\
welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : الآداب والأخلاق في القرآن الكريم*
تألیف :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الآداب والأخلاق في القرآن الكريم
الآداب والأخلاق في القرآن الكريم
   

صفحه 2

صفحه 3
الآداب والأخلاق
في القرآن الكريم

صفحه 4

صفحه 5
 
الآداب والأخلاق
في القرآن الكريم
تأليف
الفقيه المحقّق
جعفر السبحاني
نشر
مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

صفحه 6
السبحاني التبريزي، جعفر، 1347ق ـ
الآداب والأخلاق في القرآن الكريم / تأليف جعفر السبحاني.ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، قم، 1398.
132ص.
فهرست نويسى بر اساس اطلاعات فيپا.   ISBN:978-964-357-641-7
چاپ دوم; 1398.
كتابنامه: ص. 123ـ128; همچنين به صورت زيرنويس.
1. قرآن ـ ـ اخلاق . 2. اخلاق اسلامى. الف. عنوان.
3 الف 2س/3/103/BP   159/297
1398
اسم الكتاب:    الآداب والأخلاق في القرآن الكريم
المؤلّف:   الفقيه المحقق جعفر السبحاني
الطبعة:    الثانية
الناشر:   مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
المطبعة:   مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
تاريخ الطبع:    1398هـ.ش/1441هـ.ق/2019م
التنضيد والإخراج:   مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
   تسلسل النشر:1054         تسلسل الطبعة الأُولى:499
مكتبة التوحيد
ايران ـ قم; ساحة الشهداء
?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
http://www.Tohid.ir

صفحه 7

المقدّمة

الحمد لله الذي دعانا إلى التحلّي بمكارم الأخلاق، واكتساب خصال الخير والفضائل، والانتهاء والتخلّي عن الرذائل، والصلاة والسلام على النبي الأعظم الموصوف بقوله سبحانه: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُق عَظِيم)(1)، وعلى خلفائه الطيّبين الطاهرين الذين هم المثل العليا في المناقب الكريمة والأفعال الحميدة، صلاة دائمة مادامت السماء ذات أبراج والأرض ذات فجاج.
أمّا بعد:
فقد دُعيت من قبل مديرية مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) لعلوم الكلام، لإلقاء محاضرات في الآداب والأخلاق والسلوك مع الناس

1 . القلم:4.

صفحه 8
ومعاشرتهم.
وآثرنا أن نختار لهذا الموضوع ما ورد في الذكر الحكيم من الآيات حول الآداب والأخلاق، ونعني بالآداب ما يتعامل به الإنسان مع الناس من دون أن يكون العمل صادراً عن ملكة راسخة بل إطاعة لأمر ربّ العالمين، كالمشي على الأرض بسكينة ووقار، أو مقابلة خطاب الجاهلين بالسلام، إلى غير ذلك ممّا سيمرّ عليك بصورة الآداب والسلوك مع الناس.
ونعني بالأخلاق: العمل الذي يصدر عن ملكة راسخة في نفس الإنسان ولا ينفك عنه إلاّ بالإكراه. وأكثر ما نبحث عنه في هذه الرسالة هو من هذا القبيل.
وعلى القارئ الكريم أن يميّز الآداب عن الأخلاق بذوقه السليم.
نسأل الله التوفيق لصالح الأعمال، والحمد لله ربّ العالمين.
جعفر السبحاني

صفحه 9

الدين والأخلاق والعلاقة بينهما

من المسائل الكلامية التي تشغل الأذهان وتحظى بالاهتمام ـ خصوصاً عند المفكّرين الغربيّين ـ هي حقيقة الدين والأخلاق والعلاقة بينهما، ولأجل أن تتّضح حقيقة هذه الأُمور، يجب أن نجيب عن الأسئلة التاليه:
1. ما هو الدين؟
2. ما هي الأخلاق؟
3. ما هو الهدف من علم الأخلاق؟
4. ما هي العلاقة بين فلسفة الأخلاق وعلم الأخلاق؟
5. ما هي العلاقة بين الدين وعلم الأخلاق؟
فبالإجابة عن الأسئلة الأربعة الأُولى التي اهتمّ بها المفكّرون يتّضح جواب السؤال الخامس الذي يحدّد العلاقة بين الدين وعلم الأخلاق.

صفحه 10

السؤال الأوّل: ما هو الدين؟

الدين لغة: هو الانقياد والطاعة، كما في قوله سبحانه:(هُوَ الْحَيُّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).(1)
ثمّ إنّه سبحانه يحصر الدين في الإسلام ويخصّه به، يقول: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلاَمُ)(2)، وفي آية أُخرى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ).(3)
وأُريد من الإسلام، الانقياد والطاعة، مشعراً بأنّ المطاع في صحيفة الوجود هو الله تعالى، وأنّ هذا هو الأصل الأصيل في الشرائع السماوية، فجميعها تدعو إلى طاعة الله سبحانه وترك طاعة غيره، قال تعالى: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)(4).
ولعلّ التدبّر في الآيات الثلاث الأخيرة يقودنا إلى تعريف الدين بهذا النحو.
الدين: هو الاعتقاد بالله سبحانه وأنّه لا طاعة لأحد على الإنسان إلاّ طاعة الله تعالى، فعلى العباد الانقياد والتسليم أمام أوامره ونواهيه.

1 . غافر:65.
2 . آل عمران:19.
3 . آل عمران:85.
4 . آل عمران:67.

صفحه 11
وهذا هو الأصل المشترك بين الشرائع السماوية التي أنزلها سبحانه وتعالى عن طريق أنبيائه العظام، كنوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد(عليهم السلام).

تعريف الدين ببيان آخر

عرّف السيد الطباطبائي الدين بوجه آخر لا يخالف ما ذكرناه، فقال: الدين وهو أنّه نحو سلوك في الحياة الدنيا يتضمّن صلاح الدنيا بما يوافق الكمال الأُخروي والحياة الدائمة الحقيقية.(1)
وفي مقام آخر يعرّفه بالنحو التالي، ويقول: الدين: الأُصول العلمية والسنن والقوانين العملية التي تضمن باتّخاذها والعمل بها سعادة الإنسان الحقيقية.(2)
فطبقاً لهذه التعاريف تتشكّل حقيقة الدين من الأمرين التاليين:
أ. الاعتقاد بالله سبحانه خالق الكون ومدبّره.
ب. الاعتقاد بنزول شريعة من الله سبحانه تنظم حياة الإنسان من الجانبين الاعتقادي والسلوكي.
إلى هنا تمّت الإجابة عن السؤال الأوّل، بصورة موجزة، ومنه ظهر أنّ كلّ مَن نصب نفسه في مقام المصلح للمجتمع وتوجيهه

1 . الميزان في تفسير القرآن:4/134.
2 . الميزان في تفسير القرآن:16/202.

صفحه 12
نحو الكمال فكراً وسلوكاً بدون أن يرتبط بالاعتقاد بالله وتبنّي البرنامج الإلهي، فهو ليس ديناً بل يُعدّ مسلكاً من المسالك، فالاعتقاد بالله خالق الكون وكون البرنامج نازلاً منه سبحانه من مقوّمات الدين، فلو تجرّد البرنامج الإصلاحي من كلّ من هذين الأمرين، فهو لا يُسمّى ديناً.
***

السؤال الثاني: ما هي الأخلاق؟

الخُلق والخَلق كلاهما بمعنى واحد، ويُفسّر بالقوى والسجايا الذاتية للإنسان، ويعرّفه ابن مسكويه بقوله: هو تلك الحالة النفسانية التي تدعو الإنسان لأفعال لا تحتاج إلى تفكّر وتدبّر.(1)
ويعرفه الغزّالي بقوله: هيئة في النفس راسخة، منها تصدر الأفعال بسهولة ويُسر من غير حاجة إلى فكر ورويّة.(2) والتعريفان يُرشدان إلى أمر واحد وهو أنّ الخُلق حالة في النفس راسخة، وإن شئت قلت: ملكة نفسانية تكون مصدراً لصدور الأفعال بسهولة ويُسر.
وبما ذكرنا يظهر أنّ موضوع الأخلاق عبارة عن النفس الإنسانية

1 . تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق:1.
2 . إحياء علوم الدين:3/53.

صفحه 13
التي تستعد لاكتساب الفضائل والرذائل، أو تنمية ما هو مركوز فطرياً في النفس الإنسانية، من الفجور والتقوى، وإلى القسم الثاني يشير قوله سبحانه: (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا)(1); بل يظهر من كلام أمير البيان علي(عليه السلام) أنّ التقوى أمر مركوز في النفوس وأنّ دور الأنبياء هو تنميتها وإظهارها والحثّ عليها، يقول(عليه السلام):«فَبَعَثَ فِيهِمْ رُسُلَهُ، وَوَاتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِيَاءَهُ، لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ، وَيُذَكِّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِهِ، وَيَحْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بِالتَّبْلِيغِ، وَ يُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُولِ، وَيُرُوهُمْ آيَاتِ الْمَقْدِرَةِ». (2)
فما ذكره الإمام(عليه السلام) يرجع إلى ما هو الغالب، ولكن ربما يأخذ بعض الرذائل والفضائل جانب الاكتساب دون أن يكون له جذر في النفس الإنسانية، مثلاً الإنسان القاسي لم يكن يوم ولد قاسياً، وإنّما تولّدت القسوة في نفسه نتيجة تكرار قيامه بأعمال لا تصدر إلاّ عن الإنسان القاسي، فقتل الطفل البريء، ونهب أموال اليتامى، ونحو ذلك، إذا صدرت من شخص مرّة بعد أُخرى، تترسّخ القسوة في ذاته، وتصدر تلك الأعمال القاسية منه بلا فكر وبلا روية.
ثمّ إنّ الفرق بين الأخلاق والفقه من حيث الموضوع واضح، فإنّ موضوع الأخلاق ـ كما مرّ ـ هو النفس الإنسانية المستعدّة

1 . الشمس:8 .
2 . نهج البلاغة: الخطبة1.

صفحه 14
لاكتساب الفضائل والرذائل، وأمّا موضوع الفقه فهو فعل المكلّفين أو أعمّ منه وما له صلة بها كطهارة الماء ونجاسة الدم.
نعم ربما تُعدّ مسألة واحدة مسألة لكلا العلمين وذلك كالمحرّمات والواجبات، فالغيبة والكذب بما أنّهما يوجبان اتّصاف النفس بالرذائل تُعدّان مسألتين أخلاقيتين، وكلاًّ منهما أمر محرّم نهى عنه الشارع فتوصف بأنّها مسألة فقهية، ومثلهما قسم من الواجبات كإكرام الوالدين وإعانة المستضعفين والعمل بالمواثيق والعهود، فلهذه المسائل حيثيتان، فمن حيث إنّها تستعقب اتّصاف النفس بالفضائل تُعدّ مسألة أخلاقية، ومن حيث إنّها فُرضت على المكلّف من قبل الشارع الأقدس تُعدّ مسألة فقهية.
إنّ الأنبياء العظام ـ وأخصّ بالذكر النبي الخاتم(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ بعثوا لإشاعة مكارم الأخلاق، وقد قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«إنّما بُعثت لأُتمّم مكارم الأخلاق»(1)، وفي رواية أُخرى قال:«بعثت بمكارم الأخلاق ومحاسنها».(2)
هذا من جانب ومن جانب آخر أنّ الشرائع السماوية أكثر إحاطة بمحاسن الأخلاق وقبائحها، فأين الوحي السماوي الذي هو شيء من العلوم الربّانية من إحاطة العقل بصفات الأفعال، فلذلك

1 . كنز العمال:2/16، برقم 52175.
2 . بحار الأنوار:66/405.

صفحه 15
يكون علم الفقه معيناً لعلم الأخلاق ويفتح لمعلّم الأخلاق آفاقاً كثيرةً من الحسنات والسيئات ربّما يغفل عنها العقل البشري.

السؤال الثالث: ما هو الهدف من علم الأخلاق؟

الأخلاق جمع الخُلق وأُريد من المفرد المعنى الأخصّ، أعني: الملكة التي تكون مبدأ لصدور أفعال حسنة، وقد عُرّف علم الأخلاق بالنحو التالي:
علم الأخلاق علم يحصل لأنفسنا خُلقاً تصدر به عنّا الأفعال كلّها جميلة، وتكون مع ذلك سهلة علينا لا كلفة فيها ولا مشقّة.(1)
ويقرب منه تعريف نصير الدين الطوسي في كتابه «أخلاق ناصري».
ولعل الأولى تعريفه بالنحو التالي: الاطّلاع على الفضائل وكيفية تحصيلها حتى تتزيّن به النفس الإنسانية، بالإضافة إلى الاطّلاع على الرذائل وكيفية الاجتناب عنها.
فالكتب الأخلاقية التي أُلّفت في هذا الصدد ترشدنا إلى أمرين:
أ. الاطّلاع على الفضائل وكيفية تحصيلها لغاية التزيّن بها.
ب. الاطّلاع على الرذائل وكيفية اجتنابها حتى لا تترسّخ في النفس، ولعلّ أفضل التعاريف ما ذكره السيد الطباطبائي قائلاً: هو

1 . تهذيب الأخلاق:27.

صفحه 16
]علم الأخلاق[ الفن الباحث عن الملكات الإنسانية، وتميز الفضائل منها عن الرذائل، ليستكمل الإنسان بالتخلّق والاتّصاف بها، سعادته العلمية، فتصدر عنه من الأفعال ما يجلب الحمد العام، والثناء الجميل في المجتمع الإنساني.(1)

السؤال الرابع: ما هي العلاقة بين فلسفة الأخلاق وعلم الأخلاق؟

إنّ علم الأخلاق يمثّل دور الإشارة إلى الموضوعات ويُعرّف الحسن والقبيح من الملكات وما يصدر منها من الأفعال، من دون أن ينظر إلى ما لهذه الملكات أو الأفعال من آثار بنّاءة أو هدّامة، على خلاف فلسفة الأخلاق فهي بدورها تشرح لنا ما لهذه الكلمات من آثار بنّاءة في الحياة الإنسانية.
فلنمثّل لذلك بمسألة العدل والظلم، فإذا شاع العدل يسود الهدوء والنظم على المجتمع، فكلّ إنسان يتمتّع بما أُوتي من قوّة وعمل، فالغني ومن دونه تسهل له الحياة، بخلاف ما لو ساد الظلم على المجتمع فلا الغني يكون سعيداً ولا الفقير يقنع بما عنده، بل يسود الهرج والمرج وتصير الحياة مرّة عسيرة تماماً، وهذا على عاتق فلسفة الأخلاق.
ثمّ هنا يطرح سؤال وهو:

1 . الميزان في تفسير القرآن:1/376.

صفحه 17
هل العلم بالآثار يؤدّي إلى الالتزام الكامل بالعمل الصالح؟
والجواب: لا شكّ أنّ العلم بالآثار النافعة أو الضارّة له تأثير في إصلاح المجتمع إلى حدٍّ ما، إذ رفع المستوى العلمي للمجتمع ورفع الجهل عنه يؤثّر في انتشار الصلاح وتقليل الفساد، ولذلك يصدق ما روي عن الحكيم اليوناني سقراط من أنّ معرفة الخير والشر يزرع بذور الفضائل في النفوس، أو إيجاد الرغبة في الابتعاد عن الرذائل.
ومع تقييمنا لهذا المنهج لكنّه غير كاف لما يتبنّونه من أنّ العلم بالخير والشرّ يبني مجتمعاً مزداناً بالخير وبعيداً عن الشرّ، وذلك لأنّ المنافع الشخصية في الإنسان ربما تكون على جهة النقيض من المصالح العامّة، فعندئذ تغلب قوى الشرّ الكامنة في النفوس على العلم بالخير، وربما تسوّل النفس الأمارة عمله وتزيّنه لديه، فإنّ للميول والشهوات الغريزية تأثيراً كبيراً في إغفال الإنسان العالم بالخير والشر. فيتصوّر الشر خيراً، ولذا يذكر الله سبحانه مَنْ أُوتي الآيات الإلهية ثمّ انحرف عنها، بقوله: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ).(1)
فلا محيص من الجمع بين المنهجين، أعني محاربة الجهل ورفع المستوى العلمي، والتعريف بالخير والشر، وما لهما من

1 . الأعراف:175ـ176.

صفحه 18
المصالح والمفاسد، وتحكيم الإيمان بالله واليوم الآخر وما للإنسان في ذلك اليوم من وعد ووعيد، وكتاب وحساب.

السؤال الخامس: ما هي العلاقة بين الدين وعلم الأخلاق؟

وبما ذكرنا ـ آنفاً ـ ظهر وجود العلاقة التامّة بين الدين وعلم الأخلاق، فإنّ العلم بالفضائل والرذائل حتى العلم بآثارها البنّاءة أو الهدامّة مجرّدة عن الاعتقاد بالجزاء يوم القيامة جزء العلّة، وربما يؤثّر بعض التأثير في بعض الموارد، ولذلك نرى أنّ كثيراً ممّن يعلم بمضار شرب الخمر ولعب القمار، ومع ذلك لا يتركونها.
وكم من طبيب يلقي المحاضرة القيّمة حول مضرّات المسكرات ولكنّه في الجانب العملي يفشل في تركها.
إنّ الدين دعامة الأخلاق، فإنّ التمسّك بالقيم الأخلاقية، لا ينفكّ عن الحرمان في بعض الأحايين وترك اللذائذ النفسانية في ظروف أُخر، وعندئذ يجب أن نبحث عن عامل النجاح في هذا المعترك.
فمن جانب: إنّ الإنسان مقهور للميول النفسانية والغرائز المتعدية التي لا تعرف لنفسها حدّاً وهي تريد أن تفجر أمامها، وتنال كلّ لذيذ وملائم، وافق القيم أم خالفها، وهذا شيء يحسّه كلّ إنسان في كثير من فترات حياته.
ومن جانب آخر: إنّ الفطرة الإنسانية توحي إلى صاحبها بحفظ القيم والعمل بالأخلاق كما أنّ علماء التربية يوصون بذلك. وعند

صفحه 19
ذلك يجد الإنسان في نفسه صراعاً عنيفاً بين ميوله، فلابدّ لنجاحه في هذا المعترك من عامل يرجّح كفّة الفطرة الإنسانية الموحية بحفظ الأخلاق والعمل بالقيم، فما هو هذا العامل خصوصاً في الفترات التي يغيب فيها الرقيب، وتنام فيها العيون، ولا يسأل الإنسان عمّا يفعل؟
هنا يتجلّى الدّين بصورة عامل قويّ يرجّح كفّة الأخلاق، ويُوحي للإنسان بالعمل بالقيم وكبح جماح الغرائز، لأنّ المتديّن يعتقد بأنّ كلّ ما يعمل من خير وشرّ في هذه الدنيا، سيحاسبه الله سبحانه عليه بأشدّ الحساب وأدقّه(وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّة فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ).(1)

بين المنهجين بعد المشرقين

الأخلاق القرآنية تعتمد على أنّ التحلّي بالفضائل كمال للنفس، وأنّ الاتّصاف بالرذائل شين لها، أو أن في اكتساب الأُولى ثواباً أُخروياً، وفي اقتراف الثانية عذاباً في الحياة الآخرة، وعلى هذا الأساس يبعثها العقل إلى التحلّي بالأُولى والاجتناب عن الثانية، كما يحثّ العارف على سلوك هذا المنهج.
وأمّا الأخلاق اليونانية ـ أو الغربية حسب مصطلح هذا العصر ـ فهي تعتمد في دعوة الإنسان إلى الأخلاق والآداب، على الآثار

1 . يونس:61.

صفحه 20
والمنافع الدنيوية في سلوك منهجه وما يعود إلى السالك في التحلّي بالفضائل والتخلّي عن الرذائل من الآثار الدنيوية، ففي المنهجين تكريم الجار، أمر مطلوب من غير فرق بين قريبه وبعيده، غير أنّ المؤمن بالله ورسالاته، يكرمه لأنّ للجار حقاً على الجار كما يقول سيد الساجدين(عليه السلام):«وَ أَمَّا حَقُّ الْجَارِ فَحِفْظُهُ غَائِباً وَ كَرَامَتُهُ شَاهِداً وَ نُصْرَتُهُ وَ مَعُونَتُهُ فِي الْحَالَيْنِ جَمِيعاً لاَ تَتَّبِعْ لَهُ عَوْرَةً وَ لاَ تَبْحَثْ لَهُ عَنْ سَوْءَة لِتَعْرِفَهَا فَإِنْ عَرَفْتَهَا مِنْهُ عَنْ غَيْرِ إِرَادَة مِنْكَ وَ لاَ تَكَلُّف كُنْتَ لِمَا عَلِمْتَ حِصْناً حَصِيناً وَ سِتْراً سَتِيراً لَوْ بَحَثَتِ الأَسِنَّةُ عَنْهُ ضَمِيراً لَمْ تَتَّصِلْ إِلَيْهِ لاِنْطِوَائِهِ عَلَيْهِ، لاَ تَسْتَمِعْ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُ وَلاَ تُسْلِمْهُ عِنْدَ شَدِيدَة وَ لاَ تَحْسُدْهُ عِنْدَ نِعْمَة تُقِيلُ عَثْرَتَهُ وَ تَغْفِرُ زَلَّتَهُ وَ لاَ تَدَّخِرْ حِلْمَكَ عَنْهُ إِذَا جَهِلَ عَلَيْكَ وَ لاَ تَخْرُجْ أَنْ تَكُونَ سِلْماً لَهُ تَرُدُّ عَنْهُ لِسَانَ الشَّتِيمَةِ وَ تُبْطِلُ فِيهِ كَيْدَ حَامِلِ النَّصِيحَةِ وَ تُعَاشِرُهُ مُعَاشَرَةً كَرِيمَةً وَ لاَ حَوْلَ وَ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ».(1)
وأمّا المكبّ على المنهج المادّي فهو يكرمه، ليكون حافظاً ومراقباً لبيته، في غيابه ويردّ عنه كيد السارقين، وعلى احتمال أن يكون هو أحد السرّاق، فالحافز لتكريمه هو الانتفاع به أو دفع شرّه، وهذا هو الذي دفعنا إلى القول بالبعد بين المنهجين بعد المشرقين.
وكان سيدنا الأُستاذ الإمام الخميني(قدس سره)، يلقي دروساً في الأخلاق في فترة من الزمان وسألته يوماً عن المصادر التي يعتمد عليها، فقال

1 . رسالة الحقوق، الحق الثاني والثلاثون.

صفحه 21
طالعت «الإحياء» فلم يعجبني بحثه وتحليله، فرجعت إلى الآثار المروية عن الرسول وأئمّة أهل البيت(عليهم السلام) التي جمعها الشيخ الحرّ العاملي في وسائله في كتاب العشرة.
رزقنا الله وإيّاكم حلاوة الأخلاق القرآنية وأن يوفّقنا لأن يكون قيامنا وقعودنا وكلّ حالاتنا لله تبارك وتعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَة أَنْ تَقُومُوا للهِ مَثْنى وَفُرَادَى).(1)
إذا عرفت ذلك فلندخل في صلب الموضوع:
إنّ التخلّي عن الرذائل والتحلّي بالفضائل جاء في القرآن الكريم في قالبي النهي والأمر فنهى عن الأُولى وأمر بالثانية، ونحن نقدّم دراسة الأُولى على دراسة الثانية أخذاً بقول الحكماء:«التخلية ثمّ التحلية». حتّى أنّ الفلاّح يهيّئ الأرض للزراعة ويخرج ما يزاحم النباتات، ثم بعد ذلك ينثر البذور، فالنفس الإنسانية أشبه بأرض يراد زراعتها وتحليتها بفضائل الأخلاق فيلزم تطهيرها ممّا يزاحمها .

الأخلاق الإسلامية ضمن مجموعات من الآيات

قد وردت ضمن مجاميع من الآيات القرآنية الكريمة أُصول الأخلاق الإسلامية وآدابها، ونحن نشير إلى مواضعها حسب ترتيب السور.
المجموعة الأُولى: آيتان في سورة الأنعام تتضمّنان من أُصول

1 . سبأ:46.

صفحه 22
الأخلاق ضمن عشر وصايا.(1)
المجموعة الثانية: ما ورد في سورة الإسراء ضمن خمس عشرة آية.(2)
المجموعة الثالثة: ما ورد في صدر سورة المؤمنون ضمن تسع آيات.(3)
المجموعة الرابعة: ما ورد في آخر سورة الفرقان ضمن اثنتي عشرة آية.(4)
المجموعة الخامسة: ما ورد في سورة الحجرات ضمن آيتين.(5)
المجموعة السادسة: ما ورد في سورة لقمان ضمن سبع آيات.(6)
هذه المجاميع الست هي التي سنعتمد عليها وعلى غيرها في استخراج الأُصول الأخلاقية من القرآن الكريم، وهذه المجاميع تضمّنت في ثناياها أُصول الملكات الحسنة والصفات الرذيلة.
وكتابنا هذا يشتمل على فصلين أحدهما في التخلّي عن الرذائل، والآخر التحلّي بالفضائل.

1 . الأنعام:151ـ 152.
2 . الإسراء:23ـ 37.
3 . المؤمنون:1ـ 9.
4 . الفرقان:63ـ 74
5 . الحجرات:11ـ 12.
6 . لقمان:13ـ 19.

صفحه 23

الفصل الأوّل:

التخلّي عن الرذائل

1

النهي عن الاستهزاء بالمؤمنين

الأُصول الأخلاقية التي جاء بها الإسلام يجمعها مبدأ تكريم المؤمنين وصيانة شخصيتهم عمّا يُشينها، ولذلك فإنّه سبحانه حرّم الأُمور الستة التي جاءت في سورة الحجرات والتي سندرسها تالياً.
قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْم عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِنْ نِسَاء عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ).(1)
وقبل الدخول في تفسير الآية نذكر معاني بعض مفرداتها:
يسخر: السخرية: الاستهزاء وهو ذكر شيء يُستحقر ويُستهان به

1 . الحجرات:11.

صفحه 24
من قبل الإنسان بقول أو إشارة أو فعل تقليد، بحيث يُضْحَكُ منه بالطبع.
قوم: القوم: الجماعة، ويطلق ويراد به الرجال دون النساء. وفي الآية دليل على أنّ المراد هو الرجال، بشهادة أنّه خصّ النساء بالذكر بعد ذكره القوم.

التفسير

خاطب البيان القرآني المؤمنين بقوله:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)عليكم بصيانة شخصية المؤمن، فعلى هذا (لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْم): أي لا يستهزئ، فإنّ السخرية تنبت العداء، وتقطع عُرى الوحدة. ثم إنّه سبحانه علّل النهي عن السخرية بقوله: (عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ): أي عسى أن يكون المسخور منه خيراً من الساخر عند الله، فإنّ ملاك الفضيلة هو الإيمان والتقوى، ومن المحتمل أن يكون المسخور منه أفضل إيماناً وأكثر عملاً. قال الإمام الباقر(عليه السلام):«إنّ الله خبّأ ثلاثة أشياء في ثلاثة أشياء... وخبّأ أولياءه في خلقه، فلا تحقّرن أحداً فلعلّه ذلك الولي».(1)

1 . كشف الغمة:2/361; بحار الأنوار:78/187.

صفحه 25
2

النهي عن الطعن بالمؤمنين

إذا كان أساس الأخلاق في الإسلام هو صيانة شخصية المؤمنين، فالطعن به بإظهار عيوب المؤمنين ونقائصهم بقول أو بإشارة، يكون أمراً مبغوضاً عند الشارع، ومع أنّ الطاعن غير المطعون لكنّه سبحانه جمعهم تحت عنوان واحد، وقال: (وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ) واللمز هو التنبيه على العيوب، وما هذا إلاّ لأنّ المؤمنين كنفس واحدة، ولذلك نرى أنّه سبحانه يقول:(وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ)(1)، فكأنّ مَن قتل شخصاً فقد قتل نفسه، فعلى المؤمن أن يجتنب معاشرة هؤلاء اللمّازين الذين يصرفون أعمارهم في إظهار عيوب الناس باللمز، فإنّ المصاحبة مؤثرة، قال الإمام علي(عليه السلام): «إيّاك ومعاشرة متتبّعي عيوب الناس فإنّه لم يسلم مصاحبهم منهم».(2)
***

1 . النساء: 29 .
2 . غرر الحكم:148.

صفحه 26
3

النهي عن التنابز بالألقاب

قال تعالى:(وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).(1)
وإليك توضيح معاني بعض مفردات الآية:
تنابزوا: النبز ـ بالتحريك ـ هو القذف باللقب، والتنابز بالألقاب: ذكر الناس بلقب السوء.
الاسم: الذِكْر أو العلامة.

التفسير

من الأُصول الأخلاقية في الإسلام، النهي عن التنابز بالألقاب، كما يشير إليه قوله تعالى:(وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ): أي لا تسمّون المسلم بما يسوؤه بعد إيمانه، كقولك لمَن أسلم بعد أن كان مشركاً

1 . الحجرات:11.

صفحه 27
أو يهودياً: يا مَن كان كذا وكذا، أو: يا مَن كان أبوه أو أُمّه كذا وكذا (بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ): أي بئس تسمية إنسان باسم الفسوق، يعني: الكفر بعد الإيمان، كأن يقول: يا يهودي وهو قد آمن(1)، فإنّه إهانة للمؤمن فتجب التوبة منه، وإلاّ (وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)لنفوسهم بالإصرار على ارتكاب ما يستحقّون به العقاب.
ويشهد لهذا التفسير ما ذكره الطبرسي، قال: روي أنّ صفية بنت حُيَّي بن أخطب جاءت إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) تبكي، فقال لها: ما وراءك؟ فقالت: إنّ عائشة تعيّرني وتقول يهودية بنت يهوديين، فقال لها: «هلاّ قلت: أبي هارون، وعمّي موسى، وزوجي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)»، فنزلت الآية; عن ابن عباس.(2)

1 . مجمع البيان:9/250، بتصرّف.
2 . مجمع البيان:9/250; ولاحظ: أنساب الأشراف للبلاذري:1/532ـ533.

صفحه 28
4

النهي عن إساءة الظن بالمؤمنين

إساءة الظن بالمؤمنين أمر منهيّ عنه وتنتج عنه الرغبة في التجسّس ثم يقوده ذلك إلى الغيبة. ويظهر ذلك في الآية التالية:
قال سبحانه:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ).(1)
التدبّر في الآية يظهر لنا أنّ المقدّم من الأُمور الثلاثة سبب للتالي، فإذا أساء أحد الظن بأخيه جرّه ذلك إلى التجسّس عن أُموره وشؤونه الذاتية، ثم إنّه إذا وقف على عيوبه المستورة نزعت نفسه إلى كشفها أمام الآخرين، فيغتابه.
وإليك دراسة الأُمور الثلاثة واحداً بعد الآخر.
إنّ الإسلام حرّم دم المسلم وماله وعرضه، وهذا هو المعروف

1 . الحجرات:12.

صفحه 29
في الكتب الفقهية، ولكن يظهر من الآية أنّه حرّم أمراً رابعاً وهو إساءة الظن بالمؤمن حتى يحصل له الأمن في ذهن الآخرين وأفكارهم.
ومن حُسن الحظ وردت الأُصول الأربعة في كلام مروي عن النبي الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال:«إنّ الله حرّم من المسلم دمه وماله وعرضه وأن يظنّ به ظنّ السوء».(1)
ولذلك قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ)وإنّما قال: (كَثِيراً) ولم يقل الظنّ مطلقاً، لأنّ الظنّ ينقسم إلى حسن وسيّئ، فالممنوع هو الثاني لا الأوّل، قال سبحانه: (لَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا)(2).
ثمّ بيّن سبب الاجتناب بقوله: (إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) لأنّه يترتّب عليه التجسّس ـ كما يأتي ـ .
فإن قلت: كيف تكون إساءة الظن أمراً محرّماً مع أنّه أمر قلبي يخطر على ذهن الإنسان، شاء أم أبى؟
قلت: ما ذكرته صحيح، إلاّ أنّه إذا كان مقصّراً في مقدّماته وخطوره على قلبه يكون محرّماً، ولذلك ورد في الحديث: «إذا ظننتم فلا تحقّقوا». نعم لو طرأ الظن السيّئ على خاطر الإنسان فعليه

1 . المحجّة البيضاء للفيض الكاشاني:5/268; بحار الأنوار:75/201.
2 . النور: 12.

صفحه 30
أن يسعى في تصحيحه بأن يحمله على أحسن المحامل، ولذلك ورد عن أمير المؤمنين(عليه السلام) أنّه قال:«ضع أمر أخيك على أحسنه حتّى يأتيك ما يغلبك منه، ولا تظنّن بكلمة خرجت من أخيك سوءاً وأنت تجد لها في الخير محملاً».(1)
وكتب الإمام علي(عليه السلام) في عهده لمالك الأشتر وقال: «فَلْيَكُنْ مِنْكَ فِي ذلِكَ أَمْرٌ يَجْتَمِعُ لَكَ بِهِ حُسْنُ الظَّنِّ بِرَعِيَّتِكَ، فَإِنَّ حُسْنَ الظَّنِّ يَقْطَعُ عَنْكَ نَصَباً طَوِيلا»(2). أي يرفع عنك الحرج الكثير.

الآثار السيّئة لسوء الظن

إنّ إساءة الظن بالغير كما أنّها تلحق الضرر بالمظنون به، فهكذا تضرّ بنفس الظانّ، إذ تصبح فكرة سوء الظنّ أشبه بمرض يتفشّى في روح الإنسان ويسيطر عليه، وعندئذ لا يثق بأحد، قال الإمام علي(عليه السلام): «مَن غلب عليه سوء الظن لم يترك بينه وبين خليل صلحاً»(3).
أضف إلى ذلك: أنّ مَن يسيء الظن بالغير ثم بالمجتمع يصبح انزوائياً ومعتزلاً عن المجتمع، حيث تنقطع صلته بكلّ أصدقائه ; لأنّه سينظر إليهم بعين العداوة، فتنفصم عرى الألفة والمحبّة بينه

1 . أُصول الكافي:2/362 برقم 3، باب التهمة وسوء الظن.
2 . نهج البلاغة: قسم الرسائل برقم 53 .
3 . غرر الحكم: 697 .

صفحه 31
وبينهم، وعندئذ يستشعر الغربة والوحدة، كما قال الإمام علي (عليه السلام): «مَن لم يحسن ظنّه استوحش من كلّ أحد»(1).
وعلى ذلك فعلى مدراء المؤسسات والشركات أن يحسنوا الظن بالموظفين والعمال، وكذا الوالد بالنسبة إلى أولاده وزوجته وكلّ مَن له به صلة، اللّهم إلاّ إذا دلّت القرائن على خلاف ذلك، فعندئذ يجب عليه الحذر والاحتياط إلى أن ينكشف الواقع.
وقد عبّر عن هذا النوع من الظن بالنسبة إلى مَن تحت يد الإنسان بالتغاير في غير موضعه، قال الإمام (عليه السلام): «إيّاك والتغاير في غير موضعه، فإنّ ذلك يدعو الصحيحة إلى السقم والبريئة إلى الريب».(2)

1 . غرر الحكم: 712 .
2 . غرر الحكم: 152 .

صفحه 32
5

النهي عن تتبّع عيوب الآخرين

نهى الله سبحانه عن التجسّس بقوله: (وَلاَ تَجَسَّسُوا)، والتجسُّس هو تتبّع ما سُتر من أُمور الناس والاطّلاع عليها، ومثله التحسّس; إلاّ أنّ الأوّل يستعمل في الشرّ، والآخر في الخير، قال تعالى على لسان يعقوب في وصيته لولده: (يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ)(1).
والتجسُّس يحصل ـ غالباً ـ نتيجة لسوء الظنّ، فمَن يسيء الظن بأحد سوف يندفع إلى تحقيق المظنون ، والبحث عن العيوب، مبتغياً الوقوف عليها، ليهتك ـ بعد ذلك ـ ستره، وينتقص من كرامته، ويسيء إلى سمعته، وبهذا يكون على جانب النقيض ممّا أوصى به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وقال: «إنّ الله حرّم على المسلم دمه وماله وعرضه» فإذا

1 . يوسف: 87 .

صفحه 33
كان المجتمع الإسلامي متآخياً فيكون كنفس واحدة، فهل يرضى الإنسان أن يهدم شخصيّته وعرضه؟ والجواب: طبعاً لا.
وما أحلى قول الإمام الصادق (عليه السلام)في مَن يتجسَّس على أُمور الناس، قال: «أبعد ما يكون العبد من الله أن يكون الرجل يُواخي الرجل وهو يحفظ عليه زلاّته ليعيّره بها يوماً ما».(1)
فالتجسّس تلاعب بكرامة المسلم، ولذلك نرى أنّ النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)يذمّ المتجسِّس بقوله: «يا معشر مَن أسلم بلسانه ولم يخلص الإيمان إلى قلبه، لا تذمّوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم...»(2).

الاستخبارات والأمن العام لصالح الأُمّة

إنّ الإسلام لم يسمح لأحد أن يسيء الظن بالمسلمين، كما لم يسمح له بالاطّلاع على دخيلة أحد، ولكنّ التأمّل في تلك النصوص يؤتي أنّ النهي يختصّ بالأسرار الفردية التي لا تمتّ للمجتمع بصلة ولا ترتبط بمصالح الأُمّة أي ارتباط، أمّا إذا تعلّق الأمر بالمصالح العامّة فالأمر مختلف، إذ لا يمكن التغاضي عن مراقبة الأفراد الذين

1 . أُصول الكافي: 2 / 355، برقم 7، باب من طلب عثرات المؤمنين وعوراتهم.
2 . أُصول الكافي: 2 / 354، برقم 2. وانظر: المعجم الكبير للطبراني: 11 / 149 برقم 11444 .

صفحه 34
تشكّل نشاطاتهم السرّيّة خطراً على المجتمع أو الكيان الإسلامي، فمن البديهي أن تترجّح، هنا، المصالح العامّة على المصالح الخاصّة، وإلاّ تعرّضت الأُمّة لأخطار تهدّد أمنها الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي.
إنّ التشريع الإسلاميّ الذي ينهى بشدّة عن محاولة الاطّلاع على دخائل الناس وأسرارهم الشخصيّة، لا يمنع من التعرّف على الأُمور التي ترتبط بمصلحة الجماعة، بل يسمح للدولة الإسلاميّة بجمع المعلومات الصحيحة المفيدة لوضعها تحت تصرّف الحاكم الإسلاميّ، حتّى يتحرّك على ضوئها، فيتعرّف على المتآمرين، ويبطل خططهم ومؤامراتهم حفاظاً على مصلحة الأُمّة، وصيانة لوجودها وكيانها من كيد الكائدين ومكر الماكرين، وهذا أمر يؤيّده العقل السليم وتقبله الفطرة، وتدعو إليه الحكمة، ويقتضيه التدبير الصحيح، والسياسة الرشيدة.

صفحه 35
6

النهي عن الغيبة

اتّفق المسلمون على حرمة الغيبة حرمة مؤكّدة، ويدلّ عليها من الآيات ما يلي:

الآية الأُولى

قوله سبحانه: (وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ).(1)
ولسان الدليل هو الحرمة المؤكّدة بشهادة التشبيه البديع الوارد فيها، حيث نزّل الأخ المؤمن منزلة الأخ النسبي، الذي لا ينفكّ ـ حسب العادة ـ عن الودّ والحب، وجعل عرضه بمنزلة اللحم الذي

1 . الحجرات:12.

صفحه 36
يشكّل بدن الإنسان وبه قوام حياته، وعدّ التفكّه أكلاً للحمه، كما نزّل غيبته وعدم قدرته على الدفاع منزلة كونه ميّتاً، وفي الآية من بديع البلاغة ما لا يخفى.
وعلى كلّ تقدير فالنهي مع التشبيه ثم التعقيب بالأمر بالتقوى آية الحرمة المؤكّدة.

الآية الثانية

قوله سبحانه: (لاَ يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا عَلِيمًا * إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوء فَإِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا).(1)

وجه الاستدلال

إنّ المراد من «السوء من القول» كلّ كلام يسوء من قيل فيه كالدعاء عليه، والقول بما فيه من المساوئ والعيوب، وبما ليس فيه، فالجهر بها كلّها غير محبوب عند الله، والغيبة من مصاديقه.
ويؤيّد الإطلاق ـ أي شمول (الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ)للغيبة ـ الآية الثانية، حيث قال تعالى: (إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ

1 . النساء:148ـ149.

صفحه 37
سُوء فَإِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا) إذ لا شكّ أنّ السوء فيها يشمل الغيبة، فهو قرينة على إطلاق الآية المتقدّمة عليه.
وبعبارة أُخرى: السوء من القول تعبير آخر عن القول السوء فيشمل السب والغيبة والنميمة.
ثمّ إنّه سبحانه استثنى بقوله: (إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ): أي جَهر مَن ظُلم فيجوز له الجهر بمساوئ الظالم للدفاع عن حقّه، ولكن لا يتجاوز حدود الظلم إلى ما لا يرتبط به، وكذا ما ليس فيه أبداً. والاستثناء لأجل ألاّ يغتر الظالم بما فعل ويرتكب ما يرتكب.
فإن قلت: الموضوع هو الغيبة وما ورد في الآية (الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ).
قلت: لأنّ الغيبة من القول الذي يسوء المقول فيه، فهو بإطلاقه يشمل الغيبة.
فإن قلت: إنّ عدم المحبوبية ـ كما هو الظاهر من قوله:(لا يُحِبُّ)ـ لا يدل على الحرمة، بل يجتمع مع الكراهة.
قلت: إنّ مناسبة الحكم والموضوع تقتضي حمله على الحرمة، فإنّ المناسب لكلام الشرع هو الحرمة.

الآية الثالثة

قال سبحانه:(إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي

صفحه 38
الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ).(1)
وجه الدلالة: أنّ الفاحشة هي كلّ قبيح سواء أكان هو القذف أم كشف العيب الذي ستره الله.
فإن قلت: إنّ الآية تدلّ على أنّ حبّ شيوع الفاحشة من المحرّمات وقد أوعد الله عليه النار، والغيبة إخبار عن الفاحشة، والعيب المستور، وهما متباينان.(2)
قلت: ليس المراد مجرد الحبّ بلا فعل ولا عمل; بل المراد الذين يشيعون الفاحشة عن حبّ وقصد، وقد وردت الآية في مورد القذف، فالقاذف بلا بيّنة هو الذي يشيع العمل السيِّئ عن حبّ وإرادة، فاقرأ شأن نزول الآية في مجمع البيان.(3) والمراد من عذاب الدنيا هو الحدّ.
فإن قلت: فعلى هذا تختصّ الآية بالقذف، فكيف يُستدلّ بها على حرمة الغيبة التي ليست من مقولة القذف؟
قلت: الفاحشة في اللغة هي القبيح من القول والفعل، وجمعها الفواحش، ففي القاموس: الفاحشة ما يشتدّ قبحه من الذنوب، فالآية

1 . النور:19.
2 . مصباح الفقيه:1/319.
3 . لاحظ: مجمع البيان:7/244.

صفحه 39
تهدف إلى أنّ إشاعة الفاحشة أي فاحشة كانت عن حبّ وقصد، حرام فتشمل بإطلاقها الغيبة. وإن لم يكن قذفاً والمورد لا يقيّد إطلاق الحكم.
الآية الرابعة
قال سبحانه:(وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَة لُمَزَة).(1)
الهمز واللمز هو كثرة الطعن، ويكون باللسان وغيره، بالحضور والغياب، وبينه وبين الغيبة عموم وخصوص من وجه، فالطعن بالأمر الظاهر همز ولمز وليس غيبة، وإظهار العيب المستور بلا طعن غيبة، وليس بهمز ولا لمز، وقد يجتمعان، وهذه الآيات هي التي تدلّ بنصوصها أو إطلاقاتها على حرمة الغيبة.

ماهيّة الغيبة

يقع الكلام في تحديد ماهيّة الغيبة حسب نصوص أهل اللغة وما ورد في الروايات. أمّا الأوّل فقال في «المقاييس»: الغيبة: الوقيعة في الناس من هذا.(2)
وقال في «القاموس»: غابه: عابه وذكره بما فيه من السوء.(3)

1 . الهمزة:1.
2 . معجم مقاييس اللغة:4/403، مادة «غيب».
3 . القاموس المحيط:1/112، مادة «الغيب».

صفحه 40
وقال في «اللسان»: واغتاب الرجل صاحبه اغتياباً: إذا وقع فيه وهو أن يتكلّم خلف إنسان مستور بسوء، أو بما يغمّه لو سمعه وإن كان فيه، فإن كان صدقاً فهو غيبة، وإن كان كذباً، فهو البهت والبهتان.(1)
وقال في «المصباح»: واغتابه اغتياباً إذا ذكره بما يكره من العيوب وهو حقّ، والاسم الغيبة، فإن كان باطلاً فهو الغيبة في بهت، والغيب كلّ ما غاب عنك، وجمعه غيوب.(2)
وعلى هذه النصوص لا تتحقّق الغيبة إلاّ بأُمور:
1. أن يكون المذكور مستوراً، كما هو صريح «مقاييس اللغة» و«لسان العرب».
2. أن يكون عيباً ونقصاً، كما عليه اللسان و القاموس، حيث قال الأوّل: يتكلّم خلف إنسان مستور بسوء، وقال الثاني: غابه: عابه وذكره بما فيه من السوء.
3. أن يكون ممّا يكرهه كما عليه المصباح، أي يكره ظهوره سواء أكان وجوده أيضاً مكروهاً كالرجس والجذام أم يكون ظهوره فقط مكروهاً، كما في المعاصي.
وعلى هذه النصوص تكون الغيبة منحصرة بما إذا كشف

1 . لسان العرب:1/656، مادة «غيب».
2 . المصباح المنير:2/128، مادة «غاب».

صفحه 41
المتكلّم العيب المستور والنقص الخفيّ، سواء أكان وجوده مكروهاً أم لا، هذا هو المتحصّل من كلمات أئمّة أهل اللغة.
وأمّا الروايات، فالحديث الذي رواه الفريقان هو المعيار.
روى الشيخ بسنده عن أبي ذر أنّه قال: قلت: يا رسول الله! وما الغيبة؟ قال:«ذكرك أخاك بما يكره». قلت: يا رسول الله، فإن كان فيه الذي يذكر به، قال:«اعلم أنّك إذا ذكرته بما هو فيه فقد اغتبته، وإذا ذكرته بما ليس فيه فقد بهتّه».(1)
ومن طريق أهل السنّة روى البيهقي، عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال:«أتدرون ما الغيبة؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «ذكرك أخاك بما يكره» قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهتّه».(2)
فلو قيل: إنّ المراد من الموصول النقص الخلقي والعيب الشرعي، والمراد من الكراهة كراهة ظهوره، سواء أُكرِهَ وجوده أم لا، فعندئذ يتحد مع ما استظهرناه من كلام أهل اللغة.
هذا هو إجمال الكلام والتفصيل محوّل إلى الكتب الفقهية.

1 . الوسائل:8 ، الباب152، من أبواب أحكام العشرة، الحديث9.
2 . سنن البيهقي:10/247، باب كتاب الشهادات.

صفحه 42

كفّارة الغيبة هي الاستغفار

إنّ الغيبة من المعاصي الموبقة فلا تغفر إلاّ بالاستغفار، ولأجل ذلك لا شكّ أنّه يجب على المغتاب الاستغفار، قال سبحانه:(وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ).(1)
وقال سبحانه:(وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيماً)(2). والغيبة داخلة في الفحشاء أوّلاً، وعمل السوء ثانياً.
لكن الظاهر من كلمات الأصحاب أنّه يجب عليه أمران آخران:
أ. الاستحلال من المغتاب.
ب. الاستغفار له. والتفصيل في الكتب الفقهية.
إنّ الصور التي تستثنى من حرمة الغيبة حسب ما ذكره صاحب «مفتاح الكرامة» تبلغ 12 مورداً، غير أنّ الوارد في الذكر الحكيم مورد واحد، وهو :
تظلّم المظلوم بإظهار ما فعل الظالم به
ويدل عليه آيتان:

1 . آل عمران:135.
2 . النساء:110.

صفحه 43
الأُولى:(لاَ يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا عَلِيمًا * إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوء فَإِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا)(1). فقوله: (مَنْ ظُلِمَ): أي جهر من ظلم، فلا بأس بأن يجهر بالسوء من القول في مَن ظلمه من حيث إنّه ظلم، وهذه هي القرينة على أنّه إنّما يجوز له الجهر بالسوء من القول يبيّن فيه ما ظلمه، ويظهر مساوئه التي فيه ممّا ظلمه به.(2)
نعم إنّ الاستثناء منقطع، وجهه: أنّ المستثنى منه أمر حدثي مصدري، أعني:(الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ)، وأمّا المستثنى فهو عبارة عن الشخص الخارج، أعني: المظلوم، لكن مجوّز الاستثناء عبارة عن كونه مُظهِراً ومُعلِماً بما في الظالم من المساوئ، فلأجل ذلك صحّ الاستثناء، وعلى ذلك يكون المستثنى(من ظلم) في موضع الجر بحذف المضاف، أي: جهر (مَنْ ظُلِمَ).
وأورد سيدنا الأُستاذ(قدس سره) على الاستدلال بوجهين:
الأوّل: أنّ الاستدلال يتوقّف على كون الاستثناء متّصلاً، وأنّ الاستثناء من الجهر بالسوء، وكأنّ تقديره: لا يحب الله الجهر إلاّ جهر مَن ظُلم.
الثاني: أنّ المتكلّم في مقام بيان عقد الاستثناء، وكلاهما

1 . النساء:148ـ149.
2 . الميزان في تفسير القرآن:5/120.

صفحه 44
غير ثابتين. لما حُكي عن ابن جنّي أنّه منقطع، وعن
ابن عباس وجماعة أُخرى قراءة (مَن ظلم) معلوماً، وعليه
يكون منقطعاً، ويكون المعنى: لكن مَن ظلم (بصيغة المعلوم)
لا يخفى أمره على الله تعالى، بقرينة (سَمِيعاً عَليماً) أو كان التقدير: لكن مَن ظُلم(بصيغة المجهول) جهر بظلامته، أو مَن ظُلم
جهر بظلمه.(1)
يلاحظ عليه: أنّ الأُدباء اتّفقوا على أنّ الاستثناء المنقطع لا يقع في الكلام المفصح إلاّ بنحو يرجع إلى المتّصل حقيقة أو توهّماً، وأمّا الآية فمن المحتمل تقدير أحد اللفظين: لفظة «من أحد» أو لفظة «جهر»: (لاَ يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ)(من أحد) (إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ)، أو جهر (مَنْ ظُلِمَ) وأمّا الاحتمالان في كلامه(قدس سره)فبعيدان عن سياق الآية.
وأمّا الثاني فالأصل في الكلام أن يكون في مقام البيان وأي فرق بين هذا الاستثناء وبين الاستثناء الوارد في حديث:«لا تعاد الصلاة إلاّ من خمس» فإنّ الفقهاء يستدلّون على الأحكام الشرعية بكلا الجانبين.
الآية الثانية: قوله تعالى:(وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ * وَجَزَاءُ سَيِّئَة سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ

1 . المكاسب المحرمة:1/283.

صفحه 45
إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيل).(1)
قال الراغب: الانتصار والاستنصار: طلب النصرة.(2)
والمعنى: إذا أصاب بعضهم الظلم، طلب النصر من الآخرين، وكانوا متّفقين على الحقّ كنفس واحدة، فكأنّ الظلم أصابهم جميعاً، فطلب المقاومة عبادة وقد وُعدوا بالنصرة.
أقول: على ما ذكرنا من معنى الآية لا يدلّ صريحاً على جواز الغيبة، بل يدلّ على جواز طلب النصر أو جواز الانتقام من الظالم بشرط التساوي، كما هو صريح قوله سبحانه:(وَجَزَاءُ سَيِّئَة سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا).
نعم يمكن استظهار دلالة الآية على جواز الغيبة بأنّ طلب النصر أو الانتقام لا ينفك عن ذكر مساوئ الظالم والجهر بظلمه، وإلاّ
فلا يتحقّق طلب النصر أو الانتقام، وعلى ذلك يجوز ذكر مساوئ الظالم وغيبته عند مَن يرجى منه النصر، سواء أكان الظالم متجاهراً
أم لا.
إلى هنا تمّت دراسة ما في سورة الحجرات من الآيات التي

1 . الشورى:39ـ41.
2 . المفردات للراغب:495، مادة «نصر».

صفحه 46
تتضمّن أحكاماً سلوكية وأخلاقية، وفي الوقت نفسه تتضمّن حكماً شرعياً إلزامياً. وحان الوقت للرجوع إلى سائر الأحكام الأخلاقية التي وردت في الذكر الحكيم، من غير فرق بين ورودها فيما مرّ من المجموعات أو غيرها.

صفحه 47
7

النهي عن الكذب

إنّ من الأُمور المحرّمة الواردة في الكتاب العزيز، الكذب، وكفى في حرمته قول الشيخ الأنصاري: الكذب حرام بضرورة العقول والأديان، وتدلّ عليه الأدلة الأربعة.(1)
وعلى هذا فنحن في غنى عن ذكر الأدلّة على تحريمه; لأنّه من قبيل إيضاح الواضحات، وكفى في ذلك ورود مادة الكذب في الذكر الحكيم ـ بالصيغ المختلفة ـ أزيد من مئتي مرّة.
والذي يلزم فيه الكلام الأمران التاليان:
1. بيان ماهية الكذب.
2. ما هو الفرق بين كذب الكلام وكون المتكلّم كاذباً؟
وإليك دراسة الأمرين:

1 . المكاسب:1/336.

صفحه 48
أمّا الأوّل فيتوقف على بيان تقسيم الكلام إلى الإنشاء والإخبار، فيقال: إنّ الكلام إمّا إنشاء أو إخبار.
أمّا الإنشاء فيراد به إيجاد أمر اعتباري قابل للإيجاد باللفظ، فهو بما أنّه إنشاء أي إيجاد باللفظ في عالم الاعتبار لا يقبل الصدق والكذب إذ لا يخبر عن شيء حتى تتصوّر فيه المطابقة وخلافها. فقول القائل: بعت، أو اشتريت، أو أنكحت، يساوي إنشاء هذه الأُمور وإيجادها بنفس الاستعمال إذا كان عن جدّ، والمفروض تحقّق جميع ذلك.
وأمّا الإخبار فهو ما يكون ظاهر الكلام حاكياً عن واقع
خارج عن الكلام ومعناه، من غير فرق بين كون الإخبار عن
وجود الشيء أو عدمه فقولنا: زيد موجود مثل قولنا: بكر معدوم، فكلا الكلامين حاكيان عن متصوّر خارجي: إمّا حاكياً عن اشتمال الخارج عليه أو حاكياً عن عدم اشتماله عليه، إذ ليس للعدم
واقعية حتى يقال: إنّ الخارج مشتمل عليه، والصحيح أن يقال: عدم اشتماله عليه.
إذا عرفت ذلك فنقول: عرف صدق الخبر بمطابقته للواقع، وكذبه بعدمها.
ثمّ إنّ التفتازاني قد تصرّف في التعريف المشهور في الصدق والكذب بأنّ المراد من مطابقة الخبر هو مطابقة حكمه، فإنّ رجوع

صفحه 49
الصدق والكذب إلى الحكم أوّلاً وبالذات وإلى الخبر ثانياً وبالواسطة.(1)
والظاهر أنّه تصرّف غير لازم، ومراد المشهور هو مطابقة ظهور الكلام الحاصل له من مجموع الجملة.
هذا كلّه حول الأمر الأوّل.
وأمّا الأمر الثاني، أعني: ما هو الملاك لكون المتكلّم كاذباً أو صادقاً؟ فلو قلنا بأنّ الملاك فيه كون ظهور كلامه مطابقاً أو مخالفاً للواقع فيتّحد ملاكاً مع صدق الكلام وكذبه.
ولكن الظاهر أنّ الملاك في كون المتكلّم صادقاً أو كاذباً غير الملاك في صدق الكلام وكذبه، فالملاك في الثاني هو ما مرّ من حديث المطابقة أو المخالفة، وأمّا الملاك في الأوّل فالظاهر أنّ اتّصافه بالصدق والكذب دائر مدار كون ما أراده، مطابقاً للواقع أو لا; فإن كان ما أراده من الكلام مطابقاً للواقع فهو صادق، وإن كان ما أراده مخالفاً للواقع فهو كاذب، ولأجل ذلك إذا وقف المخاطب على توريته وأنّه أراد بكلامه خلاف ظاهره لما وصفه بكونه كاذباً، بل وصفه بكونه مورّياً.
وفي بعض الروايات ما يدلّ على أنّ التورية ليست من الكذب:
1. ما رواه محمد بن إدريس، عن كتاب عبد الله بن بكير، عن

1 . المطوّل:31، الطبعة الحجرية; شرح المختصر:1/38، طبعة مصر.

صفحه 50
أبي عبد الله(عليه السلام) في الرجل يستأذن عليه فيقول للجارية: قولي: ليس هو هاهنا، قال: «لا بأس. ليس بكذب».(1)
2. رواية سويد بن حنظلة قال: خرجنا ومعنا وائل بن حجر نريد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فأخذه أعداء له، وتحرّج القوم أن يحلفوا فحلفت بالله
أنّه أخي، فخلّى عنه العدو، فذكرت ذلك للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فقال:«صدقت، المسلم أخو المسلم».(2) فالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أجاز ما فعل سويد وبيّن
له صواب قوله فيما احتال به ليكون صادقاً في يمينه، فدلّ على
ما قلناه.

إيضاح

ورد في مصادر أهل السنّة أنّ إبراهيم الخليل(عليه السلام) كذب ثلاث كذبات، وعدّوا منها الآية التالية:(قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا
يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا
يَنْطِقُونَ
).(3)
فربما يقال: إنّ إبراهيم(عليه السلام) كذب في قوله: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ)، لأنّ إبراهيم(عليه السلام) كسّر الأصنام، فإضافة تكسيرها إلى غيره كذب.

1 . الوسائل:8 ، الباب141 من أبواب أحكام العشرة، الحديث8 .
2 . الخلاف:2/459، المسألة6، كتاب الطلاق; سنن أبي داود:3/224، الحديث 3256.
3 . الأنبياء:62ـ63.

صفحه 51
والجواب الرائج هو إخراج هذا الكلام عن الكذب حيث إنّ الجملة الشرطية ـ أعني قوله: (إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ) ـ من قيود قوله: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ) وكأنّه قال: بل فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون، وحيث انتفى المقدّم انتفى التالي.
غير أنّ هذا الجواب لا يلائم ظاهر الآية، لأنّ الجملة الشرطية من قيود قوله: (فَاسْأَلُوهُمْ)لا الجملة المتقدّمة، وظاهر قوله:(فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ) أنّ السؤال مشروط بإمكان نطقهم، ويدلّ على ذلك، الفصل بين الجملتين بقوله: (هَذَا)وعلى ذلك فإرجاع الجملة الشرطية إلى قوله: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ)مخالف للظهور.
والأولى في الجواب أن يقال: إنّ الكذب في الكلام إنّما يتحقّق إذا لم تكن هناك قرينة على أنّ المتكلّم لم يرد ما ذكره بالإرادة الجدّية، وإنّما ذكره لغاية أُخرى، وعندئذ يخرج الكلام عن الكذب، وأمّا القرينة فهي أنّ من المسلّمات بين البشر ـ فضلاً عن إبراهيم(عليه السلام)ـ أنّ الجماد لا يقدر على الحركة والفعل، وأنّه لا يمكن أن تقوم الأخشاب بكسر الأصنام، وإنّما ذكره إبراهيم(عليه السلام)استهزاءً بهم واستنطاقاً لهم حتى يعودوا ويقولوا: (لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاَءِ يَنْطِقُونَ)(1)، فيرجع إليهم ببرهان قاطع ويقول: (أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ

1 . الأنبياء:65.

صفحه 52
اللهِ مَا لاَ يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلاَ يَضُرُّكُمْ).(1)
وأمّا الموردان الآخران فلاحظ تفسيرنا منية الطالبين(2) تجد فيه ما يفيدك.

1 . الأنبياء:66.
2 . منية الطالبين في تفسير القرآن المبين:18/115ـ118.

صفحه 53
8

النهي عن النجوى في مجالس المؤمنين

النجوى هي المسارّة بين اثنين أو أكثر...
إذا اجتمع عدد من المؤمنين في مجلس واحد، وبدأوا بالحوار في موضوع معيّن، فمن آداب المحاورة في الإسلام ترك المسارّة بين اثنين أو أكثر لأنّه يثير سوء الظن بين الباقين، قال سبحانه: (إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا)(1).
إنّ النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)بعث متمّماً لمكارم الأخلاق، وقد أكّد القرآن الكريم على بيان آداب المعاشرة وتأديب الناس بالمثل العليا، وقد تقدّم الأمر بالتفسّح في المجالس، وأمّا المقام فقد عاد ينهى عن النجوى ويصف هذا العمل بأنّه من الشيطان أي من وساوسه وإغوائه حتى يقوم المتناجي بهذا العمل لكي يثير حفيظة الآخرين.

1 . المجادلة:10.

صفحه 54
نعم ربما تقوم القرينة على أنّ النجوى بين القوم لإصلاح الأمر، وإقناع أحد الأطراف بأمر فيه مصلحة، فهذا ممّا لا إشكال فيه، ولذلك استثني في آية أُخرى ما يكون فيه الخير، قال سبحانه: (لاَ خَيْرَ فِي كَثِير مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَة أَوْ مَعْرُوف أَوْ إِصْلاَح بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيماً).(1)
الظاهر أنّ الاستثناء متّصل ومعنى هذه الآية أنّه لا خير في كثير من المتناجين الذين يسرّون الحديث مع جماعة خاصّة أو من سائر الناس إلاّ من أمر منهم بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس، ففي هؤلاء المتناجين كل الخير لأنّ هذه الثلاثة مجامع الخيرات والتناجي فيها خير.
ويمكن جعل المستثنى متّصلاً من دون حاجة إلى تفسير النجوى بالمتناجيين المتسارّين، بل يتم ذلك بتقدير كلمة «نجوى» بأن يقال: لا خير في كثير من نجواهم إلاّ نجوى من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس.
إنّما الكلام في كون نفس التناجي في هذه الموارد الثلاثة موصوفاً بالخير الكثير.
وقد أوضحه صاحب المنار قائلاً: أمّا الصدقة فإنّ إظهارها قد

1 . النساء:114.

صفحه 55
يؤذي المتصدّق عليه، ويضع من كرامته، ولذلك جعل سبحانه إخفاءها خيراً، كما قال: (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ)(1).
وأمّا المعروف فهو ضد المنكر فالذي يأمر بالمعروف على مسمع من الناس يستاء في الغالب من الآمر، ومن أجل ذلك كانت النجوى به أبعد عن الإيذاء وأقرب إلى القبول والإمضاء.
وأمّا الإصلاح بين الناس فهو أيضاً من الخير الذي قد يترتّب على إظهاره والتحدّث به في الملأ شر كبير، فالإصلاح بين الناس يحتاج فيه إلى الكتمان.(2)
يلاحظ عليه: أنّ الكلام في كون نفس النجوى والمسارّة خيراً، كما هو الحال في القسمين الأخيرين حسب ما بيّن، وأمّا القسم الأوّل فالخير حسب بيانه ليس في نفس النجوى، بل في نفس التصدّق إذا كان خفاء دون الجهر، فلابدّ أن يمثل له بمثال آخر، ولا محيص من أن يقال: إذا كان الأمر بالتصدّق سرّاً نافذاً، بخلاف الجهر به، حيث يثير سؤالاً: ما هو الوجه في التصدّق، هل ارتكب شرّاً؟

1 . البقرة:271.
2 . تفسير المنار:5/206ـ207، بتصرّف.

صفحه 56
9

الاجتناب عن الرياء والسُمعة

عُرّف الرياء بأنّه طلب المنزلة في قلوب الناس بخصال الخير أو ما يدلّ عليها من الآثار، وهو من أصناف الجاه.
ثمّ إنّ الرياء في العبادات كمثل الصلاة والصوم والحجّ والصدقة، مبطل لها، وأمّا في المندوبات والمستحبات فلا يترتّب عليها الثواب.
ثمّ إنّ المراد من الآثار في قولنا:«أو ما يدلّ عليها من الآثار» ما ليس في ذاته بِرّاً أو خيراً، وإنّما يُستدلّ به على الخيرية، كإظهار الهزالة ليستدلّ به على الصوم، أو صفرة الوجه ليستدلّ به على سهر الليل.
وقد تضافرت النصوص القرآنية على ذمّه، خصوصاً في العبادات، قال سبحانه:(فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً

صفحه 57
صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا)(1)، وقال سبحانه:(يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاَّ قَلِيلاً)(2).
وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«إنّ أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر» قالوا: وما الشرك الأصغر؟ قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«هو الرياء، يقول الله عزّ وجلّ يوم القيامة ـ للمرائين ـ إذا جازى العباد بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم الجزاء».(3)
كما ورد النهي في مورد الإنفاق في قوله تعالى: (كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ)(4).
وهناك سؤال ربما يُطرح وهو: نفترض أنّ إنساناً ثرياً بنى مستشفى كبيراً، مجهّزاً بأنواع الأجهزة ومختلف الأدوات التي يحتاج إليها الأطباء، من المختبرات ونحوها، غير أنّ غرضه من هذا البناء هو طلب المنزلة في قلوب الناس، فلماذا لا يقبله الإسلام، ويمنع عن الإنفاق رياء، مع أنّ الناس ينتفعون من عمله سواء أكان مرائياً أو مخلصاً؟

1.الكهف:110.
2.النساء:142.
3. مستدرك الوسائل:1/107 برقم 12(108)، الباب 11 من أبواب مقدّمة العبادات.
4.البقرة:264.

صفحه 58
والجواب: أنّ في المقام منهجين: أحدهما غربي، والآخر إسلامي. أمّا الأوّل فلأنّ الميزان في تقييم الأعمال كونها مفيدة للناس، سواء أكان العامل مخلصاً أو مرائياً طالباً المنزلة بين الناس، ولذلك يجتمع الناس والمراسلون والإعلاميون في يوم افتتاح العمل المفيد كالمستشفى أو دار العجزة والمسنّين، ويقوم المصوّرون بتصوير كافّة مرافق وأقسام هذا المشروع، وبعد ذلك تنشر التقارير المصوّرة في وسائل الإعلام من فضائيات وصحف ومجلاّت.
وأمّا المنهج الآخر، فإنّ للتقييم فيه دعامتين: إحداهما كون العمل مفيداً للمجتمع، وهو يشارك في هذا الأصل المنهج السابق، وأمّا ثانيهما كون المبدأ طاهراً والنية خالصة منعزلاً عن الأنانية والمصالح الشخصية، وإلاّ فلو لم يخلص من هذه الضمائم فليس له أن يطلب الأجر والثواب من الله تعالى، لأنّه لم يعمل لله حتى يحق له أن يطالب بالجزاء.
ولذلك نرى أنّه سبحانه يسلب عن المشركين حق إعمار المسجد الحرام، يقول سبحانه: (مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ).(1) وما ذلك إلاّ لأنّ نياتهم ليست خالصة إذ لو كانت كذلك لعبدوا الله عزّ وجلّ مكان عبادة الأصنام.

1.التوبة:17.

صفحه 59
وعلى هذا فمن يريد الثواب والمنزلة الرفيعة عند الله تعالى، فليكن عمله خالصاً لله، يقول سبحانه:(فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا)(1).
قال العارف النراقي(رحمه الله): وكفى للرياء ذمّاً أنّه يوجب الاستحقار لله وجعله أهون من عبادة الضعفاء الذين لا يقدرون نفعاً ولا ضراً، إذ من قصد بعبادة الله عبداً من عبيده، فلا ريب في أنّ ذلك لأجل ظنه بأنّ هذا العبد أقدر على تحصيل أغراضه من الله، وأنّه أولى بالتقرب إليه منه تعالى، وأي استحقار بمالك الملوك أشدّ من ذلك.(2)

صفات المرائي

للمرائي ثلاث صفات:
1. ينشط إذا رأى الناس.
2. يكسل إذا كان وحده.
3. يحب أن يحمد في كلّ أُموره.
نعم هنا نكتة أُخرى وهي أنّ كثيراً من الناس يتركون الأعمال الصالحة خوفاً من الرياء، ولكنّه فعل غير صحيح فإنّ الشيطان يدعو أوّلاً إلى ترك العمل الصالح، فإن لم يستجب يدعو إلى الرياء،

1.الكهف:110.
2. جامع السعادات:2/378.

صفحه 60
فالإنسان على نفسه بصيرة، فلا يعتدّ ببعض الوساوس والخواطر الشيطانية، فليقدم على تنفيذ الأعمال الصالحة ويترك هذه الوساوس.
فإذا كان الرياء مذموماً، فالإخلاص هو المحمود، وهو ضد الرياء ويعرّف: تجريد القصد عن الشوائب كلّها وله مراتب:
1. من قام بعبادة لكن انضمّ إلى قصد القربة قصدَ غرض دنيوي إنضماماً غير مستقل، فعمله مشوب غير خالص. فمن قصد النظافة وطيب الرائحة من الوضوء والغسل فليس بمخلص في عمله، لانضمام غرض دنيوي إلى عبادته تبعاً.
2. أن يعمل لغرض أُخروي أعني الخوف من عذابه سبحانه ورجاء نعيمه وهذا أمر مطلوب، ربما يقوم به الأولياء الصالحون من عباد الله تعالى، قال سبحانه: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ).(1)
3. ثمّ أعلى مراتب الإخلاص ـ وهو الإخلاص المطلق و إخلاص الصدّيقين ـ إرادة محض وجه الله سبحانه من العمل، دون توقع غرض في الدارين، ولا يتحقّق إلاّ لمحبّ لله تعالى مستهتراً
به، مستغرق الهمّ بعظمته وجلاله، بحيث لم يكن ملتفتاً إلى الدنيا

1.الأنبياء:90.

صفحه 61
مطلقاً.
وأدناها ـ أعني الإخلاص الإضافي ـ قصد الثواب والاستخلاص من العذاب، وقد أشار سيد الرسل(صلى الله عليه وآله وسلم)إلى حقيقة الإخلاص بقوله:«هو أن تقول ربي الله ثم تستقيم كما أُمرت، تعمل لله، لا تحب أن تحمد عليه، أي لا تعبد هواك ونفسك، ولا تعبد إلاّ ربك، وتستقيم في عبادتك كما أُمرت».(1)

1.جامع السعادات:2/402ـ 403.

صفحه 62
10

النهي عن الحسد مكان الغبطة

الحسد هو عبارة عن الحزن على رؤية النعمة لدى الآخرين، وتمني زوالها; بل السعي في طريق رفعها عن الطرف الآخر.
وأمّا الغبطة فهي على طرف النقيض منه، وهو السرور لرؤية النعمة لدى الآخرين، وتمني أن يكون له مثل تلك النعمة.
فالحسد خصلة رذيلة، والغبطة خصلة فضيلة.
وقد جاء الحسد في غير واحدة من الآيات، نقتصر بذكر آيتين منهن: قال سبحانه: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطْتَ إِليَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِط يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ).(1)
وقبل تفسير الآيتين نشير إلى معاني عدد من مفرداتهما:

1 . المائدة:27 ـ 28.

صفحه 63
اتل: إقرأ.
ابني آدم: ولدا آدم أبي البشر، والتثنية دليل على أنّهما كانا من أولاده الصلبيين.
بالحق: قيد لقوله: (وَاتْلُ) وهو يدلّ على أنّ القصة كانت مقرونة بالخرافات وغير الحق.
قرباناً: وهو مصدر كالشكران والكفران، وهو هنا ما يقصد به القُرب من الله، بأعمال البر، ولا يختص بذبح الحيوان.
بسطت: البسط: ضد القبض، ويراد به مددت يدك.

التفسير

هاتان الآيتان وما بعدهما، تتطرق إلى ذكر الجريمة الأُولى التي وقعت على وجه البسيطة وقد اقترفها أحد الأخوين في حقّ أخيه الآخر حسداً، حيث إنّه عندما تقبل قربان أحد الأخوين دون الآخر لتقصير الثاني فأخذ يحسد أخاه الأوّل، وهذا هو الذي يذكره القرآن الكريم بالنحو التالي:
قوله:(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ): أي اقرأ عليهم خبرهما (بِالْحَقِّ): أي بالصدق، والكلمة توحي بأنّ ثمّة أكاذيب نسجها الناس حول القصّة وأنّ ما يُتلى هنا هو الحقّ الذي لا يشوبه باطل من كذب. والمقصود من آدم في قوله: (ابْنَيْ آدَمَ) هو المعروف بهذا

صفحه 64
الاسم أعني أبا البشر، واحتمال أنّ المراد به رجل من بني إسرائيل غير صحيح، لأنّه سبحانه يحكي في ذيل القصة عن جهل القاتل بكيفية مواراة جسد أخيه، ولم يهتد إلى ذلك إلى أن رأى غراباً يحفر الأرض، وهذا لا يتناسب إلاّ مع بدء الخليقة.
قوله: (إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا) قدّم كلّ منهما قرباناً لله سبحانه ولم يُشر سبحانه إلى نوع القربان، وفي بعض الروايات أنّ هابيل قرّب أسمن كبش كان عنده، في حين قرب الآخر ضغثاً من سنبل.(1)(فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا): أي هابيل، (وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ)قابيل، ولم يذكر سبحانه كيفية التقبّل من أحدهما دون الآخر، ولكن ورد في بعض الأخبار عن الصحابة أنّ علامة القبول كانت ناراً تأتي فتأكل المتقبَّل (والله العالم)، فغضب قابيل، واشتعل قلبه حسداً، وتوعّد أخاه بالقتل، وقال:(لأَقْتُلَنَّكَ)فأجابه الآخر بقوله: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ): أي إنّني لست ملوماً في ذلك لأنّ قبول الصدقة بيد الله تعالى، وهو مرهون بالتقوى والإخلاص.
والظاهر أنّ (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ) من كلام هابيل لا من كلامه سبحانه، وهو يكشف عن مدى ورعه ووعيه، حيث أتى بكلمة أشبه بكلام الأنبياء والأولياء.
قوله تعالى: (لَئِنْ بَسَطْتَ إِليَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِط يَدِيَ إِلَيْكَ

1 . تفسير القمي:1/165; بحار الأنوار:11/230.

صفحه 65
لاَِقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ):
لم يقتصر هابيل في إرشاد أخيه ومنعه عن ارتكاب الجريمة بما تقدّم; بل أضاف شيئاً آخر وقال: (لَئِنْ بَسَطْتَ إِليَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي): أي إن أردت قتلي ظلماً وعدواناً (مَا أَنَا بِبَاسِط يَدِيَ إِلَيْكَ لاَِقْتُلَكَ): أي فإنّي لا أفعل ذلك (إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ) لأنّ قتل النفس ظلم وعدوان، والظالم مؤاخذ عليه عند الله سبحانه.
فإن قلت: إنّ هابيل بقوله هذا قد فرّط في حقّ نفسه وأعان عليها، باستسلامه لإرادة أخيه.
قلت: كلا وإنّما أراد أنّ أخاه إذا ظلمه وبغى عليه ولم يتحرج عن قتله، فإنّه لا يُقدم على مثل ذلك، وأمّا دفاعه عن نفسه فلم يردّه ولم ينفه فإنّ الدفاع عن النفس أمر فطري لازم يحكم به العقل، والدليل على ما ذكرنا أنّه قال:(مَا أَنَا بِبَاسِط يَدِيَ إِلَيْكَ لاَِقْتُلَكَ) ولم يقل: ما أنا بباسط يدي إليك لأدافع عن نفسي. ونستخلص ممّا مرّ أنّه حاول إصلاح فكرة أخيه بأمرين:
1. أنّ منشأ القبول والرفض هو التقوى وعدمها، وليس له (أعني هابيل) شأن في ذلك فلا لوم عليه إذن، وصدق أمير المؤمنين(عليه السلام) إذ قال: «ربّ مَلوم لا ذنب له».(1)
2. إن أردت قتلي ظلماً وجوراً، فأنا لا أُريد ذلك خوفاً من الله.

1 . بحارالأنوار:75/12، الحديث70.

صفحه 66
وأمّا باقي القصة فأقرأه في كتب التفاسير، وإجماله: أنّ قابيل في نهاية الأمر قتل أخاه هابيل، بلا ذنب، ثم أصبح من النادمين.
هذا كلّه حول الحسد، وأمّا الغبطة فقد عرفت أنّها السرور بوجود النعمة للأخ المؤمن، لكنّه يتمنى أو يرجو أن يكون له مثلها، فهي فضيلة رابية تدل على كمال الحبّ لذوي النعمة، بل ربما يسعى في بقائها في يد أخيه، ولكن لا مانع من التمني والرجاء أن يكون له مثلها.
وختاماً نذكر شيئاً من الروايات التي وردت عن الحسد والغبطة.
1. روي عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب».(1)
2. وعن الصادقين(عليهما السلام): «أنّ الحسد يأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب».(2)
3. وروي عن الإمام علي(عليه السلام) أنّه قال: «الحسد شرّ الأمراض».(3)
4. وروى الكافي عن القمّي عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال:«إنّ المؤمن يغبط ولا يحسد، والمنافق يحسد ولا يغبط».(4)

1 . المحجّة البيضاء:5/325.
2 . الكافي:2/306.
3 . غرر الحكم:332.
4 . الكافي:2/232، برقم 7.

صفحه 67
11

الاجتناب عن رفاق السوء

يحكي الله عزّ وجلّ عن الظالم يوم القيامة أنّه يتمنّى فيه أمرين:
1. (يَا لَيْتَني اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً).(1)
2. (يَا وَيْلَتَى لَيْتَني لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَنًا خَلِيلاً).(2)
ثمّ يذكر ما ترتّب على الأمر الثاني فقال: (لَقَدْ أَضَلَّني عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَني وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولاً).(3)
***
لا شكّ أنّ اتّخاذ سبيل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) يؤدّي إلى النجاة والسعادة، ويقابله اتّخاذ رفاق السوء، فهو يضلّه عن ذكر الله ويؤدّي به إلى

1 . الفرقان:27.
2 . الفرقان:28.
3 . الفرقان:29.

صفحه 68
الهلاك.
ثمّ إنّ الشيطان يكون مؤيّداً لما يسبّبه سوء الرفقة، فهو أيضاً يخذل الإنسان ويؤدّي به إلى الهلاك.
ثمّ إنّ الآية لا تنهى عن اتخاذ الخليل، وإنّما تنهى عن اتّخاذ رفاق السوء. توضيحه:

اتّخاذ الخليل أمر فطري

إنّ اتّخاذ الخليل أمر فطري للإنسان، وهو في عامّة حالاته يجد في نفسه ميلاً لاتّخاذ صديق حتى يؤنسه ويشاطره السرّاء والضرّاء ويحاوره في شتّى الأُمور ويقضي معه أوقات فراغه. وهذا الميل الطبيعي نعمة من نعم الله سبحانه يخرج به الإنسان من وحشة الوحدة، غير أنّ المهمّ في ما نحن بصدده، هو أوصاف الخليل الذي يعتمد عليه، فالإنسان الكبير العاقل، الذي نضج فكره وكثرت تجاربه يحتاط في اتّخاذ الصديق واختيار العشير، لكنّ الأمر المشكل في الشاب الغِرّ، الذي لا ينطلق في اتّخاذ الصديق من فكر عميق وإنّما من خلال الهوى والجانب العاطفي في شخصيّته. وهذه المرحلة من حياة الإنسان مرحلة شديدة الخطر، لأنّ الشابّ يتأثّر بأفكار خليله وآرائه، ويحاكيه في طباعه وسلوكه، فلو كان صالحاً فهو الكيمياء الأكبر، ولذلك يُعدّ الصديق الصالح عضواً من أعضاء

صفحه 69
جسم الإنسان، فقد قال الإمام علي(عليه السلام):«من فقد أخاً في الله فكأنّما فقد أشرف أعضائه».(1)
وأمّا لو كان الصديق غير صالح فهو الشرّ المستطير، حيث يقوده إلى الغيّ والفساد، ويرسم له مصيراً سيئاً في الآخرة، وعند ذاك ينادي بالويل ويقول: (يَا وَيْلَتَى لَيْتَني لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَنًا خَلِيلاً)وقد نقل عن النبي سليمان(عليه السلام)أنّه قال: «لا تحكموا على رجل بشيء حتى تنظروا إلى مَن يصاحب، فإنّما يعرف الرجل بأشكاله وأقرانه وينسب إلى أصحابه وأخدانه».(2)
وقد روي في سبب النزول ما فيه عبرة، روى أبو نعيم في الدلائل بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس: أنّ أبا معيط كان يجلس مع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بمكّة لا يؤذيه، وكان رجلاً حليماً، وكان بقية قريش إذا جلسوا معه آذوه، وكان لأبي معيط خليل غائب عنه بالشام، فقالت قريش: صبأ أبو معيط، وقدم خليله من الشام ليلاً فقال لامرأته: ما فعل محمد ممّا كان عليه؟ فقالت: أشدّ ممّا كان أمراً. فقال: ما فعل خليلي أبو معيط؟ فقالت: صبأ. فبات بليلة سوء. فلمّا أصبح أتاه أبو معيط فحيّاه، فلم يرد عليه التحيّة، فقال: مالك لا تردّ عليّ تحيّتي؟ فقال: كيف أردّ عليك تحيّتك وقد صبوت؟ قال: أوَقد

1 . عيون الحكم والمواعظ : 428 .
2 . مستدرك الوسائل:2/62.

صفحه 70
فعلتها قريش؟! قال: نعم، قال: فما يبرئ صدورهم إن أنا فعلت؟ قال: تأتيه في مجلسه، وتبصق في وجهه، وتشتمه بأخبث ما تعلمه من الشتم. ففعل، فلم يردّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أن مسح وجهه من البصاق، ثمّ التفت إليه فقال: إن وجدتك خارجاً من جبال مكّة أضرب عنقك صبراً. إلى آخر القصّة.(1)

1 . تفسير الدر المنثور:6/250.

صفحه 71
12

اجتناب الجدال بالباطل

قال تعالى:(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْم وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَان مَرِيد) .(1)
الجدل في اللغة هو الصلابة والقوّة، يقال: جدل الشيء جدولاً، صلب وقوي، ويقال أيضاً جَدَلَ الحبل أي فَتَله، وفي مصطلح المنطقيّين: هو أخذ الطرف المخالف بمقدّمات مشهورة أو المسلّمات عنده.وهو على قسمين:
1. الجدل على الباطل.             2. الجدل على إظهار الحقّ.
فالأوّل ممنوع، والثاني هو المطلوب، يقول سبحانه:(وَجَادِلْهُمْ بِالتي هِيَ أَحْسَنُ).(2) فالجدال منه قبيح ومنه حسن، فما كان لتبيين

1 . الحج:3.
2 . النحل:125.

صفحه 72
الحقّ، فهو الحسن، وما كان لغير ذلك فهو قبيح.
إنّ الأنبياء العظام كانوا يجادلون المشركين بالجدال الأحسن المبني على قضايا فطرية، وأفضل آية تصوّر لنا الجدال الأحسن هي قول إبراهيم(عليه السلام) لعبدة الأصنام والأوثان حيث قالوا له: (أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ * فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاَءِ يَنْطِقُونَ * قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلاَ يَضُرُّكُمْ * أُفّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ).(1)
ترى أنّه(عليه السلام) طرح أمراً غير مقبول عنده وعند المخاطبين، وهو أنّ الذي حطّم الأصنام هو كبير (الآلهة)، فعندئذ قامت قيامة المجادلين قائلين: (لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاَءِ يَنْطِقُونَ) فعندئذ اتّخذ إبراهيم ما ذكروه سنداً للمحاجّة، وهو: أفتعبدون من دون الله ما لا يضرّكم شيئاً ولا ينفعكم.
وعلى كلّ تقدير فإنّ الإنسان لو علم ما يتّخذه ديناً حق فالإصرار والتأكيد عليه أمر حسن.
وعلى العكس فلو وقف على بطلان ما يدّعيه ولكن يصرّ على إثباته للخصومة هو جدال باطل ويوصف بالمراء.

1 . الأنبياء:62 ـ 67.

صفحه 73
يقول سبحانه: ( أَلاَ إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلاَل بَعِيد)(1).
نعم إذا لم يتّضح كون ما يطرحه حقّ أو باطل وإنّما يريد المناقشة والحوار لإظهار الحقّ، فهو أمر مطلوب فإنّ الحقيقة بنت البحث.
وما هو المتداول بين العلماء من المذاكرة في موضوع معيّن، فهو من القسم الثالث، وإن طالت المناقشة. وربما يتصوّر أنّه من الجدال الممنوع.
لكن الغالب على الحوارات بين الناس ـ خصوصاً بين المتخاصمين ـ من قبيل المراء، قال سبحانه: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَل وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْء جَدَلاً).(2)
ومعنى الآية قد جئنا بأمثلة كثيرة مقنعة لمَن تدبّر وتذكّر، غير أنّ القلوب قد تحجّرت والأفئدة قد قست (وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْء جَدَلاً): أي أنّه أكثر شيء مراءً وخصومة، فهو بدل أن ينتفع بهذه الأمثلة أخذ يجادل ويماري ويعتذر عن قبول الرسالة بمبررات واهية.

1 . الكهف:18.
2 . الكهف:54.

صفحه 74
الفصل الثاني:

التحلّي بالفضائل

التحلّي بالفضائل جاء بالذكر الحكيم في صورة البعث والأمر وقد تضمن كلّ فصل اثنا عشر عنواناً لكلّ من الرذائل والفضائل فصار أربعة وعشرين عنواناً ولا ادّعي الإحاطة بكلّ ما ورد في الذكر الحكيم من الآداب والأخلاق، وإنّما قدّمت قسماً مهمّاً وتركنا دراسة الباقي إلى القارئ الكريم ولذلك نقول:
وإليك بعض ما أمر به القرآن الكريم في حقل الفضائل.

صفحه 75
1

الأمر بالمشي على الأرض بسكينة ووقار

ذكر سبحانه خصال عباد الرحمن في آخر سورة الفرقان، وعدّ منها ما ربما يبلغ إلى ثلاث عشرة خصلة، ولو اتصف بها الإنسان لكان إنساناً مثاليّاً.
ثمّ إنّ قسماً من هذه الصفات يعود إلى الجانب الاعتقادي، مثل قوله سبحانه: (لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ)، وقسماً منها يرجع إلى الحكم الشرعي نظير قوله سبحانه: (وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ)، ولكن الذي يتعلّق بموضوع رسالتنا هو ما يرجع إلى الجانب الأخلاقي كبيان كيفية المشي على الأرض، وملاقاة الجاهلين بالسلام، إلى غير ذلك من الخصال، فلنبدأ بما بدأ به الله سبحانه.
ابتدأ سبحانه هذه الخصال ببيان كيفية مشي عباد الرحمن على

صفحه 76
الأرض وأنّهم يمشون عليها بوقار وسكينة بعيداً عن الاختيال والتبختر فلا يضربون بأقدامهم كبْراً، ولا يخفقون بنعالهم أشَراً وبَطَراً، فالحالة الأُولى تنبئ عن التواضع، والثانية تنبئ عن التكبّر، والتكبُّر هو الخطوة الأُولى نحو الانحراف، وأحد أكبر الدواعي إلى ارتكاب المعاصي، لأنّ الكبْر يضع حائلاً كبيراً بين الإنسان وواقع الأمر، ولذلك نرى أنّه سبحانه يذكر أنّ الدار الآخرة هي فقط لغير المتكبّرين والمفسدين في الأرض، ويقول: (تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا )(1).
وقد ورد الذمّ الكثير للكبر في الأحاديث الشريفة، فعن الإمام الصادق(عليه السلام)أنّه قال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبّة من خردل من كبْر».(2) والحديث يشير إلى أنّ المتكبِّر إنّما يتكبَّر جهلاً بذاته وهويّته، ولو عرفهما لما تكبّر.
وعن الإمام الباقر(عليه السلام) قال: «ما دخل قلب امرئ شيء من الكبْر إلاّ نقص من عقله مثل ما دخله من ذلك، قلَّ ذلك أو كثر».(3) وهذا الحديث يشير إلى جهل المتكبّر بنقصان عقله وقد انتابه هذا المرض الخُلقي، وإلاّ لما رفع نفسه على غيره. وما أحسن قول

1 . القصص:83.
2 . بحار الأنوار:2/141برقم 3.
3 . بحار الأنوار:75/186 برقم 16.

صفحه 77
المعاصر: يريد الأحمق أن يكبر فيتكبّر .(1)
ولا أدري كيف يحقّ للإنسان الفقير الذي لا يملك لنفسه شيئاً أن يتكبّر على الآخرين، والكبرياء حقّ مَنْ يكون الغَناء ذاته، ووجوده قائم بنفسه؟ ولذلك يقول الإمام علي(عليه السلام):«الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَبِسَ الْعِزَّ وَالْكِبْرِيَاءَ، وَاخْتَارَهُمَا لِنَفْسِهِ دُونَ خَلْقِهِ، وَجَعَلَهُمَا حِمًى وَحَرَماً عَلَى غَيْرِهِ، وَاصْطَفَاهُمَا لِجَلاَلِهِ».(2)
ثمّ إنّ للكبر مظاهر، ومن مظاهره العامّة كيفية المشي إذ بهذا العمل الساذج يُستدلّ على ما يكمن في داخل الإنسان من خصال حميدة أو رذيلة، ولذلك نرى أنّ لقمان يوصي ولده بقوله: (وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَال فَخُور * وَ اقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَ اغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ)(3).
روي عن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال لأصحابه: «ألا أخبركم بالمجنون حقّ المجنون؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال(صلى الله عليه وآله وسلم): «المتبختر في مِشيته، الناظر في عِطفيه، المحرّك جنبيه بمنكبيه، يتمنّى على الله جنّته وهو يعصيه، الذي لا يؤمَن شرّه، ولا يُرجى

1 . التعايش السلمي للسيد محمود الموسوي: 48 .
2 . نهج البلاغة: الخطبة 192، القاصعة.
3 . لقمان:18 ـ 19.

صفحه 78
خيرُه، فذلك المجنون».(1)
إنّ أشرف الأنبياء(صلى الله عليه وآله وسلم) علّمنا أن نصفه بالعبودية ليل نهار في صلواتنا اليومية وأن نقول: «وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله» لأنّ العبودية لله تعالى شرف رفيع، وعزّ منيع، يقول الإمام علي(عليه السلام): «إلهي كفى بي فخراً أن تكون لي ربّاً، وكفى بي عزّاً أن أكون لك عبداً».(2)
وقد ورد في بعض الروايات أنّه سبحانه زوّج فاطمة من عليّ بالنحو التالي: زوّجت أمتي فاطمة من عبدي عليّ، وقد خاب من وصف نفسه بقوله: (أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى).(3)

مواضع التواضع

ركّز القرآن الكريم على المشي، وفي الحقيقة هو كناية عن رفض الكبر عن عامة مواضع الحياة وإحلال التواضع مكانه، وإليك بيانها:
1. التواضع لله سبحانه الذي يُعدّ عزّاً للمتواضع، كما مرّ عليك في كلام الإمام علي(عليه السلام).
2. التواضع للأنبياء والأولياء لوجوب إطاعتهم، ولذلك يترنّم

1 . الخصال للصدوق:332، برقم 31 (قطعة منه).
2 . شرح نهج البلاغة:20/255.
3 . النازعات: 24.

صفحه 79
عباد الله بقوله سبحانه: (رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَ اتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ).(1)
3. التواضع أمام القانون
إنّ المؤمن يحترم عامّة القوانين والأحكام التي جاء بها الأنبياء سواء أكانت لمصلحته في الظاهر أم لا، في مقابل المنافق الذي يؤمن بما يرى أنّه في منفعته، ويكفّ عمّا يرى أنّه في ضرره، ولذلك نرى أنّه سبحانه يندّد بالذين يسلكون هذا الطريق (وَيَقولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْض وَ نَكْفُرُ بِبَعْض وَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً )(2)، حيث دمغهم سبحانه بهذا الوصف: (أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا)(3) وهذا السلوك المشين من طبيعة اليهود، يقول سبحانه في حقّهم: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَ تَكْفُرُونَ بِبَعْض فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ )(4).
4. التواضع لعباد الرحمن
وتظهر ملامح هذا النوع من خلال مشيهم وتكلّمهم وطبيعة

1. آل عمران: 53.
2 . النساء:150.
3 . النساء: 151 .
4 . البقرة:85.

صفحه 80
حركاتهم أمام المؤمنين. نعم يجب إبداء التواضع لعباد الرحمن، دون المتكبّرين المصابين بجنون العظمة، فإنّ التواضع لهم يزيدهم كبراً وغطرسة، ولذا روي عن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «وإذا رأيتم المتكبِّرين فتكبّروا عليهم، فإنّ ذلك مذلّة وصَغار لهم».(1)
وقد نقل الرازي في الكلام المشهور: أنّ التكبّر على المتكبّر صدقة.(2)
وروي أنّ علياً(عليه السلام) عند مسيره إلى الشام لقيه دهاقين الأنبار، فترجّلوا له واشتدوا بين يديه، فقال(عليه السلام): ما هذا الذي صنعتموه؟ فقالوا: خُلق منا نعظِّم به أمراءنا. فقال: «وَاللهِ مَا يَنْتَفِعُ بِهذَا أُمَرَاؤُكُمْ! وَإِنَّكُمْ لَتَشُقُّونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ فِي دُنْيَاكُمْ، وَتَشْقَوْنَ بِهِ فِي آخِرَتِكُمْ. وَمَا أَخْسَرَ الْمَشَقَّةَ وَرَاءَهَا الْعِقَابُ، وَأَرْبَحَ الدَّعَةَ مَعَهَا الاَْمَانُ مِنَ النَّارِ!».(3)
***

1 . تنبيه الخواطر (مجموعة ورّام): 209.
2 . تفسير الرازي:15/4.
3 . نهج البلاغة: قصار الحكم:37.

صفحه 81
2

الأمر بمقابلة خطاب الجاهلين، بالسلام

قال تعالى:(وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَمًا).(1)
قرن سبحانه وصف عباد الرحمن بالتواضع بوصف آخر يناسب التواضع وهو الإعراض عن الجاهلين إذا خاطبوهم بالكلمة الفاحشة أو بالشتم، وعدم الاكتراث بهم، والردّ المباشر عليهم، والاكتفاء بالقول لهم (سَلاَمًا) .
إنّ الجهلة أعداء العلماء، والمفسدين أعداء المصلحين، إذا قورعوا بالدليل والبرهان ولم يجدوا جواباً ومَخلَصاً لهم، واجهوا ذلك بالسبّ والأذى، فعباد الرحمن عندئذ يفارقونهم بالسلام، سلام متاركة لا سلام موادعة.
وكانت سيرة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)مع الجهلة الّذين يواجهونه بالكلام

1 . الفرقان:63.

صفحه 82
الغليظ، هي الصبر والمصابرة ولا يقابلهم بلفظ أو بكلام يؤذيهم، وإنّما يتحمّل الأذى لغاية هدايتهم وإرشادهم. وقد زخرت كتب السيرة والتاريخ، بالقصص والأخبار الّتي تؤكّد مواجهته لهؤلاء بهذه الطريقة الحكيمة الّتي أدّت في كثير من الأحيان إلى إصلاح أمرهم، وكفّ شرّهم.
هذا، وقد نجد في المجتمع الإسلامي من تحلّى بهذه الخصلة، واقتدى فيها بالنبيّ الأكرم وعترته الطاهرة، فقد حكي أنّ مالكاً الأشتر(رحمه الله) كان مجتازاً بسوق الكوفة وعليه قميص خام وعمامة منه، فرآه بعض السّوقة فازدرى بزيّه فرماه ببندقة تهاوناً به، فمضى ولم يلتفت، فقيل له: ويلك أتدري بمن رميت؟ فقال: لا، فقيل له: هذا مالك صاحب أمير المؤمنين(عليه السلام)، فارتعد الرجل ومضى إليه ليعتذر منه فرآه وقد دخل مسجداً وهو قائم يصلّي، فلمّا انفتل أكبّ الرجل على قدميه يقبّلهما، فقال: ما هذا الأمر؟ فقال: أعتذر إليك ممّا صنعت. فقال: لا بأس عليك، فوالله ما دخلت المسجد إلاّ لأستغفرنّ لك!!(1)
ولأجل هذا الخلق السامي للقائد المجاهد مالك الأشتر نرى أنّ عليّاً(عليه السلام) لمّا بلغه خبر شهادته استرجع وقال: «اللهم إنّي أحتسبه عندك، فإنّ موته من مصائب الدهر. رحم الله مالكاً فلقد وفى بعهده،

1 . تنبيه الخواطر(مجموعة ورّام):10.

صفحه 83
وقضى نحبه، ولقي ربَّه».(1)
ولكلامه (عليه السلام)تتمة، قال: «رحم الله مالكاً، وما مالك؟! عزّ عليّ به هالكاً، لو كان صخراً لكان صلداً، ولو كان جبلاً لكان فِنداً، وكأنّه قُدّ منّي قدّاً».(2)
هكذا يجب أن يكون عباد الرحمن يدفعون ضوضاء الجاهلين بالصلح والسلام، وبذلك يثابون جنّة وحريراً.
ونودّ أن نذكر ما نقله ابن عطية الأندلسي، قال: ورأيت في بعض التواريخ أنّ إبراهيم بن المهدي وكان من المائلين على عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه)قال يوماً بمحضر المأمون وعنده جماعة: كنت أرى عليّاً في النوم فكنت أقول له: من أنت؟ فكان يقول: عليّ بن أبي طالب، فكنت أجيء معه إلى قنطرة فيذهب فيتقدمني في عُبورها، فكنت أقول له: إنّما تدّعي هذا الأمر بامرأة ونحن أحق به منك، فما رأيت له في الجواب بلاغةً كما يُذكر عنه، فقال المأمون: وبماذا جاوبك؟ قال: فكان يقول لي سلاماً سلاماً. قال الراوي: وكأنّ إبراهيم بن المهدي لا يحفظ الآية أو ذهبت عنه في ذلك الوقت، فنبّه المأمون على الآية مَن حضره وقال: هو والله يا عمّي عليّ بن أبي طالب وقد جاوبك بأبلغ جواب، فخزي إبراهيم واستحيا، وكانت رؤياه صحيحة لا

1 . شرح نهج البلاغة:6/77.
2 . رجال الكشي: 62، برقم 17 (والفِنْد: المنفرد من الجبال).

صفحه 84
محالة.(1)
ونقل الصفدي تتمة للقصة قال: فقال له المأمون: قد والله أجابك أبلغ جواب. قال: فكيف ذلك؟ قال: عرف أنّك جاهل لا يُجاوب مثلك، قال الله عزّ وجلّ:(وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَمًا)فخجل إبراهيم وقال: ليتني لم أحدِّثك بهذا الحديث .(2)

1 . المحرّر الوجيز: 4 / 219، ونقله عنه القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن: 13/71.
2 . الوافي بالوفيات:17/ 660، الترجمة 556.

صفحه 85
3

الأمر بالاقتصاد في الإنفاق

قال سبحانه:(وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا).(1)
الإنفاق سنّة كونية إذ كلّ موجود يُنفق ما يزيد عن حاجته ممّا يملك، فهذه الشمس تنفق ملايين الأطنان من الضوء والحرارة إلى المجموعة الشمسية، وهذه الأرض تعطي ما على ظهرها من الأشجار والأعشاب بما تملك من المواد الغذائية، وهذه الأشجار والأزهار لهما دور في حياة الإنسان والحيوان، ويتجلّى دورهما في الإنفاق ببذل الفواكه والأزهار، كما أنّ للأزهار دوراً في هذا المضمار حيث إنّ النحل يمتصّ رحيقَها ويصنع منه العسل، إلى غير ذلك من مظاهر الإنفاق الّتي يلمسها كلّ إنسان إذا نظر نظرة سطحية، فكيف

1 . الفرقان:67.

صفحه 86
إذا نظر بنظر عميق؟! فإذا كان الإنفاق سنّة كونية فليقتد الإنسان بها، ولذلك صار الإنفاق فريضة مالية في الإسلام وضريبة، فأمر بالزكاة والخُمس والصدقة والكفّارات وإغاثة اللاجئين وإعانة المحتاجين بصور مختلفة، روى السَّكوني عن جعفر بن محمد ] الصادق [عن أبيه عن آبائه(عليهم السلام)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):«السخيّ قريب من الله، قريب من الناس، قريب من الجنة، والبخيل بعيد من الله، بعيد من الناس، قريب من النار».(1)
وكان العرب في الجاهلية يسرفون في الإنفاق في اللَّذات وفي الوقت نفسه يقتِّرون على المساكين والضعفاء، فصار عملهم بين الإسراف والإقتار، ولذلك يذكر سبحانه أنّ عمل عباد الله على خلافهم ويقول:(وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا): أي لا يتجاوزون الحدّ الذي يقتضيه الإنفاق (وَ لَمْ يَقْتُرُوا): أي لا يمسكون ولا يقبضون أيديهم مع ما أعطوا من الثروة(وَ كَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا): أي عدلاً متوسطاً. أي كان الإنفاق بين الإسراف والقَتْر (قَواماً) عدلاً إذا قرئ بفتح القاف، وإذا قرئ بكسر القاف: أي ما يدوم عليه الأمر ويستقرَ.
وقد جاء مضمون الآية في سورة أُخرى، قال تعالى:(وَلاَ تَجْعَلْ

1 . بحار الأنوار: 70 / 308، برقم 37، باب البخل (136). وروي نحوه عن الإمام عليّ الرضا (عليه السلام)، لاحظ : عيون أخبار الرضا للصدوق: 2 / 15، برقم 27 .

صفحه 87
يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا)(1) .
ثمّ إنّ سياق الآية يحكي أنّ المراد من الإنفاق هو الإنفاق غير الواجب، أعني: المندوب، ففي الإنفاق الواجب يتبع ما فرض عليه، وأمّا في المندوب فيجب أن يراعي فيه الطريق الوسط بين الإسراف والإقتار. روى الكليني بسنده عن عبد الملك بن عمرو الأحول قال: تلا أبو عبد الله(عليه السلام) هذه الآية: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا).
قال: فأخذ قبضة من حصى وقبضها بيده، فقال: هذا الإقتار الذي ذكره الله عزّ وجلّ في كتابه، ثم قبض قبضة أُخرى فأرخى كفّه كلّها. ثم قال: هذا الإسراف، ثم أخذ قبضة أُخرى فأرخى بعضها وأمسك بعضها، وقال: هذا القَوام.(2)
وعلى كلّ تقدير، يجب في الإنفاق غير الواجب الاقتصاد إذ التخلّي عن الدنيا ومواهبها وترك لذّاتها تماماً خلاف الوسط، كما أنّ التوغّل فيها ونسيان الآخرة كذلك، وقد ذمّ سبحانه الطائفة الأولى بقوله: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَ الطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ

1 . الإسراء: 29.
2 . تفسير نور الثقلين:4/29.

صفحه 88
الآيَاتِ لِقَوْم يَعْلَمُونَ)(1).
وهذا هو إمام المتقين علي(عليه السلام) قد دخل على العلاء بن زياد الحارثي وهو من أصحابه يعوده فلمّا رأى سعة داره قال: «مَا كُنْتَ تَصْنَعُ بِسِعَةِ هذِهِ الدَّارِ فِي الدُّنْيَا، وَأَنْتَ إِلَيْهَا فِي الاْخِرَةِ كُنْتَ أَحْوَجَ ؟ وَبَلَى إِنْ شِئْتَ بَلَغْتَ بِهَا الاْخِرَةَ: تَقْرِي فِيهَا الضَّيْفَ، وَتَصِلُ فِيهَا الرَّحِمَ، وَتُطْلِعُ مِنْهَا الْحُقُوقَ مَطَالِعَهَا، فَإِذَا أَنْتَ قَدْ بَلَغْتَ بِهَا الاْخِرَةَ».
فقال له العلاء: يا أمير المؤمنين، أشكو إليك أخي عاصم بن زياد، قال: وما له؟ قال: لبس العباءة وتخلّى عن الدنيا. قال: عليَّ به، فلما جاء قال: يَاعُدَيَّ نَفْسِهِ! لَقَدِ اسْتَهَامَ بِكَ الْخَبِيثُ! أَمَا رَحِمْتَ أَهْلَكَ وَوَلَدَكَ؟! أَتَرَى اللهَ أَحَلَّ لَكَ الطَّيِّبَاتِ، وَهُوَ يَكْرَهُ أَنْ تَأْخُذَهَا؟! أَنْتَ أَهْوَنُ عَلَى اللهِ مِنْ ذلِكَ! .
قال: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هذَا أَنْتَ فِي خُشُونَةِ مَلْبَسِكَ وَجُشُوبَةِ مَأْكَلِكَ!
قَالَ: وَيْحَكَ، إِنِّي لَسْتُ كَأَنْتَ، إِنَّ اللهَ تَعَالى فَرَضَ عَلَى أَئِمَّةِ الْعَدْلِ (الحق) أَنْ يُقَدِّرُوا أَنْفُسَهُمْ بِضَعَفَةِ النَّاسِ، كَيْلاَ يَتَبَيَّغَ بِالْفَقِيرِ فَقْرُهُ!».(2)
وبذلك يُعلم أنّ المعيار في تقييم الفضائل الخلقية هو التوسّط

1 . الأعراف:32.
2 . نهج البلاغة: الخطبة 209.

صفحه 89
والاعتدال، فلقد نهى الإسلام مثلاً، عن الرهبانية وأمر بالنكاح، وفي الوقت نفسه نهى عن كون الدنيا وزخارفها أكبر هموم الإنسان، وإلى ذلك يشير قول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في حقّ عليّ(عليه السلام): «يا علي هلك فيك اثنان: محبّ غال، ومبغض قال»(1)، وفي الوقت نفسه قال: «عنوان صحيفة المؤمن حبّ علي بن أبي طالب».(2)

1 . شرح إحقاق الحق:14/341.
2 . حلية الأولياء:1/86.

صفحه 90
الأمر بالصبر والاستقامة في كافة المجالات   
4

الأمر بالصبر والاستقامة

في كافة المجالات
من الخصال الحميدة الصبر في النوائب و المصائب، وهذا
ممّا أوصى به لقمان الحكيم ابنه وقال:(وَاصْبِرْ عَلَى مَا
أَصَابَكَ
).(1)
عالَم الطبيعة عالَم مؤلّف من أسباب ومسبّبات وعلل ومعاليل، فمن طلب شيئاً من المسبِّبات فليطلبها عن طريق أسبابها، وهذا
أمر واضح لا سترة عليه، غير أنّ الوصول إلى المسبّبات رهن
عزم راسخ في طريق تحصيلها، فلولا العزم الراسخ لما بلغ الإنسان ما يتمنّاه، وهذا ما يعبّر عنه القرآن الكريم بالصبر أي الاستقامة

1. لقمان:17.

صفحه 91
في طريق المطلوب، ولذلك نرى أنّه يقرن الصبر بالمرابطة التي
لا تنفكّ عن بذل الجهد وتحمّل المشاقّ، قال سبحانه:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ )(1) فجمع بين الأُمور:
1. الصبر، 2. الإيصاء به، 3. المرابطة، 4. التقوى.
وما يربط الجميع هو لزوم وجود العزم الراسخ لتحصيله.
ثمّ إنّه سبحانه يعبّر عن الصبر في آية أُخرى بالاستقامة ويقول: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ التي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ )(2).
فتحصيل ما يتمنّاه الإنسان في الحياة الدنيا رهن بذل جهود وتحمّل مشاقّ، وثبات في الشدائد والمصائب. قال أبو حيّة النميري:
إنّي رأيت وفي الأيام تجربة *** للصبر عاقبةٌ محمودة الأثر
وقَلَّ مَن جَدَّ في أمر يحاوله *** واستصحب الصبرَ إلاّ فاز بالظّفرِ
كما أنّ نيل السعادة الأُخروية رهن الصبر على الطاعة والصبر عن المعصية، ولذلك نرى أنّ الملائكة يهنّئون المؤمنين عند

1 . آل عمران:200.
2 . فصلت:30.

صفحه 92
دخولهم الجنة لأجل صبرهم ويقولون لهم:(سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدَّارِ).(1)
وهذا هو الوحي الإلهي يصرّح بأنّ عشرين مؤمناً مدَّرعين جُنّة الصبر يغلبوا مئتين من أعداء الله ، يقول تعالى: (إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَفْقَهُونَ).(2)
وقد وردت في الصبر آثار كثيرة، فعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «الصبر ستر من الكروب، وعون على الخطوب».(3)
وقال الإمام علي (عليه السلام): «أفضل الصبر عند مُرّ الفجيعة».(4)
وقال (عليه السلام): «الصبر عن الشهوة عفّة، وعن الغضب نجدة، وعن المعصية ورع».(5)
وقال الإمام الحسن (عليه السلام): «جرَّبْنا وجرّب المجرِّبون، فلم نرَ شيئاً أنفع وِجداناً ولا أضرّ فِقداناً من الصبر، تُداوى به الأُمور، ولا يداوى هو بغيره».(6)

1 . الرعد: 24.
2. الأنفال: 65.
3 . كنز الفوائد للكراجكي: 1 / 139 .
4. غرر الحكم: برقم 1975 .
5 . غرر الحكم: برقم 1927 .
6 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 1 / 319 .

صفحه 93
وممّا جاء في الصبر من الشعر، قول أعشى همْدان(1):
إن نلتُ لم أفرح بشيء نلتُهُ *** وإذا سُبقتُ به فلا أتلهّفُ
ومتى تُصبك من الحوادث نكبةٌ *** فاصبر، فكلّ غَيابَة تتكشَّفُ
وبذلك تعلم قوّة تفكير لقمان الحكيم حيث يوصي ولده برأس المكارم ومفاتيح السعادة، ويصفه وما قبله بقوله: (إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ) و (ذلِك) إشارة إلى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على المُصاب، ويصف الكلّ بأنّه من معزوم الأُمور، أي التي عزمها الله وأوجبها.

1 . شاعر اليمانيين بالكوفة، وفارسهم في عصره، وأحد الفقهاء القرّاء. انضمّ إلى ابن الأشعث في ثورته على الحجّاج الثقفي، ثم جيء به إلى الحجّاج أسيراً بعد فشل الثورة، فقتله صبراً سنة (83 هـ). انظر: الأعلام: 3 / 312.

صفحه 94
   
5

الأمر بالخشوع في الصلاة

قد وردت في سورة «المؤمنون» خصالهم وربما بلغ عددها إلى سبع، ونحن نختار منها ما يتعلق بالأخلاق والسلوك، ومنها:
قال تعالى: (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ).(1)
إنّ الفلاح والظفر بالمراد في الدنيا والآخرة غاية الآمال ومنتهى الرغبات، فبدأ سبحانه من بين الأوصاف بذكر الخشوع في الصلوات، وهو مرتبة عالية فوق إتيان الصلاة وإقامتها، حيث يتوجّه المصلّي بكلّ كيانه إلى الله سبحانه ويُعرض عن كلّ شيء سواه. وهو فعل قلبيّ يؤثر على الجوارح والأعضاء، فإذا كان القلب خاشعاً ظهر أثره في الجوارح سكوناً واطمئناناً، ويدلّ على ذلك ما روي عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه رأى رجلاً يعبث بلحيته في صلاته فقال: «أما إنّه لو

1.المؤمنون:2.

صفحه 95
خشع قلبه لخشعت جوارحه».(1) والقلب بالإعراض عمّا سوى الله سبحانه قلب خاشع، فتتبعه الجوارح من السمع والبصر وغيرهما، وربّما يبلغ الخشوع بالمصلّي درجة لا يسمع معها الأصوات التي حوله وإن كانت قارعة.
قال ابن أبي الحديد، وهو يصف عبادة أمير المؤمنين(عليه السلام): وما ظنّك برجل يبلغ من محافظته على وِرده أن يُبسَط له نطع(2) بين الصفَّين ليلة الهرير(3)، فيصلّي عليه وِرده، والسهام تقع بين يديه وتمرّ على صِماخَيه يميناً وشمالاً، فلا يرتاع لذلك، ولا يقوم حتى يفرُغ من وظيفته!!(4)

1. مجمع البيان:7/188.
2 . النِّطْع: بساط من الجلد.
3 . هي أشدّ ليالي وقعة صفِّين قتالاً واجتلاداً بالسيوف بين عليّ(عليه السلام) وأصحابه وبين معاوية وفئته الباغية.
4 . شرح نهج البلاغة:1/27.

صفحه 96
   
6

الأمر بالإعراض عن اللغو

قال تعالى:(وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ).(1)
إذا كان اللغو هو الكلام أو الفعل غير المعتدّ به والفاقد للهدف، فالمؤمن يُعرض عنه لأنّه سبحانه خلق العالم والإنسان لهدف خاص، فبما أنّه جزء من هذا العالم فأولى أن يعرض عن اللغو قولاً أو فعلاً ولأنّ الحياة رأس مال المؤمن لا يصرفه إلاّ فيما كان له فيه نوع من النفع.
يقول سبحانه:(وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) مكان أن يقول: عن اللغو مجتنبون، فالإعراض أشدّ استنكاراً من الاجتناب وكأنّ طبعهم لا ينسجم مع اللغو، هذا حسب الآية، وأمّا حسب الحديث فقد فسّر اللغو بالسماع أي الغناء، روى محمد بن أبي عبّاد ـ وكان

1 . المؤمنون:3.

صفحه 97
مشتهراً بالسماع وبشرب النبيذ ـ قال: سألت الرضا(عليه السلام) عن السماع فقال: «لأهل الحجاز فيه رأي وهو في حيّز الباطل واللهو، أما سمعت الله عزّ وجلّ يقول: (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا)(1).(2)
والظاهر انّه أحد مصاديق اللغو وليس منحصراً فيه.
وحصيلة الكلام: كلّ كلام مشتمل على محرّم كالغيبة أو الاستهزاء بالمؤمن أو ما لا ينتفع به الإنسان فهو لغو.
قال الطبرسي في تفسير قوله تعالى:(وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ)(3) أي سمعوا السفه من الناس والقبيح من القول والهزء الذي لا فائدة فيه أعرضوا عنه.
روى الشيخ المفيد في إرشاده عن أمير المؤمنين(عليه السلام) أنّه قال: «كلّ قول ليس فيه لله ذكر فهو لغو».(4)
نعم هذا الكلام بسعته محمول على التنزيه.
ثمّ إنّ اللغو إذا كان بمعنى ما لا يُعنى به لا في نفسه ولا في غايته خرج منه ما يدور بين المؤمنين من المزاح للترفيه والخروج عن التضايق، فإنّ في ذلك عوناً للإنسان على أداء الفرائض، يقول الإمام

1. الفرقان: 72 .
2 . الوسائل:12، الباب99 من أبواب ما يكتسب به، الحديث19.
3 . القصص:55.
4 . تفسير نور الثقلين:3/529.

صفحه 98
علي(عليه السلام): «لِلْمُؤْمِنِ ثَلاَثُ سَاعَات: فَسَاعَةٌ يُنَاجِي فِيهَا رَبَّهُ، وَسَاعَةٌ يَرُمُّ مَعَاشَهُ، وَسَاعَةٌ يُخَلِّي بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ لَذَّتِهَا فِيَما يَحِلُّ وَيَجْمُلُ».(1)

1 . نهج البلاغة: قصار الحكم، برقم 390.

صفحه 99
7

الأمر بالوفاء بالعهد

قال تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لاَِمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ)(1) تتحدّث الآية عن خصلتين من خصال المؤمنين:
الأُولى: حفظ الأمانة.
الثانية: الوفاء بالعهد.
والذي له صلة بالأخلاق والسلوك ـ وإن كان له علاقة بالأحكام الشرعية ـ هو الوفاء بالعهد، فنقول:
امّا الأوّل فالمراد بالرعاية للأمانات هو حفظها وردّها إلى أصحابها ولكن لا يبعد أن يراد به المعنى العام ولا يختص بالودائع المالية، فيشمل الأمانة التي بين الله تعالى وبين عباده، وهي التكاليف الإلهية حول سلوك طريق الكمال عن طريق التلبُّس بالاعتقاد الحق

1.المؤمنون:8.

صفحه 100
والعمل بموجبه، بشهادة قوله: (إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً).(1)
وأمّا الثاني فهو ما التزم به الإنسان أمام الله سبحانه كما في النّذر واليمين والعهد الشرعي، أو أمام الناس كعقود البيع والإجارة والمزارعة وغيرها، كالعهود بين الدول.
ولا شكّ في أنّ المجتمع الذي يتمتّع فيه أفراده بهاتين الفضيلتين: رعْيُ الأمانة بحفظها وأدائها إلى أصحابها، ورعْيُ العهد بالالتزام به والثبات عليه، هو مجتمع صالح تسوده الثقة والاستقرار النفسي والانسجام، الأمر الذي يوفّر المناخ المناسب للتطوّر والازدهار، ولذلك حثّت الآيات والروايات على التحلّي بهما، ومن ذلك:
قال تعالى:(وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً).(2)
لمّا رضي الإمام(عليه السلام) بعد ضغط المحكّمة على التحكيم رجعت المحكمة عن رأيهم وطلبوا من الإمام نقض العهد، فخاطبهم الإمام علي(عليه السلام) ويحكم أبعد الرضا والعهد نرجع؟ أليس الله تعالى قد قال:

1 . الأحزاب:72.
2. الإسراء: 34.

صفحه 101
(أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)(1)، وقال: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلاَ تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ).(2)

1.المائدة:1.
2.النحل:91; شرح نهج البلاغة:2/238.

صفحه 102
8

الأمر بالتوقّف في الحكم في ما لا يعلم

من الأخلاق الفاضلة التوقّف عند السؤال عمّا لا يعلم، لأنّ الإجابة عندئذ توجب إضلال الناس، ضلالاً دنيوياً أو أُخروياً، وإذا كان السؤال عن الأحكام الشرعية أو العقائدية والإجابة عن جهل يوصف بأنّه بدعة وافتراء على الله سبحانه، وكفى في حرمته قوله سبحانه: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْق فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ)(1).
روى الكليني بسند صحيح عن عبد الرحمن بن الحجّاج قال: قال لي أبو عبد الله(عليه السلام): «إيّاك وخصلتين ففيهما هلك من هلك: إيّاك أن تفتي الناس برأيك، أو تدين بما لا تعلم».(2)

1.يونس:59.
2.الوسائل:18، الباب4 من أبواب صفات القاضي، الحديث3.

صفحه 103
وروى أيضاً بسند صحيح عن هشام بن سالم، قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): ما حقّ الله على خلقه؟ قال:«أن يقولوا ما يعلمون، ويكفّوا عما لا يعلمون، فإذا فعلوا ذلك فقد أدّوا إلى الله حقّه».(1)
وعلى ضوء ما ذكرنا فليكن قوله سبحانه: (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً)(2)نصب عينيه، فلا يصدر إلاّ عمّا رأى أو عما سمع.
روى الصدوق(رحمه الله) عن الإمام علي بن الحسين(عليهما السلام)، قال:«ليس لك أن تتكلّم بما شئت، لأنّ الله عزّ وجلّ يقول:(وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) ولأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال:«رحم الله عبداً قال خيراً فَغَنِمَ، أو صمت فسلم، وليس لك أن تسمع ما شئت لأنّ الله عزّ وجلّ يقول:(إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً)(3)

1.الوسائل:18، الباب12 من أبواب صفات القاضي، الحديث4.
2.الإسراء:36.
3.علل الشرائع:605; نور الثقلين:3/165.

صفحه 104
9

الأمر بالتفسُّح في المجالس

قال تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ).(1)
بعث النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) بمكارم الأخلاق، ومن شقوقها تبيين آداب المعاشرة، وتأديب الناس بالمثل العليا، فذمّ النجوى قبل هذه الآية وعدّها من وساوس الشيطان، وهذه الآية تذكر أمرين:
1. إذا كان ثمّة مجلس واجتمع الناس فيه لاستماع كلام من يتحدّث فيه، فورد مؤمن ولم يجد مكاناً، فعلى المؤمنين أن يوسّعوا له في المجلس ترحيباً وترغيباً حتّى يأخذ مكانه فيه، وقد ذُكر في شأن النزول أنّ المسلمين كانوا يتنافسون إلى مجلس رسول

1 . المجادلة:11.

صفحه 105
الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فإذا رأوا مَن جاءهم مقبلاً ضنّوا بمجلسهم عند رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فأمرهم أن يفسح بعضهم لبعض، كما قال: (إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ).
2. إذا كان المجلس غاصّاً بأهله لكن ورد عليهم من يُعدّ أفضل منهم في الإيمان والتقوى أو العلم لاستماع كلام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يجد مكاناً فإذا قيل لبعضهم انشزوا واتركوا مكانكم ليجلس فيه شخص آخر، فعليهم امتثال ذلك ، فإنّ الجالس لا يؤمر بترك مكانه إلاّ إذا كان الثاني أفضل منه وأسمى درجة.
ثمّ إنّه سبحانه يدلّل على الأمر الوارد في قوله:(انْشُزُوا)بقوله:(يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات)، والجملة جزاء للشرط المقدّر بشهادة كون (يَرْفَعِ) مجزوماً، أي إذا نشز المؤمن وترك مكانه وحلَّ الفاضل مكانه فالله سبحانه بهذا العمل يرفع درجة طائفتين، وهما:
أ. المؤمنون، ب. الذين أُوتوا العلم، فإنّ النشوز عن المجلس وإقامة الغير مكانه تجسيد لرفع مقام المؤمن والعالم، وربما يكونان هما شخصاً واحداً أي مؤمناً وعالماً، وهذا هو ظاهر الآية.
قالوا: كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار فجاء أُناس من أهل بدر، وفيهم ثابت بن قيس بن شمّاس، وقد سبقوا في المجلس، فقاموا حيال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقالوا: السلام

صفحه 106
عليك أيّها النبي ورحمة الله وبركاته، فردّ عليهم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، ثم سلّموا على القوم بعد ذلك، فردّوا عليهم، فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسّع لهم، فلم يفسحوا لهم، فشقّ ذلك على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال لمن حوله من المهاجرين والأنصار من غير أهل بدر: قم يا فلان، قم يا فلان، بقدر النفر الذين كانوا بين يديه من أهل بدر، فشقّ ذلك على من أُقيم من مجلسه، وعرفت الكراهية في وجوههم، وقال المنافقون للمسلمين: ألستم تزعمون أنّ صاحبكم يعدل بين الناس؟ فو الله ما عدل على هؤلاء، إنّ قوماً أخذوا مجالسهم، وأحبّوا القرب من نبيّهم، فأقامهم وأجلس من أبطأ عنهم مقامهم، فنزلت الآية.(1)
وفي الآية دليل على تعظيم أمر العلماء ورفع قدرهم
ما لا يخفى، وأكّد ذلك بقوله في ذيل الآية: (وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ
خَبِيرٌ
).
وتجيء الآية الكريمة في إطار تأكيد المقياس الحقيقي للتفاضل الذي يريد القرآن أن يقرّره في نفوس المؤمنين، وهو المقياس القائم على اعتبار الإيمان والعلم، وهما ملاكا الفضل والفضيلة، وليس المال والثروة، أو الجاه والمنصب، أو غير ذلك من الاعتبارات الزائفة التي تعتمدها المقاييس المادّية.

1 . مجمع البيان:9/466ـ467.

صفحه 107
روى الطبرسي في «الاحتجاج» عن الإمام الحسن العسكري(عليه السلام)أنّه وصل إلى أبي الحسن علي بن محمد العسكري (عليهما السلام) أنّ رجلاً من فقهاء شيعته كلّم بعض النُّصّاب فأفحمه بحجّته حتى أبان عن فضيحته، فدخل على علي بن محمد(عليهما السلام) وكان بحضرته خلق من العلويين وبني هاشم فما زال يرفعه حتى أجلسه]قربه [وأقبل عليه، فاشتدّ ذلك على أُولئك الأشراف فأمّا العلويّون فأجّلوه عن العتاب، وأمّا الهاشميون فقال له شيخهم: يابن رسول الله، هكذا تؤثر عامِّيّاً على سادات بني هاشم من الطالبيين والعباسيين؟ فقال(عليه السلام):«إيّاكم وأن تكونوا من الذين قال الله تعالى عنهم:(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَ هُمْ مُعْرِضُونَ)(1) أترضون بكتاب الله عزّ وجلّ حكماً؟ قالوا: بلى، قال: أليس الله يقول:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الَْمجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ)إلى قوله:(وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات) فلم يرض للعالم المؤمن إلاّ أن يُرفَع على المؤمن غير العالم كما لم يرض للمؤمن إلاّ أن يُرفَع على من ليس بمؤمن... إلى أن قال: فكيف تنكرون رفعي لهذا لما وفّقه الله؟! إن كسر هذا فلانَ الناصب بحجج الله التي علّمه إيّاها لأفضل له من كلّ شرف في

1 . آل عمران:23.

صفحه 108
النسب...»(1) والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة.
نعم الأدب الإسلامي يقتضي أن يترك بعضهم مكانه لذوي الإيمان والعلم ولكن ليس من حقّ القادم ـ ولو كان أفضل ـ أن يقيم الجالس من مكانه ويجلس بدله، روى الكليني في «الكافي» عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إذا دخل منزلاً قعد في أدنى المجلس إليه حين يدخل. وفيه عنه(عليه السلام): «من رضي بدون الشرف من المجلس لم يزل الله عز وجلّ وملائكته يصلّون عليه حتى يقوم».(2)
وأخرج البخاري ومسلم عن عمر أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «لا يقيم الرجلُ الرجلَ من مجلسه فيجلس فيه، ولكن تفسّحوا وتوسّعوا» .(3)

1 . تفسير نور الثقلين:5/263، عن الاحتجاج: 2 / 259 .
2 . الفرقان في تفسير القرآن:27/206.
3 . الدر المنثور:6/81 .

صفحه 109
10

الأمر بكظم الغيظ و العفو عن الناس

إنّ الله سبحانه ذكر من أوصاف المتقين الإنفاق في السرّاء والضرّاء أوّلاً، والكاظمين الغيظ و العافين عن الناس ثانياً ثم إنّه سبحانه وصفهم بالإحسان وأنّه تعالى يحبهم، فقال: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ).(1)
والمهم في المقام هو الوصف الثاني أعني كظم الغيظ و العفو عن الناس، ولأجل تعميم الفائدة نشرح الآية كاملة.
1. (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ): أي في حال اليسر والعسر من غير فرق بين قليل وكثير، فإنّ الانفاق بالقليل إذا عمّ الناس سيصبح مالاً كثيراً يرفع الحاجة، ثمّ إنّ من كان له مال ينفق من

1 . آل عمران:134.

صفحه 110
ماله ومن لم يكن عنده مال فلينفق من علمه إذا كان عالماً أو ممّا يُحسنه، فإنّ الغاية رفع حاجات المجتمع على مختلف الأصعدة.
ثمّ إنّ الإنفاق من صفات المتقين وقد أشار إليه أيضاً في سورة الذاريات، قال تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّات وَعُيُون) ثم قال بعدها: (وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ).(1)

2. (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ)

كظم الغيظ هو اخفاؤه حتى لا يظهر أثره على أسارير وجهه وسائر جوارحه، وهو رهن قوّة النفس على إمساكه، فكأنّ هيجان الغضب يدفع الإنسان إلى ظهور آثار الغضب على جوارحه، لكنّ التقوى تمنعه عن الظهور، وقد يُعدّ هذا علامة عن قوة النفس وامتلاكها لأمرها.

3. (وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ)

وهذه الفقرة تشير إلى العفو عن الناس فيما أساءوا إليهم، وهي تدل على أنّ كمال كظم الغيظ هو العفو عن الناس. روى الطبرسي قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «من كظم غيظه وهو قادر على إنفاذه ملأه الله يوم القيامة رضا» وفي خبر آخر: «ملأه الله يوم القيامة أمناً

1 . الذاريات: 15 و 19.

صفحه 111
وإيماناً».(1) ولعل قوله: «قادر على إنفاذه» كناية عن العفو ولأجل هذا ذكرنا هذه الرواية في الصفة الثالثة.
ثمّ إنّه سبحانه أتم الآية بقوله: (وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)والمحسن هو المنعم على غيره، وأي إحسان أفضل من العفو إذا وقع في مورده.
وقد روي أنّ جارية لعلي بن الحسين(عليهما السلام) جعلت تسكب عليه الماء ليتهيأ للصلاة فسقط الإبريق من يدها فشجّه، فرفع رأسه إليها فقالت له الجارية: إنّ الله تعالى يقول: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ)فقال لها: قد كظمت غيظي، قالت: (وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ)قال: قد عفا الله عنك، قالت: (وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)، قال: اذهبي فأنت حرة لوجه الله.(2)
والعجب أنّ صاحب المنار نسب تلك الفضيلة إلى بعض سلفه، وذكر مكان الجارية غلاماً، قال: يُروى أنّ بعض السلف غاظه غلام له فجأة غيظاً شديداً فهمّ بالانتقام منه فقال الغلام: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ) فقال: كظمت غيظي. قال الغلام: (وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ) قال: عفوت عنك، إلى آخر الرواية.(3)
أقول: لا عتب على صاحب المنار إذا نقله عن مصدر نسب

1 . مجمع البيان:2/472.
2 . مجمع البيان:2/393.
3 . لاحظ: تفسير المنار:4/135.

صفحه 112
مؤلفه الرواية عن بعض السلف من غير تعريف، ولكن لو أنّه وقف على الرواية على ما نقله الطبرسي في المجمع ونسبه إلى بعض السلف، مكان التصريح باسم الإمام علي بن الحسين(عليهما السلام)لكان ذلك جفاء منه على جدّه، حيث يقول: إنّه من أولاد الإمام الصادق(عليه السلام).

صفحه 113
11
الأمر بالبر بالوالدين
أمر الله سبحانه بمعاشرة الوالدين معاشرة حسنة، وقد أوصى بها في آيات كثيرة نذكر منها ما يلي:
1. قال تعالى: (وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا).(1)
2. قال تعالى:(وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا).(2)
3. قال تعالى: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ مِنْ إِمْلاَق نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ).(3)

1 . العنكبوت:8، والاحقاف:15.
2 . الإسراء:23.
3 . الأنعام:151.

صفحه 114
والآية الأخيرة تتضمّن وصايا خمس، غير أنّ الذي يهمّنا في المقام هو قوله تعالى: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)، وأمّا الوصايا الأربع الباقية فقسم منها يرجع إلى أُصول الدين كالنهي عن الشرك، والقسم الآخر يتضمّن أحكاماً شرعية خارجة عن الأخلاق والسلوكيات، ولذلك نركّز البحث على الأمر الأوّل.
قال تعالى:(وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)، أمر سبحانه بالإحسان إليهما مع أنّ المنهيّ عنه هو الإساءة إلى الوالدين، وكان اللازم أن يقول: ولا تسيئوا إلى الوالدين، وإنّما عدل عن النهي عن الاساءة، إلى الأمر بالإحسان اعتناء بحقّ الوالدين وأنّ الله أراد برّهما، والبر إحسان، والأمر به يتضمّن النهي عن الإساءة بطريق فحوى الخطاب.(1)
إنّ الأمر بالإحسان بالوالدين بعد الأمر بعبادة الله كما في قوله: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)،(2) أو بعد النهي عن الشرك ـ كما في آيتنا هذه ـ كلّ ذلك يدلّ على اهتمام الإسلام بتكريم الوالدين، فإنّ المجتمع الصغير (الأُسرة) هو اللبنة الأُولى للمجتمع الكبير، فإن صلحت هذه صلح ذاك، بل يظهر من بعض الآيات أنّ دائرة تكريم الوالدين شيء أوسع، قال سبحانه: (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي

1 . التحرير والتنوير:7/118.
2 . الاسراء:23.

صفحه 115
صَغِيرًا)(1)، فخفض الجناح كناية عن التواضع الشديد لدى الوالدين، ولا أظن يوجد نظام أو شريعة تؤكّد على تكريم الوالدين مثل ما نجده في شريعة الإسلام، قال الإمام علي(عليه السلام):«فحقّ الوالد على الولد أن يطيعه في كلّ شيء إلاّ في معصية الله».(2)

نظام الأُسرة في المجتمع الغربي

إنّ انتشار الحضارة الصناعية المادية أثّر على روحيات المجتمع الغربي وعلى الأواصر الاجتماعية بين أفراده، فإنّ تربية الأولاد في أحضان الوالدين عبْر سنين يقوّي العواطف الإنسانية بينهم وبين الوالدين، غير أنّ الحياة الصناعية في الغرب صارت سبباً لتأسيس دور الحضانة التي تتولّى تربية الأولاد.
وبذلك ضعفت العلاقة بين الولد والوالد، وقلّ الحبُ والارتباط بينهما، فنرى أنّ الأولاد ينفصلون عن آبائهم إذا صاروا قادرين على أن يعيشوا بمفردهم، أو مع أزواجهم، فقلّما يتّفق التواصل بينهما خلال أشهر أو سنة أو أكثر، وقد سمعنا الكثير من القصص التي تتناقلها وسائل الاعلام عن أوضاع المجتمع الغربي، وأين هذا عمّا نراه سائداً في المجتمعات الإسلامية التي ما زالت بعيدة عن

1 . الإسراء:24.
2 . الكافي:2/160.

صفحه 116
الحضارة الغربية، فالأولاد عندهم هم فلذات الأكباد، كما أنّ الأولاد يحترمون الوالدين طول حياتهم خصوصاً إذا طعنوا في السن، وعجزوا عن الاستمرار بالحياة إلاّ بمعونة الأولاد.
ويأتي بعد هذه الآية آيتان تشكّلان معها سبيكة واحدة، لذا نفسّرهما أيضاً لإتمام الفائدة.
***
الآية الأُولى قال سبحانه: (وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).(1)
اشتملت هذه الآية على خصال خمس فالنهي عن الاقتراب من مال اليتيم أو إيفاء الكيل والميزان بالقسط، ويُبحث عنهما في الفقه قسم المعاملات، والتكليف حسب الوسع والطاقة في قوله:(لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا)موضوع كلامي، فلم يبق في الآية إلاّ الفقرتان التاليتان:
1. (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبى).

1 . الأنعام:152.

صفحه 117
2. (وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا).
فالأُولى منهما ناظرة إلى الشهادة بالعدل في مورد القضاء ويبحث عنها في كتاب القضاء، كما أنّ الثانية ناظرة إلى العهود الإلهية، كالنذر واليمين، وقد تقدّمت دراسة الوفاء بالعهد فيما سبق.(1)
ثمّ إنّه سبحانه ختم الآية بقوله:(ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) فجعل خاتمة هذه الآية (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) على خلاف الآية السابقة التي جعل ختامها قوله: (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ).
وفي ختام الوصايا العشر يوصي سبحانه بسلوك صراط واحد وهو الصراط المستقيم والتحرّز عن سلوك غيره، فيقول:

الآية الثانية

قال تعالى:(وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).(2)
والآية ترشدنا إلى أنّ هنا صراطاً واحداً مستقيماً يوصل الإنسان

1 . لاحظ: العنوان السابع: الوفاء بالعهد.
2 . الأنعام:153.

صفحه 118
إلى المقصد بسهولة فعليكم اتّباعه، والتحرّز عن سائر السبل التي تخالفه. ويحتمل أنّ المراد من قوله: (صِرَاطِي) هو صراط النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، غير أنّ الذي يبعّده أنّ الضمير في قوله:(عَنْ سَبِيلِهِ)يرجع إلى الله سبحانه، كما أنّ الضمير في قوله:(وَصَّاكُمْ)يرجع إليه، فيشكّلان قرينة على أنّ المراد من ضمير المتكلم هو صراط الله، وعلى كلّ تقدير فالله سبحانه يقول: (وَأَنَّ هَذَا): أي كلّ ما سبق من التكاليف الإلهية، أو هي مع ما أُمر ببيانها في سائر الآيات (صِرَاطِي مُسْتَقِيماً): أي صراط الله المستقيم (فَاتَّبِعُوهُ)لأنّه يوصلكم إلى المقصد المطلوب، قال: (وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ)المتفرّقة (فَتَفَرَّقَ بِكُمْ)والباء هنا للتعدية نظير قول القائل: ذهبت بزيد أي: أذهبته، وفي المقام بمعنى تُفرِّقكم (عَنْ سَبِيلِهِ): أي سبيل الله.
وقد روى جابر بن عبد الله(رحمه الله)قال: كنّا عند النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فخط خطّاً وخطّ خطين عن يمينه وخط خطين عن يساره ثم وضع يده في الخط الأوسط «أي الذي بين الخطوط الأُخرى» فقال: هذه سبيل الله، ثم تلا هذه الآية:(وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).(1)

1 . سنن ابن ماجة:1/6.

صفحه 119
12

الأمر بالاجتناب عن النفاق

المنافق عبارة عمّن لم يطابق قوله عقيدته، والأفضل أن يُقال: مَن أبطن الكفر وأظهر الإسلام، والنفاق بالمعنى الثاني مصطلح إسلامي لم يكن له سابق بين العرب، وذلك لأنّ النفق ـ في اللغة ـ هو سرب في الأرض مشتق إلى موضع آخر، وفي «التهذيب» له مخلص إلى مكان آخر.
والنفقة والنافقاء حجر الضب واليربوع، سُمّي به لأنّه إذا أُتي من قبل القاصعاء ضرب النافقاء برأسه فخرج، فتكون النافقاء مستورة غير معلومة، وإنّما تُعلم بخروج اليربوع، يقال: نفق اليربوع: أي خرج منه.
وسمّي المنافق منافقاً لأنّه يدخل في الإسلام من وجه ويخرج

صفحه 120
من غير الوجه الذي دخل فيه.
وقد تكرّر في الحديث ذكر النفاق وما تصرف منه اسماً وفعلاً وهو اسم إسلامي لم تعرفه العرب بالمعنى المخصوص به وهو الّذي يستر كفره ويظهر إيمانه.(1)
وحصيلة الكلام: أنّ المنافق في اللغة هو مَن يدخل من باب ويخرج من باب آخر، واستعير هذا في مصطلح القرآن لِمَنْ يكتم الكفر ويظهر الإيمان كأنّه يدخل من باب ـ أي اللسان ـ ويخرج من باب آخر ـ العمل ـ أو أنّ له وجهين: وجه ظاهر وهو لسانه، ووجه مستور وهو قلبه، كحجر اليربوع حيث إنّ له بابين: ظاهر يدخل منه، ومستور يخرج منه.
وممّا ذكرنا يظهر أنّ النفاق يفترق عن التقية تماماً، فالنفاق في مصطلح القرآن هو مَن أبطن الكفر وأظهر الإسلام، وأمّا التقية فعلى العكس فهي من أظهر الكفر وأبطن الإسلام.
وبما ذكرنا يظهر أنّ التعريف الأوّل، أعني: «مَن لم يطابق قوله عقيدته» تعريف ناقص لأنّه يشمل كلا الموردين.
إنّ النفاق من أخبث الصفات وأخطرها على المجتمع، ولذلك اهتمّ القرآن الكريم في بيان صفات المنافقين بذكر مثلين في صدر

1 . لسان لعرب:1/359، مادة «نفق».

صفحه 121
سورة البقرة.(1)
والذي يناسب ذكره في المقام هو أنّ من أوصافهم البارزة، التذبذب والانتهازية. فالتذبذب واستغلال الفرص الذي نعبّر عنه بالانتهازية من صفات المنافقين البارزة، فتارة يعدّون أنفسهم من صميم الإسلام والمسلمين، وأُخرى يتقرّبون إلى الكفّار والمشركين في السرّ دون العلانية حسب اختلاف الأجواء والظروف.
إنّ النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) يشبّه المنافق بالشاة العابرة بين القطيعين من الغنم، فتارة تلتحق بهذا وأُخرى بذاك، يقول: «مثل المنافق مثل الشاة العابرة بين الغنمين تعبر إلى هذه مرّة وإلى أُخرى مرّة».(2)
والحقّ أنّ منافقي عصر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) كانوا على هذا الوصف، ففي الوقت الذي يكون النصر حليفاً للمسلمين يعدّون أنفسهم منهم حتّى يستغلوا الفرص ويشاركوا في الغنيمة، ولكن في الوقت الذي يكون للمشركين نصيب يتسلّلون إليهم بإظهار المحبة والمودّة لهم وأنّهم فعلوا لصالحهم أُموراً.
وإلى هذا النوع من التذبذب في حياتهم يشير سبحانه بقوله: (الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ

1 . لاحظ: البقرة:17ـ 20.
2 . مسند أحمد:2/32.

صفحه 122
الْمُؤْمِنِينَ فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً).(1)
ومعنى الآية: أنّه لو كان للمؤمنين فتح من الله يقولون: (أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ) فاعطونا نصيبنا من الغنيمة.
ويقولون لهم: (أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)، وقد اختلف المفسرون في تفسير هذه الفقرة، فقد فسّرها الطبرسي بالنحو التالي:
ألم نغلب على رأيكم بالموالاة لكم ونمنعكم من الدخول في جملة المؤمنين. يعني إذا حاول مشرك أن يدخل في حظيرة الإسلام يمنعه المنافق محتجّاً بأنّ دولة هؤلاء آفلة.(2)
ثمّ إنّك ترى هذا الوصف في منافقي عصرنا الحاضر، فإنّهم عندما يواجهون الدولة الإسلامية يظهرون المودّة والمحبّة والتعامل بالتأييد في المواقف السياسية والاقتصادية، ونحوها، حتى أنّهم يعقدون الاتفاقيات بينهم وبينها. ولكنّهم إذا تغيرت الأوضاع السياسية على غير صالح الدولة الإسلامية تراهم يتنصلون عن تعهداتهم ومواثيقهم، ويتركون العمل بها متذرعين بأعذار أوهن من بيت العنكبوت.

1 . النساء:141.
2 . مجمع البيان:2/196.

صفحه 123

فهرس المصادر

نبدأ تبرّكاً بالقرآن الكريم .
حرف الألف
1 . إحياء علوم الدين: أبو حامد محمد بن محمد الغزالي(450ـ 505هـ)، دار المعرفة، بيروت.
2. أنساب الأشراف: أحمد بن يحيى البلاذري(من أعلام القرن الثالث الهجري)، مؤسسة الأعلمي، بيروت، 1394هـ .
حرف الباء
3. بحار الأنوار: محمد باقر المجلسي(المتوفّى 1110هـ)مؤسسة الوفاء، بيروت، 1403هـ .
حرف التاء
4. التحرير والتنوير: ابن عاشور التونسي(1296ـ 1393هـ)، مؤسسة التاريخ، بيروت، 1420هـ .
5. التعايش السلمي: محمود الموسوي البغدادي(معاصر)، دار الولاء، بيروت، 1436هـ .
6. تفسير الرازي (مفاتيح الغيب): محمد بن عمر الخطيب الرازي(544ـ

صفحه 124
606هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
7. تفسير القمي: علي بن إبراهيم(من أعلام القرن الثالث والرابع الهجري)، مؤسسة دار الكتاب للطباعة والنشر، قم، 1404هـ .
8. تفسير المنار: محمد رشيد رضا(المتوفّى 1354هـ)، دار المنار، القاهرة، مصر، 1373هـ .
9. تنبيه الخواطر ونزهة النواظر: ورّام بن أبي فراس المالكي الأشتري(المتوفّى 605هـ)، دار الكتب الإسلامية، قم، 1368هـ ش.
10 . تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق : أبو علي أحمد الرازي«مسكويه» (المتوفّى 421هـ)، نشر مكتبة بيدار، قم المقدسة، 1413هـ .
حرف الجيم
11. جامع السعادات: محمد مهدي النراقي(المتوفّى 1209هـ)، مطبعة النعمان، النجف الأشرف.
حرف الخاء
12 . الخصال: الشيخ الصدوق محمد بن علي(المتوفّى 381هـ)، منشورات مؤسسة النشر الإسلامي، قم، 1403هـ .
13. الخلاف: الطوسي محمد بن الحسن(385ـ 460هـ)، دار الكتب العلمية، قم.
حرف الدال
14 . الدر المنثور: جلال الدين السيوطي(849ـ 911هـ)، دار الفكر، بيروت، 1403هـ .

صفحه 125
حرف الراء
15. رجال الكشي: أبو عمرو محمد بن عمر الكشّي(من أعلام القرن الرابع الهجري)، مؤسسة الأعلمي، كربلاء.
حرف السين
16. سنن ابن ماجة: محمد بن يزيد القزويني(207ـ 275هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1395هـ .
17. سنن أبي داود: أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني(202ـ 275هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
18. سنن البيهقي: أحمد بن الحسين البيهقي(المتوفّى 458هـ)، دار المعرفة، بيروت، 1406هـ .
حرف الشين
19. شرح إحقاق الحقّ : آية الله السيد شهاب الدين المرعشي النجفي(المتوفّى1411هـ)، منشورات مكتبة السيد المرعشي، قم المقدّسة.
20. شرح المختصر: سعد الدين التفتازاني(712ـ 791هـ)، نشر دار الحكمة، قم المقدّسة، 1371هـ ش.
21. شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد المعتزلي(المتوفّى 655هـ)، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، 1378هـ .
حرف العين
22. علل الشرائع: الشيخ الصدوق(المتوفّى 381هـ)، مؤسسة الأعلمي، بيروت، 1408هـ .

صفحه 126
23. عيون أخبار الرضا(عليه السلام): الشيخ الصدوق(المتوفّى 381هـ)، مؤسسة الأعلمي، بيروت، 1404هـ .
24. عيون الحكم والمواعظ: أبو الحسن علي الليثي الواسطي(ق 6هـ)، تحقيق حسين البيرجندي، دار الحديث، قم، 1418هـ).
حرف الغين
25. غرر الحكم: عبد الواحد الآمدي التميمي(من علماء القرن الخامس الهجري)، مؤسسة الأعلمي، بيروت، 1407هـ .
حرف الفاء
26. الفرقان في تفسير القرآن: محمد الصادقي الطهراني(معاصر)، مؤسسة الأعلمي، بيروت.
حرف القاف
27. القاموس المحيط: محمد بن يعقوب الفيروز آبادي(729ـ 817 هـ) دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1412هـ .
حرف الكاف
28. الكافي: محمد بن يعقوب الكليني(المتوفّى 329هـ)، دار الكتب الإسلامية، طهران، 1397هـ .
29. كشف الغمة في معرفة الأئمّة: أبو الحسن علي بن عيسى الأربلي(المتوفّى693هـ)، دار الأضواء، بيروت، 1405هـ .
30. كنز العمال: المتقي الهندي(المتوفّى 975هـ) مؤسسة الرسالة، بيروت، 1405هـ .
31. كنز الفوائد: أبو الفتح الكراجكي(المتوفّى 449هـ) طبعة مكتبة

صفحه 127
المصطفوي، قم المقدّسة.
حرف اللام
32. لسان العرب: العلاّمة ابن منظور محمد بن مكرم(المتوفّى 711هـ)، قم، 1405هـ .
حرف الميم
33. مجمع البيان: الفضل بن الحسن الطبرسي(471ـ 548هـ) دار المعرفة، بيروت، 1406هـ .
34. المحجّة البيضاء في تهذيب الأحياء: المولى محسن الكاشاني(المتوفّى 1091هـ)، مؤسسة النشر الإسلامي، قم المقدّسة.
35. المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز: ابن عطية الأندلسي (المتوفّى546هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت، 1413هـ  .
36. مستدرك الوسائل: المحدّث الحسين بن محمد تقي النوري (1254ـ1320هـ) ، مؤسسة آل البيت(عليهم السلام)، قم، 1407هـ .
37. المسند: أحمد بن حنبل(المتوفّى 241هـ)، دار الفكر، بيروت.
38. مصباح الفقيه: آقا رضا بن محمد هادي الهمداني(المتوفّى 1322هـ) المؤسسة الجعفرية لإحياء التراث، قم، 1417هـ .
39. المطول: سعد الدين التفتازاني(722ـ 792هـ)، طبع اسطنبول، 1330هـ . 
40. المعجم الكبير: أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني(260ـ 360هـ) دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1404هـ .
41. المفردات: الحسين بن محمد الراغب الاصفهاني(المتوفّى 502هـ)،

صفحه 128
المكتبة المرتضوية، طهران.
42. مقاييس اللغة: أحمد بن فارس بن زكريا (المتوفّى 395هـ) دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، 1366هـ .
43. المكاسب: الشيخ مرتضى الأنصاري(1214ـ 1281هـ) لجنة تحقيق تراث الشيخ الأعظم، قم ـ 1415هـ .
44. المكاسب المحرمة: الإمام الخميني(1320ـ 1409هـ) مؤسسة إسماعيليان، قم، 1410هـ .
45. منية الطالبين في تفسير القرآن المبين: جعفر السبحاني، مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، قم، ج18، 1438هـ .
46. الميزان في تفسير القرآن: السيد محمدحسين الطباطبائي (المتوفّى1402هـ)، مؤسسة النشر الإسلامي، قم.
حرف النون
47. نهج البلاغة: جمع الشريف الرضي(359ـ 406هـ) بيروت، 1387هـ .
48. نور الثقلين: عبد علي بن جمعة العروسي الحويزي(المتوفّى 1112هـ) مؤسسة إسماعيليان، قم، 1412هـ .
حرف الواو
49. الوافي بالوفيات: صلاح الدين الصفدي(المتوفّى 764هـ) منشورات جهان، طهران، 1381هـ .
50. وسائل الشيعة: الحرّ العاملي محمد بن الحسن (1033ـ1104هـ) دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1403هـ .

صفحه 129

فهرس المحتويات

   مقدّمة المؤلّف   7
   الدين والأخلاق والعلاقة بينهما   9
   السؤال الأوّل: ما هو الدين؟   10
      تعريف الدين ببيان آخر   11
   السؤال الثاني: ما هي الأخلاق؟   12
   السؤال الثالث: ماهو الهدف من علم الأخلاق؟   15
   السؤال الرابع: ما هي العلاقة بين فلسفة الأخلاق وعلم الأخلاق؟   16
   السؤال الخامس: ما هي العلاقة بين الدين وعلم الأخلاق؟   18
   بين المنهجين بعد المشرقين   18
   الأخلاق الإسلامية ضمن مجموعات من الآيات   21
الفصل الأوّل:
التخلّي عن الرذائل
1. النهي عن الاستهزاء بالمؤمنين   23

صفحه 130
   التفسير   24
2. النهي عن الطعن بالمؤمنين   25
3. النهي عن التنابز بالألقاب   26
   التفسير   26
4. النهي عن إساءة الظن بالمؤمنين   28
   الآثار السيّئة لسوء الظن   30
5. النهي عن تتبّع عيوب الآخرين   32
   الاستخبارات والأمن العام لصالح الأُمّة   33
6. النهي عن الغيبة   35
   الآية الأُولى   35
   الآية الثانية   36
      وجه الاستدلال   36
   الآية الثالثة   37
   الآية الرابعة   39
   ماهيّة الغيبة   39
   كفّارة الغيبة هي الاستغفار   42
   تظلّم المظلوم بإظهار ما فعل الظالم به   42
7. النهي عن الكذب   47
   إيضاح   50

صفحه 131
8. النهي عن النجوى في مجالس المؤمنين   53
9. الاجتناب عن الرياء والسُمعة   56
10. الحسد مكان الغبطة   62
   التفسير   63
11. الاجتناب عن رفاق السوء   67
   اتّخاذ الخليل أمر فطري   68
12. اجتناب الجدال بالباطل   71
الفصل الثاني:
التحلّي بالفضائل
1. الأمر بالمشي على الأرض بسكينة ووقار   75
   مواضع التواضع   78
2. الأمر بمقابلة خطاب الجاهلين، بالسلام   81
3. الأمر بالاقتصاد في الإنفاق   85
4. الأمر بالصبر والاستقامة في كافة المجالات   90
5. الأمر بالخشوع في الصلاة   94
6. الأمر بالإعراض عن اللغو   96
7. الأمر بالوفاء بالعهد   99
8. الأمر بالتوقّف في الحكم في ما لا يعلم   102
9. الأمر بالتفسُّح في المجالس   104

صفحه 132
10. الأمر بكظم الغيظ و العفو عن الناس   109
11. الأمر بالبر بالوالدين   113
   نظام الأُسرة في المجتمع الغربي   115
   الآية الأُولى   116
   الآية الثانية   117
12. الأمر بالاجتناب عن النفاق   119
فهرس المصادر   123
فهرس المحتويات   129