\
welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : مع الشيعة الإماميّة فـي عقائدهم*
تألیف :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

مع الشيعة الإماميّة فـي عقائدهم

صفحه 1
مع
الشيعة الإماميّة
في عقائدهم

صفحه 2

صفحه 3
   مع الشيعة الإماميّة فـي عقائدهم
   
 
 
 
مع
الشيعة الإماميّة
فـي عقائدهم
دراسة تسلّط الضوء على عقائد الشيعة الإمامية واختلافها مع المعتزلة والأشاعرة وسائر الفرق على ضوء الكتاب العزيز والسنّة النبويّة
تأليف
العلاّمة المحقّق
جعفر السبحاني
نشر
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
سبحانى تبريزي، جعفر، 1308 ـ   
      مع الشيعة الإمامية في عقائدهم/ تأليف جعفر السبحاني. ـ قم : مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، 1397 .
       236ص .    ISBN: 978 - 964 - 357 - 625 -7
      فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
      كتابنامه به صورت زير نويس.
      1 . شيعه اماميه ـ ـ عقايد. الف. مؤسسه امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.
6م 2س 5/211 BP    4172/ 297
1397
اسم الكتاب:    مع الشيعة الإمامية في عقائدهم
المؤلف:    الفقيه المحقّق جعفر السبحاني
الطبعة:    الأُولى ـ 1440 هـ
المطبعة:    مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:    مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الإخراج الفني:    مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
تسلسل النشر:1027   تسلسل الطبعة الأُولى:485
حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة، فلا يجوز شرعاً استنساخ أو نشر اصدارات
المؤسسة إلاّ بعد التنسيق مع المؤسسة واستحصال الموافقة الرسمية
مركز التوزيع
قم المقدسة / ساحة الشهداء
مكتبة التوحيد ?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
www.tohid.ir

صفحه 5

صفحه 6

صفحه 7

رسائل موجزة حول عقائد الشيعة

إنّ المناهج الكلامية التي فرّقت المسلمين إلى مذاهب حدثت في أواخر القرن الأوّل الهجري ، واستمرّت في القرون التالية ، فنجمت عنها فرق إسلامية مختلفة كالمرجئة ، والجهمية ، والمعتزلة ، والحشوية ، والأشعرية ، والكرّامية بفرقهم المتشعّبة . وهذه الفرق بمجموعها تكوّن نتاجاً حقيقياً لمخاض البحث والدراسة والحوار ، وكنتيجة منطقية للتوسع الأُفقي في الرقعة الإسلامية التي شملت العديد من الأُمم والقوميات المختلفة ، وما يؤلّفه ذلك من احتكاك وجدل فكري وتأثّر وتأثير في تلك التيّارات الفكرية وتداخل غير محسوس في أحيان كثيرة أُوجد ـ ودون وعي من الكثيرين ـ ركائز وجود هذه التصوّرات التي تبلورت فيما بعد فيما يسمّى بالفرق الإسلامية .
ومن هنا فإنّ المرء لا يجد لها تاريخاً متّصلا بزمن النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) .
فالخوارج مثلا كانوا فرقة سياسية نشأت في عام (37هـ ) أثناء حرب صفّين ، ثمّ تبدّلت إلى فرقة دينيّة في أواخر القرن الأوّل وأوائل القرن الثاني .

صفحه 8
والمرجئة ظهرت في الأوساط الإسلاميّة عند اختلاف الناس في الخليفة عثمان والإمام عليّ ، ثمّ تطورت إلى معنى آخر ، وكان من حصيلة التطوّر هو تقديم الإيمان وتأخير العمل .
والجهمية نتيجة أفكار «جهم بن صفوان» المتوفّى سنة (128هـ ) .
والمعتزلة تستمدّ أُصولها من واصل بن عطاء تلميذ الحسن البصري المتوفّى عام (131هـ ) ، وهكذا القدريّة والكرّاميّة والظاهريّة والأشعريّة فجميعها فرق نتجت عن البحث الكلامي وصقلها الجدل عبر القرون ، فلا تجد لهذه الفرق سنداً متّصلا بالنبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) .
وأمّا عقائد الشيعة الإمامية فعلى النقيض من ذلك ، ولا صلة في نشأتها بينها وبين تلك الفرق ، لأنّها أُخذت أساساً من مصادر التشريع الحقيقية للإسلام ، وهي : الذكر الحكيم أوّلا ، والسنّة النبويّة ثانياً ، وخطب الإمام عليّ وكلمات العترة الطاهرة الصادرة من النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) ثالثاً . فلأجل ذلك يحدّد تاريخ عقائدهم بتاريخ الإسلام وحياة أئمّتهم الطاهرين .
رسائل موجزة حول عقائد الشيعة   
وهذا لا يعني أنّ الشيعة تتعبّد بالنصوص في أُصولها المذكورة من دون تحليل وتفكير ، بل إنّ أُصول العقائد الواردة في المصادر المذكورة أخذها علماؤهم منها وحرّروها بأوضح

صفحه 9
الوجوه ، ودعموها بالبراهين الواضحة ، كما أنّهم لا يعتدّون في بناء معتقداتهم ومتبنّياتهم برواية الآحاد، بل يشترطون فيها أن تكون متواترة ، أو محفوفة بالقرائن المفيدة للعلم واليقين; إذ ليس المطلوب في باب الاعتقاد مجرّد العمل ، بل المطلوب هو الإذعان والإيمان ، وهذا لا يحصل برواية الآحاد .
إلاّ أنّ الأمر الجدير بالذكر هو أنّ المرتكز الأساسي لبناء العقيدة الخاصّة بالشيعة الإمامية هو الاعتقاد بأنّ الإمام عليّاً منصوص عليه بالوصاية على لسان النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأنّه وعترته الطاهرة هم المرجع الأعلى بعد الذكر الحكيم . وهذا هو العنصر المقوّم للتشيّع ، وأمّا سائر الأُصول فإنّها عقائد إسلامية لا تختصّ بالشيعة الإمامية وحدها .
وسنحاول أن نستعرض في الصفحات اللاحقة بعضاً من جوانب عقائد الشيعة الإمامية ، الواردة في أحاديث أئمّتهم تارة ، وكلمات علمائهم الأقدمين ثانياً ، حتّى يقف القارئ على جذور تلك العقائد وتتوضّح له الصورة الحقيقية عن ركائز هذه المعتقدات ، والتي تستمدّ كيانها من الأخبار والروايات الواردة من أئمّتهم الطاهرين والتي تكوّن كلمات الإمام عليّ(عليه السلام) وخطبه البعد الأكبر فيها ، أو من الآراء الكلامية لعلمائهم ، والتي تتفق كثيراً مع جمهور المسلمين في أبعادها المختلفة .

صفحه 10

1 . ما كتبه الإمام الرضا(عليه السلام) للمأمون عن محض الإسلام

ما كتبه الإمام الرضا(عليه السلام) للمأمون عن محض الإسلام   
روى الصدوق بسنده عن الفضل بن شاذان قال : سأل المأمون عليّ بن موسى الرضا أن يكتب له محض الإسلام على سبيل الإيجاز والاختصار ، فكتب(عليه السلام) له :
«إنّ محض الإسلام شهادة أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، إلهاً واحداً ، أحداً ، فرداً ، صمداً ، قيّوماً ، سميعاً ، بصيراً ، قديراً ، قديماً ، قائماً ، باقياً ، عالماً لايجهل ، قادراً لا يعجز ، غنيّاً لا يحتاج ، عدلا لا يجور ، وأنّه خالق كلّ شيء ، ليس كمثله شيء ، لا شبه له ، ولا ضدّ له ، ولا ندّ له ، ولا كفو له ، وأنّه المقصود بالعبادة والدعاء والرغبة والرهبة .
وأنّ محمّداً عبده ورسوله وأمينه وصفيّه وصفوته من خلقه ، وسيّد المرسلين وخاتم النبيين وأفضل العالمين ، لا نبيّ بعده ولا تبديل لملّته ولا تغيير لشريعته ، وأنّ جميع ما جاء به محمّد بن عبد الله هو الحقّ المبين ، والتصديق به وبجميع من مضى قبله من رسل الله ، وأنبيائه ، وحججه ، والتصديق بكتابه الصادق العزيز الذي : (لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكيم حَميد)(1)وأنّه المهيمن على الكتب كلّها ، وأنّه حقّ من فاتحته إلى خاتمته ، نؤمن بمحكمه ومتشابهه ، وخاصّه وعامّه ، ووعده ووعيده ،

1 . فصّلت : 42 .

صفحه 11
وناسخه ومنسوخه ، وقصصه وأخباره ، لا يقدر أحد من المخلوقين أن يأتي بمثله .
وأنّ الدليل بعده والحجّة على المؤمنين والقائم بأمر المسلمين ، والناطق عن القرآن ، والعالم بأحكامه : أخوه وخليفته ووصيّه ووليّه ، والذي كان منه بمنزلة هارون من موسى : عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) أمير المؤمنين ، وإمام المتّقين ، وقائد الغرّ المحجّلين ، وأفضل الوصيّين ، ووارث علم النبيّين ، والمرسلين ، وبعده الحسن والحسين سيّدا شباب أهل الجنّة ، ثمّ عليّ بن الحسين زين العابدين ، ثمّ محمّد بن عليّ باقر علم النبيّين ، ثمّ جعفر بن محمّد الصادق وارث علم الوصيّين ، ثمّ موسى بن جعفر الكاظم ، ثمّ عليّ بن موسى الرضا ، ثمّ محمّد بن عليّ ، ثمّ عليّ بن محمّد ، ثمّ الحسن بن عليّ ، ثمّ الحجّة القائم المنتظر ـ صلوات الله عليهم أجمعين ـ .
أشهد لهم بالوصية والإمامة ، وأنّ الأرض لا تخلو من حجّة لله تعالى على خلقه في كلّ عصر وأوان ، وأنّهم العروة الوثقى ، وأئمّة الهدى ، والحجّة على أهل الدنيا ، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، وأنّ كل من خالفهم ضالّ مضلّ باطل ، تارك للحقّ والهدى ، وأنّهم المعبّرون عن القرآن ، والناطقون عن الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)بالبيان ، ومن مات ولم يعرفهم مات ميتة جاهلية ، وأنّ من دينهم

صفحه 12
الورع والعفّه والصدق والصلاح والاستقامة والاجتهاد ، وأداء الأمانة إلى البرّ والفاجر ، وطول السجود ، وصيام النهار، وقيام الليل ، واجتناب المحارم ، وانتظار الفرج بالصبر ، وحسن العزاء وكرم الصحبة.(1)
ثمّ ذكر الإمام فروعاً شتّى من مختلف أبواب الفقه وأشار إلى بعض الفوارق بين مذهب أهل البيت وغيرهم، لا يهمّنا في المقام ذكرها، ومن أراد الوقوف عليها فليرجع إلى المصدر .
عرض السيّد عبد العظيم الحسني عقائده على الإمام الهادي(عليه السلام)   

2 . عرض السيّد عبد العظيم الحسني عقائده على الإمام الهادي(عليه السلام)

روى الصدوق عن عبد العظيم الحسني(2) قال : دخلت على سيّدي عليّ بن محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن

1 . عيون أخبار الرضا: 2 / 129ـ130 ، الحديث1، الباب35.
2 . عبد العظيم بن عبد الله بن عليّ بن الحسن بن زيد بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام) من أصحاب الإمام الهادي ، قال النجاشي : له كتاب خطب أمير المؤمنين ، ورد الري هارباً من السلطان وسكن سُرَباً (حفيراً تحت الأرض) في دار رجل من الشيعة في سكّة الموالي فكان يعبد الله في ذلك السرب ويصوم نهاره ويقوم ليله ، وكان يخرج مستتراً ، فيزور القبر المقابل قبره وبينهما الطريق ويقول : هو قبر رجل من ولد موسى بن جعفر(عليه السلام) . فلم يزل يأوي إلى ذلك السرب ويقع خبره إلى الواحد بعد الواحد من شيعة آل محمّد (عليهم السلام) حتّى عرفه أكثرهم . رجال النجاشي (2 / 65ـ66) ، ومات عبد العظيم بالري وقبره مزار يزوره الناس . وذكره الشيخ الطوسي في رجاله في أصحاب الإمام الهادي والعسكري تحت رقم (1و20) ، وذكره أيضاً صاحب عمدة الطالب : 94 .

صفحه 13
علي بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب(عليهم السلام) فلمّا بَصُرَ بي ، قال لي : «مرحباً بك يا أبا القاسم أنت وليّنا حقّا» قال : فقلت له : يا ابن رسول الله إنّي أُريد أن أعرض عليك ديني ، فإن كان مرضيّاً أثبت عليه حتّى ألقى الله عزّوجلّ . فقال : «هاتها أبا القاسم» .
فقلت : إنّي أقول : إنّ الله تبارك وتعالى واحد ليس كمثله شيء ، خارج من الحدّين; حدّ الإبطال ، وحدّ التشبيه ، وأنّه ليس بجسم ولا صورة ولا عرض ولا جوهر ، بل هو مجسِّم الأجسام ومصوِّر الصور ، وخالق الأعراض والجواهر ، وربُّ كلّ شيء ومالكه وجاعله ومحدثه ، وإنّ محمّداً عبده ورسوله ، خاتم النبيّين فلا نبيّ بعده إلى يوم القيامة ، وأقول : إنّ الإمام والخليفة ووليّ الأمر بعده أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ، ثمّ الحسن ، ثمّ الحسين ، ثمّ عليّ بن الحسين ، ثمّ محمّد بن عليّ ، ثمّ جعفر بن محمّد ، ثمّ موسى بن جعفر ، ثمّ عليّ بن موسى ، ثمّ محمّد بن عليّ ، ثمّ أنت يا مولاي .
فقال(عليه السلام) : «ومن بعدي الحسن ابني ، فكيف للناس بالخلف من بعده؟» قال : فقلت : وكيف ذاك يا مولاي؟ قال : «لأنّه لا يرى شخصه ولا يحل ذكره باسمه حتّى يخرج فيملأ الأرض قسطاً وعدلا كما ملئت ظلماً وجوراً» .
قال : فقلت : أقررت وأقول : إنّ وليّهم وليّ الله ، وعدوّهم عدوّ الله ، وطاعتهم طاعة الله ومعصيتهم معصية الله ، وأقول : إنّ

صفحه 14
المعراج حقّ والمساءلة في القبر حقّ ، وإنّ الجنّة حقّ ، والنار حقّ ، والميزان حقّ ، وإنّ الساعة آتية لا ريب فيها وإنّ الله يبعث من في القبور ، وأقول : إنّ الفرائض الواجبة بعد الولاية : الصلاة والزكاة ، والصوم ، والحجّ ، والجهاد ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
فقال عليّ بن محمّد(عليه السلام) : «يا أبا القاسم ، هذا واللهِ دين الله الذي ارتضاه لعباده ، فاثبت عليه ثبّتك الله بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة».(1)
رسالة الصدوق في عقائد الإمامية   
وقد اكتفينا بهذين النصّين من الإمامين الطاهرين ، أحدهما قولي ، والآخر إمضائي ، وقد أخذوا عقائدهم عن آبائهم الطاهرين .

3 . رسالة الصدوق في عقائد الإمامية

إنّ لمشايخنا الإمامية مؤلّفات شهيرة في بيان عقائد الشيعة ومعارفهم ، نختار في المقام رسائل موجزة من المتقدّمين منهم :
صنّف الشيخ الصدوق (306 ـ 381هـ ) رسالة موجزة في عقائد الإمامية ، قال : اعلم أنّ اعتقادنا في التوحيد : أنّ الله تعالى واحد أحد ، ليس كمثله شيء ، قديم ، لم يزل ، ولا يزال، سميعاً بصيراً ، عليماً ، حكيماً ، حيّاً ، قيّوماً ، عزيزاً ، قدّوساً ، عالماً ، قادراً ،

1 . التوحيد : 81 برقم 37، باب التوحيد والتشبيه .

صفحه 15
غنيّاً ، لا يوصف بجوهر ولا جسم ولا صورة ولا عرض ـ إلى أن قال : ـ وأنّه تعالى متعال عن جميع صفات خلقه ، خارج عن الحدّين : حدّ الإبطال ، وحدّ التشبيه ، وأنّه تعالى شيء لا كالأشياء ، أحد صمد لم يلد فيورث ، ولم يولد فيشارك ، ولم يكن له كفواً أحد ، ولا ندّ ولا ضدّ ، ولا شبه ولا صاحبة ، ولا مثل ولا نظير ، ولا شريك له ، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، ولا الأوهام ، وهو يدركها ، لا تأخذه سنة ولا نوم ، وهو اللطيف الخبير ، خالق كلّ شيء لا إله إلاّ هو ، له الخلق، والأمر تبارك الله ربّ العالمين .
ومن قال بالتشبيه فهو مشرك ، ومن نسب إلى الإمامية غير ما وصف في التوحيد فهو كاذب ، وكلّ خبر يخالف ما ذكرت في التوحيد فهو موضوع مخترع ، وكلّ حديث لا يوافق كتاب الله فهو باطل ، وإن وجد في كتب علمائنا فهو مدلّس . . . ثمّ إنّه ـ قدّس الله سرّه ـ ذكر الصفات الخبرية في الكتاب العزيز وفسّـرها ، وبيّن حدّاً خاصّاً لصفات الذات وصفات الأفعال ، وما هو معتقد الإماميّة في أفعال العباد ، وأنّه بين الجبر والتفويض ، كما ذكر عقائدهم في القضاء والقدر ، والفطرة ، والاستطاعة ، إلى غير ذلك من المباحث المهمّة التي تشكّل العمود الفقري للمعارف الإلهية ، إلى أن قال :
اعتقادنا أنّ القرآن الذي أنزله الله تعالى على نبيّه محمّد هو ما بين الدفّتين ، وهو ما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك ، ومبلغ

صفحه 16
سوره عند الناس (114) سورة ، وعندنا أنّ الضحى والانشراح سورة واحدة ، كما أنّ الإيلاف والفيل سورة واحدة . ومن نسب إلينا أنّا نقول إنّه أكثر من ذلك فهو كاذب . . . إلى آخر الرسالة.(1)
ثمّ إنّ الشيخ المفيد (336 ـ 413هـ ) قد شرح تلك الرسالة بكتاب أسماه شرح عقائد الصدوق ، أو تصحيح الاعتقاد ، ناقش فيها أُستاذه الصدوق في بعض المواضع التي استند فيها الصدوق على روايات غير جامعة للشرائط في باب العقائد.(2)
ما أملاه الصدوق على جماعة في وصف دين الإمامية   

4 . ما أملاه الصدوق(رحمه الله)

أملى الشيخ الصدوق(قدس سره) على جماعة في المجلس الثالث والتسعين من أماليه ، يوم الجمعة الثاني عشر من شعبان من سنة 368 وجاء فيه : واجتمع في هذا اليوم إلى الشيخ الفقيه أبي جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه أهل مجلسه والمشايخ ، فسألوه أن يملي عليهم وصف دين الإماميّة على الإيجاز والاختصار ، فقال : دين الإماميّة هو الإقرار بتوحيد الله تعالى ذكره ، ونفي التشبيه عنه ، وتنزيهه عمّا لا يليق ، والإقرار

1 . لاحظ رسالة الصدوق في الاعتقادات ، وقد طبعت غير مرّة ، وعليها شروح وتعاليق العلماء منهم العلاّمة المجلسي .
2 . طبع الكتاب مع كتاب أوائل المقالات للشيخ المفيد في تبريز عام (1371هـ ) . وطبع أيضاً في الجزء الخامس من كتب المؤتمر العالمي للشيخ المفيد ـ 1413هـ .

صفحه 17
بأنبياء الله ورسله وحججه وملائكته وكتبه ، والإقرار بأنّ محمّداً هو سيّد الأنبياء والمرسلين ، وأنّه أفضل منهم ومن جميع الملائكة المقرّبين ، وأنّه خاتم النبيّين; فلا نبيّ بعده . . . إلى آخر ما  ذكر.(1)

5 . جمل العلم والعمل للسيّد الشريف المرتضى

ألّف السيّد الشريف المرتضى رسالة موجزة في العقائد أسماها: جمل العلم والعمل ، أورد فيها (رحمه الله) عقائد الشيعة على وجه الإيجاز ، نذكر منها ما يرتبط بالتوحيد ، وندعو القارئ الكريم إلى مطالعة الرسالة لما فيها من العرض الدقيق لهذه الجوانب :

بيان ما يجب اعتقاده في أبواب التوحيد :

الأجسام محدثَة لأنّها لم تسبق الحوادث ، فلها حكمها في الحدوث ، ولابدّ لها من محدِث; لحاجة كلّ محدَث في حدوثه إلى محدِث كالصناعة والكتابة .
ولابدّ من كونه (تعالى) قادراً لتعذّر الفعل على من لم يكن قادراً ، وتيسّره على من كان كذلك .

1 . الأمالي للشيخ الصدوق: 509، المجلس الثالث والتسعون. وانظر الحديث المتقدم في آخر كتاب المقنع والهداية نشر مؤسسة المطبوعات الدينية والمكتبة الإسلامية ـ 1377 هـ .

صفحه 18
ولابدّ من كون محدِثها عالماً; لأنّ الإحكام ظاهر في كثير من العالم ، والمحكَم لا يقع إلاّ من عالِم .
ولابدّ من كونه موجوداً; لأنّ له تعلّقاً من حيث كان قادراً عالماً ، وهذا الضرب من التعلّق لا يصحّ إلاّ مع الوجود .
ويجب كونه قديماً; لانتهاء الحوادث إليه .
ويجب كونه حيّاً ، وإلاّ لم يصحّ كونه قادراً ، عالماً ، فضلا عن وجوبه .
ويجب أن يكون مدركاً إذا وجدت المدركات ، لاقتضاء كونه حيّاً .
جمل العلم والعمل للسيّد الشريف المرتضى   
ووجب كونه سميعاً بصيراً; لأنّه ممّن يجب أن يدرك المدركات إذا وجدت ، وهذه فائدة قولنا : سميع بصير .
ومن صفاته ـ وإن كانتا عن علّة ـ كونه تعالى مريداً وكارهاً; لأنّه تعالى قد أمر وأخبر ونهى ، ولايكون الأمر والخبر أمراً ولا خبراً إلاّ بالإرادة . والنهي لا يكون نهياً إلاّ بالكراهة .
ولا يجوز أن يستحقّ هاتين الصفتين لنفسه; لوجوب كونه مريداً كارهاً للشيء الواحد ، على الوجه الواحد .
ولا لعلّة قديمة ، لما سنبطل به الصفات القديمة .
ولا لعلّة محدثة في غير حيّ لافتقار الإرادة إلى تنبيه . ولا لعلّة موجودة في حيّ ; لوجوب رجوع حكمها إلى ذلك الحيّ . فلم يبق إلاّ أن توجد لا في محلّ .

صفحه 19
ولا يجوز أن يكون له في نفسه صفة زائدة على ما ذكرناه; لأنّه لا حكم لها معقول .
وإثبات ما لا حكم له معقول من الصفات ، يفضي إلى الجهالات .
ويجب أن يكون قادراً فيما لم يزل; لأنّه لو تجدّد له ذلك لم يكن إلاّ لقدرة محدثة ، ولا يمكن إسناد إحداثها إلاّ إليه ، فيؤدّي إلى تعلّق كونه قادراً بكونه محدثاً ، وكونه محدثاً بكونه قادراً . وثبوت كونه قادراً فيما لم يزل يقتضي أن يكون فيما لم يزل حيّاً موجوداً .
ويجب أن يكون عالماً فيما لم يزل ; لأنّ تجدّد كونه عالماً يقتضي أن يكون بحدوث علم ، والعلم لا يقع إلاّ ممّن هو عالم .
ووجوب هذه الصفات له تدلّ على أنّها نفسيّة ، وادّعاء وجوبها لمعان قديمة تبطل صفات النفس ، ولأنّ الاشتراك في القدم يوجب التماثل والمشاركة في سائر الصفات، ولا يجوز خروجه تعالى عن هذه الصفات لاسنادها إلى النفس .
ويجب كونه تعالى غنيّاً غير محتاج; لأنّ الحاجة تقتضي أن يكون ممّن ينتفع ويستضرّ ، وتؤدّي إلى كونه جسماً .
لايجوز كونه تعالى متّصفاً بصفة الجواهر والأجسام والأعراض لقدمه وحدوث هذه أجمع ، ولأنّه فاعل الأجسام ، والجسم يتعذّر عليه فعل الجسم .
ولا يجوز عليه تعالى الرؤية; لأنّه كان يجب مع ارتفاع الموانع

صفحه 20
وصحّة أبصارنا أن نراه .
وبمثل ذلك يعلم أنّه لا يُدرك بسائر الحواس .
ويجب أن يكون تعالى واحداً لا ثاني له في القدم ; لأنّ إثبات ثان يؤدّي إلى إثبات ذاتين، لا حكم لهما يزيد على حكم الذات الواحدة ، ويؤدّي أيضاً إلى تعذّر الفعل على القادر من غير جهة منع معقول ، وإذا بطل قديم ثان بطل قول الثنوية والنصارى والمجوس . . . إلى آخرها.(1)
البيان عن جمل اعتقاد أهل الإيمان للكراجكي   

6 . البيان عن جمل اعتقاد أهل الإيمان للكراجكي

كتب الإمام الشيخ أبو الفتح محمّد بن عليّ الكراجكي الطرابلسي رسالة موجزة في عقائد الإمامية وسمّـاها : «البيان عن جمل اعتقاد أهل الإيمان» وممّا جاء فيها :
قال : سألت يا أخي ـ أسعدك الله بألطافه ، وأيّدك بإحسانه وإسعافه ـ أن أُثبت لك جملا من اعتقادات الشيعة المؤمنين ، وفصولا في المذهب يكون عليها بناء المسترشدين ، لتذاكر نفسك بها ، وتجعلها عدّة لطالبها ، وأنا أختصر لك القول وأُجمله ، وأُقرّب الذكر وأُسهّله، وأورده على سنن الفتيا في المقالة ، من غير حجّة

1 . جمل العلم والعمل قسم العقائد ، الطبعة الثانية تحقيق رشيد الصفّار ، طبعة النجف . نعم; رأيه في إعجاز القرآن من القول بالصّرفة رأي شخصيّ له ولا يمثل رأي جمهور الإمامية .

صفحه 21
ولا دلالة ، وما توفيقي إلاّ بالله :

في توحيده سبحانه :

اعلم أنّ الواجب على المكلّف : أن يعتقد حدوث العالم بأسره ، وأنّه لم يكن شيئاً قبل وجوده ، ويعتقد أنّ الله تعالى هو محدِث جميعه ، من أجسامه ، وأعراضه ، إلاّ أفعال العباد الواقعة منهم ; فإنّهم محدثوها دونه سبحانه .
ويعتقد أنّ الله قديم وحده ، لا قديم سواه ، وأنّه موجود لم يزل ، وباق لا يزال ، وأنّه شيء لا كالأشياء . لا شبيه الموجودات ، ولا يجوز عليه ما يجوز على المحدثات ، وأنّ له صفات يستحقّها لنفسه لا لمعان غيره ، وهي كونه حيّاً ، عالماً ، قديماً ، باقياً ، لا يجوز خروجه عن هذه الصفات إلى ضدّها ، يعلم الكائنات قبل كونها ، ولا يخفى عليه شيء منها .

في عدله سبحانه :

وأنّ له صفات أفعال ، لا يصحّ إضافتها إليه في الحقيقة إلاّ بعد فعله ، وهي ما وصف به نفسه من أنّه خالق، ورازق، ومعط، وراحم، ومالك ، ومتكلّم ، ونحو ذلك.
وأنّ له صفات مجازات وهي ما وصف به نفسه ، من أنّه يريد ويكره ، ويرضى ويغضب .

صفحه 22
فإرادته لفعل هي الفعل المراد بعينه ، وإرادته لفعل غيره هي الأمر بذلك الفعل ، وليس تسميتها بالإرادة حقيقة ، وإنّما هو على مجاز اللغة ، وغضبه هو وجود عقابه ، ورضاه هو وجود ثوابه ، وأنّه لا يفتقر إلى مكان ، ولا يدرك بشيء من  الحواسّ .
وأنّه منزّه من القبائح ، لا يظلم الناس وإن كان قادراً على الظلم; لأنّه عالم بقبحه ، غنيّ عن فعله ، قوله صدق ، ووعده حقّ ، لا يكلّف خلقه على ما لا يستطاع ، ولا يحرمهم صلاحاً لهم فيه الانتفاع ، ولا يأمر بما لا يريد ، ولا ينهى عمّا يريد . وأنّه خلق الخلق لمصلحتهم ، وكلّفهم لأجل منازل منفعتهم ، وأزاح في التكليف عللهم ، وفعل أصلح الأشياء بهم . وأنّه أقدرهم قبل التكليف ، وأوجد لهم العقل والتمييز .
وأنّ القدرة تصلح أن يفعل بها وضدّه بدلا منه . وأنّ الحق الذي تجب معرفته ، يدرك بشيئين ، وهما العقل والسمع ، وأنّ التكليف العقلي لا ينفكّ عن التكليف السمعي . وأنّ الله تعالى قد أوجد (للناس) في كلّ زمان مسمعاً (لهم) من أنبيائه وحججه بينه وبين الخلق ، ينبّههم على طريق الاستدلال في العقليات ، ويفقّههم على ما لا يعلمونه إلاّ به من السمعيات . وأنّ جميع حجج الله تعالى محيطون علماً بجميع ما يفتقر إليهم فيه العباد . وإنّهم معصومون من الخطأ والزلل عصمة اختيار . وأنّ الله فضّلهم على خلقه ،

صفحه 23
وجعلهم خلفاءه القائمين بحقّه . وأنّه أظهر على أيديهم المعجزات ، تصديقاً لهم فيما ادّعوه من الأنباء والأخبار . وأنّهم ـ مع ذلك ـ بأجمعهم عباد مخلوقون ، بشر مكلّفون يأكلون ويشربون ، ويتناسلون ، ويحيون بإحيائه ، ويموتون بإماتته ، تجوز عليهم الآلام المعترضات ، فمنهم من قتل ، ومنهم من مات ، لا يقدرون على خلق ، ولا رزق ، ولا يعلمون الغيب إلاّ ما أعلمهم إله الخلق . وأنّ أقوالهم صدق ، وجميع ما أتوا به حق .

في النبوّة العامّة والخاصّة :

وأنّ أفضل الأنبياء أُولو العزم ، وهم خمسة : نوح ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى ، ومحمّد صلّى الله عليه وآله وعليهم ، وأنّ محمّد بن عبد الله(صلى الله عليه وآله وسلم)أفضل الأنبياء أجمعين ، وخير الأوّلين والآخرين . وأنّه خاتم النبيين ، وأنّ آباءه من آدم(عليه السلام) إلى عبد الله بن عبد المطّلب ـ رضوان الله عليهم ـ كانوا جميعاً مؤمنين ، وموحّدين لله تعالى عارفين ، وكذلك أبوطالب ـ رضوان الله عليه ـ .
ويعتقد أنّ الله سبحانه شرّف نبيّنا(صلى الله عليه وآله وسلم) بباهر الآيات ، وقاهر المعجزات ، فسبّح في كفّه الحصى ، ونبع من بين أصابعه الماء ، وغير ذلك ممّا قد تضمّنته الأنباء ، وأجمع على صحّته العلماء ، وأتى بالقرآن المبين ، الذي بهر به السامعين! وعجز من الإتيان بمثله سائر الملحدين .

صفحه 24
وأنّ القرآن كلام ربّ العالمين ، وأنّه محدَث ليس بقديم . ويجب أن يعتقد أنّ جميع ما فيه من الآيات الذي يتضمّن ظاهرها تشبيه الله تعالى بخلقه ، وأنّه يجبرهم على طاعته أو معصيته ، أو يضلّ بعضهم عن طريق هدايته ، فإنّ ذلك كلّه لا يجوز حمله على ظاهرها ، وأنّ له تأويلا يلائم ما تشهد به العقول ممّا قدّمنا ذكره في صفات الله تعالى ، وصفات أنبيائه .
فإن عرف المكلّف تأويل هذه الآيات فحسن ، وإلاّ أجزأ أن يعتقد في الجملة أنّها متشابهات ، وأنّ لها تأويلا ملائماً ، يشهد بما تشهد به العقول والآيات المحكمات ، وفي القرآن المحكم والمتشابه ، والحقيقة والمجاز ، والناسخ والمنسوخ ، والخاص والعامّ .
ويجب عليه أن يقرّ بملائكة الله أجمعين ، وأنّ منهم جبرئيل وميكائيل ، وأنّهما من الملائكة الكرام ، كالأنبياء بين الأنام ، وأنّ جبرئيل هو الروح الأمين الذي نزل بالقرآن على قلب محمّد خاتم النبيّين ، وهو الذي كان يأتيه بالوحي من ربّ العالمين .
ويجب الإقرار بأنّ شريعة الإسلام التي أتى بها محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)ناسخة لما خالفها من شرائع الأنبياء المتقدّمين .
وإنّه يجب التمسّك بها والعمل بما تضمّنته من فرائضها ، وأنّ ذلك دين الله الثابت الباقي إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ،

صفحه 25
لا حلال إلاّ ما أحلّت ولا حرام إلاّ ما حرّمت ، ولا فرض إلاّ ما فرضت ، ولا عبادة إلاّ ما أوجبت .
وإنّ من انصرف عن الإسلام ، وتمسّك بغيره ، كافر ضالّ ، مخلّد في النار ، ولو بذل من الاجتهاد في العبادة غاية المستطاع .
وإنّ من أظهر الإقرار بالشهادتين كان مسلماً ، ومن صدّق بقلبه ولم يشكّ في فرض أتى به محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) كان مؤمناً .
ومن الشرائط الواجبة للإيمان ، العمل بالفرائض اللازمة ، فكلّ مؤمن مسلم ، وليس كلّ مسلم مؤمناً .
وقوله تعالى : (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلاَمُ)(1) إنّما أراد به الإسلام الصحيح التام ، الذي يكون المسلم فيه عارفاً ، مؤمناً ، عالماً بالواجبات ، طائعاً .

في الإمامة والخلافة :

ويجب أن يعتقد أنّ حجج الله تعالى بعد رسوله الذين هم خلفاؤه ، وحفظة شرعه، وأئمّة أُمّته، اثناعشر أهل بيته ، أوّلهم أخوه وابن عمّه ، وصهره ، بعل فاطمة الزهراء ابنته ، ووصيّه على أُمّته ، عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين ، ثمّ الحسن بن عليّ الزكي ، ثمّ الحسين بن عليّ الشهيد ، ثمّ عليّ بن الحسين زين العابدين ، ثمّ

1 . آل عمران : 19 .

صفحه 26
محمّد بن عليّ باقر العلوم ، ثمّ جعفر بن محمّد الصادق ، ثمّ موسى بن جعفر الكاظم ، ثمّ عليّ بن موسى الرضا ، ثمّ محمّد بن عليّ التقي ، ثمّ عليّ بن محمّد المنتجب ، ثمّ الحسن بن عليّ الهادي ، ثمّ الخلف الصالح بن الحسن المهدي ـ صلوات الله عليهم أجمعين ـ .
لا إمامة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ لهم(عليهم السلام) ولا يجوز الاقتداء في الدين إلاّ بهم ، ولا أخذ معالم الدين إلاّ عنهم .
وأنّهم في كمال العلم والعصمة من الآثام نظير الأنبياء (عليهم السلام) .
وأنّهم أفضل الخلق بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) .
وأنّ إمامتهم منصوص عليها من قبل الله على اليقين والبيان .
وأنّه سبحانه أظهر على أيديهم الآيات ، وأعلمهم كثيراً من الغائبات ، والأُمور المستقبلات ، ولم يعطهم من ذلك إلاّ ما قارن وجهاً يعلمه من اللطف والصلاح .
وليسوا عارفين بجميع الضمائر والغائبات على الدوام ، ولا يحيطون بالعلم بكلّ ما علمه الله تعالى .
والآيات التي تظهر على أيديهم هي فعل الله دونهم ، أكرمهم بها ، ولا صنع لهم فيها .
وأنّهم بشر محدَثون ، وعباد مصنوعون ، لا يخلُقون ، ولا يرزُقون ، ويـأكلـون ويشربـون ، وتـكون لـهم الأزواج ، وتنـالـهـم الآلام والأعلال ، ويستضامون ، ويَخافون فيتّقون ، وأنّ منهم من

صفحه 27
قتل ، ومنهم من قبض .
وأنّ إمام هذا الزمان هو المهدي ابن الحسن الهادي ، وأنّه الحجّة على العالمين ، وخاتم الأئمّة الطاهرين ، لا إمامة لأحد بعد إمامته ، ولا دولة بعد دولته ، وأنّه غائب عن رعيته ، غيبة اضطرار وخوف من أهل الضلال ، وللمعلوم عند الله تعالى في ذلك الصلاح .
ويجوز أن يعرّف نفسه في زمن الغيبة لبعض الناس ، وأنّ الله عزّ وجلّ سيظهره وقت مشيئته ، ويجعل له الأعوان والأصحاب ، فيمهّد الدين به ، ويطهّر الأرض على يديه ، ويهلك أهل الضلال ، ويقيم عمود الإسلام ، ويصير الدين كلّه لله .
وأنّ الله عزّ وجلّ يظهر على يديه عند ظهوره الأعلام ، وتأتيه المعجزات بخرق العادات ، ويحيي له بعض الأموات ، فإذا قام في الناس المدّة المعلومة عند الله سبحانه قبضه إليه ، ثمّ لا يمتدّ بعده الزمان ، ولا تتّصل الأيام حتّى تكون شرائط الساعة ، وإماتة من بقي من الناس ، ثمّ يكون المعاد بعد ذلك .
ويعتقد أنّ أفضل الأئمّة (عليهم السلام) أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ، وأنّه لا يجوز أن يسمّى بأمير المؤمنين أحد سواه .
وأنّ بقيّة الأئمّة ـ صلوات الله عليهم ـ يقال لهم : الأئمّة ، والخلفـاء ، والأوصياء ، والحجج ، وإن كانوا في الحقيقة أُمراء

صفحه 28
المؤمنين; فإنّهم لم يمنعوا من هذا الاسم لأجل معناه ، لأنّه حاصل لهم على الاستحقاق ، وإنّما منعوا من لفظه حشمة لأمير المؤمنين(عليه السلام) .
وأنّ أفضل الأئمّة بعد أمير المؤمنين ، ولده الحسن ، ثمّ الحسين ، وأفضل الباقين بعد الحسين ، إمام الزمان المهدي ـ صلوات الله عليه ـ ثمّ بقية الأئمّة بعده على ما جاء به الأثر وثبت في النظر .
وأنّ المهدي(عليه السلام) هو الذي قال فيه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) :
«لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد ، لطوّل الله تعالى ذلك اليوم حتّى يظهر فيه رجل من ولدي يواطئ اسمه اسمي ، يملأها عدلا وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً».(1)
فاسمه يواطئ اسم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وكنيته تواطئ كنيته ، غير

1 . روى هذا الحديث وأمثاله ابن خلدون في المقدّمة في الفصل الثاني والخمسين عن الترمذي وأبي داود باختلاف بعض ألفاظه ، وروى نحو اثنين وثلاثين حديثاً ، وقال في ص 311 من المقدّمة :
«إنّ جماعة من الأئمّة خرّجوا أحاديث المهدي ، منهم : الترمذي ، وأبو داود ، والبزّار ، وابن ماجة ، والحاكم ، والطبراني ، وأبو يعلى الموصلي ، وأسندوها إلى جماعة من الصحابة مثل: علي ، وابن عبّاس ، وابن عمر ، وطلحة ، وابن مسعود ، وأبي هريرة ، وأنس ، وأبي سعيد الخدري ، وأُمّ حبيبة ، وأُمّ سلمة ، وثوبان ، وقرّة بن إياس ، وعليّ الهلالي» .

صفحه 29
أنّ النهي قد ورد عن اللفظ ، فلا يجوز أن يتجاوز في القول أنّه المهدي ، والمنتظر ، والقائم بالحق ، والخلف الصالح ، وإمام الزمان ، وحجّة الله على الخلق .
ويجب أن يعتقد أنّ الله فرض معرفة الأئمّة (عليهم السلام) بأجمعهم ، وطاعتهم ، وموالاتهم ، والاقتداء بهم ، والبراءة من أعدائهم وظالميهم . . . وأنّه لا يتم الإيمان إلاّ بموالاة أولياء الله ، ومعاداة أعدائه .
 
في التوبة والحشر والنشر :
ويعتقد أنّ الله يزيد وينقص إذا شاء في الأرزاق والآجال .
وأنّه لم يرزق العبد إلاّ ما كان حلالا طيّباً .
ويعتقد أنّ باب التوبة مفتوح لمن طلبها ، وهي الندم على ما مضى من المعصية ، والعزم على ترك المعاودة إلى مثلها .
وأنّ التوبة ماحية لما قبلها من المعصية التي تاب العبد منها .
وتجوز التوبة من زلّة إذا كان التائب منها مقيماً على زلّة غيرها لا تشبهها ، ويكون له الأجر على التوبة ، وعليه وزر ما هو مقيم عليه من الزلّة .
وأنّ الله يقبل التوبة بفضله وكرمه ، وليس ذلك لوجوب قبولها في العقل قبل الوعد ، وإنّما علم بالسمع دون غيره .

صفحه 30
ويجب أن يعتقد أنّ الله سبحانه ، يميت العباد ويحييهم بعد الممات ليوم المعاد .
وأنّ المحاسبة حقّ والقصاص ، وكذلك الجنّة والنار والعقاب .
وأنّ مرتكبي المعاصي من العارفين بالله ورسوله ،
والأئمّة الطاهرين ، المعتقدين لتحريمها مع ارتكابها ،
المسوّفين التوبة منها ، عصاة فسّاق ، وأنّ ذلك لا يسلبهم
اسم الإيمان كما لم يسلبهم اسم الإسلام.(1)
وأنّهم يستحقّون العقاب على معاصيهم ، والثواب على معرفتهم بالله تعالى ، ورسوله ، والأئمّة من بعده(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وما بعد ذلك من طاعتهم ، وأمرهم مردود إلى خالقهم ، وإن عفا عنهم فبفضله ورحمته ، وإن عاقبهم فبعدله وحكمته ، قال الله سبحانه : (وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأمْرِ الله إمّا يُعَذِّبُـهُمْ وَإمّا يَتُوب عَلَيْهِمْ)(2) وأنّ عقوبة هؤلاء العصاة إذا شاءها الله تعالى لا تكون مؤبّدة ، ولها آخر ،

1 . صرّح بهذا الشيخ المفيد ـ أُستاذ الشيخ الكراجكي ـ في كتابه: أوائل المقالات (ص 48) ونسبه إلى اتّفاق الإمامية ، أمّا الخوارج فتسمّي مرتكب الكبيرة مشركاً وكافراً ، والحسن البصري ـ أُستاذ واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد ـ فسمّـاهم منافقين ، وأمّا واصل بن عطاء فوضعهم في منزلة بين منزلتين ، وقال : إنّهم فسّاق ليسوا بمؤمنين ، ولا كفّار ، ولا منافقين .
2 . التوبة : 106 .

صفحه 31
يكون بعده دخولهم الجنّة ، وليس من جملة من توجّه إليهم الوعيد بالتخليد ، والعفو من الله تعالى يرجى للعصاة المؤمنين .
وقد غلطت المعتزلة فسمّت من يرجو العفو مرجئاً ، وانّما يجب أن يسمّى راجياً ، ولا طريق إلى القطع على العفو ، وإنّما هو الرجاء فقط .
ويعتقد أنّ لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمّة من بعده (عليهم السلام) شفاعة مقبولة يوم القيامة ، ترجى للمؤمنين من مرتكبي الآثام .
ولا يجوز أن يقطع الإنسان على أنّه مشفوع فيه على كلّ حال ، ولا سبيل له إلى العلم بحقيقة هذه الحال ، وإنّما يجب أن يكون المؤمن واقفاً بين الخوف والرجاء .
ويعتقد أنّ المؤمنين الذين مضوا من الدنيا وهم غير عاصين ، يؤمر بهم يوم القيامة إلى الجنّة بغير حساب .
وأنّ جميع الكفّار والمشركين ، ومن لم تصحّ له الأُصول
من المؤمنين، يؤمر بهم يوم القيامة إلى الجحيم بغير حساب ،
وإنّما يحاسب من خلط عملا صالحاً وآخر سيّئاً ، وهم العارفون العصاة .
وأنّ أنبياء الله تعالى وحججه (عليهم السلام) هم في القيامة المسؤولون للحساب بإذن الله تعالى ، وأنّ حجّة أهل كلّ زمان يتولّى أمر رعيّته الذين كانوا في وقته .

صفحه 32
وأنّ سيّدنا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمّة الاثني عشر من بعده(عليهم السلام)هم أصحاب الأعراف الذين لا يدخل الجنّة إلاّ من عرفهم وعرفوه ، ولا يدخل النار إلاّ من أنكرهم وأنكروه .
وأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يحاسب أهل وقته وعصره ، وكذلك كل إمام بعده .
وأنّ المهدي(عليه السلام) هو المواقِف لأهل زمانه ، والمسائل للذين في وقته .
وأنّ الموازين (التي) توضع في القيامة ، هي إقامة العدل في الحساب ، والإنصاف في الحكم والمجازاة ، وليست في الحقيقة موازين بكفّات وخيوط كما يظنّ العوامّ .
وأنّ الصراط المستقيم في الدنيا دين محمّد وآل محمّد ـ عليه وعليهم السّلام ـ وهو في الآخرة طريق الجنان .
وأنّ الأطفال والمجانين والبله من الناس ، يتفضّل عليهم في القيامة بأن تكمل عقولهم ، ويدخلون الجنان .
وأنّ نعيم أهل الجنّة متّصل أبداً بغير نفاد ، وأنّ عذاب المشركين والكفّار متّصل في النار بغير نفاد .
ويجب أن تؤخذ معالم الدين في الغَيبة من أدلّة العقل ، وكتاب الله عزّ وجلّ ، والأخبار المتواترة عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وعن

صفحه 33
الأئمّة (عليهم السلام)(1) وما أجمعت عليه الطائفة الإمامية ، وإجماعها حجّة .
فأمّا عند ظهور الإمام(عليه السلام) فإنّه المفزع عند المشكلات ، وهو المنبّه على العقليات ، والمعرّف بالسمعيات ، كما كان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) .
ولا يجوز استخراج الأحكام في السمعيات بقياس ولا اجتهاد.(2)
أمّا العقليات فيدخلها القياس والاجتهاد ، ويجب على العاقل مع هذا كلّه ألاّ يقنع بالتقليد في الاعتقاد ، وأن يسلك طريق التأمّل والاعتبار ، ولا يكون نظره لنفسه في دينه أقلّ من نظره لنفسه في دنياه; فإنّه في أُمور الدنيا يحتاط ويحترز ، ويفكّر ويتأمّل ، ويعتبر بذهنه ، ويستدلّ بعقله ، فيجب أن يكون في أمر دينه على أضعاف

1 . ما ذكره هو رأي جماعة من علماء الإمامية ، كالشريف المرتضى ، وابن زهرة ، وابن البرّاج ، والطبرسي ، وابن إدريس وغيرهم ، فقد ذهب هؤلاء إلى عدم اعتبار الخبر الواحد إذا لم يكن مقطوع الصدور عن المعصوم ، وخصّوا اعتباره بما إذا كان قطعي الصدور ، سواء أكان محتفّاً بقرينة عقلية أو نقلية أُخرى ، فالمهم لدى هؤلاء في اعتبار الخبر أن يفضي إلى العلم ، ولو كان ذلك لإجماع أو شاهد عقلي ، بل صرّح المفيد في «أوائل المقالات» بأنّه لا يجب العمل بخبر الواحد .
أمّا المشهور بين الإمامية; بل المجمع عليه بين المتأخّرين منهم فاعتبار الخبر الواحد لقيام الدليل على حجّيته ، ولكلّ من الفريقين أدلّة على دعواه مذكورة في كتب الأُصول .
2 . المراد بالاجتهاد هنا ليس هو استنباط الأحكام الشرعية من أدلّتها التفصيلية ، وإنّما المراد به الاعتماد على الرأي والاستحسان والقياس ، من دون الرجوع إلى القواعد والأُصول التي ثبتت حجّيتها شرعاً .

صفحه 34
هذه الحال ، فالغرر في أمر الدين أعظم من الغرر في أمر الدنيا .
فيجب أن لا يعتقد في العقليات إلاّ ما صحّ عنده حقّه ، ولا يسلّم في السمعيات إلاّ لمن ثبت له صدقه .
العقائد الجعفريّة للشيخ الطوسي(رحمه الله)   
نسأل الله حسن التوفيق برحمته ، وألاّ يحرمنا ثواب المجتهدين في طاعته .
قد أثبتُّ لك يا أخي ـ أيّدك الله ـ ما سألت ، اقتصرت وما أطلت .
والذي ذكرت أصل لما تركت ، والحمد لله وصلواته على سيّدنا محمّد وآله وسلّم.(1)

7 . العقائد الجعفريّة للشيخ الطوسي (رحمه الله)

الشيخ الطوسي(رحمه الله) غنيّ عن التعريف ، فهو شيخ الطائفة على الإطلاق وكان قد أخذ على يد المفيد والمرتضى ، وقد ورد بغداد عام (408هـ ) وحضر في أندية دروس أُستاذه المفيد ، فلمّا لبّى الأُستاذ دعوة ربّه حضر لدى المرتضى إلى أن اشتغل بالتدريس والإفتاء في عصره وبعده ، وله رسائل وكتب كلامية قيّمة مفعمة بالتحقيق ، ونحن نورد هنا جانباً مختصراً عمّا دوّنه في عقائد الشيعة في المسائل الآتية :

1 . أدرج المصنّف الرسالة في كتابه القيّم : كنز الفوائد، فلاحظ ص240 ـ 252 .

صفحه 35
«المسألة 1»: معرفة الله واجبة على كلّ مكلّف ، بدليل أنّه منعم فيجب معرفته .
«المسألة 2»: الله تعالى موجود ، بدليل أنّه صنع العالم ، وأعطاه الوجود ، وكلّ من كان كذلك فهو موجود .
«المسألة 3»: الله تعالى واجب الوجود لذاته ، بمعنى أنّه
لا يفتقر في وجوده إلى غيره ، ولا يجوز عليه العدم ، بدليل أنّه
لو كان ممكناً لافتقر إلى صانع ، كافتقار هذا العالم ، وذلك
محال على المنعم المعبود .
«المسألة 4»: الله تعالى قديم أزلي ، بمعنى أنّ وجوده لم يسبقه العدم . باق أبديّ ، بمعنى أنّ وجوده لن يلحقه العدم .
«المسألة 5»: الله تعالى قادر مختار ، بمعنى أنّه إن شاء أن يفعل فعل ، وإن شاء أن يترك ترك ، بدليل أنّه صنع العالم في وقت دون آخر .
«المسألة 6»: الله تعالى قادر على كلّ مقدور ، وعالم بكلّ معلوم ، بدليل أنّ نسبة جميع المقدورات والمعلومات إلى ذاته المقدّسة المنزّهة على السويّة ، فاختصاص قدرته تعالى وعلمه ببعض دون بعض، ترجيح بلا مرجّح ، وهو محال .
«المسألة 7»: الله تعالى عالم ، بمعنى أنّ الأشياء منكشفة واضحة له ، حاضرة عنده غير غائبة عنه ، بدليل أنّه تعالى فعل

صفحه 36
الأفعال المحكمة المتقنة ، وكلّ من فعل ذلك فهو عالم بالضرورة .
«المسألة 8»: الله تعالى يدرك لا بجارحة ، بل بمعنى أنّه يعلم ما يُدرَك بالحواسّ ، لأنّه منزّه عن الجسم ولوازمه ، بدليل قوله تعالى : (لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ وَهُوَ يُدْرِك الأبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبيرُ)(1) فمعنى قوله تعالى : (إنَّهُ هُوَ السَّميعُ البَصيرُ)(2) أنّه عالم بالمسموعات لا بإذن ، وبالمبصرات لا بعين .
«المسألة 9»: الله تعالى حيّ ، بمعنى أنّه يصحّ منه أن يقدر ويعلم ، بدليل أنّه ثبتت له القدرة والعلم، وكلّ من ثبت له ذلك فهو حيّ بالضرورة .
«المسألة 10»: الله تعالى متكلّم لا بجارحة ، بل بمعنى أنّه أوجد الكلام في جرم من الأجرام ، أو جسم من الأجسام ، لإيصال عظمته إلى الخلق ، بدليل قوله تعالى : (وَكَلَّمَ الله مُوسى تَكْلِيماً)(3)، ولأنّه قادر ، فالكلام ممكن .
«المسألة 11»: الله تعالى صادق ، بمعنى أنّه لا يقول إلاّ الحقّ الواقع ، بدليل أنّ كلّ كذب قبيح ، والله تعالى منزّه عن القبيح .
«المسألة 12»: الله تعالى مريد ، بمعنى أنّه رجّح الفعل إذا علم

1 . الأنعام : 103 .
2 . الإسراء : 1 ، غافر : 56 .
3 . النساء : 164 .

صفحه 37
المصلحة (يعني أنّه غير مضطر وأنّ إرادته غير واقعة تحت إرادة أُخرى ، بل هي الإرادة العليا التي إن رأى صلاحاً فعل ، وإن رأى فساداً لم يفعل ، باختيار منه تعالى) بدليل أنّه ترك إيجاد بعض الموجودات في وقت دون وقت ، مع علمه وقدرته ـ على كلّ حال ـ بالسويّة . ولأنّه نهى ، وهو يدلّ على الكراهة .
«المسألة 13»: أنّه تعالى واحد ، بمعنى أنّه لا شريك له في الأُلوهية ، بدليل قوله : (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ)(1) ولأنّه لو كان له شريك لوقع التمانع ، ففسد النظام ، كما قال : (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلاّ الله لَفَسَدَتَا).(2)
«المسألة 14»: الله تعالى غير مركَّب من شيء ، بدليل أنّه لو كان مركّباً لكان مفتقراً إلى الأجزاء ، والمفتقر ممكن .
«المسألة 15»: الله تعالى ليس بجسم ، ولا عرض ، ولا جوهر ، بدليل أنّه لو كان أحد هذه الأشياء لكان ممكناً مفتقراً إلى صانع ، وهو محال .
«المسألة 16»: الله تعالى ليس بمرئي بحاسّة البصر في الدنيا والآخرة ، بدليل أنّه تعالى مجرّد ، ولأنّ كلّ مرئي لابدّ أن يكون له الجسم والجهة ، والله تعالى منزّه عنهما، ولأنّه تعالى قال : (لَنْ

1 . الإخلاص : 1 .
2 . الأنبياء : 22 .

صفحه 38
تَرَانِي)(1) وقال : (لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ).(2)
«المسألة 17»: الله تعالى ليس محلاّ للحوادث ، وإلاّ لكان حادثاً ، وحدوثه محال .
«المسألة 18»: الله تعالى لا يتّصف بالحلول ، بدليل أنّه يلزم قيام الواجب بالممكن ، وذلك محال .
«المسألة 19»: الله تعالى لا يتّحد بغيره ; لأنّ الاتّحاد صيرورة الشيء واحداً من غير زيادة ونقصان ، وذلك محال ، والله لا يتّصف بالمحال .
«المسألة 20»: الله تعالى منفيّ عنه المعاني والصفات الزائدة ، بمعنى أنّه ليس عالماً بالعلم ، ولا قادراً بالقدرة (بل علم كلّه ، وقدرة كلّها) ، بدليل أنّه لو كان كذلك لزم كونه محلاّ للحوادث لو كانت حادثة ، وتعدّد القدماء لو كانت قديمة ، وهما محالان ، وأيضاً لزم افتقار الواجب إلى صفاته المغايرة له ، فيصير ممكناً ، وهو ممتنع .
«المسألة 21»: الله تعالى غنيّ ، بمعنى أنّه غير محتاج إلى ما عداه ، والدليل عليه أنّه واجب الوجود لذاته ، فلا يكون مفتقراً .
«المسألة 22»: الله تعالى ليس في جهة ، ولا مكان ، بدليل أنّ

1 . الأعراف : 143 .
2 . الأنعام : 103 .

صفحه 39
كلّ ما في الجهة والمكان مفتقر إليهما ، وأيضاً قد ثبت أنّه تعالى ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض ، فلا يكون في المكان والجهة .
«المسألة 23»: الله تعالى ليس له ولد ولا صاحبة ، بدليل أنّه قد ثبت عدم افتقاره إلى غيره ، ولأنّ كلّ ما سواه تعالى ممكن ، فكيف يصير الممكن واجباً بالذات ، ولقوله تعالى : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ)(1) و : (مَثَلَ عِيسى عِندَ الله كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَاب)(2) .
«المسألة 24»: الله تعالى عدل حكيم ، بمعنى أنّه لا يفعل قبيحاً ، ولا يخلّ بالواجب بدليل أنّ فعل القبيح ، والإخلال بالواجب نقص عليه ، فالله تعالى منزّه عن كلّ قبيح وإخلال بالواجب .
«المسألة 25»: الرضا بالقضاء والقدر واجب ، وكلّ ما كان أو يكون فهو بالقضاء والقدر ولا يلزم بهما الجبر والظلم; لأنّ القدر والقضاء هاهنا بمعنى العلم والبيان ، والمعنى أنّه تعالى يعلم كلّ ما هو (كائن أو يكون).(3)
«المسألة 26»: كلّ ما فعله الله تعالى فهو أصلح ، وإلاّ لزم العبث ، وليس تعالى بعابث; لقوله : (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّـما خَلَقْنَاكُمْ

1 . الشورى : 11 .
2 . آل عمران : 59 .
3 . الاضافة منّا لإكمال العبارة .

صفحه 40
عَبَثاً).(1)
«المسألة 27»: اللّطف على الله واجب ; لأنّه خَلَق الخلق ، وجَعَل فيهم الشهوة ، فلو لم يفعل اللطف لزم الإغراء ، وذلك قبيح ، (والله لا يفعل القبيح) فاللطف هو نصب الأدلّة ، وإكمال العقل ، وإرسال الرسل في زمانهم ، وبعد انقطاعهم إبقاء الإمام; لئلاّ ينقطع خيط غرضه .
«المسألة 28»: نبيّنا محمّد بن عبد الله بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف ، رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حقّاً صدقاً ، بدليل أنّه ادّعى النبوّة وأظهر المعجزات على يده ، فثبت أنّه رسول حقّاً ، وأكبر المعجزات القرآن الحميد والفرقان المجيد ، الفارق بين الحقّ والباطل ، باق إلى يوم القيامة ، حجّة على كافّة النسمة .
ووجه كونه معجزاً : فرط فصاحته وبلاغته ، بحيث ما تمكّن أحد من أهل الفصاحة والبلاغة حيث تُحُدّوا به ، أن يأتوا ولو بسورة مصغّرة ، أو آية تامّة مثله .
«المسألة 29»: كان نبياً على نفسه قبل البعثة ، وبعده رسولا إلى كافة النسمة، لأنّه قال : «كنت نبيّاً وآدم بين الماء والطين» وإلاّ لزم تفضيل المفضول ، وهو قبيح .

1 . المؤمنون : 115 .

صفحه 41
«المسألة 30»: جميع الأنبياء كانوا معصومين ، مطهّرين عن العيوب والذنوب كلّها ، وعن السهو والنسيان في الأفعال والأقوال ، من أوّل الأعمار إلى اللحد ، بدليل أنّهم لو فعلوا المعصية أو يطرأ عليهم السهو لسقط محلُّهم من القلوب ، فارتفع الوثوق والاعتماد على أقوالهم وأفعالهم ، فتبطل فائدة النبوّة ، فما ورد في الكتاب (القرآن) فيهم فهو واجب التأويل .
«المسألة 31»: يجب أن يكون الأنبياء أعلم وأفضل أهل زمانهم ; لأنّ تفضيل المفضول قبيح .
«المسألة 32»: نبيّنا خاتم النبيين والمرسلين ، بمعنى أنّه لا نبيّ بعده إلى يوم القيامة ، يقول تعالى : (ما كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَد مِن رِجَالِكُمْ وَلَـكِن رَسُولَ الله وَخَاتَمَ النَّبِيّينَ).(1)
«المسألة 33»: نبيّنا أشرف الأنبياء والمرسلين; لأنّه ثبتت نبوّته ، وأخبر بأفضليته فهو أفضل ، لمّا قال لفاطمة(عليها السلام) : «أبوك خير الأنبياء ، وبعلك خير الأوصياء ، وأنت سيدة نساء العالمين ، وولدك الحسن والحسين(عليهما السلام) سيّدا شباب أهل الجنّة ، وأبوهما خير منهما».(2)
«المسألة 34»: معراج الرسول بالجسم العنصري علانية ،

1 . الأحزاب : 40 .
2 . راجع ينابيع المودّة : 434ـ436 .

صفحه 42
غير منام ، حقّ ، والأخبار عليه بالتواتر ناطقة ، صريحة ،
فمنكره خارج عن الإسلام ، وأنّه مرّ بالأفلاك من أبوابها من دون حاجة إلى الخرق والالتيام ، وهذه الشبهة الواهية مدفوعة مسطورة بمحالّها .
«المسألة 35»: دين نبيّنا ناسخ للأديان السابقة; لأنّ المصالح تتبدّل حسب الزمان والأشخاص كما تتبدّل المعالجات لمريض بحسب تبدّل المزاج والمرض .
«المسألة 36»: الإمام بعد نبيّنا عليُّ بن أبي طالب(عليه السلام) بدليل قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) : «يا علي أنت أخي ووارث علمي وأنت الخليفة من بعدي ، وأنت قاضي ديني ، وأنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي»(1) ، وقوله : «سلّموا على عليّ بإمرة المؤمنين ، واسمعوا له وأطيعوا له ، وتَعَلّموا منه ولا تُعَلّموه»(2) ، وقوله : «من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه».(3)
«المسألة 37»: الأئمّة بعد عليّ(عليه السلام) أحد عشر من ذرّيته : الأوّل

1 . راجع: صحيح مسلم: 7 / 120ـ121 ، باب فضائل عليّ(عليه السلام) ; صحيح البخاري: 5 / 19، باب مناقب عليّ(عليه السلام) و6 /3 باب غزوة تبوك ; مسند أحمد: 1 / 174 ـ 177 و ج 3 / 32 وج 6 / 369 .
2 . راجع بحار الأنوار: 37 / 290 ـ 340 .
3 . راجع: مسند أحمد: 1 / 84 ـ 152، وج 4 / 281 و 370 و372، وج 5 / 366، 419; سنن الترمذي: 5 / 633 .

صفحه 43
منهم ولده الحسن ، ثمّ الحسين ، ثمّ عليّ بن الحسين ، ثمّ محمّد بن عليّ ، ثمّ جعفر بن محمّد الصادق ، ثمّ موسى بن جعفر ، ثمّ عليّ بن موسى ، ثمّ محمّد بن عليّ ، ثمّ عليّ بن محمّد ، ثمّ الحسن بن عليّ ، ثمّ الخلف الحجّة القائم المهدي الهادي ابن الحسن صاحب الزمان ، فكلّهم أئمّة الناس واحد بعد واحد ، حقّاً ، بدليل أنّ كل إمام منهم نصّ على من بعده نصّاً متواتراً بالخلافة ، وقوله : «الحسين إمام ، ابن إمام ، أخو إمام ، أبو الأئمّة التسعة ، تاسعهم قائمهم ، يملأ الأرض قسطاً وعدلا كما ملئت ظلماً وجوراً» .
«المسألة 38»: يجب أن يكون الأئمّة معصومين مطهّرين من الذنوب كلّها ، صغيرة وكبيرة عمداً وسهواً ، ومن السهو في الأفعال والأقوال ، بدليل أنّه لو فعلوا المعصية لسقط محلّهم من القلوب ، وارتفع الوثوق ، وكيف يهدون بالضالّين المضلّين ، ولا معصوم غير الأئمّة الاثني عشر إجماعاً ، فثبتت إمامتهم .
«المسألة 39»: يجب أن يكون الأئمّة أفضل وأعلم ، ولو لم يكونوا كذلك للزم تفضيل المفضول ، أو الترجيح بلا مرجّح ، ولا يحصل الانقياد به ، وذلك قبيح عقلا ونقلا ، وفضل أئمّتنا وعلمهم مشهور ، بل أفضليتهم أظهر من الشمس وأبين من الأمس .
«المسألة 40»: يجب أن نعتقد أنّ آباء نبيّنا وأئمّتنا مسلمون أبداً ، بل أكثرهم كانوا أوصياء ، فالأخبار عند أهل البيت على إسلام

صفحه 44
أبي طالب مقطوعة ، وسيرته تدل عليه ، ومثله مثل مؤمن آل فرعون .
«المسألة 41»: الإمام المهدي المنتظر محمّد بن الحسن قد تولّد في زمان أبيه ، وهو غائب حيّ باق إلى بقاء الدنيا; لأنّ كلّ زمان لابدّ فيه من إمام معصوم لما انعقد عليه إجماع الأُمّة على أنّه لا يخلو زمان من حجّة ظاهرة مشهورة أو خافية مستورة ، ولأنّ اللطف في كلّ زمان واجب ، والإمام لطف ، فوجوده واجب .
«المسألة 42»: لا استبعاد في طول عمره ; لأنّ غيره من الأُمم السابقة قد عاش ثلاثة آلاف سنة فصاعداً ، كشعيب ونوح ولقمان والخضر وعيسى(عليهم السلام)وإبليس والدجّال ، ولأنّ الأمر ممكن ، والله قادر على جميع الممكنات .
«المسألة 43»: غيبة المهدي لا تكون من قبل نفسه; لأنّه معصوم ، فلا يخلّ بواجب ، ولا من قبل الله تعالى ، لأنّه عدل حكيم ، فلا يفعل القبيح ; لأنّ الإخفاء عن الأنظار وحرمان العباد عن الإفادات قبيحان . فغيبته لكثرة العدوّ والكافر ، ولقلّة الناصر .
«المسألة 44»: لابدّ من ظهور المهدي ، بدليل قول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) : «لو لم يبق من الدنيا إلاّ ساعة واحدة لطوّل الله تلك الساعة حتّى يخرج رجل من ذرّيتي ، اسمه اسمي وكنيته كنيتي يملأ الأرض

صفحه 45
قسطاً وعدلا كما ملئت ظلماً وجوراً».(1)
ويجب على كلّ مخلوق متابعته .
«المسألة 45»: في غيبة الإمام فائدة ، كما تنير الشمس تحت السحاب ، والمشكاة من وراء الحجاب .
«المسألة 46»: يرجع نبيّنا وأئمّتنا المعصومون في زمان المهدي مع جماعة من الأُمم السابقة واللاحقة، لاظهار دولتهم وحقهم، وبه قطعت المتواترات من الروايات والآيات لقوله تعالى: (وَ يَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّة فَوْجاً)(2) فالاعتقاد به واجب .
«المسألة 47»: إنّ الله يعيد الأجسام الفانية كما هي في الدنيا ، ليوصل كلّ حق إلى المستحقين ، وذلك أمر ممكن ، والأنبياء أخبروا به ، لا سيّما القرآن المجيد مشحون به ولا مجال للتأويل ، فالاعتقاد بالمعاد الجسماني واجب .
«المسألة 48»: كلّ ما أخبر به النبيّ أو الإمام فاعتقاده واجب ، كإخبارهم عن نبوّة الأنبياء السابقين ، والكتب المنزلة ، ووجود الملائكة ، وأحوال القبر وعذابه وثوابه ، وسؤال منكر ونكير ، والإحياء فيه ، وأحوال القيامة وأهوالها ، والنشور ، والحساب والميزان ، والصراط ، وإنطاق الجوارح ، ووجود الجنّة والنار ،

1 . راجع: سنن أبي داود: 4 / 106 ـ 107 ; كنز العمال: 14 / 264 ـ 267 .
2 . النمل: 83 . أصل الرجعة اجماعيّ والكيفية الواردة في المتن ليست كذلك .

صفحه 46
والحوض الذي يسقي منه أمير المؤمنين العطاشى يوم القيامة ، وشفاعة النبي والأئمّة لأهل الكبائر من محبّيه ، إلى غير ذلك ، بدليل أنّه أخبر بذلك المعصومون .
«المسألة 49»: التوبة ـ وهي الندم على القبيح في الماضي ، والترك في الحال ، والعزم على عدم المعاودة إليه في
الاستقبال ـ واجبة ، لدلالة السمع على وجوبها ، ولأنّ دفع الضرر واجب عقلا .
«المسألة 50»: الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر واجبان ، بشرط تجويز التأثير والأمن من الضرر.(1)
ما هو الهدف من نقل هذه الرسائل؟   

ما هو الهدف من نقل هذه الرسائل؟

1 . إنّ هذه الرسائل تدلّ بوضوح لا يقبل الشكّ أنّ جلّ عقائد الشيعة تمتد جذورها الحقيقية في كتاب الله المنزل وسنّة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وما جاء عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) وأنّ صورة هذه العقائد كانت تبدو واضحة المعالم ومستوعبة لجميع الجوانب المرتبطة بالمعارف الإلهية .
2 . تنبثّ في ثنايا هذه الرسائل آراء خاصّة لمؤلّفيها ، ربّما

1 . طبعت الرسالة من قبل مؤسسة النشر الإسلامي في قم عام (1412هـ ) مع جواهر الفقه للقاضي ابن البرّاج وفي ضمن الرسائل العشر للشيخ الطوسي(قدس سره) .

صفحه 47
يقع فيها النقاش والجدال والخلاف مع غيرهم من علماء الشيعة ، فليس كلّ ما جاء فيها عقيدة لجميع علماء الشيعة ومؤلّفيهم ، إلاّ أنّ ما يهمّنا من الإشارة إليه هو أنّ هذه الرسائل تمثّل عقائد الشيعة في مجال صفات الله سبحانه وأفعاله ، وما يرجع إلى النبوّة والإمامة ، والحياة الأُخروية ، خصوصاً فيما يرجع إلى الاعتقاد بمقامات الأئمّة وصفاتهم . فمن يريد أن يتعرّف بوضوح على عقائد الشيعة فليرجع إليها .
3 . إنّ الإمعان في الأُصول التي جاءت في هذه الكتب والرسائل يعرب عن اتّفاق الشيعة في أكثر مسائلهم العقائدية مع عموم عقائد المسلمين . وإن كانوا يختلفون عنهم في أُصول تختصّ بمجال الإمامة والقيادة بعد الرسول .
وسنحاول في الصفحات اللاحقة أن نستعرض أهمّ الفوارق الجوهرية بين الشيعة وغيرهم من الفرق الإسلامية ، والتي لا يمكن أن تكون حدّاً فاصلا دون التقارب بين هذه المذاهب ونبذ الاختلاف بينها ، والذي لن يفيد إلاّ أعداء هذا الدين والمتربّصين به ، وسنشرع في أوّل بحثنا المقتضب هذا في تحديد الاختلافات التي أشرنا إليها بين الشيعة والمعتزلة ، وبين الشيعة والأشاعرة ، وذلك لما كانت تؤلّفه هاتان الفرقتان من جبهة واسعة من جمهور المسلمين إبّان تلك العصور السالفة .

صفحه 48

الفرق بين الشيعة الإمامية والمعتزلة

إنّ المتأمّل في مجمل عقائد هاتين الفرقتين يمكنه أن يتبيّن بوضوح جوانب الاتفاق والاختلاف فيما بينهما ، وهو ما سنحاول أن نشير إليه اختصاراً في نقاط محدّدة واضحة ، وإذا كان البعض قد اعتقد جهلا بأنّ الشيعة قد أخذت عقائدها عن المعتزلة فإنّه يردّ بأكثر من دليل ، نحن في غنى عن إيرادها الآن ، إلاّ أنّه لا ينفى أنّ بين هاتين الطائفتين أُصولاً مشتركة نذكرها في حينها ، وهو ما قد يتّفق مع غير ذلك من فرق المسلمين المختلفة :
1 . الشفاعة : أجمع المسلمون كافّة على ثبوت أصل الشفاعة وأنّها تقبل من الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) ، إلاّ أنّهم اختلفوا في تعيين المشفَّع ، فقالت الإمامية والأشاعرة : إنّ النبيّ يشفع لأهل الكبائر بإسقاط العقاب عنهم أو بإخراجهم من النار ، وقالت المعتزلة : لا يشفع إلاّ للمطيعين ، المستحقّين للثواب ، وتكون نتيجة الشفاعة ترفيع الدرجة .
الفرق بين الشيعة الإمامية والمعتزلة   
2 . مرتكب الكبيرة : هو عند الإمامية والأشاعرة مؤمن فاسق ، وقالت المعتزلة : بل منزلته بين المنزلتين ; أي بين الكفر والإيمان .
3 . الجنّة والنار : قالت الإمامية والأشاعرة : إنّهما مخلوقتان الآن بدلالة الشرع على ذلك ، وأكثر المعتزلة يذهب إلى أنّهما غير

صفحه 49
موجودتين .
4 . الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : اتّفق المسلمون على وجوبهما ، فقالت الإمامية والأشاعرة : يجبان سمعاً ، ولولا النص لم يكن دليل على الوجوب ، خلافاً للمعتزلة الذين قالوا : بوجوبهما عقلا .
5 . الإحباط : اتّفقت الإمامية والأشاعرة على بطلان الإحباط ، وقالوا : لكلّ عمل حسابه الخاصّ ، ولا ترتبط الطاعات بالمعاصي ولا المعاصي بالطاعات ، والإحباط يختصّ بذنوب خاصّة كالشرك وما يتلوه ، بخلاف المعتزلة حيث قالوا : إنّ المعصية المتأخّرة تسقط الثواب المتقدم ، فمن عَبَدَ الله طول عمره ثمّ كذب فهو كمن لم يعبد الله أبداً .
6 . الشرع والعقل : تشدّدت المعتزلة في تمسّكهم بالعقل ، وتشدّد أهل الظاهر في تمسكهم بظاهر النصّ ، وخالفهما الإمامية والأشاعرة ، فأعطوا للعقل سهماً فيما له مجال القضاء ، نعم أعطت الإمامية للعقل مجالا أوسع ممّا أعطته الأشاعرة . وسيوافيك تفصيله عند ذكر اختلاف الإمامية مع الأشاعرة .
7 . اتفقت الإمامية والأشاعرة على أنّ قبول التوبة بفضل من الله، ولا يجب عقلا إسقاطها للعقاب ، وقالت المعتزلة : إنّ التوبة مسقطة للعقاب على وجه الوجوب .

صفحه 50
8 . اتفقت الإمامية على أنّ الأنبياء أفضل من الملائكة ، وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك .
الفرق بين الشيعة الإمامية والأشاعرة   
9 . اتفقت الإمامية على أنّ الانسان غير مسيّر ولا مفوّض إليه ، بل هو في ذلك المجال بين أمرين ، بين الجبر والتفويض ، وأجمعت المعتزلة على التفويض .
10 . اتفقت الإمامية والأشاعرة على أنّه لابدّ في أوّل التكليف وابتدائه من رسول ، وخالفت المعتزلة وزعموا أنّ العقول تعمل بمجردها عن السمع .
هذه هي الأُصول التي خالفت الإمامية فيها المعتزلة ووافقت في أكثرها الأشاعرة ، وهناك أُصول أُخرى تجد فيها موافقة الإمامية للمعتزلة ومخالفتها للأشاعرة ، وإليك بعضها :

الفرق بين الشيعة الإمامية والأشاعرة

هناك أُصول خالفت الإمامية فيها الأشاعرة ، مخالفة بالدليل والبرهان وتبعاً لأئمّتهم ، ونذكر المهم منها :
1 . اتّحاد الصفات الذاتية مع الذات : إنّ لله سبحانه صفات ذاتية كالعلم والقدرة ، فهي عند الأشاعرة صفات قديمة مغايرة للذات زائدة عليها ، وهي عند الإمامية والمعتزلة متّحدة مع الذات .
2 . الصفات الخبرية الواردة في الكتاب والسنّة ، كالوجه

صفحه 51
والأيدي والاستواء وأمثالها ، فالشيعة الإمامية يؤوّلونها تأويلا مقبولا لا تأويلا مرفوضاً ; أي أنّها تأخذ بالمفهوم التصديقي للجملة لا بالمفهوم التصوّري للمفردات ، فيقولون : إنّ معنى : (بَل يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاء)(1) معناه : أنّه بريء من البخل ، بل هو باذل وسخيّ ، وقادر على البذل . وأمّا الأشاعرة فهم يفسّـرونها بالمفهوم التصوّري ويقولون : إنّ لله سبحانه يدين ، إلاّ أنّهم يتهرّبون عن التجسيم والتشبيه بقولهم : بلا كيف .
3. أفعال العباد عند الإمامية صادرة من نفس العباد ، صدوراً حقيقياً بلا مجاز أو توسّع ، فالإنسان هو الضارب ، هو الآكل ، هو القاتل ، هو المصلّي ، هو القارئ وهكذا ، وقد قلنا : إنّ استعمال كلمة «الخلق» في أفعال الإنسان استعمال غير صحيح ، فلا يقال : خلقت الأكل والضرب والصوم والصلاة ، وإنّما يقال : فعلتها ، فالصحيح أن يقال : إنّ الإنسان هو الفاعل لأفعاله بقدرة مكتسبة من الله ، وإنّ قدرته المكتسبة هي المؤثّرة بإذن من الله سبحانه .
وأمّا الأشاعرة فذهبوا إلى أنّ أفعال العباد مخلوقة لله سبحانه ، فليس للإنسان فيها صنع ولا دور ، وليس لقدرته أيّ تأثير في تحقّق الفعل ، وأقصى ما عندهم أنّ إرادة الإنسان للعقل تقارن إيجاد الله سبحانه فعله في عالم التكوين والوجود .

1 . المائدة : 64 .

صفحه 52
إلاّ أنّهم وتحاشياً من الذهاب إلى الجبر في تلك الأفعال وبالتالي إقصاء الإنسان عن أفعاله ، ومن ثمّ براءته من مسؤوليتها عمدوا إلى ابتداع نظرية الكسب المعقدة فقالوا : إنّ الله هو الخالق والإنسان هو الكاسب ، إلاّ أنّها نظرية غريبة غير مفهومة ، ومليئة بالألغاز التي عجز عن فهمها وإيضاحها حتّى مبتدعوها أنفسهم .
4 . إنّ الاستطاعة في الإنسان على فعل من الأفعال تقارنه تارة ، وتتقدّم عليه أُخرى; فلو أُريد من القدرة العلّة التامّة فهي مقارنة ، ولو أُريد العلّة الناقصة فهي متقدّمة ، خلافاً للأشاعرة فقد قالوا بالتقارن مطلقاً .
5 . رؤية الله بالأبصار في الآخرة : فهي مستحيلة عند الإمامية والمعتزلة ، ممكنة عند الأشاعرة .
6 . كلامه سبحانه عند الإمامية هو فعله ، فهو حادث لا قديم ، وهذا خلافاً للأشاعرة : فكلامه عبارة عن الكلام النفسي القائم بذاته ، فهو قديم كقدم الذات .
7 . التحسين والتقبيح العقليان : ذهبت الإمامية إلى أنّ العقل يدرك حسن بعض الأفعال أو قبحها ، بمعنى أنّ نفس الفعل من أي فاعل صدر ، سواء أكان الفاعل قديماً أو حادثاً ، واجباً أو ممكناً ، يتّصف بأحدهما ، فيرى مقابلة الإحسان بالإحسان أمراً حسناً ، ومقابلته بالإساءة أمراً قبيحاً ، ويتلقّاه حكماً مطلقاً سائداً على مرّ

صفحه 53
الحقب ، والأزمان ، لا يغيّره شيء ، وهذا خلافاً للأشاعرة; فقد عزلوا العقل عن إدراك الحسن والقبيح ، وبذلك خالفوا الإمامية والمعتزلة في الفروع المترتّبة عليه .
هذه هي الأُصول التي تخالف فيها الإمامية الأشاعرة ، وربّما توافقهم المعتزلة في جميعها أو أكثرها ، كلّ ذلك يثبت أنّ للشيعة الإمامية منهجاً كلامياً خاصّاً نابعاً من الكتاب والسنّة ، وكلمات العترة الطاهرة والعقل فيما له مجال القضاء ، وليست الشيعة متطفّلة في منهجها الكلامي على أيّة من الطائفتين . وأنت إذا وقفت على الكتب الكلامية المؤلّفة في العصور المتقدّمة من عصر فضل بن
شاذان (المتوفّى 260هـ ) إلى عصر شيخنا الطوسي (385 ـ 460هـ ) ومن بعده بقليل ، تجد منهجاً كلامياً مبرهناً متّزناً واضحاً لا تعقيد فيه ولا غموض ، وعلى تلك الأُصول وذلك المنهج درج علماؤهم المتأخّرون في الأجيال التالية ، فألّف الشيخ الحلبي (374 ـ 447هـ ) «تقريب المعارف»، والشيخ سديد الدين الحمصي (المتوفّى 600هـ ) كتابه «المنقذ من التقليد» ، وتوالى بعدهم التأليف على يد الفيلسوف الكبير نصير الدين الطوسي (597 ـ 672هـ ) ، وتلميذه العلاّمة الحلّي (648 ـ 726هـ ) في جملة من المؤلّفات القيّمة . وهكذا . . . فإنّ كلّ ذلك يكشف عن أنّ الأئمّة طرحوا أُصول العقائد ، وغذّوا أصحابهم وتلاميذهم بمعارف سامية ، اعتبر الحجر

صفحه 54
الأساس للمنهج الكلامي الشيعي ، وتكامل المنهج من خلال الجدل الكلامي والنقاش العلمي في الظروف المتأخّرة فوصل إلى الذروة والقمّة .
الفرق بين الشيعة الإمامية وسائر الفرق   
فالناظر في الكتب الكلامية للسيّد الشريف المرتضى كـ «الشافي»(1) و«الذخيرة»(2) يجد منبعاً غنيّاً بالبحوث الكلامية ، كما أنّ الناظر في كتب العلاّمة الحلّي المختلفة كـ «كشف المراد»(3)و«نهاية المرام»(4) وغيرهما يقف على أفكار سامية أنضجها البحث والنقاش عبر القرون ، فبلغت غايتها القصوى .
وقد توالى التأليف في عقائد الشيعة وأُصولهم من العصور الأُولى إلى يومنا هذا ، بشكل واسع لا يحصيه إلاّ محصي قطرات المطر وحبّات الرمال .
هذا وإنّ الشيعة وإن خالفوا في هذه الأُصول طائفة من الطوائف الإسلامية ووافقوا طوائف أُخرى ، ولكن هناك أُصول اتّفق الجميع فيها دون استثناء ، وهو ظاهر لمن قرأ ما أثبتناه من الرسائل والكتيبات .
أفما آن للمسلمين أن يتّحدوا في ظلّ هذه الأُصول المؤلّفة

1 . المطبوع في بيروت في أربعة أجزاء .
2 . المطبوع في إيران في جزأين .
3 . الكتاب الدراسي في الجامعات الشيعية .
4 . حقّقته اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، وطبع في ثلاثة مجلّدات.

صفحه 55
لقلوبهم ، ويستظلّوا بظلالها ، ويتمسّكوا بالعروة الوثقى ، ويكون شعارهم : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ)(1)، ولا يصغوا إلى النعرات المفرّقة ، المفترية على الشيعة وأئمّتهم ، وليكن شعارنا في التأليف : التحقيق والتأكّد من عقائد الآخرين ، ثمّ التدوين .

الفرق بين الشيعة الإمامية وسائر الفرق

إذا تعرّفت على الفوارق الموجودة بين الشيعة وبعض طوائف المسلمين ، فهلمّ معي إلى الفوارق الجوهرية بينهم وبين سائر الطوائف التي صيّرتهم إلى فرقتين متمايزتين ، وأكثرها يرجع إلى مسألة القيادة والخلافة بعد الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) ، فنأخذ بالبحث عنها على وجه الإجمال .

1 . الحجرات:10.

صفحه 56
المسألة الأُولى: وجوب تنصيب الإمام على الله سبحانه   

المسألة الأُولى:

وجوب تنصيب الإمام على الله سبحانه

تتّفق جميع الفرق الإسلامية على وجوب نصب الإمام ، سوى العجاردة من الخوارج ، ومنهم حاتم الأصمّ أحد شيوخ المعتزلة (المتوفّى 237 هـ)(1)، قد شذّوا عن ذلك ، واعتقاد المسلمين بذلك يفترق إلى مذهبين اثنين في ماهيّة هذا الوجوب ، فالشيعة يذهبون إلى وجوبه على الله تعالى ، وباقي الفرق على الأُمّة; فوجوب نصب الإمام لا خلاف فيه بين المسلمين ، وإنّما الكلام في تعيين من يجب عليه ذلك .
وليس المراد من وجوبه على الله سبحانه ، هو إصدار الحكم من العباد على الله سبحانه ، حتّى يقال : (إنِ الحُكْمُ إلاّ لله)(2); بل

1 . ادّعت العجاردة بأنّ الواجب على الأُمّة التعاون والتعاضد لإحياء الحقّ وإماتة الباطل ، ومع قيام الأُمّة بهذا الواجب لا يبقى للإمام فائدة تستدعي تسلّطه على العباد ، أمّا إذا اختلفت الأُمّة ولم تتعاون على نشر العدل وإحقاق الحقّ فيجب عليها تعيين من يقوم بهذه المهمات ، وعلى ذلك فالإمامة لا تجب بالشرع ولا بالعقل ، وإنّما تجب للمصلحة أحياناً .
2 . يوسف : 40 .

صفحه 57
المراد كما ذكرنا غير مرّة : أنّ العقل ـ حسب التعرّف على صفاته سبحانه ، من كونه حكيماً غير عابث ـ يكشف عن كون مقتضى الحكمة هو لزوم النصب أو عدمه ، وإلاّ فالعباد أقصر من أن يكونوا حاكمين على الله سبحانه .
ثمّ إنّ اختلاف المسلمين في كون النصب فرضاً على الله أو على الأُمّة ينجم عن اختلافهم في حقيقة الخلافة والإمامة عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) . فمن ينظر إلى الإمام بوصفه رئيس دولة ليس له وظيفة إلاّ تأمين الطرق والسبل ، وتوفير الأرزاق ، وإجراء الحدود ، والجهاد في سبيل الله ، إلى غير ذلك ممّا يقوم به رؤساء الدول بأشكالها المختلفة ، فقد قال بوجوب نصبه على الأُمّة; إذ لا يشترط فيه من المواصفات إلاّ الكفاءة والمقدرة على تدبير الأُمور ، وهذا ما يمكن أن تقوم به الأُمّة الإسلامية .
وأمّا على القول بأنّ الإمامة استمرار لوظائف الرسالة (لا لنفس الرسالة، فإنّ الرسالة والنبوّة مختومتان بالتحاق النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) بالرفيق الأعلى) فمن المتّفق عليه أنّ تعهّد هذا الأمر يتوقّف على توفّر صلاحيات عالية لا ينالها الفرد إلاّ إذا حظي بعناية إلهية خاصّة ، فيخلف النبيّ في علمه بالأُصول والفروع ، وفي سدّ جميع الفراغات الحاصلة بموته ، ومن المعلوم أنّ هذا الأمر لا تتعرّف عليه الأُمّة إلاّ عن طريق الرسول ، ولا يتوفّر وجوده إلاّ

صفحه 58
بتربية غيبيَّة وعناية سماوية خاصّة .
وهكذا فلا يخفى أنّ كون القيادة الإسلامية بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بيد الله أو بيد الأُمّة ، أو أنّ التعيين هل هو واجب عليه سبحانه أو عليهم؟ ، ينجم عن الاختلاف في تفسير ماهية الخلافة .
فمن جعلها سياسة زمنية وقتية يشغلها فرد من الأُمّة بأحد الطرق ، قال في حقّه : لا ينخلع الإمام بفسقه وظلمه بغصب الأموال وضرب الأبشار ، وتناول النفوس المحرمة ، وتضييع الحقوق ، وتعطيل الحدود ، ولا يجب الخروج عليه ، بل يجب وعظه وتخويفه ، وترك طاعته في شيء ممّا يدعو إليه من معاصي الله.(1)
ومن قال : بأنّ الإمام بعد الرسول أشبه برئيس الدولة أو أحد الحكّام ، وتنتخبه الأُمّة الإسلامية ، قال في حقّه : ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أُمورنا وإن جاروا ، ولا ندعو عليهم ، ولا ننزع يداً من طاعتهم ، ونرى طاعتهم من طاعة الله فريضة ما لم يأمروا بمعصية ، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة ... ثم قال: والحجّ والجهاد ماضيان مع أُولي الأمر من المسلمين ، برّهم وفاجرهم ، إلى قيام الساعة ، ولا يبطلهما شيء ، ولا ينقضهما.(2)
وقد درج على هذه الفكرة متكلّمو السنّة ومحدّثوهم ، حتّى

1 . التمهيد للباقلاني: 181 .
2 . شرح العقيدة الطحاوية : 397 و387 .

صفحه 59
قال التفتازاني : ولا ينعزل الإمام بالفسق ، أو بالخروج عن طاعة الله تعالى ، والجور (الظلم على عباد الله) لأنّه قد ظهر الفسق وانتشر الجور من الأئمّة والأُمراء بعد الخلفاء الراشدين ، والسلف كانوا ينقادون لهم ، ويقيمون الجمع والأعياد بإذنهم ، ولا يرون الخروج عليهم ، ونقل عن كتب الشافعية : أنّ القاضي ينعزل بالفسق بخلاف الإمام ، والفرق أنّ في انعزاله ووجوب نصب غيره إثارة الفتنة; لما له من الشوكة; بخلاف القاضي.(1)
أمّا من فسّـر الإمامة بأنّها عبارة عن إمرة إلهية واستمرار لوظائف النبوّة كلّها سوى تحمّل الوحي الإلهي ، فلا مناص له عن القول بوجوب نصبه على الله سبحانه .
وقد استدلّت الإمامية على وجوب نصب الإمام على الله سبحانه : بأنّ وجود الإمام الذي اختاره الله سبحانه ، مقرّب من الطاعات ، ومبعّد عن المعاصي ، وقد أوضحوه في كتبهم الكلامية . والمراد من اللطف المقرّب هنا ما عرفت من أنّ رحلة النبي الأكرم تترك فراغات هائلة بين الأُمّة في مجالي العقيدة والشريعة ، كما تترك جدالا ونزاعاً عنيفاً بين الأُمّة في تعيين الإمام . فالواجب على

1 . شرح العقائد النسفية لأبي حفص عمرو بن محمّد النسفي (المتوفّى 573هـ ) والشرح لسعد الدين التفتازاني (المتوفّى 791هـ ) : 185 ـ 186 . ولاحظ في هذا المجال مقالات الإسلاميين للأشعري : 323 ، وأُصول الدين لمحمّد بن عبد الكريم البزدوي إمام الماتريدية : 190 .

صفحه 60
الله سبحانه من باب اللطف هو سدّ هذه الفراغات بنصب من هو صنو النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) في علمه بالعقيدة والشريعة ، وفي العدالة والعصمة ، والتدبير والحنكة ، وحسم مادة النزاع المشتعل برحلة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولمّ شعث الأُمّة ، وجمعهم على خطّ واحد .
والغريب أنّ المعتزلة الذين يذهبون إلى وجوب اللطف والأصلح على الله سبحانه ، يشذّون في هذا المقام عن معتقدهم هذا ، مع العلم بأنّ هذا المورد من جزئياته ، والذي منعهم عن الالتزام بالقاعدة في المقام بأنّهم لو قالوا بها في هذه المسألة لزمهم أن يقولوا بعدم صحّة خلافة الخلفاء المتقدّمين على عليّ; لأنّ قاعدة اللطف تقتضي أن يكون الخليفة منصوصاً عليه من الله سبحانه .
ثمّ إنّك قد تعرّفت على أنّ الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ و بوحي من الله سبحانه ـ قام بتطبيق القاعدة ، ونصب إماماً للأُمّة; ليقود أمرهم ويسدّ جميع الفراغات الحاصلة بلحوقه بالرفيق الأعلى ، وبذلك حسم مادة النزاع ، وقطع الطريق على المشاغبين ، ولكن ـ وللأسف ـ تناست الأُمّة وصيّة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وأمره ، فانقسموا إلى طوائف وأحزاب ، وقامت بينهم المعارك والحروب التي أُريقت فيها الدماء ، واستبيحت بسببها الأعراض ، وتبدّلت نتيجة لذلك المفاهيم ، واختلفت القيم ، واستثمر أعداء الدين هذه الاختلافات

صفحه 61
بين المسلمين فعمدوا إلى زيادة الهوّة بينهم وكرّسوا لذلك أقصى جهودهم حتّى أصبح التقريب فضلا عن الوحدة أمراً متعسّراً على المفكّرين ، نسأل الله سبحانه أن يسدّ تلك الفجوة العميقة بإيقاظ شعور علماء الأُمّة ومصلحيهم في المستقبل القريب إن شاء الله تعالى .

صفحه 62
المسألة الثانية : عصمة الإمام   

المسألة الثانية :

عصمة الإمام

تفرّدت الإمامية من بين الفرق الإسلامية بإيجابها عصمة الإمام من الذنب والخطأ ، مع اتّفاق غيرهم على عدمها .
قال الشيخ المفيد : إنّ الأئمّة معصومون كعصمة الأنبياء ، ولا تجوز عليهم صغيرة إلاّ ما قدّم ذكر جوازه على الأنبياء ، ولا ينسون شيئاً من الأحكام ، ولا يدخل في مفهوم العصمة سلب القدرة عن المعاصي ، ولا كون المعصوم مضطرّاً إلى فعل الطاعات; فإنّ ذلك يستدعي بطلان الثواب والعقاب .
هذه هي عقيدة الإمامية في الإمامة، وقد استدلّوا عليها بوجوه من العقل والسمع. أمّا العقل فقالوا : إنّ الإمام منفّذ لما جاء به الرسول ، وحافظ للشرع ، وقائم بمهام الرّسول كلّها ، فلو جاز عليه الخطأ والكذب ، لا يحصل الغرض من إمامته .

حقيقة العصمة

العصمة قوّة تمنع صاحبها من الوقوع في المعصية والخطأ ، حيث لا يترك واجباً ، ولا يفعل محرّماً ، مع قدرته على الترك

صفحه 63
والفعل ، وإلاّ لم يستحقّ مدحاً ولا ثواباً .
وإن شئت قلت : إنّ المعصوم قد بلغ من التقوى حدّاً لا تتغلّب عليه الشهوات والأهواء ، وبلغ من العلم في الشريعة وأحكامها مرتبة لا يخطأ معها أبداً .
وليست العصمة فكرة ابتدعتها الشيعة ، وإنّما دلّهم عليها في حقّ العترة الطاهرة كتاب الله وسنّة رسوله ، قال سبحانه : (إنَّما يُريدُ الله لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرّجْسَ أهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)(1) وليس المراد من الرجس إلاّ الرجس المعنوي ، وأظهره هو الفسق .
وقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) : «علي مع الحقّ والحقّ مع عليّ يدور معه كيفما دار»(2) ومن دار معه الحقّ كيفما دار محال أن يعصي أو أن يخطأ.
وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم) في حقّ العترة : «إنّي تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا أبداً»(3) فإذا كانت العترة عدل القرآن والقرآن هو كلام الله تعالى ، فمن المنطقي أن تكون معصومة كالكتاب ، لا يخالف أحدهما الآخر .

1 . الأحزاب : 33 .
2 . حديث مستفيض ، رواه الخطيب في تاريخه: 14 / 321 والهيثمي في مجمعه: 7 / 236 وغيرهما .
3 . حديث متواتر، أخرجه مسلم في صحيحه، والدارمي في فضائل القرآن،وأحمد في مسنده: 2 / 114 وغيرهم.

صفحه 64
وإذا توضّحت الصورة الحقيقية لتبلور عقيدة العصمة عند الشيعة ، وإنّ منشأها هو الكتاب والسنّة ، فإنّ هذا الوضوح لم يتحسّسه البعض ، بل ولم يكلّف نفسه عناء التثبّت من حقيقة مدّعياته وتصوّراته ، حيث يقول :
«إنّ عقيدة العصمة تسرّبت إلى الشيعة من الفرس الذين نشأوا على تقديس الحاكم ، لهذا أطلق عليها العرب النزعة الكسروية ، ولا أعرف أحداً من العرب قال ذلك في حدود اطّلاعي ، ولعلّ غالبية الشيعة كانت ترمي من وراء هذه الفكرة إلى تنزيه عليّ من الخطأ حتّى يتضح للملأ عدوان بني أُمية في اغتصاب الخلافة . هذا وفي اليهودية كثير من المذاهب التي تسرَّبت إلى الشيعة».(1)
هكذا ودون أيّ دليل وبيّنة متناسياً أنّ جميع المسلمين يذهبون إلى عصمة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ولا يختلف في ذلك أحد ، فهل إنّ هذه الفكرة تسرّبت إلى أهل السنّة من اليهود؟! أو أنّ المسلمين أرادوا بذلك إيضاح عداوة قريش للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)؟ أو غير ذلك من التخرصات الباطلة؟!!
لا والله إنّها عقيدة إسلامية وقد اقتبسها القوم من الكتاب

1 . مظاهر الشعوبية في الأدب العربي للدكتور نبيه حجاب : 492 ، كما في هوية التشيّع : 166 .

صفحه 65
والسنّة من دون أخذ من اليهود والفرس ، فما ذكره الكاتب تخرُّص بالغيب ، بل فرية واضحة .
إنّ الاختلاف في لزوم توصيف الإمام وعدمه ، ينشأ من الاختلاف في تفسير الإمامة بعد الرسول وماهيتها وحقيقتها كما أشرنا إلى ذلك سابقاً ، فمن تلقّى الإمامة  ـ بعد الرسول ـ بأنّها مقام عرفي لتأمين السبل ، وتعمير البلاد ، وإجراء الحدود ، فشأنه شأن سائر الحكّام العرفيّين . وأمّا من رأى الإمامة بأنّها استمرار لتحقيق وظيفة الرسالة ، وأنّ الإمام ليس نبيّاً ولا يوحى إليه ، لكنّه مكلّف بملء الفراغات الحاصلة برحلة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، فلا محيص له عن الالتزام بها; لأنّ الغاية المنشودة لا تحصل بلا تسديد إلهي كما سيوافيك ، نعم إنّ أهل السنّة يتحرَّجون من توصيف الإمام بالعصمة ، ويتصوّرون أنّ ذلك يلازم النبوّة ، وما هذا إلاّ أنّهم لا يفرّقون بين الإمامتين ، وأنّ لكلٍّ معطياته . والتفصيل موكول إلى محلّه .

الدليل على لزوم عصمة الإمام بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)

يمكن الاستدلال على لزوم العصمة في الإمام بوجوه متعدّدة نورد أهمها :
الأوّل : إنّ الإمامة إذا كانت استمراراً لوظيفة النبوّة والرسالة ، وكان الإمام يملأ جميع الفراغات الحاصلة جرّاء رحلة النبيّ

صفحه 66
الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) ، فلا مناص من لزوم عصمته ، وذلك لأنّ تجويز المعصية يتنافى مع الغاية التي لأجلها نصبه الله سبحانه إماماً للأُمّة ; فإنّ الغاية هي هداية الأُمّة إلى الطريق المهيع ، ولا يحصل ذلك إلاّ بالوثوق بقوله ، والاطمئنان بصحّة كلامه ، فإذا جاز على الإمام الخطأ والنسيان ، والمعصية والخلاف ، لم يحصل الوثوق بأفعاله وأقواله ، وضعفت ثقة الناس به ، فتنتفي الغاية من نصبه ، وهذا نفس الدليل الذي استدلّ به المتكلّمون على عصمة الأنبياء ، والإمام وإن لم يكن رسولا ولا نبيّاً ولكنّه قائم بوظائفهما .
نعم لو كانت وظيفة الإمام مقتصرة على تأمين السبل وغزو العدو والانتصاف للمظلوم وما أشبه ذلك ، لكفى فيه كونه رجلا عادلا قائماً بالوظائف الدينية ، وأمّا إذا كانت وظيفته أوسع من ذلك ـ كما هو الحال في مورد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ فكون الإمام عادلا قائماً بالوظائف الدينية ، غير كاف في تحقيق الهدف المنشود من نصب الإمام .
فقد كان النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) يفسّر القرآن الكريم
ويشرح مقاصده وأهدافه ويبيّن أسراره ، كما كان يجيب
عن الأسئلة في مجال الموضوعات المستحدثة ، وكان يردّ
على الشبهات والتشكيكات التي كان يلقيها أعداء الإسلام ، وكان يصون الدين من محاولات التحريف والتغيير ، وكان يربّي

صفحه 67
المسلمين ويهذّبهم ويدفعهم نحو التكامل .
فالفراغات الحاصلة من رحلة النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) لا تسدّ إلاّ بوجود إنسان مثالي يقوم بتلك الواجبات ، وهو فرع كونه معصوماً عن الخطأ والعصيان.(1)
الثاني : قوله سبحانه : (أطِيعُوا الله وأطيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ»).(2)
والاستدلال مبني على دعامتين :
1 . إنّ الله سبحانه أمر بطاعة أُولي الأمر على وجه الإطلاق ; أي في جميع الأزمنة والأمكنة ، وفي جميع الحالات والخصوصيات ، ولم يقيّد وجوب امتثال أوامرهم ونواهيهم بشيء كما هو مقتضى الآية .
2 . إنّ من الأمر البديهي كونه سبحانه لا يرضى لعباده الكفر والعصيان : (ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْر)(3) من غير فرق بين أن يقوم به العباد ابتداءً من دون تدخّل أمر آمر أو نهي ناه ، أو يقومون به بعد صدور أمر ونهي من أُولي الأمر .

1 . هذا إجمال ما أوضحناه في بحوثنا الكلامية ، فلاحظ: الإلهيات: 2 / 528 ـ 539 .
2 . النساء : 59 .
3 . الزمر : 7 .

صفحه 68
فمقتضى الجمع بين هذين الأمرين (وجوب إطاعة أُولي الأمر على وجه الإطلاق ، وحرمة طاعتهم إذا أمروا بالعصيان) أن يتّصف أُولو الأمر الذين وجبت إطاعتهم على وجه الإطلاق ، بخصوصية ذاتية وعناية إلهية ربّانية ، تصدّهم عن الأمر بالمعصية والنهي عن الطاعة . وليس هذا إلاّ عبارة أُخرى عن كونهم معصومين ، وإلاّ فلو كانوا غير واقعين تحت تلك العناية ، لما صحّ الأمر بإطاعتهم على وجه الإطلاق بدون قيد أو شرط . فنستكشف من إطلاق الأمر بالطاعة اشتمال المتعلّق على خصوصية تصدّه عن الأمر بغير الطاعة .
وممّن صرّح بدلالة الآية على العصمة الإمام الرازي في تفسيره ، ويطيب لي أن أذكر نصّه حتّى يمعن فيه أبناء جلدته وأتباع طريقته ، قال :
إنّ الله تعالى أمر بطاعة أُولي الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية ، ومن أمر الله بطاعته على سبيل الجزم والقطع لابدّ وأن يكون معصوماً عن الخطأ; إذ لو لم يكن معصوماً عن الخطأ كان بتقدير إقدامه على الخطأ يكون قد أمر الله بمتابعته ، فيكون ذلك أمراً بفعل ذلك الخطأ ، والخطأ لكونه خطأ منهيّ عنه ، فهذا يفضي إلى اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد بالاعتبار الواحد ، وأنّه محال ، فثبت أنّ الله تعالى أمر بطاعة أُولي الأمر على سبيل الجزم ،

صفحه 69
وثبت أنّ كلّ من أمر الله بطاعته على سبيل الجزم وجب أن يكون معصوماً عن الخطأ ، فثبت قطعاً أنّ «أُولي الأمر» المذكور في هذه الآية لابدّ وأن يكون معصوماً.(1)
بيد أنّ الرازي ، وبعد أن قادته استدلالاته المنطقية إلى هذه الفكرة الثابتة المؤكّدة لوجوب العصمة بدأ يتهرّب من تبعة هذا الأمر ، ولم يستثمر نتائج أفكاره ، لا لسبب إلاّ لأنّها لا توافق مذهبه في تحديد الإمامة ، فأخذ يؤوّل الآية ويحملها على غير ما ابتدأه وعمد إلى إثباته ، حيث استدرك قائلا بأنّا عاجزون عن معرفة الإمام المعصوم ، عاجزون عن الوصول إليه ، عاجزون عن استفادة الدين والعلم منه ، فإذا كان الأمر كذلك ، فالمراد ليس بعضاً من أبعاض الأُمّة ، بل المراد هو أهل الحلّ والعقد من الأُمّة .
إلاّ أنّ ادّعاءه هذا لا يصمد أمام الحقيقة القويّة التي لا خفاء عليها ، وفي دفعه ذلك الأمر مغالطة لا يمكن أن يرتضيها هو نفسه ، فإنّه إذا دلّت الآية على عصمة أُولي الأمر فيجب علينا التعرّف عليهم ، وادّعاء العجز هروب من الحقيقة ، فهل العجز يختص بزمانه أو كان يشمل زمان نزول الآية؟ لا أظنّ أن يقول الرازي بالثاني . فعليه أن يتعرّف على المعصوم في زمان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وعصر نزول الآية ، وبالتعرّف عليه يعرف معصوم زمانه ، حلقة بعد

1 . مفاتيح الغيب: 10 / 144 .

صفحه 70
أُخرى ، ولا يعقل أن يأمر الوحي الإلهي بإطاعة المعصوم ثمّ لا يقوم بتعريفه حين النزول ، فلو آمن الرازي بدلالة الآية على عصمة أُولي الأمر فإنّه من المنطقي والمعقول له أن يؤمن بقيام الوحي الإلهي بتعريفهم بواسطة النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم); إذ لا معنى أن يأمر الله سبحانه بإطاعة المعصوم ، ولا يقوم بتعريفه .
ثمّ إنّ تفسير ( أُولِي الأمْرِ) بأهل الحلّ والعقد ، تفسير للغامض ـ حسب نظر الرازي ـ بما هو أشد غموضاً; إذ هو ليس بأوضح من الأوّل ، فهل المراد منهم : العساكر والضبّاط ، أو العلماء والمحدّثون ، أو الحكام والسياسيون ، أو الكلّ؟ وهل اتّفق إجماعهم على شيء ، ولم يخالفهم لفيف من المسلمين؟
إذا كانت العصمة ثابتة للأُمة عند الرازي كما علمت ، فهناك من يرى العصمة لجماعة من الأُمّة كالقرّاء والفقهاء والمحدّثين ، هذا هو ابن تيمية يقول في ردّه على الشيعة عند قولهم : إنّ وجود الإمام المعصوم لا بدّ منه بعد موت النبيّ يكون حافظاً للشريعة ومبيّناً أحكامها خصوصاً أحكام الموضوعات المتجدّدة ، حيث يقول : إنّ أهل السنّة لا يسلّمون أن يكون الإمام حافظاً للشرع بعد انقطاع الوحي ، وذلك لأنّه حاصل للمجموع ، والشرع إذا نقله أهل التواتر كان ذلك خيراً من نقل الواحد ، فالقرّاء معصومون في حفظ القرآن وتبليغه ، والمحدّثون معصومون في حفظ الأحاديث

صفحه 71
وتبليغها ، والفقهاء معصومون في الكلام والاستدلال.(1)
وهذا الرأي أغرب من سابقه وأضعف حجّة! فكيف يدّعي العصمة لهذه الطوائف مع أنّهم غارقون في الاختلاف في القراءة والتفسير ، والحديث والأثر ، والحكم والفتوى ، والعقيدة والنظر؟ ولو أغمضنا عن ذلك ، فما الدليل على عصمة تلكم الطوائف ، خصوصاً على قول البعض بأنّ القول بالعصمة تسرّب من اليهود إلى الأوساط الإسلامية؟
الثالث : قوله سبحانه : (وَإِذِ ابْتَلى إِبراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمات فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إنّي جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إِماماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهدِي الظّالِمِينَ).(2)
والاستدلال بالآية على عصمة الإمام يتوقّف على تحديد مفهوم الإمامة الواردة في الآية وأنّ المقصود منها غير النبوّة وغير الرسالة ، فأمّا الأوّل فهو عبارة عن منصب تحمّل الوحي ، وأمّا الثاني فهو عبارة عن منصب إبلاغه إلى الناس . والإمامة المعطاة للخليل في أُخريات عمره غير هذه وتلك; لأنّه كان نبيّاً ورسولا وقائماً بوظائفهما طيلة سنين حتّى خوطب بهذه الآية ، فالمراد من الإمامة في المقام هو منصب القيادة ، وتنفيذ الشريعة في المجتمع

1 . منهاج السنّة النبوية:6/457، بتصرّف ; نظرية الإمامة:120.
2 . البقرة : 124 .

صفحه 72
بقوّة وقدرة ، ويعرب عن كون المراد من الإمامة في المقام هو المعنى الثالث قوله سبحانه : (أمْ يَحسُدُونَ النَّاسَ عَلى مَا آتاهُمُ الله مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظيماً).(1)
فالإمامة التي أنعم بها الله سبحانه على الخليل وبعض ذرّيته هي الملك العظيم الوارد في هذه الآية . وعلينا الفحص عن المراد بالملك العظيم; إذ عند ذلك يتّضح أنّ مقام الإمامة يلي النبوّة والرسالة ، لأنَّها قيادة حكيمة ، وحكومة إلهيّة ، يبلغ المجتمع بها إلى السعادة ، والله سبحانه يوضّح حقيقة هذا الملك في الآيات التالية :
1 . يقول سبحانه ـ حاكياً قول يوسف(عليه السلام) ـ : (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأويلِ الأحاديثِ)(2) ومن المعلوم أنّ الملك الذي منّ به سبحانه على عبده يوسف ليس هو النبوّة، بل الحاكمية; حيث صار أميناً مكيناً في الأرض; لقوله: (وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأويلِ الأحاديثِ) إشارة إلى نبوّته ، والملك إشارة إلى سلطته وقدرته .
2 . ويقول سبحانه في داود(عليه السلام) : (وَآتاهُ الله المُلْكَ وَالحِكْمَةَ

1 . النساء : 54 .
2 . يوسف : 101 .

صفحه 73
وَعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ)(1)، ويقول سبحانه : (وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الحِكْمَةَ وَ فَصْلَ الخِطَابِ).(2)
3 . ويحكي الله تعالى عن سليمان(عليه السلام) أنّه قال : (وَهَبْ لِي مُلْكَاً لا يَنْبَغِي لأِحَد مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أنْتَ الوَهَّابُ).(3)
والتأمّل في هذه الآيات الكريمة يفسّر لنا حقيقة الإمامة باعتبار الملاحظات التالية :
أ . إنّ إبراهيم طلب الإمامة لذرّيته، وقد أجاب سبحانه دعوته في بعضهم .
ب . إنّ مجموعة من ذرّيته ، كيوسف وداود وسليمان ، نالوا ـ وراء النبوّة والرسالة ـ منصب الحكومة والقيادة .
ج . إنّه سبحانه أعطى آل إبراهيم الكتاب ، والحكمة ، والملك العظيم .
فمن ضمّ هذه الأُمور بعضها إلى بعض ، يخرج بهذه النتيجة : أنّ ملاك الإمامة في ذرّية إبراهيم هو قيادتهم وحكمهم في المجتمع ، وهذه هي حقيقة الإمامة ، غير أنّها ربّما تجتمع مع المقامين الآخرين ، كما في الخليل ، ويوسف ، وداود ، وسليمان ،

1 . البقرة : 251 .
2 . ص : 20 .
3 . ص : 35 .

صفحه 74
وغيرهم ، وربّما تنفصل عنهما كما في قوله سبحانه : (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إنَّ الله قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوا أنّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أحَقُ بِالمُلكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المَالِ قَالَ إنَّ الله اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسَطَةً فِي العِلْمِ والجسم وَالله يُؤْتي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَالله واسِعٌ عَليمٌ).(1)
والإمامة التي يتبنّاها المسلمون بعد رحلة النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)تتّحد واقعيتها مع هذه الإمامة .

ما هو المراد من الظالم؟

قد تعرّفت على المقصود من جعل إبراهيم(عليه السلام) إماماً للناس ، وأنّ المراد هو القيادة الإلهية وسوق الناس إلى السعادة بقوّة وقدرة ومنعة . بقي الكلام في تفسير الظالم الذي ليس له من الإمامة سهم ، فنقول :
لمّا خلع سبحانه ثوب الإمامة على خليله ، ونصبه إماماً للناس ، ودعا إبراهيمُ أن يجعل من ذرّيته إماماً ، أُجيب بأنّ الإمامة منصب إلهيّ لا يناله الظالمون; لأنّ الإمام هو المطاع بين الناس ، المتصرّف في الأموال والنفوس ، فيجب أن يكون على الصراط السويّ، والظالم المتجاوز عن الحدّ لا يصلح لهذا المنصب .

1 . البقرة : 247 .

صفحه 75
كما أنّ الظالم الناكث لعهد الله ، والناقض لقوانينه وحدوده ، على شفا جرف هار ، لا يؤتمن عليه ولا تلقى إليه مقاليد الخلافة; لأنّه على مقربة من الخيانة والتعدّي ، وعلى استعداد لأن يقع أداة للجائرين ، فكيف يصحّ في منطق العقل أن يكون إماماً مطاعاً ، نافذ القول ، مشروع التصرّف ؟! وعلى ذلك; فكلّ من ارتكب ظلماً ، وتجاوز حدّاً في يوم من أيّام عمره ، أو عبد صنماً ، أو لاذ إلى وثن ـ وبالجملة ارتكب ما هو حرام فضلا عمّا هو شرك وكفر ـ ينادى من فوق العرش في حقّه : (لا يَنالُ عَهدِي الظّالِمِينَ) من غير فرق بين صلاح حالهم بعد تلك الفترة ، أو البقاء على ما كانوا عليه .
نعم اعترض «الجصّاص» على هذا الاستدلال وقال : «إنّ الآية إنّما تشمل من كان مقيماً على الظلم وأمّا التائب منه فلا يتعلّق به الحكم; لأنّ الحكم إذا كان معلّقاً على صفة ، وزالت تلك الصفة ، زال الحكم . ألا ترى أنّ قوله : (وَلا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا)(1) إنّما ينهى عن الركون إليهم ما أقاموا على الظلم ، فقوله تعالى : ( لا يَنالُ عَهدِي الظّالِمِينَ) لم ينف به العهد عمّن تاب عن ظلمه; لأنّه في هذه الحالة لا يسمّى ظالماً ، كما لا يسمّى من تاب من الكفر كافراً».(2)

1 . هود : 113 .
2 . تفسير آيات الأحكام: 1 / 72 .

صفحه 76
إلاّ أنّه يلاحظ عليه : أنّ قوله : «الحكم يدور مدار وجود الموضوع» ليس ضابطاً كلّياً ، بل الأحكام على قسمين : قسم كذلك ، وآخر يكفي فيه اتّصاف الموضوع بالوصف والعنوان آناً ما ، ولحظة خاصّة ، وإن انتفى بعد الاتّصاف ، فقوله : «الخمر حرام» ، أو «في سائمة الغنم زكاة» من قبيل القسم الأوّل ، وأمّا قوله : «الزاني يحدّ» ، و «السارق يقطع» فالمراد منه أنّ الانسان المتلبّس بالزنا أو السرقة يكون محكوماً بهما وإن زال العنوان وتاب السارق والزاني ، ومثله : «المستطيع يجب عليه الحجّ» فالحكم ثابت ، وإن زالت عنه الاستطاعة عن تقصير لا عن قصور .
وعلى ذلك فالمدّعى أنّ : (الظّالِمِينَ) في الآية المباركة كالسارق والسارقة والزاني والزانية وغيرها من الموارد المشابهة لها .
نعم المهمّ في المقام إثبات أنّ الموضوع في الآية من قبيل الثاني ، وأنّ التلبّس بالظلم ـ ولو آناً مّا ـ يسلب عن الإنسان صلاحية الإمامة ، وإن تاب من ذنبه ، فإنّ الناس بالنسبة إلى الظلم على أقسام أربعة :
1 . من كان طيلة عمره ظالماً .
2 . من كان طاهراً ونقياً في جميع فترات عمره .
3 . من كان ظالماً في بداية عمره ، وتائباً في آخره .
4 . من كان طاهراً في بداية عمره ، وظالماً في آخره .

صفحه 77
عند ذلك يجب أن نقف على أنّ إبراهيم(عليه السلام) ، الذي سأل الإمامة لبعض ذرّيته ، أيَّ قسم منها أراد؟
إنّ من غير المعقول والبديهي أن يسأل خليل الله تعالى الإمامة لأصحاب القسمين الأوّل والرابع من ذرّيته ، لوضوح أنّ الغارق في الظلم من بداية عمره إلى آخره ، أو المتّصف به أيام تصدّيه للإمامة ، لا يصلح لأن يؤتمن عليها .
ولمّا كان الله تعالى قد نفى امتلاك الإمامة من قبل الظالم وهو ما سبق أن وقع في تسميته أصحاب القسم الثالث ، في حين يقابله في القسم الثاني من هو بريء عن الظلم مطلقاً طيلة عمره ، وتتمثّل فيه جميع الصفات المطلوبة والمحدّدة في الآية الكريمة ، فلا مناص من الجزم بتعلّقها بالقسم الثاني وحده دون باقي الأقسام .

العصمة في القول والرأي

إنّ الأئمّة معصومون عن العصيان والمخالفة أوّلا ، وعن الخطأ والزلّة في القول ثانياً ، وما ذلك إلاّ لأنّ كل إمام من الأوّل إلى الثاني عشر ، قد أحاط إحاطة شاملة كاملة بكلّ ما في هذين الأصلين ، بحيث لا يشذّ عن علمهم معنى آية من آي الذكر الحكيم تنزيلا وتأويلا ، ولا شيء من سنّة رسول الله قولا وفعلا وتقريراً ، وكفى بمن أحاط بعلوم الكتاب والسنّة فضلا وعلماً ، ومن هنا كانوا قدوة الناس جميعاً بعد جدّهم الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)باتّفاق الجميع

صفحه 78
المطلق دليلا واضحاً على أنّهم هم الأئمّة المعصومون وقادة المسلمين بعد غياب رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وحتّى قيام يوم الدين .
وقد أخذ أهل البيت علوم الكتاب والسنّة وفهموها عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)تماماً(1) كما أخذها ووعاها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عن جبرئيل ، وكما وعاها جبرئيل عن الله ، ولا فرق أبداً في شيء إلاّ بالواسطة .
نعم أخذ عليّ عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأخذ الحسن عن أبيه ، وهكذا كلّ إمام يأخذ عن أبيه ، العلم الذي يتناقل ضمن هذه السلسلة الطاهرة المعروفة ، لم يأخذ أحد منهم(عليهم السلام)عن صحابي ولا تابعي أبداً ، بل أخذ الجميع عنهم ، ومنهم انتقلت العلوم إلى الآخرين كما تلقّاها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من لدن حكيم خبير .
قال الإمام الباقر(عليه السلام) : «يا جابر إنّا لو كنّا نحدّثكم برأينا وهوانا لكنّا من الهالكين ، ولكن نحدّثكم بأحاديث نكنزها عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)كما يكنز هؤلاء ذهبهم وفضّتهم».(2)

1 . أو إلهاماً غيبياً لأنّـهم محدَّثون، كما أنّ مريم كانت محدَّثة، وفي صحيح البخاري: عن أبي هريرة قال: قال النبيّ(صلى الله عليه وآله): «لقد كان فيمن قبلكم من بني إسرائيل رجال يُكلّمون من غير أن يكونوا أنبياء فإن كان من أُمّتي منهم أحد فعمر».
صحيح البخاري: 2 / 194، باب مناقب عمر بن الخطّاب.
2 . بصائر الدرجات:1/299.

صفحه 79
المسألة الثالثة : الإمام المنتظر   

المسألة الثالثة :

الإمام المنتظر

إنّ الاعتقاد بالإمام المهدي المنتظر عقيدة مشتركة بين جميع المسلمين، إلاّ من أصمّه اللّه، فكل من كان له إلمام بالحديث يقف على تواتر البشارة عن النبي وآله وأصحابه، بظهور المهدي في آخر الزمان لإزالة الجهل والظلم، ونشر أعلام العلم والعدل، وإعلاء كلمة الحقّ، وإظهار الدين كلّه، ولو كره المشركون، وهو بإذن الله ينجي العالم من ذُلِّ العبودية لغير اللّه، ويبطل القوانين الكافرة التي سنّتها الأهواء، ويقطع أواصر العصبيات القومية والعنصرية، ويميت أسباب العداء والبغضاء التي صارت سبباً لاختلاف الأُمّة واضطراب الكلمة، ومصدراً خطيراً لإيقاد نيران الفتن والمنازعات، ويحقق اللّه بظهوره وعده الذي وعد به المؤمنين بقوله:
( وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضْى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنَاً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُوْلئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ».(1)

1 . النور: 55.

صفحه 80
قال سبحانه: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأرْضَ يَرِثُهَا عِبادِيَ الصَّالِحُونَ).(1)
هذا ما اتّفق عليه المسلمون في الصدر الأوّل والأزمنة اللاحقة، وقد تضافر مضمون قول الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم): «لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد، لطوّل اللّه ذلك اليوم حتى يخرج رجل من ولدي، فيملأها عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً».(2)
بلى إنّ جميع المسلمين يتّفقون أساساً على فكرة قيام المهدي وما سيعم الأرض في عهده من العدل والأمن والخير العميم، وإن كان هناك من اختلاف يذكر في مضمون هذا الأمر العظيم، والحلم المنشود، فإنّه قد لا يتجاوز في أهم نقاطه الحدود الأساسية المرتكز عليها، والتي تتمحور أهمها في تحديد ولادته(عليه السلام)، فانّ الأكثرية من أهل السنّة يقولون بأنّه سيولد في آخر الزمان، وأمّا الشيعة ولاستنادهم على جملة واسعة من الروايات والأدلّة الصحيحة يذهبون إلى أنّه(عليه السلام)ولد في «سرّ من رأى» عام 255 هـ ، وغاب بأمر الله سبحانه سنة وفاة والده الإمام الحسن بن علي العسكري(عليه السلام)، عام 260 هـ ، وهو يحيا حياة طبيعية كسائر

1 . الأنبياء: 105 .
2 . كمال الدين وتمام النعمة:318، وذكر في مصادر كثيرة بعبارات أُخرى قريبة ممّا ذكرناه.

صفحه 81
الناس، غير أنّ الناس يرونه ولا يعرفونه، وسوف يظهره اللّه سبحانه ليحقّق عدله.
هذا المقدار من الاختلاف لا يجعل العقيدة بالمهدي عقيدة خلافية، ومن أراد أن يقف على عقيدة السنّة والشيعة في مسألة المهدي فعليه أن يرجع إلى الكتب التالية لمحقّقي السنّة ومحدّثيهم:
ـ «صفة المهدي» للحافظ أبي نعيم الإصفهاني.
ـ «البيان في أخبار صاحب الزمان» للكنجي الشافعي.
ـ «البرهان في علامات مهدي آخر الزمان» لملاّ علي المتقي.
ـ «العرف الوردي في أخبار المهدي» للحافظ السيوطي.
ـ «القول المختصر في علامات المهدي المنتظر» لابن حجر.
ـ «عقد الدرر في أخبار الإمام المنتظر» للشيخ جمال الدين الدمشقي.
من أراد التفصيل فليرجع إلى «منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر» للعلاّمة الصافي ـ دام ظلّه ـ ، وإلى كتاب «الإمام المهدي عند أهل السنّة»(1) صدر في مجلّدين وطبع في بيروت.
لعلّ الروايات والأخبار المستفيضة المؤكدة على قضية

1 . تأليف: مهدي فقيه إيماني.

صفحه 82
الإمام المهدي من الوفرة وقوّة الحجية بحيث لا يرقى إليها الشك والنقاش سواء في متونها أو في أسانيدها، وعلى ذلك دأب الماضون وتبعهم اللاحقون، إلاّ ما أورده ابن خلدون في مقدّمته من تضعيفه لهذه الأخبار والتشكيك في صحّتها، وفي مدى حجيتها، وقد فنّد مقالته محمّد صديق برسالة أسماها «إبراز الوهم المكنون من كلام ابن خلدون».
قد كتب أخيراً الدكتور عبد الباقي كتاباً قيّماً في الموضوع أسماه «بين يدي الساعة» يشير فيه إلى تضافر الأخبار الواردة في حق المهدي بقوله:
إنّ المشكلة ليست في حديث أو حديثين أو راو أو راويين، إنّها مجموعة من الأحاديث والأخبار تبلغ الثمانين تقريباً، اجتمع على تناقلها مئات الرواة، وأكثر من صاحب كتاب صحيح.
لماذا نردّ كل هذه الكمّية؟ أكلّها فاسدة؟ لو صحّ هذا الحكم لانهار الدين ـ والعياذ بالله ـ نتيجة تطرّق الشك والظن الفاسد إلى ما عداها من سنّة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).
ثمّ إنّي لا أجد خلافاً حول ظهور المهدي، أو حول حاجة العالم إليه، وإنّما الخلاف حول من هو، حسني أو حسيني؟ سيكون في آخر الزمان، أو موجود الآن؟ خفي وسيظهر؟ ظهر أو سيظهر ؟ولا عبرة بالمدّعين الكاذبين، فليس لهم اعتبار.

صفحه 83
ثمّ إنّي لا أجد مناقشة موضوعية في متن الأحاديث، والذي أجده إنّما هو مناقشة وخلاف حول السند، واتّصاله وعدم اتّصاله، ودرجة رواته، ومن خرّجوه، ومن قالوا فيه.
إذا نظرنا إلى مسألة(عقيدة) ظهور المهدي نظرة مجرّدة فإنّنا لا نجد حرجاً من قبولها وتصديقها، أو على الأقل عدم رفضها. فإذا ما تؤيّد ذلك بالأدلّة الكثيرة، والأحاديث المتعددة، ورواتها مسلمون مؤتمنون، والكتب التي نقلتها إلينا كتب قيمة، والترمذي من رجال التخريج والحكم، بالإضافة إلى أنّ أحاديث المهدي لها ما يصح أن يكون سنداً لها في البخاري ومسلم، كحديث جابر في مسلم الذي فيه: «فيقول أميرهم (أي لعيسى): تعال صلّ بنا»(1)، وحديث أبي هريرة في البخاري، وفيه: «كيف بكم إذا نزل فيكم المسيح بن مريم وإمامكم منكم»(2)، فلا مانع من أن يكون هذا الأمير، وهذا الإمام هو المهدي.
يضاف إلى هذا انّ كثيراً من السلف ـ رضي الله عنهم ـ لم يعارضوا هذا القول، بل جاءت شروحهم وتقريراتهم موافقة لإثبات هذه العقيدة عند المسلمين.(3)

1 . صحيح مسلم: 1 / 59، باب نزول عيسى .
2 . صحيح البخاري، بشرح الكرماني: 14 / 88 .
3 . بين يدي الساعة للدكتور عبدالباقي : 123 ـ 125 .

صفحه 84
المسألة الرابعة : التقية   

المسألة الرابعة :

التقية

(مفهومها ، غايتها ، دليلها ، حدّها في ضوء الكتاب والسنّة)
التقية من المفاهيم القرآنية التي وردت في أكثر من
موضع في القرآن الكريم ، وفي تلك الآيات إشارات واضحة
إلى الموارد التي يلجأ فيها المؤمن إلى استخدام هذا المسلك الشرعي خلال حياته أثناء الظروف العصيبة ، ليصون بها نفسه
أو من يمتّ إليه بصلة وعرضه وماله ، كما استعملها مؤمن آل فرعون لصيانة الكليم عن القتل والتنكيل(1)، ولاذ بها عمّـار عندما أُخذ وأُسِر و هُدِّد بالقتل(2)، إلى غير ذلك من الموارد الواردة
في الكتاب والسنّة ، فمن المحتّم علينا أن نتعرّف عليها ، مفهوماً وغايةً ودليلا وحدّاً ، حتّى نتجنَّب الإفراط والتفريط في مقام القضاء والتطبيق .

1 . لاحظ: القصص : 20 .
2 . لاحظ: النحل : 106 .

صفحه 85
إنّ التقية ، اسم لـ «اتّقى يتّقي»(1) والتـاء بدل من الواو ، وأصله من الوقاية ، ومن ذلك إطلاق التقوى على إطاعة الله ; لأنّ المطيع يتّخذها وقاية من النار والعذاب . والمراد هو التحفّظ عن ضرر الغير بموافقته في قول أو فعل مخالف للحقّ .

مفهومها

إذا كانت التقيّة هي اتّخاذ الوقاية من الشرّ ، فمفهومها في الكتاب والسنّة هو : إظهار الكفر وإبطان الإيمان ، أو التظاهر بالباطل وإخفاء الحقّ . وإذا كان هذا مفهومها ، فهي تُقابل النفاق ، تَقابُل الإيمان والكفر ، فإنّ النفاق ضدّها وخلافها ، فهو عبارة عن إظهار الإيمان وإبطان الكفر ، والتظاهر بالحقّ وإخفاء الباطل ، ومع وجود هذا التباين بينهما فلا يصحّ عدّها من فروع النفاق . نعم من فسر النفاق بمطلق مخالفة الظاهر للباطن ، وبه صوَّر التقية ـ الواردة في الكتاب والسنّة ـ من فروعه ، فقد فسّره بمفهوم أوسع ممّا هو عليه في القرآن ; فإنّه يُعرِّف المنافقين بالمتظاهرين بالإيمان والمبطنين للكفر كما في قوله تعالى : (إذَا جَاءَكَ المنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ المنَافِقِينَ

1 . قال ابن الأثير في النهاية: 5 / 217 ، وأصل اتّقى : اوتقى فقلبت الواو ياء لكسرة قبلها ثمّ أُبدلت تاء وأُدغمت . ومنه حديث علي(عليه السلام) : «كنّا إذا احمرّ البأس اتقينا برسول الله(صلى الله عليه وآله)» ، أي جعلناه وقاية من العدوّ . ولاحظ: لسان العرب مادة «وقى» .

صفحه 86
لَكَاذِبُونَ)(1)، فإذا كان هذا حدُّ المنافق فكيف يعمُّ من يستعمل التقية تجاه الكفّار والعصاة; فيخفي إيمانه ويظهر الموافقة لغاية صيانة النفس والنفيس ، والعرض والمال من التعرّض؟!
ويظهر صدق ذلك إذا وقفنا على ورودها في التشريع الإسلامي ، ولو كانت من قسم النفاق ، لكان ذلك أمراً بالقبح ويستحيل على الحكيم أن يأمر به : (قُـلْ إِنَّ الله لا يَـأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ).(2)

غايتها

الغاية من التقيّة : هي صيانة النفس والعرض والمال ، وذلك في ظروف قاهرة لا يستطيع فيها المؤمن أن يعلن عن موقفه الحقّ صريحاً خوفاً من أن يترتّب على ذلك مضارّ وتهلكة من قوى ظالمة غاشمة كلجوء الحكومات الظالمة إلى الإرهاب ، والتشريد والنفي ، والقتل والتنكيل ، ومصادرة الأموال ، وسلب الحقوق الحقّة ، فلا يكون لصاحب العقيدة الذي يرى نفسه محقّاً محيص عن إبطانها ، والتظاهر بما يوافق هوى الحاكم وتوجّهاته حتّى يسلم من الاضطهاد والتنكيل والقتل ، إلى أن يُحدِث الله أمراً .

1 . المنافقون  : 1 .
2 . الأعراف : 28 .

صفحه 87
إنّ التقيّة سلاح الضعيف في مقابل القويّ الغاشم ، سلاح من يبتلى بمن لا يحترم دمه وعرضه وماله ، لا لشيء إلاّ لأنّه لا يتّفق معه في بعض المبادئ والأفكار .
إنّما يمارس التقية من يعيش في بيئة صودرت فيها الحرية في القول والعمل ، والرأي والعقيدة فلا ينجو المخالف إلاّ بالصمت والسكوت مرغماً أو بالتظاهر بما يوافق هوى السلطة وأفكارها ، أو قد يلجأ إليها البعض كوسيلة لابدّ منها من أجل إغاثة الملهوف المضطهد والمستضعف الذي لا حول له ولا قوّة ، فيتظاهر بالعمل إلى جانب الحكومة الظالمة وصولا إلى ذلك كما كان عليه مؤمن آل فرعون الذي حكاه سبحانه في الذكر الحكيم .
إنّ أكثر من يَعيبُ التقيّة على مستعملها ، يتصوّر أو يصوّر أنّ الغاية منها هو تأليف جماعات سرية هدفها الهدم والتخريب ، كما هو المعروف من الباطنيين والأحزاب الإلحادية السرّية ، وهو تصوّر خاطئ ذهب إليه أُولئك جهلا أو عمداً دون أن يرتكزوا في رأيهم هذا على دليل مّا أو حجة مقنعة ، فأين ما ذكرناه من هذا الذي يذكره؟ ولو لم تُلجئ الظروف القاهرة والأحكام المتعسّفة هذه الجموع المستضعفة من المؤمنين لما كانوا عمدوا إلى التقية ، ولما تحمّلوا عبء إخفاء معتقداتهم ولدعوا الناس إليها علناً ودون تردّد ، إلاّ أنّ السيف والنطع سلاح لا تتردّد كلّ الحكومات الفاسدة

صفحه 88
من التلويح به أمام من يخالفها في معتقداتها وعقائدها .
أين العمل الدفاعي من الأعمال البدائية التي يرتكبها أصحاب الجماعات السرّية للإطاحة بالسلطة وامتطاء ناصية الحكم ، فأعمالهم كلّها تخطيطات مدبّرة لغايات ساقطة .
وهؤلاء هم الذين يحملون شعار «الغايات تبرّر الوسائل» فكلّ قبيح عقلي أو ممنوع شرعي يستباح عندهم لغاية الوصول إلى المقاصد المشؤومة .
إنّ القول بالتشابه بين هؤلاء وبين من يتّخذ التقية غطاءً ، وسلاحاً دفاعياً ليسلم من شرّ الغير ، حتّى لا يُقْتَل ولا يُستأصل ، ولا تُنهب داره وماله ، إلى أن يُحدث الله أمراً ، من قبيل عطف المباين على مثله .
إنّ المسلمين القاطنين في الاتّحاد السوفيتي السابق قد لاقوا من المصائب والمحن ما لا يمكن للعقول أن تحتملها ولا أن تتصوّرها ; فإنّ الشيوعيّين وطيلة تسلّطهم على المناطق الإسلامية قلبوا لهم ظهر الِمجَنّ ، فصادروا أموالهم وأراضيهم ، ومساكنهم ، ومساجدهم ، ومدارسهم ، وأحرقوا مكتباتهم ، وقتلوا كثيراً منهم قتلا ذريعاً ووحشياً ، فلم ينج منهم إلاّ من اتّقاهم بشيء من التظاهر بالمرونة ، وإخفاء المراسم الدينية ، والعمل على إقامة الصلاة في البيوت إلى أن نجّاهم الله سبحانه بانحلال تلك القوّة الكافرة ، فبرز

صفحه 89
المسلمون إلى الساحة من جديد ، فملكوا أرضهم وديارهم ، وأخذوا يستعيدون مجدهم وكرامتهم شيئاً فشيئاً ، وما هذا إلاّ ثمرة من ثمار التقية المشروعة التي أباحها الله تعالى لعباده بفضله وكرمه سبحانه على المستضعفين .
فإذا كان هذا معنى التقية ومفهومها ، وكانت هذه غايتها وهدفها ، فهو أمر فطري يسوق الإنسان إليه قبل كلّ شيء عقلُه ولبُّه ، وتدعوه إليه فطرته ، ولأجل ذلك يستعملها كلّ من ابتُلي بالملوك والساسة الذين لا يحترمون شيئاً سوى رأيهم وفكرتهم ومطامعهم وسلطتهم ولا يتردّدون عن التنكيل بكلّ من يعارضهم في ذلك ، من غير فرق بين المسلم ـ شيعياً كان أم سنيّاً ـ وغيره ، ومن هنا تظهر جدوى التقية وعمق فائدتها .
ولأجل دعم هذا الأصل الحيويّ ندرس دليله من القرآن والسنّة .

دليلها في القرآن والسنّة 

شرّعت التقية بنصّ القرآن الكريم حيث وردت جملة من الآيات الكريمة(1) سنحاول استعراضها في الصفحات التالية :

1 . غافر : 28 و 45، القصص : 20 وستوافيك نصوص الآيات في ثنايا البحث.

صفحه 90

الآية الأُولى :

قال سبحانه : (مَنْ كَفَرَ بِالله مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَـانِ وَلَـكِن مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرَاً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ الله وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ).(1)
ترى أنّه سبحانه يجوّز إظهار الكفر كرهاً ومجاراةً للكافرين خوفاً منهم ، بشرط أن يكون القلب مطمئناً بالإيمان ، وصرّح بذلك لفيف من المفسّرين القدامى والجدد ، سنحاول أن نستعرض كلمات البعض منهم تجنّباً عن الإطالة والإسهاب ، ولمن يبتغي المزيد فعليه بمراجعة كتب التفسير المختلفة :
1 . قال الطبرسي : قد نزلت الآية في جماعة أُكرهوا على الكفر ، وهم عمّـار وأبوه ياسر وأُمّه سميّة ، وقُتلَ الأبوان لأنّهما لم يظهرا الكفر ولم ينالا من النبيّ ، وأعطاهم عمّـار ما أرادوا منه ، فأطلقوه ، ثمّ أخبر عمّـار بذلك رسول الله ، وانتشر خبره بين المسلمين ، فقال قوم : كفر عمّـار ، فقال الرسول : «كلاّ إنّ عمّـاراً مُلئ إيماناً من قرنه إلى قدمه ، واختلط الإيمان بلحمه ودمه» .
وفي ذلك نزلت الآية السابقة ، وكان عمّار يبكي ، فجعل رسول الله يمسح عينيه ويقول : «إن عادوا لك فعد لهم بما قلت».(2)

1 . النحل : 106 .   2 . مجمع البيان: 3 / 388 .

صفحه 91
2 . وقال الزمخشري : روي أنّ أُناساً من أهل مكة فُتِنُوا فارتدوا عن الإسلام بعد دخولهم فيه ، وكان فيهم من أُكره وأجرى كلمة الكفر على لسانه وهو معتقد للإيمان ، منهم عمّـار بن ياسر وأبواه : ياسر وسميّة ، وصهيب وبلال وخباب .
أمّا عمّـار فأعطاهم ما أرادوا بلسانه مكرهاً . .. .(1)
3 . وقال الحافظ ابن ماجة : والإيتاء : معناه الإعطاء أن وافقوا المشركين على ما أرادوا منهم تقيّة ، والتقيّة في مثل هذه الحال جائزة; لقوله تعالى : (إلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَـانِ).(2)
4 . وقال القرطبي : قال الحسن : التقية جائزة للإنسان إلى يوم القيامة ـ ثمّ قال : ـ أجمع أهل العلم على أنّ من أُكره على الكفر حتّى خشى على نفسه القتل إنّه لا إثم عليه إن كفر وقلبه مطمئن بالإيمان ولا تبين منه زوجته ولا يحكم عليه بالكفر ، هذا قول مالك والكوفيين والشافعي.(3)
5 . قال الخازن : التقية لا تكون إلاّ مع خوف القتل مع سلامة النيّة ، قال الله تعالى : (إلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَـانِ) ثمّ هذه

1 . تفسير الكشاف:2 / 430 .
2 . سنن ابن ماجة: 1 / 53 ، شرح الحديث 150 .
3 . الجامع لأحكام القرآن: 4 / 57 .

صفحه 92
التقية رخصة.(1)
6 . قال الخطيب الشربيني : (إلاّ مَنْ أُكْرِهَ ) أي على التلفّظ به (وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَـانِ) فلا شيء عليه، لأنّ محل الإيمان هو القلب.(2)
7 . وقال إسماعيل حقّي : (إلاّ مَنْ أُكْرِهَ ) أُجبر على ذلك اللفظ بأمر يخاف على نفسه أو عضو من أعضائه . . . لأنّ الكفر اعتقاد ، والإكراه على القول دون الاعتقاد ، والمعنى : ولكن المكره على الكفر باللسان ، (وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَـانِ)لا تتغيّر عقيدته ، وفيه دليل على أنّ الإيمان المنجي المعتبر عند الله ، هو التصديق بالقلب.(3)

الآية الثانية :

قال سبحانه : (لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ الله فِي شَيْء إلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ وَإِلى الله الْمصيرُ).(4)

1 . تفسير الخازن: 1 / 277 .
2 . السراج المنير في تفسير الآية .
3 . تفسير روح البيان: 5 / 84 .
4 . آل عمران : 28 .

صفحه 93
وكلمات المفسّرين حول الآية تغنينا عن أيّ توضيح :
1 . قال الطبري : (إلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً) : قال أبو العالية : التقيّة باللسان ، وليس بالعمل ، حُدّثت عن الحسين قال : سمعت أبا معاذ قال : أخبرنا عبيد قال : سمعت الضحّاك يقول في قوله تعالى : (إلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً)قال : التقيّة باللسان من حُمِلَ على أمر يتكلّم به وهو لله معصية فتكلّم مخافة على نفسه (وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَـانِ)فلا إثم عليه ، إنّما التقية باللسان.(1)
2 . وقال الزمخشري في تفسير قوله تعالى : (إلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً) : رخّص لهم في موالاتهم إذا خافوهم ، والمراد بتلك الموالاة : مخالفة ومعاشرة ظاهرة ، والقلب مطمئنّ بالعداوة والبغضاء وانتظار زوال المانع.(2)
3 . قال الرازي في تفسير قوله تعالى : (إلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً) : المسألة الرابعة : اعلم : أنّ للتقية أحكاماً كثيرة، ونحن نذكر بعضها :
أ . إنّ التقية إنّما تكون إذا كان الرجل في قوم كفّار ، ويخاف منهم على نفسه ، وماله ، فيداريهم باللسان ، وذلك بأن لا يظهر العداوة باللسان ، بل يجوز أيضاً أن يظهر الكلام الموهم للمحبّة

1 . جامع البيان: 3 / 153 .
2 . تفسير الكشّاف: 1 / 422 .

صفحه 94
والموالاة ، ولكن بشرط أن يضمر خلافه وأن يعرض في كلّ ما يقول ; فإنّ للتقيّة تأثيرها في الظاهر لا في أحوال القلوب .
ب . التقية جائزة لصون النفس ، وهل هي جائزة لصون المال؟ يحتمل أن يحكم فيها بالجواز لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم) : «حرمة مال المسلم كحرمة دمه» ولقوله(صلى الله عليه وآله وسلم) : «من قتل دون ماله فهو شهيد».(1)
4 . وقال النسفي : (إلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً) إلاّ أن تخافوا جهتهم أمراً يجب اتقاؤه ، أي ألاّ يكون للكافر عليك سلطان ، فتخافه على نفسك ومالك ، فحينئذ يجوز لك إظهار الموالاة وإبطان المعاداة.(2)
5 . وقال الآلوسي : وفي الآية دليل على مشروعية التقية; وعرَّفوها بمحافظة النفس أو العرض أو المال من شرّ الأعداء . والعدوّ قسمان :
الأوّل : من كانت عداوته مبنيّة على اختلاف الدين ، كالكافر والمسلم .
الثاني : من كانت عداوته مبنية على أغراض دنيوية ، كالمال والمتاع والملك والإمارة.(3)

1 . مفاتيح الغيب: 8 / 13 .
2 . تفسير النفسي بهامش تفسير الخازن: 1 / 277 .
3 . روح المعاني: 3 / 121 .

صفحه 95
6 . وقال جمال الدين القاسمي : ومن هذه الآية : (إلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً)استنبط الأئمّة مشروعية التقية عند الخوف ، وقد نقل الإجماع على جوازها عند ذلك الإمام مرتضى اليماني في كتابه «إيثار الحقّ على الخلق».(1)
7 . وفسر المراغي قوله تعالى : (إلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً)بقوله : أي ترك موالاة المؤمنين للكافرين حتم لازم في كل حال، إلاّ في حال الخوف من شيء تتّقونه منهم ، فلكم حينئذ أن تتّقوهم بقدر ما يبقى ذلك الشيء; إذ القاعدة الشرعية «إنّ درء المفاسد مقدّم على جلب المصالح» .
وإذا جازت موالاتهم لاتّقاء الضرر فأولى أن تجوز لمنفعة المسلمين ، إذاً فلا مانع من أن تحالف دولة إسلامية دولة غير مسلمة لفائدة تعود إلى الأُولى، إمّا بدفع ضرر أو جلب منفعة ، وليس لها أن تواليها في شيء يضرّ المسلمين ، ولا تختصّ هذه الموالاة بحال الضعف ، بل هي جائزة في كلّ وقت .
وقد استنبط العلماء من هذه الآية جواز التقية بأن يقول الإنسان أو يفعل ما يخالف الحقّ ، لأجل التوقّي من ضرر يعود من الأعداء إلى النفس ، أو العرض ، أو المال .
فمن نطق بكلمة الكفر مكرهاً وقاية لنفسه من الهلاك ،

1 . محاسن التأويل: 4 / 82 .

صفحه 96
وقلبه مطمئنّ بالإيمان ، لا يكون كافراً بل يُعذر كما فعل عمّـار بن ياسر حين أكرهته قريش على الكفر فوافقها مكرهاً وقلبه مطمئنّ بالإيمان وفيه نزلت الآية :
(مَنْ كَفَرَ بِالله مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمان).(1)
هذه الجمل الوافية والعبارات المستفيضة لا تدع لقائل مقالا إلاّ أن يحكم بشرعية التقية بالمعنى الذي عرفته ، بل قد لا يجد أحد مفسّراً أو فقيهاً وقف على مفهومها وغايتها يتردّد في الحكم بجوازها ، كما أنّك أخي القارئ لا تجد إنساناً واعياً لا يستعملها في ظروف عصيبة ، ما لم تترتّب عليها مفسدة عظيمة ، كما سيوافيك بيانها عند البحث عن حدودها .
وإنّما المعارض لجوازها أو المغالط في مشروعيتها ، فإنّما يفسّرها بالتقيّة الرائجة بين أصحاب التنظيمات السرّية والمذاهب الهدّامة كالنصيرية والدروز ، والباطنية كلّهم ، إلاّ أنّ المسلمين جميعاً بريئون من هذه التقيّة الهدامة لكلّ فضيلة رابية .

الآية الثالثة :

قال تعالى : (وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ الله وَقَدْ جَآءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَبِّكُمْ وَإِن

1 . تفسير المراغي: 3 / 136 .

صفحه 97
يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقَاً يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ الله لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْـرِفٌ كَذَّابٌ).(1)
وكانت عاقبة أمره أن : (وَقَاهُ الله سِيِّئَاتِ مَا مَكَرُواْ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ)(2) .
وما كان ذلك إلاّ لأنّه بتقيّته استطاع أن يُنجي نبيّ الله من الموت : (قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْملأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ)(3) .
وهذه الآيات تدلّ على جواز التقيّة لإنقاذ المؤمن من شرّ عدوّه الكافر .
اتّقاء المسلم من المسلم في ظروف خاصّة
إنّ مورد الآيات وإن كان هو اتّقاء المسلم من الكافر ، ولكن المورد ليس بمخصّص لحكم الآية فقط ، إذ ليس الغرض من تشريع التقيّة عند الابتلاء بالكفّار إلاّ صيانة النفس والنفيس من الشرّ ، فإذا ابتُلي المسلم بأخيه المسلم الذي يخالفه في بعض الفروع ولا يتردّد الطرف القوي عن إيذاء الطرف الآخر ، كأن ينكّل به أو ينهب أمواله أو يقتله ، ففي تلك الظروف الحرجة يحكم

1 . غافر : 28 .
2 . غافر : 45 .
3 . القصص : 20 .

صفحه 98
العقل السليم بصيانة النفس والنفيس عن طريق كتمان العقيدة واستعمال التقية ، ولو كان هناك وزر إنّما يتوجّه على من يُتّقى منه لا على المتّقي ، فلو سادت الحرّية جميع الفرق الإسلامية ، وتحمّلت كلّ فرقة آراء الفرقة الأُخرى بصدر رحب ، وفهمت بأنّ ذلك هو قدر اجتهادها ، لم يضطرّ أحد من المسلمين إلى استخدام التقيّة ، ولساد الوئام مكان النزاع .
وقد فهم ذلك لفيف من العلماء وصرّحوا به ، وإليك نصوص بعضهم :
1 . يقول الإمام الرازي في تفسير قوله سبحانه : (إلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً)ظاهر الآية على أنّ التقية إنّما تحلّ مع الكفّار الغالبين ، إلاّ أنّ مذهب الشافعي ـ رضي الله عنه ـ : أنّ الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحالة بين المسلمين والكافرين حلّت التقيّة محاماة عن النفس .
وقال : التقيّة جائزة لصون النفس ، وهل هي جائزة لصون المال؟ يحتمل أن يحكم فيها بالجواز لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم) : «حرمة مال المسلم كحرمة دمه» وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم) : «من قتل دون ماله فهو شهيد».(1)
2 . ينقل جمال الدين القاسمي عن الإمام مرتضى اليماني في كتابه «إيثار الحقّ على الخلق» ما هذا نصه : «وزاد الحق غموضاً

1 . مفاتيح الغيب: 8 / 13 في تفسير الآية .

صفحه 99
وخفاءً أمران : أحدهما : خوف العارفين ـ مع قلّتهم ـ من علماء السوء وسلاطين الجور وشياطين الخلق مع جواز التقيّة عند ذلك بنصّ القرآن ، وإجماع أهل الإسلام ، وما زال الخوف مانعاً من إظهار الحقّ ، ولا برح المحقّ عدوّاً لأكثر الخلق ، وقد صحّ عن أبي هريرة أنّه قال في ذلك العصر الأوّل : «حفظت من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وعاءين ، أمّا أحدهما فبثثته في الناس ، وأمّا الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم».(1)
3 . وقال المراغي في تفسير قوله سبحانه : (مَنْ كَفَرَ بِالله مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَـان) : ويدخل في التقية مداراة الكفرة والظلمة والفسقة ، وإلانة الكلام لهم ، والتبسّم في وجوههم ، وبذل المال لهم; لكفّ أذاهم وصيانة العرض منهم ، ولا يعدّ هذا من الموالاة المنهيّ عنها ، بل هو مشروع ، فقد أخرج الطبراني قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) : «ما وَقَى المؤمن به عرضَه فهو صدقة».(2)
إنّ الشيعة تتّقي الكفّار في ظروف خاصة لنفس الغاية التي لأجلها يتّقيهم السنّيّ ، غير أنّ الشيعي ولأسباب لا تخفى ، يلجأ إلى اتّقاء أخيه المسلم لا قصور في الشيعي ، بل في أخيه الذي دفعه إلى ذلك; لأنّه يدرك أنّ الفتك والقتل مصيره إذا صرّح بمعتقده

1 . محاسن التأويل : 4 / 82 .
2 . تفسير المراغي: 3 / 136 .

صفحه 100
الذي هو موافق لأُصول الشرع الإسلامي وعقائده ، نعم كان الشيعي وإلى وقت قريب يتحاشى أن يقول : إنّ الله ليس له جهة ، أو إنّه تعالى لا يُرى يوم القيامة ، وإنّ المرجعية العلمية والسياسية لأهل البيت بعد رحيل النبيّ الأكرم ، أو إنّ حكم المتعة غير منسوخ; فإنّ الشيعي إذا صرّح بهذه الحقائق ـ التي استنبطت من الكتـاب والسنّة ـ سوف يُعرّض نفسه ونفيسه للمهالك والمخاطر . وقد مرّ عليك كلام الرازي وجمال الدين القاسمي والمراغي الصريح في جواز هذا النوع من التقية ، فتخصيص التقية بالتقية من الكافر فحسب جمود على ظاهر الآية وسدّ لباب الفهم ، ورفض للملاك الذي شُرّعت لأجله التقية ، وإعدام لحكم العقل القاضي بحفظ الأهمّ إذا عارض المهمّ .
والتاريخ بين أيدينا يحدّثنا بوضوح عن لجوء جملة معروفة من كبار المسلمين إلى التقية في ظروف عصيبة أوشكت أن تودي بحياتهم وبما يملكون ، وخير مثال على ذلك ما أورده الطبري في تاريخه عن محاولة المأمون دفع وجوه القضاة والمحدّثين في زمانه إلى الإقرار بخلق القرآن قسراً حتّى وإن استلزم ذلك قتل الجميع دون رحمة ، ولمّا أبصر أُولئك المحدِّثون حدّ السيف مشهراً عمدوا إلى مصانعة المأمون في دعواه وأسرّوا معتقدهم في صدورهم ، ولمّا عوتبوا على ما ذهبوا إليه من موافقة المأمون ،

صفحه 101
برّروا عملهم بعمل عمّـار بن ياسر حين أُكره على الشرك وقلبه مطمئنّ بالإيمان ، والقصّة شهيرة وصريحة في جواز اللجوء إلى التقية التي دأب البعض على التشنيع فيها على الشيعة; وكأنّهم هم الذين ابتدعوها من بنات أفكارهم دون أن تكون لها قواعد وأُصول إسلامية ثابتة ومعلومة .(1)

الظروف العصيبة التي مرّت بها الشيعة

الذي دفع الشيعة إلى التقية بين إخوانهم وأبناء دينهم إنّما هو الخوف من السلطات الغاشمة ، فلو لم يكن هناك في غابر القرون ـ من عصر الأُمويين ثمّ العباسيين والعثمانيين ـ أيّ ضغط على الشيعة ، ولم تكن بلادهم وعقر دارهم مخضّبة بدمائهم ـ والتاريخ خير شاهد على ذلك ـ كان من المعقول أن تنسى الشيعة كلمة التقية ، وأن تحذفها من ديوان حياتها ، ولكن ياللأسف!! فإنّ كثيراً من إخوانهم كانوا أداة طيّعة بيد الأُمويين والعباسيين الذين كانوا يرون في مذهب الشيعة خطراً على مناصبهم ، فكانوا يؤلِّبون العامّة من أهل السنّة على الشيعة يقتلونهم ويضطهدونهم وينكّلون بهم ، ولذا ونتيجة لتلك الظروف الصعبة لم يكن للشيعة ، بل لكلّ من يملك شيئاً من العقل وسيلة إلاّ اللجوء إلى التقية أو رفع اليد

1 . تاريخ الطبري: 7 / 195 ـ 206 .

صفحه 102
عن المبادئ المقدّسة التي هي أغلى عنده من نفسه وماله .
والشواهد على ذلك أكثر من أن تُحصى أو أن تعدّ ، إلاّ أنّا سنستعرض جانباً مختصراً منها : فمن ذلك ما كتبه معاوية بن أبي سفيان باستباحة دماء الشيعة أينما كانوا وكيفما كانوا .

كتاب معاوية إلى عماله

روى أبو الحسن علي بن محمّد بن أبي سيف المدائني
في كتاب «الأحداث» قال: كتب معاوية نسخة واحدة إلى عماله بعد عام الجماعة: أن برئت الذمة ممّن روى شيئاً من فضل
أبي تراب وأهل بيته، فقامت الخطباء في كلّ كورة، وعلى كلّ
منبر، يلعنون علياً ويبرأون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته،
وكان أشدّ الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة، لكثرة من بها من
شيعة علي(عليه السلام)فاستعمل عليها زياد بن سمية، وضم إليه البصرة، فكان يتبع الشيعة وهو بهم عارف، لأنّه كان منهم أيّام
علي(عليه السلام)، فقتلهم تحت كلّ حجر ومدر، وأخافهم، وقطع الأيدي والأرجل، وسمل العيون، وصلبهم على جذوع النخل، وطردهم وشرَّدهم عن العراق، فلم يبق بها معروف منهم، وكتب معاوية
إلى عماله في جميع الآفاق: ألاّ يجيزوا لأحد من شيعة علي وأهل بيته شهادة.
ثمّ كتب إلى عماله نسخة واحدة إلى جميع البلدان: انظروا

صفحه 103
من قامت عليه البيّنة أنّه يحبّ علياً وأهل بيته، فامحوه من الديوان، وأسقطوا عطاءه ورزقه، وشفع ذلك بنسخة أُخرى: من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم، فنكّلوا به، واهدموا داره. فلم يكن البلاء أشدّ ولا أكثر منه بالعراق، ولا سيّما بالكوفة حتّى أنّ الرجل من شيعة علي(عليه السلام)، ليأتيه من يثق به، فيدخل بيته، فيُلقي إليه سره، ويخاف من خادمه ومملوكه، ويحدّثه حتى يأخذ عليه الأيمان الغليظة، ليكتمن عليه.
وأضاف ابن أبي الحديد: فلم يزل الأمر كذلك حتى مات الحسن بن علي(عليهما السلام)، فازداد البلاء والفتنة، فلم يبق أحد من هذا القبيل إلاّ وهو خائف على دمه، أو طريد في الأرض.
ثمّ تفاقم الأمر بعد قتل الحسين(عليه السلام)، وولي عبد الملك بن مروان، فاشتد على الشيعة، وولى عليهم الحجاج بن يوسف، فتقرَّب إليه أهل النسك والصلاح والدين ببغض علي وموالاة أعدائه، وموالاة من يدعي من الناس أنّهم أيضاً أعداؤه، فأكثروا في الرواية في فضلهم وسوابقهم ومناقبهم، وأكثروا من البغض من علي(عليه السلام) وعيبه، والطعن فيه، والشنآن له، حتى أنّ إنساناً وقف للحجاج ـ ويقال إنّه جدّ الأصمعي ـ عبد الملك بن قريب بن قريب فصاح به: أيّها الأمير إنّ أهلي عقوني فسموني عليّاً، وإنّي فقير وبائس وأنا إلى صلة الأمير محتاج، فتضاحك له الحجاج،

صفحه 104
وقال: للطف ما توسلتَ به، قد وليتك موضع كذا.(1)
ونتيجة لذلك شهدت أوساط الشيعة مجازر بشعة على يد السلطات الغاشمة ، فقتل الآلاف منهم ، وأمّا من بقي منهم على قيد الحياة فقد تعرّض إلى شتّى صنوف التنكيل والإرهاب والتخويف ، والحق يقال إنّ من الأُمور العجيبة أن تبقى لهذه الطائفة باقية رغم كلّ ذلك الظلم الكبير والقتل الذريع ، بل العجب العجاب أن تجد هذه الطائفة قد ازدادت قوّة وعدّة ، وأقامت دولا وشيّدت حضارات وبرز منها الكثير من العلماء والمفكرين .
فلو كان الأخ السنّي يرى التقية أمراً محرّماً فليعمل على رفع الضغط عن أخيه الشيعي ، وأن لا يضيّق عليه في الحرّية التي سمح بها الإسلام لأبنائه ، وليعذره في عقيدته وعمله كما عذر أُناساً كثيرين خالفوا الكتاب والسنّة وأراقوا الدماء ونهبوا الدور ، فكيف بطائفة تدين بدينه وتتّفق معه في كثير من معتقداته؟ وإذا كان معاوية وأبناء بيته والعباسيون كلّهم عنده مجتهدين في بطشهم وإراقة دماء مخالفيهم ، فماذا يمنعه عن إعذار الشيعة باعتبارهم مجتهدين؟
وإذا كانوا يقولون ـ وذاك هو العجيب ـ إنّ الخروج على الإمام عليّ(عليه السلام)غير مضرّ بعدالة الخارجين والثائرين عليه ، وفي

1 . شرح نهج البلاغة:11/44ـ 46.

صفحه 105
مقدّمتهم طلحة والزبير وأُمّ المؤمنين عائشة ، وإنّ إثارة الفتن في صفّين ـ التي انتهت إلى قتل كثير من الصحابة والتابعين ، وإراقة دماء الآلاف من العراقيين والشاميين ـ لا تنقص شيئاً من ورع المحاربين ، وهم بعد ذلك مجتهدون معذورون لهم ثواب من اجتهد وأخطأ ، فلم لا يتعامل مع الشيعة ضمن هذا الفهم ، ويذهب إلى أنّهم معذورون ومثابون!!
نعم كانت التقية بين الشيعة تزداد تارة وتتضاءل أُخرى ، حسب قوّة الضغط وضآلته ، فشتّان ما بين عصر المأمون الذي يجيز مادحي أهل البيت ، ويكرم العلويين ، وبين عصر المتوكّل الذي يقطع لسان ذاكرهم بفضيلة .
فهذا ابن السكّيت أحد أعلام الأدب في زمن المتوكّل ، وقد اختاره معلّماً لولديه فسأله يوماً : أيّهما أحبُّ إليك ابناي هذان أم الحسن والحسين؟ قال ابن السكّيت : والله إنّ قنبر خادم عليّ(عليه السلام)خير منك ومن ابنيك . فقال المتوكل : سلّوا لسانه من قفاه ، ففعلوا ذلك به فمات ، وذلك في ليلة الاثنين لخمس خلون من رجب سنة أربع وأربعين ومائتين ، وقيل ثلاث وأربعين ، وكان عمره ثمانياً وخمسين سنة . ولمّا مات سيَّـر المتوكل لولده يوسف عشرة آلاف درهم وقال : هذه دية والدك!!.(1)

1 . وفيات الأعيان: 3 / 33 ; سير أعلام النبلاء: 12 / 16 .

صفحه 106
وهذا ابن الرومي الشاعر العبقري يقول في قصيدته التي يرثي بها يحيى بن عمر بن الحسين بن زيد بن علي :
أكلّ أوان للنبيّ محمّد *** قتيل زكيّ بالدماء مضرّجُ
بني المصطفى كم يأكل الناس شلوكم *** لبلواكم عمّا قليل مفرِّجُ
أبعد المكنّى بالحسين شهيدكم *** تضيء مصابيح السماء فتسرجُ(1)
فإذا كان هذا هو حال أبناء الرسول ، فما هو حال شيعتهم ومقتفي آثارهم؟!
قال العلاّمة الشهرستاني : إنّ التقية شعار كلّ ضعيف مسلوب الحرية . إنّ الشيعة قد اشتهرت بالتقية أكثر من غيرها; لأنّها منيت باستمرار الضغط عليها أكثر من أية أُمّة أُخرى ، فكانت مسلوبة الحريّة في عهد الدولة الأُموية كلّه ، وفي عهد العباسيين على طوله ، وفي أكثر أيام الدولة العثمانية ، ولأجله استشعروا بشعار التقية أكثر من أيّ قوم ، ولمّا كانت الشيعة تختلف عن الطوائف المخالفة لها في قسم مهمّ من الاعتقادات في أُصول الدين ، وفي كثير من الأحكام الفقهيّة ، والمخالفة تستجلب بالطبع رقابة ،

1 . ديوان ابن الرومي: 2 / 243 .

صفحه 107
وتصدّقه التجارب ، لذلك أضحت شيعة الأئمة من آل البيت مضطرة في أكثر الأحيان إلى كتمان ما تختصّ به من عادة أو عقيدة أو فتوى أو كتاب أو غير ذلك ، تبتغي بهذا الكتمان صيانة النفس والنفيس ، والمحافظة على الوداد والأُخوّة مع سائر إخوانهم المسلمين ، لئلا تنشق عصا الطاعة ، ولكي لا يحسّ الكفار بوجود اختلاف ما في المجتمع الإسلامي ، فيوسع الخلاف بين الأُمّة المحمّدية .
لهذه الغايات النزيهة كانت الشيعة تستعمل التقيّة وتحافظ على وفاقها في الظواهر مع الطوائف الأُخرى ، متّبعة في ذلك سيرة الأئمة من آل محمّد وأحكامهم الصارمة حول وجوب التقية من قبيل : «التقية ديني ودين آبائي» ، إذ أنّ دين الله يمشي على سنّة التقية لمسلوبي الحرية ، دلّت على ذلك آيات من القرآن العظيم.(1)
روي عن صادق آل البيت (عليهم السلام) في الأثر الصحيح : «التقية ديني ودين آبائي» و «من لا تقية له لا دين له» وكذلك هي .
لقد كانت التقية شعاراً لآل البيت (عليهم السلام) دفعاً للضرر عنهم ، وعن أتباعهم ، وحقناً لدمائهم ، واستصلاحاً لحال المسلمين ، وجمعاً لكلمتهم ، ولمّاً لشعثهم ، وما زالت سمة تُعرف بها الإمامية دون غيرها من الطوائف والأُمم . وكلّ إنسان إذا أحسّ بالخطر على

1 . لاحظ: غافر : 28 ، النحل : 106 .

صفحه 108
نفسه ، أو ماله بسبب نشر معتقده ، أو التظاهر به لابدّ أن يتكتّم ويتّقي مواضع الخطر . وهذا أمر تقتضيه فطرة العقول .
ومن المعلوم أنّ الإمامية وأئمتهم لاقوا من ضروب المحن ، وصنوف الضيق على حرّياتهم في جميع العهود ما لم تلاقه أيّة طائفة ، أو أُمّة أُخرى ، فاضطرّوا في أكثر عهودهم إلى استعمال التقية في تعاملهم مع المخالفين لهم ، وترك مظاهرتهم ، وستر عقائدهم ، وأعمالهم المختصّة بهم عنهم ، لما كان يعقب ذلك من الضرر في الدنيا .
ولهذا السبب امتازوا بالتقية وعرفوا بها دون سواهم .
وللتقية أحكام من حيث وجوبها وعدم وجوبها ، بحسب اختلاف مواقع خوف الضرر ، مذكورة في أبوابها في كتب العلماء الفقهيّة.(1)

حدّ التقيّة 

قد تعرّفت على مفهوم التقية وغايتها ، ودليلها ، وبقي الكلام في تبيين حدودها ، فنقول :
عرفت الشيعة بالتقية وأنّهم يتّقون في أقوالهم وأفعالهم ، فصار ذلك مبدأ لوهم عالق بأذهان بعض السطحيين والمغالطين ،

1 . مجلّة المرشد: 3 / 252 ، 253، كما في تعليقة أوائل المقالات : 96 .

صفحه 109
فقالوا : بما أنّ التقية من مبادئ التشيّع فلا يصحّ الاعتماد على كلّ ما يقولون ويكتبون وينشرون; إذ من المحتمل جدّاً أن تكون هذه الكتب دعايات والواقع عندهم غيرها . هذا ما نسمعه منهم مرّة بعد مرّة ، ويكرّره الكاتب الباكستاني «إحسان إلهي ظهير» في كتبه السقيمة التي يتحامل بها على الشيعة .
ولكن نلفت نظر القارئ الكريم إلى أنّ مجال التقية إنّما هو في حدود القضايا الشخصية الجزئية عند وجود الخوف على النفس والنفيس ، فإذا دلّت القرائن على أنّ في إظهار العقيدة أو تطبيق العمل على مذهب أهل البيت يحتمل أن يدفع بالمؤمن إلى الضرر يصبح هذا المورد من مواردها ، ويحكم العقل والشرع بلزوم الاتّقاء حتّى يصون بذلك نفسه ونفيسه عن الخطر . وأمّا الأُمور الكلّية الخارجة عن إطار الخوف فلا تتصوّر فيها التقيّة ، والكتب المنتشرة من جانب الشيعة داخلة في هذا النوع الأخير; إذ لا خوف هناك حتّى يكتب خلاف ما يعتقد ، حيث لم يكن هناك لزوم للكتابة أصلا في هذه الحال ، فله أن يسكت ولا يكتب شيئاً .
فما يدّعيه هؤلاء أنّ هذه الكتب دعايات لا واقعيات ناشئ عن عدم معرفتهم بحقيقة التقيّة عند الشيعة .
والحاصل : أنّ الشيعة إنّما كانت تتّقي في عصر لم تكن لهم دولة تحميهم ، ولا قدرة ولا منعة تدفع عنهم الأخطار . وأمّا هذه

صفحه 110
الأعصار فلا مسوّغ ولا مبرر للتقيّة إلاّ في موارد خاصة .
إنّ الشيعة ـ وكما ذكرنا ـ لم تلجأ إلى التقية إلاّ بعد أن اضطرّت إلى ذلك ، وهو حقّ لا أعتقد أن يخالفها فيه أحد ينظر إلى الأُمور بلبّه لا بعواطفه ، إلاّ أنّ من الثوابت الصحيحة بقاء هذه التقيّة ـ إلاّ في حدود ضيّقة ـ تنحصر في مستوى الفتاوى ، ولم تترجم إلاّ قليلا على المستوى العملي ، بل كانوا عملياً من أكثر الناس تضحية ، وبوسع كلّ باحث أن يرجع إلى مواقف رجال الشيعة مع معاوية وغيره من الحكام الأُمويين ، والحكّام العباسيين ، أمثال حجر بن عدي ، وميثم التمار ، ورشيد الهجري ، وكميل بن زياد ، ومئات غيرهم ، وكمواقف العلويين على امتداد التاريخ وثوراتهم المتتالية .
 
التقية المحرّمة 
إنّ التقية تنقسم حسب الأحكام الخمسة ، فكما أنّها تجب لحفظ النفوس والأعراض والأموال ، فإنّها تحرم إذا ترتّبت عليها مفسدة أعظم ، كهدم الدين وخفاء الحقيقة على الأجيال الآتية ، وتسلّط الأعداء على شؤون المسلمين وحرماتهم ومقدّساتهم ، ولأجل ذلك ترى أنّ كثيراً من أكابر الشيعة رفضوا التقيّة في بعض الأحيان وقدّموا أنفسهم وأرواحهم أضاحي من أجل الدين ، فللتقيّة مواضع معيّنة ، كما أنّ للقسم المحرّم منها مواضع خاصّة

صفحه 111
أيضاً .
إنّ التقية في جوهرها كتم ما يحذر من إظهاره حتّى
يزول الخطر ، فهي أفضل السبل للخلاص من البطش ، ولكن ذلك لا يعني أنّ الشيعي جبان خائر العزيمة ، خائف متردّد الخطوات يملأ حناياه الذلّ ، كلاّ!! إنّ للتقية حدوداً لا تتعدّاها ، فكما
هي واجبة في حين ، هي حرام في حين آخر ، فالتقيّة أمام الحاكم الجائر كيزيد بن معاوية مثلا محرّمة; إذ فيها الذلّ والهوان ونسيان المثل والرجوع إلى الوراء ، فليست التقيّة في جوازها ومنعها تابعة للقوّة والضعف ، وإنّما تحدّدها جوازاً ومنعاً مصالح الإسلام والمسلمين .
إنّ للإمام الخميني ـ قدّس الله سرّه ـ كلاماً في المقام ننقله بنصّه حتّى يقف القارئ على أنّ للتقية أحكاماً خاصة وربّما تحرم لمصالح عالية . قال(قدس سره) :
تحرم التقية في بعض المحرّمات والواجبات التي تمثّل في نظر الشارع والمتشرّعة مكانة بالغة ، مثل هدم الكعبة ، والمشاهد المشرّفة ، والردّ على الإسلام والقرآن والتفسير بما يضرّ المذهب ويطابق الإلحاد وغيرها من عظائم المحرمات ، ولا تعمّها أدلّة التقية ولا الاضطرار ولا الإكراه .
وتدلّ على ذلك معتبرة مسعدة بن صدقة وفيها : «فكلّ شيء

صفحه 112
يعمل المؤمن بينهم لمكان التقية ممّا لا يؤدي إلى الفساد في الدين فإنّه جائز».(1)
ومن هذا الباب ما إذا كان المتّقي ممّن له شأن وأهمية في نظر الخلق ، بحيث يكون ارتكابه لبعض المحرّمات تقيّة أو تركه لبعض الواجبات كذلك ممّا يعدّ موهناً للمذهب وهاتكاً لحرمه ، كما لو أُكره على شرب المسكر والزنا مثلا; فإنّ جواز التقية في مثله متمسكاً بحكومة دليل الرفع(2) وأدلّة التقية مشكل ، بل ممنوع ، وأولى من ذلك كلّه في عدم جواز التقية فيه ما لو كان أصل من أُصول الإسلام أو المذهب أو ضروري من ضروريات الدين في معرض الزوال والهدم والتغيير ، كما لو أراد المنحرفون الطغاة تغيير أحكام الإرث والطلاق والصلاة والحجّ وغيرها من أُصول الأحكام فضلا عن أُصول الدين أو المذهب ، فإنّ التقية في مثلها غير جائزة ، ضرورة أنّ تشريعها لبقاء المذهب وحفظ الأُصول
وجمع شتات المسلمين لإقامة الدين وأُصوله ، فإذا بلغ الأمر إلى هدمها فلا تجوز التقية ، وهو مع وضوحه يظهر من الموثقة المتقدّمة.(3)

1 . الوسائل: 11، كتاب الأمر بالمعروف ، الباب 25 ح 6 .
2 . قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) : «رفع عن أُمّتي ما اضطرّوا إليه وما استكرهوا عليه» .
3 . الرسائل :2/177 ـ 178 .

صفحه 113
وهكذا فقد بيّنا للجميع الأبعاد الحقيقية والواقعية للتقية ، وخرجنا بالنتائج التالية :
1 . إنّ التقية أصل قرآني مدعم بالسنّة النبوية ، وقد استعملها في عصر الرسالة من ابتلي بها من الصحابة لصيانة نفسه ، فلم يعارضه الرسول ، بل أيّده بالنصّ القرآني ، كما في قضية عمّـار بن ياسر; حيث أمره(صلى الله عليه وآله وسلم)بالعودة إذا عادوا .
2 . إنّ التقية بمعنى تأليف جماعات سرّية لغاية التخريب والهدم ، مرفوضة عند المسلمين عامّة والشيعة خاصّة ، وهو لا يمتّ للتقية المتبنّاة من قبل الشيعة بصلة .
3 . إنّ المفسرين في كتبهم التفسيرية عندما تعرّضوا لتفسير الآيات الواردة في التقية اتفقوا على ما ذهبت إليه الشيعة من إباحتها للتقية .
4 . إنّ التقية لا تختصّ بالاتقاء من الكافر ، بل تعمّ الاتّقاء من المسلم المخالف ، الذي يريد السوء والبطش بأخيه .
5 . إنّ التقية تنقسم حسب انقسام الأحكام إلى أقسام خمسة ، فبينما هي واجبة في موضع ، فهي محرمة في موضع
آخر .
6 . إنّ مجال التقية لا يتجاوز القضايا الشخصية ، وهي فيما إذا كان الخوف قائماً ، وأمّا إذا ارتفع الخوف والضغط ، فلا موضع

صفحه 114
للتقية لغاية الصيانة .
وفي الختام نقول :
نفترض أنّ التقية جريمة يرتكبها المتّقي لصيانة دمه وعرضه وماله ، ولكنّها في الحقيقة ترجع إلى السبب الذي يفرض التقيّة على الشيعي المسلم ويدفعه إلى أن يتظاهر بشيء من القول والفعل الذي لا يعتقد به ، فعلى من يعيب التقية للمسلم المضطهد ، أن يفسح له الحرية في مجال الحياة ويتركه بحاله ، وأقصى ما يصحّ في منطق العقل ، أن يسأله عن دليل عقيدته ومصدر عمله; فإن كان على حجّة بيّنة يتبعه ، وإن كان على خلافها يعذره في اجتهاده وجهاده العلمي والفكري .
نحن ندعو المسلمين للتأمّل في الدواعي التي دفعت بالشيعة إلى التقية ، وأن يعملوا قدر الإمكان على فسح المجال لإخوانهم في الدين; فإنّ لكلّ فقيه مسلم رأيه ونظره ، وجهده وطاقته .
إنّ الشيعة يقتفون أثر أئمة أهل البيت في العقيدة والشريعة ، ويرون رأيهم; لأنّهم هم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ، وأحد الثقلين اللّذين أمر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) بالتمسّك بهما في مجال العقيدة والشريعة ، وهذه عقائدهم لا تخفى على أحد ، وهي حجّة على الجميع .

صفحه 115
نسأل الله سبحانه أن يصون دماء المسلمين وأعراضهم عن تعرّض أيّ متعرّض ، ويوحّد صفوفهم ، ويؤلّف بين قلوبهم ، ويجمع شملهم ، ويجعلهم صفّاً واحداً في وجه الأعداء ، إنّه على ذلك قدير وبالإجابة جدير .

صفحه 116

المسألة الخامسة:

البداء عند الشيعة الإمامية

المسألة الخامسة: البداء عند الشيعة الإمامية   
إنّ من العقائد الثابتة عند الشيعة الإمامية ، هو القول بالبداء ، ومن الكلمات الدارجة بين علمائهم أنّ النسخ والبداء صنوان ، غير أنّ الأوّل في التشريع ، والثاني في التكوين ، وقد اشتهرت بالقول به كاشتهارها بالقول بالتقية وجواز متعة النساء . وصار القول بهذه الأُمور الثلاثة من خصائصهم وقد أنكرت عليهم السنّة أشد الإنكار خصوصاً في مسألة البداء ، ولكنّهم لو كانوا واقفين على مراد الشيعة من تجويز البداء على الله لتوقّفوا عن الاستنكار ، ولأعلنوا الوفاق ، وأقول عن جدّ : لو أُتيحت الفرصة لعلماء الفريقين للبحث عن النقاط الخلافية بعيداً عن التعصّب والتشنّج لتجلّى الحقّ بأجلى مظاهره ، ولأقرّوا بصحّة مقالة الشيعة ، غير أنّ تلك أُمنية لا تتحقّق إلاّ في فترات خاصّة ، وقد سألني أحد علماء أهل السنّة عن حقيقة البداء فأجبته بإجمال ما أُفصّله في هذا المقام ، فتعجّب من إتقان معناه ، غير أنّه زعم أنّ ما ذكرته نظرية شخصية لا صلة لها بنظرية الإمامية في البداء ، فطلب منّي كتاباً لقدماء علماء الشيعة ،

صفحه 117
فدفعت إليه أوائل المقالات ، وشرح عقائد الصدوق لشيخ الأُمّة محمّد بن النعمان المفيد (336 ـ413هـ ) فقرأهما بدقة ، وجاء بالكتاب بعد أيام وقال : لو كان معنى البداء هو الذي يذكره صاحب الكتاب فهو من صميم عقيدة أهل السنّة ولا يخالفون الشيعة في هذا المبدأ أبداً .
ولتوضيح حقيقة البداء نأتي بمقدمات :
الأُولى : اتّفقت الشيعة على أنّه سبحانه عالم بالحوادث كلّها غابرها وحاضرها ، ومستقبلها ، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ، فلا يتصوّر فيه الظهور بعد الخفاء ، ولا العلم بعد الجهل ، بل الأشياء دقيقها وجليلها ، حاضرة لديه ، ويدلّ عليه الكتاب والسنّة المروية عن طريق أئمّة أهل البيت ـ مضافاً إلى البراهين الفلسفية المقرّرة في محلّها ـ .
أمّا من الكتاب :
فقوله سبحانه : (إنَّ الله لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَـيْءٌ فِـي الأرْضِ وَلا فِـي السَّماءِ).(1)
وقوله تعالى : (وَمَا يَخْفَى عَلى الله مِنْ شَيْء فِي الأرْضِ وَلا فِـي السَّماءِ).(2)

1 . آل عمران : 5 .
2 . إبراهيم : 38 .

صفحه 118
وقوله سبحانه : (إنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ الله كَانَ بِكُلِّ شَـيء عَليماً)(1) كيف وهو محيط بالعالم صغيره وكبيره ، مادّيّه ومجرّده ، والأشياء كلّها قائمة به قياماً قيّوميّاً كقيام المعنى الحرفي بالاسمي والرابطي بالطرفين ، ويكفي في توضيح ذلك قوله سبحانه : (مَا أَصابَ مِنْ مُصيبَة في الأرْضِ وَلا فِـي أَنْفُسِكُمْ إلاّ فِي كِتاب مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْـرَأهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الله يَسيرٌ).(2)
وقوله سبحانه : (وَمَا مِنْ دَابَّة فِي الأرْضِ إلاّ عَلَى الله رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِـي كِتاب مُبين).(3)
وأمّا الأخبار فنكتفي بالقليل منها :
قال الإمام موسى الكاظم(عليه السلام) : «لم يزل الله عالماً بالأشياء قبل أن يخلق الأشياء ، كعلمه بالأشياء بعد ما خلق الأشياء».(2)
وقال الإمام عليّ(عليه السلام) : «كُلُّ سِرٍّ عِنْدَكَ عَلاَنِيَةٌ، وَكُلُ غَيْب عِنْدَكَ شَهَادَةٌ».(3)
قال(عليه السلام) : «وَلاَ يَعْزُبُ عَنْهُ عَدَدُ قَطْرِ الْمَاءِ وَلاَ نُجُومِ السَّمَاءِ، وَلاَ سَوَافِي الرِّيحِ فِي الْهَوَاءِ، وَلاَ دَبِيبُ الَّنمْلِ عَلَى الصَّفَا، وَلاَ مَقِيلُ الذَّرِّ فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ. يَعْلَمُ مَسَاقِطَ الاَْوْرَاقِ، وَخَفِيَّ طَرْفِ

1 . الأحزاب : 54 .      2. الحديد : 22 .   3 . هود : 6 .
2 . الكافي: 1 / 107  ، باب صفات الذات ، الحديث 4 .
3 . نهج البلاغة: الخطبة 105 ، طبعة عبده .

صفحه 119
الاَْحْدَاقِ».(1)
وقال الصادق(عليه السلام) في تفسير قوله : (يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الكِتَابِ)(2) : «فكل أمر يريده الله ، فهو في علمه قبل أن يصنعه ، ليس شيء يبدو له إلاّ وقد كان في علمه ، إنّ الله لا يبدو له من جهل».(3)
وقال(عليه السلام) : «من زعم أنّ الله عزّ وجلّ يبدو له من شيء لم يعلمه أمس; فابرأوا منه».(4)
إلى غير ذلك من الروايات التي تدلّ على إحاطة علمه بكلّ شيء قبل خلقه وحينه وبعده ، وأنّه لا يخفى عليه شيء أبداً.(5)
وأمّا العقل فقد دلّ على تنزّهه من وصمة الحدوث والتغيير ، وأنّه تقدّست أسماؤه أعلى من أن يقع معرضاً للحوادث والتغييرات ، ولأجل ذلك ذهبوا إلى امتناع البداء عليه ـ بمعنى الظهور بعد الخفاء والعلم بعد الجهل ـ لاستلزامه كون ذاته محلاّ للتغيّـر والتبدّل ، المستلزم للتركيب والحدوث ، إلى غير ذلك ممّا يستحيل عليه سبحانه .

1 . نهج البلاغة : الخطبة 171 .
2 . الرعد : 39 .
3 . بحار الأنوار: 4 / 111 باب البداء ، الحديث 30 ; البرهان: 2 / 300 ، الحديث21.
4 . المصدر نفسه .
5 . للاطّلاع على المزيد من الروايات حول علمه تعالى أُنظر البحار: 4 / 121 .

صفحه 120
فالآيات وكذلك الأحاديث المروية عن أئمّة الشيعة (عليهم السلام)تشهد على علمه الذي لا يشوبه جهل ، وعلى سعته لكلّ شيء قبل الخلق وبعده ، وأنّه يستحيل عليه الظهور بعد الخفاء ، والعلم بعد الجهل .
وعليه فمن نسب إلى الشيعة الإمامية ما يستشمّ منه خلاف ما دلّت عليه الآيات والأحاديث فقد افترى كذباً ينشأ من الجهل بعقائد الشيعة ، أو التزلّف إلى حكّام العصر الحاقدين عليهم أو التعصّب المقيت .
وبذلك يعلم بطلان ما قاله الرازي في تفسيره عند البحث عن آية المحو والإثبات ، حيث يقول : قالت الرافضة : البداء جائز على الله تعالى ، وهو أن يعتقد شيئاً ثمّ يظهر له أنّ الأمر بخلاف ما اعتقده ، وتمسّكوا فيه بقوله : (يَمْحُوا الله مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ) ، ثمّ قال : إنّ هذا باطل; لأنّ علم الله من لوازم ذاته المخصوصة ، وما كان كذلك كان دخول التغيـّر والتبدّل فيه باطلا.(1)
وما حكاه الرازي عن «الرافضة» كاشف عن جهله بعقيدة الشيعة ، وإنّما سمعه عن بعض الكذّابين الأفّاكين الذين يفتعلون الكذب لغايات فاسدة ، وقد قبله من دون إمعان ودقّة ، مع أنّ موطنه ومسقط رأسه بلدة (ري) التي كانت آنذاك مزدحم الشيعة

1 . تفسير الرازي: 4 / 216، تفسير سورة الرعد .

صفحه 121
ومركزهم ، وكان الشيخ محمود بن عليّ بن الحسن سديد الدين الحمصي الرازي ـ علاّمة زمانه في الأُصولين ـ معاصراً ومواطناً للرازي وهو مؤلّف كتاب «المنقذ من التقليد والمرشد إلى التوحيد»(1) ، ولو كان الفخر الرازي رجلا منصفاً لرجع إليه في تبيين عقائد الشيعة ، ولما تهجم عليهم بسباب مقذع ، وربّما ينقل عنه بعض الكلمات في تفسيره .
وليس الرازي فريداً في التقوُّل في هذا المجال ، بل سبقه البلخي (المتوفّى 319هـ ) في هذه النسبة(2) ، ونقله الشيخ الأشعري (260 ـ 324هـ )(3) ونقله أبو الحسن النوبختي في فرق الشيعة عن بعض فرق الزيدية.(4)
الثانية : كما دلّت الآيات والأحاديث(5) على أنّه سبحانه لم يفرغ من أمر الخلق والإيجاد ، والتدبير والتربية ، دلّت على أنّ مصير العباد يتغيّر ، بحسن أفعالهم وصلاح أعمالهم ، من الصدقة والإحسان وصلة الأرحام وبرّ الوالدين ، والاستغفار والتوبة وشكر

1 . الثقات العيون في سادس القرون : 295 وطبع الكتاب أخيراً .
2 . لاحظ: التبيان: 1 / 13 .
3 . لاحظ: مقالات الإسلاميين : 107 .
4 . لاحظ: فرق الشيعة : 76، نقله عن سليمان بن جرير الذي كفّره أهل السنّة أيضاً لتكفير عثمان ، فهل يصحّ الاعتماد على قول مثله؟
5 . لاحظ: بحار الأنوار: 4 / 104 ح17 وغيره .

صفحه 122
النعمة وأداء حقّها ، إلى غير ذلك من الأُمور التي تغيّـر المصير وتبدّل القضاء ، وتفرّج الهموم والغموم ، وتزيد في الأرزاق ، والأمطار ، والأعمار ، والآجال ، كما أنّ لمحرَّم الأعمال وسيّئها من قبيل البخل والتقصير ، وسوء الخلق ، وقطيعة الرحم ، وعقوق الوالدين ، والطيش ، وعدم الإنابة ، وكفران النعمة ، وما شابهها تأثيراً في تغيير مصيرهم بعكس ذلك من إكثار الهموم ، والقلق ، ونقصان الأرزاق ، والأمطار ، والأعمار ، والآجال ، وما شاكلها .
فليس للإنسان مصير واحد ، ومقدّر فارد; يصيبه على وجه القطع والبتّ ، ويناله ، شاء أو لم يشأ ، بل المصير أو المقدر يتغيّـر ويتبدّل بالأعمال الصالحة والطالحة وشكر النعمة وكفرانها ، وبالإيمان والتقوى ، والكفر والفسوق . وهذا ممّا لا يمكن ـ لمن له أدنى علاقة بالكتاب والسنّة ـ إنكاره أو ادّعاء جهله .
ونحن نأتي في المقام بقليل من كثير ممّا يدلّ على ذلك من الآيات والروايات .

البداء في القرآن الكريم

منها : قوله سبحانه حاكياً عن شيخ الأنبياء : (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوال وَبَنْينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّات وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً).(1)

1 . نوح : 10 ـ 12 .

صفحه 123
ترى أنّه(عليه السلام) يجعل الاستغفار علّة مؤثّرة في نزول المطر ، وكثرة الأموال والبنين ، وجريان الأنهار إلى غير ذلك ، وأمّا بيان كيفيّة تأثير عمل العبد في الكائنات الطبيعية ، فيطلب من محلّه .
وقوله سبحانه : (إنَّ الله لا يُغَيّرُ مَا بِقَوْم حَتّى يُغَيّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ).(1)
وقوله تعالى : (ذَلِكَ بِأَنَّ الله لَم يَكُ مُغَيِّـراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلَى قَوْم حَتَى يُغَيّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ).(2)
وقوله سبحانه : (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهمْ بَرَكات مِنَ السَّماءِ وَالأرْضِ وَلَـكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ).(3)
وقوله سبحانه : (وَمَنْ يَتَّقِ الله يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لايَحْتَسِبْ).(2)
وقوله تعالى : (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِـي لَشَدِيدٌ).(5)
وقوله سبحانه : (وَنُوحَاً إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ).(6)

1 . الرعد : 11 .      2 . الأنفال : 53 .   3 . الأعراف : 96 .
2 . الطلاق : 3 .                5 . إبراهيم : 7 .   6 . الأنبياء : 76 .

صفحه 124
وقال تعالى : (وَأَيُّوبَ إذْ نَادَى رَبَّهُ أَنّي مَسَّنِيَ الضُّـرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُـرّ) .(1)
وقال سبحانه : (وَمَا كَانَ الله لِيُعَذّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ الله مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ).(2)
البداء في الروايات   
وقال تعالى : (فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ المُسَبّحِينَ * لَلَبِثَ فِـي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَنَبذْنَاهُ بِالعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ * وَأَنبَتْنَا عَلَيهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِين).(2)
وقال تعالى : (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي المُؤْمِنينَ).(4)
وقال سبحانه : (فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنْتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إلى حِين).(3)
وهذه الآيات بالإضافة إلى كثير من الأحاديث ـ التي سيوافيك بيان نزر منها ـ تعرب عن أنّ الأعمال الصالحة مؤثّرة في مصير الإنسان ، وأنّ الإنسان بعمله يؤثّر في تحديد قدره وتبديل

1 . الأنبياء : 83 .      2 . الأنفال : 33 .
2 . الصافات : 143ـ146 .      4 . الأنبياء : 88 .
3 . يونس : 98 . وقد استشهد الإمام أمير المؤمنين ببعض هذه الآيات عند الاستسقاء ، فقال : «إِنَّ اللهَ يَبْتَلِي عِبَادَهُ عِنْدَ الاَْعْمَالِ السَّيِّئَةِ بِنَقْصِ الَّثمَرَاتِ  . . .» نهج البلاغة ، الخطبة 143 .

صفحه 125
القضاء ، وليس هناك مقدّر محتوم فيما يرجع إلى أفعاله الاختيارية حتّى يكون العبد في مقابله مكتوف الأيدي والأرجل .

البداء في الروايات 

وأمّا الأحاديث التي تدلّ على هذا المطلب فكثيرة جدّاً مبعثرة في كتب الحديث تحت عناوين مختلفة مثل الصدقة والاستغفار والدعاء وصلة الرحم ، وما أشبه ذلك ، وسنذكر فيما يلي نماذج مختلفة من الأحاديث الدالّة على هذه المطالب :

ألف . الصدقة وأثرها في دفع البلاء :

روى الصدوق في «الخصال» عن أنس قال : قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) : «أكثر من صدقة السرِّ; فإنّها تُطفئ غضب الربِّ جلّ جلاله» .
وروى في «عيون الأخبار» عن الرضا عن آبائه (عليهم السلام) قال : قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) : «باكروا بالصدقة ، فمن باكر بها لم يتخطّاها
البلاء» .
وروى الشيخ الطوسي في أماليه عن الباقر(عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين(عليه السلام): أفضل ما توسّل به المتوسّلون الإيمان بالله ، وصدقة السرِّ; فإنّها تذهب الخطيئة ، وتطفئ غضب الرب ، وصنائعُ

صفحه 126
المعروف; فإنّها تدفع ميتة السوء ، وتقي مصارع الهوان» .
وروى الصدوق في «ثواب الأعمال» عن الصادق(عليه السلام) : قال : «الصدقة بالليل تدفع ميتة السوء ، وتدفع سبعين نوعاً من أنواع البلاء» .
إلى غير ذلك من الروايات المتعدّدة والتي يضيق المجال بذكرها ، وللمستزيد الرجوع إلى كتاب «بحار الأنوار» للعلاّمة المجلسي ضمن أبواب الزكاة والصدقة وغيرها.(1)

ب . أثر الاستغفار في الرزق :

روى الصدوق في الخصال عن أمير المؤمنين(عليه السلام) قال : «الاستغفار يزيد في الرزق» .
وروى أيضاً عن أمير المؤمنين(عليه السلام) : «أكثروا الاستغفار; تجلبوا الرزق».(2)

ج . الدعاء وآثاره :

روى الحميري في «قرب الإسناد» عن الصادق(عليه السلام) : «إنّ

1 . بحار الأنوار : 93 / 176 ، 177، 181، الباب21 ، الأحاديث 4 ، 7 ، 9 ، 26 وذكر هناك أحاديث أُخرى .
2 . المصدر نفسه كتاب الذكر والدعاء باب الاستغفار وفضله وأنواعه ، الحديث 4ـ17 (وروى أحاديث من الفريقين) .

صفحه 127
الدعاء يردّ القضاء ، وإنّ المؤمن ليأتي الذنب فيحرم به الرزق».(1)
وروى أيضاً عنه(عليه السلام) : قال : قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) : «داووا مرضاكم بالصدقة ، وادفعوا أبواب البلاء بالدعاء» .
وروى الصدوق عن أمير المؤمنين(عليه السلام) : «ادفعوا أمواج البلاء عنكم بالدعاء قبل ورود البلاء».(2)
وقد عقد الكليني في «الكافي» باباً أسماه «إنّ الدعاء يردّ البلاء والقضاء» ومن جملة أحاديث هذا الباب : روى عن حمّاد بن عثمان قال : سمعته يقول : «إنّ الدعاء يردّ القضاء; ينقضه كما ينقض السلك وقد أُبرم إبراماً».(3)
وروى عن أبي الحسن موسى(عليه السلام) : «عليكم بالدعاء; فإنّ الدعاء لله، والطلب إلى الله يردّ البلاء وقد قدّر وقضى ولم يبق إلاّ إمضاؤه ، فإذا دعي الله عزّ وجلّ وسئل ، صرف البلاء صرفة».(4)
وأمّا من طرق العامّة فقد أخرج الحاكم عن ابن عباس قال : «لا ينفع الحذر عن القدر ، ولكن الله يمحو بالدعاء ما يشاء من القدر» .

1 . قرب الاسناد : 32 برقم 104 ط مؤسسة آل البيت ـ قم .
2 . بحار الأنوار: 93 / 289 كتاب الذكر والدعاء ، أبواب الدعاء ، الباب 16 / ح 2 ، 3 ، 5 (وروى أحاديث من الفريقين) .
3 . الكافي: 2 / 469 باب إنّ الدعاء يرد القضاء، الحديث 1 .
4 . الكافي: 2 / 470 باب إنّ الدعاء يرد القضاء، الحديث 8 .

صفحه 128
قال : وأخرج ابن أبي شيبة في المصنّف ، وابن أبي الدنيا في الدعاء عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال : ما دعا عبد بهذه الدعوات إلاّ وسّع الله له في معيشته : «ياذا المنّ ولا يمنّ عليه ، ياذا الجلال والإكرام ، ياذا الطول ، لا إله إلاّ أنت ظهر اللاّجين وجار المستجيرين ، ومأمن الخائفين ، إن كنت كتبتني عندك في أُمّ الكتاب شقياً فامح عنّي اسم الشقاء وأثبتني عندك سعيداً ، وإن كنت كتبتني عندك في أُمّ الكتاب محروماً ، مقتّراً عليَّ رزقي ، فامح حرماني ، ويسّر رزقي ، وأثبتني عندك سعيداً موفّقاً للخير ، فإنّك تقول في كتابك الذي أنزلت : (يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الكِتَابِ).(1)
وروي أيضاً في الدر المنثور في تفسير قوله تعالى : (يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ) ما يقرب من هذا ، فلاحظ.(2)

د . أثر صلة الرحم :

روى الكليني عن أبي الحسن الرضا(عليه السلام) قال : «يكون الرجل يصل رحمه فيكون قد بقي من عمره ثلاث سنين ، فيصيّرها الله ثلاثين سنة ، ويفعل الله ما يشاء».(3)

1 . الدر المنثور: 4 / 66 .
2 . لاحظ: الدر المنثور: 6 / 143 .
3 . الكافي: 2 / 149  ، باب صلة الرحم ، الحديث 3 .

صفحه 129
وروى أيضاً عن أبي جعفر(عليه السلام) قال : «صلة الأرحام تزكّي الأعمال ، وتنمي الأموال وتدفع البلوى ، وتيسّـر الحساب ، وتنسئ في الآجال».(1)
ومن طرق العامّة وردت روايات متعدّدة في هذا المنحى ، نكتفي منها بما رواه السيوطي في «الدر المنثور» عن عليّ(رضي الله عنه) : أنّه سأل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) عن هذه الآية : (يَمْحُوا الله) فقال له : «لأقرّن عينيك بتفسيرها ، ولأقرّنَّ عين أُمّتي بعدي بتفسيرها : الصدقة على وجهها ، وبرّ الوالدين ، واصطناع المعروف يحوّل الشقاء سعادة ، ويزيد في العمر ، ويقي مصارع السوء» .(2)
وكما أنّ للأعمال الصالحة أثراً في المصير وحسن العاقبة ، وشمول الرحمة وزيادة العمر وسعة الرزق ، كذلك الأعمال الطالحة والسيّئات لها من التأثير المعاكس الذي لا يخفى على أحد في مسيرة حياة الإنسان .
ويدلّ على ذلك من الآيات قوله سبحانه :
(وضَـرَبَ اللهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِن كُلِّ مَكَان فَكَفَرتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَها اللهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوفِ

1 . الكافي: 2 / 150 ، باب صلة الرحم ، الحديث 4. ولاحظ بحار الأنوار: 4 / 121 ، باب البداء، الحديث 66 .
2 . الدر المنثور:4/66.

صفحه 130
بِمَا كانُوا يَصْنَعُونَ).(1)
وقال سبحانه : (ذَلِكَ بِأَنَّ الله لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْم حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ).(2)
وقال سبحانه : (وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْص مِنَ الَّثمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ).(2)
أمّا الروايات في ذلك فحدّث عنها ولاحرج منها ما روي عن أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام) عندما قال في خطبة له : «أعوذ بالله من الذنوب التي تعجّل الفناء» فقام إليه عبد الله بن الكوّاء اليشكري ، فقال : يا أمير المؤمنين أوَ تكون ذنوب تعجّل الفناء؟ فقال : «نعم ويلك! قطيعة الرحم» .
وقال أيضاً : «إذا قطعوا الأرحام جعلت الأموال في أيدي الأشرار».(3)
البداء في الروايات   
وقد وردت في الآثار الوضعية للأعمال روايات يطول الكلام بنقلها . فلاحظ ما ورد في الزنا من أنّ فيه ستّ خصال ثلاث منها في الدنيا وثلاث منها في الآخرة ، أمّا التي في الدنيا فيذهب

1 . النحل : 112 .            2 . الأنفال : 53 .
2 . الأعراف : 130 .
3 . الكافي: 2 / 347 ـ 348، كتاب الإيمان والكفر ، باب قطيعة الرحم ،
الحديث 7 و 8 .

صفحه 131
بالبهاء ويعجّل الفناء ويقطع الرزق.(1)
وأيضاً ما ورد في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، مثل ما روي عن أبي الحسن الرضا(عليه السلام) من أنّه قال : «لتأمرُنّ بالمعروف ولتنهنّ عن المنكر ، أو لتستعملنّ عليكم شراركم ، فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم».(2)
وعن أمير المؤمنين(عليه السلام) قال : «إنّهم لمّا تمادوا في المعاصي ولم ينههم الربّانيون والأحبار نزلت بهم العقوبات».(3)
وورد عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) : «لا تزال أُمّتي بخير ما أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وتعاونوا على البرّ ، فإذا لم يفعلوا ذلك نزعت منهم البركات ، وسلّط بعضهم على بعض ، ولم يكن لهم ناصر في الأرض ولا في السماء»(4) إلى غير ذلك من درر الكلمات التي نقلت عن معادنها .
فقد تحصّل ممّا ذكرنا :
أوّلا : أنّ علمه سبحانه يعمّ كلّ الأشياء; ماضيها وحاضرها ومستقبلها .

1 . سفينة البحار: 1 / 560 مادة (زنا) .
2 . الوسائل: 11 كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، الباب 1، الحديث 4 .
3 . المصدر نفسه ، الحديث 7 .
4 . المصدر نفسه ، الحديث 18 .

صفحه 132
وثانياً : أنّه سبحانه كلّ يوم هو في شأن .
البداء في مقام الثبوت   
وثالثاً : أنّ لأفعال العباد تأثيراً في حسن العاقبة وسوئها ، ونزول الرحمة والبركة ، أو العقاب والنقمة .
إذا وقفت على هذه المقدّمات الثلاث فاعلم : أنّه يقع الكلام في البداء في مقامين :
1 . البداء في مقام الثبوت : أي تغييـر المصير بالأعمال الصالحة أو الطالحة .
2 . البداء في مقام الإثبات : أي الإخبار عن تحقّق الشيء علماً بالمقتضي مع خفاء المانع .

البداء في مقام الثبوت

إنّ حقيقة البداء أنّه سبحانه ـ على خلاف ما اعتقده اليهود والنصارى في حقّه من فراغه عن أمر الخلق والتدبير ، والإحياء والإماتة ، والتوسيع والتقدير في الرزق ، والتعمير والتنقيص ، إلى غير ذلك ممّا يرجع إلى الكون والإنسان ـ هو القائم دائماً بالأمر والتدبير ، وهو القيّوم على كلِّ شيء ، وكلّ يوم في شأن ، وليست يداه مغلولتين ، بل يداه مبسوطتان (في كلّ شيء) يمحو ويثبت حسب مشيئته الحكيمة وإرادته النافذة ، فهو المتجلّي في كلّ زمان بأسمائه الحسنى وصفاته العليا ، كالخالقية والرازقية ، والإحياء والإماتة ، إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته سبحانه وتعالى .

صفحه 133
ومن شعب هذا الأمر ، هو أنّه سبحانه : يزيد في الرزق والعمر وينقص منهما ، وينزل الرحمة والبركة ، كما ينزل البلاء والنقمة ، حسب مشيئته الحكيمة ، النافذة ، ولا تصدر عنه الأُمور جزافاً واعتباطاً ، بل حسب ما تقتضيها حال العباد من حسن الأفعال وقبحها ، وصالح الأعمال وطالحها . فربّما يكون الإنسان مكتوباً في الأشقياء ، ثمّ يمحى فيكتب من السعداء ، أو على العكس بسبب ما يقوم به من أعمال .
وبالجملة : فالبداء في عالم الثبوت مخالف لزعم اليهود والنصارى المشار إليه في قوله سبحانه : (وَقَالَتِ اليَهُودُ يَدُ الله مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيِهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثيراً مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبّك طُغْياناً وَكُفْراً)(1) ، وقد ردَّ سبحانه تلك العقيدة اليهودية الباطلة في هذه الآية كما هو واضح .
ولأجل أنّ يديه سبحانه مبسوطتان ، يزيد في الخلق ما يشاء ـ وفي العمر ـ وينقص منه ، حسب مشيئته الحكيمة، قال سبحانه : (الحَمْدُ للهِ فَاطِرِ السَّمـواتِ والأرْضِ . . . يَزِيدُ فِـي الخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيء قَديرٌ)(2) .

1 . المائدة : 64 .
2 . فاطر : 1 .

صفحه 134
قال سبحانه : (وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلاتَضَعُ إلاَّ بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّر وَلا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إلاّ فِـي كِتاب إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ)(1) .
وبناء على ذلك فالبداء بهذا المعنى ممّا يشترك فيه كلّ المسلمين ، على مذاهبهم المختلفة ، من دون اختصاص بالشيعة ، فليس أحد من المسلمين ينكر أنّه سبحانه كلّ يوم هو في شأن ، وأنّه جلّ وعلا يبدئ ويعيد ، ويحيي ويميت ، كما أنّه سبحانه يزيد في الرزق والعمر وينقص ، إلى غير ذلك حسب المشيئة الحكيمة والمصالح الكامنة في أفعاله .

بحث في قوله تعالى : (يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الكِتَابِ) :

هذا الأصل ـ الذي يعدّ من المعارف العليا تجاه ما عرف من اليهود ، من سيادة القدر على كلّ شيء حتى إرادته سبحانه ـ يستفاد بوضوح من قوله سبحانه : (يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الكِتَابِ)(2)، وهذه الآية هي الأصل في البداء في مقام الثبوت، ويكفي في إيضاح دلالتها ، نقل كلمات المحقّقين من المفسّرين ،

1 . فاطر : 11 .
2 . الرعد : 39 .

صفحه 135
حتّى يقف القارئ على أنّ القول بالبداء بالمعنى الصحيح ، ممّا أصفقت عليه الأُمّة .
1 . روى الطبري (المتوفّى 310هـ ) في تفسير الآية عن جمع من الصحابة والتابعين أنّهم كانوا يدعون الله سبحانه بتغيير المصير وإخراجهم من الشقاء ـ إن كتب عليهم ـ إلى السعادة ، مثلا كان عمر بن الخطاب يقول وهو يطوف بالكعبة : اللّهم إن كنت كتبتني في أهل السعادة فأثبتني فيها ، وإن كنت كتبتني على الذنبِ ]الشقاوة [فامحني وأثبتني في أهل السعادة ; فإنّك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أُمّ الكتاب .
وروى نظير هذا الكلام عن ابن مسعود ، وابن عبّاس ، وشقيق وأبي وائل.(1)
وروى عن ابن زيد أنّه قال في قوله سبحانه : (يَمْحُوا الله مَا يَشَاءُ) بما يُنزِّلُ على الأنبياء ، (وَيُثْبِتُ) ما يشاء ممّا ينزله إلى الأنبياء وقال : (وَعِندَهُ أُمُّ الكِتَابِ )لايُغيّر ولايُبدَّل».(2)
2 . قال الزمخشري (المتوفّى 528هـ ) : (يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ)ينسخ ما يستصوب نسخه ويثبت بدله ما يرى المصلحة في إثباته أو ينزله غير منسوخ.(3)

1 . جامع البيان : 13 / 112.
2 . جامع البيان: 13 / 114 .
3 . تفسير الكشاف: 2 / 169 .

صفحه 136
3 . ذكر الطبرسي (471 ـ 548هـ ) : لتفسير الآية وجوهاً متقاربة وقال : «الرابع: أنّه عامٌّ في كلّ شيء ، فيمحو من
الرزق ويزيد فيه ، ومن الأجل ، ويمحو السعادة والشقاوة ويثبتهما .(روي ذلك) عن عمر بن الخطاب ، وابن مسعود ، وأبيوائل ، وقتادة . وأُمّ الكتاب أصل الكتاب الذي أُثبتت فيه الحادثات والكائنات .
وروى أبو قلابَة عن ابن مسعود أنّه كان يقول : اللّهمّ إن كنت كتبتني في الأشقياء فامحني من الأشقياء . . ..(1)
4 . قال الرازي (المتوفّى 606هـ ) : إنّ في هذه الآية قولين :
القول الأوّل : إنّها عامة في كلّ شيء كما يقتضيه ظاهر اللفظ قالوا : إنّ الله يمحو من الرزق ويزيد فيه ، وكذا القول في الأجل والسعادة والشقاوة والإيمان والكفر وهو مذهب عمر و ابن مسعود ، والقائلون بهذا القول كانوا يدعون ويتضرّعون إلى الله تعالى في أن يجعلهم سعداء لا أشقياء . وهذا التأويل رواه جابر عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) .
والقول الثاني : إنّ هذه الآية خاصّة في بعض الأشقياء دون البعض .
ثمّ قال : فإن قال قائل : ألستم تزعمون أنّ المقادير سابقة قد

1 . مجمع البيان: 6 / 398 .

صفحه 137
جفَّ بها القلم وليس الأمر بأنف ، فكيف يستقيم مع هذا المعنى ، المحو والإثبات؟
قلنا : ذلك المحو والإثبات أيضاً مما جفّ به القلم ، فلأنّه لا يمحو إلاّ ما سبق في علمه وقضائه محوه.(1)
5 . قال القرطبي (المتوفّى 671هـ ) ـ بعد نقل القولين وأنّ المحو والإثبات هل يعمّـان جميع الأشياء أو يختصّان ببعضـها ـ : مثل هذا لايدرك بالرأي والاجتهاد ، وإنّما يؤخذ توقيفاً ، فإن صحَّ فالقول به يجب أن يوقف عنده ، وإلاّ فتكون الآية عامّة في جميع الأشياء ، وهو الأظهر ـ ثم نقل دعاء عمر بن الخطاب في حال الطواف ودعاء عبدالله بن مسعود ثم قال : روي في الصحيحين عن أبي هريرة قال : سمعت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)يقول : «مَن سرَّه أن يبسط له في رزقهِ ويُنسَأ له في أثره (أجله) فليصل رحمه».(2)
6 . قال ابن كثير (المتوفّى 774هـ ) بعد نقل قسم من الروايات : ومعنى هذه الروايات أنّ الأقدار ينسخ الله ما يشاء منها ويثبت منها ما يشاء ،وقد يُستأنس لهذا القول بما رواه الإمام أحمد عن ثوبان قال : قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) : «إن الرجل ليُحْرَمُ الرزقَ بالذنب يصيبه ولايردّ القَدَرُ إلاّ بالدعاء ، ولايزيد في العمر إلاّ البر»

1 . تفسير الرازي: 10 / 64ـ65 .
2 . الجامع لأحكام القرآن: 5 / 329 .

صفحه 138
ثم نقل عن ابن عبّاس : «الكتاب كتابان; فكتاب يمحو الله منه ما يشاء ويثبت عنده ما يشاء ، وعنده أُمّ الكتاب».(1)
7 . روى السيوطي (المتوفّى 911هـ ) عن ابن عبّاس في تفسير الآية : هو الرجل يعمل الزمان بطاعة الله ، ثم يعود لمعصية الله فيموت على ضلالة ، فهو الذي يمحو ، والذي يثبت : الرجل يعمل بمعصية الله تعالى وقد سبق له خير حتّى يموت وهو في طاعة الله سبحانه وتعالى . ثمّ نقل ما نقلناه من الدعاء عن جماعة من الصحابة والتابعين.(2)
8 . ذكر الآلوسي (المتوفّى 1270هـ ) عند تفسير الآية قسماً من الآثار الواردة حولها وقال : أخرج ابن مردويه وابن عساكر عن عليّ ـ كرم الله وجهه ـ أنّه سأل رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) عن قوله تعالى : (يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ  . . .) الآية فقال له عليه الصلاة والسلام : «لأقرّنّ عينك بتفسيرها ، ولأقرّنّ عين أُمّتي بعدي بتفسيرها : الصدقة على وجهها ، وبرّ الوالدين واصطناع المعروف ، محوِّل الشقاء سعادة ، ويزيد في العمر ، ويقي مصارع السوء» ثم قال : دفع الإشكال عن استلزام ذلك ، بتغيّـر علم الله سبحانه ، ومن شاء فليراجع.(3)
9 . قال صديق حسن خان (المتوفّى 1307هـ ) في تفسـير

1 . تفسير ابن كثير: 2 / 520 .
2 . الدر المنثور: 4 / 660. لاحظ ما نقله في المقام من المأثورات .
3 . روح المعاني: 13 / 111 .

صفحه 139
الآية : وظاهر النظم القرآني العموم في كلّ شيء ممّا في الكتاب ، فيمحو ما يشاء محوه من شقاوة أو سعادة أو رزق أو عمر أو خير أو شرّ ويبدّل هذا بهذا ،ويجعل هذا مكان هذا . لا يُسأل عمّا يفعل وهم يُسألون . وإلى هذا ذهب عمر بن الخطّاب وابن مسعود وابن عبّاس وأبو وائل وقتادة والضحّاك وابن جريج وغيرهم . . ..(1)
10 . قال القاسمي (المتوفّى 1332هـ ) : تمسّك جماعة بظاهر قوله تعالى : (يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ)فقالوا : إنّها عامَّة في كلّ شيء كما ـ يقتضيه ظاهر اللفظ ـ قالوا يمحو الله من الرزق ويزيد فيه ، وكذا القول في الأجل والسعادة والشقاوة والإيمان والكفر.(2)
11 . قال المراغي (المتوفّى 1371هـ ) في تفسير الآية : وقد أُثر عن أئمة السلف أقوال لاتناقض، بل هي داخلة فيما سلف. ثم نقل الأقوال بإجمال.(3)
وهذه الجمل والكلم الدرّية المضيئة عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان والمفسّرين ; تعرب عن الرأي العام بين المسلمين في مجال إمكان تغيير المصير بالأعمال الصالحة والطالحة ، ومنها الدعاء والسؤال ، وأنّه ليس كلّ تقدير حتمياً لايغيّـر ولايبدّل ، وأنّ

1 . فتح البيان: 5 / 171 .
2 . محاسن التأويل: 9 / 372 .
3 . لاحظ: تفسير المراغي: 5 / 155 ـ 156 .

صفحه 140
لله سبحانه لوحين : لوح المحو والإثبات ولوح «أُمّ الكتاب» والذي لايتطرّق التغيير إليه هو الثاني دون الأوّل ، وأنّ القول بسيادة القدر على اختيار الإنسان في مجال الطاعة والمعصية; قول بالجبر الباطل بالعقل والضرورة ومحكمات الكتاب . ومن جنح إليه لزمه القول بلغوية إرسال الرسل وإنزال الكتب (ذلكَ ظَنُّ الَّذينَ كَفروا فَويلٌ لِلَّذينَ كَفروا مِنَ النّار).(1)
وكما أنّه سبحانه يداه مبسوطتان ، كذلك العبد مختار في أفعاله لا مسيّر ، وحرٌّ في تصرّفاته(2) لا مجبور ، له أن يغيّر مصيره ومقدَّره بحسن فعله وجودة عمله ، ويخرج اسمه من الأشقياء ، ويدخله في السعداء ، كما أنّ له أن يخرج اسمه من السعداء ويدخله في الأشقياء بسوء عمله .
فالله سبحانه كما يمحو ويثبت في التكوين ، فيحيي ويميت ، كذلك يمحو مصير العبد ويغيّره حسب ما يغيّر العبد بنفسه (فعله وعمله) لقوله سبحانه : (إنَّ الله لا يُغَيّرُ مَا بِقَوْم حَتّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ»(3) ، كل ذلك لأجل أنّ يديه مبسوطتان ، وأنّ العبد حرٌّ مختار ، قادر على تغيير القضاء ، وتبديل القدر ، بحسن

1 . ص : 27 .
2 . لا يخفى أنّ المقصود من أفعال الإنسان التي تثبت اختياره فيها هي الأفعال التي تتعلق بها التكاليف لا الأفعال القهرية التي تصدر من جهازه الهضمي مثلا .
3 . الرعد : 11 .

صفحه 141
فعله أو سوئه ، كما دلّت عليه الآيات والروايات .
وليس في ذلك أيّ محذور ولا مخالفة للعقل ولا الكتاب والسنّة ، بل تغيير القضاء بحسن الفعل وتغيير القدر بسوئه ، هو أيضاً من قدره وقضائه وسننه التي لا تبديل لها ولا تغيير ، فالله سبحانه إذا قدّر لعبده شيئاً وقضى له بأمر ، فلم يقدّره ولم يقضِ به على وجه القطع والبتِّ ، بحيث لا يتغيّر ولا يتبدّل ، بل قضى به على وجه خاصّ ، وهو أنّ القضاء والقدر يجري عليه ، ما لم يغيّر العبد حاله ، فإذا غيّـر حاله بحسن فعله أو سوئه ، يتغيّـر القضاء ويتبدّل القدر ، ويخلف قضاء وقدر آخر مكانهما الأوّل ، وكلّ هذه أيضاً قضاء وقدر منه ، كما لا يخفى .
وهذا (البداء في مقام الثبوت) أولى من التسمية بالمحو والإثبات ، والتغيير والتبديل في الكون وفي مصير الإنسان ، غير أنّ المحو والإثبات في الكون بيد الله سبحانه ، يتصرّف فيه حسب مشيئته ، ولا دخل لإرادة الإنسان في صلاح فعله وفساده فيه ، وأمّا التغيير في مصير الإنسان فيتوقّف تعلّق المشيئة عليه; على كيفية حال العبد وكيفية عمله من حسن أو قبح .

الأثر التربوي للاعتقاد بالبداء 

الاعتقاد بالمحو والإثبات ، وأنّ العبد قادر على تغيير مصيره بأفعاله وأعماله ، لابدّ من أن يبعث الرجاء في قلب من يريد أن

صفحه 142
يتطهّر ، وينمي نواة الخير الكامنة في نفسه . فتشريع البداء ، مثل تشريع قبول التوبة ، والشفاعة ، وتكفير الصغائر بالاجتناب عن الكبائر ، كلّها لأجل بعث الرجاء وإيقاد نوره في قلوب العصاة والعتاة ، حتّى لا ييأسوا من روح الله ، ولا يتولّوا بتصور أنّهم من الأشقياء وأهل النار قدراً ، وأنّه لافائدة من السعي والعمل ، فلعلم الإنسان أنّه سبحانه لم يجفّ قلمه في لوح المحو والإثبات ، وله أن يمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء ، يسعد من يشاء ، ويشقي من يشاء «وليست مشيئته جزافية غير تابعة لضابطة عقلية» لأنّ العبد لو تاب ، وعمل بالفرائض ، وتمسّك بالعروة الوثقى ، فإنّه يخرج من سلك الأشقياء ، ويدخل في صنف السعداء ، وبالعكس . وهكذا فإنّ كلّ ما قدّر في حقّه من الموت والمرض والفقر والشقاء يمكن تغييره بالدعاء ، والصدقة ، وصلة الرحم ، وإكرام الوالدين ، وغير ذلك ، فجميع هذا من باب الرحمة الإلهية لأجل بثّ الأمل في قلب الإنسان ، وعلى هذا فالاعتقاد بذلك من ضروريات الكتاب وصريح آياته وأخبار الهداة .
البداء في مقام الثبوت   
وبهذا يظهر أنّ البداء من المعارف العليا التي اتّفقت عليه كلمة المسلمين ، وإن غفل عن معناه الجمهور (ولو عرفوه لأذعنوا له) .
وأمّا اليهود ـ خذلهم الله ـ فقالوا باستحالة تعلّق المشيئة بغير

صفحه 143
ما جرى عليه القلم ، ولأجل ذلك قالوا : يد الله مغلولة عن القبض والبسط ، والأخذ والإعطاء ، وبعبارة أُخرى : فإنّهم يذهبون إلى أنّ للإنسان مصيراً واحداً لايمكن تغييره ولا تبديله ، وأنّه ينال ما قدّر له من الخير والشر .
ولو صحّ ذلك لبطل الدعاء والتضرّع ، ولبطل القول بأنّ للأعمال الصالحة وغير الصالحة ممّا عددناها تأثيراً في تغيير مصير الإنسان .
على ضوء هذا البيان نتمكّن من فهم ما جاء في فضيلة البداء وأهميته في الروايات مثل ما روى زرارة، عن أحدهما (الباقر أو الصادق(عليهما السلام)) : «ما عُبد الله عزّ وجلّ بشيء مثل البداء».(1)
وما روي عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله(عليه السلام) : «ما عُظِّم الله عزّ وجلّ بمثل البداء».(2)
إذ لولا الإقرار بالبداء بهذا المعنى ما عُرف الله حقّ المعرفة ، بل ويبدو سبحانه في نظر العبد (بناء على عقيدة بطلان البداء) أنّه مكتوف الأيدي ، لا يقدر على تغيير ما قدّره ، ولا محو ما أثبته .
ومن الروايات في هذا المعنى ما روي عن الصادق(عليه السلام) أنّه قال : «لو يعلم الناس ما في القول بالبداء من الأجر ما فتروا من

1 . بحار الأنوار: 4 / 107، باب البداء ، الحديث 19 ، 20 .
2 . التوحيد للصدوق : 333 ، باب البداء ، الحديث 2 .

صفحه 144
الكلام فيه».(1)
وذلك لأنّ الاعتقاد بالبداء ـ نظير الاعتقاد بتأثير التوبة والشفاعة ـ يوجب رجوع العبد عن التمادي في الغيِّ والضلالة ، والإنابة إلى الصلاح والهداية .

البداء في مقام الإثبات 

البداء في مقام الإثبات   
إذا عرفت ما ذكرنا فاعلم : أنّ المراد من البداء في مقام الإثبات هو وقوع التغير في بعض مظاهر علمه سبحانه; فإنّ لعلمه سبحانه مظاهر ، منها : ما لا يقبل التغيير ، ومنها ما يقبل ذلك .
أمّا الأوّل : فهو المعبّر عنه بـ «اللوح المحفوظ» تارة وبـ «أُمّ الكتاب» أُخرى ، قال سبحانه : (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِـي لَوْح مَحْفُوظ)(2) . وقوله تعالى : (وَإنّهُ في أُمِّ الكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَليٌّ حَكِيمٌ).(3)
وقال سبحانه : (مَا أَصَابَ مِن مُصِيبَة فِـي الأرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إلاَّ فِـي كِتاب مِن قَبْلِ أَن نَبْـرَأهَا إِنَّ ذلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ).(4)
فاللوح المحفوظ وأُمّ الكتاب يمكن التعبير عنه بأنّه ذلك

1 . الكافي: 1 / 115 ; التوحيد للصدوق : 334 ، باب البداء ، الحديث 7 .
2 . البروج : 21 ـ 22 .
3 . الزخرف : 4 .
4 . الحديد : 22 .

صفحه 145
الكتاب الذي كتب فيه ما يصيب الإنسان طيلة حياته من بلايا وفتن ونعيم وسرور بشكل لا يمكن أن يتطرّق إليها المحو والإثبات قدر شعرة ، ولأجل ذلك لو تمكّن الإنسان أن يتّصل به ، لوقف على الحوادث على ما هي عليه بلا خطأ ولا تخلّف .
أمّا الثاني : فهو لوح المحو والإثبات الذي أشار إليه سبحانه بقوله : (يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الكِتَابِ)(1) فالأحكام الثابتة فيه أحكام معلّقة على وجود شرطها أو عدم مانعها ، فالتغيّر فيها لأجل إعواز شرطها أو تحقّق مانعها ، فمثلا يمكن أن يكتب فيه الموت نظراً إلى مقتضياته في الوقت المعين المتّصل بالمقتضيات ، إلاّ أنّه ربّما يمحى ويؤجل ويكتب بدله توفر الصحّة; لفقدان شرط التقدير الأوّل أو طروّ مانع من تأثير المقتضي .
فالتقدير الأوّل يفرض لأجل قياس الحادث إلى مقتضيه ، كما أنّ التقدير الثاني يتصوّر بالنسبة إلى جميع أجزاء علّته ، فإنّ الشيء إذا قيس إلى مقتضيه ـ الذي يحتاج الصدور منه إلى وجود شرائط وعدم موانع ـ يمكن تقدير وجوده ، بالنظر إلى مجموع أجزاء علّته التي منها الشرائط وعدم الموانع ، ويقدّر عدمه لفرض عدم وجود شرائطه ، وتحقّق موانعه .

1 . الرعد : 39 .

صفحه 146
إذا علمت ذلك فاعلم : أنّه ربّما يتّصل النبيّ أو الوليّ بلوح المحو والإثبات ، فيقف على المقتضي من دون أن يقف على شرطه أو مانعه ، فيخبر عن وقوع شيء ما ، ولكنّه ربّما لا يتحقّق لأجل عدم تحقّق شرطه أو عدم تحقّق وجود مانعه ، وذلك هو البداء في عالم الإثبات .
وإن شئت قلت : إنّ موارد وقوع البداء حسب الإثبات من ثمرات البداء في عالم الثبوت ، ولم يرد في الأخبار من هذا القسم من البداء إلاّ موارد لا تتجاوز عدد الأصابع(1) ، نشير إليها بعد الفراغ عمّـا ورد في الذكر الحكيم .
تلميحات للبداء في الذكر الحكيم   
 
تلميحات للبداء في الذكر الحكيم :
ـ قال سبحانه : (فَبَشَّـرْنَاهُ بِغُلام حَلِيم * فَلَمَّـا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنيَّ إنِّـي أَرى فِي المَنَامِ أَنِّـي أَذبَحُكَ فَانظر مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ).(2)
أخبر إبراهيم(عليه السلام) ولده إسماعيل(عليه السلام) بأنّه رأى في المنام أنّه يذبحه ، ورؤيا الأنبياء ـ كما ورد في الحديث ـ من أقسام الوحي ، فكانت رؤياه صادقة حاكية عن حقيقة ثابتة ، وهي أمر الله إبراهيم بذبح ولده ، وقد تحقّق ذلك الأمر ، أي أمر الله سبحانه به .

1 . لاحظ: الدر المنثور: 5 / 280 .
2 . الصافات : 101 ـ 102 .

صفحه 147
ولكن قوله : (إِنِّـي أَرى فِي المَنَامِ أَنِّـي أَذبَحُكَ) يكشف عن أمرين :
أوّلا : الأمر بذبح الولد أمر تشريعي كما عرفت وقد تحقّق .
ثانياً : الحكاية عن تحقّق ذلك في الواقع الخارجي وأنّ إبراهيم سيمتثل ذلك ، والحال أنّه لم يتحقّق لفقدان شرطه وهو عدم النسخ ، ويحكي عن كلا الأمرين قوله : (وفَدَيناهُ بِذِبْح عظيم) .
وعندئذ يطرح هذا السؤال نفسه: بأنّه كيف أخبر خليل الرحمن بشيء من الملاحم والمغيبات ، ثمّ لم يتحقّق؟ والجواب عن هذا السؤال يكمن في الأمر الذي أشرنا إليه سابقاً وهو أنّ إبراهيم(عليه السلام) وقف على المقتضى فأخبر بالمقتضي ، ولكنّه لم يقف على ما هو العلّة التامّة ، وليس لعلمه هذا مصدر سوى اتّصاله بلوح المحو والإثبات .
2 . وأمّا يونس(عليه السلام) فإنّه أنذر قومه بأنّهم إن لم يؤمنوا فسوف يصيبهم العذاب إلى ثلاثة أيام(1) وما كان قوله تخرّص أو تخويف ، بل كان يخبر عن حقيقة يعلم بها ، إلاّ أنّ هذا الأمر لم يقع كما هو معروف ، وفي هذا إشارة واضحة إلى أنّه(عليه السلام)وقف على المقتضي ولم يقف على المانع ، وهو أنّ القوم سيتوبون عند رؤية العذاب

1 . مجمع البيان: 3 / 135 .

صفحه 148
توبة صادقة يعلمها الله تعالى ترفع عنهم العذاب الذي وعدوا به ، وإلى ذلك يشير قوله سبحانه : (فَلَوْلا كَانَت قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِـي الحَياةِ الدُّنيا وَمَتَّعْناهُمْ إلى حِين).(1)
3 . أخبر موسى قومه بأنّه سيغيب عنهم ثلاثين ليلة ، كما روي عن ابن عبّاس حيث قال : إنّ موسى قال لقومه : إنّ ربّي وعدني ثلاثين ليلة أن ألقاه وأخلف هارون فيكم ، فلمّـا فصل موسى إلى ربّه زاده الله عشراً ، فكانت فتنتهم في العشر التي زاده الله.(2)
وإلى هذا الأمر يشير قوله سبحانه : (وَوَاعدْنا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْـمَمْناها بِعَشْر فَتَمَّ مِيقاتُ رَبّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسى لأخيهِ هَارونَ اخْلُفْنِي فِـي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبيلَ المفسِدِينَ) .(3)
تلميحات للبداء في الروايات   
فلا شكّ أنّ موسى أُطلع على الخبر الأوّل ولم يُطلع على نسخه ، وأنّ التوقيت سيزيد ، ولا مصدر لعلمه إلاّ الاتّصال بلوح المحو والإثبات .
هذه جملة الأخبار التي تحدَّث بها الذكر الحكيم عن

1 . يونس : 98 .
2 . مجمع البيان: 2 / 115 .
3 . الأعراف : 142 .

صفحه 149
أحداث ووقائع كان النبيّون(عليهم السلام) قد أخبروا بحتمية وقوعها على حدّ علمهم ، إلاّ أنّها لم تتحقّق ، وعندها لا مناص من تفسيرها بوقوف أنبياء الله تعالى على المقتضي دون العلّة التامّة .
فعندما يظهر عدم التحقّق يطلق عليه البداء ، والمراد به أنّه بدا من الله لنبيّه وللناس ما خفي عليهم ، على غرار قوله سبحانه : (وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ)(1)، فالبداء إذا نسب إلى الله سبحانه فهو بداء منه ، وإذا نسب إلى الناس فهو بداء لهم .
وبعبارة أُخرى : البداء من الله هو إظهار ما خفي على الناس ، والبداء من الناس بمعنى ظهور ما خفي لهم ، وهذا هو الحقّ الصراح الذي لا يرتاب فيه أحد .

تلميحات للبداء في الروايات الشريفة

وأمّا ما ورد في الروايات ، فهو بين خمسة أو أزيد بقليل :
1 . إنّ المسيح(عليه السلام) مرّ بقوم مجلبين(2) ، فقال : «ما لهؤلاء»؟ قيل: يا روح الله فلانة بنت فلانة تهدى إلى فلان في ليلته هذه ، فقال : «يجلبون اليوم ويبكون غداً» ، فقال قائل منهم : ولم يا رسول الله؟ قال : «لأنّ صاحبتهم ميّتة في ليلتها هذه» . . . فلمّـا أصبحوا

1 . الزمر : 47 .
2 . أي تعلو منهم أصوات الفرح .

صفحه 150
وجدوها على حالها ، ليس بها شيء ، فقالوا : يا روح الله إنّ التي أخبرتنا أمس أنّها ميّتة لم تمُت . فدخل المسيح دارها فقال : «ما صنعت ليلتك هذه»؟ قالت : لم أصنع شيئاً إلاّ وكنت أصنعه فيما مضى ، إنّه كان يعترينا سائل في كلّ ليلة جمعة فَنُنيله ما يقوته إلى مثلها . فقال المسيح : «تنحّي عن مجلسك» فإذا تحت ثيابها أفعى مثل جذعة ، عاضّ على ذنبه ، فقال(عليه السلام) : «بما صنعتِ ، صُرِفَ عنكِ هذا».(1)
2 . روى الكليني عن الإمام الصادق(عليه السلام) انّه قال : «مرّ يهودي بالنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)فقال : السام عليك ، فقال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) : عليك . فقال أصحابه : إنّما سلّم عليك بالموت فقال : الموت عليك . فقال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) : وكذلك رددت . ثمّ قال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) : إنّ هذا اليهودي يعضّه أسود في قفاه فيقتله .
قال : فذهب اليهودي فاحتطب حطباً كثيراً فاحتمله ، ثمّ لم يلبث أن انصرف ، فقال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) : ضعه ، فوضع الحطب فإذا أسود في جوف الحطب عاضّ على عود ، فقال : يا يهودي ما عملت اليوم؟ قال : ما عملت عملا إلاّ حطبي هذا حملته فجئت به وكان معي كعكتان ، فأكلت واحدة وتصدّقت بواحدة على مسكين ، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) : بها دفع الله عنه ، قال : إنّ الصدقة

1 . بحار الأنوار: 4 / 94 .

صفحه 151
تدفع ميتة السوء عن الإنسان».(1)
ولا يمكن لأحد تفسير مضامين الآيات الماضية وهذين الحديثين إلاّ عن طريق البداء بالمعنى الذي تعرّفت عليه ، وهو اتّصال النبيّ بلوح المحو والإثبات ، والوقوف على المقتضي ، والإخبار بمقتضاه دون الوقوف على العلّة التامّة .
3 . روى الصدوق عن الإمام الباقر(عليه السلام) : «إنّ الله تعالى عرض على آدم أسماء الأنبياء وأعمارهم ، فمرّ بآدم اسم داود النبيّ(عليه السلام)فإذا عمره في العالم أربعون سنة ، فقال آدم : يا ربِّ ما أقل عمر داود وما أكثر عمري ، يا ربّ إن أنا زدت داود من عمري ثلاثين سنة ، أتثبت ذلك له؟ قال الله : نعم يا آدم ، فقال آدم : فإنّي قد زدته من عمري ثلاثين سنة» قال أبو جعفر الباقر(عليه السلام) : «فأثبت الله عزّوجلّ لداود في عمره ثلاثين سنة».(2)
ترى أنّه سبحانه أثبت شيئاً ، ثمّ محاه بدعاء نبيّه ، وهذا هو المراد من قوله سبحانه : (يَمْحُوا الله مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الكِتَابِ) فلو أخبر نبيّ الله عن عمر داود بأربعين سنة لم يكن كاذباً في إخباره ; لأنّه وقف على الإثبات الأوّل ، ولم يقف على محوه .
4 . أوحى الله تعالى إلى نبيّ من أنبيائه أن يخبر أحد ملوك

1 . بحار الأنوار: 4 / 121 .
2 . بحار الأنوار: 4 / 102 .

صفحه 152
عصره بأنّه تعالى متوفّيه يوم كذا ، فما كان من ذلك الملك إلاّ أن رفع يديه بالدعاء إلى الله تعالى قائلا : ربّ أخّرني حتّى يشبَّ طفلي وأقضي أمري ، فأوحى الله عزّوجلّ إلى ذلك النبيّ : أنِ ائت فلاناً الملك وأخبره أنّي قد زدت في عمره خمس عشرة سنة.(1)
5 . روى عمرو بن الحمق ، قال : دخلت على أمير المؤمنين(عليه السلام)حين ضرب على قرنه ، فقال لي : «يا عمرو إنّي مفارقكم ، ثمّ قال : سنة سبعين فيها بلاء» ـ قالها ثلاثاً ـ فقلت : فهل بعد البلاء رخاء؟ فلم يجبني وأُغمي عليه ، فبكت أُمّ كلثوم فأفاق . . . فقلت : بأبي أنت وأُمّي قلتَ : إلى السبعين بلاء ، فهل بعد السبعين رخاء؟ قال : «نعم يا عمرو إنّ بعد البلاء رخاء و(يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الكِتَابِ)».(2)
هذه جملة ما ورد في البداء في مقام الإثبات ، وإن شئت قلت في ثمرات البداء في الثبوت ، ولا تجد في الأحاديث الشيعية بداء غير ما ذكرنا ، ولو عثر المتتبّع على مورد ، فهو نظير ما سبق من الموارد ، والتحليل في الجميع واحد .
إذا وقفت على ذلك تدرك بوضوح ضعف مقالة الرازي التي يقول فيها : إنّ أئمّة الرافضة وضعوا مقالتين لشيعتهم ، لا يظهر

1 . بحار الأنوار: 4 / 121 (وفي رواية أُخرى أنّ ذلك النبيّ هو حزقيل ، البحار: 4 / 112 وذكر مثله في قضية شعيا ص 113) .
2 . بحار الأنوار: 4 / 119 ح 60 .

صفحه 153
معهما أحد عليهم :
الأوّل : القول بالبداء ، فإذا قال : إنّهم سيكون لهم قوّة وشوكة ، ثمّ لا يكون الأمر على ما أخبروا ، قالوا : بدا لله فيه.(1)
إنّ الذي نقله أئمّة الشيعة هو ما تعرّفت عليه من الروايات ، وليس فيها شيء مما نسبه الرازي إليهم ، فقد نقلوا قصّة رسول الله مع اليهودي ، وقصة المسيح مع العروس ، كما نقلوا قصّة عمر داود وعمر الملك ، فهل يجد القارئ المنصف شيئاً مما ذكره الرازي؟!
وأمّا ما رواه عمرو بن الحمق فإنّما هو خبر واحد ذيّل كلامه بالآية قائلا : بأنّ هذا ليس خبراً قطعياً وأنّه في مظانّ المحو والإثبات .
أفيصحّ لأجل مثله رمي أئمّة الشيعة «بأنّهم وضعوا قاعدتين ، وأنّهم كلّما يقولون سيكون لهم قوّة ثمّ لا يكون ، قالوا بدا لله تعالى فيه»؟!
وقد سبق الرازي في هذا الزعم أبو القاسم البلخي المعتزلي على ما حكاه شيخنا الطوسي في تبيانه.(2)
ثمّ إنّ إكمال البحث يتوقّف على ذكر أُمور :

1 . نقد المحصل : 421 ، نقله عن سليمان بن جرير الزيدي ، والأمر الثاني هو التقية كما عرفت .
2 . لاحظ: التبيان: 1 / 13 ـ 14 ، ط النجف ، وقد عرفت بعض المتشدّقين بهذه الكلمة المكذوبة .

صفحه 154

الأمر الأوّل :

إنّ البداء بالمعنى المذكور يجب أن يكون على وجه لا يستلزم تكذيب الأنبياء ووحيهم ، وذلك بأن تدلّ قرائن على صحّة الإخبار الأوّل كما صحّ الخبر الثاني ، وهو ما نراه واضحاً في
قصّة يونس وإبراهيم الخليل ، فإنّ القوم قد شاهدوا طلائع
العذاب فأذعنوا بصحّة خبر يونس ، كما أنّ التفدية بذبح عظيم دلّت على صحّة إخبار الخليل ، وهكذا وجود الأفعى تحت الثياب أو في جوف حطب اليهودي يدلاّن على صحّة إخبار النبيّ الأعظم .
كلّ ذلك يشهد على أنّ الخبر الأوّل كان صحيحاً ومقدّراً ، غير أنّ الإنسان يمكن له أن يغيّر مصيره بعمله الصالح أو الطالح كما في غير تلك المقامات .
البداء عند الشيعة الإمامية    
وبالجملة : يجب أن يكون وقوع البداء مقروناً بما يدلّ على صحة إخبار النبيّ(عليه السلام) ولا يكون البداء على وجه يعدّ دليلا على كذبه ، ففي هذه الموارد دلّت القرائن على أنّ المخبر كان صادقاً في خبره .

الأمر الثاني :

إنّ البداء لا يتحقّق فيما يتعلّق بنظام النبوّة والولاية والخاتمية

صفحه 155
والملاحم الغيبية التي تعدّ شعاراً للشريعة ، فإذا أخبر المسيح بمجيء نبيّ اسمه أحمد ، أو أخبر النبيّ بكونه خاتماً للرسل ، أو أنّ الخلافة بعده لوصيّه ، أو أنّه يخرج من ولده من يملأ الأرض قسطاً وعدلا ، ونظير ذلك ، فلا يتحقّق فيه البداء قطعاً; لأنّ احتمال البداء فيه ناقض للحكمة ، وموجب لضلال العباد ، ولو كان احتمال هذا الباب مفتوحاً في تلك المسائل الأُصولية لما وجب على أحد
أن يقتفي النبيّ المبشَّـر به ، ولا يوالي الوصي المنصوص عليه ،
ولا يتلقّى دين الإسلام خاتماً ، ولا ظهور المهدي أمراً مقضيّاً ، بحجّة أنّه يمكن أن يقع فيه البداء . ففتح هذا الباب في المعارف والعقائد والأُصول والسنن الإسلامية مخالف للحكمة وموجب لضلالة الناس ، وهذا ما يستحيل على الله سبحانه ، وإنّما
مصبّ البداء هو القضايا الجزئية أو الشخصيّة ، كما هو الحال في الأخبار الماضية .

الأمر الثالث :

أنّ إطلاق البداء في هذه الموارد ، إنّما هو بالمعنى الذي عرفت ، وأنّ حقيقته بداء من الله للناس وإظهار منه ، ولو قيل بدا لله ، فإنّما هو من باب المشاكلة والمجاز ، والقرآن مليء به ، فقد نسب الذكر الحكيم إليه سبحانه المكر وقال : (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ الله

صفحه 156
والله خَيْـرُ الماكِرِينَ)(1) وليست المناقشة في التعبير من دأب المحقّقين ، فلو كان أهل السنّة لا يروقهم التعبير عن هذا الأصل بلفظ البداء لله ، فليغيّـروا التعبير ويعبّـروا عن هذه الحقيقة الناصعة بتعبير يرضيهم .
ولكن الشيعة تبعت النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا المصطلح ، وهو أوّل من استعمل تلك اللفظة في حقّه سبحانه ، وما يؤكّد ذلك هو ما رواه البخاري في كتاب النبوّة «قصّة بدء الخليقة» وفيها هذه اللفظة التي يستهجنها البعض ويتّهم الشيعة بابتداعها واختلاقها ، فقد روى أبو هريرة :
البداء في صحيح البخاري   
أنّه سمع من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) : «أنّ ثلاثة في بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى بدا لله أن يبتليهم ، فبعث إليهم ملكاً فأتى الأبرص فقال : أي شيء أحبّ إليك؟ قال : لون حسن ، وجلد حسن ، قد قذرني الناس ، قال : فمسحه فذهب عنه فأُعطي لوناً حسناً وجلداً حسناً ، فقال : أيّ المال أحبّ إليك؟ قال : الإبل أو قال : البقر ـ هو شكّ في ذلك أنّ الأبرص والأقرع قال أحدهما : الإبل وقال الآخر : البقر ـ فأُعطي ناقة عشراء ، فقال : يبارك الله لك فيها .

1 . آل عمران : 54 ، وهنا آيات أُخر يستدلّ بها على المشاكلة في التعبير عن الحقائق العلوية .

صفحه 157
وأتى الأقرع فقال : أيّ شيء أحبّ إليك؟ قال : شعر حسن ويذهب عنّي هذا ، قد قذرني الناس . قال : فمسحه ، فذهب ، وأُعطي شعراً حسناً ، قال : فأيّ المال أحب إليك؟ قال : البقر . قال : فأعطاه بقرة حاملا ، وقال : يبارك لك فيها .
وأتى الأعمى فقال : أيّ شيء أحبّ إليك؟ قال : يردّ الله إليّ بصري ، فأُبصر به الناس ، قال : فمسحه فردّ الله إليه بصره . قال : فأيّ المال أحب إليك؟ قال : الغنم ، فأعطاه شاة والداً ، فأنتج هذان وولّد هذا ، فكان لهذا واد من إبل ، ولهذا واد من بقر ، ولهذا واد من الغنم .
ثمّ إنّه أتى الأبرص في صورته وهيئته فقال : رجل مسكين تقطّعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ اليوم إلاّ بالله ثمّ بك .
أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيراً أتبلّغ عليه في سفري ، فقال له : إنّ الحقوق كثيرة . فقال له :
كأنّي أعرفك ألم تكن أبرص يقذرك الناس ، فقيراً فأعطاك الله؟ فأجابه : لقد ورثت لكابر عن كابر! فقال : إن كنت كاذباً فصيّرك الله إلى ما كنت .
وأتى الأقرع في صورته وهيئته فقال له مثل ما قال لهذا ، فردّ عليه مثلما ردّ عليه هذا ، فقال : إن كنت كاذباً فصيّرك الله إلى ما كنت .

صفحه 158
وأتى الأعمى في صورته فقال : رجل مسكين وابن سبيل وتقطّعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ اليوم إلاّ بالله ، ثمّ بك . أسألك بالذي ردّ عليك بصرك شاة أتبلّغ بها في سفري ، فقال : قد كنت أعمى فردّ الله بصري ، وفقيراً فقد أغناني ، فخذ ما شئت ، فو الله لا أجحدك اليوم بشيء أخذته لله ، فقال : أمسك مالك فإنّما ابتليتم فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك».(1)

1 . صحيح البخاري: 4 / 208 ، كتاب الأنبياء ، باب 51 حديث أبرص وأعمى وأقرع في بني إسرائيل .

صفحه 159
المسألة السادسة : الرجعة في الكتاب والسنّة   

المسألة السادسة :

الرجعة في الكتاب والسنّة

إنّ فكرة الرجعة التي تحدّثت عنها بعض الآيات القرآنية والأحاديث المرويّة عن أهل بيت الرسالة ممّا يشنّع بها على الشيعة ، فكأنَّ من قال بها رأى رأياً يوجب الخروج عن الدين ، غير أنّ هؤلاء نسوا أو تناسوا أنّ أوّل من أبدى نظرية الرجعة هو الخليفة عمر بن الخطّاب ، فقد أعلن عندما شاعت رحلة النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّه ما مات وليعودنّ فيقطعنّ أيدي وأرجل أقوام . . .
عن أبي هريرة قال : لمّا توفّي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قام عمر بن الخطّاب ، فقال : إنّ رجالا من المنافقين يزعمون أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)توفّي ، وإنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)والله ما مات ، ولكنّه ذهب إلى ربّه كما ذهب موسى بن عمران ، فقد غاب عن قومه أربعين ليلة ، ثمّ رجع إليهم بعد أن قيل قد مات ، والله ليرجعنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كما رجع موسى ، فليقطعنّ أيدي رجال وأرجلهم زعموا أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)مات(1)!!

1 . السيرة النبوية لابن هشام: 4 / 305 .

صفحه 160
ولا يخفى أنّ كلام الخليفة لو كان كلاماً حقيقياً لابدّ أن يُحمل على أنّ النبيّ ما مات موتاً لا رجوع فيه وإنّما يرجع فيقوم بما أخبر عنه الخليفة ، ولو أراد من نفي موته أنّه ما زال حيّاً فهو خلاف رأي جميع الصحابة الذين اتّفقوا على موته(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولم يكن موت النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أمراً يدركه جميع الناس ولا يدركه الخليفة .
إنّ الرجعة بمعنى عود جماعة قليلة إلى الحياة الدنيوية قبل يوم القيامة ثمّ موتهم وحشرهم مجدّداً يوم القيامة ليس شيئاً يضادّ أُصول الإسلام ، وليس فيه إنكار لأيّ حكم ضروري ، وليس القول برجعتهم إلى الدنيا يلغي بعثهم يوم القيامة ، وكيف لا يكون كذلك وقد أخبر سبحانه عن رجوع جماعة إلى الحياة الدنيوية ، نظير :
1 . إحياء جماعة من بني إسرائيل.(1)
2 . إحياء قتيل بني إسرائيل(2) .
3 . موت أُلوف من الناس وبعثهم من جديد(3) .
4 . بعث عزير بعد مائة عام من موته.(2)
5 . إحياء الموتى على يد عيسى(عليه السلام)(5) .
فلو كان الاعتقاد برجوع بعض الناس إلى الدنيا قبل القيامة

1 . لاحظ:البقرة : 55 ـ 56 .      2 . لاحظ: البقرة : 72ـ73 .      3 . لاحظ: البقرة : 243 .
2 . لاحظ: البقرة : 259 .            5. لاحظ: آل عمران : 49 .

صفحه 161
أمراً محالا ، فما معنى هذه الآيات الصريحة في رجوع جماعة إليها؟
ولو كان الرجوع إلى الدنيا على وجه الإطلاق تناسخاً فكيف تفسّـر هذه الآيات؟
إنّ الاعتقاد بالذكر الحكيم يجرّنا إلى القول بأنّه ليس كلّ رجوع إلى الدنيا تناسخاً ، وإنّما التناسخ الباطل عبارة عن رجوع الإنسان إلى الدنيا عن طريق النطفة والمرور بمراحل التكوّن البشري من جديد ليصير إنساناً مرّة أُخرى ، وأين هذا من الرجعة وعود الروح إلى البدن الكامل من جميع الجهات من دون أن يكون فيها رجوع من القوّة إلى الفعلية ، أو دخول روح في بدن آخر ، إنساناً كان أو حيواناً؟!
اتّفقت الشيعة على بطلان التناسخ وامتناعه ، وقد كتبوا فيه مقالات ورسائل يقف عليها من كان له إلمام بكتبهم وعقائدهم ، وقد ذكروا أنّ للتناسخ أنواعاً وأقساماً ، غير أنّ الرجوع إلى الدنيا من خلال دخول الروح إلى البدن الذي فارقه عند الموت لا يعدّ تناسخاً ، وإنّما هو إحياء للموتى ، الذي كان معجزة من معاجز المسيح .
كلّ ذلك يدلّ على أنّه ليس أمام القول بالرجعة عراقيل وموانع ، وإنّما هو أمر ممكن لو دلّ عليه الدليل القطعي نأخذ به

صفحه 162
وإلاّ فنتركه في سنبله ، والحال أنّ بعض الآيات والروايات تدلّ على أنّه سيتحقّق الرجوع إلى هذه الدنيا قبل يوم القيامة لبعض الناس على وجه الإجمال ، وأمّا من هم؟ وفي أيّ وقت يرجعون؟ ولأيّ غرض يعودون إلى الدنيا؟ فليس هنا مقام بيانها ، إنّما نكتفي ببيان بعض الآيات الدالّة على وقوعه قبل البعث ، وإليك الآيات .
قال سبحانه : (وَإذا وَقَعَ القَولُ عَلَيهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأرضِ تُكَلّمُهُمْ أنَّ النّاسَ كَانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنونَ * وَيَومَ نَحْشُـرُ مِنْ كُلِّ أُمَّة فَوْجَاً مِمَّنْ يُكَذّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ).(1)
لايشكّ من أمعن النظر في سياق الآيات وما ذكره المفسّـرون حولها ، في أنّ الآية الأُولى تتعلّق بالحوادث التي تقع قبل يوم القيامة ، وعليه تكون الآية الثانية مكمّلة لها ، وتدلّ على حشر فوج من كلّ جماعة قبل يوم القيامة ، والحال أنّ الحشر في يوم القيامة يتعلّق بالجميع لا بالبعض ، يقول سبحانه : (وَيَومَ نُسَيّرُ الجِبالَ وَتَرى الأرضَ بارِزةً وَحَشَـرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أحداً).(2)
أفبعد هذا التصريح يمكن تفسير الآية السابقة بيوم البعث والقيامة؟
وهذه الآية تعرب عن الرجعة التي تعتقد بها الشيعة في حقّ

1 . النمل : 82 ـ 83 .
2 . الكهف : 47 .

صفحه 163
جماعة خاصّة ، وأمّا خصوصياتها فلم يحدّث عنها القرآن الكريم ، وجاء التفصيل في السنّة .
وقد سأل المأمون العباسي الإمام الرضا(عليه السلام) عن الرجعة ، فأجابه بقوله : «إنّها حقّ قد كانت في الأُمم السالفة ونطق بها القرآن، وقد قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): يكون في هذه الأُمّة كلّ ما كان في الأُمم السالفة حذو النعل بالنعل والقذّة بالقذّة».(1)
وأمّا من هم الراجعون؟ وما هو الهدف من إحيائهم؟ فيرجع فيه إلى الكتب المؤلّفة في هذا الموضوع ، وإجمال الجواب عن الأوّل : أنّ الراجعين لفيف من المؤمنين ولفيف من الظالمين .
وقال الشيخ المفيد ناقلا عن أئمّة أهل البيت : إنّما يرجع إلى الدنيا عند قيام القائم مَن محض الإيمان محضاً أو محض الكفر محضاً ، وأمّا ما سوى هذين فلا رجوع لهم إلى يوم المآب.(2)
وقال أيضاً في المسائل السروية : والرجعة عندنا تختصّ بمن محض الإيمان ، ومحض الكفر دون ما سوى هذين الفريقين.(3)
وإجمال الجواب عن الثاني ما ذكره السيّد المرتضى ، قال :

1 . بحار الأنوار: 53 / 59 ح 45 .
2 . تصحيح الاعتقاد : 40 .
3 . المسائل السروية: 35، فصل في من يرجع من الأُمم .

صفحه 164
إنّ الله تعالى يعيد عند ظهور المهدي ـ عجَّل الله تعالى فرجه الشريف ـ قوماً ممّن كان تقدّم موته من شيعته ليفوزوا بثواب نصرته ومعونته ومشاهدة دولته ، ويعيد أيضاً قوماً من أعدائه لينتقم منهم .(1)

ملاحظات جديرة بالانتباه 

1 . إنّ الرجعة وإن كانت من مسلّمات عقائد الشيعة ، ولكن التشيّع ليس منوطاً بالاعتقاد بها ، فمن أنكرها فقد أنكر عقيدة مسلّمة بين أكثر الشيعة ، ولكن لم يكن ركناً من أركان التشيّع ، ولأجل ذلك نرى أنّ جماعة من الشيعة أوّلوا الأخبار الواردة في الرجعة إلى رجوع الدولة إلى شيعتهم وأخذهم بمجاري الأُمور دون رجوع أعيان الأشخاص ، والباعث لهم على هذا التأويل هو عجزهم عن تصحيح القول بها نظراً واستدلالا ، ولكن المحقّقين من الإمامية ، أخذوا بظواهرها وبيّنوا عدم لزوم استحالة عقلية على القول بها لعموم قدرة الله على كلّ مقدور ، وأجابوا عن الشبه الواردة عليها ، وإلى هذا الاختلاف يشير الشيخ المفيد بقوله : واتّفقت الإمامية على رجعة كثير من الأموات إلى الدنيا قبل يوم القيامة وإن كان بينهم في معنى الرجعة اختلاف .

1 . رسائل الشريف المرتضى:1/125.

صفحه 165
ويشير إلى الاختلاف تلميذه الجليل الشريف المرتضى في المسائل التي وردت عليه من الريّ ومنها حول حقيقة الرجعة ، فأجاب : بأنّ الذي تذهب إليه الشيعة الإمامية أنّ الله تعالى يعيد عند ظهور المهدي قوماً ممّن كان تقدّم موته من شيعته ، وقوماً من أعدائه ، وأنّ قوماً من الشيعة تأوّلوا الرجعة على أنّ معناها رجوع الدولة والأمر والنهي إلى شيعتهم ، من دون رجوع الأشخاص ، وإحياء الأموات.(1)
2 . كيف يجتمع إعادة الظالمين مع قوله سبحانه : (وحَرامٌ عَلَى قَرْيَة أهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ)(2) فإنّ هذه الآية تنفي رجوعهم بتاتاً ، وحشر لفيف من الظالمين يخالفها .
والإجابة عن السؤال واضحة; فإنّ الآية مختصّة بالظالمين الذين أُهلكوا في هذه الدنيا ورأوا جزاء عملهم فيها ، فالآية تحكم بأنّهم لا يرجعون ، وأمّا الظالمون الذين رحلوا عن الدنيا بلا مؤاخذة فتُرجع طائفة منهم ليروا جزاء عملهم فيها ثمّ يردّون إلى أشدّ العذاب في الآخرة ، فالآية لا تنفي رجوع طائفة من الظالمين الذين ماتوا حتف الأنف .
3 . إنّ الظاهر من قوله تعالى : (حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ المَوْتُ

1 . بحار الأنوار: 53 / 138 .
2 . الأنبياء : 95 .

صفحه 166
قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعلّي أعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلاّ إنّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلها ومِنْ ورائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَومِ يُبْعَثُونَ)(1) هو نفي الرجوع إلى الدنيا بعد مجيء الموت لأيّ أحد .
والإجابة عنها واضحة; فإنّ الآية كسائر السنن الإلهية الواردة في حقّ الإنسان ; فهي تفيد أنّ الموت بطبعه ليس بعده رجوع ، وهذا لا ينافي رجوع البعض استثناءً ولمصالح عليا ، كما مرّت الآيات الواردة في هذا المضمار .
المسألة السابعة: زواج المتعة   
أضف إلى ذلك أنّ عود بعض الظالمين إلى الدنيا ـ على القول بالرجعة ـ إنّما هو لأجل عقابهم والانتقام منهم ، وأين هذا من طلب هؤلاء الكفّار الرجوع لأجل تصحيح عملهم والقيام بما تركوه من الصالحات ، وردّ هذا الفرع من الرجوع لا يكون دليلا على نفي النوع الأوّل منه .

1 . المؤمنون : 100 ـ 101 .

صفحه 167

المسألة السابعة :

زواج المتعة

وممّا يشنع به على الشيعة : قولهم بجواز نكاح المتعة ، ويعدّون القول بتشريعه أو بعدم نسخه مخالفاً للكتاب والسنّة . ورغم أنّ المسألة فرعية فقهية لا يناسب البحث عنها في كتب تاريخ العقائد ، إلاّ أنّه لما كانت من شعائر فقه الشيعة ، آثرنا أن نبحث عنها في إطار الكتاب والسنّة ، على وجه الإجمال ، حتّى يقف القارئ على أنّ القول بأصل تشريعها وعدم نسخها ممّا يثبته الكتاب والسنّة ، وأنّ القول بعدم تشريعها بتاتاً أو ادّعاء نسخها يضادّهما . وسيوافيك أنّ لفيفاً من الصحابة والتابعين كانوا يفتون بجوازها وعدم نسخها ، وإنّما منع عنها عمر بن الخطاب لحافز نفسي أو اجتهاد شخصي لا دليل عليه وليس حجّة على الآخرين . وقد أبدى بنظيره في متعة الحجّ في زمن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) .
فأمّا زواج المتعة : فهو عبارة عن تزويج المرأة الحرّة الكاملة نفسها إذا لم يكن بينها وبين الزوج مانع ـ من نسب أو سبب أو رضاع أو إحصان أو عدّة أو غير ذلك من الموانع الشرعية ـ بمهر

صفحه 168
مسمّى إلى أجل مسمّى بالرضا والاتّفاق ، فإذا انتهى الأجل تبين منه من غير طلاق . ويجب عليها مع الدخول بها ـ إذا لم تكن يائسة ـ أن تعتد عدّة الطلاق إذا كانت ممّن تحيض وإلاّ فبخمسة وأربعين يوماً.(1)
وولد المتعة ـ ذكراً كان أو أُنثى ـ يلحق بالأب ولا يدعى إلاّ به ، وله من الإرث ما أوصانا الله سبحانه به في كتابه العزيز . كما يرث من الأُمّ ، وتشمله جميع العمومات الواردة في الآباء والأبناء والأُمّهات ، وكذا العمومات الواردة في الأُخوة والأخوات والأعمام والعمّـات .
وبالجملة : المتمتّع بها زوجة حقيقة ، وولدها ولد حقيقة . ولا فرق بين الزواجين : الدائم والمنقطع إلاّ أنّه لا توارث هنا ما بين الزوجين ، ولا قسمة ولا نفقة لها . كما أنّ له العزل عنها . وهذه الفوارق الجزئية فوارق في الأحكام لا في الماهية; لأنّ الماهية واحدة غير أنّ أحدهما مؤقّت والآخر دائم ، وأنّ الأوّل ينتهي بانتهاء الوقت والآخر ينتهي بالطلاق أو الفسخ .
وقد أجمع أهل القبلة على أنّه سبحانه شرّع هذا النكاح في صدر الإسلام ، ولا يشكّ أحد في أصل مشروعيّته ، وانّما وقع الكلام في نسخه أو بقاء مشروعيته .

1 . لاحظ الكتب الفقهية للشيعة الإمامية في ذلك المجال .

صفحه 169

النكاح المنقطع في القرآن الكريم

والأصل في مشروعيته قوله سبحانه : (وحلائِلُ أبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أصْلابِكُمْ وأنْ تَجْمَعُوا بينَ الاختَينِ إلاَّ ما قَدْ سَلَفَ إنَّ الله كانَ غَفُوراً رَحيماً * والُمحْصَناتُ مِنَ النّساءِ إلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ الله عَلَيكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذَلِكُمْ أنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيرَ مُسافِحينَ فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَريضةً ولا جُناحَ عَلَيكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعدِ الفَريضَةِ إنَّ الله كانَ عَليماً حَكيماً).(1)
الآية ناظرة إلى نكاح المتعة وذلك لوجوه :

1 . الحمل على النكاح الدائم يستلزم التكرار بلا وجه

إنّ هذه السورة ; أي سورة النساء ، تكفّلت ببيان أكثر ما يرجع إلى النساء من الأحكام والحقوق ، فذكرت جميع أقسام النكاح في أوائل السورة على نظام خاص ، أمّا الدائم فقد أشار إليه سبحانه بقوله : (وإِنْ خِفْتُمْ ألاَّ تُقْسِطُوا في اليَتامى فَانْكِحُوا ما طَابَ لَكُمْ مِنَ النّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ ورُباعَ وإنْ خِفْتُمْ ألاَّ تَعدِلُوا فَواحِدَةً . . .).(2)

1 . النساء : 23ـ24 .
2 . النساء : 3 .

صفحه 170
وأمّا أحكام المهر فقد جاءت في الآية التالية : (وآتُوا النّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيء مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَريئاً).(1)
وأمّا نكاح الإماء فقد جاء في قوله سبحانه : (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أنْ يَنْكِحَ الُمحْصَناتِ المُؤْمِناتِ فَمِن مّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ واللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْض فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالمَعْرُوفِ مُحْصَنات غَيْـرَ مُسافِحات ولا مُتّخِذاتِ أخْدان . . .).(2)
فقوله سبحانه : (فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيمانُكُمْ) إشارة إلى نكاح السيّد لأمته ، الذي جاء في قوله سبحانه أيضاً : (إلاّ علَى أَزْواجِهِمْ أوْ مَا مَلكَتْ أيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْـرُ مَلُومِينَ . . .) .(2)
وقوله سبحانه : (فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أهْلِهِنَّ) إشارة إلى الزواج من أمة الغير . فإلى هنا تمّ بيان جميع أقسام النكاح فلم يبق إلاّ نكاح المتعة ، وهو الذي جاء في الآية السابقة ، وحمل قوله سبحانه : (فَما اسْتَمْتَعْتُمْ ) على الزواج الدائم ، وحمل قوله : (فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) على المهور والصدقات يوجب التكرار بلا وجه ، فالناظر في السورة يرى أنّ آياتها تكفّلت ببيان أقسام الزواج على

1 . النساء : 4 .   2 . النساء : 25 .
2 . المؤمنون : 6 .

صفحه 171
نظام خاصّ ولا يتحقّق ذلك إلاّ بحمل الآية على نكاح المتعة كما هو ظاهرها أيضاً .

2 . تعليق دفع الأُجرة على الاستمتاع

إنّ تعليق دفع الأُجرة على الاستمتاع في قوله سبحانه : (فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) يناسب نكاح المتعة الذي هو زواج مؤقّت لا النكاح الدائم ، فإنّ المهر هنا يجب بمجرّد العقد ولا يتنجّز وجوب دفع الكلّ إلاّ بالمسّ ، وأمّا المتعارف فيختلف حسب اختلاف العادات العرفية ، فربّما يؤخذ قبل العقد وأُخرى يترك إلى أن يرث أحدهما الآخر .

3 . تصريح جماعة من الصحابة بشأن نزولها

ذكرت أُمّة كبيرة من أهل الحديث نزولها فيها ، وينتهي نقل هؤلاء إلى أمثال ابن عبّاس ، وأُبي بن كعب ، وعبد الله بن مسعود ، وجابر بن عبد الله الأنصاري ، وحبيب بن أبي ثابت ، وسعيد بن جبير ، إلى غير ذلك من رجال الحديث الذين لا يمكن اتهامهم بالوضع والجعل .
وقد ذكر نزولها من المفسّـرين والمحدّثين :
إمام الحنابلة أحمد بن حنبل في مسنده.(1)

1 . لاحظ: مسند أحمد: 4 / 436 .

صفحه 172
وأبو جعفر الطبري في تفسيره.(1)
وأبو بكر الجصّاص الحنفي في أحكام القرآن.(2)
وأبو بكر البيهقي في السنن الكبرى.(3)
ومحمود بن عمر الزمخشري في الكشاف.(3)
وأبو بكر بن سعدون القرطبي في تفسير جامع أحكام القرآن .(5)
وفخر الدين الرازي في مفاتيح الغيب.(4)
إلى غير ذلك من المحدّثين والمفسّـرين الذين جاءوا بعد ذلك إلى عصرنا هذا ، ولا نطيل الكلام بذكرهم .
وليس لأحد أن يتّهم هؤلاء الأعلام بذكر ما لا يعتقدون به . وبملاحظة هذه القرائن لا يكاد يشكّ في ورودها في نكاح المتعة .
ونزيد الوضوح بياناً بقوله سبحانه : (وأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَراءَ ذلِكُمْ أنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيرَ مُسافِحين) .
أنّ قوله سبحانه : (أنْ تَبْتَغُوا ) مفعول له لفعل مقدّر ، أي بيّـن لكم ما يحلّ ممّا يحرم لأجل أن تبتغوا بأموالكم ، وأمّا مفعول

1 . لاحظ: تفسير الطبري: 5 / 9 .
2 . لاحظ:أحكام القرآن: 2 / 178 .         3. لاحظ: السنن الكبرى: 7 / 205 .
3 . لاحظ: الكشاف: 1 / 360 .            5. لاحظ: جامع أحكام القرآن: 5 / 13 .
4 . لاحظ: مفاتيح الغيب: 3 / 267 .

صفحه 173
قوله : (تَبْتَغُوا ) فيعلم من القرينة وهو النساء ; أي طلبكم النساء ; أي بيّـن الحلال والحرام لغاية ابتغائكم النساء من طريق الحلال لا الحرام .
وقوله سبحانه : (مُحْصِنِينَ) وهو من الإحصان بمعنى العفّة وتحصين النفس من الوقوع في الحرام ، وقوله سبحانه : (غَيرَ مُسافِحين) هو جمع مسافح بمعنى الزاني مأخوذ من السفح بمعنى صبّ الماء ، والمراد هنا هو الزاني بشهادة قوله سبحانه في الآية المتأخّرة في نكاح الإماء : (وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالمَعْرُوفِ مُحْصَنات غَيْـرَ مُسافِحات )أي عفائف غير زانيات .
ومعنى الآية : أنّ الله تبارك وتعالى شرّع لكم نكاح ما وراء المحرّمات لأجل أن تبتغوا بأموالكم ما يحصنكم ويصون عفّتكم ويصدّكم عن الزنا ، وهذا المناط موجود في جميع الأقسام : النكاح الدائم ، والمؤقّت ، والزواج بأمة الغير، المذكورة في هذه السورة من أوّلها إلى الآية 25 .
هذا هو الذي يفهمه كلّ انسان من ظواهر الآيات، غير أنّ من لا يروقه الأخذ بظاهر الآية : (فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) لرواسب نفسية أو بيئية حاول أن يطبق معنى الآية على العقد الدائم ، وذكر في المورد شبهات ضعيفة لا تصمد أمام النقاش نجملها بما يلي :

صفحه 174

شبهات ضعيفة حول دلالة الآية 

الشبهة الأُولى : أنّ الهدف من تشريع النكاح هو تكوين الأُسرة وإيجاد النسل ، وهو يختصّ بالنكاح الدائم دون المنقطع الذي لا يترتّب عليه إلاّ إرضاء القوّة الشهوية وصبّ الماء وسفحه .
ويجاب عنها : بأنّه خلط بين الموضوع والفائدة المترتّبة عليه ، وما ذكر إنّما هو من قبيل الحكمة ، وليس الحكم دائراً مدارها ، لضرورة أنّ النكاح صحيح وإن لم يكن هناك ذلك الغرض ، كزواج العقيم واليائسة والصغيرة . بل أغلب المتزوّجين في سن الشباب بالزواج الدائم لا يقصدون إلاّ قضاء الوطر واستيفاء الشهوة من طريقها المشروع ، ولا يخطر ببالهم طلب النسل أصلا وإن حصل لهم قهراً ، ولا يقدح ذلك في صحّة زواجهم .
ومن العجب حصر فائدة المتعة في قضاء الوطر ، مع أنّها كالدائم قد يقصد منها النسل والخدمة وتدبير المنزل وتربية الأولاد والإرضاع والحضانة .
ونسأل المانعين الذين يتلقّون نكاح المتعة ، مخالفاً للحكمة ، التي من أجلها شرّع النكاح ، نسألهم عن الزوجين اللّذين يتزوّجان نكاح دوام ، ولكن ينويان الفراق بالطلاق بعد شهرين ، فهل هذا نكاح صحيح أو لا؟ لا أظن أنّ فقيهاً من فقهاء الإسلام

صفحه 175
يمنع ذلك إلاّ إذا أفتى بغير دليل ولا برهان ، وبهذا الشكل يتعيّن الجزم بصحّة هذا النكاح ، فأيّ فرق يكون حينئذ بين المتعة وهذا النكاح الدائم سوى أنّ المدّة مذكورة في الأوّل دون الثاني؟
يقول صاحب المنار : إنّ تشديد علماء السلف والخلف في منع المتعة بنيّة الطلاق ، وإن كان الفقهاء يقولون إنّ عقد النكاح يكون صحيحاً إذا نوى الزوج التوقيت ، ولم يشترطه في صيغة العقد ، ولكن كتمانه إيّاه يعدّ خداعاً وغشّاً وهو أجدر بالبطلان من العقد الذي يشترط فيه التوقيت.(1)
أقول : نحن نفترض أنّ الزوجين رضيا بالتوقيت لبّاً ، حتّى لا يكون هناك خداع وغشّ ، فهو صحيح بلا إشكال .
الشبهة الثانية : إنّ تسويغ النكاح المؤقّت ينافي ما تقرّر في القرآن كقوله عزّ وجلّ في صفة المؤمنين : (والَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ * إلاّ عَلَى أزواجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإنَّهُمْ غَيرُ مَلُومينَ* فَمَنِ ابْتَغْى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُون).(2)
والمراد من الآية : أنّ من ابتغى وراء ذلك ، هم المتجاوزون ما أحلّه الله لهم إلى ما حرّمه عليهم . والمرأة المتمتّع بها ليست زوجة فيكون لها على الرجل مثل الذي عليها بالمعروف .

1 . تفسير المنار: 3 / 17 .
2 . المؤمنون : 5 ـ 7 .

صفحه 176
إلاّ أنّه يرد عليها : أنّها دعوة بلا دليل . فإنّها زوجة ولها أحكام ، وعدم وجود النفقة والقسمة لا يخرجانها عن الزوجيّة ، فإنّ الناشزة زوجة ليست لها النفقة وحقّ القسمة ، ومثلها الصغيرة . والعجب أن يستدلّ بعدم وجود الأحكام على نفي الماهية ، فإنّ الزوجيّة رابطة بين الزوجين تترتّب عليها جملة من الأحكام وربّما تختص بعض الأحكام ببعض الأقسام .
الشبهة الثالثة : إنّ المتمتّع في النكاح المؤقّت لا يقصد الإحصان دون المسافحة ، بل يكون قصده مسافحة ، فإن كان هناك نوع مّا من إحصان نفسه ومنعها من التنقّل في دِمنِ الزنا ، فإنّه لا يكون فيه شيء مّا من إحصان المرأة التي تؤجر نفسها كلّ طائفة من الزمن لرجل فتكون كما قيل :
كرة حُذِفْت بصوالجة *** فتلقّفها رجل رجـل(1)
ويرد على هذه الشبهة : أنّه من أين وقف على أنّ الإحصان في النكاح المؤقّت يختصّ بالرجل دون المرأة ، فإنّا إذا افترضنا كون العقد شرعياً ، فكلّ واحد من الطرفين يُحصن نفسه من هذا الطريق ، وإلاّ فلا محيص عن التنقّل في دمن الزنا . والذي يصون الفتاة عن البغي أحد الأُمور الثلاثة :
1 . النكاح الدائم .

1 . تفسير المنار: 5 / 13 .

صفحه 177
2 . النكاح المؤقّت بالشروط الماضية .
3 . كبت الشهوة الجنسية .
فالأوّل ربّما يكون غير ميسور خصوصاً للطالب والطالبة اللّذين يعيشان بمنح ورواتب مختصرة يجريها عليهما الوالدان أو الحكومة ، وكبت الشهوة الجنسية أمر شاقّ لا يتحمّله إلاّ الأمثل فالأمثل من الشباب والمثلى من النساء; وهم قليلون ، فلم يبق إلاّ الطريق الثاني ، فيحصنان نفسهما عن التنقّل في بيوت الدعارة .
إنّ الدين الإسلامي هو الدين الخاتم ، ونبيّه خاتم الأنبياء ، وكتابه خاتم الكتب ، وشريعته خاتمة الشرائع ، فلابدّ أن يضع لكلّ مشكلة اجتماعية حلولا شرعية ، يصون بها كرامة المؤمن والمؤمنة ، وما المشكلة الجنسية عند الرجل والمرأة إلاّ إحدى هذه النواحي التي لا يمكن للدين الإسلامي أن يهملها ، وعندئذ يطرح هذا السؤال نفسه :
ماذا يفعل هؤلاء الطلبة والطالبات الذين لا يستطيعون القيام بالنكاح الدائم ، وتمنعهم كرامتهم ودينهم عن التنقّل في بيوت الدعارة والفساد ، والحياة الماديّة بجمالها تؤجّج نار الشهوة في نفوسهم؟ فمن المستحيل عادة أن يصون نفسه أحد إلاّ من عصمه الله ، فلم يبق طريق إلاّ زواج المتعة ، الذي يشكّل الحلّ الأنجع لتلافي الوقوع في الزنا ، وتبقى كلمة الإمام علي بن أبي طالب ترنّ

صفحه 178
في الآذان محذّرة من تفاقم هذا الأمر عند إهمال العلاج الذي وصفه المشرّع الحكيم له ، حيث قال(عليه السلام) : «لولا نهي عمر عن المتعة لما زنى إلاّ شقيّ أو شقيّة» .(1)
وأمّا تشبيه المتعة بما جاء في الشعر فهو يعرب عن جهل الرجل بحقيقة نكاح المتعة وحدودها ، فإنّ ما جاء فيه هي المتعة الدورية التي ينسبها الرجل(2) وغيره إلى الشيعة ، وهم براء من هذا الإفك ; إذ يجب على المتمتّع بها بعد انتهاء المدّة الاعتداد على ما ذكرنا ، فكيف يمكن أن تؤجّر نفسها كلّ طائفة من الزمن لرجل؟! سبحان الله! ما أجرأهم على الكذب على الشيعة والفرية عليهم ، وما مضمون الشعر إلاّ جسارة على الوحي والتشريع الإلهي ، وقد اتّفقت كلمة المحدّثين والمفسّـرين على التشريع ، وأنّه لو كان هناك نهي أو نسخ فإنّما هو بعد التشريع والعمل .
الشبهة الرابعة : إنّ الآية منسوخة بالسنّة ، واختلفوا في زمن نسخها إلى أقوال شتّى :
1 . أُبيحت ثمّ نهي عنها عام خيبر .
2 . ما أُحلّت إلاّ في عمرة القضاء .

1 . شرح نهج البلاغة:20/25.
2 . لاحظ كتابه : السنّة والشيعة : 65 ـ 66 .

صفحه 179
3 . كانت مباحة ونهي عنها في عام الفتح .
4 . أُبيحت عام أوطاس ثمّ نهي عنها.(1)
وهذه الأقوال تنفي الثقة بوقوع النسخ ، كما أنّ نسخ القرآن بأخبار الآحاد ممنوع جدّاً ، وقد صحّ عن عمران بن الحصين انّه قال : «إنّ الله أنزل المتعة وما نسخها بآية أُخرى ، وأمرنا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بالمتعة وما نهانا عنها ، ثمّ قال رجل برأيه» ، يريد به عمر بن الخطّاب .
إنّ الخليفة الثاني لم يدّع النسخ وإنّما أسند التحريم إلى نفسه ، ولو كان هناك ناسخ من الله عزّ وجلّ أو من رسوله ، لأسند التحريم إليهما ، وقد استفاض قول عمر وهو على المنبر : متعتان كانتا على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأنا أنهى عنهما وأُعاقب عليهما : متعة الحج ومتعة النساء .
بل نقل متكلّم الأشاعرة في شرحه على شرح التجريد أنّه قال : أيّها الناس ثلاث كنّ على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأنا أنهى عنهنّ ، وأُحرمهنّ ، وأُعاقب عليهنّ : متعة النساء ، ومتعة الحج ، وحيّ على خير العمل.(2)

1 . لاحظ للوقوف على مصادر هذه الأقوال : مسائل فقهية لشرف الدين : 63ـ64 ، الغدير: 6 / 225 ، أصل الشيعة وأُصولها : 171 ، والأقوال في النسخ أكثر مما جاء في المتن .
2 . مفاتيح الغيب: 10 / 52ـ53 ; شرح التجريد للقوشجي : 484 ط إيران .

صفحه 180
وقد روي عن ابن عبّاس ـ وهو من المصرّحين بحلّية المتعة وإباحتها ـ في ردّه على من حاجّه بنهي أبي بكر وعمر لها ، حيث قال : يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء ، أقول : قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وتقولون : قال أبو بكر وعمر .
حتّى أنّ ابن عمر لمّا سئل عنها ، أفتى بالإباحة ، فعارضوه بقول أبيه ، فقال لهم : أمر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أحقّ أن يتّبع أم أمر عمر؟
كلّ ذلك يعرب عن أنّه لم يكن هناك نسخ ولا نهي نبوي ، وإنّما كان تحريماً من جانب الخليفة ، وهو في حدّ ذاته يعتبر اجتهاداً قبالة النصّ الواضح ، وهو ما انفكّ يعلن جملة من الصحابة رفضهم له وعدم إذعانهم لأمره ، وإذا كان الخليفة قد اجتهد لأسباب رآها وأفتى على أساسها ، فكان الأولى بمن لحقوه أن يتنبّهوا لهذا الأمر لا أن يسرفوا في تسويغه دون حجّة ولا دليل .

المنكرون للتحريم 

ذكرنا أنّ جمعاً من وجوه الصحابة والتابعين أنكروا هذا التحريم ولم يقرّوا به ، ومنهم :
1 . عليّ أمير المؤمنين ، فيما أخرجه الطبري بالإسناد إليه أنّه قال : «لولا أنّ عمر نهى عن المتعة ما زنى إلاّ شقيّ».(1)

1 . تفسير الطبري: 5 / 9 .

صفحه 181
2 . عبد الله بن عمر ، أخرج الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمر ، قال ـ وقد سئل عن متعة النساء ـ : والله ما كنّا على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) زانين ولا مسافحين ، ثمّ قال : والله لقد سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول : «ليكوننّ قبل يوم القيامة المسيح الدجّال وكذّابون ثلاثون وأكثر».(1)
3 . عبد الله بن مسعود ، روى البخاري عن عبد الله بن مسعود ، قال : كنّا نغزو مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وليس لنا شيء ، فقلنا : ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك ، ثمّ رخّص لنا أن تنكح المرأة بالثوب إلى أجل معيّـن ، ثمّ قرأ علينا : (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرّمُوا طَيّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدينَ)(2) .(3)
4 . عمران بن حصين ، أخرج البخاري في صحيحه عنه ، قال : نزلت آية المتعة في كتاب الله ، ففعلناها مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولم ينزل قرآن يحرّمها ، ولم ينه عنها حتّى مات . قال رجل برأيه ما شاء.(4)
أخرج أحمد في مسنده عن أبي رجاء، عن عمران بن

1 . مسند أحمد: 2 / 95 .
2 . المائدة : 87 .
3 . صحيح البخاري: 7 / 4 ، كتاب النكاح، الباب 8 ، الحديث 3 .
4 . صحيح البخاري: 6 / 27 ، كتاب التفسير ، تفسير قوله تعالى : (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمَرَةِ إِلَى الْحَجِّ ) من سورة البقرة ، الآية196.

صفحه 182
حصين ، قال : نزلت آية المتعة في كتاب الله وعملنا بها مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، فلم تنزل آية تمنعها ، ولم ينه عنها النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) حتّى مات.(1)
5 . كما أنّ الخليفة العباسي المأمون أوشك أن ينادي في أيام حكمه ، بتحليل المتعة إلاّ أنّه توقّف خوفاً من الفتنة وتفرّق المسلمين . قال ابن خلّكان ، نقلا عن محمّد بن منصور : قال : كنّا مع المأمون في طريق الشام فأمر فنودي بتحليل المتعة ، فقال يحيى بن أكثم لي ولأبي العيناء : بكّرا غداً إليه فإن رأيتما للقول وجهاً فقولا ، وإلاّ فاسكتا إلى أن أدخل ، قال : فدخلنا عليه وهو يستاك ويقول وهو مغتاظ : متعتان كانتا على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وعلى عهد أبي بكر وأنا أنهى عنهما ، ومن أنت يا جعل حتّى تنهى عمّـا فعله رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وأبو بكر؟! فأومأ أبو العيناء إلى محمّد بن منصور وقال : رجل يقول : من عمر بن الخطاب ، نكلّمه نحن؟ فأمسكنا ، فجاء يحيى بن أكثم فجلس وجلسنا ، فقال المأمون ليحيى : ما لي أراك متغيّـراً؟ فقال : هو غمّ يا أمير المؤمنين لما حدث في الإسلام ، قال : وما حدث فيه؟ قال : النداء بتحليل الزنا ، قال : الزنا؟! قال : نعم ، المتعة زنا ، قال : ومن أين قلت هذا؟ قال : من كتاب الله عزّ وجلّ ، وحديث رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، قال الله تعالى : (قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ) إلى قوله : (والَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُون *

1 . لاحظ: مسند أحمد: 1/292، ومسائل فقهيّة للسيد شرف الدين : 70 .

صفحه 183
إلاَّ عَلَى أَزْواجِهِمْ أو ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ فَإنَّهُمْ غَيرُ ملومين * فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذَلِكَ فَأُوْلئِكَ هُمُ العادُونَ)(1) يا أمير المؤمنين زوج المتعة ملك يمين؟ قال : لا ، قال : فهي الزوجة التي عند الله ترث وتورث وتلحق الولد ولها شرائطها؟ قال : لا ، قال : فقد صار متجاوز هذين من العادين.(2)
أقول : هل عزب عن ابن أكثم ـ وقد كان ممّن يكنّ العداء لآل البيت ـ أنّ المتعة داخلة في قوله سبحانه : (إلاَّ عَلَى أَزْواجِهِمْ)وانّ عدم الوراثة تخصيص في الحكم ، وهو لا ينافي ثبوتها ، وكم لها من نظير ، فالكافرة لا ترث الزوج المسلم ، وبالعكس ، كما أنّ القاتلة لا ترث وهكذا العكس ، وأمّا الولد فيلحق قطعاً ، ونفي اللحوق ناشئ إمّا من الجهل بحكمها أو التجاهل به .
وما أقبح كلامه حيث فسّـر المتعة بالزنا وقد أصفقت الأُمّة على تحليلها في عصر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) والخليفة الأوّل ، أفيحسب ابن أكثم أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) حلّل الزنا ولو مدَّة قصيرة؟!

كبرت كلمة تخرج من أفواههم 

وهناك روايات مأثورة عن الخليفة نفسه ، تعرب عن أنّ

1 . المؤمنون : 1ـ7 .
2 . وفيات الأعيان: 6 / 149 ـ 150 .

صفحه 184
التحريم كان من صميم رأيه ، من دون استناد إلى آية أو رواية .
فقد روى مسلم في صحيحه : عن ابن أبي نضرة قال : كان ابن عبّاس يأمر بالمتعة ، وكان ابن الزبير ينهى عنها ، فذكر ذلك لجابر ، فقال : على يدي دار الحديث : تمتّعنا مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فلمّا قام عمر قال : إنّ الله كان يحلّ لرسوله ما شاء بما شاء ، فأتمّوا الحجّ والعمرة وأبتّوا نكاح هذه النساء ، فلئِن أُوتي برجل نكح امرأة إلى أجل إلاّ رجمته بالحجارة.(1)
وروى الإمام أحمد في مسنده عن أبي نضرة قال : قلت لجابر : إنّ ابن الزبير ينهى عن المتعة ، وانّ ابن عبّاس يأمر بها ، فقال لي : على يدي جرى الحديث : تمتّعنا مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ومع أبي بكر ، فلمّا ولّي عمر خطب الناس فقال : إنّ القرآن هو القرآن ، وإنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) هو الرسول ، وإنّهما متعتان كانتا عَلى عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)إحداهما متعة الحج والأُخرى متعة النساء.(2)
وهذه المأثورات تعرب عن جملة من الملاحظات نجملها بملاحظتين اثنتين :
أوّلا : أنّ المتعة كانت باقية على الحلّ إلى عهد الخليفة عمر بن الخطاب ، وبقيت لوقت في أيامه حتى نهى عنها ومنع .

1 . صحيح مسلم : 4 / 130 ، باب نكاح المتعة، الحديث 8 ، طبع محمد علي صبيح .
2 . مسند أحمد: 1 / 52 .

صفحه 185
وثانياً : أنّه باجتهاده قام بتحريم ما أحلّه الكتاب والسنّة ، ومن المعلوم أنّ اجتهاده ـ لو صحّت تسميته بالاجتهاد ـ حجّة على نفسه لا على غيره .
وفي الختام نقول :
إنّ الجهل بفقه الشيعة أدّى بكثير من الكتّاب إلى التقوّل على الشيعة ، وخصوصاً في مسألة المتعة التي نحن في صدد الحديث عنها ، بجملة منكرة من الآراء والأحكام تدلّ على جهل مطبق أو خبث سريرة ، ومن هذه الأقوال : إنّ من أحكام المتعة عند الشيعة أنّه لا نصيب للولد من ميراث أبيه ، وأنّ المتمتَّع بها لا عدّة لها ، وانّها تستطيع أن تنتقل من رجل إلى رجل إن شاءت . ومن أجل هذا استقبحوا المتعة واستنكروها وشنَّعوا على من أباحها .
وقد خفي الواقع على هؤلاء ، وانّ المتعة عند الشيعة كالزواج الدائم لا تتم إلاّ بالعقد الدالّ على قصد الزواج صراحة ، وانّ المتمتَّع بها يجب أن تكون خالية من جميع الموانع ، وانّ ولدها كالولد من الدائمة من وجوب التوارث ، والإنفاق وسائر الحقوق الماديّة ، وانّ عليها أن تعتدّ بعد انتهاء الأجل مع الدخول بها ، وإذا مات زوجها وهي في عصمته اعتدّت كالدائمة من غير تفاوت ، إلى غير ذلك من الآثار.(1)

1 . الاثنا عشرية وأهل البيت  للشيخ محمد جواد مغنية: 46 .

صفحه 186
على أنّ الأمر الذي ينبغي الالتفات إليه وإدراكه بوضوح ، أنّ الشيعة ورغم إدراكهم وإيمانهم بحلّية زواج المتعة وعدم تحريمه ـ وهو ما يعلنون عنه صراحة ودون تردد ـ إلاّ أنّهم لا يلجأون إلى هذا الزواج إلاّ في حدود ضيّقة وخاصّة ، وليس كما يصوّره ويتصوّره البعض من كونه ظاهرة متفشية في مجتمعهم وبشكل مستهجن ممجوج .

صفحه 187
المسألة الثامنة: متعة الحجّ   

المسألة الثامنة:

متعة الحجّ

إنّ الكاتب المصري أحمد أمين ، يصف الخليفة عمر بن الخطاب بأنّه كان ممّن يأخذ بروح القانون لا بلفظه.(1) وهو يريد بذلك تفسير ما شوهدت منه في بعض الموارد المخالفة للنصوص ، ولو صحّ ما ذكره في بعضها; فإنّ البعض الآخر غير صحيح . ونحن نرى أنّه كان ممّن يجتهد تجاه النصّ ، ويأخذ بالرأي ، مكان الأخذ بالدليل .
إنّ العاطفة الدينية هي الّتي دفعت الكاتب المصري إلى ذلك التفسير ، ولو أنّه تأمّل في مسألة تنفيذ طلاق الثلاث ، وما يأتي منه في هذه المسألة من تحريم حجّ التمتّع ، وحصره في القِران والإفراد ، يقف على أنّه كان ممّن يقدّم المصلحة المزعومة على الذكر الحكيم وتنصيص النبيّ الأكرم ، وإنّه ما نهى عن متعة الحجّ وما هدّد بفاعلها إلاّ أنّه كان يكره أن يغتسل الحاجّ تحت الأراك ثمّ يفيض منه إلى الحجّ ورأسه يقطر ماءً; لأنّ التحلّل من محظورات

1 . فجر الإسلام: 2 / 238 نشر دار الكتاب .

صفحه 188
الإحرام بين العمرة والحجّ ، من لوازم ذاك النوع من الحجّ ، وهو ممّا كان لا يروقه .
وإن كنت في شكّ فاقرأ ما نتلوه عليك :
اتّفق الفقهاء على أنّ أنواع الحجّ ثلاثة : تمتّع ، وقران ، وإفراد .
والمقصود من الأوّل ، هو إحرام الشخص بالحجّ في أشهره (شوال وذي القعدة وذي الحجّة) . والإتيان بأعمالها ، والتحلّل
من محظورات الإحرام بالفراغ منها ، ثمّ الإحرام بالحجّ من
مكّة والإتيان بأعماله من الوقوف بعرفات والإفاضة إلى المشعر و . . .
ويصحّ هذا النوع من الحجّ ممّن كان آفاقياً ، أي من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ويبتعد بيته عن مكّة بمقدار يجوز فيه تقصير الصلاة . وعند الإماميّة من نأى عن مكّة (48) ميلا من كلّ جانب وهو لا يتجاوز عن (16) فرسخاً .
وأمّا القسمان الآخران ، فالقِران عند أهل السنّة هو الإحرام بالحجّ والعمرة معاً ويقول : لبّيك اللّهمّ بحجّ وعمرة ، فيأتي
بأعمال الحجّ أوّلا ثمّ العمرة بإحرام واحد; وهو القِران
الحقيقي .
وهناك قسم يسمّى بالقِران الحكمي; وهو أن يدخل إحرام الحجّ في إحرام العمرة ، ثمّ يجمع بين أعمالها . وذلك بأن يحرم

صفحه 189
بالعمرة أولا ، وقبل أن يطوف لها; إمّا أربعة أشواط ، أو قبل أن يشرع فيه يحرم للحجّ ، على اختلاف بين الحنفية والشافعية ، وهل يكتفي بطواف وسعي واحد ، أو لكلٍّ طوافه وسعيه؟ فيه اختلاف .
وأمّا الإفراد ، فهو أن يُحرم بالحجّ من ميقاتِ بلده ، وبعد الفراغ من أعماله ، يُحرِم بالعمرة . والقِران والإفراد ، يشترك فيهما جميع الناس ولا يختصّ بغير الآفاقي .
هذا ما لدى أهل السنّة ، وأمّا الإماميّة ، فالقران والإفراد واجب على من لم يكن بين مكّة وبيته (48) ميلا ، وأمّا النائي عن هذا الحد ، فواجبه هو حجّ التمتع .
والقِران والإفراد ، ليسا أمرين متغايرين عندهم ، بل يتمتّع كلّ منهما بإحرام للحجّ وإحرام للعمرة ، غير أنّ الإحرام في الأوّل يقترن بسوق الهدي دون الثاني ، وعلى ذلك لا يجوز عندهم الإتيان بالحجّ والعمرة بإحرام واحد ، ولا إدخال إحرام الحجّ في إحرام العمرة ، كما في القِران الحكمي.(1)
والأصل حجّ التمتع ، كما في قوله سبحانه : (فَإذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ اِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فِصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّام فِي الْحَجِّ وَسَبْعَة إذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ

1 . لاحظ: المختصر النافع للمحقّق الحلّي : 78; الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 2 / 391 ; المغني لابن قدامة: 3 / 233 ; الفقه على المذاهب الأربعة : 2 / 684 وغيرها .

صفحه 190
لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ).(1)
وتفسير الآية : أنّ من (تَمَتَّعَ  ) بسبب الإتيان (بِالْعُمْرَةِ) بما يحرم على المحرم ، كالطيب والمخيط والنساء ومتوجّهاً (إلى (الْحَجِّ فَـ )عليه ( ـمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ) من البدنة أو البقرة أو الشاة . ثمّ بيّن كيفية الصيام وقال : ( ثَلاَثَةِ أَيَّام فِي الْحَجِّ )متواليات و (سَبْعَة إذَا رَجَعْتُمْ ) إلى أوطانكم ( تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذلِكَ )أي التمتّع بالعمرة إلى الحجّ فرض على من (لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ) باعتبار موطنه ومسكنه ( حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)أي لم يكن من أهل مكّة وقراها ( وَاتَّقُوا اللهَ)فيما أُمرتم به ونهيتم عنه في أمر الحجّ ( وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) .
والآية صريحة في جواز التمتّع بمحظورات الإحرام بعد الإتيان بأعمال العمرة ، وقبل التوجّه إلى الحجّ ، ولم يدّع أحد كونها منسوخة بآية ، أو قول أو فعل ، بل أكّد النبيّ الأكرم تشريعه بعمله .
روى أهل السير والتاريخ : أنّ رسول الله خرج في العام العاشر من الهجرة إلى الحجّ لخمس ليال بقين من ذي القعدة ، وقد نقل ابن هشام عن عائشة أنّها قالت : لا يُذكَر ولا يَذكُر النّاسُ إلاّ الحجّ حتّى إذا كان بسرف وقد ساق رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)معه الهدي،

1 . البقرة : 196 .

صفحه 191
وأشراف من أشراف الناس ، أمر الناس أن يحلّوا بعمرة إلاّ من ساق الهدي ـ إلى أن قالت : ـ ودخل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)مكة فحلّ كلّ من كان لا هدي معه ، وحلّت نساؤُه بعمرة.
وروى ابن هشام أيضاً عن حفصة بنت عمر، قالت: لمّا أمر رسول الله نساءه أن يحلُلن بعمرة، قلن : فما يمنعك يا رسول الله أن تحلّ معنا؟ فقال : إنّي أهديتُ ولبّوت فلا أُحلّ حتّى أنحَرَ هديي .
إنّ رسول الله كان بعث علياً(عليه السلام) إلى نجران فلقيه بمكّة وقد أحرم فدخل على فاطمة بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فوجدها قد حلَّتْ وتهيّأت فقال : ما لك يا بنت رسول الله؟ قالت : أمرنا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)أن نحلّ بعمرة فحللنا ، ثمّ أتى رسول الله ، فلمّا فرغ من الخبر عن سفره قال له رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) : انطلق فطف بالبيت وحلّ كما حلّ أصحابك ، قال : يا رسول الله إنّي أهللتُ كما أهللتَ، فقال : ارجع فاحلل كما حلّ أصحابُك ، قال : يا رسول الله إنّي قلت حين أحرمت : اللّهمّ إنّي أُهلُّ بما أهلَّ به نبيُّك وعبدُك ورسولُك(صلى الله عليه وآله وسلم)قال : فهل معك من هدي؟! قال : لا . فأشركه رسول الله في هديه وثبتَ على إحرامه مع رسول الله حتّى فرغا من الحجّ ، ونحر رسول الله الهدي عنهما.(1)

1 . السيرة النبوية: 2 / 601 ـ 602 .

صفحه 192
هذا هو الذكر الحكيم المدعم بالسنّة وإجماع الأُمّة ، ومع ذلك نرى أنّ بعض الصحابة لا يروقه متعة الحجّ لا في عصر الرسالة ولا بعده بل يفتي بتحريمها! وإليك البيان :
1 . روى أبو داود أنّ النبيّ أمر أصحابه أن يجعلوها عمرة ، يطوفوا ثمّ يُقصِّروا ويُحلِّوا إلاّ من كان معه الهدي فقالوا : أننطلق إلى منى وذكورنا تقطر؟ فبلغ ذلك رسول الله فقال : «لو أنّي استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت ، ولولا أنّ معي الهدي لأحللت».(1)
2 . روى مالك ، عن محمد بن عبد الله أنّه سمع سعد بن أبي وقاص والضحّاك بن قيس عام حجّ معاوية بن أبي سفيان وممّا يذكران أن الّتمتّع بالعمرة إلى الحجّ . فقال الضحّاك بن قيس : لا يفعل ذلك إلاّ من جهل أمر الله عزّوجلّ . فقال سعد : بئس ما قلت يا ابن أخي ، فقال الضحّاك : إنّ عمر بن الخطاب قد نهى عن ذلك ، فقال سعد : قد صنعها رسول الله وصنعناها معه.(2)
3 . وروى عن عبد الله بن عمر أنّه قال : والله لئن أعتمر قبل الحجّ وأهدي أحبّ إليّ من أن أعتمر بعد الحجّ في ذي الحجّة.(3)

1 . سنن أبي داود: 2 / 156 برقم 1789 .
2 . الموطأ: 344 ، كتاب الحج رقم 60 ، وسنن الترمذي : 2 / 159 ، كتاب الحج رقم 822 .
3 . الموطّأ : 344 ، كتاب الحج ، رقم 61 .

صفحه 193
4 . روى الترمذي عن سالم بن عبد الله أنّه سمع رجلا من أهل الشام وهو يسأل عبد الله بن عمر عن التمتّع بالعمرة إلى الحجّ . فقال عبد الله بن عمر : هي حلال ، فقال الشاميّ : إنّ أباك قد نهى عنها! فقال عبد الله بن عمر : أرأيت إن كان أبي نهى عنها وصنعها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)أأمرُ أبي نتّبع أم أمر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟ فقال الرجل : بل أمر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقال : لقد صنعها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).(1)
5 . روى مسلم عن أبي نضرة قال : كان ابن عبّاس يأمر بالمتعة ، وكان ابن الزبير ينهى عنها ، قال : فذكرت ذلك لجابر بن عبد الله فقال : على يديّ دار الحديث وتمتّعنا مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فلمّا قام عمر قال : إنّ الله كان يُحلّ لرسوله ما شاء ، بما شاء ، وإنّ القرآن قد نزل منازلهُ ، فأتمّوا الحجّ والعمرة لله كما أمركم الله ـ إلى أن قال في الحديث : ـ فافصلوا حجّكم من عمرتكم ، فإنّه أتمّ لحجّكم وأتمّ لعمرتكم.(2)
ومن العجب أنّ الزرقاني يقوم بتصويب فتوى الخليفة ويعلّق على الرواية ويقول : الإتمام في قوله سبحانه : ( فَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ ) يقتضي استمرارَ الإحرام إلى فراغ الحجّ ومنع

1 . سنن الترمذي : 2 / 159 ، كتاب الحج ، باب ما جاء في التمتع رقم 824 .
2 . صحيح مسلم : 4 / 38 ، كتاب الحج ، باب في المتعة بالحج والعمرة .

صفحه 194
التحلّل ، والمتمتّع متحلّل ويستمتع بما كان محظوراً عليه.(1)
يلاحظ عليه أوّلا : لو صحّ ما ذكره من التفسير تلزم المعارضة بين صدر الآية ، أعني قوله : ( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ ) وبين ذيلها الدّالّ على جواز التمتّع بين الإحرامين بقوله : ( فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ اِلَى الْحَجِّ ) وهو كما ترى .
وثانياً : أنّ الإتمام يهدف إلى فعل كلّ من الحجّ والعمرة تماماً ، بمعنى : إذا شرعتم في فعلِ كلّ فأتمّوه ، مثل قوله : ( وَاِذ ابْتَلَى إبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأَتَمَّهُنَّ )(2)، وقوله سبحانه : ( ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ اِلَى اللَّيْلِ )(3) ، لا إلى الاستمرار .
وثالثاً : إذا كان التفسير تبريراً لنهي الخليفة; فهو في الوقت نفسه تخطئة للنبيّ الأكرم; حيث أمر أصحابه وأهل بيته بالتحلّل ، وإنّما هو لم يتحلّل لسوقه الهدي .
نعم أراد الخليفة من قوله : «فافصلوا حجّكم من عمرتكم» ، هو الإتيان بالعمرة في غير أشهر الحجّ . روى الجصّاص عن ابن عمر أنّ عمر قال : أن تُفرّقوا بين الحجّ والعمرة; فتجعلوا العمرة في غير أشهر الحج ، أتمّ لحجّ أحدكم.(4)

1 . تعليقة الزرقاني ، المطبوعة بهامش صحيح مسلم: 4 / 38 .
2 . البقرة: 124 .
3 . البقرة:185.
4 . أحكام القرآن: 1 / 285 .

صفحه 195
6 . روى الإمام أحمد عن أبي نضرة، عن جابر قال : متعتان كانتا على عهد النبيّ ، فنهانا عنها عمر فانتهينا.(1)
7 . روى ابن حزم في «المحلّى» بسنده قال : قال عمر بن الخطاب : متعتان كانتا على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنا أنهى عنهما وأضرب عليهما ـ ثمّ قال : ـ هذا لفظ أيوب ، وفي رواية خالد : أنا أنهى عنهما وأُعاقب عليهما : متعة النساء ومتعة الحجّ.(2)
8 . لم يكن نهي الخليفة عن متعة الحجّ مستنداً إلى دليل شرعي وانّما نهى عنه لما كرهه أن يظلّوا معرّسين بهنّ في الأراك ، ثمّ يروحون بالحجّ تقطر رؤوسهم.(3)
وهذا هو الّذي نوّهنا عنه في صدر البحث : أنّ الخليفة ومن لفّ لفّه ، كانوا يقدّمون المصالح المزعومة على النصوص الشرعية مهما تضافرت وتواترت .
ثمّ إنّ المتأخّرين أرادوا حفظ كرامة الخليفة ، فحرّفوا الكلم عن مواضعه وأوّلوا نهي الخليفة بوجهين :
1 . قالوا : إنّ ما حرّمه وأوعد عليه ، غير هذا ، وإنّما هو أن

1 . مسند أحمد : 1 / 52 و3 / 325 .
2 . المحلّى: 7 / 107 ; الجامع لأحكام القرآن: 2 / 392 .
3 . مسند أحمد : 1 / 50  ; سنن ابن ماجة : 2 / 992 ، كتاب الحج ، باب التمتع بالعمرة إلى الحج ، رقم2979 ، وسنن البيهقي : 5 / 20 .

صفحه 196
يحرم الرجل بالحجّ حتّى إذا دخل مكّة فسخ الحجّ إلى العمرة ، ثمّ حَلّ وأقام حلالا حتّى يهلّ بالحجّ يوم التروية.(1)
وهذا ـ كما ترى ـ لا يوافق ما مرّ من النصوص ، خصوصاً ما نقلناه من المناظرة بين سعد والضحّاك بن قيس من صحيح مسلم . ومن يقف على النصوص الكثيرة ، والمناظرة الدائرة بين النبيّ وأصحابه ، وبين الصحابة أنفسهم يطمئنّ إنّما نهى عن حجّ التمتع .
وقد روى البخاري عن مروان بن الحكم قال : شهدتُ عثمانَ وعليّاً ـ رضي الله عنهما ـ وعثمان ينهى عن المتعة وأن يجمع بينهما ، فلمّا رأى عليٌّ (النهي) أهلّ بهما : لبّيك بعمرة وحجّة قال : ما كنت لأدع سنّة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لقول أحد.(2)
2 . إنّ نهي الخليفة عن متعة الحجّ لاختصاص إباحة المتعة بالصحابة في عمرتهم مع رسول الله فحسب .
ويكفينا في الردّ عليه قول ابن قيّم الجوزية : «إنّ تلكم الآثار الدالّة على الاختصاص بالصحابة بين باطل لا يصحّ ، عمّن نُسب إليه البتّة ، وبين صحيح عن قائل غير معصوم لا يعارض به نصوص المشرِّع المعصوم ، ففي صحيحة الشيخين وغيرهما عن سراقة بن مالك قال : مُتعتُنا هذه يا رسول الله ألعامنا هذا أم للأبد؟ قال : «لا بل

1 . الجامع لأحكام القرآن: 2 / 392 .
2 . عمدة القاري للعيني: 5 / 198 .

صفحه 197
للأبد».(1)
قال العيني في قوله سبحانه : ( فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ اِلَى الْحَجِّ ) : أجمع المسلمون على إباحة التمتّع في جميع الأعصار ، وأمّا السنّة فحديث سراقة : المتعة لنا خاصّة أم هي للأبد؟ قال : «بل للأبد» ، وحديث جابر المذكور في صحيح مسلم في صفة الحجّ نحو هذا . ومعناه أنّ أهل الجاهلية كانوا لا يجيزون التمتّع ، ولا يرون العمرة في أشهر الحجّ ، فبيّن النبيّ(صلى الله عليه وسلم) أنّ الله قد شرّع العمرة في أشهر الحج وجوّز المتعة إلى يوم القيامة.(2)

1 . صحيح البخاري: 3/ 148 كتاب الحج، باب عمرة التنعيم; مسندأحمد: 3/ 388 و4/ 175; سنن البيهقي: 5 /  19.
2 . عمدة القاري: 5 / 198 .

صفحه 198
المسألة التاسعة: مسح الأرجل في الوضوء   

المسألة التاسعة:

مسح الأرجل في الوضوء

اختلف المسلمون في غسل الرجلين ومسحهما ، فذهب الأئمّة الأربعة إلى أنّ الواجب هو الغسل وحده ، وقالت الشيعة الإمامية : إنّه المسح ، وقال داود بن علي والناصر للحقّ من الزيدية : يجب الجمع بينهما ، وهو صريح الطبري في تفسيره : ونقل عن الحسن البصري : أنّه مخيّـر بينهما.(1)
وممّا يثير العجب اختلاف المسلمين في هذه المسألة ، مع أنّهم رأوا وضوء رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كلّ يوم وليلة في موطنه ومهجره ، وفي حضره وسفره ، ومع ذلك اختلفوا في أشدّ المسائل ابتلاءً ، وهذا يعرب عن أنّ الاجتهاد لعب في هذه المسألة دوراً عظيماً ، فجعل أوضح المسائل أبهمها .
إنّ الذكر الحكيم تكفّل ببيان المسألة وما أبقى فيها إبهاماً وإعضالا ، ومثل ذلك بيّنه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ومن هنا فلابدّ من الجزم بأنّ المسلمين كانوا قد اتّفقوا على فعل واحد ، وإلاّ فما كان هذا

1 . تفسير الطبري: 6 / 86 ; مفاتيح الغيب: 11 / 162 ; تفسير المنار: 6 / 228 .

صفحه 199
الأمر بخفي ، وكان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقوم بتوضيحه ، إذن فلا محيص من القول بأنّ الحاضرين في عصر النزول فهموا من الآية معنىً واحداً : إمّا المسح أو الغسل ، ولم يتردّدوا في حكم الرجلين أبداً . ولو خفي حكم هذه المسألة بعد رحلة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) على الأجيال الآتية فلا غرو في أنّ يخفى على المسلمين حكم أكثر المسائل .
 
وقفة مع آية الوضوء 
قال سبحانه : (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إلى المَرافِقِ وامْسَحُوا بِرؤوسِكُمْ وَأرْجُلَكُمْ إِلى الكَعْبَيْن)(1) وقد اختلف القرّاء في قراءة : (وَأرْجُلَكُمْ إِلى الكَعْبَيْن)فمنهم من قرأ بالفتح ، ومنهم من قرأ بالكسر إلاّ أنّه من البعيد أن تكون كلّ من القراءتين موصولة إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فإنّ تجويزهما يضفي على الآية إبهاماً وإعضالا ، ويجعل الآية لغزاً ، والقرآن كتاب الهداية والإرشاد ، وتلك الغاية تطلب لنفسها الوضوح وجلاء البيان ،خصوصاً فيما يتعلّق بالأعمال والأحكام التي يبتلي بها عامّة المسلمين ، ولا تقاس بالمعارف والعقائد التي يختصّ الإمعان فيها بالأمثل فالأمثل .
وعلى كلّ تقدير فممّن حقّق مفاد الآية وبيّنها الإمام الرازي

1 . المائدة : 6 .

صفحه 200
في تفسيره ، ننقل كلامه بتلخيص :
قال : حجّة من قال بوجوب المسح مبني على القراءتين المشهورتين في قوله : (وَأرْجُلَكُمْ) وهما :
الأوّل : قرأ ابن كثير وحمزة وأبو عمرو وعاصم ـ في رواية أبي بكر عنه ـ بالجرّ .
الثاني : قرأ نافع وابن عامر وعاصم ـ في رواية حفص عنه ـ بالنصب .
أمّا القراءة بالجرّ فهي تقتضي كون الأرجل معطوفة على الرؤوس فكما وجب المسح في الرأس ، فكذلك في الأرجل .
فإن قيل لم لا يجوز أن يكون الجرّ على الجوار؟ كما في قوله : «جُحْرُ ضَبّ خَرِب» وقوله : «كَبيرُ أُناس في بِجاد مَزَمّل» .
قيل : هذا باطل من وجوه :
1 . إنّ الكسر على الجوار معدود من اللحن الذي قد يتحمّل لأجل الضرورة في الشعر ، وكلام الله يجب تنزيهه عنه .
2 . إنّ الكسر على الجوار انّما يصار إليه حيث يحصل الأمن من الالتباس كما في قوله : «جُحْرُ ضَبّ خَرِب» فإنّ «الخَرِب» لا يكون نعتاً للضبّ بل للجحر ، وفي هذه الآية الأمن من الالتباس غير حاصل .
3 . إنّ الكسر بالجوار إنّما يكون بدون حرف العطف وأمّا مع

صفحه 201
حرف العطف فلم تتكلّم به العرب .
وأمّا القراءة بالنصب فهي أيضاً توجب المسح ، وذلك لأنّ (برؤوسكم)في قوله : (فامسحوا برؤوسكم) في محل النصب(1)بامسحوا لأنّه المفعول به ، ولكنّها مجرورة لفظاً بالباء ، فإذا عطفت الأرجل على الرؤوس جاز في الأرجل النصب عطفاً على محل الرؤوس ، وجاز الجرّ عطفاً على الظاهر .
نزيد بياناً أنّه على قراءة النصب يتعيّـن العطف على محلّ برؤوسكم ، ولا يجوز العطف على ظاهر (أيديكم) لاستلزامه الفصل بين العاطف والمعطوف عليه بجملة أجنبية وهو غير جائز في المفرد ، فضلا عن الجملة .
هذا هو الذي يعرفه المتدبّر في الذكر الحكيم ، ولا يسوغ لمسلم أن يعدل عن القرآن إلى غيره ، فإذا كان هو المهيمن على جميع الكتب السماوية ، فأولى أن يكون مهيمناً على ما في أيدي الناس من الحقّ والباطل ، والمأثورات التي الحديث فيها ذو شجون ، مع كونها متضاربة في المقام ، فلو ورد فيها الأمر بالغسل ، فقد جاء فيها الأمر بالمسح ، رواه الطبري عن الصحابة والتابعين

1 . يقال : ليس هذا بعالم ولا عاملا . قال الشاعر :
معاويَ إنّنا بشر فاسجحِ *** فلسنا بالجبال ولا الحديدا
لاحظ : المغني لابن هشام : الباب الرابع .

صفحه 202
نشير إليه على وجه الإجمال .
1 . ابن عباس ، قال : الوضوء غسلتان ومسحتان .
2 . كان أنس إذا مسح قدميه بلّهما ، ولمّا خطب الحجّاج وقال : ليس شيء من ابن آدم أقرب إلى خبثه من قدميه ، فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما ، قال أنس : صدق الله وكذب الحجّاج ، قال الله : (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ)وكان أنس إذا مسح قدميه بلّهما .
3 . عكرمة ، قال : ليس على الرجلين غسل ، وإنّما نزل فيهما المسح .
4 . الشعبي قال : نزل جبرئيل بالمسح وقال : ألا ترى أنّ التيمّم أن يمسح ما كان غسلا ويلغى ما كان مسحاً .
5 . عامر : أُمر أن يمسح في التيمّم ما أُمر أن يغسل بالوضوء ، وأُبطل ما أُمر أن يمسح في الوضوء; الرأس والرجلان . وقيل له : إنّ أُناساً يقولون : إنّ جبرئيل نزل بغسل الرجلين فقال : نزل جبرئيل بالمسح .
6 . قتادة في تفسير الآية : افترض الله غسلتين ومسحتين .
7 . الأعمش : قرأ ( وَأَرْجُلَكُمْ ) مخفوضة اللام .
8 . علقمة : قرأ «أرجلكم» مخفوضة اللام .
9 . الضحاك : قرأ «وأرجلكم» بالكسر .

صفحه 203
10 . مجاهد : مثل ما تقدّم.(1)
وهؤلاء من أعلام التابعين وفيهم الصحابيان : ابن عبّاس وأنس وقد أصفقوا على المسح وقراءة الجرّ الصريحة في تقديم المسح على الغسل ، وجمهور أهل السنّة يحتجّون بأقوالهم في مجالات مختلفة ، فلماذا أُعرض عنهم في هذا المجال المهمّ والحسّاس في عبادة المسلم .
إنّ القول بالمسح هو المنصوص عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)وهم يسندون المسح إلى النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ويحكون وضوءه به ، قال أبو جعفر الباقر(عليه السلام) : «ألا أحكي لكم وضوء رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)»؟ ثمّ أخذ كفّاً من الماء فصبّها على وجهه . . . إلى أن قال : ثمّ مسح رأسه وقدميه .
وفي رواية أُخرى : ثمّ مسح ببقيّة ما بقي في يديه رأسه ورجليه ولم يعدهما في الإناء.(2)
وفي ضوء هذه الروايات والمأثورات اتّفقت الشيعة الإمامية على أنّ الوضوء غسلتان ومسحتان ، وإلى ذلك يشير السيّد بحر العلوم في منظومته الموسومة بالدرة النجفيّة :
إن الوضوء غسلتان عندنا *** ومسحتان والكتاب معنا

1 . تفسير الطبري: 6 / 82 ـ83 .
2 . الوسائل 1 ، الباب 15 من أبواب الوضوء ، الحديث 9و 10 .

صفحه 204
فالغسل للوجه ولليدينِ *** والمسح للرأس وللرجلينِ
وبعد وضوح دلالة الآية ، وإجماع أئمّة أهل البيت على المسح ، واستناداً إلى جملة الأدلّة الواضحة التي ذكرنا بعضاً منها ، فإنّ القول بما يخالفها يبدو ضعيفاً ولا يصمد أمام النقاش ، إلاّ أنّا سنحاول أن نورد الوجوه التي استدلّ بها القائلون بالغسل ليتبين للقارئ الكريم مدى ضعف حجّيتها :

أدلة القائلين بالغسل ونقضها 

1 . إنّ الأخبار الكثيرة وردت بإيجاب الغسل ، والغسل مشتمل على المسح ولا ينعكس ، فكان الغسل أقرب إلى
الاحتياط فوجب المصير إليه ، ويكون غسل الأرجل يقوم
مقام مسحها.(1)
يلاحظ عليه : أنّ أخبار الغسل معارضة بأخبار المسح ، وليس شيء أوثق من كتاب الله ، فلو دلّ على لزوم المسح لا يبقى مجال لترجيح أخبار الغسل على روايات المسح .والقرآن هو المهيمن على الكتب والمأثورات ، والمعارض منها للكتاب لا يقام له وزن .
وأعجب من ذلك قوله : إنّ الغسل مشتمل على المسح ، مع أنّهما حقيقتان مختلفتان ، فالغسل إمرار الماء على المغسول ،

1 . مفاتيح الغيب: 11 / 162 .

صفحه 205
والمسح إمرار اليد على الممسوح(1) وهما حقيقتان مختلفتان لغة وعرفاً وشرعاً ، ولو حاول الاحتياط لوجب الجمع بين المسح والغسل ، لا الاكتفاء بالغسل .
2 . ما روي عن علي(عليه السلام) من أنّه كان يقضي بين الناس فقال : «( وَأَرْجُلَكُمْ)هذا من المقدّم والمؤخّر في الكلام فكأنّه سبحانه قال : فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق واغسلوا أرجلكم وامسحوا برؤوسكم .
لكنّه يرد بأنّ أئمّة أهل البيت كالباقر والصادق(عليهما السلام) أدرى بما في البيت ، وهما اتّفقا على المسح ، وهل يمكن الاتّفاق على المسح مع اعتقاد كبيرهم بالغسل؟! إنّ المؤكّد هو أنّ هذه الرواية موضوعة عن لسان الإمام ليثيروا الشكّ بين أتباعه وشيعته . ولا نعلّق على احتمال التقديم والتأخير شيئاً ، سوى أنّه يجعل معنى الآية شيئاً مبهماً في المورد الذي يطلب فيه الوضوح; إذ هي المرجع للقروي والبدوي ، وللحاضر عصر النزول ، والغائب عنه ، فيجب أن يكون على نسق ينتقل منه إلى المراد ، ثمّ إنّه أيّ ضرورة اقتضت هذا التقدّيم والتأخير ، مع إنّه كان من الممكن ذكر الأرجل بعد الأيدي من دون تأخير؟ ولو كان الدافع إلى التأخير هو بيان

1 . قال سبحانه حاكياً عن سليمان: (رُدّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ والأعْناق)(ص : 33) ; أي مسح بيده على سوق الصافنات الجياد وأعناقها.

صفحه 206
الترتيب ، وإنّ غسل الأرجل بعد مسح الرأس ، فكان من الممكن أن يُذكر فعله ويقال : «فامسَحُوا بِرُؤُوسِكُم واغْسلوا أرجلكم إلى الكعبين» . كلّ ذلك يعرب عن أنّ هذه محاولات فاشلة لتصحيح الاجتهاد تجاه النصّ ، وما عليه أئمّة أهل البيت من الاتّفاق على المسح .
3 ـ ما روي عن ابن عمر في الصحيحين قال : تخلّف عنّا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)في سفرة ، فأدركنا وقد أرهقنا العصر ، وجعلنا نتوضّأ ونمسح على أرجلنا ، قال : فنادى بأعلى صوته : «ويل للأعقاب من النار» ـ مرتين أو ثلاثاً ـ .(1)
ويردّ هذا الاستدلال : أنّ هذه الرواية على تعيّـن المسح أدلّ من دلالتها على غسل الرجلين ; فإنّها صريحة في أنّ الصحابة يمسحون ، وهذا دليل على أنّ المعروف عندهم هو المسح ، وما ذكره البخاري من أنّ الإنكار عليهم كان بسبب المسح لا بسبب الاقتصار على بعض الرجل ، اجتهاد منه ، وهو حجّة عليه لا على غيره ، فكيف يمكن أن يخفى على ابن عمر حكم الرجلين حتّى يمسح رجليه عدّة سنين إلى أن ينكر عليه النبيّ المسح؟!
على أنّ للرواية معنى آخر تؤيّده بعض المأثورات ، فقد روي : أنّ قوماً من أجلاف العرب ، كانوا يبولون وهم قيام ،

1 . صحيح البخاري: 1 / 18، كتاب العلم، باب من رفع صوته ، الحديث 1 .

صفحه 207
فيتشرشر البول على أعقابهم وأرجلهم فلا يغسلونها ويدخلون المسجد للصلاة ، وكان ذلك سبباً لذلك الوعيد(1) ويؤيّد ذلك ما يوصف به بعض الأعراب بقولهم : بوّال على عقبيه ، وعلى فرض كون المراد ما ذكره البخاري ، فلا تقاوم الرواية نصّ الكتاب .
4. روى ابن ماجة القزويني عن أبي إسحاق عن أبي حيّة ، قال : رأيت عليّاً توضّأ فغسل قدميه إلى الكعبين ثمّ قال : «أردت أن أُريكم طهور نبيّكم».(2)
إلاّ أنّه يلاحظ عليه : أنّ أبا حيّة مجهول لا يعرف ، ونقله عنه أبو إسحاق الذي شاخ ونسي واختلط وترك الناس روايته. (3)أضف إليه أنّه يعارض ما رواه عنه أئمة أهل بيته ، وأهل بيته ، كابن عباس الّذي لازمه في حياته كما مرّ .
5 . قال صاحب المنار : وأقوى الحجج اللفظية على الإمامية جعل الكعبين غاية طهارة الرجلين ، وهذا لا يحصل إلاّ باستيعابهما بالماء ; لأنّ الكعبين هما العظمان الناتئان في جانبي الرجل .
وهذا القول يلاحظ عليه : أنّا نفترض أنّ المراد من الكعبين

1 . مجمع البيان: 2 / 167 .
2 . سنن ابن ماجة: 1 / 170، باب ما جاء في غسل القدمين، الحديث 1 .
3 . لاحظ التعليقة لسنن ابن ماجة : 1 / 170; ميزان الاعتدال للذهبي: 4 / 519 برقم 10138 وص 489 باب «أبو إسحاق» .

صفحه 208
هو ما ذكره ، لكنّا نسأله : لماذا لا تحصل تلك الغاية إلاّ باستيعابهما بالماء؟ مع أنّه يمكن تحصيل تلك الغاية بمسحهما بالنداوة المتبقية في اليد ، والاختبار سهل ، فها نحن من الذين يمسحون الأرجل إلى العظمين الناتئين بنداوة اليد ، ولا نرى في العمل إعضالا وعسراً .
6 . وقال : إنّ الإمامية يمسحون ظاهر القدم إلى معقد الشراك عند المفصل بين الساق والقدم ، ويقولون هو الكعب ، ففي الرجل كعب واحد على رأيهم ، فلو صحّ هذا لقال : إلى الكعاب كما قال في اليدين : (إلى المرافق).(1)
أقول : إنّ المشهور بين الإمامية هو تفسير الكعب بقبّة القدم التي هي معقد الشراك ، وهناك من يذهب إلى أنّ المراد هو المفصل بين الساق والقدم ، وذهب قليل منهم إلى أنّ المراد هما العظمان الناتئان في جانبي الرجل . وعلى كلّ تقدير ، يصحّ إطلاق الكعبين ، وإن كان حدّ المسح هو معقد الشراك أو المفصل ، فيكون المعنى : (فامسحوا بأرجلكم إلى الكعبين ) منكم، إذ لا شك أنّ كلّ مكلّف يملك كعبين في رجليه .
أضف إلى ذلك : أنّه لو صحّ التفسير بما ذكره فإنّه يجب أن يوسّع الممسوح ويحدّد بالعظمين الناتئين لا أن يبدّل المسح

1 . تفسير المنار: 6 / 234 .

صفحه 209
بالغسل ، وكأنّه تخيّل أنّ المسح بالنداوة المتبقّية في اليد لا يتحقّق بها ، وأنّ اليد تجفّ قبل الوصول إليهما .
ولعمري أنّ هذه اجتهادات واهية ، وتخرّصات لا قيمة لها في مقابل الذكر الحكيم .
7 . آخر ما عند صاحب المنار في توجيه غسل الأرجل هو التمسّك بالمصالح ، حيث قال : لا يعقل لإيجاب مسح ظاهر القدم باليد المبلّلة بالماء حكمة ، بل هو خلاف حكمة الوضوء ; لأنّ طروء الرطوبة القليلة على العضو الذي عليه غبار أو وسخ يزيده وساخة ، وينال اليد الماسحة حظّ من هذه الوساخة .
وهذا القول يردّه : أنّ ما ذكره استحسان لا يُعرَّج عليه مع وجود النصّ ، فلا شكّ أنّ الأحكام الشرعية تابعة للمصالح الواقعية ولا يجب علينا أن نقف عليها ، فأيّ مصلحة في المسح على الرأس ولو بمقدار إصبع أو إصبعين حتّى قال الشافعي : إذا مسح الرجل بإصبع واحدة أو بعض إصبع أو باطن كفه ، أو أمر مَن يمسح له أجزأه ذلك؟!(1)
وهناك كلمة قيّمة للإمام شرف الدين الموسوي نأتي بنصّها ، قال ـ رحمه الله ـ : نحن نؤمن بأنّ الشارع المقدّس لاحظ عباده في كلّ ما كلّفهم به من أحكامه الشرعية ، فلم يأمرهم إلاّ بما

1 . كتاب الأُم:1/41.

صفحه 210
فيه مصلحتهم ، ولم ينههم إلاّ عمّـا فيه مفسدة لهم ، لكنّه مع ذلك لم يجعل شيئاً من مدارك تلك الأحكام منوطاً من حيث المصالح والمفاسد بآراء العباد ، بل تعبّدهم بأدلّة قويّة عيّنها لهم ، فلم يجعل لهم مندوحة عنها إلى ما سواها . وأوّل تلك الأدلّة الحكيمة كتاب الله عزّوجلّ ، وقد حكم بمسح الرؤوس والأرجل في الوضوء ، فلا مندوحة عن البخوع لحكمه ، أمّا نقاء الأرجل من الدنس فلابدّ من إحرازه قبل المسح عليها عملا بأدلّة خاصّة دلّت على اشتراط الطهارة في أعضاء الوضوء قبل الشروع فيه(1) . ولعلّ غسل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)رجليه ـ المدّعى في أخبار الغسل ـ إنّما كان من هذا الباب ، ولعلّه كان من باب التبرّد ، أو كان من باب المبالغة في النظافة بعد الفراغ من الوضوء . والله أعلم.(2)

1 . ولذا ترى حفاة الشيعة والعمّال منهم ـ كأهل الحرث وأمثالهم وسائر من لا يبالون بطهارة أرجلهم في غير أوقات العبادة المشروطة بالطهارة ـ إذا أرادوا الوضوء غسلوا أرجلهم ثمّ توضّأوا فمسحوا عليها نقيّة جافّة .
2 . مسائل فقهية : 82 .

صفحه 211
المسألة العاشرة : السجود على الأرض   

المسألة العاشرة :

السجود على الأرض

لعلّ من أوضح مظاهر العبودية والانقياد والتذلّل من قبل المخلوق لخالقه ، هو السجود ، وبه يؤكّد المؤمن عبوديته المؤكّدة لله تعالى ، ومن هنا فانّ البارئ عزّ اسمه يقدّر لعبده هذا التصاغر وهذه الطاعة; فيضفي على الساجد فيض لطفه وعظيم إحسانه ، لذا روي في بعض المأثورات : «أقرب ما يكون العبد إلى ربّه حال سجوده» .
ولمّا كانت الصلاة من بين العبادات معراجاً يتميّز بها المؤمن عن الكافر ، وكان السجود ركناً من أركانها ، فليس هناك أوضح في إعلان التذلّل لله تعالى من السجود على التراب والرمل والحجر والحصى ، لما فيه من تذلّل أوضح وأبين من السجود على الحصر والبواري ، فضلا عن السجود على الألبسة الفاخرة والفرش الوثيرة والذهب والفضّة ، وإن كان الكلّ سجوداً ، إلاّ أنّ العبودية تتجلّى في الأوّل بما لا تتجلّى في غيره .
والإمامية ملتزمة بالسجدة على الأرض في حضرهم

صفحه 212
وسفرهم ، ولا يعدلون عنها إلاّ إلى ما أُنبت منها من الحصر والبواري بشرط أن لا يؤكل ولا يلبس ، ولا يرون السجود على غيرهما صحيحاً في حال الصلاة أخذاً بالسنّة المتواترة عن النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته وصحبه . وسيظهر ـ في ثنايا البحث ـ أنّ الالتزام بالسجود على الأرض أو ما أنبتت ، كانت هي السنّة بين الصحابة ، وأنّ العدول عنها حدث في الأزمنة المتأخّرة ، ولأجل توضيح المقام نقدّم أُموراً :

1 . اختلاف الفقهاء في شرائط المسجود عليه 

اتّفق المسلمون على وجوب السجود في الصلاة في كلّ ركعة مرّتين ، ولم يختلفوا في المسجود له; فإنّه هو الله سبحانه الذي له يسجد من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً(1)، وشعار كلّ مسلم قوله سبحانه : (لا تَسجُدُوا لِلشَّمسِ ولا للقَمَرِ واسجُدُوا لله الَّذي خَلَقَهُنَّ)(2) وإنّما اختلفوا في شروط المسجود عليه ـ أعني : ما يضع الساجد جبهته عليه ـ فالشيعة الإمامية تشترط على أن يكون المسجود عليه أرضاً أو ما ينبت منها غير مأكول ولا ملبوس كالحصر والبواري ، وما أشبه ذلك . وخالفهم في ذلك

1 . إشارة إلى قوله سبحانه : (وَلله يَسْجُدُ مَنْ في السَّمواتِ والأرضِ طَوْعاً وَكرْهاً وظلالُهُم بِالغُدُوِّ وَالآصالِ) ، الرعد : 15 .
2 . فصلت : 37 .

صفحه 213
غيرهم من المذاهب ، وإليك نقل الآراء :
قال الشيخ الطوسي وهو يبيّن آراء الفقهاء : لا يجوز السجود إلاّ على الأرض أو ما أنبتته الأرض ممّا لا يؤكل ولا يلبس من قطن أو كتّان مع الاختيار . وخالف جميع الفقهاء في ذلك وأجازوا السجود على القطن والكتان والشعر والصوف وغير ذلك ـ إلى أن قال ـ : لا يجوز السجود على شيء هو حامل له ككور العمامة ، وطرف الرداء ، وكمّ القميص ، وبه قال الشافعي ، وروي ذلك عن عليّ ـ عليه الصلاة والسلام ـ وابن عمر ، وعبادة بن الصامت ، ومالك ، وأحمد بن حنبل .
وقال أبو حنيفة وأصحابه : إذا سجد على ما هو حامل له كالثياب التي عليه أجزأه .
وإن سجد على ما لا ينفصل منه مثل أن يفترش يده
ويسجد عليها أجزأه لكنّه مكروه ، وروي ذلك عن الحسن البصري.(1)
وقال العلاّمة الحلّي ـ وهو يبيّن آراء الفقهاء فيما يسجد عليه ـ : لا يجوز السجود على ما ليس بأرض ولا من نباتها كالجلود والصوف عند علمائنا أجمع ، وأطبق الجمهور على الجواز .
وقد اقتفت الشيعة في ذلك أئمتهم الذين هم أعدال الكتاب

1 . الخلاف: 1 / 357 ـ 358، كتاب الصلاة ، المسألة 112 ـ 113 .

صفحه 214
وقرناؤه في حديث الثقلين ، ونحن نكتفي هنا بإيراد جانب ممّا روي في هذا الصدد :
روى الصدوق بإسناده عن هشام بن الحكم أنّه قال لأبي عبد الله(عليه السلام) : أخبرني عمّا يجوز السجود عليه ، وعمّا لا يجوز قال : «السجود لا يجوز إلاّ على الأرض ، أو على ما أنبتت الأرض إلاّ ما أُكل أو لبس» . فقال له : جعلت فداك ما العلّة في ذلك؟
قال : «لأنّ السجود خضوع لله عزّ وجلّ فلا ينبغي أن يكون على ما يؤكل ويلبس ; لأنّ أبناء الدنيا عبيد ما يأكلون ويلبسون ، والساجد في سجوده في عبادة الله عزّ وجلّ ، فلا ينبغي أن يضع جبهته في سجوده على معبود أبناء الدنيا الذين اغترّوا بغرورها».(1)
فلا عتب على الشيعة إذا التزموا بالسجود على الأرض أو ما أنبتته; إذا لم يكن مأكولا ولا ملبوساً اقتداءً بأئمّتهم ، على أنّ ما رواه أهل السنّة في المقام ، يدعم نظريّة الشيعة ، وسيظهر لك فيما سيأتي من سرد الأحاديث من طرقهم ، ويتّضح أنّ السنّة كانت هي السجود على الأرض ، ثمّ جاءت الرخصة في الحصر والبواري فقط ، ولم يثبت الترخيص الآخر بل ثبت المنع عنه كما سيوافيك .

1 . الوسائل: 3، الباب 1 من أبواب ما يسجد عليه ، الحديث 1 . وهناك روايات بمضمونه ، والكلّ يتضمّن أنّ الغاية من السجود التي هي التذلّل لا تحصل بالسجود على غيرها ، فلاحظ .

صفحه 215

2 . الفرق بين المسجود له والمسجود عليه 

كثيراً ما يتصوّر أنّ الالتزام بالسجود على الأرض أو ما أنبتت منها بدعة ، ويتخيّل الحجر المسجود عليه وثناً ، وهؤلاء هم الذين لا يفرّقون بين المسجود له ، والمسجود عليه ، ويزعمون أنّ الحجر أو التربة الموضوعة أمام المصلّي وثنٌ يعبده المصلّي بوضع الجبهة عليه . ولكن لا عتب على الشيعة إذا قصر فهم المخالف ، ولم يفرّق بين الأمرين ، وزعم المسجود عليه مسجوداً له ، وقاس أمر الموحّد بأمر المشرك بحجّة المشاركة في الظاهر ، فأخذ بالصور والظواهر ، مع أنّ الملاك هو الأخذ بالبواطن والضمائر ، فالوثن عند الوثني معبود ومسجود له يضعه أمامه ويركع ويسجد له ، ولكن الموحّد الذي يريد أن يصلّي في إظهار العبودية إلى نهاية مراتبها ، يخضع لله سبحانه ويسجد له ، ويضع جبهته ووجهه على التراب والحجر والرمال والحصى ، مظهراً بذلك مساواته معها عند التقييم قائلا : أين التراب وربّ الأرباب .
نعم; الساجد على التربة غير عابد لها ، بل يتذلّل إلى ربّه بالسجود عليها ، ومن توهّم عكس ذلك فهو من البلاهة بمكان ، وسيؤدّي إلى إرباك كلّ المصلين والحكم بإشراكهم ، فمن يسجد على الفرش والقماش وغيره لابدّ أن يكون عابداً لها على هذا المنوال ، فيا للعجب العجاب!!

صفحه 216
 
3 . السنّة في السجود في عصر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وبعده 
إنّ النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) وصحبه كانوا ملتزمين بالسجود على الأرض مدّة لا  يستهان بها ، متحمّلين شدّة الرمضاء ، وغبار التراب ، ورطوبة الطين ، طيلة أعوام . ولم يسجد أحد يوم ذاك على الثوب وكور العمامة ، بل ولا على الحصر والبواري والخمر ، وأقصى ما كان عندهم لرفع الأذى عن الجبهة ، هو تبريد الحصى بأكفّهم ثمّ السجود عليها ، وقد شكا بعضهم إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) شدّة الحرّ ، فلم يجبه; إذ لم يكن له أن يبدل الأمر الإلهي من تلقاء نفسه ، إلى أن وردت الرخصة بالسجود على الخمر والحصر ، فوسع الأمر للمسلمين لكن في إطار محدود ، وعلى ضوء هذا فقد مرّت في ذلك الوقت على المسلمين مرحلتان لا غير :
1 . ما كان الواجب فيها على المسلمين السجود على الأرض بأنواعها المختلفة من التراب والرمل والحصى والطين ، ولم تكن هناك أيّة رخصة .
2 . المرحلة التي ورد فيها الرخصة بالسجود على نبات الأرض من الحصر والبواري والخمر ، تسهيلا للأمر ، ورفعاً للحرج والمشقّة ، ولم تكن هناك أيّة مرحلة أُخرى توسع الأمر للمسلمين أكثر من ذلك كما يدّعيه البعض ، وإليك البيان :

صفحه 217
المرحلة الأُولى : السجود على الأرض :
1 . روى الفريقان عن النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال : «وجُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً».(1)
والمتبادر من الحديث أنّ كلّ جزء من الأرض مسجد وطهور يُسجد عليه ويُقصد للتيمّم ، وعلى ذلك فالأرض تقصد للجهتين : للسجود تارةً ، وللتيمّم أُخرى .
وأمّا تفسير الرواية بأنّ العبادة والسجود لله سبحانه لا يختصّ بمكان دون مكان ، بل الأرض كلّها مسجد للمسلمين بخلاف غيرهم; حيث خصّوا العبادة بالبِيَع والكنائس ، فهذا المعنى ليس مغايراً لما ذكرناه; فإنّه إذا كانت الأرض على وجه الإطلاق مسجداً للمصلّي فيكون لازمه كون الأرض كلّها صالحة للعبادة ، فما ذكر معنى التزامي لما ذكرناه ، ويعرب عن كونه المراد ذكر «طهوراً» بعد «مسجداً» وجعلهما مفعولين لـ «جُعلت» والنتيجة هو توصيف الأرض بوصفين : كونها مسجداً ، وكونها طهوراً ، وهذا هو الذي فهمه الجصّاص وقال : إنّ ماجعله من الأرض مسجداً هو الذي جعله طهوراً.(2)

1 . صحيح البخاري: 1 / 91، كتاب التيمّم، الحديث 2 ; سنن البيهقي: 2 / 433، باب : أينما أدركتك الصلاة فصلّ فهو مسجد ، ورواه غيرهما من أصحاب الصحاح والسنن .
2 . أحكام القرآن : 2 / 389 .

صفحه 218
ومثله غيره من شرّاح الحديث .

تبريد الحصى للسجود عليها :

2 . عن جابر بن عبد الله الأنصاري ، قال : كنت أُصلّي مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) الظهر ، فآخذ قبضة من الحصى ، فأجعلها في كفّي ثمّ أُحوّلها إلى الكفّ الأُخرى حتّى تبرد ثمّ أضعها لجبيني ، حتّى أسجد عليها من شدّة الحرّ.(1)
وعلّق عليه البيهقي بقوله : قال الشيخ : ولو جاز السجود على ثوب متّصل به لكان ذلك أسهل من تبريد الحصى بالكفّ ووضعها للسجود.(2)
ونقول: ولوكان السجود على مطلق الثياب سواء كان متصلا أم منفصلا جائزاً لكان أسهل من تبريد الحصى ، ولأمكن حمل منديل أو ما شابه للسجود عليه .
3 . روى أنس قال : كنّا مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في شدّة الحرّ فيأخذ أحدنا الحصباء في يده ، فإذا برد وضعه وسجد عليه. (3)
4 . عن خباب بن الأرت قال : شكونا إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)

1 . مسند أحمد: 3 / 327 عن جابر ; سنن البيهقي: 1 / 439، باب ما روي في التعجيل بها في شدّة الحرّ .
2 . سنن البيهقي: 2 / 105 .
3 . سنن البيهقي: 2 / 106 .

صفحه 219
شدّة الرمضاء في جباهنا وأكفّنا ، فلم يشكّنا.(1)
قال ابن الأثير في معنى الحديث : إنّهم لمّا شكوا إليه ما يجدون من ذلك لم يفسح لهم أن يسجدوا على طرف ثيابهم.(2)
هذه المأثورات تعرب عن أنّ السنّة في الصلاة كانت جارية على السجود على الأرض فقط ، حتّى أنّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يفسح للمسلمين العدول عنها إلى الثياب المتّصلة أو المنفصلة ، وهو(صلى الله عليه وآله وسلم)مع كونه بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً أوجب عليهم مسّ جباههم الأرض ، وإن آذتهم شدّة الحرّ .
والذي يعرب عن التزام المسلمين بالسجود على الأرض ، وعن إصرار النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) بوضع الجبهة عليها لا على الثياب المتّصلة ككور العمامة أو المنفصلة كالمناديل والسجاجيد ، ما روي من حديث الأمر بالتتريب في غير واحد من الروايات .

الأمر بالتتريب :

5 . عن خالد الجهني : قال : رأى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) صهيباً يسجد كأنّه يتّقي التراب فقال له : «ترّب وجهك يا صهيب».(3)
والظاهر أنّ صهيباً كان يتّقي عن التتريب بالسجود على

1 . سنن البيهقي: 2 / 105، باب الكشف عن الجبهة .
2 . النهاية: 2 / 497، مادة «شكا» .
3 . كنز العمال: 7 / 465، برقم 19810 .

صفحه 220
الثوب المتّصل والمنفصل ، ولا أقلّ بالسجود على الحصر والبواري والأحجار الصافية ، وعلى كلّ تقدير ; فالحديث شاهد على أفضليّة السجود على التراب في مقابل السجود على الحصى; لما دلّ من جواز السجدة على الحصى في مقابل السجود على غير الأرض .
6 . روت أُمّ سلمة ـ رضي الله عنها ـ : رأى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) غلاماً لنا يقال له أفلح ينفخ إذا سجد ، فقال : «يا أفلح ترّب».(1)
7 . وفي رواية : «يا رباح ترّب وجهك».(2)
8 . روى أبو صالح قال : دخلت على أُمّ سلمة ، فدخل عليها ابن أخ لها فصلّى في بيتها ركعتين ، فلمّا سجد نفخ التراب ، فقالت أُمّ سلمة : ابن أخي لا تنفخ ; فإنّي سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول لغلام له يقال له يسار ـ ونفخ ـ : «ترّب وجهك لله».(3)

الأمر بحسر العمامة عن الجبهة :

9 . روي : أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كان إذا سجد رفع العمامة عن جبهته.(4)

1 . كنز العمال: 7 / 459 برقم 19776 .
2 . المصدر نفسه: برقم 19777 .
3 . كنز العمال: 7 / 465 برقم 19809; مسند أحمد: 6 / 301 .
4 . الطبقات الكبرى: 1 / 151، كما في السجود على الأرض : 41 .

صفحه 221
10 . روي عن عليّ أمير المؤمنين أنّه قال : «إذا كان أحدكم يصلّي فليحسر العمامة عن وجهه» ، يعني حتّى لا يسجد على كور العمامة.(1)
11 . روي عن صالح بن حيوان السبائي : أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)رأى رجلا يسجد بجنبه وقد اعتمّ على جبهته فحسر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)عن جبهته.(2)
12 . عن عياض بن عبد الله القرشي : رأى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)رجلا يسجد على كور عمامته فأومأ بيده : «ارفع عمامتك» وأومأ إلى جبهته.(3)
هذه الروايات تكشف عن أنّه لم يكن للمسلمين يوم ذاك تكليف إلاّ السجود على الأرض ، ولم يكن هناك أيّ رخصة سوى تبريد الحصى ، ولو كان هناك ترخيص لما فعلوا ذلك ، ولما أمر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بالتتريب ، وحسر العمامة عن الجبهة .

المرحلة الثانية : الترخيص في السجود على الخمر والحصر :

هذه الأحاديث والمأثورات المبثوثة في الصحاح والمسانيد وسائر كتب الحديث تعرب عن التزام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه

1 . منتخب كنز العمال المطبوع في هامش المسند: 3 / 194 .
2 . سنن البيهقي: 2 / 105 .            3 . سنن البيهقي: 2 / 105 .

صفحه 222
بالسجود على الأرض بأنواعها ، وأنّهم كانوا لا يعدلون عنه ، وإن صعب الأمر واشتدّ الحرّ ، لكن هناك نصوصاً تعرب عن ترخيص النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ بإيحاء من الله سبحانه إليه ـ السجود على ما أنبتت الأرض ، فسهّل لهم بذلك أمر السجود ، ورفع عنهم الإصر والمشقّة في الحرّ والبرد ، وفيما إذا كانت الأرض مبتلّة ، وإليك تلك النصوص :
1 . عن أنس بن مالك قال : كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يصلّـي على الخمرة.(1)
2 . عن ابن عباس : كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يصلّي على الخمرة ، وفي لفظ : وكان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يصلّي على الخمرة.(2)
3 . عن عائشة : كان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) يصلّي على الخمرة.(3)
4 . عن أُمّ سلمة : كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يصلّي على الخمرة.(4)
5 . عن ميمونة : ورسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يصلّي على الخمرة فيسجد.(5)

1 . أخبار اصبهان: 2 / 141 .
2 . مسند أحمد: 1 / 269 ، 303 ، 309 و358 .
3 . المصدر نفسه: 6 /179 وفيه أيضاً قال للجارية وهو في المسجد : ناوليني الخمرة .
4 . المصدر نفسه :1/302 .
5 . مسند أحمد: 1 / 331 ـ 335 .

صفحه 223
6 . عن أُمّ سليم قالت : كان ]رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)[ يصلّي على الخمرة.(1)
7 . عن عبد الله بن عمر : كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يصلّي على الخمر.(2)
 
المرحلة الثالثة : السجود على الثياب لعذر :
قد عرفت المرحلتين الماضيتين ، ولو كانت هناك مرحلة ثالثة فإنّما مرحلة جواز السجود على غير الأرض وما ينبت منها لعذر وضرورة . ويبدو أنّ هذا الترخيص جاء متأخّراً عن المرحلتين لما عرفت أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يُجب شكوى الأصحاب من شدّة الحرّ والرمضاء ، وراح هو وأصحابه يسجدون على الأرض متحمّلين الحرّ والأذى ، ولكنّ الباري عزّ اسمه رخّص لرفع الحرج السجود على الثياب لعذر وضرورة ، وإليك ما ورد في هذا المقام .
1 . عن أنس بن مالك : كنّا إذا صلّينا مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فلم يستطع أحدنا أن يمكّن جبهته من الأرض ، طرح ثوبه ثمّ سجد عليه .
2 . وفي صحيح البخاري : كنّا نصلّي مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فيضع أحدنا طرف الثوب من شدّة الحرّ ، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكّن جبهته من الأرض بسط ثوبه .

1 . المصدر نفسه :1/377 .
2 . المصدر نفسه: 2 / 92 ـ 98 .

صفحه 224
3 . وفي لفظ ثالث : كنّا إذا صلّينا مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فيضع أحدنا طرف الثوب من شدّة الحرّ مكان السجود.(1)
وهذه الرواية التي نقلها أصحاب الصحاح والمسانيد تكشف حقيقة بعض ما روي في ذلك المجال الظاهر في جواز السجود على الثياب في حالة الاختيار أيضاً . وذلك لأنّ رواية أنس نصّ في اختصاص الجواز على حالة الضرورة ، فتكون قرينة على المراد من هذه المطلقات ، وإليك بعض ما روي في هذا المجال :
1 . عبدالله بن محرز عن أبي هريرة: كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يصلّي على كور عمامته.(2)
إنّ هذه الرواية مع أنّها معارضة لما مرّ من نهي النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عن السجود عليه ، محمولة على العذر والضرورة ، وقد صرّح بذلك الشيخ البيهقي في سننه ، حيث قال : قال الشيخ : «وأمّا ما روي في ذلك عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من السجود على كور العمامة فلا يثبت شيء من ذلك ، وأصحّ ما روي في ذلك قول الحسن البصري حكاية عن أصحاب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).(3)
وقد روي عن ابن راشد قال : «رأيت مكحولا يسجد على

1 . صحيح البخاري: 1 / 101 ; صحيح مسلم: 2 / 109 ; مسند أحمد: 1 / 100 ; السنن الكبرى: 2 / 106 .
2 . كنز العمال: 8 / 130 برقم 22238 .
3 . السنن الكبرى: 2 / 106 .

صفحه 225
عمامته فقلت : لما تسجد عليها؟ قال أتّقي البرد على أنساني ـ أي عيني ـ ».(1)
2 . ما روي عن أنس : «كنّا نصلّي مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فيسجد أحدنا على ثوبه».(2)
والرواية محمولة على صورة العذر بقرينة ما رويناه عنه ، وبما رواه عنه البخاري : «كنّا نصلّي مع النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في شدّة الحرّ ، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكّن وجهه من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه».(3)
ويؤيّده ما رواه النسائي أيضاً : «كنّا إذا صلّينا خلف النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)بالظهائر سجدنا على ثيابنا اتّقاء الحرّ».(4)
وهناك روايات قاصرة الدلالة حيث لا تدلّ إلاّ على أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) صلّى على الفرو . وأمّا أنّه سجد عليه فلا دلالة لها عليه .
3 . عن المغيرة بن شعبة: كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يصلّي على الحصير والفروة المدبوغة . (5)

1 . المصنّف لعبد الرزاق: 1 / 400 كما في السجود على الأرض: 112 .
2 . السنن الكبرى :2 / 106 ، باب من بسط ثوباً فسجد عليه .
3 . صحيح البخاري: 2 / 64، كتاب الصلاة، باب بسط الثوب في الصلاة للسجود .
4 . جامع الأُصول: 5 / 468 برقم 3660 .
5 . سنن أبي داود : 1 / 155 ، باب الصلاة على الحصير برقم 659 .

صفحه 226
والرواية مع كونها ضعيفة بيونس بن الحرث ، ليست ظاهرة في السجود عليه . ولا ملازمة بين الصلاة على الفرو والسجدة عليه ، ولعلّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وضع جبهته على الأرض أو ما ينبت منها . وعلى فرض الملازمة لا تقاوم هي وما في معناها ما سردناه من الروايات في المرحلتين الماضيتين .

حصيلة البحث

إنّ المتأمّل في الروايات يجد وبدون لبس أنّ قضيّة السجود في الصلاة مرّت بمرحلتين أو ثلاث مراحل; ففي المرحلة الأُولى كان الفرض السجود على الأرض ولم يرخّص للمسلمين السجود على غيرها ، وفي الثانية جاء الترخيص فيما تنبته الأرض ، وليست وراء هاتين المرحلتين مرحلة أُخرى إلاّ جواز السجود على الثياب لعذر وضرورة ، فما يظهر من بعض الروايات من جواز السجود على الفرو وأمثاله مطلقاً فمحمولة على الضرورة ، أو لا دلالة لها على السجود عليها ، بل غايتها الصلاة عليها .
ومن هنا فإنّ ما يظهر بوضوح أنّ ما التزمت به الشيعة هو عين ما جاءت به السنّة النبويّة ، ولم تنحرف عنه قيد أنملة ، ولعلّ الفقهاء هم أدرى بذلك من غيرهم ، لأنّهم الأُمناء على الرسالة والأدلاّء في طريق الشريعة ، ونحن ندعو إلى برهة من التأمّل لإحقاق الحقّ وتجاوز البدع .

صفحه 227

ما هو السرّ في اتّخاذ تربة طاهرة؟

بقي هنا سؤال يطرحه كثيراً إخواننا أهل السنّة حول سبب اتّخاذ الشيعة تربة طاهرة في السفر والحضر والسجود عليها دون غيرها . وربّما يتخيّل البسطاء ـ كما ذكرنا سابقاً ـ أنّ الشيعة يسجدون لها لا عليها ، ويعبدون الحجر والتربة ، وذلك لأنّ هؤلاء المساكين لا يفرّقون بين السجود على التربة ، والسجود لها .
وعلى أيّ تقدير فالإجابة عنها واضحة ، فإنّ المستحسن عند الشيعة هو اتّخاذ تربة طاهرة طيّبة ليتيقن من طهارتها ، من أيّ أرض أُخذت ، ومن أيّ صقع من أرجاء العالم كانت ، وهي كلّها في ذلك سواء .
وليس هذا الالتزام إلاّ مثل التزام المصلّي بطهارة جسده وملبسه ومصلاّه ، وأمّا سرّ الالتزام في اتّخاذ التربة هو أنّ الثقة بطهارة كلّ أرض يحلّ بها ، ويتّخذها مسجداً ، لا تتأتّى له في كلّ موضع من المواضع التي يرتادها المسلم في حلّه وترحاله ، بل وأنّى له ذلك وهذه الأماكن ترتادها أصناف مختلفة من البشر ، مسلمين كانوا أم غيرهم ، ملتزمين بأُصول الطهارة أم غير ذلك ، وفي ذلك محنة كبيرة تواجه المسلم في صلاته لا يجد مناصاً من أن يتّخذ لنفسه تربة طاهرة يطمئنّ بها وبطهارتها يسجد عليها لدى صلاته حذراً من السجدة على الرجاسة والنجاسة ، والأوساخ التي

صفحه 228
لا يتقرّب بها إلى الله قطّ ولا تجوّز السنّة السجود عليها ولا يقبله العقل السليم ، خصوصاً بعد ورود التأكيد التام البالغ في طهارة أعضاء المصلّي ولباسه والنهي عن الصلاة في مواطن منها :
1 . المزبلة ، والمجزرة ، وقارعة الطريق ، والحمّام ، ومعاطن الإبل ، بل والأمر بتطهير المساجد وتطييبها.(1)
وهذه القاعدة كانت ثابتة عند السلف الصالح وإن غفل التاريخ عن نقلها ، فقد روي : أنّ التابعي الفقيه مسروق بن الأجدع (المتوفّى 62هـ ) كان يصحب في أسفاره لبنة من المدينة يسجد عليها . كما أخرجه ابن أبي شيبة في كتابه المصنّف ، باب من كان حمل في السفينة شيئاً يسجد عليه . فأخرج بإسنادين أنّ مسروقاً كان إذا سافر حمل معه في السفينة لبنة يسجد عليها.(2)
إلى هنا تبيّن أنّ التزام الشيعة باتّخاذ التربة مسجداً ليس إلاّ تسهيل الأمر للمصلّي في سفره وحضره خوفاً من أن لا يجد أرضاً طاهرة أو حصيراً طاهراً فيصعب الأمر عليه ، وهذا كادّخار المسلم تربة طاهرة لغاية التيمّم عليها .
وأمّا السرّ في التزام الشيعة استحباباً بالسجود على التربة الحسينية ، فإنّ من الأغراض العالية والمقاصد السامية منها ، أن

1 . سيرتنا وسنّتنا : 135 .
2 . المصنّف: 1 / 400، كما في السجدة على التربة : 93 .

صفحه 229
يتذكّر المصلّي حين يضع جبهته على تلك التربة ، تضحية ذلك الإمام بنفسه وأهل بيته والصفوة من أصحابه في سبيل العقيدة والمبدأ ومقارعة الجور والفساد .
ولمّا كان السجود أعظم أركان الصلاة ، وفي الحديث «أقرب ما يكون العبد إلى ربّه حال سجوده» فيناسب أن يتذكّر بوضع جبهته على تلك التربة الزاكية ، أُولئك الذين جعلوا أجسامهم ضحايا للحقّ ، وارتفعت أرواحهم إلى الملأ الأعلى ، ليخشع ويخضع ويتلازم الوضع والرفع ، وتحتقر هذه الدنيا الزائفة ، وزخارفها الزائلة ، ولعلّ هذا هو المقصود من أنّ السجود عليها يخرق الحجب السبع كما في الخبر ، فيكون حينئذ في السجود سرّ الصعود والعروج من التراب إلى ربّ الأرباب.(1)
وقال العلاّمة الأميني : نحن نتّخذ من تربة كربلاء قطعاً لمعاً ، وأقراصاً نسجد عليها كما كان فقيه السلف مسروق بن الأجدع يحمل معه لبنة من تربة المدينة المنوّرة يسجد عليها ، والرجل تلميذ الخلافة الراشدة ، فقيه المدينة ، ومعلّم السنّة بها ، وحاشاه من البدعة . فليس في ذلك أيّ حزازة وتعسّف أو شيء يضادّ نداء القرآن الكريم أو يخالف سنّة الله وسنّة رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) أو خروج من حكم العقل والاعتبار .

1 . الأرض والتربة الحسينية : 24 .

صفحه 230
وليس اتّخاذ تربة كربلاء مسجداً لدى الشيعة من الفرض المحتّم ، ولا من واجب الشرع والدين ، ولا ممّا ألزمه المذهب ، ولا يفرّق أيُّ أحد منهم منذ أوّل يومها بينها وبين غيرها من تراب جميع الأرض في جواز السجود عليها خلاف ما يزعمه الجاهل بهم وبآرائهم ، وإن هو عندهم إلاّ استحسان عقلي ليس إلاّ ، واختياراً لما هو الأولى بالسجود لدى العقل والمنطق والاعتبار فحسب كما سمعت ، وكثير من رجال المذهب يتّخذون معهم في أسفارهم غير تربة كربلاء ممّا يصحّ السجود عليه كحصير طاهر نظيف يوثق بطهارته أو خمرة مثله ويسجدون عليه في صلواتهم.(1)
هذا إلمام إجمالي بهذه المسألة الفقهية والتفصيل موكول إلى محلّه ، وقد أغنانا عن ذلك ما سطّره أعلام العصر وأكابره ، وأخص بالذكر منهم .
1 . المصلح الكبير الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء (1295 ـ 1373هـ ) في كتابه «الأرض والتربة الحسينية» .
2 . العلاّمة الكبير الشيخ عبد الحسين الأميني مؤلّف الغدير (1320 ـ 1390هـ ) فقد دوّن رسالة في هذا الموضـوع طبعت في آخر كتابه «سيرتنا وسنّتنـا » .

1 . سيرتنا وسنّتنا : 142 .

صفحه 231
3 . «السجود على الأرض» للعلاّمة الشيخ عليّ الأحمدي (قدس سره)فقد أجاد في التتبّع والتحقيق .
وما ذكرنا في هذه المسألة اقتباس من أنوار علومهم . رحم الله الماضين من علمائنا وحفظ الله الباقين منهم .
***
هذا ما وقفنا عليه من الأبحاث التي
أوردناها في هذا المختصر
والحمد لله ربّ العالمين
جعفر السبحاني
قم المقدسة ـ مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

صفحه 232
فهرس المحتويات   

صفحه 233

فهرس المحتويات

رسائل موجزة حول عقائد الشيعة   7
   1 . ما كتبه الإمام الرضا(عليه السلام) للمأمون عن محض الإسلام   10
   2 . عرض السيّد عبد العظيم الحسني عقائده على الإمام الهادي(عليه السلام)   12
   3 . رسالة الصدوق في عقائد الإمامية   14
   4 . ما أملاه الصدوق في وصف دين الإمامية   16
   5 . جمل العلم والعمل للسيّد الشريف المرتضى   17
      بيان ما يجب اعتقاده في أبواب التوحيد    17
   6 . البيان عن جمل اعتقاد أهل الإيمان للكراجكي   20
      في توحيده سبحانه   21
      في عدله سبحانه   21
      في النبوّة العامّة والخاصّة   23
      في الإمامة والخلافة    25
      في التوبة والحشر والنشر    29
   7 . العقائد الجعفريّة للشيخ الطوسي (رحمه الله)   34

صفحه 234
ما هو الهدف من نقل هذه الرسائل؟   46
الفرق بين الشيعة الإمامية والمعتزلة   48
الفرق بين الشيعة الإمامية والأشاعرة   50
الفرق بين الشيعة الإمامية وسائر الفرق   55
المسألة الأُولى:وجوب تنصيب الإمام على الله سبحانه   56
المسألة الثانية :عصمة الإمام   62
   حقيقة العصمة   62
   الدليل على لزوم عصمة الإمام بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)   65
   ما هو المراد من الظالم؟   74
   العصمة في القول والرأي   77
المسألة الثالثة :الإمام المنتظر   79
المسألة الرابعة :التقية   84
   مفهومها   85
   غايتها   86
   دليلها في القرآن والسنّة    89
   اتّقاء المسلم من المسلم في ظروف خاصّة   97
   الظروف العصيبة التي مرّت بها الشيعة   101
   كتاب معاوية إلى عماله   102
   حدّ التقيّة    108
   التقية المحرّمة    110

صفحه 235
المسألة الخامسة:البداء عند الشيعة الإمامية   116
   البداء في القرآن الكريم   122
   البداء في الروايات    125
      ألف . الصدقة وأثرها في دفع البلاء    125
      ب . أثر الاستغفار في الرزق    126
      ج . الدعاء وآثاره    127
      د . أثر صلة الرحم    128
   البداء في مقام الثبوت   132
   بحث في قوله تعالى : (يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ...)   134
   الأثر التربوي للاعتقاد بالبداء    141
   البداء في مقام الإثبات    144
   تلميحات للبداء في الذكر الحكيم   146
   تلميحات للبداء في الروايات الشريفة   149
المسألة السادسة :الرجعة في الكتاب والسنّة   159
   ملاحظات جديرة بالانتباه    164
المسألة السابعة :زواج المتعة   167
   النكاح المنقطع في القرآن الكريم   169
      1 . الحمل على النكاح الدائم يستلزم التكرار بلا وجه   169
      2 . تعليق دفع الأُجرة على الاستمتاع   169
      3 . تصريح جماعة من الصحابة بشأن نزولها   169

صفحه 236
شبهات ضعيفة حول دلالة الآية    174
المنكرون للتحريم    180
كبرت كلمة تخرج من أفواههم    183
المسألة الثامنة:متعة الحجّ   187
المسألة التاسعة:مسح الأرجل في الوضوء   198
وقفة مع آية الوضوء    199
أدلة القائلين بالغسل ونقضها    204
المسألة العاشرة :السجود على الأرض   211
   اختلاف الفقهاء في شرائط المسجود عليه    212
   الفرق بين المسجود له والمسجود عليه    215
   السنّة في السجود في عصر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) وبعده    216
المرحلة الأُولى : السجود على الأرض   217
   تبريد الحصى للسجود عليها   218
   الأمر بالتتريب    219
   الأمر بحسر العمامة عن الجبهة    220
المرحلة الثانية : الترخيص في السجود على الخمر والحصر    221
المرحلة الثالثة : السجود على الثياب لعذر    223
حصيلة البحث   226
ما هو السرّ في اتّخاذ تربة طاهرة؟   227
فهرس المحتويات   233

صفحه 237