welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : التبرّك على ضوء الكتاب والسنّة*
تألیف :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

التبرّك على ضوء الكتاب والسنّة

صفحه 1
التبرّك
على
ضوء الكتاب والسنّة

صفحه 2

صفحه 3
التبرّك
على
ضوء الكتاب والسنّة
الفقيه العلاّمة
جعفر السبحاني
منشورات
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
سبحانى تبريزى، جعفر، 1308 ـ
التبرّك على ضوء الكتاب والسنّة / تأليف جعفر السبحاني . ـ قم : مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ، 1396 .
      64 ص .    ISBN 978 - 964 - 357 - 427 - 7
      فهرست نويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
      كتابنامه به صورت زير نويس.
1. تبرّك . 2. زيارت. 3. شيعه ـ ـ دفاعيه ها و رديه ها .
4. وهابيه ـ ـ دفاعيه ها ورديه ها. الف . موسسه امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.
2 ت 2س/65/226 BP   76/ 297
1396
اسم الكتاب:   … التبرّك على ضوء الكتاب والسنّة
المؤلف:   … العلاّمة الفقيه الشيخ جعفر السبحاني
الطبعة:   … الأُولى
تاريخ الطبع:   …1439 هـ . ق
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
القطع:   … رقعي
عدد الصفحات:   … 64 صفحة
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر: 969   تسلسل الطبعة الأُولى: 463
مركز التوزيع
قم المقدسة
ساحة الشهداء ; مكتبة التوحيد
? 37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org

صفحه 5

صفحه 6
   
    التبرّك على ضوء الكتاب والسنّة

صفحه 7
لا يشك ذو مسكة في أنّ التقريب بين المذاهب الإسلامية وقادتها وأتباعها، هو بغية كلّ مسلم عارف بما يسودهم من الظن السيِّئ والتباعد بينهم، وأنّ أعداء الإسلام على سعي حثيث، في زرع العداء والتباغض بين أبناء الأُمّة الواحدة، وإغراء طائفة على طائفة أُخرى بصور مختلفة، وبين ظهرانيهم آذان صاغية للنعرات الجاهلية، كما أنّ بينهم أقلاماً مستأجرة تلعب بحبل الأعداء لإشعال نار الفتنة بين الإخوة، الذين تجمعهم وتربطهم أُمور شتّى من الإيمان بالله ورسله وكتبه وخاتم أنبيائه وسنّته وشريعته إلى غير ذلك من أواصر الوحدة .
والطريق الوحيد لتقريب الخُطى بين الإخوة هو الدعوة إلى الأخذ بالمشتركات، وتبيين أنّ ما يوحِّد المسلمين على اختلاف فرقهم أكثر ممّا يفرقهم ويشتّتهم، فاللازم هو التأكيد على أواصر الوحدة، والإغماض عما يسبِّب الفُرقة، خصوصاً إذا كانت المفرّقات مسائل كلامية أو فروعاً فقهية ممّا لا تمتّ إلى

صفحه 8
الإيمان والكفر بصلة.
ولأجل أن نجسّد كيفية الدعوة إلى الوحدة الإسلامية نضع أمام القارئ الكريم (سنّياً كان أم شيعياً) رسالة التبرّك بآثار النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)الّذي هو من الأُصول المشتركة بين عامّة المذاهب الإسلامية، عسى أن نُسكت الصوت المخالف لهذا الأمر الّذي دعا إليه الكتاب والسنّة، ونساهم في تعزيز الروابط بين المسلمين، حتّى يصبح الجميع في كلّ موطن وموقف إخوة متحابّين متمسّكين بحبل الوحدة، الّذي أرشد إليه سبحانه بقوله عزّ من قائل : (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا)(1).
إنّ من ينطلق من الكتاب والسنّة وأحاديث أئمة أهل البيت(عليهم السلام)والسيرة الرائجة بين المسلمين لا يخالف في أمر التبرّك قدر شعرة، وإنّما يخالف فيه ويناقش في مشروعيته، مَن يأبى التحرّر من أسر تقليد بعض مَن لم يُمعن النظر في هذه المصادر، ولم يُرزَق التوفيق في التبرّك بآثار النبي، الّذي يعبّر عن غاية مودّته وتوقيره وتعظيمه (صلى الله عليه وآله وسلم).
جعفر السبحانى
قم ـ الحوزة العلمية

1 . آل عمران: 103 .

صفحه 9
مفهوم التبرّك   
 
مفهوم التبرّك
 
التبرّك لغةً
التبرّك مأخوذ من «برك» وله معنيان:
1. الثبات والدوام، كما يقال: وبارك على محمد وعلى آل محمد، أي أثبت وأدم ما آتيتهم من التشريف والكرامة.
2. الزيادة والنمو.(1) ويناسب المعنى الثاني قوله تعالى: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ)(2)، وقوله سبحانه: (الذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ)(3) .
ويقال في المثل: بارك الله الشيء وبارك فيه وعليه. ففي الموارد المشار إليها، خير مكنون يزيد وينمو على مرّ الزمان. ويقصده المتبرِّك.

1 . مقاييس اللغة: 1 / 227 ; النهاية في غريب الحديث: 1 / 120 .
2 . الأنعام: 155 .
3 . الإسراء: 1 .

صفحه 10

التبرّك اصطلاحاً

التبرّك اصطلاحاً هو طلب ثبوت الخير الإلهي في الشيء(1).
وعلى هذا فالمتبرِّك بالقرآن وبالآثار المتبقية عن الأنبياء والأئمة، يطلب الخير الإلهي، لا بمعنى أنّها تحمل خيراً في ذاتها، وإنّما يتوسّل بها لطلب الخير من الله سبحانه وتعالى، وعلى هذا فالأحرى أن يعدّ التبرّك من فروع التوسّل، فكلّ خير من الأثر المتبرّك به فإنّما هو من الله سبحانه وهو الّذي أعطاه هذا الأثر، فطلب الخير منه طلب خير من الله وهو كعملة ذات وجهين، فهو يطلب الخير من الأثر ظاهراً ولكن يطلبه من الله حقيقة، لأنّ ما للسبب من الأثر هو من الله سبحانه وليس منه بالذات، وهنا كلمة قيّمة لبعض الأعلام نأتي بنصّها:
إنّ التبرّك ليس إلاّ توسّلاً إلى الله تعالى بذلك المتبرّك به، سواء أكان أثراً أو مكاناً أو شخصاً.
التبرّك في الأُمم السالفة   
أمّا الأعيان فلاعتقاد فضلها وقربها من الله سبحانه وتعالى، مع اعتقاد عجزها عن جلب خير أو دفع شر إلاّ بإذن الله.
وأمّا الآثار فلأنّها منسوبة إلى تلك الأعيان فهي مشرّفة

1 . الموسوعة الفقهية الكويتية: 10 / 69 .

صفحه 11
بشرفها ومكرّمة ومعظّمة ومحبوبة لأجلها.
وأمّا الأمكنة فلا فضل لها لذاتها من حيث هي أمكنة، وإنّما لما يحلّ فيها ويقع من خير وبرّ، كالصلاة والصيام وجميع أنواع العبادات ممّا يقوم به عباد الله الصالحون، إذ تتنزّل فيها الرحمات وتحضرها الملائكة وتُغشِّيها السكينة، وهذه هي البركة الّتي تطلب من الله في الأماكن المقصودة لذلك.
وهذه البركة تطلب بالتعرض لها في أماكنها، بالتوجّه إلى الله تعالى ودعائه واستغفاره، وتذكّر ما وقع في تلك الأماكن من حوادث عظيمة ومناسبات كريمة تحرّك النفوس وتبعث فيها الهمّة والنشاط للتشبّه بأهلها أهل الفلاح والصلاح.(1)
إذا عرفت ذلك فلنذكر النصوص الدالّة على جواز التبرّك بين الأُمم السالفة، والأُمّة الإسلاميّة .

1. التبرّك في الأُمم السالفة

يظهر من الآيات والروايات أنّ التبرّك بآثار الأنبياء كان رسماً شائعاً عند الأُممّ السالفة، فكانوا يطلبون الخير تارة من الأسباب الطبيعية، وأُخرى من الأسباب غير الطبيعية.

1 . مفاهيم يجب أن تصحّح، للسيد محمد بن علوي المالكي الحسيني: 219، الطبعة العاشرة.

صفحه 12
وبعبارة أُخرى: أنّ الخير في كلا الموردين بيد الله تعالى لقوله سبحانه: (بِيَدِكَ الْخَيْرُ)(1)، ولكنّه ينزل ضمن أسباب خاصّة، تارة عادية طبيعية، وأُخرى على خلاف العادة، وطالب الخير تارة يقصده من القسم الأوّل وأُخرى من الثاني، والسيرة جارية على هذا في أكثر الأُممّ .
ذكر صاحب تاريخ الخميس في خلافة «المتقّي لله» القصة التالية: في سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة أرسل ملك الروم يطلب منه ـ المتقي لله ـ منديلاً زعم أنّ المسيح مسح به وجهه، فصارت صورة وجهه فيه، وكان هذا المنديل في كنيسة الرهبان، وأرسل ملك الروم يقول: إن أرسلت هذا المنديل أطلقت لك عشرة آلاف أسير من المسلمين.
فأحضر المتقي لله الفقهاء واستفتاهم فقالوا: أرسل إليهم هذا المنديل، ففعل وأطلق الأسراء .(2)
التبرّك في القرآن الكريم   
وما نقله الدياربكري يكشف عن وجود التبرّك عند المسيحيّين وقد ورثوا الفكرة عن آبائهم وأجدادهم.
وقد ورد لفظة «بارك» ومشتقاتها كثيراً في الكتاب

1 . آل عمران: 26 .
2 . تاريخ الخميس: 2 / 352 .

صفحه 13
المقدس ومنه: «بركة هارون وبنيه لبني إسرائيل» (عد 6: 23 ـ 27) وقد بارك المسيح تلاميذه قبل أن يصعد. (انجيل لوقا: 24: 50، 51).(1)

2. التبرّك في القرآن الكريم

وقد ذكر القرآن الكريم التبرّك في العديد من الآيات نذكرها تباعاً :
1. هذا هو نبي الله يعقوب الّذي تبرّك بقميص يوسف، قال تعالى حاكياً عن يوسف: (اِذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ)(2). ثم قال تعالى: (فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)(3).
فالله سبحانه هو الّذي جدّد بصر يعقوب بعدما كُفَّ، لكن بسبب خاصّ وهو قميص ولده يوسف .
وأمّا ما هي الصلة بين القميص المنسوج من القطن وإعادة البصر إلى يعقوب فغير معلومة لنا، وعلى كل تقدير فللقميص

1 . قاموس الكتاب المقدّس: 171 .
2 . يوسف: 93 .
3 . يوسف: 96 .

صفحه 14
وإرادة يوسف مدخلية في إعادة البصر بإذن من الله سبحانه.
2. تبرّك بني إسرائيل بصندوق العهد، أي التابوت، والتابوت هو الصندوق الّذي صنعه موسى (عليه السلام)بأمر الله تعالى وقد وصفه في «قاموس الكتاب المقدّس» بأنّ طوله كان ذراعين ونصفاً وعرضه ذراعاً ونصفاً، وارتفاعه ذراعاً ونصفاً، وكان في التابوت، الوعاء الّذي يحتوي على المنّ، وعصا هارون الّتي أفرخت، ولوحا العهد وكان عليهما وصايا الله العشر المكتوبة.(1)
ويصفه سبحانه بقوله: (فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ بَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَ آلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلاَئِكَةُ)(2).
قال الطبرسي: إنّ التابوت كان ] هو [ الّذي أنزله الله على أُم موسى فوضعت فيه ابنها وألقته في البحر وكان في بني إسرائيل معظّماً يتبرّكون به، فلمّا حضر موسى الوفاة، وضع فيه الألواح ودرعه وما كان عنده من آثار النبوة، وأودعه عند وصيّه يوشع بن نون فلم يزل التابوت بينهم، وبنوا إسرائيل في عزّ وشرف ما دام فيهم (3).
وقال السيوطي: كان في التابوت عصا موسى وعصا

1 . قاموس الكتاب المقدّس: 209 .
2 . البقرة: 248 .
3 . مجمع البيان: 1 / 614، ط. بيروت.

صفحه 15
هارون وثياب موسى وثياب هارون ولوحان من التوراة والمّن وكلمة الفرج «لا آله إلاّ الله الحليم الكريم، وسبحان الله رب السماوات السبع ورب العرش العظيم، والحمدلله رب العالمين».(1)
وعلى كل تقدير فقد كان بنو إسرائيل يتبرّكون به ويحملونه عند مواجهة الأعداء فينتصرون، وكفى في قداسة التابوت أنّه سبحانه يقول: (تَحْمِلُهُ الْمَلاَئِكَةُ)، وقصة التابوت وكيفية غلبة العمالقة على بني إسرائيل وأخذ التابوت منهم، مذكورة في التفاسير، والله سبحانه وعدهم بأنّهم لو قاتلوا مع ملكهم طالوت، يسترجع إليهم التابوت وتحمله الملائكة إليهم يقول: (إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَ آلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلاَئِكَةُ)(2) أي أنّ آية ملك (طالوت) هو أنّه يحارب الأعداء ويسترجع التابوت الّذي تحمله الملائكة فيرونه بنو إسرائيل عياناً.(3)
***

1 . تفسير الدر المنثور: 1 / 778 .
2 . البقرة: 248 .
3 . لاحظ : مجمع البيان: 1 / 615 .

صفحه 16
3. التبرّك بأصحاب الكهف، فعندما يذكر الله سبحانه وتعالى أصحاب الكهف والرقيم في سورة الكهف يبتدئ ببيان قصتهم بالآية التاسعة ويختمها بالآية 26.
وقد نزلت هذه الآيات لتشدّ قلوب المؤمنين وتثبت الإيمان فيها، وذلك بالوقوف على مصير أصحاب الكهف الذين تركوا متاع الحياة الدنيا وزينتها وهجروا مجتمعهم الغارق في الوثنية والتجأوا إلى كهف ضيّق موحش من أجل أن تبقى قلوبهم عامرة بالعقيدة الصحيحة، متوهّجة بحرارة الإيمان.
فلمّا علم سبحانه صدقهم وثباتهم في طريق التوحيد شملتهم عناية الله تبارك وتعالى فالتجأوا إلى الكهف، فأطبق الله سبحانه على آذانهم فناموا سنين طويلة ، وبذلك خلصوا من مكائد الملك وأعوانه الذين كانوا يروّجون الوثنية ويحاربون الموحّدين، فلمّا بعثهم الله سبحانه بعد مضي ثلاثة قرون وانكشف أمرهم للناس، وثبت أنّ وعد الله حق حيث إنّ إيقاظهم الّذي يشبه البعث والإحياء بعد إنامتهم الّتي تُشبه الموت، أقوى دليل على قدرته سبحانه على أن يبعث الناس يوم القيامة ثم إنّه بعدما تبيّن ما هو الغرض من إنامتهم وإيقاظهم أماتهم الله سبحانه واختلف الناس في حقّهم وفي شأنهم، فذهب فريق منهم إلى إغلاق باب الكهف وسترهم عن أعين الناس وجعلهم وراء

صفحه 17
البنيان وإلى هذا يشير قوله سبحانه: (ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا)(1)، والقائلون بذلك هم الأقلية الوثنية، أرادوا بذلك أن يخفوا أمرهم لكي ينساه الناس ولا يتحدّثون به، وقالوا ـ تحقيراً بشأنهم ـ (رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ)(2)، وقال الفريق الآخر، أي : (الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ )(3)، أي على أمر القائلين بالاقتراح الأوّل: (لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا)(4) تتعبّدون فيه لله سبحانه تبركاً بتربتهم، وهذا يدل على أمرين:
1. جواز بناء المساجد على قبور الأولياء .
2. جواز التبرّك بتربة القبور، لأنّ القرآن يذكر ذلك من دون ردّ واعتراض، بل يظهر منه التأييد والموافقة.

1 . الكهف: 21 .
2 . الكهف: 21 .
3 . الكهف: 21 .
4 . الكهف: 21 .

صفحه 18
تبرّك الصحابة بآثار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)   
 
تبرّك الصحابة بآثار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
ذكر أصحاب السير والتاريخ تبرّك الصحابة بأنواع متعددة من آثار النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)نظير: «التبرّك بماء وضوئه، وبريقه، وبنخامته، وبدمه، وبشعره، وبسؤره، وبطعامه، وبأظافره، وبلباسه، وبأوانيه، وبما لمسه، وبمصلاه»، هذا ما جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: 10 / 70 ـ 71، ولكن الموارد أوسع ممّا ذكر هناك، ولأجل الإشارة إلى شيء منها، نذكر بعض النصوص:

1. التبرّك بماء وضوئه (صلى الله عليه وآله وسلم)

أرسلت قريش عروة بن مسعود الثقفي ليمثّلها في صلح الحديبية مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكلّمه رسول الله بنحو ما كلّم به أصحابه وأخبره أنّه لم يأت يريد حرباً، وبعدما تمّت المذاكرة بين الطرفين قام عروة من عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وقد رأى ما يصنع به أصحابه، لا يتوضّأ، إلاّ ابتدروا وضوءه، ولا يَبْصق بُصاقاً إلاّ ابتدروه، ولا يسقط من شعره شيء إلاّ أخذوه. فرجع إلى قريش، فقال: يا معشر قُريش، إنّي قد جئت كِسْرى في مُلكه، وقيصر في

صفحه 19
مُلكه، والنجاشيِّ في مُلكه، وإني والله ما رأيت مَلِكاً في قوم قط مثلَ محمّد في أصحابه، ولقد رأيت قوماً لا يُسلمونه لشيء أبداً، فَرَوا رأيكم .(1)

2. التبرّك بقدحه

أخرج البخاري في صحيحه عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، أنّه قال: فأقبل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يومئذ حتّى جلس في سقيفة بني ساعدة هو وأصحابه، ثم قال: اسقنا يا سهل، فأخرجت لهم هذا القدح فأسقيتهم فيه ] وقال أبو حازم [ فأخرج لنا سهل ذلك القدح فشربنا منه، قال: ثم استوهبه عمر بن عبدالعزيز بعد ذلك فوهبه له.(2)

3. التبرّك بسؤره

روى أحمد بن حنبل عن أبي صالح، عن أُم هاني أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)دخل عليها يوم الفتح، فأتته بشراب، فشرب منه، ثم فضلت منه فضلة، فناولها فشربته، ثم قالت: يا رسول الله، لقد فعلت شيئاً ما أدري يوافقك أم لا؟ قال: «وما ذاك يا أُمّ هاني؟»،

1 . السيرة النبوية لابن هشام: 3 / 328 .
2 . فتح الباري: 10 / 98، برقم 5687 .

صفحه 20
قالت: كنت صائمة فكرهت أن أرد فضلك فشربته، قال: «تطوعاً أو فريضة؟» قالت: قلت: بل تطوُّعاً، قال: «فإنّ الصائم المتطوع بالخيار إن شاء صام، وإن شاء أفطر» (1).

4. التبرّك بمنبره

سأل عبدالله بن أحمد من أبيه قال: سألته عن الرجل يمسّ منبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ويتبرّك بمسّه، ويقبّله، ويفعل بالقبر مثل ذلك، أو نحو ذلك، يريد بذلك التقرّب إلى الله جلّ وعزّ، فقال: «لا بأس بذلك» .(2)
وعلّق محقّق كتاب (العلل ومعرفة الرجال) على هذا الحديث وقال: أمّا مسّ منبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فقد أثبت ابن تيمية ـ في الجواب الباهر لزوّار المقابر ـ فعله عن ابن عُمر، دون غيره من الصحابة، وروى أبو بكر بن أبي شيبة في المصنّف (4 / 121) عن زيد بن الحباب قال حدّثني أبو مودود قال: حدّثني يزيد بن عبدالملك بن قسيط، قال: رأيت نفراً من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)إذا خلا لهم المسجد قاموا إلى رُمّانة المنبر القرعاء فمسحوها ودعوا، قال: ورأيت يزيد يفعل ذلك».

1 . مسند أحمد: 10 / 391، برقم 27454. ط. دار الفكر، بيروت.
2 . العلل ومعرفة الرجال: 2 / 492، برقم 3243 .

صفحه 21
وقال الكرماني حول قول عمر: عندما جاء إلى الحجر الأسود، فقبّله فقال: إنّي أعلم أنّك حجر لا تضرّ ولا تنفع ولولا أنّي رأيت النبي يقبلك ما قبلتك: «وأمّا تقبيل الأماكن الشريفة على قصد التبرّك وكذلك تقبيل أيدي الصالحين وأرجلهم فهو حسن محمود باعتبار القصد والنية، وقد سأل أبو هريرة الحسن (رضي الله عنه)أن يكشف له المكان الّذي قبّله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وهو سرته فقبّله تبرّكاً بآثاره وذريته (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد كان ثابت البناني لا يدع يد أنس (رضي الله عنه)حتّى يقبّلها ويقول: يد مسّت يد رسول الله، وقال أيضاً: وأخبرني الحافظ أبو سعيد ابن العلائي قال: رأيت في كلام أحمد بن حنبل في جزء قديم عليه خط ابن ناصر وغيره من الحفّاظ ان الإمام أحمد سئل عن تقبيل قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وتقبيل منبره، فقال: لا بأس بذلك، قال: فأريناه للشيخ تقي الدين ابن تيمية، فصار يتعجّب من ذلك ويقول: عجبت! أحمد عندي جليل يقوله، هذا كلامه أو معنى كلامه. وقال: وأي عجب في ذلك وقد روينا عن الإمام أحمد أنّه غسل قميصاً للشافعي وشرب الماء الّذي غسله به، وإذا كان هذا تعظيمه لأهل العلم فكيف بمقادير الصحابة وكيف بآثار الأنبياء(عليهم السلام)؟! ولقد أحسن مجنون ليلى حيث يقول:

صفحه 22
أمرّ على الديار ديار ليلى *** أُقبّل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حبّ الديار شغفن قلبي *** ولكن حب من سكن الديارا(1)

5. التبرّك بالدنيانير الّتي لمسها النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)

أخرج أحمد في مسنده عن جابر بن عبدالله قال: كنت مع النبيّ في سفر ـ إلى أن قال: ـ وكنت على جمل فاعتلّ، قال: فلحقني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنا في آخر الناس قال: فقال: «مالكَ يا جابرُ؟» قال: قلت: اعتلّ بعيري، قال: فأخذ بذنبه ثم زجره، قال: فما زلت إنّما أنا في أوّل الناس يهمني رأسه، فلمّا دنونا من المدينة قال: قال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «ما فَعَلَ الجملُ؟» قلت: هو ذا، قال: «فبعنيه» قلت: لا بل هو لك، قال: «بعنيه» قال: قلت: هو لك، قال: «لا، قد أخذته بأُوقية، اركبه فإذا قدمتَ فائتنا به» قال: فلمّا قدمت المدينة جئت به فقال: «يا بلال زن أوقيةً وزده قيراطاً» قال: قلت: هذا قيراط زادنيه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يفارقني أبداً حتّى أموت، قال: فجعلته في كيس فلم يزل عندي حتّى جاء

1 . عمدة القارئ: المجلد 5 الجزء 9 / 241 .

صفحه 23
أهل الشام يوم الحرّة فأخذوه فيما أخذوا.(1)

6. التبرّك بالعصا الّتي أعطاها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

روى أحمد في مسنده عن عبدالله بن أنيس في حديث: فلمّا قدمت على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فرآني فقال: «أفلح الوجه». قال: قلت: قتلته يا رسول الله، قال: «صدقت». قال: ثم قام معي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فدخل في بيته فأعطاني عصاً فقال: «أمسك هذه عندك، يا عبدالله بن أنيس». قال: فخرجت بها على الناس فقالوا:ما هذه العصا؟ قال: قلت: أعطانيها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وأمرني أن أمسكها، قالوا: أو لا ترجع إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فتسأله عن ذلك؟ قال: فرجعت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقلت: يا رسول الله، لم أعطيتني هذه العصا؟ قال: «آية بيني وبينك يوم القيامة، إنّ أقل الناس المتخصّرون يومئذ يوم القيامة». فقرنها عبدالله بسيفه فلم تزل معه حتّى إذا مات أمر بها فصبت معه في كفنه ثم دفنا جميعاً.(2)

7. التبرّك بقميص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

روى ابن عبد البّر في ترجمة فاطمة بنت أسد بن هاشم،

1 . مسند أحمد: 5 / 51 ـ 52، برقم 14383 .
2 . مسند أحمد: 5 / 431، برقم 16047 .

صفحه 24
قال: أسلمتْ وهاجرتْ إلى المدينة وتوفيت بها، وقال الزبير: هي أوّل هاشمية ولدت لهاشمي. قال: وقد أسلمت وهاجرت إلى الله ورسوله وماتت بالمدينة في حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وشهدها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). قال أبو عمر: روى سعدان بن الوليد السابري، عن عطاء ابن أبي رباح، عن ابن عباس قال: لمّا ماتت فاطمة أُم علي بن أبي طالب ألبسها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قميصه واضطجع معها في قبرها فقالوا: ما رأيناك صنعت ما صنعت بهذه، فقال: «إنّه لم يكن أحد بعد أبي طالب أبرّ بي منها، إنّما ألبستها قميصي لتكسى من حلل الجنة واضطجعت معها ليهون عليها».(1)

8 . التبرّك بجبّته (صلى الله عليه وآله وسلم)وبالبردة المهداة

قدم كعب بن زهير على الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وأنشد قصيدته اللاميّة المعروفة الّتي مستهلها:
بانت سعاد فقلبي اليوم مبتول *** متيّم إثرها لم يُفد مكبول
وجاء فيها قوله:
كل ابن أُنثى وإن طالت سلامته *** يوماً على آلة حدباء محمول

1 . الإصابة: 4 / 368 ; والاستيعاب بهامش الإصابة: 4 / 370 .

صفحه 25
أُنبئت أنّ رسول الله أوعدني *** والعفو عند رسول الله مأمول
إنّ الرسول لنور يستضاء به *** مهنّد من سيوف الله مسلول
قال الدياربكري: رمى عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بردة كانت عليه، وأنّ معاوية بذل له فيها عشرة آلاف مثقال، فقال: ما كنت لأُوثر بثوب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أحداً، فلمّا مات كعب بعث معاوية إلى ورثته بعشرين ألفاً فأخذها منهم. قال: وهي البردة الّتي عند السلاطين إلى اليوم .(1)
التبرّك بجبّته (صلى الله عليه وآله وسلم)
روى مسلم عن أسماء بنت أبي بكر أنّها أخرجت جبّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)كانت عند عائشة، فلمّا قبضت قبضتها، وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يلبسها، فنحن نغسلها للمرضى ونستشفي بها.(2)

9. التبرّك بالقبر الشريف

أخرج الحاكم في مستدركه عن داود بن أبي صالح، قال: أقبل مروان يوماً فوجد رجلاً واضعاً وجهه على القبر، فأخذ

1 . تاريخ الخميس: 2 / 131 .
2 . صحيح مسلم: برقم 2069، باب النهي عن لبس الحرير ، كتاب اللباس والزينة.

صفحه 26
برقبته وقال: أتدري ما تصنع؟ قال: نعم، فأقبل عليه فإذا هو أبو أيوب الأنصاري (رضي الله عنه)فقال: جئت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ولم آت الحجر، سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله ولكن ابكوا عليه إذا وليه غير أهله.
ثم قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرّجاه (يعني البخاري ومسلم) (1).
وروى السمهودي عن أبي الجوزاء قال: قُحِطَ أهلُ المدينة قحطاً شديداً، فشكوا إلى عائشة، فقالت: فانظروا قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فاجعلوا منه كُوَّةً إلى السماء حتّى لا يكون بينه وبين السماء سقف، ففعلوا، فمطروا حتّى نَبَتَ العُشْبُ وسمنت الإبلُ حتّى تفتقت من الشحم، فسُميّ عام الفتق.
قال الزين المراغي: واعلم أنّ فتح الكُوَّة عند الجَدْب سُنَّةُ أهل المدينة حتّى الآن، يفتحون كوة في سفل قبة الحجرة: أي القبة الزرقاء المقدسة من جهة القبلة، وإن كان السقف حائلاً بين القبر الشريف وبين السماء.
قلت: وسنّتُهم اليوم فتحُ الباب المواجهِ للوجه الشريف من المقصورة المحيطة بالحجرة، والاجتماع هناك، والله أعلم.(2)

1 . مستدرك الحاكم: 4 / 115، كتاب الفتن والملاحم.
2 . وفاء الوفا: 1 / 560 .

صفحه 27
وروى البخاري: لمّا حضرت الوفاة عمر بن الخطاب، قال لابنه عبدالله: انطلق إلى أُم المؤمنين عائشة، فقل: يقرأ عليك عمر السلام ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه، قال: فاستأذن وسلم، ثم دخل عليها وهي تبكي، فقال: يقرأ عليك عمر السلام ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه .
فقالت: كنت أُريده لنفسي ولأُوثرنّه اليوم على نفسي، فلمّا أقبل قال له: ما لديك؟ قال: أذنت لك يا أمير المؤمنين. قال: ما كان شيء أهم من ذلك المضجع فإذا قبضت فاحملوني ثم سلّموا ثم قل: يستأذن عمر بن الخطاب فإن أذنت لي فادفنوني، وإلاّ فردّوني إلى مقابر المسلمين .(1)

10 . التبرّك بالمواضع الّتي صلّى فيها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)

أخرج البخاري عن مولى بن عقبة قال: رأيت سالم بن عبدالله يتحرّى أماكن من الطريق فيصلّي فيها، ويحدّث أنّ أباه كان يصلّي فيها، وأنّه رأى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يصلّي في تلك الأمكنة، وحدثني نافع عن ابن عمر أنّه كان يصلي في تلك الأمكنة، وسألت سالماً فلا أعلمه إلاّ وافق نافعاً في الأمكنة كلها إلاّ أنّهما

1 . صحيح البخاري: برقم 1392 ، كتاب الجنائز .

صفحه 28
اختلفا في مسجد بشرف الروحاء .(1)

11. التبرّك بخاتم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

روى عبدالرزاق عن معمر، قال: أخرج إلينا عبدالله بن محمد (بن) عقيل خاتماً نقشه تمثال، وأخبرنا أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لبسه مرّة أو مرّتين، قال: فغسله بعض من كان معنا
فشربه .(2)

12. التبرّك بالمسح واللمس

كانت الصحابة يطلبون من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يمسح على رؤوسهم ويبارك لهم، ومن هؤلاء زياد بن عبد اللّه بن مالك الهلالي، قال ابن حجر: فدخل زياد منزل ميمونة أُمّ المؤمنين وكانت خالته ... فقالت: يا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) إنّه ابن أُختي، فدعاه فوضع يده على رأسه ثمّ حدرها على طرف أنفه، فكان بنو هلال يقولون: ما زلنا نعرف البركة في وجه زياد.
ثمّ قال ابن حجر: وذكر ابن سعد القصة مطولة عن هشام بن الكلبي... وقال الشاعر لعلي بن زياد المذكور:

1 . صحيح البخاري: برقم 483، باب المواضع الّتي صلى فيها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
2 . المصنّف لعبدالرزاق الصنعاني: 1 / 347 .

صفحه 29
يا ابن الذي مسح الرسول برأسه *** ودعا له بالخير عند المسجد
مازال ذاك النور في عرنينه *** حتى تبّوأ بيته في ملحد(1)
هذه اثنا عشر مورداً تبرّك فيها الصحابة ولم يعترض عليه أحد وكانوا يتلقون التبرّك بأنّه غير مناف للتوحيد الّذي بعث لأجله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والموارد كثيرة نكتفي بهذا المقدار، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى الكتابين التاليين فقد بلغا الغاية:
1. «تبرّك الصحابة بآثار النبي والصالحين» للعلاّمة المحقّق والمؤرّخ الخبير محمد طاهر بن عبد القادر بن محمود المكّيّ، طبع الكتاب في القاهرة، مطبعة المدني، عام 1385هـ.ق .
2. «التبرّك» بقلم المحقّق الخبير آية اللّه علي الأحمدي الميانجي(1344ـ 1421هـ)، فقد تتبّع (قدس سره) في كتابه هذا ـ وبنحو يثير الإعجاب حقّاً ـ المسألة من جميع أبعادها التاريخية والحديثية و...، وأثبت بما لا مزيد عليه وبنحو لا يدع للترديد أو الشكّ مجالاً في أنّ سيرة المسلمين عامّة والصحابة والتابعين خاصّة كانت قائمة على التبرّك بآثار النبي والصالحين.

1 . الإصابة:1/539ـ 540، رقم الترجمة2856.

صفحه 30
التبرّك في روايات أهل البيت (عليهم السلام)   
 
التبرّك في روايات أهل البيت (عليهم السلام)
قد ذكرنا فيما مضى التبرّك في السنة النبوية ومصادر التاريخ، والآن نذكر ما ورد عن أئمة أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهم أعلم بما فيه .

1. التبرّك باسم الله جلّ وعلا

روى الإمام الحسن بن علي العسكري، عن آبائه، عن علي(عليهم السلام)ـ في حديث ـ أنّ رجلاً قال له: إن رأيت أن تعرّفني ذنبي الّذي امتحنت به في هذا المجلس، فقال: «تركك حين جلست أن تقول: بسم الله الرحمن الرحيم، إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)حدّثني عن الله عزّوجلّ أنّه قال: كلّ أمر ذي بال لا يذكر بسم الله فيه فهو أبتر».(1)

1 . تفسير الإمام العسكري (عليه السلام): 24 و 25 ; الوسائل: 4 (كتاب الصلاة)، الباب 17 من أبواب الذكر، الحديث 4 .

صفحه 31
 
2. التبرّك بالقرآن الكريم
روى الكليني بسنده عن ابن القدّاح، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): البيت الّذي يقرأ فيه القرآن ويذكر الله عزوجل فيه تكثر بركته وتحضره الملائكة وتهجره الشياطين، ويضيء لأهل السماء كما تضيء الكواكب لأهل الأرض، وإنّ البيت الّذي لا يقرأ فيه القرآن ولا يذكر الله عزوجل فيه تقلّ بركته وتهجره الملائكة وتحضره الشياطين» .(1)

3. التبرّك بماء وضوء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

روى الصدوق في «عيون أخبار الرضا (عليه السلام)»، عن الإمام الرضا (عليه السلام)قال: «سمعت أبي يحدّث عن أبيه، عن جدّه(عليهم السلام)، عن جابر بن عبدالله قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في قبّة من أدم، وقد رأيت بلالاً الحبشيّ وقد خرج من عنده ومعه فضل وضوء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فابتدره الناس، فمن أصاب منه شيئاً تمسّح به وجهه، ومن لم يُصب منه شيئاً أخذ من يدي صاحبه فمسح به وجهه، وكذلك فعل بفضل وضوء أمير المؤمنين (عليه السلام)».(2)

1 . أُصول الكافي: 2 / 611، كتاب فضل القرآن.
2 . عيون أخبار الرضا (عليه السلام): 227 ; بحار الأنوار: 17 / 33، برقم 15 .

صفحه 32
 
4. التبرّك بقبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)
روى الكليني بسنده عن علي بن جعفر، عن أخيه أبي الحسن موسى، عن أبيه، عن جدّه(عليهم السلام)قال: «كان علي بن الحسين (عليه السلام)يقف على قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فيسلم عليه ويشهد له بالبلاغ، ويدعو بما حضره، ثمّ يسند ظهره إلى العروة الخضراء الدقيقة العرض ممّا يلي القبر، ويلتزق بالقبر ويسند ظهره إلى القبر، ويستقبل القبلة فيقول: «اللّهم إليك ألجأت ظهري، وإلى قبر نبيّك محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)عبدك ورسولك أسندت ظهري، والقبلة الّتي رضيت لمحمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)استقبلت، اللّهم إنّي أصبحت لا أملك لنفسي خير ما أرجوه، ولا أدفع عنها شرّ ما أحذر عليها، وأصبحت الأُمور بيدك فلا فقير أفقر منّي، ربّ إنّي لما أنزلت إليّ من خير فقير، اللّهمّ ارددني منك بخير فإنّه لا رادّ لفضلك، اللّهم إنّي أعوذ بك من أن تبدّل اسمي، أو تغيّر جسمي، أو تزيل نعمتك عندي، اللّهمّ كرّمني بالتقوى، وجمّلني بالنعم، وأعمرني بالعافية، وارزقني شكر العافية».(1)

1 . الوسائل: 14، (كتاب الحج)، الباب 6 من أبواب المزار وما يناسبه، الحديث 2 .

صفحه 33
وروى الكليني ـ أيضاً ـ عن ابن فضّال قال: رأيت أبا الحسن (الرضا) (عليه السلام)وهو يريد أن يودّع للخروج إلى العمرة فأتى القبر من موضع رأس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بعد المغرب فسلّم على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ولزق بالقبر، ثمّ أتى المنبر، وانصرف حتّى أتى القبر فقام إلى جانبه يصلّي، وألصق منكبه الأيسر بالقبر قريباً من الإسطوانة الّتي دون الإسطوانة المخلقة الّتي عند رأس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فصلّى ستّ ركعات ـ أو ثماني ركعات ـ في نعليه.(1)
وروى الكليني بسنده عن معاوية بن عمّار قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام): «إذا فرغت من الدعاء عند قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فائت المنبر فامسحه بيدك وخذ برمانتيه، وهما السفلاوان، وامسح عينيك ووجهك به فإنّه يقال: إنّه شفاء للعين، وقم عنده فاحمد الله وأثن عليه وسل حاجتك فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنّة، ومنبري على ترعة من ترع الجنّة ـ والترعة هي الباب الصغير ـ ثمّ تأتي مقام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فتصلّي فيه ما بدا لك».(2)

1 . الوسائل: 14، (كتاب الحج)، الباب 15 من أبواب المزار وما يناسبه، الحديث 3 .
2 . الوسائل: 14، (كتاب الحج)، الباب 7 من أبواب المزار وما يناسبه، الحديث 1 .

صفحه 34
شبهة القائلين بحرمة التبرّك   
 
شبهة القائلين بحرمة التبرّك
لما وقف القائل بمنع التبرّك على هذه الروايات الهائلة الحاكية عن تبرّك الصحابة بآثار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، حاول أن يتخلّص من ذلك بالوجهين التاليين:
الأوّل: التبرّك مخصوص بآثار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في حال حياته لا بعد رحيله (1).
ولسائل أن يسأل القائل: هل كان التبرّك بآثار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في حال حياته أمراً عباديّاً يتقرّب به إلى الله سبحانه، أو كان عملاً عادّياً ـ لا عبادّياً ـ نظير الأعمال الّتي يقوم بها الناس حسب فطرتهم؟ فعلى الأوّل يكون التبرّك عندئذ شركاً يعدّ نوع عبادة للغير فلا يجوز للنبي أن يقرّه فيسكت عنه أو أن يدعمه بدفع العصا وغيرها، كيف وقد وصف سبحانه الشرك بأنّه ظّلم عظيم؟ قال سبحانه مخاطباً لنبيّه: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ )(2)وعلى هذا فلا محيص من ردّ هذا الفرض.

1 . التبرّك والتوسل والصلح مع العدوّ الصهيوني: 40. والقائل عبدالعزيز بن باز مفتي السعودية سابقاً .
2 . الزمر: 65 .

صفحه 35
وعلى الثاني أي كون التبرّك أمراً عادّياً يطلب المتبرك الخير من مورده كما يطلب الخير من سائر الأُمور، فلا يصحّ تخصيص الجواز بآثار النبي، لأنّ المفروض أنّه خارج عن إطار العبادة وداخل تحت الأُمور العاديّة .
إنّ التبرّك بآثار الأولياء والعلماء والأخيار أمر فطري للناس، ولذلك تبرّكت بنو إسرائيل بتابوت موسى، كما تبرّك الموحدون بأصحاب الكهف ببناء المسجد على قبورهم والعبادة فيه، وقد مرّ أن إمام الحنابلة أحمد بن حنبل تبرّك بماء غسل فيه قميص الشافعي (1)، وقد جاء في بعض الروايات أنّ في سؤر المؤمن شفاء. (2) ونقل بعض الثقات أنّه شارك في ضيافة أقامها الشيخ عبدالعزيز بن باز لجماعة من العلماء وهو منهم ورأى بأُم عينيه أنّ أصحاب المفتي في نهاية الأمر تسابقوا إلى سؤر طعامه، أفيصحّ بعد ذلك تخصيص التبرّك بآثار النبيّ؟!
الثاني: أنّ التبرّك يختصّ بما مسّ جسده الشريف .
إنّ التبرّك بما مسّ جسده (عليه السلام)من ماء وضوء أو عَرَق أو شعر، فهذا معروف وجائز عند الصحابة لما في ذلك من الخير

1 . مرّ ص : 21 .
2 . الوسائل: 25، الباب 18 من أبواب الأشربة المباحة، الحديث 1 .

صفحه 36
والبركة. وهذا قد أقرّه النبيّ دون ما لم يمسّ جسده .(1)
وعلّق محقّق كتاب الإمام أحمد باسم «العلل ومعرفة الرجال» فقال في الهامش: وأنّ هذا كان لمّا كان منبره الّذي لامس جسده الشريف، أمّا الآن فقد تغيّر، لا يقال بمشروعيّة مسه تبركاً به .(2)
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ تخصيص التبرّك بالآثار الّتي مسّها جسد النبي المطهّر لا يخلو من وجهين:
1. إنّ لجسده المطهّر تأثيراً في نشوء الخير وزيادة النعمة. وهذا الوجه مرفوض بما عليه علماء السنّة وبالأخص فقهاء الحنابلة، لأنّهم ينكرون أيّ مؤثر في العالم سوى الله تبارك وتعالى وشعارهم في هذا الموضع قول القائل:
ومن يقل بالطبع أو بالعلّة *** فذاك كفر عند أهل الملّة
فعلى هذا الأصل فليس لجسده المطهر أي تأثير في وجود الخير وزيادة النعمة، وإلاّ يلزم الاعتقاد بمؤثر سوى الله سبحانه، ولو كان التأثير ظلّياً وتابعاً لمشيئته سبحانه فإنّهم ينفون ذلك كلّه.

1 . التبرّك والتوسل والصلح مع العدو الصهيوني: 40 .
2 . العلل ومعرفة الرجال: 2 / 494 .

صفحه 37
2. نفي القول بالتأثير لكن تبرّك الصحابة كان في خصوص ما مسّ جسده الشريف لا غير. لكن هذا الوجه مردود بنصّ التاريخ، وذلك:
أوّلاً: أنّ فاطمة الزهراء بنت النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)الّتي طهرها الله سبحانه في كتابه وقال: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً )(1)، وأناط سبحانه رضاه وغضبه برضا فاطمة وغضبها فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم):
«فاطمة بضعة منّي فمن أغضبها فقد أغضبني».(2)
وفي رواية أُخرى، أنّ غضب الزهراء (عليها السلام) ورضاها يوجب غضب اللّه سبحانه ورضاه، فقال:
«يا فاطمة إنّ اللّه يغضب لغضبك ويرضى لرضاك»(3).
إنّها (عليها السلام)تبركت بتراب قبر أبيها ووضعت شيئاً منه على عينيها وقالت:

1 . الأحزاب: 33 .
2. صحيح البخاري: 4/210، دار الفكر، بيروت; فتح الباري في شرح صحيح البخاري: 7 / 84 .
3. مستدرك الحاكم:3/154; مجمع الزوائد:9/203، وقد استدرك الحاكم في كتابه الأحاديث الصحيحة حسب شروط البخاري ومسلم ولكن لم يخرجاه. وعلى ذلك فهذا الحديث صحيح عند الشيخين وهو متفق عليه.

صفحه 38
ماذا على مَنْ شمَّ تربة أحمد *** ألاّ يشم مدى الزمان غواليا
صُبّت على مصائب لو أنّها *** صُبّت على الأيام صرن لياليا(1)
والتراب الّذي أخذته بنت النبي لم يمسَّ جسد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، إذ لم تأخذه من تراب داخل القبر الّذي مسّ جسده، بل أخذته من تراب ظاهر القبر الّذي يوارى به الميّت .
وهذا هو مضيّف النبي أبو أيوب الأنصاري حيث جعل خدّه على تراب قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)متبرّكاً به أيّام كانت الحكومة بيد الأمويين وعلى رأسهم مروان بن الحكم .(2)
وهؤلاء هم صحابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كانوا يتبرّكون بالصلاة في أماكن صلّى فيها النبي، ومن المعلوم أنّ تلك الأماكن لم تكن مسقّفة أو مفروشة بالحُصُر والبواري، بل كانت أراض مكشوفة صلّى فيها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فمن المعلوم أنّ الأمطار والرياح والعواصف تفرّق ترابها إلى نقاط بعيدة وترسل غبار الأماكن الأُخرى إليها.

1 . المغني لابن قدامة: 2 / 411 .
2 . مرّ ص 26 .

صفحه 39
إنّه سبحانه أمر حجّاج بيته الحرام بالصلاة في مقام إبراهيم (عليه السلام)فقال: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى )(1) وليس المقام إلاّ جزءاً من المسجد الحرام، ولكنّه سبحانه أمر بالصلاة فيه وما هذا إلاّ للتبرّك به، والمقام الموجود حاليّاً ; وحتّى الموجود في القرون السابقة، لم يكن ممّا مسّه جسد بطل التوحيد.
ومَن قرأ تبرّك الصحابة بآثار النبيّ يقف على أنّ تلك المحاولة ليست إلاّ لرأي مسبق ودعماً للمذهب ولم تكن هذه المحاولة وما تقدّمها في خلد أي صحابي يتبرّك بآثار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
وثانياً: أنّ كثيراً من الأعمال الّتي يمارسها المسلمون في الحرمين الشريفين من تقبيل الضريح والجدران والأبواب وأركان البيت وغير ذلك، كلّه تجسيد منهم لحبّ الله وحبّ رسوله الّذي أمر سبحانه به في قوله: (إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَاد فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ).(2)

1 . البقرة: 125 .   2 . التوبة: 24 .

صفحه 40
وأمر في آية أُخرى بتوقير النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى جانب الإيمان به ونصرته واتّباعه وقال: (فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(1)، والمراد من التعزير هو تكريمه وتوقيره، وبما أنّ يد المحبين لا تصل إلى يد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)حتّى يقبّلونها، يقبّلون ما له، به صلة، وهذه هي العادة السائدة بين العقلاء فيقبّل الولد ما ورثه من الآباء من ألبسة وكتب وأقلام وتصاوير، وكأنّ منطق الجميع منطق مجنون ليلى العامرية:
أمر على الديار ديار ليلى *** أُقبّل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حبّ الديار شغفن قلبي *** ولكن حب من سكن الديارا(2)
وقد عدّ البيهقي محبة النبي من شعب الإيمان (2)، كما عقد مسلم في صحيحه باباً باسم توقيره (صلى الله عليه وآله وسلم)وترك إكثار سؤاله عمّا لا ضرورة إليه(3) .

1 . الأعراف: 157 .   2 . مرّ مصدر البيتين ص 22.
2 . شعب الإيمان: 2 / 129 .
3 . صحيح مسلم: كتاب الفضائل، الباب 37 .

صفحه 41
والعجب أنّ أتباع ابن تيمية ـ الّذي يعدّ التبرّك بآثار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بعد رحيله بدعة ـ كانوا يتبرّكون بالماء الّذي فضل من غسله، يقول تلميذه ابن كثير في حوادث سنة 728 هـ : شرب جماعة الماء الّذي فضل من غسله، واقتسم جماعة بقية السدر الّذي غُسّل به، ودفع في الخيط ـ الّذي كان فيه الزئبق الّذي كان في عنقه بسبب القمل ـ مائة وخمسون درهماً، وقيل: إنّ الطاقية الّتي كانت على رأسه دفع فيها خمسمائة درهماً، وحصل في الجنازة ضجيج وبكاء كثير وتضرع، وختمت له ختمات كثيرة بالصالحية وبالبلد، وتردد الناس إلى قبره أياماً كثيرة ليلاً ونهاراً يبيتون عنده ويصبحون، ورويت له منامات صالحة ورثاه جماعة بقصائد جمّة.(1)
الحمد لله الّذي بنعمته تتمّ الصالحات
تمّت الرسالة بيد العبد الفقير
إلى الله الغني، عشية يوم السبت
ثاني شهر محرّم الحرام من شهور عام 1431 هـ

1 . البداية والنهاية: 14 / 142 ـ 143 .

صفحه 42

صفحه 43
رسالة مفتوحة
إلى الشيخ محمد سالم الخضر
رئيس مركز البحوث والدراسات
في مبرّة الآل والأصحاب المحترم

صفحه 44
رسالة مفتوحة إلى الشيخ محمد سالم الخضر   

صفحه 45
قرأنا في جريدة الرأي الكويتية (العدد10428) حواراً مع الشيخ محمد سالم الخضر حول مشروع (مبرّة الآل والأصحاب) تحت عنوان «هدفنا تخليص الأُمّة من الصراع الطائفي».
وإليك بعض فقرات هذا الحوار:
1. قال الشيخ الخضر جواباً عن سؤال: (كيف جاءت فكرة مبرة الآل والأصحاب؟): بزغت الفكرة نتيجة للوضع الطائفي القائم في الأُمّة الإسلامية والذي استغله أعداء الإسلام أسوأ استغلال، فأردنا أن نقوم بعمل شيء إيجابي حتى نخلّص المجتمعَ من الصراع الطائفي الذي وصل إلى الكويت، وصارت فكرة المبرة مقبولة لدى المعتدلين من الطرفين حيث إنّها مسّت الجرح وتعاملت معه بحكمة وأبرزت بعض الحقائق الغائبة عن المنتسبين للطرفين.
2. وقال: إنّ حب آل البيت فطري عند جميع المسلمين، وإنّ المبرة على وشك الانتهاء من كتاب يستوعب شخصية

صفحه 46
الإمام الحسين من ميلاده ونشأته، وقد أسميناه«قرة العين في سيرة الإمام الحسين رضي الله عنه» إلى أن يقول: إنّنا نعيش في فترة حرجة في حياة الأُمّة تفرض علينا أن نتعقّل في رؤيتنا لمأساة الحسين رضي الله عنه، وان نقف موقفاً واحداً ضد النداءات الطائفية المستفزة والتي من شأنها أن تخلق جوّاً من التشاحن البغيض بين المسلمين.
3. وقال: أذكر منها عبارة (يا لثارات الحسين) التي تستحق من خطباء المنابر و القادة السياسيين (سنّة وشيعة) موقفاً موحّداً لما فيها من الاستفزاز الطائفي والتحريض على المسلمين:
فيزيد لم يكن سنياً كما أنّ الحسين لم يكن شيعياً، إذ لم يكن في ذلك الزمان (سنّة وشيعة) بالمعنى العقائدي أصلاً، وترديد عبارة (يا لثارات الحسين) في زماننا هذا، وقد مات قتلة الحسين رضي الله عنه منذ أكثر من 1360سنة يعني أنّنا نكرّس في أبنائنا، الطائفية، والرغبة في الانتقام من الآخر.
وعلينا أن نتساءل: من منّا يتحمّل دم الحسين رضي الله عنه ويستحق أن يُنتقم منه؟
4. ثم يتطرق المتحدث إلى صيام عاشوراء وانّه ليس فكرة طائفية ولا حتى من خصوصيات طائفة دون أُخرى، فإنّ الذين ينتقدون هذه السنّة النبوية يتناسون أنّ المسألة اتفاقية بين أهل

صفحه 47
السنّة والجماعة وبين الشيعة الاثني عشرية بغضّ النظر عن اجتهادات وآراء البعض.
***
هذه فقرات أربع التقطناها من الحوار الذي أُجري مع الشيخ محمد الخضر رئيس مركز البحوث والدراسات في المبرة المذكورة.
ولنا معها وقفات، نريد عطف نظر الرئيس المحترم إليها:
الأُولى: لا شكّ أنّ توحيد الكلمة والابتعاد عن التفرق والتشرذم أمر يستحسنه العقل، ويأمر به الشرع، فالله سبحانه مدح الوحدة وذم الفرقة بقوله: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا)(1) فكأنّ الأُمّة المتفرّقة كالمتردي في البئر، حيث لا تكتب له النجاة إلاّ بالتمسّك بالحبل الموصول إليه، وهكذا الأُمّة المتفرّقة، لا تنجو من عواقب الفرقة إلاّ بالتمسّك بحبل الله سبحانه .
ونحن إذا أمعنا النظر في هذه الآية:(قُل هُوَ القادِرُ عَلى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوقِكُمْ أوْ مِنْ تَحْتِ أرْجُلِكُمْ أوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْض انْظُر كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ لَعَلَّهُمْ

1. آل عمران:103.

صفحه 48
يَفْقَهُون)(1)، نرى أنّه سبحانه جعل تفرّق الأُمّة إلى شيع، في عداد العذاب النازل من السماء! فأي بيان أفضل من هذا؟ كما نزّه سبحانه نبيّه الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) من أن يكون في عداد المفرّقين للدين فقال:(إنّ الّذينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْء إنّما أمْرُهُمْ إلَى اللهِ ثُمَّ يُنبِّئُهُمْ بِماكانُوا يَفْعَلُونَ).(2)
ويقول الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه: «وَالْزَمُوا السَّوَادَ الاَْعْظَمِ فَإِنَّ يَدَ اللهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ. وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ! فَإِنَّ الشَّاذَّ مِنَ النَّاسِ لِلشَّيْطَانِ، كَمَا أَنَّ الشَّاذَّ مِنَ الْغَنَمِ لِلذِّئْبِ. أَلاَ مَنْ دَعَا إِلَى هذَا الشِّعَارِ فَاقْتُلُوهُ، وَلَوْ كَانَ تَحْتَ عِمَامَتِي هذِهِ».(3)
وعلى هذا، فالتقريب بين المسلمين و تخليص الأُمّة من الصراع الطائفي، هو أُمنية كل مسلم واع ينبض للإسلام ومصالح المسلمين قلبه. ولأجل تحقيق هذه الأُمنية قام في النصف الثاني من القرن الرابع عشر، رجال مخلصون من الشيعة والسنّة بتأسيس دار باسم «دار التقريب بين المذاهب الإسلامية»، وإصدار مجلة باسم «رسالة الإسلام» وقد نجحوا في أهدافهم نجاحاً باهراً يقف عليه كلّ من قرأ شيئاً من منشوراتهم، وما

1. الأنعام:65.
2 . الأنعام:159.
3. نهج البلاغة: الخطبة127.

صفحه 49
قدّموا للأُمّة من أفكار وآراء وأعمال صادقة تنمُّ عن إخلاصهم وتفانيهم في سبيل التقريب.
هذا ممّا لا نقاش فيه، ونحن نصافق أصحاب المبرة فيما يدعون إليه من التقريب و الوحدة الإسلامية و تخليص الأُمّة من الصراع الطائفي .
***
الثانية: جاء في الفقرة الثانية:إنّ حب أهل البيت أمر فطري وعطف عليه حب الصحابة وإنّه أيضاً فطري، ونحن لا نناقشه
في جعل أهل البيت والصحابة في ميزان واحد، مع أنّه لا يقاس بآل محمد أحد. قال علي(عليه السلام)في حقّهم: «لايُقَاسُ بِآلِ مُحَمَّد (صلى الله عليه وآله وسلم)مِنْ هذِهِ الأُمَّةِ أَحَدٌ، وَلايُسَوَّى بِهِمْ مَنْ جَرَتْ نِعْمَتُهُمْ عَلَيْهِ
أَبَداً. هُمْ أَسَاسُ الدِّينِ، وَعِمادُ الْيَقِينِ. إلَيْهِمْ يَفِيءُ الْغَالِي، وَبِهِمْ يُلْحَقُ التَّالِي. وَلَهُمْ خَصَائِصُ حَقِّ الْوِلايَةِ، وَفِيهِمُ الْوَصِيَّةُ وَالْوِرَاثَةُ».(1)
كيف يقاس بهم غيرهم مع أنّه سبحانه فرض مودّتهم على المسلمين عامّة، من غير فرق بين الصحابة وغيرهم، وقال: (قُلْ لا أسْألُكُمْ عَلَيْهِ أجْراً إلاّ الموَدَّةَ فِي الْقُربَى)(2)؟!

1 . نهج البلاغة: الخطبة2.   2 . الشورى: 23.

صفحه 50
كيف يقاس بهم غيرهم وقد أشركهم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في المباهلة دون غيرهم، فقال سبحانه: (فَقُل تَعالَوا نَدْعُ أبْناءَنا وَأبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأنْفُسَنا وَأنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِل فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلى الكاذِبِين)(1)؟!
وقد اتّفق أهل السير والحديث والتفسير على أنّه لم يحضر في أرض المباهلة غير النبي وسبطيه وبنته وصهره وأشركهم في المباهلة، وأمرهم بالتأمين على دعائه، وترك أزواجه وأقرباءه وعامّة الصحابة.
وكم وكم لآل البيت من فضائل، ومناقب متواترة أو متضافرة أصفق على نقلها أئمة الحديث، وليس لغيرهم ما لهم، وهذا يبعثنا على أن نعطي لكلّ فئة حقّها، ونقيم لهم وزناً خاصّاً ولا نبخس الناس أشياءهم.
نحن نمر على هذه التسوية مرور الكرام، ولكن نناقشه في أمرين آخرين:
1. أنّ الكاتب يدّعي أنّ حبّ آل البيت أمر فطري، فلازم ذلك أن يُرى أثر الحب على مائدة المدّعين: في كتبهم وخطبهم و آرائهم، والدفاع عن محبّيهم إلى غير ذلك من مظاهر الحبّ، ومن

1. آل عمران:61.

صفحه 51
أظهر مظاهر الحب هو الطاعة حيث قالوا: «إنّ المحبّ لمن أحبّ مطيع» وقد شاع وذاع: الحبّ هو الاتّباع.
ومع ذلك لا نجد في حياة المدّعين أي أثر من آثار الحبّ سوى هذه الكلمة وما أشبهها، وقد ملأوا كتبهم بآثار غيرهم، واستشهدوا برواياتهم وآرائهم وفتاواهم، ولم يذكروا عن آل البيت(عليهم السلام) في الفقه والتفسير والأدب والأخلاق والأُصول والفروع إلاّ شيئاً يسيراً جدّاً!!
هذا هو أبو هريرة قد عاش مع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وصحبه أقل من أربع سنين وقد رووا عنه أزيد من خمسة آلاف حديث، في حين عاش علي(عليه السلام) مع النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) منذ بعثته إلى رحيله(صلى الله عليه وآله وسلم)ولكنّهم لم يرووا عنه إلاّ عشرما رووا عن أبي هريرة!! فهل هذا ينسجم والتسوية بين الآل والأصحاب في الحب والاتّباع؟!
2. أنّ لازم حبّ آل البيت(عليهم السلام) حبّ مَن يحبهم ويطيعهم، ويأخذ منهم حلالهم وحرامهم، وفي الوقت نفسه يأخذ عن غيرهم إذا صحّ الطريق، وهؤلاء هم المعروفون بالشيعة في أقطار العالم، ومنهجهم وديدنهم هو العمل بقول الرسول:«إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي وانّهما لا يفترقان حتى يردا عليّ الحوض».(1) وفي هذا المجال نقول: إنّ الأبطال المجاهدين في

1. حديث متواتر رواه أصحاب الصحاح والمسانيد بأسانيد كثيرة.

صفحه 52
جنوب لبنان هم من الشيعة الإمامية، وقد وقفوا أمام أطماع الصهاينة في الأراضي الإسلامية حتى ردّوا السهام إلى نحورهم، فأعمالهم البطولية وتضحياتهم أمر مشكور يقدّره كل من له غيرة على إسلامه ودينه، ولكن ممّا يثير الدهشة، أنّه في الوقت الذي يقاتل فيه هؤلاء المجاهدون الأبطال في لبنان، القوات الصهيونية المعتدية، دفاعاً عن حياض الوطن وعن كرامة الأُمّة العربية والإسلامية، ويسطّرون أروع الملاحم في الثبات والتضحية والفداء، كانت الأصوات المبحوحة لـ«علماء» ودعاة وخطباء تلك الفئة المتطرّفة، تدعو الناس إلى عدم تقديم أي شكل من أشكال المساعدة لهم، بل راحوا يفتون (مأجورين من حكّامهم) بتحريم رفع يدي الضراعة إلى الله عزّ وجلّ، والدعاء لأبطال الجهاد والمقاومة بالنصر وتثبيت الأقدام!!
فلو أنّ امرءاً حرّاً (مسلماً كان أو غير مسلم) مات أسفاً من هذه المواقف المخزية، ما كان به ملوماً، بل كان جديراً به عند ذوي الضمائر الحيّة.
فأيّة قلوب مختومة تضمّ صدور هؤلاء، حيث لا يفقهون مصالح المسلمين، بل مصلحة أنفسهم! وأية غشاوة على أعينهم، إذ لا يبصرون من يدافع بحقٍّ عن كيان الأُمّة ومقدّراتها ومقدّساتها!! وأىّ وقر في آذانهم، يصمّهم عن سماع صراخ اليتامى والثكالى، وأنين الجرحى والمعذّبين والمشرّدين من

صفحه 53
أبناء دينهم وأُمّتهم!! وأية أنفس شحيحة ينطوون عليها، حين تدفعهم إلى البخل عليهم بالدعاء، بل يأمرون الناس فيه بالبخل!!
كيف يتلُون الكتاب المجيد، وتلهج ألسنتهم بآياته، وهم يخذلون، ويحضّون على خذلان من يصدّ عدوان أشدّ الناس عداوة للذين آمنوا، وينعتونهم بكل سوء (لبِئسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أنفُسُهُم أنْ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُون).(1) ومع ذلك يدّعون حبّ آل البيت وتخليص الأُمّة من الصراع الطائفي .
***
الثالثة: تطرّق الشيخ محمد الخضر في كلامه إلى الشعار الذي ترفعه الشيعة وخطباء المنابر ـ أعني: قولهم: «يا لثارات الحسين» ـ وسأل عن معنى هذا الشعار ومَن الّذي يُنتقَم منه؟
أقول: إنّ التساؤل عن معنى شعار «يا لثارات الحسين»، وعن الغاية المقصودة منه، وقد بات قتلَة الحسين في مزبلة التاريخ، والإيحاء بأنّ المناداة به دعوة للانتقام من أتباع سائر المذاهب الإسلامية، ما هو إلاّ تساؤل مريب، ومحاولة بائسة للطعن على حملة هذا الشعار، وتشويه سمعتهم، وتمزيق وحدة المسلمين.

1. المائدة:80.

صفحه 54
فالحسين(عليه السلام) يمثّل أحد طرفي الصراع المشتعل أُواره بين الحق والباطل، والعدل والجور، والاستقامة والانحراف، والصلاح والفساد، والحرية والاستبداد، ومن هنا بقيت قضيته حيّة خالدة، ولم تمت باستشهاده ولن تموت، ولم تنته بموت قاتليه ولن تنتهي، فكلّ سعي، وكلّ تحرّك، وكلّ موقف ينتصر للحق والعدل والاستقامة والحرية والمبادئ السامية، ويخذل الباطل والظلم والانحراف والاستبداد والانتهازية،فهو انتقامٌ لأبي الأحرار الإمام الحسين(عليه السلام)، وأخذٌ بثأره.
والتاريخ، لم يسجّل في صفحة واحدة من صفحاته الكثيرة، استغلال الشيعة لهذا الشعار استغلالاً سيئاً، باستباحة دم أيّ مسلم من أيّ مذهب كان، على الرغم ممّا تعرّضوا له من ظلم واضطهاد وقتل وسجن وتشريد على أيدي الحكام الجائرين وأشياعهم، وعلى الرغم من امتلاء تاريخهم القديم والحديث بالثورات والانتفاضات والمواقف الجريئة ضد الطغاة المفسدين.
وتزداد الصورة نصاعة أكثر، إذا انضمّ إلى ما تقدّم، وقوفهم إلى صفّ أتباع سائر المذاهب الإسلامية في الدفاع عن الإسلام، والمصالح العليا للمسلمين، بل لهم فضل السبق على غيرهم في مواجهة الأعداء والغزاة المستعمرين، كما حصل مثلاً في حركة

صفحه 55
الجهاد ضد الاحتلال البريطاني الغاشم لمدينة البصرة في عام (1333هـ)، ودفاعهم عن الخلافة العثمانية على الرغم مما مارسه العثمانيون ضدّهم من قمع وظلم وإقصاء وتهميش، وكما حصل أيضاً في ثورة العشرين العارمة (1338هـ / 1920م) ضد القوات البريطانية المحتلة للعراق.
***
الرابعة: ختم الشيخ الخضر كلامه بقوله: نفخر أن لدينا مشروعاً عملياً للوحدة الإسلامية منطلقاً من صيام عاشوراء وقال: إنّه لابد من إحياء تلك السنة النبويّة فإنّ المسألة اتفاقية بين أهل السنة وبين الشيعة الاثني عشرية. واستند إلى قول المرجع الديني السيد الخوئي ـ رضوان الله عليه ـ .
أقول: إذا كانت الغاية، تخليص الأُمّة من الصراع الطائفي وتجسيد الوحدة الإسلامية من خلال صيام عاشوراء، فنعمت الغاية وبئست الوسيلة، وذلك للأُمور التالية:
1. أنّ تسمية صيام ذلك اليوم بالسنّة النبوية يعرب عن الخلط بين السنّة، والنفل، لأنّ المطلوب بلا منع من الترك إن كان ممّا واظب عليه النبي أو الخلفاء الراشدون من بعده فسنّة، وإلاّ فمندوب ونفل.(1)

1. الموسوعة الفقهية الكويتية: 2/265، مادة «سنة».

صفحه 56
روى البخاري عن عائشة : كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية وكان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يصومه، فلمّا قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان ترك يوم عاشوراء فمن شاء صامه ومن شاء تركه.(1)
وتدل الرواية بوضوح على أنّ الرسول والصحابة الكرام تركوا صيامه بعد فرض رمضان. و مع هذا، كيف يصفه الشيخ بالسنّة، ويريد إحياءها وقد تركه صاحب الشريعة وخلفاؤه؟!
والحديث يدلّ على أنّ صيام عاشوراء كان سنّة جاهلية وقد كان النبي يصومه قبل قدومه للمدينة.
ويظهر من صحيح البخاري أنّ معاوية بن أبي سفيان بعد ما اغتصب الخلافة، صار بصدد إحياء تلك السنّة الجاهلية، حيث روى عن محمد بن عبد الرحمن أنّه سمع معاوية بن أبي سفيان يوم عاشوراء عام حج، على المنبر يقول: يا أهل المدينة أين علماؤكم سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: هذا يوم عاشوراء ولم يكتب عليكم صيامه، وأنا صائم فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر.(2)

1 . صحيح البخاري: كتاب الصوم، رقم الحديث2002.
2 . صحيح البخاري: كتاب الصوم، رقم الحديث 2001.

صفحه 57

ما هو المراد بعاشوراء في الحديث النبويّ؟

ويظهر نصّاً ممّا رواه البخاري أنّ صيام عاشوراء كان سنّة يهودية فروى عن ابن عباس قال: قدم النبي المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء فقال: ما هذا؟ قالوا هذا يوم صالح، هذا يوم نجّى الله بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى، فقال: أنا أحقّ بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه.(1)
ولا ندري بأي حديث نؤمن هل نؤمن بأنّه سنّة جاهلية، أو سنّة يهودية؟! وما هذا التناقض الواضح في كتاب يوصف بأصح الكتب بعد القرآن الكريم .
فدع عنك نهباً صيح فى حَجَراته *** ولكن حديثاً ما حديث الرواحلِ
2. أنّ القول بأنّ صيام يوم عاشوراء أمر اتّفق على جوازه، السنّة والشيعة، أمر لا يوافق الواقع، فإنّ لفقهاء الإمامية فيه آراء سبعة إليك إجمالها:
أ. حرمة صومه إذا كان بنية التبرّك بمصرع الحسين وآل بيت النبي (عليهم السلام)، سواء أثبت صيام عاشوراء عن النبي أم لم يثبت.
ب. استحباب الإمساك في هذا اليوم عن الأكل والشرب

1. صحيح البخاري، كتاب الصوم، رقم الحديث 2003.

صفحه 58
وبقية المفطرات إلى ما بعد صلاة العصر تأسيّاً بعطش الحسين وأهل بيته وأصحابه.
ج. استحباب صومه كملاً لكن على وجه الحزن فقط، ومعنى ذلك استحبابه بهذا القيد.
د. كراهة صومه من دون نيّة الحزن، ولعلّه المشهور.
هـ.. استحباب صومه من حيث هو.
و. حرمة صومه مطلقاً بأي نيّة كانت، حزناً أم تبركاً.
ز. الاحتياط ـ وجوباً ـ باجتناب صومه مطلقاً بأي نيّة كانت.(1)
ومع ذلك فكيف يصف المتحدث صيام عاشوراء أمراً أصفق عليه الفريقان؟!
نعم، قال السيد الخوئي بكونه مندوباً ـ لكن مندوباً ـ بالذات، و حراماً بالعرض، وقد اختزل المتحدّث كلامه فاكتفى بصدره وترك ذيله، وإليك ما قاله في ذيل كلامه:
نعم لا إشكال في حرمة صوم هذا اليوم بعنوان التيمّن

1. لاحظ : رياض المسائل:5/467; جواهر الكلام:17/105، الصوم في الشريعة الإسلامية الغراء للمؤلف: 2/306ـ310; الرسول المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم)والشعائر الحسينية:475ـ478، وقد أفاض مؤلفه القول في حكم الصيام مما لا مزيد عليه.

صفحه 59
والتبرّك والفرح والسرور كما يفعله أجلاف آل زياد والطغاة من بني أُميّة من غير حاجة إلى ورود نصّ أبداً، بل هو من أعظم المحرّمات، فإنّه ينبئ عن خبث فاعله وخلل في مذهبه ودينه، وهو الّذي أُشير إليه في بعض النصوص المتقدّمة من أنّ أجره مع ابن مرجانة الّذي ليس هو إلاّ النار، ويكون من الأشياع والأتباع الذين هم مورد اللعن في زيارة عاشوراء. وهذا واضح لا سترة عليه، بل هو خارج عن محلّ الكلام كما لا يخفى.(1)
3. سلّمنا، كون صيامه سنّة يليق أن تُحيا فلماذا تُحيا بالابتهاج والسرور، أيجوز في منطق العقل، والعاطفة، الابتهاج بيوم سُفك فيه دم إمامهم سبط رسول الله وريحانته، ودماء الأبرار الأتقياء من أهل بيته وأصحابه؟!
أو ليس هذا دليلاً على أنّ وراء الكواليس شيئاً، وأنّ النيّات ليست بصادقة ولا خالصة، وأنّ المبرة مصيدة للشيعة أو صدّ عن انتشار التشيع الّذي بدأ ينتشر منذ أعوام لقوّة منطقه، ووضوح مسالكه.
إنّه يجدر بمن تهمّه وحدة خطا المسلمين، ويدعو إلى جمع كلمتهم وإصلاح واقعهم المأساوي، يجدر به أن يعمل على تجنّب إثارة مسائل الخلاف، والتأكيد على المشتركات ـ وما

1. مستند العروة، كتاب الصوم:2/305.

صفحه 60
أكثرها ـ لتعزيز روح الثقة، التي هي مفتاح التآخي والتعاون والتآلف بينهم، وأن تكون نياته صادقة في هذا الاتجاه، لا أن يرفع يافطة الوحدة، ليختفي وراءها، ويُخفي معه ـ كما يظن ـ أغراضه السقيمة، فيصبح مصداقاً للمثل السائر: سَبَّحَ ليسرق.
فدعوا هذا الحرص المصطنع على الوحدة والتقارب بين المذاهب الإسلامية، فإنّ إصراركم على استفزاز الآخرين في عقائدهم ومشاعرهم، يكشف عن نياتكم الحقيقية، ويفضح دموع التماسيح التي تذرفونها أسىً كاذباً على مصالح المسلمين، الذين لم يَعُد ينطلي عليهم هذا التمويه والخداع.
***
4. نفترض أنّ صيام يوم عاشوراء سنّة نبوية، ولكن من أُصول بعض أهل السنّة وعلى رأسهم ابن تيمية، ترجيح ترك السنّة إذا كان شعاراً للمخالف، وله نظائر:

1. تسطيح القبر

قال الشيخ محمد بن عبد الرحمن الدمشقي: السنّة في القبر التسطيح، وهو أولى على الراجح من مذهب الشافعي(1).

1. اختلاف الأئمة: 1/88 ، في هامش الميزان للشعراني

صفحه 61
وقال الرافعي: إنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) سطّح قبره ابنه، وعن القاسم بن محمد قال رأيت قبر النبي و أبي بكر وعمر مسطّح. وقال ابن أبي هريرة: إنّ الأفضل الآن العدول من التسطيح إلى التسنيم، لأنّ التسطيح صار شعاراً للروافض، فالأولى مخالفتهم وصيانة الميت وأهله عن الاتهام بالبدعة.(1)

2. الجهر بالبسملة

روى البيهقي عن أبي هريرة قال: كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يجهر بالصلاة بـ«بسم الله الرحمن الرحيم»(2)،... وأمّا أنّ عليّاً(عليه السلام)كان يجهر بالتسمية، فقد ثبت بالتواتر. وكان علي بن أبي طالب يقول: يا من ذكره شرف للذاكرين ومثل هذا كيف يليق بالعاقل أن يسعى في إخفائه.(3)
ولكن حكى الرافعي عن ابن أبي هريرة أنّ الجهر بالتسمية إن صار في موضع شعار للروافض، فالمستحب هو الإسرار بها مخالفة لهم.(4)

1. فتح العزيز في شرح الوجيز:2/453.
2 . سنن البيهقي: 2 / 47 .
3 . مفاتيح الغيب: 1/204 ـ 205.
4. فتح العزيز في شرح الوجيز: 2 / 453.

صفحه 62

3. ترك المستحبات إذا صارت شعاراً للشيعة

قال ابن تيمية عند بيان التشبّه بالروافض: ومن هنا ذهب من ذهب من الفقهاء إلى ترك بعض المستحبات إذا صارت شعاراً لهم، فإنّه وإن لم يكن الترك واجباً لذلك، لكن في إظهار ذلك مشابهة لهم ولا يتميز السنّي من الرافضي، ومصلحة التمييز عنهم لأجل هجرانهم، ومخالفتهم، أعظم من مصلحة هذا المستحب.(1)
حكى البرسوي عن كتاب «عقد الدرر واللآلي وفضل الشهور والليالي» للشيخ شهاب الدين الشهير بالرسّام ما يلي يقول: ولا ينبغي للمؤمن أن يتشبّه بيزيد الملعون في بعض الأفعال، وبالشيعة والروافض والخوارج أيضاً، يعني لا يجعل ذلك اليوم يوم عيد أو يوم مأتم، فمن اكتحل يوم عاشوراء فقد تشبه بيزيد الملعون وقومه وإن كان للاكتحال في ذلك اليوم أصل صحيح، فإنّ ترك السنّة، سنّة إذا كانت شعاراً لأهل البدع كالتختم باليمين فإنّه في الأصل سنّة، لكن لمّا كان شعار أهل البدعة والظلمة، صارت السنّة أن يجعل الخاتم في خنصر اليد اليسرى.(2)

1. منهاج السنّة: 2/143.   2 . روح البيان: 4/142.

صفحه 63
إلى غير ذلك من الموارد التي تركوا فيها السنّة لأجل كونها شعاراً للمخالف.
فإذا كان هذا هو الأصل المتّبع عند السلف فيليق بالخلف أن يتبع في كلّ سنّة صارت شعاراً للمخالف، ومن المعلوم ـ إلى حدّ علمه الأكمه والأصم ـ أنّ صيام عاشوراء صار شعاراً للأمويين بعد مقتل الحسين(عليه السلام)وشهادته، ويقول باقر العلوم (عليه السلام): اللهم إنّ هذا يوم تبرّكت به بنو أمية وابن آكلة الأكباد بقتلهم الحسين(عليه السلام)...(1)
فعلى مَن ينبض قلبه بوحدة الكلمة وتوحيد الأُمّة أن لا يصوم يوم عاشوراء لئلاّ يتشبّه بالأمويين وأذنابهم ومن سار على نهجهم.
هذه رسالتي المفتوحة لرئيس مركز البحوث والدراسات في مبرّة الآل والأصحاب عسى أن ينظر إليها بعين الإنصاف والتجرد عن الرأي المسبق الذي نشأ عليه في بيئته.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

1 . مصباح المتهجد: 775 ; بحار الأنوار: 98 / 295 .
فهرس المحتويات
مقدمة المؤلّف   7
مفهوم التبرّك   9
التبرّك لغةً   9
التبرّك اصطلاحاً   10
   1. التبرّك في الأُمم السالفة   11
   2. التبرّك في القرآن الكريم   13
تبرّك الصحابة بآثار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)   18
   1. التبرّك بماء وضوئه (صلى الله عليه وآله وسلم)   18
   2. التبرّك بقدحه   19
   3. التبرّك بسؤره   19
   4. التبرّك بمنبره   20
   5. التبرّك بالدنيانير الّتي لمسها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)   22
   6. التبرّك بالعصا الّتي أعطاها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)   23
   7 . التبرّك بقميص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)   23
   8 . التبرّك بجبّته (صلى الله عليه وآله وسلم)وبالبردة المهداة   24
   9. التبرّك بالقبر الشريف   25
   10 . التبرّك بالمواضع الّتي صلى فيها الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)   27
   11. التبرّك بخاتم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)   28
   12. التبرّك بالمسح واللمس   28
التبرّك في روايات أهل البيت (عليهم السلام)   30
   1. التبرّك باسم الله جل وعلا   30
   2. التبرّك بالقرآن الكريم   31
   3. التبرّك بماء وضوء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)   31
   4. التبرّك بقبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)   32
شبهة القائلين بحرمة التبرّك   34
رسالة مفتوحة إلى الشيخ محمد سالم الخضر...   43

صفحه 65