزمر:73.
3 . مغني اللبيب:1/474، باب حرف الواو المفردة.

صفحه 166
إفادة أنّ أبواب الجنّة كانت مفتوحة من ذي قبل، أي قبل مجيء المتّقين إليها تكريماً وتبجيلاً لهم، ولو قيل فتحت أبوابها (بحذف الواو) لما حصل الغرض المطلوب.
ثمّ إنّه لو ثبت ما يدّعونه من واو الثمانية فليس المقام منه، بشهادة أنّه سبحانه عطف الوصف التاسع بالواو أيضاً، وقال:
9. (وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ): أي القائمون بجميع ما أمر الله به ونهى عنه، فيؤدّون الفرائض ويجتنبون النواهي، لأنّ حدود الله هي أوامره ونواهيه. فشرائعه وأحكامه هي الحدود التي لا يتجاوزها المؤمنون. والذين يتحلّون بهذه الصفات التِّسع متوَّجةً بالصفة الأُولى، أي الجهاد، هم الذين يستحقّون الحسنى التي وعد الله تعالى بها المؤمنين، ولذلك أمر نبيّه أن يبشّرهم بها، وقال:(وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ).

الجهاد مع مَن يكون؟

روى الكلينيّ(تحت هذا العنوان) بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: لقي عبّادُ البصريّ عليَّ بن الحسين (صلوات الله عليهما) في طريق مكّة، فقال له: يا علي بن الحسين تركت الجهاد وصعوبته وأقبلت على الحج ولينته؟! إنّ الله تبارك وتعالى يقول: (إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) إلى قوله: (وَذَلِكَ الفَوزُ العَظيمُ)، فقال له علي بن الحسين(عليهما السلام): أتمِّ الآية، فقال: (اَلتَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ) إلى قوله: (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ)، فقال عليّ بن الحسين (عليهما السلام): «إذا رأينا هؤلاء الذين هذه صفتهم فالجهاد معهم أفضل من

صفحه 167
الحجّ».(1)
لقد أشار الإمام(عليه السلام) بأنّ الذين يحكمون البلاد ليسوا من مصاديق الآية حتى يجاهد معهم.
وأمّا وجه ترتيب هذه الصفات، فقد ذكره السيد الطباطبائي تالياً وقال: قد بدأ بأوصافهم منفردين، وهي التوبة والعبادة والسِّياحة والرُّكوع والسُّجود، ثم ذكر ما لهم من الوصف الخاص بهم المنبعث عن إيمانهم مجتمعين، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وختم بما لهم من جميل الوصف في حالتي انفرادهم واجتماعهم، وهو حفظهم لحدود الله، وفي التعبير بالحفظ مضافاً إلى الدلالة على عدم التعدّي، دلالة على الرقوب والاهتمام.(2)

الآيات: الثالثة عشرة بعد المئة إلى السادسة عشرة بعد المئة

(مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ * وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لاَِبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَة وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لاََوَّاهٌ حَلِيمٌ * وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ * إِنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِي

1 . الكافي:5/46 برقم1.
2 . الميزان في تفسير القرآن:9/396.

صفحه 168
وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيّ وَلاَ نَصِير).

المفردات

سورة التوبة: الآيات 113 ـ 116   
لاََوّاه: الأوّاه: الكثير التأوُّه، وهو التوجُّع والتحزُّن والتحسُّر، ولذا قيل: الرحيم بعباد الله.
حليم: الحليم الذي لا يستفزه الغضب، الصبور على الأذى.

التفسير

لمّا تقدّم في قوله:(اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ) أنّ استغفار الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وعدمه في حقّ المشركين سيّان، جاء البيان القرآني لبيان ضابطة كليّة في هذا المورد، ومنع المؤمنين من الاستغفار لهم، وأنّه ضلال بعد الهداية، كلّ ذلك ضمن هذه المجموعة من الآيات.
113. (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ):

الاستغفار في حقّ المشركين

بما أنّ استغفار النبيّ لأحد يتضمّن طلب المغفرة للمستغفر له، ولكن هذا فرع أن يكون في المورد أرضية صالحة للمغفرة، وبما أنّ المشرك متمسك بأوثانه وأصنامه، وليس له صلة إيمانية بالله سبحانه، فالاستغفار له

صفحه 169
يُعدّ أمراً لغواً وليس ذا جدوى، قال سبحانه: (إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ)(1)، ولذلك جاء البيان القرآني ليؤكّد أنّ الاستغفار للمشركين أمر غير لائق بالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)والمؤمنين، ويقول: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا): أي ليس من شأن النبيّ ومَن آمن به (أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبى)كآبائهم وأُمهاتهم وإخوانهم، وذلك (مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ): أي أولو القربى (أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) فعندئذ لا يترتّب على الاستغفار أيُّ أثر، لأنّهم محكومون بالعذاب المخلّد.
ولمّا كان هنا سؤال، وهو: كيف إذاً استغفر إبراهيم(عليه السلام) لأبيه آزر مع كونه مشركاً، كما قال سبحانه ـ حكاية عنه(عليه السلام) ـ :(قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بي حَفِيًّا)(2)؟! جاء البيان القرآني للإجابة عن هذا السؤال، وقال:
114. (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لاَِبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَة وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ):

سبب استغفار إبراهيم لأبيه آزر

وحاصل الجواب: إنّ إبراهيم(عليه السلام) وعد أباه بالاستغفار عندما كان يترقّب منه الإيمان وترك عبادة الأصنام، فلما تبيّن أنّه ثابت على الوثنية التي هي تعبير آخر عن كونه عدوّاً لله، فعندئذ تبرّأ منه، كما يقول سبحانه: (وَمَا كَانَ

1 . النساء:48.
2 . مريم:47.

صفحه 170
اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لاَِبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَة وَعَدَهَا إِيَّاهُ)بقوله الذي حكاه عنه سبحانه: (سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي)، (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للهِ) وأنّ الاستغفار في حقّه غير مؤثِّر (تَبَرَّأَ مِنْهُ).
ثمّ إنّه سبحانه ختم الآية بقوله:(إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لاََوَّاهٌ حَلِيمٌ) ويحتمل أن يكون الوصفان يتعلّقان ببيان سبب استغفاره لأبيه، وذلك لأنّ الأوّاه هو الذي يكثر التأوّه والتحسّر، ومعناه أنّه لفرط ترحّمه ورقّته كان يتعطّف على أبيه الكافر ويستغفر له، ومع ذلك كان حليماً يتحمّل أذى الناس وأذى أبيه، فإنّه عندما هدّده بقوله:(قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لاََرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْني مَلِيًّا)، واجه تهديده بقوله: (قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بي حَفِيًّا)(1).
يقول السيد الطباطبائي: قوله تعالى:(إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لاََوَّاهٌ حَلِيمٌ)، تعليل لوعد إبراهيم واستغفاره لأبيه بأنّه تحمّل جفوة أبيه، ووعده وعداً حسناً لكونه حليماً، واستغفر له لكونه أوّاهاً.(2)
115. (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ):
الآية تتضمّن بيان سنّة من سُنن الله تعالى، وفي الوقت نفسه لها صلة بما تقدّم من نهي النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)والمؤمنين عن الاستغفار للمشركين ولو كانوا أولي قُربى، وحاصلها تهديد للمؤمنين بالإضلال (بمعنى حرمانهم من

1 . مريم:46ـ 47.
2 . الميزان في تفسير القرآن:9/398.

صفحه 171
الألطاف الإلهية) بعد الهداية إنْ لم يتّقوا ما بيّن الله لهم أن يتّقوه ويجتنبوه، فإنّ الإيمان الكامل قائم بأمرين:
1. الاعتقاد الصحيح، وإليه يشير بقوله:(وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ): أي التوحيد بعد الشِّرك.
2. تطبيق الأفعال والأقوال على الشريعة، وإليه يشير بقوله: (حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ)فيكون عملهم في عامّة المجالات وفق الشريعة. هذا هو مفهوم الآية، وأمّا صلتها بما قبلها وهو أنّ المشركين أعداء الله فلا يجوز للمؤمنين التودّد إليهم والاستغفار لهم; بل يجب عليهم الاتقاء والتجنب عنهم و(إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ) ولا تخفى عليه خافية في السماء والأرض. وقد تقدّم أنّ أمثال قوله: (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا) بمعنى نفي الشأن، أو نفي الإمكان، أي ليس من شأنه سبحانه الإضلال إلاّ بعد البيان، أو لا يمكن ويستحيل عليه هذا الأمر.
وعلى هذا، فالآية تتضمّن بيان مسألة أُصولية، وهي:«قبح العقاب بلا بيان» وذلك بالتقريب التالي:إنّ التعذيب من آثار الضّلالة، وهي في الآية معلَّقة على البيان، فتكون النتيجة: إنّ التعذيب معلَّق على سبق البيان وأنّه سبحانه لا يعاقب إلاّ بعد بيان ما يجب العمل به، فيتمّ الاستدلال بالآية على أصل البراءة فيما لم يرد في مورده بيان.
والآية دليل على وجود الملازمة بين حكم الشرع وحكم العقل، فالعقل يحكم بقبح العقاب بلا بيان، والشرع حكم بأنّه لا يُعذّب قوماً إلاّ بعد أن يخالفوا ما بيّن لهم من الأُمور الّتي أراد منهم أن يجتنبوها. وسيوافيك توضيح أكثر عند دراسة قول صاحب المنار.

صفحه 172

ما هو المراد من الإضلال بعد الهداية؟

جدير بالتنبيه أنّ المراد من الإضلال بعد الهداية عبارة عن قطع الألطاف الإلهية وترك العبد على حاله. والإضلال بهذا المعنى لا يُتصوّر في حقّه سبحانه إلاّ إذا كان العبد مستحقّاً له، وذلك بأن يُقدِم على مخالفة ما بُيّن له، وعندئذ يكون محروماً من الألطاف الإلهية والتوفيقات الربّانية.
ثمّ إنّ صاحب الكشاف قال في تفسير قوله:(حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ): المراد بما يتّقون ما يجب اتّقاؤه للنهي، فأمّا ما يُعلم بالعقل كالصدق في الخبر وردّ الوديعة فغير موقوف(1).
حاصل كلامه: إنّ المستقلاّت العقلية غنيّة عن البيان، كاستقلال العقل بقبح الكذب وحسن الصدق، وقبح خيانة الأمانة، ولزوم ردّها، ولو اقترن بالبيان فإنّما هو من باب التأكيد واللُّطف.
ثمّ إنّ صاحب المنار، أورد عليه: أنّ حسنه يُعلم بالعقل، ولكنّ التكليف الذي يُبنى عليه جزاءُ الآخرة لا يصحّ إلاّ بالشَّرع كما تدلّ عليه الآية، وقد أخبرنا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ ما سكت عنه فلم يُبيّنه لنا فهو عفو منه من غير نسيان، فليس لنا أن نسأل عنه.(2)
لقد خرج صاحب المنار بقول ثالث بعدما كانت المسألة ذات قولين، فمن قائل بأنّ العقل يُدرك حُسنَ الأفعال وقبحَها، ومن ثمّ يكشف عن كون الحكم كذلك عند الشَّرع، إلى قائل آخر ينكر على العقل قدرته على درك

1 . تفسير الكشاف:2/61.
2 . تفسير المنار:1/63.

صفحه 173
حسن الأفعال وقبحها، وعندئذ لا تصل النوبة إلى إمكان الكاشفية عمّا لدى الشّرع، وأمّا صاحب المنار فطلع علينا بقول ثالث، حاصله: إنّ العقل يستطيع إدراك الحسن والقبح مع قطع النظر عن بيان الشّرع، لكنّ التكليف الذي يُبنى عليه الجزاء موقوف لبيان الشارع.
وعلى ما ذكره لا يكون العقل حجّة من الحجج في مجال التشريع وكشف حكم شرعيّ لدى الله سبحانه، فلو حكم العقل بقبح القتل يُكتفى بكونه قبيحاً عند الشّرع، وأمّا ما يترتّب عليه من الحرمة وعدمها، فلا يكشف عنه العقل!

حكم العقل بالقبح يلازم كونه حراماً شرعاً

إنّ العقل إذا أدرك حكماً لموضوع ـ مع قطع النظر عن كلّ شيء ـ فوجد قتل الإنسان البريء أو الإساءة للمحسن أو نقض الميثاق أمراً قبيحاً بما هوهو، مع قطع النظر عن كون الفاعل ممكناً أو واجباً، خالقاً أو مخلوقاً، فمثل هذا الحكم يلازم كون الشَّرع أيضاً حاكماً بالحرمة، لأنّ المفروض أنّ الموضوع نفس القتل، والحكم عليه بالقبح من دون ضمّ ضميمة، ولذلك نرى أنّ أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) يصفون العقل بأنّه إحدى الحجج، قال الإمام موسى بن جعفر(عليهما السلام):«إنّ لله على الناس حجّتين: حجّة ظاهرة وحجّة باطنة، فأمّا الظاهرة فالرُّسل والأنبياء والأئمّة، وأمّا الباطنة فالعقول».(1)
وبما ذكرنا يظهر أنّ العقل إذا أدرك قبح القتل وقبح الإساءة للمحسن، يترتّب عليه كونه محكوماً عند الشّرع بالحرمة، ومن ثمّ يترتّب عليه

1 . الكافي:1/16 برقم12. والرواية مفصّلة أخذنا منها موضع الحاجة.

صفحه 174
استحقاق العقاب.
وكأنّ صاحب المنار ينكر كلا الأمرين الأخيرين.
ونحن نلفت نظره إلى الآية التالية، ونسأل: كيف أدرك أحد أبناء آدم قُبح القتل وكونه أمراً غير مرضيّ عند الله؟ قال سبحانه: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لاََقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطْتَ إِليَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِط يَدِيَ إِلَيْكَ لاَِقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ * فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ)(1)، فقد صار القاتل منهما من أصحاب النار وفي زمرة الظالمين والخاسرين، مع أنّه لم تَرِد في الشَّرع يوم ذاك حرمة قتل الأخ أو النّفس المحترمة، إذ لم تكن شريعة لأبيهما آدم(عليه السلام).
إنّه سبحانه يحتجّ في قسم من الآية بما يستقلّ به العقل ويتلقّاه حجّة على المكلَّف قبل بيان الشَّرع، ويقول:(أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ).(2)
وأمّا الحديث الذي استدلّ به، فهو ناظر إلى الأُمور الغيبية التي ليس لنا طريق إليها، وليس له أيُّ مساس بالأُمور الواضحة عند العقل السليم.
ثمّ إنّه سبحانه أتمّ الآية بقوله:(إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ) وهو يعلم من يتّقي ومن لا يتّقي.

1 . المائدة:27ـ 30.
2 . القلم:35ـ36.

صفحه 175
116. (إِنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيّ وَلاَ نَصِير):
لمّا تقدم في الآيات السابقة النهي عن الاستغفار للمشركين وحرمة التودّد لهم ووجوب التبرّي منهم، فربما دار في خَلَد بعضهم أنّ قطع الصلة بيننا وبينهم ربما يصير سبباً لحرمانهم من معاونتهم ومناصرتهم، فالآية تردّ عليهم هذا الظنّ بأنّه عزّ وجلّ هو الخالق الذي خلق السماوات والأرض، ولأجل كونه خالقاً فـ (لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ).
ولعلّ السماوات والأرض في مصطلح القرآن كناية عن النظام الموجود، فالتعبير عنه بملك السماوات والأرض، تعبير موجز ومجمل، وربما يعبّر عنه بالتفصيل نسبياً كما يقول: (للهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ)(1). وعلى كلّ تقدير، فالتدبير بيده سبحانه، بشهادة أنّه (يُحْيِي وَيُمِيتُ) فإذاً ليس في صفحة الوجود وليٌّ ناصر غيره، كما يقول: (وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيّ وَلاَ نَصِير)فعند ذلك لا وجه لحرمانكم، فالله سبحانه، بما أنّه الخالق المالك المدبّر، فهو الذي يدفع ضرر المشركين ويَجبر ما حُرمتم من مناصرتهم.
إلى هنا تمّ تفسير الآية، ولكن بقي هنا أمران:

آزر لم يكن والد إبراهيم

الأوّل: ربما يتبادر من الآية أنّ أبا إبراهيم كان مشركاً، ولكنّ التدقيق في سائر الآيات يثبت بأنّه كان أحد أقربائه (عمّه أو خاله).

1 . المائدة:120.

صفحه 176
وسيوافيك تفصيل الموضوع عند تفسير سورة مريم(1)، فانتظر

تكذيب نزول الآية في أبي طالب

الثاني: روى البخاري في تفسير سورة القصص نزول الآية:(مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ)(2) نزولها في أبي طالب إذ دعاه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) عندما حضره الموت إلى قوله: لا إله إلاّ الله فامتنع، وإليك نصّ ما رواه.
قال: لمّا حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فوجد عنده أبا جهل وعبد الله بن أبي أُمية بن المغيرة فقال:«أي عمّ، قل: لا إله إلاّ الله، كلمةً أُحاجّ لك بها عند الله» فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أُمية: أترغب عن ملّة عبد المطلب؟ فلم يزل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يعرضها عليه ويعيدانِهِ بتلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلّمهم: على ملّة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إله إلاّ الله. قال: فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«والله لأستغفرنّ لك ما لم اُنْه عنك» فأنزل الله: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ)(3) وأنزل الله في أبي طالب، فقال لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):(إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ)(4).(5)

1 . لاحظ: مريم:42ـ 49.
2 . التوبة:113.
3 . التوبة:113.
4 . القصص:56.
5 . صحيح البخاري: كتاب تفسير القرآن، سورة القصص برقم 4772; ونقله أيضاً في تفسير سورة التوبة على وجه التلخيص برقم 4675; وفي الجنائز برقم 1360.

صفحه 177
وبما أنّ صحيح البخاري يعدّ أصحّ الكتب عند السنّة، وهو غير خاضع للنقاش، تحيّر شرّاح الحديث في توجيه نزول الآية في أبي طالب، لأنّ وفاته رحمه الله تعالى كانت بمكة قبل الهجرة بنحو ثلاث سنوات، فكيف نزلت هذه الآية في حقّه، وسورة التوبة قد نزلت سنة تسع من الهجرة؟!
ومن هنا استبعد بعض العلماء أن تكون الآية نزلت في أبي طالب.(1)
ثمّ إنّ هناك روايات معارضة لنزولها في أبي طالب، وقد ورد في بعضها أنّ جماعة من المؤمنين قالوا نستغفر لموتانا المشركين، كما استغفر إبراهيم لأبيه، فنزلت الآيتان.(2)
كما ورد أيضاً أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أتى قبر أُمّه وبكى عنده، واستأذن ربه أن يستغفر لها، فنزلت الآيتان.(3)
ومع هذا كيف يمكن القول بضرس قاطع إنّ الآية نزلت في أبي طالب؟
وثمّة كلمة لابن عاشور التونسيّ في هذا الشأن، جزم فيها بعدم صحّة نزولها في عمّ النبيّ أو أُمّه، وقال: وأمّا ما روي في أسباب النّزول أنّ هذه الآية نزلت في استغفار النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)لأبي طالب، أو أنّها نزلت في سؤاله ربّه أن يستغفر لأُمّه آمنة حين زار قبرها بالأبواء، فهما خبران واهيان لأنّ السورة نزلت بعد ذلك بزمن طويل.(4)
وختاماً نقول: هل كفر أبو طالب يوماً حتى يؤمن عند وفاته؟ ومن هنا

1 . انظر: تفسير المراغي:11/36.
2 . لاحظ: تفسير الدر المنثور:4/300.
3 . لاحظ: تفسير الدر المنثور:4/302; تفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم:6/1893 برقم 1005.
4 . التحرير والتنوير:10/214ـ 215.

صفحه 178
سوف نعرض المسألة على تاريخ حياته، ونقوم بدراسة مواقفه التي تعكس عقيدته ونمط تفكيره، وذلك عند تفسير الآية (56) من سورة القصص، التي زُعم أيضاً أنّها نزلت فيه، فانتظر.
سورة التوبة: الآيات 117 ـ 119   

الآيات: السابعة عشرة إلى التاسعة عشرة بعد المئة

(لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيق مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ * وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لاَ مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ).

المفردات

ساعة: وقت.
العسرة: الشِّدّة والضِّيق.
يزيغ: يميل.
خُلِّفوا: تخلفوا.
رحُبت: من الرُّحْب: السَّعة. و«ما» في قوله: (بِمَا) مصدرية أي برُحبها وسَعتها.

صفحه 179
ظنُّوا: أيقنوا، نظير قوله سبحانه:(الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)(1).
ملجأ: مَلاذ ومعتَصَم.
تاب عليهم: أي رجع إليهم بالرحمة. ولو نُسب لفظ «تاب» إلى شخص، يكون مفهومه أنّه ارتكب ذنباً ثم ندم وعزم جادّاً على تركه، وأمّا إذا نُسب إلى الله تعالى، فمعناه الرجوع إلى عبده بالرحمة.
 
التفسير
الآيتان الأُولى والثانية من هذه المجموعة تشتركان في أمر، وتختلفان في أُمور:
أمّا الأمر المشترك بينهما، فقد بدأ سبحانه الآية الأُولى بقوله:(لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ)، وبما أنّ الآية الثانية معطوفة على تلك الفقرة، فيقدَّر فيها قوله: لقد تاب الله على الثلاثة الذين خُلِّفوا. وأمّا الاختلاف بينهما، ففي الأُمور التالية:
1. أنّ لحن الآية الأُولى هو المدح والثناء، حيث يثني عليهم سبحانه بقوله:(الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ) حيث خرجوا معه إلى تبوك في الحرّ اللاّفح مع قلة الزّاد والمركب، فعن الحسن البصريّ: كان العشرة من المسلمين يخرجون على بعير يعتقبونه بينهم، يركب الرجل ساعة ثم ينزل فيركب صاحبه كذلك، وكان زادهم الشعير المسوّس، والتمر المدوّد،

1 . البقرة:46.

صفحه 180
والإهالة السّنْخة(1)، وكان النفر منهم يخرجون ما معهم من التميرات بينهم، فإذا بلغ الجوع من أحدهم أخذ التمرة فلاكها حتى يجد طعمها، ثم يعطيها صاحبه فيمصّها، ثمّ يشرب عليها جرعة من ماء كذلك، حتى يأتي على آخرهم فلا يبقى من التمرة إلاّ النواة.(2)
نعم، اشتمل مع ذلك شيئاً من الذمّ، أعني قوله: (مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيق مِنْهُمْ)غير أنّ معنى كاد أي قرب الزيغ، ولكن لم يتحقّق، فلم يصدر منهم عصيان.
هذا لحن الآية الأُولى، وأمّا الآية الثانية فلحنها لحن الذمّ، حيث وصفهم بالتخلُّف وقال: (وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا). ومن المعلوم أنّ التخلُّف معصية كبيرة.
2. كان بين من خرج مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) جماعة (كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيق مِنْهُمْ)، وذلك لأنّهم كانوا على مقربة من عدم امتثال أمر النبيّ، بالتثاقل
عن الخروج إلى الجهاد، كما قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا
مِنَ الآخِرَةِ
)
(3)، ولكنّهم نشطوا بعد ذلك إلى الخروج، وخفّوا إلى الجهاد، بخلاف المتخلِّفين في الآية الثانية، فقد بقوا في المدينة إلى أن رجع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)من تبوك.
3. أنّ الله سبحانه تاب على ذلك الفريق من المهاجرين والأنصار، كما

1 . الدُّهن المُنتن.
2 . مجمع البيان:5/148.
3 . التوبة:38.

صفحه 181
قال: (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ) ولم يقل بعده: لِيَتُوبُوا، بخلاف الآية الثانية إذ جاء فيها:(ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا)، وهذا دليل على عدم صدور العصيان من الطائفة الأُولى، بخلاف الثانية.
4. أنّه سبحانه ختم الآية الأُولى بقوله: (إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ)، ولكنّه ختم الآية الثانية بقوله: (إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) وما هذا إلاّ لوجود الفرق بين المذكورين في الآية الأُولى وبين الآخرين في الآية الثانية، وإليك تفسير الآية:
117. (لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيق مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ):
قوله: (لَقَدْ تَابَ اللهُ): أي رجع عليهم بالعطف والرحمة وتفضّل عليهم، أي (عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ)، وقد صدّر سبحانه الكلام بالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)تشريفاً له كما في قوله: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ)(1)، وقوله: (لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا)(2)، وإنّما ذكر اسمَ النبيّ مفتاحاً للكلام، وتحسيناً له، إذ لم يكن منه ما يوجب التوبة(3)، بل يمكن أن يقال في المقام: إنّ ذكر المهاجرين والأنصار مقدمة لبيان حال فريق منهم، كما قال: (مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ

1 . البقرة: 285.
2 . التوبة:88.
3 . مجمع البيان:5/149.

صفحه 182
فَرِيق مِنْهُمْ) وقد عرفت أنّه بمعنى قُرب الزَّيغ، أي المَيل عن الحقّ، ولم يتحقّق. والفقرة إشارة إلى تثاقلهم في بدء الأمر، ومع ذلك يعدّ هذا التثاقل والتّباطؤ عن المسير إلى الجهاد هفوة في الحياة، ولذلك يقول: (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ)وذلك لأنّه بهم (رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) فتداركهم برحمته. والفرق بينهما أنّ الرّؤوف هو من يكره إصابة الغير بضرّ، والرّحيم هو من يحبّ إيصال الخير إلى الغير.
118. (وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لاَ مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ):

قصة الثلاثة المتخلّفين عن الجهاد

لا يَخفى أنّ الآية يعلوها الإبهام، ورفع هذا الإبهام رهن بيان شأن نزولها، فقد روى أهل السِّيَر أنّها نزلت في شأن كعب بن مالك، ومُرارة بن الرَّبيع، وهلال بن أُمية، وذلك أنّهم تخلّفوا عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يخرجوا معه، لا عن نفاق، ولكن عن توان، ثم ندموا، فلما قدم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)المدينة، جاءوا إليه واعتذروا، فلم يُكلّمهم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وتقدَّم إلى المسلمين بأن لا يكلِّمهم أحد منهم، فهجرهم الناس حتى الصِّبيان، وجاءت نساؤهم إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فقلن له: يا رسول الله، نعتزلهم؟ فقال: لا، ولكن لا يقربوكنّ، فضاقت عليهم المدينة، فخرجوا إلى رؤوس الجبال، وكان أهاليهم يجيئون

صفحه 183
لهم بالطعام ولا يُكلّمونهم، فقال بعضهم لبعض: قد هجَرَنا الناس ولا يكلِّمنا أحد منهم، فهلاّ نتهاجر نحن أيضاً، فتفرّقوا ولم يجتمع منهم اثنان، وبقَوا على ذلك خمسين يوماً يتضرّعون إلى الله تعالى، ويتوبون إليه، فقبل الله تعالى توبتهم، وأنزل فيهم هذه الآية.(1)
إذا عرفت ذلك، فلنبدأ بتفسير الآية.
قوله تعالى: (وَعَلَى الثَّلاَثَةِ): أي وتاب الله على الثلاثة ـ الذين عرفتَ أسماءهم ـ (الَّذِينَ خُلِّفُوا) ظاهر الفعل أنّه خَلَّفهم مخلِّف وتركهم وراءه، وبما أنّهم لَم يُخَلِّفهم أحد وانّما تخلّفوا بفعل أنفسهم فصار معنى (خُلِّفُوا): أي خلَّفوا أنفسهم على سبيل التجريد(2) (أي تجريده عن تخليف أحد إيّاهم).
وكان هؤلاء الثلاثة قد بقَوا في المدينة المنوّرة مؤثرين الراحة والدَّعَة، بينما كان إخوانهم يعانون المشقّات على طريق الجهاد من حرّ شديد وجوع وعطش، فلما جاء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)استقبلوه معتذرين، لكنّ النبيّ رفض عذرهم وأمر الناس بترك مجالستهم ومحادثتهم، فهم على تلك الحالة (حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ) فإنّ تنكّر المسلمين لهم وفرضَ المقاطعة عليهم وعدم معاشرتهم، صار سبباً لشعورهم بأنّ الأرض قد ضاقت عليهم مع رُحبها واتّساعها (وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ)بالغمّ والحزن.
وكانت حالتهم هذه أياماً فانتبهوا (وَظَنُّوا أَنْ لاَ مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاَّ إِلَيْهِ): أي

1 . مجمع البيان:5/149.
2 . انظر: التحرير والتنوير:10/221.

صفحه 184
أيقنوا أنّه لا يعصمهم من الله موضع يعتصمون به ويلتجأون إليه غيره تعالى، ففي تلك الحالة شملتهم الرحمة الإلهية كما قال: (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ)ورجع إليهم بالرحمة ويسّر لهم طريق التوبة (لِيَتُوبُوا): أي ليرجعوا إلى حالتهم الأُولى قبل المعصية أو ليُظهروا النَّدم عمّا فعلوا والعزم على الترك في المستقبل (إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ): أي كثير القبول للتوبة (الرَّحِيمُ)بعباده.

درس في كيفية التعامل مع المعتدي

إنّ في هذه القصة درساً وافياً لحكّام البلاد الإسلامية، فترى أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)أدّب هؤلاء الثلاثة عن طريق المحاصرة الاجتماعية وقطع العلاقات معهم حتى صار حالهم ـ كما تحكي عنهم الآية ـ كأنّهم يعيشون في قفص، وكأنّ أنفسهم صارت ـ لامتلائها بالحزن والغمّ ـ عبئاً ثقيلاً عليهم. وهذا الأسلوب الذي قام به النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أسوة وقدوة لنا في كيفية التعامل مع من يعادي الإسلام ويعتدي على أهله، كالكيان الإسرائيليّ الذي يحتلّ أرض فلسطين المسلمة ويعمل جاهداً لتوسعة دويلته ومدّ سلطته، فلو أخذ حكّام الدول الإسلامية بسياسة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)ذاتها وقطعوا عامّة علاقاتهم مع إسرائيل قطعاً واقعياً لا صورياً، لضاقت الأرض على تلك الطغمة، إذ لا يقدرون على تصدير ولا استيراد، ولكنّنا ـ يا للأسف ـ نجد أنّ جلّ الحكام والمسؤولين في الدول الإسلامية غير مستعدّين لإجراء هذه السياسة، إمّا ضعفاً وخوفاً من الدول الإمبريالية، أو لعمالتهم لها; بل تجرّأ بعض حكّام الدول العربية إلى إقامة علاقات سياسية واقتصادية مع هذا الكيان الغاصب، ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ، وإنّما دفعت الوقاحة والخيانة ببعضهم إلى الدعوة إلى التطبيع معه

صفحه 185
ونسيان كونه عدوّاً للأُمّة!!
119. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ):
إذا أخبر إنسان بكلام يطابق الواقع يوصف كلامه بالصدق والقائل بالصادق، ثم تُوسِّع في استعمال لفظ (الصادق) فأُطلق على من عمل
بما اعتقده على نحو يصدِّق عملُه قولَه. إذا عرفت ذلك، فالآية تأمر
بأمرين:
1. تأمر بالتقوى، وتقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ).
2. تأمر باتِّباع الصادقين، وتقول:(وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ).
أمّا الأمر الأوّل، فعبارة عن تحصيل ملَكة يستطيع المكلَّف معها القيامَ بالفرائض واجتناب المعاصي. ومن أوضح مصاديق التقوى هو القيام بفريضة الجهاد عند مهاجمة العدو للبلاد، فإنّها فريضة قلّما تعادلها فريضة أُخرى.
وأمّا الثاني، فتأمر الفقرة باتِّباع الصادقين لا الكون منهم، ففرقٌ بين قولنا:«كونوا من الصادقين» وقول القرآن: (وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) وهذا دليل على كون الصادقين كوكبة خاصّة هم القدوة للمسلمين.

ما هو المراد من الصادقين؟

اختلفت كلمة المفسرين في ما هو المراد من الصادقين؟ متمسِّكين ببعض المأثورات، والأَولى ـ لاستيضاح ما هو المقصود ـ الرجوع إلى الذّكر الحكيم، فإنّه سبحانه وصف فئة خاصّة بكونهم من الصادقين، وذلك في

صفحه 186
الآيتين التاليتين:
1. قوله تعالى: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ)(1).
2. قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ)(2).
فالإمعان في الأوصاف الواردة حول الصادقين في هاتين الآيتين لا يدع شكّاً في أنّهم فئة خاصّة من المؤمنين بلغوا في الإيمان الدرجة العليا، وقاموا بفريضة الإنفاق على ذوي القربى وغيرهم، وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ووفوا بعهد الله وصبروا في البأساء والضَّرّاء، إلى غير ذلك من الأوصاف. والمصداق الأتمّ للصادقين، بهذه الأوصاف، هم أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)الذين جعلهم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث التمسّك بالثَّقلين، قرناء الكتاب المجيد، حيث قال: «إنّي تارك فيكم الثَّقلَين: كتاب الله عزّ وجلّ وعترتي»(3) وشبّههم بسفينة نوح التي من ركبها نجا ومن تخلّف عنها

1 . البقرة:177.
2 . الحجرات:15.
3 . مسند أحمد بن حنبل:4/371. وانظر: المعجم الكبير للطبرانيّ:5/170 برقم 4981، وكمال الدين للصدوق:234، الباب22، برقم 45، والمستدرك على الصحيحين:3/148.

صفحه 187
غرق.(1)
قال الإمام علي(عليه السلام) واصفاً عترة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)(فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ)(2)؟ (فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ)(3) ! وَالاَْعْلاَمُ قَائِمَةٌ، وَالاْيَاتُ وَاضِحَةٌ، وَالْمَنَارُ مَنْصُوبَةٌ، فَأَيْنَ يُتَاهُ بِكُمْ! وَكَيْفَ تَعْمَهُونَ وَبَيْنَكُمْ عِتْرَةُ نَبِيِّكُمْ! وَهُمْ أَزِمَّةُ الْحَقِّ، وَأَعْلاَمُ الدِّينِ، وَأَلْسِنَةُ الصِّدْقِ! فَأَنْزِلُوهُمْ بِأَحْسَنِ مَنَازِلِ الْقُرْآنِ، وَرِدُوهُمْ وُرُودَ الْهِيمِ الْعِطَاشِ».(4)
وبما ذكرنا يظهر الضعف فيما ذكره الرازي حيث قال:(وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) يعني مع الرسول وأصحابه في الغزوات، ولا تكونوا متخلّفين عنها وجالسين مع المنافقين في البيوت.(5)
فإنّ تفسيره بما ذكر غفلة عما ورد في الذكر الحكيم من أوصاف الصادقين، ولم يكن صحابة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) متّصفين بهذه الصفات إلاّ القليل منهم.

الآيتان: العشرون والحادية والعشرون بعد المئة

(مَا كَانَ لاَِهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا

1 . انظر: المعجم الأوسط للطَّبرانيّ:4/152 برقم 5536، شرح الأخبار للقاضي أبي حنيفة المغربيّ:2/269 برقم 575 و ص 501 برقم 887، خصائص الأئمة للشريف الرضيّ:77، المستدرك على الصحيحين:3/150ـ151.
2 . التكوير:26.
3 . الأنعام:95; يونس:34; فاطر:3; غافر:62.
4 . نهج البلاغة: الخطبة87.
5 . تفسير الرازي:16/220.

صفحه 188
عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلاَ يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلاَ يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).

المفردات

سورة التوبة: الآيتان 120 ـ 121   
يرغبوا: الرغبة: طلب المنفعة، يقال: رغب فيه إذا طلب المنفعة. ورغب عنه: أعرض.
ظمأ: الظَّمَأ: شدّة العطش.
نصَب: تعب.
مخمصة:مجاعة.
موطئاً: الموطئ: الأرض، أي «أرضاً».
يغيظ: الغيظ: الغضب.
نيلاً: أسراً وقتلاً وهزيمة.
وادياً: الوادي: المُنفرَج بين الجبلين.

صفحه 189

التفسير

120. (مَا كَانَ لاَِهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ
أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلاَ يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي
سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ)
:
لا شكّ أنّ الجهاد واجب كفائيّ، فإذا قامت عدّة لهم إمكانية الدفاع عن أرض الإسلام سقط الوجوب عن الباقي، وأمّا إذا كان العدوّ قوياً على نحو لا يمكن دفعه إلاّ بالنفير العام، فعندئذ يجب على الجميع تلبية دعوة الجهاد، ولعلّ الآية تشير إلى الحالة الثانية، فقالت: (مَا كَانَ لاَِهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ): أي ما صحّ لهم وما استقام (أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلاَ يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ): أي يطلبوا نفع نفوسهم معرضين (عَنْ نَفْسِهِ): أي نفس رسول الله، فليس لهم أن يُعنوا بأنفسهم طالبين لها النَّفع منصرفين عن نفس رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فيدعوه يكابد الشّدائد والأهوال، ومشاقّ الأسفار.
قال الإمام علي(عليه السلام): «إذا حضرت بليّة فاجعلوا أموالَكم دون أنفسكم، وإذا نزلت نازلة فاجعلوا أنفسكم دون دينكم، واعلموا أنّ الهالك من هلك دينُه، والحريب من سُلب دينُه، ألا وإنّه لا فقر بعد الجنّة، ولا غنى بعد

صفحه 190
النار».(1)
فالمؤمن الموحِّد يضحّي بأمواله وبنفسه من أجل الحفاظ على الدِّين، ومن المعلوم أنّ الرسول جزء من الدِّين ومبيّن للشريعة فيقدَّم على الأموال والأنفس، ولذلك يقول سبحانه:(وَلاَ يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ).
يقول الشريف الرضيّ(رحمه الله): قوله:(وَلاَ يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ)
فيه استعارة، والمراد بها أنّهم لا ينبغي لهم أن يُكرموا أنفسهم عما
يبذل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فيه نفسه، ولا يحفظوا مهجهم في المَواطن التي تخطر
فيها مهجته، اقتداء به واتّباعاً لأثره، فهذه لفظة يستعملها أهل اللِّسان كثيراً.(2)
لا شكّ في أنّ حماية رسول الله والمشاركة في الجهاد تترتب عليها مواجهة مشاقّ ومتاعب عديدة، ذكر سبحانه منها ما يلي: وقال: (ذَلِكَ): أي النهي عن التخلّف (بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ) في هذا الطريق:
1. (ظَمَأٌ): أي عطش شديد.
2. (وَلاَ نَصَبٌ): أي تعب في الأبدان.
3. (وَلاَ مَخْمَصَةٌ): أي مجاعة.
كلّ ذلك (فِي سَبِيلِ اللهِ) وما يقوم به المجاهدون من الأعمال الجهادية، نظير:
1. (وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا): أي لا يضعون أقدامهم في موضع من أرض

1 . تحف العقول:216.
2 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:52.

صفحه 191
العدوّ، بحيث (يَغِيظُ الْكُفَّارَ)ويُسخطهم، لأنّهم يرون بأُمّ أعينهم أنّ المسلمين على مقربة من التسلّط عليهم.
2. (وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوّ نَيْلاً): أي ولا يصيبون العدوّ بأذىً من قتل أو جراحة أو أسر (إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ): أي بكلّ واحد ممّا ذُكر (عَمَلٌ صَالِحٌ): أي مقبول، والله يجزيهم (إِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ). والفقرتان الأخيرتان من قبيل الصغرى والكبرى.
أمّا الصغرى، فهي كونهم أصحاب أعمال حسنة.
وأمّا الكبرى، فهي أنّه سبحانه لا يضيع أجر من عمل الأعمال الحسنة.
ثمّ إنّه سبحانه عطف على ما سبق ذكره من أعمال حسنة، الأعمال التالية وقال:
121. (وَلاَ يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ):

الجزاء على الأعمال صغيرها وكبيرها

قوله: (وَلاَ يُنْفِقُونَ): أي في سبيل الجهاد (نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً)يريدون بها إعزاز الدِّين والتقرُّب إلى الله تعالى(وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا): أي في سيرهم بين منفرجات الجبال وأغوار الآكام، وخصّ من المشي إلى الجهاد خصوصَ قطع الوادي لأنّ فيه من المشقّة الشيء الكثير، فلا يُترك شيء منه ولا يُنسى(إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ) ويُسجَّل في صحائف أعمالهم لغاية الجزاء كما يقول: (لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ)بكتابته في صحف أعمالهم (أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)

صفحه 192
وهذه الفقرة تحتمل وجهين:
1. أنّ لفظة (أَحْسَنَ) منصوب بنزع الخافض فيكون المعنى أنّ الله يجزي على أحسن أعمالهم وهو الجهاد في سبيل الله أو يجزي بأحسن أعمالهم. ومن المعلوم أنّ الجزاء على أحسن الأعمال لا ينافي الجزاء على غيره.
2. أنّ الله سبحانه يجزيهم بجزاء هو أحسن من أعمالهم. وهذان الاحتمالان يردان أيضاً في قوله سبحانه:(مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَر أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)(1).
سورة التوبة: الآية 122   
وفي الآية دليل على أنّه سبحانه كما يثيب على المقصود بالذات، فهكذا يثيب على المقدِّمات التي يتوقف عليها المقصود بالذات، فإنّ قطع الوادي أمر مقدَّمي حتى يصل الإنسان إلى أرض العدوّ، فالله سبحانه يقول بأنّه يُكتب له ويُجزى عليه، وذلك أنّ الأُمور المقدَّمية إذا أتى بها الإنسان تقرُّباً إلى الله وكان العمل صالحاً للتقرُّب به، يترتّب عليه الثواب.

الآية: الثانية والعشرون بعد المئة

(وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ).

1 . النحل:97.

صفحه 193

المفردات

لينفروا: نَفَر: خَرَج. قال تعالى: (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً).
فلولا: لولا: كلمة تحضيضية يُراد بها الحثّ على ما دخلت عليه إذا كان مستقبلاً، والذمّ على تركه إذا كان ماضياً.
فرقة: جماعة كثيرة.
طائفة: جماعة من الفرقة.
ليتفقّهوا: تفقّه: تكلَّف فهم الدِّين.
ليُنذروا:ليُخوِّفوا.
يحذَرون: يخافون عاقبة عصيانهم وترك طاعته سبحانه.

التفسير

122. (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ):
اختلفت كلمة المفسرين في تفسير الآية، فمن حيث إنّها وردت في سياق النَّفْر إلى الجهاد، فُسِّر النَّفر في الآية بالنَّفر إلى الجهاد حتى تنطبق على موردها.
ومن حيث إنّ الغاية من النَّفر هي التفقّه في الدِّين ثم القيام بوظيفة

صفحه 194
الإنذار، وهذا يقتضي أن يكون النَّفْر لغير غاية الجهاد، ولذلك فُسِّر بالنَّفْر إلى تعلّم الدِّين والشريعة وللرجوع إلى القوم لإنذارهم.
فمن رجّح السِّياق وقال بورود الآية حول النَّفر إلى الجهاد، تكلّف في تعيين مراجع الضمير ـ كما سيأتي ـ وأمّا من غضّ النَّظر عن سياق الآية، فقد جعل مرجع الضمائر أمراً واحداً بلا تكلّف.
وعلى هذا يقع الكلام في أنّه هل أريد بالنَّفر في الآية، النَّفر إلى الجهاد والمشاركة في قتال العدو، أو أريد به، النفر إلى التفقُّهِ في الدّين، والسّفر لتعلّمه؟
إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّ الآية فسّرت بوجوه:

الوجوه المختلفة في تفسير الآية

الأوّل: الخطاب للقاطنين في المدينة والمقيمين فيها، والمراد انقسامهم إلى طائفتين طائفة نافرة وطائفة قاعدة، فغاية النَّفر هو
الجهاد، وغاية القعود هو التفقُّه في الدِّين لغاية إنذار النّافرين عند
الرجوع من الجهاد. روى الطبري بإسناده عن ابن زيد: أنّ معنى الآية: (فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ): أي ليتفقّه المتخلِّفون
مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في الدِّين وليُنذر المتخلّفون النّافرين (إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ).(1)
وعلى هذا الوجه، فالصلة بين الآيات محفوظة، يقول الرازي في سياق هذا الوجه: كان الواجب انقسام أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى قسمين: أحد

1 . انظر: جامع البيان (تفسير الطبري):11/88 برقم 7486.

صفحه 195
القسمين ينفرون إلى الغزو والجهاد، والثاني يكونون مقيمين بحضرة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، فالطائفة النّافرة إلى الغزو يكونون نائبين عن المقيمين في الغزو، والطائفة المقيمة يكونون نائبين عن النّافرين في التفقّه، وبهذا الطريق يتمّ أمر الدِّين بهاتين الطائفتين.(1)
يلاحظ عليه: أنّ لازمه هو التفكيك في مراجع الضمائر، فالضميران في (لِيَتَفَقَّهُوا) و (لِيُنْذِرُوا) راجعان إلى القاعدين، ولكنّ الضمير في (إِذَا رَجَعُوا)يرجع إلى النّافرين، وهذا خلاف الظاهر لأنّ المتبادر هو رجوع الضمائر الثلاثة إلى مرجع واحد، وهو النّافرون المعبَّر عنهم في الآية بطائفة، ولو أريد هذا المعنى لوجب تقدير كلمة، بأن يقال: (فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَةٌ) «ولتبقى طائفة أُخرى» (لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ)النّافرين (إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ)، وهو كماترى.
الثاني: أنّ الخطاب لمؤمني سائر البلاد، والمراد من النَّفر هو النَّفر إلى المدينة للتعلّم والتفقّه، فإنّ نفر الكلّ أمرٌ غير ممكن، فلينفر من كلّ قبيلة طائفة ليتفقّهوا في الدِّين وليُنذروا قومهم إذا غادروا المدينة ورجعوا إلى الوطن.
قال الرازي في تفسير هذا الوجه: (فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ): يعني: من الفرق الساكنين في البلاد طائفة «ينفروا» إلى حضرة الرسول ليتفقّهوا في الدِّين وليعرفوا الحلال والحرام، ويعودوا إلى أوطانهم فيُنذروا ويُحذِّروا قومهم لكي يرجعوا عن كفرهم.(2)

1 . تفسير الرازي:16/225.
2 . تفسير الرازي:16/226.

صفحه 196
فعلى هذا الوجه من التفسير نرى أنّ الضمائر الثلاثة تعود إلى مرجع واحد، وهو النّافرون، وهو في الوقت نفسه خال من الإشكالات المتوجّهة إلى الوجه السابق، كما يؤيّده بعض الروايات:
1. روى الصَّدوق بإسناده عن الرِّضا(عليه السلام)، عند بيان علل الحجّ، أنّ منها التفقّه ونقل أخبار الأئمّة(عليهم السلام)إلى كلّ صقع وناحية، كما قال الله عزّ وجلّ:(فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَةٌ)(1).
2. روي عنهم(عليهم السلام) في تفسير قول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): «اختلاف أُمّتي رحمة» أنّ المراد اختلافهم إلى البلدان، وأنّ الرّسول أراد من قوله: «اختلاف أُمّتي رحمة» قول الله عزّ وجّل:(فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَةٌ).(2)
3. روى الكليني بإسناده عن يعقوب بن شعيب، قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): إذا حدَث على الإمام حدَث، كيف يصنع الناس؟ قال: «أين قول الله عزّ وجلّ: (فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) قال: هم في عذر ماداموا في الطلب، وهؤلاء الذين ينتظرونهم في عذر حتّى يرجع إليهم أصحابهم».(3)
وهذه الروايات تدلّ على أنّ الآية كلمة جامعة تحثّ المسلمين على تعلّم المعارف الإسلامية والأحكام الشرعيّة، وأنّه يجب أن توجد بينهم طائفة يصرفون أعمارهم في طلب العلم وتعلُّمه، ثمّ نشره بين المسلمين،

1 . عيون أخبار الرضا:2/126، ح1، باب 34(العلل التي ذكر الفضل بن شاذان أنّه سمعها من الإمام الرِّضا
(عليه السلام)).
2 . تفسير نور الثقلين:2/283، برقم408.
3 . الكافي:1/378 برقم1، باب ما يجب على الناس عند مضي الإمام.

صفحه 197
وأنّه لو طرأ عليهم طارئ فيجب أن يشدّوا الرِّحال لتعلّم حكمه عمّن يعلم.
ولا يردُ على هذا الوجه إلاّ أنّه على خلاف سياق سائر الآيات، فإنّ النَّفْر فيها إلى الجهاد، والنَّفر هنا إلى تعلُّم الدِّين، ومع ذلك لا يخلو عن مناسبة، وذلك لأنّ الآيات السابقة دلّت على النَّفر العام، وهذه الآية تستثني منهم طلبة العلوم الدينية، إذ عليهم فريضة أُخرى، وهي النَّفر إلى تعلُّم الدّين والتفقه في المعارف والأحكام، ثمّ الرجوع إلى مدنهم وإنذار قومهم، فنَفْرهم إلى التعلّم يقوم مقام نَفْرهم إلى ميادين الحرب.
جدير بالتنبيه أنّه على هذا الوجه من تفسير الآية، استدلّ الأصوليّون على حجّيّة الخبر الواحد، ولكن هل الاستدلال بها تامّ أو لا؟ فليس هاهنا محلّ بحثه، فليرجع إلى محاضراتنا في أُصول الفقه.
هذا، وقد حكى صاحب المنار أنّه سأله بعض السياسيين عن استثناء الدولة العلماء وطلاب العلوم الدينية من الخدمة العسكرية وهي واجبة شرعاً، وهم أَولى الناس بالقيام بهذا الواجب، يقول: فقلت: لهذا أصل في نص القرآن الكريم ـ وتلوت الآية ـ .(1)
وانطلاقاً من الحثّ الوارد في الآية، أقول: يجب على المؤمنين لا سيما من أهل البيوتات العلمية بعث أولادهم لتعلُّم العلوم الدينية بأبعادها المختلفة حتى إذا أكملوا دراستهم يرجعون إلى أوطانهم لهداية الناس وتعليمهم. وتتأكّد أهميّة ذلك في عصرنا هذا الذي انتشرت فيه وسائل الضّلال عن طريق وسائل الإعلام التي تنفث سمومها ليل نهار، خصوصاً

1 . تفسير المنار:11/78.

صفحه 198
الفضائيات التي تديرها الصهيونية العالمية ومرتزقتها. وقد كان بعض أساتذتنا يقول: لو كان تحصيل العلوم الدينية إلى حدّ الاجتهاد واجباً كفائياً في الأعصار السابقة، فإنّه صار واجباً عينيّاً لمن قرأ شيئاً من العلوم الدينية، فإكمال الدراسة والتحصيل واجب عينيّ عليهم.
روي عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال: «لا يستغني أهل كلّ بلد عن ثلاثة يفزع إليهم في أمر دُنياهم وآخرتهم، فإنْ عدموا ذلك كانوا همجاً: فقيه عالم ورع، وأمير خيّر مُطاع، وطبيب بصير ثقة».(1)
رحم الله بعض علمائنا الأكابر، حيث استجازه بعض الطلاب بترك الدراسة الحوزوية والاشتغال بالتجارة أو الوظائف الحكومية، فلم يجز
له، ثمّ بكى وتلا هذه الآية: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْري فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً
ضَنْكًا
)
(2).
وعلى هذا فيكون معنى الآية:(وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً) إلى حضرة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)لتعلُّم الأحكام، لأنّ فيه اختلال النظام (فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ): أي جماعة كثيرة (طَائِفَةٌ): أي مجموعة منهم (لِيَتَفَقَّهُوا): أي النافرون (فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا): أي النّافرون (قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا): أي النافرون (إِلَيْهِمْ): أي إلى قومهم (لَعَلَّهُمْ): أي القوم (يَحْذَرُونَ) ما يُنذَرون به ويخافون عاقبة مخالفته.
الثالث: أنّ الخطاب متوجّه إلى المؤمنين في المدينة وما حولها الذي لا

1 . تحف العقول:321.
2 . طه:124.

صفحه 199
يخلو من كافر ومشرك، يخاطبهم بأنّ نَفْر الجميع إلى الجهاد أمر غير ممكن لاستلزامه تعطيل أمر الحياة، ولكن يجب أن تنفر من كلّ فرقة طائفة ليتفقّهوا في ميادين الجهاد(وسيأتي توضيح معناه) ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم، فلعلّ القوم يحذورن، فهناك أُمور ثلاثة:
1. التفقّه في الدين.
2. إنذار القوم.
3. الحذر من سخط الله تعالى.
إنّ التفقّه والإنذار يرجعان إلى الفرقة النّافرة لا للمتخلّفة، وقد حثّها الله تعالى على التفقّه لترجع إلى المتخلّفة فتحذّرها، ومعنى: (لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ): أي ليتبصّروا وليتيقّنوا بما يُريهم الله من الظهور على المشركين، ونصرة الدين:(وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ) من الكفّار إذا رجعوا إليهم من الجهاد، فيخبروهم بنصر الله للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين.(1)
أقول: وفي هذا الوجه أُمور:
الأوّل: حفظ السِّياق، وصلة الآية بما قبلها وبما بعدها من الآيات.
الثاني: عدم التفكيك في الضمائر المتصلة الثلاثة في: (لِيَتَفَقَّهُوا): و (وَلِيُنْذِرُوا)، و (إِذَا رَجَعُوا) حيث إنّ الجميع يرجع إلى النّافرين.
الثالث: أنّ مادة «النَّفْر» استعملت في القرآن الكريم في غير آياتنا في النَّفر إلى الجهاد، نظير قوله سبحانه: (إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا)(2)،

1 . انظر: مجمع البيان:5/157; تفسير الرازي:16/226.
2 . التوبة:39.

صفحه 200
وقوله سبحانه: (وَقَالُوا لاَ تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ)(1)، وقوله تبارك وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَات أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا)(2)، وقوله تعالى: (مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ)(3)، وقوله عزّ من قائل: (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ).(4)
فهذه الآيات تُعدّ قرينة على أنّ المراد من النَّفر في آياتنا أيضاً النَّفر إلى الجهاد لا النَّفر إلى تعلّم الدِّين.
الرابع: أنّ المتبادر من قوله سبحانه:(وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً)هو أنّ جمّاً غفيراً كانوا يتسابقون إلى النَّفر، فجاء النهي عن هذا النوع من التسابق. وهذا أنسب بالنسبة إلى النَّفر إلى الجهاد دون النَّفر إلى تعلّم الدِّين، فالتسابق هنا أقلّ بكثير من الأوّل.
وهذه الأُمور الأربعة تشكّل قرائن قويّة على أنّ المراد هو النَّفر
إلى الجهاد. وعلى هذا يكون المراد من التفقّه في الدِّين هو الثقة بالله
وزيادة الإيمان به حيث يرى المجاهد وعد الله سبحانه متحقّقاً في ميادين الحرب.
 
 

1 . التوبة:81.
2 . النساء:71.
3 . التوبة:38.
4 . التوبة:41.

صفحه 201

إجابة عن سؤال حول الاحتجاج بالآية على النَّفر إلى العلم

بقي هنا سؤال، وهو أنّ أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) استشهدوا بهذه الآية على النَّفر إلى تعلّم الدِّين. روى الكليني عن علي بن أبي حمزة قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول:«تفقّهوا في الدين فإنّه من لم يتفقّه منكم في الدين فهو أعرابي إنّ الله يقول في كتابه: (لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)(1). وبهذا المضمون روايات عديدة وردت في تفسير الآية.(2)
روى عبد المؤمن الأنصاري، قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): إنّ قوماً
رووا أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: إنّ اختلاف أُمّتي رحمةٌ، فقال: صَدَقوا. قلت:
إن كان اختلافهم رحمةً فاجتماعهم عذابٌ! قال:«ليس حيث ذهبت وذهبوا; إنّما أراد قول الله ـ عزّ وجلّ ـ:(فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا
فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ
)
فأمرهم أن
ينفروا إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ويختلفوا إليه فيتعلَّموا، ثمّ يرجعوا إلى قومهم فيعلِّموهم ; إنّما أراد اختلافهم من البلدان، لا اختلافاً في دين الله، إنّما
الدِّين واحد».(3)
والظاهر أنّ الاستدلال بهذه الآيات أشبه بالاستئناس أو ما يعبّر عنه بإلغاء الخصوصية، ومن باب الجري والتطبيق، وهذا هو المشهود من أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) في تفسير كثير من الآيات حيث يستشهدون بالآية في غير

1 . تفسير نور الثقلين:2/282، الحديث403، تفسير سورة التوبة.
2 . لاحظ: الكافي:1/30ـ 31 باب فرض العلم ووجوب طلبه والحثّ عليه.
3 . معاني الأخبار:157.

صفحه 202
موردها لمناسبة تامّة ومشابهة كاملة.
فإن قلت: إنّ النَّصر، وإن شئت قلت: الإمدادات الغيبية لم تكن متوفّرة في كلّ الغزوات، بل كانت ثمّة نكسة وهزيمة للمسلمين في جانب من المعركة في غزوة أُحد وغزوة حنين.
قلت: لكن الغالب هو النَّصر والغلبة على المشركين في الغزوات والسَّرايا.
فإن قلت: الآية نزلت في العام التاسع من الهجرة، وقد أسلمت القبائل في الجزيرة العربية ولم يبق إلاّ القليل في شمال الجزيرة، فلم تكن هناك حاجة إلى إنذار الكفّار بنصر الله للنبيّ والمؤمنين.
سورة التوبة: الآيات 123 ـ 127   
قلت: إنّ الآية لم تنزل بخصوص عصر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، بل هي حجّة على المسلمين إلى يوم القيامة، فلا يضرّ قلّة النَّفر في زمان نزول الآية.
على أنّ نزول الآية في العام التاسع أمر لم يثبت، إذ لم يدل دليل على نزول الآيات جميعاً في زمن واحد، بل من المحتمل نزولها في فترات مختلفة ثمّ جُعلت الآيات بأمر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في موضع واحد، كما هو الحال في غير واحدة من الآيات .

الآيات: الثالثة والعشرون بعد المئة إلى السابعة والعشرين بعد المئة

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ * وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا

صفحه 203
فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ * أَوَ لاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَام مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ * وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْض هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَد ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَفْقَهُونَ).

المفردات

يَلُونكم: يجاورونكم.
غلظة: قوّة ومنعة، وربما تفسّر بالشدّة.
يستبشرون: أي يبشِّر بعضهم بعضاً، وقد تهلّلت وجوههم فرحاً بنزول الآية.
رجساً إلى رجسهم: أريد نفاقاً وكفراً إلى نفاقهم وكفرهم، وسمّي الكفر والنِّفاق رجساً على وجه الذمّ، وأريد لزوم تجنّبه.
يُفتَنون: يُمتحَنون ويُختبَرون.

التفسير

123. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ):

صفحه 204

الدعوة إلى قتال الأدنى فالأدنى من الكفّار

الإسلام دين عالمي لا يختصّ بمنطقة دون أُخرى أو بقوم دون غيرهم، ويعمّ إنذاره كلّ من بلغ، كما قال: (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لاُِنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ)(1)، فعلى هذا فيجب رفع الحواجز والموانع عن الأدنى فالأدنى حتى يصل نور الإسلام إلى منتهى ما يمكن أن يصل إليه، فإنّ مواجهة الأقرب فالأقرب أسهل، ولذلك يخاطب الله تعالى المؤمنين بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ): أي الأدنى فالأدنى (مِنَ الْكُفَّارِ) إلاّ أن يكون بينكم وبين الأقرب موادعة، فلا بأس حينئذ من مجاوزة الأقرب إلى الأبعد حسب ما يراه المتولي لأُمور الجهاد، قال الطبرسي: وفي هذا دلالة على أنّه يجب على أهل كلّ ثغر الدفاع عن أنفسهم إذا خافوا على بيضة الإسلام، وإن لم يكن هناك إمام عادل(2). وما ذكره مستفاد من إطلاق الآية كما يدلّ عليه حكم العقل.
ثمّ إنّه سبحانه يوصي المؤمنين بقوله: (وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً) وقد فسّرها في المنار بقوله: وليجدوا فيكم شدّة وخشونة في القتال ومتعلّقاته. ثمّ لمّا رأى أنّ الخشونة في القتال لا تنسجم مع أُصول الإسلام وما أوصى به رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) المقاتلين عند ذهابهم إلى ساحات الحرب والجهاد، أخذ يوجّه كلامه ويقول: والغلظة على المقاتلين في زمان الحرب من مقتضيات الطبيعة والمصلحة .(3)

1 . الأنعام:19.
2 . مجمع البيان:5/158.
3 . تفسير المنار:11/81.

صفحه 205
أقول: إنّ طبيعة الدعوة الإسلامية تأبى أن تأمر المقاتلين باستخدام الشدّة في الحرب، كيف والله سبحانه يقول:(فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ)(1) والنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ينهى عن الغدر والتمثيل بالقتلى وقطع الأشجار، وغير ذلك، فعن الإمام الصادق(عليه السلام)، قال: «كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)إذا بعت سريّة دعا بأميرها فأجلسه إلى جنبه، وأجلس أصحابه بين يديه، ثمّ قال: سيروا باسم الله وبالله، وعلى ملّة رسول الله، لا تغدروا ولا تغلّوا ولا تمثّلوا، ولا تقطعوا شجرة إلاّ أن تضطرّوا إليها، ولا تقتلوا شيخاً فانياً، ولا صبيّاً، ولا امرأة».(2)
والشاهد على عدم صحّة هذا المعنى أنّه سبحانه يختم الآية بقوله: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ)وهم الذين يراعون حدود الله في ميادين الحرب مع العدوّ. والظاهر أنّ معنى (وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً): أي ليجدوا فيكم قوّة ومنعة تملأ عيونهم وتورث الرُّعب في قلوبهم. وهذا هو المتبادر من قوله: (وَلْيَجِدُوا) ولم يقل: «وليعلموا فيكم غلظة».
124. (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ):

القرآن شفاءٌ للصدور وجلاءٌ للقلوب

عاد البيان القرآني إلى الحديث عن أوصاف المنافقين وسلوكياتهم.

1 . البقرة:194.
2 . الكافي:5/30 برقم9.

صفحه 206
ولعلّ الآية عطف على قوله: (وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ).(1)
والآية تحكي أنّ حال المنافقين عند سماع الآية يخالف حال المؤمنين تماماً.
وأمّا المنافقون فحالهم، كما يقول سبحانه:(وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ) لفظة «ما» بعد (إِذَا)تفيد التأكيد (فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ) تهكُّماً واستهزاءً (أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ): أي السورة (إِيمَانًا)، وليس السؤال سؤالاً حقيقياً، بل هو سؤال إنكاري.
هذا حال المنافقين (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا) فتلاوة الآيات تترك فيهم أثرين:
1. زيادة الإيمان، كما قال: (فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا) بما تشعّ به آياتها من أضواء الهدى والمواعظ الشّافية.
2. الفرح والسُّرور، كما قال: (وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ): أي يُسرّون بفضل الله عليهم ورحمته (قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا).(2)
وإسناد الأمرين إلى تلاوة الآيات من باب السبب القريب، والفاعل الحقيقي هو الله سبحانه.
نعم، هنا مظنّة سؤال، وهو: ما السّبب في هذا الاختلاف، فسورة واحدة لا تؤثّر في قلوب المنافقين، وفي الوقت نفسه تزيد الإيمان في قلوب المؤمنين؟

1 . التوبة:86.
2 . يونس:58.

صفحه 207
والجواب عنه هو ما ورد في قوله تعالى:(وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الاْيَاتِ لِقَوْم يَشْكُرُونَ)(1)، فالآيات القرآنية كالمطر النازل من السماء، إذا أصاب أرضاً لها قابلية الإنبات أصبحت مخضرّة بالحدائق الغنّاء، وأمّا إذا كانت الأرض سبخة، فلا تنبت فيها إلاّ الأشواك والأعشاب غير المفيدة، فقلب المؤمن لنقائه وسلامته من أدواء النِّفاق والغيّ والضّلال، يتأثر بتلاوة الآيات ويزداد إيمانه بصدق الدعوة وإعجاز القرآن، وأمّا قلب المنافق فموبوء بتلك الأدواء المُزمنة فلا يؤثّر فيه أي دواء.
125. (وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ):

من ملامح النِّفاق زيادة الكفر عند نزول السُّورة

هذه الآية تشير إلى جانب آخر من ملامح المنافقين، وهو أشدّ ممّا ذكرته الآية المتقدمة، فهم هناك يدّعون عدم تأثير السورة النازلة في زيادة إيمانهم، وأمّا هذه الآية فتشير إلى أنّهم يزدادون كفراً ونفاقاً عند نزول السُّورة، كما يقول:(وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ): أي نفاق الكثير بإسرار الكفر وإظهار الإسلام، (فَزَادَتْهُمْ) السورة (رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ): أي كفراً ونفاقاً منضمَّين إلى كفرهم ونفاقهم السابق، فصاروا أقذر وأشرّ مما كانوا قبل نزولها، وعند ذلك استحوذ عليهم الهوى ورسخ في قلوبهم النفاق

1 . الأعراف:58.

صفحه 208
(وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ): أي متلبّسون بالكفر.
والآية تتضمن خبراً غيبياً، وهو أنّهم سيموتون على الكفر، كما أنّها تدلّ على أنّ سورة من القرآن لا تخلو من تأثير في قلب من استمعها، فإن كان قلباً سليماً زادته إيماناً واستبشاراً وسروراً، وإن كان قلباً مريضاً زادته رجساً وضلالاً، نظير ما يفيده قوله تعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا)(1).(2)
وللشريف الرضيّ(رحمه الله) هنا كلام رائع، قال: في هذه ]الآية[ استعارة ظاهرة، وذلك أنّ السُّورة لا تزيد الأرجاس رجساً ولا القلوب مرضاً، بل هي شفاء للصدور وجلاء للقلوب، ولكنّ المنافقين لمّا ازدادوا عند نزولها عمىً وعَمَهاً، وازدادت قلوبهم ارتياباً ومرضاً، حَسُن أن يضاف ذلك إلى السورة على طريق لأهل اللِّسان معروفة.(3)
126. (أَوَ لاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَام مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ):
يخبر الله سبحانه في هذه الآية أنّ المنافقين يُمتحَنون ويُختبَرَون في كلّ عام مرّة أو مرّتين ويقول:(أَوَ لاَ يَرَوْنَ)بصيغة الغائب، إخباراً عن المنافقين (أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَام مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ): أي أيجهلون ويغفلون عن حالهم فيما يعرض عليهم عاماً بعد عام من ألوان الاختبار والافتنان؟ ومع

1 . الاسراء:82.
2 . الميزان في تفسير القرآن:9/410.
3 . تلخيص البيان في مجازات القران:53.

صفحه 209
ذلك (ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ): أي لا ينزجرون ولا يتّعظون، مع أنّ الاختبار ينبغي أن يُفضي إلى اتّعاظ الإنسان بما مرّ عليه.
هذا هو مفهوم الآية، إنّما السؤال: ما هو المراد من افتتانهم في كلّ سنة مرّة أو مرّتين؟

ما هو المراد من افتتانهم في كلّ عام؟

ذكر الرازي لذلك وجوهاً، منها:
1. يُمتحَنون بالمرض في كلّ عام مرّة أو مرّتين، ثمّ لا يتوبون من ذلك النِّفاق ولا يتَّعظون من ذلك المرض.
2. يُفتنون بالقحط والجوع. ولعلّه إليه يشير ابن عاشور بقوله: إنّ الله يسلِّط عليهم المصاعب والمضارّ تنال جماعتهم ممّا لا يُعتاد تكرّر أمثاله في حياة الأُمم، بحيث يدلّ تكرّر ذلك على أنّه مرادٌ منه إيقاظ الله الناس إلى سوء سيرتهم.(1)
أقول: لم أقف في كتب السِّيرة على أنّ الله سبحانه كان يمتحن المنافقين بتلك المصاعب، على نحو يصيب المنافقين مثلاً بالمرض دون غيرهم، أو بالمجاعة دون الآخرين، فإنّ هذه البلايا إذا جاءت تعمّ الجميع إلاّ إذا كانت هناك إرادة من الله سبحانه باختصاصهم بشيء من هذا.
والظاهر أنّه أُريد بالفتنة ما نقله الرازي عن مقاتل أنّه قال: يفضحهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بإظهار نفاقهم وكفرهم.(2)

1 . التحرير والتنوير:10/234.
2 . تفسير الرازي:16/233.

صفحه 210
ويشهد لذلك أنّهم وصفوا النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بقولهم:(هُوَ أُذُنٌ)(1) ففضحهم الله قائلاً: (وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْر لَكُمْ)(2)، أو أنّهم اتّفقوا على عدم الإنفاق على المؤمنين، أو على إخراجهم من المدينة، فأخبر الله تعالى نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) بمؤامرتهم، كما ورد في سورة المنافقين: (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ)(3).
127. (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْض هَلْ
يَرَاكُمْ مِنْ أَحَد ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَفْقَهُونَ)
:
الفرق بين هذه الآية، وما تقدّم من قوله تعالى:(وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا)(4)، هو أنّ الآية السابقة نزلت لبيان حالهم عند نزول سورة وإن لم يكونوا حاضرين في مجلس الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأمّا آيتنا هذه فهي لبيان حالهم أثناء حضورهم في مجلس الوحي عند نزول (سورة).
وقبل تفسير فقرات الآية، نبدأ ببيان مضمونها، فقد ورد في المثل أنّ الخائن خائف، وبما أنّ المنافقين كانوا خَوَنة متآمرين على الإسلام والمسلمين، لذا كانوا يخافون من افتضاح أمرهم، وهتك سترهم، بنزول

1 . التوبة:61.
2 . التوبة:61.
3 . المنافقون:7.
4 . التوبة:124.

صفحه 211
الوحي، فعندما يكونون حاضرين في مجلس يتلو فيه النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)السورة النّازلة،ينتابهم القلق والخوف من أن تهتك السُّورة سترَهم،
وتُبيّن مؤامراتهم، وهم حاضرون، ومن ثمّ ينتهزون أيّة فرصة مناسبة للخروج من المجلس، ولكن بعد أن يشير بعضهم إلى بعض بالعيون، ليطمئنّوا أن لا يراهم أحد من صحابة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، وعند ذلك يخرجون
من مجلس الوحي.
إذا عرفت ذلك، فلنفسّر فقرات الآية، قال تعالى: (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ)والمنافقون موجودون، فعندئذ (نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْض) يتبادلون
الإشارة بالعيون للانسلال من المجلس والخروج منه، حذراً من أن تتضمّن السُّورة آيات تفضحهم وتهتك سترهم، ولكن على حذر من أن يراهم
أحد من أصحاب النبيّ وهم في حالة الخروج، ولذلك يقول بعضهم
لبعض بالإشارة: (هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَد) إذا انصرفنا عن المجلس؟
كارهين لسماعها، فبعد التأمّل والتشاور يتركون المجلس كما يقول:
(ثُمَّ انْصَرَفُوا)إلى مجامعهم، فهؤلاء انصرفوا إلى مجالسهم ومحافلهم، والله سبحانه أيضاً صرف قلوبهم كما يقول: (صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ)عن الاهتداء بآيات القرآن، وما هذا إلاّ(بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَفْقَهُونَ) كناية عن عدم
تعقّلهم وتدبّرهم في الآيات والبيّنات، لإصرارهم على ما هم عليه من عناد ونفاق، فاستحقّوا صرف قلوبهم عن الآيات. وليس قوله: (صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ)دليلاً على سلب الاختيار عنهم، وذلك لأنّ صرفه سبحانه قلوبهم ليس
أمراً ابتدائياً بل أنّه ترتّب على انصرافهم عن سماع الوحي، فصار عمله

صفحه 212
سبحانه جزاء لعملهم.
ومن لطائف الآية استخدام مادة الصَّرف في عمل المنافقين وفي الجزاء الذي استحقّوه، والآية نظير قوله تعالى: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)(1)، فإزاغة الله لقلوبهم كانت بعد زيغهم، إذ ليس من شأنه سبحانه ظلم العباد كما يقول: (فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)(2).
قال الرازي: نقل عن محمد بن إسحاق أنّه قال: لا تقولوا انصرفنا من الصلاة، فإنّ قوماً انصرفوا صرف الله قلوبهم، لكن قولوا: قد قضينا الصلاة، وكان المقصود منه التفاؤل بترك هذه اللفظة الواردة فيما لا ينبغي، والترغيب في تلك اللفظة الواردة في الخير، فإنّه تعالى قال:(فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ)(3).(4)
سورة التوبة: الآيتان 128 ـ 129   

الآيتان: الثامنة والعشرون والتاسعة والعشرون بعد المئة

(لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ).

1 . الصف:5.
2 . التوبة:70.
3 . الجمعة:10.
4 . تفسير الرازي:16/235.

صفحه 213

المفردات

عزيز عليه: شاقٌّ عليه.
عنتّم: العَنَت: المشقّة ولقاء المكروه.
حريص: شحيح.
رؤوف: صيغة مبالغة، أي شديد الرأفة، وهي الرحمة.

التفسير

128. (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ):

اجتماع وصفين من صفات الله سبحانه في رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم)

لا شكّ أنّ المراد من قوله تعالى:(رَسُولٌ) هو النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، إنّما الكلام فيما هو المراد من قوله:(مِنْ أَنْفُسِكُمْ)؟ فقد قيل إنّ المراد هو قبيلة قريش أو العرب كلّهم، فيكون مفاد الآية أكثر انطباقاً على الفترة المكّية، فيقع الكلام في سبب مجيء الآيتين في آخر سورة التوبة التي نزلت في العام التاسع من الهجرة. وأمّا لو كان المراد هو أنّه بشر مثلكم ومن نوعكم فلا إشكال في نزول هاتين الآيتين في الفترة المدنية.
والظاهر هو الثاني، لوجود بعض المسلمين من أُصول فارسية ورومية وحبشية في وقت الخطاب، فقد كان المجتمع الإسلامي مؤلّفاً من عناصر مختلفة بين مؤمن وغيره، ولذلك يقول:(لَقَدْ جَاءَكُمْ) أيّها الناس

صفحه 214
(رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ): أي أنّه بشر مثلكم. قال الشريف الرضيّ حول هذه الفقرة: المراد بأنفسكم هاهناـ والله أعلم ـ أي من جنس أنفسكم وخلقكم، لتكونوا إليه أسكن، وإلى القبول منه أقرب. (1)
ثمّ إنّ البيان القرآني يذكر أنّ هذا الرسول رغم كونه من أنفسكم إلاّ أنّه يتميّز عنكم بصفات سامية وهي:
1. (عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ): أي شاقٌّ عليه عَنَتكم، أي ما يصيبكم من الضَّرر والهلاك بترك الإيمان، وهذا نظير قوله سبحانه:(لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)(2).
قال الشريف الرضيّ(رحمه الله) أيضاً:أي لحبِّه وميله لكم يعزّ عليه أن تعنتوا وتعاندوا، فتُحرَموا الثواب، وتستحقّوا العقاب، وهو حريص على إيمانكم رأفة بكم، وإشفاقاً عليكم.(3)
2. (حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ): أي حريص على هدايتكم وإيمانكم، كما قال تعالى في آية أُخرى:(وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ)(4).
3 و4. (بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ)قد مرّ بيان الفرق بين هاتين الصفتين في تفسير الآية(117) من هذه السُّورة.
قال بعض السَّلف: لم يجمع الله سبحانه لأحد من الأنبياء بين اسمين

1 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:53.
2 . الشعراء:3.
3 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:53.
4 . يوسف:103.

صفحه 215
من أسمائه إلاّ للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)فإنّه قال: (بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ)، وقال: (إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ)(1).(2)
ولا يخفى وجود الفرق بين الرأفة والرحمة في الله سبحانه، وفي
نبيّه.
وعلى كلّ تقدير، فالغاية من بيان صفات النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) هي الحثّ
على قبول دعوته، فإنّه إذا كان شاقّاً عليه ما يصيبهم من مكروه،
وحريصاً على إيمانهم، ورؤوفاً ورحيماً بالمؤمنين، فلازمه قبول دعوة
هذا الداعي الذي يتّصف بهذه الصفات. ويشهد لما ذكرنا من الغاية، الآية التالية.
129. (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ):
قوله تعالى:(فَإِنْ تَوَلَّوْا): أي أعرضوا عن قبول دعوتك فلا ضير عليك، وقد قام مقام هذا الجواب قوله تعالى: (فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ): أي يكفيني
الله في طريق دعوتي وإبلاغ رسالتي، وما هذا إلاّ لأنّه (لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ): أي
لا خالق ولا مدبِّر ولا معبود إلاّ هو، فإذا كان الأمر كذلك فإنّي (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ): أي اعتمدت وفوّضت إليه أُموري، لأنّه المتولّي لأُموري في الدنيا
والآخرة.
ثمّ إنّه سبحانه خصّ العرش بالذِّكر تفخيماً لشأنه، إذ هو مظهر عظمته

1 . البقرة:143.
2 . مجمع البيان:5/162.

صفحه 216
وقدرته، فقال جلّ شأنه:(وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) فمن كان ربّاً لمثل هذا العرش العظيم، فهو قادر على تدبير أُموري.
وفي الآية دليل واضح على أنّ العرش ليس أمراً اعتبارياً، بل له واقعية، وهو مركز تدبيره ومصدر أوامره ونواهيه التكوينية.
***
تمّ تفسير سورة التوبة
 

صفحه 217
 
سورة الأنبياء   
سورة يونس
 
 
 
(الرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ * أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُل مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْق عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ * إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّام ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيع إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ * إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيم وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ * هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الاْيَاتِ لِقَوْم يَعْلَمُونَ * إِنَّ فِي اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَيَات لِقَوْم يَتَّقُونَ * إِنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا

صفحه 218
وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ *
وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ * ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ * وَ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَات قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآن غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْم عَظِيم * قُلْ لَوْ شَاءَ اللهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ * فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ * وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ

صفحه 219
يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ * وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ
رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ للهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ * وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ * هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيح طَيِّبَة وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَان وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الاْيَاتِ لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ * وَاللهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلاَمِ

صفحه 220
وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم * لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيَادَةٌ وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَة بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عَاصِم كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ
جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ * فَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ * هُنَالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْس مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ * قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ * فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنّى تُصْرَفُونَ * كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنّى تُؤْفَكُونَ * قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لاَ يَهِدِّي إِلاَّ أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ

صفحه 221
كَيْفَ تَحْكُمُونَ * وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ * وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ
مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَة مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَاْنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ * وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لاَ يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ * وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لاَ يَعْقِلُونَ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لاَ يُبْصِرُونَ * إِنَّ اللهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ * وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ * وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ * وَلِكُلِّ أُمَّة رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ * وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ لاَ أَمْلِكُ لِنَفْسِي

صفحه 222
ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ لِكُلِّ أُمَّة أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ * أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلاْنَ
وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ * ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ * وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ * وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْس ظَلَمَتْ مَا فِي الأَرْضِ لاَفْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ * أَلاَ إِنَّ للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَلاَ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْق فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ * وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْل عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ * وَمَا تَكُونُ فِي شَأْن وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآن وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَل إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّة فِي

صفحه 223
الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَاب مُبِين * أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الاْخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَلاَ يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ
الْعِزَّةَ للهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * أَلاَ إِنَّ للهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ * هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَات لِقَوْم يَسْمَعُونَ * قَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَان بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ * وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوح إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللهِ فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلاَ تُنْظِرُونِ * فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْر إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ

صفحه 224
خَلاَئِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ * ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ * ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ
بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُواوَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ * فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ * قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ * قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ * وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِر عَلِيم * فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ * فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ * وَيُحِقُّ اللهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ * فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْف مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَال فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ * وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ * فَقَالُوا عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا

صفحه 225
بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ * وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَئَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ * قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيَما وَلاَ تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ * وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آلآنَ
وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجّيِكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ * وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْق وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ * فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَأُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ * إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَة حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ * فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ

صفحه 226
عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِين * وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لاَمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْس أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى
الَّذِينَ لاَيَعْقِلُونَ * قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الاْيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْم لاَ يُؤْمِنُونَ * فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ * ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ * قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكّ مِنْ دِينِي فَلاَ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَلاَ تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنْفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ * وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْر فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيل * وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ).

صفحه 227
سورة يونس: خصائص السورة   

خصائص السورة

تسمية السورة

سُمّيت السورة في كتب التفسير والمصاحف بسورة «يونس(عليه السلام)» مع أنّها احتوت على آية واحدة في شأن قومه(عليه السلام)، بينما جاءت قصة يونس مع قومه في عشر آيات من سورة الصافات(1)، والسبب ـ كما قيل ـ أنّها انفردت بذكر خصوصية لقومه(عليه السلام)، وهي رفع عذاب الاستئصال عنهم حين آمنوا(2).
وقيل في وجه هذه التسمية: إنّ سائر السُّور الأربع(3) التي شاركت هذه السُّورة في الافتتاح بقوله تعالى:(الرَ)قد سُمّيت كلّ واحدة منها باسم نبيّ أو باسم بلده، فصار ذلك سبباً لتسمية هذه السورة باسم النبيّ يونس(عليه السلام)تمييزاً لها عن أخواتها الأربع.(4)
ومهما يكن، فمن غرر آيات هذه السورة ـ وكلّ آياتها غرر ـ قوله تعالى: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْر فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)(5)، وقوله سبحانه: (قُلْ يَا

1 . انظر: الصافات:139ـ148.
2 . انظر: التحرير والتنوير:11/5.
3 . وهي: هود، ويوسف، وإبراهيم، والحِجر.
4 . انظر: التحرير والتنوير:11/5.
5 . يونس:107.

صفحه 228
أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيل).(1)

عدد آياتها ومحلّ نزولها

عدد آياتها مئة وتسع آيات عند الجميع، غير الشامي فهي عندهم مئة وعشر آيات. والسُّورة مكّيّة، وعليه جمهور المفسّرين، وهو المرويّ عن ابن عباس، وروي عنه أيضاً أنّ أربع آيات منها مدنيّة، أعني قوله:(فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَأُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ * إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَة حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ).(2)
وحكى ابن عطية عن مقاتل أنّها مكّية، إلاّ آيتين وهو قوله تعالى:(فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكّ) إلى قوله تعالى: (فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ)(3) فإنّها نزلت بالمدينة.
ونقل عن الكلبي: هي مكّيّة إلاّ قوله:(وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لاَ يُؤْمِنُ بِهِ)(4) نزلت في المدينة.(5)
سورة يونس: الآيتان: 1ـ2   
ولا دليل من جهة اللفظ على هذه الأقوال، والأقرب مكّيّة جميع

1 . يونس:108.
2 . يونس:94ـ 97.
3 . يونس:94ـ95.
4 . يونس:40.
5 . المحرر الوجيز:3/102.

صفحه 229
آياتها، كما سيوافيك بيان ذلك.

أغراض السورة

يلجأ بعض المفسّرين إلى فهرسة الموضوعات الواردة في كلّ سورة واحداً بعد الآخر ويصف الجميع بأنّها أغراض السورة، مع أنّ المراد من أغراض السورة هو الوقوف على المحور الذي يشكّل روح السُّورة، وسائر الأُمور، هي التي تدور عليه. والظاهر أنّ محور هذه السورة هو إثبات توحيده سبحانه وعلمه وقدرته من خلال عرض الآيات السماويّة والأرضية ومظاهر القدرة الباهرة، غير أنّ القول بذلك لمّا ورد عن طريق الوحي والمشركون يرفضونه عناداً ومكابرة، بدأت السورة بالتحدّث عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)ووظيفته، وعن القرآن المُنزَل عليه، مؤكّدةً على ذلك حتى يتأتّى تحقيق الغرض الوحيد.

الآيتان الأُوليان

(الرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ * أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُل مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْق عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ).

المفردات

آيات: علامات، جمع آية، قال سبحانه:(وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً

صفحه 230
لِلْعَالَمِينَ)(1)، وتطلق اصطلاحاً على المقاطع القرآنية المنفصل بعضها عن بعض بفصل لفظيّ، وهذا المعنى هو المراد هنا بشهادة إضافتها إلى (الْكِتَابِ).
الحكيم: يُستعمل الحكيم بمعنى (المحكم)، وأُخرى بمعنى (ذي الحكمة)، والظاهر أنّ هذا المعنى هو المراد، إذ يشتمل على المعارف والشرائع والأُصول الحكيمة التي بها أساس الحياة المعنوية والماديّة.
عجباً: مورثاً للعجب حتى صار سبباً للتكذيب.
قَدَم صِدق: يطلق القدم ويراد به تارة ما يعدّ جزءاً من الرِجل، كما في قوله سبحانه:(وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ)(2)، وأُخرى يراد به السَّبق والتقدّم، وأُريد بقوله هنا (قَدَمِ صِدق)، السابقة في الإيمان، والتقدّم في الإخلاص، كما يأتي.

التفسير

1. (الرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ):
افتُتحت السُّورة بقوله:(الرَ) وقد تقدّم أنّ هناك أربع سور أُخرى قد افتُتحت به، ويشترك الجميع في تسميتها باسم نبيّ أو بلده.
وأمّا ما هو المراد من هذه الحروف التي سمّيت بالحروف المقطّعة، فقد اختلفت كلمة المفسّرين في ذلك، والأظهر ـ على ما سيوافيك شرحه

1 . الأنبياء:91.
2 . الأنفال:11.

صفحه 231
في تفسير سورة الأحقاف ـ أنّها إشارة إلى أنّ هذا القرآن مؤلَّف من هذه الحروف، فلو كنتم (أيّها المشركون) تزعمون أنّه من صنع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فقوموا أنتم ومعكم شهداؤكم بتأليف سورة أو عشر سور مثل سور القرآن، إذ المادة ـ أعني: الحروف ـ في متناول الجميع(فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا)(1) فاعلموا أنّه أُنزل بعلم الله جلّت قدرته.
قوله:(تِلْكَ) إشارة إلى مابعدها، أعني: (آيَاتُ)، نظير قوله: (فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ)(2) وقوله: (هَذَا فِرَاقُ بَيْني وَبَيْنِكَ)(3)، وأشار إلى الآيات بما يشار به إلى البعيد تعظيماً وتكريماً، وأُريد بالآيات المقاطع القرآنية المعروفة، بشهادة إضافتها إلى (الْكِتَاب)،الذي يُراد به القرآن المجيد، و (الْحَكِيمِ) صفة للكتاب. والظاهر أنّه وُصف بذلك; لأنّه ينطق بالحكمة التي تتجلّى في مبادئه وشرائعه وتوجيهاته الخلقية والتربوية، والتي تقود الإنسان إلى الصّواب في فكره وتصوّراته وسلوكه.
2. (أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُل مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْق عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ):
إنّ مشركي مكّة كان يأخذهم العجب من نزول الوحي على رجل منهم، ويتصوّرون أنّ كونه بشراً، يأكل كما يأكلون، ويشرب كما يشربون،

1 . البقرة:23.
2 . الروم:56.
3 . الكهف:78.

صفحه 232
يمنع اتّصاله بالسّماء وتكليفه بالرّسالة، فكيف يدّعي نزول الوحي عليه؟!، وهذا هو ما أشار إليه بقوله:(أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا): أي مورثاً للعجب (أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُل مِنْهُمْ): أي من جنسهم.
وقد حكى سبحانه عنهم هذا التصوّر الموهوم، بقوله: (أَبَعَثَ اللهُ بَشَرًا رَسُولاً)(1).
ويظهر من بعض الآيات أنّ هذا المنطق كان سائداً في الأقوام السابقين، فقوم نوح ـ مثلاً ـ أظهروا عجبهم من ذلك، قال تعالى: (أَوَ عَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُل مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)(2).
وهناك عذر آخر تشبّثوا به لرفض دعوة الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، نعرض له من خلال الفقرة التالية:

ملاكات سموّ المكانة الاجتماعية

إنّ ملاكات سموّ المكانة الاجتماعية تختلف بحسب اختلاف المجتمعات والبيئات، فالملاك في المجتمع الرأسمالي هو الثروة والقدرة المالية والإمكانات الضخمة، وعلى أساس ذلك تتحكّم الفئة الثريّة (الرأسمالية) بالآخرين وتسيطر على مقدّراتهم، والملاك في المجتمع العلمي كالجامعات والمدارس يكون للقوّة الفكرية في إنتاج العلم ودفع عجلة التقدّم إلى الأمام، فمَن تمتّع بها نال وسام الفضل والفضيلة وأصبح نافذ الكلمة فيهم، والملاك في المجتمع العسكري هو حسن التدبير في رفع

1 . الإسراء:94.
2 . الأعراف:63.

صفحه 233
مستوى قدرة الجيش التسليحية والمعنوية وفي المهارات القتالية، ومن قَدر على ذلك، فاق زملاءه وتقدّم عليهم، وأمسك بزمام القيادة.
وقس على ذلك سائر البيئات فلكلّ بيئة مقياس خاص.
إذا عرفت ذلك، نقول: بما أنّ مشركي مكّة كانوا غارقين في المادّة، فهم يرون أنّ ملاك السموّ ينحصر فقط في مَن كان ذا مال ومُكنة ووجاهة دنيويّة، ولذا كانوا يعتقدون أنّ الوليد بن المغيرة هو الأَولى بأن ينزل عليه الوحي، كما يقول سبحانه:(وَقَالُوا لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُل مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيم)(1).
نقل ابن شهرآشوب عن الكلبيّ: أتى أهل مكّة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)فقالوا: ما وجد الله رسولاً غيرك! ما نرى أحداً يصدّقك فيما تقول، ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى؟ فزعموا أنّه ليس لك عندهم ذكر، فأرنا مَن يشهد أنّك رسول الله كما تزعم، فنزل: (قُلْ أَيُّ شَيْء أَكْبَرُ شَهَادَةً).(2) وقالوا: العجب! إنّ الله تعالى لم يجد رسولاً يرسله إلى الناس إلاّ يتيم أبي طالب؟! فنزل: (الرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ * أَكَانَ لِلنَّاسِ).(3)
وقال الوليد بن المغيرة: والله لو كانت النبوّة حقّاً لكنت أَولى بها منك، لأنّني أكبر منك سنّاً وأكثر منك مالاً.
وقال جماعة: لِمَ لمْ يرسل رسولاً من مكّة أو من الطائف عظيماً؟ يعني أبا جهل، وابن عبدياليل، فنزل: (وَقَالُوا لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى

1 . الزخرف:31.
2 . الأنعام: 19 .
3 . يونس: 1 و 2 .

صفحه 234
رَجُل...)(1).(2)
ثمّ إنّه سبحانه بيّن الوجه الذي لأجله بُعث النبيّ، فقد أُوحي إليه أمران:
الأوّل:(أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ) من عذاب الله تعالى وخوِّفهم به.
الثاني: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا).
بما أنّ الأنبياء كانوا منذرين ومبشِّرين، فأُشير إلى الأوّل بقوله: (أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ) وإلى الثاني بقوله: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا) وهذا يعرب عن موقف الأنبياء، حيث إنّ الله سبحانه بعثهم مبشِّرين ومنذرين، فالتبشير وحده يلازم التهاون بالطاعة وبالقيام بالتكاليف، كما أنّ الإنذار وحده يوجب اليأس من رحمة الله تعالى، ولا يَدَع الإنسان يفكر في إصلاح حاله. وأمّا ما هو المبشَّر به، فأُشير إليه بقوله: (أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْق عِنْدَ رَبِّهِمْ): أي سابقة ومنزلة رفيعة.
قال الشّريف الرضيّ حول هذه الفقرة: وهذه استعارة، لأنّ المراد بالقدم هاهنا السابقة في الإيمان، والتقدّم في الإخلاص. والعبارة عن ذلك بلفظ القدم غاية في البلاغة، لأنّ بالقدم يكون السّبق والتقدّم، فسُمِّيت قدماً لذلك.(3) وقد أُشير إلى هؤلاء في آية أُخرى: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ).(4)
هذا حال من استعدّ للهداية، وأمّا الكافرون فيصفهم سبحانه بقوله: (قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ). وهو إشارة إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، حيث إنّهم لمّا

1 . الزخرف: 31 .
2 . مناقب آل أبي طالب: 1 / 79 ـ 80 ، طبعة دار الأضواء، بيروت.
3 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:80.
4 . الأنبياء: 101 .

صفحه 235
عجزوا عن التحدّي من جانب، وصاروا يبحثون عن وجه تأثير موقف النبيّ وقرآنه في الأذهان من جانب آخر، لم يجدوا بدّاً من أن يصفوه(صلى الله عليه وآله وسلم)بالسّاحر، لِما لدعوته ومعجزته الخالدة من قوّة خارقة للعادة، جاذبة للنفوس، وليس لذلك من سبب عندهم إلاّ السِّحر، ولذلك قال الوليد بن المغيرة: (إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ)(1)!! وهذا من دأب الناس، فإذا لم تتّضح لديهم علّة ظاهرة لأمر ما، صاروا ينسبونه إلى قوّة خارجة عن العادة، من السِّحر، أو تسخير الجنّ.

ما هو السبب لتعجّب القوم؟

دلّت الآية على أنّ مشركي مكّة كانوا يتعجّبون من نزول الوحي على رجل مثلهم، ولذلك ثقل عليهم الإيمان به، وما ذلك لأنّهم نظروا إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من منظار مادّي حيث إنّه ولد بينهم وعاش كما يعيش سائر الناس، ولذلك كانوا يتعجّبون من ادّعاء النبوّة مع أنّه يأكل ويمشي في الأسواق كما يحكي سبحانه عنهم ذلك، بقوله:(مَا لِهَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ).(2)
وأمّا مَن نظر إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من منظار آخر، وهو أنّه وليد أصلاب طاهرة وأرحام مطهّرة ونشأ في بيت رفيع منزَّه عن الشِّرك والوثنية، في ظلّ كفالة جدّه عبد المطَّلب المعروف بالتّقى والمتمسّك بحبل التوحيد، وحظي برعاية الله تعالى منذ وُلد حتى ترعرع، فصار يعتكف في كلّ سنة شهراً أو

1 . المدثر:24.
2 . الفرقان:7.

صفحه 236
شهرين في مكان بعيد عن ضوضاء الوثنية وصخَبها، ويعبد الله وحده، فتنزل عليه بركاته يوماً بعد آخر، ويتقرّب إلى الله بعباداته الصادقة، فصارت نفسه عندئذ مستعدّة لنزول الوحي ومشاهدة أمينه. وقد أشار الإمام علي(عليه السلام) إلى طيّه درجات الكمال في عبارة موجزة وقال:«وَلَقَدْ قَرَنَ اللهُ بِهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)مِنْ لَدُنْ أَنْ كَانَ فَطِيماً أَعْظَمَ مَلَك مِنْ مَلاَئِكَتِهِ يَسْلُكُ بِهِ طَرِيقَ الْمَكَارِمِ، وَمَحَاسِنَ أَخْلاَقِ الْعَالَمِ، لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ».(1)
فمَن نظر إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من هذا المنظار يصدِّق أنّه المؤهَّل لنزول الوحي عليه دون غيره.
سورة يونس: الآيتان: 3 ـ 4   

الآيتان: الثالثة والرابعة

(إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّام ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيع إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ * إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيم وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ ).

المفردات

أيام: ربما يطلق اليوم في مقابل الليل، وربما يطلق على الوقت الذي

1 . نهج البلاغة: الخطبة 192.

صفحه 237
يحدّه حدث يحدث فيه وإن طال أمده، ولذلك يقول الإمام علي(عليه السلام):«واعْلم بأنّ الدَّهْرَ يَوْمَانِ: يَوْمٌ لَكَ وَيَوْمٌ عَلَيْكَ».(1)
استوى: الاستواء هو التمكّن التام والاستيلاء الكامل يقول سبحانه:(كَزَرْع أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ)(2): أي تمكّن الزرع واستقام دون أن يعتمد على شيء. ويدلّ على هذا المعنى قول الشاعر:
قد استوى بِشْرٌ على العراقِ *** من غير سيف ودم مهراقِ
أي بسط سلطانه على العراق.
العرش: ليس العرش مطلق السرير; بل سرير خاص يجلس عليه سلطان البلد ويدبّر شؤونه وحوله وزراؤه وأعوانه، يقول سبحانه:(وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْء وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ)(3)
يدبّر: التدبير هو التوفيق بين أوائل الأُمور ومبادئها وأدبارها وعواقبها، بحيث تكون المبادئ مؤدّية إلى ما يُراد من غاياتها.
شفيع: الشفع: ضمّ الشيء إلى مثله، وكأنّ المشفوع له يضمّ طلبه إلى دعاء الشفيع حتى يستجيب الله تعالى دعاءه.
 
التفسير
لقد بعث الله سبحانه أنبياءه العظام لأمرين مهمّين، هما دعامتا دعوة

1 . نهج البلاغة: قسم الكتب، برقم 72.
2 . الفتح:29.
3 . النمل:23.

صفحه 238
الأنبياء على الإطلاق.
الأوّل: الدعوة إلى الإيمان بالتوحيد في التدبير والعبادة. وهذا هو الذي بدأ سبحانه ببيانه والاستدلال عليه بقوله:(إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ).
الثاني: الدعوة إلى الإيمان بالبعث ويوم الجزاء. وقد بدأ سبحانه ببيانه بقوله:(إِنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا...)(1).
ومع ذلك، أُشير في الأمر الأوّل أيضاً إلى الأمر الثاني، أعني: البعث والجزاء.
ونحن نفسِّر ما يرجع إلى المهمّة الأُولى ضمن مجموعتين من الآيات.
3. (إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّام ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيع إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ):
إنّ مشركي مكّة كانوا موحِّدين في الخالقية، وهو أمر نصّ عليه الذكر الحكيم في غير واحدة من الآيات(2)، بَيد أنّهم كانوا مشركين في الربوبية، فقد كانت الآلهة عندهم أرباباً قد فُوّض إليها مصيرُ الإنسان وتدبير العالم كلّه أو بعضه على اختلافهم في أمر التدبير سعة وضيقاً، وهنا جاء البيان القرآني يردُّ عليهم بأنّه ليس للكون إلاّ ربٌّ واحد، ثم انتقل بعد هذا إلى التوحيد في

1 . يونس:7.
2 . لاحظ: العنكبوت:61، 63; لقمان:25; الزمر:38; الزخرف:9، 87.

صفحه 239
العبادة وأنّ العبادة من شؤون الربّ، وإليك تفسير فقرات الآية:
1. قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّام). يخاطب سبحانه في هذه الفقرة معاشر الناس ويقرّر بأنّ الذي خلق هذا العالم المشهود كلّه سماواته وأرضه في ستّة أيام هو ربّكم، لوجود الملازمة بين الخالقية والربوبية، فمن أوجد العالم من العدم هو ربّ العالمين، ومديره ومدبّره لا غير.

اليوم وما أُريد به في المقام

وأمّا كيفية خلق العالم في ستّة أيام، فنقول فيه: يطلق اليوم ويراد به النّهار، في مقابل الليل، ومن المعلوم أنّ اليوم بهذا المعنى لم يكن موجوداً قبل خلق هذا العالم، فالأزمان وليدة الحركة والتغيّر الذي مرّ على الكون وتحقّق معها، وأُخرى يُطلق ويراد به الوقت الذي يحدث فيه الشيء وإن طال أمده، فاليوم بهذا المعنى بمعنى الدَّور، والأيام بمعنى الأدوار، فقد استغرق خلق الكون من بدء خلقه إلى أن اكتمل أدواراً ستّة. والله سبحانه هو الواقف على حقيقة هذه الأدوار.
وإن شئت قلت: إنّ الزمان بما أنّه منتزع من حركة المادّة لا تتعلّق به يد القدرة إلاّ بعد خلق المادّة، فلولا مادّة السماوات والأرض لا يُتصوّر زمان منفكّ عن خلق السماوات والأرض حتّى يصحّ خلق السماوات والأرض في ستّة أيام منفصلة عن الخلق، وعلى هذا فالزمان والخلق أمران متلازمان لا ينفكّ أحدهما عن الآخر.
2. قوله تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ). دلّت الفقرة السابقة

صفحه 240
بالدّلالة الالتزامية على أنّ مدبّر الكون هو خالقه، وفي هذه الفقرة يصرّح بذلك ويقول: إنّه سبحانه بعد أن خلق السماوات والأرض استولى على عرش قدرته ولم يفوّضه إلى غيره، بل (يُدَبِّرُ الأَمْرَ): أي أمر العالَم بنفسه، وقد عبّر سبحانه عن تدبيره بصيغة المضارع وقال: (يُدَبِّرُ)للدلالة على الاستمرار، وأنّه قائم بالتدبير في عامّة الأزمنة إلى أن يرث سبحانه الأرضَ ومَن عليها، فإذا كان في الكون مدبّرات أُخرى كما قال: (فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا)(1)، فمن جنوده سبحانه، ومجريات أمره ومشيئته وتدبيرها، وهي تنتهي جميعاً إلى تدبيره، فليس هنا مدبّر غيره، كما لم يفوّضه إلى غيره.
وحصيلة الكلام: إنّ تدبير غيره سبحانه يُتصوّر على وجهين:
1. تفويض التدبير إلى غيره، وعليه المشركون، حيث يتصوّرون أنّه سبحانه بعد أن خلق الخلق اعتزل أمر التدبير وفوّضه إلى الآلهة المزعومة الّتي تمثّلها أصنامهم وأوثانهم .
ولعلّ مشركي عصر إبراهيم(عليه السلام) كانوا على تلك العقيدة، فكانوا يعبدون الشمس والقمر والكواكب لتلك الغاية.
2. تفويض قسم من التدبير إلى غيره سبحانه دون أن يتخلّى عن عرش التدبير على وجه الإطلاق. ولعلّ قسماً من مشركي عصر الرسالة كانوا على تلك العقيدة.
وقد مضى الكلام في توضيح استوائه سبحانه على العرش في تفسير الآية (54) من سورة الأعراف، ولذلك أوجزنا الكلام في المقام.

1 . النازعات:5.

صفحه 241
3. قوله تعالى: (مَا مِنْ شَفِيع إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ). لمّا كانت شفاعة الشافعين بلا إذنه ـ بمعنى تفويض الشفاعة إليهم ـ لا تنسجم مع إطلاق التدبير لله سبحانه، جاءت الفقرة ردّاً على عقيدة المشركين حيث اتّخذوا من دون الله شفعاء حتى يشفعوا لهم ويتقرّبوا بهم إليه سبحانه، فالفقرة تدلّ على أنّ كلّ شفيع حقّاً كان أم باطلاً لا يشفع إلاّ من بعد إذنه، فلم يفوِّض أمر الشفاعة إليهم. وتدلّ على ذلك آيات عديدة، منها قوله سبحانه: (يَوْمَئِذ لاَ تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً)(1).

إشارة إلى الشفاعة التكوينية

ويمكن أن تفسَّر الفقرة بوجه آخر، وهو أن يراد بالشفيع كلّ سبب طبيعي يستعقب مسبَّباً، فالله سبحانه يريد أن يبيّن أنّ تأثير هؤلاء في مسبَّباتها أيضاً بإذن الله سبحانه، وإنّما أُطلق الشفيع على السبب الطبيعي لأجل انضمام ما أودع الله سبحانه في السبب من القوّة إلى مشيئة الله تعالى، فأطلق عليه الشفيع. وعلى هذا فالشفاعة في الآية شفاعة تكوينية لا صلة لها بالشفاعة التشريعية. ويُراد بالأُولى أنّ المؤثِّر والخالق المدبّر على وجه الاستقلال هو الله سبحانه، وأمّا (فَالْمُدَبِّرَاتِ)فالجميع من جنوده سبحانه، حتى العلل الطبيعية من سننه سبحانه فلا يؤثّر غيره إلاّ بإذنه. وهذا المعنى أنسب بسياق الآية، أي اختصاص تدبير العالم بالله سبحانه.
إلى هنا ظهر انحصار الربوبية في الله سبحانه بطريقين.
ثمّ إنّه سبحانه رتّب على ذلك، الفقرة التالية.

1 . طه:109.

صفحه 242
4. قوله تعالى: (ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ): أي إذا ثبتت ربوبيته تعالى فيلزمكم عبادته واجتناب عبادة غيره، فالوحدانية في الربوبية تلازم الوحدانية في العبودية.
5. قوله تعالى: (أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ) إشارة إلى أنّ المسألة فطرية، فلو رجع الإنسان إلى فطرته لوقف على مراتب التوحيد، خلقاً وربّاً وعبادة.

مع صاحب المنار في وصف المؤمنين بالقبوريين

إنّ صاحب المنار لم يزل يهاجم المتوسّلين بالأنبياء والأولياء في مواضع من أجزاء تفسيره لأدنى مناسبة، وفي المقام لمّا أخذ في تفسير قوله:(ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ) قال: من غفلة المشركين منكري الوحي عن هذه الحقيقة، وهي أنّه لا يستحقّ العبادة من الخلق أحد إلاّ ربّهم وخالقهم ومدبّر أُمورهم بوجه. ثمّ وجّه كلامه إلى المؤمنين بالقرآن (من القبوريّين وعبّاد الصالحين) ـ كما وصفهم ـ بقوله: كيف لا يتذكّرون هذه الآيات إذ نراهم يوجّهون وجوههم إلى قبور المشهورين من الصالحين في بلادهم ويشدّون الرِّحال إلى ما بَعُد منها عنهم، ويتقرّبون إليها بالنذور داعين متضرّعين، وهذا مخّ العبادة وروحها وأجلى مظاهرها... إلى آخر ما قال.(1)
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ صاحب المنار قد خالف أدب القرآن الكريم حيث إنّه سبحانه نهى عن التنابز بالألقاب وقال:(وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ)(2) وهو يصف معاشر المسلمين ـ إلاّ الوهابيين ـ

1 . تفسير المنار:11/297.
2 . الحجرات:11.

صفحه 243
بالقبوريّين. ومن الواضح أنّ هذا خروج عن أدب القرآن. والعجب أنّ الرجل يعدّ نفسه من رجال الإصلاح كالسيّد جمال الدين الأسد آبادي، والشيخ محمد عبده، ومن رجال الأدب كعبد الرحمن الكواكبي.
ثانياً: أنّ المسلمين قاطبة يدعون الله تعالى في مشاهد الأنبياء والأولياء لأجل أنّ هذه المشاهد تحتضن أجسادهم الطاهرة التي لا تَبلى، وتتبرّك بهم، والدعاء في ذلك المحلّ يصعد ولا يُردّ إذا كان جامعاً للشّروط.
ثالثاً: لو لم يكن لحرم الأنبياء والأولياء أي منزلة، فلماذا أوصى الشيخان بدفنهما إلى جوار النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، فلو كان للقبوري ـ حسب اصطلاح الرجل ـ مصداق واضح، فالشيخان من أوائل القبوريّين.
والذي يدلّ على أنّ للمشاهد التي تحتضن أجساد الأنبياء والأولياء كرامة ومنزلة عند الله سبحانه، هو أنّه سبحانه يحكي عن الموحّدين بعد العثور على قبور أهل الكهف أنّهم قالوا: (لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا)(1): أي يتّخذون قبورهم مسجداً يصلّون فيه ويدعون الله تعالى(2)، والقرآن يحكي عنهم هذا الأمر من دون نقد، بل بصورة إطراء حيث يذكره مقابلاً لاقتراح غير الموحّدين، إذ (قَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ): أي اتركوهم واتركوا أمرهم إلى الله سبحانه.
والغريب أنّه يثير هذه الضجّة حول التبرّك بضريح رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وضرائح الأولياء في أجزاء من تفسيره، مع أنّه هو دأب السَّلَف بعد رحيل

1 . الكهف:21.
2 . انظر: تفسير الكشاف وتفسير البيضاوي والجلالين في تفسير الآية.

صفحه 244
النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى يومنا هذا، ولنذكر نموذجاً لذلك. روى الحاكم النَّيسابوريّ بإسناده عن داود بن أبي صالح، قال: «أقبل مروان يوماً فوجد رجلاً واضعاً وجهه على القبر، فأخذ برقبته وقال: أتدري ما تصنع؟ قال: نعم، فأقبل عليه فإذا هو أبو أيوب الأنصاري، فقال: جئتُ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)ولم آت الحَجَر، سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: لا تبكوا على الدين إذا وليَه أهلُه، ولكن أُبكوا عليه إذا وليَه غيرُ أهله.(1)
وأنت يا صاحب المنار قد رفعت شعار السلف والسلفية أليس أبو أيوب الأنصاري مضيّف النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)من السلف الصالح، فهل كان قبوريّاً أو كان قرآنيّاً تماماً؟ نعم لبني أُميّة عامة ولمروان خاصة ضغينة على رسول الله، فقد صحّ عنه قوله: إذا بلغت بنو أبي العاص ثلاثين رجلاً اتّخذوا مال الله دولاً، وعباد الله خولاً، ودين الله دغلاً.(2)
هذا هو النبيّ يعقوب يتبرّك بقميص ولده كما قال سبحانه:(فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا)(3)، فعلى غرار ما وصف المسلمين بالقبوريّين، كان على صاحب المنار أن يصف يعقوب وابنه يوسف وأولاده بالقميصيِّين.
وهذه هي فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين بنت رسول الله حضرت عند قبر أبيها(صلى الله عليه وآله وسلم) وأخذت قبضة من تراب القبر تشمّه وتبكي وتقول:
ماذا على مَن شمَّ تربة أحمد *** ألاّ يشمَّ مدى الزمان غواليا

1 . المستدرك على الصحيحين:4/515(وصحّح إسناده، ووافقه الذهبيّ).
2 . المستدرك على الصحيحين:4/479ـ 480(وصحّحه على شرط مسلم، ووافقه الذهبيّ).
3 . يوسف:96.

صفحه 245
صُبّت عليّ مصائب لو أنّها *** صُبّت على الأيام صِرن لياليا(1)
ثمّ إنّ صاحب المنار أفاض الكلام في حق المتوسّلين، ووصفهم بعبارات ننزِّه قلمنا عن ذكرها، عفا الله عنّا وعنه.
4. (إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيم وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ):
قد تقدّم أنّ المشركين كانوا يشمئزّون من أمرين:
1. الدعوة إلى تخصيص العبادة لله سبحانه ورفض عبادة الأصنام.
2. الدعوة إلى الإيمان بيوم البعث والجزاء.
وبما أنّ هذين الأمرين ممّا أوحى بهما سبحانه إلى نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم) صاروا يتعجّبون من نزول الوحي عليه أوّلاً، وينسبونه إلى السحر ثانياً، ولذلك نرى أنّه سبحانه يشير إلى المبدأ الثاني وهو الاعتقاد بالجزاء قائلاً: (إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا): أي إلى ربّكم ترجعون جميعاً بعد الموت إذ (كُلُّ شَيْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ)(2) لأنّ لقاء الله غاية الحركة التي بدأها الإنسان منذ ولادته إلى نهاية أمره، فكأنّ الحركة صاعدة إلى يوم اللِّقاء، قال سبحانه:(يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاَقِيهِ)(3).

1 . وفاء الوفا:2/444; صلح الإخوان:57.
2 . القصص:88.
3 . الانشقاق:6.

صفحه 246
وبما ذكرناه تصير الفقرة دليلاً على المعاد، لأنّ الحركة لا تنفكّ عن الغاية التي تناسبها، وليست الغاية التي تناسب حركة الإنسان من بدء وجوده إلاّ الوصول إلى مقام اللِّقاء.
ثمّ إنّه سبحانه يصف الرجوع إلى الله بكونه(وَعْدَ اللهِ حَقًّا): أي وعداً لا يُخلَف، قال سبحانه: (لاَ يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ)(1) ثم أخذ يبرهن على كون المرجع إلى الله بقوله: (إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ): أي من سُنن الله تعالى الخَلق والإعادة، فهو يفيض الوجود إلى أجل معدود ثم ينتقل إلى عالم آخر دون أن يفنى فيه، حتى يصل إلى المعاد الموعود، لماذا؟! (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ)وهذا أحد الأدلّة على لزوم الإعادة، فإنّها لأجل جزاء المحسنين بالقسط، وعلى هذا فقوله (بِالْقِسْطِ) متعلّق بقوله (لِيَجْزِيَ): أي لأجل أن يجزيهم بالقسط يعيدهم، والمراد بالقسط هو العدل، كما يقول:(وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا)(2). وأمّا جزاء الكافرين فيشير إليه بقوله:(وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيم): أي من ماء حار، يضاف إليه (وَعَذَابٌ أَلِيمٌ)وذلك (بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ)فمجازاتهم بالشراب الحميم والعذاب الأليم لأجل كفرهم. وكأنّ حقيقة أعمالهم الإجرامية تتمثّل بالشراب الحميم والعذاب الأليم.
سورة يونس: الآيتان: 5 ـ 6   
وقد أُشير إلى مضمون الآية أيضاً في قوله سبحانه:(وَخَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ)(3).

1 . الروم:6.
2 . الأنبياء:47.
3 . الجاثية:21.

صفحه 247
وربما يدور في خَلَد بعضهم أنّ الصحيح أن يقول: ليجزيَ الذين كفروا، نظير ما ورد في مورد المؤمنين.
أقول: عدل عنه سبحانه للإشارة إلى أنّ الشراب الحميم والعذاب الأليم ليس جزاء خارجياً قُدّر عليهم، بل كلّ ذلك تمثيل لما يحملون من العقائد الفاسدة والأعمال الإجرامية.

الآيتان: الخامسة والسادسة

(هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الاْيَاتِ لِقَوْم يَعْلَمُونَ * إِنَّ فِي اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لاَيَات لِقَوْم يَتَّقُونَ).

المفردات

ضياء: إمّا اسم مصدر من أضاء يُضيء، أو جمع ضوء كسياط وسَوط، وحياض وحَوض.
نور: النُّور: الشعاع وكأنّه مشتقّ من اسم النّار.
منازل: جمع منزل، وأُريد منازل القمر، وهي مواقعه المتتالية في السماء، وهي ثمانية وعشرون منزلاً بعدد الليالي التي يُرى فيها.
اختلاف: أُريد مجيء كلٍّ عقيب الآخر. ويعبّر عنه بتعاقب اللَّيل والنّهار.

صفحه 248

التفسير

هذه المجموعة الثانية كسابقتها بصدد الاستدلال على انفراده سبحانه بالتصرّف في الكون، والفرق بين الاستدلالين أنّ الأوّل اعتمد على عظمة الخلقة وسعة القدرة، وأمّا هذا الاستدلال فهو يخاطب الناس بما ينتفعون به في جوانب كثيرة من شؤون حياتهم كالشمس والقمر أو اختلاف الليل والنهار وتعاقبهما.
5. (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الاْيَاتِ لِقَوْم يَعْلَمُونَ):

الاستدلال على كونه سبحانه هو المدبِّر

قوله: (هُوَ) راجع إلى الربّ في قوله:(إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ) وتقدير الآية: إنّ هذا الربّ الموصوف بكونه خالق السماوات والأرض، هو (الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً): أي مضيئة (وَالْقَمَرَ نُورًا)منيراً في اللّيل، وهو المتصرّف في هذه الظاهرة دون غيره، ومن ثمّ هو المدبّر لها لا غيره.
ومن الثوابت العلميّة أنّ القمر لا يُصدر ضوءاً من ذاته، خلافاً للشمس التي تصدر ضوءاً من ذاتها، وعندما يتألّق القمر فإنّه يعكس ضوء الشّمس، ولذلك وصف بالنّور، وهو أعمّ من أن يكون نوره ذاتياً أو مكتسباً من غيره، بينما وُصفت الشمس بالضياء، كما وُصفت بالسّراج في قوله سبحانه:

صفحه 249
(وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا)(1)، والسِّراج مصدر النور ومنبعه.
ثمّ إنّ كثيراً من المفسّرين رجّحوا كون (ضِيَاءً) مفرداً ليستقيم مع وصف القمر بأنّه (نُورًا)، غير أنّ صاحب المنار قال بأن (ضِيَاءً) جمع، وقال: بأنّه يشير إلى أن شعاع الشّمس مركّب من ألوان النور السَّبعة التي يراها الناس في قوس السَّحاب إذ هو سبعة أضواء لا ضوء واحد.(2)
يلاحظ عليه: بأنّ تركيب النور من الأطياف السَّبعة لا يختصّ بشعاع الشّمس بل يشمل مطلق النور، حتى نور القمر.
ويقول الوزير المغربي: الضياء أغلب من النور، يقال: أضاء النهار، ولا يقال: أضاء اللَّيل. كما يقال: أنار اللَّيل، وليلة منيرة، ويقول: في قلبي نور، ولا يقال: في قلبه ضوء، لأنّ الضوء لا يقال إلاّ لما يُحسّ ويدرك بكثرته.(3)
قوله:(وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ) التقدير ـ كما في المفردات ـ : تبيين كمّية الشيء، وربما يقال: التقدير: جعل الشيء أو الأشياء على مقادير مخصوصة في الزمان أو المكان أو الذوات أو الصفات، يقول سبحانه: (وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ)(4). والضمير في قوله: (قَدَّرَهُ) يرجع إلى القمر بشهادة قوله سبحانه: (وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ)(5)، والسّبب في ذكر منازل القمر وحده ـ كما قيل ـ لأنّ المنازل به أشهر، ولأنّ الاعتماد عليه في حساب

1 . الفرقان:61.
2 . تفسير المنار:11/302.
3 . المصابيح في تفسير القرآن:547.
4 . المزمل:20.
5 . يس:39.

صفحه 250
السِّنين و الشهور أكثر.(1)وأُريد بالمنازل ما هو المشهور لعامّة الناس وهو كون القمر في كلّ ليلة يكون في ناحية من السماء غير ما كان عليها في الليلة السابقة، وهذه المنازل عددها ثمان وعشرون، يُرى القمر فيها بالبصر، وليلة أو ليلتان يحتجب فيهما فلا يُرى، وذلك لأنّ القمر يدور حول الأرض في كلّ شهر دورة واحدة، ففي أوّل الشهر يبدو ضئيلاً ثم يزداد سمكه شيئاً فشيئاً حتى تكتمل نصف دائرة القمر في الليلة السابعة، ثم تستمر الزيادة حتى تكتمل دائرته في الليلة الرابعة عشرة، ويسمّى بدراً، ثم يبدأ بالتناقص تدريجياً حتى الليلة الثامنة والعشرين، وأمّا في الليلة التاسعة والعشرين أو هي والثلاثين فإنّه يواجه الأرض بوجهه المظلم تماماً فلا يرى منه شيء، وهو المسمّى بالمَحاق، والوجه الآخر غير المواجه للأرض يكون منيراً تماماً.
وأمّا ما هي الحكمة من جعل القمر يسير بالنحو المذكور، فـ :(لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ)فالقمر في دورته حول الأرض يشكّل شهراً وبتعدّده إلى اثني عشر شهراً يتمّ سنة، وإلى ذلك يشير سبحانه في قوله:(لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ)في الدورة الاثني عشرية (وَالْحِسَابَ) في الدورة الواحدة.
إنّ الليل والنهار يشكّلان تاريخاً موجزاً على ضوء دوران الشمس والقمر من الشروق والغروب، وكذلك الشهر والسنة فإنّهما عاملان يحصلان من حركة القمر حول الأرض شهراً، وحركة الأرض حول الشمس

1 . المصابيح في تفسير القرآن:547.

صفحه 251
سنة.
صحيح أنّ دوران الشمس حول بروج السماء ـ وهي اثنا عشر ـ طريقة سهلة لتعيين الشهور الشمسية إلاّ أنّها لا تتأتّى لكلّ أحد وليست بميسورة لكلّ إنسان ولا يستفيد منها غير علماء الرصد والنجوم الذين يعلمون بوجود الشمس في برج ما، ولكن رؤية القمر ممكنة ومتوفّرة لكلّ أحد فيستطيع تعيين أيامه ولياليه بسهولة.
فحركة القمر حول الأرض تقويم شهريّ طبيعيّ يفهمه كلّ جاهل وتدركه الأغلبية الساحقة من عوامّ الناس.
والذي يُلفَت إليه النظر هو أنّ شكل القمر لا يكون واحداً بين ليلة وليلة أُخرى. ولا تجد القمر في ليلتين مثلاً على هيئة وصورة واحدة في السماء. وإنْ ظنَّ البعض أنّ حالة القمر في النصف الثاني من الشهر هي بعينها في النصف الأوّل منه، إلاّ أنّه اشتباه لأنّ النقص الطارئ على القمر في النصف الثاني من الشهر، لم يكن في نفس الموضع الذي كان النقص في النصف الأوّل منه، فنقص القمر في النصف الأوّل من الشهر يكون من جهة الشرق والجانب الغربيّ منه كاملاً، أمّا النصف الثاني فيكون النقصان بالعكس، أي الجانب الغربيّ ناقصاً والشرقيّ كاملاً، فاتّجاه طرفي القمر في النصف الأوّل نحو الشرق في الوقت الذي يكون في النصف الثاني نحو الغرب. وعلى ضوء هذه القاعدة نعرف أيام الشهر بدقّة ونتوصّل إلى تعيينها بسهولة.(1)
أضف إلى ذلك أنّ الإسلام دين عالميّ وخاتم للشرائع، فهو لا يختصّ

1 . محمد والقرآن:146ـ 147.

صفحه 252
بمكان دون مكان ولا بزمان دون غيره، ولأجل ذلك يستخدم لضبط العبادات والمعاملات الدينية والمالية والمدنية الوسيلة التي تتوفّر عند الناس على الإطلاق حضَرِهم وبَدْوِهم، متقدّمهم ومتأخّرهم، ولذلك جعل وقت الفرائض الخمس أُموراً مشهودة للجميع كطلوع الفجر وزوال الشمس وغروبها، وجعل الصيام في شهر قمريّ، كما جعل فرائض الحجّ وعدّة الطلاق في نفس هذا الشهر لأنّه يعرفه كلّ الناس، بخلاف الاعتماد على حركة الشمس إذ لا ينتفع به إلاّ مَن درس علم الفلك، ومع ذلك كلّه يمكن استفادة حساب الأوقات بالشمس من قوله سبحانه:(الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَان)(1): أي يجريان بحساب خاصّ ونظام دقيق. وبهذا تُعرف الأوقات.
هذا، وقد جوّز بعض المفسّرين رجوع الضمير في (قَدَّرَهُ)إلى الشمس والقمر، وإنّما لم يقل «وقدّرهما» اكتفاء بالمعلوم، كقوله تعالى:(وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ)(2)، وكما قال الشاعر:
رماني بأمر كنتُ منه ووالدي *** بريئاً ومن جُول الطَّويِّ(3) رماني(4)
قوله تعالى: (مَا خَلَقَ اللهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ): أي مراعياً فيه مقتضى الحكمة البالغة بعيداً عن العبث (يُفَصِّلُ الاْيَاتِ لِقَوْم يَعْلَمُونَ) الذين يميّزون الحقّ عن الباطل، فالله سبحانه هو المتفرّد في خلقهما والتصرّف فيهما وتقديرهما على نحو ينتفع به الناس في معاملاتهم ومحاسباتهم. والمراد بالآيات هو

1 . الرحمن:5.
2 . التوبة:62.
3 . جُول الطَّويّ: جانب البئر.
4 . انظر: جامع البيان (تفسير الطبريّ):11/111 برقم 17569; والمصابيح في تفسير القرآن:547.

صفحه 253
الآيات الكونية.
6. (إِنَّ فِي اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَات لِقَوْم يَتَّقُونَ):

الاستدلال على كونه سبحانه هو المتفرّد في التدبير

الآية استدلال آخر على أنّه سبحانه هو المتفرّد في التصرّف في الكون وذلك (إِنَّ فِي اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ): أي تعاقبهما ومن ثمّ تعاقب الضوء والظلمة وقصر الليل والنهار وطولهما إلى غير ذلك من الآثار المترتّبة على اختلافهما عبر العصور، دليل على وجود نظام واحد متقَن تدبَّر به حياة الموجودات الأرضية خاصّة العالم الإنساني، إذ لولا الاختلاف والتعاقب لما بقي أثر من الحياة في الأرض، وهذا النظام المتوحّد الذي يربط أجزاء الكون بعضها ببعض دليل على تدبير واحد لمدبّر واحد، فلا ربّ إلاّ الله سبحانه. ونظير الآية قوله سبحانه: (وَهُوَ الذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا)(1).
ثمّ إنّ اختلاف الليل والنهار وصيرورة أحدهما مكان الآخر، أثر كون الأرض كروية تدور حول الشمس، فنصفها مضيء والنصف الآخر مظلم، وبذلك يتحقّق اختلاف الليل والنهار. ثم عطف سبحانه نظر الإنسان إلى نظام آخر بقوله: (وَمَا خَلَقَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ) من النجوم التي تُعدّ بعشرات المليارات، والكواكب، والأقمار، والكويكبات، والمذنّبات (وَالأَرْضِ)وما

1 . الفرقان:62.

صفحه 254
فيها من الحيوان والنبات والجماد وأنواع الأرزاق والنِّعم (لاَيَات): أي حجج ودلالات على وحدانيّته سبحانه في التدبير والتصرّف، لأنّ التدبير المتوحّد الذي يسود الجميع يكشف عن مدبّر واحد. ثمّ إنّه سبحانه خصّ المتّقين بالذكر وقال: (لِقَوْم يَتَّقُونَ) معاصي الله، وتخصيصهم بالذكر يحتمل أن يكون تشريفاً لهم لأنّهم بابتعادهم عن المعاصي وإقبالهم على الله سبحانه سوف ينتفعون بهذا البيان، وإلاّ فالانتفاع لا يختصّ بهم.
سورة يونس: الآيات: 7 ـ 10   

الآيات: السابعة إلى العاشرة

(إِنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ* أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).

المفردات

يرجون: الرجاء: الأمل والتوقّع لما فيه خير ونفع، والخوف توقُّع ما فيه شرٌّ وضرّ، فهما متقابلان، قال تعالى: (وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ)(1). وبذلك يعلم أنّ تفسير الرجاء بالخوف أمر غير صحيح. نعم نقله ابن عطيّة

1 . الإسراء:57.

صفحه 255
عن أبي عبيدة، واحتجّ ببيت أبي ذؤيب:
إذا لسعته النَّحلُ لم يَرجُ لسْعها *** وخالَفَها في بيت نُوب عَواسلِ(1)
ولكن الظاهر حسب سياق الآية هو المعنى المعروف الذي يقابله اليأس.
غافلون: الغافل مقابل اليقظان، والغفلة: سَهْوٌ يعتري الإنسان من قلّة التحفّظ والتيقّظ.
دعواهم: قال الرازي: الدعوى هنا بمعنى الدعاء، يُقال: دعا يدعو دعاءً ودعوى، كما يقال: شكا يشكو شكاية وشكوى .(2)
تحيّتهم: التحيّة: ما يُفاتح به الإنسان عند اللِّقاء من كلمات التكرمة.

التفسير

هذه الآيات الأربع تبيّن حال منكري البعث والمؤمنين به، فالآيتان الأُوليان نازلتان في بيان حال المنكرين، والأخيرتان تبيّنان حال المؤمنين.

أوصاف منكري البعث

(إِنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ).

1 . انظر: جامع البيان(تفسير الطبري):11/113، والتبيان في تفسير القرآن:5/339.
2 . تفسير الرازي: 17 / 43 .

صفحه 256
أمّا أوصاف منكري البعث، فيذكرها بالنحو التالي:
1. (إِنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا): أي لا يتوقّعون لقاء الله تعالى بالرجوع إليه في يوم القيامة، ولا أمل لهم في ذلك، فهم لا يعتقدون بالبعث والجزاء أصلاً.
2. (وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا): أي قنعوا بها دون غيرها. وهذا نتيجة عدم الاعتقاد بذلك اليوم.
3. (وَاطْمَأَنُّوا بِهَا): أي سكنوا إلى الدنيا، مقبلين على لذّاتها وشهواتها، مندفعين إلى تحقيق مآربهم وأهوائهم الخاصّة.
4. (وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ) فلا يتدبّرون في آياته تعالى المبثوثة في هذا الكون، ولا يتفكّرون فيما أنزل على الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) من البيّنات والبراهين الدالّة على صحّة ما يدعو إليه من الإيمان بالبعث والجزاء. ولا شكّ في أنّ من ينكر البعث ولا يرتقب جزاءً في الآخرة وتسيطر على فكره النظرة المادّية للحياة، سوف يرى أنّ حياته القصيرة في الدنيا هي ميدانه الوحيد للحصول على أقصى ما يمكن من اللّذة والمنفعة، ومن ثمّ يسكن إلى الدنيا ويؤثرها أيّ إيثار، ولا يقلق إلاّ على ما يفوته من متعها، وعند ذاك لا يكترث لما وراءها، ويعمى عن النظر إلى آيات الله تعالى.
8. (أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ):
قوله :(أُولَئِكَ): أي أُولئك الموصوفون بالصفات الأربع (مَأْوَاهُمُ النَّارُ)، والتعبير عن النار بالإيواء كأنّه تهكُّم، لأنّ المأوى هو الذي يلجأ إليه

صفحه 257
الإنسان للاستراحة، يقول سبحانه: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيًما فَآوَى)(1)، ويقول سبحانه: (إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ)(2). وربما يتصوَّر أنّ إيواءهم في النّار ربما لا ينسجم مع عدل الله سبحانه، ورحمته، فيذكر سبب هذا الإيواء قائلاً: (بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)كأنّ الأعمال الإجرامية تسوقه إلى ذلك المأوى الذي هو حقيقة عمله في الحياة الأُخروية. قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «الصَّدَقَةُ دَوَاءٌ مُنْجِحٌ، وَأَعْمَالُ الْعِبَادِ فِي عَاجِلِهِمْ، نُصْبُ أَعْيُنِهِمْ فِي آجَالِهِمْ».(3)
9 و10. (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ):

أوصاف المؤمنين بالبعث

هاتان الآيتان لبيان حال المؤمنين بالمعاد، وقد عبّر عنهم بقوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)، ثمّ وصفهم بما يلي:
1. (يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ) الظاهر أنّ المراد: يهديهم بسبب إيمانهم إلى درجة أعلى ممّا هم عليه، قال سبحانه: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ

1 . الضحى:6.
2 . الكهف:10.
3 . نهج البلاغة، قصار الحكم:7.

صفحه 258
تَقْوَاهُمْ)(1)، وقال سبحانه: (وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ)(2) حتى يصل إلى نهاية مدارج الكمال من الإيمان. ويؤيّد ما ذكرنا قوله سبحانه:(يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات)(3)، فيصيروا ذوي عقول نيّرة وقلوب طاهرة ونفوس زكيّة إلى غير ذلك من الفضائل.
2. (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ): أي تجري من تحت قصورهم. قال السيد الطباطبائي: وأمّا نعم الجنّة فإنّ للعمل الصالح دخلاً فيها كما أنّ للعمل الطالح دخلاً في أنواع العذاب، وقد ذكر تعالى في المؤمنين قوله: (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ)، كما ذكر في الكافرين قوله: (مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) .(4)
ثم بيّن سبحانه حياة هؤلاء في عامّة أحوالهم من دعائهم، وتحيّتهم، وما يختمون به آخر كلامهم، كما يقول:
3. (دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللهُمَّ): أي أنّهم، مع كونهم في نعيم مقيم، لا يغفلون عن تنزيهه سبحانه، فبما أنّ قلوبهم خالية من حبّ كلّ شيء إلاّ حبّه سبحانه لا يشغلهم شيء عن تسبيح الله وتنزيهه.
ولقائل أن يقول: لماذا يختصّ دعاؤهم بتنزيهه سبحانه كما هو ظاهر هذه الفقرة؟
والجواب: إنّ حياتهم في الجنّة تختلف عن حياتهم في الدنيا، فهم في

1 . محمد:17.
2 . الرعد:27.
3 . المجادلة:11.
4 . الميزان في تفسير القرآن: 10 / 16 .

صفحه 259
الدنيا بحاجة إلى أُمور كثيرة تتطلّبها حياتهم على نحو لولاها لاختلّت، بخلاف الحياة الأُخروية، فإنّ لهم في الجنة كلّ ما تشتهيه أنفسهم، فلذلك خصّصوا دعاءهم للتسبيح.
4. (وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ): أي عندما يلتقي بعضهم بعضاً يتبادلون التحيّة بلفظ «سلام»، اغتباطاً بالسلامة الكاملة التي هم فيها في الجنّة، حيث تنطلق ألسنتهم بهذا اللّفظ عند اللّقاء معبّرة عمّا في ضمائرهم.(1)
5. (وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ): أي إنّهم يختمون ثناءهم لله ودعاءهم بـ(الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، قال سبحانه حاكياً تحميد أهل الجنّة: (وَقَالُوا الْحَمْدُ للهِ الذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ).(2)
قد مرّ أنّهم يفتتحون دعاءهم بالتسبيح، والآية تدلّ على أنّهم يختمون دعاءهم بالحمد لله تعالى، أمّا الابتداء بالتسبيح فقد مرّ وجهه، وأما الاختتام بالحمد فقد قيل فيه وجوه، منها قول الرازي: إنّ أهل الجنّة لما استسعدوا بذكر سبحانك اللهم وبحمدك، وعاينوا ماهم فيه من السلامة عن الآفات، علموا أنّ كلّ هذه الأحوال السَّنيّة، إنّما تيسّرت بإحسان الحقّ سبحانه وإنعامه، فلا جرم اشتغلوا بالحمد والثّناء، فقالوا: (الحَمدُ للهِ ربِّ العالَمينَ)، وإنّما وقع الختم على هذا الكلام لأن اشتغالهم بتسبيح الله تعالى وتمجيده من أعظم نعم الله تعالى عليهم، والاشتغال بشكر النِّعمة متأخّر عن رؤية تلك

1 . انظر: التحرير والتنوير:11/27.
2 . الزمر:74.

صفحه 260
النِّعمة، فلهذا السبب وقع الختم على هذه الكلمة.(1)

عثرة بعد عثرة

سورة يونس: الآيات: 11 ـ 14   
لم يزل صاحب المنار يؤكّد على نفي التوسُّلات مرّة بعد أُخرى سواء أكان مناسباً لمدلول الآية أم لا، وبما أنّه سبحانه جعل الجنّة جزاء للإيمان والعمل الصالح، قال في ذيل الآية: أنّ معظم نعيم الجنّة روحانيّ، فعليهم أن يستعدوا لها بتزكية أنفسهم، وترقية أرواحهم، وأن يعلموا أنّهم لن يكونوا أهلاً لها بالاتّكال على التوسُّلات بأشخاص الأولياء والتمنّي لشفاعاتهم.(2)
يلاحظ عليه: لا شكّ في أنّ دخول الجنّة رهن الإيمان والعمل الصالح ولا يرتاب في ذلك أيّ مسلم واع، ولكن من أين علم أنّ التوسُّل بحقّ الأولياء ليس عملاً صالحاً بل عملاً منكراً مع أنّ المسلمين جميعاً على مرّ العصور(ماعدا ابن تيمية وأتباعه من الوهابية) قد جرت سيرتهم على ذلك، استناداً إلى الروايات الصحيحة الواردة في هذا المجال؟ ومنها رواية الرّجل الضرير الذي علّمه النّبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يدعو بهذا الدّعاء ـ بعد أن يصلّي ركعتين ـ ليعافيه ممّا هو فيه:«اللّهم إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك نبيّ الرّحمة، يا محمد إنّي أتوجّه بك إلى ربّي في حاجتي لتُقضى، اللّهمّ شفّعه فيّ»(3)، ومنها ما رواه الطّبراني عن الصحابيّ الجليل عثمان بن حُنيف، في الرّجل الذي شكا إليه عدم نظر عثمان بن عفّان في حاجته، فقال له: ائت الميضأة ثم ائت

1 . تفسير الرازي: 17 / 46 .
2 . تفسير المنار:11/310.
3 . انظر الحديث في: سنن ابن ماجة:1/441 برقم 1385; مسند أحمد:4/138; صحيح ابن خزيمة:2/2225، برقم 1219، وغيرها.

صفحه 261
المسجد فصلّ فيه ركعتين، وقل: «اللّهمّ إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، نبيّ الرحمة...»(1)، والذي يجب أن نقرّره هنا أنّ الاتّكال على التوسُّلات مع الغفلة عن الفرائض البدنية والمالية أمر يرفضه كلّ مسلم يتوسّل بالأنبياء والأولياء، فليس على وجه الأرض من يعتقد بكفاية التوسّل مع إهمال الفرائض، فلماذا يصرّ الأُستاذ على تكرار هذا الكلام صفحة بعد صفحة؟!

الآيات: الحادية عشرة إلى الرابعة عشرة

(وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ * ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ).

المفردات

يعجّل: التعجيل: تقديم الشيء على أوانه المقدّر له.

1 . المعجم الكبير:9/30 ـ 31برقم 8311.

صفحه 262
استعجالهم: الاستعجال: طلب التعجيل.
لَقُضي: وصل وبلغ.
طغيانهم: الطغيان: مجاوزة الحدّ في الشرّ، ومنه طغيان السَّيل والبحر.
سورة يونس: الآيات: 11 ـ 14   
يعمهون: العَمَه: التردّد في الأمر من التحيّر.
الضُّرّ: سوء الحال من مرض أو فقر وغيرهما.
القرون: جمع القرن، وهم أهل العصر الواحد، فإذا هلك أكثرهم، قيل: انقضى قرنهم.
خلائف: جمع خليفة، أي مجيء جيل بعد جيل آخر.

التفسير

11. (وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ):

بيان السبب لعدم التعجيل في عقوبة العصاة

التأمّل في مفاد الآية يرشدنا إلى أمرين:
1. أنّ الرُّسل (أو الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم)) ربما يوعدون المشركين بالعذاب، فيطلب هؤلاء، جهلاً وعناداً، أن يعجّل لهم ذلك. قال تعالى حكاية عن موقف المشركين من النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم):(وَإِذْ قَالُوا اللهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ

صفحه 263
الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَاب أَلِيم)(1) وفي آية أُخرى: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ)(2).
2. أنّ كثيراً من النّاس يتصوّرون أنّ الله تعالى مِثْلهم، ينتقم عند العصيان والمخالفة، فالمشركون يتعجّبون من عدم نزول العذاب بهم، والمؤمنون يستبطئون إنزال النّصر على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فجاء البيان القرآني لتوضيح الأمرين، قائلاً: (وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ): أي العذاب الذي يستعجلونه (اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ): أي كاستعجال الناس بالخير الذي يطلبونه بأعمالهم أو بدعائهم، حيث إنّ الإنسان مجبول على طلب الخير، فلو كان استعجاله سبحانه في إنزال العذاب كاستعجال الناس بالخير (لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ): أي لبلغ أجلهم وهلكوا، لكنّه تعالى لا يعجل لوجهين:
الأوّل: أنّه سبحانه لا يعجل لكونه قدّر لهم آجالهم، فتعجيل إنزال العذاب لا ينسجم مع الآجال التي قدّرها الله سبحانه لهم.
الثاني: أنّه سبحانه لا يعجل في هلاكهم لأجل أن يتوبوا ويرجعوا عن الضّلال إلى الحقّ والهدى، مضافاً إلى أنّ الجزاء إذا تمّ بهذه السرعة لزال الاختيار الذي هو أساس التكليف، لأنّ العاصي إذا وقف على أنّ وراء عصيانه جزاء لا يرتكب العمل خوفاً من الجزاء، وهذا ـ أي السرعة في الجزاء ـ بمنزلة رفع الاختيار عن التكليف، ولذلك يقول سبحانه: (فَنَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا): أي نتركهم بحالهم، استدراجاً لهم، ومن ثمّ فهم (فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ): أي يتخبّطون متحيّرين فيما هم فيه من طغيان في الكفر

1 . الأنفال:32.
2 . الحج:47.

صفحه 264
والشرّ، فلا يهتدون إلى طريق الهدى والخير أبداً.
بقي الكلام في اتّصال قوله: (فَنَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا) بما قبله.
والجواب: أنّ «لو» للامتناع دلّت على امتناع الشّرط فيكون المعنى: ولا نعجّل لهم الشرّ ولا نقضي إليهم أجلهم بل نَذَرُهم (فِي طُغْيَانِهِمْ): أي نمهلهم ونفيض عليهم النِّعمة إلزاماً للحجة عليهم.(1)
فعلى هذا ففي الإمهال فوائد ثلاث:
1. الرِّفق بالمشركين حتى يؤمنوا قبل أن تأتي آجالهم الطبيعية، كما قال: (لِكُلِّ أُمَّة أَجَلٌ).(2)
2. احتمال أن يتنبّه بعضهم، فيعود من الضّلال إلى الهدى، ومن الكفر إلى الإيمان.
3. استدراج المصرِّين على التكذيب والعناد، وتركهم يتخبطّون في طغيانهم، سادرين فيه، لا يبصرون سبيلاً للخروج منه. روي أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)كان إذا أصبح يقول: «يا حيّ يا قيوم برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كلّه ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبداً».(3)
وبهذا ظهر الجواب عن اعتراض المشركين على عدم نزول العذاب، وذلك لأنّ نزول العذاب يقضي على حياتهم قبل أن تصل آجالهم، كما ظهر الجواب عن تعجّب المسلمين من استبطاء النصر، فإنّ سنّة الله في أعدائه غير

1 . تفسير الكشّاف:2/183.
2 . يونس:49.
3 . الكافي: 2 / 524 .

صفحه 265
سنّة الناس بالنسبة إلى أعدائهم.
ومن عجيب القول استدلال الأشاعرة بالآية على الجبر، قال الرازي:قال أصحابنا: إنّه تعالى لمّا حكم عليهم بالطغيان والعمه امتنع ألاّ يكونوا كذلك، وإلاّ لزم أن ينقلب خبر الله الصدق كذباً، وعلمه جهلاً، وحكمه باطلاً، وكلّ ذلك محال، ثمّ إنّه مع هذا كلّفهم وذلك يكون جارياً مجرى التكليف بالجمع بين الضِّدّين.(1)
يلاحظ عليه: أنّ قضاءه سبحانه وإن كان لا يُردّ ولكنّه ليس قضاء ابتدائياً يسلبهم فيه الاختيار، بل لأنّهم، لتمسّكهم بعقائدهم الزّائفة وإمعانهم في اتّباع أهوائهم، تُركوا بحالهم وحُرموا من رحمة الله تعالى، فصارت النتيجة أنّهم (فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) .
12. (وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ):

تلوّن الإنسان في السّرّاء والضّرّاء

لمّا تحدّثت الآية السابقة عن إمهال النّاس وعدم تعجيل عقوبتهم، وأنّه سبحانه يترك هؤلاء المنكرين للبعث يتردّدون في طغيانهم متحيّرين، جاءت هذه الآية لبيان السبب في هذا التمادي في الإنكار، من خلال وصف

1 . انظر: تفسير الرازي:17/49.

صفحه 266
حال الإنسان(باعتبار الأعمّ الأغلب من أفراده)(1) عندما يُصاب ببلوى، فإنّه يلجأ إلى الله سبحانه يدعوه في كافّة الحالات كما يقول: (وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ): أي سوء الحال (دَعَانَا)على كلّ الحالات (لِجَنْبِهِ): أي على جنبه (أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا). والظاهر أنّ قوله:(لِجَنْبِهِ) يشير إلى ثلاث أحوال: النوم على اليمين أو اليسار أو الاضطجاع على الظهر. والفقرات إشارة إلى أنّ الإنسان يلجأ إلى الله في كلّ حالاته، والذي يدفعه إلى اللُّجوء إلى الله هو الفطرة السليمة التي فطر الناس عليها، فإنّ الاستشعار بتعلّق الإنسان بما وراءه أمر طبيعيّ لا ينفكّ عنه، غاية الأمر أنّ الفطرة قد تُطمس بالتوغّل في الشهوات، فعندما ترتفع الحجب تظهر الفطرة وتسوق الإنسان إلى الله سبحانه، غير أنّ تلك الحالة تستمر مادام الضُّرّ سائداً (فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ): أي أزلناه ووهبنا له العافية (مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا): أي انتقل من حالة الالتجاء والتوسُّل بالله تعالى إلى حالة الغفلة والنّسيان، كأن لم يسبق له أن دعا الله وجأر إليه!!
يقول الرازي: البرهان العقلي مساعد على هذا المعنى، وذلك لأن الإنسان جُبل على الضعف والعجز وقلّة الصبر، وجُبل أيضاً على الغرور والبَطَر والنسيان والتمرّد والعتوّ، فإذا نزل به البلاء حَمَله ضعفُه وعجزُه على كثرة الدُّعاء والتضرُّع، وإظهار الخضوع والانقياد، وإذا زال البلاء ووقع في الراحة استولى عليه النّسيان فنسى إحسان الله تعالى إليه، ووقع في البغي والطغيان والجحود والكفران. فهذه الأحوال من نتائج طبيعته ولوازم خلقته.

1 . أمّا الإنسان المؤمن فإنّه يذكر الله تعالى في جميع حالاته، قال سبحانه في الآية (191) من سورة آل عمران:
(الّذينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِهِمْ).

صفحه 267
وبالجملة فهؤلاء المساكين معذورون ولا عذر لهم .(1)
قوله تعالى:(كَذَلِكَ): أي إعراضهم عن الله سبحانه في حالة الرخاء، (زُيِّنَ)جاء بصيغة المجهول لعدم الاهتمام بالفاعل والظاهر هو الشيطان لقوله سبحانه:(وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)(2)، (لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)فيُصوِّر أعمالَهم الذميمة أعمالاً جميلة، مع أنّها قبيحة بالذات، فإنّ الالتجاء عند الشدّة والإعراض عند الرخاء، دليل على السَّذاجة وعدم الإنصاف والتعقّل، لأنّ الذي كشف الضُّرّ قادر على إعادته. وقد جاء هذا المضمون في كثير من الآيات، منها قوله تعالى: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ)(3).
وقد ذكر الرازي في وصف هؤلاء بالمسرفين وجوهاً ثلاثة، والذي اختاره هو أنّ المسرف هو الذي ينفق المال الكثير لأجل الغرض الخسيس، ومعلوم أنّ لذّات الدنيا وطيّباتها خسيسة جدّاً في مقابل نعم الآخرة الّتي لا حدّ لها... والله تعالى أعطاه الحواس والعقل والفهم والقدرة لاكتساب تلك السعادات العظيمة، فمَن بذل هذه الآلات الشريفة لأجل أن يفوز بهذه السعادات الجسمانية الخسيسة، كان قد أنفق أشياء عظيمة كثيرة، لأجل أن يفوز بأشياء حقيرة خسيسة، فوجب أن يكون من المسرفين.(4)
وهناك وجه آخر، وهو أنّ الله سبحانه خلق الإنسان ووهبه مواهب

1 . تفسير الرازي: 17 / 52 .
2 . الأنعام:43.
3 . العنكبوت:65.
4 . تفسير الرازي:17/53، بتصرّف.

صفحه 268
كثيرة ليكتسب بها نعيم الدّار الآخرة، فلو صرفها الإنسان في عبادة من لا يملك له شيئاً من النَّفع في الدنيا والآخرة، فقد أسرف في صرف ثروته التي وهبها الله تعالى له.
13. (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ):
يخبر سبحانه في هذه الآية عمّا نزل بالأُمم الماضية من عذاب وقال: (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ): أي الأُمم الماضية، مثل عاد وثمود وقوم لوط، والخطاب هنا للّذين وقفوا من دعوة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) موقف التكذيب والعناد، وأمّا سبب إهلاكهم فهو لأجل ظلمهم كما قال: (لَمَّا ظَلَمُوا): أي حينما ظلموا أنفسهم بالشِّرك و التمرّد على الله ورسالاته، بعدما تمّت الحجّة عليهم كما قال: (وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ) ومع ذلك تمادوا في الغيّ والظلم (وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا): أي ما استقام لهم ليؤمنوا، وما ذلك إلاّ لانقيادهم للشهوات وعكوفهم على العصيان وإغلاق نوافذ قلوبهم عن استقبال أشعّة الهدى والخير (كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ): أي مثل ذلك الإهلاك الذي شمل الأُمم الماضية نجزيه لكلّ قوم مجرمين، والخطاب هنا لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ويتضمّن إنذاراً شديداً للمكذّبين بدعوته.
14. (ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ):

صفحه 269
هذه الآية خطاب لمشركي عصر الرسالة، قائلة بأنّ سنّة الله في الناس غابرهم وحاضرهم واحدة، وهي أنّ الله أهلك الأجيال السابقة، وها أنتم قد خلَفتم أُولئك الهالكين، كما قال: (ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ) أُريد بالأرض هنا مكّة وما حولها، والغاية من هذا الاستخلاف هي: (لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ): أي نشاهد كيف تستفيدون من الفرصة المعطاة لكم، فهل تقيمون القسط والعدل وتجتنبون الظُّلم والشِّرك، أو أنّكم تسلكون سبيل الماضين؟
إنّ إعطاء الملك والقوّة والقدرة إنّما هو للابتلاء والامتحان، قال سبحانه: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ)(1)، فقد جعل التمكّن في الأرض، وسيلة للابتلاء فينظر هل يقيمون ميزان العدل ويتّبعون الحقّ، أو أنّهم يمشون وراء أهوائهم وشهواتهم؟ فقوله: (لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ) كلمة جامعة لكلّ الأجيال، قال سبحانه حاكياً عن بني إسرائيل: (قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ).(2)
ثمّ إنّه سبحانه يعلم الأُمور ماضيها ومستقبلها، فكيف يقول: (لِنَنْظُرَ)مع أنّ النظر فعل من لا يعلم عواقب الأُمور؟
يقول الطبرسي: النظر في الحقيقة لا يجوز على الله تعالى، لأنّه إنّما يكون بالقلب، وهو التفكّر، وبالعين، وهو تقليب الحدقة نحو المرئيّ

1 . الحج:41.
2 . الأعراف:129.

صفحه 270
التماساً لرؤيته، مع سلامة الحاسّة، وأحد هذين لا يجوز عليه سبحانه.(1)
ثمّ إنّه أجاب عن هذا الإشكال، فقال: وإنّما يستعمل ذلك في صفاته على وجه المجاز والاتّساع، فإنّ النظر إنّما هو لطلب العلم، وهو سبحانه يعامل عباده معاملة مَن يطلب العلم بما يكون منهم، ليجازيهم بحسبه.(2)
وأجاب عنه الرازي بقوله: إنّه استعير لفظ «النظر» للعلم الحقيقيّ الذي لا يتطرّق الشك إليه، وشُبّه هذا العلم بنظر الناظر وعيان المعاين.(3)
ويمكن أن يقال: إنّ التعبير بالنظر لبيان إتمام الحجّة، بمعنى ينتظر ويصبر حتى يعمل الكافر بكفره، وعند ذلك تتمّ عليه الحجّة.
سورة يونس: الآيات: 15 ـ 18   

الآيات: الخامسة عشرة إلى الثامنة عشرة

(وَ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَات قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآن غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْم عَظِيم * قُلْ لَوْ شَاءَ اللهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ * فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ * وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ

1 . مجمع البيان:5/179.
2 . نفس المصدر.
3 . تفسير الرازي:17/54.

صفحه 271
وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ).

المفردات

تِلقاء: مصدر من اللِّقاء، كتِبيان من البَيان. والقياس: فتح الفاء، كالتَّكرار والتَّجوال، غير أنّ الكسر سماعيّ، وهو بمعنى: من قِبَل نفسي.
أدراكم: من «أدرى» أي أعلم، والمعنى: أعلمكم به على لساني.
لبثت: اللَّبث: المَكث.
عُمُراً: قال الراغب: العِمارة نقيض الخَراب، يقال: عَمَر أرضَه يَعمُرُها عِمارة. ثمّ قال: والعَمْر والعُمُر: اسم لمدّة عمارة البدن بالحياة، فهو دون البقاء، فإذا قيل: طال عُمُره فمعناه عمارة بدنه بروحه.(1) وإذا استعمل في القسم (يُفتَح) قال تعالى: (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ).(2)

التفسير

هذه المجموعة من الآيات ناظرة إلى الذين مرّ ذكرهم في الآيتين السابعة والحادية عشرة، أعني الذين لا يرجون لقاء الله، وتتضمّن اقتراحاً لهم على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وردوداً عليهم فيما اقترحوه وفيما افتَروه على الله سبحانه.

1 . مفردات الراغب:347، مادة «عمر».
2 . الحجر:72.

صفحه 272
15. (وَ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَات قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآن غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْم عَظِيم):

طلب المشركين ابدال القرآن بغيره

ذكر المفسرون أنّ الآية نزلت في خمسة نفر: عبد الله بن أُميّة المخزومي، والوليد بن المغيرة، ومكرز بن حفص، وعمرو بن عبد الله بن أبي قيس العامري، والعاص بن عامر بن هاشم، قالوا للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم):أئت بقرآن ليس فيه ترك عبادة اللاّت والعُزّى ومَناة وهُبَل، وليس فيه عيبها.(1)
ثمّ لمّا كان القرآن يدمّر ما عليه المشركون من عبادة الأصنام والأوثان وإنكار البعث والجزاء، ويفضح معتقداتهم التي ورثوها عن آبائهم، اقترح هؤلاء ومَن في خطّهم على النبيّ أن يترك تلاوة هذا القرآن ويأتي بقرآن آخر ينسجم مع عقائدهم وسلوكهم، كما يحكي عنهم سبحانه ذلك بقوله:(وَ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَات): أي واضحات في الدّلالة على المراد، أو واضحات الدّلالة على أنّ القرآن ليس من صنع بشر (قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا): أي الذين لا يؤمنون بالبعث والنشور، أكّد على قوله:(لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا)إشارة إلى كونهم مكذّبين بالحشر والنشر منكرين للبعث والقيامة، ومن المعلوم أنّ القرآن الكريم يركّز على البعث مثل تركيزه على التوحيد.

1 . مجمع البيان:5/181; التحرير والتنوير:11/39.

صفحه 273
ثمّ إنّهم اقترحوا على النبيّ بأمرين:
1. (ائْتِ بِقُرْآن غَيْرِ هَذَا) الذي تتلوه علينا.
2. (أَوْ بَدِّلْهُ) واجعله على وفق ما نريد، فتبقي بعضه وتترك البعض الآخر.
والظاهر أنّ الفرق بين الأمرين أنّ الأوّل مبنيّ على ترك القرآن الموجود والإتيان بقرآن آخر يوافق هواهم، وأمّا الثاني فهو الاحتفاظ بالقرآن نفسه لكن أن يجعله كما يُريدون.
ولمّا تضمّن اقتراحهم هذا نتيجتين هما:
1. أنّ القرآن من صنع البشر، وليس كلام الله نزل به الوحي من عنده.
2. أنّ من جاء به غير مبعوث من الله سبحانه، لذا وافاهم الجواب عن كلا الأمرين بقوله:
أما عن الأمر الثاني من الاقتراح، فهو قوله: (قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ)بكلتا الصورتين الماضيتين (مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي)لأنّه كلام الله سبحانه أوحي إليّ لأتلوه على الناس وذلك (إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ) وهو تعليل لعدم تمكّنه من التبديل، والمعنى: أنّه ليس من كلامي حتى أُبدّله إلى ما تريدون، بل هو ممّا يوحى إليّ من ربّي (إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْم عَظِيم) وكأنّه تعليل لقوله: (إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ) .
بقيت هنا أُمور:
الأوّل: أنّ الرازي على خلاف مسلكه ومسلك مشايخه نطق هنا بالحقّ وقال: إنّ قوله:(إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ) بمعنى لا أتّبع إلاّ ما يوحى إليّ، فهذا

صفحه 274
يدلّ على أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ما حكم إلاّ بالوحي، وهذا يدلّ على أنّه لم يحكم قطّ بالاجتهاد.(1) وأين هذا الكلام ممّا مرّ من صاحب المنار من نسبة الاجتهاد إلى النبيّ في أجزاء من تفسيره؟ وقد مرّ منه القول بالاجتهاد في تفسير قوله سبحانه:(مَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ).(2)
الثاني: إنّ نفاة القياس تمسّكوا بهذه الآية على بطلانه، قائلين بأنّ هذا النصّ يدلّ على أنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ما حكم إلاّ بالنصّ، فوجب على جميع الأُمّة أن لا يحكموا إلاّ بمقتضى النصّ لقوله تعالى:(وَاتَّبِعُوهُ).
وما ذكره نفاة القياس أُمنية في فقه السنّة، لأنّها قليلة بالنسبة إلى المسائل التي تُبتلى بها الأُمّة إذ لا تتجاوز عن خمسمئة حديث.
نعم، توجد في فقه الشيعة نصوص كثيرة تفي باستنباط كلّ ما يطرأ ويحدث.
الثالث: أنّه سبحانه يأمره(صلى الله عليه وآله وسلم) بأن يقول:(إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْم عَظِيم)(3) فما هي صلته بالمورد؟
ذكر السيد الطباطبائي بأنّ الباعث لاقتراح المشركين على النبيّ بإتيان قرآن آخر أو تبديله هو إنكارهم للمعاد وعدم رجائهم لقاء الله فقابلهم النبيّ بأمر من ربّه بقوله: (إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْم عَظِيم)فيؤول المعنى إلى أنّكم تسألون ما تسألون لأنّكم لا ترجون لقاء الله لكنّني لا أشكّ فيه فلا يمكنني إجابتكم إليه، لأنّي أخاف عذاب يوم اللِّقاء، وهو يوم عظيم.

1 . تفسير الرازي:17/56.
2 . الأنفال:67.
3 . الأنعام:15.

صفحه 275
وفي تبديل يوم اللِّقاء بيوم عظيم فائدة الإنذار، مضافاً إلى أنّ العذاب لا يناسب اللِّقاء، تلك المناسبة.(1)
وبذلك يُعلم أن تلقين النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بأن يقول هذا القول من باب كونه مجاراة للمشركين الذين لا يخافون عذاب يوم القيامة لعدم الاعتقاد به، وإلاّ فهو أرفع من مضمون الفقرة.
وهنا بيان آخر، وهو أنّه كلّما ازداد العلم بعظمة الربّ ازداد الخوف والفزع، ولذلك صار الأنبياء يعبدون الله تعالى رهباً ورغباً، وليس الخوف من عذابه إلاّ أثراً لعلومهم بما وراء الطبيعة.
وأمّا الجواب عن الأمر الأوّل من الاقتراح، أعني الإتيان بقرآن غير هذا، فإنّه لمّا كان ناظراً إلى تكذيب كونه(صلى الله عليه وآله وسلم) مبعوثاً منه تعالى، أتى البيان القرآني لإبطال هذه التهمة بما في الآية التالية:
16. (قُلْ لَوْ شَاءَ اللهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ):

ردّ على اقتراحهم الإتيان بقرآن غير هذا

تدلّ الآية على أصل اعتقاديّ وهو أنّ الأمر إلى مشيئة الله تعالى (قُلْ لَوْ شَاءَ اللهُ) أن لا أتلوه عليكم (مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ)فبما أنّي تلوته عليكم فقد شاء الله تلاوته، وهو دليل على أنّ رسالتي من الله سبحانه، (وَ) شاء الله عدم إطلاعكم عن طريق تلاوتي (لاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ) عن طريق لساني، فتلاوتي

1 . انظر: الميزان في تفسير القرآن:10/28.

صفحه 276
وعلمكم بالقرآن شاهد على رسالتي.
ولما فرغ من الاستدلال على ردّ الاقتراح بصورتَيه، أقام برهاناً واضحاً على أنّ القرآن كلام الله سبحانه وليس من صنعي ولا صنع غيري، والشاهد على ذلك هذا الأمر: (فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ): أي قبل نزول القرآن (أَفَلاَ تَعْقِلُونَ)، أي عشت فيكم زمناً قريباً من أربعين سنة من قبل نزول القرآن وتلاوته، وقد علمتم أنّي لم أُمارس قريضاً ولا خطبة ولا كتاباً ومع ذلك جئت بكتاب يسمو على كلّ منظوم ومنثور، أفلا تستعملون عقولكم بالتفكّر والتدبّر حتى تعلموا أنّه ليس إلاّ من عند الله؟! فلو كان القرآن من عندي لما تمكّنت من حبس نفسي عن إنشاء خطبة أو قريض يشبه هذا القرآن الكريم.
ولو كان كتابي نتيجة نبوغي، لظهر في أُوليات عمري وسنوات شبابي، وأمّا إذ لم يظهر منّي شيء ممّا يدلّ على نبوغي عبر حياتي، ثمّ جئت بكتاب جمع العلوم والمعارف الدينية والتشريعية، فلا يمكن أن يكون مستنداً إلى حذقي ونبوغي.
يقول الرازي في تقرير الآية: إنّ أُولئك كانوا قد شاهدوا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من أوّل عمره إلى ذلك الوقت، وكانوا عالمين بأحواله وأنّه ما طالع كتاباً، ولا تلمذ لأُستاذ، ولا تعلّم من أحد، ثمّ بعد انقراض أربعين سنة على هذا الوجه جاءهم بهذا الكتاب العظيم المشتمل على نفائس علم الأُصول، ودقائق علم الأحكام، ولطائف علم الأخلاق، وأسرار قصص الأوّلين، وعجز عن معارضته العلماء والفصحاء والبلغاء، وكلّ من له عقل سليم فإنّه

صفحه 277
يعرف أنّ مثل هذا لا يحصل إلاّ بالوحي والإلهام من الله تعالى.(1)
وقد أشير إلى هذا البرهان في مواضع أُخرى، كما في قوله تعالى: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَاب وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لاَرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ * بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الظَّالِمُونَ).(2)
فمن لم يمارس منذ نعومة أظفاره إلى أن بلغ الأربعين، كتاباً ولا درساً، ولم يتبع أساليب الأدب وفنون البيان، ولا نظم شعراً ولم يقل نثراً، هل يمكنه أن يتحدّى بكتاب أعجز الفصحاء والبلغاء عن مقابلته؟ كما حيّر العقول النيّرة ما فيه من المعارف وأُصول الأخلاق والقوانين المحكمة في إدارة المجتمع، إلى غير ذلك، ممّا هو مبيّن في محلّه.

تفسير النبوّة بالشعر والنبوغ

المشركون المعاصرون للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا أدركوا فصاحة القرآن الجذّابة وبلاغته الخلاّبة، أخذوا ينسبون كتابه إلى الشعر ويصفون قائله بالشاعر، قال سبحانه حاكياً عنهم:(بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَة كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ)(3) وجاء البيان القرآني يردّ عليهم هذه الدّعوى بقوله: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ)(4).
والعجب أنّ تلك النظرية صيغت في الأعصار الأخيرة في قالب علميّ

1 . تفسير الرازي:17/57.
2 . العنكبوت:48ـ 49.
3 . الأنبياء:5.
4 . يس:69.

صفحه 278
وفسّرت النبوّة بالنُّبوغ وملخّصها: أنّه يوجد بين أفراد الإنسان المتحضّر أشخاص يملكون فطرة سليمة وعقولاً مشرقة تهديهم إلى ما فيه صلاح المجتمع وسعادته فيضعون قوانين فيها صلاح المجتمع وعمارة الدنيا، والإنسان المتصدّي لهذه الوظيفة هو النبيّ، والفكر المترشّح من مكامن عقله وومضات نبوغه هو الوحي، والقوانين التي يسنّها هي الدين.

نقد النظرية

لمّا كان أصحاب هذه النظرية ملتزمين بإنكار ماوراء الطبيعة ومساواة الوجود مع المادّة، لم يجدوا منتدحاً عن تفسير الوحي بما سمعت، ولكنّها ليست بنظرية جديدة، بل سبقهم إليها مشركو عصر الرسالة غير أنّهم كانوا عاجزين عن صياغتها بأُسلوب علميّ.
ونحن إذا سبرنا تاريخ المصلحين في العالم نجدهم على فريقين: فريق يتكلّم باسم الدين الإلهي ويخبر عن الله سبحانه وينسب كلّ ما يأمر به وينهى عنه إلى عالم الغيب، ولا يرى لنفسه شأناً سوى كونه مبلّغاً لرسالات الله ومؤدّياً لبلاغها وإنذارها.
وفريق يرفع شعار الإصلاح الإجتماعيّ وينسب كلّ ما يتفوّه به إلى بنات فكره وعقله، فلو صحّ ذلك التصنيف لبطلت نظرية تفسير النبوّة بالنُّبوع، وعندئذ يتساءل المرء: لماذا نسب الفريق الأوّل ما جاءوا به من التعاليم إلى عالم الغيب مع أنّ المفروض أنّه من ومضات فكرهم، هذا من جانب، ومن جانب آخر: إنّ المصلحين باسم الأنبياء كانوا رجالاً صادقين وصالحين، ولم يبدر منهم ما ينافي صدقهم وصلاحهم، وهذا إن دلّ على

صفحه 279
شيء فإنّما يدلّ على أنّهم كانوا يحسّون من صميم ذاتهم بأنّهم مبعوثون من جانبه سبحانه.
إنّ أصحاب هذه النظرية التي تفسّر الوحي بالنبوغ وتُوسم الأنبياء بالنوابغ لم يدرسوا أحوال النّوابغ والعلل والمبادئ التي يرتكز عليها النبوغ حتّى يقفوا على أنّ أحوال الأنبياء على طرف النّقيض من أحوال النّوابغ، فإنّ أفكار النّوابغ تتوقّد وتزدهر تحت لواء المجتمعات الراقية، وتحت ظل الحضارات الإنسانية، وأمّا المجتمعات المتخلّفة فلو كانت تمتلك نوابغ بالذات لأُخمد فيها ذكاؤهم وبادت فيها فطنتهم.
وأمّا الظروف التي كان يعيش فيها الأنبياء خصوصاً النبيّ الخاتم(صلى الله عليه وآله وسلم)فقد كانت على نقيض هذا الجانب، فقد بُعث(صلى الله عليه وآله وسلم) بين قوم يغطّون في سبات التخلّف والانحطاط، فكيف يمكن تفسير النبوّة الخاتمة بالنُّبوغ مع هذا البون الشاسع بين بيئة النّوابغ وبيئة خاتم المرسلين(صلى الله عليه وآله وسلم)؟!
أضف إلى ذلك: أنّ النّوابغ تسودهم العزلة والانزواء مع أنّ النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) كان بين الناس يعيش معهم في حياتهم الإجتماعية وإن لم يكن على سيرتهم وسلوكهم، فقد قضى عمره في الرعي والتجارة إلى أن بعثه الله سبحانه نبيّاً لهداية الأُمّة.
وأنّى للنّوابغ أن يأتوا بمثل هذا الكتاب الذي حارت فيه العقول وخرست الألسن عن النطق بمثله؟ ومن أين لهم هذه الأحكام والتشريعات الحيّة النابضة التي تتلاءم مع جميع الحضارات الإنسانية؟ فهي كما وصفها شبلي شمّيل اللُّبناني المتوفّى عام (1335هـ./1917م) في رسالته إلى السيّد محمد رشيد رضا صاحب «المنار»:

صفحه 280
أنت تنظر إلى محمّد كنبيّ وتجعله عظيماً، وأنا أنظر إليه كرجل وأجعله أعظم، ونحن وإن كنّا في الاعتقاد على طرفي نقيض، فالجامع بيننا العقل الواسع والإخلاص في القول، وذلك أوثق لنا لعرى المودّة(الحق أولى أن يقال):
دع من محمّد في صدى قرآنه *** ما قد نحاه للحمة الغاياتِ
إنّي وإن أك قد كفرت بدينه *** هل أكفرنَّ بمحكم الآيات؟
أوَ ما حوت في ناصع الألفاظ من *** حِكَم روادع للهوى وعظات؟
وشرائع لو أنّهم عقلوا بها *** ما قيّدوا العمران بالعادات
نعمَ المدبّر والحكيم وإنّه *** ربّ الفصاحة مصطفى الكلمات
رَجُلُ الحِجى رَجُل السياسة والدَّها *** بَطَلٌ حليف النصر في الغارات
ببلاغة القرآن قد خَلَبَ النُّهى *** وبسيفه أنحى على الهامات
من دونه الأبطال في كلّ الورى *** من سابق أو حاضر أو آت(1)
***
17. (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ):

أظلم الناس مَن كذب على الله أو كذّب بآياته

دلّت هذه الآية على أنّ أظلم الناس وأشدّهم إجراماً اثنان:

1 . البيان في فضل الإسلام ونبيّه العدنان، لجمال بن محمد بن محمود:187.

صفحه 281
1. من افترى على الله كذباً، كما قال: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِبًا).
2. من كذّب بآياته، كما قال:(أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ). ثمّ أخبر عن مصيرهما المأساوي بقوله: (إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ). هذا هو مفاد الآية، وأمّا أمر صلتها بما سبق، فتوضيحه: أنّهم لمّا اقترحوا على النبيّ أن يبدّل القرآن من تلقاء نفسه، جاء البيان القرآني بأنّي لو بدّلت القرآن وغيّرت بعض مواضعه لكنت مفترياً على الله كذباً، ومختلقاً عليه القول، ولو تركت هذا القرآن وجئت بقرآن آخر لكنت مكذّباً بآيات الله وصرت أظلم الناس(1)، حاشا أن أكون من هذا الصنف. هذا على القول بأنّ المراد في كلا الشقّين هو النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم). وربما يقال: إنّ الاستفهام بكلا شقَّيه تعريض بالمشركين، وذلك بالبيان التالي:
1. أنّكم بجعلكم شركاء لله سبحانه قد افتريتم عليه كذباً، وأظلم الظالمين من يفعل هذا.
2. أنّكم بتكذيبكم بنبوّتي والآيات النازلة عليّ، قد كذّبتم بآيات الله، ودلائله الواضحة، وأظلم الناس من ينكرها ويتصدّى لتكذيبها.
ثمّ إنّه يظهر من الرازي رجوع الفقرتين إلى المشركين، لكن بالبيان التالي، يقول: المراد أنّ هذا القرآن لو لم يكن من عند الله لما كان في الدنيا أحدٌ أظلم على نفسه منّي، حيث افتريته على الله، ولمّا أقمت الدلالة على أنّه ليس الأمر كذلك بل هو بوحي من الله تعالى، وجب أن يقال: إنّه ليس في الدنيا أحدٌ أجهل ولا أظلم على نفسه منكم، لأنّه لما ظهر بالبرهان المذكور

1 . انظر: الميزان في تفسير القرآن:10/29.

صفحه 282
كونه من عند الله فإذا أنكرتموهم كنتم قد كذّبتم بآيات الله ووجب أن تكونوا أظلم الناس.(1)
18. (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ):

عقيدة المشركين في أصنامهم

تفسير هذه الآية رهن بيان عقيدة المشركين في عبادة الأصنام.
يظهر ممّا ذكره أرباب النِّحل والملل أنّ المشركين كانوا يعبدون الأصنام الحجرية والخشبية بما أنّها مظاهر وتماثيل للأرباب من الملائكة والجنّ وسائر الموجودات الغيبية، فكانوا يعتقدون أنّ الإنسان بما عليه من الذنوب والآثام لا سبيل له إلى عبادة ربّ الأرباب، وهو سبحانه، لطهارة ساحته وقدسها ولا نسبة بيننا وبينه، فاللاّزم التقرّب إليه سبحانه بأحبّ خلائقه وهم أرباب الأصنام الذين فوّض الله إليهم أمر تدبير خلقه، ولا يمكن التقرّب إليهم إلاّ بعبادة مظاهرهم وتماثيلهم، فعبادة الأصنام للتقرّب إلى أربابها والتقرّب إليها يوجب أن يكونوا شفعاء عندالله حتى يدفعوا عنهم الشّرّ ويجلبوا إليهم الخير في الحياة الدنيا.(2)
أقول: ما ذكره السيد الطباطبائي أمر جميل وتحليل لسبب ظهور

1 . تفسير الرازي:17/85.
2 . الميزان في تفسير القرآن:10/30.

صفحه 283
الوثنية في المجتمع، ولو صحّ فإنّما يصحّ في العصور الأُولى، ولكن بعد أن دبّت الوثنية في المجتمع العربي وغيره نسوا ما بُنيت عليه الوثنية، فصاروا يعبدون الأصنام من دون أن يجعلوها مظاهر لأربابها، وإنّما يتخبّطون في عبادتها ليتقرّبوا بها إلى الله سبحانه حتى تدفع عنهم الشّرّ في الحياة الدنيا، وتجلب لهم الخير، ولذلك تصرّح الآية وتقول:(وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ): أي الأصنام، ويعلّلون عبادة ما لا يضرّ ولا ينفع بقولهم: (وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ) فبعبادتهم نتقرّب إليهم فيشفعون لنا عند الله حتى يدفع عنا الشّرّ في الحياة الدنيا، فكان منهم عمل وغاية.
أمّا العمل، فكانوا يعبدون الأصنام.
وأمّا الغاية، فأن يشفعوا عند الله حتى يدفعوا عنهم الشّرّ في الدنيا، ويجلبوا لهم الخير.
ثمّ إنّه سبحانه يلقّن النبيّ أن يقول: (قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ): أي أتخبرون بأنّ في السموات والأرض شفعاء يشفعون لكم عند الله؟ ولو كان الأمر كذلك لكان الله أعلم بهم منكم فإنّه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فكيف خفي عليه هؤلاء الشفعاء دونكم؟! هل يكون في الوجود شيء لا يعلم به؟ إنّ عدم علمه سبحانه دليل على عدم المعلوم، وذلك لأنّه موجود محيط لا يعزب عن علمه شيء، وهذا بخلاف عدم علم الممكنات فإنّها محاطات، وربما يخفى عليها شيء. ونظير الآية قوله سبحانه: (وَجَعَلُوا للهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ

صفحه 284
بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ)(1).
قوله تعالى:(سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)تنزيه لله عن هؤلاء الشفعاء الذين يُعبدون لغاية التقرّب بعبادتهم إلى الله سبحانه. هذا هو مفاد الآية. وتستنبط من الآية أُمور:

تحديد العبادة تحديداً منطقيّاً

1. أنّ العبادة ليست مجرد الخضوع أمام شخص مادّياً كان أو مجرّداً، بل هي الخضوع المقرون بكون المخضوع له مالكاً للنَّفع والضَّرر، ويُعبد لغاية جلب النَّفع ودفع الضَّرر، وهذا هو الذي ركزنا عليه مراراً من أنّ العبادة تتقوّم بأمرين ولها عمادان:
أ. ما يرجع إلى الجوارح التي يظهر عليها الخضوع.
ب. ما يرجع إلى الجوانح، وهو الاعتقاد بأنّ مصير العابد في النَّفع والضَّرر بيد المخضوع له.
2. أنّ طلب الشفاعة لا يُعدّ عبادة سواء أكان المخضوع له مستحقّاً للعبادة كالله سبحانه أم كان نبيّاً أم وليّاً أو غير ذلك، غاية الأمر أنّ طلب الشفاعة ممّن أوتيت له يكون أمراً جائزاً كطلبها من النبيّ والأولياء.
وأمّا طلبها ممّن لم تؤتَ له الشفاعة كالأصنام والأوثان فيرجع إلى كونه أمراً عبثاً، والدليل على أنّ طلب الشفاعة لا يوصف بالعبادة أنّ الله تعالى عطف قوله: (وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا)الذي هو بمعنى اشفعوا لنا عند الله على قوله: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ)والعطف دليل على

1 . الرعد:33.

صفحه 285
التباين بين المعطوف والمعطوف عليه.
3. وممّا ذكرنا يظهر بطلان ما عليه الوهابيون من أنّ «طلب الشفاعة ممّن أُعطيت له الشفاعة أو لا، عبادة له، والعبادة مختصة لله» وذلك أنّه لو كان مجرّد طلب الشفاعة من الأصنام عبادة لها وموجباً للشِّرك، لما كانت هناك حاجة إلى قوله تعالى: (وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا) بل كان قوله سبحانه: (وَيَعْبُدُونَ) كافياً لنسبة الشِّرك إليهم، فعطف الجملة الثانية على الأولى دليل على أنّهما شيئان مستقلاّن، وأنّ موضوع عبادة الأصنام يفترق عن موضوع طلب الشفاعة منهم، فعبادتهم الأصنام دليل على كونهم مشركين بالله سبحانه، واستشفائهم بالحَجَر والخشب دليل على جهلهم وحمقهم وعدم معرفتهم.
والحاصل: إنّ المشركين كانوا يقومون بعملين مستقلّين:
أ. يعبدون ما لا يضرّهم ولا ينفعهم، وبهذا كانوا مشركين.
ب. يطلبون الشفاعة منهم عند الله، وهذا دليل على جهلهم. وليس ثَمّ دلالة في الآية على أنّ طلب الشفاعة من الأصنام كان عبادة لها، حتى يكون الاستشفاع بأولياء الله دليلاً على عبادتهم؟!!
والذي يدلّ على أنّ طلب الشفاعة ليس عبادة للشفيع، هو أنّ قسماً كبيراً من الصحابة طلبوا منه الشّفاعة حيّاً أو ميتاً، أمّا حيّاً فقد روي عن أنس بن مالك أنّه قال: سألت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يشفع لي يوم القيامة، فقال: أنا فاعل. قلت: يا رسول الله فأين أطلبك؟ قال: اطلُبني أوّل ما تطلبني على الصِّراط.(1)

1 . سنن الترمذيّ:704 برقم 2441، باب ما جاء في شأن الصراط.

صفحه 286
وهذا هو سَواد بن قارب قد طلب الشفاعة من النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا قدم عليه، وقال من قصيدة له:
فكن لي شفيعاً يوم لا ذو شفاعة *** بمُغن فتيلاً عن سواد بن قاربِ(1)
وهذا هو الإمام الطاهر علي بن أبي طالب(عليه السلام)، يقول ـ وهو يلي غسل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وتجهيزه ـ: قال: «بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي! اذْكُرْنَا عِنْدَ رَبِّكَ، وَاجْعَلْنَا مِنْ بَالِكَ!».(2)

نقد كلام صاحب المنار

قال السيد رشيد رضا في تعليقه على الآية الكريمة: (قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا وَاللهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)(3): هذه حجّة على عبدة القبور وعلى أصحاب العمائم الذين يتأوّلون لهم عبادتهم بما يظنّون أنّه يبعدهم عن عبادة الأصنام بقولهم: إنّ هؤلاء الأولياء أحياء عند ربهم كالشُّهداء فهم يضرّون وينفعون لا كالأصنام، ولكنّ الله تعالى يقول للنصارى إنّ المسيح لا يملك لكم ضرّاً و لا نفعاً بعبادتكم له على ما آتاه من المعجزات وإنّ هؤلاء الدّجّالين من الشيوخ يؤمنون بأنّ المسيح أفضل من البَدَوي والحسين والسيدة زينب وغيرهم ممّن يزعمون أنهم يملكون الضّرّ والنفع لمن يطلبه منهم.(4)

1 . الاستيعاب لابن عبد البرّ:2/675، الترجمة1109.
2 . نهج البلاغة: الخطبة235.
3 . المائدة:76.
4 . تفسير المنار:11/325. ومثله ـ مع محاولة التخفيف من حدّة عباراته ـ في تفسير المراغيّ:11/82ـ 83.

صفحه 287
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الرَّجل خرج عن أدب الإسلام وأدب القرآن، حيث يصف علماء الإسلام الذين لم يزالوا يتوسّلون بالأنبياء والأولياء عبر العصور بالدّجّالين! وكأنّهم لأجل منافعهم الدنيوية يلبسون للباطل ثوب الحقّ، والله تعالى هو الحاكم بينه وبينهم.
ثانياً: أنّ أهل الوعي من المتوسِّلين لا يرون أنّ النَّفع والضّرّ بيد النبيّ أو الوليّ، وإنّما يرون أنّ الأمر كلّه لله سبحانه، ولكنّهم يطلبون منهم الدعاء عند الله سبحانه ليقضي حاجاتهم، فطلب الدعاء من الإنسان المثالي لا يلازم القول بأنّ النَّفع والضّرّ بيد المدعوّ.
والذي يدلّ على بطلان ما ذكره أنّه قاس عمل المسلمين ـ
بالأخصّ الواعين منهم ـ بعمل النصارى، فإنّ هؤلاء يعتقدون بأنّ
المسيح(عليه السلام)أحد الثلاثة وهو إله عندهم يُعبد، والألوهية قائمة بالتثليث:
الإله: الأب، الإله الابن، الإله: روح القدس، ولذلك يقول سبحانه بأنّ
عبادة المسيح لا تنفع بل تضرّ، لكون المسيح عبداً من عباد الله لا إلهاً،
وأين هذا من توسّل المتوسّلين بدعاء الأولياء دون أن يعتقدوا بأُلوهيّتهم وربوبيّتهم؟!
ثالثاً: قوله تعالى:(وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ) صادق على الأصنام على الإطلاق، فهؤلاء لا ينفعون استقلالاً ولا تبَعاً لأنّها جمادات فاقدة للإحساس، وأمّا القول بأنّ الأنبياء والأولياء لا يملكون ضرّاً ولا نفعاً، ففيه تفصيل، فإن أُريد النَّفع والضّرّ على وجه الاستقلال من دون مشيئة الله سبحانه فهو باطل لا قيمة له، لأنّ العالَم الإمكاني فقير وجوداً وفعلاً، وهو لا يملك لنفسه شيئاً من الوجود والعمل .

صفحه 288
وأمّا لو أريد النَّفع والضّرّ التَّبَعي والظلّي حسب مشيئة الله سبحانه، فهو التوحيد عينُه، فكلّ إنسان يملك لنفسه نفعاً وضرّاً بإذن الله، فالإنسان ـ بما أنّه مكلَّف مختار ـ إذا آمن انتفع، وإذا كفر فقد ضرّ نفسه. وعلى ضوء ذلك فلا مانع من القول بأنّ الأنبياء والأولياء قد رُزقوا من الخير والبركة بما ينفعون به الداعي إذا كان مؤمناً ومخلصاً، كلّ ذلك بإذن الله سبحانه.

القدرات الغيبية للأنبياء والأولياء

القرآن الكريم يثبت لجماعة من الأنبياء والأولياء قدرات غيبية، فيقومون بأعمال خارجة عن حدّ القدرات العادية، فقد خاطب النبيُّ سليمان(عليه السلام) مَن حول عرشه قائلاً:(يَا أَيُّهَا الْمَلاَُ أَيُّكُمْ يَأْتِيني بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُوني مُسْلِمِينَ)(1) فالنبيّ(عليه السلام) يطلب هنا من الملأ، الإتيان بعرش «بلقيس» ملكة سبأ، والله سبحانه يحكي عن بعض من كان في مجلسه أنّه قال: (أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي)(2)، فنرى أنّه سبحانه يخصّ بعض عباده بقدرة خارقة للعادة، فأيّ شيء يمنع من أن يخصّ بعض أوليائه بعد رحيلهم بقدرة خارقة؟ وهل يُعدّ تخصيص ذلك مصدراً للشرك؟! إذ لو صحّ ذلك فليكن مصدراً له حال حياتهم.
سورة يونس: الآيات: 19 ـ 21   
ونرى أيضاً أنّه سبحانه يخاطب المسيح(عليه السلام) بقوله:(وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي

1 . النمل:38.
2 . النمل:40.

صفحه 289
وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي)(1)، فالله سبحانه أظهر على يديه، في هذه الآية ثلاثة أفعال:
أ. (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ...)
ب. (وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ...)
ج. (وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى...)
فلنفترض أنّ أحد المصابين بالكَمَه أو البَرَص سأل المسيح أن يشفيه ممّا أصيب به بإذن الله، فهل يعدّ ذلك شركاً؟ كلا ولا، فلو افترضنا استمرار هذه الموهبة الإلهية بعد رحيل المسيح(عليه السلام) فسأله أن يُبرئه مما به بإذن الله، فهل يُعدّ هذا الطلب شركاً؟ كلا ولا، وإلاّ لكان الطلب في حال الحياة شركاً أيضاً.
نعم، هنا كلام في أنّه سبحانه هل جهّز أرواح الأنبياء والأولياء بهذه القدرات؟ فهذا أمر يحتاج إلى دليل، وهو خارج عن موضوع بحثنا، إنّما الكلام في أنّ من اعتقد تجهيز الأنبياء بهذه القدرات فطلب منهم شفاء مرضه بإذن الله، فهل يُعدّ طلبه هذا شركاً؟ أو يعود أمره إلى أحد أمرين:
إمّا أن يكون مثاباً في طلبه، وإلاّ فيكون خاطئاً لا مشركاً.

الآيات: التاسعة عشرة إلى الحادية والعشرين

(وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ * وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنْزِلَ

1 . المائدة:110.

صفحه 290
عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ للهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ * وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ).

المفردات

سورة يونس: الآيات: 19 ـ 21   
أُمّة: الأُمّة: كلّ جماعة يجمعهم أمر ما، إمّا دين واحد، أو زمان واحد، أو مكان واحد. وتجمع على أُمم.(1)
الغيب لله: أريد به الآيات الكونية التي غابت عن الحسّ.
أذقنا: حقيقة الذوق فيما له طعم، وفي المقام كناية عن شدّة إدراك الحاسّة للرحمة.
رحمة:رخاء وراحة، بعد شدّة وبلاء.
ضرّاء: من الضُّرّ، وهو سوء الحال، وتطلق الضرّاء في مقابل السرّاء.
مكر:المكر: إرادة المكروه بالغير في خفية، وإذا نُسب إلى الله أُريد به إبطاله، أو العقوبات التي تترتّب على من يدبّره. وأُريد بمكرهم هنا الشبهة والتخليط في المناظرة.

1 . المفردات للراغب:23، مادة «أُمّ».

صفحه 291

التفسير

19. (وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ):

كان الناس على خطّ التوحيد ثم عرض لهم الشرك

يدلّ قوله تعالى: (وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا) على أنّ الناس عربهم وعجمهم كانوا أُمّة واحدة. والظاهر أنّ النّاس كان يجمعهم أمر واحد بمعنى أنّهم كانوا على دين واحد وهو مقتضى الفطرة أعني التوحيد، وإنّما ظهرت فيهم الوثنية بمرور الزمان، فانحرفوا عن جادّة التوحيد إلى سُبُل الشِّرك، وهذا هو الذي يحكي عنه سبحانه بقوله: (فَاخْتَلَفُوا) فقسم منهم استقاموا على خطّ التوحيد، والقسم الآخر تأثّروا بالأفكار المزيّفة فأشركوا.
ويؤيّد ذلك قوله (صلى الله عليه وآله وسلم):«كلّ مولود يولد على الفطرة، ثم أبواه يهوّدانه وينصّرانه ويمجّسانه».(1)
وقيل: إنّ المراد بالناس العرب فإنّهم كانوا حنفاء على ملّة إبراهيم(عليه السلام)إلى أن ظهر فيهم عمرو بن لُحَيّ الذي ابتدع لهم عبادة غير الله ووضع لهم الأصنام فاختلفوا، بأن أشرك بعضهم، وثبت على الحنفية آخرون.(2).
وربما يقال: إنّ المراد أنّهم كانوا أُمّة واحدة في الكفر. وهذا القول منقول عن طائفة من المفسّرين،قالوا: وعلى هذا التقدير ففائدة هذا الكلام

1 . التاج الجامع للأُصول:4/180; تفسير البرهان:3/261، الحديث5.
2 . انظر: مجمع البيان:5/184.

صفحه 292
في هذا المقام هي أنّه تعالى بيّن للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه لا تطمع في أن يصير كلّ من تدعوه إلى الدين مجيباً لك، قابلاً لدينك، فإنّ الناس كلّهم كانوا على الكفر، وإنّما حدث الإسلام في بعضهم بعد ذلك، فكيف تطمع في اتفاق الكلّ على الإيمان؟(1)
وظاهر هذا القول أنّه ـ كالذي سبقه ـ أُريد من الناس في الآية خصوص العرب، وهو ضعيف فإنّ التعبير عن العرب بلفظ الناس بعيد، وإنّما أراد الجنس البشري، فكان الناس لأجل بساطة حياتهم وسذاجة تفكيرهم كأُسرة واحدة على عقيدة فريدة، ثم دبّ فيهم الاختلاف غِبّ عوامل خاصّة.
ولمّا كانت هنا مظنّة سؤال، وهو أنّه سبحانه لماذا يمهلهم ولا يأخذهم في الدنيا بعذاب الاستئصال؟ أجاب عنه سبحانه بقوله:(وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ) أريد بالكلمة السابقة ما وعد الله سبحانه عباده من إمهالهم وتأخير معاقبة المبطلين منهم إلى يوم القيامة، ولعلّ المراد خطابه سبحانه في أوّل الخليقة، حيث قال: (وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِين)(2) ولولا هذه الكلمة (لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ): أي لقضى بإهلاك المبطلين.
لقد مرّ أنّ في الإمهال مصالح أُخرى منها إعطاء الفرصة لمن يريد الهداية، إلى غير ذلك من المصالح.
وقد أُشير إلى وجود هذا النوع من الوحدة من قبل ثم طرأ الاختلاف في قوله سبحانه:(كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ

1 . تفسير الرازي:7/63.
2 . البقرة:36.

صفحه 293
وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيَما اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَىَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَ اللهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم)(1).
ثمّ إنّ الدليل على أنّ المراد من قوله: (فَاخْتَلَفُوا) هو الاختلاف في الدين لا الاختلاف في الأُمور الدنيوية، هو أنّ الآية وردت بعد قوله سبحانه: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ) وسياق الآيتين يدلّ على أنّ سبب الاختلاف هو ظهور الوثنية وعبادة الأصنام من دون الله سبحانه.
20. (وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ للهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ):

طلب الإتيان بمعجزة كمعاجز موسى والمسيح(عليهما السلام)

تقدّم طعن المشركين بالوحي المحمّديّ واقتراحهم عليه أن يأتيهم بقرآن آخر أو يبدّل بعض مواضعه، وقد أُجيبوا عن ذلك بجواب حاسم يقطع عليهم طريق التفكير به، غير أنّهم عادوا إلى الطعن بالقرآن بوجه آخر، وهو أنّه لو كان صادقاً في دعوته ورسالته فليأت بآية حسِّيّة مثل ما أُوتيَ سائر الأنبياء، كالآيات التِّسع لموسى(عليه السلام)، والمعجزات التي أوتيها عيسى(عليه السلام)كإحياء الموتى وإبراء المرضى، وإليه يشير قوله سبحانه: (وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ)وكلمة (مِنْ رَبِّهِ) كأنّها تشير إلى أنّه لو صحّ أنّه مبعوث من جانبه فليقم بحمايته فينزل معه آية حسّيّة.

1 . البقرة:213.

صفحه 294
ولا شكّ في أنّ اقتراحهم هذا طعن آخر في القرآن، والتعبير عنه بصيغة المضارع:(وَيَقُولُونَ) دليل على استمرارهم في هذا الطعن، وقد أجيبوا عن هذا الاقتراح بقوله سبحانه: (فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ): أي ما غاب عن الحسّ فكله (للهِ): أي يعلمه الله سبحانه.
فمعنى الفقرة أنّ الآيات التي تطلبونها أُمور غيبية، وهي بيد الله سبحانه وليست بيدي(فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ).
هذا، وقد استدلّ بعض القساوسة بهذه الآية على أنّه لم يكن للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) معجزة غير القرآن الكريم، وقد استعرضنا هذه الآية وسائر الآيات التي ربما يستشم منها حصر الإعجاز بالقرآن الكريم في كتابنا «مفاهيم القرآن»(1)، والذي له صلة بآيتنا هذه، هو أنّ شرط القيام بالمعجزة المطلوبة هو أن لا تكون الإجابة لطلب القوم سبباً للإزراء بالمعاجز الأُخر والحطّ من شأنها، إذ في الاستجابة لذلك الطلب ـ في هذه الصورة ـ نوع تصديق لموقف الخصم، وإغراء له بالتمادي في الضلالة، ولأجل ذلك نرى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يجيب القوم، عندما طلبوا منه معجزة غير القرآن بصورة الإزراء بهذه المعجزة الخالدة الباقية طول الدهر، بقوله: (فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ للهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ).
أضف إلى ذلك أنّه يجب على النبيّ أن يأتي بالمعاجز المطلوبة المقترحة عليه من قبل الناس، إذا كان بين المطالبين بها أفراد مستعدّون للانضواء تحت لواء الحقّ إذا رأوا صدق المعجزة، وأمّا لو كانوا يطلبونها

1 . لاحظ: مفاهيم القرآن:4/118.

صفحه 295
ويقترحونها عناداً ولجاجاً، ويصرّون على كفرهم وإنكارهم حتى لو تحقّق مطلوبهم، فلا يجب عندئذ على النبيّ الإجابة لدعوتهم، لأنّ الإتيان بالمعاجز في هذه الحالة يعدّ أمراً لغواً وعبثاً. والشاهد على أنّ القوم لم يقترحوا الإتيان بمعجزة حسّيّة إلاّ عناداً، هو أنّهم طعنوا بالقرآن الذي عجزوا عن الإتيان بمثله، وكأنّه لم ينزل على النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)آية من الله سبحانه حتى يقولوا: (لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ)ولو أجابهم النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)إلى ذلك لاقترحوا عليه شيئاً آخر، ويشهد عليه الاقتراحات الكثيرة التي ذُكرت في سورة الاسراء.(1)
21. (وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ):

التوغّل في النعمة يوجب الجهل بمصدرها

الآية لها صلة بما سبق من قوله سبحانه:(وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)(2)، فالإنسان الذي فسدت فطرته حينما يتمتّع بالنِّعم ويكون غارقاً فيها، يَنْسى مصدرها ومعطيها، بل قد تُبطره وتبعث فيه الغرور، وربّما يحتال لإبطال آيات الله بالشبهة والتمويه

1 . لاحظ: الاسراء:90ـ 94.
2 . يونس:12.

صفحه 296
والتلبيس في المناظرة، كما يقول:(وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ)والمراد بالنّاس هنا المشركون، ويدل عليه قوله تعالى: (وَذَرْني وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً)(1). ومقتضى التقابل أن يقول أذقنا الناس سرّاء من بعد ضرّاء، ولعلّ الوجه في العدول عنه، التأكيد على أنّ منشأها هو الله تعالى وأنّها رحمة منه سبحانه، ثمّ إنّه في إضافة الرحمة إلى الربّ دون الضرّ، لأجل كونه سبحانه أَولى بالرحمة من مقابلها(إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا)تنكير (مَكْرٌ)للتفخيم، وكلمة (إِذَا)فجائية، والجملة جواب للشّرط في قوله:(وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ): أي هؤلاء المتوغّلون في النّعمة والدّعة مكان أن يعرفوا مصدرها وتلهج ألسنتهم بالشكر للمنعم، سعوا إلى المكر في آيات الله!! ولعلّ المراد بالمكر ما تقدّم من قولهم: (ائْتِ بِقُرْآن غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ)أو قولهم: (لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ) فكلّ ذلك مكر وحيلة في آيات الله. وإلى هذا يشير الطوسي في قوله: فهؤلاء يحتالون لدفع آيات الله بكل ما يجدون السبيل إليه من شبهة أو تخليط في مناظرة أو غير ذلك من الأُمور الفاسدة. (2)
ولصاحب المنار رأي آخر في تفسير المكر، فيقول: فإذا كانت الرحمة مطراً أحيا الأرض، وأنبت الزرع، ودرّ به الضّرع، بعد جدب وقحط أهلك الحرث والنسل، قالوا مُطرنا بالأنواء، وإذا كانت نجاة من هلكة أعوزتهم أسبابها، علّلوها بالمصادفات، وإذا كان سببها دعاء نبيّهم أنكروا إكرام الله له وتأييده بها، كما فعل فرعون وقومه عقب آيات موسى(عليه السلام)، وكما فعل مشركو مكّة إثر القحط الذي أصابهم بدعاء رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عليهم، ثم رفع

1 . المزمل:11.
2 . التبيان في تفسير القرآن:5/358.

صفحه 297
عنهم بدعائه، فما زادهم ذلك إلاّ كفراً وجحوداً ومكراً وكنوداً.(1)
أقول: لازم كلامه تفسير الآيات بالآيات الكونية، مع أنّه على خلاف سياق الآيات بالأخصّ أنّ الموضوع فيما تقدّم هو القرآن الكريم.
ثمّ إنّه سبحانه أبطل مكرهم بأمرين:
أ. قوله: (قُلِ اللهُ أَسْرَعُ مَكْرًا): أي أنّ مكر الله بهم أسرع من مكرهم بآيات الله، ويُراد بمكر الله بهم تعجيل العذاب لهم حيث إنّه أمرٌ خفيٌّ على المشركين، فصحّ أن يعبّر عنه بالمكر، وإلاّ فالله سبحانه أعلى وأجلّ من أن يكون ماكراً، ومن هنا جعل العلماء هذا التعبير ونظيره من باب المشاكلة وهي ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته، كقوله سبحانه: (وَجَزَاءُ سَيِّئَة سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا)(2).
ب. قوله: (إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ) ولعلّه إجابة عن تصوّرهم بأنّهم لا يُحاسَبون على موقف الماكر من آيات الله والمعادي لنبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، حيث قرّر سبحانه هنا أنّ الملائكة الموكَّلين بحفظ أعمال المكلّفين يكتبون ما يدبّرونه من مكر وحيلة في آيات الله.
وفي قوله سبحانه:(مَا تَمْكُرُونَ) التفات من الغيبة في قوله:(وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ) إلى الخطاب أي: تمكرون، قال السيد الطباطبائي: وهو من عجيب الالتفات الواقع في القرآن، ولعلّ النكتة فيه تمثيل معنى قوله:(قُلِ اللهُ أَسْرَعُ مَكْرًا)في العيان كأنّه تعالى لمّا قال لنبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم):(قُلِ اللهُ أَسْرَعُ مَكْرًا) أراد أن

1 . تفسير المنار:11/334ـ 335.
2 . الشورى:40.

صفحه 298
يوضّحه لهم عياناً ففاجأهم بتجلّيه لهم دفعة، فكلّمهم وأوضح لهم السبب في كونه أسرع مكراً.(1)
وربما يدور في خَلَد بعضهم أنّه سبحانه عالم بما يعمله الناس من خير وشرّ، فأيّ حاجة إلى أن يكتب الملائكة في قوله:(إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ)؟
والجواب: إنّ الشهود يوم القيامة تقرب من عشرة شهود كلّ ذلك لإتمام الحجّة وتسجيل الأمر على الناس.
قال الإمام علي(عليه السلام):«إِنَّ اللهَ سُبْحانَهُ وَتَعَالَى لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ مَا الْعِبَادُ مُقْتَرِفُونَ فِي لَيْلِهِمْ وَنَهَارِهِمْ. لَطُفَ بِهِ خُبْراً، وَأَحَاطَ بِهِ عِلْماً. أَعْضَاؤُكُمْ شُهُودُهُ، وَجَوَارِحُكُمْ جُنُودُهُ، وَضَمَائِرُكُمْ عُيُونُهُ، وَخَلَوَاتُكُمْ عِيَانُهُ».(2)
سورة يونس: الآيتان: 22 ـ 23   

الآيتان: الثانية والعشرون والثالثة والعشرون

(هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيح طَيِّبَة وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَان وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا

1 . الميزان في تفسير القرآن:10/36.
2 . نهج البلاغة: الخطبة 199.

صفحه 299
النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ).

المفردات

يسيِّركم: التسيير: التحريك في جهة تمتدّ. وقد عُبّر عنه بالتسيير للإشارة إلى أنّهم في سيرهم مسخّرون، ولذلك يستعمل التسيير في النفي عن البلد .
البَرّ: الأرض الواسعة.
البحر: مستقرّ الماء الواسع.
الفُلك: السُّفن، سمّيت فلكاً لدورانها في الماء.
ريح عاصف: ريح شديدة.
يبغُون: البَغي: الاعتداء وتجاوز الحدّ.

التفسير

ما جاء في هاتين الآيتين، يشبه ما سبقهما من الآيات في أنّ أصحاب الدَّعة والراحة الغارقين في الشهوات ينسَون الله تعالى والمُثُل العليا في حياتهم، وإذا ما أُصيبوا بمصيبة تهدِّد اطمئنانهم وكيانهم، فزعوا إلى الله ودعَوه ليكشفها عنهم.
والآيتان وإن كانتا ناظرتين لحال المشركين إلاّ أنّ ما تنطويان عليه من تنديد وتحذير يجعلهما تشملان غيرهم ممّن ينكثون عهودهم، فقد خلق

صفحه 300
الله الإنسان على فطرة التوحيد والتوجّه إلى ماوراء الطبيعة، غير أنّ الأسباب الظاهرية ربما تُلقي حجاباً على فطرته فلا يرى مؤثراً إلاّ الأسباب الظاهرية، غافلاً عن أنّ تأثيرها بإذن الله سبحانه، فإذا تقطّعت الأسباب أُميط الحجاب عن وجه فطرته، وعندئذ يلجأ إلى الله سبحانه يستغيث به وحده ليدفع عنه الخطر، وهذه الحالة لا تستمرّ فإذا أنجاه الله من الخطر، عاد إلى ما كان عليه من نسيان الله سبحانه والاعتماد على الأسباب الظاهرية. هذا هو مفاد الآيتين، وإليك التفسير.
22. (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيح طَيِّبَة وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَان وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ):

عند إحاطة البلاء تتجلّى فطرة التوحيد

قوله: (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) نسب تعالى التسيير إلى نفسه في البَرّ مع أنّه يتحقّق بركوب الدّوابّ، وما ذلك إلاّ لأنّه سبحانه هو الذي خلقها وذلّلها للإنسان وأعطى لها من القوة والقدرة ما مكّنها من حمله والسير به إلى مقصده، ومثل ذلك يقال في نسبة التسيير في البحر لنفسه تعالى، حيث جعل البحر ملائماً لحمل السُّفن وحركتها، والرِّياح سبباً لجريانها وانتقالها من مكان إلى آخر، قال سبحانه: (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ

صفحه 301
وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ * لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ)(1).
أمّا التسيير في حياتنا المعاصرة بوسائط النقل الحديثة، فهو وإن
كان منسوباً إلى هذه الوسائط لكن الجميع يرجع إلى خلق الله سبحانه وإقداره، فالله سبحانه أعطى للإنسان المقدرة الفكرية التي كشفت عن
أسرار الطبيعة ورموزها، إلى غير ذلك من الأُمور التي بها يتحقّق التسيير(حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ): أي حتى إذا ركبتم الفلك، خصّ راكبي الفلك بالذكر لأنّ الأخطار التي تحدق بهم في البحر أكثر من غيره (وَجَرَيْنَ بِهِمْ)أي جرت السفن بالناس لمقاصدهم. وفي الكلام التفات من الخطاب (كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ)إلى الغَيبة (وَجَرَيْنَ بِهِمْ)وقد استمرّ العدول من الخطاب إلى الغَيبة إلى آخر الآية، وسيوافيك وجهه، (بِرِيح طَيِّبَة): أي ريح ليّنة تستطيبها النّفوس وتورث السُّرور لأنّها توافق مقاصدهم، (وَفَرِحُوا بِهَا)الضمير يرجع إلى الرِّيح، والرِّيح من المؤنّثات السّماعية، يقول ابن الحاجب في قصيدة له حولها:
ثمّ الجحيم ونارها ثمّ العصا *** والرّيح منها واللَّظى ويدانِ
وبينما كانت هذه السُّفن تجري في أمن ورخاء وأهلها في سرور وحبور إذ يقع أمران:
1. (جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ): أي شديدة الهبوب هائلة السُّرعة.
2. (وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَان): أي أحاطت بهم أمواج البحر من كلّ

1 . الزخرف:12ـ13.(ومعنى مَقرِنين: مُطيقين).

صفحه 302
جهة، فصارت الفلك كالريشة في مهبّ الرِّيح تندفع من جانب إلى جانب، فعندئذ يعلم راكبوها أنّ البلاء قد أحاط بهم، كما قال: (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ)وفي هذه الحالة تزول الحُجب عن وجه الفطرة وتنبض بالتوحيد والإخلاص، فتكون النتيجة (دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ): أي دعَوا الله على وجه الإخلاص، ناسين الأوثان والأصنام، بل حتّى الأسباب الظاهرية، لعلمهم بأنّها لا تنفعهم، وقالوا: (لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ)الشّدائد(لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ)لك على نعمك.
قال الرازي: يُحكى أنّ واحداً قال لجعفر الصادق(عليه السلام): اذكر لي دليلاً على إثبات الصانع؟ فقال: أخبرني عن حرفتك؟ فقال: أنا رجل أتّجر في البحر، فقال: صف لي كيفية حالك، فقال: ركبت البحر فانكسرت السفينة وبقيت على لوح واحد من ألواحها، وجاءت الرياح العاصفة. فقال جعفر: هل وجدت في قلبك تضرّعاً ودعاء؟ فقال: نعم، فقال جعفر: فإلهك هو الذي تضرّعتَ إليه في ذلك الوقت.(1)
فإن قلت: إن الالتجاء إلى الله وما وراء الطبيعة ربّما يؤيّد ما عليه المادّيون من أنّ التديّن رهن خوف الإنسان من الحوادث المدمّرة ـ كالسّيل والزلزال وغيرهما ـ وهذا الجواب على طرف النقيض من أن الإيمان بالغيب وما وراء الطبيعة أمر فطريّ قد فُطر الإنسان عليه.
قلت: ما ذُكر في السؤال خلط بين ظهور الإيمان وبين وجوده، فالحوادث المرّة من عوامل ظهوره لا من علل وجود الإيمان وتحقّقه، وكم

1 . تفسير الرازي:17/67ـ 68.

صفحه 303
من أُمور فطرية للإنسان ربّما تخفى عليه، وإنّما يلتفت إليها عند تغيّر الأحوال.
روى الكليني بإسناده عن علي بن أسباط قال: قلت لأبي الحسن الرضا(عليه السلام): جُعلت فداك ماترى آخذ برّاً وبحراً فإنّ طريقنا مخوف شديد الخطر، فقال:«...فإن اضطرب بك البحر فاتّكِ على جانبك الأيمن وقل: بسم الله اسكن بسكينة الله، وقِرّ بوقار الله، واهدأ بإذن الله، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله».(1)
23. (فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ):

عند رفع البلاء تسود الغفلة على الإنسان

الآية تحكي طبيعة النّاس الجاحدين المتمرّدين على الله تعالى، فهؤلاء إذا شملتهم رحمته الواسعة ووصلت بهم مراكبهم ـ التي كانت تهدّدها العواصف والأمواج ـ آمنة إلى الشاطئ وخرجوا منها إلى الأرض اليابسة عندئذ ينسَون ما عاهدوا الله عليه وهم في وسط البحر المتلاطم الأمواج كما يقول:(فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ): أي خلّصهم من الشّدائد والمِحَن (إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ): أي يتجاوزون الحدّ ويعدلون عن القصد، إنّما الكلام في مصداق البغي، فالظاهر أنّه أُريد به الشِّرك، أي يرجعون من

1 . الكافي:3/471 برقم 5.

صفحه 304
التوحيد الذي اعترفوا به في الفلك إلى عبادة الأصنام والأوثان. والشاهد على هذا ورود هذا المضمون في آيات أُخرى، قال تعالى: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ)(1).
وما في عدد من التفاسير من أنّ المراد بالبغي هنا الظلم والعدوان والإفساد، بعيد عن مساق سائر الآيات.
ثمّ إنّه سبحانه ينبّه الباغين ويحذّرهم من سوء عاقبة البغي، ويقول: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ): أي وباله راجع عليكم، لأنّكم سوف تُجزَون على بغيكم وتمرّدكم على الله أسوأ الجزاء.
قال الإمام علي(عليه السلام) في كتابه الذي كتبه إلى شيعته يذكر فيه خروج عائشة إلى البصرة، وعظم خطأ طلحة والزبير:«وأي خطيئة أعظم مما أتيا، أخرجا زوجة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من بيتها وكشفا عنها حجاباً ستره الله عليها وصانا حلائلهما في بيوتهما، ما أنصفا لا لله ولا لرسوله من أنفسهما، ثلاث خصال مرجعها على الناس في كتاب الله: البغي والمكر والنكث، قال الله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ) وقال: (فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ)(2) وقال: (وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ)(3) وقد بغيا علينا ونكثا بيعتي ومكرا بي».(4)
قوله تعالى: (مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) نصب على الظرفية والمعنى: إنّنا

1 . العنكبوت:65.
2 . الفتح:10.
3 . فاطر:43.
4 . تفسير القمي:2/210.

صفحه 305
أمهلناكم على البغي، وهو الشِّرك، مدّة الحياة الدنيا (ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ) بعد موتكم، فنخبركم بأعمالكم وما استحققتم به من أنواع العقاب، كما يقول:(فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ).
بقي هنا أمران:
أ. وجود الالتفات من الخطاب الواحد إلى ضمائر الغيبة المتعددة، كما في التالي:(يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ)، (كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ)، (جَرَيْنَ بِهِمْ)، (فَرِحُوا بِهَا)، (جَاءَهُمُ الْمَوْجُ)، (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ)، (دَعَوُا اللهَ)، (أَنْجَاهُمْ)، (إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ)، وربما يوجه ذلك بالالتفات، ولكنّه عبارة عن التعبير عن معنى واحد بطريق من الطرق الثلاثة، أعني التكلّم والخطاب والغَيبة بعد التعبير عنه بغيره، فيشترط فيه وحدة المرجع، ولكن المقام يختلف مع ما ذكر، فالظاهر أنّ الخطاب في قوله: (يُسَيِّرُكُمْ)لعامّة الناس، والضمائر الغائبة لقسم من المشركين، وهذا نوع من الالتفات غير المعروف، فلذلك عبّر عن العموم بالخطاب، وعن خصوص المشركين بالغَيبة.
وأمّا ما هو الوجه لهذا الاختلاف، فيقول فيه الرازي: وذلك يدلّ على أنّ المقت والتبعيد والطّرد هو اللاّئق بحال هؤلاء، لأنّ من كان صفته تقابل إحسان الله تعالى إليه بالكفران كان اللاّئق به ما ذكرناه.(1)
ويمكن أن يقال: إنّ وجه العدول عبارة عن أنّ قوله:(إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ) خطاب لعامّة الناس، مؤمنهم وكافرهم بخلاف الجمل التالية إذ أريد بهم المشركون، ولذلك حكى عنهم دون أن يخاطبهم، كما مرّ.

1 . تفسير الرازي:17/69.

صفحه 306
ب. أنّ صاحب المنار قد علّق على تفسير الآية بقوله: ولكن يوجد في زماننا من هم أشدّ شركاً وكفراً بالنِّعم والمنعم وهم قوم يدْعون غيره من دونه في أشدّ أوقات الضّيق والخطر، ويدّعون مع ذلك أنّهم مسلمون موحِّدون لأنّهم ينطقون بكلمة التوحيد الموروثة بألسنتهم وهم لا يعقلون معناها والله تعالى يقول: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ)(1).(2)
وهو في كلامه هذا ـ عفا الله عنّا وعنه ـ قد قلّد سلفه محمد بن عبد الوهاب، حيث قال: إنّ مشركي زماننا أعظم شركاً من الأوّلين، لأنّ الأوّلين كانوا يُخلصون لله في الشدّة ويشركون في الرّخاء، ومشركو زماننا شركهم دائم في الرّخاء والشدّة.(3)
ثمّ إنّه سبحانه لم يفوّض إلى أحد تعيين ملاك التوحيد والشِّرك، حتى يتعرّض لتقسيم النّاس إلى موحّد ومشرك حسب الملاك الذي اختاره!! بل أعطى سبحانه ميزاناً واحداً قاطعاً لتمييز الشّرك عن التوحيد، والموحِّد عن المشرك، قال سبحانه:(وَإِذَا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ)(4).
سورة يونس: الآيتان: 24 ـ 25   
ونحن نسأل : هل الذين يتوسّلون بالنبيّ وآل النبيّ يشمئزّون إذا ذُكر الله وحده، وإذا ذُكر غيره يستبشرون؟ والجواب لابدّ أن يكون بالنفي، فقليلاً من الإنصاف يا صاحب المنار!!

1 . محمد:19.
2 . تفسير المنار:11/346.
3 . كشف الشبهات في التوحيد:40، المطبعة السلفية.
4 . الزمر:45.

صفحه 307

الآيتان: الرابعة والعشرون والخامسة والعشرون

(إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الاْيَاتِ لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ * وَاللهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم).

المفردات

زخرفها: الزخرف: كمال حسن الشيء، يقال: زخرفته إذا حسّنته، ومنه: زُخرفت الجنّة لأهلها، أي زُيّنت بأحسن الألوان.
لم تَغنَ: غنيَ بالمكان: أقام به، والمغاني المنازل.
يدعو: من الدعوة لدخول دار السّلام.
السّلام:السّلامة، والسلامة الحقيقية ليست إلاّ في الجنّة إذ فيها بقاءٌ بلا فناء، وغنىً بلا فقر، وعزٌّ بلا ذُلّ، وصحّة بلا سَقَم.(1)
 
 

1 . المفردات للراغب:239، مادة «سلم».

صفحه 308

التفسير

24. (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الاْيَاتِ لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ):

تشبيه رائع للحياة الدنيا وأنّها مؤقّتة

بعد أن أشار سبحانه بقوله آنفاً: (مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) إلى أنّ تمتُّعَ الباغين تمتُّعٌ قصير زائل غير دائم، جاءت الآية لبيان صفة الحياة الدنيا، عبر تشبيهها بما ينبت في الأرض بعد نزول المطر. وبما أنّ التشبيه يتشكّل من أركان أربعة: أ. المشبّه      ب. المشبّه به      ج. وجه الشبه، د. أداة التشبيه، فقبل بيان الأركان الأربعة، نقدّم شيئاً وهو: أنّه سبحانه بصدد بيان تعريف الحياة الدنيا وأنّها حياة مؤقّتة ليس لها ثبات ولا دوام.
وتشبيه المعرّف، بشيء واضح من أحسن الوجوه لمعرفة الشيء، فنقول: نفترض أرضاً خصبة رابية صالحة لغرس الأشجار وزرع النباتات، وقد قام صاحبها باستثمارها من خلال غرس كلّ ما ينبت فيها، فلم يزل يتعاهدها بالماء(سواء كان سقيها بالمطر أم بماء الأنهار) فغدت روضة غنّاء مكتظّة بالأشجار وأنواع النباتات، وصارت الأرض كأنّها عروس تزيّنت

صفحه 309
بأحسن زينتها، وأهلها مزهوّون بها يظنّون أنها بجهدهم قد ازدهرتْ، وبإرادتهم تزينتْ وأنّهم أصحاب الأمر لا يُنازعهم فيها منازع، فيعقدون عليها آمالاً طويلة، ولكن وهم في خِضمِّ هذه الأفكار فإذا بأمر الله سبحانه يباغتهم ليلاً أو نهاراً فيجعل الطريَّ يابساً، وكأنّه لم تكن هناك أي جنّة ولا روضة.
هذا هو المشبّه به، وأمّا المشبّه فهو حال الدنيا فإنّ الإنسان يغترّ بها ويعوّلُ الكثيرَ من الآمال عليها، غافلاً عن سرعة زوالها وفنائها وعدم ثباتها واستقرارها. يقول الشاعر مؤيّد الدين الحسين بن علي الأصفهاني المعروف بالطُّغرائي في لاميّته المعروفة بلاميّة العجم:
ترجو البقاء بدار لا ثبات لها *** فهل سمعت بظلّ غير منتقلِ
وأمّا وجه الشبه فهو عدم الثبات والبقاء في الجانبين. وأمّا أداة التشبيه، فهي الكاف.
إذا عرفت هذا فلنرجع إلى تفسير الآية.
قوله: (إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا): أي حال الحياة الدنيا ووصفها في سرعة الانقضاء (كَمَاء أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ): أي المطر (فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ) فالباء في قوله: (بِهِ) إمّا بمعنى المصاحبة فيكون المعنى: اختلط مع ذلك الماء نبات الأرض، لأنّ المطر ينفذ في خلل النبات. ولو كانت للسببيّة، يكون المراد أنّه اختلط بسبب الماء بعض النبات ببعض حيث إنّ الماء صار سبباً لنموّ النبات والتفاف بعضه ببعض (مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ) وصف لنبات الأرض، فقسم منه يأكله الناس كالخضروات والبقول، وقسم منه تأكله الأنعام من العشب والكلأ (حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا): أي بلغت الأرض كمال

صفحه 310
جمالها.
قال الشريف الرضيّ: هذا من أحسن الاستعارات لأنّ الزخرف
في كلامهم اسم للزِّينة واختلاف الألوان المونقة، وقوله سبحانه:(أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا): أي لبست زينتها بألوان الأزهار وأصابيغ الرِّياض،
كما يقال: أخذت المرأة قناعها إذا لبسته، ويقال لها: خذي عليك ثوبك
أي إلبسيه، ومنه قوله تعالى: (خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِد)(1) أي
إلبسوا ثيابكم.(2)
قوله: (وَازَّيَّنَتْ) أصله تزيّنت أُدغمت التاء بالزاي وسُكّنت الزاي فأُجلبت لها ألف الوصل للتمكّن من التلفّظ بالساكن، فقوله: (وَازَّيَّنَتْ)تعبير رائع حيث شبّه الأرض حين أخذت زخرفها بالعروس إذا أخذت الثياب الفاخرة من كلّ لون فاكتستها وتزيّنت بغيرها من ألوان الزِّينة (وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا): أي متمكِّنون من استثمارها والانتفاع بادّخار غَلاّتها (أَتَاهَا أَمْرُنَا)كناية عن نزول بعض الآفات على الجنّات والمزارع (فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا): أي محصودة مقطوعة ذاهبة يابسة .
قال الشريف الرضيّ: هذه استعارة لأنّ الحصيد من صفات النبات لا من صفات الأرض، والمعنى: فجعلنا نباتها كذلك، فاكتفى بذكر الأرض من ذكر النبات لأنّ النبات فيها ومنشؤه فيها.(3)
قوله:(كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ) يطلق الأمس علَماً لليوم الماضي، وربما

1 . الأعراف:31.
2 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:255.
3 . تلخيص البيان في مجازات القرآن:255.

صفحه 311
يطلق على الزمان السابق كالغد، فإنّه تارة يستعمل علماً ويراد اليوم اللاّحق، وأُخرى يستعمل في الزمان المستقبل، وأُريد بالأمس في المقام الزمان السابق، أي كأن لم تقم على تلك الصفة قبل نزول البلاء (كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الاْيَاتِ لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ): أي يعتبرون حال الدنيا.
روي عن علي بن الحسين(عليهما السلام) أنّه قال: «فازهدوا فيما زهّدكم الله عزّ وجلّ فيه من عاجل الحياة الدنيا، فإنّ الله عزّ وجلّ يقول وقوله الحقّ:(إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الاْيَاتِ لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ) فكونوا عباداً لله من القوم الذين يتفكّرون».(1)

عدد من الآيات تجسّم واقع الحياة الدنيا

وقريب من هذا التمثيل، قوله سبحانه في سورة الكهف:(وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء مُقْتَدِرًا)(2).
وقريب من هذا التشبيه أيضاً، قوله سبحانه:(اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَ تَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ كَمَثَلِ غَيْث أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الاْخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ

1 . الكافي:8/75 برقم 29.
2 . الكهف:45.

صفحه 312
وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ)(1).
وهذا هو أمير البيان(عليه السلام) يصف حال الدنيا ويستشهد بالآية المتقدّمة، قال:«فَإِنِّي أُحَذِّرُكُمُ الدُّنْيَا، فَإِنَّهَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، حُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ، وَتَحَبَّبَتْ بَالْعَاجِلَةِ، وَ رَاقَتْ بِالْقَلِيلِ، وَتَحَلَّتْ بِالاْمَالِ، وَتَزَيَّنَتْ بِالْغُرُورِ. لاَ تَدُومُ حَبْرَتُهَا، وَلاَ تُؤْمَنُ فَجْعَتُهَا. غَرَّارَةٌ ضَرَّارَةٌ، حَائِلَةٌ زَائِلَةٌ، نَافِدَةٌ بَائِدَةٌ، أَكَّالَةٌ غَوَّالَةٌ. لاَ تَعْدُو إِذَا تَنَاهَتْ إِلَى أُمْنِيَّةِ أَهْلِ الرَّغْبَةِ فِيهَا وَالرِّضَاءِ بِهَا أَنْ تَكُونَ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالى سُبْحانَهُ: (كَمَاء أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الاَْرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء مُقْتَدِراً).(2) لَمْ يَكُنِ امْرُؤٌ مِنْهَا فِي حَبْرَة إِلاَّ أَعْقَبَتْهُ بَعْدَهَا عَبْرَةً; وَلَمْ يَلْقَ فِي سَرَّائِهَا بَطْناً، إِلاَّ مَنَحَتْهُ مِنْ ضَرَّائِهَا ظَهْراً; وَلَمْ تَطُلَّهُ فِيهَا دِيمَةُ رَخَاء، إِلاَّ هَتَنَتْ عَلَيْهِ مُزْنَةُ بَلاَء!».(3)
25. (وَاللهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم):

ما هو المراد من وصف الجنّة بدار السّلام؟

سورة يونس: الآيتان: 26 ـ 27   
لمّا بيّن سبحانه في الآيتين السابقتين اغترار الباغين بالحياة الدُّنيا، وأنّ ما يسبِّب هذا الاغترار آيلٌ إلى الزّوال السريع، أراد سبحانه أن يلفت النظر إلى الحياة الدائمة في دار البقاء، فقال: (وَاللهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلاَمِ)في مقابل

1 . الحديد:20.
2 . الكهف: 45 .
3 . نهج البلاغة: الخطبة 111.

صفحه 313
الشيطان الذي يدعو الناس إلى دار الغرور، وأُريد بدار السلام الجنّة، بشهادة قوله: (لَهُمْ دَارُ السَّلاَمِ عِنْدَ رَبِّهِمْ)(1)، وفي وصف دار السلام بقوله: (عِنْدَ رَبِّهِمْ) يدل على قرب الحضور وعدم غفلتهم عنه.
وأمّا ما هو الوجه في تسمية الجنّة بدار السّلام، فقد قيل فيه وجوه:
1. أنّ السّلام هو الله تعالى والجنّة داره. وهو كماترى.
2. السّلام هاهنا بمعنى السَّلامة، كالرَّضاع بمعنى الرَّضاعة، ودار السّلام الدار التي من دخلها سلم من الآفات، وأمِن من عوامل الفناء.
3. أنّ المراد بدار السّلام هنا دار التحيّة، لأنّ أهلها ينالون من الله التحيّة والسّلام، وكذلك من الملائكة، قال تعالى: (سَلاَمٌ قَوْلاً مِنْ رَبّ رَحِيم)(2)، وقال:(وَالْمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَاب * سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ)(3).
قوله تعالى: (وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم): أي يهديهم إلى طريق يوصلهم إلى دار السّلام، فالعقيدة الصحيحة والطاعة الخالصة هي الصراط المستقيم الذي يوصل سالكه إلى دار السّلام.

الآيتان: السادسة والعشرون والسابعة والعشرون

(لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيَادَةٌ وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * وَالَّذِينَ كَسَبُوا

1 . الأنعام:127.
2 . يس:58.
3 . الرّعد:23ـ24.

صفحه 314
السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَة بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عَاصِم كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).

المفردات

سورة يونس: الآيتان: 26 ـ 27   
الحسنى: مؤنث الأحسن، وأُريد المثوبة الحسنى. وهي مبتدأ للخبر المتقدّم أعني (لِلَّذِينَ).
يرهق: رهِقه الأمر غَشيه بقهر.
قَتَر: القَتَر: الدُّخان الأسود، أو الغبار معه سواد، ومنه قول الفرزدق:
مُتوَّجٌ برداء المُلك يتبعُهُ *** موجٌ، ترى فوقه الرّيات والقَتَرا
قِطَعاً: جمع قطعة، وهي الجزء من الشيء، سُمِّي بذلك لأنّه يُقتطع من كلّ غالباً.

التفسير

26. (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيَادَةٌ وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ):

جزاء المحسنين بأكثر ممّا يستحقّون

لمّا دلّ قوله سبحانه في الآية السابقة:(وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاط

صفحه 315
مُسْتَقِيم) على أنّ هناك مهتدين إلى الصّراط المستقيم، وناكبين عنه، جاء البيان القرآني للكشف عن مصيرهما.
فأشير إلى الطائفة الأُولى بقوله:(لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا) ثم وصفهم بأُمور:
1. لهم (الْحُسْنى): أي المثوبة الحسنى.
2. (وَ) لهم (زِيَادَةٌ): أي زيادة على الاستحقاق، يقول سبحانه:(مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا)(1). والشاهد على أنّ المراد من قوله: (وَزِيَادَةٌ)هو الزيادة على الاستحقاق، ما يأتي في الآية التالية في حقّ المنحرفين الناكبين عن الصراط المستقيم، أعني قوله: (جَزَاءُ سَيِّئَة بِمِثْلِهَا)، فهو يدلّ على اختصاص المثليّة في الجزاء بالمنحرفين دون سالكي الصراط المستقيم فيجزيهم بأزيد ممّا يستحقّون.
وتفسيرها برؤية الله عزّ وجلّ تفسير بلا دليل، وقد عرفت وجود الدليل على أنّ المراد هو الزيادة على ما يستحقّونه من المثوبة.

تأويل الرازي الزيادة بالرؤية وإبطاله

ثمّ إنّ الرازي استدلّ على تأويل الزّيادة بالرؤية بدليل عقلي وقال: إنّ الحسنى لفظة مفردة دخل عليها حرف التعريف، فانصرف إلى المعهود السابق، وهو دار السلام. والمعروف من المسلمين والمتقرّر بين أهل الإسلام من هذه اللّفظة هو الجنّة، وما فيها من المنافع والتعظيم. وإذا ثبت هذا، وجب أن يكون المراد من الزيادة أمراً مغايراً لكلّ ما في الجنّة من المنافع والتعظيم، وإلاّ لزم التكرار. وكلّ من قال بذلك قال: إنّما هي رؤية الله

1 . الأنعام:160.

صفحه 316
تعالى، فدلّ ذلك على أنّ المراد من هذه الزيادة: الرؤية.(1)
يلاحظ عليه: أنّه سبحانه يذكر في بعض الآيات جزاء كلّ من الطائفتين بالمِثْل، فيقول: (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنى)(2)، وأُخرى يذكر بالزيادة على الاستحقاق في مورد الصالحين ويقول:(فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ)(3) فعلى هذا فأريد بالحسنى المثوبة بالمثل، ومن الزيادة إعطاؤهم أكثر ممّا يستحقّون. وأمّا ما استدلّ به من أنّ الزيادة أمر مغاير لكلّ ما في الجنّة وإلاّ لزم التكرار، فصحيح إذا أُريد من الحسنى الجنّة، وهو ممنوع، بل أريد بها المثوبة والجزاء الأحسن. نعم تتجلّى المثوبة في دخول الجنّة، وهي دار المثوبة ولها درجات.
وأفضل دليل على أن المراد من قوله: (وَزِيَادَةٌ) هو الزيادة على ما يستحقّون من المثوبة، ما يأتي في الآية التالية في حقّ من كسب السيئات حيث يقول: (وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَة بِمِثْلِهَا): أي عقوبة بمثلها لا زيادة فيها، وأمّا المقام فهناك مثوبة يستحقّونها وزيادة من فضل الله تبارك وتعالى.
وأسوأ من ذلك أنّه استدلّ على رؤية الله بما في سورة القيامة، أعني قوله: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)(4)، وسيوافيك في محلّه أنّ

1 . تفسير الرازي:17/77.
2 . النجم31.
3 . النساء:173.
4 . القيامة:22ـ 23.

صفحه 317
الآيتين لا صلة لهما بالرؤية، ومن فسّرهما بها فقد غفل عن المقابلة بين الوجهين.ثمّ كيف يقول بالرؤية الحسّية والله سبحانه يقول: (لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)(1)؟ ويقول الإمام علي(عليه السلام):«لاَ تُدْرِكُهُ الْعُيُونَ بِمُشَاهَدَةِ الْعِيَانِ، وَلكِنْ تُدْرِكُهُ الْقُلُوبُ بِحَقَائِقِ الاِْيمَانِ»(2).

عزوف عدد من مفسّري السنّة عن تأويل الزّيادة بالرّؤية

بالرّغم من ورود أحاديث عديدة عند السنّة تؤوّل الزّيادة بالنظر إلى وجه الله، إلاّ أنّ عدداً من مفسّريهم اختار أو رجّح المعنى الذي ذكرناه أو ما يقرب منه، ومنهم: أبو السُّعود محمد بن محمد العمادي (المتوفّى 982هـ)، والشيخ محمد أبو زُهرة(المتوفّى 1394هـ)، ومحمد عزّة دَرْوَزة (المتوفّى 1404هـ).
قال أبو السّعود في تفسير قوله:(وَزيَادَة): أي ما يزيد على تلك المثوبة تفضّلاً، لقوله عزّ اسمه: (وَيَزيدهُمْ مِنْ فَضْلِهِ). ثمّ ذكر ثلاثة تأويلات له بصيغة «قيل»، آخرها: وقيل: الحسنى الجنّة، والزّيادة اللِّقاء.(3)
وقال أبو زُهرة: قوله: (وَزيَادَة) للإشارة إلى أنّ عطاءهم ليس بمقدار إحسانهم، لأنّه سبحانه المتفضّل المكرم الذي لا يعطي بمقدار ما قُدّم، بل إنّه كما قال تعالى:(وَيَزيدهُمْ مِنْ فَضْلِهِ)... .
ذكر ذلك أبو زُهرة مع أنّه ذيّل كلامه بقوله: وقد قال أهل السنّة في ذلك

1 . الأنعام:103.
2 . نهج البلاغة: الخطبة 179.
3 . تفسير أبي السعود:2/486.

صفحه 318
أنّهم يرون ربّهم.(1)
وقال دَرْوَزة ـ بعد أن ذكر حديثين من أحاديث الرُّؤية ـ: ويتبادر لنا أنّ تأويل الكلمة في مقامها بمعنى مضاعفة الأجر وزيادة رحمة الله، هو الأوجه.(2)
3. (وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ): أي لا يغشاها سواد، ولا أثر هوان وانكسار.
ولعلّ الفقرة تشير إلى قوله تعالى:(يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ)(3).
قال الطبرسي: روى الفُضيل بن يسار عن أبي جعفر الباقر(عليه السلام) قال: «قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): ما من عين تَرَقرقت بمائها(4)، إلاّ حرّم الله ذلك الجسد على النار، فإن فاضت من خشية الله لم يرهق ذلك الوجه قتر ولا ذلّة».(5)
4. (أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)، ومعناه واضح.
27. (وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَة بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عَاصِم كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ):

1 . زهرة التفاسير:7/3552ـ3553.
2 . التفسير الحديث:3/462ـ463.
3 . آل عمران:106.
4 . تَرقرَق الدّمعُ في العين: دارَ في باطنها.
5 . مجمع البيان:5/195.

صفحه 319

جزاء المسيئين بقدر ما يستحقّون

جرت سنّة الله تعالى على إرداف حال الطّائعين بحال العاصين وبالعكس، ولمّا تقدّم في الآية السابقة بيان حال المحسنين في القول والفعل والاعتقاد، جاءت هذه الآية لتبيّن حال المسيئين وقال: (وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ): الواو هنا عاطفة، والذين معطوفة نسقاً على الذين في قوله: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا) فيكون المعنى: وللّذين عملوا السيئات، أصناف العذاب التالية:
1. (جَزَاءُ سَيِّئَة بِمِثْلِهَا): أي يُجزَون بقدر ما يستحقّون من العذاب، لا فوق ما يستحقّون، لأنّه ظلم، والله سبحانه منزّه عنه. وهذا على خلاف حال المحسنين فإنّهم يُثابون أزيد ممّا يستحقّون، وهو تفضّل من الله تعالى.
2. (وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ): أي وتغشاهم ذلّة الخزي.
واكتفى في المقام بالذلّة ولم يذكر شيئاً من غشيان القتر، لأنّه سيجيء ما هو أشدّ منه.
3. (مَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عَاصِم): أي مانع يمنع من مجازاتهم بأعمالهم.
4. (كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا) هذا بيان لضدّ ما مرّ في الطائفة الأُولى حيث جاء هناك: (وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ) وأمّا المقام (قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا) تكسو وجوههم وتغطّيها. والقِطَع جمع قطعة، ومظلماً حال من الليل، كأنّ الليل المظلم قُسّم إلى قطع فغطّت وجوههم تلك القطع، واسودّت تماماً.
قال السيد الطباطبائي: والمتبادر منه أن يُغشى وجه كلّ من المشركين

صفحه 320
بقطعة من تلك القطع، لا كما فسّره بعضهم أنّ المراد أنّ الوجوه أُغشيت تلك القطع قطعة بعد قطعة فصارت ظلمات بعضها فوق بعض، فليس في الكلام ما يدلّ على ذلك.(1)
وقال الرازي: احتجوا بأنّ سواد الوجه من علامات الكفر بدليل قوله تعالى:(فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ)(2) وكذلك قوله: (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ)(3).(4)
روى أبو الجارود عن أبي جعفر]الباقر[(عليه السلام)في تفسير قوله: (وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَة بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عَاصِم)قال: «هؤلاء أهل البدع والشبهات والشهوات يسوّد الله وجوههم ثمّ يلقونه، يقول الله: (كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا)يسوّد الله وجوههم يوم القيامة ويلبسهم الذلّ والصَّغار، يقول الله: (أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).(5)
5. (أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ) في مقابل الطائفة الأُولى(أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ).
سورة يونس: الآيات: 28 ـ 30   
6. (هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ): أي حكم عليهم بالخلود والدوام في النار، فما أبعد ما بين المصيرين: طائفة في الجنة ونعيمها، وأُخرى في النار وحريقها.

1 . الميزان في تفسير القرآن:10/44.
2 . آل عمران:106.
3 . عبس:40ـ42.
4 . تفسير الرازي:17/80.
5 . تفسير القمي: 1 / 311 .

صفحه 321
ونمثّل للتقابل بين الآيتين بالنحو التالي:
(لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا)               (وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ)
(الْحُسْنى وَزِيَادَةٌ)               (جَزَاءُ سَيِّئَة بِمِثْلِهَا)
(وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ)         (كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا)
(وَلاَ) ترهقهم(ذِلَّةٌ)            (وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ)
(أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ)         (أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ)
(هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)               (هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)

الآيات: الثامنة والعشرون إلى الثلاثين

(وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ * فَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ * هُنَالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْس مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ).

المفردات

نحشرهم:نجمعهم إلى الموقف.
مكانَكم: مفعول لفعل مقدّر، أي الزموا مكانكم واثبتوا.
فزيَّلنا: فرّقنا، يقال: زايلت فلاناً إذا فارقته، والتزييل: من زاله، يَزِيله، أي

صفحه 322
أزاله.
إن كنا:(إن)مخفّفة عن المثقّلة وليست نافية لوجود اللاّم التي هي الفارقة بينهما. وأمّا اسمها الضمير المستتر فمحذوف، يفسِّره قوله: (كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ).
تبلو: تختبر حالته وثمرته.
أسلفت: قدّمت.

التفسير

لمّا تقدّم ذكر الطائفتين: الذين أحسنوا، والذين كسبوا السيئات، جاءت الآية لبيان أنّه سبحانه يحشر الجميع، أي كلا الصنفين، ثم يأمر بتفريق المشركين عن غيرهم للمحاكمة، كما يقول:
28. (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ):

محاكمة المشركين بعد التفريق بينهم وبين آلهتهم

هذه الآية ترسم لنا مشهداً لمحاكمة المشركين، حيث يؤتى بهم غداً إلى أرض الموقف مع شركائهم الذين جعلوهم شركاء لله في العبادة، ثمّ يقال لهم: الزموا أنتم وشركاؤكم مكانكم حتى نقضي بينكم، ثم يفرَّق بينهما، فالمشركون في جانب، والشركاء في جانب آخر، فيتوجّه الخطاب إلى

صفحه 323
الشركاء ويُسألون عن عبادة المشركين إيّاهم فيذكرون أمرين:
1. إنكار أصل العبادة لهم.
2. أنّهم كانوا غافلين عن عبادتهم، ويستشهدون على براءتهم من ذلك بعلم الله تعالى.
وقد ورد الأمر الأوّل في آيتنا هذه، والاستشهاد في الآية التالية، وإليك تفسير فقرات الآية.
قال تعالى:(وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا): أي نحشر الناس من غير فرق بين الموحّد والمشرك، (ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا)الزموا (مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ): أي اثبتوا والزموا مكانكم أنتم مع شركائكم، يعني الأوثان (فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ): أي ففرّقنا وميّزنا بعضهم عن بعض كما يميّز الخصوم عند الحساب، فالمشركون في صفّ وآلهتهم في صف آخر، فالآية تصور لنا صورة محكمة حضر فيها جمع من المتَّهمين، فبدأت المحاكمة بمساءلتهم، وسياق الآية يدل على توجيه السؤال إلى من جعلوهم شركاء لله سبحانه، وأمّا كيفية السؤال فغير مذكورة في الآية. وعلى كلّ تقدير فهم يدافعون عن أنفسهم مخاطبين المشركين بقولهم: (وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ) أيّها المشركون (إِيَّانَا تَعْبُدُونَ)، وما كنّا معبودين، وإنّما كنتم تعبدون غيرنا. وسيوافيك وجه هذا النفي مع أنّ عبادتهم للشُّركاء كانت أمراً بديهياً غير منكر.
29. (فَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ):

صفحه 324
الآية تبيّن الأمر الثاني، أعني كون الشُّركاء غير عالمين بعبادتهم لهم ويستشهدون على براءتهم من ذلك بعلم الله تعالى، فالشركاء ـ لأجل إثبات براءتهم مما أُلصق بهم ـ أشهدوا الله سبحانه على أنّهم لم يكونوا عالمين بعبادتهم كما يقول:(فَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا): أي فاصلاً للحكم (بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ) أيّها المشركون (إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ): أي غير شاعرين.
وهنا سؤالان:
الأوّل: ما يتوجّه إلى قوله: (مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ)وهو أنّ هؤلاء
كيف نفوا عن المشركين عبادتهم لهم، مع أنّه من الواضحات أنّهم كانوا يعبدون الأصنام والأوثان، وربما يعبدون أربابهم من الجنّ والملائكة
وغير ذلك.
لقد ذكر المفسرون في الجواب عن ذلك وجوهاً:
أَولاها: القول بأنّ العبادة بالمعنى الحقيقي عبارة عن اتّصال العابد بالمعبود حتى يتمّ به قوله: عبدته، ولا يكون ذلك إلاّ بشعور من المعبود وعلم منه، فإذا لم يكن هناك أيّ علم، فالعبادة تكون صوريّة لا حقيقية. والذي يدلّ على هذا ما في الآية الثانية حيث قالوا: (فَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ)فعدم شعورهم بعبادة هؤلاء صار دليلاً على أنّهم لم يعبدوهم عبادة حقيقية بل عبادة صوريّة. وبهذا يجمع بين ما هو ثابت بالضرورة وهو عبادة الآلهة، وبين نفي هؤلاء أن يكونوا معبودين، بحمل الأوّل على العبادة الصوريّة، والثاني على العبادة الحقيقية.(1)

1 . انظر: الميزان في تفسير القرآن:10/45.

صفحه 325
الثاني: أنّ المتبادر من الآية أنّ الشُّركاء يتكلّمون يوم القيامة لغاية إثبات براءتهم من أعمال المشركين، وقد عرفت كيفية دفاعهم عن أنفسهم، مع أنّ معبودات المشركين هي الأصنام والأوثان التي لا تسمع ولا تبصر ولا تحسّ، فكيف نطقوا بإثبات براءتهم؟
وقد أجيب عنه بوجهين:
1. أنّه سبحانه يخلق في معبوداتهم العقل والشعور فينطقون بأمر الله سبحانه. وهذا ليس ببعيد، كيف؟ والله سبحانه يُنطق جلود المجرمين فتشهد عليهم بما اقترفوه من جرائم، قال سبحانه:(حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللهُ الذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْء وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّة وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)(1).
2. أنّ المراد بالشّركاء المعبودين هنا الملائكة والجنّ، فإنّهم يدافعون عن أنفسهم بما ذُكر. وهذا ضعيف، إذ كيف يمكن أن يقال: إنّ الملائكة لم يشعروا بعبادتهم؟ نعم لم يأمروهم لكنّهم علموا عبادتهم وعرفوها ولم يأمروهم. على أنّ مشركي العرب كانوا يعبدون الأصنام لا أربابها، لأنّها فكرة فلسفية كانوا غافلين عنها.
30. (هُنَالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْس مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ):

1 . فصّلت:20ـ21.

صفحه 326

ظهور الولاية الإلهيّة يوم القيامة

لمّا أخبر سبحان