welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : البدعة وآثارها الموبقة*
تألیف :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

البدعة وآثارها الموبقة

صفحه 1
البدعةُ
وآثارُها الموبقةُ

صفحه 2

صفحه 3
البدعة
وآثارها الموبقة
تأليف
الفقيه المحقّق
جعفر السبحاني
 
نشر
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
سبحانى تبريزي، جعفر، 1308 ـ   
      البدعة وآثارها الموبقة / تأليف جعفر السبحاني. ـ قم : مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، 1396 .
      152 ص .    ISBN: 978 - 964 - 357 - 614 - 1
      فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
      كتابنامه به صورت زير نويس.
      1 . بدعت و بدعت گذاران. الف. مؤسسه امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.
4 ب 2س/ 4/225 BP    464 / 297
1396
اسم الكتاب:   … البدعة وآثارها الموبقة
المؤلف:   … الفقيه المحقّق جعفر السبحاني
الطبعة:   … الأُولى ـ 1439 هـ
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر: 993   تسلسل الطبعة الأُولى: 475
حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة، فلا يجوز شرعاً استنساخ أو نشر اصدارات
المؤسسة إلاّ بعد التنسيق مع المؤسسة واستحصال الموافقة الرسمية
مركز التوزيع
قم المقدسة / ساحة الشهداء
مكتبة التوحيد ?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
www.tohid.ir

صفحه 5

صفحه 6
    البدعة وآثارها الموبقة
مقدّمة المؤلّف   

صفحه 7

مقدّمة المؤلّف

الحمد لله ربّ العالمين ; والصلاة والسلام على سيد الأنام محمد وآله السادة الكرام .
أمّا بعد; تعدّ البدعة في الدين من المعاصي الكبيرة والمحرّمات العظيمة ، التي دلّ على حرمتها الكتاب والسنّة ، كما وأُوعِد صاحبُها النار على لسان النبيّ الأكرم ، وذلك لأنّ المبتدع ينازع سلطان الله تبارك وتعالى في التشريع والتقنين ، ويتدخّل في دينه ويُشرِّع ما لم يشرِّعه ، فيزيد عليه شيئاً وينقص منه شيئاً في مجالي العقيدة والشريعة ، كلّ ذلك افتراء على الله .
وقد بُعث النبيّ الأكرم بحبل الله المتين ، وأمر المسلمين بالاعتصام به ، ونهى عن التفرّق ، وقال : ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوَاناً ).(1)
ولكن المبتدع يستهدف حبلَ الله المتين; ليوهنه ويخرجه من

1 . آل عمران : 103 .

صفحه 8
متانته بما يزيد عليه أو ينقص منه ، وبالتالي يجعل من الأُمّة الواحدة أُمماً شتّى ، يبغض بعضهم بعضاً ويلعن بعضهم بعضاً، فيتحوّلون إلى شيع وطوائف متفرّقين، فرائس للشيطان وأذنابه ، وعلى شفا حفرة من النار ، على خلاف ما كانوا عليه في عصر الرسالة .
إنّ المسلمين بعد رحيل الرسول تفرّقوا إلى أُمم ومذاهبَ مختلفة ، ولم يكن ذلك إلاّ إثْر تلاعب المبتدعين في الدين والشريعة ، بإدخال ما ليس من الدين ، في الدين . وكان عملهم تحويراً لصميم العقيدة الإسلامية وشريعتها ، فلولا البدعة والمبتدعون وانتحالُ المبطلين ، لكانت الأُمّة الإسلامية أُمّة واحدة; لها سيادتها على جميع الأُمم والشعوب في أنحاء المعمورة ، وما أثنى ظهورهم إلاّ دبيبُ المبتدع بينهم ، فشتَّتهم وفرَّقهم بعدما كانوا صامدين كالجبل الأشم .
والحروب الدموية ـ التي خاضها المسلمون في عصر الخلافة وبعدها ، وخضّبت الأرض بالدماء الطاهرة ، وسلّ المسلمون سيوفهم في وجه بعضهم ، فسقط منهم آلاف القتلى والجرحى على الأرض ـ هي من جرّاء البدع النابعة عن الأهواء والميول النفسانية; حيث كانوا يتحاربون باسم الدين ، والحال أنّ الدين كان في جانب واحد ، لا في جوانب متكثّرة .
إنّ صراط النجاة في الإسلام هو صراط واحد مستقيم دعا إليه

صفحه 9
المؤمنين عامّة وقال : ( وَأَنَّ هذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهُ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ).(1)
وأمر المسلمين أن يدعوا الله سبحانه ، أن يثبّتهم على هذا الصراط كي لا ينحرفوا يميناً وشمالا كما يقول سبحانه تعليماً لعباده : ( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ )(2) ولكن المبتدع يسوق الناس إلى سبل منحرفة لاتنتهي إلى السعادة التي أراد الله سبحانه لعباده .
فحقّ التشريع والتقنين لله تبارك وتعالى ، وقد استأثر به وقال : ( إِنِ الْحُكْمُ اِلاَّ  للهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ )(3) . والمراد من الحكم هو التشريع بقرينة قوله : ( أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إلاَّ إيَّاهُ ) . فالبدعة هو تشريك الناس في ذلك الحقّ المستأثر ، ودفع زمام الدين إلى أصحاب الأهواء ، كي يتلاعبوا في الشريعة كيفما شاءُوا ، وكيفما اقتضت مصلحتهم ومصلحة أسيادهم وأربابهم ، فذلك الحق المستأثر يقتضي ألاّ يتدخّل أحد في سلطان الله وملكه ، قال سبحانه : ( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلاَ مُؤْمِنَة اِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلا مُبِيناً ).(4)

1 . الأنعام : 153 .
2 . الفاتحة : 6 .
3 . يوسف :40 .
4 . الأحزاب : 36 .

صفحه 10
والمبتدع يتصرّف في التشريع الإسلامي فيجعل منه حلالا وحراماً بدون إذن منه سبحانه في ذلك . يقول تعالى :
( قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْق فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلا قُلْ ءَاللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ )(1) فالآية واردة في عمل المشركين; حيث جعلوا ما أنزل الله لهم من الرزق بعضه حراماً وبعضه حلالا ، فحرّموا السائبة والبحيرة والوصيلة ونحوَها ، لذا يردّ عليهم سبحانه : ( ءَاللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ )أي أنّه لم يأذن لكم في شيء من ذلك ، بل أنتم تكذبون على الله ، ثمّ يهدّدهم بالعذاب فيقول : ( وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إنَّ اللهَ لَذُو فَضْل عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ )(2)، ويؤكد عليه في آية أُخرى ويقول : ( وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذَا حَلاَلٌ وَهذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ ).(3)
إنّ أصحاب الأهواء في كلّ زمان حتّى في عصر الرسالة ، كانوا يقترحون على النبيّ الأكرم أن يغيّر دينه ، ويأتي بقرآن غير هذا ، لكي يكون مطابقاً لما تستهويه أنفسهم ، فأمر الله سبحانه أن

1 . يونس : 59 .
2 . يونس : 60 .
3 . النحل : 116 .

صفحه 11
يردّ اقتراحهم بقوله : ( قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَآءِ نَفْسِي إنْ أَتَّبِعُ إلاَّ مَا يُوحَى إلَيَّ إنِّي أَخَافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْم عَظِيم ).(1)
وكان في عصر الرسالة من يتقدّم على الله ورسوله ، لا مشياً وإنّما يقدّم رأيه على الوحي فنزل الوحي مندِّداً بهم وقال : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللهَ إنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ).(2)
والكذب من المحرّمات الموبقة التي أوعدَ اللهُ عليها النار ، والبدعة من أفحش الكذب; لأنّها افتراء على الله ورسوله ، قال سبحانه : ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ )(3) . فالمبتدع يَظهر بزيّ المحق عند المسلمين; فيفتري على الله تعالى دون أن يكشفه الناس فيضلّهم عن الصراط المستقيم .
ومن المسلّم به أنّ لله في كلّ واقعة حكماً إلهيّاً لا يتبدّل ولا يتغيّر الى يوم القيامة ، فاذا حكم الحاكم وِفق ذلك الحكم فهو حاكم عادل معتمد على منصَّة الحق ، إلاّ أنّ المبتدع يحكم على خلاف

1 . يونس : 15 .
2 . الحجرات : 1 .
3 . الأنعام : 21 .

صفحه 12
ذلك الحق ، لذلك يصفه سبحانه بكونه كافراً وظالماً وفاسقاً ، قال تعالى : ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) وقال عزّ من قائل : ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) وقال تعالى : ( وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ).(1)
فما حال إنسان يحكم عليه القرآن بالكفر تارة ، والظلم أُخرى والفسق ثالثة؟ فهل ترجى له النجاة بعد أن أضلّ كثيراً من الناس ، وشقّ صفوف المسلمين ، وجعل السبيل الواحد سُبُلا كثيرة تضلّهم إلى مهاوي الهالكين .
ولعلّ هذا القدر من التقديم يكفي في بيان موضع البدعة وموقِف الله تعالى من المبتدع ، ولأجل ذلك نرى أنّ النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)قد شدّد على البدعة أو ندّد بالمبتدع بأفصح العبارات وأبلغها كما سيتّضح ذلك في الروايات الآتية .
وقد ألّف العلماء قديماً وحديثاً كتباً ورسائل حول البدعة نذكر بعضها :
1 ـ البدع والنهي عنها ، لابن وضّاح القرطبي .
2 ـ الحوادث والبدع ، للطرطوشي .
3 ـ الباعث ، لأبي شامة .

1 . المائدة : 44 ،45 ، 47 .

صفحه 13
4 ـ الاعتصام ، لأبي إسحاق الشاطبي الغرناطي في جزأين وقد أسهبَ الكلام فيها .
5 ـ البدعة أنواعها وأحكامها ، لصالح بن فوزان بن عبد الله فوزان، طبع الرياض .
6 ـ البدعة تحديدها وموقف الإسلام منها ، تأليف الدكتور عزّت علي عطية، طبع بيروت، دار الكتاب العربي.
7 ـ البدعة في مفهومها الإسلامي الدقيق ، تأليف الدكتور عبد الملك السعدي طبع بغداد .
8 ـ البدع ، تأليف أبي الحسين محمّد بن بحر الرُّهني الشيباني ، ذكرها النجاشي في رجاله برقم 1044 .
9 ـ البدع المحدثة ، للشريف أبو القاسم الكوفي المتوفّى بفسا سنة 352 هـ وطبع باسم الاستغاثة ، في النجف الأشرف .
10 ـ البدعة ، تأليف الدكتور الشيخ جعفر الباقري ، وهي دراسة موضوعية لمفهوم البدعة وتطبيقاتها على ضوء منهج أهل البيت(عليهم السلام).
ومع احترامنا وتكريمنا لجهودهم ، إلاّ أنّ أغلب هؤلاء الكُتّاب نظروا إلى المسألة على أساس إمام مذهبهم . فالأوّل والثاني من هذه الكتب اعتمدا على رأي الإمام مالك، كما أنّ الكتاب الخامس اتّخذ من مذهب ابن تيمية مقياساً في حكمه ، فخرج

صفحه 14
بنفس النتيجة التي خرج بها إمام مذهبه .
وأمّا الإمام الشاطبي فقد أطنب وأسهب كثيراً في تأليفه ولم يركّز على نفس البدعة تحديداً ومصداقاً .
ودراسة البدعة تتوقّف على دراسة منهجيّة غير منحازة لمذهب خاص ، وهذا يتوقّف على الاجتهاد الحرّ ، من دون أن يتّخذ رأي إمام مِحوراً ، ورأي إمام آخر مسنداً ، بل ينظر إلى الكتاب والسنّة وسيرة المسلمين نظرة عامّة شمولية فاحصة .
نعم لا تفوتنا الإشارة إلى المِيزة الموجودة فيما كتبه الدكتور السعدي ، فقد أفاض الكلام في الجزئيات التي ربّما وصفت بالبدعة ، وأثبت بدليل قاطع كونها غير بدعة ، كما لا تفوتنا الإشادة بمنهجيّة البحث في كتاب الدكتور عزّت علي عطية ، والذي نال به درجة الدكتوراه بمرتبة الشرف الأُولى ، ولكنّه في بعض المواضيع افتقد الشجاعة الأدبيّة ولم يتجرّأ على تجاوز الخطوط الحمراء التي فرضتها عليه البيئة ، فتراه يتوقّف في التوسّل بالنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) مع تضافر الروايات على جوازه .
نصوص البدعة في الكتاب والسنّة   
وللجميع منّا الشكر الجزيل ، ولكن الحقيقة بنت البحث فلا عتب علينا إذا ناقشنا بعض آرائهم نتيجة الاجتهاد الحرّ ، رزقنا الله توحيد الكلمة كما رزقنا كلمة التوحيد .
المؤلّف

صفحه 15
 
المبحث الأوّل

نصوص البدعة في الكتاب والسنّة

اتّفقت الأدلّة الشرعيّة على حرمة البدعة ، وقد ذكرنا في المقدّمة قسماً وافراً من الآيات الكريمة وسنأتي بذكر ما تبقى منها :

البدعة في الكتاب

1 ـ قال سبحانه : ( وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ).(1)
فالآية تعتبر الرهبانية من مبتدعات الرهبان التي لم تكن مفروضة عليهم من قبل ، وإنّما تكلّفوها من عند أنفسهم، وسيوافيك تفسير الاستثناء في مبحث تحديد البدعة .
2 ـ قال تعالى: ( إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْء إنَّمَا أَمْرُهُمْ إلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ).(2)
وقد فُسّرت الآية بأهل الضلالة وأصحاب الشبهات والبدع من هذه الأُمّة . قال الطبرسي : «ورواه أبو هريرة وعائشة مرفوعاً ،

1 . الحديد : 27 .
2 . الأنعام : 159 .

صفحه 16
وهو المروي عن الباقر (عليه السلام) ، جعلوا دين الله أدياناً لإكفار بعضهم بعضاً وصاروا أحزاباً وفِرَقاً ، ويخاطب سبحانه نبيّه بقوله : ( لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْء ) وإنّه على المباعدة التامّة من أن يجتمع معهم في معنى من مذاهبهم الفاسدة ، وليس كذلك بعضهم مع بعض; لأنّهم يجتمعون في معنى من معانيهم الباطلة ، وإن افترقوا في شيء فليس منهم في شيء; لأنّه بريءٌ من جميعهم».(1)
3 ـ قال سبحانه: ( قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْض ).(2)
والآية بعموم لفظها تبيّن أنواع النُّذُر التي أنذر الله بها عباده ، فتبدأ من بعث العذاب من فوق ، إلى بعثه من تحت الأرجل ، وتنتهي بتمزيق الجماعة إلى شيع ، فتفرّق الأُمّة إلى فرق وشِيَع يعادل إنزال العذاب عليها من كلّ جهاتها . قال الحسن البصري : «التهديد بإنزال العذاب والخسف يتناول الكفّار ، وقوله : ( أَو يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً ) يتناول أهل الصلاة».(3)
وقال مجاهد وأبو العالية : إنّ الآية لأُمّة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ، أربع;

1 . مجمع البيان: 2 / 389 .
2 . الأنعام : 65 .
3 . مجمع البيان: 2 / 315 .

صفحه 17
ظهر اثنتان بعد وفاة رسول الله فأُلبسُوا شِيعاً وأُذيق بعضكم بأس بعض وبقيت اثنتان.(1)
4 ـ قال تعالى: ( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا إلهاً وَاحِداً لاَ إلهَ إلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ).(2)
يظهر ممّا رواه الطبري وغيره أنّهم كانوا مشركين في مسألة التقنين ، روي عن الضحاك : ( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ ) أي قرّاءهم وعلماءهم ( أرْبَاباً مِنْ دُونِ اللهِ ) يعني سادة لهم من دون الله ، يُطيعونهم في معاصي الله ، فيُحلّون ما أحلّوه لهم ممّا قد حرّمه الله عليهم ، ويُحرّمون ما يحرّمونه عليهم ممّا قد أحلّه الله لهم .
وروي أيضاً عن عدي بن حاتم قال : انتهيت إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وهو يقرأ في سورة براءة : ( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللهِ ) قال : قلت : يا رسول الله إنّا لسنا نعبدهم ، فقال : «أليس يُحرّمون ما أحلّ الله فتحرّمونه ، ويُحلّون ما حرّم الله فتحلّونه؟» قال : قلت : بلى ، قال : «فتلك عبادتهم».(3)

1 . الاعتصام: 2 / 61 .
2 . التوبة : 31 .
3 . تفسير الطبري : 10 / 80 ـ 81 .

صفحه 18

البدعة في السنّة

روى الفريقان عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) حول البدعة والتشديد عليها روايات كثيرة نقتبس منها ما يلي :
1 ـ روى أحمد عن جابر قال : خطبنا رسول الله فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهل له ثمّ قال : «أمّا بعد فإنّ أصدقَ الحديث كتاب الله ، وإنّ أفضل الهدى هدى محمّد ، وشرّ الأُمور محدثاتها ، وكلّ بدعة ضلالة».(1)
2 ـ روى أيضاً عن جابر قال : كان رسول الله يقوم فيخطب فيحمد الله ويُثني عليه بما هو أهله ويقول : «من يهدِ الله فلا مضلّ له ، ومن يضلل فلا هادي له ، إنّ خير الحديث كتاب الله وخير الهدى هَديُ محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) وشرّ الأُمور محدثاتها ، وكلّ محدثة بدعة».(2)
3 ـ روى أيضاً عن عرباض بن سارية قال : صلّى بنا رسول الله الفجر ثمّ أقبل علينا فوعظنا موعظة بيّنة ، قال : «أُوصيكم بتقوى الله . . . وإيّاكم ومحدثات الأُمور; فإنّ كلّ محدثة بدعة ، وكلّ بدعة ضلالة».(3)

1 . مسند أحمد: 3 / 310، بيروت ، دار الفكر .
2 . مسند أحمد: 3 / 371 .
3 . مسند أحمد: 4 / 126 ; ولاحظ أيضاً ص 127 ، ولاحظ بحار الأنوار : 2 / 263 فقد جاءت فيها نفس النصوص وفي ذيلها : وكلّ ضلالة في النار .

صفحه 19
4 ـ روى ابن ماجة عن جابر بن عبد الله : كان رسول الله إذا خطب احمرّت عيناه ثمّ يقول : «أمّا بعد فإنّ خير الأُمور كتاب الله، وخير الهدي هَديُ محمّد ، وشرّ الأُمور محدثاتها، وكلّ بدعة ضلالة».(1)
5 ـ روى مسلم في صحيحه : كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا خطب احمرّت عيناه وعلا صوته ، واشتدّ غضبه ، حتى كأنّه منذر جيش ، يقول : «صبّحكم ومسّاكم ، ويقول : بُعِثْتُ أنا والساعة كهاتين ، ويقرن بين أصبعيه : السبابة والوسطى ، ويقول : أمّا بعد ، فإنّ خير الحديث كتاب الله ، وخير الهدى هديُ محمد ، وشرّ الأُمور محدثاتها ، وكلّ بدعة ضلالة ، ثمّ يقول : أنا أولى بكلّ مؤمن من نفسه ، من ترك مالا فلأهله ، ومن ترك ديناً أو ضياعاً فإليّ وعليّ».(2)
6 ـ روى النسائي قال : كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول في خطبته : «نحمد الله ونثني عليه بما هو أهله ، ثمّ يقول : من يهدِ الله فلا مضلّ له ، ومن يضلل فلا هادي له ، إنّ أصدق الحديث كتاب الله ، وأحسن الهدي هديُ محمد ، وشرّ الأُمور محدثاتها ، وكلّ محدثة

1 . سنن ابن ماجة: 1 / 17، الباب 7، باب اجتناب البدع، الحديث 45 ، ط دار إحياء التراث العربي 1395هـ .
2 . جامع الأُصول 5  : الفصل الخامس ، الخطبة رقم 3974 .

صفحه 20
بدعة ، وكلّ بدعة ضلالة وكلّ ضلالة في النار ، ثمّ يقول : بعثت أنا والساعة كهاتين ، وكان إذا ذكر الساعة احمرّت وجنتاه ، وعلا صوته ، واشتدّ غضبه ، كأنّه نذير جيش ، يقول : صبّحكم ومسّاكم ، ثمّ قال : من ترك مالا فلأهله ، ومن ترك ديناً أو ضياعاً فإليَّ ، (أو عليّ) وأنا أولى بالمؤمنين».(1)
7 ـ روى ابن ماجة : قال رسول الله : «لا يقبل الله لصاحب بدعة صوماً ولا صلاة ولا صدقة ولا حجّاً ولا عمرة ولا جهاداً».(2)
8 ـ قال رسول الله : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ».(3)
قال الشاطبي : وهذا الحديث عدّه العلماء ثُلث الإسلام; لأنّه جمع وجوه المخالفة لأمره (عليه السلام) ويستوي في ذلك ما كان بدعة أو معصية.(4)
9 ـ روى مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله : «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أُجور من تبعه لا ينقص ذلك من أُجورهم شيئاً ، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من

1 . المصدر نفسه .
2 . سنن ابن ماجة: 1 / 19 .
3 . صحيح مسلم: 5 / 133، كتاب الأقضية، الباب 8 ; مسند أحمد: 6 / 270 .
4 . الاعتصام: 1 / 68 .

صفحه 21
يتبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً».(1)
10 ـ روى مسلم عن جرير بن عبد الله : «من سنّ في الإسلام سنّة حسنة فعُمل بها بعده ، كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أُجورهم شيء; ومن سنّ في الإسلام سنّة سيئة فعمل بها بعده، كتب له مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء».(2)
11 ـ روى مسلم عن حذيفة أنّه قال : يا رسول الله هل بعد هذا الخير شرّ؟ قال : «نعم ، قوم يستنّون بغير سنّتي ويهتدون بغير هداي . . .».(3)
12 ـ روى مالك في الموطأ من حديث أبي هريرة : أنّ رسول الله خرج إلى المقبرة فقال : «السّلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون ـ إلى أن قال : ـ فليُذادنَّ رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضالّ ، أُناديهم ألا هلمّ! ألا هلمّ! ألا هلمّ! فيقال : إنّهم قد بدّلوا بعدك ، فأقول : فسحقاً! فسحقاً! فسحقاً!»(4) . وعموم اللفظ يشمل أهل البدع أيضاً . وإن لم يرتدّوا عن الدين .

1 . صحيح مسلم: 8 / 62، كتاب العلم; ورواه البخاري في الصحيح ج9  : كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة .
2 . صحيح مسلم: 8 / 61، كتاب العلم .
3 . صحيح مسلم: 5 / 206، كتاب الإمارة .
4 . الموطأ ، كتاب الطهارة ، الحديث 28 ، باب جامع الوضوء; صحيح مسلم: 1 / 150، كتاب الطهارة .

صفحه 22
13 ـ قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إذا رأيتم صاحب بدعة فاكفهرّوا في وجهه; فانّ الله ليبغض كلّ مبتدع ، ولا يجوز أحد منهم على الصراط ، ولكن يتهافتون في النار مثل الجراد والذباب».(1)
14 ـ وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «من غشّ أُمّتي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» قالوا : يا رسول الله وما الغشّ؟ قال : «أن يبتدع لهم بدعة فيعملوا بها» .(2)
نكتفي بهذا القدر من الأحاديث التي رواها الحفاظ من المحدّثين من هذا الطريق ، وأمّا ما رواه أصحابنا عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)أو عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)فكثير وربما تكون هناك وحدة في المعنى واختلاف جزئي في التعبير :
15 ـ روى الكليني عن محمد بن جمهور رفعه قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إذا ظهرت البدع في أُمتي فليظهر العالم علمه ، فمن لم يفعل فعليه لعنة  الله».(3)
16 ـ وبهذا الاسناد قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «من أتى ذا بدعة فعظّمه فإنّما يسعى في هدم الإسلام» .(4)

1 . جامع الأُصول: 9 / 566 ; كنز العمال: 1 / 221، برقم 1118 ويشتمل الأخير على أحاديث لم نذكرها وقد بثّها في الأجزاء التالية من كتابه : 8 ، 15 ، 7 ، 11 ، 2 ، 3 فلاحظ .
2 . المصدر نفسه.
3 . الكافي: 1 / 54 ح 2 ، باب البدع .
4 . الكافي: 1 / 54 ح 3 ، باب البدع .

صفحه 23
17 ـ وبهذا الاسناد قال : قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) : «أبى الله لصاحب البدعة التوبة» قيل : يا رسول الله وكيف ذلك؟ قال : «إنّه قد اُشرِبَ قلبه حبّها» .(1)
18 ـ روى محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : خطب أمير المؤمنين(عليه السلام)الناس فقال : «أيّها الناس إنّما بَدءُ وقوع الفتن ، أهواءٌ تُتَّبَع ، وأحكام تُبتدع ، يُخالَف فيها كتاب الله ، يتولّى فيها رجال رجالا ، فلو أنّ الباطل خلص من مزاج الحق لم يخف على المرتادين ، ولو أنّ الحق خلص من لبس الباطل انقطعت عنه ألسن المعاندين ، ولكن يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث ، فيمزجان فهناك يستولي الشيطان على أوليائه، وينجو الذين سبقت لهم من الله الحسنى».(2)
19 ـ روى الحسن بن محبوب رفعه إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)أنه قال : «إنّ من أبغض الخلق إلى الله عزّوجلّ لَرَجلين : رجل وكّله الله إلى نفسه فهو جائر عن قصد السبيل ، مشغوف بكلام بدعة ، قد لهج بالصوم والصلاة فهو فتنة لمن افتتن به ، ضالّ عن هدى من كان قبله ، مضلّ لمن اقتدى به في حياته وبعد موته ، حمّال خطايا غيره ، رهن بخطيئته».(3)

1 . الكافي: 1 / 54 ح 4 ، باب البدع .
2 . الكافي: 1 / 54 ح 1، باب البدع . والفظ مطابق لما في نهج البلاغة الخطبة  50 ، دون الكافي لكونه أتمّ .
3 . الكافي: 1 / 55 ح 6، باب البدع .

صفحه 24
20 ـ روى عمر بن يزيد عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال : «لا تصحبوا أهل البدع ولا تجالسوهم فتصيروا عند الناس كواحد منهم ، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : المرء على دين خليله وقرينه».(1)
21 ـ وروى داود بن سرحان عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال : «قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) : إذا رأيتم أهل الريب والبدع من بعدي فأظهروا البراءة منهم ، وأكثروا من سبّهم والقول فيهم والوقيعة . . .».(2)
22 ـ قال أمير المؤمنين(عليه السلام): «ما اختلفت دعوتان إلاّ كانت إحداهما ضلالة».(2)
23 ـ وقال (عليه السلام) : «ما أُحدثت بدعة إلاّ تُرك بها سنّة ، فاتّقوا البدع وألزموا المهيع ، إنّ عوازم الاُمور أفضلها ، وإنّ محدثاتها شرارها».(4)
24 ـ قال الإمام الصادق(عليه السلام): «من تبسّم في وجه مبتدع فقد أعان على هدم دينه».(3)
25 ـ قال (عليه السلام) : «من مشى إلى صاحب بدعة فوقّره فقد مشى في هدم الإسلام»(6) . وقد روي أيضاً باختلاف يسير (مضى تحت رقم 16) .

1 و 2 . الكافي: 2 / 375 .
2 و 4. بحار الأنوار : 2 / 264، الحديث 14 و 15 ; ولاحظ أيضاً ج 36 / 288 ـ 289 .
3 . بحار الأنوار : 47 / 217 .   6 . بحار الأنوار : 2 / 304، ح 45.

صفحه 25
26 ـ روي مرفوعاً عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول : «عليكم بسنّة ، فعمل قليل في سنّة خير من عمل كثير في بدعة» .(1)
وللإمام عليّ (عليه السلام) في نهج البلاغة وراء ما نقلناه كلمات دُريّة في ذمّ البدعة ، نقتبس ما يلي :
27 ـ «فاعلم أنّ أفضل عباد الله عند الله إمام عادل هُدِيَ وهَدى فأقام سنّة معلومة ، وأمات بدعة مجهولة . . . وإنّ شرّ الناس عند الله إمام جائر ضلّ وضُلَّ به ، فأمات سنّة مأخوذة وأحيى بدعة متروكة».(2)
28 ـ وقال : «أوّه على إخواني الذين تلوا القرآن فأحكموه ، وتدبّروا الفرض فأقاموه ، أحيَوا السنّة وأماتوا البدعة».(3)
29 ـ وقال أيضاً : «وإنّما الناس رجلان : متّبع شرعة ، ومُبتدع بدعةً».(4)
30 ـ وقال : «طوبى لمن ذلّ في نفسه وطاب كسبه ـ إلى أن قال : ـ وعزل عن الناس شرّه وَوَسِعَتْهُ السنّة ولم يُنسب إلى البدعة».(5)

1 . بحار الأنوار : 2 / 261، ح 3 .
2 . نهج البلاغة : الخطبة 164 .
3 . نهج البلاغة: الخطبة 182 .
4 . نهج البلاغة : الخطبة 176 .
5 . نهج البلاغة: قصار الحكم 123 .

صفحه 26
هذا قسم ممّا وقفنا عليه من الروايات ، وهي كثيرة يفوتنا حصرها . وقد نقل الشاطبي قسماً وافراً من كلمات الصحابة والتابعين، ومن أراد فليرجع إلى كتابه «الاعتصام» ونكتفي بهذا المقدار .
البدعة لغة واصطلاحاً   

صفحه 27

المبحث الثاني

البدعة لغة واصطلاحاً

لقد مضت نصوص الكتاب والسنّة في حرمة البدعة وآثارها الهدّامة ، ولأجل تحديد مفهومها تحديداً دقيقاً يلزمنا نقل أقوال أهل اللغة وكلمات الفقهاء والمحدّثين في تفسير البدعة ، حتى تلقي ضوءاً على ما نتبنّاه من الوقوف على مفهوم البدعة .

البدعة في لغة العرب

قال الخليل : البدع; إحداث شيء لم يكن له من قبلُ خلق ولا ذكر ولا معرفة . . . البدع : الشيء الذي يكون أوّلا في كلّ أمر كما قال الله : ( مَا كُنْتُ بِدعاً مِنَ الرُّسُلِ ) أي لست بأوّل مرسل ، والبدعة اسم ما ابتدع من الدين وغيره ، والبدعة ما استحدث بعد رسول الله من الأهواء والأعمال.(1)

1 . كتاب العين  : 2 / 54، مادة «بدع».

صفحه 28
وقال ابن فارس : البدع له أصلان; ابتداء الشيء وصنعه لا عن مثال ، والآخر الانقطاع والكلال.(1)
والمقصود في المقام هو المعنى الأوّل .
وقال الراغب : الإبداع إنشاء صنعة بلا احتذاء ولا اقتداء ، والبدعة في المذهب إيراد قول لم يستنّ قائلها وفاعلها فيه بصاحب الشريعة وأماثلها المتقدّمة وأُصولها المتقنة.(2)
وقال الفيروزآبادي : البدعة ـ بالكسر ـ الحدث في الدين بعد الإكمال أو ما استحدث بعد النبي من الأهواء والأعمال.(3)
إلى غير ذلك من الكلمات المماثلة للّغويين ، ولا نطيل الحديث بنقل غير ما ذكر .
والإمعان في هذه الكلمات يثبت بأنّ البدعة في اللغة وإن كانت شاملة لكلّ جديد لم يكن له مماثل سواء أكان في الدين ، أم العادات ، كالأطعمة والألبسة والأبنية والصناعات وما شاكلها ، ولكن البدعة التي ورد النص على حرمتها هي ما استحدثت بعد رسول الله من الأهواء والأعمال في أُمور الدين ، وينصّ عليه الراغب في قوله : «البدعة في المذهب إيراد قول لم يستنّ قائلها وفاعلها فيه» ، ونظيره

1 . مقاييس اللغة: 1 / 209 مادة «بدع» .
2 . المفردات : 38 و39 .
3 . القاموس المحيط: 3 / 6، مادة «بدع».

صفحه 29
قول الفيروزآبادي في القاموس : «الحدث في الدين بعد الإكمال» .
كل ذلك يعرب عن أنّ إطار البدعة المحرّمة ، هو الإحداث في الدين ، ويؤيّده قوله سبحانه في نسبة الابتداع إلى النصارى بإحداثهم الرهبانية وإدخالهم إيّاها في الديانة المسيحية ، قال سبحانه : ( وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ).(1)
فقوله سبحانه : ( مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ ) يعني ما فرضناها عليهم ولكنّهم نسبوها إلينا عن كذب .
وأمّا التطوير في ميادين الحياة وشؤونها فإن كان بدعة لغة فليس بدعة شرعاً بل يتبع التطوير في الحياة جوازاً ومنعاً الحكم الشرعي بعناوينه ، فإن حرّمه الشرع ولو تحت عنوان عام فهو محرّم ، وإلاّ فهو حلال; لحاكمية أصل البراءة ما لم يرد دليل على الحرمة . وسيوافيك تفصيلها في المستقبل .
***

البدعة في اصطلاح العلماء

لا ريب أنّ البدعة حرام ، ولا يشك في حرمتها مسلم واع ، لكن المهم في الموضوع تحديدها وتعيين مفهومها بشكل دقيق ،

1 . الحديد : 27 .

صفحه 30
حتى تكون قاعدة كليّة يرجع إليها عند الشك في المصاديق ، فإنّ واجب الفقيه تحديد القاعدة ، وواجب غيره تطبيقها على مواردها ، وهذا الموضوع من أهمّ المواضيع فيها .
وقد عُرّفت البدعة بتعاريف مختلفة ، بين متشدد لا يتسامح فيها ، وبين متسامح في تعريفها ، وإليك بعضها :
1 ـ البدعة : ما أُحدث ممّا لا أصل له في الشريعة يدلّ عليه ، أمّا ما كان له أصل من الشرع يدلّ عليه فليس ببدعة شرعاً ، وإن كان بدعة لغة.(1)
2 ـ البدعة : أصلها ما أُحدث على غير مثال سابق ، وتطلق في الشرع في مقابل السنّة فتكون مذمومة.(2)
ويقول ابن حجر في موضع آخر : المحدثات جمع محدثة ، والمراد بها أي في حديث «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»; ما أُحدث وليس له أصل في الشرع يسمّى في عرف الشرع بدعة ، وما كان له أصل يدلّ عليه الشرع فليس ببدعة.(3)
3 ـ البدعة لغة : ما كان مخترعاً ، وشرعاً : ما أُحدث على خلاف أمر الشرع ودليله الخاص أو العام.(4)

1 . جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي: 160، ط الهند .
2 . فتح الباري: 5 / 156 .
3 . فتح الباري: 17 / 9 .
4 . التبيين بشرح الأربعة لابن حجر الهيثمي: 221 .

صفحه 31
4 ـ البدعة في الشرع موضوعه : الحادث المذموم.(1)
5 ـ إنّ البدعة الشرعية هي : التي تكون ضلالة ، ومذمومة.(2)
6 ـ البدعة : طريقة في الدين مخترعة ، تضاهي الشرعية ، يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية .
وعرّفه الشاطبي أيضاً في مكان آخر بنفس ذلك وأضاف في آخره : «يقصد بالسلوك عليها : المبالغة في التعبّد لله تعالى»(3) . وما أضافه ليس أمراً كليّاً كما سيوافيك عند البحث عن أسباب نشوء البدعة ودواعيها .
وهذه التعاريف ، تحدّد البدعة تحديداً ، وتصوّر لها قسماً واحداً . والمحدود في هذه التعاريف هو البدعة في الشرع والدين الإسلامي ، والتدخّل في أمر التقنين والتشريع .
وهناك من حدّدها ثمّ قسّمها إلى : محمودة ومذمومة ، منهم :
1 ـ عن حرملة بن يحيى ، قال : سمعت الشافعي (رحمه الله) يقول : «البدعة بدعتان : بدعة محمودة وبدعة مذمومة ، فما وافق السنّة فهو محمود وما خالف السنّة فهو مذموم» .
2 ـ وقال الربيع : قال الشافعي (رحمه الله) : «المحدثات من الأُمور

1 . الإبداع للزركشي: 22 .
2 . أحسن الكلام لمحمد بخيت المصري: 6 .
3 . الاعتصام للشاطبي: 1 / 37 .

صفحه 32
ضربان : أحدهما يخالف كتاباً أو سنّة أو إجماعاً أو أثراً ، فهذه البدعة الضلالة .
والثاني : ما أُحدث من الخبر لا خلاف فيه لواحد من هذا ، فهي محدثة غير مذمومة».(1)
3 ـ قال ابن حزم : «البدعة في الدين; كلّ ما لم يأت في القرآن ، ولا عن رسول الله ، إلاّ أنّ منها ما يؤجر عليه صاحبه ويُعذّر بما قصد إليه من الخير ، ومنها ما يؤجر عليه صاحبه ويكون حسناً وهو ما كان أصله الإباحة ، كما روي عن عمر : «نعمت البدعة هذه ـ إلى أن قال  : ـ ومنها ما يكون مذموماً ، ولا يُعذَّر صاحبه ، وهو ما قامت الحجة على فساده فتمادى القائل به».(2)
4 ـ وقال الغزالي : «وما يقال : إنّه أُبدع بعد رسول الله ، فليس كل ما أبدع منهياً بل المنهي عنه بدعة تضاد سنّة ثابتة ، وترفع أمراً من الشرع مع بقاء علّته ، بل الإبداع قد يجب في بعض الأحوال إذا تغيّرت الأسباب».(3)
5 ـ وقال الشيخ عبد الحق الدهلوي في شرح المشكاة : «اعلم أنّ كل ما ظهر بعد رسول الله بدعة ، وكلّ ما وافق أُصول سنّته

1 . فتح الباري: 7 / 10 .
2 . الفصل في الملل والنحل كما في البدعة للدكتور عزت  : 161 .
3 . احياء علوم الدين: 2 / 3، ط الحلبي .

صفحه 33
وقواعدها أو قيس عليها فهو بدعة حسنة ، وكلّ ما خالفها فهو بدعة سيّئة وضلالة».(1)
6 ـ وقال ابن الأثير : «البدعة بدعتان : بدعة هدى ، وبدعة ضلال ، فما كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) فهو في حيز الذم والإنكار ، وما كان واقعاً تحت عموم ما ندب الله إليه ، وحثّ عليه الله أو رسوله فهو في حيّز المدح . وما لم يكن له مثال موجود ، كنوع من الجود والسخاء وفعل المعروف ، فهو من الأفعال المحمودة ، ولا يجوز أن يكون ذلك في خلاف ما ورد الشرع به; لأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قد جعل له في ذلك ثواباً فقال : «من سنّ سنّة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها» وقال في ضدّه : «ومن سنّ سنّة سيّئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها» وذلك إذا كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) .
ومن هذا النوع قول عمر : «نعمت البدعة هذه (التراويح) لما كانت من أفعال الخير وداخلة في حيز المدح» سمّاها بدعة ومدحها ، إلاّ أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يسنّها لهم وإنّما صلاّها ليالي ثمّ تركها ولم يحافظ عليها ، ولا جمع الناس لها ، ولا كانت في زمن أبي بكر ، وإنّما عمر جمع الناس عليها وندبهم إليها ، فبهذا سمّاها بدعة ، وهي على الحقيقة سنّة ، لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم) : «عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء

1 . الكشّاف لاصطلاحات الفنون كما في البدعة للدكتور عزت  : 162 .

صفحه 34
الراشدين من بعدي» وقوله : «اقتدوا باللّذين من بعدي : أبي بكر وعمر» وعلى هذا التأويل يحمل الحديث الآخر : «كل محدثة بدعة» إنّما يريد ما خالف أُصول الشريعة ولم يوافق السنّة . وأكثر ما يستعمل المبتدع عرفاً في الذم».(1)
هذه كلمات أعلام السنّة وإليك ما ذكره أصحابنا في الموضوع مقتصراً على نماذج منها :
7 ـ قال السيد المرتضى : «البدعة : الزيادة في الدين أو نقصان منه من إسناد إلى الدين».(2)
8 ـ قال العلاّمة في المختلف : «إنّ الأذان عبادة متلقّاة من الشرع; فالزيادة عليها بدعة كالنقصان ، وكلّ بدعة حرام».(3)
9 ـ قال الشهيد السعيد محمد بن مكي العاملي (المتوفّى 786 هـ) : «محدثات الأُمور بعد عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تنقسم أقساماً ، لا يطلق اسم البدعة عندنا إلاّ على ما هو محرّم منها».(4)

1 . النهاية لابن الأثير: 1 / 79، وكلامه صريح في أنّ النبيّ لم يصلّها جماعة إلاّ ليال وتركها ، وإن أقامتها جماعة كانت من سنّة عمر ، إذ للخليفتين ـ حسب الرواية ـ حقّ التسنين الذي يعبّر عنه بسنّة الصحابي .
2 . الرسائل للشريف المرتضى: 2 / 264 .
3 . مختلف الشيعة: 2 / 131 .
4 . القواعد والفوائد: 2 / 144 ـ 145 القاعدة 205. وقد ذكر الأقسام الخمسة غير واحد من الفقهاء منهم القرافي في الفروق: 4 / 202 ـ 205 . وسيوافيك الكلام في عدم صحة هذا التقسيم .

صفحه 35
ومع ذلك كلّه فقد خالف الشهيد كلامه في كتاب الذكرى ، وقال :
10 ـ «إنّ لفظ البدعة غير صريح في التحريم; فانّ المراد بالبدعة ما لم يكن في عهد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ثمّ تجدّد بعده ، وهو ينقسم إلى : محرّم ومكروه» .(1)
11 ـ قال الطريحي (المتوفّى 1086 هـ) : «البدعة : الحدث في الدين وما ليس له أصل في كتاب ولا سنّة . وإنّما سمّيت بدعة; لأنّ قائلها ابتدع هو نفسه ، والبِدَع ـ بالكسر والفتح ـ  : جمع بدعة ومنه الحديث «من توضّأ ثلاثاً فقد أبدع» أي فعل خلاف السنّة; لأنّ ما لم يكن في زمنه (صلى الله عليه وآله وسلم) فهو بدعة».(2)
12 ـ وقال المجلسي (المتوفّى1110 هـ) : «البدعة في الشرع : ما حدث بعد الرسول ولم يرد فيه نصّ على الخصوص ، ولا يكون داخلا في بعض العمومات ، أو ورد نهي عنه خصوصاً أو عموماً; فلا تشمل البدعة ما دخل في العمومات مثل بناء المدارس وأمثالها ، الداخلة في عمومات إيواء المؤمنين وإسكانهم وإعانتهم ، وكإنشاء بعض الكتب العلمية ، والتصانيف التي لها مدخل في العلوم الشرعية ، وكالألبسة التي لم تكن في عهد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والأطعمة المحدثة; فإنّها داخلة في عمومات الحليّة ، ولم يرد فيها نهي .

1 . ذكرى الشيعة: 4 / 144 .   2 . مجمع البحرين: 4 / 298، مادة «بدع» .

صفحه 36
وما يفعل منها على وجه العموم إذا قصد كونها مطلوبة على الخصوص كان بدعة ، كما أنّ الصلاة خير موضوع ويستحبّ فعلها في كلّ وقت . ولو عيّن ركعات مخصوصة على وجه مخصوص في وقت معيّن صارت بدعة ، وكما إذا عيّن أحد سبعين تهليلة في وقت مخصوص على أنّها مطلوبة للشارع في خصوص هذا الوقت بلا نصّ ورد فيها كانت بدعة ، وبالجملة إحداث أمر في الشريعة لم يرد فيه نصّ بدعة ، سواء كانت أصلها مبتدعة أو خصوصيتها مبتدعة» ثمّ ذكر كلام الشهيد عن قواعده.(1)
13 ـ وقال المحدّث البحراني (المتوفّى1186 هـ) : «الظاهر المتبادر من البدعة لاسيما بالنسبة إلى العبادات إنّما هو المحرّم ، ولما رواه الشيخ الطوسي عن زرارة ومحمد بن مسلم والفضيل عن الصادقين (عليهما السلام) : «ألا وإنّ كلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة سبيلها إلى النار».(2)
14 ـ وقال المحقق الآشتياني (المتوفّى1322 هـ) : البدعة; «إدخال ما علم أنّه ليس من الدين في الدين ولكن يفعله بأنّه أمر به الشارع».(3)

1 . بحار الأنوار : 74 / 202 ـ 203 .
2 . الحدائق: 10 / 180 ; وسائل الشيعة: ج 5، الباب 10 من أبواب نافلة شهر رمضان، الحديث 1 .
3 . بحر الفوائد: 80 .

صفحه 37
15 ـ وقال أيضاً : «البدعة : إدخال ما لم يعلم أنّه من الدين في الدين».(1)
16 ـ وقال السيد محسن الأمين (المتوفّى1371 هـ) : «البدعة : إدخال ما ليس من الدين في الدين كإباحة محرّم أو تحريم مباح ، أو إيجاب ما ليس بواجب أو ندبه ، أو نحو ذلك سواء كانت في القرون الثلاثة أو بعدها ، وتخصيصها بما بعد القرون الثلاثة لا وجه له ، ولو سلّمنا حديث «خير القرون قرني» فإنّ أهل القرون الثلاثة غير معصومين بالاتّفاق . وتقسيم بعضهم لها إلى حسنة وقبيحة ، أو إلى خمسة أقسام ليس بصحيح ، بل لا تكون إلاّ قبيحة . ولا بدعة فيما فهم من إطلاق أدلّة الشرع أو عمومها أو فحواها أو نحو ذلك ، وإن لم يكن موجوداً في عصر النبيّ».(2)
تلك ستة عشر نصّاً من كلمات مشاهير علماء الإسلام ، فمنهم من خصّ التعريف بالبدعة في الدين فجعله قسماً واحداً ، ومنهم عمّمها فقسّمها إلى ممدوحة ومذمومة ، والحافز الوحيد إلى ذاك ، هو اقتفاء قول عمر في صلاة التراويح ، ولولا صدور ذاك لما خطر ببال هؤلاء هذا التقسيم .
ويبدو أنّ أوضح التعاريف ما نقلناه عن العلمين : الآشتياني

1 . بحر الفوائد  : 80 وترى قريباً من هذه الكلمات في فرائد الشيخ الأنصاري  : 30 وفوائد الأُصول للمحقق النائيني: 2 / 130 .
2 . كشف الارتياب  : 143 .

صفحه 38
والسيد الأمين; فإنّهما(قدس سرهما) أتيا باللبّ ، وحذفا القشر ، فمقوّم البدعة هو التصرّف في الدين عقيدة وتشريعاً; بإدخال ما لم يعلم أنّه من الدين فيه ، فضلا عمّا علم أنّه ليس منه قطعاً . والذي يؤخذ على تعريفهما أنّه لا يشمل البدعة بصورة النقص كحذف شيء من أجزاء الفرائض .
تحديد مفهوم البدعة ومقوّماتها   

صفحه 39

المبحث الثالث

تحديد مفهوم البدعة ومقوّماتها

إنّ الأمر المهم بعد الوقوف على النصوص ، هو تحديد مفهوم البدعة التي وقعت موضوعاً للحكم الشرعي كسائر الموضوعات الواردة في المصدرين الرئيسيّين ، فما لم تحدّد ولم نقف على مفهومها الدقيق وعلى ما هو معتبر في صميمها عند الشرع ، لا يمكن لنا تطبيق الحكم الكلّي على مصاديقها ومواضيعها . وقد اتّضح بعد دراسة الأدلّة أنّ قيود البدعة التي هي الموضوع لدى الشرع ثلاثة ، نذكرها بالتدريج :
الأوّل : التدخّل في الدين عقيدة وحكماً ، بزيادة أو نقيصة .
الثاني : أن تكون هناك إشاعة ودعوة .
الثالث : أن لا يكون هناك دليل في الشرع يدعم جوازها لا بالخصوص ولا بالعموم .
وإليك دراسة هذه القيود المكوّنة لمفهوم البدعة التي اتّخذها الكتاب والسنّة موضوعاً للحكم .

صفحه 40

1 ـ التدخّل في الدين بزيادة أو نقيصة

هل إنّ الموضوع في المصدرين هو نفس البدعة أو خصوص البدعة في الدين؟ فلو قلنا بأنّ الموضوع نفسُ البدعة بسيطاً ، سواء كان الإحداث والإبداع راجعاً إلى صميم الدين أو غيره ، فيكون الحكم بحرمة ذلك الموضوع الواسع أمراً غير ممكن ، ولأجل ذلك لجأ أصحاب ذلك القول إلى تقسيمها إلى أقسام خمسة حسب انقسام الأحكام .
وأمّا إذا كان الموضوع هو الأمر المركّب ، أي البدعة في الدين ، فذلك له حكم واحد لا يقبل التخصيص . إلاّ أنّ صحة إحدى النظرتين متوقفة على دراسة الآيات والروايات . وقد اتّضح ممّا سبق ، عند استعراض النصوص ، أنّ الموضوع في الكتاب والسنّة هو البدعة في الدين لا مطلقها ، فلو كان الكتاب والسنّة يتكلّمان فيها فإنّما يتكلّمان فيها باسم الدين والشريعة وعن البدعة فيهما ، لأنّ كلّ متكلّم إنّما يتكلّم في إطار اختصاصه ومقامه وحسبَ شأنه ، فالكتاب العزيز كتاب إلهي جاء لهداية الناس وإلى ما فيه مرضاة الله بتشريعه القوانين والسنن ، والنبيّ الأكرم مبعوث لتبيان ذلك الكتاب بأقواله وأفعاله وتقريراته ، قال تعالى : ( وَأَنْزَلْنَا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ).(1)

1 . النحل : 44 .

صفحه 41
وعلى ضوء ذلك فإنّ الكتاب والسنّة يتكلّمان بتلك الخصوصية التي يمتلكانها ، فإذا تكلّما عن البدعة فإنّما يتكلّمان عن البدعة الواردة في حوزتهما ، وقيد الدين والشريعة وإن لم يذكرا في متون النصوص غالباً; لكنّهما مفهومان من القرائن الموجودة فيها ، فلا عبرة بالإطلاق بعد القرائن الحافّة بالكلام ، هذا ما نستنبطه من مجموع الخطابات الواردة في الأدلّة . وإليك بيان ودراسة تلك الأدلّة تفصيلا :
1 ـ تضافرت الآيات على ذمّ عمل المشركين حينما كانوا يقسّمون رزق الله إلى ما هو حلال وحرام، فجاء الوحي مندِّداً بقوله : ( قُلْ ءَآللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ )(1) وفي آية أُخرى يعدّ عملهم افتراءً على الله كما يقول : ( وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذَا حَلاَلٌ وَهذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ )(2) ومن المعلوم أنّ المشركين كانوا ينسبون الحكمين إلى الله سبحانه ، وأنّه سبحانه قد جعل منه حلالا وحراماً ، فكان عملهم بدعة في الدين .
2 ـ وقفت في المقدّمة، أنّه سبحانه يصف من لم يحكم بما أنزل الله ، بكونه كافراً وظالماً وفاسقاً، ومن المعلوم أنّ أحبار اليهود

1 . يونس : 59 .
2 . النحل : 116 .

صفحه 42
كانوا يحرّفون الكتاب فيصفون ما لم يحكم به الله ، بكونه حكم الله ، قال سبحانه : ( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ )(1) فقوله ( هذَا مِنْ عِنْدِ اللهِ )صريح في أنّهم كانوا يتدخّلون في الشريعة الإلهية فيعرِّفون ما ليس من عند الله على أنّه من عند الله ، وهذا يؤكد بأنّ الموضوع في هذه الآية وأمثالها هو البدعة في الدين لا مطلقها .
3 ـ ذمّ الله سبحانه الرهبان لابتداعهم ما لم يكتب عليهم ، قال سبحانه : ( وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا )(2) ومعنى الآية أنّهم كانوا ينسبون الرهبانية إلى شريعة المسيح مدّعين بأنّه هو الذي شرع لهم ذلك العمل ، والقرآن يردّهم بقوله : ( مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ ) .
4 ـ أنّه سبحانه وصف أهل الكتاب بأنّهم اتّخذوا رهبانهم وأحبارهم أرباباً من دون الله ، وقد فسّره النبيّ الأكرم بأنّهم كانوا يحرّمون ما أحلّ الله فيتبعونهم أتباعهم ، أو يحلّلون ما حرّم الله عليهم فيقبلونه بلا تردّد ، ومن المعلوم أنّ الأحبار والرهبان كانوا يعرِّفون ما تخيّلوه من الحرام والحلال على أنّه حكم الله سبحانه ، وليس هذا إلاّ بدعة في الشرع ، وتدخلا في أمر الشريعة .

1 . البقرة : 79 .
2 . الحديد : 27 .

صفحه 43
وإذا تدبّرت في هذه الآيات وأمثالها يتّضح لك أنّ الآيات تدور حول محور واحد هو البدعة في الدين لا مطلقها ، ولا يضرّ عدم ذكر القيد في اللفظ; إذ هو مفهوم من القرائن القطعية .
ثمّ إنّ في قوله : ( إلاَّ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ ) وجهين : فمنهم من يجعله استثناءً منقطعاً ، أي ما كتبنا عليهم الرهبانية وإنّما كتبنا عليهم ابتغاء رضوان الله ، ومنهم من يجعله استثناءً متّصلا ، بمعنى أنّه سبحانه كتب عليهم أصل الرهبانية ، لأجل كسب رضوان الله ، ولكنّهم لم يراعوا حقّها; فتكون البدعة على الأوّل نفس الرهبانية وعلى الثاني الخروج عن حدودها .
هذا كلّه حول الآيات ، وأمّا السنّة ، ففيها قرائن كثيرة تعطي نفس المفهوم الذي أعطته الآيات ، وإليك تلك القرائن:
1 ـ ففي الرواية الأُولى يبتدئ النبي كلامه بقوله : «أصدق الحديث كتاب الله، وأفضل الهدى هدي محمد» وهذا يدلّ على أنّ ما اتّخذه النبي موضوعاً للبحث هو ما يرجع إلى كتاب الله وهدي نبيّه ، فإذا قال بعده : «وشرّ الأُمور محدثاتها» يكون المراد ما دخل في الشريعة من أُمور ، وإذا قال : «كلّ بدعة ضلالة» ، أي البدعة فيما يتكلّم عنه ، ومن المعلوم أنّه يتكلّم عن دعوته وشريعته ، فتحوير كلامه إلى مطلق البدعة ، وإن لم يمسّ الكتاب والسنّة ، تأويل للظاهر بلا دليل .

صفحه 44
2 ـ ثمّ إنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يحكم على كلّ بدعة بالضلال ، ومن المعلوم أنّه لا يصدق إلاّ على البدعة في الشريعة ، وأمّا غيرها فهي على أقسام كما قالوا .
3 ـ روى مسلم في صحيحه أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)كان إذا خطب احمرّت عيناه وعلا صوته ، واشتدّ غضبه كأنّه منذرُ جيش ثمّ يقول : «أمّا بعد فانّ خير الحديث كتاب الله وخير الهدى هدي محمد . ..» ومن المعلوم أنّ الأرضية الصالحة لثوران غضبه ليس إلاّ تدخّل المبتدع في شريعته ، لا مطلق التدخل في شؤون الحياة وإن لم تمسّ دينه ، خصوصاً إذا كان في مصلحة الإنسان .
4 ـ إنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وصف البدعة بالضلالة وقال : «إنّ صاحبها في النار» ولا تصدق تلك القاعدة إلاّ على صاحب البدعة في الشريعة .
5 ـ إنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما رأى أنّ رجالا يُذادون عن حوضه فأخذ يناديهم بقوله : «ألا هلمّ ألا هلمّ ألا هلمّ» فإذا ينادي المنادي بقوله : «إنّهم قد بدّلوا بعدك» فيقول النبي : «فسحقاً! فسحقاً! فسحقاً!» ومن المعلوم أنّه قد بدلّوا دين الرسول وشريعته وإلاّ لما كانوا مستحقّين دعاءه بقوله : «فسحقاً . . .» .
6 ـ دلّت الروايات السابقة على أنّه إذا ظهرت البدع في الأُمّة فعلى العالم أن يظهر علمه وإلاّ فعليه لعنة الله .
7 ـ كما دلّت على أنّ صاحب البدعة لا تقبل توبته .

صفحه 45
8 ـ وإنّ من زار ذا بدعة فقد سعى في هدم الإسلام .
9 ـ وأوضح من الكل خطاب الإمام علي (عليه السلام) حيث قال : «إنّما بدء وقوع الفتن أهواء تتّبع وأحكام تبتدع يخالف فيها كتاب الله» .
10 ـ وفي رواية أُخرى : «ما أُحدثت بدعة إلاّ تركت فيها سنّة ، فاتركوا البدع والزموا المهيع إنّ عوازم الأُمور أفضلها ، وإنّ محدثاتها شرارها».(1)
11 ـ هذا ما تعطيه نصوص الكتاب والسنّة ، وتليهما نصوص لفيف من أهل اللغة التي سبق ذكرها ، مثل :
قول الخليل : والبدعة ما استحدثت بعد الرسول .
وقول الراغب : البدعة في المذهب إيراد قول لم يستنّ قائلها وفاعلها فيه بصاحب الشريعة .
وقول الفيروزآبادي : البدعة : الحدث في الدين بعد الإكمال، أو ما استحدث بعد النبي من الأهواء والأعمال .
وتليه نصوص لفيف من الفقهاء ، نظير قول ابن رجب الحنبلي : البدعة ما أُحدث ممّا لا أصل له في الشريعة يدلّ عليه .
وقول ابن حجر العسقلاني : البدعة ما أُحدث وليس له أصل في الشرع .

1 . قد سبقت مصادرها في نصوص البدعة في الكتاب والسنّة فلاحظ .

صفحه 46
وقول ابن حجر الهيتمي : البدعة ما أُحدث على خلاف أمر الشارع ودليله الخاص .
وقول الزركشي : البدعة الشرعية هي التي تكون ضلالة.(1)
ومن يدرس هذه النصوص جليلها ودقيقها يقف على أنّ موضوع البحث في جميع الأدلّة هو الأمر الذي يمتّ إلى الشريعة بصلة ، وأنّ الله سبحانه ونبيّه الصادع بالحق يهيبان بالمجتمع الإسلامي عن البدعة والكذب على الله ، والتدخّل في الكتاب والسنّة ، والتلاعب بما أنزل الله في مجالي العقيدة والشريعة ، وهذا أمر واضح لا غبار عليه ، وبذلك يختلف اتّجاهنا في تفسير النصوص عن غيرنا .
فإذا ثبت ذلك اتّضح أنّ البدعة ليس لها إلاّ قسم واحد ، ولها حكم واحد لا يُخصص ولا يُقيّد بل هو بمثابة لا يقبل التخصيص ، وهذا نظير قوله سبحانه : ( إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ )(2) فإنّ تلك القاعدة لا تقبل التخصيص أي يمتنع تجويز الظلم والشرك في مكان دون مكان ، نظير قوله سبحانه : ( أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ).(3)

1 . قد مضت النصوص في مواضعها .
2 . لقمان : 13 .
3 . القلم : 35 .

صفحه 47
ثمّ إنّ النتيجة التي توصّلنا إليها قد توصّل إليها الشاطبي بطريقة أُخرى هذا موجزها :
«قال : الباب الثالث : في أنّ ذمّ البدع والمحدثات عام لا يخصُّ محدثة دون غيرها ـ إلى أن قال : ـ فاعلموا ـ رحمكم الله ـ أنّ ما تقدّم من الأدلّة حجّة في عموم الذمّ من أوجه :
أحدها : أنّها جاءت مطلقة عامة على كثرتها لم يقع فيها استثناء البتة ، ولم يأت فيها ما يقتضي ، أنّ منها ما هو هدى ، ولا جاء فيها : كلّ بدعة ضلالة إلاّ كذا وكذا . ولا شيء من هذه المعاني، فلو كان هنالك محدثة يقتضي النظر الشرعي فيها الاستحسان ، أو أنّها لاحقة بالمشروعات ، لذكر ذلك في آية أو حديث ، لكنّه لا يُوجد ، فدلّ على أنّ تلك الأدلّة بأسرها على حقيقة ظاهرها من الكليّة التي لا يتخلّف عن مقتضاها فرد من الأفراد .
الثاني : أنّه قد ثبت في الأُصول أنّ كلّ قاعدة كليّة أو دليل شرعي كلّي إذا تكرّرت في مواضع كثيرة وأتى بها شواهد على معان أُصوليّة أو فروعية ، ولم يقترن بها تقييد ولا تخصيص ، مع تكرّرها وإعادة تقررها ، فذلك دليل على بقائها على مقتضى لفظها من العموم ، كقوله تعالى : ( أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلاِْنْسَانِ إلاَّ مَا سَعَى )(1) ، فما نحن بصدده من هذا القبيل إذ جاء

1 . النجم : 38 ـ 39 .

صفحه 48
في الأحاديث المتعدّدة أنّ كلّ بدعة ضلالة ، وأنّ كلّ محدثة بدعة ، وما كان نحو ذلك من العبارات الدالّة على أنّ البدع مذمومة ، ولم يأت في آية ولا حديث ، تقييد ولا تخصيص ، ولا ما يفهم منه خلاف ظاهر الكلية فيها .
الثالث : إجماع السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن يليهم على ذمّها كذلك ، وتقبيحها والهروب عنها ـ إلى أن قال : ـ فهو بحسب الاستقراء ، إجماع ثابت ، فدلّ على أنّ كلّ بدعة ليست بحقّ ، بل هي من الباطل .
الرابع : أنّ متعقل البدعة يقتضي ذلك بنفسه ، لأنّه من باب مضادة الشارع وإطَّراح الشرع ، وكل ما كان بهذه المثابة فمحال أن ينقسم إلى حسن وقبيح(1) وأن يكون منه ما يمدح ومنه ما يذمّ ، إذ لا يصحّ في معقول ولا منقول استحسان مشاقّة الشارع».(2)
إلى هنا تمّ الكلام في تحديد البدعة من حيث كون الموضوع بسيطاً ومركّباً ، ويترتّب عليه أنّه لا تعمّ البدعة غير الشريعة ، كالعادات والصناعات والإعلام وغيرها ، بل يستخرج حكمها من الكتاب والسنّة بنفس عناوينها ، لا بما هي بدعة ، فربّما تكون حلالا وأُخرى حراماً ، لكن ليس كلّ حرام بدعة . كما سيأتي .

1 . لا يخفى أنّ الإمام الشاطبي يقول في كلمته هذه بالحسن والقبح العقليين مع أنّه خلاف مذهبه ، لاحظ الاعتصام: 1 / 114 .
2 . الاعتصام 1  : 141 ـ 142 .

صفحه 49

2 ـ البدعة إشاعة ودعوة

إذا كانت البدعة هي إدخال ما ليس في الدين فيه أو نقصه منه في مجال العقيدة والشريعة; فهل يتحقّق مفهومها بقيام الشخص بذلك العمل; وحده في بيته ومنزله ، كأن يزيد في صلاته ما ليس فيها أو ينقص منها شيئاً ، أو أنّه ليس ببدعة وإن كان عمله باطلا وبفعله عاصياً؟ بل البدعة تتوقّف على إشاعة فكرة خاطئة في العقيدة ، أو عمل غير مشروع في المجتمع ودعوتهم إليه بعنوان أنّه من الشرع ، ولك أن تستظهر ذلك القيد من الآيات والروايات ، فإنّ عمل المشركين في التحليل والتحريم لم يكن عملا شخصياً في الخفاء ، بل إنّ المُبتدع الأوّل قد أحدث فكرة وأشاعها ودعا الناس إليها ، كما كان الحال كذلك في الرهبان والأحبار ، ويشهد على ذلك بوضوح ما رواه مسلم ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله : «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أُجور من تبعه ، لا ينقص ذلك من أُجورهم شيئاً ، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من يتّبعه ، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً».(1)
ويدلّ عليه قول القائل يوم القيامة : «إنّهم قد بدّلوا بعدك» فإنّ تبديل الدين ، ليس عملا شخصياً بل هو عمل جماعي، إلى غير ذلك من القرائن الموجودة في الروايات .

1 . لاحظ المبحث الأوّل : نصوص البدعة في الكتاب والسنّة، الحديث التاسع .

صفحه 50
الى هنا خرجنا بنتيجتين :
الأُولى : إنّ مصبّ البدعة في الأدلّة هو الدين والشرع .
الثانية : إنّ البدعة لا تنفك عن الدعوة إلى الباطل .
وإليك بيان القيد الثالث .

3 ـ عدم وجود أصل لها في الدين

العنصر الثالث المقوّم لمفهوم البدعة هو فقدان الدليل على جواز العمل بها ، لا في الكتاب ولا في السنّة ، وذلك ظاهر; إذ لو كان هناك دعم من الشارع للعمل; لما كان أمراً جديداً في الدين أو تدخّلا في الشرع ، ولأجل ذلك قلنا : إنّ أفضل التعاريف هو قولهم : «إدخال ما ليس من الدين في الدين» أو «إدخال ما لم يُعلم من الدين في الدين» .
وبعبارة واضحة : البدعة في الشرع : ما حدث بعد الرسول ، ولم يرد فيه نصّ على الخصوص ، ولم يكن داخلا في بعض العمومات .
وإن شئت قلت : إحداث شيء في الشريعة لم يرد فيه نصّ ، سواء كان أصله مبتدعاً ، كصوم عيد الفطر ، أو خصوصيته مبتدعة كالإمساك إلى غسق الليل ناوياً به الصوم المفروض ، معتقداً بأنّه الواجب في الشرع . وفي النصوص السابقة للعلماء تصريح بذلك .

صفحه 51
قال ابن حجر العسقلاني : «والمراد بالبدعة ، ما أحدث وليس له أصل في الشرع ، وما كان له أصل يدلّ عليه الشرع فليس ببدعة» .
قال ابن رجب الحنبلي : «البدعة : ما أُحدث ممّا لا أصل له في الشريعة يدلّ عليه ، أمّا ما كان له أصل في الشرع يدلّ عليه فليس ببدعة شرعاً وإن كان بدعة لغة».(1)
وقال العلاّمة المجلسي : «البدعة في الشرع : ما حدث بعد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ولم يرد فيه نصّ على الخصوص ولا يكون داخلا في بعض العمومات، أو ورد نهي عنه خصوصاً أو عموماً».(2)
وعلى ضوء ذلك تنحل هنا عويصة المصاديق التي ربّما تعدّ من البدعة; لعدم ورود نصّ خاصّ فيها ولكن تشملها العمومات بصورة كليّة ، فهذه لا تكون بدعة ، وذلك لأنّه لو كان هناك نصّ خاص; لأخرجه عن البدعة، وهذا واضح جدّاً ، أمّا إذا لم يكن هناك نصّ خاصّ ، ولكن العمومات تشمله بعمومها فهذا ما نوضحه بالمثال التالي :
إنّ الدفاع عن بيضة الإسلام وحفظ استقلاله وصيانة حدوده عن الأعداء أصل ثابت في القرآن الكريم ، قال سبحانه : ( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّة وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ

1 . مضت النصوص في محلّها .
2 . بحار الأنوار : 74 / 202 .

صفحه 52
وَعَدُوَّكُمْ )(1) فإنّ قوله : ( مِنْ قُوَّة ) مفهوم كلّي يشمل كيفية الدفاع ، ونوعيّة السلاح ، وشكل الخدمة العسكرية المتبعة في كلّ عصر ومصر ، فالجميع برمّته هو تطبيق لهذا المبدأ ، وتجسيد لهذا الأصل ، فالتسلّح بالغواصات والأساطيل البحريّة والطائرات المقاتلة إلى غير ذلك من أدوات الدفاع ، ليس بدعة بل تجسيد لهذا الأصل ومن حلاله .
وإنّ من يعد التجنيد العسكري بدعة فهو غافل عن حقيقة الحال ، فإنّ الإسلام يأمر بالأصل ويترك الصور والأشكال لمقتضيات العصور .
إلى هنا خرجنا بلزوم وجود قيود ثلاثة في تحقّق البدعة وصدقها :
1 ـ أن يكون تدخّلا في الشريعة وتصرّفاً فيها عقيدةً وحكماً .
2 ـ أن تكون هناك إشاعة بين الناس .
3 ـ أن لا يكون هناك أصل على المشروعية لا خاصّاً ولا عامّاً .
ويجمع الكلّ «القول في الدين بغير علم على الأغلب ، بل مع العلم بالخلاف ولكن يقدّم رأيه عليه ، بظنّ الإصلاح أو غيره من الحوافز» .

1 . الأنفال : 60 .

صفحه 53
هذا هو تحديد البدعة بمفهومها الدقيق الذي نتّخذه قاعدة كليّة ، ونستكشف به حال الموضوعات التي تضاربت فيها الأقوال والأفكار بين موسِّع ومضيِّق . وسيوافيك شرحها .

صفحه 54
الابتداع في تفسير البدعة   

المبحث الرابع

الابتداع في تفسير البدعة

لقد ارتحل النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى الرفيق الأعلى بعد أن أكمل الشريعة وبيّن جليلها ودقيقها وما تحتاج إليه الأُمّة إلى يوم القيامة ، قال سبحانه : ( اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الاِْسْلاَمَ دِيناً )(1) وحفاظاً على دينه وصيانته من التحريف والتبديل ، أمر بالتمسّك بالثقلين . ولم يرضَ للأُمّة غيرهما لئلاّ يكون الدين أُلعوبة بأيدي المغرضين والطامعين . والمقياس في تميّز البدعة عن السنّة هو الرجوع إلى الثقلين سواء أفسر بالكتاب والعترة ، كما هو المتضافر ، أم بالكتاب والسنّة ، كما رواه الإمام مالك في الموطأ بسند مرسل(2) ، والحديثان متقاربا المضمون; لأنّ العترة لا تنشد إلاّ السنّة النبويّة ، التي أخذوها كابر عن كابر إلى أن تصل إلى النبيّ الأكرم ، فما وافقهما فهو سنّة وما خالفهما فهو بين معصية وبدعة ، مع الفرق الواضح بينهما; فلو أُذيعت الفكرة أو شاع العمل

1 . المائدة : 3 .
2 . لاحظ : الموطّأ : 648، برقم 1619 .

صفحه 55
بين الناس بها فتصير بدعة ، وإن اكتُفي بها من دون دعوة وإشاعة فهي معصية .

بدعة «ما لم يكن في القرون الثلاثة»

ومن العجب أنّ أُناساً صاروا إلى تحديد البدعة وتمييزها عن السنّة ، ولكنهم جاءوا حين تحديدها ببدعة وفرية جديدة لا دليل عليها في الكتاب والسنّة ، وهي أنّ المقياس في تمييز البدعة عن السنّة هو القرون الثلاثة الأُولى بعد رحيل الرسول . فما حدث فيها فهو سنّة ، وما حدث بعدها فهو بدعة ، وإن تعجب فإليك نصّ القائل :
«وممّا نحن عليه ، أنّ البدعة ـ وهي ما حدثت بعد القرون الثلاثة ـ مذمومة مطلقة خلافاً لمن قال : حسنة وقبيحة ، ولمن قسّمها خمسة أقسام إلاّ إن أمكن الجمع بأن يقال : الحسنة ما عليها السلف الصالح شاملة للواجبة والمندوبة والمباحة ، وتكون تسميتها بدعة مجازاً ، والقبيحة ما عدا ذلك شاملة للمحرّمة والمكروهة فلا بأس بهذا الجمع».(1)
وهذه النظرية الشاذّة عن الكتاب والسنّة نظرية خاصّة استنتجها القائل ممّا رواه الشيخان في باب فضائل أصحاب النبيّ وإليك نصّهما :

1 . الهدية السنية ، الرسالة الثانية  : ص 51 .

صفحه 56
روى البخاري قال : سمعت عمران بن الحصين يقول : قال رسول الله : «خير أُمّتي قرني ثمّ الذين يلونهم ثمّ الذين يلونهم» ، قال عمران : فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة ، «ثمّ إنّ بعدكم قوماً ، يشهدون ولا يستشهدون ، ويخونون ولا يُؤتمنون ، ويَنذرون ولا يفون ، ويظهر فيهم السمن» .
وروى أيضاً عن عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه) أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)قال : «خير الناس قَرني ثمّ الذين يلونهم ثمّ يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ، ويمينه شهادته» ، قال : قال إبراهيم : وكانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار.(1)
إنّ الاحتجاج بهذه الرواية على أنّ الميزان في تمييز البدعة عن السنّة ، هو أنّ كلّ ما حدث في القرون الثلاثة الأُولى ليس ببدعة; وأمّا الحادث بعدها فهو بدعة; باطل بوجوه :
الأوّل : إنّ القرن في اللّغة هو النسل(2)، وهو الأُمّة بعد الأُمّة وبهذا المعنى استعمل في القرآن الكريم ، قال سبحانه : ( فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ )(3) وبما أنّ المتعارف في

1 . فتح الباري في شرح صحيح البخاري: 7 / 6، باب فضائل أصحاب النبي ; صحيح مسلم بشرح النووي: 8 / 84 ـ 85 .
2 . لسان العرب: 13/ 333، مادة «قران» .
3 . الأنعام : 6 .

صفحه 57
عمر كلّ نسل هو الستّون أو السبعون ، يكون المراد ، مجموع تلك السنين التي تتراوح بين 180 و 210، وأين هذا من تفسير الحديث بثلاثمائة سنة؟!
الثاني : على الرغم من اختلاف شرّاح الحديث في تفسير الرواية ، إلاّ أنّ جميعها لا يستفاد منها ما يتبنّاه الكاتب ، فبعض قال : إنّ المراد من القرن في قوله : «قرني» هو أصحابه ، ومن «الذين يلونهم» أبناءهم، ومن «الثالث» أبناء أبنائهم .
وقال آخر : بأنّ قرنه ما بقيت عين رأته ، ومن الثاني ما بقيت عين رأت من رآه ، ثمّ كذلك .
وثالث قال : إنّ قرنه الصحابة ، والثاني التابعون ، والثالث تابعوهم.(1)
وعلى كلّ تقدير تكون المدّة أقلّ من ثلاثة قرون ، حتى لو أخذنا بالقول الأخير الذي هو أعمّ الأقوال وأوسعها . فإنّ آخر من مات من الصحابة هو أبوالطفيل ، وقد اختلفوا في تاريخ وفاته على أقوال : فقيل : إنّه توفّي سنة  120 أو دونها أو فوقها بقليل، وأمّا قرن التابعين فآخر من توفّي منهم كان عام  170 أو 180 وآخر من عاش من أتباع التابعين ممّن يقبل قوله ، من توفّي حدود 220 ، فيقل عن ثلاثة قرون بثمانين سنة ، وهذا كثير جدّاً ، ولأجل عدم انطباقه على

1 . صحيح مسلم بشرح النووي: 16 / 85 .

صفحه 58
ثلاثة قرون قال ابن حجر العسقلاني : «وفي هذا الوقت 220 هـ ظهرت البدع فاشياً ، وأطلقت المعتزلة ألسنتها ، ورفعت الفلاسفة رؤوسها ، وامتُحِن أهل العلم ليقولوا بخَلْق القرآن ، وتغيّرت الأحوال تغيّراً شديداً ولم يزل الأمر في نقص الى الآن».(1)
ولو افترضنا أنّ القرن يستعمل في مائة سنة فلا يصحّ تفسير الحديث به ، لأنّ المحور في الحديث في تمييز قرن عن قرن آخر هو الأشخاص حسب أعمارهم ، فعلى ذلك يجب أن يكون الملاك في تبادل القرون وتمايزها ملاحظة من كانوا يعيشون فيه حيث قال : «خير أُمّتي قرني» ولم يقل القرن الأوّل ، ثمّ قال : «ثمّ الذين يلونهم» فلم يقل ثمّ القرن الثاني ، وقال : «ثمّ الذين يلونهم» ولم يقل القرن الثالث ، فلا محيص عند حساب السنين ملاحظة الأشخاص الذين كانوا يعيشون في قرنه والقرنين اللّذين يليانه .
***
الثالث : ماذا يراد من عبارة خير القرون وشرّها ، وما هو الملاك في الوصف بالخير والشر؟
هناك ثلاثة ملاكات للاتّصاف بالخير والشر ، كلّها محتمل :
1 ـ إنّ أهل القرن الأوّل كانوا خير القرون، وذلك لأنّهم لم يدبّ فيهم دبيب الخلاف في الأُصول والعقائد ، وكانوا متماسكين

1 . فتح الباري في شرح صحيح البخاري: 7 / 4 .

صفحه 59
في الأُصول ، متّحدين في العقائد .
2 ـ كونهم خير القرون وذلك لسيادة الطمأنينة فيهم ، وكان الجميع متظلّل بظلّ الصلح والسلم إخواناً .
3 ـ كونهم خير القرون وذلك لتمسّكهم بأهداف الدين في مقام العمل وتطبيق الشريعة .
وأيّ واحد أُريد من هذه الملاكات; فالقرآن والسنّة والتاريخ القطعي لا يدعمه بل يكذبه ، وإليك البيان :
فإن كان الملاك هو العقائد الصحيحة والباطلة ، وأنّ المسلمين كانوا متمسّكين جملة واحدة بمعتقد واحد صحيح في القرون الثلاثة الأُولى ثمّ ظهرت رؤوس الشياطين ، ودبّت فيهم المناهج الكلاميّة الفاسدة ، ـ فإن كان الملاك هذا ـ فتاريخ الملل والنحل لا يؤيد ذلك بل ويكذّبه ، فإنّ الخوارج ظهروا بين الثلاثين والأربعين من القرن الأوّل ، وكانت لهم ادّعاءات وشبهات وعقائد سخيفة خضّبوا في طريقها وجه الأرض ، ولم يتمّ القرن الأوّل إلاّ وظهرت المرجئة ، الذين دعوا المجتمع الإسلامي إلى التحلل الأخلاقي ، رافعين عقيرتهم بأنّه لا تضرّ مع الإيمان معصية ، فقد ضلّوا وأضلّوا كثيراً حتّى دبّ الإرجاء بين المحدّثين وغيرهم في القرن الثاني ، وقد ذكر أسماءهم جلال الدين السيوطي في تدريب

صفحه 60
الراوي(1) . حيث كان الإرجاء يقود المجتمع الإسلامي إلى التحلل الأخلاقي ، والفوضى في جانب العمل . إلى أن ظهرت المعتزلة في أوائل القرن الثاني عام 105 هـ قبل وفاة الحسن البصري بقليل ، فتوسّع الشقاق بين المسلمين ، وانقسموا إلى فرق كثيرة ، حيث كان النزاع قائماً على قدم وساق منذ أن ظهر الاعتزال على يد واصل بن عطاء حتى أواسط القرن الخامس الذي قضي فيه على هذه الفرقة .
وأمّا القرن الثاني فكان عصر ازدهار المذاهب الكلامية ، وكانت الأمصار ميداناً لتضارب الأفكار .
فمنهم متزمت يقتصر في وصفه الله سبحانه على الألفاظ الواردة في الكتاب والسنّة ، ويفسّرها بمعانيها الحرفية ، من دون إمعان وتدبّر ، ويرفع صوته بأنّ لله يداً ووجهاً ورجلا وأنّه مستقرّ على عرشه .
ومنهم مرجئيّ يكتفي بالإيمان بالقول ، ويقدّمه ويؤخر العمل ويسوق المجتمع إلى التحلل الخلقي وترك الفرائض .
وآخر محكِّم يكفّر كلّ الطوائف الإسلامية غير أهل نحلته ، الذين كانوا يبغضون الخليفتين عثمان وعليّاً ، وكانوا يكفرّون الصدّيق الأعظم عليّ (عليه السلام) .
ومعتزلي يؤوّل الكتاب والسنّة بما يوافق معتقده وعقليّته .

1 . تدريب الراوي: 1 / 328 .

صفحه 61
وجهميّ ينفي صفات الله كلّها ، وينفي الاستطاعة والقدرة عن الإنسان ، ويحكم بفناء الجنّة والنار ، وقد هلك جهم بن صفوان عام 128 هـ .
وكرّامي يقول : الإيمان قول باللسان ، وإن اعتقد الكفر بقلبه فهو مؤمن ، وانّه سبحانه جسم لا كالأجسام، وقد هلك «كرّام» عام 255 هـ .
إلى غير ذلك من المناهج الرجعية التي أفسدت المسلمين والمجتمع الإسلامي بعقائدها الفاسدة ، فكيف يمكن ـ من هذا الجانب ـ وصف هذه القرون خيراً؟!
وأمّا إذا كان الملاك هو صفاء المجتمع من حيث السلم والصلح وسيادة الطمأنينة على المسلمين ، فهذا ما يكذّبه التاريخ ، فإنّ القرن الأوّل كان صحيفة سوداء في التاريخ الإسلامي ، وكان قرناً دمويّاً لم يرَ التاريخ مثله . فكيف يكون خير القرون؟! وأيّ يوم فيه كان يوم الصفاء والصلح؟!
أيوم قُتل فيه الخليفة عثمان بن عفان في عقر داره بمرآى ومسمع من المهاجرين والأنصار؟
أم يوم فتنة الجمل الذي قتلت فيه عشرات الآلاف من الطرفين بين صحابي وتابعي ، وقد عقب ذلك ترميل النساء وإيتام الأطفال ، وحدوث الأزمة والشدّة؟

صفحه 62
أم يوم صفّين الذي خرج فيه أمير الشام بوجه الإمام عليّ (عليه السلام) ، الذي بايعه المهاجرون والأنصار بيعة لم ير لها نظير في التاريخ ، فوقع صِدَام بين طائفتين من المسلمين كانت نتيجته إراقة دماء عشرات الأُلوف ، إلى أن انتهى إلى التحكيم؟
أم يوم ظهر الخوارج على الساحة الإسلامية يَغيرون ويقتلون الأبرياء إلى أن انتهت فتنتهم بقتل مشايخهم في النهروان؟
أم يوم أُغير على آل رسول الله بكربلاء ، حيث قتل فيه أبناء المصطفى ، وفيهم سبطه وريحانته سيد شباب أهل الجنّة ، وسُبيت بنات الزهراء ومن معهنّ من نساء أهل البيت حتى لم يبقَ بيت له برسول الله صلة إلاّ وقد ضجَّت فيه النوائح وعمّته الآلام والأحزان؟
أم يوم أُبيحت فيه مدينة رسول الله في وقعة الحرّة الشهيرة فقُتل الأصحاب والتابعون ، ونهبت الأموال ، وبقرت بطون الحوامل وهتكت الأعراض حتى ولدت الأبكار دون أن يعرفن أولادهن؟(1)
أم يوم حاصر جيش بني اُميّة مكّة المكرّمة والبيت العتيق ورموه بالحجارة ، لأجل القضاء على عبد الله بن الزبير؟
أم يوم تسلّم عبد الملك بن مروان منصّة الخلافة ، وقد عيّن الحجاج بن يوسف عاملا على العراق ، فسفك دماءً طاهرة ، وقتل

1 . منهج في الانتماء المذهبي : 277 .

صفحه 63
الأبرياء ، وزجّ بالسجون رجالا ونساءً من دون أن تظلّهم مظلّة تقيهم حرّ الشمس وبرد الليل  القارص؟
فكل تلك الحوادث الدموية قد وقعت ولمّا ينقضي القرن الأوّل ، فكيف يمكن أن يكون خير القرون وأفضلها؟!
وإن كان صاحب القرن هو الرسول الأعظم أفضل الخلق؟ إلاّ أنّ سيرته ، تختلف عن سيرة أُمّته التي وقفْتَ على صورة مجملة من أفعالها الدموية.(1)
وإن كان الملاك هو تمسّكهم بالدين في مجال الأحكام والفروع فهو أيضاً لم يتحقّق ، وإن شئت فارجع إلى ما حدث بعد رحيل النبي في نفس عام الرحلة ، فإنّ كثيراً ممّن رأى النبيّ الأكرم وأدركه وسمع حديثه أصبح يمتنع عن أداء الزكاة ، بل وارتدّ بعض عن دين الإسلام.
لكن لا ندري هل نصدق هذا الحديث أم نؤمن بما حدّث القرآن الكريم ، حيث يعتبر قوماً أعرف بمواقع الإسلام ويفضلهم على من كان في حضرة النبيّ من الصحابة الكرام وقد ارتدّ ، يقول سبحانه : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي

1 . للوقوف على هذه الحوادث المرّة ، لاحظ تاريخ الطبري ، تاريخ اليعقوبي ، مروج الذهب للمسعودي ، والكامل في التاريخ للجزري ، والإمامة والسياسة لابن قتيبة إلى غير ذلك من المعاجم التاريخية المعتبرة .

صفحه 64
اللهُ بِقَوْم يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّة عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّة عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِم ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ )(1) قل لي من هؤلاء الذين يعتزّ الله بهم سبحانه ويفضّلهم على أصحاب النبيّ؟ فلاحظ التفاسير.(2)
لا ندري هل نؤمن بهذا الحديث الذي رواه الشيخان أم نؤمن بما روياه أنفسهما في باب آخر ، قالا : قال رسول الله : «يرد عليَّ يوم القيامة رهط من أصحابي فيُجْلون عن الحوض فأقول : يا ربّ أصحابي ، فيقول : إنّه لا علم لك بما أحدثوا بعدك ، إنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى».(3)
هل نؤمن بهذا الحديث أم نؤمن بما رواه المؤرّخون في حياة الوليد بن عقبة وهو الذي وصفه سبحانه بكونه فاسقاً وقال : ( إنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأ فَتَبَيَّنُوا )(4) وقد أطبق المفسّرون في نزولها في الوليد بن عقبة .
هذا وقد ولّي الكوفة أيّام خلافة الخليفة الثالث فشرب الخمر ، وقام يصلّي بالناس صلاة الفجر فصلّى أربع ركعات ، وكان

1 . المائدة : 54 .
2 . لاحظ : تفسير الرازي: 3 / 427 ; تفسير النيسابوري بهامش تفسير الطبري: 6 / 165 .
3 . جامع الأصول: 11 / 120 برقم 7973 .
4 . الحجرات : 6.

صفحه 65
يقول في ركوعه وسجوده : اشربي واسقني ، ثمّ قاء في المحراب ثمّ سلّم وقال : هل أزيدكم، إلى آخر ما ذكره.(1)
وليس الوليد شخصاً وحيداً بين من عاصر النبيَّ الأكرم ، بل كان فيهم أصناف مختلفة لا يمكن الحكم باستقامتهم فضلا عن الحكم بعدالتهم .
فقد كان فيهم المنافقون المعروفون بالنفاق(2) ، والمختفون به(3) ، ومرضى القلوب(4) ، والسمّاعون كالريشة في مهبّ الرياح(5) ، وخالطو العمل الصالح بالسيّئ(6) ، والمشرفون على الارتداد(7) ، والمسلمون غير المؤمنين(8) ، والمؤلّفة قلوبهم(9) ، والمولّون أمام الكفّار(10) ، والفاسق.(11)

1 . الكامل في التاريخ: 2 / 52 ; أُسد الغابة: 5 / 91 إلى غيرهما من المصادر الكثيرة .
2 . لاحظ : المنافقون  : 1 ـ 8 .
3 . لاحظ : التوبة  : 101 .
4 . لاحظ : الأحزاب  : 12 .
5 . لاحظ : التوبة : 45 ـ 47 .
6 . لاحظ : التوبة : 102 .
7 . لاحظ : آل عمران : 154 .
8 . لاحظ : الحجرات : 14 .
9 . لاحظ : التوبة : 60 .
10 . لاحظ : الأنفال : 16 .
11 . لاحظ : الحجرات : 6 .

صفحه 66
نحن نترك تفسير الحديث إلى آونة أُخرى ، ولعلّ المحقّقين يجدون له تفسيراً ينطبق على التاريخ القطعي المشهود والملموس .

بدعة «جعل السلف معياراً للحق والباطل»

إنّ من البدعة في تفسيرها ، هو جعل السلف معياراً للحقّ والباطل والإصرار عليه ، فترى أنّ كثيراً ممّن ينتمون إلى السلفية يصفون كثيراً من الأُمور بالبدعة بحجّة أنّها لم تكن في عصر الصحابة والتابعين ، فهذا ابن تيمية يصف «الاحتفال في مولد النبي بدعة بحجّة أنّه لم يفعله السلف ، مع قيام المقتضي له وعدم المانع منه ، ولو كان هذا خيراً محضاً أو راجحاً ، لكان السلف ـ رضي الله عنهم ـ أحقّ منّا فإنّهم كانوا أشدّ محبّة لرسول الله وتعظيماً له منّا وهم على الخير أحرص».(1)
ويقول في حقّ القيام للمصحف وتقبيله : «لا نعلم فيه شيئاً مأثوراً عن السلف».(2)
وقد ورث هذه الفكرة كثير ممّن يؤمن بمنهجه . وهذا هو عبد الله بن سليمان بن بُليهد الذي قام باستفتاء علماء المدينة بتخريب قباب الصحابة وأئمة أهل البيت في بقيع الغرقد عام

1 . اقتضاء الصراط المستقيم : 276 .
2 . الفتاوى الكبرى: 1 / 176 .

صفحه 67
1344 هـ وقد نشر مقالا في جريدة أُمّ القرى في عدد جمادى الآخرة سنة 1345 هـ جاء فيه : لم نسمع في خير القرون أنّ هذه البدعة (البناء على القبور) حدثت فيها بل بعد القرون الخمسة.(1)
وبدورنا نشكر الشيخ ابن بليهد حيث وسع الأمر على المسلمين وأدخل عليها قرنين آخرين بعدما قصر مؤلف (الهدية السنية) العصمة على أهل القرون الثلاثة الأُولى ، ولكن نهيب بصاحب المقال بأنّ المسلمين وفي مقدمتهم عمر بن الخطاب قد فتحوا القدس ، وفيها مقابر الأنبياء ومقام إبراهيم ويعقوب وأولادهم ، وعليها قباب وأبنية ولم يَدُر بخلد أحد حتى الخليفة بأنّها بدعة كي يهدموها بمعاولهم .
إنّ هناك كلاماً جميلا للأُستاذ الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي ، فقد ألّف كتاباً باسم «السلفية مرحلة زمنيّة مباركة لا مذهب إسلامي» وقد أدّى فيه حقّ المقال ، نقتطف منه ما يأتي :
إنّ من الخطأ بمكان أن نعمد إلى كلمة (السلف) فنصوغ منها مصطلحاً جديداً ، طارئاً على تاريخ الشريعة الإسلامية والفكر الإسلامي ، ألا وهو «السلفية» فنجعله عنواناً مميزاً تندرج تحته فئة معيّنة من المسلمين ، تتّخذ لنفسها من معنى هذا العنوان وحده مفهوماً معيّناً ، وتعتمد فيه على فلسفة متميزة ، بحيث تغدو هذه

1 . كشف الارتياب : 357 ـ 358 .

صفحه 68
الفئة بموجب ذلك جماعة إسلامية جديدة في قائمة جماعات المسلمين المتكاثرة والمتعارضة بشكل مؤسف في هذا العصر ، تمتاز عن بقية المسلمين بأفكارها وميولاتها ; بل تختلف عنهم حتى بمزاجها النفسي ومقاييسها الأخلاقية كما هو الواقع اليوم فعلا .
بل إنّا لا نعدو الحقيقة إن قلنا : إنّ اختراع هذا المصطلح بمضامينه الجديدة التي أشرنا إليها ، بدعة طارئة في الدين ، لم يعرفها السلف الصالح لهذه الأُمّة ولا الخلف الملتزم بنهجه .
فإنّ السلف ـ رضوان الله عليهم ـ ، لم يتّخذوا من معنى هذه الكلمة بحدّ ذاتها مظهراً لأيّ شخصية متميّزة ، أو أي وجود فكري أو اجتماعي خاص بهم ، يميّزهم عمّن سواهم من المسلمين ، ولم يضعوا شيئاً من يقينهم الاعتقادي أو التزاماتهم السلوكية والأخلاقية في إطار جماعة إسلامية ذات فلسفة وشخصية فكرية مستقلّة . بل كان بينهم وبين من نسمّيهم اليوم بالخلف منتهى التفاعل وتبادل الفهم والأخذ والعطاء تحت سلطان ذلك المنهج الذي تمّ الاتّفاق عليه ، والاحتكام إليه ، ولم يكن يخطر في بال السابقين منهم ولا اللاحقين بهم أنّ حاجزاً سيختلق ليرتفع ما بينهما بصُنع طائفة من المسلمين فيما بعد ، وليقسّم سلسلة الأجيال الإسلامية الى فريقين ، يصبغ كلا منهما بلون مستقلّ من الأفكار والتصوّرات والاتّجاهات ،

صفحه 69
بل كانت كَلِمتا السلف والخلف في تصوّراتهم لا تعني ـ من وراء الانضباط بالمنهج الذي ألمحنا إليه ـ أكثر من ترتيب زماني كالذي تدلّ عليه كلمتا : (قبل وبعد).(1)
إنّ ما ذكره هذا المحقق هو الحق القراح الذي لا يرتاب فيه من له إلمام بالكتاب والسنّة وسيرة المسلمين وتاريخهم ، وأين هذا ممّا ذكره الدكتور سيد الجميلي حيث جعل للسلفية والسلف حقيقة شرعية وقال : كلمة السلفية والسلف مصطلحان شرعيان(2)، وليس هذا الاشتباه منه ببعيد لضآلة علمه بالتاريخ، وإن كنت في شك فانظر كيف فسّر الأشاعرة بقوله : هم أتباع أبي موسى الأشعري المتوفّى سنة 44 هـ مع أنّهم من أتباع أبي الحسن الأشعري المولود عام 260 هـ والمتوفّى عام 324 هـ وهو من أحفاد أبي موسى الأشعري ، فهذا مبلغ علمه ويريد أن يقضي بين الفقهاء والمجتهدين والمحدّثين!!

1 . السلفية مرحلة زمنية لا مذهب إسلامي : 13 ـ 14 .
2 . مناظرات ابن تيمية مع فقهاء عصره : 103 .

صفحه 70
أسباب نشوء البدعة   

المبحث الخامس

أسباب نشوء البدعة

البدعة عمل اختياري للمبدع ولها ـ كسائر الأفعال الاختيارية ـ أسباب وغايات يعدّ الجميع مناشئ لها، ولا توجد البدعة إلاّ في ظلّ أسباب وغايات، ومن خلال عرض النصوص الدينية وما دخل في التاريخ من بدع ، يمكن التوصّل إلى ما نتبنّاه في هذا الفصل .

1 ـ المبالغة في التعبّد لله تعالى

هذا العنوان ذكره الشاطبي لدى تعريفه للبدعة ، حيث قال : «طريقة مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبّد لله تبارك وتعالى»(1) . وهذا وإن لم يكن أمراً كليّاً صادقاً في جميع مواردها لكنّه أحد أسباب نشوء البدع ، كما يشهد له التاريخ، ولعلّ من هذا المنطلق استأذن عثمان بن مظعون النبيّ في الإخصاء ، فقال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) : «ليس منّا من خصي أو اختصى ، إنّ اختصاء أُمّتي الصيام» إلى أن قال : ائذن لي في الترهب ، قال : «إنّ ترهّب أُمّتي

1 . الاعتصام: 1 / 37 .

صفحه 71
الجلوس في المساجد لانتظار الصلاة».(1)
فإنّ المبتدع ربّما يتصوّر أنّ ما اخترعه من طريقة توصله إلى رضا الله سبحانه أكثر ممّا رسمه صاحب الشريعة ، فلأجل ذلك يترك قول الشارع ويعمل طبق فكرته ، ويذيع ذلك بين الناس باسم الشرع ، ولهذا أيضاً شواهد في التاريخ نقتطف منها ما يلي :
1 ـ روى جابر بن عبد الله : أنّ رسول الله كان في سفر فرأى رجلا عليه زحام قد ظُلِّل عليه فقال : «ما هذا؟» قالوا : صائم ، قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «ليس من البرّ الصيام في السفر».(2)
2 ـ روى الكليني عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال : إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)خرج من المدينة إلى مكّة في شهر رمضان ومعه الناس وفيهم المشاة ، فلمّا انتهى إلى كُراع الغميم دعا بقدح من ماء فيما بين الظهر والعصر فشرب وأفطر ثمّ أفطر الناس معه وثَمّ أُناس على صومهم فسمّاهم رسول الله العصاة وإنّما يؤخذ بآخر أمر رسول الله.(3)
فإنّ الإنسان المتزمّت يتخيّل انّه لو سافر صائماً يكون عمله أكثر قبولا عند الله تبارك وتعالى ، ولكنّه غافل عن مناطات التشريع

1 . الاعتصام: 1 / 325 .
2 . مسند أحمد: 3 / 319 و 399 ، ولاحظ الفقيه: 2 / 92، برقم 2 .
3 . الكافي: 4 / 127، برقم 5 باب كراهية الصوم في السفر .

صفحه 72
وملاكاتها العامة ، التي توجب الإفطار في السفر ، ليكون الدين رفقاً بالإنسان ، يجذب الناس إليه ، قال سبحانه : ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج ).(1)
3 ـ روى مالك في الموطّأ : أنّ رسول الله رأى رجلا قائماً في الشمس فقال : «ما بال هذا؟» قال : نذر ألا يتكلّم ولا يستظلّ من الشمس ولا يجلس ويصوم ، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «مره فليتكلّم وليستظلّ وليجلس وليتمّ صيامه».(2)
4 ـ روى البخاري عن قيس بن أبي حازم : دخل أبوبكر على امرأة فرآها لا تتكلّم، فقال : «ما لها لا تتكلّم؟» فقيل : حجّت مصمِتة ، قال لها : «تكلّمي فإنّ هذا لا يحلّ ، هذا من عمل الجاهلية» فتكلّمت.(3)
5 ـ إنّ متعة الحج ممّا نصّ عليها الكتاب العزيز فقال : ( فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَىْ الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ )(4) والمقصود من متعة الحج هو حجّ التمتع ، وهو أن ينشئ المتمتع بها إحرامه في أشهر الحج من الميقات ، فيأتي مكّة ويطوف بالبيت ثمّ يسعى بين

1 . الحجّ : 78 .
2 . الموطّأ: 2 / 475، برقم 6 كتاب الأيمان والنذور .
3 . صحيح البخاري: 5 / 41 ـ 42، باب أيام الجاهلية .
4 . البقرة : 196 .

صفحه 73
الصفا والمروة ، ثمّ يقصّر ويحلّ من إحرامه ، فيقيم بعد ذلك محلاًّ حتى ينشئ في تلك السنة نفسها إحراماً آخر للحج من مكة ويخرج إلى عرفات ، ثمّ يفيض إلى المشعر الحرام ثمّ يأتي بأفعال الحج على ما هو مبيّن في محله . هذا هو التمتع بالعمرة إلى الحجّ وهو فرض من بعد عن مكة بثمانية وأربعين ميلا من كلّ جانب ، وإنّما أُضيف الحج بهذه الكيفية إلى التمتّع (حج التمتع) أو قيل عنه : بالتمتع بالحجّ ، لما فيه من المتعة أي اللّذة بإباحة محظورات الإحرام في المدّة المتخلّلة بين الإحرامين .
ولكن كان بين صحابة النبيّ من يستكره ذلك ، فقد روى الدارمي قال : سمعت عام حجّ معاوية يسأل سعد بن مالك : كيف تقول بالتمتع بالعمرة إلى الحجّ؟ قال : حسنة جميلة ، فقال : قد كان عمر ينهى عنها فأنت خير من عمر؟! قال : عمر خير منّي وقد فعل ذلك النبيّ هو خير من عمر.(1)
وروى الترمذي قال : حدّثنا قتيبة بن سعيد عن مالك بن أنس عن ابن شهاب عن محمد بن عبد الله بن الحارث بن نوفل ، أنّه سمع سعد بن أبي وقاص والضحاك بن قيس عام حجّ معاوية بن أبي سفيان وهما يذكران التمتّع بالعمرة إلى الحجّ ، فقال الضحاك بن قيس : لا يصنع ذلك إلاّ من جهل أمر الله تعالى . فقال سعد : بئس ما

1 . سنن الدارمي: 2 / 36، كتاب المناسك .

صفحه 74
قلت يا بن أخي! فقال الضحاك : فإنّ عمر بن الخطاب قد نهى عن ذلك . فقال سعد : قد صنعها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وصنعناها معه . هذا حديث صحيح.(1)
وروى ابن إسحاق عن الزهري عن سالم قال : إنّي لجالس مع ابن عمر في المسجد إذ جاءه رجل من أهل الشام فسأله عن التمتّع بالعمرة الى الحجّ ، فقال ابن عمر : حسن جميل . قال : فإنّ أباك كان ينهى عنها . فقال : ويلك! فإن كان أبي نهى عنها وقد فعله رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمر به ، أفبقول أبي آخذ ، أم بأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟! قم عنّي.(2)
ولأجل ذلك كان هذا الصحابي يحرم بإحرام واحد للعمرة والحج ، مع أنّ النبيّ أمر بإحرامين : الإحرام للعمرة ثمّ يتحلّل ويتمتّع بمحظورات الإحرام ثمّ يحرم للحج ، وما هذا إلاّ لزعم أنّ ترك التمتع بين العملين أكثر قربة إليه تعالى ، وقد برّر فتواه بعد الاعتراف بأنّ عمرة التمتّع سنّة رسول الله بقوله : ولكنّني أخشى أن يعرسوا بهنّ تحت الاراك ثمّ يروحوا بهنّ حجّاجاً.(3)
هذه بعض النماذج التي تعرّض لها التاريخ في شتّى المناسبات ، والجامع لذلك هو المبالغة في التعبّد لله ـ حسب زعمه ـ

1 . سنن الترمذي: 3 / 185 ، كتاب الحج ، طـ دار الفكر ـ بيروت .
2 . الجامع لأحكام القرآن: 2 / 388 .
3 . مسند أحمد : 1 / 49 .

صفحه 75
وهي ناشئة عن قلّة استيعاب المبتدع لما يجب أن يعرفه ، فانّ الله سبحانه أعرف بمصالح العباد ومفاسدهم ، وبأسباب السعادة والشقاء ، ولا يشذّ عن علمه شيء . وكم في التاريخ الإسلامي من شواهد واضحة على هذا السبب.(1)

2 ـ اتّباع الهوى

إنّ استعراض تاريخ المتنبّئين الذين ادّعوا النبوّة عن كذب ودجل ، يثبت بأنّ الأهواء وحبّ الظهور والصدارة كان له دور كبير في نشوء هذه الفكرة وظهورها على صعيد الحياة ، والمبتدع وإن لم يكن متنبِّئاً ، إلاّ أنّ عمله شعبة من شعب التنبّؤ ، وفي الروايات إشارات وتصريحات إلى ذلك . فقد خطب الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)الناس فقال : «أيّها الناس إنّما بدءُ وقوع الفتن أهواء تُتَّبع ، وأحكام تبتدع ، يخالف فيها كتاب الله ، يتولّى فيها رجال رجالا . . ..(2)
إنّ لحبّ الظهور دوراً كبيراً في الحياة الإنسانية ، فلو كانت هذه الغريزة جامحة لأدّت بالإنسان إلى ادّعاء مقامات ومناصب تختصّ بالأنبياء ، ولعلّ بعض المذاهب الظاهرة بين المسلمين في القرون الأُولى كانت ناشئة عن تلك الغريزة .
روى ابن أبي الحديد في شرح النهج أنّ عليّاً مرّ بقتلى

1 . لاحظ : السيرة النبوية لابن هشام: 2 / 316 ـ 317 ، صلح الحديبية .
2 . الكافي: 1 / 45، برقم 1، باب البدع .

صفحه 76
الخوارج فقال : «بؤساً لكم لقد ضرّكم من غرّكم» ، فقيل : ومن غرّهم؟ فقال : «الشيطان المضلّ ، والنفس الأمّارة بالسّوء ، غرّهم بالأماني وفسحت لهم في المعاصي ووعدتهم الاظهار فاقتحمت بهم النار».(1)

3 ـ حبّ الاستطلاع إلى ما هو دونه

إنّ حبّ الاستطلاع من نعم الله سبحانه; إذ في ظلّه يقف الإنسان على مجاهيله ويكتشف معلومات تهمّه في حياته ، ولولا ذلك الحبّ لكان الإنسان اليوم في أوليات حياته في العلم والمعرفة ، قال سبحانه : ( واللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالاَْبْصَارَ وَالاَْفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ )(2) ومع اشتراك الكلّ في تلك النعمة المعنوية إلاّ أنّ الطاقات الكامنة لدى الإنسان تختلف من واحد إلى آخر ، فليس لكلّ إنسان قابلية التطلّع إلى كلّ شيء واستعراض جميع المجاهيل ، ولهذا ربّما أدّى ذلك العمل إلى الزلّة في الفكر والمعتقد ، ولذلك ترى عليّاً(عليه السلام) ينهى عن الغور في القدر فيقول : «طريق مظلم فلا تسلكوه ، وبحر عميق فلا تلجوه ، وسرّ الله فلا تتكلّفوه»(3) . ولكن

1 . شرح نهج البلاغة: 19 / 235 .
2 . النحل : 78 .
3 . نهج البلاغة : قصار الحكم رقم 287 .

صفحه 77
الإمام نفسه تكلّم في مواضيع أُخر عن القضاء والقدر حينما كان يجد إنساناً قادراً على درك المفاهيم الغامضة .
إنّ القرون الثلاثة الأُول ، كانت قرون ظهور المذاهب الكلامية والفقهيّة ، وكانت الأمصار وحواضرها الكبرى ميداناً لمطارحات الفرق المختلفة ، وقد ظهرت في تلك القرون أكثر المذاهب والفرق ، مع أنّ الحقّ في طرف واحد ، فلو أنّهم توحّدوا في العقائد; لما أدّى بهم الأمر إلى شقّ العصى وإيجاد الفرقة ، وبالتالي ذهاب الوحدة الإسلامية في مهبّ الريح ضحية البحوث الكلامية والفقهية وغير ذلك .
كان للخوض في الآيات المتشابهات دور كبير في ظهور البدع في الصفات الخبرية ، وفي تفسير اليد والرجل والوجه لله سبحانه الواردة في الكتاب والسنّة ، فقد كان البسطاء يخوضون في تفسيرها من دون إرجاعها إلى المحكمات التي هي أُمّ  الكتاب، وما هذا إلاّ لقصور أفهامهم وقلّة بضاعتهم العلمية ، فكان واجبهم السكوت وسؤال الراسخين في العلم ، دون الخوض فيها .
إنّ للشيخ الرئيس أبي علي ابن سينا نصيحة لطلاب الفلسفة والحكمة ، يحثّهم على عدم إذاعة ذلك العلم بين اُناس ليس لهم قابلية التفكير الواسع ، فيقول في آخر كتاب الإشارات :
«أيّها الأخ إنّي قد مخضت لك في هذه الإشارات عن زبدة

صفحه 78
الحق ، وألقمتك قفي(1) الحكم في لطائف الكلم . فصُنْه عن الجاهلين والمبتذلين ومن لم يرزق الفطنة الوقّادة والدربة والعادة وكان صغاه(2) مع الغاغة ، أو كان من ملحدة هؤلاء الفلاسفة ومن همجهم ، فإن وجدت من تثق بنقاء سريرته واستقامة سيرته وبتوقّفه عمّا يتسرّع إليه الوسواس ، وينظر إلى الحقّ بعين الرضا والصدق فآته ما يسألك منه مدرجاً مجزءاً مفرقاً تستفرس ممّا تسلفه لما تستقبله . وعاهدْه بالله وبأيمان لا مخارج لها ليجري فيما يأتيه مجراك متأسّياً بك فإن أذعتَ هذا العلم أو أضعته فالله بيني وبينك وكفى بالله وكيلا».(3)

4 ـ التعصّب الممقوت

وهناك سبب آخر لا يقل تأثيره عمّا سبق من الأسباب
وهو تقليد الآباء والأجداد ، وصيانة كيانهم وسننهم ، فإنّ
اتّباع الأهواء القبلية والقومية وما شاكل، فإنّها من أعظم سدود المعرفة وموانعها ، وهي التي منعت الأُمم عبر التاريخ من الخضوع للأنبياء والرسل رغم البراهين الواضحة كما يقول سبحانه : ( وَكَذلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَة مِنْ نَذِير إلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إنَّا

1 . القفي  : الشيء الذي يؤثر به للضيف .
2 . صغاه  : ميله .
3 . كتاب الإشارات: 3 / 419 .

صفحه 79
وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّة وَإنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ ).(1)
ومن هذا المنطلق ، اقترح تميم بن جراشة على النبيّ ـ عندما جاء على رأس وفد من الطائف يخبره بإسلام قومه ـ أن يكتب لهم كتاباً ، بأن يفي لهم بأُمور ، يقول : قدمتُ على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في وفد ثقيف فأسلمنا وسألناه أن يكتب لنا كتاباً فيه شروط، فقال : اكتُبوا ما بدا لكم ثمّ إيتوني به ، فسألناه في كتابه أن يُحلّ لنا الربا والزنا ، فأبى عليّ (رضي الله عنه): أن يكتب لنا ، فسألنا خالد بن سعيد بن العاص ، فقال له علي : تدري ما تكتب؟ قال : أكتب ما قالوا ، ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أولى بأمره ، فذهبنا بالكتاب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال للقارئ : اقرأ ، فلمّا انتهى إلى الربا قال : «ضع يدي عليها في الكتاب» ، فوضع يده فقال : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا )(2) الآية ، ثمّ محاها ، وأُلقيت علينا السكينة فما راجعناه ، فلمّا بلغ الزنا وضع يده عليها (وقال :) ( وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَا إنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً )(3) الآية ، ثمّ محاها وأمر بكتابنا أن ينسخ لنا.(4)
ورواه ابن هشام بصورة أُخرى قال : وقد كان ممّا سألوا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يدع لهم الطاغية; وهي اللاّت ، لا يهدمها ثلاث

1 . الزخرف  : 23 .
2 . البقرة  : 278 .
3 . الإسراء  : 32 .
4 . أُسد الغابة: 1 / 216، مادة «تميم» و 3 / 406 .

صفحه 80
سنين ، فأبى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك عليهم فما برحوا يسألونه سنة سنة ، ويأبى عليهم ، حتى سألوا شهراً واحداً بعد مقدمهم ، فأبى عليهم أن يدعها شيئاً مسمّى ، وإنّما يريدون بذلك فيما يظهرون أن يتسلّموا بتركها من سفهائهم ونسائهم وذراريهم ، ويكرهون أن يروّعوا قومهم بهدمها حتى يدخلهم الإسلام ، فأبى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إلاّ أن يبعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة فيهدماها ، وقد كانوا سألوه مع ترك الطاغية أن يعفيهم من الصلاة ، وأن لا يكسروا أوثانهم بأيديهم . فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : أمّا كسر أوثانكم بأيديكم فسنعفيكم منه ، وأمّا الصلاة ، فإنّه لا خير في دين لا صلاة فيه . فقالوا : يا محمد ، فسنؤتيكها ، وإن كانت دناءة.(1)
انظر إلى التعصّب المميت للعقل يسأل رسول الله ـ الذي بعث لكسر الأصنام وتحطيم كلّ معبود سوى الله ـ أن يدع لهم الطاغية وهي اللاّت لا يهدمها ثلاث سنين . . . .
وكان هذا الاقتراح نابعاً عن العصبية لطرق الآباء وسلوكهم ، وكان المقترح في حضرة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) .
هذه هي الأسباب العامّة ، وهناك أسباب خاصّة لظهور البدع في المجتمع الإسلامي لا تخفى على القارئ الكريم منها .

1 . السيرة النبوية: 2 / 537 ـ 543 .

صفحه 81

5 ـ التسليم لغير المعصوم

إنّ من أسباب نشوء البدع التسليم لغير المعصوم ، فلا شكّ أنّه يخطأ وربّما يكذب ، فالتسليم لقوله سبب للفرية على الله سبحانه والتدخّل في دينه عقيدة وشريعة .
فإذا كان النبيّ الأكرم خاتم النبيين وكتابه خاتم الكتب وشريعته خاتمة الشرائع; فلا حكم إلاّ ما حكم به ، ولا سنّة إلاّ ما سنّه ، والخروج عن هذا الإطار تمهيد لطريق المبتدعين . وفي ضوء ذلك لا معنى معقول لتقسيم السنّة إلى سنّة النبيّ وسنّة الصحابة ، وتلقّي الأخيرة حجّة شرعية وإن لم تُسند إلى المصدرين الرئيسيين . وهذه كتب الحديث والفقه تطفح بسنّة الصحابة; فهناك سنن تُنسب إلى الخليفة الأوّل والثاني والثالث ، فما معنى هذه السنن إذا لم تستند إلى الكتاب والسنّة؟! ولو أُسندت فلا معنى لإضافتها إليهم . كما أنّ الإفتاء بمضمون تلك السنن بدعة في الشريعة .
وهناك كلام للدكتور عزّت علي عطية ، جعل فيه الاقتداء بأئمة أهل البيت تسليماً لغير المعصوم ثمّ قال : نتساءل عن الصلة بين هذا الإمام وبين الله جلّ جلاله ، هل هي وحي ، أم إلهام أم حلول؟ إن كانت وحياً فقد نفوه ، وإن كانت حلولا فهو الكفر بعينه ، وإن كانت إلهاماً فما الذي يفرق بينه وبين وساوس الشيطان وخطرات النفوس.(1)

1 . البدعة  : 245 .

صفحه 82
إنّ الدكتور عطية لم يدرس عقائد الإمامية حقّها وإنّما اكتفى بكتاب صغير كتب في بيان العقائد لا في البرهنة عليها ، ولو أنّه رجع إلى علمائهم ومؤلّفاتهم لوقف على أدلّة عصمة الأئمة ، فإنّ أحد تلك الأدلّة هو حديث الثقلين الذي أطبق المحدّثون على نقله ، وهو أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال : «إنّي تارك فيكم الثقلين : كتاب الله وعترتي أهل بيتي لن تضلّوا ما إن تمسّكتم بهما» . فإن كانت العترة عدلا للكتاب وقريناً له فتوصف بوصفه ، فالكتاب معصوم عن الخطأ( لا يَأْتِيْهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِه )(1) فتكون العترة مثله .
وأمّا مصدر علومهم; فغالب علومهم مأخوذ من الكتاب والسنّة إذ أخذ عليّ(عليه السلام) عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأخذ الحسن(عليه السلام) عن أبيه ، وهكذا كل إمام يأخذ عن أبيه ، علم يتناقل ضمن هذه السلسلة الطاهرة المعروفة ، ولم يأخذ أحد منهم(عليهم السلام) عن صحابي ولا تابعي أبداً ، بل أخذ الجميع عنهم ، ومنهم انتقلت العلوم إلى الآخرين كما تلقّاها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من لدن حكيم خبير .
قال الإمام الباقر(عليه السلام) : «يا جابر لو كنّا نحدّثكم برأينا وهوانا لكنّا من الهالكين ، ولكن نحدّثكم بأحاديث نكنزها عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)كما يكنز هؤلاء ذهبهم وفضّتهم» .(2)

1 . فصلت: 42.
2 . بصائر الدرجات: 319 ح 1 ; بحار الأنوار : 2 / 172 ح 1 .

صفحه 83
وهناك مصدر آخر لعلومهم وهو أنّهم محدّثون كما أنّ مريم كانت محدّثة ، وكما كان عمر بن الخطاب محدّثاً حسب ما رواه البخاري ، روى أبو هريرة قال : قال النبي : «لقد كان فيمن قبلكم من بني إسرائيل رجال يُكلَّمون من غير أن يكونوا أنبياء فإن كان من أُمّتي أحد فعمر»(1) . لكن الدكتور خلط بين التحديث والوحي .
وأمّا أنّهم بماذا يميّزون الإلهام من وساوس الشيطان ، فليس بأمر عسير; فإنّ الوساوس تدخل القلب بتردّد، والإلهام يرد النفس بصورة علم قاطع، ولأجل ذلك تلقّت مريم وأُمّ موسى ما أُلهمتا به ، كلاماً إلهياً ، لا وسوسة شيطانية .

1 . صحيح البخاري: 2 / 194، باب مناقب عمر بن الخطاب .

صفحه 84
تقسيمات البدعة   

المبحث السادس

تقسيمات البدعة

إذا كانت البدعة بمعنى التدخّل في أمر الشرع بزيادة أو نقيصة في مجالي العقيدة والشريعة ، من غير فرق بين العبادات والمعاملات والإيقاعات والسياسات ، فليس لها إلاّ قسم واحد لا يُثَنّى ولا يتكثّر، ولكن ربّما تقسم البدعة إلى تقسيمات نذكر منها ما يلي :

1 ـ تقسيم البدعة إلى حسنة وسيّئة

لقد جاء هذا التقسيم في كلمات الإمام الشافعي ، وابن حزم والغزالي والدهلوي وابن الأثير(1) وغيرهم ، والأصل في ذلك قول الخليفة عمر بن الخطاب ، وقد ظهر على لسانه في السنة الرابعة عشرة من الهجرة ، عندما جمع الناس للصلاة بإمامة أُبيّ بن كعب في شهر رمضان ووصف الجماعة بقوله : «نعم البدعة هذه» والأصل في ذلك ما رواه البخاري وغيره .

1 . لاحظ : النهاية: 1 / 79 .

صفحه 85
قال عبدالرحمن بن عبدالقارئ : خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرّقون يصلّي الرجل لنفسه ، ويصلّي الرجال فيصلّي بصلاته الرهط، فقال عمر : إنّي أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل ، ثمّ عزم فجمعهم على أُبيّ بن كعب ، ثمّ خرجت معه ليلة أُخرى والناس يصلّون بصلاة قارئهم ، قال عمر : «نعم البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون» يريد آخر الليل ، وكان الناس يقومون أوّله.(1)
إنّ إقامة صلاة التراويح جماعة لا تخلو من صورتين :
الأُولى : إذا كان لها أصل في الكتاب والسنّة ، فعندئذ يكون عمل الخليفة إحياء لسنّة متروكة سواء أراد إقامتها جماعة أو جمعهم على قارئ واحد ، فلا يصحّ قوله : «نعم البدعة هذه» إذ ليس عمله تدخّلا في الشريعة .
الثانية : إذا لم يكن هناك أصل في المصدرين الرئيسيّين ، لا لإقامتها جماعة أو لجمعهم على قارئ واحد ، وإنّما كره الخليفة تفرّق الناس ، ولأجل ذلك أمرهم بإقامتها جماعة ، أو بقارئ واحد ، وعندئذ تكون هذه بدعة قبيحة محرّمة .
توضيح ذلك أنّ البدعة التي تحدّث عنها الكتاب والسنّة هي

1 . صحيح البخاري: 3 / 58، كتاب الصوم ، باب فضل من قام رمضان .

صفحه 86
التدخّل في أمر الدين بزيادة أو نقيصة ، والتصرّف في التشريع الإسلامي ، وهي بهذا المعنى لا يمكن أن تكون إلاّ أمراً محرّماً ومذموماً ولا يصحّ تقسيمه إلى حسنة وقبيحة ، وهذا شيء واضح لا يحتاج إلى استدلال .
نعم ، البدعة بالمعنى اللغوي التي تعمّ الدين وغيره تنقسم إلى قسمين ، فكلّ شيء محدث مفيد في حياة المجتمعات من العادات والرسوم ، إذا أُدّي به من دون الاسناد إلى الدين ولم يكن محرّماً بالذات شرعاً ، كان بدعة حسنة ، أي أمراً جديداً مفيداً للمجتمع ، كما إذا احتفل الشعب بيوم استقلاله في كلّ عام ، أو اجتمع للبراءة من أعدائه أو أقام الأفراح لمولد بطل من أبطاله ، وبالجملة ما هو حلال بالذات لا مانع من أن تتّفق عليه الأُمّة ، وتتّخذه عادة متبعة في المناسبات ، ويكون بدعة لغوية .
وأمّا ما كان محرّماً بالذات فهو محرّم ليس من باب البدعة . فلو اتّخذ أمراً مرسوماً ورائجاً ، مثل دخول النساء سافرات متبرّجات في مجالس الرجال في الاستقبالات والضيافات ، فهذا أمر حرام بالذات أولا ، وليس بمحرم من باب البدعة الشرعية ، بمعنى التدخّل في أمر الدين والتسنين فيه والتشريع على خلاف ما شرّعه الشارع ، وإنّما هو عمل محرّم اتّخذ أمراً رائجاً لا باسم الدين ولا باسم الشريعة ، وأقصى ما يعتذر بأنّه مقتضى الحضارة العصرية ، مع

صفحه 87
الاعتراف بكونه مخالفاً للشرع ، ولو قيل إنّه بدعة قبيحة أو مذمومة ، فإنّما هو بحسب معناها اللغوي .
وبذلك يظهر أنّ أكثر من أطنب الكلام في تقسيم البدعة إلى حسنة وسيّئة فقط خلط البدعة في مصطلح الشرع بالبدعة اللغوية ، فأسهبوا في الكلام وأتوا بأمثلة كثيرة زاعمين أنّها من البدع الشرعية مع أنّ أمرها يدور بين أمرين :
إمّا أنّها عمل ديني يؤتى بها باسم الدين والشريعة ، ولكن يوجد لها أصل فيهما ، فتخرج بذلك عن عنوان البدعة ، كتدوين الكتاب والسنّة إذا خيف عليهما التلف من الصدور ، وبناء المدارس والرُّبُط(1) وغيرهما . وقد مثلوا بالتدوين للبدعة الواجبة ، وببناء المدارس والرُّبَط بالبدعة المستحبّة ، مع أنّهما ليسا ببدعة لوجود أصل صالح لهما في الشريعة .
أو أنّها عمل عادي لا يؤتى بها باسم الدين بل يؤتى بها لأجل تطوير الحياة وطلب الرفاه ، فتكون خارجاً عن موضوع البدعة في الشرع ، كنخل الدقيق ، فقد ورد أنّ أوّل شيء أحدثه الناس بعد رسول الله ، اتّخاذ المناخل ولين العيش من المباحات .
وإنّما يصح إطلاق البدعة عليها بالمعنى اللغوي ، بمعنى الشيء الجديد ، سواء كان عملا دينياً أو عادياً . وقد وافقَنا على نفي

1 . جمع رَباط; وهي الخانات الموقوفة على النزّال والغرباء والفقراء وأشباههم.

صفحه 88
ذاك التقسيم لفيف من المحقّقين :
منهم : أبو إسحاق الشاطبي في كلام مسهب نذكر منه ما يلي :
إنّ متعقّل البدعة يقتضي ذلك بنفسه لأنّه من باب مضادة الشارع واطّراح الشرع ، وكلّ ما كان بهذه المثابة فمحال أن ينقسم إلى حسن وقبيح ، وأن يكون منه ما يمدح ومنه ما يذم; إذ لا يصح في معقول ولا منقول استحسان مشاقة الشارع . وأيضاً فلو فرض أنّه جاء في النقل استحسان بعض البدع أو استثناء بعضها عن الذمّ لم يتصوّر; لأنّ البدعة طريقة تضاهي المشروعة من غير أن تكون كذلك . وكون الشارع يستحسنها دليل على مشروعيتها; إذ لو قال الشارع «المحدثة الفلانية حسنة» لصارت مشروعة .
ولمّا ثبت ذمّها ، ثبت ذمّ صاحبها ، لأنّها ليست بمذمومة من حيث تصوّرها فقط ، بل من حيث اتّصف بها المتّصف ، فهو إذن المذموم على الحقيقة ، والذمّ خاصة التأثيم ، فالمبتدع مذموم آثم ، وذلك على الإطلاق والعموم».(1)
ومنهم : العلاّمة المجلسي قال : «إحداث أمر لم يرد فيه نصّ بدعة ، سواء كان أصله مبتدعاً أو خصوصياته مبتدعة فلربما يقال : إنّ البدعة منقسمة بانقسام الأحكام الخمسة أمر باطل; إذ لا تطلق البدعة إلاّ على ما كان محرّماً ، كما قال رسول الله : «كلّ بدعة ضلالة ،

1 . الموافقات: 1 / 142 .

صفحه 89
وكلّ ضلالة سبيلها إلى النار».(1)
ومنهم : الشهيد في قواعده قال : محدثات الأُمور بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)تنقسم أقساماً : لا يطلق اسم البدعة عندنا إلاّ على ما هو محرّم منها.(2)

سؤال وجواب :

وهناك سؤال يطرح نفسه ، وهو أنّه إذا كانت البدعة قسماً واحداً وأمراً محرّماً مقابل السنّة ، لا تقبل التقسيم إلى غيره فما معنى قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «من سنّ في الإسلام سنّة حسنة فعُمل بها بعده ، كُتب له أجر من عمل بها ولا ينقص من أُجورهم من شيء ، ومن سنّ سنة سيئة فعُمل بها بعده كُتب له مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء».(3)
والجواب : أنّ الشقّ الأوّل راجع إلى المباحات العامّة المفيدة للمجتمع ، كإنشاء المدارس والمكتبات وسائر الأعمال الخيريّة ، فلو أنّ رجلا قام بإنشاء مدرسة أو مكتبة وصار عمله أُسوة للغير ، فقام الآخرون بإنشاء مدارس في سائر الأمكنة ، فهو سنّة حسنة .

1 . بحار الأنوار : 74 / 203 .
2 . القواعد والفوائد: 2 / 144 ـ 145، القاعدة 205 . ونعلّق على كلامه أنّ القسم إنّما يكون بدعة إذا أتى باسم الدين ، وإلاّ يكون محرّماً ومعصية لا بدعة .
3 . صحيح مسلم: 8 / 61، كتاب العلم .

صفحه 90
وأمّا الشقّ الثاني : فهو راجع إلى الأُمور المحرّمة بالذات ، فلو قام أحد بإقامة احتفال أشرك فيها النساء السافرات المتبرّجات ، ثمّ صار عمله قدوة للآخرين ، فعلى هذا المسنن وزر عمله ووزر من عمل بسنّته .
وعلى ضوء ذلك فالحديث لا يمتّ بصلة الى البدعة المصطلحة ، ولم يكن ببال أحد من الشخصين التدخّل في أمر الشرع بالزيادة والنقيصة ، بل كلّ قام بعمل خاصّ حسب دواعيه وحوافزه النفسية ، فالإنسان العاطفي يندفع إلى القسم الأوّل الذي ربّما يكون مباحاً أو مسنوناً ، ومن حسن الحظّ ، يكون عمله قدوة ، والإنسان الإجرامي يندفع إلى القسم الثاني ، فيعصي الله سبحانه لا باسم البدعة بل بارتكاب عمل محرّم ، ومن سوء الحظّ يكون عمله قدوة .
فكلا العملين لا صلة لهما بالبدعة الشرعية أصلا ، ولو أُطلقت فإنّما تطلق عليهما بالمعنى اللغوي ، أي إبداع أمر لم يكن ، سواء أكان مباحاً أم حراماً ، ومن المعلوم أنّه ليس كلّ محرّم بدعة وإن كانت كلّ بدعة محرّمة .

2 ـ تقسيم البدعة إلى عادية وشرعية

قد عرفت أنّ للبدعة تقسيمات باعتبارات مختلفة ، وعرفت مدى صحّة تقسيمها إلى حسنة وسيئة ، ومنها أنّها تنقسم إلى عادية

صفحه 91
وشرعية ، وهذا العنوان أوضح ممّا ذكره الشاطبي حيث قال : تقسيمها إلى العادية والتعبديّة(1) ، وذلك لأنّ الأُمور التعبديّة قسم من الأحكام الشرعية التي يعتبر في صحة امتثالها قصد القربة ، والإتيان بها لأجل التقرّب وكسب الرضا وامتثال الأمر ، وهي منحصِرَة بالطهارات الثلاث : الوضوء والتيمّم والغسل بأقسامه ، والصلاة والزكاة والصوم والحجّ والنذر وما ضاهاها ، ولكن الأُمور الشرعية هي التي للشارع فيها دور ، أوسع من التعبديّات . ولذلك قسّم الفقهاء الأحكام الشرعية إلى أربعة :
1 ـ العبادات ، ويدخل فيها ما ذكرناه من الأصناف .
2 ـ العقود ، وتدخل فيها عامة المعاملات ممّا تحتاج إلى إيجاب وقبول ، كالبيع والرهن والوديعة والصلح والشركة والمضاربة والمساقاة والمزارعة إلى غير ذلك ممّا هو مذكور في محلّه .
3 ـ الإيقاعات وهي ما تقوم بجانب واحد ، كالطلاق بأقسامه والإيلاء والظهار ، وتدخل فيها المواريث إلحاقاً حكمياً .
4 ـ السياسات ، ويدخل فيها القضاء والحدود والديات وما شابهها .
فلو كان هناك شيء خارج عن الأبواب الأربعة موضوعاً ،

1 . الاعتصام: 2 / 79 .

صفحه 92
فهو بوجه ما ملحق بواحد منها ، فهذه كلّها أُمور شرعية وللشارع فيها دور ، إمّا تأسيساً واختراعاً كالعبادات والحدود والديات ، أو إمضاءً واعترافاً لما في يد العقلاء ، لكن مع تحديدها بشروط مذكورة في الفقه . فالتدخل في هذه الأبواب الأربعة بزيادة أو نقيصة كالنكاح بلا صداق ، أو البيع بلا ثمن ، والإجارة بلا أُجرة ، والطلاق في أيام الحيض أو تجويز الربا وبيع الكلب والخنزير ، أو تحوير الأحكام الشرعية في باب السياسات ، كلّها بدعة في أُمور شرعية .
كلّ هذا يُلْزِمنا أن نعبّر بالشرعية مكان التعبدية إلاّ أن يراد منها ما يرادف مطلق الأحكام والأُمور الشرعية فإذاً لا مشاحة في الاصطلاح .
وأمّا العادية : فهي إمّا تدور مدار تقاليد وأعراف الناس ، سواء أكانت لها جذور تاريخية أم كانت أمراً محدثاً . وإمّا تطوير لمظاهر الحياة العامة ، الصناعية أو الثقافية أو الزراعية أو غير ذلك . وكل ذلك أُمور عادية تركها الشارع إلى الناس ، وجعل الأصل فيها الإباحة ، لكنّه حدّدها بأُطر عامة ، ولم يتدخل في جزئياتها ، وما لم تخالف الضوابط العامة فالناس فيها أحرار يفعلون ما يشاءُون ، ويعملون ما يريدون .
فعلى ذلك هل يقع البحث في صدق البدعة في الأُمور العادية

صفحه 93
مقابل الأُمور الشرعية التي تعرّفت على معناها الواسع ، أو لا يقع؟ وبما أنّك وقفت على حدود البدعة ، وأنّها عبارة عن الزيادة أو النقيصة في الشريعة والتدخل في الأُمور الدينية ، فلا تصدق في مورد الأُمور العادية بأي نحو كانت ، إذ ليست هي أُموراً تمتّ إلى الشرع ، فأمرها يدور بين الجائز والحرام لا بين البدعة والسنّة . وليس كلّ حرام بدعة ، وإليك التوضيح :
إنّ لكلّ قوم آداباً خاصة في لقاءاتهم السنويّة ، وأُمورهم العمرانية ، وفي كيفية استغلال الطبيعة ، فمثلا ربّما تقتضي مصلحتهم تخصيص يوم واحد لتكريم زعيمهم ، أو يوم واحد للبراءة من عدوّهم ، أو توجب المصالح تطوير خدماتهم العمرانية وما ضاهاها ، أو استخدام أجهزة حديثة لاستغلال الطبيعة ، فقد ترك الشارع هذه الأُمور إلى الناس ، ولم يتدخل فيها إلاّ بوضع الأُطر العامة لها ، وهي أن لا يكون العمل مخالفاً للقواعد والضوابط العامة ، ولولا هذه المرونة لما كان الإسلام ديناً عالمياً سائداً ، ولتوقّفت حركته منذ أقدم العصور ، ونأتي بمثال لمزيد من التوضيح :
قد حدثت في العصور الأخيرة عدّة تقاليد في ميدان الألعاب الرياضية; ككرة القدم ، والسلّة ، والطائرة ، والمصارعة، والملاكمة، وغير ذلك، فبما أنّها اُمور عادية محدثة فلا تعدّ بدعة في الدين . ولو

صفحه 94
صحّ إطلاق البدعة فإنّما هو باعتبار المعنى اللغوي ، أي الشيء الجديد في ميادين الحياة ، لا في الأُمور الشرعية ، غاية الأمر يجب أن تحدد شرعيتها بالضوابط الكلية ، بأن لا يكون هناك اختلاط بين الرجال والنساء من اللاعبين ، وأن لا يكون هناك ضرر وإضرار كما هو المحتمل في الملاكمة .
والحاصل : أنّ الأصل في الأُمور العادية هو البراءة حتى يدلّ دليل على خلافه . وقد صرّح بذلك لفيف من العلماء منهم ابن تيمية ، يقول : إنّ أعمال الخلق تنقسم إلى قسمين :
1 ـ عبادات(1) : يتّخذونها ديناً ينتفعون بها في الآخرة أو في الدنيا والآخرة ، والأصل أن لا يشرَّع منها إلاّ ما شرّع الله .
2 ـ عادات : ينتفعون بها في معايشهم ، والأصل فيها أن لا يُحظر فيها إلاّ ما حظر الله».(2)
ثمّ إنّه لو أتى في العادات بما حظره الله لا تعدّ بدعة بل يكون محرّماً ، لأنّ المفروض أنّه يأتي به ويُحدثه باسم التقاليد لا باسم الدين ، وربما يعترف بكونه على خلاف الدين ، كإشراك النساء السافرات في الضيافة مع الرجال . حتى وإن صار الأمر العادي المحرم رائجاً بينهم .

1 . يريد من العبادات  : الأُمور الشرعية من دون أن تختص بما يعتبر في امتثالها قصد القربة .
2 . اقتضاء الصراط المستقيم  : 129 .

صفحه 95
نعم شذّ قول الدكتور عزت علي في المقام حيث يقول : «فيما حظره الله منها إذا كان من الأُمور المحدثة كان بدعة».(1)
لكن يلاحظ عليه ، بما ذكرناه في تحديد البدعة بتضافر الكتاب والسنّة على كونها التدخل في أمر الشريعة بالزيادة أو النقيصة وتنسيبه إلى الشارع ، وهذا لا يصدق على كلّ محدث في الأُمور العادية ، وإن كان محرّماً ، نعم هو بدعة بالمعنى اللغوي ، حتى لو صار عمله الإجرامي سنّة سيئة يكون عليه وزر كل من عمله بها ، لكن لا بما أنّه أبْدَع في الدين ، وتدخل في الشريعة ، وقد مرّ نص في تفسير قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) : «من سنّ سنّة حسنة . . .» ما يفيدك في المقام .
قال الشيخ شلتوت : «التكاليف الشرعية تنقسم إلى عقائد وعبادات ومحرّمات(2) ، ثمّ قال : أمّا ما لم يتعبدنا(3) الله بشيء منه ، وإنّما فوّض لنا الأمر فيه باختيار ما نراه موافقاً لمصلحتنا ، ومحققاً لخيرنا بحسب العصور والبيئات ، فانّ التصرّف فيه بالتنظيم أو التغير ، لا يكون من الابتداع الذي يؤثّر على تديّن الإنسان وعلاقته بربّه ،بل أنّ الابتداع فيه من مقتضيات التطوّر الزمني الذي لا يسمح

1 . البدعة  : 265 .
2 . لا يخفى ما من المسامحة في هذا الحصر ، لأنّ التكاليف الشرعية أوسع من الثلاثة كالأحوال الشخصية .
3 . يريد من التعبّد ، ما للشارع فيه دور ، فيعم جميع أبواب الفقه والأقسام الأربعة .

صفحه 96
بالوقوف عند حدّ الموروث من وسائل الحياة عن الآباء والأجداد.(1)

الإسلام بين التزمّت والتحلل من القيود الشرعية

إنّ بين المسلمين من يريد حصر الأُمور السائغة بما هو موجود في عصر الرسول الأكرم ، لذا يعد نَخْل الدقيق بدعة ، بحجة أنّه لم يكن في عصره(صلى الله عليه وآله وسلم) أيّ منخل(2) . وبين من يريد التحلّل من كلّ قيد ديني في مجال العمل ، فلا يلتزم في حياته بشيء مما جاء به الإسلام .
فالإسلام لا هذا ولا ذاك ، فهو يرفض التزمّت إذا كان العمل غير خارج عن الأُطر العامة الواردة في الكتاب والسنّة ، كما يرفض التحلّل من كلّ قيد . فآفة الدين ليست منحصرة بالثاني بل آفة الأوّل ليست بأقل منه .
فإنّ حصر الجائز من الأُمور العادية بما كان رائجاً في عصر النبيّ أو عصر الصحابة كبت للعقول ، وتقييد للحركة الحضارية عن التقدّم نحو الكمال . وإظهار الإسلام بأنّه غير قابل للتطبيق في جميع الأعصار المتقدّمة فضلا عن عصر الذرّة . علماً أنّ من الأسباب التي أوجبت خلود الدين الإسلامي ، وأعطته الصلاحية للبقاء مع

1 . الفتاوى  : 163 .
2 . الاعتصام: 2 / 73 .

صفحه 97
اختلاف الظروف وتعاقب الأجيال كونه ديناً جامعاً بين الدعوة إلى المادة والدعوة إلى الروح ، وديناً وسطاً بين المادية البحتة والروحية المحضة ، فقد آلف بتعاليمه القيّمة بينهما ، مؤالفة تفي بحقّ كلّ منهما ، بحيث يتيح للإنسان أن يأخذ قسطه من كلّ منهما بقدر ما تقتضيه المصلحة .
وذلك أنّ المسيحية غالت في التوجه إلى الناحية الروحية ، حتى كادت أن تجعل كلّ مظهر من مظاهر الحياة المادية خطيئة كبرى ، فدعت إلى الرهبانية ، وترك ملاذ الحياة ، والانعزال عن المجتمع ، والعيش في الأديرة وقلل الجبال ، وتحمّل الظلم والرفق مع المعتدين; كما غالت اليهوديّة في الانكباب على المادة حتى نسيت كلّ قيمة روحية وجعلت الحصول على المادّة بأيّ وسيلة كانت ، المقصد الأسنى ، ودعت إلى القوميّة الغاشمة والطائفية المقيتة .
وهذه المبادئ سواء أصحّت عن الكليم والمسيح (عليهما السلام) أم لم تصحّ (ولن تصحّ إلاّ أن يكون لإنقاذ الشعب الإسرائيلي من ملاذ الحياة يوم ذاك وإنجائهم عن التوغّل في الماديات ، وسحبهم إلى المعنويات بشدة وعنف .
وإن شئت قلت : كانت تعاليمه إصلاحاً مؤقتاً لإسراف اليهود وغلوّهم في عبادة المال حتى أفسدوا أخلاقهم ، وآثروا دنياهم على

صفحه 98
دينهم) هذه المبادئ لا تتماشى مع الحضارات الإنسانية التقدميّة ولا تسعدها في معترك الحياة ، ولا تتلاءم مع حكم العقل ولا الفطرة السليمة .
لكن الإسلام جاء لينظر إلى واقع الإنسان ، بما هو كائن ، لا غنى له عن المادة ، ولا عن الحياة الروحية ، فأولاهما عنايته ، ودعا إلى المادة والالتذاذ بها بشكل لا يضر بالحياة الروحية ، كما دعا إلى حياة روحية لا تصطدم مع الفطرة وطبيعتها .
هذه هي حقيقة الإسلام ومرونته وسبب تماشيه مع الحضارات المختلفة حتى حضارة اليوم الصناعية ، فلو حصرنا الجائز من العاديات بما في عصر النبيّ تكون النتيجة حياد الإسلام عن الساحة ، وبطلانه ، مع أنّه خاتم الشرائع ، وكتابه خاتم الكتب ، ونبيّه خاتم النبيّين .
والآن هلمّ معي ندرس آراء المتزمّتين في الأُمور العادية ثمّ نبكي على الإسلام وأهله:
1 ـ يقول الشاطبي : إنّ من السلف من يرشد كلامه إلى أنّ العاديات كالعبادات ، فكما أنّنا مأمورون في العبادات بأن لا نحدث فيها فكذلك العاديات ، وهو ظاهر كلام محمد بن أسلم ، حيث كره في سُنّة العقيقة مخالفة من قبله في أمر العاديين ، وهو استعمال المناخل ، مع العلم بأنّه معقول المعنى نظراً ـ والله أعلم ـ إلى أنّ

صفحه 99
الأمر باتباع الأوّلين على العموم غلب عليه جهة التعبّد ، ويظهر أيضاً من كلام من قال : أوّل ما أحدث الناس بعد رسول الله المناخل.(1)
2 ـ يحكى عن الربيع بن أبي راشد; أنّه قال : لولا أنّي أخاف من كان قبلي لكانت الجبانة مسكني إلى أن أموت; إذ السكنى أمر عادي بلا إشكال ، ثمّ يقول : وعلى هذا الترتيب يكون قسم العاديات داخلا في قسم العباديات ، فدخول الابتداع فيه ظاهر والأكثرون على خلاف هذا.(2)
3 ـ روى الغزالي : أنّ رجلا قال لأبي بكر بن عياش : «كيف أصبحت»؟ فما أجابه ، قال : دعونا عن هذه البدعة.(2)
4 ـ روى الشاطبي عن أبي مصعب صاحب مالك أنه قال : «قدم علينا ابن مهدي ـ يعني المدينة ـ فصلّى ووضع رداءه بين يدي الصف ، فلما سلّم الإمام رمقه الناس بأبصارهم ورمقوا مالكاً ـ وكان قد صلّى خلف الإمام ـ فلمّا سلّم قال : من هاهنا من الحرس؟ فجاءه نفسان ، فقال : خذا صاحب هذا الثوب فاحبساه .
فحبس ، فقيل له : إنه ابن مهدي ، فوجّه إليه وقال : أما خفت الله واتّقيته أن وضعت ثوبك بين يديك في الصف وشغلت المصلّين بالنظر إليه ، وأحدثت في مسجدنا شيئاً ما كنّا نعرفه ، وقد

1 و 2 . الاعتصام: 2 / 79 .
2 . إحياء علوم الدين: 2 / 251، كتاب العزلة .

صفحه 100
قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : «من أحدث في مسجدنا حدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين»؟ فبكى ابن مهدي ، وآلى على نفسه أن لا يفعل ذلك أبداً في مسجد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)ولا في غيره».(1)
5 ـ حكى ابن وضاح قال : ثوَّب المؤذّن بالمدينة في زمان مالك . فأرسل إليه مالك فجاءه ، فقال له مالك : ما هذا الذي تفعل؟ فقال : أردت أن يعرف الناس طلوع الفجر فيقوموا . فقال له مالك : لا تفعل ، لا تحدث في بلدنا شيئاً لم يكن فيه ، قد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بهذا البلد عشر سنين وأبو بكر وعمر وعثمان فلم يفعلوا هذا ، فلا تحدث في بلدنا ما لم يكن فيه ، فكفّ المؤذّن عن ذلك وأقام زماناً ، ثمّ إنّه تنحنح في المنارة عند طلوع الفجر ، فأرسل إليه مالك ، فقال له : ما الذي تفعل؟ قال : أردت أن يعرف الناس طلوع الفجر ، فقال له : ألم أنهك أن لا تحدث عندنا ما لم يكن؟
فقال : إنّما نهيتني عن التثويب . فقال له : لا تفعل . فكفّ زماناً . ثمّ جعل يضرب الأبواب ، فأرسل إليه مالك .
فقال : ما هذا الذي تفعل؟ فقال : أردت أن يعرف الناس طلوع الفجر ، فقال له مالك : لا تفعل ، لا تحدث في بلدنا ما لم يكن فيه.(2)

1 . الاعتصام للشاطبي: 2 / 68 .
2 . الاعتصام: 2 / 69 .

صفحه 101
ومراده من التثويب هو ما يقوله المؤذن بين الأذان والإقامة «قد قامت الصلاة» أو «حيّ على الصلاة» أو «حيّ على الفلاح» أو قوله «الصلاة يرحمكم الله» .
والعجب أنّ الشاطبي مع إمامته في الفقه ربّما يتأثّر أحياناً بهذه الكلمات فيقول : فتأمّل كيف منع مالك من إحداث أمر يُخف شأنه عند الناظر فيه ببادي الرأي ، وجعلَه أمراً محدثاً ، وقد قال في التثويب أنّه ضلال وأنّه بيّن; لأنّ كلّ محدثة بدعة ،وكلّ بدعة ضلالة ، ولم يسامح المؤذّن في التنحنح ولا في ضرب الأبواب; لأنّ ذلك جدير بأنّ يتّخذ سنّة ، كما منع من وضع رداء عبد الرحمن بن مهدي خوفاً من أن يكون حدثاً أحدثه .
6 ـ يقول الشاطبي : وقد أحدث في المغرب المسمّى بالمهدي تثويباً عند طلوع الفجر وهو قولهم «أصبح ولله الحمد» إشعاراً بأنّ الفجر قد طلع ، لإلزام الطاعة ، وحضور الجماعة ، وللغد ولكلّ ما يؤمرون به فيخصّه هؤلاء المتأخّرون تثويباً بالصلاة كالأذان ، ونقل أيضاً إلى أهل المغرب فصار ذلك كلّه سنّة في المساجد إلى الآن . فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.(1)
هذه نماذج ممّا ذكره الشاطبي وغيره فتخيّلوها بدعة في الدين ، وأين هذه من البدعة في الدين؟ أفترى هل يقوم أحد بهذه

1 . الاعتصام: 2 / 70 .

صفحه 102
الأعمال الماضية باسم الدين ، أو يقوم باسم الأُمور العادية لتسهيل الأُمور؟ ولو كان الجاهل يتلقّاها أمراً دينياً فوباله على جهله لا على الفاعل . وقد اتّفقنا مع الشاطبي في تحديد البدعة ، وقد جعلها هو خاصة بالأُمور الشرعية ، ومع ذلك نسي هنا ما ذكره في مقام التحديد .
نحن نفترض أنّ هذه الأعمال تتّخذ سنّة حسب مرور الأيّام ، ولكنّها تكون سنّة عادية ، لا دينية ، ولا يمنع عنها إذا كانت مصلحة ولم ينطبق عليها عنوان محرّم . ولو تخيّله الجاهل سنناً دينيّة ، فعلى العالم إرشاده ، لا إعمال الضغط على المجتمع حتى يتنفّر عن الإسلام وأهله ويوادعهما .
والسبب الوحيد لهذه الزلاّت والاشتباهات التي تشوّش سمعة الإسلام ، وتعرّفه ديناً متزمّتاً لا يقبل المرونة إنما هو جعل سيرة السلف وجوداً وعدماً معياراً للحقّ والباطل مكان الكتاب والسنّة في ذلك ، فأين هذه الغلظة من المرونة الملموسة من الكتاب والسنّة ، يقول سبحانه :
( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج مِلَّةَ أَبِيكُمْ إبْرَاهِيمَ هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ ).(1)
( مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَج ).(2)

1 . الحج : 78 .   2 . المائدة : 6 .

صفحه 103
( يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ).(1)
( رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا ).(2)
فهذه الآيات تصرّح بأنّ الله تعالى رفع عن أُمّة محمد الإصر ، ولم يفرض عليهم حكماً حرجاً صعباً كما كان في الأُمم الماضية .
وقد ورد في حديث عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال : «ممّا أعطى الله أُمّتي وفضّلهم على سائر الأُمم ، أعطاهم ثلاث خصال لم يعطها إلاّ لنبيّ ، وذلك أنّ الله تبارك وتعالى كان إذا بعث نبياً قال له : اجتهد في دينك ولا حرج عليك ، وإنّ الله تبارك وتعالى أعطى ذلك لأُمّتي حيث يقول : ( مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج ).(3)
وظاهر هذا الحديث أنّ رفع الحرج الذي منّ الله به على هذه الأُمّة المرحومة كان في الأُمم الماضية خاصّاً بالأنبياء ، وأنّ الله أعطى هذه الأُمّة ما لم يعط إلاّ الأنبياء الماضين صلوات الله عليهم أجمعين .
وسئل عليّ (عليه السلام) : أيُتوضّأ من فضل وضوء جماعة المسلمين (أحبّ إليك) أو يُتوضّأ من ركو أبيض مخمر؟ فقال : «لا ، بل من

1 . البقرة : 185 .
2 . البقرة : 286 .
3 . البرهان في تفسير القرآن: 3 / 105 .

صفحه 104
فضل وضوء جماعة المسلمين; فإنّ أحبّ دينكم إلى الله الحنيفية السمحة السهلة».(1)
واشتهر عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قوله : «بُعثتُ بالحنيفيّة السمحة السهلة».(2)
إنّ الإسلام دين عالمي لا إقليميّ ، ودين خاتم ليس بعده دين . وقد انتشر الدين في المجتمعات البشرية بصورة سريعة وكانت لذلك أسباب وعلل; منها : يسر التكاليف وسهولة الشريعة; فلو كان الإسلام خاضعاً لهذا النوع من التزمّت ولما يتغنّاه ابن الحاج(3) من سمادير الأهازيج في كتابه المدخل، لقرئ السلام على الإسلام من أوّل يومه ، فهذا الرجل أخذ يحدث ألواناً من شتى الأباطيل ويفتريها ويسمّيها بدعة مع أنّها لا تمتّ لها بصلة ،بل تدور بين كونها إمّا أُموراً عادية خارجة عن موضوع البدعة بتاتاً ، وإمّا أُموراً شرعية لها دليلها العام وإن لم يكن لها دليل خاص ، وسيوافيك توضيح القسم الأخير في المبحث القادم .
يقول ابن الحاجّ :
1 ـ المراوح في المساجد من البدع وقد منعها علماؤنا رحمة

1 . الوسائل: 1 الباب 8 من أبواب الماء المضاف والمستعمل ، الحديث 3 .
2 . الكافي: 1 / 164 .
3 . أبو عبد الله العبدريّ المالكي المتوفى سنة 737 هـ ، ومع ذلك له كلمة قيّمة في زيارة القبور ، لاحظ : المدخل: 1 / 254 .

صفحه 105
الله عليهم; إذ أنّ اتّخاذها في المساجد بدعة.(1)
2 ـ إنّ فرش البسط والسجادات قبل مجيء أصحابها من البدع المحدثة، وينبغي لإمام المسجد أن ينهى الناس عمّا أحدثوه من إرسال البسط والسجادات وغيرها قبل أن يأتي أصحابها.(2)
3 ـ إلى أن جاء ابن الحاج يحدّد ثمن اللباس الذي يجوز لبسه ويقول : أثمان أثوابهم القمص من الخمس إلى العشر وما بينهما من الأثمان ، وكان جمهور العلماء وخيار التابعين قيمة ثيابهم ما بين العشرين والثلاثين ، وكان بعض العلماء يكره أن يكون على الرجل من الثياب ما يجاوز قيمته أربعين درهماً وبعضهم إلى المائة ويعدّه إسرافاً فيما جاوزها ، وعلى ذلك فهو من البدع الحادثة بعدهم.(3)
4 ـ لابدّ من ترك فرش السجاد على المنبر لأنّها ليست موضعاً للصلاة.(4)
هذه نماذج من أفكار الرجل حول البدعة ، أفترى أنّ الإسلام الذي يعرفه هذا الرجل المتزمّت ممّا يصلح نشره في العالم ،

1 . المدخل: 2 / 212 .
2 . المدخل: 1 / 224 .
3 . المدخل: 2 / 238 .
4 . المدخل: 2 / 264 .

صفحه 106
ويصلح لدعوة المثقّفين والمفكّرين إليه ، وهل هذا هو الإسلام الذي يصفه النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بالحنيفية السمحة السهلة؟!

الأصل في العادات الإباحة

كان على هؤلاء الذين يتحدّثون باسم الإسلام أن يدرسوا الكتاب والسنّة ويقفوا على أنّ الأصل في العادات الإباحة ما لم يدلّ دليل على خلافها ، فإنّ كلّ ما ذكره من الأُمور عادية حتّى سكب ماء الورد على قبر الميت احتراماً له ، من هذه الأُمور التي يتصوّرها ابن الحاج من البدعة، والأصل فيها الإباحة لا الحظر ، فإنّ الحكم بالحظر بدعة ، صدر من القائل.(1)
يقول سبحانه : ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا )(2)ويقول : ( وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي اُمِّهَا رَسُولا )(3) ومعنى الآيتين أنّه ليس من شأن الله أن يعذّب الناس أو يهلكهم قبل أن يبعث رسولا ، وليست لبعث الرسول خصوصية وموضوعية . ولو أُنيط جواز العذاب ببعثهم فإنّما هو لأجل كونهم وسائط للبيان والإبلاغ ، والملاك هو عدم جواز التعذيب بلا بيان وإبلاغ ، فتكون النتيجة أنّه لا يحكم على حرمة شيء قبل بيان

1 . انظر : الاعتصام: 2 / 79 ـ 82 .
2 . الإسراء : 15 .
3 . القصص : 59 .

صفحه 107
حكمه ووصوله إلى يد المكلّف . وهذه الأُمور التي أضفى ابن الحاج عليها اسم البدعة ، كلّها أُمور عادية ما ورد النهي عنها ، مثلا :
إذا شككنا أنّ لعبة كرة القدم أو الاستماع إلى الإذاعة هل هما جائزان أو لا؟ فالأصل بعد التتبع وعدم العثور على الدليل المحرّم ، هو الحلّية .
فبذلك علم أنّ جميع العادات من قول أو فعل فهو محكوم بالإباحة ما لم نجد نصّاً على تحريمه في الكتاب والسنّة ، سواء أكان حادثاً أم غير حادث ، سواء أصارت سنّة أم لا ، ما لم ينطبق عليه عنوان خاص أو أحد العناوين الكلية المحرّمة كـ «الإسراف» و «الإعانة على الإثم» و «تقوية شوكة الكفّار» و «الإضرار بالمسلمين» و «الإضرار بالنفس والنفيس» ، تعدّ أمراً مباحاً .
وعلى أساس ذلك فإنّ جميع الصناعات الحديثة التي هي من نتائج التقدّم الحضاري التكنولوجي ، مثل الهاتف والتلغراف والتلفزيون والسيّارة والطائرة وما شابهها ، واستخداماتها المتعارفة; محكومة بالحلّية والإباحة لعدم وجود نصّ خاصّ على تحريمها في الكتاب والسنّة ، ولعدم انطباق أحد العناوين العامة المحرّمة عليها .
وقد كان معظم المشايخ المتزمّتين يحرّمون كلّ ذلك في بدء حركتهم ودعوتهم أيام «عبد العزيز» ولكنّهم عندما أُزيحوا عن

صفحه 108
منصّة الحكم ، وحلّ الآخرون محلّهم أباحوه وصاروا يتحدّثون في الإذاعة والتلفزيون ، ويستخدمون كلّ معطيات الحضارة الحديثة ، ويحلّلون كلّ أشيائها واستخداماتها .
فإذا كان قول الرجل «كيف أصبحت» وإدخال المراوح إلى المساجد ، وفرش البسط في المساجد وعلى المنابر ولبس ما زادت قيمته على ما حدّده ، وسكب ماء الورد على القبر من البدع ، فعلى الإسلام السلام .(1)
ثمّ إنّ بعض ما عدّه ابن الحاج من الأُمور الدينية من البدع بتصوّر أنّه لم يكن بين السلف; مردود بوجود دليل عليه في الشرع وهذا ما سندرسه في المبحث القادم .

3 ـ تقسيم البدعة إلى حقيقيّة وإضافيّة

هذا التقسيم ذكره الشاطبي في كتابه ، وعرّف البدعة الحقيقية : بأنّها ما لم يدلّ عليها دليل شرعي لا من كتاب ولا سنّة ولا إجماع ولا استدلال معتبر عند أهل العلم ، لا في الجملة ولا في التفصيل . وإن ادّعى مبتدعها ومن تابعه أنّها داخلة فيما استنبط من الأدلّة; لأنّ ما استند إليه شُبَه واهية لا قيمة لها .
أمّا البدعة الإضافية فقد عرّفها بأنّها ما لها شائبتان :

1 . لاحظ : الاعتصام: 1 / 224 .

صفحه 109
إحداهما : لها من الأدلّة متعلّق فلا تكون من تلك الجهة بدعة .
والأُخرى : ليس لها متعلّق إلاّ مثلَ ما للبدعة الحقيقية ، أي أنّها بالنسبة لإحدى الجهتين سنّة لاستنادها إلى دليل ، وبالنسبة للجهة الأُخرى بدعة لأنّها مستندة إلى شبهة ، لا إلى دليل ، أو لأنها غير مستندة إلى شيء .
وسمّيت إضافية لأنّها لم تتخلص لأحد الطرفين : (المخالفة الصريحة) أو (الموافقة الصريحة).(1)
أقول : قد تقدّم البحث عن البدعة الحقيقية فلا حاجة إلى إيضاحها من جديد; فإنّ تحريم الحلال أو تحليل الحرام استناداً إلى شبه واهية أو بلا شبهة بدعة حقيقية ، وقد مرّت الأمثلة فيما سبق ، والمهم إيضاح المقصود من البدعة الإضافية التي لها شائبتان ، التي من جهة تشبه السنّة ومن جهة تشبه البدعة ، وتتضح بالأمثلة التالية التي ذكرها الشاطبي نفسه :
1 ـ تخصيص يوم أو أيام ، غير ما نهى الشارع عن صومه أو ندب إلى صومه ، بالصوم والمداومة عليه .
2 ـ تخصيص الأيّام الفاضلة بأنواع من العبادات لم تشرع لها خصوصاً ، كتخصيص اليوم الفلاني بكذا وكذا من الركعات ، أو

1 . الاعتصام: 1 / 286 ـ 287 .

صفحه 110
بصدقة كذا وكذا ، أو الليلة الفلانية بكذا وكذا من الركعات ، أو قراءة القرآن أو الذكر; فإنّ ذلك التخصيص والعمل به إذا لم يكن بحكم الوفاق ، أو بقصد يقصد مثله أهل العقل والفراغ والنشاط ، كان تشريعاً زائداً .
3 ـ ومن ذلك تحرّي ختم القرآن في بعض ليالي رمضان أو قراءة القرآن أو الدعاء بهيئة الاجتماع في عشية يوم عرفة في المسجد تشبهاً بأهل عرفة ونحو ذلك .
4 ـ ومن ذلك الأذان والإقامة في صلاة العيدين .
والسبب في كون هذه الأُمور بدعاً وجوه ذكرها الشاطبي :
أوّلا : أنّ فيها تخصيصاً بغير مخصص من الشرع ، وقد أصبحت بهذا التخصيص غير ما كانت عليه بدونه ، فكما أنّ الصلاة المفروضة لا تصحّ قبل الوقت مع كونها هي هي; لوقوعها في غير وقتها المخصص لها ، فكذلك ما تقدّم من الأمثلة بما انضمّ إليها من الأوصاف غير الواردة تصير غير مشروعة .
ثانياً : أنّ مثل هذه الأُمور عمل اشتبه أمره ، أَهو بدعة فينهى عنه أَم غير بدعة فيعمل به؟ ومثل هذا جاء الأمر بالتوقّي فيه ، والاحتراز منه ، كما يجب التوقف عن تناول اللحم المشتبه فيه .
ثالثاً : مخالفة السنّة ، حيث ترك مثل هذا العمل مع ظهور ما يقتضي فعله في عهد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه ، وعلى فرض أنّه

صفحه 111
وقع في بعض الأحيان فالأمر الأشهر والأكثر عدم فعله ، كما في سجود الشكر ، حيث لم يداوم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)والصحابة عليه وإن ورد .
رابعاً : أنّ العمل بمثل هذه الأُمور قد يؤدّي إلى اعتقاد ما ليس بسنّة سنّة ، وكذلك فالمداومة على فعل لم يداوم عليه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)قد تؤدّي إلى اعتقاد النافلة سنّة ، وهذا فساد عظيم; لأنّ اعتقاد ما ليس بسنّة سنّة ، والعمل به على حدّ العمل بالسنّة نحو من تبديل الشريعة ، وعلى ذلك كان قطع عمر للشجرة التي يتبرّك بها الصحابة ، ونهيه الصحابي عن الإحرام من بلده ، ونحو ذلك ، ونهيه عن إتيان المساجد التي صلّى فيها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) . ولذلك كان مالك بن أنس وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد وتلك الآثار للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ما عدا قباء وحده ، وأيضاً كان مالك يكره المجيء إلى بيت المقدس خيفة أن يتّخذ ذلك سنّة ، وكان يكره مجيء قبور الشهداء ، ويكره مجيء قباء خوفاً من ذلك.(1)
يلاحظ على هذا التقسيم : انّه لا طائل فيه ، ويعلم ذلك ببيان أمرين :

1 . الاعتصام ج1 ، الباب الخامس .

صفحه 112

1 ـ شمول الدليل لجميع الحالات والكيفيات

إنّ مورد النقاش في ما إذا كان لدليل العمل العبادي إطلاق يعمّ جميع الصور والكيفيات ، بأن كانت جميع الحالات والصور المتصوّرة له أمراً مسوّغاً يشمله الدليل بإطلاقه أو عمومه وسعة دلالته ، مثلا إذا دلّ الدليل على استحباب قراءة القرآن مطلقاً من غير تقييد بحالة خاصة فيعمّ جميع الحالات سواء أكانت بهيئة الانفراد أم بهيئة الاجتماع .
أو دلّ على استحباب قراءة الدعاء مطلقاً من يقين خاصّ فعمّ جميع الكيفيات .
وبعبارة أُخرى: دلّ الدليل بإطلاقه بتسويغ جميع الأقسام من غير تخصيص بتلاوة القرآن بصورة الانفراد أو بهيئة الاجتماع ومثله دليل الدعاء .
ومثل ذلك إقامة الصلاة في المساجد; فالدليل يشمل جميع المساجد سواء أصلّى فيها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو لم يصلّ ، وسواء أُقيمت الصلاة فيها يوماً أو أيّاماً أو طول السنة أو لا ، وهكذا سائر الأمثلة ، فلو نفترض عدم وجود إطلاق للدليل فهو خارج عن حريم البحث .

2 ـ التداوم على هيئة أو فرد لا يرجع إلى تخصيص التشريع

إنّ اختيار كيفية خاصّة ، كالدعاء بهيئة الاجتماع أو تخصيص

صفحه 113
يوم في الأُسبوع للصوم ، لا يعني تخصيص التشريع بالفرد المختار وإنّ السائغ هو لا غير، بل العامل يعتقد أن جميع الصور والكيفيات ، سائغة، وفي الوقت نفسه يختار كيفية أو فرداً خاصّاً لأجل أنّه أوفق بنشاطه وبالعوامل المحيطة به .
وبعبارة أُخرى: لا يلتزم بكيفيّة خاصّة إلاّ لأجل أن يتلاءم مع نشاطه ويساعده على تحقيق غرضه ، مع الاعتراف بأنّ جميع الكيفيات من حيث الفضيلة سواء .
إذا تعرّفت على الأمرين تقف على أنّ الأمثلة التي قدّمها الشاطبي مثالا للبدعة الإضافية هي إمّا بدعة حقيقية أو سنّة حقيقية ، فلو افترضنا عدم إطلاق الدليل للكيفية التي اختارها العامل أو كان له إطلاق ، ولكنّه يخصص التشريع بمختاره ، وينفي غيره فيكون عمله هذا مصداقاً للبدعة الحقيقية .
وأمّا إذا لم يكن هناك قصور في سعة الدليل ، أو لم يكن في نيته أي تخصيص وتدخّل في أمر الشريعة ، وإنّما كان الاختيار لملاكات اتفاقية ، فلا يعدّ العمل بدعة; إذ لم يكن تدخلا في أمر الشارع . وبذلك يظهر حكم الأمثلة ، كتخصيص يوم أو أيام ـ غير ما نهي عن صيامه ـ بالصوم ، أو كتخصيص يوم بنوع من العبادة ، كقضاء الصلوات الواجبة التي فاتت منه ، أو ختم القرآن بهيئة الاجتماع مطلقاً ، أو في يوم عرفة; فإنّ سعة رقعة الدليل كافية في

صفحه 114
كونها سنّة إذا لم يكن من قصده نفي سائر الكيفيات ; بل كان التخصيص تابعاً لعوامل داخلة في حياة الإنسان .
وأمّا الأسباب التي اتّخذها ذريعة للحكم بالبدعة فإليك دراستها :
أمّا السبب الأوّل : أعني قوله : «إنّ فيها تخصيصاً بغير مخصص من الشرع» فغير مضر; إذ التخصيص إنّما يكون بدعة إذا نسبه إلى الشرع ، دون ما كان نتيجة ظروف فرضت عليه اختيار هذا الفرد مع الاعتراف بأنّه مثل سائر الأفراد .
وأمّا السبب الثاني : أعني قوله: «إنّ مثل هذه الأُمور عمل اشتبه أمره . . .» فهو مثل الأوّل; فانّه مشتبه لمن لم يدرس البدعة حقّها دون من درسها .
وأمّا السبب الثالث : أعني قوله: «مخالفة السنّة حيث ترك مثل هذا العمل . . .» فذلك لأنّ تركهم لا يكون حجّة على كون العمل بدعة بعد افتراض سعة رقعة الدليل ، وتركهم فرداً خاصاً لا يدلّ على عدم مشروعيته; إذ لم يكونوا يعانون من الإتيان بسائر الأفراد فلأجله تركوا ذاك الفرد ، بخلاف الإنسان الذي فرضت الظروف عليه مداومة هذا الفرد أو كان نشاطه محفوظاً فيه دون سائر الأفراد .
ولو صحّ ما ذكره يجب ترك المسنونات أحياناً ، لئلاّ يتخيّل الجاهل أنّها فريضة ، فعلى من يرى القبض في الصلاة سنّة ، تركه في حين بعد حين ، دفعاً لعادية الجهل .

صفحه 115
وعلى من يقيم صلاة التراويح جماعة تركها والإتيان بها فرادى; لئلاّ يعتقد الجاهل أنّ التشريع مختص بالجماعة . إلى غير ذلك من المضاعفات التي لا يلتزم بها الشاطبي وغيره .
فجهل الجاهل ، لا يكون سبباً لترك المسنون; لأنّه لو قصر في التعليم فما ذنب من يريد الإتيان به وإنّما علينا دفع عاديته . وبذلك يظهر حسن إتيان المساجد التي صلّى النبي فيها; وذلك لعموم الدليل الشامل لتمام المساجد التي صلّى فيها أم لم يصلّ ، وإنّما يختار ذلك لأجل التبرّك الذي تضافر النص بجوازه ، وليس تخصيصها بالعبادة، بمعنى ورود النصّ بها بالخصوص ، وانّما يختارها لغرض آخر وهو التبرّك .
وأمّا كراهة مالك المجيء إلى بيت المقدس ، فهو على خلاف السنّة; حيث رخّص النبي السفر إليه ، كما سيوافيك عند البحث عن شدّ الرحال إلى زيارة قبر النبي .
ومنه تظهر حال كراهة زيارة قبور الشهداء ، أو المجيء إلى مسجد قباء; فإنّه إعراض عن السنّة التي رسمها النبي ، حيث أمر بزيارة القبور ، وكان يجيء إلى مسجد قباء كلّ أُسبوع مرّة ويصلّي فيه .
وما أجمل قول الإمام الصادق : «إنّ هذا الدين متين; فأوغلوا فيه برفق».(1)

1 . الكافي: 2 / 86، الحديث 1 .

صفحه 116
قال التفتازاني : «ومن الجهلة من يجعل كلّ أمر لم يكن في زمن الصحابة بدعة مذمومة ، وإن لم يقم دليل على قبحه تمسّكاً بقوله (عليه السلام) : «إيّاكم ومحدثات الأُمور» ولا يعلمون أنّ المراد بذلك هو أن يجعل في الدين ما ليس منه . عصمنا الله من اتّباع الهوى ، وثبتنا على اقتفاء الهدى بالنبي وآله».(1)
وأمّا السبب الرابع : أعني قوله: «انتهاء هذا العمل إلى اعتقاد ما ليس بسنّة سنّة» فهو أيضاً مثله; فإنّه يجب على العالم إرشاد الجاهل لا ترك العمل الذي دلّ الشرع على جوازه بالإطلاق والعموم .
لا بدعة فيما فيه الدليل نصّاً أو إطلاقاً   

1 . شرح المقاصد: 5 / 232 .

صفحه 117

المبحث السابع

لا بدعة فيما فيه الدليل نصّاً أو إطلاقاً

عرفت أنّ حقيقة البدعة هي الافتراء على الله والفرية عليه ، بإدخال شيء في دينه أو نقصه منه ، ونسبته إلى الله ورسوله . فإذا كان هذا هو الملاك فكلّ مورد يدلّ عليه الدليل يكون خارجاً عن البدعة موضوعاً .
والدليل على قسمين :
الأوّل : أن يكون هناك نصّ في القرآن يشخص المورد وحدوده وتفاصيله وجزئياته ، كالاحتفال بعيدي الفطر والأضحى ، والاجتماع في عرفة ومنى ، فعندئذ لا يكون هذا الاحتفال والاجتماع بدعة ، بل سنّة قد أمر بها الشارع بالخصوص ، فيكون إتيان العمل امتثالا ، لا ابتداعاً .
الثاني : أن يكون هناك دليل عام في المصدرين الرئيسيين يشمل بعمومه المصداق الحادث ، وإن كان الحادث يتّحد مع الموجود في عهد الرسالة حقيقة وماهية ، ويختلف معه شكلا ، ولكن الدليل العام يعمّ المصداقين ويشمل الموردين ويكون حجّة

صفحه 118
فيهما . وإليك بعض الأمثلة :
1 ـ قال سبحانه : ( وَإذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ )(1) والآية تأمر باستماع القرآن عند قراءته والإنصات له ، والمصداق الموجود لها في ظرف الرسالة هو استماع القرآن مباشرة من فم القارئ الذي يقرأ القرآن في المسجد أو في البيت ، ولكن الحضارة الصناعية أحدثت مصداقاً آخر لم يكن موجوداً في ظرف الرسالة ، كقراءة القرآن من خلال المذياع والإذاعة المرئية ، فالآية حجّة في كلا الموردين ، وليس لنا ترك الاستماع والإنصات في القسم الثاني ، بحجّة أنّه لم يكن في ظرف الرسالة; وذلك لأنّ العربي الصميم عندما يتدبّر في مفهوم الآية لا يرى فرقاً بين القراءتين ، فلو قلنا حينئذ بوجوب الاستماع أو ندبه فليس هذا قولا بغير دليل ، أو بدعة في الدين .
2 ـ قال النبيّ الأكرم : «طلب العلم فريضة على كلّ مسلم»(2)ومن الواضح أنّ العلوم حتى ما يمت إلى الشرع ، كانت في ظرف صدور الحديث محدودة ، ولكن المحدودية لا تمنع عن شمول الحديث للعلوم التي ابتكرها المسلمون لفهم الكتاب والسنّة ، كعلم اللغة والصرف والنحو والبلاغة ، بل والفقه المدوَّن عبر العصور;

1 . الأعراف : 204 .
2 . مجمع الزوائد: 1 / 19 .

صفحه 119
وذلك لأنّ الحديث بصدد تأسيس قاعدة كليّة ، فليس لمسلم أن يصف هذه العلوم بالبدعة بحجّة أنّها لم تكن في عصر الرسالة; لأنّ شأن الشارع الصادق إلقاء الأُصول وبيان القواعد والضوابط لا بيان المصاديق ، وبالأخص ما لم يكن في عصره .
3 ـ لا شك أنّ من واجب المسلمين حفظ القرآن والسنّة النبويّة من الضياع ، لأنّ الإسلام ليس ديناً إقليميّاً بل ديناً عالمياً، وليس ديناً مؤقتاً بل خاتماً ، فطبيعة ذلك الدين تقتضي لزوم حفظ نصوصه وسنّته حتى ترجع إليها الأجيال اللاحقة .
وعندما التحق النبيّ بالرفيق الأعلى ورأى المسلمون أنّ من واجبهم حفظ القرآن من الضياع خصوصاً بعدما لحقت بالمسلمين في الحروب خسارة كبيرة باستشهاد مجموعة كبيرة من القرّاء ، فصار الحكم الكلّي (لزوم حفظ القرآن) مبدأ لإجراء عمليات مختلفة عبر الزمان ، وكلّها أُمور دينية مستمدّة من الحكم الكلي ، أي لزوم حفظ القرآن والسنّة; فعمدوا إلى كتابة القرآن وتنقيطه وإعراب كلمه وجمله ، وعدّ آياته وتمييزها بالنقاط الحمراء ، وأخيراً طباعته ونشره ، وتشجيع حفّاظه وقرّائه وتكريمهم في احتفالات خاصّة ، إلى غير ذلك من الأُمور التي تعتبر كلّها دعماً لحفظ القرآن وتثبيته ، وإن لم يفعل بعضها رسول الله ولا أصحابه ولا التابعون; إذ يكفينا وجود أصل له في الأدلّة .

صفحه 120
4 ـ إنّ من واجب المسلمين الاستعداد الكامل أمام هجمات الكفّار ، وأخذ الحيطة والحذر في كلّ ما يحتمل خطره عليهم ، يقول سبحانه : ( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّة وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ )(1) ففي الآية نوعان من الدليل : خاصان في مورد رباط الخيل ، فلو جهزت الحكومة الإسلامية جندها بالخيل فقد امتثلت الأمر الإلهي ، كما إذا تسلّحت بالغوّاصات والأساطيل البحرية والطائرات المقاتلة إلى غير ذلك من وسائل الدفاع; فقد جسّدت الآية وطبّقتها على مصاديقها التي لم تكن موجودة في عصر النبي ، وإنّما حدثت بعده . فهذه الموارد كلّها أُمور شرعية غير عادية ، بشهادة أنّ الإنسان يقوم بها بنيّة امتثال ما ورد في الشرع ، وليس للمتزمّت أن يرفضها بحجّة أنّه ليس هنا دليل خاص عليها ، وذلك لأنّ اللازم في نفي البدعة لزوم الدليل عاماً أو خاصّاً ، لا وجود دليل خاص; فالدليل العام بعمومه حجة في جميع الأجيال على جميع الناس في كلّ الموارد التي تجسّد الضابطة الكليّة .
5 ـ قال رسول الله : «إنّ أفضلكم مَن تعلّم القرآن وعلّمه».(2)
وغير خفيّ على القارئ النابه أنّ كيفية التعليم في عصر الرسالة تختلف كثيراً عن عصرنا ، فكلا العملين يعدّان تعليماً

1 . الأنفال : 60 .
2 . صحيح البخاري : 2 / 158; ولاحظ : سنن الترمذي رقم 3071، وغيرهما .

صفحه 121
وتجسيداً لكلام الرسول يقصد به رضا الله سبحانه وتقرّبه إليه ، وليس للمتزمّت رفض الأساليب الحادثة لتعلّم الكتاب والسنّة .
والحقّ أنّ هذا الموقف موضع زلّة لأكثر من يصف عمل المسلمين في بعض الموارد بالبدعة ، بحجة عدم وجود دليل خاص عليه ، فقد ضلّوا ولم يميّزوا بين الدليل الخاص والدليل العام . وخصّوا الدليل بالأوّل ، مع أنّ الكتاب والسنّة مليئان بالضوابط والقوانين العامة وإليك بعض الأمثلة :
أ ـ قال سبحانه : ( لَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا )(1) فالآية تنفي أي سبيل للكافر على المؤمن ، ومن المعلوم أنّ السبل تختلف حسب تطور الحضارات ، وكثرة المواصلات ، و تشعّب العلاقات بين الناس . ففي عصر الرسالة كان السبيل السائد هو تسلّط الفرد الكافر على المسلم ، ككون العبد المسلم رقّاً للكافر ، أو تمليك المصحف منه وما قاربهما ، وأمّا في عصرنا هذا; فحدّث عن السبيل ولا حرج ، فأين هو من تدخّل الكفّار في مصير المسلمين حكومة وشعباً حتى صار رؤساء الحكومات الإسلامية أسرى بيد الاستكبار العالمي .
ب ـ يقول سبحانه : ( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا

1 . النساء : 141 .

صفحه 122
عَلَى الاِْثْمِ وَالْعُدْوَانِ )(1) فإنّ التعاون الموجود في العصور السابقة كان محدوداً في إطار ضيّق ، وأكثر ما كان يتحقّق منه هو اشتراك جمع من مدينة واحدة أو من قبيلة معيّنة على أن يتعاونوا فيما بينهم ، وأين هذا من التعاون السائد في عصرنا هذا كتعاون دول المنطقة على إجراء مشروع مفيد للمنطقة ، أو تعاونهم على ضرب حكومة إسلامية فتيّة خوفاً على كراسيّهم ومناصبهم .
ولو أنّ المتزمّتين درسوا هذا البحث دراسة عميقة لربّما خمدت ثورتهم ضدّ المسلمين الذين يعملون الخير امتثالا لحكم الدين .
لقد كان في التاريخ الإسلامي اُناس يفهمون ـ بصفاء أذهانهم وخلوص قرائحهم ـ أنّ ما ورد في الكتاب والسنّة من وصفه سبحانه بصفات الجمال والكمال أُسوة لما لم يرد ، فللمسلم أن يدعو ربّه بأوصاف جميلة وإن لم ترد حرفياً في الكتاب والسنّة .
روى الطبراني : «أنّ النبيّ عليه الصلاة والسلام مرّ على أعرابي وهو يدعو في صلاته ويقول : «يا من لا تراه العيون ، ولا تخالطه الظنون ، ولا يصفه الواصفون ، ولا تغيّره الحوادث ، ولا يخشى الدوائر ، يعلم مثاقيل الجبال ، ومكاييل البحار ، وعدد قطر الأمطار، وعدد ورق الأشجار، وعدد ما أظلم عليه الليل، وأشرق

1 . المائدة : 2 .

صفحه 123
عليه النهار ، لا تواري سماء منه سماء ، ولا أرض أرضاً ، ولا بحرٌ ما في قعره ، ولا  جبل ما في وعره ، إجعل خير عمري آخره ، وخير عملي خواتمه ، وخير أيّامي يوم ألقاك» .
فوكّل رسول الله بالأعرابي رجلا ، وقال : إذا صلّى فأتني به ، وكان قد أُهْدِي بعض الذهب إلى رسول الله ، فلمّا جاء الأعرابي ، وهب له الذهب ، وقال له : تدري لم وهبت لك؟
قال الأعرابي : للرحم التي بيني وبينك .
قال الرسول الكريم : إنّ للرحم حقّاً ، ولكن وهبت لك الذهب لحسن ثنائك على الله».(1)
وأين هذا الكلام ممّا روي عن الشاذلي أنّه قال : «من دعا بغير ما دعا به رسول الله فهو مبتدع».(2)

1 . المعجم الأوسط للطبراني: 9 / 172 ; تراثنا الفكري في ميزان الشرع والعقل لمحمد الغزالي : 102 .
2 . روح البيان: 9 / 385 .

صفحه 124
الخطوط العامّة لتحصين الدين من الابتداع   

المبحث الثامن

الخطوط العامّة لتحصين الدين من الابتداع

كان النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) يتنبّأ بدبيب البدعة في دينه بعد رحيله ، ويعلم أنّ سماسرة الأهواء سيبثّون بذور البدع في المجتمع الإسلامي . ولما كان الدين أعزّ شيء عند الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقد ضحّى بالنفس والنفيس لأجله ، وتحمّل عبئاً عظيماً في طريق دعوته ، لذا اتّخذ عدّة إجراءات لتحصينه من البدعة ، نذكر منها ما يلي :

الأوّل : التحذير من البدع والمبتدعين

إنّ الخط الدفاعي الأوّل الذي وضعه رسول الله لحصانة دينه تمثّل في ذمّ البدع والمبتدعين ، وتحذير المجتمع الإسلامي منهما ، من خلال خطبه وأحاديثه البليغة ، وقد تعرّفت على قسم منها في التقديم وبعده ، واليك بعضها :
قال رسول الله : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».(1)
وقال : «إيّاكم والبدع; فإنّ كلّ بدعة ضلالة ، وكلّ ضلالة تسير إلى النار».(2)

1 . لاحظ : كنز العمال ج 1 الحديث 1101 .
2 . لاحظ كنز العمال ج 1 الحديث 1113 .

صفحه 125
وقال : «أصحاب البدع كلاب النار».(1)
وقال : «أهل البدع شرّ الخلق والخليقة».(2)
وقال : «يجيء قوم يميتون السنّة ويوغلون في الدين ، فعلى أُولئك لعنة الله ولعنة اللاعنين والملائكة والناس أجمعين».(3)
وقال : «من وقّر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام».(4)
وقال : «إذا رأيتم صاحب بدعة فاكفهرّوا في وجهه».(5)
إلى غير ذلك من الأحاديث البليغة التي تحذّر المجتمع الإسلامي من البدعة والمبتدعين الذين سيظهرون بعد رحيله ، وبذلك أعطى بصيرة لمن خلفه لكي لا يغترّوا بكلام المبتدعين ويفتتنوا به .

الثاني : الإشارة إلى وجود الكذّابة على لسانه

وقف النبيّ الأكرم على أنّ هناك أُناساً في حياته أو بعد رحيله يكذبون أو سيكذبون على لسانه ، فيبدلون دينه ، فقال في حديث يرشد المسلمين إلى وجود الكذّابين ليأخذوا حذرهم :
«من كذب عليّ متعمّداً فليتبوّأ مقعده من النار».(2)

1 ـ 5 . لاحظ كنز العمال ج 1 الحديث 1094 ، 1095 ، 1124 ، 1102 ، 1676 .
2 . صحيح البخاري: 1 / 27 ; سنن ابن ماجة: 1 / 13 ; صحيح مسلم بشرح النووي  : 661 ; سنن الترمذي برقم 2796 .

صفحه 126
أو «من يقل عليّ ما لم أَقُل فليتبوّأ مقعده من النار» .(1)
إنّ التاريخ يشهد بأنّ الأُمّة الإسلامية ـ في عصر الخلفاء ـ يوم اتّسعت رقعة البلاد الإسلامية وشملت شعوباً كثيرة ، شهدت دخول جماعات عديدة من أحبار اليهود وعلماء النصارى في الإسلام ، مثل: كعب الأحبار ، وتميم الداري، ووهب بن منبّه، وعبد الله بن سلام ; الذين تسلّلوا إلى صفوف المسلمين ، وراحوا يدسّون الأحاديث الإسرائيلية ، والخرافات والأساطير النصرانية في أحاديث المسلمين وكتبهم وأذهانهم .
وقد ظلّت هذه الأحاديث المختلقة ، تُخيِّم على أفكار المسلمين ردْحاً طويلا من الزمن ، وتؤثّر في حياتهم العمليّة ، وتوجهها الوجهة المخالفة لروح الإسلام الحنيف ، في غفلة من المسلمين وغَفْوتهم ، ولم ينتبه إلى هذا الأمر الخطير إلاّ من عصمه الله ، كعليّ(عليه السلام) ، الذي راح يحذّر المسلمين عن الأخذ بمثل هذه الأحاديث المختلقة فقال : «فلو علم الناس أنّه منافق كاذب ، لم يقبلوا منه ولم يصدَّقوا ، ولكنّهم قالوا : صاحب رسول الله رآه وسمع منه ولقف عنه».(2)

1 . صحيح البخاري: 1 / 27 ; سنن ابن ماجة: 1 / 13 ; صحيح مسلم بشرح النووي : 661 ; سنن الترمذي برقم 2796، إلى غير ذلك من المصادر .
2 . نهج البلاغة  : الخطبة 210 .

صفحه 127

نماذج وأرقام عن الأحاديث الموضوعة

وحسبك لمعرفة ما أصاب المسلمين وما تعرّضت له الأحاديث ، ولمعرفة الذين لعبوا هذا الدور الخبيث في غفلة من الأُمّة ما كُتب في هذا الصدد مثل كتاب :
ميزان الاعتدال للذهبي .
وتهذيب التهذيب للعسقلاني .
ولسان الميزان للعسقلاني .
ونظائرها من الكتب التي صنّفت في هذا المجال .
ولعلّ فيما قاله البخاري صاحب «الصحيح» المعروف ، إشارة إلى طرف من هذه الحقيقة المرّة ، حيث قال ابن حجر في مقدّمة فتح الباري :
إنّ أبا عليّ الغساني روى عنه قال : خرّجت الصحيح من 600 ألف حديث.(1)
وروى عنه الإسماعيلي أنّه قال :
أحفظ مائة ألف حديث صحيح وأحفظ مائتي ألف حديث غير صحيح.(2)

1 . الهدي الساري مقدمة فتح الباري : 4 .
2 . الهدي الساري مقدمة فتح الباري : 5 .

صفحه 128
ويعرب عن كثرة الموضوعات اختيار أئمة الحديث أخبار تآليفهم (الصحاح والمسانيد) من أحاديث كثيرة هائلة ، والصفح عن غيرها ، وقد أتى أبو داود في سننه بأربعة آلاف وثمانمائة حديثاً وقال : انتخبته من خمسمائة ألف حديث.(1)
ويحتوي صحيح البخاري من الخالص بلا تكرار على ألفي حديث وسبعمائة وواحد وستين حديثاً اختاره من زهاء ستمائة ألف حديث.(2)
وفي صحيح مسلم أربعة آلاف حديث أُصول دون المكرّرات ، صنّفه من ثلاثمائة ألف.(3)
وذكر أحمد في مسنده ثلاثين ألف حديث ، وقد انتخبه من أكثر من سبعمائة وخمسين ألف حديث ، وكان يحفظ ألف ألف حديث.(4)
وقد قام الباحث الكبير المجاهد العلاّمة الأميني في موسوعته (الغدير) ـ الجزء الخامس ـ باستخراج أسماء الكذّابين والوضّاعين للحديث على حسب الحروف الهجائية فبلغ عددهم 700 ، وما قام

1 . طبقات الحفّاظ للذهبي: 2 / 154 ; تاريخ بغداد: 9 / 57 .
2 . إرشاد الساري: 1 / 208 ; صفوة الصفوة: 4 / 143 .
3 . طبقات الحفّاظ: 2 / 151 ، 157 ; شرح صحيح مسلم للنووي: 1 / 32 .
4 . طبقات الحفّاظ : 9 / 17 .

صفحه 129
به رحمه الله ، وإن كان عملا كبيراً يشكر عليه ، غير أنّه لو قامت بهذا الأمر لجنة من الباحثين لعثروا على أضعاف ما ذكره ذلك البحّاثة الكبير .
وكان تحذير النبي الأكرم من الدجّالين الكذّابين وشيوع الكذب على لسانه سبباً لقيام العلماء بوضع علم الرجال وبيان مقاييس يُميّز به الصحيح عن السقيم .
وقال : وقد تنبّأ الرسول بما سيصيب سنّته الشريفة ويصيب المسلمين فيما بعد على أيدي الكذّابين ووضّاعي الحديث وأعداء الإسلام ، وفي الوقت نفسه أخبر عمّن يقف في وجه هذا الخطر العظيم إذ قال : «يحمل هذا الدين في كلّ قرن عدول ينفون عنه تأويل المبطلين وتحوير الغالين وانتحال الجاهلين كما ينفي الكير خبث الحديد».(1)
روى السيوطي أنّ عثمان بن عفان لمّا أراد أن يكتب المصاحف ، أراد أن يحذف الواو التي في سورة براءة في قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ كَثِيراً مِنَ الأحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ يَكْنُزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَاب أَلِيم ).(2)

1. رجال الكشّي : 5 .
2 . التوبة : 34 .

صفحه 130
قال أُبيّ بن كعب : لتلحقنّها أو لأضعنّ سيفي على عاتقي.(1)
فإنّ الخليفة كان يريد أن يقرأ قوله تعالى : ( وَالَّذِينَ يَكْنُزُونَ )بدون واو العطف ، لتكون هذه الجملة وصفاً للأحبار واليهود . وهذا مضافاً إلى كونه خلاف التنزيل وتغييراً فيما نزل به الوحي كما تلاه الرسول وقرأه على مسامع القوم ، فإنّ حذف الواو كان يعني أنّ آية حرمة الكنز سوف لا تشمل المسلمين بل ستبقى صفة للأحبار والرهبان . وكان يقصد من هذه إضفاء طابع الشرعية على اكتناز الأموال الطائلة .
وهذا يكشف عن مدى حفظ الأُمّة لنصّ الكتاب بهذه الصورة الدقيقة الأمينة ، بيد أنّ حفظ الأُمّة كان محدوداً لا يتجاوز هذا الحد; إذ كان غير شامل لجوانب أُخرى من الشريعة وأُصولها ومصادرها وينابيعها .

الثالث : محاولة كتابة الصحيفة

هذا هو الخطّ الدفاعي الثالث الذي حاول الرسول وضعه لمكافحة دبيب البدعة ، وهنا نقتبس ما ذكره الإمام الشاطبي حرفياً ، يقول :
لقد كان عليه الصلاة والسلام حريصاً على أُلفتِنا وهدايتنا ،

1 . تفسير الدر المنثور: 3 / 232 .

صفحه 131
حتى ثبت من حديث ابن عباس (رضي الله عنه).. أنه قال : لمّا حُضِرَ(1)النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)قال : وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب قال : «هلمّ أكتب لكم كتاباً لن تضلّوا بعده» فقال عمر : إنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) غلبه الوجع ، وعندكم القرآن فحسبنا كتاب الله!! واختلف أهل البيت واختصموا فمنهم من يقول : قرّبوا يكتب لكم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)كتاباً لن تضلّوا بعده ، ومنهم من يقول ما قال عمر ، فلمّا أكثروا اللغط والاختلاف عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : «قوموا عنّي»، فكان ابن عباس يقول : إنّ الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم.(2)

الرابع : التعريف بالثقلين

إنّ النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) نبّه الأُمّة وبيّن لها المرجع والملاذ بعد رحيله بقوله : «يا أيّها الناس، إنّي تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي».(3)
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إنّي تركت ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي : كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ;

1 . أَي حضرته الوفاة.
2 . الاعتصام: 2 / 171 ـ 172 ولاحظ صحيح البخاري: 8 / 161، باب كراهية الخلاف.
3 . كنز العمال: 1 / 44 ، أخرجه الترمذي والنسائي عن جابر .

صفحه 132
ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما».(1)
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إنّي تارك فيكم خليفتين : كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض، وعترتي أهل بيتي; وانّهما لن يتفرّقا حتى يردا عليّ الحوض».(2)
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إنّي تارك فيكم الثقلين : كتاب الله ، وأهل بيتي ، وانّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض».(3)
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إنّي أوشك أن اُدعى فاُجيب ، وإنّي تارك فيكم الثقلين : كتاب الله عزوجل ، وعترتي; كتاب الله حبل ممدود من السماء الى الأرض ، وعترتي أهل بيتي ، وإنّ اللطيف الخبير أخبرني أنّهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض ، فانظروني بمَ تخلفوني فيهما».(3)
وقال (صلى الله عليه وآله وسلم) في منصرفه من حجة الوداع ونزوله غدير خم : «كأنّي قد دُعيت فأجبت ، إنّي تركت فيكم الثقلين ، أحدهما أكبر من الآخر : كتاب الله وعترتي ، فانظروا كيف تخلفوني فيهما ، فإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض».(4)

1 . كنز العمال: 1 / 44 ، أخرجه الترمذي عن زيد بن أرقم .
2 . مسند أحمد: 5 / 282 و 289 .   3 . مستدرك الحاكم: 3 / 148 .
3 . مسند أحمد: 3 / 17 و 26 ، أخرجه من حديث أبي سعيد الخدري .
4 . مستدرك الحاكم: 3 / 109 ، أخرجه عن حديث زيد بن أرقم .

صفحه 133
وللكاتب الإسلامي منشي المنار كلام ذكره في تعليقته على كتاب الاعتصام للشاطبي قال : رواه ابن أبي شيبة والخطيب في المتّفق والمفترق عنه وهو «تركت فيكم ما لن تضلوا إن اعتصمتم به ، كتاب الله وعترتي أهل بيتي : ورواه الترمذي والنسائي عنه بلفظ «يا أيّها الناس إنّي تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا : كتاب الله وعترتي أهل بيتي» والحديث مرويّ بلفظ العترة بدل السنّة عن كثير من الصحابة ، منهم : زيد بن ثابت ، وزيد بن أرقم ، وأبو سعيد الخدري ، وروي عن أبي هريرة بلفظ «السنّة» بدل العترة ، وفي كلا السياقين بلفظ «لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض» والجمع بينهما في المعنى أنّ عترته أهل بيته يحافظون على سنّته ، أي لا يخلو الزمان عن قدوة منهم يقيمون سنّته لا يُثنِيهم عنها التقليد ولا الابتداع ولا الفتن.(1)

الخامس : التعريف بسفينة النجاة

إنّ النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) شبّه أهل بيته بسفينة نوح فقال : «ألا إنّ مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من قومه; من ركبها نجا ، ومن تخلّف عنها غرق».(2)
وفي حديث آخر يقول (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إنّما مثل أهل بيتي فيكم

1 . الاعتصام: 2 / 156 ، قسم التعليقة .
2 . رواه الحاكم في مستدركه بسنده عن أبي ذر: 3 / 151 .

صفحه 134
كمثل سفينة نوح; من ركبها نجا ، ومن تخلّف عنها غرق . وإنّما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطّة في بني إسرائيل; من دخله غفر له».(1)
وفي حديث ثالث : «النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق ، وأهل بيتي أمان لأُمّتي من الاختلاف ، فاذا خالفتها قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس».(2)
ومن المعلوم أنّ المراد ليس جميع أهل بيته على سبيل الاستغراق; لأنّ هذه المنزلة ليست إلاّ لحجج الله ، وهم ثلّة منتخبة مصطفاة من أهل بيته ، وقد فهمه ابن حجر فقال : يحتمل أنّ المراد بأهل البيت الذين هم أمان ، علماؤهم; لأنّهم الذين يُهتدى بهم كالنجوم ، والذين إذا فُقِدوا جاء أهل الأرض من آيات ما يوعدون .
وقال في مقام آخر : إنّه قيل لرسول الله : ما بقاء الناس بعدهم؟ قال : «بقاء الحمار إذا كسر صلبه».(3)
والمراد من تشبيههم (عليهم السلام) بسفينة نوح أنّ من لجأ إليهم في الدين فأخذ فروعه وأُصوله عنهم نجا من عذاب الله ، ومن تخلّف عنهم كان كمن أوى يوم الطوفان إلى جبل ليعصمه من أمر الله فما أفاده شيئاً فغرق وهلك .

1 . الأربعون حديثاً للنبهاني  : ص 216 نقله عن الطبراني في الأوسط .
2 . رواه الحاكم في مستدركه بسنده عن ابن عباس: 3 / 149 .
3 . الصواعق المحرقة لابن حجر، الباب الحادي عشر : 91 ، 142 .

صفحه 135
والوجه في تشبيههم بباب حطة هو أنّ الله تعالى جعل ذلك الباب مظهراً من مظاهر التواضع لجلاله والبخوع لحكمه ، وبهذا كان سبباً للمغفرة ، وقد جعل انقياد هذه الأُمّة لأهل بيت نبيّها واتّباعهم أيضاً مظهراً من مظاهر التواضع لجلاله والبخوع لحكمه ، وبهذا كان سبباً للمغفرة .
وقد أوضح ابن حجر حقيقة التشبيه في الحديث الشريف فقال : «ووجه تشبيههم بالسفينة أنّ من أحبّهم وعظّمهم شكراً لنعمة مشرفهم وأخذاً بهدي علمائهم نجا من ظلمة المخالفات ، ومن تخلّف عن ذلك غرق في بحر كفر النعم ، وهلك في مفاوز الطغيان ـ إلى أن قال : ـ وبباب حطة ـ يعني ووجه تشبيههم بباب حطة ـ أنّ الله جعل دخول ذلك الباب الذي هو باب أريحاء أو بيت المقدس مع التواضع والاستغفار سبباً للمغفرة ، وجعل لهذه الأُمّة مودّة أهل البيت سبباً لها».(1)

دور أئمة أهل البيت في مكافحة البدع :

إنّ لأئمة أهل البيت دوراً بارزاً في مكافحة البدع ، والردّ على الأفكار الدخيلة على الشريعة عن طريق أهل الكتاب ، الذين تظاهروا بالإسلام ، وتزيّوا بزيّ المسلمين ، نظراء: كعب الأحبار ،

1 . لاحظ : الصواعق المحرقة، الباب الحادي عشر : 153 .

صفحه 136
وتميم الداري ، ووهب بن منبه، ومن كان على شاكلتهم .
إنّ كتب الحديث ، من غير فرق بين الصحاح وغيرها ، مشحونة بأخبار التجسيم والتشبيه والجبر ونفي الاستطاعة المكتسبة ونسبة الكذب والعصيان إلى الأنبياء والرسل ، وقد تأثّر بها المحدّثون السُّذَّج وحسبوا أنّها حقائق راهنة فنقلوها إلى الأجيال اللاّحقة ، وقد حيكت العقائد على منوال هذه الأحاديث ، ولم يتجرّأ أحد من المفكّرين الإسلاميين القدامى والجدد على نقدها إلاّ من شذّ .
وفي مقابل هذه البدع نرى أنّ أئمة أهل البيت يكافحون التجسيم والتشبيه والجبر وغيرهما بخطبهم ورسائلهم ومناظراتهم أمام حشد عظيم . وفي وسع القارئ الكريم مراجعة نهج البلاغة للإمام عليّ (عليه السلام)، وكتاب التوحيد للشيخ الصدوق (306 ـ 381 هـ) ، وكتاب الاحتجاج للشيخ الطبرسي (المتوفّى 550 هـ) ، إلى غير ذلك من الكتب المؤلّفة في هذا المضمار ، وما أحلى المناظرات التي أجراها الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام)في عاصمة الخلافة الإسلامية (مرو) يوم ذاك مع الماديّين والملحدين وأحبار اليهود وقساوسة النصارى ، بل ومع المتزمّتين المغترّين بتلك الأحاديث .
لقد كان لفكرة الإرجاء التي تدعو إلى التسامح الديني في العمل ، واجهة بديعة عند السذّج من المسلمين ولا سيّما الشباب

صفحه 137
منهم ، فقام الإمام الصادق بردّها والتنديد بها ، وقد أصدر بياناً فيها حيث قال : «بادروا أولادكم بالحديث قبل أن تسبقكم إليهم المرجئة».(1)
هذا هو الإمام الثامن عليّ بن موسى الرضا يكافح فكرة رؤية الله تبارك وتعالى بالعين .
ويرد الفكرة المستوردة من اليهود والتي اغترّ بها بعض المحدّثين ، واليك ما جرى بينه وبين أحدهم باسم أبي قرّة .
قال أبو قرّة : إنّا روينا أنّ الله عزوجل قسم الرؤية والكلام بين اثنين ، فقسم لموسى (عليه السلام) الكلام ولمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) الرؤية .
فقال الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) : «فمن المبلّغ عن الله عزّ وجل الى الثقلين الجنّ والإنس ( لاَ تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَار )(2) و( لاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً )(3) و ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ )(4)أليس محمّداً (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟
قال : بلى .
قال الإمام : «فكيف يجيء رجل إلى الخلق جميعاً فيخبرهم

1 . الكافي: 6 / 47، الحديث 5 ; ولاحظ بحار الأنوار : 68 / 297 .
2 . الأنعام : 103 .
3 . طه : 110 .
4 . الشورى : 11 .

صفحه 138
أنّه جاء من عند الله وأنّه يدعوهم إلى الله بأمر الله ويقول : ( لاَ تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَار ) و( لاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ) و( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) . ثمّ يقول أنا رأيته بعيني وأحطت به علماً وهو على صورة البشر . أما تستحيون؟ ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا أن يكون يأتي عن الله بشيء ثمّ يأتي بخلافه من وجه آخر».(1)
هذا نموذج من نماذج كثيرة أوردناه حتى يكون أُسوة لنماذج أُخرى .
وإن أردت أن تقف على مدى مكافحة الأئمة الاثني عشر للبدع المحدثة فعليك مقارنة كتابين قد أُلّفا في عصر واحد بيد محدّثين في موضوع واحد ، وهما :
1 ـ التوحيد لابن خزيمة (المتوفّى 311 هـ) .
2 ـ التوحيد للشيخ الصدوق (306 ـ 381 هـ) .
قارن بينهما ، تجد الأوّل مشحوناً بأخبار التجسيم والتشبيه والجبر ، وما زال المتسمون بالسلفية ينشرونه عاماً بعد عام ، كأنّ ضالّتهم فيه .
وأمّا الثاني ففيه الدعوة إلى التوحيد وتنزيه الحقّ ومعرفته بين التشبيه والتعطيل وتبيين الآيات التي اغترّ بعضهم بظواهرها من دون التدبّر بالقرائن الحافّة بها .

1 . توحيد الصدوق: 111، باب ما جاء في الرؤية.

صفحه 139
وبذلك تبيّن أنّ النبيّ الأكرم قد جعل من الأئمّة واجهة دفاعية لصدّ البدع وأفكار المبتدعين، ولا تتبيّن تلك الحقيقة إلاّ بعد معرفتهم ومراجعة كلماتهم .

السادس : دعم الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر

إذا كانت البدعة من أعظم الكبائر والمنكرات ، فعلى السلطة التنفيذية للحكومات الإسلامية ، دعم الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ، للقيام بمواجهة المبتدعين وردعهم عن أعمالهم; فإنّ البدعة أوّل يومها بذرة في الأذهان ، ثمّ يستفحل عودها عبْر الزمن حتى تصير شجرة خبيثة ، ولذلك دعا الذكر الحكيم إلى القيام بهذا الأمر وقال : ( وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )(1) وفي آية أُخرى : ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ).(2)
والأُمَّة عبارة عن جماعة تجمعهم رابطة العقيدة ووحدة الفكر ، غير أنّ الواجب على الجميع غير الواجب على جماعة خاصة ، فيجب على كلّ مسلم ردع المنكر بقلبه ولسانه ، وأمّا القيام بأكثر من ذلك فهو على القويّ المطاع العالم بالمعروف ، وبذلك

1 . آل عمران : 104 .
2 . آل عمران : 110 .

صفحه 140
يجمع بين الآيتين ، حيث إنّ الثانية ترى الأمر بالمعروف فريضة على الجميع ، والأُولى تراه فريضة على أُمّة خاصة ، فالمراتب النازلة فريضة على الكلّ ، والمراتب العالية وظيفة الأقوياء من أبناء الأُمّة .
ويكفي في أهمية تلك الفريضة قوله سبحانه : ( الَّذِينَ إنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَـوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ ).(1)
وهذا الإمام أمير المؤمنين يعلّل قيامه ونضاله ، بردع البدع ويقول : «اللّهمّ إنّك تعلم أنّه لم يكن الذي كان منّا ، منافسة في سلطان ، ولا التماس شيء من فضول الحطام ، ولكن لنردَّ المعالم من دينك ، ونُظهر الإصلاح في بلادك».(2)
وردّ المعالم من دينه كناية عن رفض البدع التي كانت قد ظهرت على الساحة الإسلامية .
وقال الإمام الباقر (عليه السلام) : «إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبيل الأنبياء ، ومنهاج الصلحاء ، فريضة عظيمة ، بها تقام الفرائض ، وتأمن المذاهب ، وتحلّ المكاسب ، وتردّ المظالم ، وتعمر الأرض ، وينتصف من الأعداء، ويستقيم الأمر».(3)

1 . الحج : 41 .
2 . نهج البلاغة  : الخطبة 127 .
3 . الوسائل: ج 11، الباب 1 من أبواب كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الحديث 6.

صفحه 141
وقد كان في العصور الماضية نشاط للآمرين بالمعروف في خصوص متابعة المساجد والمؤذّنين والوعّاظ والقرّاء ، حتى لايخرجوا عن حدود الشريعة . يقول ابن إخوة القرشي : «ومن وظائف المحتسِب مراقبة المساجد والمؤذّنين والوعّاظ والقرّاء ، وعدم السماح لتصدّي هذه المشاغل إلاّ لمن اشتهر بين الناس بالدين والخير والفضيلة ويكون عالماً بالأُمور والعلوم الشرعية» إلى آخر ما ذكره.(1)
فهذه هي الخطوط الدفاعية التي وضعها الإسلام أمام المبتدعين ، وهناك أُمور أُخرى للقضاء على البدعة والحدّ من نشاط المبتدعين ، نؤخّر بيانها إلى مجال آخر .

1 . معالم القربة في أحكام الحسبة  : 179 .

صفحه 142
كيفية التوصّل إلى مكافحة البدع والقضاء عليها   

خاتمة المطاف

كيفية التوصّل إلى مكافحة البدع والقضاء عليها

بقي هنا أمر هام وهو; كيف نتوصّل إلى مكافحة البدع ونقضي عليها؟ وهو سؤال مهمّ يبيّن موقفنا في هذا العصر أمام تيارات البدع قديماً وحديثاً . وفي الحقيقة أنّ ما نذكره في الجواب ، هو واجب العلماء المفكّرين الذين يتحرّقون لمعرفة الحق بين منعرجات الأهواء النفسية والانتماءات العصبية .
إنّ القضاء على البدع ولو نسبياً يتمّ بالقيام بأُمور هي :
الأوّل : دراسة العقائد الإسلامية في ضوء الكتاب والسنّة الصحيحة ، والفطرة الإنسانية ، والعقل السليم ، ونفي الاكتفاء برسالة «الطحاوية» للإمام الطحاوي ، و«الإبانة» للإمام الشيخ الأشعري; فإنّهما قد أدّيا رسالتهما في عصرهما بأحسن وجه ، ولم يكن في وسعهما إلاّ ما ألّفا ونشرا ، وإن تأثّرا بالروايات غير الصحيحة; إذ في ثنايا ذينك الكتابين التلميح إلى التشبيه والتعطيل ، وتعريف الإنسان بلا اختيار وإرادة ، كالريشة في مهبّ الريح ، إلى غير ذلك ممّا تردّه

صفحه 143
الفطرة السليمة ، كجواز تعذيب الطفل يوم القيامة بالنار . ومن المؤسف جداً الاكتفاء بدراسة العقائد من خلال هذين الكتابين وما شاكلهما في مقابل التشكيكات البرّاقة التي تثيرها كلّ يوم الوسائل الإعلامية على الإطلاق في معسكر الغرب والشرق ، وهل يمكن صدّ هذا التيار بهذه الكتب؟ كلاّ ، ومن قال نعم; فإنّما يقوله بلسانه وينكره بقلبه .
كلّ ذلك يسوقنا إلى أن نعطي للعقائد والمعارف قسماً أوفر في دراساتنا ، حتى تتميز البدع عن غيرها ، نعم أنّ من يأخذ كلّ ما ذكره أحمد بن حنبل في كتاب السنّة والإمامين السابقين في كتابيهما لا غبار عليه ، وإن كان ضدّ الكتاب والسنّة المتواترة والعقل الفطري الصريح، إنّما كلامنا مع المفكّرين الواعين العالمين بما يجري في البلاد على الإسلام والشباب ، وما يثار من إشكالات حول الأُصول حتى التوحيد نفسه .
الثاني : تمحيص السنّة ودراستها من جديد دراسة عميقة سنداً ومضموناً مقارنةً مع الكتاب والسنن القطعية عن الرسول ، فانّ أكثر البدع لها جذور في السنّة المدوّنة ، وهو (صلى الله عليه وآله وسلم)عنها بريء ، وإنّما اختلقها الوضّاعون الكذّابون على لسانه . غير أنّ مسلمة أهل الكتاب وبما أنّهم لم يروا النبي الأكرم قد نسبوها إلى أنبيائهم وكتبهم ، ونسبها بعض السلف إلى نفس النبيّ الأكرم ، وها نحن

صفحه 144
نضع أمامك حديثين رواهما الشيخان في مورد الأنبياء حتى نتخذهما مقياساً لما لم نذكره .
إنّه سبحانه يعرّف فضله على النبيّ الأكرم بقوله : ( وَأَنْزَلَ الله عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمْ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً )(1) والمراد من فضله سبحانه في ذيل الآية هو علم النبي الذي أفاضه الله عليه ووصفه بكونه عظيماً ، مضافاً إلى ما في صدر الآية من إنزال الكتاب والحكمة عليه . ومع ذلك نرى أنّ الرسول في الصحيحين يُعرّف بصورة أنّه لا علم له بأبسط الأُمور وأوضح السنن الطبيعية في عالم النباتات ، حيث رأى قوماً يلقّحون النخيل فنهاهم عن ذلك قائلا بأنّه لا يظن أنّه يغني شيئاً ، فتركه الناس وواجهوا الخسارة وعدم الإثمار ، فأتوا إلى النبيّ الأكرم ، فقال ما قال ، واليك نصّ الرواية :
1 ـ روى مسلم ، عن موسى بن طلحة ، عن أبيه ، قال : مررت ورسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بقوم على رؤوس النخل فقال : «ما يصنع هؤلاء؟» فقالوا : يُلقِّحونه ، يجعلون الذكر في الأُنثى فتلقح ، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «ما أظنّ يغني ذلك شيئاً» فأخبروا بذلك ، فتركوه ، فأخبر رسول الله بذلك ، فقال : «إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه ، فإنّي إنّما ظننت ظناً فلا تؤاخذوني بالظنّ ، ولكن إذا حدّثتكم عن الله شيئاً

1 . النساء : 113 .

صفحه 145
فخذوا به ، فإنّي لن أكذب على الله عزّ وجلّ».(1)
وروى عن رافع بن خديج ، قال : قدم نبيّ الله المدينة وهم يُأبِّرون(2) النخل ، يقولون : يُلقّحون النخل ، فقال : «ما تصنعون؟» قالوا : كنّا نصنعه ، قال : «لعلّكم لولم تفعلوا كان خيراً» فتركوه فنفضت أو فنقصت ، قال : فذكروا ذلك له ، فقال : «إنّما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به ، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنّما أنا بشر».(3)
والعجب أنّ مؤلّف الصحيح مسلم النيسابوري ذكر الحديث في باب أسماه بـ «وجوب امتثال ما قاله شرعاً دون ما ذكره (صلى الله عليه وآله وسلم) من معايش الدنيا على سبيل الرأي» نحن نعلّق على الحديث بشيء بسيط ونترك التفصيل إلى القارئ:
أوّلا : نفترض أنّ النبي الأكرم ليس نبياً ، ولا أفضل الخليقة ، ولا من أُنزل إليه الكتاب والحكمة ، ولا من وصف الله سبحانه علمه بكونه عظيماً ، ولكن كان عربياً صميماً ولد في أرض الحجاز ، وعاش بين ظهراني قومه وغيرهم في الحضر والبادية ، وقد تكرّرت

1 . صحيح مسلم: 7 / 95، باب وجوب امتثال ما قاله
(صلى الله عليه وآله وسلم) شرعاً، دون ما ذكره من معايش الدنيا.
2 . أبر يأبر كبذر يبذر : أدخل شيئاً من طلع الذكر في طلع الأُنثى فتعلق بإذن الله .
3 . صحيح مسلم: 7 / 95، باب وجوب امتثال ما قاله (صلى الله عليه وآله وسلم)شرعاً دون ما ذكره من معايش الدنيا.

صفحه 146
سفراته إلى الشام ، وكلّ إنسان كان هذا شأنه يعرف أنّ النخيل لا يثمر إلاّ بالتلقيح ، فما معنى سؤاله ما يصنع هؤلاء؟! فيجيبونه بقولهم : إنّهم «يلقحونه» أفيمكن أن يكون هذا الشيء البسيط خفيّاً على النبيّ؟!
ثانياً : كيف يمكن للنبي النهي عن التلقيح وهو سنّة من سنن الله في عالم الحياة ، قال سبحانه : ( فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيلا )(1) ومع ذلك فكيف يقول : «ما أظنّ يغني ذلك شيئاً»؟!
ثالثاً : إنّ الاعتذار الوارد في الرواية يُسيء الظنّ بكلّ ما يقوله النبيّ الأكرم ، فإن كان المخبر بهذه الدرجة من العلم; فكيف يمكن الاعتماد بما يُخبر عن الله سبحانه؟! كلّ ذلك يسيء الظن بكلّ ما يذكره بلسانه ويخرج من شفتيه ، والأسوأ من ذلك ما نُسب إليه من الاعتذار بقوله : «وإذا حدّثتكم عن الله شيئاً فخذوا به ، فإنّي لن أكذب على الله عزّوجلّ» ، لأنّ فيه تلميحاً إلى أنّه ـ والعياذ بالله ـ يكذب في مواضع أُخر .
فلو اعتمدنا على هذه الرواية ونظائرها في بناء العقيدة ، فستكون النتيجة أنّ النبي ربّما يكون جاهلا بأبسط السنن الجارية في الحياة ، فهل يصحّ التفوّه بذلك؟

1 . فاطر : 43 .

صفحه 147
2 ـ لو كان الحديث الأوّل يحطّ من منزلة النبيّ الأكرم ، فالحديث الثاني يحطّ من مكانة الكليم موسى (عليه السلام) . فقد أخرج الشيخان في صحيحيهما بالاسناد إلى أبي هريرة ، قال : لمّا جاء ملك الموت إلى موسى (عليه السلام) فقال له : أجب دعوة ربّك ، فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها ، قال : فرجع الملك إلى الله تعالى ، فقال : إنّك أرسلتني إلى عبد لك لا يريد الموت ، ففقأ عيني ، قال : فردّ الله إليه عينه ، وقال : ارجع إلى عبدي فقال : الحياة تريد ، فإن كنت تريد الحياة ، فضع يدك على متن ثور ، فما توارت يدك من شعرة فإنّك تعيش بها سنة.(1)
وأخرجه ابن جرير الطبري في تأريخه ، وقال : «إنّ ملك الموت يأتي الناس عياناً حتى أتى موسى فلطمه ففقأ عينه ـ إلى أن قال : ـ فجاء بعد ذلك إلى الناس خفية».(2)
والحديث غنيّ عن التعليق ولا يوافق الكتاب ولا سنّة الأنبياء ولا العقل السليم من جهات هي :
1 ـ أنّه سبحانه يقول : ( إذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ )(3) فظاهر قوله : «أجب ربك» انّه كان ممّن كتب

1 . صحيح مسلم : 7 / 100 ، كتاب الفضائل في باب فضائل موسى ; صحيح البخاري: 4 / 157 ، كتاب بدء الخلق ، باب وفاة موسى .
2 . تاريخ الطبري : 1 / 305 ، باب وفاة موسى .
3 . يونس : 49 .

صفحه 148
عليه الموت وجاء أجله ومع ذلك تأخّر .
2 ـ من درس حياة الأنبياء بشكل عام يقف على أنّهم(عليهم السلام) ما كانوا يكرهون الموت كراهة الجاهلين ، وهل كانت الدنيا عند الكليم أعزّ من الآخرة ، وهل كانت تخفى عليه نعمها ودرجاتها؟!
3 ـ ما ذنب ملك الموت؟ إنْ هو إلاّ رسول من الله مجنّد له ، يعمل بإمرته ، فهل كان يستحق مثل هذا الضرب؟!
4 ـ كيف تُرِك القصاص عن موسى مع أنّه سبحانه يقول : ( وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأنْفَ بِالأنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ والْجُرُوحَ قِصَاصٌ ).(1)
5 ـ وهل كان ملك الموت أضعف من موسى حتى غلب عليه وفقأ عينه ولم يتمكن من الدفاع ، ولم يزهق روحه مع كونه مأموراً به من ربه؟ أنا لا أدري ، وأظنّ أنّ القارئ في غنىً عن هذه التعليقات ، فإنّ مضمون الحديث يصرّخ بأعلى صوته أنّه موضوع.
فتمحيص السنّة فريضة على المفكّرين لكي يقضوا بذلك على البدع التي ما انفكّت تتلاعب بالدين ، ولا يقوم بذلك إلاّ من امتحن الله قلبه بالتقوى ولا تأخذه في الله لومة لائم ، وإن رماه المتطرّفون بأنواع التهم والأباطيل ، ولا غرو فإنّ المصلحين في جميع الأجيال كانوا أغراضاً لنبال الجهّال .

1 . المائدة : 45 .

صفحه 149
اللّهمّ إنّا نسألك التوفيق لإحياء السُنَن، وإماتة البِدَع، والعمل بكتابك وسنّة نبيّك سيد رُسُلك، وأفضل خليقتك.
ونسألك الابتعاد عن أهل الزيَغ والبدع، ومكافحة الرأي المخترَع، والتمسّك بحبلك المتين، ونبذ ما اُلصِق بدينك القويم.
وصلّى الله على رسول الله وعلى عترته الطاهرين وصحبه المنتجبين والسائرين على دربهم إلى يوم الدين.

صفحه 150

صفحه 151

فهرس المحتويات

   مقدّمة المؤلّف   …7
المبحث الأوّل: نصوص البدعة في الكتاب والسنّة   …15
   البدعة في الكتاب   …15
   البدعة في السنّة   …18
المبحث الثاني: البدعة لغة واصطلاحاً   …27
   البدعة في لغة العرب   …27
   البدعة في اصطلاح العلماء   …29
المبحث الثالث: تحديد مفهوم البدعة ومقوّماتها   …39
   1 ـ التدخّل في الدين بزيادة أو نقيصة   …40
   2 ـ البدعة إشاعة ودعوة   …49
   3 ـ عدم وجود أصل لها في الدين   …50
المبحث الرابع: الابتداع في تفسير البدعة   …54
   بدعة «ما لم يكن في القرون الثلاثة»   …55
   بدعة «جعل السلف معياراً للحق والباطل»   …66
المبحث الخامس: أسباب نشوء البدعة   …70
   1 ـ المبالغة في التعبّد لله تعالى   …70
   2 ـ اتّباع الهوى   …75
   3 ـ حبّ الاستطلاع إلى ما هو دونه   …76
   4 ـ التعصّب الممقوت   …78
   5 ـ التسليم لغير المعصوم   …81

صفحه 152
المبحث السادس: تقسيمات البدعة   …84
   1 ـ تقسيم البدعة إلى حسنة وسيّئة   …84
      سؤال وجواب   …89
   2 ـ تقسيم البدعة إلى عادية وشرعية   …90
      الإسلام بين التزمّت والتحلل من القيود الشرعية   …96
      الأصل في العادات الإباحة   …106
   3 ـ تقسيم البدعة إلى حقيقيّة وإضافيّة   …108
      شمول الدليل لجميع الحالات والكيفيات   …112
      التداوم على هيئة أو فرد لا يرجع إلى تخصيص التشريع   …112
المبحث السابع: لا بدعة فيما فيه الدليل نصّاً أو إطلاقاً   …117
المبحث الثامن: الخطوط العامّة لتحصين الدين من الابتداع   …124
   الأوّل : التحذير من البدع والمبتدعين   …124
   الثاني : الإشارة إلى وجود الكذّابة على لسانه   …125
      نماذج وأرقام عن الأحاديث الموضوعة   …127
   الثالث : محاولة كتابة الصحيفة   …130
   الرابع : التعريف بالثقلين   …131
   الخامس : التعريف بسفينة النجاة   …133
      دور أئمة أهل البيت في مكافحة البدع :   …135
   السادس : دعم الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر   …139
خاتمة المطاف: كيفية التوصّل إلى مكافحة البدع والقضاء عليها   …142
فهرس المحتويات   …151

صفحه 153