\
welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : شبهات وردود/ج2*
تألیف :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

شبهات وردود/ج2

صفحه 1
شبهات وردود / ج 2
شبهات وردود
2
شبهات وردود
الجزء الثاني
دراسة موسّعة حول الوحي المحمّدي
والشريعة الإسلامية
تأليف
الفقيه المحقّق
جعفر السبحاني
نشر
مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
1436 ه
السبحاني التبريزي، جعفر ، 1308 ـ
شبهات وردود ج 2 / تأليف جعفر السبحانى. ـ قم ، 1394.
ص. ISBN: 978 - 600 - 93750 - -
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
كتابنامه به صورت زير نويس.
1. اسلام ـ ـ مقاله ها و خطابه ها . 2. كلام. الف. موسسه امام صادق عليه السلام. ب. عنوان.
9ج 2س 8/ 809 B 4/ 335
1394
اسم الكتاب : شبهات وردود / ج 2
المؤلف : الفقيه المحقّق الشيخ جعفر السبحاني

صفحه 2
المطبعة : مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
الناشــر : مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
التاريخ : 1394 ش ـ 1436 ه
الطبعة : الأُولى
الكميّة : 1000 نسخة
التنضيد والإخراج الفني : مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر: 891 تسلسل الطبعة الأُولى: 434
مركز التوزيع
قم، ساحة الشهداء، مؤسسة الإمام الصادق عليه السلام
تلفن: 37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
www.shia.ir
www.tohid.ir

صفحه 3

صفحه 4

صفحه 5

صفحه 6

صفحه 7
مقدّمة مدير المدرسة
مقدّمة مدير المدرسة
انّ استهداف العقيدة الإسلامية ليس أمراً محدثاً، بل بدأ مع بزوغ نور الإسلام، وهو مستمر الى يومنا هذا بمختلف الأساليب وشتّى الطرق.
انّ هذا النوع من الاستهداف مفيد من جانب ومضرّ من جانب آخر، فهو مفيد لأنّه يُنمي الأفكار ويدرّبها على الدفاع والبرهنة على صحّة العقيدة، ومضرّ لأنّه يسببُ تشويش أذهان البسطاء وعامّة الناس بايجاد الشبه والشكوك.
وبالرغم من وجود عملاء استهدفوا الإسلام عقيدة وتشريعاً، فانّ شجرة الإسلام كانت ومازالت تنمو وتكبر يوماً بعد يوم وتغطّي أجزاء كثيرة من المعمورة، وتتجذّر أُصولها في نفوس البشر وصدورهم وتعطي أُكلها كلّ حين.
انّ هذا الهجوم المستمر على الإسلام يفرض على العلماء أن يرصدوا هذه الشبه ويجيبوا عنها بعيداً عن التكفير والتفسيق، وأن يستخدموا منطق الإسلام السمح، ليثبتوا أنّ ما جاء به

صفحه 8
النبي صلي الله عليه و آله ثابت
كثبوت الجبال لا تزعزعه هذه العواصف.
انّ مَن سبر كتب التاريخ والحديث يجد أنّ أئمّتناعليهم السلام وعلماءنا الأعلام)رحمهم الله( كانوا يواجهون مثيري هذه الشبه والإشكالات بصدور رحبة بعيدة عن التشنّج والتعصّب الأعمى، ويناقشونهم في أدلّتهم وبراهينهم حسب الضوابط العلمية، ويقنعوهم بصحّة ما عليه العقيدة الإسلامية.
وفي العصر الحاضر قام أحد المراجع العظام ومفاخر الإسلام ـ أعني : سماحة آية الله العظمى الشيخ جعفر السبحاني )دام ظله( ـ بالإجابة عن هذه الشبهات بأحسن وجه، فألّف عدداً من المؤلّفات في هذا المضمار، وقد أدّى رسالته على أحسن وجه، مضافاً الى القاء دروس فقهية وأُصولية في الحوزة العلمية في قم المقدّسة، فقد ربّى ـ طيلة سنين ـ جيلاً من العلماء الواعين أصبحوا مصابيح هداية لجيل الشباب المسلم.
وكان شيخنا السبحاني من مصاديق قول الإمام الصادق عليه السلام :ûعلماء شيعتنا مرابطون في الثغر الذي بين ابليس وعفاريته يمنعونهم عن الخروج على ضعفاء شيعتنا وعن أن يتسلّط عليهم ابليس وشيعته والنواصب(1)
ومن حسن الحظ أنّ شيخنا الجليل يزور في صيف كلّ سنة

-1-. الاحتجاج للطبرسي1:/8.

صفحه 9
المرقد الطاهر للإمام الرؤوف علي بن موسى الرضا عليه السلام ويمكث في مشهد المقدّسة بضعة أيام، فانتهزت مدرستنا المباركة هذه الفرصة وتقدّمت الى سماحته بطلب القاء محاضرات في قاعة المدرسة، فلبّى ـ دام ظله ـ طلبنا وقد حضرها مجموعة كبيرة من طلّاب المدرسة وأفاضل الحوزة العلمية في مشهد المقدسة.
فما يجده القارى في هذا الكتاب الّذي تقدّمه ادارة المدرسة هو تدوين لتلك المحاضرات القيّمة في الدفاع عن الوحي والنبوّة.
ومن الجدير بالذكر أنّ الحضور كان واسعاً فقد اكتظت قاعة المحاضرات العامّة في المدرسة بالطلاب والأساتذة وهم ينصتون بوعي لما يلقيه الأُستاذ على مسامعهم، من بيان رصين مدعوم بالبراهين.
نشكر الله عزّ وجلّ على هذه النعمة الكبيرة وندعو لسماحة الأُستاذ العزيز بالتوفيق والسلامة وطول العمر.
انّه سميع مجيب
محمد رضا كاظمي
مدير مدرسة النواب العلمية
مشهد المقدّسة
صيف عام 1394 ش

صفحه 10

صفحه 11
دوافع الاستشراق
تمهيد
الحمد لله الّذي هدانا الى سواء السبيل; وصلّى الله على خير سليل من نسل ابراهيم الخليل، وعلى خلفائه المطهّرين المعصومين الموصوفين بكلّ جميل ما تعاقب الليل والنهار وكرّ الجديدان.
أمّا بعد; فانّ القرآن الكريم هو المعجزة الكبرى لنبينا الخاتم صلي الله عليه و آله وهو معجزة خالدة عبر الأجيال. الّا أنّ جماعة من الكتّاب المستشرقين أثاروا شبهات حول النبيّ نفسه وكتابه الجليل، حاولوا بها تشويه حقائقه وبالتالي تنصير المسلمين أو تضعيف عقائدهم، ولذلك أسّسوا دائرة منذ قرنين باسم الاستشراق حيث ظلّوا على هذه الحركة طوال القرنين الأخيرين.
ولأجل التعرّف على تاريخ الاستشراق ودور المستشرقين في البلاد الإسلامية نذكر مختصراً عن الاستشراق وتاريخه وآثاره الموبقة فنقول :

صفحه 12
الاستشراق مصطلح عربي لمعرفة الشرق والثقافات الشرقية.
بدأ الاستشراق في الأندلس في القرن السابع الهجري واستمرّ حتّى أُنشئت كلّيات لتدريس اللغات الشرقية في عواصم أُوروبا في مطلع القرن الثالث عشر الهجري، وكان الغرض الأوّل منها تزويد السلطات الاستعمارية بخبراء.
أنشأت الدول الاستعمارية عدّة مؤسسات في البلاد الإسلامية الّتي خضعت لنفوذها، وكان الهدف هو خدمة الاستشراق ظاهراً، ولكن الغرض الحقيقي هو خدمة الاستعمار والتنصير.
واشتهر في العهد الاستعماري عدد من المستشرقين الّذين قاموا باصدار مجلّات في جميع الدول الإسلامية، وجمعوا بشتّى الطرق المخطوطات العربية الإسلامية ونقلوها الى بلادهم بأعداد هائلة بلغت في أوائل القرن الثالث عشر الهجري )التاسع عشر الميلادي( مائتين وخمسين ألف مجلد من نوادر المخطوطات، وما زال العدد في تزايد حتّى يومنا هذا.
وقد عقد المستشرقون أوّل مؤتمر لهم في باريس عام 1290 ه ـ 1873 م، ثم توالت بعد ذلك المؤتمرات الاستشراقية الّتي تُلقى فيها البحوث والدراسات عن الشرق وأديانه وحضاراته، وما تزال مثل هذه المؤتمرات تُعقد الى يومنا هذا.

صفحه 13
دوافع الاستشراق
انّ للاستشراق دوافع مختلفة نشير الى بعضها :
الدافع الديني
بدأ الاستشراق بالرهبان واستمرّ كذلك حتّى العصر الحاضر، فكثير من المستشرقين تخصّصوا في الدراسات اللاهوتية المتعلّقة بالتوراة والانجيل، وأُعدّوا اعداداً خاصّاً للقيام بمهمّة دراسة الإسلام والمسلمين لأهداف تنصيرية.
الدافع الاستعماري والسياسي
ترتبط ظاهرة الاستشراق ارتباطاً عضوياً بظاهرة الاستعمار، فلكلّ الدول الاستعمارية مؤسّسات استشراقية، وعندما فشلت الحروب الصليبية في تحقيق أهدافها الدينية والسياسية في العصور الوسطى، عاد الأُوروبيون مرّة أُخرى الى الشرق في ثوب الاستشراق واتّجهوا الى دراسة كلّ شؤون البلاد الشرقية ليتعرّفوا على مواطن القوّة فيها فيقضوا عليها، ومواطن الضعف فيغتنموها، وكان كثيرٌ من المستشرقين ـ وما زالوا ـ يعملون مستشارين لحكوماتهم في التخطيط لسياساتها الاستعمارية والتنصيرية في الشرق الإسلامي .

صفحه 14
الدافع التجاري
حرص بعض الغربيين على تشجيع الاستشراق الّذي يعينهم على معرفة أحوال الشرق الاقتصادية لترويج بضائعهم وشراء موادّ الشرق الطبيعية ـ المواد الخام ـ ومنافسة الصناعات المحلّية الّتي كانت لها مصانع مزدهرة في مختلف البلدان الإسلامية .
الى غير ذلك من الدوافع.
أهم محاور شبهات المستشرقين
أهم مؤلّفات المستشرقين
1. دائرة المعارف الإسلامية، صدرت في الفترة من 1332 ـ 1357 ه / 1913 ـ 1938 م، وظهرت لها طبعة جديدة في الفترة 1365 ـ 1397 ه / 1945 ـ 1977 م .
2. المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي الشريف، في ثمانية مجلدات، وشمل الكتب الستة المشهورة، بالإضافة الى سنن الدارمي ومسند الإمام أحمد بن حنبل وموطأ الإمام مالك، رتّبه ونظّمه لفيف من المستشرقين ونشره الدكتور أ. ي. فينْسنك.
3. مفتاح كنوز السّنة، تأليف الدكتور أ. ي. فينْسنك. وضعه للكشف عن الأحاديث النبوية الشريفة المدوّنة في كتب أربعة عشر اماماً.

صفحه 15
4. تاريخ الأدب العربي، ومؤلّفه كارل بروكلمان. (1)
***
أهم محاور شبهات المستشرقين
وبعد هذه الإلمامة المختصرة عن الاستشراق سنقوم في محاضراتنا هذه بدراسة شيء من هذه الشبهات ونردّ عليها على ضوء العقل الحصيف والتاريخ الصحيح.
انّ التشكيك من جانب المستشرقين في نبوّة النبيّ الأكرم صلي الله عليه و آله يتلخّص في مقامات :
المقام الأوّل: في تفسير الوحي المحمّديّ وحقيقة نبوّته.
المقام الثاني: شبهات حول مفاهيم القرآن الكريم.
المقام الثالث: الاعتراضات اللغوية على القرآن الكريم.
المقام الرابع: توهم أنّ القرآن من صنع النبيّ الأكرم صلي الله عليه و آله .
المقام الخامس: توهّم تفضيل البنين على البنات جرياً على العادة العربية.
المقام السادس: ما هو السرّ في زواجه بزينب بنت جحش؟
المقام السابع: الشريعة الإسلامية شريعة غير عقلانية.

-1-. استقينا هذه الفذلكة من الموسوعة العربية العالمية. لاحظ : الجزء الأوّل ص712 ـ 713 .

صفحه 16
الختام: الاستدلال بالقرآن والسنّة على عصمة الأئمة .
وألقينا في الجزء الأوّل عشر محاضرات تناولنا فيها الردّ على شبهات تتعلق بالمعاد الجسماني، والسعادة والشقاء الذاتيين والارتداد ونظام الرق في الإسلام. وأسميناه ب «شبهات وردود ».
وهذا هو الجزء الثاني منه يبحث في أهم محاور شبهات المستشرقين والُقيتْ في المشهد الرضوي أيضاً، على ساكنه آلاف التحية والثناء عام 1436 ه .
ولله الحمد

صفحه 17
المقام الأوّل :
في تفسير الوحي المحمّديّ
ذهب غير واحد من المستشرقين الى أنّ حقيقة الوحي المحمّديّ ليس الّا أنّه حصيلة النبوغ. وحاصل كلامهم: أنّ النبيّ الخاتم كان أحد النوابغ وكان له فطرة سليمة وعقل مشرق هداه الى بيان ما فيه صلاح الاجتماع وسعادة الإنسان، ولا صلة لما جاء من الأُصول والفروع الى عالم الغيب ; ولأجل ذلك لابدّ لنا من تفسير الوحي أوّلاً، ثم نقد تفسير كون الوحي نتيجة النبوغ عند نبينا صلي الله عليه و آله .
انّ الإدراكات العادية الّتي يحصّلها الإنسان عن طريق الحسّ أو عن طريق التفكّر والاستدلال، هي نتاج أدوات المعرفة الحسيّة والعقلية، فادراك المبصرات والمسموعات وغيرها، رَهْنُ اعمال الحواس. كما أنّ الوقوف على الأُصول الفلسفية والعلمية، نتاج اعمال الفكر والعقل، فانّ قولنا: «كلُّ ممكن، فهو زوج تركيبي له ماهية ووجود»، أو: «انّ كلَّ معلول يحتاج الى علّة»، لم نقف عليه

صفحه 18
الّا بالرياضات الفكرية، وهكذا الحال في القوانين العلمية.
كما أنّ هناك ادراكات تنبع من صميم الذات ويطلق عليها الوجدانيات، أو الفطريات. كادراك حسن الأشياء وقبحها، وادراك الإنسان جوعه وعطشه، فانّ الجميع من ومضات الفطرة والغريزة، ونظير ذلك ما يبدعه الذوق من الفنون والآداب والرسوم والأعمال اليدويَّة الظريفة، فانّها كلّها من وحي الذوق والغريزة اذا وقعت في اطار التربية والتوجيه.
وبالجملة، فانّ كلَّ ما يدركه الإنسان; نتاجُ أدوات المعرفة بأشكالها المختلفة، حسيّة كانت أو عقلية أو وُجدانية.
وأمّا الوحي الّذي يختصّ به الأنبياء، فانّه ادراك خاص متميّز عن سائر الإدراكات، فانّه ليس نتاج الحسّ ولا العقل ولا الغريزة، وانّما هو شعور خاص، لا نعرف حقيقته، يوجده الله سبحانه في الأنبياء. وهو شعور يغاير الشعور الفكري المشترك بين أفراد الإنسان عامّة، لا يغلط معه النبي في ادراكه، ولا يشتبه، ولا يختلجه شكّ ولا يعترضه ريب في أنّ الّذي يوحي اليه هو الله سبحانه، من غير أن يحتاج الى اعمال نظر، أو التماس دليل، أو اقامة حجّة، ولو افتقر الى شيء من ذلك، لكان اكتساباً عن طريق القوّة النظرية، لا تلقّياً من الغيب، من غير توسيط القوّة الفكريّة.
قال سبحانه: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ(1)

-1-. الشعراء: 193 و 194.

صفحه 19
فهاتان الآيتان تشيران الى أنّ الّذي يتلقّى الوحي من الروح الأمين هو نفس النبي الشريفة قَلْبِكَ، من غير مشاركة الحواس الظاهرة، الّتي هي الأدوات المستعملة في ادراك الأُمور الجزئية. فالنبيّ يرى ويسمع حينما يوحى اليه، من غير أن يستعمل حاسَّتَيِ البصر والسمع.
قال سبحانه: وَ اِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَات قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآن غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي اِنْ أَتَّبِعُ اِلاَّ مَا يُوحَى اِلَيَّ اِنِّي أَخَافُ اِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْم عَظِيم * قُلْ لَوْ شَاءَ اللهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَ لاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ(1)
فالأنبياء كلّهم يُسندون تعاليمهم وتنبّؤاتهم الى هذا النوع من الإدراك، الّذي لا مصدر له الّا عالم الغيب، وخالق الكون، ومثل هذا لا يمكن أن يُدْرَكَ كُنْهُه، بل يجب الإيمان به كما هو شأن كلِّ أمر غيبي لا يحيط الإنسان المادّي بحقيقته، وانّما يذعن به عن طريق المُخبِر الصادق، قال سبحانه: الَّذِينَ يُوْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ(2)
وعلى هذا، فالوحي حصيلة الإتّصال بعالم الغيب، ولا يصحّ

-1-. يونس: 15 و 16.
-2-. البقرة: 3.

صفحه 20
تحليله بأدوات المعرفة ولا بالأُصول الّتي تَجَهَّزَ بها العلمُ الحديث.
ولمّا كان العالِمُ المادّيُّ غيرَ مذعن بعالَم الغيب، ويرى أنّ الوجود مساوقٌ للمادة والطاقة، فيشكل عليه الإذعان بهذا الإدراك الّذي لا صلة له بعالم المادّة وأُصوله.
اذا عرفت حقيقة الوحي فاعلم أنّ بعض المستشرقين والجُدد من المسلمين يفسّرون نبوّة النبيّ الخاتم عن طريق النبوغ، وأنّه بنبوغه وضع قوانين فيها مصلحة المجتمع وعمران الدنيا.
أقول: انّ تفسير الوحي المحمّدي عن طريق النبوغ ليس تفسيراً جديداً وان صبغ في قالب علمي جديد، فانّ جذوره تمتد الى عصر ظهور الإسلام حيث كان العرب في العصر الجاهلي يحسّون بعلوّ شأن القرآن وبلاغته الخلّابة، فينسبونه الى الشعر الّذي كان رائجاً بينهم، ويتبارز فيه النوابغ منهم، فكانوا يقولون: بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَة كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ(1)
ويردّ عليهم القرآن الكريم بقوله: وَ مَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِر قَلِيلاً مَا تُوْمِنُونَ)(2
وبقوله : وَ مَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَ مَا يَنْبَغِي لَهُ اِنْ هُوَ اِلاَّ ذِكْرٌ وَ قُرْآنٌ مُبِينٌ(2)

-1-. الأنبياء : 5.2 . الحاقة: 41.
-2-. يس: 69.

صفحه 21
ومع ذلك يلاحظ عليه :
أولاً : أنّ العودة الى هذه النظرية من بعض المسلمين تنبع من الإحساس بالصَّغار أمام الحضارة المادّية المُدهشة، المقترنة بأنواع الإكتشافات والإختراعات في مجال الطبيعة، والقائلون بها جماعة من متجدّدي المسلمين، انسحبوا أمام هذه الحضارة ناسين شخصيتهم الإسلامية، فلجأوا الى تفسير عالم الغيب والنبوّة والدين والوحي بتفسيرات ملائمة لُصول المادية، حتى يَجْبرُوا مركّب النقص في أنفسهم من هذه الزاوية، ويصيحوا على رؤوس الأشهاد بأنّ أُصول الدين لا تخالف الأُصول العلمية الحديثة.
ولو صحّت هذه النظرية، في مورد نبي الإسلام لصحّت في مورد عامّة الأنبياء، وعندئذ لم يَبْقَ من الإعتقاد بالغيب الّا شيء واحد، وهو الإعتقاد بوجود الخالق البارى، وأمّا ما سوى ذلك، فكلُّه بأجمعه نتاج الفكر الإنساني الخاطى، وبالنتيجة لا يبقى اذعان بشيء ممّا أتى به الأنبياء من الأُصول والمعارف في الدنيا والآخرة. وهذا في الواقع نوع انكار للدين، لكن بصورة لا تخدش العواطف الدينية.
وثانياً : لو كان لهذه النظرية مسحة من الحق أو لمسة من الصدق، فما لنا لا نرى حملة الوحي ومدّعي النبوّة ينسبون بشيء من ذلك، بل نراهم على العكس، ينسبون تعاليمهم وسننهم الى الله

صفحه 22
سبحانه، ولا يدّعون لأنفسهم شيئاً.
وثالثاً : أنّ القرآن الكريم ـ الّذي جاء به النبيّ الخاتم ـ يصرّح بأن كلَّ ما حوى من الحقائق والقوانين، هو مّما أوحى به الله سبحانه، وليس من تلقاء نفسه :
اِنْ أَتَّبِعُ اِلاَّ مَا يُوحَى اِلَيَّ(1)
اِنْ هُوَ اِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى.(2
ولا يشكّ أحد في أنّ الأنبياء عبادٌ صالحون، صادقون لا يكذبون ولا يفترون، فلو كانت السنن الّتي أتوا بها من وحي أفكارهم، فلماذا يغرّون المجتمع بنسبتها الى الله تعالى. فهذه النسبة، ان دلّت على شيء، فانّما تدلّ على أنّهم كانوا يجدون في أنفسهم أنّ ادراكَ هذه السنن والمعارف، ادراك وراءَ الشعور الفكريّ المشترك بين جميع أفراد الإنسان، وأنّ الطريق الّذي يصلون به اليها، غيرُ طرق الإدراك المألوفة.
مصلح سماوي ومصلح أرضي
انّا نرى في المجتمع الإنساني طائفتين من رجال الإصلاح والصلاح، كل ى يدّعي سَوْقَ المجتمع الى السعادة :
طائفة ـ ولهم جذور عريقة في التاريخ ـ ينسبون تعاليمهم

-1-. الأنعام: 50.2 . النجم: 4.

صفحه 23
وسننهم الى عالم الغيب، ويثبتون لأنفسهم مقام الرسالة والسفارة،
وأنّهم ليس لهم شأن سوى كونهم وسائط لإبلاغ أمر الله ونهيه.
وطائفة أُخرى ـ مع اتّصافهم بالصلاح والسداد والسعي وراء الصالح العام ـ ينسبون تعاليمهم الى قرائحهم وبدائع أفكارهم، ويعلّلون مبادئهم ببراهين اجتماعية أو تاريخيّة أو عقلية، ولا يتجاوزون هذا الحدّ قدر شعرة.
فلو كانت الطائفتان صادرتين عن أصل واحد، وتستقيان من عين واحدة، فلماذا لم تَدّع ثانيتهما ما ادّعته الأُولى؟
وبعبارة أُخرى: شهد التاريخ بوجود صنفين من المصلحين الصالحين يحاولون اصلاح المجتمع وتحليته بالفضائل وتخلّيه عن الرذائل، ولكلّ نيّات خالصة، لكنّ أحد الصنفين ينسب تعاليمه الى السماء، والآخر ينسب تعاليمه الى نفسه وفكره.
فالصنف الأوّل هم الأنبياء الّذين لا شأن لهم الّا ابلاغ رسالات الله الى الناس ودعوتهم اليه .
وأمّا الصنف الثاني وهم المصلحون في كلّ قرن وعصر يحاولون دفع المجتمع الى ما فيه صلاحهم دون أن يدعوا الناس الى الانتماء الى الله سبحانه، وهذا نظير سقراط ومن يليه، وفي عصرنا يمكن الإشارة الى المصلح الهندي «غاندي»، فعلى الإنسان الواعي أن يميّز بين الصنفين ولا يصف الجميع بوصف واحد.

صفحه 24
انّ الأنبياء يخبرون عن الحوادث المستقبلية، انباءً لا يخطى تحقّقه أبداً. بينما لا يجرأ نابغة من نوابغ المجتمع أو المصلح على الإنباء بنزول العذاب قطعاً بعد أيام ثلاثة، ويقول: تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّام ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوب(1)
والنبيّ الخاتم يخبر بهزيمة جيوش دولة عظمى في مدّة لا تزيد على تسع سنين ويقول: الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنى الأَرْضِ وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ...(2) فقد انتصر الروم في حربهم مع الفرس في مدّة لا تتجاوز تسع سنين، فما هو مصدر هذا الخبر الغيبي على وجه الجزم.
انّ النوابغ وان سَمَوْا في الذكاء والفطنة، لا يخبرون عن الحوادث المستقبلية الّا مع الإحتياط والترديد، لا بالقطع واليقين، وأمّا رجالات السياسة، اللاعبين بحبالها لمصالحهم الشخصية، سواء صدقت تنبّؤاتُهم أم كذبت، فانّ حسابَهم غيرُ حساب النوابغ.
والحاصل: أنّ بين حياة النوابغ، وحياة الأنبياء بوناً شاسعاً، فالطائفة الأُولى تتواجد في المعاهد والمراكز العلمية، بخلاف الأنبياء العظام، فهم بعيدون عنها، وفي الوقت نفسه، يهدون الأُمة بفضل الوحي الى السعادة الدنيوية والأُخروية .

-1-. هود: 65.
-2-. الروم: 1 ـ 4. والبضْع في العدد من ثلاثة الي تسعة.

صفحه 25
المقام الثاني :
شبهات حول مفاهيم القرآن الكريم
اعتراضات حول مضامين الآيات
تعرّض القرآن الكريم لمختلف الشؤون ، فبحث في الإلهيات والنبوّات، وسياسة المدن ونظم المجتمع، وقواعد الأخلاق وقوانين السلم والحرب، كما وصف الموجودات السماوية والأرضية، واستعرض قصص الأنبياء، فلا تجد في معارفه العالية، وحكمه السامية، وأخباره عن الأُمم الماضية اختلافاً، وهذا يدلّ على أنّ القرآن ليس نتاج تفكير بشريّ، بل هو كتاب نزل عبر 23 عاماً من عند الله العزيز الحكيم.
ولقد أرشد سبحانه الى هذا الجانب من وجوه اعجاز القرآن في قوله سبحانه: أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرا (1) .

-1-. النساء: 82 .

صفحه 26
غير أنّ بعض المستشرقين زعم أنّ في بعض مضامين القرآن اختلافاً وتناقضاً، ونذكر هنا بعض ما زعموه، ثمّ نجيب عنه واحداً بعد واحد :
قصة الصلب
اتّفق المسلمون ـ الّا من شذّ ـ على أنّ المسيح عليه السلام لم يُصلب ولم يُقتل، بل رفعه الله اليه كما قال: وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَاِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَك مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْم اِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا * بَلْ رَفَعَهُ اللهُ اِلَيْهِ(1) وأنّه حيّ ينزل في آخر الزمان
عند ظهور المهديِّ )عجل الله فرجه الشريف(، وهذا هو البخاري ينقل قوله صلي الله عليه و آله : كيف أنتم اذ نزل ابن مريم فيكم وامامكم منكم(2)
مع أنّ ظاهر بعض الآيات خلاف ذلك قال: اِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى اِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ اِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا اِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (3) .
فانّ معنى: مُتَوَفِّيكَ: أي مميتك.

-1-. النساء: 157 ـ 158 .
-2-. صحيح البخاري: 4 / 143، باب نزول عيسي بن مريم .
-3-. آل عمران: 55 .

صفحه 27
ونظيرها قوله سبحانه: مَا قُلْتُ لَهُمْ اِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْء شَهِيدٌ(1) .
فقوله: تَوَفَّيْتَنِي يحكي عن اماتة الله ايّاه .
الجواب :
انّ أساس الشبهة نشأت من توهّم البعض بأنّ التوفّي في لغة العرب بمعنى الإماتة وقبض الروح، فزعم أنّه ينافي ما عليه المسلمون تبعاً لقوله سبحانه: وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ... بَلْ رَفَعَهُ اللهُ اِلَيْهِ بل هو بمعنى الأخذ يقال: توفّيت المال منه واستوفيته: اذا أخذتَه كلّه. (2)
وهو يتحقّق تارة بالإماتة، وأُخرى بالنوم، وثالثة بالأخذ من الأرض والرفع من عالم الدنيا الى عالم آخر.
ومحاورات القرآن الكريم بنفسها كافية في ذلك .
1. قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ(3) ترى أنّه سبحانه وصف الإنامة بالتوفّي، باعتبار أخذ الروح
من النائم، لا قبض الروح تماماً.
2. قال تعالى: اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالتي لَمْ تَمُتْ

-1-. المائدة: 117 .
-2-. لسان العرب: مادة وفي».
-3-. الأنعام: 60 .

صفحه 28
فِي مَنَامِهَا(1) والموصول ـ أعني: الّتي ـ عطف على الأنفس والعامل
فيهما واحد، فلو كان «التوفّي» بمعنى الموت لم ينسجم معنى الآية، اذ عندئذ يكون معناها: الله يميت الأنفس حين موتها، ويميت الّتي لم تمت في منامها.
3. وجاء في ذيل نفس الآية .
فَيُمْسِكُ التي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرى اِلَى أَجَل مُسَمى (2) . ترى أنّه سبحانه يُقسّم توفّي الأنفس الى قسمين :
الف. يمسك الّتي قضى عليها الموت، فتموت.
ب. ويرسل الأُخرى الى أجل مسمّى، فتبقى على حياتها .
4. قال تعالى: وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَاِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً (3) فلو كان التوفّي
بمعنى الإماتة، يكون معنى الآية حتّى يميتهن الموت، وهذا ما لا يقول به أحد يفهم شيئاً من العربية، فلا محيص من أخذ التوفّي بمعنى الأخذ.
وأمّا معنى قوله سبحانه: اِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ اِلَيَّ: أي

-1-. الزمر: 42 .
-2-. الزمر: 42 .
-3-. النساء: 15.

صفحه 29
آخذك
من بين أيدي اليهود ومخلّصك منهم ثم رافعك اليّ. وعلى هذا فالمسيح مرفوع الى الله، لا مقبوض.
2. شبهة رؤية الله
دلّت الآيات القرآنية على امتناع رؤية الله سبحانه وأفضل آية تدلّ على ذلك قوله سبحانه: لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ(1) .
وربّما يقال: الظاهر من قوله سبحانه: وُجُوهٌ يَوْمَئِذ نَاضِرَة * اِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذ بَاسِرَة * تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَة(2) . أي الظاهر من قوله :اِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة هو رؤية الله سبحانه .
أقول: خلط المستدلّ بالآية بين نظر رؤية، ونظر انتظار وتوقّع. فيوم القيامة تكون الأنظار متوجهة اليه سبحانه لكنّها نظرة توقّع وانتظار عميم رحمته، ونِعَمه)عظمت آلاؤه(. فالنظر انّما هو الى ربّهم كيف يُثيبهم الى ما وعدهم من المثوبة في جنّة عدن .
قال الزمخشري: و «الناضرة» من نضرة النعيم. اِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة تنظر الى ربّها خاصّة ولا تنظر الى غيره. والمراد: نظر توقّع

-1-. الأنعام: 103 .
-2-. القيامة: 22 ـ 25 .

صفحه 30
ورجاء، كقولك: أنا الى فلان ناظر ما يصنع بي، تريد معنى التوقّع
والرجاء، ومنه قول القائل :
واذا نظرتُ اليك من مَلِك والبحرُ دونك زدتنى نِعَماً
قال: وسمعت سروية مستجدية بمكّة وقت الظهيرة حين يغلق الناس أبوابهم ويأوون الى مقايلهم تقول: عُيينتي نُوَيظرة الى الله واليكم ـ أي رجائي الى الله واليكم ـ والمعنى: أنّهم لا يتوقّعون النعمة والكرامة الّا من ربّهم، كما كانوا في الدّنيا لا يخشون ولا يرجون الّا ايّاه.(1)
أقول: والّذي يبطل الاستدلال هو أنَّ النظر سواء أكان بمعنى الرؤية أم بمعنى الانتظار لا يدلّ على أنَّ المراد هو الرؤية الحقيقية، ويُعلم ذلك بمقارنة بعض الآيات المذكورة ببعضها، وعندئذ يرتفع الإِبهام عن وجهها. واليك تنظيم الآيات حسب المقابلة :
أ ـ وُجُوهٌ يَوْمَئِذ نَاضِرَة يقابلها قوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذ بَاسِرَة.
ب ـ اِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة يقابلها قوله: تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَافَاقِرَة.

-1-. تفسير الكشّاف4:/192. ولاحظ: التمهيد في علوم القرآن لمحمد هادي معرفة :293 ـ 294 .

صفحه 31
ولا شكّ أَنَّ الفقرتين الأُوليين واضحتان جدّاً، وانما الكلام في الفقرة الثالثة فيجب رفع ابهامها عن طريق الفقرة الرابعة الّتي تقابلها.
وبما أَنّ المراد من الفقرة الرابعة هو أنَّ الطائفة العاصية الّتي عبّر
عن صفتها بكونها ذات وجوه باسرة، تظن وتتوقع أنْ ينزل بها عذاب يكسر فقارها ويقصم ظهرها، يكون ذلك قرينة على المراد من الفقرة الثالثة، وهو أنّ الطائفة المطيعة ذات وجوه ناضرة تتوقع عكس ما تتوقعه الطائفة الأُولى، وتنتظر فضله وكرمه. هذا هو الّذي يستظهره الذهن المجرّد عن كلّ رأي مُسْبَق، من مقابلة الآيتين.
وبعبارة أُخرى: لا يصحّ لنا تفسير الفقرة الثالثة الا بضد الفقرة الرابعة. فبما أنَّ الفقرة الرابعة صريحة في أَنَّ المراد توقع العُصاة العذابَ الفاقر، يكون المراد من الفقرة الثالثة توقع الرحمة والفضل والكرم حتى ولو كان النظر بمعنى الرؤية، ولكن ليست كلّ رؤية معادلة للرؤية بالأبصار، بل ربّما تكون الرؤية كناية عن التوقّع والانتظار مثلاً يقال: «فلان ينظر الى يد فلان» ويراد أنّه رجل معدم محتاج ليس عنده شيء واِنّما يتوقّع عطاء الشخص، فما أَعطاه مَلكَه وما منعه حُرِم منه. وهذا ممّا درج عليه الناس في محاوراتهم العرفية ويقال: «فلان ينظر الى الله ثم اليك». فالنظر وان كان هنا بمعنى الرؤية لا الانتظار، ولكنّه كناية عن توقّع رحمته سبحانه

صفحه 32
أولاً، وكرم الشخص المأمول ثانياً كما يقال: «يتوقّع فضل الله سبحانه ثم كرمك».
والآية نظير قول القائل:
اني الَيْكَ لِما وَعَدْتَ لَناظِرٌ نَظَرَ الفَقير الى الغَنِيّ المُوسِرِ
فمحور البحث هو المراد من النظر في المقام توقّع الرحمة وحصولها أو عدم توقّعها وشمولها، فالطغاة يظنون شمول العذاب، والصالحون يظنون عكسه وضده، وأما رؤية الله سبحانه ووقوع النظر الى ذاته فخارج عمّا تهدف اليه الآية. هذا هو مفتاح حلّ الشبهة المتوهمة في الآية. فتفسير الآية برؤية ذاته غفلة عن القرينة الموجودة فيها.(1)
***
شبهة التسمية بأحمد
من الشبهات الّتي أثارها المستشرقون حول نبوّة النبيّصلي الله عليه و آله هي أنّ الّذي أخبر عن نبوّته المسيح عليه السلام هو المسمّى بأحمد، كما ينقله القرآن الكريم في قوله تعالى: وَاِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي اِسْرَائِيلَ انِّي رَسُولُ اللهِ اِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ

-1-. الإلهيات علي هدي الكتاب والسنة والعقل: 2 / 133 ـ 134 .

صفحه 33
وَمُبَشِّرا بِرَسُول يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ(1).
بينما نرى أنّ رسول الإسلام هو المسمّى بمحمّد، كما ورد في غير واحدة من الآيات، نظير قوله تعالى: وَمَا مُحَمَّدٌ اِلاَّ رَسُول قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَاِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ
عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ(2)
والجواب: من عدة جهات :
الأُولى: روى الحلبي في سيرته أنّ عبد المطلب أسمى نبينا بـ«محمّد» ولكن أُمّه سمّته «أحمد(2) كما أنّ عمّه أبا
طالب الذي تكفّل برعايته بعد وفاة جدّه وهو في عمر ثمان سنين، أسماه في بعض قصائده)أحمد(، واليك ما قاله في هذا المجال :
ان يكن ما أتى أحمد اليوم سناء وفي الحشر دينا
وقال :
وان كان أحمد قد جاءهم به حقّ ولم يأتهم بالكذب)4(

-1-. الصف: 6 .2 . آل عمران: 144 .
-2-. السيرة الحلبية1:/93ـ 100.4 . ديوان أبي طالب: 29.

صفحه 34
وقال :
أرادوا قتل أحمد ظالموه وليس بقتلهم فيهم زعيم(1)
وروى الآخرون عنه الأبيات التالية :
لقد أكرم الله النبي محمّداً فأكرم خلق الله في الناس أحمدُ(2)
وقال :
لعمري لقد كلّفت وجداً بأحمد وأحببته حبّ الحبيب المواصلِ(3)
وقال:
فأصبح فينا أحمد في أرومة تقصّر عنه سورة المتطاولِ(4)
وأمّا شاعر صدر الإسلام حسّان بن ثابت، فقد أنشد قائلاً :
مفجّعة قد شقّها فقدُ أحمد فظلّت لآلاء الرسول تعدِّدُ

-1-. ديوان أبي طالب: 29 .
-2-. تاريخ ابن عساكر1:/275; تاريخ الخميس1:/254.
-3-. سيرة ابن هشام1:/279.
-4-. سيرة ابن هشام1:/280.

صفحه 35
أطالت وقوفاً تذرف الدمع جهدَها على طلل القبر الذي فيه أحمدُ(1)
وقال أيضاً :
فمن كان أو من يكون كأحمد نظام لحق أو نكال لملحد(2)
هذه نماذج من الأشعار التي ذكر فيها اسم النبي صلي الله عليه و آله بـ«أحمد»، والمتتبع يجد أكثر ممّا ذكرناه.(3)
الثانية: أنّ بعض البطارقة أو القساوسة، قد زاروا النبيّ الأكرم صلي الله عليه و آله في المدينة المنوّرة، خصوصاً في أمر المباهلة ولم يعترضوا عليه بأنّ ما بشّر به الإنجيل هو أحمد، وهذا يدلّ على أنّ النبيَّ كان كبعض الأنبياء ذا اسمين، وليس هذا أمراً بديعاً، اذ يوجد من الأنبياء من لهم اسمان، كيعقوب، والمسيح، ويونس، فلكلّ اسم آخر)على الترتيب( : اسرائيل، وعيسى، وذو النون.
الثالثة: روى الشيخ الطوسي في «التبيان»: عن الإمام علي عليه السلام:

-1-. ديوان حسان بن ثابت59:، طبعة بيروت، تحقيق عزت نصرت الله.
-2-. ديوان حسان بن ثابت56:.
-3-. لاحظ المصادر التالية: مجمع البيان3:/387، بحارالأنوار2:/259; بلوغالإرب2:/284; مفاهيم القرآن3:/509ـ516.

صفحه 36
سمّى الله تعالى النبي صلي الله عليه و آله في القرآن بسبعة أسماء(1)
وروى الصدوق في خصاله(2) أنّ لرسول الله عشرة أسماء :
خمسة منها في القرآن، وخمسة ليست في القرآن. فأمّا التي في القرآن : محمّد، أحمد، عبد الله، يس، ن; وأمّا التي ليست في القرآن: فالفاتح، الخاتم، الكافّ، المقفّي، الحاشر.
وروى الصفّار بسنده عن الكلبيّ(3) عن أبي عبد الله عليه السلام قال :
«قل لي: كم لمحمد من اسم في القرآن؟» قال: قلت: اسمان أو ثلاثة، فقال :«يا كلبيّ له عشرة أسماء وَ مَا مُحَمَّدٌ اِلاَّ رَسُول قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ، و مُبَشِّرا بِرَسُول يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ، و لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدا، و طَهَ * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى، و يَس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * اِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم، و ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُون، و يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، و يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، و قَدْ أَنْزَلَ اللهُ اِلَيْكُمْ ذِكْرا *رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللهِ، فالذكر اسم من أسماء محمد صلي الله عليه و آله، ونحن أهل الذكر، فسل يا كلبيّ عمّا بدا لك».

-1-. التبيان2:/475.
-2-. الخصال2:/48.
-3-. بصائر الدرجات2:/470، الحديث1828، طبعة دار جواد الأئمة، 1428ه .

صفحه 37
ومفهوم الحديثين واضح فانّ المراد من الاسم فيهما أعمّ من الصريح والمؤوّل ومن العلَم والوصف، فانّ بعض ما عدّ اسماً له صلي الله عليه و آله لا يعدو عن كونه وصفاً له، كالمدّثّر والمزّمّل، كما أنّ عدّ الحروف
المقطّعة علَماً له، انّما هو بالتأويل المخصوص علمه لهم عليهم السلام، فلاحظ.
***
امتناع القيام بالعدالة بين الزوجين
اتّفق المسلمون تبعاً لقوله تعالى: فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَاِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً (1) على
تعليق تشريع التعدّد، بعدم الخوف من عدم الالتزام بالعدالة، ومعنى ذلك أنّه يجوز للرجل اختيار أزيد من زوجة واحدة اذا لم يخف من عدم الالتزام بها.
هذا ولكن الظاهر من قوله : وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَاِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَاِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورا رَحِيما(2) ، عدم امكان الالتزام
بالعدالة عملاً.

-1-. النساء: 3.
-2-. النساء: 129 .

صفحه 38
ومعنى ذلك: أنّ تحصيل الشرط وهو حفظ العدالة أمر غير ممكن، ولازم ذلك لغوية التشريع الأوّل .
الجواب: أنّ هذه الشبهة ليست شبهة جديدة وانّما هي شبهة اخترعها ابن أبي العوجاء، واليك تقريب الشبهة بلسانه حيث خاطب
هشام بن الحكم وقال: فأخبرني عن قوله عزَّ وجلَّ: فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَاِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أليس هذا فَرْضاً؟ قال: بلى.
قال: فأخبرني عن قوله عزَّ وجلَّ: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ: أي حكيم يتكلّم بهذا؟ فلم يكن عنده جواب، فرَحل الى المدينة الى أبي عبدالله عليه السلام، فقال: «يا هِشامَ، في غير وقت حَجّ ولا عُمْرَة»؟ قال : نعم ـ جُعلت فداك ـ لأمر أهمّني، انّ ابن أبي العَوْجاء سألني عن مسألة لم يكن عندي فيها شيءٌ، قال: «وما هي»؟ قال: فأخبره بالقِصّة، فقال له أبو عبدالله عليه السلام: أمّا قوله عزَّ وجلَّ: فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَاِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً يعني في النَفَقَة. وأمّا قوله: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ يعني في المَوَدَّة(1)

-1-. البرهان في تفسير القرآن: 3 / 243 ـ 244 .

صفحه 39
يقول السيد الطباطبائي: انّ العدل بين النساء بحقيقة معناه، وهو اتّخاذ حاق الوسط حقيقة ممّا لا يستطاع للإنسان ولو حرص عليه، وانّما الّذي يجب على الرجل أن لا يميل كلّ الميل الى أحد الطرفين وخاصّة طرف التفريط فيذر المرأة كالمعلّقة لا هي ذات زوج فتستفيد
من زوجها، ولا هي أرملة فتتزوج وتذهب لشأنها.
فالواجب على الرجل من العدل بين النساء أن يسوّي بينهن عملاً بايتائهن حقوقهن من غير تطرّف، والمندوب عليه أن يحسن اليهن، ولا يظهر الكراهة لمعاشرتهن ولا يسيء اليهن خُلقاً، وكذا كانت سيرة رسول الله صلي الله عليه و آله .
وهذا الذيل أعني قوله: فَلاَ تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ هو الدليل على أنّ ليس المراد بقوله: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ نفي مطلق العدل حتّى ينتج بانضمامه الى قوله تعالى: فَاِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً الغاء تعدّد الأزواج في الإسلام كما قيل.
وذلك أنّ الذيل يدلّ على أنّ المنفيّ هو العدل الحقيقي الواقعي من غير تطرّف أصلاً بلزوم حاق الوسط حقيقة، وأنّ المشرّع هو العدل التقريبي عملاً من غير تحرّج.(1)
***

-1-. الميزان في تفسير القرآن: 5 / 101 ـ 102 .

صفحه 40
فقدان الصلة بين الشرط والجزاء
قال سبحانه: وَاِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَاِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنى أَلاَّ تَعُولُوا(1).
يقول القائل: أي صلة بين الشرط والجزاء حيث علّق تعدّد الزوجات بعدم الخوف في اجراء القسط في اليتامى .
أقول: وهذه الشبهة أبدعها الملاحدة حول آيات القرآن الكريم، واتّخذها القائلون بالتحريف ذريعة لعقيدتهم وجعلوا عدم الصلة حسب زعمهم بين الشرط والجزاء دليلاً على التحريف وسقوط آية أو آيات بينهما، وقد كتب المستشرق الانجليزي «سايل» كتاباً في هذا الصدد، واستشهد بالآية ونقله الى العربية هاشم العربي ـ وكأنّ الاسم اسم مستعار ـ و ردّ عليه المحقّق البلاغي بكتاب أسماه «الهدى الى دين المصطفى».
والجواب: اذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الصلة بين الفقرتين غير خفيّة، اذ يظهر من قوله تعالى : وَ يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ الْلاَتِي لاَ تُوْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ

-1-. النساء: 3 .

صفحه 41
الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ(1) أنّ القوم كانوا راغبين في
نكاح النساء اليتامى لجمالهن أو أموالهن أو لكليهما ، من دون أن يقوموا في حقّهن بالقسط، فأمر سبحانه باقامة القسط لهن.
وبذلك تظهر صلة الجزاء بالشرط حيث انّ اللام في قوله :وَاِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى للعهد، اشارة الى يَتَامَى النِّسَاءِ الْلاَتِي لاَ تُوْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ ، فحثّ على أنّهم اذا خافوا من عدم القيام بوظائفهم عند تزوّجهن، فعليهم تزويج غيرهنّ، واللّه سبحانه اذا أقفل باباً )تزويج النساء اليتامى ذوات الثروة(، يفتح باباً آخر، وهو تزويج غيرهنّ، فأي صلة أوضح من هذه الصلة؟
فمعنى الآية: وَاِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي يَتَامَى النِّسَاءِ الْلاَتِي لاَ تُوْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ*فَانْكِحُوا (غيرهن( مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَاِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْني أَلاَّ تَعُولُوا (2).
***

-1-. النساء: 127 .
-2-. النساء: 3.

صفحه 42
6. تقدّم السِنة على النوم
وقد استشكل على قوله سبحانه: لا تَأْخُذُهُ سِنَة وَلا نَوم(1)
بأنّ الصحيح أن يقول: لا تأخذه نوم ولا سِنة، فانّ الرائج في هذه الموارد هو التدرّج من العالي الى الداني كما يقال: لا يأخذني عند المطالعة، نوم ولا سنة.
والجواب: انّ الأخذ في الآية بمعنى الغلبة واللازم عندئذ هو التدرّج من الداني الى العالي كما هو واضح، والآية بصدد تنزيهه سبحانه عن كلّ ما يوجب الغفلة، مثلاً لو فرضنا أنّ زيداً أشجع من عمرو وأراد المتكلِّم أن يصف شجاعته الفائقة يقول: ما غلبني عمرو ولا زيد، فيقدّم الضعيف على الشجاع، ولو عكس يكون مستهجناً ويكون ذكر الضعيف زائداً.(2)
***
التعارض بين الأمرين
ورد في القرآن الكريم قوله تعالى: اِنَّ اللهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (3).

-1-. البقرة: 255.
-2-. المناهج التفسيرية في علوم القرآن: 223 ـ 224 .
-3-. الأعراف: 28 .

صفحه 43
وفي آية أُخرى يتبادر منها أنّه تعالى يأمر بالفسق، أعني قوله تعالى: وَاِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرا(1) .
حيث انّ متعلق: «أمرنا» هو الفسق.
والجواب: أنّ المستشكل فسّر الآية الثانية بغير وجهها الصحيح، ويعلم الوجه الصحيح بملاحظة الآية المتقدّمة عليها. واليك بيانه: قال سبحانه: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً * وَاِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرا(2)فالآية الأُولى تحكي عن سنّة الله تعالى وأنّه لا يعذّب قوماً
الّا بعد بيان فرائضهم ونواهيهم، فان أطاعوا فيثابون، والّا استحقّوا العذاب; وعلى هذا فتقدير الآية الثانية هو: أنّا أمرناهم بالصلاح والرشاد فعصوا وفسقوا عن أمر ربهم، وهذا النوع من التعبير شائع في لغة العرب، فيقال: أمرت فلاناً فعصى، أي أمرته بما يوجب الطاعة ولكنه لم يطع وتمرّد عن امتثال الأمر والطاعة، وتلك سنّة الله قد جرت بين الخلق، وهي أنّه لا عقوبة الّا بعد البيان، ولا مؤاخذة الّا بعد اتمام الحجّة.
***

-1-. الإسراء: 16 .
-2-. الإسراء: 15 ـ 16 .

صفحه 44
8. خلق السماوات في ستة أيام أو ثمانية
يظهر من غير واحدة من الآيات أنّ الله سبحانه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، قال تعالى: اللهُ الذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّام ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِي وَلاَ شَفِيع أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ(1) ، وقد تكرّر ذلك
في سبع مواضع من القرآن، ولكن يظهر ممّا ورد في سورة فصّلت أنّ الله خلق الجميع في ثمانية أيام، قال: قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادا ذَلكِ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّام سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى اِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلَِرْضِ ائْتِيَا طَوْعا أَوْ كَرْها قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ *َقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَات فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ(2) .
وحاصل هذه الآيات هو :
1. تمّ خلق الأرض في يومين.

-1-. السجدة: 4 .
-2-. فصّلت: 9 ـ 12 .

صفحه 45
2. تمّ خلق الراوسي وما بعد ذلك، في أربعة أيام.
تمّ قضاء سبع سماوات في يومين.
3. تمّ قضاء سبع سماوات في يومين.
فتكون النتيجة أن خلق الكون قد تمّ في ثمانية أيام، فكيف الجمع؟
والجواب: أنّ اليومين في الآية الأُولى داخلان ضمن الأربعة أيام في الآية الثانية .
توضيحه: أنّ قوله: فِي أَرْبَعَةِ أَيَّام فذلكة لمجموع مدّة خلق الأرض: جرمها، وما عليها من رواسي، وما فيها من أقوات، فدخل في هذه الأربعة الأيام، اليومان اللّذان في قوله: فِي يَوْمَيْنِ فكأنّه قيل: انّ التصرّف في الأرض ـ الّتي خلقها في يومين ـ بجعل الرواسي وتقدير الأقوات تمّ في يومين آخرين فتمّ خلقها والتصرّف فيها في أربعة أيام، وانّما عدل عن ذلك الى ما في نسج الآية لقصد الإيجاز، واعتماداً على ما يأتي بعده من قوله: فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَات فِي يَوْمَيْنِ(1)
وعليه صاحب الكشّاف، قال: فذلكة لمدّة خلق الله الأرض وما فيها، كأنّه قال: كلّ ذلك في أربعة أيام كاملة مستوية، بلا زيادة ولا نقصان.)2(

-1-. التحرير والتنوير: 25 / 19 .2 . تفسير الكشّاف: 3 / 384 .

صفحه 46
و بعبارة أوضح: خلقت الأرض في يومين، ورفعت فيها الرواسي وقدّرت فيها الأقوات أيضاً في يومين، فهذه أربعة أيام تمّت
فيها خلقة الأرض وما فيها من جبال وأرزاق وبركات.
وعلى هذا فقد اندرج في أربعة أيام اليومان اللّذان خلقت الأرض فيهما، ثم يقول سبحانه: ثُمَّ اسْتَوَى اِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلَِرْضِ ائْتِيَا طَوْعا أَوْ كَرْها قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَات فِي يَوْمَيْنِ فتكون المدّة ستة أيام.
وهذا نظير قولك: سرت من البصرة الى الكوفة في يومين، والى بغداد في أربعة أيام، أي سرت من البصرة الى الكوفة في يومين ومن الكوفة الى بغداد في يومين آخرين، فتمّ السفر في أربعة أيام، باندراج اليومين اللّذين سار فيها من البصرة الى الكوفة.
***
تقدّم خلق الأرض على السماء وبالعكس
يقول سبحانه: أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادا ذَلكِ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّام سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ،(1) ثم يقول: ثُمَّ اسْتَوَى اِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ

-1-. فصّلت: 9 .

صفحه 47
لَهَا وَلَِرْضِ ائْتِيَا طَوْعا أَوْ كَرْها قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ فقوله: ثُمَّ اسْتَوَى يدلّ على تقدّم خلق الأرض على السماء.
مع أنّ الظاهر من آية أُخرى هو تأخّر خلق الأرض عن خلق السماء، قال سبحانه: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا *وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا(1).
الجواب: انّ رفع هذه الشبهة رهن ذكر أُمور :
1. أنّه لا شكّ في تأخّر خلق الأرض عن خلق السماء كما هو مفاد قوله تعالى: وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا) .
2. أنّ لفظ اسْتَوَى لوعُدّي ب «على» نظير قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يكون بمعنى الاستيلاء.
وأمّا اذا عُدي ب «الى» كما في قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى اِلَى السَّمَاءِ يكون بمعنى القصد، أي قصد خلق السماء وهي دخان.
3. أنّه سبحانه في قوله: ثُمَّ اسْتَوَى اِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلَِرْضِ ائْتِيَا طَوْعا أَوْ كَرْها ليس بصدد بيان خلق الأرض لبداهة أنّه ذكر خلق الأرض في الآية المتقدّمة وقال: أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وانّما الغاية من

-1-. النازعات: 27 ـ 31 .

صفحه 48
ذكر الأرض مع السماء هو بيان أنّه لما توجّه اليهما أمره سبحانه «كن» أجابتا بالتحقّق طاعة لا كرهاً.
وبعبارة واضحة: ليست الآية بصدد بيان خلق الأرض، بل الغاية من ذكرها جنب خلق السماء بيان أنّهما معاً أجابتا بقبول الوجود طوعاً لا كُرهاً.
اذا عرفت هذا فاعلم أنّ لفظة «ثم» تستعمل على وجهين :
1. الترتب الزماني، يقال: جاء زيد ثم جاء عمر.
2. الترتب البياني، فاذا واجه حادثتين مترتّبتين يذكر المتأخّر أوّلاً ثم يذكر المتقدّم.
فالآية من مصاديق الوجه الثاني، فلا مانع من تأخّر ذكر الأرض بعد السماء، ومع ذلك قُدّم ذكر المتأخّر وأُخّر ذكر المتقدم.
ثم انّ لنا بحثاً مفصّلاً حول الموضوع ذكرناه في تفسيرنا لسورة النازعات، فمن أراد التفصيل فليراجع .(1)
***
يُسأل ولا يسأل
دلّ قوله تعالى: فَيَوْمَئِذ لاَ يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ اِنْسٌ وَلاَ جَان (2)

-1-. لاحظ : منية الطالبين في تفسير القرآن المبين: 30 / 80 ـ 84 .
-2-. الرحمن: 39 .

صفحه 49
على عدم السؤال عن جرم المجرمين يوم القيامة، ودلّت آية أُخرى
على خلاف ذلك، قال تعالى: وَقِفُوهُمْ اِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ(1) .
الجواب: أنّ للإنسان يوم القيامة مواقف متعدّدة، ففي موقف لا يسأل عن ذنبه، بخلاف الموقف الآخر، فعندما تقع الواقعة على نحو يصفها سبحانه بقوله: يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَة عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْل حَمْلَهَا وَتَرى النَّاسَ سُكَارى وَمَا هُمْ بِسُكَارى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللهِ شَدِيدٌ(2) ففي هذا الموقف يَعمُّ الناسَ
ذهول لا يسأل حميم حميماً ولا يتساءلون فيما بينهم، وهكذا لا يسأل أحدٌ أحداً عن ذنبه، لعدم تفرّغهم للحساب، وأمّا بعدَ أن أخرجتِ الأرضُ أثقاَلها وعاد الناس الى حالتهم العادية وتفرّغوا للحساب، فهناك السؤال والمؤاخذة، فاختلف الموقفان.
وهناك بعد انقضاء الحساب ودخول أهل الجنة الجنة، ودخول أهل النار النار، يقع التعارف بينهم.

-1-. الصافات: 24 .
-2-. الحج: 2 .

صفحه 50
المقام الثالث :
الاعتراضات اللغوية على القرآن الكريم
انّ النبيّ الأكرم صلي الله عليه و آله كان عربياً صميماً وراء كونه نبيّاً ورسولاً من الله سبحانه، فكلامه هو الميزان والمعيار لمعرفة العربي الصحيح عن غيره.
نفترض أنّ محمداً لم يكن نبيّاً يوحى اليه، ولكنّه ولد في بيئة عربية خالصة، ولغة قريش تعتبر من أفصح لغات العرب، واليها يُرجع في تمييز الصحيح عن الزائف، فلو وجد )على فرض( في القرآن الكريم ما لا يوافق القواعد العربية الّتي استنتجها علماء الأدب من التتبع في كلمات العرب، فلابدّ من تصحيح القاعدة بكلام ذلك العربي الصميم، لا جعل القاعدة دليلاً على عدم صحّة لغته.
وبهذا يعلم أنّ أكثر ما اعترض به على لغة القرآن من حيث القواعد شيء لا قيمة له، مضافاً الى أنّ تلك الموارد موافقة للقواعد

صفحه 51
وان خفيت على المستشرقين لعدم تضلّعهم باللغة العربية، واليك بيان
تلك الموارد على نحو الإيجاز :
نصب «المقيمين» مكان رفعه
قال سبحانه: لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُوْمِنُونَ يُوْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ اِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَوةَ وَالْمُوْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُوْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُولَئِكَ سَنُوْتِيهِمْ أَجْرا عَظِيما(1)
فقوله تعالى: وَالْمُقِيمِينَ منصوب معطوف على الرَّاسِخُونَ، مع أنّ المعطوف عليه مرفوع، حتّى أنّ المعطوف بعد الْمُقِيمِينَ مرفوع أيضاً حيث قال: وَالْمُوْتُونَ الزَّكَاةَ) .
والجواب: أنّ سيرة العرب جرت على تخصيص بعض الموضوعات بفصلها عمّا تقدّم وعمّا تأخّر اذا كانت موضع عناية للمتكلّم، ومنه هذا المقام حيث انّ المراد من المقيمين للصلاة هم الّذين يقيمونها عن خضوع وخشوع ورغبة ورهبة مع الحفاظ على آدابها وشروطها، فهؤلاء هم قادة المؤمنين وسادة الموحّدين، فجل هذه المزايا خصّهم بالذكر وصار منصوباً بفعل مقدّر، أي أخصّ المقيمين للصلاة.

-1-. النساء: 162.

صفحه 52
قال ابن مالك :
الاختصاص كندا دون يا كأيّها الفتى باثر ارجونيا
أي ارجوني يا فتى ، وأخصّك بالذكر.
ونظيره قوله صلي الله عليه و آله: نحن معاشر الأنبياء أُمرنا أنّ نُكلّم الناس على قدر عقولهم»، فقوله: «معاشر الأنبياء» منصوب بفعل مقدّر أي أخصُّ معاشر الأنبياء .
نصب «الصابرين» مكان رفعه
قال سبحانه: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَوةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ اِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ(1) .
فقوله سبحانه: وَالصَّابِرِينَ عطف على وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ ومقتضى القاعدة رفع المعطوف لا نصبه.
والجواب: ما عرفت في الآية السابقة وهو أنّه اذا كان الشيء

-1-. البقرة: 177 .

صفحه 53
موضع عناية للمتكلّم يفصله عمّا سبق وعمّا تأخّر ولذلك فصل الصابرين وخصّه بالذكر لأنّ للصبر مقاماً سامياً وهو من الإيمان بمنزلة
الرأس من الجسد، فالإنسان بصبره يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويوفي بعهده مهما كلّفه من ثمن، ولأهمية الصبر، فصله عمّا سبق، وخصّه بالذكر ونصب بفعل مقدّر أي أخصّ الصابرين في البأساء.
ولأجل المكانة الخاصّة الموجودة في الصلاة والصبر يخصّهما سبحانه في آية أُخرى ويجمع بينهما ويقول: اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوةِ اِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ(1) .
رفع «الصابئون» مكان نصبه
قال تعالى: اِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارى مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ(2).
فقوله: وَالصَّابِئُونَ عطف على الموصول ـ أعني: الَّذِينَ ـ ومقتضى القاعدة نصبه لا رفعه.
والجواب: أنّ من لغة العرب عطف الشيء على المحلّ دون

-1-. البقرة: 153 .
-2-. المائدة: 69.

صفحه 54
اللفظ، قال الحارث بن ضابى البرجمي :
ومن يك أمسى بالمدينة رحْلُه فانّي وقيّارٌ بها لغريب
فقوله: «وقيارٌ» عطف على اسم انّ، وبما أنّ محلّه الرفع
لكونه بمنزلة المبتدأ فَرَفع «قيّار» عطفاً على المحل. وعلى هذا فرفع الصَّابِئُونَ لأجل كونه معطوفاً على محل اسم )انّ( أي الّذين .
وأمّا وجه فصله في الإعراب عن الطوائف الثلاث ـ أعني : المؤمنين واليهود والنصارى ـ فجل بيان نكتة وهي أنّ الصابئين في مرتبة نازلة في أمر التوحيد، وأنّه سبحانه يقبل ايمان من آمن من المسلمين واليهود والنصارى حتّى أنّه يقبل ايمان الصابئين.
وبعبارة أُخرى: رفع لفظ «الصابئون» تمييزاً لهم من النسق وتنبيهاً على أنّ الصابئين وان كانوا أبعد من اليهود والنصارى في مورد التوحيد، الّا أنّهم مثل اليهود والنصارى مَن آمن منهم وعمل صالحاً فهو في أمان من الخوف.
وبهذا يظهر ما هو الوجه في وحدة السياق وعدم التمييز في قوله تعالى: اِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَ النَّصَارى وَالَْمجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا اِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (1) وهو

-1-. الحج: 17 .

صفحه 55
عدم وجود العناية بواحدة من الطوائف الست المذكورة، وهو أنّ الله سبحانه يجمع الجميع على صعيد واحد ويفصل بينهم يوم القيامة.
استعمال المضارع مكان الماضي
قال تعالى: اِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِاِلْحَاد بِظُلْم نُذِقْهُ مِنْ عَذَاب أَلِيم(1).
يقال لماذا عطف المضارع وَيَصُدُّونَ على الماضي كَفَرُوا ؟
والجواب: أنّ عطف المضارع على الماضي لأجل بيان استمرار صدور هذا العمل عنهم، ولا يحصل هذا الغرض الّا بالفعل المضارع الدالّ على الاستمرار .
وأمّا جواب قوله: اِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فمحذوف، والغرض من عدم ذكره هو ايجاد الهول في ذهن المخاطب الّذي لا يوجد عند بيان الخبر، وهذا ما يقال في علم البلاغة «ليذهب ذهن المخاطب أي مذهب شاء».

-1-. الحج: 25 .

صفحه 56
اطلاق (وراء) وأُريد به (الأمام)
ان لفظة )وراء( وضعت في اللغة العربية لما يضاد )الأمام(، ولكنّ القرآن الكريم استعملها فيما يقابله حيث قال: أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَة غَصْبا (1) مع أنّ الملك لم يكن وراءهم بل كان
أمامهم، والّا لم يتوفق لأخذ السفينة.
والجواب: أنّ لفظة «وراء» استعملت في القرآن الكريم في اثني عشر موضعاً وأُريد من الجميع المعنى المعروف المضاد لمام، حتّى في نفس الآية الّتي توهم المستشكل أن اللازم هو كونه الأمام، وذلك لأنّ كون الشيء واقعاً وراء الإنسان على نوعين :
1. تارة يكون وراءه حسّياً، كالرادف وراء المردف.
2. وأُخرى يكون عقليّاً، بمعنى أنّه اذا كان الشيء أمراً استقبالياً وسيواجهه الإنسان في المستقبل، لكنّه لمّا كان مغفولاً عنه غير متوجّه اليه، فيشبّه بالشيء الّذي يقع وراء الإنسان بحيث لا يراه، مثل الشاب الّذي يتعاطى المخدرات يقال له: انّه غافل عمّا وراء عمله هذا من المصائب والمشاكلّ، بالرغم من أنّها ليست وراء هذا العمل بل هي ستقع في المستقبل.

-1-. الكهف: 79 .

صفحه 57
فهذا هو لبيد بن ربيعة يقول :
أليس ورائي ان تراخت منيّتي لزوم العصا تُحنى عليها الأصابعُ
وهذا عُبيد يقول أيضاً :
أليس ورائي ان تراخت منيّتي أدبُّ مع الولدان أزحف كالنسر
ترى أنّهما يصفان المنيّة بالوراء مع أنّها أمامهما، وما هذا الّا لأنّ
المنيّة لمّا كانت غير مرئية فشبّهت بالشيء الّذي يكون وراء الإنسان ولا يراه. وبذلك علم الجواب عن الآية، فانّ أصحاب السفينة لمّا كانوا غافلين عن وجود الملك الظالم الغاصب، فأشبه أمرهم بالأُمور الّتي تقع وراءهم والجامع بينهما هو الغفلة وعدم الالتفات، وبذلك يعلم تفسير الآيتين التاليتين :
1. قوله تعالى: وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخ اِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ(1) .
2. قوله تعالى: وَاللهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيط(2)، فعلى ما ذكرنا فالوراء في الآيات والبيتين مستعمل في معناه المعروف على وجه لو عبر بلفظ أمام لنزل الكلام عن ذروة البلاغة الى حضيض الكلام البسيط.

-1-. المؤمنون: 100.2 . البروج: 20 .

صفحه 58
استعمال الجمع مكان التثنية
قال تعالى: وَاِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُوْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَاِنْ بَغَتْ اِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرى(1) .
فربّما يقال: انّ مرجع الضمير في قوله: اقْتَتَلُوا هو طَائِفَتَانِ فاللازم أن يقول: وان طائفتان من المؤمنين اقتتلتا.
والجواب واضح فانّ التعبير بضمير الجمع في اقْتَتَلُوا مع كون
المرجع هو التثنية ـ أعني: طَائِفَتَانِ ـ باعتبار المعنى فانّ كلّاً من الطائفتين تضمّ جمعاً من الناس.
وبعبارة أُخرى: أنّ الجمع في قوله: اقْتَتَلُوا باعتبار أنّ القتال يقع بين آحاد الطائفتين الكثيرين، وأمّا التثنيّة في قوله: بَيْنَهُمَا، فجل أنّ قرار الصلح وروابطه لا يقع غالباً بين جميع المقتتلين، وانّما يقع بين عنواني الطائفتين ورابطتي رئاستيهما. فلو غيّر الأُسلوب الموجود في الآية أيضاً، لخرج الكلام الى غير المراد منه.(2)
ونظير هذا قوله سبحانه: هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ(3) .

-1-. الحجرات: 9 .
-2-. الهدي الي دين المصطفي: 4 / 442، موسوعة البلاغي.
-3-. الحج: 19 .

صفحه 59
فثنّى فيه في الأوّلين باعتبار أنّ الخصومة على طرفين وبين فريقين، وهما الّذين كفروا، والّذين آمنوا. وجمع في الأخيرين باعتبار كثرة المتخاصمين من الفريقين، فلو جمع في الأوّلين، لما دلّ الكلام على أنّ الخصومة على طرفين وبين فريقين; ولو ثنّى في الآخرين، لما دلّ على كثرة المتخاصمين، فلو غيّر الأُسلوب الموجود في الآية، لخرج الكلام الى ضد الحقيقة.
جمع الفعل بدل افراده
من القواعد المحرّرة في النحو أنّ الفعل اذا أُسند الى اثنين أو الى جمع يأتي مفرداً، فيقال: فاز الشهداء، ولا يقال: فازوا الشهداء، يقول ابن مالك :
وجرّد الفعل اذا ما أُسندا لاثنين أو جمع كفاز الشهدا
وعلى هذا فربّما يقال: انّ قوله سبحانه: وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا اِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ(1) ،
على خلاف القاعدة الّتي تقتضي افراد الفعل بأن يقول: وأسرّ النجوى الّذين ظلموا.
والجواب: أنّ القاعدة النحوية هي جواز الأمرين، فهذا هو ابن مالك يقول بعد البيت المذكور في الإشكال :

-1-. الأنبياء: 3 .

صفحه 60
وقد يقال سعدا وسعدوا والفعل للظاهر بعدُ مسند
وأمّا وجه اختيار الجمع على الإفراد فيوضحه شيخُنا البلاغي بقوله: فانّ الغرض فيه اسناد الفعل الى اللاعبين اللاهية قلوبهم، فأُسند الى ضميرهم شرحاً لذميم حالهم، وتسجيلاً عليهم بقبيح تماديهم في الغيّ. ثم جاء بقوله: الَّذِينَ ظَلَمُوا بدلاً من الضمير ـ أو منصوباً على الاختصاص والذمّ ـ اعلاماً بظلمهم في اسرارهم النجوى بجحد الرسالة بالذكر، وتسميته سحراً، واحتجاجهم الفاسد بكون الرسول
بشراً، ولو أُسند الفعل رأساً الى الّذين ظلموا، لانحلّ ارتباط الكلام، ولم يدلّ على المراد منه.(1)
8 . التشبيه المعكوس
قال تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ اِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا اِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَة مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ اِلَى اللهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(2).
الآية تحكي عن استدلال آكلي الربا بأنّهم يحلّلون الربا

-1-. الهدي الي دين المصطفي: 4 / 442 .
-2-. البقرة: 275 .

صفحه 61
ويتصوّرون أنّه كالبيع، وعلى هذا فمنطق المرابي هو أنّ الربا كالبيع، لا أنّ البيع كالربا، فعلى هذا فاللازم أن يقول: انّما الربا مثل البيع، دون أن يقول: انّما البيع مثل الربا.
والجواب: أنّ المستشكل غفل عن استدلال المرابي، حيث توهّم أنّ العلّة في تحريم الربا موجودة في البيع أيضاً فسأل: لماذا أحلّ البيع وحرّم الربا، فلازم هذا الاستدلال هو أن يقول: انّما البيع الّذي تحللونه كالربا، أي فلماذا تحلّلون الأوّل وتحرّمون الثاني، مع أنّ علّة
التحريم موجودة في كلا القسمين.
تكرار قوله: فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْر (1) خمس مرّات
جاءت هذه الفقرة في سورة الشعراء خمس مرّات، والتكرار مخلّ بالبلاغة.
والجواب: أنّ المستشكل لم يرجع الى السورة أو لم يتدبّر فيها، أو تغافل عنها، فانّ الآية حكاية لكلام خمسة من الأنبياء في خمسة مواضع وهم: نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب، حيث احتجّ كلّ واحد منهم على قومه بأنّه لا يُريد منهم لأجل انذاره أجراً.

-1-. يونس: 72 .

صفحه 62
10. تكرار قوله: فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ
والجواب: أنّ مجيء الآية مرّات متعدّدة وبصورة متناوبة لا يعدّ تكراراً، وذلك لأنّها تجيء في كلّ مرّة عقب ذكر ضرب جديد من النعم، وصنف مختلف من الآلاء التي تستوجب الشكر العملي. وهذا الأُسلوب مألوف في كلام العرب، ولنا على ذلك شواهد من كلام فصحائهم :
قال الشريف المرتضى في أماليه: هذا كثير في كلام العرب، قال مهلهل بن ربيعة يرثي أخاه كليباً :
على أنْ ليس عدلاً منْ كُليب اذا طُرد اليتيمُ عن الجَزُورِ
على أن ليس عدلاً من كُليب اذا ما ضِيم جيرانُ المجيرِ
على أن ليس عدلاً من كُليب اذا رجف العضاةُ من الدَّبورِ
على أن ليس عدلاً من كُليب اذا خرجت مُخبّأةُ الخُدور
على أن ليس عدلاً من كُليب اذا ما أُعلِنتْ نجوى الصدورِ
وقالت ليلى الأخيلية ترثي توبة بن الحُميِّر :
لنعم الفتى يا توبُ كنتَ; ولم تكن لتُسبَقَ يوماً كنت فيه تجاولُ
ونعم الفتى يا توب كنت اذا التقت صدور العوالي واستشال الأسافل

صفحه 63
ونعم الفتى يا توب كنت لخائف أتاك لكي يحمي ونعمَ المحامل
ونعم الفتى يا توب جاراً وصاحباً ونعم الفتى يا توب حين تناضل
لعمري لأنت المرء أبكي لفقده ولو لام فيه ناقصُ الرأي جاهلُ
لعمري لأنت المرء أبكي لفقده اذا كثرت بالملحَمين التلاتلُ(1)
أبى لك ذمّ الناس يا تَوبَ كلما ذُكِرت أُمورٌ محكمات كوامل
أبى لك ذمّ الناس يا توب كلما ذكرت سماح حين تأوي الأرامل
فلا يبعدنك الله يا توب انّما لقيت حِمامَ الموتِ والموتُ عاجلُ
ولا يُبعدنْكَ اللهُ ياتوب انّها كذاك المنايا عاجلات وآجل
فجرت في هذه الأبيات من تكرار الى تكرار، لاختلاف

-1-. التلاتل: الشدائد. صحاح الجوهري4:/1645، مادة تلل».

صفحه 64
المعاني التي عَدَّدتها.
وقال الحارث بن عبّاد بن قيس البكري)المتوفّى نحو سنة 50 قبل الهجرة(وكان قاضي العرب :
قرِّبا مَربط النّعامةِ(1) مني لَقِحت حربُ وائل عن حيالِ
وكرّر قوله هذا: «قرّبا مربط النعامة مني» في أبيات كثيرة من القصيدة ـ أكثر من )50( مرّة ـ وأمثال ذلك كثير.
وهذا هو الجواب بعينه عن التكرار في سورة المرسلات بقوله عزّ وجلّ: وَيْل يَوْمَئِذ لِلْمُكَذِّبِينَ(2) عشر مرّات .(3)
ثم انّ أخذ الاعتراف بين ذكر نعمة ونعمة أو بين ذكر نعَم وأُخرى، يطرد الغفلة، ويؤكّد الحجّة، فلو ذكرت النعم جميعاً مرّة واحدة ثم أُخذ الاعتراف، لم يكن له ذلك الأثر البالغ.

-1-. النّعامة: اسم فرسه.
-2-. المرسلات: 15 .
-3-. أمالي المرتضي1:/86ـ88; مجمع البيان9:/370ـ371.

صفحه 65
المقام الرابع :
توهّم أنّ القرآن من صنع النبيّ الأكرم صلي الله عليه و آله
انّ غير واحد من المستشرقين نشروا هذه الفكرة وقالوا: انّ نبوّة النبيّ أمر لا غبار عليه، ولكنّ كتابه أثر من آثار فكره، وهو كان رجلاً فصيحاً بليغاً صاغ ما دار في خلده حول المعارف والأُصول والفروع والأحكام في قوالب فصيحة سمّيت سوراً.
الجواب: أنّ هذه الشبهة ليست شبهة جديدة، بل هي شبهة آثارها العرب في الجاهلية وكانوا يصفون القرآن بقولهم: اِنْ هَذَا اِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ (1). وبما أنّ المستشرقين لا يرمون النبيّ بالكذب،
بل يرونه انساناً صادقاً ومصلحاً كسائر المصلحين، فنحن نطلب الجواب من نفس النبيّ، فهذا هو جوابه الصريح بأنّه كلام الله المجيد:
1. طلب المشركون أن يأتي النبيّ بقرآن غير هذا وقالوا:

-1-. الأنعام: 25 .

صفحه 66
ائْتِ بِقُرْآن غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ فنزل الوحي آمراً بقوله: مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي اِنْ أَتَّبِعُ اِلاَّ مَا يُوحَى اِلَيَّ(1) فلو كان القرآن صنيع
نفسه فما معنى هذا الجواب؟!
2. نرى في غير واحدة من الآيات أنّه ينسب القرآن الى الله سبحانه وأنّ الله أنزله وأنّ على النبيّ أن يتّبع ما يوحى اليه من ربه، واليك بعض هذه الآيات :
أ. اِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ(2)
ب. اِتَّبِعْ مَا أُوحِيَ اِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ(3)
ج . قُلْ اِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى اِلَيَّ مِنْ رَبِّي(4)
وبعد هذا التصريح من الرجل الصادق لا يصحّ لأي ابن أُنثى أن ينسب القرآن الى غير الله سبحانه .
3. لمّا كانت هذه الشبهة منتشرة بين المشركين أخذ القرآن بردّها بحماس عن طريق أمر النبيّ أن يخاطب المشركين بأنّه لبث فيهم أربعين سنة ولم يسمعوا عبر حياته بينهم شيئاً من هذه الآيات، فلو كان القرآن صنيع نفسه فبطبع الحال أن يسمعوا شيئاً

-1-. يونس: 15 .
-2-. القدر: 1 .
-3-. الأنعام: 106 .
-4-. الأعراف: 203 .

صفحه 67
من هذه الآيات طول حياته معهم قال سبحانه: قُلْ لَوْ شَاءَ اللهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ(1)
ولذلك وصف القرآن بأنّه تنزيل من رب العالمين وأنّ روح الأمين جاء به من عند الله سبحانه وَاِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَان عَرَبي مُبِين (2) .
4. القرآن الكريم يفنّد هذه الشبهة ببرهان علمي وهو: أنّ القرآن يشتمل على أزيد من ستة آلاف آية وفيها مباحث كثيرة حول موضوعات متنوعة، فلو كان صنيع فكر انسان لوجدوا فيه اختلافاً في المفاهيم كما يقول: أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرا(3)
فانّ الإنسان مهما بلغ من الذكاء مبلغاً
فلابدّ أن يوجد الاختلاف في أفكاره أبّان شبابه وهرمه .
5. أنّ النبيّ الأكرم صلي الله عليه و آله كان أُميّاً لا يقرأ ولا يكتب، وقد سَلبَ منه سبحانه هذه النعمة لغاية كبرى وهي أنّه لو كان قارئاً

-1-. يونس: 16 .
-2-. الشعراء: 192 ـ 195 .
-3-. النساء: 82 .

صفحه 68
وكاتباً لنسب المبطلون القرآن الى أنّه صنيع النبيّ أو استنساخه، ولأجل دحض هذه الشبهة حيل بين النبيّ صلي الله عليه و آله وتعلّم القراءة والكتابة وقال: وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَاب وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ اِذًا لاَرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ(1)
6. مَن قرأ القرآن الكريم وتدبّر في آياته يرى أنّه سبحانه يخاطبه في أكثر من مئتي آية بقوله «قل» حتّى في سورة التوحيد لم يرض بأن يقال هو الله أحد بل أمره أن يقول: قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ.
هذه الوجوه الستة دليل قاطع على أنّ القرآن وحي الهي وأنّه فوق أن يناله فكر انسان منقطع عن الوحي.
***
القرآن بحر لا يَنزُف
الدلائل الماضية انّما تنفع لمن يعتقد بأنّ القرآن وحي سماوي نزل على قلب سيد المرسلين، وأمّا الدليل الآتي فانّما ينتفع به كلّ انسان له قلب واع، سواء أكان مؤمناً أم كافراً، وهو أنّ القرآن الكريم بحر لا ينزف وليس له ساحل فمنذ قام المسلمون بتدوين العلوم لفهم كتاب الله ألّفوا كتباً وموسوعات حول القرآن الكريم والركب بعد سائر، ولم نزل نرى في كلّ قرن ظهور تفاسير

-1-. العنكبوت: 48 .

صفحه 69
تستنبط من القرآن ما لم يسبقهم السابقون، فعندئذ يطرح هنا سؤال هو: ما هو المنبع لهذه المعارف والحقائق حول الله سبحانه وصفاته وقصص أنبيائه وما حول
الكون من الموجودات مع أنّ النبيّ الأكرم صلي الله عليه و آله لم يقرأ كتاباً ولم يكتب شيئاً من أين وقف على هذه المعارف؟! فنذكر هنا آية واحدة حول المعارف كلّما تدبّر فيها
الإنسان ذهل عقله.. قال سبحانه: لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَل لَرَأَيْتَهُ خَاشِعا مُتَصَدِّعا مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ * هُوَ اللهُ الذِي لاَ اِلَهَ اِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللهُ الذِي لاَ اِلَهَ اِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُوْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللهُ الْخَالِقُ الْبَارىُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(1)
أفهل يمكن لمن عاش بين أُمّة أُميّة بعيدة عن الحضارة أن يصف الله تعالى بهذه الأوصاف الحميدة الّتي لا يصل اليها الّا الأوحدي بعد دراسات طويلة في المعاهد العلمية.
هذا في جانب المعارف، أمّا في جانب التعاليم الاجتماعية فنقتصر بنقل آيتين من سورة الأنعام :

-1-. الحشر: 21 ـ 24 .

صفحه 70
قال سبحانه: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ اِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ مِنْ اِمْلاَق نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَاِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ اِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ اِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسا اِلاَّ وُسْعَهَا وَاِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(1)
روى أصحاب السير أنّ أسعد بن زرارة من الخزرج لمّا سمع هاتين الآيتين أسلم من فوره وطلب من النبيّ أن يبعث من يعلّم القرآن لأفراد قبيلته، فبعث النبيّ صلي الله عليه و آله مصعب بن عمير، فصار ذلك نواة في يثرب حتّى صارت شجرة مثمرة.(2)
3. أخبر القرآن عن حقائق كونية لم يسبق اليها أحد الى حين نزول القرآن وانّما كشفت عنها الحضارة الصناعية بعد قرون، قال سبحانه: وَمِنْ كُلِّ شَيْء خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(3) فمن
الّذي علّم النبيّ بأن كلّ ما يطلق عليه شيء فهو ليس بسيطاً بل مؤلّفاً من زوجين؟

-1-. الأنعام: 151ـ152.
-2-. لاحظ : اعلام الوري: 530 ـ 540 ; بحار الأنوار : 19 / 8 ـ 9 .
-3-. الذاريات: 49 .

صفحه 71
أعطف عليه قوله سبحانه في ابطال الدور والتسلسل: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْء أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ(1) فهل يمكن لإنسان أُمي لم يعاشر
أحداً من العلماء ولم يدخل مدرسة ولا معهداً من المعاهد العلمية يأتي بهذا البرهان الواضح؟!
القرآن وعلم الأجنّة
القرآن يتحدّث لنا عن خلقة الجنين في الأرحام وكيفية نموّه
الى أن يصير انساناً ويقول: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْب مِنَ الْبَعْثِ فَاِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَاب ثُمَّ مِنْ نُطْفَة ثُمَّ مِنْ عَلَقَة ثُمَّ مِنْ مُضْغَة مُخَلَّقَة وَغَيْرِ مُخَلَّقَة لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ اِلَى أَجَل مُسَمى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ اِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْم شَيْئًا وَتَرى الأَرْضَ هَامِدَةً فَاِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْج بَهِيج(2)
فمن أين تعلّم النبيّ هذه الحقائق العلمية ولم يدخل مدرسة ولا تتلمذ على يد أحد؟!

-1-. الطور: 35 .
-2-. الحج: 5 .

صفحه 72
القرآن وعلم الأنواء الجوّية
القرآن يتحدّث عن تكوّن المطر في الجوّ على نحو ينطبق مائة بالمائة لما اكتشفه علماء الطقس والأنواء الجوّية بواسطة
الأجهزة والآلات والأدوات، قال سبحانه: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُزْجِي سَحَابا ثُمَّ يُوَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاما فَتَرى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَال فِيهَا مِنْ بَرَد فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَمَّنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ(1)
انّ الرجل الأُميّ مهما رزق من الذكاء لا يقدر أن يشرح لنا كيفية نزول المطر من السماء حتّى أنّه يخبر عن وجود جبال فيها من بَرد «وقد حار المفسّرون في تفسير هذه الفقرة، ولكن مَن يركب الطائرة يرى جبالاً من برد في السماء بعضها فوق بعض».
ولصاحب المنار هنا في المقام كلمة قيّمة في تفسير قوله سبحانه: وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى(2) قال ما هذا نصه: انّ النبيّ
صلي الله عليه و آله تحدّى وقال بأنّه لا يستطيع الإنس والجن الإتيان بمثل هذا القرآن في جملته ولا بسورة مثله، لا أفراد العلماء والبلغاء منهم ولا جماعاتهم ولا جملتهم ان فرض امكان اجتماعهم وتعاونهم

-1-. النور: 43 .
-2-. يونس: 37 .

صفحه 73
ومظاهرة بعضهم
لبعض. فلو كان هو الّذي أنشأه وألّفه لمصلحة الناس برأيه كما ارتأى بعض المعجبين بعقله وذكائه وعلو أفكاره من الفلاسفة المتقدّمين، وعلماء الماديّين المتأخّرين لكان عقله وذكاؤه وعلو فكره مانعاً له من هذا الجزم بعجز عقلاء الخلق من العوالم الظاهرة )الإنس( والخفية )الجن( عن الإتيان بسورة مثل ما أتى هو به، فانّ كلّ عاقل متوسط الذكاء والفكر يعلم أنّ كلّ ما أمكنه من الأمر فهو يمكن لغيره، بل لا يأمن أن يوجد من هو أقدر عليه منه، فهذه آية بيّنة للعقل على أنّ النبيّ صلي الله عليه و آله كان موقناً بأنّه من عند الله تعالى وأنّه هو كغيره لا يقدر على الإتيان بسورة من مثله، وهي احدى حجج الّذين قالوا انّه لا يعقل أن يكون كاذباً مفترياً له.(1)

-1-. تفسير المنار: 11 / 369 ـ 370 .

صفحه 74
تفضيل البنين على البنات جرياً على العادة العربية
المقام الخامس :
تفضيل البنين على البنات
جرياً على العادة العربية
من الشبهات الّتي أوردها المستشرقون على الشريعة الإسلامية هو تفضيل البنين على البنات وهذا يكشف عن أنّ النبيّ الأكرم +6+جرى على عادة العرب في ازدراء البنات .
توضيح ذلك: أنّ المشركين كانوا يرون أنّ الملائكة اناثاً وأنّهنّ بنات الله كما يدلّ عليه قوله تعالى: فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ * أَمْ خَلَقْنَا الْمَلاَئِكَةَ اِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ(1) ثم انّ صاحب
الشريعة رد نظرية المشركين بقوله: أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى * تلْكَ اِذًا قِسْمَة ضِيزَى(2) : أي غير عادلة، وفي آية ثالثة رداً على زعم
المشركين: أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَات وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ(3) .

-1-. الصافات: 149 ـ 150 .
-2-. النجم: 21 ـ 22 .
-3-. الزخرف: 16 .

صفحه 75
كلّ ذلك يدلّ على أنّ صاحب الشريعة تأثّر بالبيئة العربية
الجاهلية، حيث لا يرضى كون البنات لله والبنين للمشركين.
والجواب واضح: أنّ تلك الآيات ليست بصدد تجليل الذكر أو اذلال المرأة والحدّ من مقامها، بل هي بصدد التنديد بقضائهم المخالف لمقاييسهم الّتي تسالموا عليها حيث انّهم يحبون الذكر ويكرهون الأُنثى، وعند التقسيم يختارون لأنفسهم ما يحبّون ويجعلون لله ما يكرهون، وهذه هي الّتي سمّاها القرآن قسمة ضيزى، والّا فالذكر والأُنثى عند الله سواء وانّما المزية بالتقوى. فجل تسليط الضوء على مكانة المرأة ندرس الموضوعات التالية:
1. النظر الى طبيعة المرأة وتكوينها ونفسيتها.
2. النظر الى حقوقها.
3. الوظائف الّتي تقع على عاتقها.
وندرس هذه الأبحاث على ضوء القرآن الكريم .
الأوّل : النظر الى طبيعة المرأة وتكوينها ونفسيتها
بزغ نور الإسلام في عصر لم يكن للمرأة يومذاك أيّة قيمة تذكر في الجزيرة العربية، ولا في سائر الحضارات السائدة آنذاك، وكانت البحوث الفلسفية عند الرومان واليونان تدور على أنّ الأُنثى

صفحه 76
من جنس الحيوان أو من جنس برزخي يتوسّط بين الحيوان والإنسان، وكان الرجل يتشاءم اذا أنجبت امرأته أُنثى ويظلّ وجهه مسودّاً متوارياً
عن أنظار قومه وكأنّها وصمة عار على جبينه، قال سبحانه : وَاِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوارى مِنَ القَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلى هُون أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلاَ ساءَ مَا يَحْكُمُون(1)
وكان الرجل يقوم بوأد بناته وقتلهن نتيجة جهله بكرامة المرأة وفضيلتها ظنّاً منه أنّه يُحسن صنعاً، وهذا هو القرآن الكريم يندد بذلك العمل ويشجبه، ويقول : وَاِذَا الْمَوءُدَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْب قُتِلَتْ(2)
وفي خضمّ تلك الأفكار الطائشة نجد القرآن الكريم يتعامل مع المرأة كانسانة محترمة مستقلة لها حقوق وعليها واجبات كالرجل، وهذا ما نشاهده في الموارد التالية :
1. يصف المرأة بأنّها أحد شطري البنية الإنسانية، ويقول: يَا أَيُّهَا النّاسُ اِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَر وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ(2)
فالأُنثى والذكر يشكّلان أساس المجتمع دون فرق بينهما.

-1-. النحل : 58 ـ 59.2 . التكوير : 8 ـ 9 .
-2-. الحجرات : 13 .

صفحه 77
2. ومن جانب آخر يرى لُنثى خلقة مستقلّة مماثلة لخلقة الذكر دون أن تشتق الأُنثى من الذكر، على خلاف ما عليه سِفْر التكوين من التوراة، حيث جاء فيه أنّ الأُنثى خلقت من ضلع آدم ، يقول
سبحانه شاطباً على تلك الفكرة التي تسرّبت الى الكتاب الإلهي )التوراة(: يَا أَيُّهَا النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس واحِدَة وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجَالاً كَثيراً وَنِساءً(1)
فالنفس الواحدة هي آدم وزوجها حواء واليهما ينتهي نسل المجتمع الإنساني، ومعنى قوله : خَلَقَ مِنْها: أي خلق من جنسها، مثل قولك: الخاتم من فضة، أي من جنس الفضة، فالزوجان متماثلان، ولولا التماثل لما استقامت الحياة الإنسانية.
ويستنتج من هذه الآيات أنّ كلّاً من الذكر والأُنثى انسان كامل وليس هناك أي نقص في انسانية الأُنثى، وعلى ضوء ذلك فالتفريق بينهما من تلك الناحية لا يبتني على أساس صحيح.
3. لقد شملت العناية الإلهية الإنسان حيث جعلته أفضل الخلائق، وسخّرت له الشمس والقمر، ولا تختصّ هذه الكرامة بالذكر فحسب بل شملت أولاد آدم قاطبة، قال تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطِّيِّباتِ

-1-. النساء : 1 .

صفحه 78
وَفَضَّلْناهُمْ على كَثير مِمّنْ خَلَقْنا تَفضِيلاً(1)
ولأجل هذه الكرامة العامّة جعل الذكر والأُنثى في كفّة واحدة،
فمَن آمن منهما وعمل صالحاً فهما سيّان أمام اللّه تبارك وتعالى يجزيهما على حدّ سواء، قال سبحانه: مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَر أَو أُنْثى وَهُوَ مُوْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُون(2)
4. وممّا يعرب عن موقف القرآن الكريم في خلقة المرأة، هو أنّه جعل حرمة نفس الأُنثى كحرمة نفس الذكر، وأنّ قتل واحد منهما يعادل قتل جميع الناس، قال سبحانه: مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْس أَوْ فَساد فِي الأَرْضِ فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحياها فَكَأَنَّما أَحْيا النّاسَ جَمِيعاً(3)
فقتل المرأة كقتل الرجل عند اللّه سواء فمن قتل واحداً منهما فكأنّما قتل الناس جميعاً، أفيتصوّر تكريم فوق ذلك؟!
5. وممّا يعرب عن أنّ نظر الإسلام الى الشطرين نظرة واحدة، هو أنّه يتخذ النفس موضوعاً لبعض أحكامه في مجال القصاص دون أن يوجّه عنايته الى الذكر، قال سبحانه: أَنَّ النَّفْسَ

-1-. الإسراء : 70 .
-2-. النحل : 97 .
-3-. المائدة : 32.

صفحه 79
بِالنَّفْسِ وَالعَيْنَ بِالعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالجُرُوح قِصاص(1) حتى أنّه سبحانه يصف من لم يحكم على وفق الآية بأنّه
ظالم، ويقول في آخرها: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَل اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُون .
6. وهذا الرسول الأكرم صلي الله عليه و آله يجعل دماء المسلمين في ميزان واحد ويصف ذمّة الجميع بأنّها ذمّة واحدة، ويقول : «المسلمون تتكافأ دماوهم ويسعى بذمّتهم أدناهم، وهم يد على مَن سواهم(2)
فالمرأة والرجل يتشاركان في لزوم احترام اجارة كلّ واحد منهما فرداً من المشركين.
نعم مشاركة المرأة والرجل في القصاص لا يلازم مشاركتهما في الدية، لأنّ المعيار في القصاص غير المعيار في الدية، فكلّ مَن جنى على انسان يُقتصّ منه باعتبار أنّ الجاني قتل انساناً فيعادل باعدامه.
وأمّا الدية فالمعيار في تعيينها هو تحديد الخسارة والضرر المادي الّذي منيت به الأُسرة، ولا شكّ أنّ خسارة الأُسرة بفقد معيلها )الرجل( هي أكبر من خسارتها بفقد المرأة ، فلذلك صارت دية المرأة نصف دية الرجل على الرغم من أنّ المصيبة على حدّ

-1-. المائدة : 45.
-2-. مسند أحمد : 2 / 192 و 211 .

صفحه 80
سواء ، وهذا لا يعني اختلافهما في الإنسانية.
الى هنا تبين واقع خلقة كلّ من الرجل والمرأة، وأنّهما متماثلان
لا يتميّز أحدهما عن الآخر في ذلك المجال.
وأمّا ما يرجع الى الأُمور النفسية والروحية عند المرأة والرجل، فنقول: لا شكّ ثمّة فارق واضح وجليّ بين الرجل والمرأة من هذه الزاوية، وهي أنّ المرأة جيّاشة العاطفة ملوها الحنان والعطف وذات روح ظريفة حسّاسة، وقد أودعت يد الخلقة ذلك فيها لتنسجم مع المسوولية الملقاة على عاتقها كتربية الأطفال الّتي ترافقها مشاقّ ومصاعب جمّة لا يتحمّلها الرجل عادة، لأنّه خلق لوظائف أُخرى تستدعي القوّة والشدّة واتّزان العواطف، لتنسجم مع المسووليات الملقاة على عاتقه.
واذا اجتمعت العواطف الجيّاشة مع القوّة والشدّة وفق الضوابط والأُصول الإسلامية، صارت الحياة متكافئة ومتوازنة، ويسودها العدل والمساواة والودّ والاحترام.
الى هنا تمّ ما نروم الإشارة اليه من البحث الأوّل.
الثاني : النظر الى حقوق المرأة
حظيت المرأة في الإسلام بحقوق واسعة، قد تناولها الفقهاء في كتبهم في أبواب خاصّة لا يمكن لنا ذكر القليل منها فضلاً عن

صفحه 81
كثيرها، وانّما نقتبس من بعضها.
1. نزل القرآن الكريم وكانت المرأة محرومة من أبسط حقوقها
حتى ميراثها، بل كانت كالمال تورّث للاخرين ، وفي هذا الجو المشحون باهدار حقوقها، قال: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِنَصيبٌ مِمّا تَرَكَ الوَالِدانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً(1)
2. وبذلك كسر الطوق الذي أحاط بالمرأة وحال بينها وبين ميراثها في سورة خاصّة باسمها ـ أعني: سورة النساء ـ وهي في ميراثها تارة تعادل الذكر، وأُخرى تنقص عنه، وثالثة تزيد عليه، حسب المصالح المذكورة في محلّها.
3. وما اشتهر بأنّ ميراث المرأة ينقص عن ميراث الرجل دائماً، فليس له مسحة من الحقّ; بل تتراوح فريضتها بين التساوي والنقصان والزيادة كما هو واضح لمن لاحظ الفرائض الإسلامية، ففيما اذا كان المورّث هو الأب والأُم فللذكر مثل حظ الانثيين، وفيما اذا كان المورّث هو الولد فالأُم والأب متساويان، يقول سبحانه: لِكُلِّ واحِد مِنْهُما السُّدُسُ(2)
واذا تركت المرأة المتوفّاة زوجها وابنتها، فالابنة ترث

-1-. النساء : 7 .
-2-. النساء : 11.

صفحه 82
النصف والزوج الربع، فهنا ترث الأُنثى ضعف ما يرثه الذكر، قال سبحانه :
فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيّة يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْن(1)
الى غير ذلك من صور الفرائض التي شرحها الفقهاء.
نعم الاختلاف في الميراث تابع لملاكات خاصّة يجمعها عنوان الأقربية، ومسوولية الإنفاق ، فالأقرب يمنع الأبعد، كما أنّ مَن يقع على عاتقه الإنفاق يرث أكثر من غيره.
4. ومن حقوق المرأة حريتها المالية التي ما بلغ اليها الغرب الى الأمس الغابر، قال سبحانه: لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبُوا وَلِلنّساءِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللّهَ مِنْ فَضْلِهِ اِنَّ اللّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيماً.(2) فأي كلمة أظهر وأرفع من هذه الكلمة، حيث أعلن عن استقلالية كلّ من الرجل والمرأة في حقوقهما وأموالهما.
أمّا الصَّداق )المَهر( فهو عطية خالصة من الزوج الى الزوجة، وله تأثير في انعاش حياة المرأة مادّياً، والإبقاء على علقة الزوجية.
فاذا تزوّج الرجل على مهر معيّن، فليس له التنصّل عن تعهّده، بل يجب عليه اعطاء ما نحل، قال سبحانه: وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً(3)

-1- النساء: 12.
-2- النساء: 32
-3-. النساء : 4 .

صفحه 83
نعم لو وهبته عن طيب نفس جاز للرجل أخذه، شأن كلّ هبة
كان للواهب فيها رضى، قال سبحانه: فَاِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْء مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً(1)
5. والقرآن يندّد بالزوج الذي يضيِّق الخناق على زوجته ويسيء معاملتها كي تتنازل عن مهرها، يقول سبحانه : وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ اِلاَّ أَنْ يَأْتينَ بِفاحِشَة مُبَيِّنَة وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ(2)
6. ثم يوكّد مرّة أُخرى بأنّه لو دفع الزوج لها مالاً كثيراً فليس له أخذه منها، يقول سبحانه: وَاِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبدالَ زَوْج مكانَ زَوْج وَآتَيْتُمْ اِحْداهُنَّ قِنطاراً فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَاِثْماً مُبِيناً(3)
الثالث : الوظائف التي تقع على عاتق المرأة
انّ التعاون بين أفراد المجتمع الإنساني شرط بقائه، فلو حذفنا التعاون من قاموس المجتمع لانهار، والأُسرة مجتمع صغير واللَّبِنة الأُولى للمجتمع الكبير، فلا تقوم حياة الأُسرة الّا بالتعاون ،

-1-. النساء 4:.
-2-. النساء : 19 .
-3-. النساء : 20 .

صفحه 84
وحقيقة التعاون عبارة عن أن يكون كلّ واحد له حقّ وعليه حقّ، وهذا ما يعبّر
عنه الذكر الحكيم بكلمة بليغة جامعة لا يمكن أن يباريه فيها أحد، قال سبحانه : وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ(1)
ويظهر معنى الآية من خلال النظر الى الأُسرة الإسلامية فمسوولية المرأة القيام بتدبير المنزل ورعاية الأُسرة وتربية الأطفال وليس هذا أمراً سهلاً، ولا تقوم به الّا الأُمّ التي ينبض قلبها بالرأفة والحنان.
ومن زعم أنّ دُور الحضانة تحلّ محلّ الأُمّ في القيام بتلك الوظائف، فقد أخطأ ولم يقف على المضاعفات السلبية التي تتركها تلك الدور على حالات الأطفال النفسية.
وقد أشار سبحانه الى مسؤولية المرأة، بقوله : وَالوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَولادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَة،)2( فالأُمّ أحقّ من غيرها في رضاعة ولدها، وليس لب أن يرغمها على ارضاع ولده، فاذا تطوّعت بذلك استحقّت أُجرة الرضاعة، لقوله تعالى : فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوف وَاِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى(2).

-1-. البقرة : 228 .2 . الطلاق: 6 .
-2-. الطلاق: 6 .

صفحه 85
كما أشار تعالى الى المسوولية التي تقع على عاتق الرجل، بقوله : وَعَلى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ اِلّا وُسْعها(1) فعلى الزوج القيام بما تحتاج اليه زوجته في حياتها من
الملبس والمطعم والمسكن، ونحو ذلك من مستلزمات الحياة.
وهكذا يسعى كلّ من الزوجين الى اقامة بناء الأُسرة على أساس من التعاون والتآزر، فتكون الزوجة عوناً للزوج، والزوج عوناً لها، ليطيب العيش بينهما، وينعمان بالسعادة والهناء.
هذه نظرة اجمالية الى ملامح حقوق المرأة في القرآن، وثمّة بحوث ضافية لا سيّما حول حريتها الثقافية والاجتماعية والسياسية التي طرحت في العصور المتأخّرة وموقف القرآن منها نتركها الى مجال آخر.
المساواة والعدالة
انّ الغرب يتبنّى موقف المساواة بين الرجل والمرأة ويريد منهما أن ينزلا الى معترك الحياة ويقوما بعامّة الوظائف كتفاً الى كتف، سواء أكانت منسجمة مع طبيعة كلّ منهما أم لا.
هذا هو الذي يتبنّاه الغرب، فالمرأة لا بدّ لها أن تشارك الرجل

-1-. البقرة : 233.

صفحه 86
في ميادين الحرب والقتال والسياسة والزعامة وميادين العمل والاستثمار ولا يترك ميداناً خاصّاً للمرأة أو الرجل الّا يسوقهما اليه بدعوى المساواة.
ولكن القرآن يتبنّى العدالة بين الرجل والمرأة ويخالف المساواة، اذ ربّما تكون المساواة ضد العدالة وربّما لا تنسجم مع طبيعتهما، ومَن يدّعي المساواة، فكأنّه ينكر الفوارق الموجودة في نفسياتهما وغرائزهما ويتعامل معهما معاملة انسان سلبت منه الغرائز الفطرية ولم يبق فيه رمق الّا القيام بالأعمال المخوّلة له.
وهذا موضوع مهمّ يحتاج الى التفصيل حتى يتّضح من خلاله موقف القرآن.
انّ التساوي في الإنسانية لا يعني التساوي في جميع الجهات وفي القدرات والغرائز والنفسيات حتى يتجلّى الجنسان، جنساً واحداً لا يختلفان الّا شكلياً، ومَن يقول ذلك فانّما يقوله بلسانه وينكره عقله ووجدانه.
لا شكّ أنّ بين الجنسين فوارق ذاتية وعرضية، فالأُولى نابعة من خلقتهما، والثانية تلازم وجودهما حسب الظروف والبيئة، ومن ثمّ صارت تلك الفوارق مبدأً للاختلاف في المسووليات والأحكام.
جعل الإسلام فطرة المرأة وخلقتها، المقياس الوحيد في

صفحه 87
تشريعه وتقنينه، وهذا هو سرّ خلود تشريعه، وأمّا التشريع الذي لا يأخذ الفطرة بنظر الاعتبار ، ويقنّن لكلّ من الأُنثى والذكر على حدّ سواء، فربّما لا ينسجم مع الفطرة والخلقة ويخلق تعارضاً بين القانون ومورده ويورث سلبيات كثيرة كما نشاهده اليوم في الحضارة الغربية.

صفحه 88
ما هو السرّ في زواجه 6 بزينب بنت جحش؟
المقام السادس :
ما هو السرُّ في
زواجه صلي الله عليه و آله بزينب بنت جحش؟
انّ زينب بنت جحش بنت عمّة النبيّ صلي الله عليه و آله وأُمها أُميمة بنت عبد المطلب، وأبوها جحش من بني أسد، فهي من جانب الأُم هاشمية ومن جانب الأب أسدية، وقد خطبها زيد بن حارثة بأمر النبيّ صلي الله عليه و آله لكنّ زينب وأخاها لم يبديا رغبة في هذا الأمر واعتذرا بعبودية زيد السابقة حتّى نزل قوله سبحانه يندد برفض زيد من قبل زينب وأخيها قائلاً : وَمَا كَانَ لِمُوْمِن وَلاَ مُوْمِنَة اِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِينًا(1)
وبهذا الأمر أزال النبيّ صلي الله عليه و آله الفواصل بين طبقات المجتمع

-1-. الأحزاب: 36 .

صفحه 89
حيث تزوج من له سابقة العبودية بامرأة كريمة الحسب والنسب .
ثم انّ هذا الزواج لم يدم طويلاً وحاول زيد تطليق زينب وقد أمره رسول الله صلي الله عليه و آله بامساكها وعدم طلاقها، ولكن اصرار زيد على مفارقتها غلب على كلّ شيء وطلّقها وافترقا.
ثم انّه سبحانه أمر النبيّ صلي الله عليه و آله بالزواج من زينب بعد الطلاق والخروج من العدّة لإبطال سنّة جاهليّة، وهذا هو الّذي استغلّه المستشرقون وأثاروا حوله شبهة يجترها واحد بعد واحد مستندين في ذلك الى ما رواه الطبري في تفسيره: قالوا خرج رسول الله يوماً يريد زيدآ وعلى الباب ستر من شعر فرفعته الريح فرأى زينب وهي حاسرة فأعجبته وصار ذلك سبباً لتزويجه ايّاها بعد تطليق زيد... الى آخر هذه الخرافة .(1)
وقد تعلّق المستشرقون بهذه الرواية فتحوّلت القصّة الى ما يشبه قصص ألف ليلة وليلة، وقد رواها الطبري والجزري في تاريخيهما، ولا يعتد بنقلهما الّا بعد الفحص والتمحيص، فانّهما قد جمعا كلّ غث وسمين، وكلّ رطب ويابس.
ثم انّ القرآن يرشدنا الى ما هي الغاية من تزويج زينب واليك بيان ذلك :

-1-. تاريخ الطبري: 2 / 222 .

صفحه 90
1. ابطال سنّة جاهلية
يوجد في المجتمع العربي الجاهلي أبناء لا يعرف لهم آباء، أو لهم آباء معروفون، لكن الرجل الأجنبي يعجبه أحد هؤلاء فيتبنّاه ويلحقه بنسبه، وتصير له حقوق البنوّة وملحقاتها، ولمّا كان هذا شذوذاً في الأساس أبطله الإسلام; لأنّ الولد الحقيقي ينتمي الى أبيه بجذور تكوينية فيكون وجود الولد امتداداً طبيعياً لوالده، وأين هذا من الولد المتبنّى الذي ينتمي الى أبيه لا الى مَن تبنّاه؟ ولأجل ابطال هذه العادة الجاهلية قال سبحانه: وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ * ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ فَاِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَاِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُورا رَحِيماً(1)
وبهذا أبطل سنّة جاهلية حيث أمر المسلمين أن يدعوهم بآبائهم .
2. ابطال سنّة جاهلية ثانية
كان زيد بن حارثة رقّاً مملوكاً لرسول الله صلي الله عليه و آله فأعتقه وتبنّاه، وكانت العرب تتعامل مع زوجة الولد المتبنّى، معاملة زوجة

-1-. الأحزاب: 4 و 5 .

صفحه 91
الولد الحقيقي، فاراد سبحانه أن يبطل هذه السنة الجاهلية الثانية الّتي كانت
لها جذور في حياتهم حيث كان التقليد أمراً سائداً في المجتمع العربي بحيث لم يكن أحد يجرؤ على نقضه، الى أن أمر الله سبحانه رسوله أن يتزوّج مطلّقة دعيّه حتّى يثبت بهذا العمل أنّ متبنّاه ليس ولداً حقيقياً، كما سيوافيك تفصيله عند تفسير الآيات. وقد أثار عمل النبيّ صلي الله عليه و آله هذا بين المنافقين ومَن في قلوبهم مرض، ضوضاء وصخباً فاتّهموا النبيّ صلي الله عليه و آله بأنّه تزوّج مطلّقة ابنه الّذي تبنّاه جهلاً وغفلةً، ولم يعلموا أنّ النبيّ صلي الله عليه و آله استهدف تهديم سنّة جاهلية مقيتة، واعادة العلاقات العائلية الى مسارها الصحيح.
وهذا ما يبيّنه الذكر الحكيم في الآية التالية :
قال تعالى: وَاِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُوْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ اِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرا وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً :

صفحه 92
الآية تشير الى ما مرّ من أنّ النبيّ صلي الله عليه و آله لمّا وقف على أنّ زيداً بصدد تطليق زوجته وعظه ونصحه كما يقول: وَاِذْ: أي اذكر تَقُولُ لِلذِي) : أي زيد أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ بالإيمان والخلاص من أيدي المشركين وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ بالعتق والتبنّي والمحبّة أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ: أي لازم عشرتها.
قوله تعالى: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ: أي تخفي الوحي الإلهي الذي أنزله الله عليك في «زيد»، حيث انّ الله قد فرض على النبي صلي الله عليه و آله أن يتزوّج مطلّقة زيد الذي تبنّاه ليرتفع بذلك الحرج عن المؤمنين في التزوّج بمطلّقات أبنائهم بالتبنّي، وكان صلي الله عليه و آله يخفي ذلك الأمر في نفسه الى حين، مخافة سوء أثره في الناس، فأمّنه الله من ذلك وقال: وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ) .
كان النبيّ صلي الله عليه و آله يعلم أنّ ثمّة في المجتمع مَن يتصيّد في الماء العكر، ويسارع ـ في مثل هذه الأحوال ـ الى بثّ الإشاعات المغرضة والأقاويل الباطلة، الأمر الّذي يؤثّر على منزلته صلي الله عليه و آله السامية في النفوس، ومن ثمّ على دوره كنبيّ داع الى الحقّ، والى الاستقامة عليه في القول والفعل والسلوك. ومن هنا كان صلي الله عليه و آله يتريّث في اظهار ما ألهمه الله من الحكم في أمر زيد وامرأته، حذراً من أن تخوض فيه بالباطل تلك الألسنة الآثمة، فجاءت هذه الفقرة من الآية وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ حاثّة له على عدم الالتفات الى ما سيقولونه، وأنْ يمضي قُدُماً في تنفيذ ما فُرض عليه.
ثم انّه يدلّ على ما ذكرنا من أنّ المراد من قوله: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ

صفحه 93
الوحي الذي نزل عليك في تزوّج امرأة زيد بعد فراقه ايّاها، قوله سبحانه: فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُوْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ اِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرا فهذا
يدلّ على أنّه سبحانه قضى بأن يتزوّج النبيّ بزوجة زيد بعد طلاقها، ليكون القدوة على مستوى الممارسة العملية في كسر التقاليد الجاهلية، ولم يكن تزوّجه ايّاها من تلقاء نفسه أو من جهة أُخرى وانّما كان امتثالاً لأمر الله، كما يقول: وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً: أي نافذاً وواقعاً .
ثم انّ النبيّ صلي الله عليه و آله لمّا كان في حرج نفسي من هذا الأمر، أوحى اليه سبحانه الآية التالية: مَا كَانَ عَلَى النَّبيِّ مِنْ حَرَج فِي مَا فَرَضَ اللهُ لَهُ سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرا مَقْدُورا.
فقوله تعالى: مَا كَانَ عَلَى النَّبيِّ مِنْ حَرَج فِي مَا فَرَضَ اللهُ لَهُ) : أي ليس على النبيّ حرج ومنع فيما أحلّ الله له من نكاح امرأة مَن تبنّاه بعد فراقه ايّاها، وليس هذا أمراً خاصّاً بالنبي بل هو سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ: أي سنّة الأنبياء الذين مضَوا من قبل، وهل المراد حلّيّة زوجة المتبنّى بعد التطليق، أو المراد كثرة الزوجات والسراري؟ والأوّل أرجح.
وأمّا قوله تعالى: وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرا مَقْدُورا فهو كالفقرة

صفحه 94
الّتي سبقته ـ أعني قوله تعالى: وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً ـ والمراد أنّ تشريع الله هو الذي قُدّر، ولا محال هو كائن.
وبذلك اتضّح السرّ الواقعي في تزويج النبيّ صلي الله عليه و آله بنت عمته بعد تطليق زيد لها، لا ما اختلقه المستشرقون كما مرّ.

صفحه 95
المقام السابع :
الشريعة الإسلامية شريعة عقلانية
لا شكّ أنّ الشرائع السماوية تدعو الى الاهتمام بأُمور تعبّدية وأُمور تعقّليّة.
أمّا الأمر الأوّل فهو عبارة عن الإيمان بالله سبحانه وملائكته واليوم الآخر وما فيه من الجنة والنار، ومواقفه من الأعراف ونحوه، وهذه الأُمور يجب الإيمان بها ولا يتمكّن الإنسان من ادراك كنهها وهو في عالم المادة، ولذلك يقول سبحانه: الَّذِينَ يُوْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلوةَ(1)
وأمّا الأمر الثاني فهو عبارة عمّا يدركه الإنسان بفطرته السليمة وبعقله الحصيف .
ثم انّ غير واحد من المُحدَثين يتّهمون الشريعة الإسلامية الغراء بالدعوة الى التعبّد فقط ويصفونها بالتحجّر، ولأجل دفع هذه

-1-. البقرة: 3 .

صفحه 96
الشبهة ندرس فيما يلي مقاصد الشريعة العامّة الّتي يدركها الإنسان بفطرته السليمة وعقله الحصيف، مضافاً الى أنّ القرآن قد أمر بالتفكّر والتعقّل في غير واحدة من الآيات، لمن أراد التفصيل فليراجع المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، ليتعرّف على الآيات الّتي تدعو الناس الى التدبّر والتفكّر في أُمور الدنيا والدين.
وقبل الخوض في البحث نقدّم أُموراً :
أفعاله سبحانه تكويناً وتشريعاً معلّلة بالغايات
انّ الرأي السائد لدى الأشاعرة، هو أنّ أفعال الله سبحانه لا تكون معلّلة بالأغراض والمقاصد، مستدلّين بأنّه لو كان فعله خاضعاً للغرض لكان ناقصاً في ذاته، مستكملاً بتحصيل ذلك الغرض، لأنّه لا يصلح غرضاً للفاعل الّا ما هو أصلح له من عدمه وهو معنى الكمال.(1)
ولكنّهم خلطوا بين الغرض العائد الى الفاعل، والغرض المترتّب على الفعل، ـ وان كان المستفيد غيره سبحانه ـ فالاستكمال لازم الصورة الأُولى دون الثانية، والقائل بكون أفعاله معلّلة بالأغراض والدواعي، يعني بها الصورة الثانية دون الأُولى، وتبعية الفعل للغرض بالمعنى الأوّل ينافي كونه غنيّاً في ذاته

-1-. المواقف231:.

صفحه 97
وصفاته وأفعاله، ولكنّها بالمعنى
الثاني توجب خروج فعله عن كونه عبثاً ولغواً، وكونه سبحانه عابثاً ولاغياً، فالجمع بين كونه غنيّاً غير محتاج الى شيء، وكونه حكيماً منزّهاً عن العبث واللغو، يتحقّق باشتمال أفعاله على حِكَم ومصالح ترجع الى العباد لا الى وجوده وذاته، كما لا يخفى.
انّ القرآن الكريم يُجلّ الله سبحانه أن تكون أفعاله الكونية عبثاً بلا غرض، وسُدى بلا غاية، لأنّ العبث يضادّ كونه حكيماً يضع الأشياء مواضعها.
قال سبحانه :
1. أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ اِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ(1) .
2. وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ(2)
3. وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْل لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ(3) .
4. وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ اِلاَّ لِيَعْبُدُونِ)(4، الى غير ذلك من الآيات التي تَنفي العبث عن فعله سبحانه، وتصرّح باقترانه بالحكمة والغرض، ومع هذه التصريحات القاطعة للعذر، كيف

-1-. المؤمنون115:.
-2-. الدخان38:.
-3-. ص27:.4 . الذاريات56:.

صفحه 98
يتفلسف الأشعري بما ذكره من الدليل العقلي وينفي كلّ غرض وغاية
عن فعله، ويعرّف فعله سبحانه على خلاف الحكمة، مع أنّ من صفاته كونه حكيماً؟!
وكما أنّ أفعاله الكونية مقرونة بالغرض، فكذا تشريعاته في عامّة المجالات تابعة لأغراض تحقّق مصالح للناس عاجلاً وآجلاً.
وسيوافيك نصوص الذكر الحكيم وما رُوي عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام في هذا الصدد.
الشيعة الإمامية ومقاصد الشريعة
انّ الشيعة الإمامية عن بكرة أبيهم أكّدوا على أنّ الأحكام الشرعية تابعة للمقاصد والأغراض، فلا واجب الّا لمصلحة في فعله، ولا حرام الّا لمفسدة في اقترافه، وقد تحقّق عندهم انّ للتشريع الإسلامي نظاماً لا تعتريه الفوضى. وهذا الأصل وان خالف فيه بعض الأُمّة)الأشاعرة(، غير أنّ نظرهم محجوج بكتاب الله وسنّة نبيّه ونصوص خلفائه. واليك البيان :
المراد من الأغراض والدواعي، ما يترتّب على تشريع الحكم من مصالح اجتماعية أو فردية، أو دفع مفاسد كذلك، مثلاًأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ لما في اباحته من منافع، وَحَرَّمَ الرِّبَا لما في تحريمه من درء مفاسد لا تخفى.

صفحه 99
ومن قرأ القرآن بامعان ودقّة، وتدبّر في آيات التشريع
والأحكام، يقف بوضوح على أنّه سبحانه تارة يصرّح بعلل التشريع ودوافعه، وأُخرى يشير اليها بأروع الإشارات، ونحن نذكر من كلّ قسم شيئاً.
التصريح بالعلل
قد وردت في الذكر الحكيم آيات تتضمّن تشريع الأحكام مقرونة بذكر عللها والمصالح التي تترتّب عليها، أو المفاسد التي تُدرأ بها، نظير :
1. اِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * اِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلَوةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ(1)
فالآيتان تشتملان على علل تشريع حرمة الخمر والميسر وما عطف عليهما من الأنصاب والأزلام، امّا بالإشارة اليها كقوله: رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ولَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وامّا بالتصريح بها كما في الآية الثانية بأنّ مزاولتهما تورث العداء والبغضاء وتصدّ عن ذكر الله.

-1-. المائدة90:ـ 91.

صفحه 100
2. مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَللهِ وَلِلرَّسُولِ وَلذِي الْقُرْبى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً
بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ اِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ(1)
جعل الفيء لله وللرسول ولمن عطف عليهما، لئلّا يتم تداول الثروة دائماً بين الأغنياء.
3. وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوا بِغَيْرِ عِلْم...(2)
فقد نهى سبحانه عن سبّ آلهة المشركين، لأنّه ينتهي الى سبّ الله سبحانه.
4. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِذَا قُمْتُمْ اِلَى الصَّلَوةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ اِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُوُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ اِلَى الْكَعْبَيْنِ وَاِنْ كُنْتُمْ جُنُبا فَاطَّهَّرُوا وَاِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَر أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدا طَيِّبا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَج وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.(3

-1-. الحشر7:.
-2-. الأنعام108:.3 . المائدة6:.

صفحه 101
أمر تبارك وتعالى بغسل الوجوه والأيدي ومسح الرؤوس
والأرجل لمن كان واجداً للماء، كما أمر فاقده بالتيمّم بمسح الوجوه والأيدي بما يعلق بها من الغبار، ثمّ علّل سبحانه الأمر بالطهارة أعم من المائية والترابية بأنّه لغاية تطهيركم لا لإيجاد الحرج عليكم.
5. وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاة يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(1)
أمر سبحانه بالقصاص وقتل النفس بالنفس لما فيه حياة للمجتمع.
6. أنّه سبحانه بعد ما قصّ نبأ ابني آدم وأنّ أحد الأخوين قتل الآخر قال: مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي اِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسا بِغَيْرِ نَفْس أَوْ فَسَاد فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعا(2)
فجعل وقوع تلك الحادثة الفجيعة سبباً لكتابته سبحانه على بني اسرائيل: أنّه من قتل نفساً ـ بغير حقّ ـ فكأنّما قتل الناس جميعاً، فالحكم المكتوب على بني اسرائيل نابع عن قصّة ابني آدم.

-1-. البقرة179:.
-2-. المائدة32:.

صفحه 102
7. فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُوْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ اِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرا وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً(1)
كان الحكم السائد في الجاهلية تحريم تزوّج الرجال بأزواج أدعيائهم، وحينما طلّق زيدٌ )الذي تبنّاه رسول الله في الجاهلية( امرأته زينب بنت عمّة النبي صلي الله عليه و آله، أمر سبحانه نبيّه الكريم أن يتزوّجها بهدف اماتة تلك السنّة الجاهلية، وبذلك جسّد صلي الله عليه و آله قوله سبحانه: لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُوْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ.
8. أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَاِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَق اِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ(2)
فقد علّل سبحانه الإذن بقتال الظالمين بقوله: بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا فالآية صريحة في أنّ المظلوم مأذون في قتال الظالم مادام كونه مظلوماً والآخر ظالماً.
9. وَأَقِمِ الصَّلَوةَ اِنَّ الصَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ(3) ،
فلكونها ناهية عنهما صارت سبباً لمر باقامتها.

-1-. الأحزاب37:.
-2-. الحج39:ـ 40.
-3-. العنكبوت45:.

صفحه 103
10. وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّة وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْء فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ اِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ(1)
وقد أمر سبحانه بلزوم التأهّب واتّخاذ العدّة للقتال، وذلك لغاية ارهاب عدو الله وعدو المسلمين من غير فرق بين معلوم العداء وغيره.
هذه نماذج من آيات التشريع التي صرّح الذكر الحكيم بعللها، واليك نماذج من القسم الآخر.
الإلماع الى علل التشريع دون التصريح
هناك آيات في الذكر الحكيم تشير الى علل الأحكام لا بصورة واضحة، بل بالكناية والإشارة يقف عليها مَن تدبّر الذكر الحكيم، واليك نماذج من هذا القسم :
1. وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيز حَكِيمٌ(2) ، فالآية مشتملة على التعليل الصريح
مثل قوله: جَزَاءً بِمَا كَسَبَا وقوله :نَكَالاً مِنَ اللهِ،

-1-. الأنفال60:.
-2-. المائدة38:.

صفحه 104
وعلى الإشارة اليه حيث علّق لزوم القطع على عنواني السارق والسارقة مشيراً الى أنّ علّة القطع هي السرقة، وقد اشتهر قولهم: «تعليق الحكم بالوصف مشعر بالعلّية».
2. الزَّانِيَةُ وَالزَّاني فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِد مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَة وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَة فِي دِينِ اللهِ اِنْ كُنْتُمْ تُوْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَة مِنَ الْمُوْمِنِينَ(1)
فالآية مشتملة على الإشارة بالتعليل وهو تعليق الحكم على عنوان الزانية والزاني.
3. فَاِذَا قَضَيْتُمْ الصَّلَوةَ فَاذْكُرُوا اللهَ قِيَاما وَقُعُودا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَاِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَوةَ اِنَّ الصَّلَوةَ كَانَتْ عَلَى الْمُوْمِنِينَ كِتَابا مَوْقُوتًا(2)
ذكر سبحانه في هذه الآية صلاة الخوف وبيّن كيفيتها، ولمّا كان هناك سؤال وهو أنّه سبحانه اذا كان بصدد التخفيف عن العباد، فلماذا لم يأمر بتأخير الصلاة حتى يستقر المسافر في بلده؟ فأجاب سبحانه عن ذلك بقوله: اِنَّ الصَّلَوةَ كَانَتْ عَلَى الْمُوْمِنِينَ كِتَابا مَوْقُوتًا: أي أنّ الصلاة قد شرّعت مؤقتةً بأوقات لابدّ من أدائها فيها بقدر الإمكان.

-1-. النور2:.
-2-. النساء103:.

صفحه 105
4. فَبِظُلْم مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَات أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيرا(1)
ففي الآية الماع الى علّة تحريم الطيبات على اليهود وهو ظلمهم وصدّهم عن سبيل الله.
5. قُلْ لِلْمُوْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ اِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ(2)
فقد أشار سبحانه الى علّة تشريع الحكم وايجاب غضّ البصر وحفظ الفروج بقوله: ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ.
6. وَاِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَاب ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ(3)
فقد علّل سبحانه لزوم السؤال من وراء الحجاب بأنّه مورث لطهارة قلوب السائل والمسؤول.
7. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَاِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدا فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُوْذَنَ لَكُمْ وَاِنْ قِيلَ لَكُمُ

-1-. النساء160:.
-2-. النور30:.
-3-. الأحزاب53:.

صفحه 106
ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ(1)
ترى أنّه سبحانه يشير الى علّة التشريع في الآية بقوله: ذَلِكُمْ
خَيْرٌ لَكُمْ، وفي الآية الثانية :هُوَ أَزْكَى لَكُمْ.
8. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(2) ، فالغاية من كتابة الصيام على عامّة
الأُمم والمسلمين، هو رجاء الاتّقاء عن المعاصي، ولك أن تجعل بعض ما ذكر من قبيل التصريح لا الإلماع والإشارة.
الاستدلال بالروايات
1. قال الإمام علي عليه السلام: فَرَضَ آللهُ آلإِيمَانَ تَطْهِيرآ مِنَ الشِّرْكِ، وَالصَّلاَةَ تَنْزِيهآ عَنِ آلْكِبْرِ، وَالزَّكَاةَ تَسْبِيبآ لِلرِّزْقِ، وَالصِّيَامَ آبْتِلاَءً لإِخْلاَصِ آلْخَلْقِ، وَآلْحَجَّ تَقْرِبَةً لِلدِّينِ، وَآلْجِهَادَ عِزّآ لِلاِْسْلاَمِ، وَآلاَْمْرَ بِالْمَعْرُوفِ مَصْلَحَةً لِلْعَوَامِّ، وَالنَّهْيَ عَنِ آلْمُنْكَرِ رَدْعآ لِلسُّفَهَاءِ، وَصِلَةَ الرَّحِمِ مَنَْماةً لِلْعَدَدِ، وَآلْقِصَاصَ حَقْنآ لِلدِّمَاءِ، وَاِقَامَةَ آلْحُدُودِ اِعْظَامآ لِلْمَحَارِمِ، وَتَرْكَ شُرْبِ آلْخَمْرِ تَحْصِينآ لِلْعَقْلِ، وَمُجَانَبَةَ السَّرِقَةِ اِيجَابآ لِلْعِفَّةِ، وَتَرْكَ الزِّنَى تَحْصِينآ لِلنَّسَبِ، وَتَرْكَ اللِّوَاطِ تَكْثِيرآ لِلنَّسْلِ، وَالشَّهَادَاتِ آسْتِظْهَارآ عَلَى

-1-. النور27:ـ 28.
-2-. البقرة183:.

صفحه 107
آلُْمجَاحَدَاتِ، وَتَرْكَ آلْكَذِبِ تَشْرِيفآ لِلصِّدْقِ، وَالسَّلاَمَ )والاسلام( أَمَانآ مِنَ آلَْمخَاوِفِ، وَالأَْمَـانَةَ )الامامة( نِظَامآ لِلاُْمَّةِ، وَالطَّاعَةَ تَعْظِيمآ لِلاِْمَامَةِ.(1)
وقال عليه السلام: قال الله عزّ وجلّ من فوق عرشه: يا عبادي أطيعوني فيما أمرتكم، ولا تُعلّموني بما يصلحكم، فانّي أعلم به ولا
2.أبخل عليكم بصالحكم(2)
3. وقال عليه السلام أيضاً، حول فريضة الصلاة والزكاة :«وَعَنْ ذلِكَ مَا حَرَسَ آللهُ عِبَادَهُ آلْمُؤْمِنِينَ بِالصَّلَوَاتِ وَالزَّكَوَاتِ، وَمُجَاهَدَةِ الصِّيَامِ فِي آلاَْيَّامِ آلْمَفْرُوضَاتِ، تَسْكِينآ لاَِطْرَافِهِمْ، وَتَخْشِيعآ لأَبْصَارِهِمْ، وَتَذْلِيلا لِنُفُوسِهِمْ، وَتَخْفِيضآ )تخضيعآ( لِقُلُوبِهِمْ، وَاِذْهَابآ لِلْخُيَلاَءِ عَنْهُمْ، وَلِمَا فِي ذلِكَ مِنْ تَعْفِيرِ عِتَاقِ آلْوُجُوهِ بِالتُّرَابِ تَوَاضُعآ، وَآلْتِصَاقِ كَرَائِمِ آلْجَوَارِحِ بِالاَْرْضِ تَصَاغُرآ، وَلُحُوقِ آلْبُطُونِ بِالْمُتُونِ مِنَ الصِّيَامِ تَذَلُّلا(3)
4. وقالت فاطمة الزهراء 3 سيدة النساء في خطبتها المعروفة بعد رحيل أبيها صلي الله عليه و آله: لله فيكم عهد قدّمه اليكم، وبقيّة استخلفها عليكم، كتاب الله الناطق، والقرآن الصادق، والنور

-1-. نهج البلاغة، قسم الحكم252:.
-2-. عدة الداعي31:.
-3-. نهج البلاغة، الخطبة192:، تصحيح صبحي الصالح.

صفحه 108
الساطع، والضياء اللّامع، بيّنة بصائره، منكشفة سرائره، منجلية ظواهره، مغتبط به أشياعه، قائد الى الرضوان أتباعه، مؤدّ الى النجاة استماعه، به تنال حجج الله المنوّرة، وعزائمه المفسّرة، ومحارمه المحذّرة، وبيّناته الجالية، وبراهينه الكافية، وفضائله المندوبة، ورخصه الموهوبة،
وشرائعه المكتوبة.
فجعل الله الإيمان تطهيراً لكم من الشرك، والصلاة تنزيهاً لكم عن الكبر، والزكاة تزكية للنفس ونماءً في الرزق، والصيام تثبيتاً للإخلاص، والحجّ تشييداً للدين، والعدل تنسيقاً للقلوب، وطاعتنا نظاماً للملّة، وامامتنا أماناً من الفرقة، والجهاد عزّاً للإسلام [وذلّاً لأهل الكفر والنفاق]، والصبر معونة على استيجاب الأجر، والأمر بالمعروف مصلحة للعامّة، وبرّ الوالدين وقاية من السخط، وصلة الأرحام منسأة في العمر ومنماة للعدد، والقصاص حقناً للدماء، والوفاء بالنذر تعريضاً للمغفرة، وتوفية المكاييل والموازين تغييراً للبخس، والنهي عن شرب الخمر تنزيهاً عن الرجس، واجتناب القذف حجاباً عن اللّعنة، وترك السرقة ايجاباً للعفّة، وحرّم الله الشرك اخلاصاً له بالربوبية، فاتّقوا الله حقّ تقاته، ولا تموتنّ الّا وأنتم مسلمون، وأطيعوا الله فيما أمركم به و[ما ]نهاكم عنه، فانّه انّما يخشى الله من عباده العلماء(1)

-1-. الاحتجاج1:/258ـ259.

صفحه 109
5. وهذا باقر الأُمّة وامامها عليه السلام يقول: «انّ مدمن الخمر كعابد وثن، ويورثه الارتعاش، ويهدم مروته ويحمله على التجسّر على المحارم من سفك الدماء وركوب الزنا(1)
6. روى جميل بن درّاج، عن أبي عبد الله عليه السلام أنّه سأله عن شيء
من الحلال والحرام؟ فقال :«انّه لم يجعل شيء الّا لشيء(2)
قال العلّامة المجلسي معلّقاً على الحديث: أي لم يشرّع الله تعالى حكماً من الأحكام الّا لحكمة من الحكم، ولم يحلّل الحلال الّا لحسنه، ولم يحرّم الحرام الّا لقبحه، لا كما تقوله الأشاعرة من نفي الغرض وانكار الحسن والقبح العقليّين; ويمكن أن يعمّ بحيث يشمل الخلق والتقدير أيضاً، فانّه تعالى لم يخلق شيئاً أيضاً الّا لحكمة كاملة وعلّة باعثة.
7. عن هشام بن الحكم، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن علّة الصيام؟ قال: «العلّة في الصيام ليستوي به الغنيّ والفقير، وذلك أنّ الغنيّ لم يكن ليجد مسّ الجوع فيرحم الفقير، لأنّ الغنيّ كلّما أراد شيئاً قدر عليه، فأراد الله عزّ وجلّ أن يسوّي بين خلقه وأن يذيق الغنيّ مسّ الجوع والألم ليحسن على الضعيف ويطعم الجائع(3)

-1-. بحار الأنوار65:/164 .
-2-. بحار الأنوار6:/110.
-3-. فضائل الأشهر الثلاثة102:.

صفحه 110
8. روى محمد بن سنان قال: سمعت علي بن موسى بن جعفر عليهم السلام يقول: «حرّم الله الخمر لما فيها من الفساد ومن تغييرها عقول شاربيها، وحملها ايّاهم على انكار الله عزّ وجلّ، والفرية عليه وعلى رسله، وسائر ما يكون منهم من الفساد والقتل، والقذف، والزنا، وقلّة الاحتجاز من شيء من الحرام، فبذلك قضينا على كلّ مسكر من
الأشربة أنّه حرام محرّم، لأنّه يأتي من عاقبتها ما يأتي من عاقبة الخمر; فليجتنب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتولّانا وينتحل مودّتنا كلّ شراب مسكر فانّه لا عصمة بيننا وبين شاربيها(1)
9. قال الإمام الطاهر علي بن موسى الرضا عليه السلام :انّ الله تبارك وتعالى لم يبح أكلاً ولا شرباً الّا لما فيه المنفعة والصلاح، ولم يحرّم الّا ما فيه الضرر والتلف والفساد(2)
10. وقال عليه السلام في الدم: «انّه يسيء الخلق، ويورث القسوة للقلب، وقلّة الرأفة والرحمة، ولا يؤمن أن يقتل ولده ووالده(3)
11. وقال الرضا عليه السلام :انّا وجدنا كلّ ما أحلّ الله تبارك وتعالى ففيه صلاح العباد وبقاؤهم، ولهم اليه الحاجة التي لا يستغنون عنها;

-1-. بحار الأنوار6:/107.
-2-. مستدرك الوسائل3:/71.
-3-. الاختصاص103:; لاحظ : بحار الأنوار : 64/164، قسم الهامش.

صفحه 111
ووجدنا المحرّم من الأشياء، لا حاجة للعباد اليه، ووجدناه مفسداً داعياً الى الفناء والهلاك(1)
12. وقال الإمام الرضا عليه السلام :انّما أُمروا بالصلاة، لأنّ في الصلاة الإقرار بالربوبية، وهو صلاح عام، لأنّ فيه خلع الأنداد والقيام بين يدي
الجبار(2)
الى غير ذلك من النصوص المتضافرة عن أئمّة الدين.
***
ثمرة التعرّف على المقاصد في الفقه الإسلامي
تظهر ثمرة التعرّف على مقاصد الشرع وأغراضه في مقامين :
1. تقديم أحد المتزاحمين على الآخر، كتقديم حفظ الدين على حفظ النفس، وهكذا، كما سيوافيك بيانه.
2. كون التعرّف على المقاصد، من مصادر التشريع بحيث يستكشف الحكم الشرعي من العلم بالغرض. واليك دراسة مقامين :

-1-. معادن الحكمة2:/151.
-2-. وسائل الشيعة3:/5.

صفحه 112
المقام الأوّل: تقديم أحد المتزاحمين على الآخر لأجل التعرّف على المقاصد
اذا كان هناك تعارض بين حفظ الحكم الضروري والحكم الحاجي فلا شكّ في تقديم الأوّل على الثاني.
كما اذا كان هناك تزاحم بين الحكم الحاجي والحكم التحسيني يقدّم الأوّل على الثاني وهكذا. ومثله ما اذا وقع التزاحم بين الأُمور الضرورية الخمسة وهي: 1. الدين، 2. النفس، 3. العقل، 4. العرض، 5. المال. فيقدّم حفظ الأوّل على الثاني وهكذا في سائر الموارد، واليك الأمثلة :
التزاحم بين الضروريات
قد عرفت أنّ الدين هو الضروري الأوّل الّذي تليه النفس، فاذا دار الأمر بين الأمرين فحفظ الدين هو الأهمّ، ولذلك وجب الجهاد بالنفس حفظاً للدين وان كان فيه تضحية بالنفس.
كما أنّه اذا دار الأمر بين حفظ النفس والعقل، فحفظ النفس أهمّ من حفظ العقل، فلو أُصيب بمرض لا يعالج الّا بشرب الخمر، يجب عليه شربه حفظاً للنفس وان كان فيه ازالة للعقل بشكل مؤقّت.
ولو دار الأمر بين الاعتداء على العرض وقتل النفس فيجوز

صفحه 113
له الاعتداء لحفظ النفس، كما أنّه لو دار الأمر بين حفظ العرض والاعتداء
على مال الغير يجب الثاني حفظاً للعرض.
نعم ما ذكرناه هو الضابطة الغالبة، ولكن ربما ينعكس الحكم، فلو أُكره عالم مُطاع على شرب الخمر على رؤوس الأشهاد وهُدّد بالقتل على تركه فلا يجوز له شربه، لأنّ في ذلك زعزعة لإيمان الناس وهدماً لعقيدتهم.
وبذلك يعلم أنّه اذا كان هناك تزاحم بين الضروري والحاجي )عدم الحرج(، يقدّم الأوّل على الثاني، فلو كان في اتيان الواجبات كلفة ومشقّة فيقدّم الأوّل وتتحمّل المشقّة، والّا لزم ترك الفرائض والنوافل بحجّة أنّ فيها مشقّة.
ثمّ انّه اذا دار الأمر بين الحاجي والتحسيني فيقدّم الأوّل، ولذلك اغتفرت الجهالة في المزارعة والمساقاة لحاجة الناس اليهما وان كان فيها ترك التحسينات.
هذه هي النتائج المترتّبة على التعرّف لمقاصد الشريعة وقد عرفت أنّها ثمرات غالبية، وربما يطرأ على المورد عنوان آخر يوجب قلب الحكم.
التعرّف على الأهم عن طريق آخر غير التعرّف على المقاصد
انّ التعرّف على مقاصد الشريعة هو أحد الطرق لتقديم أحد

صفحه 114
المتزاحمَيْن على الآخر، وهناك طريق آخر سلكه أصحابنا لا بأس
بذكره لإيقاف الآخرين عليه :
انّ الأُصوليّين من الإمامية فتحوا باباً باسم التعارض والتزاحم، وبيان الفرق بينهما، ومرجّحات كلّ منهما، فقالوا :
اذا كان التنافي في مقام الجعل والإنشاء على وجه لا يمكن للحكيم انشاء حكمين عن جدّ لموضوع واحد، فهو المسمّى بالمتعارضين، كما اذا أنشأ وقال: ثمن العذرة سحت، وقال: لا بأس ببيع العذرة.
وأمّا لو كان التنافي راجعاً الى مقام الامتثال مع كمال الملائمة في مقام الإنشاء والجعل فهو المسمّى بالمتزاحمين كما اذا أمر المولى بانقاذ الغريق، ففوجى بغريقين وليس له قدرة الّا بانقاذ أحدهما، فالدليلان متلائمان في مقام الجعل، متزاحمان في مقام الامتثال.
وقد ذكر الأُصوليّون لتقدّم أحد الدليلين على الآخر، عدّة مرجّحات نشير اليها على وجه الإيجاز فانّ التزاحم ينقسم الى الأقسام التالية :
1. ما يكون التزاحم لأجل كون مخالفة أحد الحكمين مقدّمة لامتثال الآخر، كما اذا توقّف انقاذ الغريق على التصرّف في أرض الغير.

صفحه 115
2. ما يكون منشأ التزاحم وقوع التضاد بين متعلّقين من باب
التصادف لا دائماً، كما اذا زاحمت ازالة النجاسة عن المسجد، اقامةَ الصلاة فيه.
3. ما يكون أحد المتعلّقين مترتّباً في الوجوب على الآخر، كالقيام في الركعة الأُولى والثانية مع عدم قدرته عليه الّا في ركعة واحدة، أو كالقيام في الصلاتين:الظهر والعصر، مع عدم استطاعته الّا على القيام في واحدة منهما.
ومثله اذا دار أمره بين الصلاة قائماً في مخبأ بلا ركوع وسجود، أو الصلاةَ معهما من دون قيام في مخبأ آخر.
اذا عرفت ذلك فلنذكر مرجّحات باب التزاحم التي هي وسيلة التعرّف على الأهم.
تقديم ما لا بدل له على ما له بدل
اذا كان هناك واجبان لأحدهما بدل شرعاً، دون الآخر، فالعقل يحكم بتقديم الثاني على الأوّل، جمعاً بين الامتثالين، كالتزاحم الموجود بين رعاية الوقت وتحصيل الطهارة الحدثية بالماء، فبما أنّ الوقت فاقد للبدل، بخلاف الطهارة الحدثية، فتُقدّم مصلحة الوقت على مصلحة الطهارة الحدثية بالماء، فيتيمّم بدلاً عن الطهارة المائية ويصلّي في الوقت.

صفحه 116
2. تقديم المضيّق على الموسّع
اذا كان هناك تزاحم بين المضيّق الذي لا يرضى المولى بتأخيره، والموسّع الذي لا يفوت بالاشتغال بالواجب المضيّق، الّا فضيلة الوقت، فالعقل يحكم بتقديم الأوّل على الثاني، ولذلك يجب امتثال ازالة النجاسة أوّلاً ثمّ القيام بالصلاة.
تقديم أحد المتزاحمين على الآخر لأهميته
اذا دار الأمر بين ترك الأهم والمهم، كانقاذ الغريق والتصرّف في مال الغير، فالعقل يحكم بتقديم الأهم على المهم، وهذه من القضايا التي قياساتها معها.
سبق امتثال أحد الحكمين زماناً
اذا كان أحد الواجبين متقدّماً في مقام الامتثال على
الآخر زماناً، كما اذا وجب صوم يوم الخميس والجمعة، ولا
يقدر الّا على صيام يوم واحد، أو اذا وجبت عليه صلاتان
ولا يتمكّن الّا من الإتيان بواحدة منهما قائماً، أو وجبت
صلاة واحدة ولا يتمكّن الّا من القيام بركعة واحدة، ففي جميع هذه الصور يستقلُّ العقل بتقديم ما يجب امتثاله سابقاً على الآخر، حتى يكون في ترك الواجب في الزمان الثاني معذوراً، الّا اذا كان الواجب المتأخّر أهمّ في نظر المولى فيجب صرف القدرة في

صفحه 117
الثاني، وهو خارج عن الفرض.
وبعبارة أُخرى: لو صام يوم الخميس، أو صلّى الظهر قائماً، فقد ترك صوم يوم الجمعة والقيام في صلاة العصر عن عذر وحجّة، بخلاف ما لو أفطر يوم الخميس وصلّى الظهر جالساً فقد ترك الواجب بلا عذر.
5. تقديم الواجب المطلق على المشروط
اذا نذر قبل حصول الاستطاعة أن يزور مرقد الإمام الحسين عليه السلام في كلّ يوم عرفة، ثمّ حصلت له الاستطاعة فيقدّم الحج على زيارة الإمام الحسين عليه السلام، لأنّه اذا قال القائل: لله عليَّ أن أزور الإمام الحسين عليه السلام في كلّ يوم عرفة، امّا أن لا يكون له اطلاق بالنسبة الى عام حصول الاستطاعة للحج، أو يكون.
فعلى الأوّل ـ عدم الإطلاق لدليل النذر ـ يكون الحجّ مقدّماً، اذ لا يكون عندئذ الّا واجب واحد.
وعلى الثاني، بما أنّ الإطلاق مستلزم لترك الواجب ـ أعني : الحجّ ـ يكون اطلاق النذر ـ لا نفسه ـ باطلاً، نظير ما اذا نذر شخص أن يقرأ القرآن من طلوع الفجر الى طلوع الشمس، فانّه في حدّ نفسه راجح، لكنّه بما أنّه مستلزم لتفويت الواجب ـ وهي صلاة الصبح ـ فلا ينعقد، وهذا هو المراد من قولنا تقديم الواجب المطلق

صفحه 118
(الحجّ) على الواجب المشروط )زيارة الإمام الحسين( حيث انّها مشروطة بعدم
كونها مفوّتة للواجب.
وبذلك يعلم، أنّ علاج المتزاحمين مبني على التعرّف على الأهم والمهمّ، كما في هذه الوجوه الستة، وهذا مسلك سلكه أصحابنا الأُصوليّون وراء التعرّف على مقاصد الشريعة.
التزاحم بين الضررين
التزاحم بين الضررين من أوضح مصاديق باب التزاحم فللعقل في تقديم أحد الضررين على الآخر دور واضح، وبما أنّ المقام لا يتّسع لذكر صورها مع أدلّتها، فلنذكر رؤوس المسائل ونترك التفصيل الى محلّه :
1. اضرار الغير لدفع الضرر عن النفس، كما اذا كان الضرر متوجّهاً اليه، فهل يجوز دفع الضرر عن نفسه، بتوجيهه الى الغير؟
2. اذا كان الضرر متوجّهاً الى الغير، فهل يجب دفع الضرر عن الغير بتحمّله عنه؟
هذا كلّه اذا كان هناك ضرر واحد ودار الأمر بين توجيهه الى النفس أو الغير.
3. أمّا اذا كان هنا ضرران، كما اذا أدخلت الدابة التي ترعى في الصحراء رأسها في قدر الشخص الآخر، ودار الأمر بين ذبحها

صفحه 119
وكسر القدر، ولهذا النوع صور مذكورة في محلّها.
اذا استلزم تصرّف المالك تضرّر الجار.
4.
الى غير ذلك من الصور التي لا تحلّ عقدتها الّا بتمييز الأهمّ من المهمّ، وله طرق مذكورة في كتاب «قاعدة لا ضرر(1)
المقام الثاني: استكشاف الحكم من التعرّف على مقاصد الشريعة
هذه هي الثمرة الثانية للبحث عن مقاصد الشريعة، وهي المزلقة الكبرى للفقيه، لأنّ ما دلّ من الآيات والروايات ومعاقد الإجماعات، على كون الشيء هو مقصد الشارع وغرضه على قسمين :
الأوّل : أن يكون الغاية المصطادة من المصادر علّة للحكم وسبباً تامّاً، فلا شكّ أنّه يمكن استكشاف الحكم المعلوم من العلم بالمقاصد، وذلك كثبوت الخيار في موارد ليس لها دليل شرعي خاصّ، لأنّا نعلم أنّ دفع الضرر في المعاملات هو المقصد الأسنى للشارع، فلو اشتمل العقد على الغبن، أو كان المبيع معيباً ولم يكن هناك دليل على الخيار، يمكننا استكشاف الخيار عن طريق التعرّف على مقاصد الشريعة، ولذلك قال الفقهاء بالخيار وان لم يكن هناك دليل خاص.

-1-. انظر كتاب نيل الوطر من قاعدة لا ضرر»115:ـ 135.

صفحه 120
الثاني : أن يكون حكمة للحكم بمعنى اشتماله عليها في أغلب الموارد، دون جميعها، وذلك كالإنجاب وتكثير النسل في النكاح فانّه
حكمة وليس بعلّة، ولذلك يصحّ النكاح في الموارد التالية :
1. زواج العقيم بالمرأة الولود.
2. زواج المرأة العقيم بالرجل المنجب.
3. نكاح اليائسة.
4. نكاح الصغيرة.
5. نكاح الشاب من الشابة مع العزم على عدم الإنجاب الى آخر العمر.
وبذلك يعلم ضعف ما ذكره الدكتور الدريني حول بطلان المتعة قال: شرع النكاح في الإسلام لمقاصد أساسية قد نصّ عليها القرآن الكريم صراحة ترجع كلّها الى تكوين الأُسرة الفاضلة التي تشكّل النواة الأُولى للمجتمع الإسلامي بخصائصه الذاتية من العفّة والطهر والولاية والنصرة والتكافل الاجتماعي، ثمّ يقول: انّ الله اذ يربط الزواج بغريزة الجنس لم يكن ليقصد مجرّد قضاء الشهوة، بل قصد أن يكون على النحو الذي يحقّق ذلك المقصد بخصائصه من تكوين الأُسرة التي شرع أحكامها التفصيلية في القرآن الكريم.
وعلى هذا فانّ الاستمتاع مجرّداً عن الإنجاب وبناء الأُسرة

صفحه 121
يحبط مقصد الشارع من أصل تشريع النكاح.(1)
يلاحظ عليه : بأنّ الأُستاذ خلط بين العلّة في التشريع ومناطه وبين حكمته، فانّ العلّة عبارة عمّا يدور الحكم مدارها، بحيث يحدث الحكم بوجودها ويرتفع بارتفاعها، وهذا بخلاف الحكمة، فربما يكون الحكم أوسع منها، واليك توضيح الأمرين :
اذا قال الشارع: اجتنب المسكر، فالسكر علّة وجوب الاجتناب بحجّة تعليق الحكم على ذلك العنوان، فمادام المائع مسكراً له حكمه فاذا انقلب الى الخلّ يرتفع.
وأمّا اذا قال : وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوء وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ اِنْ كُنَّ يُوْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ...(2)
فالتربّص ـ لأجل تبيّن وضع الرحم، وهل هي تحمل ولداً أو لا؟ ـ حكمة الحكم لا علّته، ولأجل ذلك نرى أنّ الحكم أوسع منه بشهادة أنّه يجب التربّص على مَن نعلم بعدم وجود حمل في رحمها.
وحصيلة الكلام: انّ دراسة مقاصد الشريعة ـ التي غابت في

-1-. الأصل في الأشياء الحلية... ولكن المتعة حرام، قسم المقدّمة.
-2-. البقرة228:.

صفحه 122
حقب من الزمان، ثمّ عادت الى الساحة في القرن الرابع عشر وقام المحقّقون حولها بالتأليف والدراسة ـ أمرٌ مفيد في التعرّف على الأهمّ والمهمّ، حيث انّ التعرّف على الأغراض والغايات يوجب المعرفة بما
هو الأهمّ عند الشارع وغيره.
وأمّا التعرّف عليها لتكون ذريعة لاستكشاف الحكم الشرعي فهو رهن الحكم بأنّ ما استكشفناه من التدبّر في الآيات والروايات ومعاقد الإجماعات أنّها علّة تامّة للتشريع بحيث لا تنفك عن المعلول، وأنّى لنا تحصيل ذلك اليقين، مع كثرة وجود الحكم عند ذكر الغايات والأغراض؟!

صفحه 123
الاستدلال بالقرآن والسنّة على عصمة الأئمة :
ختامه مسك :
الاستدلال بالقرآن والسنّة
على عصمة الأئمة عليهم السلام
كنّا نركّز في الفصول المتقدّمة على رد الشبهات الّتي وجهها المستشرقون وأتباعهم من المحدّثين حول الوحي والنبوّة وقد تمّت بحوثنا في هذا المضمار ضمن مقامات سبعة .
غير أنّا ارتئينا أن نختم هذه البحوث بذكر الآيات والروايات الّتي تدلّ على عصمة أئمة أهل البيت : بوضوح، وذلك لأنّ شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيّب حفظه الله قد ردّ على فكرة عصمة أئمة أهل البيت : في عدد من محاضراته الّتي ألقاها في شهر رمضان من عام 1436 ه ، قبل أذان المغرب في الفضائية المصرية من القاهرة.
وسيجد القارى في هذا البحث براهين مشرقة تثبت ما يقول به الإمامية، فنرجو أن يطّلع عليها الأُستاذ رعاه الله، ويستفيد منها القارى الكريم .
وقبل الدخول في صلب الموضوع نذكر أمرين :
الأوّل: حقيقة العصمة
انّ حقيقة العصمة عن اقتراف المعاصي ترجع الى أحد أُمور ثلاثة على وجه مانعة الخلوّ، وان كانت غيرمانعة الجمع، وهي :

صفحه 124
1. العصمة: الدرجة القصوى من التقوى
العصمة ترجع الى التقوى; بل الى درجة أعلى منها، فما توصف به التقوى وتُعرف به، تُعرف وتوصف به العصمة.
لا شكّ أنّ التقوى حالة نفسانية تعصم الإنسان عن اقتراف كثير من القبائح والمعاصي، فاذا بلغت تلك الحالة نهايتها، تعصم الإنسان عن اقتراف قبائح الأعمال، وذميم الفعال، على وجه الإطلاق; بل تعصم الإنسان حتى عن التفكير في المعصية، فالمعصوم ليس خصوص مَن لا يرتكب المعاصي ويقترفها، بل هو من لا يحوم حولها بفكره.
انّ العصمة ملكة نفسانية راسخة في النفس لها آثار خاصّة كسائر الملكات النفسانية من الشجاعة والعفّة والسخاء، فاذا كان الإنسان شجاعآ وجسورآ،وعفيفآ ونزيهآ، وسخيّآ وباذلا، طلب في حياته معالي الأُمور، وتجنّب سفسافَها، فيطرد ما يخالفها من الآثار، كالخوف والجبن والقبح والسوء، والبخل والإمساك، ولا يُرى في حياته أثر منها.
في حقيقة العصمة
ومثله العصمة، فاذا بلغ الإنسان درجة قصوى من التقوى، وصارت تلك الحالة راسخة في نفسه، فانّه يصل الى حد لا يُرى في حياته أثر من العصيان والطغيان، والتمرّد والتجرّي، وتصير ساحته نقية من المعصية.

صفحه 125
وأمّا أنّ الإنسان كيف يصل الى هذا المقام؟ وما هو العامل الذي يمكّنه من هذه الحالة؟ فهو بحث آخر لا يسع المقام لبيانه.
فاذا كانت العصمة من سنخ التقوى والدرجة العليا منها، يسهل لك تقسيمها الى العصمة المطلقة والعصمة النسبية.
فانّ العصمة المطلقة وان كانت تختصّ بطبقة خاصّة من الناس، لكن العصمة النسبية تعمّ كثيرآ منهم من غير فرق بين أولياء الله وغيرهم; لأنّ الإنسان الشريف الذي لا يقلّ وجوده في أوساطنا، وان كان يقترف بعض المعاصي، لكنّه يجتنب عن بعضها اجتنابآ تامّآ، بل يتجنّب حتى التفكير بها فضلا عن اتيانها.
فالإنسان الشريف ـ مثلاً ـ لا يتجوّل عاريآ في الشوارع والطرقات مهما بلغ تحريض الآخرين له على ذلك الفعل، كما أنّ كثيرآ من الناس لا يقومون بقتل الأبرياء ولا بقتل أنفسهم وان عُرضت عليهم مكافآت مادّية كبيرة، وذلك لأنّ الحوافز الداعية الى هذه الأفعال المنكرة غير موجودة في نفوسهم، أو أنّها محكومة ومردودة بالتقوى التي تحلّوا بها، ولأجل ذلك صاروا بمعزل عن تلك الأفعال القبيحة حتى أنّهم لا يفكّرون فيها ولايحدّثون بها أنفسهم أبدآ.
والعصمة النسبية التي تعرَّفتَ عليها تُقرِّب حقيقة العصمة المطلقة الى أذهاننا، فلو بلغت تلك الحالة النفسانية الرادعة في

صفحه 126
الإنسان مبلغآ كبيرآ ومرحلة شديدة بحيث تمنعه من اقتراف جميع
القبائح، يصير معصومآ مطلقآ، كما أنّ الإنسان في القسم الأوّل صار معصومآ نسبيآ.
وعلى الجملة: اذا كانت حوافز الطغيان والعصيان والبواعث على المخالفة محكومة عند الإنسان، منفورة لديه لأجل الحالة الراسخة، يصير الإنسان معصومآ تامّآ منزّهآ عن كلّ عيب وشين.
العصمة: نتيجة العلم القطعي بعواقب المعاصي
قد تعرّفت على النظريّة الأُولى في حقيقة العصمة وأنّها عبارة عن: الدرجة العليا من التقوى، غير أنّ هناك نظرية أُخرى في حقيقتها، لا تنافي النظرية الأُولى، بل ربّما تعدّ من علل تحقّق الدرجة العليا من التقوى التي عرّفنا العصمة بها وموجبة لتكوّنها في النفس، وحقيقة هذه النظرية عبارة عن «وجود العلم القطعي اليقيني بعواقب المعاصي والآثام» علمآ قطعيّآ لا يشوبه شكّ، ولا يعتريه ريب، وهو أن يبلغ علم الإنسان درجة يلمس في هذه النشأة لوازم الأعمال وآثارها في النشأة الأُخرى، وتبعاتها فيها، ويصير على حد يدرك بل يرى درجات أهل الجنة ودركات أهل النار، وهذا العلم القطعيّ هو الذي يزيل الحجب بين الإنسان وعواقب الأعمال، ويصير الإنسان مصداقآ لقوله سبحانه: كَلّا لَوْ

صفحه 127
تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيم(1) ، وصاحب هذه الدرجة من العلم هو الذي يصفه الإمام
علي عليه السلام بقوله: «فَهُمْ وَآلْجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُنَعَّمُونَ، وَهُمْ وَالنَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا، فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ(2)
والعلم اذا بلغ الى هذه الدرجة من الكشف، يصدّ الإنسان عن ارتكاب المعاصي واقتراف المآثم، بل لا يجول حولها فكره.
ولتوضيح تأثير هذا العلم في صيرورة الإنسان معصومآ من اقتراف الذنب، نأتي بمثال :
انّ الإنسان اذا وقف على أنّ في الأسلاك الكهربائية طاقة من شأنها قتله اذا مسّها من دون حاجز أو عائق، بحيث يكون المسّ والموت مقترنين، أحجمت نفسه عن مسّ تلك الأسلاك والاقتراب منها.
أو أنَّ الطبيب العارف بعواقب الأمراض وآثار الجراثيم، اذا وقف على ماء اغتسل فيه مصاب بالجذام أو البرص أو السلّ، لم يقدم على شربه والاغتسال به ومباشرته مهما اشتدّت حاجته الى ذلك، لعلمه بما يَجُرُّ عليه الشرب والاغتسال بذلك الماء الملوّث، والإنسان الكامل اذا وقف على ما وراء هذه النشأة من نتائج

-1-. التكاثر5:ـ6.
-2-.نهج البلاغة: الخطبة 188، طبعة عبده.

صفحه 128
الأعمال وعواقب الأفعال ورأى بالعين البرزخية تبدّل الكنوز المكتنزة من الذهب
والفضة الى النار المحماة التي تُكوى بها جباه الكانزين وجنوبهم وظهورهم، امتنع عن حبس الأموال والإحجام عن انفاقها في سبيل الله.
قال سبحانه: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَها فِي سَبيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذاب أَلِيم * يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها في نار ِجَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ(1)
انّ ظاهر قوله سبحانه: هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ هو أنّ النار التي تُكوى بها جباه الكانزين وجنوبهم وظهورهم، ليست الّا نفس الذهب والفضة، لكن بوجودهما الأُخرويّين، وأنّ للذهب والفضة وجودين أو ظهورين في النشأتين، فهذه الأجسام الفلزية تتجلّى في النشأة الدنيوية في صورة الذهب والفضة، وفي النشأة الأُخروية في صورة النيران المحماة.
فالإنسان العادي اللامس لهذه الفلزات المكنوزة وان كان لا يحسّ فيها الحرارة ولا يرى فيها النار ولا لهيبها، الّا أنّ ذلك لأجل أنّه يفقد حين المس الحسَّ المناسب لدرك نيران النشأة الآخرة وحرارتها، فلو فُرض أنّ ثمة انساناً كاملاً يمتلك هذا الحسّ الى

-1-.التوبة34:ـ 35.

صفحه 129
جانب بقية حواسّه العادية المتعارفة ويدرك بنحو خاص الوجه الآخر لهذه
الفلزات، وهو نيرانها وحرارتها، فلا شكّ في أنّه يجتنبها، كاجتنابه النيران الدنيوية، ولا يقدم على كنزها وتكديسها.
وهذا البيان يفيد أنّ للعلم مرحلة قويّة راسخة تصدّ الإنسان عن الوقوع في المعاصي والآثام ولا يكون أسيرآ للشهوات والغرائز.
قال جمال الدين مقداد بن عبد الله الأسدي السيوري الحلّي في كتابه القيّم «اللوامع الإلهية»:(ولبعضهم كلام حسن جامع هنا قالوا: العصمة ملكة نفسانية يُمنع المتّصف بها من الفجور مع قدرته عليه، وتتوقّف هذه الملكة على العلم بمثالب المعاصي ومناقب الطاعات; لأنّ العفّة متى حصلت في جوهر النفس وانضاف اليها العلم التام بما في المعصية من الشقاء، والطاعة من السعادة، صار ذلك العلم موجبآ لرسوخها في النفس فتصير ملكة(.(1)
ويقول العلّامة الطباطبائي في هذا الصدد: انّ القوة المسمّاة بقوة العصمة سبب شعوري علمي غير مغلوب البتة. ولو كانت من قبيل ما نتعارفه من أقسام الشعور والإدراك، لتسرّب اليها التخلّف، ولتخبّط الإنسان على أثرها أحيانآ، فهذا العلم من غير سنخ سائر

-1-. اللوامع الإلهية170:.

صفحه 130
العلوم والإدراكات المتعارفة، التي تقبل الاكتساب والتعلّم، وقد أشار الله في خطابه الذي خصّ به نبيّه بقوله : وَأَنْزَلَ اللّهُ عَلَيْك الكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَك ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ(1) ، وهو خطاب خاص لانفقهه حقيقة
الفقه، اذ لا ذوق لنا في هذا المجال.(2)
وهو 1 يشير الى كيفية خاصّة من العلم والشعور الذي أوضحناه بما ورد حول الكنز وآثاره.
الاستشعار بعظمة الربّ وكماله وجماله
انّ هاهنا نظرية ثالثة في تبيين حقيقة العصمة يرجع لبّها الى أنّ استشعار العبد بعظمة الخالق وحبّه وتفانيه في معرفته وعشقه له، يصدّه عن سلوك ما يخالف رضاه سبحانه.
وهذه النظرية مثل النظرية الثانية لا تخالف النظرية الأُولى في تفسير العصمة، والتي قلنا انّها هي الدرجة العليا من التقوى، بل يكون الاستشعار والتفاني دون الحق، والعشق لجماله وكماله، أحد العوامل لحصول تلك المرتبة من التقوى، وهذا النحو من الاستشعار لا يحصل الّا للكاملين في المعرفة الإلهية البالغين أعلى قممها.

-1-. النساء113:.
-2-.الميزان في تفسير القرآن5:/81، بتصرّف.

صفحه 131
انّ الإنسان اذا عرف خالقه كمال المعرفة الميسورة، وتعرّف على معدن الكمال المطلق وجماله وجلاله، وجد في نفسه انجذابآ نحو الحقّ، وتعلّقآ خاصّآ به بحيث لا يستبدل برضاه شيئآ، فهذا الكمال
المطلق هو الذي اذا تعرّف عليه الإنسان العارف، يؤجّج في نفسه نيران الشوق والمحبّة، ويدفعه الى أن لا يبتغي سواه، ولا يطلب سوى اطاعة أمره وامتثال نهيه، ويصبح كلّ ما يخالف أمره ورضاه منفورآ لديه، مقبوحآ في نظره، أشدّ القبح. وعندئذ يصبح الإنسان مصونآ عن المخالفة، بعيدآ عن المعصية بحيث لايؤْثر على رضاه شيئآ، والى ذلك يشير الإمام علي بن أبي طالبعليه السلام بقوله :«ما عبدتك خوفآ من نارك ولا طمعآ في جنتك انّما وجدتك أهلا للعبادة(1)
هذه النظريات الثلاث أو النظرية الواحدة المختلفة في البيان والتقرير، تعرب عن أنّ العصمة قوة في النفس تعصم الإنسان عن الوقوع في مخالفة الربّ سبحانه وتعالى، وليست العصمة أمرآ خارجآ عن ذات الإنسان الكامل وهويته الخارجية.
نعم هذه التفاسير الثلاثة لحقيقة العصمة، كلّها راجعة الى العصمة عن المعصية، والمصونية عن التمرّد، كما هو واضح لمن

-1-.عوالي اللالي2:/11 برقم 18; بحار الأنوار41:/14.

صفحه 132
تأمّل فيها، وأمّا العصمة في مقام تلقّي الوحي وحفظه وابلاغه الى الناس، أو العصمة عن الخطأ في الحياة والأُمور الفردية أو الاجتماعية، فلا بدّ أن توجّه بوجوه غير هذه الوجوه الثلاثة.
العصمة عن الخطأ
أمّا العصمة عن الخطأ في تحمّل الوحي وحفظه ونقله الى الأُمّة في حقّ النبي صلي الله عليه و آله أو عصمة أهل البيت عليهم السلام في الإفتاء ونقل ما ورثوه من النبيّ الأكرم صلي الله عليه و آله، فهي رهن أمر آخر.
أمّا النبيّ الأكرم صلي الله عليه و آله فانّ الله سبحانه يسدَّده بالملائكة، كما يقول سبحانه: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدا * اِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُول فَاِنَّهُ يَسْلُك مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ رَصَدا * لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ وَ أَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَ أَحْصَى كُلَّ شَيْء عَدَدا(1)
فانّ قوله: فَاِنَّهُ يَسْلُكُ بمعنى يجعل له رصدآ. فهؤلاء الملائكة هم الذين يُسدِّدون الأنبياء ويعصمونهم عن الخطأ في القول والفعل.
العصمة لا تلازم النبوّة
وأمّا أهل البيت عليهم السلام فبما أنّ عصمتهم عن المعصية والخطأ ثابتة بالدلائل التي سنذكرها لاحقاً، فلا محيص من القول من أنّ

-1-. الجن26:ـ 28.

صفحه 133
لهم مسدّدآ في الإفتاء ونقل الأحاديث وتفسير القرآن الكريم.
أمّا ما هو المسدِّد لهم، فالبحث عنه موكول الى مقام آخر.
***
الأمر الثاني: العصمة لا تلازم النبوّة
انّ بعض مَن يتحاشى عن وصف غير الأنبياء بالعصمة يتصوّر وجود الملازمة بين العصمة والنبوّة، والحال أنّ بينهما من النسب عمومآ وخصوصآ من وجه مطلق، فكلّ نبيّ معصوم وليس كلّ معصوم بنبيّ.
فهذه هي مريم العذراء الّتي هي الأُسوة والقدوة للنساء كما عليه قوله سبحانه: وَ مَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرَانَ التي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَ صَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَ كُتُبِهِ وَ كَانَتْ مِنَ القَانِتِينَ(1)
وبما أنّه سبحانه جعلها قدوة ومثالا يحتذى به فلابدّ أن تكون معصومة عن المعاصي والأخطاء، والّا لايصحّ أن تكون أُسوة قولا وفعلا على الإطلاق. وبالجملة: وجود الملازمة بين الأُسوة المطلقة وبين العصمة.
ويؤيّد عصمتها أيضآ قوله سبحانه: وَ اِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا

-1-. التحريم12:.

صفحه 134
مَرْيَمُ اِنَّ اللهَ اصْطَفَاك وَطَهَّرَك وَاصْطَفَاك عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ(1) ،
فانّ اطلاق قوله: وَطَهَّرَكِ يدلّ على طهارتها من الرذائل والذنوب والخطأ والزلل.
كما أنّ منزلة الزهراء 3 في حديث أبيها تعرب عن عصمتها قولا وفعلا، فقد روى البخاري عن المِسْور بن مَخْرَمة أنّ رسول الله صلي الله عليه و آله
قال: «فاطمة بضعة منّي، فمن أغضبها أغضبني(2)
وروى الحاكم باسناده عن عليّ عليه السلام أنّ رسول الله صلي الله عليه و آله قال لفاطمة : «انّ الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك(3)
أقول: أيّ مكانة شامخة للزهراء 3 حتّى صار غضبها ورضاها ملاكآ لغضبه سبحانه ورضاه، وهذا ان دلّ على شيء فانّما يدلّ على عصمتها، فهو سبحانه بما أنّه عادل وحكيم لايغضب الّا على الكافر والعاصي ولايرضى الّا عن المؤمن والمطيع، فلو دلّت الرواية الصحيحة على أنَّ فاطمة غضبت على أحد فهو امّا كافر أو عاص.
***

-1-. آل عمران42:.
-2-. صحيح البخاري2:/469، برقم 3714، فضائل الصحابة; فتح الباري في شرحصحيح البخاري7:/84.
-3-.المستدرك علي الصحيحين3:/154، وقد صحّحه الحاكم.

صفحه 135
اذا تمّ هذا التمهيد ضمن أمرين فلنعرّج الى بيان أدلّة عصمة أهل البيت عليهم السلام كتابآ وسنّةً، ونكتفي من الكتاب العزيز بآيتين، ومن السنّة بحديثي: الثقلين، والسفينة.
عصمة أهل البيت عليهم السلام في الكتاب العزيز
تدلّ على عصمة أهل البيت عليهم السلام، آيات :
الآية الأُولى :
قال سبحانه: اِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرا(1) ، فيقع الكلام في مقامين :
1. ما هو المراد بأهل البيت عليهم السلام؟
2. دلالة الآية على تنزيههم عن الذنوب.
أمّا المقام الأوّل : فلاشك أنّ عبارة )أهل البيت( تعمّ النساء والأزواج لغة وكتابآ، ويكفي في ذلك قوله سبحانه: قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَةُ اللهِ وَ بَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ اِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.(2 فقد عُدّت امرأة ابراهيم عليه السلام من أهل البيت، والخطاب في الآية ـ أعني قوله: أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ ـ ناظر اليها .
ومع القول بأنّ الأزواج من جملة )أهل البيت(، لكن المراد

-1-. الأحزاب33:.2 . هود73:.

صفحه 136
بهم في الآية عبارة عمّن عيّنهم الرسول صلي الله عليه و آله مرّة بعد أُخرى وخصّهم بعليّ وفاطمة وابنيهما عليهم السلام، فتارة يصرح صلي الله عليه و آله بأسمائهم، كما روى الطبري عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلي الله عليه و آله: نزلت هذه الآية في خمسة: فيّ وعلي2 وحسن2 وحسين2 وفاطمة رضي الله عنها: اِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ(1)
وأُخرى يدخلهم تحت الكساء، كما أخرج مسلم في صحيحه قال: قالت عائشة: خرج النبي غداةً وعليه مِرط مرحَّل، من شعر أسود
فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: اِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ(2)
وثالثة يتلو الآية على بابهم، كما أخرج الطبري عن أنس أنّ النبي صلي الله عليه و آله كان يمرّ ببيت فاطمة ستة أشهر كلّما خرج الى الصلاة فيقول :
الصلاة أهل البيت اِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ(3)

-1-. تفسير الطبري22:/9 برقم 21727، دار الفكر، 1415ه .
-2-. صحيح مسلم7:/130 برقم 2424، باب فضائل أهل بيت النبي +6+.
-3-. تفسير الطبري22:/9 برقم 21729، سنن الترمذي920: برقم 3217، تحقيقصدقي العطّار.

صفحه 137
وقد بلغ عدد الروايات الواردة في تخصيص أهل البيت عليهم السلام بالخمسة ما يناهز )35( رواية، أخرجها الطبري في تفسيره، والسيوطي في «الدر المنثور»، وغيرهما(1) ، وتصل أسانيد
الروايات الى عشرة من صحابة النبي صلي الله عليه و آله وهم :
1. أبوسعيد الخدري. 2. أنس بن مالك 3. ابن عباس. 4. أبوهريرة الدوسي. 5. سعد بن أبي وقّاص. 6. واثلة بن الأسقع. 7. أبو الحمراء، أعني: هلال بن الحارث. 8. معقل بن يسار المُزَني. 9. أُمّ سلمة.10. عائشة.
نعم هناك سؤال وهو أنّه لو كان المراد بأهل البيت هم هؤلاء الخمسة، فلماذا وردت الإشارة اليهم في أثناء حديث القرآن عن نساء النبي صلي الله عليه و آله؟
الجواب:
أوّلا: أنّ عادة الفصحاء في كلامهم أنّهم ينتقلون من خطاب الى غيره ثم يعودون اليه، والقرآن مليء بذلك الأُسلوب، وكذلك كلام العرب وأشعارهم.
قال الشيخ محمد عبده: انّ من عادة القرآن أن
ينتقل بالإنسان من شأن الى شأن ثم يعود الى مباحث

-1-. تفسير الطبري22:/9ـ 13; الدر المنثور5:/198ـ199; تفسير الرازي8:/85.

صفحه 138
المقصد الواحد المرّة بعد المرّة.(1)
ولأجل ايقاف القارى على صحّة ماقاله، نأتي بشاهدين على ذلك، فنقول:
1. قال سبحانه ناقلا عن «العزيز» مخاطبآ زوجته: اِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ اِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ * يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ اِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ(2) ; فنرى أنّ العزيز يخاطب أوّلا
امرأته بقوله: اِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ وقبل أن يفرغ من كلامه معها، يخاطب
يوسف بقوله: يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا) ... ثم يرجع الى الموضوع الأوّل ويخاطب زوجته بقوله: وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ...
فقوله: يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا جملة معترضة وقعت بين الخطابين، والمسوّغ لوقوعها بينهما كون المخاطب الثاني أحد المتخاصمين، وكانت له صلة بحديث المرأة الّتي رفعت الشكوى الى العزيز.
2. قال سبحانه: وَاِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ اِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلاَ تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ اِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.(3

-1-. تفسير المنار2:/451.
-2-. يوسف28:ـ 29.3 . البقرة237:.

صفحه 139
وفي الوقت نفسه تتحدث الآية التالية عن الصلوات والمحافظة عليها، قال تعالى: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِالصَّلَوةِ الْوُسْطىَ وَقُومُوا للهِ قَانِتِينَ (1). ثمّ يأتي الحديث عن صلاة الخوف، قال تعالى : فَاِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا فَاِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (2) ثم يرجع الى الحديث عن أحكام النساء فيما لو توفّي
رجالهن، قال تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعا اِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ اِخْرَاج فَاِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوف وَاللهُ عَزِيز حَكِيمٌ(3)
ترى أنّ الحديث عن أحكام الصلاة توسط بيان أحكام النساء المطلقات أو من توفي عنهن أزواجهن.
وثانيآ : أنّ الضمائر في الآية كلّها مذكّرة ـ أعني: عَنْكُم و يُطَهِّركُم ـ مع أنّ الضمائر في الآيات المتقدّمة والمتأخّرة كلّها جاءت على وجه التأنيث، وربّما يقرب عددها من عشرين ضميرآ كلّها مؤنثة، وهذا دليل على أنّ الآية ناظرة الى غير النساء.
واليك صور الضمائر: يَا أَيُّهَا النَّبيُّ قُلْ لأَزْوَاجِك اِنْ كُنْتُنَّ

-1-.البقرة238:.
-2-. البقرة239:.
-3-. البقرة240:.

صفحه 140
تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنّ َوَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحا جَمِيلا * وَاِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَ رَسُولَهُ... يَا نِسَاءَ النَّبيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ... وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ...يَا نِسَاءَ النَّبيِّ لَسْتُنَّ... اِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ.. وَقُلْنَ... وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَتَبَرَّجْنَ... وَأَقِمْنَ الصَّلَوةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ... اِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرا(1)
هذه هي الضمائر المتقدّمة على الآية، وأمّا الضمائر المتأخّرة عنها فهي: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللهِ.(2
وثالثاً: أنّ الذي يؤكّد خروج النساء عن الآية، هو أنّ الله
سبحانه أفرد لفظ البيت في الآية وقال :
اِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ،
ولكنّه عبّر عن بيوت أزواجه بصيغة الجمع وقال :
وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَ لاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى.
وعلى هذا فهناك «بيت» معروف مشخّص أُضيف اليه لفظ «أهل» فأصبحت العبارة «أهل البيت»، وفي الوقت نفسه هناك بيوت لنسائه وأزواجه، فالمتواجد في البيت الأوّل غير المتواجد في البيوت، فاذا كانت البيوت خاصّة لنسائه، فيكون البيت خاصّآ

-1-. الأحزاب28:ـ 33.2 . الأحزاب34:.

صفحه 141
لأهل الكساء، اذ الأمر يدور بين الطائفتين ليس غير.
حول النبيّ أُسرتان
انّ حول النبيّ صلي الله عليه و آله أُسرتان: أُسرة لها المكانة والفضل لاتّصالها بالنبي صلي الله عليه و آله لا لذواتهنّ، ولذا استهلّ سبحانه الآيات بقوله: يَا نِسَاءَ النَّبيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَة مُبَيِّنَة...، ويَا نِسَاءَ النَّبيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَد مِنَ النِّسَاءِ كلّ ذلك يعرب عن أنّ كرامتهنّ لأجل اتّصالهنّ بالنبي صلي الله عليه و آله.
وأُسرة لها الفضل والكرامة لاستحقاقهم لذلك وقدسية أنفسهم، فقد أعطى سبحانه كلّ أُسرة حقّها، فقد أدّب نساء الأُسرة الأُولى ونهاهنّ عن أُمور، تمسّ بكرامة زوجهنّ. ثم أخذ بوصف الأُسرة
الثانية وتكريمها مشعرآ بطهارتها عن كلّ رجس ودنس.(1)
فبذلك يعلم وجه ادغام قوله: اِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ في ثنايا الآيات النازلة في حقّ نسائه، فكأنّه سبحانه يريد اعطاء كلّ أُسرة حول النبي صلي الله عليه و آله حقّها.
وممّن أصحر بالحقيقة الإمام الشوكاني، قال :
وقالت الزيدية والإمامية: انّ اجماع العترة حجّة واستدلّوا

-1-. انظر: دلائل الصدق للشيخ محمد حسين المظفر4:/351 وما بعدها، تحقيقمؤسسة آل البيت (بتصرف(.

صفحه 142
بقوله تعالى: اِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرا وأُجيب بأنّ سياق الآية أنّه في نسائه. ثم أضاف قائلاً: ويجاب عن هذا الجواب بأنّه قد ورد الدليل الصحيح أنّها نزلت في علي وفاطمة والحسنين، وقد أوضحنا الكلام في هذا في تفسيرنا الذي سمّيناه «فتح القدير» فليرجع اليه.(1)
نعم ربّما ذهب بعضهم الى نزول الآية في خصوص نساء النبيصلي الله عليه و آله لكنّهم جماعة لا يعتدّ بقولهم، منهم :
1. عكرمة: ومن المعلوم أنّه كان يرى رأي المارقين )الخوارج(، فهو رجل منحرف عن جادة الحقّ، ولم يكن يتحرّز عن الكذب، وقد اتّهمه بذلك معاصره سعيد بن المسيّب، وتلميذه يحيى بن سعيد
الأنصاري. وقال ابن سعد: تكلّم الناس فيه، وليس يُحتجّ بحديثه.(2)
ومن لم يكن حديثه حجّة، فما بالك برأيه؟
2. عروة بن الزبير: ويكفي في عدم حجية قوله عداؤه لعلي وانحرافه عنه.(3)
3. مقاتل بن سليمان: وهو من المشبّهة، وعن أبي حنيفة

-1-. ارشاد الفحول الي تحقيق الحق من علم الأُصول126:.
-2-.لاحظ ترجمته في: ميزان الاعتدال3:/93ـ 97; تهذيب الكمال20:/264 برقم4009.
-3-. لاحظ: سير اعلام النبلاء4:/421ـ434.

صفحه 143
قال : أتانا من المشرق رأيان خبيثان; جهم معطل، ومقاتل مشبّه. وفي البخاري: لا شيء البتة. قلت: أجمعوا على تركه.(1)
ولمّا كان هذا الرأي أعني: اختصاص الآية بنساء النبيّصلي الله عليه و آله رأيآ غريبآ مخالفآ لرأي جمهور المفسّرين، اتّخذ السيد محمود الآلوسي رأيآ وسطآ ليكون جامعآ بين القولين وقال: «والذي يظهر لي: أنّ المراد بأهل البيت من لهم مزيد علاقة به صلي الله عليه و آله ونسبة قوية قريبة اليه )عليه الصلاة والسلام( بحيث لايقبح عرفآ اجتماعهم وسكناهم معه صلي الله عليه و آله في بيت واحد، ويدخل في ذلك أزواجه والأربعة أهل الكساء. وعليّ كرّم الله وجهه مع ما له من القرابة من رسول الله صلي الله عليه و آله قد نشأ في حجره عليه الصلاة والسلام فلم يفارقه وعامله كولده صغيرآ وصاهره وآخاه
كبيرآ.(2)
يلاحظ عليه: أوّلا: أنّ ما ذكره هو خلاف ما فهمه زيد بن أرقم ذلك الصحابي من الآية لمّا قيل له «مَن أهل بيته، نساؤه»؟! قال : لا وأيم الله، انّ المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها فترجع الى أبيها وقومها.. الى آخر ما ذكره.(3)

-1-. لاحظ : سير أعلام النبلاء7:/220.
-2-. روح المعاني22:/19، في تفسير آية التطهير. ط دار احياء التراث العربي ـبيروت.
-3-. صحيح مسلم7:/123، باب فضائل علي
عليه السلام.

صفحه 144
وثانياً : أنّ تعميم أهل البيت في الآية الى النساء خلاف ما نصّ عليه الرسول صلي الله عليه و آله، فقد أخرج الحاكم)وصحّحه على شرط البخاري( عن عطاء بن يسار، عن أُمّ سلمة قالت: في بيتي نزلت :اِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ قالت: فأرسل رسول الله +6+الى علي وفاطمة والحسن والحسين فقال: هؤلاء أهل بيتي.(1)
ورواه الترمذي عن شهر بن حوشب، عن أُمّ سلمة، وفيه:فقالت أُمّ سلمة: وأنا معهم يا رسول الله؟ قال :«انّك على خير». ثمّ قال الترمذي بعد نقل الحديث: هذاحديث حسن صحيح، وهو أحسن شيء روي في هذا الباب.(2)
وثالثآ: أنّ ما ذكره يخالف تخصيص النبيّ الآية بأصحاب الكساء بصورة مختلفة حيث جعلهم تحت الكساء وجلّلهم به، حتّى يكون عمله جامعآ ومانعآ للغير. ومع هذا كيف يصحّ للسيد الآلوسي تعميم الآية؟! فلاحظ.
وبالجملة: الأحاديث المتضافرة بل المتواترة اجمالا على أنّ النبي صلي الله عليه و آله أخبر عن اختصاص الآية بأهل الكساء وحقّق ما يريده بعناوين متنوّعة كثيرة لايسعنا نقلها في هذا البحث المطلوب

-1-. المستدرك علي الصحيحين3:/147.
-2-. سنن الترمذي1096: برقم 3897، باب فضل فاطمة رضي الله عنها.

صفحه 145
فيه الإيجاز والاختصار.
هذا اجمال ما يمكن أن يقال في نزول الآية في حقّ الخمسة سلام الله عليهم، ومن أراد التفصيل فليرجع الى كتب أصحابنا فلهم بحوث تفصيلية حول الآية.
***
وأمّا المقام الثاني : أي دلالة الآية على عصمة أهل البيت عليهم السلام، فهي مبتنية على ثبوت أمرين :
1. أنّ الرجس أمر يعمّ المعاصي صغيرها وكبيرها.
2. أنّ الإرادة تكوينية لا تشريعية.
أمّا الأمر الأوّل : فقد استعملت هذه اللفظة في الذكر الحكيم ثمان مرّات ووصف بها الخمر، والميسر، والأنصاب، والأزلام، والكافر
غير المؤمن بالله، والميتة، والدم المسفوح، ولحم الخنزير، والأوثان، وقول الزور.
فالجامع بينها القذارة الّتي تتنفّر منها النفوس; سواء أكانت مادّية كما في مورد اللحوم، أم معنوية كما هوالحال في الكافر وعابد الوثن ووثنه، فالجامع بينهما هي الأشياء المنفورة عرفآ أو شرعآ.
قال العلّامة الطباطبائي: الرجس ـ بالكسر والسكون ـ صفة

صفحه 146
من الرجاسة وهي القذارة، والقذارة هيئة في النفس توجب التجنّب والتنفّر منها، وهي تكون تارة بحسب ظاهر الشيء كرجاسة الخنزير، قال تعالى: أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرِ فَاِنَّهُ رِجْسٌ(1) ، وبحسب باطنه أُخرى،
وهي الرجاسة والقذارة المعنوية كالشرك والكفر وأثر العمل السيّى، قال تعالى: وَ أَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَض فَزَادَتْهُمْ رِجْسا اِلَى رِجْسِهِمْ وَ مَاتُوا وَ هُمْ كَافِرُونَ(2) ، وقال: فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ‌ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَ مَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذلك يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ(3)
وأيّآ ما كان فهو ادراك نفساني وأثر شعوري يحدث من تعلّق
القلب بالاعتقاد الباطل أو العمل السيّى، واذهاب الرجس عبارة عن ازالة كلّ هيئة خبيثة في النفس تضادّ حق الاعتقاد والعمل، وعند ذلك يكون اذهاب الرجس معادلا للعصمة الإلهية الّتي هي صورة علمية نفسانية، تحفظ الإنسان من رجس باطني: الاعتقاد وسيّى العمل.)4( هذا كلّه حول الأمر الأوّل.
وأمّا الأمر الثاني : أعني كون الإرادة تكوينية لاتشريعية.

-1-. الأنعام145:.
-2-. التوبة125:.
-3-. الأنعام125:.4 . الميزان في تفسير القرآن16:/330.

صفحه 147
فانّ انقسام ارادته سبحانه الى تكوينية وتشريعية أمر واضح، أمّا الأُولى فهي ما تتعلّق بايجاد الشيء، ومنها قوله سبحانه: اِنَّمَا أَمْرُهُ اِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ(1)
وأمّا الثانية فهي ما اذا تعلّقت ارادته بتشريع حكم من الأحكام وبعث الناس الى العمل به.
فالإرادة التكوينية لا تنفكّ عن المراد، بخلاف التشريعية فانّها لغاية بعث الناس الى الفعل أو الترك مخيّرين بين الطاعة والعصيان.
فنقول: لاشكّ أنّ الإرادة المتعلّقة باذهاب الرجس عن أهل البيت بالخصوص تكوينية، اذ لو كانت تشريعية لما اختصّت بطائفة دون طائفة; لأنّ الهدف الأسمى من بعث الأنبياء هو تطهير عامّة الناس عن الذنوب بقوله سبحانه: وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(2)
وان شئت قلت: تخصيص تعلّق الإرادة بجمع خاص يمنع من تفسير الإرادة بالإرادة التشريعية الّتي عمّت الأُمّة جميعآ.
وبعبارة ثالثة: لو كانت الإرادة تشريعية لما احتاج الى ابراز العناية بصورها المختلفة الواردة في الآية، فاليك بيان تلك العناية :

-1-. يس82:.
-2-. المائدة6:.

صفحه 148
أ. ابتدأ سبحانه كلامه بأداة الحصر «انّما»، ولا معنى له اذا كانت الإرادة تشريعية، لأنّها غير محصورة بأُناس مخصوصين.
ب. عيّن تعالى متعلّق ارادته بصورة الاختصاص، فقال: أَهْلَ الْبَيْتِ: أي أخصّكم أهل البيت.
ج. قد بيّن متعلّق ارادته بلفظة «عنكم» وقال : لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ.
د. قد أكّده أيضآ بالإتيان بمصدره بعد الفعل وقال: وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرا، ليكون أوفى في التأكيد.
ه . أنّه سبحانه أتى بالمصدر نكرة، ليدلّ على الإكبار والإعجاب، أي تطهيرآ عظيمآ معجبآ.
و. أنّ الآية في مقام المدح والثناء، فلو كانت الإرادة ارادة تشريعية لما ناسب الثناء والمدح.
وعلى الجملة: العناية البارزة في الآية تدلّ بوضوح على أنّ الإرادة هناك غير الإرادة العامّة المتعلّقة بكلّ انسان حاضر أو باد.
وبذلك نقول: تعلّقت ارادته سبحانه بتنزيههم عن القبيح والعصيان كما تعلّقت ارادته بعصمة الأنبياء عن الذنب والعصيان، وقد ثبت في محلّه أنّ العصمة لا تخالف الاختيار، وذلك لأنّ القدرة والتمكّن على فعل المعصية ثابتان للمعصوم، الّا أنّ العصمة

صفحه 149
تصدّه عن ذلك، فهذا يوسف عليه السلام كان قادرآ على ارتكاب الفاحشة الّا أنّ عصمته منعته من ذلك، وبهذا استحق المدح والثناء.
شبهتان واهيتان
انّ السيد محمود الآلوسي مع أنّه من الشرفاء أخذ يناقش دلالة الآية على عصمة أصحاب الكساء بوجهين ضعيفين لايليقان بساحته :
الأوّل : أنّ الآية لا تدلّ على عصمتهم، بل لها دلالة على عدمها. اذ لا يقال في حقّ مَن هو طاهر: انّي أُريد أن أُطهّرك، ضرورة امتناع تحصيل الحاصل، غاية ما في الباب أنّ كون هؤلاء الأشخاص)رضي الله تعالى عنهم( محفوظين من الرجس والذنوب بعد تعلّق الإرادة باذهاب رجسهم، يثبت بالآية.(1)
يلاحظ عليه: أوّلا : أنّ النبيّ من أصحاب الكساء والداخل
تحت قوله تعالى: أَهْلَ الْبَيْتِ فلازم ما ذكره من التفسير: أنّ النبيّ لم يكن متطهّرآ من الرجس قبل هذه الآية، وانّما صار كذلك بعد نزولها، وهو خلاف ما اتّفق عليه المسلمون من عصمته بعد البعثة.
وثانيآ : أنّ الإذهاب تارة يطلق ويراد به اذهاب الشيء بعد وجوده كما في قوله تعالى: وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَيُطَهِّرَكُمْ

-1-. روح المعاني19:/18.

صفحه 150
بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ(1) ، وأُخرى يطلق ويراد حسم أسباب
الرجس واذهاب المقتضي، لا رفعه بعد وجوده. ونعْم ما ذكره الزمخشري حيث قال في تفسير الآية: انّما يريد لئلّا يقارف أهل بيت رسول الله المآثم وليتصونوا عنها بالتقوى.)2(
الثاني: لو تعلّقت ارادته التكوينية بعصمتهم، فيتحقّق عندها الفعل، فعندئذ فأي حاجة لدعاء النبيّ صلي الله عليه و آله في حقّهم حيث روي أنّه قال : اللّهم انّ هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرآ، اذ عندئذ يكون أشبه بحصول واجب الحصول.(2)
يلاحظ عليه: بأنّ دعاء النبي صلي الله عليه و آله انّما هو للاستمرار، نظير قوله سبحانه : اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ(3) ، فانّ معناه طلب استمرار الهداية
من الله سبحانه، وهكذا دعاء النبي طلب استمرار الطهارة لأهل بيته
في المستقبل أيضآ، اذ من المحتمل أن تتعلّق ارادته سبحانه بفترة خاصّة دون عامّة الفترات، فالنبي صلي الله عليه و آله طلب من الله شمولها لعامّة الفترات.
يقول العلّامة الطباطبائي في تفسير قوله سبحانه :وَاِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ اِلَيْهِنَّ وَ أَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ،(5) انّ تلك

-1-. الأنفال11:.2 . تفسير الكشّاف23:/538.
-2-. روح المعاني19:/10.
-3-. الفاتحة: 6.5 . يوسف33:.

صفحه 151
القوة القدسية التي استعصم بها يوسف عليه السلام كانت كأمر تدريجي يفيض عليه آنآ بعد آن من جانب الله سبحانه وليست بالأمر الدفعي المفروغ عنه، والّا لانقطعت الحاجة اليه تعالى، ولذا عبّر عنه بقوله: وَاِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي، و لم يقل: «ولم تصرف عني(1)
وحصيلة الكلام: أنّ الممكن في وجوده وبقائه قائم بالله سبحانه، فهو في حدوثه رهن العلّة، وهكذا في بقائه، لأنّه في حدّ الذات لايملك شيئآ، ولذلك يصبح في كل آن رهن الإفاضة من الله سبحانه اليه، وهذا هو المصحّح لدعاء النبيّ صلي الله عليه و آله لاستمرار تلك الإفاضة.
وأظن أنّ هذه الإشكالات كانت واضحة الجواب عند السيد الآلوسي، ولكن رأيه المسبق في أئمة أهل البيت عليهم السلام هوالذي أوجد تلك الأفكار في ذهنه.
سؤال واجابة
ربما يقال: انّ الآية على فرض دلالتها على العصمة انّما تدلّ على عصمتهم من العصيان، وأمّا عصمتهم من الخطأ فالآية غير ناظرة اليه.
والجواب : أنّ بعض المفسّرين عمّم الرجس على الفكر

-1-. الميزان في تفسير القرآن13:/270.

صفحه 152
الخاطى في ذهن الإنسان، وبذلك جعل الآية دالّة على العصمة في كلا الموقفين.(1)
ومع ذلك يمكن الإجابة بالقول بالملازمة بين العصمة من الذنوب والعصمة من الخطأ بالبيان التالي :
انّ الهدف الأسمى من وصف أهل البيت عليهم السلام بالعصمة ليس الّا اتّخاذ الأُمّة لهم أُسوة على الصعيد الفردي والاجتماعي. ومعنى ذلك كونهم معصومين في جميع الجوانب، والّا فلو كانوا يخطأون في بعض الأحيان لما صحّ جعلهم أُسوة على وجه الإطلاق.
وبعبارة أُخرى: انّ أهل البيت عليهم السلام أُسوة قولا وفعلا، ومعنى ذلك كونهم مصيبين في مجالي القول والفعل.
***
الآية الثانية: آية طاعة أولي الأمر
قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَاِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْء فَرُدُّوهُ اِلَى اللهِ وَ الرَّسُولِ اِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَ الْيَوْمِ الآخِرِ ذلك خَيْرٌ وَ أَحْسَنُ تَأْوِيلا(2)
وجه الدلالة : أنّه سبحانه عطف أُولي الأمر على

-1-. نقله الشوكاني في ارشاد الفحول126:.
-2-. النساء59:.

صفحه 153
الرسول صلي الله عليه و آله وأشرك بينهما وقال: أطيعوا الرسول وأُولي الأمر منكم، ومن المعلوم أنّ اطاعة الرسول غير مقيّدة بشيء، لأنّه معصوم لا يأمر الّا بالحق وما فيه رضا الله تعالى، فاقتضى أن يكون أُولو الأمر كذلك أيضآ فتجب اطاعتهم مطلقآ، ومن كان كذلك فهو معصوم قطعآ.
وان شئت فصغه في قالب الكبرى والصغرى، وقل :
أُولو الأمر مَن وجبت اطاعتهم مطلقآ.
ومن وجبت اطاعتهم مطلقآ فهم معصومون.
ينتج: أُولو الأمر معصومون.
وهذا ممّا لا كلام فيه، وقد اعترف بما ذكرنا الفخر الرازي في تفسيره وقال: انّ الله تعالى أمر بطاعة أُولي الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية، ومن أمر الله بطاعته على سبيل الجزم والقطع لابدّ أن يكون معصومآ عن الخطأ، اذ لو لم يكن معصومآ عن الخطأ كان بتقدير اقدامه على الخطأ يكون قد أمر الله بمتابعته، فيكون ذلك أمرآ بفعل
ذلك الخطأ، والخطاء لكونه خطاءً منهيّ عنه، فهذا يفضي الى اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد بالاعتبار الواحد، وأنّه محال، فثبت أنّ الله تعالى أمر بطاعة أُولي الأمر على سبيل الجزم، وثبت أنّ كلّ من أمر الله بطاعته على سبيل الجزم وجب أن يكون معصومآ عن الخطأ، فثبت قطعآ أنّ أُولي الأمر المذكور في

صفحه 154
هذه الآية لابد وأن يكون معصومآ.(1)
ثم انّ بعض المفسّرين حمل أُولِي الأَمْرِ على الأُمراء والسلاطين، ومن المعلوم أنّ أُولئك غير معصومين، بل أكثرهم من الفسقة والفجرة الذين يتلاعبون بحقوق الشعوب ويهدرون حرياتها وكراماتها. وبعضهم فسّره بالعلماء من أهل الحلّ والعقد، وهذا أيضآ كالتفسير السابق اذ ليس هؤلاء بمعصومين قطعآ.
وأمّا تفسيرهم بالخلفاء الراشدين فغير تامّ جدّآ; لأنّه يستلزم اختصاص الآية بفترة خاصّة لا تتجاوز الثلاثين سنة، كما أنّ أحداً لم يقل بعصمة الخلفاء الثلاثة.
فعلى المفسّر المحقّق أن يتحرّى المراد ب أُولِي الأَمْرِ فلامعنى لأن يأمر الله سبحانه باطاعة أُولي الأمر ثمّ لا يعرّفهم.
والذي يجب أن يقال: انّهم عبارة عن الخلفاء الاثني عشر الذين
عرّفهم الرسول صلي الله عليه و آله بتعابير مختلفة.
أخرج مسلم في الصحيح عن النبيّ صلي الله عليه و آله قال: «لايزال الدين قائمآ حتّى تقوم الساعة أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلُّهم من قريش(2)
انّ أحاديث الأئمة)أو الخلفاء( الاثني عشر قد رواها

-1-. تفسير الرازي10:/144.
-2-. صحيح مسلم: 6/3، طبعة دارالفكر بيروت; ولاحظ: سنن أبي داود2:/309.

صفحه 155
الفريقان، وهي مروية في صحيحيّ البخاري ومسلم(1) بطرق وصور مختلفة،
كلّها تحكي عن أنّ النبيّ صلي الله عليه و آله أخبر عن اثني عشر خليفة من بعده، بهم أُنيط عزّ الإسلام وقوامه. وبما أنّ البحث لا يتسع لنقل هذه الروايات، نحيل القارى الى كتاب «واحة اليقين(2) الذي أُودعت فيه
جملة من تلك الروايات.
وقد مرّ أن تفسير أُولي الأمر بالخلفاء الراشدين يستلزم اختصاص الآية بفترة معيّنة، ولكن تفسيره بالأئمة الاثني عشر يلازم استمرار وجود أُولي الأمر، فانّ الإمام الثاني عشر )أعني: المهدي المنتظر ابن الإمام الحسن العسكري +8+ هو حيّ يرزق، وسيظهره الله تعالى في آخر الزمان ليم الأرض قسطآ وعدلا، كما ورد في المصادر
الحديثية للفريقين :
1. روى الإمام أحمد في مسنده عن رسول الله صلي الله عليه و آله: لو لم يبق من الدهر الّا يوم واحد لبعث الله رجلا من أهل بيتي يملؤها عدلا كما ملئت جورآ(3)
2. أخرج أبو داود عن عبدالله بن مسعود، أنّ رسول الله صلي الله عليه و آله

-1-. لاحظ: صحيح البخاري8:/127، طبعة دار الفكر، 1401ه ; صحيح مسلم6:/3ـ4،باب الناس تبع لقريش.
-2-. لاحظ: واحة اليقين لحيدر البغدادي الطحّان485:ـ 488 و 499ـ 500.
-3-. مسند أحمد1:/99، ج3/17 و 70.

صفحه 156
قال : «لا تنقضي الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطى اسمه اسمي(1)
3. أخرج أبو داود عن أُمّ سلمة )رضي الله عنها( قالت: سمعت رسول الله صلي الله عليه و آله يقول: «المهديّ من عترتي من ولد فاطمة(2)
4. أخرج الترمذي عن ابن مسعود: أنّ رسول الله صلي الله عليه و آله قال : «يلي رجل من أهل بيتي يواطى اسمه اسمي(3)
5. روى عبد الله بن جعفر الحميري عن أبي جعفر الباقر عليه السلام :...وانّ الدنيا لا تذهب حتى يبعث الله منّا، أهل البيت، رجلاً يعمل بكتاب الله جلّ وعزّ، لا يرى منكراً الّا أنكره(4)
الى هنا تمّ الكلام في الدليل القرآني على عصمة أهل البيت عليهم السلام بقي الكلام فيما ورد في السنّة الشريفة من دلائل عصمتهم.

-1-. جامع الأُصول: 10 / 330، برقم 7833 .
-2-. جامع الأُصول: 10 / 331، برقم 7835 .
-3-. جامع الأُصول: 10 / 330، ذيل الحديث رقم 7833 .
-4-. قرب الإسناد350: برقم 1260.

صفحه 157
المقام الثاني: عصمة أهل البيت عليهم السلام على لسان النبيّ الأكرمصلي الله عليه و آله
قد ورد التعريف بأهل البيت تارةً، والعترة ثانيآ على لسان النبيّصلي الله عليه و آله بعبارات تدلّ على أنّهم لايفارقون الحق ولايميلون الى الباطل، وذلك في روايات متعدّدة، نذكر منها اثنتين، هما :
حديث الثقلين
انّ النبيّ الأكرم صلي الله عليه و آله قرن عترته بالكتاب الكريم وجعل التمسّك بهما سببآ لعدم ضلال الأُمّة، ومن المعلوم أنّ القرآن لايأتيه الباطل لا من بين يديه ولا من خلفه، فما فيه عين الحقّ وحقّ اليقين، فاذن يكون قرينُه الذي لا يفترق عنه، مثله، وهذا ما يعبّر عنه بحديث الثقلين لوروده في بعض المتون. وها نحن نذكر الصور المختلفة المتنوّعة من هذا الحديث الذي نادى به النبيّ صلي الله عليه و آله في مواضع مختلفة، ولعلّ الاختلاف في بعض الألفاظ نابع من ايراده في ظروف متعدّدة، واليك صور الحديث :
لمّا رجع من حجّة الوداع ونزل غدير خم أمر بدوحات فقُممن له فقال :
1. «كأنّي دعيت فأجبت، انّي قد تركت فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله تعالى، وعترتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فانّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض(1)

-1-. المستدرك علي الصحيحين3:/109، أخرجه الحاكم عن زيد بن أرقم.

صفحه 158
2. يا أيّها الناس انّي تركت فيكم ما ان أخذتم به لن تضلّوا : كتاب الله، وعترتي أهل بيتي(1)
3. «انّي تركت فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلّوا بعدي : كتاب الله حبل ممدود من السماء الى الأرض، وعترتي أهل بيتي; ولن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما(2)
4. «انّي تارك فيكم الخليفتين: كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض أو ما بين السماء الى الأرض، وعترتي أهل بيتي، وأنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض(3)
وقد اقتصرنا في نقل المصادر على الأقل القليل، والّا فمصادر الحديث كثيرة تناهز العشرات وهو من الأحاديث الثابتة المشهورة القطعية السند، وقد صحّحه جملة من حفّاظ ومحدّثي ونقّاد السنّة، منهم: ابن خزيمة، والذهبي، وابن كثير، وابن حجر العسقلاني، وابن حجر الهيتمي، الذي قال:ولهذا الحديث طرق كثيرة عن بضع وعشرين صحابياً، لا حاجة لنا ببسطها.(4)

-1-. أخرجه الترمذي والنسائي عن جابر، ونقله عنهما في كنز العمّال1:/172ـ173.
-2-. أخرجه الترمذي عن زيد بن أرقم، ونقله في كنز العمّال1:/44، برقم 874.
-3-. أخرجه أحمد في مسنده5:/182، 189. ولاحظ: مسند أحمد3:/14 و 17 و 26،طبعة دار صادر، بيروت; سنن الترمذي5:/328، فضائل الصحابة للنسائي15:;مجمع الزوائد1:/88.
-4-. الصواعق المحرقة228:. وللاطّلاع علي القائلين بصحّة الحديث، راجع كتابواحة اليقين: 451ـ 458.

صفحه 159
هذا وقد ألّف غير واحد من أصحابنا كتبآ في أسانيد الحديث وتضافره بل تواتره.
ولكن يجب علينا أن نركّز على ما رامه النبيّ الأكرم صلي الله عليه و آله من الوصاية بهما، فنقول :
انّ رسول الله صلي الله عليه و آله قد حكى في حديث الثقلين عن وجود التلازم بين عترته أهل بيته وبين الكتاب العزيز وأوصى المسلمين بالتمسّك بهما معآ مصطحبين، ليتجنّبوا الوقوع في الضلالة، وأشارصلي الله عليه و آله بقوله : «لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض» الى أنّهما بمنزلة التوأمين الخليفتين عنه صلي الله عليه و آله، وهذا يقتضي أن يكون أهل البيتعليهم السلام مقارنين للكتاب في الوجود والحجّة.
وبعبارة أُخرى: انّ ذلك يدلّ على أنّه لابدّ في كلّ عصر، في جملة أهل البيت، من حجّة معصوم مأمون يُقطع بصحّة قوله.
وممّا يؤيد ما ذكرنا أنّه ورد في ذيل بعض الصور أنّ النبيّ صلي الله عليه و آله بعدما ذكر أنّه مخلّف كتاب ربه وعترته أهل بيته، قد أخذ بيد علي عليه السلام ورفعها وقال: «هذا علي مع القرآن والقرآن مع عليّ لا يفترقان حتّى يردا عليّ الحوض(1) ، أفيشك في عصمة القرآن مسلمٌ؟!
فلابدّ أن لا يشكّ في عصمة مَن لا يفارقه.

-1-. الصواعق المحرقة124:، المطبعة المحمدية بمصر.

صفحه 160
* 2. حديث السفينة*
تضافرت الروايات عن النبيّ الأكرم صلي الله عليه و آله أنّه شبّه أهل بيته بسفينة نوح، وقال :«ألا انّ مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح مَن ركبها نجا، ومَن تخلّف عنها غرق(1)
وفي لفظ آخر: «انّما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق، وانّما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطّة في بني اسرائيل من دخله غُفر له(2)
يقول السيد شرف الدين العاملي: وأنت تعلم أنّ المراد بتشبيههم عليهم السلام بسفينة نوح، أنّ مَن لجأ اليهم في الدين فأخذ فروعه وأُصوله عن أئمتهم الميامين، نجا من عذاب النار، ومَن تخلّف عنهم كان كمن آوى يوم الطوفان الى جبل ليعصمه من أمر الله، غير أنّ ذاك غرق في الماء وهذا في الحميم والعياذ بالله. والوجه في تشبيههم عليهم السلام بباب حطّة هو أنّ الله تعالى جعل ذلك الباب مظهرآ من مظاهر التواضع لجلاله والخضوع لحكمه، وبهذا كان سببآ للمغفرة. وقد جعل انقياد هذه الأُمّة لأهل بيت نبيّها والاتّباع لأئمتهم مظهرآ من مظاهر التواضع لجلاله والبخوع لحكمه، وبهذا

-1-. المستدرك علي الصحيحين للحاكم2:/343، وج 3/151.
-2-. مجمع الزوائد للهيثمي9:/168. ولاحظ: المعجم الكبير للطبراني3:/46; كنزالعمّال2:/435 و ج12/98.

صفحه 161
كان سببآ للمغفرة. هذا وجه الشبه، وقد حاوله ابن حجر(1) في كلامه ـ بعد أن أورد هذه الأحاديث
وغيرها من أمثالها ـ : ووجه تشبيههم بالسفينة أنّ مَن أحبّهم وعظّمهم شكرآ لنعمة مشرّفهم، وأخذ بهدي علمائهم نجا من ظلمة المخالفات، ومَن تخلّف عن ذلك غرق في بحر كفر النعم، وهلك في مفاوز الطغيان... الى أن قال: وباب حطّة ـ يعني: ووجه تشبيههم بباب حطّة ـ أنّ الله تعالى جعل دخول ذلك الباب الذي هو باب أريحا أو بيت المقدس مع التواضع والاستغفار سببآ للمغفرة، وجعل لهذه الأُمّة مودّة أهل البيت سببآ لها.(2)
***
والحمد لله رب العالمين

-1-. الصواعق المحرقة151:، المطبعة المحمدية بمصر.
-2-. المراجعات77:ـ 78، المراجعة 8.

صفحه 162
فهرس المحتويات
فهرس المحتويات
الموضوع الصفحة
مقدّمة مدير المدرسة 7
تمهيد 11
دوافع الاستشراق 13
1. الدافع الديني 13
2. الدافع الاستعماري والسياسي 13
3. الدافع التجاري 14
أهم مؤلّفات المستشرقين 14
أهم محاور شبهات المستشرقين 15
المقام الأوّل: في تفسير الوحي المحمّدي 17
مصلح سماوي ومصلح أرضي 22
المقام الثاني: شبهات حول مفاهيم القرآن الكريم 25
اعتراضات حول مضامين الآيات 25
1. قصة الصلب 26
2. شبهة رؤية الله 29
الموضوع الصفحة
3. شبهة التسمية بأحمد 32
4. امتناع القيام بالعدالة بين الزوجين 37
فقدان الصلة بين الشرط والجزاء 40
5.
6. تقدّم السِنة على النوم 42
7. التعارض بين الأمرين 42
8. خلق السماوات في ستة أيام أو ثمانية 44
9. تقدّم خلق الأرض على السماء وبالعكس 46
10 . يُسأل ولا يسأل 48
المقام الثالث: الاعتراضات اللغوية على القرآن الكريم 50
1. نصب «المقيمين» مكان رفعه 51
2. نصب «الصابرين» مكان رفعه 52
3. رفع «الصابئون» مكان نصبه 53
4. استعمال المضارع مكان الماضي 55

صفحه 163
5. اطلاق )وراء( وأُريد به )الأمام( 56
6. استعمال الجمع مكان التثنية 58
7. جمع الفعل بدل افراده 59
8 . التشبيه المعكوس 60
9. تكرار قوله: فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْر خمس مرّات 61
الموضوع الصفحة
10. تكرار قوله: فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) 62
المقام الرابع: توهّم أنّ القرآن من صنع النبيّ الأكرم صلي الله عليه و آله 65
القرآن بحر لا يَنزُف 68
القرآن وعلم الأجنّة 71
القرآن وعلم الأنواء الجوّية 72
المقام الخامس: تفضيل البنين على البنات جرياً على
العادة العربية 74
الأوّل : النظر الى طبيعة المرأة وتكوينها ونفسيتها 75
الثاني : النظر الى حقوق المرأة 80
الثالث : الوظائف التي تقع على عاتق المرأة 83
المساواة والعدالة 85
المقام السادس: ما هو السرُّ في زواجه صلي الله عليه و آله بزينب بنت
جحش؟ 88
1. ابطال سنّة جاهلية 90
2. ابطال سنّة جاهلية ثانية 90
المقام السابع: الشريعة الإسلامية شريعة عقلانية 95
1. أفعاله سبحانه تكويناً وتشريعاً معلّلة بالغايات 96
2. الشيعة الإمامية ومقاصد الشريعة 98
الموضوع الصفحة
3. التصريح بالعلل 99
4. الإلماع الى علل التشريع دون التصريح 103
5. الاستدلال بالروايات 106
ثمرة التعرّف على المقاصد في الفقه الإسلامي 111
المقام الأوّل: تقديم أحد المتزاحمين على الآخر لأجل
التعرّف على المقاصد 112
التزاحم بين الضروريات 112
التعرّف على الأهم عن طريق آخر غير التعرّف على المقاصد 113

صفحه 164
1. تقديم ما لا بدل له على ماله بدل 115
2. تقديم المضيّق على الموسّع 116
3. تقديم أحد المتزاحمين على الآخر لأهميته 116
4. سبق امتثال أحد الحكمين زماناً 116
5. تقديم الواجب المطلق على المشروط 117
التزاحم بين الضررين 118
المقام الثاني: استكشاف الحكم من التعرّف على
مقاصد الشريعة 119
ختامه مسك: الاستدلال بالقرآن والسنّة على
عصمة الأئمة 123
الموضوع الصفحة
الأوّل: حقيقة العصمة 123
1. العصمة: الدرجة القصوى من التقوى 124
2. العصمة: نتيجة العلم القطعي بعواقب المعاصي 126
3. الاستشعار بعظمة الربّ وكماله وجماله 130
العصمة عن الخطأ 132
الأمر الثاني: العصمة لا تلازم النبوّة 133
عصمة أهل البيت عليهم السلام في الكتاب العزيز 135
الآية الأُولى : 135
حول النبيّ أُسرتان 141
شبهتان واهيتان 149
سؤال واجابة 151
الآية الثانية: آية طاعة أولي الأمر 152
المقام الثاني: عصمة أهل البيت عليهم السلام على لسان النبيّ
الأكرم صلي الله عليه و آله 157
1. حديث الثقلين 157
2. حديث السفينة 160
فهرست المحتويات 163