welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : الزكاة في الشريعة الإسلامية الغرّاء/ج2*
تألیف :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الزكاة في الشريعة الإسلامية الغرّاء/ج2

صفحه 1
الزكاة
في
الشريعة الإسلامية الغرّاء
الجزء الثاني
تأليف
الفقيه المحقّق
الشيخ جعفر السبحاني
نشر مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 2
اسم الكتاب :    الزكاة في الشريعة الإسلامية الغراء
المؤلف :    جعفر السبحاني
الجزء :    الثاني
الطبعة :    الأُولى
المطبعة :    مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
التاريخ :    1424 هـ ق / 1382 هـ ش
الكمية :    2000 نسخة
الناشر :    مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
توزيع
مكتبة التوحيد
قم ـ ساحة الشهداء
هاتف : 7745457

صفحه 3
بسم الله الرحمن الرحيم
(فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)
التوبة : 122

صفحه 4

صفحه 5

الفصل السادس

في أصناف المستحقّين للزكاة

أصناف المستحقّين للزكاة ومصارفها ثمانية : الأوّل والثاني : الفقير والمسكين، والثاني أسوأ حالا من الأوّل . *

* في أصناف المستحقّين للزكاة

وهي ثمانية :
تبعا للذكر الحكيم، قال سبحانه : (إِنَّمَا اَلصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ اَلْمَساكِينِ
وَ اَلْعامِلِينَ عَلَيْها وَ اَلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَ فِي اَلرِّقابِ وَ اَلْغارِمِينَ وَ فِي سَبِيلِ اَللّهِ وَ اِبْنِ
اَلسَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اَللّهِ وَ اَللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)(1) .
ونشير إلى ما في الآية من نكات :
1 . ابتدأ سبحانه الآية بلفظ « الحصر » وقال : (إِنَّمَا اَلصَّدَقاتُ)لأجل ردّ لمز المنافقين وغيرهم كما وصفهم سبحانه بقوله : (وَ مِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي اَلصَّدَقاتِ
فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَ إِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ). (2)
فردّ عليهم ببيان مصارف الصدقات الثمانية وانّها لهم أو فيهم وليس للنبي

1التوبة : 60.
2التوبة : 58.

صفحه 6
التجاوز عنه .
2 . انّ المعطوف عليه في الفقراء، واللام للتمليك، فالجميع يملك بحكم اللام المذكور في المعطوف عليه، أو المقدّر كما في المعطوف المجرّد عنها، إلاّ ما قورن بلفظة « في » فتدلّ على أنّه مصرف لها لا مالك، وهذا كما(فِي اَلرِّقابِ)بناء على أنّ العبد لا يملك و(فِي سَبِيلِ اَللّهِ)كالجهاد وبناء المساجد والقناطر .
3 . قوله : (فَرِيضَةً)فلعلّها مفعول مطلق لفعل مقدّر يدلّ عليه قوله : (إِنَّمَا اَلصَّدَقاتُ)أي فرض اللّه الصدقات فريضة، ويحتمل أن تكون منصوبة لكونها حالا، أي فريضة مؤكّدة لا تعصى .
4 . ختم الآية باسمين شريفين(عَلِيمٌ حَكِيمٌ)إشعارا، بأنّ تشريع هذه الضريبة، صدر عن علم وحكمة، ومحاسبة دقيقة، وأنّ أصحاب الأموال لو قاموا بواجبهم، لسدّوا خلّة الفقر بين الأمّة .
ثمّ إنّ أصناف المستحقّين للزكاة ثمانية تبعا للآية وبعض الروايات، ففي مرسلة حمّاد بن عيسى، عن العبد الصالح(عليه السلام): « لا يقسم بينهم بالسوية على ثمانية حتى يعطي أهل كلّ سهم ثمنا » . (1) وعليها الأصحاب في كتبهم إلاّ المحقّق في « الشرائع » حيث قال : « أصناف المستحقّين للزكاة سبعة » يعدّ المساكين والفقراء صنفا واحدا وعرّفهما بقوله : « وهم الذين تقصر أموالهم من مؤونة سنتهم » . (2) ونقله الطبرسي عن الجبّائي وصاحبي أبي حنيفة . (3) والمعروف عدم ترادفهما واختلافهما مفهوما ومصداقا - كما سيوافيك - .
وتظهر ثمرة النزاع في الموارد التالية :

1الوسائل : الجزء 6، الباب 28 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 3 .
2الجواهر : 15 / 266.
3مجمع البيان : 3 / 41.

صفحه 7
أ . إذا قيل بوجوب البسط أو استحبابه، فعلى القول باختلافهما مفهوما ومصداقا، فيبسط على ثمانية أصناف; بخلاف القول الآخر، فيبسط وجوبا أو استحبابا على سبعة أصناف .
ب : إذا نذر للفقير أو المسكين فعلى القول بالاختلاف، يلزم صرف ما نذره في مورده، دون القول بالوحدة فيصرف في مطلق المحتاج .
ج : في مورد كفّارة الإفطار للمطيق قال سبحانه : (وَ عَلَى اَلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ
فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِين)(1) وكفارة الظهار : (فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً)(2)، وكفّارة اليمين(فَكَفّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ )(3) .
أما الفرق بينهما فيمكن استظهاره من المصادر التالية :
1 . الذكر الحكيم .
2 . الروايات .
3 . قول أهل اللغة .
فإليك دراسة الكلّ .

الرجوع إلى الذكر الحكيم

أمّا الأوّل فقد ورد لفظ المسكين مفردا وجمعا مرفوعا ومنصوبا في القرآن الكريم ثلاثا وعشرين مرة، كما ورد لفظ الفقير كذلك ثلاث عشرة مرّة، والإمعان في الآيات يوضح بأنّ المسكين يتميّز عن الفقير بأحد الأمرين :

1البقرة : 184.
2المجادلة : 4.
3المائدة : 89.

صفحه 8
كونه أسوأ حالا من الفقير، يقول سبحانه : (يَتِيماً ذا مَقْرَبَة * أَوْ مِسْكِيناً
ذا مَتْرَبَة )(1) أي يتيما ذا قربى من قرابة النسب والرحم، أو مسكينا قد لصق بالتراب من شدّة فقره وضرّه، فوصف المسكين به دون الفقير .
وأمّا الفقير فيستعمل في مقابل الغني حيث يقول سبحانه : (لَقَدْ سَمِعَ
اَللّهُ قَوْلَ اَلَّذِينَ قالُوا إِنَّ اَللّهَ فَقِيرٌ وَ نَحْنُ أَغْنِياءُ )(2)(يا أَيُّهَا اَلنّاسُ أَنْتُمُ اَلْفُقَراءُ إِلَى
اَللّهِ وَ اَللّهُ هُوَ اَلْغَنِيُّ اَلْحَمِيدُ )(3) والمعلوم أنّ لسلب الغنى مراتب كثيرة، وليس كلّ من ليس بغني مسكينا ذليلا لاصقا بالتراب، بخلاف المسكين .
2 . كون المسكين من يسأل الناس دون الفقير، ويدلّ عليه قوله سبحانه : (لِلْفُقَراءِ اَلَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اَللّهِ)ـ إلى أن يقول -(لا يَسْئَلُونَ اَلنّاسَ إِلْحافاً)(4) أي لا يسألون الناس أصلا كما في « المجمع » (5)بخلاف المسكين فهو من يسأل الناس، قال سبحانه : (فَانْطَلَقُوا وَ هُمْ يَتَخافَتُونَ * أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا اَلْيَوْمَ
عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ)(6) فدخول المسكين آية السؤال .
هذا ما يستفاد من الذكر الحكيم .
وأمّا الروايات فإليك نقلها .

الرجوع إلى الروايات

والذي استظهرناه من الآيات هو المستفاد من الروايات وانّ الفقير يفارق المسكين بوجهين مذكورين، وقد ورد في ذلك صحيحة وخبران .
أمّا الأولى، فقد روى محمد بن مسلم، عن أحدهما(عليهما السلام)انّه سأله عن الفقير

1البلد : 15 ـ 16.
2آل عمران : 181.
3فاطر : 15 .
4البقرة : 273.
5 . مجمع البيان: 1 ـ 2 / 666 .
6القلم : 23 ـ 24.

صفحه 9
والمسكين، فقال : « الفقير الذي لا يسأل، والمسكين - الذي هو أجهد منه - الذي يسأل » . (1)
وأمّا الآخران، فهو خبر أبي بصير - يعني : ليث بن البختري - قال : قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): قول اللّه عزّ وجلّ : (إِنَّمَا اَلصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ اَلْمَساكِينِ)قال : « الفقير : الذي لا يسأل الناس، والمسكين أجهد منه، والبائس أجهدهم » . (2)
وخبر علي بن إبراهيم في تفسيره، قال : (لِلْفُقَراءِ اَلَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ
اَللّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي اَلْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ اَلْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ اَلتَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ
بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ اَلنّاسَ إِلْحافاً )(3) . والمساكين هم أهل الزمانات، قد دخل فيهم
الرجال والنساء والصبيان . (4)
ووصفنا الثاني بالخبر، لوقوع عبد اللّه بن يحيى في السند، وهو مهمل في الرجال وليس مجهولا، وليس المراد منه عبد اللّه بن يحيى الكاهلي، لأنّه من أصحاب الصادق والكاظم(عليهما السلام)، ومن البعيد أن يروي من هو في طبقة أصحاب الإمام الجواد(عليه السلام)عمّن هو من أصحاب الصادق والكاظم(عليهما السلام).
والعجب من بعض المعاصرين حيث وصف الخبر بالصحّة! !
وأمّا وصف الثالث بكونه خبرا، فلعدم العبرة بتفسير علي بن إبراهيم، وقد حقّقناه في كتابنا « كلّيات في علم الرجال » .
وأمّا الزمانات فهو من « زمن » الذي دام مرضه . قال الفيوميّ : زمن الشخص زمنا زمانة وهو مرض يدوم زمانا طويلا، والقوم زمنى مثل مرضى . (5)
والمستفاد من مجموع الروايات كون الفرق بينهما بالسؤال وعدمه، وكثرة

1الوسائل : 6، الباب 1 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 2 .
2الوسائل : 6، الباب 1 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 3 .
3
4الوسائل : 6، الباب 1 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 7 .
5المصباح المنير : 1/310، مادة « الزمان » .

صفحه 10
الجهد وقلّته .
وهل السؤال في هذه الروايات عن مطلق الفقير والمسكين، أو عنهما بوصف ورودهما في آية الزكاة؟ والظاهر هو الأوّل، والشاهد عليه أمران :
1 . ورود البائس في خبر أبي بصير .
2 . تفسير الإمام لقوله سبحانه : (لِلْفُقَراءِ اَلَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اَللّهِ)(1) .
وهذان دليلان على أنّ المسؤول عنه هو مطلق الفقير والمسكين .
نعم يمكن أن يقال : المراد هو تفسير الفقير والمسكين الوارد في الشريعة المقدسة - أعني : الكتاب والسنّة - لا عن معنييهما اللغويّين .

الرجوع إلى كلمات اللغويّين

اختلفت كلمات اللغويين في الفرق بينهما إلى قولين، نقلهما ابن منظور في« لسان العرب » ، قال : قال ابن السكّيت : الفقير الذي له بلغة من العيش، قال الراعي يمدح عبد الملك بن مروان ويشكو إليه سعاته :
أمّا الفقير الذي كانت حلوبته *** وفق العيال فلم يترك له سبد
الحلوبة عبارة عن الإبل أو الغنم التي تعطي حليبا .
قال الفيومي في مصباحه : « وناقة حلوب وزان رسول، أي ذات لبن يحلب، فإن جعلتها اسما أتيت بالهاء، فقلت : هذه حلوبة فلان مثل الركوب والركوبة . (2)
ترى أنّ الشاعر يفسرّ الفقير بمن يساوي حليبه حاجة عياله فلا يترك له شيئا .
وقال : والمسكين الذي لا شيء له .
وقال يونس : الفقير أحسن حالا من المسكين، قال : وقلت لأعرابي مرّة :

1
2المصباح المنير : 1/178، مادة « حلب » .

صفحه 11
أفقير أنت؟ قال : لا واللّه بل مسكين . فالمسكين أسوأ حالا من الفقير .
وفي مقابل هذا القول قول آخر، روي عن الأصمعي وهو انّ المسكين أحسن حالا من الفقير .
والدليل عليه انّ اللّه تعالى سمّى من له الفلك مسكينا، وقال عزّ وجلّ : (أَمَّا اَلسَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي اَلْبَحْرِ)(1) وهي تساوي جملة .
قال : والذي احتجّ به يونس من أنّه قال لأعرابي : أفقير أنت؟ فقال : لا واللّه بل مسكين، يجوز أن يكون أراد : لا واللّه بل أنا أحسن حالا من الفقير .
والبيت الذي احتجّ به ليس فيه حجّة . (2)
ولا يخفى ضعف حجّة الثاني .
أمّا أوّلا فلأنّ وصف أصحاب السفينة بالمساكين الذي يساوي الأذلاّء، فلأجل ذلّتهم أمام الملك الجائر فصاروا أذلاّء من هذه الجهة لا من جانب المال كما هو الحال في وصف اليهود بالمسكنة .
قال سبحانه : (ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ اَلذِّلَّةُ وَ اَلْمَسْكَنَةُ )(3) فكان وصف شخص بالمسكين بأحد الملاكين : المال، أو الذلّة والخضوع . والملاك في الآية هو الثاني .
وأمّا تفسير قول الأعرابي، فهو تفسير خاطئ، فإنّ القسم دليل على العكس، إذ لو كان المراد ما ادّعاه الأصمعي لاستغنى عن القسم، لأنّه عندئذ لم يدع شيئا فوق الفقر حتى يحلف عليه وإنّما يحسن الحلف إذا ادّعى أمرا فوق الفقر وهو انّه لا يملك شيئا أبدا .

1الكهف : 79.
2لسان العرب : 5/60، مادة « فقر » .
3البقرة : 61.

صفحه 12
ومع ذلك كلّه فبين أصحابنا من يرجّح القول الثاني، قال الشيخ في« الخلاف » : الفقير أسوأ حالا من المسكين، لأنّ الفقير هو الذي لا شيء له، أو معه شيء يسير يعتد به; والمسكين الذي له شيء فوق ذلك، غير انّه لا يكفيه لحاجته ومؤنته . وبما قلناه قال الشافعي، وجماعة من أهل اللغة .
وقال أبو حنيفة وأصحابه : المسكين أسوأ حالا من الفقير، فالمسكين عنده على صفة الفقير عندنا . والفقير على صفة المسكين، وبهذا قال الفرّاء، وجماعة من أهل اللغة .
دليلنا : قوله تعالى : (أَمَّا اَلسَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي اَلْبَحْرِ)فسمّاهم مساكين مع أنّهم يملكون سفينة بحرية، وذلك يدلّ على ما قلناه، ولأنّ اللّه تعالى بدأ في آية الصدقة بالفقراء، ومن شأن العرب أن يبتدئ بالأهم . (1)

إشكال وإجابة

أمّا الإشكال فلو صحّ ما ذكر من الفرق من أنّ المسكين أشدّ حالا يكون بينهما من النسبة هو التباين، فيجب أن نقتصر في كفّارة اليمين والظهار والصوم بمن لا يملك شيئا مع أنّ أحدا من الفقهاء لم يشترطه حيث إنّهم أفتوا بكفاية مطلق الفقر .
وأمّا الإجابة عنه فبوجهين : الأوّل : اختصاص التفريق بما ذكر ب آية الزكاة، حيث ورد فيه الفقير، مقترنا بالمساكين، فقالوا : إنّ الفرق بينهما هو كون الثاني أجهد من الأوّل والثاني يسأل دون الأوّل، وأمّا كونهما كذلك في عامّة الموارد من الآيات والروايات فلا . وهذا هو الظاهر من المحقّق الخوئي .

1الخلاف : 4/229، كتاب الصدقات، المسألة 10.

صفحه 13
قال : لا ينبغي التأمّل في عدم كونه(عليه السلام)بصدد بيان المفهوم من اللفظ لغة أو عرفا ليكون منافيا مع ما قدّمناه، بل لم نعهد حتّى رواية واحدة تكون واردة لبيان شرح اللفظ وبيان مفهومه اللغوي أو العرفي، لخروج ذلك كلّه عن شأنه ومنصبه الساميّين . فالصحيحة واردة لا محالة لبيان المراد من هاتين الكلمتين الواقعتين في الآية المباركة - أعني قوله تعالى : (إِنَّمَا اَلصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ اَلْمَساكِينِ)ـ فهي تفسير للآية لا بيان لمفهوم اللفظ بما هو، ولا ضير في ذلك، فيلتزم بأنّ مصرف الزكاة هو مطلق من لا مال له سأل أم لم يسأل، فأريد من المسكين الأوّل ومن الفقير الثاني . (1)
يلاحظ عليه : بأنّه كيف تكون الروايات واردة لبيان المراد من هذين اللفظين في خصوص آية الصدقات، مع أنّ خبر أبي بصير يفسّر - مضافا إلى الفقير والمسكين - البائس الذي ورد في سورة الحجّ(وَأَطْعِمُوا اَلْبائِسَ اَلْفَقِيرَ)(2) .
كما أنّ خبر تفسير القمي يفسّر قوله سبحانه : (لِلْفُقَراءِ اَلَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اَللّهِ . . . )(3) .
الثاني : انّ الفقير يفارق المسكين إذا اجتمعا في كلام واحد كما في آية الصدقات، وأمّا إذا ما تفرّقا فلم يرد في الكلام إلاّ واحد منهما كما في آيات الكفّارات فيراد منه كلا المعنيين، فهما إذا اجتمعا افترقا، وإذا تفرّقا اجتمعا، كالظرف والجار والمجرور، فإذا اجتمعا يراد من الظرف غير الجارّ والمجرور، وإذا تفرّقا يطلق الظرف على الجار والمجرور أيضا .

1المستند في شرح العروة : 24 / 3 ـ 4.
2الحج : 28.
3البقرة : 273.

صفحه 14
والفقير الشرعيّ من لا يملك مؤونة السنة له ولعياله والغنيّ الشرعيّ بخلافه . *
وعلى هذا فالمراد من المساكين في آية الكفّارات هو كلا المعنيين، ولعلّ هذا الجواب أوضح .
* اختلفت كلمتهم في تفسير الفقير، إلى أقوال : الأوّل : ما هو المشهور بين المتأخّرين وهو الذي ذكره المصنّف، وانّ المراد به من لا يملك مؤونة السنة له ولعياله والغني الشرعي بخلافه، فبذلك أصبح الفقير ممّا له حقيقة شرعية - مضافا إلى اللغويّة -.
فمن كان عنده ضيعة أو عقار أو مواش أو نحو ذلك تقوم بكفايته وكفاية عياله في طول السنة لا يجوز له أخذ الزكاة، ونسب ذلك القول في « الجواهر » إلى المشهور بين المتأخّرين من الأصحاب، وانّ عليه عامّتهم ما عدا النادر الذي لا يعبأ بخلافه، بل نسبه غير واحد إلى الشهرة من غير تقييد، وعن آخر نسبته إلى محقّقي المذهب، وحكاه في « المعتبر » عن الشيخ في باب قسم الصدقات . (1)
ولعلّ إلى هذا القول يشير الشيخ في خلافه، يقول : الاستغناء بالكسب يقوم مقام الاستغناء بالمال في حرمان الصدقة، فإذا كان رجل جلد مكتسب يكسب ما يحتاج إليه لنفقته ونفقة عياله حرمت عليه الصدقة . وبه قال الشافعي، وفي الصحابة : عبد اللّه بن عمرو بن العاص، وفي الفقهاء : أبو ثور وإسحاق . (2)

1الجواهر : 15 / 304.
2الخلاف : 4/230، كتاب الصدقات، المسألة 11 . ولا حظ أيضا المسألة 24 فانّ كلامه فيها أبسط.

صفحه 15
وقد فهم ابن إدريس هذا المعنى من عبارة « الخلاف » أيضا حيث قال : وقال بعضهم : لا أقدّره بقدر، بل إذا ملك من الأموال ما يكون قدر كفايته لمؤونة طول سنته على الاقتصاد فانّه يحرم عليه أخذ الزكاة، سواء كانت نصابا أو أقلّ من نصاب أو أكثر من النصاب، فإن لم يكن بقدر كفاية سنته فلا يحرم عليه أخذ الزكاة . قال : وهذا هو الصحيح، وإليه ذهب شيخنا أبو جعفر في مسائل الخلاف . (1)
وعلى هذا فانّ عبارة الشيخ في « الخلاف » وإن لم يرد فيها لفظ السنة ولكنّه منصرف إليها .
الثاني : الفقير من لا يملك نصابا من النصب، وعلى هذا فالصدقة لا تحرم على المكتسب وإنّما تحرم على من يملك نصابا من المال الذي يجب فيه الزكاة، أو قدر النصاب من المال الذي لا يجب فيه الزكاة، وهو خيرة أبي حنيفة وأصحابه .
وعلى هذا إذا ملك نصابا من الذهب وهو عشرون دينارا حرم عليه أخذ الزكاة . (2)
الثالث : انّ الفقير من لا يملك قوته وقوت عياله طيلة حياته لا خصوص السنة الواحدة فيعتبر في الغني القدرة على ما يكفيه دائما .
وقد نسب إلى الشيخ في « المبسوط » حيث قال : الغني الذي يحرم عليه أخذ الصدقة باعتبار الفقر هو أن يكون قادرا على كفايته وكفاية من تلزمه كفايته على الدوام، فإن كان مكتفيا بصنعة وكانت صنعته

1السرائر : 1 / 462.
2الخلاف : 2/230; مختلف الشيعة : 3 / 215.

صفحه 16
تردّ عليه كفايته وكفاية من تلزمه نفقته حرمت عليه، وإن كانت لا تردّ عليه حلّ له ذلك . (1)
ثمّ إنّ ابن إدريس حمل الدوام هنا على مؤونة السنة . فهذه هي الأقوال المعروفة، وإليك دراستها واحدا بعد الآخر .

أدلّة القول الأوّل

استدلّ على قول المشهور بروايات أربع وربما أيّدت بروايتين أخريين : الأولى : صحيحة أبي بصير حيث قال : سمعت أبا عبد اللّه(عليه السلام)يقول : « يأخذ الزكاة صاحب السبعمائة إذا لم يجد غيره » قلت : فانّ صاحب السبعمائة تجب عليه الزكاة؟ قال : « زكاته صدقة على عياله، ولا يأخذها إلاّ أن يكون إذا اعتمد على السبعمائة أنفذها في أقلّ من سنة فهذا يأخذها، ولا تحلّ الزكاة لمن كان محترفا وعنده ما تجب فيه الزكاة أن يأخذ الزكاة » . (2)
أمّا فقه الحديث فنوضحه ببيان أمور : هل المراد من الزكاة في قوله : « فإنّ صاحب السبعمائة تجب عليه الزكاة » هو زكاة النقدين أو زكاة التجارة؟ الظاهر من الراوي انّه حمله على زكاة النقدين، ولأجل ذلك تعجّب من أخذ الزكاة، لأنّه إنّما يجب عليه الزكاة إذا حال عليه الحول، وحيلولة الحول مع بقاء المبلغ المزبور آية الغنى، فكيف يجوز له أخذ الزكاة؟
والظاهر انّ الإمام وافقه في ذلك، ولكن دفع تعجبه بأنّه ينفد ذلك المبلغ في

1المبسوط : 1 / 256.
2الوسائل : 6، الباب 8 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1 .

صفحه 17
أقل من سنة ولذلك يأخذ الزكاة، فالإمام والراوي متوافقان على كون المبلغ موردا لزكاة النقدين، لكن الراوي يحمله على حيلولة الحول دون الإمام .
2 . انّ ظاهر الرواية انّ المحترف لا تحلّ عليه الزكاة إذا كان عنده ما تجب فيه الزكاة، وهو بظاهره غير تام، لأنّ المحترف إذا لم يف ما يكسبه لمؤونة سنته يجوز له أخذ الزكاة، سواء أكان عنده ما تجب فيه الزكاة أم لا مع أنّ الرواية خصّت الجواز بما إذا لم يكن عنده ما تجب فيه الزكاة، فما وجهه؟
والجواب : انّ للمحترف أمورا ضرورية وأخرى كمالية، فربّما لا تفي أجرة المحترف إلاّ بسدّ حاجة الأمور الضرورية دون الكمالية، ولذلك قيّد الإمام(عليه السلام)حرمة الأخذ بما إذا كان عنده ما تجب فيه الزكاة حتّى يسد حاجة أموره الكمالية، فمجرّد احتراف الإنسان لا يحرم عليه الزكاة .
3 . الظاهر انّ قوله : « لا يأخذ الزكاة » في ذيل الحديث زائد وغير موجود في طبعات « الكافي » وإنّما هو موجود في نسخة « الوسائل » .
إذا عرفت هذه الأمور، فظاهر الرواية انّه إذا كان ما يكسبه الإنسان غير واف بمؤونة سنته يجوز له أخذ الزكاة، ولذلك جوّز الإمام لصاحب السبعمائة أخذ الزكاة لأنّها تنفد في أقلّ من سنة .
الثانية : صحيحة معاوية بن وهب، قال : سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن رجل يكون له ثلاثمائة درهم أو أربعمائة درهم وله عيال وهو يحترف فلا يصيب نفقته فيها، أيكبّ فيأكلها ولا يأخذ الزكاة، أو يأخذ الزكاة؟ قال : « لا، بل ينظر إلى فضلها فيقوت بها نفسه ومن وسعه ذلك من عياله ويأخذ البقية من الزكاة ويتصرّف بهذه لا ينفقها » . (1)

1الوسائل : 6، الباب 12 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1 .

صفحه 18
الضمير في قوله : « بل ينظر إلى فضلها » يرجع إلى الدراهم والمراد من الفضل ما يستحصلها بهذه الدراهم من طريق الكسب .
قوله : « ويأخذ البقية من الزكاة » أي بقية السنة .
فتفيد الرواية انّ من لا يملك مؤونة سنته فعلا أو قوة يحلّ له إكمال مؤونته من الزكاة .
قوله : « ويتصرف بهذه ولا ينفقها » يريد انّه لا ينفق رأس ماله في النفقة، بل يكتسبها ويأخذ البقية من الزكاة .
الثالثة : موثّقة سماعة، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال : « قد تحلّ الزكاة لصاحب السبعمائة وتحرم على صاحب الخمسين درهما » فقلت له : وكيف يكون هذا؟ قال : « إذا كان صاحب السبعمائة له عيال كثير فلو قسّمها بينهم لم تكفه فليعف عنها نفسه وليأخذها لعياله، وأمّا صاحب الخمسين فانّه تحرم عليه إذا كان وحده وهو محترف يعمل بها وهو يصيب منها ما يكفيه إن شاء اللّه » . (1)
والرواية وإن كانت خالية عن لفظ السنة لكن الكفاية وعدم الكفاية ينصرف إلى كفاية مؤونة السنة، لأنّ المؤن تحاسب حسب السنوات كما هو الرائج بين الفلاّحين، ويوضح ذلك روايته الأخرى .
الرابعة : موثّقته الأخرى، قال : سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن الزكاة هل تصلح لصاحب الدار والخادم؟ فقال : « نعم، إلاّ أن تكون داره دار غلة فخرج له من غلّتها دراهم ما يكفيه لنفسه وعياله، فإن لم تكن الغلّة تكفيه لنفسه وعياله في طعامهم وكسوتهم وحاجتهم من غير إسراف فقد حلّت له الزكاة، فإن كانت

1الوسائل : 6، الباب 12 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 2 .

صفحه 19
غلّتها تكفيهم فلا » . (1)
قوله : « الغلّة » الدخل من كراء دار وفائدة أرض وغيره، والرواية وإن كانت خالية عن لفظ السنة ولكن يستفاد منها بشهادة قوله : « إلاّ أن تكون داره دار غلّة » ، إذ المراد بدار الغلّة ما هو المعدّ للانتفاع بالإيجار وغيره في مقابل المسكن الذي لا يؤجر، ومن المعلوم استقرار السيرة على إيجار الدار سنويا لا أسبوعيا ولا شهريا، فالتعبير بالغلّة كأنّه تعبير آخر عن الانتفاع سنة، مضافا إلى قوله : « ما يكفيه لنفسه ولعياله » حيث إنّ الكفاية وعدمها عرفا منصرفة إلى الكفاية في سنة .
هذه الروايات بين صحيحة وموثّقة كافية في المقام، وهناك روايتان دونهما في الحجية .
الخامسة : خبر علي بن إسماعيل الدغشي، قال : سألت أبا الحسن(عليه السلام)عن السائل وعنده قوت يوم، أيحلّ له أن يسأل؟ وان أعطي شيئا من قبل أن يسأل يحلّ له أن يقبله؟ قال : « يأخذ وعنده قوت شهر ما يكفيه لسنته من الزكاة، لأنّها إنّما هي من سنة إلى سنة » . (2)
السادسة : مرسلة « المقنعة » عن يونس بن عمّار قال : سمعت أبا عبد اللّه(عليه السلام)يقول : « تحرم الزكاة على من عنده قوت السنة، وتجب الفطرة على من عنده قوت السنة، وهي سنّة مؤكّدة على من قبل الزكاة لفقره، وفضيلة لمن قبل الفطرة لمسكنته، دون السنّة المؤكدة والفريضة » . (3)
إلى هنا تمّ ما دلّ على القول الأوّل، فلنذكر حجّية القول الثاني .

1الوسائل : 6، الباب 9 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1 .
2الوسائل : 6، الباب 8 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 7 .
3الوسائل : 6، الباب 8 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 10 .

صفحه 20

حجّة القول الثاني

قد عرفت أنّ من الأصحاب من يقول بأنّ الغني هو من يملك أحد النصب التي فيها الزكاة، فقد استدلّ عليه بوجوه :
الأوّل : ما ورد في طرقنا عن الصادق(عليه السلام)انّه قال : « إنّ اللّه عزّ وجلّ فرض للفقراء في مال الأغنياء ما يسعهم » . (1)
وفي حديث آخر : « إنّ اللّه عزّ وجلّ فرض للفقراء في أموال الأغنياء ما يكتفون به » . (2)
ورواه البيهقي في سننه وفيه : « فاعلمهم - يا معاذ - انّ اللّه قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فتردّ على فقرائهم » . (3)
فالواجد لأحد النّصب غنيّ حسب هذه الروايات، والغنيّ يحرم عليه أخذ الصدقة، فينتج : الواجد لأحد النصب يحرم عليه أخذ الصدقة .
يلاحظ عليه : أوّلا : بأنّه لا ملازمة بين صدق الغنى وحرمة أخذ الزكاة بشهادة أمرين :
1 . انّ المقترض إذا حال الحول تجب عليه زكاة الدرهم والدينار اللّذين اقترضهما مع أنّه ربما يكون فقيرا مديونا يجوز عليه أخذ الزكاة لأداء دينه .
2 . العامل يأخذ الزكاة وفي الوقت نفسه ربّما تجب عليه الزكاة إذا ملك النصاب .
وثانيا : انّ الغناء الموجب للزكاة غير الغناء المانع عنه، لا بمعنى انّ للغناء معنيين مختلفين حتّى يكون اللفظ مشتركا لفظيا، بل بمعنى انّ للغناء معنى واحدا

1الوسائل : 6، الباب 1 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 2.
2الوسائل : 6، الباب 1 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 3.
3سنن البيهقي : 4 / 96.

صفحه 21
مقولا بالتشكيك، فمرتبة منه موجبة للزكاة ومرتبة أخرى مانعة عنه، فالموجب من يملك أحد النصب، والمانع من يملك مؤونة السنة لنفسه ولعياله .
الثاني : ما في صحيح زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): « لا تحلّ لمن عنده أربعون درهما يحول عليها الحول عنده أن يأخذها، وإن أخذها أخذها حراما » . (1)
وجه الدلالة : انّ « أربعون درهما » هو النصاب الثاني للدرهم ( بعد كون النصاب الأوّل هو مائتا درهم) فمن ملكه حرمت عليه الزكاة .
يلاحظ عليه : أنّ قوله : « أربعون درهما يحول عليها الحول » كناية عن الغنى، أي من فاض من مؤونته في سنة أربعون درهما، فمثل هذا كان مالكا لمؤونة السنة وأزيد - أعني : أربعون درهما - حيث لم يصرفه بل ادّخره، وليس المراد من لا يملك في مجموع السنة إلاّ أربعين درهما كما هو نظر المستدل .
الثالث : ما في خبر أبي بصير : « لا تحلّ الزكاة لمن كان محترفا وعنده ما تجب فيه الزكاة » . (2)
يلاحظ عليه : أنّ المراد بالمحترف الذي يملك مؤونة السنة مع شيء زائد وهو ما تجب فيه الزكاة من النصب، تحرم عليه الزكاة لا انّ من لا يملك إلاّ أحد النصب فقط تحرم عليه الزكاة، فقد تبيّن من ذلك انّه لا دليل على القول الثاني .
وأمّا القول الثالث - أعني : من يملك مؤونة عمره ومؤونة من يعينهم - فقد عرفت أنّه لا قائل به، وانّ عبارة الشيخ محمولة على السنة .

1الوسائل : 6، الباب 12 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 5 .
2الوسائل : 6، الباب 8 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1 .

صفحه 22
فمن كان عنده ضيعة أو عقار أو مواش أو نحو ذلك تقوم بكفايته وكفاية عياله في طول السنة لا يجوز له أخذ الزكاة، وكذا إذا كان له رأس مال يقوم ربحه بمؤنته، أو كان له من النقد أو الجنس ما يكفيه وعياله، وإن كان لسنة واحدة، وأمّا إذا كان أقلّ من مقدار كفاية سنته يجوز له أخذها .
وعلى هذا فلو كان عنده بمقدار الكفاية ونقص عنه بعد صرف بعضه في أثناء السنة يجوز له الأخذ ولا يلزم أن يصبر إلى آخر السنة حتى يتمّ ما عنده ففي كل وقت ليس عنده مقدار الكفاية المذكورة يجوز له الأخذ .
وكذا لا يجوز لمن كان ذا صنعة أو كسب يحصّل منهما مقدار مؤنته، والأحوط عدم أخذ القادر على الاكتساب إذا لم يفعل تكاسلا . *
............................................................................................
* قد أشار المصنّف إلى فروع ستة :
1 . من كان عنده ضيعة أو عقار تقوم غلّتها بكفايته .
2 . من كان له رأس مال يقوم ربحه بمؤونته .
3 . من كان له من النقد والجنس ما يكفيه وعياله سنة واحدة .
4 . من كان له من النقد والجنس أقلّ من مقدار كفاية سنته .
5 . من كان ذا صنعة أو كسب يحصل منها مقدار مؤونته .
6 . حكم المحترف أو الكاسب إذا ترك الحرفة والكسب تكاسلا .
وإليك بيان أحكامها :
أمّا الأوّل فواضح، لعدم صدق حدّ الفقير عليه، مضافا إلى ما في موثّقة سماعة قال : سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن الزكاة هل تصلح لصاحب الدار والخادم؟ فقال : « نعم، إلاّ أن تكون داره، دار غلّة فخرج له من غلّتها دراهم ما يكفيه لنفسه

صفحه 23
وعياله، فإن لم تكن الغلّة تكفيه لنفسه وعياله في طعامهم وكسوتهم وحاجتهم من غير إسراف فقد حلّت له الزكاة، فإن كانت غلّتها تكفيهم فلا » . (1)
ومورد الرواية وإن كان الدار ولكن بعد إلغاء الخصوصية يكون الميزان انّ ما يستحصله بأي نحو كان كافيا له ولعياله .
وربّما تتوهّم المعارضة بين مفاد موثّقة سماعة وما رواه الصدوق بإسناده إلى أبي بصير، قال : سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن رجل له ثمانمائة درهم وهو رجل خفاف، وله عيال كثير، أله أن يأخذ من الزكاة؟ فقال : « يا أبا محمّد، أيربح في دراهمه ما يقوت به عياله، ويفضل؟ » ، قال : نعم، قال : « كم يفضل؟ » قال : لا
أدري .
قال : « إن كان يفضل عن القوت مقدار نصف القوت فلا يأخذ الزكاة، وإن كان أقلّ من نصف القوت أخذ الزكاة » . (2)
فانّ ظاهر الحديث انّ الربح إذا كان وافيا بالقوت فهو لا يمنع من أخذ الزكاة إلاّ إذا كان مشتملا على زيادة بمقدار نصف القوت، فيقع التعارض بينها وبين موثّقة سماعة التي اكتفى في المنع عن أخذ الزكاة بكفاية غلّة الدار بما يحتاج إليه .
ويمكن الجواب - مضافا إلى أنّ في طريق الصدوق إلى أبي بصير علي بن حمزة البطائني - انّه لا تعارض بينهما لا لأجل انصراف « القوت » إلى الأكل والشرب كما قيل . (3) وذلك لأنّ القوت كناية عن المأكل والملبس والمسكن، فيدخل

1الوسائل : 6، الباب 9 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1 .
2الوسائل : 6، الباب 8 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 4 .
3مستند العروة الوثقى : 24 / 15.

صفحه 24
فيه وراء الشرب والأكل ما يحتاج إليه الإنسان من الملابس والسكن .
بل لأجل انّ القوت حتى بالمعنى الذي ذكرناه لا يسدّ حاجة الإنسان أحيانا، إذ ربّما يحتاج إلى بذل مصارف في معالجة مرضه أو مرض عياله أو في الترفيه أو غير ذلك من الكماليات المتناسبة لشخصية الإنسان، فلعلّ اشتراط الفضل - وراء ما يقوت - لأجل وجود فضل يرفع به تلك الحاجات، وعلى ذلك لو
افترضنا عدم الحاجة إلى هذه الحاجات الكمالية لكفى في منع الزكاة كون الربح وافيا بالقوت .

الفرع الثاني :

لو كان عنده رأس مال يقوم ربحه بمئونته لا يجوز له أخذ الزكاة، وذلك لعدم صدق الفقير عليه .

الفرع الثالث :

إذا كان له من النقد أو الجنس ما يكفيه وعياله وإن كان سنة واحدة، فلا يجوز له أخذه، وذلك لعدم صدق الفقير عليه .

الفرع الرابع :

إذا كان عنده بمقدار الكفاية لكن نقص عنه بعد صرف بعضه في أثناء السنة يجوز له الأخذ ولا يلزم الصبر إلى آخر السنة حتى يتم ما عنده لانقلاب الموضوع وتبدّل الغني بالفقير بعد الصرف المزبور .

الفرع الخامس :

إذا كان الرجل ذا صنعة أو كسب يحصل منها مقدار مؤونته تحرم عليه الزكاة، لعدم صدق الفقير عليه حيث افترضنا انّه شاغل بحرفته وكسبه، ويكفي ما يحصل منهما بمؤونته .

صفحه 25
مضافا إلى ما ورد من حرمة الزكاة على المحترف .
ففي صحيحة زرارة بن أعين، عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال : سمعته يقول : « إنّ الصدقة لا تحلّ لمحترف، ولا لذي مرّة سوي، قوي، فتنزّهوا عنها » . (1)
وفي رواية أخرى عنه، عن أبي جعفر قال : « قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا تحلّ الصدقة لغني، ولا لذي مرة سويّ، ولا لمحترف، ولا لقوي » ، قلنا : ما معنى هذا؟ قال : « لا يحلّ له أن يأخذها وهو يقدر على أن يكفّ نفسه عنها » . (2)
والحكم واضح لا غبار عليه .

الفرع السادس :

تلك الصورة ولكنّه لا يشتغل تكاسلا فهو محترف وكاسب بالقوة لا بالفعل، فهل تحلّ له الزكاة نظرا إلى حاجته الفعلية أو لا، لأجل تمكّنه من تحصيل ما يكفي لمؤونة نفسه وعياله؟
ومحلّ النزاع فيما إذا كان وقت الاكتساب باقيا لا ما إذا كان الوقت زائلا، لأجل كون العمل محدّدا بوقت خاص وخرج الوقت لأجل تكاسله، ويظهر من غير واحد من الأصحاب عدم الجواز .
قال الشيخ في « النهاية » : ولا يجوز أن يعطي الزكاة لمحترف يقدر على اكتساب ما يقوم بأوده وأود عياله . (3)
وقال في « الغنية » : وأن لا يكون ممّن يمكنه الاكتساب لما يكفيه . (4)
وقال ابن إدريس في « السرائر » : وأن لا يقدر على اكتساب الحلال بقدر ما

1الوسائل : 6، الباب 8 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 2.
2الوسائل : 6، الباب 8 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 8.
3النهاية : 187 . الأود : الكدّ والتعب.
4الغنية : 1 / 124.

صفحه 26
يقوم بأوده وسدّ خلّته . (1)
وقال المحقّق في « الشرائع » : فمن يقدر على اكتساب ما يمون نفسه وعياله لا يحلّ له أخذها، لأنّه كالغني، وكذا ذو الصنعة . (2)
وقال العلاّمة في « القواعد » : ويمنع القادر على تكسب المؤونة بصنعة أو غيرها . (3)
ويدلّ عليه ما سبق من الروايات من أنّ الصدقة لا تحل لمحترف ولا لذي مرة سويّ .
والمرّة قوة الخلق وشدّته .
نعم ربّما يتصوّر التعارض بينه وبين سائر الروايات .
1 . روى الصدوق في « الفقيه » مرسلا، قيل للصادق(عليه السلام): إنّ الناس يروون عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)انّه قال : إنّ الصدقة لا تحلّ لغني ولا لذي مرّة سويّ؟ فقال : « قد قال : لغني، ولم يقل : لذي مرّة سويّ » . (4)
2 . ما رواه أيضا مرسلا في « معاني الأخبار » عن الصادق(عليه السلام)أنّه قال : « قد قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ الصدقة لا تحلّ لغنيّ، ولم يقل : ولا لذي مرّة سوي » . (5)
يلاحظ عليه أوّلا : أنّ ما رواه الصدوق مرسل لا يعادل المسند وإن كانت مراسيله يعتمد عليها خصوصا إذا قال : قال الصادق(عليه السلام)، ولكن إذا لم يكن مبتلى بالمعارض .
وثانيا : نفترض انّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)قال : لا تحلّ لغني ولم يقل « لذي مرّة سوي »

1السرائر : 1 / 459.
2الشرائع : 1 / 159.
3القواعد : 1 / 348.
4الوسائل : 6، الباب 8 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 5.
5الوسائل : 6، الباب 8 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 9.

صفحه 27
المسألة 1 : لو كان له رأس مال لا يقوم ربحه بمؤونته لكن عينه تكفيه لا يجب عليه صرفها في مؤونته بل يجوز له إبقاؤه للاتّجار به وأخذ البقيّة من الزكاة، وكذا لو كان صاحب صنعة تقوم آلاتها أو صاحب ضيعة تقوم قيمتها بمؤونته ولكن لا يكفيه الحاصل منهما لا يجب عليه بيعها وصرف العوض في المؤونة بل يبقيها ويأخذ من الزكاة بقيّة المؤونة . *
............................................................................................
ولكن عدم قوله به لا يوجب جواز الأخذ لدخوله في الغني، فلعلّ رسول اللّه اكتفى بجملة تامة - أعني : « لا تحلّ لغني » - كما في المرسل الثاني وهو يشمل الغني بالفعل والغني بالقوة القريبة إلى الفعل .
إلى هنا تمّ الكلام في الفروع التي ذكرها المصنّف في صدر الفصل، وإليك المسائل التي ابتدأ بها، فقال :
* للمسألة صورتان تعرّض لإحداهما المصنّف دون الأخرى، وإليك بيانهما :
1 . لو كان ربح رأس ماله لا يقوم بمؤونته ولكن لو صرف عينه تكفيه سنة، وهكذا لو كان صاحب صنعة أو ضيعة لا يكفيه الحاصل منهما لكن لو باع آلات الصنعة أو رقبة الضيعة يقوم ثمنهما بمؤونته .
2 . تلك الصورة ولكن رأس المال وحده يكفي أقلّ من مؤونة سنته، وهكذا ثمن الآلات أو ثمن الضيعة لا يقوم بمؤونة سنته .
فيقع الكلام في أنّه هل يجب عليه صرف رأس المال في المؤونة؟ وهل يجب بيع الآلات ورقبة الضيعة وصرف ثمنها في مؤونته أو لا يجب، بل يبقى الكلّ على حاله ويأخذ بقية المؤونة من الزكاة؟

صفحه 28
والفرق بين الصورتين واضح حيث يشتركان في جميع القيود غير أنّ ما يملك، يكفيه مؤونة سنة في الصورة الأولى دون الأخرى .
ثمّ إنّ السبب لعنوان هذه المسألة هو انّهم عرّفوا الغني بمن يملك مؤونة سنته، فعندئذ يكون المالك في الصورة الأولى غنيّا لافتراض كفاية ما يملك لمؤونة السنة، وعلى ذلك فلا يجوز له أخذ الزكاة بل يجب صرف ما يملك في مؤونته مع أنّ الأصحاب ذهبوا إلى خلاف ذلك، قال الشيخ في « المبسوط » :
والغناء الذي يجوز معه أخذ الصدقة أن يكون قادرا على كفايته وكفاية من يلزم كفايته على الدوام .
فإن كان مكتفيا بصنعة وكانت صنعته تردّ عليه كفايته وكفاية من تلزمه ونفقته حرمت عليه، وإن كانت لا تردّ عليه، حلّ له ذلك; وهكذا حكم العقار، وإن كان من أهل البضائع احتاج أن يكون معه بضاعة ترد عليه حقّ كفايته، فإن نقصت عن ذلك، حلّت له الصدقة . (1)
ونقل صاحب الحدائق عن المحقّق في « النافع » والعلاّمة وغيرهم جواز تناول الزكاة لمن كان له مال يتعيش به أو ضيعة أو دار يستغلّها إذا كانت الغلّة والنماء يعجز عن كفايته، وإن كان بحيث يكفيه رأس المال وثمن الضيعة أو الدار لكفاية سنته فانّه لا يكلّف بالإنفاق من رأس ماله ولا بيع ضيعته وداره، بل يأخذ التتمة من الزكاة . (2)
والظاهر عدم التعارض بين تعريف الغني وجواز تناول هؤلاء من الزكاة تتمة، وذلك لأنّ المراد من قولهم الغني من يملك مؤونة السنة له ولعياله، هو

1المبسوط : 1/256، وفي المصدر « أهل الصنائع » ، والصحيح ما أثبتناه.
2الحدائق : 12 / 157.

صفحه 29
الملك الذي من شأنه أن يصرف في المؤونة لا من شأنه أن يبقى ويتعيّش بنمائه وريعه .
فعلى ذلك فرأس المال أو آلات الصنعة ورقبة الضيعة خارجة عن التعريف، إذ ليس من شأنها صرفها في المؤونة، والروايات تؤيّد موقف المشهور وانّه لا يجب على هؤلاء صرف رأس المال أو بيع الآلات والضيعة للصرف في المؤونة، بل يجوز لهم صرف الحاصل منها في المؤونة وأخذ الزكاة للتتميم .

ما ورد في رأس المال والأدوات والضيعة

وتدلّ على حكم رأس المال، صحيحة معاوية بن وهب، قال : سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن الرجل يكون له ثلاثمائة درهم أو أربعمائة درهم وله عيال وهو يحترف فلا يصيب نفقته فيها، أيكبّ فيأكلها ولا يأخذ الزكاة، أو يأخذ الزكاة؟ قال : « لا، بل ينظر إلى فضلها فيقوت بها نفسه ومن وسعه ذلك من عياله ويأخذ البقية من الزكاة، ويتصرّف بهذه لا ينفقها » . (1)
والرواية تعمّ الصورتين، بل هي ظاهرة في الصورة الأولى، فانّ أربعمائة درهم في العصور السابقة كانت تكفي للأسر الثرية فضلا عن غيرها .
على أنّ ترك الاستفصال كاف للاحتجاج بها على كلتا الصورتين، فما عن السيد الحكيم في « المستمسك » من أنّ القدر المتيقّن صورة عدم كفاية رأس المال فلا تشمل صورة كفاية رأس المال وحده في مؤونة السنة غير ظاهر . (2)
وذلك لأنّ قوله : « بل ينظر إلى فضلها » دليل على أنّ الميزان هو كفاية ما

1الوسائل : 6، الباب 12 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1 .
2المستمسك : 9 / 216.

صفحه 30
يفضل على أربعمائة درهم التي هي رأس المال وعدمها، فإن كان الفضل كافيا تحرم عليه الزكاة وإلاّ فلا، سواء أكان رأس المال كافيا أم لا .
ويدلّ على حكم آلات الكسب التي هي قريبة من آلات الصنعة، خبر إسماعيل بن عبد العزيز، عن أبيه قال : دخلت أنا وأبو بصير على أبي عبد اللّه(عليه السلام)فقال له أبو بصير : انّ لنا صديقا - إلى أن قال : - وله دار تسوى أربعة آلاف درهم، وله جارية، وله غلام يستقي على الجمل كلّ يوم ما بين الدرهمين إلى الأربعة سوى علف الجمل، وله عيال أله أن يأخذ من الزكاة؟ قال : « نعم » ، قال : وله هذه العروض؟ فقال : « يا أبا محمد، فتأمرني أن آمره ببيع داره وهي عزّه ومسقط رأسه؟ أو ببيع خادمه الذي يقيه الحر والبرد ويصون وجهه ووجه عياله؟ ! أو آمره أن يبيع غلامه وجمله وهو معيشته وقوته؟ ! بل يأخذ الزكاة فهي له حلال، ولا يبيع داره ولا غلامه ولا جمله » . (1)
ثمّ إنّ قوله : « أو آمره أن يبيع غلامه وجمله وهو معيشته وقوته » يختصّ بما إذا كان بيعها أو بيع شيء منها يوجب نقصا في الربح أو النماء، وأمّا إذا كان بيع قسم منها غير مؤثر في نقص الربح والنماء يجب عليه بيعه وصرفه في مؤونته .
وتدلّ على حكم العقار موثّقة سماعة، قال : سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن الزكاة هل تصلح لصاحب الدار والخادم؟ فقال : « نعم، إلاّ أن تكون داره دار غلّة فخرج له من غلّتها دراهم ما يكفيه لنفسه وعياله، فإن لم تكن الغلّة تكفيه لنفسه وعياله في طعامهم وكسوتهم وحاجتهم من غير إسراف فقد حلّت له الزكاة، فإن
كانت غلّتها تكفيهم فلا » . (2)

1الوسائل : 6، الباب 9 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 3 .
2الوسائل : 6، الباب 9 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1 .

صفحه 31
المسألة 2 : يجوز أن يعطي الفقير أزيد من مقدار مؤونة سنته دفعة فلا يلزم الاقتصار على مقدار مؤونة سنة واحدة، وكذا في الكاسب الّذي لا يفي كسبه بمؤونة سنته، أو صاحب الضيعة الّتي لا يفي حاصلها، أو التاجر الّذي لا يفي ربح تجارته بمؤونة سنته لا يلزم الاقتصار على إعطاء التتمّة، بل يجوز دفع ما يكفيه لسنين، بل يجوز جعله غنيّا عرفيّا وإن كان الأحوط الاقتصار . نعم لو أعطاه دفعات لا يجوز بعد أن حصل عنده مؤونة السنة أن يعطي شيئا ولو قليلا ما دام كذلك . *
............................................................................................
لا شكّ انّ الفقير أحد الأصناف الثمانية وقد اختلفوا في مقدار ما يعطى له من حيث القلّة والكثرة، وقد طرح المصنّف جانب القلّة في المسألة 18 في فصل « بقية أحكام الزكاة » ونحن أيضا نقتفيه، إنّما الكلام في جانب الكثرة، فللأصحاب هنا أقوال ثلاثة :
الأوّل : لا يتقدّر بقدر وهو المنقول عن المشهور .
قال المحقّق : قيل يعطى ما يتمّم كفايته، وليس ذلك شرطا . (1)
وقال العلاّمة في « المنتهى » : الثالث : يجوز أن يعطى الفقير ما يغنيه وما يزيد على غناه . وهو قول علمائنا أجمع، وبه قال أصحاب الرأي، وقال الثوري ومالك والشافعي وأبو ثور : يعطى قدر ما يغنيه من غير زيادة، وبه قال أحمد في إحدى الروايتين، وفي الأخرى لا يجوز أن يدفع إليه قدر غناه بل دونه . (2)
وقال في موضع آخر : السابع : لو كان معه ما يقصر عن مؤونته وقوته وقوت

1الجواهر : 15/315، قسم المتن.
2المنتهى : 1/528 . وقد أشار العلاّمة إلى أقوال الآخرين وانّها ثلاثة فلاحظ .

صفحه 32
عياله حولا جاز له أخذ الزكاة، لأنّه محتاج ولا يتقدّر بقدر، وقيل : إنّه لا يؤخذ زائدا عن تتمة المؤونة حولا وليس بالوجه . (1)
وقال في « التذكرة » : لو قصر التكسّب عن مؤونته ومؤونة عياله جاز أن يأخذ الزكاة إجماعا، واختلف علماؤنا، فقال بعضهم : يأخذ قدر التتمة لا أزيد، لأنّه حينئذ يصير غنيا فتحرم عليه الزيادة .
وقال آخرون : يجوز أن يأخذ أزيد . وهو الأقوى، كما يجوز دفع ما يزيد على الغنى إلى الفقير دفعة، والغنى إنّما يحصل بالدفع . (2)
الثاني : انّه لا يأخذ أزيد من مؤونة سنة . وقد حكاه المحقّق والعلاّمة في كتابيهما كما عرفت .
الثالث : ما اختاره المصنّف انّه يجوز أن يعطى الفقير أزيد من مقدار مؤونة سنته دفعة، وأمّا لو أعطاه دفعات فلا يجوز بعد ان حصلت عنده مؤونة السنة أن يعطى شيئا ولو قليلا ما دام كذلك .
ثمّ إنّ الظاهر انّ محط البحث هو الأعمّ من ذي الكسب القاصر والفقير المطلق، وقد نقل في « الحدائق » عن بعضهم انّ الخلاف في جانب الكثرة في الكسب القاصر، وأمّا غيره فلا خلاف في أنّه يجوز أن يعطى أكثر من سنة . (3)
ثمّ إنّ ما ورد في كلماتهم من عدم التقدير، ردّ لما عليه فقهاء أهل السنّة حيث قدّره بعضهم بمقدار معيّن لا جامع ولا مانع، وعلى كلّ تقدير فلهم أقوال ثلاثة :
أ : قال ابن قدامة : يجوز أن يعطي له إذا لم يخرجه إلى الغنى المانع من أخذ

1المنتهى : 1/518، الطبعة الأولى.
2التذكرة : 5 / 276.
3الحدائق : 12 / 160.

صفحه 33
الزكاة، وهذا هو ظاهر الخرقي في رسالته .
ب : وقال ابن قدامة : يجوز أن يدفع إليه ما يغنيه من غير زيادة، ثمّ أوّل كلام الخرقي .
ج : وقال أصحاب الرأي، يعطى ألفا أو أكثر إذا كان محتاجا إليه ويكره أن يزداد عن المائتين . (1)
نعم انّ الغني عند أصحابنا غيره عندهم، فانّ الغني عندنا من يملك مؤونة سنته ومؤونة عياله، وأمّا عندهم ففيه اختلاف نقله ابن قدامة في « المغني » ، وقال : اختلف العلماء في الغنى المانع من أخذها، ونقل عن أحمد فيه روايتان :
أظهرهما : ملك خمسين درهما أو قيمتها من الذهب، والرواية الثانية انّ الغنى ما تحصل به الكفاية .
وقال الحسن وأبو عبيد : الغنى ملك أوقية وهي أربعون درهما .
وقال أصحاب الرأي : الغنى الموجب للزكاة هو المانع من أخذها، وهو : ملك نصاب تجب فيه الزكاة من الأثمان . (2)
إذا عرفت ذلك فقد استدلّ على قول المشهور بروايات تدلّ على جواز الإعطاء لحد الغنى، والمراد من الغنى هو الغنى العرفي لا الغنى الشرعي الذي يراد من ملك مؤونة سنته، نظير :
1 . صحيحة سعيد بن غزوان، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال : « تعطيه من الزكاة حتى تغنيه » . (3)
2 . وفي رواية أخرى له أيضا : « اعطه من الزكاة حتى تغنيه » وهما رواية

1المغني : 2 / 530.
2المغني : 2 / 524.
3الوسائل : 6، الباب 24 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1 .

صفحه 34
واحدة . (1)
3 . ما رواه إسحاق بن عمّار، عن أبي الحسن(عليه السلام)، قال : قلت له : أعطي الرجل من الزكاة ثمانين درهما؟ قال : « نعم وزده » قلت : أعطيه مائة؟ قال : « نعم، وأغنه إن قدرت أن تغنيه » . (2)
4 . ما رواه عمار بن موسى، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)انّه سئل : كم يعطى الرجل من الزكاة؟ قال أبو جعفر : « إذا أعطيت فأغنه » . (3)
5 . ما رواه إسحاق بن عمّار قال : قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): أعطي الرجل من الزكاة مائة درهم؟ قال : « نعم » ، قلت : مائتين؟ قال : « نعم » ، قلت : ثلاثمائة؟ قال : « نعم » ، قلت : أربعمائة؟ قال : « نعم » ، قلت : خمسمائة؟ قال : « نعم حتى تغنيه » . (4)
6 . ما رواه المفيد في « المقنعة » عن أبي جعفر(عليه السلام)أنّه قال : « إذا أعطيت الفقير فأغنه » . (5)
وقد جعلت الغاية في هذه الروايات هو حصول غناه المنصرف إلى الغنى العرفي .
وهناك لون آخر من الاستدلال، وهو انّ الإمام سمح في بعض الروايات بأن يعطى الفقير ألف درهم أو عشرة آلاف، ومن المعلوم أنّ هذا المقدار من الدراهم فوق مؤونة سنة لمتوسطي الحال; ففي خبر زياد بن مروان، عن أبي الحسن (عليه السلام)قال : « أعطه ألف درهم » . (6)

1الوسائل : 6، الباب 24 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 5 .
2الوسائل : 6، الباب 24 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 3 .
3الوسائل : 6، الباب 24 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 4 .
4الوسائل : 6، الباب 24 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 7 .
5الوسائل : 6، الباب 24 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 11 .
6الوسائل : 6، الباب 24 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 6 .

صفحه 35
وفي خبر بشر بن بشار، قال : قلت للرجل - يعني أبا الحسن(عليه السلام)-: ما حدّ المؤمن الذي يعطى الزكاة؟ قال : « يعطى المؤمن ثلاثة آلاف، ثمّ قال : أو عشرة آلاف، ويعطى الفاجر بقدر، لأنّ المؤمن ينفقها في طاعة اللّه والفاجر في معصية اللّه » . (1)
وربّما يؤيد ذلك بما رواه أبو بصير، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)أنّه قال : « إنّ اللّه نظر في أموال الأغنياء ثمّ نظر في الفقراء فجعل في أموال الأغنياء ما يكتفون به، ولو لم يكفهم لزادهم، بلى فليعطه ما يأكل ويشرب ويكتسي ويتزوّج ويتصدّق ويحج » . (2)
غير انّ التأييد لا يخلو من نظر، لأنّ الحجّ والتصدّق المتعارفين يعدّان من المؤونة في باب الزكاة والخمس فلا يدلّ جوازهما على المدّعى .
والحقّ انّ دلالة الروايات على المدّعى أمر لا ينكر، غير أنّ هنا نكتة وهي انّ المراد من الغنى وإن كان هو الغنى العرفي وهو أوسع دائرة ممّن يملك قوت سنته، لكن لا بدّ أن يراعى أحوال الناس وما هم عليه من الرفعة والضعة، فمن كان من أهل البيوتات الرفيعة يختلف حاله مع من لم يكن كذلك، فيعطى لكلّ حسب شأنه ومكانته الاجتماعية، فلا يلزم من القول بجواز الإعطاء للفقير إلى حدّ الغنى حرمان سائر الفقراء والأصناف كما ربّما يتوهم .
ثمّ إنّ لفيفا من المشايخ خالف القول المشهور كالسيد الحكيم، والسيد الشاهرودي والسيد الخوئي - قدس اللّه أسرارهم - وما هذا إلاّ لحمل الغنى في الروايات، على ما يقابل الفقر الذي من أجله كان مصرفا للزكاة، فبقرينة المقابلة

1الوسائل : 6، الباب 24 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 8 .
2الوسائل : 6، الباب 41 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 2 .

صفحه 36
يراد به ما يخرجه من تلك المصرفية، فيكون المقصود هو الغنى الشرعي المفسّر في تلك الأدلّة بمن يملك مؤونة السنة دون الغنى العرفي لكي يجوز الإعطاء أكثر من مؤونة سنة . (1)
يلاحظ عليه : أنّ الحمل المزبور يتوقّف على ثبوت الحقيقة الشرعية للفظ الغنى في عصر صدور الروايات على نحو جاز للإمام أن يستعمله في المعنى المنقول إليه بلا قرينة، وأنّى لنا إثبات ذلك، ويؤيّد ما ذكرنا انّ ما رواه عمّار عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)إنّما هو رواه الإمام عن أبيه أبي جعفر الباقر(عليه السلام)حيث قال : « إذا أعطيت فاغنه » .
وأمّا استلزامه حرمان الآخرين من الفقراء، فقد عرفت أنّ المراد، هو الدفع حسب مكانته الاجتماعية .

حجّة القول الثاني

أمّا القول الثاني وهو عدم جواز الإعطاء لأزيد من مؤونة السنة فقد وصفه المحدّث البحراني بقوله : فلم أقف له على حجّة، وقال الشهيد في « البيان » - وهو ممّن اختار هذا القول بالنسبة إلى من قصر كسبه عن مؤونة سنته -: وأمّا ما ورد في الحديث من الإغناء بالصدقة فمحمول على غير المكتسب . (2)
ومع ذلك كلّه فقد استدلّ بالروايات التي ليست صريحة في المقصود وإنّما تثبت جواز الإعطاء لمقدار ما يكفيه من مؤونة سنته ولا يدلّ على عدم جواز الزيادة، وإليك ما ورد في ذلك :
1 . صحيحة معاوية بن وهب، قال : سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن الرجل

1المستمسك العروة الوثقى : 9/222; المستند في شرح العروة : 24 / 21.
2الحدائق الناضرة : 12 / 161.

صفحه 37
يكون له ثلاثمائة درهم، أو أربعمائة درهم وله عيال، وهو يحترف فلا يصيب نفقته فيها، أيكبّ فيأكلها ولا يأخذ الزكاة، أو يأخذ الزكاة؟ قال : « لا، بل ينظر إلى فضلها فيقوت بها نفسه ومن وسعه ذلك من عياله، ويأخذ البقية من الزكاة، ويتصرّف بهذه لا ينفقها » . (1)
وجه الاستدلال : انّ الإمام خصّص الأخذ بالبقية، فهو يكشف عن عدم كونه مرخصا في الأخذ إلاّ بمقدار الحاجة وبما يكون مكمّلا .
يلاحظ على الاستدلال : أوّلا : بوروده في الكسب القاصر، فلا يصلح للاستدلال للفقير الذي لا يملك شيئا، فالمناسب لهذا المورد، هو الأخذ بمقدار الحاجة .
وثانيا : أنّ الرواية وردت مجرى العادة، حيث إنّه يعطى الفقير ما يكفيه مؤونة سنته، وأمّا إعطاء ما يزيد عليها فهو أمر نادر فلا يدلّ على حرمة الزائد على المؤونة .
2 . موثّقة سماعة، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)انّه قال في حديث : « إذا كان صاحب السبعمائة له عيال كثير فلو قسّمها بينهم لم تكفه فليعف عنها نفسه وليأخذها لعياله وأمّا صاحب الخمسين فإنّه يحرم عليه إذا كان وحده وهو محترف يعمل بها وهو يصيب منها ما يكفيه إن شاء اللّه » . (2)
وجه الاستدلال : بأنّ تخصيص الأخذ بكونه للعيال بعد الأمر بعفّة النفس دالّ على المطلوب .

1الوسائل : 6، الباب 12 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1 . والضمير في فضلها يعود إلى ثلاثمائة درهم، والمراد : الربح الحاصل منها .
2الوسائل : 6، الباب 12 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 2 .

صفحه 38
يلاحظ عليه : - مضافا إلى وروده في الكسب القاصر بقرينة المقابلة مع صاحب الخمسين المفروض كونه محترفا به - بأنّه على خلاف المطلوب أدلّ، لاتّفاقهم على جواز أخذه لنفسه أيضا، لعدم الفرق بين تعفّفه منها وأكل غيره منها أو العكس، لأنّ المؤونة تقسم على الربح الحاصل من السبعمائة والزكاة المأخوذة غير أنّه يتعفّف لها تنزيها لا تحريما .
وأمّا تحريمها على صاحب الخمسين فلافتراض انّه محترف يصيب منها ما يكفيه .
3 . موثّقة هارون بن حمزة عنه(عليه السلام)فيمن له بضاعة لا يكفيه ربحها، قال(عليه السلام): « فلينظر ما يستفضل منها فليأكله هو ومن يسعه ذلك، وليأخذ لمن لم يسعه من عياله » . (1)
وجه الاستدلال : انّه يأكل عمّا يفضل من الربح ومن يسعه وأمّا من لم يسعه فيأخذ من الزكاة، فخصّ الأخذ بمن لم يسعه لا من وسعه .
يلاحظ عليه : - مضافا إلى ورودها في الكسب القاصر -: انّها واردة فيما هو الغالب من إعطاء ما يكفيه مؤونة سنته ففي مثله يقول الإمام يأخذ من الزكاة لمن لم يسعه، وأمّا الفرد النادر، فهو إغناء الفقير مرة واحدة إغناء عرفيا، فليست الرواية ناظرة إليه .
4 . خبر الحسين بن علوان، عن جعفر، عن أبيه، أنّ عليّا كان يقول : « يعطى المستدينون من الصدقة والزكاة دينهم كلّ ما بلغ إذا استدانوا في غير سرف، فأمّا الفقراء فلا يزاد أحدهم على خمسين درهما، ولا يعطى أحد له خمسون درهما أو

1الوسائل : 6، الباب 12 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 4 .

صفحه 39
عدلها من الذهب » . (1)
يلاحظ عليه : - مضافا إلى أنّه يمكن أن يكون حكما في واقعة، كما هو الحال في بعض الأحكام المروية عن الإمام علي(عليه السلام)- أنّه موافق لفتوى أحمد، قال ابن قدامة : اختلف العلماء في الغنى المانع من أخذها، ونقل عن أحمد فيه روايتان : أظهرهما انّه ملك خمسين درهما أو قيمتها من الذهب . (2)
5 . صحيحة أبي بصير قال : قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): إنّ شيخا من أصحابنا يقال له عمر، سأل عيسى بن أعين وهو محتاج فقال له عيسى بن أعين (3) أما إنّ عندي من الزكاة ولكن لا أعطيك منها، فقال له : ولم؟ فقال : لأني رأيتك اشتريت لحما وتمرا، فقال : إنّما ربحت درهما فاشتريت بدانقين لحما وبدانقين تمرا، ثمّ رجعت بدانقين لحاجة .
قال : فوضع أبو عبد اللّه(عليه السلام)يده على جبهته ساعة، ثمّ رفع رأسه، ثمّ قال : « إنّ اللّه نظر في أموال الأغنياء، ثمّ نظر في الفقراء فجعل في أموال الأغنياء ما يكتفون به، ولو لم يكفهم لزادهم، بلى فليعطه ما يأكل ويشرب ويكتسي ويتزوّج ويتصدّق ويحجّ » . (4)
وجه الدلالة : انّه اقتصر - وهو في مقام البيان والتحديد - على ما يحتاج إليه نوع الإنسان من مؤن السنة من الأخذ بالحدّ النمط - وهي المصاريف المشار إليها أخيرا - فلا تلزم المداقة بحيث يتخيّل انّ الدرهم المشتمل على ستة دوانيق مانع عن الأخذ .

1الوسائل : 6، الباب 24 من أبواب المستحقّين، الحديث10.
2المغني : 2 / 530.
3وثّقه النجاشي، وقال الطوسي : له كتاب، وله ثلاث روايات في الكتب الأربعة، يروي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) .
4الوسائل : 6، الباب 41 من أبواب المستحقّين، الحديث 2 .

صفحه 40
ولو صحّ الاستدلال بها، لصحّ الاستدلال بما دلّ من جواز الإعطاء من السنة إلى السنة .
يلاحظ عليه : أنّ تجويز ذلك الحدّ من التوسعة الذي هو في مقابل الضيق الذي توهّمه عيسى بن أعين، لا يدلّ على انحصار التوسعة بهذا الحد، وقد عرفت أنّ هذه الروايات ناظرة إلى الفرد الشائع من إغناء الفقير سنة واحدة، ولا يدلّ على عدم جواز غيره على وجه يخرج اسمه من ديوان الفقراء المستحقّين للزكاة
ببذل مال، يستغلّه في معيشته ويغنيه عن السؤال وأخذ الزكاة .
ثمّ إنّ صاحب هذا القول أيّد مقاله بوجهين :
1 . لو فرضنا انّ مؤونته السنوية مائة دينار فدفع إليه مائتين دفعة واحدة فقد ارتفع فقرة بأحد المائتين، ومعه لا مسوّغ لأخذ المائة الأخرى لزوال فقره مقارنا لنفس هذا الانسان فلم يكن فقيرا عند تسلّمه .
يلاحظ عليه : بأنّ الاستدلال يناسب التدريج في التمليك لا الدفعة، فليس هنا تمليكان حتّى يستغني بأحدهما عن الآخر .
2 . انّ الزكاة إنّما شرّعت لعلاج مشكلة الفقر ودفعه عن المجتمع كما أشير إليه في النصوص المزبورة، ومن البيّن أنّ دفع زكوات البلد التي ربما تبلغ الألوف أو الملايين لفقير واحد - ولو دفعة واحدة - وجعله من أكبر الأثرياء مع إبقاء سائر الفقراء على حالهم لا يجامع مع تلك الحكمة بل يضادها وينافيها كما لا يخفى .
يلاحظ عليه : بما عرفت من أنّ المراد من الغنى هو إغناؤه حسب مكانته الاجتماعية، فلا بدّ من الاقتصار على ما يناسب حاله وجرت عليه سيرة أبناء نوعه في تملك ما يزيد على مؤونة سنته .
وأمّا القول الثالث : - أعني : قول المصنّف - فقد ظهر وجهه ممّا ذكرنا، فيجوز دفعة دون التدريج، لما عرفت من الدليل .

صفحه 41
المسألة 3 : دار السكنى والخادم وفرس الركوب المحتاج إليها بحسب حاله - ولو لعزّه وشرفه - لا يمنع من إعطاء الزكاة وأخذها . بل ولو كانت متعدّدة مع الحاجة إليها، وكذا الثياب والألبسة الصيفيّة والشتويّة السفريّة والحضريّة لو كانت للتجمّل، وأثاث البيت من الفروش والظروف وسائر ما يحتاج إليه، فلا يجب بيعها في المؤونة، بل لو كان فاقدا لها مع الحاجة جاز أخذ الزكاة لشرائها .
وكذا يجوز أخذها لشراء الدار والخادم وفرس الركوب والكتب العلميّة ونحوها مع الحاجة إليها، نعم لو كان عنده من المذكورات أو بعضها أزيد من مقدار حاجته - بحسب حاله - وجب صرفه في المؤونة .
بل إذا كانت عنده دار تزيد عن حاجته وأمكنه بيع المقدار الزائد منها عن حاجته وجب بيعه .
بل لو كانت له دار تندفع حاجته بأقلّ منها قيمة فالأحوط بيعها وشراء الأدون . وكذا في العبد والجارية والفرس . *
............................................................................................
ومع ذلك فالقول الثاني هو الأحوط وإن كان الأقوى هو الأوّل فلا يترك مهما أمكن .
* في المسألة فروع :
1 . ما يحتاج إليه الإنسان في حياته كالدار والخادم وفرس الركوب لا يمنع من أخذ الزكاة .
2 . لو كان فاقدا لها يجوز أخذ الزكاة لشرائها .
3 . لو كان عنده من المذكورات زائدا على مقدار الحاجة، يمنع عن أخذ

صفحه 42
الزكاة إذا كانت قيمته تكفيه حولا، وهذا القيد معتبر في عامّة الفروع التالية .
4 . لو كان عنده دار تزيد عن حاجته وأمكنه بيع المقدار الزائد، يمنع من أخذ الزكاة .
5 . إذا كانت له دار تندفع حاجته بأقلّ منها قيمة، فالأحوط عدم أخذ الزكاة، وكذا في العبد والجارية .
وإليك الكلام فيها واحدا تلو الآخر :
أمّا الأوّل : فقد تعلّقت مشيئته سبحانه على حفظ كرامة الفقراء وحفظ مستوى معيشتهم وسدّ خلّتهم على النحو المتعارف فلهم حق العيش كسائر الناس، فلذلك لا تمنع دار السكنى والخادم وفرس الركوب المحتاج إليه حسب حاله من إعطاء الزكاة وأخذه، فإنّ الجميع من مصاديق الحاجة وهي لا تختص
بالأكل والشرب، بل تعمّ كلّ ما يحتاج إليه الإنسان في حياته حسب شأنه، فلذلك لا تكون الدار وأمثالها مانعة من أخذ الزكاة .
قال العلاّمة : يجوز دفع الزكاة إلى صاحب دار السكنى، وعبد الخدمة، وفرس الركوب، وثياب التجمل، ولا نعلم فيه خلافا، لإمساس الحاجة إلى هذه الأشياء، وعدم الخروج بها عن حدّ الفقر إلى الغنى .
ولأنّ سماعة سأل الصادق(عليه السلام)عن الزكاة هل تصلح لصاحب الدار والخادم؟ فقال : « نعم إلاّ أن تكون داره دار غلّة فيخرج له من غلّتها دراهم ما يكفيه لنفسه وعياله، فإن لم تكن الغلّة تكفيه لنفسه وعياله في طعامهم وكسوتهم وحاجتهم من غير إسراف فقد حلّت له الزكاة، وإن كانت غلّتها تكفيهم
فلا » (1) . (2)

1الوسائل : 6، الباب 9 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1 .
2التذكرة : 5/275، المسألة 188.

صفحه 43
وقد تضافرت الروايات على هذا المضمون ففي مرسلة عمر بن أذينة، عن غير واحد، عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه (عليهما السلام)انّهما سئلا عن الرجل له دار وخادم أو عبد أيقبل الزكاة؟ قالا : نعم، إنّ الدار والخادم ليس بمال . (1)
والمراد انّهما ليسا بمال يباع ويصرف أو يتّجر بهما، بل يبقيان لينتفع به المالك .
وفي رواية سعيد بن يسار، قال : سمعت أبا عبد اللّه(عليه السلام)يقول : « تحلّ الزكاة لصاحب الدار والخادم، لأنّ أبا عبد اللّه (عليه السلام)لم يكن يرى الدار والخادم شيئا » . (2)
ونظيره رواية علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر(عليهما السلام). (3)
وأمّا الثاني : أعني انّه لو كان فاقدا لها جاز أخذ الزكاة لشرائها فوجهه واضح، لأنّها من الحاجات شرّعت الزكاة لرفعها .
وأمّا الثالث : لو كان عنده من هذه المذكورات ( الفرس والخادم حسب تمثيل المصنّف) أزيد من مقدار حاجته نظير ما إذا كان عنده دورات من كتاب الجواهر ولا يحتاج إلاّ إلى دورة واحدة، أو كانت عنده مفروشات متعدّدة، خارجة عن إطار الحاجة فتمنع من أخذ الزكاة . لأنّه يملك مؤونة سنته أو شيئا منها فلا يجوز له أخذ الزكاة لها أو له .
وأمّا الرابع : إذا كان عنده دار تزيد عن حاجته وأمكنه بيع المقدار الزائد عن حاجته فتمنع من أخذ الزكاة، هذا فيما إذا كان الزائد دارا مستقلة أو طابقا مستقلا ولا شكّ انّها تمنع، وأمّا إذا كان محتاجا إلى الإفراز، كما إذا كان عنده دار ذات غرف ستة يمكن تبديلها إلى دارين من خلال إحداث جدار، ففي كونه

1الوسائل : 6، الباب 9 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 2 .
2الوسائل : 6، الباب 9 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 4 .
3الوسائل : 6، الباب 9 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 5 .

صفحه 44
مانعا عن أخذ الزكاة وجهان، أقواهما العدم، كيف وقد ورد في الروايات : « من سعادة الرجل سعة داره » ؟ وللفقير أن يعيش كسائر الناس ولم يكلّف بالعيش على الحدّ الأقلّ، إلاّ أن يكون إبقاء الدار بهذه الصورة أمرا على خلاف المتعارف بحيث يذمّه العقلاء على إبقاء الدار بهذه الصورة، ويعدّ إسرافا .
وأمّا الخامس : كما إذا كانت له دار تندفع حاجته بأقلّ منها، قيمة . فاحتاط المصنّف ببيعها وشراء الأدون، وعطف على الدار، العبد والجارية والفرس .
والفرق بين الفرع الرابع والخامس هو انّ الزيادة في الرابع عينية وهناك حكمية، فهل يجب الإبدال أو لا؟ فيه وجهان، قال العلاّمة : فروع :
1 . لو كانت دار السكنى تزيد عنه وفي بعضها كفاية له، ففي منعه بسبب الزيادة إذا كانت قيمتها تكفيه حولا، إشكال .
2 . لو كانت حاجته تندفع بأقلّ منها قيمة لم يكلّف ببيعها وشراء الأدون، وكذا في العبد والفرس . (1)
وأولى بالعدم هذه الصورة، لأنّ بناء الشارع في باب الزكاة على اليسر دون العسر .
اللّهمّ إلاّ أن يعدّ إبقاء الدار في بعض الظروف عملا غير عقلائي، كما إذا أنشئت بنايات تجارية أحاطت بداره على نحو تشترى منه بأضعاف قيمتها، فإنّ إبقاء الدار في هذه الظروف يعدّ إسرافا . (2) ويمنع من أخذ الزكاة وعليه بيع الدار وابتياع دار أخرى مناسبة لشأنه وصرف باقي الثمن في مؤونته .

1التذكرة : 5 / 275.
2وفي موثّقة سماعة : في طعامهم وكسوتهم وحاجتهم من غير إسراف.

صفحه 45
المسألة 4 : إذا كان يقدر على التكسّب لكن ينافي شأنّه، كما لو كان قادرا على الاحتطاب والاحتشاش غير اللائقين بحاله يجوز له أخذ الزكاة، وكذا إذا كان عسرا ومشقّة - من جهة كبر أو مرض أو ضعف - فلا يجب عليه التكسب حينئذ . *
............................................................................................
* في المسألة فرعان :
الأوّل : إذا كان التكسّب غير لائق بشأنه كالاحتطاب والاحتشاش وتنظيف دور المياه .
الثاني : إذا كان التكسّب عسرا ومشقة .
أمّا الأوّل فيكفي في ذلك قول الإمام في رواية أبي بصير : « يا أبا محمد! فتأمرني أن آمره يبيع داره وهي عزّه ومسقط رأسه، أو ببيع خادمه الذي هو يقيه الحر والبرد ويصون وجهه ووجه عياله » . (1)
فإذا كان صون وجهه ووجه عياله أمرا مطلوبا فكيف يؤمر بالتكسب بشيء على جانب النقيض من ذلك؟ !
نعم، ربما يعدّ شغل على خلاف الشأن في ظرف ودونه في ظرف آخر .
وربّما يتصوّر انّ هذه الشؤون العرفية من الأمور الموهومة بشهادة انّ النبي والأئمّة(عليهم السلام)من الشرفاء، ولكن كانوا يعملون بأيديهم في أراضيهم (2) والظاهر انّهم(عليهم السلام)كانوا يعملون لأنفسهم، ولا يعدّ العمل للنفس في الدار والبساتين والمزارع عملا على خلاف الشأن، بخلاف العمل للغير، وقد قلنا في كتاب

1الوسائل : 6، الباب 9 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 3 .
2لاحظ الوسائل : 12، الباب 9 وما بعده من أبواب مقدّمات التجارة.

صفحه 46
المسألة 5 : إذا كان صاحب حرفة وصنعة ولكن لا يمكنه الاشتغال بها من جهة فقد الآلات أو عدم الطالب، جاز له أخذ الزكاة . *
المسألة 6 : إذا لم يكن له حرفة ولكن يمكنه تعلّمها من غير مشقّة، ففي وجوب التعلّم وحرمة أخذ الزكاة بتركه إشكال، والأحوط التعلّم وترك الأخذ بعده، نعم ما دام مشتغلا بالتعلّم لا مانع من أخذها . **
............................................................................................
المضاربة : إنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)لم يكن أجيرا لخديجة بل مضاربا لها . (1)
على أنّ كون العمل على وفاق الشأن أو خلافه من الأمور الاعتبارية التي تتغيّر حسب تغيّر الظروف .
وأمّا الثاني فلحكومة أدلّة العسر والحرج على لزوم الكسب .
* ووجهه واضح لصدق الفقير عليه وعدم التمكّن من الاشتغال إمّا لعدم المقتضي كفقد الآلات، فعندئذ يجوز له أخذ الزكاة; أو لعدم من ينتفع به، كما إذا كان له مهنة قد هجرت مع تقدّم الزمان .
ويحتمل الاقتصار على أخذها لتحصيل الآلات .
** الميزان في جواز الأخذ وعدمه هو ما في صحيحة زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام)قال : قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): « لا تحلّ الصدقة لغني، ولا لذي مرّة سوي، ولا لمحترف، ولا لقوي » فقلنا : ما معنى هذا؟ قال : « لا يحلّ له أن يأخذ وهو يقدر على أن يكفّ نفسه عنها » . (2)
فالموضوع لحرمة الأخذ هو القادر على كفّ نفسه عن أكل الزكاة، فلو كان

1نظام المضاربة : 4، ولا حظ السيرة النبوية : 1 / 199.
2الوسائل : 6، الباب 8 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 8.

صفحه 47
المسألة 7 : من لا يتمكّن من التكسّب طول السنة إلاّ في يوم أو أسبوع مثلا ولكن يحصل له في ذلك اليوم أو الأسبوع مقدار مؤونة السنة، فتركه وبقي طول السنة لا يقدر على الاكتساب، لا يبعد جواز أخذه، وإن قلنا : إنّه عاص بالترك في ذلك اليوم أو الأسبوع لصدق الفقير عليه حينئذ . *
............................................................................................
المحترف شاغلا أو غير شاغل تكاسلا فيحرم عليه الأخذ لقدرته على كفّ نفسه عن الزكاة .
وأمّا إذا لم يكن محترفا لا بالفعل ولا بالقوة بل يتمكن أن يتعلّم، فلو أمكنه التعلّم كسائر الناس الذين يتعلّمون الحرف يحرم عليه أخذ الزكاة . لصدق قوله : « يقدر على أن يكفّ نفسه » على مثله .
نعم مادام مشتغلا بالتعلّم لا مانع من أخذها، وأمّا إذا ترك التعلم بتاتا وهو قادر عليه كسائر الناس فيحرم عليه الأخذ . وهو أشبه بالمحترف المتكاسل الذي تقدّمت حرمة الزكاة عليه .
وأمّا إذا كان التعلّم أمرا شاقا عليه كما إذا كبر أو كانت حرفته حرفة شاقة، فالظاهر انصراف الدليل عنه .
* وهذا كمن شغله الحملدارية أو التطويف في أيّام الحجّ فتركه تكاسلا، فلم يقدر على التكسّب بسوء الاختيار ولكنّه لا يخرجه عن كونه فقيرا يجوز له أخذ الزكاة، وإن عصى في عمله لوجوب حفظ النفس والإنفاق على العيال . إذا انحصر سبب الحفظ والإنفاق على العيال في التكسّب دونما إذا تمكّن المكلّف من حفظها والإنفاق عليها من طرق أخرى كالاستقراض ونحوه فلا يكون بترك التكسّب عاصيا .

صفحه 48
المسألة 8 : لو اشتغل القادر على الكسب بطلب العلم المانع عنه يجوز له أخذ الزكاة إذا كان ممّا يجب تعلّمه عينا أو كفاية، وكذا إذا كان ممّا يستحبّ تعلّمه كالتفقّه في الدين اجتهادا أو تقليدا .
وإن كان ممّا لا يجب ولا يستحبّ - كالفلسفة والنجوم والرياضيات والعروض والعلوم الأدبيّة لمن لا يريد التفقّه في الدين - فلا يجوز أخذه . *
............................................................................................
* حاصل كلامه تقسيم العلوم إلى ثلاثة : واجب عينا أو كفاية، مستحب، ومباح . يجوز أخذ الزكاة في تحصيل الأوّلين إذا كان التحصيل مانعا من الكسب، دون الثالث .
وعليه العلاّمة في « المنتهى » بشرط تفسير « المأمور به » في كلامه بالأعمّ من الواجب والمستحب، قال : ولو كان التكسّب يمنعه من التفقّه، فالوجه عندي جواز أخذها، لأنّه مأمور بالتفقّه في الدين إذا كان من أهله . (1)
وقال في « التحرير » : لو كان ذا كسب يكفيه، حرم عليه أخذها، ولو كان كسبه يمنعه عن التفقّه في الدين، فالأقرب عندي جواز أخذها . (2)
ومنع الشيخ الأنصاري فيما إذا كان طلب العلم مستحبا بوجهين :
1 . ولو كان طلب العلم ممّا يستحبّ في حقّ الطالب، فالظاهر انّه لا يسوغ ترك التكسّب كما في سائر المستحبات، لصدق الغنى والمحترف والقادر على ما يكفّ به نفسه عن الزكاة .
2 . الإذن في طلب العلم، بل الأمر الاستحبابي لا يوجب الإذن في ترك التكسّب، بل طلب ترك التكسّب المستلزم لجواز أخذ الزكاة - كما زعمه بعض

1المنتهى : 1 / 519.
2تحرير الأحكام : 1/403، رقم المسألة 1367.

صفحه 49
مشايخنا المعاصرين (1) لا وجه له; إذ بعد عمومات تحريم الزكاة على القادر على التكسّب، يصير الكسب واجبا لأجل حفظ نفسه وعياله، فلا يزاحمه استحباب ذلك، لأنّ المستحب لا يزاحم الواجب إجماعا . (2)
يلاحظ على الأوّل بأنّ المراد من القدرة في صحيح زرارة : « لا يحلّ له أن يأخذها وهو يقدر على أن يكفّ نفسه عنها » (3) هو القدرة العرفية لا العقلية، وإلاّ يلزم حرمة أخذها لمن ملك الدار والغلام والجارية وفرس الركوب والألبسة للتجمّل، فإذا كان الميزان هو القدرة العرفية، فلا تصدق إلاّ على القادر الفارغ، وأمّا الشاغل بعلم ينتفع به المجتمع في عاجله وآجله، ممّا استحب تعلّمه أو أبيح كالنجوم والرياضيات والآداب فلا يصدق - والحال هذه - قوله : أن يكفّ نفسه عنها .
مثلا لو وقف نفسه لخدمة المساجد والمعابد، وسائر الأمور الاجتماعية كالتمريض جاز له أخذ الزكاة، فقوله : « وهو يقدر على أن يكف نفسه عنها » ناظر إلى إخراج المتكاسل البطّال الذي يأكل ويشرب ويمشي في الأسواق والشوارع، دون أن يشتغل بشيء يعود نفعه إلى نفسه أو المجتمع . فعلى ذلك فكلّ عمل أو علم مباح ينتفع به المجتمع، يجوز الاشتغال به، والتعيش بالزكاة من غير فرق، بين علم دون علم مادام الشرع لا يخالفه ويستحسنه العقلاء وينتفع به المجتمع .
وعلى الوجه الثاني : انّ التكسّب ليس بواجب، إذا أمكن له حفظ نفسه وعياله بطرق مختلفة من الاستدانة أو الاستعطاء من الأصدقاء والأقارب أو الالتقاط من حشيش الأرض أو ببيع داره وغيرها، نعم لو انحصر الطريق

1مستند الشيعة : 2 / 45.
2كتاب الزكاة، للشيخ الأنصاري : 271.
3الوسائل : 6، الباب 8 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 8.

صفحه 50
بالاكتساب لوجب مقدّمة لحفظ النفس والإنفاق على الأهل الواجبين .
وبما ذكرنا يظهر ضعف ما أفاده المحقّق الخوئي حيث خصّ الجواز بالواجب العيني، وقال : أمّا في فرض الوجوب العيني فالأمر كما ذكر، إذ الوجوب الشرعي يجعله عاجزا عن الاكتساب فلا قدرة له عليه شرعا، ولا فرق في العجز المحقّق للعجز بين التكويني والتشريعي .
وأمّا في فرض الوجوب الكفائي فحيث لا إلزام عليه بشخصه لفرض وجود من به الكفاية، فهو متمكّن من الكسب شرعا وعقلا وذو مرّة سويّ، ومجرد الوجوب الكفائي لا يستوجب العجز .
ولم يرد دليل في إخراج طلبة العلم عمّا دلّ على منع الزكاة عن ذي مرّة سوي، ومنه يظهر الحال في طلب العلم المستحب فضلا عن المباح لوحدة المناط بل بطريق أولى . (1)
لما عرفت من أنّ المراد من القادر، هو القدرة العرفية، لا العقلية، والشاغل بالعلوم النافعة والناجعة ليس قادرا على أن يكفّ نفسه .
نعم لو اشتغل بعلم لا ينتفع به إلاّ نفسه وإن كان مباحا ولا يعود نفعه إلى المجتمع، فهو خارج عن محطّ البحث .
هذا كلّه إذا أريد الإعطاء من باب الفقر، وأمّا إذا أريد الإعطاء من باب« سبيل اللّه » فلا شكّ فيما إذا كان العمل راجحا مفيدا للمجتمع الإسلامي .
والعجب انّ المصنّف أخرج الرياضيات والعلوم الأدبية عن كونها علوما مستحبة، مع أنّها علوم نافعة تدور عليها رحى الحضارة الإنسانية .
فتلخّص ممّا ذكرنا : انّ الإنسان ما دام يشتغل بعلم نافع للمجتمع، يجوز له

1مستند العروة : كتاب الزكاة : 2 / 32.

صفحه 51
المسألة 9 : لو شكّ في أنّ ما بيده كاف لمؤونة سنته أم لا، فمع سبق وجود ما به الكفاية لا يجوز الأخذ، ومع سبق العدم وحدوث ما يشكّ في كفايته يجوز، عملا بالأصل في الصورتين . *
المسألة 10 : المدّعي للفقر إن عرف صدقه أو كذبه عومل به، وإن جهل الأمران فمع سبق فقره يعطى من غير يمين، ومع سبق الغنى أو الجهل بالحالة السابقة فالأحوط عدم الإعطاء، إلاّ مع الظنّ بالصدق، خصوصا في الصورة الأولى . **
............................................................................................
أخذ الزكاة من غير فرق بين الواجب العيني والكفائي والمستحب والمباح .
* تارة يكون الحال السابق هو كفاية ما بيده لمؤونة سنته، ولكن طرأ الشكّ لأجل طروء الغلاء أو كثرة العيال، أو غير ذلك، فيعمل بمقتضى الاستصحاب، فيحرم عليه الأخذ .
وأخرى يكون الحال السابق عدم كفايته وإنّما يحتمل الكفاية لأجل تنزّل الأسعار، أو خروج بعض الأفراد عن عيلولته أو تملك ما لم يكن مالكا له، من طريق الوراثة إلى غير ذلك، فيعمل وفق الاستصحاب .
والتمسّك بالاستصحاب في المقام فرع حجّيته في الشك في المقتضى الذي هو كذلك في المقام، وهو الحقّ كما أوضحنا حاله في محلّه .
** لمدّعي الفقر حالات أربع :
أ : يعلم صدق كلامه أو كذبه .
ب : يجهل حاله مع سبق فقره .
ج : يُجهل حاله مع سبق الغنى .

صفحه 52
د : تجهل حالته السابقة .
لا كلام إذا علم صدقه أو كذبه، كما لا كلام فيما إذا جهل الأمران وكانت الحالة السابقة هي الفقر، فمع الصدق يعطى ومع الكذب يمنع، ومع الجهل بصدق كلامه يعطى، إذا كانت الحالة السابقة هي الفقر .
إنّما الكلام في الحالتين الأخيرتين - أعني : سبق الغنى أو الجهل بالحالة السابقة - فذهب المصنّف إلى عدم جواز الإعطاء إلاّ مع الظن بالصدق، ولعلّ مراده من الظن الوثوق، لوضوح انّ الظنّ ليس بحجّة ما لم يدلّ على حجّيته دليل .
والمسألة معنونة منذ عصر الشيخ الطوسي إلى يومنا هذا .
قال الشيخ : إذا طلب من ظاهره القوة والفقر ولا يعلم أنّه قادر على التكسّب أعطي من الزكاة بلا يمين، وللشافعي فيه قولان أحدهما : مثل ما قلناه .
والثاني : انّه يطالب بالبيّنة على ذلك . (1)
وقد خصّ الكلام بمجهول الحال من غير فصل بين كون الحالة السابقة معلومة بالفقر أو الغنى أو مجهولة، فحكم في الجميع بجواز الإعطاء بلا يمين .
وقال المحقّق في « الشرائع » : ولو ادّعى الفقر فإن عرف صدقه أو كذبه عومل بما عرف منه، وإن جهل الأمران أعطي من غير يمين، سواء كان قويا أو ضعيفا، وكذا لو كان له أصل مال، وقيل بل يحلف على تلفه . (2)
فقد حكم بجواز الإعطاء عند الجهل بصدقه أو كذبه وإن كانت الحالة السابقة هي الغنى حيث قال : وكذا لو كان له أصل مال .
وقال العلاّمة في « المنتهى » : إذا ادّعى شخص الفقر فإن عرف كذبه منع، وإن عرف صدقه أعطي، وإن لم تعلم حاله قبلت دعواه ولم يكلف بيّنة ولا يمينا،

1الخلاف : 4/231، كتاب الصدقات، المسألة 12 .
2الشرائع : 1 / 160.

صفحه 53
لأنّه يدّعي الأصل وهو عدم المال، والأصل عدالة المسلم فكان قوله مقبولا، أمّا لو عرف انّ له مالا وادّعى تلفه، قال الشيخ : تكلّف بيّنة على التلف (1) لأنّ الأصل بقاء المال، والأقرب انّه لا يكلّف بيّنة عملا بعدالته . (2)
وقال في « المختلف » : لو ادّعى الفقر ولم يعلم كذبه أعطي من غير يمين، سواء علم صدقه أو جهل الأمران، وسواء كان قويا أو ضعيفا، وسواء كان له أصل مال أو لا، وقيل : يحلف على تلفه .
لنا : الأصل عدالة المسلم وعدم إقدامه على الكذب، والظاهر صدقه، وقد أمرنا بالأخذ بالظاهر . ولأنّه لو وجب اليمين هنا لوجب في صورة العاجز إذا لم يعرف له أصل مال، والتالي باطل بالإجماع فكذا المقدّم .
بيان الشرطية : أنّ المقتضي لإيجاب اليمين هنا تجويز الكذب في إخباره بفقره، وهو ثابت في صورة النزاع . احتجّ المخالف بأنّ الأصل بقاء المال، فلا بدّ من اليمين . والجواب : المنع من الملازمة، فانّ عدالة المسلم كافية . (3)
وظاهره هو الحكم بجواز الإعطاء في عامّة الصور إلاّ إذا علم كذبه، فلو علم صدقه أو جهل واقع كلامه يعطى، سواء أكانت الحالة السابقة هي الفقر أو الغنى أو جهلت الحالة السابقة .
وهناك قول بأنّه لو كانت الحالة السابقة هي الغنى يؤمر بالحلف أو بالبيّنة .
ثمّ إنّ أوّل من ناقش في نظرية المشهور هو سيد المدارك (4) فناقش أدلّة المتقدّمين في جواز الإعطاء .

1كلامه في « الخلاف » لا يوافق هذا المنقول، ولعلّه ذكره في سائر كتبه.
2المنتهى : 1/526، الطبعة الحجرية.
3المختلف : 3 / 222.
4المدارك : 5 / 202.

صفحه 54
وقال المحدّث البحراني : قد صرّح الأصحاب بأنّ من ادّعى الفقر إن عرف صدقه أو كذبه عومل به، وهو ممّا لا إشكال فيه، وإن جهل حاله فالمشهور بل ظاهرهم الاتّفاق عليه، انّه يصدّق في دعواه ولا يكلّف يمينا ولا بيّنة كما يظهر من « المعتبر » و« المنتهى » وغيرهما .
وربّما علّل بعضهم قبول قوله في الصورة المذكورة بأنّه مسلم ادّعى أمرا ممكنا، ولم يظهر ما ينافي دعواه فكان قوله مقبولا، كما في « المعتبر » ; وربما علّل بأنّه ادّعى ما يوافق الأصل وهو عدم المال وانّ الأصل عدالة المسلم، فكان قوله مقبولا كما في « المنتهى » . (1)
وأمّا الأقوال فالمحصّل من كلماتهم ممّا سردنا وما لم نسرده ثلاثة :
1 . قبول قوله مطلقا ما لم يظهر كذبه . وهو المنقول عن المشهور .
2 . عدم قبول قوله مطلقا إلاّ إذا كانت الحالة السابقة الفقر . وهو مختار المصنّف .
3 . قبول قوله إلاّ إذا كان له أصل مال - أي إذا كانت الحالة السابقة هي الغنى - فلا يقبل إلاّ بالبيّنة، وهو المنقول عن الشيخ الطوسي .
وهو الظاهر من المحقّق الخوئي حيث قال : يقبل قوله إذا كانت الحالة السابقة هي الفقر أو جهلت، وعدم القبول في غيرهما، أي إذا كانت الحالة السابقة هي الغنى .
وقد ذكر الشيخ الأنصاري وجوها لقول المشهور تبلغ اثني عشر وجها وناقش في كثير منها، وقال : وفي أكثر هذه الوجوه نظر . (2) بل أكثرها واهية، وإليك دراسة حكم الصورتين :

1الحدائق : 12 / 162.
2كتاب الزكاة : 277، المسألة 33.

صفحه 55

إذا كانت الحالة السابقة هي الغنى

والقول الحاسم أن يقال : هو انّه إذا كانت الحالة السابقة هي الغنى يستصحب كونه غنيا، ويكون الاستصحاب منقّحا لمرفوع دليل اجتهادي، أعني : « لا يحلّ له أن يأخذها وهو يقدر على أن يكفّ نفسه منها » ، ومع هذا الدليل المؤلّف من أصل منقّح الموضوع، ودليل اجتهادي مبيّن للحكم لا تصل النوبة إلى الوجوه التي نقلها صاحب الجواهر والشيخ وغيرهما من أصالة الصحة في دعوى المسلم، أو انّ مطالبة البيّنة واليمين إذلال للمؤمن منهي عنه، أو لعموم ما دلّ على وجوب تصديق المؤمن، أو للزوم الحرج أو غير ذلك ممّا ذكروه، فإنّ هذه الوجوه لا تقاوم الدليل الاجتهادي الحاكم بعدم جواز الإعطاء، فانّها أشبه بالأصول التي يرجع إليها عند فقد الدليل الاجتهادي . فلا ترفع اليد عن الاستصحاب الموضوعي باليمين على الفقر، إلاّ إذا قامت البيّنة عليه . نعم المهم فيما إذا جهلت الحالة السابقة، فهل يجوز الإعطاء أو لا؟

فيما إذا جهلت الحالة السابقة

فربما يقال بسماع قوله، نظرا إلى أنّ الفقر مرجعه إلى عدم الغنى، وهذا العدم متحقّق سابقا بالإضافة إلى كلّ إنسان، ولا أقلّ من حين الولادة فانّه يولد ولا مال له - إلاّ شاذا - ويطرؤه الغنى بعد ذلك بالكسب أو الإرث، فالغنى أمر حادث مسبوق بالعدم دائما، فيستصحب، فسماع دعوى الفقر في هذه الصورة مستند إلى الاستصحاب ولا خصوصية للدعوى، ولعلّ السيرة العملية القائمة على السماع في هذا الفرض مستندة لدى التحليل إلى الاستصحاب المزبور، وإلاّ فمن المستبعد جدّا قيام سيرة تعبّديّة كاشفة عن رأى المعصوم (عليه السلام)كما

صفحه 56
لا يخفى . (1)
يلاحظ عليه : أنّ المستصحب لو كان هو الفقر المقرون مع الولادة فهو مشكوك ليس بمقطوع وربما يتولّد الإنسان وهو ثريّ ذو مال وراثة من أبيه وأمّه وغيرهما، فيكون المستصحب شبهة مصداقية للاستصحاب .
وإن أريد الفقر المقرون مع عدم وجوده حيث لم يكن موجودا فلم يكن عينيّا، لعدم الموضوع فالأصل مثبت لعدم وحدة القضية المتيقّنة، مع القضية المشكوكة، فانّ المتيقّنة من القضيتين هو العلم بالفقر، مع عدم الموضوع، والمشكوكة هو إبقاء الفقر، مع وجود الموضوع وأيّ أصل مثبت أوضح من هذا، حيث إنّ العقل يحكم بأنّ بقاء الفقر، مع انقلاب الموضوع لا بد وأن يكون في ضمن وجود الموضوع .
والموضوع في لسان الأدلّة، هو الفقير، أي من لا يملك مؤونة سنته ومؤونة عياله، وأين هذا ممّن لا يملك لعدم وجوده؟ ! قال سبحانه(إِنَّمَا اَلصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ اَلْمَساكِينِ وَ اَلْعامِلِينَ عَلَيْها . . . )(2) والموضوع في الجميع : الإنسان الموجود والموصوف بصفات خاصة .
هذا من جانب، ومن جانب آخر انّه يجب على مالك الزكاة أن يدفع الزكاة إلى الفقير الواقعي الذي ثبت فقره بالعلم أو بحجة شرعية، فلو قامت هناك حجة على فقره يعطى، وإلاّ فيمنع .
فنخرج بهذه النتيجة :
1 . إذا كانت الحالة السابقة هي الغنى، لا يعطى عملا بالاستصحاب .
2 . إذا كانت الحالة السابقة مجهولة يمنع لعدم إحراز الموضوع، إلاّ إذا

1المستند في شرح العروة الوثقى : 2 / 35.
2التوبة : 60.

صفحه 57
قامت البيّنة على الفقر، أو حصل الوثوق الذي هو علم عرفيّ، وأمّا كفاية الظن كما عليه المصنّف فلا يكفي، لعدم حجّيته إلاّ ما خرج بالدليل .

دراسة الوجوه المجوزة للإعطاء

وهناك أمور استند إليها أكثر المتأخّرين في إثبات الموضوع - أعني : كون المدّعي فقيرا - ونحن نستعرضها على وجه الإيجاز .
1 . أصالة الصحة في دعوى المسلم .
يلاحظ عليه : أنّها لا تثبت لوازمه، وغاية ما يترتّب عليه انّه صادق في دعواه، فما للصدق - لو كان - من أثر شرعي يترتّب عليه، وأمّا إثبات الموضوع ( الفقر) والتكليف لصاحب المال فهي قاصرة عنه .
2 . مطالبة البيّنة أو اليمين إذلال للمؤمن .
يلاحظ عليه : أنّه إذا كانت إقامة البيّنة أمرا سهلا، فأيّ إذلال في ذلك، وقد راجت في عصورنا مؤسسات خيرية تتبنّى سدّ خلّة الفقراء بعد التحقيق والفحص .
وأمّا اليمين فلا موضوع له، لأنّ مورده هو المخاصمة وحسم الدعوى، والمورد خارج عنه .
3 . انّه ادّعى استحقاق شيء لا ينكره عليه غيره، فيشبه مسألة الكيس المحكوم بأنّه لمن ادّعاه، وقد ورد في خبر منصور بن حازم، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال : قلت عشرة كانوا جلوسا وسطهم كيس فيه ألف درهم فسأل بعضهم بعضا ألكم هذا الكيس؟ فقالوا كلّهم : لا، وقال واحد منهم : هو لي، فلمن هو؟ قال :

صفحه 58
للّذي ادّعاه » . (1)
يلاحظ عليه : أنّما يصدق إذا ادّعى استحقاق شيء ليس عليه أي يد، لا يد مالكة ولا يد أمانة، فيدفع إليه كما في مسألة الكيس، بخلاف المقام فانّ على الزكاة يد المالك وهو يد أمانة يجب أن يوصله المالك إلى صاحبه .
4 . لعموم ما دلّ على تصديق المؤمن الوارد في تفسير قوله تعالى : (يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ)(2) .
وقد ورد في الحديث انّ أبا عبد اللّه(عليه السلام)نهى ابنه إسماعيل عن دفع الدنانير إلى رجل مشهور انّه يشرب الخمر، فقال إسماعيل : يا أبت إنّي لم أره يشرب الخمر، إنّما سمعت الناس يقولون . فقال : « يا بني إنّ اللّه يقول في كتابه : (يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ).
ومثله حديث آخر يقرب مضمونه من ذلك . (3)
يلاحظ عليه : بأنّ المراد من التصديق هو الأخذ بالاحتياط لا التصديق العملي بشهادة انّ الإمام أبا الحسن(عليه السلام)يأمر محمد بن فضيل بتصديق الأصرح وتكذيب القسامة، فلو كان المراد هو التصديق العملي لزم ترجيح المرجوح على الراجح، وهذا دليل على أنّ المراد هو التصديق الأخلاقي لا العملي . قال الإمام الكاظم (عليه السلام): « يا محمد كذّب سمعك وبصرك عن أخيك، فإن شهد عندك خمسون قسامة وقال لك قولا، فصدّقه وكذّبهم » . (4)

1الوسائل : 18، الباب 17 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1 .
2التوبة : 61.
3البرهان : 2/138، تفسير الآية 61 من سورة التوبة، الحديث 1 و 2; تفسير العياشي : 2/95، الحديث 83 .
4الوسائل : 8، الباب 157 من أبواب العشرة، الحديث 4 .

صفحه 59
ولتعذر إقامة البيّنة عليه، فيشمله ما يستفاد منه سماع دعوى يتعذّر إقامة البيّنة عليها، كما يرشد إليه قول الإمام الرضا (عليه السلام)في المرأة المدّعية لكونها بلا زوج : « أرأيت لو سألها البيّنة، كان يجد من يشهد ان ليس لها زوج » . (1)
ولكنه مخصّص بما ورد في بعض النصوص انّه يقبل قولها إذا كانت ثقة; ففي صحيحة حمّاد، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)في رجل طلّق امرأته ثلاثا فبانت منه، فأراد مراجعتها، فقال لها : إنّي أريد مراجعتك فتزوّجي زوجا غيري، فقالت له : قد تزوّجت زوجا غيرك وحلّلت لك نفسي، أيصدق قولها ويراجعها؟ وكيف يصنع؟ قال : « إذا كانت المرأة ثقة صدّقت في قولها » . (2)
ومع غض النظر، فقياس المقام بالأمور الراجعة إلى المرأة ممّا لا يعلم إلاّ من جانبها، قياس مع الفارق يعلم بالتأمّل .
6 . لزوم الحرج لو كلّف الفقير بإقامة البيّنة .
يلاحظ عليه : - مضافا إلى أنّه ممنوع، إذ في إمكان مدّعي الفقر أن يطلع أقوامه أو جيرانه أو أصدقاءه على حاله - أنّه يتحدّد جواز الإعطاء عندئذ بلزوم الحرج الشخصي لا النوعي مع أنّ المنقول عن المشهور غير ذلك .
7 . ما ذكره صاحب الحدائق ووصفه بأنّه أمتن الوجوه وأظهرها وأوجهها، قال : لا يخفى على من تأمّل الأخبار الواردة بالبيّنة واليمين في أبواب الدعاوي انّه لا عموم فيها فضلا عن الخصوص على وجه يشمل مثل ما نحن فيه، فانّ موردهما إنّما هو ما إذا كانت الدعوى بين اثنين : مدّع ومنكر، ولا دلالة فيها على من ادّعى شيئا وليس له من يقابله وينكر دعواه بأنّه يكلّف البيّنة أو اليمين، وفي الأخبار

1الوسائل : 14/457، الباب 10 من أبواب نكاح المتعة، الحديث 5 .
2الوسائل : 15، الباب 11 من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 1 .

صفحه 60
الكثيرة : « البيّنة على من ادّعى واليمين على من أنكر » . (1)
يلاحظ عليه : أنّ اختصاص اليمين بما ذكره وإن كان غير بعيد لكن اختصاص البيّنة بالدعاوي غير تام، كيف وقد ورد في موثّقة مسعدة ما يستفاد منه عمومية حجّيتها في غير مورد المخاصمة، قال(عليه السلام)بعد ذكر أمثلة : «. . . أو امرأة تحتك وهي أختك أو رضيعتك والأشياء كلّها على هذا حتى تستبين لك أو تقوم به
البيّنة » . (2)
8 . أصالة العدالة في المسلم، فإنّ الأصل في كلّ مسلم هو أن يكون عادلا .
يلاحظ عليه : أنّه مبنيّ على ما ذكره الشيخ في « الخلاف » بأنّ الإسلام أو الإيمان مع عدم ظهور الفسق، عدالة بحيث يساوي الإسلام والإيمان مع العدالة بشرط عدم ظهور الفسق، وهو غير تام، لظهور انّ العدالة غير الإيمان والإسلام، وعلى ذلك جرت سيرة الفقهاء في مبحث عدالة القاضي والشاهد وغير ذلك،
فشرطوا وراء الإسلام والإيمان، العدالة . وفي رواية سليمان بن خالد عند تعارض الحكمين الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما . (3) فلو كانت العدالة نفس الإسلام والإيمان فما معنى التفضيل؟ كما أنّ الظاهر من رواية ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)(4) انّ العدالة ملكة تصدّ الإنسان عن ارتكاب الكبيرة .
وقد حقّقنا الموضوع في كتاب « نظام القضاء والشهادة » عند البحث عن عدالة القاضي والشاهد .

1الحدائق الناضرة : 12 / 165.
2الوسائل : 12، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4 .
3الوسائل : 18، الباب 3 من أبواب صفات القاضي، الحديث 3 .
4الوسائل : 18، الباب 41 من أبواب الشهادات، الحديث 1 .

صفحه 61
9 . ما ورد فيمن نذر جارية للكعبة; ففي رواية علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام)قال : سألته عن رجل جعل جاريته هديا للكعبة؟ فقال : « مر مناديا يقوم على الحجر فينادي : ألا من قصرت به نفقته، أو قطع به، أو نفد طعامه فليأت فلان بن فلان، ومره أن يعطي أوّلا فأوّلا حتى ينفد ثمن الجارية » . (1)
يلاحظ عليه : أنّه يحتمل أن يكون من مختصات نذر الكعبة والهدية إليها، فلا يكون دليلا على سماع دعوى الفقر في سائر المقامات .
10 . ما تضافر من الروايات على سيرة أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)من استماع دعوى مدّعي الفقر، وهي كثيرة نكتفي منها بالأقل :
ما ورد في خبر العزرمي من أنّه جاء رجل إلى الحسن والحسين(عليهما السلام)وهما جالسان على الصفا فسألهما، فقالا : « إنّ الصدقة لا تحلّ إلاّ في دين موجع، أو غرم مفظع، أو فقر مدقع، ففيك شيء من هذا؟ » قال : نعم، فأعطياه . (2)
وما في مصحّح عامر بن جذاعة قال : جاء رجل إلى أبي عبد اللّه(عليه السلام)فقال له : يا أبا عبد اللّه، قرض إلى ميسرة، فقال له أبو عبد اللّه(عليه السلام): « إلى غلّة تدرك؟ » ، فقال الرجل : لا واللّه، قال : « فإلى تجارة تؤوب؟ » قال : لا واللّه .
قال : « فإلى عقدة تباع؟ » فقال : لا واللّه، فقال أبو عبد اللّه(عليه السلام): « فأنت ممّن جعل اللّه له في أموالنا حقّا » ثمّ دعا بكيس فيه دراهم . (3)
يلاحظ عليه : أنّ القرائن تدلّ على أنّه حصل للإمام الاطمئنان بفقر

1الوسائل : 9، الباب 22 من أبواب مقدمات الطواف، الحديث 1 .
2الوسائل : 9/211، الباب 1 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 6 . المدقع : الفقر الملصق بالتراب، كناية عن الذلّة .
3الوسائل : 9/45، الباب 7 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 1 .

صفحه 62
المسألة 11 : لو كان له دين على الفقير جاز احتسابه زكاة، سواء كان حيّا أو ميّتا .
لكن يشترط في الميّت أن لا يكون له تركة تفي بدينه، وإلاّ لا يجوز .
نعم لو كان له تركة لكن لا يمكن الاستيفاء منها - لامتناع الورثة أو غيرهم - فالظاهر الجواز . *
............................................................................................
السائل، فلذلك قال : « فأنت ممّن جعل اللّه له في أموالنا حقّا » ، فلا يكون دليلا على الآخرين .
وبالجملة هذه الوجوه غير ناهضة لإثبات قاعدة كلّية على خلاف ما ثبت من الكتاب والسنّة .
* في المسألة فروع ثلاثة :
1 . جواز احتساب الدين زكاة من غير فرق بين كون المديون حيّا أو ميّتا .
2 . إذا كان المديون ميّتا يشترط أن لا تفي تركته بدينه .
3 . إذا امتنعت الورثة عن أداء الدين يجوز الاحتساب وإن كانت تركته وافية بالدين .
وإليك دراسة الفروع واحدا تلو الآخر، وإن كان الأنسب البحث فيها عند البحث في الغارمين، حيث طرح المصنّف هناك بعض الفروع في المسألة الرابعة والعشرين .
إذا عرفت ذلك فلندرس الفروع الثلاثة :

1 . احتساب الدين زكاة حيّا كان الغارم أو ميّتا

إنّ الغارمين أحد المصارف الثمانية للزكاة، فلو قلنا بأنّ الفقير والمسكين

صفحه 63
والعاملين عليها والمؤلّفة قلوبهم يتملّكون الزكاة بشهادة لفظة « لام » في المعطوف والمعطوف عليه، لكن الرقاب والغارمين بشهادة دخول كلمة « في » عليهما لا يتملّكون، بل الزكاة تصرف في مصالحهم، قال سبحانه : (وَ فِي اَلرِّقابِ وَ اَلْغارِمِينَ).
ثمّ الصرف في المصالح كما يتحقّق بالأداء يتحقّق بالاحتساب، وقد عرفت أنّ المزكّي يقوّم الزكاة، فعندئذ تعود نفس القيمة زكاة .
ثمّ إنّ المزكّي تارة يكون صاحب الدين وأخرى غيره، فلو دفع القيمة إلى صاحب الدين من جانب المديون فقد قضى دينه، فيصدق قوله سبحانه في« الغارمين » .
هذا إذا كان المزكّي غير صاحب الدين، وأمّا إذا كان هو صاحب الدين فبما انّ القيمة مقبوضة للغارم، فبالاحتساب تبرأ ذمّة المزكّي كما تبرأ ذمّة الغارم، فيصدق أيضا وفي(اَلْغارِمِينَ).
والحاصل : انّ القضاء عن الغارم أو الاحتساب عليه كلاهما صرف للزكاة في طريق إفراغ ذمّة الغارم، ولكن يختلف حسب اختلاف صاحب الدين، فلو كان المزكّي وصاحب الدين مختلفين فالصرف بالقضاء، ولو كان واحدا فالصرف بالاحتساب، فنفس الآية كافية في تجويز الاحتساب من دون حاجة إلى دليل آخر
وإن ورد في المقام روايات .
ثمّ الغارم تارة يكون حيّا وأخرى ميّتا ويجوز الاحتساب في كلا الموردين .
أمّا الاحتساب على الغارم الحي، فيكفي في ذلك صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، قال : سألت أبا الحسن الأوّل (عليه السلام)عن دين لي على قوم قد طال حبسه عندهم لا يقدرون على قضائه وهم مستوجبون للزكاة، هل لي أن أدعه فأحتسب به

صفحه 64
عليهم من الزكاة؟ قال : « نعم » . (1)
2 . وخبر عقبة بن خالد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)في حديث أنّ عثمان بن عمران قال له : إنّي رجل موسر ويجيئني الرجل ويسألني الشيء وليس هو إبّان زكاتي؟ فقال له أبو عبد اللّه : « القرض عندنا بثمانية عشر، والصدقة بعشرة، وماذا عليك إذا كنت كما تقول موسرا أعطيته، فإذا كان إبّان زكاتك احتسبت بها من
الزكاة، يا عثمان لا تردّه فانّ ردّه عند اللّه عظيم » . (2)
لكن ورد في بعض الروايات التفصيل بين تمكّن الفقير من أداء الدين ولو ببيع بعض المستثنيات، ومن لا يقدر حتى على هذا النحو، فيحتسب في الأوّل ويعطى في الثاني .
روى سماعة، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال : سألته عن الرجل يكون له الدين على رجل فقير يريد أن يعطيه من الزكاة؟ فقال :
« إن كان الفقير عنده وفاء بما كان عليه من دين من عرض من دار، أو متاع من متاع البيت، أو يعالج عملا يتقلّب فيها بوجهه، فهو يرجو أن يأخذ منه ماله عنده من دينه، فلا بأس أن يقاصّه بما أراد أن يعطيه من الزكاة، أو يحتسب بها .
فإن لم يكن عند الفقير وفاء ولا يرجو أن يأخذ منه شيئا فيعطيه من زكاته ولا يقاصه شيء من الزكاة » . (3)
ولكن التفصيل محمول على الاستحباب لكي لا يحرم المسكين البائس من إعطاء الزكاة، وإلاّ فيجوز الاحتساب في هذه الصورة أيضا، لعدم وجوب دفع الزكاة إلى الشخص المعيّن .

1الوسائل : 6، الباب 46 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 2 .
2الوسائل : 6، الباب 49 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 2 .
3الوسائل : 6، الباب 46 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 3.

صفحه 65
هذا كلّه حول الاحتساب على الحي، وأمّا الاحتساب على الميت ففي صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج، قال : سألت أبا الحسن(عليه السلام)عن رجل عارف، فاضل توفّي وترك عليه دينا قد ابتلي به، لم يكن بمفسد ولا بمسرف ولا معروف بالمسألة، هل يقضى عنه من الزكاة : الألف والألفان؟ قال : « نعم » . (1)
ومورد الرواية هو قضاء الدين عن الميت، وهذا إنّما يصدق إذا كان المزكّي غير صاحب الدين، غير انّ العرف يساعد على إلغاء الخصوصية، لأنّ الغاية هو إبراء ذمّة الغارم، فكما يحصل الإبراء بالقضاء فكذلك يحصل بالاحتساب إذا كان المزكّي هو صاحب الدين .
ويؤيّده روايات أخرى :
1 . خبر إبراهيم بن السندي، عن يونس بن عمّار، قال : سمعت أبا عبد اللّه(عليه السلام)يقول : « قرض المؤمن غنيمة وتعجيل أجر، إن أيسر قضاك، وإن مات قبل ذلك احتسبت به من الزكاة » . (2)
2 . خبر هيثم الصيرفي وغيره، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال : « القرض الواحد بثمانية عشر، وإن مات احتسب بها من الزكاة » . (3)

إكمال

وليعلم أنّ المصنّف اكتفى فيما إذا كان المزكّي هو الدائن بصورة واحدة وهو الاحتساب، وقال : لو كان له دين على الفقير جاز احتسابه زكاة، مع أنّه ذكر في مبحث الغارمين قسما آخر حيث قال : لو كان دين الغارم لمن عليه الزكاة

1الوسائل : 6، الباب 46 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1 .
2الوسائل : 6، الباب 49 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1.
3الوسائل : 6، الباب 49 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 8.

صفحه 66
جاز له احتسابه عليه زكاة، 2 . بل يجوز أن يحتسب ما عنده من الزكاة وفاء للدين ويأخذها مقاصة . (1) وعندئذ يقع الكلام في معنى التقاص، وسيوافيك توضيحه .
إلى هنا تبيّن أمور ثلاثة :
1 . قضاء الدين بالزكاة، وذلك إذا كان المزكّي غير الدائن .
2 . احتساب الدين زكاة، وذلك إذا كان المزكّي والدائن واحدا .
3 . احتساب ما عنده من الزكاة وفاء للدين أخذها مقاصة .
وسوف يوافيك توضيح القسم الثالث في الغارمين .

2 . اشتراط عدم وفاء التركة بالدين في الميّت

هذا هو الفرع الثاني وحاصله : انّه يشترط في الاحتساب على الميت عدم وفاء تركته بدينه وإلاّ لا يجوز، وقد أفتى به الشيخ في « المبسوط » ، والعلاّمة في « التحرير » خلافا له في « المختلف » ، قال في « المبسوط » :
وسواء أكان الميت الذي يقضى عنه - إذا لم يخلّف شيئا - كان ممّن يجب عليه نفقته في حياته أو لم يكن . (2)
والشيخ وإن كان بصدد نفي التفصيل بين كون الغارم واجب النفقة على المزكّي أو لا، ولكنّه يذكر القيد ( إذا لم يخلّف شيئا) كأنّه أمر مسلم في جواز القضاء .
وقال العلاّمة في « التحرير » : والظاهر انّ جواز المقاصّة إنّما مع قصور التركة . (3)

1لاحظ المسألة 24 من الغارمين.
2المبسوط : 1 / 252.
3تحرير الأحكام : 1/408، رقم المسألة139 .

صفحه 67
ولكنّه ذهب في « المختلف » إلى عدم الاشتراط، قال : قال ابن الجنيد : لا بأس أيضا أن يحتسب المزكّي بما كان أقرضه الميت من ماله من الزكاة إذا عجز الميت عن أداء ذلك . والأقرب عندي عدم الاشتراط . لنا : عموم الأمر بجواز احتساب الدين على الميت من الزكاة، ولأنّه بموته انتقلت التركة إلى ورثته فصار في الحقيقة عاجزا . (1)
والحقّ ما ذكره في « التحرير » وذلك لوجهين :
الأوّل : انّ التركة لا تنتقل إلى الورثة إلاّ(مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصِي بِها أَوْ دَيْن)، فمقدار الدين باق على ملك الميت فيملكه الغارمون، تملّكا بلا منازع .
الثاني : انّ عنوان الغارم غير عنوان الفقير، فدفع الزكاة إلى الفقير يشترط فيه عجزه عن مؤونة سنته، وأمّا الغارم فلا يشترط فيه الفقر بهذا المعنى وإنّما يشترط فيه العجز عن أداء الدين، ولأجل ذلك يعرّفه المحقّق في الشرائع بقوله : « الغارمون هم الذين علّتهم الديون في غير معصية » فإذا كان قادرا على أداء الدين فكيف
يدفع إليهم الزكاة أو يقضى عنهم أو يحتسب عليهم وهم غير عاجزين عن القيام بأداء الدين؟ !
ويدل على ذلك وراء الآية صحيحة زرارة، قال : قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): رجل حلّت عليه الزكاة ومات أبوه وعليه دين، أيؤدّي زكاته في دين أبيه وللابن مال كثير؟ فقال(عليه السلام): « إن كان أبوه أورثه مالا ثمّ ظهر عليه دين لم يعلم به يومئذ فيقضيه عنه، قضاه من جميع الميراث ولم يقضه من زكاته، وإن لم يكن أورثه مالا لم يكن أحد أحقّ بزكاته من دين أبيه، فإذا أدّاها من دين أبيه على هذه الحال أجزأت عنه » . (2)

1المختلف : 3 / 212.
2الوسائل : 6، الباب 18 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1 .

صفحه 68
ومورد الصحيحة هو الأب الذي هو واجب النفقة، ولكنّه لا يوجب تخصيص الحكم بمورده، إذ ليس أداء الدين من النفقة الواجبة على الولد .
وأمّا القول الآخر فقد استدلّ عليه العلاّمة بوجهين قاصرين :
أ : عموم الأمر بجواز احتساب الدين على الميت من الزكاة .
يلاحظ عليه : بما عرفت من أنّ تعليق الحكم بالوصف مشعر بالعلّية وان صرف الزكاة في سبيل الغارمين لأجل عجزهم عن الأداء .
ب : انتقال التركة للورثة فصار في الحقيقة عاجزا .
يلاحظ عليه : أنّه على خلاف ظاهر الآية وانّه ينتقل إليهم ما سوى ما وصّى به وما يقضى به الدين، أضف إلى ذلك صحيحة زرارة وهو يكفي في تقييد المطلقات، ولو قلنا بظاهر كلام العلاّمة فلا بدّ من القول بجواز صرف الزكاة في ديون الأثرياء الذين ماتوا وتركوا ثروة طائلة .

3 . إمكان استيفاء الدين من التركة

هذا هو الفرع الثالث وانّ التركة إنّما تمنع من صرف الزكاة في الدين إذا أمكن استيفاؤه منها، وأمّا إذا لم يمكن الاستيفاء منها لا متناع الورثة لعدم إمكان إثبات الدين مع كونه كذلك في الواقع، فقد استظهر المصنّف الجواز وفاقا للشهيدين .
قال الشهيد : نعم لو أتلف الوارث المال وتعذّر الاقتضاء لم يبعد جواز الاحتساب والقضاء . (1)
وقال في « المسالك » : نعم لو لم يعلم الوارث بالدين ولم يمكن للمدين إثباته

1البيان : 195.

صفحه 69
شرعا أو أتلف الوارث التركة وتعذّر الاقتضاء منه، جاز الاحتساب على الميت قضاء ومقاصة . (1)
وقال في « الجواهر » : لا يبعد جواز الاحتساب مطلقا إذا تعذر الاستيفاء من التركة إمّا لعدم إمكان إثباته أو لغير ذلك كما صرّح به في المسالك، وكذا الروضة اقتصارا في تقييد المطلق على محل اليقين . (2)
فإن قلت : إنّ مقتضى إطلاق صحيحة زرارة هو عدم الجواز حيث قال : « إن كان أبوه أورثه مالا ثمّ ظهر عليه دين لم يعلم به يومئذ فيقضيه عنه، قضاه من جميع الميراث » (3) والمفروض انّه ترك مالا، فالمقتضي من جانب الميت تام والمانع من جانب الورثة .
قلت : الصحيحة منصرفة إلى ما إذا أمكن الاستيفاء، ولذلك قال : « لم يعلم به يومئذ فيقضيه عنه » فهو ظاهر في أنّ الورثة على أهبة الوفاء غير انّهم لم يعلموا به، فلا يعمّ صورة الامتناع . وبذلك يظهر انّ مراده من « محلّ اليقين » هو انصرافها إلى ما إذا أمكن الاستيفاء .
والذي يقرّب ذلك انّه لو كان الحي مالكا لما يتمكّن به من أداء دينه غير أنّه صودرت أمواله من قبل الظالم، فيجوز صرف الزكاة في أداء دينه، فإذا كان الحي كذلك فالميت أولى به .

1المسالك: 1 / 418.
2الجواهر : 15 / 366.
3الوسائل : 6، الباب 18 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1 .

صفحه 70

هل يجب إعلام الفقير، أنّ المعطى زكاة

المسألة 12 : لا يجب إعلام الفقير أنّ المدفوع إليه زكاة، بل لو كان ممّن يترفّع ويدخله الحياء منها وهو مستحقّ يستحبّ دفعها إليه على وجه الصلة ظاهرا والزكاة واقعا، بل لو اقتضت المصلحة التصريح كذبا بعدم كونها زكاة جاز، إذا لم يقصد القابض عنوانا آخر غير الزكاة، بل قصد مجرّد التملّك . *
............................................................................................
* في المسألة فروع أربعة:
1 . لا يجب إعلام الفقير بأنّ الموضوع زكاة .
2 . إذا كان ممّن يترفّع يستحب دفعها على وجه الصلة ظاهرا والزكاة واقعا .
3 . إذا اقتضت المصلحة يجوز التصريح بأنّه ليس بزكاة كذبا .
4 . إذا قصد القابض عنوانا آخر غير الزكاة .
وإليك دراسة الفروع واحدا تلو الآخر .

1 . عدم وجوب الإعلام للفقير

اتّفق الفقهاء على عدم وجوب الإعلام للفقير بأنّ المدفوع زكاة، قال الشيخ الطوسي : فإن عرفت من يستحق الزكاة وهو يستحيي من التعرض لذلك ولا يؤثر ان تعرفه، جاز لك أن تعطيه الزكاة وإن لم تعرّفه انّه منها، وقد أجزأت عنك . (1)
وقال المحقّق : لا يجب إعلام الفقير انّ المدفوع إليه زكاة . (2)

1النهاية : 188.
2الجواهر : 15/324، قسم المتن.

صفحه 71
وقال العلاّمة في « التذكرة » : ولا يجب إعلام المدفوع إليه انّ هذا زكاة . (1)
ويدلّ على الجواز إطلاقات الأمر بأداء الزكاة من غير تقييد بإعلام المدفوع بأنّه زكاة، ويكفي في الامتثال قصد الدافع عنوان الزكاة، وأمّا إعلام المدفوع إليه بالعنوان أو لزوم أخذه به فلم يدلّ عليها دليل .
وتدلّ عليه أيضا صحيحة أبي بصير، قال : قلت لأبي جعفر(عليه السلام): الرجل من أصحابنا يستحيي أن يأخذ من الزكاة ]أ [فأعطيه من الزكاة ولا أسمّي له أنّها من الزكاة؟ فقال : « أعطه ولا تسمّ له ولا تذلّ المؤمن » . (2)
والشاهد في قوله : « أعطه ولا تسمّ له » وكون المورد من يستحيي من أخذ الزكاة، لا يكون دليلا على اختصاصه به، بل هو الداعي لأجل عدم إعلام الموضوع، إذ لو لم يكن كذلك فلا داعي لكتمان الموضوع، ومن المعلوم أنّ الداعي لا يكون قيدا للحكم، فيجوز عدم إعلامه مطلقا، سواء كان مستحييا من أخذها
أم لا .
وليس في السند سوى سهل بن زياد، والأمر فيه سهل، ورواه الشيخ عن الكليني بنفس هذا السند .
نعم رواه الصدوق باسناده عن عاصم بن حميد وسنده إليه صحيح .
والعجب من المحدّث البحراني حيث زعم أنّ الرواية حسنة لأجل إبراهيم بن هاشم مع أنّه ليس في السند منه عين ولا أثر . (3)
وأمّا أبو بصير فهو ثقة من غير فرق بين الأسدي وغيره .

1التذكرة : 5/287، المسألة 203، كتاب الزكاة.
2الوسائل : 6، الباب 58 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1 .
3الحدائق : 12 / 171.

صفحه 72

2 . استحباب دفع الزكاة على وجه الصلة ظاهرا

يظهر من العلاّمة الحلّي انّ الاستحباب موضع وفاق، قال : فلو استحيا الفقير من أخذها علانية استحبّ إيصالها إليه على وجه الهدية، ولا يعلم أنّها زكاة، لما في الإعلام من إذلال المؤمن والاحتقار به - ثمّ ذكر بعد رواية أبي بصير : - ولا نعلم في ذلك خلافا . (1)
ولعلّ قوله : « ولا نعلم في ذلك خلافا » يرجع إلى ما ذكره من استحباب الإيصال على وجه الهدية .
وقال المحدّث البحراني : قد صرّح الأصحاب - رضوان اللّه عليهم - من غير خلاف يعرف بأنّه لو كان الفقير ممّن يستحيي من قبول الزكاة جاز دفعه إليه على وجه الصلة . ثمّ استدلّ برواية أبي بصير الماضية . (2)
يلاحظ عليه : أنّ رواية أبي بصير إنّما تدلّ على الفرع الأوّل وهو عدم لزوم الإعلام، وأمّا استحباب الدفع إليه على وجه الصلة فهو خارج عن مدلول الرواية .
وعندئذ يقع الكلام في أمرين :
الأوّل : استحباب الإعطاء بهذا العنوان
الثاني : إجزاء الإعطاء على وجه الصلة .
أمّا الأوّل : فلا يستفاد من رواية أبي بصير سوى النهي عن التسمية وكراهته، وأمّا استحباب الإعطاء بعنوان آخر فلا يدلّ عليه .
وأمّا الثاني : فالظاهر هو الإجزاء، لأنّ الواجب هو إيصال حقّ الفقير إليه

1التذكرة : 5 / 287.
2الحدائق : 12 / 171.

صفحه 73
وجعله تحت يده وتملّكه له، والمفروض انّه حصل ذلك، واستدلّ على ذلك بما في رواية سماعة قال : إذا أخذ الرجل الزكاة فهي كماله يصنع بها ما يشاء، قال : « إنّ اللّه فرض للفقراء في أموال الأغنياء فريضة لا يحمدون إلاّ بأدائها وهي الزكاة، فإذا وصلت إلى الفقير فهي بمنزلة ماله يصنع بها ما يشاء » . (1)
يلاحظ عليه : أنّ الرواية بصدد بيان انّ الفقير له التقلّب في الزكاة كيف ما شاء، وأمّا كفاية مطلق الوصول إليه ولو بعنوان الصلة فليست الرواية بصدد بيانها فلا بدّ من التماس دليل آخر .
ويمكن الاستدلال عليه بجواز إعطاء الزكاة للأيتام الصغار مع أنّهم لا يعرفون الموضوع، ففي الصحيح عن أبي بصير، قال : قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الرجل يموت ويترك العيال أيعطون من الزكاة؟ قال :
« نعم حتى ينشأوا ويبلغوا ويسألوا من أين كانوا يعيشون إذا قطع ذلك عنهم » .
فقلت : إنّهم لا يعرفون؟ قال : « يحفظ فيهم ميّتهم ويحبّب إليهم دين أبيهم فلا يلبثون أن يهتموا بدين أبيهم، فإذا بلغوا وعدلوا إلى غيركم فلا تعطوهم » . (2)
وهذه الروايات تدلّ على أنّ إبراء الذمّة يحصل بوصول المال إلى الفقير وتملّكه، غاية الأمر يكون قصد الهدية من جانب المعطي في الظاهر أمرا زائدا غير مخلّ بالإجزاء وإنّما أريد به حفظ كرامة الفقير مع كون الجدّ على خلاف الظاهر .
وربما يتصوّر وجود المعارضة بين رواية أبي بصير الماضية وصحيحة محمد بن مسلم، قال : قلت لأبي جعفر(عليه السلام): الرجل يكون محتاجا فيبعث إليه بالصدقة فلا

1الوسائل : 6، الباب 41 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1 .
2الوسائل : 6، الباب 6 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1; ولاحظ الحديث 2 و 3.

صفحه 74
يقبلها على وجه الصدقة يأخذه من ذلك ذمام واستحياء وانقباض، فنعطيها إيّاه على غير ذلك الوجه وهي منّا صدقة؟
فقال : « لا، إذا كانت زكاة فله أن يقبلها، فإن لم يقبلها على وجه الزكاة فلا تعطها إيّاه » . (1)
يلاحظ عليه : أنّ الحديثين مختلفان موضوعا، فالأوّل ناظر إلى عدم وجوب إعلام الموضوع للفقير، والحديث الثاني ناظر إلى المنع عن دفع الزكاة بعنوان الصلة لمن يتأبّى عن أخذ الزكاة، فلا وحدة في الموضوع حتى يتعارضان، نعم ظاهره النهي عن دفع الزكاة بعنوان الهديّة إذا كان الفقير من يأخذه انقباض إذا عرف انّ المدفوع زكاة، وعلى ذلك يجب دراسة الحديث وفهم معناه مع قطع النظر عن المعارضة التي عرفت انتفاءها، فنقول :
إنّ بعث الزكاة بعنوان الهبة إلى الفقير يتصوّر على وجوه ثلاثة :
الأوّل : أن يدفعها بقصد الزكاة تحت عنوان الصلة والهدية ويأخذها القابض على وجه الزكاة، وهذا لا إشكال فيها، وفي استحبابها من جهة استحياء الفقير المتجمّل من أن يطّلع عليه أحد، لكونه ممّن يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفّف، ما عرفت من عدم الدليل عليه، وهذا الوجه خارج عن مصبّ الرواية .
الثاني : الوجه نفسه ولكن يأخذه القابض بالعنوان الذي دفع إليه ظاهرا، ولكن لا يمتنع عنها إذا اطّلع على كونها زكاة، فلا إشكال في الإجزاء كما سيوافيك في الفرع الرابع .
الثالث : ذلك الوجه ولكن يمتنع عنها إذا اطّلع على كونها زكاة، وهذا الوجه هو مصبّ الرواية، والإمام ينهى عن ذلك، ولعلّ النهي إرشادي للحيلولة دون

1الوسائل : 6، الباب 58 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 2 .

صفحه 75
لغوية العمل، لأنّه إذا بعثها بعنوان الهدية ووقف هو من خلال القرائن انّها زكاة، يردّها على الدافع أو يتأذّى من عمل الدافع وليس النهي تحريميا أو تنزيهيا . وعلى ضوء هذا لو بعث إليه زكاته وقبل زعما منه انّه صلة، يكون مبرئ للذمّة، لما عرفت من أنّ النهي إرشاديّ .
ثمّ إنّ الأصحاب مالوا يمينا وشمالا في تفسير الرواية .
قال المحدث البحراني : إنّ الحديث غير معمول به على ظاهره ولا قائل به، بل الأخبار وكلام الأصحاب على خلافه، فلا يلتفت إليه في مقابلة ما ذكرنا . (1)
وقال في « الجواهر » بعد ذكر الرواية : لم نجد عاملا به على ظاهره، وإن كان قد يظهر من « الدروس » نوع توقّف في الحكم من جهته . (2)
وقد عرفت أنّ النهي إرشادي، والغاية صيانة العمل عن اللغوية وليس نهيا تحريميا أو تنزيهيا .

3 . إذا اقتضت المصلحة يجوز التصريح بأنّه ليس بزكاة كذبا

إنّ الكذب من الكبائر الموبقة، لا يسوّغه إلاّ إذا كانت هناك مصلحة أقوى من مفسدة الكذب، وإلاّ فيحرم، وإحراز تلك المصلحة مشكل جدّا إلاّ في موارد نادرة .

4 . إذا قصد القابض عنوانا آخر غير الزكاة

يظهر من المصنّف انّه لا يقول بالإجزاء إذا قصد القابض عنوانا غير الزكاة، ولعلّه اعتمد في ذلك على صحيحة محمد بن مسلم حيث شرط عدم قصد

1الحدائق : 12 / 172.
2الجواهر : 15 / 325.

صفحه 76
المسألة 13 : لو دفع الزكاة باعتقاد الفقر فبان كون القابض غنيّا، فإن كانت العين باقية ارتجعها، وكذا مع تلفها إذا كان القابض عالما بكونها زكاة وإن كان جاهلا بحرمتها للغنيّ .
بخلاف ما إذا كان جاهلا بكونها زكاة فإنّه لا ضمان عليه . ولو تعذّر الارتجاع أو تلفت بلا ضمان أو معه ولم يتمكّن الدافع من أخذ العوض كان ضامنا، فعليه الزكاة مرّة أخرى .
نعم لو كان الدافع هو المجتهد أو المأذون منه، لا ضمان عليه، ولا على المالك الدافع إليه . *
............................................................................................
القابض لعنوان آخر .
ولكنّه غير تامّ، لما عرفت من أنّ النهي في الصحيحة إرشادي وليس تحريميا أو تنزيهيا .
والظاهر الإجزاء وإن قصد القابض غير عنوان الزكاة، لأنّ العبرة بقصد الدافع لا بقصد القابض، والمفروض انّه دفعه بعنوان الزكاة .
* في المسألة فروع ثلاثة، وللفرع الثالث شقوق :
1 . لو تبيّن كون القابض غنيا وكانت العين باقية .
2 . تلك الصورة ولكن كانت العين تالفة، وكان القابض عالما بالموضوع وانّها زكاة . سواء أكان عالما بالحكم ( حرمة الزكاة على الغني) أم لا .
3 . إذا كان القابض جاهلا بالموضوع وانّها زكاة فله شقوق :
أ : كانت العين باقية ولكن تعذّر الارتجاع .
ب : لو تلفت العين بلا ضمان كما إذا تلف ب آفة سماوية .

صفحه 77
ج : تلفت مع الضمان ولم يتمكّن الدافع من أخذ العوض، فعلى من الضمان؟
وإليك دراسة الفروع واحدا بعد الآخر في ضوء القواعد العامة ثمّ دراسة ما ورد في المقام من الروايات :

1 . لو تبيّن غنى القابض وكانت العين باقية

لو دفع الزكاة إلى من يعتقد بأنّه فقير ثمّ بان كون القابض غنيا وكانت العين باقية، يسترجع العين سواء أكان القابض عالما أم جاهلا، دفعها بعنوان الزكاة أم لا، وذلك لأنّ العين لا تخلو إمّا ملك للدافع أو للفقير، فلو كانت ملكا للدافع يجوز الارتجاع، ولو كانت ملكا للفقير يجب . كما لو عزل الزكاة وأفرزها من ماله فقد تعيّن انّه للفقير فيجب ارتجاعها .
نعم لو دفعه بلا إفراز، فربّما يقال بأنّه لا يتعيّن للزكاة نظرا إلى أنّ الموضوع لا يتشخّص في الزكاة إلاّ بقبض الفقير الواقعي المنفي حسب الفرض، فهو أولى بما له وباق تحت سلطنته، فله الإبقاء كما له الإرجاع . (1)
يلاحظ عليه : أنّ كلّ دفع مشتمل على العزل قبله ولو آنا ما دائما، فيتعيّن كونه ملكا للفقير ويكفي ذلك في تعيّنه له سواء أقبضه أم لا، قبضه الفقير الواقعي أم لم يقبضه .
والحاصل : انّه إذا دفع عينا معيّنة بعنوان الزكاة فتحصل العزل قبل الإقباض وهذا يكفي، ولذلك أطلق المصنّف وقال : ارتجعها .
والمفروض انّه ليس له الولاية على تبديل العين بعين أخرى .

1حكاه المحقّق الخوئي عن مصباح الفقيه ولم نعثر عليه فيه، لاحظ ج 13 ص 521 ـ 526 .

صفحه 78

2 . إذا تلفت العين وكان القابض عالما بالموضوع

إذا دفع الزكاة باعتقاد انّ القابض فقير وكان القابض عالما بأنّها زكاة، سواء أكان عالما بحرمة الزكاة على الغني أم لا فأتلف أو تلفت العين عنده، فالقابض ضامن لعموم : « على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي » و المفروض انّ يده ليست يدا أمينة، إذ ليست أهلا لأخذ الزكاة .

3 . كان القابض جاهلا بالموضوع

لو أخذ الزكاة وهو غني ولكنّه جاهل بأنّ المأخوذ زكاة بل أخذه بما انّه هدية، فلا ضمان عليه، لأنّه مغرور من جانب الدافع، والمغرور يرجع إلى الغار .
إنّما الكلام في تكليف الدافع فهنا شقوق :
أ : لو كانت العين باقية وتعذّر الارتجاع .
ب : لو تلفت العين بلا ضمان، كما إذا تلفت بحادثة سماوية .
ج : لو تلفت مع الضمان، كما إذا أتلفه الغير عمدا أو سهوا ولكن لم يتمكّن الدافع من أخذ العوض .
ففي هذه الشقوق الثلاثة ينصبّ الكلام على ضمان الدافع دون القابض لمعلومية حكمه من حيث عدم الضمان لكونه مغرورا، ولأجل ذلك نركّز الكلام على ضمان الدافع دون القابض، لما عرفت من عدم ضمانه، ونذكر ما هو مقتضى القواعد أوّلا، ثمّ ندرس الروايات الواردة في المقام ثانيا .

ضمان الدافع في الصور الثلاث على ضوء القواعد

اختلفت كلمتهم في ضمان الدافع على أقوال ثلاثة :

صفحه 79

1 . القول بعدم الضمان

ذهب الشيخ في « المبسوط » والمحقّق في « الشرائع » إلى عدم ضمان الدافع .
قال في « المبسوط » : وإذا تولّى الرجل إخراج صدقته بنفسه فدفعها إلى من ظاهره الفقر، ثمّ بان أنّه غني، فلا ضمان عليه أيضا، لأنّه لا دليل عليه . (1)
وقال في « الشرائع » : ولو دفعها على أنّه فقير فبان غنيا، ارتجعت مع التمكّن، وإن تعذر كانت ثابتة في ذمّة الآخذ ولم يلزم الدافع ضما نها، سواء كان الدافع، المالك أو الإمام أو الساعي . (2)

2 . القول بالضمان

ذهب المفيد وتلميذه الحلبي إلى القول بالضمان، قال في « المقنعة » : ومن أعطى موسرا شيئا من الزكاة وهو يرى أنّه معسر ثمّ تبيّن بعد ذلك يساره، فعليه الإعادة ولم يجزه ما سلف من الزكاة . (3)
وقال في « الكافي في الفقه » : فإن أخرجها إلى من يظن به تكامل صفات مستحقّها، ثمّ انكشف له كونه مختل الشروط، رجع عليه بها، فإن تعذر ذلك فكان المنكشف هو الغنى وجب إعادتها ثانية . (4)

3 . سقوطه مع الاجتهاد وثبوته مع عدمه

ذهب العلاّمة في « المنتهى » إلى التفصيل، قال : الأقرب سقوط الضمان مع الاجتهاد وثبوته مع عدمه . لنا : إنّه أمين، في يده مال لغيره فيجب عليه الاجتهاد

1المبسوط : 1 / 261.
2الشرائع : 1 / 160.
3المقنعة : 259.
4الكافي : 173.

صفحه 80
والاستظهار في دفعها إلى مالكها . (1)
هذه هي الأقوال، والأولى دراسة دليل القائل بالضمان، إذ بسقوط أدلّته يتعيّن القول الأوّل، وأمّا التفصيل بين الاجتهاد وعدمه فقد اعتمد فيه على صحيحة حريز (2) وسيأتي الكلام فيها عند البحث في مقتضى الروايات فانتظر .

أدلّة القول بالضمان

استدلّ الشيخ الأنصاري بوجوه، وقال : الأقوى هو عدم الإجزاء، وفاقا للمحكي عن المفيد والحلبي وذلك :
أ . لأصالة اشتغال الذمّة .
ب . عموم ما دلّ على أنّها كالدين .
ج . عدم الإجزاء مقتضى قاعدة الشركة في العين .
د . وضع الزكاة في غير موضعها بمنزلة العدم .
ه . ما دلّ على وجوب إعادة المخالف زكاته معلّلا بأنّه لم يضعها في موضعها .
و. مرسلة الحسين بن عثمان، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام): في الرجل يعطي زكاة ماله رجلا وهو يرى أنّه معسر فوجده موسرا؟ قال : « لا يجزئ عنه » . (3)
لكن الجميع لا يخلو من ضعف .
أمّا الأوّل - أعني : أصالة الاشتغال -: فهي غير واضحة، لأنّه إن أريد منه الاشتغال بالأداء فهو فرع بقاء موضوعه، والمفروض انّه ليس بمتناول المالك، وإن

1المنتهى : 1/527، الطبعة الحجرية.
2الوسائل : 6، الباب 2 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 5 .
3كتاب الزكاة : 288 ـ 289.

صفحه 81
أريد اشتغال ذمّته بأداء الزكاة فقد ثبت انّها تتعلّق بالعين لا بالذمّة .
وأمّا الثاني - أعني : كونها كالدين -: فوجه الشبه هو لزوم إخراجه من التركة، كقوله سبحانه : (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصِي بِها أَوْ دَيْن)(1) فالزكاة أيضا مثله لا انّ الزكاة دين على الذمّة .
وأمّا الثالث - أعني : قاعدة الشركة -: فهي إنّما تمنع إذا لم يكن للشريك حقّ الإفراز، والمفروض خلاف ذلك، إذ للمالك ولاية الإخراج والأداء .
وأمّا الرابع - أعني : كون الموضوع في غير موضعه بمنزلة العدم، فهو ليس قاعدة كلّية، وإنّما هو يتمّ إذا لم يكن هناك دليل على الإجزاء، كما سيوافيك .
وأمّا مرسلة الحسين بن عثمان، فسيوافيك الكلام عنها عند البحث عن مقتضى الروايات .

دليل القول بالإجزاء

الظاهر عدم ضمان الدافع في الصور الثلاث إذا سلك مسلك العقلاء في صرف ما لديهم من الأموال العامّة من الموقوفات والمنذورات وأموال الصغار والقصّر .
إذ لا شكّ انّ المالك له الولاية في الإفراز كما له الولاية في الأداء، وبما انّه مأمور بأداء الزكاة إلى الفقير الواقعي، كان عليه أن يتفحّص عن الموضوع كسائر الموضوعات التي يتعلّق بها الأحكام والأغراض، فلو تفحّص عن الموضوع حسب الموازين العقلائية واعتقد بأنّ المدفوع إليه واجد للملاك فدفع الزكاة، ثمّ بان خلافه يجزي قطعا . وذلك لوجود الملازمة بين أمر الشارع بالدفع، والإجزاء عند

1النساء : 11.

صفحه 82
ظهور الخلاف .
توضيحه : انّ الشارع أعطى له الولاية في الإفراز وصرفها في مواضعها فهو مخاطب بكلا الأمرين : فإذا افترضنا انّه جدّ واجتهد حسب الموازين العقلائية ووقف على أنّ المورد فقير، فهذه الصغرى إذا انضمت إلى الكبرى الماضية ينتج انّ الشارع يخاطبه خطابا بالأداء، ومن المعلوم وجود الملازمة العرفية بين الخطاب
بالأداء والاجتزاء عند ظهور الخلاف نظير الملازمة في باب العمل بالأمارات والإجزاء عند التخلّف حيث قلنا : إنّ لسان الأمارات وإن كان لسان الكشف والطريقية لكن الظاهر من ملاحظة إمضاء الشارع العمل بها، هو الملازمة بين الأمر بالعمل بها وإجزائها في مقام العمل، نظير ذلك إذا أمر المولى عبده بأن يهيّئ
له دواء وأمره بأن يسأل صيدليا له خبروية بنوعية أجزائه وكمّيته وكيفية تركيبه، فاتّبع العبد إرشاد الصيدلي ثمّ بان خطأه، فانّ العرف يعدّون العبد ممتثلا وعمله مسقطا للتكليف، إلاّ أن يأمره المولى مجدّدا ونظيره المقام، فإنّ إعطاء الولاية للمالك وأمره بالأداء وإمضاء تشخيصه الموضوع ( الفقير) كلّها يلازم الإجزاء ويثبت بأنّ الشارع اكتفى في امتثال أوامره بما يؤيّده الوثوق، فأوجبت المصلحة التسهيلية رفع اليد عن الحكم الواقعي عند موارد التخلّف .
نعم إذا كان الدافع مفرطا في المقدّمات ومقصّرا في تشخيص الفقير فهو ضامن، لأنّ الأمر بالإفراز والأداء محدّد بعدم التفريط في تشخيص الموضوع وصرفها فيه .
ويؤيّد ما ذكرنا ما رواه زرارة، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)انّه قال : « إن اجتهد فقد برئ، وإن قصّر في الاجتهاد في الطلب فلا » . (1)

1الوسائل : 6، الباب 2 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 2.

صفحه 83
وبما ذكرنا يظهر ضعف ما استند إليه بعض المعاصرين في القول بالضمان حيث قال : « إنّ الظاهر من الأدلّة كون الأحكام ثابتة للموضوعات الواقعية بواقعيتها والطرق العقلائية طرق محضة، فيكون المعيار هو المطابقة وعدمها » ، وذلك لما عرفت من وجود الملازمة العرفيّة بين إمضاء العمل بالوثوق أو الأمارة
وإجزائه عند التخلّف، ولذلك قلنا في محلّه بالإجزاء عند تخلّف الأصول والأمارات من غير فرق بين تعلّقها بالأجزاء والشرائط أو بأصل التكليف .
وهناك بيان آخر ذكره المحقّق الخوئي في إثبات الإجزاء حيث قال :
إنّ الدافع، المكلّف بأداء الزكاة له الولاية على تطبيقها حيثما شاء كما تقدّم، فهو إذن ولي على المال، ولا ينبغي التأمّل في أنّ الولي الغير المقصّر في أداء وظيفته أمين لا يضمن بشيء، كما هو الحال في الأولياء على الأيتام والصغار والمجانين والقاصرين والغائبين، أو على الأوقاف، وكذا الحاكم الشرعي أو المأذون من قبله في تصدّي تقسيم الزكوات - مثلا - وإيصالها إلى محالّها، فإنّ شيئا من هؤلاء لا
يضمنون لو انكشف الخلاف بعد بذل جهدهم، فلو قامت البيّنة - مثلا - لدى الحاكم الشرعي على فقر زيد فدفع إليه الزكاة ثمّ انكشف غناه، أو باع الولي مال اليتيم معتقدا بحسب الموازين غبطته وصلاحه وبعد يوم ارتفعت القيمة السوقية ارتفاعا فاحشا، لم يكن ضامنا يقينا، وإلاّ لما استقرّ حجر على حجر، ولما قام
للمسلمين سوق كما لا يخفى .
وعلى الجملة : فالدافع ولي، والولي القائم بوظيفته لا ضمان عليه، فينتج بعد ضم الصغرى إلى الكبرى عدم ضمان الدافع في المقام . (1)
والفرق بين البيانين واضح، فالأوّل يعتمد على الملازمة بين الأمر بالعمل

1مستند العروة الوثقى : 2 / 49.

صفحه 84
وإجزائه عند التخلّف، والثاني يعتمد على أنّ المالك أمين ولا ضمان على الأمين .
هذا كلّه على ضوء القواعد .

حكم المسألة على ضوء الروايات

وأمّا الروايات فهي بين قاصرة سندا أو قاصرة دلالة .
أمّا الأولى فهي صحيحة ابن أبي عمير، عن الحسين بن عثمان، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)في رجل يعطي زكاة ماله رجلا وهو يرى أنّه معسر فوجده موسرا؟ قال : « لا يجزئ عنه » . (1)
ومقتضى هذه الرواية هو عدم الإجزاء .
يلاحظ عليه : أنّها مرسلة لا يحتجّ بها، وإنّما يحتجّ بمراسيل ابن أبي عمير لأنّه لا يروي ولا يرسل إلاّ عن ثقة، لا بمرسلة الحسين بن عثمان وإن روى عنه ابن أبي عمير، لأنّ روايته عنه دليل وثاقة المرويّ عنه، لا حجّية مراسيله أيضا، خصوصا انّها على خلاف القواعد، ومثله يحتاج إلى رواية صحيحة متكاملة الجوانب، واحتمال انّ المرسل هو نفس ابن أبي عمير غير ظاهر .
وأمّا الثانية فهي صحيحة عبيد بن زرارة، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)في حديث :
1 . قال : قلت له : رجل عارف أدّى زكاته إلى غير أهلها زمانا، هل عليه أن يؤدّيها ثانية إلى أهلها إذا علمهم؟ قال : « نعم » .
2 . قال : قلت : فإن لم يعرف لها أهلا فلم يؤدّها، أو لم يعلم أنّها عليه، فعلم بعد ذلك؟ قال : « يؤدّيها إلى أهلها لما مضى » .
3 . قال : قلت له : فانّه لم يعلم أهلها فدفعها إلى من ليس هو لها بأهل، وقد

1الوسائل : 6، الباب 2 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 5 .

صفحه 85
كان طلب واجتهد ثمّ علم بعد ذلك سوء ما صنع؟ قال : « ليس عليه أن يؤدّيها مرّة أخرى » . (1)
ففي الرواية أسئلة ثلاثة ندرسها .
أمّا السؤال الثاني، فلا صلة له بما نحن فيه حيث سئل عمّن لم يعرف أهل الزكاة فأمسك عن الأداء، أو زعم عدم وجوبها عليه، ثمّ علم بوجوبها عليه، فأجاب الإمام(عليه السلام)بأنّه يؤدّيها إلى أهلها .
بقي الكلام في السؤالين : الأوّل والثالث، فأجاب الإمام(عليه السلام)عن الأوّل بالضمان مطلقا، وعن الثالث بالتفصيل بين الجد والاجتهاد وعدمه .
ولأجل إيضاح الحال ندرسهما كالتالي .
أمّا الأوّل فحاصله : انّه دفع زكاته إلى غير أهلها، والمراد من غير الأهل، هو غير العارف، لا الفقير بقرينة صدر الحديث « رجل عارف أدّى زكاته إلى غير أهلها » .
فهل أدّى زكاته إلى غير العارف علما بالموضوع ( المصداق) والحكم؟
أو أدّى، جهلا بالموضوع دون الحكم؟
أو أدّى جهلا بالحكم دون الموضوع؟
لا سبيل إلى الاحتمال الأوّل، لأنّ الشيعي العارف بالموضوع والحكم لا يدفع زكاته لمن يعلم أنّه ليس أهلا لها . والظاهر هو الاحتمال الثاني، أي كان عارفا بالحكم دون المصداق ثمّ عرفهم بقرينة قوله : « إذا علمهم » ، أي إذا عرف أهل المعرفة أو عرف أنّ القابضين ليسوا بأهل المعرفة، ويستعمل العلم بمعنى العرفان
ويتعدّى إلى مفعول واحد، يقول ابن مالك :

1الوسائل : 6، الباب 2 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1 .

صفحه 86
لعلم عرفان وظن تهمة *** تعدية لواحد ملتزمة
وحمل السؤال على الاحتمال الثالث - أي صورة الجهل بالحكم فقط دون المصداق - بعيد جدّا لا قرينة عليه، وإلاّ كان عليه أن يقول : « أن يؤدّيها ثانية إلى أهلها إذا علم » لا إذا علمهم .
فإذا كان ظاهرا في الاحتمال الثاني - أعني : ما كان عالما بالحكم دون المصداق - فلو قلنا بإلغاء الخصوصية بين الشروط - الفقر والمعرفة - يكون الصدر دليلا على القول بالضمان في المقام أيضا، وأمّا إذا لم نقل بذلك، لاحتمال وجود خصوصية في شرط « المعرفة » - ولذلك يقضي المخالف زكاته إذا استبصر - فلا، وينحصر الحكم بالضمان بما إذا جهل أهل المعرفة ( لا ما جهل كون القابض فقيرا) ، ودفعها إلى غيرهم فيؤدّيها ثانيا .
وأمّا الثالث، ففيه احتمالان :
أ . انّ مورده هو نفس مورد السؤال الأوّل حيث أدّى زكاته - عالما بالحكم، جاهلا بالمصداق - إلى غير أهل المعرفة، لكن بعد الجد والجهد، ثمّ تبيّن الخلاف، فحكم الإمام انّه ليس عليه أن يؤدّيها مرّة أخرى . وعندئذ يستدلّ على الإجزاء في المقام بالفحوى والأولوية، فإذا كان في مثله مجزيا، يكون في المقام أولى بالإجزاء، ويكون شاهدا للمسألة ومؤيّدا لمفاد القاعدة .
ولكن الذي يبعّد ذلك انّه يصف عمله بالسوء، وليس فيه أيّ سوء في هذه الحالة .
ب . انّ مورده هو العالم بالحكم والموضوع وقد جدّ واجتهد ولم يعثر على الأهل، فدفع زكاته إلى المستضعفين من غير أهل المعرفة .
ولعلّ هذا هو الظاهر لأجل وقوعه بعد السؤال الثاني، فكأنّ لثاني الأسئلة

صفحه 87
صورتين :
الأولى : إذا عرف الحكم والموضوع - ولم يجد الأهل - فأمسك عن الدفع، وهذا هو السؤال الثاني .
الثانية : إذا عرف الحكم والمصداق فلم يمسك فصرفها في غير الأهل - مع العلم بالحكم والموضوع ثمّ علم بعد ذلك سوء ما صنع - إذا كان واجبه الإمساك، لا التقسيم بين غير أهل المعرفة وإن لم يجد أهلا .
ففي هذه الصورة حكم الإمام بالإجزاء إذا جد واجتهد ولم يجد أهلا فدفعها إلى المستضعفين من غير أهل المعرفة، وعندئذ لا صلة له بالموضوع، لأنّ البحث فيما جهل الموضوع ( زعم الغني فقيرا) والمفروض في هذا الفرض، العلم بالحكم والموضوع - لكن - بعد الفحص .
على كلّ تقدير فالحديث بما فيه من الإجمال غير قابل للاحتجاج .

إذا كان الدافع هو المجتهد أو المأذون

إذا كان الدافع هو المجتهد أو المأذون منه، لا ضمان عليه ولا على المالك الدافع إليه، قال الشيخ في « المبسوط » :
إذا دفع الإمام الصدقة الواجبة إلى من ظاهره الفقر ثمّ بان بأنّه كان غنيا في تلك الحال، فلا ضمان عليه، لأنّه أمين وما تعدّى، ولا طريق له إلى الباطن . (1)
وقال العلاّمة في « المنتهى » : ولو دفع الإمام أو نائبه إلى من يظنه فقيرا فبان غنيا لم يضمن الدافع ولا المالك بلا خلاف . أمّا المالك فلأنّه أدّى الواجب وهو الدفع إلى الإمام فيخرج عن العهدة، وأمّا الدافع فلأنّه نائب عن الفقراء وأمين لهم لم يوجد منه تفريط من جهة فلا يضمن، ولأنّه فعل المأمور به، لأنّ الواجب الدفع

1المبسوط : 1 / 260.

صفحه 88
المسألة 14 : لو دفع الزكاة إلى غنيّ جاهلا بحرمتها عليه أو متعمّدا، استرجعها مع البقاء، أو عوضها مع التلف وعلم القابض، ومع عدم الإمكان يكون عليه مرّة أخرى . ولا فرق في ذلك بين الزكاة المعزولة وغيرها، وكذا في المسألة السابقة، وكذا الحال لو بان أنّ المدفوع إليه كافر أو فاسق إن قلنا باشتراط العدالة، أو ممّن تجب نفقته عليه، أو هاشميّ إذا كان الدافع من غير قبيلة . *
............................................................................................
إلى من يظهر منه الفقر، إذ الاطّلاع على الباطن متعذّر فيخرج عن العهدة، ولا نعلم فيه خلافا . (1)
الظاهر انّ الملاك في عدم الضمان هو ما ذكرنا من اكتفاء الشارع في نيل أغراضه بما يوافق الأساليب العقلائية، فإن وافق الواقع فهو، وإلاّ اقتصر بما وافق، وقد أيّده المحقّق الهمداني ببيان آخر وقال : إنّ يده يد أمانة وإحسان، فلا يتعقّبه ضمان ما لم يكن هناك تعدّ أو تفريط، وقد رخّص الشارع في دفعها إلى من ثبت لديه فقره بدليل ظاهري وقد عمل على وفق تكليفه . (2)
ولو صحّ ما ذكره فليصحّ في حقّ المالك أيضا إذا دفع فبان خطأه إذا لم يكن هناك تقصير وتعدّ .
والإمام والمجتهد والمأذون والمالك في هذا المقام على حدّ سواء، وإن كان للإمام والمجتهد مقامات ومناصب أخرى .
* في المسألة فرعان :
1 . إذا دفع الزكاة إلى غنيّ مع العلم بغناه لكن جاهلا بحرمة دفع الزكاة

1المنتهى : 1 / 527.
2مصباح الفقيه : 13 / 523.

صفحه 89
إليه أو مع العلم بها أيضا .
2 . لو دفع الزكاة إلى شخص بزعم انّه مسلم، عادل غير واجب النفقة أو غير هاشمي ثمّ بان خلافه .
والفرق بين الفرع الأوّل وما سبق في المسألة السابقة ( 13) هو انّ دفع الزكاة هناك كان بزعم الفقر، وأمّا المقام فدفعها هنا مع العلم بغناه سواء كان مع العلم بالحرمة أو مع الجهل .
وأمّا الفرع الثاني فهو نفس المسألة السابقة غير انّ الشرط المفقود هناك هو الفقر، وأمّا المقام فهو الإسلام والعدالة أو كونه غير واجب النفقة أو غير هاشمي، فنقول :
أمّا الفرع الأوّل فلا شكّ انّ الدافع ضامن، لأنّه أعمل ولايته فيما ليس له ولاية حيث دفع الزكاة إلى الغني مع العلم بغناه، فلأجل ذلك لو كانت العين باقية تسترجع، ولو كانت تالفة يسترجع عوضها إذا كان المدفوع إليه عالما فانّه زكاة، ومع عدم الإمكان يؤدّي الزكاة مرة أخرى .
وأمّا الفرع الثاني فحاصل الكلام فيه ما ذكرناه في نظيره، وهو :
إنّ للمالك الولاية في الإفراز والصرف وقد منحها له الشارع وسمح إعمالها على الأساليب العقلائية، فلو جدّ واجتهد على نحو ثبت له الوثوق بأنّ المدفوع إليه مسلم أو عادل أو غير واجب النفقة أو غير هاشمي ثمّ بان خلافه فقد عمل بوظيفته حسب ما سمح به الشارع، وهذا بخلاف ما لو فرّط ودفع الزكاة بلا تحقيق ولا تفحّص فقد اتخذ في إعمال الولاية غير الأسلوب العقلائي فيكون ضامنا .
الضابطة انّه إذا تبع المالك الأسلوب العقلائي في إعمال الولاية ثمّ بان

صفحه 90
الخلاف لا يكون ضامنا من غير فرق بين شرط وشرط .
فإن قلت : إذا كان كتاب زيد عند رجل أمانة فأدّاه إلى عمرو اشتباها ولو بحجّة شرعية ثمّ بان الاشتباه، فانّ الظاهر ثبوت الضمان لو تلف الكتاب أو يمكن إرجاعه .
قلت : ما ذكره صحيح فيما إذا كانت العين ملكا شخصيا ولم يكن للرجل ولاية، وأمّا الأموال العامّة كالصدقات والنذور والأخماس والزكوات فهي أموال عامّة لا يملكها شخص، والفقيه والمالك ممّن له الولاية في تقسيمها وإيصالها إلى أصحابها، فإعطاء الولاية، ثمّ الإذن في إعمالها حسب الأساليب العقلائية يلازم شرعا مع عدم الضمان، وأين هذا من الكتاب الذي يتملّكه إنسان خاص ويكون أمانة عند شخص ولم تكن له ولاية في الإيصال .
ثمّ إنّه يظهر من غير واحد من الفقهاء عدم الفرق بين الشروط المتخلّفة، قال في « المبسوط » بعد ذكر الفقر والغنى : وإذا دفعها إلى من ظاهره الإسلام، ثمّ بان انّه كان كافرا، أو إلى من ظاهره الحرية فبان انّه كان عبدا، أو إلى من ظاهره العدالة ثمّ بان أنّه كان فاسقا، أو بان أنّه من ذوي القربى كان الحكم فيه مثل ما قلناه في المسألة الأولى . (1)
وفي « الشرائع » أيضا بعد ما حكم بعدم الضمان في مسألة الفقر والغنى قال : وكذا لو بان انّ المدفوع إليه كافر، أو فاسق، أو ممّن تجب نفقته، أو هاشمي وكان الدافع من غير قبيله . (2)

1المبسوط : 1 / 261 .
2الشرائع : 1 / 160 .

صفحه 91
المسألة 15 : إذا دفع الزكاة باعتقاد أنّه عادل فبان فقيرا فاسقا، أو باعتقاد أنّه عالم فبان جاهلا، أو زيد فبان عمرا، أو نحو ذلك صحّ وأجزأ إذا لم يكن على وجه التقييد، بل كان من باب الاشتباه في التطبيق، ولا يجوز استرجاعه حينئذ وإن كانت العين باقية، وأمّا إذا كان على وجه التقييد فيجوز، كما يجوز نيّتها مجدّدا مع بقاء العين أو تلفها إذا كان ضامنا بأن كان عالما باشتباه الدافع وتقييده . *
............................................................................................
* هذه المسألة هي المسألة المعنونة في باب الجماعة .
قال المصنّف في كتاب الصلاة : إذا نوى الاقتداء بشخص على أنّه زيد فبان عمرا وكان عادلا ففي المسألة صورتان :
إحداهما : أن يكون قصده الاقتداء بزيد وتخيّل انّ الحاضر هو زيد، ففي هذه الصورة تبطل جماعته وصلاته أيضا إن خالفت صلاة المنفرد .
الثانية : أن يكون قصده الاقتداء بهذا الحاضر ولكن تخيّل انّه زيد فبان عمرا، وفي هذه الصورة الأقوى صحّة جماعته وصلاته، فالمناط ما قصده لا ما تخيله من باب الاشتباه في التطبيق .
والفرق بين الصورتين واضح .
ففي الصورة الأولى يريد الاقتداء بزيد على نحو لو علم أنّ الإمام الحاضر غيره لا يقتدي به ولا يدخل في الجماعة، ففي هذه الصورة تبطل جماعته لعدم النيّة، لأنّه اقتدى بنية انّ الإمام زيد، وقد بان خلافه، وتكون صلاته صلاة منفرد، فإذا كانت جامعة لشرائط المنفرد تصحّ وإلاّ فلا، كما إذا زاد ركنا، فهو مغتفر في الجماعة دون الانفراد .

صفحه 92
وفي الصورة الثانية انّه يريد الاقتداء بالإمام الحاضر لعلمه بأنّه لا يمارس الجماعة في هذا المسجد إلا الإمام العادل، ولكن تخيّل انّه صديقه زيد ثمّ بان عمرو على نحو لو علم بأنّ الإمام هو عمرو لدخل في الجماعة أيضا، ففي هذا تصحّ جماعته وصلاته، لأنّ الملاك هو قصده والمفروض انّه قصد الاقتداء بالإمام الحاضر ثمّ طبق الإمام الحاضر على زيد في مرحلة سابقة . وعلى ضوء هذا التخلّف في الصورة الأولى من باب تخلّف القيد، فالذي نوى الاقتداء به لم يكن إماما، ومن كان إماما لم يقتد به .
وأمّا الصورة الثانية فالذي اقتدى به جدّا هو الإمام الحاضر وهو لم يتخلّف والذي تخلف هو تطبيق الحاضر على صديقه الذي يقال له من قبيل اختلاف الداعي .
وعلى ضوء هذه المسألة يظهر حكم المقام أيضا، فلو فرضنا انّ العدالة ليست شرطا في الفقير بل هي شرط كمال كالعلم في المثال الثاني ولكنّه يريد أن يدفع زكاته إلى الأفضل من أصناف الفقير - أعني : العادل والعالم - أو يريد أن يدفع لمن فيه ملاك خاص كالرحم، فهناك يأتي القسمان السابقان .
فتارة يريد أن يملك العادل والعالم والرحم ما في يده من الزكاة، ويتصوّر انّ المدفوع إليه عادل أو عالم أو زيد الذي هو من أرحامه فيتبيّن خلافه، ففي هذا المقام لا يجزي، بل يجب استرجاع العين إذا كانت باقية .
وأخرى يريد أن يدفع الزكاة إلى المستحق كائنا من كان ولكن تخيّل انّ المدفوع إليه عادل وعالم .
أمّا الأوّل فلا يجزي، وذلك لأنّ الاجزاء فرع دخول الزكاة في ملك الفقير، والمفروض انّه لم يدخل لعدم النيّة، لافتراض انّ ما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد .

صفحه 93
وبعبارة أخرى : انّ التمليك كان مقيدا بقيد غير حاصل ومع فقده فالتمليك غير متحقّق .
وأمّا الثاني فالمفروض انّه ملك الزكاة للفقير تمليك بلا قيد غاية الأمر كان هناك وراء التمليك داع للعمل قد تخلّف وهو أمر زائد على التمليك المطلق ولا يوجب تخلّفه خللا في النيّة .
ثمّ إنّ سيّد مشايخنا المحقّق البروجردي أفتى بالصحّة في الأوّلين مطلقا وفصّل في المورد الثالث، ولعلّه لأجل عدم تصوير القسمين في الأوّلين - أعني :
العادل والعالم - ولذلك يقول السيد الشاهرودي في تعليقته بأنّ تصوير القسمين في المثالين مشكل .
تمّ الكلام في الصنفين الأوّلين الفقير والمسكين
وإليك الكلام في الصنف الثالث
وهو العاملون عليها

صفحه 94

في العاملين عليها

الثالث : العاملون عليها . وهم المنصوبون من قبل الإمام(عليه السلام)أو نائبه الخاصّ أو العامّ لأخذ الزكوات وضبطها وحسابها وإيصالها إليه، أو إلى الفقراء على حسب إذنه . فإنّ العامل يستحقّ منها سهما في مقابل عمله وإن كان غنيّا، ولا يلزم استئجاره من الأوّل، أو تعيين مقدار له على وجه الجعالة، بل يجوز أيضا أن لا يعيّن له ويعطيه بعد ذلك ما يراه . *
............................................................................................
* هناك فروع خمسة :
1 . من هم العاملون على الزكاة؟
2 . ما هو عملهم؟
3 . هل يشترط في العامل الفقر؟
4 . ما يأخذه العامل صدقة أو أجرة؟
5 . ما هي الطرق لدفع الزكاة إلى العامل عليها؟
أمّا الفرع الأوّل : فلا شكّ انّ العامل على الزكاة أحد الأصناف الثمانية بنصّ الكتاب العزيز حيث قال : (وَاَلْعامِلِينَ عَلَيْها)ولا محيص - في الحكومة الإسلامية - من وجود جهاز يأخذ على عهدته جباية تلك الضريبة المالية .
قال العلاّمة : يجب على الإمام أن يبعث ساعيا في كلّ عام لتحصيل الصدقات من أربابها، لأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يبعثهم في كلّ عام، فيجب اتّباعه، ولأنّ

صفحه 95
تحصيل الزكاة غالبا إنّما يتمّ به، وتحصيل الزكاة واجب، فيجب ما لا يتمّ إلاّ به . (1)
ويدلّ على لزوم كون العامل منصوبا من جانب الإمام أو نائبه الخاصّ أو العام انّ العامل يتصرف في مال الغير فيحتاج إمّا إلى الإذن من جانب المالك أو من له الولاية في مورد الصدقات، وحيث إنّ الأوّل منتف فيتعيّن الثاني .
وليست الآية في مقام بيان شرطية الإذن وعدمه حتّى يتمسّك بإطلاقه، كيف وقد جرت السيرة العقلائية في جمع الضرائب على تعيين من يتولّى هذه المهمة .
وأمّا الفرع الثاني - أعني : تعيين الوظائف المحولة إليهم -: فهي عبارة عن أخذ الزكاة وضبطها وحسابها وإيصالها إلى الإمام أو إلى الفقراء حسب إذنه، وقد اختلف كلمتهم في تحديد وظيفتهم، فمنهم من أدخل التقسيم فيها، ومنهم من لم يذكره منها، وبما انّ الموضوع هو « العامل على الزكاة » يدخل فيه كلّ ما يعدّ
عملا لتحصيلها وصرفها في محالها، ولذلك لا يمكن حصر وظيفتهم في مورد خاص .
اللّهمّ إلاّ أن يحدّده الإمام بمورد، ولذلك يقول الشهيد الثاني في « الروضة » :
وهم السعاة في تحصيلها وتحسينها بجباية وولاية وكتابة وحفظ وحساب وقسمة وغيرها . (2)
بل يمكن أن يقال انّ وظائفهم تختلف باختلاف المستجدات وتطورات الحياة، فربّما تتوقّف الجباية في العصور الحاضرة على أمور لم تكن من ذي قبل، والأولى ترك التعرّض لمصداقية هذه الوظائف وتخويلها إلى العرف .
وأمّا ما رواه علي بن إبراهيم في تفسيره من أنّ العالم(عليه السلام)فسّر الأصناف

1التذكرة : 5 / 246.
2الروضة البهية : 2 / 45.

صفحه 96
الثمانية إلى أن قال : «(وَ اَلْعامِلِينَ عَلَيْها): هم السعاة والجباة في أخذها وجمعها وحفظها حتّى يؤدّوها إلى من يقسّمها » . (1) فلا يكون دليلا على خروج القسمة، ولعلّ الرائج يومذاك هو تبنّي الإمام لهذه المهمة بنفسه .
على أنّ في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، عن محمد بن خالد دخول التقسيم في وظائفهم، فانّه روى انّه سأل أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن الصدقة؟ فقال : « إنّ ذلك لا يقبل منك » ، فقال : إنّي أحمل ذلك في مالي، قال له أبو عبد اللّه(عليه السلام): « مرّ مصدّقك أن لا يحشر من ماء إلى ماء - إلى أن قال : - ثمّ ليأخذ صدقته، فإذا أخرجها فليقسّمها فيمن يريد » . (2)
وحصيلة الكلام : انّ الشريعة الإسلامية الغرّاء بما انّها شريعة خاتمة يجب أن تتمتع بمرونة تنطبق على متغيّرات الحياة، ولا يتحقّق ذلك إلاّ بأن تتعرّض إلى الكلّيات لا الجزئيات، كما عليه الذكر الحكيم حيث قال : (وَ اَلْعامِلِينَ عَلَيْها)، وأمّا الجزئيات فتترك إلى مقتضى الظروف والحاجات .
وأمّا الفرع الثالث - أي عدم اشتراط الفقر -: فيدفع إليه وإن كان غنيا، لأنّه يستحقّ الزكاة لأجل تصدّيه لجباية الصدقات، ولعلّ في تعليق الحكم على وصف« العاملين » نوع إشعار وظهور في أنّ للعمل مدخلية تامة في التعلّق وانّه يستحقّ سهما من الزكاة في مقابل عمله، ولذلك لا يشترط فيه الفقر، فانّه يأخذ ثمن
الجهود التي بذلها، قال الشيخ في « الخلاف » :
خمسة أصناف من أهل الصدقات لا يعطون إلاّ مع الفقر بلا خلاف وهم : الفقراء، والمساكين، والرقاب، والغارم في مصلحة نفسه، وابن السبيل المنشئ لسفره .

1الوسائل : 6، الباب 1 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 7 .
2الوسائل : 6، الباب 14 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 3 .

صفحه 97
وأمّا العامل يعطى مع الفقر والغنى بلا خلاف . (1)
فإذا كان الملاك لصرف الزكاة فيه، هو عمله وجهده، لا يشترط فيه الفقر، وإلاّ فالفقير مصرف لها، سواء عمل عليها أم لا .
وأمّا الفرع الرابع : فهو عبارة عن أنّ ما يأخذه العامل، هل هو من الزكاة أو أجرة في مقابل عمله؟ فيه قولان :
1 . انّها أجرة في مقابل العمل . وهو خيرة أبي حنيفة وأتباعه .
2 . انّها صدقة ولا يستحقّ إلاّ بالعمل . وهو خيرة الشيخ والمحقّق .
قال الشيخ في « الخلاف » : وأمّا العامل، فعندنا انّه يأخذ الصدقات دون الأجرة، وبه قال الشافعي . (2)
وقال أبو حنيفة : يأخذ أجرة .
استدلّ للقول الأوّل بوجهين :
الأوّل : انّه لا يعطى إلاّ مع العمل والزكاة تدفع استحقاقا لا عوضا .
الثاني : انّ العامل يأخذها مع الغنى والصدقة لا تحلّ لغني . (3)
يلاحظ على الدليل الأوّل : أنّه لا مانع من أن يستحقّ فريق من الأصناف الثمانية بشرط العمل، فاشتراط العمل لا ينافي كونها صدقة .
وعلى الثاني بأنّه لا تحلّ الصدقة لغني من سهم الفقراء والمساكين، وأمّا من سائر السهام فلا مانع في ظروف خاصة، كابن السبيل فانّه ربما يكون غنيا في بلده ومع ذلك تباح له الصدقة، وهكذا من في الرقاب ربّما يكون له مال لكن يكون محجوبا من التصرف، فيعتق من الزكاة حتى يتصرف في ماله .

1الخلاف : 4/237، كتاب الصدقات، المسألة 23 .
2الخلاف : 4/237، كتاب الصدقات، المسألة 23 .
3تذكرة الفقهاء : 5 / 246.

صفحه 98
وإلى ما ذكرنا يشير العلاّمة في « التذكرة » حيث يقول :
ولا يلزم من توقّف الإعطاء على العمل سقوط الاستحقاق، والمدفوع ليس عوضا، بل استحقاقا مشروطا بالعمل، ونمنع عدم الدفع إلى الغني مطلقا، لأنّ العامل لا يأخذ باعتبار الفقر، وابن السبيل يأخذ وإن كان غنيا في بلده فكذا هنا . (1)
واستدلّ المحقّق للقول الثاني بالوجوه التالية :
1 . كون المأخوذ صدقة مقتضى النصّ حيث إنّ ظاهره التسوية بين الفقراء والعاملين في الاستحقاق .
2 . ولأنّها لو كانت أجرة لافتقر إلى تقدير العمل أو تعيين الأجرة، مع أنّهما - كما سيوافيك - غير معتبرين، بل يعمل فيعطى حسب ما يرى الإمام .
3 . لو كان أجرة لما منع منها آل الرسول .
4 . لو كان أجرة يلزم الضمان للحاكم عند تلف الزكاة وهو شيء غير معهود . (2)
وهذه الوجوه أيضا غير تامّة .
أمّا الأوّل : فلأنّ النصّ لبيان مصارف الزكاة وانّ الزكاة تصرف في هذه الأصناف الثمانية، وأمّا كيفية الصرف وانّها هل تدفع إلى العامل نظير الدفع إلى الفقير والمسكين أو بعنوان الأجرة؟ فليست الآية بصدد بيانها، بل يمكن أن يقال انّ ما ادّعي من الظهور للآية ظهور بدوي محكوم بظهور أقوى، وهو تعليق الحكم على الوصف حيث يقول : والعاملين عليها، وكأنّ ما يأخذه العامل في مقابل

1تذكرة الفقهاء :
2المعتبر : 2 / 570.

صفحه 99
عمله .
وأمّا الثاني : فلأنّ عدم تعيين حدّ العمل والأجرة لأجل انّ عمل العامل عمل عبادي، فيناسب عدم التحديد بشيء وكفاية إعطاء الإمام بقدر ما يراه .
وأمّا الثالث : فلأنّ منع الهاشميّين من التدخّل في أمر الزكاة حظر سياسي، لأجل إبعاد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)عن تهمة الاستئثار لنفسه ولأقربائه، ولو لا ذلك لجاز لهم أخذ الزكاة من دون فرق بين سهم الفقراء وسهم العاملين عليها، ولا ينافي ما ذكرنا من تعليل الحظر في الروايات بأنّ الزكاة من أوساخ الأموال، إذ لا مانع أن يكون للحظر وجهان .
وأمّا الرابع : فربما يقال انّ الملازمة ممنوعة إمّا في فرض عدم التعيين بإجارة أو جعالة، فلأجل انّ ظاهر العمل انّ العامل يعطى بإزاء عمله من الزكاة أي من نفس العين، ولم يبق لها موضوع حتّى يعطى منه حسب الفرض، فلا موجب لضمان الحاكم بأن يعطي من ماله مثلا .
وأمّا في فرض التعيين بأحد الأمرين، فالظاهر انّ الآمر أيضا كذلك، إذ قد عيّنت له الأجرة أو الجعل من نفس الزكاة لا من مال آخر، فلا استحقاق مع التلف وانتفاء الموضوع، ولا مقتضي لضمان الحاكم لا من ماله الشخصي ولا من بيت مال المسلمين، ومنه تعرف انّه لا أثر عملي تفترق به هذه الموارد، بل في
جميعها لو تلفت الزكاة لا ضمان على الحاكم . (1)
ولكن الظاهر هو الالتزام بالنتيجة، وذلك لأنّه يتمّ فيما إذا كان هناك اتّفاق بين الحاكم وفرد خاص على جباية زكاة محل خاص، فانّ ظاهر الأمر انّ أجرته محدّدة بزكاة ذلك المحل، وأمّا إذا كان هناك دولة إسلامية كريمة وكان لها جهاز

1مستند العروة، كتاب الزكاة : 2 / 61.

صفحه 100
كبير لجباية الزكوات وقد عين الحاكم لكلّ مخصصات مالية، فانّ معنى ذلك انّه ضمن تلك المخصصات إمّا من نفس الزكوات أو من بيت المال، ولا يصلح تلف الزكاة - عند العرف والعقلاء - دليلا على حرمان الموظفين من حقوقهم المالية .
قال الشهيد في « البيان » : لو عيّن له أجرة فقصر السهم عن الأجرة، أتمّه الإمام من بيت المال أو من باقي السهام، ولو زاد نصيبه عن أجرته فهو لباقي المستحقّين . (1) وكلامه هذا وإن كان مبنيا على وجوب البسط على الأصناف على وجه السوية وهو غير معتبر عندنا (2) لكن فيه إلماعا إلى ما ذكرنا من ضمان الحاكم لحقوق الموظفين .
وأمّا الفرع الخامس - أي كيفية تمتع العامل من الصدقات -: فقد أفتى المصنّف بأنّ الحاكم مخيّر بين أمور ثلاثة :
1 . الاستيجار من الأوّل .
2 . تعيين مقدار له على وجه الجعالة .
3 . أن لا يعيّن له ويعطيه بعد ذلك ما يراه .
أمّا الأوّلان فقد ذكرهما الشيخ في « المبسوط » (3) والمحقّق في « الشرائع » (4) وأمّا الثالث فذكره في المدارك وقال : لا ريب في جواز كلّ من الأمرين مع ثالث وهو عدم التعيين وإعطائهم ما يراه الإمام كباقي الأصناف(5) لما رواه الكليني في الحسن عن أبي عبد اللّه(عليه السلام).
قال : قلت له : ما يعطي المصدّق؟ قال : « ما يرى الإمام، ولا يقدّر له شيء » . (6)

1البيان : 194 .
2المدارك : 5 / 213 .
3المبسوط : 1 / 248.
4الشرائع : 1 / 161.
5المدارك : 5 / 213.
6الوسائل : 6، الباب 1 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 4 .

صفحه 101
يلاحظ عليه : أنّ مقتضى القاعدة هو الأوّلان، لما عرفت من أنّ ما يأخذه العامل أجرة لا زكاة، وأمّا تجويز الثالث فلو ثبتت السيرة، كما هو كذلك فلأجل انّ الزكاة من الأمور القربيّة، فالعامل والحاكم يتقرّبان بعملهما إلى اللّه سبحانه، فناسب عدم التحديد بشيء، وكفاية إعطاء الإمام بقدر ما يراه; وفي « الدعائم » عن جعفر بن محمد (عليه السلام)أنّه قال في قول اللّه عزّ وجلّ : (وَ اَلْعامِلِينَ عَلَيْها)قال : « هم السعاة عليها، يعطيهم الإمام من الصدقة بقدر ما يراه، ليس في ذلك توقيت عليه » . (1)
ثمّ إنّ السيد الحكيم قد أفاض الكلام في المقام ورأى انّ ما يأخذه العامل زكاة لا أجرة، ولكنّه له نظر خاص في تفسير العاملين وحاصل ما أفاد بطوله : انّ القائمين بعملية الجباية على صنفين :
الأوّل : الذين لهم الإشراف التام على العمل، وهم الذين يشترط فيهم التكليف والبلوغ والعقل والإيمان والعدالة والحرية، فلهم ولاية على العمل وهي ولاية خاصة مجانيّة .
الثاني : الذين يقومون بأعمال الجباية، كالراعي والسائق والبيطار إلى غير ذلك من العمال، الذين لهم دور في عمل الجباية في محلّ الزكاة ونقلها إلى الحاضرة الإسلامية، وربّما يقومون بأعمال أخرى كالرعي والحراسة، فهؤلاء هم الأجراء، فيصحّ تعيين الأجرة عن طريق الإجارة والجعالة .
هذا ما ذكره السيد الحكيم بطوله . (2)

1المستدرك : 1/104، الباب 1 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 10.
2المستمسك: 9 / 242.

صفحه 102

شروط العاملين

ويشترط فيهم التكليف بالبلوغ والعقل والإيمان، بل العدالة والحرية أيضا على الأحوط . نعم لا بأس بالمكاتب . ويشترط أيضا معرفة المسائل المتعلّقة بعملهم اجتهادا أو تقليدا، وأن لا يكونوا من بني هاشم، نعم يجوز استئجارهم من بيت المال أو غيره، كما يجوز عملهم تبرّعا . *
............................................................................................
يلاحظ عليه : بأنّه يخالف التفسير الوارد حول العاملين حيث فسر الإمام العاملين عليها بالقائمين بنفس العمل لا خصوص المشرفين عليه، حيث قال : « والعاملين عليها هم السعاة والجباة في أخذها وجمعها وحفظها حتّى يؤدّوها إلى من يقسمها » . (1)
* ذكر المصنّف شروطا للعاملين على الزكاة، وهي عبارة عن :
1 . البلوغ .
2 . العقل .
3 . الإيمان .
4 . العدالة .
5 . الحرية وألحق بها العبد المكاتب .
6 . معرفة المسائل المتعلّقة بعملهم اجتهادا أو تقليدا .

1الوسائل : 6، الباب 1 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 7.

صفحه 103
عدم كونهم من بني هاشم مع تجويز استئجارهم من بيت المال .
هذه هي الشروط المذكورة في كلام المصنّف، وذكرها غيره أيضا على اختلاف في العدد والتعبير .
قال الشيخ في « المبسوط » : وإذا أراد الإمام أن يولّي رجلا على الصدقات احتاج أن يجمع ست شرائط : البلوغ، والعقل، والحرية، والإسلام، والأمانة، والفقه; فإن أخلّ بشيء منها لم يجز أن يولّيه . (1)
وقال في « الشرائع » : والعاملون وهم عمّال الصدقات، ويجب أن يستكمل فيهم أربع صفات : التكليف والإيمان والعدالة والفقه، ولو اقتصر على ما يحتاج فيه جاز، وأن لا يكون هاشميا، وفي اعتبار الحرية تردّد . (2)
وقد عبّر الشيخ بالإسلام والأمانة ولكن المحقّق عبّر بالإيمان والعدالة .
وعلى كلّ تقدير فإقامة الدليل على لزوم هذه الشرائط مشكل جدا، والنصوص الواردة في المقام قليلة وفي الوقت نفسه غير وافية بإثباتها .
ففي صحيحة بريد قال : سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام)يقول : « بعث أمير المؤمنين(عليه السلام)مصدّقا من الكوفة إلى باديتها، فقال له : يا عبد اللّه انطلق - إلى أن قال : - وكن حافظا لما ائتمنتك عليه، راعيا لحقّ اللّه فيه، حتى تأتي نادي بني فلان- إلى أن قال : - حتى تأخذ حقّ اللّه في ماله » . (3)
وقال الإمام علي(عليه السلام)في « نهج البلاغة » : « ولا تأمننّ عليها إلاّ من تثق بدينه،

1المبسوط : 1 / 248.
2الشرائع : 1 / 160.
3الوسائل : 6، الباب 14 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 1 .

صفحه 104
رافقا بمال المسلمين، حتى يوصله إلى وليّهم فيقسّمه بينهم، ولا توكل بها إلاّ ناصحا شفيقا وأمينا حفيظا غير معنف ولا مجحف » . (1)
وعلى ضوء هذين الحديثين وما سيمر عليك ندرس الشروط السالفة الذكر .

1 . شرطية البلوغ

أمّا الشرط الأوّل - أعني : البلوغ - فقد وصفه صاحب الجواهر بقوله : بلا خلاف أجده فيه ولا إشكال، فلا يجوز عمالة الصبي والمجنون ولو بإذن وليّهما، لأنّها نيابة عن الإمام (عليه السلام)في الولاية على قبض مال الفقراء وحفظه لهم، وهما قاصران عن ذلك . (2)
يلاحظ عليه : أنّ العمل على الزكاة لا يتوقّف فى أكثر الموارد على الولاية، فانّ جبايتها أو حملها ونقلها من مكان إلى مكان وضبطها في سجلاّت إلى غير ذلك من الأمور الجزئية التي لا تحتاج إلى الولاية، فالمدّعى أعمّ والدّليل أخص .
نعم فيما يحتاج إلى المصالحة مع المالك وتبديل عين ب آخر، فلا شكّ انّه فرع الولاية وهي فرع التكليف .

2 . شرطية العقل

وأمّا الشرط الثاني - أعني : العقل - فقد ظهر حاله ممّا سبق، فيجوز استخدام المجنون إذا لم يلحق خسارة بمال الجباية .

3 . شرطية الإيمان

وأمّا الشرط الثالث - أعني : الإيمان - والمراد منه كونه من أهل المعرفة، فقد

1الوسائل : 6، الباب 14 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 7 .
2الجواهر : 15 / 334.

صفحه 105
استدلّ عليه بوجهين :
1 . عدم جواز هذه الولاية لغيره، إذ هي غصن من شجرة العهد الذي لا ينالها الظالمون .
2 . عموم ما دلّ على عدم جواز إعطائهم الصدقات وإلى عدم عدالتهم . (1)
يلاحظ على الأوّل : أنّ عمل العامل - كما مرّ - لا ينحصر بما يتوقّف على الولاية، كما هو الحال في حمل الزكاة من مكان إلى مكان وملء الأكياس وضبطها في سجلات إلى غير ذلك من الأمور التي لا صلة لها بغصن الولاية .
ويلاحظ على الثاني : من أنّ ما دلّ على اشتراط الإيمان والولاية في مستحقّ الزكاة إلاّ في المؤلّفة والرقاب والأطفال محمول على دفع الزكاة إلى غير المؤمن مجّانا، فلا تعمّ دفعها إليه في مقابل العمل كما هو الحال في صحيحة إسماعيل بن سعد الأشعري، عن الرضا(عليه السلام)قال : سألته عن الزكاة فيمن لا يعرف؟ قال : « لا، ولا زكاة الفطرة » . (2) وصحيحة زرارة وابن مسلم عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه(عليهما السلام)قالا : « الزكاة لأهل الولاية، قد بيّن اللّه لكم موضعها في كتابه » . (3) فالممنوع هو دفع
الزكاة إليهم كدفعها إلى الشيعة بلا قيد وشرط .
وعلى ضوء ذلك فيؤخذ بإطلاق قوله : « والعاملين عليها » الشامل للمؤمن وغيره .
وبعبارة أخرى : الروايات المانعة ناظرة إلى إخراج غير المؤمن من تحت الفقير والمسكين، لا العاملين عليها، فإطلاقه يقتضي جواز الدفع لأجل العمل .
نعم يجب أن يكون مؤتمنا عليه، كما عرفت في صحيحة بريد عن أبي عبد

1الجواهر : 15 / 334.
2الوسائل : 6، الباب 5 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1.
3الوسائل : 6، الباب 5 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 9.

صفحه 106
اللّه(عليه السلام)حيث قال : « وكن حافظا لما ائتمنتك عليه » .
وكما يقول الإمام في « نهج البلاغة » : « ولا تأمنن عليها إلاّ من تثق بدينه » .
فإذا كان أمينا في الأمور المالية تجوز عمالته، ويدخل تحت قوله : « والعاملين عليها » .
وعلى هذا لا صلة بين قوله : « العاملين عليها » والروايات المانعة عن دفع الزكاة إلى المخالف، لأنّها ناظرة إلى صورة الدفع بلا عمل .
فإن قلت : إنّ النسبة بين إطلاق الآية في قوله : « والعاملين عليها » ومفاد الروايات المانعة عن دفع الزكاة إلى غير أهل المعرفة عموم من وجه، فالآية عامّة تعمّ المؤمن والمخالف وخاصة بالعامل، والأخبار عامّة بالنسبة إلى العامل وغيره وخاصّة بالمخالف، فيقع التعارض في دفع الصدقة إلى المخالف بعنوان العمل
عليها، فما هو الوجه في تقديم الرواية على الآية؟
قلت : إنّ السؤال مبنيّ على وجود الإطلاق في الروايات المانعة، ولو قلنا باختصاصها بالدفع من باب الفقر كما هو الحقّ، فلا موضوع لهذا السؤال، الشاهد عليه، انّ دفع الزكاة إلى العامل عليها من شأن الحاكم، لا الفرد والمفروض انّ السائل في هذه الروايات آحاد الناس الذين لا صلة بينهم وبين العاملين، نعم لو قلنا بإطلاق الروايات المانعة فيمكن الجواب عن السؤالب بأنّ الموضوع في الآية المباركة هم الأصناف الثمانية، فقد تعلّق بها حكم واحد وهو جواز صرف الزكاة فيها، وعلى ذلك يجب أن تلاحظ النسبة بين الأصناف الثمانية لا العامل بالخصوص، وعندئذ تنقلب النسبة من العامّين من وجه إلى عام وخاص مطلق، فتكون الآية عامة لأنّها عامّة تعمّ المؤمن والمخالف، والروايات خاصة لأنّها تختص بالمخالف، وكأنّه سبحانه قال : إنّما الصدقات للأصناف

صفحه 107
الثمانية إلاّ المخالف .
وأمّا الشرط الرابع - أي العدالة - فلا دليل عليها إلاّ أن يحتجّ بما في « نهج البلاغة » في قوله : « إلاّ من تثق بدينه » وهو موضع تأمّل، ويحتمل أن يكون المراد -بمناسبة الحكم والموضوع - أمينا في الأمور المالية .
وأمّا الشرط الخامس - أعني : الحرية - فقد استدلّ عليه المحقّق في « المعتبر » بقوله : إنّ سهم العامل في مقابل العمل، فكلّ من يملك العمل يملك هذا السهم، وحيث إنّ عمل العبد ملك لمولاه، فيصير المولى مالكا لهذا السهم .
يلاحظ عليه : أنّه مبني على عدم مالكية العبد، ولكنّه غير تام، بل هو يملك وفي الوقت نفسه يملكه المولى وما ملكه، فهناك ملكيّتان طوليّتان .
وممّا يدلّ على مالكيّته، ما دلّ من الروايات من عدم وجوب الزكاة على العبد، فلو لم يكن مالكا فما معنى نفي الوجوب عنه؟
ففي صحيحة عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال : « ليس في مال المملوك شيء ولو كان له ألف ألف، ولو احتاج لم يعط من الزكاة شيئا » . (1)
فإن قلت : إنّ ذيل الخبر دليل على المدّعى من حيث قال : ولو احتاج لم يعط من الزكاة شيئا .
يلاحظ عليه : أنّ الظاهر من الرواية هو المنع عن الإعطاء مجانا لأجل الفقر .
وأمّا الشرط السادس - أي معرفة السائل المتعلّقة بعملهم اجتهادا وتقليدا- فهو على وفق القاعدة، لأنّه يمارس عملا له أحكام في الشرع فيجب عليه أن يعرف أحكامه تقليدا واجتهادا، بل يكفي معرفة شيء من الأحكام على نحو لو ابتلى بموضوع جديد يسأل الفقيه .

1الوسائل : 6، الباب 4 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 1 .

صفحه 108
والأقوى عدم سقوط هذا القسم في زمان الغيبة مع بسط يد نائب الإمام(عليه السلام)في بعض الأقطار . نعم يسقط بالنسبة إلى من تصدّى بنفسه لإخراج زكاته وإيصالها إلى نائب الإمام(عليه السلام)أو إلى الفقراء بنفسه . *
............................................................................................
وأمّا الشرط السابع - أي عدم كونه من بني هاشم - فقد استدلّ عليه بما ورد من منع بني هاشم من الصدقات وعدم اتخاذهم عمّالا عليها .
ففي صحيحة عيص بن القاسم، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال : « إنّ أناسا من بني هاشم أتوا رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)فسألوه أن يستعملهم على صدقات المواشي وقالوا : يكون لنا هذا السهم الذي جعل اللّه عزّ وجلّ للعاملين عليها فنحن أولى به، فقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): « يا بني عبد المطلب إنّ الصدقة لا تحلّ لي ولا لكم، ولكنّي قد وعدت الشفاعة - إلى أن قال : - أتروني مؤثرا عليكم غيركم » . (1)
ولو لا هذه الرواية لاحتملنا انّ المنع يختصّ بما إذا كان الدفع لأجل الفقر، وأمّا إذا كان الدفع لغاية العمل فلا، غير أنّ صراحة الرواية تصدّنا عن ذلك .
نعم، لو كان الهاشمي موظفا في إحدى مؤسسات الدولة الإسلامية، التي لا تمت لدائرة الزكاة بصلة، جاز دفع الزكاة إليه راتبا شهريا، وهذا المورد خارج عن حدود الآية .
* اختلفت كلمتهم في سقوط هذا القسم كسقوط سهم المؤلّفة قلوبهم الآتي، قال الشيخ في « النهاية » :
ويسقط سهم المؤلّفة قلوبهم وسهم السعاة وسهم الجهاد، لأنّ هؤلاء لا يوجدون إلاّ مع ظهور الإمام، لأنّ المؤلّفة قلوبهم يتألّفهم الإمام ليجاهدوا معه،

1وسائل الشيعة : 6، الباب 29 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1 .

صفحه 109

في المؤلّفة قلوبهم

الرابع : المؤلّفة قلوبهم من الكفّار الذين يراد من إعطائهم ألفتهم وميلهم إلى الإسلام، أو إلى معاونة المسلمين في الجهاد مع الكفّار أو الدفاع . ومن المؤلّفة قلوبهم : الضعفاء العقول من المسلمين، لتقوية اعتقادهم، أو لإمالتهم إلى المعاونة في الجهاد أو الدفاع . *
............................................................................................
والسعاة أيضا إنّما يكونون من قبله في جمع الزكوات، والجهاد أيضا إنّما يكون به أو من نصبه الإمام، فإذا لم يكن هو ظاهرا ولا من نصبه، فرّق في من عداهم . (1)
ولكنّه مبني على تفسير الإمام بالإمام المعصوم في قولهم : « وهم المنصوبون من قبل الإمام » وهو كما ترى فانّ أحكام الإسلام أحكام خالدة لا تختصّ بعصر دون عصر .
فإذا كان هناك حاكم مبسوط اليد قادر على جمع الزكاة وصرفها في محالّها يجب عليه القيام بهذا العمل بحكم النيابة عن الإمام، ومن المعلوم أنّ جباية الزكاة رهن جهاز قائم بأمر الجباية بعامة شؤونها، فكيف يكون ساقطا في عصر الغيبة؟ !
والحاصل : انّ إطلاق الآية هو الحجة، والفقيه الجامع للشرائط يقوم بمهمة الإمام المعصوم إلاّ ما خرج بالدليل، وليس هناك دليل على الاختصاص .
* يقع الكلام في مقامين:

1النهاية : 185.

صفحه 110
الأوّل : في تفسير المؤلّفة قلوبهم .
الثاني : في سقوط حقّهم بعد رحيل النبي أو بقائه .
وإليك البحث في المقامين :

المقام الأوّل : في تفسير المؤلّفة قلوبهم

اختلفت كلمتهم في تفسير المراد من قوله سبحانه : (وَ اَلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ)، وأساس الاختلاف يرجع إلى تعيين الغاية من التأليف، فهل الغرض من التأليف الاستعانة بهم في الجهاد فيعم كلّ من يستمال بشيء من الصدقات ليستعان بهم على قتال أهل الشرك من غير فرق بين كون المستعان كافرا أو مسلما؟ أو انّ الغاية من التأليف هو بقاؤهم على الدين وثباتهم عليه حتى يخرجوا من التزلزل ويستقر الدين في قلوبهم؟ ولأجل الاختلاف في الغاية اختلفت أقوالهم إلى ثلاثة :

1 . الكافر المستعان به أو المستمال

خصّ غير واحد من الفقهاء المؤلّفة قلوبهم بالكافر الذي يستعان به للقتال أو يستمال بها إلى الإسلام; فهناك من خصّ الغاية بالاستعانة كالشيخ في« الخلاف » (1) وابن حمزة في « الوسيلة » (2) والمحقّق في « الشرائع » . (3)
ومنهم من عمّمها إلى الاستعانة أو الاستمالة .
قال الشيخ في « المبسوط » : المؤلّفة قلوبهم عندنا هم الكفّار الذين يستمالون بشيء من مال الصدقات إلى الإسلام ويتألّفون، ليستعان بهم على قتال أهل

1الخلاف : 4/233، كتاب الصدقات، المسألة 16.
2الوسيلة : 128.
3الشرائع : 1 / 167.

صفحه 111
الشرك، ولا يعرف أصحابنا مؤلّفة أهل الإسلام - إلى أن قال : - وسهمهم مع سهم العامل ساقط . (1)
غير أنّ الوارد في كلام الأكثر هو الغاية الأولى، أي الاستعانة بالكافر للقتل أو مثله .

2 . من يستعان به للجهاد

وهناك من خصّ الغاية بالجهاد ولكن عمّم المستعان إلى الكافر والمسلم; منهم المفيد في « المقنعة » (2) والشيخ في « النهاية » (3) وسلاّر في « المراسم » (4) والعلاّمة في « التذكرة » . (5)
قال الأخير : والمؤلّفة قلوبهم لهم نصيب من الزكاة بالنص والإجماع، وهم الذين يستمالون إلى الجهاد بالإسهام وإن كانوا كفّارا، وحكمهم باق عند علمائنا، وبه قال الحسن البصري والزهري، وأحمد، ونقله الجمهور عن الباقر(عليه السلام)للآية، فإنّه تعالى سمّى المؤلّفة في الأصناف الذين سمّى الصدقة لهم .
ثمّ إنّه - بعد ما نقل عن المفيد انّه قال : والمؤلّفة ضربان : مسلمون ومشركون - ، قال : وهو الأقوى عندي، لوجود المقتضي وهو المصلحة الناشئة من الاجتماع والكثرة على القتال . (6)

3 . ضعفاء العقيدة

ومنهم من خصّ المؤلّفة قلوبهم بالمسلمين ضعفاء العقيدة فيعطى لهم

1المبسوط : 1 / 249.
2المقنعة : 241 .
3النهاية : 184.
4المراسم : 132.
5التذكرة : 5 / 249.
6المصدر نفسه : 5/249 و 251.

صفحه 112
الزكاة تثبيتا للعقيدة، ويظهر ذلك من الشيخ المفيد في كتاب « الإشراف » ، و ابن الجنيد على ما نقله عنه في « المختلف » وإليك نصوصهما :
فقال المفيد : هم الداخلون في الإيمان على وجه يخاف عليهم معه مفارقته فيتألّفهم الإمام بقسط من الزكاة لتطيب نفوسهم بما صاروا إليه ويقيموا عليه، فيألفوه ويزول عنهم بذلك دواعي الارتياب . (1)
وقال ابن الجنيد : المؤلّفة قلوبهم من أظهر الدين بلسانه وأعان المسلمين وإمامهم بيده، وكان معهم إلاّ قلبه . (2)
ويظهر من صاحب الحدائق انتخاب هذا المعنى وقد حرر المسألة بحماس .
وقال فيما قال : والعجب من أصحابنا في هذا الخلاف والاضطراب وأخبار أهل البيت بذلك مكشوفة النقاب مرفوعة الحجاب قد رواها ثقة الإسلام في« الكافي » وعنونها بابا على حدة وقال : باب المؤلّفة قلوبهم . (3)
وأمّا فقهاء السنّة :
قال ابن قدامة : وهم السادة المطاعون في عشائرهم ممّا يرجى إسلامه، أو يخشى شرّه، أو يرجى بعطيته قوة إيمانه، أو إسلام نظيره، أو جباية الزكاة ممّن لا يعطيها، أو الدفع عن المسلمين .
ثمّ فصّل في أقسام المؤلّفة قلوبهم من الكفّار والمسلمين فمن أراد فليرجع إليه . (4)

1الإشراف : الجزء 9 من مصنّفات الشيخ المفيد المطبوعة : 390، ونقله عنه في الجواهر أيضاً : 15 / 339.
2المختلف : 3 / 200.
3الحدائق الناضرة : 12 / 175.
4المغني : 2 / 697.

صفحه 113
هذه هي الأقوال وإليك دراستها :
أمّا القول الأوّل - أي تخصيصها بالكافر - ممّا لا دليل عليه بعد إطلاق الآية; فإنّ المراد من تأليف القلوب إمّا تبديل العداء بالمحبة والألفة، أو ترغيبهم على الاجتماع على فكرة واحدة .
أمّا الأوّل قال سبحانه : (وَ اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اَللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً). (1)
وأمّا الثاني قال سبحانه : (وَ أَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي اَلأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَ لكِنَّ اَللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)(2) .
فإذا كان المراد من التأليف هو هذا، فلا وجه لتخصيصه بالكافر، بل يعمّه والمسلم، بل المسلم أولى، لأنّ الزكاة شرّعت أوّلا وبالذات لصالح المسلمين ورفع حاجاتهم فلو شملت الكافر فإنّما هو أيضا لصالحهم .
أضف إلى ذلك انّ الزكاة وسيلة بيد الحاكم لإدارة المجتمع الإسلامي، فإذن لا وجه لتخصيصه بمورد دون مورد مع اشتراك الغاية، فإطلاق الآية يؤيد القول الثاني، سواء أكانت الغاية الاستعانة به للجهاد، أم لدفع الشر، أم الاستمالة إلى الإسلام .
نعم يظهر من سيرة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)انّه كان يعطي من الغنائم ( لا الزكاة) للكافر لاستمالته إلى الإسلام .
قال ابن هشام : أعطى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)المؤلّفة قلوبهم وكانوا أشرافا من أشراف الناس يتألّفهم ويتألّف به قومهم، فأعطى أبا سفيان بن حرب مائة بعير - إلى أن قال : - وأعطى عيينة بن حصين مائة بعير، والأقرع بن حابس مائة بعير، وأعطى

1آل عمران : 103.
2الأنفال : 63.

صفحه 114
صفوان بن أمية مائة بعير . (1)
ويظهر من مكان آخر انّ عيينة والأقرع لم يكونا يوم ذاك مسلمين، يقول ابن هشام : إنّ قائلا قال لرسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)من أصحابه : يا رسول اللّه، أعطيت عيينة بن حصن والأقرع بن حابس مائة مائة، وتركت جعيل بن سراقة الضّمري؟ ! فقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم):
« أما والذي نفس محمّد بيده لجعيل بن سراقة خير من طلاع الأرض، كلّهم مثل عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، ولكنّي تألّفتهما ليسلما، ووكلت جعيل بن سراقة إلى إسلامه » . (2)
ويؤيّد العموم ما رواه صاحب الدعائم عن جعفر بن محمد(عليه السلام)أنّه قال : في قول اللّه عزّ وجلّ : (وَ اَلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ)قال : « هم قوم يتألّفون على الإسلام من رؤساء القبائل، كان رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)يعطيهم ليتألّفهم، ويكون ذلك في كلّ زمان، إذا احتاج إلى ذلك الإمام فعله » . (3)
إلى هنا اتّضح انّ القول الثاني هو الموافق للتحقيق .
وأمّا القول الثالث، فهو تخصيصه بضعفاء العقيدة من المسلمين، فقد استند إلى روايات نقلها الكليني في « الكافي » في باب خاص وصفه بالمؤلّفة قلوبهم، وهي بين صحيح وغير صحيح .
وإليك سردها :
1 . صحيحة زرارة، عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال : سألته عن قول اللّه عزّ وجلّ(وَاَلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ)، قال : « هم قوم وحّدوا اللّه عزّ وجلّ وخلعوا عبادة من

1السيرة النبوية : 2 / 493.
2السيرة النبوية : 2 / 496.
3المستدرك : 7، الباب 1 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 11.

صفحه 115
يعبد من دون اللّه وشهدوا أن لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمّدا رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، هم في ذلك شكّاك في بعض ما جاء به محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، فأمر اللّه عزّ وجلّ نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم)أن يتألّفهم بالمال والعطاء، لكي يحسن إسلامهم ويثبتوا على دينهم الذي دخلوا فيه وأقرّوا به » . (1)
وجه الاستدلال : هو وجود ضمير الفصل - هم قوم - المفيد للحصر، والظاهر انّ الحديث لبيان أحد المصاديق لا الحصر فيه
2 . ما رواه موسى بن بكر، عن رجل قال : قال أبو جعفر(عليه السلام): « ما كانت المؤلّفة قلوبهم قط أكثر منهم اليوم، وهم قوم وحّدوا اللّه وخرجوا من الشرك ولم تدخل معرفة محمّد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قلوبهم وما جاء به، فتألّفهم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)وتألّفهم المؤمنون بعد رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)لكيما يعرفوا . (2)
والحديث مرسل لا يمكن الاحتجاج به .
3 . ما رواه علي بن إبراهيم في تفسيره عن العالم(عليه السلام)أنّه قال في حديث : « والمؤلّفة قلوبهم : هم قوم وحّدوا اللّه وخلعوا عبادة من دون اللّه ولم تدخل المعرفة قلوبهم أنّ محمّدا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكان رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)يتألفهم ويعلّمهم ويعرّفهم كيما يعرفوا، فجعل لهم نصيبا في الصدقات لكي يعرفوا ويرغبوا » . (3)
والحديث مضافا إلى أنّه مرسل يحتمل اتّحاده مع ما رواه الكليني عن زرارة وإن كان بين المتنين اختلاف طفيف، فلم تبق في الباب إلاّ رواية واحدة هي وإن كانت صحيحة، لكن لا يمكن تقييد إطلاق القرآن بخبر الواحد كما حقّقنا في محلّه .

1الكافي : 2/411، باب المؤلّفة قلوبهم من كتاب الإيمان والكفر، حديث 2 . وما رواه برقم 1 هو نفس هذا الحديث، لوحدة الراوي ( زرارة) والمروي عنه ( أبي جعفر) .
2الكافي : 2/412 باب المؤلّفة قلوبهم من كتاب الإيمان والكفر، الحديث 1 .
3الوسائل : 6، الباب 1 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 7 .

صفحه 116
وأمّا ما نقله الكليني في ذلك الباب برقم 3 و4 فلا صلة لهما لما نحن فيه، فما ادّعاه في « الحدائق » من أنّ أخبار أهل البيت(عليه السلام)في ذلك الباب يكشف النقاب والحجاب كأنّه ليس في محله، لأنّ الأخبار بين ما لا صلة لها بالمقام وما له صلة غير صحيح أو صحيح لكنّه خبر واحد لا يصحّ إطلاق تقييد الكتاب به .
ويؤيّد ما ذكرنا ما ورد في رواية زرارة ومحمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)انّه قال بعد تفسير الآية : « سهم المؤلّفة قلوبهم وسهم الرقاب عام، والباقي خاص » . (1) فهل المراد من العموم هو شمولهما لأهل المعرفة وغيرهم؟ أو شمولهما للمسلم والكافر؟ وجهان .
فخرجنا بتلك النتيجة : انّ المؤلّفة قلوبهم مفهوم عام من حيث غاية التأليف والمؤلّف، وهو أداة بيد الحاكم لإدراة المجتمع بالاستعانة بالكافر والمسلم، لدفع الشر أو جذب الخير أو تثبيت عقائد الضعفاء .

المقام الثاني : في سقوط سهم المؤلّفة قلوبهم

قد أسقطت مدرسة الخلافة سهم المؤلّفة قلوبهم حيث جرت سيرة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)على دفع السهام إليهم لكن لما ولي أبو بكر جاء المؤلّفة قلوبهم لاستيفاء سهمهم . هذا جريا على عادتهم مع رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، فكتب أبو بكر لهم بذلك، فذهبوا بكتابه إلى عمر ليأخذوا خطه عليه، فمزّقه، وقال : لا حاجة لنا بكم فقد أعز اللّه الإسلام وأغنى عنكم، فإن أسلمتم وإلاّ فالسيف بيننا وبينكم; فرجعوا إلى أبي بكر، فقالوا له : أنت الخليفة أم هو؟ فقال : بل هو إن شاء اللّه تعالى، وأمضى ما فعله عمر . (2)

1الوسائل : 6، الباب 1 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1 .
2الجوهرة النيرة على مختصر القدوري في الفقه الحنفي : 1/164 كما في النص والاجتهاد : 107.

صفحه 117
فاستقر الأمر لدى الخليفتين، ومن يرى رأيهما على منع المؤلّفة قلوبهم من سهمهم هذا، وصرفه إلى من عداهم من الأصناف المذكورين في الآية .
ثمّ إنّ أهل السنّة برّروا عمل الخليفتين بتغيّر المصلحة بتغيّر الأزمان، ونحن لا نحوم حول ذلك الموضوع، لأنّه لا يمكن إبطال النصّ القرآني بالمصالح المزعومة، إنّما الكلام وجود القول بسقوط سهمهم عند بعض أصحابنا كالشيخ في « الخلاف » (1) و« المبسوط » (2) و « النهاية » (3) و « الوسيلة » (4) . وقد مرّ نصّ « المبسوط » ، وسيوافيك توجيهه .
وقال المحقّق في « المعتبر » : هل سقط هذا القسم بعد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)؟ قال الشيخ في « الخلاف » : نعم، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، لأنّ اللّه أعزّ الدين فلا يحتاج إلى التألّف - إلى أن قال : - والظاهر بقاء حكم المؤلّفة وانّه لم يسقط، لأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يعتمده إلى حين وفاته ولا نسخ بعده . (5)
وقال العلاّمة في « التذكرة » : وهل يعطون بعد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)؟ قولان :
أحدهما : المنع . وبه قال أبو حنيفة لظهور الإسلام، ولأنّ أحدا من الخلفاء لم يعط شيئا من ذلك .
والثاني : يعطون، لأنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أعطى، وأعطى أبو بكر عدي بن حاتم - وقد قدم عليه بثلاثمائة جمل من إبل الصدقة - ثلاثين بعيرا .
وحينئذ هل يعطون من الصدقات من سهم المؤلّفة للآية أو من سهم

1الخلاف : 4/233، كتاب الصدقات، المسألة 16 .
2المبسوط : 1 / 249.
3النهاية : 184.
4الوسيلة : 128.
5المعتبر : 2 / 574 .

صفحه 118
المصالح، لأنّه منها؟ قولان . (1)
الظاهر هو القول الأوّل، إذ لا وجه لسقوط ما أثبته النبي بعد وجود الموضوع .
وأمّا ذهاب الشيخ إلى السقوط، فلعلّ وجهه هو حصر المؤلّفة قلوبهم بمن يؤلّف لغاية الجهاد الابتدائي، وهو عنده مختصّ بالإمام المعصوم، فلو قلنا ببقاء حكم الجهاد ابتدائيا ودفاعيا فما كان هناك وجه للسقوط حتى على القول باختصاصها بالكافر .
أضف إلى ذلك ما عرفت من أنّ الغاية أعمّ من الاستعانة للجهاد والاستمالة إلى الإسلام أو لتثبيت العقيدة في القلوب .
ثمّ إنّ هنا كلاما للمحقّق الهمداني يعرب عن عدم الجدوى في البحث لا في تحقيق الموضوع ولا في حكمه، قال :
الذي يظهر بالتدبّر في الآثار والأخبار وكلمات الأصحاب انّ المؤلّفة قلوبهم الذين جعل لهم نصيبا من الصدقات أعمّ من الجميع، بل يتناول أيضا الكفّار الذين يقصد بتأليف قلوبهم دخولهم في الإسلام، ولكن لا يترتّب على تحقيق ذلك ثمرة مهمة بعد ما تقرر من أنّه يجوز للوالي أن يصرف من الزكاة في مثل هذه الوجوه التي فيها تشييد الدين، وأنّه لا يجب التوزيع والبسط على الأصناف، غاية ما في الباب : أنّه لو لم يكن الكافر الذي يتألّف قلبه إلى الإسلام أو إلى الجهاد مندرجا في موضوع المؤلّفة قلوبهم الذين جعل لهم هذا السهم - كما زعمه صاحب الحدائق- اندرج ما يصرف إليه بهذا الوجه في سهم سبيل اللّه .
وكذا البحث عن سقوط هذا السهم بعد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، بناء على اختصاصه بالكفّار الذين يستمالون إلى الجهاد كما لا يخفى . (2)

1التذكرة : 5 / 253.
2مصباح الفقيه : 13 / 537.

صفحه 119

في الرقاب

الخامس : الرقاب، وهم ثلاثة أصناف : الأوّل : المكاتب العاجز عن أداء مال الكتابة مطلقا كان أو مشروطا، والأحوط أن يكون بعد حلول النجم .
ففي جواز إعطائه قبل حلوله إشكال، ويتخيّر بين الدفع إلى كلّ من المولى والعبد لكن إن دفع إلى المولى واتّفق عجز العبد عن باقي مال الكتابة في المشروط فردّ إلى الرق يسترجع منه، كما أنّه لو دفعها إلى العبد ولم يصرفها في فكّ رقبته لاستغنائه بإبراء أو تبرّع أجنبيّ يسترجع منه . نعم يجوز الاحتساب حينئذ من باب سهم الفقراء إذا كان فقيرا، ولو ادّعى العبد أنّه مكاتب أو أنّه عاجز فإن علم صدقه أو أقام بيّنة قبل قوله، وإلاّ ففي قبول قوله إشكال .
والأحوط عدم القبول، سواء صدّقه المولى أو كذّبه، كما أنّ في قبول قول المولى مع عدم العلم والبيّنة أيضا كذلك، سواء صدّقه العبد أو كذّبه، ويجوز إعطاء المكاتب من سهم الفقراء إذا كان عاجزا عن التكسّب للأداء، ولا يشترط إذن المولى في الدفع إلى المكاتب سواء كان من باب الرقاب أو من باب الفقر . *
............................................................................................
* عبّر سبحانه عن هذا الصنف بقوله : (وَ فِي اَلرِّقابِ)بتغيير السياق عن« اللاّم » إلى « في » إشعارا بأنّ الزكاة تصرف في طريق مصالحهم من فكّهم وعتقهم دون التمليك لهم كما في الأصناف الأخرى المتقدّمة، ولذلك فسّره الطبرسي بقوله : « في فك الرقاب من العتق » وهم ثلاثة أصناف :

صفحه 120
الأوّل : المكاتب مطلقا أو مشروطا .
الثاني : العبد تحت الشدة .
الثالث : مطلق عتق العبد مع عدم وجود المستحق للزكاة .
هذه الأصناف الثلاثة ذكرها المصنّف في المتن، وربّما زيد صنفان آخران سيوافيك البحث فيهما بعد الفراغ عمّا ذكره المصنّف، ونقدّم الكلام في الصنف الأوّل وقد ذكر فيه المصنّف فروعا عشرة :
1 . صرف الزكاة في المكاتب العاجز عن أداء مال الكتابة مطلقا كان أو مشروطا .
2 . حكم إعطاء الزكاة للمكاتب قبل حلول النجم .
3 . التخيير بين دفع الزكاة إلى المولى ودفعها إلى العبد
4 . حكم الدفع إلى المولى - إذا عجز المكاتب عن أداء باقي مال الكتابة -حيث يردّ العبد إلى الرقّ .
5 . حكم الدفع إلى العبد إذا لم يصرفها في فكّ رقبته لاستغنائه عنه بالإبراء والتبرّع .
6 . جواز احتساب ما أخذه لفكّ رقبته واستغنى عنه من باب سهم الفقراء .
7 . إذا ادّعى العبد انّه مكاتب عاجز عن أداء مال الكتابة .
8 . إذا وصفه المولى بأنّه عبد مكاتب عاجز عن أداء دينه .
9 . إعطاء المكاتب من سهم الفقراء إذا كان عاجزا عن التكسّب للأداء .
10 . اعتبار إذن المولى في الدفع إلى المكاتب وعدمه .
هذه الفروع العشرة كلّها حول القسم الأوّل من هذا الصنف، وإليك دراستها واحدا تلو الآخر .

صفحه 121

الفرع الأوّل : دفع الزكاة إلى المكاتب العاجز

هذا المورد من الموارد الثلاثة المذكورة في المتن هو القدر المتيقن حسب الآراء لاتّفاقها على جواز صرفها فيه، بل يظهر من الشافعي اختصاص صرف الزكاة في هذا النوع من الرقبة فقط وان ذهب الآخرون إلى الأعم .
قال الشيخ في « الخلاف » : سهم الرقاب يدخل فيه المكاتبون والعبيد إذا كانوا في شدّة، يشترون من مال الصدقة ويعتقون .
وقال الشافعي : الرقاب هم المكاتبون إذا كانوا جيران الصدقات فقط .
وروي ذلك عن علي(عليه السلام)، وفي التابعين : سعيد بن جبير والنخعي، وفي الفقهاء : الليث، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه .
وقال قوم : إنّ الرقاب هم العبيد فحسب، يشترون ويعتقون من سهم الصدقات، ذهب إليه ابن عباس والحسن ومالك وأحمد . (1)
وقد أشار(قدس سره)في كلامه هذا إلى الأصناف الثلاثة التي أشير إليها في المتن أيضا، فأشار إلى العبد المكاتب عند نقل كلام الشافعي، كما أشار إلى العبد تحت الشدّة في صدر المسألة، وأشار إلى مطلق العبد عند نقل نظرية ابن عباس والحسن وإن لم يذكر قيده، أعني : عدم وجود المستحقّ لها .
والدليل على جواز صرف الزكاة في هذا القسم أمران :
الأوّل : إطلاق الآية حيث إنّ دفع الزكاة إلى المكاتب ليسدّد به مال الكتابة من المصاديق البارزة لقوله سبحانه(فِي اَلرِّقابِ)من غير فرق بين دفعه إلى المالك أو العبد كما سيوافيك .
الثاني : مرسلة الصدوق، قال : سئل الصادق(عليه السلام)عن مكاتب عجز عن

1الخلاف : 4/234، كتاب الصدقات، المسألة 17.

صفحه 122
مكاتبته وقد أدى بعضها؟ قال : « يؤدّى عنه من مال الصدقة، إنّ اللّه عزّ وجلّ يقول في كتابه : (وَ فِي اَلرِّقابِ). (1)
ورواه الشيخ باسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن أبي إسحاق، عن بعض أصحابنا، عن الصادق(عليه السلام)مثله . (2)
والمراد من أبي إسحاق هو إبراهيم بن هاشم والد علي بن إبراهيم، وهو لا يروي عن الإمام الصادق(عليه السلام)مباشرة، وقد كنّى عن الواسطة بقوله بعض أصحابنا .
والرواية مرسلة تصلح للتأييد لا للاحتجاج .
وأمّا قيد العجز فقد ورد في سؤال الراوي لا في جواب الإمام ولكنّه شرط لازم، وذلك لأنّ الغاية من الزكاة سدّ الحاجات، وإذا قدر العبد بنفسه على أداء مال الكتابة بلا مشقة لم يجز صرف الزكاة فيه لعدم الملاك .
اللّهمّ إلاّ إذا كانت الأقساط كثيرة، لا تنتهي إلاّ بمرور سنين، فلا بأس بالأخذ بإطلاق الآية وتجويز دفع الزكاة إليه أو إلى مولاه .
كما أنّه لا فرق بين المكاتب المطلق والمكاتب المشروط، والفرق بينهما انّ المطلق من المكاتب ينعتق حسب ما يدفع من مال الكتابة من عشر أو تسع قيمته بخلاف المشروط فلا ينعتق منه أي جزء ما لم يدفع جميعه .

الفرع الثاني : إعطاء الزكاة قبل حلول النجم

إذا افترضنا انّ المولى فرض عليه أن يدفع إليه في آخر كلّ شهر مائة درهم، فهل يجوز دفعها إليه في أواسط الشهر؟ احتاط المصنّف بعدم الدفع إلاّ بعد حلول

1الوسائل : 6، الباب 44 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1، وذيل الحديث 1 .
2الوسائل : 6، الباب 44 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1، وذيل الحديث 1 .

صفحه 123
النجم، ولعلّ الوجه عدم صدق العجز ما لم يأت الأجل المحدّد .
اللّهمّ إلاّ إذا علم أنّه عاجز إلى آخر الشهر فيجوز قبل حلول النجم .

الفرع الثالث : التخيير في الدفع

إنّ مالك الزكاة مخيّر بين أن يدفعها إلى كلّ من المولى والعبد، أخذا بإطلاق الآية إذا صدق على كلّ من الدفعين انّه في طريق فكّ الرقاب . ثمّ إنّ الدفع إلى المولى على وجهين :
1 . اشتراء الرقبة منه ثمّ عتقها، ولو كان المشتري هو الفقيه فهو، وإلاّ فيحتاج إلى إجازة منه لعدم الولاية له .
2 . دفع الزكاة إلى البائع من باب مال المكاتبة، فينعتق العبد قهرا .
وأمّا الدفع إلى العبد فهو بمعنى توكيله لأن يسدّد به مال الكتابة فيترتّب عليه العتق قهرا .

الفرع الرابع : إذا دفع إلى المولى وعجز العبد

إذا دفع المالك الزكاة إلى المولى ولكن عجز العبد عن أداء الباقي وردّ إلى الرقّيّة، فهل يتملّكها المولى أو يسترجع؟
الظاهر هو الثاني، لأنّ التمليك كان لغاية فكّه عن الرقّيّة على وجه لولا ترتّب هذه الغاية على التمليك لم يكن يملّكها له، فإذا تخلّفت الغاية عن الفعل كشف عن عدم تحقّق التمليك فيسترجع، لأنّ المشروط ينتفي بانتفاء شرطه .
فإن قلت : إنّ المولى ملك الزكاة بالقبض فكيف يخرج من ملكه؟
قلت : إنّ التمليك كان تمليكا مشروطا بتحقّق الحرية ولو بالشرط المتأخّر، والمفروض عدم تحقّقه .

صفحه 124

الفرع الخامس : إذا دفع إلى العبد واستغنى العبد بإبراء أو تبرّع

قال الشيخ في « الخلاف » : إذا أعطي المكاتب شيئا ليصرفه في مال كتابته، فلم يصرفه فيه، أو تطوع إنسان عليه بمال كتابته، أو أسقط عنه مولاه ماله، فانّه لا يسترجع منه ما أعطي . وكذلك القول في الغارم وفي سبيل اللّه وابن السبيل لا يسترجع منهم ما يفضل من نفقتهم إذا ضيّقوا على أنفسهم، أو لم ينفقوه فيما
لأجله استحقّوه .
وقال الشافعي : يسترجع منهم كلّهم إلاّ الغازي، فانّه يأخذ أجرة عمله فلا يسترجع منه ما يفضل من نفقته، وإن بدا له من الغزو استرجع منه بلا خلاف . (1)
يلاحظ عليه : أنّه لو قيل بعدم جواز الاسترجاع فيما إذا دفع إلى المولى، يتعيّن القول بجوازه هنا، وذلك لأنّ المولى تملّك هناك بالقبض - وإن قلنا : إنّ التملّك كان مشروطا - وأمّا المقام فالعبد لم يتملّك ما أخذ وإنّما صار وكيلا لصرفه في طريق تحرير رقبته بدفعها كأقساط إلى المولى، فعندئذ كان الأخذ من باب الوكالة
والوكيل يردّ ما أخذ إذا لم يصرف في مورد الوكالة، ومعه لا محيص من الرد .

الفرع السادس : احتسابها على العبد من باب الفقر

إذا أخذ المكاتب شيئا من الزكاة ليدفعه إلى المولى كأقساط للخروج عن الرقّيّة وقد افترضنا انّه استغنى عن صرف الزكاة في تلك الغاية إمّا إبراء من المالك أو بوجود متبرع، فحينئذ يقع الكلام في إمكان احتساب ما أخذه من باب سهم الفقراء إذا كان فقيرا أو لا .
ذهب المصنّف إلى الجواز وقال : نعم يجوز الاحتساب حينئذ من باب سهم

1الخلاف : 4/235، كتاب الصدقات، المسألة 18.

صفحه 125
الفقراء إذا كان فقيرا، غير أنّ كلامه مجمل، فهل يريد الاحتساب بعد الفك وصيرورته حرّا؟ ولو أراد ذلك، فلا إشكال في الاحتساب إذا كان فقيرا، لأنّ العبد بعد ما صار حرّا يصبح حاله حال سائر الفقراء .
وأمّا الاحتساب حال كونه رقّا، فبما انّ نفقته على المولى فلا يوصف بالفقر; ولذلك جاء في موثّقة إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام): « لا يعطى العبد من الزكاة شيئا » . (1)
وفي صحيح عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام): « ولو احتاج لم يكن له من الزكاة شيء » . (2)
نعم يمكن أن يقال : إذا كان العبد مديونا لأجل إتلاف مال الغير يمكن القول بجواز صرفه في دينه أو دفع الزكاة إليه لأجل الفقر، وذلك لأنّ الروايات المانعة عن صرف الزكاة في العبد ظاهرة في صرفها فيه من باب النفقة لا صرفها فيه لرفع مشاكله التي ليس للمولى فيها تكليف، إذ الواجب على المولى هو دفع نفقته
لا أداء قروضه وديونه الحاصلة من إتلاف مال الغير .

الفرع السابع : في ادّعاء العبد الكتابة والفقر

لو ادّعى العبد انّه مكاتب أو انّه عاجز فله صور :
أ . يعلم صدقه .
ب . يعلم كذبه .
ج . أقام بيّنة على قوله .
فلا شكّ انّه يعمل في هذه الموارد حسب ما علم أو ثبت بالحجّة الشرعية .

1الوسائل : 6، الباب 4 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 6 .
2الوسائل : 6، الباب 4 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 3 .

صفحه 126
د . إذا جهل الحال وهو على وجوه : إمّا يصدّقه المولى، أو يكذّبه، أو يسكت . فهل يقبل دعوى العبد الكتابة والعجز أو لا؟ أو يفصل بين الحلف وعدمه؟ أو يفصل بين تصديق المولى وتكذيبه؟ وجوه :
قال في « التذكرة » : إذا ادّعى المكاتب الكتابة، فإن صدقه مولاه قبل، لأنّ الحقّ في العبد له، فإذا أقرّ بالكتابة قبل، وهو أحد وجهي الشافعية .
والثاني : لا يقبل لإمكان التواطؤ، وليس بجيد، لأصالة العدالة . وإن كذّبه السيد لم يقبل قوله إلاّ بالبيّنة، وإن تجرّد عنهما إمّا لبعده أو لغير ذلك احتمل قبول قوله، لأنّه مسلم أخبر عن أمر ممكن فقبل قوله كالفقير، والعدم; لإمكان إقامة البيّنة عليه، وبه قال الشافعي . (1)
وحاصل كلامه : انّه يقبل دعوى العبد المكاتب في الموردين التاليين :
1 . إذا ادّعى المكاتب الكتابة وصدّقه المولى .
2 . إذا تجرّد المولى عن التصديق والتكذيب .
أمّا الأوّل : فقد علّله بقوله : « لأنّ الحقّ في العبد له، فإذا أقر بالكتابة قبل » .
والظاهر انّه يشير إلى أنّ المورد من مصاديق القاعدة المعروفة : « من ملك شيئا ملك الإقرار به » ولكنّها مختصّة بالإقرار لا لصالحه; وأمّا إذا كان الإقرار لصالح المقرّ، فلا يسمع والمقام من قبيل القسم الثاني، لإمكان التواطؤ بينهما .
وأمّا الثاني : فقد علّله بقوله : « لأنّه مسلم أخبر عن أمر ممكن » فيقبل قوله وهو كما ترى .
والظاهر كما سبق الكلام في ادّعاء الفقر انّه إذا جهلت الحالة السابقة يتوقّف حتى يثبت الموضوع، وهو انّ هذا عبد مكاتب وعاجز عن أداء مال

1التذكرة : 5 / 281.

صفحه 127
الكتابة، لوجوب إحراز الموضوع إمّا بالعلم أو بالحجة الشرعية ومنها الوثوق الشخصي بصدق قول العبد، لما عرفت من أنّ الوثوق علم عرفي .
وأمّا تعليل لزوم الأخذ بقوله بالاستصحاب حيث كان مسبوقا بالعجز وإنّما نشكّ في طروء القدرة، فقد علمت أنّ مثل هذا الاستصحاب مثبت، فالمتيقّن هو العدم الأزلي الذي يعبّر عنه بالنفي التام والذي هو موضوع للأثر هو الموجبة السالبة المحمول على أنّ العدم الأزلي ( عدم الغناء أو الفقر) انتقض في العبد
بالتولّد حيث صار واجب النفقة على المولى .

الفرع الثامن : لو ادّعى المولى ان عبده مكاتب أو عاجز

الكلام فيه نفس الكلام وإن جهل الحال لا يترتب الأثر على ادّعائه إلاّ بالبيّنة أو الوثوق الشخصي .

الفرع التاسع : إعطاء المكاتب من سهم الفقراء

إذا افترضنا انّه كاتب المولى وصار عاجزا عن التكسّب للأداء، فقد أفتى المصنف بجواز إعطاء المكاتب من سهم الفقراء .
لا إشكال في جواز الدفع من سهم(فِي اَلرِّقابِ)وأمّا الدفع إليه من باب سهم الفقراء، فالمانع هو رواية إسحاق بن عمار وعبد اللّه بن سنان (1) الدالّتين على عدم جواز دفع الزكاة إلى العبد، ولكنّك عرفت أنّ القدر المتيقّن هو دفع الزكاة إلى العبد من باب النفقة وأمّا دفع الزكاة إليه لأجل دفع الأقساط من باب الفقر فلا مانع منه، غير أنّ الفرع عديم الفائدة لعدم لزوم البسط في صرف الزكاة .

1الوسائل : 6، الباب 4 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 6 و 3 .

صفحه 128
الثاني : العبد تحت الشدّة، والمرجع في صدق الشدّة العرف، فيشترى ويعتق، خصوصا إذا كان مؤمنا في يد غير المؤمن .
الثالث : مطلق عتق العبد مع عدم وجود المستحقّ للزكاة .
ونيّة الزكاة في هذا والسابق عند دفع الثمن إلى البائع، والأحوط الاستمرار بها إلى حين الإعتاق . *
............................................................................................

الفرع العاشر : عدم اشتراط إذن المولى

لا يشترط في دفع الزكاة إلى العبد لتأدية أقساطه إذن المولى، لأنّ الإذن في الكتابة إذن فيما يتوقّف عليه من التكسّب وأخذ المتبرّعات والزكوات .
تمّ الكلام في القسم الأوّل من قوله سبحانه : (وَ فِي اَلرِّقابِ)، بقي الكلام في القسم الثاني، قال(قدس سره):
* وقد أشار المصنّف إلى أمور :
قد علمت أنّ في الرقاب أحد المصارف في الزكاة، وهم أقسام :
الأوّل : الدفع إلى المكاتب العاجز عن أداء مال الكتابة، فقد سبق تفصيله .
الثاني : العبد تحت الشدة يدفع إليه الزكاة لتحريره .
الثالث : مطلق عتق العبد وإن لم يكن مكاتبا أو تحت الشدة .
ثمّ إنّه أشار إلى وقت النيّة، فلندرس الأمور الثلاثة واحدا تلو الآخر .
أمّا الصنف الثاني - أي العبد تحت الشدّة - فيدلّ عليه ما رواه الكليني عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن عمرو، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال : سألته عن الرجل يجتمع عنده من الزكاة الخمسائة والستمائة يشتري بها نسمة ويعتقها؟ فقال : « إذا يظلم قوما آخرين

صفحه 129
حقوقهم » ثمّ مكث مليّا ثمّ قال : إلاّ أن يكون عبدا مسلما في ضرورة فيشتريه ويعتقه » (1) والاستدلال بالحديث رهن صحّة السند ووضوح الدلالة .
أمّا السند فعلى ما رواه الكليني، صحيح إلى علي بن الحكم، وأمّا المروي عنه له - أعني : « عمرو» - فهو مجهول .
نعم رواه الشيخ في « التهذيب » في باب زيادات الزكاة (2) غن عمرو بن أبي نصر عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)، فلو صحّت نسخة « التهذيب » ، فالرواية صحيحة، لأنّ عمرو بن أبي نصر ثقة مولى للسكوني ثمّ لغيره، وقد وثّقه النجاشي وذكر انّ له كتابا وهو من أهل بيتنا; لكن النسخة غير ثابتة، كيف وقد أخذه الشيخ عن
الكليني والموجود في « الكافي » كما عرفت هو « عمرو » لا « عمرو بن أبي نصر » فالرواية ضعيفة على نقل الكليني وصحيحة على نسخة « التهذيب » .
وأمّا الدلالة فهو في بدء الأمر يدلّ على جواز صرف الزكاة في العبد تحت الشدة حسب تعبير الفقهاء أو العبد في ضرورة .
نعم لا يستفاد من الرواية انّ للشدّة موضوعية وهي بما هي هي موضوع لصرف الزكاة فيها، بل يظهر من الرواية انّ صرفها في مطلق العتق جائز بالذات لو لا الابتلاء بالمانع وهو حرمان الآخرين، إلاّ أن يكون هناك مرجّح على الحرمان وهو نجاة العبد من الشدة، فصرفها في مورده لاقترانه بالمرجّح لا انّه موضوع
خاص، وعلى كلّ تقدير فسواء أصح ما ذكرناه أم لم يصحّ يجوز صرف الزكاة في عتق الرق تحت الشدة، نعم لم يثبت انّه موضوع خاص مضافا إلى إطلاق الآية ولعلّ إطلاقها كاف في المقام .

1الوسائل : 6، الباب 43 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1 .
2التهذيب : 4، باب زيادات الزكاة، الحديث16 .

صفحه 130
وأمّا الصنف الثالث - أي صرف الزكاة في عتق الرقبة على وجه الإطلاق -فهو مشروط - كما عليه المصنّف - بعدم وجود المستحقّ للزكاة .
واستدلّ عليه بموثّقة عبيد بن زرارة، قال : سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن رجل أخرج زكاة ماله ألف درهم فلم يجد موضعا يدفع ذلك إليه، فنظر إلى مملوك يباع فيمن يريده فاشتراه بتلك الألف الدراهم التي أخرجها من زكاته فأعتقه، هل يجوز ذلك؟ قال : « نعم لا بأس بذلك » ، قلت : فإنّه لمّا أن أعتق وصار حرا اتّجر
واحترف فأصاب مالا كثيرا ثمّ مات وليس له وارث، فمن يرثه إذا لم يكن له وارث؟ قال : « يرثه الفقراء المؤمنون الذين يستحقّون الزكاة، لأنّه إنّما اشتري بما لهم » . (1)
غير أنّ الكلام في دلالة الرواية، فانّ القيد ( عدم المستحقّ أو عدم موضع آخر لصرف الزكاة فيه) وارد في كلام الراوي دون الإمام .

ما هو المختار في المقام

فالأولى أن يقال : إنّ الحقّ هو القول الرابع الذي هو جامع لهذه الأصناف الثلاثة وغيرها، وهو انّ الموضوع لصرف الزكاة هو عتق مطلق الرقبة من غير قيد أو شرط، سواء أكان مكاتبا أو لا، كان تحت الشدة أو لا، وجد موضع لصرف آخر الزكاة أو لا . ويدلّ على هذا مضافا إلى إطلاق الآية صحيحة أيّوب بن الحر أخي أديم بن الحر، قال : قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): مملوك يعرف هذا الأمر الذي نحن عليه، أشتريه من الزكاة وأعتقه؟ قال : فقال : « اشتره وأعتقه » . قلت : فإن هو مات وترك مالا؟ قال : فقال : « ميراثه لأهل الزكاة، لأنّه اشتري بسهمهم » . (2)

1الوسائل : 6، الباب 43 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 2 .
2الوسائل : 6، الباب 43 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 3 .

صفحه 131
وربّما يقال بصرفها في صنف خاص، وهو من وجب عليه العتق كفّارة ولم يجد ما يكفّر، فيدفع إليه الزكاة ليشتري عبدا ويعتق عن نفسه .
واستدلّ له بما رواه علي بن إبراهيم بقوله : وفي الرقاب قوم لزمتهم كفّارات في قتل الخطأ وفي الظهار وفي الأيمان وفي قتل الصيد في الحرم وليس عندهم ما يكفّرون وهم مؤمنون، فجعل اللّه لهم سهما في الصدقات ليكفّر عنهم . (1)
يلاحظ عليه أوّلا : مضافا إلى ضعف السند، أنّ الرواية ظاهرة في جواز صرف الزكاة في مطلق الكفّارة وإن لم تكن هي العتق، لشهادة جواز صرفها في قتل الصيد في الحرم وكفّارته بدنة لا العتق .
وثانيا : أنّ دفع الزكاة إلى من عليه الكفّارة ليشتري به العبد ويعتق عنه فهو أشبه بصرف الزكاة في الكفّارة لا في الرقاب . ولا يعدّ مثله من صرف الزكاة في الرقاب، وإنّما يعدّ منه إذا دفع ثمنا إلى البائع ليعتقه أو يشتريه ويعتقه أو يدفع شيئا إلى المكاتب ليسدد به مال الكتابة ليترتّب عليه العتق قهرا .
وممّا ذكرناه علم أنّ الحقّ هو القول الرابع لا الثلاثة المذكورة في المتن ولا الوجه الخامس .

وقت النيّة في الموارد الثلاثة

إنّ الغالب في صرف الزكاة في الرقاب هو إفرازها بصورة القيمة السوقية وتعيّنها في الدرهم والدينار; وعلى هذا فما يدفعه من الثمن، هو زكاة لما عرفت من أنّه يجوز إخراجها من النقدين على وجه يكونان نفس الزكاة .
وعلى هذا فالذي يرجع إلى المالك هو صرفها في مواردها مع النية، وأمّا وقت

1الوسائل : 6، الباب 1 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 7 .

صفحه 132

في الغارمين

السادس : الغارمون : وهم الذين ركبتهم الديون وعجزوا عن أدائها وإن كانوا مالكين لقوت سنتهم، ويشترط أن لا يكون الدين مصروفا في المعصية، وإلاّ لم يقض من هذا السهم، وإن جاز إعطاؤه من سهم الفقراء، سواء تاب عن المعصية أو لم يتب، بناء على عدم اشتراط العدالة في الفقير، وكونه مالكا
لقوت سنته لا ينافي فقره، لأجل وفاء الدّين الذي لا يفي كسبه أو ما عنده به .
وكذا يجوز إعطاؤه من سهم سبيل اللّه . ولو شك في أنّه صرفه في المعصية أم
............................................................................................
النيّة في الصنف الأوّل فهو نفس الوقت الذي يدفع الثمن إلى المولى ليحبسها من أقساط العبد المفروضة عليه، أو إلى العبد ليسدّد به مال الكتابة .
إنّما الكلام في القسمين الآخرين - أعني : اشتراء العبد تحت الشدة، أو مطلق العبد إذا لم يوجد مستحق - ففيه وجوه ثلاثة :
1 . نيّة الزكاة في العبد الذي يشترى من الزكاة وقت دفع الثمن إلى البائع، لأنّه وقت صرف الزكاة . (1)
2 . انّها مقارنة للعتق، قال في الجواهر : ولعلّ الثاني لا يخلو من قوّة، لأنّ دفع الثمن خصوصا إذا كان بعد إجراء الصيغة لكونه مقتضى البيع، ومن هنا ينتقل العبد إلى أهل الصدقة، ولذا كان ولاؤه لهم كما صرّح به غير واحد من الأصحاب فيكون إيصاله إلى الفقراء بعتقه عنهم . (2)
3 . أو يتخير بين الأمرين .

1مصباح الفقيه : 13 / 543.
2الجواهر : 15 / 346.

صفحه 133
لا فالأقوى جواز إعطائه من هذا السهم، وإن كان الأحوط خلافه . نعم لا يجوز له الأخذ إذا كان قد صرفه في المعصية . ولو كان معذورا في الصرف في المعصية لجهل أو اضطرار أو نسيان أو نحو ذلك لا بأس بإعطائه . وكذا لو صرفه فيها في حال عدم التكليف لصغر أو جنون، ولا فرق في الجاهل بين كونه جاهلا بالموضوع أو الحكم . *
............................................................................................
ولعلّ الوجه الثاني - كما قوّاه صاحب الجواهر - هو الأظهر، لأنّه باشتراء العبد ليس إلاّ تبديل الزكاة بالعبد وصيرورته زكاة بمقتضى البدلية ولا يعد مثل ذلك صرفا للزكاة في طريق فكّ الرقّاب إلاّ بعتقهم .
* في المسألة فروع :
1 . تعريف الغارمين، وانّه هل يشترط فيهم العجز عن الأداء، أو يشترط الفقر في المعيشة؟
2 . يشترط في جواز صرف الزكاة في قضاء الدين أن لا يكون الدين مصروفا في المعصية، وإلاّ فيقضى من سهم الفقراء .
3 . إعطاؤه من سهم الفقراء .
4 . لو شكّ انّه صرفه في المعصية أو لا، هل يجوز الدفع؟
5 . لو كان معذورا في الصرف في المعصية لجهل أو اضطرار أو نسيان فلا بأس بإعطائه .
6 . لو صرفه في المعصية ولم يكن مكلّفا كالطفل والمجنون .
7 . هل هناك فرق في الجهل بين الجهل بالموضوع أو الجهل بالحكم .
هذه فروع سبعة ندرسها واحدا بعد الآخر .

صفحه 134

الأوّل : اشتراط العجز أو الفقر

لا شكّ انّ الغارم يشتق من الغرم، وهو في اللغة بمعنى الضرر والمشقّة، وكأنّ الدين أمر شاق يتحمّله المديون، يقال : تغرّم تحمّل وتكفّل الغرامة .
وعلى كلّ تقدير فالمراد هنا هو المديون الذي ركبه الدين وعلاه .
إنّما الكلام في أنّ الموضوع هو الغارم الفقير، أو الغارم العاجز عن أداء دينه سواء كان فقيرا أم لا .
وبين القيدين من النسب عموم وخصوص من وجه، إذ ربّما يكون فقيرا وليس له دين، كما أنّه ربّما يكون عاجزا عن أداء دينه ولا يكون فقيرا بالنسبة إلى مؤونة عياله، وثالثة يجتمعان كما هو واضح .
ظاهر الآية هو الثاني حيث جعلت الغارمين، قسيما للفقراء والمساكين لا قسما له، فلو قلنا باشتراط الفقر فيه يلزم أن يكون قسما من الفقراء والمساكين، وهو خلاف ظاهر الآية .
وأمّا كلمات أصحابنا فقد اختلفت تعبيراتهم .
فمنهم من عبّر بالعجز عن الأداء، ومنهم من عبّر بالفقر، ومنهم من جمع بين العجز والفقر . ويمكن إرجاع الفقر في كلماتهم إلى العجز عن الأداء لا الفقر المصطلح في باب الزكاة، وإليك بعض الكلمات :
قال الشيخ : الغارم الذي عليه الدين وأنفقه في طاعة أو مباح لا يعطى من الصدقة مع الغنى .
وللشافعي فيه وجهان : أحدهما : يعطى، والآخر : لا يعطى .
دليلنا : إجماع الفرقة، وأيضا جواز إعطائه مع الفقر مجمع عليه، ولا دليل

صفحه 135
على جواز إعطائه مع الغنى . (1)
ترى أنّه يشترط الفقر ويرى الغنى مانعا، ويحتمل أن يكون مراده من الفقر هو العجز عن الأداء ومن الغنى هو استطاعة الأداء، بشهادة ما ذكره في « النهاية » و « المبسوط » .
فقد اشترط فيه عدم القدرة على القضاء .
قال في « النهاية » : إذا كان على إنسان دين ولا يقدر على قضائه وهو مستحق، جاز لك أن تقاصه من الزكاة . (2)
وقال في « المبسوط » : فأمّا الغارمون فصنفان : صنف استدانوا في مصلحتهم ومعروف في غير معصية ثمّ عجزوا عن أدائه، فهؤلاء يعطون من سهم الغارمين بلا خلاف . (3)
وقال العلاّمة في « التذكرة » : الغارمون صنفان : أحدهما : من استدان في مصلحته ونفقته في غير معصية وعجز عن أدائه وكان فقيرا، فانّه يأخذ من سهم الغارمين إجماعا ليؤدّي ذلك .
وإن كان غنيا لم يجز أن يعطى عندنا، وهو أحد قولي الشافعي، ولأنّه يأخذ لا لحاجتنا إليه، فاعتبر فقره كالمكاتب وابن السبيل . (4)
والأولى حمل الفقر في كلماتهم على العجز على الأداء .
وبعبارة أخرى : حمل الفقر على الفقر اللغوي الذي يصدق مع العجز عن الأداء، لا الفقر الشرعي - أعني : ما لا يملك مؤونة سنته - فإطلاق الآية مع ما هو المرتكز في هذا المقام من عجز المديون عن الأداء لا عجزه عن المعيشة هو

1الخلاف : 4/235، كتاب الصدقات، المسألة 19 .
2النهاية : 188.
3المبسوط : 1 / 251.
4التذكرة : 5 / 258.

صفحه 136
المحكّم .
ويؤيّده ما في موثّقة الحسين بن علوان، عن جعفر بن محمد، عن أبيه(عليه السلام)انّ عليّا(عليه السلام)كان يقول : « يعطى المستدينون من الصدقة والزكاة دينهم كلّه ما بلغ إذا استدانوا في غير سرف » . (1)
إلى غير ذلك من الروايات الواردة في هذا المضمار .
نعم ربما يتوهّم شرطية الفقر في المعنى المصطلح في صرف الزكاة عن الدين مستدلا بما رواه ابن إدريس عن مشيخة الحسن بن محبوب، عن أبي أيّوب، عن سماعة، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن الرجل منّا يكون عنده الشيء ( يتبايع) يتبلّغ به وعليه دين، أيطعمه عياله حتّى يأتيه اللّه تعالى بميسرة فيقضي دينه؟ أو يستقرض على ظهره في جدب الزمان وشدة المكاسب؟ أو يقضي بما عنده دينه ويقبل الصدقة؟ قال : « يقضي بما عنده ويقبل الصدقة » . (2)
حيث إنّ ظاهر الرواية تقديم قضاء الدين بما عنده على قبول الصدقة حيث قال : « يقضي بما عنده ويقبل الصدقة » فلو جاز العكس لما كلّفه بما فيه العسر . ولا محيص من حمل الرواية على الاستحباب دون اللزوم، لعدم صحّة تقييد الآية بمثل هذه الرواية التي لم يثبت لها سند صحيح .
نعم ربما يستدلّ أيضا بالروايات الماضية من عدم جواز الصدقة على الغني أو المحترف .
قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): « لا تحلّ الصدقة لغني ولا لذي مرّة سوي، ولا لمحترف، ولا لقوي » .

1الوسائل : 6، الباب 48 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 2 .
2الوسائل : 6، الباب 47 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1 .

صفحه 137
قلنا : ما معنى هذا؟ قال : « لا يحلّ له أن يأخذها وهو يقدر على أن يكفّ نفسه عنها » . (1)
يلاحظ عليه : أنّ هذه الروايات مع كثرتها ناظرة إلى عدم جواز صرف الزكاة من باب الفقر والمسكنة في الغني، وأين هذا من صرف الزكاة للغني الشرعي بعنوان الغارمين؟ !
وبعبارة أخرى : انّ هذه الروايات مع كثرتها ناظرة إلى أنّ من يملك مؤونة سنته لنفسه ولعياله ليس فقيرا حتّى يصرف في حقه الزكاة التي تصرف في حقّ الفقراء والمساكين، وأين هذا من جواز صرفها في حقّ هؤلاء بعنوان آخر كالغارم أو ابن السبيل أو العامل عليها أو غير ذلك؟ !
على أنّه يمكن أن يقال : انّ من لا يملك أداء دينه فهو فقير وليس بغني، لأنّ قضاء الدين من الحاجات التي لا بدّ أن تسدّ، فلو قلنا بشرطية الفقر، فهذا النوع من الغارمين، من الفقراء الذين لا يقدرون على مؤونة سنتهم إذا لم يكن الدين مصروفا في المعصية .
هذا كلّه حول « الغني » في الرواية، وأمّا « المحترف » فالحقّ فيه أن يقال : إذا كان محترفا قادرا على مؤونة سنته ولم يكن قادرا على أداء دينه، فتصرف الزكاة في أداء دينه; ومثله ما إذا كان قادرا على أداء دينه بالتكسّب ولكن الدين حال لا يمكنه تحصيل المال فعلا لقضاء دينه .
نعم لو كان مؤجّلا أو حالا غير مطالب، فهو قادر على قضاء الدين عن طريق التكسّب والاحتراف، فلا يصرف في حقّه الزكاة مطلقا .

1الوسائل : 6، الباب 8 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 8 .

صفحه 138

الثاني : أن لا يكون الدين مصروفا في المعصية

اتّفقت كلمة الفقهاء من الشيعة ولفيف من السنّة على أنّه يشترط في صرف الزكاة في قضاء الدين أن لا يكون مصروفا في المعصية على نحو يصفه في « الجواهر » بقوله : لا أجد فيه مخالفا .
قال العلاّمة في « التذكرة » : وهم المدينون في غير معصية، ولو استدان للمعصية لم يقض عند علمائنا أجمع، لأنّه دين استدانه للمعصية فلا يدفع إليه، كما لو لم يثبت، ولما فيه من الإغراء بالمعصية، إذ الفاسق إذا عرف أنّه يقضى عنه ما استدانه في معصية، أصرّ على ذلك، فيمنع حسما لمادّة الفساد .
وقال أبو إسحاق من الشافعية : يدفع إليه، لأنّه لو كان قد أتلف ماله في المعاصي وافتقر، دفع إليه من سهم الفقراء، وكذلك إذا خرج في سفر معصية، ثمّ أراد أن يرجع دفع إليه من سهم ابن السبيل .
والفرق : أنّ متلف ماله يعطى للحاجة في الحال، وهنا يراعى الاستدانة في الدين وكان للمعصية، فافترقا . (1)
وقال ابن قدامة : لكن من غرم في معصية مثل أن يشتري خمرا أو يصرفه في زنا أو قمار أو غناء أو نحوه لم يدفع إليه قبل التوبة شيء، لأنّه إعانة له على المعصية . (2)
ويظهر من سؤال بعض الرواة - كما سيوافيك - انّ المسألة كانت معروفة عند ذاك حيث ورد القيد في أسئلتهم، وهذا يعرب عن شهرة الحكم بين أصحاب الأئمّة .
ثمّ إنّ أكثر الروايات الواردة في الموضوع غير نقية السند، ولكن المجموع من

1التذكرة : 5 / 257.
2المغني : 2 / 699.

صفحه 139
حيث المجموع مضافا إلى بعض الصحاح بينها كاف في إثبات المطلوب ومورث للوثوق، وإليك ما وقفنا عليه :
1 . عبد اللّه بن جعفر بسنده عن الحسين بن علوان، عن جعفر بن محمد، عن أبيه أنّ عليّا كان يقول : « يعطى المستدينون من الصدقة والزكاة دينهم كلّه ما بلغ إذا استدانوا في غير سرف » . (1)
والحسين بن علوان ثقة بلا إشكال، وثّقه النجاشي . (2) كما أنّ الحسن بن ظريف الذي يروي الحديث عن الحسين بن علوان ثقة، والرواية مأخوذة من كتاب « عبد اللّه بن جعفر بن الحسن الحميري شيخ القميّين » .
وبذلك يعلم أنّ وصف البعض الرواية بالخبر مشعرا بالضعف لا يخلو من إشكال .
2 . صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج، قال : سألت أبا الحسن(عليه السلام)عن رجل عارف، فاضل توفي وترك عليه دينا قد ابتلي به لم يكن بمفسد ولا بمسرف ولا معروف بالمسألة، قال : هل يقضى عنه من الزكاة الألف أو الألفان؟ قال : « نعم » . (3)
والقيد وإن ورد في سؤال السائل وهو لا يلازم التخصيص لكنّه يعرب عن شهرة القيد في زمانه .
3 . ما رواه الكليني في « الكافي » باسناده عن صباح بن سيابة، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)، قال : قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): « أيّ مؤمن أو مسلم مات وترك دينا لم يكن في

1الوسائل : 6، الباب 48 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 2.
2رجال النجاشي : 1/161، برقم 115 .
3الوسائل : 6، الباب 46 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1 .

صفحه 140
فساد أو إسراف فعلى الإمام أن يقضيه » . (1)
والرواية غير صحيحة، لأنّ صباح بن سيابة لم يوثّق، ولكن يصلح للتأييد خصوصا، لأجل وحدة التعبير : « من غير إسراف » .
4 . ما رواه الشيخ عن علي بن إبراهيم في تفسيره عن العالم(عليه السلام): « والغارمين قوم قد وقعت عليهم ديون أنفقوها في طاعة اللّه من غير إسراف، فيجب على الإمام أن يقضي عنهم ويفكّهم من مال الصدقات » . (2)
والرواية ضعيفة، وقد أوضحنا حال تفسير علي بن إبراهيم في كتابنا « كلّيات في علم الرجال » .
5 . رواية محمد بن سليمان، عن رجل من أهل الجزيرة يكنّى أبا محمد، قال : سأل الرضا(عليه السلام) رجل وأنا أسمع، فقال له : جعلت فداك إنّ اللّه جلّ وعزّ يقول : (وَ إِنْ كانَ ذُو عُسْرَة فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَة)(3) أخبرني عن هذه النظرة التي ذكرها اللّه عزّ وجلّ في كتابه - إلى أن قال : - قال الرضا(عليه السلام): « نعم ينتظر بقدر ما ينتهي خبره إلى الإمام فيقضي عنه ما عليه من الدين من سهم الغارمين إذا كان أنفقه في طاعة اللّه عزّ وجلّ، فإن كان أنفقه في معصية اللّه عزّ وجلّ فلا شيء له على الإمام » . (4)
والرواية مرسلة لكنّها صالحة للتأييد .
6 . ما رواه الكليني في « أصول الكافي » بسنده عن رجل من طبرستان يقال له محمد، قال : سمعت علي بن موسى (عليه السلام) يقول : « المغرم إذا تديّن أو استدان في

1الكافي : 1/407، الحديث 7 .
2الوسائل : 6، الباب 1 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 7 .
3البقرة : 280.
4الوسائل : 13، الباب 9 من أبواب الدين والقرض، الحديث 3 .

صفحه 141
حقّ - الوهم من معاوية(1) أجلّ سنة فإن اتّسع وإلاّ قضى عنه الإمام من بيت المال » . (2)
فهذه الروايات الست كافية في الإفتاء بمانعية الصرف في المعصية عن قضاء دينه في الزكاة .
ثمّ إنّ لسان الروايات على النحو التالي :
أ . إذا استدانوا في غير سرف ( الحديث 1) .
ب . لم يكن بمسرف ولا بمفسد ( الحديث 2) .
ج . لم يكن في فساد أو إسراف ( الحديث 3) .
وهذه التعابير ظاهرة في مانعية الصرف في المعصية لا في شرطية الصرف في الطاعة .
لكن بعض التعابير ظاهرة في شرطية الصرف في الطاعة .
د . أنفقوها في طاعة اللّه من غير إسراف ( الحديث 4) .
ه . أنفقه في طاعة ( الحديث 5) .
و . استدان في حقّ ( الحديث 6) .
والرواية الأخيرة مجملة، فإنّ الاستدانة في حقّ يناسب كلا اللسانين .
والرواية الرابعة جمعت بين اللسانين، أي شرطية الطاعة ومانعية المعصية، ومن المعلوم أنّ الجمع بين الجعلين لغو، فيجوز التصرف فيه ببركة ما سبق من الروايات من أنّ الإسراف مانع دون أن تكون الطاعة شرطا .

1الوارد في السند : عن معاوية بن حكيم عن محمد بن أسلم عن رجل من طبرستان يقال له محمد قال : قال معاوية : ولقيت الطبريّ محمّدا بعد ذلك فأخبرني قال : سمعت.
2أصول الكافي : 1/407، كتاب الحجة، باب ما يجب من حق الإمام على الرعية، الحديث 9 .

صفحه 142
فلم يبق إلاّ الرواية الخامسة وهي مؤوّلة بحكم ما سبق، والحقّ أن يقال : انّ الصرف في المعصية مانع لا انّ الطاعة شرط .
بشهادة انّه لو استدان في الطاعة ولكن سرق قبل الصرف يؤدّى دينه من الزكاة مع أنّه لم يصرفه في طاعة لما عرفت من أنّه سرق قبل الصرف .

الثالث : إعطاؤه من سهم الفقراء

إذا صرف الدين في المعصية، هل يعطى من سهم الفقراء، أو سهم سبيل اللّه مطلقا، أو بعد التوبة، أو لا يعطى كذلك؟ ذهب المصنّف إلى جواز الإعطاء وإن لم يتب .
قال في « المبسوط » : وإن كان فقيرا نظر، فإن كان مقيما على المعصية لم يعطه، لأنّه إعانة على المعصية، وإن تاب فانّه يجوز أن يعطى من سهم الفقراء ولا يعطى من سهم الغارمين . (1)
وقال المحقّق في « الشرائع » : نعم لو تاب صرف إليه من سهم الفقراء، وجاز أن يقضي هو . (2)
وربما يقال بالمنع مستدلا بأنّ الموضوع سهم الفقراء هو الفقير الشرعي المفسّر بمن لا يملك قوت سنته، فالمالك له غني شرعا لا يحقّ له الأخذ من هذا السهم وإن كان فقيرا عرفا لثبوت ديون عليه، فإنّ العبرة بالأوّل لا بالثاني . (3)
يلاحظ عليه : بأنّه قد ناقض كلامه في موضع آخر حيث قال : بل يمكن أن يقال : إنّ أداء الدين من مؤونة السنة فإنّها بمعنى الحاجة وهو منها، بل قد يكون

1المبسوط : 1 / 251.
2الشرائع : 1 / 161.
3مستند العروة الوثقى، كتاب الزكاة : 24 / 94.

صفحه 143
أهمّها، فإذا لم يكن لديه ما يفي بالأداء كان فقيرا شرعا، وإن كان مالكا لقوت سنته فيحقّ له حينئذ أخذ الزكاة . (1)
ثمّ إنّ ما ذكره أوّلا هو الذي اختاره الشهيد الثاني في « المسالك » حيث قال : إنّ الدين لا يدخل في سهم الفقراء وإلاّ لم يكن الغرم قسيما للفقر بل قسما منه .
وأورد عليه في « الجواهر » : انّ الملاك في الفقر والغنى ليس هو قوت السنة فقط، بل الملاك مطلق الحاجات في إدامة الحياة، والغرم من أشدّ الحاجات، فيعطى المالك لقوت سنته من حيث الفقر بسبب ما عليه من الدين ودين المعصية وإن كان لا يقضى من سهم الغارمين، ولكنّه يعطى من جهة الفقر لكن بشرط التوبة، لاعتبار العدالة أو اجتناب الكبائر . (2)
والذي يصدّنا عن القول بجواز الدفع لأجل الفقر هو لزوم اللغوية في التشريع، لأنّه إذا جاز الإعطاء من باب الفقر يصبح المنع عن إعطائه من باب الغرم أمرا لغوا . وليس سهم الغارمين شيئا معزولا عن سهم الفقراء، لأنّ القوم اتّفقوا على عدم وجوب البسط بين الأصناف، فعدم الإعطاء من الشيء لعنوان
وفي الوقت نفسه إعطاؤه من نفس ذلك الشيء بعنوان آخر أشبه باللغز .
أضف إلى ذلك انّه يستلزم حمل الروايات المانعة على المنع النسبي لا المنع المطلق وهو كما ترى، ومنه يعلم أنّه لا يجوز صرف الزكاة في قضاء دينه، لا من باب سهم الفقراء ولا من باب سبيل اللّه، خصوصا الثاني، لما سيأتي تفسيره غير المناسب للمقام .
ومن ذلك يعلم عدم جواز الدفع من هذين الصنفين سواء أكان تائبا أم لا .

1مستند العروة، كتاب الزكاة : 24 / 88.
2الجواهر : 15 / 360.

صفحه 144

الرابع : لو شكّ في صرفه في المعصية

لو شكّ في أنّه صرفه في المعصية، فقد ذهب المصنّف إلى أنّ الأقوى جواز إعطائه من هذا السهم، وإن كان الأحوط خلافه .
قال الشيخ في « النهاية » : فيقضي الإمام دينه عنه من سهم الغارمين إذا كان قد استدانه وأنفقه في طاعة . وإن كان لا يعلم في ماذا أنفقه أو علم أنّه أنفقه في معصية، لم يجب عليه القضاء عنه، بل إذا وسع اللّه عليه قضى عن نفسه . (1)
وقال في « التذكرة » : لو لم يعلم في ماذا أنفقه، قال الشيخ : يمنع، لأنّ رجلا من أهل الجزيرة يكنّى أبا محمد سأل الرضا(عليه السلام)، قلت : فهو لا يعلم في ماذا أنفقه في طاعة أو معصية؟ قال : « يسعى في ماله فيردّه عليه وهو صاغر » . ولأنّ الشرط - وهو الإنفاق في الطاعة - غير معلوم .
وقال أكثر علمائنا : يعطى، بناء على أنّ ظاهر تصرفات المسلم إنّما هو على الوجه المشروع دون المحرّم، ولأنّ تتبّع مصارف الأموال عسر فلا يقف دفع الزكاة على اعتباره، وفي سند الرواية ضعف . (2)
ثمّ إنّك قد عرفت أنّ الصرف في المعصية مانع وليس الصرف في الطاعة شرطا، واستظهرنا ذلك من لسان الروايات، وعلى ذلك فلو شكّ في وجود المانع فربما يقال بأنّ الأصل عدمه .
لكنّك عرفت فيما سبق انّ الأصل في هذه الموارد مثبت، لأنّ المتيقّن هو عدم

1النهاية : 306.
2التذكرة : 5/258; لاحظ الوسائل 13، الباب 9 من أبواب الدين والقرض، الحديث 3; وفي الرواية : قلت : فما لهذا الرجل الذي ائتمنه وهو لا يعلم فيما أنفقه من طاعة اللّه أم في معصية؟ قال : « يسعى له في ماله فيردّه عليه وهو صاغر » . والرواية ضعيفة كما قال المصنّف .

صفحه 145
الصرف في المعصية بصورة السالبة بانتفاء الموضوع مثلا كان صغيرا أو مراهقا أو بالغا لم يرتكب العمل، وإنّما المشكوك هو السالبة بانتفاء المحمول، أي الإنسان البالغ الذي ارتكب عملا ونشكّ في كيفيته، فإثبات الثاني بالأوّل من أوضح مصاديق الأصل المثبت .
فمقتضى القاعدة في ذلك المقام كسائر المقامات هو إحراز عدم المانع بالحجة الشرعية .
اللّهم إلاّ أن يتمسّك بجريان السيرة على قضاء ديون الميت مع عدم التفحّص عن كيفية صرفه المال في أيّة جهة من الجهات . ويلحق به الحيّ بعدم القول بالفصل .

الخامس : لو كان معذورا في الصرف لجهل

المتبادر من الروايات انّ حرمانه من الزكاة تقريع له، وهو منصرف إلى ما إذا لم يكن معذورا في الصرف، دونما إذا كان مضطرا أو ناسيا أو جاهلا، فهو عندئذ معذور لا يعمّه دليل المنع .
نعم يشترط أن يكون جهله بالحكم عن قصور، وإلاّ فالجاهل بالحكم عن تقصير، كالعامد .
ومنه يظهر حال الفرعين الأخيرين السادس والسابع : أعني : إذا صرفه في المعصية ولم يكن مكلّفا، كالطفل والمجنون .
وعدم الفرق بين الجهل بالموضوع أو الحكم بشرط أن يكون الجهل بالحكم عن قصور .

صفحه 146
المسألة 16 : لا فرق بين أقسام الدين من قرض أو ثمن مبيع أو ضمان مال أو عوض صلح أو نحو ذلك، كما لو كان من باب غرامة إتلاف، فلو كان الإتلاف جهلا أو نسيانا ولم يتمكّن من أداء العوض جاز إعطاؤه من هذا السهم، بخلاف ما لو كان على وجه العمد والعدوان . *
............................................................................................
* هل هنا فرق بين الدين الحاصل من قرض وغيره، أو انّ عنوان الغارمين يعمّ الجميع؟ مقتضى الجمود على ما ورد في صحيحة الحسين بن علوان هو الأوّل حيث ورد فيه : « انّ عليّا كان يقول : يعطى المستدينون من الصدقة » لكن مقتضى إطلاق الآية « الغارمين » ولسان أكثر الروايات هو مطلق الدين نظير :
1 . في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج : « توفّي وترك دينا قد ابتلى به » .
2 . في رواية صباح بن سيابة : « مسلم مات وترك دينا » .
3 . في رواية علي بن إبراهيم : « فيقضى عنه ما عليه من الدين من سهم الغارمين » .
4 . في المرسل عن أبي عبد اللّه(عليه السلام): « الإمام يقضي عن المؤمنين الديون ما خلا مهور النساء » . (1)
وعلى هذا لا فرق بين قرض أو ثمن مبيع أو ضمان مال أو عوض صلح ونحو ذلك، ومثله ما إذا كان من باب غرامة إتلاف إذا كان عن جهل أو نسيان ولم يتمكّن من أداء العوض فيجوز إعطاؤه من هذا السهم .

1الوسائل : 13، الباب 9 من أبواب الدين والقرض، الحديث 4 . وقد مرّ مصادر الباقي في صدر البحث.

صفحه 147
نعم يشترط في ضمان المال امتناع المضمون عنه عن الأداء أو عدم تمكّنه منه، أو ضمن تبرعا بشرط أن يكون الضمان موافقا لشأنه .

الإتلاف على وجه العمد والعدوان

إذا أتلف مال الغير عمدا وعدوانا على نحو يصدق انّه إتلاف عن عصيان، فلا يقضى مثل هذا الدين من هذا الصنف، لما عرفت من أنّه يشترط أن لا يكون الدين في المعصية، قال الفقيه الهمداني : لا فرق على الظاهر بين كون الدين مصروفا في المعصية بأن صرفه في الملاهي وشرب الخمور مثلا، كما هو المنساق من الروايات المزبورة، وبين كونه حاصلا بنفس المعصية، كأكل أموال الناس ظلما وعدوانا، الموجب لاستقرار مثله أو قيمته في ذمّته لهم، أو إثبات جنايات عمدية موجبة لثبوت ديتها عليهم، فإنّ هذا القسم من الدين أولى بعدم جواز صرف الزكاة فيه من القسم الأوّل . (1)
ويمكن الاستدلال عليه بوجهين :
الأوّل : بما ورد في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج فقد جاء فيها : قال محمد ابن خالد : سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن الصدقات، فقال : « اقسمها فيمن قال اللّه عزّ وجلّ، ولا تعطين من سهم الغارمين الذين ينادون بنداء الجاهلية شيئا » ، قلت : وما نداء الجاهلية؟ قال : « هو الرجل يقول يا آل بني فلان، فيقع بينهما القتل والدماء فلا يؤدّوا ذلك من سهم الغارمين، ولا الذين يغرمون من مهور النساء، ولا أعلمه إلاّ قال : ولا الذين لا يبالون ما صنعوا في أموال الناس » . (2)

1مصباح الفقيه : 13 / 559.
2الوسائل : 6، الباب 48 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1 .

صفحه 148
المسألة 17 : إذا كان دينه مؤجّلا فالأحوط عدم الإعطاء من هذا السهم قبل حلول أجله، وإن كان الأقوى الجواز . *
............................................................................................
الثاني : بالأولوية، فانّه إذا كان الدين متقدّما على الصرف وكان الصرف في المعصية المتأخّرة عن الدين مانعا من قضائه في الزكاة، ففيما إذا حصلت المعصية بنفس الصرف يكون المنع أقوى .
وعلى ذلك فلا فرق بين أن يستدين ويصرف في سبيل المعصية وبين أن تكون المعصية سببا للدين .
وبذلك يعلم عدم تمامية ما أفاده السيد الحكيم(قدس سره)حيث قال : اللّهمّ إلاّ أن يقال : الظاهر من الدين في المعصية، الدين في سبيل المعصية، لا الدين المسبب عن المعصية، فانّه معصية في الدين، فيكون المقام من قبيل ثمن البيع وقت النداء إذا كان ثمن المبيع دينا . (1)
* لا شكّ انّه إذا كان الدين حالاّ، يجوز الإعطاء من سهم الغارمين، وأمّا إذا كان الدين مؤجّلا فقد قوّى المصنّف الجواز متمسّكا بإطلاق الغارم في الكتاب والسنّة وشموله لأنواع الدين من الحال والمؤجّل، ولكن الأقوى خلافه، لأنّ المتبادر من الغارمين هو العاجز عن أداء الدين المطالب، فلو افترضنا انّه قادر
على أداء دينه عند أجله فلا عجز عن أداء الدين في وقته، فلا يكون هناك ملاك لدفع الزكاة، فالأولى التفصيل بين من نعلم أنّه عاجز عن قضاء دينه عند حلول أجله ومن لا يكون كذلك، فيقضى في الأوّل دون الثاني .
بل يظهر ممّا رواه الكليني عن رجل من طبرستان انّ الدين الحال يؤجّل سنة ثمّ يقضى بالزكاة قال : « أجّل سنة فإن اتّسع وإلاّ قضى عنه الإمام من بيت

1المستمسك : 9 / 259.

صفحه 149
المسألة 18 : لو كان كسوبا يقدر على أداء دينه بالتدريج، فإن كان الديّان مطالبا فالظاهر جواز إعطائه من هذا السهم، وإن لم يكن مطالبا فالأحوط عدم إعطائه . *
............................................................................................
المال » فإذا كان هذا شأن الحال، فكيف بالمؤجّل .
* كان الموضوع في المسألة السابقة الدين المؤجّل ولكن الموضوع في هذه المسألة الدين الحال، لكن المديون يقدر على أداء دينه بالتدريج لو أمهله الديّان، فهل يجوز قضاء دينه من الزكاة أو لا؟
فقد فرّق المصنّف بين ما إذا كان الديّان مطالبين بمعنى انّهم رفضوا الاستمهال، فيصدق عليه العجز عن أداء الدين فيقضى منه; بخلاف ما إذا لم يكن الديّان مطالبين بمعنى رضوا بالإمهال وأخذ الدين أقساطا فلا يقضى، لعدم صدق العجز بعد تمكنه من أداء دينه على التدريج .
وربما يقال : بأنّه إذا كان المديون غير قادر على أداء الدين فليس للدائن المطالبة، لقوله سبحانه : (وَ إِنْ كانَ ذُو عُسْرَة فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَة)(1) وللحاكم الشرعي منعه من ذلك .
يلاحظ عليه : أنّ الموضوع ليس جواز الضغط على المديون وعدمه، إنّما الكلام في جواز إعطاء الزكاة في بعض الظروف، يعني : الدين مطالب والمديون عاجز والداين ممنوع من الضغط بحكم الشرع، فعند ذلك يجوز قضاء الدين من الزكاة، ولو منع من الصرف في هذه الصورة، يلزم عدم جواز صرفها فيه مطلقا،
فلاحظ .

1البقرة : 280.

صفحه 150
المسألة 19 : إذا دفع الزكاة إلى الغارم فبان بعده أنّ دينه في معصية ارتجع منه، إلاّ إذا كان فقيرا فإنّه يجوز احتسابه عليه من سهم الفقراء وكذا إذا تبيّن أنّه غير مديون، وكذا إذا أبرأه الدائن بعد الأخذ لوفاء الدين . *
............................................................................................
* للمسألة صور ثلاث :
أ . إذا دفع الزكاة للغارم ثمّ بان انّ دينه كان في معصية .
ب . إذا تبيّن انّه غير مديون .
ج . إذا أبرأه الدائن بعد أخذ الزكاة لوفاء الدين .
فيقع الكلام في هذه الصور في ضمان القابض .
فالظاهر انّ حكم الصور الثلاث واحد، وهو إذا كانت العين باقية نسترجع .
وإن كانت تالفة وكان القابض عالما بالموضوع غير مغرور من جانب الدافع يضمن مثله أو قيمته .
نعم لو كان مغرورا من جانب الدافع، كما لو كان ظاهر الدفع هدية أو حصة وكان في الواقع زكاة لا يضمن القابض .
ثمّ إنّ هنا أمرا إذا كان القابض ضامنا غير قادر على الخروج عن العهدة، فهل يمكن الاحتساب من باب سهم الفقراء أو سهم الغارمين أو لا؟
أمّا الصرف من سهم الفقراء - إذا لم يقدر على الخروج عن العهدة - فالظاهر جواز الصرف لصدق الفقر، وقد مرّ انّ أداء الدين من المؤونة وهو عاجز عنه .
نعم لو قلنا باشتراط العدالة في الفقير، يجوز الدفع في الصورة الثالثة مطلقا، لعدم صدور المعصية إذا كان جاهلا بالحكم، أي بلزوم إرجاع العين إلى المالك .

صفحه 151
المسألة 20 : لو ادّعى أنّه مديون فإن أقام بيّنة قبل قوله، وإلاّ فالأحوط عدم تصديقه وإن صدّقه الغريم، فضلا عمّا لو كذّبه أو لم يصدّقه . *
............................................................................................
وأمّا الدفع في الصورتين الأوليين فهو رهن التوبة، وأمّا الدفع من باب الغارمين فالظاهر عدم اشتراط العدالة فيهم، فيجوز مطلقا حتّى الصورة الأولى .
وذلك للفرق بين الدين الأوّل والثاني، فالأوّل منها كان استدانة في سرف، بخلاف الثاني فإنّما صرفه في أداء الدين الأوّل، ولا يوصف مثل ذلك الأداء، صرفا له من غير سرف .
* لا شكّ انّ المديون لو أقام بيّنة أو علم صدق دعواه، يصدّق فيقضى دينه من الزكاة، إنّما الكلام في الصور التالية :
1 . إذا ادّعى ولم يكن معه بيّنة لكن صدّقه الغريم .
2 . إذا ادّعى الدين وتجرد عن تصديق الغريم وتكذيبه .
3 . إذا ادّعى الدين وكذّبه الغريم .
فقد ذهب المحقّق إلى قبول دعواه في الصورتين الأوليين دون صورة التكذيب، قال : ولو ادّعى أنّ عليه دينا قبل قوله إذا صدّقه الغريم، وكذا لو تجرّدت دعواه عن التصديق والإنكار، وقيل لا يقبل، والأوّل أشبه . (1)
وقال العلاّمة في « التذكرة » : لو ادعى الغارم الغرم، فإن كان لإصلاح ذات البين فالأمر فيه ظاهر، فإذا علمه الإمام دفع إليه، وإن كان لخاص نفسه قبل قوله إن صدّقه المالك، وهو أحد وجهي الشافعي، لأنّه مسلم أخبر عن أمر ممكن; وفي الآخر : لا يقبل لجواز التواطؤ . ولو كذّبه لم يقبل قوله لظنّ كذبه، وإن تجرّد عن

1الشرائع : 1 / 162.

صفحه 152
الأمرين قبل .
وقال الشافعي : لا يقبل إلاّ بالبيّنة، لأنّه مدّع، فلا يقبل إلاّ بالبيّنة . (1)
أقول : قد تقدّم الكلام في نظير هذه المسألة، أعني : العبد المدّعي انّه مكاتب وعاجز، وذكرنا هناك الصور المقبولة والمرفوضة وخرجنا بالنتيجة التالية :
انّه لا يقبل قول المدّعي بلا علم ولا بيّنة ولا وثوق شخصي غير أنّ المشهور قبول قول المدّعي في المقامات الثلاثة، أعني : دعوى الفقر والكتابة والغرم، ولمّا كان صاحب الجواهر من أبرز الممثّلين لهذا الاتّجاه حاول إثبات ذلك في تلك المقامات بوجوه غير واضحة نقلها عن بعضهم، وإليك نصّ كلامه :
1 . انّ الحاصل من الكتاب والسنّة وجوب دفع الزكاة لا وجوب دفعها للفقير أو للغارم أو للمكاتب، وقوله تعالى : (إِنَّمَا اَلصَّدَقاتُ)إلى آخره إنّما يدلّ على كون الصدقات لهم لا أنّ التكليف دفعها إليهم .
2 . نعم ورد : « لا تحلّ الصدقة لغني » ونحوه ممّا يقضي بعدم جواز دفعها لغير الأصناف الثمانية، وهو كذلك في المعلوم أنّه ليس منهم، أمّا غير المعلوم فيتحقّق امتثال الأمر بالإيتاء بالدفع إليه، لكونه أحد أفراد الإطلاق، ولم يعلم كونه من أفراد النهي، بل أصالة البراءة عن حرمة الدفع إليه يقتضي خروجه عنها .
3 . وبالجملة الغنى مانع لا أنّ الفقر شرط، ولو سلّم كونه شرطا فهو محل لتناول الزكاة لا لدفعها ممّن وجبت عليه، لعدم الدليل، بل مقتضى الإطلاق خلافه، وعلى هذا يتّجه ما ذكره الأصحاب من قبول دعوى الفقر والكتابة والغرم . (2)
يلاحظ على الأوّل : - مضافا إلى أن لا معنى لكون الواجب « دفع الزكاة » بما

1التذكرة : 5/282، المسألة 196.
2جواهر الكلام : 15 / 367 ـ 368.

صفحه 153
هو هو من دون بيان المدفوع إليه - أنّ ظاهر الأدلّة هو الثاني، فلاحظ ما نقله صاحب الوسائل في الباب الأوّل من أبواب وجوب الزكاة في حديث عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)أنّه قال :
« إنّ اللّه عزّ وجلّ فرض للفقراء في مال الأغنياء ما يسعهم - إلى أن قال - ولو انّ الناس أدّوا حقوقهم لكانوا عايشين بخير » (1) إلى غير ذلك من الروايات، الظاهرة في أنّ الواجب هو أداء الزكاة إلى الفقراء، لا انّ ذمّة المالك مشغولة فقط بحكم وضعيّ أو تكليفي .
بل ظاهر قوله سبحانه : (إِنْ تُبْدُوا اَلصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هِيَ وَ إِنْ تُخْفُوها وَ تُؤْتُوهَا اَلْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ)(2) هو وجوب إيتاء الزكاة الذي هو عبارة أخرى عن الدفع إلى الفقير، ولا يضرّ احتمال ورود الآية في الصدقات المستحبة، فانّ التفريق بينها وبين الواجبة منها فيما هو المطلوب بعيد غاية البعد .
ويلاحظ على الثاني : أنّه لا معنى للتفكيك بين الفقير الوارد في العام، والغني الوارد في المخصص، بحمل الأوّل على مطلق الفقير، والثاني على الغنى المعلوم بحيث يكون المجهول من حيث الفقر والغنى باقيا تحت العام، فانّ الألفاظ موضوعة للمعاني الواقعيّة، لا المعلومة فكما أنّ الخاصّ ليس بحجّة في الفرد المجهول من حيث الفقر والغنى، فهكذا العام ( إنّما الصدقات للفقراء) ليس بحجّة فيه إلاّ أن يكون المستدلّ ممّن يجوز التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية للخاص .
وعلى الثالث نفرض انّ الفقر ليس بشرط، وإنّما الغنى مانع، لكنّه ليس مؤثّرا في المقام، إذ كما يجب إحراز الشرط، هكذا يجب إحراز المانع، فلو كان

1الوسائل : 6، الباب 1 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 2 .
2 . البقرة : 271 .

صفحه 154
المسألة 21 : إذا أخذ من سهم الغارمين ليصرفه في أداء الدين ثمّ صرفه في غيره ارتجع منه . *
............................................................................................
مسبوقا بعدم الغنى على نحو الموجبة الجزئية، فهو، وإلاّ فما دام لم يحرز انّه مديون، أو غير غني، لا يصحّ التمسكّ بالعموم فيه .
* الكلام في المقام نفس ما تقدّم في العبد المكاتب، حيث قال المصنّف هناك : « لو دفع الزكاة إلى العبد ولم يصرفها في فكّ رقبته لاستغنائه - بإبراء أو تبرّع أجنبي - يسترجع منه » ، وذكرنا هناك كلام الشيخ في « الخلاف » ، وله(قدس سره)أيضا في هذا المقام كلام أيضا قال :
إذا أعطى الصدقة الغارمين والمكاتبين لا اعتراض عليهم فيما يفعلون به .
وقال الشافعي : يراعى ذلك، فإن صرفوه في قضاء الدين ومال الكتابة وإلاّ استرجعت منهم . (1)
وقال المحقّق في « الشرائع » : ولو صرف الغارم ما دفع إليه من سهم الغارمين في غير القضاء ارتجع منه . (2)
وعلّله المحقّق الهمداني بقوله : لأنّ للمالك الولاية على صرفه في الأصناف، وقد عيّنه للصرف في قضاء دينه ولم يفعل، ولم يجعل ملكا طلقا له كي يجوز له التصرّف فيه كيفما شاء . (3)
وعلله في مورد المكاتب بأنّه لم يضعه في محلّه . (4)
وحاصل الاستدلال : أنّ المالك له الولاية لتمليك ما عنده من الزكاة لواحد

1الخلاف : 4/229، كتاب الصدقات، المسألة 9.
2الشرائع 1 / 162.
3مصباح الفقيه : 13 / 572.
4مصباح الفقيه : 13 / 547.

صفحه 155
من الأصناف، فما لم يملّكه لا يتملّكه أصحاب الزكاة فإذا ملّكه مشروطا بصرفه في قضاء دينه، فإذا تخلّف الشرط تخلّف المشروط، ومثله إذا ما أعطاه ووكّله في أداء دينه من دون أن يملّكه وتخلّف الوكيل فصرفه في غير ما وكّل فيه; ويدلّ عليه أيضا صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج قال : سألت أبا الحسن(عليه السلام)عن الرجل يعطي الرجل الدراهم يقسّمها ويضعها في مواضعها وهو ممّن تحلّ له الصدقة؟
قال : « لا بأس أن يأخذ لنفسه كما يعطي غيره، قال : ولا يجوز له أن يأخذ إذا أمره أن يضعها في مواضع مسمّاة إلاّ بإذنه » . (1)
والرواية صحيحة، وفي السند محمد بن عيسى بن عبيد، وهو ثقة على الأقوى وإن استثناه ابن الوليد عن رجال « نوادر الحكمة » ، ولكن الأصحاب اعترضوا عليه في هذا الاستثناء .
حكى النجاشي عن شيخه ابن نوح قال : وقد أصاب شيخنا أبو جعفر محمد بن الحسن بن الوليد في ذلك كلّه وتبعه أبو جعفر ابن بابويه(رحمه الله)على ذلك، إلاّ في محمد بن عيسى بن عبيد، فلا أدري ما رابه فيه، لأنّه كان على ظاهر العدالة والثقة . (2)
ثمّ إنّ لزوم الاسترجاع فيما إذا لم يكن فيه ملاك أخذ الزكاة وصرفها وإلاّ فيجوز احتساب ما أخذ منها .
هذا إذا كانت العين موجودة، وأمّا إذا أتلفها فلو كان مستحقا للزكاة يحتسب عليه من باب سهم الفقراء خصوصا إذا كان صرفه في مؤونة سنته ولم يكن مالكا لها، وإن لم يحتسب فهل القابض ضامن في هذه الصورة ( أخذ لأداء الدين،

1الوسائل : 6، الباب 40 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 3 .
2رجال النجاشي : 2/244 برقم 940.

صفحه 156
المسألة 22 : المناط هو الصرف في المعصية أو الطاعة لا القصد من حين الاستدانة، فلو استدان للطاعة فصرف في المعصية لم يعط من هذا السهم، وفي العكس بالعكس . *
المسألة 23 : إذا لم يكن الغارم متمكّنا من الأداء حالا وتمكّن بعد حين، كأن يكون له غلّة لم يبلغ أوانها أو دين مؤجّل يحلّ أجله بعد مدّة ففي جواز إعطائه من هذا السهم إشكال، وإن كان الأقوى عدم الجواز مع عدم المطالبة من الدائن، أو إمكان الاستقراض والوفاء من محلّ آخر ثمّ قضاؤه بعد التمكّن . **
............................................................................................
صرفه في مؤونة سنته والمالك لا يحتسب) أو لا؟ فيه تأمّل .
* ويدلّ عليه - مضافا إلى أنّ القصد أمر طريقي إلى الصرف وليس له موضوعية - لسان قسم من الروايات : ففي رواية صباح بن سيّابة : « وترك دينا لم يكن في فساد أو إسراف » . وفي رواية علي بن إبراهيم : « انفقوها في طاعة اللّه من غير إسراف » . وفي رواية محمد بن سليمان : « إذا أنفقه في طاعة اللّه عزّ وجلّ » . إلى غير ذلك من الروايات التي مرّت سابقا .
نعم في صحيحة حسين بن علوان، قوله : « إذا استدانوا في غير سرف » الظاهرة في كون الميزان هو القصد حين الاستدانة، ولكنّها مؤوّلة والمراد إذا استدانوا وصرفوا في غير سرف .
** مرّ الكلام في المسألة الثامنة عشرة وهي نظيرة المقام، قال المصنّف هناك :
« لو كان كسوبا يقدر على أداء دينه بالتدريج، فإن كان الدّيان مطالبا (1) فالظاهر

1كذا في عامّة النسخ، والصحيح : مطالبين .

صفحه 157
المسألة 24 : لو كان دين الغارم لمن عليه الزكاة جاز له احتسابه عليه زكاة، بل يجوز أن يحتسب ما عنده من الزكاة وفاء للدين ويأخذها مقاصّة وإن لم يقبضها المديون ولم يوكّل في قبضها ولا يجب إعلام المديون بالاحتساب عليه أو بجعلها وفاء وأخذها مقاصّة . *
............................................................................................
جواز إعطائه من هذا السهم، وإن لم يكن مطالبا فالأحوط عدم إعطائه » حيث جعل المناط في الجواز وعدمه كون المدين مطالبا أو غير مطالب، وقلنا هناك : إنّ مقصوده من « المطالب » هو رفض الديّان الإمهال ولم يرضوا إلاّ بقضاء الدين، فعلا .
وعلى ضوء ذلك فللمسألة صور :
1 . إذا كان الدين مؤجّلا .
2 . إذا كان حالاّ غير مطالب .
وفي هاتين الصورتين لا يجوز القضاء بالزكاة .
3 . إذا كان الدين حالاّ مطالبا وللمديون مال لا يحتاج إليه على نحو لو باعه لما كان عليه حرج ولا عسر، فيقدّم بيع ماله على أداء الدين .
4 . إذا كان الدين حالاّ مطالبا ولكن يمكن أن يستدين من شخص آخر فيقضي دينه ويؤدّي الدين الجديد بالتدريج فلا يقضى بالزكاة . نعم إذا عجز عن الأداء بأيّ طريق ممكن إلاّ القضاء بالزكاة، يؤدّي منها .
* قد تعرض المصنّف لهذه المسألة عند البحث عن الفقير وقال في المسألة الحادية عشرة : « لو كان له دين على الفقير جاز احتسابه زكاة سواء كان حيّا أو ميّتا، لكن يشترط في الميت أن لا يكون له تركة تفي بدينه، وإلاّ لا يجوز . نعم لو كان

صفحه 158
له تركة لكن لا يمكن الاستيفاء منها - لامتناع الورثة أو غيرهم - فالظاهر الجواز » .
أقول : إنّ صرف الزكاة من سهم الغارمين له صورتان :
الأولى : أن يكون المزكّي غير الداين .
الثانية : أن يكون المزكّي هو نفس الدائن .
أمّا الأولى فيتحقّق الصرف بوجهين :
1 . دفع الزكاة إلى المديون لصرفها في أداء دينه .
2 . دفع الزكاة إلى الدائن وفاء عن المديون بما عنده من الزكاة .
واللفظ المستعمل في هذا النوع من صرف الزكاة أحد اللفظين :
أ . قضاء الدين بالزكاة .
ب . دفع الزكاة إلى الدائن وفاء لدين المديون .
وأمّا الثانية فقد ذكر المصنّف لها وجهين أيضا :
1 . احتسابه عليه زكاة .
2 . جعلها وفاء وأخذها مقاصة .
والمقصود من الوجه الأوّل - أعني : الاحتساب - جعل ما في ذمّة المديون من الدين بدلا عمّا عليه من الزكاة فيحتسب أحدهما مكان الآخر .
وصرف الزكاة في الغارمين كما يصدق بالقضاء ( دفعها إلى الغريم ليصرفها في أداء دينه، أو بالدفع إلى الدائن وفاء عن الغريم) ، كذلك يصدق بالاحتساب بأن يكون له دين على الفقير، وعليه زكاة في ماله فيحتسبه عنها . وعندئذ لا يكون ما في ذمّة الغارم بدلا عن الزكاة بل يكون نفس الزكاة، لما عرفت من أنّ للمالك الولاية من الدفع من الجنس والقيمة، وقد تقدّم بيانه في المسألة الحادية عشرة عند
البحث في الفقير .

صفحه 159
إنّما الكلام في تفسير الوجه الثاني حيث جمع المصنّف بين الوفاء وأخذ الزكاة مقاصّة، فقد أشكل عليه كثير من المعلّقين .
قال سيد مشايخنا المحقّق البروجردي في تعليقته : لا حاجة إلى اعتبار المقاصّة بعد احتسابه وفاء للدين، بل لا معنى لها .
وقال السيد الحكيم : وعبارة المتن لا تخلو من تسامح، لأنّ قوله « ان يحتسب . . . » ظاهر في أن يقضى عن المديون بما عنده من الزكاة فيجعله وفاء عمّا في ذمّته، كما لو كان مديونا لغير المالك فأراد المالك دفع الزكاة إلى الدائن وفاء عنه، وحينئذ لا معنى للمقاصّة بالمعنى المتقدّم لحصول الوفاء بالتملّك .
توضيحه : انّه ذكر المصنّف لما إذا كان دين الغارم لمن عليه الزكاة صورتين :
الأولى : احتساب دين الغارم زكاة، فالمحتسب زكاة، هو نفس ما في ذمة الغارم .
الثانية : احتساب ما عنده من الزكاة - لا ما في ذمّة الغارم - وفاء للدين، وقد عرفت أنّ لفظة الوفاء نظير لفظ القضاء يستعمل فيما إذا كان المزكّي غير الدائن، فاستعماله في المقام الذي اتّحد فيه المزكي والدائن لأجل انّ من عليه الزكاة يوصف بعنوانين باعتبارين مختلفين .
فباعتبار انّه من عليه الزكاة يفرزها ويؤمر بالدفع، وباعتبار انه داين، يأخذها لنفسه وفاء لماله على المديون - كما إذا كانا متعدّدين - فإذا أخذها لنفسه متملّكا له، لا يبقى للتقاصّ مجال .
وبالجملة فالوفاء في المقام يلازم تملّك المزكى بعد الإفراز . ولا يبقى مجال لتملّك الغريم ليتحقق موضوع التقاص .
نعم يمكن تصوير التقاص - بدون الوفاء - فيما إذا أفرد الزكاة وملكها

صفحه 160
المسألة 25 : لو كان الدين لغير من عليه الزكاة يجوز له وفاؤه عنه بما عنده منها ولو بدون اطّلاع الغارم . *
............................................................................................
للغريم، ثمّ تملّكها تقاصّا له عليه من الدين .
قال الشهيد في « المسالك » : ولو كانت الزكاة على صاحب الدين قاص بها المديون بأن يحتسبها عليه ويأخذها مقاصّة من دينه . (1)
وعلى كلّ تقدير فيدلّ على الاحتساب صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال : سألت أبا الحسن الأوّل(عليه السلام)عن دين لي على قوم قد طال حبسه عندهم لا يقدرون على قضائه وهم مستوجبون للزكاة، هل لي أن أدعه فأحتسب به عليهم من الزكاة؟ قال : « نعم » . (2)
وأمّا التمليك ثمّ التقاص فيدلّ عليه موثقة سماعة عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)سألته عن الرجل يكون له الدين على رجل فقير يريد أن يعطيه من الزكاة؟ فقال :
« إن كان الفقير عنده وفاء بما كان عليه من دين من عرض من دار، أو متاع من متاع البيت، أو يعالج عملا يتقلّب فيها بوجهه، فهو يرجو أن يأخذ منه ماله عنده من دينه، فلا بأس أن يقاصّه بما أراد أن يعطيه من الزكاة، أو يحتسب بها، فإن لم يكن عند الفقير وفاء ولا يرجو أن يأخذ منه شيئا فيعطيه من زكاته ولا يقاصه
بشيء من الزكاة » . (3)
* قال الشيخ في « النهاية » : وإن كان على أخيك المؤمن دين وقد مات جاز

1المسالك: 1 / 417.
2الوسائل : 6، الباب 46 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 2 .
3الوسائل : 6، الباب 46 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 3 .

صفحه 161
لك أن تقضي عنه من الزكاة . (1)
وقال المحقّق في « الشرائع » : وكذا لو كان الغارم ميتا، جاز أن يقضى عنه وأن يقاصّ . وكذا لو كان الدين على من يجب نفقته، جاز أن يقضى عنه حيا أو ميّتا وأن يقاص . (2)
وقد تضافرت الروايات على ذلك من غير فرق بين كون القاضي هو الإمام أو غيره والمقضي عنه هو الحي أو الميت .
المراد من الوفاء هو قضاء الدين بدفعه إلى الدائن دون المديون، من غير فرق بين أن يكون القاضي هو الإمام أو غيره، ومن غير فرق بين أن يكون المقضي عنه هو الحيّ أو الميّت .
أمّا الميت فيكفي في ذلك صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، قال : سألت أبا الحسن(عليه السلام)عن رجل عارف فاضل توفي وترك عليه دينا قد ابتلي به، لم يكن بمفسد ولا بمسرف ولا معروف بالمسألة، هل يقضى عنه من الزكاة الألف والألفان؟ قال : « نعم » . (3)
وأمّا الحيّ فيكفي في ذلك خبر محمد بن سليمان، عن الرضا(عليه السلام)في حدّ إنظار المعسر قوله : « نعم ينتظر بقدر ما ينتهي خبره إلى الإمام فيقضي عنه من الدين من سهم الغارمين » . (4) إلى غير ذلك من الروايات .
وربما يظهر من ابن قدامة الترديد في جواز هذا النوع من القضاء، أي تمليك الزكاة للدائن دون تمليكه للمديون بغية دفعه إلى الدائن، قال في « المغني » : وإذا

1النهاية : 188.
2الشرائع : 1 / 161.
3الوسائل : 6، الباب 46 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1 .
4الوسائل : 13، الباب 9 من أبواب الدين والقرض، الحديث 3 .

صفحه 162
المسألة 26 : لو كان الغارم ممّن تجب نفقته على من عليه الزكاة جاز له إعطاؤه لوفاء دينه أو الوفاء عنه، وإن لم يجز إعطاؤه لنفقته . *
............................................................................................
أراد الرجل دفع زكاته إلى الغارم فله أن يسلّمها إليه ليدفعها إلى غريمه، وان أحبّ أن يدفعها إلى غريمه قضاء عن دينه فعن أحمد فيه روايتان : إحداهما : يجوز ذلك، والثانية : لا يجوز دفعها إلى الغريم، قال أحمد : أحبّ إليّ أن يدفعه إليه حتّى يقضي هو عن نفسه، قيل : هو محتاج يخاف أن يدفعه إليه فيأكله ولا يقضي دينه؟ قال : فقل له : يوكله حتّى يقضيه . . . ويحتمل أن يحمل هذا على الاستحباب ويكون قضاؤه عنه جائزا، وإن كان دافع الزكاة الإمام جاز أن يقضي بها دينه من غير توكيله، لأنّ للإمام ولاية كلية في إيفاء الدين . (1)
وعلى كلّ تقدير ففي إطلاق الروايات غنى وكفاية في الجواز وعدم شرطية اطّلاع الغارم .
* قال العلاّمة في « التذكرة » : قد بيّنّا أنّه يجوز أن يعطى من يجب نفقته من غير سهم الفقراء والمساكين، وهل يعطى لو كان مؤلّفا؟ قال الشيخ : نعم . (2)
وقال في « المنتهى » : لو كان الأب غازيا أو عاملا أو ابن سبيل أو مكاتبا جاز أن يدفع إليه من الصنف بصنفه، وكذا كلّ من يجب نفقته عليه، لأنّ ما يأخذ الغازي والعامل كالأجرة . (3)
ووجهه : انّ أداء الدين لا يعدّ من النفقة فالولد بالنسبة إلى دين الأب كغيره

1المغني : 7/325 . وفي المصدر « إبقاء الدين » وهو تصحيف.
2التذكرة : 5/359، المسألة 269.
3المنتهى : 1 / 528.

صفحه 163
المسألة 27 : إذا كان ديّان الغارم مديونا لمن عليه الزكاة جاز له إحالته على الغارم، ثمّ يحسب عليه، بل يجوز له أن يحسب ما على الديّان وفاء عمّا في ذمّة الغارم، وإن كان الأحوط أن يكون ذلك بعد الإحالة . *
............................................................................................
بالنسبة إليه فيقضى بأحد طريقين أشار إليهما المصنّف، قال :
1 . إعطاؤه له لوفاء دينه .
2 . أو الوفاء عنه بإعطائه للدائن .
ويدلّ على الأوّل موثّقة إسحاق بن عمّار، قال : سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن رجل على أبيه دين ولأبيه مؤونة أيعطي أباه من زكاته يقضي دينه؟ قال : « نعم، ومن أحقّ من أبيه » . (1)
فقوله : « أيعطي أباه من زكاته يقضي دينه » فيه إشارة إلى الوجه الأوّل .
وأمّا الوجه الثاني ففي صحيحة زرارة : « وإن لم يكن أورثه مالا لم يكن أحد أحقّ بزكاته من دين أبيه » . (2)
* صورة المسألة :
نفترض انّ زيدا مديون لعمرو، وهو دائن، وهو في الوقت نفسه مديون لخالد الذي عليه الزكاة، فيجوز عندئذ أن يحيل الدائن ( عمرو) دينه لخالد الذي هو صاحب الزكاة إلى زيد الذي هو المديون .
فهناك محيل وهو الدائن ( عمرو) ومحال عليه وهو ( المديون) ، فإذا قبل خالد تلك الحوالة ينتقل الدين من ذمّة عمرو إلى ذمّة زيد، فيكون زيد هو المديون وخالد هو الدائن، وبما انّ عليه الزكاة يصحّ له احتساب دينه من الزكاة، فيكون

1الوسائل : 6، الباب 18 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 2.
2الوسائل : 6، الباب 18 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1.

صفحه 164
من مصاديق المسألة 24 حيث قال : « لو كان دين الغارم لمن عليه الزكاة جاز له احتسابه عليه » .
وبذلك يظهر انّ معنى قول المصنّف : جاز له إحالته على الغارم، أي جاز للديان ( حسب تعبيرنا الدائن) إحالة من عليه الزكاة على الغارم ثمّ يحسب من عليه الزكاة على الغارم .
ويظهر من صاحب الجواهر انّه يصحّح الاحتساب بصور ثلاث قال : وهو كذلك إذا كان قد حوّله به، أو أذن له في احتسابه على جهة الوفاء له عمّا عليه، بل له احتساب ما على الديّان زكاة وفاء له عمّا له في ذمّة الفقير . (1)
أمّا الأوّل فهو الذي ذكره بقوله : « وهو كذلك إذا كان قد حوّله به » وهذا هو الذي ذكره المصنّف في المتن .
الثاني : ما أشار إليه بقوله : « أذن له في احتسابه على جهة الوفاء له عمّا عليه » .
وحاصله : أن يأذن الدائن لمن عليه الزكاة في احتساب ما في ذمّة الغارم زكاة عوضا عمّا في ذمة الدائن لمن عليه الزكاة، وهذا ما سكت عنه المصنّف، وإنّما أشار إلى الوجه الثالث وهو أن يحتسب من عليه الزكاة ما، له في ذمّة الدائن زكاة ويجعله وفاء لما في ذمّة الفقير للدائن، وهذا هو الذي جوّزه المصنّف وإن قال :
الأحوط أن يكون ذلك بعد الإحالة .
وجهه - كما في المستمسك -: إلحاقا للاحتساب بالأداء، فكما يجوز الأداء للدائن وفاء عمّا في ذمّة الغارم، يجوز احتساب ما في ذمّته كذلك، لما يستفاد من النصوص من أنّ الاحتساب بمنزلة الإعطاء حتّى في مثل هذا الفرض . (2)

1الجواهر : 15 / 364 ـ 365.
2المستمسك: 9 / 265 .

صفحه 165
وبعبارة أخرى : انّ الاحتساب كالإعطاء فكما يجوز إعطاء الزكاة للدائن وفاء عمّا في ذمّة الغارم، كذلك يجوز احتساب الدين الذي يملكه صاحب الزكاة عنها، سواء ملكه في ذمّة الغارم مباشرة - فيما لو كان الغارم مدينا لنفس المزكّي - أم ملكه في ذمّة من يكون الغريم مدينا له، وعندئذ يحصل التهاتر القهري على الثاني . (1)
لأنّ احتساب ما في ذمّة الدائن للمزكّي، زكاة يوجب براءة الذمم الثلاث، إذ احتسابه زكاة يلازم فراغ ذمّة المزكّي أوّلا، وفراغ ذمّة المزكّي من الزكاة يلازم براءة ذمّة الداين له ثانيا، إذ لا تجتمع المحاسبة مع كون الدائن مديونا للمزكّي أيضا، كما يلازم سقوط ذمّة الغارم للدائن، في مقابل براءة ذمّته للمزكّي ثالثا .
وربما يقال : صرف الزكاة في الدين عبارة عن احتساب ما في ذمّة الغارم لصاحب الزكاة من دين، زكاة، وهذا غير متحقّق في المقام، لأنّ المفروض في كلتا الصورتين هو احتساب من عليه الزكاة ماله في ذمّة الدائن زكاة ثمّ جعله وفاء لما في ذمّة الفقير للدائن، ومثل هذا الاحتساب خارج عن النص .
والحاصل : انّه لو كان الغارم مدينا لنفس المزكّي يصدق انّه صرف زكاته في قضاء الدين، وأمّا إذا كان الغارم مديونا لغير من عليه الزكاة فلا يصدق احتساب من عليه الزكاة ما له في ذمّة الديان، صرف الزكاة في الغارمين وإن جعل ذلك الاحتساب وفاء لما في ذمّة الفقير بالنسبة للديان . والقدر المتيقّن الذي دلّت النصوص المتقدّمة عليه إنّما هو احتساب صاحب الزكاة دينه الذي على ذمّة الغارم زكاة . وأمّا الدين الذي له على ذمّة شخص آخر فلا دليل على احتسابه منها، إلاّ بعد صدور عملية الحوالة المتقدّمة وانتقال الدين إلى ذمّة الغريم مباشرة

1مستند العروة الوثقى : 24 / 108.

صفحه 166
المسألة 28 : لو كان الدين للضمان عن الغير تبرّعا لمصلحة مقتضية لذلك مع عدم تمكّنه من الأداء وإن كان قادرا على قوت سنته يجوز الإعطاء من هذا السهم، وإن كان المضمون عنه غنيّا . *
............................................................................................
حسبما عرفت . (1)
يلاحظ عليه : أنّ ما ذكره دقّة عقلية حيث لا يرى العقل ذلك النوع من الأداء، صرفا له في أداء دين الغارم مباشرة، ولكنّه في نظر العرف يعدّ صرفا للزكاة في الغارمين، حيث إنّه بعمله هذا فكّ ذمّة الغارم عن الدين للدائن ( أو الديّان حسب تعبير المصنّف) . فكما أنّه لو أخذ ما يملكه في ذمّة الدائن ثمّ دفعه إليه وفاء عن دين الغارم يصدق انّه صرفه في الغارمين، فهكذا إذا احتسبه بلا عملية الأخذ والدفع، أو الحوالة فيصدق على الجميع صرف الزكاة للدين الغارم عرفا .
* القيود المأخوذة في المسألة عبارة :
الف : إذا استدان للضمان عن الغير تبرعا من دون إذن المضمون، عنه فلا يمكن له الرجوع إليه بعد الأداء .
ب : أقدم على الضمان لمصلحة شخصية جزئيّة لا يعدّ فوق شأنه .
ج : عجز عن الأداء وإن كان مالكا لقوت سنته ولم يكن فقيرا شرعا .
د : كان الضمان في غير طريق المعصية والسرف، وكان على المصنّف أن يذكره، لكنّه تركه اعتمادا على ما ذكره من الضابطة .
فيجوز قضاء دينه من سهم الغارمين لإطلاق الآية والرواية، سواء كان

1ويكون المورد من مصاديق المسألة 25، أعني قوله : لو كان الدين لغير من عليه الزكاة يجوز وفاؤه عنه بما عنده منها ولو بدون اطّلاع الغارم.

صفحه 167
المضمون عنه فقيرا أو غنيا، لأنّ ضمانه تبرّعي لا يرجع إليه بعد الأداء، ففقره وغناه لا يؤثران في ذلك .
وإلى هذا القسم أشار الشيخ في « المبسوط » وقال : وأمّا الغارمون فصنفان :
صنف استدانوا في مصلحتهم ومعروف في غير معصية ثمّ عجزوا عن أدائه، فهؤلاء يعطون من سهم الغارمين بلا خلاف . (1)
وقال في « الخلاف » : خمسة أصناف من أهل الصدقات لا يعطون إلاّ مع الفقر بلا خلاف، هم : الفقراء والمساكين والرقاب والغارم في مصلحة نفسه وابن السبيل المنشئ لسفره . (2)
وأشار إليه العلاّمة في « التذكرة » وقال : الغارمون صنفان : أحدهما من استدان في مصلحته ونفقته . . . . (3)
ويظهر من الكلمات تسالمهم على الحكم، وانّه يدفع مع الفقر، لا مع الغنى .

1المبسوط : 1 / 251.
2الخلاف : 4/237، كتاب الصدقات، المسألة 23.
3التذكرة : 5/258، المسألة 173 من كتاب الزكاة.

صفحه 168
المسألة 29 : لو استدان لإصلاح ذات البين كما لو وجد قتيل لا يدرى قاتله وكاد أن يقع بسببه الفتنة فاستدان للفصل، فإن لم يتمكّن من أدائه جاز الإعطاء من هذا السهم، وكذا لو استدان لتعمير مسجد أو نحو ذلك من المصالح العامّة، وأمّا لو تمكّن من الأداء فمشكل . نعم لا يبعد جواز الإعطاء من سهم سبيل اللّه وإن كان لا يخلو عن إشكال أيضا، إلاّ إذا كان من قصده حين الاستدانة ذلك . *
............................................................................................
* الفرق بين المسألتين مع اشتراكهما في أغلب القيود، هو أنّ الاستدانة في المسألة السابقة كانت تبرعا لمصلحة شخصية، لكنّها في المقام لمصلحة دينية اجتماعية، ولا شكّ انّه يجوز الدفع من سهم الغارمين، إنّما الكلام في أنّه هل يشترط العجز عن الأداء كالمسألة السابقة، أو لا بل يدفع مع غناه إذا كانت الاستدانة لمصالح عامّة؟
قال الشيخ في « المبسوط » : وقد ألحق بهذا قوم أدانوا مالا في دم بأن وجد قتيل لا يدرى من قتله وكاد تقع بسببه فتنة، فتحمّل رجل ديته لأهل القتيل، فهؤلاء يعطون أغنياء كانوا أو فقراء، لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): « لا تحلّ الصدقة لغني إلاّ لخمس. . . في سبيل اللّه، أو عامل أو غارم » وألحق به أيضا قوم تحمّلوا ضمان مال بأن يتلف مال الرجل ولا يدري من أتلفه وكاد أن يقع بسببه فتنة، فتحمّل رجل قيمته واطفأ الفتنة . (1)
وقال في التذكرة : ( القسم الثاني من الغارمين) : من تحمّل حمالة لإطفاء الفتنة، وسكون نائرة الحرب بين المتقاتلين، وإصلاح ذات البين، وهو قسمان :

1المبسوط : 1 / 251.

صفحه 169
أحدهما : أن يكون قد وقع بين طائفتين فتنة لقتل وجد بينهما، فيتحمّل رجل ديته لإصلاح ذات البين، فهذا يدفع إليه من الصدقة ليؤدّي ذلك، لقوله تعالى : (وَ اَلْغارِمِينَ). ولا فرق بين أن يكون غنيا أو فقيرا لقوله(عليه السلام): « لا تحلّ الصدقة لغنيّ إلاّ لخمس : غاز في سبيل اللّه، أو عامل عليها، أو غارم . . . » .
الثاني : أن يكون سبب الفتنة إتلاف مال ولا يعلم من أتلفه وخشي من الفتنة، فتحمّل ذلك المال حتى سكنت النائرة، فإنّه يدفع إليه من سهم الغارمين، لصدق اسم الغرم عليه، وللحاجة إلى إصلاح ذات البين، وهو أصحّ وجهي الشافعية . (1)
لا كلام انّه يعطى مع الفقر، إنّما الكلام في الإعطاء مع الغنى، وما استدلّ من الرواية غير وارد في أصولنا على النحو المذكور، بل الوارد هو صدر الحديث : « انّ الصدقة لا تحلّ لغني » (2) نعم رواه في « المستدرك » عن « دعائم الإسلام » (3)ولا يحتجّ بأحاديثه .
وكيف يمكن التمسّك بإطلاق قوله : « إلاّ لخمس، . . . أو غارم » وإلاّ يلزم جواز أداء ديون أثرياء العالم من هذا السهم وإن لم يصرفه في المصالح العامّة أو إصلاح ذات البين؟ !
ويمكن أن يقال : إذا كان المستدين ممّن خوّلت إليه إدارة المجتمع كالفقيه الجامع للشرائط، وكانت في الاستدانة مصلحة كبيرة، وفي تركها فساد عظيم، يدخل المورد في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في نطاق واسع يختصّ

1التذكرة : 5 / 259.
2الوسائل : 6، الباب 8 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 3 .
3 . المستدرك:7، الباب 27 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 2.

صفحه 170
بأقوياء الأمّة - كما في بعض روايات ذلك الباب -. (1)
ومن الواضح انّ ديون الإمام ومن قام مقامه تؤدّى من بيت المال، زكاة كانت أو غيرها، ولو فرض الولاء لعدول المؤمنين فيما إذا لم يكن هناك فقيه جامع للشرائط يكون استدانتهم كاستدانة الإمام أو الفقيه الجامع للشرائط، من غير فرق بين كونه غنيا أو فقيرا، لأنّه لم يستدن لصالح شخصه، بل لصالح الإسلام ومصالح المسلمين فتكون الأمّة هي المسؤولة .

الإعطاء من سهم سبيل اللّه

قد عرفت قوة جواز الإعطاء من سهم الغارمين غير أنّ من استشكل فيه حاول حلّ الإشكال عن طريق آخر وهو الإعطاء من سهم سبيل اللّه، من غير فرق بين قصده الأداء من ماله تبرعا أو من الزكاة بناء على أنّ المراد من سبيل اللّه كلّ عمل قربي، وأيّ عمل قربي أوضح من إطفاء نائرة الحرب وسفك الدماء، ومع ذلك فقد أورد عليه المحقّق الخوئي بأنّ الموضوع سهم سبيل اللّه هو الصرف فيه، وأمّا المقام فالزكاة لا تصرف في سبيله، بل تصرف في تسديد دين كان هو المصروف في سبيل اللّه من غير فرق بين الصورتين، لأنّ القصد لا يغيّر الواقع ولا يحصل غير الجائز جائزا .
يلاحظ عليه : بما سبق ذكره انّه دقّة عقلية، فانّ للبدل حكم المبدل، فإذا كان المبدل مصروفا في سبيل اللّه وهو كلّ عمل قربي، فالبدل القائم مقامه يكون حكمه حكمه . ولو صرف الزكاة من بدء الأمر في هذا المورد تصدق انّه صرفه في

1الوسائل : الجزء 11، الباب 2 من أبواب الأمر بالمعروف، الحديث 11 . وفيه « إنّما هو على القويّ المطاع » .

صفحه 171

في سبيل اللّه

السابع : سبيل اللّه، وهو جميع سبل الخير كبناء القناطر والمدارس والخانات والمساجد وتعميرها، وتخليص المؤمنين من يد الظالمين، ونحو ذلك من المصالح كإصلاح ذات البين، ودفع وقوع الشرور والفتن بين المسلمين، وكذا إعانة الحجّاج والزائرين وإكرام العلماء والمشتغلين مع عدم تمكّنهم من الحجّ والزيارة والاشتغال ونحوها من أموالهم، بل الأقوى جواز دفع هذا السهم في كلّ قربة، مع عدم تمكّن المدفوع إليه من فعلها بغير الزكاة، بل مع تمكّنه أيضا، لكن مع عدم إقدامه إلاّ بهذا الوجه . *
............................................................................................
سبيله، فهكذا إذا استدان لتلك الغاية، فيقوم البدل مقام المبدل في الصدق العرفي .
نعم هنا كلام وهو أنّ قضاء مثل هذا الدين من سهم « سبيل اللّه » مبني على صدقه لكلّ عمل قربي كما عليه صاحب الجواهر(قدس سره)وسيوافيك بيانه .
* اتّفق المسلمون على أنّ سبيل اللّه أحد المصارف الثمانية للزكاة تبعا للذكر الحكيم والسنّة القطعية، وسيرة المسلمين، إنّما الكلام في تحديد مفهومه من حيث السعة والضيق فهنا أقوال :
الأوّل : انّ المراد منه الجهاد في سبيل اللّه، وعليه أكثر أهل السنّة ولفيف من فقهائنا .
وقال الخرقي في متن المغني : وسهم في سبيل اللّه، وهم الغزاة يعطون ما

صفحه 172
يشترون به الدواب والسلاح وما يدفعون به عمل العدوّ، إن كانوا أغنياء . (1)
وقال الماوردي : والسهم السابع سهم سبيل اللّه تعالى، وهم الغزاة يدفع إليهم من سهمهم قدر حاجتهم في جهادهم، فإن كانوا يرابطون في الثغر دفع إليهم نفقات ذهابهم وما أمكن من نفقات مقاماتهم . (2)
وقد نسب صاحب الحدائق هذا القول إلى الصدوق والمفيد والشيخ من أصحابنا والنسبة صحيحة . (3)
قال الصدوق في « الفقيه » : وسبيل اللّه هو الجهاد . (4)
وقال الشيخ المفيد في « المقنعة » : وفي سبيل اللّه وهو الجهاد . (5)
وقال الشيخ في « النهاية » : وفي سبيل اللّه وهو الجهاد . (6)
وقد تبعهم غيرهم كسلاّر في مراسمه (7) والحلبي في « إشارة السبق » .
وفي الأخير : وفي سبيل اللّه وهو الجهاد الحقّ . (8)
غير انّ هذا القول وإن كان غير شاذ لكن الأكثر ذهبوا إلى خلافه .
الثاني : عطف الحج على الجهاد نقله الشيخ عن أحمد، قال : سبيل اللّه يدخل فيه الغزاة في الجهاد والحاج . (9)
قال الخرقي : ويعطى أيضا في الحجّ وهو في سبيل اللّه . (10)
وقال ابن قدامة في شرحه : يروى هذا عن ابن عباس، وعن ابن عمر : الحجّ في سبيل اللّه، وهو قول إسحاق لما روي أنّ رجلا جعل ناقة له في سبيل اللّه فأرادت

1المغني : 7 / 322.
2الأحكام السلطانية، للماوردي : 822.
3الحدائق : 12 / 196.
4الفقيه : 2/3، الباب 1 من أبواب الزكاة، ذيل الحديث الرابع.
5المقنعة : 241 .
6النهاية : 184.
7المراسم : 132 .
8إشارة السبق : 112 .
9الخلاف : 4/236، كتاب الصدقات، المسألة 21 .
10المغني : 7 / 326.

صفحه 173
امرأته الحج، فقال لها النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): اركبيها فانّ الحجّ في سبيل اللّه . (1)
وقال القرطبي في تفسيره : وفي سبيل اللّه، وهم الغزاة وموضع الرباط يعطون ما ينفقون في غزوهم كانوا أغنياء أو فقراء . وهذا قول أكثر العلماء، وهو تحصيل مذهب مالك، وقال ابن عمر : الحجاج والعمّار، ويؤثر عن أحمد وإسحاق انّهما قالا : سبيل اللّه الحجّ . (2)
ولم نجد في كلمات أصحابنا من يحصره في الحجّ، نعم الإحجاج من مصارف سبيل اللّه، كما سيوافيك في الروايات وفي كلام الشيخ في الخلاف والاقتصاد والمبسوط .
الثالث : مصالح المسلمين والأعمال التي يعود نفعها إلى المجتمع الإسلامي، فيخرج قضاء الديون، ومساعدة الزائرين .
قال الشيخ في « الخلاف » : سبيل اللّه يدخل فيه الغزاة في الجهاد والحج وقضاء الديون عن الأموات وبناء القناطر وجميع المصالح . (3)
ولولا قوله : « وقضاء الديون عن الأموات » لاختصّ بالمصالح العامّة، ولكن ذكره في عداد ذلك يعرب عن سعة الموضوع عنده .
وقريب من ذلك كلامه في « المبسوط » ، قال : ويدخل في سبيل اللّه : مؤونة الحاج، وقضاء الديون عن الحي والميت، وجميع سبل الخير والمصالح، ويدخل فيه معونة الزوّار والحجيج وعمارة المساجد والمشاهد وإصلاح القناطر، وغير ذلك من المصالح . (4)

1المغني : 7 / 327.
2تفسير القرطبي : 8 / 185.
3الخلاف : 4/236، كتاب الصدقات، المسألة 21.
4المبسوط : 1 / 252.

صفحه 174
وقال في « الاقتصاد » : وفي سبيل اللّه، وهو الجهاد ويدخل فيه جميع مصالح المسلمين . (1)
وقال ابن البراج : أمّا سبيل اللّه، فهو الجهاد وما فيه صلاح للمسلمين، مثل عمارة الجسور والقناطر وما جرى مجرى ذلك . (2)
وعبارة هذين الفقيهين صريحة في القول الثالث وسيأتي انّه أيضا خيرة المحقّق البروجردي في تعليقته وقال : المصالح العامّة الدينية .
وقال المحقّق في « الشرائع » : وفي سبيل اللّه، وهو الجهاد، وقيل : يدخل فيه المصالح كبناء القناطر والحجّ ومساعدة الزائرين وبناء المساجد وهو الأشبه . (3) إلى غير ذلك من الكلمات التي تركز أكثر الأمثلة على أنّ المراد المصالح العامة لا المصالح الشخصية فيخرج قضاء الديون أو مساعدة الزائرين عن ذلك .
الرابع : ما اختاره صاحب الجواهر كلّ وسيلة إلى تحصيل رضا اللّه، وعلى ذلك فكلّ عمل قربي يرجى به الثواب، قال : إذ السبيل هو الطريق فإذا أضيف إلى اللّه سبحانه كان عبارة عن كلّ ما يكون وسيلة إلى تحصيل رضا اللّه وثوابه، فيتناول الجهاد وغيره . (4)
وعلى ذلك فكلّ عمل قربي، كتزويج العزاب، والإنفاق على الأيتام وما يشابههما يعدّ من سبيل اللّه .
الخامس : ما يستفاد من الآيات من أنّ المراد، « سبيل دين اللّه » فتصرف الزكاة في كلّ ما فيه دعم لدين اللّه وإقامة لدعائمه كبناء المساجد ونشر الكتب وغيرها، وهذا احتمال خامس لم يذكره الأصحاب .

1الاقتصاد : 282.
2المهذب : 1 / 169.
3الشرائع : 1 / 162.
4الجواهر : 15 / 368.

صفحه 175
هذه هي الوجوه الخمسة التي يمكن تحصيلها من الإمعان في العبارات المفسّرة لسبيل اللّه الوارد في آية الزكاة .
أقول : إنّ تحقيق الحقّ يرجع إلى دراسة الآيات الواردة فيها لفظة « سبيل اللّه » أوّلا، ودراسة الروايات الواردة حول الآية ثانيا .
لا شكّ انّ لفظة « سبيل اللّه » وردت في مورد الجهاد كثيرا، لكنّها ليست دليلا على كونها موضوعا للجهاد في سبيل نشر الدين، ومن فسره به ونفى غير ذلك فقد خلط بين المفهوم والمصداق، فالجهاد من أحد مصاديقه لا انّه هو الموضوع له .
ومن حسن الحظ انّ أكثر الآيات التي أريد فيها من « سبيل اللّه » الجهاد مقرونة بالقرائن، مثل قوله : « قاتلوا » أو « جاهدوا » إلى غير ذلك، قال سبحانه : (وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اَللّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَ لكِنْ لا تَشْعُرُونَ )(1) .
وفي الوقت نفسه استعمل في سبيل اللّه وأريد منه غير الجهاد بوفرة، نذكر من ذلك شيئا قليلا :
1 . (اَلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اَللّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَ لا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ)(2) أي لا يتبعون على المنفق عليه بقولهم مثلا قد أحسنت إليه وجبرت حاله، ولا يذكرون ذلك إلى من لا يحب وقوفه عليه ونحوه، ومن المعلوم أنّ المن والأذى يتصوّر في الإنفاق على الفقراء لا الإنفاق في الجهاد، إذا المنفق عليه في الجهاد جيش المسلمين، وكيف
يتمكّن الإنسان من أذاهم والمنّ عليهم؟ !
2 . قال سبحانه : (يَسْئَلُونَكَ عَنِ اَلشَّهْرِ اَلْحَرامِ قِتال فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ

1البقرة : 154.
2البقرة : 262.

صفحه 176
وَ صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اَللّهِ وَ كُفْرٌ بِهِ وَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرامِ). (1)
والمراد من سبيل اللّه هو سبيل دينه لا الجهاد، لأنّ الجهاد فيه حرام، وقد رتّب على القتال في الشهر الحرام أمورا أربعة :
الأوّل : انّ القتال فيه كبير، أي عظيم وزرا .
الثاني : وصدّ للناس عن سبيل اللّه، أي سبيل دينه، وليس المراد هو الحجّ، لأنّه ورد في الأمر الرابع .
الثالث : وكفر باللّه .
الرابع : وصدّ عن المسجد الحرام .
3 . (قُلْ يا أَهْلَ اَلْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اَللّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً
وَ أَنْتُمْ شُهَداءُ وَ مَا اَللّهُ بِغافِل عَمّا تَعْمَلُونَ)(2) .
ومعنى الآية لم تصرفون من آمن عن سبيل اللّه، أي دينه، وأنتم تطلبون سبيلا عوجا معوجا مائلا عن الحقّ .
4 . (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اَللّهِ )(3) .
والمراد من سبيل اللّه هو سبيل دينه، والمراد الهجرة لأجل اعتناق الإسلام اعتناقا صحيحا .
5 . وقال سبحانه : (وَ مَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اَللّهِ يَجِدْ فِي اَلْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً)(4) والمراد سبيل دينه .
6 . قال سبحانه : (وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَ رِئاءَ اَلنّاسِ

1البقرة : 217.
2آل عمران : 99.
3النساء : 89.
4النساء : 100.

صفحه 177
وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اَللّهِ). (1)
والآية ناظرة إلى قريش حيث خرجوا لقتال المسلمين وصدّ الناس عن دين اللّه .
إلى غير ذلك من الآيات التي تدلّ على أنّ المراد سبيل دينه، وهذا المعنى أخصّ ممّا ذهب إليه صاحب الجواهر أي كلّ ما فيه مرضاة اللّه، فإنّ في تزويج العزّاب والإنفاق على الأيتام رضا الربّ ومرضاته ولكن لا يعدّ الإنفاق عليهما إنفاقا في سبيل دين اللّه .
فتحصّل من ذلك : انّ المتبادر من قوله : « في سبيل اللّه » حسب هذه الآيات وغيرها ممّا لم نذكر(2) هو سبيل دينه .
وعلى ذلك يكون مصرف هذا السهم كلّ ما فيه تشييد للدين ونشر له وتعضيد للشريعة، كبناء المدارس العلمية ونشر الكتب الدينية وتربية الناشئين لتبليغ الدين وبناء المساجد إلى غير ذلك ممّا يرجع نفعه إلى دين اللّه . وعلى ذلك فتخرج المصالح العامة التي لا تمت إلى دينه سبحانه بصلة كبناء المستشفيات
والقناطر، فضلا عمّا فيه مصالح شخصية كقضاء الديون والإنفاق على الأيتام وغير ذلك .
وهنا احتمال خامس لم يذكره الأصحاب، والجزم به رهن عدم العمومية في الروايات ومعاقد الإجماع والشهرة .
هذا هو حسب الذكر الحكيم، فلنرجع إلى الروايات فلو استفدنا منها ما هو أوسع من ذلك وإلاّ فلنقتصر على ما ذكرنا، والروايات على قسمين :
1 . ما يستفاد منه انّه عبارة عن صرف الزكاة في الجهاد والحجّ .
2 . ما يدلّ على أنّ الموضوع أوسع من ذلك . وإليك القسمين :

1الأنفال : 47.
2لاحظ النحل : 94; الحج : 9; ص : 26; المنافقون : 2 .

صفحه 178

أ . ما هو ظاهر في الجهاد والحج

1 . روى المشايخ الثلاثة بأسانيدهم عن سهل بن زياد، عن محمد بن الوليد، عن يونس بن يعقوب انّ رجلا كان بهمدان ذكر انّ أباه مات وكان لا يعرف هذا الأمر فأوصى بوصية عند الموت، وأوصى أن يعطى شيء في سبيل اللّه، فسئل عنه أبو عبد اللّه(عليه السلام)كيف نفعل، وأخبرناه أنّه كان لا يعرف هذا الأمر، فقال : « لو أنّ رجلا أوصى إليّ أن أضع في يهودي أو نصراني لوضعته فيهما، انّ اللّه تعالى يقول : (فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى اَلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ)(1) فانظروا إلى من يخرج إلى هذا الأمر - يعني : بعض الثغور - فابعثوا به إليه » . (2)
وربما يستدلّ بها على كونه منحصرا في الجهاد، غير أنّ الاستدلال ضعيف، بل الرواية على الخلاف أدلّ، وذلك لأنّ تخصيص الإمام المال بالجهاد لأجل أنّ الموصي كان غير عارف والمشهور عندهم هو انّ سبيل اللّه هو الجهاد، فكأنّه أوصى بصرف المال في الجهاد ولا محيص عن تنفيذ الوصية، ولولا هذا لما ألزمه الإمام بالصرف فيه فقط، وانّ الباعث للحصر هو الوصية، ويشير إلى ذلك قوله : « لو انّ رجلا أوصى إليّ أن أضع في يهودي أو نصراني لوضعته فيهما » .
2 . ما رواه الصدوق عن محمد بن سليمان، عن الحسين بن عمر قال : قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): إنّ رجلا أوصى إليّ بمال في السبيل، فقال لي : اصرفه في الحجّ، قلت : أوصى إليّ في السبيل، فقال : « اصرفه في الحجّ فإنّي لا أعلم سبيلا من سبله أفضل من الحجّ » . (3)
ولكنّه ليس دليلا على الحصر، بل دليلا على أنّه أفضل السبل .

1 . البقرة: 181.
2الوسائل : 13، الباب 33 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 4 .
3الوسائل : 13، الباب 33 من أحكام الوصايا، الحديث 2 .

صفحه 179
روى الصدوق باسناده عن علي بن يقطين، أنّه قال لأبي الحسن الأوّل(عليه السلام): يكون عندي المال من الزكاة أفأحجّ به موالي وأقاربي، قال : « نعم لا بأس » . (1)
غير أنّ الرواية لا تدلّ على الحصر وإنّما تدلّ على أنّ الحجّ من أحد مصاديقه . والرواية وإن خلت عن لفظة « سبيل اللّه » لكنّه معلوم بالقرائن، إذ لا يعطى الفقير من الزكاة أزيد من مؤونته . ومثله غيره (2)، إذ ليس فيه شيء يشير إلى أنّ الدفع من باب الفقر .
إلى هنا تبيّن انّ الجهاد والحجّ من سبل اللّه، إنّما الكلام في الأوسع من ذلك ويمكن أن يستفاد من الروايات التالية وإن كان بعضها سقيم .

ب : ما يدلّ على أنّ المراد كلّ سبل الخير

1 . ما رواه علي بن إبراهيم في تفسيره عن العالم(عليه السلام).
« وفي سبيل اللّه : قوم يخرجون في الجهاد وليس عندهم ما يتقوّون به، أو قوم من المؤمنين ليس عندهم ما يحجّون به، أو في جميع سبل الخير، فعلى الإمام أن يعطيهم من مال الصدقات حتى يقووا على الحجّ والجهاد » . (3)
ولو صحّت الرواية لعمّ جميع سبل الخير، غير أنّ « تفسير القمّي » لا يحتجّ به .
2 . ما رواه الحسن بن راشد، قال : سألت أبا الحسن العسكري(عليه السلام)بالمدينة عن رجل أوصى بمال في سبيل اللّه؟ قال : « سبيل اللّه شيعتنا » . (4)

1الوسائل : 6، الباب 42 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1 . وبهذا المضمون الحديث 2 و 3 و 4 .
2الوسائل : 6، الباب 42 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1 . وبهذا المضمون الحديث 2 و 3 و 4.
3الوسائل : 6، الباب 1 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 7 .
4الوسائل : 13، الباب 33 من أبواب الوصايا، الحديث 1 .

صفحه 180
وفي السند محمد بن عيسى بن عبيد وهو ثقة، عن الحسن بن راشد، وهو المكنّى بأبي علي مولى لآل المهلب وقد وثّقه الشيخ في رجاله، فالسند معتبر .
والمراد هو رفع حوائج الشيعة، المشروعة، وهو نفس سبل الخير كلّه .
3 . وفي « فقه الرضا(عليه السلام)» : ومن أوصى بماله أو ببعضه في سبيل اللّه من حجّ أو عتق أو صدقة أو ما كان من أبواب الخير، فانّ الوصية جائزة لا يحلّ تبديلها . (1)
4 . وفي « دعائم الإسلام » عن جعفر بن محمد(عليه السلام)أنّه قال : « وفي سبيل اللّه في الجهاد والحجّ، وغير ذلك من سبل الخير » . (2)

حجّة القول الرابع

قد تعرّفت على الأقوال الأربعة، مضافا إلى ما يستفاد من القرآن من أنّ المراد هو سبيل دينه وتشييد شريعته ونشره بين الناس .
أمّا القولان الأوّلان - أعني : اختصاصه بالجهاد، أو الحجّ - فقد عرفت أنّ الروايات لا تدلّ على الاختصاص، وإنّ تطبيق العنوان عليهما كونه مقصود الموصي، أو لكونه أفضل الأفراد، أمّا الاختصاص بها فلا دليل عليه .
فيدور الأمر بين القول الثالث الذي هو خيرة المحقّق البروجردي - أعني : المصالح العامة الدينيّة - والقول الرابع الشامل لعامة القربيّات، فيمكن ترجيح القول الرابع بالوجوه التالية :
1 . ما مرّ من الروايات، فإنّ أكثرها وإن كانت ضعيفة إلاّ رواية الحسن بن

1فقه الرضا : 298.
2مستدرك الوسائل . 7/105، الباب 1 من أبواب المستحقين للزكاة، الحديث 13 .

صفحه 181
راشد فهي صحيحة، وغيرها يعضد بعضها بعضا .
2 . الشهرة المحقّقة بين المتأخرين، بل في « الخلاف » و« الغنية » الإجماع عليه .
3 . السبيل هو الطريق، فإذا أضيف إلى اللّه سبحانه كان عبارة عن كلّ ما يكون وسيلة إلى تحصيل رضا اللّه وثوابه، فيتناول كلّ خير قربي .
ولأجل ذلك قوّاه صاحب الجواهر وقال : الأقوى عمومه لكلّ قربة، فيداخل حينئذ جميع المصارف ويزيد عليها، وإنّما يفارقها في النية، ضرورة شموله لجميع القرب من بناء خانات وتعمير روضة أو مدرسة أو مسجد أو إحداث بنائها، أو وقف أرض أو تعميرها، أو وقف كتب علم أو دعاء ونحوها، أو تزويج
عزاب أو غيرهم، أو تسبيل نخل أو شجر أو ماء أو مأكول أو شيء من آلات العبادة، أو إحجاج أحد أو إعانة على زيارة أو في قراءة أو تعزية، أو تكرمة علماء أو صلحاء أو نجباء، أو إعطاء أهل الظلم والشر لتخليص الناس من شرّهم وظلمهم، أو إعطاء من يدفع ظلمهم ويخلص الناس من شرّهم، أو بناء ما يتحصّن به المؤمنون عنهم، أو شراء الأسلحة لدفاعهم، أو إعانة المباشرين لمصالح المسلمين من تجهيز الأموات أو خدمة المساجد والأوقاف العامة أو غير ذلك . (1)

حجّة القول الثالث

قد استدلّ على هذا القول بأنّ قوله : « في سبيل اللّه » يصدق على المصالح العامة والجهاد والحج، ولكنّه لا يصدق على القربات الشخصية كتزويج العزاب

1الجواهر : 15 / 370.

صفحه 182
مثلا . وقيل في تقريب ذلك :
إنّ الظاهر من « سبيل اللّه » هو ما كان كذلك بالحمل الشائع لا بمجرّد قصد القربة، من حيث إعانة المؤمن وإدخال السرور في قلبه ونحو ذلك .
والمصالح العامة كالمساجد والقناطر ونحوه، تعدّ من السبيل والجهاد والحج كذلك .
وأمّا الأشخاص فيشكل فيهم الأمر، إذ فرق بين أن يعطى من الكسوة الطعام للشخص قربة إلى اللّه تعالى وبين أن يصرف شيء في سبل اللّه قربة إليه، فمن صرف مالا في تزويج شخص أو أعطى له مالا لأن يتزوج وقصد بذلك القربة، فقد سلك سبيل الخير وحصل له الأجر، لكن حيث لا يعدّ التزويج من
سبيل اللّه تعالى، فلم يصرف المال في ذلك . (1)
وحاصل كلامه : انّ تزويج العزّاب صرف الزكاة في سبيل الأشخاص، بخلاف بناء المساجد فانّه صرف الزكاة في سبيل اللّه سبحانه دون الأشخاص .
يلاحظ عليه : أوّلا : بالنقض بالإحجاج، فانّه إحسان في حقّ الشخص لأن يحجّ، وليس صرفا لها في سبيل اللّه سبحانه، مع تضافر الروايات على أنّ الإحجاج من مصاريفه .
وثانيا : إذا فسّر « سبيل اللّه » بالسبيل الذي فيه رضاه، فلا فرق بين المصالح الفردية أو العامّة، فالقول الرابع هو الأقوى .
وأمّا الاحتمال الخامس - أعني : سبيل دينه وما فيه تشييد وتعضيد لشريعته- فهو الأحوط، لولا الدليل على كفاية كلّ ما فيه رضاه سبحانه، سواء كان في طريق تعضيد الدين أو لا .

1كتاب الزكاة للسيد الميلاني : 3 / 128.

صفحه 183

هل يشترط الحاجة في سبيل اللّه؟

إنّ المرتكز في الأذهان هو انّ الزكاة شرعت لرفع الحاجات، وعلى ذلك يقع الكلام في أنّه هل يشترط الحاجة في صرف الزكاة في سبيل اللّه كإحجاج الغني، أو دفع الزكاة إلى الأثرياء للجهاد في سبيل اللّه أو لا؟ وجوه :

1 . جواز دفعها إلى الغازي الغني

يظهر من العلاّمة وغيره جواز صرف الزكاة في الغازي الغني قال :
لا يشترط في الغازي الفقر، وبه قال الشافعي للعموم، ولأنّه كالأجرة، وكذا الغارم لإصلاح ذات البين .
وقال أبو حنيفة : يشترط، لقوله(عليه السلام): أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم فأردّها في فقرائكم .
وهو لا يقتضي اختصاصها بالفقراء، وينتقض بابن السبيل، فإنّه يعطى وإن كان غنيا في بلده، قادرا على الاستدانة في سفره ومعارض بعموم(وَ فِي سَبِيلِ اَللّهِ)وبما رووه عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): « لا تحلّ الصدقة لغني إلاّ لثلاثة » وذكر من جملتهم الغازي . (1)

2 . اشتراط الفقر في الغازي والحاج

واختار الشهيد الثاني اشتراط الفقر، قال : ويجب تقييده بما لا يكون فيه معونة لغني مطلق بحيث لا يدخل في شيء من الأصناف الباقية فيشترط في الحاج والزائر، الفقر، أو كونه ابن سبيل أو ضيفا، والفرق بينهما حينئذ وبين الفقراء انّ

1التذكرة : 5 / 280 ـ 281.

صفحه 184
الفقير لا يعطى الزكاة ليحجّ بها من جهة كونه فقيرا ويعطى لكونه في سبيل اللّه . (1)

3 . اشتراط الحاجة دون الفقر

وهناك احتمال ثالث وهو انّه لا يشترط الفقر بمعنى كونه غير مالك لمؤونة سنته، بل تعطى الزكاة لمثل هذا الشخص للغزو والحج، وإنّما يشترط فيه الحاجة بمعنى كونه غير قادر على الغزو والحجّ إلاّ بالإعطاء، ولعلّه إلى ذلك تنظر عبارة الشيخ في « الخلاف » ، قال : والغارم لمصلحة ذات البين والغازي لا يعطى إلاّ مع الحاجة عند أبي حنيفة وعند الشافعي عند الغناء، وهو الصحيح . (2)
هذه هي الأقوال وإليك دلائلها :
استدلّ للقول الأوّل بإطلاق الآية، ولأنّها كالأجرة كما في سهم العاملين، وبما أشار إليه العلاّمة من أنّه روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): « لا تحلّ الصدقة لغني إلاّ لخمسة : رجل عامل عليها، أو رجل اشتراها بماله، أو رجل مسكين تصدّق عليه به فأهداها لغني، أو . . . أو غاز في سبيل اللّه » .
والكلّ كما ترى، أمّا إطلاق الآية فهو فرع كونه في مقام البيان لهذه الجهة .
وأمّا كونه كالأجرة في سهم العاملين فهو أشبه بالقياس .
وأمّا الرواية فلم يثبت عندنا إلاّ صدرها .
استدلّ للقول الثاني بوجوه :
1 . بما في رواية القمّي عن العالم(عليه السلام)قال : « وفي سبيل اللّه قوم يخرجون في الجهاد وليس عندهم ما يتقوون به . . . » . (3)

1المسالك : / 1 / 220.
2الخلاف : 4/237، كتاب الصدقات، المسألة 23 .
3الوسائل : 6، الباب 1 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 7 .

صفحه 185
ما رواه الفريقان : « لا تحلّ الصدقة لغني » .
3 . ما رواه في « التذكرة » عن أبي حنيفة عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): أمرت ان آخذ الصدقة من أغنيائكم فأردّها في فقرائكم . غير أنّ الاستدلال بهذه الوجوه الثلاثة غير تام .
أمّا رواية القمّي فمرسلة لا يحتجّ بها .
وأمّا ما نقله الفريقان عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)« لا تحل الصدقة لغني » ناظر إلى سهم الفقراء فلا يعطى الغني من هذا السهم، وأمّا إعطاؤه من سهام أخرى كالعاملين عليها والغارمين وفي سبيل اللّه فلا ينفيه .
ومنه يظهر ضعف ما استند إليه أبو حنيفة وغيره، فإنّ حديث الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)ناظر إلى سهم الفقراء .
ولعلّ القول الثالث هو الأقوى، وهو خيرة الماتن حيث قال : « الأقوى جواز دفع هذا السهم في كلّ قربة مع عدم تمكّن المدفوع إليه من فعلها بغير الزكاة، بل مع تمكّنه أيضا لكن مع عدم إقدامه إلاّ بهذا الوجه » ، مثلا إذا رأى الحاكم مصلحة في إعزام الغزاة إلى الجهاد وكان الغازي غنيا لا يقوم بتلك المهمة
إلاّ بدفع شيء من الزكاة إليه، جاز لوجود المصلحة .
فالموضوع هو الحاجة في الجهة التي يصرف فيها الزكاة لا الفقر، وعلى ضوء ذلك فلو فرض حاجة المجتمع إلى المساجد والمدارس والمستشفيات يجوز صرف الزكاة فيها وينتفع منه جميع الأمّة من غير فرق بين الفقير والغني، لأنّ الملاك المجوز لصرف الزكاة هو حاجة المجتمع بما هوهو لا حاجة الفرد، ولأجل ذلك يشارك الأغنياء والفقراء في المشاريع العامة والتسهيلات الاجتماعية إذا أسّست
بالزكاة .
إذا فرضنا انّ الغازي أو الحاج غنيا ولكن لا يقوم بمهمة الغزو والحجّ

صفحه 186

في ابن السبيل

الثامن : ابن السبيل وهو المسافر الّذي نفدت نفقته أو تلفت راحلته بحيث لا يقدر معه على الذهاب وإن كان غنيّا في وطنه، بشرط عدم تمكّنه من الاستدانة أو بيع ما يملكه أو نحو ذلك .
وبشرط أن لا يكون سفره في معصية فيدفع إليه قدر الكفاية اللائقة بحاله، من الملبوس والمأكول والمركوب أو ثمنها أو أجرتها إلى أن يصل إلى بلده بعد قضاء وطره من سفره أو يصل إلى محلّ يمكنه تحصيلها بالاستدانة أو البيع أو نحوهما . *
............................................................................................
إلاّ بجعل داع في ذهنه إلى العمل ورأى الفقيه وجود المصلحة في دفع الزكاة في تلك الجهة فيجوز الصرف وإلاّ يلزم ترك المصلحة المهمة .
نعم من يريد الغزو والحجّ بنفسه وليس هناك أي حاجة إلى بذل الزكاة وصرفه فيه فلا يجوز بذل الزكاة، لأنّ الغاية من الزكاة هي سدّ الحاجات والمفروض عدمه .
ولشيخنا الأنصاري هنا كلمة جامعة يقول :
إنّ السبيل المصروف فيه الزكاة قد يجعل نفس إعانة الغني لأنّه من الأمور الراجحة، وقد يجعل نفس الفعل والذي اعتبرنا فيه الحاجة هو الأوّل لا الثاني .
ومن هنا يعلم انّ حكمهم بأنّه يعطى الغازي من الزكاة وإن كان غنيا إنّما ينافي ما دلّ على عدم حلّية الصدقة للغني إذا كان الدفع من باب معونة الغازي،

صفحه 187
ولو فضل ممّا أعطي شيء ولو بالتضييق على نفسه أعاده على الأقوى، من غير فرق بين النقد والدابّة والثياب ونحوها فيدفعه إلى الحاكم ويعلمه بأنّه من الزكاة .
وأمّا لو كان في وطنه وأراد إنشاء السفر المحتاج إليه ولا قدرة له عليه فليس من ابن السبيل . نعم لو تلبّس بالسفر على وجه يصدق عليه ذلك يجوز إعطاؤه من هذا السهم . وإن لم يتجدّد نفاد نفقته، بل كان أصل ماله قاصرا، فلا يعطى من هذا السهم قبل أن يصدق عليه اسم ابن السبيل . نعم لو كان فقيرا يعطى من سهم الفقراء . *
............................................................................................
وأمّا إذا كان من باب حصول دفع العدو الحاصل من مال المزكّي وبدن الغازي، فليس فيه منافاة للأدلّة . (1)
***
* هنا فروع سبعة :
1 . من هو ابن السبيل؟
2 . اشتراط عدم تمكّنه من الاستدانة أو بيع ما يملكه أو نحوهما .
3 . اشتراط عدم كون سفره معصية .
4 . المقدار الذي يعطى له .
5 . حكم ما لو فضل شيء ممّا أعطي نقدا كان أو جنسا .
6 . إذا أنشأ السفر المحتاج إليه وهو في وطنه ولا قدرة له من أوّل الأمر .

1كتاب الزكاة، للشيخ الأنصاري : 314.

صفحه 188
7 . تلك الصورة ولكن تلبّس بالسفر على وجه يصدق عليه ابن السبيل .
وإليك دراسة الفروع واحدا بعد الآخر :

الأوّل : من هو ابن السبيل

لقد جاء ابن السبيل في الذكر الحكيم ضمن آيات الزكاة والخمس والأنفال .
أمّا الزكاة فقد عرفته . وأمّا الخمس فقال سبحانه : (فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي اَلْقُرْبى وَ اَلْيَتامى وَ اَلْمَساكِينِ وَ اِبْنِ اَلسَّبِيلِ). (1)
وأمّا الأنفال فقال تعالى ذكره : (ما أَفاءَ اَللّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ اَلْقُرى فَلِلّهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي اَلْقُرْبى وَ اَلْيَتامى وَ اَلْمَساكِينِ وَ اِبْنِ اَلسَّبِيلِ )(2) وإضافة الابن إلى السبيل إشارة إلى تمحّضه في ذلك وقد انقطع عن كلّ شيء سوى السبيل، مثل قولك « ابن الحرب » أي ليس له شغل سوى مصارعة الأبطال في ميادين الحرب .
قال ابن منظور : قال ابن سيد : ابن السبيل : ابن الطريق، وتأويله الذي قطع عليه الطريق - إلى أن قال - قال ابن بري : ابن السبيل، الغريب الذي أتى به الطريق .
قال الشاعر :
ومنسوب إلى من لم يلده *** كذاك اللّه نزل في الكتاب
وقال : وابن السبيل المسافر الذي انقطع به وهو يريد الرجوع إلى بلده ولا يجد ما يبلغ به فله في الصدقات نصيب . (3)
وقد تضافر تفسيره بالمنقطع في كلمات فقهائنا نذكر بعضها :

1الأنفال : 41 .
2الحشر : 7.
3اللسان 11، مادة « سبل » .

صفحه 189
قال المفيد : ابن السبيل وهو المنقطع به في الأسفار . (1)
2 . وقال الشيخ في « النهاية » : وابن السبيل وهو المنقطع به، وقيل : إنّه الضيف الذي ينزل بالإنسان ويكون محتاجا في الحال وإن كان يساره في بلده وموطنه . (2)
ولعلّ ذكر الضيف من باب ذكر الخاص بعد العام ولا خصوصية له .
وقال ابن زهرة : ابن السبيل هو المنقطع به وإن كان في بلده غنيا . (3)
إلى غير ذلك من الكلمات، ولذلك أضيف إليه لفظ الابن ليعلم أنّه لا صلة له مع أي شيء سوى السبيل، فانقطع عن كلّ ما كان له .
وقد فسرّه العالم(عليه السلام)في مرسلة علي بن إبراهيم، قال : « وابن السبيل أبناء الطريق الذين يكونون في الأسفار في طاعة اللّه فيقطع عليهم ويذهب مالهم، فعلى الإمام أن يردّهم إلى أوطانهم من مال الصدقات » . (4)
ولا يشترط في السفر كونه بمقدار المسافة الشرعية، لإطلاق الدليل أوّلا، ومقتضى مناسبة الحكم والموضوع، انّها تدفع إلى المنقطع عن كلّ شيء، سواء أكانت وظيفته القصر أم التمام ثانيا .
نعم، يظهر من الشيخ في « المبسوط » والعلاّمة في « التذكرة » عدم إتيانه لمن أقام عشرة أيام، إذ لا يصدق عليه انّه مسافر، قال في الأوّل :
وإن أقام به يوما أو يومين إلى عشرة أيام أعطي نفقته، وإن أقام أكثر من ذلك لم يعط، لأنّه يخرج من حكم المسافر . (5)
وقال العلاّمة في « التذكرة » : يعطى ابن السبيل ما يبلغه البلد الذي يريده

1المقنعة : 241.
2النهاية : 184.
3غنية النزوع : 2 / 124.
4الوسائل : 6، الباب 1 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 7.
5المبسوط : 1 / 256.

صفحه 190
لمضيّه وعوده على ما بيّناه، فإن أراد أن يقيم في البلد الذي قصده دون عشرة أيّام، أخذ نفقة ذلك لأنّه في حكم المسافر، وإن نوى إقامة عشرة لم يأخذ فيها من سهم ابن السبيل، لأنّه مقيم . والشافعي شرط إقامة ثلاثة لا أزيد . (1)
يلاحظ عليه : أنّ إقامة عشرة أيّام وإن كان قاطعا لموضوع السفر لكنّه بضرب من التأويل بحكم الشارع، وإلاّ فلا ريب في أنّه يعدّ مسافرا من أبناء السبيل، والعجب انّ العلاّمة في « المختلف » ذكر حجّة القائل بخروجه عن ابن السبيل وردّ عليه! وإليك نصّه :
احتج بأنّه خرج عن كونه مسافرا بالنيّة، فلا يصدق عليه ابن السبيل .
أمّا المقدّمة الأولى : فلوجوب الإتمام عليه، المنوط بالإقامة المنافية لاسم السفر، لامتناع صدق المتقابلين على ذات واحدة .
وأمّا الثانية : فلأنّ المسألة جزء من مسمّى ابن السبيل، فلا يصدق عليه المقيم .
والجواب : المنع من صدق المقدّمتين ووجوب الإتمام، وإن أخرجه عن كونه مسافرا سفرا يجب فيه القصر، فلا يخرجه عن كونه مسافرا مطلقا . (2)

الثاني : اشتراط عدم تمكّنه من الاستدانة

يعتبر في صدق ابن السبيل عجزه عن الاستدانة وكذا التصرف في ماله الغائب بالبيع أو ماله الحاضر، وذلك لعدم صدق الانقطاع إلاّ به، ومثل ذلك غني داخل تحت قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): « لا تحلّ الصدقة لغني » ، كما هو داخل تحت قوله في صحيحة زرارة : « لا يحلّ له أن يأخذها وهو يكف نفسه عنها » .

1التذكرة : 5/355، المسألة 266.
2مختلف الشيعة : 3 / 206.

صفحه 191
وللمحقّق الهمداني هنا كلام جامع، قال : والذي ينبغي أن يقال : إنّه إن كانت الاستدانة أو التصرّف في أمواله بالبيع ونحوه أمرا ميسورا له كأغلب التجّار المعروفين في البلاد النائية، فمثل هذا الشخص لا يعدّ من أرباب الحاجة إلى الصدقة، بل ولا ابن سبيل في العرف، وبحكمه القوي السويّ المتمكّن من
الاكتساب في الطريق بما يناسب حاله وشأنه . (1)
وبذلك يظهر ضعف ما في « المعتبر » (2) و« المسالك » (3) من عدم اعتباره عملا بإطلاق النصّ .
نعم لو كانت الاستدانة أو البيع أمرا حرجيا فهو في حكم غير القادر والمنقطع .

الثالث : اشتراط عدم كون سفره معصية

يشترط أن لا يكون سفره معصية .
قال المحقّق : ولا بدّ أن يكون سفرهما ( ابن السبيل والضيف) مباحا، فلو كان معصية لم يعط .
وقال في « المدارك » : لا خلاف بين العلماء في عدم جواز الدفع إلى المسافر من سهم ابن السبيل إذا كان سفره معصية، لما في ذلك من الإعانة على الإثم والعدوان . (4)
ويظهر من ابن قدامة اتّفاق فقهائهم على هذا الشرط، قال : لكن يشترط كون السفر مباحا إمّا قربة كالحج والجهاد وزيارة الوالدين، أو مباحا كطلب

1مصباح الفقيه : 13 / 584.
2المعتبر : 2 / 578.
3مسالك الأفهام : 1 / 420.
4المدارك : 5 / 236.

صفحه 192
المعاش والتجارات، فأمّا المعصية فلا يجوز الدفع إليه فيها، لأنّه إعانة عليها والتسبب إليها فهو كفعلها، فانّ وسيلة الشيء جارية مجراه . وإن كان السفر للنزهة ففيه وجهان : أحدهما يدفع إليه لأنّه غير معصية، والثاني لا يدفع إليه لأنّه لا حاجة به إلى هذا السبيل . (1)
ويدلّ على الاشتراط أمران :
1 . ما في مرسل القمّي : وابن السبيل أبناء الطريق الذين يكونون في الأسفار في طاعة اللّه فيقطع عليهم ويذهب مالهم . (2)
الظاهر انّ مراده من الطاعة كونه غير سفر المعصية . وبعبارة أخرى : يشترط كونه مباحا .
2 . انّ الإعطاء إعانة على الإثم إذا كانت الغاية معصية وهو بعد في الطريق، وأمّا إذا قضى حاجته المحرّمة فحاول الإياب ففيه وجهان :
1 . لا يصدق على الإعطاء انّه إعانة على الإثم سواء تاب أم لم يتب .
2 . انّ في الإعطاء تشويقا للظالم في ظلمه وتقريرا للعاصي في عمله، وهو بعيد عن روح الشريعة المقدسة .
نعم لو تاب عند الإياب فصار ابن السبيل فيجوز الإعطاء له، لأنّ التائب من ذنبه كمن لا ذنب له .
يقول ابن قدامة : ومن سافر لمعصية فأراد الرجوع إلى بلده لم يدفع إليه ما لم يتب، فإن تاب احتمل جواز الدفع إليه، لأنّ رجوعه ليس بمعصية فأشبه رجوع غيره، بل ربّما كان رجوعه إلى بلده تركا للمعصية وإقلاعا عنها كالعاق يريد

1المغني : 7 / 328.
2الوسائل : 6، الباب 1 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 7 .

صفحه 193
الرجوع إلى أبويه، والفارّ من غريمه أو امرأته يريد الرجوع إليهما، ويحتمل أن لا يدفع إليه لأنّ سبب ذلك المعصية فأشبه الغارم في المعصية . (1)
ومثله إذا لم يتب ولكن بعد ما قضى حاجته أنشأ سفرا آخر مباحا أو في طاعة ولا يعدّ إيابا من ذلك السفر .

الرابع : المقدار الذي يعطى له

قال المحقّق : ويدفع إليه قدر الكفاية إلى بلده . (2)
إنّ تعليق الحكم بالوصف مشعر بالعلّية، فكما أنّ الغارم يعطى بمقدار الغرم، وفي الرقاب يعطى بمقدار الفك، وفي سبيل اللّه يعطى بمقدار حاجة المورد; فهكذا ابن السبيل يعطى بالمقدار الذي يوصله إلى بلده أو البلد الذي يتمكّن فيه من التصرف في أمواله أو الاستدانة أو غير ذلك .
وفي مرسل القمي : فعلى الإمام أن يردّهم إلى أوطانهم من مال الصدقات .
هذا كلّه فيما إذا صار ابن السبيل في إيابه; وأمّا لو افترضنا انّه صار كذلك وهو في طريقه إلى مقصده فهل عليه الفسخ وترك السفر إذا كان أمرا عقلائيا، أو يجوز له الإعطاء إلى أن يقضي وطره من سفره بالذهاب إلى المقصد والإياب عنه؟ وجهان :
والظاهر ممّا نقلناه من « اللسان » انّ ابن السبيل هو المنقطع عند الإياب بعد قضاء وطره، وأمّا المنقطع عند الذهاب مع إمكان الرجوع إلى بلده فلا بطلق عليه ابن السبيل .

1المغني : 7 / 329.
2الشرائع : 1 / 163.

صفحه 194
وما يعبّر عنه بالفارسية ب ( وامانده) أو ( درمانده در راه) يناسب ما ذكره صاحب اللسان .
ولو افترضنا جواز الإعطاء فلا بدّ أن يكون السفر قصيرا غير طويل، وأمّا من حاول أن يسافر إلى أقاصي العالم وقد صار منقطعا بعد خروجه عن الوطن بمقدار عشرة فراسخ، فكونه من مصاديق ابن السبيل مشكل .

الخامس : حكم ما لو فضل شيء عنده نقدا كان أو جنسا

إذا فضل ممّا أعطي له من سهم ابن السبيل شيء سواء كان الفضل لأجل التضييق على النفس أو لا، فهل يجب إرجاعه إلى المالك أو الحاكم؟
ذهب الشيخ في « الخلاف » إلى عدم الرجوع، قال : إذا أعطي المكاتب شيئا ليصرفه في مال كتابته، فلم يصرفه فيه، أو تطوّع إنسان عليه بمال كتابته، أو أسقط عنه مولاه ماله، فانّه لا يسترجع منه ما أعطي . وكذلك القول في الغارم وفي سبيل اللّه، وابن السبيل لا يسترجع منهم ما يفضل من نفقتهم إذا ضيّقوا على أنفسهم،
أو لم ينفقوه فيما لأجله استحقّوه .
وقال الشافعي : يسترجع منهم كلّهم إلاّ الغازي، فانّه يأخذ أجرة عمله، فلا يسترجع منه ما يفضل من نفقته، وإن بدا له من الغزو استرجع منه بلا خلاف . (1)
ومع ذلك فقد ذهب الشيخ في « المبسوط » إلى خلافه فقال : وإن دفع إليه قدر كفايته فضيّق على نفسه حتى فضل له فضل ووصل إلى بلده، استرجع منه، لأنّه غني في بلده . (2) ومبنى المسألة هو انّ ابن السبيل يتملّك ما يعطى كتملّك

1الخلاف : 4/235، كتاب الصدقات، المسألة18.
2المبسوط : 1/253 في أصناف المستحقّين للزكاة.

صفحه 195
الفقير والمسكين والعامل والمؤلّفة قلوبهم، أو انّ ابن السبيل مصرف من مصارف الزكاة، فإذا زاد عن المصرف يرجع إلى أصله .
الظاهر هو الثاني بشهادة تغيير السياق حيث جاء في الأصناف الأربعة الباقية كلمة « في » وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل اللّه وابن السبيل .
فإذا كان كلّ واحد من هذه الأصناف الأربعة مصرفا فيباح لهم فيها التصرف مادام الموضوع ( ابن السبيل) ، لأنّ الظاهر انّ العنوان مسوغ حدوثا وبقاء .
وبذلك يظهر عدم الفرق بين المتاع والدابة والنقد، وذلك لأنّ التفريق مبني على أنّ المزكّي يملّك العين للمستحق، وقد عرفت أنّ العناوين الأربعة مصارف، والمسوغ للتصرف انطباق العنوان على الشخص .
وأقصى ما يمكن أن يقال : انّه يتملّك مادام كونه ابن السبيل، فإذا خرج عنه يخرج عن ملكه ويرجع إلى الأصل .
اللّهمّ إلاّ أن يقال : انّ إرجاع الأمتعة والألبسة أمر منكر عرفا .
ثمّ على القول بالرجوع هل يدفع إلى المالك أو يدفع إلى الحاكم؟
قال الشهيد في « الروضة » : ويجب رد الموجود منه وإن كان مأكولا على مالكه أو وكيله، فإن تعذر فإلى الحاكم، فإن تعذر صرفه بنفسه إلى مستحقّ الزكاة . (1)
الظاهر تعيّن الإرجاع إلى الحاكم، سواء قلنا بمالكية ابن السبيل، أو قلنا بأنّ المالك هو العنوان، أو قلنا بأنّ المالك الإمام والشخص مصرف، أو قلنا بأنّها لا مالك لها .

1الروضة : 2 / 50.

صفحه 196
فعلى كلّ وجه انقطعت صلة المالك وولايته عن الزكاة، واستصحاب بقاء ولايته غير صحيح، لعدم اتّصال زمان الشكّ باليقين، لأنّه بعد إفراز الزكاة ودفعه إلى ابن السبيل انقطعت ولايته، فإذا استغنى ابن السبيل لا تعود ولايته، بل يجب أن يدفع إلى من يتصدّى إلى الأمور الحسبية .

السادس : إذا كان في وطنه وأراد إنشاء السفر

إنّ هنا صورا تختلف وضوحا وخفاء :
الأولى : من اجتاز في سفره وقضى وطره وهو على جناح الرجوع إلى بلده، فسرق ماله أو تلف أو نفد، فلا شكّ انّه من أوضح مصاديق ابن السبيل .
الثانية : من اجتاز وقطع مقدارا من المسافة دون أن يصل إلى الغاية المطلوبة، فسرق ماله أو تلف أو نفد، فهو أيضا من مصاديقه، إلاّ أنّ الكلام في المقدار اللازم دفعه إليه . وقد عرفت التفصيل بين السفر القصير والطويل .
الثالثة : من هو في بلده ووطنه وعزم على السفر، وليس عنده زاد السفر فهل هو أيضا من مصاديق ابن السبيل؟ فيه خلاف .
ذهب الشيخ في « الخلاف » و « المبسوط » إلى خروج الثالث منه وفاقا للمسالك، غير انّ الظاهر من الشهيد في « الدروس » ، والشهيد الثاني في « الروضة » دخوله فيها، وإليك بعض النصوص .
قال الشيخ في « الخلاف » : ابن السبيل هو المجتاز دون المنشئ لسفره من بلده . وبه قال مالك .
وقال أبو حنيفة، والشافعي : يدخلان جميعا فيه . (1)

1الخلاف : 4/236، كتاب الصدقات، المسألة 22 .

صفحه 197
وقال في « المبسوط » : وأمّا ابن السبيل فعلى ضربين : أحدهما المنشئ للسفر من بلده، الثاني : المجتاز بغير بلده، وكلاهما يستحقّ الصدقة عند أبي حنيفة والشافعي، ولا يستحقّها إلاّ المجتاز عند مالك، وهو الأصحّ لأنّهم(عليهم السلام)فسّرّوه، فقالوا : هو المنقطع به وإن كان في بلده ذا يسار، فدلّ على أنّه المجتاز . (1)
وقال في « الدروس » : وابن السبيل وهو المنقطع به في غير بلده وإن كان غنيا في بلده فيأخذ ما يبلغه بلده، ولو فضل أعاده . وقيل : منشئ السفر كذلك وهو حسن . (2)
وقال في « الروضة » : ومنشئ السفر مع حاجته إليه، ولا يقدر على مال يبلغه ابن سبيل على الأقوى . (3)
لا شكّ انّ الصورة الأولى من مصاديق ابن السبيل فيعطى له حتى يصل إلى بلده، ومثله الصورة الثانية وهو من أبناء السبيل، ولكنّ الغاية من دفع الزكاة إليه إخراجه عن هذه الحالة، فيدفع إليه ما يستطيع معه الرجوع إلى بلده، لا أزيد .
ويؤيّد ما قلناه في الصورتين ما في مرسلة علي بن إبراهيم : « ابن السبيل أبناء الطريق الذين يكونون في الأسفار في طاعة اللّه فيقطع عليهم ويذهب مالهم، فعلى الإمام أن يردّهم إلى أوطانهم من مال الصدقات » . (4)
فقوله : « يردهم إلى أوطانهم » شاهد على ما قلناه، كما يشهد على أنّ المقدار اللازم دفعه في الصورة الثانية هو تمكّنه من الرجوع إلى وطنه لا الوصول إلى

1المبسوط : 1 / 252.
2الدروس : 62.
3الروضة : 2 / 50.
4الوسائل : 6، الباب 1 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 6 .

صفحه 198
المسألة 30 : إذا علم استحقاق شخص للزكاة ولكن لم يعلم من أيّ الأصناف، يجوز إعطاؤه بقصد الزكاة من غير تعيين الصنف، بل إذا علم استحقاقه من جهتين يجوز إعطاؤه من غير تعيين الجهة . *
............................................................................................
مقصده وقضاء وطره ثمّ الرجوع إلى وطنه .
وأمّا الثالث فليس من مصاديقه، لأنّ ابن السبيل من تلبّس بالسفر وعجز عن الاستمرار فيه لتلف المال أو سرقته أو نفاده .
وأمّا المنشئ للسفر العالم بفقده ما يحتاج إليه في السفر فلا يعد ابن السبيل، وليس الغاية من التشريع إلاّ صيانة المسلم المضطر، وأمّا من ليس بمضطر وإنّما يريد سفرا ينتهي إلى الاضطرار فلا يعدّ من أبناء السبيل .

السابع : تلك الصورة ولكن تلبّس بالسفر

إذا افترضنا انّه تلبس بالسفر والحال هذه واجتاز مقدارا من الطريق ووقف في الطريق يلتمس عون اللّه تبارك وتعالى، فأقصى ما يمكن أن يقال أن يعطى له ما يردّه إلى وطنه، لا إلى مقصده .
نعم يجوز الدفع إليه من باب سهم الفقراء إذا كان السفر مناسبا لشأنه .
* سيوافيك انّ البسط على الأصناف الثمانية غير واجب، بل يجوز دفع جميع الزكاة إلى صنف واحد كما سيأتي . وعلى ذلك فما هو الواجب هو إيصال الزكاة إلى هذه الأصناف، وأمّا قصد عناوينها فلم يدلّ عليه دليل .
لأنّها عنوانات مشيرة إلى محالّ صرف الزكاة من دون لزوم قصدها، فقوله

صفحه 199
المسألة 31 : إذا نذر أن يعطي زكاته فقيرا معيّنا لجهة راجحة أو مطلقا ينعقد نذره، فإن سها فأعطى فقيرا آخر أجزأ، ولا يجوز استرداده وإن كانت العين باقية، بل لو كان ملتفتا إلى نذره وأعطى غيره متعمّدا أجزأ أيضا وإن كان آثما في مخالفة النذر وتجب عليه الكفّارة، ولا يجوز استرداده أيضا لأنّه قد
ملك بالقبض . *
............................................................................................
(صلى الله عليه وآله وسلم): « أيّهّا المسلمون زكّوا أموالكم تقبل صلواتكم » (1) ظاهر في أنّ الواجب هو دفع الضريبة إلى هذه الأصناف لا قصد ماله من العنوان .
أضف إلى ذلك انّه لو كان قصد العنوان واجبا لورد في نصّ من النصوص، لأنّها من الأمور التي تغفل عنها العامة فلو كان واجبا لما ترك ذكره .
وبذلك يظهر انّه لو كان الشخص حائزا لكلتا الجهتين لا ملزم لتعيين الجهة . (2)
* هنا فروع :
1 . إذا نذر أن يعطي زكاته فقيرا معينا، هل ينعقد أو لا؟
2 . تلك الصورة إذا سها فأعطى فقيرا آخر هل يجزي أو لا؟
3 . تلك الصورة ولكنّه أعطى غيره متعمدا فهل يجزي أو لا؟ فهل عليه الكفّارة أو لا؟ وهل يجوز استرداده أو لا؟
أمّا الفرع الأوّل فله موردان :
أ . أن يشتمل المورد على جهة راجحة وراء كون أصل العمل راجحا، كما لو نذر إعطاء الزكاة لفقير من أرحامه كقضاء ديون الوالد الذي عدّ في النصّ من

1الوسائل : 6، الباب 1 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 1 .
2لاحظ التذكرة : 5/274 برقم 187، فقد ذكر فيها ما يفيدنا في المقام.

صفحه 200
أفضل الموارد . (1)
ب . أن لا يكون فيه جهة راجحة، كما إذا نذر أن يعطي الزكاة لفقير خاص ليس فيه مزية على غيره، فلا شكّ في أنّ النذر ينعقد في الأوّل، وإنّما الكلام في انعقاد النذر في الثاني فانّا قلنا بكفاية الرجحان في أصل العمل ( دفع الزكاة) فينعقد وإلاّ فلا .
فلو نذر إنسان أن يصلّي في بيته، فلو قلنا بأنّ رجحان طبيعة الفعل( الصلاة) كاف في انعقاد النذر، ينعقد النذر ويجب الوفاء به، وأمّا لو قلنا بلزوم الرجحان في طبيعة الفعل والقيد المأخوذ في النذر يكون النذر لغوا، كما إذا نذر أن يصلّي في هذا البيت دون البيت الآخر، أو أن يصلّي في المسجد جنب
هذه الاسطوانة دون الاسطوانة الأخرى مع تساويهما في الفضيلة، والتفصيل في محله .
وأمّا الفرع الثاني، أي لو سها وأعطى فقيرا آخر مع القول بانعقاد النذر، فيقع الكلام في الإجزاء أوّلا، وعدم تعلّق الكفارة ثانيا، وعدم جواز الاسترداد ثالثا، فنقول :
أمّا الأوّل - أي الإجزاء - فلأجل انّ المنذور له وغيره أمام إطلاق الدليل سواء، فقوله سبحانه(إِنَّمَا اَلصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ)عام يشمل الفردين وغيرهما، وأمّا نذر الناذر فإنّما يحدث تكليفا عليه ولا يغيّر الواقع عمّا هو عليه ولا يخرج غير المنذور له عن تحت الدليل، فلو دفع إليه فقد صدر من أهله ووقع في محلّه .
وبذلك يعلم عدم تعلّق الكفارة، لأنّه فرع صدق الحنث، والحنث انّما هو في المخالفة العمدية، وأمّا المخالفة السهوية فلم يتعلّق بتركها النذر بل هي على ما

1الوسائل : الجزء 6، الباب 18 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1، 2.

صفحه 201
عليها من الحكم قبل النذر .
وأمّا الثالث فلأنّ الفقير قد ملكه بالقبض ومعه لا موضوع للنذر، فلا مجال لاسترداده بعد ما ملكه الفقير وصار كسائر أمواله .
فإن قلت : إنّ المالك إنّما دفع الزكاة إلى الغير وملّكها إيّاه من حيث إنّه المنذور له، على نحو لو علم فقدان الحيثية، لما ملّكها إيّاه، فيكون المقام مثل ما إذا كان مديونا لزيد فدفع دينه إلى عمرو بزعم انّه زيد، فلا يملكه القابض مطلقا، فيكون المثال والممثل من قبيل الخطأ في التطبيق، لأنّه في الحقيقة ملّك المنذور له
والدائن، ثمّ طبق العنوانين على غيرهما .
قلت : ما ذكرته صحيح في المثال فلا يملك عمرو لعدم استحقاقه لا بالذات ولا بالعرض، بخلاف المقام فانّ غير المنذور أيضا فقير مستحق للزكاة قابل لتملّكها إذا ملك والمفروض حصول التمليك، غاية الأمر انّ المالك قد كلّف نفسه بالنذر إلى إعطائه لزيد، فلم يتوقّف للامتثال، وهذا لا يخرج القابض عن
الاستحقاق وقابلية التملك .
أمّا الفرع الثالث : تلك الصورة ولكن أعطاه غيره متعمّدا; فيقع الكلام أيضا في الإجزاء أوّلا، وتعلّق الكفّارة ثانيا، والاسترداد ثالثا .
أمّا الأوّل فقد ذهب المصنّف إلى الإجزاء، ولعلّ وجهه ما عرفت وهو انّ النذر لا يغيّر الواقع عمّا هو عليه، ولا يخرج غير المنذور له عن تحت الدليل، وإنّما النذر يحدث تكليفا بالنسبة إلى الناذر ولا يخرج غيره عن تحت الدليل، فقد صدر من أهله ووقع في محلّه .
هذا ويمكن تقريب عدم الإجزاء بوجوه ثلاثة ذكرها السيد الحكيم(قدس سره):
الأوّل : انّ الظاهر من النذر في أمثال المقام أنّه راجع إلى نذر أن لا يفرغ ذمّته إلاّ بهذا المصداق، فتفريغ الذمّة بغير المصداق المذكور مخالفة للنذر، فيبطل

صفحه 202
لكونه محرما، فلا يصحّ عبادة . كما لو نذر أن لا يصلّي في الحمام فصلّى فيه .
يلاحظ عليه : بأنّ متعلّق النذر هو إفراغ الذمّة بالمصداق المعيّن لا عدم إفراغه بغير هذا المصداق، وما ذكره مبني على أحد الأمور الثلاثة غير التامّة :
1 . أن يكون الأمر بأحد الضدّين مستلزما للأمر بترك الضدّ الآخر .
2 . أن يكون الأمر بأحد الضدّين مستلزما للنهي عن الضدّ الآخر .
3 . لزوم اشتراك المتلازمين في الحكم، والمجموع غير ثابت، بل الثابت خلافه .
وأمّا قياس المقام بما إذا نذر أن لا يصلّي في الحمام فلو صلّى تكون صلاته باطلة، فهو قياس مع الفارق، وذلك لأنّ الصلاة في الحمام نقيض المنذور ( ترك الصلاة) ويعدّ حنثا مباشريّا للنذر ويكون مبغوضا .
بخلاف المقام فإنّ المنذور إفراغ الذمّة بهذا المصداق ونقيضه عدم إفراغه بهذا المصداق، وأين هو من إفراغ الذمّة بمصداق آخر؟ فهو من لوازم النقيض وليس نفسه، فانّ عدم إفراغ الذمة بهذا المصداق تارة يتحقّق بعدم دفع الزكاة بتاتا وأخرى بدفعها إلى غير ذلك المصداق .
الثاني : ما يظهر أيضا من كلماته(قدس سره)من أنّ مفاد النذر ثبوت حق له تعالى، لأنّ الحقّ يوجب قصور سلطنته على الإعطاء .
وبتعبير آخر : انّ مفاد صيغة النذر جعل حقّ اللّه تعالى، فقبل النذر كان المالك مختارا في إعطاء زكاته لأي فقير كان، ولكنّه بالنذر حدّد سلطنة نفسه وحصرها في الإعطاء لخصوص المنذور له ونفذّه الشارع بإيجاب الوفاء، فصار الفعل حقّا للّه تعالى والمال متعلّقا لحقّه فلا يقع ما أعطى لغيره زكاة . (1)

1المستمسك : 9 / 272.

صفحه 203
يلاحظ عليه : أنّ اللام في قوله : « للّه عليّ » لا للتمليك ولا لجعل الحق للّه سبحانه، بل هو كاللام في قوله : أصلّي للّه وكأنّه يقول : لو قضيت حاجتي فأقوم بإعطاء الزكاة إلى فلان للّه سبحانه، فأين التحديد؟ !
الثالث : انّ دفع الزكاة إلى غير الفرد المنذور له مصداق عملي للتعجيز عن امتثال الواجب والوفاء بالنذر وهو أمر حرام .
وبعبارة أخرى : انّ إفراغ الذمّة بغير المنذور سلب قدرة على امتثال ما نذر، فيقع مبغوضا فلا يكون مقربا . (1)
ولعلّ هذا الوجه أوضح الوجوه، فالقول بعدم الإجزاء في صورة الالتفات هو الأقوى .
ومنه يظهر حكم الاسترداد مع بقاء العين، وذلك لأنّ الدافع إنّما ملّك القابض بزعم صحّة الدفع وفراغ ذمّته بهذا العمل، وقد تبيّن عدمه فلا يكون مالكا لتخلّف شرط التمليك .
وأمّا ضمانه فهو فرع عدم الغرور والتفات القابض إلى الحال، وإلاّ فلا يضمن .
وأمّا الكفّارة فهو فرع الحنث والمفروض تحقّقه .
وربما يقال بأنّه لا يصحّ نذر المالك من رأس، لأنّ النذر فيما يملك، وهو لا يملك الزكاة لأنّها ملك للأصناف، ولو صحّ نذر المالك لصحّ نذر الحاكم بأن يدفع الزكاة، إلى الشخص الخاص .
يلاحظ عليه : بالفرق بين المالك والحاكم، لأنّ المالك يملك الزكاة قبل الدفع غير أنّه مأمور، بإخراجها عن ملكه فيصحّ له النذر; بخلاف الحاكم فهو

1كتاب الزكاة : 3 / 158.

صفحه 204
المسألة 32 : إذا اعتقد وجوب الزكاة عليه فأعطاها فقيرا ثمّ تبيّن له عدم وجوبها عليه جاز له الاسترجاع إذا كانت العين باقية، وأمّا إذا شكّ في وجوبها عليه وعدمه فأعطى احتياطا ثمّ تبيّن له عدمه فالظاهر عدم جواز الاسترجاع وإن كانت العين باقية . *
............................................................................................
غير مالك، بل مأمور بتقسيم الزكاة وصرفها إلى مصارفها وله الولاية على الصرف وهي لا تكفي في النذر .
* هنا فرعان :
الأوّل : إذا أعطى الزكاة فقيرا باعتقاد انّ عليه الزكاة ثمّ بان خلافه .
الثاني : إذا أعطى فقيرا الزكاة احتياطا باحتمال انّ عليه الزكاة .
أمّا الأوّل : فيسترجع إذا كانت العين موجودة، وذلك لكشف فراغ ذمّته عن الزكاة عن عدم التمليك واقعا لما عرفت من أنّه أعطاه الزكاة باعتقاد اشتغال ذمّته على نحو لو لا الاشتغال لما ملّكه . وبعبارة أخرى : انّه دفعه بعنوان أنّه زكاة فإذا تبيّن الخلاف وتبيّن عدم وجود العنوان فهو يكشف عن عدم التمليك واقعا .
وأمّا الثاني : فهو إعطاء الزكاة للفقير باحتمال اشتغال ذمّته وعلى نحو الرجاء والاحتياط فلا يسترجع، وذلك لأنّه لم يملكه بزعم كون الذمّة مشغولة ليتصوّر فيه كشف الخلاف، بل ملّكه بداعي الاحتمال، وهو يجتمع مع كلتا الصورتين :
الاشتغال وعدمه، وعندئذ لا يتصوّر فيه كشف الخلاف وفقدان العنوان - مضافا -إلى ما في موثقة الحسين بن علوان عن جعفر، عن أبيه، انّ عليّا كان يقول : « من تصدّق بصدقة فردّت عليه فلا يجوز له أكلها، ولا يجوز له إلاّ إنفاقها، إنّما منزلتها بمنزلة العتق للّه، فلو أنّ رجلا أعتق عبدا للّه فردّ ذلك العبد لم يرجع في الأمر الذي

صفحه 205
جعله للّه، فكذلك لا يرجع في الصدقة » . (1)
والحاصل : انّ المالك في الصورة الأولى دفع المال إلى الفقير بقيد انّه زكاة لاعتقاده باشتغال ذمّته لها . فإذا تخلّف العنوان، يكشف عن عدم تملّكه من بدء الأمر نظير ما إذا ملّك شيئا لزيد باعتقاد أنّه صديقه، على وجه لولا علمه به لما ملّكه، ثمّ تبيّن انّه رجل أجنبي .
لكنّه في الصورة الثانية دفع المال للفقير بعنوان الاحتياط اشتغلت ذمّتها بها أم لم تشتغل، فيكون التمليك مطلقا غير مقيد بشيء، فإذا تبيّنت براءة ذمّته، لم يكن هنا كشف خلاف، إذ لم يكن معتقدا باشتغال ذمّته حتّى يتصور فيه كشف الخلاف، ومنه يظهر حال فرعين آخرين :
1 . إذا دفع المال بنيّة الصدقة، واجبة كانت ( إذا كانت ذمّته مشغولة بالزكاة) أو مندوبة ( إذا لم يكن كذلك) . وبعبارة أخرى : دفع المال إلى الفقير بنية امتثال الأمر الفعلي، فلا يجوز الاسترداد لعدم جواز استرداد الصدقة مطلقا، واجبة كانت أو مستحبة . وما دفعه مردّد بين الواجبة والمستحبّة .
2 . إذا دفع المال إلى الفقير بنيّة الصدقة إذا كانت ذمّته مشغولة، أو الهبة إذا لم يكن كذلك، فتبيّن عدم الاشتغال، يجوز الاسترجاع، لجواز الرجوع في الهبة إذا كان الموهوب له من غير ذوي الرحم .

1الوسائل : 6، الباب 24 من أبواب الصدقة، الحديث 1 .

صفحه 206

الفصل السابع : في أوصاف المستحقّين

وهي أمور : الأوّل : الإيمان، فلا يعطى للكافر بجميع أقسامه، ولا لمن يعتقد خلاف الحقّ من فرق المسلمين، حتّى المستضعفين منهم إلاّ من سهم المؤلّفة قلوبهم وسهم سبيل اللّه في الجملة، ومع عدم وجود المؤمن والمؤلّفة وسبيل اللّه يحفظ إلى حال التمكّن . *
............................................................................................
* قد ذكر المصنّف في أوصاف المستحقّين أمورا أربعة :
الأوّل : الإيمان، وسيوافيك تفسيره .
الثاني : أن لا يكون ممّن يكون الدفع إليه إعانة على الإثم وإغراء للقبيح .
الثالث : أن لا يكون ممّن تجب نفقته على المزكّي .
الرابع : أن لا يكون هاشميا إذا كانت الزكاة من غيره . وإليك البحث فيها واحدا تلو الآخر .

الأمر الأوّل : الإيمان

أمّا الوصف الأوّل : فقد ذكر في المقام الفروع التالية :
1 . يشترط في القابض الإسلام والإيمان بمعنى الاعتقاد بإمامة الأئمّة الاثني عشر .

صفحه 207
2 . يجوز دفع الزكاة إلى المخالف من باب سهم المؤلّفة قلوبهم وسهم سبيل اللّه .
3 . إذا لم يتمكّن من صرف الزكاة فيما سبق يحفظ إلى حال التمكّن .
أمّا الفرع الأوّل - أي اشتراط الإسلام - فهو ما اتّفق عليه المسلمون وأمّا اشتراط الإيمان بالمعنى الذي عرفت فهو ما اتّفقت عليه كلمة فقهائنا .
قال الشيخ في « الخلاف » : لا يجوز أن يعطى شيء من الزكاة إلاّ المسلمين العارفين بالحقّ . ولا يعطى الكفّار لا زكاة المال، ولا زكاة الفطرة، ولا الكفّارات .
وقال الشافعي : لا يدفع شيء منها إلى أهل الذمّة . وبه قال مالك والليث بن سعد وأحمد وإسحاق وأبو ثور .
وقال ابن شبرمة : يجوز أن يدفع إليهم الزكوات، زكاة الفطرة والكفّارات . (1)
وقال العلاّمة في « التذكرة » : وشرط علماؤنا أيضا الإيمان، فلا يعطى غير المؤمن عندنا - خلافا للجمهور فانّهم اقتصروا على الإسلام خاصة - لأنّ مخالف الحقّ محادّ للّه ورسوله فلا تجوز مودّته، والزكاة معونة ومودّة فلا تصرف إليه .
ولقول الباقر والصادق(عليهما السلام)في الرجل يكون في بعض هذه الأهواء الحرورية والمرجئة والعثمانية والقدرية، ثمّ يتوب ويعرف هذا الأمر، ويحسن رأيه، أيعيد كلّ صلاة صلاّها أو صوم أو زكاة أو حجّ، أو ليس عليه إعادة شيء من ذلك؟ قال :
« ليس عليه إعادة شيء من ذلك غير الزكاة فإنّه لا بدّ أن يؤدّيها، لأنّه وضع الزكاة في غير موضعها وإنّما موضعها، أهل الولاية » . (2) وهذا الحديث حسن الطريق . (3)

1الخلاف : 4/223، المسألة 2 من كتاب قسمة الصدقات .
2الوسائل : 6، الباب 3 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 2 .
3تذكرة الفقهاء : 5/263، المسألة 176.

صفحه 208
وقال المحقّق : الوصف الأوّل : الإيمان، فلا يعطى كافرا، ولا معتقدا بغير الحقّ . (1)
إلى غير ذلك من الكلمات ولم نجد مخالفا في المسألة .
وقد تضافرت الروايات على اشتراط الإيمان والولاية في مستحقّ الزكاة، وقد عقد صاحب الوسائل بابا خاصا لهذا . (2)
وليس الدليل منحصرا فيما نقله في ذلك الباب، بل يستفاد أيضا من الروايات التي يأمر المستبصر بإعادة الزكاة دون سائر العبادات معلّلا بأنّه وضعها في غير مواضعها، لأنّها لأهل الولاية . (3)
فلنذكر بعض الروايات :
1 . صحيحة إسماعيل بن سعد الأشعري، عن الرضا(عليه السلام)، قال : سألته عن الزكاة هل توضع فيمن لا يعرف؟ قال : « لا ولا زكاة الفطرة » . (4)
2 . صحيحة علي بن بلال قال : كتبت إليه أسأله : هل يجوز أن أدفع زكاة المال والصدقة إلى محتاج غير أصحابي؟ فكتب : « لا تعط الصدقة والزكاة إلاّ لأصحابك » . (5)
3 . صحيحة زرارة وابن مسلم، عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه(عليهما السلام)انّهما قالا :
« الزكاة لأهل الولاية قد بيّن اللّه لكم موضعها في كتابه » . (6)
4 . ما رواه الصدوق بأسانيده عن الفضل بن شاذان، عن الرضا(عليه السلام)- في

1الشرائع : 1 / 163.
2الوسائل : 6، الباب 5 من أبواب المستحقّين للزكاة . وقد نقل فيه ما يناهز 16 حديثا.
3الوسائل : 6، الباب 3 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1، 2، 3.
4الوسائل : 6، الباب 5 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1.
5الوسائل : 6، الباب 5 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 4.
6الوسائل : 6، الباب 5 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 9.

صفحه 209
كتابه إلى المأمون - قال : « لا يجوز أن يعطى الزكاة غير أهل الولاية المعروفين » . (1)
إلى غير ذلك من الروايات المبثوثة في البابين وغيرهما .

الفرع الثاني : جواز دفع الزكاة إلى المخالف من بعض السهام

قد عرفت تضافر الروايات على شرطية الإيمان في المستحق فلا يدفع إليه مقصرا كان أو قاصرا، لإطلاق الأدلّة، ولذلك قال المصنّف : حتى المستضعفين منهم .

المستثنى من ضابطة الإيمان

قد اختلفت كلمة فقهائنا في المستثنى من الإيمان - بعد اتّفاقهم على شرطيته في الصنفين الأوّلين : الفقراء والمساكين - ودونك الأقوال مع ما يمكن أن يكون دليلا لها .

1 . المؤلّفة قلوبهم وسبيل اللّه

لقد اختار صاحب الجواهر انّ الخارج من الضابطة، هو سهم المؤلّفة قلوبهم، وسهم سبيل اللّه; وتبعه المصنّف غير أنّه قيّد الأخير بقوله : « في الجملة » .
أمّا خروج الأوّل، فلأنّ إطلاق الآية يعمّ الكافر والمسلم، والمسلم يعمّ المخالف والموالف .
وأمّا الثاني فلأنّه موضوع لا يتصوّر فيه الإيمان والكفر . (2)

1الوسائل : 6، الباب 5 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 10.
2الجواهر : 15 / 380.

صفحه 210

2 . المؤلّفة قلوبهم والعاملون

ذهب صاحب الغنية إلى أنّ الخارجين عن الضابطة هم المؤلّفة قلوبهم والعاملون حيث قال : ويجب أن يعتبر فيمن تدفع الزكاة إليه من الأصناف الثمانية- إلاّ المؤلفة قلوبهم والعاملين عليها - الإيمان والعدالة . (1)
قال في « الجواهر » : ولعلّه لاحظ انّ الدفع إليهم من قسم الأجرة التي لا تفاوت فيها بين المؤمن وغيره . (2)

3 . اعتباره في الفقراء والمساكين فقط

وهناك من ذهب إلى اعتبار الإيمان في خصوص سهم الفقراء والمساكين خاصة دون ما في الأصناف، نقله صاحب الجواهر من دون أن يسمّي القائل، وأورد عليه بقوله :
إنّ مقتضاه جواز الدفع للغارمين من المخالفين وفي فكّ رقابهم، ولابن السبيل منهم زيادة على العاملين ولا ريب في بطلانه، لقوة ما دلّ على اعتبار الإيمان في دفع الزكاة من النصوص والفتاوى ومعاقد الإجماعات، حتّى أنّه ورد في بعض النصوص (3) طرحها في البحر مع عدم المؤمن، وانّ أموالنا وأموال شيعتنا حرام على أعدائنا، وأنّك لا تعطيهم إلاّ التراب، إلى غير ذلك ممّا لا يصغى معه إلى
دعوى كون التعارض بين الأدلّة من وجه . (4)

1الغنية : 124.
2الجواهر : 15 / 380.
3الوسائل : 6، الباب 5 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 8 و 6 .
4الجواهر : 15 / 381.

صفحه 211
يلاحظ عليه : أنّ ما أيّد به شمول الشرطية لعامّة الأصناف وإن كان قويا لكن ما استدلّ به على اعتبار الإيمان ظاهر في المنع إذا كان الدفع بعنوان الفقر والمسكنة، وإليك بعض العناوين :
أ . سألته عن الزكاة هل توضع فيما لا يعرف؟
ب . فكتب : « لا تعط الصدقة والزكاة إلاّ لأصحابك » .
ج . لا يجوز أن يعطى الزكاة غير أهل الولاية المعروفين . (1)
إلى غير ذلك من العنوانات الواردة في الباب الخامس من أبواب المستحقّين للزكاة، وهكذا ما ورد في الباب الثالث منه، فإنّ المتبادر منها انّ المزكّي كان يعطي زكاته لجيرانه وأقوامه أو لمواطنيه لسدّ فاقتهم .
وأمّا إذا كان الدفع بغير ملاك الفقر والمسكنة فشمول الأدلّة موضع تأمّل .
نعم التعليلات التي أشار إليها صاحب الجواهر تصدّ الفقيه عن الإفتاء بهذا التفصيل، أي اشتراط الإيمان في الصنفين الأوّلين دون الأصناف الستة الباقية .

4 . الاستحقاق بالذات والاستحقاق بالعنوان

وهناك من فصّل بين الاستحقاق بالذات والاستحقاق بعنوان من العنوانات، فإنّ الأصناف الثمانية على أقسام ثلاثة :
قسم منهم يستحقّ الزكاة بما هو هو، وهذا كالفقير والمسكين والرقاب والغارمين وابن السبيل، فيدفع إليهم الزكاة استحقاقا .
وقسم منهم لا يستحقّ الزكاة بما هو هو، بل لأجل قيامهم بأعمال تصبّ في صالح الإسلام والمسلمين، وهذا كالعاملين عليها، حيث يجبون الزكاة، والمؤلّفة

1الوسائل : 6، الباب 5 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1، 4، 10.

صفحه 212
قلوبهم حيث يدفعون شر الأعداء عن المسلمين .
وقسم ثالث لا يوصف بالإيمان والكفر وإنّما يستفيد منه المؤمن وفي ظله المخالف، وهذا كسهم سبيل اللّه . فما ذكره صاحب الجواهر من التعليلات ربما ترجع إلى القسم الأوّل دون الأخيرين، ولا يخالف ذلك التفصيل .

5 . عدم اعتباره في المؤلّفة وفي الرقاب

ويظهر ممّا رواه زرارة ومحمد بن مسلم عدم اعتباره في المؤلّفة وفي الرقاب واعتباره في الآخرين حيث جعل سهمهما عامّين دون الباقين .
روى زرارة ومحمد بن مسلم أنّهما قالا لأبي عبد اللّه(عليه السلام): أرأيت قول اللّه تبارك وتعالى : (إِنَّمَا اَلصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ اَلْمَساكِينِ وَ اَلْعامِلِينَ عَلَيْها وَ اَلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَ فِي اَلرِّقابِ وَ اَلْغارِمِينَ وَ فِي سَبِيلِ اَللّهِ وَ اِبْنِ اَلسَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اَللّهِ)أكل هؤلاء يعطى وإن كان لا يعرف؟ فقال : « إنّ الإمام يعطي هؤلاء جميعا لأنّهم يقرّون له بالطاعة » قال زرارة : قلت : فإن كانوا لا يعرفون؟
فقال : « يا زرارة لو كان يعطى من يعرف دون من لا يعرف لم يوجد لها موضع، وإنّما يعطى من لا يعرف ليرغب في الدين فيثبت عليه، فأمّا اليوم فلا تعطها أنت وأصحابك إلاّ من يعرف، فمن وجدت من هؤلاء المسلمين عارفا فأعطه دون الناس، ثمّ قال : سهم المؤلّفة قلوبهم وسهم الرقاب عام، والباقي خاص » .
قال : قلت : فإن لم يوجدوا، قال : « لا تكون فريضة فرضها اللّه عزّ وجلّ ولا يوجد لها أهل » .
قال : قلت : فإن لم تسعهم الصدقات، فقال : « إنّ اللّه فرض للفقراء في مال

صفحه 213
الأغنياء ما يسعهم، ولو علم أنّ ذلك لا يسعهم لزادهم، إنّهم لو يؤتوا من قبل فريضة اللّه عزّ وجلّ، ولكن أوتوا من منع من منعهم حقّهم، لا ممّا فرض اللّه لهم، فلو أنّ الناس أدّوا حقوقهم لكانوا عايشين بخير » . (1)
والحديث يصلح أن يكون ردّا للقول الرابع حيث اعتبر الإيمان في الأصناف الثمانية إلاّ الإيمان فيمن يستحقّ بالذات ومنهم في الرقاب، ولكن الحديث يقول بأنّ الحكم فيه عامّ .

حكم الإمام غير حكم المزكّي

يستفاد من الرواية انّ الإمام يعطي الجميع لأجل إطاعتهم له وانّ حكم الإمام غير حكم المزكّي، فالمزكّي لا يدفع إلاّ للمؤمن إلاّ فيما استثني، وأمّا الإمام الحاكم الذي انقادت له الأمّة موافقهم ومخالفهم فهو يعطي الجميع من عامة السهام لأجل تسليمهم .
اللّهم إلاّ أن يقال : انّ الإمام يدفع للمخالف من باب سهم المؤلّفة لا سهم الفقير والمسكين، لكنّه خلاف ظاهر الرواية وإن كان الإمام المعصوم أعرف بوظيفته من غيره .
وأمّا الحاكم الشرعي إذا أنشأ دولة إسلامية وانقادت له الأمّة فعليه إدارة المجتمع على النحو الأصلح، وإذا جاز للإمام المعصوم إعطاء الجميع من عامّة السهام جاز للحاكم الإسلامي في القائم مقامه أيضا وإلاّ فيعطى غير المؤمن من سهم المؤلّفة أو سهم سبيل اللّه .

1الوسائل : 6، الباب 1 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1 .

صفحه 214

الفرع الثالث : إذا لم يتمكّن من صرف الزكاة في محلّها

قد عرفت أنّ الزكاة تصرف في الموافق من عامة السهام وأمّا المخالف فيصرف لهم من سهم المؤلّفة أو سبيل اللّه على قول المصنّف وغيره . وقد عرفت الأقوال فلو افترضنا عدم الجميع فقد ذهب المصنّف إلى حفظها إلى حال التمكّن .
قال المحقّق في « المعتبر » : وإذا لم يوجد المؤمن هل يصرف إلى غيرهم؟ فيه قولان أشبههما انّ زكاة المال لا تدفع إلى غير أهل الولاية . (1)
وقال في « الجواهر » : فمع عدم المؤمن وعدم مصرف شرعي آخر تحفظ إلى حال التمكّن منه ولا تعطى للمخالف بلا خلاف أجده، بل يمكن تحصيل الإجماع عليه، لإطلاق أدلّة المنع وظهور جملة منها وصراحة آخر في ذلك . (2)
ويدلّ عليه بالخصوص خبر إبراهيم الأوسي، عن الرضا(عليه السلام)قال : « سمعت أبي يقول : كنت عند أبي يوما فأتاه رجل فقال : إنّي رجل من أهل الري ولي زكاة فإلى من أدفعها؟ فقال : إلينا، فقال : أليس الصدقة محرمّة عليكم؟ فقال : بلى إذا دفعتها إلى شيعتنا فقد دفعتها إلينا، فقال : إنّي لا أعرف لها أحدا، فقال : فانتظر بها
سنة، قال : فإن لم أصب لها أحدا، قال : انتظر بها سنتين حتى بلغ أربع سنين، ثمّ قال له : إن لم تصب لها أحدا فصرها صررا واطرحها في البحر فإنّ اللّه عزّ وجلّ حرّم أموالنا وأموال شيعتنا على عدوّنا » . (3)
وبما انّ الخبر لا يخلو من الغرابة إذ في طرحها في البحر إضاعة للمال، حاول

1المعتبر : 2 / 580.
2الجواهر : 15 / 381.
3الوسائل : 6، الباب 5 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 8 .

صفحه 215
الحر العاملي تفسيره بقوله : لعلّ هذا من تعليق المحال على المحال لما تقدّم من أنّها لا تكون فريضة فرضها اللّه لا يوجد لها موضع (1) أو على وجه المبالغة في منع غير المؤمن، ومعلوم أنّ فرض عدم وجود المؤمن وعدم إمكان الوصول إليه في أربع سنين محال عادة، وعلى تقديره فباب سبيل اللّه واسع، والرقاب والمستضعفون قريب من ذلك، واللّه أعلم . (2)
ويمكن أن يقال : انّ الانتظار بما انّه حكم طريقي لصيانة أموال الفقراء وحقوقهم يختصّ بالأزمنة كان الانتظار طريقا صالحا للحفظ، وأمّا إذا كان الانتظار مظنّة التلف فأمام المزكّي أحد الطريقين :
1 . أن يدفع الزكاة إلى الحاكم، فله الولاية على أموال الفقراء وحقوقهم كالإمام المعصوم، وقد مرّ الإمام يعطي من يعرف ومن لا يعرف، فالحاكم يتمتع باختيار أوسع من اختيار المزكّي، فيصرفها كما يصرفها الإمام المعصوم .
2 . أن يصرفها في المستضعفين من المخالفين، وقد وردت الرواية لصرف زكاة الفقراء منهم وعمل به الشيخ وأتباعه لموثّقة الفضيل عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال : « كان جدي (صلى الله عليه وآله وسلم)يعطي فطرته الضعفة، ومن لا يجد، ومن لا يتولّى » . قال : وقال أبو عبد اللّه(عليه السلام): « هي لأهلها إلاّ أن لا تجدهم، فإن لم تجدهم فلمن لا ينصب، ولا تنقل من أرض إلى أرض » . (3)
وخبر يعقوب بن شعيب الحداد، عن العبد الصالح(عليه السلام)قال : قلت له : الرجل منّا يكون في أرض منقطعة، كيف يصنع بزكاة ماله؟ قال : « يضعها في

1الوسائل : 6، الباب 1 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1 .
2الوسائل : 6، الباب 5 من أبواب المستحقّين للزكاة، تعليقة على الحديث 8 .
3الوسائل : 6، الباب 15 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 3 .

صفحه 216
المسألة 1 : تعطى الزكاة من سهم الفقراء لأطفال المؤمنين ومجانينهم من غير فرق بين الذكر والأنثى والخنثى ولا بين المميّز وغيره إمّا بالتمليك بالدفع إلى وليّهم، وإمّا بالصرف عليهم مباشرة أو بتوسّط أمين إن لم يكن لهم وليّ شرعيّ من الأب والجدّ والقيّم . *
............................................................................................
إخوانه وأهل ولايته » ، قلت : فإن لم يحضره منهم فيها أحد؟ قال : « يبعث بها إليهم » ، قلت : فإن لم يجد من يحملها إليهم؟ قال : « يدفعها إلى من لا ينصب » ، قلت : فغيرهم؟ قال : « ما لغيرهم إلاّ الحجر » . (1)
غير أنّ الأصحاب أعرضوا عنه، قال المحقّق في « المعتبر » بعد نقل الرواية، وهي نادرة وفي طريقها أبان بن عثمان وفيه ضعف . (2)
وقال بمثله العلاّمة في « المنتهى » . (3)
وذكر صاحب الجواهر انّه مطروح أو محمول على مستضعفي الشيعة ونحو ذلك . (4)
والظاهر انّ ضعف السند لأجل إبراهيم بن إسحاق النهاوندي المعروف بالأعجمي، وهو لم يوثّق .
ولو لا الاتّفاق، لكان مقتضى القاعدة - على فرض صحّة السند - تقديم الخاص على العام .
* في المسألة فرعان :
1 . جواز دفع الزكاة من سهم الفقراء لأطفال المؤمنين، من غير فرق بين

1الوسائل : 6، الباب 5 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 7.
2المعتبر : 2 / 580.
3المنتهى : 1 / 523.
4الجواهر : 15 / 381.

صفحه 217
الذكر والأنثى والخنثى ولا بين المميز وغيره .
2 . انّ طريق الصرف إمّا بالتمليك بالدفع إلى وليّهم، وإمّا بالصرف عليهم مباشرة أو بواسطة أمين .
وإليك دراسة الفرعين واحدا بعد الآخر :

الفرع الأوّل : صرف الزكاة في أطفال المسلمين أو المؤمنين

فهو ممّا اتّفق عليه فقهاؤنا وأكثر فقهاء أهل السنّة .
قال الشيخ في « النهاية » : ولا بأس أن تعطى الزكاة أطفال المؤمنين ولا تعطى أطفال المشركين . (1)
وقال المحقّق : وتعطى الزكاة أطفال المؤمنين دون أطفال غيرهم . (2)
وقال العلاّمة في « التذكرة » : تعطى الزكاة أطفال المؤمنين عند حاجتهم، ولا يشترط عدالة الأب لعموم الآية، ولقول الصادق(عليه السلام): وقد سأله أبو بصير : الرجل يموت ويترك العيال أيعطون من الزكاة؟ : « نعم، فإذا بلغوا وعدلوا إلى غيركم فلا تعطوهم » . (3)
إذا ثبت هذا فلا فرق بين أن يكون قد أكل الطعام أو لا، عند علمائنا وهو إحدى الروايتين عن أحمد، لأنّه فقير فجاز الدفع إليه كالذي طعم، ولأنّه يحتاج إلى الزكاة لأجل رضاعه وكسوته وسائر مؤونته فيدخل في عموم النص، وعنه رواية أخرى انّه لا يجوز دفعها إلاّ إلى من أكل الطعام وهذا ليس بشيء .
وقال ابن قدامة في « المغني » : فإن كان في عائلته من لا يجب عليه الإنفاق عليه كيتيم أجنبي، فظاهر كلام أحمد انّه لا يجوز دفع زكاته إليه، لأنّه ينتفع

1النهاية : 186.
2المعتبر : 2 / 568.
3التذكرة : 5 / 279.

صفحه 218
بدفعها إليه لإغنائه لها عن مؤونته . والصحيح - إن شاء اللّه - جواز دفعها إليه، لأنّه داخل في الأصناف المستحقّين للزكاة ولم يرد في منعه نصّ ولا إجماع ولا قياس صحيح، فلم يجز إخراجه عن عموم النصّ بغير دليل . وقد روى البخاري أنّ امرأة عبد اللّه سألت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)عن بني أخ لها أيتام في حجرها فتعطيهم زكاتها؟ قال : « نعم » .
فإن قيل : فهو ينتفع بدفعها إليه .
قلنا : قد لا ينتفع به، لإمكان صرفها في مصالحه التي لا يقوم بها الدافع، وإن قدر الانتفاع به فانّه نفع لا يسقط به واجبا عليه ولا يجتلب به مالا إليه، فلم يمنع ذلك الدفع كما لو لم يكن من عائلته . (1)
ويظهر من العلاّمة اتّفاق الفقهاء على الجواز . قال : الإجماع دلّ على إلحاق الطفل بأبيه في الإيمان وإجرائه في حكمه عليه دون العدالة . (2)
ويدلّ عليه من النصوص صحيحة أبي بصير، قال : قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام)الرجل يموت ويترك العيال أيعطون من الزكاة؟ قال : « نعم، حتى ينشأوا ويبلغوا ويسألوا من أين كانوا يعيشون إذا قطع ذلك عنهم » فقلت : إنّهم لا يعرفون؟ قال : « يحفظ فيهم ميّتهم ويحبّب إليهم دين أبيهم فلا يلبثون أن يهتمّوا بدين أبيهم، فإذا بلغوا وعدلوا إلى غيركم فلا تعطوهم » . (3)
وخبر أبي خديجة، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال : « ذرّية الرجل المسلم إذا مات يعطون من الزكاة والفطرة كما كان يعطى أبوهم حتّى يبلغوا، فإذا بلغوا وعرفوا ما كان أبوهم يعرف أعطوا، وإن نصبوا لم يعطوا » . (4)

1المغني : 2 / 713.
2مختلف الشيعة : 3 / 210.
3الوسائل : 6، الباب 6 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1.
4الوسائل : 6، الباب 6 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 2.

صفحه 219
وخبر يونس بن يعقوب، قال : قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): عيال المسلمين أعطيهم من الزكاة فأشتري لهم منها ثيابا وطعاما وأرى انّ ذلك خير لهم؟ قال : فقال : « لا بأس » . (1)
والعنوانات الواردة فيها عبارة عن :
أ . يترك العيال أيعطون من الزكاة؟
ب . ذرية الرجل المسلم .
ج . عيال المسلمين .
وهي تشتمل على كلّ من يعوله المسلم فعلا أو شأنا من كبير أو صغير، أو ذكر أو أنثى، مميّز أو غير مميّز، عاقل أو مجنون .
والعجب مع ورود هذه النصوص بنى الشهيد الثاني الجواز وعدمه على أنّ العدالة شرط أو الفسق مانع .
فعلى الأوّل لا تعطى، لعدم صحّة وصف الطفل بالإيمان والفسق خصوصا إذا كان رضيعا .
وعلى الثاني يعطى لعدمه .
قال(قدس سره): هذا إذا لم نعتبر العدالة في المستحق، أمّا لو اعتبرناها أمكن عدم جواز إعطاء الأطفال مطلقا لعدم اتّصافهم بها، والجواز لأنّ المانع الفسق وهو منفي عنهم، لأنّه عبارة عن الخروج عن طاعة اللّه فيما دون الكفر وهم غير مخاطبين بالطاعة . ومبنى الإشكال على أنّ العدالة هل هي شرط أو الفسق مانع؟
فعلى الأوّل يحتمل الأوّل للدليل الدالّ على اعتبار العدالة، ولأنّه لو اكتفى بعدم

1الوسائل : 6، الباب 6 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 3 .

صفحه 220
الفسق لزم جواز إعطاء المجهول حاله عند مشترط العدالة، لعدم تحقّق المانع فيعمل المقتضي عمله، وهو لا يقول به . ويحتمل الثاني حملا للاشتراط على من يمكن في حقّه ذلك وهو منفي في الطفل . (1)
يلاحظ عليه أوّلا : أنّ منصرف الأدلّة - كما نبّه به في ذيل كلامه - هو من كان موضوعا للتكليف وتشترط فيه العدالة أو يكون الفسق مانعا، وأمّا من لم يكن موضوعا للتكليف فأدلّة الاشتراط منصرفة عنه .
وثانيا : انّ العنوانات في النصوص تعمّ ما يعوله المسلم من كبير أو صغير، ومميز وغيره، وعاقل ومجنون، وكان ما ذكره أشبه بالاجتهاد أمام النص .
ثالثا : أنّ الغاية من تشريع الزكاة رفع حاجات المسلمين، فإذا مات الرجل وله عيال بين مميز وغيره أو بالغ وغير بالغ، فهل يتصوّر حرمانهم من الزكاة بحجة فقدان العدالة فيهم لصغرهم مع أنّ الغاية من تشريعها سدّ الفاقة ورفع الخلّة .
هذا كلّه حول الفرع الأوّل .

الفرع الثاني : طريق مصرف الزكاة في حقّهم

قد سبق انّ طريق صرفها فيهم أحد أمرين :
إمّا بالتمليك بالدفع إلى وليّهم، وإمّا بالصرف عليهم مباشرة أو بتوسط أمين .
لا شكّ في جواز الأوّل، إنّما الكلام في جواز الصرف عليهم بلا تمليك لهم .
هناك أقوال ثلاثة :
1 . عدم جواز الصرف وانحصار الطريق بالتمليك، لهم بدفعها إلى الولي .

1المسالك : 1 / 421 ـ 422.

صفحه 221
وهذا خيرة صاحب الجواهر وقد أصرّ عليه . (1)
2 . جواز الصرف عليهم مطلقا، سواء أكان هناك ولي أو لا، سواء صرفه بنفسه أو بغيره، وهذا ما نقله صاحب الجواهر عن بعض المعاصرين، قال : بل ربما ظهر من بعض المعاصرين الميل إلى جواز ذلك مع التمكّن من الولي . (2)
3 . التفصيل بين وجود الولي وغيره . فالتمليك في الأوّل دون جواز الصرف، والصرف في الثاني، وهذا هو الظاهر من المصنّف حيث قال : وأمّا بالصرف عليهم مباشرة أو بتوسط أمين إن لم يكن لهم ولي شرعي من الأب والجد والقيّم .
وهذا هو الظاهر أيضا من العلاّمة في « التذكرة » .
قال : لا فرق بين أن يكون يتيما أو غيره، فإنّ الدفع إلى الولي، فإن لم يكن ولي جاز أن يدفع إلى من يقوم بأمره ويعتني بحاله . (3)

دليل منع الصرف

ذهب صاحب الجواهر إلى منع الصرف بالمباشرة أو بواسطة فرد آخر أمين، وعمدة كلامه يرجع إلى مشكلة تملّك الصبيّ، إذ يجب على الحاكم أو المزكّي تمليك الزكاة للمستحقّ بالإقباض والقبض، وقد سلب الشارع أفعال الأطفال وأقوالهم فلا يترتب التمليك على قبضهم .
قال في الجواهر : فإذا أراد الدفع إليهم من سهم الفقراء مثلا سلّم بيد وليّهم، لأنّ الشارع سلب أفعالهم وأقوالهم، فلا يترتّب ملك لهم على قبضهم، ومعلوم اعتبار الملك في هذا السهم . (4)

1جواهر الكلام : 15 / 385.
2جواهر الكلام : 15 / 385.
3التذكرة : 5 / 280.
4الجواهر : 15 / 384.

صفحه 222
يلاحظ عليه بما ذكره المحقّق الهمداني حيث قال : فانّ ما دلّ على سلب أفعال الصبي وأقواله إنّما يدلّ عليه في عقوده وإيقاعاته ونظائرها ممّا فيه إلزام والتزام بشيء على وجه يترتّب على مخالفته مؤاخذة لا مطلق أعماله، ولذا قوّينا شرعية عباداته، وكذا معاملاته التي لم يكن فيها إلزام والتزام، بل مجرّد اكتساب، كحيازة المباحات وتناول الصدقات ونظائرها .
ألا ترى قضاء الضرورة بعدم جواز السرقة ممّا حازه الصبي من المباحات الأصلية وغيرها ممّا يجوز حيازتها بقصد الاكتساب، فكذا الشأن في ما يتناول من وجوه الصدقات . (1)
وكلام المحقّق الهمداني يعرب عن لزوم التمليك والتملّك في مورد الزكاة، وانّ التملّك يحصل بقبض الطفل المميّز .
ويمكن أن يجاب عن الإشكال بوجه آخر، وهو : ادّعاء عدم الدليل على لزوم التمليك والتملّك في أمر الزكاة، بل يكفي الصرف، وذلك لأنّ الظاهر انّ الزكاة شرّعت لسدّ الخلّة والحاجة، فهذه الغاية تتحقّق تارة بالتمليك وأخرى بالصرف .
نعم يشترط في الصرف في مورد الصبي أن يصرفه ولا يتلفه، والمفروض هو الصورة الأولى لا الثانية .
والعجب انّ صاحب الجواهر ينظر إلى الزكاة نظرة عبادية بحتة، فيفرّق بين التمليك والصرف مع حصول الغرض والغاية في كلا الموردين .
قال الشيخ الأنصاري : هل يجوز للمالك صرف الزكاة للطفل وهو مع وجود الولي، كأن يطعمه في حال جوعه وإن لم يعلم بذلك أبوه؟ الظاهر عدم الجواز من

1مصباح الفقيه : 13 / 601.

صفحه 223
المسألة 2 : يجوز دفع الزكاة إلى السفيه تمليكا وإن كان يحجر عليه بعد ذلك، كما أنّه يجوز الصرف عليه من سهم سبيل الله، بل من سهم الفقراء أيضا على الأظهر من كونه كسائر السهام أعمّ من التمليك والصرف . *
المسألة 3 : الصبيّ المتولّد بين المؤمن وغيره يلحق بالمؤمن خصوصا إذا كان هو الأب . نعم لو كان الجدّ مؤمنا والأب غير مؤمن ففيه إشكال، والأحوط عدم الإعطاء . **
............................................................................................
سهم الفقراء، لأنّ الظاهر من أدلّة الصرف في هذا الصنف هو تمليكهم إيّاه . نعم يجوز من سهم سبيل اللّه، ويحتمل الجواز من سهم الفقراء بدعوى انّ الظاهر من تلك الأدلّة استحقاقهم للزكاة، لا تملكّهم لها، فالمقصود هو الإيصال . (1)
وعلى ما ذكرناه يجوز الصرف في اليتيم الفقير وإن كان له وليّ، لأنّ الغاية سدّ الخلّة وقضاء الحاجة، وهو حاصل في كلا الصورتين .
* والفرق بين السفيه وغيره انّ السفيه محجور من التصرّف وليس محجورا عن الأخذ والتملّك، فلو قبض ملكه ثمّ يحكم عليه بالحجر .
وأمّا الصرف عليه من سهم سبيل اللّه فهو مبني على أنّ المراد منه كلّ عمل قربي، وأمّا صرفه من سهم الفقراء فيجوز بالتمليك وبالصرف عليه .
** انّ هنا مسائل ثلاث :
1 . إذا كان أحد الأبوين حرا والآخر رقّا، حكم بتبعيّة الولد للحرّ منهما ولو كان هو الأم .
2 . إذا كان أحد الأبوين مسلما حكم بإسلامه وإن كان المسلم هو الأمّ،

1كتاب الزكاة، للشيخ الأنصاري : 322 ـ 323.

صفحه 224
وكذا لو أسلم أحد الأبوين وهو طفل .
3 . إذا كان أحد الأبوين مؤمنا عارفا، فهل يحكم بلحوق الطفل بالمؤمن منهما ولو كان المؤمن هو الأمّ، أو يختصّ الحكم بالإيمان بما إذا كان الأبوان أو الأب هو المؤمن؟
أمّا المسألة الأولى، فالظاهر من الفقهاء هو التبعيّة ولو كان الحرّ هو الأمّ، وقد وردت فيها روايات مستفيضة نكتفي برواية واحدة، ففي رواية الصدوق عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال : « إذا كان أحد والديه حرا فالولد حرّ » . (1)
وأمّا المسألة الثانية، فالظاهر من المحقّق والشهيد الثاني هو اللحوق .
قال الأوّل في كتاب الميراث : إذا كان أحد أبوي الطفل مسلما، حكم بإسلامه، وكذا لو أسلم أحد الأبوين وهو طفل . (2)
وقال الشهيد الثاني : وفي إلحاق إسلام أحد الأجداد والجدات بالأبوين وجهان أظهرهما ذلك، سواء أكان الواسطة بينهما حيّا أو ميّتا . (3) ولكن ليس في المقام دليل على التبعية ولا على تغليب جانب الأمّ على جانب الأب سوى قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): « الإسلام يعلو ولا يعلى عليه » . (4)
وسوى قول الإمام الصادق(عليه السلام): « ما من مولود يولد إلاّ على الفطرة فأبواه اللّذان يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه » . (5)
غير أنّ دلالتهما على التغليب غير واضحة، والتفصيل في المسألتين في محلهما .

1الوسائل : 14، الباب 30 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث 1 .
2الشرائع : 4 / 13.
3المسالك: 13 / 29.
4الوسائل : 17، الباب 1 من أبواب موانع الإرث، الحديث 11.
5الوسائل : 11، الباب 48 من أبواب جهاد العدو، الحديث 3 .

صفحه 225
لكن الكلام في المقام في المسألة الثالثة - أعني : تبعية الطفل في الإيمان لأشرف الوالدين وإن كان هو الأمّ - فقد اختاره المصنّف في المتن .
نعم استشكل فيما إذا كان الجدّ مؤمنا والأب غير مؤمن . (1)
وعلى كلّ تقدير، فقد دلّ الدليل على التبعية فيما إذا كان المؤمن هو الأب سواء أكانت الأمّ مؤمنة أم لا; كصحيحة أبي بصير قال : قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام):
الرجل يموت ويترك العيال، أيعطون من الزكاة؟
قال : « نعم، حتى ينشأوا ويبلغوا ويسألوا من أين كانوا يعيشون إذا قطع ذلك عنهم » فقلت : إنّهم لا يعرفون؟ قال : « يحفظ فيهم ميّتهم ويحبّب إليهم دين أبيهم فلا يلبثون أن يهتمّوا بدين أبيهم، فإذا بلغوا وعدلوا إلى غيركم فلا تعطوهم » . (2)
2 . ومعتبرة أبي خديجة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال : « ذرية الرجل المسلم إذا مات يعطون من الزكاة والفطرة كما كان يعطى أبوهم حتّى يبلغوا، فإذا بلغوا وعرفوا ما كان أبوهم يعرف أعطوا، وإن نصبوا لم يعطوا » . (3)
فإنّ المراد من المسلم في الرواية هو المؤمن بقرينة الذيل .
إنّما الكلام فيما إذا كان الأب مخالفا والأمّ مؤمنة، فيمكن أن يقال بكفاية إسلام الأم في التبعية بما رواه يونس بن يعقوب، قال : قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): عيال المسلمين أعطيهم من الزكاة فأشتري لهم منها ثيابا وطعاما وأرى أنّ ذلك خير لهم؟ قال : فقال : « لا بأس » . (4)

1وسياق العبارة يقتضي أن يقول : والأبوان غير مؤمنين .
2الوسائل : 6، الباب 6 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1.
3الوسائل : 6، الباب 6 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 2.
4الوسائل : 6، الباب 6 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث3 .

صفحه 226
المسألة 4 : لا يعطى ابن الزنا من المؤمنين فضلا عن غيرهم من هذا السهم . *
............................................................................................
فانّ المراد من المسلمين هو الأعمّ من المسلم والمسلمة; كما في قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): « المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه » ، وقوله : « طلب العلم فريضة على كلّ مسلم ومسلمة » .
فإذا كانت الأمّ مؤمنة تربّي طفلها، فالرواية شاملة لها .
وهناك وجه آخر لو صحّ لخرجنا بنتيجة كليّة، وهي : انّ ما دلّ على اختصاص الزكاة بالمؤمن سواء أقلنا بشرطية الإيمان أو مانعية عدمه، فالظاهر انّها منصرفة إلى المكلّف بالإيمان، وأمّا الطفل الرضيع الفقير فخارج عن تحتها .
وإن شئت فلاحظ قول الإمام الرضا(عليه السلام):
« لا يجوز أن يعطى الزكاة غير أهل الولاية المعروفين » . (1)
وقوله(عليه السلام): « من قال بالجبر فلا تعطوه من الزكاة شيئا » . (2)
وقوله(عليه السلام): « لا تعط الصدقة والزكاة إلاّ لأصحابك » . (3)
إلى غير ذلك من الروايات المنصرفة إلى المكلّفين دون الطفل الرضيع ودون غيره إذا كان غير مميّز فالظاهر حسب القواعد انّ غير المميّز إذا كان فقيرا يعطى من الزكاة إذا لم يكن هنا مانع ككفر الوالدين; وأمّا المميّز فلو أظهر الإيمان فيعطى له، وإلاّ فلا .
* إنّ ابن الزنا على قسمين :
ابن الزنا قد يكون صغيرا، وقد يكون مميزا أو بالغا .

1الوسائل : 6، الباب 5 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 10.
2الوسائل : 6، الباب 5 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 11.
3الوسائل : 6، الباب 5 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 4.

صفحه 227
أمّا الصورة الثانية فالملاك هو نفسه، فإن كان مؤمنا فتعطى له الزكاة لكونه مسلما وعارفا، وإن كان غير عارف فتحرم; إنّما الكلام فيما إذا كان الوالدان مؤمنين وقد ولد منهما أو من الوالد المؤمن، فهل يتبع الوالد المؤمن فيحكم بإيمانه فتعطى له الزكاة، أو يكون النسب منقطعا؟
قال في « الجواهر » : ولد الزنا من المؤمنين كولده من الكافرين لا تبعية فيه لأحدهما، بناء على كونها في النكاح الصحيح، فدفع الزكاة إليه حينئذ مبني على كون الإيمان فعلا أو حكما شرطا فلا يعطى، أو أنّ الكفر فعلا أو حكما مانع فيعطى . (1)
لا شكّ انّ ولد الزنا ولد عرفي وليس بولد شرعي فيجب التفكيك بين الآثار التي تترتب على الولد الشرعي وما تترتب على الولد العرفي .
أمّا التوارث فقد دلّت الأحاديث على حرمانه منه، لانقطاع النسب شرعا، فالوارثة من آثار الولد الشرعي فهي منتفية .
إنّما الكلام في غيره من الآثار، فهل هي أيضا منتفية أو لا؟ الظاهر ترتّب سائر الآثار غير التوارث عليه، ولذلك يجب على الأب نفقته وتحرم نكاح الوليدة من الزنا، ويجوز النظر إليها، إلى غير ذلك من الآثار .
كيف وقد أطلق عليه الولد في بعض الروايات، ففي رواية الأشعري، قال : كتب بعض أصحابنا إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام)معي، يسأله عن رجل فجر بامرأة، ثمّ إنّه تزوّجها بعد الحمل فجاءت بولد هو أشبه خلق اللّه به، فكتب بخطّه وخاتمه : « الولد لغيّة لا يورّث » . (2)

1الجواهر : 15 / 384.
2الوسائل : 17، الباب 8 من أبواب ميراث ولد الملاعنة وما أشبهه، الحديث 2 .

صفحه 228
المسألة 5 : لو أعطى غير المؤمن زكاته أهل نحلته ثمّ استبصر أعادها، بخلاف الصلاة والصوم إذا جاء بهما على وفق مذهبه، بل وكذا الحجّ وإن كان قد ترك منه ركنا عندنا على الأصحّ، نعم لو كان قد دفع الزكاة إلى المؤمن ثمّ استبصر أجزأ، وإن كان الأحوط الإعادة أيضا . *
............................................................................................
فترى أنّه(عليه السلام)يسمّيه ولدا ثمّ يصفه بأنّه لغيّة، والمراد من قوله : « لغيّة » أي ولد الزنا .
وعلى ذلك فالظاهر انّ ابن الزنا وغيره إذا كان الوالد أو الأمّ مؤمنا يعطى له الزكاة، فالبنوّة العرفية كافية في التبعية، وقد عرفت أنّه يجب بذل نفقته وحرمة تزويجه وجواز النظر إلى غير ذلك من الآثار .
على أنّك قد عرفت أنّ ما يدلّ على شرطية الإيمان أو مانعية الخلاف فهو منصرف إلى المكلّف بالإيمان .
وإن أبيت عن فقدان التبعية فالظاهر انّ إظهار المميز للإيمان كاف في صدق الإيمان .
* هنا فروع ثلاثة :
الأوّل : إذا أعطى غير المؤمن زكاته أهل نحلته ثمّ استبصر أعاد الزكاة .
الثاني : إذا صلّى غير المؤمن أو صام وحجّ على وفق مذهبه ثمّ استبصر لا يعيد حتّى ولو ترك ركنا من الأركان .
الثالث : لو دفع الزكاة إلى المؤمن وهو غير مؤمن ثمّ استبصر أجزأ .
وإليك دراسة الكلّ واحدا بعد الآخر .

صفحه 229

الفرع الأوّل : إعادة المخالف الزكاة

إذا أعطى المخالف الزكاة أهل نحلته ثمّ استبصر تجب عليه إعادة الزكاة .
قال الشيخ في « النهاية » : ولو انّ مخالفا أخرج زكاته إلى أهل نحلته ثمّ استبصر كان عليه إعادة الزكاة . (1)
وقال المحقّق : ولو أعطى مخالف زكاته لأهل نحلته ثمّ استبصر أعاد . (2)
وقال العلاّمة : ولو كان الدافع غير مؤمن ثمّ استبصر أعاد أيضا للرواية . (3)
وقد ادّعى في « الجواهر » عدم وجدان الخلاف فيه . (4)
وقد تضافرت الروايات على الحكم .
1 . رواية الفضلاء عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه(عليه السلام): أنّهما قالا في الرجل يكون في بعض هذه الأهواء : الحرورية والمرجئة والعثمانية والقدرية، ثمّ يتوب ويعرف هذا الأمر ويحسن رأيه، أيعيد كلّ صلاة صلاّها أو صوم أو زكاة أو حج، أو ليس عليه إعادة شيء من ذلك؟ قال : « ليس عليه إعادة شيء من ذلك غير الزكاة، لا بدّ أن يؤدّيها، لأنّه وضع الزكاة في غير موضعها وإنّما موضعها أهل الولاية » . (5)
2 . وصحيحة ابن أذينة قال : كتب إليّ أبو عبد اللّه(عليه السلام): « إنّ كلّ عمل عمله الناصب في حال ضلاله أو حال نصبه ثمّ منّ اللّه عليه وعرّفه هذا الأمر فإنّه يوجر عليه ويكتب له إلاّ الزكاة، فإنّه يعيدها لأنّه وضعها في غير موضعها وإنّما موضعها أهل الولاية، وأمّا الصلاة والصوم فليس عليه قضاؤهما » . (6)

1النهاية : 185.
2الشرائع : 1 / 163.
3التذكرة : 5/399، المسألة 300.
4الجواهر : 15 / 386.
5الوسائل : 6، الباب 3 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 2.
6الوسائل : 6، الباب 3 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 3.

صفحه 230
والظاهر سقوط الواسطة بين ابن أذينة وأبي عبد اللّه(عليه السلام)بشهادة رواية الشيخ لنفس الرواية : عن عمر بن أذينة، عن بريد بن معاوية العجلي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)، قال : كلئ عمل عمله . . . . الخ
وعلى كلّ تقدير انّ التعبير الوارد في الروايات يدلّ على قضاء كلّ واجب مالي وضعه في غير موضعه من غير فرق بين الزكاة وغيرها كالكفّارات .
وأمّا الفرع الثاني - أي عدم وجوب إعادة الصلاة والصوم والحجّ - فقد ظهر من تلك الروايات وغيرها، وقيّد المصنّف الصحّة بقوله : « إذا جاء بهما على وفق مذهبه بل وكذا الحجّ » ولعلّ دليله هو القدر المتيقّن . لكن ذهب المحقّق الهمداني إلى الصحة فيما إذا أتى بها على وفق مذهبنا، قال :
ولو أتى بها على وفق مذهبنا على وجه تأتى منه قصد القربة، كما لو جهل بشيء فسأل المفتي مثلا فأرشده إلى ما يوافق الحقّ فعمل به بقصد التقرب، فهل يلحق بالفاسدة في وجوب قضائها لكونها فاسدة عندهم من حيث المخالفة لمذهبهم وعندنا أيضا لكونها فاقدة شرط الولاية المعتبرة لدينا في قبول الأعمال؟
وجهان، أوجههما العدم، فإنّ ما دلّ على مضي أعمالهم بعد الإسلام يدلّ عليه في مثل الفرض بالفحوى بل شمول قوله(عليه السلام)في صحيحة الفضلاء وابن أذينة : « وكلّ عمل عمله » لمثل الفرض أوضح من شموله للعبادات الفاسدة الواقعة على وفق مذهبهم مع أنّ شرطية الولاية لقبول الأعمال على الظاهر ليس على وجه يكون منافيا لذلك، فلا ينبغي الاستشكال فيه . (1)
ثمّ إنّه لا فرق بين ترك الركن وعدمه وإطلاق الروايات .
ومن العجب ما حكي من العلاّمة حيث إنّه بعد ما روى صحيحة الفضلاء قال :

1مصباح الفقيه : كتاب الصلاة : 2 / 601.

صفحه 231
وهذا الحديث حسن الطريق وهل هو مطلق؟ نصّ علماؤنا على أنّه في الحجّ إذا لم يخلّ بشيء من أركانه لا يجب عليه الإعادة، أمّا الصوم والصلاة ففيهما إشكال من حيث إنّ الطهارة لم تقع على الوجه الصحيح والإفطار قد يقع منهم في غير وقته، ويمكن الجواب بأنّ الجهل عذر كالتقية، فصحّت الطهارة، والإفطار قبل الوقت إذا كان لشبهة قد لا يستعقب القضاء كالظلمة الموهمة فكذا هنا، وبالجملة فالمسألة مشكلة .
وأورد عليه في « الجواهر » وقال : إذ هو كما ترى كأنّه اجتهاد في مقابلة النص . (1)
الفرع الثالث : إذا دفع الزكاة إلى المؤمن ثمّ استبصر فهل هو يجزي أو لا اختار المصنّف الإجزاء .
قال في « الجواهر » : لو أعطى الزكاة أهل الولاية لا يعيد إذا استبصر تمسّكا بظاهر التعليل . (2)
ومراده من التعليل قول الإمام الصادق(عليه السلام): « لأنّه وضعها في غير موضعها » (3) وقول الباقر والصادق(عليهما السلام): « لأنّه وضع الزكاة في غير موضعها » . (4)
فالعلّة كما تعمّم فهكذا تخصّص، فالأمر بالإعادة وإن كان مطلقا لكن التعليل خصّصه بما إذا وضع في غير موضعها، والمفروض انّه وضعها في موضعه مع تمشّي القربة .

1الجواهر : 15 / 387 ـ 388.
2الجواهر : 15 / 387 ـ 388.
3الوسائل : 6، الباب 3 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 3 .
4الوسائل : 6، الباب 3 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 2 .

صفحه 232
المسألة 6 : النيّة في دفع الزكاة للطفل والمجنون عند الدفع إلى الوليّ إذا كان على وجه التمليك، وعند الصرف عليهما إذا كان على وجه الصرف . *
المسألة 7 : استشكل بعض العلماء في جواز إعطاء الزكاة لعوام المؤمنين الذين لا يعرفون اللّه إلاّ بهذا اللفظ، أو النبيّ أو الأئمّة كلاّ أو بعضا أو شيئا من المعارف الخمس واستقرب عدم الإجزاء، بل ذكر بعض آخر أنّه لا يكفي معرفة الأئمّة بأسمائهم، بل لا بدّ في كلّ واحد أن يعرف أنّه من هو، وابن من، فيشترط تعيينه وتمييزه عن غيره، وأن يعرف الترتيب في خلافتهم، ولو لم يعلم أنّه هل يعرف ما يلزم معرفته أم لا؟ يعتبر الفحص عن حاله، ولا يكفي الإقرار الاجماليّ بأنّي مسلم مؤمن واثنا عشريّ، وما ذكروه مشكل جدّا، بل الأقوى كفاية الإقرار الإجماليّ، وإن لم يعرف أسماءهم أيضا فضلا عن أسماء آبائهم والترتيب في خلافتهم، لكن هذا مع العلم بصدقه في دعواه أنّه من المؤمنين الاثني عشريّين، وأمّا إذا كان بمجرّد الدعوى ولم يعلم صدقه وكذبه فيجب الفحص عنه . **
............................................................................................
* قد عرفت أنّ دفع الزكاة إمّا بالتمليك أو بالصرف، وعلى ذلك فوقت النّية على الأوّل عند التمليك وعلى الثاني عند الصرف .
والمراد من الصرف هو تسليطهم على الزكاة على نحو ينتفعون بها في حاجاتهم .
** قد فصّل المصنّف في هذه المسألة على خلاف السيرة التي جرى عليها، فنقل عن بعض العلماء الإشكال في جواز إعطاء الزكاة لعوامّ المؤمنين الذين لا يعرفون اللّه إلاّ بهذا اللفظ، ثمّ نقل عن بعض آخر وجوب المعرفة التفصيلية وعدم

صفحه 233
كفاية المعرفة الإجمالية لأسماء الأئمّة .
أمّا الأوّل فهو صاحب الحدائق قال فيه :
نعم يبقى الإشكال في جملة من عوامّ الشيعة الضّعفة العقول من لا يعرفون اللّه سبحانه إلاّ بهذه الترجمة حتى لو سئل عنه من هو؟ لربّما قال : محمد أو علي، ولا يعرف الأئمّة(عليه السلام)كملا، ولا يعرف شيئا من المعارف الخمس أصلا فضلا عن التصديق بها، والظاهر انّ مثل هؤلاء لا يحكم بإيمانهم وإن حكم بإسلامهم وإجراء أحكام الإسلام عليهم في الدنيا، وأمّا في الآخرة فهم من المرجئين لأمر اللّه إمّا يعذبهم وإمّا يتوب عليهم، وفي إعطاء هؤلاء من الزكاة إشكال، لاشتراط ذلك بالإيمان، وهو غير ثابت، وليس كذلك النكاح والميراث ونحوهما فإنّ الشرط فيها الإسلام وهو حاصل، وبالجملة فالأقرب عندي عدم إجزاء إعطائهم . (1)
وأمّا الثاني فهو صاحب المستند فانّه بعد ان استجود مقالة « الحدائق » أضاف قائلا :
بل وكذلك لو عرف الكلّ بأسمائهم فقط، يعني مجرّد اللفظ ولم يعرف أنّه من هو؟ وابن من؟ إذ لا يصدق عليه انّه يعرفه ولا يتميّز عن غيره .
والحاصل : أنّه تشترط معرفته بحيث يعيّنه في شخصه ويميزه عن غيره، وكذا من لا يعرف الترتيب في خلافتهم، ولو لم يعلم أنّه هل يعرف ما تلزم معرفته أم لا فهل يشترط في الإعطاء الفحص عنه؟ الظاهر : نعم إذا احتمل في حقّه عدم المعرفة ولا يكفي الإقرار الإجمالي بأنّي مسلم مؤمن اثنا عشري . (2)
أقول : إذا كانت الضعفة على حدّ ربّما يتوهّم انّه سبحانه هو محمد وعلي فالحكم عليه بالإسلام مشكل فضلا عن كونه مؤمنا، بل لابدّ من الاعتقاد باللّه

1الحدائق الناضرة : 12 / 206.
2مستند الشيعة : 9 / 299 ـ 300.

صفحه 234
سبحانه وأنبيائه وخاتم رسله، وأوصيائه ويوم ميعاده على نحو الإجمال، وإلاّ فلا يصدق عليه انّه شيعي اثنا عشري إلاّ الانتماء إلى قبيلة شيعية وهو غير كاف .
نعم ما ذكره في « المستند » من لزوم الاعتقاد التفصيلي بالأئمّة فهو ممّا لا دليل عليه، والقول الوسط هو اعتقاده إجمالا بالأصول الثلاثة التوحيد والنبوة والمعاد ثمّ الاعتقاد بإمامة الأئمّة الاثني عشر، مبتدئا بعلي ومنتهيا بالإمام الثاني عشر، وأمّا الزائد على ذلك فهو فضل غير لازم في أخذ الزكاة .
ولو شككنا في لزوم المعرفة التفصيلية، فالبراءة هي الحاكمة على عدم لزوم المعرفة التفصيليّة، خصوصا انّ المخصص منفصل ( شرط الإيمان) مردّد بين كونه على وجه التفصيل أو الأعمّ منه والإجمال، فيأخذ بالعام وراء ما ورد الدليل القطعي على اعتباره وهو المعرفة الإجمالية .

فرع

إذا ادّعى انّه مؤمن مع أنّه شيعي اثنا عشري فهل يجوز دفع الزكاة إليه بمجرّد الادّعاء، أو لا بدّ من الفحص؟
الظاهر هو الثاني، فإنّ هذه المسألة كوزان سائر المسائل المتقدّمة من ادّعاء انّه فقير أو غارم أو ابن السبيل، فإنّ ترتّب الحكم فرع إحراز الموضوع بالدليل الشرعي وهو البيّنة أو الوثوق الذي هو علم عرفي، وفي غير تينك الصورتين لا تدفع إليه الزكاة .
نعم ادّعى المحقّق النراقي في المستند (1) عدم وجوب الفحص لقيام سيرة العلماء على عدمه، وجريان السيرة على سماع الدعوى .

1مستند الشيعة : 9 / 299 ـ 300.

صفحه 235
المسألة 8 : لو اعتقد كونه مؤمنا فأعطاه الزكاة ثمّ تبيّن خلافه، فالأقوى عدم الإجزاء . *
............................................................................................
لكن القدر المتيقّن من السيرة اقتران الادّعاء بقرائن تؤيّد هذه الدعوى، كما إذا ثبت انّه من بلد غالب عليه التشيّع أو قبيلة شيعية أو غير ذلك من القرائن التي تؤثر في الاطمئنان بصدق الدعوى، وأمّا الاكتفاء بمجرّد الدعوى فهو كما ترى .
ويقول السيد الشاهرودي في تعليقته : بل يقبل إقراره فيما لم يكن في البين ما يصلح للقرينيّة على المكر والخدعة، كما اتّفق كثيرا ممّن ادّعى ذلك ثمّ بعد مدّة تبيّن خلافه وصار بصدد الطعن علينا .
* قد مرّ الكلام في المسألة الثالثة عشرة - أعني : دفع الزكاة باعتقاد الفقر فبان كون القابض غنيا - وقد قلنا هناك : إنّه إذا دفع إلى الفقير بحجّة شرعية، كالخبر الواحد بناء على حجّيته في الموضوعات أو البيّنة فيجزي قطعا، وذلك لما ذكرنا من أنّ الأمر بالعمل بخبر الواحد أو البيّنة يلازم عرفا اجتزاء الشارع في تحصيل أغراضه بما أدّى إليه الخبر أو البيّنة برفع اليد عن الواقع فيما خالف الطريق، وقد أثبتنا ذلك في مبحث الإجزاء في الأصول .
ومقتضى هذا هو الإجزاء في المقام أيضا، وربّما يقال بالإجزاء اعتمادا على ترخيص الشارع وإذنه في الدفع لمن أعطى ومع صدور الإجازة ممّن بيده الأمر لا موجب للإعادة .
يلاحظ عليه : بأنّ مجرّد الترخيص والإذن لا يكون دليلا على الإجزاء - ما لم يكن هناك ملازمة بين الأمر بالعمل بخبر الواحد والاجتزاء في تحصيل المقاصد بما

صفحه 236
أدّت إليه الأمارة - وإلاّ فيرد على ذلك الدليل بأنّ الترخيص المزبور حكم ظاهري أو خيالي، وعلى التقديرين فهو مغيى بعدم انكشاف الخلاف . والمفروض حصول الغاية .
نعم ربما يستدلّ على الإجزاء بموثّقة عبيد بن زرارة، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)في حديث قال : قلت له : فإنّه لم يعلم أهلها فدفعها إلى من ليس هو لها بأهل، وقد كان طلب واجتهد ثمّ علم بعد ذلك سوء ما صنع؟ قال : « ليس عليه أن يؤدّيها مرة أخرى » . (1)
ونحوها صحيحة زرارة، غير أنّه قال : « إن اجتهد فقد برئ، وإن قصّر في الاجتهاد في الطلب فلا » . (2)
لما مرّ في السابق من أنّ موردهما ما إذا فحص عن مورد الزكاة ولم يظفر به فصرفه في غيره عامدا، وأين هو ممّن زعم انّه شيعي فبان غير شيعي؟ ! وقد أوضحنا مفاد الحديث فيما سبق فلاحظ .
***

1الوسائل 6، الباب 2 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1 .
2الوسائل 6، الباب 2 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 2 .

صفحه 237
الثاني : أن لا يكون ممّن يكون الدفع إليه إعانة على الإثم وإغراء بالقبيح، فلا يجوز إعطاؤها لمن يصرفها في المعاصي، خصوصا إذا كان تركه ردعا له عنها، والأقوى عدم اشتراط العدالة، ولا عدم ارتكاب الكبائر، ولا عدم كونه شارب الخمر، فيجوز دفعها إلى الفسّاق ومرتكبي الكبائر، وشاربي الخمر بعد كونهم فقراء من أهل الايمان وإن كان الأحوط اشتراطها، بل وردت رواية بالمنع عن إعطائها لشارب الخمر . نعم يشترط العدالة في العاملين على الأحوط، ولا يشترط في المؤلّفة قلوبهم، بل ولا في سهم سبيل اللّه، بل ولا في الرقاب وإن قلنا باعتبارها في سهم الفقراء . *
............................................................................................
* الأمر الثاني : أن لا يكون ممّن يكون الدفع إليه إعانة على الإثم وفيه فروع :
الأوّل : أن لا يكون الدفع إلى المستحقّ، إعانة على الإثم وإغراء بالقبيح .
الثاني : اشتراط العدالة في سهم الفقراء، بل يجوز دفعها إلى الفسّاق . ولا أقلّ من اشتراط عدم ارتكاب الكبائر، أو عدم كونه شارب الخمر على القول بعدم شرطيّة العدالة .
الثالث : اشتراط العدالة في العاملين دون المؤلّفة قلوبهم و« في سبيل اللّه » و « في الرقاب » وإن قلنا باعتبارها في سهم الفقراء .
وقد قدّم المصنّف الكلام في الأوّل على الثاني، غير أنّ طبيعة البحث كانت تقتضي العكس حيث إنّه إذا ثبت عدم اشتراط العدالة وجواز الدفع إلى الفاسق لا يبقى موضوع للكلام في الأوّل .
اللّهمّ إلاّ أن يقال : إنّ الحكم بجواز الدفع إلى الفاسق مختصّ بما إذا لم نعلم

صفحه 238
بصرفها في طريق العصيان وإلاّ فيمنع، فجواز دفعها إلى الفاسق لا يغنينا عن البحث في الأوّل، ونحن نقتفي ما رسمه المصنّف .

الفرع الأوّل : عدم كون الدفع إعانة على الإثم

يشترط في صحّة الزكاة عدم كون الدفع إعانة على الإثم وإغراء بالقبيح، فيستدلّ عليه بوجوه :
1 . قوله سبحانه : (تَعاوَنُوا عَلَى اَلْبِرِّ وَ اَلتَّقْوى وَ لا تَعاوَنُوا عَلَى اَلْإِثْمِ وَ اَلْعُدْوانِ). (1)
والاستدلال مبني على كون التعاون بمعنى مجرّد العون لا التعاون على نحو المشاركة القائمة بالطرفين بأن يعين هذا بهذا وهذا بذاك، وظاهر الآية حرمة التعاون على نحو المشاركة لا العون بجانب واحد، كما في المقام حيث إنّ المالك بدفعه إلى الفقير يعين على الإثم، لا العكس حيث لا يعين الفقير المالك على الإثم .
2 . انّ الزكاة شرّعت لرفع الحاجة وسدّ الخلّة، والمعاصي ليست من الحاجات . ففي صحيحة عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال : « إنّ اللّه عزّ وجلّ فرض للفقراء في أموال الأغنياء ما يكتفون به، ولو علم أنّ الذي فرض لهم لا يكفيهم، لزادهم، وإنّما يؤتى الفقراء فيما أوتوا من منع من منعهم حقوقهم، لا من الفريضة » . (2)
3 . ويمكن الاستئناس بما ورد في سهم الغارمين من أنّه لا يقضى الدين الذي صرف في المعصية من الزكاة، فإذا كان قضاء الدين الذي صرف في المعصية بالزكاة ممنوعا، فصرفها في نفس المعصية يكون أشدّ منعا وأوضح حرمة .

1المائدة : 2.
2الوسائل : 6، الباب 1 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 3 .

صفحه 239

الفرع الثاني : وفيه أقوال :

1 . اعتبار العدالة في المستحق

اختلفت كلمة فقهائنا في التعبير عن هذا الشرط وإن كان المجموع من حيث المجموع يدلّ على اعتبار شرطية العدالة .
وإليك تعابيرهم في اعتبار هذا الشرط، وإليك بيانها :

الف : اشتراط العدالة

1 . قال الشيخ في « المبسوط » : ويعتبر مع الفقر والمسكنة الإيمان والعدالة فإن لم يكن مؤمنا أو كان فاسقا فإنّه لا يستحقّ الزكاة . (1)
وقال في « الخلاف » : إنّ زكاة الأموال لا تعطى إلاّ العدول من أهل الولاية دون الفسّاق منهم . وخالف جميع الفقهاء في ذلك، وقالوا : إذا أعطي الفاسق برئت ذمّته . وبه قال قوم من أصحابنا . (2)
2 و 3 . قال في كتابي الجمل والاقتصاد : ويراعى فيهم أجمع إلاّ المؤلفة قلوبهم، الإيمان والعدالة . (3)
4 . قال السيد المرتضى في « الانتصار » : وممّا انفردت به الإماميّة، القول بأنّ الزكاة لا تخرج إلى الفسّاق وإن كانوا معتقدين الحق، وأجاز باقي الفقهاء أن تخرج إلى الفسّاق وأصحاب الكبائر . (4)
وقال أيضا : لا تحلّ الزكاة إلاّ لأهل الإيمان والاعتقاد الصحيح، وذوي الصيانة والنزاهة دون الفسّاق وأصحاب الكبائر . (5)

1المبسوط : 1 / 247.
2الخلاف : 4/224، كتاب الصدقات، المسألة 3 .
3الجمل والعقود : 103، الاقتصاد : 282.
4الانتصار : 82، ط النجف.
5جمل العلم والعمل ( رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة) : 79.

صفحه 240
5 . قال أبو الصلاح : مستحق الزكاة والفطرة، الفقير المؤمن العدل . (1)
6 . قال ابن البراج في « المهذب » : ويجب أن يعتبر في سائر ما ذكرناه من هؤلاء إلاّ المؤلفة قلوبهم، شروط ثلاثة : أوّلها : أن يكونوا من أهل العدالة والإيمان المعتقدين له . . . . (2)
7 . قال ابن حمزة : يعتبر الإيمان في جميع الأصناف إلاّ في المؤلّفة قلوبهم، والعدالة إلاّ في المؤلفة والغزاة . (3)
8 . قال ابن إدريس : والذين يفرّق فيهم الزكاة اليوم، ينبغي أن يحصل فيهم مع إحدى الصفات الأصلية، وهي المسكنة والفقر، وكونه ابن سبيل، وكونه غارما، أن ينضاف خمس صفات أخر إلى الصفات الأصلية، فتجتمع فيه ست صفات، وهي : الفقر والإيمان، والعدالة أو حكمهما . . . . (4)
9 . قال المحقّق في « الشرائع » : الوصف الثاني : العدالة : وقد اعتبرها كثير، واعتبر آخرون مجانبة الكبائر كالخمر والزنا دون الصغائر وإن دخل بها في جملة الفسّاق، والأوّل أحوط . (5)
10 . وقال بمثله في « المختصر النافع » . (6)
11 . وقال ابن سعيد الحلّيّ : ولا تحلّ الزكاة لمخالف في الاعتقاد ولا لفاسق . (7)
وهذه الكلمات صريحة في شرطية العدالة، وظاهرها هو العدالة المعتبرة في الشاهد وغيره .

1الكافي في الفقه : 173.
2المهذب : 1 / 169.
3الوسيلة : 129.
4السرائر : 1 / 459.
5الشرائع : 1 / 163.
6المختصر النافع : 1 / 59.
7الجامع للشرائع : 144.

صفحه 241

ب . عارفا تقيا

12 . قال المفيد : لا يجوز لأحد من الفقراء والمساكين ولا من الستة البواقي، إلاّ أن يكون عارفا تقيا . (1)

ج . عارفا عفيفا

13 . قال أيضا في الرسالة الغريّة : ولا يعطى منها فقير حتّى يكون عارفا عفيفا . (2)

د . عارفا من أهل الستر والصلاح

14 . قال الشيخ في « النهاية » : ولا يجوز أن يعطى الزكاة من أهل المعرفة إلاّ أهل الستر والصلاح، فأمّا الفسّاق وشراب الخمور فلا يجوز أن يعطوا منها شيئا . (3)
هذه التعابير الأربعة ترجع إلى شيء واحد، وهو اعتبار العدالة، لأنّ كون الرجل : عارفا تقيا، عارفا عفيفا، عارفا من أهل الستر والصلاح عبارة أخرى للعدالة .

2 . عدم ذكر اشتراط العدالة

وهناك من ذهب من أصحابنا إلى عدم اشتراط العدالة، منهم :
أ . علي بن بابويه القمّيّ في رسالته، قال : وإيّاك أن تعطي زكاتك لغير أهل

1المقنعة : 242.
2المختلف : 3 / 207.
3النهاية : 185.

صفحه 242
الولاية، ولم يذكر العدالة . (1)
ب . ولده الشيخ الصدوق محمد بن علي بن بابويه في كتاب « المقنع » (2) و« من لا يحضره الفقيه » . (3)
ج . سلاّر في مراسمه، فقد ذكر شروطا أربع، واكتفى في الشرط الأوّل بكونه معتقدا للحقّ من دون أن يذكر من العدالة شيئا . (4)

3 . التصريح بعدم الاشتراط

1 . العلاّمة في مختلفه حيث قال : والأقرب عندي عدم اشتراط العدالة . (5)
وقال في « المنتهى » بعد نسبة عدم اشتراطها إلى المفيد وابني بابويه وسلاّر : وبه قال أبو حنيفة والشافعي ومالك وأحمد، وهو الأقرب . (6)

4 . أن لا يكون مقيما على كبيرة

قال ابن الجنيد : لا يجوز إعطاء شارب الخمر أو مقيم على كبيرة منها شيئا . (7)
والمراد من الإقامة على الكبيرة هو الإدمان على ارتكابها دون من يرتكب أحيانا .

1مختلف الشيعة : 3 / 208.
2المقنع : 52.
3من لا يحضره الفقيه : 2 / 22 .
4المراسم : 132.
5مختلف الشيعة : 3 / 208.
6المنتهى : 1/523، الطبعة الحجرية .
7مختلف الشيعة : 3 / 207.

صفحه 243
هذه هي كلمات علمائنا الأبرار إلى عصر العلاّمة وقد عرفت أنّ أكثرهم ذهبوا إلى القول باشتراط العدالة، وانّ قليلا منهم صرّح بعدم اشتراط العدالة، بل استظهر عدم اشتراطها من عدم ذكرها، بابني بابويه وسلاّر في مراسمه والمفيد في غريّته .
وأمّا المتأخّرون فهم - كما وصفهم صاحب الجواهر - على عدم اعتبارها مطلقا، وحكاه في « الخلاف » عن قوم من أصحابنا، بعد أن عزاه إلى جميع الفقهاء من العامة .
فلا بدّ من تحليل المسألة على ضوء الكتاب والسنّة فنقول : تدلّ على عدم اعتبار العدالة الأمور التالية :

1 . حرمان أكثر الفقراء من الزكاة

لو قلنا باشتراط العدالة وفسرناها بالملكة الراسخة الرادعة عن ارتكاب الكبائر والإصرار على الصغائر وخلاف المروءة، يلزم حرمان أكثر الفقراء من هذه العطية الإلهية .
نعم لو فسرنا العدالة بمجرد حسن الظاهر، سواء أكشف عن وجود الملكة أم لا، يكون الحرمان أقلّ، إذ عندئذ يكفي عدم ظهور الفسق منهم، مع أنّ ذلك أيضا غير كاف في رفض الحرمان، لأنّ الأكثر غير خال عمّا يدلّ على فسقه لمن كان معاشرا .
وبالجملة الحكمة التي شرّعت لأجلها الزكاة تلزمنا على عدم اعتبار هذا الشرط، وإلاّ لغى التشريع وبقيت حاجات الفقراء والمساكين بحالها .

صفحه 244

2 . إطلاق الكتاب أو عمومه

يقول سبحانه : (إِنَّمَا اَلصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ اَلْمَساكِينِ وَ اَلْعامِلِينَ عَلَيْها
وَ اَلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ . . . ). (1)
حيث بيّن مواردها من غير تقييد بالعدالة في سهم الفقراء والمساكين الذي هو محط البحث من حيث الاشتراط وعدمه، فيقتصر في تقييد الإطلاق على معرفة أمر الأئمّة .
يلاحظ عليه : بأنّ الاستدلال بإطلاق الآية في هذا المقام وغيره غفلة عن سياقها، فقد جاء قبل هذه الآية قوله سبحانه : (وَ مِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي اَلصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَ إِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ)(2) .
فهذه الآية تعرب عن تطاول أعناق الناس إلى أخذ الصدقات من غير فرق بين غنيّهم وفقيرهم، ومن غير فرق بين العاملين عليها وغير العاملين، فكأنّ الصدقات عطية إلهية كالغنائم الحربية تصرف على المسلمين سواسية، غير أنّ للفارس سهمين وللراجل سهما واحدا . فنزلت الآية ردّا على تلك الفكرة الخاطئة
بالفرق بين الغنائم والصدقات، فالغنائم فيء للمجاهدين عامّة، ولكنّ الصدقات للطوائف الثمان لهم خصوصية تميّزهم عن غيرهم، وهي : الفقراء والمساكين و. . . .
وعلى ما ذكرنا فالحصر إضافي لا حقيقي والآية بصدد نقد الفكرة لا بصدد بيان تمام الموضوع للزكاة .
نعم لو قلنا بأنّ الدليل هو عموم العام ( الفقراء) لا إطلاق الموضوع حتى يقال بأنّ الآية ليست في مقام البيان، لأصبحت الآية دليلا على عدم اشتراط العدالة بلا إشكال .

1التوبة : 60.
2التوبة: 58.

صفحه 245

3 . سيرة النبي والوصي

إنّ السير في تاريخ عهد الرسالة يثبت انّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقسّم الزكاة بين المسلمين من دون أن يتفحّص عن عدالة القابض وعدمها، وتبعه بعده الخلفاء، فهكذا كان في عهد الخلافة الراشدة للإمام علي(عليه السلام)، فكان يقسّم بلا سؤال عن عدالة الرجل وتقواه .
وفيما روي عن النبي وأهل بيته(عليهم السلام)إشارة إلى أنّ الغاية من الزكاة هي سد عيلة الفقراء، فالموضوع هو الفقير بما هو فقير، فقد روي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)انّه قال : « إنّ اللّه تبارك وتعالى قد فرض عليكم الزكاة كما فرض عليكم الصلاة » . (1)
وقال الصادق(عليه السلام): « فلو انّ رجلا حمل الزكاة فأعطاها علانية لم يكن عليه في ذلك عيب، وذلك انّ اللّه عزّ وجلّ فرض للفقراء في أموال الأغنياء ما يكتفون به » . (2)
بل يظهر من بعض الآيات انّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)كان يعطي الزكاة لطائفة من الناس التي كانت تلمز النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فيرضون عند العطاء ويلمزون عند الحرمان، ومن المعلوم أنّ تلك الطبقة لا توصف بالعدالة، قال سبحانه : (وَ مِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي اَلصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَ إِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ). (3)
ولأجل ذلك يأمرهم سبحانه بالرضا بتقسيم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، يقول سبحانه :
(وَ لَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اَللّهُ وَ رَسُولُهُ وَ قالُوا حَسْبُنَا اَللّهُ سَيُؤْتِينَا اَللّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ رَسُولُهُ إِنّا إِلَى اَللّهِ راغِبُونَ). (4)

1الوسائل : 6، الباب 1 من أبواب ما يجب فيه الزكاة، الحديث 1 و 3 . وقد جمع ما روي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام)في حديث عبد اللّه بن سنان .
2الوسائل : 6، الباب 1 من أبواب ما يجب فيه الزكاة، الحديث 1 و 3 . وقد جمع ما روي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام)في حديث عبد اللّه بن سنان .
3التوبة : 58.
4التوبة : 59.

صفحه 246

4 . إطلاق الروايات الآمرة بدفع الزكاة إلى أهل الولاية

إنّ في المقام روايات تحثّ على إعطاء الزكاة للأصحاب والشيعة وأهل الولاية إلى غير ذلك من التعابير، ومن المعلوم أنّ الموضوعات التي أشير إليها أعمّ من العادل، إذ من البعيد أن يكون جميع الأصحاب في عصر واحد عدولا .
وإليك هذه الروايات :
1 . ففي مكاتبة علي بن بلال : « لا تعط الصدقة والزكاة إلاّ لأصحابك » . (1)
2 . وفي رواية عبد اللّه بن أبي يعفور، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام): « هي ( الزكاة) لأصحابك » . (2)
3 . وفي رواية إبراهيم الأوسي، عن الرضا (عليه السلام): « إذا دفعتها إلى شيعتنا فقد دفعتها إلينا » . (3)
4 . وفي رواية زرارة ومحمد بن مسلم، عن أبي جعفر(عليه السلام)وأبي عبد اللّه(عليه السلام): « الزكاة لأهل الولاية » . (4)
5 . وفي رواية الفضلاء عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه(عليهما السلام): « موضع الزكاة أهل الولاية » . (5)
6 . وفي رواية علي بن جعفر أنّه سأل أخاه موسى(عليه السلام)عن الزكاة هل هي لأهل الولاية؟ قال : « قد بيّن لكم ذلك في طائفة من الكتاب » . (6)
7 . وفي رواية أحمد بن حمزة قال : قلت لأبي الحسن(عليه السلام): رجل من مواليك له قرابة كلّهم يقول بك وله زكاة، أيجوز له أن يعطيهم جميع زكاته، قال : « نعم » . (7)

1الوسائل : 6، الباب 5 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 4 .
2الوسائل : 6، الباب 5 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 6 .
3الوسائل : 6، الباب 5 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 8 .
4الوسائل : 6، الباب 5 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 9 .
5الوسائل : 6، الباب 5 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 9 .
6الوسائل : 6، الباب 5 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 12، 15 .
7الوسائل : 6، الباب 15 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1 .

صفحه 247
فلو كانت الزكاة لأهل العدل منهم لكان في وسع الإمام أن يقيد في مورد واحد أهل الولاية بالعدل .

5 . إطلاق الروايات النافية لبعض الأصناف

هناك روايات تصرّح بعدم جواز الدفع إلى أصناف خاصة، كالمجبّرة(1)، والمجسّمة(2) والواقفية(3) والزيدية (4)والكافر والمنافق والناصب . (5)
فلو كان الفاسق مثل هؤلاء، لجاء التصريح بالمنع في الروايات .

6 . ما يدلّ على جواز الدفع إلى الفاجر بقدر

روى بشر بن بشار، قال : قلت للرجل - يعني : أبا لحسن(عليه السلام)-: ما حدّ المؤمن الذي يعطى الزكاة؟ قال : « يعطى المؤمن ثلاثة آلاف ثمّ قال : أو عشرة آلاف ويعطى الفاجر بقدر، لأنّ المؤمن ينفقها في طاعة اللّه والفاجر في معصية اللّه » . (6) ولو لا انّ الرواية مرسلة لكان دليلا على جواز الإعطاء حتى في صورة العلم في صرفها في معصية اللّه، إلاّ أنّ الإرسال يصدّنا عن الاستدلال به .

7 . سيرة الحسن والحسين(عليهما السلام)

روى عبد الرحمن العزرمي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام): قال : « جاء رجل إلى الحسن والحسين (عليهما السلام)وهما جالسان على الصفا فسألهما، فقالا : إنّ الصدقة لا تحلّ إلاّ في دين موجع، أو غرم مفظع، أو فقر مدقع، ففيك شيء من هذا؟ قال : نعم،

1الوسائل : 6، الباب 7 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1.
2الوسائل : 6، الباب 7 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 2.
3الوسائل : 6، الباب 7 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 4.
4 . الوسائل:6، الباب 5 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 5.
5الوسائل : 6، الباب 5 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 13 .
6الوسائل : 6، الباب 17 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 2 .

صفحه 248
فأعطياه » . (1)
ولعلّ فيما ذكرنا من الأدلّة السبعة غنى وكفاية، خصوصا إذا قلنا بأنّ المراد من العدالة في كلمات الأصحاب هو حسن الظاهر، وعندئذ يكون الفصل بين القولين قليلا; بخلاف ما إذا قلنا بأنّ المراد من العدالة هو حسن الظاهر الكاشف عن الملكة الراسخة الرادعة عن ارتكاب الكبائر والإصرار على الصغائر .

أدلّة القائلين بشرطية العدالة

استدلّ القائلون بشرطية العدالة بوجوه ذكرها صاحب الجواهر بحماس، وبذل غاية جهده في دعم الرأي المشهور، وإليك دراسة هذه الأدلّة :

1 . الإجماع

قد عرفت أنّ السيد المرتضى وابن زهرة نقلا الإجماع على هذا الشرط، فقال المرتضى في « الانتصار » : « لا تخرج إلى الفسّاق » .
وقال ابن زهرة في « الغنية » : ويجب أن يعتبر فيمن تدفع الزكاة إليه من الأصناف الثمانية - إلاّ المؤلّفة قلوبهم والعاملين عليها - الإيمان والعدالة . (2)
وعلّل هذا الشرط وسائر الشرائط بالإجماع في آخر كلامه .
يلاحظ عليه : أنّ المسألة ليست إجماعية، وقد عرفت خلو كلام ابني بابويه

1الوسائل : 6، الباب 1 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 6 . والغرم المفظع : ما تشتد شناعته وفضاعته، والفقر المدقع : المذلّ كأنّه لصق بالتراب .
2غنية النزوع : 2 / 124.

صفحه 249
والمفيد وسلاّر عن هذا القيد، كما عرفت أنّ العلاّمة نصّ على عدم اعتبار هذا الشرط في « المختلف » بل حكى شيخنا الطوسي في « الخلاف » عدم الاعتبار عن قوم من أصحابنا .
ولو افترضنا ثبوت الإجماع، فالإجماع مدركي استند المجمعون على الأدلّة التالية، فلا قيمة لهذا الإجماع .

2 . خبر أبي خديجة ( سالم بن مكرم

ففيه : « فليقسّمها - أي الزكاة - في قوم ليس بهم بأس، أعفّاء عن المسألة لا يسألون أحدا شيئا » . (1)
يلاحظ عليه : بأنّه لا دلالة لقوله : « ليس بهم بأس » على اعتبار العدالة، لأنّ المراد من البأس هو القدرة وقوله : « أعفّاء . . . لا يسألون . . . » كناية عن تعفّفهم عن السؤال .

3 . خبر داود الصرمي(2)

قال : سألته عن شارب الخمر يعطى من الزكاة شيئا؟ قال : « لا » . (3) بناء على عدم القول بالفصل بين شرب الخمر وغيره من الكبائر .
يلاحظ عليه : بأنّه قياس مع الفارق، حيث ورد النهي عن تزويج الجارية

1الوسائل : 6، الباب 14 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 6 .
2من أصحاب الإمام الهادي(عليه السلام)يكنّى أبا سليمان .
3الوسائل : 6، الباب 17 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1; وفي التهذيب : 4/70 رقم 138، عن داود الصرمي .

صفحه 250
بشارب الخمر (1) وقد لعن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)في الخمر عشرة . (2) ولم يرد في غيره من أصحاب الكبائر .
4 . ما دلّ على منع ابن السبيل إذا كان سفره معصيةوالغارم إذا كان غرم كذلك .
يلاحظ عليه : بأنّه قياس لا نقول به، وعلى فرض الصحّة فهو قياس مع الفارق حيث إنّ الغارم تصرّف في أداء الدين الذي صرفه في المعصية، بخلاف المقام فإنّه يدفع للفقير بما هو فقير ليصرفه في حاجاته المحللة وربّما يصرفها في حاجاته لا في المعصية .
نعم لو علم أنّه يصرفه في الحرام، يمكن الاستدلال على المنع بالقياس عليه .
أمّا الأوّل فالأصل فيه قوله سبحانه : (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَ اَلْيَوْمِ اَلآْخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اَللّهَ وَ رَسُولَهُ وَ لَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ). (3)
ومعنى الآية يوالون من خالف اللّه ورسوله، والمعنى : لا تجتمع موالاة الكفّار، مع الإيمان، والمراد به الموالاة في الدين . (4) وعلى ذلك لا دلالة للآية على المقصود .
أمّا أوّلا : فلأنّ الآية تنهى عن موالاة الكفّار، لا الفسّاق، ويؤيّده سياق الآية .

1الوسائل : 14، الباب 29 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 1 ـ 5 .
2الوسائل : 12، الباب 55، من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4 .
3المجادلة : 22 .
4مجمع البيان : 5/255 طبعة لبنان، صيدا.

صفحه 251
وثانيا : المنهي عنه هو الموالاة في الدين، لا الموالاة الفطرية التي هي من آثار الوشائج الرحمية كالأبوّة والبنوّة .
وعلى كلّ طريق فليس تمويل الفقير وسدّ خلته لأجل الموالاة، بل لأجل امتثال أمره سبحانه، ولولاه لأمسك عن الإنفاق مطلقا .
وأمّا الثاني فالأصل فيه قوله سبحانه : (وَ لا تَرْكَنُوا إِلَى اَلَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ اَلنّارُ وَ ما لَكُمْ مِنْ دُونِ اَللّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ). (1)
والركون إلى الشيء هو السكون إليه بالمحبة له والإنصات إليه ونقيضه النفور، والمراد من الظالمين المشركون والسورة مكية، والمراد لا تميلوا إلى المشركين بشيء من دينكم، أو لا تداهنوا الظلمة، أو الدخول معهم في ظلمهم، وأين هذا من سدّ عيلة الفقير الذي يكذب، أو يغتاب أو ينمّ أو يستمع إلى الأغاني وغير ذلك؟
و ربما يكون الحافز إلى دفع الزكاة، ردعه عن العصيان، ودفعه إلى الإطاعة .
5 . ما ورد انّها تقسم على أولياء اللّه المعلوم عدم كون الفسّاق منهم . (2)
يلاحظ عليه : أنّ للولاية مراتب مختلفة، فلو أخذنا بإطلاقه فلا يشمل إلاّ الأمثل فالأمثل، ولعلّ المراد منهم هو أهل الإيمان، في مقابل الكفّار، فانّ الناس بين مؤمن من أولياء اللّه سبحانه وكافر من أولياء الطاغوت، قال اللّه سبحانه : (اَللّهُ وَلِيُّ اَلَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ اَلظُّلُماتِ إِلَى اَلنُّورِ وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ اَلطّاغُوتُ)(3) .

1هود : 113.
2الوسائل : 6، الباب 14 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 1 .
3البقرة : 257.

صفحه 252

6 . قاعدة الشغل

والمراد منها هو انّ الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية، ولا تحصل إلاّ بالإعطاء إلى العادل .
يلاحظ عليه : أنّ التمسّك بالأصل إنّما يصحّ إذا لم يكن هناك دليل اجتهادي، وإلاّ فلا تصل النوبة إلى ذلك الأصل .
وبالجملة : لا يمكن إثبات هذا الشرط بهذه الأدلّة .
وهناك من لم يشترط العدالة لكن منع عن الدفع لمرتكبي الكبائر خصوصا المتجاهر بالفسق .
ويمكن الاستدلال عليه بأنّه القدر المتيقّن من أدلّة الجواز والمنع والمراد كون الرجل متهتّكا متظاهرا بالفسق على نحو يشمئز أهل الإيمان من مخالطته ومجالسته، مضافا إلى عدم كونه شارب الخمر الذي ورد في رواية الصرمي والمراد منه هو المعتاد المدمن، ولعلّه إلى ما ذكرنا يرجع قول ابن الجنيد : « المقيم على الكبائر » ، وأمّا من صدر منه العصيان لعوامل قاهرة في وقت دون وقت فهو باق تحت العمومات ولا يشمله أدلّة القائل بالتخصيص .
إلى هنا تمّ الكلام في الفرعين الأوّلين بقي الكلام في الفرع الأخير .

الفرع الثالث : اعتبار العدالة في العاملين و . .

هذا هو الفرع الثالث، وقد ذهب المصنّف إلى اعتبارها فيهم .
قد استدلّ على اعتبارها فيهم، بوجوه ثلاثة :
1 . الإجماع على اعتبارها فيهم وهو الحجّة بعد اعتضاده بالتتبّع .
2 . بما في العمالة من تضمن الاستيمان .

صفحه 253
وقد سمعت ما في الصحيح من أنّه « لا توكّل به إلاّ ناصحا شفيقا أمينا » (1) . (2)
والجميع كما ترى، إذ ليس من هذا الإجماع عين ولا أثر في كلمات القدماء .
وأمّا الاستيمان فلا يقتضي سوى الوثوق لا العدالة، كما أنّ المراد من الحديث هو الوثوق لا العدالة .
على أنّه لو قلنا باعتبار العدالة فلا يعتبر في حال أخذ الزكاة لأجل العمل وإنّما يعتبر في حال العمل .
أضف إلى ذلك انّ دفع الزكاة إليهم من باب الأجرة والجعل فيبعد اعتبار العدالة وراء الوثوق في حال العمل فضلا عن حال الأخذ، وأقصى ما يمكن أن يقال : انّه يعتبر فيهم القوة والأمانة كما في قوله سبحانه : (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اِسْتَأْجَرْتَ اَلْقَوِيُّ اَلأَمِينُ). (3)
وأمّا قول الإمام علي(عليه السلام): « ولا تأمننّ عليها إلاّ من تثق بدينه » (4) فالمراد بمناسبة الحكم والموضوع، هو الأمانة بأن يكون ذا ملكة في مورد الأمانات حيث لا يخونها أبدا، وأمّا ترك المعاصي كلّها كاستماع الغيبة فلا تدلّ عليه .
وأمّا « ابن السبيل » و « الغارم » و « في الرقاب » فقد تقدّم ما هو المعتبر فيها من عدم الصرف في المعصية، فلا يعتبر فيهم العدالة، وقد ورد في حديث العالم(عليه السلام)ما هو المعتبر فيهم، فقال في الغارمين : « والغارمين قوم قد وقعت عليهم ديون أنفقوها في طاعة اللّه من غير إسراف » .

1الوسائل : 6، الباب 14 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث.
2الجواهر : 15/394 . نقلا عن الإرشاد والدروس والمهذب البارع والروضة.
3القصص : 26.
4الوسائل : 6، الباب 14 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 7 .

صفحه 254
المسألة 9 : الأرجح دفع الزكاة إلى الأعدل فالأعدل، والأفضل فالأفضل، والأحوج فالأحوج، ومع تعارض الجهات يلاحظ الأهمّ فالأهمّ المختلف ذلك بحسب المقامات . *
............................................................................................
وقال في ابن السبيل : ابن السبيل، أبناء الطريق الذين يكونون في الأسفار في طاعة اللّه » . (1)
فلا يشترط فيهم غير ما ورد في هذا الحديث، وأمّا سهم سبيل اللّه فقد عرفت أنّه لا يوصف بالإيمان والكفر ولا بالعدالة والفسق بل كلّ عمل قربي أو عمل لصالح المسلمين يستفيد منه المؤمن من دون فرق بين العادل والفاسق .
وأمّا سهم ذوي الرقاب فعدم الاشتراط واضح، فإنّ الهدف تغليب الحرية على الرقّية وإخراج أبناء البشر عن زي الرقية .
ثمّ إنّ هنا أمرا كان على المصنّف التنبيه عليه وهو انّه لو قلنا باعتبار العدالة هل يجب الفحص عنه أو لا؟
الظاهر انّه يختلف الحكم حسب اختلاف ما هو المشترط، فلو قلنا بأنّ المعتبر هي الملكة الراسخة فيجب الفحص عنها، ومثله ما لو قلنا بأنّ المعتبر هو الحسن الظاهر سواء أكان كاشفا عن الملكة أو لا، وأمّا إذا كان الفسق أو الاستهتار مانعا فيكفي في إحرازه الأصل .
* قد صرّح الأصحاب باستحباب ترجيح بعض المستحقّين على بعض لأسباب تقتضي ذلك، ككونه أفضل، أو كونه ممّن يستحيي السؤال، أو كونه رحما .

1الوسائل : 6، الباب 1 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 7 .

صفحه 255
وقد عقد الكليني في « الكافي » بابا (1) تحت عنوان « تفضيل أهل الزكاة بعضهم على بعض » أورد فيه روايات .
ويقع الكلام في مقامات ثلاثة :
1 . ما هو ملاك التفضيل؟
2 . هل التفضيل واجب أو مستحب؟
3 . إذا كان التفضيل واجبا أو مستحبا فكيف تعالج سيرة الإمام علي(عليه السلام)في تقسيم بيت المال بالسوية وأمره بذلك، وكذلك فعل السابقين عليه؟
وإليك الكلام فيها واحدا بعد الآخر .

1 . ما هو ملاك التفضيل

يظهر ممّا رواه المشايخ في الروايات انّ ملاك التفضيل أمور ثمانية :
1 . الهجرة في الدين .
2 . العقل .
3 . السعة .
4 . تفضيل من لا يسأل على من يسأل .
5 . من يخاف من جزعه وهلعه .
6 . أهل الورع من حملة القرآن .
7 . تقديم الأرحام على غيرهم .
8 . تقديم المتجمّلين في صدقة الخف والظلف .
وإليك نقل ما يدلّ على تلك الأمور .

1الكافي : 4/549، تحقيق الغفاري .

صفحه 256
1 . روى عتيبة، عن عبد اللّه بن عجلان السكوني، قال : قلت لأبي جعفر(عليه السلام): إنّي ربما قسّمت الشيء بين أصحابي أصلهم به فكيف أعطيهم؟ فقال : « أعطهم على الهجرة في الدين والعقل والفقه » . (1)
2 . وروى عبد الرحمن بن الحجاج، قال : سألت أبا الحسن الأوّل(عليه السلام)عن الزكاة، يفضّل بعض من يعطى ممّن لا يسأل على غيره؟ فقال : « نعم، يفضّل الذي لا يسأل على الذي يسأل » . (2)
3 . روى عنبسة بن مصعب، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)، قال : سمعته يقول : « أتي النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بشيء يقسّمه فلم يسع أهل الصفّة جميعا، فخصّ به أناسا منهم، فخاف رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)أن يكون قد دخل قلوب الآخرين شيء، فخرج إليهم، فقال : معذرة إلى اللّه عزّ وجلّ وإليكم يا أهل الصفّة، إنّا أوتينا بشيء فأردنا أن نقسّمه بينكم فلم يسعكم فخصصت به أناسا منكم خشينا جزعهم وهلعهم » . (3)
4 . ما روي عن أمير المؤمنين(عليه السلام)فيما سأله الرجل اليماني، حيث قال : يا أمير المؤمنين إنّي أريد أن أتصدّق بعشرة آلاف، فمن المستحقّ لذلك يا أمير المؤمنين؟
فقال أمير المؤمنين(عليه السلام): « فرّق ذلك في أهل الورع من حملة القرآن، فما تزكو الصنيعة إلاّ عند أمثالهم، فيتقوّون بها على عبادة ربّهم وتلاوة كتابه » فانتهى الرجل إلى ما أشار به أمير المؤمنين (عليه السلام). (4)
5 . روى إسحاق بن عمّار، عن أبي الحسن موسى(عليه السلام)قال : قلت له : لي

1الوسائل : 6، الباب 25 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 2 .
2الوسائل : 6، الباب 25 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1 .
3الوسائل : 6، الباب 28 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 2 .
4المستدرك : 7/114، الباب 14 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1 .

صفحه 257
قرابة أنفق على بعضهم وأفضّل بعضهم على بعض فيأتيني إبّان الزكاة، أفأعطيهم منها؟ قال : « مستحقّون لها؟ » .
قلت : نعم، قال : « هم أفضل من غيرهم، أعطهم » . (1)
6 . ويظهر من رواية عبد اللّه بن سنان تقديم المتجمّلين من المسلمين في صدقة الخفّ والظلف على غيرهم، وتقديم الفقراء المدقعين فيما يكال بالقفيز ممّا أخرجت الأرض على غيرهم . (2)
هذه هي الروايات الواردة ولكنّها لا توافق ما ذكره المصنّف حيث قال :
« الأرجح دفع الزكاة إلى الأعدل فالأعدل، والأفضل فالأفضل، والأحوج فالأحوج » ، ولا دليل على الترتيب المذكور فلا محيص من القول بتقديم الأصلح فالأصلح على غيره، ولعلّه يختلف حسب اختلاف المقامات .

2 . التفضيل مستحب

ثمّ إنّ الظاهر من الشيخ المفيد لزوم الترجيح .
قال المفيد : يجب تفضيل الفقراء في الزكاة على قدر منازلهم في الفقه والبصيرة والطهارة والديانة، والأقرب الاستحباب، وهو المشهور . (3)
ولكن الشيخ المفيد قد انفرد في هذه الفتوى، ولم يوافقه أحد ولسان الروايات هو الاستحباب .

1الوسائل : 6، الباب 15 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 2 .
2الوسائل : 6، الباب 26 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1 .
3المقنعة : 259.

صفحه 258

3 . كيف تعالج الروايات الدالّة على لزوم التسوية

يدلّ بعض الروايات على أنّ سيرة الوصي (عليه السلام)كانت هي التسوية لا التفضيل .
روى الشيخ في « التهذيب » بسنده عن حفص بن غياث، قال : سمعت أبا عبد اللّه(عليه السلام)يقول، وسئل عن قسم بيت المال؟ فقال : « أهل الإسلام هم أبناء الإسلام أسوّي بينهم في العطاء، وفضائلهم بينهم وبين اللّه، أجعلهم كبني رجل واحد لا يفضل أحد منهم لفضله وصلاحه في الميراث على آخر ضعيف
منقوص » .
قال : « وهذا هو فعل رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)في بدوأمره، وقد قال غيرنا : أقدّمهم في العطاء بما قد فضلهم اللّه تعالى بسوابقهم في الإسلام، إذا كانوا بالإسلام قد أصابوا ذلك فأنزلهم على مواريث ذوي الأرحام بعضهم أقرب من بعض، وأوفر نصيبا لقربه من الميت، وإنّما ورثوا برحمهم، وكذلك كان عمر يفعله » . (1)
هذا ويمكن حمل الرواية على مال الخراج، وهو الذي علم من النبي وعلي(عليهما السلام)في زمن خلافته تسوية الناس في قسمته ويؤيّده ما عن علي(عليه السلام)في « نهج البلاغة » لمّا عوتب على التسوية في العطاء : « أتأمروني أن أطلب النصر بالجور فيمن ولّيت عليه؟ ! واللّه لا أطور به ما سمر سمير، وما أمّ نجم في السماء نجما! لو كان المال لي لسوّيت بينهم، فكيف! وإنّما المال مال اللّه » . (2)

1الوسائل : 11، الباب 39 من أبواب جهاد العدو، الحديث 3 .
2نهج البلاغة، الخطبة 126 .

صفحه 259
الثالث : أن لا يكون ممّن تجب نفقته على المزكّي كالأبوين وإن علوا، والأولاد وإن سفلوا من الذكور أو من الإناث، والزوجة الدائمة الّتي لم يسقط وجوب نفقتها بشرط أو غيره من الأسباب الشرعيّة، والمملوك سواء كان آبقا أو مطيعا، فلا يجوز إعطاء زكاته إيّاهم للإنفاق . *
............................................................................................
* في المسألة فروع ثلاثة:
1 . يشترط في الفقير أن لا يكون واجب النفقة بالنسبة إلى المزكّي كالأبوين والزوجة .
2 . حكم الدفع إلى واجب النفقة من باب التوسعة في المعيشة كلبس الألبسة الفاخرة، وأكل الفواكه الغالية وهكذا .
3 . لو كان عند الفقير ( واجب النفقة) من تجب نفقته عليه لا على المزكّي، يجوز دفع الزكاة إليه ليصرفها في نفقته، لا في نفقة نفسه .
وقبل دراسة الفروع الثلاثة نلفت نظر القارئ إلى نكتة وهي : انّ هنا مسألتين يجب التفكيك بينهما وتحرير كلّ واحدة في محلّها .
1 . دفع المالك زكاته إلى من تجب نفقته عليه، وهذا هو الذي يبحث عنه في المقام .
2 . دفع المالك زكاته إلى من تجب نفقته على غيره، كدفع زيد زكاته إلى والد عمروالذي نفقته على عمرو، لا على زيد .
وقد حصل الخلط في كلام الشيخ الأعظم وغيره عند تحرير المسألة الأولى فطرحوا أمورا، تناسب المسألة الثانية لا الأولى، ولقد أحسن المصنّف حيث طرح الثانية في المسألة الحادية عشرة، فلاحظ .

صفحه 260
إذا عرفت ذلك، فلندرس كلّ واحد من هذه الفروع واحدا تلو الآخر .

الأوّل : حكم دفع المالك زكاته إلى من تجب نفقته عليه

قال في « الحدائق » : وهذا الحكم ممّا لا خلاف فيه بين الأصحاب . (1)
وقال في « الجواهر » : بلا خلاف أجده فيه، بل يمكن تحصيل الإجماع عليه، فضلا عن محكيّه في التذكرة والتحرير وفوائد الشرائع والمدارك، بل في المحكي عن« المنتهى » انّه قول من يحفظ عنه العلم .
ولو كان هناك اختلاف، فإنّما هو في دفع الزوجة زكاتها إلى الزوج .
قال العلاّمة في « المختلف » : قال علي بن بابويه في رسالته إلى ولده، وولده في مقنعه : ولا تعط من أهل الولاية الأبوين والولد ولا الزوج والزوجة، والمشهور الاقتصار على العمودين - أعني : الآباء والأولاد والزوجة والمملوك - أمّا الزوج فانّه يجوز الدفع إليه . (2)
وسيوافيك الكلام في الزوج، ولنذكر بعض الكلمات .
قال الشيخ في « النهاية » : ولا يجوز أن يعطي الإنسان زكاته لمن تلزمه النفقة عليه، مثل الوالدين والولد والجدّ والجدّة، والزوجة والمملوك، ولا بأس أن يعطي من عدا هؤلاء من الأهل والقرابات من الأخ والأخت وأولادهما، والعم والخال والعمة والخالة وأولادهم . (3)
وفي « المقنعة » أيضا قريب من ذلك، فراجع . (4)
وقال الخرقي في متن المغني : ولا يعطى من الصدقة المفروضة للوالدين وإن

1الحدائق : 12 / 210.
2المختلف : 3 / 239.
3النهاية : 186.
4المقنعة : 40.

صفحه 261
علوا ولا للولد وإن سفل، ثمّ قال : ولا للزوج ولا للزوجة .
وقال ابن قدامة في شرحه : قال ابن المنذر : أجمع أهل العلم على أنّ الزكاة لا يجوز دفعها إلى الوالدين في الحال التي يجبر الدافع إليهم على النفقة عليهم، ولأنّ دفع زكاته إليهم تغنيهم عن نفقته وتسقطها عنه ويعود نفعها إليه، فكأنّه دفعها إلى نفسه فلم تجز كما لو قضى بها دينه . (1)
واستدلّ له بالعقل والنقل .
أمّا الأوّل فبوجهين :
1 . انّ دفع الزكاة المسقطة لوجوب الإنفاق عنه صرف للزكاة في مؤونته، وهو مخالف لأدلّة الزكاة المشتملة على عنوان الإيتاء والدفع والإخراج .
2 . انّ هنا واجبين :
الف : إيتاء الزكاة .
ب : الإنفاق على من تجب النفقة عليه . (2)
وظاهر الدليلين هو عدم التداخل، واقتضاء كلّ سبب امتثالا خاصا، فقيام امتثال واحد، مكان امتثالين، يحتاج إلى الدليل .
ومع ذلك كلّه فالأولى الرجوع إلى الأدلّة الشرعية وتبيين سعة الموضوع وضيقه، وقد وردت في ذلك روايات :
1 . صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال : « خمسة لا يعطون من الزكاة شيئا : الأب والأم والولد والمملوك والمرأة، وذلك أنّهم عياله لازمون له » . (3)

1المغني : 2 / 511.
2البيان : 193.
3الوسائل : 6، الباب 13 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1 .

صفحه 262
2 . مرفوعة عبد اللّه بن الصلت، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)انّه قال : « خمسة لا يعطون من الزكاة : الولد والوالدان والمرأة والمملوك، لأنّه يجبر على النفقة عليهم » . (1)
3 . خبر زيد الشحّام عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال في الزكاة : « يعطى منها الأخ والأخت والعمّ والعمّة والخال والخالة، ولا يعطى الجدّ ولا الجدة » . (2)
4 . خبر إسحاق بن عمّار، عن أبي الحسن موسى(عليه السلام)- في حديث - قال : قلت : فمن ذا الذي يلزمني من ذوي قرابتي حتى لا أحتسب الزكاة عليهم؟
قال : « أبوك وأمّك » ، قلت : أبي وأمي، قال : « الوالدان والولد » . (3)
وفي السند عبد الملك بن عتبة، وفي بعض عبد اللّه بن عتبة، والصحيح هو الأوّل، والمراد به هو النخعي لا الليثي، لأنّه متقدّم في الطبقة على إسحاق بن عمّار . لاحظ رجال النجاشي برقم 633 .
والظاهر من سؤال الراوي وضوح المسألة عندهم وإنّ هناك من لا يجوز صرف الزكاة في حقّهم، ولذلك قال : فمن ذا الذي يلزمني من ذوي قرابتي حتى لا أحتسب الزكاة عليهم؟
5 . وخبر أبي خديجة عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال : « لا تعط من الزكاة أحدا ممّن تعول » . (4)
6 . أخرج البيهقي في سننه عن عبد اللّه بن المختار، قال : قال علي بن أبي طالب(عليه السلام): ليس لولد ولا لوالد حقّ في صدقة مفروضة، ومن كان له ولد أو والد

1الوسائل : 6، الباب 13 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 4 .
2الوسائل : 6، الباب 13 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 3.
3الوسائل : 6، الباب 13 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 2.
4الوسائل : 6، الباب 14 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 6 .

صفحه 263
فلم يصله فهو عاقّ . وروينا عن ابن عباس أنّه قال : لا تجعلها لمن تعول . (1)
وفي هذه الروايات غنى وكفاية .
والعنوانات الواردة في هذه الروايات عبارة عن :
1 . ذلك انّهم عياله لازمون له .
2 . لأنّه يجبر على النفقة عليهم .
3 . ممّن تعول .
وهناك روايات تعارض بظاهرها لما ذكرناه .
1 . رواية عمران بن إسماعيل القمّي، قال : كتبت إلى أبي الحسن الثالث(عليه السلام): إنّ لي ولدا رجالا ونساء، أفيجوز أن أعطيهم من الزكاة شيئا؟ فكتب(عليه السلام): « إنّ ذلك جائز لك » . (2)
2 . مرسل محمد بن جزّك، قال : سألت الصادق(عليه السلام): أدفع عشر مالي إلى ولد ابنتي؟ قال : « نعم، لا بأس » . (3)
3 . صحيحة علي بن يقطين، قال : قلت لأبي الحسن الأوّل(عليه السلام): رجل مات وعليه زكاة وأوصى أن تقضى عنه الزكاة، وولده محاويج إن دفعوها أضرّ ذلك بهم ضررا شديدا؟ فقال : « يخرجونها فيعودون بها على أنفسهم، ويخرجون منها شيئا فيدفع إلى غيرهم » . (4)
يلاحظ على الأوّل بوجوه :
الأوّل : احتمال انّ المراد من الولد الأقارب الذين يصلح إطلاق الولد عليهم مجازا، كما عليه العلاّمة في « المنتهى » .

1سنن البيهقي : 7/28، كتاب قسم الصدقات، باب لا يعطيها من تلزمه نفقته .
2الوسائل : 6، الباب 14 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 3.
3الوسائل : 6، الباب 14 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 4.
4الوسائل : 6، الباب 14 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 5.

صفحه 264
الثاني : يحتمل أن يكون المراد من الزكاة، زكاة التجارة المندوبة .
الثالث : كما يحتمل أن يكون هذا الحكم مختصا بالراويّ بقرينة قوله : « لك » وأمّا وجه الاختصاص فلأمر بينه وبين الإمام .
وعلى كلّ تقدير ليست الرواية صريحة في جواز الإنفاق من الزكاة على واجب النفقة للمزكّي من الزكاة الواجبة، فلا يمكن رفع اليد به عن الروايات الصريحة .
ويلاحظ على الثاني - مضافا إلى الإرسال - : أنّ المراد المشاورة في هبة العشر من أمواله إلى ولد بنته، وليس سؤالا عن الزكاة، كما يحتمل أن يكون ولد البنت غير واجب النفقة على الجدّ لوجود الأب له .
وأمّا الثالث فيلاحظ عليه بخروج المورد عن وجوب النفقة بموت الأب، فلذلك يجوز دفع زكاة الوالد بعد موته إلى أولاده .
وربما يتخيل أيضا وجود التعارض بين الأدلّة المانعة وما دلّ على جواز دفع الرجل زكاته لقرابته أو لأهل بيته، وقد عقد صاحب الوسائل لذلك بابا(1) غير أنّ الإطلاقات المجوزة تخصّص بالأدلّة المانعة، أي الخمسة الذين لا تعطى لهم الزكاة .
ثمّ إنّك قد عرفت أنّ الزوجة ممّن تجب نفقتها على الزوج فلا يجوز دفع الزكاة إليها من باب النفقة، فهل الحكم كذلك في مطلق الزوجة، أو يختصّ الحكم بمن لم يسقط وجوب نفقتها بشرط أو نشوز وإلاّ فيجوز دفع الزكاة إليها؟
الظاهر عمومية الحكم لمطلق الزوجة، سواء أسقط وجوب نفقتها بشرط أو لا، على أنّ إسقاط النفقة بالشرط غير صحيح موضوعا، لأنّ وجوب النفقة حكم

1الوسائل : 6، الباب 5 من أبواب المستحقّين للزكاة .

صفحه 265
بل ولا للتوسعة على الأحوط، وإن كان لا يبعد جوازه إذا لم يكن عنده ما يوسّع به عليهم، نعم يجوز دفعها إليهم إذا كان عندهم من تجب نفقته عليهم لا عليه كالزوجة للوالد، أو الولد والمملوك لهما مثلا . *
............................................................................................
والحكم لا يسقط بالشرط، وليس حقا لها، مضافا إلى أنّ الإسقاط مخالف لمقتضى العقد عند العرف أو مخالف للكتاب والسّنة، لقوله سبحانه : (اَلرِّجالُ قَوّامُونَ عَلَى اَلنِّساءِ بِما فَضَّلَ اَللّهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْض وَ بِما أَنْفَقُوا). (1)
ويمكن أن يكون مراد المصنّف من لفظة : « أو غيره من الأسباب الشرعية » النذر، كما إذا نذرت الزوجة عدم أخذ النفقة من زوجها وكان هنا رجحان في المتعلّق .
وأمّا الناشزة فنفقتها وإن كانت ساقطة لكن إطلاق الأدلّة المانعة يعمّ كلا القسمين .
إلى هنا تمّ الكلام في الفرع الأوّل .

* الفرع الثاني : دفع الزكاة لواجب النفقة للتوسعة

هل يجوز للمالك دفع الزكاة لمن عليه نفقته لغاية التوسعة في المعيشة كشراء البرّ عوض الشعير، ولبس الحرير عوض الخام؟
فيه وجوه :
فمن مجوّز مطلقا، إلى مانع كذلك، إلى مفصّل بتخصيص الجواز إذا لم يكن عند المزكّي ما يوسّع به عليهم، كما هو خيرة المصنّف .

1النساء : 34.

صفحه 266
استدلّ للمنع بأنّ التوسعة وإن كانت غير واجبة على المنفق، إلاّ أنّ كثيرا من أفراد التوسعة من أفضل أفراد الواجب المخير، فإنّ شراء البرّ عوض الشعير، والحرير مكان الخام يعدّ إنفاقا ونفقة ويشملهما إطلاقات المنع خصوصا بملاحظة ندرة الاقتصار على أقلّ الواجب على المنفقين، فإنّ الاقتصار على الحدّ الأقل أمر نادر .
استدلّ القائلون بالجواز بروايات .
أ . موثّقة إسحاق بن عمّار قال : قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): رجل له ثمانمائة درهم ولابن له مائتا درهم، وله عشر من العيال، وهو يقوتهم فيها قوتا شديدا وليست له حرفة بيده إنّما يستبضعها فتغيب(1) عنه الأشهر ثمّ يأكل من فضلها، أترى له إذا حضرت الزكاة أن يخرجها من ماله ليعود بها على عياله يتّسع عليهم بها النفقة؟ قال : « نعم، ولكن يخرج منها الشيء الدرهم » . (2)
ب . موثّقة سماعة، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال : سألته عن الرجل يكون له ألف درهم يعمل بها وقد وجب عليه فيها الزكاة ويكون فضله الذي يكسب بماله كفاف عياله لطعامهم وكسوتهم ولا يسعه لأدمهم وإنّما هو ما يقوتهم في الطعام والكسوة؟ قال : « فلينظر إلى زكاة ماله ذلك فليخرج منها شيئا قلّ أو كثر فيعطيه بعض من تحلّ له الزكاة، وليعد بما بقي من الزكاة على عياله فليشتر بذلك إدامهم وما يصلحهم من طعامهم في غير إسراف ولا يأكل هو منه، فانّه ربّ فقير أسرف من غني » فقلت : كيف يكون الفقير أسرف من الغني؟ فقال : « إنّ الغني ينفق ممّا أوتي، والفقير ينفق من غير ما أوتي » . (3)

1أي فتغيب البضاعة عن المالك الأشهر، لعلّه يبيعها نسيئة .
2الوسائل : 6، الباب 14 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1 .
3الوسائل : 6، الباب 14 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 2 .

صفحه 267
ج . وموثّقة أبي خديجة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال : « لا تعط من الزكاة أحدا ممّن تعول » وقال : إذا كان لرجل خمسمائة درهم وكان عياله كثيرا، قال : « ليس عليه زكاة، ينفقها على عياله يزيدها في نفقتهم وفي كسوتهم وفي طعام لم يكونوا يطعمونه، وإن لم يكن له عيال وكان وحده فليقسّمها في قوم ليس بهم بأس أعفّاء عن المسألة لا يسألون أحدا شيئا، وقال : لا تعطين قرابتك الزكاة كلّها، ولكن أعطهم بعضها وأقسم بعضها في سائر المسلمين، وقال : الزكاة تحلّ لصاحب الدار والخادم ومن كان له خمسمائة درهم بعد أن يكون له عيال، ويجعل زكاة الخمسمائة، زيادة في نفقة عياله يوسّع عليهم » . (1)
د . خبر أبي بصير، قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن رجل له ثمانمائة درهم وهو رجل خفاف وله عيال كثير، أله أن يأخذ من الزكاة؟ فقال : « يا أبا محمد أيربح في دراهمه ما يقوت به عياله ويفضل؟ » قال : نعم، قال : « كم يفضل؟ » قال : لا أدري، قال : « إن كان يفضل عن القوت مقدار نصف القوت فلا يأخذ الزكاة،
وإن كان أقلّ من نصف القوت أخذ الزكاة » ، قال : قلت : فعليه في ماله زكاة تلزمه؟ قال : « بلى » ، قلت : كيف يصنع؟ قال : « يوسّع بها على عياله في طعامهم وكسوتهم ويبقي منها شيئا يناوله غيرهم، وما أخذ من الزكاة فضّه على عياله حتى يلحقهم بالناس » . (2)
هذه هي الروايات التي استدلّ بها على الجواز في مقابل إطلاقات المنع، والكلّ لا يخلو من تأمّل ونظر .
أمّا الأولى، فالظاهر انّ المراد من الزكاة هو زكاة التجارة بقرينة قوله : « وليس

1الوسائل : 6، الباب 14 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 6 .
2الوسائل : 6، الباب 8 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 4 .

صفحه 268
له حرفة بيده إنّما يستبضعها فتغيب عنه الأشهر » ، فتكون الزكاة من قسم المندوب الذي يجوز صرفه في واجب النفقة .
أضف إلى ذلك : حسب الظاهر انّ الابن عاجز غير متمكّن عن الإنفاق الواجب، فعند ذلك يجوز له تكميل النفقة بالزكاة الواجبة عليه، والشاهد عليه قوله : « وهو يقوتهم فيها قوتا شديدا » .
وأمّا قوله : يتسع ففي نسخة الكافي « يسبغ » ، ولعلّ المراد منها واحد، وهو إكمال النفقة .
والحاصل : انّ الرواية ليست صريحة في الزكاة الواجبة وكون المالك قادرا على الإنفاق اللازم من غير جهة الزكاة .
وأمّا الثانية، فهي كالرواية الأولى من حيث الاحتمال، وانّ المراد من الزكاة هو زكاة التجارة بشهادة قوله : « ويكسب بماله » ، وأمّا النهي عن أكل نفسه، فلأجل انّه يمنع عن صدق الدفع المستحبّ .
وأمّا الثالثة فالحقّ انّ قوله : « ليس عليه زكاة ينفقها على عياله يزيدها في نفقتهم وكسوتهم وفي طعام لم يكونوا يطعمونه » ظاهر في دفع الزكاة للتوسعة، لكنّه ليس صريحا في غير التجارة فانّ قوله : إذا كان لرجل خمسمائة درهم، كما يحتمل أن يكون المسؤول هو زكاة النقدين يحتمل أن يكون المسؤول زكاة التجارة .
ولأجل ذلك لا يمكن رفع اليد بهذا الظاهر المتزلزل عن العمومات المانعة .
وأمّا الرابعة فالرواية ظاهرة في زكاة التجارة، وأمّا التعبير باللزوم لأجل كون الاستحباب آكد .
وبالجملة لم نجد رواية صريحة في جواز دفع الزكاة الواجبة لمن تجب نفقته على المزكّي لغاية التوسعة، ولذلك يقول صاحب الجواهر :

صفحه 269
المسألة 10 : الممنوع إعطاؤه لواجبي النفقة هو ما كان من سهم الفقراء ولأجل الفقر، وأمّا من غيره من السهام كسهم العاملين إذا كان منهم أو الغارمين أو المؤلّفة قلوبهم أو سبيل اللّه أو ابن السبيل أو الرقاب إذا كان من أحد المذكورات فلا مانع منه . *
............................................................................................
ويحتمل أن يكون المراد في الجميع زكاة التجارة التي قد عرفت ندبها، فيكون المقصود أولوية استحباب التوسعة من إخراج زكاة التجارة، بل بعضها كاد يكون صريحا في ذلك، ومنه يعلم الحال في غيره لكون الجميع على مذاق واحد، بل ظاهر آخر انّه لا زكاة عليه للتوسعة المزبورة، لا أنّه يخرجها ويحتسبها عليهم، على أنّه يمكن أن يكون المراد غير واجبي النفقة من عياله . (1)
ولو افترضنا دلالة الروايات، فموردها هو ما إذا لم يكن عنده ما يوسّع به عليهم، فالقول بالمنع أقوى وأحوط، ومع غض النظر عنه فالتفصيل بين التمكّن فلا يوسع وعدمه فيصرف فيها أوضح .
الفرع الثالث : دفع الزكاة إلى واجب النفقة لينفقها على من تجب نفقته عليه، لا على المزكّي، كالزوجة لتنفقها على والدها، وولد الوالد ومملوكه، ودليله واضح، لاختصاص أدلّة المنع بواجب النفقة، وقد عرفت لسان التعليلات الواردة فيها، ونفقة والد الزوجة ليس على عاتق الزوج .
* انّ النصوص المانعة ظاهرة في دفع الزكاة لواجب النفقة من بابها فلا يدلّ على المنع عن الدفع بعنوان آخر .
قال المحقّق : لو كان من تجب نفقته : عاملا جاز أن يأخذ من الزكاة، وكذا

1الجواهر : 15 / 400.

صفحه 270
الغازي والغارم والمكاتب، وابن السبيل، لكن يأخذ هذا ما زاد عن نفقته الأصلية ممّا يحتاج إليه في سفره كالحمولة . (1)
وقال صاحب الجواهر قبل كلام المحقّق : فمن المعلوم أنّ منع المالك من دفع الزكاة لمن وجبت نفقته عليه إنّما هو من سهم الفقراء لا مطلقا، أمّا إذا دخلوا تحت مستحقي باقي السهام فلا خلاف معتد به كما لا إشكال في جواز الدفع إليهم من المالك وغيره، لعموم الأدلّة السالم عن المعارض بعد تنزيل النصوص
السابقة على الدفع من سهم الفقراء . (2)
ويدلّ على ذلك ما دلّ على قضاء دين الأب من الزكاة، حيث إنّ الواجب نفقة الأب لا دينه، ففي رواية إسحاق بن عمّار قال : سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن رجل على أبيه دين ولأبيه مؤونة، أيعطي أباه من زكاته يقضي دينه؟ قال : « نعم، ومن أحقّ من أبيه » . (3)
ومع ذلك فلا يخفى ما في الأمثلة التي ذكرها المصنّف من النظر فإنّ الكلام في دفع المالك المزكّي، والعامل والمؤلّفة والرقاب قسم المكاتب العاجز يأخذون الزكاة من الحاكم، لا المالك، والأولى التمثيل بالغارم فقط، فتأمّل .

1الشرائع : 1 / 163.
2الجواهر : 15 / 405.
3الوسائل : 6، الباب 18 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 2، ولاحظ الحديث1 .

صفحه 271
المسألة 11 : يجوز لمن تجب نفقته على غيره أن يأخذ الزكاة من غير من تجب عليه إذا لم يكن قادرا على إنفاقه، أو كان قادرا ولكن لم يكن باذلا، وأمّا إذا كان باذلا فيشكل الدفع إليه وإن كان فقيرا كأبناء الأغنياء إذا لم يكن عندهم شيء، بل لا ينبغي الإشكال في عدم جواز الدفع إلى زوجة الموسر الباذل، بل لا يبعد عدم جوازه مع إمكان إجبار الزوج على البذل إذا كان ممتنعا منه، بل الأحوط عدم جواز الدفع إليهم للتوسعة اللائقة بحالهم مع كون من عليه النفقة باذلا للتوسعة أيضا . *
............................................................................................
* هذه هي المسألة التي سبق ذكرها إجمالا والفرق بينها وبين ما سبق (1) انّ المالك في المسألة السابقة يدفع زكاته لمن وجبت نفقته عليه، وأمّا المقام فالمالك يدفع زكاته للفقير الذي تجب نفقته على الغير، كما إذا دفع زكاته إلى ولد الرجل الأجنبي أو زوجته، حيث إنّ نفقتهما على الرجل لا على المزكّي، ولكنّه يدفع الزكاة إليهما ليغنيهما عن إنفاقه .
وعلى ضوء هذا فهنا مسائل ثلاث متشابهة يجب التركيز على التفريق بينها :
الأولى : دفع الزكاة إلى واجب النفقة لينفقها على حوائج نفسه، وهذه هي المسألة الأصلية وقد طرحها المصنّف تحت عنوان قوله : « الثالث : أن لا يكون ممّن تجب نفقته عليه » .
الثانية : دفع الزكاة إلى واجب النفقة لكن لا لينفقها على حوائج نفسه، بل لينفقها على من تجب نفقته عليه لا على المزكّي، كما إذا دفع زكاته إلى الوالد لينفقها في مؤونة زوجته وولده حيث إنّ نفقة الوالد على المالك وليست نفقة زوجته وولده

1أي في قوله : الثالث أن لا يكون ممّن تجب نفقته على المزكّي كالأبوين الخ.

صفحه 272
الصغير عليه، وهذه هي التي طرحها المصنّف في ذيل الثالث في قوله : « نعم يجوز دفعها إليهم ( واجبي النفقة) إذا كان عندهم من تجب نفقتهم عليهم » .
الثالثة : دفع الزكاة لمن تجب نفقته على الغير، كما إذا أنفق زكاته على أولاد الأثرياء وزوجاتهم بملاك انّهم فقراء وإن كان الآباء والأزواج أثرياء . وهذه هي المسائل التي استعرضها المصنّف في المقام، فعلى الطالب أن يفرّق بينها .
إذا عرفت هذا، فنقول : إنّ الكلام في المقام في المسألة الثالثة التي أشرنا إليها، وهي دفع الزكاة إلى أولاد الأثرياء وزوجاتهم، فهاهنا أقوال أو احتمالات :
الأوّل : جواز دفع الزكاة مطلقا .
الثاني : عدم جوازه كذلك .
الثالث : الفرق بين كون المنفق ( من وجبت نفقته عليه) غنيا باذلا فلا يجوز الإعطاء، وكونه فقيرا أو غنيا غير باذل فيجوز الإعطاء .
الرابع : الفرق بين الزوجة فلا تعطى وغيرها .
الخامس : الفرق بين الدفع للتوسعة في المعيشة فيجوز دون غيرها .
السادس : الفرق بين إنفاق المنفق بلا منّة ولا حرج فلا يجوز، وما إذا كان يستتبعه المنّة والحرج فيجوز .
هذه احتمالات ستة :
وأمّا مباني الأقوال فهو :
1 . انّ وجوب إنفاق المنفق على عياله من الولد والزوجة يرفع الفقر، سواء أنفق أو لا، فلا يجوز مطلقا .
2 . انّ الحكم الشرعي بوجوب الإنفاق لا يرفع الفقر كذلك فيجوز مطلقا .
3 . يفصّل بين كون المنفق غنيا باذلا فالإيجاب الشرعي رفع لعنوان الفقر

صفحه 273
عن الولد والزوجة، وبين كونه فقيرا أو ممتنعا عن البذل فلا يرفع الفقر .
4 . أو يفصّل بين كون وجوب الإنفاق مستتبعا للضمان إذا لم ينفق فيرفع الفقر، كما في مورد الزوجة فإنّه إذا أنفق الزوج فهو، وإلاّ يكون دينا في ذمّته، فلا يوصف بالفقر لأجل كونه دائنا ومستحقا في ذمّته ما يكفي مؤونته; أو كونه غير مستتبع بحكم وضعي إذا لم ينفق فلا يرفع الفقر، وعلى ذلك فلا يجوز دفع الزكاة
إلى الزوجة وإن كان الزوج فقيرا أو ممتنعا وبين غيرها فيجوز .
5 . أو يفصّل بين كون الدفع للتوسعة في المعيشة فيجوز، والمراد من التوسعة الأمور الزائدة على ما يجب على الوالد والزوج، كمصارف السفر والضيوف والتنزّهات لعدم وجوب الإنفاق في هذه الموارد فالفقر يكون باقيا; وبين غيرها ممّا يعدّ نفقة واجبة على المنفق فلا يجوز .
6 . أو يفصّل بين كون البذل صادرا عن منّة وحرج فلا يجب الأخذ فيوصف بالفقر، وبين كونه مجردا عنهما فيكون إيجاب البذل رافعا للفقر .
هذه هي الأقوال الستة مع مبانيها .
والحقّ هو القول الثالث، وهو التفريق بين غنى المنفق وبذله وبين إعساره أو امتناعه، فلا يوصف بالفقر في الأوّل بخلاف الثاني، قال الشيخ الأنصاري في زكاته :
والتحقيق أن يقال : إن كان يعدّ غنيا في صورة بذل النفقة له والوثوق بالبذل ولا يكون في عياله من تجب عليه نفقته لو تمكّن، فلا يجوز له أخذ الزكاة من المنفق اتّفاقا، بل ولا من غيره وفاقا لما عن « التذكرة » و « شرح الإرشاد » للمحقّق الأردبيلي، واختاره في شرح المفاتيح والغنائم لصدق الغنى عليه بعد اجتماع وصفي وجوب الإنفاق عليه وبذل المنفق، وإن كان كلّ واحد منهما لا يكفي في نفي الفقر عنه

صفحه 274
إلاّ إذا امتنع المنفق . (1)
وقد أشار الشيخ في كلامه هذا إلى أنّ التفصيل هو خيرة العلاّمة في« التذكرة » و« شرح الإرشاد » للمحقّق الأردبيلي، بل هو خيرة الشهيد في « البيان » والسيد في « المدارك » ، ولا بأس بنقل نصوصهم :
1 . قال العلاّمة : لو كان للولد المعسر أو الزوجة الفقيرة أو الأب الفقير، والد أو زوج أو ولد موسرون، وكلّ منهم ينفق على من تجب عليه، لم يجز دفع الزكاة إليهم، لأنّ الكفاية حصلت لهم بما يصلهم من النفقة الواجبة، فأشبهوا من له عقار يستغني بأجرته .
وإن لم ينفق أحد منهم وتعذّر ذلك جاز الدفع إليهم، كما لو تعطّلت منفعة العقار . (2)
وظاهر كلامه هو القول الثالث .
2 . وقال الشهيد في « البيان » : ولو لم يبذل النفقة جاز من غيره قطعا . (3)
3 . وقال المحقّق الأردبيلي : لا يجوز لغير من وجب نفقتهم عليه أيضا إعطاؤهم من سهم الفقراء مع كون المنفق غنيا باذلا، إذ ليس ذلك بأقل من الكاسب القادر على القوت . (4)
4 . وقال السيد في « المدارك » : ولو امتنع المنفق من الإنفاق جاز التناول في الجميع قولا واحدا . (5)
وهذه النصوص ترمي إلى القول الثالث .

1كتاب الزكاة : 335.
2التذكرة : 5/244، ضمن المسألة : 164.
3البيان : 194.
4مجمع الفائدة والبرهان : 4 / 178.
5المدارك : 5 / 247.

صفحه 275
فإن قلت : إنّ وجوب الإنفاق في رتبة جواز أخذ الزكاة، فكما أنّ وجوب الإنفاق يصلح لأن يرفع موضوع أخذ الزكاة ( الفقير) ، كذلك يمكن أن يكون الحكم الثاني ( جواز أخذ الزكاة) أو دفع الزكاة رافعا لموضوع وجوب الإنفاق .
قلت : الفرق بين وجوب الإنفاق وجواز دفع الزكاة واضح، وهو انّ موضوع وجوب الإنفاق هو عدم الاستطاعة والقدرة على مؤونة نفسه، وهذا حاصل بالفعل حتّى وإن تكفّله رجل من باب الزكاة فإنّ عدم الاستطاعة لا يرتفع ببذل الغير، وأمّا جواز دفع الزكاة فموضوعه الحاجة والفقر وهو يرتفع بالإنفاق
الواجب . (1)
وحاصله : انّ موضوع الإنفاق موضوعه فعلي ومع شمول الحكم عليه، يرتفع الفقر فيرتفع الحكم الثاني بارتفاع موضوعه .
يلاحظ عليه : بأنّ وجوب الإنفاق بما انّه حكم تكليفي لا يخرج من وجبت نفقته عليه عن حدّ الفقر وهو انّه غير مالك لمؤونة السنة . نعم لو بذل جميع مؤونة السنة مرة واحدة لخرج عن الفقر إلى الغنى، والمفروض غير ذلك .
وعلى ذلك فكلّ من الحكمين يمكن أن يكون مانعا للآخر .
والأولى أن يقال : انصراف أدلّة الزكاة عن مثل تلك الموارد، وذلك لأنّ الغاية من تشريعها هو رفع الحاجات وسد الخلاّت، وأمّا من وجبت نفقته على الغير وهو غني باذل فلا يقال انّه ذو حاجة وخلّة يجب رفع حاجاته، ولأجل ذلك يعدّ دفع الزكاة إلى أولاد الأثرياء وزوجاتهم أمرا منكرا .
إلى هنا تبيّن انّ القولين الأوّلين بين الإفراط والتفريط والقول الثالث هو الأوسط .

1كتاب الزكاة : 336.

صفحه 276
وأمّا الوجه الرابع، أعني : الفرق بين وجوب الإنفاق المستتبع للضمان كالزوجية وغيره فلا يجوز في الأوّل دون الثاني، فهو غير تام، لأنّه لا يخرج الزوجة عند إعسار الزوج أو امتناعه عن كونها فقيرة، فالميزان هو غنى الزوج وبذله لا كون وجوب الإنفاق مستتبعا للضمان وعدمه .
وأمّا الوجه الخامس - أعني : الفرق بين كون الدفع للتوسعة في المعيشة وعدمها - فيجوز في الأولى إذا لم يكن المنفق باذلا لها دون الثاني; فيمكن أن يكون وجهه صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج عن أبي الحسن الأوّل(عليه السلام)قال : سألته عن الرجل يكون أبوه أو عمّه أو أخوه يكفيه مؤنته، أيأخذ من الزكاة فيتوسّع به إن كانوا لا يوسّعون عليه في كلّ ما يحتاج إليه؟ فقال : « لا بأس » . (1)
فقد استدلّ به العلاّمة في « المنتهى » (2) والشهيد في « البيان » (3) وصاحب الحدائق . (4)
وقال الأخير : دلّت صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج على جواز الأخذ بالتوسعة إذا كانوا لا يوسعون عليه، فيجب الوقوف عليها وتخصيص تلك الأخبار بها . (5)
لكن في دلالة الرواية نظر حيث يحتمل أن يكون المراد من التوسعة هو النفقة اللازمة في مقابل التضييق والتقتير وهو الذي اختاره الشيخ في زكاته، قال :
لكن الظاهر منها إرادة التوسعة في مقابلة التضييق لا الفضل، ولو سلم ظهورها في إرادة الفضل عن النفقة اللائقة فلا بدّ أن تحمل على ما ذكرنا، لأنّها لا

1الوسائل : 6، الباب 11 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث1 .
2المنتهى : 1 / 529.
3البيان : 316.
4الحدائق الناضرة : 12 / 212.
5الحدائق الناضرة : 12 / 212.

صفحه 277
تقاوم العمومات الكثيرة المانعة من إعطاء الغني . (1)
والحقّ ما عليه المصنّف في المتن في الإعطاء لغاية التوسعة، وهو التفريق بين غنى الزوج وبذله للتوسعة ومع إعساره أو تقتيره، فلا يجوز في الصورة الأولى دون الثانية، لانصراف الفقير عن الصورة الأولى دون الثانية، وقد مرّ انّ دار السكنى والخادم وفرس الركوب المحتاج إليها حسب حاله ولو لعزّه وشرفه لا يمنع من إعطاء الزكاة وأخذها، بل ولو كانت متعدّدة مع الحاجة إليها وكذلك الثياب والألبسة الصيفية والشتوية، السفرية والحضرية ولو كانت للتجمّل وأثاث البيت من الفروش والظروف وسائر ما يحتاج إليه، فلو كان فاقدا لها مع الحاجة جاز أخذها للزكاة بشرائط . (2)
وعلى ذلك فلو امتنع عن البذل لأمثال هذه الأمور يصبح الولد والزوجة كسائر الفقراء ممّن يحتاجون إليها، ولذلك قال المصنّف : بل الأحوط عدم جواز الدفع إليهم للتوسعة اللائقة بحالهم مع كون من عليه النفقة باذلا للتوسعة أيضا .
وأمّا الوجه السادس وهو كون البذل مرفقا بالمنّة والحرج فيجوز ترك أخذها، والاكتفاء بالزكاة لحكومة أدلّة الحرج على وجوب الأخذ أو انصراف الوجوب إلى غير صورة المن والإحراج .
وبذلك ظهر انّه لا منافاة بين الوجه الثالث، والخامس والرابع .

1الزكاة : 339.
2كتاب الزكاة، فصل في أصناف المستحقّين، المسألة3 .

صفحه 278
المسألة 12 : يجوز دفع الزكاة إلى الزوجة المتمتّع بها، سواء كان المعطي هو الزوج أو غيره، وسواء كان للإنفاق أو للتوسعة . وكذا يجوز دفعها إلى الزوجة الدائمة مع سقوط وجوب نفقتها بالشرط أو نحوه . نعم لو وجبت نفقة المتمتّع بها على الزوج من جهة الشرط أو نحوه لا يجوز الدفع إليها مع يسار الزوج . *
............................................................................................
* هنا فروع :
1 . دفع الزكاة إلى الزوجة المنقطعة .
2 . دفع الزكاة إلى الزوجة الدائمة إذا أسقطت وجوب نفقتها بالشرط .
3 . حكم دفع الزكاة إلى الزوجة المنقطعة إذا شرطت الإنفاق عليها في ضمن العقد .
وإليك الكلام فيها واحدا تلو الآخر .
أمّا الفرع الأوّل : فيجوز دفع الزكاة إلى الزوجة المنقطعة إذا كانت فقيرة، لعدم وجوب نفقتها على الزوج .
وبعبارة أخرى : انّ الملاك للمنع هو قول الإمام الصادق(عليه السلام): « إنّهم عياله لازمون له » (1) وقوله(عليه السلام): « لأنّه يجبر على النفقة عليهم » . (2) ومن المعلوم عدم صدقهما على المنقطعة، إذ ليس في العقد المنقطع نفقة .
فإن قلت : وردت الزوجة في صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال : « خمسة لا يعطون من الزكاة شيئا : الأب والأمّ والولد والمملوك والمرأة،

1الوسائل : 6، الباب 13 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1 .
2الوسائل : 6، الباب 13 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 4 .

صفحه 279
المسألة 13 : يشكل دفع الزكاة إلى الزوجة الدائمة إذا كان سقوط نفقتها من جهة النشوز، لتمكّنها من تحصيلها بتركه . *
............................................................................................
وذلك أنّهم عياله لازمون له » . (1)
قلت : المراد من المرأة هي غير المنقطعة بشهادة التعليل الوارد فيها، وهو : انّهم عياله لازمون له، والمنقطعة على طرف النقيض من التعليل .
وبهذا يعلم ضعف ما حكي عن بعضهم من عموم المنع لإطلاق النص، لما عرفت من أنّ النصّ غير مطلق بل معلّل بالتعليل .
وأمّا الفرع الثاني، أعني : جواز دفعها إلى الزوجة الدائمة مع سقوط وجوب نفقتها بالشرط أو نحوه كالنشوز، فلأجل أنّها بحكم المنقطعة في عدم وجوب الإنفاق، فتخرج عن كونها لازمة للزوج .
وأمّا الفرع الثالث، أعني : إذا وجبت نفقة المتمتّع بها من جهة الشرط أو نحوه، فلا يجوز الدفع إليها، سواء كان الدافع هو الزوج كما هو معلوم أو غيره لكن مع يسار الزوج، والحقّ أن يقال : انّه لا يجوز الدفع إذا كان الزوج غنيا وباذلا دون ما إذا كان فقيرا أو ممتنعا .
فما عن المصنّف من الاكتفاء بقوله : « مع يسار الزوج » يجب أن يعطف عليه : وبذله .
* إذا كانت الزوجة ناشزة فقال المحقّق في « المعتبر » (2) انّها كالمطيعة، لتمكّنها من النفقة بالرجوع إلى الطاعة، ويؤيّده ما في صحيحة زرارة في تعريف

1الوسائل : 6، الباب 13 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث1 .
2المعتبر : 2 / 582.

صفحه 280
المسألة 14 : يجوز للزوجة دفع زكاتها إلى الزوج وإن أنفقها عليها . وكذا غيرها ممّن تجب نفقته عليه بسبب من الأسباب الخارجيّة . *
............................................................................................
الغني : « لا يحلّ له أن يأخذها وهو يقدر على أن يكفّ نفسه عنها » . (1) وهي متمكنة عن كفّ نفسها عنها بسهولة بالرجوع إلى طاعة الزوج غير المحرجة .
ويمكن أن يقال : انّ المدار لمنع صرف الزكاة هو لزوم الإنفاق وكونها لازمة للزوج، أو انّ المنفق يجبر على البذل، وكلّها غير موجودة في الناشزة وقدرتها على الطاعة لا تدرجها تحت الموضوع كما في الجواهر . (2)
ولكنّه ضعيف، لأنّ المراد هو كون المورد ممّا يعد لازما للمنفق حسب الطبع، وهي كذلك لا بحسب العوارض مثل النشوز .

تتميم

لا فرق فيما ذكرنا بين وجوب الإنفاق بالأصالة وبين الوجوب بنذر وشبهه، لعموم التعليل المتقدّم وصدق الغنى معه . لا سيّما إذا قلنا بأنّ المنذور له يملك على الناذر ذلك ويستقر ذلك في ذمّته بمجرّد النذر، ومنه يعلم وضوح جهة المنع فيما إذا وجب بشرط في ضمن عقد لازم .
* إذا كان الزوج فقيرا مستحقا للزكاة والزوجة ممّن عليها الزكاة، فهل يجوز أن تدفع زكاتها إلى زوجها ليصرفها في مؤونته التي منها نفقة زوجته؟
وإنّما خصّ الزوجة والزوج بالذكر ولم يذكر الآباء والأولاد، إذ ليس الزوج واجب النفقة على الزوجة، فيصحّ فيه القول بإعطاء زكاتها له لينفقها عليها .

1الوسائل : 6، الباب 8 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 8 .
2الجواهر : 15 / 403.

صفحه 281
بخلاف الآباء والأولاد، لأنّ نفقة كلّ على الآخر إذا كانوا فقراء دونما إذا كانوا أغنياء .
وعلى هذا فلو كان الآباء أغنياء، فلا يستحقّون الزكاة بالذات لا من الأولاد ولا من غيرهم . وإن كانوا فقراء فهم واجبو النفقة على الأولاد، فلا يجوز دفع الزكاة إليهم، سواء كانت الغاية صرف الزكاة في الآباء لكونهم واجبي النفقة على المزكّى ولا في حقّ أولادهم لكونهم أغنياء حسب الفرض، ويأتي مثل ذلك في دفع الآباء الزكاة للأولاد .
وعلى كلّ تقدير قال الشيخ في « الخلاف » : يجوز للزوجة أن تعطي زكاتها لزوجها إذا كان فقيرا من سهم الفقراء . وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة : لا يجوز .
دليلنا : قوله تعالى : (إِنَّمَا اَلصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ)وهذا فقير، وتخصيصه يحتاج إلى دليل . (1)
وحاصل استدلال الشيخ : انّ الزوج من مصاديق الفقراء والزكاة لهم فيجوز الدفع إليه مطلقا، سواء كان الدافع ممّن تجب نفقته عليه أو لا، وإخراج دفع من وجبت نفقته على الفقير من الآية يحتاج إلى الدليل .
وقال في « المبسوط » : إذا كانت المرأة غنية وزوجها فقيرا جاز أن تدفع إليه زكاتها من سهم الفقراء . (2)
وما استدلّ به الشيخ واف بالمقصود، واستدلّت الشافعية على الجواز بثلاث روايات قاصرة عن إثبات المراد :

1الخلاف : 4/239، كتاب الصدقات، المسألة 25.
2المبسوط : 1 / 259.

صفحه 282
انّ زينب امرأة عبد اللّه بن مسعود قالت : يا نبي اللّه إنّك أمرت اليوم بالصدقة، وكانت عندي حليّ لي فأردت أن أتصدّق به، فزعم ابن مسعود انّه هو وولده أحقّ من تصدّقت عليهم، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): صدق ابن مسعود زوجك وولدك أحقّ من تصدّقت به عليهم .
2 . انّ امرأة عبد اللّه سألت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)عن بني أخ، لها أيتام في حجرها أفتعطيهم زكاتها؟ قال : نعم .
3 . أتت النبي امرأة، فقالت : يا رسول اللّه إنّ عليّ نذرا أن أتصدّق بعشرين درهما وانّ لي زوجا فقيرا، أفيجزي عني أن أعطيه؟ قال : نعم، لك كفلان من الأجر . (1)
ولكن الروايات - على فرض صحّة الاحتجاج - قاصرة الدلالة .
فانّ مورد الحديث الأوّل هو الحليّ وليس فيها الزكاة .
وأمّا الحديث الثاني فليس فيه كلمة الزوج .
وأمّا الحديث الثالث فرواه الجوزجاني باسناده عن عطاء، وهو حديث مرسل، والأولى الاستدلال بدخول الزوج تحت العمومات .
واستدلّ أبو حنيفة بوجوه :
1 . انّه أحد الزوجين فلم يجز للآخر دفع زكاته إليه كالآخر .
2 . انّها تنتفع بدفعها إليه، لأنّه إن كان عاجزا عن الإنفاق عليها تمكّن بأخذ الزكاة من الإنفاق فتنفعه، وإن لم يكن عاجزا ولكنّه أيسر بها لزمته نفقة الموسرين، فتنتفع في الحالين، فلم يجز لها ذلك .
يلاحظ على الأوّل : بأنّ الموضوع للمنع هو دفع الزكاة إلى واجب النفقة وهو

1المغني : 2 / 513 ـ 514.

صفحه 283
ينطبق على دفع الزوج زكاته للزوجة دون العكس، إذ لا يلزم نفقة الزوج على الزوجة، فكونه أحد الزوجين ليس موضوعا للحكم حتى يعمّ الطرفين .
وأمّا الثاني فالمفروض هو الصورة الأولى - أعني : كون الزوج عاجزا عن الإنفاق لا متمكّنا - لكنّ تمكّنه بعد الأخذ من الإنفاق عليها غير ضار، لأنّ الميزان لجواز الأخذ حال الأخذ، ولا دليل على أنّ انتفاع الدافع بدفع الزكاة مانع عن صحّته، بشهادة انّه يجوز دفع الزكاة إلى الغريم حتى يوفي بها دينه فينتفع الدافع .
نعم نقل العلاّمة في « المختلف » عن علي بن بابويه في رسالته إلى ولده، وولده في مقنعه :
ولا تعط من أهل الولاية الأبوين والولد ولا الزوج والزوجة .
ثمّ قال العلاّمة : المشهور الاقتصار على العمودين - أعني : الآباء والأولاد والزوجة والمملوك - أمّا الزوج فإنّه يجوز الدفع إليه .
هذا وقد استدلّ العلاّمة على الجواز بما أوضحنا حاله فقال : لنا : إنّه فقير فيدخل تحت عموم قوله تعالى : (إِنَّمَا اَلصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ). ولأنّ المقتضي للوجوب موجود، وهو دفع حاجة الفقير; والمانع وهو القرابة، أو إيجاب النفقة مفقود، فيثبت جواز الدفع .
احتجّا بأنّ النفع في الحقيقة عائد إليها لجواز الإنفاق عليها منه .
والجواب : لا مانع من ذلك، كما لو دفع الزكاة إلى مديونه فدفعها إليه من دينه . (1)
ومثل الزوجة من وجبت نفقته على إنسان بسبب النذر والشرط فيجوز للمشروط له دفع زكاته إلى من وجبت نفقته عليه بالنذر، والدليل هو إطلاق الأدلّة وليس انتفاع الدافع بالدفع مانعا عن جوازه .

1المختلف : 3 / 249.

صفحه 284
المسألة 15 : إذا عال بأحد تبرّعا جاز له دفع زكاته له، فضلا عن غيره للإنفاق أو التوسعة، من غير فرق بين القريب الّذي لا يجب نفقته عليه كالأخ وأولاده والعمّ والخال وأولادهم، وبين الأجنبيّ، ومن غير فرق بين كونه وارثا له لعدم الولد مثلا وعدمه . *
............................................................................................
* إذا عال الرجل بأحد تبرعا، سواء كان المنفق عليه أجنبيا أو قريبا فهل يجوز على المنفق أن يدفع زكاته إلى المنفق عليه حتى يستغني عن الإنفاق أو لا؟ فكون العيلولة للقريب والأجنبي لا يوجب عقد مسألتين، فإنّ الملاك هو دفع الزكاة إلى من عال بأحد تبرعا من دون ملزم شرعي، سواء أكان أجنبيا أو قريبا، والقريب وارثا كما في أحد الأخوين بالنسبة إلى الآخر أو غير وارث .
قال العلاّمة في « التذكرة » : العيلولة من دون القرابة غير مانعة من الإعطاء عند علمائنا أجمع، وهو قول أكثر العلماء، فلو كان في عائلته من لا يجب الإنفاق عليه كيتيم أجنبي جاز أن يدفع زكاته إليه، لأنّه داخل في الأصناف المستحقّين للزكاة، ولم يرد في منعه نص ولا إجماع ولا قياس، فلا يجوز تخصيصه من العمومات بغير دليل .
وعن أحمد رواية بالمنع، لأنّه ينتفع بدفعها إليه لإغنائه بها عن مؤونته، ولو سلّم لم يضرّ، فإنّه نفع لا يسقط واجبا عنه، إذ العيلولة ليست واجبة . (1)
ثمّ إنّ موضوع البحث هو مانعية العيلولة عن دفع الزكاة، وأمّا مانعية القرابة بما هي هي مجردة عن العيلولة فسيوافيك البحث فيها في المسألة 16 .
وبذلك يعلم أنّ ما ذكره العلاّمة في « التذكرة » قبيل هذا المقام يرجع إلى

1التذكرة : 5/268، المسألة 179.

صفحه 285
مانعية القرابة بما هي هي دون مانعية العيلولة، قال في ذلك المقام :
لو كان القريب ممّن لا تجب نفقته جاز الدفع إليه بأي سبب كان . . . . (1)
وعلى كلّ حال فالجواز هو الأقوى، وذلك لأنّ المانع من الدفع وجوب النفقة على المدفوع إليه بحيث يصدق على الدافع انّ « عياله لازمون له » كما في صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج(2) أو انّه « يجبر على النفقة عليهم » كما في رواية العلل . (3) لكن مجرّد التعهّد على الإعطاء والعيلولة لا يجعل المنفق عليه ممّن يلزم عليه الإنفاق .
وبعبارة أخرى : انّ التبرع لا يغيّر الواقع، فهو ليس بواجب النفقة .
ويمكن الاستدلال على المنع بروايتين :
1 . معتبرة أبي خديجة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال : « لا تعط من الزكاة أحدا ممّن تعول » . (4)
فالظاهر انّ المراد ممّن وجب نفقتهم عليه، وقد عرّفهم الإمام في صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج بقوله : « خمسة لا يعطون من الزكاة شيئا : الأب والأمّ والولد والمملوك والمرأة، وذلك أنّهم عياله لازمون له » . (5)
2 . صحيحة محمد الحلبي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال : والوارث الصغير يعني الأخ وابن الأخ ونحوه . (6)
وظاهر الرواية كون الأخ وابن الأخ ممّن يجب نفقته على الأخ الكبير فلا يجوز دفع زكاته إليه .

1التذكرة : 5 / 266.
2الوسائل : 6، الباب 13 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1.
3الوسائل : 6، الباب 13 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 4.
4الوسائل : 6، الباب 14 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث6.
5الوسائل : 6، الباب 13 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1.
6الوسائل : 15، الباب 11 من أبواب النفقات، الحديث6 .

صفحه 286
يلاحظ عليه - بعد فرض صحّة الحديث - : أنّه خارج عن موضوع البحث، فإنّ موضوعه هو من عال بأحد تبرعا، والأخ الصغير وابن الأخ على هذا الحديث ممّن تجب نفقته على الرجل وجوبا ذاتيا لا تبرعيا .
على أنّ الحديث معرض عنه، إذ لم يقل أحد بوجوب الإنفاق عليه، وهو خارج عن الخمسة المحدّد في غير واحد من الروايات كصحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج المتقدّمة وغيرهما ممّا ذكره صاحب الوسائل في أبواب النفقات . (1)
ثمّ إنّ المحقّق الخوئي حمل الحديث على التقية قائلا بأنّ العامّة قالت بوجوب نفقة الوارث على الموروث . (2)
ولكنّه غير تام، لأنّ فقهاء السنّة ذهبوا إلى أنّ نفقة الموروث على الوارث لا العكس، ولأجل ذلك ذهب أحمد إلى أنّ الموروث يدفع زكاته على الوارث دون العكس . قال العلاّمة : وقال أحمد : على الوارث منهما نفقة موروثه فليس له ]الوارث [ دفع زكاته إليه وليس على الموروث منهما نفقة وارثه، فلا يمنع من دفع
زكاته إليه . (3)
هذا كلّه حول زكاة المنفق بالنسبة إلى من عال تبرعا، وأمّا زكاة الغير بالنسبة إليهم، فيظهر حاله ممّا ذكرناه في المسألة 11 - أعني قوله : « يجوز لمن تجب نفقته على غيره أن يأخذ الزكاة من غير من تجب عليه » - فالظاهر انّ التفصيل الماضي يأتي في المقام أيضا، فلو كان المتبرّع متمكّنا وباذلا فالأحوط عدم دفع
الغير زكاته إليهم، لاحتمال عدم صدق الفقر مع وجود باذل لهم، بخلاف ما إذا

1الوسائل : 15، الباب 11 من أبواب النفقات، الحديث 1، 2، 3، 4.
2مستند العروة : 24 / 170.
3التذكرة : 5 / 267.

صفحه 287
المسألة 16 : يستحب إعطاء الزكاة للأقارب مع حاجتهم وفقرهم وعدم كونهم ممّن تجب نفقتهم عليه، ففي الخبر أيّ الصدقة أفضل؟ قال(عليه السلام) : « على ذي الرحم الكاشح » وفي آخر : « لا صدقة وذو رحم محتاج » . *
............................................................................................
كان عاجزا أو ممتنعا فيجوز، ومع ذلك فالفرق بين المقام وما ذكر في المسألة 11 واضح جدّا، لأنّ المفروض في المقام عدم وجود من تجب نفقتهم عليه وإنّما الموجود هو المنفق تبرعا بخلاف المذكور في المسألة الحادية عشرة، لأنّ المفروض وجود من تجب نفقتهم عليه ومع ذلك يقوم غيره بالإنفاق عليهم من
الزكاة .
* قال الشيخ في « النهاية » : ولا بأس أن يعطي من عدا هؤلاء من الأهل والقرابات من الأخ والأخت وأولادهما والعم والخال والعمة والخالة وأولادهم . والأفضل أن لا يعدل بالزكاة عن القريب مع حاجتهم إلى ذلك إلى البعيد، فإن جعل للقريب قسط، وللبعيد قسط كان أفضل . (1)
ويدلّ عليه موثقة إسحاق بن عمّار، عن أبي الحسن موسى(عليه السلام)قال : قلت له : لي قرابة أنفق على بعضهم، وأفضّل بعضهم على بعض، فيأتيني إبّان الزكاة أفأعطيهم منها؟
قال : « أمستحقون لها؟ » قلت : نعم، قال : « هم أفضل من غيرهم، أعطهم » .
قال : قلت : فمن الذي يلزمني من ذوي قرابتي حتى لا احتسب الزكاة عليهم؟

1النهاية : 186.

صفحه 288
المسألة 17 : يجوز للوالد أن يدفع زكاته إلى ولده للصرف في مؤونة التزويج وكذا العكس . *
............................................................................................
قال : « أبوك وأمّك » ، قلت : أبي وأمّي؟ قال : « الوالدان والولد » . (1)
والعجب من إمام الحنابلة انّه منع ذلك وإن أفتى بجوازه ابن قدامة الذي هو من تلاميذ منهجه .
قال : فإن كان في عائلته من لا يجب عليه الإنفاق عليه كيتيم أجنبي فظاهر كلام أحمد انّه لا يجوز له دفع زكاته إليه، لأنّه ينتفع بدفعها إليه لإغنائه بها عن مؤنته، والصحيح إن شاء اللّه جواز دفعها إليه، لأنّه داخل في أصناف المستحقّين للزكاة ولم يرد في منعه نصّ ولا إجماع ولا قياس صحيح، فلا يجوز إخراجه من
عموم النصّ بغير دليل . (2)
* الجواز وعدمه مبنيا على عدم وجوب الإعفاف ووجوبه، فالمشهور على الأوّل فلا يجب نفقة تزويج كلّ على الآخر، فيصبح كدين كلّ للآخر، أو للغير .
قال المحقّق في « الشرائع » : « ولا يجب إعفاف من تجب النفقة له » . (3)
وقال في « الجواهر » في ذيل العبارة : بلا خلاف معتد به أجده فيه، للأصل السالم عن معارضة إطلاق النفقة في الأدلّة السابقة بعد القطع أو الظن بعدم إرادة ما يشمل ذلك من النفقة المزبورة المراد منها ما هو المتعارف في الإنفاق من سدّ العوزة، وستر العورة وما يتبعها، والمصاحبة بالمعروف، المأمور بها في الوالدين إنّما

1الكافي : 3/551، الحديث 1; الوسائل : 6، الباب 15 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 2، والباب 13 منها، الحديث 2 .
2المغني : 2 / 514.
3الجواهر : 31/377، قسم المتن.

صفحه 289
يراد بها المتعارف من المعروف، وليس هو إلاّ ما ذكرنا، لا أقل من الشكّ في ذلك، والأصل البراءة . (1)
والأظهر في تفسير « المصاحبة بالمعروف » بقرينة صدر الآية هو أن لا يكون الاختلاف في الدين سببا للعقوق والخشونة، بل يعامل معهما معاملة الرفق قال سبحانه : (وَ إِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَ صاحِبْهُما فِي اَلدُّنْيا مَعْرُوفاً)(2) وأين هو من الإعفاف ودفع مصارف التزويج؟ !
نعم يمكن أن يقال بدخول الإعفاف في مفهوم « النفقة » التي هي الموضوع للوجوب، ففي صحيح جميل : « لا يجبر الرجل إلاّ على نفقة الوالدين والولد » (3) إلى غير ذلك من النصوص المشتملة على لفظ « النفقة » وقد ثبت في محلّه انّه لا تقدير في نفقة الأقارب، بل الواجب بل الملاك ملاحظة الحال والشأن والزمان والمكان، فلو احتاج إلى خادم يخدمه ومركب يركبه إلى غير ذلك من ضروريات الحياة حسب الشأن والمنزلة، يجب على المنفق إنفاقهما، وليست الحاجة إلى الزوجة بأقلّ منهما، ولأجل ذلك قلنا في محلّه بوجوب الإعفاف من باب أداء حاجاته على وجه لولا التزويج لما استقامت حياته . (4)
وقد احتاط السيد الإصفهاني في « الوسيلة » وقال : وإن كان أحوط مع حاجته إلى النكاح وعدم قدرته على التزويج وبذل الصداق خصوصا مع الأب فتكون النتيجة، عدم جواز الدفع للوالدين أو الولد للصرف في الإعفاف .

1الجواهر : 31 / 377.
2لقمان : 15.
3الوسائل : 15، الباب 11 من أبواب النفقات، الحديث 2 ولاحظ الحديث 3 .
4لاحظ « نظام النكاح في الشريعة الإسلامية الغراء » : 2 / 394.

صفحه 290
المسألة 18 : يجوز للمالك دفع الزكاة إلى ولده للإنفاق على زوجته أو خادمه من سهم الفقراء، كما يجوز له دفعه إليه لتحصيل الكتب العلميّة من سهم سبيل اللّه . *
............................................................................................
وأمّا دفع الزكاة للإعفاف من باب التوسعة فهو مبني على جواز صرف الزكاة في واجب النفقة لأجلها، وقد مرّ الكلام فيه في ذيل الأمر الثالث، أعني قوله : « بل ولا للتوسعة على الأحوط وإن كان لا يبعد جوازه إذا لم يكن عنده ما يوسّع به عليهم »
فخرجنا بالنتيجة التالية : انّه إذا كان الإعفاف جزءا من النفقة الواجبة، أو تتميما لها، لا يجوز صرف الزكاة سواء تمكّن المنفق أو لا، بقول واحد . نعم لو قلنا بعدم كونه منهما، بل دخلا في التوسعة، فالجواز وعدمه مبني على جواز الصرف في التوسعة وعدمه، وقد عرفت أنّ الأقوى عدم الجواز مطلقا .
* هنا فرعان :
1 . دفع الزكاة إلى الولد من سهم الفقراء ليصرفها فيمن تجب نفقته عليه، لا على المزكّي .
2 . دفع الزكاة إلى الولد - نفسه - لا للصرف في حقّ الآخرين بل ليشتري بها لنفسه الكتب العلمية من سهم سبيل اللّه .
أمّا الأوّل : فهو مبني على أنّ نفقة زوجة الولد ليست جزءا من نفقة الولد، وإلاّ تجب كنفقة نفس الولد، ولا يصحّ الدفع لهذا الغرض; وبما انّ المشهور يرى الإعفاف أمرا غير واجب، تكون نفقة الزوجة على عاتق الولد، لا على والده، فعندئذ تصبح زوجته فقيرة، تدخل تحت قوله سبحانه : (إِنَّمَا اَلصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ)

صفحه 291
المسألة 19 : لا فرق في عدم جواز دفع الزكاة إلى من تجب نفقته عليه بين أن يكون قادرا على إنفاقه أو عاجزا .
كما لا فرق بين أن يكون ذلك من سهم الفقراء أو من سائر السهام، فلا يجوز الإنفاق عليهم من سهم سبيل اللّه أيضا، وإن كان يجوز لغير الإنفاق .
وكذا لا فرق على الظاهر الأحوط بين إتمام ما يجب عليه وبين إعطاء تمامه، وإن حكي عن جماعة أنّه لو عجز عن إنفاق تمام ما يجب عليه جاز له إعطاء البقيّة، كما لو عجز عن إكسائهم أو عن إدامهم لإطلاق بعض الأخبار الواردة في التوسعة بدعوى شمولها للتتمّة، لأنّها أيضا نوع من التوسعة . لكنّه مشكل فلا يترك الاحتياط بترك الإعطاء . *
............................................................................................
فيصبح دفعها إليها من سهم الفقراء إذا كان الولد عاجزا عن نفقتها أو ممتنعا . (1)
وأمّا الثاني - أعني : دفعها إلى الولد نفسه لشراء الكتب العلمية -: فلا يجوز من سهم الفقراء في مورد الكتب اللازمة حسب قضاء البيئة، كالكتب الكلاسيكية، لأنّها من المؤونة العرفية الواجبة; وأمّا الزائدة منها فلا يجوز مطلقا لا من سهم الفقراء، ولا من سهم سبيل اللّه . أمّا الأوّل فلأنّه يعدّ حينئذ من مصاديق التوسعة، وقد مرّ عدم جوازها في مورد واجب النفقة; وأمّا الثاني فلما مرّ من أنّه ليس كلّ عمل قربي من مصاديقه، بل العمل الصالح الذي ينتفع به أكثر الناس .
* هنا ثلاثة فروع :

1وقد مرّ هذا الشرط في المسألة 11 فلاحظ.

صفحه 292
1 . لا فرق في عدم جواز دفع الزكاة إلى واجب النفقة بين كون المزكّي قادرا على إنفاقه أو لا .
2 . لا يجوز الإنفاق على واجب النفقة من الزكاة بسائر العنوانات كسبيل اللّه، وأمّا الدفع لا لغاية الإنفاق كالعامل والغارم فيجوز .
3 . لا فرق في عدم جواز الإنفاق في الزكاة على واجب النفقة، بين تعلّق العجز بتمام النفقة وبين تعلّقه بإتمامه .
وإليك دراسة الفروع واحدا بعد الآخر .
أمّا الأوّل : لا شكّ انّه إذا كان المزكّي قادرا على الإنفاق - من غير الزكاة - لا يجوز الإنفاق منها وقد مضى البحث فيه في الوصف الثالث - أعني : أن لا يكون ممّن تجب نفقته على المزكّي - إنّما الكلام إذا كان عاجزا عن الإنفاق عليهم من غير الزكاة، فهل يجوز له الإنفاق من الزكاة أو لا؟
أقول : هنا طوائف من الأدلّة :
1 . الإطلاقات الدالّة على جواز دفع الزكاة إلى الفقراء، سواء كان ممّن تجب نفقته على المزكّي أو لا، أوضحها قوله سبحانه : (إِنَّمَا اَلصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ اَلْمَساكِينِ)(1) وغيره .
2 . ما دلّ على عدم جواز دفع الزكاة إلى من تجب نفقته على المزكّي مطلقا، سواء كان المزكي قادرا على الإنفاق أو لا، كروايتي إسحاق بن عمّار (2) وزيد الشحّام، (3) من دون تقييد بالقدرة على الإنفاق من غير الزكاة .
3 . ما يدلّ على عدم جواز دفع الزكاة إلى واجب النفقة، معلّلا بأنّهم « عياله

1التوبة : 60.
2الوسائل : 6، الباب 13 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 2 .
3الوسائل : 6، الباب 13 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 3 .

صفحه 293
لازمون له » (1) أو « لأنّه يجبر على النفقة عليهم » (2) ومن المعلوم أنّ الإلزام والإجبار آية القدرة على الإنفاق من غير الزكاة، فيختص المنع بصورة القدرة لا العجز .
لا كلام في أنّ مقتضى القاعدة هو تقييد الإطلاق الأوّل ( الآية) بالثاني وإخراج من وجبت نفقته على المزكّي عن تحت الآية . وعندئذ يدور الأمر بين الأخذ بإطلاق المخصص الأوّل أو تقييده بمقتضى التعليل الوارد في المخصص الثاني .
وبعبارة أخرى : هل المرجع هو إطلاق المخصص الأوّل، أو التعليل الوارد في المخصص الثاني؟
فظاهر المصنّف من الإفتاء بعدم جواز الدفع، هو الأخذ بإطلاق المخصّص الأوّل، ومع ذلك ذهب السيد الحكيم (قدس سره)إلى تقديم مقتضى التعليل قائلا : بأنّ انتفاء القدرة رافع للتكليف، فلا يصدق انّهم لازمون له، ولا انّه يجبر على نفقتهم . فإذا القول بجواز أخذ الزكاة من المنفق - كغيره - للنفقة أوفق
بالعمومات . (3)
ويؤيده، جواز دفع الزكاة للناشزة وللدائمة الساقطة نفقتها بالشرط مع أنّ الزوجة حسب الطبع الأوّلي تجب نفقتها على الزوج، غايته انّه سقط فعلا لمانع، وهو النشوز أو الشرط أو لأجل العجز، كما في المقام . (4)
أمّا الفرع الثاني : فمقتضى إطلاق الأدلّة المانعة، هو عدم جواز الدفع له لأجل النفقة من الزكاة مطلقا، من غير فرق بين سهم الفقراء وسائر السهام

1الوسائل : 6، الباب 13 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1.
2الوسائل : 6، الباب 13 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 4.
3المستمسك: 9 / 299.
4مستند العروة : 24 / 175 .

صفحه 294
المسألة 20 : يجوز صرف الزكاة على مملوك الغير إذا لم يكن ذلك الغير باذلا لنفقته إمّا لفقره أو لغيره، سواء كان العبد آبقا أو مطيعا . *
............................................................................................
فقوله(عليه السلام)في صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج عن أبي عبد اللّه(عليه السلام): « خمسة لا يعطون من الزكاة شيئا : الأب والأمّ والولد والمملوك والمرأة، وذلك انّهم عياله لازمون له » ظاهر - بقرينة قوله : « إنّهم عياله » - في منع الإنفاق بدفع الزكاة إليهم مطلقا، سواء أكان من سهم الفقراء أم غيره، فلا يجوز تأمين نفقتهم من الزكاة مطلقا .
وأمّا دفع الزكاة إليهم لا لغاية الإنفاق وتأمين النفقة، بل لقضاء الدين أو لأجرة العمل فلا مانع كما مرّ في المسألة العاشرة فلاحظ .
أمّا الفرع الثالث : فكأنّه نوع تفصيل للفرع الثاني، أعني : إذا كان المالك عاجزا عن الإنفاق على واجب النفقة على القول بالمنع، ففصّل بعضهم بين الإتمام، ودفع التمام فمنع الثاني وجوّز الأوّل، والظاهر عدم تمامية التفصيل بعد الأخذ بإطلاق المخصص الأوّل .
* ظاهر كلام المصنّف انّه إذا لم يبذل المولى نفقة العبد، فيجوز لغيره صرف الزكاة في حقّ المملوك، لا إعطاءها له، وتمليكه إيّاه .
ثمّ إنّه لا فرق في ذلك بين العبد الآبق والمطيع، لصرف الزكاة في حقّهما .
أقول : تضافرت الروايات على النهي عن إعطاء الزكاة للمملوك، وقد اختلفت كلمتهم في تفسير النهي إلى وجهين :
الأوّل : انّ سبب النهي، هو العيلولة، فانّ المملوك عيال لمولاه، تجب نفقته عليه، فلا يعطى الزكاة، لا من المولى لوجوب نفقته، ولا من الغير، لعدم صدق

صفحه 295
الفقير بعد بذل المولى، ويدلّ على ذلك من الروايات ما يلي :
1 . صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال : « خمسة لا يعطون من الزكاة شيئا : الأب والأمّ والولد، والمملوك والمرأة، وذلك أنّهم عياله لازمون له » . (1)
2 . مرفوعة عبد اللّه بن الصلت، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام): « خمسة لا يعطون من الزكاة : الولد والوالدان والمرأة والمملوك، لأنّه يجبر على النفقة عليهم » . (2)
والروايتان صريحتان في أنّ السبب لمنع المولى عن دفع زكاته إليه هو العيلولة، دون الرقّية، إذ لو كانت الثانية هي السبب كان التعليل بالذاتي أولى من التعليل بالعرضيّ .
وعلى ضوء ذلك يظهر حكم المقام، فإذا كان المولى فقيرا أو ممتنعا عن البذل، يدخل الموضوع في المسألة الحادية عشرة من أنّه : « يجوز لمن تجب نفقته على غيره أن يأخذ الزكاة من غير من تجب عليه إذا لم يكن قادرا على إنفاقه الخ » . وعندئذ كما يجوز صرفها على نفقته، يجوز تمليكه الزكاة ليصرفها في مؤونته، ولا يختص الجواز بالصرف كما عليه المصنّف في المتن .
نعم يشكل المساعدة معه فيما إذا كان سبب الامتناع هو العبد نفسه كما إذا كان آبقا فهو كالزوجة الناشزة، وقد مرّ الكلام فيها، وعرفت أنّ الأقوى الجواز إذا قلنا بعدم شرطية العدالة، ومانعية التهتك .
الثاني : انّ السبب هو الرقّية التي تلازم عدم الملكية، فلا يصحّ تمليكه الزكاة وإن كان المولى فقيرا أو ممتنعا، لأنّه لا يملّك، ويظهر من الشيخ في « الخلاف » انّ عليه أصحابنا قال :

1الوسائل : 6، الباب 13 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1 .
2الوسائل : 6، الباب 13 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 4 .

صفحه 296
إذا ملّك المولى عبده مالا، فانّه لا يملكه وإنّما يستبيح التصرف فيه، ويجوز له الشراء - إلى أن قال : - دليلنا : إجماع الفرقة على أنّ العبد لا يملك، فإذا ثبت ذلك فالمال للسيد فيلزمه زكاته . (1)
ويؤيد ذلك ما تضافر من الروايات من أنّ العبد لا يعطى له الزكاة .
ففي صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال : « ولو احتاج لم يعط من الزكاة شيئا » . (2)
وفي موثّقة إسحاق بن عمّار عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال : « لا يعطى العبد من الزكاة شيئا » . (3)
ولكنّه غير تام وذلك للأسباب التالية :
أوّلا : أنّ الظاهر من الذكر الحكيم انّ العبد ممنوع من التصرف، لا انّه لا يملك شيئا، قال سبحانه : (ضَرَبَ اَللّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْء وَ مَنْ رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَ جَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ اَلْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ)(4) والمراد من عدم القدرة، هو القدرة على التصرف بقرينة قوله سبحانه في مقابله : (فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَ جَهْراً)وعلى ذلك فما دلّ على خلاف ذلك إمّا مؤوّل، أو مرجوع علمه إليهم .
وثانيا : أنّ صحيحة عبد اللّه بن سنان التي رواها الكليني، وموثقة إسحاق بن عمّار التي رواها الصدوق تدلاّن على أنّه يملك، قال(عليه السلام): « ليس في مال المملوك شيء ولو كان له ألف ألف، ولو احتاج لم يعط من الزكاة شيئا » . (5)

1الخلاف : 2/42، كتاب الزكاة، المسألة 45 .
2الوسائل : 6، الباب 4 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 1.
3الوسائل : 6، الباب 4 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 6.
4النحل : 75.
5الوسائل : الجزء 6، الباب 4 من أبواب من تجب عليه الزكاة، الحديث 1 و 6.

صفحه 297

] الأمر الرابع : أن لا يكون هاشمياً [

الرابع : أن لا يكون هاشميّاً إذا كانت الزكاة من غيره مع عدم الاضطرار، ولا فرق بين سهم الفقراء وغيره من سائر السهام حتّى سهم العاملين وسبيل الله . نعم لا بأس بتصرّفه في الخانات والمدارس وسائر الأوقاف المتّخذة من سهم سبيل الله . أمّا زكاة الهاشميّ فلا بأس بأخذها له من غير فرق بين السهام أيضاً حتّى سهم العاملين، فيجوز استعمال الهاشميّ على جباية صدقات بني هاشم، وكذا يجوز أخذ زكاة غير الهاشميّ له مع الاضطرار إليها وعدم كفاية الخمس وسائر الوجوه، ولكن الأحوط حينئذ الاقتصار على قدر الضرورة يوماً فيوماً مع الإمكان . *
............................................................................................
* هنا فروع :
1 . حرمة الزكاة على الهاشمي إذا كان الدافع غير هاشمي .
2 . لا فرق في عدم الجواز بين سهم الفقراء وسائر السهام .

صفحه 298
3 . حكم أخذ الهاشمي الزكاة من مثله .
4 . أخذ الهاشمي الزكاة من غير الهاشمي مع الاضطرار .
5 . ما هو شرط التناول من الزكاة عند الاضطرار؟ فهل هو مجرّد عدم التمكن من الخمس، أو من كلّ ما يحلّ لهم التصرف فيه؟
6 . كيفية تناول الزكاة في صورة الاضطرار .
وإليك دراسة الفروع واحداً تلو الآخر :

الأوّل : حرمة الزكاة على الهاشمي

اتّفقت كلمة الفقهاء من السنّة والشيعة على حرمة الصدقات الواجبة على الهاشمي من غير خلاف إجمالاً .
قال الشيخ في« النهاية » : ولا تحلّ الصدقة الواجبة في الأموال لبني هاشم قاطبة، وهم الذين ينتسبون إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)وجعفر بن أبي طالب وعقيل بن أبي طالب، وعباس بن عبدالمطلب، فأمّا ما عدا صدقة الأموال، فلا بأس أن يُعطَوا إيّاها، ولا بأس أن تُعْطى صدقة الأموال مواليهم، ولا بأس أن يعطي بعضهم بعضاً صدقة الأموال، وإنّما يحرم عليهم صدقة من ليس من نسبهم . (1)
وقال الخرقي في متن المغني : « ولا لبني هاشم ولا لمواليهم » والمراد من الموالي من اعتقهم الهاشمي .
وقال ابن قدامة في شرحه : لا نعلم خلافاً في أنّ بني هاشم لا تحلّ لهم الصدقة المفروضة، وقد قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : « إنّ الصدقة لا تنبغي لآل محمّد إنّما هي أوساخ الناس » . أخرجه مسلم .
وعن أبي هريرة، قال : أخذ الحسن تمرة من تمر الصدقة، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

1النهاية : 186.

صفحه 299
« كخ كخ » ليطرحها، وقال : « أما شعرت أنّا لا نأكل الصدقة » . متفق عليه . (1)
وقال في« الجواهر » : بلا خلاف أجده فيه بين المؤمنين بل وبين المسلمين، بل الإجماع بقسميه عليه، بل المحكي منهما متواتر، كالنصوص الّتي اعترف غير واحد بكونها كذلك إكراماً لهم بالتنزيه عن أوساخ الناس الّتي هي من الرجس الّذي أذهب الله عنهم وطهرهم عنه تطهيراً، فحرّمه عليهم وعوّضهم عنه الخمس، من غير فرق بين أهل العصمة منهم وبين غيرهم . (2)
ويدلّ على ذلك ـ وراء الإجماع بين المسلمين ـ صحاح الروايات الّتي نذكر منها ما يلي :
1 . صحيحة عيص بن القاسم، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال : « إنّ أُناساً من بني هاشم أتوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فسألوه أن يستعملهم على صدقات المواشي، وقالوا : يكون لنا هذا السهم الّذي جعل الله عزّوجلّ للعاملين عليها فنحن أولى به، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : يا بني عبدالمطلب إنّ الصدقة لا تحلّ لي ولا لكم، ولكنّي قد وُعدتُ الشفاعة . . . أتروني مُؤثراً عليكم غيركم » . (3)
2 . صحيحة الفضلاء، عن أبي جعفر وأبي عبدالله (عليهما السلام)قالا : « قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّ الصدقة أوساخ أيدي الناس، وإنّ الله قد حرّم عليّ منها ومن غيرها ما قد حرّمه وإنّ الصدقة لا تحل لبني عبدالمطلب » . (4)
3 . صحيحة عبدالله بن سنان، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال : « لا تحلّ الصدقة لولد العباس ولا لنظرائهم من بني هاشم » . (5)
إلى غير ذلك من الروايات الّتي عمل بها المسلمون .

1المغني : 2 / 519.
2الجواهر : 15 / 406.
3الوسائل : 6، الباب 29 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1.
4الوسائل : 6، الباب 29 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 2.
5الوسائل : 6، الباب 29 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 3.

صفحه 300
نعم يخالفها صحيح أبي خديجة سالم بن مكرم الجمّال، عن أبي عبدالله (عليه السلام)أنّه قال : « أُعطوا الزكاة من أرادها من بني هاشم، فإنّها تحلّ لهم، وإنّما تحرم على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وعلى الإمام الّذي من بعده وعلى الأئمّة(عليهم السلام)» . (1)
والخبر لإعراض الأصحاب ليس بحجّة، غير أنّ غير واحد من الأصحاب حاولوا أن يطبّقوا الرواية على القواعد، فقد نقل صاحب الوسائل وجوهاً ثلاثة وقال :
حملها الأصحاب على الضرورة، أو على زكاة بعضهم لبعض، أو على المندوبة . (2)
والجميع لا يوافق الظاهر، ولعلّ التفريق عند الضرورة بين الإمام وغيره هو انّ الضرورة تتّفق للسادة دون النبي والأئمّة(عليهم السلام).
وعلى كلّ حال فالرواية ليست بحجّة، سواء أصحت هذه التأويلات أم لا .
ثمّ إنّ الموضوع في صدر الرواية الأُولى والثالثة هو« بنو هاشم » وفي ذيل الأُولى والثانية« بنو عبدالمطلب » ، وبما انّ هاشماً لم يعقب إلاّ من عبدالمطلب يكون مرجع الجميع واحداً .
نعم ورد في رواية زرارة عن أبي عبدالله (عليه السلام)انّه قال : « لو كان العدل ما احتاج هاشميّ ولا مطّلبيّ إلى صدقة، إنّ الله جعل لهم في كتابه ما كان فيه سعتهم » . (3)
لكن المراد من المطّلبيّ هو المنتسب إلى عبدالمطلب، فإنّ ياء النسبة في هذا

1الوسائل : 6، الباب 29 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 5.
2المصدر السابق .
3الوسائل : 6، الباب 33 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1.

صفحه 301
النوع من المركّب يدخل الجزء الثاني، فيقال في عبد شمس : شمسيّ، وفي أبي طالب : طالبيّ، وفي عبدالمطلب : مطلبيّ، فعندئذ يكون العطف تفسيرياً، وقد مرّ انّ هاشماً لم يعقب إلاّ من عبدالمطلب كما هو مصرح في كتب الأصحاب والتاريخ والسيرة .
يقول ابن مالك :
وانسِبْ لصدر جملة وصدر ما *** ركّبَ مزجاً، وبثان تمِّما
اضافة مبدوءة بابن وأب *** أو ماله التعريف بالثاني وجب
قال ابن عقيل في شرحه : إذا نسب إلى الاسم المركّب فإن كان مركباً تركيب جملة أو تركيب مزج، حذف عجزه والحق صدره ياء النسبة، فتقول في تأبط شرّاً : تأبطيّ، وفي بعلبك : بعليّ; وإن كان مركب إضافة، فإن كان صدره ابناً أو أباً أو كان معروفاً بعجزه، حذف صدره والحق عجزه ياء النسبة، فنقول في ابن الزبير : زبيريّ، وفي أبي بكر : بكريّ، وفي غلام زيد : زيديّ . . . . (1)
نعم حكي عن الشيخ المفيد في الرسالة الغرية تحريم الزكاة على بني المطّلب وهو( المطّلب) عمّ عبدالمطلب بن هاشم، ونقل أيضاً عن ابن الجنيد، ولعلّ مستند المفيد هو ما ذكرنا من الرواية مفسراً قوله : « ولا مطلبيّ » أي أبناء« مطلب » وهو أخو هاشم وعمّ عبدالمطلب كما عرفت وقد عرفنا تفسيره .

1شرح ابن عقيل : 2 / 391.

صفحه 302

الثاني : لا فرق بين سهم الفقراء وغيرهم

هل المحرّم عليهم سهم الفقراء أو عامّة السهام، فيه خلاف، قال الشيخ في« الخلاف » : لا يجوز لأحد من ذوي القربى أن يكون عاملاً في الصدقات، لأنّ الزكاة محرّمة عليهم . وبه قال الشافعي وأكثر أصحابه .
وفي أصحابه من قال : يجوز ذلك، لأنّ ما يأخذه على جهة ا لمعاوضة كالإجارات .
دليلنا : إجماع الفرقة، وأيضاً : روي أنّ الفضل بن عباس، والمطّلب بن ربيعة سألا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يولّيهما العمالة، فقال لهما : « أنّ الصدقة أوساخ أيدي الناس، وأنّها لا تحلّ لمحمّد وآل محمّد » . (1)
وقال في« الجواهر » : ولا فرق في الحكم المزبور بين السهام كلّها، كما صرّح به غير واحد .
ثمّ نقل صحيحة العيص بن القاسم التي مرت فيما سبق .
وقال ابن قدامة في« المغني » : وظاهر قول الخرقي هنا أنّ ذوي القربى يمنعون الصدقة وإن كانوا عاملين، وذكر في باب قسم الفيء والصدقة ما يدلّ على إباحة الأخذ لهم عمالة وهو قول أكثر أصحابنا، لأنّ ما يأخذونه أجر، فجاز لهم أخذه كالحمّال وصاحب المخزن إذا آجرهم مخزنه . (2)
يمكن الاستدلال على المنع من غير السهمين( الفقراء والعاملين عليها) بوجهين :
1 . إطلاق الروايات الماضية ومعاقد الإجماعات، فإنّها تعمّ جميع الأصناف .

1الخلاف : 4 / 231 ـ 232، كتاب الصدقات، المسألة 13 .
2المغني : 2 / 520.

صفحه 303
2 . إذا حرم عليهم سهم العاملين الذي هو كالعوض عن العمل فغيره أولى، ويظهر من رواية العيص أنّ التحريم سياسي لئلاّ يتّهم النبي أو الإمام بإيثار أقربائه على سائر الناس، ولأجل ذلك نهاهم عن أخذ هذا النوع من الضريبة، ولأجل إيجاد النفرة بينهم شبّه الزكاة بأوساخ الناس كي لا يرغب فيه أحد، كما في صحيحة زرارة .
نعم وشذ منّا صاحب كشف الغطاء حيث أحلّ جواز العطاء من الزكاة لهم من السهام الثلاثة : المؤلّفة قلوبهم، وفي الرقاب، وسبيل الله، على تأمّل في الأخير، وذكر كيفية سهم« وفي الرقاب » في بني هاشم وجوهاً ثلاثة :
1 . فرض ارتداده كسهم المؤلّفة وفي الرقاب .
2 . أو كونه من ذرية أبي لهب ولم يكن في سلسلته مسلم، والحاجة إلى الاستعانة به .
3 . وبتزويجه الأمة واشتراط رقّية الولد عليه على القول به، وسهم سبيل الله فعلى تأمّل .
يلاحظ عليه : ـ مع بعد الفروض التي ذكرها ـ أنّه لم يعلم الفرق بين الغارم وفي الرقاب، فإنّ في كلٍّ، فك رقبة إمّا عن الدين وإمّا عن الرقّية، فإذا جاز فكّ الرقبة بالزكاة ففي فكّ ذمّة الهاشمي من الدين بطريق أولى، فالأولى الاجتناب مطلقاً .
نعم ما يبنى من الخانات والمدارس وسائر الأوقاف المتّخذة من سهم سبيل الله يجوز للسادة الانتفاع بها، ووجهه واضح، لأنّ الممنوع هو التصرّف في الزكاة، والمؤسسات المبنيّة من الزكاة لا يصدق عليها أنّها زكاة، فهو أشبه بهبة الفقير شيئاً ممّا أخذ من الزكاة للسادة بعد تملّكه أو أداء دينه من الزكاة إذا كان الدائن هاشمياً .

صفحه 304

الثالث : أخذ الهاشمي الزكاة من مثله

وهذه المسألة أيضاً ممّا لا خلاف فيها عندنا، قال الشيخ في« الخلاف » : صدقة بني هاشم بعضهم على بعض غير محرّمة وإن كانت فرضاً . وخالف جميع الفقهاء في ذلك وسوُّوا بينهم وبين غيرهم . دليلنا : إجماع الفرقة وأخبارهم . (1)
وقال العلاّمة : ولا يحرم صدقة بعضهم على بعض، وعليه فتوى علمائنا خلافاً للجمهور كافة إلاّ أبا يوسف انّه جوزه . (2)
وقال في« التذكرة » : تحلّ صدقة بعضهم على بعض عند علمائنا، وهو محكي عن أبي يوسف، لأنّ مفهوم قوله (عليه السلام): « الصدقة أوساخ الناس » ترفّعهم عن غيرهم، وامتياز الجنس عن الجنس بعدم قبول صدقته تنزيهاً له، فلا ينقدح فيه امتياز أشخاص الجنس بعضها عن بعض لتساويهم في المنزلة، فلا يليق ترفّع بعضهم على بعض . (3)
وقد عقد صاحب الوسائل باباً لهذا روى فيه تسع روايات، ونقل رواية أُخرى في الباب 34 من أبواب المستحقّين للزكاة .
ففي صحيحة البزنطي، عن الرضا (عليه السلام)قال : سألت الرضا (عليه السلام)عن الصدقة تحل لبني هاشم؟ فقال : « لا ولكن صدقات بعضهم على بعض تحلّ لهم » . (4)
وفي صحيحة الجعفري، عن أبي عبدالله (عليه السلام)انّه قيل له : الصدقة لا تحلّ لبني هاشم؟ فقال أبو عبدالله (عليه السلام): « إنّما ذلك محرم علينا من غيرنا، فأمّا بعضنا على بعض فلا بأس بذلك » . (5) إلى غير ذلك من الروايات .

1الخلاف : 4 / 240، كتاب الصدقات، المسألة 27 .
2المنتهى : 1 / 524 .
3التذكرة : 5 / 269، المسألة 181 .
4الوسائل : 6، الباب 32 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 8 و 9 . ولاحظ سائر أحاديث الباب، ولاحظ أيضاً الباب 34، الحديث 4 فيكون الجميع عشرة كاملة .
5المصدر السابق.

صفحه 305
وعلى ذلك يجوز استعمال الهاشمي على جباية صدقات بني هاشم فيدفع لهم سهم العاملين .

الرابع : أخذ الزكاة عند الاضطرار

قد تقدّم في الروايات انّه سبحانه جعل الخمس للهاشميّن عوض الزكاة، فلو افترض عدم كفاية الخمس للهاشميّين ـ لا لنقصان التشريع ـ بل لامتناع أصحاب الخمس من الإعطاء، فهل يجوز للهاشمي أن يأخذ الزكاة من غير الهاشمي ضرورة عند الاضطرار؟
قال الشيخ في« النهاية » : هذا كلّه إنّما يكون في حال توسّعهم ووصولهم إلى مستحقّهم من الأخماس، فإذا كانوا ممنوعين من ذلك ومحتاجين إلى ما يستعينون به على أحوالهم، فلا بأس أن يعطوا زكاة الأموال رخصة لهم في ذلك عند الاضطرار . (1)
وقال في« الخلاف » : تحلّ الصدقة لآل محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)عند فوت خمسهم، أو الحيلولة بينهم وبين ما يستحقّونه من الخمس . وبه قال الاصطخري من أصحاب الشافعي .
وقال الباقون من أصحابه : إنّها لا تحلّ لهم، لأنّها إنّما حرمت عليهم تشريفاً لهم وتعظيماً، وذلك حاصل مع منعهم الخمس .
دليلنا : إجماع الفرقة، وأخبارهم، وأيضاً قوله تعالى : (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَ الْمَسَاكِينَ)(2)، وإنّما أخرجناهم في حال توسعهم إلى الخمس بدليل . (3)

1النهاية : 187 .
2التوبة : 60.
3الخلاف : 4 / 232، كتاب الصدقات، المسألة 14 .

صفحه 306
وقال ابن زهرة : فإن كان مستحقّ الخمس غير متمكّن من أخذه، أو كان المزكّي هاشمياً مثله، جاز دفع الزكاة إليه، بدليل الإجماع المشار إليه. (1)
قال العلاّمة : ولو لم يحصل للهاشمي من الخمس بقدر كفايته جاز أن يأخذ الزكاة المفروضة عند علمائنا، وبه قال أبو سعيد الاصطخري، لأنّ المنع إنّما كان لاستغنائهم بالخمس، وحرمت عليهم الصدقة، وجعل لهم الخمس في مقابلة ذلك، فإذا لم يحصل لهم الخمس حلّت لهم الصدقة، ولهذا قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)للفضل بن العباس : « أليس في خمس الخمس ما يكفيكم عن أوساخ الناس » . (2)
وقال في« المنتهى » : وإذا مُنع الهاشميون من الخمس جاز لهم تناول الزكاة، وعليه فتوى علمائنا أجمع، وقال أبو سعيد الاصطخري من الشافعية : وأطبق الجمهور على المنع . لنا : إنّ المنع من الزكاة إنّما هو لاستغنائهم بالخمس مع التعذر والمنع المقتضي للتحريم، فيبقى على أصالة الإباحة، ويؤيّده ما رواه الجمهور أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال للفضل بن العباس : « في خمس الخمس ما يكفيكم عن أوساخ الناس » . (3)
إلى غير ذلك من الكلمات .
ويدلّ عليه أمران :
الأوّل : عموم ما دلّ على أنّ الاضطرار رافع للإيجاب والحرمة .
قال الإمام الباقر (عليه السلام) : « التقية في كلّ شيء يضطر إليه ابن آدم فقد أحلّه الله له » . (4)

1غنية النزوع : 2 / 125.
2التذكرة : 5 / 273، المسألة 186.
3المنتهى : 1 / 526.
4الوسائل : 11، الباب 25 من أبواب الأمر والنهي، الحديث 2.

صفحه 307
مضافاً إلى حديث الرفع المتضافر عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : « رفع عن أُمّتي تسعة أشياء : الخطأ، والنسيان، وما أُكرهوا عليه، وما لا يعلمون، وما لا يطيقون، وما اضطرّوا إليه . . . » . (1)
الثاني : موثّقة زرارة، عن أبي عبدالله (عليه السلام)ـ في حديث ـ قال : « إنّه لو كان العدل ما احتاج هاشمي ولا مطّلبي إلى صدقة، إنّ الله جعل لهم في كتابه ما كان فيه سعتهم، ثمّ قال : إنّ الرجل إذا لم يجد شيئاً حلّت له الميتة، والصدقة لا تحلّ لأحد منهم إلاّ أن لا يجد شيئاً، ويكون ممّن يحلّ له الميتة » . (2)
ويقرب منه خبر العزرمي، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن أبيه (عليهما السلام)، قال : « لا تحلّ الصدقة لبني هاشم إلاّ في وجهين : إن كانوا عطاشاً فأصابوا ماءً فشربوا، وصدقة بعضهم على بعض » . (3)
وبعد ذلك فلا عبرة بما رواه صاحب دعائم الإسلام عن جعفر بن محمد (عليهما السلام)ـ في حديث ـ أنّه قيل له : فإذا مُنِعْتُم الخمس هل تحلّ لكم الصدقة؟ قال : « لا والله ما يحلّ لنا ما حرّم الله علينا بمنع الظالمين حقنا، وليس منعهم إيّانا ما أحلّ الله لنا، بمحلّ لنا ما حرّم الله علينا » (4)، وذلك لإعراض الأصحاب عنه كما هو واضح .

الخامس : ما هو شرط التناول؟

دلّت الإجماعات المنقولة والروايات على جواز تناول الهاشمي من الزكاة عند

1الوسائل : 11، الباب 56 من أبواب جهاد النفس، الحديث 1.
2الوسائل : 6، الباب 33 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1.
3الوسائل : 6، الباب 32 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 7.
4المستدرك : 1 / 524، الباب 19 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1.

صفحه 308
الضرورة، فهل المراد منها مجرّد عدم التمكّن من الخمس؟ أو المراد عدم التمكّن من كلّ ما يجوز لهم التصرّف فيه كالصدقات المندوبة، أو الواجبة غير الزكاة بناء على حلّها لهم، أو الهبات والعطايا الّتي ربما تُقدَّمُ إليهم؟ فأكثر العبارات هو الاكتفاء بعدم التمكّن من الخمس .
ففي« النهاية » : فإذا كانوا ممنوعين من ذلك( الخمس) . (1)
وفي« الخلاف » : عند فوت خمسهم . (2)
وفي« الغنية » : إذا كان مستحقُّ الخمس غيرَ متمكّن من أخذه . (3)
وفي« الشرائع » : لو لم يتمكّن الهاشمي من كفايته من الخمس، جاز له أن يأخذ من الزكاة . (4)
وفي« المنتهى » : وإذا مُنِعَ الهاشميون من الخمس جاز لهم تناول الزكاة . (5)
فمعقد الفتاوى هو كفاية الحرمان من الخمس وإن كان باب الانتفاع من سائر الأموال المباحة مفتوحاً .
لكن الاعتماد على هذا الظهور مشكل، لاحتمال أن يكون ذكر الخمس من باب المثال الشاخص، وإلاّ فالمناط هو الاضطرار المبيح للحرام .
نعم استدلّ المرتضى في« الانتصار » على كفاية مجرّد عدم التمكّن من الخمس بقوله : وممّا انفردت به الإمامية القول بأنّ الصدقة إنّما تحرم على بني هاشم إذا تمكّنوا من الخمس الّذي جعل لهم عوضاً عن الصدقة فإذا حُرِمُوه حلّت لهم الصدقة، وباقي الفقهاء يخالفون في ذلك . دليلنا على صحّة ما ذهبنا إليه : الإجماع

1النهاية : 187.
2الخلاف : 4 / 232، كتاب الصدقات، المسألة 14 .
3الغنية : 2 / 125.
4الشرائع : 1 / 163.
5المنتهى : 1 / 526.

صفحه 309
المتردّد، ويقوى هذا المذهب بظاهر الأخبار، وبأنّ الله حرّم الصدقة على بني هاشم وعوَّضهم الخمس منها، فإذا سقط ما عُوِّضُوا به، لم تَحْرم عليهم الصدقة . (1)
وأورد عليه في« الجواهر » بأنّ الثابت من المعاوضة بالنسبة إلى الحكم، أي حرّم عليهم الزكاة وعوّضهم بفرض الخمس على الناس من غير مدخلية للتمكّن وعدمه . (2)
ولعلّه إلى هذا الجواب يرجع ما ذكره المحقّق الخوئي (رحمه الله)من أنّ العوضية إنّما هي في الجعل والتشريع لا في متعلّق الجعل ـ أعني : المال الخارجي ـ فالزكاة جعلها الله سبحانه للفقراء، وبدلاً عن ذلك جعل الخمس للسادة، وهذه البدلية والعوضية باقية أبدية، سواء أُعطي الخمس لهم خارجاً أم لا، فلاسقوط له لينتقل إلى المعوّض، لما عرفت من أنّ التعويض إنّما هو في الجعل لا في المجعول . (3)
يلاحظ على الجوابين : أنّ التعويض بين الحكمين يلازم التعويض بين العينين، خصوصاً انّ الحكم منظور به والعين منظور فيها، فمصبُّ المعاوضة هو الأعيان الخارجية لا الأحكام الاعتبارية، وعلى ذلك يمكن القول بكفاية الحرمان عن الزكاة وإن استتبَّ لهم التصرف في سائر الأموال المحلّلة لهم .
هذاكلّه حول القول الأوّل، وأمّا القول الآخر، أعني : اشتراط التصرف في الزكاة وعدم التمكّن من المال الحلال سواء كان خمساً أو صدقة مندوبة أو صدقة واجبة غير الزكاة أو الهدايا والعطايا، فيمكن الاستدلال عليه بما في ذيل رواية زرارة حيث قال :
« إنّ الرجل إذا لم يجد شيئاً حلّت له الميتة، والصدقة لا تحلّ لأحد منهم إلاّ أن

1الانتصار : 85 .
2الجواهر : 15 / 410.
3المستند : كتاب الزكاة : 2 / 186.

صفحه 310
لا يجد شيئاً، ويكون ممّن يحلّ له الميتة » .
يلاحظ عليه : أنّه لا يمكن الأخذ بظهور الذيل، لأنّ اشتراط حلّية الزكاة بعدم وجدان شيء على الإطلاق من الحلال من الصدقة المندوبة وغيرها أمر واضح لا يحتاج إلى البيان مع أنّ الإمام بصدد بيان حكم شرعي وراء ما يحكم به العقل، فلا مناص من حمل الذيل على شدة الكراهة ولزوم الاجتناب لا انّه ملاك للحكم .
اللّهم إلاّ أن يقال : انّ هنا قرينة حالية تدلّ على عدم كفاية الحرمان من الخمس في تناول الزكاة .
وهو ماأفاده المحقّق الخوئي بقوله : إنّ معظم الهاشميّين كانوا محرومين من الخمس في عصر صدور هذه الأخبار عن الأئمّة الأطهار(عليهم السلام)، لابتلائهم بخلفاء الجور وغيرهم من أبناء العامّة المعاندين لهم والمانعين حقّهم من الخمس، بل أنّ كثيراً من خواصّهم لقلّة ابتلائهم به لم يكونوا يعرفون كثيراً من أحكامه، ومع ذلك فقد صدرت هذه الأخبار ومنعتهم عن أخذ الزكاة، وهذا كماترى خير شاهد على أنّ مجرّد منعهم عن الخمس وحرمانهم عنه لا يكون مجوّزاً لأخذ الزكاة ما لم يصل حدّ الضرورة الملحّة البالغة حدّ أكل الميتة كما تضمّنه النصّ. (1)

السادس : مقدار الأخذ

فإذا حلّ للهاشمي أخذ الزكاة، فهل يكتفي بمقدار سد الرمق، أو له أخذ مؤونة السنة غاية الأمر إن استغنى في أثناء السنة يرد ما أخذه إلى بيت المال؟ وجهان :

1المستند : كتاب الزكاة : 2 / 185 ـ 186.

صفحه 311
فلو قلنا بما ذهب إليه المرتضى من حديث التعويض فيعامل الهاشمي معاملة غير الهاشمي، فيجوز لكلّ هاشمي أخذها بمقدار مؤونة السنة .
وأمّا لو قلنا بالقول الثاني من عدم الجواز إلاّ إذا لم يكن هناك مال حلال، ففيه احتمالان :
1 . الاقتصار على قدر الضرورة يوماً فيوماً مع الإمكان، كما عليه المصنّف في المتن واختاره المحقّق الكركي .
2 . ما حكي عن« جامع المقاصد » من جواز إعطاء ما يكفيه سنة .
ويمكن أن يقال بأنّ كيفية التناول تابع لمقدار الإحراز، فإن أحرز القصور في تمام السنة جاز أخذ مؤونة السنة، وإن لم يحرز ذلك اقتصر على المقدار المحرز فيه الشرط لا غير، فلو أخذ أكثر لم يملكه ووجب ردّه، إلاّ أن ينكشف الاحتياج إليه . وبالجملة : المدار في جواز الأخذ واقعاً على القصور كذلك، وكذلك الجواز الظاهري، فانّه تابع لثبوت القصور ظاهراً . (1)

1المستمسك : 9 / 307.

صفحه 312
المسألة 21 : المحرّم من صدقات غير الهاشميّ عليه إنّما هو زكاة المال الواجبة وزكاة الفطرة .
وأمّا الزكاة المندوبة ولو زكاة مال التجارة وسائر الصدقات المندوبة فليست محرّمة عليه .
بل لا تحرم الصدقات الواجبة ما عدا الزكاتين عليه أيضاً كالصدقات المنذورة والموصى بها للفقراء والكفّارات ونحوهاكالمظالم إذا كان من يدفع عنه من غير الهاشميّين .
وأمّا إذا كان المالك المجهول الّذي يدفع عنه الصدقة هاشميّاً فلا إشكال أصلاً، ولكن الأحوط في الواجبة عدم الدفع إليه ، وأحوط منه عدم دفع مطلق الصدقة ولو مندوبة خصوصاً مثل زكاة مال التجارة . *
............................................................................................
* هنا فروع :
الأوّل : حرمة زكاة المال الواجبة .
الثاني : زكاة الفطرة .
الثالث : زكاة المال المندوبة كزكاة التجارة .
الرابع : الصدقات الواجبة بالأصالة كالكفّارات .
الخامس : الصدقات المندوبة بالذات الواجبة بعروض عنواني النذر والإيصاء واللقطة والمظالم ومجهول المالك .
السادس : الصدقات المندوبة بالذات .
كان على المصنف إدخال البحث في الفروع الستة تحت عنوانين :
الأوّل : الزكاة .

صفحه 313
الثاني : الصدقة .
أمّا الأوّل : فيعمّ الواجب المالي أو البدني أو المستحب كزكاة التجارة .
وأمّا الثانيى، كالصدقات الواجبة بالأصالة كالكفّارات، أو بالعرض كالواجب بالنذر والشرط، أو المندوب بالذات وبالعرض .
وعلى ضوء ذلك نحن نبحث في مقامين :

المقام الأوّل : حكم دفع الزكاة إلى الهاشمي

قد عرفت أنّ الزكاة تنقسم إلى مالي وبدني ومندوب، وإليك البحث في كلّ واحد تلو الآخر :

الأوّل : زكاة المال الواجبة

قد عرفت اتّفاق الفقهاء على حرمة الزكاة المالية على الهاشمي إذا كان الدافع غير هاشمي، وقد مرّ الكلام فيها مستقصى .

الثاني : زكاة الأبدان

والمراد منها زكاة الفطرة، فهل هي حرام على الهاشمي إذا كان الدافع غير هاشمي؟ فيمكن الاستدلال على الحرمة بوجوه ثلاثة :
الأوّل : إطلاق معقد الفتاوى وعمومه لزكاة المال والبدن، وإليك بعضها :
1 . قال المفيد في« المقنعة » : وتحرم الزكاة الواجبة على بني هاشم جميعاً من ولد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)وجعفر وعقيل والعباس( رض) . . . . (1)

1المقنعة : 243.

صفحه 314
2 . وقال الشيخ في« الخلاف » : النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يحرّم عليه الصدقة المفروضة ولا يحرّم عليه الصدقة الّتي يتطوّع بها وكذلك حكم آله. (1)
3 . وقال المحقّق في« الشرائع » : الوصف الرابع أن لا يكون هاشمياً ـ إلى أن قال: ـ ويجوز للهاشمي أن يتناول المندوبة من هاشمي وغيره ; والذين يحرم عليهم الصدقة الواجبة، من ولد هاشم خاصة على الأظهر. (2)
4 . وقال العلاّمة في« التذكرة » : يشترط أن لا يكون هاشمياً، وقد أجمع المسلمون كافة على تحريم الصدقة المفروضة على بني هاشم .
وقال في موضع آخر : الصدقة المفروضة محرّمة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)إجماعاً . (3)
إلى غير ذلك من الكلمات الّتي تركّز على الصدقة الواجبة أو المفروضة، وهذه العناوين تنطبق على زكاة الفطرة .
الثاني : الاستدلال بالروايات فهي أيضاً تشمل كلتا الزكاتين : المالية والبدنية .
1 . صحيحة جعفر بن إبراهيم الهاشمي، عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال : قلت له : أتحلّ الصدقة لبني هاشم؟ فقال : إنّما تلك الصدقة الواجبة على الناس لا تحلّ لنا، فأمّا غير ذلك فليس به بأس، ولو كان كذلك ما استطاعوا أن يخرجوا إلى مكة، هذه المياه عامّتها صدقة » . (4)
وذيل الحديث وإن كان ناظراً إلى زكاة الأموال، لكنّه لا يكون قرينة على صرف الصدر( الصدقة الواجبة) من ظاهره خصوصاً قوله : ( الواجبة على الناس) الّذي يشمل زكاة المال والبدن وكلتاهما واجبتان على الناس على صعيد واسع .

1الخلاف : 4 / 240، كتاب الصدقات، المسألة 26 .
2الشرائع : 1 / 164.
3التذكرة : 5 / 268 ـ 269، كتاب الزكاة، المسألة 180 و 182.
4الوسائل : 6، الباب 31 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 3 .

صفحه 315
2 . خبر زيد الشحّام عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال : سألته عن الصدقة الّتي حرمت عليهم؟ فقال : « هي الزكاة المفروضة، ولم يحرّم علينا صدقة بعضنا على بعض » . (1)
فالموضوع في هذه الروايات كمعاقد الفتاوى هو الصدقة الواجبة الّتي تشمل كلتا الزكاتين بلا شكّ، خصوصاً انّه إذا حرمت زكاة المال لأنّها أوساخ الناس، تحرم زكاة الأبدان الّتي هي أوساخها بطريق أولى .
الثالث : ما يدلّ على أنّ زكاة الفطرة، من أقسام الزكاة، نظير :
1 . خبر زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)قال : « وهي الزكاة الّتي فرضها الله على المؤمنين مع الصلاة » . (2)
2 . خبر إبراهيم بن عبدالحميد، عن أبي الحسن (عليه السلام)، قال : سألته عن صدقة الفطرة أواجبة هي بمنزلة الزكاة؟ قال : « هي ممّا قال الله : (وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ)(3) هي واجبة » . (4)
فهذه الروايات بمنزلة بيان الصغرى، وانّها من الزكاة وتدلّ صحيحة إسماعيل بن الفضل الهاشمي على أنّ الزكاة بإطلاقها محرّمة عليهم وهي الكبرى، قال : سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن الصدقة الّتي حُرّمت على بني هاشم ما هي؟ فقال : « هي الزكاة » . (5)
فتلخّص من ذلك انّ زكاة الفطرة وزكاة المال سيّان في الحرمة للوجوه التالية :

1الوسائل : 6، الباب 32 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 4 .
2الوسائل : 6، الباب 6 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 23 .
3البقرة : 83.
4الوسائل : 6، الباب 1 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 10 . ولاحظ الحديث 11 و 9 و 1.
5الوسائل : 6، الباب 32 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 5.

صفحه 316
أ . شمول معاقد الفتاوى والإجماعات لها .
ب . شمول الروايات العامّء لهذا النوع من الزكاة .
ج . دلّت الروايات على أنّ الفطرة من مصاديق الزكاة، ودلّت رواية الهاشمي على أنّ الزكاة بإطلاقها حرام عليهم .

الفرع الثالث : حكم الزكوات المندوبة بالذات

هل المحرم هو الزكاة الواجبة مالية كانت أو بدنية، أو يعمّ المندوبة بالذات كزكاة التجارة عندنا؟
المعروف اختصاصه بالواجبة دون المندوبة، غير أنّ الظاهر من بعضهم هو حرمة المندوبة عليهم أيضاً.
وممّن اختارها العلاّمة في« التذكرة » حيث قال :
وأمّا المندوبة فالأقوى عندي التحريم أيضاً ، لعلو منصبه، وزيادة شرفه وترفّعه، فلا يليق بمنصبه قبول الصدقة، لأنّها تُسقط المحلّ من القلب . (1)
خلافاً للمحقّق حيث فصّل بين الواجبة والمندوبة من الزكاة وقال : ويجوز للهاشمي أن يتناول المندوبة من هاشمي وغيره .
ثمّ إنّ العلاّمة من المتحمّسين للحرمة في هذا القسم ويمكن الاستدلال على قوله :
1 . ما في صحيحة إسماعيل بن الفضل الهاشمي، قال : سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن الصدقة الّتي حُرِّمت على بني هاشم ما هي؟ فقال : « هي الزكاة » . (2)

1تذكرة الفقهاء : 5 / 269، المسألة 182.
2الوسائل : 6، الباب 32 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 5.

صفحه 317
يلاحظ عليه : بلزوم تقييده بالواجبة، وقد عرفت أنّ الموضوع في صحيحة جعفر بن إبراهيم الهاشمي(1) وخبر زيد الشحّام (2) هو الواجب أو المفروض، فيحمل المطلق على المقيد .
2 . عموم قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : « إنّا أهل بيت لا تحلّ لنا الصدقة » . (3)
يلاحظ عليه : أنّ المطلق يحمل على المقيد، وقد ورد قيد الواجبة في صحيح جعفر الهاشمي والمفروضة في رواية الشحّام، ولعلّ لفظ الصدقة في زمن صدور الرواية تنصرف إلى الزكاة الواجبة، بشهادة آية الصدقات(إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ).
3 . ما دلّ على أنّ الزكاة أوساخ المال فيعمّ الزكاة المستحبة .
يلاحظ عليه : أنّالاعتماد على الحكمة في مقابل صحيحة جعفر بن إبراهيم أو خبر زيد الشحّام مشكل، وإن كان الأحوط الاجتناب .
فخرجنا بالنتيجة التالية : انّ الزكاة المندوبة حلال لبني هاشم دون الواجبة بقسميها .

المقام الثاني : دفع الصدقات إلى الهاشمي

الصدقة عبارة عن العطيّة الّتي بها يراد المثوبة، لا المكرمة، ويقابلها الهدية فإنّها عطيّة يراد بها تكريم المعطى له .
وهي على أقسام :

1الوسائل : 6، الباب 31 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 3; والباب 32، الحديث 4.
2الوسائل : 6، الباب 31 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 3; والباب 32، الحديث 4.
3صحيح مسلم : 2 / 751، ذيل الحديث 1069 ; الوسائل : 6، الباب 29 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 6.

صفحه 318
الفرع الرابع : الصدقة الواجبة بالذات كالهدي والكفّارات فإنّها صدقات واجبة وإن لم تكن من مصاديق الزكاة، فهل تحرم على الهاشمي أو لا؟
يمكن أن يقال بعدم الحرمة، لما عرفت من أنّ الموضوع للحرام هو الصدقة الواجبة على الناس كما في صحيحة جعفر بن إبراهيم الهاشمي ـ أي ما يجب على أكثر الناس ـ فخرجتت الكفّارات لعدم وجوبها إلاّ على قسم خاص من الناس الذين صدر عنهم موجبها، ككفّارات اليمين والنذر والإيلاء والظهار وكفارات الحج والصيام .
يلاحظ عليه : أنّ ما أُشير إليه لا يتجاوز عن حدّ الإشعار ولا يقاوم ما تضافر عليه من الإطلاقات من أنّ الصدقة محرمة على آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم). (1)
ويؤيّده ما في مرفوعة أحمد بن محمد : لا تحل لهم الصدقة ولا الزكاة . (2)
ويؤيّده ما في« نهج البلاغة » رداً على أشعث بن قيس : « أصلة أم زكاة أم صدقة، فذلك محرّم علينا » . (3)
وهذه الوجوه وإن كانت قابلة للنقاش، لاحتمال كون المراد من الصدقة فيها، ما يخرج لأجل دفع البلاء والآفة، فانّ هذا النوع من الصدقات لا يناسب مقامهم السامي، لكن الأحوط اجتناب الهاشمي عن هذا النوع من الصدقة .

الفرع الخامس : الصدقات الواجبة بالعرض

إذا كانت الصدقة مستحبة بالذات واجبة بالعرض، كما إذا أوصى بمال لهاشمي اونذر أو شرطه في ضمن عقد وما شاكلها، فهل هي داخلة في

1لاحظ الباب 29 من أبواب المستحقين للزكاة .
2الوسائل : 6، الباب 1 من أبواب قسمة الخمس، الحديث 9.
3نهج البلاغة، قسم الخطب، برقم 244، ط عبده .

صفحه 319
المسألة 22 : يثبت كونه هاشميّاً بالبيّنة والشياع، ولا يكفي مجرّد دعواه، وإن حرم دفع الزكاة إليه مؤاخذة له بإقراره، ولو ادّعى أنّه ليس بهاشميّ يعطى من الزكاة، لا لقبول قوله، بل لأصالة العدم عند الشكّ في كونه منهم أم لا، ولذا يجوز إعطاؤها لمجهول النسب كاللقيط . *
............................................................................................
الصدقات الواجبة أو لا؟ الظاهر عدم دخولها، لانصرافها إلى ما هو واجب بالذات، وأمّا المستحبّة بالذات والواجبة بالعرض فهي خارجة عن مصب الروايات، خصوصاً على ما قلنا في محلّه من أنّ الصدقة المندوبة بالذات لا تكون واجبة بالنذر والشرط والوصية وإنّما هي باقية على استحبابها، والواجب هو الوفاء بالنذر والشرط والإيصاء، ولا يتحقّق الوفاء إلاّ بدفع الصدقة المندوبة بما هي مندوبة .
ومنه يعلم حكم المظالم والتصدّق بمجهول المالك، فانّ الظاهر انّ المحرم هو ما وجب على المالك، وأمّا المقام فإنّما وجب على غير المالك حيث تعلّق الوجوب بشخص آخر يتصدق عن المالك المجهول أو المعلوم الّذي لا يمكن الوصول إليه.
وأمّا الكلام في الفرع السادس، وهو الصدقات المندوبة بالذات، فقد تركنا الكلام فيها، لوضوحها .
* هنا مسائل :
1 . يثبت كون الآخذ هاشمياً بأمرين :
الف : البيّنة .
ب . الشياع .
2 . إذا ادّعى انّه هاشمي حرم من الزكاة .

صفحه 320
3 . إذا ادّعى انّه غير هاشمي يُعطى من الزكاة .
4 . يجوز إعطاء الزكاة لمجهول النسب كاللقيط .
وإليك دراستها واحداً تلو الآخر :

المسألة الأُولى : ما يثبت كونه هاشمياً

ألف : ثبوت النسب بالبيّنة

يثبت النسب بالبيّنة، فلو شهد عدلان على أنّه هاشمي يثبت الموضوع، ويترتّب عليه أثره من جواز أخذ الخمس وحرمة أخذ الزكاة إذا كان الدافع غير هاشمي إلى غير ذلك من الآثار، إنّما الكلام في حجّية البيّنة في ثبوت النسب وشمول دليل حجّيتها له فنقول : إنّ دراسة مجموع ما دلّ على حجّية البيّنة يشرف الفقيه على عدم اختصاص حجّيتها بباب دون باب، بل ينتزع منها ضابطة كلية وهي حجّيتها إلاّ ما قام الدليل على عدمها . فنقول :
دلّ الذكر الحكيم على حجّية شهادة العدلين في موارد :
الأوّل : في الشهادة على الطلاق، كقوله سبحانه : (وَ أَشْهِدُوا ذَوَىْ عَدْل مِنْكُمْ)(1).
الثاني : في الشهادة على الوصية كقوله سبحانه : (شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ)(2).
الثالث : في الشهادة على الدين، كقوله سبحانه : (وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ )(3).

1الطلاق : 2.
2المائدة : 106.
3البقرة : 282.

صفحه 321
والغاية من الاستشهاد، هو حجّية قولها عند الإشهاد، وإلاّ يلزم لغويته، والمورد أعمّ من الترافع .
وأمّا الروايات فيمكن الاستدلال بها على حجّيتها في عامّة الموارد إلاّ ما خرج بالدليل منها :
1 . روى الكليني عن علي بن إبراهيم، ( عن أبيه) ، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال : سمعته يقول : « كلّ شيء هو لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، وذلك مثل الثوب يكون قد اشتريته وهو سرقة، اوالمملوك عندك ولعلّه حرّ قد باع نفسه، أو خدع فبيع قهراً، أو امرأة تحتك وهي أُختك أو رضيعتك، والأشياء كلّها على هذا حتّى يستبين لك غير ذلك، أو تقوم به البيّنة » . (1)
والرواية من ثلاثيات الكليني حيث يروي عن المعصوم بثلاث وسائط، ومن ثنائيّات القمي حيث يروي عن المعصوم بواسطتين . كلّ ذلك إذا روى القمّي عن هارون بن مسلم بلا واسطة ولو صحّ ما في بعض النسخ من روايته عنه بواسطة أبيه ـ كما هو ليس ببعيد ـ ينقلب الثلاثي إلى الرباعي والثنائي إلى الثلاثي كما لا يخفى .
أمّا السند فلا غبار عليه إلاّ في آخره، فإنّ علي بن إبراهيم القميّ من المشايخ الأثبات .
قال النجاشي : وهارون بن مسلم أنباري، سكن سامراء، يكنّى أبا القاسم، ثقة، وجه، وكان له مذهب في الجبر والتشبيه، لقي أبا محمد وأبا الحسن (عليهما السلام). (2)

1الوسائل : 12، الباب 4 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4 .
2رجال النجاشي : 2 / 405، برقم 1181.

صفحه 322
والتعبير بلفظ : « كان » حاك عن عدوله عنه، وإلاّ كيف يكون معه ثقة؟ !
وأمّا مسعدة بن صدقة العبدي، فقد وصفه الشيخ في رجاله بأنّه عامي، وعدّه الكشي من البتريّة، ولولا تصريح النجاشي برواية هارون بن مسلم عن مسعدة، لكان لاحتمال سقوط الواسطة بينهما مجال .
والسند وإن كان غير نقي، لكن تلوح على المضمون علائم الصدق .
إذا عرفت ذلك فانّ مفاد الحديث تقدّم البيّنة على الأُمور التالية :
1 . يد البائع على الثوب أو العبد الكاشفة عن الملكية .
2 . يد البائع على العبد مع احتمال انّه حرّ قد باع نفسه .
3 . أصالة عدم الانتساب . يدل البائع على العبد مع احتمال انّه قد خدع فبيع قهراً .
4 . أصالة عدم الانتساب بين الرجل والمرأة الّتي تحته .
فلولا البيّنة، كانت هذه الأُمور حجّة في موردها ولكن البيّنة حاكمة عليها، ومقتضى الإطلاق حجّيتهاسواء أكان هناك ترافع أم لا .
والمراد من البيّنة كما قلنا في محلها هو العدلان، ولا ينافيه كونها في اللغة بمعنى مطلق التبين، بل في القرآن أيضاً كذلك كما يقول سبحانه : (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَ مِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَ رَحْمَةً)(1).
ولكنّها في عصر الصادقين كانت حقيقة شرعية في العدلين، بل يمكن ادّعاء ذلك في لسان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)حيث قال : « إنّما أقضي بينكم بالبيّنات والأيمان » . (2)
2 . خبر عبدالله بن سليمان، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال : « كلّ شيء لك

1هود : 17.
2الوسائل : 18، الباب 2 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1.

صفحه 323
حلال، حتّى يجيئك شاهدان يشهدان انّ فيه ميتة » . (1)
3 . صحيحة منصور بن حازم، عن أبي عبدالله (عليه السلام)أنّه قال : « صم لرؤية الهلال وأفطر لرؤيته، فإن شهد عندك شاهدان مرضيّان بأنّهما رأياها فاقضه » . (2)
4 . وفي صحيحة هشام بن سالم، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال : « إنّما جعلت البيّنات للنسب والمواريث » . (3)
إلى غير ذلك من الروايات المبثوثة في المقام .
وهذه الروايات مع ما ذكر من الذكر الحكيم تثبت حجّيتها في عامّة الموارد إلاّ ما دلّ الدليل على عدمها .
أضف إلى ذلك انّه إذا كانت البيّنة حجّء في المرافعات الّتي ربّما تستباح بها الأموال والأعراض، فأولى أن تكون حجّة في غيرها .
ثمّ إنّ الظاهر حجّية البيّنة، لأنّها تفيد الاطمئنان النوعي لا الشخصي في أغلب الموارد ولا يتوقف القضاء بها على إفادتها الاطمئنان الشخصي .

ثبوت النسب بالعدل الواحد

وأمّا ثبوت الموضوعات بخبر العدل، فقد قلنا في محلّه بحجّيته إلاّ ما خرج بالدليل . (4) إذ الظاهرانّ ما دلّ على حجّية قول العادل لا يختص بالأحكام، بل يعمّ الموضوعات، وقد عرفت أنّ الدليل الوحيد هو بناء العقلاء، وهو يشمل عامّة موارد الحكم والموضوع .

1الوسائل : 17، الباب 61 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث 2 .
2الوسائل : 7، الباب 3 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 8 .
3الوسائل : 14، الباب 43 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث1 .
4لاحظ كليات في علم الرجال : 158 .

صفحه 324

ب . ثبوت النسب بالشياع

الظاهر من كلمات غير واحد من الفقهاء هو حجّية الشياع ـ بالمعنى الّذي سيوافيك ـ في ثبوت النسب، والمراد من الشياع في مورد النسب هو قضاء الناس بأنّ فلاناً ابن فلان، ويظهر من كلمات علمائنا الأبرار انّ الشياع الّذي يعبّر عنه أيضاً بالسماع أُخرى والاستفاضة ثالثة، حجة في ثبوت أُمور ممّا تعسر إقامة البيّنة عليها ومنها« النسب » ، وقد نصّ على ذلك الشيخ في« الخلاف » (1) و« المبسوط » (2)، والكيدري في« إصباح الشيعة » (3)، والمحقّق في« الشرائع » . (4)
وإليك كلام المحقّق في مبحث« الطرف الثاني فيما به يصير شاهداً » .
ومستند الشهادة : إمّا المشاهدة، أو السماع، أو هما . فما يفتقر إلى المشاهدة، الأفعال، لأنّ آلة السمع لا تدركها، كالغصب والسرقة . . . وما يكفي فيه السماع فالنسب والموت والملك المطلق، لتعذّر الوقوف عليه مشاهدة في الأغلب .
ثمّ إنّه عرّف السماع بتوالي الأخبار من جماعة لا يضمّهم قيد المواعدة، أو يستفيض ذلك حتّى يتاخم العلم .
ثمّ إنّ الشياع في هذه الأُمور الثلاثة الّتي أشار إليها المحقّق حجة وإن لم يفد العلم، لأنّ تعذّر الوقوف عليها من طريق آخر صار سبباً لحجّية الشياع فيها .
بخلاف الشياع المفيد للعلم في باب رؤية الهلال وغيرها فهو حجّة، لأنّه طريق مفيد للعلم فلايختص بباب دون باب .
وعلى ذلك فللقاضي أن يعتمد على الشياع في هذه الأُمور فيقضي، كما أنّ

1الخلاف : 6 / 265، كتاب الشهادات، المسألة 15 .
2المبسوط : 8 / 180.
3إصباح الشيعة : 531.
4الشرائع : 4 / 132 ـ 133.

صفحه 325
للشاهد أن يعتمد عليه فيشهد على تفصيل في باب القضاء .
ويدلّ على حجّية الشياع في السنب وغيره أُمور :
1 . مرسلة يونس عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال : « خمسة أشياء يجب على الناس أن يأخذوا فيها بظاهر الحكم : الولايات، والتناكح، والمواريث، والذبائح، والشهادات; فإذا كان ظاهره ظاهراً مأموناً جازت شهادته ولا يسأل عن باطنه » . (1)
ورواه الصدوق في« الفقيه » وذكر مكان المواريث : « الأنساب » . (2)
ورواه في« الخصال » عن أبي جعفر المقري رفعه إلى أبي عبدالله (عليه السلام)، عن آبائه، عن علي (عليه السلام) : خمسة أشياء يجب على القاضي . (3)
ورواه الشيخ باسناده عن علي بن إبراهيم إلاّ أنّه قال مكان« بظاهر الحكم » : بظاهر الحال . (4)
ولعلّ عناية المشايخ الثلاثة بنقلها، تورث الاطمئنان بصدورها ولا يضرها الإرسال والرفع، فلو كان المراد من قوله : « أن يأخذوا فيها بظاهر الحكم » أي حكم الناس، لكان دليلاً على حجّية الاستفاضة في الموارد الخمسة ومنها الأنساب، ولا يضر ورود المواريث مكان الأنساب في بعض الطرق، لأنّهما يرميان إلى معنى واحد .
2 . ما ورد في متاع الرجل والمرأة، إذا مات أحدهما فادّعاه ورثة الحي وورثة الميت أو طلّقها فادّعاه الرجل وادّعته المرأة، فقد قضى الإمام بأنّ المتّاع للمرأة مستدلاً بقوله : « أرأيت إن أقامت بيّنة الحاكم إلى كم كانت تحتاج؟ » فقلت :

1الوسائل : 18، الباب 22 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1 .
2الفقيه : 3 / 9، الحديث 29 .
3الخصال : 311، باب الخمسن الحديث 88.
4التهذيب : 6 / 288، الحديث 798.

صفحه 326
شاهدين، فقال : « لو سالت من بين لابتيها ـ يعني : الجبلين، ونحن يومئذ بمكة ـ لأخبروك أنّ الجهاز والمتاع يهدى علانية من بيت المراة إلى بيت زوجها، فهي الّتي جاءت به، وهذا المدّعي( الرجل) فإن زعم أنّه أحدث فيه شيئاً فليأت عليه البيّنة » . (1)
يلاحظ عليه : أنّ ظاهر الحديث انّ الاعتداد بشهادة من بين لابتيها لأجل إفادته العلم واليقين، فإنّ المتاع قد نقل على رؤوس الأشهاد من بيت المرأة إلى بيت الزوج، فكيف يصحّ للزوج أن يدّعي انّه له؟ ! فلا صلة له بالشياع بما هوهو .
الثالث : السيرة المستمرة في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى يومنا هذا من اعتماد الناس على ما استفاض بينم في الأُمور الّتي لها جذور في التاريخ، كالأوقاف والأنساب ممّا تعسر إقامة البيّنة عليها في كلّ زمان، وبذلك يعلم أنّ القدر المتيقّن من حجّية الشياع هذه الأُمور الّتي لها جذور في التاريخ ويعسر إقامة البيّنة عليها، أو ما يقرب من هذه الأُمور سواء أفاد العلم أو لا .
وعلى كلّ تقدير فالأنساب من مصاديقه، وأمّا حجّية سعة الاستفاضة فقد فرغنا منه في كتابنا « نظام القضاء والشهادة في الشريعة الإسلامية الغرّاء » . (2)

المسألة الثانية : إذا ادّعى انّه هاشمي فهل يسمع أو لا؟

فقد عرفت فيما سبق انّه إذا ادّعى انّه فقير أو غارم لا يسمع إلاّ بالبيّنة، إذ لا عبرة بادّعاء المدّعي .
وعلى ذلك فل حصل من قوله الوثوق فيترتب عليه الأثر، وإلاّ فلا .

1الوسائل : 17، الباب 8 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 1 .
2نظام القضاء والشهادة في الشريعة الإسلامية الغرّاء : 1 / 159 ـ 166.

صفحه 327
نعم إذا ادّعى انّه هاشمي حرم دفع الزكاة إليه مؤاخذة له بإقراره، وذلك لأنّ الإقرار على النفس حجّة عند العقلاء، وقد اشتهر قول جماعة من علمائنا في كتب الاستدلال عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال : « إقرار العقلاء على أنفسهم جائز » . (1)
نعم أشكل عليه في« المستمسك » بقوله : لكنّه غير ظاهر، إذ الإقرار إنّما يمنع من العمل بالحجّة ـ من أمارة أو أصل ـ بالإضافة إلى الأحكام الّتي تكون للمقر، لا بالإضافة إلى المالك وإفراغ ذمّته بذلك . (2)
يلاحظ عليه : بأنّ الأحكام الّتي تكون للمقرّ على قسمين :
تارة يختصّ الحكم بالمقرّ ولا يعمّ الغير، كما إذا اعترف بأنّه ليس مالكاً للشيء فيسلب منه، وأُخرثى يكون له صلة إلى الشخص الآخر كما في المقام، فإنّه إقراره بأنّه هاشمي يلازم إقراره بأنّه لا يملك ما أخذ ولا يصحّ له التصرّف فيه، ومعه كيف يمكن لمالك الزكاة أن يدفع إليه شيئاً يعترف هو بأنّه لا يملكه ولا يصحّ التصرّف فيه؟ ! نظير ذلك إذا اعترف انّه غني تحرم عليه الزكاة فهل يصحّ لمالكها أن يدفع إليه الزكاة؟ !

المسألة الثالثة : لو ادّعى انّه ليس بهاشمي

لو ادّعى انّه ليس بهاشمي يعطى من الزكاة له لا لقبول قوله، لما عرفت من أنّ دعوى المدّعي ليس بحجّة، بل لأجل دليل آخر، وهو التمسّك بالأصل الأزلي بالتقرير التالي، وهو انّا نشير إلى ماهية هذا الرجل الّذي يدّعي انّه غير هاشمي، فنقول : لم يكن موصوفاً بالهاشمية ولو لأجل عدم وجودها، فإذا وجد وعلمنا

1الوسائل : 16، الباب 3 من كتاب الإقرار، الحديث 2.
2المستمسك : 9 / 312.

صفحه 328
المسالة 23 : يشكل إعطاء زكاة غير الهاشميّ لمن تولّد من الهاشمي بالزنا، فالأحوط عدم إعطائه، وكذا الخمس، فيقتصر فيه على زكاة الهاشميّ . *
............................................................................................
اتّصاف الماهية بالوجود نشك في اتّصافها بالهاشمية فيستصحب عدم كونها كذلك .
وبما انّا قد أشبعنا الكلام في عدم حجّية الأصل المثبت في البحوث الأُصولية، ومن أراد فليرجع إلى« المحصول » الجزء الثاني . (1)
والظاهر انّ المرجع في هاتيك الموارد هو الشياع كما مرّ، وإلاّ فالأخذ بحكم الغالب إذا كان مفيداً للوثوق، وإلاّ فيمنع حتّى يثبت كونه غير هاشمي .
ومنه يظهر حال المسألة الرابعة، وهي دفع الزكاة لمجهول النسب .
* إنّ وليد الزنا ولد في اللغة والعرف، فالآثار المترتّبة على الولد تترتب عليه إلاّ ما دلّ الدليل على عدم ترتّب أثره، فبما انّه تضافرت الروايات على أنّ ولد الزنا لا يرث لا يحكم عليه بقوله سبحانه : (يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ)(2) فهو محروم من الإرث، وأمّا سائر الآثار المترتّبة على عنوان الولد والابن فلا دليل على رفع اليد عنه ما لم يكن هناك دليل قاطع، فقوله سبحانه : (وَ لاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ)(3) يعمّ وليد الزنا، فانّ الولد عبارة عمّن تكون من نطفة والديه وهو يصدق على وليد الزنا، ولعى ذلك فلا فرق بين طهارة المولد وطيبه وخلافه .

1راجع المحصول : 2 / 498 ـ 512 .
2النساء : 11.
3النور : 31.

صفحه 329
نعم إذا دلّ الدليل على الحرمان مع كونه ولداً يتبع حسب ما دلّ، ففي باب القضاء يقول المحقّق : لاينعقد القضاء لولد الزنا مع تحقّق حاله، كما لا تصحّ إمامته ولا شهادته في الأشياء الجليلة . (1)
وبالجملة حرمانه من الإرث لا يكون دليلاً على عدم كونه ولداً لغة وعرفاً كما أنّ ممنوعية الولد من الإرث لأجل القتل والكفر لا يكون سبباً لسلب عنوان الولدية .
نعم ذهب صاحب الجواهر إلى انصراف دليل المنع عن مثل المقام، لانسياق المتولّد من الحلال دون الحرام، فتشمله عموم الزكاة وهو كما ترى .

1الشرائع : 4 / 76.

صفحه 330

صفحه 331

الفصل الثامن

في بقيّة أحكام الزكاة

وفيه مسائل ]عشرون [ :
الأولى : الأفضل بل الأحوط نقل الزكاة إلى الفقيه الجامع للشرائط في زمن الغيبة، لا سيّما إذا طلبها، لأنّه أعرف بمواقعها، لكن الأقوى عدم وجوبه، فيجوز للمالك مباشرة أو بالاستنابة والتوكيل تفريقها على الفقراء وصرفها في مصارفها . *
............................................................................................
* للمسألة صورتان :
الأولى : حكم حمل الزكاة إلى الإمام أو الفقيه الجامع للشرائط إذا لم يطلبها .
الثانية : حكمها إذا طلبها إماما كان أم فقيها جامعا للشرائط . والكلام في المقام في الصورة الأولى وسندرس حكم الصورة الثانية عند كلام المصنّف فيها، فنقول :

الصورة الأولى : حمل الزكاة إذا لم يكن طلب

إذا كان هناك إمام معصوم أو فقيه جامع للشرائط مبسوط اليد، فهل يجب حمل الزكاة إليه ليصرفها في محالها إذا لم يطلبها، أو يجوز للمالك تقسيمها في مصارفها عند عدم الطلب؟ فقد اختلفت كلمة الفقهاء في لزوم النقل إلى الحاكم،

صفحه 332
فكما هو مورد خلاف بيننا، فهكذا مورد خلاف بين فقهاء السنّة فلنذكر الأقوال :
1 . قال الشيخ في « الخلاف » : ذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي في رأيه القديم إلى أنّه يجب دفعها إلى الإمام ( الحاكم العرفي) فإن تولاّها بنفسه كان عليه الإعادة .
وذهب الشافعي في رأيه الجديد إلى أنّه يجوز له أن يخرجها بنفسه، وبه قال الحسن البصري وسعيد بن جبير . (1)
2 . وقال ابن قدامة في « المغني » : يستحبّ للإنسان أن يلي تفرقة الزكاة بنفسه ليكون على يقين من وصولها إلى مستحقّها، سواء أكانت من الأموال الظاهرة أو الباطنة .
قال الإمام أحمد : أعجب إليّ أن يخرجها، وإن دفعها إلى السلطان فهو جائز .
وقال الحسن ومكحول وسعيد بن جبير وميمون بن مهران : يضعها رب المال في موضعها .
وقال الثوري : احلف لهم واكذبهم ولا تعطهم شيئا إذا لم يضعوها مواضعها وقال : لا تعطهم .
وقال عطاء : أعطهم إذا وضعوها مواضعها; فمفهومه انّه لا يعطيهم إذا لم يكونوا كذلك .
وقال الشعبي وأبو جعفر : إذا رأيت الولاة لا يعدلون فضعها في أهل الحاجة من أهلها .
وقال إبراهيم : ضعوها في مواضعها، فإن أخذها السلطان أجزاك .
وقال سعيد : انبأنا أبو عوانة، عن مهاجر أبي الحسن قال : أتيت أبا وائل

1الخلاف : 4/225، كتاب الصدقات، المسألة 4 .

صفحه 333
وأبا بردة بالزكاة وهما على بيت المال فأخذاها، ثمّ جئت مرة أخرى، فرأيت أبا وائل وحده، فقال لي : ردّها فضعها مواضعها .
وقد روي عن أحمد أنّه قال : أمّا صدقة الأرض فيعجبني دفعها إلى السلطان، وأمّا زكاة الأموال كالمواشي فلا بأس أن يضعها في الفقراء والمساكين . فظاهر هذا انّه استحب دفع العشر خاصة إلى الأئمّة، وذلك لأنّ العشر قد ذهب قوم إلى أنّه مؤونة الأرض فهو كالخراج يتولاّه الأئمّة بخلاف سائر الزكاة . (1)
وهذه الكلمات تعرب عن كون المسألة عندهم خلافية حتّى فيما إذا طلب الإمام، إمّا لعدم الوجوب مطلقا حتّى مع العلم بوضعها في مواضعها كما هوظاهر المحكي عن أحمد، أولأنّ السلطان لا يضعها مواضعها، كما هو ظاهر المحكي عن الثوريّ أو التفصيل بين صدقة الأرض فتحمل وصدقة المواشي فلا .
كما ظهر وجه المنع عن الدفع إلى السلطان .

كلمات أصحابنا في المسألة

اختلفت كلمات أصحابنا، فذهب المفيد وأبو الصلاح وابن البراج إلى وجوب الإخراج إلى الإمام .
وذهب المرتضى والشيخ إلى أنّ الحمل أفضل ولا بأس بنقل نصوصهم :
1 . قال المفيد : فرض على الأمة حمل الزكاة إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)والإمام خليفته قائم مقامه، فإذا غاب الخليفة كان الفرض حملها إلى من نصبه من خاصته لشيعته، فإذا عدم السفراء بينه وبين رعيّته وجب حملها إلى الفقهاء المأمونين من أهل ولايته . (2)

1المغني : 2 / 507 ـ 508.
2المقنعة : 252.

صفحه 334
وقال أبو الصلاح : يجب على كلّ من تعيّن عليه فرض زكاة أو فطرة أو خمس أو أنفال أن يخرج من وجب عليه من ذلك إلى سلطان الإسلام المنصوب من قبله تعالى، أو إلى من ينصبه لقبض ذلك من شيعته ليضعه مواضعه، فإن تعذر الأمران فإلى الفقيه المأمون، فإن تعذر وأكثر المكلّف تولّى ذلك بنفسه . (1)
3 . وقال ابن البراج : وإذا كان الإمام ظاهرا وجب حمل الزكاة إليه ليفرّقها في مستحقّه، فإن كان غائبا فإنّه يجوز لمن وجب عليه أن يفرقها في خمسة أصناف . (2)
وكلامه ظاهر في اختصاص الوجوب بالإمام المعصوم، ولا يعمّ غيره .
4 . وقال المرتضى : الأفضل والأولى إخراج الزكوات لا سيّما في الأموال الظاهرة كالمواشي والحرث والفرس إلى الإمام أو إلى خلفائه النائبين عنه، فإن تعذر ذلك فقد روي إخراجها إلى الفقهاء المأمونين ليضعوها في مواضعها . (3)
وقال الشيخ : الأموال ضربان : ظاهرة، وباطنة . فالباطنة : الدنانير والدراهم وأموال التجارات، فالمالك بالخيار بين أن يدفعها إلى الإمام أو من ينوب عنه، وبين أن يفرّقها بنفسه على مستحقّه بلا خلاف في ذلك .
وأمّا زكاة الأموال الظاهرة، مثل المواشي والغلاّت، فالأفضل حملها إلى الإمام إذا لم يطلبها، وان تولّى تفريقها بنفسه فقد أجزأ عنه . (4)
وقال المحقّق : الأولى حمل ذلك إلى الإمام، ويتأكد الاستحباب في الأموال الظاهرة . (5)
ومن الأصحاب من ينكر استحباب الحمل، قال صاحب الحدائق : قد

1الكافي في الفقه : 172.
2المهذب : 1 / 171.
3جمل العلم والعمل : رسائل الشريف المرتضى، المجموعة الثالثة : 100.
4المبسوط : 1 / 244.
5الجواهر : 5/420، قسم المتن.

صفحه 335
صرّح جملة من الأصحاب بأنّه يستحبّ حمل الزكاة إلى الإمام، ومع عدم وجوده فإلى الفقيه الجامع للشرائط، وانّه يتأكد الاستحباب في الأموال الظاهرة كالمواشي والغلاّت، وعلّلوا استحباب نقلها إلى الإمام بأنّه أبصر بمواقعها وأعرف بمواضعها، ولما في ذلك من إزالة التهمة عن المالك بمنع الحقّ .
ثمّ قال : إنّ الاستحباب حكم شرعي، وفي ثبوت الأحكام الشرعية بمثل هذه التعليلات العقلية والمناسبات الذوقية إشكال، سيّما مع ما عرفت من رواية جابر (1) وعدم قبول الإمام(عليه السلام)لذلك وأمره السائل بتفريقها بنفسه .
وأمّا تأكّد الاستحباب في الأموال الظاهرة، فقد قال في « المدارك » أنّا لم نقف على حديث يدلّ عليه بمنطوقه، ولعلّ الوجه فيه ما يتضمّنه من الإعلان بشرائع الإسلام والاقتداء بالسلف الكرام .
ثمّ أضاف وقال : لو كان الأمر كما يدّعونه من استحباب حمل ذلك إلى الإمام، فكيف غفل أصحاب الأئمّة(عليهم السلام)عن ذلك مع تهالكم على التقرب إليهم ( صلوات اللّه عليهم) حتّى أنّ الصادق(عليه السلام)كان يسأل شهاب بن عبد ربه من زكاته لمواليه كما تقدّم الخبر بذلك، وما دلّ من الأخبار على أنّ أصحابهم كانوا يفرّقون زكاتهم بأنفسهم أو وكلائهم، كثير متفرق في ضمن أخبار هذا الكتاب . (2)

ما هي الضابطة الأولى في المقام

وقبل الخوض فيما يدلّ على جواز تصدّي المالك لتقسيم الزكاة وعدمه،

1الوسائل : 6، الباب 36 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1 .
2الحدائق الناضرة : 12/224 . لاحظ الوسائل : 6، الباب 34 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 3; وفيه كان أبو عبد اللّه يسأل شهابا من زكاته لمواليه وإنّما حرمت الزكاة عليهم دون مواليهم.

صفحه 336
نذكر ما هو مفاد الضابطة الأولى المستفادة من الكتاب والسنّة فنقول :
هل المستفاد من النصوص انّ الزكاة فريضة على المالك ويتولّى بصرفها في مواردها نظير الديون الشخصية والكفّارات والنذور، أو انّها فريضة مالية على المالك يدفعها إلى الحاكم ليفرّقها في مصارفها باعتباره المسؤول لسدّ عيلة الفقراء وخلّة المساكين وغيرهم؟
الظاهر هو القول الثاني، ويشهد على ذلك أمور :
الأوّل : انّ العاملين على الزكاة أحد مصارفها، والمراد بهم السعاة والجباة للزكاة المبعوثون من قبل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أو الإمام(عليه السلام)إلى شتى النقاط، وهذا يعرب عن أنّ طبيعة هذه الفريضة وواقعها هو جمعها في بيت المال وتقسيمها في مصارفها تحت نظارة الحكومة الإسلامية .
الثاني : ما رواه الصدوق عن عبد اللّه بن سنان قال : قال أبو عبد اللّه(عليه السلام): لمّا نزلت آية الزكاة : (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِها)(1) في شهر رمضان، فأمر رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)مناديه فنادى في الناس : إنّ اللّه تبارك وتعالى قد فرض عليكم الزكاة كما فرض عليكم الصلاة - إلى أن قال : - ثمّ لم يتعرض لشيء من أموالهم حتى حال عليهم الحول من قابل، فصاموا وأفطروا، فأمر(صلى الله عليه وآله وسلم)مناديه فنادى في المسلمين : أيّها المسلمون زكّوا أموالكم، تقبل صلاتكم، قال : ثمّ وجه عمّال الصدقة وعمّال الطسوق . (2)
الثالث : ما رواه الكليني بسند صحيح عن بريد بن معاوية قال : سمعت أبا عبد اللّه(عليه السلام)يقول : « بعث أمير المؤمنين (عليه السلام)مصدّقا من الكوفة إلى باديتها، فقال له : يا عبد اللّه انطلق وعليك بتقوى اللّه وحده لا شريك له، ولا تؤثر دنياك

1التوبة : 103 .
2وسائل الشيعة : 6، الباب 1 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 1 . والطسوق جمع الطسق : خراج الأرض المقرر عليها .

صفحه 337
على آخرتك، وكن حافظا لما ائتمنتك عليه، راعيا لحق اللّه فيه . . . » إلى آخر ما ذكره . (1)
كما نقل الرضي كتاب الإمام(عليه السلام)الذي كان يكتبه لمن يستعمله على الصدقات، وإليك مطلعه :
« انطلق على تقوى اللّه وحده لا شريك له، ولا تروعنّ مسلما، ولا تجتازنّ عليه كارها، ولا تأخذنّ منه أكثر من حقّ اللّه في ماله، فإذا قدمت على الحيّ فانزل بمائهم من غير أن تخالط أبياتهم، ثمّ أمض إليهم بالسكينة والوقار، حتّى تقوم بينهم فتسلّم عليهم » إلى آخر ما ذكره . (2)
قال الشريف الرضي : وإنّما ذكرنا هنا جملا ليعلم بها أنّه(عليه السلام)كان يقيم عماد الحقّ، ويشرع أمثلة العدل، في صغير الأمور وكبيرها ودقيقها وجليلها .
الرابع : ما روي عن زرارة ومحمد بن مسلم أنّهما قالا لأبي عبد اللّه(عليه السلام): أرأيت قول اللّه تبارك وتعالى : (إِنَّمَا اَلصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ اَلْمَساكِينِ وَ اَلْعامِلِينَ عَلَيْها وَ اَلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَ فِي اَلرِّقابِ وَ اَلْغارِمِينَ وَ فِي سَبِيلِ اَللّهِ وَ اِبْنِ اَلسَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اَللّهِ)(3) أكل هؤلاء يعطى وإن كان لا يعرف؟ فقال : « إنّ الإمام يعطي هؤلاء جميعا لأنّهم يقرون له بالطاعة » ، قال زرارة، قلت : فإن كانوا لا يعرفون؟
فقال : « يا زرارة لو كان يعطى من يعرف دون من لا يعرف لم يوجد لها موضع، وإنّما يعطى من لا يعرف ليرغب في الدين فيثبت عليه، فأمّا اليوم فلا تعطها أنت وأصحابك إلاّ من يعرف، فمن وجدت من هؤلاء المسلمين عارفا فاعطه دون الناس » . (4)

1الوسائل : 6، الباب 14 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث 1 .
2نهج البلاغة، قسم الرسائل والكتب، برقم 25 .
3التوبة : 60.
4الوسائل : 6، الباب 1 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1 .

صفحه 338
وسيوافيك وجه ترخيصه لزرارة في أن يتولّى تقسيم زكاته .
الخامس : ما رواه علي بن إبراهيم في تفسيره فانّه بعد ما بيّن المفاهيم الثمانية، ووصل كلامه إلى الغارمين، قال :
والغارمين قوم قد وقعت عليهم ديون أنفقوها في طاعة اللّه من غير إسراف، فيجب على الإمام أن يقضي عنهم ويفكّهم من مال الصدقات، وفي سبيل اللّه قوم يخرجون في الجهاد وليس عندهم ما يتقوّون به، أو قوم من المؤمنين ليس عندهم ما يحجّون به، أو في جميع سبل الخير، فعلى الإمام أن يعطيهم من مال الصدقات حتى يقووا على الحج والجهاد، وابن السبيل أبناء الطريق الذين يكونون في الأسفار في طاعة اللّه فيقطع عليهم ويذهب مالهم، فعلى الإمام أن يردّهم إلى أوطانهم من مال الصدقات . (1)
السادس : ما رواه أبو علي بن راشد قال : سألته عن الفطرة لمن هي؟ قال : « للإمام » . (2) فإذا كانت الفطرة موكولة إلى الإمام فما ظنّك بالزكاة التي هي مبالغ طائلة؟ !
هذه الأمور التي ذكرناها وما لم نذكرها تشهد بأنّ طبيعة التشريع في الزكاة تفترق عن بقية الديون والكفّارات والنذورات، بل خوّل أداؤها إلى الحاكم القائم بالأمور الجامع فيه الشرائط الخاصة .
أضف إلى ذلك انّ الزكاة من المنابع المالية للحكومة الإسلامية، تنفّذ بها مشاريعها وبرامجها، ومعها كيف يمكن أن تتخذ لنفسها صبغة فردية؟ !
إنّ طبيعة الأمر كانت تقتضي أن تتّحد فيه كلمات أهل السنّة لكنّهم اختلفوا في وجوب الدفع إلى الحاكم .

1الوسائل : 6، الباب 1 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 7 .
2الوسائل : 6، الباب 9 من أبواب زكاة الفطرة، الحديث 2 .

صفحه 339
ووجه ذلك كما يظهر من خلال كلماتهم : انّه لمّا دبّ الفساد إلى الكيان الإسلامي، وأخذ يتقمّص الخلافة من هو ليس بأهل لها من الأمويّين والمروانيّين، صار ذلك سببا لمنع الناس من الدفع إليهم والترخيص لهم بتوليهم بصرفها في مواردها، وإلاّ فطبيعة التشريع كانت تفتقد الصبغة الفردية، ولأجل اطّلاع القارئ على فتاوى العلماء من كلا الفريقين، نسرد كلماتهم :

ما دلّ من النصوص على جواز تولّي المالك

هناك نصوص تدلّ على جواز تولّي المالك تقسيمها لمحالها، وإليك نماذج من تلك النصوص :
1 . نصوص الأمر بإيصالها إلى المستحقّين .
2 . نصوص نقل الزكاة من بلد إلى بلد آخر .
3 . نصوص شراء العبيد .
4 . نصوص ما دلّ على تفريق المالك بنفسه .
5 . نصوص ما دلّ على قبوله النيابة .
وإليك نماذج من كلّ قسم :
1 . روى أبو المعزى، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال : « إنّ اللّه تبارك وتعالى أشرك بين الأغنياء والفقراء في الأموال، فليس لهم أن يصرفوا إلى غير شركائهم » . (1)
2 . روى الصدوق باسناده عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)في الرجل يعطى الزكاة يقسّمها أله أن يخرج الشيء منها من البلدة التي هو فيها إلى غيرها قال : « لا بأس » . (2)

1الوسائل : 6، الباب 4 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 4 . ولاحظ سائر روايات الباب.
2الوسائل : 6، الباب 37 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1 . ولاحظ سائر روايات الباب.

صفحه 340
3 . روى الكليني عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال : سألته عن الرجل يجتمع عنده من الزكاة الخمسمائة والستمائة يشتري بها نسمة ويعتقها؟ فقال : « إذا يظلم قوما آخرين حقوقهم » ، ثمّ مكث مليّا ثم قال : « إلاّ أن يكون عبدا مسلما في ضرورة فيشتريه ويعتقه » . (1)
4 . روى الطوسي بسند صحيح عن زرارة قال : قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): وإن كان بالمصر غير واحد؟ قال : « فاعطهم إن قدرت جميعا » . (2)
5 . روى الكليني عن علي بن يقطين، قال : سألت أبا الحسن(عليه السلام)عمّن يلي صدقة العشر على من لا بأس به؟ فقال : « إن كان ثقة فمره أن يضعها في مواضعها، وإن لم يكن ثقة فخذها منه وضعها في مواضعها » . (3)
6 . ما رواه الصدوق عن جابر، قال : أقبل رجل إلى أبي جعفر(عليه السلام)وأنا حاضر، فقال : رحمك اللّه أقبض منّي هذه الخمسمائة درهم فضعها في مواضعها، فانّها زكاة مالي; فقال أبو جعفر(عليه السلام): « بل خذها أنت فضعها في جيرانك والأيتام والمساكين وفي إخوانك من المسلمين، إنّما يكون هذا إذا قام قائمنا فإنّه يقسم بالسوية ويعدل في خلق الرحمن، البرّ منهم والفاجر » . (4)

وجه الجمع بين الروايات وكلمات الأصحاب

قد تبين ممّا ذكرنا اختلاف الروايات كما ظهر اختلاف كلمات الأصحاب، ويمكن أن يقال :

1الوسائل : 6، الباب 43 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1 . ولاحظ سائر روايات الباب .
2الوسائل : 6، الباب 28 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 4 . ولاحظ سائر روايات الباب .
3الوسائل : 6، الباب 35 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1 .
4الوسائل : 6، الباب 36 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث 1 .

صف