\
welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : الآداب والأخلاق في القرآن الكريم*
تألیف :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الآداب والأخلاق في القرآن الكريم

1
    الآداب والأخلاق في القرآن الكريم
   

2

3
الآداب والأخلاق
في القرآن الكريم

4

5
 
الآداب والأخلاق
في القرآن الكريم
 
 
تأليف
الفقيه المحقّق
جعفر السبحاني
نشر
مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

6
سبحاني تبريزى، جعفر، 1308 ـ
الآداب والأخلاق في القرآن الكريم / تأليف جعفر السبحاني.ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، 1397.
193ص.
فهرست نويسى بر اساس اطلاعات فيپا.   ISBN:978-964-357-626-4
كتابنامه همچنين به صورت زيرنويس.
1. قرآن ـ ـ اخلاق . 2. اخلاق اسلامى. الف. مؤسسه امام صادق(عليه السلام). ب. عنوان.
3 الف 2س/3/103/BP   159/297
1397
اسم الكتاب:    الآداب والأخلاق في القرآن الكريم
المؤلّف:   جعفر السبحاني
الموضوع:   الأخلاق والآداب
الطبعة:    الأُولى
الناشر:   مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
المطبعة:   مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
تاريخ الطبع:    1397هـ.ش/1440هـ.ق/2019م
الكمية:    1000نسخة
القطع:   رقعي
التنضيد والإخراج:   مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
   تسلسل النشر:1030         تسلسل الطبعة الأُولى:486
توزيع
مكتبة التوحيد
ايران ـ قم; ساحة الشهداء
?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
http://www.Tohid.ir

7

المقدّمة

الحمد لله الذي دعانا إلى مكارم الأخلاق، واكتساب الفضائل والانتهاء عن الرذائل، والصلاة والسلام على النبي الأعظم الذي وصفه سبحانه بقوله: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُق عَظِيم)(1)، وعلى خلفائه الطيّبين الطاهرين الذين هم المثل العليا في المناقب الكريمة والأفعال الحميدة، صلاة دائمة مادامت السماء ذات أبراج والأرض ذات فجاج.
أمّا بعد:
فقد دُعيت من قبل مديرية جامعة الإمام الصادق(عليه السلام) لعلوم الكلام، لإلقاء محاضرات في الآداب والأخلاق والسلوك مع الناس

1 . القلم:4.

8
ومعاشرتهم.
وأخترنا للموضوع ما ورد في الذكر الحكيم حول الآداب والأخلاق، ونعني بالأوّل ما يتعامل به الإنسان مع الناس من دون أن يكون صادراً عن ملكة، بل تعلماً من ذي علم كالمشي على الأرض بسكينة ووقار، أو مقابلة خطاب الجاهلين بالسلام، إلى غير ذلك ممّا سيمر عليك بصورة الآداب والسلوك مع الناس.
ونعني بالثاني ـ أعني الأخلاق ـ ما وصف بكونه ملكة راسخة في نفس الإنسان ولا ينفك عنه إلاّ بالإكراه. وأكثر نبحث عنه في هذه الرسالة هو من هذا القبيل.
وعلى القارئ الكريم أن يميّز الآداب عن الأخلاق بذوقه السليم.
علاقة علم الكلام والفقه بعلم الأخلاق   
نسأل الله التوفيق لصالح الأعمال، والحمد لله ربّ العالمين.
جعفر السبحاني

9

مباحث تمهيدية

تعريف الأخلاق

«الخُلْق» و«الخُلُق» كلاهما بمعنى واحد، ويفسّر بالقوى والسجايا الذاتية للإنسان، ثمّ إنّ السجايا تارة تنتقل إلى الإنسان عن طريق الوراثة ـ بصورة الإقتضاء لا العلّة التامّة ـ ، وأُخرى تتجذّر في النفس بتكرار العمل، مثلاً: الإنسان القاسي لم يكن يوم ولد، قاسياً، وإنّما تولدت القسوة في نفسه نتيجة تكرار قيامه بأعمال لا تصدر إلاّ عن الإنسان القاسي، كقتل الطفل البريء ونهب أموال اليتامى، ونحو ذلك، فإذا صدرت تلك الأعمال مرّة بعد أُخرى تترسّخ القسوة في ذاته، وتصدر تلك الأعمال القاسية منه بلا فكر ولا روية، وعلى ضوء ذلك نرى أنّ علماء الأخلاق يُعرّفون الخلق بالنحو التالي:
1. الخُلق: هو تلك الحالة النفسانية التي تدعو الإنسان لأفعال لا تحتاج إلى تفكّر وتدبّر.(1)

1 . تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق، لابن مسكويه:1.

10
2. الخُلق: عبارة عن هيئة قائمة في النفس تصدر منها الأفعال بسهولة من دون حاجة إلى تدبّر وتفكّر.(1)

انقسام الملكات إلى قسمين

الملكات النفسانية ـ من غير فرق بين الوراثية والمكتسبة ـ تنقسم إلى قسمين:
1. ما يكون مبدأً للأعمال والسلوكيات الحسنة، فتوصف بالفضائل.
2. ما يكون مصدراً للأفعال والسلوكيات السيّئة، وتُسمّى بالرذائل، فالجود المتجذّر في نفس الإنسان يُعدّ فضيلة، والبخل المترسّخ فيها يوصف بأنّه رذيلة، وقس على ذلك سائر الملكات الفاضلة والرذيلة، فالموصوف الحقيقي بأحد الوصفين هو نفس الملكة، وربما يُنسب إلى الأفعال الصادرة عنها مجازاً.

علاقة علم الكلام بعلم الأخلاق

علم الأخلاق علم باحث عن الملكات الحسنة والسيئة، فليس له دور إلاّ التعريف بتلك الملكات، ومن المعلوم أنّ مجرّد العلم بشيء حسن أو قبيح لا يبعث أكثر الناس إلى اكتسابها أو الانتهاء

1 . الحقائق، للفيض الكاشاني:54.

11
عنها.
وأمّا علم الكلام فهو يبحث عن المبدأ والمعاد، وأنّ للإنسان حياة أُخرى يُجزى فيها على أعماله الحسنة أو يعاقب على السيئة منها، كما يقول سبحانه: (لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ)(1) فإذا أردنا أن نصف العلاقة بين العلمين فنقول: إنّ للاعتقادات دوراً واضحاً في دعوة الإنسان إلى القيام بالأعمال الصالحة وزجره عن الأعمال السيئة.
فعلم الأخلاق يبيّن الموضوع ويشرحه، والاعتقاد بالمبدأ والمعاد هو العلّة الباعثة لاتّصاف الإنسان بالملكات الحسنة.

علاقة الفقه بعلم الأخلاق

إنّ الأنبياء العظام وأخصّ بالذكر النبي الخاتم(صلى الله عليه وآله وسلم) بعثوا لإشاعة مكارم الأخلاق، وقد قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّما بعثت لأُتمّم مكارم الأخلاق».(2) وفي رواية أُخرى:«بعثت بمكارم ومحاسنها».(3)
هذا من جانب ومن جانب آخر أنّ الشرائع السماوية أكثر إحاطة بمحاسن الأخلاق وقبائحها، فأين الوحي السماوي الذي هو

1 . البقرة:286.
2 . كنز العمال:2/16، 52175.
3 . بحار الأنوار:66/405.

12
شيء من العلوم الربانية من إحاطة العقل بصفات الأفعال، فلذلك يكون علم الفقه معيناً لعلم الأخلاق ويفتح لمعلم الأخلاق آفاقاً كثيراً من الحسنات والسيئات ربّما يغفل عنها العقل البشري.
والذي يوضح ذلك هو المقارنة بين علم الأخلاق الموروث من علماء اليونان وبين الأخلاق التي بينها الكتاب العزيز والأحاديث الشريفة، وإن أردت توضيحاً أكثر فقارن بين ما ألّفه ابن مسكويه أعني كتاب «تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق» الذي يشرح لنا الأخلاق الموروثة من حكماء اليونان، وبين ما ورد في كتاب المحجّة البيضاء فسيجد المتدبّر فيهما بوناً شاسعاً بين العلمين.
***

ما هي العلاقة بين فلسفة الأخلاق وعلم الأخلاق؟

   
إنّ علم الأخلاق يمثّل دور الإشارة إلى الموضوعات، أي الحسن والقبيح من الملكات وما يصدر منها من الأفعال، من دون أن ينظر بما لهذه الملكات أو الأفعال من آثار بنّاءة أو هدّامة، على خلاف فلسفة الأخلاق فهي بدورها تشرح لنا ما لهذه الملكات من آثار بنّاءة في الحياة الإنسانية.
فلنمثّل لذلك بمسألة العدل والظلم، فإذا شاع العدل يسود الهدوء والنظم على المجتمع، فكلّ إنسان يتمتّع بما أُوتي من قوّة

13
وعمل، فالغني ومن دونه تسهل له الحياة، بخلاف ما لو ساد الظلم على المجتمع فلا الغني يكون سعيداً ولا الفقير يقنع بما عنده، بل يسود الهرج والمرج وتصير الحياة مرّة عسيرة تماماً، وهذا على عاتق فلسفة الأخلاق.
ثمّ هنا يطرح سؤال وهو:
هل العلم بالآثار يؤدّي إلى الالتزام الكامل بالعمل الصالح؟
والجواب: لا شكّ أنّ العلم بالآثار النافعة أو الضارّة له تأثير في إصلاح المجتمع إلى حدٍّ ما، أو رفع المستوى العلمي للمجتمع ورفض الجهل عنه يؤثر في انتشار الصلاح وتقليل الفساد، ولذلك يصدُق ما روي عن الحكيم اليوناني سقراط من أنّ معرفة الخير والشر يزرع بذور الفضائل في النفوس، أو إيجاد الرغبة في الابتعاد عن الرذائل.
ومع تقييمنا لهذا المنهج لكنّه غير كاف لما يتبنّونه من أنّ العلم بالخير والشرّ يبني مجتمعاً مزداناً بالخير وبعيداً عن الشرّ، وذلك لأنّ المنافع الشخصية في الإنسان ربما تكون على جهة النقيض من المصالح العامة، فعندئذ تغلب قوى الشرّ الكامنة في النفوس على العلم بالخير، وربما تسوّل النفس الأمارة عمله وتزيّنه لديه، فإنّ للميول و الشهوات الغريزية تأثيراً كبيراً في إغفال الإنسان العالم بالخير والشر. فيتصوّر الشر خيراً، يقول سبحانه عمّن أُوتي الآيات

14
الإلهية ثمّ انحرف عنها:(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ).(1)
فلا محيص من الجمع بين المنهجين، أعني: محاربة الجهل ورفع المستوى العلمي، والتعريف بالخير والشر، وما لهما من المصالح والمفاسد، وتحكيم الإيمان بالله واليوم الآخر وما للإنسان في ذلك اليوم من وعد ووعيد، وكتاب وحساب.
إلى هنا تمّ ما أردنا بيانه في مقدّمة الرسالة.
وأمّا منهجنا في تأليفها، فإنّا سنأتي بمجاميع من الآيات الواردة في سور مختلفة التي تضمّنت في ثناياها أُصول الملكات الحسنة، والصفات الرذيلة، ثمّ نقتبس من هذه المجموعات وغيرها ما له علاقة بالأخلاق.
وإليك تلك المجموعات واحدة بعد أُخرى.
***
الأخلاق في آيات الذكر الحكيم   
المجموعة الأُولى: ما ورد في سورة الإسراء.
قال تعالى:(وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ

1 . الأعراف:175ـ 176.

15
رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا * رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا * وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا * وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَة مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُورًا * وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا * إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا * وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاَق نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْأً كَبِيرًا * وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً * وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ التي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا * وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالتي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً * وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً * وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً * وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً)(1).
المجموعة الثانية: ما ورد في صدر سورة المؤمنون.
قال تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ

1 . الإسراء:23ـ 37.

16
خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لاَِمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ).(1)
المجموعة الثالثة: ما ورد في آخر سورة الفرقان.
قال تعالى: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَمًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا * إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا * وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا * وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ التي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَات وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيًما * وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ مَتَابًا * وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا * وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ

1 . المؤمنون:1ـ9.

17
رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُن وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا).(1)
المجموعة الرابعة: ما ورد في ثنايا سورة الحجرات.
قال تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْم عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِنْ نِسَاء عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الإِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ).(2)
المجموعة الخامسة: آيتان في سورة الأنعام تتضمّنان وصايا عشر وهي:
(قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ مِنْ إِمْلاَق نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللهِ

1 . الفرقان:63ـ 74.
2 . الحجرات:11ـ 12.

18
أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).(1)
وهذه المجاميع الخمس هي التي نعتمد عليها وعلى غيرها من الآيات في استخراج الأخلاق من القرآن الكريم.
ونعترف أنّ الغاية هي الإشارة إلى قسم من الأُصول الأخلاقية التي وردت في الكتاب العزيز دون الإشارة إلى جميعها.

1 . الأنعام:151ـ 152.

19
   
1

النهي عن الاستهزاء بالمؤمنين

الأُصول الأخلاقية التي جاء بها الإسلام يجمعها مبدأ تكريم المؤمنين وصيانة شخصيتهم عمّا يُشينها، ولذلك فإنّه سبحانه حرّم الأُمور الستة التي جاءت في سورة الحجرات وسندرسها تالياً.
قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْم عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِنْ نِسَاء عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ).(1)
وقبل الدخول في تفسير الآية نذكر معاني بعض مفرداتها:
يسخر: السخرية: الاستهزاء وهو ذكر شيء يُستحقر ويُستهان به الإنسان بقول أو إشارة أو فعل تقليد، بحيث يُضْحَكُ منه بالطبع.
قوم: القوم: الجماعة، ويطلق ويراد به الرجال دون النساء. وفي الآية دليل على أنّ المراد هو الرجال، بشهادة أنّه خصّ النساء بالذكر

1 . الحجرات:11.

20
بعد ذكره القوم.

التفسير

خاطب البيان القرآني المؤمنين بقوله:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)عليكم بصيانة شخصية المؤمن، فعلى هذا (لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْم): أي لا يستهزئ، فإنّ السخرية تنبت العداء، وتقطع عُرى الوحدة. ثم إنّه سبحانه علّل النهي عن السخرية بقوله: (عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ): أي عسى أن يكون المسخور منه خيراً من الساخر عند الله، فإنّ ملاك الفضيلة هو الإيمان والتقوى، ومن المحتمل أن يكون المسخور منه أفضل إيماناً وأكثر عملاً. قال الإمام الباقر(عليه السلام):«إنّ الله خبّأ ثلاثة أشياء في ثلاثة أشياء... وخبّأ أولياءه في خلقه، فلا تحقّرن أحداً فلعلّه ذلك الولي».(1)

1 . كشف الغمة:2/361; بحار الأنوار:78/187.

21
2

النهي عن الطعن بالمؤمنين

إذا كان أساس الأخلاق في الإسلام هو صيانة شخصية المؤمنين، فالطعن به بإظهار عيوب المؤمنين ونقائصهم بقول أو بإشارة، يكون أمراً مبغوضاً عند الشارع، ومع أنّ الطاعن غير المطعون لكنّه سبحانه جمعهم تحت عنوان واحد، وقال: (وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ) واللمز هو التنبيه على العيوب، وما هذا إلاّ لأنّ المؤمنين كنفس واحدة، ولذلك نرى أنّه سبحانه يقول:(وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ)(1)، فكأنّ مَن قتل شخصاً فقد قتل نفسه، فعلى المؤمن أن يجتنب معاشرة هؤلاء اللمّازين الذين يصرفون أعمارهم في إظهار عيوب الناس باللمز، فإنّ المصاحبة مؤثرة، قال الإمام علي(عليه السلام): «إيّاك ومعاشرة متتبّعي عيوب الناس فإنّه لم يسلم مصاحبهم منهم».(2)
***

1 . النساء: 29 .
2 . غرر الحكم:148.

22
3

النهي عن التنابز بالألقاب

قال تعالى:(وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).(1)
وإليك توضيح معاني بعض مفردات الآية:
تنابزوا: النبز ـ بالتحريك ـ هو القذف باللقب، والتنابز بالألقاب: ذكر الناس بلقب السوء.
الاسم: الذِكْر أو العلامة.

التفسير

من الأُصول الأخلاقية في الإسلام، النهي عن التنابز بالألقاب، كما يشير إليه قوله تعالى:(وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ): أي لا تسمّون المسلم بما يسوؤه بعد إيمانه، كقولك لمَن أسلم بعد أن كان مشركاً

1 . الحجرات:11.

23
أو يهودياً: يا مَن كان كذا وكذا، أو: يا مَن كان أبوه أو أُمّه كذا وكذا (بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ): أي بئس تسمية إنسان باسم الفسوق، يعني: الكفر بعد الإيمان، كأن يقول: يا يهودي وهو قد آمن(1)، فإنّه إهانة للمؤمن فتجب التوبة منه، وإلاّ (وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)لنفوسهم بالإصرار على ارتكاب ما يستحقّون به العقاب.
ويشهد لهذا التفسير ما ذكره الطبرسي، قال: روي أنّ صفية بنت حُيَّي بن أخطب جاءت إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) تبكي، فقال لها: ما وراءك؟ فقالت: إنّ عائشة تعيّرني وتقول يهودية بنت يهوديين، فقال لها: «هلاّ قلت: أبي هارون، وعمّي موسى، وزوجي محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)»، فنزلت الآية; عن ابن عباس.(2)

1 . مجمع البيان:9/250، بتصرّف.
2 . مجمع البيان:9/250; ولاحظ: أنساب الأشراف للبلاذري:1/532ـ533.

24
4

النهي عن إساءة الظن بالمؤمنين

إساءة الظن بالمؤمنين أمر منهيّ عنه وتنتج عنه الرغبة في التجسّس ثم يقوده ذلك إلى الغيبة. ويظهر ذلك في الآية التالية:
قال سبحانه:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ).(1)
التدبّر في الآية يظهر لنا أنّ المقدّم من الأُمور الثلاثة سبب للتالي، فإذا أساء أحد الظن بأخيه جرّه ذلك إلى التجسّس عن أُموره وشؤونه الذاتية، ثم إنّه إذا وقف على عيوبه المستورة نزعت نفسه إلى كشفها أمام الآخرين، فيغتابه.
وإليك دراسة الأُمور الثلاثة واحداً بعد الآخر.
إنّ الإسلام حرّم دم المسلم وماله وعرضه، وهذا هو المعروف

1 . الحجرات:12.

25
في الكتب الفقهية، ولكن يظهر من الآية أنّه حرّم أمراً رابعاً وهو إساءة الظن بالمؤمن حتى يحصل له الأمن في ذهن الآخرين وأفكارهم.
ومن حُسن الحظ وردت الأُصول الأربعة في كلام مروي عن النبي الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال:«إنّ الله حرّم من المسلم دمه وماله وعرضه وأن يظنّ به ظنّ السوء».(1)
ولذلك قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ)وإنّما قال: (كَثِيراً) ولم يقل الظنّ مطلقاً، لأنّ الظنّ ينقسم إلى حسن وسيّئ، فالممنوع هو الثاني لا الأوّل، قال سبحانه: (لَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا)(2).
ثمّ بيّن سبب الاجتناب بقوله: (إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) لأنّه يترتّب عليه التجسّس ـ كما يأتي ـ .
فإن قلت: كيف تكون إساءة الظن أمراً محرّماً مع أنّه أمر قلبي يخطر على ذهن الإنسان، شاء أم أبى؟
قلت: ما ذكرته صحيح، إلاّ أنّه إذا كان مقصّراً في مقدّماته وخطوره على قلبه يكون محرّماً، ولذلك ورد في الحديث: «إذا ظننتم فلا تحقّقوا». نعم لو طرأ الظن السيّئ على خاطر الإنسان فعليه

1 . المحجّة البيضاء للفيض الكاشاني:5/268; بحار الأنوار:75/201.
2 . النور: 12.

26
أن يسعى في تصحيحه بأن يحمله على أحسن المحامل، ولذلك ورد عن أمير المؤمنين(عليه السلام) أنّه قال:«ضع أمر أخيك على أحسنه حتّى يأتيك ما يغلبك منه، ولا تظنّن بكلمة خرجت من أخيك سوءاً وأنت تجد لها في الخير محملاً».(1)
وكتب الإمام علي(عليه السلام) في عهده لمالك الأشتر وقال: «فَلْيَكُنْ مِنْكَ فِي ذلِكَ أَمْرٌ يَجْتَمِعُ لَكَ بِهِ حُسْنُ الظَّنِّ بِرَعِيَّتِكَ، فَإِنَّ حُسْنَ الظَّنِّ يَقْطَعُ عَنْكَ نَصَباً طَوِيلا»(2). أي يرفع عنك الحرج الكثير.

الآثار السيّئة لسوء الظن

إنّ إساءة الظن بالغير كما أنّها تلحق الضرر بالمظنون به، فهكذا تضرّ بنفس الظانّ، إذ تصبح فكرة سوء الظنّ أشبه بمرض يتفشّى في روح الإنسان ويسيطر عليه، وعندئذ لا يثق بأحد، قال الإمام علي(عليه السلام): «مَن غلب عليه سوء الظن لم يترك بينه وبين خليل صلحاً»(3).
أضف إلى ذلك: أنّ مَن يسيء الظن بالغير ثم بالمجتمع يصبح انزوائياً ومعتزلاً عن المجتمع، حيث تنقطع صلته بكلّ أصدقائه ; لأنّه سينظر إليهم بعين العداوة، فتنفصم عرى الألفة والمحبّة بينه

1 . أُصول الكافي:2/362 برقم 3، باب التهمة وسوء الظن.
2 . نهج البلاغة: قسم الرسائل برقم 53 .
3 . غرر الحكم: 697 .

27
وبينهم، وعندئذ يستشعر الغربة والوحدة، كما قال الإمام علي (عليه السلام): «مَن لم يحسن ظنّه استوحش من كلّ أحد»(1).
وعلى ذلك فعلى مدراء المؤسسات والشركات أن يحسنوا الظن بالموظفين والعمال، وكذا الوالد بالنسبة إلى أولاده وزوجته وكلّ مَن له به صلة، اللّهم إلاّ إذا دلّت القرائن على خلاف ذلك، فعندئذ يجب عليه الحذر والاحتياط إلى أن ينكشف الواقع.
وقد عبّر عن هذا النوع من الظن بالنسبة إلى مَن تحت يد الإنسان بالتغاير في غير موضعه، قال الإمام (عليه السلام): «إيّاك والتغاير في غير موضعه، فإنّ ذلك يدعو الصحيحة إلى السقم والبريئة إلى الريب».(2)

1 . غرر الحكم: 712 .
2 . غرر الحكم: 152 .

28
5

النهي عن تتبّع عيوب الآخرين

نهى الله سبحانه عن التجسّس بقوله: (وَلاَ تَجَسَّسُوا)، والتجسُّس هو تتبّع ما سُتر من أُمور الناس والاطّلاع عليها، ومثله التحسّس; إلاّ أنّ الأوّل يستعمل في الشرّ، والآخر في الخير، قال تعالى على لسان يعقوب في وصيته لولده: (يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ)(1).
والتجسُّس يحصل ـ غالباً ـ نتيجة لسوء الظنّ، فمَن يسيء الظن بأحد سوف يندفع إلى تحقيق المظنون ، والبحث عن العيوب، مبتغياً الوقوف عليها، ليهتك ـ بعد ذلك ـ ستره، وينتقص من كرامته، ويسيء إلى سمعته، وبهذا يكون على جانب النقيض ممّا أوصى به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وقال: «إنّ الله حرّم على المسلم دمه وماله وعرضه» فإذا كان المجتمع الإسلامي متآخياً فيكون كنفس واحدة، فهل يرضى

1 . يوسف: 87 .

29
الإنسان أن يهدم شخصيّته وعرضه؟ والجواب: طبعاً لا.
وما أحلى قول الإمام الصادق (عليه السلام)في مَن يتجسَّس على أُمور الناس، قال: «أبعد ما يكون العبد من الله أن يكون الرجل يُواخي الرجل وهو يحفظ عليه زلاّته ليعيّره بها يوماً ما».(1)
فالتجسّس تلاعب بكرامة المسلم، ولذلك نرى أنّ النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)يذمّ المتجسِّس بقوله: «يا معشر مَن أسلم بلسانه ولم يخلص الإيمان إلى قلبه، لا تذمّوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم...»(2).

الاستخبارات والأمن العام لصالح الأُمّة

إنّ الإسلام لم يسمح لأحد أن يسيء الظن بالمسلمين، كما لم يسمح له بالاطّلاع على دخيلة أحد، ولكنّ التأمّل في تلك النصوص يؤتي أنّ النهي يختصّ بالأسرار الفردية التي لا تمتّ للمجتمع بصلة ولا ترتبط بمصالح الأُمّة أي ارتباط، أمّا إذا تعلّق الأمر بالمصالح العامّة فالأمر مختلف، إذ لا يمكن التغاضي عن مراقبة الأفراد الذين تشكّل نشاطاتهم السرّيّة خطراً على المجتمع أو الكيان الإسلامي،

1 . أُصول الكافي: 2 / 355، برقم 7، باب من طلب عثرات المؤمنين وعوراتهم.
2 . أُصول الكافي: 2 / 354، برقم 2. وانظر: المعجم الكبير للطبراني: 11 / 149 برقم 11444 .

30
فمن البديهي أن تترجّح، هنا، المصالح العامّة على المصالح الخاصّة، وإلاّ تعرّضت الأُمّة لأخطار تهدّد أمنها الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي.
إنّ التشريع الإسلاميّ الذي ينهى بشدّة عن محاولة الاطّلاع على دخائل الناس وأسرارهم الشخصيّة، لا يمنع من التعرّف على الأُمور التي ترتبط بمصلحة الجماعة، بل يسمح للدولة الإسلاميّة بجمع المعلومات الصحيحة المفيدة لوضعها تحت تصرّف الحاكم الإسلاميّ، حتّى يتحرّك على ضوئها، فيتعرّف على المتآمرين، ويبطل خططهم ومؤامراتهم حفاظاً على مصلحة الأُمّة، وصيانة لوجودها وكيانها من كيد الكائدين ومكر الماكرين، وهذا أمر يؤيّده العقل السليم وتقبله الفطرة، وتدعو إليه الحكمة، ويقتضيه التدبير الصحيح، والسياسة الرشيدة.

31
6

النهي عن الغيبة

اتّفق المسلمون على حرمة الغيبة حرمة مؤكّدة، ويدلّ عليه من الآيات ما يلي:

الآية الأُولى

قوله سبحانه: (وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ).(1)
ولسان الدليل هو الحرمة المؤكّدة بشهادة التشبيه البديع الوارد فيها، حيث نزّل الأخ المؤمن منزلة الأخ النسبي، الذي لا ينفكّ ـ حسب العادة ـ عن الودّ والحب، وجعل عرضه بمنزلة اللحم الذي يشكّل بدن الإنسان وبه قوام حياته، وعدّ التفكّه أكلاً للحمه، كما نزّل

1 . الحجرات:12.

32
غيبته وعدم قدرته على الدفاع منزلة كونه ميّتاً، وفي الآية من بديع البلاغة ما لا يخفى.
وعلى كلّ تقدير فالنهي مع التشبيه ثم التعقيب بالأمر بالتقوى آية الحرمة المؤكّدة.

الآية الثانية

قوله سبحانه: (لاَ يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا عَلِيًما * إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوء فَإِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا).(1)

وجه الاستدلال

إنّ المراد من «السوء من القول» كلّ كلام يسوء من قيل فيه كالدعاء عليه، والقول بما فيه من المساوئ والعيوب، وبما ليس فيه، فالجهر بها كلّها غير محبوب عند الله، والغيبة من مصاديقه.
ويؤيّد الإطلاق ـ أي شمول (الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ) للغيبة ـ الآية الثانية، حيث قال تعالى: (إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوء فَإِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا) إذ لا شكّ أنّ السوء فيها يشمل الغيبة،

1 . النساء:148ـ149.

33
فهو قرينة على إطلاق الآية المتقدّمة عليه.
وبعبارة أُخرى: السوء من القول تعبير آخر عن القول السوء فيشمل السب والغيبة والنميمة.
ثمّ إنّه سبحانه استثنى بقوله: (إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ) أي جَهر مَن ظُلم فيجوز له الجهر بمساوئ الظالم للدفاع عن حقّه، ولكن لا يتجاوز حدود الظلم إلى ما لا يرتبط به، وكذا ما ليس فيه أبداً. والاستثناء لأجل ألاّ يغتر الظالم بما فعل ويرتكب ما يرتكب.
فإن قلت: الموضوع هو الغيبة وما ورد في الآية (الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ).
قلت: لأنّ الغيبة من القول الذي يسوء المقول فيه، فهو بإطلاقه يشمل الغيبة.
فإن قلت: إنّ عدم المحبوبية ـ كما هو الظاهر من قوله:(لا يُحِبُّ)ـ لا يدل على الحرمة، بل يجتمع مع الكراهة.
قلت: إنّ مناسبة الحكم والموضوع تقتضي حمله على الحرمة، فإنّ المناسب لكلام الشرع هو الحرمة.

الآية الثالثة

قال سبحانه:(إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ وَاللهُ يَعْلَمُ

34
وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ).(1)
وجه الدلالة: أنّ الفاحشة هي كلّ قبيح سواء أكان هو القذف أم كشف العيب الذي ستره الله.
فإن قلت: إنّ الآية تدلّ على أنّ حبّ شيوع الفاحشة من المحرّمات وقد أوعد الله عليه النار، والغيبة إخبار عن الفاحشة، والعيب المستور، وهما متباينان.(2)
قلت: ليس المراد مجرد الحبّ بلا فعل ولا عمل; بل المراد الذين يشيعون الفاحشة عن حبّ وقصد، وقد وردت الآية في مورد القذف، فالقاذف بلا بيّنة هو الذي يشيع العمل السيِّئ عن حبّ وإرادة، فاقرأ شأن نزول الآية في مجمع البيان.(3) والمراد من عذاب الدنيا هو الحدّ.
فإن قلت: فعلى هذا تختصّ الآية بالقذف، فكيف يُستدلّ بها على حرمة الغيبة التي ليست من مقولة القذف.
قلت: الفاحشة في اللغة هي القبيح من القول والفعل، وجمعها الفواحش، ففي القاموس: الفاحشة ما يشتدّ قبحه من الذنوب، فالآية تهدف إلى أنّ إشاعة الفاحشة أي فاحشة كانت عن حبّ وقصد

1 . النور:19.
2 . مصباح الفقيه:1/319.
3 . لاحظ: مجمع البيان:7/244.

35
حرام فتشمل بإطلاقها الغيبة. وإن لم يكن قذفاً والمورد لا يقيّد إطلاق الحكم.

الآية الرابعة

قال سبحانه:(وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَة لُمَزَة).(1)
الهمز واللمز هو كثرة الطعن، ويكون باللسان وغيره، بالحضور والغياب، وبينه وبين الغيبة عموم وخصوص من وجه، فالطعن بالأمر الظاهر همز ولمز وليس غيبة، وإظهار العيب المستور بلا طعن غيبة، وليس بهمز ولا لمز، وقد يجتمعان، وهذه الآيات هي التي تدلّ بنصوصها أو إطلاقاتها على حرمة الغيبة.

ماهيّة الغيبة

يقع الكلام في تحديد ماهيّة الغيبة حسب نصوص أهل اللغة وما ورد في الروايات. أمّا الأوّل فقال في «المقاييس»: الغيبة: الوقيعة في الناس من هذا.(2)
وقال في «القاموس»: غابه: عابه وذكره بما فيه من السوء.(3)

1 . الهمزة:1.
2 . مقاييس اللغة:4/403.
3 . القاموس المحيط:1/112، مادة «الغيب».

36
وقال في «اللسان»: واغتاب الرجل صاحبه اغتياباً: إذا وقع فيه وهو أن يتكلّم خلف إنسان مستور بسوء، أو بما يغمّه لو سمعه وإن كان فيه، فإن كان صدقاً فهو غيبة، وإن كان كذباً، فهو البهت والبهتان.(1)
وقال في «المصباح»: واغتابه اغتياباً إذا ذكره بما يكره من العيوب وهو حقّ، والاسم الغيبة، فإن كان باطلاً فهو الغيبة في بهت، والغيب كلّ ما غاب عنك، وجمعه غيوب.(2)
وعلى هذه النصوص لا تتحقّق الغيبة إلاّ بأُمور:
1. أن يكون المذكور مستوراً، كما هو صريح «مقاييس اللغة» و«لسان العرب».
2. أن يكون عيباً ونقصاً، كما عليه اللسان و القاموس، حيث قال الأوّل: يتكلّم خلف إنسان مستور بسوء، وقال الثاني: غابه: عابه وذكره بما فيه من السوء.
3. أن يكون ممّا يكرهه كما عليه المصباح، أي يكره ظهوره سواء أكان وجوده أيضاً مكروهاً كالرجس والجذام أم يكون ظهوره فقط مكروهاً، كما في المعاصي.
وعلى هذه النصوص تكون الغيبة منحصرة بما إذا كشف

1 . لسان العرب:1/656.
2 . المصباح المنير:2/128.

37
المتكلّم العيب المستور والنقص الخفيّ، سواء أكان وجوده مكروهاً أم لا، هذا هو المتحصّل من كلمات أئمّة أهل اللغة.
وأمّا الروايات، فالحديث الذي رواه الفريقان هو المعيار.
روى الشيخ بسنده عن أبي ذر أنّه قال: قلت: يا رسول الله! وما الغيبة؟ قال:«ذكرك أخاك بما يكره». قلت: يا رسول الله، فإن كان فيه الذي يذكر به، قال:«اعلم أنّك إذا ذكرته بما هو فيه فقد اغتبته، وإذا ذكرته بما ليس فيه فقد بهتّه».(1)
ومن طريق أهل السنّة روى البيهقي، عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)
أنّه قال:«أتدرون ما الغيبة؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال:
«ذكرك أخاك بما يكره» قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟
قال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول
فقد بهتّه».(2)
فلو قيل: إنّ المراد من الموصول النقص الخلقي والعيب الشرعي، والمراد من الكراهة كراهة ظهوره، سواء أُكرِهَ وجوده أم لا، فعندئذ يتحد مع ما استظهرناه من كلام أهل اللغة.
هذا هو إجمال الكلام والتفصيل محوّل إلى الكتب الفقهية.

1 . الوسائل:8 ، الباب152، من أبواب أحكام العشرة، الحديث9.
2 . سنن البيهقي:10/247، باب كتاب الشهادات.

38

كفّارة الغيبة هي الاستغفار

إنّ الغيبة من المعاصي الموبقة فلا تغفر إلاّ بالاستغفار، ولأجل ذلك لا شكّ أنّه يجب على المغتاب الاستغفار، قال سبحانه:(وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ).(1)
وقال سبحانه:(وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيماً)(2). والغيبة داخلة في الفحشاء أوّلاً، وعمل السوء ثانياً.
لكن الظاهر من كلمات الأصحاب أنّه يجب عليه أمران آخران:
أ. الاستحلال من المغتاب.
ب. الاستغفار له. والتفصيل في الكتب الفقهية.
إنّ الصور التي تستثنى من حرمة الغيبة حسب ما ذكره صاحب «مفتاح الكرامة» تبلغ 12 مورداً، غير أنّ الوارد في الذكر الحكيم مورد واحد، وهو :
تظلّم المظلوم بإظهار ما فعل الظالم به
ويدل عليه آيتان:

1 . آل عمران:135.
2 . النساء:110.

39
الأُولى:(لاَ يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا عَلِيًما * إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوء فَإِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا)(1). فقوله: (مَنْ ظُلِمَ): أي جهر من ظلم، فلا بأس بأن يجهر بالسوء من القول في مَن ظلمه من حيث إنّه ظلم، وهذه هي القرينة على أنّه إنّما يجوز له الجهر بالسوء من القول يبيّن فيه ما ظلمه، ويظهر مساوئه التي فيه ممّا ظلمه به.(2)
نعم إنّ الاستثناء منقطع، وجهه: أنّ المستثنى منه أمر حدثي مصدري، أعني:(الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ)، وأمّا المستثنى فهو عبارة عن الشخص الخارج، أعني: المظلوم، لكن مجوّز الاستثناء عبارة عن كونه مُظهِراً ومُعلِماً بما في الظالم من المساوئ، فلأجل ذلك صحّ الاستثناء، وعلى ذلك يكون المستثنى(من ظلم) في موضع الجر بحذف المضاف أي جهر (مَنْ ظُلِمَ).
وأورد سيدنا الأُستاذ(قدس سره) على الاستدلال بوجهين:
الأوّل: أنّ الاستدلال يتوقّف على كون الاستثناء متّصلاً، وأنّ الاستثناء من الجهر بالسوء، وكأنّ تقديره: لا يحب الله الجهر إلاّ جهر مَن ظلم.
الثاني: أنّ المتكلّم في مقام بيان عقد الاستثناء، وكلاهما غير

1 . النساء:148ـ149.
2 . الميزان في تفسير القرآن:5/120.

40
ثابتين. لما حُكي عن ابن جنّي أنّه منقطع، وعن ابن عباس
وجماعة أُخرى قراءة (مَن ظلم) معلوماً، وعليه يكون
منقطعاً، ويكون المعنى: لكن مَن ظلم (بصيغة المعلوم)
لا يخفى أمره على الله تعالى، بقرينة (سَمِيعاً عَليماً) أو كان
التقدير: لكن مَن ظُلم(بصيغة المجهول) جهر بظلامته، أو مَن ظُلم جهر بظلمه.(1)
يلاحظ عليه: أنّ الأُدباء اتّفقوا على أنّ الاستثناء المنقطع لا
يقع في الكلام المفصح إلاّ بنحو يرجع إلى المتّصل حقيقة أو
توهّماً، وأمّا الآية فمن المحتمل تقدير أحد اللفظين: لفظة
«من أحد» أو لفظة «جهر»: (لاَ يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ)(من أحد) (إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ)، أو جهر (مَنْ ظُلِمَ) وأمّا الاحتمالان في كلامه(قدس سره)فبعيد عن سياق الآية.
وأمّا الثاني فالأصل في الكلام أن يكون في مقام البيان وأي فرق بين هذا الاستثناء وبين الاستثناء الوارد في حديث:«لا تعاد الصلاة إلاّ من خمس» فإنّ الفقهاء يستدلّون على الأحكام الشرعية بكلا الجانبين.
الآية الثانية: قوله تعالى:(وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ * وَجَزَاءُ سَيِّئَة سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ

1 . المكاسب المحرمة:1/283.

41
إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيل).(1)
قال الراغب: الانتصار والاستنصار طلب النصرة.(2)
والمعنى: إذا أصاب بعضهم الظلم، طلب النصر من الآخرين، وكانوا متّفقين على الحقّ كنفس واحدة، فكأنّ الظلم أصابهم جميعاً، فطلب المقاومة عبادة وقد وُعدوا بالنصرة.
أقول: على ما ذكرنا من معنى الآية لا يدلّ صريحاً على جواز الغيبة، بل يدلّ على جواز طلب النصر أو جواز الانتقام من الظالم بشرط التساوي، كما هو صريح قوله سبحانه:(وَجَزَاءُ سَيِّئَة سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا).
نعم يمكن استظهار دلالة الآية على جواز الغيبة بأنّ طلب النصر أو الانتقام لا ينفك عن ذكر مساوئ الظالم والجهر بظلمه، وإلاّ
فلا يتحقّق طلب النصر أو الانتقام، وعلى ذلك يجوز ذكر مساوئ الظالم وغيبته عند مَن يرجى منه النصر، سواء أكان الظالم متجاهراً
أم لا.
إلى هنا تمّت دراسة ما في سورة الحجرات من الآيات التي تتضمّن أحكاماً سلوكية وأخلاقية، وفي الوقت نفسه تتضمّن حكماً

1 . الشورى:39ـ41.
2 . المفردات للراغب:495، مادة «نصر».

42
شرعياً إلزامياً. وحان الوقت للرجوع إلى سائر الأحكام الأخلاقية التي وردت في الذكر الحكيم، من غير فرق بين ورودها فيما مرّ من المجموعات أو غيرها.

43
7

النهي عن الكذب

إنّ من الأُمور المحرّمة الواردة في الكتاب العزيز، الكذب، وكفى في حرمته قول الشيخ الأنصاري: الكذب حرام بضرورة العقول والأديان، وتدلّ عليه الأدلة الأربعة.(1)
وعلى هذا فنحن في غنى عن ذكر الأدلّة على تحريمه; لأنّه من قبيل إيضاح الواضحات، وكفى في ذلك ورود مادة الكذب في الذكر الحكيم ـ بالصيغ المختلفة ـ أزيد من مئتي مرّة.
والذي ـ يلزم فيه الكلام ـ الأمران التاليان:
1. بيان ماهية الكذب.
2. ما هو الفرق بين كذب الكلام وكون المتكلّم كاذباً؟
وإليك دراسة الأمرين:
أمّا الأوّل فيتوقف على بيان تقسيم الكلام إلى الإنشاء والإخبار، فيقال: إنّ الكلام إمّا إنشاء أو إخبار.

1 . المكاسب:1/336.

44
أمّا الإنشاء فيراد به إيجاد أمر اعتباري قابل للإيجاد باللفظ، فهو بما أنّه إنشاء أي إيجاد باللفظ في عالم الاعتبار لا يقبل الصدق والكذب إذ لا يخبر عن شيء حتى يتصوّر فيه المطابقة وخلافها. فقول القائل: بعت، أو اشتريت، أو أنكحت، يساوي إنشاء هذه الأُمور وإيجادها بنفس الاستعمال إذا كان عن جدّ والمفروض تحقّق جميع ذلك.
وأمّا الإخبار فهو ما يكون ظاهر الكلام حاكياً عن واقع خارج عن الكلام ومعناه، من غير فرق بين كون الإخبار عن وجود الشيء أو عدمه فقولنا: زيد موجود مثل قولنا: بكر معدوم، فكلا الكلامين حاكيان عن متصوّر خارجي: إمّا حاكياً عن اشتمال الخارج عليه أو حاكياً عن عدم اشتماله عليه إذ ليس للعدم واقعية حتى يقال: إنّ الخارج مشتمل عليه، والصحيح أن يقال عدم اشتماله عليه.
إذا عرفت ذلك فنقول: عرف صدق الخبر بمطابقته للواقع وكذبه بعدمها.
ثمّ إنّ التفتازاني قد تصرّف في التعريف المشهور في الصدق والكذب بأنّ المراد من مطابقة الخبر هو مطابقة حكمه، فإنّ رجوع الصدق والكذب إلى الحكم أوّلاً وبالذات وإلى الخبر ثانياً وبالواسطة.(1)

1 . المطوّل:31، الطبعة الحجرية; شرح المختصر:1/38، طبعة مصر.

45
والظاهر أنّه تصرّف غير لازم، ومراد المشهور هو مطابقة ظهور الكلام الحاصل له من مجموع الجملة.
هذا كلّه حول الأمر الأوّل.
وأمّا الأمر الثاني، أعني: ما هو الملاك لكون المتكلّم كاذباً أو صادقاً؟ فلو قلنا بأنّ الملاك فيه كون ظهور كلامه مطابقاً أو مخالفاً للواقع فيتّحد ملاكاً مع صدق الكلام وكذبه.
ولكن الظاهر أنّ الملاك في كون المتكلّم صادقاً أو كاذباً غير الملاك في صدق الكلام وكذبه، فالملاك في الثاني هو ما مرّ من حديث المطابقة أو المخالفة، وأمّا الملاك في الأوّل فالظاهر أنّ اتّصافه بالصدق والكذب دائر مدار كون ما أراده، مطابقاً للواقع أو لا; فإن كان ما أراده من الكلام مطابقاً للواقع فهو صادق، وإن كان ما أراده مخالفاً للواقع فهو كاذب، ولأجل ذلك إذا وقف المخاطب على توريته وأنّه أراد بكلامه خلاف ظاهره لما وصفه بكونه كاذباً، بل وصفه بكونه مورّياً.
وفي بعض الروايات ما يدلّ على أنّ التورية ليست من الكذب.
1. ما رواه محمد بن إدريس، عن كتاب عبد الله بن بكير، عن أبي عبد الله(عليه السلام) في الرجل يستأذن عليه فيقول للجارية: قولي: ليس هو هاهنا، قال: «لا بأس. ليس بكذب».(1)
2. رواية سويد بن حنظلة قال: خرجنا ومعنا وائل بن حجر نريد

1 . الوسائل:8 ، الباب141 من أبواب أحكام العشرة، الحديث8 .

46
النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فأخذه أعداء له، وتحرّج القوم أن يحلفوا فحلفت بالله أنّه أخي، فخلّى عنه العدو، فذكرت ذلك للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فقال:«صدقت، المسلم أخو المسلم»، فالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أجاز ما فعل سويد وبيّن له صواب قوله فيما احتال به ليكون صادقاً في يمينه، فدلّ على ما قلناه.(1)

إيضاح

ورد في مصادر أهل السنّة أنّ إبراهيم الخليل(عليه السلام) كذب ثلاث كذبات، وعدّوا منها الآية التالية:(قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِألِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ).(2)
فربما يقال: إنّ إبراهيم(عليه السلام) كذب في قوله: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ)، لأنّ إبراهيم(عليه السلام) كسّر الأصنام، فإضافة تكسيرها إلى غيره كذب.
والجواب الرائج هو إخراج هذا الكلام عن الكذب حيث إنّ الجملة الشرطية ـ أعني قوله: (إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ) من قيود قوله: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ) وكأنّه قال: بل فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون، وحيث انتفى المقدّم انتفى التالي.
غير أنّ هذا الجواب لا يلائم ظاهر الآية، لأنّ الجملة الشرطية

1 . الخلاف:2/459، المسألة6، كتاب الطلاق; سنن أبي داود:3/224، الحديث3256.
2 . الأنبياء:62ـ63.

47
من قيود قوله: (فَاسْأَلُوهُمْ)لا الجملة المتقدّمة، وظاهر قوله:(فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ) أنّ السؤال مشروط بإمكان نطقهم، ويدلّ على ذلك، الفصل بين الجملتين بقوله: (هَذَا) وعلى ذلك فإرجاع الجملة الشرطية إلى قوله: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ)مخالف للظهور.
والأولى في الجواب أن يقال: إنّ الكذب في الكلام إنّما يتحقّق إذا لم تكن هناك قرينة على أنّ المتكلّم لم يرد ما ذكره بالإرادة الجدّية، وإنّما ذكره لغاية أُخرى، وعندئذ يخرج الكلام عن الكذب، وأمّا القرينة فهي أنّ من المسلّمات بين البشر ـ فضلاً عن إبراهيم(عليه السلام)ـ أنّ الجماد لا يقدر على الحركة والفعل، وأنّه لا يمكن أن تقوم الأخشاب بكسر الأصنام، وإنّما ذكره إبراهيم(عليه السلام)استهزاءً بهم واستنطاقاً لهم حتى يعودوا ويقولوا: (لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاَءِ يَنْطِقُونَ)(1)، فيرجع إليهم ببرهان قاطع ويقول: (أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلاَ يَضُرُّكُمْ).(2)
وأمّا الموردان الآخران فلاحظ تفسيرنا منيّة الطالبين(3) تجد فيه ما يفيدك.
***

1 . الأنبياء:65.
2 . الأنبياء:66.
3 . منية الطالبين في تفسير القرآن المبين:18/115ـ118.

48
8

المشي على الأرض بسكينة ووقار

ذكر سبحانه خصال عباد الرحمن في آخر سورة الفرقان، وعدّ منها ما ربما يبلغ إلى ثلاثة عشر خصلة، ولو اتصف بها الإنسان لكان إنساناً مثاليّاً.
ثمّ إنّ قسماً من هذه الصفات يعود إلى الجانب الاعتقادي، مثل قوله سبحانه: (لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ)، وقسماً منها يرجع إلى الحكم الشرعي نظير قوله سبحانه: (وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ)، ولكن الذي يتعلّق بموضوع رسالتنا هو ما يرجع إلى الجانب الأخلاقي كبيان كيفية المشي على الأرض، وملاقاة الجاهلين بالسلام، إلى غير ذلك من الخصال، فلنبدأ بما بدأ به الله سبحانه.
ابتدأ سبحانه هذه الخصال ببيان كيفية مشي عباد الرحمن على الأرض وأنّهم يمشون عليها بوقار وسكينة بعيداً عن الاختيال

49
والتبختر فلا يضربون بأقدامهم كبْراً، ولا يخفقون بنعالهم أشَراً وبَطَراً، فالحالة الأُولى تنبئ عن التواضع، والثانية تنبئ عن التكبّر، والتكبُّر هو الخطوة الأُولى نحو الانحراف، وأحد أكبر الدواعي إلى ارتكاب المعاصي، لأنّ الكبْر يضع حائلاً كبيراً بين الإنسان وواقع الأمر، ولذلك نرى أنّه سبحانه يذكر أنّ الدار الآخرة هي فقط لغير المتكبّرين والمفسدين في الأرض، ويقول: (تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا )(1).
وقد ورد الذمّ الكثير للكبر في الأحاديث الشريفة، فعن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبّة من خردل من كبْر».(2) والحديث يشير إلى أنّ المتكبِّر إنّما يتكبَّر جهلاً بذاته وهويّته، ولو عرف لما تكبّر.
وعن الإمام الباقر(عليه السلام) قال: «ما دخل قلب امرئ شيء من الكبْر إلاّ نقص من عقله مثل ما دخله من ذلك، قلَّ ذلك أو كثر».(3) وهذا الحديث يشير إلى جهل المتكبّر بنقصان عقله وقد انتابه هذا المرض الخُلقي، وإلاّ لما رفع نفسه على غيره. وما أحسن قول المعاصر: يريد الأحمق أن يكبر فيتكبّر .(4)

1 . القصص:83.
2 . سفينة البحار، مادة «كبر».
3 . سفينة البحار، مادة «كبر».
4 . التعايش السلمي للسيد محمود الموسوي: 48 .

50
ولا أدري كيف يحقّ للإنسان الفقير الذي لا يملك لنفسه شيئاً أن يتكبّر على الآخرين، والكبرياء حقّ من يكون الغَناء ذاته، ووجوده قائم بنفسه؟ ولذلك يقول الإمام علي(عليه السلام):«الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَبِسَ الْعِزَّ وَالْكِبْرِيَاءَ، وَاخْتَارَهُمَا لِنَفْسِهِ دُونَ خَلْقِهِ، وَجَعَلَهُمَا حِمًى وَحَرَماً عَلَى غَيْرِهِ، وَاصْطَفَاهُمَا لِجَلاَلِهِ».(1)
ثمّ إنّ للكبر مظاهر، ومن مظاهره العامّة كيفية المشي إذ بهذا العمل الساذج يُستدلّ على ما يكمن في داخل الإنسان من خصال حميدة أو رذيلة، ولذلك نرى أنّ لقمان يوصي ولده بقوله: (وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَال فَخُور * وَ اقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَ اغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ)(2).
روي عن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال لأصحابه: «ألا أخبركم بالمجنون حقّ المجنون؟» قالوا: بلى يا رسول الله، قال(صلى الله عليه وآله وسلم): «المتبختر في مِشيته، الناظر في عِطفيه، المحرّك جنبيه بمنكبيه، يتمنّى على الله جنّته وهو يعصيه، الذي لا يؤمَن شرّه، ولا يُرجى خيرُه، فذلك المجنون».(3)

1 . نهج البلاغة: الخطبة 192، القاصعة.
2 . لقمان:18 و19.
3 . الخصال للصدوق:332، برقم 31 (قطعة منه).

51
إنّ أشرف الأنبياء(صلى الله عليه وآله وسلم) علّمنا أن نصفه بالعبودية ليل نهار في صلواتنا اليومية وأن نقول: «وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله» لأنّ العبودية لله تعالى شرف رفيع، وعزّ منيع، يقول الإمام علي(عليه السلام): «إلهي كفى بي فخراً أن تكون لي ربّاً، وكفى بي عزّاً أن أكون لك عبداً».(1)
وقد ورد في بعض الروايات أنّه سبحانه زوّج فاطمة من عليّ بالنحو التالي: زوّجت أمتي فاطمة من عبدي عليّ، وقد خاب من وصف نفسه بقوله: (أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى).(2)

مواضع التواضع

ركّز القرآن الكريم على المشي، وفي الحقيقة هو كناية عن رفض الكبر عن عامة مواضع الحياة وإحلال التواضع مكانه، وإليك بيانها:
1. التواضع لله سبحانه الذي يُعدّ عزّاً للمتواضع، كما مرّ عليك في كلام الإمام علي(عليه السلام).
2. التواضع للأنبياء والأولياء لوجوب إطاعتهم، ولذلك يترنّم عباد الله بقوله سبحانه: (رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَ اتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ).(3)

1 . شرح نهج البلاغة:20/255.
2 . النازعات: 24.
3. آل عمران: 53.

52
3. التواضع أمام القانون
إنّ المؤمن يحترم عامّة القوانين والأحكام التي جاء بها الأنبياء سواء أكانت لمصلحته في الظاهر أم لا، في مقابل المنافق الذي يؤمن بما يرى أنّه في منفعته، ويكفّ عمّا يرى أنّه في ضرره، ولذلك نرى أنّه سبحانه يندّد بالذين يسلكون هذا الطريق (وَيَقولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْض وَ نَكْفُرُ بِبَعْض وَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً )(1)، حيث دمغهم سبحانه بهذا الوصف: (أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا)(2) وهذا السلوك المشين من طبيعة اليهود، يقول سبحانه في حقّهم: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَ تَكْفُرُونَ بِبَعْض فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ )(3).
4. التواضع لعباد الرحمن
وتظهر ملامح هذا النوع من خلال مشيهم وتكلّمهم وطبيعة حركاتهم أمام المؤمنين. نعم يجب إبداء التواضع لعباد الرحمن، دون المتكبّرين المصابين بجنون العظمة، فإنّ التواضع لهم يزيدهم كبراً وغطرسة، ولذا روي عن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «وإذا رأيتم

1 . النساء:150.
2 . النساء: 151 .
3 . البقرة:85.

53
المتكبِّرين فتكبّروا عليهم، فإنّ ذلك مذلّة وصَغار لهم».(1)
وقد نقل الرازي في الكلام المشهور: أنّ التكبّر على المتكبّر صدقة.(2)
وروي أنّ علياً(عليه السلام) عند مسيره إلى الشام لقيه دهاقين الأنبار، فترجّلوا له واشتدوا بين يديه، فقال(عليه السلام): ما هذا الذي صنعتموه؟ فقالوا: خُلق منا نعظِّم به أمراءنا. فقال: «وَاللهِ مَا يَنْتَفِعُ بِهذَا أُمَرَاؤُكُمْ! وَإِنَّكُمْ لَتَشُقُّونَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ فِي دُنْيَاكُمْ، وَتَشْقَوْنَ بِهِ فِي آخِرَتِكُمْ. وَمَا أَخْسَرَ الْمَشَقَّةَ وَرَاءَهَا الْعِقَابُ، وَأَرْبَحَ الدَّعَةَ مَعَهَا الاَْمَانُ مِنَ النَّارِ!».(3)
***

1 . تنبيه الخواطر (مجموعة ورّام): 209.
2 . تفسير الرازي:15/4.
3 . نهج البلاغة: قصار الكلم:37.

54
9

مقابلة خطاب الجاهلين بالسلام

قال تعالى:(وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَمًا).
قرن سبحانه وصف عباد الرحمن بالتواضع بوصف آخر يناسب التواضع وهو الإعراض عن الجاهلين إذا خاطبوهم بالكلمة الفاحشة أو بالشتم، وعدم الاكتراث، بهم والردّ المباشر عليهم، والاكتفاء بالقول لهم (سَلاَمًا) .
إنّ الجهلة أعداء العلماء، والمفسدين أعداء المصلحين، إذا قورعوا بالدليل والبرهان ولم يجدوا جواباً ومَخلَصاً لهم، واجهوا ذلك بالسبّ والأذى، فعباد الرحمن عندئذ يفارقونهم بالسلام، سلام متاركة لا سلام موادعة.
وكانت سيرة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)مع الجهلة الّذين يواجهونه بالكلام الغليظ، هي الصبر والمصابرة ولا يقابلهم بلفظ أو بكلام يؤذيهم،

55
وإنّما يتحمّل الأذى لغاية هدايتهم وإرشادهم. وقد زخرت كتب السيرة والتاريخ، بالقصص والأخبار الّتي تؤكّد مواجهته لهؤلاء بهذه الطريقة الحكيمة الّتي أدّت في كثير من الأحيان إلى إصلاح أمرهم، وكفّ شرّهم.
هذا، وقد نجد في المجتمع الإسلامي من تحلّى بهذه الخصلة، واقتدى فيها بالنبيّ الأكرم وعترته الطاهرة، فقد حكي أنّ مالكاً الأشتر(رحمه الله) كان مجتازاً بسوق الكوفة وعليه قميص خام وعمامة منه، فرآه بعض السّوقة فازدرى بزيّه فرماه ببندقة تهاوناً به، فمضى ولم يلتفت، فقيل له: ويلك أتدري بمن رميت؟ فقال: لا، فقيل له: هذا مالك صاحب أمير المؤمنين(عليه السلام)، فارتعد الرجل ومضى إليه ليعتذر منه فرآه وقد دخل مسجداً وهو قائم يصلّي، فلمّا انفتل أكبّ الرجل على قدميه يقبّلهما، فقال: ما هذا الأمر؟ فقال: أعتذر إليك ممّا صنعت. فقال: لا بأس عليك، فوالله ما دخلت المسجد إلاّ لأستغفرنّ لك!!(1)
ولأجل هذا الخلق السامي للقائد المجاهد مالك الأشتر نرى أنّ عليّاً(عليه السلام) لمّا بلغه خبر شهادته استرجع وقال: «اللهم إنّي أحتسبه عندك، فإنّ موته من مصائب الدهر. رحم الله مالكاً فلقد وفى بعهده،

1 . تنبيه الخواطر(مجموعة ورّام):10.

56
وقضى نحبه، ولقي ربَّه».(1)
ولكلامه (عليه السلام)تتمة، قال: «رحم الله مالكاً، وما مالك؟! عزّ عليّ به هالكاً، لو كان صخراً لكان صلداً، ولو كان جبلاً لكان فِنداً، وكأنّه قُدّ منّي قدّاً».(2)
هكذا يجب أن يكون عباد الرحمن يدفعون ضوضاء الجاهلين بالصلح والسلام، وبذلك يثابون جنّة وحريراً.
ونودّ أن نذكر ما نقله ابن عطية الأندلسي، قال: ورأيت في بعض التواريخ أنّ إبراهيم بن المهدي وكان من المائلين على عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنه)قال يوماً بمحضر المأمون وعنده جماعة: كنت أرى عليّاً في النوم فكنت أقول له: من أنت؟ فكان يقول: عليّ بن أبي طالب، فكنت أجيء معه إلى قنطرة فيذهب فيتقدمني في عُبورها، فكنت أقول له: إنّما تدّعي هذا الأمر بامرأة ونحن أحق به منك، فما رأيت له في الجواب بلاغةً كما يُذكر عنه، فقال المأمون: وبماذا جاوبك؟ قال: فكان يقول لي سلاماً سلاماً. قال الراوي: وكأنّ إبراهيم بن المهدي لا يحفظ الآية أو ذهبت عنه في ذلك الوقت، فنبّه المأمون على الآية مَن حضره وقال: هو والله يا عمّي عليّ بن أبي طالب وقد جاوبك بأبلغ جواب، فخزي إبراهيم واستحيا، وكانت رؤياه صحيحة لا

1 . شرح نهج البلاغة:6/77.
2 . رجال الكشي: 62، برقم 17 (والفِنْد: المنفرد من الجبال).

57
محالة.(1)
ونقل الصفدي تتمة للقصة قال: فقال له المأمون: قد والله أجابك أبلغ جواب. قال: فكيف ذلك؟ قال: عرف أنّك جاهل لا يُجاوب مثلك، قال الله عزّ وجلّ:(وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَمًا)فخجل إبراهيم وقال: ليتني لم أحدِّثك بهذا الحديث .(2)

1 . المحرّر الوجيز: 4 / 219، ونقله عنه القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن: 13/71.
2 . الوافي بالوفيات:17/ 660، الترجمة 556.

58
10

إحياء الليل بالعبادة

قال تعالى:(وَ الَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا)(1) والسجود والقيام كناية عن الصلاة، فهم يحيون الليل بالصلاة.
إنّ الابتهال إلى الله سبحانه في ذلك الوقت الذي يخيّم فيه الظلام، وأكثر الناس غارقون في النوم له تأثير خاص في بناء النفس، حيث تنقطع صلة العابد عن كلّ الأسباب ولا يلتفت إلاّ إلى مسبّب الأسباب وهو الله سبحانه. ثمّ إنّه سبحانه قدّم السجود على القيام وقال: ( سُجَّدًا وَقِيَامًا)ولعلّ وجه ذلك أنّ عباد الرحمن يقومون من مضاجعهم للعبادة، فيسجدون لله سبحانه ثم يقومون للصلاة والعبادة.
ومن الواضح أنّ المؤمن لا يحيي الليل جميعه بالعبادة والذِّكر،

1 . الفرقان:64.

59
لأنّ الإنسان بحاجة إلى النوم والراحة، قال تعالى: (وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً)(1) ; بل يقوم بعض الوقت منه، قال تعالى: (كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ).(2)
هذا وقد قال الإمام محمد الباقر(عليه السلام) مخاطباً أصحابه: «إنّ هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق، ولا تكرِّهوا عبادة الله إلى عباد الله فتكونوا كالراكب المُنبتّ الذي لا سفراً قطع ولا ظهراً أبقى».(3)
وعلى كلّ تقدير فشعار عباد الرحمن ما جاء في كلام أمير المؤمنين(عليه السلام) في وصف المتقين: «رُهبان في اللَّيل، أُسد في النهار»،(4) أي لا يصدّهم التهجّد في الليل عن القيام بالوظائف النهارية، وما ذلك إلاّ لأجل تقسيم الليل، قسم للاستراحة والدعة، وقسم للعبادة.

المحفِّزات للعبادة

إنّ عبادة الله سبحانه المنزَّهة عن الرياء والسمعة تكشف عن معرفة العبد بمصدر النعمة وقيامه بواجب الحمد والشكر عليها، ومع ذلك نرى أنّ الإمام الصادق(عليه السلام) يقسّم عبادة الناس إلى أقسام

1 . النبأ: 9 .
2. الذاريات: 17 ـ 18.
3 . الوسائل:1، الباب26 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث6.
4 . نهج البلاغة: قصار الحكم: 277.

60
ثلاثة:
1. قوم عبدوا الله عزّ وجلّ خوفاً، فتلك عبادة العبيد.
2. قوم عبدوا الله طلباً للثواب، فتلك عبادة الأُجراء.
3. قوم عبدوا الله حبّاً له، فتلك عبادة الأحرار، وهي أفضل العبادة.(1)
بقي هنا كلام ألا وهو أنا نرى الله تعالى يصف الأنبياء بأنّهم يعبدون الله تعالى: (رَغَبًا وَ رَهَبًا)ويقول:(فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَ وَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَ أَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ)(2) .
ويمكن أن يقال: إنّ الاختلاف نابع من اختلاف الحالات، فالأنبياء العظام جميعاً كسائر البشر لهم حالات مختلفة فربما يعبدون ويصدرون في العبادة عن الرغبة إلى مقامات الجنّة أو الرهبة من عذاب النار، وربما يعبدون الله تعالى حبّاً له لأنّهم يجدونه أهلاً للعبادة. وهذه العبادة، بالطبع، أسمى من تلك، وهي المشار إليها بالقول المروي عن علي(عليه السلام) : «ما عبدتك خوفاً من نارك أو طمعاً في جنّتك بل وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك».(3)

1 . الوسائل:1، الباب9 من أبواب مقدمة العبادات، الحديث1.
2 . الأنبياء:90.
3 . عوالي اللآلي:2/11، رقم 18.

61
11

الابتهال إلى الله لصرف عذاب جهنم

قال تعالى: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا *إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا):(1)
الخوف والرجاء عاملان مؤثّران في بناء الذات، فلولا الخوف من جزاء الأعمال لربّما اغترّ الإنسان وتصوّر أنّه من أبناء (شعب الله المختار) الذي لا يحاسبه الله على سيئاته إلاّ حساباً خفيفاً، كما عليه اليهود.
وفي مقابل الخوف يبرز الرجاء بسعة رحمة الله تعالى والأمل بكرم عفوه وجزيل ألطافه. ولولاه لربما ازداد الإنسان العاصي فساداً وإيغالاً في العصيان، لشعوره باليأس من رحمة الله، وأنّه سبحانه سيأخذه بأعماله سواء رجع عنها أم لم يرجع ، ولذلك قال الإمام

1 . الفرقان:65 و66.

62
علي(عليه السلام): «لولا الأمل علم الإنسان حَسَبَ ما هو فيه، ولو علم حَسَبَ ما هو فيه مات خُفاتاً (1) من الهَول والوَجَل».(2)
ومن هنا نجد أنّ الله سبحانه يصف الأنبياء بقوله :(رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ
الرُّسُلِ
)
.(3)
إنّه سبحانه يذمّ المغترّ في حياته ويصفه بالخسران، ويقول: (فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ)(4)، كما أنّه يذمّ الآيس من رحمة الله ومغفرته ويقول: (لاَ يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ)(5). ولمّا كان عباد الرحمن لا يرضَون عن عباداتهم وأعمالهم الحسنة، ويستشعرون الخوف من عدم قبولها، أثنى عليهم سبحانه لتحلّيهم بخصلة الخوف، وقال: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ): أي يدعونه سبحانه بصرف عذابه عنهم معلِّلين دعاءهم: (إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا): أي لازماً مُلحّاً دائماً غير مفارق. وهذه الفقرة يمكن أن تكون كلاماً لعباد الرحمن أو من كلامه سبحانه وإن كان الأوّل أوضح. كما يعلِّلون ذلك بقولهم: (إِنَّهَا سَاءَتْ

1 . مات خُفاتاً: مات فجأة.
2 . الكافي: 2/394; الخصال: 234، برقم 74 .
3 . النساء:165.
4 . الأعراف:99.
5 . يوسف:87.

63
مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا): أي بئس موضع قرار وموضع إقامة.
وهذه الفقرة كالفقرة السابقة تحتمل الوجهين. ويحتمل أن يكون (مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا)بمعنى واحد، ويحتمل أن يكون الأوّل ناظراً للمكان الدائم للكافرين والآخر للمكان المؤقت لمن حكم عليه بالنار من المؤمنين. نعم لا يقتصر عباد الرحمن على الدعاء لفظاً وإنّما يقرنونه بالعمل أيضاً، فهذا النبي يوسف(عليه السلام)يقول: (رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَ إِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ)(1)ترى أنّه(عليه السلام)يدعو الله سبحانه لكي يصرف عنه كيدهنّ، ولكنه قرن القول بالعمل وذلك عندما راودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلّقت الأبواب، فعندئذ سارع يوسف إلى الهرب من كيدها، كما يقول سبحانه: (وَاسْتَبَقَا الْبَابَ)إلى آخر ما قال.
ومن مظاهر قيامه بالعمل أنّ امرأة العزيز لمّا هدّدته بقولها:(وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ )(2)، لم يذعن لهذا التهديد الصارم، فيدنّس ثوبه بما يشينه، بل آثر أن يتحمّل مصاعب السجن ويدفع ثمناً غالياً من سنيِّ شبابه وراحته ودَعَته، (فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ)(3).

1 . يوسف:33.
2 . يوسف:32.
3 . يوسف: 42 .

64
ثمّ إنّه سبحانه يصف الجزاء الأُخروي بكونه غراماً، وقد مرّ أنّ معناه: دائماً ملازماً، وعندئذ يُطرح السؤال التالي، وهو لزوم التطابق بين العصيان والجزاء، فكيف يكون الجزاء دائماً مع أنّ العصيان كان مؤقتاً؟
والإجابة عن السؤال واضحة، وهي أنّ الجزاء إذا كان أمراً جَعلياً (وضعياً) كالأحكام الجزائية في المجتمعات المتحضِّرة كان هذا السؤال مقبولاً، وأمّا إذا كان الجزاء صورة برزخية أو أُخروية من العمل الدنيوي، فكأنّ للعمل تجلِّيات ثلاثة حسب اختلاف العوالم، فللعمل الإجرامي في هذه الدنيا ظهور، وله في البرزخ ظهور آخر، وفي الحياة الأُخروية ظهور ثالث، فكأنّ العمل الدنيوي يلازم وجود الإنسان ويتجلّى في المرحلتين الأخيرتين بالوجود المناسب لهما. وربّما يشير إلى ما ذكرنا قوله سبحانه:(يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْس مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْر مُحْضَرًا وَ مَا عَمِلَتْ مِنْ سُوء )(1) وفي آية أُخرى: (وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَ لاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا )(2) فعلى الإنسان أن يقدِّم لغده ما يفيده فيه، ويتلّقى أنّ «الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلاَ حِسَابَ، وَغَداً حِسَابٌ، وَلاَ عَمَلَ».(3)

1 . آل عمران:30.
2 . الكهف:49.
3 . نهج البلاغة: الخطبة 42.

65
ونعمَ ما قال الإمام عليّ(عليه السلام) في حثّ أصحابه على العمل : «عِبَادَ اللهِ، الاْنَ فَاعْلَمُوا، وَالاَْلْسُنُ مُطْلَقَةٌ، وَالاَْبْدَانُ صَحِيحَةٌ، وَالاَْعْضَاءُ لَدْنَةٌ، وَالْمُنْقَلَبُ فَسِيحٌ».(1)

1 . نهج البلاغة: الخطبة 196.

66
12

الاقتصاد في الإنفاق

(وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا).(1)
الإنفاق سنّة كونية إذ كلّ موجود يُنفق ما يزيد عن حاجته ممّا يملك، فهذه الشمس تنفق ملايين الأطنان من الضوء والحرارة إلى المجموعة الشمسية، وهذه الأرض تعطي ما على ظهرها من الأشجار والأعشاب بما تملك من المواد الغذائية، وهذه الأشجار والأزهار لهما دور في حياة الإنسان والحيوان، ويتجلّى دورهما في الإنفاق ببذل الفواكه والأزهار، كما أنّ للأزهار دوراً في هذا المضمار حيث إنّ النحل يمتصّ رحيقَها ويصنع منه العسل، إلى غير ذلك من مظاهر الإنفاق الّتي يلمسها كلّ إنسان إذا نظر نظرة سطحية، فكيف

1 . الفرقان:67.

67
إذا نظر بنظر عميق؟! فإذا كان الإنفاق سنّة كونية فليقتد الإنسان بها، ولذلك صار الإنفاق فريضة مالية في الإسلام وضريبة، فأمر بالزكاة والخُمس والصدقة والكفّارات وإغاثة اللاجئين وإعانة المحتاجين بصور مختلفة، روى السَّكوني عن جعفر بن محمد ] الصادق [عن أبيه عن آبائه(عليهم السلام)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):«السخيّ قريب من الله، قريب من الناس، قريب من الجنة، والبخيل بعيد من الله، بعيد من الناس، قريب من النار».(1)
وكان العرب في الجاهلية يسرفون في الإنفاق في اللَّذات وفي الوقت نفسه يقتِّرون على المساكين والضعفاء، فصار عملهم بين الإسراف والإقتار، ولذلك يذكر سبحانه أنّ عمل عباد الله على خلافهم ويقول:(وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا): أي لا يتجاوزون الحدّ الذي يقتضيه الإنفاق (وَ لَمْ يَقْتُرُوا): أي لا يمسكون ولا يقبضون أيديهم مع ما أعطوا من الثروة(وَ كَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا): أي عدلاً متوسطاً. أي كان الإنفاق بين الإسراف والقَتْر (قَواماً) عدلاً إذا قرئ بفتح القاف، وإذا قرئ بكسر القاف: أي ما يدوم عليه الأمر ويستقرَ.
وقد جاء مضمون الآية في سورة أُخرى، قال تعالى:(وَلاَ تَجْعَلْ

1 . بحار الأنوار: 70 / 308، برقم 37، باب البخل (136). وروي نحوه عن الإمام عليّ الرضا (عليه السلام)، لاحظ : عيون أخبار الرضا للصدوق: 2 / 15، برقم 27 .

68
يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا)(1) .
ثمّ إنّ سياق الآية يحكي أنّ المراد من الإنفاق هو الإنفاق غير الواجب، أعني: المندوب، ففي الإنفاق الواجب يتبع ما فرض عليه، وأمّا في المندوب فيجب أن يراعي فيه الطريق الوسط بين الإسراف والإقتار. روى الكليني بسنده عن عبد الملك بن عمرو الأحول قال: تلا أبو عبد الله(عليه السلام) هذه الآية، ثم ذكر الآية وقال: فأخذ قبضة من حصى وقبضها بيده، فقال: هذا الإقتار الذي ذكره الله عزّ وجلّ في كتابه، ثم قبض قبضة أُخرى فأرخى كفّه كلّها. ثم قال: هذا الإسراف، ثم أخذ قبضة أُخرى فأرخى بعضها وأمسك بعضها، وقال: هذا القَوام».(2)
وعلى كلّ تقدير، يجب في الإنفاق غير الواجب الاقتصاد إذ التخلّي عن الدنيا ومواهبها وترك لذّاتها تماماً خلاف الوسط، كما أنّ التوغّل فيها ونسيان الآخرة كذلك، وقد ذمّ سبحانه الطائفة الأولى بقوله: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَ الطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْم يَعْلَمُونَ)(3).

1 . الإسراء: 29.
2 . تفسير نور الثقلين:4/29.
3 . الأعراف:32.

69
وهذا هو إمام المتقين علي(عليه السلام) قد دخل على العلاء بن زياد الحارثي وهو من أصحابه يعوده فلمّا رأى سعة داره قال: «مَا كُنْتَ تَصْنَعُ بِسِعَةِ هذِهِ الدَّارِ فِي الدُّنْيَا، وَأَنْتَ إِلَيْهَا فِي الاْخِرَةِ كُنْتَ
أَحْوَجَ ؟ وَبَلَى إِنْ شِئْتَ بَلَغْتَ بِهَا الاْخِرَةَ: تَقْرِي فِيهَا الضَّيْفَ، وَتَصِلُ فِيهَا الرَّحِمَ، وَتُطْلِعُ مِنْهَا الْحُقُوقَ مَطَالِعَهَا، فَإِذَا أَنْتَ قَدْ بَلَغْتَ بِهَا الاْخِرَةَ».
فقال له العلاء: يا أمير المؤمنين، أشكو إليك أخي عاصم بن زياد، قال: وما له؟ قال: لبس العباءة وتخلّى عن الدنيا. قال: عليَّ به، فلما جاء قال: يَاعُدَيَّ نَفْسِهِ! لَقَدِ اسْتَهَامَ بِكَ الْخَبِيثُ! أَمَا رَحِمْتَ أَهْلَكَ وَوَلَدَكَ؟! أَتَرَى اللهَ أَحَلَّ لَكَ الطَّيِّبَاتِ، وَهُوَ يَكْرَهُ أَنْ تَأْخُذَهَا؟! أَنْتَ أَهْوَنُ عَلَى اللهِ مِنْ ذلِكَ! .
قال: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، هذَا أَنْتَ فِي خُشُونَةِ مَلْبَسِكَ وَجُشُوبَةِ مَأْكَلِكَ!
قَالَ: وَيْحَكَ، إِنِّي لَسْتُ كَأَنْتَ، إِنَّ اللهَ تَعَالى فَرَضَ عَلَى أَئِمَّةِ الْعَدْلِ (الحق) أَنْ يُقَدِّرُوا أَنْفُسَهُمْ بِضَعَفَةِ النَّاسِ، كَيْلاَ يَتَبَيَّغَ بِالْفَقِيرِ فَقْرُهُ!».(1)
وبذلك يُعلم أنّ المعيار في تقييم الفضائل الخلقية هو التوسّط والاعتدال، فلقد نهى الإسلام مثلاً، عن الرهبانية وأمر بالنكاح وفي

1 . نهج البلاغة، الخطبة: 209.

70
الوقت نفسه نهى عن كون الدنيا وزخارفها أكبر هموم الإنسان، وإلى ذلك يشير قول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في حقّ عليّ(عليه السلام): «يا علي هلك فيك اثنان: محبّ غال، ومبغض قال»(1)، وفي الوقت نفسه قال: «عنوان صحيفة المؤمن حبّ علي بن أبي طالب».(2)
الصبر والاستقامة في كافة المجالات   

1 . شرح إحقاق الحق:14/341.
2 . حلية الأولياء:1/86.

71
13

الصبر والاستقامة

في كافة المجالات
من الخصال الحميدة الصبر في النوائب و المصائب، وهذا ممّا أوصى به لقمان الحكيم لابنه وقال:(وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ).(1)
عالَم الطبيعة عالَم مؤلّف من أسباب ومسبّبات وعلل ومعاليل، فمن طلب شيئاً من المسبِّبات فليطلبها عن طريق أسبابها، وهذا أمر واضح لا سترة عليه، غير أنّ الوصول إلى المسبّبات رهن عزم راسخ في طريق تحصيلها، فلولا العزم الراسخ لما بلغ الإنسان ما يتمنّاه، وهذا ما يعبّر عنه القرآن الكريم بالصبر أي الاستقامة في طريق المطلوب، ولذلك نرى أنّه يقرن الصبر بالمرابطة التي لا تنفكّ

1. لقمان:17.

72
عن بذل الجهد وتحمّل المشاقّ، قال سبحانه:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ )(1) فجمع
بين الأُمور:
1. الصبر، 2. الإيصاء به، 3. المرابطة، 4. التقوى.
وما يربط الجميع هو لزوم وجود العزم الراسخ لتحصيله.
ثمّ إنّه سبحانه يعبّر عن الصبر في آية أُخرى بالاستقامة ويقول: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ التي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ )(2).
فتحصيل ما يتمنّاه الإنسان في الحياة الدنيا رهن بذل جهود وتحمّل مشاقّ، وثبات في الشدائد والمصائب. قال أبو حيّة النميري:
إنّي رأيت وفي الأيام تجربة *** للصبر عاقبةٌ محمودة الأثر
وقَلَّ مَن جَدَّ في أمر يحاوله *** واستصحب الصبرَ إلاّ فاز بالظّفرِ
كما أنّ نيل السعادة الأُخروية رهن الصبر على الطاعة والصبر عن المعصية، ولذلك نرى أنّ الملائكة يهنّئون المؤمنين عند

1 . آل عمران:200.
2 . فصلت:30.

73
دخولهم الجنة لأجل صبرهم ويقولون لهم:(سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبى الدَّارِ).(1)
وهذا هو الوحي الإلهي يصرّح بأنّ عشرين مؤمناً مدَّرعين جُنّة الصبر يغلبوا مئتين من أعداء الله ، يقول تعالى: (إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَفْقَهُونَ).(2)
وقد وردت في الصبر آثار كثيرة، فعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «الصبر ستر من الكروب، وعون على الخطوب».(3)
وقال الإمام علي (عليه السلام): «أفضل الصبر عند مُرّ الفجيعة».(4)
وقال (عليه السلام): «الصبر عن الشهوة عفّة، وعن الغضب نجدة، وعن المعصية ورع».(5)
وقال الإمام الحسن (عليه السلام): «جرَّبْنا وجرّب المجرِّبون، فلم نرَ شيئاً أنفع وِجداناً ولا أضرّ فِقداناً من الصبر، تُداوى به الأُمور، ولا يداوى هو بغيره».(6)

1 . الرعد: 24.
2. الأنفال: 65.
3 . كنز الفوائد للكراجكي: 1 / 139 .
4. غرر الحكم: الحكمة 1975 .
5 . غرر الحكم: الحكمة 1927 .
6 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 1 / 319 .

74
وممّا جاء في الصبر من الشعر، قول أعشى همْدان(1):
إنّ نلتُ لم أفرح بشيء نلتُهُ *** وإذا سُبقتُ به فلا أتلهّفُ
ومتى تُصبك من الحوادث نكبةٌ *** فاصبر، فكلّ غَيابَة تتكشَّفُ
وبذلك يعلم قوّة تفكير لقمان الحكيم حيث يوصي ولده برأس المكارم ومفاتيح السعادة، ويصفه وما قبله بقوله: (إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ) و (ذلِك) إشارة إلى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على المصاب، ويصف الكلّ بأنّه من معزوم الأُمور، أي التي عزمها الله وأوجبها.

1 . شاعر اليمانيين بالكوفة، وفارسهم في عصره، وأحد الفقهاء القرّاء. انضمّ إلى ابن الأشعث في ثورته على الحجّاج الثقفي، ثم جيء به إلى الحجّاج أسيراً بعد فشل الثورة، فقتله صبراً سنة (83 هـ). انظر: الأعلام: 3 / 312.

75
14

الخشوع في الصلاة

قد ورد في سورة «المؤمنون» خصالهم وربما بلغ عددها إلى سبع، ونحن نختار منها ما يتعلق بالأخلاق والسلوك، ومنها:
قال تعالى: (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ).(1)
إنّ الفلاح والظفر بالمراد في الدنيا والآخرة غاية الآمال ومنتهى الرغبات، فبدأ سبحانه من بين الأوصاف بذكر الخشوع في الصلوات، وهو مرتبة عالية فوق إتيان الصلاة وإقامتها، حيث يتوجّه المصلّي بكلّ كيانه إلى الله سبحانه ويُعرض عن كلّ شيء سواه. وهو فعل قلبيّ يؤثر على الجوارح والأعضاء، فإذا كان القلب خاشعاً ظهر أثره في الجوارح سكوناً واطمئناناً، ويدلّ على ذلك ما روي عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه رأى رجلاً يعبث بلحيته في صلاته فقال: «أما إنّه لو

1.المؤمنون:2.

76
خشع قلبه لخشعت جوارحه».(1) والقلب بالإعراض عمّا سوى الله سبحانه قلب خاشع، فتتبعه الجوارح من السمع والبصر وغيرهما، وربّما يبلغ الخشوع بالمصلّي درجة لا يسمع معها الأصوات التي حوله وإن كانت قارعة.
قال ابن أبي الحديد، وهو يصف عبادة أمير المؤمنين(عليه السلام): وما ظنّك برجل يبلغ من محافظته على وِرده أن يُبسَط له نطع(2) بين الصفَّين ليلة الهرير(3)، فيصلّي عليه وِرده، والسهام تقع بين يديه وتمرّ على صِماخَيه يميناً وشمالاً، فلا يرتاع لذلك، ولا يقوم حتى يفرُغ من وظيفته!!(4)

1.مجمع البيان:7/188.
2 . النِّطْع: بساط من الجلد.
3 . هي أشدّ ليالي وقعة صفِّين قتالاً واجتلاداً بالسيوف بين عليّ(عليه السلام) وأصحابه وبين معاوية وفئته الباغية.
4 . شرح نهج البلاغة:1/27.

77
15

الإعراض عن اللغو

قال تعالى:(وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ).(1)
إذا كان اللغو هو الكلام أو الفعل غير المعتدّ به والفاقد للهدف، فالمؤمن يُعرض عنه لأنّه سبحانه خلق العالم والإنسان لهدف خاص، فبما أنّه جزء من هذا العالم فأولى أن يعرض عن اللغو قولاً أو فعلاً ولأنّ الحياة رأس مال المؤمن لا يصرفه إلاّ فيما كان له فيه نوع من النفع.
يقول سبحانه:(وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) مكان أن يقول: عن اللغو مجتنبون، فالإعراض أشدّ استنكاراً من الاجتناب وكأنّ طبعهم لا ينسجم مع اللغو، هذا حسب الآية، وأمّا حسب الحديث فقد فسّر اللغو بالسماع، روى محمد بن أبي عبّاد وكان مستهتراً

1 . المؤمنون:3.

78
بالسماع ويشرب النبيذ قال: سألت الرضا(عليه السلام) عن السماع فقال: «لأهل الحجاز فيه رأي وهو في حيّز الباطل واللهو، أما سمعت الله عزّ وجلّ يقول: (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا)(1).(2)
وعلى هذا فيمكن أن يشتمل على سماع الغيبة، ويشهد لذلك إطلاق قوله تعالى: (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ)(3).
وحصيلة الكلام: كلّ كلام مشتمل على محرّم كالغيبة أو الاستهزاء بالمؤمن أو ما لا ينتفع به الإنسان فهو لغو. روى الشيخ المفيد في إرشاده عن أمير المؤمنين(عليه السلام) أنّه قال: «كلّ قول ليس فيه لله ذكر فهو لغو».(4)
نعم هذا الكلام بسعته محمول على التنزيه.
   
ثمّ إنّ اللغو إذا كان بمعنى ما لا يُعنى به لا في نفسه ولا في غايته خرج منه ما يدور بين المؤمنين من المزاح للترفيه والخروج عن التضايق، فإنّ في ذلك عوناً للإنسان على أداء الفرائض، يقول الإمام علي(عليه السلام): «لِلْمُؤْمِنِ ثَلاَثُ سَاعَات: فَسَاعَةٌ يُنَاجِي فِيهَا رَبَّهُ، وَسَاعَةٌ يَرُمُّ مَعَاشَهُ، وَسَاعَةٌ يُخَلِّي بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ لَذَّتِهَا فِيَما يَحِلُّ وَيَجْمُلُ».(5)

1. الفرقان: 72 .
2 . الوسائل:12، الباب99 من أبواب ما يكتسب به، الحديث19.
3 . القصص:55.
4 . تفسير نور الثقلين:3/529.
5 . نهج البلاغة: قصار الحكم: 390.

79
16

الوفاء بالعهد

قال تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لاَِمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ)(1) تتحدّث الآية عن خصلتين من خصال المؤمنين:
الأُولى: حفظ الأمانة.
الثانية: الوفاء بالعهد.
والذي له صلة بالأخلاق والسلوك ـ وإن كان له علاقة بالأحكام الشرعية ـ هو الوفاء بالعهد، فنقول:
العهد عبارة عمّا التزم به الإنسان ولكن لا يبعد أن يراد به المعنى العام ولا يختص بالودائع المالية، فيشمل الأمانة التي بين الله تعالى وبين عباده، وهي الولاية الإلهية وسلوك طريق الكمال عن طريق التلبُّس بالاعتقاد الحق والعمل بموجبه، بشهادة قوله: (إِنَّا عَرَضْنَا

1.المؤمنون:8.

80
الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً).(1)
وأمّا العهد فهو ما التزم به الإنسان أمام الله سبحانه كما في النّذر واليمين والعهد الشرعي، أو أمام الناس كعقود البيع والإجارة والمزارعة وغيرها. ويمكن أن يراد بالعهد مطلق التكليف في كلا المقامين، ولعلّه لذلك جمع الأمانة وأفرد العهد. وقد مرّ ما ينفعك في تفسير قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ).(2)
ولا شكّ في أنّ المجتمع الذي يتمتّع فيه أفراده بهاتين الفضيلتين: رعْيُ الأمانة بحفظها وأدائها إلى أصحابها، ورعْيُ العهد بالالتزام به والثبات عليه، هو مجتمع صالح تسوده الثقة والاستقرار النفسي والانسجام، الأمر الذي يوفر المناخ المناسب للتطوّر والازدهار، ولذلك حثّت الآيات والروايات على التحلّي بهما، ومن ذلك:
قال تعالى:(وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً).(3)
لما رضي الإمام(عليه السلام) بعد ضغط المحكمّة على التحكيم رجعت المحكمة عن رأيهم وطلبوا من الإمام نقض العهد، فخاطبهم الإمام

1 . الأحزاب:72.
2 . المائدة:1.
3. الإسراء: 34.

81
علي(عليه السلام) ويحكم أبعد الرضا والعهد نرجع؟ أليس الله تعالى قد قال: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)(1)، وقال: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلاَ تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ).(2)

1.المائدة:1.
2.النحل:91; شرح نهج البلاغة:2/238.

82
17

التوقّف في الحكم في ما لا يعلم

من الأخلاق الفاضلة التوقّف عند السؤال عمّا لا يعلم، لأنّ الإجابة عندئذ توجب إضلال الناس، ضلالاً دنيوياً أو أُخروياً، وإذا كان السؤال عن الأحكام الشرعية أو العقائدية والإجابة عن جهل يوصف بدعة وافتراء على الله سبحانه، وكفى في حرمته قوله سبحانه: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْق فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ اَللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ)(1).
روى الكليني بسند صحيح عن عبد الرحمن بن الحجّاج قال: قال لي أبو عبد الله(عليه السلام): «إيّاك وخصلتين ففيهما هلك من هلك: إيّاك أن تفتي الناس برأيك، أو تدين بما لا تعلم».(2)

1.يونس:59.
2.الوسائل:18، الباب4 من أبواب صفات القاضي، الحديث3.

83
وروى أيضاً بسند صحيح عن هشام بن سالم، قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): ما حقّ الله على خلقه؟ قال:«أن يقولوا ما يعلمون، ويكفّوا عما لا يعلمون، فإذا فعلوا ذلك فقد أدّوا إلى الله حقّه».(1)
وعلى ضوء ما ذكرنا فليكن قوله سبحانه: (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً)(2)نصب عينيه، فلا يصدر إلاّ عمّا رأى أو عما سمع.
روى الصدوق(رحمه الله) عن الإمام علي بن الحسين(عليهما السلام)، قال:«ليس لك أن تتكلّم بما شئت، لأنّ الله عزّ وجلّ يقول:(وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) ولأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال:«رحم الله عبداً قال خيراً فَغَنِمَ، أو صمت فسلم، وليس لك أن تسمع ما شئت لأنّ الله عزّ وجلّ يقول:(إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً)(3)

1.الوسائل:18، الباب12 من أبواب صفات القاضي، الحديث4.
2.الإسراء:36.
3.علل الشرائع:605; نور الثقلين:3/165.

84
18

التفسُّح في المجالس

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ).(1)
بعث النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) بمكارم الأخلاق، ومن شقوقها تبيين آداب المعاشرة، وتأديب الناس بالمثل العليا، فذمّ النجوى قبل هذه الآية وعدّها من وساوس الشيطان وهذه الآية تذكر أمرين:
1. إذا كان ثمّة مجلس واجتمع الناس فيه لاستماع كلام من يتحدّث فيه، فورد مؤمن ولم يجد مكاناً، فعلى المؤمنين أن يوسّعوا له في المجلس ترحيباً وترغيباً حتّى يأخذ مكانه فيه، وقد ذُكر في شأن النزول أنّ المسلمين كانوا يتنافسون إلى مجلس رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فإذا رأوا مَن جاءهم مقبلاً ضنّوا بمجلسهم عند رسول

1 . المجادلة:11.

85
الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فأمرهم أن يفسح بعضهم لبعض، كما قال: (إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ).
2. إذا كان المجلس غاصّاً بأهله لكن ورد عليهم من يُعدّ أفضل منهم في الإيمان والتقوى أو العلم لاستماع كلام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يجد مكاناً فإذا قيل لبعضهم انشزوا واتركوا مكانكم ليجلس فيه شخص آخر، فعليهم امتثال ذلك ، فإنّ الجالس لا يؤمر بترك مكانه إلاّ إذا كان الثاني أفضل منه وأسمى درجة.
ثمّ إنّه سبحانه يدلّل على الأمر الوارد في قوله:(انْشُزُوا)بقوله:(يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات)، والجملة جزاء للشرط المقدّر بشهادة كون (يرفع) مجزوماً، أي إذا نشز المؤمن وترك مكانه وحلَّ الفاضل مكانه فالله سبحانه بهذا العمل يرفع درجة طائفتين، وهما:
أ. المؤمنون، ب. الذين أُوتوا العلم، فإنّ النشوز عن المجلس وإقامة الغير مكانه تجسيد لرفع مقام المؤمن والعالم، وربما يكونان هما شخصاً واحداً أي مؤمناً وعالماً، وهذا هو ظاهر الآية.
قالوا: كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار فجاء أُناس من أهل بدر، وفيهم ثابت بن قيس بن شمّاس، وقد سبقوا في المجلس، فقاموا حيال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقالوا: السلام عليك أيّها النبي ورحمة الله وبركاته، فردّ عليهم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، ثم

86
سلّموا على القوم بعد ذلك، فردّوا عليهم، فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسّع لهم، فلم يفسحوا لهم، فشقّ ذلك على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال لمن حوله من المهاجرين والأنصار من غير أهل بدر: قم يا فلان، قم يا فلان، بقدر النفر الذين كانوا بين يديه من أهل بدر، فشقّ ذلك على من أُقيم من مجلسه، وعرفت الكراهية في وجوههم، وقال المنافقون للمسلمين: ألستم تزعمون أنّ صاحبكم يعدل بين الناس؟ فو الله ما عدل على هؤلاء، إنّ قوماً أخذوا مجالسهم، وأحبّوا القرب من نبيهم، فأقامهم وأجلس من أبطأ عنهم مقامهم، فنزلت الآية.(1)
وفي الآية دليل على تعظيم أمر العلماء ورفع قدرهم ما لا يخفى، وأكّد ذلك بقوله في ذيل الآية: (وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)(2).
وتجيء الآية الكريمة في إطار تأكيد المقياس الحقيقي للتفاضل الذي يريد القرآن أن يقرّره في نفوس المؤمنين، وهو المقياس القائم على اعتبار الإيمان والعلم، وهما ملاكا الفضل والفضيلة، وليس المال والثروة، أو الجاه والمنصب، أو غير ذلك من الاعتبارات الزائفة التي تعتمدها المقاييس المادّية.
روى الطبرسي في الاحتجاج عن الإمام الحسن العسكري(عليه السلام)

1 . مجمع البيان:9/466ـ467.
2 . البقرة: 234 .

87
أنّه وصل إلى أبي الحسن علي بن محمد العسكري (عليهما السلام) أنّ رجلاً من فقهاء شيعته كلّم بعض النُّصّاب فأفحمه بحجّته حتى أبان عن فضيحته، فدخل على علي بن محمد(عليهما السلام) وكان بحضرته خلق من العلويين وبني هاشم فما زال يرفعه حتى أجلسه]قربه [وأقبل عليه، فاشتدّ ذلك على أُولئك الأشراف فأمّا العلويّون فأجّلوه عن العتاب، وأمّا الهاشميون فقال له شيخهم: يابن رسول الله، هكذا تؤثر عامِّيّاً على سادات بني هاشم من الطالبيين والعباسيين؟ فقال(عليه السلام):«إيّاكم وأن تكونوا من الذين قال الله تعالى عنهم:(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَ هُمْ مُعْرِضُونَ)(1) أترضون بكتاب الله عزّ وجلّ حكماً؟ قالوا: بلى، قال: أليس الله يقول:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الَْمجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ) إلى قوله:(وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات) فلم يرض للعالم المؤمن إلاّ أن يُرفَع على المؤمن غير العالم كما لم يرض للمؤمن إلاّ أن يُرفَع على من ليس بمؤمن... إلى أن قال: فكيف تنكرون رفعي لهذا لما وفّقه الله؟! إن كسر هذا فلانَ الناصب بحجج الله التي علّمه إيّاها لأفضل له من كلّ شرف في النسب... والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة.(2)

1 . آل عمران:23.
2 . تفسير نور الثقلين:5/263، عن الاحتجاج: 2 / 259 .

88
نعم الأدب الإسلامي يقتضي أن يترك بعضهم مكانه لذوي الإيمان والعلم ولكن ليس من حقّ القادم ـ ولو كان أفضل ـ أن يقيم الجالس من مكانه ويجلس بدله، روى الكليني في «الكافي» عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إذا دخل منزلاً قعد في أدنى المجلس إليه حين يدخل. وفيه عنه(عليه السلام): «من رضي بدون الشرف من المجلس لم يزل الله عز وجلّ وملائكته يصلّون عليه حتى يقوم».(1)
وأخرج البخاري ومسلم عن عمر أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «لا يقيم الرجلُ الرجلَ من مجلسه فيجلس فيه، ولكن تفسّحوا وتوسّعوا» .(2)

1 . الفرقان في تفسير القرآن:27/206.
2 . الدر المنثور:6/81 .

89
19

النهي عن النجوى في مجالس المؤمنين

النجوى هي المسارّة بين اثنين أو أكثر...
إذا اجتمع عدد من المؤمنين في مجلس واحد، وبدأوا بالحوار في موضوع معيّن، فمن آداب المحاورة في الإسلام ترك المسارّة بين اثنين أو أكثر لأنّه يثير سوء الظن بين الباقين، قال سبحانه: (إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا)(1).
إنّ النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)بعث متمّماً لمكارم الأخلاق، وقد أكّد القرآن الكريم على بيان آداب المعاشرة وتأديب الناس بالمثل العليا، وقد تقدّم الأمر بالتفسّح في المجالس، وأمّا المقام فقد عاد ينهى عن النجوى ويصف هذا العمل بأنّه من الشيطان أي من وساوسه وإغوائه حتى يقوم المتناجي بهذا العمل لكي يثير حفيطة الآخرين.

1 . المجادلة:10.

90
نعم ربما تقوم القرينة على أنّ النجوى بين القوم لإصلاح الأمر، وإقناع أحد الأطراف بأمر فيه مصلحة، فهذا ممّا لا إشكال فيه، ولذلك استثني في آية أُخرى ما يكون فيه الخير، قال سبحانه: (لاَ خَيْرَ فِي كَثِير مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَة أَوْ مَعْرُوف أَوْ إِصْلاَح بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيماً).(1)
الظاهر أنّ الاستثناء متّصل ومعنى هذه الآية أنّه لا خير في كثير من المتناجين الذين يسرّون الحديث مع جماعة خاصّة أو من سائر الناس إلاّ من أمر منهم بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس، ففي هؤلاء المتناجين كل الخير لأنّ هذه الثلاثة مجامع الخيرات والتناجي فيها خير.
ويمكن جعل المستثنى متّصلاً من دون حاجة إلى تفسير النجوى بالمتناجيين المتسارّين بل يتم ذلك بتقدير كلمة «نجوى» بأن يقال: لا خير في كثير من نجواهم إلاّ نجوى من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس.
إنّما الكلام في كون نفس التناجي في هذه الموارد الثلاثة موصوفاً بالخير الكثير.
وقد أوضحه صاحب المنار قائلاً: أمّا الصدقة فإنّ إظهارها قد

1 . النساء:114.

91
يؤذي المتصدّق عليه، ويضع من كرامته، ولذلك جعل سبحانه إخفاءها خيراً، كما قال: (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ)(1).
وأمّا المعروف فهو ضد المنكر فالذي يأمر بالمعروف على مسمع من الناس يُستاء في الغالب من الآمر، ومن أجل ذلك كانت النجوى به أبعد عن الإيذاء وأقرب إلى القبول والإمضاء.
وأمّا الإصلاح بين الناس فهو أيضاً من الخير الذي قد يترتّب على إظهاره والتحدّث به في الملأ شر كبير، فالإصلاح بين الناس يحتاج فيه إلى الكتمان.(2)
يلاحظ عليه: أنّ الكلام في كون نفس النجوى والمسارّة خيراً، كما هو الحال في القسمين الأخيرين حسب ما بيّن، وأمّا القسم الأوّل فالخير حسب بيانه ليس في نفس النجوى، بل في نفس التصدّق إذا كان خفاء دون الجهر، فلابدّ أن يمثل له بمثال آخر، ولا محيص من أن يقال: إذا كان الأمر بالتصدّق سرّاً نافذاً، بخلاف الجهر به، حيث يثير سؤالاً: ما هو الوجه في التصدّق، هل ارتكب شرّاً.

1 . البقرة:271.
2 . تفسير المنار:5/206ـ207، بتصرف.

92
20

الاجتناب عن الرياء والسُمعة

عُرّف الرياء بأنّه طلب المنزلة في قلوب الناس بخصال الخير أو ما يدلّ عليها من الآثار، وهو من أصناف الجاه.
ثمّ إنّ الرياء في العبادات كمثل الصلاة والصوم والحجّ والصدقة، مبطل لها، وأمّا في المندوبات والمستحبات لوجب أن لا يترتّب عليه الثواب.
ثمّ إنّ المراد من الآثار في قولنا:«أو ما يدلّ عليها من الآثار» ما ليس في ذاته بِرّاً أو خيراً، وإنّما يُستدلّ به على الخيرية، كإظهار الهزالة ليستدلّ به على الصوم، أو صفرة الوجه ليستدلّ به على سهر الليل.
وقد تضافرت النصوص القرآنية على ذمّه، خصوصاً في العبادات، قال سبحانه:(فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً

93
صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا)(1)، وقال سبحانه:(يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاَّ قَلِيلاً)(2).
وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«إنّ أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر» قالوا: وما الشرك الأصغر؟ قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«هو الرياء، يقول الله عزّ وجلّ يوم القيامة ـ للمرائين ـ إذا جازى العباد بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم الجزاء».(3)
كما ورد النهي في مورد الإنفاق في قوله تعالى: (كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ)(4)، وسيوافيك في المستقل النهي عن المن والإيذاء والرياء في الإنفاق .
وهناك سؤال ربما يُطرح وهو: نفترض أنّ إنساناً ثرياً بنى مستشفى كبيراً، مجهّزاً بأنواع الأجهزة ومختلف الأدوات التي يحتاج إليها الأطباء، من المختبرات ونحوها، غير أنّ غرضه من هذا البناء هو طلب المنزلة في قلوب الناس، فلماذا لا يقبله الإسلام، ويمنع عن الإنفاق رياء، مع أنّ الناس ينتفعون من عمله سواء أكان مرائياً أو

1.الكهف:110.
2.النساء:142.
3. مستدرك الوسائل:1/107 برقم 12(108)، الباب 11 من أبواب مقدّمة العبادات.
4.البقرة:264.

94
مخلصاً؟
والجواب: أنّ في المقام منهجين: أحدهما غربي، والآخر إسلامي. أمّا الأوّل فلأنّ الميزان في تقييم الأعمال كونها مفيدة للناس، سواء أكان العامل مخلصاً أو مرائياً طالباً المنزلة بين الناس، ولذلك يجتمع الناس والمراسلون والإعلاميون في يوم افتتاح العمل المفيد كالمستشفى أو دار العجزة والمسنّين، ويقوم المصوّرون بتصوير كافّة مرافق وأقسام هذا المشروع وبعد ذلك تنشر التقارير المصوّرة في وسائل الإعلام من فضائيات وصحف ومجلاّت.
وأمّا المنهج الآخر، فإنّ للتقييم فيه دعامتين: إحداهما كون العمل مفيداً للمجتمع، وهو يشارك في هذا الأصل المنهج السابق، وأمّا ثانيهما كون المبدأ طاهراً والنية خالصة منعزلاً عن الأنانية والمصالح الشخصية، وإلاّ فلو لم يخلص من هذه الضمائم فليس له أن يطلب الأجر والثواب من الله تعالى، لأنّه لم يعمل لله حتى يحق له أن يطالب بالجزاء.
ولذلك نرى أنّه سبحانه يسلب عن المشركين حق إعمار المسجد الحرام، يقول سبحانه: (مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ).(1) وما ذلك إلاّ لأنّ نياتهم ليست خالصة إذ لو كانت كذلك

1.التوبة:17.

95
لعبدوا الله عزّ وجلّ مكان عبادة الأصنام.
وعلى هذا فمن يريد الثواب والمنزلة الرفيعة عند الله تعالى، فليكن عمله خالصاً لله. يقول سبحانه:(فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا)(1).
قال العارف النراقي(رحمه الله): وكفى للرياء ذمّاً أنّه يوجب الاستحقار لله وجعله أهون من عبادة الضعفاء الذين لا يقدرون نفعاً ولا ضراً، إذ من قصد بعبادة الله عبداً من عبيده، فلا ريب في أنّ ذلك لأجل ظنه بأنّ هذا العبد أقدر على تحصيل أغراضه من الله، وأنّه أولى بالتقرب إليه منه تعالى وأي استحقار بمالك الملوك أشدّ من ذلك.(2)

صفات المرائي

للمرائي ثلاث صفات:
1. ينشط إذا رأى الناس.
2. يكسل إذا كان وحده.
3. يحب أن يحمد في كلّ أُموره.
نعم هنا نكتة أُخرى وهي أنّ كثيراً من الناس يتركون الأعمال الصالحة خوفاً من الرياء، ولكنّه فعل غير صحيح فإنّ الشيطان يدعو

1.الكهف:110.
2. جامع السعادات:2/378.

96
أوّلاً إلى ترك العمل الصالح، فإن لم يستجب يدعو إلى الرياء، فالإنسان على نفسه بصيرة، فلا يعتدّ ببعض الوساوس والخواطر الشيطانية، فليقدم على تنفيذ الأعمال الصالحة ويترك هذه الوساوس.
فإذا كان الرياء مذموماً، فالإخلاص هو المحمود، وهو ضد الرياء ويعرف: تجريد القصد عن الشوائب كلّها وله مراتب:
1. من قام بعبادة لكن انضم إلى قصد القربة قصدَ غرض دنيوي إنضماماً غير مستقل، فعمله مشوب غير خالص. فمن قصد النظافة والتمرد وطيب الرائحة من الوضوء والغسل فليس بمخلص في عمله، لانضمام غرض دنيوي إلى عبادته تبعاً.
2. أن يعمل لغرض أُخروي أعني الخوف من عذابه سبحانه ورجاء نعيمه وهذا أمر مطلوب، ربما يقوم به الأولياء الصالحون من عباد الله تعالى، قال: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ).(1)
3. ثمّ أعلى مراتب الإخلاص ـ وهو الاخلاص المطلق و اخلاص الصديقين ـ إرادة محض وجه الله سبحانه من العمل، دون توقع غرض في الدارين، ولا يتحقق إلاّ لحبّ الله تعالى مستهتراً به،

1.الأنبياء:90.

97
مستغرق الهمّ بعظمته وجلاله، بحيث لم يكن ملتفتاً إلى الدنيا مطلقاً.
وأدناها ـ أعني الإخلاص الإضافي ـ قصد الثواب والاستخلاص من العذاب، وقد أشار سيد الرسل(صلى الله عليه وآله وسلم)إلى حقيقة الإخلاص بقوله:«هو أن تقول ربي الله ثم تستقيم كما أُمرت، تعمل لله، لا تحب أن تحمد عليه، أي لا تعبد هواك ونفسك، ولا تعبد إلاّ ربك، وتستقيم في عبادتك كما أُمرت».(1)

1.جامع السعادات:2/402ـ 403.

98
21

الحسد مكان الغبطة

الحسد هو عبارة عن الحزن على رؤية النعمة لدى الآخرين، وتمني زوالها; بل السعي في طريق رفعها عن الطرف الآخر.
وأمّا الغبطة فهي على طرف النقيض منه، وهو السرور على رؤية النعمة لدى الآخرين، وتمني أن يكون له مثل تلك النعمة.
فالحسد خصلة رذيلة، والغبطة خصلة فضيلة.
وقد جاء الحسد في غير واحدة من الآيات، نقتصر بذكر آيتين منهن: قال سبحانه: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * لَئِنْ بَسَطْتَ إِليَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِط يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ).(1)
وقبل تفسير الآيتين نشير إلى معاني عدد من مفرداتهما:

1 . المائدة:27 و28.

99
اتل: إقرأ.
ابني آدم: ولدا آدم أبي البشر، والتثنية دليل على أنّهما كانا من أولاده الصلبيين.
بالحق: قيد لقوله: (وَاتْلُ) وهو يدلّ على أنّ القصة كانت مقرونة بالخرافات وغير الحق.
قرباناً: وهو مصدر كالشكران والكفران، وهو هنا ما يقصد به القُرب من الله، بأعمال البر، ولا يختص بذبح الحيوان.
بسطت: البسط: ضد القبض، ويراد به مددت يدك.

التفسير

هاتان الآيتان وما بعدهما، تتطرق إلى ذكر الجريمة الأُولى التي وقعت على وجه البسيطة وقد اقترفها أحد الأخوين في حقّ أخيه الآخر حسداً، حيث إنّه عندما تقبل قربان أحد الأخوين دون الآخر لتقصير الثاني فأخذ يحسد أخاه الأوّل، وهذا هو الذي يذكره القرآن الكريم بالنحو التالي:
قوله:(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ): أي اقرأ عليهم خبرهما (بِالْحَقِّ): أي بالصدق، والكلمة توحي بأنّ ثمّة أكاذيب نسجها الناس حول القصّة وأنّ ما يُتلى هنا هو الحقّ الذي لا يشوبه باطل من كذب. والمقصود من آدم في قوله: (ابْنَيْ آدَمَ) هو المعروف بهذا

100
الاسم أعني أبا البشر، واحتمال أنّ المراد به رجل من بني إسرائيل غير صحيح، لأنّه سبحانه يحكي في ذيل القصة عن جهل القاتل بكيفية مواراة جسد أخيه، ولم يهتد إلى ذلك إلى أن رأى غراباً يحفر الأرض، وهذا لا يتناسب إلاّ مع بدء الخليقة.
قوله: (إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا) قدّم كلّ منهما قرباناً لله سبحانه ولم يُشر سبحانه إلى نوع القربان، وفي بعض الروايات أنّ هابيل قرّب أسمن كبش كان عنده، في حين قرب الآخر ضغثاً من سنبل.(1)(فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا) أي هابيل، (وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ)قابيل، ولم يذكر سبحانه كيفية التقبّل من أحدهما دون الآخر، ولكن ورد في بعض الأخبار عن الصحابة أنّ علامة القبول كانت ناراً تأتي فتأكل المتقبَّل (والله العالم)، فغضب قابيل، واشتعل قلبه حسداً، وتوعّد أخاه بالقتل، وقال:(لأَقْتُلَنَّكَ)فأجابه الآخر بقوله: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ)أي إنّني لست ملوماً في ذلك لأنّ قبول الصدقة بيد الله تعالى، وهو مرهون بالتقوى والاخلاص.
والظاهر أنّ (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ) من كلام هابيل لا من كلامه سبحانه، وهو يكشف عن مدى ورعه ووعيه، حيث أتى بكلمة أشبه بكلام الأنبياء والأولياء.
قوله تعالى: (لَئِنْ بَسَطْتَ إِليَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِط يَدِيَ إِلَيْكَ

1 . تفسير القمي:1/165; بحار الأنوار:11/230.

101
لاَِقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ):
لم يقتصر هابيل في إرشاد أخيه ومنعه عن ارتكاب الجريمة بما تقدّم; بل أضاف شيئاً آخر وقال: (لَئِنْ بَسَطْتَ إِليَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي): أي إن أردت قتلي ظلماً وعدواناً (مَا أَنَا بِبَاسِط يَدِيَ إِلَيْكَ لاَِقْتُلَكَ): أي فإنّي لا أفعل ذلك (إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ) لأنّ قتل النفس ظلم وعدوان، والظالم مؤاخذ عليه عند الله سبحانه.
فإن قلت: إنّ هابيل بقوله هذا قد فرّط في حقّ نفسه وأعان عليها، باستسلامه لإرادة أخيه.
قلت: كلا وإنّما أراد أنّ أخاه إذا ظلمه وبغى عليه ولم يتحرج عن قتله، فإنّه لا يُقدم على مثل ذلك، وأمّا دفاعه عن نفسه فلم يردّه ولم ينفه فإنّ الدفاع عن النفس أمر فطري لازم يحكم به العقل، والدليل على ما ذكرنا أنّه قال:(مَا أَنَا بِبَاسِط يَدِيَ إِلَيْكَ لاَِقْتُلَكَ) ولم يقل: ما أنا بباسط يدي إليك لأدافع عن نفسي. ونستخلص ممّا مرّ أنّه حاول إصلاح فكرة أخيه بأمرين:
1. أنّ منشأ القبول والرفض هو التقوى وعدمها، وليس له (أعني هابيل) شأن في ذلك فلا لوم عليه إذن، وصدق أمير المؤمنين(عليه السلام) إذ قال: «ربّ مَلوم لا ذنب له».(1)
2. إن أردت قتلي ظلماً وجوراً، فأنا لا أُريد ذلك خوفاً من الله.

1 . بحارالأنوار:75/12، الحديث70.

102
وأمّا باقي القصة فأقرأه في كتب التفاسير، وإجماله: أنّ قابيل في نهاية الأمر قتل أخاه هابيل، بلا ذنب، ثم أصبح من النادمين.
هذا كلّه حول الحسد، وأمّا الغبطة فقد عرفت أنّها السرور بوجود النعمة على الأخ المؤمن، لكنّه يتمنى أو يرجو أن يكون له مثلها، فهي فضيلة رابية تدل على كمال الحبّ لذوي النعمة بل ربما يسعى في بقائها في يد أخيه، ولكن لا مانع من التمني والرجاء أن يكون له مثلها.
وختاماً نذكر شيئاً من الروايات التي وردت عن الحسد والغبطة.
1. روي عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب».(1)
2. وعن الصادقين(عليهما السلام): «أنّ الحسد يأكل الإيمان كما تأكل النار الحطب».(2)
3. وروي عن الإمام علي(عليه السلام) أنّه قال: «الحسد شرّ الأمراض».(3)
4. وروى الكافي عن القمي عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال:«إنّ المؤمن يغبط ولا يحسد، والمنافق يحسد ولا يغبط».(4)

1 . المحجّة البيضاء:5/325.
2 . الكافي:2/306.
3 . غرر الحكم:332.
4 . الكافي:2/232، برقم 7.

103
22

كظم الغيظ و العفو عن الناس

إنّ الله سبحانه ذكر من أوصاف المتقين الإنفاق في السرّاء والضرّاء أوّلاً، والكاظمين الغيظ و العافين عن الناس ثانياً ثم إنّه سبحانه وصفهم بالإحسان وأنّه تعالى يحبهم، فقال: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ).(1)
والمهم في المقام هو الوصف الثاني أعني كظم الغيظ و العفو عن الناس، ولأجل تعميم الفائدة نشرح الآية كاملة.
1. (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ): أي في حال الفرح والحزن من غير فرق بين قليل وكثير، فإنّ الانفاق بالقليل إذا عمّ الناس سيصبح مالاً كثيراً يرفع الحاجة، ثمّ إنّ من كان له مال ينفق من

1 . آل عمران:134.

104
ماله ومن لم يكن عنده مال فلينفق من علمه إذا كان عالماً أو ممّا يُحسنه، فإنّ الغاية رفع حاجات المجتمع على مختلف الأصعدة.
ثمّ إنّ الانفاق من صفات المتقين وقد أشار به أيضاً في سورة الذاريات، قال تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّات وَعُيُون) ثم قال بعدها: (وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ).(1)

2. (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ)

كظم الغيظ هو اخفاؤه حتى لا يظهر أثره على أسارير وجهه وسائر جوارحه، وهو رهن قوّة النفس على إمساكه، فكأنّ هيجان الغضب يدفع الإنسان إلى ظهور آثار الغضب على جوارحه، لكن التقوى تمنعه عن الظهور، وقد يُعدّ هذا علامة عن قوة النفس وامتلاكها لأمرها.

3. (وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ)

وهذه الفقرة تشير إلى العفو عن الناس فيما أساءوا إليهم، وهي تدل على أنّ كمال كظم الغيظ هو العفو عن الناس. روى الطبرسي قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «من كظم غيظه وهو قادر على إنفاذه ملأه الله يوم القيامة رضا» وفي خبر آخر: «ملأه الله يوم القيامة أمناً

1 . الذاريات: 15 و 19.

105
وإيماناً».(1) ولعل قوله: «قادر على إنفاذه» كناية عن العفو ولأجل هذا ذكرنا هذه الرواية في الصفة الثالثة.
ثمّ إنّه سبحانه أتم الآية بقوله: (وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)والمحسن هو المنعم على غيره، وأي إحسان أفضل من العفو إذا وقع في مورده.
وقد روي أنّ جارية لعلي بن الحسين(عليهما السلام) جعلت تسكب عليه الماء ليتهيأ للصلاة فسقط الإبريق من يدها فشجّه، فرفع رأسه إليها فقالت له الجارية: إنّ الله تعالى يقول: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ)فقال لها: قد كظمت غيظي، قالت: (وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ) قال: قد عفا الله عنك، قالت: (وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)، قال: اذهبي فأنت حرة لوجه الله.(2)
والعجب أنّ صاحب المنار نسب تلك الفضيلة إلى بعض سلفه، وذكر مكان الجارية غلاماً، قال: يُروى أنّ بعض السلف غاظه غلام له فجأة غيظاً شديداً فهمّ بالانتقام منه فقال الغلام: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ) فقال: كظمت غيظي. قال الغلام: (وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ) قال: عفوت عنك، إلى آخر الرواية.(3)

1 . مجمع البيان:2/472.
2 . مجمع البيان:2/393.
3 . لاحظ: تفسير المنار:4/135.

106
أقول: لا عتب على صاحب المنار إذا نقله عن مصدر نسب مؤلفه الرواية عن بعض السلف من غير تعريف، ولكن لو أنّه وقف على الرواية على ما نقله الطبرسي في المجمع ونسبه إلى بعض السلف، مكان التصريح باسم الإمام علي بن الحسين(عليهما السلام) لكان ذلك جفاء منه على جدّه، حيث يقول: إنّه من أولاد الإمام الصادق(عليه السلام).

107
23

حُسن الخُلق

الفرق بين الخَلق والخُلق هو أنّ الإنسان إذا تمّت خلقته فإيجاد التغيّر في أعضائه وشكله أمر غير ميسّر، فإذا كان التغيير في الخلقة أمراً خارجاً عن اختيار الإنسان حيث إنّها تتم وهو في الرحم والملك بأمر الله سبحانه يصوّره فيها، كما قال سبحانه:(هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ)(1)، لكن الخُلْق ـ أي صنع الملكة الممدوحة أو المذمومة ـ أمر إختياري، ولذلك نرى أنّه سبحانه يمدح النبيّ الأكرم بقوله:(وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُق عَظِيم).(2)
فإنّه باختياره كان يعاشر الناس بخلق حسن، وهو في الوقت نفسه ردّ عنه تهمة الجنون، فإنّ المجنون لا يملك خُلقه فكيف

1 . آل عمران:6.
2 . القلم:4.

108
حُسن خُلقه؟ وقد اتّفقت كلمات أهل السير على حسن خلقه(صلى الله عليه وآله وسلم)وذكروا في المقام أحاديث وروايات كثيرة، هذا هو الحسين بن علي(عليهما السلام) يحكي لنا سيرة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في جلسائه فيقول: «كان دائم البشر، سهل الخلق، ليّن الجانب، ليس بفظّ ولا غليظ ولا صخّاب ولا فحّاش ولا عيّاب، ولا مدّاح، يتغافل عمّا لا يشتهي، فلا يؤيس منه ولا يخيب فيه مؤمّليه، قد ترك نفسه من ثلاث: المراء والإكثار وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث: كان لا يذمُّ أحداً ولا يعيّره، ولا يطلب عثراته ولا عورته، ولا يتكلم إلاّ في ما رجا ثوابه، إذا تكلّم أطرق جلساؤه كأنّما على رؤوسهم الطير، فإذا سكت تكلّموا، ولا يتنازعون عنده».(1)
وقد بلغ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) القمة في حسن الخلق يوم فتح مكّة وفيها أعداؤه الذين أداروا عليه الدوائر فحاربوه في بدر وأُحد والخندق وآذوه ومن آمن به في موطنه، قال ابن هشام: قال ابن إسحاق: حدّثني بعض أهل العلم أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وقف على باب الكعبة وهو يخاطب قريشاً فقال في آخر خطبته: «يا معشر قريش ما ترون أنّي فاعل بكم» قالوا: خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم، قال(صلى الله عليه وآله وسلم): «اذهبوا فأنتم الطلقاء».
ثمّ إنّه أقرّ ابن طلحة على السدانة، فقال: أين عثمان بن طلحة،

1 . معاني الأخبار:83(بتلخيص).

109
فدعي له فقال: هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم برٌّ ووفاء.(1)
وقد جمع السيد الطباطبائي كثيراً من مكارم أخلاقه(صلى الله عليه وآله وسلم)
في آخر الجزء السادس من تفسير الميزان، فمن أراد التفصيل فليرجع إليه، ونقتصر منه بنقل رواية واحدة: قال: وفي «مكارم الأخلاق» نقلاً من كتاب النبوة عن علي(عليه السلام)أنّه كان إذا وصف رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «كان أجود الناس كفّاً، وأجرأ]وأرحب[ الناس صدراً، وأصدق الناس لهجة، وأوفاهم ذمة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشيرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبّه، لم أر قبله
ولا بعده مثله(صلى الله عليه وآله وسلم)».(2)
فإذاكان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في أحسن الخُلق وكان هذا هو السبب المهم لانتشار الدعوة الإسلامية بين الناس، وجذبهم إلى الدين الجديد، فعلى المسلمين جميعاً الاقتداء به(صلى الله عليه وآله وسلم) في حياتهم وسلوكهم، قال سبحانه: (فَبَِما رَحْمَة مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ).(3)
إنّ المداراة مع العدو الشرس تؤثّر في تقليل عدائه، وربما ينقلب العدو الشرس ولياً حميماً، يقول تعالى: (دْفَعْ بِالتي هِيَ

1 . السيرة النبوية لابن هشام:4/412.
2 . الميزان في تفسير القرآن:6/303ـ338.
3 . آل عمران:159.

110
أَحْسَنُ فَإِذَا الذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِي حَمِيمٌ)(1).
إنّ حسن الخلق أمام الإنسان السيِّئ الخلق يُعدّ جهاداً ولذلك نرى أنّ الإمام الصادق(عليه السلام) يقول: «إنّ الله تبارك وتعالى ليعطي العبد على حُسن الخلق كما يعطي المجاهد في سبيل الله».(2)
فإذا كان حُسن الخلق مطلوباً من عامّة الناس فهو أكثر طلباً من المسؤولين الذين يريدون اصطياد قلوب الناس وكسب محبتهم، فلا يحصل ذلك إلاّ بالمداراة وحسن الخلق.
فإن اشتدّ على أحدهم الغضب أمام الإنسان الفحّاش فليتحلّم، وقد ورد في بعض المصادر أنّه وقف على علي بن الحسين(عليهما السلام)رجل من أهل بيته فأسمعه وشتمه فلم يكلّمه، فلمّا انصرف قال لجلسائه: قد سمعتم ما قال هذا الرجل، وأنا أُحب أن تبلغوا معي إليه حتّى تسمعوا ردّي عليه.
فقالوا له: نفعل، ولقد كنّا نحبّ أن تقول له ونقول، قال: فأخذ نعليه ومشى وهو يقول:(الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)(3).
فعلمنا أنّه لا يقول له شيئاً، قال: فخرج إلينا متوثّباً للشر وهو لا

1 . فصلت:34.
2 . الكافي:2/100، برقم5.
3 . آل عمران:134.

111
يشكّ أنّه إنّما جاءه مكافياً له على بعض ما كان منه، فقال له علي بن الحسين(عليهما السلام):«يا أخي إنّك كنت قد وقفت عليّ آنفاً قلت وقلت، فإن كنت قد قُلت ما فيّ فأنا أستغفر الله منه، وإن كنت قلت ما ليس فيّ فغفر الله لك».
قال (الراوي) فقبّل الرجل بين عينيه وقال: بلى بل قلت فيك ما ليس فيك وأنا أحقّ به.
قال راوي الحديث: والرجل هو الحسن بن الحسن(عليه السلام).(1)
وفي نهاية المطاف نستمع الحديث التالي:
روى الكليني بإسناده عن علي بن الحسين(عليهما السلام) قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«ما يوضع في ميزان امرء يوم القيامة، أفضل من حسن الخلق».(2)

1 . الإرشاد للمفيد:257.
2 . الكافي:2/99 برقم 2، باب حسن الخلق.

112
24

الاجتناب عن رفاق السوء

يحكي الله عزّ وجلّ عن الظالم يوم القيامة أنّه يتمنّى فيه أمرين:
1. (يَا لَيْتَني اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً).(1)
2. (يَا وَيْلَتَى لَيْتَني لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَنًا خَلِيلاً).(2)
ثمّ يذكر ما ترتّب على الأمر الثاني فقال: (لَقَدْ أَضَلَّني عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَني وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولاً).(3)
***
لا شكّ أنّ اتّخاذ سبيل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) يؤدّي إلى النجاة والسعادة، ويقابله اتّخاذ رفاق السوء، فهو يضلّه عن ذكر الله ويؤدّي به إلى

1 . الفرقان:27.
2 . الفرقان:28.
3 . الفرقان:29.

113
الهلاك.
ثمّ إنّ الشيطان يكون مؤيّداً لما يسبّبه سوء الرفقة، فهو أيضاً يخذل الإنسان ويؤدّي به إلى الهلاك.
ثمّ إنّ الآية لا تنهى عن اتخاذ الخليل، وإنّما تنهى عن اتّخاذ رفاق السوء. توضيحه:

اتّخاذ الخليل أمر فطري

إنّ اتّخاذ الخليل أمر فطري للإنسان، وهو في عامّة حالاته يجد في نفسه ميلاً لاتّخاذ صديق حتى يؤنسه ويشاطره السرّاء والضرّاء ويحاوره في شتّى الأُمور ويقضي معه أوقات فراغه. وهذا الميل الطبيعي نعمة من نعم الله سبحانه يخرج به الإنسان من وحشة الوحدة، غير أنّ المهمّ في ما نحن بصدده، هو أوصاف الخليل الذي يعتمد عليه، فالإنسان الكبير العاقل، الذي نضج فكره وكثرت تجاربه يحتاط في اتّخاذ الصديق واختيار العشير، لكنّ الأمر المشكل في الشاب الغِرّ، الذي لا ينطلق في اتّخاذ الصديق من فكر عميق وإنّما من خلال الهوى والجانب العاطفي في شخصيّته. وهذه المرحلة من حياة الإنسان مرحلة شديدة الخطر، لأنّ الشابّ يتأثّر بأفكار خليله وآرائه، ويحاكيه في طباعه وسلوكه، فلو كان صالحاً فهو الكيمياء الأكبر، ولذلك يُعدّ الصديق الصالح عضواً من أعضاء

114
جسم الإنسان، فقد قال الإمام علي(عليه السلام):«من فقد أخاً في الله فكأنّما فقد أشرف أعضائه».(1)
وأمّا لو كان الصديق غير صالح فهو الشرّ المستطير، حيث يقوده إلى الغيّ والفساد، ويرسم له مصيراً سيئاً في الآخرة، وعند ذاك ينادي بالويل ويقول: (يَا وَيْلَتَى لَيْتَني لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَنًا خَلِيلاً) وقد نقل عن النبي سليمان(عليه السلام)أنّه قال: «لا تحكموا على رجل بشيء حتى تنظروا إلى مَن يصاحب، فإنّما يعرف الرجل بأشكاله وأقرانه وينسب إلى أصحابه وأخدانه».(2)
وقد روي في سبب النزول ما فيه عبرة، روى أبو نعيم في الدلائل بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس: أنّ أبا معيط كان يجلس مع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بمكّة لا يؤذيه، وكان رجلاً حليماً، وكان بقية قريش إذا جلسوا معه آذوه، وكان لأبي معيط خليل غائب عنه بالشام، فقالت قريش: صبأ أبو معيط، وقدم خليله من الشام ليلاً فقال لامرأته: ما فعل محمد ممّا كان عليه؟ فقالت: أشدّ ممّا كان أمراً. فقال: ما فعل خليلي أبو معيط؟ فقالت: صبأ. فبات بليلة سوء. فلمّا أصبح أتاه أبو معيط فحيّاه، فلم يرد عليه التحيّة، فقال: مالك لا تردّ عليّ تحيّتي؟ فقال: كيف أردّ عليك تحيّتك وقد صبوت؟ قال: أوَقد

1 . عيون الحكم والمواعظ : 428 .
2 . مستدرك الوسائل:2/62.

115
فعلتها قريش؟! قال: نعم، قال: فما يبرئ صدورهم إن أنا فعلت؟ قال: تأتيه في مجلسه، وتبصق في وجهه، وتشتمه بأخبث ما تعلمه من الشتم. ففعل، فلم يردّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أن مسح وجهه من البصاق، ثمّ التفت إليه فقال: إن وجدتك خارجاً من جبال مكّة أضرب عنقك صبراً. إلى آخر القصّة.(1)

1 . تفسير الدر المنثور:6/250.

116
25

اجتناب الجدال بالباطل

قال تعالى:(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْم وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَان مَرِيد) .(1)
الجدل في اللغة هو الصلابة والقوّة، يقال: جدل الشيء جدولاً، صلب وقوي، ويقال أيضاً جَدَلَ الحبل أي فَتَله، وفي مصطلح المنطقيّين: هو أخذ الطرف المخالف بمقدّمات مشهورة أو المسلّمات عنده.وهو على قسمين:
1. الجدل على الباطل             2. الجدل على إظهار الحقّ.
فالأوّل ممنوع، والثاني هو المطلوب، يقول سبحانه:(وَجَادِلْهُمْ بِالتي هِيَ أَحْسَنُ).(2) فالجدال منه قبيح ومنه حسن، فما كان لتبيين

1 . الحج:3.
2 . النحل:125.

117
الحقّ، فهو الحسن، وما كان لغير ذلك فهو قبيح.
إنّ الأنبياء العظام كانوا يجادلون المشركين بالجدال الأحسن المبني على قضايا فطرية، وأفضل آية تصوّر لنا الجدال الأحسن هي قول إبراهيم(عليه السلام) لعبدة الأصنام والأوثان حيث قالوا له: (أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِألِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ)، قال: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ * فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاَءِ يَنْطِقُونَ * قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلاَ يَضُرُّكُمْ * أُفّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ).(1)
ترى أنّه(عليه السلام) طرح أمراً غير مقبول عنده وعند المخاطبين، وهو أنّ الذي حطّم الأصنام هو كبير (الآلهة)، فعندئذ قامت قيامة المجادلين قائلين: (لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاَءِ يَنْطِقُونَ) فعندئذ اتّخذ ما ذكره إبراهيم سنداً للمحاجّة، وهو: أفتعبدون من دون الله ما لا يضرّكم شيئاً ولا ينفعكم.
وعلى كلّ تقدير فإنّ الإنسان لو علم ما يتّخذه ديناً حق فالإصرار والتأكيد عليه أمر أحسن.
وعلى العكس فلو وقف على بطلان ما يدّعيه ولكن يصرّ على إثباته للخصومة هو جدال باطل ويوصف بالمراء.

1 . الأنبياء:62 ـ 67.

118
يقول سبحانه: ( أَلاَ إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلاَل بَعِيد)(1).
نعم إذا لم يتّضح كون ما يطرحه حقّ أو باطل وإنّما يريد المناقشة والحوار لإظهار الحقّ، فهو أمر مطلوب فإنّ الحقيقة بنت البحث.
وما هو المتداول بين العلماء من المذاكرة في موضوع معيّن، فهو من القسم الثالث، وإن طالت المناقشة. وربما يتصوّر أنّه من الجدال الممنوع.
لكن الغالب على المذاكرات بين الناس خصوصاً بين المتخاصمين فمن قبيل المراء، قال سبحانه: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَل وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْء جَدَلاً).(2)
ومعنى الآية قد جئنا بأمثلة كثيرة مقنعة لمَن تدبّر وتذكّر، غير أنّ القلوب قد تحجّرت والأفئدة قد قست (وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْء جَدَلاً) أي أنّه أكثر شيء مراءً وخصومة، فهو بدل أن ينتفع بهذه الأمثلة أخذ يجادل ويماري ويعتذر عن قبول الرسالة بمبررات واهية.

1 . الكهف:18.
2 . الكهف:54.

119
26

الاستئذان في الأوقات الثلاثة

أمر الله سبحانه المؤمنين أن يعلّموا عبيدهم وإماءهم وأولادهم غير البالغين ـ الذين لهم اختلاط شديد بالوالدين ـ الاستئذان في أوقات ثلاثة فقال عزّ اسمه:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاَثَ مَرَّات مِنْ قَبْلِ صَلاَةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَوةِ الْعِشَاءِ ثَلاَثُ عَوْرَات لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْض كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الاْيَاتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).(1)
وقبل الدخول في تفسير الآية نوضح معاني بعض مفرداتها:
ملكت أيمانكم: ملك اليمين عبارة عن العبيد والإماء.

1 . النور:58.

120
الحلم: زمان البلوغ ووقته.
الظهيرة: وقت اشتداد الحرّ حين ينتصف النهار.
***
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) خطاب للمؤمنين لأنّهم هم الذين يأتمرون بأمره سبحانه: (لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ)عبيداً وإماءً (وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ): أي الصبيان غير البالغين ولكن يميزون بين العورة وغيرها فعليهم الاستئذان (مِنْكُمْ ثَلاَثَ مَرَّات):
الأُولى: (مِنْ قَبْلِ صَلَوةِ الْفَجْرِ)خصّ هذا الوقت بالاستئذان إذ ربّما يكون الإنسان عرياناً أو في حال لا يحبّ أن يراه أحد عليها، والآية تدلّ بالدلالة الالتزامية على أنّه لا نوم بعد صلاة الفجر وإلاّ للغى التقييد بما قبل صلاة الفجر.
الثانية: (وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ)وخصّ هذا الوقت بالاستئذان أيضاً ; لأنّ الإنسان يضع فيه ثيابه فيكون في حال لا يحبّ أن يراه الناس عليها.
الثالثة: (وَمِنْ بَعْدِ صَلاَةِ الْعِشَاءِ): أي حين يأوي الرجل إلى امرأته ويخلو بها.
فأمر الله سبحانه المؤمنين أن يأمروا الغلمان والمملوكين بأن يستأذنوا في هذه الساعات الثلاث.

121
نعم يجوز لهم الدخول بلا استئذان في غير هذه الأوقات الثلاثة، وما ذلك إلاّ لأنّ العبيد والإماء أو الأطفال إمّا يخدمون المؤمنين والمؤمنات أو يدخلون عليهم لبعض الحاجات فيشقّ عليهم الاستئذان في كلّ وقت، وهذا ما يشير إليه تعالى بقوله: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ) بعد هذه الأوقات، وهذا بيان للفرق بين الأوقات الثلاثة وغيرها، فإنّ الأوقات الثلاثة مظنّة انكشاف ما لا يحبّ كشفه، وأمّا غير هذه الأوقات فيقول: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ): أي إثم (بَعْدَهُنَّ): أي في غير هذه الأوقات، لماذا؟ لأنّهم (طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْض): أي تتردّدون عليهم ويتردّدون عليكم ولا غنى لأحدكم عن الآخر، فيتعذّر عليهم الاستئذان في كلّ وقت.
وحاصل الكلام: إنّ هؤلاء يتنقّلون بينكم ليلاً ونهاراً، فالتكليف بالاستئذان أمر شاقّ (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ)الدالّة على الأحكام (وَاللّهُ عَلِيمٌ)بما يصلحكم (حَكِيمٌ)في تشريعه.
إلى هنا تمّ بيان أحكام العبيد والإماء والأطفال غير البالغين في مورد الاستئذان، حيث أُمروا به في أوقات ثلاثة ورُخّص لهم الدخول بلا استئذان في غير هذه الأوقات لكثرة المخالطة والمعاشرة والدخول والخروج.

122

الاستئذان في كلّ الأوقات

قال تعالى: (وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ):(1)
أكّدت الآية المتقدّمة على استئذان الأطفال غير البالغين في أوقات ثلاثة، وأمّا الأطفال الذين بلغوا الحلم فهؤلاء حكمهم غير حكم مَن لم يبلغ الحلم، فعليهم الاستئذان في كلّ الأوقات عند الدخول على أهل البيت كما يقول: (وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ): أي الذين عرفوا الشعور الجنسي فهم مكلّفون في جميع الأوقات (فَلْيَسْتَأْذِنُوا)إذا كان الوالدان في غرفة مخصّصة دونما إذا كانوا في غرفة عامّة، فالآية منصرفة عنه.
قوله تعالى: (كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)إشارة إلى الكبار الذين يجب عليهم الاستئذان من الوالدين حين الدخول إلى غرفتهما.
فتحصّل أنّ الطفل والعبد والأمة يستأذنون في الأوقات الثلاثة، والبالغ من الأطفال يستأذن في كلّ الأوقات نظير الكبار تماماً (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ)الدالّة على أحكام المعاشرة (وَاللّهُ عَلِيمٌ)بما تفعلون (حَكِيمٌ)في تشريعه.

1 . النور:59.

123
حبّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فريضة قرآنية   
27

حبّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فريضة قرآنية

يظهر من غير واحدة من الآيات أنّ حبّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في جنب حب الله سبحانه، فريضة قرآنية، وإليك ما يستفاد هذه الفريضة منها:

الآية الأُولى

قال تعالى: (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَاد فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ).(1)

المفردات

عشيرتكم: العشيرة: يجمع على عشائر، وهم الأقارب الأدنون،

1 . التوبة:24.

124
وكأنّه مشتق من العشرة بمعنى الخلطة والصحبة.
اقترفتموها: الاقتراف: الاكتساب.
كسادها: الكساد: ضد الرواج، لا بيع ولا شراء.
فتربّصوا: التربّص: الانتظار.

التفسير

ذكرت الآية ثمانية أنواع من العلاقات الحاصلة من القرابة والزوجية والمنافع والمساكن التي يدور عليها معاش الناس، وكانت سبباً لكراهة القتال عندهم، ولذلك جاء البيان القرآني مهدّداً لهم بأنّ هذه العلاقات الثمان لو عاقتكم عن الجهاد في سبيل الله(فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ)فالآية مركّبة من أمرين:
1. قضية شرطية جاءت فيها تلك العلاقات.
2. وقضية جزائية تتضمّن الوعيد لقوله:(فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ) وإليك شرح كلتا القضيتين.
أمّا الشرطية فأُشير فيها إلى بعض المصالح التي ترجع إلى القرابة النسبية أو الزوجية أو المنافع التي يكتسبها الإنسان أو المساكن التي يسكنها أو ينتفع بمنافعها، فهؤلاء زعموا أنّ منع المشركين من دخول مكّة يهدّد ما ذكر من الأُمور المانعة من اشتراكهم في الجهاد:

125
1. (قُلْ) يا محمد (إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ) فمن المعلوم أنّ حب الأبناء للآباء حبّ فطري.
2. (وَأَبْنَاؤُكُمْ) إنّ حبّ الآباء للأبناء أيضاً حب فطري، ولعلّ حبّ الوالد للولد أقوى من عكسه، ولأجل أنّ كلا الحبين من الأُمور الفطرية جعل لكلّ على الآخر حقوقاً.
أمّا حقّ الوالد على الولد فقد قال سبحانه:(قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا).(1)
وأمّا حق الولد على الوالد فقد قال سبحانه:(وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)(2)
3. (وَإِخْوَانُكُمْ) ومن المعلوم أنّ حب الإخوة يقع في المرتبة الثانية، ومع ذلك فالأخ الصغير كالولد والكبير كالوالد، ورغم ذلك فالله سبحانه يحكي لنا عن بغض الإخوة لبعضهم كما في قصة هابيل وقابيل ولدي آدم، قال:(لَئِنْ بَسَطْتَ إِليَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِط يَدِيَ إِلَيْكَ لاَِقْتُلَكَ)(3).
4. (وَأَزْوَاجُكُمْ) كانت الرابطة في المواضع الثلاثة السابقة هي

1 . الأنعام:151.
2 . البقرة:233.
3 . المائدة:28.

126
القرابة النسبية، وأمّا الزوجية، فهي قرابة سببية، ولا شكّ أنّ كلّ إنسان يحب زوجته خصوصاً في أوائل حياتهما.
5. (وَعَشِيرَتُكُمْ): أي الأقارب البعيدون، وهذا النوع من الوشيجة أشدّ تأثيراً في أهل البادية، وإن كانت ضعيفة عند أهل المدن.
6. (وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا) وأُريد بها ما جمعوه من الأموال، فإنّ القتال ربما يعرّضها للزوال واستيلاء العدو عليها.
7. (وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا) فإنّ في منع المشركين المشاركة في الحجّ، يوجب منع تردّدهم إلى المناطق التجارية، فتكون النتيجة كساد التجارة.
8 . (وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا) لعلّ المراد المساكن التي بناها المسلمون في مكّة، أي لو كانت هذه العلاقات عندكم (أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَاد فِي سَبِيلِهِ)ومن المعلوم أنّ المشاركة في الجهاد تصدّهم عن الانتفاع بهذه المرافق.
وقد قال سبحانه:(مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُل مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ)(1) فإذا كانت العلاقات المذكورة تزاحم حب النبي ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم)فالمؤمن يختار الثاني، والمنافق ومَن في قلبه مرض يختار الأوّل وهنا يتميّز المؤمن عن غيره.

1 . الأحزاب:4.

127
هذا كلّه يرجع إلى القضية الشرطية .
وأمّا ما هو الجزاء فهو قوله تعالى: (فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ) وقد فسّره غير واحد من المفسّرين بالعذاب والعقوبة من الله.

الآية الثانية

قال سبحانه: (وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ).(1)

التفسير

لمّا تحدّثت الآيات السابقة عن الأولياء الثلاثة (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)(2) جاءت هذه الآية تبشّر بقوله: (وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا): أي مَن يتّخذهم أولياء دون أعدائهم فهو غالب; لأنّه من حزب الله، (فَإنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ)، وهذه الغلبة مطلقة تعمّ الظفر بالسعادة في الدنيا والآخرة، أمّا في الدنيا فبالحياة الطيبة، وأمّا في الآخرة فبجوار رب العالمين، ومَن فسّر الولي بالناصر، فسّر الغلبة في الآية بالنصر، مع أنّ الغلبة مطلق لا يختصّ بخصوص

1 . المائدة:56،
2 . المائدة:55.

128
النصر. وعلى أيّ تقدير فأخذ النبيّ ولياً لا ينفكّ عن حبّه.

الآية الثالثة

قال سبحانه: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).(1)

المفردات

الأُمّيّ: المنسوب إلى الأُمّ، ويُراد به من بقي على الحالة التي ولد عليها، ويكون كناية عمّن لا يُحسن القراءة والكتابة.
إصرهم: الإصر ـ كما في المفردات ـ : عقد الشيء وحبسه بقهره، وأُريد الأُمور التي تثبّطهم وتقيّدهم عن الخيرات.(2)

التفسير

الآية الكريمة تأمر بأُمور أربعة:
1. الإيمان برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).

1 . الأعراف:157.
2 . المفردات للراغب:78، مادة «أصر».

129
2. تعزيره.
3. نُصرته.
4. اتّباع كتابه وهو النور الذي أُنزل معه.
وليس المراد من تعزيره نصرته لأنّه قد ذكر النصر بقوله: (وَنَصرُوهُ)، وإنّما المراد توقيره وتكريمه وتعظيمه بما أنّه نبيّ الرحمة والعظمة، قال الجوهري: التعزير: التعظيم والتوقير، وبمعنى التأديب، ومنه سُمّي الضرب دون الحدّ تعزيراً.(1) وما في «المفردات» من أنّ التعزير: النصرة مع التعظيم(2)، غير تام، لما عرفت من الأمر به بقوله: (وَنَصرُوهُ).
إذا عرفت ذلك فلنذكر شيئاً من مظاهر الحبّ:
1. إنّ حب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لا ينفكّ عن اتّباع دينه والاستنان بسنّته، وامتثال أوامره والانتهاء عن نواهيه.
2. الاحتفال في كلّ عام بميلاده وذكرى وفاته، يُعدّ من مظاهر حبّه.
3. الاحتفاظ بمثواه وما يتعلّق به من الآثار. كلّ ذلك من مظاهر الحبّ.
ومن هنا يتّضح أنّ ما يقوم به عامّة المسلمين من الاحتفال

1 . الصحاح:2/744، مادة «عزر».
2 . المفردات للراغب:333، مادة «عزر».

130
بذكرى ميلاده، والحزن بذكرى وفاته هو من مظاهر الحبّ والتعزير، وليس أمراً بدعيّاً، فإنّ له مصدراً في القرآن الكريم. وقد بلغ توقير النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى حدّ حرّم سبحانه رفع الأصوات فوق صوته، وعدم الجهر له بالقول، وعدم مناداته من وراء الحجرات. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبي وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْض أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ).(1)
   

1 . الحجرات:2ـ4.

131
28

حب ذوي القربى فريضة دينية

إذا كان القرآن الكريم قد دعا إلى حب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، فهو في الوقت نفسه دعا إلى حب ذوي القربى إذ قال عزّ وجلّ:(قُلْ لاَ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى)(1).
ولسنا الآن بصدد التحقيق في أنّ المودّة في القربى هل هي أجر حقيقي أو ليس أجراً حقيقياً، بل أجره على الله سبحانه، كما تضافرت بذلك الآيات في شأنه وشأن غيره من الرسل.(2)
وإنّما المقصود هو أنّ الله سبحانه أمر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يطلب من أُمّته أن يودّوا ذوي قرباه ويحبّوهم، وقد وردت في شأن ذوي القربى روايات أُخرى رواها المحدّثون في صحاحهم ومسانيدهم، ومن أراد التوسّع فليراجع الكتب المؤلّفة في هذا المضمار.

1 . الشورى:23.
2 . الشعراء:109، 127، 145، 164، 180.

132
نعم تضافرت الآيات في سورة الشعراء وغيرها على أنّ شعار الأنبياء كلّهم هو قولهم: (وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْر إِنْ أَجْري إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ).(1) ويظهر من بعض الآيات أنّ هذا الشعار كان معروفاً بين الناس كما نقل سبحانه في سورة (يس) عمّن جاء من أقصى المدينة، قال سبحانه: (يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لاَ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ).(2)
نعم يظهر من بعض الآيات أنّ النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) سأل الناس أجراً لرسالته ولكن أجراً يرجع نفعه إليهم، قال سبحانه: (مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْر فَهُوَ لَكُمْ)(3)، والجمع بين الآيتين يحصل بالنحو التالي:
إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) سأل أجراً تنتفع به الأُمّة الإسلامية وهذا يتجسّد في مودّة ذوي قربى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، لأنّ مودّتهم تحدو المحبّ على أن ينهج سبيلهم في الحياة، ويجعلهم أُسوة في دينه ودنياه، ومن الواضح أنّ الحبّ بهذا المعنى قبل أن يعود إلى السائل ينتهي لصالح المحبّ.
توضيحه: أنّ مودّة أهل البيت(عليهم السلام) وحبّهم وإن كانت فضيلة رابية من أسمى الفضائل، ولكنّها في حدّ نفسها طريق إلى الحضور في

1 . الشعراء:109.
2 . يس:20ـ 21.
3 . سبأ:47.

133
مجالسهم أيام حضورهم، والاستضاءة بعلومهم ومعارفهم أيام غيبتهم، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ طلب الحبّ لغاية انتفاع المحبّ من حبهم وسعادته ورقيّه، فلو أمر الإسلام بمجالسة العلماء والنظر إلى وجوههم فلأجل أنّ هذا العمل يدعو إلى انتفاع المجالس بعلومهم والاقتداء بأعمالهم وأفعالهم، فلو طلب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) مودّة أهل بيته، فهو لا يُريد الحبّ المخزون في القلب فقط، وإنّما يريد الحبّ الذي يؤثّر في حياة المحبّ، حيث إنّه بمعاشرته لمَن طهّرهم الله من الرذائل والأرجاس يجعله إنساناً شبيهاً لهم ولو بدرجة ضعيفة، وهكذا فيما لو رجع إلى معارفهم وعلومهم.
ونختم المقال ببعض الأبيات من الشعر الولائي الملتزم، قال أحد الشعراء في مدح أهل البيت(عليهم السلام):
موالاتُهم فرضٌ، وحبُّهم هُدى *** وطاعتُهم ودٌّ، وودُّهم تقوى
وقال الفرزدق في قصيدته المعروفة التي أنشدها في مكّة المكرّمة أمام هشام بن عبد الملك الأموي، مادحاً الإمام السجاد علي بن الحسين(عليهما السلام):
من معشر حبُّهم دينٌ، وبغضهُمُ *** كفرٌ، وقربهم منجىً ومعتصمُ

134
مُقدَّمٌ بعد ذكر الله ذكرُهمُ *** في كلّ بَدْء، ومختومٌ به الكَلِمُ
إن عدّ أهل التقى كانوا أئمّتهم *** أو قيل مَنْ خير أهل الأرض؟! قيل هُمُ
لا يستطيع جواد بعد غايتهم *** ولا يُدانيهم قوم وإن كرموا
هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت *** والأسد أسد الشرى والرأي محتدمُ
يُستدفع السوء والبلوى بحبّهم *** ويستربّ به الإحسان والنعمُ(1)

1 . لاحظ: أعيان الشيعة:1/635، و ج10/269.

135
29

الاجتناب عن النفاق

المنافق عبارة عمّن لم يطابق قوله عقيدته، والأفضل أن يُقال: مَن أبطن الكفر وأظهر الإسلام، والنفاق بالمعنى الثاني مصطلح إسلامي لم يكن له سابق بين العرب، وذلك لأنّ النفق ـ في اللغة ـ هو سرب في الأرض مشتق إلى موضع آخر، وفي «التهذيب» له مخلص إلى مكان آخر.
والنفقة والنافقاء حجر الضب واليربوع، سُمّي به لأنّه إذا أُتي من قبل القاصعاء ضرب النافقاء برأسه فخرج، فتكون النافقاء مستورة غير معلومة، وإنّما تُعلم بخروج اليربوع، يقال: نفق اليربوع: أي خرج منه.
وسمّي المنافق منافقاً لأنّه يدخل في الإسلام من وجه ويخرج

136
من غير الوجه الذي دخل فيه.
وقد تكرّر في الحديث ذكر النفاق وما تصرف منه اسماً وفعلاً وهو اسم إسلامي لم تعرفه العرب بالمعنى المخصوص به وهو الّذي يستر كفره ويظهر إيمانه.(1)
وحصيلة الكلام: أنّ المنافق في اللغة هو مَن يدخل من باب ويخرج من باب آخر، واستعير هذا في مصطلح القرآن لِمَنْ يكتم الكفر ويظهر الإيمان كأنّه يدخل من باب ـ أي اللسان ـ ويخرج من باب آخر ـ العمل ـ أو أنّ له وجهين: وجه ظاهر وهو لسانه، ووجه مستور وهو قلبه، كحجر اليربوع حيث إنّ له بابين: ظاهر يدخل منه، ومستور يخرج منه.
وممّا ذكرنا يظهر أنّ النفاق يفترق عن التقية تماماً، فالنفاق في مصطلح القرآن هو مَن أبطن الكفر وأظهر الإسلام، وأمّا التقية فعلى العكس فهي من أظهر الكفر وأبطن الإسلام.
وبما ذكرنا يظهر أنّ التعريف الأوّل أعني: «مَن لم يطابق قوله عقيدته» تعريف ناقص لأنّه يشمل كلا الموردين.
إنّ النفاق من أخبث الصفات وأخطرها على المجتمع، ولذلك اهتمّ القرآن الكريم في بيان صفات المنافقين بذكر مثلين في صدر

1 . لسان لعرب:1/359، مادة «نفق».

137
سورة البقرة.(1) والذي يناسب ذكره في المقام هو أنّ من أوصافهم البارزة، التذبذب والانتهازية.
فالتذبذب واستغلال الفرص الذي نعبّر عنه بالانتهازية من صفات المنافقين البارزة، فتارة يعدّون أنفسهم من صميم الإسلام والمسلمين، وأُخرى يتقرّبون إلى الكفّار والمشركين في السرّ دون العلانية حسب اختلاف الأجواء والظروف.
إنّ النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) يشبّه المنافق بالشاة العابرة بين القطيعين من الغنم، فتارة تلتحق بهذا وأُخرى بذاك، يقول: «مثل المنافق مثل الشاة العابرة بين الغنمين تعبر إلى هذه مرّة وإلى أُخرى مرّة».(2)
والحقّ أنّ منافقي عصر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) كانوا على هذا الوصف، ففي الوقت الذي يكون النصر حليفاً للمسلمين يعدّون أنفسهم منهم حتّى يستغلوا الفرص ويشاركوا في الغنيمة، ولكن في الوقت الذي يكون للمشركين نصيب يتسلّلون إليهم بإظهار المحبة والمودّة لهم وأنّهم فعلوا لصالحهم أُموراً.
وإلى هذا النوع من التذبذب في حياتهم يشير سبحانه بقوله: (الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ

1 . لاحظ: البقرة:17ـ 20.
2 . مسند أحمد:2/32.

138
الْمُؤْمِنِينَ فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً).(1)
ومعنى الآية: أنّه لو كان للمؤمنين فتح من الله يقولون: (أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ) فاعطونا نصيبنا من الغنيمة.
ويقولون لهم: (أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)، وقد اختلف المفسرون في تفسير هذه الفقرة، فقد فسّرها الطبرسي بالنحو التالي:
ألم نغلب على رأيكم بالموالاة لكم ونمنعكم من الدخول في جملة المؤمنين. يعني إذا حاول مشرك أن يدخل في حظيرة الإسلام يمنعه المنافق محتجّاً بأنّ دولة هؤلاء آفلة.(2)
ثمّ إنّك ترى هذا الوصف في منافقي عصرنا الحاضر، فإنّهم عندما يواجهون الدولة الإسلامية يظهرون المودّة والمحبّة والتعامل بالتأييد في المواقف السياسية والاقتصادية، ونحوها، حتى أنّهم يعقدون الاتفاقيات بينهم وبينها. ولكنّهم إذا تغيرت الأوضاع السياسية على غير صالح الدولة الإسلامية تراهم يتنصلون عن تعهداتهم ومواثيقهم، ويتركون العمل بها متذرعين بأعذار أوهن من بيت العنكبوت.

1 . النساء:141.
2 . مجمع البيان:2/196.

139
30

النهي عن إنفاق الخبيث من الأموال

لا شكّ أنّ الإنفاق شيمة كلّ موجود في العالم الطبيعي، فالشمس مازالت تنفق من نورها ودفئها كلّ يوم، وهكذا النباتات والحيوانات. فعلى الإنسان أن ينفق من أطيب أمواله، لا أردأها، وهذا ما تدعو إليه الآية التالية:
قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ).(1)

المفردات

الخبيث: ضد الطيّب وهو الرديء من كلّ شيء، وأُريد به ما لا

1 . البقرة:267.

140
يأخذه المنفق عليه إلاّ بإغماض، بقرينة قوله سبحانه: (وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا)، وتفسير الخبيث بالحرام، بعيد عن سياق الآية.
تيمّموا: من التيمّم بمعنى القصد.

التفسير

قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ) ما تملكون، وهو:
1. (مَا كَسَبْتُمْ) في التجارة ونحوها.
2. (وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ) من المعادن والزراعة.
هذا من غير فرق بين الإنفاق الواجب كالزكاة، أو المستحبّ كسائر الإنفاقات.
ثمّ إنّه سبحانه تأكيداً على إنفاق أطيب الأموال ينهى عن إنفاق الأردأ، ويقول: (وَلاَ تَيَمَّمُوا): أي لا تقصدوا (الْخَبِيثَ): أي الأردأ (مِنْهُ): أي ما كسبتم (تُنْفِقُونَ): أي اجعلوا إنفاقكم من أفضل ما تملكون، فساووا بينكم وبين غيركم، فبما أنّكم لا تأخذون الأردأ في مقام المعاملة، فكذلك تعاملوا مع غيره معاملة النفس، كما يقول: (وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ) الواو للحال والضمير يرجع إلى الخبيث (إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ): أي تتنازلوا وتتساهلوا.

141
ثمّ ختمت الآية باسمين كريمين ويقول:(وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ)عن إنفاقكم (حَمِيدٌ): أي محمود على نعمائه، فلو فرض عليكم الإنفاق فلمصلحتكم في الدنيا والآخرة.
روى الكليني بسنده عن أبي بصير، عن أبي عبد الله(عليه السلام) في قوله تعالى: (أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ) فقال: «كان القوم قد كسبوا مكاسب سوء في الجاهلية، فلمّا أسلموا أرادوا أن يخرجوها من أموالهم ليتصدّقوا بها، فأبى الله تبارك وتعالى إلاّ أن يخرجوا من أطيب ما كسبوا».(1)
وروى العياشي بتفسيره عن الإمام جعفر بن محمد الصادق(عليه السلام)قال:«كان أهل المدينة يأتون بصدقة الفطر إلى مسجد
رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وفيه عذق يُسمّى الجعرور وعذق يُسمّى معافارة، كانا عظيم نواهما، رقيق لحاهما في طعمهما مرارة، فقال
رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)للخارص: لا تخرص عليهم هذين اللونين لعلهم يستحيون لا يأتون بهما، فأنزل الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ).(2)
وروى الطبرسي، قال: وقيل: إنّها نزلت في قوم كانوا يأتون

1 . الكافي:4/48، برقم 10.
2 . تفسير العياشي:1/273، برقم 597/496.

142
بالحشف فيدخلونه في تمر الصدقة، عن علي(عليه السلام)(1).
وقد روي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال:«إنّ الله يقبل الصدقات ولا يقبل منها إلاّ الطيّب».(2)

1 . مجمع البيان:2/239.
2 . مستدرك الوسائل:7/169، الباب6 من أبواب الصدقة، الحديث6.

143
31

النهي عن أُمور ثلاثة: في الصدقات

لا شكّ أنّ عون الضعيف من أفضل الصدقات، وهذا النوع من العمل موصوف بالحسن سواء أصدر عن إخلاص ونيّة حسنة، أم غير ذلك، لكن لا يترتّب عليه ثواب عند الله إلاّ إذا كان الداعي أيضاً كالعمل داعياً حسناً، فلو تصدّق عن رياء أو تصدّق مقروناً بالمن والأذى فيفقد الركن الثاني الذي ألمحنا إليه، فالعمل الذي يترتّب عليه الثواب ويوجب التقرّب، مشروط بشرطين:
1. كون العمل حسناً وجميلاً ومفيداً.
2. كون الداعي إلهياً لا نفسانياً غير مقرون بالمنّ والأذى.
ولذلك أنّه سبحانه ينهى عن التصدّق عن رياء أو المقرون بالمنّ والأذى.
ويقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى

144
كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَان عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لاَ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْء مِمَّا كَسَبُوا وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ).(1)

التفسير

قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى) نهي عن إبطال الصدقة بإرفاقها بشيئين: المنّ، والأذى.
وأمّا وجه كونهما مبطلين هو أنّ العبد بما أنّه لا يملك شيئاً إلاّ بما أغناه الله وأعطاه، فهو ينفق من مال الله سبحانه، لأنّه وما في يده ملك لمولاه فهو عبد لا يملك شيئاً إلاّ بتمليكه سبحانه، فمقتضى تلك القاعدة أن ينفق لله وفي سبيل الله ولا يتبع عمله بالمنّ والأذى.
وبعبارة أُخرى: أنّ حقيقة العبودية هي عبارة عن حركات العبد وسكناته لله سبحانه، ومعه كيف يسوغ له إتباع عمله بالمنّ والأذى؟!
ثمّ إنّه سبحانه شبّه صاحب المنّ والأذى بالمرائي الذي لا يبتغي بعمله مرضاة الله تعالى، ولا يقصد به وجه الله، ويقول:(كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ) غير أنّ المانّ والمؤذي يقصد بعمله مرضاة الله ثم يتبعه بما يبطله بالمعنى الذي عرفت، والمرائي لا يقصد بأعماله وجه الله سبحانه فأعمال هؤلاء غير مقبولة، ولذلك صحّ تشبيههما

1 . البقرة:264.

145
بالمرائي مثل تشبيه الضعيف بالقويّ قائلاً: (فَمَثَلُهُ) حال عمل المرائي (كَمَثَلِ صَفْوَان عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا).
توضيحه: نفترض أرضاً صفواناً ملساء عليها تراب ضئيل يخيّل لأوّل وهلة أنّها أرض نافعة صالحة للزراعة، فأصابها مطر غزير جرف التراب عنها فتركها صلدة ملساء لا تصلح لشيء من الزراعة.
فعمل المرائي له ظاهر جميل وباطن رديء، فالإنسان غير العارف بحقيقة نيّة العامل يتخيّل أنّ عمله منتج، كما يتصوّر الإنسان الحجر الأملس الذي عليه تراب قليل فيتخيّل أنّه صالح للنبات، فعندما أصابه مطر غزير وجرف التراب عن وجه الحجر تبيّن أنّه حجر أملس لا يصلح للزراعة، وهكذا عمل المرائي إذا انكشفت الوقائع ورفعت الأستار تبيّن أنّه عمل رديء عقيم غير منتج. ولذلك يقول: (لاَ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْء مِمَّا كَسَبُوا).
قال السيد الطباطبائي: فالوابل وإن كان من أظهر أسباب الحياة والنمو وكذا التراب، لكن كون المحلّ صلداً يبطل عمل هذين السببين حتى من غير أن يكون النقص والقصور من جانبهما، فهذا حال الصلد.(1)
فما هو سبب لإنبات النبات على النحو الأحسن صار سبباً لإزالته من جذوره.

1 . الميزان في تفسير القرآن:2/394.

146
وعلى كلّ تقدير فعمل المرائي باطل يجب عليه القضاء، بخلاف عمل المانّ والمؤذي فعمله صحيح لكن غير مقبول بمعنى عدم ترتّب الثواب عليه.
ثمّ إنّه سبحانه أتمّ الآية بقوله: (وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ)وهي ناظرة إلى المرائي الذي مرّ وصفه في قوله تعالى: (وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ).
***
   

147
32
الأمر بالبر بالوالدين
أمر الله سبحانه بمعاشرة الوالدين معاشرة حسنة، وقد أوصى بها في آيات كثيرة نذكر منها ما يلي:
1. قال تعالى: (وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا).(1)
2. قال تعالى:(وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا).(2)
3. قال تعالى: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ مِنْ إِمْلاَق نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ).(3)
والآية الأخيرة تتضمّن وصايا خمس، غير أنّ الذي يهمّنا في

1 . العنكبوت:8، والاحقاف:15.
2 . الاسراء:23.
3 . الأنعام:151.

148
المقام هو قوله تعالى: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)، وأمّا الوصايا الأربع الباقية فقسم منها يرجع إلى أُصول الدين كالنهي عن الشرك، والقسم الآخر يتضمّن أحكاماً شرعية خارجة عن الأخلاق والسلوكيات، ولذلك نركّز البحث على الأمر الأوّل.
قال تعالى:(وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)، أمر سبحانه بالإحسان إليهما مع أنّ المنهيّ عنه هو الإساءة إلى الوالدين، وكان اللازم أن يقول:
ولا تسيئوا إلى الوالدين، وإنّما عدل عن النهي عن الاساءة، إلى
الأمر بالإحسان اعتناء بحقّ الوالدين وأنّ الله أراد برّهما، والبر إحسان، والأمر به يتضمّن النهي عن الإساءة بطريق فحوى الخطاب.(1)
إنّ الأمر بالإحسان بالوالدين بعد الأمر بعبادة الله كما في قوله: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)،(2) أو بعد النهي عن الشرك ـ كما في آيتنا هذه ـ كلّ ذلك يدلّ على اهتمام الإسلام بتكريم الوالدين، فإنّ المجتمع الصغير (الأُسرة) هو اللبنة الأُولى للمجتمع الكبير، فإن صلحت هذه صلح ذاك، بل يظهر من بعض الآيات أنّ دائرة تكريم الوالدين شيء أوسع، قال سبحانه: (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي

1 . التحرير والتنوير:7/118.
2 . الاسراء:23.

149
صَغِيرًا)(1)، فخفض الجناح كناية عن التواضع الشديد لدى الوالدين، ولا أظن يوجد نظام أو شريعة تؤكّد على تكريم الوالدين مثل ما نجده في شريعة الإسلام، قال الإمام علي(عليه السلام):«فحقّ الوالد على الولد أن يطيعه في كلّ شيء إلاّ في معصية الله».(2)

نظام الأُسرة في المجتمع الغربي

إنّ انتشار الحضارة الصناعية المادية أثّر على روحيات المجتمع الغربي وعلى الأواصر الاجتماعية بين أفراده، فإنّ تربية الأولاد في أحضان الوالدين عبْر سنين يقوّي العواطف الإنسانية بينهم وبين الوالدين، غير أنّ الحياة الصناعية في الغرب صارت سبباً لتأسيس دور الحضانة التي تتولّى تربية الأولاد.
وبذلك ضعفت العلاقة بين الولد والوالد، وقلّ الحبُ والارتباط بينهما، فنرى أنّ الأولاد ينفصلون عن آبائهم إذا صاروا قادرين على أن يعيشوا بمفردهم، أو مع زوجتهم، فقلّما يتّفق التواصل بينهما خلال أشهر أو سنة أو أكثر، وقد سمعنا الكثير من القصص التي تتناقلها وسائل الاعلام عن أوضاع المجتمع الغربي، وأين هذا عمّا نراه سائداً في المجتمعات الإسلامية التي ما زالت بعيدة عن

1 . الإسراء:24.
2 . الكافي:2/160.

150
الحضارة الغربية، فالأولاد عندهم هم فلذات الأكباد، كما أنّ الأولاد يحترمون الوالدين طول حياتهم خصوصاً إذا طعنوا في السن، وعجزوا عن الاستمرار بالحياة إلاّ بمعونة الأولاد.
ويأتي بعد هذه الآية آيتان تشكّلان معها سبيكة واحدة، لذا نفسّرهما أيضاً لإتمام الفائدة.
***

الآية الثانية

قال سبحانه: (وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).(1)
اشتملت هذه الآية على خصال خمس فالنهي عن الاقتراب من مال اليتيم أو إيفاء الكيل والميزان بالقسط، ويُبحث عنهما في الفقه قسم المعاملات، والتكليف حسب الوسع والطاقة في قوله:(لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا)موضوع كلامي، فلم يبق في الآية إلاّ الفقرتان التاليتان:
1. (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبى).

1 . الأنعام:152.

151
2. (وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا).
فالأُولى منهما ناظرة إلى الشهادة بالعدل في مورد القضاء ويبحث عنها في كتاب القضاء، كما أنّ الثانية ناظرة إلى العهود الإلهية، كالنذر واليمين، وقد تقدّمت دراسة الوفاء بالعهد فيما سبق.(1)
ثمّ إنّه سبحانه ختم الآية بقوله:(ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) فجعل خاتمة هذه الآية (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) على خلاف الآية السابقة التي جعل ختامها قوله: (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ).
وفي ختام الوصايا العشر يوصي سبحانه بسلوك صراط واحد وهو الصراط المستقيم والتحرّز عن سلوك غيره، فيقول:

الآية الثالثة

(وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).(2)
والآية ترشدنا إلى أنّ هنا صراطاً واحداً مستقيماً يوصل الإنسان إلى المقصد بسهولة فعليكم اتّباعه، والتحرّز عن سائر السبل التي تخالفه. ويحتمل أنّ المراد من قوله: (صِرَاطِي) هو صراط

1 . لاحظ: العنوان السادس عشر: الوفاء بالعهد.
2 . الأنعام:153.

152
النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، غير أنّ الذي يبعّده أنّ الضمير في قوله:(عَنْ سَبِيلِهِ)يرجع إلى الله سبحانه، كما أنّ الضمير في قوله:(وَصَّاكُمْ) يرجع إليه، فيشكّلان قرينة على أنّ المراد من ضمير المتكلم هو صراط الله، وعلى كلّ تقدير فالله سبحانه يقول: (وَأَنَّ هَذَا): أي كلّ ما سبق من التكاليف الإلهية، أو هي مع ما أُمر ببيانها في سائر الآيات (صِرَاطِي مُسْتَقِيماً): أي صراط الله المستقيم (فَاتَّبِعُوهُ) لأنّه يوصلكم إلى المقصد المطلوب، قال: (وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ)المتفرّقة (فَتَفَرَّقَ بِكُمْ)والباء هنا للتعدية نظير قول القائل: ذهبت بزيد أي: أذهبته، وفي المقام بمعنى تُفرِّقكم (عَنْ سَبِيلِهِ): أي سبيل الله.
وقد روى جابر بن عبد الله(رحمه الله)قال: كنّا عند النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فخط خطّاً وخطّ خطين عن يمينه وخط خطين عن يساره ثم وضع يده في الخط الأوسط «أي الذي بين الخطوط الأُخرى» فقال: هذه سبيل الله، ثم تلا هذه الآية:(وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).(1)

1 . سنن ابن ماجة:1/6.

153
   
33

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

اتّفق المسلمون على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شرعاً، والمسألة لها صبغة كلامية، وفي الوقت نفسه هي مسألة فقهية، ووجه كونها كلامية هو أنّ أهل السنّة بنوا وجوب نصب الإمام بعد رحيل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) عليها.(1) وقالوا: بما أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمر واجب، وما يقوم به الواجب ـ وهو نصب الإمام ـ واجب. وبذلك صارت مسألة الإمامة عندهم من فروع هذه المسألة.
ولكنّ الشيعة ينظرون إليها بنظرة كونها أصلاً فرعياً كسائر الفروع، ومع ذلك ترى أنّ المحقّق الطوسي قد طرح القاعدة في آخر التجريد في مبحث المعاد.

1 . لاحظ: المواقف لعضد الدين الإيجي:396; وشرح المواقف للسيد الشريف:8/346; وشرح المقاصد للتفتازاني:5/236.

154
وقد وردت في الذكر الحكيم آيات تحثّ المسلمين على إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نذكرها تباعاً.

ما يدلّ على وجوب الفريضتين

الآية الأُولى

قال سبحانه:(الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ).(1)

المفردات

مكّنّاهم: جعلنا لهم الملك والسلطة في البلاد.
المعروف: كلّ فعل حسن.
المنكر: كلّ فعل قبيح.

التفسير

قوله تعالى:(الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ) وصف للموصول الوارد في الآية المتقدّمة عليها، أعني قوله: (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ

1 . الحج:41.

155
دِيَارِهِمْ) فهؤلاء هم (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ): أي إن جعلنا لهم الملك والسلطان في البلاد قاموا بأُمور أربعة:
1. (أَقَامُوا الصَّلاَةَ) لعلّه أُريد دعوة الناس إلى الصلاة، إذ فرق بين القول: يصلّون وبين قوله: (أَقَامُوا الصَّلاَةَ) وربّما يفسر بإتيانها بتمام شرائطها وآدابها، وعلى كلّ تقدير فهي صلة الناس بينهم وبين الله تعالى.
2. (وَآتَوُا الزَّكَاةَ) التي هي صلة السلطة بينها وبين الناس، فهؤلاء لا تدفع بهم القدرةُ إلى اللّهو واللعب، بل إلى العبادة وسدّ خلّة الناس.
3. (وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ): أي أشاعوا المعروف بين الناس بتبليغه.
4. (وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ) الذي يُفسد المجتمع.
والأخيران دعامتان قويّتان لبناء مجتمع إلهي، إذ بهما يتقوّم سلوك الناس وتشرق حياتهم بالاستقامة.
وفي نهاية الآية يقول سبحانه:(وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ): أي مرجع الأُمور إلى حكمه تعالى وتقديره، وفيه تأكيد لوعده سبحانه بنصر المؤمنين وخذلان أعدائهم، وقال سبحانه في موضع آخر: (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)(1).

1 . الأعراف:128.

156

الآية الثانية

قال سبحانه: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ).(1)

المفردات

كنتم: ذكر المفسّرون فيه وجوهاً، أظهرها أنّه مجرّد عن الزمان، فالمعنى: وجدتم، وبتعبير آخر: أنتم خير أُمّة.
أُخرجت: الإخراج مجاز في الإيجاد والإظهار كقوله تعالى:(فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ)(2): أي بصوغه عجلاً جسداً. ومنه يُعلم معنى قول المحدّثين:(أخرج فلان عن ابن عباس) أي أظهر الحديث منه.
الفاسقون: الفسق: الخروج، يقال: فسقت التمرة أي خرجت عن غلافها، وأُريد الخارجون عن الطاعة، ويشمل الكافر والمسلم العاصي.

1 . آل عمران:110.
2 . طه:88 .

157

التفسير

قوله سبحانه:(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ): أي أنتم خير أُمّة ظهرت للناس عبر قرون مضت، وذلك لأنّكم متحلّون بصفات ثلاث:
1. (تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ): أي ما هو جميل عقيدة وعملاً.
2. (وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ): أي كلّ ما هو مرغوب عنه عقلاً وعرفاً.
3. (وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ) إيماناً حقيقياً، منزّهاً عن التشبيه والتجسيم.
ثمّ هل المراد أهل العصر النبوي؟ فيكون الصحابة أفضل
أُمّة من الأُمم مع رسولها، أو أنّها خطاب لكلّ المسلمين عبر
الزمان؟ الظاهر هو الثاني لأنّ الخطابات القرآنية من قبيل القضايا الحقيقية، لا تختصّ بزمان دون زمان، نظير الخطابات الواردة في الكتب المؤلّفة. وعلى ذلك فالأُمّة الإسلامية قد فضّلت; لأنّ
القائمين فيها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أكثر من سائر الأُمم.
ويدلّ على ذلك (أنّهم أكثر بالقيام بالفريضتين من سائر الأُمم وبالأخصّ من اليهود) قوله سبحانه: (كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ

158
عَنْ مُنْكَر فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ)(1) أي لم يكن ينهى
بعضهم بعضاً، ولا ينتهون أي لا يكفّون عمّا نهوا عنه، وقال سبحانه:(لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ)(2).
نعم ربما يوجد بينهم مَن يقوم بهاتين الوظيفتين كما هو الحال في أصحاب السبت حيث جاء فيها: (وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)(3) فالآية تدلّ على وجود مَن كان يعظ القوم وينهاهم لكن كانوا أقلّية. وأمّا الأُمّة الإسلامية فالأمر بالمعروف كان أمراً شاخصاً حيث إنّ قسماً منه قائم بهذا الأمر بالسلطة والقوّة.
ثمّ إنّ الجمل الثلاث (تَأْمُرُونَ)، (تَنْهَوْنَ)، (تُؤْمِنُونَ) إخبار لغرض الإنشاء، أي يجب على الأُمّة تلك الأُمور، ولذلك عدّت الآية من دلائل وجوب الأمرين.

الآية الثالثة

قال سبحانه: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ

1 . المائدة:79.
2 . المائدة:63.
3 . الأعراف:164.

159
وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).(1)

المفردات

منكم: يحتمل أن تكون «من» للتبيين، كما يحتمل أن تكون للتبعيض، ولذلك سبّب الاختلاف في معنى لفظة «من» الاختلاف في أنّ الأمر بالمعروف واجب على الأعيان أو على جمع خاص.
أُمّة: مشتق من «الأَم» الذي هو القَصد، وفي اللغة تستعمل على وجوه، وأُريد هنا الجماعة التي يجمعها غرض واحد.
المعروف: اسم لكلّ فعل يُعرف بالعقل أو بالشرع حُسنه. والأولى تبديل «فعل» إلى «شيء» ليشمل العقيدة والمعارف.
المنكر: ما ينكر بالعقل أو بالشرع.
التفسير
هذه الآية على خلاف الآية السابقة، تخصّص الدعوة إلى الخير بجماعة، فتقول: مكان:(خَيْرَ أُمَّة)، (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ)، وستوافيك كيفية الجمع بين مفاد الآيتين. ثمّ إنّ التكليف المتوجّه إلى هذه

1 . آل عمران:104.

160
الجماعة عبارة عن الأُمور التالية:
1. (يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ) ولعلّه أمر جامع بين الأمرين الأخيرين، أعني:
2. (وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ): أي يُرغّبون في فعل كلّ فعل ينبغي أن يفعل أو أمر يعتقد.
3. (وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ): أي يُرغّبون في ترك ما لا ينبغي فعله.
ثمّ إنّ قوله: (وَأُولَئِكَ): أي القائمون بهاتين الفريضتين الكبيرتين (هُمُ الْمُفْلِحُونَ) في الدنيا والآخرة، أمّا الدنيا حيث إنّ صلاح الفرد لا ينفكّ عن صلاح المجتمع. وأمّا الآخرة فلأنّهم مأجورون ومثابون.
ثمّ إنّ حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أسئلة وأجوبة نأتي بها تالياً:

السؤال الأوّل هل الفريضة واجب عيني أو كفائي؟

كيف يمكن الجمع بين الآيتين فالآية المتقدّمة جعلت الأمرين من وظائف المجتمع كلّه، والآية الثانية جعلتهما من وظائف مجموعة معيّنة.
وبعبارة أُخرى: الآية الأُولى تدلّ على كونهما من وظائف الأعيان، والآية الثانية تدلّ على أنّهما وظيفة جمع خاص.

161
الجواب: الجمع بين الآيتين واضح، لأنّ قسماً من الفريضتين من وظيفة الأعيان كالإنكار في القلب والإرشاد باللسان، وقسم منهما من وظائف الحكومة الإسلامية، كإجراء الحدود، ومنع المتجرّئ من التمادي في المعصية.
فالآية الأُولى ناظرة إلى القسم الأوّل وهي وظيفة الأعيان، والآية الأُخرى ناظرة إلى القسم الثاني، فإنّ إجراء الحدود من وظائف مجموعة خاصّة، أعني: مَن له السلطة أي الحكومة; ويؤيّد ذلك ما رواه مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سمعته يقول، وسُئل عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أواجب هو على الأُمّة جميعاً؟ فقال: «لا»، فقيل له: ولِمَ؟ قال:«إنّما هو على القوي المطاع، العالم بالمعروف من المنكر، لا على الضعيف الذي لا يهتدي سبيلاً إلى أيّ من أيّ يقول من الحقّ إلى الباطل، والدليل على ذلك كتاب الله عزّ وجلّ: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) فهذا خاصّ غير عام، وكما قال الله عزّ وجلّ: (وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ)(1) ولم يقل: على أُمّة موسى ولا على كلّ قومه، وهم يومئذ أُمم مختلفة».(2)
فإن قلت: أي فرق بين القول بوجوبهما على الأعيان أو على

1 . الأعراف:159.
2 . الوسائل:11، الباب2 من كتاب الأمر والنهي، الحديث 1.

162
جمع خاص وبين القول بوجوبهما عيناً أو كفاية، فهل هنا مسألتان أو مسألة واحدة بتعبيرين؟
قلت: هنا مسألتان لكلّ ملاكهما، فإنّ محور البحث في المسألة الأُولى هو توجّه التكليف إلى عامّة المكلّفين، أو فريق خاص منهما كأصحاب السلطة والقدرة، وهذا ما يعبّر عنه بوجوبهما على الأعيان أو على فريق خاص.
ثم لو قلنا بوجوبها على الأعيان في غير ما يجب على أصحاب السلطة والقدرة. تطرح مسألة أُخرى، وهي هل وجوبهما عيني، بحيث يطلب من كلّ مكلّف وإن قام به الآخر كالصلاة والصوم، أو على نحو لو قام به الآخر وحصل الغرض يسقط التكليف عن الآخرين، وهذا يعبّر عنه بالوجوب العيني أو الكفائي، فالمسألة الثانية من شؤون القول بوجوبها على الأعيان.
ذهب الشيخ الطوسي في «الاقتصاد» إلى أنّهما من فروض الأعيان،(1) أي يجب على كلّ المكلّفين ولا يسقط وجوبهما بفعل الآخرين، واختاره ابن حمزة(2)، وحكي عن السيد المرتضى أنّهما من فروض الكفاية.(3)

1 . لاحظ: الاقتصاد:147.
2 . الوسيلة:107.
3 . لاحظ: مختلف الشيعة:4/457.

163
واستدلّ القائلون بأنّهما من فروض الأعيان بالعمومات المتوجّهة إلى عامّة الناس نظير قوله سبحانه:(الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ).(1)
أقول: الحقّ التفصيل، فإنّ للأمر بالمعروف مراتب:
1. إنكار المنكر بالقلب وتحريم الرضا به ووجوب الرضا بالمعروف. روى الكليني عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«حسب المؤمن غيراً إذا رأى منكراً أن يعلم الله عزّ وجلّ من قلبه إنكاره».(2)
لا شكّ أنّه واجب عيني لا يسقط بفعل الآخرين.
2. الأمر والنهي باللسان، فقد تضافرت الروايات على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باللسان، روى سماعة عن أبي بصير عن أبي عبد الله(عليه السلام) في قول الله عزّ وجلّ:(قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا)(3) كيف نقي أهلنا؟ قال: «تأمرونهم وتنهونهم».(4)
وقال أمير المؤمنين(عليه السلام):«مَن ترك إنكار المنكر بقلبه ولسانه فهو ميّت الأحياء».(5)

1 . الحج:41.
2 . الوسائل:11، الباب5 من أبواب الأمر والنهي، الحديث1.
3 . التحريم:6.
4 . الوسائل:11، الباب9 من أبواب الأمر والنهي، الحديث3.
5 . الوسائل:11، الباب9 من أبواب الأمر والنهي، الحديث4.

164
لا شكّ أنّه واجب كفائي إذا قام به شخص، سقط عن الآخرين، نعم لو قامت القرينة على أنّ مرتكب المنكر ربما ينتهي إذا تضافر الأمر أو النهي، يكون واجباً عينيّاً على الآخرين.

السؤال الثاني: توهم التعارض بين الآيتين

إنّ دلالة هذه الآيات على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أمر واضح، إلاّ أنّه ربما يتصوّر التعارض بينها وبين الآية التالية، أعني قوله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)(1).
الجواب: أنّ الآية ليست لها صلة بالموضوع فإنّها ناظرة إلى أنّ لكلّ شخص حساباً خاصّاً ولا يحاسب بعمل غيره كما في آية أُخرى: (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى)(2)، فيوم القيامة يحاسب كلّ إنسان حسب عمله، فأين ذلك من وجوب الأمر بالمعروف وكبح جماح الفاسق عن التظاهر بالمعصية؟
وبعبارة أُخرى: إنّ الآية ناظرة إلى المجتمعات الفاسدة الغارقة في الفساد والانحراف، فإنّ الطريق الوحيد لإصلاحها هو الابتداء

1 . المائدة:105.
2 . الأنعام:164.

165
بإصلاح الذات وعدم توقّع أي إصلاح للغير قبل ذلك، وأن لا يترك إصلاح نفسه بحجّة أنّ المجتمع فاسد، وإليه يُشير قوله سبحانه: (لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ)(1).
ويؤيّد ذلك قول النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم): «بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء» فقيل: يا رسول الله مَن الغرباء؟ فقال: «الذين يصلحون إذا أفسد الناس من بعدي سنّتي».(2)

السؤال الثالث: الحرية والأمر بالمعروف

إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ينافي الحرية التي هي من أماني الشعوب المتحضّرة؟
والجواب: أنّ الحرية على قسمين:
1. الحرية المنتهية إلى الفوضى في المجتمع من دون اعتراف بقانون بشري أو سماوي، فهذا النوع من الحرية مرفوض عقلاً وشرعاً لأنّه أشبه بالحرية السائدة في الغابة.
2. الحرية المحدّدة بالقوانين، وهذه هي أُمنية كلّ إنسان متحضّر، لكن الأمر بالمعروف لا ينافي تلك الحرية، بل هو دعوة للعمل بالقانون ودعوة عامّة الناس للالتزام به، ولا تجد على البسيطة مَن يكون حرّاً من جميع الجهات، وإلاّ يكون وضع القوانين أمراً

1 . المائدة:105.
2 . سنن الترمذي:4/129; جامع الأُصول:10/212.

166
لغواً، ولذلك نرى أنّ الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) يشبّه المجتمع بسفينة ذات طبقتين وبين أهلها تخاصم، فيريد سكان الطبقة السفلى ثقب تلك الطبقة من السفينة بحجة أنّهم يثقبون ما يتعلّق بهم، فقال الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)في حقّ هؤلاء:«فإن أخذوا على أيديهم نجوا جميعاً، وإن تركوهم غرقوا جميعاً».(1)
وفي رواية أُخرى قال(صلى الله عليه وآله وسلم):«إنّ المعصية إذا عمل بها العبد سرّاً لم تضرّ إلاّ عاملها، فإذا عمل بها علانية ولم يغيّر عليه أضرّت بالعامّة».(2)
الفريضتان في الشرائع السالفة
يظهر من غير واحدة من الآيات وجود الفريضتين في الشرائع السابقة نذكر منها ما يلي:
1. يصف سبحانه النبي إسماعيل(عليه السلام) بقوله:(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا)(3).
2. يحكي سبحانه عن لقمان الحكيم أنّه يوصي ابنه بالأمر بالمعروف ويقول: (يَا بُني أَقِمِ الصَّلاَةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ

1 . مسند أحمد:4/268.
2 . الوسائل:11، الباب4 من أبواب الأمر والنهي، ذيل الحديث1.
3 . مريم:54ـ55.

167
الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ)(1).
3. يصف سبحانه قسماً من أهل الكتاب بقوله:(لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ).(2)
4. يصف سبحانه النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) بصفات مختلفة ويعرّفه بقوله: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ) مَن له هذه الصفات:
أ. (الرَّسُول) ب.(النَّبيّ)، ج. (الأُمّي).
د. (الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ).
هـ.(يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ).
و. (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ).
ز. (وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ).(3)
إلى هنا تمّت دراسة الآيات التي يستفاد منها الوجوب.
بقي هنا بحث آخر وهو دراسة شرائط وجوب الأمر والنهي، إلاّ أنّها غير مذكورة في الذكر الحكيم، وإنّما ذكرها الفقهاء في كتبهم والمتكلّمون في فصل المعاد ولا بأس بالإشارة إليها.

1 . لقمان:17.
2 . آل عمران:113ـ114.
3 . الأعراف:157.

168

في شروط النهي عن المنكر

قال المحقّق: ولا يجب النهي عن المنكر، ما لم تكمل شروط أربعة:
الأوّل: أن يعلمه منكراً، ليأمن الغلط في الإنكار.
الثاني: وأن يجوز تأثير إنكاره، فلو غلب على ظنّه، أو علم أنّه لا يؤثر، لم يجب.
الثالث: وأن يكون الفاعل مُصِرّاً على الاستمرار، فلو لاحَت منه أمارة الامتناع أو أقلع عنه، سقط الإنكار.
الرابع: ولا يكون في الإنكار مفسَدَة، فلو ظن توجّه الضرر إليه ]أو إلى ماله[، أو أحد من المسلمين، سقط الوجوب.(1)
ولا يخفى أنّ ما ذكره من الشروط الأربعة شرط لكلتا الفريضتين أي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فتخصيص المحقّق النهي بهذه الشروط، لا يظهر وجهه.(2)
وقد بسطنا الكلام حول هذه الشروط في كتابنا:«الإيضاحات السنية للقواعد الفقهية».(3)
ثمّ إنّ الشيخ الأكبر جعفر كاشف الغطاء(رحمه الله) ذكر هنا أربعة عشر شرطاً، وإليك ما ذكره، قال: ويجب الأمر بالواجب والنهي عن

1 . شرائع الإسلام:1/342.
2 . لاحظ: مسالك الأفهام:1/129.
3 . لاحظ: الإيضاحات السنية للقواعد الفقهية:3/425ـ 446.

169
المحرّم وجوباً نهائياً بشروط أربعة عشر:
أحدها: التكليف، بجمع وصفي البلوغ والعقل حين الأمر والنهي.
ثانيها: العلم بجهة الفعل من وجوب وحرمة، ومع الاحتمال يدخل في السنّة للاحتياط.
ثالثها: إمكان التأثير، ومع عدمه يلحق بالسنّة.
رابعها: عدم التقيّة ولو بمجرّد الاطّلاع.
خامسها: عدم ترتّب الفساد الدنيوي على المأمور أو غيره بسببه.
سادسها: عدم مظنّة قيام الغير به.
سابعها: مظنّة الوقوع ممّن تعلّق به الخطاب.
ثامنها: ألاّ يتقدّم منه أو من غيره خطاب يظنّ تأثيره.
تاسعها: عدم البعث على ارتكاب معصية أو ترك واجب للمأمور أو غيره بسببه.
عاشرها: عدم ترتّب نقص مخلٍّ بالاعتبار على الآمر.
حادي عشرها: فهم المأمور مُراد الآمر.
ثاني عشرها: ضيق الوقت في الوجوب الفوري.
ثالث عشرها: عدم معارضة واجب مضيّق من صلاة ونحوها.
رابع عشرها: كون المأمور ممّن يجوز له النظر إليه أو اللّمس له إذا توقّف عليهما.

170
ولا يجب على الله شيء منهما بطريق الإلجاء; لقبح الإلجاء منه، ولفوات ثمرة التكليف.(1)
ثمّ إنّ هذ الشروط تختصّ للأمر والنهي الفردي، وأمّا إذا قام بهما من لهم السلطة والقدرة، فكثير منها غير مطروح في حقّهم.

1 . كشف الغطاء:4/429.

171
34

حكم التقية كتاباً وسنّة

جعل الفاضل المقداد البحث في التقية ذيلاً لكتاب الجهاد، ولعلّ وجهه أنّ التقيّة سلاح الضعيف في مقابل العدو الغاشم الذي لا يرحم مخالفه، وهو مجهّز بكلّ وسائل القوّة والبطش والظلم ولا يملك الضعيف سلاحاً إلاّ التقيّة، وعلى كلّ تقدير فالتقيّة من الأُصول القرآنية التي جاءت في غير واحدة من الآيات.

الآية الأُولى

قال تعالى: (مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ).(1)

1 . النحل:106.

172

إعراب مفردات الآية وفقراتها

مَنْ: مبتدأ، وخبره محذوف يدلّ عليه قوله سبحانه:(فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ).
إلاّ من أُكره: مستثنىً من قوله: (فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ).
ولكن مَن شرح بالكفر صدراً: بيان للّذين كفروا بالله تعالى.

التفسير

تفسير الآية رهن بيان إعراب مفرادتها وفقراتها:
قوله تعالى: (مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ) أنّ لفظة «مَنْ» مبتدأ، لم يُذكر خبره، وهو مقدّر يُعلم من قوله سبحانه: (فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ) الذي هو خبر لقوله: (مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا). ويصير تقدير الآية بالنحو التالي:
مَن كفر بالله من بعد إيمانه فعليهم غضب من الله.
ولكن مَن شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من الله.
ثمّ إنّ قوله: (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ) مستثنىً من قوله: (فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ).
إذا عرفت ذلك فلنفسّر الآية:
قوله سبحانه: (مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ): أي خرج من خيمة الإسلام ودخل في ظلمة الكفر (فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ).
قوله سبحانه: (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ) استثناء لمن

173
أُجبر على التلفّظ بالكفر، غير أنّ قلبه ممتلئ بالإيمان، وهذا بعيد عن غضب الله، (وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا): أي امتلأ قلبه بالكفر فيجزى بجزائين:
1. (فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ).
2. (وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ).
فالآية بصدد تهديد فريقين:
1. مَن ارتدّ عن الإيمان بعد دخوله فيه.
2. مَن كفر وبقي على كفره.
وفي الوقت نفسه يسمح للمُكره إظهار الكفر مجاراة للكافرين خوفاً منهم بشرط أن يكون قلبه مطمئناً بالإيمان.
ذكر المفسّرون أنّ الآية نزلت في جماعة أُكرهوا على الكفر، وهم عمّار وأبوه ياسر وأُمّه سميّة، وقُتل الأبوان لأنّهما لم يظهرا الكفر ولم ينالا من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وأعطاهم عمّار ما أرادوا منه فأطلقوه، ثمّ أخبر عمّار بذلك رسول الله، وانتشر خبره بين المسلمين، فقال قوم: كفر عمّار، فقال رسول الله:«كلاّ إنّ عمّاراً مُلئ إيماناً من قرنه إلى قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ودمه». وفي ذلك نزلت الآية، وكان عمّار يبكي، فجعل رسول الله يمسح عينيه ويقول: «إن عادوا لك فعد لهم بما قلت».(1)

1 . مجمع البيان:6/233.

174
وقد روى العوفي عن ابن عباس أنّ هذه الآية نزلت في عمّار حين عذّبه المشركون حتى يكفر بمحمد، فوافقهم على ذلك مكرهاً وجاء معتذراً إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فأنزل الله هذه الآية.
وفي رواية قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):«كيف تجد قلبك؟» قال: مطمئن بالإيمان، قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):«إن عادوا فعد». وقد ذكر بعض ما روي في هذا الصدد.(1)
ومورد الآية هو الاتّقاء من المشرك، وسوف يوافيك أنّ
المورد غير مخصّص، فلو كان حال الحاكم المسلم مثل الحاكم الكافر، تجوز التقيّة أخذاً بالملاك وهو صيانة النفس والنفيس
من الهلاك.
وفي نهاية المقام أنّ قوله: (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ)استثناء منقطع; لأنّ المستثنى منه قوله: (مَنْ كَفَرَ بِاللهِ): أي قلباً، والمستثنى مَن آمن قلباً وتكلّم بكلمة الكفر، ولذلك لمّا جاء عمّار إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يبكي فقال(صلى الله عليه وآله وسلم):«ما وراءك؟» قال: شرّ يا رسول الله، ما تُركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير. فجعل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يمسح عينيه ويقول: «إن عادوا لك فعد لهم بما قلت»، ونزلت الآية.(2)

1 . تفسير ابن كثير:2/587.
2 . مجمع البيان:6/233ـ234.

175

الآية الثانية

قال سبحانه: (لاَ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْء إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ).(1)

المفردات

يتّخذ: الأخذ حوز الشيء وتحصيله، وهو يصدق بالتحصيل مرّة، ولكن أُريد في المقام بقرينة حالية، الاستمرار.
أولياء: من الولاية، والأصل فيها تولّي الأمر كما في ولاية أمر الصغير والمجنون، أي مَن يملك تدبير أُمورهم وأُمور أموالهم، ثمّ يستعمل في مورد الحب بمناسبة بينه وبين المعنى الأصلي; لأنّ كثيراً من المتحابّين يتصرّفون في أُمورهم.
دون المؤمنين: غير المؤمنين.
فليس من الله: أي ليس ممّن ينتسب إلى الله.
تقاة: مصدر اتّقى، وأصلها وقاة إلاّ أنّ الواو المضمومة أُبدلت تاء

1 . آل عمران:28.

176
استثقالاً لها.
نفسه: أُريد ذاته العظيمة. وإطلاقه على الله من باب المشاكلة.

التفسير

قوله سبحانه: (لاَ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) ظاهر في النهي عن تولّي الكافرين، مكان المؤمنين، وهذا يتصوّر بإحدى الصورتين التاليتين:
1. أخذهم أولياء يتولّون أُمور المؤمنين فيكونون سادة والمؤمنون عبيداً لهم، ومن المعلوم أنّ هذا النوع من الاتّخاذ كفر وإلحاد.
2. حبّهم وودّهم المؤثّر على أعمال الإنسان وأفعاله.
ولمّا كان اتّخاذ الكافر وليّاً ـ بإحدى الصورتين ـ مؤثّراً في مصير المؤمن وأمراً محظوراً، هدّد سبحانه الموالين بوجوه ثلاثة:
1. (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْء) ولعلّه كناية عن بعد الإنسان عن الله تعالى وانقطاع صلته بالله فكأنّه يكون كافراً كما يقول سبحانه: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ)(1) إمّا موضوعاً كما في الصورة الأُولى، أو منهم حكماً كما في الحب المفرط الذي يؤثّر على فكر الإنسان وعمله.

1 . المائدة:51.

177
نعم ربّما تُلجئ الظروف بعض المؤمنين إلى التظاهر بالحب دفعاً لشرّهم وصوناً لأنفسهم عن أضرارهم، فهذا مستثنى عن المنهيّ عنه كما يقول:(إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً) وبما أنّ هذه الموالاة صورية يكون الاستثناء منقطعاً، ومعنى الآية بأنّه ليس لكم تولّي الكافرين إلاّ أن تتّقوا ضررهم وتصونوا أنفسكم وأموالكم بموالاتهم. والآية من أدلّة جواز التقية .
وقد تقدّم أنّ موالاة الكافرين ذات أضرار خطيرة تسلب من المسلمين سيادتهم واستقلالهم ويؤثّر في سلوكهم الديني، عاد البيان القرآني يهدّدهم مرة ثانية.
2. (وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ) يطلق التحذير ويراد به الاحتراز من أمر مخيف فتارة يكون الأمر المخيف هو العذاب كما يقول: (إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا)(1) وأُخرى الأشخاص كقوله سبحانه: (هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ)(2) وهناك جعل سبحانه الأمر المخوف نفسه وكأنّه ليس بينه وبين عذابه سبحانه أي حائل. ففي التحذير عن الله نفسه مكان التحذير عن عذابه، تهديد عظيم للموالي.
3. (وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ) وهذا هو التهديد الثالث فلا مهرب منه، وفيه أيضاً تهديد عظيم لأمر الموالاة، فقد هدد سبحانه في هذه الآية

1 . الاسراء:57.
2 . المنافقون:4.

178
الموالين بأُمور ثلاثة، كما مرّ.

الآية الثالثة

قال سبحانه:(وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا).(1)

المفردات

اعتزلتموهم: الاعتزال: التنحّي عن الأمر. وسمّي عمرو بن عبيد وأصحابه معتزلة لمّا اعتزلوا حلقة الحسن.
فأووا إلى الكهف: أي سيروا إليه واجعلوه مأواكم.
مرفقاً: من الرفق بمعنى اليُسر واللطف.

التفسير

إنّ قصة أصحاب الكهف معروفة لا تحتاج إلى بيان وتفسير، فقد كانوا يعيشون مع الوثنيّين مدّة، بعدما آمنوا بربّهم وشملتهم الهداية الإلهية تقيّة، ويدلّ على ذلك قوله سبحانه:(وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ)

1 . الكهف:16.

179
فإنّ الاعتزال فرع أن يكون القوم معهم في حلّهم وترحالهم أي مخالطين لهم.
فعاشوا مدّة في تلك الظروف بالتقية إلى أن عزموا على مواجهة ضغط المجتمع بالخروج عليهم (فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا).(1)
ثمّ الظاهر أنّ مفاد الآية كلام كبيرهم وأعقلهم.
هكذا حال أولياء الله يختارون المكان المظلم الموحش ويفضّلونه على القصور الزاهرة المؤنسة لحفظ إيمانهم وعقيدتهم، وصيانة نفوسهم من الرذائل والآثام، ولذلك نرى أنّ يوسف(عليه السلام) آثر السجن على البقاء في القصر بثمن باهظ يدفعه من إيمانه واستقامته، وهو الاستجابة للقيام بالعمل المنكر، قال سبحانه حكاية عنه:(رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ)(2).

الآية الرابعة

قال سبحانه: (وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ

1 . الكهف:14.
2 . يوسف:33.

180
بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ).(1)

المفردات

رجل مؤمن: يحتمل قويّاً أنّه كان من قرابة فرعون وخاصّته، وقيل: إنّه هو ابن عمّ فرعون، وهو الذي أنجى بمشيئة الله تعالى موسى(عليه السلام) من القتل كما في قوله تعالى: (وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلاََ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ).(2) وهذا قبل أن يبعث موسى بالرسالة، كلّ ذلك بناء على وحدة الرجلين مصداقاً في كلتا الآيتين.

التفسير

ثمّ شخصان من آل فرعون قد آمنا بدعوة موسى(عليه السلام)، وكان لهما دور مؤثّر فيما جرى من أحداث، وهما: آسية زوج فرعون،
وأحد أقربائه المعروف بمؤمن آل فرعون، وكان يُبطن الإيمان ويظهر الكفر عملاً بالتقية، لأنّه لو أظهر الإيمان لقُتل، ومن المعلوم

1 . غافر:28.
2 . القصص:20.

181
أنّه لو بقي حيّاً لانتفع بوجوده موسى(عليه السلام) والمؤمنون أكثر، وهذه
هي التقية التي جاء بها القرآن الكريم وأفتى بها الفقهاء صيانة للنفس والنفيس.
وقد عمل بها مؤمن آل فرعون، وذكر القرآن قصّته ليكون إسوة للآخرين.
إذا تبيّن ذلك فلندخل في تفسير الآية.
لمّا عزم فرعون على قتل موسى(عليه السلام) حاول مؤمن آل فرعون دفع الشرّ عنه، وعرض مقاله بصورة النصح لفرعون وملئه:(وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ) وهنا قد وصف القرآن الرجل بوصفين:
أ. أنّه من آل فرعون لا من بني إسرائيل.
ب. أنّه يكتم إيمانه، ليحقّق بذلك مآربه، قال: (أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللهُ) والاستفهام إنكاري يريد أن يفهم أنّه لا يجوز في منطق العقل قتل إنسان بحجّة إيمانه بالله، خصوصاً إذا كان إيمانه مقروناً بالدلائل والبيّنات، كما قال: (وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ) التي تدلّ على صدق دعواه (مِنْ رَبِّكُمْ).
وأضاف أنّه لو افترضنا أنّه كاذب في دعوته، فوَبال ذلك عليه وحده، كما قال: (وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ)، وقدّم هذا الاحتمال على الاحتمال الآخر للتلطُّف، لا أنّه كان شاكّاً في صدقه. ثم أضاف

182
بأنّه في الوقت نفسه يحتمل أن يكون الرجل صادقاً في دعوته، كما يقول: (وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الذِي يَعِدُكُمْ) وهذا القول مبالغة منه في التحذير، فإنّه إذا حذّرهم من بعض العذاب أفاد أنّه مُهلكٌ مَخوف، فما بال كلّه؟ ثمّ إنّ ترديد الأمر بين الأمرين إظهار للإنصاف وعدم التعصّب.(1)
ثمّ إنّه عقّب كلامه السابق بقوله: (إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ
مُسْرِفٌ كَذَّابٌ
)
والظاهر أنّه يرجع إلى الشقّ الأوّل من كلامه ـ أعني: (وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ) ـ فهو يُريد أن يُبيّن أنّ الله لا يترك
في هذه الدنيا المسرف المتجاوز الحدّ في المعصية والكذب
على ربّه.
بقي هنا كلام، وهو: ربما يقال إنّ الاستدلال بالآية الثالثة (حول أصحاب الكهف) والآية الرابعة، فرع كون عمل هؤلاء حجّة في حقّنا.
والجواب واضح وهو أنّ مَن نظر إلى مفاد الآيتين وما
حولهما من الآيات يقف على أنّه سبحانه بصدد مدح أعمال
هؤلاء وأقوالهم، ومعنى ذلك أنّه كذلك في الأُمّة الإسلامية
أيضاً.

1 . انظر: تفسير المراغي:24/65.

183

مكانة أبي طالب نفس مكانة أصحاب الكهف

إنّ مكانة أبي طالب(رحمه الله) الذي كان يعيش في مجتمع وثني جاهلي، هي منزلة أصحاب الكهف، فقد كان يتلطّف معهم ظاهراً، ولكنّه كان يعاديهم باطناً وحقيقة.
وفي رواية عن الإمام الصادق(عليه السلام): إنّ جبرئيل(عليه السلام) نزل على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا محمّد إنّ ربّك يقرؤك السلام، ويقول
لك: إنّ أصحاب الكهف أسرّوا الإيمان وأظهروا الشرك، فآتاهم
الله أجرهم مرّتين، وإنّ أبا طالب أسرّ الإيمان وأظهر الشرك فآتاه
الله أجره مرّتين، وما خرج من الدنيا حتّى آتته البشارة من
الله بالجنة».(1)
فإن قلت: إنّ في ديوان أبي طالب وما نقله أصحاب السير
منه(رحمه الله)ما يدلّ على أنّه كان يصدع بالحقّ ويظهر إيمانه لاخصّائه
نظير قوله:
ليعلم خيار الناس أنّ محمداً *** نظير لموسى والمسيح بن مريم
أتانا بهدي مثل ما أتيا به *** فكلٌّ بأمر الله يهدي ويعصم(2)
قلت: الجواب بوجهين:
1. لعلّ قصائده هذه كانت في أواخر عمره، الذي تبيّن للقريب

1 . الوسائل:11، الباب29 من أبواب الأمر والنهي، الحديث17.
2 . أعيان الشيعة:4/121.

184
والبعيد أنّه يحمي ابن أخيه إيماناً بدينه، لا لقرابته منه.
2. يمكن أن تكون قصائده مودعة عند المؤمنين.
***
هذه هي الآيات التي استدلّ بها على جواز التقية بل على وجوبها، غير أنّ هنا سؤالاً مهماً نطرحه مع جوابه.

مورد الآيات اتّقاء المسلم من الكافر

ربما يقال: إنّ مورد تلك الآيات المذكور، هو اتّقاء المسلم من الكافر لا اتّقاء المسلم من المسلم، فلا تشمل اتّقاء الشيعي من السنّي، ولا العكس.
الجواب: أنّ المورد ليس مخصّصاً والغرض من تشريعها هو صيانة النفس والنفيس من الشر، فإذا ابتلي المسلم من أخيه المسلم الذي يخالفه في بعض الفروع ولا يتردّد الطرف القوي في إيذاء الطرف الآخر، ففي تلك الظروف الحرجة لا مناص للمسلم الضعيف من اللجوء إلى التقية لصيانة نفسه ونفيسه، وهذا ممّا صرّح به علماء الإسلام في تفسير الآية، ونقتصر بثلاث كلمات لأقطاب التفسير:
1. يقول الإمام الرازي في تفسير قوله سبحانه:(إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً): ظاهر الآية على أنّ التقيّة إنّما تحلّ مع الكفّار الغالبين، إلاّ أنّ

185
مذهب الشافعي: أنّ الحالة بين المسلمين اذا شاكلت الحالة بين المسلمين والكافرين، حلّت التقيّة محاماة عن النفس.
وقال: التقيّة جائزة لصون النفس، وهل هي جائزة لصون المال؟ يحتمل أن يحكم فيها بالجواز لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«حرمة مال المسلم كحرمة دمه»، وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«مَن قتل دون ماله فهو شهيد».(1)
2. ينقل جمال الدين القاسمي عن الإمام مرتضى اليماني في كتابه «إيثار الحقّ على الخلق» ما هذا نصّه: «وزاد الحقّ غموضاً وخفاءً أمران: أحدهما: خوف العارفين ـ مع قلّتهم ـ من علماء السوء وسلاطين الجور وشياطين الخلق مع جواز التقيّة عند ذلك بنصّ القرآن، وإجماع أهل الإسلام، وما زال الخوف مانعاً من إظهار الحقّ، ولابرح المحقّ عدوّاً لأكثر الخلق، وقد صحّ عن أبي هريرة أنّه قال في ذلك العصر الأوّل:«حفظت من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وعاءين، أمّا أحدهما فبثثته في الناس، وأمّا الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم».(2)
3. وقال المراغي في تفسير قوله سبحانه: (مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ).(3) ويدخل في

1 . تفسير الرازي:8/13 في تفسير الآية.
2 . محاسن التأويل:4/82 . ومعنى ذلك أنّ أبا هريرة اتّقى وترك الواجب أي بثّ حديث الرسول تقية وحفظاً لنفسه.
3 . النحل:106.

186
التقية مداراة الكفرة والظلمة والفسقة، وإلانة الكلام لهم، والتبسّم
في وجوههم، وبذل المال لهم، لكفّ أذاهم وصيانة العرض
منهم، ولا يُعدّ هذا من المولاة المنهيّ عنها، بل هو مشروع،
فقد أخرج الطبراني قوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«ما وقى المؤمن به عرضه
فهو صدقة».(1)
***

1 . تفسير المراغي:3/136.

187
35

الإهتمام بأُمور المسلمين

قال الله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ).(1)
التعاون على البر، تحلية للنفس، والإتقاء عن الحرام تخليتها عن الحرام والمضار، فقدّم التحلية في الآية على التخلية اهتماماً بها.
ثمّ إنّ الفقرة ـ خلافاً للأشاعرة ـ تدلّ على أنّ الإنسان يعرف البرّ عن ضدّه، ويميّز الفعل الحسن عن مخالفه، من دون حاجة إلى ورود التعريف بهما عن طريق الوحي وبالتالي تأمر الفقرة الناس بالتعاون في كلّ عمل من أعمال الخير التي ينتفع بها الناسَ في دينهم ودنياهم، كما أنّ الفقرة الثانية أعني:(وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) تنهى الناس عن المشاركة فيما يُعدّ إثماً أو عدواناً،

1 . المائدة:2.

188
فالمعاصي بما هي تبطأ الإنسان عن الثواب توصف بالإثم وبما أنّها تجاوز عن حدّ الشرع وما يحكم به العقل أو ما هو سيرة المسلمين توصف بالعدوان.
فما تقوم به جمعيات البرّ والإحسان في مختلف بلدان العالم لأجل إيواء من لا بيت له وتأمين حوائج الأيتام والمعوقين، ونحو ذلك كلّها مصاديق التعاون على البر.
والحاصل أنّ شعار المسلم هو التعاون في أعمال الخير والاجتناب عن التعاون في أعمال الشر، وهذا على خلاف ما كان سائداً في العصر الجاهلي، حيث كان شعارهم:«انصر أخاك ظالماً ومظلوماً».
ثمّ إنّ التعاون يجب أن يكون في محور البر و التقوى، وعلى هذا فما ربما يتراءى التحالف بين دولتين أو بين عدد من الدول ليحمي بعضهم بعضاً من دون رعاية لمبدأ العدالة أو تمييز الظالم من المظلوم فهذا مردود في الشريعة الإسلامية، إذ فيها إنّما يحمي كلّ الآخر إذا ثبت أنّه مظلوم والمهاجم ظالماً له، وإلاّ فيكون التعاون مبدأً جاهلياً.
أنّ الإسلام حرّم قسماً من المعاملات والعقود التجارية التي عليها طابعَ الإعانة على المعاصي أو المنكرات، كبيع العنب على من يصنعه خمراً، أو بيع السلاح على أعداء الإسلام.

189
وإلى هذا المبدأ العام(التعاون) أشار النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) في قوله: «مَن أصبح ولا يهتم بأُمور المسلمين فليس بمسلم».(1)
قال المولى المازندراني في شرحه: «مَن أصبح...» أي لا يعزم على القيام بها ولا يقوم بها مع القدرة «فليس بمسلم» أي ليس بكامل في الإسلام ولا يعبأ بإسلامه، والمراد بأُمورهم أعمّ من الأُمور الدنيوية والأُخروية، ولو لم يقدر عليها فالعزم حسنة يثاب به وكمال له.(2)
وفي نهاية المطاف نهيب بأبناء المسلمين بالمشاركة في الخيرات والمبرّات لأنّ المسلم أخو المسلم كما يجب عليهم الاجتناب عن المشاركة في الأعمال المشينة والضارّة بأبناء المجتمع، وقد نقل عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا الصدد، أنّه قال:«إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الظلمة وأعوان الظلمة وأشباه الظلمة حتى مَن برى لهم قلماً ولاق لهم دواة؟ قال: فيجتمعون(فيجمعون) في تابوت من حديد ثم يُرمى بهم في جهنم».(3)
وللإمام علي(عليه السلام) كلام في مورد التعاون نأتي بنصه، يقول: «أَأَقْنَعُ مِنْ نَفْسِي بِأَنْ يُقَالَ: هذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ؟! وَلاَ أُشَارِكُهُمْ فِي مَكَارِهِ

1 . الكافي:2/163.
2 . شرح أُصول الكافي:9/29.
3 . الوسائل:17، الباب42 من أبواب ما يكتسب به، الحديث16.

190
الدَّهْرِ، أَوْ أَكُونَ أُسْوَةً لَهُمْ فِي جُشُوبَةِ (خشونة) الْعَيْشِ! فَمَا خُلِقْتُ لِيَشْغَلَنِي أَكْلُ الطَّيِّبَاتِ».(1)
***
تمّت الرسالة صبيحة يوم السبت 5 جمادى الأُولى
من شهور عام 1440هــ
والحمد لله ربّ العالمين

1 . نهج البلاغة، قسم الرسائل، برقم 45.

191

فهرس المحتويات

   مقدّمة المؤلّف   7
مباحث تمهيدية
1. النهي عن الاستهزاء بالمؤمنين   19
2. النهي عن الطعن بالمؤمنين   21
3. النهي عن التنابز بالألقاب   22
4. النهي عن إساءة الظن بالمؤمنين   24
   الآثار السيّئة لسوء الظن   25
5. النهي عن تتبّع عيوب الآخرين   28
   الاستخبارات والأمن العام لصالح الأُمّة   29
6. النهي عن الغيبة   31
   ماهيّة الغيبة   32
   كفّارة الغيبة هي الاستغفار   33

192
   تظلّم المظلوم بإظهار ما فعل الظالم به   35
7. النهي عن الكذب   43
8. المشي على الأرض بسكينة ووقار   48
9. مقابلة خطاب الجاهلين بالسلام   54
10. إحياء الليل بالعبادة   58
11. الابتهال إلى الله لصرف عذاب جهنم   61
12. الاقتصاد في الإنفاق   66
13. الصبر والاستقامة في كافة المجالات   71
14. الخشوع في الصلاة   75
15. الإعراض عن اللغو   77
16. الوفاء بالعهد   79
17. التوقّف في الحكم في ما لا يعلم   82
18. التفسّح في المجالس    84
19. النهي عن النجوى في مجالس المؤمنين   89
20. الاجتناب عن الرياء والسُمعة   92
21. الحسد مكان الغبطة   98
22. كظم الغيظ والعفو عن الناس   103
23. حسن الخلق   107
24. الاجتناب عن رفاق السوء   112

193
25. اجتناب الجدال بالباطل   116
26. الاستئذان في الأوقات الثلاثة   119
27. حبّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فريضة دينية   123
28. حب ذوي القربى فريضة دينية   131
29. الاجتناب عن النفاق    135
30. النهي عن إنفاق الخبيث من المال   139
31. النهي عن أُمور ثلاثة في الصدقات   143
32. الأمر بالبر بالوالدين   147
   نظام الأُسرة في المجتمع الغربي   149
33. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر   153
   ما يدلّ على وجوب الفريضتين   154
   أسئلة وأجوبة   160
      أ. هل الفريضة واجب عيني أو كفائي؟   160
      ب. توهم التعارض بين الآيتين   164
      ج. الحرية والأمر بالمعروف   165
34. التقيّة كتاباً وسنّة   171
35. الاهتمام بأُمور المسلمين   187
فهرس المحتويات   191