welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : الأنصاف في مسائل دام فيها الخلاف/ج1*
تألیف :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الأنصاف في مسائل دام فيها الخلاف/ج1

الأنصاف
في
مسائل دام فيها الخلاف

دراسات فقهية موجزة في مسائل احتدم فيها النقاش عبر القرون

الجزء الأول

تأليف

الفقيه المحقق
آية الله الشيخ جعفر السبحاني


(2)

اسم الكتاب   الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف

المؤلف:    آية الله جعفر السبحاني

الطبعة:    الأُولى

المطبعة:    اعتماد ـ قم

التاريخ:   1423 هـ. ق

الكمية:    2000 نسخة

الناشر:    مؤسسة الإمام الصادق « عليه السَّلام »

الصفّ والإخراج باللاينوتورن:    مؤسسة الإمام الصادق « عليه السَّلام »


(5)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أفضل خلقه وخاتم رسله محمّد وعلى آله الطيّبين الطاهرين الذين هم عيبة علمه وحفظة سننه.

أمّا بعد، فانّ الإسلام عقيدة وشريعة، فالعقيدة هي الإيمان باللّه ورسله واليوم الآخر ،والشريعة هي الأحكام الإلهية التي تكفل للبشرية الحياة الفضلى وتحقّق لها السعادة الدنيوية والأُخروية.

وقد امتازت الشريعة الإسلامية بالشمول، ووضع الحلول لكافّة المشاكل التي تعتري الإنسان في جميع جوانب الحياة قال سبحانه: (الْيَوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلام دِيناً) .(1)

غير أنّ هناك مسائل فرعية اختلف فيها الفقهاء لاختلافهم فيما أثر عن مبلّغ الرسالة النبي الأكرم« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »، الأمر الذي أدّى إلى اختلاف كلمتهم فيها، وبما أنّ الحقيقة بنت البحث فقد حاولنا في هذه الدراسات المتسلسلة أن نطرحها على طاولة البحث، عسى أن تكون وسيلة لتوحيد الكلمة وتقريب الخطى في هذا الحقل، فالخلاف فيها ليس خلافاً في جوهر الدين وأُصوله حتّى يستوجب العداء


1 . المائدة:3.


(6)

والبغضاء، وإنّما هو خلاف فيما روي عنه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ (1)، وهو أمر يسير في مقابل المسائل الكثيرة المتّفق عليها بين المذاهب الإسلامية.

ورائدنا في هذا السبيل قوله سبحانه:(وَاعْتَصمُوا بِحَبْلِ اللّه جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْكُنْتُمْ أَعداءً فَألّفَ بين قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتهِ إِخْواناً...) .(2)

والكتاب يقع في جزءين، أهديه، لكلّ فقيه حرّ التفكير، يُرجِّح استنطاق الكتاب والسنّة على تقليد أئمّة المذاهب، وتكون ضالّته الحقّ أينما وجده.

جعفر السبحاني
قم ـ مؤسسة الإمام الصادق« عليه السَّلام »


1 . إشارة إلى حوار دار بين الإمام علي« عليه السَّلام » وبعض اليهود بعد رحيل النبي وظهور الاختلاف في أمر الخلافة.
فقال له بعض اليهود: ما دفنتم نبيّكم حتّى اختلفتم فيه فقال الإمامعليه السَّلام : «إنّما اختلفنا عنه لا فيه، ولكنّكم ما جفّت أرجلكم من البحر حتّى قُلتم لنبيّكم : اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة فقال إنّكم قوم تجهلون» (نهج البلاغة، قسم الحكم، تحت رقم 317).
2 . آل عمران:103.


(7)

1
الوضوء
على ضوء الكتاب والسنّة


(8)


(9)

1 آية الوضوء آية محكمة

اتّفق المسلمون تبعا ً للذكر الحكيم على أنّ الصلاة لا تصحّ إلاّبطهور، والطهور هو الوضوء والغسل والتيمّم وقد بَيّن سبحانه سرَّ التكليف بتحصيل الطهور قبل الصلاة بقوله:(ما يُريدُ اللّهُ لِيَجعلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَج وَلكن يُريد ليُطهّركُمْ).(1)

وقد حظا الوضوء في التشريع الإسلامي بأهمية بالغة كما نطق بها الكتاب والسنّة فقال « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »:«لا صلاة إلاّ بطهور».(2) وفي كلام آخر له:«الوضوء شطر الإيمان».(3)

فإذا كانت هذه مكانةَ الوضوء فمن واجب المسلم التعرّف على أجزائه وشرائطه ونواقضه ومبطلاته، وقد تكفّلت الكتب الفقهية بيانَ هذه المهمة.

والذي نركِّز عليه في المقام هو تبيين ما اختلفت فيه كلمة الفقهاء، أعني: حكم الأرجل من حيث المسح والغسل، فنقول:

قال سبحانه في كتابه العزيز مبيِّناً وجوب الوضوء وكيفيته بقوله:


1 . المائدة:6.
2 . الوسائل: 1، الباب1 من أبواب الوضوء.
3 . الوسائل: 1، الباب1 من أبواب الوضوء.


(10)

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيديَكُمْ إِلى المَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرجُلَكُمْ إِلى الكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فاطّهرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرضى أَوْ عَلى سَفَر أَوْ جاءَأَحدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجوهكُمْ وَأَيديكُمْ مِنْهُ ما يُريدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَج وَلكِنْ يُريدُ لِيُطَهِّركُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون) .(1)

الآية تشكِّل إحدى آيات الأحكام التي تُستنبط منها الأحكام الشرعية العملية الراجعة إلى تنظيم أفعال المكلّفين فيما يرتبط بشؤون حياتهم الدينية والدنيوية.

وهذا القسم من الآيات يتمتع بوضوح التعبير،ونصوع الدلالة، فإنّ المخاطب فيها هو الجماهير المؤمنة التي ترغب في تطبيق سلوكها العملي عليها،وبذلك تفترق عن الآيات المتعلّقة بدقائق التوحيد ورقائق المعارف العقلية التي تُشدّ إليها أنظار المفكّرين المتضلِّعين، خاصة فيما يرتبط بمسائل المبدأ والمعاد.

والإنسان إذا تأمّل في هذه الآيات ونظائرها من الآيات التي تتكفَّل بيان وظيفة المسلم، كالقيام إلى الصلاة في أوقات خمسة، يجدها محكمةَ التعبير، ناصعةَ البيان، واضحةَ الدلالة، تخاطب المؤمنين كافّة لتُرسم لهم وظيفتهم عند القيام إلى الصلاة.

والخطاب ـ كما عرفت ـ يجب أن يكون بعيداً عن الغموض والتعقيد، وعن التقديم والتأخير، وعن تقدير جملة أو كلمة حتّى يقف على مضمونها عامة المسلمين على اختلاف مستوياتهم من غير فرق بين عالم بدقائق القواعد العربية


1 . المائدة:6.


(11)

وغير عالم بها.

فمن حاول تفسير الآية على غير هذا النمط فقد غفل عن مكانة الآية ومنزلتها، كما أنّ من حاول تفسيرها على ضوء الفتاوى الفقهية لأئمّة الفقه فقد دخل من غير بابها.

نزل الروح الأمين بهذه الآية على قلب سيّد المرسلين، فتلاها على المؤمنين وفهموا واجبَهم تجاهها بوضوح، دون تردد، ودون أن يشوبها أيّ إبهام أو غموض، وإنّما دبّ الغموضُ فيها في عصرِ تضارب الآراء وظهور الاجتهادات.

فمن قرأ الآية المباركة بإمعان يقول في قلبه ولسانه:

سبحانك اللهم ما أبلغ كلامَك وأفصح بيانَك، قد أوضحت الفريضةَ وبيّنت الوظيفةَ فيما يجب على المسلم فعلهُ قبل الصلاة، فقلت:

(يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلى الصَّلاة) .

ثمّ قلتَ مبيّناً لكيفية الوظيفة وانّها أمران:

أ. (فَاغْسِلُوا وُجُـوهكُمْ وَأَيديكُمْ إِلـى المَرافِـق) .

ب.(وَامْسَحُوا بِرُءُوسكُمْ وَأَرجلكُمْ إِلى الكَعْبَين) .

سبحانك ما أبقيت إجمالاً في كلامك، ولا إبهاماً في بيانك، فأوصدتَ باب الخلاف، وسددتَ باب الاعتساف بتوضيح الفريضة وبيانها.

سبحانك اللّهم إن كان كتابك العزيز هو المهيمن على الكتب السماوية كما قلت: (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَديه مِنَ الكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ)(1) فهو مهيمن ـ بالقطع واليقين ـ على المأثورات المرويّة عن النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » وهي


1 . المائدة:48.


(12)

بين آمرة بغسل الأرجل و آمرة بمسحها.

فماذا نفعل مع هذه المأثورات المتناقضة المروية عمّن لا ينطق إلاّ عن الوحي،ولا يناقض نفسه في كلامه؟

سبحانك لا محيص لنا إلاّ الأخذ بما نادى به كتابك العزيز وقرآنك المجيد وقدبيّنه في جملتين تعربان عن واقع الفريضة وأنّها تتألّف من غسلتين، (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيديَكُمْ إِلَى الْمَرافِق) .

كما تتألّف من مسحتين: (فَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرجُلَكُمْ إِلى الْكَعْبَين) .

(أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلاً).(1)


1 . الأنعام:114.


(13)

2
بداية الاختلاف

كان المسلمون قبل عهد الخليفة الثالث على وفاق في أمر الوضوء، فلم يكن آنذاك أيُّ خلاف بارز في مسح الرجلين أو غسلهما، وإنّما بدأ الخلاف في عهد الخليفة الثالث كما يظهر من كثير من الروايات البيانيّة المروية عن عثمان، وقد ذكر مسلم طائفة منها في صحيحه.

1. أخرج مسلم عن حُمران مولى عثمان قال: أتيتُ عثمانَ بن عفان بوضوء فتوضأ، ثمّ قال: إنّ ناساً يتحدّثون عن رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »أحاديث لا أدري ما هي؟ ألا إنّي رأيت رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » توضّأ مثل وضوئي هذا، ثمّ قال: من توضّأ هكذا، غفر له ما تقدّم من ذنبه وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة.(1)

2. أخرج مسلم عن أبي أنس انّ عثمان توضّأ بالمقاسمة فقال: ألا أُريكم وضوء رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »، ثم توضّأ ثلاثاً ثلاثاً. وزاد قتيبة في روايته، قال سفيان: قال أبو النضر عن أبي أنس قال: وعنده رجال من أصحاب رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ».(2)


1 . صحيح مسلم بشرح النووي:3/115، برقم 229.
2 . صحيح مسلم بشرح النووي:3/115، برقم 230.


(14)

وهناك روايات بيانية أُخرى على لسان عثمان لم يذكرها مسلم وإنّما ذكرها غيره يشير الجميع إلى أنّ ظهور الاختلاف في كيفية وضوء النبي كان في عصره، وأمّا ما هو سبب الاختلاف فسيوافيك بيانه.


(15)

3
القرآن هو المهيمن
و المرجع الوحيد عند اختلاف الآثار

القرآن الكريم هو المهيمن على الكتب السماوية، وهو ميزان الحقّ والباطل فما ورد فيها يؤخذ به إذا لم يخالف الكتابَ العزيز وإلاّفيضرب عرض الجدار.

فإذا كان هذا موقف القرآن الكريم بالنسبة إلى الكتب السماوية، فأولى به أن يكون كذلك بالنسبة إلى السنن المأثورة عن النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »فالكتاب مهيمن عليها، فيؤخذ بالسنّة ـ إذا صحت الاسناد ـ مادامت غير مخالفة للكتاب.

ولا يعني ذلك الاكتفاء، بالكتاب وحذف السنّة من الشريعة، فانّه من عقائد الزنادقة، بل السنّة حجّة ثانية للمسلمين ـ بعد الكتاب العزيز ـ بشرط ان لا تضاد السنّة الحاكيةُ السندَ القطعي عند المسلمين.

فإذا كان القرآن ناطقاً بشيء من المسح أو الغسل فما قيمة الخبر الآمر بخلافه، فلو أمكن الجمع بين القرآن والخبر، بحمل الثاني على فترة من الزمن ثمّ نسخه القرآن فهو، و إلاّ فيضرب عرض الجدار.

قال الرازي: قال النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »: «إذا رُوي لكم حديث فأعرضوه على كتاب اللّه، فإن وافقه فاقبلوه، وإلاّفردّوه».(1)


1 . مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير:3/252، ط سنة 1308 بمصر .


(16)

4
سورة المائدة آخر سورة نزلت

إنّ سورة المائدة هي آخر سورة نزلت على النبي« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » وليس فيها آية منسوخة.

أخرج أحمد، وأبوعبيد في فضائله، والنحاس في ناسخه، والنسائي وابن المنذر، والحاكم وابن مردويه، والبيهقي في سننه عن جبير بن نفير.

قال: حججت فدخلتُ على عائشة فقالت لي: يا جُبير تَقرأ المائدة، قلت: نعم، فقالت: أما إنّها آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلِّوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرِّموه.

وأخرج أبو عبيد، عن ضمرة بن حبيب، وعطية بن قيس قالا: قال رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »: «المائدة من آخر القرآن تنزيلاً، فأحلّوا حلالها، وحرّموا حرامها».

وأخرج الفريابي وأبو عبيد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن أبي ميسرة، قال: في المائدة ثماني عشرة فريضة ليس في سورة من القرآن غيرها وليس فيها منسوخ، وعدّمنها (وَإِذا قُمْتُمْ إِلى الصَّلاة فاغْسِلُوا) .

وأخرج أبو داود والنحاس كلاهما في الناسخ عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل قال: لم ينسخ من المائدة شيء.

وأخرج عبد بن حميد قال: قلت للحسن: نسخ من المائدة؟ قال: لا.(1)


1 . الدر المنثور:3/3ـ4.


(17)

كلّ ذلك يدلّ على أنّ سورة المائدة آخر سورة نزلت على النبي، فلا محيص من العمل على وفقها وليس فيها أي نسخ.

وقد تضافرت الروايات عن أئمّة أهل البيت على أنّ سورة المائدة آخر سورة نزلت وليس فيها آية منسوخة.

أخرج محمد بن مسعود العياشي السمرقندي باسناده عن علي « عليه السَّلام » :«كان القرآن ينسخ بعضه بعضاً، وإنّما يؤخذ من أمر رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »بآخره، وكان من آخر ما نزل عليه سورة المائدة نسخت ما قبلها ولم ينسخها شيء».(1)

أخرج الشيخ الطوسي باسناده عن الصادق والباقر« عليهما السَّلام » ، عن أمير المؤمنين علي « عليه السَّلام » ، إذ قال في حديث طويل: «وسبق الكتاب الخفّين، إنّما نزلت السورة قبل أن يُقبض بشهرين».(2)

وعلى ضوء ذلك لو دلّ الكتاب على شيء من المسح والغسل، فالآثار المخالفة له، إمّا تُؤوّل بكونها منسوخة بالقرآن أو تُطرح.


1 . نور الثقلين:1/483.
2 . نور الثقلين:1/483.


(18)

5
مصدر الاختلاف

فإذا كانت بداية الاختلاف في عهد الخليفة الثالث، فهناك سؤال يطرح نفسه: ما هو سبب الاختلاف في أمر الوضوء بعد ما مضت قرابة عشرين سنة من رحيل الرسول « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »، فنقول: هناك وجوه واحتمالات:

1. اختلاف القراءة

ربما يتصوّر انّ مصدر الخلاف في ذلك العصر هو اختلاف القراءة حيث إنّ القرّاء اختلفوا في إعراب (وأرجلكم) في قوله سبحانه: (فَامْسَحُوا بِرُءُوسكم وَأَرجلكم)، فمنهم من قرأ بالجرِّ عطفاً على الرؤوس الذي يستلزم وجوب المسح على الأرجل، ومنهم من قرأ بالفتح عطفاً على (وجوهكم)في قوله: (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم)الذي يستلزم الغسل.

إنّ هذا الوجه باطل جداً، فانّ العربي الصميم إذا قرأ الآية مجرّداً عن أي رأي مسبق لا يرضى بغير عطف الأرجل على الرؤوس، سواء أقرأ بالنصب أم بالجر، وأمّا عطفه على وجوهكم فلا يخطر بباله حتّى يكون مصدراً للخلاف.

فعلى من يبتغي تفسير الآية وفهم مدلولها، أن يجعل نفسه كأنّه الحاضر في


(19)

عصر نزول الآية ويسمع كلام اللّه من فم الرسول « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » أو أصحابه، فما يفهمه عند ذاك حجة بينه و بين ربه، وليس له عند ذاك، الركون إلى الاحتمالات والوجوه المختلفة التي ظهرت بعد ذلك الوقت .

فلو عرضنا الآية على عربي بعيد عن الأجواء الفقهية، وعن اختلاف المسلمين في كيفية الوضوء وطلبنا منه تبيين ما فهمه لقال بوضوح:

إنّ الوضوء غسلتان و مسحتان دون أن يفكّر في أنّ الأرجل هل هي معطوفة على الرؤوس أو معطوفة على وجوهكم؟ فهو يدرك بأنّها تتضمّن جملتين صُرّح فيهما بحكمين:

بدئ في الجملة الأُولى: (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق) بغَسْل الوجوه ثمّ عطفت الأيدي عليها، فوجب لها من الحكم مثل حكم الوجوه لأجل العطف.

ثمّ بدئ في الجملة الثانية:(وَامسحوا برءُوسكم وأرجلكم إلى الكَعبين) بمسح الرؤوس ثمّ عطفت الأرجل عليها، فوجب أن يكون لها من الحكم مثل حكم الرؤوس لأجل العطف، والواو تدلّ على مشاركة مابعدها لما قبلها في الحكم.

والتفكيك بين حكم الرؤوس وحكم الأرجل لا يحتمله عربي صميم، بل يراه مخالفاً لظهور الآية.

2.التمسّك بروايات الغسل المنسوخة

يظهر من غير واحد من الروايات أنّ غسل الرجلين كان سنّة أمر بها النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » في فترة من عمره، ولمّا نزلت سورة المائدة وفيها آية الوضوء والأمر بمسح


(20)

الأرجل مكان الغسل، أخذ ـ بعد فترة من الزمن ـ مَن لا يعرف الناسخ والمنسوخ بالسنّة المنسوخة، وأثار الخلاف غافلاً عن أنّ الواجب عليه الأخذ بالقرآن الناسخ للسنّة وفيه سورة المائدة التي هي آخر سورة نزلت على النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ».

أخرج ابن جرير عن أنس قال: نزل القرآن بالمسح، والسنّة بالغسل.(1)

ويريد من السنّة عمل النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » قبل نزول القرآن، ومن المعلوم أنّ القرآن حاكم وناسخ.

وقال ابن عباس:أبى الناس إلاّ الغسل، ولا أجد في كتاب اللّه إلاّ المسح.(2)

وبهذا يمكن الجمع بين ما حكي من عمل النبي« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » من الغسل وبين ظهور الآية في المسح، وانّ الغسل كان قبل نزول الآية.

ونرى نظير ذلك في المسح على الخفّين، فقد روى حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي أنّه قال: «سبق الكتابُ الخفّين».(3)

وروى عكرمة عن ابن عباس قال: سبق الكتاب الخفّين. ومعنى ذلك انّه لو صدر عن النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » في فترة من عمره، المسح على الخفّين، فقد جاء الكتاب على خلافه ناسخاً له حيث قال: (وَامسحوا برءُوسكم وأرجلكم) أي امسحوا على البشرة لا على النعل ولا على الخفّ ولا الجورب.(4)

3.إشاعة الغسل من قبل السلطة

كان الحكام مصرّين على غسل الأرجل مكان المسح ويُلزمون الناس على


1 . الدر المنثور:3/1، 4.
2 . الدر المنثور:3/1، 4.
3 . مصنف ابن أبي شيبة:1/213، باب من كان لا يرى المسح، الباب217.
4 . مصنف ابن أبي شيبة:1/213، باب من كان لا يرى المسح، الباب217.


(21)

ذلك بدل المسح لخبث باطن القدمين، وبما انّ قسماً كثيراً منهم كانوا حفاة، فراق في أنفسهم تبديل المسح بالغسل، ويدلّ على ذلك بعض ما ورد في النصوص.

1. روى ابن جرير عن حميد، قال: قال موسى بن أنس ونحن عنده: يا أبا حمزة انّ الحجاج خطبنا بالأهواز ونحن معه وذكر الطهور، فقال: اغسلوا وجوهكم وأيديكم وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم، وانّه ليس شيء من ابن آدم أقرب من خبثه من قدميه، فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما.

فقال أنس:صدق اللّه وكذب الحجاج قال اللّه تعالى: (وامسحوا برءُوسكم وأرجلكم) قال: وكان أنس إذا مسح قدميه بلّهما.(1)

2. وممّا يعرب عن أنّ الدعاية الرسمية كانت تؤيد الغسل، وتؤاخذ من يقول بالمسح، حتّى أنّ القائلين به كانوا على حذر من إظهار عقيدتهم فلا يصرّحون بها إلاّخفية، ما رواه أحمد بن حنبل بسنده عن أبي مالك الأشعري انّه قال لقومه: اجتمعوا أُصلّـي بكم صلاة رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »فلمّـا اجتمعوا، قال: هل فيكم أحد غيركم؟ قالوا: لا، إلاّابن أخت لنا، قال: ابن اخت القوم منهم، فدعا بجفنة فيها ماء، فتوضّأ ومضمض واستنشق وغسل وجهه ثلاثاً وذراعيه ثلاثاً ومسح برأسه وظهر قدميه، ثمّ صلّى.(2)

هذه وجوه ثلاثة يمكن أن يُبرّر بها الغَسْل مكان المسح مع دلالة الكتاب العزيز على المسح، والأقرب هو الثاني ثمّ الثالث.


1 . تفسير القرآن لابن كثير:2/25; تفسير القرآن للطبري:6/82.
2 . مسند أحمد:5/342; المعجم الكبير :3/280 برقم 3412.


(22)

6
ما هو العامل في قوله: وأرجلكم

إنّ آية الوضوء هي الدليل المبرم على وجوب الوضوء وكيفيته، وهي آية واضحة نزلت لتبيين ما هو تكليف المصلّي قبل الصلاة، وطبيعة الحال تقتضي أن تكون آية واضحة المعالم، محكمة الدلالة، دون أن يكتنفها إجمال أو إبهام، قال سبحانه:

(يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلى الصَّلاة).

(فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيديَكُمْ إِلى المَرافِـق).

(وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرجلَكُمْ إِلى الكَعْبَين).

وتعيين أحد القولين من مسح الرجلين أو غسلهما رهن تشخيص العامل في لفظة (وأرجلكم).

توضيحه:إنّ في الآية المباركة عاملين وفعلين كل يصلح في بدء النظر لأن يكون عاملاً في قوله: (وأرجلكم) إنّما الكلام في تعيين ما هو العامل حسب ما يستسيغه الذوق العربي؟

والعاملان هما:

فاغسلوا:


(23)

وامسحوا:

فلو قلنا: إنّ العامل هو الأوّل يجب غسلهما، ولو قلنا بأنّ العامل هو الثاني يجب مسحهما، فملاك إيجاب واحد منهما رهن تعيين العامل في «أرجلكم».

لا شكّ انّ الإمعان في الآية ، مع قطع النظر عن كل رأي مسبق وفعل رائج بين المسلمين، يُثبت انّ الثاني، أي (فامسحوا) هو العامل دون الأوّل البعيد.

وإن شئت قلت: إنّه معطوف على القريب، أي الرؤوس لا على البعيد، أعني: الوجوه، ونوضح ذلك بالمثال التالي:

لو سمعنا قائلاً يقول: أحب زيداً وعمراً ومررت بخالد وبكر من دون أن يُعرب «بكر» بالنصب أو الجرّ، نحكم بأنّ «بكر» معطوف على «خالد» و العامل فيه هو الفعل الثاني وليس معطوفاً على «عمرو»حتّى يكون العامل فيه هو الفعل الأوّل.

وقد ذكر علماء العربية أنّ العطف من حقّه أن يكون على الأقرب دون الأبعد، وهذا هو الأصل والعدول عنه يحتاج إلى قرينة موجودة في الكلام، وإلاّربما يوجب اللُّبس واشتباه المراد بغيره.

فلنفرض أنّ رئيساً قال لخادمه: أكرم زيداً وعمراً واضرب بكراً وخالداً، فهو يميز بين الجملتين ويرى أنّ «عمراً» عطف على «زيداً»، وأمّا «خالداً» فهو عطف على «بكراً»، ولا يدور بخلده خلاف ذلك.

قال الرازي: يجوز أن يكون عامل النصب في قوله(أرجلكم) هو قوله : (وامسحوا) ويجوز أن يكون هو قوله (فاغسلوا) لكن العاملين إذا اجتمعا على معمول واحد كان إعمال الأقرب أولى، فوجب أن يكون عامل النصب في قوله: (أرجلكم) هو قوله :(وامسحوا).


(24)

فثبت انّ قوله: (وأرجلكم) بنصب اللام توجب المسح.(1)

فإذا كانت الحال كذلك ولا يجوز الخروج عن القواعد في الأمثلة العرفية، فأولى أن يكون كلام ربّ العزة كذلك.

وليس المثال منحصراً بما ذكرنا، بل بإمكانك الإدلاء بأمثلة مختلفة شريطة أن تكون مشابهة لما في الآية.

فلو إنّك عرضت الآية على أيّ عربيّ صميم يجرّد نفسه عن المذهب الذي يعتنقه، وسألته عن دلالة الآية يجيبك:

إنّ هناك أعضاءً يجب غسلها، وهي الوجوه والأيدي.

واعضاءً يجب مسحها وهي الرؤوس والأرجل.

ولو أُلفت نظره إلى القواعد العربية تجده انّه لا يتردد انّ العامل في الرؤوس والأرجل شيء واحد وهو قوله: (فامسحوا) ولا يدور بخلده التفكيك بين الرؤوس والأرجل بأن يكون العامل في الرؤوس قوله (فامسحوا)والعامل في قوله (وأرجلكم) هو قوله: (فاغسلوا) .

فإذا اتّضحت دلالة الآية على واحد من المسح والغسل فلا نحتاج إلى شيء آخر، فالموافق منه يؤكّد مضمون الآية، والمخالف يعالج بنحو من الطرق أفضلها انّها منسوخة بالكتاب.


1 . التفسير الكبير:11/161.


(25)

7
القراءتان والمسح على الأرجل

إنّ اختلاف القرّاء في لفظة: (وأرجلكم) بالفتح والجر لا يؤثر في دلالة الآية على وجوب المسح، فالقراءتان تنطبقان على ذلك القول بلا أي إشكال.

توضيح ذلك:

إنّه قرأ نافع و ابن عامر وعاصم في رواية حفص عنه قوله:(وأرجلكم) بالنصب، وهذه هي القراءة المعروفة التي عليها المصاحف الرائجة في كلّ عصر وجيل.

وقرأ ابن كثير وحمزة وأبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر عنه بالجرّ.

ونحن نقول:إنّ القراءتين تنطبقان على القول بالمسح بلا تريّث وتردد.

أمّا الثاني أي قراءة الجر، فهو أقوى شاهد على أنّه معطوف على قوله: (برءُوسكم) إذ ليس لقراءة الجرِّ وجه سوى كونه معطوفاً على ما قبله. وعندئذ تكون الأرجل محكومة بالمسح بلا شك.

وأمّا قراءة النصب فالوجه فيه أنّه عطف على محل (برءُوسكم) لأنّه منصوب محلاً مفعول لقوله: (وامسحوا)وعندئذ تكون الأرجل أيضاً محكومة بالمسح فقط، والعطف على المحل أمر شائع في اللغة العربية، وقد ورد أيضاً في


(26)

القرآن الكريم.

أمّا القرآن فقال سبحانه: (إِنَّ اللّهَ بَريءٌ مِنَ الْمُشرِكين وَرَسُولُه) (1) فقراءة: (ورسوله) بالضم هي القراءة المعروفة الرائجة و لا وجه لرفعه إلاّ كونه معطوفاً على محل اسم إنّ، أعني: لفظ الجلالة في (انّ اللّه) لكونه مبتدأ.

وقد ملئت مسألةُ العطف على المحل كتبَ الأعاريب، فقد عقد ابن هشام باباً خاصاً للعطف على المحل وذكر شروطه.(2)

وأمّا في الأدب العربي فحدِّث عنه ولا حرج، قال القائل:

معاوي انّنا بـشر فاسجـح فلسنا بالجبال ولا الحديدا

فقول: «ولا الحديدا» بالنصب عطف على محل «بالجبال» لأنّها خبر ليس في قوله «فلسنا».

فخرجنا بالنتيجة التالية:

إنّ اختلاف القراءتين لا يؤثّر في تعيّن القول بالمسح، وسوف يوافيك دراسة القراءتين على القول بالغسل.

ثمّ إنّ لفيفاً من أعلام السّنة صرحوا بدلالة الآية على المسح قائلين بأنّ قوله (وأرجلكم) معطوف على الأقرب لا الأبعد، وانّ العامل فيه هو (فامسحوا) ، ونذكر بعض تلك الكلمات:

1. قال ابن حزم: وأمّا قولنا في الرجلين، فانّ القرآن نزل بالمسح ، قال تعالى: (وامسحوا برءُوسكم وأرجلكم)، وسواء قرئ بخفض اللام أو فتحها، فهي على كلّ حال عطف على الرؤوس امّا على اللفظ و إمّا على الموضع، ولا يجوز


1 . التوبة:3.
2 . مغني اللبيب: الباب4، مبحث العطف. قال: الثاني: العطف على المحل ثمّ ذكر شروطه.


(27)

غير ذلك.(1)

وقال الرازي: أمّا القراءة بالجر فهي تقتضي كون الأرجل معطوفة على الرؤوس، فكما وجب المسح في الرأس فكذلك في الأرجل.

وأمّا القراءة بالنصب، فقالوا ـ أيضاً ـ انّها توجب المسح، وذلك لأنّ قوله (وامسحوا برءُوسكم) في محل النصب، ولكنّها مجرورة بالباء، فإذا عطف الأرجل على الرؤوس جاز في الأرجل النصب عطفاً على محل الرؤوس، والجر عطفاً على الظاهر، وهذا مذهب مشهور النحاة.(2)

2. وقال الشيخ السندي الحنفي ـ بعد ان جزم انّ ظاهر القرآن هو المسح ـ ما هذا لفظه: و إنّما كان المسح هو ظاهر القرآن، لأنّ قراءة الجر ظاهرة فيه، وقراءة النصب محمول على جعل العطف على المحل.(3)

ولعلّ هذا المقدار من النقول يكفي في تبيين انّ كلتا القراءتين تدعمان المسح فقط وتنطبقان عليه بلا إشكال.


1 . المحلى:2/56.
2 . التفسير الكبير:11/161.
3 . شرح سنن ابن ماجة:1/88، قسم التعليقة.


(28)

8
القراءتان وغسل الأرجل

قد عرفت أنّ اختلاف القراءة في قوله: (وأرجلكم) لا يؤثر في القول بمسح الرجلين، سواء أقرأنا قوله:(وأرجلكم) بالنصب أم قرأناه بالجر، فكلتا القراءتين تدعمان المسح وبالتالي العامل في قوله: (أَرْجلكم)هو قوله: (فامسحوا) و لفظة (وأرجلكم) معطوفة على (برءُوسكم)إمّا لفظاً أو محلاً.

إنّما الكلام في إمكانية تطبيق القول بالغسل على القراءتين المعروفتين ومقدار انسجامه معهما والقواعد العربية. وسيتضح من خلاله انّ فرض الغسل على الآية خرق واضح للقواعد العربية، وإليك البيان:

الغَسْل وقراءة النصب

فلو قلنا بدلالة الآية على غسل الأرجل، فلا محيص من أن يكون العامل هو قوله في الجملة المتقدّمة (فاغسلوا) وأن يكون معطوفاً على قوله: (وجوهَكم) وهذا يستلزم الفصل بين المعطوف(وأرجلكم )و المعطوف عليه (وجوهكم) بجملة أجنبية وهي (وامسحوا برءُوسكم) مع أنّه لا يفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بمفرد فضلاً عن جملة أجنبية، ولم يُسمع في كلام العرب الفصيح قائل يقول:«ضربت زيداً» و «مررت ببكر وعمراً» بعطف «عمراً» على «زيداً».


(29)

1. قال ابن حزم: لا يجوز عطف أرجلكم على وجوهكم، لأنّه لا يجوز أن يحال بين المعطوف والمعطوف عليه بقضية مبتدئة.(1)

2. وقال أبو حيان: ومن ذهب إلى أنّ قراءة النصب في (وأرجلكم) عطف على قوله: (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم) وفصل بينهما بهذه الجملة التي هي قوله: (وامسحوا برءُوسكم) فهو بعيد، لأنّ فيه الفصل بين المتعاطفين بجملة إنشائية.(2)

3. وقال الشيخ الحلبي في تفسير الآية: نصب (وأرجلكم) على المحل وجرها على اللفظ، ولا يجوز أن يكون النصب للعطف على وجوهكم، لامتناع العطف على وجوهكم للفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بجملة أجنبية هي (وامسحوا برءُوسكم) والأصل أن لا يفصل بينهما بمفرد فضلاً عن الجملة، ولم يسمع في الفصيح نحو ضربت زيداً ومررت ببكر وعمراً بعطف عمراً على زيد.(3)

4. وقال الشيخ السندي: وحمل قراءة النصب بالعطف على المحل أقرب لاطّراد العطف على المحل، وأيضاً فيه خلوص عن الفصل بالأجنبي بين المعطوف والمعطوف عليه، فصار ظاهر القرآن هو المسح.(4)

إلى غير ذلك من الكلمات التي تصرح بأنّ قراءة النصب واستفادة الغسل يتوقّف على خرق قاعدة نحوية، وهي الفصل بين المعطوف و المعطوف عليه بجملة أجنبية.


1 . المحلى:2/56.
2 . تفسير النهر الماد:1/558.
3 . غنية المتملي في شرح منية المصلي المعروف بالحلبي الكبير:16.
4 . شرح سنن ابن ماجة:1/88.


(30)

الغسل وقراءة الجر

إنّ القائلين بغسل الأرجل برّروا قراءة النصب بوجه قد عرفت ضعفه وعدم انسجامه مع القواعد العربية، ولكنّهم لمّا وقفوا على قراءة الجرّ وانّها تدلّ على المسح دون الغَسْل حاروا في تبريرها وتوجيهها مع القول بالغسل، فانّ قراءة الجر صريحة في أنّ لفظة (وأرجلكم) معطوفة على (برءُوسكم) فيكون حكمها حكم الرؤوس، وعند ذلك مالوا يميناً ويساراً حتّى يجدوا لقراءة الخفض مع القول بالغَسل مبرّراً، وليس هو إلاّ القول بالجرّ بالجوار.

وحاصله: انّ قوله (وأرجلكم) محكوم حسب القواعد بالنصب لكونها معطوفة على قوله: (وجوهكم)، ولكنّه اكتسب اعراب الجرّ من قوله: (برءُوسكم) لأجل وقوعه في جنب لفظ مجرور وهذا ما يقال له: «الجرّ بالجوار» وهو ترك اللفظ اعرابه الطبيعي واكتساب اعراب اللفظ المجاور معه، وقد مثلوا له بقولهم «جحر ضبّ خرب» فانّ قوله «خرب» خبر لقوله: «جحر» ولكنّه قرأ بالجرّ لوقوعه في جنب كلمة ضبّ حيث إنّه مجرور باعتبار كونه مضاف إليه.

وبما انّ الجرّ بالجوار إمّا غير واقع في فصيح اللغة، وعلى فرض وقوعه فله شروط مفقودة في المقام، نعقد لبيان الموضوع الفصل التالي.


(31)

9
الجر بالجوار صحة وشرطاً

لما كان القائلون بغسل الأرجل يفسّرون قراءة الجرّ بالجوار، نذكر كلمات أعلام الأُدباء في المقام ليُعلم مدى صحّة الجرّ بالجوار، و على فرض صحّته ما هي شروطه؟

1.قال الزجاج: ربما يقال: (وأرجلكم) مجرور لأجل الجوار، أي لوقوعه في جنب الرؤوس المجرورة، نظير قول القائل: جُحر ضب خرب، فإن «خرب» خبر «لجحر» فيجب أن يكون مرفوعاً، لكنّه صار مجروراً لأجل الجوار.

هذا، ثمّ ردَّ عليـه بقوله: وهـو غير صحيح، لاتّفـاق أهل العربية عـلى أنّ الاعراب بالمجاورة شاذ نـادر، ومـا هـذا سبيله لا يجوز حمل القرآن عليه من غيـر ضرورة يُلجــأ إليهـا.(1)

2.قال علاء الدين البغدادي في تفسيره المسمى بالخازن: وأمّا من جعل كسر اللام في «الأرجل» على مجاورة اللفظ دون الحكم. واستدل بقولهم: «جحر ضب خرب» و قال: الخرب نعت للجحر لا الضب، وإنّما أخذ إعراب الضب للمجاورة فليس بجيّد لوجهين:


1 . معاني القرآن واعرابه:2/153.


(32)

أ. لأنّ الكسر على المجاورة إنّما يحمل لأجل الضرورة في الشعر، أو يصار إليه حيث يحصل الأمن من الالتباس، لأنّ الخرب لا يكون نعتاً للضب بل للجحر.

ب. ولأنّ الكسر بالجوار إنّما يكون بدون واو العطف، امّا مع حرف العطف فلم تتكلم به العرب.(1)

3. أنكر السيرافي وابن جنّي الخفض على الجوار وتأوّلا قولهم «خرب» بالجر على أنّه صفة للضب، و من أراد التفصيل فليرجع إلى المغني.(2)

4. قال ابن هشام: ولا يكون الجر بالجوار في النسق، لأنّ العاطف يمنع التجاور.(3)

ويتلخص من هذه الكلمات التي نقلناها بالإيجاز الأُمور التالية:

أوّلاً: انّ الخفض بالجوار لم يثبت في الكلام الفصيح.

ثانياً: انّ الخفض بالجوار على فرض ثبوته إمّا لضرورة الشعر أو لأجل استحسان الطبع المماثلةَ بين اللفظين المتجاورين، وكلّ من الوجهين منتفيان في المورد، فليس هنا ضرورة شعرية ولا استحسان الطبع في إخلاء لفظ (وأرجلكم) من إعرابه الواقعي واكتسابه إعراب جاره.

ثالثاً: انّ العطف بالجوار إنّما يجوز فيما إذا يؤمن عن الاشتباه كما في المثل المعروف فان «خرب» وصف للجحر لا للضبّ وان جرَّ ، بخلاف المقام فانّ قراءة الجرّ تورث الاشتباه، فلو كان الأرجل في الواقع محكومة بالغسل فالجرّ بالجوار


1 . تفسير الخازن:2/16.
2 . مغني اللبيب، الباب الثامن، القاعدة الثانية،359.
3 . مغني اللبيب، الباب الثامن، القاعدة الثانية،359.


(33)

يوهم كون الأرجل محكومة بالمسح وانّها معطوفة على الرؤوس من دون أن يلتفت المخاطبُ إلى أنّ الجرّ للجوار فلا داعي لارتكاب هذا النوع من الخفض الذي يضاد بظاهره مراد القائل.

ورابعاً: لم يثبت الجر بالجوار إلاّ في الوصف والبدل وأمثالهما لا في المعطوف كما في الآية .

وظهر من هذا البحث الضافي انّ القول بالمسح ينطبق على كلتا القراءتين بلا أدنى تأويل وحرج، وهذا بخلاف القول بالغسل فانّه لا ينسجم لا مع قراءة النصب ولا مع قراءة الجرّ.


(34)

10
الاجتهاد تجاه النص

إنّ آفة الفقه هو التمسك بالاعتباريات والوجوه الاستحسانيّة أمام النصّ، لأنّه يضاد مذهب التعبديّة، فالمسلم يتعبد بالنص ـ و إن بلغ ما بلغ ـ و لا يقدِّم رأيه على كتاب اللّه وسنّة رسوله الصحيحة، وهو آية الاستسلام أمام اللّه وأمام رسوله وكتابه وسننه، قال سبحانه: (يا أَيُّها الَّذينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَي اللّه وَرَسُوله ِ وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيم)(1).

أي لا تتقدّموا على اللّه ورسوله بافتراض رأيكم على الرسول والأُمّة المسلمة.

إنّ تقديم الوجوه الاستحسانية على النصّ تقدّمٌ على اللّه ورسوله، ونعم ما قال الإمام الشافعي: «من استحسن فقد شرّع».

وقد وقف غير واحد من أعلام السنّة على أنّ ظاهر الآية أو صريحها هو مسح الرجلين واعترفوا بذلك بوجدانهم أو بلسانهم وقلمهم، ولكن التعبد بمذهب الأئمّة الأربعة وغيرهم عاقهم عن الأخذ بمضمون الآية، فاتبعوا المذهبَ الموروث بدل الاتّباع للقرآن الكريم، ولولا انّهم نشأوا على هذه الفكرة منذ نعومـة أظفارهم، لما قدّمـوا اجتهاداتهم على كتاب اللّه العزيز الدالّ على المسح، وحرّروا


1 . الحجرات:1.


(35)

تفكّرهم عن قيد التقليد، وإليك شيئاً من هذه الاجتهـادات التـي لا يرتضيهـا العقل ولا الـوجدان الحرّ .

1. الغَسْل يشمل المسح

زعم الجصاص انّ آية الوضوء مجملة فلابدّ من العمل بالاحتياط، وهو الغَسْل المشتمل على المسح أيضاً، بخلاف المسح فانّه خال عن الغسل، ثمّ رفع ابهام الآية بادّعاء اتّفاق الجميع على أنّه لو غَسَل فقد أدّى الفرض.(1)

يلاحظ عليه: أوّلاً: بأنّه كيف يرمي الآية بالإجمال مع أنّها واضحة الدلالة، لأنّها بصدد بيان ما هو الواجب على عامة المصلّين عند القيام إلى الصلاة، ومثل هذا يجب أن يكون مبيّن المراد، غير محتمل إلاّ لمعنى واحد، وإنّما دعاه إلى القول بالإجمال الفرار عن ظاهر الآية الدالّ على أنّ فريضة الأرجل هو المسح لا الغسل.

وثانياً: أنّ ما يقوله إنّ الغسل يشمل المسح دون العكس فانّه خال من الغسل، غير صحيح، لأنّ المراد من الغسل في المقام هو إسالة الماء على العضو، كما أنّ المراد من المسح فيها هو إمرار اليد على العضو بالبلل المتبقّى في اليد، وعندئذ يُصبح الغَسْل والمسح فريضتين مختلفتين على نحو يغاير كلّ الآخر، فلا الغسل يشتمل على المسح ولا المسح على الغسل .

وثالثاً: أنّ ادّعاء رفع إبهام الآية بأنّه إذا غسل فقد أدّى فرضه باتّفاق الجميع مصادرة بالمطلوب، إذ كيف يدّعي الاتفاق عليه مع أنّ القائلين بالمسح بين الصحابة والتابعين كما سيوافيك أسماؤهم، ليسوا بأقلّ من القائلين بالغسل، كما أنّ الإمامية وهم ربع المسلمين يرون بطلان الغسل ولزوم المسح فأين اتّفاق الجميع على الغَسْل؟!


1 . أحكام القرآن:2/346.


(36)

2. نسخ السنّة للكتاب

وهناك من يرى دلالة الآية على المسح بوضوح ويبطل القول بأنّ أرجلكم معطوف على قوله: «وجوهكم» ويقول: لا يجوز ألبتة أن يحال بين المعطوف والمعطوف عليه بخبر غير الخبر عن المعطوف، لأنّه إشكال وتلبيس وإضلال لا بيان. لا تقول: ضربت محمداً و زيداً و مررت بخالد وعمراً، وأنت تريد أنّك ضربت عمراً أصلاً، فلما جاءت السنّة بغسل الرجلين صحّ انّ المسح منسوخ عنهما.(1)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه لا يصحّ نسخ الكتاب إلاّبالسنّة القطعية، لأنّ الكتاب دليل قطعي لا ينسخه إلاّ دليل قطعي مثله.

وأمّا المقام فالسنّة الدالة على الغسل متعارضة مع السنّة الدالة على المسح، فكيف يمكن أن نقدّم أحد المتعارضين على القرآن الكريم بغير مرجح؟ وستوافيك الروايات المتضافرة الدالة على أنّ النبي وأصحابه كانوا يمسحون الأرجل مكان الغسل.

وثانياً: اتّفقت الأُمّة على أنّ سورة المائدة آخر ما نزل على النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » وانّها لم تنسخ آية منها، وقد مرّ من الروايات وأقوال الصحابة ما يدلّ على ذلك.

وثالثاً: كان اللازم على ابن حزم أن يجعل الآية دليلاً على منسوخية السنّة، ولو ثبت انّ النبي غسل رجليه في فترة من الزمن فالآية ناسخة لها لا أنّها ناسخة للقرآن.


1 . الإحكام في أُصول الأحكام:1/510.


(37)

3. التنبيه على وجوب الاقتصاد في صب الماء

وقد وقف الزمخشري على أنّ قراءة الجر تُلزم الإنسان بمسح الأرجل لا غسلهما، فصار بصدد منع الدلالة، وانّ الأرجل وإن كانت معطوفة على الرؤوس ومع ذلك يفقد العطفُ الدلالةَ على الغسل، قال:

قرأ جماعة(وأرجلكم) بالنصب فدلّ على أنّ الأرجل مغسولة.

فإن قلت: فما تصنع بقراءة الجر ودخولها في حكم المسح؟

قلت: الأرجل من بين الأعضاء الثلاثة المغسولة تُغسل بصب الماء عليها، فكان مظنة للإسراف المذموم المنهيّ عنه، فعطفت على الثالث الممسوح لا لتُمسح ولكن لينبّه على وجوب الاقتصاد في صبّ الماء عليها وقيل إلى الكعبين.

يلاحظ على(1)ه أوّلاً: أنّ ما ذكره من الوجه إنّما يصحّ إذا كانت النكتة ممّا تعيه عامة المخاطبين من المؤمنين، وأين هؤلاء من هذه النكتة التي ابتدعها الزمخشري توجيهاً لمذهبه؟

وبعبارة أُخرى: انّما يصحّ ما ذكره من النكتة إذا أمن من الالتباس لا في مثل المقام الذي لا يؤمن منه، وبالتالي يحمل ظاهر اللفظ على وجوب المسح غفلة عن النكتة البديعة!! للشيخ الزمخشري.

وثانياً: أنّ الأيدي أيضاً مظنة للإسراف مثل الأرجل، فلماذا لم ينبّه على وجوب الاقتصاد في صب الماء فيها أيضاً؟!

كل ذلك يعرب عن أنّ هذا الوجه توجيه للمذهب الذي نشأ وترعرع صاحب الكشاف عليه ، ولولا ذلك لم يرد بخلده هذا الوجه.


1 . الكشاف:1/326.


(38)

4. سهولة غسل الرجلين دون الشعر

لما وقف ابن قدامة على أنّ مقتضى عطف الأرجل على الرؤوس هو المسح، سواء أقرئت بالنصب أو بالجر، أخذ يتفلسف ويجتهد أمام الدليل الصارم ويقول: إنّ هناك فرقاً بين الرأس والرجل، ولأجله لا يمكن أن يحكم عليهما بحكم واحد، وهذه الوجوه عبارة عن:

1. انّ الممسوح في الرأس شعر يشقّ غسله، والرجلان بخلاف ذلك فهما أشبه بالمغسولات.

2. انّهما محدودان بحد ينتهي إليه فأشبها باليدين.

3. انّهما معرّضتان للخبث لكونهما يُوطّأ بهما على الأرض بخلاف الرأس.(1)

يلاحظ عليه: أنّه اجتهاد مقابل النص وتفلسف في الأحكام.

فأمّا الأوّل: فأيّ مشقّة في غسل الشعر إذا كان المغسول جزءاً منه فإنّه الواجب في المسح، فليكن كذلك عند الغسل.

وأمّا الثاني: فلأنّ التمسك بالشَّبه ضعيف جداً، إذ كم من متشابهين يختلفان في الحكم.

وأفسد منه هو الوجه الثالث فإنّ كون الرِّجْلين معرّضتين للخبث لا يقتضي تعيّـن الغسل، فإنّ القائل بالمسح يقول بأنّه يجب أن تكون الرِّجل طاهرة من الخبث ثمّ تمسح.

ولعمري إنّ هذا الوجه وما تقدّمه للزمخشري تلاعب بالآية لغاية دعم المذهب، والجدير بالفقيه الواعي هو الأخذ بالآية، سواء أوافقت مذهب إمامه أم لا. ولصاحب المنار كلمة قيّمة في حقّ هؤلاء الذين يقدّمون فتاوى الأئمّة على


1 . المغني:1/124.


(39)

الكتاب العزيز والسنّة الصحيحة يقول: إنّ العمل عندهم على أقوال كتبهم دون كتاب اللّه وسنّة رسوله.(1)

5. اتّباع السلف في الغسل

لمّا وقف ابن تيمية على أنّ قراءة الخفض تستلزم العطف على الرؤوس فيلزم حينئذ مسح الرجلين لا غسلهما، التجأ إلى تأويل النص، وقال:

«ومن قرأ بالخفض فليس معناه وامسحوا أرجلكم كما يظنه بعض الناس، لأوجه: أحدها: انّ الذين قرأوا ذلك من السلف، قالوا: عاد الأمر إلى الغسل».(2)

يلاحظ عليه: أنّه لو صحّ ما ذكره لزم القول بأنّ السلف تركوا القرآن وراء ظهورهم وأخذوا بما لا يوافق القرآن، ولو كان رجوعهم لأجل نسخ الكتاب فقد عرفت أنّ القرآن لا ينسخ بخبر الواحد. ولو سلّمنا جواز النسخ فسورة المائدة لم يُنسَخ منها شيء.

ومن العجب أنّ ابن تيميّة ناقض نفسه فقد ذكر في الوجه السابع ما هذا نصه:«إنّ التيمّم جُعل بدلاً عن الوضوء عند الحاجة فحذف شطر أعضاء الوضوء وخُفّ الشطر الثاني، وذلك فإنّه حذف ما كان ممسوحاً ومسح ما كان مغسولاً».(3)

فلو كان التيمّم على أساس حذف ما كان ممسوحاً فقد حذف حكم الأرجل في التيمّم، فلازم ذلك أن يكون حكمه هو المسح حتّى يصحّ حذفه، فلو كان حكمه هو الغسل لم يحذف، بل يبقى كالوجه واليد ويُمسح.


1 . تفسير المنار:2/386.
2 . التفسير الكبير:4/48.
3 . المصدر نفسه:50.


(40)

6. التحديد آية الغسل

إنّ المفسر المعروف بالشيخ إسماعيل حقي البروسوي أيّد القول بالغسل بأنّ المسح لم يعهد محدوداً وإنّما جاء التحديد في المغسولات.(1)

يريد بكلامه هذا انّ الأرجل حُدّدت بالكعبين فأشبه غَسْل الكعبين بغسل الأيدي المحدَّد بالمرافق، فيحكم عليها بالغسل بحكم الاشتراك في التحديد.

يلاحظ عليه: أنّ كلاً من المغسول والممسوح جاء في الآية محدّداً وغير محدّد، فالوجوه في الآية تغسل ولم تحدد، والأيدي تغسل وحُدّدت بقوله:«إلى المرافق»، فيعلم من ذلك انّ الغسل تارة يكون محدّداً وأُخرى غير محدد، فلا التحديد دليل على وجوب الغَسْل ولا عدم التحديد دليل على وجوب المسح، وهكذا الحال في الممسوح فالأرجل ـ على المختار ـ تُمسح ويكون محدداً إلى الكعبين والرأس تمسح وهو غير محدد، فجعل التحديد علامة للغسل أشبه بجعل الأعم دليلاً على الأخص، وما ذكره من أنّه لم يجئ في شيء من المسح تحديد، أوّل الكلام، وهو من قبيل أخذ المدّعى في الدليل.

ولو قلنا بهذه الاستحسانات، فالذوق الأدبي يقتضي أن تكون الأرجل ممسوحة لا مغسولة.

قال المرتضى: إنّ الآية تضمّنت ذكر عضو مغسول غير محدود وهو الوجه وعطف عليه مغسول محدود وهما اليدان، ثمّ استؤنف ذكر عضو ممسوح غير محدود وهو الرأس فيجب أن تكون الأرجل ممسوحة وهي محدودة ومعطوفة عليه دون غيره، لتتقابل الجملتان في عطف مغسول محدود على مغسول غير محدود وفي عطف ممسوح محدود على ممسوح غير محدود.(2)


1 . روح البيان:2/351.
2 . الانتصار:24.


(41)

7. المرجع هو السنّة بعد تعارض القراءتين

ذهب الآلوسي إلى أنّ القراءتين المتواترتين المتعارضتين كأنّهما آيتان متعارضتان، والأصل في مثله هو السقوط والرجوع إلى السنّة؟

قال: إنّ القراءتين متواترتان بإجماع الفريقين، بل بإطباق أهل الإسلام كلّهم، ومن القواعد الأُصولية عند الطائفتين انّ القراءتين المتواترتين إذا تعارضتا في آية واحدة فلهما حكم آيتين، فلابدّ لنا أن نسعى ونجتهد في تطبيقهما أوّلاً، مهما أمكن، لأنّ الأصل في الدلائل الإعمال دون الإهمال كما تقرر عند أهل الأُصول، ثمّ نطلب بعد ذلك الترجيح بينهما، ثمّ إذا لم يتيسر لنا الترجيح فنتركهما ونتوجّه إلى الدلائل الأُخر من السنّة.(1)

يلاحظ عليه: أنّ من الغرائب أن نجعل القراءتين متعارضتين ثمّ نسعى في رفع التعارض بالوجوه التي ذكرها القائل، فانّ فرض التعارض بين القراءتين رهن فرض المذهب على القرآن وتطبيقه عليه وإلاّ فالقراءتان ليس فيهما أي تعارض وتهافت وكلتاهما تهدفان إلى أمر واحد وهو مسح الرجلين، لأنّ قوله :(وَأَرجلكم) على كلتا القراءتين معطوف على لفظ واحد وهو قوله: (رءُوسكم) ، لكن إمّا عطفاً على المحل فتُنصب أو عطفاً على الظاهر فتُجر.

8. الغسل إضافة من النبي« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »

ذهب جمال الدين القاسمي إلى أنّ الآية صريحة في أنّ الفريضة هي المسح كما قاله ابن عباس وغيره، ولكن إيثار غسلهما في المأثور عنه إنّما هو للتزيّد في الفرض والتوسّع فيه حسب عادته، فانّه سنّ في كلّ فرض سنناً تدعمه وتقوّيه في


1 . روح المعاني:6/74.


(42)

الصلاة والزكاة والصوم والحجّ.

وممّا يدلّ على أنّ واجبهما المسح تشريع المسح على الخفّين والجوربين ولا سند له إلاّ هذه الآية ، فانّ كلّ سنّة أصلها في كتاب اللّه منطوقاً أو مفهوماً، فاعرف ذلك واحتفظ به واللّه الهادي.(1)

يلاحظ عليه: حاشا النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » أن يزيد أو ينقص في الفرائض، بل هو يتّبع الوحي، وكان شعاره « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »: (قُل إِنّما أتّبع ما يوحى إِليَّ مِنْ رَبّي)(2) وقوله: (قُلْ ما يَكُونُ لي أَنْ أُبدّلَهُ مِنْ تِلْقاءِنَفسي إِنْ أَتِّبعُ إِلاّما يُوحى إِلَيَّ) (3) ولو زاد في الصلوات فإنّما بأمر من اللّه سبحانه.

ثمّ لو زاد ما زاد فإنّما يزيد فيما ثبت أصله بالسنّة، لا بالكتاب العزيز كإضافة ركعتين في الرباعية وركعة في الثلاثيّة.

أخرج مسلم عن ابن عباس قال: فرض اللّه الصلاة على لسان نبيّكم « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » في الحضر أربعاً وفي السفر ركعتين.(4)

فلو افترضنا أنّ الفريضة كانت هي المسح دون الغسل وانّ النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » زاد في الفرض بحكم الروايات الآمرة بالغسل، لكن ماذا نفعل عندئذ بالروايات الآمرة بالمسح، وهي روايات صحاح هائلة كما سيوافيك، فهل هنا ملجأ بعد التعارض إلاّ الذكر الحكيم؟!

وكلّ هذه الكلمات تعرب عن أنّ أصحابها اتّخذوا موقفاً مسبقاً حيال الآية


1 . التأويل:6/112.
2 . الأعراف:203.
3 . يونس:15.
4 . صحيح مسلم:2/143، باب صلاة المسافرين.


(43)

الصريحة الواضحة الدلالة، وفرضوا مذهبهم عليها، الأمر الذي أوقعهم في حيص بيص ومأزق، وطرقوا كافة الأبواب للخروج منه وتشبّثوا بوجوه استحسانية لا تغني عن الحقّ شيئاً.

9. التمسّك بالمصالح

لما استشعر صاحب المنار، بأنّ الآية ظاهرة في مسح الرجلين باليد المبلّلة بالماء حاول صرف الآية عن ظاهرها بالتمسّك بالمصالح، وقال:

لا يعقل لإيجاب مسح ظاهر القدم باليد المبلّلة بالماء حكمة، بل هو خلاف حكمة الوضوء، لأنّ طروء الرطوبة القليلة على العضو الذي عليه غبار أو وسخ يزيده وساخة، وينال اليد الماسحة حظ من هذه الوساخة.(1)

يـلاحظ عليـه: أنّ ما ذكره استحسان لا يُعرَّج عليه مع وجود النص، فلا شك أنّ الأحكام الشرعية تابعة للمصالح الواقعية ولا يجب علينا أن نقف عليها، فأي مصلحة في المسح على الرأس ولو بمقدار اصبع أو اصبعين حتى قال الشافعي: إذا مسح الرأس باصبع واحدة أو بعض اصبع أو باطن كفه، أو أمر مَن يمسح له أجزأه ذلك؟!

وهناك كلمة قيّمة للإمام شرف الدين الموسوي نأتي بنصها، قال ـرحمه اللّهـ: نحن نؤمن بأنّ الشارع المقدّس لاحظ عباده في كل ما كلّفهم به من أحكامه الشرعية، فلم يأمرهم إلاّ بما فيه مصلحتهم، ولم ينههم إلاّ عمّـا فيه مفسدة لهم، لكنّه مع ذلك لم يجعل شيئاً من مدارك تلك الأحكام منوطاً من حيث المصالح والمفاسد بآراء العباد، بل تعبّدهم بأدلّة قويّة عيّنها لهم، فلم يجعل لهم مندوحة


1 . تفسير المنار:6/234.


(44)

عنها إلى ما سواها. وأوّل تلك الأدلّة الحكيمة كتاب اللّه عزّ وجلّ، وقد حكم بمسح الرؤوس والأرجل في الوضوء، فلا مندوحة عن البخوع لحكمه، أمّا نقاء الأرجل من الدنس فلابدّ من إحرازه قبل المسح عليها عملاً بأدلّة خاصّة دلّت على اشتراط الطهارة في أعضاء الوضوء قبل الشروع فيه(1).(2)

10. اعتراض جملة:(فَامْسَحُوا...) لبيان الترتب

إنّ الفصل بين المتعاطفات بقول:(فامسحوا برءُوسكم) لبيان تقدّم المسح على غسل الأرجل.(3)

يلاحظ عليه: بأنّ في وسع المتكلم أن يجمع بين ذكر الترتيب ووضوح البيان بتكرار الفعل بأن يقول: «فامسحوا برءوسكم واغسلوا أرجلكم» فيكون كلامه مبيّناً لمقصده وفي الوقت نفسه نزيهاً عن اللُّبس.


1 . ولذا ترى حفاة الشيعة والعمال منهم ـ كأهل الحرث وأمثالهم وسائر من لا يبالون بطهارة أرجلهم في غير أوقات العبادة المشروطة بالطهارة ـ إذا أرادوا الوضوء غسلوا أرجلهم ثمّ توضّأوا فمسحوا عليها نقيّة جافّة.
2 . مسائل فقهية:82.
3 . مجلة الفيصل العدد235 صفحة 48، مقالة أبي عبدالرحمن الظاهري.


(45)

11
المسح على الأرجل
في الأحاديث الصحيحة

قد تعرّفت ـ من دلالة الآية ـ على أنّ الفرض في مورد الأرجل هو المسح، وبما انّ الآية نزلت في أُخريات حياة النبي ولم تنسخ بعد فهي بنفسها كافية في الدلالة على المقصود.

غير انّنا تعزيزاً للمطلب نذكر ما روي عن النبي« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » وأصحابه من لزوم المسح على الأرجل، ونقتصر في ذلك بالمتون مع تجريد الأسانيد، لأنّ الكتاب لا يسع لذكرها.

ما روي عن رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » حول مسح الأرجل

1. عن بسر بن سعيد قال: أتى عثمان المقاعد فدعا بوضوء فتمضمض واستنشق ثمّ غسل وجهه ثلاثاً ويديه ثلاثاً ثلاثاً ومسح برأسه ورجليه ثلاثاً ثلاثاً، ثمّ قال: رأيت رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » هكذا توضّأ، يا هؤلاء أكذلك؟ قالوا: نعم، لنفر من أصحاب رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »عنده.(1)


1 . مسند أحمد:1/109، الحديث489.


(46)

2. عن حمران قال: دعا عثمان بماء فتوضّأ ثمّ ضحك، ثمّ قال: ألا تسألوني ممّ أضحك؟ قالوا: يا أمير المؤمنين ما أضحكك؟ قال: رأيت رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » توضّأ كما توضّأت، فتمضمض واستنشق وغسل وجهه ثلاثاً ويديه ثلاثاً ومسح برأسه وظهر قدميه.(1)

3. وفي مسند عبداللّه بن زيد المازني انّ النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » توضّأ فغسل وجهه ثلاثاً ويديه مرتين ومسح رأسه ورجليـه مرتين.(2)

4. عن أبي مطر قال: بينما نحن جلوس مع علي في المسجد، جاء رجل إلى علي وقال: أرني وضوء رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » فدعا قنبر، فقال: ائتني بكوز من ماء فغسل يديه ووجهه ثلاثاً، فأدخل بعض أصابعه في فيه واستنشق ثلاثاً، وغسل ذراعيه ثلاثاً ومسح رأسه واحدة ورجليه إلى الكعبين ولحيته تهطل على صدره ثمّ حسا حسوة بعد الوضوء ثمّ قال: أين السائل عن وضوء رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »، كذا كان وضوء رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ».(3)

5. عن عباد بن تميم، عن أبيه، قال: رأيت رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » توضّأ ومسح بالماء على لحيته ورجليه.(4)

6. عن علي بن أبي طالب« عليه السَّلام » قال: كنت أرى أنّ باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما حتى رأيت رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »يمسح ظاهرهما.(5)


1 . كنز العمال:9/436، الحديث 26863.
2 . كنز العمال:9/451، الحديث26922.
3 . كنز العمال:9/448 برقم 26908.
4 . كنز العمال:9/429 برقم 26822.
5 . مسند أحمد:1/153برقم 739و ص183برقم91.


(47)

7. عن رفاعة بن رافع انّه سمع رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » يقول: «إنّه لا يجوز صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره اللّه عزّوجلّ، ثمّ يغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح رأسه ورجليه إلى الكعبين».(1)

8. ما روي عن عبد اللّه بن عمرو، قال: تخلّف عنّا رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » في سفرة سافرناها، فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة ونحن نتوضّأ فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته:«ويل للأعقاب من النار» مرتين أو ثلاثاً.(2)

9. عن أبي مالك الأشعري انّه قال لقومه: اجتمعوا أُصلّي بكم صلاة رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »، فلمّا اجتمعوا قال: هل فيكم أحد غيركم؟ قالوا: لا، إلاّ ابن أُخت لنا، قال: ابن أُخت القوم منهم، فدعا بجفنة فيها ماء، فتوضّأ ومضمض واستنشق، وغسل وجهه ثلاثاً وذراعيه ثلاثاً، ومسح برأسه وظهر قدميه، ثمّ صلّـى بهم فكبر بهم اثنتين وعشرين تكبيرة.(3)

10. عن عباد بن تميم المازني، عن أبيه انّه قال: رأيت رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » يتوضّأ ويمسح الماء على رجليه.(4)

11. عن أوس بن أبي أوس الثقفي انّه رأى النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » أتى كظامة قوم بالطائف، فتوضّأ ومسح على قدميه.(5)

12. عن رفاعة بن رافع قال: كنت جالساً عند رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » إذ جاءه رجل فدخل المسجد، فصلّى فلمّـا قضى الصلاة جاء فسلم على رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » وعلى


1 . سنن ابن ماجة:1/156، حديث 460; سنن النسائي:2/226.
2 . صحيح البخاري:1/23، باب من رفع صوته بالعلم من كتاب العلم، الحديث1.
3 . مسند أحمد:5/342.
4 . سنن ابن ماجة:1، الحديث460.
5 . تفسير الطبري:6/86; المعجم الكبير:1/221 برقم 603.


(48)

القوم، فقال رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »: «ارجع فصلّ فانّك لم تصل» وجعل الرجل يصلّي، وجعلنا نرمق صلاته لا ندري ما يعيب منها، فلمّـا جاء فسلم على النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » وعلى القوم قال له النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »: «وعليك ارجع فصلِّ فانّك لم تصل».

قال همام: فلا ندري أمره بذلك مرتين أو ثلاثاً، فقال له الرجل: ما أدري ماعبت من صلاتي؟

فقال رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »: إنّه لا تتم صلاة أحدكم حتّى يسبغ الوضوء كما أمره اللّه، فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين، ثمّ يكبر اللّه تعالى ويثني عليه، ثمّ يقرأ أمّ القرآن وما أذن له فيه ويسر، ثمّ يكبر فيركع فيضع كفيه على ركبتيه حتّى تطمئن مفاصله، ويسترخي ثمّ يقول:

سمع اللّه لمن حمده، ويستوي قائماً حتّى يقيم صلبه ويأخذ كلّ عظم مأخذه، ثمّ يكبر فيسجد فيمكن وجهه. قال همام: وربما قال جبهته من الأرض حتّى تطمئن مفاصله ويسترخي، ثمّ يكبر فيستوي قاعداً على مقعده ويقيم صلبه، فوصف الصلاة هكذا أربع ركعات حتّى فرغ، ثمّ قال: لا يتم صلاة أحدكم حتّى يفعل ذلك.(1)

13. عن ابن عباس انّه قال: ذكر المسح على القدمين عند عمر وسعد وعبد اللّه بن عمر فقال عمر بن الخطاب: سعد أفقه منك، فقال عمر: يا سعد انّا لا ننكر انّ رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » مسح ـ أي على القدمين ـ ولكن هل مسح منذ أنزلت سورة المائدة فانّها أحكمت كل شيء وكانت آخر سورة من القرآن إلا براءة.(2)


1 . المستدرك للحاكم:1/241.
2 . الدر المنثور:3/29.


(49)

14. عن عروة بن الزبير انّ جبرئيل « عليه السَّلام » لمّا نزل على النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » في أوّل البعثة فتح بالإعجاز عيناً من ماء فتوضأ ومحمد « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » ينظر إليه فغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ومسح برأسه ورجليه إلى الكعبين، ففعل النبي محمد« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » كما رأى جبرئيل يفعل.(1)

15. روى عبدالرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه انّ أبا جبير قدم على النبي« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » مع ابنته التي تزوجها رسول اللّه، فدعا رسول اللّه بوضوء فغسل يديه فأنقاهما، ثمّ مضمض فاه واستنشق بماء، ثمّ غسل وجهه ويديه إلى المرفقين ثلاثاً، ثمّ مسح رأسه ورجليه.(2)

إلى هنا تمّ ما عثرنا عليه من الروايات عن النبي الأكرم« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » على وجه عابر، وهي تدلّ على أنّ قول النبي وفعله كان على المسح لا الغسل.

ما حكي عن الصحابة والتابعين حول مسح الأرجل

16. حدث سفيان قال: رأيت علياً « عليه السَّلام » توضّأ فمسح ظهورهما.(3)

17. عن حمران انّه قال: رأيت عثمان دعا بماء غسل، فغسل كفيه ثلاثاً ومضمض واستنشق وغسل وجهه ثلاثاً وذراعيه ثلاثاً ومسح برأسه وظهر قدميه.(4)

18. عن عاصم الأحول، عن أنس قال: نزل القرآن بالمسح والسنّة بالغسل. وهذا اسناد صحيح.(5)


1 . الخصائص الكبرى:1/94.
2 . أُسد الغابة:5/156.
3 . مسند أحمد:1/200، الحديث 1018.
4 . كنز العمال:5/106.
5 . الأحاديث 18ـ 26 ، كلّها منقولة من تفسير الطبري:6/82.


(50)

19. عن عكرمة، عن ابن عباس قال: الوضوء غسلتان ومسحتان.

20. عن عبد اللّه العتكي، عن عكرمة قال: ليس على الرجلين غسل انّما نزل فيهما المسح .

21. عن جابر، عن أبي جعفر الباقر« عليه السَّلام » قال: امسح على رأسك وقدميك.

22. عن ابن علية بن داود، عن عامر الشعبي انّه قال: إنّما هو المسح على الرجلين ألا ترى أنّ ما كان عليه الغسل جُعِلَ عليه المسح وما كان عليه المسح أُهمِل (في التيمّم).

23. عن عامر الشعبي، قال: أُمر أن يمسح في التيمّم ما أُمر أن يغسل في الوضوء، وأبطل ما أمر أن يُمسح في الوضوء: الرأس والرجلان.

24. عن عامر الشعبي قال: أُمر أن يُمْسح بالصعيد في التيمّم، ما أمر أن يُغسل بالماء، وأهمل ما أمر أن يمسح بالماء.

25. عن يونس قال: حدثني من صحب عكرمة إلى واسط قال: فما رأيته غسل رجليه، إنّما يمسح عليهما حتّى خرج منها.

26. عن قتادة في تفسير قوله سبحانه: (فاغْسِلُوا وُجوهكُمْ وَايديكُمْ إِلى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسكُمْ وَأَرجُلكُمْ إِلى الكَعْبَين) افترض اللّه غسلتين ومسحتين.

27. قال موسى بن أنس لأبي حمزة: إنّ الحجاج خطبنا بالأهواز ونحن معه، فذكر الطهور فقال: اغسلوا وجوهكم وأيديكم وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم، وأنّه ليس شيء من ابن آدم أقرب من خبثه من قدميه، فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما، فقال أنس: صدق اللّه وكذب الحجاج، قال اللّه تعالى:


(51)

(وَامسَحُوا بِرُءُوسكُمْ وَأَرجُلكُمْ).

قال: وكان أنس إذا مسح قدميه بلّها.

قال ابن كثير: اسناده صحيح إليه.(1)

28. عن الشعبي قال : نزل جبرئيل بالمسح، ثمّ قال الشعبي: ألا ترى أنّ التيمم أن يمسح ما كان غسل ويلغى ما كان مسحاً.(2)

29. عن إسماعيل قلت لعامر الشعبي: إنّ أُناساً يقولون إنّ جبرئيل نزل بغسل الرجلين؟ فقال: نزل جبرئيل بالمسح.(3)

30. عن النزال بن سبرة انّ علياً دعا بماء فتوضأ ثمّ مسح على نعليه وقدميه، ثمّ دخل المسجد فخلع نعليه ثمّ صلّى.(4)

31. عن أبي ظبيان قال: رأيت علياً وعليه إزار أصفر وخميصة وفي يده عنزة أتى حائط السجن، ثم تنحى فتوضأ ومسح على نعليه وقدميه ثمّ دخل المسجد، فخلع نعليه ثمّ صلّى.(5)

هذا غيض من فيض، وقليل من كثير، فمن تفحّص المسانيد والصحاح ومجامع الآثار يقف على أكثر ممّا وقفنا عليه على وجه عابر.

(أُولئِكَ الَّذِينَ هَدى اللّه ُفِبِهُداهُمُ اقْتَدِه).(6)


1 . جامع البيان:6/82; محاسن التأويل:6/111; تفسير القرآن العظيم:2/27.
2 . تفسير القرآن العظيم:2/27.
3 . تفسير القرآن العظيم:2/25.
4 . كنز العمال:9/435برقم26856.
5 . كنز العمال:5/126.
6 . الأنعام:90.


(52)

12
التجاهل لروايات المسح

قد تجاهل ابن كثير ومن تبعه روايات المسح وقال:

قد خالف الروافض في ذلك(غسل الرجلين) بلا مستند، بل بجهل وضلالة، فالآية الكريمة دالّة على وجوب غسل الرجلين مع ما ثبت بالتواتر من فعل رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » على وفق ما دلّت عليه الآية الكريمة، وهم مخالفون لذلك كلّه وليس لهم دليل صحيح في نفس الأمر.(1)

وكأنّه لم يمعن النظر في الآية الكريمة ونصوع دلالتها على لزوم المسح، وكأنّه لم يقف على تلك الأحاديث الكثيرة حينما ادّعى التواتر على الغَسْل ، أو وقف عليها ولم يتأمّل فيها.

وقد تبعه الشيخ إسماعيل البروسوي قائلاً: ذهبت الروافض إلى أنّ الواجب في الرجلين المسح، ورووا في المسح خبراً ضعيفاً شاذّاً.(2)

وكذلك ادّعى الآلوسي تشبّث الشيعة برواية واحدة حيث قال:

ولا حجّة لهم في دعوى المسح إلاّ بما روي عن علي ـ كرم اللّه تعالى وجهه »


1 . تفسير القرآن العظيم:2/518.
2 . تفسير روح البيان:2/351.


(53)

(انّه مسح(1) وجهه ويديه، ومسح رأسه ورجليه، وشرب فضل طهوره قائماً).(2)

ولو كان البروسوي والآلوسي معذورين في هذا العزو، وأنّه ليس لوجوب المسح أيّ دليل سوى رواية شاذّة، فليس هناك عذر لمن وقف على هذه الروايات الكثيرة التي تتجاوز الثلاثين، فلو لم نقل بأنّ المسح نقل بالتواتر فلابدّ أن نقول إنّه مستفيض.

أضف إلى ذلك أنّ الكتاب يدعمه، فلا سبيل لنا إلاّ الأخذ بما يوافق الكتاب، وتأويل المخالف أي ما دلّ على الغسل بوجه بأن يقال: كان يغسل في فترة بعد البعثة لكن نسخته الآية المباركة أو غير ذلك من المحامل.

(وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْم).(3)


1 . كذا في المصدر، والصحيح: غسل.
2 . روح المعاني:6/87.
3 . الإسراء:36.


(54)

13
أسماء أعلام الصحابة والتابعين
القائلين بالمسح

قد تعرّفت على الروايات الدالّة على لزوم المسح في الوضوء، وقد رواها أعلام الصحابة والتابعين ونقلها أصحاب الصحاح والمسانيد.

ولأجل إيقاف القارئ على أسمائهم وشيء من مكانتهم في النقل نذكر أسماءهم مع الإيعاز إلى ترجمتهم على وجه الإيجاز مرفقةً برقم حديثهم. ليقف القارئ على أنّ القائلين به هم جبهة الصحابة والتابعين وسنام الثقات:

1. الإمام علي بن أبي طالب « عليه السَّلام » وانّه « عليه السَّلام » قال: لو كان الدين بالرأي لكان باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما، لكن رأيت رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » مسح ظاهرهما. (أُنظر الحديث 6).

2. الإمام الباقر « عليه السَّلام » محمد بن علي بن الحسين الإمام الثبت الهاشمي العلوي المدني أحد الأعلام، روى عن أبيه، وكان سيد بني هاشم في زمانه، اشتهر بالباقر من قولهم: بقر العلم، يعني: شقّه، فعَلِمَ أصله وخفيه(1) (أُنظر


1 . تذكرة الحفاظ: 1/124; تهذيب التهذيب: 9/350; حلية الأولياء: 3/180; شذرات الذهب: 1/149; الطبقات الكبرى:5/324.


(55)

الحديث21).

3. بسر بن سعيد، الإمام القدوة المدني، مولى بني الحضرمي، حدّث عن عثمان بن عفان، وثّقه: يحيى بن معين والنسائي، قال محمد بن سعد: كان من العباد المنقطعين والزهاد، كثير الحديث.(1) (أُنظر الحديث 1).

4. حمران بن أبان مولى عثمان بن عفان: يروي عنه (أُنظر الحديث 2 ) وكان من أهل الوجاهة، ذكره ابن حبان في الثقات.(2)

5. عثمان بن عفان، وقد تقدم في الحديث (1 و 2) انّه كان يتوضأ ويمسح على رجليه ويقول: هذا وضوء رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » .

6. أبو مطر ذكره ابن حبان في الثقات، روى عنه الحجاج بن أرطأة.(3)(أُنظر الحديث 4) .

7. عبد اللّه بن زيد المازني صاحب حديث الوضوء عن فضلاء الصحابة يعرف بابن أُم عمارة(4). ذكره ابن حبان في الثقات(5). (أُنظر الحديث 3).

8. النزال بن سبرة الهلالي الكوفي، روى عن النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » وعلي « عليه السَّلام » (أُنظر الحديث 30) وعثمان وأبي بكر وابن مسعود، وقال العجلي: كوفي تابعي، ثقة من كبار التابعين، وذكره ابن حبان في الثقات.(6)

9. عبد خير بن يزيد، قال العجلي: كوفي تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات التابعين و جزم بصحبته عبد الصمد بن سعيد الحمصي في كتاب


1 . سير أعلام النبلاء: 4/594.
2 . الثقات: 4/179.
3 . الثقات: 7/664.
4 . سير أعلام النبلاء: 2/377.
5 . الثقات: 3/223.
6 . تهذيب التهذيب: 10/423; التاريخ الكبير: 8/117.


(56)

الصحابة.(1) (أُنظر الحديث 6).

10. عباد بن تميم بن غزية الأنصاري الخزرجي المازني: روى عن أبيه وعن عمه عبد اللّه بن زيد وعن عويمر بن سعد، وثّقه: العجلي والنسائي وغيرهما، وحديثه في الصحيحين (البخاري ومسلم)(2) وذكره ابن حبان في الثقات(3) . (أُنظر الحديث 5 ، 10).

11. عبد اللّه بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، وكان يسمّى البحر لسعة علمه، و يسمّى حبر الأُمّة. وقال عبد اللّه بن عتبة: كان ابن عباس قد فاق الناس بخصال: بعلم ما سبقه، وفقه فيما احتيج إليه من رأيه، وقال: ما رأيت أحداً كان أعلم بما سبقه من حديث رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » منه، ولا أفقه في رأي عنه، ولا أعلم بتفسير القرآن منه(4) . (أُنظر الحديث 13، 19).

12. أوس بن أبي أوس الثقفي: روى له أصحاب السنن الأربعة، أحاديث صحيحة من رواية الشاميين عنه(5) . (أُنظر الحديث 11).

13. الشعبي: عامر بن شراحيل بن عبد، هو الإمام الحافظ الفقيه المتقي استاذ أبي حنيفة و شيخه. قال أحمد بن حنبل، والعجلي: مرسل الشعبي صحيح، لأنّه لا يكاد يرسل إلاّ صحيحاً. و قال ابن عيينة: العلماء ثلاثة: ابن عبـاس فـي زمانـه، والشعبي في زمانه، والثوري فـي زمانه(6). (أُنظر الحديث 22، 23 ، 24، 28).


1 . تهذيب التهذيب: 6/124.
2 . الاصابة: 4/23.
3 . الثقات: 5/141.
4 . أُسد الغابة: 3/192 ـ 195.
5 . الاصابة: 1/92.
6 . تذكرة الحفّاظ: 1/79; تهذيب التهذيب: 5/65; حلية الأولياء : 4/310; شذرات الذهب: 1/126; طبقات الحفاظ: 43.


(57)

14. عكرمة: أبو عبد اللّه المدني مولى ابن عباس، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: كان من علماء زمانه بالفقه والقرآن، وكان جابر بن زيد يقول: عكرمة من أعلم الناس، روى له أصحاب السنن الأربعة أحاديث صحيحة.(1) (أُنظر الحديث 25، 20).

15. رفاعة بن رافع بن مالك بن العجلان أبو معاذ الزرقي، شهد بدراً. وروى عن النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » مات في أوّل خلافة معاوية.(2) ذكره ابن حبان في الثقات.(3) (أُنظر الحديث 7، 12).

16. عروة بن الزبير بن العوام القرشي أخو عبد اللّه بن الزبير، فقيه عالم، وكان من أفاضل أهل المدينة وعلمائهم، ذكره ابن حبان في الثقات.(4)(أُنظر الحديث 14).

17. قتادة بن عزيز الحافظ العلامة أبو الخطاب السدوسي البصري الضرير الأكمه المفسر. قال أحمد بن حنبل: قتادة عالم بالتفسير وباختلاف العلماء، ووصفه بالحفظ . وأطنب في ذكره . وكان أحفظ أهل البصرة، مات بواسط في الطاعون سنة 118هـ.(5) وذكره ابن حبان في الثقات(6) . (أُنظر الحديث 26).

18. أنس بن مالك بن النضر خادم رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »، قدم رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »


1 . تهذيب التهذيب: 7/293; تذكرة الحفاظ: 1/95; تهذيب الأسماء: 1/340.
2 . تهذيب التهذيب: 3/281.
3 . الثقات: 4/240.
4 . الثقات: 5/194 ـ 195; تذكرة الحفّاظ: 1/92; تهذيب التهذيب: 7/180.
5 . تذكرة الحفّاظ: 1/122 ـ 124.
6 . الثقات: 5/321; البداية والنهاية: 9/313; تهذيب الأسماء: 2/57; تهذيب التهذيب: 8/337.


(58)

المدينة وهو ابن عشر سنين، وتوفي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » وهو ابن عشرين سنة، انتقل إلى البصرة وتوفي بها عام 91 هـ.(1) (أُنظر الحديث 18).

19. موسى بن أنس بن مالك قاضي البصرة، يروي عن أبيه، روى عنه مكحول وحميد الطويل.(2) (أُنظر الحديث 27).

20. حصين بن جندب الكوفي الجنبي (أبو ظبيان الكوفي) يروي عن علي بن أبي طالب وسلمان، روى عنه: إبراهيم والأعمش، مات سنة 56 هـ، ذكره ابن حبان في الثقات.(3) (أُنظر الحديث 31).

21. جبير بن نفير بن مالك بن عامر الحضرمي، يروي عن: أبي ذر وأبي الدرداء، روى عنه أهل الشام، كنيته أبو عبد الرحمن، مات سنة 80 هـ بالشام، ذكره ابن حبان في الثقات.(4) (أُنظر الحديث 15).

22. إسماعيل بن أبي خالد البجلي الأحمسي أبو عبد اللّه الكوفي، قال العجلي: وكان رجلاً صالحاً ثقة ثبتاً وكان طحاناً. وقال مروان بن معاوية: كان إسماعيل يسمّى الميزان. مات سنة 146 هـ . (5) (أُنظر الحديث 29).

23. تميم بن زيد المازني، أبو عباد الأنصاري من بني النجّار، له صحبة، وحديثه عند ولده.(6) (أُنظر الحديث 5، 10).


1 . الثقات: 2/4; أُسد الغابة: 1/84; تذكرة الحفاظ: 1/44; شذرات الذهب: 1/100 .
2 . الثقات: 5/401.
3 . المصدر السابق: 4/156.
4 . الثقات 4/111; تذكرة الحفاظ: 1/52; تهذيب التهذيب: 2/64; شذرات الذهب : 1/88.
5 . تذكرة الحفاظ: 1/153; تهذيب التهذيب: 1/291; العبر: 1/203.
6 . الثقات: 3/41.


(59)

24. عطاء القداحي، يروي عن عبد اللّه بن عمر، و روى عنه: عروة بن قيس، والد يعلى بن عطاء، ذكره ابن حبان في الثقات.(1) (أُنظر الحديث 11).

25. أبو مالك الأشعري: الحارث بن الحارث الأشعري الشامي الصحابي، روى عن النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » ، وعنه أبو سلام الأسود. يكنى أبا مالك، طعن أبو مالك الأشعري وأبو عبيدة بن الجراح في يوم واحد، وتوفي في خلافة عمر.(2) (أُنظر الحديث 9).

وإن تعجب فعجبٌ قول الشوكاني، حيث يقول: لم يثبت من أحد من الصحابة خلاف ذلك (أي الغسل) إلاّ علي وابن عباس وأنس.(3)

غير انّ اعتقاده بالغسل عاقه عن الفحص والتتبّع في السنن والمسانيد.


1 . الثقات: 5/202.
2 . تهذيب التهذيب: 2/136 و 12/218.
3 . نيل الأوطار: 1/163.


(60)

14
تأمّلات واهية في أخبار المسح

إنّ لأهل النظر والبحث من أهل السنّة القائلين بالغسل في الوضوء ـ أمام تلك الروايات المخالفة لمذهبهم ـ تأمّلات مختلفة نذكر المهمّ منها:

التأمّل الأوّل: أَنّ روايات المسح ضعيفة، ونقل عن البخاري والشافعي أنّهما ضعّفاها باعتبار أنّ مخالفها أكثر وأثبت منها(1).

يلاحظ عليه: أنّه، كيف نضعِّف تلك الروايات المستفيضة؟! وإنّما الذي يخضع للنقاش والجرح هو الخبر الواحد، لا المستفيض ولا المتواتر.

مضافاً إلى أنّ في الروايات من يرويها البخاري، فما ظنّك برواية يرويها الإمام البخاري؟! (لاحظ الرواية رقم 8).

التأمّل الثاني: إِنّ هذا كان في أوّل الإسلام، ثم نسخ بأحاديث الغسل.

يلاحظ عليه: أنّ كثيراً من هذه الروايات رويت للاحتجاج على القائلين بالغسل، فهل يمكن غفلة الراوي عن هذا الأمر؟!

وبتعبير أوضح: أنّ الصحابة والتابعين يروونها لغاية إثبات أنّ الفريضة في


1 . ابن القيم: في هامش مختصر سنن أبي داود: 1/96.


(61)

الوضوء هي المسح لا الغسل، فلو كانت الروايات ناظرة إلى العصر الأوّل من البعثة، فهل يمكن أن يغفل عنها الصحابة الأجلاّء والتابعون لهم بإحسان؟ وقد شارك في الروايات ثلّة من الصحابة والتابعين.

التأمّل الثالث: إنّ أحاديث المسح، انّما هي وضوء من لم يحدث، وقد اعتمد عليه ابن كثير في تفسيره .(1) وسار على ضوئه المتأخرون، كالآلوسي في «روح المعاني». (2) وأخيراً الشيخ أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري(3).

يلاحظ عليه: النقاط التالية:

1. أنّ لفيفاً من الروايات الدالّة على المسح وردت في وضوء المحدث، لا في الوضوء بعد الوضوء; فكيف يمكن حملها على وضوء من لم يحدث؟ كرواية النزال ابن سبرة، حيث يحكي وضوء عليّ بعد البول.

2. أنّ أكثر هذه الروايات الدالّـة على المسـح، تحكـي وضوء رسـول اللّه، والمتبادر منه هو وضوؤه بعد الحدث، لا قبله. فحمل هذه الروايات الكثيرة، على الوضوء بعد الوضوء، تفسير بالرأي، حفظاً للمذهب وانتصاراً له.

3. لو سلّمنا أنّ ما ورد من الروايات في المسح على الرجليـن، بأنّه وضـوء من لم يحدث، لكنّها لا تشير إلى أنّ المسح على الرجلين فقط وضوء من لم يحدث، وإِنّما تشير إلى أنّ الاكتفاء بكفّ من الماء في غسل الوجه واليدين ومسح الرأس والرجلين، وضوء من لم يحدث.


1 . تفسير القرآن العظيم: 2/27.
2 . روح المعاني: 6/77.
3 . مجلة الفيصل، العدد: 235 ص 48.


(62)

فكم فرق بين أن يرجع اسم الإشارة إلى أنّ المسح على الرجلين هو وضوء من لم يحدث، وبين أن ترجع إلى مجموع ما ورد في الرواية من الغسل والمسح بكفّ من الماء؟! وإِن كنت في شكّ من ذلك فنتلو عليك نصوص تلك الروايات:

1.ما رواه الحافظ البيهقي حيث قال: أخبرنا أبو علي الروذبادي، حدثنا أبوبكر محمد بن أحمد بن محويه العسكري، حدثنا جعفر بن محمد القلانسي، حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا عبد الملك بن ميسرة، سمعت النزال بن سبرة يحدث عن علي بن أبي طالب أنّه صلّـى الظهر، ثم قعد في حوائج الناس في رحبة الكوفة حتى حضرت صلاة العصر، ثم أُتي بكوز من ماء، فأخذ منه حفنة واحدة، فمسح بها وجهه ويديه ورأسه ورجليه، ثم قام فشرب فضله وهو قائم، ثم قال: إنّ ناساً يكرهون الشرب قائماً، وإنّ رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » صنع كما صنعت، وقال: هذا وضوء من لم يحدث. رواه البخاري في الصحيح عن آدم بن أبي أياس ببعض معناه(1).

2. عن إبراهيم قال: كان علي إذا حضرت الصلاة دعا بماء، فأخذ كفّاً من ماء، فتمضمض منه واستنشق منه، ومسح بفضلة وجهه وذراعيه رأسه ورجليه، ثم قال: هذا وضوء من لم يحدث(2).

ترى أنّ الإمام اكتفى في الوضوء بكف ماء وحفنة منه مع أنّه غير كاف في الوضوء الواجب باتفاق الأُمّة، ولأجل ذلك نبّه المخاطب بأنّه وضوء من لم يحدث، وإلا فعلى المحدّث أن يسبغ ماء الوضوء بأكف وحفنات، فمحور المذاكرة بين


1 . سنن البيهقي:1/75، دار الفكر، بيروت. ولاحظ كنز العمال: 9/474، الحديث 27030; مسند أحمد بن حنبل:1/164، الحديث 799.
2 . كنز العمال: 9/456، الحديث 26949.


(63)

الإمام ومخاطبه هو الاكتفاء بماء قليل لا المسح على الرجلين.

3. أخرج أحمد بسنده عن عبد اللّه، قال: حدثني أبو خيثمة، حدثنا إسحاق ابن إسماعيل، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن عبد الملك، عن النزال بن سبرة قال: صلّينا مع علي (رض) الظهر، فانطلق إلى مجلس له يجلسه في الرحبة، فقعد وقعدنا حوله، ثم حضرت العصر، فأتى بإناء فأخذ منه كفاً، فتمضمض واستنشق ومسح بوجهه وذراعيه ومسح برأسه ورجليه، ثم قال: إني رأيت رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » فعل كما فعلت(1).

وعلى ذلك تحمل الرواية التالية:

4. عن عبد خير قال: رأيت علياً (رض) دعا بماء ليتوضّأ، فتمسح بها تمسحاً ومسح على ظهر قدميه، ثم قال: هذا وضوء من لم يحدث، ثم قال: لولا إني رأيت رسول اللّه مسح على ظهر قدميه رأيت أنّ بطونهما أحقّ، ثم شرب فضلة وضوئه وهو قائم(2).

فإنّ الظاهر أَنّ الإمام قام بمجموع العمل بكف ماء واحد، ويحتمل اتحاد الحديث مع الحديث الأوّل، فاسم الإشارة في قوله: «هذا» ليس إشارة إلى مسح القدمين، بل إلى مجموع ما أتى به من الأعمال من مسح الوجه والأيدي وغيرهما بالماء، فإنّ الواجب فيهما الغسل، والاكتفاء بالمسح لخلوه من الحدث.

عثرة لا تقال:

قد عرفت أنّ مجموعة كبيرة من الروايات الدالّة على المسح رواها ابن جرير


1 . مسند أحمد بن حنبل: 1/256، الحديث 1370.
2 . مسند أحمد بن حنبل: 1/187، الحديث 946.


(64)

الطبري صاحب التفسير والتاريخ، الغني عن الإطراء والبيان، ولما كان ذلك الأمر ثقيلاً على من يرى الغسل في الوضوء عاد يتمحل لتكذيب تلك الروايات بأنّه لم ينقلها ابن جرير الطبري السنّي وانّما رواها ابن جرير الشيعي، وهي من غرائب الأُمور كما سيوافيك، وممّن التجأ إلى هذا العذر ابن القيم قائلاً:

إنّ حكاية المسح عن ابن جرير غلط بيّـن، فهذه كتبه وتفسيره كلّها تكذّب هذا النقل عنه، وإِنّما دخلت الشبهة، لأنّ ابن جرير القائل بهذه المقالة رجل آخر من الشيعة يوافقه في اسمه واسم أبيه، وقد رأيت له مؤلفات في أُصول مذهب الشيعة وفروعهم(1).

وقد تبعه في هذه العثرة الآلوسي في تفسيره، قال: وقد نشر رواة الشيعة هذه الأكاذيب المختلقة، ورواها بعض أهل السنّة ممن لم يميّز الصحيح والسقيم من الأخبار بلا تحقّق ولا سند، واتسع الخرق على الراقع، ولعل محمد بن جرير القائل بالتخيير هو محمد بن جرير بن رستم الشيعي صاحب «الإيضاح للمسترشد في الإمامة»، لا أبو جعفر محمد بن جرير بن غالب الطبري الشافعي الذي هو من أعلام أهل السنّة، والمذكور في تفسير هذا هو الغسل فقط لا المسح، ولا الجمع، ولا التخيير الذي نسبه الشيعة إليه(2).

وممن تنبّه إلى عثرة ابن قيم والآلوسي، صاحبُ المنار حيث إنّه بعد ما نقل عبارة الآلوسي أعقبـه بقوله: «إنّ في كلامـه ـ عفـا اللّه عنــه ـ تحاملاً على الشيعـة وتكذيباً لهم في نقل وجد مثله في كتب أهل السنّة. والظاهر أنّه لم يطّلع على تفسير ابن جرير الطبري» (3).


1 . ابن القيم: في هامش سنن أبي داود: 1/97ـ98.
2 . روح المعاني: 6/77.
3 . تفسير المنار: 6/233.


(65)

أقول: قد نقل أيضاً غير واحد أنّ ابن جرير قال بالتخيير بين المسح والغسل، ولكن اللاّئح من عبارته هو الجمع بينهما، فمن أمعن النظر في تفسير ابن جرير يقف على أُمور ثلاثة:

الأوّل: أنّه رجّح قراءة الجرّ على النصب وقال: وأعجب القراءتين إليَّ أن أقرأها قراءة من قرأ ذلك خفضاً، لما وصفت من جمع المسح المعنيين اللّذين وصفت، ولأنّه بعد قوله: (وامسحوا برءُوسكم) فالعطف على الرؤوس مع قربه منه أولى من العطف به على الأيدي، وقد حيل بينه وبينها بقوله: (وامسحوا برءُوسكم)(1).

الثاني: أنّه يروي روايات المسح بصدر رحب ولا يتضايق كما نقل روايات الغسل.

الثالث: أنّه قائل بالجمع بين المسح والغسل، ومراده منه ليس هو التوضّؤ مرتين تارة بالغسل وأُخرى بالمسح بالنداوة المتبقّية على اليد، بل بغسلهما باليد ومسح الرجل بها، وإليك نص عبارته قال:

«والصواب من القول عندنا في ذلك أَنّ اللّه أمر بعموم مسح الرجلين بالماء في الوضوء، كما أمر بعموم مسح الوجه بالتراب في التيمّم، فإذا فعل ذلك بهما المتوضّـي كان مستحقّاً اسم ماسح غاسل، لأنّ غسلهما، امرار الماء عليهما أو إصابتهما بالماء، ومسحهما إمرار اليد أو ما قام مقام اليد عليه، فإذا فعل ذلك بهما فاعل فهو غاسل ماسح» (2).

والعجب عن عدّة من الباحثين حيث نسبوا إلى الطبري القول بالتخيير،


1 . تفسير الطبري: 6/83.
2 . تفسير الطبري: 6/83.


(66)

منهم: نظام الدين النيسابوري في تفسيره غرائب القرآن(1) والقرطبي(2) والشوكاني(3) والشعراني(4).

والعجب أيضاً انّ الآلوسي نسب إلى ابن جرير القول بالغسل فقط لا المسح ولا الجمع ولا التخيير(5).

(وَ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْء وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمينَ). (6)


1 . تفسير غرائب القرآن بهامش تفسير الطبري: 6/74 ونسبه إلى الحسن البصري أيضاً.
2 . الجامع لأحكام القرآن: 6/92.
3 . نيل الأوطار: 1/168.
4 . ميزان الشعراني: 1/19، ط عام 1318 هـ.
5 . روح المعاني: 6/78.
6 . النحل:89.


(67)
15
وضوء النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » عن لسان أئمّة أهل البيت _ عليهم السَّلام _

إنّ أئمّة أهل البيت هم المرجع الثاني للمسلمين بعد كتاب اللّه فيما اختلفوا فيه، فإنّهم حفظة سنن رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » وعيبة علمه، فقد نصّ الرسول « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » على ذلك في حديث الثقلين الذي اتّفق المسلمون على نقله وصحته وقال:

«إنّي تارك فيكم الثقلين، كتاب اللّه وعترتي».(1)


1 . حديث متّفق عليه رواه أصحاب الصحاح والمسانيد.
ـ أخرجه الترمذي عن زيد بن أرقم وهو الحديث 873 من أحاديث كنز العمال: 1/173.
ـ أخرجه الإمام أحمد من حديث زيد بن ثابت في الجزء الخامس من مسنده: 492.
ـ أخرجه الطبراني في الكبير عن زيد بن ثابت أيضاً وهو الحديث 873 من أحاديث الكنز: 1/173.
ـ أخرجه الحاكم في الجزء الثالث من المستدرك: 148، ثم قال: هذا حديث صحيح الاسناد على شرط الشيخين.
ـ أخرجه الذهبي في تلخيص المستدرك: 3/148. معترفاً بصحته على شرط الشيخين.
ـ أخرجه الإمام أحمد من حديث أبي سعيد الخدري في الجزء الثالث من مسنده: 394، الحديث 10747.
ـ أخرجه ابن أبي شيبة وأبو يعلى وابن سعد عن أبي سعيد وهو الحديث 945 من أحاديث الكنز: 1/186.
ـ أخرجه ابن حجر في أواخر الفصل 2 من الباب 9 من الصواعق المحرقة: 75.


(68)

فإذا كانت هذه مكانة أهل البيت، فلنرجع إليهم في كيفيّة وضوء رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » ، فإنّهم ارتشفوا من عذب معين، وحفظوا سنةّ الرسول بنقل كابر عن كابر، وإليك ما رووه:

1. عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد وأبي داود جميعاً، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة، عن داود بن فرقد، قال: سمعت أبا عبد اللّه « عليه السَّلام »يقول: إنّ أبي كان يقول: إنّ للوضوء حدّاً من تعدّاه لم يؤجر، وكان أبي يقول: إنّما يتلدّد، فقال له رجل: وما حدّه؟ قال: تغسل وجهك ويديك، وتمسح رأسك ورجليك.(1)

2. علي، عن أبيه، ومحمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان جميعاً، عن حماد بن عيسى، عن حريز، عن زرارة قال: قال أبو جعفر « عليه السَّلام » : «ألا أحكي لكم وضوء رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » ؟» فقلنا: بلى، فدعا بقعب فيه شيء من ماء، ثم وضعه بين يديه، ثم حسر عن ذراعيه، ثم غمس فيه كفّه اليمنى، ثم قال: هكذا إذا كانت الكفّ طاهرة، ثم غرف فملأها ماءً فوضعها على جبينه، ثم قال: «بسم اللّه» وسدله على أطراف لحيته، ثم أمرّ يده على وجهه وظاهر جبينه مرة واحدة، ثم غمس يده اليسرى فغرف بها ملأها، ثم وضعه على مرفقه اليمنى وأمرّ كفّه على ساعده حتى جرى الماء على أطراف أصابعه، ثم غرف بيمينه ملأها، فوضعه على مرفقه اليسرى، وأمرّ كفّه على ساعده حتى جرى الماء على أطراف أصابعه، ومسح مقدم رأسه وظهر قدميه ببلّة يساره وبقية بلّة يمناه .


1 . الكافي: ج 3/21، كتاب الطهارة، باب مقدار الماء الذي يجزي للوضوء والغسل ومن تعدّى في الوضوء، الحديث 3.


(69)

قال: وقال أبو جعفر « عليه السَّلام » : «إنّ اللّه وتر يحب الوتر، فقد يجزئك من الوضوء ثلاث غرفات: واحدة للوجه واثنتان للذراعين، وتمسح ببلة يمناك ناصيتك وما بقي من بلّة يمينك ظهر قدمك اليمنى، وتمسح ببلّة يسارك ظهر قدمك اليسرى»، قال زرارة: قال أبو جعفر « عليه السَّلام » : «سأل رجل أمير المؤمنين « عليه السَّلام » عن وضوء رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » فحكى له مثل ذلك».(1)

3. علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أُذينة، عن زرارة وبكير أنّهما سألا أبا جعفر « عليه السَّلام » عن وضوء رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »، فدعا بطست أو تور فيه ماء، فغمس يده اليمنى فغرف بها غرفة فصبّها على وجهه فغسل بها وجهه، ثم غمس كفّه اليسرى فغرف بها غرفة فأفرغ على ذراعه اليمنى فغسل بها ذراعه من المرفق إلى الكفّ لا يردها إلى المرفق، ثم غمس كفّه اليمنى فأفرغ بها على ذراعه اليسرى من المرفق وصنع بها مثل ما صنع باليمنى، ثم مسح رأسه وقدميه ببلل كفه، لم يحدث لهما ماءً جديداً، ثم قال: ولا يدخل أصابعه تحت الشراك، قال: ثم قال:إنّ اللّه عزّ وجلّ يقول:

(يا أيُّها الذِينَ آمنُوا إذا قُمتُم إلى الصلاةِ فاغسِلُوا وجُوهَكُم وأيدِيَكُم) .(2)

فليس له أن يدع شيئاً من يديه إلى المرفقين إلاّ غسله، لأنّ اللّه يقول: (اغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق)ثم قال: (وامسحوا برءُوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) فإذا مسح بشيء من رأسه أو بشيء من قدميه ما بين الكعبين إلى أطراف الأصابع فقد أجزأه.

قال: فقلنا: أين الكعبان؟ قال: ههنا، يعني: المفصل دون عظم الساق،


1 . الكافي: ج3/25، كتاب الطهارة، باب صفة الوضوء، الحديث 4.
2 . المائدة: 6.


(70)

فقلنا: هذا ما هو؟

فقال: هذا من عظم الساق، والكعب أسفل من ذلك.

فقلنا: أصلحك اللّه فالغرفة الواحدة تجزي للوجه وغرفة للذراع؟ قال: نعم إذا بالغت فيها والثنتان تأتيان على ذلك كلّه(1).

4. عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن داود بن النعمان، عن أبي أيوب، عن بكير ابن أعين، عن أبي جعفر « عليه السَّلا »قال: ألا أحكي لكم وضوء رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » ، فأخذ بكفّه اليمنى كفّاً من ماء فغسل به وجهه، ثم أخذ بيده اليسرى كفّاً من ماء فغسل به يده اليمنى، ثم أخذ بيده اليمنى كفّاً من ماء فغسل به يده اليسرى، ثم مسح بفضل يديه رأسه ورجليه.(2)

(إِنّما يُريد اللّه ليذهبَ عَنكُمُ الرِّجس أهل البيت ويطهّركم تطهيراً). (3)


1 . الكافي: 3/25، كتاب الطهارة، باب صفة الوضوء، الحديث 5.
2 . المصدر نفسه: الحديث 2.
3 . الأحزاب:33.


(71)

16
نظرة عامّة في أخبار الغسل

قد تعرّفت على قضايا الكتاب، والسنّة النبويّة الصحيحة، في حكم الأرجل، وأنّهما قد أطبقا على المسح، من غير مرية ولا شكّ، لكن بقي الكلام في المأثورات عن النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »التي تعرب عن كون حكمها هو الغسل، فلا محيص عن دراستها وتحليلها. فنقول: إنّها على قسمين:

أ ـ ما روي بسند صحيح، رواه الشيخان البخاري ومسلم.

ب ـ ما روي بسند ضعيف.

1. أخرج مسلم، عن أبي الطاهر أحمد بن عمرو بن عبد اللّه بن عمرو بن سرح، وحرملة بن يحيى التجيبي، قالا: أخبرنا ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، أنّ عطاء بن يزيد الليثي أخبره، أنّ حمران مولى عثمان أخبره، أنّ عثمان بن عفان دعا بوضوء فتوضأ فغسل كفيه ثلاث مرات، ثم مضمض واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاث مرات، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاث مرات، ثم غسل يده اليسرى مثل ذلك، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرات، ثم غسل اليسرى مثل ذلك، ثم قال: رأيت رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » توضّأ نحو


(72)

وضوئي هذا، ثم قال رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » : من توضّأ نحو وضوئي هذا، ثم قام فركع ركعتين لا يحدث فيها نفسه غفر له ما تقدّم من ذنبه.(1)

2. أخرج البخاري، عن موسى قال: حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن يوسف بن ماهك، عن عبد اللّه بن عمرو، قال: تخلّف النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »عنّا في سفرة سافرناها، فأدركنا وقد أرهقنا العصر، فجعلنا نتوضّأ ونمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: ويل للأعقاب من النار، مرتين أو ثلاثاً(2).

3. أخرج مسلم،عن زهير بن حرب ، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي، عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن حمران مولى عثمان: أنّه رأى عثمان، دعا بإناء فأفرغ على كفيه ثلاث مرّات فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاث مرات، ويديه إلى المرفقين ثلاث مرات، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاث مرات، ثم قال: قال رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » : من توضّأ نحو وضوئي هذا، ثم صلّـى ركعتين، لا يحدث فيها نفسه غفر له ما تقدّم من ذنبه(3).

4. عن بشر بن المفضل، عن عبد اللّه بن محمد بن عقيل، عن الربيع بنت معوذ بن عفراء، قالت: كان رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » يأتينا، فحدثتنا أنّه، قال: اسكبي لي وضوءاً ـ فذكرت وضوء رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » ـ قالت فيه: فغسل كفّيه ثلاثاً، ووضأ وجهه


1 . صحيح مسلم:3/107، كتاب الطهارة، الحديث برقم 226; أخرجه البخاري أيضاً بسنده:1/51، باب الوضوء ثلاثاً ثلاثاً; سنن النسائي:1/80، كتاب الطهارة، باب حدّ الغسل; جامع الأُصول:7/154; سنن الترمذي برقم 48، 49 في الطهارة; مجمع الزوائد:1/229.
2 . صحيح البخاري:1/52، باب غسل الرجلين.
3 . صحيح مسلم:3/111، الحديث برقم4، باب صفة الوضوء وكماله.


(73)

ثلاثاً، ومضمض واستنشق مرة، ووضأ يديه ثلاثاً ثلاثاً، ومسح برأسه مرّتين، بدأ بمؤخّر رأسه، ثم بمقدمه، وبأذنيه كلتيهما ظهورهما وبطونهما، ووضأ رجليه ثلاثاً ثلاثاً(1).

5. حدثنا موسى قال: حدثنا وهيب، عن عمرو، عن أبيه قال: شهدت عمرو بن أبي حسن، سأل عبد اللّه بن زيد عن وضوء النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » ، فدعا بتور من ماء، فتوضّأ لهم وضوء النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » : فأكفأ على يده من التور فغسل يديه ثلاثاً، ثم أدخل يده في التور فمضمض واستنشق واستنثر ثلاث غرفات، ثم أدخل يده فغسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل يديه مرتين إلى المرفقين،

ثم أدخل يده فمسح رأسه فأقبل به وأدبر مرة واحدة، ثم غسل رجليه إلى الكعبين(2).

إنّ هذه الروايات وان نقلت بسند صحيح، لكنّ الاختلاف والتهافت في المضمون مريب جداً ومسقط لها عن الحجّية، وكلّها تحكي وضوء رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » إذ الاختلاف والتهافت فيها من جوانب أربعة:

1. الاختلاف في عدد غسل اليدين.

2. الاختلاف في مقدار المسح.

3. الاختلاف في كيفيّة المسح من جهة التقديم والتأخير.

4. الاختلاف في عدد مسح الرأس.

وإليك البيان:

أمّا الأوّل: ففي رواية حمران مولى عثمان أَنّه غسل يده اليمنى إلى المرفقين


1 . جامع الأُصول: 7/164 برقم 5149، سنن الترمذي:1/48 برقم 33 في الطهارة.
2 . صحيح البخاري: 1/81برقم 186.


(74)

ثلاث مرات، ثم غسل يده اليسرى مثل ذلك . (أُنظر الحديث 1).

وفي رواية عبد اللّه بن زيد: ثم غسل يده مرتين إلى المرفقين. (أُنظر الحديث5).

وأمّا الثاني: ففي رواية الصحابية الربيع بنت معوذ بن عفراء: بأذنيه كلتيهما ظهورهما وبطونهما. (أُنظر الحديث 4) مع أنّ المذكور في غير هذه الرواية أَنّه مسح رأسه دون أُذنيه ظهورهما وبطونهما. (أُنظر الحديث 5).

وأمّا الثالث: ففي رواية الصحابيّة أَنّه بدأ بمؤخّر رأسه ثم بمقدّمه، ولكن في رواية عبد اللّه بن زيد: فمسح رأسه فأقبل بها وأدبر مرة واحدة . (أُنظر الحديث5).

وأمّا الرابع: ففي رواية الصحابيّة أنّه مسح برأسه مرتين . (أُنظر الحديث4) مع أنّ المذكور في غيرها أنّه مسح رأسه. الظاهر في كونه مرّة واحدة إذ لو كان متعدداً لم يغفل الراوي عن نقله.

فوجوه الاختلاف هذه تعرب عن اضطراب الحديث وعدم إمكان الأخذ به، وتصوّر أَنّ النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » توضأ بكيفيّات مختلفة، وإنّ كلّ واحد يروي ما رآه من الكيفيّة بعيد جداً خاصّة وأَنّ النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » إِنّما يتوضّأ بأفضل الكيفيّات ما لم تكن هناك ضرورة على ترك الأفضل.

وأمّا رواية عبد اللّه بن عمر فهي على الخلاف أدلّ، لأنّها تعرب أَنّ عبد اللّه ابن عمر و رهطه كانوا يمسحون الأرجل طيلة أعوام، ومن البعيد أن يكون مثله غافلاً عما هو الواجب.

فليس في الرواية إِذن أي دلالة على غسل الأرجل، وإنّما توهم من توهم


(75)

ذلك، لأنّ البخاري ذكرها تحت عنوان باب غسل الرجلين، ومن المعلوم أنّ تبويب المحدّث وذكر الحديث تحت عنوان لا يثبت ظهوراً له فيه، فعلى المجتهد بذل الجهد في فهم الرواية.

بقي الكلام في أنّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » لماذا دعا بالويل للأعقاب من النار؟ فيه وجوه واحتمالات أرجحها أَنّه كان قوم من طغام العرب يمشون حفاة ولا يبالون من تلبيس الأرجل بأي نجاسة، وكانوا يتوضّؤون ويمسحون أرجلهم دون غسلها قبل الوضوء من آثار النجاسة، فتوعّدهم النبي بما قال.

على أنّ النبي من أفصح العرب وأفضل من نطق بالضاد، فلو أراد بكلمته هذه التنبيه على وجوب غسل الأرجل لأتى بكلمة واضحة الدلالة، ترشد المكلّف إلى وظيفته لا أن يتوصل بكلمة غامضة لإفادة مراده، أعني قوله: «ويل للأعقاب من النار».

وهذه هي حال الصحاح من الروايات، وإليك ما نقل في ذلك المجال من ضعافها، وحسبك ما نذكره فيما يلي:

1. عن ابن أبي مليكة قال: رأيت عثمان بن عفان يسأل عن الوضوء؟ فدعا بماء فأُتي بميضاة، فأضفى على يده اليمنى، ثم أدخلها في الماء فتمضمض ثلاثاً واستنثر ثلاثاً وغسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل يده اليمنى ثلاثاً وغسل يده اليسرى ثلاثاً أدخل يده فأخذ ماءً فمسح برأسه وأُذنيه فغسل بطونهما وظهورهما مرّة واحدة، ثم غسل رجليه، ثم قال: أين السائلون عن الوضوء؟ هكذا رأيت رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » يتوضّأ(1).


1 . جامع الأُصول:7/155.


(76)

وفي سنده ابن أبي مليكة، قال عنه البخاري وأحمد: منكر الحديث.(1) وقال ابن سعد: له أحاديث(2)، وقال ابن معين: ضعيف، وقال النسائي: متروك(3).

2. أخرج ابن ماجة بسنده عن هشام بن عمار، حدثنا الوليد بن مسلم، عن حريز بن عثمان، عن عبد الرحمان بن ميسرة، عن المقدام بن معد يكرب أنّ رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » توضّأ فغسل رجليه ثلاثاً ثلاثاً(4).

وفي سنده عبد الرحمن بن ميسرة الحضرمي، قال عنه ابن المديني: مجهول لم يرو عنه غير حريز بن عثمان(5).

3. أخبرنا محمد بن بشار، قال: حدثنا محمد قال: حدثنا شعبة، قال: أخبرني أبو جعفر المدني، قال: سمعت ابن عثمان بن حنيف ـ يعني: عمارة ـ قال: حدثنا القيس، قال: إنّه كان مع النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » في سفر فأُتي بماء فقال على يديه من الأناء فغسلهما مرة، وغسل وجهه وذراعيه مرة مرة وغسل رجليه بيمينه كلتيهما(6).

وفي سنده عمارة بن عثمان بن حنيف وهو مجهول، فعن خزيمة بن ثابت أنّه لا يعرف(7).

4. عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه: أَنّ رجلاً أتى النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »


1 . التاريخ الكبير:5/260.
2 . الطبقات الكبرى:5/364.
3 . الميزان: 2/550.
4 . سنن ابن ماجة:1/156، الحديث457.
5 . ميزان الاعتدال:2/594، برقم 4986; الطبقات الكبرى:7/457، الجرح والتعديل:5، الترجمة1362.
6 . جامع الأُصول:7/165 برقم 5150;: سنن النسائي: 1/79 في الطهارة.
7 . تهذيب الكمال:21/254برقم 4191; ميزان الاعتدال:3، الترجمة6032.


(77)

فقال: يا رسول اللّه، كيف الطهور؟، فدعا بماء في إناء، فغسل كفيه ثلاثاً، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل ذراعيه ثلاثاً، ثم مسح برأسه، فأدخل إصبعيه السباحتين في أذنيه ومسح بإبهاميه على ظاهر أُذنيه، وبالسباحتين باطن أُذنيه، ثم غسل رجليه ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال: هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم(1).

وفي سنده عمرو بن شعيب، قال عنه أحمد بن حنبل: له أشياء مناكير وإنّما نكتب حديثه نعتبر به فأمّا أن يكون حجة، فلا(2).

5. أخرج النسائي، أخبرنا محمّد بن آدم، عن ابن أبي زائدة، قال: حدثني أبي وغيره، عن أبي إسحاق، عن أبي حية الوادعي، قال: رأيت علياً توضأ فغسل كفّيه حتى أنقاهما، ثم تمضمض ثلاثاً واستنشق ثلاثاً وغسل وجهه ثلاثاً وغسل ذراعيه ثلاثاً، ثم مسح برأسه، ثم غسل قدميه إلى الكعبين، ثم قام، فأخذ فضل طهوره فشرب وهو قائم ثم قال: أحببت أن أُريكم كيف كان طهور النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » (3).

وهذا الحديث ساقط بسقوط سنده من عدة جهات:

الأُولى: أنّ أباحيّة راوي هذا الحديث نكرة من أبهم النكرات، وقد أورده الذهبي في الكنى من ميزانه، فنصّ على أنّه لا يُعرف، ثم نقل عن ابن المديني وأبي الوليد الفرضي النصّ على أنّه مجهول، وقال أبو زرعة: لا يسمّى(4).

الثانية: أنّ هذا الحديث تفرّد به أبو إسحاق وقد شاخ ونسي واختلط، فتركه


1 . جامع الأُصول: 7/161 برقم 5147; سنن أبي داود: برقم 122 في الطهارة.
2 . سير أعلام النبلاء:5/165; ميزان الاعتدال:3/263; لسان الميزان:7/325.
3 . جامع الأُصول:7/153; سنن النسائي:1/79، سنن الترمذي:1/67 برقم 48; سنن ابن ماجة:1/155 الحديث456; مسند أحمد بن حنبل:1/259، الحديث1383.
4 . ميزان الاعتدال:4/519 برقم 10138; تهذيب الكمال:33/269 برقم 7334.


(78)

الناس ولم يروه عنه إلاّ أبو الأحوص وزهير بن معاوية الجعفي، فعابهم الناس بذلك، قال أبو زرعة: إنّه سمع من أبي اسحاق بعد الاختلاط(1).

الثالثة: أنّ هذا الحديث يعارض الأحاديث الثابتة عن أمير المؤمنين وعن أبنائه الميامين، أهل بيت النبوة، وموضع الرسالة، ومختلف الملائكة، ومهبط الوحي والتنزيل، ويخالف كتاب اللّه، فليضرب به عرض الجدار.

6.عن عبد الرحمن بن عباد بن يحيى بن خلاد الزرقي، قال: دخلنا على عبد اللّه بن أُنيس، فقال: ألا أُريكم كيف توضّأ رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »وكيف صلّـى؟ قلنا: بلى.

فغسل يديه ثلاثاً ثلاثاً ومسح برأسه مقبلاً ومدبراً وأمس أذنيه وغسل رجليه ثلاثاً ثلاثاً، ثم أخذ ثوباً فاشتمل به وصلّـى، ثم قال: هكذا رأيت رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » يتوضّأ ويصلّـي. رواه الطبراني في الأوسط (2).

وفي سنده عبد الرحمن بن عباد بن يحيى بن خلاد الزرقي، وهو مجهول لم أجد من ترجم له(3).

7. عن خالد بن معدان، عن بعض أصحاب النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » : أَنّ النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » رأى رجلاً يصلّـي وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » أن يعيد الوضوء والصلاة(4).

وفي سنده بقية بن الوليد، وهو كثير التدليس عن الضعفاء، وقال عبد الحق: بقية لا يحتج به(5).


1 . ميزان الاعتدال:2/86، ترجمة زهير بن معاوية برقم 2921.
2 . مجمع الزوائد:1/233.
3 . مجمع الزوائد:1/233.
4 . جامع الأُصول: 7/168; سنن أبي داود، الحديث175.
5 . ميزان الاعتدال:1/231 برقم 1250.


(79)

8. عن ابن عباس قال: دخلت على رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » وهو يتطهّر وبين يديه إناء قدر المدّ وإِن زاد فقلّما زاد، وإِن نقص فقلّما نقص، فغسل يديه وتمضمض واستنشق ثلاثاً ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً وخلّل لحيته، وغسل ذراعيه ثلاثاً، ومسح برأسه وأُذنيه مرتين مرتين، وغسل رجليه حتى أنقاهما، فقلت: يا رسول اللّه هكذا التطهّر ؟ قال: هكذا أمرني ربي عزّ وجلّ (1).

وفي سنده نافع أبو هرمز، ضعّفه أحمد وجماعة، وكذّبه ابن معين، وقال أبو حاتم: متروك ذاهب الحديث، وقال النسائي: ليس بثقة(2).

9. عن أبي النضر: أَنّ عثمان دعا بالوضوء وعنده الزبير وطلحة وعلي وسعد، فتوضّأ وهم ينظرون، فغسل وجهه ثلاث مرات، ثم أفرغ على يمينه ثلاث مرات وعلى شماله ثلاث مرات، ومسح برأسه ورشّ على رجله اليمنى ثلاث مرات ثمّ غسلها، ثم رشّ على رجله اليسرى ثم غسلها ثلاث مرات، ثم قال للّذين حضروا: أُناشدكم اللّه عزّ وجلّ أتعلمون أَنّ رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » كان يتوضّأ كما توضّأت الآن؟ قالوا: نعم وذلك لشيء بلغه(3).

وفي سنده غسان ابن الربيع، ضعّفه الدارقطني، وقال عنه الذهبي: ليس بحجّة في الحديث(4).

10.عن وائل بن حجر قال: حضرت رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » وقد أتى بإناء فيه ماء، فأكفأ على يمينه ثلاثاً، غمس يمينه في الإناء فأفاض بها على اليسرى ثلاثاً، ثم


1 . مجمع الزوائد:1/232.
2 . ميزان الاعتدال:4/243برقم 9000.
3 . مجمع الزوائد:1/229.
4 . ميزان الاعتدال:3/334 برقم 6659.


(80)

غمس اليمنى فحفن حفنة من ماء فتمضمض بها واستنشق واستنثر ثلاثاً، ثم أدخل كفّيه في الإناء فحمل بهما ماءً فغسل وجهه ثلاثاً، ثم خلّل لحيته ومسح باطن أُذنيه وأدخل خنصره في داخل أُذنه ليبلغ الماء، ثم مسح رقبته وباطن لحيته من فضل ماء الوجه وغسل ذراعه اليمنى ثلاثاً حتى جاوز المرفق وغسل اليسرى مثل ذلك باليمنى حتى جاوز المرفق، ثم مسح على رأسه ثلاثاً ومسح ظاهر أُذنيه ومسح رقبته وباطن لحيته بفضل ماء الرأس، ثم غسل قدمه اليمنى ثلاثاً وخلّل أصابعها وجاوز بالماء الكعب ورفع في الساق الماء، ثم فعل في اليسرى مثل ذلك، ثم أخذ حفنة من الماء بيده اليمنى فوضعه على رأسه حتى انحدر من جوانب رأسه، وقال: هذا تمام الوضوء، فدخل محرابه، وصفّ الناس خلفه. رواه الطبراني في الكبير (1).

وفي سنده سعيد بن عبد الجبار، قال عنه محمد بن مخلد الرعيني: لايعرف(2).

وفي سنده أيضاً محمد بن حجر، قال عنه الزهري: مجهول(3).

11. عن أنس بن مالك عن النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » قال: إذا توضّأ أحدكم فليمضمض ثلاثاً فإنّ الخطايا تخرج من وجهه ،ويغسل يديه ثلاثاً، ويمسح برأسه ثلاثاً، ثم يدخل يديه في أُذنيه، ثم يفرغ على رجليه ثلاثاً. رواه الطبراني في الأوسط (4).

وفي سنده أبو موسى الحناط، وهو متروك(5).


1 . مجمع الزوائد:1/232.
2 . ميزان الاعتدال:2/147برقم 3224; تهذيب الكمال:10/523برقم 2307.
3 . ميزان الاعتدال:3/511برقم 7360.
4 . مجمع الزوائد:1/233.
5 . المصدر السابق.


(81)

12. محمّد بن جابر، عن عبد اللّه بن بدر قال: نزل القرآن بالمسح، فأمرنا رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » بالغسل فغسلنا. رواه الطبراني في الكبير (1).

وفي سنده محمد بن جابر وهو ضعيف، كان أعمى واختلط عليه حديثه، وقال عنه عمرو بن علي: كثير الوهم، متروك الحديث، وقال البخاري: ليس بالقوي، يتكلّمون فيه، روى مناكير(2).

13. وعن ابن عباس: أَنّ أَعرابياً أتى النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » فقال: يا رسول اللّه كيف الوضوء؟ فدعا رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »بوضوء فغسل يده اليمنى ثلاثاً، ثم أدخل يده اليمنى في الإناء، ثم مضمض واستنشق ثلاثاً، وغسل وجهه ويديه ثلاثاً، ومسح برأسه وظاهر أُذنيه مع رأسه، ثم غسل رجليه ثلاثاً، ثم قال: هكذا الوضوء، فمن زاد فقد تعدّى وظلم. رواه الطبراني في الكبير (3).

وفي سنده سويد بن عبد العزيز، قال عنه البخاري: في بعض حديثه نظر، وقال أحمد: ضعيف، متروك، وقال النسائي: ليس بثقة(4).

قد عرفت مكانة هذه الروايات من حيث ضعف رواتها وعدم وثاقتهم، ومع ذلك كلّه فلنا حول هذه الروايات صحيحها وضعيفها تأمّلات:

1.يكفي في عدم صحّة الاحتجاج أنّها مخالفة لكتاب اللّه سبحانه، ولا قيمة لرواية مهما صحّ سندها إذا كانت معارضة للكتاب، ولا يمكن أن يقال أنّها ناسخة له، لما عرفت أنّ الكتاب لا ينسخ بالرواية خصوصاً الآحاد منها، مضافاً


1 . مجمع الزوائد:1/234.
2 . تهذيب الكمال:24/564برقم 5110.
3 . مجمع الزوائد:1/231; المعجم الكبير:11/62، الحديث11091 ونقله الأخير بسنده الكامل.
4 . ميزان الاعتدال:2/251برقم3623.


(82)

إلى أنّ سورة المائدة هي السورة الأخيرة التي اتّفقت الأُمّة على عدم نسخ شيء منها، فهل يمكن أن ينزل الوحي في أواخر عمر النبي بالمسح ثم ينسخه بالغسل؟!

على أنّ حبر الأُمّة وعيبة الكتاب والسنّة: عبد اللّه بن عباس كان يحتجّ بالكتاب على المسح، ويقول: افترض اللّه غسلتين ومسحتين، ألا ترى أنّه ذكر التيمم وجعل مكان الغسلتين مسحتين وترك المسحتين؟!

وكان يقول: الوضوء غسلتان ومسحتان، ولمّا بلغه أنّ الربيع بنت معوذ بن عفراء الأنصارية تزعم أنّ النبي توضّأ عندها فغسل رجليه، أتاها يسألها عن ذلك، وحين حدّثته به قال ـ غير مصدّق بل منكراً ومحتجاً ـ إنّ الناس أبوا إلاّ الغسل، ولا أجد في كتاب اللّه إلاّ المسح.

2. أنّها لو كانت حقّاً لاربت على التواتر، لأنّ الحاجة إلى معرفة طهارة الأرجل في الوضوء حاجة عامّة لرجال الأُمّة ونسائها، أحرارها ومماليكها، وهي حاجة ماسّة لهم في كلّ يوم وليلة، فلو كان هناك حكم غير المسح بين الحدّين حيث دلّ عليه الكتاب، لَعَلِمَهُ المكلّفون في عهد النبوة وبعده، وكان مسلّماً بينهم، ولتواترت أخباره عن النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » في كل عصر ومصر، فلا يبقى مجال لإنكاره ولا الريب فيه، ولمّا لم يكن الأمر كذلك ظهر لنا الوهن المسقط لتلك الأخبار عن درجة الاعتبار.

معالجة روايات الغسل

قد عرفت دلالة القرآن الكريم على المسح وتضافر السنّة عليه، فيبقى السؤال عن كيفيّة معالجة الروايات الدالة على الغسل، فنقول هناك علاجان:


(83)

أ . نسخها بالقرآن

إنّ النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » كان في فترة من عمره الشريف يغسل رجليه بأمر من اللّه سبحانه، ولعلّ الحديث المعروف: «ويل للأعقاب من النار» ورد في تلك الفترة، ولكن لمّا نزل القرآن الكريم بالمسح نُسِخَت السنّة بالقرآن الكريم

وقد عرفت أنّ سورة المائدة آخر سورة نزلت على النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » ولم ينسخ منها شيء.

ب . إشاعة الغسل بعد نزول القرآن من قبل السلطة

لاشكّ أَنّ القرآن دعا للمسح، ولكن المصلحة لدى الخلفاء والحكام اقتضت إلزام الناس على غسل الأرجل بدل المسح لخبث باطن القدمين، وبما أنّ قسماً كبيراً منهم كانوا حفاة، فراق في أنفسهم تبديل المسح بالغسل، ويدلّ على ذلك بعض ما ورد في النصوص:

روى ابن جرير عن حميد، قال: قال موسى بن أنس ونحن عنده: يا أبا حمزة أنّ الحجاج خطبنا بالأهواز ونحن معه وذكر الطهور، فقال: اغسلوا وجوهكم وأيديكم وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم، وإِنّه ليس شيء من ابن آدم أقرب من خبثه من قدميه، فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما.

فقال أنس: صدق اللّه وكذب الحجّاج قال اللّه تعالى: (وامسحوا برءُوسكم وأرجلكم) قال: وكان أنس إذا مسح قدميه بلّها (1).

وممّا يعرب عن أنّ الدعاية الرسمية كانت تؤيد الغسل، وتؤاخذ من يقول


1 . تفسير ابن كثير:2/27; تفسير الطبري:6/82.


(84)

بالمسح، حتّى إِنّ القائلين به كانوا على حذر من إظهار عقيدتهم فلا يصرّحون بها إلاّ خفية، ما رواه أحمد بن حنبل بسنده عن أبي مالك الأشعري أنّه قال لقومه: اجتمعوا أُصلّـي بكم صلاة رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » فلمّا اجتمعوا، قال: هل فيكم أحد غيركم؟ قالوا: لا، إلاّ ابن أُخت لنا، قال: ابن أُخت القوم منهم، فدعا بجفنة فيها ماء، فتوضّأ ومضمض واستنشق، وغسل وجهه ثلاثاً وذراعيه ثلاثاً، ومسح برأسه وظهر قدميه، ثم صلّـى(1).

(الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكيم خَبير) .(2)


1 . مسند أحمد بن حنبل:5/342، المعجم الكبير :3/280 برقم 3412.
2 . هود:1.


(85)

خاتمة المطاف

الآن حصحص الحق

لقد بانت الحقيقة وظهرت بأجلى مظاهرها وذلك بالأُمور التالية:

1. تصريح الكتاب بمسح الأرجل وأنّ غسلها لا يوافق القرآن الكريم.

2. إِنّ لفيفاً من أعلام الصحابة وسنامها ـ الذين هم عيبة السنّة وحفظة الآثار ـ كانوا يمسحون ويُنكرون الغسل أشدّ الإنكار، وقد وقفت على رواياتهم الكثيرة البالغة حدّ التضافر.

3. انّ أئمّة أهل البيتعليهم السَّلام، وفيهم: الإمامان الباقر والصادق « عليهما السَّلام » بيّنوا وضوء رسول اللّه، وانّه كان يمسح الأرجل بدل غسلها، وقد مرت كلماتهم.

4. إِنّ ما دلّ على غسل الأرجل ففيه الصحيح، والضعيف ، بل الضعاف أكثر من الصحاح، فعلى الفقيه معالجة تعارض الروايات الدالّة على الغسل، بعرضها على الكتاب أوّلاً وعلى السنّة الدالة على المسح ثانياً.

5. إِنّ النبيّ « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » هو الذي أمر المسلمين قاطبة بالأخذ بأقوال العترة حيث قال: «إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه وعترتي» فالتمسّك بأقوالهم وأحاديثهم امتثال لقول الرسول « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » وهو لا يصدر إلاّ عن الحق، فمن أخذ بالثقلين فقد تمسّك بما ينقذه من الضلالة، ومن أخذ بواحد منهما فقد خالف الرسول .


(86)

مضافاً إلى أنّ علياً ـ باب علم النبيّ ـ هو المعروف بالقول بالمسح، ويقول الرازي في الاقتداء بعليّ: «ومن اقتدى في دينه بعلي بن أبي طالب فقد اهتدى، والدليل عليـه قولـه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » : اللّهمّ أدر الحق مـع علي حيث دار» (1).

6. إذا كان الاجتهاد بمعنى بذل الجهد في استنباط الأحكام عن أدلّتها الشرعيّة فلماذا اختصّت هذه النعمة الكبرى بالأئمّة الأربعة دون سواهم، وكيف صار السلف أولى بها من الخلف؟!

هذا ونظيره يقتضي لزوم فتح باب الاجتهاد في أعصارنا هذه والإمعان في عطاء الكتاب والسنّة في حكم هذه المسألة ونظائرها ممّا ستمرّ عليك في هذا الكتاب متجرداً عن قول الأئمّة الأربعة ونظرائهم.

إِنّ الاجتهاد رمز خلود الدين وصلاحيّته للظروف والبيئات وليس من البدع المحدثة، بل كان مفتوحاً منذ زمن النبيّ وبعد وفاته « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »وقد أُغلق لأُمور سياسية عام 665 هـ .

قال المقريزي في بدء انحصار المذاهب في أربعة: فاستمرت ولاية القضاة الأربعة من سنة 665 هـ حتى لم يبق في مجموع أقطار الإسلام مذهب يعرف من مذاهب الإسلام غير هذه الأربعة وعودي من تمذهب بغيرها، وأنكر عليه ولم يولّ قاض ولا قبلت شهادة أحد ما لم يكن مقلِّداً لأحد هذه المذاهب وأفتى فقهاؤهم في هذه الأمصار في طول هذه المدّة بوجوب اتّباع هذه المذاهب وتحريم عداها، والعمل على هذا إلى اليوم. (2)


1 . مفاتيح الغيب: 1/111.
2 . راجع الخطط المقريزية: 2/333 ـ 344.


(87)

إكمال

آية الوضوء وكيفية غسل الأيدي

إنّ آية الوضوء نزلت لتعليم الأُمّة كيفية الوضوء والتيمّم، والمخاطب بها جميع المسلمين عبْر القرون إلى يوم القيامة، ومثلها يجب أن تكون واضحة المعالم مبيّنة المراد، حتّى ينتفع بها القريب والبعيد والصحابي وغيره.

فالآية جديرة بالبحث من جانبين:

الأوّل: مسألة كيفية غسل اليدين، وأنّه هل يجب الغسل من أعلى إلى أسفل أو بالعكس؟

الثاني: حكم الأرجل من حيث المسح أو الغسل.

فلنشرع في البحث في الجانب الأوّل.

قال سبحانه: (يا أَيُّها الّذينَ آمَنُوا إِذا قُمتُمْ إِلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيديَكُمْ إِلى المَرافِق).(1)

اختلف الفقهاء في كيفية غسل اليدين، فأئمّة أهل البيت وشيعتهم، على أنّ الابتداء بالمرفقين إلى أطراف الأصابع وانّ هذه هي السنّة، وحجتهم على ذلك هو ظاهر الآية المتبادر عند العرف، فإنّ المتبادر في نظائر هذه التراكيب هو الابتداء من أعلى إلى أسفل، فمثلاً إذا قال الطبيب للمريض: اغسل رجلك بالماء الفاتر إلى الركبة، يتبع المريض ما هو المتداول في غسل الرجل عند العرف، وهو الغسل


1 . المائدة:6.


(88)

من أعلى إلى أسفل. أو إذا قال صاحب الدار للصبّاغ، أصبغ جدران هذه الغرفة إلى السقف، فيتبع الصبّاغ ما هو المألوف في صبغ الجدران من الأعلى إلى الأسفل ولا يدور بخلده، أو بخلد المريض من أنّ مالك الدار أو الطبيب استخدم لفظة «إلى» لبيان انتهاء غاية الصبغ والغسل عند السقف و الرجل بل لتحديد المقدار اللازم لهما.

وأمّا كيفية الغسل فمتروك إلى ما هو المتّبع والمتداول في العرف، وهو ـ بلا ريب ـ يتبع الأسهل فالأسهل، وهو الابتداء من فوق إلى تحت، وما هذا إلاّ لأنّ المتكلّم بصدد تحديد العضو المغسول، وهو اليد مع قطع النظر عن كيفية الغسل من حيث الابتداء والانتهاء، فإذا كان هذا هو المفهوم، فليكن الأمر كذلك في الآية المذكورة من دون أن نتكلّف بشيء من الوجوه التي يذكرها المفسّرون في تأييد أحد المذهبين.

نعم، إنّ أساس الاختلاف في الابتداء بالمرفقين إلى أُصول الأصابع أو بالعكس عندهم إنّما هو في تعيين متعلّق «إلى» في الآية الكريمة، فهل هو قيد «للأيدي» أي المغسول، أو قيد للفعل أعني: «واغسلوا»؟

فعلى الأوّل تكون الآية بمنزلة قولنا: «الأيدي إلى المرافق» يجب غسلها، وإنّما جاء بالقيد لأنّ اليد مشترك تطلق على أُصول الأصابع والزند والمرفق إلى المنكب، ولما كان المغسول محدداً إلى المرافق قُيّدت اليد بقوله «إلى المرافق»، ليفهم أنّ المغسول هو هذا المقدار المحدد من اليد ولولا اشتراك اليد بين المراتب المختلفة وانّ المغسول بعض المراتب لما جاءت بلفظة «إلى» فالإتيان بها لأجل تحديد المقدار المغسول من اليد.


(89)

وعلى الثاني، أي إذا قلنا بكونه قيداً للأمر بالاغتسال، فربّما يوحي إلى ضرورة الابتداء من أُصول الأصابع إلى المرفقين، فكأنّه سبحانه قال: «الأيدي» اغسلوها إلى المرافق.

ولكن لا يخفى ما في هذا الإيحاء من غموض، لما عرفت من أنّ المتّبع في نظائر هذه الأمثلة ما هو المتعارف وهو الابتداء من الأعلى إلى الأسفل.

أضف إلى ذلك: أنّه لو سلمنا أنّ حرف الجر قيد للفعل، لا نسلم أنّه بمعنى «إلى» الذي هو لانتهاء الغاية، بل يحتمل أن يكون بمعنى «مع» أي الأيدي اغسلوها مع المرافق، وليس هذا بعزيز في القرآن والأدب العربي.

يقول سبحانه: (وَلا تَأكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَموالِكُمْ).(1)

وقال سبحانه ـ حاكياً عن المسيح ـ : (فَلَمّا أَحَسَّ عِيسي مِنْهُمُ الكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصاري إِلى اللّه) (2) ،أي مع اللّه.

وقوله سبحانه: (وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ)(3) ، أي مع قوتكم.

ويقال في العرف: ولى فلان الكوفة إلى البصرة، أي مع البصرة، وليس في هذه الموارد من الغاية أثر.

وقال النابغة الذبياني:

ولا تتركني بالوعيد كأنّني إلى * الناس مطليّ به القار أجرب

أراد مع الناس أو عند الناس.

وقال ذو الرمة:

بها كلّ خوار إلى كل صولة * ورفعـي المدا عـار الترائـب


1 . النساء:2.
2 . آل عمران:52.
3 . هود:52.


(90)

وقال امرؤ القيس:

له كفل كالدعص لبّده الندى * إلى حارك مثل الغبيط المذأبِّ

أرا دمع حارك.(1)

وعلى ضوء ذلك فليست «إلى» لبيان الغاية، بل لبيان الجزء الواجب من المغسول سواء أكان الغسل من الأعلى أو من الأسفل.

هذا والدليل القاطع على لزوم الابتداء من الأعلى إلى الأسفل هو لزوم اتّباع ما هو المألوف في أمثال المورد كما سلف.

وقد نقل أئمّة أهل البيتعليهم السَّلام وضوء رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » بالنحو التالي:

أخرج الشيخ الطوسي بسنده عن بكير و زرارة بن أعين، أنّهما سألا أبا جعفر عن وضوء رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » فدعا بطست أو بتَوْر(2)فيه ماء، فغسل كفّيه، ثمّ غمس كفّه اليمنى في التور فغسل وجهه بها، واستعان بيده اليسرى بكفّه على غسل وجهه، ثمّ غمس كفّه اليسرى في الماء فاغترف بها من الماء فغسل يده اليمنى من المرفق إلى الأصابع لا يردّ الماء إلى المرفقين، ثمّ غمس كفّه اليمنى في الماء فاغترف بها من الماء فأفرغه على يده اليسرى من المرفق إلى الكفّ لا يردُّ الماء إلى المرفق كما صنع باليمنى، ثمّ مسح رأسه وقدميه إلى الكعبين بفضل كفّيه ولم يجدد ماء.(3)

(ما يُريدُ اللّهُ ليَجعَلَ عَليْكُمْ مِنْ حَرَج وَلكِنْ يُريدُ لِيُطهّركُم).(4)


1 . رسائل الشريف المرتضى: الرسالة الموصلية الثالثة: 213ـ 214.
2 . التَوْر: إناء صغير.
3 . تهذيب الأحكام:1/59 برقم 158.
4 . المائدة:6.


(91)

2
المسح على الخفّين
اختياراً
في الحضر والسفر


(92)

(93)

2
المسح على الخفّين
اختيارا
في الحضر والسفر

حُكي عن كثير من الصحابة والتابعين جواز المسح على الخفّين، في الحضر والسفر اختياراً من دون ضرورة تقتضيه، وانّ المكلّف مخيّر بمباشرة الرجلين بالغَسْل، والخفّين بالمسح، مع اتّفاقهم على عدم جواز المسح على الرجلين مكان الغَسْل اختياراً واضطراراً.

غير انّ لفيفاً من الصحابة وأئمّة أهل البيت قاطبة، أنكروا جواز المسح على الخفّين، أشدّ الإنكار كما ستوافيك كلماتهم وفي مقدّمتهم:

1. الإمام علي بن أبي طالب« عليه السَّلام » .

2. حبر الأُمّة عبد اللّه بن عباس.

3. أُمّ المؤمنين عائشة.

4. عبد اللّه بن عمر، وإن حكي عنه العدول أيضاً.

5. الإمام مالك على إحدى الروايتين، فقد أنكر جواز المسح على الخفّين في آخر أيّامه.


(94)

قال الرازي: وأمّا مالك فإحدى الروايتين عنه انّه أنكر جواز المسح على الخفّين، ولا نزاع انّه كان في علم الحديث كالشمس الطالعة فلولا انّه عرف فيه ضعفاً وإلاّلما قال ذلك، والرواية الثانية عن مالك انّه ما أباح المسح على الخفّين للمقيم وأباحه للمسافر مهما شاء من غير تقدير فيه.(1)

وروى النووي في «المجموع» عن مالك ست روايات ،إحداها: لا يجوز المسح، الثانية : يجوز ولكنّه يكره، الثالثة: يجوز أبداً وهي الأشهر عنه والأرجح عند أصحابه، الرابعة: يجوز مؤقتاً، الخامسة: يجوز للمسافر دون الحاضر،السادسة: عكسه.(2)

6. أبو بكر محمد بن داود الظاهري، وهو ابن داود الذي ينسب إليه المذهب الظاهري.(3)

هذا هو موقف الصحابة والتابعين وإمام الظاهريّة في المسألة، والمهم هو دراسة الأدلّة، فانّ الإجماع غير محقّق في المسألة وقد عرفت وجود الاختلاف بينهم،و قبل أن ندخل في صلب الموضوع نرى من الأجدر أن نشير إلى نكتة مهمة في المقام.

إنّ الاختلاف في الرأي إنّما يكون سائغاً إذا كان نتيجةَ الاجتهاد في فهم الأدلّة، كاختلاف المصلّين في غَسْل الأرجل ومَسْحِهما، لأجل الاختلاف في عطف(أرجلكم) في قوله سبحانه: (وامْسَحُوا بِرُءُوسكم وأَرجلكم إِلى الكَعبين) ـ حيث اختلفوا ـ في أنّها هل هي معطوفة على (برءُوسكم)فلابد من مسحهما أو على «الوجوه والأيدي» المذكورتين في الجملة السابقة فلابد من


1 . التفسير الكبير:11/163.
2 . المجموع: 1/500.
3 . المجموع: 1/500.


(95)

غسلهما؟ فبذلك صار المسلمون على طائفتين مختلفتين في حكم الأرجل.

وهذا النوع من الاختلاف إنّما يتصوّر فيما إذا كان في المسألة دليل من الكتاب والسنّة قابل للاجتهاد وبالتالي قابل للاختلاف في الاستظهار، وأمّا إذا لم يكن فيها أيُّ دليل لفظي، غير ادّعاء رؤية عمل النبي وانّه كان يمسح على الخفّين فالاختلاف في مثلها عجيب جدّاً، لأنّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »كان يتوضّأ أمام الناس، ليله ونهاره وكان الناس يتسابقون بالتبرّك بماء وضوئه، ومع ذلك صارت الصحابة بعد رحيله على صنفين، بين مثبت للمسح على الخفّين مطلقاً، و ناف كذلك، ومفصل بين الحضر والسفر، مع أنّ الطائفة النافية كانوا هم الذين يلازمونه طيلة حياته، في إقامته وظعنه كعلي وعائشةوكانوا يعدّون شعاراً بالنسبة إليه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » لا دثاراً.

وعلى كلّ تقدير فالمتّبع هو الدليل، وإليك دراسة أدلّة النافين، فقد احتجّوا بالكتاب والسنّة واتّفاق أئمّة أهل البيت .

1.الاحتجاج بالكتاب العزيز

قال سبحانه: (وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْن).(1)

فظاهر الآية فرض مباشرة الأرجل نفسها والمسح على الخفّين ليس مسحاً على الأرجل، والآية، في سورة المائدة المشتملة على آية الوضوء، وهي آخر سورة نزلت على النبي كما نصّت عليه أُمّ المؤمنين عائشة .

روى الحاكم عن جبير بن نفير، قال: حججت فدخلت على عائشة وقالت لي: يا جبير تقرأ المائدة؟ فقلت: نعم، قالت: أما إنّها آخر سورة نزلت، فما وجدتم


1 . المائدة:6.


(96)

فيها من حلال فاستحلّوه، وما وجدتم من حرام فحرّموه.

ثمّ قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرّجاه.

ونقل أيضاً عن عبد اللّه بن عمرو، انّ آخر سورة نزلت، سورة المائدة. وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وأقرّه الذهبي وصححه.(1)

وعلى هذا فليس لنا العدول عمّا في هذه السورة من الأحكام إلاّ بدليل قطعي يصحّ نسخ الكتاب به إذا قيل بجوازه في الحضر أو السفر اختياراً ولو مدة قصيرة.

قال الرازي:أجمع المفسرون على أنّ هذه السورة (المائدة)لا منسوخ فيها ألبتة إلاّ قوله تعالى: (يا أَيُّها الّذين آمَنُوا لا تحلّوا شَعائر اللّه) فإنّ بعضهم قال هذه الآية منسوخة، وإذا كان كذلك امتنع القول بأنّ وجوب(2) غسل الرجلين منسوخ .

ثمّ إنّ خبر المسح على الخفّين بتقدير انّه كان متقدّماً على نزول الآية، كان خبر الواحد منسوخاً بالقرآن، ولو كان بالعكس كان خبر الواحد ناسخاً للقرآن.(3) ولا يُنسخ القرآن بخبر الواحد مهما بلغ من الصحة.

2. الاحتجاج بالسنّة

روى البيهقي عن ابن عمر قال: توضّأ النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » مرّة مرّة ثمّ قال: هذا وضوء من لا تقبل له صلاة إلاّ به، ثمّ توضّأ مرّتين مرّتين ثمّ قال: هذا وضوء من


1 . مستدرك الحاكم:2/311 .
2 . يريد الوجوب التعيّني لمن له خفّ.
3 . تفسير الرازي:11/163.


(97)

يضاعف له الأجر مرتين، ثمّ توضّأ ثلاثاً ثلاثاً ثمّ قال: هذا وضوئي ووضوء المرسلين من قبلي.(1)

ولا شكّ انّ النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » باشر الفعل بالرجلين دون الخف، لأنّه لو أوقع الفعل على الخفّين لم يحصل الإجزاء إلاّ به وذلك منفي اتفاقاً، وعلى ضوء ذلك فمن توضّأ ومسح على الخفّين لا تقبل صلاته حسب تصريح الرسول.

3. إجماع أئمة أهل البيت ـ عليهم السَّلام »

اتّفق أئمّة أهل البيت « عليهم السَّلام » على المنع. وقد تضافرت الروايات عنهم، نذكر منها ما يلي:

1. روى الشيخ الطوسي في «التهذيب» بسند صحيح عن زرارة بن أعين، عن أبي جعفر« عليه السَّلام » ، قال: قلت له: في مسح الخفّين تقية؟ فقال: «ثلاثة لا أتّقي فيهنّ أحداً: شرب المسكر، ومسح الخفّين، ومتعة الحجّ».(2)

2. روى الشيخ الطوسي بسنده عن أبي الورد قال: قلت لأبي جعفر « عليه السَّلام » : إنّ أبا ظبيان حدّثني أنّه ـ رأى علياً « عليه السَّلام » ـ أراق الماء ثمّ مسح على الخفّين فقال: «كذب أبو ظبيان، أما بلغك قول علي« عليه السَّلام » فيكم سبق الكتابُ الخفّين». فقلت: فهل فيهما رخصة؟ فقال: «لا، إلاّ من عدوّ تقية، أو ثلج تخاف على رجليك».(3)

3. روى الشيخ الطوسي عن زرارة، عن أبي جعفر الباقر « عليه السَّلام » قال: سمعته


1 . السنن الكبرى:1/80، باب فضل التكرار في الوضوء; ورواه ابن ماجة في سننه:1/419. ولاحظ أحكام القرآن للجصاص:3/351.
2 . التهذيب:1/362، الحديث 1093.
3 . التهذيب:1/362، الحديث 1092.


(98)

يقول: جمع عمر بن الخطاب أصحاب النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » وفيهم عليّ « عليه السَّلام » ، فقال: ما تقولون في المسح على الخفّين؟ فقام المغيرة بن شعبة فقال: رأيت رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » يمسح الخفّين. فقال علي « عليه السَّلام » : «قبل المائدة أو بعدها؟» فقال: لا أدري. فقال علي « عليه السَّلام » : «سبق الكتابُ الخفّين. إنّما أنزلت المائدة قبل أن يقبض بشهرين أو ثلاثة».(1)

4. روى الصدوق باسناده عن ثابت الثمالي، عن حبابة الوالبية في حديث عن أمير المؤمنين « عليه السَّلام » قالت سمعته يقول: «إنّا أهل بيت لا نمسح على الخفّين، فمن كان من شيعتنا فليقتد بنا وليستنّ بسنتنا. (2)

وقال في مكان آخر: ـ ولم يعرف للنبيّ « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » خفّ إلاّ خفّ أهداه له النجاشي وكان موضع ظهر القدمين منه مشقوقاً، فمسح النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » على رجليه وعليه خفّاه، فقال الناس: إنّه مسح على خفّيه».(3)

5. روى الصدوق باسناده عن الأعمش، عن جعفر بن محمد « عليه السَّلام » قال: «هذه شرائع الدين لمن أراد أن يتمسّك بها، وأراد اللّه هداه: إسباغ الوضوء كما أمر اللّه في كتابه الناطق، غسل الوجه واليدين إلى المرفقين، ومسح الرأس والقدمين إلى الكعبين مرّة مرّة ومرّتان جائز، ولا ينقض الوضوء إلاّ البول والريح والنوم والغائط والجنابة، ومن مسح على الخفّين فقد خالف اللّه ورسوله وكتابه، ووضوؤه لم يتمّ، وصلاته غير مجزية...».(4)


1 . التهذيب:1/361، الحديث 1091.
2 . الفقيه:4/298ح898.
3 . الفقيه:1/48، الحديث 10 من أحاديث حدّ الوضوء.ولاحظ سنن البيهقي:1/282 ففيها ما يؤيد مضمون ذلك الحديث.
4 . الوسائل:1/279، الحديث18 من الباب 15 من أبواب الوضوء.


(99)

6. ما تضافر عن علي « عليه السَّلام » أنّه كان يحتج على القائل بالجواز، بأنّ الكتاب سبق المسح على الخفّين.(1)

ما يدعم القول بالمنع

إنّ هناك وجوهاً تدعم القول بالمنع نذكرها تباعاً:

7. ما روي عن ابن عباس(رض) قال: سلوا هؤلاء الذين يروون المسح هل مسح رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » بعد نزول المائدة؟ واللّه ما مسح رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » بعد نزول المائدة، ولئن أمْسَحُ على ظهر عنز في الصلاة أحب إليّ من أن أمسح على الخفّين.(2)

8. وما روي عن عائشة أنّها قالت: لئن تقطع قدماي أحبّ إليّ من أن أمسح على خفّين.(3)

نعم نقل غير واحد انّ علياً وعائشة رجعا عن القول بالمنع، إلى القول بالجواز.

غير انّ قولهم بالمنع ثابت عند الجميع ورجوعهم عمّا قالا، خبر واحد لا يصح الاعتماد عليه في المقام.

على أنّ الإمام عليّاً وعائشة كانا مع النبي ليله ونهاره،فكيف يمكن أن يقال: خفى عليهما كيفية وضوء النبي فأفتيا بالمنع ولمّا تبيّن الحق، عدلا عن قولهما؟!

9. انّ الأخذ بالجواز لو كان متأخّراً عن نزول المائدة كان ناسخاً للقرآن الكريم، والقرآن لا ينسخ بخبر الواحد، وقد اتّفق الأُصوليون إلاّ من شذّ على ما


1 . سنن البيهقي: 1/272; عمدة القارئ:3/97; نيل الأوطار:1/223.
2 . المبسوط للسرخسي: 1/98; تفسير الرازي:11/163 و في لفظ الرازي: لأمسح على جلد حمار.
3 . المبسوط:1/98.


(100)

ذكرنا، فلا محالة يكون الحديث معارضاً للقرآن الكريم وقد روي عنه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » أنّه قال: «إذا روي لكم عني حديث فأعرضوه على كتاب اللّه، فإن وافقه فاقبلوه وإلاّ فردّوه».(1)

10. اتّفق فقهاء السنّة على أنّ مسح البشرة لا يغني عن الغسل، فالقول بأنّ المسح على الخفّين يغني عن غَسْل الرجلين أمر عجيب يخالف العقل الصريح.

11. الاختلاف الشديد بين الفقهاء في الجواز وعدمه يوجب سقوط الروايات المجوزة والمانعة فلا محيص من الرجوع إلى ظاهر كتاب اللّه.

12. انّ المسح على الخفّين اختياراً مكان الغسل أو المسح لو كان أمراً مشروعاً، لعرفه الصحابة كلّهم ولم يقع بينهم نزاع و لبلغ مبلغ التواتر مع انّا نرى أنّ النزاع كان بينهم على قدم وساق.

كلّ ذلك يدلّ على عدم الجواز، وعلى فرض ثبوت المسح على الخفّين من النبي« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » يمكن الجمع بينه و بين الآية الكريمة بالوجهين التاليين:

أ. أنّ النبيّ الأكرم « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » مسح على الخفّين في فترة خاصة قبل نزول آية الوضوء في سورة المائدة، والكتاب نسخ ما أثر عن النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »، وبهذا يمكن الجمع بين جواز المسح على الخفّين، ولزوم مباشرة الرجلين، وما روي عن علي « عليه السَّلام » متضافراً بأنّه سبق الكتاب الخفّين يشير إلى ذلك، وأنّ المسح على الخفّين كان رخصة من النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » في فترة من الزمان، غير أنّ الكتاب نسخ هذه الرخصة.

ب. انّ النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » مسح على خفّ أهداه له النجاشي وكان موضع ظهر


1 . التفسير الكبير :11/163.


(101)

القدم منه مشقوقاً غير مانع عن مسح البشرة، فمسح النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » على رجليه وعليه خفّاه، فقال الناس: إنّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »مسح على خفّيه، من دون التفات إلى أنّه لم يمسح على نفس الخفّ بل على الرجلين تحت الخفّ.(1)

وبما ذكرنا من الوجهين يمكن الجمع بين ما نقل من النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » من أنّه مسح على الخفّين وما يستفاد من الكتاب مـن لـزوم مباشرة الرجلين و مـا عليـه أئمّـة أهـل البيتعليهم السَّلام ولفيف من الصحابة وعلى رأسهم الإمام علـي بن أبي طالب« عليه السَّلام » الذي عرفه النبـي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »بقـوله: «عليٌّ مـع الحقّ والحقّ مع علي لا يفترقان حتّى يردا عليّ الحوض».(2)

والذي قال الإمام الرازي في حقّه في مسألة الجهر بالبسملة ـ حيث كان علي« عليه السَّلام » يرى لزوم الجهر بالبسملة في الصلاة الجهريةـ : ومن اتخّذ عليّاً إماماً لدينه فقد استمسك بالعروة الوثقى في دينه ونفسه.(3)

إلى هنا تمت دراسة أدلّة القائلين بالمنع، فهلمّ معي ندرس أدلّة القائلين بالجواز.

أدلّة القائلين بجواز المسح

قد تعرفت على أدلّة القائلين بالمنع، فهلمّ معي ندرس أدلّة القائلين بالجواز، وهي عبارة عن عدّة روايات:

الأوّل: رواية جرير بن عبد اللّه البجلي

احتجّ القائلون بالجواز بما رواه مسلم في صحيحه عن جرير ( بن عبد اللّه


1 . لاحظ ص 98، رقم4.
2 . تاريخ بغداد:14/321; و مجمع الزوائد:7/232.
3 . التفسير الكبير :1/207.


(102)

البجلي) و روي عن إبراهيم الأدهم أنّه قال: ماسمعت في المسح على الخفّين أحسن من حديث جرير.(1)

فأخرج مسلم عن الأعمش، عن إبراهيم، عن همام قال: بال جرير ثمّ توضّأ ومسح على خفّيه، فقيل: تفعل هذا قال: نعم، رأيت رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »بال ثمّ توضأ ومسح على خفّيه.

قال الأعمش، قال إبراهيم: كان يعجبهم هذا الحديث، لأنّ إسلام جرير كان بعد نزول المائدة.

وقد فسر النووي وجه إعجابهم بقوله: إنّ اللّه تعالى قال في سورة المائدة: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ) فلو كان إسلام جرير متقدّماً على نزول المائدة، لاحتمل كون حديثه في مسح الخف منسوخاً بآية المائدة، فلمّـا كان إسلامه متأخّراً علمنا أنّ حديثه يُعمل به، وهو مبين انّ المراد بآية المائدة غير صاحب الخف، والسنّة مخصِّصة للآية، واللّه أعلم.(2)

يلاحظ عليه : أوّلاً: بأنّه خبر واحد لا يُنسخ الكتاب به، فانّ للكتاب العزيز مكانة عظيمة لا يجاريه شيء سوى السنة المتواترة أو الخبر المحفوف بالقرائن المفيدة للعلم لا الخبر الواحد فضلاً عن حديث يتعجّب راويه عن عمل جرير، فلو كان شيئاً شائعاً بين المسلمين لما تعجّب منه.

وثانياً: أنّ الاحتجاج به فرع أن يكون إسلام جرير بعد نزول المائدة وهو غير ثابت، بل الثابت خلافه حيث أسلم قبله.


1 . شرح صحيح مسلم للنووي:3/164ـ165،الحديث72.
2 . المصدر السابق:3/168.


(103)

قال ابن حجر العسقلاني: جزم ابن عبد البر «انّ جريراً أسلم قبل وفاة النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » بأربعين يوماً»، وهو غلط، ففي الصحيحين عنه انّ النبي« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » قال له: استنصت الناس في حجة الوداع، وجزم الواقدي بأنّه وفد على النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » في شهر رمضان سنة عشر وانّ بعثه إلى ذي الخلصة كان بعد ذلك وانّه وافى مع النبي حجّة الوداع من عامه ـ إلى أن قال:ـ إنّ الشعبي حدّث عن جرير انّه قال لنا رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »: إنّ أخاكم النجاشي قد مات ، أخرجه الطبراني فهذا يدلّ على أنّ إسلام جرير كان قبل سنة عشر، لأنّ النجاشي مات قبل ذلك.(1)

أقول: إنّ النجاشي قد توفي في حياة النبي في شهر رجب سنة تسع من الهجرة.

قال الذهبي: قال النبي للناس: إنّ أخاً لكم قدمات بأرض الحبشة، فخرج بهم إلى الصحراء وصفّهم صفوفاً، ثمّ صلّى عليه، فنقل بعض العلماء انّ ذلك كان في شهر رجب سنة تسع من الهجرة.(2)

ونقل في الموسوعة العربية العالمية انّه توفّي في عام تسع من الهجرة يعادل 630ميلادية.(3)

وعلى ضوء هذا فلا يصحّ الاحتجاج بخبر جرير، لأنّه من المحتمل جدّاً أن يكون عمل النبي قبل نزول المائدة بكثير، فنسخته سورة المائدة كما قال علي « عليه السَّلام » : «سبق الكتابُ الخفّين» .

ولو احتملنا انّ إسلامه كان بعد سورة المائدة، فهو خبر واحد لا ينسخ به


1 . الإصابة:1/234، ترجمة جرير، برقم 1136.
2 . سير اعلام النبلاء:1/443 برقم86.
3 . الموسوعة العربية العالمية:25/220.


(104)

الكتاب فانّ للكتاب، منزلة عظيمة لا يعادلها شيء.

الثاني: رواية المغيرة بن شعبة

أخرج مسلم بسنده عن الأسود بن هلال، عن المغيرة بن شعبة قال: بينا أنا مع رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » ذات ليلة إذ نزل فقضى حاجته، ثمّ جاء فصببتُ عليه من إداوَة كان معي، فتوضّأ ومسح على خفّيه.

وقد أخرجه بطرق أُخرى كلّها تنتهي إلى المغيرة بن شعبة.(1)

يلاحظ على الرواية: أوّلاً: أنّ المغيرة بن شعبة لا يحتج بحديثه لسوابقه النكراء قبل إسلامه وبعده على الرغم من أنّ له في الصحيحين اثني عشر حديثاً، ويكفي في ذلك ما نتلوه عليك من جريمته المروِّعة على قومه.

1. روى المؤرّخون: وَفَد المغيرة مع نفر من بني مالك على المقوقس فأهدى لهم ما أهدى، فلمّا خرجوا من عنده أقبلت بنو مالك يشترون هدايا لأهلهم فخرجوا وحملوا معهم الخمر.

يقول المغيرة: كنّا نشرب الخمر فأجمعتُ على قتلهم فتمارضت، وعصبت رأسي، فوضعوا شرابهم، فقلت: رأسي يُصدَّع ولكنّي أُسقيكم فلم ينكروا، فجعلت أُسرف لهم، وأترع لهم جميعاً الكأس، فيشربون ولا يدرون حتى ناموا سكراً، فوثبتُ وقتلتهم جميعاًوأخذت ما معهم، فقدمت على النبي« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » فوجدته جالساً في المسجد مع أصحابه وعليَّ ثياب سفر، فسلَّمت، قال أبو بكر: أمن مصر أقبلتم؟ قلت: نعم، قال: ما فعل المالكيون؟ قلت: قتلتُهم، وأخذت أسلابهم، وجئت بها إلى رسول اللّه ليخمسها، فقال النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » :«أمّا إسلامك فنقبله ولا آخذ من أموالهم


1 . شرح صحيح مسلم للنووي:3/171، برقم 76 ولاحظ رقم 75 و 77 و 78 و 80.


(105)

شيئاً، لأنّ هذا غدر ولا خير في الغدر» فأخذني ما قرب ومابعد.

قلت: إنّما قتلتهم وأنا على دين قومي، ثمّ أسلمت الساعة.

قال: «فانّ الإسلام يجبُّ ما كان قبله».

وكان قتل منهم ثلاثة عشر.(1)

هذه جريمته النكراء في عهد الجاهلية وتكشف عن خبث باطنه وطينته حيث قتل ثلاثة عشر شخصاً من أرحامه طمعاً في أموالهم، والإسلام وإن كان يجبّ ما قبله من حيث الحكم التكليفي، إلاّ أنّه لا يغيّر خبث سريرة الإنسان الذي شبّ عليه إلاّ بالعكوف على باب التوبة والانقطاع إلى الأعمال الحسنة والتداوم عليها والتي تنمُّ عن تبدّل حاله وإيقاظ ضميره.

هذه صحيفة حياته السوداء قبل الإسلام، وأمّا بعده فلم تختلف كثيراً، ويشهد على ذلك الأُمور التالية:

2. أخرج الذهبي عن عبد اللّه بن ظالم قال: كان المغيرة ينال في خطبته من علي، وأقام خطباء ينالون منه، وذكر الحديث في العشرة المشهود لهم بالجنة لسعيد بن زيد.(2)

3. انّ معاوية وضع قوماً من الصحابة وقوماً من التابعين على رواية أخبار قبيحة في علي « عليه السَّلام » تقتضي الطعن فيه والبراءة منه، وجعل على ذلك جُعلاً يرغب في مثله، فاختلقوا ما أرضوه، منهم المغيرة بن شعبة.(3)

4. أخرج أحمد في مسنده عن قطبة بن مالك قال: نال المغيرة بن شعبة من


1 . سير اعلام النبلاء:3/25، رقم الترجمة7.
2 . سير اعلام النبلاء:3/31، رقم الترجمة 7.
3 . شرح نهج البلاغة:1/358.


(106)

علي، فقال زيد بن أرقم: قد علمت أنّ رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » كان ينهى عن سبّ الموتى فلم تسبّ عليّاً وقد مات.(1)

5. وقد أخرج أيضاً في مسنده أحاديث نيله من أمير المؤمنين « عليه السَّلام » في خطبته واعتراض سعيد بن زيد عليه.(2)

6. قال ابن الجوزي في كتاب«الأذكياء» : قال: قدمت الخطباء إلى المغيرة بن شعبة بالكوفة، فقام صعصعة بن صوحان فتكلّم، فقال المغيرة: أرجوه فأقيموه على المصطبة فليلعن علياً، فقال: لعن اللّه من لعن اللّه ولعن علي بن أبي طالب، فأخبره بذلك، فقال: أُقسم باللّه لتقيِّدنه، فخرج، فقال: انّ هذا يأبى إلاّ علي بن أبي طالب فالعنوه لعنه اللّه، فقال المغيرة: أخرجوه أخرج اللّه نفسه.(3)

إنّ سوابقه تحكي على أنّه كان داهية يستغل دهاءه لنيل م آربه بأي قيمة كانت وإن انتهت على حساب الإسلام.

7. روى الذهبي أنّ معاوية دعا عمرو بن العاص بالكوفة، فقال: أعنِّي على الكوفة، قال: كيف بمصر؟ قال: استعمل عليها ابنك عبد اللّه بن عمرو، قال: فنعم، فبينا هم على ذلك جاء المغيرة بن شعبة ـ وكان معتزلاً بالطائف ـ فناجاه معاوية، فقال المغيرة: تؤمِّر عَمراً على الكوفة، وابنه على مصر وتكون كالقاعد بين لحيي الأسد، قال: ما ترى؟ قال: أنا أكفيك الكوفة، قال: فافعل. فقال معاوية لعمرو حين أصبح: إنّي قد رأيت كذا، ففهم عمرو، فقال: ألا أدلّك على أمير الكوفة؟ قال: بلى، قال: المغيرة، واستغن برأيه وقوته عن المكيدة، واعزله عن


1 . مسند أحمد:4/369.
2 . المسند:1/188.
3 . كتاب الأذكياء:142، طبع دار الفكر.


(107)

المال، قد كان قبلك عمر و عثمان فعلا ذلك، قال: نِعْمَ ما رأيتَ، فدخل عليه المغيرة، فقال: إنّي كنت أمّرتك على الجند والأرض، ثمّ ذكرت سنّة عمر وعثمان قبلي، قال: قد قبلت.(1)

وكفت سنّة عمر وعثمان في حقّه في الدلالة على مدى ما كان يتمتّع به الرجل من الأمانة والورع في حقوق المسلمين وأموالهم!!

8. والذي يشهد على موبقات الرجل وانّه لم يتغير عمّا كان عليه في عصر الجاهلية انّه اتُّهم بالزنا وهو أمير الكوفة في عصر الخليفة عمر بن الخطاب وشهد عليه شهود أربعة، منهم: أبو بكرة ونافع وشبل فشهدوا على أنّهم رأوه يولجه ويخرجه ويلج ولوج المِرْوَد في المكحلة فلمّا حاول رابع الشهود وهو زياد بن أبيه حاول الخليفة أن يدرأ عنه الحد للشبهة فخاطبه بقوله: إنّي لأرى رجلاً لم يخز اللّه على لسانه رجلاً من المهاجرين، فقال له الخليفة: أرايته يدخله كالميل في المكحلة؟ فقال: لا، ولكنّي رأيت مجلساً قبيحاً وسمعت نَفَسَاً عالياً ورأيته متبطّنها (2)... وبذلك درأ عنه الحدّ بالشبهة.

فهذه مكانة الرجل بين المسلمين، أفيمكن أن يقبل حديث ذلك الرجل في أمر عبادي يمارسه المسلمون في نهارهم وليلهم؟!

وثانياً: نفترض انّه رجل يحتج بحديثه وانّ الإسلام جبّ ما قبله، ولكنّه من أين ثبت انّ فعل النبي« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » كان بعد نزول المائدة؟ إذ من المحتمل أن يكون قبله بكثير، وقد أسلم الرجل قبل صلح الحديبية الذي كان في العام السادس، ويؤيد


1 . سير اعلام النبلاء:3/30، رقم الترجمة7.
2 . سير اعلام النبلاء:3/28، رقم الترجمة7; الأغاني:14/146; تاريخ الطبري:4/207; الكامل:2/228،إلى غير ذلك من المصادر المتوفرة.


(108)

ذلك ما رواه الذهبي عن أبي إدريس قال: قدم المغيرة بن شعبة دمشق فسألته، قال: وضّأت رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » في غزوة تبوك فمسح على خفّيه.(1)

الثالث: دراسة سائر الروايات

قد روى غير واحد من المحدّثين فعل النبي في السفر أو في السفر والحضر وأنّه مسح على الخفّين، والغالب عليها هو نقل فعل النبي من دون أن يذكر فيها لفظه وأنّه أمر لفظاً بالمسح على الخفّين، وعلى فرض أنّه أمر بالمسح على الخفين لم تُعيّن ظروف العمل، وقد جمع أبو بكر البيهقي عامّة الروايات في السنن، فنذكر قسماً كبيراً ممّا رواه:

1. عن سعد بن أبي وقّاص أنّ رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » مسح على الخفّين.

2. عن حذيفة قال: مشى رسول اللّه إلى سباطة قوم فبال قائماً، ثمّ دعا بماء فجئته بماء فتوضّأ ومسح على خفّيه. وقال: رواه البخاري في الصحيح عن آدم بن أبي أياس، ورواه مسلم من وجه آخر عن الأعمش.

وكفى في ضعف الرواية الثانية أنّه نسب إلى النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » ما لا يليق بمنزلته ومكانته ولا يرتكبه إلاّ الأراذل من الناس.

كيف يمكن أن ينسب إلى النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » انّه بال قائماً مع أنّ المروي عن ابن مسعود انّه قال: من الجفاء أن تبول وأنت قائم، وكان سعد بن إبراهيم لا يجيز شهادة من بال قائماً.

قالت عائشة: من حدّثكم انّ رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » كان يبول قائماً فلا تصدّقوه، ما كان يبول إلاّ قاعداً.


1 . سير اعلام النبلاء:3/22.


(109)

ثمّ إنّ ابن قدامة بعدما نقل هذا حاول أن يصحّح الحديث بقوله: ولعلّ النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » فَعَل ذلك(البول قائماً) لتبيين الجواز ولم يفعله إلاّمرة واحدة، ويحتمل انّه في موضع لا يتمكّن من الجلوس فيه.(1)

وما ذكر من الوجه الأوّل مردود بأنّ في إمكان الرسول أن يبيّن جواز المسح على الخفين بكلامه لا بفعله الذي يعد من صفات غير المبالين بأحكام الشريعة.

قد أخرج ابن ماجة في سننه عن عمر قال: رآني رسول اللّه أبول قائماً، فقال: يا عمر لا تبل قائماً.(2)

مضافاً إلى أنّ ظاهر الحديث أنّ النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » لم يتطهّر من البول فلابدّ من القول بالحذف والتقدير في جمل الحديث، وعلى فرض الصحّة فهو ينقل فعل النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » من دون أن يوقِّت ظروفه فلا يكون حجّة في مقابل القرآن الكريم. ولعلّه كان قبل نزول آية الوضوء.و به تظهر حال رواية سعد بن أبي وقاص حيث لم تعيّن ظرف العمل وانّه هل كان قبل نزول المائدة أو بعدها؟

3.عن جعفر بن أُميّة بن الضمري، عن أبيه: رأيت رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » مسح على عمامته وخفّيه، والكلام في هذا الحديث هو نفس الكلام في الحديثين السابقين.

4. عن كعب بن عجرة قال: حدّثني بلال قال: رأيت رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » توضّأ ومسح على الخفّين والخمار.

5. عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: رأيت رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » توضّأ مرّة مرّة ومسح على الخفّين، وصلّى الصلوات كلّها بوضوء واحد. فقال له عمر: صنعتَ شيئاً ما كنتَ تصنعه. فقال: عمداً فعلته يا عمر.


1 . المغني:1/156.
2 . سنن ابن ماجة: 1/112، برقم 309.


(110)

أقول: قد قام رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » بفعله هذا يوم الفتح قبل نزول سورة المائدة بشهادة رواية بريدة حيث قال: صلّى رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »يوم الفتح خمس صلوات بوضوء واحد ومسح على خفّيه. فقال له عمر: إنّي رأيتك صنعتَ شيئاً لم تصنعه، قال: عمداً صنعته.

6. روى المقدام بن شريح قال: سألت عائشة عن المسح على الخفّين؟ فقالت: إيت علياً فانّه أعلم بذلك منّي، فأتيت عليّاً فسألته عن المسح، فقال: كان رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » يأمرنا أن يمسح المقيم يوماً وليلة والمسافر ثلاثاً.

ولا يصحّ الاحتجاج به وبنظيره ما لم يثبت ظرف العمل وانّ فعل النبي كان بعد نزول سورة المائدة.(1)


1 . لاحظ في الوقوف على هذه المأثورات: السنن الكبرى للبيهقي:1/270ـ277.


(111)

تساؤلات حول مسألة المسح على الخفّين

ثمّ إنّ هناك تساؤلات حول هذه المسألة نطرحها على صعيد البحث والدراسة، ولعلّ الفقيه المفتي بجواز المسح على الخفّين في عصرنا هذا يجد لها أجوبة:

1. لا شكّ أنّ الوضوء وإن كان عبادة وشرطاً في صحّة الصلاة ولكنّه في الوقت نفسه تطهير للمتوضّأ يقول سبحانه في ذيل آية الوضوء: (وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون).(1)

فإذا كان الوضوء كالغسل والتيمّم سبباً للتطهير فهو فرع مباشرة الرجلين لا الخفّين والنعلين ولا الجوربين، فانّ المسح عليها لا يستتبع طهارة إن لم يؤثر في انفعال اليد بالأوساخ التي على الخفّين أو النعلين أو الجوربين. فتجويزه في الحضر والسفر اختياراً مؤقتاً أو غير مؤقت على خلاف النظافة التي دعا إليها الإسلام في غير واحد من تعاليمه.

2. إنّ المسح على الخفّين مسألة فقهية فرعية اختلف فيها الصحابة والتابعون، وقد اشتهر عن علي و ابن عباس وعائشة وأئمة أهل البيت قاطبة وغيرهم المنعُ عنه، وكان الإمام« عليه السَّلام » وتلميذه حبر الأُمّة يستدلاّن بأنّ آية الوضوء نسخت هذا، ومع هذا فلا يتجاوز الاختلاف فيه عن الاختلاف في الحكم


1 . المائدة:6.


(112)

الفرعي، وما أكثر الخلاف في الأحكام الفرعية; ومع ذلك نرى أنّ شهاب الدّين أحمد بن محمد القسطلاني ينقل في شرحه على صحيح البخاري عن الكرخي أنّه قال: أخاف الكفر على من لا يرى المسح على الخفّين، وليس[المسح] بمنسوخ، لحديث مغيرة في غزوة تبوك وهي آخر غزواته « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »والمائدة نزلت قبلها في غزوة المريسيع، فأين النسخ للمسح.(1)

ولا يخفى ما في كلامه من الوهن .

أمّا أوّلاً: فانّ ما ذكره لا يخلو من المغالاة في القول، إذ أي ملازمة بين عدم تجويز المسح على الخفّين والخروج عن حظيرة الإسلام، وليس في المسألة إلاّ خبر واحد كخبر المغيرة، غير المفيد علماً ولا قطعاً.

واتّهام المخالف بالكفر سيئة موبقة، وقد قال رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »: «إذا كفّر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما».(2)

وثانياً: أنّ المائدة نزلت قبل رحيله« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » بثلاثة أشهر أو أقلّ، وأمّا غزوة المريسيع، فقد كانت في شهر شعبان من العام السادس من الهجرة، وقيل قبله.(3) نعم نزل فيها آية التيمّم وهي قوله سبحانه: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلا عابِري سَبيل حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَر أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّهَ كانَ عَفُوّاً غَفُوراً).(4)


1 . في المصدر مكان أين: فأمن. راجع: إرشاد الساري:1/278.
2 . صحيح مسلم:1/56، كتاب الإيمان، باب من قال لأخيه يا كافر.
3 . السيرة النبوية:2/289.
4 . النساء:43.


(113)

3. وممّا يشهد على أنّ النزاع بين الصحابة والتابعين في مسألة المسح على الخفّين كان على قدم وساق انّ بعض من يروي المسح على الخفّين عن النبي« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » يعمل بخلافه. روى البيهقي عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه أنّ رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » سئل عن المسح على الخفّين فقال: للمسافر ثلاثة أيام ولياليهنّ وللمقيم يوم وليلة، وكان أبي (أبو بكرة) ينزع خفّّيه ويغسل رجليه.(1)

ولما كان ذيل الحديث يوجد وهناً فيما يرويه عن النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » حيث إنّ عمله كان على خلاف روايته، حاول غير واحد من المحدّثين تصحيحه .(2)

4.إنّ الظاهر من غير واحد من الروايات التي نقلها البيهقي في سننه أنّه يجوز المسح على الخفّين في السفر والحضر جميعاً، وقد عقد باباً بهذا العنوان: «باب مسح النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » على الخفّين في السفر والحضر»، وقد عرفت رواية حذيفة وأُسامة انّ النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »مسح على الخفّين وهو في المدينة، ومعنى ذلك أنّه يجوز أن يختار المكلّف طيلة عمره المسح على الخفّين، وأنّ غسل الرجلين مختصّ بمن لم يلبس الخفّين، وهذا شيء لا ترتضيه روح الفقه ولا سيرة المتشرّعة ولا حكمة الوضوء.

وإن كنت في شكّ من ذلك، فإليك فتاوى الفقهاء في هذا الصدد:

يرى جمهور الفقهاء الحنفيّة والشافعيّة والحنابلة، توقيت مدّة المسح على الخفّين بيوم وليلة في الحضر وثلاثة أيّام للمسافر، ولكن المالكية تجوّز المسح على الخفّين في الحضر والسفر من غير توقيت بزمان، فلا ينزعهما إلاّ بموجب الغسل ويندب للمكلّف نزعهما في كلّ أُسبوع مرّة يوم الجمعة ولو لم يرد الغسل لها، ونزعهما


1 . السنن الكبرى:1/276.
2 . الشرح الصغير:1/152، 153، 158; جواهر الإكليل:1/24، ولاحظ الموسوعة الفقهية الكويتية، ج37، مادة «مسح».


(114)

مرّة في كلّ اسبوع في مثل اليوم الذي لبسهما فيه، فإذا نزعهما لسبب أو لغيره وجب غسل الرجلين.

واستدلّوا بما رواه ابن أبي عمارة، قال: قلت: يا رسول اللّه: أمسح على الخفّين؟ قال: نعم، قلت: يوماً؟ قال: و يومين، قلت: وثلاثة؟ قال: نعم وما شئت.(1)

5. انّ الشيء الغريب حقّاً هو انّ الفقهاء لم يجوّزوا المسح بماء الوضوء على الرجلين مباشرة لا في الحضر ولا في السفر، ومع ذلك جوّزوا المسح على الخفّين على الرغم من أنّ الخفين لا صلة لها بالمتوضّي سوى انّهما وعاءان للرِجْلين.

6. ثمّ هناك من يتصوّر انّ الحكمة في جواز المسح على الخفّين، التيسير والتخفيف عن المكلّفين الذين يشق عليهم نزع الخف وغسل الرجلين في أوقات الشتاء والبرد الشديد، وفي السفر وما يصاحبه من الاستعجال ومواصلة السفر.(2)

وما ذكر من الحكمة ـ لو صحت ـ يوجب اختصاص المسح على الخفّين بموارد الحرج والضرورة، وأين هذا من الإفتاء به دون تقييد؟!

7. وأظنّ أنّ الإصرار على بقاء حكم المسح على الخفّين كان لأجل مخالفة الإمام علي « عليه السَّلام » حيث كان هو وبيته الرفيع يجاهرون بالمنع من المسح على الخفّين، وقد أعطى المجوّزون المسألة أكثر ممّا تستحقّ، قال أبو بكر بن المنذر: روينا عن الحسن البصري، حدثني سبعون من أصحاب رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » أنّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » كان يمسح على الخفّين ، قال: وروينا عن ابن المبارك قال: ليس في المسح على الخفّين اختلاف. هو جائز قال جماعات من السلف نحو هذا.(3)


1 . كتاب المجموع شرح المهذّب للنووي:1/505.
2 . الموسوعة الفقهية:37/262.
3 . المجموع :1/501.


(115)

كما ذكر البيهقي أسماء حوالي عشرين صحابياً جوّزوا المسح على الخفّين منهم: عمر بن الخطاب وسعد بن أبي وقاص وعبد اللّه بن مسعود و حذيفة بن اليمان وأبو أيوب الأنصاري وأبو موسى الأشعري وعمّـار بن ياسر و جابر بن عبداللّه وعمرو بن العاص وأنس بن مالك وسهل بن سعد وأبي مسعود الأنصاري والمغيرة بن شعبة والبراء بن عازب وأبي سعيد الخدري وجابر بن سمرة وأبو أمامة الباهلي وعبد اللّه بن الحارث بن جزر و أبو زيد الأنصاري.(1)

والعجب انّهم عطفوا عليّاً « عليه السَّلام » وابن عباس على هؤلاء لمزيد كسب الثقة بالجواز.

فروع المسألة

ثمّ إنّ القائلين بجواز المسح على الخفّين اختلفوا فيما يرجع إليه من فروع اختلافاً شديداً فاختلفوا في المواضع التالية:

1. تحديد المحل: فاختلفوا فيه فقال قوم: إنّ الواجب من ذلك مسح أعلى الخف وإنّ مسح الباطن ـ أعني: أسفل الخف ـ مستحب، ومالك أحد من رأى هذا، والشافعي; ومنهم من أوجب مسح ظهورهما وبطونهما ،وهو مذهب ابن نافع من أصحاب مالك.

ومنهم من أوجب مسح الظهور فقط ولم يستحب مسح البطون، وهو مذهب أبي حنيفة وداود و سفيان وجماعة; وشذّ أشهب: فقال: إنّ الواجب مسح الباطن أو الأعلى، أيّهما مسح، وسبب اختلافهم تعارض الآثار الواردة في ذلك


1 . سنن البيهقي:1/272.


(116)

وتشبيه المسح بالغسل.

2. نوع محل المسح فانّ القائلين به اتّفقوا على جواز المسح على الخفّين واختلفوا في المسح على الجوربين، فأجاز ذلك قوم ومنعه قوم، وممّن منع ذلك: مالك والشافعي وأبو حنيفة، وممّن أجاز ذلك: أبو يوسف و محمد صاحبا أبي حنيفة وسفيان الثوري، وسبب اختلافهم في صحّة الآثار الواردة عنه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » ، انّه مسح على الجوربين والنعلين، واختلافهم أيضاً في هل يقاس على الخف غيره، أم هي عبادة لا يقاس عليها ولا يتعدّى بها محلّها؟

3. صفة الخفّ فانّهم اتّفقوا على جواز المسح على الخفّ الصحيح واختلفوا في المخْرَق، فقال مالك وأصحابه: يمسح عليه إذا كان الخرق يسيراً، وحدّد أبو حنيفة بما يكره الظاهر منه أقلّ من ثلاثة أصابع، وقال قوم بجواز المسح على الخفّ المنخرق مادام يسمّى خفّاً، وإن تفاحش خرقه، وممّن روي عنه ذلك الثوري، ومنع الشافعي أن يكون في مقدّم الخف خرق يظهر منه القدم، ولو يسيراً في أحد القولين عنه. ثمّ ذكر سبب اختلافهم.

4.التوقيت فانّ الفقهاء اختلفوا فيه، فرأى مالك انّ ذلك غير مؤقت وإنّ لابس الخفّين يمسح عليها مالم ينزعهما أو تصيبه جنابة، وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أنّ ذلك مؤقت. والسبب في اختلافهم اختلاف الآثار في ذلك.

5. شرط المسح على الخفين هو أن تكون الرِّجْلان طاهرتين بطُهر الوضوء وذلك شيء مجمع عليه إلاّخلافاً شاذاً. وقد روي عن ابن القاسم عن مالك، ذكره ابن لبابة في المنتخب، وإنّما قال به الأكثر لثبوته في حديث المغيرة وغيره إذا أراد أن ينزع الخف عنه فقال « عليه السَّلام » : دعهما فإنّي ادخلتهما وهما طاهرتان،والمخالف حمل


(117)

هذه الطهارة على الطهارة اللغوية.

6. الاختلاف في نواقض هذه الطهارة فانّهم أجمعوا على أنّها نواقض الوضوء بعينها واختلفوا هل نزع الخف ناقض لهذه الطهارة أم لا؟ فقال قوم : إن نَزَعه وغسل قدميه فطهارته باقية، وإن لم يغسلهما وصلّى أعاد الصلاة بعد غسل قدميه، وممّن قال بذلك مالك وأصحابه والشافعي وأبو حنيفة ـ إلى أن قال ـ وقال قوم: طهارته باقية حتى يحدث حدثاً ينقض الوضوء وليس عليه غسل، وممّن قال بهذا القول داود و ابن أبي ليلى وقال الحسن بن حي: إذا نزع خفّيه فقد بطلت طهارته.(1)

وهذه الاختلافات في الفروع مبنية على القول بجواز المسح على اختيار، فإذا بطل الأصل يكون الكلام في الفروع أمراً لغواً لاطائل تحته وإن أطنب القائلون بالجواز الكلام فيها.


1 . بداية المجتهد:1/18ـ23 بتلخيص.


(118)


(119)

3
تشريع الأذان و
التثويب في أذان الفجر

1. قيل للإمام الصادق ـ عليه السَّلام ـ :

يقولون إنّ رجلاً من الأنصار رأى الأذان في النوم، فأجاب ـ عليه السَّلام ـ :

«كذبوا فانّ دين اللّه أعزّ من أن يُرى في النوم».

2. قال محمد بن الحنفية:

عمدتم إلى ما هو الأصل في شرائع الإسلام ومعالم دينكم فزعمتم أنّه انّما كان من رؤيا رآها رجل من الأنصار في منامه تحتمل الصدق والكذب وقد تكون أضغاث أحلام.


(120)

(121)

تمهيد

الأذان لغة وشرعاً
و مكانة المؤذّن عند اللّه

الأذان لغة: الإعلام، قال سبحانه: (وَأَذانٌ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلى النّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأكبر)(1) أي إعلام منهما إلى الناس.

وشرعاً: الإعلام بدخول وقت الصلاة المفروضة بألفاظ معلومة مأثورة على صفة مخصوصة، وهو من خير الأعمال التي يتقرّب بها إلى اللّه تعالى، وفيه فضل كثير وأجر عظيم.

أخرج الشيخ الطوسي في «التهذيب» عن معاوية بن وهب، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال: «قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : من أذَّن في مصر من أمصار المسلمين سنة، وجبت له الجنة».(2)

وأخرج أيضاً عن سعد الاسكاف، قال: سمعت أبا جعفر ـ عليه السَّلام ـ يقول: «من أذّن سبع سنين احتساباً جاء يوم القيامة ولا ذنب له».(3)


1 . التوبة:3.
2 . التهذيب:2/283ح1126.
3 . التهذيب:2/283ح1128.


(122)

وأخرج الصدوق عن العرزمي، عن أبي عبد اللّه ـ عليه السَّلام ـ قال:«أطول الناس أعناقاً يوم القيامة، المؤذّنون».(1)

وأخرج أحمد بن محمد بن خالد البرقي في «المحاسن» عن جابر الجعفي، عن محمد بن علي الباقر ـ عليه السَّلام ـ ، قال: «قال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : المؤذّن المحتسب، كالشاهر بسيفه في سبيل اللّه، القاتل بين الصفّين».

إلى غير (2)ذلك من الروايات الحاثّة على نشر الأذان وقيام قاطبة الطبقات به، وكراهة حصر الأذان بضعفائهم.

وعقدنا هذا البحث لبيان أمرين:

الأوّل: انّ تشريع الأذان كان إلهيّاً لا مدخلية للإنسان فيه.

الثاني: دراسة تاريخ التثويب في الفجر وانّه ليس جزءاً من الأذان وإنّما دخل فيه بتصويب البعض .

فيقع الكلام في مقامين:


1 . ثواب الأعمال:52.
2 . المحاسن :48برقم68.


(123)

المقام الأوّل

1
منزلة الأذان في التشريع الإسلامي
لم يشارك في تشريعه أيّ إنسان

إنّ الأذان والإقامة من صميم الدين وشعائره، أنزله اللّه سبحانه على قلب سيّد المرسلين، وإنّ اللّه الذي فرض الصلاة، هو الذي فرض الأذان، وإنّ منشأ الجميع واحد ولم يُشارك في تشريعه أيّ إنسان لا في اليقظة ولا في المنام، وهذا شأن كلّ عبادة يعبد بها الإنسان خالقَه وبارئه، ولم نجد في التشريع الإسلامي عبادة مشروعة قام الإنسان بوضعها، ثمّ نالت إمضاء الشارع وتصويبه إلاّ في مواضع خاصة ثبتت من النبيّ المعصوم.

والذي يعرب عن ذلك انّ لجميع فصوله من التكبير إلى التهليل، مسحة إلهية وعذوبة، وسموّ المعنى وفخامته، تثير شعور الإنسان إلى مفاهيم أرقى وأعلى وأنبل ممّا في عقول الناس، فلو كان للأذان والإقامة مصدر غير الوحي ربّما لا تتمتع بهذه العذوبة ولا المسحة الإلهيّة.

وعلى ضوء ذلك فليس لمسلم إلاّ قبول أمرين:


(124)

أ : انّ تشريع الأذان والإقامة يرجع إلى اللّه سبحانه وانّه أوحى إلى عبده الأذان والإقامة ولم يكن لبشر دور في تشريعهما.

ب: كما أنّ أصل الأذان وحي إلهي أنزله اللّه على قلب النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فهكذا كلّ فصل منه إيحاء إلى النبي فليس لأيّ إنسان أن ينقص منه فصلاً أو يضيف إليه جزءاً.


(125)

2
تاريخ تشريع الأذان
في أحاديث أهل البيتعليهم السَّلام

اتّفقت أئمة أهل البيتعليهم السَّلام على أنّ الأذان من الأُمور العبادية، له من الشأن ما لغيره من العبادات وأنّ المشرّع له هو اللّه سبحانه و قد هبط جبرئيل بأمر منه وعلّمه رسول اللّه، كما علّمه رسول اللّه بلالاً، ولم يشارك في تشريعه بل ولا في تشريع الإقامة أحد، فهذا من الأُمور المسلّمة عند أئمّة أهل البيت، و قد تضافرت عليه رواياتهم وكلماتهم نذكر في المقام نزراً يسيراً «ويكفيك من القلادة موضع عنقها».(1)

1. روى ثقة الإسلام الكليني بسند صحيح عن زرارة و الفضيل، عن أبي جعفر الباقر ـ عليه السَّلام ـ قال: «لمّا أُسري برسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إلى السماء فبلغ البيت المعمور، وحضرت الصلاة، فأذّن جبرئيل ـ عليه السَّلام ـ وأقام فتقدم رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ وصفَّ الملائكة والنبيّون خلف محمّد ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ » .

2. أخرج أيضـاً بسنـد صحيـح، عن الإمـام الصـادق ـ عليه السَّلام ـ قــال: «لمّا


1 . مثل يضرب لبيان كفاية القليل عن الكثير.


(126)

هبط جبرئـيل بالأذان على رسـول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ كان رأسـه في حجـر علي ـ عليه السَّلام ـ ، فأذّنجبرئيل وأقام (1) ،فلمّا انتبه رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ قال: يا علي سمعت؟ قال: نعم(2) قال: حفظتَ؟ قال: نعم. قال: ادع بلالاً، فدعا علي ـ عليه السَّلام ـ بلالاً فعلّمه».(3)

3. أخرج أيضاً بسند صحيح عن عمر بن أذينة عن الصادق ـ عليه السَّلام ـ قال: ما تروي هذه(الجماعة)؟ فقلت: جعلت فداك في ماذا؟ فقال: في أذانهم ... فقلت: إنّهم يقولون إنّ أُبيّ بن كعب رآه في النوم. فقال: كذبوا فانّ دين اللّه أعزّ من أن يُرى في النوم. قال: فقال له سدير الصيرفي: جعلت فداك فأحدث لنا من ذلك ذكراً. فقال أبو عبد اللّه (الصادق) ـ عليه السَّلام ـ : إنّ اللّه عزّ وجلّ لمّا عرج بنبيه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إلى سماواته السبع إلى آخر الحديث الأوّل. (4)

4. وروى محمد بن مكي الشهيد في «الذكرى» عن فقيه الشيعة في أوائل القرن الرابع ـ أعني: ابن أبي عقيل العماني ـ أنّه روى عن الإمام الصـادق ـ عليه السَّلام ـ : أنّه لعـن قوماً زعمـوا أنّ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أخذ الأذان من عبد اللّه بن زيد (5) فقال: ينـزل الوحي على نبيّكم فتزعمـون أنّه أخذ الأذان مـن عبد اللّه بن زيد؟!» (6).


1 . لا منافاة بين الروايتين، وكم نزل أمين الوحي بآية واحدة مرّتين، والغاية من التأذين في الأوّل غيرها في الثاني، كما هو واضح لمن تدبّر.
2 . كان علي ـ عليه السَّلام ـ محدَّثاً وهو يسمع كلام الملك. لاحظ صحيح البخاري:4/200، وشرحه: إرشاد الساري: 6/99 وغيره، باب رجال يُكلَّمون من غير أن يكونوا أنبياء ... روى أبوهريرة عن النبيّ أنّه قال:« لقد كان فيمن قبلكم من بني إسرائيل ... ».
3 . الكافي: 3/302، باب بدء الأذان، الحديث 1و2.
4 . الكافي:3/482ح1، باب النوادر.وسيأتي أنّه ادّعى رؤيةَ الأذان في النوم ما يقرب من أربعة عشر رجلاً.
5 . سيوافيك نقله عن السنن.
6 . وسائل الشيعة: الجزء 4/612، الباب الأوّل من أبواب الأذان والإقامة، الحديث 3.


(127)

وليست الشيعة متفرّدة في هذا النقل عن أئمة أهل البيت، فقد روى الحاكم وغيره نفس النقل عنهم، وإليك بعض ما أُثر في ذلك المجال عن طريق أهل السنّة.

5. روى الحاكم عن سفيان بن الليل قال: لمّا كان من أمر الحسن بن علي ومعاوية ما كان، قدمت عليه المدينة وهو جالس... قال: فتذاكرنا عنده الأذان، فقال بعضنا: إنّما كان بدء الأذان رؤيا عبد اللّه بن زيد، فقال له الحسن بن علي: إنّ شأن الأذان أعظم من ذاك، أذَّن جبرئيل ـ عليه السَّلام ـ في السماء مثنى مثنى، وعلّمه رسول اللّه وأقام مرة مرة (1) فعلّمه رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ . (2)

6. روى المتقي الهندي عن الشهيد زيد بن الإمام علي بن الحسين، عن آبائه، عن علي: أنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ عُلِّمَ الأذان ليلة أُسري به وفرضت عليه الصلاة.(3)

7. روى الحلبي عن أبي العلاء، قال: قلت لمحمد ابن الحنفية: إنّا لنتحدّث أنّ بدء هذا الأذان كان من رؤيا رآها رجل من الأنصار في منامه، قال: ففزع لذلك محمد ابن الحنفية فزعاً شديداً وقال: عمدتم إلى ما هو الأصل في شرائع الإسلام، ومعالم دينكم، فزعمتم أنّه إنّما كان من رؤيا رآها رجل من الأنصار في منامه، تحتمل الصدق والكذب وقد تكون أضغاث أحلام، قال: فقلت له: هذا الحديث قد استفاض في الناس. قال: هذا واللّه الباطل....(4)

8. روى المتقي الهندي عن مسنـد رافع بن خديـج: لمّا أُسـري برسـول


1 . المروي عنهم ـ عليهم السَّلام ـ أنّ الإقامة مثنى مثنى إلاّ الفصل الأخير وهو مرة.
2 . مستدرك الحاكم: 3/171، كتاب معرفة الصحابة .
3 . كنز العمال:12/350برقم35354.
4 . السيرة الحلبية: 2/300ـ301.


(128)

اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ إلى السماء أُوحـي إليه بالأذان فنـزل به فعلّمـه جبرئيل. (الطبراني في الأوسط عن ابن عمر) (1).

9. ويظهر ممّا رواه عبد الرزاق بن همام الصنعاني(126ـ211هـ) عن ابن جريج عن عطاء، انّ الأذان كان بوحي من اللّه سبحانه.(2)

10. قال الحلبي: ووردت أحاديث تدلّ على أنّ الأذان شُرّع بمكة قبل الهجرة، فمن تلك الأحاديث ما في الطبراني عن ابن عمر ... ونقل الرواية الثامنة.(3)

هذا هو تاريخ الأذان وطريق تشريعه أخذته الشيعة من عين صافية، من أُناس هم بطانة سنّة الرسول، يروي صادق عن صادق حتى ينتهي إلى الرسول، وأيّدته آثار أُخرى كما عرفت.


1 . كنز العمال: 8/329 برقم 23138 ، فصل في الأذان .
2 . المصنّف: 1/456 برقم 1775.
3 . السيرة الحلبية:2/296، باب بدء الأذان و مشروعيته.


(129)

3
كيفيّة تشريع الأذان
عند أهل السنّة

قد ورد في روايات أهل السنّة حول كيفية تشريع الأذان أُمور لا تصحّ نسبتها إلى الرسول الأعظم، وحصيلة هذه الروايات ـ كما ستمر عليك تفاصيلها ـ ما يلي:

كان الرسول ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مهتماً بأمر الصلاة جماعة، ولكن كان متحيّراً في أنّه كيف يجمع الناس إلى الصلاة مع بُعْد الدار وتفرّق المهاجرين والأنصار في أزقّة المدينة، فاستشار في ذلك في حل العقدة، فأشاروا عليه بأُمور:

1. أن يستعين بنصب الراية، فإذا رأوها آذن بعضهم بعضاً، فلم يُعجبه.

2. أشاروا إليه باستعمال القُبع، أيّ بوق اليهود، فكرهه النبي.

3. أن يستعين بالناقوس كما يستعين به النصارى، كرهه أوّلاً ثمّ أمر به فعمل من خشب ليضرب به للناس حتى يجتمعوا للصلاة.

4. كان النبي الأكرم على هذه الحالة، إذ جاء عبد اللّه بن زيد وأخبر رسول


(130)

اللّه بأنّه كان بين النوم واليقظة إذ أتاه آت فأراه الأذان، وكان عمر بن الخطاب قد رآه قبل ذلك بعشرين يوماً فكتمه ثمّ أخبر به النبي، فقال: ما منعك أن تخبرني؟ فقال: سبقني عبد اللّه بن زيد فاستحييت، فقال رسول اللّه: يا بلال قم فانظر ما يأمرك به عبد اللّه بن زيد فعلّمه، فتعلّم بلال الأذان وأذّن.

هذا مجمل ما يرويه المحدّثون حول كيفيّة تشريع الأذان، فتجب علينا دراسة متونه وأسناده وإليك البيان.


(131)

4
استعراض ما روي في كيفية تشريع الأذان
في السنن

1. روى أبو داود (202 ـ 275هـ) قال: حدّثنا عباد بن موسى الختلـي، وزيـاد بن أيـوب، ـوحـديث عباد أتمّـ قالا: ثنا هشيـم، عـن أبي بشر، قـال زيـاد: أخبرنا أبو بشر، عن أبي عمير بن أنس، عن عمومة له من الأنصار، قال: اهتـمّ النبيّ ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ للصلاة كيف يجمع الناس لها; فقيل له: انصب راية عند حضور الصلاة، فإذا رأوها آذن بعضهـم بعضـاً، فلم يعجبـه ذلك; قـال: فذكـر له القُنْع ـيعني الشبُّور ـ قـال زيـاد: شبور اليهود، فلم يُعجبـه ذلك، وقـال: « هـو مـن أمر اليهود» قال: فذكر له الناقوس، فقال: «هو من أمر النصارى» .

فانصرف عبد اللّه بن زيد (بن عبد ربّه) وهو مهتم لهمِّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، فـأُري الأذان فـي منـامـه، قـال: فغـدا علـى رسـول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فـأخبره فقـال (لـه): يـا رســول اللّه، إنـّي لبيـن نائـم ويقظـان، إذ أتـانـي آت فـأراني الأذان، قـال: وكـان عمر بن الخطاب ـ رضى اللّه عنه ـ قـد رآه قبل ذلك فكتمه عشرين


(132)

يوماً (1)، قال: ثمّ أخبر النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فقال له: «ما منعك أن تخبرني؟» فقال: سبقني عبد اللّه بن زيد فاستحييت، فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «يا بلال، قم فانظر ما يأمرك به عبد اللّه بن زيد فافعله» قال: فأذّن بلال، قال أبو بشر: فأخبرني أبو عمير أنّ الأنصار تزعم أنّ عبد اللّه بن زيد لولا أنّه كان يومئذ مريضاً، لجعله رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ مؤذناً.

2. حدّثنا محمد بن منصور الطوسي، ثنا يعقوب، ثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، حدّثني محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن محمد بن عبد اللّه بن زيد بن عبد ربّه، قال: حدّثني أبي: عبد اللّه بن زيد، قال: لمّا أمر رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ بالناقوس يعمل ليضرب به للناس لجمع الصلاة طاف بي، وأنا نائم، رجل يحمل ناقوساً في يده فقلت: يا عبد اللّه، أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ فقلت: ندعو به إلى الصلاة قال: أفلا أدلّك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت (له): بلى، قال: فقال تقول:

اللّه أكبر، اللّه أكبر، اللّه أكبر، اللّه أكبر، أشهد أن لا إله إلاّ اللّه، أشهد أن لا إله إلاّ اللّه، أشهد أنّ محمداً رسول اللّه، أشهد أنّ محمداً رسول اللّه، حيّ


1 . أفيصح في منطق العقل أن يكتم الإنسان تلك الرؤيا التي فيها إراحة للنبيّ وأصحابه عشرين يوماً، ثم يعلّل ذلك ـ بعد سماعها من ابن زيد ـ بأنّه استحيا؟! وأنا أجلّ الخليفة عن هذا المنطق، مضافاً إلى وجود التنافي بينه و بين الحديث الثاني.


(133)

على الصلاة، حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، حيّ على الفلاح، اللّه أكبر، اللّه أكبر، لا إله إلاّ اللّه.

قال: ثمّ استأخر عنّي غير بعيد، ثمّ قال: وتقول إذا أقمت الصلاة:

اللّه أكبر، اللّه أكبر، أشهد أن لا إله إلاّ اللّه، أشهد أنّ محمداً رسول اللّه، حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، اللّه أكبر، اللّه أكبر، لا إله إلاّ اللّه.

فلمّـا أصبحتُ أتيت رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ فأخبرته بما رأيت فقال: «إنّها لرؤيا حق إن شاء اللّه، فقم مع بلال فالق عليه ما رأيت فليؤذّن به، فانّه أندى صوتاً منك». فقمت مع بلال، فجعلت أُلقيه عليه ويؤذِّن به، قال: فسمع ذلك عمر بن الخطاب وهو في بيته فخرج يجرُّ رداءه ويقول: والذي بعثك بالحق يا رسول اللّه لقد رأيت مثل ما رأى، فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : «فللّه الحمد». (1)

ورواه ابن ماجة (207 ـ 275هـ) بالسندين التاليين:

3. حدّثنا أبو عبيد: محمد بن ميمون المدني، ثنا محمد بن سلمة الحرّاني، ثنا محمد بن إسحاق، ثنا محمد بن إبراهيم التيمي، عن محمد بن عبد اللّه بن زيد، عن أبيه، قال: كان رسول اللّه قد همَّ بالبوق، وأمر بالناقوس فنُحِتَ، فأُري عبد اللّه بن زيد في المنام ... إلخ.

4.حدّثنا: محمد بن خالد بن عبد اللّه الواسطي: ثنا أبي، عن عبد الرحمان بن إسحاق، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه: أنّ النبي استشار الناس لما يهمّهم إلى الصلاة، فذكروا البوق فكرهه من أجل اليهود، ثمّ ذكروا الناقوس فكرهه من أجل النصارى، فأُري النداء تلك الليلة رجل من الأنصار يقال له: عبد اللّه بن زيد وعمر بن الخطاب ...

قال الزهري: وزاد بلال في نداء صلاة الغداة: الصلاة خير من النوم، فأقرّها


1 . سنن أبي داود: 1/134ـ135 برقم 498ـ 499 تحقيق محمد محيي الدين. والحديث حاك عن اطّلاع عمر بعد أذان بلال، خلافاً للحديث السابق.


(134)

رسول اللّه ...(1).

ورواه الترمذي بالسند التالي:

5. حدّثنا سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي، حدّثنا أبي،حدّثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن محمد بن عبد اللّه بن زيد، عن أبيه قال: لمّا أصبحنا أتينا رسول اللّه فأخبرته بالرؤيا ... إلخ.

6. وقال الترمذي: وقد روى هذا الحديث إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق أتمَّ من هذا الحديث وأطول، ثم أضاف الترمذي: وعبد اللّه بن زيد هو ابن عبد ربّه، ولا نعرف له عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ شيئاً يصحّ إلاّ هذا الحديث الواحد في الأذان .(2)

هذا ما رواه أصحاب السنن المعدودة من الصحاح أو الكتب الستة، ولها من الأهمية ما ليس لغيرها من السنن كسنن الدارمي أو الدارقطني أو ما يرويه ابن سعد في طبقاته، والبيهقي في سننه، ولأجل تلك المكانة الخاصّة فصلنا ما روي في السنن المعروفة، عمّـا روي في غيرها.

فلندرس هذه الروايات متناً وسنداً حتّى تتّضح الحقيقة ثمّ نذكر بقية النصوص الواردة في غيرها فنقول:


1 . سنن ابن ماجة: 1/232ـ233، باب بدء الأذان، برقم 706 ـ 707.
2 . سنن الترمذي: 1/ 358ـ361 ، باب ما جاء في بدء الأذان برقم 189.


(135)

5
تحليل مضمون الروايات

إنّ هذه الروايات غير صالحة للاحتجاج لجهات شتى:

الأُولى: لا تتّفق مع مقام النبوّة

إنّه سبحانه بعث رسوله لإقامة الصلاة مع المؤمنين في أوقات مختلفة. وطبع القضية يقتضي أن يعلّمه سبحانه كيفية تحقيق هذه الأُمنية. فلا معنى لتحيّـر النبيّ أياماً طويلة أو عشرين يوماً على ما في الرواية الأُولى التي رواها أبو داود، وهو لا يدري كيف يحقّق المسؤولية الملقاة على عاتقه، فتارة يتوسّل بهذا، وأُخرى بذاك حتى يُرشد إلى الأسباب والوسائل التي تؤمِّن مقصوده، مع أنّه سبحانه يقول في حقّه: (وكانَ فضل اللّهِ عليكَ عَظيماً)(1)والمقصود من الفضل هو العلم بقرينة ما قبله: (وعلَّمكَ ما لَـمْ تَكُنْ تَعلَم) .

إنّ الصلاة والصيام من الأُمور العبادية وليسا كالحرب والقتال الذي ربّما كان النبي يتشاور فيه مع أصحابه ولم يكن تشاوره في كيفية القتال عن جهله بالأصلح، وإنّما كان لأجل جلب قلوبهم كما يقول سبحانه:


1 . النساء:113.


(136)

(ولو كُنتَ فَظّاً غَليظَ القَلبِ لاَنفَضُّوا مِنْ حَولكَ فَاعفُ عَنهُمْ وشاوِرْهُمْ في الأمرِ فإذا عَزمتَ فتوكَّلْ عَلَـى اللّهِ).(1)

أليس من الوهن في أمر الدين أن تكون الرؤيا والأحلام والمنامات من أفراد عادّيين، مصدراً لأمر عبادي في غاية الأهمية كالأذان والإقامة ؟!...

إنّ هذا يدفعنا إلى القول بأنّ كون الرؤيا مصدراً للأذان أمر مكذوب على الشريعة. ومن القريب جداً أنّ عمومة عبد اللّه بن زيد هم الذين أشاعوا تلك الرؤيا وروّجوها، لتكون فضيلة لبيوتاتهم وقبائلهم. ولذلك نرى في بعض المسانيد أنّ بني عمومته هم رواة هذا الحديث، وأنّ من اعتمد عليهم انّما كان لحسن ظنّه بهم.

الثانية: انّها متعارضة جوهراً

إنّ ما مضى من الروايات حول بدء الأذان وتشريعه متعارضة جوهراً من جهات:

1. إنّ مقتضى الرواية الأُولى (رواية أبي دواد) أنّ عمر بن الخطاب رأى الأذان قبل عبد اللّه بن زيد بعشرين يوماً. ولكن مقتضى الرواية الرابعة (رواية ابن ماجة) أنّه رأى في نفس الليلة التي رأى فيها عبد اللّه بن زيد.

2. إنّ رؤيا عبد اللّه بن زيد هو المبدأ للتشريع، وأنّ عمر بن الخطاب لمّا سمع الأذان جاء إلى رسول اللّه وقال: إنّه أيضاً رأى نفس تلك الرؤيا ولم ينقلها إليه استحياءً.

3. إنّ المبدأ لتشريع الأذان، هو نفس عمر بن الخطاب، لا رؤياه، لأنّه هو


1 . آل عمران:159.


(137)

الذي اقترح النداء بالصلاة الذي هو عبارة أُخرى عن الأذان.

روى الترمذي في سننه وقال: كان المسلمون حين قدموا المدينة ... ـ إلى أن قال:ـ وقال بعضهم: اتّخذوا قرناً مثل قرن اليهود، قال: فقال عمر بن الخطاب: أوَلا تبعثون رجلاً ينادي بالصلاة؟ قال: فقال رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ : يا بلال قم فناد بالصلاة، ـ أي الأذان ـ.(1)

ورواه النسائي(2) والبيهقي(3) في سننهما .

نعم فسّـر ابن حجر النداء بالصلاة بـ «الصلاة جامعة»(4) ولا دليل على هذا التفسير.

4. إنّ مبدأ التشريع هو نفس النبي الأكرم.

روى البيهقي: ... فذكروا أن يضربوا ناقوساً أو ينوّروا ناراً فأُمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة. قال : ورواه البخاري عن محمد عن عبد الوهاب الثقفي، ورواه مسلم عن إسحاق بن إبراهيم. (5)

ومع هذا التناقض في النقل كيف يمكن الاعتماد على هذه النقول؟

5. انّ عمر كان حاضراً عند نقل عبد اللّه بن زيد رؤياه للنبي ـ حسب الحديث الأوّل ـ ولكنّه كان غائباً حسب الحديث الثاني، حيث خرج من بيته لمّا سمع أذان بلال بعد نقل عبد اللّه رؤياه.


1 . سنن الترمذي: 1/362 رقم 190; سنن النسائي: 2/3 ; سنن البيهقي 1/389 في باب بدء الأذان، الحديث الأوّل.
2 . سنن الترمذي: 1/362 رقم 190; سنن النسائي: 2/3 ; سنن البيهقي 1/389 في باب بدء الأذان، الحديث الأوّل.
3 . سنن الترمذي: 1/362 رقم 190; سنن النسائي: 2/3 ; سنن البيهقي 1/389 في باب بدء الأذان، الحديث الأوّل.
4 . السيرة الحلبية: 2/ 297.
5 . سنن البيهقي:1/390، الحديث 1.


(138)

الثالثة: انّ الرائي كان أربعة عشر شخصاً لا واحداً

يظهر ممّا رواه الحلبي أنّ الرائي للأذان لم يكن منحصراً بابني زيد والخطاب، بل ادّعى أبو بكر أنّه أيضاً رأى نفس ما رأياه، وقيل: سبعة من الأنصار، وقيل: أربعة عشر (1) كلّهم ادّعوا أنّهم رأوا في الرؤيا الأذان، وليسـت الشريعـة شرعة لكـل وارد، فـإذا كانت الشريعـة والأحكـام خاضعة لـرؤيـا كـلّ وارد فعلى الإسلام السلام.

الرابعة: التعارض بين نقل البخاري وغيره

إنّ صريح صحيح البخاري أنّ النبي أمر بلالاً في مجلس التشاور بالنداء للصلاة وعمر حاضر حين صدور الأمر، فقد روى عن ابن عمر: كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحيّنون الصلاة، ليس ينادى لها، فتكلّموا يوماً في ذلك فقال بعضهم: اتّخذوا ناقوساً مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: بل بوقاً مثل قرن اليهود، فقال عمر: أوَ لا تبعثون رجلاً ينادي بالصلاة؟ فقال رسول اللّه: يا بلال قم فناد بالصلاة. (2)

وصريح أحاديث الرؤيا: أنّ النبي إنّما أمر بلالاً بالنداء إذ قصّ عليه ابن زيد رؤياه ولم يكن عمر حاضراً وإنّما سمع الأذان وهو في بيته، خرج وهو يجرّ ثوبه ويقول: والذي بعثك بالحق يا رسول اللّه لقد رأيت مثل ما رأى.(3)

وليس لنا حمل ما رواه البخاري على النداء بـ «الصلاة جامعة» وحمل


1 . السيرة الحلبية: 2/300.
2 . صحيح البخاري: 1/120، باب بدء الأذان.
3 . لاحظ الحديث رقم2.


(139)

أحاديث الرؤيا على التأذين بالأذان، فانّه جمع بلا شاهد أوّلاً، ولو أمر النبي بلالاً برفع صوته بـ «الصلاة جامعة» لحلّت العقدة ثانياً، ورفعت الحيرة خصوصاً إذا كررت الجملة «الصلاة جامعة» ولم يبق موضوع للحيرة، وهذا دليل على أنّ أمره بالنداء، كان بالتأذين بالأذان المشروع. (1)


1 . النص والاجتهاد: 137.


(140)

6
مناقشة الأسانيد

ما ذكرنا من الوجوه الخمسة ترجع إلى دراسة مضمون الأحاديث وهي كافية في سلب الركون إليها. وإليك دراسة أسنادها واحداً بعد الآخر. وهي بين موقوف لا يتّصل سندها بالنبي الأكرم ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ ، ومسند مشتمل على مجهول أو مجروح أو ضعيف متروك، وإليك البيان حسب الترتيب السابق.

أمّا الرواية الأُولى التي رواها أبو داود فهي ضعيفة:

1. تنتهي الرواية إلى مجهول أو مجاهيل، لقوله: عن عمومة له من الأنصار.

2. يروي عن العمومة، أبو عمير بن أنس، فيذكره ابن حجر ويقول فيه: روى عن عمومة له من الأنصار من أصحاب النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ في رؤية الهلال وفي الأذان.

وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث.

وقال ابن عبد البر: مجهول لا يحتج به. (1)

وقال جمال الدين: وهذا ـ ما حدّث به في الموضوعين: رؤية الهلال والأذان ـ جميع ما له عندهم.(2)


1 . تهذيب التهذيب: 12/188 برقم 867.
2 . تهذيب الكمال: 34/142 برقم 7545.


(141)

أمّا الرواية الثانية: فقد جاء في سندها من لا يصح الاحتجاج به، نظراء:

1. محمد بن إبراهيم بن الحارث بن خالد التيمي: أبو عبد اللّه المتوفّـى حدود عام120هـ.

قال أبو جعفر العقيلي عن عبد اللّه بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي وذكر محمد بن إبراهيم التيمي المدني فقال: في حديثه شيء، يـروي أحـاديـث مناكير، أو منكـرة. (1)

2. محمد بن إسحاق بن يسار بن خيار، فانّ أهل السنّة لا يحتجون برواياته، وإن كان هو الأساس لـ «سيرة ابن هشام ـ المطبوعة ـ ».

قال أحمد بن أبي خيثمة: ...وسئل يحيى بن معين عنه، فقال: ليس بذاك، ضعيف. قال: وسمعت يحيى بن معين مرة أُخرى يقول: محمد بن إسحاق عندي سقيم ليس بالقوي.

وقال أبو الحسن الميموني: سمعت يحيى بن معين يقول: محمد بن إسحاق ضعيف. وقال النسائي: ليس بالقوي. (2)

3. عبد اللّه بن زيد، راوية الحديث و كفى في حقّه أنّه قليل الحديث، قال الترمذي: لا نعرف له عن النبي ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ شيئاً يصح إلاّ هذا الحديث الواحد في الأذان، قال الحاكم: الصحيح: أنّه قُتل بأُحد، والروايات عنه كلّها منقطعة، قال ابن عدي: لا نعرف له شيئاً يصح عن النبيّ إلاّ حديث الأذان. (3)

وروى الترمذي عن البخاري: لا نعرف له إلاّ حديث الأذان. (4)


1 . تهذيب الكمال: 24/ 304.
2 . المصدر نفسه: 24/423 ـ424، ولاحظ تاريخ بغداد: 1/221ـ224.
3 . سنن الترمذي: 1/361; تهذيب التهذيب: 5/224.
4 . تهذيب الكمال: 14/541.


(142)

وقال الحاكم: عبد اللّه بن زيد هو الذي أُرِيَ الأذان، الذي تداوله فقهاء الإسلام بالقبول. ولم يخرج في الصحيحين لاختلاف الناقلين في أسانيده. (1)

وأمّا الرواية الثالثة : فقد اشتمل السند على محمد بن إسحاق بن يسار، ومحمد بن إبراهيم التيمي، وقد تعرّفت على حالهما كما تعرفت على أنّ عبد اللّه بن زيد كان قليل الرواية، والروايات كلّها عنه منقطعة، لأنّه قتل بأُحد.

وأمّا الرواية الرابعة: فقد جاء في سندها:

1. عبد الرحمان بن إسحاق بن عبد اللّه المدني.

قال يحيى بن سعيد القطان: سألت عنه بالمدينة، فلم أرهم يحمدونه. وكذلك قال علي بن المديني.

وقال علي أيضاً: سمعت سفيان وسئل عن عبد الرحمان بن إسحاق، قال: كان قدرياً فنفاه أهل المدينة، فجاءنا هاهنا مقتل الوليد، فلم نجالسه.

وقال أبو طالب: سألت أحمد بن حنبل عنه، فقال: روى عن أبي الزناد أحاديث منكرة.

وقال أحمد بن عبد اللّه العجلي: يكتب حديثه، وليس بالقوي.

وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، ولا يحتجّ به.

وقال البخاري: ليس ممّن يعتمد على حفظه ... لا يعرف له بالمدينة تلميذ إلاّ موسى الزمعيّ، روى عنه أشياء في عدّة منها اضطراب.

وقال الدارقطني: ضعيف يرمى بالقدر.

وقال أحمد بن عدي: في حديثه بعض ما ينكر ولا يتابع.(2)


1 . مستدرك الحاكم: 3/336.
2 . تهذيب الكمال: 16/519 برقم 3755.


(143)

2. محمد بن خالد بن عبد اللّه الواسطي (150 ـ 240هـ) فيعرّفه جمال الدين المزّي بقوله: قال ابن معين: لا شيء، وأنكر روايته عن أبيه. وقال أبو حاتم: سألت يحيى بن معين عنه، فقال: ذاك رجل سوء كذّاب...، وأخرج أشياء منكرة.

وقال أبو عثمان سعيد بن عمرو البردعي: وسألته يعني ـ أبا زرعة ـ عن محمد بن خالد ، فقال: رجل سوء.

وذكره ابن حبان في كتاب الثقات وقال: يخطئ ويخالف. (1)

وقال الشوكاني بعد نقل الرواية: وفي اسناده ضعف جدّاً. (2)

وأمّا الرواية الخامسة: فقد جاء في سندها:

1. محمد بن إسحاق بن يسار.

2. محمد بن الحارث التيمي.

3. عبد اللّه بن زيد.

وقد تعرّفت على جرح الأوّلين، وانقطاع السند في كل ما يرويان عن الثالث، وبذلك يتّضح حال السند السادس فلاحظ.

هذا ما ورد في السنن. أمّا ما ورد في غيرها فنذكر منه ما رواه الإمام أحمد، والدارمي، والدارقطني في مسانيدهم، والإمام مالك في موطّئه، وابن سعد في طبقاته، والبيهقي في سننه، وإليك البيان:


1 . المصدر نفسه: 25/139 برقم 5178.
2 . نيل الأوطار : 2/37ـ38.


(144)

7
روايات الأذان في غير الكتب الستّة

قد عرفت من الحاكم انّ الشيخين : البخاري ومسلماً لم يخرّجا حديث عبد اللّه بن زيد لاختلاف الناقلين في أسانيدهما وإنّما أخرجه من أصحاب الكتب الستة; أبـو داود والترمذي وابن ماجة أصحاب السنن، وقد عرفت وجود التناقض في مضامينها والضعف في أسانيدها، فهلم معي ندرس ما رواه أصحاب المسانيد وغيرهم ممّن تعدّ كتبهم دون الكتب الستة في الإتقان والصحّة.

ألف : ما رواه الإمام أحمد في مسنده

روى الإمام أحمد رؤيا الأذان في مسنده عن عبد اللّه بن زيد بأسانيد ثلاثـة(1):

1. قد ورد في السند الأوّل زيد بن الحباب بن الريان التميمي (المتوفّـى 203 هـ).

وقد وصفوه بكثرة الخطأ وله أحاديث تستغرب عن سفيان الثوري من جهة اسنادها، وقال ابن معين: أحاديثه عن الثوري مقلوبة. (2)


1 . مسند أحمد: 4/42ـ 43.
2 . ميزان الاعتدال: 2/100 برقم 2997.


(145)

كما اشتمل على عبد اللّه بن محمد بن عبد اللّه بن زيد بن عبد ربّه، وليس له في الصحاح والمسانيد إلاّ رواية واحدة وهي هذه، وفيها فضيلة لعائلته، ولأجل ذلك يقلُّ الاعتماد عليها.

كما اشتمل الثاني على محمد بن إسحاق بن يسار الذي تعرَّفت عليه.

واشتمل الثالث على محمد بن إبراهيم الحارث التيمي، مضافاً إلى محمد بن إسحاق، وينتهي إلى عبد اللّه بن زيد، وهو قليل الحديث جداً.

وقد جاء في الرواية الثانية بعد ذكر الرؤيا وتعليم الأذان لبلال:

إنّ بلالاً أتى رسول اللّه فوجده نائماً، فصرخ بأعلى صوته: الصلاة خير من النوم، فأُدخلت هذه الكلمة في التأذين إلى صلاة الفجر. وكفى في ضعف الرواية ما في ذيلها.

ب : ما رواه الدارمي في مسنده

روى رؤيا الأذان الدارمي في مسنده بأسانيد، وكلها ضعاف، وإليك الأسانيد وحدها:

1. أخبرنا محمد بن حميد، ثنا سلمة، حدّثني محمد بن إسحاق وقد كان رسول اللّه حين قدمها... الخ.

2. نفس هذا السند وجاء بعد محمد بن إسحاق: حدّثني هذا الحديث، محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن محمد بن عبد اللّه بن زيد بن عبد ربّه، عن أبيه بهذا الحديث.

3. أخبرنا محمد بن يحيى، ثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدّثنا أبي عن ابن إسحاق... والباقي نفس ما جاء في السند الثاني. (1)


1 . سنن الدارمي: 1/268 ـ 269 باب بدء الأذان.


(146)

والأوّل منقطع، والثاني مشتمل على محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي وقد عرفت حاله، والثالث مشتمل على ابن إسحاق وقد عرفت حاله.

ج : ما رواه الإمام مالك في الموطأ

روى الإمام مالك رؤيا الأذان في موطّئه: عن يحيى، عن مالك، عن يحيى بن سعيد أنّه قال: كان رسول اللّه قد أراد أن يتّخذ خشبتين يضرب بهما .... (1)

والسند منقطع، والمراد يحيى بن سعيد بن قيس المولود قبل عام 70 وتوفّـي بالهاشمية سنة 143هـ. (2)

د : ما رواه ابن سعد في طبقاته

رواه محمد بن سعد في طبقاته بأسانيد (3) موقوفة لا يحتجّ بها:

الأوّل: ينتهي إلى نافع بن جبير الذي توفّـي في عشر التسعين وقيل سنة 99هـ.

والثاني: ينتهي إلى عروة بن الزبير الذي تولّد عام 29 وتوفّـي عام 93هـ.

والثالث: ينتهي إلى زيد بن أسلم الذي توفّـي عام 136هـ.

والرابع: ينتهي إلى سعيد بن المسيب الذي توفّـي عام 94، وإلى عبد الرحمان بن أبي ليلى الذي توفّـي عام 82، أو 83هـ.

وقال الذهبي في ترجمة عبد اللّه بن زيد: حدّث عنه سعيد بن المسيب وعبد


1 . الموطأ : 75 باب ما جاء في النداء للصلاة برقم 1.
2 . سير أعلام النبلاء: 5/468 برقم 213.
3 . الطبقات الكبرى: 1/246ـ247.


(147)

الرحمان بن أبي ليلى ولم يلقه. (1)

وروى أيضاً بالسند التالي:

أخبرنا أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي، أخبرنا مسلم بن خالد، حدّثني عبد الرحيم بن عمر، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد اللّه بن عمر، عن عبد اللّه بن عمر: أنّ رسول اللّه ـ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ـ أراد أن يجعل شيئاً يجمع به الناس ... حتى أُريَ رجل من الأنصار يقال له عبد اللّه بن زيد، وأُريه عمر بن الخطاب تلك الليلة ... ـ إلى أن قال: ـ فزاد بلال في الصبح «الصلاة خير من النوم» فأقرّها رسول اللّه.

فقد اشتمل السند على:

1. مسلم بن خالد بن قرقرة: ويقال: ابن جرحة.

ضعّفه يحيى بن معين.

وقال علي بن المديني: ليس بشيء.

وقال البخاري: منكر الحديث.

وقال النسائي: ليس بالقوي.

وقال أبو حاتم: ليس بذاك القوي، منكر الحديث يكتب حديثه ولا يحتج به، تعرف وتنكر. (2)

2. محمد بن مسلم بن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن شهاب الزهري المدني (51ــ123هـ).

قال أنس بن عياض، عن عبيد اللّه بن عمر: كنت أرى الزهري يعطي


1 . سير أعلام النبلاء: 2/376 برقم 79، وسيوافيك تفصيله في المقام الثاني.
2 . تهذيب الكمال: 27/508 برقم 5925.


(148)

الكتاب فلا يقرأه ولا يقرأ عليه، فيقال له: نروي هذا عنك، فيقول: نعم.

وقال إبراهيم بن أبي سفيان القيسراني عن الفريابي: سمعت سفيان الثوري يقول: أتيت الزهري فتثاقل عليّ، فقلت له: لو أنّك أتيت أشياخنا، فصنعوا بك مثل هذا; فقال: كما أنت، ودخل فأخرج إليَّ كتاباً، فقال: خذ هذا فاروه عنّي، فما رويت عنه حرفا. (1)

هـ : ما رواه البيهقي في سننه

روى البيهقي رؤيا الأذان بأسانيد لا يخلو الكل عن علّة أو علاّت، وإليك الإشارة إلى الضعاف الواردين في أسانيدها:

الأوّل: يشتمل على أبي عمير بن أنس عن عمومة له من الأنصار، وقد تعرفت على أبي عمير بن أنس، وأنّه قال فيه ابن عبد البر: وإنّه مجهول لا يحتجّ به(2) يروي عن مجاهيل (3) باسم العمومة، ولا دليل على كون هؤلاء من الصحابة، وإن افترضنا عدالة كل صحابي، وعلى فرض التسليم أنّ العمومة كانوا منهم، لكن موقوفات الصحابي ليست بحجّة، إذ لا علم بأنّه روى عن النبي.

الثاني: يشتمل على أُناس لا يحتج بهم:

1.محمد بن إسحاق بن يسار.

2. محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي.

3. عبد اللّه بن زيد.

وقد تعرّفت على الجميع.


1 . المصدر نفسه: 26/439ـ440.
2 . سنن البيهقي: 1/390.
3 . تهذيب التهذيب: 12/188 برقم 868.


(149)

الثالث: مشتمل على ابن شهاب الزهري، يروي عن سعيد بن المسيب المتوفّـى عام 94هـ عن عبد اللّه بن زيد.(1) وقد عرفت أنّهما لم يدركا عبد اللّه بن زيد.

و: ما رواه الدارقطني في سننه

روى الدارقطني رؤيا الأذان بأسانيد، إليك بيانها:

1. حدّثنا محمد بن يحيى بن مرداس، حدّثنا أبو داود، حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا حماد بن خالد، ثنا محمد بن عمرو، عن محمد بن عبد اللّه، عن عمِّه عبداللّه ابن زيد.

2. حدّثنا محمد بن يحيى: ثنا أبو داود، ثنا عبيد اللّه بن عمر، ثنا عبد الرحمان بن مهدي، ثنا محمد بن عمرو، قال: سمعت عبد اللّه بن محمد، قال: كان جدي عبد اللّه بن زيد بهذا الخبر. (2)

وقد اشتمل السندان على محمد بن عمرو، و هو مردّد بين الأنصاري، الذي ليس له في الصحاح والمسانيد إلاّ هذه الرواية، قال الذهبي: لا يكاد يعرف; وبين محمد بن عمرو أبو سهل الأنصاري الذي ضعّفه يحيى القطان، وابن معين وابن عدي. (3)

3. حدّثنا أبو محمد بن صاعد، ثنا الحسن بن يونس، ثنا الأسود بن عامر، ثنا أبو بكر بن عياش، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن عبد الرحمان بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل، قال: قام رجل من الأنصار، عبد اللّه بن زيد، ـ يعني إلى النبي ـ فقال: يا رسول اللّه إنّي رأيت في النوم .... (4)

وهذا السند منقطع، لأنّ معاذ بن جبل توفّـي عام 20 أو 18هـ وتولّد عبد الرحمان بن أبي


1 . سنن البيهقي: 1/390.
2 . سنن الدارقطني: 1/245 برقم 56 و 57.
3 . ميزان الاعتدال: 3/674 برقم 8017 و 8018; تهذيب الكمال: 26/220 برقم 5516; تهذيب التهذيب: 9/378 برقم 620.
4 . سنن الدارقطني: 1/242 برقم 31.


(150)

ليلى، سنة 17هـ; مضافاً إلى أنّ الدارقطني ضعّف عبد الرحمان وقال: ضعيف الحديث سيّئ الحفظ، وابن أبي ليلى لا يثبت سماعه من عبد اللّه بن زيد. (1)

إلى هنا تم الكلام في المقام الأوّل، واتّضح أنّ الأذان انّما شرع بوحي إلهي، لا برؤيا عبد اللّه بن زيد ولا برؤيا عمر بن الخطاب ولا بأيّ ابن أُنثى كائناً من كان، وانّ هذه الأحاديث، متعارضة جوهراً، غير تامّة سنداً، لا يثبت بها شيء، مضافاً إلى ما ذكرنا في صدر البحث من الاستنكار العقلي، فلاحظ.

وحان البحث عن كيفية دخول التثويب في أذان الفجر، وهذا هو المقام الثاني الذي نتلوه عليك فنقول:


1 . سنن الدارقطني: 1/241 .


(151)

المقام الثاني:

1
دراسة تاريخ دخول التثويب
في أذان صلاة الفجر

التثويب من ثاب يثوب: إذا رجع فهو بمعنى الرجوع إلى الأمر بالمبادرة إلى الصلاة، فانّ المؤذّن إذا قال: «حيّ على الصلاة» فقد دعاهم إليها، فإذا قال: «الصلاة خير من النوم» فقد رجع إلى كلام معناه: المبادرة إليها.

وفسّـره صاحب القاموس: بمعان منها: الدعاء إلى الصلاة، وتثنية الدعاء، وأن يقول في أذان الفجر: «الصلاة خير من النوم ـ مرتين ـ».

وقال في المغرب: التثويب: القديم، هو قول المؤذن في أذان الصبـح: «الصـلاة خـير من النوم ـ مرتين ـ» والمحـدَث «الصـلاة الصـلاة» أو «قامت قامت».(1)

والظاهر أنّه غلب استعماله بين أئمّة الحديث في القول المذكور أثناء الأذان، ربّما يطلق على مطلق الدعوة بعد الدعوة، فيعمّ ما إذا نادى المؤذِّن بعد تمام الأذان بالقول المذكور أيضاً أو بغيره ممّـا يفيد الدعوة إليها بأيّ لفظ شاء.


1 . الحدائق: 7/419. ولاحظ النهاية في غريب الحديث: 1/226، لسان العرب مادة «ثوب»، و القاموس مادة «ثوب».


(152)

قال السندي في حاشيته على سنن النسائي: التثويب هو العود إلى الإعلام بعد الإعلام، وقول المؤذِّن «الصلاة خير من النوم» لا يخلو عن ذلك . فسمّي تثويباً.(1)

فالمقصود في المقام تبيين حكم قول المؤذِّن أثناء الأذان لصلاة الفجر: «الصلاة خير من النوم»، فهل هو مشروع، أو بدعة حدثت بعد النبي لما استحسنه بعض الناس من إقراره في الأذان، سواء أكان هو التثويب فقط أو عمَّ مطلق الدعوة إلى الصلاة ولو بعد تمام الأذان، بهذا اللفظ أو بغيره؟

فنقول: التثويب بهذا المعنى ورد تارة في خلال أحاديث رؤية الأذان، وأُخرى في غيرها، أمّا الأوّل فقد ورد في ما يلي:

1. ما رواه ابن ماجة (الرواية الرابعة) وقد عرفت نصَّ الشوكاني على ضعفها. (2)

2. ما رواه الإمام أحمد: وقد عرفت ما في سنده من الضعف حيث جاء فيه: محمد بن إسحاق، وعبد اللّه بن زيد بن عبد ربّه. (3)

3. ما رواه ابن سعد في طبقاته: وفي سنده: مسلم بن خالد بن قرقرة وقد عرفت ضعفه. (4)

وأمّا الثاني ـ أي نقل التثويب في غير رؤية الأذان ـ فقد نقله أصحاب السنن، وإليك النصوص:


1 . السنن: 2/14 قسم التعليقة.
2 . لاحظ الرواية الرابعة ص133 وكلمة الشوكاني ص143من هذا الكتاب.
3 . لاحظ ما نقلناه عن الإمام أحمد، بعد أحاديث السنن ص144.
4 . لاحظ ص 147 من هذا الكتاب.


(153)

4. ما رواه ابن ماجة: بالسند التالي: حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا محمدبن عبد اللّه الأسدي، عن أبي إسرائيل، عن الحكم، عن عبد الرحمان بن أبي ليلى، عن بلال، قال: أمرني رسول اللّه أن أثوب في الفجر ونهاني أن أثوب في العشاء.(1)

وفي هذه الرواية دلالة على أنّ التثويب يستعمل في مطلق الدعوة إلى الصلاة، وإن لم يكن بلفظ «الصلاة خير من النوم» بشهادة النهي عن التثويب في العشاء، لأنّ التثويب فيه لا يتحقّق إلاّ بلفظ آخر، مثل «الصلاة جامعة»، أو «قد قامت الصلاة» وغيرهما.

5. حدثنا عمر بن رافع، ثنا عبد اللّه بن المبارك، عن معمر ، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب عن بلال: أنّه أتى النبيّ يؤذِنه بصلاة الفجر فقيل: هو نائم، فقال: الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم، فأُقرّت في تأذين الفجر، فثبت الأمر على ذلك. (2)

والسندان منقطعان أمّا الأوّل: فابن أبي ليلى ولد عام 17 ومات بلال عام 20 أو21 بالشام وكان مرابطاً بها قبل ذلك من أوائل فتوحها، فهو شامي وابن أبي ليلى كوفي، فكيف يسمع منه مع حـداثة السـن وتباعد الديار؟! (3)

ورواه الترمذي مع اختلاف في أوّل السند، وقال: حديث بلال لا نعرفه إلاّ من حديث أبي إسرائيل الملاّئي، وأبو إسرائيل لم يسمع هذا الحديث من الحكم (ابن عتيبة) قال: إنّما رواه عن الحسن بن عمارة عن الحكم.


1 . سنن ابن ماجة: 1/237 برقم 715.
2 . سنن ابن ماجة: 1/237 برقم 716.
3 . نيل الأوطار: 2/38.


(154)

وأبو إسرائيل اسمه: إسماعيل بن أبي إسحاق، وليس هو بذاك القوي عند أهل الحديث. (1)

أمّا الثاني فقد قال فيه ابن ماجة نقلاً عن الزوائد: اسناده ثقات إلاّ أنّ فيه انقطاعاً (لأنّ) سعيد بن المسيب لم يسمع من بلال .(2)

6. ما رواه النسائي: أخبرنا سويد بن نصر قال: أنبأنا عبد اللّه، عن سفيان، عن أبي جعفر، عن أبي سلمان، عن أبي محذورة، قال: كنت أُؤذّن لرسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » وكنت أقول في أذان الفجر الأوّل: حيّ على الفلاح، الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، اللّه أكبر، اللّه أكبر، لا إله إلاّ اللّه. (3)

وفي سنن البيهقي (4) وسبل السلام (5) مكان «أبي سلمان» : «أبي سليمان» .

قال البيهقي: وأبو سليمان اسمه «همام المؤذن» ولم نجد ترجمة لهمام المؤذّن فيما بأيدينا من كتب الرجال فلم يذكره الذهبي في «سير أعلام النبلاء»، ولا المزّي في «تهذيب الكمال» ،والرجل غير معروف.

وأمّا أبو محذورة فهو من الصحابة لكنّه قليل الرواية، لا يتجاوز ما رواه عن عشر روايات وقد أذّن لرسول اللّه في العام الثامن، في غزوة حنين. (6)

7. ما رواه البيهقي في سننه بسند ينتهي إلى أبي قدامة، عن محمد بن عبدالملك بن أبي محذورة، عن أبيه، عن جده قال: قلت: يا رسول اللّه علّمني سنّة الأذان، وذكر الحديث وقال فيه: حيّ على الفلاح، حيّ على الفلاح، فإن كان


1 . سنن الترمذي: 1/378 ، برقم 198.
2 . سنن ابن ماجة: 1/237، برقم 716. ولد سعيد بن المسيب عام 13 وتوفّـي عام 94هـ.
3 . سنن النسائي: 2/ 13 باب التثويب في الأذان .
4 . سنن البيهقي: 1/422; سبل السلام: 1/221.
5 . سنن البيهقي: 1/422; سبل السلام: 1/221.
6 . أسماء الصحابة الرواة:161 برقم 188.


(155)

صلاة الصبح قل: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم...

8. ما رواه أيضاً بسند ينتهي إلى عثمان بن السائب: أخبرني أبي وأُم عبدالملك بن أبي محذورة، عن أبي محذورة عن النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »نحوه. (1)

ومحمد بن عبد الملك قد تعرّفت على حاله. وعثمان بن السائب ولداً ووالداً، غير معروفين ليس لهما إلاّ رواية واحدة. (2)

9. ما رواه أبو داود بسند ينتهي إلى الحرث بن عبيد، عن محمد بن عبد الملك بن أبي محذورة، عن أبيه، عن جده، قال: قلت: يا رسول اللّه علّمني سنّة الأذان ـ إلى أن قال : ـ فإن كان صلاة الصبح قلت: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم ... (3).

والسند مشتمل على محمد بن عبد الملك، قال ابن حجر: قال عبد الحق: لا يحتج بهذا الاسناد، وقال ابن القطان: مجهول الحال، لا نعلم روى عنه إلاّ الحارث.(4)

وقال الشوكاني في حقّ محمد بن عبد الملك بـن أبـي محذورة: غير معروف الحال، والحـرث بن عبيد وفيه مقـال. (5)

10. روى أيضاً بسند ينتهي إلى عثمان بن سائب: أخبرني أبي وأُم عبد الملك بن أبي محذورة، عن أبي محذورة، عن النبي نحو هذا الخبر. (6)


1 . سنن البيهقي:1/421 ـ 422 باب التثويب في أذان الصبح.
2 . ميزان الاعتدال : 2/114، برقم 3075 (السائب); تهذيب التهذيب: 7/117 برقم 252 (عثمان بن السـائب).
3 . سنن أبي داود: 1/136، برقم 500.
4 . تهذيب التهذيب :9/317.
5 . نيل الأوطار: 2/38.
6 . سنن أبي داود: 1/136 ـ 137 ، باب كيفية الأذان برقم 501


(156)

وقد عرفت ضعف السند.

11. روى أيضاً بسند ينتهي إلى إبراهيم بن إسماعيل بن عبد الملك بن أبي محذورة قال: سمعت جدي عبد الملك بن أبي محذورة يذكر أنّه سمع أبا محذورة يقول: ألقى عليّ رسول اللّه الأذان حرفاً حرفاً ـ إلى أن قالـ: وكان يقول في الفجر: الصلاة خير من النوم .... (1)

وإبراهيم بن إسماعيل له رواية واحدة، وهو بعد لم يوثّق (2) مضافاً إلى احتمال الانقطاع في السند.

وما رواه الدارقطني فعلى أقسام:

12. ما يدلّ على أنّه سنّة فـي الأذان، رواه عـن أنس و عمر من دون أن ينسباه إلى النبي وهي ثلاثة أحاديث. (3)

13. ما يدلّ على أنّ النبي أمر بلالاً بذلك لكن السند منقطع. رواه عبد الرحمان بن أبي ليلى عن بلال (4) مع ضعف في سنده لمكان عبد الرحمان بن الحسن فيه المكنّى بـ «أبي مسعود الزجاج» وقد عرّفه أبو حاتم: بأنّه لا يحتج به، وإن ليّنه الآخرون. (5)

14. ما يدلّ على الإعلام قبل الأذان، بأي شكل اتّفق، وهو خارج عن المقصود، وقد ضعّف بعض من جاء في سنده. (6)


1 . سنن أبي داود:1/136 ـ 137 ، باب كيفية الأذان برقم 504.
2 . تهذيب الكمال: 2/44 برقم 147.
3 . سنن الدارقطني: 1/243 برقم 38ـ39ـ40.
4 . سنن الدارقطني: 1/243 برقم 41.
5 . انظر ميزان الاعتدال: 2/556 برقم 4851.
6 . سنن الدارقطني: 1/ 244ـ 245 برقم 48، 51، 52، 53.


(157)

ما رواه الدارمي:

15. روى الدارمي بسند ينتهي إلى الزهري، عن حفص بن عمر بن سعد المؤذن ... قال حفص: حدّثني أهلي، أنّ بلالاً أتى رسول اللّه يؤذنه لصلاة الفجر فقالوا: إنّه نائم، فنادى بلال بأعلى صوته: الصلاة خير من النوم. فأُقرّت في أذان صلاة الفجر. (1)

والرواية لا يحتج بها لمكان الزهري أوّلاً، وحفص بن عمر الذي ليس له إلاّ رواية واحدة وهي هذه (2) مضافاً إلى كون الأصل الناقل مجهولاً.

16. ما رواه الإمام مالك: انّ المؤذّن جاء إلى عمر بن الخطاب يؤذنه لصلاة الصبح فوجده نائماً، فقال: الصلاة خير من النوم. فأمر عمر أن يجعلها في نداء الصبح. (3)

حصيلة الروايات:

إنّ روايات التثويب متعارضة جداً لا يمكن إرجاعها إلى معنى واحد، وإليك أقسامها:

1. ما يدلّ على أنّ عبد اللّه بن زيد رآه في رؤياه وأنّه كان جزءاً من الأذان من أوّل الأمر.

2. ما يدلّ على أنّ بلالاً زاده فيه وقرّره النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » على أن يجعله بلال جزءاً من الأذان كما في رواية الدارمي.


1 . سنن الدارمي1/270، باب التثويب في أذان الفجر.
2 . تهذيب الكمال: 7/30 برقم 1399، وقال الذهبي في ميزان الاعتدال: 1/560 برقم 2129 : تفرّد عن حفص، الزهري.
3 . الموطأ: 78 برقم 8.


(158)

3. ما يدلّ على أنّ عمر بن الخطاب أمر المؤذّن أن يجعلها في نداء الصبح كما رواه الإمام مالك.

4. ما يدلّ على أنّ رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » علّمها أبا محذورة، كما رواه البيهقي في سننه.

5. ما يظهر أنّ بلالاً ينادي بالصبح فيقول: «حيَّ على خير العمل» فأمره النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » أن يجعل مكانها : «الصلاة خير من النوم» وترك «حيّ على خير العمل» كما رواه المتقي الهندي في كنزه (8/345 برقم 23188).

ومع هذا التعارض الواضح، لا يمكن الركون إليها، وبما أنّ أمرها دائر بين السنّة والبدعة، فتركها متعيّن لعدم العقاب على تركها، بخلاف ما لو كانت بدعة.


(159)

2
كلمات الأعلام في التثويب

إنّ بين الصحابة والتابعين من يراه بدعة وأنّه لم يأمر به النبي الأكرم « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » وإنّما حدث بعده « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »،وإليك نصوصهم:

1. قال ابن جريج: أخبرني عمرو بن حفص أنّ سعداً (المؤذّن) أوّل من قال: الصلاة خير من النوم، في خلافة عمر، فقال عمر: بدعة، ثمّ تركه، وانّ بلالاً لم يؤذّن لعمر.

2. وعنه أيضاً: أخبرني حسن بن مسلم أنّ رجلاً سأل طاووساً: متى قيل الصلاة خير من النوم؟ فقال: أما إنّها لم تقل على عهد رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »، ولكنّ بلالاً سمعها في زمان أبي بكر بعد وفاة رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » يقولها رجل غير مؤذن، فأخذها منه. فأذّن بها فلم يمكث أبو بكر إلاّ قليلاً حتى إذا كان عمر قال: لو نهينا بلالاً عن هذا الذي أحدث، وكأنّه نسيه وأذّن بها الناس حتى اليوم. (1)

3. روى عبد الرزاق الصنعاني عن ابن عيينة عن ليث عـن مجـاهد قـال: كنت مع ابن عمر فسمع رجـلاً يثوب في المسجـد، فقـال: اخـرج بنـا من (عند)


1 . كنز العمال: 8/357 برقم 23252 و 23251; ورواه عبد الرزاق في المصنف: 1/474 برقم 1827 و 1828 و 1829.


(160)

هذا المبتدع. (1)

نعم يظهر ممّا رواه أبو داود في سننه أنّ الرجل ثوب في الظهر والعصر لا في صلاة الفجر. (2)

4. ما روي عن أبي حنيفة كما في «جامع المسانيد» عنه، عن حماد، عن إبراهيم قال: سألته عن التثويب؟ فقال: هو ممّا أحدثه الناس، وهو حسن، ممّا أحدثوه. وذكر أنّ تثويبهم كان حين يفرغ المؤذّن من أذانه: إنَّ الصلاة خير من النوم ـ مرتين ـ. قال: أخرجه الإمام محمد بن الحسن (الشيباني) في الآثار فـرواه عن أبـي حنيفة ثمّ قـال محمد: وهو قول أبي حنيفة وبه نأخـذ. (3)

وهذه الرواية تدلّ على أنّ التثويب في عصر الرسول« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » أو في عصر الخلفاء كان بعد الفراغ عن الأذان ولم يكن جزءاً منه وانّما كان يذكره المؤذّن من عند نفسه إيقاظاً للناس من النوم. ثمّ إنّه أُدرج في نفس الأذان.

5. قال الشوكاني نقلاً عن البحر الزخار: أحدثه عمر فقال ابنه: هذه بدعة. وعن علي« عليه السَّلام » حين سمعه : لا تزيدوا في الأذان ما ليس منه. ثم قال بعد أن ذكر حديث أبي محذورة وبلال: قلنا لو كان لما أنكره علي وابن عمر وطاووس سلمنا فأُمرنا به إشعاراً في حال، لا شرعاً جمعاً بين الآثار. (4)

6. وقال الأمير اليمني الصنعاني (المتوفّـى عام 182هـ): قلت: وعلى هذا ليس «الصلاة خير من النوم» من ألفاظ الأذان المشروع للدعاء إلى الصلاة


1 . المصنف: 1/475 برقم 1832، ورواه أيضاً المتقي الهنـدي في كنز العمال: 8/357 برقم 23250 .
2 . سنن أبي داود: 1/148 برقم 538.
3 . جامع المسانيد: 1/296.
4 . نيل الأوطار: 2/38.


(161)

والإخبار بدخول وقتها، بل هو من الألفاظ التي شرعت لإيقاظ النائم، فهو كألفاظ التسبيح الأخير الذي اعتاده الناس في هذه الأعصار المتأخرة عوضاً عن الأذان الأوّل. ثم قال: وإذا عرفت هذا، هان عليك ما اعتاده الفقهاء من الجدال في التثويب هل هو من ألفاظ الأذان أو لا، وهل هو بـدعة أو لا؟ (1)

7. نقل ابن قدامة عن إسحاق أنّه بعد ما نقل رواية أبي محذورة قال: هذا شيء أحدثه الناس، وقال أبو عيسى: هذا التثويب الذي كرهه أهل العلم وهو الذي خرج منه ابن عمر من المسجد لما سمعه. (2)

8. ما استفاض من أئمّة أهل البيت من كونها بدعة: روى الشيخ الطوسي بسند صحيح عن معاوية بن وهب قال: سألت أبا عبد اللّه عن التثويب الذي يكون بين الأذان والإقامة؟ فقال: «ما نعرفه».(3)

9. والذي تبيّـن لي من دراسة ما ورد حول الأذان: أنّ عائلتين استغلّتا ما روي عن جدّهم عبد اللّه بن زيد وأبي محذورة فعَمِدتا بنشر ما نُسِبَ إلى جدهما لما فيه من فضيلة للعائلة، ولولا ذلك لم يكن لهذين الأمرين (تشريع الأذان بالرؤيا والتثويب في أذان صلاة الفجر) انتشار بهذا النحو الواسع، ولأجل ذلك ربّما يرتاب الإنسان فيما نقل عن جدهما، وقد عرفت وجود رواة في أسانيد الروايات يُنسَبون إلى هاتين العائلتين.

10. انّ الفصل الأوّل والفصل الثاني يشهد على أنّه سبحانه هو الإله في صفحة الوجود وأنّ ما سواه سراب ما أنزل اللّه به من سلطان.

وثالث الفصول، يشهد على أنّ محمّداً « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » رسوله، الذي بعثه لإبلاغ


1 . سبل السلام في شرح بلوغ المرام: 1/120.
2 . المغني: 1/420.
3 . الوسائل: 4/650 الباب 22 من أبواب الأذان والإقامة، الحديث 1، ولاحظ أحاديث الباب.


(162)

رسالاته وإنجاز دعوته.

ففي نهاية ذلك الفصل يتبدّل نداؤه وإعلانه من الشهادة، إلى الدعوة إلى الصلاة التي فرضها والتي بها يتّصل الإنسان بعالم الغيب، وفيها يمتزج خشوعه، بعظمة الخالق، ثمّ الدعوة إلى الفلاح والنجاح، وخير العمل التي تنطوي عليها الصلاة.

وفي نهاية الدعوة إلى الفلاح وخير العمل، يعود ويذكر الحقيقة الأبدية التي صرّح بها في أوّليات فصوله ويقول: اللّه أكبر، اللّه أكبر، لا إله إلاّ اللّه، لا إله إلاّ اللّه.

هذه هي حقيقة الأذان وصورته والجميع سبيكة واحدة أفرغتها يد التشريع السماوي في قالب جمل، تحكي عن حقائق أبدية، تصدّ الإنسان عن الانكباب في شواغل الدنيا وملاذّها.

هذا ما يحسّه كل إنسان واع منصت للأذان، ومتدبّر في فصوله ومعانيه، ولكن هنا حقيقة مرّة لا يمكن لي ولا لغيري إخفاؤها ـ بشرط التجرّد عن كل رأي مسبق، أو تعصّب لمذهب ـ وهو أنّ المؤذِّن إذا انحدر من الدعوة إلى الصلاة، والفلاح وخير العمل ـ في أذان صلاة الفجر ـ إلى الإعلان بأنّ الصلاة خير من النوم ، فكأنّما ينحدر من قمة البلاغة إلى كلام عار عن الرفعة والبداعة، يُعلِن شيئاً يعرفه الصبيان ومن دونهم، يصيح ـ بجد وحماس ـ على شيء لا يجهله إلاّ من يجهل البديهيات، لأنّ إعلانه بأنّها خير من النوم، أشبه بمن يُعلن في محتشد كبير بأنّ الاثنين نصف الأربعة.

هذا هو الذي أحسسته عندما تشرفت بزيارة بيت اللّه الحرام عام 1375هـ وأنا أستمع للأذان في الحرمين الشريفين، ولم تزل تجول في ذهني ومخيّلتي أنّ هذا الفصل ليس من كلام الوحي وانّما أُقحم لسبب من الأسباب، بين فصول الأذان، فهذا ما دعاني إلى البحث والتنقيب في هذا الموضوع.


(163)

خاتمة المطاف

بدعة تلو بدعة

إنّ تاريخ الأذان والإقامة حافل بالبدع، وقد تصرفت فيه يد المبدعين لغايات استحسانية لا يعرَّج إليها في التشريع، وإليك بعض ما أحدث فيه بعد النبي« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ».

1. الأذان الثاني يوم الجمعة

جرت السيرة في عهد النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » والشيخين على إقامة الأذان حينما يصعد الإمام على المنبر لإلقاء الخطابة، ولما كثر الناس في عهد الخليفة الثالث أمر بأذان ثان وهو الأذان عند دخول الوقت على المأذنة، وهذا هو المعروف بالأذان الثاني للخليفة. وقد روي عن الشافعي من أنّه استحب أن يكون للجمعة أذان واحد عند المنبر.(1)

إذا كان الأذان من الأُمور التوقيفية فليس ليد التشريع البشري التصرف فيه بزيادة أو نقيصة وكان في وسع الخليفة أن يقوم بعلاج الموقف من وجه آخر، وهو إعلام الناس بالوسائل التي لا تمتّ إلى التشريع الإسلامي بصلة مكان أن يأمر المؤذن بأذان آخر لم يكن من ذي قبل.


1 . المجموع:3/132.


(164)

والعجب انّ الفقهاء أنفسهم اختلفوا فيما يتعلّق بأذاني الجمعة من أحكام وأيّهما المعتبر في تحريم البيع الوارد في قوله سبحانه:(يا أَيُّها الَّذين آمَنُوا إِذا نُودي لِلصَّلاة مِنْ يَوْمِالْجُمْعَةِ فَاسعَوا إِلى ذِكْرِاللّهِ وَذَرُوا الْبيع).(1)

2. وقد استحدث علماء الكوفة من الحنفية بعد عهد الصحابة تثويباً آخر، وهو زيادة الحيعلتين ـ أي عبارة «حي على الصلاة، حي على الفلاح» ـ مرّتين بين الأذان والإقامة في الفجر، واستحسنه متقدّمو الحنفية في الفجر فقط، وكره عندهم في غيره، والمتأخّرون منهم استحسنوه في الصلوات كلّها ـ إلاّ في المغرب لضيق الوقت ـ و ذلك لظهور التواني في الأُمور الدينية، وقالوا: إنّ التثويب بين الأذان والإقامة في الصلوات يكون بحسب ما يتعارفه أهل كلّ بلد بالتنحنح، أو الصلاة الصلاة، أو غير ذلك.

3. استحدث أبو يوسف جواز التثويب لتنبيه كل من يشتغل بأُمور المسلمين ومصالحهم كالإمام والقاضي ونحوهما، فيقول المؤذن بعد الأذان:

السلام عليك أيّها الأمير، حي على الصلاة، حي على الفلاح، الصلاة يرحمك اللّه. وشارك أبا يوسف في هذا الشافعية وبعض المالكية، وكذلك الحنابلة إن لم يكن الإمام ونحوه قد سمع الأذان، واستبعده محمد بن الحسن، لأنّ الناس سواسية في أمر الجماعة وشاركه في ذلك بعض المالكية.(2)


1 . الجمعة:9.
2 . الموسوعة الفقهية:2/361، مادة أذان.


(165)

5
حذف الحيعلة من الأذان

قد تقدّم منّا أنّ البدعة في الأذان بإدخال التثويب ليس فريداً في بابه، بل له نظير آخر، وهو: حذف «حيّ على خير العمل» من فصول الأذان والإقامة،وذلك لغاية أن لا يكون الإعلان به في الأذان سبباً في تثبيط العامة عن الجهاد، لأنّ الناس إذا عرفوا أنّ الصلاة خير العمل، لاقتصروا عليها وأعرضوا عن الجهاد.

وهذا بعين اللّه إطاحة بالتشريع وتصرّفٌ فيه، بتفلسف تافه. فانّ المشرّع كان واقفاً على هذا المحذور، ومع ذلك أدخله في الأذان.

قال القوشجي ـ وهو من متكلّمي الأشاعرة ـ ناقلاً عن الخليفة الثاني أنّه قال على المنبر:

ثلاث كنّ على عهد رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » وأنا أنهى عنهنّ وأُحرّمهنّ وأُعاقب عليهنّ: وهي متعة النساء، ومتعة الحج، وحيّ على خير العمل. (1)

وقد أطبقت الشيعة على كونه جزءاً من الأذان، وعلى ذلك جروا ، من العهد النبوي إلى يومنا هذا، وصار ذلك شعاراً لهم. وإنّ كثيراً من المؤرّخين يكنّون عن


1 . علاء الدين القوشجي (المتوفّـى عام 879 هـ بالقسطنطينية): شرح التجريد:484. اقرأ ترجمته في كتابنا «بحوث في الملل والنحل ج2 ـ ط. بيروت.


(166)

الشيعة بمن يحيعلون أي الذين يقولون: «حيّ على خير العمل».

قال أبو الفرج الاصفهاني(284ـ 356هـ) في «مقاتل الطالبيين» في مقتل الحسين بن علي بن الحسن بن الحسن بن أمير المؤمنين« عليه السَّلام »: أنّه استولى على المدينة، وصعد عبد اللّه بن الحسن الأفطس المنارة التي عند رأس النبيّ « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » عند موضع الجنائز، فقال للمؤذّن: أذّن بـ «حي على خير العمل» ... (1).

وقال الحلبي:ونقل عن ابن عمر وعن الإمام زين العابدين عليّ بن الحسين« عليه السَّلام » أنّهما كانا يقولان في أذانيهما بعد «حيّ على الفلاح» : «حيّ على خير العمل» .(2)

(أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِه).(3)


1 . مقاتل الطالبيين : 297.
2 . السيرة الحلبية: 2/ 305.
3 . الأنعام:90.


(167)

4
القبض
بين البدعة والسنة


(168)

(169)

حكم القبض
في الصلاة

إنّ قبض اليد اليسرى باليمنى ممّا اشتهر ندبه بين فقهاء أهل السنّة.

فقالت الحنفية: إنّ التكتّف مسنون وليس بواجب، والأفضل للرجل أن يضع باطن كفّه اليمنى على ظاهر كفّه اليسرى تحت سرّته، وللمرأة أن تضع يديها على صدرها.

وقالت الشافعية: يسنُّ للرجل والمرأة، والأفضل وضع باطن يمناه على ظهر يسراه تحت الصدر وفوق السرّة ممّا يلي الجانب الأيسر .

وقالت الحنابلة: إنّه سنّة، والأفضل أن يضع باطن يمناه على ظاهر يسراه، ويجعلها تحت السرة.

وشذّت عنهم المالكية فقالوا: يُندَب إسدالُ اليدين في الصلاة الفرض، وقالت جماعة أيضاً قبلهم، منهم: عبد اللّه بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وعطاء، وابن جريج، والنخعي، والحسن البصري، وابن سيرين، وجماعة من الفقهاء. وهو مذهب الليث بن سعد إلاّ انّه قال: إلاّ أن يطيل القيام فيعيا أي يتعب فله القبض.


(170)

والمنقول عن الإمام الأوزاعي التخيير بين القبض والسدل.(1)

وذهب محمد عابد مفتي المالكية بالديار الحجازية إلى أنّ السدل والقبض سنّتان من رسول اللّه وانّ المؤمن إذا طال عليه القيام وهو مسدل، قبض وقال بأنّ السدل أصل والقبض فرع.(2)

وأمّا الشيعة الإمامية، فالمشهور أنّه حرام ومبطل، وشذّ منهم من قال بأنّه مكروه، كالحلبي في الكافي.(3)

ومع أنّ غير المالكية من المذاهب الأربعة قد تصعّدوا وتصوبوا في المسألة، لكن ليس لهم دليل مقنع على جوازه في الصلاة، فضلاً عن كونه مندوباً، بل يمكن أن يقال: إنّ الدليل على خلافهم، والروايات البيانية عن الفريقين التي تُبيّـن صلاة الرسول خالية عن القبض، ولا يمكن للنبي الأكرم أن يترك المندوب طيلة حياته أو أكثرها، وإليك نموذجين من هذه الروايات: أحدهما عن طريق أهل السنّة، والآخر عن طريق الشيعة الإمامية، وكلاهما يُبيّنان كيفية صلاة النبي وليست فيهما أيّة إشارة إلى القبض فضلاً عن كيفيته.

القبض بدعة محدثة

إنّ القبض بدعة محدثة ظهرت بعد رحيل الرسول الأكرم « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »، وعمادنا في هذا السبيل حديثان صحيحان:

أحدهما مروي عن طرق أهل السنّة، والآخر من طرق الإمامية، والحديثان


1 . الفقه على المذاهب الخمسة: 110.
2 . لاحظ رسالة مختصرة في السدل للدكتور عبد الحميد بن مبارك : 5.
3 . جواهر الكلام: 11/15 ـ 16.


(171)

دليلان قاطعان على أنّ سيرة النبي وأهل بيتهعليهم السَّلام جرت على السدل في الصلاة، وانّ القبض ابتدع بعد رحيله« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ».

ألف: حديث أبي حميد الساعدي

روى حديث أبي حميد الساعدي غير واحد من المحدّثين، ونحن نذكره بنص البيهقي، قال: أخبرنا أبو عبد اللّه الحافظ:

فقال أبو حميد الساعدي: أنا أعلمكم بصلاة رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » ، قالوا: لِمَ، ما كنت أكثرنا له تبعاً، ولا أقدمنا له صحبة؟! قال: بلى، قالوا: فأعرض علينا، فقال: كان رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يحاذي بهما مَنْكَبيه، ثم يكبّـر حتّى يقرّ كل عضو منه في موضعه معتدلاً، ثم يقرأ، ثم يكبّـر ويرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يركع ويضع راحتيه على ركبتيه، ثم يعتدل ولا ينصب رأسه ولا يقنع، ثم يرفع رأسه، فيقول: سمع اللّه لمن حمده، ثم يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه حتى يعود كل عظم منه إلى موضعه معتدلاً، ثم يقول: اللّه أكبر، ثم يهوي إلى الأرض فيجافي يديه عن جنبيه، ثم يرفع رأسه فيثني رجله اليسرى فيقعد عليها ويفتح أصابع رجليه إذا سجد، ثم يعود، ثم يرفع فيقول: اللّه أكبر، ثم يثني برجله فيقعد عليها معتدلاً حتى يرجع أو يقرّ كل عظم موضعه معتدلاً، ثم يصنع في الركعة الأُخرى مثل ذلك، ثم إذا قام من الركعتين كبّـر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه كما فعل أو كبّـر عند افتتاح صلاته، ثم يصنع مثل ذلك في بقية صلاته، حتى إذا كان في السجدة التي فيها التسليم أخّر رجله اليسرى وقعد متورّكاً على شقّه الأيسر، فقالوا جميعاً: صدَق هكذا كان يصلّي رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ».(1)


1 . سنن البيهقي: 2/72، 73، 101، 102; سنن أبي داود: 1/194، باب افتتاح الصلاة، الحديث 730ـ 736; سنن الترمذي: 2/98، باب صفة الصلاة;مسند أحمد:5/424; وابن خزيمة في صحيحه، باب الاعتدال في الركوع، برقم 587.


(172)

و الذي يوضح صحّة الاجتماع به الأُمور التالية:

1. تصديق أكابر الصحابة(1) لأبي حميد يدلّ على قوة الحديث، وترجيحه على غيره من الأدلّة.

2. أنّه وصف الفرائض والسنن والمندوبات ولـم يذكر القبض، ولـم ينكروا عليه، أو يذكروا خلافه، وكانوا حريصين على ذلك، لأنّهم لـم يسلّموا له أوّل الأمر أنّه أعلمهم بصلاة رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » ، بل قالوا جميعاً: صدقت هكذا كان رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »يصلّي، ومن البعيد جداً نسيانهم وهم عشرة، وفي مجال المذاكرة.

3. الأصل في وضع اليدين هو الإرسال، لأنّه الطبيعي فدلّ الحديث عليه.

4. هذا الحديث لا يقال عنه إنّه مطلق وأحاديث تقيّده، لأنّه وصَفَ وعدَّد جميع الفرائض والسنن والمندوبات وكامل هيئة الصلاة، وهو في معرض التعليم والبيان، والحذف فيه خيانة، وهذا بعيد عنه وعنهم.

5. بعض من حضر من الصحابة، ممّن روي عنه أحاديث القبض، فلم يعترض، فدلّ على أنّ القبض منسوخ، أو على أقل أحواله بأنّه جائز للاعتماد لمن طوّل في صلاته، وليس من سنن الصلاة، ولا من مندوباتها، كما هو مذهب الليث بن سعد، والأوزاعي، ومالك.(2)

قال ابن رشد: والسبب في اختلافهم انّه قد جاءت آثار ثابتة، نقلت فيها صفة صلاته ـ عليه الصلاة والسلام ـ و لم ينقل انّه كان يضع يده اليمنى على اليسرى.(3)


1 . منهم: أبو هريرة، وسهل الساعدي، وأبو أُسيد الساعدي، وأبو قتادة الحارث بن ربعي، ومحمد بن مسلمة.
2 . رسالة مختصرة في السدل: 11 .
3 . بداية المجتهد:1/99.


(173)

بقي هنا سؤال وهو انّه قد اشتهر انّ المالكية لا تقول بالقبض وانّ إمامهم مالكاً كرهه، وقال في المدونة: كره مالك وضع اليد اليمنى على اليسرى في الفريضة وقال : لا أعرفه في الفريضة، مع أنّه روى في «الموطأ» حديث القبض حيث روى عن سهل بن سعد، كما روى مرسل عبد الكريم ابن أبي المخارق البصري أنّه قال: من كلام النبوة: إذا لم تستح فافعل ما شئت، ووضع اليدين إحداهما على الأُخرى في الصلاة يضع اليمنى على اليسرى، وتعجيل الفطر، والاستيفاء بالسحور.(1)

قلت: إنّ كتاب الموطأ، كتاب رواية، والإمام ربما ينقل ولايفتي على وفقه، فلذلك ترى في «المدونة» فتاوى تخالف ما رواه في «الموطأ» ومن كان ملمّـاً بفقهه، يرى أنّ بين ما دُوّن من فتاواه و مارواه في «الموطأ»، اختلافاً في موارد كثيرة.

قد أشار الدكتور عبد الحميد في رسالة السدل إلى مواردها.(2)

وعلى كلّ تقدير فقوله:«لا أعرفه في الفريضة» دليل صريح في أنّ عمل أهل المدينة على خلافه، إذ قوله:«لا أعرفه»،معناه لا أعرفه من عمل الأئمة الذين هم التابعون الذين تلقّوا العلم عن الصحابة.

هذا هو الحديث الذي قام ببيان كيفية صلاة النبي وقد روي عن طريق أهل السنّة، وقد عرفت وجه الدلالة، وإليك ما رواه الشيعة الإمامية.

ب : حديث حمّاد بن عيسى

روى حمّاد بن عيسى، عن الإمام الصادق« عليه السَّلام » أنّه قال: «ما أقبح بالرجل أن يأتي عليه ستون سنة أو سبعون سنة فما يقيم صلاة واحدة بحدودها تامة» قال


1 . الموطأ:1/158،باب وضع اليدين إحداهما على الأُخرى في الصلاة، الحديث46، 47.
2 . رسالة مختصرة في السدل:6ـ7.


(174)

حمّاد: فأصابني في نفسي الذل، فقلت: جعلت فداك فعلّمني الصلاة، فقام أبو عبد اللّه مستقبلَ القبلة منتصباً فأرسل يديه جميعاً على فخذيه قد ضمّ أصابعه وقرّب بين قدميه حتى كان بينهما ثلاثة أصابع مفرجات، واستقبل بأصابع رجليه (جميعاً) لم يُحرفهما عن القبلة بخشوع واستكانة، فقال: اللّه أكبر، ثم قرأ الحمد بترتيل، وقل هو اللّه أحد، ثم صبر هنيئة بقدر ما تنفس وهو قائم، ثم قال: اللّه أكبر، وهو قائم ثم ركع وملأ كفيه من ركبتيه مفرّجات، و ردّ ركبتيه إلى خلفه حتى استوى ظهره، حتى لو صبت عليه قطرة ماء أو دهن لم تزل لاستواء ظهره وتردّد ركبتيه إلى خلفه، ونصب عنقه، وغمض عينيه ثم سبح ثلاثاً بترتيل وقال: سبحان ربي العظيم وبحمده، ثم استوى قائماً، فلما استمكن من القيام قال: سمع اللّه لمن حمده، ثم كبّـر وهو قائم، ورفع يديه حيال وجهه، وسجد، ووضع يديه إلى الأرض قبل ركبتيه وقال: سبحان ربي الأعلى وبحمده، ثلاث مرات، ولم يضع شيئاً من بدنه على شيء منه، وسجد على ثمانية أعظم: الجبهة، والكفّين، وعيني الركبتين، وأنامل إبهامي الرجلين، والأنف، فهذه السبعة فرض، ووضع الأنف على الأرض سنّة، وهو الإرغام، ثم رفع رأسه من السجود فلمّا استوى جالساً قال: اللّه أكبر، ثم قعد على جانبه الأيسر، ووضع ظاهر قدمه اليمنى على باطن قدمه اليسرى، وقال: أستغفر اللّه ربي وأتوب إليه، ثم كبّر وهو جالس وسجد الثانية، وقال كما قال في الأُولى ولم يستعن بشيء من بدنه على شيء منه في ركوع ولا سجود، وكان مجنّحاً، ولم يضع ذراعيه على الأرض، فصلّـى ركعتين على هذا.

ثم قال: «يا حمّاد هكذا صل، ولا تلتفت، ولا تعبث بيديك وأصابعك، ولا تبزق عن يمينك ولا (عن) يسارك ولا بين يديك».(1)

ترى أنّ الروايتين بصدد بيان كيفية الصلاة المفروضة على الناس وليست فيهما أيّة إشارة إلى القبض بأقسامه المختلفة فلو كان سنّة لما تركه الإمام في بيانه، وهو بعمله يجسّد لنا صلاة الرسول، لأنّه أخذه عن أبيه الإمام الباقر، وهو عن آبائه، عن أمير المؤمنين، عن الرسول الأعظم ـ صلوات اللّه عليهم أجمعين ـ فيكون القبض بدعة، لأنّه إدخال شيء في الشريعة وهو ليس منه.


1 . الوسائل: 4، الباب 1 من أبواب أفعال الصلاة، الحديث 1. ولاحظ الباب 17، الحديث 1 و 2.


(175)

دليل القائلين بلزوم القبض

ثم إنّ للقائل بالقبض أدلّة نأخذ بدراستها:

إنّ مجموع ما يصحّ الاستدلال به على أنّ القبض سنّة في الصلاة لا يعدو عن روايات ثلاث:(1)

1.حديث سهل بن سعد. رواه البخاري.

2. حديث وائل بن حجر. رواه مسلم ونقله البيهقي بأسانيد ثلاثة.

3. حديث عبد اللّه بن مسعود. رواه البيهقي في سننه وغيره.

وإليك دراسة كل حديث:

1.حديث سهل بن سعد

روى البخاري عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: «كان الناس يُؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة» قال أبو حازم: لا


1 . وللقبض أدلة أُخرى غير صحيحة كما هو المفهوم من كلام الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم :4/358، وسيوافيك الكلام فيها.


(176)

أعلمه إلاّ يَنمي ذلك إلى النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ».(1)

قال إسماعيل(2): يُنمى ذلك ولم يقل يَنمي.

والرواية متكفّلة لبيان كيفية القبض إلاّ أنّ الكلام في دلالته بعد تسليم سنده. ولا يدل عليه بوجهين:

أوّلاً: لو كان النبي الأكرم هو الآمر بالقبض فما معنى قوله: «كان الناس يؤمرون»؟ أوَما كان الصحيح عندئذ أن يقول: كان النبي يأمر؟ أوليس هذا دليلاً على أنّ الحكم نجم بعد ارتحال النبي الأكرم حيث إنّ الخلفاء وأُمراءهم كانوا يأمرون الناس بالقبض بتخيّل أنّه أقرب للخشوع؟ ولأجله عقد البخاري بعده باباً باسم باب الخشوع. قال ابن حجر: الحكمة في هذه الهيئة أنّه صفة السائل الذليل، وهو أمنع عن العبث وأقرب إلى الخشوع، كان البخاري قد لاحظ ذلك وعقّبه بباب الخشوع.

وبعبارة أُخرى: انّ الأمر بالقبض دليل على أنّ الناس كانوا يصلّون على وجه السدْل فـي عصـر النبي وشيئاً بعـد عصـره، ثمّ حدثت الفكرة فأمـروا الناس به.

وثانياً: أنّ في ذيل السند ما يؤيد أنّه كان من عمل الآمرين، لا الرسول الأكرم نفسه حيث قال:

قال إسماعيل: «لا أعلمه إلاّ يُنمى ذلك إلى النبي» بناءً على قراءة الفعل


1 . فتح الباري في شرح صحيح البخاري: 2/224، باب وضع اليمنى على اليسرى;صحيح مسلم:2/13، باب وضع يده اليمنى على اليسرى; ورواه البيهقي في السنن الكبرى: 2/28، الحديث 3، باب وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة.
2 . المراد: إسماعيل بن أبي أويس شيخ البخاري كما جزم به الحميدي. لاحظ فتح الباري: 5/325.


(177)

بصيغة المجهول.

ومعناه أنّه لا يعلم كونه أمراً مسنوناً في الصلاة غير أنَّه يُعزى وينسب إلى النبي، فيكون ما يرويه سهل به سعد مرفوعاً.

قال ابن حجر: ومن اصطلاح أهل الحديث إذا قال الراوي: ينميه، فمراده: يرفع ذلك إلى النبي.(1)

هذا كلّه إذا قرأناه بصيغة المجهول، وأمّا إذا قرأناه بصيغة المعلوم، فمعناه أنّ سهلاً ينسب ذلك إلى النبي، فعلى فرض صحّة القراءة وخروجه بذلك من الإرسال والرفع، يكون قوله: «لا أعلمه إلاّ ...» معرباً عن ضعف العزو والنسبة، وأنّه سمعه عن رجل آخر ولم يسمِّ.

قال ابن حجر في «فتح الباري»: هذا حديث تكلّم في رفعه، فقال الداني: هذا معلول لأنّه ظن من أبي حازم، وقيل بأنّه لو كان مرفوعاً لما احتاج إلى قوله: «لا أعلمه».(2)

2.حديث وائل بن حجر

وروي بصور:

الصورة الأُولى للحديث:

روى مسلم، عن وائل بن حجر: أنّه رأى النبي رفع يديه حين دخل في الصلاة كبّـر، ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى، فلمّـا أراد أن


1 . المصدر نفسه: هامش رقم 1.
2 . فتح الباري:4/126.


(178)

يركع أخرج يديه من الثوب، ثم رفعهما، ثم كبّـر فركع ....(1)

والاحتجاج بالحديث احتجاج بالفعل، ولا يحتج به إلاّ أن يعلم وجهه، وهو بعدُ غير معلوم، لأنّ ظاهر الحديث أنّ النبي جمع أطراف ثوبهِ فغطّى صدره به، ووضع يده اليمنى على اليسرى، وهل فعل ذلك لأجل كونه أمراً مسنوناً في الصلاة، أو فعله لئلاّ يسترخي الثوب بل يلصق الثوب بالبدن ويتّقي به ـ نفسه ـ عن البرد؟ والفعل أمر مجهول العنوان، فلا يكون حجّة إلاّ إذا علم أنّه فعله بما انّه فعل مسنون في الصلاة.

وهناك احتمال آخر وهو انّ عمل الرسول « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » كان للتحرز عن سدل الثوب في الصلاة.

أخرج الترمذي عن أبي هريرة قال: نهى رسول اللّه عن السدل في الصلاة . قال في اللسان: السدل هو إسبال الرجل ثوبه من غير أن يضم جانبيه بين يديه فإن ضمه فليس بسدل، وقد رويت الكراهة فيه عن النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ».(2)

إنّ النبيّ الأكرم صلّـى مع المهاجرين والأنصار أزيد من عشر سنوات، فلو كان ذلك ثابتاً من النبي لكثر النقل وذاع، ولما انحصر نقله بوائل بن حجر، مع ما في نقله من الاحتمالين.


1 . صحيح مسلم: 1/13 ، الباب 5 من كتاب الصلاة، باب وضع يده اليمنى على اليسرى، وفي سند الحديث «همام» ولو كان المقصود، هو همام بن يحيى فقد قال ابن عمار فيه: كان يحيى القطّان لا يعبأ بـ «همام» وقال عمر بن شيبة: حدثنا عفان قال: كان يحيى بن سعيد يعترض على همام في كثير من حديثه. وقال أبو حاتم: ثقة في حفظه. لاحظ هدى الساري: 1/449.
وفيه أيضاً:محمد بن جحادة، وقد أشار النووي في شرحه على صحيح مسلم وقال فيه محمد بن جحادة وسكت.
2 . سنن الترمذي:2/217، الحديث 378.


(179)

الصورة الثانية للحديث:

أخرج النسائي والبيهقي في سننهما بسندين مختلفين عن وائل بن حجر، قال: رأيت رسول اللّه إذا كان قائماً في الصلاة قبض بيمينه على شماله.(1)

وفي لفظ البيهقي: إذا قام إلى الصلاة قبض على شماله بيمينه، ورأيت علقمة يفعله.(2)

والاستدلال بالحديث رهن صحّة السند وتمامية الدلالة.

أمّا السند فالشيخان وإن نقلاه بسندين مختلفين لكنّهما يشتركان في وجود عبد اللّه في كلا السندين، وفي سنن النسائي: «أنبأنا عبد اللّه»، وفي سنن البيهقي:«أنبأنا عبد اللّه بن جعفر»، والمراد هو عبد اللّه بن جعفر بن نجيح السعدي، وكفى في ضعفه ما نقله عبد اللّه ابن الإمام أحمد عن أبيه: كان وكيع إذا أتى على حديثه جزّ عليه، وقال في موضع آخر ينقل عن أبيه عن مشايخه انّه قال: ما كنت أكتب من حديثه شيئاً بعد أن تبيّن أمره.

وقال الدوري عن ابن معين: ليس بشيء.

وقال أبو حاتم: سأل يزيد بن هارون عنه، فقال: لا تسألوا عن أشياء.

وقال عمرو بن علي: ضعيف.

وقال أبو حاتم: منكر الحديث جداً، يحدث عن الثقات بالمناكير.

إلى أن قال:

وقال النسائي: متروك الحديث.


1 . سنن النسائي:2/97، باب وضع اليمين على الشمال في الصلاة.
2 . سنن البيهقي:1/28، باب وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة.


(180)

وقال مرة: ليس بثقة.(1)

وأمّا الدلالة: فلأنّه من المحتمل انّ الحديث هو صورة أُخرى من الحديث الأوّل، والفرق هو انّ الحديث الأوّل اشتمل على زيادة دونه، حيث جاء في الصورة الأُولى التحف بثوبه ثمّ وضع يده اليمنى على اليسرى وقد مرّ انّ ظاهر الحديث انّ النبيّ « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » جمع أطراف ثوبه فغطى به صدره ووضع يده اليمنى على اليسرى لئلا يسترخي الثوب بل يلصق الثوب بالبدن ويقي به نفسه عن البرد أو يتحرّز عن إسبال الثوب، وبما انّ الفعل مجهول العنوان لا يحتج به مالم يعرف وجهه.

على أنّ في نفس الحديث شهادة على أنّ القبض لم يكن رائجاً في الصدر الأوّل، وذلك لأنّه جاء في الحديث: «رأيت علقمة يفعله» فلو كان القبض أمراً رائجاً بين الصحابة والتابعين لما كان وجه لنسبة هذا الفعل الرائج إلى علقمة راوي الحديث عن وائل، وهذا يدلّ على أنّه كان أمراً غير رائج ولذلك نقله علقمة.

الصورة الثالثة للحديث:

أخرج النسائي بسنده عن وائل بن حجر انّه قال: قلت : لا ... إلى صلاة رسول اللّه كيف يصلّي ونظرت إليه، فقام فكبر ورفع يديه حتّى حاذتا أُذنيه، ثمّ وضع يده اليمنى على كفه اليسرى والرسغ والساعد.(2)

وأخرجه أيضاً البيهقي في سننه بنفس اللفظ.(3)

والاحتجاج بالرواية رهن صحّة السند والدلالة.


1 . تهذيب التهذيب:5/174 برقم 298.
2 . سنن النسائي:2/97، باب موضع اليمين من الشمال في الصلاة.
3 . سنن البيهقي:2/28، باب وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة.


(181)

أمّا سند النسائي فهو مشتمل على عاصم بن كليب الكوفي، وقد ذكر ابن حجر انّه سئل ابن شهاب عن مذهب كليب وانّه كان مرجئاً، قال: لا أدري، ولكن قال شريك بن عبد اللّه النخعي انّه كان مرجئاً.

وقال ابن المديني: لا يحتج به إذا انفرد.(1)

وأمّا سند البيهقي فهو مشتمل على عبد اللّه بن رجاء، فنقل ابن حجر عن ابن معين انّه قال: كان كثير التصحيف، وليس به بأس.

وقال عمرو بن عدي، صدوق كثير الغلط والتصحيف ليس بحجة، وتوفّي عام 219هـ أو 220هـ، وليس المراد منه عبد اللّه بن رجاء المكي الذي يروي عن الإمام جعفر الصادق « عليه السَّلام » وغيره.

ولو افترض انّ المراد هو عبد اللّه بن رجاء المكي فهو ليس أيضاً سالماً عن النقد، نقل ابن حجر عن الساجي انّه قال عنده مناكير.

واختلف أحمد ويحيى فيه، قال أحمد: زعموا انّ كتبه ذهبت فكان يكتب من حفظه فعنده مناكير وما سمعتُ منه إلا حديثين، وحكى نحوه العقيلي عن أحمد.(2)

وأمّا الدلالة فلا شكّ انّه أوضح دلالة من الصورتين الأُوليين، ويحتمل فيه أيضاً أن يكون نفس الرواية الأُولى غير انّه نقل على وجوه مختلفة وجاء الاختلاف من الرواة وحيث إنّه يحتمل أن يكون نفس الصورة الأُولى، فقد عرفت أنّ فعل النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » يحتمل وجهين(3) ومعه لا يحتج به.

إلى هنا تمّت دراسة الحديثين:


1 . تهذيب التهذيب:5/56، برقم 89.
2 . تهذيب التهذيب:5/211، برقم 364.
3 . الاتقاء عن البرد والتحرز عن إسبال الثوب.


(182)

الأوّل: حديث سهل الساعدي.

الثاني: حديث وائل بن حجر بصوره الثلاث.

وقد عرفت قصور دلالتهما مع وجود الضعف في أسناد حديث وائل بن حجر، بقي حديث ثالث يستدلّ به على القبض.

3. حديث عبداللّه بن مسعود

أخرج النسائي عن الحجاج بن أبي زينب قال:سمعت أبا عثمان يحدّث عن ابن مسعود قال: رآني النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » وقد وضعت شمالي على يميني في الصلاة، فأخذ بيميني فوضعها على شمالي.(1)

وأخرجه البيهقي بنفس اللفظ لكن بسند آخر.

والاستدلال بالحديث رهن صحّة السند والدلالة.

أمّا الأوّل فكلا السندين يشتملان على الحجاج بن أبي زينب السلمي الذي قال في حقّه أحمد بن حنبل: أخشى أن يكون ضعيف الحديث.

وقال ابن معين : ليس به بأس.

وقال الحسن بن شجاع البلخي عن علي بن المديني: شيخ من أهل واسط ضعيف.

وقال النسائي: ليس بالقوي.

وقال ابن علي: أرجو انّه لابأس به فيما يرويه.

ثمّ قال: قال الدارقطني: ليس بالقوي ولا الحافظ.(2)


1 . سنن النسائي:2/97، باب في الإمام إذا رأى الرجل قد وضع شماله على يمينه.
2 . تهذيب التهذيب:2/201، برقم 372.


(183)

إلى غير ذلك من الكلمات.

وأمّا الدلالة فيلاحظ انّ عبد اللّه بن مسعود كان من السابقين إلى الإسلام وقد أسلم في أوائل البعثة، وقد لاقى ما لاقى من قريش لأجل إيمانه بالنبي والإسلام، فمثل هذا لا يمكن أن يجهل بكيفية القبض ـ على فرض كونه سنّة ـ فيضع شماله على يمينه.

4. أحاديث ضعاف لا يحتجُّ بها

ما ذكرناه من الأحاديث هو العمدة في الاستدلال على قبض اليمنى باليسرى، وقد عرفت حالها وعدم قيامها بإثبات المطلوب.

وهناك أحاديث وآثار رويت في غضون الكتب جمعها البيهقي في سننه، ولا يصحّ واحد منها لضعفها سنداً ودلالة، ونحن لأجل إكمال حلقة البحث نسرد تلك الأحاديث ونناقشها سنداً ودلالة حتى يقف القارئ على مواطن الخلل.

1. حديث هُلْب

أخرج الترمذي عن قتيبة عن أبي الأحوص، عن سماك بن حرب، عن قبيصة بن هُلْب، عن أبيه : قال:

كان رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » يؤمُّنا فيأخذ شماله بيمينه.(1)

ورواه البيهقي بلفظ آخر وهو: رأيت رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » واضعاً يمينه على شماله في الصلاة.(2)


1 . سنن الترمذي:2/32، برقم 252.
2 . سنن البيهقي:2/29.


(184)

يلاحظ عليه: أنّ السند ضعيف كالدلالة .

أمّا السند، فإليك ترجمة راويين منه.

قبيصة بن هُلب

قال الذهبي: قال العجلي: ثقة، وذكره ابن حِبّان في الثقات.

وقال ابن المديني: مجهول.(1)

وقال ابن حجر: مجهول لم يرو عنه غير سماك .

وقال النسائي: مجهول.(2)

سماك بن حرب

قال الذهبي: صدوق، صالح. روى ابن المبارك عن سفيان انّه ضعيف.

قال جرير الضبّي: أتيت سماكاً فرأيته يبول قائماً فرجعت ولم أسأله، فقلت: خرف.

وروى أحمد بن أبي مريم عن يحيى: سماك ثقة، كان شعبة يضعّفه.

وقال أحمد: سماك مضطرب الحديث.

وقال أبوحاتم: ثقة، صدوق.

وقال صالح: جَزَرة: يضعف.

وقال النسائي: إذا انفرد بأصل لم يكن بحجة، لأنّه كان يلقّن فيتلقن إلى غير ذلك من كلمات التضعيف.(3)


1 . ميزان الاعتدال:3/384، رقم6863.
2 . تهذيب التهذيب:8/350، رقم 633.
3 . ميزان الاعتدال:2/233 برقم 3548.


(185)

وقال ابن حجر:

قال عنه أحمد : مضطرب الحديث.

قال ابن أبي خيثمة: قال سمعت ابن معين سئل عنه ما الذي عابه قال: اسند أحاديث لم يُسندها غيره.

وقال ابن عمار: يقولون إنّه كان يخلِّط ويختلفون في حديثه.

وكان الثوري يضعّفه بعض الضعف.

وقال يعقوب بن شيبة: قلت لابن المديني: رواية سماك عن عكرمة، فقال: مضطربة .

وقال زكريا بن علي، عن ابن المبارك: سماك ضعيف في الحديث.

قال يعقوب: وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة.(1)

وأمّا الدلالة فليست في الرواية تصريح في أنّه يضع يمينه على شماله في خصوص حال القراءة، بل ظاهره انّه يضع يمينه على شماله في عامة حالات الصلاة وهو ممّا لم يلتزم به أحد.

2. حديث محمد بن أبان الأنصاري

أخرج البيهقي بسنده عن محمد بن أبان الأنصاري، عن عائشة قالت: ثلاث من النبوّة: تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، ووضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة.(2)


1 . تهذيب التهذيب:8/350، رقم 633.
2 . سنن البيهقي:2/29.


(186)

ويكفي في ضعف الحديث ما ذكره البخاري في تاريخه الكبير، بعد نقل هذا الحديث وقال: ولا نعرف لمحمد سماعاً من عائشة، وفي نسخة ولا يعرف لمحمد سماع.(1)

وقد نقل محقّق كتاب «التاريخ الكبير» للبخاري في الهامش أقوال الرجاليين في حقّه، فخرج بالنتيجة التالية:

إنّه أنصاري مدني، ثمّ صار إلى اليمامة، وانّه أرسل عن عائشة.(2)

3. حديث عقبة بن صهبان

روى البيهقي بسنده عن حماد بن سلمة، عن عاصم الجحدري، عن عقبة بن صهبان، عن علي (رضي اللّه عنه)(فصل لربّك وانحر) قال: هو وضع يمينك على شمالك في الصلاة.(3)

يلاحظ على الاستدلال أوّلاً: أنّ عاصم الجحدري لم يوثّق. قال الذهبي: عاصم بن العجّاج الجحدري البصري، قرأ على يحيى بن يعمر ونصر بن عاصم، أخذ عنه سلام بن أبو المنذر وجماعة قراءة شاذة فيها ما ينكر.(4)

وذكره البخاري في تاريخه وقال:عاصم الجحدري يعدّ في البصريين، عن عقبة بن ظبيان ولم يوثقه.(5)

ثمّ إنّ الحديث حسب نقل البيهقي ينتهي إلى عقبة بن صهبان.


1 . التاريخ الكبير:11/32 رقم47; ميزان الاعتدال:3/454 برقم 7129.
2 . التاريخ الكبير:11/34، قسم الهامش.
3 . سنن البيهقي:2/29.
4 . ميزان الاعتدال:2/354، رقم 4057.
5 . التاريخ الكبير: 6/486، رقم 3061.


(187)

وقال البيهقي: ورواه البخاري في التاريخ في ترجمة عقبة بن ظبيان عن موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة: سمع عاصم الجحدري، عن أبيه، عن عقبة بن ظبيان عن علي (فصلّ لربّك وانحر) رفع يده اليمنى على وسط ساعده على صدره.

وما يرويه البخاري في تاريخه حسب ما نقله البيهقي يختلف عمّا نقله البيهقي بالمباشرة بوجهين:

الأوّل: انّ السند ينتهي عند البيهقي إلى عقبة بن صهبان، وحسب نقل البخاري إلى عقبة بن ظبيان.

الثاني: انّ عاصم الجحدري حسب نقل البيهقي يروي عن عقبة بن صهبان، وحسب ما نقله عن تاريخ البخاري ينقل عاصم عن أبيه عن عقبة بن ظبيان.

ومع الأسف الشديد انّ أباه (عجاج) لم يعنون في الرجال فمثل هذا الحديث لا يحتج به أبداً.

4. حديث غزوان بن جرير

روى البيهقي عن غزوان بن جرير، عن أبيه، قال: كان علي (رضي اللّهعنه ) إذا قام إلى الصلاة فكبّر، ضرب بيده اليمنى على رسغه الأيسر، فلا يزال كذلك حتّى يركع، إلاّأن يحكّ جلداً أو يصلح ثوبه.(1)

وكفى في ضعف الرواية انّ جريراً والد غزوان مجهول.

قال الذهبي: جرير الضبي عن علي وعنه ابنه غزوان لا يعرف.(2)


1 . سنن البيهقي: 2/29.
2 . ميزان الاعتدال:1/397 رقم 1474.


(188)

5. مرسلتا غضيف وشدّاد

روى البيهقي وقال: ورُوينا عن الحارث بن غضيف الكندي وشداد بن شرحبيل الأنصاري انّ كلّ واحد منهما رأى النبي« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »فعل ذلك «واضعاً يمينه على شماله».(1)

هذا ما نقله البيهقي وضبطه الترمذي بالنحو التالي: غطيف بن الحارث.(2)

فعلى نقل البيهقي الراوي هو الحارث بن غضيف الكندي بينما على نقل الترمذي الراوي هو غطيف بن الحارث، فاشتبه الوالد بالولد ولم يعرفا.

ويظهر ممّا نقله ابن حجر انّه أدرك النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » وهو صبي، قال ناقلاً عنه: كنت صبياً أرمي نخل الأنصار فأتوا بي النبيَّ، فمسح رأسي وقال: كُلْ ممّا سقط ولا ترمي نخلهم.

بل يظهر من بعضهم انّه من التابعين لم يدرك النبي« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ».

قال: ذكره جماعة في التابعين.(3)

فتلخص ممّا ذكرنا انّ الحديث لا يحتجّ به، وذلك للأسباب التالية:

أوّلاً: انّه حديث مرسل، وليس لأصحاب الحديث سند إليه.

وثانياً: انّه أدرك النبي وهو صبي، ولأجل ذلك تـرى انّهـم يعرّفونـه بقولهـم: «له صحبـة» أي صحبـة قليلـة.

وثالثاً: لم يثبت انّه صحابي، وقد عدّه جماعة من التابعين.

وعلى كلّ حال فحديث هذا حاله ـ اشتبه اسمه ضبطاً أوّلاً، واشتبه الوالد


1 . سنن البيهقي: 2/29.
2 . سنن الترمذي:2/32، الحديث 252.
3 . الاصابة:3/186رقم6912.


(189)

بالولد ثانياً، وكانت صحبته قليلة في أيام الصبى ثالثاً، بل لم يثبت له صحبة وانّه من التابعين رابعاً ـ لا يحتجّ به.

6. حديث نافع عن ابن عمر

أخرج البيهقي بسنده عن عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، عن أبيه، عن نافع، عن ابن عمر انّ النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » قال: إنّا معاشر الأنبياء أُمرنا بثلاث: تعجيل الفطر، وتأخير السحور، ووضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة.

هذا نفس الحديث الذي رواه محمد بن أبان الأنصاري عن عائشة، لاحظ رقم2.

وقال البيهقي: تفرّد به عبد المجيد، وإنّما يعرف بطلحة بن عمرو وليس بالقويّ.(1)

وعرفه الذهبي بأنّه صدوق مرجئ كأبيه.

وثّقه ابن معين. وقال أبو داود: ثقة داعية إلى الإرجاء.

وقال ابن حبان: يستحق الترك، منكر الحديث جداً، يقلب الأخبار، ويروي المناكير عن المشاهير.

قال أبو حاتم: ليس بالقوي، يكتب حديثه.

وقال الدارقطني: لا يحتجّ به ويعتبر به.

وقال أحمد بن أبي مريم عن ابن معين : ثقة يروي عن قوم ضعفاء.

وقال البخاري: كان الحميدي يتكلّم فيه وقال أيضاً في حديثه بعض


1 . سنن البيهقي:2/29.


(190)

الاختلاف ولا يعرف له خمسة أحاديث صحاح.(1)

7. حديث ابن جرير الضبي

أخرج أبوداود عن ابن جرير الضبي، عن أبيه، قال: رأيت عليّاً(رضي اللّه عنه) يمسك شماله بيمينه على الرسغ فوق السرة.

قال أبو داود: وروى عن سعيد بن جبير«فوق السرة» ، وقال أبو مجلز: «تحت السرة» وروى عن أبي هريرة وليس بالقوي.(2)

يلاحظ عليه: أنّ ابن جرير الضبّي هو نفس غزوان بن جرير وقد تقدّم الكلام في الوالد برقم 4، ولعلّه نفس الحديث السابق وليس حديثاً آخر.

وأمّا ما روى عن طاووس قال: كان رسول اللّه يضع يده اليمنى على يده اليسرى ثمّ يشدّ بينهما على صدره وهو في الصلاة (3) ، فهو حديث مرسل لأنّ طاووس من التابعين.

وهناك آثار عزيت إلى ابن الزبير انّه قال: صف القدمين ووضع اليد على اليد من السنّة.(4)

كما قال أبو هريرة: أخذ الأكف على الكف في الصلاة تحت السرة .(5)

ومن المعلوم أنّ قول الصحابي ليس بحجة مالم ينسبه إلى النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ».


1 . ميزان الاعتدال:2/648، برقم 5183.
2 . سنن أبي داود:1/201، باب وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة برقم 757 و759.
3 . سنن أبي داود:1/201، باب وضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة برقم 757 و759.
4 . سنن أبي داود:1/200ـ201، برقم 754 و758.
5 . سنن أبي داود:1/200ـ201، برقم 754 و758.


(191)

الآن حصحص الحق

قد تبيّن من هذا البحث الضافي أُمور:

الأوّل: انّ أبا حُمِيد الساعدي ممّن نقل صلاة النبي بتفاصيلها ولم يذكر شيئاً من القبض، وقد نقل كيفية صلاة النبي في حضور عشرة من الصحابة، وقد نال تصديق الحاضرين منهم.

وليس القبض أمراً طفيفاً حتّى يغفل عنه الراوي أو الحضور من الصحابة، فلو كانت صلاة النبي مرفّقة معه لاعترض أحد منهم عليه وآخذوه بترك ذكره.

الثاني: انّ ما استدلّ على كون القبض سنّة بين ضعيف الدلالة، أو ضعيف السند، أو كليهما.

الثالث: إذا كان القبض من سنن الصلاة لما خالفه أئمّة أهل البيت قاطبة حتى عدّوه من سنّة المجوس كما ستوافيك روايتهم.

الرابع: انّ الأمر دائر بين البدعة والسنّة ، ومقتضى الاحتياط هو ترك القبض، لأنّ في الأخذ احتمال الحرمة وارتكاب البدعة، بخلاف الترك فليس فيه إلاّ ترك أمر مسنون، وهو ليس أمراً محظوراً.

الخامس: العجب من فقهاء أهل السنّة انّهم طرقوا جميع الأبواب إلاّ باب أئمة أهل البيت « عليهم السَّلام » !!


(192)

أحاديث أئمة أهل البيتعليهم السَّلام

إنّ أئمّة أهل البيت كانوا يتحرّزون عن القبض ويرونه من صُنع المجوس أمام الملك.

1. روى محمد بن مسلم، عن الصادق أو الباقر« عليه السَّلام » قال: قلت له: الرجل يضـع يده في الصلاة ـ وحكي ـ اليمنـى على اليسـرى؟ فقـال: «ذلـك التكفير، لا يُفعـل».(1)

2. وروى زرارة، عن أبي جعفر « عليه السَّلام » أنّه قال: «وعليك بالإقبال على صلاتك، ولا تكفّر، فإنّما يصنع ذلك المجوس».(2)

3. روى الصدوق بإسناده عن علي« عليه السَّلام » أنّه قال: «وعليك بالإقبال على صلاتك، ولا تكفّر، فإنّما يصنع ذلك المجوس».(3)

4. روى الصدوق بإسناده عن علي« عليه السَّلام » أنّه قال: «لا يجمع المسلم يديه في صلاته وهو قائم بين يدي اللّه عزّ وجلّ يتشبّه بأهل الكفر ـ يعني المجوسـ».(4)

وفي الختام نلفت نظر القارئ إلى كلمة صـدرت مـن الدكتور علي السالوس، فهو بعد ما نقل آراء فقهاء الفريقين، وصف القائلين بالتحريم والإبطـال بقولـه: «وأُولئك الذين ذهبوا إلى التحريم والإبطـال، أو التحـريم فقط، يمثّلون التعصب المذهبي وحبّ الخلاف، تفريقاً بين المسلمين».(5)

ما ذنب الشيعة إذا هداهم الاجتهاد والفحص في الكتاب والسنّة إلى أنّ


1 . الوسائل:4، الباب15 من أبواب قواطع الصلاة، الحديث1.
2 . الوسائل: 4 البـاب 15 من أبـواب قواطـع الصلاة، الحديـث 2 و3و7.
3 . الوسائل: 4 البـاب 15 من أبـواب قواطـع الصلاة، الحديـث 2 و3و7.
4 . الوسائل: 4 البـاب 15 من أبـواب قواطـع الصلاة، الحديـث 2 و3و7.
5 . فقه الشيعة الإمامية ومواضع الخلاف بينه و بين المذاهب الأربعة:183.


(193)

القبض أمر حدث بعد النبي الأكرم، وكان الناس يُؤمرون بذلك أيام الخلفاء، فمن زعم أنّه جزء من الصلاة فرضاً أو استحباباً، فقد أحدث في الدين ما ليس منه، أفهل جزاء من اجتهد، أن يُرمى بالتعصب المذهبي وحب الخلاف؟!

ولو صح ذلك، فهل يمكن توصيف الإمام مالك به؟ لأنّه كان يكره القبض مطلقاً، أو في الفرض أفهل يصح رمي إمام دار الهجرة بأنّه كان يحب الخلاف؟!

أجل لماذا لا يكون عدم الإرسال والقبض ممثلاً للتعصب المذهبي وحبّ الخلاف بين المسلمين، يا ترى؟!

(تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى).(1)


1 . النجم:22.


(194)

(195)

5
البسلمة
جزئيّتها والجهر بها


(196)

(197)

تمهيد

البسملة في اللغة والاصطلاح

البسملة في اللغة والاصطلاح: قول بسم اللّه الرّحمن الرحيم، يقال بَسْمَل بَسْمَلة: إذا قال أو كتب «بسم اللّه»، يقال: أكثر من البسملة، أي أكثر من قول بسم اللّه.(1)

البسملة هي سمة المسلمين حيث لا يستفتحون بشيء إلاّ بعد ذكر بسم اللّه الرحمن الرّحيم، وهي آية التوحيد وسبب نفر المشركين، يقول سبحانه: (وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا للرَّحمن قالُوا وَمَا الرحمنُ أنسجُدُ لِما تأمُرنا وَزادَهُمْ نُفُوراً).(2)

وقد كان شعار المشركين في عصر الجاهلية قولهم: «باسمك اللهم» وكانوا يستفتحون بذلك كلامهم. وقد آل الأمر في صلح الحديبية إلى كتابة وثيقة صلح بين الطرفين، أمرَ النبي عليّاً « عليه السَّلام » أن يكتب : بسم اللّه الرحمن الرحيم، فكتب علي وفق ما أُمِر، فقال سهيل مندوب قريش:لا أعرف هذا ولكن اكتب باسمك اللهم.(3)

فالبسملة هي الحد الفاصل بين الإسلام والشرك، وبها يميّز المؤمن عن


1 . لسان العرب والمصباح المنير: مادة بسملة.
2 . الفرقان:60.
3 . سيرة ابن هشام:2/317.


(198)

الكافر، ولا ينفك المسلم منها في حِلّه و ترحاله.

البسملة آية قرآنية تشهد عليها المصاحف عبر القرون، وقد كتبت في مفتتح كلّ سورة خلا سورة التوبة، كتبوها كما كتبوا غيرها من سائر الآيات بدون ميز مع اتّفاقهم على أن لا يكتبوا شيئاً من غير القرآن فيه إلاّبميزة بيّنة حرصاً منهم على أن لا يختلط به شيء من غيره.

ولذلك تراهم ميّزوا عنه أسماء سوره، وعدد آياته، ورموز أجزائه، وأرباعه، وركوعه وسجوده، كتبوها على نحو يعلم أنّها خارجة عن القرآن، وفي الوقت نفسه اتّفقوا على كتابة البسملة مفتتح كلّ سورة كسائر الآيات دون فرق بين الخلف والسلف، ولا تجد قرآناً مخطوطاً من عهد الصحابة إلى يومنا هذا على غير هذا النمط، وهذااتّفاق عملي منهم على أنّ البسملة جزء من المصحف.

غير انّه طرأ الاختلاف بعد رحيل الرسول « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »، والأظهر انّ الاختلاف ظهر في خلافة معاوية بن أبي سفيان أو قبله بقليل، وأمّا ما هي العلّة لطروء هذا الاختلاف، فلعلّ بعض الدواعي له، هو المخالفة لسيرة الإمام علي « عليه السَّلام » في البسملة حيث أطبق الجميع على أنّ علي بن أبي طالب كان يجهر بها.

قال الرازي: وأمّا انّ علي بن أبي طالب فقد كان يجهر بالتسمية وقد ثبت بالتواتر، وكان يقول: يا مَنْ ذِكْره شَرف للذاكرين.(1)

وقد تضافرت الروايات عن النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » وأهل بيته وأصحابه، على أنّ كون البسملة جزء من الفاتحة وانّها يجب الجهر بها في الصلوات الجهرية، كما أنّها جزء من كلّ سورة.

وتظهر حقيقة الحال في ضمن فصول.


1 . التفسير الكبير:1/204.


(199)
1
فضل البسملة

قد ورد في فضل البسملة أحاديث كثيرة نقتبس منها القليل:

1. قال رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »: «فُضِّلتُ ببسم اللّه الرحمن الرحيم» وقال: «لم تنزل على أحد غيري سوى ما حكاه اللّه سبحانه من كتاب سليمان».(1)

2. قال الإمام الباقر « عليه السَّلام » : «أكرم آية في كتاب اللّه: بسم اللّه الرّحمن الرّحيم».(2)

3. أخرج الشيخ الطوسي عن عبد اللّه بن يحيى الكاهلي، عن الصادق، عن أبيه « عليهما السَّلام » قال: «بسم اللّه الرّحمن الرّحيم أقرب إلى اسم اللّه الأعظم من ناظر العين إلى بياضها».(3)


1 . كنز العمال:1/655 رقم 2492; تفسير ابن كثير: 1/17; بحارالأنوار: 89/227رقم4.
2 . تفسير العياشي:1/19رقم4.
3 . التهذيب:2/289رقم 1159.


(200)

2
أقوال الفقهاء في جزئيّة البسملة

قد ذكر القرطبي أقوال أئمّة المذاهب الأربعة بوضوح، فقال:

اختلفوا في قراءة بسم اللّه الرحمن الرحيم في افتتاح القراءة في الصلاة.

1. فمنع ذلك مالك في الصلاة المكتوبة ـ جهراً كانت أو سراً ـ لا في استفتاح أُمّ القرآن ولا في غيرها من السور، وأجاز ذلك في النافلة.

2. وقال أبوحنيفة والثوري وأحمد: يقرؤها مع أُمّ القرآن في كلّ ركعة سراً.

3.وقال الشافعي: يقرؤها ولابدّ في الجهر جهراً وفي السرّ سرّاً، وهي عنده آية من فاتحة الكتاب، وبه (كون البسملة آية من فاتحة الكتاب) قال أحمد و أبو ثور وعبيد.

واختلف قول الشافعي هل هي آية من كلّ سورة أم إنّما هي آية من سورة النمل فقط ومن فاتحة الكتاب؟ فرُوي عنه القولان جميعاً.

وسبب الاختلاف من هذا آيل إلى شيئين:

أحدهما: اختلاف الآثار في هذا الباب.

والثاني: اختلافهم هل «بسم اللّه الرحمن الرحيم» آية من فاتحة الكتاب أم لا؟(1)


1 . بداية المجتهد:1/124.


(201)

وقال الشيخ الطوسي: بسم اللّه الرّحمن الرّحيم آية من كلّ سورة من جميع القرآن، وهي آية من أوّل سورة الحمد.

وقال الشافعي: إنّها آية من أوّل الحمد بلا خلاف بينهم، وفي كونها آية من كلّ سورة قولان:

أحدهما: انّها آية من أوّل كلّ سورة، والآخر: انّها بعض آية من كلّ سورة وإنّما تتمّ مع ما بعدها فتصير آية.

وقال أحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيدة وعطاء والزهري وعبد اللّه بن المبارك: إنّها آية من أوّل كلّ سورة حتّى أنّه قال: من ترك بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ترك مائة وثلاث عشرة آية.

وقال أبو حنيفة ومالك والأوزاعي وداود: ليست آية من فاتحة الكتاب ولا من سائر السور.

وقال مالك والأوزاعي وداود: يكره أن يقرأها في الصلاة بل يكبّر، ويبتدي بالحمد إلاّ في شهر رمضان، والمستحب أن يأتي بها بين كلّ سورتين تبركاً للفصل، ولا يأتي بها في أوّل الفاتحة.(1)

وحاصل الأقوال: إنّ مالكاً لا يرى البسملة جزءاً من السور مطلقاً، وأمّا الحنفية والحنابلة فيرونها جزءاً من فاتحة الكتاب لكن يقرأونها سراً.

وأمّا الشافعية فيرونها جزءاً من فاتحة الكتاب، ويقرأونها في الجهر جهراً وفي السرّ سرّاً، وأمّا كونها جزءاً من سائر السور ففيه عن الشافعي قولان.

وأمّا الشيعة الإمامية فليس عندهم إلاّقول واحد، وهو انّ البسملة جزء من


1 . الخلاف:1/328، المسألة82 من كتاب الصلاة.


(202)

كلّ سورة، ويجهر بها في الصلوات الجهرية وجوباً وفي الصلوات السرية استحباباً.

وأبعد الأقوال بالنسبة إليهم قول مالك حيث إنّ البسملة عنده ليست آية من القرآن إلاّفي سورة النمل فانّها جزء من آية ويكره قراءتها بصلاة فرض للإمام وغيره قبل الفاتحة أو سورة بعدها.

وأين هذا القول من كلام الإمام الصادق « عليه السَّلام » حيث قال مندِّداً لمن يترك البسملة في الصلاة ويرى الجهر بها بدعة، فقال:

«ما لهم عمدوا إلى أعظم آية في كتاب اللّه عزّ وجلّ فزعموا انّها بدعة إذا أظهروها، وهي بسم اللّه الرّحمن الرّحيم».(1)

وتحقيق المقام يقتضي البحث في الأُمور التالية:

الأوّل: هل البسملة جزء من الفاتحة أم لا؟

الثانية: لو افترضنا انّها جزء فهل يجهر بها في الصلوات الجهرية؟

الثالثة: هل البسملة جزء من سائر السور أم لا؟

ونستعرض في كلِّ مورد أدلّة الأقوال مع القضاء الحاسم بإذن اللّه سبحانه.


1 . تفسير العياشي:1/21، الحديث16.


(203)

3
البسملة جزء من الفاتحة

إنّ البسملة جزء من الفاتحة، ويدلّ عليه أُمور نذكرها تباعاً:

الأوّل: ما رواه الشافعي باسناده انّ معاوية قدم المدينة فصلّى بها، ولم يقرأ بسم اللّه الرحمن الرحيم، ولم يكبّر عند الخفض إلى الركوع والسجود، فلما سلّم ناداه المهاجرون والأنصار: يا معاوية، سرقتَ من الصلاة، أين بسم اللّه الرحمن الرحيم؟! وأين التكبير عند الركوع والسجود؟! ثمّ إنّه أعاد الصلاة مع التسمية والتكبير.

قال الشافعي: إنّ معاوية كان سلطاناً عظيم القوة، شديد الشوكة، فلولا انّ الجهر بالتسمية كان كالأمر المتقرر عند كلّ الصحابة من المهاجرين والأنصار، وإلاّلما قدروا على إظهار الإنكار عليه بسبب ترك التسمية.(1)

ونحن نقول: ولولا انّ التسمية جزء من الفاتحة لما اعترض المهاجرون والأنصار على تركها مضافاً إلى ترك الجهر بها. وهذا الأثر كما يدلّ على جزئيّة التسمية، يدلّ على لزوم الجهر بها، فيستدلّ به في كلا الموردين.

الثاني: روى الشافعي عن مسلم، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن أُمّ سلمة انّها قالت: قرأ رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » فاتحة الكتاب فعدّ بسم اللّه الرحمن الرحيم


1 . مسند الشافعي: 13، ونقله الرازي بتمامه في تفسيره الكبير:1/204و المستدرك:1/233.


(204)

آية، الحمد للّه ربّ العالمين آية، الرحمن الرحيم آية، مالك يوم الدين آية، اياك نعبد واياك نستعين آية، اهدنا الصراط المستقيم آية، صراط الذين انعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين آية.(1) وهذا نص صريح على الجزئيّة.

الثالث: أخرج الحاكم عن أُمّ سلمة انّ رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » قرأ في الصلاة بسم اللّه الرحمن الرّحيم فعدها آية، الحمد للّه ربّ العالمين آيتين، الرّحمن الرّحيم ثلاث آيات، مالك يوم الدين أربع آيات، وقال: هكذا إيّاك نعبد وإيّاك نستعين، وجمع خمس أصابعه.(2)

الرابع: أخرج الحاكم عن أُمّ سلمة، قالت: كان النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » يقرأ بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، الحمد للّه ربّ العالمين يقطعها حرفاً حرفاً.

قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وأقرّه على صحّته الذهبي في تلخيصه.(3)

الخامس: أخرج الحاكم عن نعيم المجمر، قال: كنت وراء أبي هريرة، فقرأ بسم اللّه الرّحمن الرّحيم قرأ بأُمّ القرآن حتّى بلغ ولا الضّالين، قال: آمين. وقال الناس: آمين، ويقول كلّما سجّد: اللّه أكبر، ويقول إذا سلم:والذي نفسي بيده انّي لأشبهكم صلاة برسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ».

قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقرره الذهبي في تلخيصه.(4)

السادس: أخرج الحاكم عن قتادة قال: سئل أنس بن مالك كيف كان


1 . المستدرك:1/232.
2 . المستدرك:1/232.
3 . المستدرك:1/232.
4 . المستدرك:1/232.


(205)

قراءة رسول اللّه؟ قال: كانت مدّاً، ثمّ قرأ : بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ويمد الرحيم.(1)

وقرره على ذلك الذهبي في تلخيصه.

السابع: أخرج الحاكم عن ابن جريج، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: (وَلَقَدْآتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثاني) قال: فاتحة الكتاب(بسم اللّه الرّحمن الرّحيم* الحمد للّه ربّ العالمين) ، وقرأ السورة. وقال ابن جريج: فقلت لأبي لقد أخبرك سعيد عن ابن عباس انّه قال: بسم اللّه الرحمن الرحيم، آية، قال: نعم.

قال الحاكم: هذا حديث صحيح ولم يخرجاه وتمام هذا الباب في كتاب الصلاة.(2)

الثامن: أخرج الثعلبي باسناده إلى أبي هريرة قال: كنت مع النبي« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » في المسجد إذ دخل رجل يصلّي، فافتتح الصلاة، وتعوّذ ثمّ قال: «الحمدللّه ربّ العالمين» فسمع النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » فقال: «يا رجل قطعت على نفسك الصلاة، أما علمت أنّ «بسم اللّه الرحمن الرّحيم» من الحمد؟ فمن تركها فقد ترك آية، ومن ترك آية فقد أفسد عليه صلاته.(3)

التاسع: أخرج الثعلبي عن علي انّه كان إذا افتتح السورة في الصلاة يقرأ«بسم اللّه الرّحمن الرّحيم» وكان يقول: من ترك قراءتها فقد نقص، وكان يقول: هي تمام السبع المثاني.(4)


1 . المستدرك:2/233.
2 . المستدرك:1/551، تفسير سورة الفاتحة.
3 . الدر المنثور:1/21.
4 . كنز العمال:2/297 رقم 4049.


(206)

العاشر: أخرج الثعلبي عن طلحة بن عبيد اللّه قال: قال رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »: من ترك «بسم اللّه الرّحمن الرحيم» فقد ترك آية من كتاب اللّه، وقد نزل عليّ فيما عدّ من أُمّ الكتاب «بسم اللّه الرحمن الرحيم».(1)

الحادي عشر: أخرج الدارقطني ـ وصحّحه ـ والبيهقي في السنن عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »: إذا قرأتم «الحمد» فاقرأوا«بسم اللّه الرحمن الرحيم» إنّها أُمّ القرآن، وأُمّ الكتاب، والسبع المثاني، و «بسم اللّه الرحمن الرحيم» إحدى آياتها .(2)

الثاني عشر: أخرج الطبراني في الأوسط والدارقطني والبيهقي عن نافع، انّ ابن عمر كان إذا افتتح الصلاة يقرأ بـ«بسم اللّه الرحمن الرحيم» في أُمّ القرآن وفي السورة التي تليها، ويذكر أنّه سمع ذلك من رسول اللّه.(3)

الثالث عشر: أخرج أبو داود والترمذي والدارقطني والبيهقي عن ابن عباس قال: كان النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » يفتتح صلاته بـ«بسم اللّه الرحمن الرّحيم».(4)

الرابع عشر: أخرج الدارقطني والبيهقي عن أبي هريرة «انّ النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » كان إذا قرأ ـ و هو يؤم الناس ـ افتتح بـ«بسم اللّه الرّحمن الرحيم» قال أبو هريرة: هي آية من كتاب اللّه، اقرأوا إن شئتم فاتحة القرآن، فانّها الآية السابعة.(5)

الخامس عشر: أخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر انّه كان يقرأ في


1 . كنزالعمال: 1/556برقم2494.
2 . الدرالمنثور:1/11; السنن الكبرى:2/45.
3 . المعجم الأوسط:1/257; السنن الكبرى:2/48; مجمع الزوائد:2/109.
4 . سنن الترمذي:1/155، ح245; سنن الدارقطني:1/303; السنن الكبرى:2/47.
5 . السنن الكبرى:2/47; سنن الدارقطني:1/305.


(207)

الصلاة «بسم اللّه الرّحمن الرّحيم» فإذا ختم السورة قرأها يقول: ما كتبت في المصحف إلاّ لتقرأ.(1)

السبع المثاني هي فاتحة الكتاب

قد تضافرت الآثار عن علي وابن مسعود وغيرهما من الصحابة وكثير من التابعين على أنّ المراد من السبع المثاني في قوله سبحانه: (وَلَقَدْ َآتيناكَ سَبعاً مِن المَثَانِيَ والقُرآنَ العَظِيم)(2) هذا من جانب، ومن جانب آخر، انّ آياتها لا تبلغ سبعاً إلاّ إذا عُدّ البسملة آية منها، فإليك الكلام في المقامين.

أمّا ما دلّ على المراد من السبع المثاني هو سورة الفاتحة، فهو على قسمين:

ما يفسر السبع المثاني بفاتحة الكتاب من دون تصريح بأنّ البسملة جزء من فاتحة الكتاب.

ما يفسر السبع المثاني بفاتحة الكتاب مع التصريح بأنّ البسملة من آياتها.

أمّا القسم الأوّل فإليك بعض ما وقفنا عليه لا كلّه، لأنّه يوجب الإطناب في الكلام.

1. أخرج الطبري عن عبد خير، عن علي « عليه السَّلام » قال: «السبع المثاني فاتحة الكتاب».(3)

2. أخرج الطبري عن ابن سيرين قال: سئل ابن مسعود عن سبع من المثاني، قال: فاتحة الكتاب.(4)

3. أخرج الطبري عن الحسن في قوله (وَلَقَدْ آتيناك سَبعاً من المثاني)


1 . شعب الإيمان:2/439ـ 440، ح2336.
2 . الحجر:87
3 . تفسير الطبري:14/37.
4 . تفسير الطبري:14/37.


(208)

قال: هي فاتحة الكتاب.

وأخرج أيضاً عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: فاتحة الكتاب.

4. أخرج الطبري عن أبي فاختة في هذه الآية(وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثاني والقرآن العظيم) قال: هي أُمّ الكتاب.(1)

5. أخرج الطبري عن أبي العالية في قول اللّه: (وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثاني) قال: فاتحة الكتاب سبع آيات، قلت لربيع: إنّهم يقولون السبع الطول فقال: لقد أنزلت هذه وما أنزل من الطول شيء.

6. أخرج الطبري عن أبي العالية قال: فاتحة الكتاب، قال: وإنّما سمّيت المثاني، لأنّه يثنّى بها كلّما قرأ القرآن قرأها، فقيل لأبي العالية: إنّ الضحاك بن مزاحم يقول: هي السبع الطول، فقال: لقد نزلت هذه السورة سبعاًمن المثاني وما نزل شيء من الطول.

7. أخرج الطبري عن عبد اللّه بن عبيد بن عمير قال: السبع من المثاني هي فاتحة الكتاب .

8. أخرج الطبري عن ابن جريج عن ابن مليكة قال: (وَلَقَدْآتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثاني) قال: فاتحة الكتاب، وذكر فاتحة الكتاب لنبيّكم « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » لم تذكر لنبي قبله.

9. أخرج الطبري عن أبي هريرة، عن أبيّ قال: قال رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »: ألا أُعلّمك سورة ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها، قلت: بلى.

قال: إنّـي لأرجو أن لا تخرج من ذلك الباب حتّى تعلّمها، فقام رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »


1 . تفسير الطبري:14/38.


(209)

وقمت معه فجعل يحدثني ويده في يدي، فجعلت أتباطأ كراهية أن يخرج قبل أن يخبرني بها، فلمّا قرب من الباب قلت: يا رسول اللّه السورة التي وعدتني، قال: كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة؟ قال: فقرأ فاتحة الكتاب، قال: هي هي، وهي السبع المثاني التي قال اللّه تعالى:(وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثاني والقرآن العظيم) الذي أعطيت.(1)

وأخرجه الحاكم في «المستدرك» وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.(2)

10. أخرج الطبري عن أبي هريرة، عن رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » قال: هي أُمّ القرآن وهي فاتحة الكتاب وهي السبع المثاني.(3)

11. أخرج الطبري عن أبي هريرة، عن النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » في فاتحة الكتاب، قال: هي فاتحة الكتاب وهي السبع المثاني والقرآن العظيم.(4)

وأمّا القسم الثاني و هو ما يفسر السبع المثاني بفاتحة الكتاب ويجعل البسملة أوّل آية منها.

12. أخرج ابن جرير وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والحاكم ـ وصحّحه ـ والبيهقي في سننه عن ابن عباس انّه سُئل عن السبع المثاني، قال: فاتحة الكتاب استثناها اللّه لأُمّة محمّد، فرفعها في أُمّ الكتاب، فدخرها لهم حتى أخرجها ولم يعطها أحداً قبله، قيل: فأين الآية السابعة؟ قال: بسم اللّه الرحمن الرحيم .(5)

13. أخرج الطبري عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً


1 . تفسير الطبري:14/40.
2 . المستدرك:2/258.
3 . تفسير الطبري:14/41.
4 . تفسير الطبري:14/41.
5 . الدر المنثور:5/94.


(210)

مِنَ الْمَثاني) قال: فاتحة الكتاب، فقرأها على ست، ثمّ قال: بسم اللّه الرحمن الرحيم، الآية السابعة.

قال سعيد: وقرأها ابن عباس عليَّ كما قرأها عليك، ثمّ قال: الآية السابعة، بسم اللّه الرحمن الرحيم.(1)

14. أخرج الطبري عن سعيد بن جبير، قال: قال لي ابن عباس: فاستفتح ثمّ قرأ فاتحة الكتاب ثمّ قال: تدري ما هذا(وَلَقَدْآتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثاني).

ولا شهادة في قوله: «فاستفتح ثمّ قرأ فاتحة الكتاب» على خروج البسملة من جوهرها، وذلك لأنّ البسملة لما كانت موجودة في صدر عامة السور فأشار إلى البسملة بقوله: «فاستفتح» ثم أشار إلى سائر آياتها التي تتميز عن سائر السور بقوله: «ثمّ قرأ فاتحة الكتاب».

وبما ذكرنا يفسر الحديث التالي:

15. أخرج الطبري عن أبي سعيد بن المعلى انّ النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » دعاه وهو يصلّي فصلّى ثمّ أتاه فقال: ما منعك أن تجيبني، قال: إنّي كنت أُصلّي، قال: ألم يقل اللّه (يا أَيُّها الّذِين آمنُوا اسْتَجِيبُوا للّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحييكُمْ)(2) ، قال: ثمّ قال رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »لأُعلمنك أعظم سورة في القرآن، فكأنّه بيّنها أو نسي، فقلت: يا رسول اللّه الذي قلت.

قال : الحمد للّه ربّ العالمين، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أُوتيته.(3)


1 . تفسير الطبري:14/38.
2 . الأنفال:24.
3 . تفسير الطبري:14/41.


(211)

16.أخرج الدارقطني والبيهقي عن أبي هريرة «انّ النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » كان إذا قرأ ـ وهو يؤم الناس ـ افتتح «بسم اللّه الرحمن الرحيم» قال أبو هريرة: آية من كتاب اللّه، اقرأوا إن شئتم فاتحة الكتاب، فانّها الآية السابعة.(1)

17. أخرج الدارقطني والبيهقي في السنن بسند صحيح عن عبد خير، قال: سئل علي رضي اللّه عنه عن السبع المثاني، فقال: «الحمد للّه ربّ العالمين » فقيل له: إنّما هي ست آيات! فقال: «بسم اللّه الرّحمن الرّحيم» آية.(2)

18. أخرج ابن الأنباري في المصاحف عن أُمّ سلمة قالت: قرأ رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » (بسم اللّه الرّحمن الرّحيم * الحمد للّه ربّ العالمين* الرّحمن الرّحيم* مالك يوم الدين * اياك نعبد واياك نستعين*اهدنا الصراط المستقيم*صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) وقال: هي سبع يا أُمّ سلمة.(3)

فاتحة الكتاب سبع آيات مع البسملة

إنّ فاتحة الكتاب آيات سبع إذا قلنا بكون التسمية جزءاً منها ولذلك ترى أنّ المصاحف المعروفة تعد البسملة آية من سورة الفاتحة وإن كان يترك عدّها آية من سائر السور، وعلى ذلك يكون عدد الآيات سبعاً كالشكل التالي:

(بسم اللّه الرّحمن الرحيم * الحَمدُ للّه رَبّ العالمين * الرّحمن الرَّحيم * مالكِ يَوم الدِّين * إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعين * إِهدِنا الصِّراط المُسْتَقيم * صِراطَ الَّذِينَ أَنعمت عَلَيْهِم غَير المَغضُوب عَلَيْهِمْ وَلا الضّالّين).


1 . السنن الكبري:2/47; سنن الدارقطني:1/305.
2 . سنن الدارقطني:1/311; السنن الكبرى:2/45.
3 . الدرالمنثور:1/12.


(212)

فترى أنّ كلّ آية جملة تامة، وأمّا من لم يجعل التسمية من السبع فقد جعل(صراط الّذين أنعمت عليهم)آية، (غيرالمغضوب عليهم ولا الضّالين) آية أُخرى، ومعنى ذلك جعل المبدل منه آية والبدل آية أُخرى، وهذا ما لا يستسيغه الذوق السليم.

كما أنّ من حاول أن يجعل (إيّاك نعبد) آية، (وإيّاك نستعين) آية أُخرى فقد سلك مسلكاً وعراً، فإنّ الجملتين كسبيكة واحدة تنص على التوحيد في العبادة والاستعانة فما معنى الفصل بينهما.

هذا بعض ما وقفنا عليه من روايات أهل السنّة الدالة على أنّ البسملة جزء من الفاتحة، ويدلّ عليه أيضاً أمران آخران:

1. ما سيمرّ عليك من أنّ النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » وأصحابه كانوا يجهرون بالبسملة.

2. ما يدلّ على أنّ البسملة جزء من كلّ سورة.

غير انّه رعاية لنظام البحث فصلنا ما يدلّ على الجهر بالبسملة في قراءة الفاتحة عن ذكر البسملة، كما فصلنا ما يدلّ على أنّ البسملة جزء من كلّ سورة.

روايات أئمّة أهل البيتعليهم السَّلام

أمّا ما روي عن أئمّة أهل البيتعليهم السَّلام فحدِّث عنه ولا حرج، ولنذكر بعض ما روي عنهمعليهم السَّلام :

1. أخرج الشيخ في «التهذيب» عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد اللّه« عليه السَّلام » عن السبع المثاني والقرآن العظيم، أهي الفاتحة؟ قال: «نعم»، قلت: بسم اللّه الرّحمن الرحيم من السبع؟ قال: نعم، هي أفضلهن.(1)


1 . التهذيب:2/289، برقم1157.


(213)

2. أخرج الشيخ في «التهذيب» عن عبد اللّه بن يحيى الكاهلي، عن أبي عبد اللّه « عليه السَّلام » ، عن أبيه قال: «بسم اللّه الرّحمن الرّحيم أقرب إلى اسم اللّه الأعظم من ناظر العين إلى بياضها».(1)

3. أخرج الكليني عن معاوية بن عمّار، قال: قلت لأبي عبد اللّه « عليه السَّلام » : إذا قمت للصلاة أقرأ بسم اللّه الرّحمن الرحيم في فاتحة الكتاب؟ قال: «نعم».(2)

4. أخرج الصدوق في «عيون الأخبار» عن الحسن بن علي العسكري« عليه السَّلام »، قال: قيل لأمير المؤمنين « عليه السَّلام » أخبرنا عن بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، أهي من فاتحة الكتاب؟ قال: «نعم، كان رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » يقرأها ويعدها آية، ويقول: فاتحة الكتاب هي السبع المثاني».(3)

إلى غير ذلك ممّا ورد عن أئمّة أهل البيتعليهم السَّلام في جزئيّة البسملة من الفاتحة.

ويؤيّد ذلك أنّ المأثور المشهور عن رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » قوله: «كلّ أمر ذي بال لا يبدأ ببسم اللّه أقطع، وكلّ أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم اللّه فهو أبتر أو أجذم».(4)

ومن المعلوم أنّ القرآن أفضل ما أوحاه اللّه تعالى إلى أنبيائه ورسله وانّ كلّ سورة منه ذات بال وعظمة تحدّى اللّه بها البشر فعجزوا عن أن يأتوا بمثلها، فهل يمكن أن يكون القرآن أقطع؟ تعالى اللّه وتعالى فرقانه الحكيم وتعالت سوره عن ذلك علوّاً كبيراً.


1 . التهذيب:2/289، برقم 1159.
2 . الكافي:3/312، الحديث1.
3 . عيون أخبار الرضا:2/11.
4 . التفسير الكبير:1/198.


(214)

والصلاة هي الفلاح وهي خير العمل كما ينادى به في أعلى المنائر والمنابر ويعرفه البادي والحاضر، لا يوازنها ولا يكايلها شيء بعد الإيمان باللّه تعالى وكتبه ورسله واليوم الآخر، فهل يجوز أن يشرعها اللّه تعالى بتراء جذماء؟! انّ هذا لا يجرؤ على القول به برّ ولا فاجر، لكن الأئمّة البررة مالكاًوالأوزاعي وأبا حنيفة رضي اللّه عنهم ذهلوا عن هذه اللوازم، وكلّ مجتهد في الاستنباط من الأدلّة الشرعية معذور ومأجور إن أصاب وإن أخطأ.(1)


1 . مسائل فقهية:28ـ 29.


(215)

4
التسمية ولزوم الجهر بها

قد أثبت البحث السالف الذكر انّ التسمية جزء من فاتحة الكتاب ومن صميمها، فلا تتم السورة إلاّبقراءتها، وأمّا الجهر بها فحكمه كحكم سائر أجزاء السورة، فلو كانت الصلاة من الصلوات الجهرية يجب الجهر بها ما لم يدلّ دليل على جواز المخافتة، مضافاً إلى أنّه قد تضافرت الروايات على لزوم الجهر بها، ويستفاد ذلك من الروايات التالية:

1. أخرج الحاكم عن أبي هريرة قال: كان رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » يجهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم.(1)

2. أخرج الحاكم عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » جهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم. وقال: رواة هذا الحديث عن آخرهم ثقات، وأقرّه على ذلك الذهبي في تلخيصه.(2)

3. أخرج الحاكم في مستدركه عن محمد بن أبي السري العسقلاني ، قال: صليت خلف المعتمر بن سليمان ما، لا أحصي صلاة الصبح والمغرب فكان يجهر


1 . المستدرك:1/232.
2 . المستدرك:1/232.


(216)

ببسم اللّه الرحمن الرحيم قبل فاتحة الكتاب وبعدها، وسمعت المعتمر يقول: ما آلو أن اقتدي بصلاة أبي، وقال أبي: ما آلو أن اقتدي بصلاة أنس بن مالك، وقال أنس بن مالك: ما آلو أن اقتدي بصلاة رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ».

رواة هذا الحديث عن آخرهم ثقات، وأقرّه على ذلك الذهبي في تلخيصه.(1)

4. أخرج الحاكم عن حُميد الطويل، عن أنس، قال: صلّيت خلف النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » وخلف أبي بكر وخلف عمر وخلف عثمان وخلف علي كلّهم كانوا يجهرون بقراءة بسم اللّه الرحمن الرحيم ، ثمّ قال:

وقد بقي في الباب عن أمير المؤمنين عثمان و علي، وطلحة بن عبيد اللّه، وجابر بن عبد اللّه، وعبد اللّه بن عمر، والحكم بن عمير الثمالي، والنعمان بن بشير، وسمرة بن جندب، وبريدة الأسلمي، وعائشة بنت الصديق كلّها مخرجة عندي في الباب، تركتها إيثاراً للتخفيف واختصرت منها ما يليق بهذا الباب، وكذلك ذكرت في الباب من جهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم من الصحابة والتابعين وأتباعهم.(2)

وبما انّ الكلام الأخير الذي يدّعي إطباق الأئمة على الجهر بالتسمية في الصلوات يخالف مذهب إمام الذهبي، فغاظ غيظه وادّعى انّ نسبة الجهر إلى هؤلاء كذب محض، ثمّ حلف على صدق مدّعاه مع أنّ النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » قال :«البينة على المدّعي واليمين على المنكر» فمن يدّعي الكذب فعليه البيّنة لا الحلف، وإلاّ ففي وسع كلّ من يرى الحديث مخالفاً لهواه وللمذهب الذي نشأ عليه، أن يحلف على كذبه.


1 . المستدرك:1/232.
2 . المستدرك:1/232.


(217)

5. ما رواه الإمام الشافعي في مسنده انّ معاوية قدم المدينة فصلّى بها ولم يقرأ بسم اللّه الرحمن الرحيم، فاعترض عليه المهاجرون والأنصار بقولهم: يا معاوية سرقت منّا الصلاة، أين بسم اللّه الرّحمن الرّحيم؟!

وعلّق عليه الشافعي بقوله: فلولا أنّ الجهر بالتسمية كان كالأمر المتقرر عند كلّ الصحابة من المهاجرين والأنصار، وإلاّ لما قدروا على إظهار الإنكار عليه بسبب ترك التسمية.

6. وأخرجه الحاكم بنحو آخر وقال: إنّ أنس بن مالك قال: صلّى معاوية بالمدينة صلاة فجهر فيها بالقراءة فقرأ فيها بسم اللّه الرحمن الرحيم لأُمّ القرآن ولم يقرأ بسم اللّه الرحمن الرحيم للسورة التي بعدها حتّى قضى تلك القراءة، فلمّا سلّم ناداه من سمع ذلك من المهاجرين والأنصار من كلّ مكان: أسرقت الصلاة أم نسيت؟! فلمّـا صلّى بعد ذلك قرأ بسم اللّه الرّحمن الرّحيم للسورة التي بعد أُمّ القرآن وكبّـر حين يهوي ساجداً.

قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم فقد احتج بعبد المجيد بن عبد العزيز وسائر الرواة متفق على عدالتهم، وأقرّه على ذلك الذهبي في تلخيصه.

7. قال الرازي في تفسيره : إنّ البيهقي روى الجهر ببسم اللّه الرّحمن الرحيم في سننه عن عمر بن الخطاب وابن عباس وابن عمر وابن الزبير، ثمّ قال الرازي ما هذا لفظه: وأمّا انّ علي بن أبي طالب كان يجهر بالتسمية فقد ثبت بالتواتر و من اقتدى في دينه بعلي بن أبي طالب فقد اهتدى، قال: والدليل عليه قول رسولاللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »: اللّهم أدر الحقّ مع علي حيث دار.(1)


1 . التفسير الكبير:1/204.


(218)

8. أخرج البزار و الدارقطني والبيهقي في «شعب الإيمان» من طريق أبي الطفيل قال سمعت علي بن أبي طالب وعمار يقولان: إنّ رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »كان يجهر في المكتوبات بـ«بسم اللّه الرحمن الرحيم» في فاتحة الكتاب.(1)

9. أخرج الدارقطني عن عائشة انّ رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » كان يجهر بـ«بسم اللّه الرّحمن الرّحيم».(2)

10. أخرج الدارقطني عن النعمان بن بشير قال: قال رسول اللّه: «أمّني جبرئيل « عليه السَّلام » عند الكعبة فجهر بـ«بسم اللّه الرحمن الرحيم».(3)

11. أخرج الدارقطني عن علي بن أبي طالب « عليه السَّلام » قال: كان النبي« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » يجهر بـ «بسم اللّه الرحمن الرحيم» في السورتين جميعاً.(4)

12. أخرج الدارقطني والحاكم والبيهقي عن أبي هريرة، وكان رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »يجهر بـ«بسم اللّه الرّحمن الرّحيم» في الصلاة و زاد البيهقي: «فترك الناس ذلك».(5)

13. أخرج الدارقطني عن عبد اللّه بن عمر قال: «صلّيت خلف النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » وأبي بكر وعمر فكانوا يجهرون بـ«بسم اللّه الرحمن الرحيم».(6)

14. أخرج الثعلبي عن علي بن زيد بن جدعان انّ العبادلة كانوا


1 . سنن الدار قطني:1/302; شعب الإيمان:2/436، الحديث 2322، باب تعظيم القرآن; الدر المنثور:1/21، 22.
2 . الدرالمنثور:1/23.
3 . سنن الدارقطني:1/309; الدر المنثور:1/22.
4 . سنن الدارقطني:1/302; الدرالمنثور:1/22.
5 . مستدرك الحاكم:1/208; السنن الكبرى:2/47; سنن الدارقطني:1/306.
6 . سنن الدارقطني:1/305; الدرالمنثور:1/22.


(219)

يستفتحون القراءة بـ«بسم اللّه الرحمن الرحيم» يجهرون بها: عبد اللّه بن عباس و عبد اللّه بن عمر، و عبد اللّه بن الزبير.(1)

15. أخرج البيهقي عن الزهري قال: من سنّة الصلاة أن تقرأ بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، وانّ أوّل من أسرّ «بسم اللّه الرحمن الرحيم» عمرو بن سعيد بن العاص بالمدينة وكان رجلاً حييّا.(2)

16. أخرج الدارقطني عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » علّمني جبرئيل الصلاة ، فقام فكبّر لنا ثمّ قرأ «بسم اللّه الرحمن الرحيم» فيما يجهر، في كلّ ركعة .(3)

17. أخرج الدارقطني عن الحكم بن عمير ـ وكان بدرياً ـ قال: صلّيت خلف النبي« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » فجهر في الصلاة بـ«بسم اللّه» و صلاة الليل، وصلاة الفجر وصلاة الجمعة.(4)

وقد احتجّ الرازي على لزوم الجهر بالتسمية في الصلوات الجهرية بما أوعزنا إليه في صدر البحث من أنّ حكم جزء السورة كحكم كلّها ولا يصحّ التبعيض بين الكل والجزء إلاّ بدليل قاطع، وقد ذكره الرازي باللفظ التالي:

قد دللنا على أنّ التسمية آية من الفاتحة، وإذا ثبت هذا فنقول: الاستقراء دلّ على أنّ السورة الواحدة إمّا أن تكون بتمامها سرية أو جهرية، فأمّا أن يكون بعضها سرياً وبعضها جهرياً فهذا مفقود في جميع السور، وإذا ثبت هذا كان الجهر بالتسمية مشروعاً في القراءة الجهرية.(5)


1 . الدر المنثور:1/21.
2 . الدرالمنثور:1/21.
3 . سنن الدارقطني:1/305; الدر المنثور:1/20، 21.
4 . سنن الدارقطني:1/308; الدر المنثور:1/22، 23.
5 . التفسير الكبير:1/204.


(220)

أئمّة أهل البيتعليهم السَّلام والجهر بالبسملة

تضافرت الروايات عن أئمّة أهل البيت « عليهم السَّلام » على الجهر بالبسملة، وكانت سيرة الإمام علي« عليه السَّلام » والأئمّة« عليهم السَّلام » بعده على الجهر بها، نقتطف شيئاً ممّا أثر عنهم:

18. أخرج الشيخ أبو الفتوح الرازي في تفسيره باسناده إلى الرضا، عن أبيه، عن الصادق « عليهم السَّلام » قال: «اجتمع آل محمّد « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »على الجهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم».(1)

19. أخرج علي بن إبراهيم في تفسيره باسناده عن ابن أُذينة قال: قال أبو عبد اللّه « عليه السَّلام »: «بسم اللّه الرحمن الرحيم» أحقّ ما جهر به وهي الآية التي قال اللّه عزّوجلّ: (وَإِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً)(2).(3)

20. أخرج الصدوق باسناده عن الأعمش عن جعفر بن محمد« عليهما السَّلام » انّه قال: «والإجهار ببسم اللّه الرحمن الرحيم في الصلاة واجب».(4)

21. أخرج الصدوق باسناده عن الفضل بن شاذان فيما كتبه الرضا للمأمون في بيان محض الإسلام جـاء فيه: «والإجهار ببسم اللّه الرحمن الرحيم في جميع الصلوات سنّة» .(5)

22. وعن الرضا « عليه السَّلام » انّه كان يجهر ببسم اللّه الرّحمن الرحيم في جميع صلواته بالليل والنهار.(6)


1 . روض الجنان:1/50 ; مستدرك الوسائل:4/189 رقم 4456.
2 . الإسراء:46.
3 . تفسير القمّي:1/28.
4 . الخصال:2/604، أبواب المائة فما فوقه، رقم 9.
5 . عيون أخبار الرضا :2/122، الباب35.
6 . عيون أخبار الرضا:2/181، الباب44 رقم5.


(221)

23. أخرج الكليني عن صفوان الجمّال قال: صلّيت خلف أبي عبد اللّه « عليه السَّلام » أيّاماً، فكان إذا كانت صلاة لايجهر فيها، جهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم، وكان يجهر في السورتين.(1)

24. أخرج العياشي عن خالد المختار قال: سمعت جعفر بن محمد يقول: «ما لهم عمدوا إلى أعظم آية في كتاب اللّه فزعموا انّها بدعة إذا أظهروها، وهي بسم اللّه الرحمن الرحيم».(2)

25. أخرج الكليني عن يحيى بن أبي عمران الهمداني قال: كتبت إلى أبي جعفر [الجواد] « عليه السَّلام » : جعلت فداك ما تقول في رجل ابتدأ ببسم اللّه الرحمن الرحيم في صلاته وحده في أُمّ الكتاب فلمّا صار إلى غير أُمّ الكتاب من السورة تركها، فقال العباسي: ليس بذلك بأس؟

فكتب بخطّه: «يعيدها ـ مرّتين ـ على رغم أنفه ـ يعني العباسي ـ».(3)

ولعلّ فيما ذكر من الروايات غنى وكفاية، لطالب الحقّ ورائد الحقيقة.


1 . الكافي:3/315، الحديث20.
2 . تفسير العياشي:1/21، الحديث16.
3 . الكافي:3/313، الحديث2.


(222)

5
حجّة القائلين بعدم جزئية البسملة
وحكم الجهر بها

وقد تجلّت الحقيقة بأجلى مظاهرها وظهرت بأوضح الدلائل، انّ البسملة جزء من الفاتحة وانّها يجهر بها في الصلوات الجهرية لزوماً، وهناك روايات غريبة بين ما يدلّ على أنّ النبي« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » إمّا تركها بتاتاً أو لم يجهربها، لكن مضمون بعضها أوضح دليل على كذبها ووضعها نذكرها تباعاً.

1. أخرج مسلم عن شعبة قال: سمعت قتادة يحدّث عن أنس قال: صلّيت مع رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » وأبي بكر وعمر و عثمان فلم أسمع أحداً منهم يقرأ بسم اللّه الرّحمن الرحيم.

2. وأخرجه أيضاً بسند آخر عن أنس بن مالك انّه قال: صلّيت خلف النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون بـ«الحمد للّه ربّ العالمين» لا يذكرون بسم اللّه الرحمن الرحيم في أوّل قراءة ولا في آخرها.(1)

يلاحظ عليه: بأنّه معارض بما أخرج الحاكم عن أنس بن مالك قال:


1 . صحيح مسلم:2/12 باب حجّة من قال لا يجهر بالبسملة.


(223)

سمعت رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » جهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم.(1)

فلأجل هذا التعارض لا يمكن الاعتماد عليه.

وقد كفانا الرازي في الإجابة عن الحديثين اللّذين هما العمدة في القول بالترك أو بالسرّ قال:

قال الشيخ أبو حامد الاسفرايني: روي عن أنس في هذا الباب ست روايات، أمّا الحنفية فقد رووا عنه ثلاث روايات:

إحداها قوله: صلّيت خلف رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »، وخلف أبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يستفتحون الصلاة بالحمد للّه ربّ العالمين.

وثانيتها قوله: إنّهم ما كانوا يذكرون بسم اللّه الرحمن الرحيم.

وثالثتها قوله: لم أسمع أحداً منهم قال بسم اللّه الرحمن الرحيم، فهذه الروايات الثلاث تقوي قول الحنفية، وثلاث أُخرى تناقض قولهم:

إحداها: ما ذكرنا أنّ أنساً روى أنّ معاوية لمّا ترك بسم اللّه الرحمن الرحيم في الصلاة أنكر عليه المهاجرون والأنصار، وقد بيّنا أنّ هذا يدلّ على أنّ الجهر بهذه الكلمات كالأمر المتواتر فيما بينهم.

وثانيتها: روى أبو قلابة عن أنس أنّ رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » و أبا بكر وعمر كانوا يجهرون ببسم اللّه الرّحمن الرحيم.

وثالثتها: أنّه سئل عن الجهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم والإسرار به فقال: لا أدري هذه المسألة.

فثبت أنّ الرواية عن أنس في هذه المسألة قد عظم فيها الخبط والاضطراب، فبقيت متعارضة فوجب الرجوع إلى سائر الدلائل.


1 . لاحظ ص215ـ216، الرواية 2و4.


(224)

قال الشافعي: لعلّ المراد من قول أنس كان رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » يستفتح الصلاة بالحمد للّه ربّ العالمين أنّه كان يقدّم هذه السورة في القراءة على غيرها من السور، فقوله : الحمد للّه ربّ العالمين المراد منه تمام هذه، فجعل هذه اللفظة اسماً لهذه السورة.

وأيضاً ففيها نكتة أُخرى، وهي أنّ عليّاً « عليه السَّلام » كان يبالغ في الجهر بالتسمية، فلما وصلت الدولة إلى بني أُميّة بالغوا في المنع من الجهر، سعياً في إبطال آثار علي « عليه السَّلام » ، فلعلّ أنساً خاف منهم، فلهذا السبب اضطربت أقواله فيه، ونحن و إن شككنا في شيء فانّا لا نشكّ أنّه مهما وقع التعارض بين قول أنس وقول علي بن أبي طالب « عليه السَّلام » الذي بقى عليه طول عمره، فانّ الأخذ بقول علي أولى، فهذا جواب قاطع في المسألة.

3. أخرج ابن أبي شيبة والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن عبد اللّه بن مغفل قال: سمعني أبي وأنا أقرأ «بسم اللّه الرّحمن الرّحيم» فقال: أي بُني محدِث؟ صلّيت خلف رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » وأبي بكر، وعمر وعثمان، فلم أسمع أحداً منهم جهر ببسم اللّه الرّحمن الرّحيم.(1)

وقد أجاب الرازي عن هذا الحديث بقوله: إنّ الجواب بوجوه:

الأوّل: أنّ راوي أخباركم أنس وابن المغفل، وراوي قولنا علي بن أبي طالب« عليه السَّلام » وابن عباس و ابن عمر و أبو هريرة، وهؤلاء كانوا أكثر علماً و قرباً من رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » من أنس و ابن المغفل.

الثاني: أنّ من المعلوم بالضرورة أنّ النبي « عليه السَّلام » كان يقدّم الأكابر على


1 . السنن للبيهقي:2/522; الدر المنثور:1/29.


(225)

الأصاغر، والعلماء على غير العلماء، والأشراف على الأعراب، ولا شكّ أنّ علياً وابن عباس وابن عمر كانوا أعلى حالاً في العلم والشرف وعلوّ الدرجة من أنس و ابن المغفل، والغاية على الظن أنّ علياً وابن عباس وابن عمر كانوا يقفون بالقرب من رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »، وكان أنس و ابن المغفل يقفان بالبعد منه، وأيضاً أنّه « عليه السَّلام » ما كان يبالغ في الجهر امتثالاً لقوله تعالى: (وَلا تَجْهَر بِصَلاَتِكَ ولا تُخافِتْ بِها)(1) ، وأيضاً فالإنسان أوّل ما يَشْرع في القراءة إنّما يَشْرع فيها بصوت ضعيف ثمّ لا يزال يقوى صوته ساعة فساعة، فهذه أسباب ظاهرة في أن يكون علي و ابن عباس وابن عمر و أبوهريرة سمعوا الجهر بالتسمية من رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » وإنّ أنساً و ابن المغفل ما سمعاه.

الثالث: لعلّ المراد من عدم الجهر في حديث ابن المغفل عدم المبالغة في رفع الصوت، كما قال تعالى: (وَلا تَجْهَر بِصَلاَتِكَ ولا تُخافِتْ بِها) .

الرابع: أنّ الدلائل العقلية موافقة لنا، وعمل علي ابن أبي طالب « عليه السَّلام » معنا، ومن اتّخذ علياً إماماً لدينه فقد استمسك بالعروة الوثقى في دينه ونفسه.

4. ما روي عن أبي هريرة، انّ النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » قال: يقول اللّه تعالى: قسمت الصلاة بيني و بين عبدي نصفين، فلما قال العبد: الحمد للّه ربّ العالمين، يقول اللّه تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: الرّحمن الرّحيم، يقول اللّه تعالى: أثنى عليَّ عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين، يقول اللّه تعالى: مجّدني عبدي، وإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين يقول اللّه تعالى: هذا بيني و بين عبدي.

والاستدلال بهذا الخبر من وجهين:

الأوّل: انّه عليه الصلاة والسلام لم يذكر التسمية ولو كانت آية من الفاتحة


1 . الإسراء:110.


(226)

لذكرها.

الثاني: انّه تعالى قال: جعلت الصلاة بيني و بين عبدي نصفين، والمراد من الصلاة، الفاتحة، وهذا التنصيف إنّما يحصل إذا قلنا بأنّ التسمية ليست آية من الفاتحة، لأنّ الفاتحة سبع آيات، فيجب أن يكون فيها للّه ثلاث آيات ونصف، وهي من قوله:(الحمد للّه) إلى قوله:(إيّاك نعبد) و للعبد ثلاث آيات و نصف وهي من قوله: (إيّاك نعبد وإيّاك نستعين) إلى آخر السورة.

أمّا إذا جعلنا «بسم اللّه الرحمن الرحيم» آية من الفاتحة حصل للّه أربع آيات ونصف وللعبد آيتان(1) ونصف، وذلك يبطل التنصيف المذكور.(2)

يلاحظ عليه أوّلاً: بأنّه معارض بخبر ابن عباس مرفوعاً وفيه: قسّمت الصلاة بيني و بين عبدي، فإذا قال العبد: بسم اللّه الرّحمن الرحيم، قال اللّه تعالى: دعاني عبدي إلى آخر الحديث، وقد اشتملت الرواية على البسملة وليست في مرفوعة ابن عباس كلمة نصفين، والتقسيم لا يستدعي المساواة من حيث العدد.

قال الرازي: إنّ لفظ النصف كما يحتمل النصف في عدد الآيات يحتمل النصف في المعنى، قال « عليه السَّلام »: الفرائض نصف العلم، وسمّـاه بالنصف من حيث إنّه بحث عن أحوال الأموات والموت والحياة قسمان.

وثانياً: انّ أبا هريرة روى عن رسول اللّه الجهر ببسم اللّه الرّحمن الرّحيم وكان هو يجهر بها ويقول: إنّي لأشبهكم صلاة برسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » ، وقد مرّ عليك حديثه في ذلك.(3)


1 . كذا في المصدر والصحيح: ثلاث.
2 . التفسير الكبير:1/201.
3 . انظر الحديث12.


(227)

5. روت عائشة انّ النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » كان يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد للّه ربّ العالمين، و هذا يدلّ على أنّ التسمية ليست آية من الفاتحة.

يلاحظ عليه: أنّ عائشة جعلت الحمد للّه ربّ العالمين اسماً لهذه السورة، كما يقال: قرأ فلان (الحمد للّه الّذي خلق السموات) والمراد انّه قرأ هذه السورة فكذا هاهنا.

أقول: ما أكثر التعبير عن مجموع السورة بالآية التي وردت في أوّلها فيقال: قرأ فلان سورة (قُل هُو اللّه أَحد) أو قرأ سورة (يسبح للّه ما في السموات) وما أشبه ذلك، فيكون معنى الحديث انّه كان يفتتح الصلاة بالتكبير وبقراءة هذه السورة التي أوّلها «بسم اللّه الرّحمن الرّحيم...الخ.(1)

ما يزيّفه التاريخ الصحيح

6. أخرج الطبراني من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »: إذا قرأ «بسم اللّه الرحمن الرحيم» هزأ منه المشركون وقالوا: محمد يذكر إله اليمامة، وكان مسيلمة يتسمّى الرحمان، فلمّـا نزلت هذه الآية أمر رسول اللّه أن لايجهر بها.(2)

وهو نفس ما أخرجه ابن داود عن سعيد بن جبير قال: كان رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » يجهر ببسم اللّه الرّحمن الرّحيم، وكان أهل مكة يسمّون مسيلمة «الرحمن» فقالوا: إنّ محمّداً يدعو إلى إله اليمامة، فأمر رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » بإخفائها فما جهر بها حتّى مات.(3)


1 . التفسير الكبير:1/202.
2 . المعجم الأوسط:5/89; الدر المنثور:1/29.
3 . الدر المنثور:1/29.


(228)

ولكن التاريخ يكذّب الرواية مهما صحّح سندها أو أرسلت إرسالَ المسلّم، لأنّه ما علا أمرُ مسيلمة إلاّفي السنة العاشرة من الهجرة، وأين هو من بدء الهجرة وصدر البعثة؟!

روى الطبري وغيره انّ مسيلمة وفد إلى النبي مع جماعة وأسلم، ولمّا عاد إلى موطنه ادّعى النبوة، والتفّ حوله عصابة من قومه تعصباً، وقد نقل انّ واحداً من أتباعه سأل مسيلمة ذات مرة وقال: من يأتيك؟

قال مسيلمة: رحمان.

قال السائل: أفي نور أم في ظلمة؟

فأجاب: في ظلمة.

فقال السائل: أشهد انّك كذّاب وانّ محمّداً صادق، ولكنّ كذّابَ ربيعة أحبّ إلينا من صادق مُضر.(1)

قال شيخنا «معرفة» في موسوعته الروائيّة للتفسير :كانت العرب تعرف «الرحمان» وانّه ربّ العالمين(وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ مَا عَبَدْناهُمْ)(2)، (قَالُوا ما أَنتُم إِلاّبَشرٌ مِثلُنا وَما أَنزلَ الرّحمنُ مِن شَيء)(3) وقد خاطبهم اللّه سبحانه بهذا الوصف أزيد من خمسين موضعاً، فكيف يا تُرى أنكروا وصفه تعالى بهذا الوصف وزُعِم أنّه مستعار من وصف صاحب اليمامة؟!

وأمّا قوله سبحانه: (وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا للرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحمنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُوراً) (4)، فليس إنكارهم دليلاً على عدم عرفانهم، فانّ قولهم: (وَما الرْحمن) مثل قول فرعون: (وما رَبُّ العالَمين)استهزاء بموضع


1 . تاريخ الطبري:2/508.
2 . الزخرف:20.
3 . يس:15 .
4 . الفرقان:60.


(229)

الكليم في دعوته إلى عبادة اللّه بما انّه إله واحد لا شريك له.

7. أخرج ابن شيبة عن ابن عباس قال: الجهر ببسم اللّه الرحمن الرحيم قراءة الاعراب.(1)

باللّه عليك هل كان الإمام علي « عليه السَّلام » الذي اشتهر بأنّه كان يجهر بها في صلواته عامة، من الأعراب؟! وهل الإمام الشافعي و من أخذ عنه أو أخذ منه ، الذين كانوا يجهرون بها في الصلوات الجهرية من الأعراب؟! (ما لكم كيف تحكمون) .

8. ونظيره ما أخرجه ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعي قال: جهر الإمام ببسم اللّه الرحمن الرحيم بدعة.(2)

وقد كانت الأئمة الذين أخذ إبراهيم عنهم الفقه، يجهرون بالتسمية فهل أخذ الفقه من المبدعة؟!

كلّ ذلك يشهد على أنّ عزو هذه الأقاويل إلى أئمّة الحديث والفقه، كذب مفترى.

إلى هنا تمّ الكلام في الأمرين التاليين:

أ . انّ التسمية جزء من الفاتحة.

ب. انّ التسمية يجهر بها في الصلوات الجهرية.


1 . مصنف ابن أبي شيبة:1/441; الدر المنثور:1/29.
2 . المصنف:1/448; الدر المنثور:1/ 29ـ30.


(230)
6
البسملة جزء من مفتتح كلّ سورة

قد أوقفك البحث السابق على أنّ التسمية جزء من الفاتحة، وأنّه يجب الجهر بها في الصلوات الجهرية بلا ريب.

بقي الكلام في البحث الثالث وهو انّ التسمية جزء من مفتتح كلّ سورة إلاّ سورة التوبة، ويدلّ على ذلك الأُمور التالية:

الأوّل : انّ الصحابة كافة فالتابعين أجمعين فسائر تابعيهم وتابعي التابعين في كلّ خلف من هذه الأُمّة منذ دُوّن القرآن إلى يومنا هذا مجمعون إجماعاً عملياً على كتابة البسملة في مفتتح كلّ سورة خلا براءة. كتبوها كما كتبوا غيرها من سائر الآيات بدون ميزة مع أنّهم كافة متصافقون على أن لا يكتبوا شيئاً من غير القرآن إلاّ بميزة بيّنة حرصاً منهم على أن لا يختلط فيه شيء من غيره، ألا تراهم كيف ميّزوا عنه أسماء سوره ورموز أجزائه وأحزابه وأرباعه وأخماسه وأعشاره فوضعوها خارجة عن السور على وجه يعلم منه خروجها عن القرآن احتفاظاً به واحتياطاً عليه، ولعلّك تعلم أنّ الأُمّة قل ما اجتمعت بقضّها وقضيضها على أمر كاجتماعها على ذلك، وهذا بمجرده دليل على أنّ بسم اللّه الرّحمن الرّحيم آية


(231)

مستقلة في مفتتح كلّ سورة رسمها السلف والخلف في مفتتحها.(1)

الثاني: أخرج الحاكم عن ابن عباس انّ النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » كان إذا جاءه جبرئيل فقرأ بسم اللّه الرّحمن الرّحيم علم أنّها سورة . هذا حديث صحيح الاسناد ولـم يخرجاه.(2)

الثالث: أخرج الحاكم عن ابن عباس(رض) قال: كان النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » لا يعلم ختم السورة حتّى تنزل بسم اللّه الرّحمن الرّحيم. قال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وأقرّه على صحّته الذهبي فـي تلخيص المستدرك.(3)

الرابع: أخرج الحاكم عن ابن عباس قال: كان المسلمون لا يعلمون انقضاء السورة حتّى تنزل بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، فإذا نزلت بسم اللّه الرّحمن الرّحيم علموا أنّ السورة قد انقضت.(4)

الخامس: روى ابن ضريس عن ابن عباس قال: بسم اللّه الرّحمن الرّحيم آية.(5)

السادس: أخرج الواحدي عن عبد اللّه بن عمر قال: أنزلت بسم اللّه الرّحمن الرّحيم في كلّ سورة.(6)


1 . مسائل فقهية:28.
2 . المستدرك:1/231.
3 . المستدرك:1/231.
4 . المستدرك:1/232.
5 . الدر المنثور:1/20.
6 . الدر المنثور:1/20.


(232)

السابع:أخرج الطبراني في الأوسط والدارقطني والبيهقي عن نافع انّ ابن عمر كان إذا افتتح الصلاة يقرأ بـسم اللّه الرّحمن الرّحيم في أُمّ القرآن وفي السورة التي تليها ويذكر انّه سمع ذلك من رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ».(1)

(وتَمَّـت كَلمَةُ رَبِّكَ صِـدْقاً وَعَـدْلاً لا مُبدِّلَ لِكَلماتهِ وَهُوَ السَّميعُ الْعَلِيم).(2)


1 . الدرالمنثور:1/22.
2 . الأنعام:115.


(233)

6
السجود
على الأرض


(234)

1
السجود على الأرض
مظهر ناصع من مظاهر العبودية

لعلّ من أوضح مظاهر العبودية والانقياد والتذلّل من قبل المخلوق لخالقه. هو السجود، وبه يؤكِّد المؤمن عبوديّتَه للّه تعالى، والبارئ عزّاسمه يقدّر لعبده هذا التصاغرَ وهذه الطاعة فيُضفي على الساجد فيضَ لطفه وعظيم إحسانه، لذا روي في بعض المأثورات: «أقرب ما يكون العبد إلى ربّه حال سجوده».

ولمّا كانت الصلاة من بين العبادات معراجاً يتميّز بها المؤمن عن الكافر، وكان السجود ركناً من أركانها، لم يكن هناك أوضح في إعلان التذلّل للّه تعالى من السجود على التراب والرمل والحجر والحصى، لما فيه من تذلّل أوضح وأبين من السجود على الحصر والبواري، فضلاً عن السجود على الألبسة الفاخرة والفرش الوثيرة والذهب والفضّة، وإن كان الكلّ سجوداً، إلاّ أنّ العبودية تتجلّى في الأوّل بما لا تتجلّى في غيره.

والإمامية ملتزمة بالسجدة على الأرض في حضرهم وسفرهم، ولا يعدلون


(235)

عنها إلاّ إلى ما أُنبت منها بشرط أن لا يُؤكل ولا يلبس، ولايرون السجود على غير الأرض وما أنبت منها صحيحاً في حال الصلاة أخذاً بالسنّة المتواترة عن النبيّ الأكرم « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » وأهل بيته وصحبه. وسيظهر ـ في ثنايا البحثـ أنّ الالتزام بالسجود على الأرض أو ما أنبتت، كانت هي السنّة بين الصحابة، وأنّ العدول عنها حدث في الأزمنة المتأخرّة.


(236)

2
اختلاف الفقهاء في شرائط المسجود عليه

اتّفق المسلمون على وجوب السجود في الصلاة في كلّ ركعة مرّتين، ولم يختلفوا في المسجود له، فإنّه هو اللّه سبحانه الذي له يسجد من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً(1) وشعار كلّ مسلم قوله سبحانه: (لا تَسجُدُوا لِلشَّمسِ ولا للقَمَرِ واسجُدُوا للّهِ الَّذي خَلَقَهُنَّ)(2) وإنّما اختلفوا في شروط المسجود عليه ـ أعني: ما يضع الساجد جبهته عليه ـ فالشيعة الإمامية تشترط كون المسجود عليه أرضاً أو ما ينبت منها غير مأكول ولا ملبوس كالحصر والبواري، وما أشبه ذلك. وخالفهم في ذلك غيرهم من المذاهب، وإليك نقل الآراء:

قال الشيخ الطوسي(3) ـ وهو يبيّـن آراء الفقهاء ـ: لا يجوز السجود إلاّ على الأرض أو ما أنبتته الأرض ممّا لا يؤكل ولا يلبس من قطن أو كتان مع الاختيار.


1 . إشارة إلى قوله سبحانه: (وَللّهِ يَسْجُدُ مَنْ في السَّمواتِ والأرضِ طَوْعاً وَكرْهاً وظلالُهُم بِالغُدُوِّ وَالآصالِ )ـ الرعد/15ـ.
2 . فصلت: 37.
3 . من أعلام الشيعة في القرن الخامس صاحب التصانيف والمؤلّفات ولد عام 385 هـ وتوفّي عام 460 هـ، من تلاميذ الشيخ المفيد (336 ـ 413 هـ)، والسيّد الشريف المرتضى(355 ـ 436 هـ) ـرضي اللّه عنهم.


(237)

وخالف فقهاء السنّة في ذلك حيث أجازوا السجود على القطن والكتان والشعر والصوف وغير ذلك ـ إلى أن قال ـ: لا يجوز السجود على شيء هو حامل له ككور العمامة، وطرف الرداء، وكُمّ القميص، وبه قال الشافعي، وروي ذلك عن علي« عليه السَّلام » وابن عمر، وعبادة بن الصامت، ومالك، وأحمد بن حنبل.

وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا سجد على ما هو حامل له كالثياب التي عليه، أجزأه.

وإن سجد على ما لا ينفصل منه مثل أن يفترش يده ويسجد عليها أجزأه لكنّه مكروه، وروي ذلك عن الحسن البصري(1).

وقال العلاّمة الحلّي (2) ـ وهو يبيّن آراء الفقهاء فيما يسجد عليه ـ: لا يجوز السجود على ما ليس بأرض ولا من نباتها كالجلود والصوف عند علمائنا أجمع، وأطبق جمهور السنّة على الجواز.(3)

وقد اقتفت الشيعة في ذلك أثر أئمتهم الذين هم أعدال الكتاب وقرناؤه في حديث الثقلين، ونحن نكتفي هنا بإيراد شيء ممّا روي عنهم في هذا الجانب:

روى الصدوق باسناده عن هشام بن الحكم أنّه قال لأبي عبد اللّه« عليه السَّلام » : أخبرني عمّا يجوز السجود عليه، وعمّا لا يجوز؟ قال: «السجود لا يجوز إلاّ على الأرض، أو على ما أنبتت الأرض إلاّ ما أُكل أو لبس». فقال له: جعلت فداك ما العلّة في ذلك؟

قال: «لأنّ السجود خضوع للّه عزّ وجلّ فلا ينبغي أن يكون على ما يؤكل


1 . الخلاف: 1/ 357 ـ 358 ، المسألة 112 ـ 113، كتاب الصلاة.
2 . الحسن بن يوسف بن المطهر الحلّي (648 ـ 726هـ) وهو زعيم الشيعة في أواخر القرن السابع والثامن، لا يسمح الدهر بمثله إلاّ في فترات خاصة.
3 . التذكرة:2/434، المسألة 100.


(238)

ويلبس، لأنّ أبناء الدنيا عبيد ما يأكلون ويلبسون، والساجد في سجوده، في عبادة اللّه عزّ وجلّ، فلا ينبغي أن يضع جبهته في سجوده على معبود أبناء الدنيا الذين اغترّوا بغرورها».(1)

وقال الصادق« عليه السَّلام » :«وكلّ شيء يكون غذاء الإنسان في مطعمه أو مشربه، أو ملبسه، فلا تجوز الصلاة عليه، ولا السجود إلاّ ما كان من نبات الأرض من غير ثمر، قبل أن يصير مغزولاً، فإذا صار غزلاً فلا تجوز الصلاة عليه إلاّ في حال ضرورة».(2)

فلا عتب على الشيعة إذا التزموا بالسجود على الأرض أو ما أنبتته إذا لم يكن مأكولاً ولا ملبوساً اقتداءً بأئمّتهم.

على أنّ ما رواه أهل السنّة في المقام، يدعم نظريّة الشيعة، وسيظهر لك فيما سيأتي من سرد الأحاديث من طرقهم، ويتّضح أنّ السنّة كانت هي السجود على الأرض، ثمّ جاءت الرخصة في الحصر والبواري فقط، ولم يثبت الترخيص الثالث، بل ثبت المنع عنه كما سيوافيك.

روى المحدث النوري في «المستدرك» عن «دعائم الإسلام»: عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه، عن علي« عليهم السَّلام » ، أنّ رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »قال: «إنّ الأرض بكم برّة، تتيمّمون منها، وتصلّون عليها في الحياة (الدنيا) وهي لكم كفاة في الممات، وذلك مـن نعمة اللّه، لـه الحمد، فأفضل ما يُسجد عليـه المصلّـي الأرض النقيّـة».(3)


1 . الوسائل: ج 3، الباب 1 من أبواب ما يسجد عليه، الحديث 1، وهناك روايات بمضمونه. والكلّ يتضمّن أنّ الغاية من السجود التي هي التذلّل لا تحصل بالسجود على غير الأرض و ما ينبت غير المأكول والملبوس فلاحظ.
2 . الوسائل:3، الباب 1 من أبواب ما يسجد عليه، الحديث 11.
3 . مستدرك الوسائل:4/14، الباب10 من أبواب ما يسجد عليه، الحديث1.


(239)

وروى أيضاً عن جعفر بن محمد « عليهما السَّلام » أنّه قال: «ينبغي للمصلّـي أن يباشر بجبهته الأرض، ويعفّر وجهه في التراب، لأنّه من التذلّل للّه» . (1)

وقال عبد الوهاب بن أحمد بن علي الأنصاري المصري المعروف بالشعراني(من أعيان القرن العاشر الهجري) ـ ما هذا نصّه ـ: المقصود إظهار الخضوع بالرأس حتى يمسّ الأرض بوجهه الذي هو أشرف أعضائه، سواء كان ذلك بالجبهة أو الأنف، بل ربّما كان الأنف عند بعضهم أولى بالوضع من حيث إنّه مأخوذ من الأنفة والكبرياء، فإذا وضعه على الأرض، فكأنّه خرج عن الكبرياء التي عنده بين يدي اللّه تعالى، إذ الحضرة الإلهية محرّم دخولها على من فيه أدنى ذرة من كبر فانّها هي الجنة الكبرى حقيقة، وقد قال « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » : «لايدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر». (2)

نقل الإمام محمد بن محمد بن سليمان المغربي المالكي الروداني(المتوفّى1049هـ): عن ابن عباس رفعه: من لم يلزق أنفه مع جبهته بالأرض إذا سجد لم تجز صلاته. (3)

كما أنّ أصل العمل العبادي أمر توقيفي فكذلك شرائطه وأحكامه هي الأُخرى التي يجب أن تُوضح وتبيَّن من جانب مبيّن الشريعة ومبلّغها ونعني به رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » لأنّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » هو الاسوة بنصّ القرآن الكريم والمبين للكتاب العزيز وعلى المسلمين جميعاً أن يتعلموا منه أحكام دينهم وتفاصيل شريعتهم و قد قال سبحانه:


1 . مستدرك الوسائل: 4/14، الباب 10 من أبواب ما يسجد عليه، الحديث2.
2 . اليواقيت والجواهر في عقائد الأكابر: 1/ 164. الطبعة الأُولى.
3 . جمع الفوائد من جامع الأُصول ومجمع الزوائد: 1/214 برقم 1515.


(240)

(لَقَدْ كانَ لَكُمْ في رَسُول اللّه أُسوةٌ حَسَنة لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللّه وَالْيَوم الآخر وَذكر اللّه كَثيراً).(1)

(وَما آتاكُمُ اللّه فخُذُوه وَمانَهاكُمْ عَنْه فانتَهُوا).(2)

إنّ النبي الأكرم « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » مبيّن للشريعة بنصّ من القرآن الكريم، وأئمّة أهل البيت ـ حسب تنصيص النبي ـ أعدال الكتاب وقرناؤه، حيث قال« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »: «إنّي تاركٌ فيكم ما ان تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي: كتاب اللّه حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما.(3)

فلا محيص عن الاهتداء بهديهم، والاقتداء بهم وسوف يوافيك أنّهم كانوا ملتزمين بالسجود على الأرض أو ما أتيت منها.


1 . الأحزاب:21.
2 . الحشر:2.
3 . سنن الترمذي:5/328، رقم 874 ط دار الفكر وغيرها من المصادر المتوفرة.


(241)

3
الفرق بين المسجود له والمسجود عليه

كثيراً ما يتصوّر أنّ الالتزام بالسجود على الأرض أو ما أنبتت منها بدعة وتُتخيّل التربة المسجود عليها وَثَناً، وهؤلاء، هم الذين لا يفرّقون بين المسجود له، والمسجود عليه، ويزعمون أنّ الحجر أو التربة الموضوعة أمام المصلِّـي وثن يعبده المصلّي بوضع الجبهة عليه. ولكن لا عتب على الشيعة إذا قصر فهم المخالف، ولم يفرّق بين الأمرين، وزعم المسجودَ عليه مسجوداً له، وقاس أمرَ الموحّد بأمرِ المشرك بحجّة المشاركة في الظاهر، فأخَذَ بالصور والظواهر، مع أنّ الملاك هو الأخذ بالبواطن والضمائر، فالوثن عند الوثني معبود ومسجود له، يضعه أمامه ويركع ويسجد له، ولكن الموحّد الذي يريد إظهارَ العبودية إلى نهاية مراتبها، يخضع للّه سبحانه ويسجد له، ويضع جبهته ووجهه على التراب والحجر والرمال والحصى، مظهراً بذلك مساواته معها عند التقييم قائلاً: أين التراب وربّ الأرباب؟

نعم: الساجد على التربة غير عابد لها، بل يتذلّل إلى ربّه بالسجود عليها، ومن توهّم عكس ذلك فهو من البلاهة بمكان، وسيؤدي إلى إرباك كلّ المصلين


(242)

والحكم بشركهم، فمن يسجد على الفرش والقماش وغيره لابدّ أن يكون عابداً لها على هذا المنوال فيا للعجب العجاب !!

روى الآمدي عن علي أمير المؤمنين« عليه السَّلام » انّه قال: السجود الجسماني: وضع عتائق الوجوه على التراب.(1)

روى الصدوق عن أئمّة أهل البيتعليهم السَّلام قولهم: «الصلاة إقرار بالربوبية للّه عزّ وجلّ، ... ووضع الوجه على الأرض كلّ يوم إعظام للّه جلّ جلاله».

كما أنّ وضع الذقن على الأرض تذلّل للّه سبحانه قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ للأَذْقانِ سُجّداً)(2).(3)


1 . غرر الحكم ودرر الكلم:1/107 برقم2234.
2 . الإسراء:107.
3 . الفقيه:1/215، الحديث645.


(243)

4
السجدة في اللغة

لا شكّ انّ السجود من فرائض الصلاة، وقد روى الفريقان عن ابن عباس (رض) قال: قال رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » : أُمرت أن أسجد على سبعة أعظمُ: على الجبهة واليدين والركبتين وأطراف القدمين.(1)

ومع ذلك فانّ حقيقة السجدة وواقعها ومقومها هو وضع الجبهة على الأرض، وأمّا الباقون فأشبه بالشرائط ويدلّ على ذلك قول أصحاب المعاجم حيث لا يذكرون في تعريف السجدة إلاّ وضع الجبهة على الأرض فكأنّ غيرها من شرائط السجدة التي فرضها الشارع وأضافها إلى حقيقتها اللغوية والعرفية.

قال ابن منظور ناقلاً عن ابن سيده: سجد يسجد سجوداً: وضَعَ جبهته بالأرض، وقوم سُجَّد وسجود.(2)

وقال ابن الأثير: سجود الصلاة، وهو وضع الجبهة على الأرض، ولا خضوع أعظم منه.(3)


1 . أخرجه الشيخان البخاري في صحيحه:1/206 ومسلم في صحيحه:1/354.
2 . لسان العرب:6، مادة سجد.
3 . النهاية: 2، مادة سجد.


(244)

وفي «تاج العروس من جواهر القاموس»: سجد: خضع، ومنه سجود الصلاة وهو وضع الجبهة على الأرض، ولا خضوع أعظم منه، والاسم، السجدة (بالكسر).(1)

وهذه الكلمات من أصحاب المعاجم ونظائرها المبثوثة في كتب اللغة، تعرب عن أنّ حقيقة السجدة وواقعها ومقومها هو وضع الجبهة على الأرض، ولولا انّ النبي فرض السجود على سبعة أعظم لكفى وضع الجبهة على الأرض، ولكنّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » أضاف إلى الوضع أُموراً أُخرى، فصار الواجب السجود على سبعة أعظم.

فإذا كان كذلك فلا غرو في أن يختص وضع الجبهة بشرط خاص دون سائر الأعضاء، (هو اشتراط كون المسجود عليه هو الأرض أو ما ينبت منها) ولا يجوز السجود على غيرها دون سائر الأعضاء.

سرّ كشف الجبهة في السجدة

والذي يعرب عن ذلك انّ معظم فقهاء السنّة ذهبوا إلى لزوم كشف الجبهة دون سائر الأعضاء، فلو كان لسائر الأعضاء دور في حقيقة السجدة كالجبهة، لكان حكمها حكم الجبهة مع أنّ الواقع خلافه.

1. ففي مختصر أبي القاسم الخرقي وشرحه: «ولا تجب عليه مباشرة المصلّي بشيء منها إلاّ الجبهة على إحدى الروايتين»، وفي رواية أُخرى انّه يجب عليه مباشرة المصلّي بالجبهة ذكرها أبو الخطاب وروى الأثرم قال: سألت أبا عبد اللّه عن السجود على كور العمامة فقال: لا يسجد على كورها ولكن يحسر(2) العمامة. وهو


1 . تاج العروس:8، مادة سجد.
2 . في المصدر: يحصر (بالصاد).


(245)

مذهب الشافعي.

لما روى خباب قال: شكونا إلى رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » حرّ الرمضاء في جباهنا وأكفنا فلم يشكنا ـ إلى أن قال: ـ و عن علي (رض) قال: إذا كان أحدكم يصلّي فليحسر العمامة عن جبهته، رواه البيهقي.(1)

2. وفي «الوجيز»: يجب كشف الجبهة في السجود لما روي عن خباب، قال: شكونا إلى رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » حرّ الرمضاء في جباهنا وأكفّنا فلم يشكنا، أي لم يزل شكوانا.

وقال في شرحه: ولا يجب كشف الجميع من (الجبهة) بل يكفي ما يقع عليه الاسم كما في الوضع، ويجب أن يكون المكشوف من الموضوع على الأرض، فلو كشف شيئاً ووضع غيره لم يجز، وإنّما يحصل الكشف إذا لم يكن بينه و بين موضع السجود حائل متصل به يرتفع بارتفاعه، فلو سجد على طرفه أو كور عمامته لم يجز، لأنّه لم يباشر بجبهته موضع السجود.

لنا حديث خباب، وأيضاً روي أنّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » قال: الزق جبهتك بالأرض.(2)

3. وقال ابن رشد: اختلفوا أيضاً هل من شرط السجود أن تكون يد الساجد بارزة (مكشوفة) وموضوعة على الذي يوضع عليه الوجه، أم ليس ذلك من شرطه؟

وقال مالك: ذلك من شرط السجود أحسبه شرط تمامه.(3)

وقال جماعة: ليس ذلك من شرط السجود.

ومن هذا الباب: اختلافهم في السجود على طاقات العمامة وللناس فيه


1 . الشرح الكبير على متن الخرقي:1/557ـ558 على هامش المغني.
2 . العزيز ، شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير:1/521.
3 . ومعنى ذلك انّه ليس شرطاً للصحة بل شرط للكمال.


(246)

ثلاثة مذاهب:

قول بالمنع، وقول بالجواز، وقول بالفرق بين أن يسجد على طاقات يسيرة من العمامة أو كثيرة، وقول بالفرق بين أن يمس من جبهته الأرض شيء أو لا يمس منها.(1)

4. وقال القفال: فإن كان على جبهته عصابة لعلة بها فسجد عليها أجزأ ولا إعادة عليه، ومن أصحابنا خرّج فيه قولاً آخر في وجوب الإعادة من المسح على الجبيرة.(2)

5. وفي «الفقه على المذاهب الأربعة»: الشافعية ـ قالوا: يضر السجود على كور العمامة و نحوها كالعصابة إذا ستر كلّ الجبهة، فلو لم يسجد على جبهته المكشوفة بطلت صلاته إن كان عامداً عالماً إلاّ لعذر كأن كان به جراحة وخاف من نزع العصابة حصول مشقة شديدة، فإنّ سجوده عليها في هذه الحالة صحيح.(3)

الظاهر انّ سرّ لزوم كشف الجبهة لأجل إلصاق الجبهة المكشوفة بالصعيد حتّى يبلغ المصلّي منتهى الخضوع والعبودية.

غير انّ هؤلاء خصّوا كشف الجبهة بعدم وجود حاجز عليها يمنعها من السجود ككور العمامة وطاقاتها والعصابة وبالرغم من ذلك فقد سوغوا السجدة على السجاد والفرش.

وبذلك أبطلوا سرّ لزوم كشف الجبهة وفائدته.


1 . بداية المجتهد:1/139.
2 . حلية العلماء في معرفة مذهب الفقهاء:122.
3 . الفقه على المذاهب الأربعة:1/233.


(247)

فعندئذ يتوجه إليهم السؤال التالي:

إذا كانت السجدة على الفرش والسجاد جائزة، فأي فرق بين السجود عليها و السجود على العصابة وكور العمامة؟! فانّ التفريق بين الأمرين أمر غريب، فانّ العصابة أو العمامة منسوج كالفرش والسجاد، وكون العمامة وأجزائها ممّا يحمله المصلّي دون الفرش والسجاد لا يوجب الفرق بعد اشتراكهما في تحقّق السجدة على زعمهم.وهذا بخلاف ما إذا قلنا بأنّ سرّ الكشف هو لصوق الجبهة بالصعيد، فعندئذ لا يكون أي فرق بين العصابة والسجاد.

وإلى ذلك ذهب علماؤنا أجمع، قال العلاّمة: يجب إبراز الجبهة للسجود، على ما يصحّ عليه السجود.(1)


1 . منتهى المطلب:5/154.


(248)

5
السجود في عصر الرسول « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » وبعده

إنّ النبي الأكرم « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » وصحبه كانوا ملتزمين بالسجود على الأرض مدّة لا يستهان بها، متحمّلين شدّة الرمضاء، وغبار التراب، ورطوبة الطين، طيلة أعوام. ولم يسجد أحد يوم ذاك على الثوب وكور العمامة بل ولا على الحصر والبواري والخُمر، ولا على الفرش والسجاد، وأقصى ما كان عندهم لرفع الأذى عن الجبهة، هو تبريد الحصى بأكفّهم ثمّ السجود عليها، وقد شكا بعضهم رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » من شدّة الحرّ، فلم يجبه، إذ لم يكن له« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » أن يُبدِّل الأمر الإلهي من تلقاء نفسه، إلى أن وردت الرخصة بالسجود على الخمر والحصر، فوسَّع الأمر للمسلمين لكن في إطار محدود، وعلى ضوء هذا فقد مرّت في ذلك الوقت على المسلمين مراحل ثلاث لا غير:

1. ما كان الواجب فيها على المسلمين السجود على الأرض بأنواعها المختلفة من التراب والرمل والحصى والطين، ولم تكن هناك أيّة رخصة لغيرها.

2. المرحلة التي ورد فيها الرخصة بالسجود على نبات الأرض من الحصر


(249)

والبواري والخُمُر، تسهيلاً للأمر، ورفعاً للحرج والمشقّة.

3. المرحلة التي رخّص فيها السجود على الثياب اضطراراً وفي حال الضرورة.

وإليك البيان:

المرحلة الأُولى

السجود على الأرض

1. روى الفريقان عن النبيّ الأكرم« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » أنّه قال: «وجُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً».(1)

والمتبادر من الحديث أنّ كلّ جزء من الأرض مسجد وطهور يُسجد عليه ويُقصد للتيمّم، وعلى ذلك فالأرض تقصد للجهتين: للسجود تارةً، وللتيمّم أُخرى.

إنّ هذا الحديث يثبت بجلاء انّ وجه الأرض، تراباً كان أو صخراً أو حصى هو الأصل في السجود وهو الذي يجب أن يتخذ موضعاً للسجود ولا يجوز التعدي عن ذلك إلاّ بدليل آخر.

وأمّا تفسير الرواية بأنّ العبادة والسجود للّه سبحانه لا يختص بمكان دون مكان، بل الأرض كلّها مسجد للمسلمين بخلاف غيرهم حيث خصّوا العبادة بالبِيَع والكنائس، فليس هذا المعنى مغايراً لما ذكرناه، فإنّه إذا كانت الأرض على وجه الإطلاق مسجداً للمصلّي فيكون لازمه كون الأرض كلّها صالحة للعبادة، فما


1 . صحيح البخاري: 1/91 كتاب التيمّم الحديث 2; سنن البيهقي: 2/433 باب: أينما أدركتك الصلاة فصل فهو مسجد، ورواه غيرهما من أصحاب الصحاح والسنن.


(250)

ذكر معنى التزامي لما ذكرناه، ويعرب عن كونه المراد ذكر «طهوراً» بعد «مسجداً» وجعلهما مفعولين لـ«جُعلت» والنتيجة هي توصيف الأرض بوصفين: كونها مسجداً وكونها طهوراً، وهذا هو الذي فهمه الجصاص وقال: إنّ ماجعله من الأرض مسجداً ، هو الذي جعله طهوراً.(1)

ومثله غيره من شرّاح الحديث.

فإذا كانت التربة والحصى طهوراً فهي أيضاً مسجود عليه للمصلّي . فالحصر حجّة إلى أن يدلّ دليل على الخروج عنه.

تبريد الحصى للسجود عليها

2. عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري، قال: كنت أُصلّي مع النبيّ « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » الظهر، فآخذ قبضة من الحصى، فأجعلها في كفّي ثمّ أُحوّلها إلى الكف الأُخرى حتى تبرد ثمّ أضعها لجبيني، حتّى أسجد عليها من شدّة الحرّ.(2)

وعلّق عليه البيهقي بقوله: قال الشيخ: ولو جاز السجود على ثوب متّصل به لكان ذلك أسهل من تبريد الحصى بالكف ووضعها للسجود.(3)

ونحن نقول: ولو كان السجود على مطلق الثياب سواء كان متصلاً أم منفصلاً جائزاً، لكان أسهل من تبريد الحصى، ولأمكن حمل منديل أو سجّادة أو ما شابه للسجود عليه.


1 . أحكام القرآن: 2/389، نشر بيروت.
2 . مسند أحمد: 3/ 327 من حديث جابر; سنن البيهقي: 1/439 باب ما روي في التعجيل بها في شدّة الحرّ.
3 . سنن البيهقي: 2/105.


(251)

3. روى أنس قال: كنّا مع رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » في شدّة الحرّ، فيأخذ أحدنا الحصباء في يده فإذا برد وضعه وسجد عليه (1).

4. عن خباب بن الأرت قال: شكونا إلى رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » شدّة الرمضاء في جباهنا وأكفّنا فلم يشكنا.(2)

قال ابن الأثير في معنى الحديث: إنّهم لمّا شكوا إليه ما يجدون من ذلك، لم يفسح لهم أن يسجدوا على طرف ثيابهم.(3)

هذه المأثورات تعرب عن أنّ السنّة في الصلاة كانت جارية على السجود على الأرض فقط، حتّى أنّ الرسول« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » لم يفسح للمسلمين العدولَ عنها إلى الثياب المتّصلة أو المنسوجات المنفصلة، وهو « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » مع كونه بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً أوجب عليهم مسَّ جباههم الأرض، وإن آذتهم شدّة الحرّ.

والذي يعرب عن التزام المسلمين بالسجود على الأرض، وعن إصرار النبي الأكرم« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » بوضع الجبهة عليها لا على الثياب المتّصلة ككور العمامة أو المنفصلة كالمناديل والسجاجيد، ما روي من حديث الأمر بالتتريب في غير واحدة من الروايات، وإليك البيان.

الأمر بالتتريب

5. عن خالد الجهني: قال: رأى النبيّ« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » صهيباً يسجد كأنّه يتّقي التراب فقال له: «ترّب وجهك يا صهيب».(4)


1 . السنن الكبرى: 2/106.
2 . سنن البيهقي: 2/105، باب الكشف عن الجبهة.
3 . النهاية: 2/497، مادة «شكا».
4 . كنز العمال: 7/465 برقم 19810.


(252)

والظاهر أنّ صهيباً كان يتّقي عن التتريب، بالسجود على الثوب المتّصل والمنفصل، ولا أقل بالسجود على الحصر والبواري والأحجار الصافية، وعلى كلّ تقدير، فالحديث شاهد على أفضليّة السجود على التراب في مقابل السجود على الحصى لما مرّ من جواز السجدة على الحصى في مقابل السجود على غير الأرض.

6. روت أُمّ سلمة: رأى النبي« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » غلاماً لنا يقـال لـه «أفلح» ينفخ إذا سجـد، فقـال: «يـا أفلـح تـرّب».(1)

7. وفي رواية: «يا رباح ترّب وجهك».(2)

8. روى أبو صالح قال: دخلت على أُمّ سلمة، فدخل عليها ابن أخ لها فصلّى في بيتها ركعتين، فلمّا سجد نفخ التراب، فقالت أُمّ سلمة: ابن أخي لا تنفخ، فإنّي سمعت رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » يقول لغلام له يقال له يسار ـونفخ ـ: «ترّب وجهك للّه».(3)

الأمر بحسر العمامة عن الجبهة

9. روي: أنّ النبي« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » كان إذا سجد رفع العمامة عن جبهته.(4)

10. روي عن علي أمير المؤمنين أنّه قال: «إذا كان أحدكم يصلّي فليحسر العمامة عن وجهه»، يعني حتّى لا يسجد على كور العمامة.(5)


1 . المصدر نفسه: 7/459 برقم 19776.
2 . المصدر نفسه: 7/459 برقم 19777.
3 . المصدر نفسه: 7/465، برقم 19810; مسند أحمد: 6/301.
4 . الطبقات الكبرى: 1/151، كما في السجود على الأرض: 41.
5 . منتخب كنز العمال المطبوع في هامش المسند: 3/194.


(253)

11. روى صالح بن حيوان السبائي: أنّ رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » رأى رجلاً يسجد بجنبه وقد اعتمّ على جبهته فحسر رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »عن جبهته.(1)

12. عن عياض بن عبد اللّه القرشي: رأى رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » رجلاً يسجد على كور عمامته فأومأ بيده: «ارفع عمامتك» وأومأ إلى جبهته.(2)

هذه الروايات تكشف عن أنّه لم يكن للمسلمين يوم ذاك تكليف إلاّ السجود على الأرض، ولم يكن هناك أي رخصة سوى تبريد الحصى، ولو كان هناك ترخيص لما فعلوا ذلك، ولما أمر النبي« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » بالتتريب، و لما حسر العمامة عن الجبهة.

سيرة النبي في السجود

يظهر من غير واحدمن الروايات انّ النبي كان يهتم بالسجود على الأرض وإليك نماذج من هذا:

1. يقول وائل بن حجر: «رأيت النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » إذا سجد وضع جبهته وأنفه على الأرض».(3)

2. يقول ابن عباس: انّ النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » سجد على الحجر.(4)

3. روي عن عائشة: ما رأيت رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » متقياً وجهه بشيء».(5)

قال ابن حجر: وفي الحديث إشارة إلى أنّ مباشرة الأرض عند السجود هو


1 . السنن الكبرى: 2/105.
2 . المصدر نفسه.
3 . أحكام القرآن:3/36; مسند أحمد:315، 317.
4 . السنن للبيهقي:2/102.
5 . المصنف:1/397 و كنزالعمال:4/212.


(254)

الأصل، لأنّه علق بعدم الاستطاعة.(1)

وهذا الحديث يعرب عن جواز السجود على الثياب عند الضرورة وعدم جوازه في حال الاختيار، وهذا هو المروي عن أئمّة أهل البيت.

فعن عيينة بباع القصب قال: قلت لأبي عبد اللّه أدخل في المسجد في اليوم الشديد الحرّ فأكره انّ أُصلي على الحصى فأبسط ثوبي فأسجد عليه، قال: نعم ليس به بأس.(2)

وعن القاسم بن الفضيل قال: قلت للرضا« عليه السَّلام »: جعلت فداك الرجل يسجد على كمه من أذى الحرّ والبرد، قال: لا بأس به.(3)

***

إنّ هناك أحاديث وروايات تعرب عن أنّ النبي« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » كان يسجد على الطين والأرض في البرد القارص، وكان يصلي في كساء يتقي به برد الأرض بيده ورجله دون جبهته، وإليك ما يدلّ على ذلك.

1. عن وائل بن حجر رأيت رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » يصلّي في كساء أبيض في غداة باردة يتقي بالكساء برد الأرض بيده ورجله.(4)

2. عن ثابت بن صامت انّ رسول اللّه صلّى في بني عبد الأشهل وعليه كساء متلفف به يضع يديه عليه يقي برد الحصى.(5)


1 . فتح الباري:1/414.
2 . الوسائل:3، الباب4 من أبواب ما يسجد عليه، الحديث1.
3 . الوسائل:3،الباب 4 من أبواب ما يسجد عليه، الحديث2.
4 . السنن الكبرى:2/106.
5 . سنن ابن ماجة:1/329.


(255)

3. عن أبي هريرة قال: سجد رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » في يوم مطير حتّى أنّي لأنظر إلى أثر ذلك في جبهته وأرنبته.(1)

هذه الروايات ونظائرها تعرب عن عمل النبي في سجدته في يوم مطير والبرد وانّه كان يسجد تارة على الطين ولم يقي وجهه بشيء، وأُخرى وقى يديه من دون تعرض للوجه مع أنّ تدقيق الرواة في بيان عمل النبي في اتقاء يديه بالكساء عن البرد والطين وتركهم ذكر الجبهة يكشف عن أنّه لم يق وجهه بشيء وإلاّ لذكره الرواة ولم يغفلوا عنه.

***

سيرة الصحابة والتابعين في السجود

يظهر من غير واحد من الروايات انّ سيرة لفيف من الصحابة كانت جارية على السجود على الأرض.

1. عن أبي أُميّة انّ أبا بكر كان يسجد أو يصلّي على الأرض مفضياً إليها.(2)

2. عن أبي عبيدة انّ ابن مسعود لا يسجد ـ أو قال لا يصلّي ـ إلاّ على الأرض.(3)

3. كان مسروق بن الأجدع من أصحاب ابن مسعود لا يرخص في السجود على غير الأرض حتّى في السفينة، وكان يحمل في السفينة شيئاً يسجد عليه.(4)


1 . مجمع الزوائد:2/126.
2 . المصنف لعبدالرزاق:1/397.
3 . المصنف:1/397.
4 . الطبقات الكبرى:6/53; المصنف لعبدالرزاق:2/583.


(256)

4. كان إبراهيم النخعي الفقيه الكوفي التابعي يقوم على البردي ويسجد على الأرض.

قال الراوي: قلنا ما البردي، قال: الحصير.(1) وفي لفظ انّه كان يصلّي على الحصر ويسجد على الأرض.

5.كان عمر بن عبدالعزيز لا يكتفي بالخمرة بل يضع عليها التراب ويسجد عليه.(2)

6. كان عروة بن الزبير يكره الصلاة على شيء دون الأرض.(3)

7. كتب علي بن عبد اللّه بن عباس إلى «زرين» ان ابعث إليّ بلوح من أحجار المروة عليه أسجد.(4)

***

والحاصل انّ التذلل والخضوع في مقابل عظمة اللّه سبحانه يتحقّق بأفضل مجاليه بوضع الجبهة والأنف على التراب والطين، قائلاً: أين التراب ورب الأرباب وأنّه والتراب سواسية ولا تجد ذلك في السجود على المصنوعات وللعلاّمة الأميني كلمة قيمة وإليك نصّها:

والأنسب بالسجدة التي إن هي إلاّ التصاغر والتذلّل تجاه عظمة المولى سبحانه و وجاه كبريائه، أن تُتخذ الأرضُ لديها مسجداً يعفِّر المصلّي بها خدّه ويرغم أنفه لتذكّر السّاجد للّه طينته الوضيعة الخسيسة التي خلق منها وإليها


1 . المصنف لعبد الرزاق:1/397.
2 . فتح الباري:1/410.
3 . فتح الباري:1/410.
4 . أخبار مكة للأزرقي.


(257)

يعود ومنها يعاد تارة أُخرى حتّى يتّعظ بها ويكون على ذكر من وضاعة أصله ليتأتى له خضوع روحي وذلّ في الباطن وانحطاط في النفس واندفاع في الجوارح إلى العبودية وتقاعس عن الترفّع والأنانية، ويكون على بصيرة من أنّ المخلوق من التراب حقيق وخليق بالذلّ والمسكنة ليس إلاّ.

ولا توجد هذه الأسرار قطّ وقطّ في المنسوج من الصوف والديباج والحرير وأمثاله من وسائل الدَّعة والراحة ممّا يُري للإنسان عظمة في نفسه، وحرمة وكرامة ومقاماً لديه ويكون له ترفّعاً وتجبراً واستعلاءً وينسلخ عند ذلك من الخضوع والخشوع.(1)


1 . سيرتنا وسنّتنا:125ـ126.


(258)

المرحلة الثانية

الترخيص في السجود على الخُمُر والحُصر

ما مرّ من الأحاديث والمأثورات المبثوثة في الصحاح والمسانيد وسائر كتب الحديث تعرب عن التزام النبي« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »وأصحابه بالسجود على الأرض بأنواعها، وأنّهم كانوا لا يعدلون عنها، وإن صعب الأمر واشتدّ الحرّ، لكنّ هناك نصوصاً تعرب عن ترخيص النبي« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » ـ بإيحاء من اللّه سبحانه إليه ـ السجود على ما أنبتت الأرض، فسهُل لهم بذلك أمر السجود، ورُفع عنهم الاصر والمشقّة في الحرّ والبرد، وفيما إذا كانت الأرض مبتلّة، وإليك تلك النصوص:

1. عن أنس بن مالك قال: كان رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » يصلّـي على الخمرة.(1)

2. عن ابن عباس: كان رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » يصلّي على الخمرة، وفي لفظ: وكان النبيّ « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » يصلّي على الخمرة.(2)

3. عـن عائشة: كـان النبـيّ « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »يصلّي على الخمرة.(3)

4.عن أُمّ سلمة: كان رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » يصلّي على الخمرة.(4)


1 . أخبار اصبهان: 2/141.
2 . مسند أحمد: 1/269، 303 ، 309 و358.
3 . المصدر نفسه: 6/179 وفيه أيضاً قال للجارية وهو في المسجد: ناوليني الخمرة.
4 . المصدر نفسه: 302.


(259)

5. عن ميمونة: ورسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » يصلّي على الخمرة فيسجد.(1)

6. عن أُمّ سليم قالت: كان [رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » ] يصلّي على الخمرة.(2)

7. عن عبد اللّه بن عمر: كان رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » يصلّي على الخُمر.(3)

وقد اعترض عليّ بعض المرشدين في المسجد الحرام لمّا رأى التزامي بالسجود على الحصير، وسألني عن وجهه فقلت له: إنّ النبي« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »كان يصلّي على الحصير، فقال: إنّ صلاة النبي على الحصر والبواري لا يلازم السجود عليهما إذ يمكن أن يصلّـي على الحصير ويسجد على شيء آخر.

فقلت له: إنّ التفريق بين الأمرين لا يقبله الذوق السليم فانّ قوله: يصلّـي على الحصير بمعنى انّه يصلّي عليه في عامة حالات الصلاة من القيام والركوع والسجود لا انّه يضع قدميه على الحصير أو ركبتيه ويديه عليه ويضع جبهته على شيء آخر.

على أنّ في لفيف من الروايات تصريحاً بسجوده على الحصير.

1. روى أبو سعيد الخدري أنّه دخل على النبي« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »، قال: فرأيته يصلّي على حصير يسجد عليه.(4)

2. وعن أنس بن مالك قال:

«كان رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » يصلّي على الخمرة ويسجد عليها».(5)

وفي ضوء الأحاديث المذكورة يتبين جواز السجود على الأرض والتراب وبعض ما ينبت من الأرض مثل الحصير المصنوع من خوص جريد النخل.


1 . مسند أحمد: 6/ 331 و 335.
2 . المصدر نفسه: 377.
3 . المصدر نفسه : 2/92 و 98.
4 . صحيح مسلم:2/62، دارالفكر، بيروت.
5 . صحيح ابن خزيمة:2/105، المكتب الإسلامي، ط 2 ـ1412هـ; المعجم الأوسط:8/348; المعجم الكبير:12/292.


(260)

المرحلة الثالثة

السجود على الثياب لعذر

قد عرفت المرحلتين الماضيتين، ولو كانت هناك مرحلة ثالثة فإنّما هي مرحلة جواز السجود على غير الأرض وما ينبت منها لعذر وضرورة. ويبدو أنّ هذا الترخيص جاء متأخّراً عن المرحلتين لما عرفت أنّ النبيّ« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » لم يُجب شكوى الأصحاب من شدّة الحرّ والرمضاء، وراح هو وأصحابه يسجدون على الأرض متحمّلين الحرّ والأذى، ولكنّ الباري عزّ اسمه رخّص لرفع حرج السجود على الثياب لعذر وضرورة، وإليك ما ورد في هذا المقام:

1.عن أنس بن مالك: كنّا إذا صلّينا مع النبي« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » فلم يستطع أحدنا أن يمكّن جبهته من الأرض، طرح ثوبه ثم سجد عليه.

2. وفي لفظ آخر: كنّا نصلّي مع النبيّ« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » فيضع أحدنا طرف الثوب من شدّة الحرّ. فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكّن جبهته من الأرض، بسط ثوبه.

3. وفي لفظ ثالث: كنّا إذا صلّينا مع النبيّ« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » فيضع أحدنا طرف الثوب من شدّة الحرّ مكان السجود.(1)

وهذه الرواية التي نقلها أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد تكشف عن حقيقة بعض ما روي في ذلك المجال الظاهر في جواز السجود على الثياب في


1 . صحيح البخاري: 1/101; صحيح مسلم: 2/109; مسند أحمد: 1/100; السنن الكبرى: 2/106.


(261)

حالة الاختيار أيضاً. وذلك لأنّ رواية أنس نصّ في اختصاص الجواز بحالة الضرورة، فتكون قرينة على المراد من هذه المطلقات، وإليك بعض ما روي في هذا المجال:

1. عبد اللّه بن محرز عن أبي هريرة: كان رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » يصلّي على كور عمامته.(1)

إنّ هذه الرواية مع أنّها معارضة لما مرّ من نهي النبيّ« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » عن السجود عليه(2)، محمولة على العذر والضرورة، وقد صرّح بذلك الشيخ البيهقي في سننه، حيث قال: قال الشيخ: وأمّا ما روي في ذلك عن النبيّ« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » من السجود على كور العمامة فلا يثبت شيء من ذلك، وأصحّ ما روي في ذلك قول الحسن البصري حكاية عن أصحاب النبيّ« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » .(3)

وقد روي عن ابن راشد قال: رأيت مكحولاً يسجد على عمامته فقلت: لم تسجد عليها؟ قال أتّقي البرد على أسناني.(4)

2.ما روي عن أنس: كنّا نصلّي مع النبيّ« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » فيسجد أحدنا على ثوبه.(5)

والرواية محمولة على صورة العذر بقرينة ما رويناه عنه، وبما رواه عنه البخاري: كنّا نصلّي مع النبيّ« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » في شدّة الحرّ، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكّن وجهه من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه(6).

ويؤيّده ما رواه النسائي أيضاً: كنّا إذا صلّينا خلف النبيّ « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » بالظهائر


1 . كنز العمال: 8/130 برقم 22238.
2 . لاحظ ص252.
3 . السنن الكبرى: 2/106.
4 . المصنف لعبد الرزاق: 1/400، كما في سيرتنا وسنّتنا، والسجدة على التربة :93.
5 . السنن الكبرى: 2/106، باب من بسط ثوباً فسجد عليه.
6 . صحيح البخاري: 2/64، كتاب الصلاة، باب بسط الثوب في الصلاة للسجود.


(262)

سجدنا على ثيابنا اتّقاء الحرّ(1).

وهناك روايات قاصرة الدلالة حيث لا تدلّ إلاّ على أنّ النبيّ« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » صلّى على الفرو. وأمّا أنّه سجد عليه فلا دلالة لها عليه.

3. عن المغيرة بن شعبة: كان رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » يصلّي على الحصير والفرو المدبوغة(2).

والرواية مع كونها ضعيفة بيونس بن الحرث، ليست ظاهرة في السجود عليه. ولا ملازمة بين الصلاة على الفرو والسجدة عليه، لأنّه شيء كالجبّة يبطّن من جلود بعض الحيوانات كالأرانب والسمّور فلا يسع بدن المصلّي لصغره فيحتمل انّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » وضع جبهته على الأرض أو ما ينبت منها. وعلى فرض الملازمة لا تقاوم هي وما في معناها ما سردناه من الروايات في المرحلتين الماضيتين.

حصيلة البحث

إنّ المتأمّل في الروايات يجد بوضوح أنّ قضيّة السجود في الصلاة مرت بمرحلتين أو ثلاث مراحل، ففي المرحلة الأُولى كان الفرض السجود على الأرض ولم يرخّص للمسلمين السجود على غيرها، وفي الثانية جاء الترخيص فيما تنبته الأرض، وليست وراء هاتين المرحلتين مرحلة أُخرى إلاّ مرحلة جواز السجود على الثياب لعذر وضرورة، فما يظهر من بعض الروايات من جواز السجود على الفرو وأمثاله مطلقاً فمحمولة على الضرورة، أو لا دلالة لها على السجود عليه لصغره، بل غايتها الصلاة عليه.


1 . جامع الأُصول: 5/468 برقم 3660.
2 . سنن أبي داود: باب ما جاء في الصلاة على الخمرة برقم 331.


(263)

ومن هنا يظهر بوضوح أنّ ما التزمت به الشيعة من السجود على الأرض أو ما أنبتته الأرض هو عين ما جاءت به السنّة النبويّة، ولم تنحرف عنه قيد أنملة، ونحن ندعو إلى قليل من التأمّل لإحقاق الحقّ وتجاوز البدع.

فالسجدة على الفراش والسجاد والبُسُط المنسوجة من الصوف والوبر والحرير وأمثالها والثوب المتّصل فلا دليل يسوِّغها قطُّ، ولم يرد في السنّة أيُّ مستند لجوازها وهذه الصحاح الستُّ وهي تتكفّل بيان أحكام الدين ولا سيّما الصلاة الّتي هي عماده لم يوجد فيها ولا حديث واحد، ولا كلمة إيماء وإيعاز إلى جواز ذلك.

فالقول بجواز السجود على الفرش والسجاد والالتزام بذلك، وافتراش المساجد بها للسجود عليها كما تداول عند الناس بدعة محضة، وأمر محدث غير مشروع، يخالف سنّة اللّه وسنّة رسوله، ولن تجد لسنّة اللّه تحويلاً.(1)


1 . سيرتنا وسنّتنا:133ـ134.


(264)

6
ما هو السرّ في اتّخاذ تربة طاهرة؟

بقي هنا سؤال يطرحه كثيراً إخواننا أهل السنّة حول سبب اتّخاذ الشيعة تربة طاهرة في السفر والحضر والسجود عليها دون غيرها. وربّما يتخيّل البسطاء ـ كما ذكرنا سابقاً ـ أنّ الشيعة يسجدون لها لا عليها، ويعبدون الحجر والتربة، وذلك لأنّ هؤلاء المساكين لا يفرّقون بين السجود على التربة، والسجود لها.

وعلى أيّ تقدير فالإجابة عنها واضحة، فإنّ المستحسن عند الشيعة هو اتّخاذ تربة طاهرة طيّبة ليتيقن من طهارتها، من أيّ أرض أُخذت، ومن أيّ صقع من أرجاء العالم كانت، وهي كلّها في ذلك سواء.

وليس هذا الالتزام إلاّ مثل التزام المصلّي بطهارة جسده وملبسه ومصلاّه، وأمّا سرّ الالتزام في اتّخاذ التربة هو أنّ الثقة بطهارة كلّ أرض يحلّ بها، ويتّخذها مسجداً، لا تتأتّى له في كلّ موضع من المواضع التي يرتادها المسلم في حلّه وترحاله، بل وأنّى له ذلك وهذه الأماكن ترتادها أصناف مختلفة من البشر، مسلمين كانوا أم غيرهم، ملتزمين بأُصول الطهارة أم غير ذلك، وفي ذلك محنة كبيرة تواجه المسلم في صلاته فلا يجد مناصاً من أن يتخذ لنفسه تربة طاهرة يطمئنّ بها وبطهارتها، يسجد عليها لدى صلاته حذراً من السجدة على الرجاسة


(265)

والنجاسة، والأوساخ التي لا يتقرّب بها إلى اللّه قط ولا تجوّز السنّةُ السجودَ عليها ولا يقبله العقل السليم، خصوصاً بعد ورود التأكيد التام البالغ في طهارة أعضاء المصلّي ولباسه والنهي عن الصلاة في مواطن منها:

المزبلة، والمجزرة، وقارعة الطريق، والحمام، ومواطن الإبل، بل والأمر بتطهير المساجد وتطييبها.(1)

وهذه القاعدة كانت ثابتة عند السلف الصالح وإن غفل التاريخ عن نقلها، فقد روي: أنّ التابعي الفقيه مسروق بن الأجدع (المتوفّـى عام 62هـ) كان يصحب في أسفاره لبنة من المدينة يسجد عليها. كما أخرجه ابن أبي شيبة في كتابه المصنف، باب من كان حمل في السفينة شيئاً يسجد عليه. فأخرج بإسنادين أنّ مسروقاً كان إذا سافر حمل معه في السفينة لبنة يسجد عليها.(2)

إلى هنا تبيّن أنّ التزام الشيعة باتّخاذ التربة مسجداً ليس إلاّ لتسهيل الأمر للمصلّي في سفره وحضره خوفاً من أن لا يجد أرضاً طاهرةً أو حصيراً طاهراً فيصعب الأمر عليه، وهذا كادّخار المسلم تربة طاهرة لغاية التيمّم عليها.

وأمّا السرّ في التزام الشيعة استحباباً بالسجود على التربة الحسينية، فإنّ من الأغراض العالية والمقاصد السامية منها، أن يتذكّر المصلّي ـ حين يضع جبهته على تلك التربة ـ تضحية ذلك الإمام« عليه السَّلام » بنفسه وأهل بيته والصفوة من أصحابه في سبيل العقيدة والمبدأ ومقارعة الجور والفساد.

ولمّا كان السجود أعظم أركان الصلاة، وفي الحديث: «أقرب ما يكون العبد إلى ربّه حال سجوده» فيناسب أن يتذكّر بوضع جبهته على تلك التربة الزاكية، أُولئك الذين جعلوا أجسامهم ضحايا للحقّ، وارتفعت أرواحهم إلى الملأ الأعلى،


1 . سيرتنا وسنّتنا: 158 ـ 159.
2 . مصنف ابن أبي شيبة: 2/172، دارالفكرـ 1409هـ.


(266)

ليخشع ويخضع ويتلازم الوضع والرفع، وتحتقر هذه الدنيا الزائفة، وزخارفها الزائلة، ولعلّ هذا هو المقصود من أنّ السجود عليها يُخرق الحجب السبع كما في الخبر، فيكون حينئذ في السجود سر الصعود والعروج من التراب إلى ربّ الأرباب.(1)

وقال العلاّمة الأميني: نحن نتّخذ من تربة كربلاء قِطَعاً لمعاً، وأقراصاً نسجد عليها كما كان فقيه السلف مسروق بن الأجدع، يحمل معه لبنة من تربة المدينة المنوّرة يسجد عليها، والرجل تلميذ الخلافة الراشدة، فقيه المدينة، ومعلّم السنّة بها، وحاشاه من البدعة. فليس في ذلك أيّ حزازة وتعسّف أو شيء يضاد نداء القرآن الكريم أو يخالف سنّة اللّه وسنّة رسوله« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » أو خروج من حكم العقل والاعتبار.

وليس اتّخاذ تربة كربلاء مسجداً لدى الشيعة من الفرض المحتّم، ولا من واجب الشرع والدين، ولا ممّا ألزمه المذهب، ولا يفرّق أيّ أحد منهم منذ أوّل يومها بينها وبين غيرها من تراب جميع الأرض في جواز السجود عليها خلاف ما يزعمه الجاهل بهم وبآرائهم، وإن هو عندهم إلاّ استحسان عقلي ليس إلاّ، واختيار لما هو الأولى بالسجود لدى العقل والمنطق والاعتبار فحسب كما سمعت، وكثير من رجال المذهب يتّخذون معهم في أسفارهم غير تربة كربلاء ممّا يصحّ السجود عليه كحصير طاهر نظيف يوثق بطهارته أو خمرة مثله ويسجدون عليه في صلواتهم(2).

هذا إلمام إجمالي بهذه المسألة الفقهية والتفصيل موكول إلى محلّه، وقد أغنانا


1 . الأرض والتربة الحسينية: 24.
2 . سيرتنا وسنّتنا:142.


(267)

عن ذلك ما سطّره أعلام العصر وأكابره، وأخص بالذكر منهم:

1.المصلح الكبير الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء (1295ـ1373هـ) في كتابه «الأرض والتربة الحسينية».

2. العلاّمة الكبير الشيخ عبد الحسين الأميني مؤلّف الغدير (1320ـ 1390هـ ) فقد دوّن رسالة في هذا الموضـوع طبعت في آخر كتابه «سيرتنا وسنّتنا».

3. «السجود على الأرض» للعلاّمة الشيخ علي الأحمدي قدَّس سرَّه فقد أجاد في التتبّع والتحقيق.

فما ذكرنا في هذه المسألة اقتباس من أنوار علومهم. رحم اللّه الماضين من علمائنا وحفظ اللّه الباقين منهم.

هذا ما وقفنا عليه من الروايات والتي أوردناها في هذا المختصر.


(268)

خاتمة المطاف

نذكر فيها أمرين:

1. فرض العقيدة والفقه على الزائر

إنّ من غرائب الدهر و «ما عشت أراك الدهر عجباً» أن تُصادر الحريات في الحرمين الشريفين فتُفرض على الزائر، العقيدةُ والفقهُ الخاص، مع أنّ السيرة عبْـر القرون كانت جارية على حرية الزائر في الحرمين الشريفين في عقيدته وعمله.

إنّ التوسل والتبرّك بالنبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » وأئمة أهل البيتعليهم السَّلام كانت سنّة رائجة في القرون الغابرة، ولم يكن هناك أي منع وقد وردت فيه صحاح الروايات ومسانيدها، وكان الحرمان الشريفان أمناً للزائر كما شاء سبحانه أن يكونا كذلك، قال تعالى: (فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبراهيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً)(1) وقال تعالى حاكياً دعاءَ إبراهيم : (وَإِذْ قالَ إِبراهيم رَبّ اجعَل هذا الْبَلد آمناً)(2) ولكن أصبح اليوم من تلك الناحية على خلاف ما دعا إليه إبراهيم، فالزائر الشيعي المقتدي بفقه أئمة أهل البيت لا يُسمح له أن يمارس طقوسه بحرية تامة، ولا أن يتكلم بشيء ممّا يعتقد به، ومن مظاهر ذلك فرض السجود على الفرش المنسوجة والمنع


1 . آل عمران:97.
2 . البقرة:126.


(269)

من السجدة على الصعيد والتربة.

ونحن بدورنا نقترح على الحكومة الراشدة في أراضي الوحي أن يمنحوا حريات مشروعة لعامّة الحجاج كي يمارسوا طقوسهم بحرية، فانّ ذلك يعزِّز أواصرَ الوحدة والتعاون بين المسلمين على اختلاف طوائفهم.

2. صيرورة السنّة بدعة

قد وقفت على أنّ السجود على الأرض أو على الحصر والبواري وأشباهها هو السنّة، وأنّ السجود على الفرش والسجاجيد وأشباهها هو البدعة، وأنّه ما أنزل اللّه به من سلطان، ولكن ياللأسف صارت السنّة بدعة والبدعة سنّة. فلو عمل الرجل بالسنّة في المساجد والمشاهد، وسجد على التراب والأحجار يوصف عمله بالبدعة، والرجل بالمبدع. ولكن ليس هذا فريداً في بابه فقد نرى في فقه المذاهب الأربعة نظائر . نذكر الموارد التالية:

1.قال الشيـخ محمـد بن عبـد الرحمـان الدمشقـي:

السنّة في القبر، التسطيح. وهو أولى على الراجح من مذهب الشافعي.

وقال أبو حنيفة ومالك: التسنيم أولى، لأنّ التسطيح صار شعاراً للشيعة.(1)

وقال الرافعي: إنّ النبي سطّح قبر ابنه إبراهيم، وعن القاسم بن محمد قال: رأيت قبر النبي وأبي بكر وعمر مسطَّحة.

وقال ابن أبي هريرة : إنّ الأفضل الآن العدول من التسطيح إلى التسنيم، لأنّ التسطيح صار شعاراً للروافض، فالأولى مخالفتهم، وصيانة الميت وأهله عن


1 . رحمة الأُمّة في اختلاف الأئمّة:1/88; ونقله أيضاً العلاّمة الأميني في الغدير:10/209.


(270)

الاتّهام بالبدعة، ومثله ما حكي عنه: أنّ الجهر بالتسمية إذا صار في موضع شعاراً لهم فالمستحب الإسرار بها مخالفة لهم، واحتج له بما روي انّ النبي« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » :«كان يقوم إذا بدت جنازة، فأخبر انّ اليهود تفعل ذلك، فترك القيام بعد ذلك مخالفة لهم».

وهذا الوجه هو الذي أجاب به في الكتاب ومال إليه الشيخ أبو محمد وتابعه القاضي الروباني لكن الجمهور على أنّ المذهب الأوّل.

قالوا: ولو تركنا ما ثبت في السنّة لإطباق بعض المبتدعة عليه لجرّنا ذلك إلى ترك سنن كثيرة، وإذا اطَّرد جريْنا على الشيء خرج عن أن يعد شعاراً للمبتدعة.(1)

2.قال الإمام الرازي: روى البيهقي عن أبي هريرة قال: كان رسول اللّه يُجهر في الصلاة بـ«بسم اللّه الرحمن الرحيم» وكان عليٌّ ـ رضي اللّه عنه ـ يُجهر بالتسمية وقد ثبت بالتواتر، وكان علي بن أبي طالب يقول: يا من ذكره شرف للذاكرين، ومثل هذا كيف يليق بالعاقل أن يسعى في إخفائه.

وقالت الشيعة: السنّة، هي الجهر بالتسمية، سواء أكانت في الصلاة الجهرية أو السرية، وجمهور الفقهاء يُخالفونهم ـ إلى أن قال ـ: إنّ عليّاً كان يُبالغ في الجهر بالتسمية، فلمّـا وصلت الدولة إلى بني أُميّة بالغوا في المنع من الجهر، سعياً في إبطال آثار عليّ ـ رضي اللّه عنه ـ (2).

3. قال الزمخشري في تفسير قوله سبحانه:(إِنَّ اللّهَ وَمَلائِكته يُصَلُّونَ عَلى النَّبِي).

فإن قلت: فما تقول في الصلاة على غيره؟

قلت: القياس جواز الصلاة على كلّ مؤمن لقوله تعالى:(هُوَ الَّذي يُصلّي


1 . العزيز شرح الوجيز:2/453.
2 . مفاتيح الغيب: 1/205ـ 206.


(271)

علَيْكُم) وقوله تعالى:(وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ) وقوله : اللّهم صَل على آل أبي أوفى، ولكن للعلماء تفصيلاً في ذلك وهو أنّها إن كانت على سبيل التبع كقولك: صلى اللّه على النبي وآله فلا كلام فيها، وأمّا إذا أفرد غيره من أهل البيت بالصلاة كما يفرد هو فمكروه، لأنّ ذلك صار شعاراً لذكر رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »، ولأنّه يؤدي إلى الاتّهام بالرفض.(1)

4. وفي «فتح الباري»: اختلف في السلام على غيـر الأنبياء بعد الاتّفاق على مشروعيته في الحيّ، فقيل يشـرع مطلقاً، وقيل بل تبعاً ولا يفـرّد لواحـد لكونـه صار شعـاراً للروافضة، ونقله النووي عن الشيخ أبي محمـد الجـويني.(2)

ومعنى ذلك انّه لم يجد مبرّراً لترك ما شرّعه الإسلام، إلاّ عمل الرافضة بسنّة الإسلام، ولو صحّ ذلك، كان على القائل أن يترك عامة الفرائض والسنن التي يعمل بها الروافض.

(قُلْ كُلٌّ مُتَربِّصٌ فَتَربَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصحابُ الصِّراطِ السَّويِّ وَ مَـنِ اهْتَـدى).(3)


1 . الكشاف:2/549.
2 . فتح الباري:11/14.
3 . طه:135.


(272)

(273)

7
الجمع بين الصلاتين


(274)

(275)

أقسام الجمع بين الصلاتين

اعلم أنّ للجمع بين الصلاتين صوراً مختلفة:

1. الجمع بين الصلاتين في المزدلفة وعرفة.

2. الجمع بين الصلاتين في السفر.

3. الجمع بين الصلاتين في الحضر لأجل الأعذار كالمطر والوحل.

4. الجمع بين الصلاتين في الحضر اختياراً بلا عذر.

وقد اتّفقت كلمة الفقهاء على الجمع في المزدلفة وعرفة واختلفت في غيرهما، فها نحن نأخذ كلّ واحدة بالبحث مع ذكر الأقوال والمصادر بوجه موجز.


(276)

1
الجمع بين الصلاتين في عرفة والمزدلفة

اتّفقت كلمة الفقهاء على رجحان الجمع بين الصلاتين في المزدلفة وعرفة من غير خلاف بينهم، قال القرطبي: أجمعوا على أنّ الجمع بين الظهر والعصر في وقت الظهر بعرفة وبين المغرب والعشاء بالمزدلفة أيضاً في وقت العشاء سنّة أيضاً، وإنّما اختلفوا في الجمع في غير هذين المكانين.(1)

وقال ابن قدامة: قال الحسن وابن سيرين وأصحاب الرأي لا يجوز الجمع إلاّفي يوم عرفة بعرفة، وليلة المزدلفة بها.(2)

أخرج مسلم عن جابر بن عبداللّه انّ رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » مكث تسع سنين لم يحج ثمّ أذن في الناس في العاشرة انّ رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »حاجّ، فقدم المدينة بشر كثير كلّهم يلتمس أن يأتمّ برسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » ويعمل مثل عمله ـ إلى أن قال: ـ حتّى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له فأتى بطن الوادي وخطب الناس ـ إلى أن قال:ـ ثمّ أذّن ثمّ أقام فصلّـى الظهر، ثمّ أقام فصلّى العصر ولم يصل بينهما شيئاً ـ إلى أن قال: ـ حتّى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئاً.(3)

وبما انّ المسألة مورد اتّفاق بين الفقهاء نقتصر على هذا المقدار.


1 . بداية المجتهد:1/170، تحت عنوان الفصل الثاني في الجمع .
2 . المغني: 2/112.
3 . صحيح مسلم:4/39ـ42، باب حجّة النبي« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ».


(277)

2
الجمع بين الصلاتين في السفر

ذهب معظم الفقهاء غير الحسن والنخعي وأبي حنيفة وصاحبيه إلى جواز الجمع بين الصلاتين في السفر، فيجوز عند الجمهور غير هؤلاء، الجمعُ بين الظهر والعصر تقديماً في وقت الأُولى وتأخيراً في وقت الثانية، وبين المغرب والعشاء تقديماً وتأخيراً أيضاً، فالصلوات التي تجمع هي : الظهر والعصر، المغرب والعشاء في وقت إحداهما، ويسمّى الجمع في وقت الصلوات الأُولى جمع التقديم، والجمع في وقت الصلوات الثانية جمع التأخير. وقد ذكر الشوكاني الأقوال بالنحو التالي:

1. ذهب إلى جواز الجمع في السفر مطلقاً تقديماً وتأخيراً، كثير من الصحابة والتابعين، ومن الفقهاء: الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق والشهبي.

2. وقال قوم: لا يجوز الجمع مطلقاً إلاّ بعرفة ومزدلفة. وهو قول الحسن والنخعي وأبي حنيفة وصاحبـيه.

3. وقال الليث: وهو المشهور عن مالك انّ الجمع يختص بمن جدّ به السير.

4. وقال ابن حبيب: يختص بالسائر.

5.وقال الأوزاعي: إنّ الجمع في السفر يختصّ بمن له عذر.

6. وقال أحمد: واختاره ابن حزم، وهو مروي عن مالك انّه يجوز جمع التأخير دون التقديم.


(278)

هذه هي الأقوال الستة:

فإذا كانت المسألة على وجه الإجمال مورد اتّفاق الجمهور إلاّ من عرفت، فلابدّ من البحث في مقامين:

1. هل الجمع مختصّ بمن جدّ به السير؟ أي من أسرع في سيره.

2. هل الجواز يختصّ بجمع التأخير ولا يعمّ التقديم؟

أمّا المقام الأوّل فنقول:

إنّ الأخبار الحاكية لفعل النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » على صنفين:

صنف يصرح بأنّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » يجمع إذا جدّ به السير أو أعجله السير في السفر.

1. أخرج مسلم عن نافع، عن ابن عمر انّ رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » كان إذا جدّ به السير جمع بين المغرب والعشاء.(1)

2. أخرج مسلم عن سالم ،عن أبيه: رأيت رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » يجمع بين المغرب والعشاء إذا جدَّ به السير.(2)

3. أخرج مسلم عن سالم بن عبد اللّه انّ أباه قال: رأيت رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » إذا أعجله السير في السفر يؤخّر صلاة المغرب حتّى يجمع بينها وبين صلاة العشاء.(3)

4. أخرج مسلم عن أنس، عن النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » إذا عجَّل عليه السفر يؤخّر الظهر إلى أوّل وقت العصر فيجمع بينهما، ويؤخّر المغرب حتّى يجمع بينها وبين العشاء حين يغيب الشفق.(4)

وصنف آخر يحكي فعـل رسـول اللّه بلا قيـد «إذا جدّ به السير».


1 . صحيح مسلم:2/150 باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر من كتاب الصلاة.
2 . صحيح مسلم:2/150 باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر من كتاب الصلاة.
3 . صحيح مسلم:2/150 باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر من كتاب الصلاة.
4 . صحيح مسلم:2/151، باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر من كتاب الصلاة.


(279)

1. أخرج مسلم عن أنس بن مالك قال: كان رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخَّر الظهر إلى وقت العصر ثمّ نزل فجمع بينهما، فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلّى الظهر ثمّ ركب.(1)

2. أخرج مسلم عن أنس قال: كان النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر أخّر الظهر حتّى يدخل أوّل وقت العصر ثمّ يجمع بينهما.(2)

3. أخرج أبو داود والترمذي عن معاذ بن جبل: انّ النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخّر الظهر حتّى يجمعها إلى العصر يصلّيهما جميعاً، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلّى الظهر والعصر جميعاً ثمّ سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخّر المغرب حتّى يصلّيها مع العشاء، وكان إذا ارتحل بعد المغرب عجّل العشاء فصلاّها مع المغرب.(3)

4. أخرج أحمد في مسنده عن ابن عباس (رض) عن النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » كان في السفر إذا زاغت الشمس في منزله جمع بين الظهر والعصر قبل أن يركب، فإذا لم تزغ له في منزله، سار حتّى إذا حانت العصر نزل فجمع بين الظهر والعصر، وإذا حانت له المغرب في منزله جمع بينها و بين العشاء، وإذا لم تحن في منزله ركب حتى إذا كانت العشاء نزل فجمع بينهما.(4)

وقال الشوكاني بعد نقله الرواية عن مسند أحمد: ورواه الشافعي في مسنده بنحوه وقال فيه: وإذا سار قبل أن تزول الشمس أخّر الظهر حتّى يجمع بينها و بين


1 . صحيح مسلم:2/151، باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر من كتاب الصلاة.
2 . صحيح مسلم:2/151، باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر من كتاب الصلاة.
3 . سنن أبي داود:2/8 كتاب الصلاة، باب الجمع بين الصلاتين،الحديث1220.
4 . مسند أحمد بن حنبل:5/241; سنن أبي داود:2/7، كتاب الصلاة،باب الجمع بين الصلاتين، الحديث 1220.


(280)

العصر في وقت العصر.(1)

أقول: إنّ أنس بن مالك نقل فعل النبي تارة على وجه الإطلاق، وأُخرى على وجه التقييد(2) ومقتضى القاعدة هو حمل المطلق على المقيد وتقييد الروايات المطلقة بما في المقيدة.

أضف إلى ذلك: أنّ الروايات الحاكية لفعل الرسول على وجه الإطلاق دليل لبّي لا لسان له، و مـا كـان هـذا شـأنه لا ينعقد فيـه الإطلاق، لأنّ الإطلاق شأن اللفظ، وليس هناك للرسول « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » لفظ بل صدر منه عمل، نقله الراوي ولعلّ عمله كان مقارناً لما جدّ به السير ولم يذكره الراوي لعدم احتمال دخله في الحكم.

وعلى ضوء هذا لا يجمع إلاّ إذا جدّ به السير. ولعلّه إلى هذا يشير ابن رشد: والجمع إنّما نقل فعلاً فقط.(3)

ولكن الظاهر انّ القيد (الجدّ في السير والعجلة فيه) من قبيل الدواعي إلى الجمع، وتخلّف الداعي في مورد لا يكون سبباً لانتفاء الحكم، فانّ الإنسان لا يترك الأفضل(التفريق) إلاّ إذا كان هناك داع إليه، فلأجله اختار الجمع وترك التفريق، وقد قرر في محلّه انّ انتفاء الدواعي والحكم لا تعد من قيود الحكم بل يكون ثابتاً مع انتفائهما.

وأمّا المقام الثاني أي عدم اختصاصه بجمع التأخير وعمومه بجمع التقدّم فيكفي في ذلك ما أخرجه أبو داود والترمذي عن معاذ بن جبل وما أخرجه أحمد عن ابن عباس فلاحظ الرقم الثالث والرابع من الأحاديث الماضية.


1 . نيل الأوطار:3/213.
2 . بداية المجتهد:1/173، وفي طبعة أُخرى محقّقة:2/374.
3 . بداية المجتهد:1/173، وفي طبعة أُخرى محقّقة:2/374.


(281)

3
الجمع بين الصلاتين في الحضر لأجل العذر

المشهور هو جواز الجمع بين المغرب والعشاء لعذر خلافاً للحنفية حيث لم يجوّزوا الجمع مطلقاً إلاّ في الحج بعرفة والمزدلفة.

وأمّا القائلون بالجمع فقد اختلفوا من وجوه:

الأوّل: هل يختص الجواز بالمطر، أو يعمّه وغيره؟

الثاني: هل يختص الجواز بالمغرب والعشاء، أو يعمّ الظهر والعصر؟

الثالث: هل يختص الجواز بجمع التقديم أو يعمّ جمع التأخير؟(1)

وإليك نقل كلماتهم في الوجوه الثلاثة.

أمّا الأوّل، فالظاهر من الشافعية هو اختصاص الجواز بالمطر.

قال الشيرازي: يجوز الجمع بين الصلاتين في المطر، وأمّا الوحل والريح والظلمة والمرض فلا يجوز الجمع لأجلها.(2)

وقال ابن رشد: أمّا الجمع في الحضر لعذر المطر فأجازه الشافعي ـ إلى أن قال: ـ وأمّا الجمع في الحضر للمريض، فأمّا مالكاً أباحه له إذا خاف أن يغمى


1 . ما ذكرناه هو رؤوس الاختلاف، وأمّا فروعها فكثيرة لا حاجة للتعرّض إليها.
2 . المجموع: 4/258، قسم المتن.


(282)

عليه أو كان به بطن، ومنع ذلك الشافعي.(1)

وقال في الشرح الكبير: وهل يجوز ذلك ـ وراء المطر ـ لأجل الوحل والريح الشديدة الباردة، أو لمن يصلّـي في بيته أو في مسجد طريقه تحت ساباط على وجهين.(2)

وأمّا الثاني، أي هل يختص الجواز بالمغرب والعشاء أو يعمّ الظهرين؟

فقال ابن رشد: وأمّا الجمع في الحضر لعذر المطر فأجازه الشافعي ليلاً كان أو نهاراً، ومنعه مالك في النهار وأجازه في الليل.(3)

وقال النووي: قال الشافعي والأصحاب يجوز الجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء في المطر، وحكى إمام الحرمين قولاً إنّه يجوز بين المغرب والعشاء في وقت المغرب ولا يجوز بين الظهر والعصر، وهو مذهب مالك،و قال المزني: لا يجوز مطلقاً. والمذهب الأوّل هو المعروف من نصوص الشافعي قديماً وجديداً.(4)

وأمّا الثالث، أي اختصاص الجواز بجمع التقديم دون جمع التأخير.

فقال الشيرازي: يجوز الجمع بين الصلاتين في المطر في وقت الأولة منهما، وهل يجوز أن يجمعهما في وقت الثانية؟ فيه قولان:

قال [الشافعي] في «الإملاء»: يجوز، لأنّه عذر يجوز الجمع به في وقت الأُولى فجاز الجمع في وقت الثانية كالجمع في السفر.


1 . بداية المجتهد:1/173ـ 174، في موضعين.
2 . المغني:2/118، قسم الذيل.
3 . بداية المجتهد:1/173.
4 . المجموع: 4/260.


(283)

وقال في «الأُمّ»: لا يجوز، لأنّه إذا أخّر ربما انقطع المطر فجمع من غير عذر.(1)

هذا إجمال الأقوال في النقاط الثلاث، ولهم اختلافات في مواضع أُخر لا حاجة لذكرها.

إذا عرفت ذلك، فالمهمّ هو وجود الدليل على جواز الجمع في الحضر لعذر.

وقد استدلّوا بحديثين:

1. ما دلّ على جواز الجمع في الحضر على وجـه الإطـلاق حيـث حملـوه على صـورة المـطر أو صـورة العـذر المطلق.

أخرج البخاري عن ابن عباس(رض) انّ النبي« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » صلّى بالمدينة سبعاً و ثمانياً الظهر والعصر، المغرب والعشاء.(2)

قال ابن رشد: وأمّا الجمع في الحضر لغير عذر، فانّ مالكاً وأكثر الفقهاء لايجيزونه وأجاز ذلك جماعة من أهل الظاهر وأشهب من أصحاب مالك، وسبب اختلافهم اختلافهم في مفهوم حديث ابن عباس، فمنهم من تأوّله على أنّه كان في مطر كما قال مالك، و منهم من أخذ بعمومه مطلقاً.

2. ما رواه ابن عباس(رض) انّ النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » جمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا سفر ولا مطر، قيل لابن عباس: ما أراد بذلك، قال: أراد أن لا يحرج أُمّته.(3)

فظاهر الحديث يعطي انّ الجمع في المطر كان أمراً مسلماً، ولذلك حاول


1 . المجموع:4/258.
2 . ستوافيـك مصـادر هـذه الروايات في الصورة الرابعة من صـور الجمع.
3 . ستوافيك مصادر هذه الروايات في الصورة الرابعة من صور الجمع.


(284)

ابن عباس أن يبيّن بأنّ هذا الجمع لم يكن لغاية المطر أو سائر الاعذار، بل عفواً لغاية عدم إحراج أُمّته.

فلو جاز الجمع في الحضر لأجل العذر يكون الجمع في السفر اختياراً من غير عذر من أحكام السفر، لأنّ المسافر يجمع فيه بين الصلاتين بلا عذر وأمّا الحاضر فإنّما يجمع لعذر أو غيره. وأمّا إذا قلنا بالجواز في الحضر اختياراً كما سيوافيك فلا يكون الجمع بين الصلاتين من أحكام السفر.

إلى هنا تم الكلام في الصورة الثالثة، بقي الكلام في الصورة الرابعة وهي الجمع بين الصلاتين في الحضر، فلو ثبت جواز الجمع بينهما في الحضر اختياراً، ثبت جواز الجمع في السفر لعذر أو لغير عذر، بطريق أولى، ولذلك أولينا أهمية خاصة للصورة الرابعة لأنّ ثبوت الجواز فيها مفتاح ثبوت الجواز في سائر الصور، فلاحظ.


(285)

4
الجمع بين الصلاتين في الحضر اختياراً

اتّفقت الإمامية على أنّه يجوز الجمع بين الصلاتين في الحضر اختياراً وإن كان التفريق أفضل.

يقول الشيخ الطوسي: يجوز الجمع بين الصلاتين، بين الظهر والعصر وبين المغرب وعشاء الآخرة، في السفر والحضر وعلى كلّ حال، ولا فرق بين أن يجمع بينهما في وقت الأولة منهما أو وقت الثانية، لأنّ الوقت مشترك بعد الزوال وبعد المغرب على ما بيّناه.(1)

إنّ الجمع بين الصلاتين على مذهب الإمامية ليس بمعنى إتيان الصلاة في غير وقتها الشرعي، بل المراد الإتيان في غير وقت الفضيلة، وإليك تفصيل المذهب.

قالت الإمامية ـ تبعاً للنصوص الواردة عن أئمّة أهل البيت « عليهم السَّلام » ـ إنّه إذا زالت الشمس دخل الوقتان ـ أي وقت الظهر والعصر ـ إلاّ أنّ صلاة الظهر يُؤتى بها قبل العصر، وعلى ذلك فالوقت بين الظهر والغروب وقت مشترك بين الصلاتين، غير انّه يختص مقدار أربع ركعات من الزوال بالظهر ومقدار أربع


1 . الخلاف:1/588، المسألة 351 وسيوافيك ما بينه في أوقات الصلوات.


(286)

ركعات من الآخر للعصر وما بينهما وقت مشترك، فلو صلّى الظهر والعصر في أي جزء من بين الزوال والغروب فقد أتى بهما في وقتهما، وذلك لأنّ الوقت مشترك بينهما، غير انّه يختص بالظهر مقدار أربع ركعات من أوّل الوقت ولا يصحّ فيه العصر ويختص بالعصر بمقدار أربع ركعات من آخر الوقت ولا يصحّ إتيان الظهر فيه.

هذا هو واقع المذهب، ولأجل ذلك فالجامع بين الصلاتين في غير الوقت المختص به آت بالفريضة في وقتها فصلاته أداء لا قضاءً.

ومع ذلك فلكلّ من الصلاتين ـ وراء وقت الاجزاء ـ وقت فضيلة.

فوقت فضيلة الظهر من الزوال إلى بلوغ ظل الشاخص الحادث بعد الانعدام أو بعد الانتهاء مثله، ووقت فضيلة العصر من المثل إلى المثلين عند المشهور.

وبذلك يعلم وقت المغرب والعشاء، فإذا غربت الشمس دخل الوقتان إلى نصف الليل، ويختص المغرب بأوّله بمقدار أدائه والعشاء بآخره كذلك وما بينهما وقت مشترك، ومع ذلك انّ لكلّ من الصلاتين وقت فضيلة، فوقت فضيلة صلاة المغرب من المغرب إلى ذهاب الشفق وهي الحمرة المغربية، ووقت فضيلة العشاء من ذهاب الشفق إلى ثلث الليل.(1)

وأكثر من يستغرب جمع الشيعة الإمامية بين الصلاتين لأجل انّه يتصور انّ الجامع يصلّي إحدى الصلاتين في غير وقتها، ولكنّه غرب عن باله أنّه يأتي بالصلاة في غير وقت الفضيلة ولكنّه يأتي بها في وقت الإجزاء، ولا غرو أن يكون


1 . لاحظ العروة الوثقى:171، فصل في أوقات اليومية.


(287)

للصلاة أوقاتاً ثلاثة.

أ. وقت الاختصاص كما في أربع ركعات من أوّل الوقت وآخره، أو ثلاث ركعات بعد المغرب وأربع ركعات قبل نصف الليل.

ب. وقت الفضيلة، وقد عرفت تفصيله في الظهرين والعشائين.

ج. وقت الإجزاء، وهو مطلق ما بين الحدّين إلاّ ما يختصّ بإحدى الصلاتين، فيكون وقت الإجزاء أعمّ من وقت الفضيلة وخارجه.

وقد تضافرت الروايات عن أئمّة أهل البيت انّه إذا زالت الشمس دخل الوقتان إلاّأنّ هذه قبل هذه.

روى الصدوق باسناده عن زرارة، عن أبي جعفر« عليه السَّلام » قال: «إذا زالت الشمس دخل الوقتان: الظهر والعصر، وإذا غابت الشمس دخل الوقتان: المغرب والعشاء الآخرة».(1)

روى الشيخ الطوسي باسناده عن عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبد اللّه« عليه السَّلام » عن وقت الظهر والعصر؟ فقال: «إذا زالت الشمس دخل وقت الظهر والعصر، إلاّ انّ هذه قبل هذه ثمّ أنت في وقت منهما جميعاً حتى تغيب الشمس».(2)

والروايات بهذا المضمون متوفرة اقتصرنا على هذا المقدار.

فإذا كانت الصلوات تتمتع بأوقات ثلاثة كما بيّناه يتبيّن انّ الجمع ليس بأمر مشكل وإنّما يفوت به فضيلة الوقت لا أصل الوقت، ولأجل ذلك ورد عن أئمّة أهل البيت أنّ التفريق أفضل من الجمع، فنذكر في المقام بعض ما يصرح بجواز


1 . الفقيه:1/140، وأورده أيضاً في الحديث 1 من الباب17 من هذه الأبواب.
2 . التهذيب:2/26.


(288)

الجمع تيمّناً وتبرّكاً، وإلاّ فالمسألة من ضروريات الفقه الإمامي.

1.روى الصدوق باسناده عن عبد اللّه بن سنان، عن الصادق « عليه السَّلام » انّ رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » جمع بين الظهر والعصر بأذان وإقامتين، وجمع بين المغرب والعشاء في الحضر من غير علّة بأذان واحد وإقامتين».(1)

2. وروى أيضاً باسناده عن إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد اللّه « عليه السَّلام » قال: «إنّ رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » صلّى الظهر والعصر في مكان واحد من غير علة ولا سبب، فقال له عمر ـ وكان أجرأ القوم عليه ـ: أحدث في الصلاة شيء؟ قال: لا ولكن أردت أن أوسِّع على أُمّتي».(2)

3. أخرج الكليني باسناده عن زرارة، عن أبي عبد اللّه « عليه السَّلام » قال: «صلّى رسول اللّه بالناس الظهر والعصر حين زالت الشمس في جماعة من غير علّة، وصلّى بهم المغرب والعشاء الآخرة قبل سقوط الشفق من غير علّة في جماعة، وإنّما فعل رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » ليتسع الوقت على أُمّته».(3)

إلى غير ذلك من الروايات المتوفرة التي جمعها الشيخ الحر العاملي في وسائل الشيعة.(4)

إلى هنا تبيّنت نظرية الشيعة في الجمع بين الصلاتين.

***


1 . الفقيه:1/186برقم 886.
2 . علل الشرائع:321، الباب11.
3 . الكافي:3/286، الحديث1.
4 . الوسائل: 4/220ـ 223، الباب 32 من أبواب المواقيت.


(289)

التنويع في الوقت في فقه السنّة

وربما يتصوّر من لا خبرة له أنّ هذا التنويع في الوقت من خصائص الفقه الإمامي، فانّ تنويع الوقت إلى أوقات ثلاثة يوجد في كلا الفقهين وإن كان بينهما اختلاف في الكمية.

قال النووي في شرح المهذب: فرع: للظهر ثلاثة أوقات: وقت فضيلة، ووقت اختيار، ووقت عذر. فوقت الفضيلة أوّله، ووقت الاختيار ما بعد وقت الفضيلة، إلى آخر الوقت، ووقت العذر وقت العصر في حقّ من يجمع بسفر أو مطر.

ثمّ قال: وقال القاضي حسين: لها أربعة أوقات: وقت فضيلة، ووقت اختيار، ووقت جواز، ووقت عذر. فوقت الفضيلة إذا صار ظل الشيء مثل ربعه، والاختيار إذا صار مثل نصفه، والجواز إذا صار ظله مثله وهو آخر الوقت، والعذر وقت العصر لمن جمع بسفر أو مطر.(1)

من يوافق الإمامية بعض الموافقة

كما أنّ هناك من يقول ببعض ما ذهبت إليه الإمامية، نقله النووي وقال: قال عطاء وطاووس: إذا صار ظل الشيء مثله دخل وقت العصر وما بعده وقت للظهر والعصر على سبيل الاشتراك حتى تغرب الشمس.

فهذا القول يخصُّ صيرورة ظل الشيء مثله للظهر، ثمّ يجعل الباقي مشتركاً بينهما حتى تغرب الشمس، وهو قريب ممّا ذهب إليه الإمامية.


1 . المجموع:3/27.


(290)

وقال مالك : إذا صار ظله مثله فهو آخر وقت الظهر وأوّل وقت العصر بالاشتراك، فإذا زاد على المثل زيادة بيّنة خرج وقت الظهر.(1)

وهذا القول يجعل قسماً من الوقت ـ أعني: بعد صيرورة الظل مثله ـ إلى زيادة الظل عنه زيادة بيّنة، وقتاً مشتركاً بين الظهر والعصر.

ثمّ نقل عنه أيضاً انّ وقت الظهر يمتد إلى غروب الشمس.(2) إلى غير ذلك من الأقوال التي فيها نوع موافقة للفقه الإمامي.

من يوافق الإمامية تمام الموافقة من السنّة

والجمع بين الصلاتين اختياراً وإن كان من ضروريات الفقه الإمامي، لكن ليست الإماميّة متفردة فيه بل وافقهم لفيف من فقهاء السنّة.

قال ابن رشد: وأمّا الجمع في الحضر لغير عذر فإن مالكاً وأكثر الفقهاء لا يجيزونه، وأجاز ذلك جماعة من أهل الظاهر، وأشهب من أصحاب مالك.

وسبب اختلافهم، اختلافهم في مفهوم حديث ابن عباس، فمنهم من تأوّله على أنّه كان من سفر.

ومنهم من أخذ بعمومه مطلقاً، وقد خرّج مسلم زيادة في حديثه وهو قوله: من غير خوف ولا سفر ولا مطر، و بهذا تمسّك أهل الظاهر.(3)

قال النووي: فرع في مذاهبهم من الجمع بلا خوف ولا سفر،ولا مطر ولا مرض، مذهبنا (الشافعي) ومذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد والجمهور انّه لا يجوز،


1 . المجموع:3/24.
2 . المجموع:3/27.
3 . بداية المجتهد:2/374، الطبعة المحققّة.


(291)

وحكى ابن المنذر عن طائفة جوازه بلا سبب، قال: وجوّزه ابن سيرين لحاجة أو ما لم يتّخذه عادة.(1)

وعلى كل تقدير فالمهم هو الدليل لا الأقوال، فإن وافقت الدليل فهو، وإلاّفالمرجع هو الدليل.

الكتاب والجمع بين الصلاتين

قال سبحانه: (أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً).(2)

إنّ الآية متكفّلة لبيان أوقات الصلوات الخمسة، فلو قلنا بأنّ المراد من غسق الليل هو انتصافه، فيكون ما بين الدلوك وغسق الليل أوقاتاً للصلوات الأربع، غير أنّ الدليل دلّ على خروج وقت الظهرين بغروب الشمس، فيكون ما بين الدلوك والغروب وقتاً مشتركاً للظهرين كما يكون ما بين الغروب وغسق الليل وقتاً مشتركاً للمغرب والعشاء.

وربما يفسر الغسق بغروب الشمس، فعندئذ تتكفل الآية لبيان وقت الظهرين وصلاة الفجر دون المغرب والعشاء، والمعروف هو التفسير الأوّل.

قال الطبرسي: وفي الآية دلالة على أنّ وقت صلاة الظهر موسّع إلى آخر النهار، لأنّ اللّه سبحانه جعل من دلوك الشمس الذي هو الزوال إلى غسق الليل وقتاً للصلوات الأربع إلاّ انّ الظهر والعصر اشتركا في الوقت من الزوال إلى


1 . المجموع:4/264.
2 . الإسراء:78.


(292)

الغروب، والمغرب والعشاء الآخرة اشتركا في الوقت من الغروب إلى الغسق وأفرد صلاة الفجر بالذكر في قوله:(وَقُرآن الفجر) ففي الآية بيان وجوب الصلوات الخمس وبيان أوقاتها.(1)

وما ذكرناه هو الذي نصّ عليه الإمام الباقر « عليه السَّلام » حيث قال : «قال اللّه تعالى لنبيّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »(أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل) ، أربع صلوات سمّاهن اللّه وبيّنهن ووقّتهن، وغسق الليل هو انتصافه، ثمّ قال تبارك وتعالى: (وقرآن الفجر إنّ قرآن الفجر كان مشهوداً)فهذه الخامسة».(2)

وقال الصادق « عليه السَّلام » : «منها صلاتان أوّل وقتهما من زوال الشمس إلاّأنّ هذه قبل هذه، ومنها صلاتان أوّل وقتهما من غروب الشمس إلى انتصاف الليل إلاّأنّ هذه قبل هذه».(3)

وقال القرطبي: وقد ذهب قوم إلى أنّ صلاة الظهر يتمادى وقتها من الزوال إلى الغروب، لأنّ اللّه سبحانه علّق وجوبها على الدلوك وهذا دلوك كلّه; قاله الأوزاعي وأبو حنيفة في تفصيل، وأشار إليه مالك والشافعي في حالة الضرورة.(4)

وقال الرازي: إن فسرنا الغسق بظهور أوّل الظلمة ـ وحكاه عن ابن عبّاس وعطاء والنضر بن شمّيل ـ كان الغسقُ عبارة عن أوّل المغرب، وعلى هذا التقدير يكون المذكور في الآية ثلاثة أوقات: وقت الزوال، ووقت أوّل المغرب، ووقت الفجر.


1 . مجمع البيان:3/434.
2 . نور الثقلين : 3/200، الحديث370.
3 . نور الثقلين:3/202، الحديث377.
4 . الجامع لأحكام القرآن:1/304.


(293)

قال: وهذا يقتضي أن يكون الزوال وقتاً للظهر والعصر فيكون هذا الوقت مشتركاً بين هاتين الصلاتين، وأن يكون أوّل المغرب وقتاً للمغرب والعشاء فيكون هذا الوقت مشتركاً أيضاً بين هاتين الصلاتين، فهذا يقتضي جواز الجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء مطلقاً، إلاّ أنّه دلّ الدليل على أنّ الجمع في الحضر من غير عذر لا يجوز، فوجَبَ أن يكون الجمع جائزاً لعذر السفر وعند المطر وغيره.(1)

وما حقّقه الرازي في المقام، حقّ ليس وراءه شيء، لكن عدوله عنه، بحجّة «انّ الجمع في السفر من غير عذر لا يجوز لوجود الدليل» رجم بالغيب، إذ أيّ دليل قام على عدم الجواز بلا عذر، فهل الدليل هو الكتاب؟ والكتاب حسب تحقيقه يدلّ على الجواز، أو السنّة وسيوافيك تضافر النصوص على الجواز، أو الإجماع فليس عدم الجواز موضع إجماع وقد عرفت القول بالجواز أيضاً من أهل السنّة، مضافاً إلى إطباق أئمّة أهل البيتعليهم السَّلام على الجواز; وليس وراء الكتاب والسنّة والإجماع حجّة، كما ليس وراء عبادان قرية.(2)

السنّة والجمع بين الصلاتين في الحضر اختياراً

قد تضافرت الروايات عن الصادع بالحق على جواز الجمع بين الصلاتين


1 . التفسير الكبير:21/27.
2 . وكم للإمام الرازي من مواقف مشرقة في تحقيق ما هو الحقّ ، الذي هو الأحقّ بالاتّباع لكنّه عدل عنه لوجوه واهية. لاحظ ما حقّقه حول مسح الرجلين في تفسير قوله سبحانه: (وامسحوا برءُوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) ، وما ذكره حول المراد من قوله (وأولي الأَمر منكم) في تفسير قوله تعالى: (أَطيعُوا اللّه وأَطيعُوا الرَسول وأُولي الأَمْر مِنْكم) وغيرهما.


(294)

في الحضر اختياراً رواها أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد، فلنقدم ما رواه مسلم بالسند والمتن ثمّ نذكر ما نقله غيره.

1. حدّثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك، عن الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: صلّى رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »الظهر والعصر جميعاً والمغرب والعشاء جميعاً في غير خوف ولا سفر.

2. وحدّثنا أحمد بن يونس وعون بن سلام جميعاًعن زهير، قال ابن يونس: حدّثنا زهير ،حدّثنا أبو الزبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: صلّى رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » الظهر والعصر جميعاً بالمدينة في غير خوف ولا سفر. قال أبو الزبير: فسألت سعيداً :لِمَ فعل ذلك؟ فقال: سألت ابن عباس كما سألتني فقال: أراد أن لا يحرج أحداً من أُمّته.

3. وحدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا: حدّثنا أبو معاوية; وحدّثنا أبو كريب وأبو سعيد الأشج ـ واللفظ لأبي كريب ـ قالا: حدّثنا وكيع كلاهما عن الأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: جمع رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر «في حديث وكيع» قال: قلت لابن عباس: لِمَ فعل ذلك؟ قال: كي لا يُحرج أُمّته. وفي حديث أبي معاوية قيل لابن عباس: ما أراد إلى ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أُمّته.

4. وحدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدّثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس قال: صلّيت مع النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »ثمانياً ًجميعاً وسبعاً جميعاً، قلت: يا أبا الشعثاء أظنه أخّر الظهر وعجّل العصر وأخّر المغرب وعجّل


(295)

العشاء، قال: وأنا أظن ذاك.(1)

ما ظنه ـ لو رجع إلى الجمع الصوري كما سيوافيك ـ لا يغني من الحقّ شيئاً، وسيوافيك الكلام فيه.

5. حدّثنا أبو الربيع الزهراني، حدّثنا حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عبّاس أنّ رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »صلّى بالمدينة سبعاً وثمانياً (2) الظهر والعصر والمغرب والعشاء.

6. وحدّثني أبو الربيع الزهراني، حدّثنا حماد، عن الزبير بن الخريت، عن عبد اللّه بن شقيق قال: خطبنا ابن عباس يوماً بعد العصر حتّى غربت الشمس وبدت النجوم، وجعل الناس يقولون: الصلاة الصلاة قال: فجاءه رجل من بني تميم لا يفتر ولا ينثني: الصلاة الصلاة، فقال ابن عباس: أتعلّمني بالسنّة لا أُمَّ لك، ثمّ قال: رأيت رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء. قال عبد اللّه بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك شيء فأتيت أبا هريرة فسألته، فصدّق مقالته.

7. وحدّثنا ابن أبي عمر، حدّثنا وكيع، حدّثنا عمران بن حدير، عن عبد اللّه بن شقيق العقيلي قال: قال رجل لابن عباس:الصلاة ، فسكت; ثمّ قال: الصلاة، فسكت; ثمّ قال: الصلاة، فسكت، ثمّ قال: لا أُمّ لك أتعلّمنا بالصلاة وكنّا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ».(3)


1 . فعل ذلك رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » بالمدينة بقرينة الحديث الخامس.
2 . لف ونشر غير مرتب، والمرتب منه: ثمانياً وسبعاً.
3 . شرح صحيح مسلم للنووي:5/213ـ 218، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر ومع أنّ العنوان خاص بالحضر نقل فيه ثلاث روايات جاء فيها الجمع بين الصلاتين في السفر تركنا نقلها. ولعلّه نقلها في هذا الباب إيعازاً بأنّ كيفية الجمع في الحضر مثلها في السفر كما سيوافيك بيانه.


(296)

هذا ما نقله مسلم في صحيحه، وإليك ما نقله غيره.

8. أخرج البخاري عن ابن عباس: انّ النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » صلّى بالمدينة سبعاً وثمانياً: الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، فقال أيوب : لعلّه في ليلة مطيرة؟ قال: عسى.(1)

9. أخرج البخاري عن جابر بن زيد ،عن ابن عباس قال: صلّى النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » سبعاً جميعاً وثمانياً جميعاً.(2)

10. أخرج البخاري بإرسال عن ابن عمر وأبي أيّوب وابن عباس، صلّى النبيّ « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » المغرب والعشاء.(3)

11. أخرج الترمذي عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: جمع رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر، قال: فقيل لابن عباس: ما أراد بذلك؟ قال: أراد أن لايحرج أُمّته.

قال الترمذي بعد نقل الحديث: حديث ابن عباس قد روي عنه من غير وجه، رواه جابر بن زيد وسعيد بن جبير وعبد اللّه بن شقيق العقيلي.(4)

12. أخرج الإمام أحمد عن قتادة قال:سمعت جابر بن زيد، عن ابن عباس قال: جمع رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة في


1 . صحيح البخاري:1/110، باب تأخير الظهر إلى العصر من كتاب الصلاة.
2 . صحيح البخاري:1/113، باب وقت المغرب من كتاب الصلاة.
3 . صحيح البخاري:1/113، باب ذكر العشاء والعتمة.
4 . سنن الترمذي:1/354، رقم الحديث 187، باب ما جاء في الجمع في الحضر. ثمّ إنّ محقّق الكتاب أشار في الهامش إلى الوجوه التي روي بها هذا الحديث عن ابن عباس فلاحظ.كما أنّ للترمذي تفسيراً مرفوضاً بالنسبة إلى هذا الحديث سيوافيك في محلّه.


(297)

غير خوف ولا مطر، قيل لابن عباس: وما أراد لغير ذلك؟ قال: أراد ألاّ يحرج أُمّته.(1)

13. أخرج الإمام أحمد عن سفيان، قال عمر: وأخبرني جابر بن زيد انّه سمع ابن عباس يقول: صلّيت مع رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »ثمانياً جميعاً وسبعاً جميعاً، قلت له: يا أبا الشعثاء أظنّه أخّر الظهر وعجل العصر، وأخّر المغرب وعجّل العشاء، قال: وأظن ذلك.(2)

14. أخرج الإمام أحمد عن عبد اللّه بن شقيق، قال: خطبنا ابن عباس يوماً بعد العصر حتّى غربت الشمس وبدت النجوم وعلق الناس ينادونه الصلاة وفي القوم رجل من بني تميم فجعل يقول: الصلاة الصلاة، فغضب، قال: أتعلّمني بالسنّة شهدت رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، قال عبد اللّه: فوجدت في نفسي من ذلك شيئا فلقيت أبا هريرة فسألته فوافقه.(3)

15. أخرج مالك عن سعيد بن جبير، عن عبد اللّه بن عباس انّه قال: صلّى رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » الظهر والعصر جميعاً والمغرب والعشاء جميعاً في غير خوف ولا سفر.(4)


1 . مسند أحمد:1/223.
2 . مسند أحمد:1/221 وما ظنه ان أراد به الجمع الصوري كما سيوافيك فهو ليس بحجّة حتى للظان، والظن لا يغني عن الحقّ شيئاً.
3 . مسند أحمد:1/251.
4 . موطأ مالك:1/144، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر والسفر، الحديث4.


(298)

16. أخرج أبو داود عن سعيد بن جبير، عن عبد اللّه بن عباس، قال: صلّى رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » الظهر والعصر جميعاً، والمغرب والعشاء جميعاً في غير خوف ولا سفر.

قال مالك: أرى ذلك كان في مطر.(1)

17. أخرج أبو داود عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، قال: صلّى بنا رسول اللّه بالمدينة ثمانياً وسبعاً الظهر والعصر، والمغرب والعشاء.

قال أبو داود: ورواه صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس قال: في غير مطر.(2)

18. أخرج النسائي عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: صلّى رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » الظهر والعصر جميعاً والمغرب والعشاء جميعاً من غير خوف ولا سفر.(3)

19. أخرج النسائي عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس انّ النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » كان يصلّي بالمدينة يجمع بين الصلاتين بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء من غير خوف ولا مطر، قيل له: لِمَ ؟قال: لئلاّ يكون على أُمّته حرج.(4)

20. أخرج النسائي عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس قال: صلّيت وراء رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » ثمانياً جميعاً وسبعاً جميعاً.(5)

21. أخرج النسائي عن جابر بن زيد، عن ابن عباس انّه صلّى بالبصرة الأُولى والعصر ليس بينهما شيء، والمغرب والعشاء ليس بينهما شيء فعل ذلك من شغل، وزعم ابن عباس انّه صلّى مع رسول اللّه بالمدينة ، الأُولى والعصر ثمان


1 . سنن أبي داود:2/6، الحديث1210، باب الجمع بين الصلاتين. وسيوافيك الكلام في تفسير مالك للحديث.
2 . المصدر السابق، الحديث 1214.
3 . سنن النسائي:1/290، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر.
4 . سنن النسائي:1/290، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر.
5 . سنن النسائي:1/290، باب الجمع بين الصلاتين في الحضر.


(299)

سجدات ليس بينهما شيء.(1)

22. أخرج الحافظ عبد الرزاق عن داود بن قيس، عن صالح مولى التوأمة انّه سمع ابن عباس يقول: جمع رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة في غير سفر ولا مطر، قال قلت لابن عباس: لم تراه فعل ذلك؟ قال: أراه للتوسعة على أُمّته.(2)

23. أخرج عبد الرزاق عن ابن عباس قال: جمع رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » بين الظهر والعصر، بالمدينة في غير سفر ولا خوف، قال: قلت لابن عباس: ولِـمَ تراه فعل ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أحداً من أُمّته.(3)

24. أخرج عبد الرزاق عن عمرو بن دينار انّ أبا الشعثاء أخبره انّ ابن عباس أخبره، قال: صلّيت وراء رسول اللّه ثمانياً جميعاً وسبعاً جميعاً بالمدينة، قال ابن جريج، فقلت لأبي الشعثاء: أنّـي لأظن النبي أخّر من الظهر قليلاً وقدّم من العصر قليلاً، قال أبو الشعثاء: وأنا أظن ذلك.(4)

قلت: ما ظنّه ابن جريج وصدّقه أبو الشعثاء ظن لا يغني من الحقّ شيئاً، وحاصله: انّ الجمع كان صورياً لاحقيقياً. وسيوافيك ضعف هذا الحمل وانّ الجمع الصوري يوجب الإحراج أكثر من التفريق فانّ معرفة أواخر الوقت من الصلاة الأُولى وأوائله من الصلاة الثانية أشكل من الجمع.

25. أخرج عبد الرزاق عن عمرو بن شعيب، عن عبد اللّه بن عمر قال: جمع لنا رسول اللّه مقيماً غير مسافر بين الظهر والعصر فقال رجل لابن عمر: لِمَ


1 . سنن النسائي:1/286، باب الوقت الذي يجمع فيه المقيم والمراد من ثمان سجدات ثمان ركعات.
2 . مصنف عبد الرزاق:2/555ـ556، الحديث 4434، 4435.
3 . مصنف عبد الرزاق:2/555ـ556، الحديث 4434، 4435.
4 . مصنف عبد الرزاق:2/556، الحديث 4436.


(300)

ترى النبي فعل ذلك؟ قال: لأن لا يُحرج أُمّته إن جمع رجل.(1)

26. أخرج الطحاوي في «معاني الآثار» بسنده عن جابر بن عبد اللّه قال: جمع رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء في المدينة للرخص من غير خوف ولا علّة.(2)

27. أخرج الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد اللّه الاصفهاني(المتوفّى عام 430هـ) عن جابر بن زيد انّ ابن عباس جمع بين الظهر والعصر، وزعم انّه صلّى مع رسول اللّه بالمدينة الظهر والعصر.(3)

28. أخرج أبو نعيم عن عمرو بن دينار قال: سمعت أبا الشعثاء يقول: قال ابن عباس(رض): صلّى رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » ثماني ركعات جميعاً وسبع ركعات جميعاً من غير مرض ولا علّة.(4)

29. أخرج البزار في مسنده عن أبي هريرة قال: جمع رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » بين الصلاتين في المدينة من غير خوف.(5)

30. أخرج الطبراني في الأوسط والكبير بسنده عن عبد اللّه بن مسعود قال: جمع رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » ـ يعني بالمدينة ـ بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فقيل له في ذلك، فقال: صنعت ذلك لئلاّ تحرج أُمّتي.(6)

هذه ثلاثون حديثاً جمعناها من الصحاح والسنن والمسانيد، وبسطنا الكلام في النقل، ليقف القارئ على أنّها أحاديث اعتنى بنقلها حفّاظ المحدّثين وأكابرهم


1 . مصنّف عبد الرزاق:2/556، الحديث 4437.
2 . معاني الآثار:1/161.
3 . حلية الأولياء:3/90 باب جابر بن زيد.
4 . حلية الأولياء:3/90 باب جابر بن زيد.
5 . مسند البزار:1/283، الحديث رقم421.
6 . المعجم الكبير:10/269، الحديث10525.


(301)

ولا يمكن لأحد أن يتناكرها أو يرفضها، وهناك روايات مبثوثة في كتب الحديث أعرضنا عن ذكرها لأجل الاختصار.(1)

وهذه الأسانيد المتوفرة تنتهي إلى الأشخاص التالية أسماؤهم:

1. عبد اللّه بن عباس حبر الأُمّة.

2. عبد اللّه بن عمر.

3. أبو أيّوب الأنصاري مضيِّف النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ».

4. أبو هريرة الدوسي.

5. جابر بن عبد اللّه الأنصاري.

6. عبد اللّه بن مسعود.

والروايات صريحة في أنّ الرسول « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » جمع بالمدينة بين الصلاتين من غير خوف ولا مطر ولا علّة، جمع لبيان جواز الجمع ومشروعيته لئلاّ يتوهّم متوهّم بأنّ التفريق فريضة لما كان « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » يستمر على التوقيت والإتيان في وقت الفضيلة، ولكنّه بعمله أثبت انّ الجمع جائز وإن كان التوقيت أفضل.

تبريرات لرفض الجمع بين الصلاتين

ولما كان مضمون الروايات مخالفاً للمذاهب الفقهية الرائجة حاول غير واحد من المحدّثين وأهل الفتيا إخضاع الروايات على فتوى الأئمّة مكان أخذها مقياساً لتمييز الحقّ عن الباطل، فترك كثير منهم العمل بهذه الروايات، غير انّ


1 . لاحظ المعجم الأوسط:2/94 وكنز العمال:8/246ـ 251، برقم 22764و 22767و 22771، 22774، 22777، 22778.


(302)

لفيفاً منهم عملوا بها وأفتوا على ضوئها، ذكر أسماءهم ابن رشد في «بداية المجتهد» والنووي في «المجموع» على ما مرّ، وإليك الأعذار التي التجأ إليها المخالف وهي أوهن من بيت العنكبوت.

1. ترك الجمهور العمل بها

إنّ ممّا يؤخذ على هذه الروايات ترك الجمهور للعمل بها، وهو يوجب سقوط الاستدلال بها.

يقول الترمذي بعد ذكر أحاديث الجمع: والعمل على هذا عند أهل العلم: أن لا يجمع بين الصلاتين إلاّ في السفر أو بعرفة.(1)

وقد ردّ عليه غير واحد من المحقّقين .

أ. يقول النووي: هذه الروايات الثابتة في مسلم كما تراها وللعلماء فيها تأويلات ومذاهب، وقد قال الترمذي في آخر كتابه: ليس في كتابي حديث أجمعت الأُمّة على ترك العمل به إلاّ حديث ابن عباس في الجمع بالمدينة من غير خوف ولا مطر، وحديث قتل شارب الخمر في المرة الرابعة.(2)

وهذا الذي قاله الترمذي في حديث شارب الخمر هو كما قاله فهو حديث منسوخ دلّ الإجماع على نسخه، وأمّا حديث ابن عباس فلم يجمعوا على ترك العمل به بل لهم أقوال، ثمّ ذكر بعض التأويلات التي نشير إليها.(3)

ب. وقال الشوكاني رداً على الترمذي: ولا يخفاك انّ الحديث صحيح، وترك الجمهور للعمل به لا يقدح في صحته ولا يوجب سقوط الاستدلال به، وقد أخذ


1 . سنن الترمذي:1/354.
2 . لاحظ العلل:2/331 و 4/384.
3 . شرح صحيح مسلم للنووي:5/224.


(303)

به بعض أهل العلم كما سلف وإن كان ظاهر كلام الترمذي انّه لم يأخذ به ولكن قد أثبت ذلك غيره، والمثبت مقدّم.(1)

ج. وقال الآلوسي: مذهب جماعة من الأئمة جواز الجمع في الحضر للحاجة لمن لا يتخذ عادة; وهو قول ابن سيرين، وأشهب من أصحاب مالك، وحكاه الخطابي عن القفال الشاشي الكبير من أصحاب الإمام الشافعي، وعن أبي إسحاق المروزي وعن جماعة من أصحاب الحديث، واختاره ابن المنذر، ويؤيده ظاهر ما صحّ عن ابن عباس، ورواه مسلم أيضاً، انّه لما قال: جمع رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر: قيل له: لِمَ فعل ذلك؟ فقال: أراد أن لا يحرج أحداً من أُمّته.

وهو من الحرج بمعنى المشقة فلم يعلّله بمرض ولا غيره.

ويعلم ممّا ذكرنا أنّ قول الترمذي في آخر كتابه: ليس في كتابي حديث أجمعت الأُمّة على ترك العمل به إلاّ حديث ابن عباس في الجمع بالمدينة من غير خوف ولا مطر وحديث قتل شارب الخمر في المرة الرابعة، ناشئ من عدم التتبع، نعم ما قاله في الحديث الثاني صحيح فقد صرحوا بأنّه حديث منسوخ دلّ الإجماع على نسخه.(2)

د. وبهذه النقود ظهر انّه ليس هناك إعراض عن العمل بهذه الأحاديث، ولعلّ عدم إفتاء الجمهور بمضمون هذه الأحاديث هو كون التوقيت والتفريق أحوط.

لكن هذا الاحتياط يخالف مع احتياط آخر، وهو انّ التفريق في أعصارنا هذا


1 . نيل الأوطار :3/218 تحت باب جمع المقيم في مطر أو غيره.
2 . روح المعاني:15/133ـ 134 في تفسير الآية (أَقم الصلاة لدلوك الشمس) .


(304)

أدى بكثير من أهل الأشغال إلى ترك الصلاة ـ كما شاهدناه عياناً ـ بخلاف الجمع فانّه أقرب إلى المحافظة على أدائها، وبهذا ينقلب الاحتياط إلى ضده، ويكون الأحوط للفقهاء أن يفتوا العامة بالجمع وأن ييسّروا ولا يعسّروا »(يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُريدُ بِكُمُ الْعُسْر) (1) (وَمَا جَعَل عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج) (2) والدليل على جواز الجمع مطلقاً موجود والحمد للّه سنة صحيحة صريحة كما سمعت بل كتاباً محكماً مبيّناً.(3)

2. الحديث لا ينص على جمع التقديم والتأخير

قال القاضي شرف الدين الحسين بن محمد المغربي في كتابه «البدر التمام في شرح بلوغ المرام»: إنّ حديث ابن عباس لا يصح الاحتجاج به، لأنّه غير معيِّـن لجمع التقديم والتأخير كما هو ظاهر رواية مسلم وتعيين واحد منها تحكم، فوجب العدول إلى ما هو واجب من البقاء على العموم في حديث الأوقات للمعذور وغيره وتخصيص المسافر بثبوت المخصص.(4)

يلاحظ عليه: أنّ ابن عباس لم ينقل كيفية الجمع لوضوحها فانّ الجمع في الحضر كالجمع في السفر، فكما أنّه يجوز في السفر بكلتا الصورتين جمع التقديم وجمع التأخير كما مرّ التنصيص به فيما سبق.(5) فكذلك في الحضر، وسكوت ابن عباس وعدم سؤال الرواة عن الكيفية يعرب عن أنّهم فهموا من كلامه عدم


1 . البقرة:185.
2 . الحج:78.
3 . مسائل فقهية:9.
4 . حكاه السيد محمد بن إسماعيل الصنعاني المعروف بالأمير في كتابه سبل السلام:2/43.
5 . لاحظ الرواية 3و4 في فصل الجمع بين الصلاتين في السفر من الصنف الثاني،ص279.


(305)

الخصوصية لواحدة من الصورتين وإلاّ كان عليهم السؤال ثانياً من أنّ النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » جمع على نحو جمع التقديم أو جمع التأخير.

ويؤيد ذلك وحدة التعليل في كلام ابن عباس في الموردين.

أخرج مسلم عن ابن عباس انّ رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » جمع بين الصلاة في سفرة سافرها في غزوة تبوك فجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء، قال سعيد: فقلت لابن عباس: ما حمله على ذلك؟ قال: أراد أن لا يحرج أُمّته.(1)

ويؤيد الإطلاق وعدم الفرق بين الصورتين هو عموم العلة وهو عدم الإحراج على الأُمّة ورفع الحرج منه، فالإحراج في الالتزام بالتفريق بين الصلاتين ورفعه يحصل بكلّ واحدة من الصورتين، سواء أكانت جمع تقديم أم جمع تفريق.

أضف إلى ذلك انّ ابن عباس عمل بالحديث بصورة جمع التأخير، فقد مرّ انّ ابن عباس خطب يوماً بعد العصر حتّى غربت الشمس وبدت النجوم وجعل الناس يقولون: الصلاة الصلاة، فجاء رجل من بني تميم لا يفتر ولا ينثني ويقول: الصلاة الصلاة،فقال ابن عباس: أتعلّمني بالسنّة لا أُمّ لك إلى آخر ما مرّ من الحديث.

ولعمر القارئ انّ المخالف لمّا وقف أمام هذه الروايات الهائلة الدالة على تجويز الجمع مقابل التفريق ورأى أنّ فقه الجمهور على الخلاف، عمد إلى التشكيك بها، ولذلك أتى بهذه الشبهة وهي أشبه بسؤال بني إسرائيل موسى بن عمران عن سن البقرة ولونها .(2)


1 . شرح صحيح مسلم للنووي:5/224، باب الجمع بين الصلاتين، ح51.
2 . سورة البقرة:67ـ71.


(306)

3. كان الجمع بين الصلاتين جمعاً صورياً

إنّ غير واحد ممّن تعرض لحلّ هذه الأحاديث التجأ إلى أنّ الجمع لم يكن جمعاً حقيقياً كما في الجمع في السفر، بل كان جمعاً صورياً، بمعنى انّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » أخّر الظهر إلى حد بقي من وقتها مقدار أربع ركعات فصلّى الظهر، وبإتمامها دخل وقت العصر وصلّى العصر فكان جمعاً بين الصلاتين مع أنّ كلّ واحدة من الصلاتين أُتي بها في وقتها. وهذا هـو الظاهر في غير واحد من شراح الحديث، وإليـك كلماتهم:

1. قال النووي: ومنهم من تأوّله على تأخير الأُولى إلى آخر وقتها فصلاّها فيه فلمّا فرغ منها دخلت الثانية فصلاّها فصارت صلاته صورة جمع.

ثمّ رده وقال: وهذا أيضاً ضعيف أو باطل، لأنّه مخالف للظاهر مخالفة لا تُحتمل، وفعل ابن عباس الـذي ذكرناه حين خطب، واستدلاله بالحديث لتصويب فعلـه وتصـديق أبـي هـريرة لـه وعـدم إنكـاره، صريـح في ردّ هذا التأويل.(1)

وكان على النـووي أن يـرد عليـه بما ذكرنـاه، وهـو انّ الرسول « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » جمـع بين الصـلاتين بغـية رفـع الحـرج عن الأُمّة، والجمـع بالنحو المذكور أكثر حرجاً من التفريق.

قال ابن قدامة: إنّ الجمع رخصة، فلو كان على ما ذكروه لكان أشد ضيقاً وأعظم حرجاً من الإتيان بكلّ صلاة في وقتها، لأنّ الإتيان بكلّ صلاة في وقتها أوسع من مراعاة طرفي الوقتين بحيث لا يبقى من وقت الأُولى إلاّقدر فعلها.


1 . شرح صحيح مسلم:5/225.


(307)

ثمّ لو كان الجمع هكذا، لجاز الجمع بين العصر و المغرب، والعشاء والصبح ولا خلاف بين الأُمّة في تحريم ذلك والعمل بالخبر على الوجه السابق إلى الفهم منه أولى من هذا التكلّف.(1)

كما أنّ المقدسي في الشرح الكبير(2) ردّ على هذا التأويل بنفس ما ذكره ابن قدامة، واللفظ في كلا الكتابين واحد ولذلك اقتصرنا بلفظ ابن قدامة.

نعم انّهما ردّا بما نقلناه عنهما على من فسّر جواز الجمع بين الصلاتين للمسافر بالجمع الصوري، ولمّا كان ملاك الجمع في كلا المقامين (المسافر والحاضر) واحداً، وهو رفع الحرج والمشقة عن الأُمّة، وكان الجمع الصوري مُحرجاً على نحو أشد، أثبتنا كلامهما في المقام أيضاً.

ولأجل ما ذكرنا حمل الخطّابي الجمع في الرواية على الجمع الحقيقي دون الصوري، فقال:

ظاهر اسم «الجمع» عرفاً لا يقع على من أخّر الظهر حتّى صلاّها في آخر وقتها وعجّل العصر فصلاّها في أوّل وقتها، لأنّ هذا قد صلّى كلّ صلاة منهما في وقتها الخاصّ بها.

قال: وإنّما الجمع المعروف بينهما أن تكون الصلاتان معاً في وقت إحداهما، ألا ترى أنّ الجمع بعرفة بينهما ومزدلفة كذلك.(3)


1 . المغني:2/113ـ 114، ذكره في نقد كلام من حمل الجمع بين الصلاتين في السفر، ولما كان المناط واحداً نقلناه في المقام.
2 . الشرح الكبير في ذيل المغني:2/115.
3 . معالم السنن:2/52، ح1163; عون المعبود:1/468.


(308)

أدلّة الشوكاني على أنّ الجمع كان صوريّاً

ثمّ إنّ الشوكاني ممّن يؤيّد تفسير الجمع بالجمع الصوري، وأيّده بوجوه ثلاثة:

الأوّل: ما أخرجه مالك في الموطّأ والبخاري وأبو داود والنسائي عن ابن مسعود، قال: ما رأيت رسول اللّهصلَّى اللّه عليه و آله و سلَّمّ صلّى صلاة لغير ميقاتها إلاّ صلاتين جمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة وصلّى الفجر يومئذ قبل ميقاتها.

قال الشوكاني: نفى ابن مسعود مطلقَ الجمع وحصره في جمع المزدلفة، مع أنّه ممّن روى حديث الجمع بالمدينة كما تقدّم، وهو يدلّ على أنّ الجمع الواقع بالمدينة جمع صوري، ولو كان جمعاً حقيقياً لتعارض روايتاه والجمع ما أمكن المسير إليه هو الواجب.(1)

يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه لايحتجّ به ،لأنّه حصر الجمع في المزدلفة مع تضافر الروايات على أنّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » جمع في المزدلفة وعرفة، فالحديث متروك الظاهر لا يعرّج عليه، ولا يصحّ قرينة على المراد من الجمع في روايات المقام.

وثانياً: انّ ابن مسعود نفسه روى جمع الرسول « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » بين الصلاتين في المدينة وقال: جمع رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء فقيل له في ذلك، فقال: صنعت ذلك لئلاّ تحرج أُمّتي.(2)

وقد عرفت أنّ الجمع الصوري أشدّ حرجاً من الجمع الحقيقي، فانّ معرفة أواخر الأوقات وأوائلها على وجه الضبط كان مشكلاً في الأعصار السابقة، فلا


1 . نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار:3/217. وفي المصدر«المصير» مكان «المسير».
2 . لاحظ الرواية برقم 30.


(309)

محيص من تفسير الجمع بالجمع الحقيقي، وهذا دليل على أنّ رواية الحصر في المزدلفة متروكة لا يحتجّ بها.

الثاني: ما أخرجه ابن جرير عن ابن عمر قال: خرج علينا رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » فكان يؤخّر الظهر ويعجّل العصر فيجمع بينهما، ويؤخر المغرب ويعجّل العشاء فيجمع بينهما، وهذا هو الجمع الصوري.(1)

يلاحظ عليه: أنّ الحديث وإن كان مشعراً بالجمع الصوري ولكنّه لا يؤخذ به، وذلك لإجمال المراد منه، فإن أراد أنّ النبيّ « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »فعل ذلك في السفر، فقد تقدّم أنّ جمع الرسول بين الصلاتين في السفر، كان جمعاً حقيقياً.

روى مسلم عن أنس بن مالك أنّه قال: كان رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخّر الظهر إلى وقت العصر، ثمّ نزل فجمع بينهما.(2)

وفي رواية أُخرى عنه: أنّ النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » إذا عجّل عليه السفر يؤخر الظهر إلى أوّل وقت العصر فيجمع بينهما ، ويؤخّر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حتّى يغيب الشفق.(3)

وإن أراد أنّ رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » جمع بين الصلاتين بالجمع الصوري في الحضر، فقد عرفت تضافر الروايات على الجمع الحقيقي، حيث إنّ حديث ابن عباس وغيره صريح فيه وقرينة على حمل سائر الروايات على الحقيقي فلا يمكن أن يطرح حديث حبر الأُمّة وعمله بحديث مجمل لابن عمر.

الثالث:ما أخرجه النسائي عن ابن عباس: صلّيت مع النبي الظهر والعصر جميعاً والمغرب والعشاء جميعاً، «أخّر الظهر وعجّل العصر وأخّر المغرب وعجّل


1 . نيل الأوطار:3/217.
2 . شرح صحيح مسلم، ج5، باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر، برقم46 و 48.
3 . شرح صحيح مسلم، ج5، باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر، برقم46 و 48.


(310)

العشاء»، وهذا ابن عباس راوي حديث الباب قد صرّح بأنّ ما رواه من الجمع المذكور هو الجمع الصوري.(1)

يلاحظ عليه: بأنّ التفسير ـ أعني قوله: أخّر الظهر وعجّل العصر وأخّر المغرب وعجّل العشاء ـ ليس من ابن عباس، بل من جابر بن زيد، بقرينة ما أخرجه الإمام أحمد عن جابر بن زيد أنّه سمع ابن عباس يقول: صلّيت مع رسول اللّه ثمانياً جميعاً وسبعاً جميعاً، قلت له :يا أبا الشعثاء أظنّه أخّر الظهر وعجّل العصر وأخّر المغرب وعجّل العشاء قال: وأنا أظن ذلك.(2)

وهذا دليل واضح على أنّ التفسير من أبي الشعثاء وأضرابه، وما أوّلوه إلاّ لأنّهم اعتادوا على التوقيت والتفريق بين الصلوات، فزعموا أنّ التوقيت فرض لا يُترك، ولمّا وقفوا على هذه الروايات الهائلة تحيّروا في مفاد الرواية واتخذ كلّ منهم مهرباً، وفسّـره أبو الشعثاء بالجمع الصوري.

4. كان الجمع لعذر المطر

هذا هو التأويل الثالث الذي لجأ إليه من لم يجوز الجمع بين الصلاتين في الحضر اختياراً.

قال النووي: منهم من تأوّله على أنّه جمع بعذر المطر، وهذا مشهور عن جماعة من الكبار المتقدّمين، ثمّ رد عليه بأنّه ضعيف بالرواية الأُخرى من غير خوف ولا مطر.(3)


1 . نيل الأوطار:3/216.
2 . مسند أحمد:1/221.
3 . شرح صحيح مسلم للنووي:5/225.


(311)

إنّ السبب لهذا النوع من التأويل هو تطبيق الرواية على فتوى الجمهور وإلاّ فالروايات صريحة في أنّ هذا الجمع كان بلا عذر ولو استقرأت نصوص الروايات التي نقلناها عن ابن عباس وغيره لوقفت على أنّ الجمع لم يكن لعذر بل كان لأجل رفع الحرج عن الأُمة.

ففي بعضها: في غير خوف ولا سفر(لاحظ الرواية رقم 1، 2، 15، 16، 18 و23).

وفي بعض آخر: في غير خوف ولا مطر(لاحظ الرواية رقم3، 4، 11، 12و 19).

وفي بعضها : في غير سفر ولا مطر(لاحظ الرواية 22).

وفي بعضها: من غير خوف ولا علة(لاحظ الرواية26).

وفي بعضها: من غير مرض ولا علة(لاحظ الرواية28).

أضف إلى ذلك التعليل الوارد في الروايات الذي يرد هذا الاحتمال بوضوح، وإليك نصها:

فقد عُلّل في بعض الروايات بقوله:(أراد ان لا يُحرج أحداً من أُمّته)(لاحظ الرواية رقم 2و3 و 11و 12و 23).

و في بعض آخر: لئلا يكون على أُمته حرج(لاحظ الرواية 19).

وفي بعض آخر: أراه للتوسعة على أُمّته(لاحظ الرواية22).

وفي بعض آخر :لأن لا يحرج أُمّته ان جمع رجل (لاحظ الرواية 25).

وفي بعض آخر: لئلا تحرج أُمّتي(لاحظ الرواية30).

فالناظر في هذه الروايات يذعن بأنّ الجمع لم يكن لعذر المطر والسفر والخوف ولا لعلة أُخرى وانّ الصادع بالحق جمع بين الصلاتين في المدينة ـ بلا أيّ


(312)

عذر ـ بأمر من اللّه سبحانه ليتسع الأمر على أُمّته ولئلا يتوهم متوهم ان التوقيت فرض لا يمكن التخلّف عنه بل هو فضيلة لا تنكر، ومع ذلك لكلّ واحد من آحاد الأُمّة الجمع بين الصلاتين بلا توقيت.

5. كان الجمع للغيم في السماء

ومنهم من تأوّله على أنّه كان غيم فصلى الظهر ثمّ انكشف الغيم وبان انّ وقت العصر دخل فصلاها.

وهذا الاحتمال من الوهن بمكان وكفى في وهنه ما ذكره النووي حيث قال: إنّه و إن كان فيه أدنى احتمال في الظهر والعصر ولكن لا احتمال فيه في المغرب والعشاء مع أنّ الجمع لم يكن مختصاً بالظهرين بل جمع بين المغرب والعشاء حتّى انّ ابن عباس أخّر المغرب إلى وقت العشاء.(1)

أضف إلى ذلك انّه لو كان الجمع في هذه الحالة كان على الرواة التصريح بذلك أفيحتمل انّ حبر الأُمة غفل عن القيد أو تذكر ولم ينقل وهكذا غيره نظراء أبي هريرة وعبد اللّه بن عمر و عبد اللّه بن مسعود؟!

6. كان الجمع لمرض

وقد أوّله بعض من لا يروقه الجمع بين الصلاتين وقال بأنّ الرواية محمولة على الجمع بعذر المرض أو نحوه، نقله النووي عن أحمد بن حنبل والقاضي حسين من الشافعية واختاره الخطابي والتولي والروياني من الشافعية. واختاره النووي


1 . شرح صحيح مسلم:5/225.


(313)

وقال: وهو المختار في تأويله لظاهر الحديث ولفعل ابن عباس وموافقة أبي هريرة، ولأنّ المشقة فيه أشدّ من المطر.(1)

يلاحظ عليه: بأنّه أيضاً كسائر التأويلات في الوهن والسقوط، وقد ورد في بعض الروايات من غير خوف ولا علة، وفي البعض الآخر من غير مرض ولا علّة.

والذي يبطل ذلك هو انّ ابن عباس جمع بين المغرب والعشاء ولم يكن هناك مرض ولا مريض، بل كان يخطب الناس وطال كلامه حتى مضى وقت الفضيلة للمغرب فصلّى المغرب مع العشاء في وقت واحد.

على أنّه لو كان التأخير للمرض، فيجوز لخصوص المريض لا لمن لم يكن مريضاً مع أنّ النبي جمع بين الصلاتين مع عامة أصحابه، واحتمال انّ المرض عمّ الجميع بعيد غاية البعد.(2)

وبما ذكرنا صرّح الحافظ ابن حجر العسقلاني فقال: لو كان جمعه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » بين الصلاتين لعارض المرض لما صلّى معه إلاّ من به نحو ذلك العذر، والظاهر أنّه صلّى بأصحابه، وقد صرّح بذلك ابن عباس في روايته.(3)

وهذا هو الخطابي يحكي في معالمه عن ابن المنذر انّه قال: ولا معنى لحمل الأمر فيه على عذر من الأعذار، لأنّ ابن عباس قد أخبر بالعلة فيه وهو قـوله: «أراد أن لا تحـرج أُمّتُه» وحـكي عن ابـن سيرين انّه كان لا يرى بأسـاً أن يجمع بين الصلاتين إذا كانت حاجة أو شـيء مـا لم يتّخذه عادة.(4)

وقال المحقّق لسنن الترمذي بعد نقل كلام الخطابي: وهذا هو الصحيح


1 . شرح صحيح مسلم للنووي:5/226.
2 . لاحظ نيل الأوطار للشوكاني:3/216.
3 . فتح الباري:2/24.
4 . معالم السنن:1/265.


(314)

الذي يؤخذ من الحديث، وأمّا التأوّل بالمرض أو العذر أو غيره فانّه تكلّف لا دليل عليه، وفي الأخذ بهذا رفع كثير من الحرج عن أُناس قد تضطرهم أعمالهم أو ظروف قاهرة إلى الجمع بين الصلاتين ويتأثّمون من ذلك ويتحرّجون وفي هذا ترفيه لهم وإعانة على الطاعة ما لم يتّخذه عادة كما قال ابن سيرين.(1)

وما ذكره هو الحقّ ولكنّه تضييق أيضاً لما وسّعه النبي« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »، فحصر الجمع بمن له حاجة مع أنّ النبي بإذن من اللّه وسّع على وجه الإطلاق سواء أكانت هناك علة أو لا.

نعم لا شكّ انّ التوقيت أفضل ومن أتى بكلّ صلاة في وقتها (وقت الفضيلة) أفضل من إتيانها في الوقت المشترك، ومع ذلك فمجال الإتيان في الشريعة أوسع.

7. كان الجمع لأحد الأعذار المبهمة

لما كان تعيين العذر المسوِّغ للجمع، أمراً مشكلاً سلك بعضهم مسلك الإبهام والإجمال وانّ الجمع كان لأحد الأعذار المسوِّغة، من دون تعيين.

وممّن عرّج على هذا الاحتمال مفتي السعودية السابق عبد العزيز بن باز في تعليقة مختصرة له على «فتح الباري بشرح صحيح البخاري» فهو لمّا ضعّف مختار ابن حجر في تفسير الجمع (الجمع الصوري) بقوله هذا الجمع ضعيف، قال:

الصواب حمل الحديث المذكور على أنّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » جمع بين الصلوات المذكورة لمشقّة عارضة ذلك اليوم من مرض غالب أو برد شديد أو وحل ونحو ذلك، ويدلّ على ذلك قول ابن عباس، لمّا سئل عن علّة هذا الجمع، قال: لئلاّ يحرج أُمّته


1 . سنن الترمذي:1/358، قسم التعليقة بقلم أحمد محمد شاكر.


(315)

ثمّ استحسن هذا الجمع وقال: وهو جواب عظيم سديد شاف.(1)

يلاحظ عليه: أنّ هذا الجمع كالجمع الذي ضعّفه في الضعف والوهن سواء، وذلك لأنّه يخالف رواية ابـن عباس وعمله، فانّـه جمـع بيـن الصلاتـين فـي البصرة مـن دون أن يكون هناك مرض غالب أو برد شديد أو وحـل.

أضف إلى ذلك إطلاق التعليل، أعني: رفع الحرج عن الأُمّة، فانّ الحرج لا يختصّ بصور الأعذار، بل يعمّ إلزام الناس بالتفريق بين الصلوات على وجه الإيجاب عبر الحياة.

إنّ لابن الصدّيق في تأليفه المنيف المسمّى بـ «إزالة الحظر عمّن جمع بين الصلاتين في الحضر» هنا كلاماً لابأس بإيراده هنا:

قال: إنّ النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » صرّح بأنّه فعل ذلك ليرفع الحرج عن أُمّته وبيّن لهم جواز الجمع إذا احتاجوا إليه. فحمله على المطر بعد هذا التصريح من النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » والصحابة الذين رووه، تعسف ظاهر، بل تكذيب للرواة ومعارضة للّه والرسول، لأنّه لو فعل ذلك للمطر لما صرّح النبيّ « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » بخلافه، ولما عدل الرواة عن التعليل به، إلى التعليل بنفي الحرج، كما رووا عنه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » أنّه كان يأمر المنادي أن ينادي في الليلة المطيرة: «ألا صلّوا في الرحال» ولم يذكروا ذلك في الجمع فكيف وقد صرّحوا بنفي المطر؟!

وأضاف أيضاً وقال: إنّ ابن عباس الراوي لهذا الحديث أخّر الصلاة وجمع لأجل انشغاله بالخطبة، ثمّ احتجّ بجمع النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » ولا يجوز أن يحتجّ بجمع النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » للمطر ـ و هو عذر بيّن ظاهر ـ على الجمع لمجرّد الخطبة أو الدرس الذي في


1 . فتح الباري بشرح صحيح البخاري:2/24، بتعاليق عبد العزيز بن باز.


(316)

إمكانه أن يقطعه للصلاة ثمّ يعود إليه أو ينتهي منه عند وقت الصلاة ولا يلحقه فيه ضرر ولا مشقة كما يلحق الإنسان في الخروج في حالة المطر والوحل.(1)

حصيلة الكلام: انّ هذا التشريع من الرسول « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » بأمر من اللّه سبحانه أضفى للشريعة مرونة قابلة للتطبيق على مرّ العصور وعلى كافة أصعدة الحياة المتطورة مهما تطورت.

فمن ألقى نظرة فاحصة على الحياة المتطورة في الغرب الصناعي يقف على أنّ التفريق بين الصلاتين ـ خصوصاً الظهر والعصر ـ أمر شاق على المسلمين خاصة العمال والموظفين بنحو ينتهي الأمر، إمّا إلى تحمل المشقة الكبيرة، أو ترك الصلاة من رأس، وربما ينجر الأمر إلى الإعراض عن الفريضة.

إنّ لفقهاء السنّة الواعين أن يأخذوا بنظر الاعتبار السماحةَ التي نادى بها الإسلام في اجتهاداتهم، والسعة التي جاءت بها الأخبار في حساباتهم، وأن يعلنوا للملأ بصراحة انّ الجمع بين الظهرين والعشائين أمر مسموح به موافق للشريعة وإن كان التوقيت أفضل، فمن فرّق فله فضل التوقيت، ومن جمع فقد أدّى الفريضة وأخذ بالسعة والسماحة.


1 . إزالة الحظر عمّن جمع بين الصلاتين في الحضر:116ـ 120.


(317)

أسئلة وأجوبة

ثمّ إنّ من لم يجوّز الجمع بين الصلاتين، اعترض على الاحتجاج برواية ابن عباس وغيره بوجوه نذكرها مع تحليلها.

الأوّل: الجمع وحديث«حنش»

أخبار الجمع يعارضها ما أخرجه الترمذي عن حنش، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »، قال: من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى باباً من أبواب الكبائر.(1)

أقول: كفى في ضعفه انّ في سنده حَنَش، وهو لقب حسين بن قيس الرحبي الواسطي وهو ضعيف للغاية.

قال أحمد: متروك، وقال البخاري: أحاديثه منكرة ولا يكتب حديثه.

وقال أبو زرعة وابن معين: ضعيف، وقال النسائي: ليس بثقة.

وقال مرة: متروك. وقال السعدي: أحاديثه منكرة جداً، وقال الدارقطني: متروك وعدّ الذهبي من مناكيره هذا الحديث.(2)

وقال العقيلي في حديثه: «من جمع بين صلاتين فقد أتى باباً من الكبائر» لا يُتابع عليه ولا يعرف إلاّ به، ولا أصل له، وقد صحّ عن ابن عباس انّ النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »


1 . سنن الترمذي:1/356.
2 . ميزان الاعتدال:1/546، الترجمة رقم 2043.


(318)

جمع بين الظهر والعصر.(1)

أضف إلى ذلك انّ في سنده أيضاً عِكْرمة، وهوضعيف لا يحتج بحديثه.

الثاني: الجمع وحديث ليلة التعريس

وربّما تتوهّم المعارضة بين ما دلّ على جواز الجمع بين الصلاتين جمعاً حقيقياً وما رواه مسلم من حديث ليلة التعريس نقله الآلوسي في تفسيره عن ابن الهمام بقوله: قال ابن الهمام: إنّ حديث ابن عباس معارض بما في مسلم في حديث ليلة التعريس أنّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »قال: ليس في النوم تفريط وإنّما التفريط في اليقظة أن يؤخّر الصلاة حتّى يدخل وقت صلاة أُخرى».

قال الآلوسي بعد نقل كلام ابن الهمام: وللبحث في ذلك مجالٌ.(2)

وفي الاستدلال ـ كما ذكره الآلوسي ـ مجال للبحث بل للرّدّ.

أوّلاً: إنّ حديث التعريس لا يشمل جمع التقديم، بل يختصّ بجمع التأخير حيث قال: «يؤخّر الصلاة حتّى يدخل وقت صلاة أُخرى».

ثانياً: إنّ فعل ابن عباس (رضي اللّه عنه) حاك عن أنّ جمع النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » بين الصلاتين كان جمع تأخير على ما رواه مسلم كما مرّ، وفيه: خطبنا ابن عباس يوماً بعد العصر حتّى غربت الشمس وبدت النجوم وجعل الناس يقولون: الصلاة الصلاة، قال: فجاءه رجل من بني تميم لا يفتر ولا ينثني: الصلاة الصلاة، فقال ابن عباس: أتعلّمني بالسنة لا أُمّ لك، ثمّ قال: رأيت رسول اللّه جمع الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فقال عبد اللّه بن شقيق: فحاك في صدري من ذلك


1 . تهذيب التهذيب:1/538.
2 . روح المعـاني:15/134في تفسير آية (أَقِمِ الصَّلاة لِدُلُوكِ الشَّمس)


(319)

شيء فأتيت أبا هريرة، فسألته فصدّق مقالته».(1)

فأي الحديثين أولى بالأخذ؟

والحديث محمول على تأخير صلاة العشاء حتّى يدخل وقت صلاة الفجر لا تأخيره إلى نهاية الوقت ويؤيّده ورود الرواية في ليلة التعريس الّتي ينشغل فيها الإنسان بأُمور حتى يدخل وقت صلاة الفجر.

الثالث:حديث حبيب بن أبي ثابت لا يحتجّ به

إنّ الرواية الثالثة التي أخرجها مسلم، ورد في سندها حبيب بن أبي ثابت قال في حقّه الخطابي في معالم السّنن: هذا حديث لا يقول به أكثر الفقهاء، واسناده جيّد إلاّ ما تكلّموا من أمر حبيب.(2)

يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره من أنّ الحديث لا يقول بـه أكثر الفقهاء حق، ولكن يقول به كثير من الفقهاء ومـن يؤخذ عنه الفتوى وقد مرّت أسماؤهم، وأمّا عدم أخذ الأكثر به فقد عرفت أنّ الوجه في عدم الأخذ إمّا لكون التفريق موافقاً للاحتياط أو كونه مخالفاً لما استمرّ عليه النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » .

أمّا الاحتياط فقد مرّ أنّ الإفتاء بلزوم التفريق في ظروفنا هذه على خلاف الاحتياط، لأنّه ربما ينتهي الأمر بسببه إلى ترك الصلاة رأساً.

وأمّا فعل النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » فقد عرفت أنّه جمع أيضاً، ليفهم الأُمّة على أنّ استمراره على التفريق سنّة مؤكّدة وليست بفرض.

وأمّا ما ذكر من أنّهم تكلّموا في حبيب بن أبي ثابت، فهو يخالف ما ذكره


1 . لاحظ الرواية برقم6.
2 . معالم السنن:2/55، رقم 1167.


(320)

الذهبي في «ميزان الاعتدال»، حيث قال: احتجّ به كلّ من أفراد الصحاح بلا تردّد وقال: وثّقه يحيى بن معين وجماعة.(1)

على أنّ الرواية في أحد الصحيحين اللّذين اتّفق الجمهور على صحّة أحاديثهما والعمل بما ورد فيهما.

وفي الختام نأتي بحديث الرسول الأكرم« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » الذي نقله الفريقان قال« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »: «إنّ هذا الدِّين متين فأوغل فيه برِفْق ولا تبغّض إلى نفسك عبادة ربّك، فانّ المنبتّ لا ظهراً أبقى ولا أرضاً قطع».(2)


1 . ميزان الاعتدال:1/451برقم1690.
2 . روى الفريقان هذا الحديث بصيغ مختلفة بهذا المضمون اخترنا منها ما يلي: الكافي:2/87، الحديث6، باب الاقتصاد في العبادة; السنن الكبرى:3/18; مسند أحمد:3/199.


(321)
8
القصر
في السفر
(322)

(323)
هل القصر في السفر عزيمة أو رخصة؟

اتّفق المسلمون تبعاً للكتاب العزيز والسنّة النبوية على مشروعية القصر في السفر وإن لم يكن معه خوف.

إنّما الكلام في أنّ القصر في السفر عزيمة، أو سنّة مؤكدة، أو رخصة؟!

هنا أقوال ثلاثة نشير إليها بالتفصيل:

ذهبت الإمامية والحنفية إلى أنّها عزيمة، وإنّ فرض المسافر في كلّ صلاة رباعية ركعتان.

وقالت المالكية: القصر سنّة مؤكدة لفعل النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »، فانّه لم يُرَ منه في أسفاره انّه أتمّ الصلاة.

أخرج الشيخان عن ابن عمر انّه قال: صحبت النبي فكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبو بكر وعمر وعثمان كذلك.(1)

وقالت الشافعية والحنابلة: القصر رخصة على سبيل التخيير، فللمسافر أن يتمّ أو يقصر.


1 . شرح صحيح مسلم للنووي:5/205، باب صلاة المسافرين وقصرها من كتاب الصلاة برقم8.


(324)

قال الشيخ الطوسي في «الخلاف»: التقصير في السفر فرض وعزيمة، والواجب في هذه الصلوات الثلاث: الظهر والعصر والعشاء الآخرة ركعتان، فإن صلّى أربعاً مع العلم وجب عليه الإعادة.

وقال أبو حنيفة مثل قولنا : إلاّأنّه قال: إن زاد على ركعتين، فإن كان تشهد في الثانية صحّت صلاته وما زاد على اثنتين يكون نافلة إلاّ أن يأتم بمقيم فيصلي أربعاً فيكون الكل فريضة أسقط بها الفرض.

والقول بأنّ التقصير عزيمة مذهب علي « عليه السَّلام » وعمر، وفي الفقهاء مذهب أبي حنيفة وأصحابه.

وقال الشافعي: هو بالخيار بين أن يصلّي صلاة السفر ركعتين وبين أن يصلّي صلاة الحضر أربعاً، فيسقط بذلك الفرض عنه.

وقال الشافعي: التقصير أفضل.

وقال المزني: والإتمام أفضل،وبمذهبه قال في الصحابة: عثمان وعبد اللّه بن مسعود وسعد بن أبي وقاص وعائشة، وفي الفقهاء: الأوزاعي وأبو ثور.(1)

هذه هي الأقوال.

ثمّ إنّ البحث في صلاة المسافر واسع المجال، فيبحث فيها تارة عن المسافة التي يجوز فيها القصر، وأُخرى عن نوع السفر وانّه هل يختص القصر بالسفر المباح أم يعم سفر المعصية أيضاً؟ وثالثة في الموضع الذي يبدأ منه المسافر بالقصر; ورابعة في مقدار الزمان الذي يتمّ فيه المسافر إذا أقام في موضع، فهناك من يقول يكفي نيّة إقامة أربعة أيام كالمالكية والشافعية(2)، وهناك من يقول بأنّه


1 . الخلاف:1/569، كتاب الصلاة، المسألة 321.
2 . الفقه الإسلامي وأدلّته:2/338ـ 339، نقلاً عن الشرح الكبير ومغني المحتاج.


(325)

يقصر إلاّإذا نوى إقامة عشرة أيّام كما عليه الإمامية، إلى غير ذلك من المباحث الراجعة إلى صلاة المسافر، ونحن نركِّز على موضوع آخر وهو كون القصر عزيمة أو سنّة مؤكّدة أو رخصة. ولا ندخل في المواضع الأربعة كما لا ندخل في مبحث شروط القصر التي ذكرها الفقهاء، فانّ البحث في هاتيك المواضيع يحوجنا إلى تأليف كتاب مفرد وقد قمنا بتحريرها في كتاب «ضياء الناظر في صلاة المسافر» المطبوع .

إذا عرفت ذلك فلندخل في صلب الموضوع فنقول:

أمّا الكتاب فقد قال سبحانه: (وإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْض فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَن تَقْصُروا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُم أَن يَفْتِنَكُمُ الّذينَ كَفَرُوا انّ الكافرينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوّاً مُبيناً) .(1)

تفسير مفردات الآية

1. الضرب في الأرض كناية عن السفر، أي إذا سرتم فيها فليس عليكم جناح ـ يعني: حرج ـ ولا إثم أن تقصروا من الصلاة ـ يعني: من عددها ـ فتصلّوا الرباعيات ركعتين.(2)

وبهذا أيضاً فسر القرطبي في «الجامع لأحكام القرآن» (3)ويؤيد ذلك استعمال الضرب في الأرض في غير واحد من الآيات كقوله سبحانه: (يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبيلِ اللّه فَتَبَيَّنُوا) .(4)


1 . النساء:101.
2 . التبيان في تفسير القرآن:3/307 .
3 . الجامع لأحكام القرآن:5/351.
4 . النساء:94.


(326)

وقال سبحانه: (إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْض فَأَصابَتكُمْ مُصيبةُ المَوْت) .(1)

وقال سبحانه: (إِذا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْكانُوا غزّىً لو كانُوا عِندَنا ما مَاتُوا وما قُتِلُوا) .(2)

2. وأمّا الجناح فهو بمعنى الإثم كما تقدّم في عبارة الشيخ في «التبيان»، وقد تضافر استعماله في الإثم في آيات كثيرة.

يقول سبحانه: (فَمَنْ حَجَّ الْبَيتَ أَوِ اعْتَمرَ فَلا جُناحَ عَلَيهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِما).(3)

وقد ورد لفظة «جناح» في الكتاب العزيز 25 مرة، والمقصود في الجميع هو ما ذكرنا.

3. انّ قوله :(فَلَيس عَلَيْكُمْ جُناح) جزاء للشرط المتأخر، فكأنّه قال سبحانه:«إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة».

4. المراد من القصر هو تخفيف عدد الركعات من أربع ركعات إلى ركعتين، وربما يفسر بتخفيف كيفية الصلاة ووصفها من تبدّل الركوع والسجود إلى الإيماء أو الإتيان بالصلاة راكباً أو ماشياً حسب ما تقتضيه الظروف، كما ورد في صلاة الخوف والمطاردة والمسايرة.

نسب ذلك المعنى في بعض الروايات إلى ابن عباس وابن جريج عن ابن طاووس عن أبيه، ومال إليه أبو بكر الجصاص في تفسيره.(4)


1 . المائدة:106.
2 . آل عمران:156.
3 . البقرة:158.
4 . أحكام القرآن:2/259.


(327)

وربما يظهر من السيد المرتضى في «انتصاره»(1) والقطب الراوندي في «فقه القرآن».(2)

ولكن المعروف بين المفسرين وعليه روايات أئمّة أهل البيت « عليهم السَّلام » هو انّ المراد من القصر هو تخفيف ركعات الصلوات الرباعية،وعلى ذلك فلفظة «من» في قوله: «من الصلاة» تبعيضية أي شيئاً من الصلاة.

وأمّا جعل من زائدة حسب ما نقله أبو البقاء عن الأخفش القائل بزيادتها في الإثبات فهو غير لائق بالكتاب العزيز.(3)

ثمّ إنّ الآية تخصّ القصر بالسفر المرافق للخوف، وظاهرها انّ السفر ليس موضوعاً مستقلاً، بل الموضوع هو السفر المرافق للخوف، لكنّ السنّة فسرت الآية وأعطت للسفر استقلالاً للتقصير.

فانّ النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » كان يقصر في حالتي الخوف والأمن كما ستوافيك رواياته، وأمّا تعليق القصر على الخوف في الآية كأنّه كان لتقرير الحالة الواقعة، لأنّ غالب أسفار النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » لم تخلو منه.

وبعبارة أُخرى: انّ القيد في الآية قيد غالبي بالنسبة إلى الظروف التي نزلت الآية فيها، فمن حاول أن يحصر التقصير بسفر الخوف دون سفر الأمن، فقد أخذ بظاهر الآية وترك السنّة النبوية واتّفاق المسلمين وفي مقدمهم أئمّة أهل البيتعليهم السَّلام الذين عرّفهم الرسول بكونهم أعدال القرآن وقرناء الكتاب.

ثمّ إنّ من زعم انّ القصر رخصة تمسّك بظاهر الآية وهو قوله سبحانه:


1 . الانتصار:53.
2 . فقه القرآن:4/516.
3 . نقله عن أبي البقاء الآلوسي في روح المعاني:5/131.


(328)

(فَلَيْس عَلَيْكُمْ جُناحٌ)، ولكنّه غفل عن أنّ هذا التعبير لا يدلّ على مقصوده، لأنّ الآية وردت في مقام رفع توهم الحظر، فكأنّ المخاطب يتصوّر انّ القصر إيجاد نقص في الصلاة وهو أمر محظور، فنزلت الآية لدفع هذا التوهم، لتطيب النفس بالقصر وتطمئن إليه.(1)

وليس ذلك بغريب فقد ورد مثله في قوله سبحانه: (إِنّ الصَّفا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعائِر اللّه فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عليهِ أَنْ يَطَوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيراً فإِنَّ اللّهَ شاكِرٌ عَليم) .(2)

فانّ المسلمين لمّا أرادوا الطواف بين الصفا والمروة في عمرة القضاء شاهدوا وجود الأصنام فوق الصفا والمروة، فتحرّج المسلمون من الطواف بينهما، فنزل قوله سبحانه: (إِنَّ الصَّفا وَالمَرْوَة مِنْ شَعائِر اللّه) .

يقول الطبرسي: كان على الصفا صنم يقال له: اساف وعلى المروة صنم يقال له: نائلة، وكان المشركون إذا كانوا بهما مسحوهما، فتحرّج المسلمون عن الطواف بهما لأجل الصنمين، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية، وهو منقول عن الشعبي وكثير من العلماء، فرجع رفع الجناح عن الطواف بهما إلى تحرّجهم عن الطواف بهما لأجل الصنمين لا إلى عين الطواف، كما لو كان الإنسان محبوساً في موضع لا يمكنه الصلاة إلاّ بالتوجه إلى ما يكره التوجه إليه من المخرج وغيره، فيقال له: لا جناح عليك في الصلاة إلى ذلك المكان، فلا يرجع رفع الجناح إلى عين الصلاة، لأنّ عين الصلاة واجبة وإنّما يرجع التوجّه إلى ذلك المكان.

ورويت رواية أُخرى عن أبي عبد اللّه« عليه السَّلام » انّه كان ذلك في عمرة القضاء،


1 . الكشاف:1/294، ط دار المعرفة.
2 . البقرة:158.


(329)

وذلك انّ رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » شرط عليهم أن يرفعوا الأصنام، فتشاغل رجل من أصحابه حتى أُعيدت الأصنام، فجاءوا إلى رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » فقيل له : إنّ فلاناً لم يَطُف وقد أُعيدت الأصنام، فنزلت هذه الآية (فلا جناح عليه أن يطوّف بهما) أي والأصنام عليهما، قال: فكان الناس يسعون والأصنام على حالها.(1)

ويجري نفس هذا الكلام في المقام، فانّ قصر الصلاة وتبديلها إلى ركعتين من الأُمور التي يتحرّج به المسلم ويتصوّر انّه ترك للفريضة، ففي هذه الظروف يقول سبحانه: (وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرض فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَن تقصرُوا مِنَ الصَّلاة) .

وعلى ضوء هذا فالآية لا تدلّ على العزيمة ولا على الرخصة، بل هي ساكتة عن هذا الجانب.

إلى هنا تبين انّ الآية لا تدلّ على أحد الأقوال، فلا محيص من الرجوع إلى السنّة.

أدلّة القول بأنّ القصر عزيمة

دلّت السنّة المتضافرة المبثوثة في الصحاح والسنن والمسانيد على أنّ القصر عزيمة، وكان النبي يقصر في عامّة أسفاره، فنذكر من الكثير ما يلي:

1. أخرج مسلم عن عائشة زوجة النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » انّها قالت: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في الحضر والسفر فأُقرّت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر.(2)

قال الشوكاني: وهو دليل ناهض على الوجوب، لأنّ صلاة السفر إذا كانت مفروضة ركعتين لم تجز الزيادة عليها كما أنّها لا تجوز الزيادة على الأربع في الحضر.


1 . مجمع البيان:1/240 في تفسير الآية.
2 . شرح صحيح مسلم للنووي:5/201; وصحيح البخاري:2/55، باب يَقصُـر إذا خرج من موضعه من كتاب الصلاة.


(330)

ثمّ إنّ بعض من يحاول إخضاع الرواية على فقه إمام مذهبه ناقش فيها بوجوه واهية، نقلها الشوكاني في كتابه، وإليك نصها:

أ. انّ الحديث من قول عائشة غير مرفوع، وانّها لم تشهد زمان فرض الصلاة وانّه لو كان ثابتاً لنقل تواتراً.

يلاحظ عليه: بأنّ مقتضى عدالة الراوي هو انّه سمع الحديث من النبي« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »، أو من عدل آخر سمعه منه.

ولو اقتصرنا في الأخذ بروايات عائشة على زمن ملازمتها للنبي« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » لسقط قسط كبير من رواياتها عن الاعتبار، فانّها كثيراً ما تروي حوادث لم تشاهدها، ونذكر في المقام كنموذج رواية كيفية نزول الوحي على النبي، نقلها البخاري في صحيحه على وجه التفصيل.

كان رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » يجاور في حراء من كلّ سنة شهراً حتّى إذا كان الشهر الذي بعثه اللّه سبحانه فيه خرج رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »إلى حراء حتّى إذا كانت الليلة التي أكرمه اللّه فيها برسالته، جاءه جبرئيل بأمر اللّه، ولنترك وصف ذلك إلى ما ورد عن رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »بقوله:

«فجاءني جبرئيل وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب فقال: اقرأ؟ قلت: ما اقرأ؟

فغتني به حتى ظننت انّه الموت ثمّ أرسلني فقال: اقرأ؟ قال: قلت: ما أقرأ؟ قال: فغتني به حتى ظننت انّه الموت ثمّ أرسلني فقال: اقرأ؟ قال: قلت: ماذا أقرأ....(1)

تـرى أنّهـا كيف ترسل كيفيـة نـزول الوحـي على الرسـول مـع أنّهـا لـم


1 . صحيح البخاري:1/3 و3/173 في تفسير سورة العلق.


(331)

تولـد يوم ذاك.

ب. انّ المراد بقولها :فرضت، أي قدرت.

ج. المراد من قولها: فرضت، يعني: لمن أراد الاقتصار عليها، فزيد في صلاة الحضر ركعتان على سبيل التحتم واقرت صلاة السفر على جواز الاقتصار.(1)

يلاحظ عليهما: أنّ كلاً من الوجهين صرف للدليل عن وجهه، وهو تفسير بالرأي، وهو أمر مرفوض من غير فرق بين تفسير كلام اللّه سبحانه أو كلام نبيه أو كلام غيره.

2. أخرج مسلم عن عائشة أنّ الصلاة أوّل ما فرضت ركعتين فأقرّت صلاة السفر وأتمّت صلاة الحضر. قال الزهري: فقلت لعروة: ما بال عائشة تتمّ في السفر؟ قال: إنّها تأوّلت كما تأوّل عثمان.(2)

وسيوافيك الكلام في إتمام عائشة في السفر.

3. أخرج مسلم عن ابن عباس قال: فرض اللّه الصلاة على لسان نبيّكم « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » في الحضر أربعاً وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة.

4. أخرج مسلم عن موسى بن سلمة الهذلي،قال: سألت ابن عباس كيف أُصلّي إذا كنت بمكة إذا لم أصلّ مع الإمام؟

فقال: ركعتين، سنّة أبي القاسم.

5. أخرج مسلم عن عيسى بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب عن أبيه قال: صحبت ابن عمر في طريق مكة، قال: فصلّى لنا الظهر ركعتين.


1 . نيل الأوطار:3/201.
2 . شرح صحيح مسلم للنووي:5/201.


(332)

إلى أن قال: إنّي صحبت رسول اللّه في السفر فلم يزد على ركعتين حتّى قبضه اللّه، وصحبت أبا بكر فلم يزد على ركعتين حتّى قبضه اللّه، وصحبت عمر فلم يزد على ركعتين حتّى قبضه اللّه، ثمّ صحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتّى قبضه اللّه، فقد قال اللّه: (لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُول اللّه أُسوَةٌ حَسَنة) .

6. أخرج مسلم عن أنس انّ رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » صلّى الظهر بالمدينة أربعاً، وصلّى العصر بذي الحليفة ركعتين.

7. أخرج مسلم عن يحيى بن يزيد الهنائي قال: سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة؟ فقال: كان رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ «شعبة الشاك» صلّى ركعتين.

وظاهر الحديث انّ مبدأ القصر بعد الخروج مسيرة ثلاثة أميال، والمشهور على خلافه.

قال النووي: هذا ليس على سبيل الاشتراط وإنّما وقع بحسب الحاجة، لأنّ الظاهر من أسفاره انّه ما كان يسافر سفراً طويلاً فيخرج عند حضور فريضة مقصورة ويترك قصرها بقرب المدينة ويتمّها، وإنّما كان يسافر بعيداً من وقت المقصورة فتدركه على ثلاثة أميال أو أكثر أو نحو ذلك فيصلّيها حينئذ، والأحاديث المطلقة مع ظاهر القرآن متعاضدات على جواز القصر من حين يخرج من البلد فانّه حينئذ يسمّى مسافراً.(1)

8. أخرج مسلم عن جبير بن نفير قال: خرجت مع شرحبيل بن السمط إلى قرية على رأس سبعة عشر أو ثمانية عشر ميلاً، فصلّى ركعتين، فقلت له فقال:


1 . شرح صحيح مسلم للنووي:5/207.


(333)

رأيت عمر صلّى بذي الحليفة ركعتين، فقلت له فقال: إنّما أفعل كما رأيت رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » يفعل.

والحديث دالّ على أنّ رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » يقصر في السفر دائماً، وانّما الاختلاف في أنّ مبدأ القصر هو الخروج عن البلد كما جرى عليه عمر أو بعد الخروج مسيرة ثمانية عشر ميلاً.

قال النووي: أمّا قوله: «قصر شرحبيل على رأس 17 ميلاً أو 18 ميلاً» فلا حجة فيه، لأنّه تابعي فعل شيئاً يخالف الجمهور، أو يتأوّل على أنّها كانت في أثناء سفره لا انّها غايته، وهذا التأويل ظاهر.(1)

وعلى كلّ تقدير فما هو موضع الخلاف خارج عن إطار بحثنا.

9. أخرج مسلم عن أنس بن مالك قال: خرجنا مـع رسـول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » مـن المـدينـة إلـى مكة فصـلّى ركعتين ركعتين حتّى رجـع، قلـت: كم أقام بمكـة؟ قـال: عشراً.

ثمّ إنّ قصر النبي في مكة مع إقامته فيها عشرة أيّام وإن كان يوافق بعض المذاهب لكنّه يخالف مذهب الإمام مالك، كما يخالف مذهب الإمامية، فانّ نية العشرة قاطعة للسفر موجبة للإتمام، ولعلّ الإقامة لم تكن عشرة كاملة بالضبط بل كانت عشرة عرفية وربما تنقص عن العشرة التامة.

هذه الأحاديث التسعة نقلها مسلم في صحيحه، وإليك بعض ما نقله غيره.

10. أخرج أبو داود عن عمران بن الحصين، قال: غزوت مع رسول اللّه


1 . شرح صحيح مسلم للنووي:5/208.


(334)

وشهـدت معه الفتح فـأقام بمـكة 18 ليلة لا يصلي إلاّ ركعتين، ويقـول: يا أهـل البلد صلّوا أربعاً فانّا قوم سفر.(1)

ويؤخذ من الحديث صدره، وأمّا ما نسب إلى النبي انّه أقام 18 ليلة لا يصلّـي إلاّ ركعتين، فهو معارض مع ما نقله أنس من أنّه أقام بمكة 10 أيام.

وعلى كلّ تقدير انّ تأكيد النبي على القصر في مكة المكرمة طول إقامته فيها ـ مع أنّه كان بصدد تعليم أحكام الصلاة لأهل مكة الذين كانوا يدخلون في دين اللّه أفواجاً ـ دليل على كون القصر عزيمة، وإلاّلأتمّ الصلاة، لكونه أوفق في مقام التعليم، لأجل وحدة الإمام مع صلاة المأموم في الكم والكيف.

11. أخرج ابن ماجة في سننه عن عمر أنّه قال: صلاة السفر وصلاة الجمعة ركعتان، والفطر والأضحى ركعتان تمام غير قصر على لسان محمد« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ».(2)

12. أخرج الطبراني عن ابن عباس قال: افترض رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » ركعتين في السفر كما افترض في الحضر أربعاً.(3)

وهناك آثار مبثوثة في الكتب الفقهية، وإليك نصّها:

13. روي عن صفوان بن محرز انّه سأل ابن عمر عن الصلاة في السفر، فقال: ركعتان فمن خالف السنّة كفر.(4)

14. وروي عن ابن عمر قال: إنّ رسول اللّه أتانا ونحن ضلال فعلّمنا، فكان فيما علّمنا أنّ اللّه عزّوجل أمرنا أن نصلّي ركعتين في السفر.(5)


1 . سنن أبي داود:2/10، بـرقم 1229; وسنـن الترمذي:2/430 بـرقم 545.
2 . سنن ابن ماجة:1/338، برقم 1036.
3 . نصب الراية:2/189.
4 . المغني:2/107.
5 . نيل الأوطار:3/204، قال : رواه النسائي.


(335)

15. وقال عمر بن عبد العزيز: الصلاة في السفر ركعتان حتم لا يصلح غيرها.(1)

16. وعن عمر بن الخطاب عن النبي قال: صلاة المسافر ركعتان حتّى يؤوب إلى أهله أو يموت.(2)

17. عن إبراهيم انّ عمر بن الخطاب صلّـى الظهر بمكة ركعتين فلما انصرف قال: يا أهل مكة إنّا قوم سفر، فمن كان منكم من أهل البلد فليكمل، فأكمل أهل البلد.(3)

18. عن أبي الكنود عبد اللّه الأزدي قال: سألت ابن عمر عن صلاة السفر؟ فقال: ركعتان نزلتا من السماء، فإن شئتم فردّوهما.(4)

والحديث يكشف عن وجود نزاع قائم على قدم وساق بين التابعين والصحابة.

19. عن الصائب بن يزيد الكندي، قال: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين ثمّ زيد في صلاة الحضر وأقرّت صلاة السفر.(5)

20. عن ابن مسعود قال: من صلّى في السفر أربعاً أعاد الصلاة.(6)

21. عن سلمان قال: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فصلاّها رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » بمكّة حتّى قدم المدينة فصلاّها بالمدينة ما شاء اللّه، وزيد في صلاة الحضر


1 . المغني:2/108; المحلى:4/271.
2 . أحكام القرآن:2/254.
3 . الآثار:30 و75 لأبي يوسف كما في الغدير:8/113.
4 . مجمع الزوائد:2/154، قال: ورجاله موثقون.
5 . مجمع الزوائد:2/155، ومرّ نظير هذا الحديث عن عائشة.
6 . مجمع الزوائد:2/155.


(336)

ركعتين وتركت الصلاة في السفر على حالها.(1)

22. عن جعفر بن عمر قال: انطلق بنا أنس بن مالك إلى الشام إلى عبد الملك ونحن أربعون رجلاً من الأنصار ليفرض لنا، فلمّا رجع وكنّا بفج الناقة صلّى بنا الظهر ركعتين، ثم دخل فسطاطه وقام القوم يضيفون إلى ركعتيهم ركعتين أُخريين، فقال: قبح اللّه الوجوه فواللّه ما أصابت السنّة ولا قبلت الرخصة، فاشهد لسمعت رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » يقول: «إنّ أقواماً يتعمّقون في الدين، يمرقون كما يمرق السهم من الرميّة».(2)

23.عن ثمامة بن شراحيل قال: خرجت إلى ابن عمر فقلت: ما صلاة المسافر؟ قال: ركعتين ركعتين إلاّ صلاة المغرب ثلاثاً. إلى آخر الحديث.(3)

24.عن أبي هريرة قال: أيّـها الناس إنّ اللّه عزّ وجلّ فرض لكم على لسان نبيكم « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » الصلاة في الحضر أربعاً.(4)

25. عن ابن حرب قال: سألت ابن عمر، كيف صلاة السفر يا أبا عبد الرحمن؟ قال: إمّا أنتم تتبعون سنّة نبيّكم « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » أخبرتكم، وإمّا لا تتبعون سنّة نبيّكم فلا أُخبركم؟ قلنا: فخيرما اتّبع، سنة نبيّنا « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »، قال: كان رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » إذا خرج من المدينة لم يزد على ركعتين حتّى يرجع إليها.(5)

26. عن سعيد بن المسيب، عن النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » أنّه قال: «خياركم من قصّر في السفر وأفطر».(6)


1 . المصدر نفسه: ص 156.
2 . مسند أحمد: 3/ 159 ; مجمع الزوائد: 2/155.
3 . مسند أحمد: 2/154.
4 . المصدر نفسه: 2/400.
5 . مسند أحمد:2/124; المغني:2/111.
6 . المغني:2/111.


(337)

هذا ما وقفنا عليه من النصوص عن النبي الأعظم« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، وقد أخذ بها لفيف من الصحابة وغيرهم; منهم: عمر بن الخطاب، وابنه، وابن عباس، وجابر، وجبير بين مطعم، والحسن، والقاضي إسماعيل، وحماد بن أبي سليمان، وعمر بن عبد العزيز، وقتادة، والكوفيون.(1)

أضـف إلـى ذلك اتّفـاق أئمّة أهل البيتعليهم السَّلام ، وفقهاء الشيعة مـن عصـر الإمام أمير المؤمنين « عليه السَّلام » إلـى يومنـا هذا.

أترى مع هذه الأحاديث مجالاً للقول بأنّ القصر في السفر رخصة لا عزيمة؟! ولو كان الإتمام في السفر سائغـاً لكـان رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »يعـرب عنه بقول أو بفعل ولـو بإتيانـه في العمر مـرّة لبيـان جـوازه كما يفعـل في غير هذا المورد.

أخرج مسلم في صحيحه من حديث بريدة قال: كان النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » يتوضّأ عند كل صلاة فلمّا كان يوم الفتح صلّى صلوات بوضوء واحد. فقال له عمر: إنّك صنعت شيئاً لم تكن تصنعه؟ فقال: «عمداً صنعته» أي لبيان الجواز.(2)

ولو كان هناك ترخيص لما خفي على أكابر الصحابة حتّى نقدوا من أتمّها نقداً مرّاً. وبذلك تعلم قيمة تبرير عمل المتمّين بأنّ الإتمام والقصر مسألة اجتهادية اختلف فيها العلماء.(3)

قصر الصلاة بمنى

تضافرت الروايات على أنّ الرسول « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » والخلفاء بعده وحتّى عثمان في سنين


1 . الجامع لأحكام القرآن: 5/351.
2 . صحيح مسلم: 1/122; نيل الأوطار: 1/258.
3 . الرياض النضرة: 2/251.


(338)

من خلافته كانوا يقصرون في منى دون استثناء، فلمّـا أتمّ عثمان بعد ثمانية سنين قامت ضجة عليه، ولما سمع عبد اللّه بن مسعود انّ الخليفة أتمّ الصلاة في منى استرجع، أي قال: (إِنّا للّه وَإِنّا إِليهِ راجِعون)، ولا تقال تلك الكلمة إلاّإذا ألمّت مصيبة، وهذا يدلّ على أنّ عبد اللّه بن مسعود تلقّى فعل عثمان مصيبة في الدين ورزءاً عظيماً.

والناظر في هذه الروايات التي سننقلها تباعاً يذعن بأنّ متلقّى الصحابة هو كون القصر عزيمة والتمام غير مشروع، وإلاّ فلو كان القصر رخصة أو سنّة لما أثارت حفيظة الصحابة والتابعين ضدّ عثمان.

27. أخرج مسلم في صحيحه عن سالم بن عبد اللّه، عن أبيه، عن رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » انّه صلّى صلاة المسافر بمنى (1) وغيره ركعتين وأبو بكر وعمر وعثمان ركعتين صدراً من خلافته ثمّ أتمّها أربعاً.(2)

28. أخرج مسلم عن ابن عمر قال: صلّى رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » بمنى ركعتين، وأبو بكر بعده، وعمر بعد أبي بكر، وعثمان صدراً من خلافته. انّ عثمان صلّى بعد أربعاً، فكان ابن عمر إذا صلّى مع الإمام صلّى أربعاً وإذا صلاّها وحده صلّى ركعتين.(3) وسيأتي انّه كان يعيدها في بيته.

29. أخرج مسلم عن حفص بن عاصم، عن ابن عمر، قال: صلّى النبي« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » بمنى صلاة المسافر وأبو بكر وعمر وعثمان ثمانية سنين أو قال: ست سنين، قال حفص: وكان ابن عمر يصلّي بمنى ركعتين ثمّ يأتي فراشه، فقلت: أي عمّ لو


1 . انّ منى تذكر وتؤنث بحسب القصد، إن قصد الموضع فيذكّر، وإن قصد البقعة فتؤنّث.
2 . شرح صحيح مسلم للنووي:5/209،باب قصر الصلاة بمنى من كتاب صلاة المسافرين وقصرها.
3 . شرح صحيح مسلم للنووي:5/209،باب قصر الصلاة بمنى من كتاب صلاة المسافرين وقصرها.


(339)

صلّيت بعدها ركعتين؟ قال: لو فعلت لأتمت الصلاة.(1)

30. أخرج مسلم عن حارث بن وهب الخزاعي، قال: صلّيت خلف رسول اللّه بمنى والناس أكثر ما كانوا، فصلّى ركعتين في حجّة منى.(2)

31. أخرج مسلم عن عبد الرحمن بن يزيد، يقول: صلّى بنا عثمان بمنى أربع ركعات، فقيل ذلك لعبد اللّه بن مسعود، فاسترجع، ثمّ قال: صلّيت مع رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » بمنى ركعتين، وصلّيت مع أبي بكر الصديق بمنى ركعتين، وصلّيت مع عمر بن الخطاب بمنى ركعتين، فليت حظي من أربع ركعات، ركعتان متقبّلتان.(3)

يقول النووي بعد قوله: (فليت حظي من أربع ركعات، ركعتان متقبّلتان): إنّ معناه ليت عثمان صلّى ركعتين بدل الأربع كما كان النبي وأبو بكر وعمر وعثمان في صدر خلافته يفعلون.

ولما كانت الرواية صريحة في أنّ متلقّى عبد اللّه بن مسعود من فعل النبي هو كون القصر عزيمة، ولذلك استرجع وأردفه بقوله: (فليت حظي من أربع ركعات، ركعتان متقبّلتان) حاول النووي وغيره تأويل الأثر وتخفيف الوطأة وقال: مقصوده كراهة مخالفة ما كان عليه رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »وصاحباه، ومع هذا فابن مسعود ـ رضي اللّه عنه ـ موافق على جواز الإتمام، ولهذا كان يصلّي وراء عثمان متمّاً، ولو كان القصر عنده واجباً لما استجاز تركه وراء أحد.


1 . شرح صحيح مسلم للنووي:5/209،باب قصر الصلاة بمنى من كتاب صلاة المسافرين وقصرها.
2 . شرح صحيح مسلم للنووي:5/209،باب قصر الصلاة بمنى من كتاب صلاة المسافرين وقصرها.
3 . صحيح البخاري:2/53، باب ما جاء في التقصير ; شرح صحيح مسلم للنووي:5/209، باب قصر الصلاة بمنى.


(340)

ولا يخفى انّ ما ذكره تعسف ظاهر، إذ لا معنى للاسترجاع ولا للتمنّي لو كان عمل الخليفة عملاً مشروعاً سوّغه الشرع وأبلغه النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » غير انّه اختار النبي أحد فردي التخيير الأفضل مع عدم نفي العدل الآخر.

ثمّ إنّ ما عزي إلى عبد اللّه بن مسعود من أنّه أتمّ الصلاة في السفر عندما صلّى مع عثمان فإنّما كان مراعاة سياسة مقطعية اتّباعاً لما رآه عثمان خلافاً لرأي نفسه في لزوم القصر، قال الأعمش: حدّثني معاوية بن قرّة عن أشياخه، انّ عبد اللّه صلّى أربعاً، فقيل له: عبت على عثمان ثمّ صليت أربعاً؟ قال: الخلاف شر.(1)

ومنه يظهر حال عبد اللّه بن عمر، قال ابن حزم: روينا من طريق عبد الرزاق، عن عبد اللّه بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر انّه كان إذا صلّى مع الإمام بمنى أربع ركعات، انصرف إلى منزله فصلّـى فيه ركعتين أعادها.(2)

وهؤلاء كانوا يرون رعاية شؤون السياسة الزمنية خوفاً من الشر، وهي عندهم أولى من رعاية حفظ الأحكام كما نزلت من عند اللّه والوقوف أمام قبولها وتغييرها، إلاّ أنّ بعض الصحابة يرى خلاف ذلك، فهذا علي « عليه السَّلام » أبى أن يصلّي أربعاً في منى رغم إصرار عثمان وبني أُميّة، حيث قيل له: صلّ بالناس، فقال: «إن شئتم صلّيت لكم صلاة رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »» يعني ركعتين، قالوا: لا إلاّ صلاة أمير المؤمنين ـ يعنون عثمان ـ أربعاً، فأبى عثمان(3).(4)

هذا وإنّ بني أُميّة قد اتّخذوا من أُحدوثة عثمان سنّة مستمرة مقابل سنّة النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » إلى الأبد وإن لم يكن لهم عذر شرعي للإتمام.


1 . سنن أبي داود:1/308، كتاب الأُم للشافعي:1/159.
2 . المحلى:4/270. وفي الهامش: في بعض النسخ«أبي» فقط.
3 . هكذا في المطبوع والصحيح: فأبى علي.
4 . المحلى:4/270.


(341)

32. أخرج الإمام أحمد بن حنبل بسنده عن عبد اللّه بن الزبير، قال: لمّا قدم علينا معاوية حاجّاً قدمنا معه مكة، قال: فصلّى بنا الظهر ركعتين، ثمّ انصرف إلى دار الندوة، قال: نهض إليه مروان بن الحكم وعمر بن عثمان فقالا له: ما عاب أحد ابنَ عمك بأقبح ما عبتَه به، فقال لهما: وما ذاك؟ قال: فقالا له: ألم تعلم أنّه أتمّ الصلاة بمكة؟ قال: فقال لهما: ويحكما وهل كان غير ما صنعت؟ قد صلّيتهما مع رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » ومع أبي بكر وعمر، قالا: فانّ ابن عمك قد كان أتمّها وإن خلافك إيّاه له عيب.

قال: فخرج معاوية إلى العصر فصلاّها بنا أربعاً.(1)

إلى هنا تمّ ما يدلّ من الأحاديث والآثار على أنّ القصر في السفر عزيمة وانّ الإتمام أُحدوثة حدثت بعد رحيل الرسول « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »اجتهاداً أو اتباعاً للمصالح المقطعية، ولا محيص لفقيه، أمام مداومة النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » أوّلاً، وهذه الروايات والآثار ثانياً من الخضوع لها والإخبات إليها.

نعم بقي علينا أن نستعرض أدلّة القول بأنّ القصر رخصة أو سنّة مؤكّدة لا عزيمة وهي أدلّة واهية للغاية لا يصحّ للفقيه أن يستند إليها إذا كان ملماً باستنباط الحكم عن أدلّته.

أدلّة القائلين بأنّ القصر رخصة

استدلّ القائلون بعد الكتاب العزيز بأُمور نذكرها تباعاً.

أمّا الكتاب ، فقد مضى الكلام فيه حيث قلنا بأنّ الآية لاتدلّ على أحد القولين: الرخصة أو العزيمة، بل هي بصدد بيان رفع توهّم الحظر حيث كان قصر


1 . مسند أحمد:4/94.


(342)

الصلاة مظنّة توهم انّه إيجاد نقص في الصلاة فبيّن سبحانه (بأنّه لاجناح عليكم أن تقصروا من الصلاة) وأين هذا من الدلالة على أنّ القصر رخصة؟!

إنّما المهم الروايات والآثار المروية.

1.أخرج مسلم عن يعلى بن أُميّة، قال: قلت لعمر بن الخطاب: (فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة أن يفتنكم الّذين كفروا) فقال: عجبتُ ممّا عجبتَ منه، فسألت رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »؟ قال: «صدقة منّ اللّه بها عليكم فاقبلوا صدقته».(1)

وجه الدلالة: انّ المتصدّق عليه لا يجب عليه قبول الصدقة.

وأجاب الشوكاني عن الاستدلال المذكور بقوله: إنّ الأمر بقبولها يدلّ على أنّه لامحيص عنها وهو المطلوب.(2)

وكان للشوكاني أن يرد على الاستدلال بوجه آخر أيضاً ويقول: إنّ قياس صدقة اللّه وهديته، على صدقات الناس وهداياهم قياس مع الفارق، وذلك لأنّ المهدى إليه أو المتصدّق عليه لا يجب عليه قبول الهدية أو الصدقة إذا كان المتصدِّق إنساناً مثله، وأمّا إذا كان المتصدِّق هو اللّه سبحانه فيجب قبولها، وذلك لأنّ صدقة اللّه أمر امتناني، وامتناناته سبحانه ليست أُموراً اعتباطية، بل هي ناشئة من الحكمة البالغة الإلهية، فحيث يعلم اللّه بأنّ المصالح الذاتية للبشر تقتضي ذلك الامتنان يمنّ بها على العباد، فيصير القبول أمراً مفروضاًعليهم.

وربما يظهر من أحاديث أئمّة أهل البيت « عليهم السَّلام » انّهيحرم رد صدقة اللّه، حيث قال الصادق « عليه السَّلام » :قال رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »:«إنّ اللّه عزّوجلّ تصدّق على مرضى أُمّتي


1 . شرح صحيح مسلم للنووي:5/203 برقم4.
2 . نيل الأوطار:3/201.


(343)

ومسافريها بالتقصير والإفطار، أيسرّ أحدكم إذا تصدق بصدقة أن تُرد عليه؟!».(1)

وكأنّ في رد الصدقة نوع إهانة للمتصدِّق، وفي المقام ازدراء بالتشريع الإلهي.

2. أخرج الدارقطني والبيهقي واللفظ للأوّل عن عبد الرحمن بن أسود، عن عائشة قالت: خرجت مع النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » في عمرة في رمضان فأفطرَ وصمتُ، وقصّر وأتممتُ، فقلت: يا رسول اللّه بأبي وأُمي، أفطرتَ وصمتُ،وقصّرتَ وأتممتُ؟ فقال: أحسنت يا عائشة.(2)

قال الشوكاني: أخرجه أيضاً النسائي والبيهقي بزيادة: «إنّ عائشة اعتمرت مع رسول اللّه من المدينة إلى مكة حتّى إذا قدمت مكة قالت: بأبي أنت وأُمّي يا رسول اللّه أتممتُ وقصّرتَ»، والاحتجاج بالرواية رهن صحّة السند أوّلاً وإمكان الأخذ بالمضمون ثانياً.

أمّا السند ففيه العلاء بن زهير عن عبد الرحمن بن أسود بن يزيد النخعي، عن عائشة. قال ابن حبان: كان يروي عن الثقات ما لا يشبه حديث الاثبات، فبطل الاحتجاج به فيما لم يوافق الاثبات.

قال الدارقطني: وهذا اسناد حسن، وعبد الرحمن قد أدرك عائشة ودخل عليها وهو مراهق وهو مع أبيه وقد سمع منها.(3)

وقال أبو حاتم: دخل عليها وهو صغير ولم يسمع منها، ومع هذا الاختلاف كيف يمكن الأخذ بقول راو لم يثبت سماعه من عائشة؟! وعلى فرض السماع فقد سمع وهو صغير أو مراهق.

ولأجل ذلك احتمل الدارقطني في «العلل» انّه مرسل كما نقله عنه


1 . وسائل الشيعة:1/175.
2 . سنن الدارقطني:2/188; السنن الكبرى:3/142.
3 . سنن الدارقطني:2/188، رقم 40.


(344)

الشوكاني في «نيل الأوطار».(1)

والذي يزيد في الطين بلّة، انّ الدارقطني تارة نقله عن عبد الرحمن عن أبيه عن عائشة، وأُخرى عن عبد الرحمن عن عائشة.(2)

ونقل البيهقي عن أبي بكر النيسابوري انّه من قال عن أبيه في هذا الحديث فقد أخطأ.(3)

هذا كلّه حول السند.

وأمّا المضمون فيلاحظ عليه أوّلاً: أنّه جاء في حديث عائشة أنّها قالت: خرجت مع رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » في عمرة رمضان الخ، وهذا ما يخالف التاريخ القطعي في سيرة الرسول « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »، فقد جاء في السيرة الحلبية:«لا خلاف انّ عمرة النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » لم تزد على أربع، أي كلّهن في ذي القعدة مخالفاً للمشركين، فانّهم كانوا يكرهون العمرة في أشهر الحج ويقولون هي من أفجر الفجور... وأوّل تلك الأربعة عمرة الحديبية التي كانت في ذي القعدة التي صدّه فيها المشركون عن البيت.

وثانيها: عمرته من العام المقبل وهي عمرة القضاء وكانت في ذي القعدة.

وثالثها: عمرته« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » حين قسم غنائم حنين وكانت من الجعرّانة وكانت في ذي القعدة.

ورابعها: عمرته« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » مع حجة الوداع فانّه أحرم لخمس بقين من ذي القعدة، وقد قالت عائشة : اعتمر رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »ثلاثاً سوى التي قرنها بحجة الوداع.(4)

وعلى هذا فكيف يمكن الأخذ بمضمون الحديث مع أنّه لم يكن للنبي مع


1 . نيل الأوطار:3/202.
2 . سنن الدارقطني:2/188 برقم 39و40.
3 . السنن الكبرى:3/142.
4 . السيرة الحلبية:3/340ـ 341.


(345)

زوجته أيّة عمرة في شهر رمضان؟!

قال في «البدر المنير»: إنّ في متن هذا الحديث نكارة، وهو كون عائشة خرجت معه في عمرة رمضان، والمشهور انّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »لم يعتمر إلاّأربع عمر ليس منهنّ شيء في رمضان بل كلّهن في ذي القعدة إلاّ التي مع حَجَّته، فكان إحرامها في ذي القعدة وفعلها في ذي الحجة، وهذا هو المعروف في الصحيحين وغيرهما.(1)

وثانياً: أنّه كيف أتمّت عائشة وصامت مع أنّ النبي« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » وأصحابه قصّروا وأفطروا ولم يكن عملها عمل يوم واحد، بل كانت على ما يروى عبر الإيام من المدينة المنورة إلى مكة المشرفة، وكانت القوافل تقطع المسافة بين البلدين في حوالي عشرة أيام، فهل يعقل أن تخالف أُمّ المؤمنين النبيّ « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » والصحابةَ وهي بمرأى ومسمع من النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » وغيره؟!

ولذلك قال ابن تيمية: هذا حديث كذب على عائشة، ولم تكن عائشة تصلّي بخلاف النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » وسائر الصحابة، وهي تشاهدهم يقصرون ثمّ تتم هي وحدها بلا موجب.

كيف وهي القائلة: فرضت الصلاة ركعتين فزيدت في صلاة الحضر وأقرّت صلاة السفر؟! فكيف يظن بها انّها تزيد على فرض اللّه وتخالف رسول اللّه وأصحابه؟!!(2)

3. أخرج الدارقطني عن محمد بن منصور بن أبي الجهم، ثنا نصر بن علي، ثنا عبد اللّه بن داود، عن المغيرة بن زياد الموصلي، عن عطاء، عن عائشة: انَّ رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » كان يتم الصلاة في السفر ويقصر.


1 . نيل الأوطار:3/202 ،نقلاً عن البدر المنير.
2 . زاد المعاد:1/161 ونقله أيضاً الشوكاني في نيل الأوطار:3/203.


(346)

ثمّ قال: المغيرة بن زياد الموصلي ليس بالقوي.(1)

4. أخرج أبو داود الطيالسي، قال: حدثنا يونس، قال: ثنا أبو داود، قال: ثنا طلحة قال: سمعت عطاء يحدث عن عائشة، قالت: كلّ ذلك قد فعل رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » في السفر صام وأفطر.(2) بناء على وحدة حكم الصلاة والصوم في السفر وإلاّ فالرواية أجنبيّة عن المقام.

ونقله الدار قطني بهذا الاسناد مع اختلاف طفيف في المتن، ثمّ قال في آخره: طلحة ضعيف.(3)

يلاحظ على الروايتين: أنّ السند لا يحتج به، لما عرفت من أنّ المغيرة ليس بالقوي وطلحة ضعيف، وعلى فرض صحّة الاحتجاج فلا يقاومان ما تضافر عن النبي« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » قولاً وفعلاً على القصر، كما لا يقاوم ما تضافر عن الصحابة من أنّ النبي« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » كان يقصر طيلة عمره في السفر وقد مرت الروايات الدالّة عليه.

وأمّا الدلالة فلأنّ عائشة تروي فعل النبي وانّه كان يتم ولكن من المحتمل انّ إتمامه كان في صورة عدم اجتماع شرائط القصر في سفره، وقد قرر في محلّه انّ العمل لا يحتج به حتّى يعلم وجهه، والعمل في تينك الروايتين مجمل جدّاً، لاحتمال أن يكون الإتمام لأجل الرخصة في السفر أو لعدم وجود شرائط القصر.

ثمّ إنّ لابن حزم في «المحلى» كلاماً جامعاً حول هذه الروايات، حيث قال:

أمّا الذي من طريق عبد الرحمن بن الأسود، فانفرد به العلاء بن زهير الأزدي لم يروه غيره، وهو مجهول.

وأمّا حديث عطاء، فانفرد به المغيرة بن زياد لم يروه غيره، وقال فيه أحمد بن


1 . سنن الدارقطني:2/189.
2 . مسند الطيالسي:6/209، ط دار المعرفة، بيروت.
3 . سنن الدارقطني:2/189.


(347)

حنبل: هو ضعيف كلّ حديث أسنده فهو منكر.

5. ما رواه النووي في شرحه على صحيح مسلم وحيث قال: إنّ الصحابة ـ رضي اللّه عنهم ـ كانوا يسافرون مع رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »، فمنهم القاصر ومنهم المتمم ومنهم الصائم ومنهم المفطر لا يعيب بعضهم على بعض.(1)

نقل ابن قدامة عن أنس، قال: كنّا أصحاب رسول اللّه نسافر فيتمّ بعضنا ويقصر بعضنا ويصوم بعضنا ويفطر بعضنا فلا يعيب أحد على أحد، ثمّ قال: ولأنّ ذلـك إجماع الصحابـة رحمهمُ اللّه بدليـل انّ فيهـم مـن كـان يتـم الصـلاة ولم ينكـر الباقـون عليـه بدليـل حديـث أنس.(2)

وقال الشوكاني: الحجة الثالثة على جواز الإتمام ما في صحيح مسلم وغيره، انّ الصحابة كانوا يسافرون مع رسول اللّه فمنهم القاصر ومنهم المتم، ومنهم الصائم ومنهم المفطر لا يعيب بعضهم على بعض.(3)

يلاحظ عليه: بأنّه قد أخرج مسلم في باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر سبع روايات عن أبي سعيد الخدري وجابر بن عبد اللّه الأنصاري وأنس بن مالك ليس فيها أيّ أثر من القصر والإتمام، بل الروايات تدور على الصوم والإفطار، فلم يظهر لي مصدر ما نسب إلى أنس: «فيتم بعضنا ويقصر بعضنا».(4)


1 . شرح صحيح مسلم للنووي:5/201، كتاب صلاة المسافرين وقصرها.
2 . المغني:2/109.
3 . نيل الأوطار:3/201ـ202، وذكره النووي في شرح صحيح مسلم.
4 . لاحظ شرح صحيح مسلم للنووي:7/237 باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر الحديث 93، 94، 95، 96، 97، 98، 99 ولاحظ صحيح مسلم:3/143، باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر من كتاب الصوم.


(348)

ونذكر نموذجاً من هذه الروايات.

سئل أنس (رض) عن صوم رمضان في السفر، فقال: سافرنا مع رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » في رمضان فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم.

قال الشوكاني: ولم نجد في صحيح مسلم قوله:«فمنهم القاصر ومنهم المتم» وليس فيه إلاّ أحاديث الصوم والإفطار.(1)

ولنفرض صحّة ما عزي إلى صحيح مسلم لكن من أين ثبت انّ النبي اطّلع على فعلهم فأقرّهم عليه حتى يكون التقرير حجة علينا؟ وليس عمل الصحابي بمجرّده حجة ما لم يعلم كونه مستنداً إلى قول النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » وعمله.

قال الشوكاني: إنّ إجماع الصحابة في عصره ليس بحجّة والخلاف بينهم في ذلك مشهور بعد موته.(2)

إلى هنا تمّ ما يمكن أن يكون دليلاً لجواز الإتمام في السفر، وقد عرفت أنّ الجميع سراب لا ماء فلا يمكن أن يحتج بها أمام الروايات والآثار الهائلة، التي رويت بطرق مختلفة تنتهي إلى الصحابة.

يقول ابن حزم: ورويناه أيضاً من طريق حذيفة وجابر وزيد بن ثابت وأبي هريرة وابن عمر كلّهم عن رسول اللّه بأسانيد في غاية الصحة.(3)

بقي هنا شيء آخر وهو التمسّك بعمل الصحابي والصحابية، وإليك دراسته.


1 . نيل الأوطار:3/202.
2 . نيل الأوطار:3/202.
3 . المحلّى:4/271.


(349)

الاحتجاج بفعل عثمان وعائشة

وربما يحتجّ على جواز الإتمام بفعل عثمان الذي أتمّ في مكة وفي منى مع أنّه كان مسافراً ومهاجراً عن مكة ومتوطّناً في المدينة.

يلاحظ على هذا الاحتجاج: أنّ فعل الصحابي ليس حجّة ما لم يستند إلى حديث صحيح عن رسول اللّه، فانّ الحجة هي فعل المعصوم لا فعل غيره.

أضف إلى ذلك انّه قامت الضجة ضد عثمان واستنكره كثير من الصحابة حتى استرجع عبد اللّه بن مسعود.

والذي يدلّ على أنّ عثمان أتمّ من عند نفسه من دون دليل صالح، ما أخرجه مسلم عن الزهري عن عروة عن عائشة.

قال الزهري: فقلت لعروة: ما بال عائشة تتم في السفر؟ قال: إنّها تأوّلت كما تأوّل عثمان.(1)

ونقله ابن حزم في «المحلى»، قال: قال الزهري، فقلت لعروة: فما كان عمل عائشة ان تتم في السفر وقد علمت أنّ اللّه تعالى فرضها ركعتين ركعتين؟ قال: تأوّلت من ذلك ما تأوّل عثمان من إتمام الصلاة بمنى.(2)

فلو كان لعثمان دليل على جواز الإتمام لاحتجّ به ولم يلجأ إلى التأويل، وهذا دليل على أنّ القصر في السفر متعيّن ولكنّه أتمّ بمسوّغ خاص هو أعلم به.

وقد قام غير واحد ممّن يحاول تبرير فعل الخليفة وأُمّ المؤمنين بنحت أعذار لهما!!


1 . شرح صحيح مسلم:5/202، كتاب صلاة المسافرين.
2 . المحلّى:4/270.


(350)

قال النووي: اختلف العلماء في تأويلهما:

1. فالصحيح الذي عليه المحقّقون انّهما رأيا القصر جائزاً والإتمام جائزاً، فأخذا بأحد الجائزين وهو الإتمام.

يلاحظ عليه: أنّه ليس بتأويل، فلو كان هناك دليل على جواز الإتمام لكان عليه أن يحتجّ به من دون تأويل، ولذلك أوّلوا فعل الخليفة وأُمّ المؤمنين بوجوه أُخرى، أعني:

2. انّ عثمان إمام المؤمنين وعائشة أُمّهم فكأنّهما في منازلهما.

يلاحظ عليه:عزب عن المؤوِّل انّ النبي أولى منهما بذلك، فلماذا تداوم على القصر؟!

3. انّ عثمان تأهّل بمكة.

يلاحظ عليه: بمثل ما لوحظ على الوجه السابق، فانّ النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » سافر بأزواجه منهنّ مكية وقد قصّر.

4. فعل ذلك من أجل الأعراب الذين حضروا معه لئلاّ يظنوا ان فرض الصلاة ركعتان أبداً حضراً وسفراً.

يلاحظ عليه: بما لوحظ على السابق بأنّ هذا المعنى كان موجوداً في زمن النبي، بل اشتهر أمر الصلاة في زمن عثمان أكثر ممّا قيل.

إلى غير ذلك من الوجوه التافهة التي لا يركن إليها الفقيه والتي نقلها الإمام النووي في شرحه وأبطل الكلّ إلاّ الوجه الأوّل، وقد عرفت أنّه أيضاً غير مبرر.(1)


1 . شرح صحيح مسلم:5/202، باب صلاة المسافرين وقصرها.


(351)

وبذلك يعلم أنّ فعل الصحابية عائشة لا يكون دليلاً مع أنّها الراوية بأنّه سبحانه فرض الصلاة ركعتين ركعتين في الحضر والسفر فأقرّت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر.(1)

إنّ لابن جرير الطبري كلاماً حول فعل عائشة حيث روى في تفسير قوله تعالى : (وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرض)بسنده عن عمر بن عبد اللّه بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، قال: سمعت أبي يقول: سمعت عائشة تقول: في السفر أتموا صلاتكم،فقالوا: إنّ رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »يصلّي في السفر ركعتين، فقالت: إنّ رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » كان في حرب وكان يخاف، هل تخافون أنتم؟! (2)

وعلّق عليه الشوكاني بقوله: قيل في تأويل عائشة أنّها إنّما أتمّت في سفرها إلى البصرة لقتال علي « عليه السَّلام » والقصر عندها إنّما يكون في سفر طاعة ـ إلى أن قال: ـ وأمّا تأوّل عائشة فأحسن ما قيل فيه ما أخرجه البيهقي باسناد صحيح من طريق هشام بن عروة عن أبيه أنّها كانت تصلّي في السفر أربعاً، فقلت لها: لو صليت ركعتين، فقالت: يابن أُختي إنّه لا يشق علي، وهو دالّ على أنّها تؤوّل انّ القصر رخصة وانّ الإتمام لمن لا يشق عليه أفضل.(3)


1 . شرح صحيح مسلم:5/202.
2 . تفسير الطبري:4/155.
3 . نيل الأوطار:3/212.


(352)


(353)

9
إفطار المسافر
في شهر رمضان


(354)

(355)

الإفطار في السفر

اتّفقت كلمة الفقهاء على مشروعية الإفطار جوازاً أو وجوباً في السفر تبعاً للذكر الحكيم والسنّة المتواترة إلاّ انّهم اختلفوا في كونه عزيمة أو رخصة، نظير الخلاف في كون القصر فيه جائزاً أو واجباً.

ذهبت الإمامية تبعاً لأئمّة أهل البيت « عليهم السَّلام » والظاهرية إلى كون الإفطار عزيمة، واختاره من الصحابة: عبد الرحمن بن عوف وعمر وابنه عبد اللّه وأبو هريرة وعائشة وابن عباس، ومن التابعين: علي بن الحسين بن علي بن أبي طالبعليهم السَّلام وابنه محمد الباقر« عليه السَّلام » وسعيد بن المسيب وعطاء وعروة بن الزبير وشعبة والزهري والقاسم بن محمد بن أبي بكر ويونس بن عبيد وأصحابه(1).

وذهب جمهور أهل السنّة وفيهم فقهاء المذاهب الأربعة إلى كون الإفطار رخصة وإن اختلفوا في أفضلية الإفطار والصوم.

قال الجصّاص: الصوم في السفر أفضل من الإفطار، وقال مالك والثوري: الصوم في السفر أحبّ إلينا لمن قوي عليه،وقال الشافعي: إن صام في السفر أجزأه.(2)


1 . المحلّى :6/258.
2 . أحكام القرآن:1/215.


(356)

وقال السرخسي: إنّ أداء الصوم في السفر يجوز في قول جمهور الفقهاء، وهذا قول أكثر الصحابة،وعلى قول أصحاب الظواهر لا يجوز ـ إلى أن قال: ـ إنّ الصوم في السفر أفضل من الإفطار عندنا.

وقال الشافعي: الفطر أفضل، لأنّ ظاهر ما رُوينا من آثار يدلّ على أنّ الصوم في السفر لا يجوز، فإن ترك هذا الظاهر في حقّ الجواز(1) بقي معتبراً في أنّ الفطر أفضل، وقاس بالصلاة فانّ الاقتصار على الركعتين في السفر أفضل من الإتمام فكذلك الصوم لأنّ السفر يؤثر فيهما، قال « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »: «إنّ اللّه وضع عن المسافر شطر الصلاة والصوم».(2)

وقال ابن قدامة : حكم المسافر حكم المريض في إباحة الفطر وكراهية الصوم وإجزائه إذا فعله، وإباحة الفطر ثابتة بالنص والإجماع، وأكثر أهل العلم على أنّه إن صام أجزأه ـ إلى أن قال: ـ والفطر في السفر أفضل.(3)

وقال القرطبي: واختلف العلماء في الأفضل من الفطر أو الصوم في السفر، فقال مالك والشافعي في بعض ما روي عنهما: الصوم أفضل لمن قوي عليه. وجعل مذهب مالك التخيير وكذلك مذهب الشافعي، قال الشافعي ومن تبعه: هو مخيّر ولم يُفضِّل وكذلك ابن عليّة.(4)

وهذه النقول وغيرها صريحة في اتّفاق الجمهور على جواز الإفطار في السفر لا على وجوبه مع اعتراف الشافعي بأنّ ظواهر الأدلّة هو المنع عن الصوم حيث


1 . كذا في النسخة ولعلّ الصحيح: في حدّ الجواز.
2 . المبسوط للسرخسي:3/91ـ92.
3 . الشرح الكبير في ذيل المغني:3/17ـ19.
4 . الجامع لأحكام القرآن:2/280.


(357)

قال: «لأنّ ظاهر ما روينا من الآثار يدلّ على أنّ الصوم في السفر لا يجوز».(1) وإن كان ما نقله القرطبي وغيره عنه يخالفه.

وعلى كلّ تقدير، فالمهم هو بيان ما يستفاد من الأدلّة من كون الإفطار عزيمة أو رُخصة. وسيتضح إليك انّ الإفطار عزيمة يدلّ عليها الكتاب والسنّة.


1 . المبسوط:3/91.


(358)

1
الكتاب وصوم رمضان في السفر

قال سبحانه: (يا أَيُّها الَّذينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون).(1)

(أَيّاماً مَعْدُودات فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَريضاً أَوْ عَلى سَفر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّام أُخَرَ وَعَلى الَّذينَ يُطِيقُونهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكين فَمَنْ تَطوَّعَ خَيراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُون).(2)

(شَهْرُ رَمَضـانَ الَّذِي أُنْزلَ فيـهِ القُرآنُ هُدىً لِلنّـاسِ وَبَيِّنات مِنَ الهُـدى وَالْفُـرْقانِ فَمَـنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَريضاً أَوْعَلى سَفـر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّـام أُخرَ يُريـدُ اللّهُ بِكُمُ اليُسْـرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْـرَ وَلتكمِلُوا العِـدَّة وَلتُكَبّـروا اللّهَ عَـلى مـا هَداكُمْ وَلَعَلَّكُـمْ تَشْكُرُون) .(3)

إنّ هذه الآيات المباركة تتضمّن أحكام الطوائف الأربع بعد التأكيد على أنّ الصوم ممّا كتب على المؤمنين كما كتب على الذين من قبلهم والكتابة آية الفرض


1 . البقرة:183.
2 . البقرة:184.
3 . البقرة:185.


(359)

والوجوب غالباً، وليس للمكلّف تركه، فاللّه سبحانه يخاطب قاطبة المؤمنين بقوله: (يا أَيُّها الَّذينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون) . فالصيام مكتوب على الإنسان بأشكال مختلفة من غير فرق بين المُصحّ والمريض والمسافر والمُطيق، لكن يختلف امتثاله حسب اختلاف أحوال المكلّف، لأنّه ينقسم حسب العوارض إلى الأصناف الأربعة، ولكلّ صنف حكمه.

الفقيه كلّ الفقيه ما يكون بصدد فهم القرآن والسنّة سواء أوافق مذهب إمامه الذي يُقلّده أم خالف، غير انّ كثيراً من المفسرين في تفسير هذه الآيات حاولوا أن يطبقوها على مذهب إمامهم من دون أن يُمعنوا النظر في مفردات الآية وجملها حتّى يخرجوا بنتيجة واحدة من دون اختلاف وقد عرفت أقوالهم.

فنقول: الآيات المتقدّمة تبيّـن أحكام الأصناف الأربعة التي عرفت عناوينها، وإليك بيان ما يستفاد من الآيات في حقّ هؤلاء.

1. الصحيح المعافى

إنّ قوله سبحانه: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهر فَلْيَصُمهُ) صريح في لزوم الصوم لمن شهد الشهر، من غير فرق بين تفسير شهود الشهر بالحضور في البلد وعدم السفر، أو برؤية الهلال، فليس للشاهد إلاّ تكليف واحد وهو صوم الشهر كلّه إذا اجتمعت فيه الشرائط.

2. المريض

3. المسافر

وقد بيّن سبحانه حكم المريض والمسافر بقوله في موردين:


(360)

»(فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَريضاً أَوْ عَلى سَفر فعِدَّةٌ مِنْ أَيّام أُخر) .(1)

»(وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّام أُخر) .(2)

والمقصود فهم ما تتضمّنه الجملة في الموردين من الحكم في حقّ المريض والمسافر، فهل هو ظاهر في كون الإفطار عزيمة أو رخصة؟

والإمعان في الآية يثبت انّ الإفطار عزيمة، وذلك بوجوه أربعة:

الأوّل: وجوب الصيام في العدّة، آية لزوم الإفطار

إنّ معنى قوله سبحانه:(فَعِدَّة مِنْ أَيّام أُخر) أي «فعليه صيام عدّة أيام أُخر» أو «يلزمه صيام تلك الأيام»، وهذا هو الظاهر من أكثر المفسرين حيث يذكرون بعد قوله سبحانه :(فَعِدَّة مِنْ أَيّام أُخر) قولهم: عليه صوم أيّام أُخر. وعلى ذلك فالمتبادر من الآية هو انّه يلزمه صيام تلك الأيّام ، أو على ذمّته صيامها، هذا من جانب.

ومن جانب آخر: انّه إذا وجب صيام تلك الأيام مطلقاً، يكون الإفطار في شهر رمضان واجباً، وإلاّفلو جاز صومه، لما وجب صيام تلك الأيام (أيّام أُخر) على وجه الإطلاق فإيجاب صيامها كذلك، آية وجوب الإفطار في شهر رمضان.

الثاني: التقابل بين الجملتين يدلّ على حرمة الصوم

إذا كانت في الكلام جملتان متقابلتان فإبهام إحداهما يرتفع بظهور الأُخرى، وهذا ممّا لا سترة عليه، وعلى ضوء هذا نرفع إبهام قوله:(أو على سفر) بالجملة الأُخرى التي تقابله فنقول:

قال سبحانه في من شهد الشهر:


1 . البقرة:184.
2 . البقرة:185.


(361)

(فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْر فَلْيَصُمْه) .

ثمّ قال في من لم يشهد الشهر:

(فَمَنْ كانَ... أو عَلى سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّام أُخر) .

فإذا كان معنى الجملة الأُولى انّ الشاهد يصوم، يكون معنى الجملة الثانية ـ بحكم التقابل ـ انّ غير الشاهد (المسافر )لا يصوم، فإذا كان الأمر في الجملة الأُولى ظاهراً في الوجوب يكون النهي في الثانية ظاهراً في التحريم.

وقد روى عبيد بن زرارة، عن الإمام الصادق « عليه السَّلام » قال: قلت له : (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) ، قال: «ما أبينها:

من شهد الشهر فليصمه ومن سافر فلا يصمه».(1)

الثالث(2): المكتوب عليهما من أوّل الأمر هو صيام العدّة

إنّ ظاهر قوله سبحانه: (فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدّة من أيّام أُخر) هو انّ المكتوب على الصنفين من أوّل الأمر هو الصيام في أيّام أُخر، فإذا كان الصيام واجباً على عامة المكلّفين وكان المكتوب عليهم من أوّل الأمر هو الصيام في أيام أُخر، فصيامهم في شهر رمضان يكون بدعة وتشريعاً محرّماً، لاتّفاق الأُمّة على عدم وجوب صومين طول السنة.

كلمات بعض المفسرين تدعم موقفنا

إنّ لفيفاً من المفسرين عند تفسير الآية ـ حرفيّاً ـ فسروا الآية على غرار ما ذكرنا، لكن عندما وصلوا إلى بيان حكم الإفطار من العزيمة والرخصة، صدّهم


1 . الوسائل:7، الباب1 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث8.
2 . يأتي الوجه الرابع ص 366 فلا تغفل.


(362)

فتوى إمامهم عن الإصحار بالحقيقة.

يقول الطبري: فمن كان منكم مريضاً ممن كلّف صومه أو كان صحيحاً غير مريض وكان على سفر فعدّة من أيام أُخر(يقول) فعليه صوم عدّة الأيام التي أفطرها في مرضه أو في سفره من أيام أُخر، يعني من أيّام أُخر غير أيّام مرضه أو سفره.(1)

فظاهر قوله: «فعليه صوم عدّة أيّام» أي يلزم عليهما صوم تلك العدة، ومع لزوم القضاء مطلقاً كيف يكون مخيّراً بين الإفطار والصيام؟!

قال ابن كثير:(فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَريضاً أَوْعَلى سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّام أُخر) أي المريض والمسافر لا يصومان في حال المرض والسفر، لما في ذلك من المشقة عليهما، بل يفطران ويقضيان بعدة ذلك من أيام أُخر.(2)

وفي الوقت نفسه هو يقول بعد صفحة: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهر فلْيَصمه) فأثبت اللّه صيامه على المقيم الصحيح ورخّص فيه للمريض والمسافر.(3) فأين قوله: «لا يصومان في حال المرض والسفر» من قوله: ويرخّص فيه للمريض والمسافر؟!

فالتعبير الأوّل تعبير عن ظهور الآية جرى على قلمه بصورة عفوية من دون أن يلتفت إلى مذهب إمامه، والجملة الثانية صدرت منه ـ غفلة عمّا ذكره ـ لدعم رأي إمام مذهبه.

تقدير «فافطر» لتطبيق الآية على المذهب

ثمّ إنّ بعض المفسرين لما أدرك ظهور الآية في لزوم الإفطار وصيام أيّام أُخر


1 . تفسير الطبري:2/77.
2 . تفسير القرآن العظيم:1/376.
3 . المصدر نفسه:1/378.


(363)

مكان الأيّام التي أفطر فيها، حاول أن يطبِّق الآية على مذهب الترخيص فقدّر بعد قوله: «أو على سفر» لفظة «فأفطَرَ» وقال: «فأفطَرَ» فعدّة من أيّام أُخر، وكأنّ الصيام كتب عليهم أيضاً في شهر رمضان لكن لهم الخيار، فإذا أفطروا يجب عليهم صيام العدة وإن لم يفطروا فلا، وليس هذا إلاّ لغاية تطبيق الآية على المذهب دون تفسير الآية برأسها، وها نحن نذكر نماذج من كلماتهم:

1. إنّ الإمام الرازي ممّن ذكر دليل القائل بكون الإفطار عزيمة لا رخصة ومع ذلك اختار المذهب الآخر بحجّة انّ في الآية تقديراً أعني: «فافطر»، أو انّ القضاء يجب بالإفطار لا بالمرض والسفر، يقول:

ذهب قوم من علماء الصحابة إلى أنّه يجب على المريض والمسافر أن يفطر أو يصوم عدّة من أيّام أُخر وهو قول ابن عباس وابن عمر.

وذهب أكثر الفقهاء إلى أنّ الإفطار رخصة، فإن شاء أفطر وإن شاء صام.

احتجّ الجمهور بوجوه:

الأوّل: انّ في الآية إضماراً، لأنّ التقدير: فافطر فعدة من أيّام أُخر.

الثاني: ما ذكره الواحدي في كتاب البسيط، قال: القضاء إنّما يجب بالإفطار لا بالمرض والسفر.

الثالث: ما رواه ابن داود في سننه عن هشام... انّ حمزة الأسلمي سأل النبي« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » وقال: يا رسول اللّه هل أصوم على السفر؟ فقال« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »: صم إن شئت وأفطر إن شئت.(1)

يلاحظ على الوجه الأوّل: انّ الإضمار على خلاف الظاهر. ولا دليل على


1 . التفسير الكبير:5/74و76.


(364)

تقديره سوى تطبيق الآية على المذهب الفقهي.

وعلى الوجه الثاني: فهو ادّعاء بلا دليل، وظاهر الآية والروايات التي ستوافيك انّ السفر لا يجتمع مع الصوم سواء أفطر أو لا.

وأمّا الوجه الثالث: فسيوافيك حال الرواية، فانتظر.

2. قال صاحب المنار في تطبيق الآية على فتوى مذهب الجمهور : (فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَريضاً أَوْ عَلى سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّام أُخر) أي من كان كذلك «فافطر» فعليه صيام عدّة من أيّام أُخر غير تلك الأيّام المعدودات، فالواجب عليه القضاء ـ إذا أفطر ـ بعدد الأيام التي لم يصمها.(1)

أقول: ما ساق صاحبَ المنار إلى تقدير قوله«فافطر» أو قوله:«إذا أفطر» إلاّ وقوفه على دلالة الآية على لزوم الإفطار وانّ الواجب عليه هو صوم عدّة أيّام أُخر، فحاول بتقدير «إذا أفطر» أن يصرف الآية عن ظهورها ويجعلها ظاهرةً في التخيير بين صيام رمضان وصيام عدّة أيّام أُخر.

والعجب انّه يصرّح في موضع آخر من كلامه بأنّه «تأويل»، ومعنى كلامه عندئذ انّه صرفٌ للآية عن ظاهرها بلا دليل.

يقول: اختلف السلف في هذه المسألة فقالت طائفة: لا يجزي الصوم عن الفرض، بل من صام في السفر وجب عليه قضاؤه في الحضر، لظاهر قوله تعالى: (فعِدّة من أَيّام أُخر) ... ظاهره فَعَليه عدّة أو فالواجب عدة، وتأوّله الجمهور بأنّ التقدير: فأفطر فعدة.(2)


1 . تفسير المنار:2/150.
2 . تفسير المنار:2/153.


(365)

ولا ينقضي تعجّبي منه، حيث إنّه يصفه بأنّه تأويل ـ و مع ذلك يصرّ على صحة فتوى الجمهور، ومع أنّه يندّد في ثنايا تفسيره بجملة من المقلّدين لأئمّة مذاهبهم حيث يؤوّلون ظواهر الآية تطبيقاً لها لفتوى مذهب إمامهم، ويقول في مسألة الطلاق ثلاثاً ـ التي اختار فيها تبعاً لظاهر القرآن بأنّه لايقع إلاّ مرة واحدة ـ : ليس المراد مجادلة المقلّدين أو إرجاع القضاة والمفتين عن مذاهبهم فانّ أكثرهم يطّلع على هذه النصوص في كتب الحديث وغيرها ولا يبالي بها، لأنّ العمل عندهم على أقوال كتبهم دون كتاب اللّه وسنّة رسوله.(1)

وقد ردّ غير واحد من علماء الإمامية على من قدّر «فأفطر» بغية إثبات التخيير.

يقول الشيخ الطوسي: وفي هذه الآية دلالة على أنّ المسافر والمريض يجب عليهما الإفطار، لأنّه تعالى أوجب عليهما القضاء مطلقاً، وكلّ من أوجب عليه القضاء بنفس السفر والمرض، أوجب الإفطار...

فان قدّروا في الآية «فافطر» كان ذلك على خلاف الآية. وبوجوب الإفطار في السفر قال عمر بن الخطاب (وقد ذكر أسماء عدّة من الصحابة والتابعين القائلين بوجوب الإفطار الذين ذكرنا أسماءهم في صدر البحث).(2)

يقول العلاّمة الطباطبائي: (فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدّة من أيّام أُخر) «الفاء» للتفريع، والجملة متفرعة على قوله:«كتب» و قوله:«معدودات» أي انّ الصيام مكتوب مفروض عليهم فيها.

ثمّ يقول: وقد قدّر القائلون بالرخصة في الآية تقديراً فقالوا: إنّ التقدير


1 . تفسير المنار:2/386.
2 . التبيان:2/150.


(366)

فمن كان مريضاً أو على سفر فأفطر فعدّة من أيّام أُخر.

ويرد عليه أوّلاً: انّ التقدير كما صرّحوا به خلاف الظاهر لا يصار إليه إلاّ بقرينة، ولا قرينة من نفس الكلام عليه.

وثانياً: انّ الكلام على تقدير تسليم التقدير لا يدلّ على الرخصة، فانّ المقام كما ذكروه مقام تشريع وغاية ما يدلّ عليه قولنا: «فمن كان مريضاً أو على سفر فافطر» هو، انّ الإفطار لا يقع معصية، بل جائزاً بالجواز بالمعنى الأعم من الوجوب والاستحباب والإباحة، وأمّا كونه جائزاً بالمعنى الأخصّ فلا دليل عليه من الكلام ألبتة، بل الدليل على خلافه، فانّ بناء الكلام على عدم بيان ما يجب بيانه في مقام التشريع لا يليق بالمشرّع الحكيم وهو ظاهر.(1)

***

الرابع: ذكر المريض و المسافر في سياق واحد

إنّ الآية ذكرت المريض والمسافر في سياق واحد وحكم عليهما بحكم واحد وقال:(فعدّة من أيّام أُخر)فهل الرخصة في حقّ المسافر فقط، أو تعمّ المسافر والمريض؟

فالأوّل يستلزم التفكيك، فانّ ظاهر الآية انّ الصنفين في الحكم على غرار واحد لا يختلفان، فالحكم بجواز الإفطار في المسافر دون المريض لا يناسب ظاهر الآية.

وأمّا الثاني فهل يصحّ لفقيه أن يُفتي بالترخيص في المريض إذا كان الصوم ضاراً أو شاقاً عليه؟! فانّ الإضرار بالنفس حرام في الشريعة المقدسة كما أنّ


1 . الميزان:2/11.


(367)

الإحراج في امتثال الفرائض ليس مكتوباً ولا مجعولاً في الشرع، قال سبحانه: (وَما جَعلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّين مِنْ حَرَج).(1)

إلى هنا تبين حكم المسافر والمريض، وإليك حكم الصنف الرابع.

4. المطيق

هذا هو الصنف الرابع الذي يبيّن سبحانه حكمه بقوله: (وَعَلى الّذين يُطيقونه فدية طعامُ مسكين) .

والمراد هو الشيخ الكبير والشيخة الكبيرة اللّذين لا يستطيعان أن يصوما أو لا يستطيعان إلاّ بمشقة كبيرة، والظاهر هو الثاني، لأنّ الإطاقة في اللغة أدنى درجات المكنة والقدرة على الشيء، فلا تقول العرب أطاق إلاّ إذا كانت قدرته عليه في نهاية الضعف بحيث يتحمّل به مشقة كثيرة.

وعلى كلّ تقدير فالواجب عليه فدية طعام، وقد اختلفوا في مقدار الفدية على نحو مذكور في الفقه، فمنهم من قال: نصف صاع وهم أهل الرأي، وقال الشافعي: مدّ عن كلّ يوم، وهو المذهب المنصور عند الإمامية.

لكن الاكتفاء بهذا المقدار أمر جائز، غير انّ من قدر على الزائد من هذا المقدار فهو خير، كما يقول سبحانه: (فَمَن تَطوّع خيراً فهو خيرٌ له) أي أطعم أكثر من مسكين فهو خير.

ثمّ إنّ هنا تفسيرين آخرين للتطوّع:

1. الجملة ناظرة إلى المطيق والمقصود مـن جمع بين الصوم والصـدقة فهو خير.


1 . الحج:78.


(368)

يلاحظ عليه بأنّه بعيد عن ظاهر الآية، فانّ المفروض انّ الشيخ لا يطيق الصوم إلاّ ببذل عامة جهده وطاقته فهل يستحبّ له الجمع بين الصوم والصدقة؟!

أضف إلى ذلك انّ المستطيع يجب عليه الصوم وحده ولا يستحب له الفدية ولكن الشيخ الكبير يستحب له مع الصوم، الفدية!!

2. الجملة ناظرة إلى أصحاب الأعذار، أعني: المريض والمسافر، والمقصود: إن زادا على تلك الأيام المعدودات فهو خير له، لأنّ فائدته وثوابه له، و«الفاء» في قوله: (فمن تطوع) يدلّ على هذا، لأنّها تفريع على حصر الفرضية في الأيام المعدودات.(1)

يلاحظ عليه بأنّه كيف تكون الجملة ناظرة إلى أصحاب الأعذار ـ مع توسط حكم الصنف الرابع بينهما حيث قال: (فَمَنْ كان مِنْكُمْ مريضاً أَوْ عَلى سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّام أُخر)، (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) ، (فمن تطوع خير فهو خير له) .

والظاهر انّه يرجع إلى الصنف الرابع، والجملة تفريع على حصر الفرض في طعام مسكين، والمقصود: فمن تطوّع بزيادة إطعام المسكين فهو خير له.

إلى هنا تمّ حكم الأصناف الأربعة.

***

بقي الكلام في تفسير قوله سبحانه(وان تصوموا خير لكم) فنقول:


1 . تفسير المنار:2/158.


(369)

من هو المخاطب في قوله: (وان تصوموا خير لكم)؟

ثمّ إنّه سبحانه بعدما بيّن أحكام الأصناف الأربعة خاطب عامة المؤمنين مرّة أُخرى بقوله:

(وَإن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون) .

وهذا الخطاب على غرار الخطاب السابق، أعني قوله:

(يا أيّها الّذين آمنوا كتب عليكم الصّيام) .

والفرق بين الخطابين انّ الخطاب السابق خطاب قبل التفصيل ودعوة إلى الصوم والخطاب اللاحق خطاب بعد تفصيل أحكام الأصناف الأربعة، فتكون النتيجة:

وان تصوموا أيّها المكلّفون على النحو المذكور في الآية خير لكم، أي: يصوم الشاهد، ويفطر المريض والمسافر ويصوم في أيّام أُخر ويفدي المطيق.

وأمّا من يقول بالرخصة في المريض والمسافر أو في خصوص المسافر يتخذ ذلك ذريعة للرخصة ويقول «إنّ الخطاب فيها لأهل الرخص، وانّ الصيام في رمضان خير لهم من الترخّص بالإفطار».(1)

يلاحظ عليه بأنّ التفسير نابع من محاولة إخضاع الآية على المذهب الفقهي، وهو التخيير بين الصوم والإفطار، ولكنّه غير تام لوجهين:

1. انّ صرف الخطاب العام إلى الصنف الخاص، تفسير بلا دليل ومن شعب التفسير بالرأي.


1 . تفسير المنار:2/158، نقله عن بعض المفسرين وردّ عليه بقوله: وهذا غير مطرد ولا متفق عليه.


(370)

2. لو كان الخطاب لأهل الرخص كان اللازم أن يقول: وان يصوم المسافر خير من الإفطار ويبيّن الحكم باللفظ الغائب، لا بالخطاب الحاضر.

بل الظاهر ـ كما مرّ ـ انّه تأكيد على امتثال الفريضة وانّ الصوم خير، فله أثره الجميل في النفس فانّ التنزّه عن الاسترسال في استيفاء اللذائذ الجسمانية، وكبح جماح الشهوات يورث التقوى والتجافي عن الاخلاد إلى الأرض.

ولغاية الإيضاح نقول إنّ الآية الثانية، تتشكل من أربع فقرات بعد بيان انّ الواجب لا يتجاوز عن كونه أيّاماً معدودات.

الأُولى: (فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَريضاً أَوْ عَلى سَفَرفَعِدَّةٌ مِنْ أَيّام أُخَر) .

الثانية: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطيقُونَهُ فِدْيَة طَعام مِسْكين) .

الثالثة: ( فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ) .

الرابعة: (وَإِنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ).

وجاءت الفقرات الثلاث الأُول بصيغة الغائب بخلاف الأخيرة فجاءت بصيغة الخطاب.

وهذا دليل على أنّه منقطع عن المقاطع الثلاثة وتأكيد للخطاب الأوّل بعد التفصيل أعني قوله سبحانه:(يا أَيُّها الَّذينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيام) .

***

ثمّ إنّه سبحانه ذكر في الآية الثالثة جملاً ثلاثاً:

أ. (يُريدُ اللّه بِكُمُ اليُسر ولا يُريدُ بِكُمُ الْعُسْر) .

وهو بيان لحكمة رفع الصيام عن الأصناف الثلاثة، أي أُمروا بالإفطار لأجل اليسر ودفع العسر،من غير فرق بين المريض والمسافر ومن يشق عليه


(371)

الصيام.

ب. (وِلِتُكْمِلُوا العِدّة) .

وهو راجع إلى قضاء المريض والمسافر، أي أنّ الموضوع عنهما هو حكم الصيام في شهر رمضان، وأمّا القضاء بعدد الأيّام المعدودات فلا.

ج. (وَلِتكبّروا اللّه على ما هَداكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون) .

الجملة غاية أصل الصيام حيث إنّه سبحانه يطلب من عباده، تكبيرَه في مقابل هدايتهم حتّى يكونوا شاكرين لنعمه.

هذا تفسير الآيات الثلاث حسب ما يوحيه ظاهرها.


(372)

2
السنّة وصوم رمضان في السفر

قد عرفت قضاء الكتاب في مورد الصوم في السفر وانّ الواجب هو الإفطار والقضاء في أيّام أُخر حسب ما أفطر، فلنرجع إلى السنّة ولندرس الروايات الواردة، وسيوافيك انّها تعاضد القرآن الكريم ولا تخالفه قيد شعرة بشرط الإمعان في مضامينها وأسنادها، أمّا ما ورد عن طريق أئمّة أهل البيت « عليهم السَّلام » فهو متضافر لا يسعنا نقلها في المقام وإنّما نتبرّك بذكر بعضها:

1. روى الكليني بسنده عن الزهري، عن علي بن الحسينعليمها السَّلام في حديث قال: «وأمّا صوم السفر والمرض فانّ العامة قد اختلفت في ذلك، فقال قوم: يصوم، وقال آخرون: لا يصوم، وقال قوم: إن شاء صام وإن شاء أفطر، وأمّا نحن فنقول: يفطر في الحالين جميعاً، فإن صام في حال السفر أو في حال المرض فعليه القضاء، فانّ اللّه عزّ وجلّ يقول: (فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَريضاً أَوْعَلى سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّام أُخر) فهذا تفسير الصيام».(1)

2.روى الكليني بسنده عن زرارة، عن أبي جعفر« عليه السَّلام » قال: «سمّى رسول


1 . الكافي:4/83، باب وجوه الصوم.


(373)

اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » قوماً صاموا حين أفطر وقصّر: عصاة، وقال: هم العصاة إلى يوم القيامة، وانّا لنعرف أبناءهم وأبناء أبنائهم إلى يومنا هذا».(1)

3. روى الكليني عن عبيد بن زرارة قال: قلت لأبي عبد اللّه « عليه السَّلام » قول اللّه عزّ جلّ (فَمَنْ شَهِدَمِنْكُمُ الشَّهْر فَلْيَصُمْهُ) ، قال: «ما أبينها: من شهد الشهر فليصمه، وإن سافر فلا يصمه».(2)

4. روى الكليني عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللّه« عليه السَّلام » قال: سمعته يقول: قال رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »:«إنّ اللّه عزّ وجلّ تصدّق على مرضى أُمّتي ومسافريها بالتقصير والإفطار، أيسرُّ أحدكم إذا تصدّق بصدقة ان ترد عليه».(3)

5. روى الكليني عن عيص بن القاسم، عن أبي عبد اللّه « عليه السَّلام » قال: «إذا خرج الرجل في شهر رمضان مسافراً أفطر» وقال: «إنّ رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » خرج من المدينة إلى مكة في شهر رمضان ومعه الناس وفيهم المشاة، فلمّا انتهى إلى كراع الغميم دعا بقدح من ماء فيما بين الظهر والعصر فشرب وأفطر ثمّ أفطر الناس معه، وثَمَّ أُناس على صومهم فسمّاهم العصاة، وإنّما يؤخذ بآخر أمر رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »».(4)

هذا بعض ما روي عن أئمّة أهل البيت « عليهم السَّلام » ذكرناه ليكون نموذجاً لما لم نذكر، واقتصرنا بالقليل من الكثير، ومن المعلوم أنّ أئمّة أهل البيت « عليهم السَّلام » أحد


1 . الكافي:4/127، باب كراهية الصوم في السفر، الحديث6.
2 . المصدر نفسه، الحديث1.
3 . المصدر نفسه، الحديث2.
4 . المصدر نفسه، الحديث 5. وقد ورد هذا المضمون في غير واحد من روايات أهل السنّة روى مسلم في رواية خرج رسول اللّه عام الفتح في رمضان فصام حتى بلغ الكديد ثمّ أفطر وكان صحابة رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره(شرح صحيح مسلم للنووي:7/229).


(374)

الثقلين اللّذين تركهما الرسول بين الأُمّة لصيانتها عن الضلالة فلا يعادل قولَهم قولُ الآخرين.

ومن حسن الحظ انّ روايات أهل السنّة توافق ما روي عن أئمّة أهل البيتعليهم السَّلام ، ونذكر منها ما يلي:

1. أخرج الشيخان في صحيحيهما عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري، كان رسول اللّه في سفر فرأى زحاماً ورجلاً قد ظُلِّل عليه.

فقال: ماهذا؟

فقالوا: صائم.

فقال: ليس من البر الصوم في السفر.

وفي لفظ صحيح مسلم : ليس البر أن تصوموا في السفر.(1)

إنّ البر في مصطلح القرآن هو العمل الحسن الذي يقابله الإثم، يقول سبحانه: (وَتَعاوَنُوا عَلى البِرِّ وَالتَّقوى ولا تَعاوَنُوا عَلى الإِثْمِ وَالْعُدْوان) (2)فإذا لم يكن الصوم في السفر براً فهو إثم، وحكم الإثم واضح.

وقوله « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » وإن ورد فيمن وقع في حرج شديد، لكن النبي« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » ضرب قاعدة كلية لمطلق الصائم في السفر، سواء أكان عليه حرج أم لا، بشهادة انّه لو كان الموضوع هو الصوم الحرجي لكان عليه التركيز عليه ويقول ليس من البر الصوم الحرجي أو يستشهد بقوله سبحانه: (ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّين مِنْ حَرَج) .

يقول ابن حزم: فإن قيل: إنّما منع « عليه السَّلام » في مثل حال ذلك الرجل.

قلنا: هذا باطل لا يجوز، لأنّ تلك الحال محرّم، البلوغُ إليها باختيار المرء


1 . صحيح البخاري:3/44; صحيح مسلم:7/233.
2 . المائدة:2.


(375)

للصوم في الحضر كما هو في السفر، فتخصيص النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » بالمنع من الصيام في السفر إبطال لهذه الدعوى المفتراة عليه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »وواجب أخذ كلامه « عليه السَّلام » على عمومه.(1)

2. أخرج مسلم عن جابر بن عبداللّه انّ رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان فصام حتى بلغ كراع الغميم فصام الناس، ثمّ دعا بقدح من ماء فرفعه حتّى نظر الناس إليه ثمّ شرب، فقيل له بعد ذلك: إنّ بعض الناس قد صام؟ فقال:«أُولئك العصاة، أُولئك العصاة».(2)

والمراد من العصيان هو مخالفة أمر رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » يقول سبحانه:(وَمَنْ يَعْصِ اللّه وَرَسُوله فَقَد ضَلَّ ضَلالاً مُبيناً) .(3)

والعجب ممّن يريد احياء مذهب إمامه يحمل الحديث على أنّ أمره « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » كان أمراً استحبابياً، لكنّه بمعزل من الواقع، فأين الاستحباب من قوله: «أُولئك العصاة، أُولئك العصاة»؟!

3. أخرج ابن ماجة عن عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » :«صائم رمضان في السفر كالمفطر في الحضر».(4)

ودلالة الحديث على كون الإفطار عزيمة واضحة، فانّ الإفطار في السفر إذا كان إثماً وحراماً فيكون النازل منزلته أعني: الصيام في نفس هذا الشهر إثماً وحراماً.

4. أخرج ابن ماجة عن أنس بن مالك، عن رجل من بني عبد الأشهل


1 . المحلّى:6/254.
2 . شرح صحيح مسلم للنووي:7/232.
3 . الأحزاب:36.
4 . سنن ابن ماجة:1/532، رقم الحديث1666; سنن أبي داود:2/217 رقم 2407.


(376)

قال: أغارت علينا خيل رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » فأتيت رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » وهو يتغدّى، فقال: «ادن فكل»، قلت: إنّي صائم قال: «اجلس أُحدّثك عن الصوم أو الصيام، إنّ اللّه عزّوجلّ وضع عن المسافر شطر الصلاة، وعن المسافر والحامل والمرضع، الصوم أو الصيام». واللّه لقد قالهما النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » كلتاهما أو إحداهما، فيا لهف نفسي فهلاّ كنت طعمت من طعام رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ».(1)

5.روى أبو داود انّ دحية بن خليفة خرج من قرية من دمشق إلى قدر قرية عقبة من الفسطاط، وذلك ثلاثة أميال في رمضان، ثمّ إنّه أفطر وأفطر معه أُناس وكره آخرون أن يفطروا، فلمّا رجع إلى قريته، قال: واللّه لقد رأيت اليوم أمراً ما كنت أظن انّي أراه، انّ قوماً رغبوا عن هدى رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »يقول ذلك للذين صاموا ثمّ قال عند ذلك: اللّهم اقبضني إليك.(2)

هذا بعض ما يستدلّ به على كون الإفطار عزيمة، وقد تركنا البعض الآخر لما استوفينا البحث في نقل الروايات الواردة في الصحاح والسنن في كتابنا«البدعة»(3)، فمن أراد التبسط فليرجع إليه.


1 . سنن ابن ماجة:1/533 برقم 1667.
2 . سنن أبي داود:2/319، الحديث2413.
3 . البدعة:283ـ 287.


(377)

3
ما اتّخذ ذريعة لجواز الصوم في السفر

إنّ هنا روايات يتمسّك بها على أنّ الإفطار رخصة وانّ المكلّف مخيّر بينه وبين الصيام وقبل الخوض في المقام نلفت نظر القارئ إلى أُمور ثلاثة يظهر بالإمعان فيها حال بعض ما روي في المقام.

1. انّ البحث مركّز على حكم صيام شهر رمضان في السفر، وانّ الإفطار عزيمة أو رخصة وامّا صيام غيره في السفر فخارج عن موضوع البحث.

2. انّ النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » أمر بالإفطار في عام الفتح(السنة الثامنة من الهجرة) وكان الحكم قبله على الجواز، فلو دلّ حديث عليه فإنّما يصحّ الاستدلال به إذا ورد بعد عام الفتح، وإلاّ فالجواز قبل الفتح ليس مورداً للنقاش.

3. لو افترضنا دلالة الروايات على التخيير فتقع المعارضة بين الآمرة بالإفطار والحاكمة على التخيير، فلابدّ من الرجوع إلى المرجّحات فما وافق الكتاب فهو الحجّة دونما خالف.

وعلى ضوء هذه الأُمور ندرس الروايات المجوّزة ونقول: إنّ الروايات المجوّزة على أصناف:


(378)

أ. ما ليس صريحاً في شهر رمضان

1. أخرج البخاري عن عائشة انّ حمزة بن عمرو الأسلمي قال للنبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »: أصوم في السفر ـ و كان كثير الصيام ـ فقال: «إن شئت فصم، وإن شئت فافطر».(1)

إنّ قوله: «وكان كثير السفر» يصلح أن يكون قرينة على أنّ السؤال كان عن الصوم المندوب، ولو لم يكن قرينة فالحديث ليس صريحاً في صيام شهر رمضان، وما لم يكن كذلك لا يحتجّ به.

2. ما أخرجه البخاري بسنده عن أبي الدرداء قال: خرجنا مع النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » في بعض أسفاره في يوم حار حتّى يضع الرجل يده على رأسه من شدة الحرّ وما فينا صائم إلاّ ما كان من النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » وابن رواحة.(2)

يلاحظ عليه: بما ذكرناه في الرواية السابقة من عدم ظهور الرواية في صوم شهر رمضان، ومعه لا يحتجّ به، مع أنّه يحتمل أن يكون صومه قبل عام الفتح.

3. أخرج البخاري عن أنس بن مالك قال: كنّا نسافر مع النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم.(3)

يلاحظ عليه: بأنّه ليس صريحاً في شهر رمضان ـ مضافاً ـ إلى سكوت الصحابة ليس حجّة شرعية وليس بعد نبوة النبي« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »نبوة تشريعية حتّى يكون تقريرهم حجّة.


1 . صحيح البخاري:3/43.
2 . صحيح البخاري:3/43.
3 . صحيح البخاري:3/44. ونقله مسلم مقيّداً برمضان، وسيوافيك في القسم الثاني.


(379)

على أنّه يحتمل أن يكون ذلك قبل يوم الفتح، وقد عرفت أنّ النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » ندّد بمن لم يُفطر في ذلك اليوم وقال: «أُولئك العصاة، أُولئك العصاة».

4. أخرج مسلم بسنده عن طاووس، عن ابن عباس، قال: لا تعب على من صام ولا على من أفطر، فقد صام رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »في السفر وأفطر.(1)

وليس الحديث صريحاً في شهر رمضان ولا ظاهراً فيه، على أنّه يمكن أن يكون قبل الفتح، ومنه يظهر ما نقله مسلم في صحيحه(2) وما ذكره ابن حزم في «المحلّى» عن علي.(3)

ب: ما هو صريح في شهر رمضان وليس صريحاً في ما بعد الفتح

5. أخرج مسلم في صحيحه عن أبي سعيد ـ رضي اللّه عنه ـ قال: كنّا نسافر مع رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » رمضان فما يعاب على الصائم صومه ولا على المفطر إفطاره.(4)

6. وأخرج عن أنس ـ رضي اللّه عنه ـ عن صوم رمضان في السفر فقال: سافرنا مع رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » في رمضان فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم.(5)

يلاحظ عليه: قد سافر رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »مرّة في شهر رمضان في غزوة بدر، وأُخرى في عام الفتح، فلعلّ الحديثين ناظران إلى سفره « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » في شهر رمضان في غزوة بدر، وإلاّ فهو « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » قد ندّد بمن تخلّف وصام في رمضان عام الفتح وسمّاهم


1 . صحيح مسلم:3/143، باب جواز الصوم والفطر.
2 . صحيح مسلم:3/143.
3 . المحلى:6/247.
4 . صحيح مسلم:3/143، باب جواز الصوم والفطر.
5 . صحيح مسلم:3/143، باب جواز الصوم والفطر.


(380)

عصاة، والحديثان شاهدان على أنّ ما دلّ على الجواز، فإنّما يرجع إلى ما قبل الفتح لا فيه ولا بعده.

ج: ما هو ضعيف سنداً لا يحتجّ به

وهناك روايات ضعاف لا يحتج بها، نذكر منها نموذجين:

1. ما روي عن العطريف بن هارون مرسلاً: انّ رجلين سافرا فصام أحدهما وأفطر الآخر، فذكرا ذلك لرسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » قال: كلاكما أصاب.(1)

2. ما روي مرسلاً عن أبي عياض: انّ رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » أمر أن ينادى في الناس من شاء صام ومن شاء أفطر.(2)

والرواية مرسلة لا يحتجّ بها.(3)

كما أنّ ما رواه ابن حزم عن عائشة(4) «انّها كانت تصوم في السفر وتتم الصلاة» اجتهاد منها لا يحتجّ به إذا صامت في شهر رمضان بعد الفتح.

وحاصل الكلام: انّ هذه الروايات بين ما هي غير صريحة في كون الصيام كان صيام شهر رمضان أو صريح في كونه في شهر رمضان لكن ليس صريحاً فيما بعد الفتح وبين ما هي ضعيفة سنداً لا يحتج بها.

ولو افترضنا دلالة هذه الروايات على الرخصة فتقع المعارضة بينها و بين ما دلّت بصراحتها على أنّ الإفطار عزيمة وعندئذ يقع التعارض بينهما فتصل النوبة إلى المرجّحات، وأُولى المرجّحات هو موافقة الكتاب، ومن المعلوم انّ الطائفة الأُولى توافق الكتاب وقد عرفت دلالة الكتاب على أنّ الإفطار عزيمة.


1 . المحلى:6/247.
2 . المحلى:6/248.
3 . المحلى:6/247.
4 . المحلى:6/247.


(381)
10
صلاة التراويح
(382)

(383)

صلاة التراويح

إنّ التهجّد في ليالي شهر رمضان سنّة مؤكّدة، ورد في حديث الرسول« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » وأئمّة أهل البيتعليهم السَّلام حسب ما يوافيك بيانه، والتهجّد فيها بنوافلها من أفضل المسنونات والمندوبات، وقد سنّها رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » ، والهدف الذي يستعقبه هذا المقال هو البحث في جواز إقامتها جماعة وعدمه، ويتجلّى ما هو الحقّ ضمن أُمور:

1
التراويح لغة و اصطلاحاً

التراويح جمع ترويحة، وهي مأخوذة من الراحة بمعنى زوال المشقة والتعب، والترويحة في الأصل اسم للجلسة مطلقة، وسمّيت الجلسة التي بعد أربع ركعات في ليالي رمضان بالترويحة، لاستراحة القوم بعد كلّ أربع ركعات، وهي المرّة الواحدة من الراحة، مثل تسليمة من السلام.(1)


1 . لسان العرب:2، مادة روح.


(384)

2
قيام ليالي رمضان بالتطوع
سنّة مؤكّدة

إنّ قيام ليالي شهر رمضان سنّة مؤكدة (1) حثَّ عليه رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » في حديثه.

1. أخرج البخاري عن أبي هريرة قال: سمعت رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » يقول: لرمضان من قامه إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدّم من ذنبه.(2)

2. أخرج مسلم عن أبي هريرة قال: من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدّم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدّم من ذنبه.(3)

3. أخرج الشيخ الطوسي باسناده عن أبي الورد، عن أبي جعفر الباقر« عليه السَّلام » قال: «خطب رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » الناس في آخر جمعة من شعبان فحمد اللّه وأثنى عليه ثمّ قال: أيّها الناس انّه قد أظلّكم شهر، فيه ليلة خير من ألف شهر، وهو شهر


1 . سنّة مؤكّدة عند الإمامية وثلاثة من الأئمة وخالفت المالكية.
2 . صحيح البخاري:3/44، باب فضل من قام رمضان ; صحيح مسلم:2/176، باب الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح.
3 . صحيح مسلم:2/177، الباب نفسه.


(385)

رمضان، فرض اللّه صيامَه، وجعل قيام ليلة فيه بتطوع صلاة، كمن تطوع بصلاة سبعين ليلة فيما سواه من الشهور، وجعل لمن تطوع فيه بخصلة من خصال الخير والبر، كأجر من أدّى فريضة من فرائض اللّه عزّ وجلّ، ومن أدّى فيه فريضة من فرائض اللّه عزّ وجلّ كان كمن أدّى سبعين فريضة من فرائض اللّه فيما سواه من الشهور... ».(1)

4. أخرج الشيخ عن يونس بن عبد الرحمن، عن محمد بن يحيى قال: كنت عند أبي عبد اللّه« عليه السَّلام » فسأل هل يزاد في شهر رمضان في صلاة النوافل؟ فقال: «نعم، قد كان رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » يصلّي بعد العتمة في مصلاّه فيكثر».(2)

5. أخرج الشيخ عن علي بن أبي حمزة ، قال: دخلنا على أبي عبد اللّه « عليه السَّلام » فقال له أبو بصير: ما تقول في الصلاة في رمضان؟ فقال له: «إنّ لرمضان لحرمة وحقاً لا يشبهه شيء من الشهور، صلّ ما استطعت في رمضان تطوعاً بالليل والنهار، وإن استطعت في كلّ يوم وليلة ألف ركعة فصلّ انّ علياً « عليه السَّلام » كان في آخر عمره يصلّي في كلّ يوم وليلة ألف ركعة ، فصلّ يا أبا محمد زيادة في رمضان» فقال: كم جعلت فداك؟ فقال: «في عشرين ليلة تمضي في كلّ ليلة عشرين ركعة، ثماني ركعات قبل العتمة واثنتي عشرة بعدها سوى ما كنت تصلي قبل ذلك، فإذا دخل العشر الأواخر فصلّ ثلاثين ركعة كلّ ليلة، ثمان قبل العتمة واثنتين وعشرين بعد العتمة سوى ما كنت تفعل قبل ذلك».(3)


1 . التهذيب:3/57، باب فضل شهر رمضان والصلاة فيه زيادة على النوافل.
2 . التهذيب:3/60، باب فضل شهر رمضان، الحديث8.
3 . التهذيب:3/64، باب فضل شهر رمضان، الحديث18.


(386)

3
خير صلاة المرء في بيته إلاّ المكتوبة

أخرج أصحاب الصحاح والسنن عن النبي« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » انّه قال: إنّ خير صلاة المرء في بيته إلاّ الصلاة المكتوبة، وانّ للمرء أن يجعل للبيت نصيباً من الصلاة.

1. أخرج مسلم عن ابن عمر، عن النبي« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » قال: «اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتّخذوها قبوراً».(1)

2. وأخرج أيضاً عنه عن النبي« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » قال: «صلّوا في بيوتكم ولا تتّخذوها قبوراً».(2)

3. وأخرج أيضاً عن جابر قال، قال رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » : «إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيباً من صلاته، فانّ اللّه جاعل في بيته من صلاته خيراً».(3)

4. أخرج مسلم عن أبي موسى، عن النبي« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » قال: «مثل البيت الذي يذكر اللّه فيه والبيت الذي لا يذكر اللّه فيه مثل الحي والميت».(4)

5. أخرج مسلم عن زيد بن ثابت، قال: احتجر رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » حُجيرة بخصفة أو حصير فخرج رسول اللّه يصلّي فيها قال: فتتبع إليه رجال و جاءوا


1 . صحيح مسلم:2/187ـ 188 باب استحباب صلاة النافلة في بيته وجوازها في المسجد.
2 . صحيح مسلم:2/187ـ 188 باب استحباب صلاة النافلة في بيته وجوازها في المسجد.
3 . صحيح مسلم:2/187ـ 188 باب استحباب صلاة النافلة في بيته وجوازها في المسجد.
4 . صحيح مسلم:2/187ـ 188 باب استحباب صلاة النافلة في بيته وجوازها في المسجد.


(387)

يصلون بصلاته، قال: ثمّ جاءوا ليلة فحضروا وابطأ رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » عنهم، قال: فلم يخرج إليهم، فرفعوا أصواتهم وحصبوا الباب، فخرج إليهم رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » مغضباً، فقال لهم رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »: مازال بكم صنيعكم حتى ظننت انّه سيكتب عليكم، فعليكم بالصلاة في بيوتكم، فانّ خير صلاة المرء في بيته إلاّ الصلاة المكتوبة.(1)

6. أخرج أبو داود عن زيد بن ثابت قال: احتجر رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » في المسجد حجرة ، فكان رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »يخرج من الليل فيصلّي فيها، قال: فصلّوا معه بصلاته ـ يعني رجالاً ـ و كانوا يأتونه كلّ ليلة، حتّى إذا كان ليلة من الليالي لم يخرج إليهم رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »فتنحنحوا ورفعوا أصواتهم و حصّبوا بابه، قال: فخرج إليهم رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » مغضباً، فقال: أيّها الناس، مازال بكم صنيعكم حتّى ظننت أن ستكب عليكم، فعليكم بالصلاة في بيوتكم، فانّ خير صلاة المرء في بيته إلاّ الصلاة المكتوبة.(2)

7.أخرج النسائي عن عبد اللّه بن عمر قال: قال رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »: صلّوا في بيوتكم ولا تتّخذوها قبوراً.(3) وقد شبّه النبي البيت الذي لا يصلّى فيه بالقبر الذي لا يتعبّد فيه.

8. أخرج النسائي عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن أبيه، عن جدّه قال: صلّى رسول اللّه صلاة المغرب في مسجد بني الأشهل، فلمّـا صلّى قام ناس يتنفّلون فقال النبي : عليكم بهذه الصلاة في البيوت.(4)


1 . صحيح مسلم:2/187ـ 188 باب استحباب صلاة النافلة في بيته وجوازها في المسجد.
2 . سنن أبي داود:2/69، حديث 1447.
3 . سنن النسائي:3/197،باب قيام الليل وتطوع النهار.
4 . سنن النسائي:3/198، باب قيام الليل و تطوع النهار; وأخرجه أحمد في المسند:5/427 و 428.


(388)

وعلى ضوء هذا الإيصاء من النبي« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » والسنّة التي أوصى بها غير مرة، تخرج إقامة صلاة التراويح في شهر رمضان في المساجد مطلقاً ـ سواء أُقيمت جماعة أو فرادى ـ على خلاف السنّة وعلى خلاف إيصائه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » غير مرّة، إذ بذلك تضحى بيوت المسلمين كالقبور حيث لا يصلّى فيها ولا يتعبّد.

ولا أدري لماذا تركت هذه السنّة عبْـر القرون مع إصرار النبي« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » على إقامة النوافل في البيوت؟!

والعجب من ابن حزم انّه اعترف بأفضلية كلّ تطوع في البيوت ولكن استثنى ما صُلّي جماعة في المسجد حيث قال: «مسألة» وصلاة التطوّع في الجماعة أفضل منها منفرداً، وكلّ تطوع فهو في البيوت أفضل منه في المساجد إلاّ ما صُلّي منه جماعة في المسجد فهو أفضل.(1)

ولا يخفى على القارئ الكريم انّ ما استثناه ابن حزم اجتهاد في مقابل النصّ، فانّ كلام الرسول« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » مطلق يعمّ حالتي الفرادى والجماعة، وقد مرّ في رواية سعد بن إسحاق انّ رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » صلّى صلاة المغرب في مسجد بني عبد الأشهل فلما صلّى، قام ناس يتنفّلون، فقال النبي« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »: «عليكم بهذه الصلاة في البيوت». فلو كان التنفّل مع الجماعة في المسجد أفضل من التنفّل في البيوت، لأرشدهم النبي إلى ما هو الأفضل مع أنّه قال بضرس قاطع: «عليكم بهذه الصلاة في البيوت» أي اتركوا التنفّل في المسجد مطلقاً فرادى وجماعة وعليكم بها في البيـوت.


1 . المحلّى:3/38.


(389)

لقد نقل المعلّق على «المحلّـى» تعليقاً في المقام، يدعم ما ذكرنا، قال ما هذا نصه:

«قال ابن حزم ما كان « عليه السَّلام » ليدع الأفضل، وهذا في هذه الوجهة، ثمّ قال: هنا الجماعة أفضل للمتطوع ، وقد علم كلّ عالم انّ عامة تنفّل رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » كان منفرداً فعلى ما أصّل ابن حزم، كيف كان يَدَع الأفضل، فعلمنا انّ صلاة الجماعة تفضل بخمسة وعشرين درجة إذا كانت فريضة لا تطوعاً» و هو نقد وجيه، وهو الحق.

9. أخرج ابن ماجة عن عبد اللّه بن سعد قال: سألت رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » أيّما أفضل الصلاة في بيتي أو الصلاة في المسجد؟ قال: ألا ترى إلى بيتي ما أقربه إلى المسجد؟! فلان أُصلّي في بيتي أحبّ إليَّ من أن أُصلّي في المسجد إلاّ أن تكون صلاة مكتوبة.(1)

قال المعلّق في الزوائد: اسناده صحيح ورجاله ثقات.

10. أخرج ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري عن النبي قال: «إذا قضى أحدكم صلاته فليجعل لبيته نصيباً، فانّ اللّه جاعل في بيته مـن صلاته خيراً».(2)

ولا ينافي ما ذكرنا ما رواه الترمذي مرسلاً عن حذيفة انّ النبي« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » صلّى المغرب، فمازال يصلّي في المسجد حتى صلّى العشاء الآخرة.(3) وذلك لأنّ


1 . سنن ابن ماجة:1/439 برقم 1378.
2 . سنن ابن ماجة:1/438 برقم 1376.
3 . سنن الترمذي:2/500 ذيل حديث604، وأخرجه أحمد في المسند:5/414


(390)

الحديث محمول على وجود عذر خاص للنبي« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » للتنفّل في المسجد بعد المغرب، وقد اتّفق للنبي التنفّل في المسجد في بعض الليالي، و كان كلّها استثناءً من القاعدة لأجل عذر خاص، كضيق في البيت أو غير ذلك.

فخرجنا بالنتيجة التالية: إنّ التنفّل في المساجد حتّى إقامة نوافل شهر رمضان فيها جماعة أو فرادى على خلاف السنّة النبوية، فعلى المسلمين إقامتها في البيوت لا في المساجد.

إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى حكم إقامة نوافل شهر رمضان جماعة والتي يطلق عليها صلاة التراويح فنقول:


(391)

4
صلاة التراويح جماعة عند الإماميّة

اتّفقت الشيعة الإمامية تبعاً لأئمّة أهل البيتعليهم السَّلام على أنّ نوافل شهر رمضان تقام فرادى. وانّ إقامتها جماعة بدعة حدثت بعد رسول اللّه بمقياس ما أنزل اللّه به من سلطان.(1)

قال الشيخ الطوسي: نوافل شهر رمضان تصلى انفراداً والجماعة فيها بدعة.(2)

وقال العلاّمة: ولا تجوز الجماعة في هذه الصلاة عند علمائنا أجمع.(3)

وقال في «المنتهى»: قال علماؤنا: الجماعة في نافلة شهر رمضان بدعة.(4)

ترى هذه الكلمة ـ أي انّ إقامة النوافل في شهر رمضان بدعة ـ في عامّة الكتب الفقهية للشيعة الإمامية ولم يختلف فيه اثنان.

وقد تضافرت الأحاديث عن أئمة أهل البيتعليهم السَّلام على أنّها بدعة محدثة حدثت بعد الرسول، ونذكر بعض ما أُثر عنهم:


1 . ذكر ذلك المقياس ابن حجر العسقلاني في فتح الباري:4/240، وسوف يوافيك نصه.
2 . الخلاف: كتاب الصلاة، المسألة 268.
3 . التذكرة:2/282.
4 . المنتهى:6/142.


(392)

1. روى الشيخ الطوسي في التهذيب عن عمّار، عن أبي عبد اللّه« عليه السَّلام »، قال: سألته عن الصلاة في رمضان في المساجد؟ قال: «لمّا قدم أمير المؤمنين« عليه السَّلام » الكوفة أمر الحسن بن علي« عليهما السَّلام » أن ينادي في الناس: «لا صلاة في شهر رمضان في المساجد جماعة»، فنادى في الناس الحسن بن علي« عليهما السَّلام » بما أمره به أمير المؤمنين« عليه السَّلام »، فلمّـا سمع الناس مقالة الحسن بن علي صاحوا: واعمراه، واعمراه، فلمّا رجع الحسن إلى أمير المؤمنين« عليه السَّلام » قال له: ما هذا الصوت؟ فقال: يا أمير المؤمنين: الناس يصيحون: واعمراه، واعمراه، فقال أمير المؤمنين« عليه السَّلام »: قل لهم صلّوا».

قال الشيخ الطوسي: إنّ أمير المؤمنين« عليه السَّلام » لما أنكر، أنكر الاجتماع ولم ينكر نفس الصلاة، فلمّا رأى أنّ الأمر يفسد عليه ويفتتن الناس، أجاز وأمرهم بالصلاة على عادتهم.(1)

2. أخرج الكليني عن زرارة ومحمد بن مسلم والفضيل سألوا أبا جعفر الباقر« عليه السَّلام » وأبا عبد اللّه الصادق« عليه السَّلام » عن الصلاة في شهر رمضان نافلة بالليل جماعة؟ فقالا: «إنّ النبي« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » كان إذا صلّى العشاء الآخرة انصرف إلى منزله ثمّ يخرج من آخر الليل إلى المسجد فيقوم فيصلّي ، فخرج في أوّل ليلة من شهر رمضان ليصلّي كما كان يصلّي، فاصطف الناس خلفه فهرب منهم إلى بيته وتركهم، ففعلوا ذلك ثلاث ليال، فقام« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » في اليوم الرابع على منبره، فحمد اللّه وأثنى عليه، ثمّ قال: أيّها الناس إنّ الصلاة بالليل في شهر رمضان من النافلة في جماعة بدعة، وصلاة الضحى بدعة، ألا فلا تجتمعوا ليلاً في شهر رمضان لصلاة الليل ولا تصلّوا صلاة الضحى، فإنّ تلك معصية ألا فانّ كل بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة سبيلها إلى النار. ثمّ نزل وهو يقول: قليل في سنّة، خير من كثير في بدعة».(2)


1 . التهذيب:3، باب فضل شهر رمضان، الحديث30.
2 . الكافي:4/154.


(393)

وأخرجه الشيخ في التهذيب.(1)

3. أخرج الكليني عن عبيد بن زرارة، عن الصادق« عليه السَّلام » قال: «كان رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » يزيد في صلاته في شهر رمضان إذا صلّى العتمة، صلّى بعدها، فيقوم الناس خلفه فيدخل ويدعهم، ثمّ يخرج أيضاً فيجيئون فيقومون خلفه، فيدعهم ويدخل مراراً».(2)

وحصيلة هذه الروايات: انّ النبي« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » ينهاهم بتركهم ودخوله البيت مرّة بعد أُخرى، غير انّ القوم لأجل رغبتهم إلى التنفّل جماعة وراء النبي، حال بينهم و بين ما يصبوا إليه النبي من تركهم ودخول البيت، فلمّا رأى أنّهم يصرّون على ذلك قام في اليوم الرابع على منبره فحمد اللّه وأثنى عليه ثمّ قال: «أيّها الناس إنّ الصلاة بالليل في شهر رمضان من النافلة في جماعة بدعة، وصلاة الضحى بدعة، ألا فلا تجتمعوا ليلاً في شهر رمضان لصلاة الليل ولا تصلّوا صلاة الضحى، فانّ تلك معصية ألا فانّ كلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة سبيلها إلى النار». ثمّ نزل وهو يقول:« قليل في سنّة خير من كثير في بدعة».(3)


1 . التهذيب:3/69باب في فضل شهر رمضان، الحديث29.
2 . الكافي:4/154.
3 . الفقيه:1/87، كتاب الصوم.


(394)

5
صلاة التراويح جماعة عند أهل السنّة

المشهور عند أهل السنّة هو جواز إقامتها جماعة وعليه عملهم عبر القرون إلاّ أنّهم اختلفوا فيما هو الأفضل من الجماعة والانفراد:

قال الشافعي: صلاة المنفرد أحبّ إليّ منه.(1)

واختلف أصحاب الشافعي في ذلك على قولين:

فقال أبو العباس وأبو إسحاق وعامّة أصحابه: صلاة التراويح في الجماعة أفضل بكلّ حال.

والقول الثاني منهم من قال بظاهر كلام الشافعي وانّ صلاة التراويح على الانفراد أفضل منها في الجماعة بشرطين:

أحدهما: أن لا تختل الجماعة بتأخّره عن المسجد.

والثاني: أن يطيل القيام والقراءة فيصلّي منفرداً و يفرد أكثر ممّا يفرد إمامه.(2)

قال النووي: اتّفق العلماء على استحبابها واختلفوا في أنّ الأفضل صلاتها في بيته منفرداً أم في جماعة في المسجد، فقال الشافعي وجمهور أصحابه وأبو حنيفة وأحمد وبعض المالكية وغيرهم: الأفضل صلاتها جماعة، كما فعله عمر بن الخطاب


1 . المجموع:4/5.
2 . الخلاف:1/528، المسألة268 من كتاب الصلاة.


(395)

والصحابة واستمر عمل المسلمين عليه، لأنّه من الشعائر الظاهرة وأشبه بصلاة العيد، وبالغ الطحاوي فقال: إنّ صلاة التراويح في الجماعة واجبة على الكفاية، وقال مالك وأبو يوسف وبعض الشافعية وغيرهم: الأفضل فرادى في البيت لقوله« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »: «أفضل الصلاة، صلاة المرء في بيته إلاّ المكتوبة» متّفق عليه. (1)

وقال الشوكاني: قالت العترة إنّ التجميع فيها بدعة.(2)

وقد فصّل عبد الرحمن الجزيري في كتابه «الفقه على المذاهب الأربعة» الأقوال على النحو التالي:

قالت المالكية: الجماعة في صلاة التراويح مستحبة أمّا باقي النوافل، فانّ صلاتها جماعة تارة يكون مكروهاً، وتارة يكون جائزاً، فيكون مكروهاً إذا صلّيت بالمسجد، وصلّيت بجماعة كثيرين، أو كانت بمكان يكثر تردد الناس عليه، وتكون جائزة إذا كانت بجماعة قليلة، ووقعت في المنزل ونحوه في الأمكنة التي لا يتردد عليها الناس.

وقال الحنفية: تكون الجماعة سنّة كفاية في صلاة التراويح والجنازة، وتكون مكروهة في صلاة النوافل مطلقاً والوتر في غير رمضان، وإنّما تكره الجماعة في ذلك إذا زاد المقتدون عن ثلاث. أمّا الجماعة في وتر رمضان ففيها قولان مصححان، أحدهما: انّها مستحبة فيه، وثانيهما: انّها غير مستحبة ولكنّها جائزة، وهذا القول أرجح.

وقالت الشافعية: أمّا الجماعة في صلاة العيدين والاستسقاء والكسوف


1 . شرح صحيح مسلم للنووي:6/286.
2 . نيل الأوطار:3/50.


(396)

والتراويح ووتر رمضان فهي مندوبة.

وقالت الحنابلة: أمّا النوافل فمنها ما تسنُّ فيه الجماعة وذلك كصلاة الاستسقاء والتراويح والعيدين، ومنها ما تباح فيه الجماعة كصلاة التهجد ورواتب الصلاة المفروضة.(1)

هذه هي أقوال أهل السنّة وآراؤهم.


1 . الفقه على المذاهب الأربعة:407، كتاب الصلاة.


(397)

6
صلاة التراويح جماعة في حديث الرسول « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »

سيوافيك في الفصل التالي انّ ظاهر الروايات وكلام الخليفة عمر بن الخطاب وما حوله من كلمات الشرّاح انّ إقامة نوافل رمضان جماعة تستمد مشروعيتها من عمل الخليفة لا من عمل النبي، لكن هناك من يقول بأنّ إقامتها جماعة تستمدّ مشروعيتها من إقامة المسلمين لها وراء النبي في بعض ليالي شهر رمضان وإن كان لا يتجاوز عن ليلة أو ثلاث ليال.

أقول: إنّ النصوص الدالّة على ذلك مختلفة وفيها شذوذ نشير إليها تباعاً.

1. إقامتها ليلة واحدة

أخرج مسلم عن زيد بن ثابت قال: احتجر رسول اللّه حجيرة بخصفة أو حصير فخرج رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » يصلّي فيها، قال: فتتبع إليه رجال وجاءوا يصلّون بصلاته، قال: ثمّ جاءوا ليلة فحضروا وأبطأ رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » عنهم، قال: فلم يخرج إليهم فرفعوا أصواتهم وحصبوا الباب، فخرج إليهم رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » مغضباً، فقال لهم رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »: مازال بكم صنيعكم حتّى ظننت انّه سيكتب عليكم، فعليكم بالصلاة في بيوتكم، فانّ خير صلاة المرء في بيته إلاّ الصلاة المكتوبة.(1)


1 . صحيح مسلم:2/188، باب استحباب صلاة النافلة في بيته و جوازها في المسجد.


(398)

تفسير لغات الحديث

1. الحُجيرة ـ بضم الحاء ـ تصغير حُجرة، عَطف الحصير على الخصفة يعرب عن شك الراوي في تعيّن واحد منهم، ومعنى الرواية احتجر حجرة أي حوّط موضعاً من المسجد بحصير أو نحوه ليستره ليصلّي فيه ولا يمرّ بين يديه مارّ ولا يتهوش بغيره ويتوفر خشوعه وفراغ قلبه.

2. «فتتبع إليه رجال» أي طلبوا موضعه.

3. «حصبوا الباب» أي رموه بالحصاء و هي الحصاء الصغار تذكيراً له وظنوا انّه نسي.

فلو صحّ الحديث لدلّ على أنّ المسلمين أقاموا نوافل شهر رمضان جماعة مع الرسول مرة واحدة من دون إذن أو استئذان، فلما جاءوا ليلة أُخرى فحضروا وأبطأ رسول اللّه عنهم فلم يخرج إليهم، رفعوا أصواتهم وحصبوا الباب، فخرج إليهم رسول اللّه مغضباً، وقال ما قال.

فعلى ضوء هذا الحديث لم تثبت مشروعية الجماعة بفعل الرسول، لأنّ القوم اقتدوا به من دون أن يستفسروا و يستبينوا حكمه، وأمّا الليلة الثانية فلم يقم الجماعة أبداً بل ظهرت ملامح الغضب على وجهه لما صدر عنهم من موقف مشين بالنسبة إلى رسول اللّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » أوّلاً، وإصرارهم على إقامة النوافل جماعة ثانياً بالرغم من عدم استبانتهم حكمها.

2. إقامتها ليلتين

انّ هناك روايات أُخرى تخالف الرواية الأُولى حيث يدلّ على أنّه أُقيمت الجماعة في ليلتين.


(399)

أخرج البخاري عن عروة بن الزبير، عن عائشة أُمّ المؤمنين انّ رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » صلّى ذات ليلة في المسجد وصلّى بصلاته ناس، ثمّ صلّى من القابلة فكثر الناس، ثمّ اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » فلمّا أصبح، قال: قد رأيت الذي صنعتم ولم يمنعني من الخروج إليكم إلاّ انّي خشيت أن تفرض عليكم وذلك في رمضان.(1)

وأخرجه مسلم أيضاً في صحيحه.(2)

3. إقامتها ثلاث ليال

أخرج البخاري عن عروة انّ عائشة أخبرته انّ رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » خرج ليلة من جوف الليل فصلّى في المسجد وصلّى رجال بصلاته، فأصبح الناس فتحدّثوا فاجتمع أكثر منهم، فصلّى وصلّوا معه، فأصبح الناس فتحدّثوا فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » فصلّى وصلّوا بصلاته، فلمّا كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله حتّى خرج لصلاة الصبح، فلمّا قضى الفجر أقبل على الناس فتشهد ثمّ قال: «أمّا بعد فانّه لم يخف عليّ مكانكم ولكنّي خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها» فتوفّي رسول اللّه والأمر على ذلك.(3)

وأخرجه مسلم في صحيحه.(4)


1 . صحيح البخاري:2/49 باب تحريض النبي على صلاة الليل .
2 . صحيح مسلم:2/177 باب الترغيب في قيام رمضان.
3 . صحيح البخاري:3/45، باب فضل من قام رمضان.
4 . صحيح مسلم:2/177، باب الترغيب في قيام رمضان.


(400)

أخرج البيهقي عن أبي ذر، قال: صمنا مع رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » فلم يصل بنا حتى بقي سبع من الشهر، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، ثمّ لم يقم بنا في الثالثة ، وقام بنا في الخامسة، حتّى ذهب شطر الليل، فقلنا: يا رسول اللّه لو نفلنا بقية ليلتنا هذه؟ فقال : إنّه من قام مع الإمام حتّى ينصرف كتب له القيام ليلة، ثمّ لم يقم بنا حتّى بقي ثلاث من الشهر فصلّى بنا في الثالثة ودعا أهله ونساءه، فقام بنا حتّى تخوفنا الفلاح، قلت له: وما الفلاح؟ قال: السحور.(1)

وعلى هذه الرواية خرج في الليلة الرابعة(أو الثالثة والعشرين على قول بعضهم)(2) والعشرين و السادسة والعشرين والثامنة والعشرين.

هذه عمدة ما روي في المقام.

إنّ الأخذ بمضمون هذه الروايات مشكل لوجوه عديدة:

1. الاختلاف في عدد الليالي و تواليها ومواضعها

إنّ بين هذه الروايات تعارضاً واختلافاً في أُمور ثلاثة:

الأوّل: وجود التعارض بين هذه الروايات في مقدار الليالي التي أقام النبي فيها جماعة، فانّ كلّ واحد بصدد بيان عدد الليالي التي أُقيمت فيها النوافل جماعة مع النبي، فهل أقامها النبي ليلة واحدة كما هو مضمون الرواية الأُولى؟ أو ليلتين أو ثلاث ليال، كما هو مضمون الطائفتين الأخيرتين؟ وهذا يعرب عن أنّ الرواة لم يضبطوا الواقع بشكل دقيق.


1 . سنن البيهقي:2/494، باب من زعم انّها بالجماعة أفضل; ونقله الشوكاني في نيل الأوطار:3/50، وقال: رواه الخمسة وصححه الترمذي.
2 . الفقه على المذاهب الأربعة:1/251.


(401)

الثاني: الاختلاف في توالي الليالي وعدمه، فصريح رواية البخاري:«انّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » يُصلّي بصلاته ناس ثمّ صلّى من القابلة» انّ الليالي كانت متوالية، وصريح رواية أبي ذر انّها كانت غير متوالية، فقد صلّى معهم في الليلة الرابعة والعشرين، والسادسة والعشرين، والثامنة والعشرين.

الثالث: الاختلاف في مواضع الليالي، فالمتبادر من أغلبها أنّه« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » صلّى بهم في أوائل الشهر، وصريح رواية أبي ذر انّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »صلّى بهم في العشر الأُخر.

ومع هذا الاختلاف كيف نؤمن بصحّة ما فيها من المضامين؟!

2. عدم إناطة التشريع برغبة الناس

إنّ قوله « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »: «خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها» يعرب عن أنّ التشريع تابع لإقبال الناس وإدبارهم، ولا أقلّ لإقبالهم، فلو أظهر الناس رغبتهم إلى العمل ربّما يفرض عليهم مع أنّ الملاك في فرض شيء على كلّ الناس، هو وجود مصلحة ملزمة في الشيء، سواء أكان هناك رغبة من الناس أم لا، فتشريعه سبحانه ليس تابعاً لرغبة الناس أو إعراضهم وإنّما يتبع الملاكات الواقعية، فالمصلحة الملزمة تستتبع تشريعها، وعدمها عدمه، ولمّا وقف شراح الصحيحين على هذا الإشكال مالوا يميناً ويساراً لحلّه.

قال ابن حجر في شرح جملة: «إلاّ انّي خشيت أن تفرض عليكم» انّ ظاهر هذا الحديث انّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » توقع ترتّب افتراض الصلاة في الليل جماعة على وجود المواظبة عليها ـ ثمّ قال: ـ و في ذلك إشكال.

إنّ ابن حجر وإن أحجم عن بيان مقصوده من الإشكال ولكن يمكن أن يكون إشارة إلى أمرين:


(402)

1. انّ الأحكام تابعة للملاكات الواقعية لا لرغبة الناس فيها ولا عنها.

2. انّ في الشريعة المقدسة أُموراً واظب عليها النبي والمسلمون كالمضمضة والاستنشاق، ولم تفرض عليهم، كما أنّ هناك أحكاماً رغب عنها كثير من المسلمين حتى في زمن النبي فضلاً عما بعده ومع ذلك بقي حكمه على ما كان، وهذا كحكم الجهاد الذي تقاعس عنه بعض المسلمين حتّى واجهوا تقريعه سبحانه وتبكيته حيث قال: (يا أيها الذينَ آمنوا ما لَكُمْ إذا قيلَ لكُم انفِرُوا في سَبيلِ اللّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرضِ أرَضِيتُم بالحياةِ الدُّنيا مِنَ الآخرةِ).(1)

إنّ بعض أئمّة أهل البيتعليهم السَّلام كالإمام الباقر والصادقعليمها السَّلام نقلا كلام النبي« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » مع أصحابه الذين كانوا مصرّين على إقامة نوافلهم بالجماعة مع الرسول، وليس فيه أيّ إشارة إلى هذا التعليل، فقالا:

«إنّ رسول اللّه حمد اللّه وأثنى عليه ثمّ قال: أيّها الناس انّ الصلاة بالليل في شهر رمضان من النافلة في جماعة بدعة، وصلاة الضحى بدعة، ألا فلا تجتمعوا ليلاً في شهر رمضان لصلاة الليل...» .(2) ترى أنّ الرسول « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » حسب هذا النقل علل عدم حضوره لإقامة النوافل جماعة بأنّه أمر غير مشروع لا انّه خشي أن يُكتب عليهم.

3. مخالفة التعليل لنداء المعراج

أخرج أصحاب الصحاح والسنن عن أنس بن مالك قال: فرضت[الصلاة] على النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » ليلة أُسري به الصلوات خمسين، ثمّ نقصت حتّى جعلت خمساً ثمّ نودي يا محمد انّه لا يبدّل القول لدي وإنّ لك بهذه الخمس


1 . التوبة:38.
2 . الفقيه:1/87، كتاب الصوم


(403)

خمسين.(1)

قال العسقلاني: وقد استشكل الخطابي أصل هذه الخشية مع ما ثبت في حديث الاسراء انّ اللّه تعالى قال: هنّ خمس وهنّ خمسون لا يبدل القول لديّ ، فإذا أمن التبديل فكيف يقع الخوف من الزيادة؟!(2)

ثمّ ذكر الشارحان العسقلاني والقسطلاني توجيهات وتمحلات لا تغني ولا تسمن من جوع، وقد حكى القسطلاني في إرشاد الساري عن صاحب شرح التقريب تلك التمحلات وانّه قال: ومع هذا فانّ المسألة مشكلة ولم أر من كشف الغطاء عن ذلك.(3)

4. رغبة الصحابة لا يكون ملاكاً للتشريع في حقّ الأجيال

لو افترضنا انّ الصحابة أظهرت اهتمامها بصلاة التراويح بإقامتها جماعة، أفيكون ذلك ملاكاً للفرض على غيرهم ولم تكن نسبة الحاضرين إلى الغائبين إلاّ شيئاً لا يذكر، فانّ مسجد النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » يومذاك كان مكاناً محدوداً لا يسع إلاّ ما يقارب ستة آلاف شخص أو أقل، فقد جاء في الفقه على المذاهب الخمسة: كان مسجد رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » 35 متراً في 30 متراً ثمّ زاده الرسول « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » وجعله 57 متراً في 50 متراً.(4) أفيصحّ جعل اهتمامهم كاشفاً عن اهتمام جميع الناس بها عبْر العصور إلى يوم القيامة.


1 . صحيح البخاري:1/75، باب كيف فرضت الصلوات في الاسراء; سنن الترمذي:1/417، باب كم فرض اللّه على عباده من الصلوات، الحديث 213، واللفظ للترمذي.
2 . فتح الباري:3/10.
3 . ارشاد الساري:3/428.
4 . الفقه على المذاهب الخمسة:2850


(404)

5. القدر المتيقّن من فعل النبيّ « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »

لو افترضنا صحّة مضامين هذه الروايات لكن الظاهر من روايات الصحيحين انّ النبي خرج في جوف الليل فصلّى في المسجد وهو كناية انّه صلّى في المسجد، النوافل الليلية، وهي لا تتجاوز عن ثماني ركعات، فسواء أقلنا انّه خرج ليلة واحدة أو ليلتين أو ثلاث أو أربع فقد خرج في جوف الليل لإقامة النوافل الليلية فاقتدى به من اقتدى من الصحابة، فعندئذ يكون الثابت من فعل النبي هو هذا المقدار وأين هذا من إقامة صلاة التراويح في عامة شهر رمضان في كلّ ليلة عشرين ركعة، ترويحة بعد أربع ركعات فتكون ستمائة ركعة إذا كان الشهر تاماً.

فلو قلنا بأنّ التشريع ثبت بفعل النبي فإنّما ثبت هذا المقدار القليل فما الدليل على الأكثر منه؟ يقول عبد الرحمن الجزيري في كتابه «الفقه على المذاهب الأربعة»:

روى الشيخان أنّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » خرج من جوف الليل ليالي من رمضان، وهي ثلاث متفرقة: ليلة الثالث، والخامس، والسابع والعشرين، وصلّى في المسجد، وصلّى الناس بصلاته فيها، وكان يصلّي بهم ثماني ركعات ويكملون باقيها في بيوتهم فكان يسمع لهم أزيز، كأزيز النحل.

وقال: ومن هذا يتبين انّ النبي« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » سنّ لهم التراويح والجماعة فيها ولكن لم يصلّ بينهم عشرين ركعة كما جرى عليه من عهد الصحابة ومن بعدهم إلى الآن.(1)

وممّن التفت إلى هذا الإشكال، القسطلاني، قال:


1 . الفقه على المذاهب الأربعة:1/251.


(405)

1. انّ النبي لم يسنّ لهم الاجتماع لها.

2. ولا كانت في زمن الصديق.

3. ولا أوّل الليل.

4. ولا كلّ ليلة.

5. ولا هذا العدد.

ثمّ التجأ في إثبات مشروعيتها إلى اجتهاد الخليفة، وسيوافيك الكلام فيه.

وقال العيني: إنّ رسول اللّه لم يسنّها لهم ولا كانت في زمن أبي بكر، ثم اعتمد في شرعيته إلى اجتهاد عمر واستنباطه من إقرار الشارع الناس يصلّون خلفه ليلتين.(1)

وقال الشاطبي: وممّن نبّه بذلك من السلف الصالح، أبو أُمامة الباهلي قال: أحدثتم قيام شهر رمضان ولم يكتب عليكم، إنّما كتب عليكم الصيام فدوموا على القيام إذ فعلتموه ولا تتركوه، فانّ أناساً من بني إسرائيل ابتدعوا بدعاً لم يكتبها اللّه عليهم ابتغوا بها رضوان اللّه فما رعوها حقّ رعايتها فعاتبهم اللّه بتركها فقال: (ورهبانية ابتدعوها).(2)

فلم يبق هنا مبرر لأزيد ممّا ثبت من عمل النبي إلاّ عمل الخليفة وسوف نتكلم فيه.

6. صلاة التراويح بين اللغوية وعدم التشريع

إنّ التشريع الإلهي مصون من اللغو، فالمشرِّع هو اللّه سبحانه، وفعله نزيه


1 . عمدة القارئ:11/126.
2 . الاعتصام:2/291.


(406)

من اللغو والعبث، فعندئذ تتوجه الأسئلة التالية إلى مشروعية نوافل رمضان جماعة في عصر الرسول:

1. إنّ إقامتها جماعة في عصر الرسول لم تخل عن صورتين:

كانت إقامتها كذلك أمراً مشروعاً وسنّ سبحانه لنبيّه أن يقيمها جماعة.

لم تكن مشروعة وكانت الجماعة مختصة بالفرائض .

فلو كانت مشروعة، فلماذا أهمل النبي تلك السنّة في حياته بل كان عليه أن يجسِّد مشروعيتها حيناً بعد حين على وجه لا يخشى عليها الافتراض مع أنّه لم يفعل كذلك طيلة عمره، بل خرج مغضباً ورادعاً عن هذا الأمر؟!

وهذا يعرب عن كون الواقع هو الأمر الثاني، و انّ إقامة النوافل مطلقاً، أو نوافل شهر رمضان جماعة، كان أمراً غير مشروع، ولذلك صارت متروكة في عصره « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » وعصر الخليفة الأوّل وسنين في خلافة الثاني، ثمّ بدا له ما بدا.

2. إذا كانت إقامة صلاة التراويح جماعة، أمراً مشروعاً في الشريعة الإسلامية، فطبع الحال يقتضي أن تكون محددة من جانب الوقت، وأنّه هل تصلّى في أوائل الليل أو أواسطه أو أواخره، كما يجب أن تحدد من حيث عدد الركعات، حتّى لا يكون المصلّون على غمّة من الأمر.

فإذا كان النبي قد صلّى ثماني ركعات في المسجد، وأتمها في بيته، فلماذا لم يحدّد الركعات، ويبقى الأمر مكتوماً حتّى حدّده عمر بن الخطاب بعشرين ركعة من دون أن ينسبه إلى النبي« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »، فكيف يحتجّ بفعله؟ فإنّ فعل الصحابة وقولهم ما لم يسندهما إلى المعصوم ليسا بحجّة إلاّ على نفسه.

3. كيف يتدخل عمر بن عبد العزيز في أمر الشريعة، فأدخل فيها ما ليس منها، ليتساوى ـ في رأيه ـ أهل المدينة وأهل مكة في الفضيلة والثواب، فإنّ فتح


(407)

هذا الباب لعمر بن عبد العزيز وأقرانه، يجعل الشريعة المقدسة شرعة لكلّ وارد، وألعوبة بيد الحكام يحكمون فيها بآرائهم.

4. ثمّ إنّ عمر بن عبد العزيز جعل عدد ركعاتها (36) ركعة، بحجّة أنّ أهل مكة يطوفون بالبيت بعد كلّ أربع ركعات مرّة، فرأى أن يصلّى بدل كلّ طواف أربع ركعات.

فلو صحّ هذا (يطوفون بالبيت بعد كلّ أربع ركعات)، يجب أن يجعل عدد ركعاتها أربعين ركعة، لأنّ أهل مكة كانوا يطوفون بعد كلّ أربع ركعات مرّة، ومن المعلوم أنّهم كانوا ـ حسب هذا التعبير ـ يطوفون بعد عشرين ركعة طوافاً آخر، فيبلغ عد مرات طوافهم خمسة ، فلو أقيم مكان كلّ طواف أربع ركعات، لصارت الزيادة مع الأصل أربعين ركعة، عشرون ركعة بدل الطواف مضافة إلى عشرين ركعة مسنونة بالأصل.

نعم على ما نقله ابن قدامة من أنّ الطواف كان بين كلّ ترويحة، يبلغ عدد مرات الطواف أربعة، فيصير عدد الركعات ستاً وثلاثين.

7. الاختلاف الكبير في عدد ركعاتها

اختلف الفقهاء في عدد ركعات صلاة التراويح، فقال الخرقي في مختصره: وقيام شهر رمضان عشرون ركعة، يعني صلاة التراويح.

وقال ابن قدامة في شرحه على مختصر الخرقي: والمختار عند الإمام أحمد عشرون ركعة، وبهذا قال الثوري، و أبو حنيفة، والشافعي. وقال مالك: ستة وثلاثون، وزعم أنّه الأمر القديم، وتعلّق بفعل أهل المدينة.(1)


1 . المغني:2/137ـ 138.


(408)

وقد اعتمد من جعله عشرين ركعة على فعل الخليفة عمر، في حين اعتمد من جعله ستّاً وثلاثين ركعة على فعل عمر بن عبد العزيز.

قال عبد الرحمان الجزيري في «الفقه على المذاهب الأربعة»: إنّ عددها ليس مقصوراً على الثماني ركعات التي صلاها النبي« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »بهم، بدليل أنّها يكملونها في بيوتهم، وقد بيّن فعل عمر، أنّ عددها عشرون، حيث إنّه جمع الناس أخيراً على هذا العدد في المسجد، ووافقه الصحابة على ذلك. نعم زيد فيها في عهد عمر بن عبد العزيز، فجُعلت ستاً وثلاثين ركعة، وكان القصد من هذه الزيادة مساواة أهل مكة في الفضل، لأنّهم كانوا يطوفون بالبيت بعد كلّ أربع ركعات مرة، فرأي عمر بن عبد العزيز أن يُصلّى بدل كلّ طواف أربع ركعات.(1)

وربما يظن القارئ أنّ الاختلاف ينحصر بهذين القولين، ولكن الاختلاف في عدد ركعاتها أوسع من ذلك بكثير إلى حدّ قلّ نظيره في أبواب العبادات.

فمن قائل: إنّ عدد ركعاتها 13 ركعة، إلى آخر: أنّها 20 ركعة، إلى ثالث: أنّها 24 ركعة، إلى رابع: أنّها 28 ركعة، إلى خامس: أنّها 36 ركعة، إلى سادس: أنّها 38 ركعة، إلى سابع: أنّها 39 ركعة، إلى ثامن: أنّها 41 ركعة، إلى تاسع: أنّها 47 ركعة، وهلمّ جرّاً.(2)

إنّ العبادة الجماعية كصلاة التراويح، التي تقيمها الأُمّة الإسلامية في رمضان كلّ سنة، تطلب لنفسها أن تكون مبيّنة الحدود في لسان الرسول « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »،


1 . الفقه على المذاهب الأربعة:1/251، كتاب الصلاة، مبحث صلاة التراويح.
2 . فتح الباري:4/204، إرشاد الساري:3/426، عمدة القاري:11/126. وقد تكلّفوا في الجمع بين هذه الأقوال المتشتّتة.


(409)

محددة من جانب الركعات وغيرها من الجهات لكن تسرّب الفوضى إليها من وجوه شتّى، يكشف عن عدم نص من الرسول في الموضوع، ولا وجود رغبة منه إلى إقامة الأُمّة لها بعد رحيله، فانّ السنّة المؤكدة، أو السنّة المرغوبة فيها تكون بعيدة عن الغمّة.


(410)

7
صلاة التراويح جماعة في كلام عمر

لم تنعقد الجماعة لنوافل شهر رمضان في حياة الرسول « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » وعصر الخليفة الأوّل وسنين من عصر الخليفة الثاني، بل كان المسلمون يصلّون نوافل شهر رمضان في البيوت والمساجد فرادى .

نعم بدا للخليفة الثاني جمع المصلّين المتفرقين في المسجد على إمام واحد.

ويدلّ على ما ذكرنا ما أخرجه الشيخان في هذا المضمار.

أخرج البخاري عن أبي هريرة انّ رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » قال: من قام شهر رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدّم من ذنبه، قال: ابن شهاب: فتوفّي رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » والأمر على ذلك، ثمّ كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدراً من خلافة عمر.(1) وأخرجه أيضاً مسلم في صحيحه.(2)

قوله: «فتوفّي رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » والأمر على ذلك، ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر».

فقد فسّـره الشرّاح بقولهم: أي على ترك الجماعة في التراويح، ولم يكن رسول


1 . صحيح البخاري:3/44، باب فضل من قام رمضان من كتاب الصوم
2 . صحيح مسلم:2/176، باب الترغيب في قيام رمضان.


(411)

اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » جمع الناس على القيام.(1).

وقال بدر الدين العيني: والناس على ذلك (أي على ترك الجماعة) ثم قال: فإن قلت: روى ابن وهب عن أبي هريرة: خرج رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »وإذا الناس في رمضان يصلّون في ناحية المسجد، فقال: «ما هذا» فقيل: ناس يصلّـي بهم أُبيّ بن كعب، فقال: «أصابوا ونِعمَ ما صنعوا»، ذكره ابن عبد البر. ثم أجاب بقوله، قلت: فيه مسلم بن خالد وهو ضعيف، والمحفوظ أنّ عمر ـ رضي اللّه عنه ـ هو الذي جمع الناس على أُبيّ بن كعب ـ رضي اللّه عنه ـ.(2)

وقال القسطلاني: والأمر على ذلك (أي على ترك الجماعة في التراويح) ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر ، إلى آخر ما ذكره.(3)

وقال النووي: في شرح قوله«فتوفّي رسول اللّه والأمر على ذلك» معناه: استمر الأمر هذه المدة على أنّ كلّ واحد يقوم رمضان في بيته منفرداً حتّى انقضى صدراً من خلافة عمر ثمّ جمعهم عمر على أُبي بن كعب فصلّى بهم جماعة، واستمر العمل على فعلها جماعة.(4)

وأخرج أيضاً عن عبد الرحمن بن عبد القاري انّه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلّـي الرجل لنفسه ويصلّي الرجل فيصلّي بصلاته الرهط (5)، فقال عمر: إنّي أرى لو جمعت


1 . فتح الباري: 4/203.
2 . عمدة القاري في شرح صحيح البخاري: 6/125، وجاء نفس السؤال والجواب في فتح الباري.
3 . إرشاد الساري: 3/425.
4 . شرح صحيح مسلم للنووي:6/287.
5 . الرهط بين الثلاثة إلى العشرة.


(412)

هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثمّ عزم فجمعهم على أُبيّ بن كعب، ثمّ خرجت معه ليلة أُخرى والناس يصلّون بصلاة قارئهم ، قال عمر: نعم البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، يريد آخر الليل وكان الناس يقومون أوّله.(1)

قوله: «نِعمَ البدعة»:

إنّ الظاهر من قوله: «نِعمَ البدعة هذه» أنّها من سُنن نفس الخليفة ولا صلة لها بالشرع، وقد صرّح بذلك لفيف من العلماء.

قال القسطلاني: سمّاها (عمر) بدعة، لأنّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » لم يُسنّ لهم الاجتماع لها، ولا كانت في زمن الصديق، ولا أوّل الليل ولا كلّ ليلة ولا هذا العدد ـ إلى أن قال: ـ وقيام رمضان ليس بدعة، لأنّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » قال: «اقتدوا باللّذين من بعدي أبي بكر وعمر»، وإذا اجتمع الصحابة مع عمر على ذلك زال عنه اسم البدعة.

وقال العيني: وإنّما دعاها بدعة، لأنّ رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » لم يسنّها لهم، ولا كانت في زمن أبي بكر ـرضي اللّه عنهـ ولا رغب رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » فيها.(2)

وهناك من نقل أنّ عمر أوّل من سنّ الجماعة، نذكر منهم:

1. قـال ابن سعد في ترجمـة عمـر: هو أوّل من سنّ قيـام شهر رمضان بالتراويح، وجمع الناس على ذلك، وكتب به إلى البلدان، وذلك في شهر رمضان سنة أربع عشرة.(3)


1 . صحيح البخاري:3/44، باب فضل من قام رمضان من كتاب الصوم
2 . عمدة القاري: 6/126 ـ وقد سقط لفظة «لا» من قوله و «رغب» كما أنّ كلمة «بقوله» بعد هذه الجملة في النسخة مصحّف «قوله» فلاحظ.
3 . الطبقات الكبرى: 3/281.


(413)

2. وقال ابن عبد البر في ترجمة عمر: وهو الذي نوّر شهر الصوم بصلاة الاشفاع فيه.(1)

قال الوليد بن الشحنة عند ذكر وفاة عمر في حوادث سنة 23هـ: وهو أوّل من نهى عن بيع أُمهات الأولاد ...وأوّل من جمع الناس على إمام يصلّـي بهم التراويح.(2)

إذا كان المفروض أنّ رسول اللّه « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » لم يسنّ الجماعة فيها، وإنّما سنَّها عمر، وهل يكفي تسنين الخليفة في مشروعيتها؟ مع أنّه ليس لإنسان ـ حتى الرسول ـ حقّ التسنين والتشريع، وإنّما هو « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » مبلغ عن اللّه سبحانه.

إنّ الوحي يحمل التشريع إلى النبي الأكرم وهو « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » الموحى إليه وبموته انقطع الوحي وسدّ باب التشريع والتسنين، فليس للأُمة إلاّ الاجتهاد في ضوء الكتاب والسنّة، لا التشريع ولا التسنين، ومن رأى أنّ لغير اللّه سبحانه حقّ التسنين فمعنى ذلك عدم انقطاع الوحي.

قال ابن الأثير في نهايته، قال: ومن هذا النوع قول عمر : نِعمَ البدعة هذه (التراويح) لما كانت من أفعال الخير وداخلة في حيز المدح سماها بدعة ومدحها، إلاّ أنّ النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » لم يسنّها لهم وإنّما صلاّها ليالي ثم تركها، ولم يحافظ عليها، ولا جمعَ الناس لها، ولا كانت في زمن أبي بكر وإنّما عمر جمع الناس عليها وندبهم إليها، فبهذا سمّاها بدعة وهي في الحقيقة سنّة، لقوله « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » : «عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين من بعدي»، وقوله: «اقتدوا باللّذين من بعدي أبي بكر وعمر».(3)


1 . الاستيعاب: 3/1145 برقم 1878.
2 . روضة المناظر كما في النص والاجتهاد: 150.
3 . النهاية: 1/79.


(414)

وكلامه وكلام كلّ من برّر كون الجماعة سنّة، دالّ على أنّ للخلفاء حقّ التشريع والتسنين، أو للخليفتين فقط.

التشريع مختص باللّه سبحانه

إنّ هؤلاء الأكابر مع اعترافهم بأنّ النبيّ « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » لم يسنّ الاجتماع، برّروا إقامتها جماعة بعمل الخليفة، ومعناه أنّ له حقّ التسنين والتشريع، وهذا يضاد إجمـاع الأُمّة، إذ لا حـقّ لإنسان أن يتـدخّل في أمـر الشريعة بعـد إكمالهـا، لقوله تعـالى: (اليَوْمَأَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً)(1) وكلامه يصادم الكتاب والسنّة، فانّ التشريع حقّ اللّه سبحانه لم يفوّضه لأحد والنبيّ الأكرم « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »مبلّغ عنه.

أضف إلى ذلك: لو كان للخليفة استلام الضوء الأخضر في مجال التشريع والتسنين، فلم لا يكون لسائر الصحابة ذلك الضوء مع كون بعضهم أقرأ منه كأُبي بن كعب، وأفرض كزيد بن ثابت، وأعلم كعليّ بن أبي طالب« عليه السَّلام »؟! فلو كان للجميع ذلك الضوء، لانتشر الفساد وعمّت الفوضى أمر الدين ويكون الدين أُلعوبة بأيدي غير المعصومين.

وأمّا التمسّك بالحديثين، فلو صحّ سندهما فإنّهما لا يهدفان إلى أنّ لهما حقّ التشريع،بل يفيدان لزوم الاقتداء بهما لأجل أنّهما يعتمدان على سنّة النبيّ الأكرم« صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »، لا أنّ لهما حقّ التسنين.

نعم يظهر ممّا رواه السيوطي عن عمر بن عبد العزيز أنّه كان يعتقد أنّ للخلفاء حقّ التسنين، قال: قال حاجب بن خليفة: شهدتُ عمر بن عبد العزيز


1 . المائدة:3


(415)

يخطب وهو خليفة، فقال في خطبته: ألا أنّ ما سنّ رسول اللّه وصاحباه فهو دين نأخذ به وننتهي إليه، وما سنّ سواهما فإنّا نرجئه.(1)

وعلى كل تقدير، نحن لسنا بمؤمنين بأنّه سبحانه فوّض أمر دينه في التشريع والتقنين إلى غير الوحي، وفي ذلك يقول الشوكاني: والحقّ أنّ قول الصحابي ليس بحجة، فإنّ اللّه سبحانه وتعالى لم يبعث إلى هذه الأُمّة إلاّ نبيّنا محمداً « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » وليس لنا إلاّ رسول واحد، والصحابة ومن بعدهم مكلّفون على السواء باتّباع شرعه والكتاب والسنّة، فمن قال إنّه تقوم الحجّة في دين اللّه بغيرهما، فقد قال في دين اللّه بما لا يثبت، وأثبت شرعاً لم يأمر به اللّه.(2)

استنباط مشروعيتها من تقرير النبي « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم »

نقل القسطلاني عن ابن التين وغيره: إنّ عمر استنبط مشروعيته من تقرير النبيّ « صلَّى الله عليه وآله وسلَّم » ومن صلّـى معه في تلك الليالي وإن كان كره ذلك لهم فإنّما كرهه خشية أن يفرض عليهم. فلمّا مات النبيّ حصل الأمن من ذلك ورجح عند عمر ذلك لما في الاختلاف من افتراق الكلمة، ولأنّ الاجتماع على واحد أنشط لكثير من المصلّين.(3)

يلاحظ عليه: أنّه لو كانت صلاة التراويح أمراً مشروعاً ومما سنّها اللّه سبحانه فلماذا كرهه النبي؟! ولو كانت الكراهة لأجل الخشية من الفرض، يكفي في دفعها، أقامتها حيناً بعد حين، فدخوله البيت وعدم حضوره في المسجد، طيلة عمره دالّ على أنّها لم تكن مشروعة، إذ لو كانت مسنونة لما تركها النبي بتاتاً، وقد


1 . تاريخ المذاهب الإسلامية. كما في بحوث مع أهل السنّة: 235.
2 . المصدر نفسه.
3 . فتح الباري: 4/204.


(416)

مرّ انّ التشريع المجرّد عن التطبيق على الصعيد العملي لغو(1) لا يصدر من اللّه سبحانه.

روى أبو يوسف قال: سألت أبا حنيفة عن التراويح وما فعله عمر، قال: التراويح سنّة مؤكّدة، ولم يتخرص عمر من تلقاء نفسه ولم يكن فيه مبتدعاً ولم يأمر به إلاّ عن أصل لديه وعهد من رسول اللّه. ولقد سنّ عمر هذا وجمع الناس على أبي بن كعب فصلاها جماعة والصحابة متوافرون من المهاجرين والأنصار وما رد عليه واحد منهم بل وافقوه وأمروا بذلك.(2)

يلاحظ عليه: بأنّه برر عمل الخليفة بالوجوه التالية:

1. أصل لديه ، 2. عهد من رسول اللّه، 3. لم يعترض عليه أحد من الصحابة.

يلاحظ على الأوّل ماذا يريد من الأصل الموجود لدى الخليفة، وهل كان هذا الأصل يختص بالخليفة أو يعمّ غيره؟

وعلى الثاني ما هو العهد الذي كان عهده إليه رسو