\
welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : الأئمة الاثنا عشر*
تألیف :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الأئمة الاثنا عشر

صفحه 1
    الأئمة الاثنا عشر
   
الأئمّة الاثنا عشر

صفحه 2

صفحه 3
الأئمّة الاثنا عشر
دراسةٌ موجزةٌ عن شخصيتهم وحياتهم (عليهم السلام)
تأليف
الفقيه المحقّق
جعفر السبحاني
نشر
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
سبحانى تبريزي، جعفر، 1308 ـ   
      الأئمّة الاثنا عشر ; دراسة موجزة عن شخصيتهم وحياتهم / تأليف جعفر السبحاني. ـ قم : مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، 1396 .
      191 ص .    ISBN: 978 - 964 - 357 - 596 - 0
      فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
      كتابنامه به صورت زير نويس.
      1 . ائمة اثنا عشر ـ ـ سرگزشتنامه. الف. مؤسسه امام صادق (عليه السلام). ب. عنوان.
9الف 2س/ 5/36 BP    95 / 297
1396
اسم الكتاب:   … الأئمّة الاثنا عشر
المؤلف:   … الفقيه المحقّق جعفر السبحاني
الطبعة:   … الأُولى ـ 1438 هـ
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر: 963   تسلسل الطبعة الأُولى: 460
حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة، فلا يجوز شرعاً استنساخ أو نشر اصدارات
المؤسسة إلاّ بعد التنسيق مع المؤسسة واستحصال الموافقة الرسمية
مركز التوزيع
قم المقدسة / ساحة الشهداء
مكتبة التوحيد ?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
www.tohid.ir

صفحه 5

صفحه 6
الأئمة الاثنا عشر   

صفحه 7

الأئمة الاثنا عشر

تعرف الشيعة الإمامية بالفرقة الاثني عشرية ، ومبعث هذه التسمية هو اعتقادهم باثني عشر إماماً من بني هاشم نصّ عليهم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، كما هو معلوم للجميع ، ثمّ نصّ كلّ إمام على الإمام الذي بعده ، بشكل يخلو من الشكّ والإبهام .
لقد تضافر عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه يملك هذه الأُمّة اثنا عشر خليفة كعدد نقباء بني إسرائيل ، وكما هو معلوم ومبسّط في كتب الشيعة بشكل لا يقبل الشك . إنّ هذه الروايات مع ما فيها من المواصفات لا تنطبق إلاّ على أئمّة الشيعة والعترة الطاهرة «وإذا كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)هو الشجرة وهم أغصانها ، والدوحة وهم أفنانها ، ومنبع العلم وهم عيبته ، ومعدن الحكم وهم خزائنه ، وشارع الدين وهم حفظته ، وصاحب الكتاب وهم حملته»(1) فتلزم علينا معرفتهم ، كيف وهم أحد الثقلين اللَّذَين تركهما الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ، قدوة للأُمّة ونوراً على جبين الدهر .
ونحن نحاول هنا أن نعرض في هذا الفصل موجزاً عن

1 . اقتباس ممّا ذكره أمين الإسلام الطبرسي في مقدّمة كتابه «إعلام الورى بأعلام الهدى »: 3 .

صفحه 8
أحوالهم وحياتهم متوخّين الاختصار والإيجاز فيما نورده ، لأنّ بسط الكلام عنهم يحتاج إلى تدوين موسوعة كبيرة ، وقد قام بذلك لفيف من علماء الإسلام فأثبتوا الشيء الكثير عن حياتهم وسيرتهم وأقوالهم ، جزاهم الله عن الإسلام وأهله خير الجزاء .

الأئمّة الاثنا عشر في حديث الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)

إنّ من تصفّح مصنّفات الحديث النبوي الشريف يجد أنّ هناك روايات تحدِّد وتعيِّن عدد الأئمّة بعد الرسول وسماتهم، من دون ذكر لأسمائهم، وهي أحاديث الأئمّة الاثني عشر التي رواها أصحاب الصحاح والمسانيد، وهي على وجه لا ينطبق إلاّ على مَن عيّنهم الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) للخلافة والزعامة، ولذلك نذكرها في عداد أدلّة التنصيص على الخلافة، والإمعان فيها يرشد القارئ إلى الحقّ، ويأخذ بيده حتّى يرسي مركبه على شاطئ الأمان والحقيقة.
ويطيب لي أن أذكر مجموع هذه النصوص; فإنّها تؤكّد بعضها بعضاً، وإليك البيان.
1 ـ روى البخاري عن جابر بن سمرة، قال: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: «يكون اثنا عشر أميراً» فقال كلمة لم أسمعها، فقال أبي: أنّه قال: «كلّهم من قريش».(1)
2 ـ روى مسلم عنه أيضاً، قال : دخلت مع أبي على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)

1 . صحيح البخاري: 9 / 101، كتاب الأحكام، الباب 51 (باب الاستخلاف).

صفحه 9
فسمعته يقول: «إنّ هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة». قال: ثم تكلّم بكلام خفي عليّ، قال: فقلت لأبي: ما قال؟ قال: «كلّهم من قريش».
3 ـ وروى عنه أيضاً، قال: سمعت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر رجلاً» ثمّ تكلّم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بكلمة خفيت عليّ، فسألت أبي: ماذا قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟ فقال: قال: «كلّهم من قريش».
4 ـ وروى عنه أيضاً نفس الحديث إلاّ أنّه لم يذكر: «لا يزال أمر الناس ماضياً».
5 ـ وروى مسلم عنه أيضاً قال: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «لا يزال الإسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة» ثمّ قال كلمة لم أفهمها، فقلت لأبي: ما قال؟ فقال: قال: «كلّهم من قريش».
6 ـ وروى مسلم عنه أيضاً، قال: انطلقت إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)ومعي أبي فسمعته يقول: «لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً إلى اثني عشر خليفة» فقال كلمة صمّنيها الناس، فقلت لأبي: ما قال؟ فقال: قال: «كلّهم من قريش».
7 ـ وروى مسلم عنه أيضاً قال: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يوم جمعة عشية رجم الأسلمي يقول: «لا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش».(1)

1 . صحيح مسلم: 6 / 3 ـ 4، كتاب الإمارة، باب الناس تبع لقريش.

صفحه 10
8 ـ روى أبو داود عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «لا يزال هذا الدين عزيزاً إلى اثني عشر خليفة» فكبّر الناس وضجّوا، ثمّ قال كلمة خفيّة، قلت لأبي: يا أبة ما قال؟ فقال: قال: «كلّهم من قريش».(1)
9 ـ روى الترمذي عن جابر بن سمرة، قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) : «يكون من بعدي اثنا عشر أميراً» ثمّ تكلّم بشيء لم أفهمه فسألت الذي يليني، فقال: قال: «كلّهم من قريش».
قال الترمذي: هذا حديث حسن، وقد روي من غير وجه عن جابر، ثمّ ذكر طريقاً آخر إلى جابر.(2)
10 ـ روى أحمد في مسنده عن جابر بن سمرة، قال: سمعت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «يكون لهذه الأُمّة اثنا عشر خليفة»، ورواه عن 34 طريقاً(3).
11 ـ روى الحاكم في المستدرك على الصحيحين في كتاب معرفة الصحابة عن عون بن جحيفة عن أبيه، قال: كنت مع عمّي عند النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: «لا يزال أمر أُمّتي صالحاً حتّى يمضي اثنا عشر

1 . سنن أبي داود: 2 / 309 برقم 4280، كتاب المهدي. ط دار الفكر ـ 1410 هـ . وروى أيضاً نحوه بطريقين آخرين.
2 . سنن الترمذي: 3 / 340 برقم 2323، باب ما جاء في الخلفاء (40).
3 . مسند أحمد: 5 / 86 ـ 108 .

صفحه 11
خليفة» ثمّ قال كلمة وخفض بها صوته، فقلت لعمّي  ـ وكان أمامي ـ : ما قال يا عمّ؟ قال: يا بني قال: «كلّهم من قريش».
12 ـ وروى أيضاً بسنده عن جرير عن المغيرة عن الشعبي عن جابر بن سمرة، قال: كنت عند رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فسمعته يقول: «لا يزال أمر هذه الأُمّة ظاهراً حتى يقوم اثنا عشر خليفة» وقال كلمة خفيت عليّ، وكان أبي أدنى إليه مجلساً منّي، فقلت: ما قال؟ فقال: «كلّهم من قريش».(1)
13 ـ قال ابن حجر في الصواعق: أخرج الطبراني عن جابر بن سمرة أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «يكون بعدي اثنا عشر أميراً كلّهم من قريش».(2)
كما أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قد شبَّه عدّة خلفائه بعدّة نقباء بني إسرائيل.
14 ـ فقد روى أحمد بسنده عن مسروق، قال: كنّا جلوساً عند عبدالله بن مسعود وهو يُقرئنا القرآن، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن، هل سألتم رسول الله كم يملك هذه الأُمّة من خليفة؟ فقال عبدالله بن مسعود: ما سألني عنها أحد منذ قدمت العراق قبلك، ثمّ

1 . المستدرك على الصحيحين (كتاب معرفة الصحابة): 3 / 618 و 617، تحقيق وإشراف يوسف عبدالرحمن المرعشلي.
2 . الصواعق المحرقة: 189، الحديث 39، الفصل الثاني، الباب 11 (في فضائل أهل البيت النبوي).

صفحه 12
قال: نعم، ولقد سألنا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: «اثنا عشر كعدّة نقباء بني إسرائيل»(1).
15 ـ ورواه الخطيب في تاريخه بسنده عن جابر بن سمرة.(2)
16 ـ وأورده المتقي الهندي في «كنز العمّال» عن أحمد والطبراني في المعجم الكبير، والحاكم في المستدرك.(3)
17 ـ قال السيوطي في «تاريخ الخلفاء» بسند حسن عن ابن مسعود: أنّه سئل كم يملك هذه الأُمّة من خليفة؟ فقال: سألنا عنها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: «اثنا عشر كعدّة نقباء بني إسرائيل».(4)
إلى غير ذلك من الأحاديث الدالّة على أنّ الأئمّة بعد النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) اثنا عشر، وقد جاء فيها سماتهم وصفاتهم وعددهم، غير أنّ المهمّ هو تعيين مصاديقها والإشارة إلى أعيانها وأشخاصها، ولا تعلم إلاّ باستقصاء وحصر السمات الواردة في هذه الأحاديث، وهذا ما يمكن إجماله بما يلي:
1 ـ لا يزال الإسلام عزيزاً.
2 ـ لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً.

1 . مسند أحمد: 1 / 398 .
2 . تاريخ بغداد: 14 / 353، برقم 7673.
3 . كنز العمّال : 12 / 33 برقم 33857 .
4 . تاريخ الخلفاء: 10.

صفحه 13
3 ـ لا يزال الدين قائماً.
4 ـ لا يزال أمر الأُمّة صالحاً.
5 ـ لا يزال أمر هذه الأُمّة ظاهراً.
6 ـ كلّ ذلك حتّى يمضي فيهم اثنا عشر أميراً من قريش.
7 ـ وحتى يليهم اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش.
8 ـ وإنّ عددهم كعدد نقباء بني إسرائيل.
وهذه السمات والخصوصيات لا تتمثّل مجتمعة إلاّ في الأئمة الاثني عشر المعروفين عند الفريقين، وهذه الأحاديث من أنباء الغيب ومعجزات النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، خصوصاً إذا ضُمّت إليها أحاديث الثقلين والسفينة وكون أهل بيت النبي أماناً لأهل الأرض كما أنّ النجوم أمان لأهل السماء، وسيوافيك تفصيل هذه الأحاديث الثلاثة.
فالأئمّة الاثنا عشر المعروفون بين المسلمين، والذين ينادي بإمامتهم الشيعة الإمامية، والذين أوّلهم علي أمير المؤمنين وآخرهم المهدي، تنطبق عليهم تلك العلائم، ومن وقف على حياتهم العلمية والاجتماعية والسياسية يقف على أنّهم هم المَثَل الأعلى في الأخلاق، والقمّة السامقة في العلم والعمل والتقوى والإحاطة بالقرآن والسنّة، وبهم حفظ الله تعالى دينه وأعزّ رسالته.
وأمّا ما ورد في بعض هذه الطرق أنّ: «كلّهم تجتمع عليهم

صفحه 14
الأُمّة» فهو على فرض الصحّة، فالمراد منه تجتمع على الإقرار بإمامتهم جميعاً وقت ظهور آخرهم، و ـ على فرض الإبهام ـ لا تمنع عن الأخذ بمضامين الحديث.

حديث الأئمة الاثنا عشر في كتب السنّة

هلمّ معي نقرأ ماذا يقول غير الشيعة في حقّ هذه الأحاديث، وكيف يؤوّلونها بالخلفاء القائمين بالأمر بعد النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، وإليك نصوص كلامهم:
1 ـ إنّ قوله اثنا عشر إشارة إلى عدد خلفاء بني أُميّة!! وأوّل بني أُميّة يزيد بن معاوية وآخرهم مروان الحمار وعدّتهم اثنا عشر، ولا يعد عثمان ومعاوية ولا ابن الزبير; لكونهم صحابة، فإذا أسقطنا منهم مروان بن الحكم للاختلاف في صحبته أو لأنّه كان متغلّباً بعد أن اجتمع الناس على عبدالله بن الزبير، وليس على المدح بل على استقامة السلطنة، وهم يزيد بن معاوية وابنه معاوية ثم عبدالملك ثمّ الوليد ثمّ سليمان ثمّ عمر بن عبد العزيز ثمّ يزيد بن عبد الملك ثمّ هشام بن عبد الملك ثمّ الوليد بن يزيد ثمّ يزيد بن الوليد ثمّ إبراهيم بن الوليد ثمّ مروان بن محمد.(1)

1 . لاحظ : فتح الباري في شرح صحيح البخاري: 13 / 183 ط دار المعرفة. وفي المصدر: عدّتهم ثلاثة عشر.

صفحه 15
وجوابه: أنّه لو كان الرسول أراد هذا ولم يكن في مقام مدحهم فأيّ فائدة في الإخبار بذلك. ثمّ كيف يقول: إنّها صدرت على غير سبيل المدح مع ما عرفت من السمات الواردة الصريحة في المدح مثل: «لا يزال هذا الدين عزيزاً منيعاً قائماً»، أو «أمر أُمّتي صالحاً». والعجب أنّه جعل أوّل الخلفاء يزيد بن معاوية بحجّة أنّه استقامت له السلطنة، مع أنّه كيف استتبّت له السلطنة وقد ثار عليه العراق في السنة الأُولى، وثار عليه أهل المدينة في السنة الثانية، وكان مجموع أيّامه مؤلّفة من حروب دامية وقتل ونهب وتدمير لا يقرّ بها صاحب ذرّة من الشرف والإيمان.
2 ـ «إنّ المراد أنّه يملك اثنا عشر خليفة بهذه السمات بعد وفاة المهدي».(1)
وهذا من أغرب التفاسير; لأنّ الأخبار ظاهرة في اتصال خلافتهم بعصر النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولأجل تبادر ذلك في أذهان الناس سألوا عبدالله بن مسعود عن عدد من يملك أمر هذه الأُمّة.
3 ـ ما نقله ابن حجر في فتح الباري عن القاضي عياض: أنّ المراد بهم الخلفاء الذين اجتمع عليهم الناس، وهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ومعاوية، ويزيد، وعبد الملك، وأولاده الأربعة،

1 . لاحظ : فتح الباري: 13 / 184 ومثله ما نقله أيضاً: اثنا عشر خليفة في جميع مدّة الإسلام إلى يوم القيامة.

صفحه 16
الوليد ثمّ سليمان ثمّ يزيد ثمّ هشام، وعمر بن عبد العزيز بن سليمان ويزيد، فهؤلاء سبعة بعد الخلفاء الراشدين، والثاني عشر هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك.(1)
ولا يكاد ينقضي تعجّبي من القاضي عياض وابن حجر كيف يعرّفان هؤلاء بمن عزّ بهم الإسلام والدين وصار منيعاً وفيهم يزيد بن معاوية ذلك السكير المستهتر الذي كان يشرب الخمر ويدع الصلاة، ولم يكتف بذلك بل ضرب الكعبة بالمنجنيق، وأباح المدينة ثلاثة أيّام بأعراضها وأموالها وأنفسها بعد قتله لابن بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) الحسين بن علي(عليه السلام) وأُخوانه وأبنائه وخيرة أصحابه، وسيَّر بنات رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) سبايا دون حرمة لجدّهم إلى الشام من أرض كربلاء، فليت شعري ما هو ميزان القوم في تفسيرهم للسنّة النبوية وتعاملهم معها؟ وكلّ الحقائق تكذب ما ذهبوا إليه وما صرّحوا به.
وهل اعتزّ الإسلام بعبد الملك الذي يكفي في ذكر مساوئه تنصيبه الحجّاج على العراق فقتل من الصحابة والتابعين ما لا يخفى(2)؟!

1 . لاحظ : فتح الباري في شرح صحيح البخاري: 13 / 184، ولاحظ : تاريخ الخلفاء: 11.
2 . تاريخ الخلفاء : 250 و غيره .

صفحه 17
وكيف اعتزّ الدين بالوليد بن يزيد بن عبد الملك المنتهك لحرمات الله، حاول أن يشرب الخمر فوق ظهر الكعبة ففتح المصحف فإذا بالآية الكريمة: ( واسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كلّ جَبّار عَنيد)(1) فألقاه ورماه بالسهام وأنشد:
تهدّدني بجبّار عنيد *** فها أنا ذاك جبّار عنيد
إذا ما جئت ربّك يوم حشر *** فقل ياربّ مزّقني الوليد
ومن أراد أن يقف على جنايات الرجل وأقربائه وأجداده فليقرأ التاريخ الذي اسودّت صفحاته بأفعالهم الشنيعة التي لا يسترها شيء ولا يغفل عنها إلاّ السذّج والبلهاء.
أقول: إنّ للكاتب القدير السيّد محمد تقي الحكيم كلاماً في هذه الأحاديث يطيب لي نقله. قال: والذي يستفاد من هذه الروايات:
1 ـ أنّ عدد الأُمراء أو الخلفاء لا يتجاوز الاثني عشر وكلّهم من قريش.
2 ـ أنّ هؤلاء الأُمراء معيّنون بالنص، كما هو مقتضى تشبيههم بنقباء بني إسرائيل، لقوله تعالى: (وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً)(2).

1 . إبراهيم: 15 .
2 . المائدة: 12 .

صفحه 18
3 ـ أنّ هذه الروايات افترضت لهم البقاء ما بقي الدين الإسلامي، أو حتى تقوم الساعة كما هو مقتضى رواية مسلم: «إنّ هذا الأمر لا ينقضي حتّى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة» وأصرح من ذلك روايته الأُخرى في نفس الباب: «لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان».
إذا صحّت هذه الاستفادة فهي لا تلتئم إلاّ مع مبنى الإمامية في عدد الأئمّة وبقائهم وكونهم من المنصوص عليهم من قبله(صلى الله عليه وآله وسلم)وهي منسجمة جدّاً مع حديث الثقلين وبقائهما حتّى يردا عليه الحوض.
وصحّة هذه الاستفادة موقوفة على أن يكون المراد من بقاء الأمر فيهم بقاء الإمامة والخلافة بالاستحقاق لا بالسلطة الظاهرية ; لأنّ الخليفة الشرعي خليفة يستمدّ سلطته من الله، وهي في حدود السلطة التشريعية لا التكوينية; لأنّ هذا النوع من السلطة هو الذي تقتضيه وظيفته باعتباره مشرّعاً، ولا ينافي ذلك ذهاب السلطة منهم في واقعها الخارجي وتسلّط الآخرين عليهم، على أنّ الروايات تبقى بلا تفسير لو تخلّينا عن حملها على هذا المعنى، لبداهة أنّ السلطة الظاهرية قد تولاّها من قريش أضعاف أضعاف هذا العدد، فضلاً عن انقراض دولهم وعدم النص على أحد منهم ـ أُمويين وعباسيين ـ باتّفاق المسلمين.

صفحه 19
ومن الجدير بالذكر أنّ هذه الروايات كانت مأثورة في بعض الصحاح والمسانيد قبل أن يكتمل عدد الأئمّة، فلا تحتمل أن تكون من الموضوعات بعد اكتمال العدد المذكور، على أنّ جميع رواتها من أهل السنّة ومن الموثوقين لديهم، ولعلّ حيرة كثير من العلماء في توجيه هذه الأحاديث، ومحاولة ملائمتها للواقع التاريخي كان منشؤها عدم تمكّنهم من تكذيبها، ومن هنا تضاربت الأقوال في توجيهها وبيان المراد منها.
والسيوطي ـ بعد أن أورد ما قاله العلماء في هذه الأحاديث المشكلة ـ خرج برأي غريب وهو أنّه وجد من الاثني عشر الخلفاء الأربعة، والحسن، ومعاوية، وابن الزبير، وعمر بن عبد العزيز في بني أُمية، وكذلك الظاهر لما أُوتيه من العدل، وبقي اثنان منتظران، أحدهما المهدي; لأنّه من أهل بيت محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم). ولم يُبيّن المنتظر الثاني، ورحم الله من قال في السيوطي: إنّه حاطب ليل.

صفحه 20
أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام)   

الإمام الأوّل :

أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام)

إنّ الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)أشهر من أن يعرَّف ، ولقد قام لفيف من السنّة والشيعة بتأليف كتب وموسوعات عن حياته ، ومناقبه ، وفضائله ، وجهاده ، وعلومه ، وخطبه ، وقصار كلماته ، وسياسته ، وحروبه مع الناكثين والقاسطين والمارقين ، فالأولى لنا الاكتفاء بالميسور في هذا المجال ، وإحالة القارئ إلى تلك الموسوعات ، بيد أنّنا نكتفي هنا بذكر أوصافه الواردة في السنّة فنقول :
هو أمير المؤمنين ، وسيّد المسلمين ، وقائد الغرّ المحجّلين ، وخاتم الوصيّين ، وأوّل القوم إيماناً ، وأوفاهم بعهد الله ، وأعظمهم مزيّة ، وأقومهم بأمر الله ، وأعلمهم بالقضية ، وراية الهدى ، ومنار الإيمان ، وباب الحكمة ، والممسوس في ذات الله ، خليفة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ، الهاشمي ، وليد الكعبة المشرّفة ، ومُطهّرها من كل صنم ووثن ، الشهيد في البيت الإلـهي (مسجد الكوفة) في محرابه حال الصلاة سنة 40هـ .

صفحه 21
وكلّ جملة من هذه الجمل ، وعبارة من هذه العبارات ، كلمة قدسيّة نبويّة أخرجها الحفّاظ من أهل السنّة(1) .

مكوّنات الشخصيّة الإنسانية

تعود شخصية كلّ إنسان ـ حسب مايرى علماء النفس ـ إلى ثلاثة عوامل هامّة لكلّ منها نصيب وافر في تكوين الشخصية وأثر عميق في بناء كيانها .
وكأنّ الشخصية الإنسانية لدى كل إنسان أشبه بمثلث يتألّف من اتّصال هذه الأضلاع الثلاثة بعضها ببعض ، وهذه العوامل الثلاثة هي :
1 ـ الوراثة .
2 ـ التعليم والثقافة .
3 ـ البيئة والمحيط .
إنّ كلّ ما يتّصف به المرء من صفات حسنة أو قبيحة ، عالية أو وضيعة تنتقل إلى الإنسان عبر هذه القنوات الثلاث ، وتنمو فيه من خلال هذه الطرق .
وإنّ الأبناء لا يرثون منّا المال والثروة والأوصاف الظاهرية

1 . راجع: مسند أحمد: 1 / 331 و5  / 182 ـ 189 ; حلية الأولياء: 1/ 62 ـ 68 ; الغدير: 2 / 33 .

صفحه 22
فقط كملامح الوجه ولون العيون وكيفيات الجسم ، بل يرثون كلّ ما يتمتّع به الآباء من خصائص روحية وصفات أخلاقية عن طريق الوراثة كذلك .
فالأبوان ـ بانفصال جزئي «الحويمن» و «البويضة» المكوّنين للطفل منهما ـ إنّما ينقلان ـ في الحقيقـة ـ صفاتهما ملخّصة إلى الخلية الأُولى المكوّنة من ذينك الجزأين ، تلك الخلية الجنينية التي تنمو مع ما تحمل من الصفات والخصوصيات الموروثة .
ويشكّل تأثير الثقافة والمحيط ، الضلعين الآخرين في مثلث الشخصية الإنسانية ، فإنّ لهذين الأمرين أثراً مهمّاً وعميقاً في تنمية السجايا الرفيعة المودعة في باطن كل إنسان بصورة فطرية جبليّة أو الموجودة في كيانه بسبب الوراثة من الأبوين .
فإنّ في مقدور كل معلّم أن يرسم مصير الطفل ومستقبله من خلال ما يلقي إليه من تعليمات وتوصيات وما يعطيه من سيرة وسلوك ومن آراء وأفكار ، فكم من بيئة حوّلت أفراداً صالحين إلى فاسدين ، أو فاسدين إلى صالحين .
وإنّ تأثير هذين العاملين المهمّين من الوضوح بحيث لايحتاج إلى المزيد من البيان والتوضيح . على أننّا يجب أن لاننسى دور إرادة الإنسان نفسه وراء هذه العوامل الثلاثة .

صفحه 23

مكوّنات شخصيّة الإمام علي(عليه السلام)

لم يكن الإمام علي(عليه السلام) بصفته بشراً بمستثنى من هذه القاعدة; فقد ورث الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) جانباً كبيراً من شخصيته النفسية والروحية والأخلاقية من هذه العوامل والطرق الثلاثة ، وإليك تفصيل ذلك :

1 ـ الإمام علي(عليه السلام) والوراثة من الأبوين :

لقد انحدر الإمام علي من صلب والد عظيم الشأن ، رفيع الشخصيّة هو أبوطالب ، ولقد كان أبو طالب زعيم مكّة ، وسيّد البطحاء ، ورئيس بني هاشم ، وهو إلى جانب ذلك ،كان معروفاً بالسماحة والبذل والجود والعطاء والعطف والمحبّة والفداء والتضحية في سبيل الهدف المقدّس ، والعقيدة التوحيديّة المباركة .
فهو الذي تكفّل رسول الله منذ توفّي جدّه وكفيله الأوّل عبدالمطلب وهو آنذاك في الثامنة من عمره ، وتولّى العناية به والقيام بشؤونه ، وحفظه وحراسته في السفر والحضر ، بإخلاص كبير واندفاع وحرص لانظير لهما ، بل وبقي يدافع عن رسالة التوحيد ، والدين الحق الذي جاء به النبي الكريم(صلى الله عليه وآله وسلم) ويقوم في سبيل إرساء قواعده ونشر تعاليمه بكل تضحية وفداء ، و يتحمّل لتحقيق هذه الأهداف العليا كلّ تعب ونصب وعناء .
وقد انعكست هذه الحقيقة وتجلّى موقفه هذا في كثير من

صفحه 24
أشعاره وأبياته المجموعة في ديوانه بصورة كاملة مثل قوله :
ليعلم خيار الناس أنّ محمّداً *** وزير لموسى والمسيح ابن مريم
أتانا بهدى مثل ما أتيا به *** فكلّ بأمر الله يهدي ويعصم(1)
وقوله :
ألم تعلموا أنّا وجدنا محمّداً *** رسولا كموسى خُطّ في أوّل الكتب(2)
إنّ من المستحيل أن تصدر أمثال هذه التضحيات التي كان أبرزها محاصرة بني هاشم جميعاً في الشعب ، ومقاطعتهم القاسية ، من دافع غير الإيمان العميق بالهدف والشغف الكبير بالمعنوية ، الذي كان يتّصف به أبوطالب ; إذ لا تستطيع مجرّد الوشائج العشائرية ، وروابط القربى ، أن توجِد في الإنسان مثل هذه الروح التضحويّة .
إنّ الدلائل على إيمان أبي طالب بدين ابن أخيه تبلغ من الوفرة والكثرة بحيث استقطبت اهتمام كلّ المحقّقين المنصفين والمحايدين ، ولكن بعض المتعصّبين توقّف في إيمان تلك

1 . مستدرك الحاكم: 2 / 623 ; الغدير: 7 / 331 .
2 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 14 / 72 ; متشابه القرآن ومختلفه لابن شهرآشوب: 2 / 65 .

صفحه 25
الشخصية المتفانية العظيمة ، بالدعوة المحمدية ، بينما تجاوز فريق هذا الحدّ إلى ما هو أبعد من ذلك ، حيث قالوا بأنّه مات غير مؤمن .
ولو صحّت عُشر هذه الدلائل الدالّة على إيمان أبي طالب الثابتة في كتب التاريخ والحديث في حقّ رجل آخر لما شكّ أحد في إيمانه فضلا عن إسلامه ، ولكن لايعلم الإنسان لماذا لاتسطيع كل هذه الأدلّة إقناع هذه الزمرة ،و إنارة الحقيقة لهم؟!
هذا عن والد الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) .
وأمّا أُمّه فهي فاطمة بنت أسد بن هاشم وهي من السابقات إلى الإسلام والإيمان برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وقد كانت قبل ذلك تتّبع ملّة إبراهيم .
إنّها المرأة الطاهرة التي لجأت ـ عند المخاض ـ إلى المسـجد الحـرام ، وألصقت نفسها بجدار الكعبة وأخذت تقول :
«يا ربّ إنّي مؤمنة بك وبما جاء من عندك من رسل وكتب ، وإنّي مصدّقة بكلام جدّي إبراهيم الخليل(عليه السلام) وإنّه بنى البيت العتيق ، فبحقّ الذي بنى هذا البيت و(بحقّ) المولود الذي في بطني إلاّ ما يسّرت عليّ ولادتي» . فدخلت فاطمة بنت أسد الكعبة ووضعت عليّاً هناك.(1)
تلك فضيلة نقلها قاطبة المؤرّخين والمحدّثين الشيعة ، وكذا

1 . كشف الغمّة: 1 / 61 ; إرشاد القلوب للديلمي: 2 / 211 .

صفحه 26
علماء الأنساب في مصنّفاتهم ، كما نقلها ثلّة كبيرة من علماء السنّة وصرّحوا بها في كتبهم ، واعتبروها حادثة فريدة ، وواقعة عظيمة لم يسبق لها مثيل.(1)
وقال الحاكم النيسابوري : فقد تواترت الأخبار أنّ فاطمة بنت أسد ولدت أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه في جوف الكعبة.(2)
وقال شهاب الدين أبو الثناء السيد محمود الآلوسي : «وكون الأمير كرّم الله وجهه ، ولد في البيت ، أمر مشهور في الدنيا... ولم يشتهر وضع غيره كرّم الله وجهه ، كما اشتهر وضعه».(3)

2 ـ الإمام عليّ وتربيته في حجر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) :

وأمّا التربية الروحية والفكرية والأخلاقية فقد تلقّاها علي(عليه السلام)في حجر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وهي الضلع الثاني من أضلاع شخصيته الثلاثة .
ولو أنّنا قسّمنا مجموع سنوات عمر الإمام(عليه السلام) إلى خمسة أقسام لوجدنا القسم الأوّل من هذه الأقسام الخمسة من حياته

1 . لاحظ : مروج الذهب: 2 / 349 ، شرح الشفاء للقاضي عياض: 1 / 151 وغيرهما ، وقد أفرد العلاّمة الاُردوبادي رسالة في هذه المنقبة وسمّاها : عليّ وليد الكعبة .
2 . مستدرك الحاكم: 3 / 483 .
3 . الغدير: 6 / 22 .

صفحه 27
الشريفة ، يؤلّف السنوات التي قضاها(عليه السلام) قبل بعثة النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) .
وانّ هذا القسم من حياته الشريفة لا يتجاوز عشر سنوات; لأنّ اللّحظة التي ولد فيها عليّ(عليه السلام) لم يكن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قد تجاوز الثلاثين من عمره المبارك ، هذا مع العلم بأنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) قد بعث بالرسالة في سنّ الأربعين .
وعلى هذا الأساس لم يكن الإمام عليّ(عليه السلام) قد تجاوز السنة العاشرة من عمره يوم بعث رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بالرسالة ، وتوّج بالنبوّة .
إنّ أبرز الحوادث في حياة الإمام عليّ(عليه السلام) هو تكوين الشخصية العلوية ، وتحقّق الضلع الثاني من المثلّث الذي أسلفناه بواسطة النبيّ الأكرم ، وفي ظلّ ما أعطاه(صلى الله عليه وآله وسلم) لعليّ(عليه السلام) من أخلاق وأفكار ; لأنّ هذا القسم في حياة كل إنسان وهذه الفترة من عمره هي من اللحظات الخطيرة ، والقيّمة جدّاً ،فشخصيّة الطفل في هذه الفترة تشبه صفحة بيضاء نقيّة تقبل كلّ لون ، وهي مستعدّة لأن تنطبع عليها كلّ صورة مهما كانت ، وهذه الفترة من العمر تعتبر ـ بالتالي ـ خير فرصة لأن ينمّي المربّون والمعلّمون فيها كلّ ما أودعت يد الخالق في كيان الطفل من سجايا طيّبة وصفات كريمة ، وفضائل أخلاقية نبيلة ، ويوقفوا الطفل ـ عن طريق التربية ـ على القيم الأخلاقية والقواعد الإنسانية وطريقة الحياة السعيدة ، وتحقيقاً لهذا الهدف الساميّ تولّى النبي الكريم(صلى الله عليه وآله وسلم) بنفسه تربية عليّ(عليه السلام) بعد ولادته ،

صفحه 28
وذلك عندما أتت فاطمة بنت أسد بوليدها عليّ(عليه السلام) إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فلقيت من رسول الله حبّاً شديداً لعليّ حتّى أنّه قال لها : «اجعلي مهده بقرب فراشي» وكان(صلى الله عليه وآله وسلم) يلي أكثر تربيته وكان يطهّر علياً في وقت غسله ، ويوجره اللّبن عند شربه ، ويحرّك مهده عند نومه ، ويناغيه في يقظته ، ويحمله على صدره ورقبته ويقول : «هذا أخي ، ووليّي ، وناصري ، وصفيّي ، وذخري ، وكهفي ، وصهري ، ووصيّي ، و زوج كريمتي ، وأميني على وصيّتي ، وخليفتي»(1) .
ولقد كانت الغاية من هذه العناية هي أن يتمّ توفير الضلع الثاني في مثلّث الشخصية (وهو التربية) بواسطته(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأن لا يكون لأحد غير النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) دخل في تكوين الشخصية العلوية الكريمة .
وقد ذكر الإمام عليّ(عليه السلام) ما أسداه الرسول الكريم إليه وما قام به تجاهه في تلكم الفترة إذ قال :
«وَقَدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعِي مِنْ رَسُولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) بِالْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ، وَالْمَنْزِلَةِ الْخَصِيصَةِ. وَضَعَنِي فِي حِجْرِهِ وَأَنَا وليدٌ يَضُمُّنِي إِلَى صَدْرِهِ، وَيَكْنُفُنِي فِي فِرَاشِهِ، وَيُمِسُّنِي جَسَدَهُ، وَيُشِمُّنِي عَرْفَهُ، وَكَانَ يَمْضَغُ الشَّيْءَ ثُمَّ يُلْقِمُنِيهِ».(2)

1 . كشف الغمة: 1 / 61 ـ 62.
2 . نهج البلاغة : 300 الخطبة القاصعة برقم 192 .

صفحه 29

النبيّ يأخذ عليّاً إلى بيته :

وإذ كان الله تعالى يريد لولي دينه أن ينشأ نشأة صالحة وأن يأخذ النبي عليّاً إلى بيته وأن يقع منذ نعومة أظفاره تحت تربية النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) ، ألفت نظر نبيّه إلى ذلك .
قد ذكر المؤرّخون أنّه أصابت مكّة ـ ذات سنة ـ أزمة مهلكة وسنة مجدبة منهكة ، وكان أبوطالب ـ رضي الله عنه ـ ذا مال يسير وعيال كثير فأصابه ما أصاب قريشاً من العدم والضائقة والجهد والفاقة ، فعند ذلك دعا رسول الله عمّه العباس إلى أن يتكفّل كل واحد منهما واحداً من أبناء أبي طالب وكان العباس ذا مال وثروة وجدة فوافقه العباس على ذلك; أخذ النبي عليّاً ، وأخذ العباس جعفراً وتكفّل أمره ، وتولّى شؤونه.(1)
هكذا وللمرّة الأُخرى أصبح عليّ(عليه السلام) في حوزة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بصورة كاملة ، واستطاع بهذه المرافقة الكاملة أن يقتطف من ثمار أخلاقه العالية وسجاياه النبيلة ، الشيء الكثير ، وأن يصل تحت رعاية النبي وعنايته وبتوجيهه وقيادته ، إلى أعلى ذروة من ذرى الكمال الروحي .
وهذا هو الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) يشير إلى تلك الأيام القيّمة وإلى تلك الرعاية النبويّة المباركة المستمرّة إذ يقول :

1 . بحار الأنوار: 35 / 44 ، والسيرة النبوية لابن هشام: 1 / 246 .

صفحه 30
«وَلَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُهُ اتِّبَاعَ الْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ، يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْم مِنْ أَخْلاَقِهِ عَلَماً، وَيَأْمُرُنِي بِالاِْقْتِدَاءِ بِهِ».(1)

عليّ في غار حراء

كان النبيّ ـ حتّى قبل أن يبعث بالرسالة والنبوّة ـ يعتكف ويتعبّد في غار حراء شهراً من كلّ سنة ، فإذا انقضى الشهر وقضى جواره من حراء انحدر من الجبل ، وتوجّه إلى المسجد الحرام رأساً وطاف بالبيت سبعاً ، ثم عاد إلى منزله .وهنا يطرح سؤال : ماذا كان شأن عليّ(عليه السلام) في تلك الأيام التي كان يتعبّد ويعتكف فيها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في ذلك المكان مع ما عرفناه من حبّ الرسول الأكرم له؟ هل كان يأخذ(صلى الله عليه وآله وسلم) عليّاً معه إلى ذلك المكان العجيب أم كان يتركه ويفارقه؟
إنّ القرائن الكثيرة تدلّ على أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) منذ أن أخذ علياً لم يفارقه يوماً أبداً ; فهاهم المؤرّخون يقولون : كان عليّ يرافق النبيّ دائماً ولا يفارقه أبداً ، حتّى أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كان إذا خرج إلى الصحراء أو الجبل أخذ عليّاً معه.(2)
يقول ابن أبي الحديد : وقد ذكر عليّ(عليه السلام) هذا الأمر في الخطبة القاصعة إذ قال :

1 . نهج البلاغة: 300، الخطبة القاصعة برقم 192 .
2 . شرح نهج البلاغة: 13 / 208 .

صفحه 31
«وَلَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَة بِحِرَاءَ، فَأَرَاهُ، وَلاَ يَرَاهُ غَيْرِي».(1)
إنّ هذه العبارة وإن كانت محتملة في مرافقته للنبيّ في حراء بعد البعثة الشريفة إلاّ أنّ القرائن السابقة وكون مجاورة النبيّ بحراء كانت في الأغلب قبل البعثة ، تؤيّد أنّ هذه الجملة ، يمكن أن تكون إشارة إلى صحبة عليّ للنبيّ في حراء قبل البعثة .
إنّ طهارة النفس العلوية ، ونقاوة الروح التي كان عليّ(عليه السلام)يتحلّى بها ، والتربية المستمرّة التي كان يحظى بها في حجر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، كل ذلك كان سبباً في أن يتّصف عليّ(عليه السلام) ـ ومنذ نعومة أظفاره ـ ببصيرة نفّاذة وقلب مستنير ، وأُذن سميعة واعية تمكّنه من أن يرى أشياءَ ويسمع أمواجاً تخفى على الناس العاديين ،و يتعذّر عليهم سماعها ورؤيتها ، كما يصرّح نفسه بذلك إذ يقول :
«أَرَى نُورَ الْوَحْيِ وَالرِّسَالَةِ، وَأَشُمُّ رِيحَ النُّبُوَّةِ».(2)
يقول الإمام الصادق(عليه السلام) :
«كان عليّ(عليه السلام) يرى مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قبل الرسالة الضوء ، ويسمع الصوت» .
وقد قال له النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) : «لولا أنّي خاتم الأنبياء لكنتَ شريكاً

1 . نهج البلاغة : الخطبة القاصعة برقم 192 .
2 . المصدر نفسه .

صفحه 32
في النبوّة ، فإن لا تكن نبيّاً فإنّك وصيّ نبيّ ووارثه ، بل أنت سيّد الأوصياء وإمام الأتقياء».(1)
ويقول الإمام عليّ(عليه السلام) : «وَلَقَدْ سَمِعْتُ رَنَّةَ الشَّيْطَانِ حِينَ نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَيْهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا هذِهِ الرَّنَّةُ؟ فَقَالَ: «هذَا الشَّيْطَانُ قَدْ أَيِسَ مِنْ عِبَادَتِهِ. ثمّ قال له:
«إِنَّكَ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ، وَتَرَى مَا أَرَى، إِلاَّ أَنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيٍّ، وَلكِنَّكَ لَوَزِيرٌ».(2)
هذا هو الرافد الثاني الذي كان يرفد الشخصية العلوية بالأخلاق والسجايا الرفيعة .

3 ـ البيئة الرسالية وشخصية الإمام :

ولو أضفنا ذينك الأمرين (أي ما اكتسبه من والديه الطاهرين بالوراثة ، وما تلقّاه في حجر النبيّ) إلى ما أخذه من بيئة الرسالة والإسلام من أفكار وآراء رفيعة ، أدركنا عظمة الشخصية العلوية من هذا الجانب .
ومن هنا يحظى الإمام عليّ(عليه السلام) بمكانة مرموقة لدى الجميع ; مسلمين وغير مسلمين ; لما كان يتمتّع به من شخصية سامقة ، وخصوصيات خاصّة يتميّز بها .

1 . شرح نهج البلاغة: 13 / 210 .
2 . نهج البلاغة : الخطبة القاصعة برقم 192 .

صفحه 33
وهذا هو ما دفع بالبعيد والقريب إلى أن يصف عليّاً بما لم يوصف به أحد من البشر ، ويخصّه بنعوت ، حرم منها غيره ، فهذا الدكتور شبلي شميل المتوفّى سنة 1335هـ /1917م وهو من كبار المادّيين في القرن الماضي يقول :
الإمام عليّ بن أبي طالب عظيم العظماء، نسخة مفردة لم ير لها الشرق ولا الغرب صورة طبق الأصل لا قديماً ولاحديثاً.(1)
قال عمر بن الخطّاب :
«عجزت النساء أن تلدن مثل عليّ بن أبي طالب».(2)
ويقول جورج جرداق الكاتب المسيحي اللبناني المعروف :
«وماذا عليك يا دنيا لو حشدت قواك فأعطيت في كلّ زمن عليّاً بعقله وقلبه ولسانه وذي فقاره».(3)
هذه الأبعاد التي ألمحنا إليها هي الأبعاد الطبيعية للشخصية العلوية .

البعد المعنوي لشخصيّة الإمام(عليه السلام) :

إنّ أبعاد شخصية الإمام عليّ(عليه السلام) لاتنحصر في هذه الأبعاد الثلاثة ; فإنّ لأولياءالله سبحانه بعداً رابعاً ، داخلا في هويّة ذاتهم ،

1 . الإمام علي صوت العدالة الإنسانية: 1 / 37 .
2 . مناقب الخوارزمي:81 ، الحديث65; الغدير:6/110، دار الكتاب العربي، بيروت.
3 . الإمام علي صوت العدالة الإنسانية: 1 / 49 .

صفحه 34
وحقيقة شخصيتهم ، وهذا البعد هوالذي ميّزهم عن سائر الشخصيات وأضفى عليهم بريقاً خاصّاً ولمعاناً عظيماً .
وهذا البعد هو البعد المعنوي الذي ميّز هذه الصفوة عن الناس ، وجعلهم نخبة ممتازة وثلّة مختارة من بين الناس; وهو كونهم رسل الله وأنبياءه ، أو خلفاءه وأوصياء أنبيائه .
نرى أنّه سبحانه يأمر رسوله أن يصف نفسه بقوله : (قُلْ سُبْحان َربِّي هَلْ كُنْتُ إلاّ بَشَراً رَسُولا)(1) .
فقوله : (بَشَراً) إشارة إلى الأبعاد البشرية الموجودة في
كلّ إنسان طبيعيّ ، وإن كانوا يختلفون فيها فيما بينهم كمالا
ولمعاناً .
وقوله : (رَسُولا) إشارة إلى ذلك البعد المعنوي الذي ميّزه(صلى الله عليه وآله وسلم)عن الناس وجعله معلّماً وقدوة للبشر ، فلأجل ذلك يقف المرء في تحديد الشخصيات الإلهية على شخصية مركّبة من بعدين : طبيعي و إلهي، ولا يقدر على توصيفها إلاّ بنفس ما وصفهم به الله سبحانه مثل قوله في شأن الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) :
(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالإنْجِيلِ يَأمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ

1 . الإسراء : 93 .

صفحه 35
وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيّباتِ وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ وَالأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ)(1) وقد نزلت في حقّ الإمام أميرالمؤمنين(عليه السلام) آيات ، ووردت روايات .
كيف وقد قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) :
«عنوان صحيفة المؤمن حبّ عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)»(2) .
وقال(صلى الله عليه وآله وسلم) :
«من سرّه أن يحيا حياتي ويموت مماتي ، ويسكن جنّة عدن غرسها ربّي فليوال عليّاً بعدي ، وليوال وليّه ، وليقتد بالأئمّة من بعدي; فإنّهم عترتي خلقوا من طينتي ، رزقوا فهماً وعلماً ، وويل للمكذّبين بفضلهم من أُمّتي ، القاطعين فيهم صلتي ، لا أنالهم الله شفاعتي»(3) .
وقال الإمام أحمد بن حنبل :
ما لأحد من الصحابة من الفضائل بالأسانيد الصحاح مثل ما لعليّ(رضي الله عنه)(4) .
وقال الإمام الفخر الرازي :

1 . الأعراف :57 .
2 . أخرجه الحافظ الخطيب البغدادي في تاريخه: 4 / 410 .
3 . أخرجه الحافظ أبو نعيم في حلية الأولياء: 1 / 86 .
4 . مناقب أحمد لابن الجوزي الحنبلي : 163 .

صفحه 36
من اتّخذ عليّاً إماماً لدينه فقد استمسك بالعروة الوثقى في دينه ونفسه(1) .
وقال أيضاً :
مَن اقتدى في دينه بعليّ بن أبي طالب فقد اهتدى لقول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) : اللّهمّ أدر الحقّ مع عليّ حيث دار(2) .

تسليط الضوء على شخصيته السامية :

لاعتب على اليراع لو وقف عند تحديد شخصيّة كريمة معنويّة خصّها الله تعالى بمواهب وفضائل ، وكفى في ذلك ما رواه طارق بن شهاب ، قال : كنت عند عبدالله بن عباس فجاء أُناس من أبناء المهاجرين فقالوا له : يا بن عباس أيّ رجل كان عليّ بن أبي طالب؟
قال : ملئ جوفه حكماً وعلماً وبأساً ونجدة وقرابة من رسول اللّه.(3)
وروى عكرمة عن ابن عباس قال : ما نزل في القرآن : (يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) إلاّ وعليّ(عليه السلام) رأسها وأميرها ، ولقد عاتب الله أصحاب

1 . تفسير مفاتيح الغيب: 1 / 205 .
2 . المصدر نفسه : 204 .
3 . شواهد التنزيل: 1 / 108، برقم 153 .

صفحه 37
محمّد في غير مكان ، وما ذكر عليّاً إلاّ بخير.(1)
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : ما نزل في أحد من كتاب الله ما نزل في عليّ(2) .
وقال ابن عباس : نزلت في عليّ أكثر من ثلاثمائة آية في مدحه(3) .
نكتفي في ترجمة عليّ(عليه السلام) بكلمتين عن تلميذيه اللّذين كانا معه سرّاً وجهراً .
1 ـ قال ابن عباس ـ عندما سئل عن عليّ ـ : رحمة الله على أبي الحسن ، كان والله علم الهدى ، وكهف التقى ، وطود النهى ، ومحلّ الحجى ، وغيث الندى ، ومنتهى العلم للورى ، ونوراً أسفر في الدجى ، وداعياً إلى المحجّة العظمى ، ومستمسكاً بالعروة الوثقى ، أتقى مَن تقمّص وارتدى ، وأكرم من شهد النجوى بعد محمد المصطفى ، وصاحب القبلتين ، وأبو السبطين ، وزوجته خير النساء ، فما يفوقه أحد ، لم تر عيناي مثله ، ولم أسمع بمثله ، فعلى مَن أبغضه لعنة الله ولعنة العباد إلى يوم التناد(4) .
2 ـ إنّ معاوية سأل ضرار بن ضمرة بعد موت عليّ عنه ، فقال :

1 . مسند أحمد: 1 / 190 ، تاريخ الخلفاء : 171 .
2 . الصواعق المحرقة : 76، الباب التاسع ، الفصل الثالث .
3 . تاريخ الخلفاء : 172 .
4 . ميزان الاعتدال: 1 / 484 .

صفحه 38
صف لي عليّاً ، فقال : أو تعفيني؟ قال : صفه ، قال : أو تعفيني؟ قال : لا أعفيك ، قال : أمّا إذ لابدّ فأقول ما أعلمه منه :
والله كان بعيد المدى ، شديد القوى ، يقول فصلا ، ويحكم عدلا ، يتفجّر العلم من جوانبه ، وتنطق الحكمة من نواحيه ، يستوحش من الدنيا وزهرتها ، ويستأنس بالليل وظلمته ،كان والله غزير الدمعة ،طويل الفكرة ، يقلّب كفّيه ، ويخاطب نفسه ،يعجبه من اللباس ما خشن ، ومن الطعام ما جشب .
كان والله كأحدنا ، يجيبنا إذا سألناه، ويبتدئنا إذا أتيناه ، ويأتينا إذا دعوناه ، ونحن والله مع تقريبه لنا وقربه منّا لانكلّمه هيبة ، ولانبتدئه عظمة ، إن تبسّم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم ، يعظّم أهل الدين ، ويحبّ المساكين ،لا يطمع القوي في باطله ، ولا ييأس الضعيف من عدله .
فأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله ، وغارت نجومه ، وقد مثل في محرابه قابضاً على لحيته يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين ، وكأنّي أسمعه وهو يقول : يا دنيا أبي تعرّضت؟ أم إليّ تشوّقت؟ هيهات هيهات غرّي غيري ، قد باينتك ثلاثاً لارجعة لي فيك ، فعمرك قصير ، وعيشك حقير ، وخطرك كثير ، آه من قلّة الزاد ، وبعد السفر ، ووحشة الطريق .
قال : فذرفت دموع معاوية على لحيته فما يملكها وهو

صفحه 39
ينشفها بكمّه، وقد اختنق القوم بالبكاء ، فقال معاوية : رحم الله أبا الحسن! كان والله كذلك ، فكيف حزنك عليه يا ضرار؟ قال : حزن من ذبح ولدها في حجرها ; فلا ترقأ عبرتها ولايسكن حزنها.(1)
هذه شذرات من فضائله ، وقبسات من مناقبه الكثيرة التي حفظها التاريخ من تلاعب الأيدي .
غير أنّه لا يعرف عليّاً غير خالقه ، وبعده صاحب الرسالة الكبرى ابن عمه المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم) .

1 . شرح نهج البلاغة: 18 / 225 ; كشف الغمة: 1 / 76 وغيره .

صفحه 40
تنصيب علي(عليه السلام) للإمامة   
 
تنصيب علي(عليه السلام) للإمامة
لا شكّ في أنّ الدين الإسلامي دين عالميّ ، وشريعة خاتمة ، وقد كانت قيادة الأُمّة الإسلامية من شؤون النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)ما دام على قيد الحياة ، وطبع الحال يقتضي أن يوكل مقام القيادة بعده إلى أفضل أفراد الأُمّة وأكملهم .
إنّ في هذه المسألة ; وهي أنّ منصب القيادة بعد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)هل هو منصب تنصيصيّ تعيينيّ أو أنّه منصب انتخابيّ؟ اتّجاهين :
فالشيعة ترى أنّ مقام القيادة منصب تنصيصيّ ، ولابدّ أن يُنصّ على خليفة النبيّ من السماء ، بينما يرى أهل السنّة أنّ هذا المنصب انتخابيّ جمهوريّ ; أي أنّ على الأُمّة أن تقوم بعد النبيّ باختيار فرد من أفرادها لإدارة البلاد .
إنّ لكل من الاتّجاهين المذكورين دلائل ، ذكرها أصحابهما في الكتب العقائدية ، إلاّ أنّ ما يمكن طرحه هنا هو تقييم ودراسة المسألة في ضوء دراسة وتقييم الظروف السائدة في عصر الرسالة; فإنّ هذه الدراسة كفيلة بإثبات صحّة أحد الاتّجاهين .
إنّ تقييم الأوضاع السياسية داخل المنطقة الإسلامية وخارجها في عصر الرسالة يقضي بأنّ خليفة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) لابدّ أن

صفحه 41
يُعيَّـن من جانب الله تعالى ، ولا يصحّ أن يوكل هذا إلى الأُمّة; فإنّ المجتمع الإسلامي كان مهدّداً على الدوام بالخطر الثلاثي (الروم ـ الفرس ـ المنافقون) بشنّ الهجوم الكاسح ، وإلقاء بذور الفساد والاختلاف بين المسلمين .
كما أنّ مصالح الأُمّة كانت توجب أن تتوحّد صفوف المسلمين في مواجهة الخطر الخارجي ، وذلك بتعيين قائد سياسي من بعده ، وبذلك يسدّ الطريق على نفوذ العدو في جسم الأُمّة الإسلامية والسيطرة عليها ، وعلى مصيرها .
وإليك بيان وتوضيح هذا المطلب :
لقد كانت الإمبراطورية الرومانيّة أحد أضلاع الخطر المثلّث الذي يحيط بالكيان الإسلامي ، ويهدّده من الخارج والداخل ، وكانت هذه القوّة الرهيبة تتمركز في شمال الجزيرة العربية ، وكانت تشغل بال النبي القائد على الدوام ، حتّى إنّ التفكير في أمر الروم لم يغادر ذهنه وفكره حتّى لحظة الوفاة ، والالتحاق بالرفيق الأعلى .
وكانت أوّل مواجهة عسكرية بين المسلمين والجيش المسيحي الرومي وقعت في السنة الثامنة من الهجرة في أرض فلسطين ، وقد أدّت هذه المواجهة إلى استشهاد القادة العسكريين البارزين الثلاثة وهم : «جعفر الطيار» و «زيد بن حارثة» و «عبد الله بن رواحة» ، ولقد تسبّب انسحاب الجيش الإسلامي بعد استشهاد

صفحه 42
القادة المذكورين إلى تزايد جرأة الجيش القيصري المسيحي ، فكان يخشى بصورة متزايدة أن تتعرّض عاصمة الإسلام للهجوم الكاسح من قبل هذا الجيش .
من هنا خرج رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في السنة التاسعة للهجرة على رأس جيش كبير جدّاً إلى حدود الشام ليقود بنفسه أيّة مواجهة عسكرية ، وقد استطاع الجيش في هذه الرحلة الصعبة المضنية أن يستعيد هيبته الغابرة ، ويجدّد حياته السياسية .
غير أنّ هذا الانتصار المحدود لم يقنع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، فأعدّ قُبيل مرضه جيشاً كبيراً من المسلمين ، وأمّر عليهم «أُسامة بن زيد» ، وكلّفهم بالتوجّه إلى حدود الشام ، والحضور في تلك الجبهة .
أمّا الضلع الثاني من المثلث الخطير الذي كان يهدّد الكيان الإسلامي ، فكان الإمبراطورية الإيرانية (الفارسية) وقد بلغ من غضب هذه الإمبراطورية على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ومعاداتها لدعوته ، أن أقدم إمبراطور إيران «خسرو برويز» على تمزيق رسالة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وتوجيه الإهانة إلى سفيره بإخراجه من بلاطه ، والكتابة إلى واليه وعامله على اليمن بأن يوجّه إلى المدينة من يقبض على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، أو يقتله إن امتنع .
والخطر الثالث كان هو خطر حزب النفاق الذي كان يعمل بين صفوف المسلمين كالطابور الخامس على تقويض دعائم الكيان

صفحه 43
الإسلامي من الداخل إلى درجة أنّهم قصدوا اغتيال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)في طريق العودة من تبوك إلى المدينة .
فقد كان بعض عناصر هذا الحزب الخطر يقول في نفسه : إنّ الحركة الإسلامية سينتهي أمرها بموت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ورحيله ، وبذلك يستريح الجميع(1) .
ولقد قام أبو سفيان بن حرب بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بمكيدة مشؤومة لتوجيه ضربة إلى الأُمّة الإسلامية من الداخل ، وذلك عندما أتى علياً(عليه السلام) وعرض عليه أن يبايعه ضدّ من عيّنه رجال السقيفة ، ليستطيع بذلك تشطير الأُمّة الإسلامية الواحدة إلى شطرين متحاربين متقاتلين ، فيتمكّن من التصيّد في الماء العكر .
ولكنّ الإمام علياً(عليه السلام) أدرك بذكائه البالغ نيّات أبي سفيان الخبيثة ، فرفض مطلبه وقال له كاشفاً عن دوافعه ونيّاته الشريرة :
«والله ما أردت بهذا إلاّ الفتنة ، وإنّك ـ والله ـ طالما بغيت للإسلام شرّاً . لا حاجة لنا في نصيحتك».(2)
ولقد بلغ دور المنافقين التخريبي من الشدّة بحيث تعرّض القرآن لذكرهم في سور عديدة هي : آل عمران ، النساء ، المائدة ،

1 . أشارت إلى ذلك الآية الكريمة 30 من سورة الطور : (أم يقولون شاعرٌ نتربّصُ به ريبَ المنون) .
2 . الكامل في التاريخ: 2 / 222 ; العقد الفريد: 2 / 249 .

صفحه 44
الأنفال ، التوبة ، العنكبوت ، الأحزاب ، محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) ، الفتح ، المجادلة ، الحديد ، المنافقون ، والحشر .
فهل مع وجود مثل هؤلاء الأعداء الخطرين والأقوياء الذين كانوا يتربّصون بالإسلام الدوائر ، ويتحيّنون الفرص للقضاء عليه ، يصحّ أن يترك رسول الله أُمّته الحديثة العهد بالإسلام ، الجديدة التأسيس من دون أن يعيّـن لهم قائداً دينياً سياسياً؟!!
إنّ المحاسبـات الاجتماعية تقول : إنّه كـان من الواجـب أن يمنـع رسـول الإسلام بتعييـن قائـد للأُمّة ، . . . من ظهور أيّ اختلاف وانشقاق فيها من بعده ، وأن يضمن استمرار وبقاء الوحدة الإسلامية بإيجاد حصن قويّ وسياج دفاعي متين حول تلك الأُمّة .
إنّ تحصين الأُمّة ، وصيانتها من الحوادث المشؤومة ، والحيلولة دون مطالبة كلّ فريق «الزعامة» لنفسه دون غيره ، وبالتالي التنازع على مسألة الخلافة والزعامة ، لم يكن ليتحقّق ، إلاّ بتعيين قائد للأُمّة ، وعدم ترك الأُمور للأقدار .
إنّ هذه المحاسبة الاجتماعية تهدينا إلى صحّة نظرية «التنصيص على القائد بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)» ولعلّ لهذه الجهة ولجهات أُخرى طرح رسول الإسلام مسألة الخلافة في الأيام الأُولى من ميلاد الرسالة الإسلامية ، وظلّ يواصل طرحها والتذكير بها طوال حياته حتّى الساعات الأخيرة منها ، حيث عيّـن خليفته ونصّ عليه

صفحه 45
بالنصّ القاطع الواضح الصريح في بدء دعوته ، وفي نهايتها  أيضاً .
وإليك بيان كلا هذين المقامين :

1 ـ النبوّة والإمامة توأمان :

بغضّ النظر عن الأدلّة العقلية والفلسفية التي تثبت صحّة الرأي الأوّل بصورة قطعيّة ، هناك أخبار وروايات وردت في المصادر المعتبرة تثبت صحّة الموقف والرأي الذي ذهب إليه علماء الشيعة وتصدّقه ، فقد نصّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) على خليفته من بعده في الفترة النبوية من حياته مراراً وتكراراً ، وأخرج موضوع الإمامة من مجال الانتخاب الشعبي والرأي العام .
فهو لم يعيّـن (ولم ينصّ على) خليفته ووصيّه من بعده في أُخريات حياته فحسب ، بل بادر إلى التعريف بخليفته ووصيّه منذ بدء الدعوة يوم لم ينضو تحت راية رسالته بعدُ سوى بضعة عشر من الأشخاص ، وذلك يوم أُمر من جانب الله العليّ القدير أن ينذر عشيرته الأقربين من العذاب الإلـهي الأليم ، وأن يدعوهم إلى عقيدة التوحيد قبل أن يصدع برسالته للجميع ، ويبدأ دعوته العامة للناس كافة .
فجمع أربعين رجلا من زعماء بني هاشم وبني المطلّب ، ثمّ وقف فيهم خطيباً فقال :

صفحه 46
«أيّكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم؟»
فأحجم القوم ، وقام عليّ(عليه السلام) وأعلن مؤازرته وتأييده له ، فأخذ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) برقبته ، والتفت إلى الحاضرين ، وقال :
«إنّ هذا أخي ووصيّي وخليفتي فيكم»(1) .
وقد عرف هذا الحديث عند المفسّـرين والمحدّثين : بـ «حديث يوم الدار» و  «حديث بدء الدعوة» .
على أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكتف بالنصّ على خليفته في بدء رسالته ، بل صرّح في مناسبات شتّى في السفر والحضر ، بخلافة عليّ(عليه السلام) من بعده ، ولكن لا يبلغ شيء من ذلك في الأهمية والظهور والصراحة والحسم ما بلغه حديث الغدير .

1 . تاريخ الطبري: 2 / 216 ; الكامل في التاريخ: 2 / 62 و 63.

صفحه 47

2 ـ قصة الغدير :

لمّا انتهت مراسم الحجّ ، وتعلّم المسلمون مناسك الحجّ من رسول الله ، قرّر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) الرحيل عن مكّة ، والعودة إلى المدينة ، فأصدر أمراً بذلك ، ولمّا بلغ موكب الحجيج العظيم إلى منطقة «رابغ»(1) التي تبعد عن «الجحفة»(2) بثلاثة أميال ، نزل أمين الوحي جبرئيل على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بمنطقة تدعى «غدير خم» ، وخاطبه بالآية التالية :
(يأيُّها الرَّسُولُ بَلّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْك مِنْ رَبّك وإنْ لمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتهُ وَالله يَعْصِمُك مِنَ النّاسِ)(3) .
إنّ لسان الآية وظاهرها يكشف عن أنّ الله تعالى ألقى على عاتق النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) مسؤولية القيام بمهمّة خطيرة ، وأيّ أمر أكثر خطورة من أن ينصّب علياً(عليه السلام) لمقام الخلافة من بعده على مرأى ومسمع من مائة ألف شاهد؟!
من هنا أصدر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أمره بالتوقّف ، فتوقّفت طلائع ذلك الموكب العظيم ، والتحق بهم مَن تأخّر .
لقد كان الوقت وقت الظهيرة ، وكان الجو حارّاً إلى درجة

1 . رابغ تقع الآن على الطريق بين مكّة والمدينة .
2 . من مواقيت الإحرام وتنشعب منها طرق المدنيين والمصريين والعراقيين .
3 . المائدة : 67 .

صفحه 48
كبيرة جّداً ، وكان الشخص يضع قسماً من عباءته فوق رأسه والقسم الآخر منها تحت قدميه ، وصنع للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) مظلّة ، وكانت عبارة عن عباءة أُلقيت على أغصان شجرة (سمرة) ، وصلّى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)بالحاضرين الظهر جماعة، وفيما كان الناس قد أحاطوا به صعد(صلى الله عليه وآله وسلم)على منبر أُعدّ من أحداج الإبل وأقتابها ، وخطب في الناس رافعاً صوته ، وهو يقول :
«الحمد لله نحمده ونستعينه ونؤمن به ونتوكّل عليه ، ونعوذ به من شرور أنفسنا ، ومن سيّئات أعمالنا ، الذي لا هادي لمن أضلّ ، ولا مضلّ لمن هدى ، وأشهد أن لا إلـه إلاّ هو ، وأنّ محمداً عبده ورسوله .
أمّا بعد ; أيّها الناس إنّي أُوشك أن أُدعى فأُجيب ، وإنّي مسؤول وأنتم مسؤولون ، فماذا أنتم قائلون؟»
قالوا : نشهد أنّك قد بلّغت ونصحت وجاهدت، فجزاك الله خيراً .
قال(صلى الله عليه وآله وسلم) : «ألستم تشهدون أن لا إلـه إلاّ الله ، وأنّ محمداً عبده ورسوله ، وأنّ جنّته حقّ ، وأنّ الساعة آتية لا ريب فيها ، وأنّ الله يبعث من في القبور؟»
قالوا : بلى نشهد بذلك .
قال(صلى الله عليه وآله وسلم) : «اللّهمّ اشهد» .

صفحه 49
ثمّ قال(صلى الله عليه وآله وسلم) : «وإنّي تارك فيكم الثقلين ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا أبداً» .
فنادى مناد : بأبي أنت وأُمّي يا رسول الله ، وما الثقلان؟
قال(صلى الله عليه وآله وسلم) : «كتاب الله سبب طرفه بيد الله ، وطرف بأيديكم ، فتمسّكوا به ; والآخر عترتي ، وإنّ اللّطيف الخبير نبّأني أنّهما لن يفترقا حتّى يردا عليّ الحوض ، فلا تقدموهما فتهلكوا ، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا» .
وهنا أخذ بيد عليّ(عليه السلام) ورفعها ، حتى رؤي بياض آباطهما ، وعرفه الناس أجمعون ثمّ قال :
«أيّها الناس من أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم؟»
قالوا : الله ورسوله أعلم .
فقال(صلى الله عليه وآله وسلم) :
«إنّ الله مولاي ، وأنا مولى المؤمنين ، وأنا أولى بهم من أنفسهم ، فمن كنت مولاه فعليّ مولاه(1) .
اللّهمّ والِ من والاه ، وعادِ من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله ، وأحب من أحبّه ، وابغض من بغضه ، وأدر الحق معه حيث دار»(2) .

1 . لقد كرّر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) هذه العبارة ثلاث مرات دفعاً لأيّ التباس أو اشتباه .
2 . راجع للوقوف على مصادر هذا الحديث المتواتر موسوعة الغدير للعلاّمة الأميني(رحمه الله) .

صفحه 50
فلمّا نزل من المنبر ، استجازه حسّان بن ثابت شاعر عهد الرسالة في أن يفرغ ما نزل به الوحي في قالب الشعر ، فأجازه الرسول ، فقام وأنشد :
يناديهم يوم الغدير نبيّهم *** بخمّ وأكرم بالنبيّ مناديا
يقول فمن مولاكم ووليّكم *** فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا
إلهك مولانا وأنت وليّنا *** ولم ترَ منّا في الولاية عاصيا
فقال له قم يا عليّ فإنّني *** رضيتك من بعدي إماماً وهاديا
فمن كنت مولاه فهذا وليّه *** فكونوا له أنصار صدق مواليا
هناك دعا : اللّهمّ! وال وليّه *** وكن للذي عادى عليّاً معاديا

مصادر الواقعة :

هذه هي واقعة الغدير استعرضناها لك على وجه الإجمال ، وهي بحقّ واقعة لا يسوغ لأحد إنكارها بأدنى مراتب التشكيك والقدح ، فقد تناولها بالذكر أئمّة المؤرّخين أمثال : البلاذري ، وابن قتيبة ، والطبري ، والخطيب البغدادي ، وابن عبدالبرّ ، وابن عساكر ، وياقوت الحموي ، وابن الأثير ، وابن أبي الحديد ، وابن خلّكان ، واليافعي ، وابن كثير ، وابن خلدون ، والذهبي ، وابن حجر العسقلاني ، وابن الصباغ المالكي ، والمقريزي ، وجلال الدين السيوطي ، ونور الدين الحلبي، إلى غير ذلك من المؤرّخين الذين جادت بهم القرون والأجيال .

صفحه 51
كما ذكرها أيضاً أئمّة الحديث أمثال : الإمام الشافعي ، وأحمد ابن حنبل ، وابن ماجة ، والترمذي ، والنسائي ، وأبو يعلى الموصلي ، والبغوي ، والطحاوي ، والحاكم النيسابوري ، وابن المغازلي ، والخطيب الخوارزمي ، والكنجي ، ومحبّ الدين الطبري ، والحمويني ، والهيثمي ، والجزري ، والقسطلاني ، والمتقي الهندي ، وتاج الدين المناوي ، وأبو عبدالله الزرقاني ، وابن حمزة الدمشقي، إلى غير ذلك من أعلام المحدّثين الذين يقصر المقال عن عدّهم وحصرهم .
كما تعرّض لها كبار المفسّرين ، فقد ذكرها : الطبري ، والثعلبي ، والواحدي ـ في أسباب النزول ، والقرطبي ، وأبو السعود ، والفخر الرازي ، وابن كثير الشامي ، والنيسابوري ، وجلال الدين السيوطي ، والآلوسي ، والبغدادي .
وذكرها من المتكلّمين طائفة جمّة في خاتمة مباحث الإمامة وإن ناقشوا نقضاً وإبراماً في دلالتها كالقاضي أبي بكر الباقلاني في تمهيده ، والقاضي عبد الرحمن الإيجي في مواقفه ، والسيد الشريف الجرجاني في شرحه ، وشمس الدين الأصفهاني في مطالع الأنوار ، والتفتازاني في شرح المقاصد ، والقوشجي في شرح التجريد إلى غير ذلك من المتكلّمين الذين تعرّضوا لحديث الغدير وبحثوا حول دلالته ووجه الحجّة فيه .

صفحه 52

واقعة الغدير ورمز الخلود :

أراد المولى عزّوجلّ أن يبقى حديث الغدير غضّاً طرياً على مرّ الأجيال، لم يُكدّر صفاء حقيقته الناصعة تطاول الأحقاب ، وكرّ الأزمان ، وانصرام الأعوام ، ويرجع ذلك إلى أُمور ثلاثة :
1 ـ إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قد هتف به في مزدحم غفير يربو على عشرات الآلاف عند منصرفه من الحجّ الأكبر ، فنهض بالدعوة والإعلان ، وحوله جموع من وجوه الصحابة وأعيان الأُمّة ، وأمر بتبليغ الشاهد الغائب ليكونوا كافّة على علم وخبر بما تمّ إبلاغه .
2 ـ إنّ الله سبحانه قد أنزل في تلك المناسبة آيات تلفت نظر القارئ إلى الواقعة عندما يتلوها وإليك الآيات :
أ ـ (يا أيُّها الرَّسُولُ بَلّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْك مِنْ رَبّك وإنْ لمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتهُ وَالله يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ).(1)
وقد ذكر نزولها في واقعة الغدير طائفة من المفسّـرين يربو عددهم على الثلاثين ، وقد ذكر العلاّمة البحّاثة المحقّق الأميني في كتاب « الغدير » نصوص عبارات هؤلاء ، فمن أراد الاطلاع عليها ، فليرجع إليه .
ب ـ (اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي

1 . المائدة : 67 .

صفحه 53
وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِيناً).(1)
وقد نقل نزول الآية جماعة منهم يزيدون على ستّة عشر .
ج ـ (سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَاب وَاقِع * لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِنَ الله ذِي المَعارِج).(2)
وقد ذكر أيضاً نزول هذه الآية جماعة من المفسّـرين ينوف على الثلاثين ، أضف إلى ذلك أنّ الشيعة عن بكرة أبيهم متّفقون على نزول هذه الآيات الثلاث في شأن هذه الواقعة(3) .
3 ـ إنّ الحديث منذ صدوره من منبع الوحي ، تسابق الشعراء والأُدباء على نظمه ، وإنشاده في أبيات وقصائد امتدّت رقعتها منذ عصر انبثاق ذلك النصّ في تلك المناسبة إلى يومنا هذا ، وبمختلف اللغات والثقافات ، وقد تمكّن البحّاثة المتضلّع العلاّمة الأميني من استقصاء وجمع كلّ ما نظم باللغة العربية حول تلك الحادثة ، والمؤمّل والمنتظر من كافّة المحقّقين على اختلاف ألسنتهم ولغاتهم استنهاض هممهم لجمع ما نظم وأُنشد في أدبهم الخاص .
وحصيلة الكلام : قلّما نجد حادثة تاريخية حظيت في العالم البشري عامّة ، وفي التاريخ الإسلامي والأُمّة الإسلامية خاصّة بمثل

1 . المائدة : 3 .
2 . المعارج : 1ـ3 .
3 . راجع في شأن نزول هذه الآيات: كتاب الغدير: 1 / 214 و 217 .

صفحه 54
ما حظيت به واقعة الغدير ، وقلّما استقطبت اهتمام الفئات المختلفة من المحدّثين والمفسّـرين والكلاميّين والفلاسفة والأُدباء والكتّاب والخطباء وأرباب السير والمؤرّخين كما استقطبته هذه الحادثة ، وقلّما اعتنوا بشيء مثلما اعتنوا بها .
هذا ويستفاد من مراجعة التاريخ أنّ يوم الثامن عشر من شهر ذي الحجة الحرام كان معروفاً بين المسلمين بيوم عيد الغدير ، وكانت هذه التسمية تحظى بشهرة كبيرة إلى درجة أنّ ابن خلّكان يقول حول «المستعلي ابن المستنصر» :
«فبويع في يوم غدير خمّ; وهو الثامن عشر من شهر ذي الحجّة سنة 487هـ ».(1)
وقال في ترجمة المستنصر بالله ، العبّاسي : «وتوفّي ليلة الخميس لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي الحجّة سنة سبع وثمانين وأربعمائة ، قلت : وهذه هي ليلة عيد الغدير ، أعني ليلة الثامن عشر من شهر ذي الحجّة ، وهو غدير خمّ»(2) .
وقد عدّه أبو ريحان البيروني في كتابه «الآثار الباقية» ممّا استعمله أهل الإسلام من الأعياد.(3)

1 . وفيات الأعيان: 1 / 60 .
2 . المصدر نفسه .
3 . لاحظ : الغدير: 1 / 267 .

صفحه 55
وليس ابن خلّكان ، وأبو ريحان البيروني ، هما الوحيدين اللّذين صرّحا بكون هذا اليوم هو عيد من الأعياد ، بل هذا الثعالبي قد اعتبر هو الآخر ليلة الغدير من الليالي المعروفة بين المسلمين(1) .
إنّ عهد هذا العيد الإسلامي ، وجذوره ترجع إلى نفس يوم «الغدير»; لأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أمر المهاجرين والأنصار ، بل أمر زوجاته ونساءه في ذلك اليوم بالدخول على عليّ(عليه السلام) وتهنئته بهذه الفضيلة الكبرى .
يقول زيد بن أرقم : كان أوّل من صافح النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وعليّاً : أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وطلحة ، والزبير ، وباقي المهاجرين والأنصار ، وباقي الناس(2) .
فالحمد لله الذي جعلنا من المتمسّكين بولاية عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) .

1 . ثمار القلوب : 511 .
2 . راجع مصدره في الغدير: 1 / 270 .

صفحه 56

شذرات من فضائله

يطيب لي أن أُشير إلى بعض خصائصه (عليه السلام)قياماً ببعض الواجب تجاه ما له من الحقوق على الإسلام والمسلمين عامّة ، فنقول : إنّ له خصائص لم يشاركه فيها أحد :
1 ـ ولادته في جوف الكعبة .
2 ـ احتضان النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) له منذ صغره .
3 ـ سبقه الجميع في الإسلام .
4 ـ مؤاخاة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) له من دون باقي الصحابة .
5 ـ حمله من قبل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) على كتفه لطرح الأصنام الموضوعة في الكعبة .
6 ـ استمرار ذريّة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من صلبه .
7 ـ بصاق النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في عينيه يوم خيبر ، ودعاؤه له بأن لا يصيبه حرّ ولا قرّ .
8 ـ إنّ حبّه إيمان وبغضه نفاق .
9 ـ إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) باهل النصارى به وبزوجته وأولاده دون سائر الأصحاب .
10 ـ تبليغه سورة براءة عن النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) .
11 ـ إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) خصّه يوم الغدير بالولاية .

صفحه 57
12 ـ إنّه القائل : «سلوني قبل أن تفقدوني» .
13 ـ إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) خصّه بتغسيله وتجهيزه والصلاة عليه .
14 ـ إنّ الناس جميعاً من أرباب الأديان ، وغيرهم ينظرون إليه كأعظم رجل عرفه التاريخ(1) .

1 . قد استخرج هذه الخصائص الكاتب القدير الشيخ محمّد جواد مغنية (رحمه الله)في كتابه : الشيعة والتشيّع : 234 .

صفحه 58
أبو محمد الحسن بن علي المجتبى(عليه السلام)   

الإمام الثاني :

أبو محمد الحسن بن علي المجتبى(عليه السلام)

هو ثاني أئمّة أهل البيت الطاهر ، وأوّل السبطين ، وأحد سيّدي شباب أهل الجنّة ، وريحانة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأحد الخمسة من أصحاب الكساء ، أُمّه فاطمة بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) سيّدة نساء العالمين .

ولادته

ولد في المدينة ليلة النصف من شهر رمضان سنة ثلاث أو اثنتين من الهجرة ، وهو أوّل أولاد عليّ وفاطمة(عليهما السلام) .
نسب كان عليه من شمس الضحى *** نور ومن فلق الصباح عمودا
وروي عن أنس بن مالك قال : لم يكن أحد أشبه برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من الحسن بن علي (عليهما السلام).(1)
فلمّـا ولد الحسن قالت فاطمة لعليّ : سمّه ، فقال : «ما كنت لأسبق باسمه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)» ، فجاء النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فأُخرج إليه فقال : «اللّهمّ إنّي أُعيذه بك وولده من الشـيطـان الـرجيـم »، وأذّن في أُذنه

1 . الفصول المهمّة : لابن الصباغ المالكي (المتوفّى عام 855هـ ) : 152 .

صفحه 59
اليمني وأقام في اليسرى .

ألقابه(عليه السلام)

أشهرها : التقيّ والزكيّ والسبط .

علمه(عليه السلام)

يكفي أنّه كان يجلس في مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ويجتمع الناس حوله فيتكلّم بما يشفي غليل السائل ويقطع حجج المجادلين . من ذلك ما رواه الإمام أبو الحسن عليّ بن أحمد الواحدي في تفسير الوسيط : أنّ رجلا دخل إلى مسجد المدينة فوجد شخصاً يحدّث عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) والناس حوله مجتمعون فجاء إليه الرجل ، قال : أخبرني عن (شاهد ومشهود)(1)؟ فقال : «نعم ، أمّا الشاهد فيوم الجمعة والمشهود فيوم عرفة» .
فتجاوزه إلى آخر غيره يحدّث في المسجد ، فسأله عن (شاهد ومشهود) قال : «أمّا الشاهد فيوم الجمعة ، وأمّا المشهود يوم النحر» .
قال : فتجاوزه إلى ثالث ، غلام كأنّ وجهه الدينار ، وهو يحدّث في المسجد ، فسأله عن شاهد ومشهود ، فقال : «نعم ، أمّا الشاهد فرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأمّا المشهود فيوم القيامة ، أما سمعته عزّ

1 . البروج : 3 .

صفحه 60
وجلّ يقول : (يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناك شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً)(1) ، وقال تعالى : (ذلِكَ يَومٌ مَجمَوعٌ لَهُ النَّاسُ وذلِكَ يَومٌ مَشْهُودٌ)»(2) .
فسأل عن الأوّل ، فقالوا : ابن عبّاس ، وسأل عن الثاني ، فقالوا : ابن عمر ، وسأل عن الثالث ، فقالوا : الحسن بن عليّ بن أبي طالب(عليه السلام)(3) .

زهده(عليه السلام)

يكفي في ذلك ما نقله الحافظ أبو نعيم في حليته بسنده أنّه(عليه السلام) قال : «إنّي لأستحيي من ربّي أن ألقاه ولم أمش إلى بيته» فمشى عشرين مرّة من المدينة إلى مكّة على قدميه .
وروي عن الحافظ أبي نعيم في حليته أيضاً : أنّه(عليه السلام) خرج من ماله مرّتين ، وقاسم الله تعالى ثلاث مرّات ماله وتصدّق به .
وكان(عليه السلام) من أزهد الناس في الدنيا ولذّاتها ، عارفاً بغرورها وآفاتها ، وكثيراً ما كان (عليه السلام) يتمثّل بهذا البيت شعراً :
يا أهل لذّات دنيا لا بقاء لها *** إنّ اغتراراً بظلّ زائــل حَمَقُ(4)

1 . الأحزاب : 45 .
2 . هود : 103 .
3 . بحار الأنوار: 1 / 13 .
4 . الفصول المهمّة لابن الصبّاغ المالكي  : 154 .

صفحه 61

حلمه(عليه السلام)

روى ابن خلّكان عن ابن عائشة : أنّ رجلا من أهل الشام قال : دخلت المدينة ـ على ساكنها أفضل الصلاة والسلام ـ فرأيت رجلا راكباً على بغلة لم أر أحسن وجهاً ولا سمتاً ولا ثوباً ولا دابّة منه ، فمال قلبي إليه ، فسألت عنه فقيل : هذا الحسن بن عليّ بن أبي طالب ، فامتلأ قلبي له بغضاً وحسدت عليّاً أن يكون له ابن مثله ، فصرت إليه وقلت له : أأنت ابن عليّ بن أبي طالب؟ قال : «أنا ابنه» ، قلت : فعل بك وبأبيك ، أسبّهما ، فلمّـا انقضى كلامي قال لي : «أحسبك غريباً»؟ قلت : أجل ، قال : «مِلْ بنا ، فإن احتجت إلى منزل أنزلناك ، أو إلى مال آتيناك ، أو إلى حاجة عاونّاكَ» قال : فانصرفت عنه وما على الأرض أحبّ إليّ منه ، وما فكرت فيما صنع وصنعت إلاّ شكرته وخزيت نفسي(1) .

إمامته(عليه السلام)

يكفي في ذلك ما صرّح به النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من قوله : «هذان ابناي إمامان قاما أو قعدا . . .» .
وروت الشيعة بطرقهم عن سليم بن قيس الهلالي قال : شهدت أمير المؤمنين(عليه السلام) حين أوصى إلى ابنه الحسن(عليه السلام) وأشهد

1 . وفيات الأعيان: 2 / 68 .

صفحه 62
على وصيّته الحسين(عليه السلام) ومحمّداً وجميع ولده ورؤساء شيعته وأهل بيته ، ثمّ دفع إليه الكتاب والسلاح وقال له : «يا بنيّ إنّه أمرني رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أن أُوصي إليك ، وأدفع إليك كتبي وسلاحي ، كما أوصى إليّ ودفع إليّ كتبه وسلاحه ، وأمرني أن آمرك إذا حضرك الموت أن تدفعها إلى أخيك الحسين ، ثمّ أقبل على ابنه الحسين(عليه السلام) فقال : وأمرك رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أن تدفعها إلى ابنك هذا ، ثمّ أخذ بيد عليّ بن الحسين وقال : وأمرك رسول الله أن تدفعها إلى ابنك محمّد بن عليّ فاقرأه من رسول الله ومنّي  السلام»(1) .
روى أبو الفرج الأصفهاني : أنّه خطب الحسن بن عليّ بعد وفاة أمير المؤمنين عليّ(عليه السلام) وقال : «قد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأوّلون بعمل ، ولا يدركه الآخرون بعمل ، ولقد كان يجاهد مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فيقيه بنفسه ، ولقد كان يوجّهه برايته فيكتنفه جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن يساره ، فلا يرجع حتى يفتح الله عليه ، ولقد توفّي في هذه الليلة التي عرج فيها بعيسي بن مريم ، ولقد توفّـي فيها يوشع بن نون وصي موسى ، وما خلّف صفراء ولا بيضاء إلاّ سبعمائة درهم بقيّة من عطائه أراد أن يبتاع بها خادماً لأهله» .

1 . إعلام الورى بأعلام الهدى للشيخ الطبرسي: 1 / 405 تحقيق مؤسسة آل البيت(عليهم السلام)، ومن أراد الوقوف على نصوص إمامته فعليه أن يرجع إلى: الكافي: 1 / 297 ، وإثبات الهداة: 2 / 543 ـ 568 فقد نقل خمسة نصوص في المقام.

صفحه 63
ثمّ خنقته العبرة فبكى وبكى الناس معه .
ثمّ قال : «أيّها الناس من عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) ، أنا ابن البشير ، أنا ابن النذير ، أنا ابن الداعي إلى الله عزّ وجلّ بإذنه ، وأنا ابن السراج المنير ، وأنا من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً ، والذين افترض الله مودّتهم في كتابه إذ يقول :(ومَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً)(1) فاقتراف الحسنة مودّتنا أهل البيت» .
قال أبو مخنف عن رجاله : ثمّ قام ابن عباس بين يديه فدعا الناس إلى بيعته فاستجابوا له وقالوا : ما أحبّه إلينا وأحقّه بالخلافة ، فبايعوه(2) .
وقال المفيد : كانت بيعته يوم الجمعة الحادي والعشرين من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة ، فرتّب العمّال وأمّر الأُمراء ، وأنفذ عبد الله بن العبّاس إلى البصرة ، ونظر في الأُمور(3) .
وقال أبو الفرج الأصفهاني : وكان أوّل شيء أحدثه الحسن](عليه السلام)[ أنّه زاد في المقاتلة مائة مائة ، وقد كان عليّ فعل ذلك يوم الجمل ، وهو فعله يوم الاستخلاف ، فتبعه الخلفاء بعد ذلك(4) .

1 . الشورى : 23 .
2 . مقاتل الطالبيين : 52 .
3 . الإرشاد للمفيد : 188 .
4 . مقاتل الطالبيين : 55 .

صفحه 64
قال المفيد : فلمّـا بلغ معاوية وفاة أمير المؤمنين وبيعة الناس ابنه الحسن ، دسَّ رجلا من حمير إلى الكوفة ، ورجلا من بني القين إلى البصرة ليكتبا إليه بالأخبار ويفسدا على الحسن الأُمور ، فعرف ذلك الحسن ، فأمر باستخراج الحميري من عند لحّام في الكوفة فأُخرج وأمر بضرب عنقه ، وكتب إلى البصرة باستخراج القيني من بني سليم ، فأُخرج وضربت عنقه(1) .

صلحه(عليه السلام) مع معاوية

ثمّ إنّه استمرّت المراسلات(2) بين الحسن ومعاوية وانجرّت إلى حوادث مريرة إلى أن أدّت إلى الصلح واضطرّ إلى التنازل عن الخلافة لصالح معاوية ، فعقدا صلحاً وإليك صورته :
هذا ما صالح عليه الحسن بن عليّ بن أبي طالب معاوية بن أبي سفيان ، صالحه على أن يسلّم إليه ولاية المسلمين على أن يعمل فيهم بكتاب الله وسنّة رسول الله ، وليس لمعاوية أن يعهد إلى أحد

1 . الارشاد للمفيد : 188 ; مقاتل الطالبيين : 52 .
2 . ومن أراد الوقوف عليها فليرجع إلى مقاتل الطالبيين : 53 ـ 72 وبالإمعان فيها وما أظهر أصحابه من التخاذل ، يتضح سرّ صلح الإمام وتنازله عن الخلافة ، فلم يطاع إلاّ أنّه أتم الحجّة عليهم ، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى «صلح الحسن» للشيخ راضي آل ياسين .

صفحه 65
من بعده عهداً ، على أنّ الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله تعالى في شامهم ويمنهم وعراقهم وحجازهم .
على أنّ أصحاب عليّ وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم حيث كانوا ، وعلى معاوية بذلك عهد الله وميثاقه .
على أن لا يبغي للحسن بن علي ولا لأخيه الحسين ولا لأحد من أهل بيت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) غائلة سوء سرّاً وجهراً ، ولا يخيف أحداً في أُفق من الآفاق . شهد عليه بذلك فلان وفلان ، وكفى بالله شهيداً.(1)
ولمّا تمّ الصلح صعد معاوية المنبر وقال في خطبته : إنّي والله ما قاتلتكم لتصلّوا ولا لتصوموا ، ولا لتحجّوا ولا لتزكّوا ، إنّكم لتفعلون ذلك ، ولكنّي قاتلتكم لأتأمّر عليكم ، وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون . ألا وإنّي كنت منّيت الحسن وأعطيته أشياء وجميعها تحت قدميّ هاتين لا أفي بشيء منها له(2) .

شهادته ودفنه(عليه السلام)

لمّا نقض معاوية عهده مع الإمام الحسن(عليه السلام) ، وما كان ذلك بغريب على رجل أبوه أبوسفيان ، وأُمّه هند ، وهو طليق ابن طلقاء،

1 . الفصول المهمّة : 163 .
2 . الارشاد للمفيد : 191 .

صفحه 66
عمد إلى أخذ البيعة ليزيد ولده المشهور بمجونه وتهتكه وزندقته ، وما كان شيء أثقل عليه من أمر الحسن بن عليّ(عليهما السلام) ، فدسّ إليه السمّ ، فمات بسببه .
فقد روي : أنّ معاوية أرسل إلى ابنة الأشعث ـ وكانت تحت الحسن(عليه السلام) ـ : إنّي مزوّجك بيزيد ابني على أن تسمّي الحسن بن عليّ . وبعث إليها بمائة ألف درهم ، فقبلت وسمّت الحسن ، فسوّغها المال ولم يزوّجها منه(1) .
فلمّا دنا موته أوصى لأخيه الحسين(عليه السلام) وقال : «إذا قضيت نحبي غسّلني وكفّني واحملني على سريري إلى قبر جدّي رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ثمّ ردّني إلى قبر جدّتي فاطمة بنت أسد فادفنّي هناك ، وبالله أُقسم عليك أن تهريق في أمري محجمة دم» .
فلمّـا حملوه إلى روضة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يشكّ مروان ومن معه من بني أُميّة أنّهم سيدفنونه عند جدّه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فتجمّعوا له ولبسوا السلاح ، ولحقتهم عائشة على بغل وهي تقول : ما لي ولكم تريدون أن تُدخلوا بيتي من لا أُحبّ!! وجعل مروان يقول : يا ربّ هيجاء هي خير من دعة ، أيدفن عثمان في أقصى المدينة ويدفن الحسن مع النبيّ؟! وكادت الفتنة تقع بين بني هاشم وبني أُميّة .

1 . مقاتل الطالبيين : 73 .

صفحه 67
ولأجل وصيّة الحسن مضوا به إلى البقيع ودفنوه عند جدّته فاطمة بنت أسد(1) .
وتوفّي الحسن وله من العمر (47) عاماً وكانت وفاته سنة (50) من الهجرة النبويّة . والعجيب أنّ مروان بن الحكم حمل سريره إلى البقيع فقال له الحسين : «أتحمل سريره؟! أما والله لقد كنت تجرّعه الغيظ» فقال مروان : إنّي كنت أفعل ذلك بمن يوازن حلمه الجبال(2) .

فرح معاوية بموته :

ولما بلغ معاوية موت الحسن (عليه السلام) سجد وسجد من حوله وكبّـر وكبّـروا معه .
ذكره الزمخشري في ربيع الأبرار وابن عبد البرّ في الاستيعاب وغيرهما .
فقال بعض الشعراء :
أصبح اليوم ابن هند شامتاً *** ظاهر النخوة إذ مات الحسنْ
يا ابن هند إن تذق كأس الردى *** تكُ في الدهر كشيء لم يكنْ

1 . الارشاد للمفيد: 193 ; كشف الغمة: 1 / 209 ، مقاتل الطالبيين : 74 ـ 75 .
2 . مقاتل الطالبيين : 76 .

صفحه 68
لستَ بالباقي فلا تشمت به *** كلّ حيّ للمنايا مرتهن(1)
هذه لمحة عن حياة الحسن المشحونة بالحوادث المريرة . وتركنا الكثير ممّا يرجع إلى جوانب حياته ، خصوصاً ما نقل عنه من الخطب والرسائل والكلم القصار ، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى تحف العقول(2) فقد ذكر مؤلّفه قسماً كبيراً من كلماته .
أبو عبدالله الحسين بن علي سيّد الشهداء(عليه السلام)   

1 . في رحاب أئمّة أهل البيت للأمين العاملي: 43 .
2 . تحف العقول لحسن بن شعبة الحرّاني : 225 ـ 236 .

صفحه 69

الإمام الثالث :

أبو عبدالله الحسين بن علي سيّد الشهداء(عليه السلام)

هو ثالث أئمّة أهل البيت الطاهر ، وثاني السبطين ، وسيدي شباب أهل الجنّة ، وريحانتي المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأحد الخمسة أصحاب الكساء ، وسيّد الشهداء ، وأُمّه فاطمة بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) .

ولادته(عليه السلام)

ولد في المدينة المنوّرة في الثالث من شعبان سنة ثلاث أو أربع من الهجرة ، ولمّا ولد جيء به إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فاستبشر به ، وأذّن في أُذنه اليمنى وأقام في اليسرى ، فلمّـا كان اليوم السابع سمّـاه حسيناً ، وعقَّ عنه بكبش ، وأمر أُمّه أن تحلق رأسه وتتصدّق بوزن شعره فضّة ، كما فعلت بأخيه الحسن ، فامتثلت(عليها السلام) ما أمرها به .

خصائصه(عليه السلام)

إنّ حياة الإمام الحسين من ولادته إلى شهادته حافلة بالأحداث ، والإشارة ـ فضلا عن الإحاطة ـ إلى كلّ ما يرجع إليه يحتاج إلى تأليف مفرد ، وقد أغنانا في ذلك ما كتبه المؤلّفون والباحثون عن جوانب حياته(عليه السلام) ، حيث تحدّثوا في مؤلّفاتهم المختلفة عن النصوص الواردة من جدّه وأبيه في حقّه ، وعن علمه

صفحه 70
ومناظراته ، وخطبه وكتبه وقصار كلمه ، وفصاحته وبلاغته ، ومكارم أخلاقه ، وكرمه وجوده ، وزهده وعبادته ، ورأفته بالفقراء والمساكين ، وعن أصحابه والرواة عنه ، والجيل الذي تربّى على يديه . وذلك في مؤلّفات قيّمة لا تعد ولاتحصى .

كفاحه وجهاده الرسالي

إنّ للحسين(عليه السلام) وراء ما ذُكر، خصّيصة أُخرى وهي كفاحه وجهاده الرسالي والسياسي الذي عُرِفَ به ، والذي أصبح مدرسة سياسية دينيّة ، لعلها أصبحت الطابع المميّز له(عليه السلام) والصبغة التي اصطبغت حياته الشريفة بها ، وأُسوة وقدوة مدى أجيال وقرون ، ولم يزل منهجه يؤثّر في ضمير الأُمّة ووعيها ، ويحرّك العقول المتفتّحة ، والقلوب المستنيرة إلى التحرّك والثورة ، ومواجهة طواغيت الزمان بالعنف والشدّة .
وها نحن نقدّم إليك نموذجاً من غرر كلماته في ذلك المجال حتّى تقف على كفاحه وجهاده أمام التيّارات الإلحاديّة والانهيار الخلقي .

إباؤه للضيم ومعاندة الجور

لمّا توفّي أخوه الحسن في السنة الخمسين من الهجرة أوصى إليه بالإمامة فاجتمعت الشيعة حوله ، يرجعون إليه في حلّهم

صفحه 71
وترحالهم ، وكان لمعاوية عيون في المدينة يكتبون إليه ما يكون من الأحداث المهمّة التي لا توافق هوى السلطة الأُموية المنحرفة ، والتي قد تؤلّف خطراً جدّياً على وجودها غير المشروع ، ولقد كان همّ هذه السلطة هو الإمام الحسين(عليه السلام) لما يعرفونه عنه من موقف لا يلين ولا يهادن في الحقّ ، ومن هنا فقد كتب مروان بن الحكم ـ وكان عامل معاوية على المدينة ـ : إنّ رجالا من أهل العراق ووجوه أهل الحجاز يختلفون إلى الحسين بن عليّ وأنّه لا يأمن وثوبه ، ولقد بحثت عن ذلك فبلغني أنّه لا يريد الخلاف يومه هذا ، ولست آمن أن يكون هذا أيضاً لما بعده .
ولمّا بلغ الكتاب إلى معاوية كتب رسالة إلى الحسين وهذا نصّها :
أمّا بعد ; فقد انتهت إليّ أُمور عنك إن كانت حقّاً فإنّي أرغب بك عنها ، ولعمر الله إنّ من أعطى الله عهده وميثاقه لجدير بالوفاء ، وإنّ أحقَّ الناس بالوفاء من كان في خطرك وشرفك ومنزلتك التي أنزلك الله لها . . .(1) .
ولمّا وصل الكتاب إلى الحسين بن عليّ ، كتب إليه رسالة مفصّلة ذكر فيها جرائمه ونقضه ميثاقه وعهده ، نقتبس منها ما يلي :
«ألست قاتل حجر بن عديّ أخا كندة وأصحابه المصلّين ،

1 . الإمامة والسياسة: 1 / 163 .

صفحه 72
العابدين ، الّذين ينكرون الظلم ، ويستفظعون البدع ، ويأمرون بالمعروف ، وينهون عن المنكر ، ولا يخافون في الله لومة لائم ، ثمّ قتلتهم ظلماً وعدواناً من بعد ما أعطيتهم الأيمان المغلّظة والمواثيق المؤكّدة ، ولا تأخذهم بحدث كان بينك وبينهم ، جرأة على الله واستخفافاً بعهده؟
أولست قاتل عمرو بن الحمق صاحب رسول الله ، العبد الصالح الذي أبلته العبادة فنحل جسمه واصفرّ لونه ، فقتلته بعد ما أمنته وأعطيته العهود ما لو فهمته العصم لنزلت من شعف الجبال(1) .
أولست المدّعي زياد بن سميّة المولود على فراش عبيد بن ثقيف فزعمت أنّه ابن أبيك ، وقد قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) : «الولد للفراش وللعاهر الحجر» ، فتركت سنّة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) تعمّداً وتبعت هواك بغير هدي من الله ، ثمّ سلّطته على أهل الإسلام يقتلهم ، ويقطع أيديهم وأرجلهم ، ويُسمل أعينهم ، ويصلبهم على جذوع النخل ، كأنّك لست من هذه الأُمّة وليسوا منك .
أولست صاحب الحضرميين الذين كتب فيهم ابن سميّة أنّهم على دين عليّ ـ صلوات الله عليه ـ فكتبت إليه : أن اقتل كلّ من كان على دين عليّ ، فقتلهم ومثّل بهم بأمرك ، ودين عليّ هو دين ابن عمّه(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي كان يضرب عليه أباك ويضربك ، وبه جلست

1 . أي قممها وأعاليها .

صفحه 73
مجلسك الذي أنت فيه ، ولولا ذلك لكان شرفك وشرف آبائك تجشّم الرحلتين رحلة الشتاء والصيف»(1) .
هذا هو الحسين ، وهذا هو إباؤه للضيم ودفاعه عن الحق ونصرته للمظلومين في عصر معاوية . وذكرنا هذه المقتطفات كنموذج من سائر خطبه ورسائله التي ضبطها التاريخ .

1 . الإمامة والسياسة: 1 / 164 .

صفحه 74
 
الإمام الحسين(عليه السلام) وكربلاء

رفضه البيعة ليزيد :

لمّا هلك معاوية في منتصف رجب سنة 60 هجرية كتب يزيد إلى الوليد بن عتبة والي المدينة أن يأخذ الحسين(عليه السلام) بالبيعة له ، فأنفذ الوليد إلى الحسين (عليه السلام) فاستدعاه ، فعرف الحسين ما أراد ، فدعا جماعة من مواليه وأمرهم بحمل السلاح وقال : «اجلسوا على الباب فإذا سمعتم صوتي قد علا فادخلوا عليه ولا تخافوا عليّ» .
وصار(عليه السلام) إلى الوليد فنعى الوليد إليه معاوية ، فاسترجع الحسين(عليه السلام) ثمّ قرأ عليه كتاب يزيد بن معاويـة ، فقال الحسين (عليه السلام) : «إنّي لا أراك تقنع ببيعتي ليزيد سرّاً حتّى أُبايعه جهراً فيعرف ذلك الناس» ، فقال له الوليد : أجل ، فقال الحسين(عليه السلام) : «فتصبح وترى رأيك في ذلك» فقال الوليد : انصرف على اسم الله تعالى ، فقال مروان : والله لئن فارقك الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبداً حتّى يكثر القتلى بينكم وبينه ، احبس الرجل فلا يخرج من عندك حتّى يبايع أو تضرب عنقه ، فوثب عند ذلك الحسين(عليه السلام)وقال : «أنت يا بن الزرقاء تقتلني أو هو؟ كذبت والله وأثمت» ثمّ خرج(1) .

1 . الإرشاد للمفيد : 200 .

صفحه 75
وأصبح الحسين من غده يستمع الأخبار ، فإذا هو بمروان بن الحكم قد عارضه في طريقه فقال : أبا عبد الله إنّي لك ناصح فأطعني ترشد وتسدّد ، فقال : «وما ذاك قل أسمعْ» فقال : إنّي أرشدك لبيعة يزيد; فانّها خير لك في دينك وفي دنياك!! فاسترجع الحسين وقال : «إنّا لله وإنّا إليه راجعون وعلى الإسلام السَّلام إذا بليت الأُمّة براع مثل يزيد ، ثمّ قال : يا مروان أترشدني لبيعة يزيد!! ويزيد رجل فاسق ، لقد قلت شططاً من القول وزللا ، ولا ألومك; فإنّك اللعين الذي لعنك رسول الله وأنت في صلب أبيك الحكم بن العاص ، ومن لعنه رسول الله فلا ينكر منه أن يدعو لبيعة يزيد ، إليك عنّي يا عدوّ الله ، فإنّا أهل بيت رسول الله الحقّ فينا ينطق على ألسنتنا ، وقد سمعت جدّي رسول الله يقول : الخلافة محرّمة على آل أبي سفيان الطلقاء وأبناء الطلقاء ، فإذا رأيتم معاوية على منبري فابقروا بطنه . ولقد رآه أهل المدينة على منبر رسول الله فلم يفعلوا به ما أُمروا فابتلاهم بابنه يزيد»(1) .

خروجه من مكّة ومكاتبة أهل الكوفة له :

ثمّ إنّ الحسين غادر المدينة إلى مكّة ، ولمّا بلغ أهل الكوفة هلاك معاوية اجتمعت الشيعة في منزل سليمان بن صرد فاتّفقوا أن

1 . مقتل الحسين للخوارزمي: 1 / 184 ـ 185 .

صفحه 76
يكتبوا إلى الحسين رسائل وينفذوا رسلا طالبين منه القدوم إليهم في الكوفة; لأنّ القوم قد بايعوه ونبذوا بيعة الأمويّين ، وألحّوا في ذلك الأمر أيّما إلحاح ، مبيّنين للإمام (عليه السلام) أنّ السبل ميسّرة والظروف مهيّأة لقدومه ، حيث كتب له وجهاؤهم من جملة ما كتبوه :
«أمّا بعد ; فقد اخضرّ الجناب وأينعت الثمار ، فإذا شئت فأقبل على جند لك مجنّدة» .
ولما جاءت رسائل أهل الكوفة تترى على الحسين (عليه السلام) أرسل ابن عمّه مسلم بن عقيل ـ رضوان الله عليه ـ إلى الكوفة ممثّلا عنه لأخذ البيعة له منهم ، وللتحقّق من جدّية هذا الأمر ، ثمّ كتب إليهم : «أمّا بعد ; فإنّ هانئاً وسعيداً قدما عليَّ بكتبكم ، وكانا آخر من قدم عليَّ من رسلكم ، وقد فهمت كلّ الذي اقتصصتم وذكرتم ، ومقالة جلّكم أنّه ليس علينا إمام فاقبل لعلّ الله أن يجمعنا بك على الحقّ والهدى ، وإنّي باعث إليكم أخي وابن عمّي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل ، فإن كتب إليَّ : أنّه قد اجتمع رأي ملَئِكم وذوي الحجى والفضل منكم على مثل ما قدمت عليّ به رسلكم ، وقرأته في كتبكم ، فإنّي أقدم عليكم وشيكاً إن شاء الله ، فلعمري ما الإمام إلاّ الحاكم بالكتاب ، القائم بالقسط ، الدائن بدين الحق ، الحابس نفسه على ذات الله»(1) .

1 . الارشاد للمفيد : 204 .

صفحه 77
ثمّ خرج الإمام من مكة متوجّهاً إلى الكوفة يوم التروية أو يوماً قبله مع أهل بيته وجماعة من أصحابه وشيعته ، وكان كتاب من مسلم بن عقيل قد وصل إليه يخبره ببيعة ثمانية عشر ألفاً من أهل الكوفة ، وذلك قبل أن تنقلب الأُمور على مجاريها بشكل لا تصدّقه العقول ، حيث استطاع عبيد الله بن زياد بخبثه ودهائه ، وإفراطه في القتل ، أن يثبّط همم أهل الكوفة ، وأن تنكث بيعة الإمام الحسين(عليه السلام) ، ويقتل سفيره بشكل وحشيّ بشع .
ولمّا أخذ الإمام(عليه السلام) يقترب من الكوفة استقبله الحرّ بن يزيد الرياحي بألف فارس مبعوثاً من الوالي عبيد الله بن زياد لاستقدامه وإكراهه على إعطاء البيعة ليزيد ، وإرساله قهراً إلى الكوفة ، فعند ذلك قام الإمام وخطب بأصحابه وأصحاب الحرّ بقوله : «أيّها الناس إنّ رسول الله قال : من رأى سلطاناً جائراً مستحلاًّ حرم الله ناكثاً لعهد الله ، مخالفاً لسنّة رسول الله ، يعمل في عباده بالإثم والعدوان ، فلم يغيّر عليه بفعل ولا قول، كان حقّاً على الله أن يدخله مدخله ، ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن ، وأظهروا الفساد ، وعطّلوا الحدود ، واستأثروا بالفيء ، وأحلّوا حرام الله وحرّموا حلاله ، وأنا أحقّ من غَيَّر».(1)

1 . تاريخ الطبري: 4 / 304، حوادث سنة 61هـ ، ولمعرفة ما جرى على الإمام وأهل بيته حتّى نزل أرض كربلاء، راجع المقاتل .

صفحه 78

الدافع الواقعي للهجرة إلى العراق :

رغم أنّ الدافع الظاهري لهجرته (عليه السلام) إلى العراق كانت رسائل أهل الكوفة ورسلهم حتّى أنّ الإمام احتجّ بها عندما واجه الحرّ بن يزيد الرياحي وعمر بن سعد عندما سألاه عن سرّ مجيئه إلى العراق فقال : «كتب إليَّ أهل مصركم هذا أن أقدم»(1) . إلاّ أنّ السرّ الحقيقي لهجرته (عليه السلام) رغم إدراكه الواضح لما سيترتّب عليها من نتائج خطرة ستودي بحياته الشريفة ـ وهو ما وطّن نفسه(عليه السلام) عليه ـ يمكن إدراكه من خلال الاستقراء الشامل لمسيرة حياته ، وكيفية تعامله مع مجريات الأحداث .
إنّ الأمر الذي لا مناص من الذهاب إليه هو إدراك الإمام(عليه السلام) ما ينتجه الإذعان والتسليم لتولّـي يزيد بن معاوية خلافة المسلمين رغم ما عُرف عنه من تهتّك ومجون وانحراف واضح عن أبسط المعايير الإسلامية ، وفي هذا مؤشّـر خطر على عظم الانحراف الذي أصاب مفهوم الخلافة الإسلامية ، وابتعادها الرهيب عن مضمونها الشرعي .
ومن هنا فكان لابدّ من وقفة شجاعة تعيد للأُمّة جانباً من رشدها المضاع وتفكيرها المسلوب . إنّ الإمام الحسين (عليه السلام) قد أعلنها صراحة بقوله لمّا طالبه مروان بن الحكم بالبيعة ليزيد ، حيث

1 . الارشاد للمفيد: 224 ـ 228 .

صفحه 79
قال : «فعلى الإسلام السلام إذا بليت الأُمّة براع مثل يزيد» كما عرفت سابقاً .
نعم إنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال : «صنفان من أُمّتي إذا صلحا صلحت أُمّتي ، وإذا فسدا فسدت أُمّتي ، قيل : يا رسول الله ومن هما؟ فقال : الفقهاء والأُمراء»(1) ، فإذا كان صلاح الأُمّة وفسادها رهن صلاح الخلافة وفسادها ، فقيادة مثل يزيد لا تزيد الأمر إلاّ عيثاً وفساداً .
إنّ القيادة الإسلامية بين التنصيص والشورى ، ولم يملك يزيد السلطة لا بتنصيص من الله سبحانه ولا بشورى من الأُمّة ، وهذا ما أدركه المسلمون آنذاك حيث كتبوا إلى الحسين(عليه السلام) رسالة جاء فيها : أمّا بعد، فالحمد لله الذي قصم عدوّك الجبّار العنيد الذي انتزى على هذه الأُمّة فابتزّها أمرها وغصبها فيئها وتأمّر عليها بغير رضى منها ، ثمّ قتل خيارها واستبقى شرارها.(2)
ولم يكن الولد (يزيد) فريداً في غصب حقّ الأُمّة ، بل سبقه والده معاوية إلى ذلك كما هو معروف ، وليس بخاف على أحد ، وإلى تلك الحقيقة المرّة يشير الإمام عليّ(عليه السلام) في كتاب له إلى معاوية ، حيث يقول :

1 . سفينة البحار للشيخ عباس القمّي: 2 / 30، مادة «أمر» .
2 . الكامل في التاريخ لابن الأثير: 2 / 266 ـ 267 ; الارشاد للمفيد: 203 .

صفحه 80
«فَقَدْ آنَ لَكَ أَنْ تَنْتَفِعَ بِاللَّمْحِ الْبَاصِرِ مِنْ عِيَانِ الاُْمُورِ، فَقَدْ سَلَكْتَ مَدَارِجَ أَسْلاَفِكَ بِادِّعَائِكَ الاَْبَاطِيلَ، وَاقْتِحَامِكَ غُرُورَ الْمَيْنِ وَالاَْكَاذِيبِ، وَبِانْتِحَالِكَ مَا قَدْ عَلاَ عَنْكَ، وَابْتِزَازِكَ لِمَا قَدِ اخْتُزِنَ دُونَكَ، فِرَاراً مِنَ الْحَقِّ، وَجُحُوداً لِمَا هُوَ أَلْزَمُ لَكَ مِنْ لَحْمِكَ وَدَمِكَ; مِمَّا قَدْ وَعَاهُ سَمْعُكَ، وَمُلِئَ بِهِ صَدْرُكَ. فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ الْمُبِينُ».(1)
هذا ونظائره المذكورة في التاريخ ما دفع الحسين إلى الثورة ، وتقديم نفسه وأهل بيته قرابين طاهرة من أجل نصرة هذا الدين العظيم ، مع علمه بأنّه وفقاً لما تحت يديه من الإمكانات المادّية لن يستطيع أن يواجه دولة كبيرة تمتلك القدرات المادّية الضخمة ما يمكنها من القضاء على أيّ ثورة فتيّة ، نعم إنّ الإمام الحسين(عليه السلام) كان يدرك قطعاً هذه الحقيقة ، إلاّ أنّه أراد أن يسقي بدمائه الطاهرة المقدّسة شجرة الإسلام الوارفة التي يريد الأُمويّون اقتلاعها من جذورها .
كما أنّ الإمام (عليه السلام) أراد أن يكسر حاجز الخوف الذي أصاب الأُمّة فجعلها حائرة متردّدة أمام طغيان الجبابرة وحكّام الجور ، وأن تصبح ثورته مدرسة تتعلّم منها الأجيال معنى البطولة والتضحية من أجل المبادئ والعقائد ، وكان كلّ ذلك بعد استشهاد الإمام (عليه السلام) ،

1 . نهج البلاغة: قسم الرسائل برقم 65 .

صفحه 81
والتاريخ خير شاهد على ذلك .
كان المعروف منذ ولادة الإمام الحسين (عليه السلام) أنّه سيستشهد في العراق في أرض كربلاء، وعرف المسلمون ذلك في عصر النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) ووصيّه ، لذا كان الناس يترقّبون حدوث تلك الفاجعة ، كما أنّ هناك الكثير من القرائن التي تدلّ بوضوح على حتميّة استشهاده(عليه السلام) ، ومن ذلك :
1 ـ روى غير واحد من المحدّثين عن أنس بن الحارث ـ الذي استشهد في كربلاء ـ أنّه قال : سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول : «إنّ ابني هذا يقتل بأرض يقال لها كربلاء ، فمن شهد ذلك منكم فلينصره» فخرج أنس بن الحارث فقتل بها مع الحسين (عليه السلام).(1)
2 ـ إنّ أهل الخبرة والسياسة في عصر الإمام كانوا متّفقين على أنّ الخروج إلى العراق يكون خطراً كبيراً على حياة الإمام (عليه السلام) وأهل بيته ، ولأجل ذلك أخلصوا له النصيحة ، وأصرّوا عليه عدم الخروج ، ويتمثّل ذلك في كلام أخيه محمّد بن الحنفيّة ، وابن عمّه ابن عبّاس ، ونساء بني عبدالمطّلب ، ومع ذلك اعتذر لهم الإمام وأفصح عن عزمه على الخروج.(2)

1 . الإصابة: 1 / 81، برقم 266 .
2 . لاحظ المحاورات التي جرت بين الإمام وهؤلاء في: الإرشاد للمفيد : 201 ـ 202 ; مقاتل الطالبيين 109 ; اللهوف : 20، طبعة بغداد .

صفحه 82
3 ـ لمّا عزم الإمام المسير إلى العراق خطب وقال : «الحمد لله وما شاء الله ولا قوّة إلاّ بالله وصلّى الله على رسوله ، خُطّ الموت على ولد آدم مخطّ القلادة على جيد الفتاة ، وما أولهني إلى أسلافي ، اشتياق يعقوب إلى يوسف ، وخُـيّـر لي مصرع أنا أُلاقيه ، كأنّي بأوصالي تقطّعها عسلان الفلوات ، بين النواويس وكربلاء فيملأن منّي أكراشاً جُوَّفاً وأجربة سغباً ، لا محيص عن يوم خطّ بالقلم . رضى الله رضانا أهل البيت ، نصبر على بلائه ، ويوفينا أُجور الصابرين ، لن تشذّ عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لحمته ، بل هي مجموعة له في حظيرة القدس تَقرّ بهم عينه ، وينجز بهم وعده ، ألا ومن كان فينا باذلا مهجته ، موطِّناً على لقاء الله نفسه فليرحل معنا; فإنّي راحل مصبحاً إن شاء الله تعالى»(1) .
4 ـ لمّا بلغ عبد الله بن عمر ما عزم عليه الحسين(عليه السلام) دخل عليه فلامه في المسير ، ولما رآه مصرّاً عليه قبّل ما بين عينيه وبكى وقال : أستودعك الله من قتيل(2) .
5 ـ لمّا خرج الحسين (عليه السلام) من مكّة لقيه الفرزدق الشاعر فقال له : إلى أين يا بن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)؟ ما أعجلك عن الموسم؟ قال : «لو لم أعجل لأُخذْتُ ، ثمّ قال له : أخبرني عن الناس خلفك» فقال :

1 . اللهوف : 41 .
2 . تذكرة الخواصّ : 217 ـ 218 .

صفحه 83
الخبير سألت ، قلوب الناس معك ، وأسيافهم عليك(1) .
6 ـ لما أتى إلى الحسين خبر قتل مسلم بن عقيل وهاني بن عروة وعبد الله بن يقطر ، قال لأصحابه : «لقد خذلنا شيعتنا ، فمن أحبّ منكم الانصراف فلينصرف غير حرج ليس عليه ذمام» فتفرّق الناس عنه ، وأخذوا يميناً وشمالا ، حتى بقي في أصحابه الذين جاءوا معه من المدينة ونفر يسير ممّن انضمّوا إليه . ومع ذلك فقد واصل(عليه السلام) مسيره نحو الكوفة ، ولما مرّ ببطن العقبة لقيه شيخ من بني عكرمة يقال له : عمر بن لوذان ، فسأل الإمام : أين تريد؟ فقال له الحسين(عليه السلام) : «الكوفة» فقال الشيخ : أُنشدك لمّا انصرفت ، فوالله ما تقدِمُ إلاّ على الأسنّة وحدّ السيوف ، فقال له الحسين : «ليس يخفى عليّ الرأي ، وأنّ الله تعالى لا يُغلب على أمره»(2) .
وفي نفس النصّ دلالة على أنّ الإمام كان يدرك ما كان يتخوّفه غيره ، و أنّ مصيره لو سار إلى الكوفة هو القتل ، ومع ذلك أكمل السير طلباً للشهادة من أجل نصرة الدين وردّ كيد أعدائه ، وحتى لا تبقى لأحد حجة يتذرّع بها لتبرير تخاذله وضعفه .
نعم لقد كان الحسين (عليه السلام) على بيّنة من أمره وما سيؤول إليه سفره من مصير محتوم ، فلا شيء يقف أمام إرادته من أجل إعلاء

1 . الإرشاد : 218 .
2 . الإرشاد : 223 .

صفحه 84
كلمة الدين وتثبيت دعائمه التي أراد الأُمويّون تقويضها ، انظر إليه وهو يخاطب الحرّ بن يزيد الرياحي الذي يحذّره من مغبّة إصراره على موقفه حيث يقول له : «أفبالموت تخوّفني ، وهل يعدو بكم الخطب أن تقتلوني ، وسأقول كما قال أخو الأوس لابن عمّه وهو يريد نصرة رسول الله فخوّفه ابن عمّه وقال : أين تذهب فإنّك مقتول ، فقال :
سأمضي وما بالموت عار على الفتى *** إذا ما نوى حقّاً وجاهد مسلما
وواسى الرجال الصالحين بنفسه *** وفارق مثبوراً وخالف مجرما
فإن عشت لم أندَم وإن مِتُّ لم أُلمْ *** كفى بك ذلاّ أن تعيش وترغما»(1)
ثمّ إنّه كان لشهادة الحسين (عليه السلام) أثر كبير في إيقاظ شعور الأُمّة وتشجيعها على الثورة ضدّ الحكومة الأُموية التي أصبحت رمزاً للفساد والانحراف عن الدين ، ولأجل ذلك توالت الثورات بعد شهادته من قبل المسلمين في العراق والحجاز ، وهذه الانتفاضات وإن لم تحقّق هدفها في وقتها ، ولكن كان لها الدور الأساسي في سقوط الحكومة الأُمويّة بعد زمان .

1 . الإرشاد للمفيد: 225 ; تاريخ الطبري : 5 / 204 .

صفحه 85
ولقد أجاد من قال : لولا نهضة الحسين (عليه السلام) وأصحابه ـ رضي الله عنهم ـ يوم الطفّ لما قام للإسلام عمود ، ولا اخضرّ له عود ، ولأماته معاوية وأتباعه ولدفنوه في أوّل عهده في لحده . فالمسلمون جميعاً بل الإسلام من ساعة قيامه إلى قيام الساعة رهين شكر للحسين (عليه السلام) وأصحابه ـ رضي الله عنهم ـ(1) .
بلى ، فلا مغالاة في قول من قال : إنّ الإسلام محمّديّ الحدوث حسينيّ البقاء والخلود .
ترى أنّى للإمام الحسين (عليه السلام) الإذعان لحقيقة تسلّم يزيد مقاليد خلافة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، يزيد المنحرف الفاسد ، عدوّ الله وعدوّ رسوله ، الذي لم يستطع إخفاء دفائنه عندما أُحضر رأس سيد الشهداء بين يديه حيث أنشد :
ليت أشياخي ببدر شهدوا *** جزع الخزرج من وقع الأسلْ
لأهلّوا واستهلّوا فرحاً *** ثمّ قالوا يا يزيد لا تشلّ
قد قتلنا القرم من ساداتهم *** وعدلنا قتل بدر فاعتدل
لست من خندف إن لم أنتقم *** من بني أحمد ما كان فعل
لعبت هاشم بالملك فلا *** خبر جاء ولا وحي نزل(2)

1 . جنّة المأوى : 208 للشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء .
2 . البيتان الأوّلان لابن الزبعرى ، والثلاثة الأخيرة ليزيد ، لاحظ : تذكرة الخواص : 235 .

صفحه 86
وأمّا بيان خروجه من مكة متوجّهاً إلى العراق والحوادث التي عرضت له في مسيره إلى أن نزل بأرض كربلاء ، والتي استشهد فيها مع أولاده وأصحابه البالغ عددهم 72 شخصاً ، ظمآنَ وعطشانَ ، فهو خارج عن موضوع البحث . وقد أُلّفت فيه مئات الكتب وعشرات الموسوعات .

شهادته(عليه السلام)

لقد استشهد يوم الجمعة لعشر خلون من المحرّم سنة 61 من الهجرة ، وقيل يوم السبت ، وكان قد أدرك من حياة النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)خمس أو ستّ سنوات ، وعاش مع أبيه 36 سنة ، ومع أخيه 46 سنة .
فسلام الله عليه يوم ولد ، ويوم استشهد ويوم يبعث حيّاً .
عليّ بن الحسين بن عليّ زين العابدين(عليه السلام)   

صفحه 87
 
الإمام الرابع :

عليّ بن الحسين بن عليّ زين العابدين(عليه السلام)

هو رابع أئمّة أهل البيت الطاهر ، المشهور بزين العابدين أو سيّدهم ، والسجّاد ، وذي الثفنات .

ولادته و جوانب من سيرته(عليه السلام)

ولد في المدينة سنة 38 أو 37هـ .
قال ابن خلّكان : هو أحد الأئمّة الاثني عشر ومن سادات التابعين . قال الزهري : ما رأيت قرشيّاً أفضل منه . وفضائله ومناقبه أكثر من أن تحصى وتذكر ، ولمّا توفّي دفن في البقيع في جنب عمّه الحسن في القبّة التي فيها قبر العباس ـ رضي الله عنه ـ(1) .
ولقد تولّى الإمامة بعد استشهاد أبيه الحسين (عليه السلام) في كربلاء ، وللاطّلاع على النصوص الواردة في إمامته ينبغي الرجوع إلى كتب الحديث والعقائد المتكفّلة بهذا الجانب المهم ، وأخصّ منها بالذكر كتاب «الكافي» للكليني ، و«الإرشاد» للشيخ المفيد ، و «كفاية الأثر» للخزّاز ، و «إثبات الهداة» للحرّ العاملي .

1 . وفيات الأعيان: 3 / 267 ـ 269 .

صفحه 88
ومن أراد الاطّلاع على مناقبه وكراماته وفضائله في مجالات شتّى كالعلم ، والحلم ، والجرأة والإقدام ، وثبات الجنان ، وشدة الكرم والسخاء ، والورع ، والزهد ، والتقوى ، وكثرة التهجّد والتنفّل ، والفصاحة والبلاغة ، وشدّة هيبته بين الناس ومحبّتهم له ، وتربيته لجيل عظيم من الصحابة والعلماء وقّفوا حياتهم في خدمة الإسلام ، وغير ذلك ممّا لا يسعنا التعرّض لها هنا ، فعليه أن يطلب ذلك في الموسوعات المتعدّدة التي تعرّضت لذلك بالشرح والتفصيل .
إلاّ أنّا نكتفي هنا بجانب من سيرته (عليه السلام) تتعلّق بجملة محدّدة من الأُمور :

1 ـ هيبته ومنزلته العظيمة :

لقد كان(عليه السلام) مهاباً جليلا بين الناس بشكل كبير ، حتّى أنّ هذه المنزلة العظيمة جعلت الأُمراء والحكّام يحسدونه عليها ، والتاريخ يذكر لنا على ذلك شواهد كثيرة ومتعدّدة ، ومن ذلك :
لمّا حجّ هشام بن عبد الملك قبل أن يلي الخلافة اجتهد أن يستلم الحجر الأسود فلم يمكنه ذلك ، وجاء عليّ بن الحسين(عليهما السلام)فتوقّف له الناس ، وتنحّوا حتّى استلم ، فقال جماعة لهشام : من هذا؟ فقال : لا أعرفه (مع أنّه كان يعرف أنّه عليّ بن الحسين(عليه السلام)) فسمعه الفرزدق ، فقال : لكنّي أعرفه ، هذا عليّ بن الحسين زين العابدين ، وأنشد هشاماً قصيدته التي منها هذه الأبيات :

صفحه 89
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته *** والبيت يعرفه والحلّ والحرمُ
هذا ابن خير عباد الله كلّهم *** هذا التقي النقي الطاهر العلمُ
يكاد يمسكه عرفان راحته *** ركن الحطيم إذا ما جاء يستلمُ
يُغضي حياء ويُغضى من مهابته *** فما يكلّم إلاّ حين يبتسمُ
إذا رأته قريش قال قائلها *** إلى مكارم هذا ينتهي الكرمُ
إن عُدَّ أهل التقى كانوا أئمّتهم *** أو قيل من خير أهل الأرض قيل همُ
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله *** بجدّه أنبياء الله قد خُتموا
وليس قولك من هذا بضائره *** العرب تعرف من أنكرت والعجمُ
إلى آخر القصيدة التي حفظتها الأُمّة وشطّرها جماعة من الشعراء. وقدثقل ذلك على هشام فأمر بحبسه، فحبسوه بين مكّة والمدينة ، فقال معترضاً على عمل هشام:

صفحه 90
أيحبسني بين المدينة والتي *** إليها قلوب الناس يهوى منيبها
يقلّـب رأسـاً لـم يكن رأس سيّد *** وعيناً له حولاء باد عيوبها
فأخرجه من الحبس فوجّه إليه علي بن الحسين(عليهما السلام) عشرة آلاف درهم وقال : «اعذرنا يا أبا فراس ، فلو كان عندنا في هذا الوقت أكثر من هذا لوصلناك به» فردّها الفرزدق وقال : ما قلت ما كان إلاّ لله ، فقال له علي(عليه السلام) : «قد رأى الله مكانك فشكرك ، ولكنّا أهل بيت إذا أنفذنا شيئاً لم نرجع فيه» وأقسم عليه فقبلها .

2 ـ زهده وعبادته ومواساته للفقراء :

أمّا زهده وعبادته ومواساته للفقراء ، وخوفه من الله فغني عن البيان . فقد روي عنه (عليه السلام) أنّه إذا توضّأ اصفرّ لونه ، فيقال : ما هذا الذي يعتادك عند الوضوء؟ قال : «أتدرون بين يَدي من أُريد أن أقف» .
ومن كلماته (عليه السلام) : «إنّ قوماً عبدوا الله رياضة; فتلك عبادة العبيد ، وأنّ قوماً عبدوه رغبة; فتلك عبادة التجّار ، وأنّ قوماً عبدوه شكراً; فتلك عبادة الأحرار» .
وكان إذا أتاه سائل يقول له : «مرحباً بمن يحمل زادي إلى الآخرة» .

صفحه 91
كان (عليه السلام) كثير الصدقات حريصاً عليها ، و كان يوصل صدقاته ليلا دون أن يعلم به أحد ، وقد روي أنّه (عليه السلام) كان يعول مائة عائلة من أهالي المدينة لا يدرون من يأتيهم بالصدقات ، ولمّا توفّي(عليه السلام) أدركوا ذلك .
وفي رواية : أنّه (عليه السلام) كان يحمل جراب الخبز على ظهره بالليل فيتصدّق به ويقول : «صدقة السر تطفئ غضب الربّ» .
وفي رواية: كان أهل المدينة يقولون : ما فقدنا صدقة السر حتّى مات عليّ بن الحسين(عليه السلام)(1) .
وقال رجل لسعيد بن المسيّب : ما رأيت رجلا أورع من فلان ـ وسمّى رجلا ـ فقال له سعيد : أما رأيت عليّ بن الحسين؟ فقال : لا ، فقال : ما رأيت أورع منه .
قال أبو حازم : ما رأيت هاشمياً أفضل من عليّ بن الحسين .
قال طاووس : رأيت عليّ بن الحسين(عليهما السلام) ساجداً في الحجر فقلت : رجل صالح من أهل بيت طيّب لأسمعنّ ما يقول ، فأصغيت إليه فسمعته يقول : «عُبيدُك بفنائك ، مسكينك بفنائك ، سائلك بفنائك ، فقيرك بفنائك» قال طاووس : فوالله ما دعوت بهنّ في كرب إلاّ كشف عنّي .
وكان يصلّي في كل يوم وليلة ألف ركعة ، فإذا أصبح سقط

1 . تذكرة الخواصّ : 294 .

صفحه 92
مغشيّاً عليه ، وكانت الريح تميله كالسنبلة ، وكان يوماً خارجاً فلقيه رجل فسبّه ، فثارت إليه العبيد والموالي ، فقال لهم علي(عليه السلام) : «مهلا كفّوا» ثمّ أقبل على ذلك الرجل فقال له : «ما سُترَ عنك من أمرنا أكثر ، ألك حاجة نعينك عليها؟» فاستحيى الرجل، فألقى إليه(عليه السلام) خميصة كانت عليه ، وأمر له بألف درهم ، فكان ذلك الرجل بعد ذلك يقول : أشهد أنّك من أولاد الرسل(1) .

ثروته(عليه السلام) العلمية

أمّا الثروة العلمية والعرفانية ، فهي أدعيته التي رواها المحدّثون بأسانيدهم المتضافرة ، والتي جمعت بما سمّي بالصحيفة السجّادية المنتشرة في العالم ، فهي زبور آل محمد ، ومن الخسارة الفادحة أنّ إخواننا أهل السنّة ـ إلاّ النادر القليل منهم ـ غير واقفين على هذا الأثر القيّم الخالد .
نعم ، إنَّ فصاحة ألفاظها ، وبلاغة معانيها ، وعلوّ مضامينها ، وما فيها من أنواع التذلّل لله تعالى والثناء عليه ، والأساليب العجيبة في طلب عفوه وكرمه والتوسّل إليه ، أقوى شاهد على صحّة نسبتها إليه ، وإنّ هذا الدرّ من ذلك البحر ، وهذا الجوهر من ذلك المعدن ، وهذا الثمر من ذلك الشجر ، مضافاً إلى اشتهارها شهرة لا تقبل الريب ، وتعدّد أسانيدها المتّصلة إلى منشئها ، فقد رواها الثقات

1 . كشف الغمّة: 2 / 292 ـ 293 .

صفحه 93
بأسانيدهم المتعدّدة المتّصلة ، إلى زين العابدين(1) .
وقد أرسل أحد الأعلام نسخة من الصحيفة مع رسالة إلى العلاّمة الشيخ الجوهري الطنطاوي (المتوفّى عام 1358هـ ) صاحب التفسير المعروف ، فكتب في جواب رسالته : «ومن الشقاء أنّا إلى الآن لم نقف على هذا الأثر القيّم الخالد في مواريث النبوّة وأهل البيت ، وإنّي كلّما تأمّلتها رأيتها فوق كلام المخلوق ، ودون كلام الخالق»(2) .
وكان المعروف بين الشيعة هو الصحيفة الأُولى التي تتضمّن واحداً وستّين دعاء في فنون الخير وأنواع السؤال من الله سبحانه ، والتي تعلّم الإنسان كيف يلجأ إلى ربّه في الشدائد والمهمّـات ، وكيف يطلب منه حوائجه ، وكيف يتذلّل ويتضرّع له ، وكيف يحمده ويشكره . غير أنّ لفيفاً من العلماء استدركوا عليها فجمعوا من شوارد أدعيته صحائف خمسة كان آخرها ما جمعه العلاّمة السيد محسن الأمين العاملي(قدس سره) .
ولقد قام العلاّمة الحجة السيّد محمد باقر الأبطحي ـ (رحمه الله) ـ بجمع جميع أدعية الإمام الموجودة في هذه الصحف في جامع واحد ، وقال في مقدّمته :

1 . في رحاب أئمّة أهل البيت: 3 / 414 .
2 . مقدّمة الصحيفة بقلم العلاّمة المرعشي(قدس سره) : 28 .

صفحه 94
وحريّ بنا القول إنّ أدعيته (عليه السلام) كانت ذات وجهين : وجهاً عبادياً ، وآخر اجتماعياً يتّسق مع مسار الحركة الإصلاحية التي قادها الإمام(عليه السلام) في ذلك الظرف الصعب . فاستطاع بقدرته الفائقة المسدّدة أن يمنح أدعيته ـ إلى جانب روحها التعبّدية ـ محتوىً اجتماعياً متعدّد الجوانب ، بما حملته من مفاهيم خصبة ، وأفكار نابضة بالحياة ، فهو (عليه السلام) صاحب مدرسة إلهيّة ، تارة يعلّم المؤمن كيف يمجّد الله ويقدّسه ، وكيف يلج باب التوبة ، وكيف يناجيه وينقطع إليه ، وأُخرى يسلك به درب التعامل السليم مع المجتمع فيعلّمه أُسلوب البرّ بالوالدين ، ويشرح حقوق الوالد ، والولد ، والأهل ، والأصدقاء ، والجيران ، ثمّ يبيّـن فاضل الأعمال وما يجب أن يلتزم به المسلم في سلوكه الاجتماعي ، كلّ ذلك بأُسلوب تعليميّ رائع وبليغ .
وصفوة القول : إنّها كانت أُسلوباً مبتكراً في إيصال الفكر الإسلامي، والمفاهيم الإسلامية الأصيلة إلى القلوب الظمأى ، والأفئدة التي تهوي إليها لترتزق من ثمراتها ، وتنهل من معينها ، فكانت بحقّ عملية تربوية نموذجية من الطراز الأوّل ، أسّس بناءها الإمام السجاد(عليه السلام) مستلهماً جوانبها من سير الأنبياء وسنن المرسلين(1).

1 . الصحيفة السجّادية الجامعة : 13 .

صفحه 95
ومن أدعيته(عليه السلام) في هذه الصحيفة دعاؤه في يوم عرفة ، ومنه :
«اللّهمَّ هذا يوم عرفةَ ، يومٌ شرَّفتهُ وكرَّمتهُ وعظَّمتهُ ، نَشَـرتَ فيهِ رحمتَكَ ، وَمَننتَ فيهِ بعفوك ، وأجزلتَ فيهِ عطيّتكَ ، وتفضَّلتَ بهِ على عبادِك .
اللّهمَّ وأنا عبدك الذي أنعمتَ عليهِ قَبلَ خَلقِكَ لهُ ، وبعدَ خَلقِكَ إيّاهُ ، فَجَعَلتَهُ مِمَّن هَديتَهُ لدينِكَ ، وَوفَّقتَهُ لَِحقّك ، وعصمتَهُ بِحَبلِكَ ، وأدْخَلتَهُ في حِزبِكَ ، وأَرْشَدتَهُ لموالاةِ أوليائِكَ ومعاداةِ أعدائِكَ» .

رسالة الحقوق :

إنّ للإمام عليّ بن الحسين رسالة معروفة باسم رسالة الحقوق ، أوردها الصدوق في خصاله(1) بسند معتبر ، ورواها الحسن بن شعبة في تحف العقول(2) مرسلة ، وبين النقلين اختلاف يسير .
وهي من جلائل الرسائل في أنواع الحقوق ، يذكر الإمام فيها حقوق الله سبحانه على الإنسان ، وحقوق نفسه عليه ، وحقوق أعضائه من اللسان والسمع والبصر والرجلين واليدين والبطن والفرج ، ثمّ يذكر حقوق الأفعال ، من الصلاة والصوم والحجّ

1 . الخصال : 564 ـ 570، في أبواب الخمسين .
2 . تحف العقول: 183 ـ 195.

صفحه 96
والصدقة والهدي . . . التي تبلغ خمسين حقّاً ، آخرها حقّ الذمّة .
كما روى الحفّاظ وتلاميذ مدرسته أحاديث وحكماً مختلفة جليلة حوَتها بطون الكتب المختلفة ، جمع الكثير منها العلاّمة المجلسي في موسوعته الموسومة ببحار الأنوار من مختلف المصادر ، فراجع .

شهادته(عليه السلام)

توفّي بالمدينة عام 95 أو 94هـ ، يوم السبت الثاني عشر من محرّم . وقيل الخامس والعشرين منه .
أبو جعفر محمّد بن عليّ الباقر(عليه السلام)   

صفحه 97
 
الإمام الخامس :

أبو جعفر محمّد بن عليّ الباقر(عليه السلام)

هو خامس أئمّة أهل البيت الطاهر ، المعروف بالباقر ، وقد اشتهر به لبقره العلم وتفجيره له . قال ابن منظور في لسان العرب : لقّب به; لأنّه بقر العلم وعرف أصله واستنبط فرعه وتوسّع فيه(1) .

أقوال العلماء فيه(عليه السلام)

قال ابن حجر : سمّي بذلك لأنّه من بقر الأرض; أي شقّها ، وإثارة مخبّآتها ، ومكامنها ، فكذلك هو أظهر من مخبّآت كنوز المعارف وحقائق الأحكام ، والحكم واللطائف ما لا يخفى إلاّ على منطمس البصيرة أو فاسد الطويّة والسريرة ، ومن ثمّ قيل فيه هو باقر العلم وجامعه وشاهر علمه ورافعه(2) .
وقال ابن كثير : أبو جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ ابن أبي طالب ، وسمّي بالباقر لبقره العلوم ، واستنباطه الحكم ، كان ذاكراً خاشعاً صابراً ، وكان من سلالة النبوّة ، رفيع النسب ، عالي

1 . لسان العرب: 4 / 74 .
2 . الصواعق المحرقة : 201 .

صفحه 98
الحسب ، وكان عارفاً بالخطرات ، كثير البكاء والعبرات ، معرضاً عن الجدال والخصومات(1) .
وقال ابن خلّكان : أبو جعفر محمّد بن زين العابدين ، الملقّب بالباقر ، أحد الأئمّة الاثني عشر في اعتقاد الإماميّة ، وهو والد جعفر الصادق . كان الباقر عالماً سيّداً كبيراً ، وإنّما قيل له الباقر; لأنّه تَبقَّر في العلم; أي توسّع ، وفيه يقول الشاعر :
يا باقر العلم لأهل التُّقى *** وخير من لبّى على الأجبُلِ(2)
ولد بالمدينة غرّة رجب سنة 57هـ  وقيل 56هـ ، وتوفّي في السابع من ذي الحجّة سنة 114هـ ، وعمره الشريف 57 سنة . عاش مع جدّه الحسين (عليه السلام) 4 سنين ، ومع أبيه(عليه السلام) بعد جدّه(عليه السلام) 39 سنة ، وكانت مدة إمامته(عليه السلام) 18 سنة(3) .
وأمّا النصوص الدالّة على إمامته من أبيه وأجداده والتي ذكرها المحدّثون والمحقّقون من علمائنا الأعلام فهي مستفيضة نقلها الكليني ـ رضي الله عنه ـ وغيره .
وقال ابن سعد : محمّد الباقر من الطبقة الثالثة من التابعين من المدينة ، كان عالماً عابداً ثقة ، وروى عنه الأئمّة أبو حنيفة وغيره .

1 . البداية والنهاية: 9 / 309 .
2 . وفيات الأعيان: 4 / 174 .
3 . إعلام الورى بأعلام الهدى : 264 ـ265 .

صفحه 99
قال أبو يوسف : قلت لأبي حنيفة : لقيت محمّد بن علي الباقر؟ فقال : نعم وسألته يوماً فقلت له : أراد الله المعاصي؟ فقال : «أفيعصى قهراً»؟ قال أبو حنيفة : فما رأيت جواباً أفحم منه .
وقال عطاء : ما رأيت العلماء عند أحد أصغر علماً منهم عند أبي جعفر ، لقد رأيت الحكم عنده كأنّه مغلوب ، ويعني الحكم بن عيينة ، وكان عالماً نبيلا جليلا في زمانه .
وذكر المدائني عن جابر بن عبد الله : أنّه قال للإمام محمّد بن علي الباقر وهو صغير : رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يسلّم عليك ، فقيل لجابر : وكيف هذا؟ فقال : كنت جالساً عند رسول الله والحسين في حجره وهو يداعبه فقال : «يا جابر يولد مولود اسمه عليّ إذا كان يوم القيامة نادى مناد : ليقم سيّد العابدين فيقوم ولده ، ثمّ يولد له ولد ، اسمه محمّد ، فإن أدركته يا جابر فاقرأه منّي السلام» .
وذكر ابن الصبّاغ المالكي بعد نقل القصّة : أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال لجابر : «وإن لاقيته فاعلم أنّ بقاءك في الدنيا قليل» فلم يعش جابر بعد ذلك إلاّ ثلاثة أيّام . ثمّ قال : هذه منقبة من مناقبه باقية على ممر الأيـّام ، وفضيلة شهد له بها الخاصّ والعام.(1)
وقال المفيد : لم يظهر عن أحد من ولد الحسن والحسين(عليهما السلام)في علم الدين والآثار والسنّة وعلم القرآن والسيرة وفنون الآداب ما

1 . تذكرة الخواص لابن الجوزي : 302 ـ 303 ; الفصول المهمّة : 215 ـ 216 .

صفحه 100
ظهر من أبي جعفر الباقر(عليه السلام).(1)
وروى عنه معالم الدين بقيّة الصحابة ووجوه التابعين وفقهاء المسلمين ، وسارت بذكر كلامه الأخبار وأُنشدت في مدائحه الأشعار . . ..(2)
قال ابن حجر : هو باقر العلم وجامعه، وشاهر علمه، وعمرت أوقاته بطاعة الله ، وله من الرسوخ في مقامات العارفين ما تكلّ عنه ألسنة الواصفين ، وله كلمات كثيرة في السلوك والمعارف لا تحتملها هذه العجالة.(3)

مناظراته

وأمّا مناظراته مع المخالفين فحدّث عنها ولا حرج ، وقد جمعها العلاّمة الطبرسي في كتاب الاحتجاج.(4)
قال الشيخ المفيد في الإرشاد : وجاءت الأخبار : أنّ نافع بن الأزرق(5) جاء إلى محمّد بن عليّ ، فجلس بين يديه يسأله عن

1 . الارشاد للمفيد : 262 .
2 . الفصول المهمّة : 210 نقله عن الإرشاد للمفيد : 261 ، فلاحظ .
3 . الصواعق المحرقة: 201.
4 . لاحظ : الاحتجاج: 2 / 54 ـ 69، طبعة النجف الأشرف.
5 . الارشاد : 265 ، ولعلّ المناظر هو عبد الله بن نافع بن الأزرق; لأنّ نافعاً قتل عام 65 من الهجرة وللإمام عندئذ من العمر دون العشرة ، وقد نقل ابن شهر آشوب بعض مناظرات الإمام مع عبد الله بن نافع، فلاحظ : المناقب: 4 / 201 .

صفحه 101
مسائل الحلال والحرام . فقال له أبو جعفر (عليه السلام)في عرض كلامه : «قل لهذه المارقة ، بم استحللتم فراق أمير المؤمنين ، وقد سفكتم دماءكم بين يديه في طاعته والقربة إلى الله بنصرته؟ فسيقولون لك : إنّه حكَّم في دين الله ، فقل لهم : قد حكَّم الله تعالى في شريعة نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم)رجلين من خلقه فقال : (فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها إن يُريدا إصلاحاً يوفّق الله بينهما) ، وحكَّم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) سعد بن معاذ في بني قريـظة فحكم فيهم بما أمضاه الله ، أوما علمتم أنَّ أمير المؤمنين إنَّما أمر الحكمين أن يحكما بالقرآن ولا يتعدّياه ، واشترط ردّ ما خالف القرآن في أحكام الرجال ، وقال حين قالوا له : حكّمت على نفسك من حكم عليك؟ فقال : ما حكّمت مخلوقاً وإنّما حكّمت كتاب الله . فأين تجد المارقة تضليل من أمر بالحكم بالقرآن ، واشترط ردّ ما خالفه لولا ارتكابهم في بدعتهم البهتان»؟ فقال نافع بن الأزرق : هذا والله كلام ما مرّ بسمعي قط ، ولا خطر منّي ببال ، وهو الحقّ إن شاء الله .
ثمّ إنّ الشيعة الإمامية أخذت كثيراً من الأحكام الشرعية عنه وعن ولده البارّ جعفر الصادق(عليه السلام) وحسب الترتيب المتداول في الكتب الفقهيّة ، حيث روي عنه(عليه السلام) الكثير من الروايات الفقهيّة التي تناولت مختلف جوانب الحياة ، وللاطلاع على ذلك تراجع كتب الفقه وموسوعاته المختلفة .

صفحه 102
وأمّا ما روي عنه في الحِكَم والمواعظ ، فقد نقلها أبو نعيم الأصفهاني في حلية الأولياء ، والحسن بن شعبة الحرّاني في تحفه(1) .
وقد توفّي الإمام محمّد الباقر (عليه السلام) عام 114هـ ، ودفن في البقيع إلى جنب قبر أبيه ، ومن أراد البحث عن فصول حياته في شتّى المجالات فليراجع الموسوعات التي تحفل بها المكتبات العامّة والخاصّة .
أبو عبدالله جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام)   

1 . حلية الأولياء: 3 / 180 ـ 235 وفي بعض ما نقل عنه تأمّل ونظر . والحسن بن عليّ بن شعبة في تحف العقول : 284 ـ 300 .

صفحه 103
 
الإمام السادس :

أبو عبدالله جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام)

هو الإمام السادس من أئمّة أهل البيت الطاهر ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ ولقّب بالصادق لصدقه في مقاله ، وفضله أشهر من أن يذكر .

ولادته وخصائصه(عليه السلام)

ولد عام 80هـ ، وتوفّي عام 148هـ ، ودفن في البقيع جنب قبر أبيه محمّد الباقر وجدّه عليّ زين العابدين وعم جدّه الحسن بن عليّ ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ فللّه درّه من قبر ما أكرمه وأشرفه!(1) .
قال محمّد بن طلحة : هو من عظماء أهل البيت وساداتهم ، ذو علوم جمّة ، وعبادة موفورة ،وزهادة بيّنة ، وتلاوة كثيرة ، يتبع معاني القرآن الكريم ، ويستخرج من بحره جواهره ، ويستنتج عجائبه ، ويقسِّم أوقاته على أنواع الطاعات بحيث يحاسب عليها نفسه ، رؤيته تذكّر الآخرة ، واستماع كلامه يزهّد في الدنيا ، والاقتداء

1 . وفيات الأعيان: 1 / 327، رقم الترجمة 31 .

صفحه 104
بهداه يورث الجنّة ، نور قسماته شاهد أنّه من سلالة النبوّة ، وطهارة أفعاله تصدع أنّه من ذرّيّة الرسالة . نقل عنه الحديث واستفاد منه العلم جماعة من أعيان الأئمّة وأعلامهم ، مثل : يحيى بن سعيد الأنصاري ، وابن جريج ، ومالك بن أنس ، والثوري ، وابن عيينة ، وأبو حنيفة ، وشعبة ، وأبو أيّوب السجستاني(1) وغيرهم ، وعدّوا أخذهم عنه منقبة شرّفوا بها ، وفضيلة اكتسبوها(2) .
ذكر أبو القاسم البغّاء في مسند أبي حنيفة : قال الحسن بن زياد : سمعت أبا حنيفة وقد سئل : من أفقه من رأيت؟ قال : جعفر بن محمّد ، لمّا أقدمه المنصور بعث إليَّ فقال : يا أبا حنيفة إنّ الناس قد فتنوا بجعفر بن محمّد ، فهيّئ لي من مسائلك الشداد ، فهيّأت له أربعين مسألة ، ثمّ بعث إليّ أبوجعفر وهو بالحيرة فأتيته ، فدخلت عليه ، وجعفر جالس عن يمينه ، فلمّا بصرت به ، دخلني من الهيبة لجعفر ما لم يدخلني لأبي جعفر ، فسلمت عليه ، فأومأ إليّ فجلست ، ثمّ التفت إليه فقال : يا أبا عبد الله هذا أبو حنيفة . قال : نعم أعرفه ، ثمّ التفت إليّ فقال : يا أبا حنيفة ألقِ على أبي عبدالله من مسائلك ، فجعلت أُلقي عليه فيجيبني فيقول : أنتم تقولون كذا ، وأهل المدينة يقولون كذا ، ونحن نقول كذا ، فربّما تابعنا وربّما تابعهم ، وربّما خالفنا جميعاً حتّى أتيت على الأربعين مسألة ، فما

1 . في الأصل أيّوب السختياني والصحيح ما ذكرناه .
2 . كشف الغمّة: 2 / 368 .

صفحه 105
أخلّ منها بشيء . ثمّ قال أبو حنيفة : أليس أنّ أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس.(1)
عن مالك بن أنس : جعفر بن محمد اختلفت إليه زماناً فما كنت أراه إلاّ على إحدى ثلاث خصال : إمّا مصلّ ، وإمّا صائم ، وإمّا يقرأ القرآن ، وما رأت عين ، ولا سمعت أُذن ، ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر بن محمد الصادق علماً وعبادة وورعاً.(2)
وعن عمرو بن بحر الجاحظ (مع عدائه لأهل البيت) : جعفر ابن محمّد الذي ملأ الدنيا علمه و فقهه ، ويقال : إنّ أبا حنيفة من تلامذته ، وكذلك سفيان الثوري ، وحسبك بهما في هذا الباب.(3)

مناقبه(عليه السلام)

وأمّا مناقبه وصفاته فتكاد تفوق عدّ الحاصر ، ويَحار في أنواعها فهم اليقظ الباصر ، حتّى أنّ من كثرة علومه المفاضة على قلبه من سجال التقوى ، صارت الأحكام التي لا تدرك عللها ، والعلوم التي تقصر الأفهام عن الإحاطة بحكمها ، تضاف إليه وتروى عنه(4) .

1 . بحار الأنوار: 47 / 217 ـ 218 ; الإمام الصادق والمذاهب الأربعة لأسد حيدر: 4 / 335 نقلا عن مناقب أبي حنيفة للمكّي: 1 / 173 ; جامع مسانيد أبي حنيفة: 1 / 252 ; تذكرة الحفّاظ للذهبي: 1/ 157 .
2 . الإمام الصادق والمذاهب الأربعة : 1 / 53، نقلا عن تهذيب التهذيب: 2 / 104 ; بحار الأنوار: 47 / 28.
3 . الإمام الصادق والمذاهب الأربعة: 1 / 55، نقلا عن رسائل الجاحظ : 106 .
4 . كشف الغمّة: 2 / 368 .

صفحه 106
وقال ابن الصبّاغ المالكي : كان جعفر الصادق (عليه السلام) من بين إخوته خليفة أبيه ، ووصيّه ، والقائم بالإمامة من بعده ، برز على جماعة بالفضل ، وكان أنبههم ذكراً وأجلّهم قدراً ، نقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان ، وانتشر صيته وذكره في البلدان ، ولم ينقل العلماء عن أحد من أهل بيته ما نقلوا عنه من الحديث .
إنّك إذا تتبّعت كتب التاريخ والتراجم والسير تقف على نظير هذه الكلمات وأشباهها ، كلّها تعرب عن اتّفاق الأُمّة على إمامته في العلم والقيادة الروحيّة ، وإن اختلفوا في كونه إماماً منصوصاً من قبل الله عزّ وجلّ ، فذهبت الشيعة إلى الثاني نظراً إلى النصوص المتواترة المذكورة في مظانّها.(1)

حياته العلميّة(عليه السلام)

لقد امتدّ عصر الإمام الصادق(عليه السلام) من آخر خلافة عبد الملك بن مروان إلى وسط خلافة المنصور الدوانيقي ، أي من سنة 83 هـ  إلى سنة 148هـ . فقد أدرك طرفاً كبيراً من العصر الأُموي ، وعاصر كثيراً من ملوكهم ، وشاهد من حكمهم أعنف أشكاله ، وقضى سنوات عمره الأُولى حتّى الحادية عشرة من عمره مع جدّه زين العابدين ، وحتّى الثانية والثلاثين مع أبيه الباقر ونشأ في ظلّهما يتغذّى من تعاليمهما وتنمو مواهبه، وتربّى تربيته الدينية ، وتخرّج

1 . لاحظ : الكافي: 1 / 306 ـ 307 .

صفحه 107
من تلك المدرسة الجامعة فاختصّ بعد وفاة أبيه بالزعامة سنة 114هـ ، واتسعت مدرسته بنشاط الحركة العلميّة في المدينة ومكّة والكوفة وغيرها من الأقطار الإسلامية .
وقد اتّسم العصر المذكور الذي عاشه الإمام بظهور الحركات الفكريّة ، ووفود الآراء الاعتقادية الغريبة إلى المجتمع الإسلامي ، وأهمها عنده هي حركة الغلاة الهدّامة ، الذين تطلّعت رؤوسهم في تلك العاصفة الهوجاء إلى بثّ روح التفرقة بين المسلمين ، وترعرعت بنات أفكارهم في ذلك العصر ليقوموا بمهمة الانتصار لمبادئهم التي قضى عليها الإسلام ، فقد اغتنموا الفرصة في بثّ تلك الآراء الفاسدة في المجتمع الإسلامي ، فكانوا يبثّون الأحاديث الكاذبة ويسندونها إلى حملة العلم من آل محمد ، ليغروا بها العامّة ، فكان المغيرة بن سعيد يدّعي الاتصال بأبي جعفر الباقر ويروي عنه الأحاديث المكذوبة ، فأعلن الإمام الصادق(عليه السلام) كذبه والبراءة منه ، وأعطى لأصحابه قاعدة في الأحاديث التي تروي عنه ، فقال : «لا تقبلوا علينا حديثاً إلاّ ما وافق القرآن والسنّة ، أو تجدون معه شاهداً من أحاديثنا المتقدّمة» .
ثمّ إنّ الإمام (عليه السلام)قام بهداية الأُمّة إلى النهج الصواب في عصر تضاربت فيه الآراء والأفكار ، واشتعلت فيه نار الحرب بين الأُمويين ومعارضيهم من العباسيين ، ففي تلك الظروف الصعبة والقاسية

صفحه 108
استغلّ الإمام الفرصة فنشر من أحاديث جدّه ، وعلوم آبائه ما سارت به الركبان ، وتربّى على يديه آلاف من المحدّثين والفقهاء . ولقد جمع أصحاب الحديث أسماء الرواة عنه من الثقات ـ على اختلاف آرائهم ومقالاتهم ـ فكانوا أربعـة آلاف رجل(1) . وهذه سمة امتاز بها الإمام الصادق عن غيره من الأئمّة ـ عليه و عليهم السلام ـ .
إنّ الإمام (عليه السلام) شرع بالرواية عن جدّه وآبائه عندما اندفع المسلمون إلى تدوين أحاديث النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) بعد الغفلة التي استمرّت إلى عام 143هـ (2) حيث اختلط آنذاك الحديث الصحيح بالضعيف وتسرّبت إلى السنّة ، العديد من الروايات الاسرائيلية والموضوعة من قبل أعداء الإسلام من الصليبيين والمجوس ، بالإضافة إلى المختلقات والمجعولات على يد علماء السلطة ومرتزقة البلاط الأُموي .
ومن هنا فقد وجد الإمام (عليه السلام) أنّ أمر السنّة النبويّة قد بدأ يأخذ اتّجاهات خطيرة وانحرافات واضحة ، فعمد (عليه السلام) للتصدّي لهذه الظاهرة الخطيرة ، وتفنيد الآراء الدخيلة على الإسلام والتي تسرّب الكثير منها نتيجة الاحتكاك الفكري والعقائدي بين المسلمين وغيرهم .

1 . الارشاد : 270 ; المناقب لابن شهر آشوب: 4 / 257 .
2 . تاريخ الخلفاء للسيوطي ـ خلافة المنصور الدوانيقي ، فقد حدّد تاريخ التدوين بسنة 143هـ .

صفحه 109
إنّ تلك الفترة كوّنت تحدّياً خطيراً لوجود السنّة النبويّة ، وخلطاً فاضحاً في كثير من المعتقدات ، لذا فإنّ الإمام(عليه السلام) كان بحقّ سفينة النجاة من هذا المعترك العسر .
إنّ علوم أهل البيت(عليهم السلام) متوارثة عن جدّهم المصطفى محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) ، الذي أخذها عن الله تعالى بواسطة الأمين جبرئيل(عليه السلام) ، فلا غرو أن تجد الأُمّة ضالّتها فيهم (عليهم السلام) ، وتجد مرفأ الأمان في هذه اللجج العظيمة ، ففي ذلك الوقت حيث أخذ كلّ يحدّث عن مجاهيل ونكرات ورموز ضعيفة ومطعونة ، أو أسانيد مشوّشة ، تجد أنّ الإمام الصادق(عليه السلام) يقول : «حديثي حديث أبي ، وحديث أبي حديث جدّي ، وحديث جدّي حديث عليّ بن أبي طالب ، وحديث عليّ حديث رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وحديث رسول الله قول الله عزّ وجلّ» .
بيد أنّ ما يثير العجب أن تجد من يعرض عن دوحة النبوّة إلى رجال قد كانوا وبالا على الإسلام وأهله ، وتلك وصمة عار وتقصير لا عذر فيه خصوصاً في صحيح البخاري .
فالإمام البخاري مثلا يروي ويحتج بمثل مروان بن الحكم ، وعمران بن حطّان وحريز بن عثمان الرحبي وغيرهم ، ويعرض عن الرواية عن الإمام الصادق(عليه السلام)!!
أمّا الأوّل : فهو الوزغ بن الوزغ ، اللعين بن اللعين على لسان

صفحه 110
رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأمّا الثاني : فهو الخارجي المعروف الذي أثنى على ابن ملجم بشعره لا بشعوره ، وأمّا الثالث : فكان ينتقص عليّاً وينال منه ، ولست أدري لمَ هذا الأمر؟ إنّه مجرد تساؤل .
إنّ للإمام الصادق وراء ما نشر عنه من الأحاديث في الأحكام التي تتجاوز عشرات الآلاف ، مناظرات مع الزنادقة والملحدين في عصره ، والمتقشّفين من الصوفيّة، ضبط المحقّقون كثيراً منها، وهي في حدّ ذاتها ثروة علميّة تركها الإمام(عليه السلام)، وأمّا الرواية عنه في الأحكام فقد روى عنه أبان بن تغلب ثلاثين ألف حديث .
حتّى أنّ الحسن بن عليّ الوشّاء قال : أدركت في هذا المسجد (مسجد الكوفة) تسعمائة شيخ كلّ يقول حدّثني جعفر بن محمّد.(1)
وأمّا ما أُثر عنه من المعارف والعقائد فحدّث عنها ولا حرج ، ولا يسعنا نقل حتى القليل منها ، ومن أراد فليرجع إلى مظانّـها.(2)
يقول «سيد أمير علي» بعد النقاش حول الفرق المذهبيّة والفلسفيّة في عصر الإمام :
ولم تتخذ الآراء الدينيّة اتّجاهاً فلسفياً إلاّ عند الفاطميّين ، ذلك أنّ انتشار العلم في ذلك الحين أطلق روح البحث

1 . الرجال للنجاشي : 139، برقم 79 .
2 . لاحظ : الاحتجاج: 2 / 69 ـ 155 ، التوحيد للصدوق ، وقد بسطها على أبواب مختلفة .

صفحه 111
والاستقصاء ، وأصبحت المناقشات الفلسفية عامّة في كلّ مجتمع من المجتمعات ، والجدير بالذكر أنّ زعامة تلك الحركة الفكريّة إنّما وجدت في تلك المدرسة التي ازدهرت في المدينة ، والتي أسّسها حفيد عليّ بن أبي طالب المسمّى بالإمام جعفر والملقّب بالصادق ، وكان رجلا بحّاثة ومفكّراً كبيراً، جيد الإلمام بعلوم ذلك العصر ، ويعتبر أوّل من أسّس المدارس الفلسفيّة الرئيسيّة في الإسلام .
ولم يكن يحضر محاضراته أُولئك الذين أسّسوا فيما بعد المذاهب الفقهيّة فحسب(1); بل كان يحضرها الفلاسفة وطلاّب الفلسفة من الأنحاء القصيّة ، وكان الإمام «الحسن البصري» مؤسس المدرسة الفلسفيّة في مدينة البصرة ، وواصل بن عطاء مؤسّس مذهب المعتزلة من تلاميذه ، الذين نهلوا من معين علمه الفيّاض وقد عرف واصل والإمام العلوي بدعوتهما إلى حرية إرادة الانسان . . .(2) .
وأمّا حِكَمه وقصار كلمه ، فلاحظ تحف العقول ، وأمّا رسائله فكثيرة منها رسالته إلى النجاشي والي الأهواز ، ومنها : رسالته في شرائع الدين نقلها الصدوق في الخصال ، ومنها : ما أملاه في التوحيد للمفضّل بن عمر ، إلى غير ذلك من الرسائل التي رسمها بخطّه.(3)

1 . كأبي حنيفة ومالك .
2 . مختصر تاريخ العرب : 193 ، تعريب : عفيف البعلبكي.
3 . ولقد جمع أسماء هذه الرسائل السيّد الأمين في «أعيان الشيعة: 1 / 668».

صفحه 112

نتف من أقواله

ونقتطف من وصاياه وكلماته الغزيرة وصية واحدة وهي وصيته لسفيان الثوري :
«الوقوف عند كلّ شبهة خير من الاقتحام في الهلكة ، وترك حديث لم تُرْوَه(1) ، أفضل من روايتك حديثاً لم تحصِه» .
«إنّ على كلّ حقّ حقيقة ، وعلى كلّ صواب نوراً ، فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالفه فدعوه».(2)

من أقوال العلماء المحدِّثين فيه(عليه السلام)

ونختم هذا البحث بما قاله أبو زهرة في هذا المجال :
إنّ للإمام الصادق فضل السبق ، وله على الأكابر فضل خاصّ ، فقد كان أبو حنيفة يروي عنه ، ويراه أعلم الناس باختلاف الناس ، وأوسع الفقهاء إحاطة ، وكان الإمام مالك يختلف إليه دارساً راوياً ، وكان له فضل الأُستاذية على أبي حنيفة، فحسبه ذلك فضلا .
وهو فوق هذا حفيد عليّ زين العابدين الذي كان سيّد أهل المدينة في عصره فضلا وشرفاً وديناً وعلماً ، وقد تتلمذ له ابن شهاب الزهري ، وكثير من التابعين ، وهو ابن محمّد الباقر الذي بقر العلم ووصل إلى لبابه ، فهو ممّن جعل الله له الشرف الذاتي والشرف

1 . أي لم تروه عن طريق صحيح ، والفعل مبني للمجهول .
2 . تاريخ اليعقوبي: 3 / 115 .

صفحه 113
الإضافي بكريم النسب ، والقرابة الهاشمية ، والعترة المحمّديّة.(1)
وكتب الأُستاذ أسد حيدر وقال :
كان يؤمّ مدرسته طلاب العلم ورواة الحديث من الأقطار النائية ، لرفع الرقابة وعدم الحذر فأرسلت الكوفة ، والبصرة ، وواسط ، والحجاز إلى جعفر بن محمد أفلاذ أكبادها ، ومن كلّ قبيلة من بني أسدّ ، ومخارق ، وطي ، وسليم ، وغطفان ، وغفار ، والأزد ، وخزاعة ، وخثعم ، ومخزوم ، وبني ضبة ، ومن قريش ، ولا سيّما بني الحارث بن عبد المطلب ، وبني الحسن بن الحسن بن عليّ(2) .

وفاته

ولمّا توفّي الإمام شيّعه عامّة الناس في المدينة ، وحُمِل إلى البقيع ، ودفن في جوار أبيه وجدّه(عليهما السلام) ، وقد أنشد فيه أبو هريرة العجلي قوله :
أقول وقد راحوا به يحملونه *** على كاهل من حامليه وعاتقِ
أتدرون ماذا تحملون إلى الثرى *** ثبيراً ثوى من رأس علياء شاهقِ

1 . الإمام الصادق لمحمد أبو زهرة: 30 .
2 . الإمام الصادق لأسد حيدر: 1 / 38 نقلا عن كتاب جعفر بن محمد ، لسيد الأهل .

صفحه 114
غداة حثا ، الحاثون فوق ضريحه *** تراباً وأولى كان فوق المفارقِ
فسلام الله عليه يوم ولد ويوم مات ويوم يبعث حيّاً .
أبو الحسن موسى بن جعفر الكاظم(عليه السلام)   

صفحه 115
 
الإمام السابع :

أبو الحسن موسى بن جعفر الكاظم(عليه السلام)

ولادته(عليه السلام)

ولد بالأبواء بين مكة والمدينة يوم الأحد في 7 صفر سنة 128هـ .

إمامته(عليه السلام)

كان(عليه السلام) نموذج عصره ، وفريد دهره ، جليل القدر ، عظيم المنزلة ، مهيب الطلعة ، كثير التعبّد ، يطوي ليله قائماً ونهاره صائماً ، عظيم الحلم ، شديد التجاوز ، حتّى سمّي لذلك كاظماً ، لاقى من المحن ما تنهدّ لهولها الجبال فلم تحرّك منه طرفاً ، بل كان(عليه السلام) صابراً محتسباً كحال آبائه وأجداده(عليهم السلام) .
يُعرَف بأسماء عديدة منها : العبد الصالح ، والكاظم ، والصابر ، والأمين .
قال ابن الصباغ : روى عبد الأعلى عن الفيض بن المختار قال : قلت لأبي عبدالله جعفر الصادق(عليه السلام) : خذ بيدي من النار ، من لنا

صفحه 116
بعدك؟ فدخل موسى الكاظم وهو يومئذ غلام ، فقال (أي الصادق(عليه السلام)) : «هذا صاحبكم فتمسّك به»(1) .
قال الشيخ المفيد : هو الإمام بعد أبيه ، والمقدّم على جميع بنيه; لاجتماع خصال الفضل فيه ، وورود صحيح النصوص وجليّ الأقوال عليه من أبيه بأنّه وليّ عهده والإمام القائم من بعده(2) .
وقد تولّى منصب الإمامة بعد أبيه الصادق(عليه السلام) في وقت شهدت فيه الدولة العبّاسية استقرار أركانها وثبات بنيانها ، فتنكّرت للشعار الذي كانت تنادي به من الدعوة لآل محمد ـ عليه و عليهم السلام ـ فالتفتت إلى الوارث الشرعي لشجرة النبوّة مشهرة سيف العداء له ولشيعته تلافياً من تعاظم نفوذه أن يؤتي على أركان دولتهم وينقضها ، فشهد الإمام الكاظم(عليه السلام) طيلة سنيّ حياته صنوف التضييق والمزاحمة ، إلاّ أنّ ذلك لم يمنعه(عليه السلام) من أن يؤدّي رسالته في حماية الدين وقيادة الأُمّة ، فعرفه المسلمون آية من آيات العلم والشجاعة ، ومعيناً لا ينضب من الحلم والكرم والسخاء ، ونموذجاً عظيماً لا يدانى في التعبّد والزهد والخوف من الله تعالى .

1 . الفصول المهمّة : 231 .
2 . لاحظ للوقوف على تلك النصوص: الكافي: 1 / 307 ـ 311 ، إثبات الهداة: 3 / 156 ـ 170، وقد نقل في الأخير 60 نصّاً على إمامته .

صفحه 117

جوانب من سيرته العطرة(عليه السلام)

أفرد الباحثون والمحقّقون مصنّفات كثيرة في سيرة هذا الإمام العظيم ، كفتنا عن التعرّض لها هنا في هذه العجالة ، إلاّ أنّنا سنحاول في هذه الصفحات التعرّض لجوانب مختارة من تلك السيرة العطرة :
1 ـ روى الخطيب في تاريخ بغداد بسنده قال : حجّ هارون الرشيد فأتى قبر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) زائراً ، وحوله قريش ومعه موسى بن جعفر ، فلمّا انتهى إلى القبر قال : السلام عليك يا رسول الله يا بن عمّي ـ افتخاراً على من حوله ـ فدنا موسى بن جعفر فقال : «السلام عليك يا أبة» فتغيّـر وجه الرشيد وقال : هذا الفخر يا أبا الحسن حقّاً!.(1)
2 ـ ذكر الزمخشري في ربيع الأبرار : أنّ هارون كان يقول لموسى بن جعفر : يا أبا الحسن خذ فدكاً(2) حتّى أردّها عليك ،

1 . وفيات الأعيان: 5 / 309 .
2 . قرية بالحجاز بينها وبين المدينة يومان وقيل ثلاثة ، أفاءها الله تعالى على رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم)صلحاً سنة سبع من الهجرة ، وأعطاها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)إلى ابنته فاطمة الزهراء سيّدة نساء العالمين(عليها السلام) ، وكانت ملكاً لها في حياته تستفيد من خيراتها ، إلاّ أنّ أبا بكر حرمها منها ، فاغتاظت منه الزهراء وحاججته في ذلك الأمر لكنّه أبى ، وبقيت فدك هكذا حتى ردّها الخليفة الأُموي عمر بن عبد العزيز إلى أبناء فاطمة(عليها السلام) ثمّ نزعها منهم يزيد بن عبد الملك ، فلم تزل في أيدي الأُمويين حتى ولي العباسيون فدفعها أبو العباس السفاح إلى الحسن بن الحسن ابن عليّ بن أبي طالب ، ثمّ أخذها المنصور ، ثمّ أعادها ولده المهدي ، ثمّ أخذها موسى الهادي ، إلى أن ولي المأمون فأعادها إليهم .

صفحه 118
فيأبى ، حتى ألحّ عليه فقال : «لا آخذها إلاّ بحدودها» قال : وما حدودها؟ قال : «يا أمير المؤمنين إن حددتها لم تردّها» ، قال : بحقّ جدّك إلاّ فعلت ، قال : «أمّا الحدّ الأوّل فعدن» فتغيّـر وجه الرشيد وقال : هيـه ، قـال : «والحدّ الثاني سمرقند» فأربد وجهه ، قال : «والحدّ الثالث إفريقية» فاسودّ وجهه وقال : هيه ، قال : «والرابع سيف البحر ممّا يلي الخزر وإرمينية» ، قال الرشيد : فلم يبق لنا شيء ، فتحوّل في مجلسي ، قال موسى(عليه السلام) : «قد أعلمتك أنّي إن حددتها لم تردّها» .
فعند ذلك عزم على قتله(1) .
3 ـ كان يصلّي نوافل الليل ويصلها بصلاة الصبح ثمّ يعقّب حتّى تطلع الشمس ويخرّ لله ساجداً ، فلا يرفع رأسه من الدعاء والتحميد حتّى يقرب زوال الشمس .
كان يدعو كثيراً فيقول : «اللّهمّ إنّي أسألك الراحة عند الموت ، والعفو عند الحساب» ، ويكرّر ذلك .
وكان من دعائه(عليه السلام) : «عظم الذنب من عبدك ، فليحسن العفو من عندك» .

1 . ربيع الأبرار: 1 / 315 .

صفحه 119
وكان يبكي من خشية الله حتّى تخضل لحيته بالدموع .
وكان أوصل الناس لأهله ورحمه .
وكان يتفقّد فقراء المدينة في الليل ، فيحمل إليهم الزنبيل فيه العين والورق والأدقة والتمور ، فيوصل إليهم ذلك ولا يعلمون من أيّة جهة هو.(1)
4 ـ جاء في «تحف العقول» للحسن بن عليّ بن شعبة : قال أبو حنيفة : حججت في أيام أبي عبد الله الصادق(عليه السلام) فلمّـا أتيت المدينة دخلت داره فجلست في الدهليز أنتظر إذنه ، إذ خرج صبيّ فقلت : يا غلام أين يضع الغريب الغائط من بلدكم؟ قال : «على رسلك» ، ثمّ جلس مستنداً إلى الحائط ، ثمّ قال : «توقّ شطوط الأنهار ، ومساقط الثمار ، وأفنية المساجد ، وقارعة الطريق ، وتوار خلف جدار ، وشل ثوبك ، ولا تستقبل القبلة ولا تستدبرها ، وضع حيث شئت» فأعجبني ما سمعت من الصبيّ فقلت له : ما اسمك؟ فقال : «أنا موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب» فقلت له : يا غلام ممّن المعصية؟ فقال : «إنّ السيّئات لا تخلو من إحدى ثلاث : إمّا أن تكون من الله وليست من العبد; فلا ينبغي للربّ أن يعذّب العبد على ما لا يرتكب ، وإمّا أن تكون منه ومن العبد ـ وليست كذلك ـ فلا ينبغي للشريك القويّ أن يظلم

1 . الإرشاد للمفيد : 296 .

صفحه 120
الشريك الضعيف ، وإمّا أن تكون من العبد ـ وهي منه ـ فإن عفا فكرمه وجوده ، وإن عاقب فبذنب العبد وجريرته» .
قال أبو حنيفة : فانصرفت ولم ألق أبا عبد الله واستغنيت بما سمعت .
وروى ابن شهر آشوب في المناقب نحوه إلاّ أنّه قال : «يتوارى خلف الجدار ويتوقّى أعين الجار» ، وقال : فلمّـا سمعت هذا القول منه نبل في عيني ، وعظم في قلبي . وقال في آخر الحديث : فقلت : (ذرّية بعضها من بعض)(1) .(2)
5 ـ روى أبو الفرج الأصفهاني : حدّثنا يحيى بن الحسن قال : كان موسى بن جعفر إذا بلغه عن الرجل ما يكره بعث إليه بصرّة دنانير . وكانت صراره ما بين الثلاثمائة وإلى المائتين دينار ، فكانت صرار موسى مثلا .
وقال : إنّ رجلا من آل عمر بن الخطّاب كان يشتم عليّ بن أبي طالب إذا رأى موسى بن جعفر ، ويؤذيه إذا لقيه ، فقال له بعض مواليه وشيعته : دعنا نقتله ، فقال : «لا» ثمّ مضى راكباً حتّى قصده في مزرعة له فتواطأها بحماره ، فصاح : لا تدس زرعنا .
فلم يصغ إليه وأقبل حتّى نزل عنده ، فجلس معه وجعل

1 . آل عمران : 34 .
2 . تحف العقول: 303 ; المناقب لابن شهر آشوب: 4 / 314 .

صفحه 121
يضاحكه ، وقال له : «كم غرمت على زرعك هذا»؟ قال : مائة درهم . قال : «كم ترجو أن تربح»؟ قال : لا أدري . قال : «إنّما سألتك كم ترجو» . قال : مائة أُخرى . قال : فأخرج ثلاثمائة دينار فوهبه له ، فقام فقبّل رأسه ، فلمّـا دخل المسجد بعد ذلك وثب العمري فسلّم عليه وجعل يقول : (اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ).(1)
وكان بعد ذلك كلّما دخل موسى خرج وسلّم عليه ويقوم له ، فقال موسى لجلسائه الذين طلبوا قتله : «أيّما كان خيراً ما أردتم أو ما أردت»(2) .
6 ـ حكي أنّ الرشيد سأله يوماً : كيف قلتم : نحن ذرّية رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وأنتم بنو عليّ ، وإنّما ينسب الرجل إلى جدّه لأبيه دون جدّه لأُمّه؟ فقال الكاظم(عليه السلام) : «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (بِسم الله الرَّحمن الرَّحيم وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ . . .) وليس لعيسى أب إنّما أُلحق بذريّة الأنبياء من قبل أُمّه ، وكذلك أُلحقنا بذريّة النبيّ من قبل أُمّنا فاطمة الزهراء ، وزيادة أُخرى يا أميرالمؤمنين : قال الله عزّ وجلّ :(فَمَنْ حاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعدِ ما جاءَك مِنَ العِلْمِ فَقُلْ تَعالَوا نَدْعُ أبناءَنا وأبناءَكُمْ ونِساءَنا ونِساءَكُمْ

1 . الأنعام: 124 .
2 . مقاتل الطالبيين : 499 ـ 500 ; تاريخ بغداد: 28 .

صفحه 122
وأنْفُسنَا وأنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ . . .) ولم يدع(صلى الله عليه وآله وسلم) عند مباهلة النصارى غير عليّ وفاطمة والحسن والحسين وهما الأبناء»(1) .
7 ـ أمّا علمه والحديث عنه فقد روى عنه العلماء في فنون العلم ما ملأ الكتب ، وكان يعرف بين الرواة بالعالم . وقد روى الناس عنه فأكثروا ، وكان أفقه أهل زمانه وأحفظهم لكتاب الله.(2)

وفاته :

وقد اتفقت كلمة المؤرّخين على أنّ هارون الرشيد قام باعتقال الإمام الكاظم(عليه السلام) وإيداعه السجن لسنين طويلة مع تأكيده على سجّانيه بالتشديد والتضييق عليه .
قال ابن كثير : فلمّا طال سجن الإمام الكاظم(عليه السلام) كتب إلى الرشيد : «أمّا بعد يا أمير المؤمنين إنّه لم ينقض عنّي يوم من البلاء إلاّ انقضى عنك يوم من الرخاء ، حتى يفضي بنا ذلك إلى يوم يخسر فيه المبطلون»(3) .
ولم يزل ذلك الأمر بالإمام (عليه السلام) ، يُنقل من سجن إلى سجن حتى انتهى به الأمر إلى سجن السندي بن شاهك(4) ، وكان فاجراً

1 . الفصول المهمّة : 238 ، والآيتان من سورتي الأنعام: 84 ، وآل عمران: 61 .
2 . الإرشاد للمفيد : 298 ، ولاحظ جوانب من حكمه ووصاياه في الكافي: 1 / 13 ـ 20 ; تحف العقول : 283 .
3 . البداية والنهاية: 10 / 183 .
4 . قال أبو الفرج الاصفهاني في مقاتل الطالبيين : 502 : لمّا اعتقل الرشيد   2
الإمام الكاظم(عليه السلام)أمر بإرساله إلى البصرة ليسجن عند عيسى بن جعفر المنصور ، وكان على البصرة حينئذ ، فحبس عنده سنة ، ثمّ كتب إلى الرشيد : أن خذه منّي وسلّمه إلى من شئت ، وإلاّ خلّيت سبيله ، فقد اجتهدت أن آخذ عليه حجّة فما أقدر على ذلك ، حتّى أنّي لأتسمّع عليه إذا دعا لعلّه يدعو عليَّ أو عليك ، فما أسمعه يدعو إلاّ لنفسه ، يسأل الله الرحمة والمغفرة .
      فوجّه الرشيد من تسلّمه ، وحبسه عند الفضل بن الربيع في بغداد ، فبقي عنده مدة طويلة ، ثمّ كتب إليه ليسلّمه إلى الفضل بن يحيى ، فتسلّمه منه ، وطلب منه أن يعمد إلى قتل الإمام كما طلب من عيسى بن جعفر فلم يفعل ، بل عمد إلى إكرام الإمام(عليه السلام) والاحتفاء به ، ولما بلغ الرشيد ذلك أمر به أن يجلد مائة سوط ، ثمّ أخذ الإمام منه وسلّمه إلى السندي بن شاهك لعنه الله ، وكانت نهاية حياة الإمام الطاهرة على يده الفاجرة .

صفحه 123
فاسقاً ، لا يتورّع عن أي شيء تملّقاً ومداهنة للسلطان ، فغالى في سجن الإمام(عليه السلام) وزاد في تقييده حتّى جاء أمر الرشيد بدسّ السمّ للكاظم(عليه السلام) ، فأسرع السندي إلى إنفاذ هذا الأمر العظيم ، واستشهد الإمام(عليه السلام) بعد طول سجن ومعاناة في عام 183هـ .
ولمّا كان الرشيد يخشى ردّة فعل المسلمين عند انتشار خبر استشهاد الإمام(عليه السلام) ، لذا عمد إلى حيلة ماكرة للتنصّل من تبعة هذا الأمر الجلل ، فقد ذكر أبوالفرج الاصفهاني وغيره(1) : أنّ الإمام الكاظم لما توفّي مسموماً أدخل عليه الفقهاء ووجوه أهل بغداد ، وفيهم الهيثم بن عديّ وغيره ليشهدوا على أنّه مات حتف أنفه دون فعل من الرشيد وجلاوزته ، ولما شهدوا على ذلك أُخرج بجثمانه

1 . مقاتل الطالبيين : 504 .

صفحه 124
الطاهر ووضع على الجسر ببغداد ونودي بوفاته . ودفن في بغداد في الجانب الغربي في المقبرة المعروفة بمقابر قريش المشهورة في أيامنا هذه بالكاظمية .
فالسلام عليه يوم ولد ويوم استشهد سجيناً مظلوماً مسموماً ، ويوم يبعث حيّاً .
أبوالحسن عليّ بن موسى الرضا(عليه السلام)   

صفحه 125

 

الإمام الثامن :

أبوالحسن عليّ بن موسى الرضا(عليه السلام)

ولادته(عليه السلام)

ولد في المدينة سنة 148هـ .

إمامته(عليه السلام)

هو الإمام الثامن من أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، القائم بالإمامة بعد أبيه موسى بن جعفر(عليهما السلام) لفضله على جماعة أهل بيته وبنيه وإخوته في عصره ، ولعلمه وورعه وكفاءته لمنصب الإمامة ، مضافاً إلى النصوص الواردة في حقّه من أبيه على إمامته(1) . وكانت مدة إمامته بعد أبيه 20 سنة(2) .

1 . لاحظ للوقوف على النصوص: الكافي: 1 / 311 ـ 319 ; الإرشاد : 304 ـ 305 ; إثبات الهداة: 3 / 228 فقد ذكر فيه 68 نصاً على إمامته .
2 . الإرشاد : 304 .

صفحه 126

أقوال العلماء فيه(عليه السلام)

قال الواقدي : عليّ بن موسى ، سمع الحديث من أبيه وعمومته وغيرهم ، وكان ثقة يفتي بمسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وهو ابن نيف وعشرين سنة ، وهو من الطبقة الثامنة من التابعين من أهل المدينة(1) .
قال الشيخ كمال الدين بن طلحة : ومن أمعن نظره وفكره ، وجده في الحقيقة وارثهما (المراد عليّ بن أبي طالب وعليّ بن الحسين(عليهما السلام)) نما إيمانه ، وعلا شأنه ، وارتفعت مكانته ، وكثر أعوانه ، وظهر برهانه ، حتّى أدخله الخليفة المأمون محلّ مهجته ، وأشركه في مملكته ، وفوّض إليه أمر خلافته ، وعقد له على رؤوس الأشهاد عقد نكاح ابنته ، وكانت مناقبه عليّة ، وصفاته ثنيّة ، ونفسه الشريفة زكيّة هاشميّة ، وأرومته النبوية كريمة(2) .
وقد عاش الإمام الرضا(عليه السلام) في عصر ازدهرت فيه الحضارة الإسلامية ، وكثرت الترجمة لكتب اليونانيين والرومانيين وغيرهم ، وازداد التشكيك في الأُصول والعقائد من قبل الملاحدة وأحبار اليهود ، وبطارقة النصارى ، ومجسّمة أهل الحديث .
وفي تلك الأزمنة أُتيحت له(عليه السلام) فرصة المناظرة مع المخالفين

1 . تذكرة الخواص  لابن الجوزي: 315 .
2 . الفصول المهمّة : 243 نقلا عن مطالب السؤول .

صفحه 127
على اختلاف مذاهبهم ، فظهر برهانه وعلا شأنه . يقف على ذلك من اطّلع على مناظراته واحتجاجاته مع هؤلاء(1) .
ولأجل إيقاف القارئ على نماذج من احتجاجاته نذكر ما يلي :
دخل أبو قرّة المحدّث على أبي الحسن الرضا(عليه السلام) فقال : روينا أنّ الله قسَّم الرؤية والكلام بين نبيَّين ، فقسم لموسى(عليه السلام) الكلام ولمحمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) الرؤية .
فقال أبو الحسن(عليه السلام) : «فمن المبلّغ عن الله إلى الثقلين الجنّ والإنس : أنّه (لا تدركه الأبصار)(2) ، و(لا يحيطون به علماً)(3) ، و (ليس كمثله شيء)(4) ، أليس محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)»؟ قال : بلى .
قال : «فكيف يجيء رجل إلى الخلق جميعاً فيخبرهم أنّه جاء من عند الله ، وأنّه يدعوهم إلى الله بأمر الله ، فيقول : (لا تدركه الأبصار) ، و(لا يحيطون به علماً) ، و(ليس كمثله شيء) ، ثمّ يقول : أنا رأيته بعيني وأحطت به علماً ، وهو على صورة البشر . أما تستحيون؟! ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا : أن يأتي من عند الله

1 . لقد جمع الشيخ الطبرسي قسماً من هذه الاحتجاجات في كتابه الاحتجاج: 2 / 170 ـ 237 .
2 . الأنعام  : 103 .
3 . طه : 110 .
4 . الشورى : 11 .

صفحه 128
بشيء ثمّ يأتي بخلافه من وجه آخر» .
قال أبو قرّة : فإنّه يقول : (ولَقَدْ رَآهُ نزلةً أُخرى)(1) .
قال أبو الحسن(عليه السلام) : «إنّ بعد هذه الآية ما يدلّ على ما رأى حيث قال : (ما كذب الفؤادُ ما رأى)(2) يقول : ما كذب فؤاد محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) ما رأت عيناه ثمّ أخبر بما رأى فقال : (لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى)(3) فآيات الله غير الله ، وقال : «لا يُحيطون بِهِ عِلْماً» فإذا رأته الأبصار فقد أحاط به العلم ووقعت المعرفة» .
فقال أبو قرة : فتكذّب بالرواية؟
فقال أبو الحسن : «إذا كانت الرواية مخالفة للقرآن كذّبتها ، وما أجمع  المسلمون عليه : أنّه لا يحاط به علماً ، ولا تدركه الأبصار ، وليس كمثله  شيء»(4) .
ولما انتشر علم الإمام وفضله ، أخذت الأفئدة والقلوب تشدّ إليه ، وفي الأُمّة الإسلامية رجال واعون يميّزون الحقّ من الباطل ، فكثر التفاف المسلمين حول الإمام الرضا(عليه السلام) وازدادت أعدادهم ، ممّا دفع بالخلافة العباسية إلى محاولة سحب البساط من تحت رجلي الإمام(عليه السلام) وأعوانه قبل أن تستفحل الأُمور ويصعب السيطرة

1 . النجم : 13 .
2 . النجم : 11 .
3 . النجم : 18 .
4 . الاحتجاج للطبرسي: 2 / 184 .

صفحه 129
على الموقف بعدها ، فلجأ المأمون إلى مناورة ذكيّة ماكرة استطاع من خلالها قلب تيار الأحداث لصالحه ، حيث استقدم الإمام الرضا(عليه السلام) وجملة من وجوه الطالبيين إلى مقر الحكومة آنذاك في مرو من مدينة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ، معزّزين مكرّمين حتّى أنزلوهم إلى جوار مقر الخلافة ريثما يلتقي المأمون بالإمام عليّ بن موسى(عليهما السلام) .

الإمام الرضا(عليه السلام) وولاية العهد

وما كان من المأمون إلاّ أن بعث إلى الإمام الرضا(عليه السلام) قبل اجتماعه به : إنّي أُريد أن أخلع نفسي من الخلافة وأُقلّدك إيّاها فما رأيك؟ فأنكر الرضا(عليه السلام) هذا الأمر وقال له : «أُعيذك بالله يا أمير المؤمنين من هذا الكلام وأن يسمع به أحد» فردّ عليه الرسالة : فإذا أبيت ما عرضت عليك فلابد من ولاية العهد بعدي ، فأبى عليه الرضا إباءً شديداً .
فاستدعاه وخلا به ومعه الفضل بن سهل ذو الرياستين ـ ليس في المجلس غيرهم ـ وقال له : إنّي قد رأيت أن أُقلّدك أمر المسلمين وأفسخ ما في رقبتي وأضعه في رقبتك .
فقال له الرضا(عليه السلام) : «الله الله يا أمير المؤمنين إنّه لا طاقة لي بذلك ولا قوّة لي عليه» .
قال له : فإنّي موليك العهد من بعدي .
فقال له : «أعفني من ذلك يا أمير المؤمنين» .

صفحه 130
فقال له المأمون ـ كلاماً فيه التهديد له على الامتناع عليه وقال في كلامه ـ : إنّ عمر بن الخطّاب جعل الشورى في ستة أحدهم جدّك أمير المؤمنين(عليه السلام) وشرط فيمن خالف منهم أن يضرب عنقه ، ولابد من قبولك ما أُريد منك فإنّي لا أجد محيصاً عنه .
فقال له الرضا(عليه السلام) : «فإنّي أُجيبك إلى ما تريد من ولاية العهد على أنّني لا آمر ، ولا أنهى ، ولا أفتي ، ولا أقضي ، ولا أُولّي ، ولا أعزل ، ولا أُغير شيئاً ممّا هو قائم» فأجابه المأمون إلى ذلك كلّه(1) .
أقول : ليس بخاف على ذي لبّ مغزى إصرار المأمون على تولية الإمام الرضا(عليه السلام) لمنصب ولاية العهد ، وتبدو هذه الصورة واضحة عند استقراء الأحداث التي سبقت أو رافقت هذه المؤامرة المحكمة .
فعندما قدّم هارون الرشيد ولده الأمين رغم إقراره ومعرفته بقوّة شخصيّة المأمون وذكائه قياساً بأخيه المدلّل الذي لا يشفع له إلاّ مكانة أُمّه زبيدة الحاكمة في قصر الرشيد ، كان يعني ذلك إيذاناً بقيام الفتنة التي حصلت من بعد وراح ضحيتها عشرات الأُلوف وعلى رأسهم الأمين الذي وقف العباسيون إلى صفّه وقاتلوا معه ، ولمّا انتقلت السلطة بأكملها إلى المأمون المستقرّ في خراسان والمدعوم بأهلها آنذاك ، فقد واجه خطر نقمة أكثر العباسيين

1 . الإرشاد : 310 .

صفحه 131
وعدائهم له وتحيّنهم الفرص السانحة للانقضاض عليه وعلى حكمه .
وفي الجانب الآخر كان الشيعة في كلّ مكان يرفضون ويناصبون الخلافة العباسية العداء نتيجة سوء صنيعهم وظلمهم للعلويين ولآل البيت خاصة ، والذين يؤلف شيعة خراسان جانباً مهماً منهم .
وكان في أوّل سنة لخلافة المأمون أن خرج السري بن منصور الشيباني المعروف بأبي السرايا في الكوفة منادياً بالدعوة لمحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن الحسن بن الحسن بن علي(عليه السلام) حيث بايعه عامّة الناس على ذلك .
وفي المدينة خرج محمد بن سليمان بن داود بن الحسن ، وفي البصرة عليّ بن محمد بن جعفر بن عليّ بن الحسين وزيد بن موسى بن جعفر الملقّب بزيد النار ، وفي اليمن إبراهيم بن موسى ، ومن ثمّ فقد ظهر في المدينة أيضاً الحسن بن الحسين بن علي بن الحسين المعروف بالأفطس .
وهكذا فقد اندلعت في أنحاء الدولة الكثير من الثورات تناصرها الآلاف من الناس الذين ذاقوا الأمرّين من حكم الطواغيت والظلمة .
وهكذا فقد أدرك المأمون مدى تأزّم الموقف ، وتخلخل

صفحه 132
وضع الحكومة آنذاك ، فلم يجد بداً من تظاهره أمام الرأي العام الشيعي ـ الذي كان من أقوى التيّارات المؤهلة للإطاحة بالخلافة العباسية دون أيّ شكّ ـ بتنازله عن الخلافة ـ التي قتل أخاه من أجلها ـ إلى الإمام الرضا(عليه السلام) إمام الشيعة وقائدهم .
وهكذا فبعد قبول علي بن موسى الرضا(عليهما السلام) ولاية العهد قام بين يديه الخطباء والشعراء ، فخفقت الألوية على رأسه ، وكان فيمن ورد عليه من الشعراء دعبل بن عليّ الخزاعيّ ، فلمّـا دخل عليه قال : قلت قصيدة وجعلت على نفسي أن لاأنشدها أحداً قبلك ، فأمره بالجلوس حتى خفّ مجلسه، ثمّ قال له : «هاتها»، فأنشد قصيدته المعروفة :
مدارس آيات خلت من تلاوة *** ومنزل وحي مقفر العرصاتِ
لآل رسول الله بالخيف من منى *** وبالركن والتعريف والجمراتِ
ديار علي والحسين وجعفر *** وحمزة والسجاد ذي الثفناتِ
ديار عفاها كلّ جون مبادر *** ولم تعف للأيّام والسنواتِ
إلى أن قال :
قبور بكوفان وأُخرى بطيبة *** وأُخرى بفخ نالها صلواتي
وقبر ببغداد لنفس زكيّة *** تضمّنها الرحمن بالغرفاتِ

صفحه 133
فأمّا المصمّات التي لست بالغاً *** مبالغها منّي بكنه صفاتِ
إلى الحشر حتّى يبعث الله قائماً *** يفرّج منها الهمّ والكربات
إلى أن قال :
ألم تر أنّي مذ ثلاثين حجّة *** أروح وأغدو دائم الحسرات؟
أرى فيئهم في غيرهم متقسماً *** وأيديهم من فيئهم صفرات
إذا وتروا مدّوا إلى أهل وترهم *** أكفّاً من الأوتار منقبضات
حتّى أتى على آخرها ، فلمّـا فرغ من إنشادها قام الرضا(عليه السلام)فدخل إلى حجرته وأنفذ إليه صُـرّة فيها مائة دينار واعتذر إليه ، فردّها دعبل وقال : والله ما لهذا جئت ، وإنّما جئت للسلام عليك والتبرّك بالنظر إلى وجهك الميمون ، وإنّي لفي غنى ، فإن رأيت أن تعطيَني شيئاً من ثيابك للتبرّك فهو أحب إليَّ . فأعطاه الرضا جبّة خز وردّ عليه الصرّة(1) .

1 . الفصول المهمّة : 246 ; الإرشاد للمفيد: 316 ; الأغاني: 18 / 58 ; زهر الآداب: 1 / 86 ; معاهد التنصيص: 1 / 205 ; الاتحاف : 165 ; تاريخ دمشق: 5 / 234، وللقصّة صلة ومن أراد فليرجع إلى المصادر المذكورة .

صفحه 134

الإمام الرضا(عليه السلام) وصلاة العيد 

كان الإمام في مرو يقصده البعيد والقريب من مختلف الطبقات وقد انتشر صيته في بقاع الأرض ، وعظم تعلّق المسلمين به ، ممّا أثار مخاوف المأمون وتوجّسه من أن ينفلت زمام الأمر من يديه على عكس ما كان يتمنّاه ، وما كان يبتغيه من ولاية العهد هذه ، وقوي ذلك الظن أنّ المأمون بعث إليه يوم العيد في أن يصلّـي بالناس ويخطب فيهم فأجابه الرضا(عليه السلام) : «إنّك قد علمت ما كان بيني وبينك من الشروط في دخول الأمر ، فاعفني من الصلاة بالناس» . فقال له المأمون : إنّما أُريد بذلك أن تطمئن قلوب الناس ، ويعرفوا فضلك .
ولم تزل الرسل تتردّد بينهما في ذلك ، فلمّـا ألحّ عليه المأمون ، أرسل إليه الرضا : «إن أعفيتني فهو أحبّ إليّ وإن لم تعفني خرجت كما خرج رسول الله وأمير المؤمنين(عليه السلام)» فقال له المأمون : اخرج كيف شئت . وأمر القوّاد والحجاب والناس أن يبكروا إلى باب الرضا(عليه السلام) .
قال : فقعد الناس لأبي الحسن(عليه السلام) في الطرقات والسطوح ، واجتمع النساء والصبيان ينتظرون خروجه ، فاغتسل أبو الحسن

صفحه 135
ولبس ثيابه وتعمّم بعمامة بيضاء من قطن ، ألقى طرفاً منها على صدره وطرفاً بين كتفيه ، ومسّ شيئاً من الطيب ، وأخذ بيده عكازة وقال لمواليه : «افعلوا مثل ما فعلت» فخرجوا بين يديه وهو حاف قد شمّر سراويله إلى نصف الساق وعليه ثياب مشمّرة ، فمشى قليلا ورفع رأسه إلى السماء وكبّـر وكبّـر مواليه معه ، فلمّـا رآه الجند والقوّاد سقطوا كلّهم عن الدوابّ إلى الأرض ، ثمّ كبّر وكبّر الناس ، فخيّل إلى الناس أنّ السماء والحيطان تجاوبه ، وتزعزعت مرو بالبكاء والضجيج لمّا رأوا الإمام الرضا(عليه السلام) وسمعوا تكبيره ، فبلغ المأمون ذلك فقال له الفضل بن سهل : إن بلغ الرضا المصلّى على هذا السبيل فتن به الناس ، وخفنا كلّنا على دمائنا ، فأنفذ إليه أن يرجع . فأرسل إليه من يطلب منه العودة ، فرجع الرضا(عليه السلام) واختلف أمر الناس في ذلك اليوم(1) .
وقد أشار الشاعر البحتري إلى تلك القصّة بأبيات منها :
ذكروا بطلعتك النبيّ فهلّلوا *** لما طلعت من الصفوف وكبّروا
حتّى انتهيت إلى المصلّى لابساً *** نور الهدى يبدو عليك فيظهر
ومشيت مشية خاشع متواضع *** لله لا يزهى ولا يتكبّر(2)

1 . الارشاد : 312 .
2 . أعيان الشيعة: 2 / 21 ـ 22 .

صفحه 136
إنّ هذا وأمثاله ، وبالأخصّ خروج بعض العباسيّين بالبصرة على المأمون; لتفويضه ولاية العهد لعليّ بن موسى الرضا الذي كان في تصوّره سيؤدي إلى خروج الأمر من بيت العباسيين ، كلّ ذلك وغيره دفع المأمون إلى أن يريح نفسه وقومه من هذا الخطر فدسّ إليه السم على النحو المذكور في كتب التاريخ .

من شعر أبي نؤاس فيه(عليه السلام)

ومن لطيف ما نقل عن أبي نؤاس أنّه كان ينشد الشعر في كلّ جليل وطفيف ولم يمدح الإمام ، ولمّا عوتب على ذلك من قبل بعض أصحابه حيث قال له : ما رأيت أوقح منك ، ما تركت خمراً ولا طرداً ولا معنى إلاّ قلت فيه شيئاً ، وهذا عليّ بن موسى الرضا في عصرك لم تقل فيه شيئاً! فقال أبو نواس : والله ما تركت ذلك إلاّ إعظاماً له ، وليس قدر مثلي أن يقول في مثله ، ثمّ أنشد بعد ساعة هذه الأبيات :
قيل لي أنت أحسن الناس طراً *** في فنون من الكلام النبيه
لك من جيّد القريض مديحٌ *** يثمر الدر في يديّ مجتنيه
فعلامَ تركت مدح ابن موسى *** والخصال التي تجمّعن فيه
قلـت لا أستطيــع مــدح إمــام *** كان جبريلُ خادماً لأبيه
وقال فيه(عليه السلام) أيضاً :

صفحه 137
مطهّرون نقيّات جيوبهم *** تجري الصلاة عليهم أينما ذكروا
من لم يكن علوياً حين تنسبه *** فما له في قديم الدهر مفتخر
الله لمّا برا خلقاً فأتقنه *** صفّاكُمُ واصطفاكم أيّها البشر
فأنتم الملأ الأعلى وعندكم *** علم الكتاب وما جاءت به السور(1)

شهادته(عليه السلام)

واستشهد في طوس من أرض خراسان في صفر 203هـ ، وله يومئذ 55 سنة . ولما استشهد الإمام(عليه السلام) دفن في مدينة طوس في قبر ملاصق لقبر هارون الرشيد ، وقبر الإمام الرضا الآن مزار مهيب يتقاطر المسلمون على زيارته والتبرّك به .
فسلام الله عليه يوم ولد ، ويوم استشهد ، ويوم يبعث حياً .

1 . وفيات الأعيان: 3 / 270 .

صفحه 138
أبوجعفر محمّد بن عليّ الجواد(عليه السلام)   

الإمام التاسع :

أبوجعفر محمّد بن عليّ الجواد(عليه السلام)

ولادته(عليه السلام)

ولد بالمدينة المنورة في شهر رمضان من سنة خمس وتسعين بعد المائة ، فورث الشرف من آبائه وأجداده ، واستسقت عروقه من منبع النبوّة ، وارتوت شجرته من منهل الرسالة .

إمامته(عليه السلام)

قام بأمر الولاية بعد شهادة والده الرضا(عليه السلام) عام 203هـ ، واستشهد ببغداد عام 220هـ ، أدرك خلافة المأمون وأوائل خلافة المعتصم .
أمّا إمامته ووصايته فقد وردت فيها النصوص الوافرة(1) .
لقّب بالجواد والقانع والمرتضى والنجيب والتقيّ والزكيّ وغيرها من الألقاب الدالّة على علو شأنه وارتفاع منزلته .

1 . انظر: الكافي: 1 / 320 ـ 323 ; إثبات الهداة: 3 / 321 ـ 328 .

صفحه 139

استقدامه إلى بغداد

لمّا توفّي الرضا(عليه السلام) كان الإمام الجواد في المدينة ، وقام بأمر الإمامة بوصية من أبيه وله من العمر تسع أو عشر سنين ، وكان المأمون قد مارس معه نفس السياسة التي مارسها مع أبيه(عليه السلام) خلافاً لأسلافه من العباسيين ، حيث إنّهم كانوا يتعاملون مع أئمّة أهل البيت بالقتل والسجن ، وكان ذلك يزيد في قلوب الناس حبّاً لأهل البيت وبغضاً للخلفاء ، ولمّا شعر المأمون بذلك بدّل ذلك الأُسلوب بأُسلوب آخر وهو استقدام أهل البيت من موطنهم إلى دار الخلافة لكي يشرف على حركاتهم وسكناتهم ، وقد استمرّت هذه السياسة في حقّهم إلى الإمام الحادي عشر، كما ستعرف .
وما كان من المأمون عندما استقدم الإمام إلى مركز الخلافة ، إلاّ أن شغف به لما رأى من فضله مع صغر سنّه وبلوغه في العلم والحكمة والأدب وكمال العقل ما لم يساوه فيه أحد من مشايخ أهل الزمان ، فزوّجه ابنته أُمّ الفضل وحملها معه إلى المدينة ، وكان حريصاً على إكرامه وتعظيمه وإجلال قدره ، ونحن نكتفي في المقام بذكر أمرين :
1 ـ لمّا توفّي الإمام الرضا(عليه السلام) وقدم المأمون بغداد ، اتّفق أنّ المأمون خرج يوماً يتصيّد ، فاجتاز بطرف البلدة وصبيان يلعبون ومحمّد الجواد واقف عندهم ، فلمّـا أقبل المأمون فرّ الصبيان

صفحه 140
ووقف محمّد الجواد ، وعمره آنذاك تسع سنين ، فلمّـا قرب منه الخليفة قال له : يا غلام ما منعك أن لا تفرّ كما فرّ أصحابك؟! فقال له محمّد الجواد مسرعاً : «يا أمير المؤمنين فرّ أصحابي فرقاً والظنّ بك حسن أنّه لا يفرّ منك من لا ذنب له ، ولم يكن بالطريق ضيق فانتحي عن أميرالمؤمنين» فأعجب المأمون كلامه وحسن صورته فقال له : ما اسمك يا غلام؟ قال : «محمّد بن عليّ الرضا(عليه السلام)» فترحّم على أبيه(1) .
2 ـ لمّا أراد المأمون تزويج ابنته أُمّ الفضل من الإمام الجواد ثقل ذلك على العباسيين وقالوا له : ننشدك الله أن تقيم على هذا الأمر الذي عزمت عليه من تزويج ابن الرضا; فانّا نخاف أن تخرج به عنّا أمراً قد ملّكناه الله! وتنزع منّا عزّاً قد ألبسناه الله! فقد عرفت ما بيننا وبين هؤلاء القوم قديماً وحديثاً ، وما كان عليه الخلفاء الراشدون قبلك من تبعيدهم والتصغير بهم ، وقد كنّا في وهلة من عملك مع الرضا حتى كفى الله المهمّ من ذلك ـ إلى أن قالوا ـ : إنّ هذا الفتى وإن راقك منه هديه; فإنّه صبي لا معرفة له; فأمهله حتّى يتأدّب ويتفقّه في الدين ثمّ اصنع ما ترى .
قال المأمون : ويحكم إنّي أعرف بهذا الفتى منكم ، وإنّ أهل هذا البيت علمهم من الله تعالى وإلهامه ، ولم يزل آباؤه أغنياء في

1 . الفصول المهمّة : 266 .

صفحه 141
علم الدين والأدب من الرعايا الناقصة عن حدّ الكمال ، فإن شئتم فامتحنوا أبا جعفر حتّى يتبيّن لكم ما وصفت لكم من حاله . قالوا : رضينا .
فخرجوا واتّفق رأيهم على أنّ يحيى بن أكثم يسأله مسألة، وهو قاضي الزمان، فأجابهم المأمون على ذلك .
واجتمع القوم في يوم اتّفقوا عليه ، وأمر المأمون أن يفرش لأبي جعفر دست، ففعل ذلك ، وجلس يحيى بن أكثم بين يديه ، وقام الناس في مراتبهم ، والمأمون جالس في دست متّصل بدست أبي جعفر(عليه السلام) .
فقال يحيي بن أكثم للمأمون : أتأذن لي يا أمير المؤمنين أن أسأل أبا جعفر؟
فقال : استأذنه في ذلك .
فأقبل عليه يحيى وقال : أتأذن لي ـ جعلت فداك ـ في مسألة؟
فقال : «سل إن شئت» .
فقال : ما تقول ـ جعلت فداك ـ في مُـحْرم قتل صيداً؟
فقال أبو جعفر(عليه السلام) : «في حلّ أو حرم؟ عالماً كان المحرم أو جاهلا؟ قتله عمداً أو خطأ؟ حرّاً كان المحرم أو عبداً؟ صغيراً كان أو كبيراً؟ مبتدئاً كان بالقتل أو معيداً؟ من ذوات الطير كان الصيد أم غيرها؟ من صغار الصيد أم كبارها؟ مصرّاً كان على ما فعل أو نادماً؟

صفحه 142
ليلا كان قتله للصيد أم نهاراً؟ محرماً كان بالعمرة إذ قتله أو بالحجّ كان محرماً؟» .
فتحيّر يحيى وبان في وجهه العجز والانقطاع ، وتلجلج حتّى عرف أهل المجلس أمره .
فقال المأمون : الحمد لله على هذه النعمة والتوفيق لي في الرأي ، ثمّ قال لأبي جعفر(عليه السلام) : اخطب لنفسك فقد رضيتك لنفسي وأنا مزوّجك أُمّ الفضل ابنتي(1) .
ولمّا تمّ الزواج قال المأمون لأبي جعفر : إن رأيت ـ جعلت فداك ـ أن تذكر الجواب فيما فصّلته من وجوه قتل الـمُـحْرم الصيد، لنعلمه ونستفيده .
فقال أبو جعفر(عليه السلام) : «إنّ المحرم إذا قتل صيداً في الحلّ، وكان الصيد من ذوات الطير، وكان من كبارها فعليه شاة ، فإن أصابه في الحرم فعليه الجزاء مضاعفاً ; فإن قتل فرخاً في الحلّ فعليه حمل قد فطم من اللّبن ، وإذا قتله في الحرم فعليه الحمل وقيمة الفرخ ، وإن كان من الوحش وكان حمار وحش فعليه بقرة ، وإن كان نعامة فعليه بدنة ، وإن كان ظبياً فعليه شاة ، فإن قتل شيئاً من ذلك في الحرم فعليه الجزاء مضاعفاً هدياً بالغ الكعبة ، وإذا أصاب المحرم ما يجب عليه

1 . الإرشاد : 319 ـ 321 ; إعلام الورى : 352 وللقصّة صلة فراجع .

صفحه 143
الهدي فيه وكان إحرامه بالحج نحره بمنى ، وإن كان إحرامه بالعمرة نحره بمكّة ، وجزاء الصيد على العالم والجاهل سواء ، وفي العمد له المأثم وهو موضوع عنه في الخطأ ، والكفّارة على الحرّ في نفسه ، وعلى السيّد في عبده ، والصغير لا كفّارة عليه وهي على الكبير واجبة ، والنادم يسقط بندمه عنه عقاب الآخرة ، والمصرّ يجب عليه العقاب في الآخرة» .
فقال له المأمون : أحسنت يا أبا جعفر . . .(1) .

رجوعه(عليه السلام) إلى المدينة 

ثمّ إنّ أبا جعفر بعد أن أقام مدّة في بغداد هاجر إلى المدينة وسكن بها مدّة إلى أن توفّي المأمون وبويع المعتصم ، ولم يزل المعتصم متفكّراً في أبي جعفر يخاف من اجتماع الناس حوله ووثوبه على الخلافة ، فلأجل ذلك مارس نفس السياسة التي مارسها أخوه المأمون من قبله فاستقدم الإمام الجواد(عليه السلام) إلى بغداد سنة 220(2) وبقي فيها(عليه السلام) حتى توفّي في آخر ذي القعدة من تلك السنة ،

1 . الإرشاد : 322 .
2 . وفي الإرشاد: 326، وفي إعلام الورى: ص 304: وكان سبب ورود الإمام إلى بغداد إشخاص المعتصم له من المدينة، فورد بغداد لليلتين بقيتا من محرّم الحرام سنة 225 هـ... ثمّ يقول: وكان له يوم قبض 25 سنة.
ولا يخفى أنّه لو كان تاريخ وروده إلى بغداد هي سنة 225 هـ، يكون له يوم وفاته 30 سنة من العمر لأنّه ولد عام 195هـ .

صفحه 144
وله من العمر 25 سنة وأشهر . ودفن عند جدّه موسى بن جعفر في مقابر قريش .
وقال ابن شهر آشوب : إنّه قبض مسموماً.(1)
فسلام الله على إمامنا الجواد يوم ولد ، ويوم مات أو استشهد بالسمّ ، ويوم يبعث حيّاً .
أبو الحسن عليّ بن محمّد الهادي(عليه السلام)   

1 . المناقب لابن شهر آشوب : 4 / 379 .

صفحه 145
 
الإمام العاشر :

أبو الحسن عليّ بن محمّد الهادي(عليه السلام)

ولادته وإمامته(عليه السلام)

ولد عام 212هـ ، وهو من بيت الرسالة والإمامة ، ومقر الوصاية والخلافة ، وثمرة من شجرة النبوّة .
قام(عليه السلام) بأمر الإمامة بعد والده الإمام الجواد(عليه السلام) ، وقد عاصر خلافة المعتصم والواثق والمتوكّل والمنتصر والمستعين والمعتز ، وله مع هؤلاء قضايا لا يتّسع المقام لذكرها .
قال ابن شهر آشوب : كان أطيب الناس مهجة ، وأصدقهم لهجة ، وأملحهم من قريب ، وأكملهم من بعيد ، إذا صمت علَتْه هيبة الوقار ، وإذا تكلّم سماه البهاء.(1)
وقال عماد الدين الحنبلي : كان فقيهاً إماماً متعبّداً(2) .
وقال المفيد : تقلّد الإمامة بعد أبي جعفر ابنه أبو الحسن عليّ بن محمّد ، وقد اجتمعت فيه خصال الإمامة وثبت النص عليه

1 . المناقب لابن شهر آشوب : 4 / 401، طبعة قم .
2 . شذرات الذهب: 2 / 128، في حوادث سنة 254 هـ .

صفحه 146
بالإمامة ، والإشارة إليه من أبيه بالخلافة(1) .
وقد تضافرت النصوص على إمامته عن طرقنا ، فمن أراد فليرجع إلى الكافي وإثبات الهداة وغيرهما من الكتب المعدّة لذلك(2) .

المتوكّل ومواقفه الشنيعة مع الإمام(عليه السلام)

لقد مارس المتوكّل نفس الأُسلوب الخبيث الذي رسمه المأمون ثمّ أخوه المعتصم من إشخاص أئمّة أهل البيت من موطنهم وإجبارهم على الإقامة في مقرّ الخلافة ، وجعل العيون والحرّاس عليهم حتى يطّلعوا على دقيق حياتهم وجليلها .
وكان المتوكّل من أخبث الخلفاء العباسيين ، وأشدّهم عداءً لعليّ ، فبلغه مقام عليّ الهادي بالمدينة ومكانته هناك ، وميل الناس إليه ، فخاف منه(3) ، فدعا يحيى ابن هرثمة وقال : اذهب إلى المدينة ، وانظر في حاله وأشخصه إلينا .
قال يحيى : فذهبت إلى المدينة ، فلمّـا دخلتها ضجَّ أهلها ضجيجاً عظيماً ما سمع الناس بمثله ، خوفاً على عليّ الهادي ،

1 . الارشاد : 327 .
2 . الكافي: 1 / 323 ـ 325 ; إثبات الهداة: 3 / 355 ـ 358 .
3 . روي أنّ بريحة العباسي أحد أنصار المتوكل وأزلامه كتب إليه : إن كان لك بالحرمين حاجة فأخرج منها عليّ بن محمد; فإنّه قد دعا الناس إلى نفسه وتبعه خلق كثير .

صفحه 147
وقامت الدنيا على ساق; لأنّه كان مُـحْسِناً إليهم ، ملازماً للمسجد لم يكن عنده ميل إلى الدنيا .
قال يحيى : فجعلت أُسكِّنهم وأحلِف لهم أنّي لم أُؤمر فيه بمكروه ، وأنّه لا بأس عليه ، ثمّ فتّشت منزله فلم أجد فيه إلاّ مصاحف وأدعية وكتب العلم ، فعظم في عيني ، وتولّيت خدمته بنفسي ، وأحسنت عشرته ، فلمّا قدمت به بغداد ، بدأت بإسحاق بن إبراهيم الطاهري وكان والياً على بغداد ، فقال لي : يا يحيى إنّ هذا الرجل قد ولده رسول الله ، والمتوكّل مَنْ تعلَم ، فإن حرّضته عليه قتله ، كان رسول الله خصمك يوم القيامة . فقلت له : والله ما وقعت منه إلاّ على كلّ أمر جميل .
ثمّ صرت به إلى «سرّ من رأى» فبدأت بـ «وصيف» التركي ، فأخبرته بوصوله ، فقال : والله لئن سقط منه شعرة لا يطالب
بها سواك ، فلمّـا دخلت على المتوكّل سألني عنه فأخبرته
بحسن سيرته وسلامة طريقه وورعه وزهادته ، وأنّي فتّشت داره ولم أجد فيها إلاّ المصاحف وكتب العلم ، وأنّ أهل المدينة خافوا عليه ، فأكرمه المتوكّل وأحسن جائزته وأجزل برّه ، وأنزله معه سامراء(1) .
ومع أنّ الإمام كان يعيش في نفس البلد الذي يسكن فيه

1 . تذكرة الخواص لابن الجوزي : 322 .

صفحه 148
المتوكّل ، وكانت العيون والجواسيس يراقبونه عن كثب ، إلاّ أنّه وشي به إلى المتوكّل بأنّ في منزله كتباً وسلاحاً من شيعته من أهل قم ، وأنّه عازم على الوثوب بالدولة ، فبعث إليه جماعة من الأتراك ، فهاجموا داره ليلا فلم يجدوا فيها شيئاً ، ووجدوه في بيت مغلق عليه ، وعليه مدرعة من صوف وهو جالس على الرمل والحصى ، وهو متوجّه إلى الله تعالى يتلو آيات من القرآن ، فحمل على حاله تلك إلى المتوكل، وقالوا له : لم نجد في بيته شيئاً ، ووجدناه يقرأ القرآن مستقبل القبلة ، وكان المتوكّل جالساً في مجلس الشراب فأُدخل عليه والكأس في يده ، فلمّـا رآه هابه وعظّمه وأجلسه إلى جانبه ، وناوله الكأس التي كانت في يده ، فقال الإمام(عليه السلام) : «والله ما خامر لحمي ودمي قط ، فاعفني» فأعفاه ، فقال له : انشدني شعراً ، فقال عليّ : «أنا قليل الرواية للشعر» فقال : لابدّ ، فأنشده وهو جالس عنده :
«باتوا على قلل الأجبال تحرسهم *** غلب الرجال فما أغنتهم القلل
واستنزلوا بعد عزّ من معاقلهم *** وأُسكنوا حفراً يا بئس ما نزلوا
ناداهمُ صارخ من بعد دفنهم *** أين الأسرّة والتيجان والحلل

صفحه 149
أين الوجوه التي كانت منعّمة *** من دونها تضرب الأستار والكلل
فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم *** تلك الوجوه عليها الدود يقتتل(1)
قد طالما أكلوا دهراً وما شربوا *** فأصبحوا بعد طول الأكل قد أُكِلوا»
فبكى المتوكّل حتى بلّتْ لحيته دموع عينه وبكى الحاضرون ، ورفع إلى عليّ أربعة آلاف دينار ثمّ ردّه إلى منزله مكرّماً.(2)

آثاره العلمية

روى الحفّاظ والرواة عن الإمام أحاديث كثيرة في
شتّى المجالات من العقيدة والشريعة ، وقد جمعها المحدّثون في كتبهم ، وبثّها الحرّ العاملي في كتابه الموسوم بـ «وسائل الشيعة» على أبواب مختلفة ، وممّا نلفت إليه النظر أنّ للإمام(عليه السلام) بعض الرسائل ; وهي :
1 ـ رسالته في الردّ على الجبر والتفويض وإثبات العدل والمنزلة بين المنزلتين ، أوردها بتمامها الحسن بن علي بن شعبة

1 . ربمّا يروى «ينتقل» .
2 . مروج الذهب للمسعودي : 4 / 11 .

صفحه 150
الحرّاني في كتابه الموسوم بـ «تحف العقول».(1)
2 ـ أجوبته ليحيى بن أكثم عن مسائله ، وهذه أيضاً أوردها الحرّاني في «تحف العقول ».
3 ـ قطعة من أحكام الدين ، ذكرها ابن شهر آشوب في «المناقب ».
ولأجل إيقاف القارئ على نمط خاصّ من تفسير الإمام نأتي بنموذج من هذا التفسير :
قُدّم إلى المتوكّل رجل نصراني فجر بامرأة مسلمة ، فأراد أن يقيم عليه الحدّ ، فأسلم ، فقال يحيى بن أكثم : الإيمان يمحو ما قبله ، وقال بعضهم : يضرب ثلاثة حدود ، فكتب المتوكّل إلى الإمام الهادي يسأله ، فلمّـا قرأ الكتاب ، كتب : «يضرب حتى يموت» فأنكر الفقهاء ذلك ، فكتب إليه يسأله عن العلّة ، فكتب : (بسم الله الرحمن الرحيم * فَلَمَّا رَأوْا بَأْسَنا قَالوا آمَنَّا بِا لله وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشركينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إيمانُهُمْ لَمَّا رَأوْا بأسنا سُنَّة ا لله الَّتي قَدْ خَلَتْ في عبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الكافِرونَ)(2) ، فأمر به المتوكّل فضرب حتّى مات(3) .

1 . لاحظ : تحف العقول: 238 ـ 352 .
2 . غافر : 84 ـ85 .
3 . المناقب لابن شهرآشوب: 4 / 403 ـ 405 .

صفحه 151

شهادته(عليه السلام)

توفّي أبو الحسن(عليه السلام) في رجب سنة أربع وخمسين ومائتين، ودفن في داره بسرّ من رأى ، وخلّف من الولد أبا محمّد الحسن ابنه وهو الإمام من بعده ، والحسين ، ومحمّد ، وجعفر ، وابنته عائشة ، وكان مقامه بسرّ من رأى إلى أن قبض عشر سنين وأشهر ، وتوفّي وسنّه يومئذ على ما قدمناه إحدى وأربعون سنة(1) .
وقد ذكر المسعودي في إثبات الوصيّة «تفصيل كيفية وفاته وتشييعه وإيصاء الإمامة لابنه أبي محمّد العسكري» فمن أراد فليراجع(2) .

1 . الإرشاد : 327 .
2 . لاحظ : إثبات الوصية : 257 .

صفحه 152
أبو محمّد الحسن بن علي العسكري(عليه السلام)   

الإمام الحادي عشر :

أبو محمّد الحسن بن علي العسكري(عليه السلام)

أبو محمّد الحسن بن علي الهادي بن محمّد الجواد ، أحد أئمّة أهل البيت ، والإمام الحادي عشر ، الملقّب بالعسكري ، ولد عام 232هـ(1) ، وقال الخطيب في تاريخه(2) وابن الجوزي في تذكرته(3) : أنّه ولد عام 231هـ وأشخص بشخوص والده إلى العراق سنة 236هـ وله من العمر أربع سنين وعدّة شهور ، وقام بأمر الامامة والقيادة الروحية بعد شهادة والده ، وقد اجتمعت فيه خصال الفضل ، وبرز تقدّمه على كافة أهل العصر ، واشتهر بكمال الفعل والعلم والزهد والشجاعة(4) ، وقد روى عنه لفيف من الفقهاء والمحدّثين يربو عددهم على 150 شخصاً(5) . وتوفّي عام 260هـ ودفن في داره التي دفن فيها أبوه بسامراء .

1 . لاحظ : الكافي: 1 / 503 .
2 . تاريخ بغداد للخطيب البغدادي: 7 / 366 .
3 . تذكرة الخواص : 322 .
4 . الارشاد للمفيد : 335 .
5 . مسند الإمام العسكري (عليه السلام)للعطاردي، وقد جمع فيه كلّ ما روي عنه وأُسند إليه .

صفحه 153
وخلّف ابنه المنتظر لدولة الحق ، وكان قد أخفى مولده وستر أمره لصعوبة الوقت ، وشدّة طلب السلطة ، واجتهادها في البحث عن أمره ، ولكنّه سبحانه حفظه من شرار أعدائه كما حفظ سائر أوليائه كإبراهيم الخليل وموسى الكليم ، فقد خابت السلطة في طلبهما والاعتداء عليهما .
وقد اشتهر الإمام بالعسكري لأ نّه منسوب إلى عسكر ، ويراد بها سرّ من رأى التي بناها المعتصم ، وانتقل إليها بعسكره ، حيث أشخص المتوكل أباه عليّاً إليها وأقام بها عشرين سنة وتسعة أشهر فنُسب هو وولده إليها (1) . قال سبط ابن الجوزي : كان عالماً ثقة روى الحديث عن أبيه عن جدّه، ومن جملة مسانيده حديث في الخمر عزيز .
ثمّ ذكر الحديث عن جدّه أبي الفرج الجوزيّ في كتابه المسمّى بـ «تحريم الخمر» ، ثمّ ساق سند الحديث إلى الحسن العسكري وهو يسند الحديث إلى آبائه إلى علي بن أبي طالب وهو يقول : «أشهد بالله لقد سمعت محمّداً رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول : أشهد بالله لقد سمعت جبرائيل يقول : أشهد بالله لقد سمعت ميكائيل يقول : أشهد بالله لقد سمعت إسرافيل يقول : أشهد بالله على اللوح المحفوظ أنّه قال : سمعت الله يقول : شارب الخمر كعابد الوثن»(2) .

1 . وفيات الأعيان لابن خلّكان: 2 / 94 .
2 . تذكرة الخواص : 324 .

صفحه 154
ولقد وقع سبط ابن الجوزي في الاشتباه عندما توهّم أنّ اسناد الإمام (عليه السلام) هذا الحديث إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مختص بهذا المورد ، ولكن الحقيقة غير ذلك ، فإنّ أحاديث أهل البيت مروية كلّها عن النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فهم لا يروون في مجال الفقه والتفسير والأخلاق والدعاء إلاّ ما وصل إليهم عن النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) عن طريق آبائهم وأجدادهم ، ومروياتهم لا تعبّر عن آرائهم الشخصية ، فمن قال بذلك وتصوّر كونهم مجتهدين مستنبطين ، فقد قاسهم بالآخرين مّمن يعتمدون على آرائهم الشخصية ، وهو في قياسه خاطئ; فهم منذ نعومة أظفارهم إلى أن لبّوا دعوة ربّهم لم يختلفوا إلى أندية الدروس ، ولم يحضروا مجلس أحد من العلماء ، ولا تعلّموا شيئاً من غير آبائهم ، فما يذكرونه من علوم ورثوها من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وراثة غيبية لا يعلم كنهها إلاّ الله سبحانه والراسخون في العلم .
وهذا الإمام جعفر الصادق(عليه السلام) يبيّن هذا الأمر بوضوح لا لبس فيه ، حيث يقول : «إنّ حديثي حديث أبي ، وحديث أبي حديث جدّي علي بن أبي طالب أمير المؤمنين ، وحديث علي أمير المؤمنين حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وحديث رسول الله قول الله عزّ وجلّ».(1)
وروى حفص بن البختري ، قال : قلت لأبي عبدالله

1 . الإرشاد للمفيد : 274 .

صفحه 155
الصادق (عليه السلام): أسمع الحديث منك فلا أدري منك سماعه أو من أبيك ، فقال : «ما سمعته منّي فأروه عن أبي ، وما سمعته منّي فاروه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)».(1)
فأئمّة المسلمين على حد قول القائل :
ووال أُناساً نقلهم وحديثهم *** روى جدّنا عن جبرئيل عن الباري
ولقد عاتب الإمام الباقر (عليه السلام) سلمة بن كهيل والحكم بن عتيبة حيث كانا يأخذان الحديث من الناس ولايهتمان بأحاديث أهل البيت ، فقال لهما : «شرّقا وغرّبا فلا تجدان علماً صحيحاً إلاّ شيئاً خرج من عندنا أهلَ البيت» .
ورغم أنّ الخلفاء العباسيين قد وضعوا الإمام تحت الإقامة الجبرية وجعلوا عليه عيوناً وجواسيس ، ولكن روى عنه الحفّاظ والرواة أحاديث جمّة في شتى المجالات ، بل يروى أنّ الإمام (عليه السلام)ورغم كلّ ذلك كان على اتّصال مستمر بالشيعة الذين كان عددهم يقدّر بعشرات الملايين، وحيث كان لا مرجع لهم سوى الإمام(عليه السلام).
كما أنّ الكلام عن أخلاقه وأطواره ، ومناقبه وفضائله ، وكرمه وسخائه ، وهيبته وعظمته ، ومجابهته للخلفاء العباسيين بكل جرأة وعزّة وما نقل عنه من الحكم والمواعظ والآداب ، يحتاج إلى تأليف

1 . وسائل الشيعة: 18 ، الباب 8 من أبواب صفات القاضي ، الحديث 86 .

صفحه 156
مفرد، وكفانا في ذلك علماؤنا الأبرار ، بيد أنّا نشير إلى لمحة من علومه .
1 ـ لقد شغلت الحروف المقطّعة بال المفسّرين فضربوا يميناً وشمالا ، وقد أنهى الرازي أقوالهم فيها فى أوائل تفسيره الكبير إلى قرابة عشرين قولا ، ولكن الإمام (عليه السلام) عالج تلك المعضلة بأحسن الوجوه وأقربها للطبع ، فقال : «كذبت قريش واليهود بالقرآن ، وقالوا سحر مبين تقوّله ، فقال الله : (الم * ذلِكَ الكتابُ) أي : يا محمّد ، هذا الكتاب الذي نزّلناه عليك هو الحروف المقطّعة الّتي منها «ألف» ، «لام» ، «ميم» وهو بلغتكم وحروف هجائكم ، فأتوا بمثله إن كنتم صادقين ، واستعينوا على ذلك بسائر شهدائكم ، ثمّ بيّن أنّه لا يقدرون عليه بقوله : (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذا القُرآنِ لا يَأتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبعْض ظَهِيرًا)(1)».(2)
وقد روي هذا المعنى عن أبيه الإمام الهادي (عليه السلام).(3)
2 ـ كان أهل الشغب والجدل يلقون حبال الشكّ في طريق المسلمين فيقولون إنّكم تقولون في صلواتكم : (اهدنا الصِّراط المُستقيم) أو لستم فيه ؟ فما معنى هذه الدعوة؟ أو أنّكم متنكّبون

1 . الإسراء: 88 .
2 . معاني الأخبار للصدوق : 24 ، وللحديث ذيل فمن أراد فليرجع إلى المصدر.
3 . الكافي للكليني: 1 / 24 ـ 25، كتاب العقل والجهل، الحديث 20 .

صفحه 157
عنه فتدعون ليهديكم إليه؟ ففسّر الإمام الآية قاطعاً لشغبهم فقال : «أدِم لنا توفيقك الذي به أطعناك في ماضي أيّامنا حتّى نطيعك كذلك في مستقبل أعمارنا» .
ثمّ فسّر الصراط بقوله : «الصراط المستقيم هو : صراطان : صراط في الدنيا وصراط في الآخرة ، أمّا الأوّل فهو ما قصر عن الغلو وارتفع عن التقصير ، واستقام فلم يعدل إلى شيء من الباطل ، وأمّا الطريق الآخر فهو طريق المؤمنين إلى الجنّة الذي هو مستقيم ، لا يعدلون عن الجنّة إلى النار، ولا إلى غير النار سوى الجنّة».(1)
وكان قد استفحل أمر الغلاة في عصر الإمام العسكري ونسبوا إلى الأئمّة الهداة أُموراً هم عنها براء ، ولأجل ذلك يركّز الإمام على أنّ الصراط المستقيم لكلّ مسلم هو التجنّب عن الغلو والتقصير .
3 ـ ربّما يغتر الغافل بظاهر قوله سبحانه : (صِراطَ الَّذِينَ أْنعَمْتَ عَلَيهِم) ويتصوّر أنّ المراد من النعمة هو المال والأولاد وصحّة البدن ، وإن كان كلّ هذا نعمة من الله ، ولكنّ المراد من الآية بقرينة قوله : (غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيْهِم ولا الضَّالِّين)(2) هو نعمة التوفيق والهداية ، ولأجل ذلك نرى أنّ الإمام يفسّر هذا الإنعام بقوله : «قولوا اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم بالتوفيق لدينك

1 . معاني الأخبار للصدوق : 33 .
2 . الفاتحة: 7 .

صفحه 158
وطاعتك ، وهم الذين قال الله عزّ وجلّ : (وَمَنْ يُطِع اللهَ والرَّسُولَ فَأُولِئكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيَّينَ والصَّديقينَ والشُّهداءِ وَالصَّالِحِينَ وحَسُنَ أُولِئكَ رَفيقاً)(1) ثمّ قال : ليس هؤلاء المنعم عليهم بالمال وصحّة البدن وإن كان كلّ هذا نعمة من الله ظاهرة».(2)
4 ـ لقد تفشّت آنذاك فكرة عدم علمه سبحانه بالأشياء قبل أن تخلق ، تأثراً بتصوّرات بعض المدارس الفكرية الفلسفية الموروثة من اليونان ، فسأله محمّد بن صالح عن قول الله : (يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ)(3) فقال : «هل يمحو إلاّ ما كان، وهل يثبت إلاّ مالم يكن»؟
فقلت في نفسي : هذا خلاف ما يقوله هشام الفوطي : إنّه لا يعلم الشيء حتى يكون ، فنظر إليَّ شزراً ، وقال : «تعالى الله الجبّار العالم بالشيء قبل كونه ، الخالق إذ لا مخلوق ، والربّ إذ لا مربوب ، والقادر قبل المقدور عليه».(4)
المهدي ابن الحسن المنتظر(عليه السلام)   

1 . النساء: 69 .
2 . معاني الأخبار للصدوق : 36 .
3 . الرعد: 39 .
4 . اثبات الوصية للمسعودي: 241 .

صفحه 159

الإمام الثاني عشر :

المهدي ابن الحسن المنتظر(عليه السلام)

هو أبو القاسم محمّد بن الحسن العسكري الحجّة ، الخلف الصالح ، ولد (عليه السلام) بسرّ من رأى ليلة النصف من شعبان ، سنة خمس وخمسين ومائتين ، وله من العمر عند وفاة أبيه خمس سنين ، آتاه الله الحكم صبيّاً كما حدث ليحيى ، حيث قال سبحانه : (يايَحْيى خُذِ الِكتابَ بِقُوَّة وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبيّاً).(1)
وجعله إماماً وهو طفل ، كما جعل المسيح نبيّاً وهو رضيع، قال سبحانه عن لسانه وهو يخاطب قومه : (إنّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الِكتابَ وَجَعَلَني نَبيّاً)(2) .
اتّفق المسلمون على ظهور المهدي في آخر الزمان لإزالة الجهل والظلم ، والجور ، ونشر أعلام العدل ، وإعلاء كلمة الحق ، وإظهار الدين كلّه ولو كره المشركون ، فهو بإذن الله ينجي العالم من ذلّ العبودية لغير الله ، ويلغي الأخلاق والعادات الذميمة ، ويبطل

1 . مريم: 12 .
2 . مريم: 30 .

صفحه 160
القوانين الكافرة التي سنّتها الأهواء ، ويقطع أواصر التعصّبات القومية والعنصرية ، ويمحي أسباب العداء والبغضاء التي صارت سبباً لاختلاف الأُمّة وافتراق الكلمة ، ويحقّق الله سبحانه بظهوره وعده الذي وعد به المؤمنين بقوله :
1 ـ (وعَدَ اللهُ الَّذينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالحِاتِ لَيَستَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ كما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهمْ وَليُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهمْ أمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْركُونَ بي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعَدَ ذلِكَ فَأُولِئكَ هُمُ الفاسِقُونَ)(1) .
2 ـ (وَنُريدُ أنْ نَمُنَّ عَلىَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرْضِ وَنَجْعَلهُمْ أَئِمَّةًوَنَجْعَلهُمُ الوارثِينَ)(2) .
3 ـ (وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذَّكْرِ أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِباديَ الصّالِحُونَ)(3) .
وتشهد الأُ مّة بعد ظهوره (عليه السلام) عصراً ذهبياً لا يبقى فيه على الأرض بيت إلاّ ودخلته كلمة الإسلام ، ولا تبقى قرية إلاّ وينادى فيها بشهادة «لا إله إلاّ الله» بكرة وعشيّاً .
أقول : لقد تواترت النصوص الصحيحة والأخبار المروية من

1 . النور: 55 .
2 . القصص: 5 .
3 . الأنبياء: 105 .

صفحه 161
طريق أهل السنّة والشيعة المؤكّدة على إمامة أهل البيت (عليهم السلام) ، والمشيرة صراحة إلى أنّ عددهم كعدد نقباء بني إسرائيل ، وأنّ آخر هؤلاء الأئمّة هو الذي يملأ الأرض ـ في عهده ـ عدلا وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً ، وأنّ أحاديث الإمام الثاني عشر الموسوم بالمهدي المنتظر قد رواها جملة من محدثي السنَّة في صحاحهم المختلفة كأمثال الترمذي (المتوفّى عام 297هـ ) ، وأبي داود (المتوفّى عام 275هـ) وغيرهما; حيث أسندوا رواياتهم هذه إلى جملة من أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وصحابته ، أمثال علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، وعبدالله بن عباس ، وعبدالله بن عمر، وأُمّ سلمة زوجة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وأبي سعيد الخدري ، وأبي هريرة وغيرهم :
1 ـ روى أبو داود في سننه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «لو لم يبق من الدهر إلاّ يوم لبعث الله رجلا من أهل بيتي يملأها عدلا كما ملئت جوراً».(1)
2 ـ أخرج أبو داود عن عبدالله بن مسعود : أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال : «لا تنقضي الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي».(2)
3 ـ أخرج أبو داود عن أُمّ سلمة ـ رضي الله عنها ـ قالت :

1 . سنن أبي داود: 2 / 310 برقم 4283، كتاب المهدي.
2 . جامع الأُصول: 11 / 48، برقم 7810 .

صفحه 162
سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول : «المهدي من عترتي من ولد فاطمة»(1) .
4 ـ أخرج الترمذي عن ابن مسعود : أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال : «يلي رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي»(2) .
إلى غير ذلك من الروايات المتضافرة التي بلغت أعلى مراتب التواتر على وجه حتّى قال الدكتور عبدالباقي : إنّ المشكلة ليست مشكلة حديث أو حديثين أو راو أو راويين ، إنّها مجموعة من الأحاديث والآثار تبلغ الثمانين تقريباً ، اجتمع على تناقلها مئات الرواة، وأكثر من صاحب كتاب صحيح.(3)
هذا هو المهدي الذي اتّفق المحدّثون والمتكلّمون عليه ، وإنّما الاختلاف بين الشيعة والسنّة في ولادته ، فالشيعة ذهبت إلى أنّ المهدي الموعود هو الإمام الثاني عشر الذي ولد بسامراء عام 255هـ واختفى بعد وفاة أبيه عام 260هـ ، وقد تضافرت عليه النصوص من آبائه ، على وجه ما ترك شكّاً ولا شبهة(4) ووافقتهم

1 . جامع الأُصول: 11 / 48 برقم 7812 .
2 . المصدر نفسه برقم 7810 .
3 . بين يدي الساعة للدكتور عبدالباقي: 123 .
4 . اقرأ هذه النصوص في كتاب «كمال الدين» للشيخ الصدوق  (360 ـ 381 هـ)، ترى فيه النصوص المتضافرة على أنّ المهدي الموعود هو ولد الإمام أبي محمّد الحسن العسكري(عليه السلام) وأنّ له غَيبة .

صفحه 163
جماعة من علماء أهل السنّة ، وقالوا بأنّه ولد وأنّه محمّد بن الحسن العسكري .
نعم كثير منهم قالوا : بأنّه سيولد في آخر الزمان ، وبما أنّ أهل البيت أدرى بما في البيت ، فمن رجع إلى روايات أئمّة أهل البيت في كتبهم يظهر له الحق ، وأنّ المولود للإمام العسكري هو المهدي الموعود .
وممّن وافق من علماء أهل السنّة بأنّ وليد بيت الحسن العسكري هو المهدي الموعود :
1 ـ كمال الدين محمّد بن طلحة بن محمّد القرشي الشافعي في كتابه « مطالب السؤول في مناقب آل الرسول» . وقد أثنى عليه من ترجم له مثل اليافعي في «مرآة الجنان» في حوادث سنة 652هـ .
قال ـ بعد سرد اسمه ونسبه ـ : المهدي الحجّة ، الخلف الصالح المنتظر ، فأمّا مولده فبسر من رأى ، وأمّا نسبه أباً فأبوه الحسن الخالص، ثمّ أورد عدّة أخبار واردة في المهدي من طريق أبي داود ، والترمذي، ومسلم ، والبخاري وغيرهم ، ثمّ ذكر بعض الاعتراضات بالنسبة إلى أحواله (عليه السلام) من حيث الغيبة وطول العمر وغير ذلك ، وأجاب عنها جميعاً ، ثمّ قال رادّاً على تأويل البعض لهذه الروايات بأنّها لا تدلّ على أنّه محمّد بن الحسن العسكري قائلا : بأنّ الرسول لما وصفه وذكر اسمه ونسبه، وجدنا تلك

صفحه 164
الصفات والعلامات موجودة في محمّد بن الحسن العسكري علمنا هو المهدي .
2 ـ أبو عبدالله محمّد بن يوسف بن محمّد الكنجي الشافعي في كتابيه : «البيان في أخبار صاحب الزمان» و «كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب» .
3 ـ نور الدين علي بن محمّد بن الصباغ المالكي في كتابه : «الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة» .
4 ـ الفقيه الواعظ شمس الدين المعروف بسبط ابن الجوزي في «تذكرة الخواص».
إلى غير ذلك من علماء وحفّاظ ذكر أسماءهم وكلماتهم السيد الأمين في «أعيان الشيعة» وأنهاها إلى ثلاثة عشر ، ثمّ قال : والقائلون بوجود المهدي من علماء أهل السنّة كثيرون ، وفيما ذكرناه منهم كفاية ، ومن أراد الاستقصاء فليرجع إلى كتابنا «البرهان على وجود صاحب الزمان» ورسالة « كشف الأستار» للشيخ حسين النوري(1) .
وقد كان الاعتقاد بظهور المهدي في عصر الأئمّة الهداة أمراً مسلّماً ، حتى أنّ شاعراً مثل دعبل الخزاعي ذكره في قصيدته التي أنشدها لعلي بن موسى الرضا (عليه السلام) فقال :

1 . أعيان الشيعة: 2 / 64 ـ 75 .

صفحه 165
خروج إمام لا محالة قائم *** يقوم على اسم الله والبركات
يميز فينا كلّ حق وباطل *** ويجزي على النعماء والنقمات
ولمّا وصل دعبل إلى هذين البيتين بكى الرضا (عليه السلام) بكاءً شديداً ثمّ رفع رأسه ، فقال له : «يا خزاعي نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين ، فهل تدري من هذا الإمام ومتى يقوم»؟
فقلت : لا يا مولاي ، إلاّ أنّي سمعت بخروح إمام منكم يطّهر الأرض من الفساد ، ويملأها عدلا كما ملئت جوراً .
فقال : «يا دعبل ، الإمام بعدي محمّد ابني (الجواد) وبعد محمّد ابنه علي (الهادي) ، وبعد علي ابنه الحسن (العسكري) ، وبعد الحسن ابنه الحجّة القائم ، المنتظر في غيبته ، المطاع في ظهوره ، لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتى يخرج فيملأها عدلا كما ملئت جوراً ، وأمّا متى؟ فإخبار عن الوقت ، فقد حدّثني أبي عن أبيه عن آبائه عن علي (عليه السلام) إنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قيل له : يا رسول الله متى يخرج القائم من ذريتك؟ فقال : مثله مثل الساعة لا يجليها لوقتها إلاّ هو ، ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلاّ بغتة».(1)
ثمّ إنّ للمهدي ـ عجّل الله تعالى فرجه ـ غيبتين صغرى وكبرى ، كما جاءت بذلك الأخبار عن أئمّة أهل البيت ، أمّا الغيبة

1 . كمال الدين وتمام النعمة للصدوق: 2 / 372 .

صفحه 166
الصغرى فمن ابتداء إمامته إلى انقطاع السفارة بينه وبين شيعته بوفاة السفراء وعدم نصب غيرهم ، وقد مات السفير الأخير علي بن محمّد السمري عام 329هـ ، ففي هذه الفترة كان السفراء يرونه وربّما رآه غيرهم وتخرج على أيديهم توقيعات منه إلى شيعته في أُمور شتّى .
وأمّا الغيبة الكبرى فهي بعد الأُولى إلى أن يقوم بإذن الله تعالى .
وأمّا مَن رأى الحجّة في زمان أبيه وفي الغيبة الصغرى وحتى في الكبرى ، فحدّث عنه ولا حرج ، وقد أُلّفت في ذلك كتب أحسنها وأجملها : « كمال الدين» للصدوق ، و«الغيبة» للشيخ الطوسي .
فنذكر هنا بعض مَن رآه في صباه :

في مَن رأى المهدي في بيت الإمام العسكري

إنّ هناك لفيفاً من أصحاب الإمام العسكري رأوا الإمام المهدي في أيام صباه ، ووالده بعد حي . وها نحن نذكر من الكثير شيئاً قليلا حتى لا يرتاب المنصف في ولادته :
1 ـ روى يعقوب بن منقوش قال : دخلت على أبي محمّد الحسن بن علي (عليه السلام) وهو جالس على دكّان في الدار ، وعن يمينه بيت عليه ستر مسبل ، فقلت له : من صاحب هذا الأمر؟ فقال : ارفع

صفحه 167
الستر . فرفعته فخرج إلينا غلام خماسي له عشرة أو ثمان أو نحو ذلك ، واضح الجبين، أبيض الوجه ، درّي المقلتين ، شثن الكفين ، معطوف الركبتين ، في خدّه الأيمن خال ، وفي رأسه ذؤابة ، فجلس على فخذ أبي محمد، ثمّ قال لي : هذا صاحبكم.(1)
2 ـ روى إبراهيم بن محمد بن فارس النيسابوري قال : لما همّ الوالي عمر بن عوف بقتلي غلب عليَّ خوف عظيم ، فودعت أهلي وتوجهت إلى دار أبي محمّد لأُودّعه ، وكنت أردت الهرب ، فلمّا دخلت عليه رأيت غلاماً جالساً في جنبه وكان وجهه مضيئاً كالقمر ليلة البدر ، فتحيرت من نوره وضيائه وكاد ينسيني ما كنت فيه ، فقال : يا إبراهيم لا تهرب فإنّ الله سيكفيك شره ، فازداد تحيّري ، فقلت لأبي محمّد : يا سيدي يا بن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من هذا وقد أخبرني بما كان في ضميري؟ فقال : هو ابني وخليفتي من بعدي.(2)
3 ـ روى أحمد بن إسحاق قال : قلت لأبي محمد الحسن العسكري : يا ابن رسول الله فمن الإمام والخليفة بعدك؟ فنهض(عليه السلام)مسرعاً فدخل البيت ثمّ خرج وعلى عاتقه غلام كأنّ وجهه القمر ليلة البدر ، من أبناء ثلاث سنين ، فقال : يا أحمد بن إسحاق ، لو لا كرامتك على الله عزّوجلّ وعلى حججه ما عرضت عليك ابني هذا ،

1 . كمال الدين: 2 / 407، الباب 38، الحديث 2 .
2 . إثبات الهداة للحر العاملي: 3 / 700 ، الباب 33 ، الحديث 136 .

صفحه 168
إنّه سميّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وكنيّه،الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلا كما ملئت جوراً وظلماً.(1)
4 ـ روى أبو الحسين الحسن بن وجناء قال : حدثني أبي عن جدّه أنّه كان في دار الحسن بن علي (عليه السلام) فكبستنا الخيل وفيها جعفر بن علي الكذّاب واشتغلوا بالنهب والغارة، وكانت همّتي في مولاي القائم (عليه السلام) ، قال : فإذا أنا به ، قد أقبل وخرج عليهم من الباب وأنا أنظر إليه وهو (عليه السلام) ابن ست سنين، فلم يره أحد حتى غاب.(2)
5 ـ روى عبدالله بن جعفر الحميري قال : سألت أبا عمر عثمان بن سعيد العمري (أحد وكلاء الإمام أيام غيبته) فقلت له : هل أنت رأيت الخلف من بعد أبي محمد (عليه السلام)؟ فقال : أي والله ورقبته مثل ذا ـ أومأ بيده ـ فقلت له : فبقيت واحدة؟ فقال لي : هات . قلت : الاسم؟ قال : محرّم عليكم أن تسألوا عن ذلك . . ..(3)
6 ـ روت حكيمة بنت الإمام محمد الجواد قالت : بعث إليَّ أبو محمّد الحسن بن علي (عليه السلام) فقال : يا عمة اجعلي إفطارك هذه الليلة عندنا ، فإنّها ليلة النصف من شعبان ، فإنّ الله تبارك وتعالى سيظهر في هذه الليلة الحجة ، وهو حجّته في أرضه . ثمّ إنّ حكيمة عمة الإمام العسكري تتحدث عن ولادة الإمام المهدي وتقول : فضممته

1 . كمال الدين للصدوق: 2 / 384، الباب 38، الحديث 1 .
2 . كمال الدين للصدوق: 2 / 473، الباب 43، الحديث 25 .
3 . الكافي: 1 / 329، الحديث 1 .

صفحه 169
إليَّ فإذا أنا به نظيف متنظف ، فصاح بي أبو محمد (عليه السلام) : هلمّ إليَّ ابني يا عمة ، فجئت إليه . . .. (1)
7 ـ روى كامل بن إبراهيم فقال : دخلت على سيدي أبي محمد (عليه السلام) نظرت إلى ثياب بيض ناعمة عليه، فقلت في نفسي : وليّ الله وحجّته يلبس الناعم من الثياب ، ويأمرنا بمواساة إخواننا وينهانا عن لبس مثله ، فقال الإمام : يا كامل وحسر عن ذراعيه ، فإذا مسح أسود خشن ، فقال : هذا لله وهذا لكم ، فجاءت الريح ، فكشفت طرفه ، فإذا أنا بفتى كأنّه فلقة قمر من أبناء أربع سنين أو مثلها ، فقال لي : يا كامل بن إبراهيم . فاقشعررت من ذلك ، وأُلهمت أن قلت : لبيك يا سيدي . فقال : جئت إلى وليّ الله وحجّته تريد أن تسأل : لا يدخل الجنة إلاّ من عرف معرفتك وعرف مقالتك . . . إلى أن قال : فنظر إليَّ أبو محمّد وتبسّم، وقال : يا كامل بن إبراهيم ، ما جلوسك وقد أبانك المهدي والحجّة من بعدي بما كان في نفسك وجئت تسألني عنه . قال : فنهضت وقد أخذت الجواب الذي أسررته في نفسي من الإمام المهدي ولم ألقه بعد ذلك.(2)
هذه نماذج ممّن رأى الإمام المهدي بعد ولادته ، وقبل غيبته ذكرناها، ولو أردنا الاستقصاء لطال بنا المقام في المقال .

1 . كمال الدين للصدوق: 2 / 424، الباب 42، الحديث 1 .
2 . الغَيبة للطوسي: 148; كشف الغمة: 3 / 289 عن الخرائج ، وغيرهما من المصادر .

صفحه 170

أسئلة مهمّة حول المهدي (عجّل الله تعالى فرجه)

إنّ القول بأنّ الإمام المهدي لا يزال حيّاً يرزق منذ ولادته عام 255 هجرية إلى الآن ، وأنّه غائب سوف يظهر بأمر من الله سبحانه ، أثار أسئلة حول حياته وإمامته ، نذكر رؤوسها :
1 ـ كيف يكون إماماً وهو غائب ، وما الفائدة المرتقبة منه في غيبته؟
2 ـ لماذا غاب؟
3 ـ كيف يمكن أن يعيش إنسان هذه المدة الطويلة؟
4 ـ ماهي أشراط وعلائم ظهوره؟
هذه أسئلة أُثيرت حول الإمام المهدي منذ أن غاب ، وكلّما طالت غيبته اشتدّ التركيز عليها ، وقد قام المحققون من علماء الإمامية بالإجابة عنها في مؤلّفات مستقلّة لا مجال لنقل معشار ما جاء فيها ، غير أنّ الإحالة لما كانت غير خالية عن المحذور ، نبحث عنها على وجه الإجمال ، ونحيل من أراد التبسّط إلى المصادر المؤلّفة في هذا المجال .

الأوّل : كيف يكون إماماً وهو غائب؟ وما فائدته؟

إنّ القيادة والهداية والقيام بوظائف الإمامة ، هي الغاية من تنصيب الإمام ، أو اختياره ، وهي تتوقف على كونه ظاهراً بين أبناء

صفحه 171
الأُمة ، مشاهداً لهم ، فكيف يكون إماماً قائداً ، وهو غائب عنهم؟!
والجواب : على وجهين نقضاً وحلاًّ .
أمّا النقض : فإنّ التركيز على هذا السؤال يعرب عن عدم التعرّف على أولياء الله ، وأنّهم بين ظاهر قائم بالأُمور ومُختَف قائم بها من دون أن يعرفه الناس .
إنّ كتاب الله العزيز يعرّفنا على وجود نوعين من الأئمّة والأولياء والقادة للأُمّة : وليّ غائب مستور ، لا يعرفه حتى نبي زمانه ، كما يخبر سبحانه عن مصاحب موسى (عليه السلام) بقوله : (فَوَجَدا عَبْداً مِن عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْماً * قالَ لَهُ موسى هَلْ أَتَّبِعُكَ على أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً) (1) .
ووليّ ظاهر باسط اليد ، تعرفه الأُمّة وتقتدي به .
فالقرآن إذن يدلّ على أنّ الولي ربّما يكون غائباً ، ولكنّه مع ذلك لا يعيش في غفلة عن أُمّته ، بل يتصرّف في مصالحها ويرعى شؤونها ، من دون أن يعرفه أبناء الأُمّة .
فعلى ضوء الكتاب الكريم ، يصحّ لنا أن نقول بأنّ الولي إمّا ولي حاضر مشاهَد ، أو غائب محجوب .
وإلى ذلك يشير الإمام علي بن أبي طالب في كلامه لكميل بن زياد النخعيّ ، يقول كميل : أخذ بيدي أمير المؤمنين علي بن أبي

1 . الكهف: 65 ـ 82 .

صفحه 172
طالب (عليه السلام) فأخرجني إلى الجبّان ، فلمّا أصحر ، تنفَّس الصعداء ، وكان مما قاله : «اللَّهُمَّ بَلَى! لاَ تَخْلُو الاَْرْضُ مِنْ قَائِم لِلّهِ بِحُجَّة، إِمَّا ظَاهِراً مَشْهُوراً، وَإِمَّا خَائِفاً مَغْمُوراً، لِئَلاَّ تَبْطُلَ حُجَجُ اللهِ وَبَيِّنَاتُهُ»(1) .
وليست غيبة الإمام المهدي ، بِدعاً في تاريخ الأولياء ، فهذا موسى بن عمران ، قد غاب عن قومه قرابة أربعين يوماً ، وكان نبيّاً وليّاً ، يقول سبحانه :
(وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْر فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ).(2)
وهذا يونس كان من أنبياء الله سبحانه ، ومع ذلك فقد غاب في الظلمات كما يقول سبحانه : (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ).(3)
أولم يكن موسى ويونس نبيَّين من أنبياء الله سبحانه؟ وما فائدة نبي يغيب عن الأبصار ، ويعيش بعيداً عن قومه؟

1 . نهج البلاغة بتعليقات عبده: 3 / 186 قصار الحكم ، الرقم 147 .
2 . الأعراف: 142 .
3 . الأنبياء: 87 ـ 88 .

صفحه 173
فالجواب في هذا المقام ، هو الجواب في الإمام المهدي (عليه السلام)، وسيوافيك ما يفيدك من الانتفاع بوجود الإمام الغائب في زمان غيبته في جواب السؤال التالي .
وأمّا الحلّ : فمن وجوه :
الأوّل : إنّ عدم علمنا بفائدة وجوده في زمن غيبته ، لايدلّ على عدم كونه مفيداً في زمن غيبته ، فالسائل جَعَلَ عدم العلم طريقاً إلى العلم بالعدم!! وكم لهذا السؤال من نظائر في التشريع الإسلامي ، فيقيم البسطاء عدم العلم بالفائدة ، مقام العلم بعدمها ، وهذا من أعظم الجهل في تحليل المسائل العلمية ، ولا شك أنّ عقول البشر لا تصل إلى كثير من الأُمور المهمّة في عالم التكوين والتشريع ، بل لا تفهم مصلحة كثير من سننه ، وإن كان فعله سبحانه منزّهاً عن العبث ، بعيداً عن اللغو .
وعلى ذلك فيجب علينا التسليم أمام التشريع إذا وصل إلينا بصورة صحيحة، كما عرفت من تواتر الروايات على غَيبته .
الثاني : إنّ الغَيبَة لا تلازم عدم التصرّف في الأُمور ، وعدم الاستفادة من وجوده ، فهذا مصاحب موسى كان وليّاً ، لجأ إليه أكبر أنبياء الله في عصره ، فقد خرق السفينة التي يمتلكها المستضعفون ليصونها عن غصب الملك ، ولم يَعْلَم أصحاب السفينة بتصرّفه ، وإلاّ لصدُّوه عن الخرق ، جهلا منهم بغاية عمله . كما أنّه بنى الجدار ،

صفحه 174
ليصون كنز اليتيمين ، فأي مانع حينئذ من أن يكون للإمام الغائب في كلّ يوم وليلة تصرّف من هذا النمط من التصرّفات . ويؤيد ذلك ما دلّت عليه الروايات من أنّه يحضر الموسم في أشهر الحج ، ويحجّ، ويصاحب الناس ، ويحضر المجالس ، كما دلتّ على أنّه يغيث المضطرين ، ويعود المرضى ، وربّما يتكفّل ـ بنفسه الشريفة ـ قضاء حوائجهم ، وإن كان الناس لا يعرفونه .
الثالث : المُسَلّم هو عدم إمكان وصول عموم الناس إليه في غَيبته ، وأمّا عدم وصول الخواص إليه ، فليس بأمر مسلّم ، بل الذي دلّت عليه الروايات خلافه ، فالصلحاء من الأُمّة الذين يُستَدَرُّ بهم الغمام ، لهم التشرّف بلقائه ، والاستفادة من نور وجوده ، وبالتالي تستفيد الأُمّة بواسطتهم .
الرابع : لا يجب على الإمام أن يتولّى التصرّف في الأُمور الظاهرية بنفسه ، بل له تولية غيره على التصرف في الأُمور كما فعل الإمام المهدي ـ أرواحنا له الفداء ـ في غَيبته . ففي الغيبة الصغرى ، كان له وكلاء أربعة ، يقومون بحوائج الناس ، وكانت الصلة بينه وبين الناس مستمرّة بهم . وفي الغيبة الكبرى نصب الفقهاء والعلماء العدول العالمين بالأحكام ، للقضاء وتدبير الأُمور ، وإقامة الحدود ، وجعلهم حجة على الناس ، فهم يقومون في عصر الغيبة بصيانة الشرع عن التحريف ، وبيان الأحكام ، ودفع الشبهات ، وبكل ما

صفحه 175
يتوقّف عليه نظم أُمور الناس.(1)
وإلى هذه الأجوبة أشار الإمام المهدي (عليه السلام) في آخر توقيع له إلى بعض نوّابه ، بقوله : «وأمّا وجهُ الانتفاع بي في غَيبتي ، فكالانتفاع بالشَّمسِ إذا غيّبَها عن الأبصار السحاب».(2)

السؤال الثاني : لماذا غاب المهدي (عليه السلام)؟

إنّ ظهور الإمام بين الناس ، يترتّب عليه من الفائدة ما لا يترتّب عليه في زمن الغيبة ، فلماذا غاب عن الناس ، حتى حرموا من الاستفادة من وجوده ، وما هي المصلحة التي أخفته عن أعين الناس؟

1 . المراد من الغيبة الصغرى ، غيبته ـ صلوات الله عليه ـ منذ وفاة والده عام 260هـ إلى عام 329هـ ، وقد كانت الصلة بينه وبين الناس مستمرة بواسطة وكلائه الأربعة : الشيخ أبي عمرو عثمان بن سعيد العمري ، وولده الشيخ أبي جعفر محمّد بن عثمان ، والشيخ أبي القاسم الحسين بن روح من بني نوبخت ، والشيخ أبي الحسن علي بن محمد السَّمري .
والمراد من الغيبة الكبرى : غيبته من تلك السنة إلى زماننا هذا ، انقطعت فيها النيابة الخاصّة عن طريق أشخاص معينين ، وحلّ محلّها النيابة العامّة بواسطة الفقهاء والعلماء العدول ، كما جاء في توقيعه الشريف : «وأمّا الحوادث الواقعة ، فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا ، فإنّهم حجّتي عليكم ، وأنا حجّة الله عليهم» (كمال الدين: 484، الباب 45) .
2 . كمال الدين للصدوق: 485 ، الباب 45 ، الحديث 4 . وقد ذكر العلاّمة المجلسي في وجه تشبيهه بالشمس إذا سترها السحاب ، وجوهاً ، راجعها في: بحار الأنوار : 52 /93 ـ 94، الباب 20 .

صفحه 176
الجواب :
إنّ هذا السؤال يجاب عليه بالنقض والحل :
أمّا النقض : فبما ذكرناه في الإجابة عن السؤال الأوّل ، فإنّ قصور عقولنا عن إدراك أسباب غيبته ، لا يجرّنا إلى إنكار المتضافرات من الروايات ، فالاعتراف بقصور أفهامنا أولى من ردّ الروايات المتواترة ، بل هو المتعيّن .
وأمّا الحلّ : فإنّ أسباب غيبته  واضحة، لمن أمعن فيما ورد حولها من الروايات ، فإنّ الإمام المهدي (عليه السلام) هو آخر الأئمة الاثني عشر الذين وعد بهم الرسول ، وأناط عزّة الإسلام بهم ، ومن المعلوم أنّ الحكومات الإسلامية لم تُقدِّرْهُم ، بل كانت لهم بالمرصاد ، تلقيهم في السجون وتريق دماءهم الطاهرة بالسيف أو السمّ ، فلو كان ظاهراً ، لأقدموا على قتله ، إطفاءً لنوره ، فلأجل ذلك اقتضت المصلحة أن يكن مستوراً عن أعين الناس ، يراهم ويرونه ولكن لا يعرفونه ، إلى أن تقتضي مشيئة الله سبحانه ظهوره ، بعد حصول استعداد خاص في العالم لقبوله ، والانضواء تحت لواء طاعته ، حتى يحقّق الله تعالى به ما وعد به الأُمم جمعاء من توريث الأرض للمستضعفين .
وقد وردت في بعض الروايات إشارة إلى هذه النكتة ، روى زرارة قال : سمعت أبا جعفر (الباقر (عليه السلام)) يقول : إنّ للقائم غَيبة قبل أن

صفحه 177
يقوم ، قال : قلت : ولِمَ؟ قال : يخاف . قال زرارة : يعني القتل .
وفي رواية أُخرى : يخاف على نفسه الذبح.(1)
وسيوافيك ما يفيدك عند الكلام عن علائم ظهوره .

السؤال الثالث : الإمام المهدي وطول عمره

إنّ من الأسئلة المطروحة حول الإمام المهدي ، طول عمره في فترة غَيبته ، فإنّه ولد عام 255هـ ، فيكون عمره إلى العصر الحاضر أكثر من ألف ومائة وخمسين عاماً ، فهل يمكن في منطق العلم أن يعيش إنسان هذا العمر الطويل؟
الجواب :
من وجهين ، نقضاً وحلاًّ .
أمّا النقض : فقد دلّ الذكر الحكيم على أنّ شيخ الأنبياء عاش قرابة ألف سنة ، قال تعالى : (فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَة إِلاَّ خَمْسِينَ عَامًا).(2)
وقد تضمّنت التوراة أسماء جماعة كثيرة من المعمّرين ، وذكرت أحوالهم في سِفْر التكوين.(3)

1 . لاحظ : كمال الدين: 281 ، الباب 44 ، الحديث 8 و9 و10 .
2 . العنكبوت: 14 .
3 . لاحظ : التوراة ، سفر التكوين ، الإصحاح الخامس ، الجملة 5 ، وذكر هناك أعمار آدم ، وشيث، ونوح ، وغيرهم .

صفحه 178
وقد قام المسلمون بتأليف كتب حول المعمّرين ، ككتاب «المعمّرين» لأبي حاتم السجستاني ، كما ذكر الصدوق أسماء عدّة منهم في كتاب «كمال الدين»(1) ، والعلاّمة الكراجكي في رسالته الخاصّة ، باسم « البرهان على صحة طول عمر الإمام صاحب الزمان»(2) ، والعلاّمة المجلسي في البحار(3) ، وغيرهم .
وأمّا الحلّ : فإنّ السؤال عن إمكان طول العمر ، يعرب عن عدم التعرّف على سعة قدرة الله سبحانه : (وَما قَدَروا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ)(4) ، فإنّه إذا كانت حياته وغيبته وسائر شؤونه ، برعاية الله سبحانه ، فأي مشكلة في أن يمدّ الله سبحانه في عمره ما شاء ، ويدفع عنه عوادي المرض ويرزقه عيش الهناء .
وبعبارة أُخرى : إنّ الحياة الطويلة إمّا ممكنة في حد ذاتها أو ممتنعة ، والثاني لم يقل به أحد ، فتعيّن الأوّل ، فلا مانع من أن يقوم سبحانه بمدّ عمر وليّه ، لتحقيق غرض من أغراض التشريع .
أضف إلى ذلك ما ثبت في علم الحياة ، من إمكان طول عمر

1 . لاحظ : كمال الدين : 555 .
2 . لاحظ : البرهان على طول عمر صاحب الزمان للكراجكي ، ملحق بـ«كنز الفوائد» ، له . أيضاً الجزء الثاني . لاحظ في ذكر المعمّرين: 114 ـ 155 ، طبعة دار الأضواء ، بيروت 1405هـ .
3 . لاحظ : بحار الأنوار: 51 / 225 ـ 293، الباب 14  .
4 . الأنعام: 91 .

صفحه 179
الإنسان إذا كان مراعياً لقواعد حفظ الصحة ، وأنّ موت الإنسان في فترة متدنية ، ليس لقصور الاقتضاء ، بل لعوارض تمنع عن استمرار الحياة ، ولو أمكن تحصين الإنسان منها بالأدوية والمعالجات الخاصّة، لطال عمره ما شاء .
وهناك كلمات ضافية من مَهَرة علم الطب في إمكان إطالة العمر ، وتمديد حياة البشر ، نشرت في الكتب والمجلات العلمية المختلفة.(1)
وبالجملة ، اتّفقت كلمة الأطباء على أنّ رعاية أُصول حفظ الصحّة ، توجب طول العمر ، فكلّما كثرت العناية برعاية تلك الأُصول ، طال العمر ، ولأجل ذلك نرى أنّ الوفيات في هذا الزمان ، في بعض الممالك ، أقلّ من السابق ، والمعمّرين فيها أكثر من ذي قبل ، وما هو إلاّ لرعاية أُصول الصحّة ، ومن هنا أُسّست شركات تضمن حياة الإنسان إلى أمد معلوم تحت مقرّرات خاصة وحدود معيّنة ، جارية على قوانين حفظ الصحّة ، فلو فرض في حياة شخص اجتماع موجبات الصحّة من كلّ وجه ، طال عمره إلى ما شاء الله .
وإذا قرأت ما تُدَوِّنه أقلام الأطباء في هذا المجال ، يتّضح لك معنى قوله سبحانه : (فَلَوْلا أنّه كانَ مِنَ المُسَبِّحينَ * لَلَبِثَ في بَطْنِهِ

1 . لاحظ : مجلة المقتطف ، الجزء الثالث من السنة التاسعة والخمسين .

صفحه 180
إِلى يَومِ يُبْعَثونَ)(1) .
فإذا كان عيش الإنسان في بطون الحيتان ، في أعماق المحيطات ، ممكناً إلى يوم البعث ، فكيف لا يعيش إنسان على اليابسة ، في أجواء طبيعية ، تحت رعاية الله وعنايته ، إلى ما شاء الله؟

السؤال الرابع : ماهي علائم ظهوره (عليه السلام)؟

إذا كان للإمام الغائب ، ظهورٌ بعد غيبة طويلة ، فلا بدّ من أن يكون لظهوره علامات وأشراط تخبر عن ظهوره ، فما هي هذه العلامات؟
الجواب :
إنّ ما جاء في كتب الأحاديث من الحوادث والفتن الواقعة في آخر الزمان على قسمين :
قسم هو من أشراط الساعة وعلامات دنوّ القيامة .
وقسم هو ما يقع قبل ظهور المهدي المنتظر .
وربّما وقع الخلط بينهما في الكتب ، ونحن نذكر القسم الثاني منهما ، وهو عبارة عن أُمور عدّة ، منها :
1 ـ النداء في السماء .
2 ـ الخسوف والكسوف في غير مواقعهما .

1 . الصافات: 143و144 .

صفحه 181
3 ـ الشقاق والنفاق في المجتمع .
4 ـ ذيوع الجور والظلم والهرج والمرج في الأُمّة .
5 ـ ابتلاء الإنسان بالموت الأحمر والأبيض .
6 ـ قتل النفس الزكية .
7 ـ خروج الدجّال .
8 ـ خروج السفياني .
وغير ذلك مما جاء في الأحاديث الإسلامية.(1)
هذه هي علامات ظهوره ، ولكن هناك أُمور تمهّد لظهوره ، وتسهّل تحقيق أهدافه نشير إلى إبرزها :
1 ـ الاستعداد العالمي : والمراد منه أنّ المجتمع الإنساني ـ وبسبب شيوع الفساد ـ يصل إلى حدّ، يقنط معه من تحقّق الإصلاح بيد البشر، وعن طريق المنظمات العالمية التي تحمل عناوين مختلفة ، وأنّ ضغط الظلم والجور على الإنسان يحمله عن أن يُذعن ويُقرّ بأنّ الإصلاح لا يتحقّق إلاّ بظهور إعجاز إلهي ، وحضور قوّة غيبية ، تدمّر كلّ تلك التكتلات البشرية الفاسدة ، التي قَيّدَتْ بسلاسلها أعناق البشر .

1 . لاحظ للوقوف على هذه العلامات: بحار الأنوار : 52 / 181 ـ 308، الباب 25 ; وكتاب المهدي ، للسيد صدر الدين الصدر (المتوفّى 1373هـ ) ، ومنتخب الأثر : 424 ـ 462 .

صفحه 182
2 ـ تكامل العقول : إنّ الحكومة العالمية للإمام المهدي (عليه السلام) لا تتحقّق بالحروب والنيران والتدمير الشامل للأعداء ، وإنّما تتحقّق برغبة الناس إليها ، وتأييدهم لها ، لتكامل عقولهم ومعرفتهم .
يقول الإمام الباقر (عليه السلام) في حديث له يرشد فيه إلى أنّه إذا كان ذلك الظرف ، تجتمع عقول البشر وتكتمل أحلامهم : «إذا قام قائمنا ، وَضَعَ الله يده على رؤوس العباد ، فيجمع بها عقولهم ، وتكتمل به أحلامهم»(1) .
فقوله (عليه السلام) : «فيجمع بها عقولهم» ، بمعنى أنّ التكامل الاجتماعي يبلغ بالبشر إلى الحدّ الذي يَقْبَلُ فيه تلك الموهبة الإلهية ، ولن يترصّد للثورة على الإمام والانقلاب عليه ، وقتله أو سجنه .
3 ـ تكامل الصناعات : إنّ الحكومة العالمية الموحّدة لا تتحقق إلاّ بتكامل الصناعات البشرية ، بحيث يسمع العالم كلّه صوته ونداءه ، وتعاليمه وقوانينه في يوم واحد ، وزمن واحد .
قال الإمام الصادق (عليه السلام) : «إنّ المؤمنَ في زمان القائم ، وهو بالمشرق يرى أخاه الذي في المغرب ، وكذا الذي في المغرب يرى أخاه الذي بالمشرق»(2) .

1 . منتخب الأثر : 483 .
2 . منتخب الأثر : 483 .

صفحه 183
4 ـ الجيش الثوري العالمي : إنّ حكومة الإمام المهدي ، وإن كانت قائمة على تكامل العقول ، ولكن الحكومة لا تستغني عن جيش فدائي ثائر وفعّال ، يُمَهِّد الطريق للإمام (عليه السلام) ويواكبه بعد الظهور إلى تحقّق أهدافه وغاياته المتوخّاة .

صفحه 184
حصيلة البحث    

حصيلة البحث

هؤلاء هم أئمّة الشيعة وقادتهم بل أئمّة المسلمين جميعاً ، وكيف لا يكونون كذلك؟ وقد ترك رسول الله بعد رحلته الثقلين وحثّ الأُمّة على التمسّك بهما وقال : «إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً».(1)
ولكن المؤسف أنّ أهل السنّة والجماعة لم يعتمدوا في تفسير كتاب الله العزيز على أقوال أئمّة أهل البيت وهم قرناء القرآن وأعداله والثقل الآخر من الثقلين ، وإنّما استعانوا في تفسيره بأُناس لا يبلغون شأوهم ولا يشقّون غبارهم ، نظراء مجاهد بن جبر (المتوفّى عام 104هـ ) ، وعكرمة البربري (المتوفّى عام 104هـ ) ، وطاووس بن كيسان اليماني (المتوفّى عام 106هـ ) وعطاء بن أبي رباح (المتوفّى عام 114هـ ) ، ومحمّد بن كعب القرظي (المتوفّى عام 118هـ) ، إلى غير ذلك من أُناس لا يبلغون في الوثاقة والمكانة العلمية معشار ما عليه أئمّة أهل البيت ـ صلوات الله عليهم ـ . . .

1 . رواه غير واحد من أصحاب الصحاح والمسانيد وهو من الأحاديث المتواترة ، (لاحظ نشرة دار التقريب بين المذاهب الإسلامية ، حول هذا الحديث ، ترى أسناده موصولة إلى النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)) .

صفحه 185
فالإسلام عقيدة وشريعة ، والنجاة عن الضلال ـ حسب مفاد حديث الثقلين ـ هو الرجوع إليهما ، وأمّا غيرهما فإن رجع إليهما فنعم المطلوب وإلاّ فلا قيمة له ، أمّا الصحابة والتابعون ، فلا يعتد برأيهم إلاّ إذا كان مأخوذاً عن كتابه سبحانه أو سنّة نبيّه ، وليس حديث أئمّة أهل البيت إلاّ إشراقاً خالداً لحديث جدّهم الأكرم وسنّته .

صفحه 186
فهرس المحتويات   

صفحه 187
فهرس المحتويات
الموضوع     الصفحة
تمهيد الأئمة الاثنا عشر   7
   الأئمّة الاثنا عشر في حديث الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)   8
   حديث الأئمة الاثنا عشر في كتب السنّة   14
الإمام الأوّل : أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام)   20
   مكوّنات الشخصيّة الإنسانية   21
   مكوّنات شخصيّة الإمام علي(عليه السلام)   23
      1 ـ الإمام علي(عليه السلام) والوراثة من الأبوين   23
      2 ـ الإمام عليّ وتربيته في حجر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)   26
         النبيّ يأخذ عليّاً إلى بيته   29
         عليّ في غار حراء   30
      3 ـ البيئة الرسالية وشخصية الإمام   32
         البعد المعنوي لشخصيّة الإمام(عليه السلام)   33
         تسليط الضوء على شخصيته السامية   36
      تنصيب علي(عليه السلام) للإمامة   40
         1 ـ النبوّة والإمامة توأمان   45

صفحه 188
الموضوع    الصفحة
         2 ـ قصة الغدير   47
            مصادر الواقعة   50
            واقعة الغدير ورمز الخلود   52
      شذرات من فضائله   56
الإمام الثاني : أبو محمد الحسن بن علي المجتبى(عليه السلام)   58
   ولادته   58
   ألقابه(عليه السلام)   59
   علمه(عليه السلام)   59
   زهده(عليه السلام)   60
   حلمه (عليه السلام)   61
   إمامته(عليه السلام)   61
   صلحه(عليه السلام) مع معاوية   64
   شهادته ودفنه(عليه السلام)   65
   فرح معاوية بموته   67
الإمام الثالث : أبو عبدالله الحسين بن علي سيّد الشهداء(عليه السلام)   69
   ولادته(عليه السلام)   69
   خصائصه(عليه السلام)   69
   كفاحه وجهاده الرسالي   70
   إباؤه للضيم ومعاندة الجور   70
   رفضه البيعة ليزيد   74
   خروجه من مكّة ومكاتبة أهل الكوفة له :   75

صفحه 189
الموضوع    الصفحة
   الدافع الواقعي للهجرة إلى العراق :   78
   شهادته(عليه السلام)   86
الإمام الرابع : عليّ بن الحسين بن عليّ زين العابدين(عليه السلام)   87
   ولادته و جوانب من سيرته(عليه السلام)   87
      1 ـ هيبته ومنزلته العظيمة :   88
      2 ـ زهده وعبادته ومواساته للفقراء :   90
   ثروته(عليه السلام) العلمية   92
   رسالة الحقوق   95
   شهادته(عليه السلام)   96
الإمام الخامس : أبو جعفر محمّد بن عليّ الباقر(عليه السلام)   97
   أقوال العلماء فيه(عليه السلام)   97
   مناظراته   100
الإمام السادس : أبو عبدالله جعفر بن محمّد الصادق(عليه السلام)   103
   ولادته وخصائصه(عليه السلام)   103
   مناقبه (عليه السلام)   105
   حياته العلميّة (عليه السلام)   106
   نتف من أقواله   112
   من أقوال العلماء المحدِّثين فيه(عليه السلام)   112
   وفاته   113
الإمام السابع : أبو الحسن موسى بن جعفر الكاظم(عليه السلام)   115
   ولادته(عليه السلام)   115

صفحه 190
الموضوع    الصفحة
   إمامته(عليه السلام)   115
   جوانب من سيرته العطرة(عليه السلام)   117
   وفاته   122
الإمام الثامن : أبوالحسن عليّ بن موسى الرضا(عليه السلام)   125
   ولادته(عليه السلام)   125
   إمامته(عليه السلام)   125
   أقوال العلماء فيه(عليه السلام)   126
   الإمام الرضا(عليه السلام) وولاية العهد   129
   الإمام الرضا(عليه السلام) وصلاة العيد    134
   من شعر أبي نؤاس فيه(عليه السلام)   136
   شهادته(عليه السلام)   137
الإمام التاسع : أبوجعفر محمّد بن عليّ الجواد(عليه السلام)   138
   ولادته(عليه السلام)   138
   إمامته(عليه السلام)   138
   استقدامه إلى بغداد   139
   رجوعه(عليه السلام) إلى المدينة    143
الإمام العاشر : أبو الحسن عليّ بن محمّد الهادي(عليه السلام)   145
   ولادته وإمامته(عليه السلام)   145
   المتوكّل ومواقفه الشنيعة مع الإمام(عليه السلام)   146
   آثاره العلمية   149
   شهادته(عليه السلام)   151

صفحه 191
الموضوع    الصفحة
الإمام الحادي عشر : أبو محمّد الحسن بن علي العسكري(عليه السلام)   152
الإمام الثاني عشر : المهدي ابن الحسن المنتظر(عليه السلام)   159
   في مَن رأى المهدي في بيت الإمام العسكري   166
   أسئلة مهمّة حول المهدي (عجّل الله تعالى فرجه)   170
      الأوّل : كيف يكون إماماً وهو غائب؟ وما فائدته؟   170
      السؤال الثاني : لماذا غاب المهدي (عليه السلام)؟   175
      السؤال الثالث : الإمام المهدي وطول عمره   177
      السؤال الرابع : ماهي علائم ظهوره (عليه السلام)؟   180
حصيلة البحث   184
فهرس المحتويات   187