welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : محاضرات في الالهيات*
تألیف :الشيخ علي الرباني الگلپايگاني*

محاضرات في الالهيات

محاضرات
في الإلهيات

لسماحة العلامة المحقّق
الشيخ جعفر السبحاني
ـ دام ظلّه ـ

تلخيص

الشيخ علي الرباني الگلپايگاني

مؤسسة الإمام الصادق ـ عليه السلام ـ


(5)

علم الكلام
رائد الفطرة الاِنسانية

الاِلتفات إلى ما وراء الطبيعة إنجذاب طبيعيّ وميل فطريّ بشريّ، يظهر في كلّ فردٍ من أفراد النوع البشري من أوائل شبابه، ومطلع عمره مادامت مرآة تلك الفطرة نقيّة صافية لم تنكسف بآراء بشريّة غير نقيّة.
وذلك الاِلتفات والانجذاب نعمة كبيرة من نعمِ اللّه سبحانه على العباد، حيث يدفعهم نحو مبدأ هذا الكون وصانعه ومنشئه، وما يترتب على ذلك من مسائل حيويّة.
ولكن هذا الانجذاب إنّما يجديه إذا خضع لتربية الاَنبياء ورعايتهم، وصار مشفوعاً بالدليل والبرهان، إذ حينذاك يُصبِحُ هذا الانجذاب كشجرة مباركة (توَتي أُكلها كلَّ حين) ، ولا تُضعْضعها العواصف مهما كانت شديدة قالعة.
وأمّا إذا ترك حتى استغلّته الاَهواء والآراء المنحرفة، انطفأت هذه الشعلة المقدّسة واختفت تحت ركام من الاَوهام و الخرافات.
ولاَجل ذلك يجب على القائمين على شوَون التربية أن يُطْعِموا الفطرة البشريّة بالبراهين العقليّة القاطعة الساطعة الّتي هدانا إليها الذكر الحكيم والاَحاديث الصحيحة الشريفة، وما أنتجته الاَبحاث الفكريّة طوال العصور والاَزمنة في الاَوساط الدينيّة.

(6)
ومن هنا عمد أئمّة أهل البيت _ عليهم السلام _ واحداً تلو الآخر، بصقل الاَذهان وتنويرها بالبراهين الدامغة، مراعين فيها مستوى الاَذهان يومذاك، بل وآخذين بالاعتبار، مستوى أذهان الاَجيال القادمة.
وقد اهتمّ المسلمون من عصر الاِمام أمير الموَمنين علي بن أبي طالب _ عليه السلام _ بتدوين علم الكلام، مقتبسين أُصوله من خطبه وكلمه، فلم يزل ينمو ويتكامل في ظلِّ الاحتكاكات والمذاكرات، إلى أن دخل رابع القرون، فقامت شخصيات مفكّرة كبيرة ألَّفت في ذلك المضمار كتباً قيِّمة.
فمن الشيعة نجد الشيخ الاَقدم أبا إسحاق إبراهيم بن نوبخت والشيخ المفيد (413 هـ) والشريف المرتضى (436 هـ) وأبا الصلاح الحلبي (م447هـ) وشيخ الطائفة الطوسي (460هـ) وابن زهرة الحلبي (585هـ) وسديد الدين الحمصي (600هـ) والمحقّق الطوسي (672هـ) وابن ميثم البحراني (679هـ) والعلاّمة الحلّي (726هـ) والفاضل المقداد (826هـ) و... من الاَعلام الفطاحل، والعلماء الاَفذاذ.
وما كتبته تلك الثلّة المباركة في هذا الضمار رسائل جليلة تكفّلت أداء الرسالة بصورة كاملة.
ولكن حيث إنّ كلّ عصر يطلب لنفسه طوراً من التأليف يتناسب مع حاجات ذلك العصر ويستجيب لمطالبه، فلابدّ من أبحاث في هذا العصر تناسب حاجاته ومتطلّباته.
وقد قام شيخنا العلاّمة الحجّة آية اللّه السبحاني ـ دام ظلّه ـ بهذه المهمَّة في عصرنا الحاضر، وهو ممّن كرّس قسماً كبيراً من حياته في هذا المجال.
وقد أكثر من التأليف في هذا العلم، ودبّجت يراعته أسفاراً متنوعة مناسبة لكلّ مستوى من المستويات، ومن أحسن نتاجاته المباركة في هذا العلم محاضراته
(7)
القيّمة التي ألقاها في جامعة قم الدينية العلمية، وحرَّرها تلميذه الفاضل الشيخ حسن مكّي العاملي ـ حفظه اللّه ـ ، حيث كانت جامعة لاَطراف هذا العلم، ومتكفّلة لجميع مسائله المهمَّة، وقد تعرّض فيها للآراء في كلّ مسألة، مستمدَّة من الاَُصول الاَصلية في الكلام وقضى بين الآراء بعد أن حاكمها قضاء منطقياً منصفاً، فكان الكتاب الحاضر الذي يغني الطالب الديني الذي يريد أن يحيط بالآراء الكلامية في جميع الاَبواب، وقد صار محور الدراسة الكلامية في جامعة قم منذ سنين.
وقد قمت ـ بإذن من شيخنا الاَُستاذ ـ بتلخيص هذا الكتاب القيِّم على وجه لا يُخلّ بمقاصده وأهدافه، ومنهجه، وتمثّل عملي هذا في:
تلخيص العبارات، والاِكتفاء بأقصرها وأقلّها أوّلاً.
والاقتصار على أقوى البراهين وأوضحها ثانياً.
وحذف الاَقوال والاَبحاث الموجبة للاِطناب ثالثاً.
والتصرّف في تنسيق الاَبحاث وترتيبها رابعاً.
واستدراك ما فات شيخنا الاَُستاذ في بعض المجالات خامساً.
وإن كان ما أحدثناه مستفاداً من مشكاة علمه، ومستقى من معين فضله، وله حقوق كبيرة على العلم وأهله، والجيل المعاصر، حفظه اللّه مناراً للعلم، ومشعلاً للهداية، انّه سميع مجيب.
جامعة قم ـ علي الربّاني الكلبايكاني
30 رجب 1414هـ.ق
المطابق لـ23 بهمن 1372هـ.ش


(8)

(9)

الباب الاَوّل
فيما يتعلّق بذاته
تعالى وتوحيده

وفيه ثلاثة فصول:

1. لماذا نبحث عن وجود اللّه تعالى؟
2. براهين إثبات وجوده سبحانه.
3. التوحيدومراتبه.

(10)

(11)

الفصل الاَوّل
لماذا نبحث عن وجود اللّه سبحانه؟

إنّ هاهنا سوَالين في مجال البحث عن اللّه والاِيمان به، ينبغي أن نبحث عنهما قبل كلّ شيء، هما:
1. ما الّذي يبعث الاِنسان إلى البحث عن وجود مبدىَ العالم وصانعه؟
2. ماذا يترتب على معرفة صانع العالم والاِيمان به، وبالتالي، الاِيمان بالدين الاِلهي؟
فالجواب عن السوَال الاَوّل بوجهين:

1. لزوم دفع الضّرر المحتمل

إنّهناك عاملاً روحيّاً يحفزنا إلى البحث عن هذه الاَُمور الخارجة عن إطار المادّة والمادّيات، وهو انّ هناك مجموعة كبيرة من رجالات الاِصلاح والاَخلاق الديني فدوا أنفسهم في طريق إصلاح المجتمع وتهذيبه وتوالوا على مدى القرون والاَعصار، ودعوا المجتمعات البشريّة إلى الاعتقاد باللّه سبحانه وصفاته الكمالية، وادّعوا انّ له تكاليف على عباده ووظائف وضعها عليهم، وانّ الحياة لا تنقطع
(12)
بالموت، وإنّما ينقل الاِنسان من دار إلى دار، وانّ من قام بتكاليفه فله الجزاء الاَوفى، ومن خالف واستكبر فله النّكاية الكبرى.
هذا ما سمعته آذان أهل الدنيا من رجالات الوحي و الاِصلاح، ولم يكن هوَلاء متَّهمين بالكذب والاختلاق، بل كانت علائم الصدق لائحة من خلال حياتهم وأفعالهم وأذكارهم، عند ذلك يدفع العقل الاِنسان المفكّر إلى البحث عن صحّة مقالتهم دفعاً للضرر المحتمل أو المظنون الذي يورثه أمثال هوَلاء.

2. لزوم شكر المنعم

لا شكّ انّ الاِنسان في حياته غارق في النعم، وهذا ممّا لا يمكن لاَحد إنكاره، ومن جانب آخر انّ العقل يستقلّ بلزوم شكر المنعم، ولا يتحقّق الشكر إلاّ بمعرفته. (1)
وعلى هذين الاَمرين يجب البحث عن المنعم الّذي غمر الاِنسان بالنعم وأفاضها عليه، فالتعرّف عليه من خلال البحث إجابةٌ لهتاف العقل ودعوته إلى شكر المنعم المتوقف على معرفته. (2)
وفي الجواب عن السوَال الثاني نقول:

(1) إن كان شكر المنعم لازماً فيجب معرفته، لكنّ المقدّم حقّ، فالتالي كذلك.أمّا حقيّة المقدّم فلاَنّه من البديهيات العقلية.وأمّا الملازمة فلاَنّه أداء للشكر، والاِتيان به موقوف على معرفة المنعم وهو واضح.
(2)إنّ هاهنا جواباً آخر عن هذا السوَال، وهو أنّ الاِنسان بفطرته يبحث عن علل الحوادث، فما من حادثة إلاّ وهو يفحص عن علّتها ويشتاق إلى الوقوف عليها، عندئذٍ ينقدح في ذهنه السوَال عن علّة العالم ومجموع الحوادث. هل هناك علّة موجدة للعالم الكوني وراء العلل والاَسباب الماديّة أو لا ؟ فالبحث عن وجود صانع العالم فطري للاِنسان. راجع أُصول الفلسفة للعلاّمة الطباطبائي : المقالة 14.

(13)

دور الدين الاِلهي في حياة الاِنسان

الدين ثورة فكريّة تقود الاِنسان إلى الكمال والترقّي في جميع المجالات المهمّة بالنسبة إلى حياة الاِنسان منها:
ألف. تقويم الاَفكار والعقائد وتهذيبهما عن الاَوهام والخرافات.
ب. تنمية الاَُصول الاَخلاقية.
ج. تحسين العلاقات الاِجتماعية.
د. إلغاء الفوارق القومية.
وإليك تبيين وجه قيادة الدين في هذه المآرب الاَربعة:
أمّا في المجال الاَوّل: فإنّ الدّين يفسِّر واقع الكون بأنّه إبداع موجود عال قام بخلق المادة وتصويرها وتحديدها بقوانين وحدود، كما انّه يفسِّـر الحياة الاِنسانية بأنّها لم تظهر على صفحة الكون عبثاً ولم يخلق الاِنسان سدى، بل لتكوّنه في هذا الكوكب غاية عليا يصل إليها في ظلّ تعاليم الاَنبياء والهداة المبعوثين من جانب اللّه تعالى.
وفي مقابل هذا التفسير الديني لواقع الكون والحياة الاِنسانية تفسير المادّي القائل بأنّ المادّة الاَُولى قديمة بالذات وهي التي قامت فأعطت لنفسها نظماً، وانّه لا غاية لها ولا للاِنسان القاطن فيها وراء هذه الحياة المادّية، وهذا التفسير يقود الاِنسان إلى الجهل والخرافة، إذ كيف يمكن للمادّة أن تمنح نفسها نظماً؟! وهل يمكن أن تتّحد العلّة والمعلول، والفاعل والمفعول، والجاعل و المجعول؟
ومن هنا يتبيّن أنّ التكامل الفكري إنّما يتحقّق في ظلّ الدين، لاَنّه يكشف آفاقاً وسيعة أمام عقله وتفكّره.

(14)
وأمّا في المجال الثاني: فإنّ العقائد الدينية تُعدّ رصيداً للاَُصول الاَخلاقية، إذ التقيّد بالقيم ورعايتها لا ينفك عن مصاعب وآلام يصعب على الاِنسان تحمّلها إلاّ بعامل روحي يسهِّلها ويزيل صعوبتها له، وهذا كالتضحية في سبيل الحقّ والعدل، ورعاية الاَمانة ومساعدة المستضعفين، فهذه بعض الاَُصول الاَخلاقية التي لا تنكر صحّتها، غير أنّ تجسيدها في المجتمع يستتبع آلاماً وصعوبات، والاعتقاد باللّه سبحانه وما في العمل بها من الاَجر والثواب خير عامل لتشويق الاِنسان على إجرائها وتحمّل المصائب والآلام.
وأمّا في المجال الثالث: فإنّ العقيدة الدينيّة تساند الاَُصول الاِجتماعية، لاَنّها تصبح عند الاِنسان المتديّن تكاليف لازمة، ويكون الاِنسان بنفسه مقوداً إلى العمل والاِجراء، أي إجراء التكاليف والقوانين الاِجتماعية في شتّى الحقول.
وأمّا في المجال الرابع: فإنّ الدين يعتبر البشر كلّهم مخلوقين لمبدأ واحد، فالكل بالنسبة إليه حسب الذات والجوهر كأسنان المشط، ولا يرى أيّمعنى للمميّزات القوميّة والتفاريق الظاهريّة.
فهذه بعض المجالات الّتي للدّين فيها دور وتأثير واضح، أفيصحّ بعد الوقوف على هذه التأثيرات المعجبة أن نهمل البحث عنه، ونجعله في زاوية النسيان؟
نعم ما ذكرنا من دور الدين وتأثيره في الجوانب الحيويّة من الاِنسان إنّما هو من شوَون الدين الحقيقي الذي يوَيّد العلم ويوَكّد الاَخلاق ولا يخالفهما، وأمّا الاَديان المنسوبة إلى الوحي بكذب وزور فخارجة عن موضوع بحثنا.

(15)

الفصل الثاني
براهين وجوده سبحانه؟

إنّ البراهين الدالّة على وجود خالق لهذا الكون ومفيضٍ لهذه الحياة كثيرة متعدّدة، ونحن نكتفي بتقرير ثلاثة منها:
1. برهان النظم.
2. برهان الاِمكان والوجوب.
3. برهان الحدوث.
ونركّز البحث أوّلاً على برهان النظم الّذي يتجاوب مع جميع العقول على اختلاف سطوح تفكيرها فنقول:

(16)

1
برهان النظم

إنّ من أوضح البراهين العقلية وأيسرها تناولاً للجميع هو برهان النظم، وهو الاهتداء إلى وجود اللّه سبحانه عن طريق مشاهدة النظام الدقيق البديع السائد في عالم الكون.

ما هو النظم؟

إنّ مفهوم النظم من المفاهيم الواضحة لدى الاَذهان ومن خواصّه أنّه يتحقّق بين أُمور مختلفة سواء كانت أجزاء لمركب أو افراداً من ماهية واحدة أو ماهيات مختلفة، فهناك ترابط وتناسق بين الاَجزاء، أو توازن وانسجام بين الاَفراد يوَدّي إلى هدف وغاية مخصوصة، كالتلائم الموجود بين أجزاء الشجر، وكالتوازن الحاصل بين حياة الشجر والحيوان.

شكل البرهان وصورته

إنّ برهان النظم يقوم على مقدّمتين: إحداهما حسيّة، والاَُخرى عقلية.
أمّا الاَُولى: فهي انّ هناك نظاماً سائداً على الظواهر الطبيعية التي يعرفها الاِنسان إمّا بالمشاهدة الحسّية الظاهرية وإمّا بفضل الاَدوات والطرق العلميّة
(17)
التجريبيّة . ومازالت العلوم الطبيعيّة تكشف مظاهر وأبعاداً جديدة من النظام السائد في عالم الطبيعية، وهناك مئات بل آلاف من الرسائل والكتب الموَلّفة حول العلوم الطبيعيّة مليئة بذكر ما للعالم الطبيعي من النظام المعجب. فلا حاجة إلى تطويل الكلام في هذا المجال.
وأمّا الثانية: فهي أنّ العقل بعد ما لاحظ النظام وما يقوم عليه من المحاسبة والتقدير والتوازن والانسجام، يحكم بالبداهة بأنّ أمراً هكذا شأنه يمتنع صدوره إلاّ عن فاعل قادر عليم ذي إرادة وقصد، ويستحيل تحقّقها صدفة وتبعاً لحركات فوضويّة للمادّة العمياء الصمّاء، فإنّ تصوّر مفهوم النظم وأنّه ملازم للمحاسبة والعلم يكفي في التصديق بأنّ النظم لا ينفك عن وجود ناظم عالم أوجده، وهذا على غرار حكم العقل بأنّ كلّ ممكن فله علّة موجدة، وغير ذلك من البديهيات العقلية.

برهان النظم في الوحي الاِلهي

إنّ الوحي الاِلهي قد أعطى برهان (1)النظم إهتماماً بالغاً، وهناك آيات كثيرة من القرآن تدعو الاِنسان إلى مطالعة الكون وما فيه من النظم والاِتقان حتّى يهتدي إلى وجود اللّه تعالى وعلمه وحكمته.
نرى أنّ القرآن الكريم يلفت نظر الاِنسان إلى السّير في الآفاق والاَنفس ويقول:

(1) إنّ برهان النظم متفرّع على قانون العلّية، وإنّ كلّ حادثة فلها علّة محدثة لا محالة، وحينئذٍ يقع الكلام في صفات تلك العلّة، فهل يجب أن تكون عالماً وقادراً ومختاراً أو لا يجب ذلك؟ وبرهان النظم بصدد إثبات وجود هذه الصفات لعلّة الحوادث الكونية وفاعلها، وهذا ما يرتئيه القرآن الكريم والاَحاديث الاِسلامية في الدعوة إلى مطالعة الكون والتفكّر في آياته .

(18)
(سَنُرِيْهِمْ آياتِنا فِي الآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ). (1)
ويقول:
(قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالاََرْضِ) . (2)
ويقول:
(إِنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ وَالاََرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِوَالْفُلْكِ الّتي تَجْري فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ وَ ما أَنْزَل اللّهُ مِنَ السَّماءِمِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الاََرْضَ بَعْدَ مَوتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَتَصْرِيْفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِالْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالاََرْضِ لآياتٍ لِقَومٍ يَعْقِلُونَ) . (3)
ويقول:
(أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ) . (4)
ويقول أيضاً:
(وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ) . (5)
وقال علي _ عليه السلام _ :
«ألا ينظرون إلى صغير ما خلق؟ كيف أحكم خلقه وأتقن تركيبه،
(1) فصلت : 53.
(2)يونس:101.
(3)البقرة:164.
(4) الروم :8.
(5)الذاريات: 21.

(19)
وفلق له السّمع والبصر، وسوّى له العظم والبشر، أُنظروا إلى النّملة في صغر جثّتها ولطافة هيئتها لا تكاد تنال بلحظ البصر ولا بمستدرك الفكر، كيف دبّت على أرضها وصبّت على رزقها، تنقل الحبّة إلى جحرها وتعدّها في مستقرها، تجمع في حرِّها لبردها وفي وِرْدِها لصَدْرها (1).. فالويل لمن أنكر المقدِّر وجحد المدبِّر...». (2)
وقال الاِمام الصادق _ عليه السلام _ في ما أملاه على تلميذه المفضّل بن عمر:
«أوّل العبر والاَدلّة على الباري جلّ قدسه، تهيئة هذا العالم وتأليف أجزائه ونظمها على ما هي عليه، فإنّك إذا تأمّلت بفكرك وميّزته بعقلك وجدته كالبيت المبنيّ المعدّ فيه جميع ما يحتاج إليه عباده، فالسّماء مرفوعة كالسّقف، والاَرض ممدودة كالبساط، والنجوم مضيئة كالمصابيح، والجواهر مخزونة كالذخائر، وكلّ شيء فيه لشأنه معدّ، والاِنسان كالمملَّك ذلك البيت، والمُخَوَّل جميع ما فيه، وضروب النبات مهيئة لمآربه، وصنوف الحيوان مصروفة في مصالحه ومنافعه.
ففي هذا دلالة واضحة على أنّ العالم مخلوق بتقدير وحكمة ونظام وملائمة، وانّ الخالق له واحد، وهو الذي ألّفه ونظّمه بعضاً إلى بعض جلّ قدسه وتعالى جدّه». (3)
(1) الصدر بالتحريك رجوع المسافر من مقصده، أي تجمع في أيّام التمكّن من الحركة لاَيّام العجز عنها.
(2) نهج البلاغة: الخطبة 185، هذا وللاِمام _ عليه السلام _ وصف رائع لخلقة النحل والخفّاش والطاووس يستدل به على وجود الخالق وقدرته وعلمه.
(3) بحار الاَنوار: 3|62.

(20)

إشكالات والاِجابة عنها

إنّ هناك إشكالات طرحت حول برهان النظم يجب علينا الاِجابة عنها، والمعروف منها ما طرحه ديفويد هيوم الفيلسوف الانكليزي (1711ـ 1776م) في كتابه «المحاورات» (1) وهي ستّة إشكالات كما يلي:

الاِشكال الاَوّل

إنّ برهان النّظم لا يتمتّع بشرائط البرهان التجريبي، لاَنّه لم يجرّب في شأن عالم آخر غير هذا العالم، صحيح انّا جرّبنا المصنوعات البشريّة فرأينا انّها لا توجد إلاّ بصانع عاقل كما في البيت والسفينة والسّاعة وغير ذلك، ولكنّنا لم نجرّب ذلك في الكون، فإنّ الكون لم يتكرّر وجوده حتّى يقف الاِنسان على كيفية خلقه وإيجاده، ولهذا لا يمكن أن يثبت له علّة خالقة على غرار المصنوعات البشريّة.
والجواب عنه: انّ برهان النظم ليس برهاناً تجريبيّاً بأن يكون الملاك فيه هو تعميم الحكم على أساس المماثلة الكاملة بين الاَشياء المجرّبة وغير المجرّبة، وليس أيضاً من مقولة التمثيل الذي يكون الملاك فيه التشابه بين فردين، بل هو برهان عقلي يحكم العقل فيه بأمر بعد ملاحظة نفس الشيء وماهيته، وبعد سلسلة من المحاسبات العقلية من دون تمثيل أو إسراء حكم، كما يتمّ ذلك في التمثيل والتجربة.
وكون إحدى مقدّمتيه حسّيّة لا يضرّ بكون البرهان عقلياً، فإنّ دور الحسّ فيه ينحصر في إثبات الموضوع، أي إثبات النظم في عالم الكون، وأمّا الحكم
(1) الكتاب موَلّف على شكل حوار بين ثلاثة أشخاص إفتراضيين، وقد نشر الكتاب المذكور بعد وفاة «هيوم».

(21)
والاستنتاج يرجع إلى العقل ويبتني على محاسبات عقلية، وهو نظير ما إذا ثبت بالحس انّهاهنا مربّعاً، فإنّ العقل يحكم من فوره بأنّ أضلاعه الاَربعة متساوية في الطول.
فالعقل يرى ملازمة بيّنة بين النظم بمقدّماته الثلاث، أعني: الترابط والتناسق والهدفيّة، وبين دخالة الشعور والعقل، فعندما يلاحظ ما في جهاز العين مثلاً من النظام بمعنى تحقّق أجزاء مختلفة كمّاً وكيفاً، وتناسقها بشكل يمكنها من التعاون والتفاعل فيما بينها و يتحقّق الهدف الخاص منه، يحكم بأنّها من فعل خالق عظيم، لاحتياجه إلى دخالة شعور وعقل وهدفيّة وقصد.

الاِشكال الثاني

إنّ هناك في عالم الطبيعة ظواهر وحوادث غير متوازنة خارجة عن النظام وهي لاتتّفق مع النظام المدّعى ولا مع الحكمة الّتي يوصف بها خالق الكون، كالزلازل والطوفانات.
والجواب عنه: انّ هذا الاِشكال لا صلة له بمسألة النظم فانّ ما تعدّ من الحوادث الكونيّة شروراً كالزلازل والطوفانات لها نظام خاص في صفحة الكون، ناشئة عن علل وأسباب معيّنة تتحكّم عليها محاسبات ومعادلات خاصّة وقد وفّق الاِنسان إلى اكتشاف بعضها وإن بقى بعض آخر منها مجهولاً له بعد. (1)
(1) فإن قلت: كون الشرور الطبيعية تابعاً لقوانين كونية وناشئاً عن أسباب طبيعية خاصّة راجع إلى النظم العلّي، والنظم المقصود في برهان النظم هو النظم الغائي، والشرور توجب اختلال النظم بهذا المعنى.
قلت: حقيقة النظم الغائي هي انّ هناك تلائم وانسجام سائد في الاَشياء تتّجه إلى غاية مخصوصة وكمال مناسب لها، وإن كان قد يتخلّف بعروض مانع عن الوصول إلى الغاية كما في فرض الشرور، ومثل هذا الفعل يسمّى عندهم باطلاً، لا فاقداً للغاية.

(22)
وأمّا انّـها ملائمة لمصالح الاِنسان أو غير ملائمة له، فلا صلة له ببرهان النظم الّذي بصدد إثبات انّ هناك مبدئاً وفاعلاً لعالم الطبيعة ذا علم و قدرة وإرادة، وأمّا سائر صفاته كالوجوب الذاتي، والعدل والحكمة ونحوها فلاِثباتها طرق أُخر، وسيجيء البحث عنها في الفصول القادمة فانتظره.

الاِشكال الثالث

ماذا يمنع من أن نعتقد بأنّ النظام السائد في عالم الطبيعة حاصل من قبل عامل كامن في نفس الطبيعة، أي انّ النظام يكون ذاتيّاً للمادّة؟ إذ لكلّ مادّة خاصيّة معيّنة لا تنفكّ عنها، وهذه الخواص هي التي جعلت الكون على ما هو عليه الآن من النظام.
ويردّه انّ غاية ما تعطيه خاصيّة المادّة هي أن تبلغ بنفسها فقط إلى مرحلة معيّنة من التكامل الخاصّ والنظام المعيّن ـ على فرض صحّة هذا القول ـ لا أن تتحسّب للمستقبل وتتهيّأ للحاجات الطارئة، ولا أن تقيم حالة عجيبة ورائعة من التناسق والاِنسجام بينها وبين الاَشياء المختلفة والعناصر المتنافرة في الخواصّ والاَنظمة.
ولنأت بمثال لما ذكرناه، وهو مثال واحد من آلاف الاَمثلة في هذا الكون، هب أنّ خاصيّة الخليّة البشريّة عندما تستقرّ في رحم المرأة، هي أن تتحرّك نحو الهيئة الجنينية، ثمّ تصير إنساناً ذا أجهزة منظّمة، ولكن هناك في الكون في مجال الاِنسان تحسُّباً للمستقبل وتهيُّوَاً لحاجاته القادمة لا يمكن أن يستند إلى خاصيّة المادّة، وهو انّه قبل أن تتواجد الخليّة البشريّة في رحم الاَُمّ وجدت المرأة ذات تركيبة وأجهزة خاصّة تناسب حياة الطفل ثمّ تحدث للاَُمّ تطوّرات في أجهزتها البدنية والروحيّة مناسبة لحياة الطفل وتطوّراته.

(23)
هل يمكن أن نعتبر كلّ هذا التحسّب من خواصّ الخليّة البشريّة، وما علاقة هذا بذاك؟
وللمزيد من التوضيح نأتي بمثال آخر ونقول: إنّ جملة«أفلاطون كان فيلسوفاً» تتكوّن من (17) حرفاً، فلو انّ أحداً قال: إنّ لكلّ حرف من هذه الحروف صوتاً خاصّاً يختصّ به، وإنّ هذا الصوت هو خاصّية ذلك الحرف لما قال جزافاً.
ولكن لو قال بأنّ هناك وراء صوت كلّ حرف و خاصّيته أمراً آخر وهو التناسق والتناسب والانسجام الّذي يوَدّي إلى بيان ما يوجد في ذهن المتكلم من المعاني، هو كون أفلاطون فيلسوفاً، وانّ هذا التناسق هو خاصيّة كلّ حرف من هذه الحروف، فقد ارتكب خطأ كبيراً وادّعى أمراً سخيفاً، فإنّ خاصية كلّ حرف هي صوته الخاص به ولا يستدعي الحرف هذا التناسق، مع أنّه يمكن أن تتشكّل وينشأ من هذه الحروف آلاف الاَشكال والاَنظمة الاَُخرى غير نظام «أفلاطون كان فيلسوفاً».
فإذا لم يصحّ هذا في جملة صغيرة مركّبة من عدّة أحرف ذات أصوات مختلفة وخواصّ متنوّعة، فكيف بالكون والنظام الكوني العامّ الموَلّف من ملايين الموادّ والخواصّوالاَنظمة الجزئيّة المتنوعة؟!

ثلاثة إشكالات أُخرى لهيوم

1. من أين نثبت انّ النظام الموجود فعلاً هو النظام الاَكمل، لاَنّا لم نلاحظ مشابهه حتى نقيس به؟
2. من يدري لعلّ خالق الكون جرّب صنع الكون مراراً حتى اهتدى إلى النظام الفعلي؟

(24)
3. لو فرضنا انّ برهان النظم أثبت وجود الخالق العالم القادر، بيد انّه لا يدلّ مطلقاً على الصفات الكمالية كالعدالة والرحمة الّتي يوصف بها.
والجواب عنها: انّ هذه الاِشكالات ناشئة من عدم الوقوف على رسالة برهان النظم ومدى ما يسعى إلى إثباته، انّ رسالة برهان النظم تتلخّص في إثبات انّ النظام السائد في الكون ليس ناشئاً من الصدفة ولا من خاصّية ذاتية للمادّة العمياء، بل وجد بعقل وشعور ومحاسبة وتخطيط، فله خالق عالم قادر.
وامّا انّ هذا الخالق الصانع هو اللّه الواجب الوجود الاَزلي الاَبدي أم لا، وانّ علمه بالنظام الاَحسن هل هو ذاتي فعلي أو إنفعالي تدريجي، وانّ النظام الموجود هل هو أحسن نظام أو لا ؟ فهي ممّا لا يتكفّل بإثباته هذا البرهان ولا انّه في رسالته ولا مقتضاه، بل لابدّ في هذا المورد من الاستناد إلى براهين أُخرى مثل برهان الاِمكان والوجوب والاستناد بقواعد عقلية بديهية أو مبرهنة مذكورة في كتب الفلسفة والكلام، مثل انّ علمه تعالى ذاتي فعلي وليس بانفعالي تدريجي، وانّ النظام الكياني ناشىَ عن النظام الربّاني ومطابق له، وذلك النظام الربّاني العلمي أكمل نظام ممكن، إلى غير ذلك من الاَُصول الفلسفية.
(25)

2
برهان الاِمكان والوجوب

تقرير هذا البرهان يتوقّف على بيان أُمور:
الاَمر الاَوّل: تقسيم الموجود إلى الواجب والممكن، وذلك لاَنّ الموجود إمّا أن يستدعي من صميم ذاته ضرورة وجوده ولزوم تحقّقه في الخارج، فهذا هو الواجب لذاته، وإمّا أن يكون متساوي النسبة إلى الوجود والعدم ولا يستدعي في حدّ ذاته أحدهما أبداً، وهو الممكن لذاته، كأفراد الاِنسان وغيره.
الاَمر الثاني: كلّ ممكن يحتاج إلى علّة في وجوده، وهذا من البديهيات التي لا يرتاب فيها ذو مُسكة، فإنّ العقل يحكم بالبداهة على أنّ ما لا يستدعي في حدّذاته الوجود، يتوقف وجوده على أمر آخر وهو العلّة، وإلاّ فوجوده ناش من ذاته، هذا خلف.
الاَمر الثالث: الدور ممتنع، وهو عبارة عن كون الشيء موجداً لثان وفي الوقت نفسه يكون الشيء الثاني موجداً لذاك الشيء الاَوّل.
وجه امتناعه انّ مقتضى كون الاَوّل علّة للثاني، تقدّمه عليه وتأخّر الثاني عنه، ومقتضى كون الثاني علّة للاَوّل تقدّم الثاني عليه، فينتج كون الشيء الواحد، في حالة واحدة وبالنسبة إلى شيء واحد، متقدّماً وغير متقدّم ومتأخّراً وغير متأخّر وهذا هو الجمع بين النقيضين.

(26)
إنّ امتناع الدور وجداني ولتوضيح الحال نأتي بمثال: إذا اتّفق صديقان على إمضاء وثيقة واشترط كلّ واحد منهما لاِمضائها، إمضاء الآخر فتكون النتيجة توقّف إمضاء كلٍّ على إمضاء الآخر، وعند ذلك لن تكون تلك الورقة ممضاة إلى يوم القيامة، وهذا ممّا يدركه الاِنسان بالوجدان وراء دركه بالبرهان.
الاَمر الرابع: التسلسل محال، وهو عبارة عن اجتماع سلسلة من العلل والمعاليل الممكنة، مترتبة غير متناهية، ويكون الكلّ متَّسماً بوصف الاِمكان، بأن يتوقف (أ) على (ب) و (ب) على (ج) و (ج) على (د) وهكذا من دون أن تنتهي إلى علّة ليست بممكنة ولا معلولة.
والدليل على استحالته انّ المعلوليّة وصف عامّ لكلّ جزء من أجزاء السلسلة، فعندئذ يطرح هذا السوَال نفسه: إذا كانت السلسلة الهائلة معلولة، فما هي العلّة التي أخرجتها من كتم العدم إلى عالم الوجود؟ والمفروض انّه ليس هناك شيء يكون علّة ولا يكون معلولاً، وإلاّ يلزم إنقطاع السلسلة وتوقّفها عند نقطة خاصّة، وهي الموجود الذي قائم بنفسه وغير محتاج إلى غيره وهو الواجب الوجود بالذات.
فإن قلت: إنّ كلّمعلول من السلسلة متقوّم بالعلّة التي تتقدّمه ومتعلّق بها، فالجزء الاَوّل من آخر السلسلة وجد بالجزء الثاني، والثاني بالثالث، وهكذا إلى أجزاء وحلقاتٍ غير متناهية، وهذا المقدار من التعلّق يكفي لرفع الفقر والحاجة. قلت: المفروض انّ كلّ جزء من أجزاء السلسلة مُتَّسم بوصف الاِمكان والمعلولية، وعلى هذا فوصف العلّية له ليس بالاَصالة والاستقلال، فليس لكلّ حلقة دور الاِفاضة والاِيجاد بالاِستقلال، فلابدّ أن يكون هناك علّة وراء هذه السلسلة ترفع فقرها وتكون سناداً لها.

(27)
ولتوضيح الحال نمثّل بمثال وهو انّ كلّ واحدة من هذه المعاليل بحكم فقرها الذاتي، بمنزلة الصفر، فاجتماع هذه المعاليل بمنزلة إجتماع الاَصفار، ومن المعلوم انّ الصفر بإضافة أصفار متناهية أو غير متناهية إليه لا ينتج عدداً، بل يجب أن يكون إلى جانب هذه الاَصفار عدد صحيح قائم بالذات حتى يكون مصحِّحاً لقراءة تلك الاَصفار.
فقد خرجنا بهذه النتيجة وهي انّ فرض علل ومعاليل غير متناهية مستلزم لاَحد أمرين: إمّا تحقّق المعلول بلا علّة، وإمّا عدم وجود شيء في الخارج رأساً، وكلاهما بديهي الاِستحالة.

تقرير برهان الاِمكان

إلى هنا تمّت المقدّمات الّتي يبتني عليها برهان الاِمكان، وإليك نفس البرهان:
لا شكّ انّ صفحة الوجود مليئة بالموجودات الاِمكانية، بدليل انّها توجد وتنعدم وتحدث وتفنى ويطرأ عليها التبدّل والتغير، إلى غير ذلك من الحالات الّتي هي آيات الاِمكان وسمات الافتقار.
وأمر وجودها لا يخلو عن الفروض التالية:
1. لا علّة لوجودها، وهذا باطل بحكم المقدّمة الثانية (كلّ ممكن يحتاج إلى علّة).
2. البعض منها علّة لبعض آخر وبالعكس، وهو محال بمقتضى المقدّمة الثالثة(بطلان الدور).
3. بعضها معلول لبعض آخر وذلك البعض معلول لآخر من غير أن
(28)
ينتهي إلى علّة ليست بمعلول، وهو ممتنع بمقتضى المقدّمة الرابعة (استحالة التسلسل).
4. وراء تلك الموجودات الاِمكانية علّة ليست بمعلولة بل يكون واجب الوجود لذاته وهو المطلوب.
فاتّضح انّه لا يصحّ تفسير النظام الكوني إلاّ بالقول بانتهاء الممكنات إلى الواجب لذاته القائم بنفسه، فهذه الصورة هي التي يصحِّحها العقل ويعدُّها خالية عن الاِشكال، وأمّا الصور الباقية، فكلّها تستلزم المحال، والمستلزم للمحال محال.

برهان الاِمكان في الذكر الحكيم

وقد أُشير في الذكر الحكيم إلى شقوق برهان الاِمكان، فإلى أنّ حقيقة الممكن حقيقة مفتقرة لا تملك لنفسها وجوداً وتحقّقاً ولا أيّ شيء آخر أشار بقوله:
(يا أَيُّهَا النّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللّهِ وَ اللّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَميدُ) . (1)
ومثله قوله سبحانه:
(وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى) . (2)
وقوله سبحانه:
(وَاللّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ) . (3)
وإلى أنّ الممكن ومنه الاِنسان لا يتحقّق بلا علّة، ولا تكون علّته نفسه،
(1) فاطر : 15.
(2) النجم : 48.
(3) محمّد :38.

(29)
أشار سبحانه بقوله:
(أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ) . (1)
وإلى أنّ الممكن لا يصحّ أن يكون خالقاً لممكن آخر بالاَصالة والاِستقلال ومن دون الاِستناد إلى خالق واجب أشار بقوله:
(أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالاََرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ) . (2)

إجابة عن إشكال

قد استشكل على القول بانتهاء الممكنات إلى علّة أزليّة ليست بمعلول، بأنّه يستلزم تخصيص القاعدة العقلية، فإنّ العقل يحكم بأنّ الشيء لا يتحقّق بلا علّة.
والجواب: انّ القاعدة العقليّة تختص بالموجودات الاِمكانية الّتي لا تقتضي في ذاتها وجوداً ولا عدماً، إذ الحاجة إلى العلّة، ليس من خصائص الموجود بما هو موجود، بل هي من خصائص الموجود الممكن، فإنّه حيث لا يقتضي في حدِّ ذاته الوجود ولا العدم، لابدَّ له من علّة توجده، ويجب انتهاء أمر الاِيجاد إلى ما يكون الوجود عين ذاته ولا يحتاج إلى غيره، لما تقدّم من إقامة البرهان على امتناع التسلسل، فالاشتباه نشأ من الغفلة عن وجه الحاجة إلى العلّة وهو الاِمكان لا الوجود.
(1) الطور :35.
(2) الطور : 36.

(30)

3
برهان الحدوث

من البراهين التي يُستدلّ بها على إثبات وجود خالق الكون، برهان الحدوث، وقد استدلّ به إمام الموحّدين علي _ عليه السلام _ على وجود اللّه سبحانه وأزليّته في مواضع من كلماته وخطبه التوحيدية، منها قوله _ عليه السلام _ :
«الحمد للّه الّذي لا تدركه الشواهد، ولا تحويه المشاهد، ولا تراه النواظر، ولا تحجبه السواتر، الدالّ على قدمه بحدوث خلقه وبحدوث خلقه على وجوده».(1)
يعني انّ حدوث العالم يدلّ على محدِث له وهو اللّه تعالى، وإذا كان العالم بوصف كونه حادثاً مخلوقاً له تعالى، فهو قديم أزلي، وإلاّ كان حادثاً واحتاج إلى محدث، هذا خلف.

تعريف الحدوث وأقسامه

الحدوث وصف للوجود باعتبار كونه مسبوقاً بالعدم وهو على قسمين:
الاَوّل: الحدوث الزماني وهو مسبوقيّة وجود الشيء بالعدم الزماني كمسبوقيّة اليوم بالعدم في أمس ومسبوقية حوادث اليوم بالعدم في أمس.

(1) نهج البلاغة: الخطبة 185.

(31)
والثاني: الحدوث الذّاتي وهو مسبوقيّة وجود الشيء بالعدم في ذاته، كجميع الموجودات الممكنة التي لها الوجود بعلّة خارجة من ذاتها، وليس لها في ماهيتها وحدّ ذاتها إلاّ العدم، هذا حاصل ما ذكروه في تعريف الحدوث وتقسيمه إلى الزماني والذاتي والتفصيل يطلب من محلّه. (1)
ثمّ إنّ مرجع الحدوث الذاتي إلى الاِمكان الذاتي، فالاستدلال بالحدوث الذاتي راجع إلى برهان الاِمكان والوجوب، فلنركّز البرهان هنا على الحدوث الزّماني فنقول:

العلوم الطبيعيّة وحدوث الحياة في عالم المادّة

أثبت العلم بوضوح أنّ هناك انتقالاً حراريّاً مستمرّاً من الاَجسام الحارّة إلى الاَجسام الباردة، ولا تتحقّق في عالم الطبيعة عملية طبيعية معاكسةً لذلك، ومعنى ذلك انّ الكون يتّجه إلى درجة تتساوى فيها جميع الاَجسام من حيث الحرارة وعند ذلك لن تتحقّق عمليات كيميائيّة أو طبيعيّة، ويستنتج من ذلك:
إنّ الحياة في عالم المادّة أمر حادث ولها بداية، إذ لو كانت موجوداً أزلياً وبلا إبتداء لزم استهلاك طاقات المادّة، وانضباب ظاهرة الحياة المادّية منذ زمن بعيد.
وإلى ما ذكرنا أشار «فرانك آلن» أُستاذ علم الفيزياء بقوله:
«قانون«ترموديناميا» أثبت انّ العالم لا يزال يتّجه إلى نقطة تتساوى فيها درجة حرارة جميع الاَجسام، ولا توجد هناك طاقة موَثِّرة لعمليّة الحياة، فلو لم يكن للعالم بداية وكان موجوداً من الاَزل لزم أن يقضى للحياة أجلها منذ أمدٍ بعيدٍ، فالشَّمس المشرقة والنجوم والاَرض
(1) لاحظ بداية الحكمة: المرحلة 9، الفصل 3.

(32)
المليئة من الظواهر الحيويّة وعملياتها أصدق شاهد على أنّ العالم حدث في زمان معيَّن، فليس العالم إلاّمخلوقاً حادثاً». (1)

تقرير برهان الحدوث

ممّا تقدّم تبيَّنت صغرى برهان الحدوث وهي انّ الحياة في العالم المادّي حادث، فليس بذاتي له، (2)وليُضمَّ إليها الاَصل البديهي العقلي وهو انّ كلّ أمر غير ذاتي معلَّل، كما انّ كلّ حادث لابدّ له من محدث وخالق، فما هو المحدث لحياة المادة؟ إمّا هي نفسها أو غيرها؟ولكنّ الفرض الاَوّل باطل، لاَنّ المفروض انّها كانت قبل حدوث الحياة لها فاقدة لها، وفاقد الشيء يستحيل أن يكون معطياً له، فلا مناص من قبول الفرض الثاني، فهناك موجود آخر وراء عالم المادّة هو الموجد للمادّة ومحدث الحياة لها.
إلى هنا تمّ دور الحدوث الزماني في البرهان، وأنتج انّ هناك موجوداً غير مادّي، محدثاً لهذا العالم المادّي، وامّا انّ ذلك المحدث هل هو ممكن أو واجب، وحادث أو قديم، فلابدّ لاِثباته من اللجوء إلى برهان الاِمكان وامتناع الدور والتسلسل المتقدّم بيانها.

(1) اثبات وجود خدا(فارسي): 21.يحتوي الكتاب على مقالات من أربعين من المتمهرين في العلوم المختلفة ، جمعها العالم المسيحي «جان كلورمونسما».
(2) إثبات الحدوث الزماني للعالم المادّي لا ينحصر فيما ذكر في المتن من طريق العلم التجريبي، بل هناك طريق أدقّ منه اكتشفها الفيلسوف الاِسلامي العظيم صدر المتألهين _ قدّس سرّه ـ على ضوء ما أثبته من الحركة الجوهرية للمادّة، قال في رسالة الحدوث بعد إثبات الحركة الجوهرية:«قد علَّمناك وهديناك طريقاً عرشياً لم يسبقنا أحد من المشهورين بهذه الصناعة النظرية في إثبات حدوث العالم الجسماني بجميع ما فيه من السّماوات والاَرضين وما بينهما حدوثاً زمانياً تجدّدياً...» ـ الرسائل: 48 ـ ولشيخنا الاَُستاذ ـ دام ظلّه ـ تحقيق جامع حول مسألة الحركة الجوهرية وما يترتب عليها من حدوث عالم المادّة، راجع كتاب «اللّه خالق الكون».

(33)

الاِجابة عن شبهة رسل

إنّ لبرترند رسل هاهنا شبهة يجب أن نجيب عنها وهي: انّه بعد الاِشارة إلى قانون «ترموديناميا» وما يترتب عليه من حدوث العالم المادّي، قال:
«لا يصحّ أن يستنتج منه أنّ العالم مخلوق لخالق وراءه، لاَنّ استنتاج وجود الخالق استنتاج علّي والاستنتاج العلِّي في العلوم غير جائز إلاّ إذا انطبقت عليه القوانين العلمية، ومن المعلوم استحالة إجراء العمليّة التجريبيّة على خلقة العالم من العدم، ففرض كون العالم مخلوقاً لخالق محدث، ليس أولى من فرض حدوثه بلا علّة محدثة، فانّ الفرضين مشتركان في نقض القوانين العلميّة المشهودة لنا». (1)
والجواب عنها: انّ برهان الحدوث ـ كما عرفت ـ متشكّل من مقدّمتين، الاَُولى: حدوث العالم، وهذا نتيجة واضحة من الاَبحاث العلمية التجريبيّة، والثانية: الاَصل العقلي البديهي، وليس هذا مستفاداً من الاَبحاث العلمية، بل هو خارج عن نطاق العلم التجريبي رأساً وتنطبق عليها قوانينها، فإن كان مراد رسل من تساوي فرض مخلوقية العالم وفرض وجوده صدفةً أنّهما خارجتان عن نطاق العلوم التجريبيّة، فصحيح، لكنّهما غير متساويين عند العقل الصريح الّذي هو الحاكم الفريد في أمثال هذه الاَبحاث العقلية الخارجة عن نطاق العلوم التجريبيّة الحسيّة، فكأنّ رسل رفض العقل والبراهين العقليّة وحصر طريق الاستدلال على طريقة الحسّ والاستقراء والتجربة، كما هو مختار جميع الفلاسفة الحسّيّين الاَوروبيّين وغيرهم، وقد برهن على فساد هذا المبنى في محلّه.

(1) جهان بيني علمي (فارسي):114.

(34)

(35)

الفصل الثالث
التوحيد و مراتبه

يحتلّ التوحيد المكانة العليا في الشرائع السماوية، فكان أوّل كلمة في تبليغ الرسل الدعوة إلى التوحيد و رفض الثنوية والشرك، يقول سبحانه:
(وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ...). (1)
ولاَجل ذلك يجب على الاِلهي التركيز على مسألة التوحيد أكثر من غيرها، واستيفاء الكلام فيه موقوف على البحث حول أهمِّ مراحل التوحيد، وهي:
1. التوحيد في الذات.
2. التوحيد في الصفات.
3. التوحيد في الخالقية.
4. التوحيد في الربوبية.
5. التوحيد في العبادة.
وإليك دراسة المواضيع المتقدّمة:

(1) النحل :36.

(36)

1
التوحيد في الذات

يعنى بالتوحيد في الذات أمران: الاَوّل انّ ذاته سبحانه بسيط لا جزء له، والثاني انّ ذاته تعالى متفرِّد ليس له مثل ولا نظير، وقد يعبَّر عن الاَوّل بأحديّة الذات وعن الثاني بواحديّته . وقد ورد في روايات أهل البيت _ عليهم السلام _ :
«انّه تعالى واحد أحديّ المعنى». (1)

البرهان على بساطة ذاته تعالى

اعلم أنّ التركيب على أقسام:
1. التركيب من الاَجزاء العقلية فقط.
2. التركيب منهما ومن الاَجزاء الخارجية كالمادّة والصورة والاَجزاء العنصرية.
3. التركيب من الاَجزاء المقدارية كأجزاء الخط والسطح. والمدّعى انّ ذاته تعالى بسيط ليس بمركب من الاَجزاء مطلقاً.
والدليل على أنّه ليس مركّباً من الاَجزاء الخارجية والمقدارية انّه سبحانه منزّه عن الجسم والمادّة كما سيوافيك البحث عنه في الصفات السلبية.

(1) التوحيد، للشيخ الجليل الصدوق :الباب 11، الحديث 9.

(37)
والبرهان على عدم كونه مركباً من الاَجزاء العقلية هو انّ واجب الوجود بالذات لا ماهية له، وما لا ماهية له ليس له أجزاء عقلية الّتي هي الجنس والفصل.(1)
والوجه في انتفاء الماهية عنه تعالى بهذا المعنى هو انّ الماهيّة من حيث هي هي، مع قطع النظر عن غيرها، متساوية النسبة إلى الوجود والعدم، فكلّ ماهيّة من حيث هي، تكون ممكنة، فما ليس بممكن، لا ماهيّة له واللّه تعالى بما انّه واجب الوجود بالذات، لا يكون ممكناً بالذات فلا ماهيّة له.

دلائل وحدانيته:


التعدّد يستلزم التركيب

لو كان هناك واجب وجود آخر لتشارك الواجبان في كونهما واجبي الوجود، فلابدّ من تميّز أحدهما عن الآخر بشيء وراء ذلك الاَمر المشترك، وذلك يستلزم تركب كلّ منهما من شيئين: أحدهما يرجع إلى ما به الاشتراك، والآخر إلى ما به الامتياز، وقد عرفت انّ واجب الوجود بالذات بسيط ليس مركّباً لا من الاَجزاء العقلية ولا الخارجية.

صرف الوجود لا يتثنّى ولا يتكرّر

قد تبيّن انّ واجب الوجود بالذات لا ماهيّة له، فهو صرف الوجود، ولا يخلط وجوده نقص وفقدان، ومن الواضح انّ كلّ حقيقة من الحقائق إذا تجرّدت
(1) انّ الماهية تطلق على معنيين: أحدهما ما يقال في جواب «ما» الحقيقية ويعبَّر عنها بالذات والحقيقة أيضاً، وثانيهما ما يكون به الشيء هو هو بالفعل، أي الهويّة، و المراد من نفي الماهية عنه سبحانه هو المعنى الاَوّل.

(38)
عن أيّ خليط وصارت صرف الشيء، لا يمكن أن تثنّى وتعدّد.
وعلى هذا، فإذا كان سبحانه ـ بحكم انّه لا ماهيّة له ـ وجوداً صرفاً، لا يتطرّق إليه التعدّد، ينتج انّه تعالى واحد لا ثاني له ولا نظير وهو المطلوب.

التوحيد الذاتي في القرآن والحديث

إنّ القرآن الكريم عندما يصف اللّه تعالى بالوحدانية، يصفه بـ«القهّاريّة» ويقول:
(هُوَ اللّهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ ) . (1)
وبهذا المضمون آيات متعدّدة أُخرى في الكتاب المجيد، وما ذلك إلاّ لاَنّ الموجود المحدود المتناهي مقهور للحدود والقيود الحاكمة عليه، فإذا كان قاهراً من كلّ الجهات لم تتحكّم فيه الحدود، فاللاّ محدودية تلازم وصف القاهرية.
ومن هنا يتضح انّ وحدته تعالى ليست وحدة عددية ولا مفهومية، قال العلاّمة الطباطبائي ـ قدّس سرّه ـ :
«إنّ كلاً من الوحدة العددية كالفرد الواحد من النوع، والوحدة النوعية كالاِنسان الذي هو نوع واحد في مقابل الاَنواع الكثيرة، مقهور بالحدّ الذي يميّز الفرد عن الآخر والنوع عن مثله، فإذا كان تعالى لا يقهره شيء وهو القاهر فوق كلّشيء، فليس بمحدود في شيء، فهو موجود لا يشوبه عدم، وحقّ لا يعرضه باطل، فللّه من كلّ كمال محضه». (2)
(1) الزمر :4
(2) الميزان :6|88 ـ 9 8 بتلخيص.

(39)
ثمّ إنّ إمام الموحّدين عليّاً _ عليه السلام _ عندما سئل عن وحدانيّته تعالى، ذكر للوحدة أربعة معان، اثنان منها لا يليقان بساحته تعالى واثنان منها ثابتان له.
أمّا اللّذان لا يليقان بساحته تعالى، فهما: الوحدة العددية والوحدة المفهومية حيث قال:
«فأمّا اللّذان لا يجوزان عليه، فقول القائل واحد يقصد به باب الاَعداد، فهذا مالا يجوز، لاَنّ ما لا ثاني له لا يدخل في باب الاَعداد، أما ترى انّه كفر من قال إنّه ثالث ثلاثة، وقول القائل هو واحد من الناس يريد به النوع من الجنس، فهذا ما لا يجوز لاَنّه تشبيه وجلّ ربُّنا وتعالى عن ذلك».
وأمّا اللذان ثابتان له تعالى، فهما: بساطة ذاته، وعدم المثل والنظير له، حيث قال:
«وأمّا الوجهان اللّذان يثبتان فيه، فقول القائل: هو واحد ليس له في الاَشياء شبه... وانّه عزّ وجلّ أحديّ المعنى... لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم...». (1)
ثمّ إنّ في سورة التوحيد أُشير إلى هذين المعنيين، فإلى المعنى الاَوّل، أُشير بقوله تعالى:
(قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ) .
وإلى المعنى الثاني بقوله تعالى:
(وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ) .

(1) التوحيد للصدوق: الباب 3، الحديث 3.

(40)

نظريّة التثليث عند النصارى

إنّ كلمات المسيحيين في كتبهم الكلاميّة تحكي عن أنّ الاعتقاد بالتثليث من المسائل الاَساسية التي تبنى عليها عقيدتهم، ولا مناص لاَيِّ مسيحي من الاعتقاد به، وفي عين الوقت يعتبرون أنفسهم موحّدين غير مشركين، وانّ الاِله في عين كونه واحداً ثلاثة ومع كونه ثلاثة واحد أيضاً.
وأقصى ما عندهم في تفسير الجمع بين هذين النقيضين هو انّ عقيدة التثليث عقيدة تعبّديّة محضة ولا سبيل إلى نفيها وإثباتها إلاّ الوحي، فإنّها فوق التجربيات الحسيّة والاِدراكات العقليّة المحدودة للاِنسان.

نقد هذه النظرية

ويلاحظ عليه أوّلاً: أنّ استناد هذه النظرية إلى الوحي من طريق الاَناجيل مردود، لاَنّها ليست كتباً سماوية، بل تدلّ طريقة كتابتها على أنّها أُلّفت بعد رفع المسيح إلى اللّه سبحانه أو بعد صلبه على زعم المسيحيين، والشاهد انّه وردت في آخر الاَناجيل الاَربعة كيفية صلبه ودفنه ثمّ عروجه إلى السماء.
أضف إلى ذلك انّ عقيدة التثليث بالتفسير المتقدّم مشتملة على التناقض الصريح، إذ من جانب يعرّفون كلّ واحد من الآلهة الثلاثة بأنّه متشخّص ومتميّز عن البقية، وفي الوقت نفسه يعتبرون الجميع واحداً حقيقة لا مجازاً، أفيمكن الاعتقاد بشيء يضادّ بداهة العقل، ثمّ إسناده إلى ساحة الوحي الاِلهي؟!
وثانياً: نسأل ما هو مقصودكم من الاَقانيم والآلهة الثلاثة الّتي تتشكّل منها الطبيعة الاِلهية الواحدة، فإنّ لها صورتين لا تناسب واحدة منهما ساحته سبحانه:

(41)
1. أن يكون لكلّ واحد من هذه الآلهة الثلاثة وجوداً مستقلاً عن الآخر بحيث يظهر كلّ واحد منها في تشخّص ووجود خاص، ويكون لكلّ واحد من هذه الاَقانيم أصل مستقل وشخصية خاصة مميزة عمّا سواها.
لكن هذا هو الاعتقاد بتعدّد الاِله الواجب بذاته، وقد وافتك أدلّة وحدانيته تعالى.
2. أن تكون الاَقانيم الثلاثة موجودة بوجود واحد، فيكون الاِله هو المركّب من هذه الاَُمور الثلاثة، وهذا هو القول بتركّب ذات الواجب، وقد عرفت بساطة ذاته تعالى.(1)

تسرّب خرافة التثليث إلى النصرانية

إنّ التاريخ البشري يرينا انّه طالما عمد بعض أتباع الاَنبياء ـ بعد وفاة الاَنبياء أو خلال غيابهم ـ إلى الشرك والوثنية، تحت تأثير المضلّين، إنّ عبادة بني إسرائيل للعجل في غياب موسى _ عليه السلام _ أظهر نموذج لما ذكرناه وهو ممّا أثبته القرآن والتاريخ، وعلى هذا فلا عجب إذا رأينا تسرُّب خرافة التثليث إلى العقيدة النصرانية بعد ذهاب السيد المسيح _ عليه السلام _ وغيابه عن أتباعه.
إنّالقرآن الكريم يصرّح بأنّ التثليث دخل النصرانية بعد رفع المسيح، من العقائد الخرافية السابقة عليها، حيث يقول تعالى:

(1) فإن قلت: إنّهاهنا تفسيراً آخر للتثليث وهو انّ الحقيقة الواحدة الاِلهية تتجلّى في أقانيم ثلاثة.
قلت: تجلّي تلك الحقيقة فيها لا يخلو عن وجهين: الاَوّل، أن تصير بذلك ثلاث ذوات كلّ منها واجدة لكمال الحقيقة الاِلهية، وهذا ينافي التوحيد الذاتي. والثاني أن تكون الذات الواجدة لكمال الاَُلوهية واحدة ولها تجلّيات صفاتية وأفعالية ومنها المسيح وروح القدس، وهذا وإن كان صحيحاً إلاّ أنّه ليس من التثليث الذي يتبنّاه المسيحيون في شيء .

(42)
(وَقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللّهُ أَنّى يُوَْفَكُونَ) . (1)
لقد أثبتت الاَبحاث التاريخية أنّ هذا التثليث كان في الديانة البرهمانية والهندوكيّة قبل ميلاد السيّد المسيح بمئات السنين، فقد تجلّى الربّ الاَزلي الاَبدي لديهم في ثلاثة مظاهر وآلهة:
1. براهما (الخالق).
2. فيشنوا (الواقي).
3. سيفا (الهادم).
وبذلك يظهر قوّة ما ذكره الفيلسوف الفرنسي «غستاف لوبون» قال:
«لقد واصلت المسيحية تطوّرها في القرون الخمسة الاَُولى من حياتها، مع أخذ ما تيسّر من المفاهيم الفلسفية والدينية اليونانية والشرقية، وهكذا أصبحت خليطاً من المعتقدات المصرية والاِيرانية التي انتشرت في المناطق الاَُوروبية حوالي القرن الاَوّل الميلادي فاعتنق الناس تثليثاً جديداً مكوّناً من الاَب والابن وروح القدس، مكان التثليث القديم المكوّن من [نروبى تر] و[وزنون] و[نرو]». (2)

(1) التوبة :30.
(2) قصّة الحضارة، ويل دورانت (معاصر).

(43)

2
التوحيد في الصفات

اختلف الاِلهيون في كيفية إجراء صفات اللّه الذاتية عليه سبحانه على قولين:
الاَوّل: عينية الصفات مع الذات، وهذا ما تبنّاه أئمّة أهل البيت _ عليهم السلام _ واختاره الحكماء الاِلهيون وعليه جمهور المتكلّمين من الاِماميّة والمعتزلة وغيرهما.
والثاني: زيادتها على الذات وهو مختار المشبِّهة من أصحاب الصفات والاَشاعرة، قال الشيخ المفيد في هذا المجال:
«إنّ اللّه عزّ وجلّ اسمه حيّ لنفسه لا بحياة، وانّه قادر لنفسه وعالم لنفسه لا بمعنى كما ذهب إليه المشبِّهة من أصحاب الصفات ... وهذا مذهب الاِمامية كافّة والمعتزلة إلاّ من سمّيناه (1)وأكثر المرجئة وجمهور الزيدية وجماعة من أصحاب الحديث والمكِّمة».(2)
قوله: «لا بحياة» يعني حياة زائدة على الذات، وقوله:«لا بمعنى» أي صفة زائدة كالعلم والقدرة.
إذا عرفت ذلك فاعلم: انّ الصحيح هو القول بالعينيّة، فإنّ القول بالزيادة
(1) المراد أبو هاشم الجبّائي.
(2) أوائل المقالات :56.

(44)
يستلزم افتقاره سبحانه في العلم بالاَشياء وخلقه إيّاها إلى أُمور خارجة عن ذاته، فهو يعلم بعلم هو سوى ذاته، ويخلق بقدرة هي خارجة عن حقيقته وهكذا، والواجب بالذات منزّه عن الاحتياج إلى غير ذاته، والاَشاعرة وإن كانوا قائلين بأزليّة الصفات مع زيادتها على الذات، لكنّ الاَزلية لا ترفع الفقر والحاجة عنه، لاَنّ الملازمة غير العينية، قال الاِمام علي _ عليه السلام _ :
«وكمال الاِخلاص له نفي الصفات عنه، لشهادة كلّ صفة انّها غير الموصوف، وشهادة كلّ موصوف انّه غير الصفة، فمن وصف اللّه سبحانه فقد قرنه و من قرنه فقد ثنّاه، ومن ثنّاه فقد جزّأه، ومن جزّأه فقد جهله».(1)
وقال الاِمام الصادق _ عليه السلام _ :
«لم يزل اللّه جلّ وعزّ ربُّنا والعلم ذاته ولا معلوم، والسمع ذاته ولا مسموع، والبصر ذاته ولا مبصر، والقدرة ذاته ولا مقدور». (2)
فإن قلت: لا شكّ انّ للّه تعالى صفات وأسماء مختلفة أُنهيت في الحديث النبوي المعروف إلى تسع وتسعين، فكيف يجتمع ذلك مع القول بالعينيّة ووحدة الذات والصفات؟
قلت: كثرة الاَسماء والصفات راجعة إلى عالم المفهوم، مع أنّ العينية ناظرة إلى مقام الواقع العيني، ولا يمتنع كون الشيء على درجة من الكمال يكون فيها كلّه علماً وقدرة وحياة ومع ذلك فينتزع منه باعتبارات مختلفة صفات متعدّدة متكثّرة، وهذا كما انّ الاِنسان الخارجي مثلاً بتمام وجوده مخلوق للّه سبحانه، ومعلوم له
(1) نهج البلاغة: الخطبة الاَُولى.
(2) التوحيد للصدوق: الباب 11، الحديث 1.

(45)
ومقدور له، من دون أن يخصّ جزء منه بكونه معلوماً وجزء آخر بكونه مخلوقاً أو مقدوراً، بل كلّه معلوم وكلّه مخلوق، وكلّه مقدور.
ثمّ إنّ الشيخ الاَشعري استدلّ على نظرية الزيادة بوجهين:
الاَوّل: انّه يستحيل أن يكون العلم عالماً، أو العالم علماً، ومن المعلوم انّ اللّه عالم، ومن قال: إنّ علمه نفس ذاته لا يصحّ له أن يقول إنّه عالم، فتعيّن أن يكون عالماً بعلم يستحيل أن يكون هو نفسه. (1)
يلاحظ عليه: أنّ الحكم باستحالة اتحاد العلم والعالم وعينيتهما مأخوذ عمّا نعرفه في الاِنسان ونحوه من الموجودات الممكنة في ذاتها ولا شكّ في مغايرة الذات والصفة في هذا المجال، ولكن لا يصحّ تسرّيته إلى الواجب الوجود بالذات، فإذا قام البرهان على العينية هنا، فلا استحالة في كون العلم عالماً وبالعكس.
الثاني: لو كان علمه سبحانه عين ذاته لصحّ أن نقول: يا علم اللّه اغفر لي وارحمني. (2)
يلاحظ عليه: أنّ الاِضافة في قولنا: «يا علم اللّه» بيانيّة لا غير، فيصير المعنى يا علماً هو اللّه، ومن المعلوم جواز ذلك عقلاً وشرعاً، كما يقال: يا عدل و يا حكمة ويراد منه الواجب عزّ اسمه، وهناك أدلّة أُخرى للاَشاعرة على إثبات نظريّتهم، والكلّمخدوشة كما اعترف بذلك صاحب المواقف.(3)
ثمّ إنّ المشهور انّ المعتزلة نافون للصفات مطلقاً وقائلون بنيابة الذات عن
(1) اللمع :30، باختصار.
(2) الاَبانة :108.
(3) راجع شرح المواقف :8|45ـ47.

(46)
الصفات، ولكنّه لا أصل له، فالمنفي عندهم هو الصفات الزائدة الاَزلية، لا أصل الصفات فهم قائلون بالعينية كالاِمامية، ويدلّ على ذلك كلام الشيخ المفيد الآنف الذكر، نعم يظهر القول بالنيابة من عبّاد بن سليمان وأبي علي الجبائي. (1)

(1) للوقوف على آرائهم في هذا المجال راجع الملل و النحل لشيخنا الاَُستاذ السبحاني ـ دام ظلّه ـ :3|271ـ 279.

(47)

3
التوحيد في الخالقية

دلّت البراهين العقليّة على أنّه ليس في الكون خالق أصيل إلاّ اللّه سبحانه، وأنّ الموجودات الاِمكانية مخلوقة للّه تعالى وما يتبعها من الاَفعال والآثار، حتى الاِنسان وما يصدر منه، مستندة إليه سبحانه بلا مجاز وشائبة عناية، غاية الاَمر أنّ ما في الكون مخلوق له إمّا بالمباشرة أو بالتسبيب.
وذلك لما عرفت من أنّه سبحانه هو الواجب الغني، وغيره ممكن بالذات، ولا يعقل أن يكون الممكن غنياً في ذاته وفعله عن الواجب، فكما انّ ذاته قائمة باللّه سبحانه، فهكذا فعله، وهذا ما يعبّر عنه بالتوحيد في الخالقية. ومن عرف الممكن حقّ المعرفة وانّه الفقير الفاقد لكلّ شيء في حدّ ذاته، يعد المسألة بديهيّة.
هذا ما لدى العقل، وأمّا النقل فقد تضافرت النصوص القرآنية على أنّ اللّه سبحانه هو الخالق، ولا خالق سواه. وإليك نماذج من الآيات الواردة في هذا المجال:
(قُلِ اللّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ القَهّارُ ) . (1)
(اللّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) . (2)

(1) الرعد :16.
(2) الزمر :62.

(48)
(ذلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ ) . (1)
(أَنّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ) . (2)
(يا أَيُّهَا النّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللّه). (3)
إلى غير ذلك من الآيات القرآنية الدالّة على ذلك.

موقف القرآن الكريم تجاه قانون العلّية

إنّالامعان في الآيات الكريمة يدفع الاِنسان إلى القول بأنّ الكتاب العزيز يعترف بأنّ النظام الاِمكاني نظام الاَسباب والمسبّبات، فإنّ المتأمّل في الذكر الحكيم لا يشكّ في أنّه كثيراً ما يسند آثاراً إلى الموضوعات الخارجية والاَشياء الواقعة في دار المادّة، كالسماء وكواكبها ونجومها، والاَرض وجبالها وبحارها وبراريها وعناصرها ومعادنها، والسحاب والرعد و البرق والصواعق والماء والاَعشاب والاَشجار و الحيوان والاِنسان، إلى غير ذلك من الموضوعات الواردة في القرآن الكريم، فمن أنكر إسناد القرآن آثار تلك الاَشياء إلى أنفسها فإنّما أنكره بلسانه وقلبه مطمئن بخلافه، وإليك ذكر نماذج من الآيات الواردة في هذا المجال:
1. (وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمراتِ رِزْقاً لَكُمْ) . (4)
فقد صرّح في هذه الآية بتأثير الماء في تكوّن الثمرات والنباتات، فإنّ الباء في قوله: (بِهِ) بمعنى السببية، ونظيرها الآية: 27 من سورة السجدة والآية: 4
(1) الموَمن :62.
(2) الاَنعام : 101.
(3) فاطر :3.
(4) البقرة :22.

(49)
من سورة الرعد، وغيرها من الآيات.
2. (اللّهُ الّذِيْ يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ) . (1)
فقوله سبحانه:(فَتُثِيرُ سَحاباً) صريح في أنّ الرياح تحرّك السحاب وتسوقها من جانب إلى جانب، فالرياح أسباب وعلل تكوينية لحركة السحاب وبسطها في السماء.
3. (وَتَرَى الاََرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيْجٍ) . (2)
فالآية تصرّح بتأثير الماء في اهتزاز الاَرض وربوتها، ثمّ تصرّح بإنبات الاَرض من كلّ زوج بهيج.
4. (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ في سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ).(3)
فالآية تسند إنبات السنابل السبع إلى الحبَّة.
ثمّ إنّ هناك أفعالاً أسندها القرآن إلى الاِنسان لا تقوم إلاّ به، ولا يصحّ إسنادها إلى اللّه سبحانه بحدودها وبلا واسطة كأكله وشربه ومشيه وقعوده ونكاحه ونموّه وفهمه وشعوره وسروره وصلاته وصيامه، فهذه أفعال قائمة بالاِنسان مستندة إليه، فهو الّذي يأكل ويشرب و ينمو ويفهم.
فالقرآن يعدّ الاِنسان فاعلاً لهذه الاَفعال وعلّة لها.

(1) الروم :48.
(2) الحج :5.
(3) البقرة :261.

(50)
كما انّ في القرآن آيات مشتملة على الاَوامر والنواهي الاِلهيّة، وتدلّ على مجازاته على تلك الاَوامر والنواهي، فلو لم يكن للاِنسان دور في ذلك المجال وتأثير في الطاعة والعصيان فما هي الغاية من الاَمر والنهي وما معنى الجزاء والعقوبة؟

التفسير الصحيح للتوحيد في الخالقية

إنّ المقصود من حصر الخالقية باللّه تعالى هو الخالقية على سبيل الاستقلال وبالذات، وأمّا الخالقية المأذونة من جانبه تعالى فهي لا تنافي التوحيد في الخالقية. كما انّ المراد من السببية الاِمكانية (أعمّ من الطبيعيّة وغيرها) ليست في عرض السببية الاِلهية، بل المقصود انّ هناك نظاماً ثابتاً في عالم الكون تجري عليه الآثار الطبيعية والاَفعال البشرية، فلكلّ شيء أثر تكويني خاصّ، كما انّلكلّ أثر وفعل مبدأً فاعلياً خاصّاً، فليس كلّفاعل مبدأً لكلّ فعل، كما ليس كلّ فعل وأثر صادراً من كلّ مبدأ فاعلي، كلّ ذلك بإذن منه سبحانه، فهو الّذي أعطى السببيّة للنّار كما أعطى لها الوجود، فهي توَثّر بإذن وتقدير منه سبحانه، هذا هو قانون العلّية العامّ الجاري في النظام الكوني الّذي يوَيّده الحسّ والتجربة وتبتني عليه حياة الاِنسان في ناحية العلم و العمل.
وبهذا البيان يرتفع التنافي البدئي بين طائفتين من الآيات القرآنية، الطائفة الدالّة على حصر الخالقية باللّه تعالى، والطائفة الدالّة على صحّة قانون العلّية والمعلولية واستناد الآثار إلى مبادئها الغريبة، والشاهد على صحّة هذا الجمع، لفيف من الآيات وهي التي تسند الآثار إلى أسباب كونية خاصّة وفي عين الوقت تسندها إلى اللّه سبحانه، وكذلك تسند بعض الاَفعال إلى الاِنسان أو غيره من
(51)
ذوي العلم والشعور، وفي الوقت نفسه تسند نفس تلك الاَفعال إلى مشيَّته سبحانه، وإليك فيما يلي نماذج من هذه الطائفة:
1. انّ القرآن الكريم أسند حركة السحاب إلى الرياح وقال:
(اللّهُ الَّذي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً) . (1)
كما أسندها إلى اللّه تعالى وقال:
(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ يُزْجِيْ سَحاباً ثُمَّ يُوََلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُه رُكاماً) . (2)
2. القرآن يسند الاِنبات تارة إلى الحبّة ويقول:
(أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ) . (3)
وقال:
(وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهيجٍ) . (4)
وأُخرى إلى اللّه تعالى ويقول:
(وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ) . (5)
3. انّه تعالى نسب توفّي الموتى إلى الملائكة تارة وإلى نفسه أُخرى فقال:
(حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا) . (6)
وقال:

(1) الروم :48.
(2) النور : 43.
(3) البقرة : 261.
(4) الحج :5.
(5) النمل: 60.
(6) الاَنعام :61.

(52)
(اللّهُ يَتَوَفَّى الاََنْفُسَ حِينَ مَوْتِها) . (1)
4. انّ الذكر الحكيم يصفه سبحانه بأنّه الكاتب لاَعمال عباده و يقول:
(وَاللّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ) . (2)
ولكن في الوقت نفسه ينسب الكتابة إلى رسله ويقول:
(بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) . (3)
5. لا شكّ انّ التدبير كالخلقة منحصر في اللّه تعالى، والقرآن يأخذ من المشركين الاعتراف بذلك و يقول:
(وَمَنْ يُدَبِّرُ الاََمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ) . (4)
و ـ مع ذلك ـ يصرّح بمدبّريّة غير اللّه سبحانه حيث يقول:
(فَالمُدَبِّراتِ أَمْراً) . (5)
6. إنّ القرآن يشير إلى كلتا النسبتين (أي نسبة الفعل إلى اللّه سبحانه وإلى الاِنسان) في جملة ويقول:
(وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللّهَ رَمى) . (6)
فهو يصف النبي الاَعظم _ صلّى اللّه عليه وآله وسلم ـ بالرمي وينسبه إليه حقيقة ويقول:(إِذْ رَمَيْتَ) ومع ذلك يسلبه عنه ويرى أنّه سبحانه الرامي الحقيقي.

(1) الزمر : 42.
(2) النساء :81.
(3) الزخرف :80.
(4) يونس :31.
(5) النازعات :5.
(6) الاَنفال :17.

(53)
هذه المجموعة من الآيات ترشدك إلى النظرية الحقّة في تفسير التوحيد في الخالقية وهو ـ كما تقدّم ـ انّ الخالقية بالاَصالة وبالذات وعلى وجه الاستقلال منحصرة فيه سبحانه، وغيره من الاَسباب الكونيّة والفواعل الشاعرة إنّما تكون موَثرات وفواعل بإذنه تعالى و مشيَّته، وليست سببيّتها وفاعليتها في عرض فاعليته تعالى ، بل في طولها.

الاِجابة عن شبهات

قدعرفت أنّ خالقيّته تعالى عامّة لجميع الاَشياء والحوادث، وكلّ ما في صفحة الوجود يستند إليه سبحانه، وعندئذٍ تطرح إشكالات أو شبهات يجب على المتكلّم الاِجابة عنها، وهي:
ألف. شبهة الثنويّة في خلق الشرور.
ب. شبهة استناد القبائح إلى اللّه تعالى.
ج. شبهة الجبر في الاَفعال الاِرادية.
ألف. الثنوية وشبهة الشرور
نسب إلى الثنوية القول بتعدّد الخالق، واستدلّوا عليه بما يشاهد في عالم المادّة من الشرور والبلايا، قالوا: إنّ الشر يقابل الخير، فلا يصحّ استنادهما إلى مبدأ واحد، فزعموا انّ هناك مبدأين: أحدهما: مبدأ الخيرات، وثانيهما: مبدأ الشرور.

الشرّ أمر قياسي

إذا كانت هناك ظاهرة ليست لها صلة وثيقة بحياة الاِنسان، أو لا توَدّي صلته بها إلى اختلال في حياته فلا تتصف بالشرّ والبلاء، إنّما تتّصف بصفة
(54)
الشرّيّة إذا أوجبت نحو اختلال في حياة الاِنسان بحيث يوجب هلاكة نفسه أو ما يتعلّق به أو يتضرّر به بوجه.
ومن المعلوم أنّ هذه النسبة والاِضافة متأخّرة عن وجود ذلك الموجود أو تلك الحادثة، فلو تحقّقت الظاهرة وقطع النظر عن المقايسة والاِضافة لا يتّصف إلاّ بالخير، بمعنى أنّ وجود كلّ شيء يلائم ذاته، وإنّما يأتي حديث الشرّ إذا كانت هناك مقايسة إلى موجود آخر، إذا عرفت ذلك فاعلم: أنّما يستند إلى الجاعل أوّلاً وبالذات، هو وجوده النفسي، والمفروض أنّ وجود كلّ من المقيس والمقيس إليه، لا يتصفان بالشرّ والبلاء، بل بالخير والكمال، وأمّا الوجود الاِضافي المنتزع من مقايسة أحد الظاهرتين مع الاَُخرى فليس أمراً واقعياً محتاجاً إلى مبدأ يحقّقها.
وإلى ما ذكرنا أشار الحكيم السبزواري بقوله:
«كلّ وجود ولو كان إمكانياً خير بذاته وخير بمقايسته إلى غيره، وهذه المقايسة قسمان: أحدهما مقايسته إلى علّته، فإنّ كلّ معلول ملائم لعلّته المقتضية إيّاه، وثانيهما مقايسته إلى ما في عرضه ممّا ينتفع به، وفي هذه المقايسة الثانية يقتحم شرٌّ مّا في بعض الاَشياء الكائنة الفاسدة في أوقات قليلة». (1)

الشر عدمي

هناك تحليل آخر للشبهة وهو ما نقل عن أفلاطون وحاصله: أنّ ما يسمّى بالشرّ من الحوادث و الوقائع يرجع عند التحليل إلى العدم، فالّذي يسمّى بالشرّ عند وقوع القتل ليس إلاّ انقطاع حياة البدن الناشىَ عن قطع علاقة النفس عن
(1) الحكيم السبزواري (م1289هـ):شرح المنظومة: المقصد 3، الفريدة 1، غرر في دفع شبهة الثنوية.

(55)
البدن، وما يسمّى بالشر عند وقوع المرض ليس إلاّ الاختلال الواقع في أجهزة البدن وزوال ما كان موجوداً له عند الصحّة من التعادل الطبيعي في الاَعضاء والاَجهزة البدنية.
وكذلك سائر الحوادث التي تتّصف بالبليّة و الشرّيّة.
ومن المعلوم أنّ الذي يحتاج إلى الفاعل المفيض هو الوجود، وأمّا العدم فليس له حظ من الواقعيّة حتى يحتاج إلى المبدأ الجاعل.
وإلى هذا أشار الحكيم السبزواري في منظومة حكمته:
والشّرّ أعدام فكم قد ضلّ من * يقول باليزدان ثمّ الاَهرمن (1)
وقال العلاّمة الطباطبائي:
إنّ الشرور إنّما تتحقّق في الاَُمور الماديّة وتستند إلى قصور الاِستعدادات على اختلاف مراتبها، لا إلى إفاضة مبدأ الوجود، فانّ علّة العدم عدم،كما انّ علّة الوجود وجود.
فالّذي تعلّقت به كلمة الاِيجاد والاِرادة الاِلهيّة وشمله القضاء بالذات في الاَُمور التي يقارنها شيء من الشرّ إنّما هو القدر الذّي تلبّس به من الوجود حسب استعداده ومقدار قابليته، وأمّا العدم الّذي يقارنه فليس إلاّ مستنداً إلى عدم قابليته وقصور استعداده، نعم ينسب إليه الجعل والاِفاضة بالعرض لمكان نوع من الاتحاد بينه وبين الوجود الّذي يقارنه.(2)
(1) المصدر نفسه.
(2) الميزان:13|187ـ 188 بتصرف قليل.

(56)

ب. التوحيد في الخالقية وقبائح الاَفعال

ربّما يقال الالتزام بعمومية خالقيته تعالى لكلّ شيء يستلزم إسناد قبائح الاَفعال إليه تعالى، وهذا ينافي تنزُّهه سبحانه من كلّ قبح وشين.
والجواب أنّ للاَفعال جهتين، جهة الثبوت والوجود، وجهة استنادها إلى فواعلها بالمباشرة، فعنوان الطّاعة والمعصية ينتزع من الجهة الثانية، وما يستند إلى اللّه تعالى هي الجهة الاَُولى، والاَفعال بهذا اللحاظ متّصفة بالحسن والجمال، أي الحسن التكويني.
وبعبارة أُخرى: عنوان الحسن والقبح المنطبق على الاَفعال الصادرة عن فاعل شاعر مختار، هو الذي يدركه العقل العملي بلحاظ مطابقة الاَفعال لاَحكام العقل والشرع وعدمها، وهذا الحسن والقبح يرجع إلى الفاعل المباشر للفعل.
نعم أصل وجود الفعل ـ مع قطع النظر عن مقايسته إلى حكم العقل أو الشرع ـ يستند إلى اللّه تعالى و ينتهي إلى إرادته سبحانه، والفعل بهذا الاعتبار لا يتّصف بالقبح، فإنّه وجود والوجود خير وحسن في حدّ ذاته.
قال سبحانه:
(الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ) . (1)
وقال:
(اللّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) . (2)
فكلّ شيء كما انّه مخلوق، حسن، فالخلقة والحسن متصاحبان لا ينفكّ أحدهما عن الآخر أصلاً.
وأمّا الاِجابة عن شبهة الجبر على القول بعموم الخالقية فسيوافيك بيانها في الفصل المختصّ بذلك.

(1) السجدة :7.
(2) الزمر : 62.

(57)

4
التوحيد في الربوبيّة

يستفاد من الكتاب العزيز انّ التوحيد في الخالقية كان موضع الوفاق عند الوثنيّين قال سبحانه:
(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمواتِ وَالاََرْضَ لَيَقُولُنَّ اللّهُ) . (1)
ومثله في سورة الزمر الآية 38.
وقال سبحانه:
(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللّهُ فَأَنّى يُوَْفَكُونَ) . (2)
وأمّا مسألة التوحيد في التدبير فلم تكن أمراً مسلّماً عندهم، بل الشرك في التدبير كان شائعاً بين الوثنيين، كما انّ عبدة الكواكب والنجوم في عصر بطل التوحيد «إبراهيم» كانوا من المشركين في أمر التدبير، حيث كانوا يعتقدون بأنّ الاَجرام العلوية هي المتصرّفة في النظام السفلي من العالم وانّ أمر تدبير الكون ومنه الاِنسان، فوّض إليها فهي أرباب لهذا العالم ومدبّرات له لا خالقات له، ولاَجل ذلك نجد انّ إبراهيم يردّ عليهم بإبطال ربوبيتها عن طريق الاِشارة إلى أُفولها وغروبها، يقول سبحانه حاكياً عنه:

(1) لقمان : 25.
(2) الزخرف :87.

(58)
(فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ الَّيْلُ رَءَا كَوْكَباً قالَهذا رَبِّي فَلَمّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ* فَلَمّا رَءَا الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِني رَبِّي لاََكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضّآلّينَ* فَلَمّا رَءَا الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمّا أَفَلَتْ قالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ) . (1)
ترى أنّه _ عليه السلام _ استعمل كلمة الربّ في إحتجاجه مع المشركين، ولم يستعمل كلمة الخالق، للفرق الواضح بين التوحيدين وعدم إنكارهم التوحيد في الاَوّل وإصرارهم على الشرك في الثاني. (2)

ما هي حقيقة الربوبية والتدبير؟

لفظة الربّ في لغة العرب بمعنى المتصرّف والمدبّر والمتحمّل أمر تربية الشيء، وحقيقة التدبير جعل شيء عقيب آخر وتنظيم الاَشياء وتنسيقها بحيث يتحقق بذلك مطلوب كلّ منهما وتحصل له غايته المطلوبة له، وعلى هذا فحقيقة تدبيره سبحانه ليست إلاّ خلق العالم وجعل الاَسباب والعلل بحيث تأتي المعاليل والمسبّبات دبر الاَسباب وعقيب العلل، فيوَثّر بعض أجزاء الكون في البعض الآخر حتّى يصل كلّ موجود إلى كماله المناسب وهدفه المطلوب، يقول سبحانه:
(رَبُّنَا الَّذي أَعْطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى).(3)

(1) الاَنعام : 76 ـ 78.
(2) والمشركون في عصر الرسالة وإن كانوا معترفين بربوبيته تعالى بالنسبة إلى التدبير الكلّي لنظام العالم، كما يستفاد من الآية 31 من سورة يونس ونحوها، لكنّهم كانوا معتقدين بربوبية ما يعبدونه من الآلهة كما يدلّ عليه بعض الآيات القرآنية، كالآية 74 من سورة يس، و الآية 81 من سورة مريم.
(3) طه : 50.

(59)

ما هو المراد من التوحيد في الربوبيّة؟

التوحيد في الربوبيّة هو الاعتقاد بأنّ تدبير الحياة والكون ومنه الاِنسان كلّها بيد اللّه سبحانه وانّ مصير الاِنسان في حياته كلّها إليه سبحانه، ولو كان في عالم الكون أسباب ومدبّرات له، فكلّها جنود له سبحانه يعملون بأمره ويفعلون بمشيئته.
ويقابله الشرك في الربوبية وهو تصور انّ هناك مخلوقات للّه سبحانه لكن فوّض إليها أمر تدبير الكون ومصير الاِنسان في حياته تكويناً وتشريعاً.
وهاهنا نكتة يجب التنبيه عليها وهي انّ الوثنيّة لم تكن معتقدة بربوبيّة الاَصنام الحجريّة والخشبية ونحوها بل كانوا يعتقدون بكونها أصناماً للآلهة المدبِّرة لهذا الكون، ولمّا لم تكن هذه الآلهة المزعومة في متناول أيديهم وكانت عبادة الموجود البعيد عن متناول الحسّ صعبة التصور عمدوا إلى تجسيم تلك الآلهة وتصويرها في أوثان وأصنام من الخشب والحجر وصاروا يعبدونها عوضاً عن عبادة أصحابها الحقيقية وهي الآلهة المزعومة.

دلائل التوحيد في الربوبيّة


1. التدبير لا ينفكّ عن الخلق

إنّ النكتة الاَساسية في خطأ المشركين تتمثّل في أنّهم قاسوا تدبير عالم الكون بتدبير أُمور عائلة أو موَسَّسة وتصوّروا أنّهما من نوع واحد، مع أنّهما مختلفان في الغاية، فإنّ تدبير الكون في الحقيقة إدامة الخلق والاِيجاد.

(60)
توضيح ذلك: أنّ كلّ فرد من النظام الكوني بحكم كونه فقيراً ممكناً فاقد للوجود الذاتي، لكن فقره ليس منحصراً في بدء خلقته وإنّما يستمرّ هذا الفقر معه في جميع الاَزمنة والاَمكنة وعلى هذا، فتدبير الكون لا ينفكّ عن خلقته وإيجاده بل الخلق تدبير باعتبار، والتدبير خلق باعتبار آخر.
فتدبير الوردة مثلاً ليس إلاّ تكوّنها من المواد السُّكرية في الاَرض ثمّ توليدها الاوكسجين في الهواء إلى غير ذلك من عشرات الاَعمال الفيزيائية والكيميائية في ذاتها وليست كلّمنها إلاّ شعبة من الخلق، ومثلها الجنين مذ تكوّنه في رحم الاَُمّ، فلا يزال يخضع لعمليّات التفاعل والنمو حتى يخرج من بطنها، وليست هذه التفاعلات إلاّ شعبة من عمليّة الخلق وفرع منه.
ولاَجل وجود الصلة الشديدة بين التدبير والخلق نرى أنّه سبحانه بعدما يذكر مسألة خلق السماوات والاَرض يطرح مسألة تسخير الشمس والقمر الذي هو نوع من التدبير، قال تعالى:
(اللّهُ الّذِي رَفَعَ السَّمواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَر كُلٌّ يَجْرِي لاََِجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الاََمْرَ يُفَصِّلُ الآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِرَبِّكُمْ تُوقِنُونَ) . (1)
ومن هذا الطريق يوقفنا القرآن الكريم على حقيقة التدبير الذي هو نوع من الخلق وقد عرفت أنّ لا خالق إلاّ اللّه تعالى.

2. إنسجام النظام واتصال التدبير

إنّ مطالعة كلّ صفحة من الكتاب التكويني العظيم يقودنا إلى وجود نظام
(1) الرعد: 2.

(61)
موحَّد وارتباط وثيق بين أجزائه، ومن المعلوم انّ وحدة النظام وانسجامه وتلائمه لا تتحقّق إلاّ إذا كان الكون بأجمعه تحت نظر حاكم ومدبِّر واحد، ولو خضع الكون لاِرادة مدبِّرين لما كان من اتصال التدبير وانسجام أجزاء الكون أيّ أثر، لاَنّ تعدّد المدبّر و المنظِّـم ـ بحكم اختلافهمـا في الذات أو في الصفـات والمشخِّصـات ـ يستلـزم بالضرورة الاختلاف في التدبير والاِرادة، وذلك ينافي الانسجام والتلائم في أجزاء الكون.
فوحدة النظام وانسجامه وتلاصقه وتلائمه كاشف عن وحدة التدبير والمدبّر وإلى هذا يشير قوله سبحانه:
(لَوْ كانَفِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللّهُ لَفَسَدَتا) . (1)
وهذا الاستدلال بعينه موجود في الاَحاديث المروية عن أئمّة أهل البيت _ عليهم السلام _ يقول الاِمام الصادق _ عليه السلام _ :
«دلّ صحّة الاَمر والتدبير وائتلاف الاَمر على أنّ المدبّر واحد». (2)
وسأله هشام بن الحكم:
ما الدليل على أنّ اللّه واحد؟
فقال _ عليه السلام _ :
«إتّصال التدبير وتمام الصنع، كما قال اللّه عزّ وجلّ:(لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاّ اللّهُ لَفَسَدتا)» . (3)
ثمّ إنّ المراد من حصر الربوبيّة والتدبير باللّه سبحانه، هي الربوبيّة على وجه
(1) الاَنبياء :22.
(2) توحيد الصدوق: الباب 36، الحديث 1.
(3) المصدر السابق: الحديث 2.

(62)
الاستقلال وبالذات، وذلك لا ينافي وجود مدبرات في الكون مسخرات للّه تعالى، قال سبحانه:
(فَالْمُدبِّراتِ أَمْراً) . (1)
وقال سبحانه:
(وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً) . (2)
فالاعتراف بمثل هذه المدبّرات لا يمنع من انحصار التدبير الاستقلالي في اللّه سبحانه.

شوَون التوحيد في الربوبية

إنّ للتوحيد في الربوبية نطاقاً واسعاً شاملاً لجميع المظاهر الكونية والحقائق الوجودية فلا مدبِّر في صفحة الوجود، بالذات وعلى وجه الاستقلال، سوى اللّه تعالى فهو ربّ العالمين لا ربّ سواه. فهذا إبراهيم بطل التوحيد يصف التوحيد في الربوبية بقوله:
(فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاّ رَبَّ الْعالَمِينَ* الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ* وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ* وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ*وَالّذي يُمِيتُني ثُمَّ يُحْيِينِ* وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّيْنِ* رَبِّ هَبْلِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحينَ) . (3)
(1)النازعات :5.
(2) الاَنعام :61.
(3) الشعراء : 77ـ83.

(63)
وينبغي في ختام هذا البحث أن نشير إلى ثلاثة أقسام لها أهميّة خاصّة في حياة الاِنسان الاِجتماعية وهي تتفرّع على التوحيد في الخالقية والربوبيّة وهي:

1. التوحيد في الحاكمية

الحاكم هو الذي له تسلّط على النفوس والاَموال، والتصرّف في شوَون المجتمع بالاَمر والنهي، والعزل والنصب، والتحديد والتوسيع ونحو ذلك، ومن المعلوم انّ هذا يحتاج إلى ولاية له بالنسبة إلى المسلّط عليه، ولولا ذلك لعدّ التصرّف عدوانياً، هذا من جانب.
ومن جانب آخر الولاية على الغير متفرّع على كون الوالي مالكاً للمولّـى عليه أو مدبّر أُموره في الحياة، وبما انّ لا مالكية لاَحد على غيره إلاّ للّه تعالى ولا مدبِّر سواه، فانّه الخالق الموجد للجميع والمدبِّر للكون بأجمعه، فلا ولاية لاَحد على أحد بالذات سوى اللّه تعالى، فحقّ الولاية منحصر للّه تعالى.
قال سبحانه:
(أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولِياءَ فَاللّهُ هُوَ الْوَلِيُّ) . (1)
وقال سبحانه:
(إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ للّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلينَ). (2)
و من جانب ثالث: انّ وجود الحكومة والحاكم البشري في المجتمع أمر ضروري كما أشار إليه الاِمام علي _ عليه السلام _ بقوله:

(1) الشورى: 9.
(2) الاَنعام :57.

(64)
«لابدّ للنّاس من أمير برّ أو فاجر». (1)
ومن المعلوم انّ ممارسة الاِمرة وتجسيد الحكومة في الخارج ليس من شأنه سبحانه، بل هو شأن من يماثل المحكوم عليه في النوع ويشافهه ويقابله مقابلة الاِنسان للاِنسان، وعلى ذلك، فوجه الجمع بين حصر الحاكمية في اللّه سبحانه ولزوم كون الحاكم والاَمير بشراً كالمحكوم عليه، هو لزوم كون من يمثّل مقام الاِمرة مأذوناً من جانبه سبحانه لاِدارة الاَُمور والتصرّف في النفوس والاَموال، وأن تكون ولايته مستمدّة من ولايته سبحانه ومنبعثة منها.
وعلى هذا فالحكومات القائمة في المجتمعات يجب أن تكون مشروعيّتها مستمدّة من ولايته سبحانه وحكمه بوجه من الوجوه، وإذا كانت علاقتها منقطعة غير موصولة به سبحانه فهي حكومات طاغوتية لا مشروعيّة لها.

2. التوحيد في الطّاعة

لا شكّ انّ من شوَون الحاكم والولي، لزوم إطاعته على المحكوم والمولّى عليه، فإنّ الحكومة من غير لزوم إطاعة الحاكم تصبح لغواً، وقد تقدّم انّ الحاكم بالذات ليس إلاّ اللّه تعالى.
وعلى هذا، فليس هناك مطاع بالذّات إلاّ هو تعالى وأمّا غيره تعالى، فبما انّه ليس له ولاية ولا حكومة على أحد إلاّ بإذنه تعالى وباستناد حكومته إلى حكومته سبحانه، فليس له حقّ الطّاعة على أحد إلاّ كذلك.

(1) نهج البلاغة: الخطبة 40.

(65)
قال تعالى:
(وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ لِيُطاعَبِإِذْنِ اللّهِ) . (1)
وقال سبحانه:
(وَمَنْ أَطاعَ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللّه) . (2)

3. التوحيد في التشريع

إنّ الربوبيّة على قسمين: تكوينيّة وتشريعيّة ودلائل التوحيد في الربوبيّة التكوينية يثبت التوحيد في الربوبيّة التشريعية أيضاً، فإنّ التقنين والتشريع نوع من التدبير، يدبّر به أمر الاِنسان والمجتمع البشري، كما انّه نوع من الحكومة والولاية على الاَموال والنفوس، فبما انّالتدبير والحكومة منحصرتان في اللّه تعالى، فكذلك ليس لاَحد حقّ التقنين والتشريع إلاّ له تعالى.
وأمّا الفقهاء والمجتهدون فليسوا بمشرّعين، بل هم متخصّصون في معرفة تشريعه سبحانه، ووظيفتهم الكشف عن الاَحكام بعد الرجوع إلى مصادرها وجعلها في متناول الناس.
وأمّا ما تعورف في القرون الاَخيرة من إقامة مجالس النوّاب أو الشورى في البلاد الاِسلامية، فليست لها وظيفة سوى التخطيط لاِعطاء البرنامج للمسوَولين في الحكومات في ضوء القوانين الاِلهيّة لتنفيذها، والتخطيط غير التشريع كما هو واضح.
وهناك آيات من الذكر الحكيم تدلّ بوضوح على اختصاص التشريع باللّه
(1) النساء :64.
(2) النساء :80.

(66)
سبحانه نشير إلى بعضها:
قال سبحانه:
1.(وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ) . (1)
2. (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ) . (2)
3. (وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الاِِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ). (3)

(1) المائدة :44.
(2) المائدة :45.
(3) المائدة :47.

(67)

5
التوحيد في العبادة

التوحيد في العبادة ممّا اتّفق على اختصاصه باللّه سبحانه جميع المسلمين بل الاِلهيين، وهو الهدف والغاية الاَسنى من بعث الاَنبياء والمرسلين، قال سبحانه:
(وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوت). (1)
وناهيك في أهميّة ذلك انّ الاِسلام قرّره شعاراً للمسلمين يوَكّدون عليه في صلواتهم الواجبة والمندوبة بقولهم:
(إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعين) . (2)
كما أنّ مكافحة النبي _ صلّى اللّه عليه وآله وسلم ـ بل وسائر الاَنبياء للوثنيين تتركّز على هذه النقطة غالباً كما هو ظاهر لمن راجع القرآن الكريم.
وبالجملة لا تجد مسلماً ينكر هذا الاَصل أو يشكّ فيه وإنّما الكلام في تشخيص مصاديق العبادة وجزئياتها عن غيرها، فترى انّ أتباع الوهّابيّة يرمون غيرهم بالشرك في العبادة بالتبرّك بآثار الاَنبياء والتوسّل بهم إلى اللّه سبحانه ونحو ذلك، فتمييز العبادة عن غيرها هي المشكلة الوحيدة في هذا المجال، فيجب قبل كلّ شيء دراسة واقعية عن حقيقة العبادة على ضوء العقل والكتاب والسنّة فنقول:

(1) النحل :36.
(2) الفاتحة :5.

(68)

ما هي حقيقة العبادة؟

قد تعرّف العبادة بـ«الخضوع والتذلّل» أو «نهاية الخضوع» ولكنّهما تعريفان ناقصان لا يساعدهما القرآن الكريم.
توضيح ذلك: انّ القرآن الكريم أمر الاِنسان بالتذلّل لوالديه فيقول:
(وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّياني صَغيراً) . (1)
فلو كان الخضوع والتذلّل عبادة لمن يتذلّل له لكان أمره تعالى بذلك أمراً باتّخاذ الشريك له تعالى في العبادة !
كما أنّه سبحانه أمر الملائكة بالسجود لآدم فيقول:
(وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكةِ اسْجُدُوا لآدمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ) . (2)
مع أنّ السجود نهاية التذلّل و الخضوع للمسجود له، فهل ترى أنّ اللّه سبحانه يأمر الملائكة بالشّرك في العبادة؟!
إنّ إخوة يوسف ووالديه سجدوا جميعاً ليوسف بعد استوائه على عرش الملك والسلطنة، كما يقول سبحانه:
(وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً) . (3)
إذن ليس معنى العبادة التي تختصّ باللّه سبحانه ولا تجوز لغيره تعالى هو الخضوع والتذلّل، أو نهاية الخضوع، فما هي حقيقة العبادة؟

(1) الاِسراء : 24.
(2) البقرة :34.
(3) يوسف: 100.

(69)
حقيقة العبادة ـ على ما يستفاد من القرآن الكريم ـ هي «الخضوع والتذلّل، لفظاً أو عملاً مع الاعتقاد بأُلوهية المخضوع له» فما لم ينشأ الخضوع من هذا الاعتقاد، لا يكون عبادة، ويدلّ على ذلك الآيات الّتي تأمر بعبادة اللّه وتنهى عن عبادة غيره، معلّلة ذلك بأنّه لا إله إلاّ اللّه، كقوله سبحانه:
(وَيا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ) . (1)
وقد ورد هذا المضمون في عشرة موارد أو أكثر في القرآن الكريم. (2)
ومعنى هذا التعليل انّ الذي يستحقّ العبادة هو من كان إلهاً، وليس هو إلاّ اللّه، فإذا تحقّق وصف الاَُلوهية في شيء جازت ـ بل وجبت ـ عبادته واتّخاذه معبوداً، وحيث إنّ الوصف لا يوجد إلاّ في اللّه سبحانه وجب عبادته دون سواه.
والمراد من الاَُلوهيّة هو ما يعدّ من شوَون الاِله، أعني: الاستقلال في الذات والصفات والاَفعال، فمن اعتقد لشيء نحواً من الاستقلال إمّا في وجوده، أو في صفاته، أو في أفعاله وآثاره فقد اتّخذه إلهاً، والاَبحاث المتقدّمة حول التوحيد الذاتي والصفاتي والاَفعالي كانت هادفة لحصر الاَُلوهية المطلقة للّه سبحانه وإبطال أُلوهيّة غيره تعالى.
ثمّ إنّ المستفاد من مطالعة عقائد الوثنية في كتب الملل والنحل ـ ويوَيده القرآن الكريم أيضاً ـ انّ معظم الاِنحرافات في مسألة التوحيد كان في مجال الربوبيّة والتدبير، فالمشركون مع اعترافهم بحصر الخالقية باللّه تعالى وانّ جميع من سواه مخلوق للّه سبحانه، كانوا معتقدين بوجود أرباب من دون اللّه وانّ لهم
(1) الاَعراف :59.
(2) يمكن للقارىَ أن يراجع لذلك الآيات التالية: الاَعراف|65، 73، 85؛ هود|50، 61، 84؛ طه|14؛ الاَنبياء|25؛ الموَمنون|22ـ23.

(70)
الاَُلوهيّة في مجال الربوبيّة والتدبير، وكان الغرض من عبادتهم الاستنصار على الاَعداء والعزّة و الغلبة، يقول سبحانه:
(واتّخذوا مِنْ دُونِ اللّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصُرون) (1)
ويقول سبحانه:
(واتَّخذوا مِنْ دُونِ اللّهِ آلهةً ليَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً) . (2)
و من هنا نرى أنّ قسماً من الآيات تعلّل الاَمر بحصر العبادة في اللّه وحده، بأنّه الرَّبّ ، فمن ذلك قوله سبحانه:
(وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَني إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللّهَ رَبِّي وَربَّكُمْ) . (3)
وقوله سبحانه:
(إِنَّ هذهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُون) . (4)
وقوله سبحانه:
(إِنَّ اللّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيم). (5)
وغير ذلك من الآيات الّتي تجعل العبادة دائرة مدار الربوبية. (6)ومن المعلوم انّالربوبيّة بالذات والاستقلال من شوَون الاَلوهيّة.

(1) يس :74.
(2) مريم : 81.
(3) المائدة :72.
(4) الاَنبياء :92.
(5) آل عمران : 51.
(6) لاحظ الآيات الكريمات التاليات: يونس|3؛ الحجر|9؛ مريم|36، 65؛ الزخرف|64.

(71)

زبدة المقال

خلاصة القول في المقام، انّ أيَّ خضوع ينبع من الاعتقاد بأنّ المخضوع له إله العالم أو ربّه أو فُوِّض إليه تدبير العالم كلّه أو بعضه، يكون الخضوع بأدنى مراتبه عبادة ويكون صاحبه مشركاً في العبادة إذا أتى به لغير اللّه، ويقابل ذلك الخضوع غير النابع من هذا الاعتقاد، فخضوع أحد أمام موجود وتكريمه ـ مبالغاً في ذلك ـ من دون أن ينبع من الاعتقاد بأُلوهيّته، لا يكون شركاً ولا عبادة لهذا الموجود، وإن كان من الممكن أن يكون حراماً، مثل سجود العاشق للمعشوقة، أو المرأة لزوجها، فإنّه وإن كان حراماً في الشريعة الاِسلامية لكنّه ليس عبادة بل حرام لوجه آخر، ولعلَّ الوجه في حرمته هو انّ السجود حيث إنّه وسيلة عامّة للعبادة عند جميع الاَقوام والملل، صار بحيث لا يراد منه إلاّ العبادة، لذلك لم يسمح الاِسلام بأن يستفاد منها حتّى في الموارد الّتي لا تكون عبادة، والتحريم إنّما هو من خصائص الشريعة الاِسلامية، إذ لم يكن حراماً قبله، وإلاّ لما سجد يعقوب وأبناوَه ليوسف _ عليه السلام _ إذ يقول عزّ وجلّ:
(وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً) . (1)
ومن هذا القبيل سجود الملائكة لآدم _ عليه السلام _ .
قال الجصّاص: قد كان السجود جائزاً في شريعة آدم _ عليه السلام _ للمخلوقين، ويشبه أن يكون قد كان باقياً إلى زمان يوسف _ عليه السلام _ ...إلاّ انّ السجود لغير اللّه على وجه التكرمة والتحيّة منسوخ بما روت عائشة وجابر وأنس انّ النبي _ صلّى اللّه عليه وآله وسلم ـ قال:
«ما ينبغي لبشر أن يسجد لبشر، ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر لاَمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقِّه عليها». (2)
(1) يوسف :100.
(2) أحكام القرآن :1|32.

(72)

نتائج البحث

وعلى ما ذكرنا لا يكون تقبيل يد النبيّ أو الاِمام، أو المعلّم أو الوالدين، أو تقبيل القرآن أو الكتب الدينية، أو أضرحة الاَولياء، وما يتعلّق بهم من آثارٍ، إلاّتعظيماً وتكريماً، لا عبادة، وبذلك يتّضح انّكثيراً من الموضوعات الّتي تعرّفها فرقة الوهّابيّة عبادة لغير اللّه وشركاً به، ليس صحيحاً على إطلاقه، وإنّما هو شرك وعبادة إذا كان المخضوع له معنوناً بالاَُلوهيّة وانّه فوّض إليه الخلق والتدبير والاِحياء والاِماتة والرزق وغير ذلك من شوَون الاِلهيّة المطلقة، أو الاعتقاد بأنّ في أيديهم مصير العباد في حياتهم الدنيوية والاَُخروية. وأمّا إذا كان بداعي تكريم أولياء اللّه تعالى كان مستحسناً عقلاً وشرعاً، لاَنّه وسيلة لاِبراز المحبّة والمودّة للصالحين من عباد اللّه تعالى الذي فيه رضاه سبحانه بالضّرورة.
(73)

الباب الثاني
في
أسمائه وصفاته تعالى

وفيه ستّة فصول:
1. كيف نتعرّف على صفاته تعالى؟
2. التقسيمات الرائجة في صفاته سبحانه.
3. الصفات الثبوتية الذاتية.
4. الصفات الثبوتية الفعلية.
5. الصفات الخبريّة.
6. الصفات السلبية.

(74)

(75)

الفصل الاَوّل
كيف نتعرّف على صفاته تعالى؟

اعتاد الاِنسان الساكن بين جدران الزمان والمكان أن يتعرّف على الاَشياء مقيّدة بالزمان والمكان موصوفة بالتحيّز والتجسيم، متَّسمة بالكيف والكم، إلى ذلك من لوازم المادَّة ومواصفات الجسمانية، فقد قضت العادة الملازمة للاِنسان، أعني: أُنسه بالمادّة واعتياده على معرفة كلّ شيء في الاِطار المادّي، أن يُصوِّر لربِّه صوراً خيالية على حسب ما يألفه من الاَُمور المادّية الحسيّـة، وقلَّ ما أن يتّفـق لاِنسان أن يتوجّه إلى ساحة العزّة والكبرياء ونفسه خالية عن المحاكاة.

بين التشبيه والتعطيل

على ذلك الاَساس افترق جماعة من الاِلهيين إلى مشبِّه ومعطِّل، فالاَوّلون تورّطوا في مهلكة التشبيه وشبّهوا بارئهم بإنسان له لحم، ودم، وشعر، وعظم، وله جوارح وأعضاء حقيقية من يد، ورجل، ورأس ويجوز عليه المصافحة والانتقال. (1)وإنكار بارىَ بهذه الاَوصاف المادّية المنكرة أولى من إثباته ربّاً
(1) الملل والنحل :1|104.

(76)
للعالم، لاَنّ الاعتقاد بالبارىَ بهذه الصفات يجعل الاَُلوهية والدعوة إليها منكراً تتنفّر منه العقول والاَفكار المنيرة.
والطائفة الثانية أرادت التحرّز عن وصمة التشبيه وعار التجسيم فوقعت في إسارة التعطيل، فحكمت بتعطيل العقول عن معرفته سبحانه ومعرفة صفاته وأفعاله، قائلة بأنّه ليس لاَحد الحكم على المبدأ الاَعلى بشيء من الاَحكام وليس إلى معرفته من سبيل إلاّبقراءة ما ورد في الكتاب والسنّة، فقالت: إنّالنجاة كلّ النجاة في الاعتراف بكلّ ما ورد في الشرع الشريف من دون بحث ونقاش، فقد نقل عن سفيان بن عيينة انّه قال:
«كلّما وصف اللّه به نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عليه».(1)

ما هو المسلك الصحيح؟

ولكن هناك طائفة ثالثة ترى أنّ من الممكن التعرّف على صفاته سبحانه من طريق التدبّر وعلى ضوء ما أفاض اللّه سبحانه على عباده من نعمة العقل والفكر.
وحجّتهم في ذلك انّ اللّه سبحانه ما نصّعلى أسمائه وصفاته في كتابه وسنّة نبيّه إلاّلكي يتدبّر فيها الاِنسان بعقله وفكره في حدود الممكن، فهذا أمر يدعو إليه العقل والكتاب العزيز والسنّة الصحيحة.
ويكفي في تعيّن هذا الطريق ما ورد في أوائـل سـورة الحديد من قوله سبحانه:
(سَبَّحَ للّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالاََرْضِ) .

(1) الملل والنحل :1|93.

(77)
إلى قوله:
(وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُور ) .
وما ورد في آخر سورة الحشر من قوله سبحانه:
(هُوَ اللّهُ الّذي لا إله إِلاّهُوَ المَلِكُ) .
إلى قوله:
(وَهُوَ الْعَزِيزُ الحَكيم) .
وغير ذلك من الآيات المتضافرة في بيان صفات ذاته وأفعاله تعالى.
فهل يظنّ عاقل انّ تلك الآيات المتكثّرة إنّما أنزلها اللّه تعالى لمجرّد القراءة والتلاوة، ولو كان كذلك فما معنى التدبّر في الآيات القرآنية الّذي دعا القرآن نفسه إليه بوجه أكيد؟

كلمة قيِّمة من الاِمام علي _ عليه السلام _

وهناك كلمة قيِّمة للاِمام علي _ عليه السلام _ تدعو إلى ذلك الطريق الوسط، قال _ عليهم السلام _ :
«لَمْ يُطْلِع العقول على تَحديد صِفته، وَلَم يَحجُبْها عن واجب مَعرفته». (1)
والعبارة تهدف إلى أنّ العقول وإن كانت غير مأذونة في تحديد الصفات الاِلهية، لكنّها غير محجوبة عن التعرّف حسب ما يمكن.
وأوضح دليل على قدرة العقل على البحث ودراسة الحقائق السفلية والعلوية حَثُّ الوحي على التعقّل سبع وأربعين مرَّة، وعلى التفكّر ثماني عشرة مرّة، وعلى التدبّر أربع مرّات في الكتاب العزيز.

(1) نهج البلاغة: الخطبة 291.

(78)
وتخصيص هذه الآيات بما وقع في أُفق الحسّ تخصيص بلا دليل، ولو كان عمل السلف في هذا المجال حجّة فهذا الاِمام علي بن أبي طالب _ عليه السلام _ قد خاض في الاِلهيات في خطبه ورسائله وكلماته القصار، فلا ندري لماذا تحتج سلفيّة العصر الحاضر والماضي بعمل أهل الحديث من الحنابلة والاَشاعرة، ولا تحتجّ بفعل الاِمام أمير الموَمنين _ عليه السلام _ ربيب أحضان النبيّ ص، وتلميذه الاَوّل وخليفة المسلمين أجمعين؟!

عودة نظريّة التعطيل في ثوب جديد

لقد عادت نظريّة التعطيل في العصر الحاضر بشكل جديد، وهو انّ التحقيق في المسائل الاِلهية لا يمكن إلاّمن خلال مطالعة الطبيعة، قال محمّد فريد وجدي:
«بما انّ خصومنا يعتمدون على الفلسفة الحسيّة، والعلم الطبيعي في الدعوة إلى مذهبهم فنجعلهما عمدتنا في هذه المباحث، بل لا مناص لنا من الاعتماد عليهما، لاَنّهما اللّذان أوصلا الاِنسان إلى هذه المنصَّة من العهد الروحاني». (1)
أقول: لا شكّ انّ القرآن يدعو إلى مطالعة الطبيعة كما مرَّ، إلاّ أنّ الكلام في مدى كفاية النظر في الطبيعة ودراستها في البرهنة على المسائل التي طرحها القرآن الكريم مثل قوله سبحانه:
(لَيْسَكَمِثْلِهِ شَيءٌ) . (2)
(وَللّهِ الْمَثَلُ الاََعْلى) . (3)

(1) على أطلال المذهب المادي:1|16.
(2) الشورى :11.
(3) النحل :60.

(79)
(لَهُ الاََسْماءُ الْحُسْنى) . (1)
(هُوَ الاََوَّلُ وَالآخِرُ وَالظاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) . (2)
(وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَما كُنْتُمْ) . (3)
إلى غير ذلك من المباحث والمعارف التي لا تنفع دراسة الطبيعة ومطالعة العالم المادّي في فكِّ رموزها والوقوف على حقيقتها، بل تحتاج إلى مبادىَ ومقدّمات عقلية وأُسس منطقية.
إنّ مطالعة الطبيعة تهدينا إلى أنّ للكون صانعاً عالماً قادراً، ولكن لا تهدينا إلى أجوبة عن سوَالات عديدة في هذا المجال، مثلاً: هل الصانع أزليّ أو حادث، واحد أو كثير، بسيط أو مركب، جامع لجميع صفات الجمال والكمال أو لا ؟
هل لعلمه حدّ ينتهي إليه أو لا ؟
هل لقدرته نهاية تقف عندها أو لا ؟
هل هو أوّل الاَشياء وآخرها ؟
هل هو ظاهر الاَشياء وباطنها ؟
فالاِمعان في عالم الطبيعة لا يفيد في الاِجابة عن هذه التساوَلات وغيرها من المعارف المطروحة في القرآن.
وعندئذٍ لا مناص عن سلوك أحد الطريقين: إمّا أن يصار إلى التعطيل وتحريم البحث حول هذه المعارف، وإمّا الاِذعان بوجود طريق عقلي يوصلنا إلى تحليل هذه المعارف، وبما انّ التعطيل مخالف لصريح العقل والنقل، فالمتعيّن هو الطريق الثاني وهو المطلوب.

(1) طه : 8.
(2) الحديد :3.
(3) الحديد :4.

(80)

الطرق الصحيحة إلى معرفة صفاته تعالى

قدعرفت أنّ ذاته سبحانه وأسماءه وصفاته، وإن كانت غير مسانخة لمدركات العالم المحسوس، لكنّها ليست على نحو يستحيل التعرّف عليها بوجه من الوجوه، ومن هنا نجد أنّ الحكماء و المتكلّمين يسلكون طرقاً مختلفة للتعرّف على ملامح العالم الربوبي، وها نحن نشير إلى هذه الطرق:

الاَوّل: الطريق العقلي

إذا ثبت كونه سبحانه غنيّاً غير محتاج إلى شيء، فإنّ هذا الاَمر يمكن أن يكون مبدأً لاِثبات كثير من الصفات الجلالية، فانّ كلّ وصف استلزم خللاً في غناه و نقصاً له، انتفى عنه ولزم سلبه عن ذاته.
وقد سلك الفيلسوف الاِسلامي نصير الدين الطوسي هذا السبيل للبرهنة على جملة من الصفات الجلالية حيث قال:
«وجوب الوجود يدلُّ على سرمديته، ونفي الزائد، والشريك، والمثل، والتركيب بمعانيه، والضد، و التحيّز، و الحلول، والاتحاد، والجهة، وحلول الحوادث فيه، و الحاجة، والاَلم مطلقاً، واللذة المزاجية، والمعاني، والاَحوال، والصفات الزائدة والروَية».
بل انطلق المحقّق من نفس هذه القاعدة لاِثبات سلسلة من الصفات الثبوتية حيث قال:

(81)
«وجوب الوجود يدل على ثبوت الجود، والملك، والتمام، والحقيّة، والخيرية، والحكمة، والتّجبُّر، والقهر، والقيُّومية». (1)
وقد سبقه إلى ذلك موَلّف الياقوت إذ قال:
«وهو(وجوب الوجود) ينفي جملة من الصفات عن الذات الاِلهية وانّه ليس بجسم، ولا جوهر، ولا عرض، ولا حالاّ ً في شيء، ولا تقوم الحوادث به وإلاّ لكان حادثاً».(2)
وعلى ذلك يمكن الاِذعان بما في العالم الربوبي من الكمال والجمال بثبوت أصل واحد وهو كونه سبحانه موجوداً غنياً و اجب الوجود، لاَجل بطلان التسلسل الذي عرفته، وليس إثبات غناه ووجوب وجوده أمراً مشكلاً على النفوس.
ومن هذا تنفتح نوافذ على الغيب والتعرّف على صفاته الثبوتية والسلبية، وستعرف البرهنة على هذه الصفات من هذا الطريق.

الثاني: المطالعة في الآفاق والاَنفس

من الطرق والاَُصول التي يمكن التعرّف بها على صفات اللّه، مطالعة الكون المحيط بنا، وما فيه من بديع النظام، فإنّه يكشف عن علم واسع وقدرة مطلقة عارفة بجميع الخصوصيات الكامنة فيه، وكلّ القوانين التي تسود الكائنات، فمن خلال هذه القاعدة وعبر هذا الطريق أي مطالعة الكون، يمكن للاِنسان أن يهتدي إلى قسم كبير من الصفات الجمالية، وبهذا يتبيّن أنّ ذات اللّه سبحانه وصفاته ليست محجوبة عن التعرّف المطلق وغير واقعة في أُفق التعقّل، حتّى
(1) كشف المراد: المقصد الثالث، الفصل الثاني، المسألة:7ـ21.
(2) أنوار الملكوت في شرح الياقوت:76، 80، 81، 99.

(82)
نعطّل العقول، وقد أمر الكتاب العزيز بسلوك هذا الطريق، يقول سبحانه:
(قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالاََرْضِ) . (1)
وقال سبحانه:
(إِنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ وَالاََرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لآياتٍ لاَُولي الاََلْبابِ).(2)
وقال سبحانه:
(إِنَّ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما خَلقَ اللّه فِي السَّماواتِ وَالاََرْضِ لآياتٍ لِقَومٍ يَتَّقُونَ) . (3)

الثالث: الرجوع إلى الكتاب والسنّة الصحيحة

وهناك أصل ثالث يعتمد عليه أتباع الشرع، وهو التعرّف على أسمائه وصفاته وأفعاله بما ورد في الكتب السماويّة وأقوال الاَنبياء وكلماتهم، وذلك بعدما ثبت وجوده سبحانه وقسم من صفاته، ووقفنا على أنّ الاَنبياء مبعوثون من جانب اللّه وصادقون في أقوالهم وكلماتهم.
وباختصار، بفضل الوحي ـ الّذي لا خطأ فيـه ولا زلل ـ نقـف على ما في المبدأ الاَعلى من نعوت وشوَون، فمن ذلك قوله سبحانه:
(هُوَ اللّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُوَْمِنُ
(1) يونس :101.
(2) آل عمران :190.
(3) يونس :6.

(83)
الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيْزُ الْجَبارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ* هُوَ اللّهُ الْخالِقُ الْبارِىَُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الاََسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالاََرْضِ وَهُوَ الْعَزيزُ الْحَكيمُ) . (1)

الرابع: الكشف والشهود

وهناك ثلّة قليلة يشاهدون بعيون القلوب ما لا يدرك بالاَبصار، فيرون جماله وجلاله وصفاته وأفعاله بإدراك قلبي، يدرك لاَصحابه ولا يوصف لغيرهم.
والفتوحات الباطنية من المكاشفات أو المشاهدات الروحية والاِلقاءات في الروع غير مسدودة، بنص الكتاب العزيز.
قال سبحانه:
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً) . (2)
أي يجعل في قلوبكم نوراً تفرّقون به بين الحقّ والباطل، وتميّزون به بين الصحيح والزائف، لا بالبرهنة والاستدلال بل بالشهود والمكاشفة.
وقال سبحانه:
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُوَْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِر لَكُمْ وَ اللّهُ غَفُورٌ رَحيمٌ) . (3)
والمراد من النور هو ما يمشي الموَمن في ضوئه طيلة حياته في معاشه
(1) الحشر :22ـ23.
(2) الاَنفال :29.
(3) الحديد :28.

(84)
ومعاده، في دينه ودنياه. (1)
وقال سبحانه:
(وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا) . (2)
إلى غير ذلك من الآيات الظاهرة في أنّ الموَمن يصل إلى معارف وحقائق في ضوء المجاهدة والتقوى، إلى أن يقدر على روَية الجحيم في هذه الدنيا المادية.
قال سبحانه:
(كَلاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقين* لَتَرَوُنَّ الْجَحيم) . (3)
نعم ليس كلُّ من رمى، أصاب الغرض، وليست الحقائق رمية للنبال، وإنّما يصل إليها الاَمثل فالاَمثل، فلا يحظى بما ذكرناه من المكاشفات الغيبية والفتوحات الباطنية إلاّ النزر القليل ممّن خلَّص روحه وصفّا قلبه.
(1) أمّا في الدنيا فهو النور الذي أشار إليه سبحانه بقوله:
(أَوَ مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَبِخارِجٍ مِنْها) . (الاَنعام:122).
وأمّا في الآخرة فهو ما أشار إليه سبحانه بقوله:
(يَوْمَ تَرَى الْمُوَْمِنينَ وَ المُوَْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ) .( الحديد:12).
(2) العنكبوت :29.
(3) التكاثر :5ـ 6.

(85)

الفصل الثاني
التقسيمات الرائجة في صفاته سبحانه

قد ذكروا لصفاته تعالى تقسيمات وهي:

1. الصفات الجمالية والجلالية

إذا كانت الصفة مثبتة لجمال ومشيرة إلى واقعية في ذاته تعالى سمّيت «ثبوتية» أو «جمالية» وإذا كانت الصفة هادفة إلى نفي نقص وحاجة عنه سبحانه سمّيت «سلبية» أو «جلالية».
فالعلم والقدرة والحياة من الصفات الثبوتية المشيرة إلى وجود كمال وواقعية في الذات الاِلهية ولكن نفي الجسمانية والتحيّز والحركة والتغيّـر من الصفات السلبية الهادفة إلى سلب ما هو نقص عن ساحته سبحانه.
قال صدر المتألّهين:
«إنّ هذين الاِصطلاحين [الجمالية] و [الجلالية] قريبان ممّا ورد في
(86)
الكتاب العزيز، قال سبحانه: (تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالاِِكْرامِ) . (1)
فصفة الجلال ما جلّت ذاته عن مشابهة الغير،وصفة الاِكرام ما تكرّمت ذاته بها وتجمّلت، فيوصف بالكمال وينزّه بالجلال». (2)

2. صفات الذات وصفات الفعل

قسَّم المتكلّمون صفاته سبحانه إلى صفة الذات وصفة الفعل، والاَوّل: ما يكفي في وصف الذات به، فرض نفس الذات فحسب، كالقدرة والحياة والعلم.
والثاني: ما يتوقف توصيف الذات به على فرض الغير وراء الذات وهو فعله سبحانه.
فصفات الفعل هي المنتزعة من مقام الفعل، بمعنى انّ الذات توصف بهذه الصفات عند ملاحظتها مع الفعل، وذلك كالخلق والرزق ونظائرهما من الصفات الفعلية الزائدة على الذات بحكم انتزاعها من مقام الفعل ومعنى انتزاعها، انّا إذ نلاحظ النعم التي يتنعّم بها الناس، وننسبها إلى اللّه سبحانه، نسمّيها رزقاً رزقه اللّه سبحانه، فهو رزّاق، ومثل ذلك الرَّحمة والمغفرة فهما يطلقان عليه على الوجه الذي بيّنّاه.

3. الحقيقيّة والاِضافيّة

وللصّفات تقسيم آخر وهو تقسيمها إلى الحقيقيّة والاِضافيّة والمراد من الاَُولى ما تتصف به الذات حقيقة، وهي إمّا ذات إضافة كالعلم والقدرة، وإمّا
(1) الرحمن :78.
(2)الاَسفار :6|118.

(87)
حقيقة محضة كالحياة. والاِضافية هي الصفات الانتزاعيّة كالعالميّة والقادريّة والخالقية والرازقية والعليّة.

4. الصفات الخبريّة

والمراد منها ما ورد توصيفه تعالى بها في الخبر الاِلهي من الكتاب والسنّة من العلو وكونه ذا وجه، ويدين، وأعين، إلى غير ذلك من الاَلفاظ الواردة في القرآن أو الحديث التي لو أُجريت على اللّه سبحانه بمعانيها المتبادرة عند العرف لزم التجسيم والتشبيه.

هل أسماء اللّه توقيفيّة؟

نقل غير واحد من المتكلّمين والمفسّرين أنّ أسماءه تعالى وصفاته توقيفية، وجوّزوا إطلاق كلّ ما ورد في الكتاب والاَحاديث الصحيحة دعاءً أووصفاً له وإخباراً عنه، ومنعوا كلّ مالم يرد فيهما، وسمّوا ذلك إلحاداً في أسمائه، وعلى ذلك منع جمهور أهل السنَّة كلّ ما لم يأذن به الشارع، مطلقاً وجوّز المعتزلة ما صحّ معناه ودلّ الدليل على اتصافه به ولم يوهم إطلاقه نقصاً، وقد مال إلى قول المعتزلة بعض الاَشاعرة، كالقاضي أبي بكر الباقلاني، وتوقف إمام الحرمين الجويني.
والتفصيل يقع في مقامين:
الاَوّل: تفسير ما استدلوا به من الآية.
الثاني: تجويز مالم يوهم إطلاقه نقصاً.
أمّا الاَوّل: فقد قال سبحانه:
(وَللّهِ الاََسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أَسْمائهِ
(88)
سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) . (1)
الاستدلال مبني على أمرين:
أ. إنّ اللام في الاَسماء الحسنى للعهد، تشير إلى الاَسماء الواردة في الكتاب والسنّة الصحيحة.
ب. إنّ المراد من الاِلحاد، التعدّي إلى غير ما ورد.
وكلا الاَمرين غير ثابت، أمّا الاَوّل فالظاهر أنّ اللام للاِستغراق قدّم عليها لفظ الجلالة لاَجل إفادة الحصر، ومعنى الآية إنّ كلّ اسم أحسن في عالم الوجود فهو للّه سبحانه، لا يشاركه فيه أحد، فإذا كان اللّه سبحانه ينسب بعض هذه الاَسماء إلى غيره كالعالم والحي، فأحسنها للّه، أعني: الحقائق الموجودة بنفسها الغنية عن غيرها والثابت لغيره من العلم والحياة والقدرة المفاضة من جانبه سبحانه، من تجليات صفاته وفروعها وشوَونها، والآية بمنزلة قوله سبحانه:
(أَنَّ الْقُوَّةَ للّهِ جَمِيعاً) . (2)
وقوله سبحانه:
(إِنَّ الْعِزَّةَ للّهِ جَمِيعاً) . (3)
إلى غير ذلك.
وعلى ذلك فمعنى الآية أنّ للّه سبحانه حقيقةُ كلّ اسم أحسن لا يشاركه غيره إلاّبما ملّكهم منه، كيف ما أراد وشاء.
وأمّا الثاني: فلاَنّ الاِلحاد هو التطرّف والميل عن الوسط إلى أحد الجانبين،
(1) الاَعراف : 180.
(2)البقرة :165.
(3)يونس:65.

(89)
وأمّا الاِلحاد في أسمائه فيتحقّق بأُمور:
1. إطلاق أسمائه على الاَصنام بتغيير مّا، كإطلاق «اللاّت» المأخوذة من الاِله بتغيير، على الصنم المعروف، وإطلاق «العُزّى» المأخوذ من العزيز، و«المناة» المأخوذ من المنّان، فيلحدون ويميلون عن الحقّ بسبب هذه الاِطلاقات لاِرادتهم التشريك والحط من مرتبة اللّه وتعلية ما صنعوه من الاَصنام وسيجزي هوَلاء على طبق أعمالهم فلا يصل النقص إلى اللّه ولا يرتفع مقام مصنوعاته.
2. تسميته بما لا يجوز وصفه به لما فيه من النقص، كوصفه سبحانه بأبيض الوجه وجعد الشعر.
ومن هذا القبيل تسميته سبحانه بالماكر والخادع تمسّكاً بقوله سبحانه:
(وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْماكِرين) . (1)
وقوله سبحانه:
(إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ) . (2)
فإنّ المتبادر من هذين اللفظين غير ما هو المتبادر من الآية، فإنّ المتبادر منهما منفردين مفهوم يلازم النقص و العيب بخلاف المفهوم من الآيتين فإنّه جزاءُ الخادع والماكر على وجه لا يبقى لفعلهما أثر.
3. تسميته ببعض أسمائه الحسنى دون بعض كأن يقولوا «يا اللّه» ولا يقولوا «يا رحمن» وقد قال اللّه تعالى:
(قُلِ ادْعُوا اللّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيّاً ما تَدْعُوا فَلَهُ الاََسْماءُ الْحُسْنى) . (3)

(1) آل عمران :54.
(2)النساء :142.
(3)الاِسراء :110.

(90)
وقال سبحانه:
(وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا للرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُوراً) . (1)
إلى غير ذلك من أقسام الاِلحاد والعدول عن الحق في أسمائه.
وبذلك يظهر أنّه لا مانع من توصيفه سبحانه بالواجب أو واجب الوجود أو الصانع أو الاَزلي، أو الاَبدي وإن لم ترد في النصوص، إذ ليس في إطلاقها عليه سبحانه طروء نقص أوإيماء إلى عيب، مع أنّه سبحانه يقول:
(صُنْعَ اللّهِ الّذي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) . (2)
هذا كلّه حول المقام الاَوّل.
وأمّا المقام الثاني: وهو تجويز تسميته تعالى بكلّما يدل على الكمال أو يتنزّه عن النقص والعيب، فذلك لاَنّ الاَلفاظ التي نستعملها في حقّه سبحانه لم توضع إلاّ لما نجده في حياتنا المشوبة بالنقص والعيب، فالعلم فينا الاِحاطة بالشيء من طريق أخذ صورته من الخارج بوسائل مادّية، والقدرة فينا هي المنشئيّة للفعل بكيفية ماديّة موجودة في عضلاتنا، ومن المعلوم أنّ هذه المعاني لا يصحّ نسبتها إلى اللّه إلاّ بالتجريد، كأن يفسّـر العلم بالاِحاطة بالشيء بحضوره عند العالم، والقدرة المنشئيّة للشيء بإيجاده، ومثله مفاهيم الحياة والاِرادة والسمع والبصر، فلا تطلق عليه سبحانه إلاّ بما يليق بساحة قدسه، منزّهة عن النقائص، فإذا كان الاَمر على هذا المنوال في الاَسماء التي وردت في النصوص فيسهل الاَمر فيمالم يرد فيها، وكان رمزاً للكمال أو مُعرباًعن فعله سبحانه على صفحات الوجود، أو مشيراً إلى تنزيهه
(1) الفرقان :60.
(2) النمل :88.

(91)
وغير ذلك من الملاكات المسوغة لتسميته وتوصيفه.
نعم بما أنّ العوام من الناس ربما لا يتبادر إلى أذهانهم ما يدلّ على الكمال أو يرمز إلى التنزيه، فيبادرون إلى تسميته وتوصيفه بأسماء وصفات فيها أحد المحاذير السابقة، فمقتضى الاحتياط في الدين الاقتصار في التسمية بما ورد من طريق السمع بل التجنّب عن الاِجراء والاِطلاق عليه سبحانه وإن لم يكن هناك تسمية.
(92)

(93)

الفصل الثالث
الصفات الثبوتية الذاتية
1
علمه تعالى


ما هوالعلم؟

عرّف العلم بأنّه صورة حاصلة من الشيء في الذهن، وهذا التعريف لا يشمل إلاّ العلم الحصولي، مع أنّ هناك قسماً آخر للعلم وهو العلم الحضوري، والفرق بين القسمين انّ في العلم الحصولي ما هو حاضر عند العالم وحاصل له هي الصورة المنتزعة من الشيء بأدوات الاِحساس، وهذه الصورة الذهنية وسيلة وحيدة لدرك الخارج وإحساسه ولاَجل ذلك أصبح الشيء الخارجي معلوماً بالعرض والصورة الذهنية معلومة بالذات، وأمّا العلم الحضوري فهو عبارة عن حضور المدرَك لدى المدرِك من دون توسط أيّ شيء وذلك كعلم الاِنسان بنفسه.

(94)
على ضوء ما ذكرنا من تقسيم العلم إلى الحصولي والحضوري يصحّ أن يقال:
«إنّ العلم على وجه الاِطلاق عبارة عن حضور المعلوم لدى العالم».
وهذا التعريف يشمل العلم بكلا قسميه، غير انّ الحاضر في الاَوّل هو الصورة الذهنية دون الواقعية الخارجية، وفي الثاني نفس واقعية المعلوم من دون وسيط بينها وبين العالم.
إذا وقفت على حقيقة العلم، فاعلم أنّ الاِلهيّين أجمعوا على أنّ العلم من صفات اللّه الذاتية الكمالية، وانّ العالم من أسمائه الحسنى، وهذا لم يختلف فيه اثنان على إجماله، ولكن مع ذلك اختلفوا في حدود علمه تعالى وكيفيته على أقوال، يلزمنا البحث عنها لتحقيق الحال في هذا المجال، فنقول:

1. علمه سبحانه بذاته

قد ذكروا لاِثبات علمه تعالى بذاته وجوهاً من البراهين نكتفي بذكر وجهين منها:
الاَوّل: مفيض الكمال ليس فاقداً له
إنّه سبحانه خلق الاِنسان العالم بذاته علماً حضورياً، فمعطي هذا الكمال يجب أن يكون واجداً له على الوجه الاَتم والاَكمل، لاَنّ فاقد الكمال لا يعطيه، ونحن وإن لم نحط ولن نحيط بخصوصية حضور ذاته لدى ذاته، غير انّا نرمز إلى هذا العلم بـ «حضــور ذاته لدى ذاته وعلمـه بها من دون وساطة شيء في البين».

(95)
الثاني: التجرّد عن المادة ملاك الحضور
ملاك الحضور والشهود العلمي ليس إلاّ تجرّد الوجود عن المادّة، فإنّ الموجود المادّي بما انّه موجود كمّي ذو أبعاض وأجزاء ليس لها وجود جمعي، ويغيب بعض أجزائه عن البعض الآخر، مضافاً إلى أنّه في تحوّل وتغيّر دائمي، فلا يصحّ للموجود المادّي من حيث إنّه مادّي أن يعلم بذاته، لعدم تحقّق ملاك العلم الذي هو حضور شيء لدى آخر.
فإذا كان الموجود منزّهاً من المادّة والجزئية والتبعّض، كانت ذاته حاضرة لديها حضوراً كاملاً، وبذلك نشاهد حضور ذواتنا عند ذواتنا، فلو فرضنا موجوداً على مستوى عال من التجرّد والبساطة عارياً عن كلّ عوامل الغيبة التي هي من خصائص الكائن المادّي، كانت ذاته حاضرة لديه، وهذا معنى علمه سبحانه بذاته أي حضور ذاته لدى ذاته بأتمّ وجه لتنزّهه عن المادّية والتركّب والتفرّق كما تقدّم برهان بساطته عند البحث عن التوحيد.
ثمّ إنّ المغايرة الاعتبارية تكفي لانتزاع عناوين العلم والمعلوم والعالم من ذات واحدة، وليس التغاير الحقيقي من خواصّ العلم حتّى يستشكل في علم الذات بنفس ذاته بتوحّد العالم والمعلوم، بل الملاك كلّه هو الحضور، وهذا حاصل في الموجود المجرّد كما تقدّم وبذلك يظهر وهن ما استدلّ به النافون لعلمه تعالى بذاته من لزوم التغاير الحقيقي بين العالم والمعلوم.

2. علمه سبحانه بالاَشياء قبل إيجادها

إنّ علمه سبحانه بالاَشياء على قسمين: علم قبل الاِيجاد وعلم بعد الاِيجاد. ونستدل على القسم الاَوّل بوجهين:

(96)

الاَوّل: العلم بالسّبب علم بالمسبَّب

إنّ العلم بالسبب والعلّة بما هو سبب وعلّة، علم بالمسبّب، والمراد من العلم بالسّبب والعلّة، العلم بالحيثية التي صارت مبدأ لوجود المعلول وحدوثه، ولتوضيح هذه القاعدة نمثل بمثالين:
1. انّ المنجّم العارف بالقوانين الفلكيّة و المحاسبات الكونيّة يقف على أنّ الخسوف والكسوف أو ما شاكل ذلك يتحقّق في وقت أو وضع خاص، وليس علمه بهذه الطوارىَ، إلاّ من جهة علمه بالعلّة من حيث هي علّة لكذا وكذا.
2. انّ الطبيب العارف بحالات النبض وأنواعه وأحوال القلب وأوضاعه يقدر على التنبّوَ بما سيصيب المريض في مستقبل أيامه وليس هذا العلم إلاّ من جهة علمه بالعلّة من حيث هي علّة.
إذا عرفت كيفيّة حصول العلم بالمعلول قبل إيجاده من العلم بالعلّة نقول: إنّ العالم بأجمعه معلول لوجوده سبحانه، وذاته تعالى علّة له، وقد تقدّم انّ ذاته سبحانه عالم بذاته.
وبعبارة أُخرى: العلم بالذات علم بالحيثية التي صدر منها الكون بأجمعه، والعلم بتلك الحيثية يلازم العلم بالمعلول.
قال صدر المتألّهين:
«إنّ ذاته ـ سبحانه ـ لمّا كانت علّة للاَشياء ـ بحسب وجودهاـ والعلم بالعلّة يستلزم العلم بمعلولها...فتعقّلها من هذه الجهة لابدّ أن يكون على ترتيب صدورها واحداً بعد واحد». (1)
(1) الاَسفار :6|275.

(97)

الثاني: إتقان الصنع يدلّ على علم الصانع

إنّ وجود المعلول كما يدلّ على وجود العلّة، كذلك خصوصيّاته تدلّ على خصوصيّات علّته، فإنّ المصنوع من جهة الترتيب الذي في أجزائه ومن جهة موافقة جميع الاَجزاء للغرض المقصود من ذلك المصنوع، يدلّ على أنّه لم يحدث عن فاعل غير عالم بتلك الخصوصيات.
فالعالم بما انّه مخلوق للّه سبحانه يدلّ ما فيه من بديع الخلق ودقيق التركيب على أنّ خالقه عالم بما خلق، عليم بما صنع، فالخصوصيات المكنونة في المخلوق ترشدنا إلى صفات صانعه وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الدليل بقوله:
(أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبيرُ ) . (1)
وقال الاِمام علي _ عليه السلام _ :
«وعَلِمَ ما يمضي وما مضى، مبتدع الخلائق بعلمه ومنشئهم بحكمه». (2)
وقال الاِمام علي بن موسى الرضا ـ عليهما السّلام ـ :
«سبحان من خلق الخلق بقدرته، أتقن ما خلق بحكمته، ووضع كلّ شيء منه موضعه بعلمه». (3)
وإلى هذا الدليل أشار المحقّق الطوسي في «تجريد الاعتقاد» بقوله:
«والاِحكام دليل العلم».

(1) الملك :14.
(2) نهج البلاغة: الخطبة 191.
(3) بحار الاَنوار : 4|85.

(98)

3. علمه سبحانه بالاَشياء بعد إيجادها

إنّ كلّ ممكن، معلول في تحقّقه للّه سبحانه، وليس للمعلولية معنى سوى تعلّق وجود المعلول بعلّته وقيامه بها قياماً واقعياً كقيام المعنى الحرفي بالمعنى الاسمي، فكما انّ المعني الحرفي بكل شوَونه قائم بالمعنى الاسمي فهكذا المعلول قائم بعلّته المفيضة لوجوده، وما هذا شأنه لا يكون خارجاً عن وجود علّته، إذ الخروج عن حيطته يلازم الاستقلال وهو لا يجتمع مع كونه ممكناً.
فلازم الوقوع في حيطته، وعدم الخروج عنها، كون الاَشياء كلّها حاضرة لدى ذاته والحضور هو العلم، لما عرفت من أنّ العلم عبارة عن حضور المعلوم لدى العالم.
ويترتب على ذلك انّ العالم كما هو فعله، فكذلك علمه سبحانه، وعلى سبيل التقريب لاحظ الصور الذهنية التي تخلقها النفس في وعاء الذهن، فهي فعل النفس وفي نفس الوقت علمها، ولا تحتاج النفس في العلم بتلك الصور إلى صور ثانية، وكما أنّ النفس محيطة بتلك الصور وهي قائمة بفاعلها وخالقها، فهكذا العالم دقيقه وجليله مخلوق للّه سبحانه قائم به وهو محيط به، فعلم اللّه وفعله مفهومان مختلفان، ولكنّهما متصادقان في الخارج.
وقد اتّضح بما تعرّفت أنّ علمه تعالى بأفعاله بعد إيجادها حضوري، كما أنّ علمه سبحانه بذاته وبأفعاله قبل إيجادها حضوري، فإنّ المناط في كون العلم حضورياً هو حصول نفس المعلوم وحضوره لدى العالم لا حضور صورته وماهيته، وهذا المناط متحقّق في علمه تعالى بذاته وبأفعاله مطلقاً.

(99)

علمه تعالى بالجزئيات

والاِمعان فيما ذكرنا حول الموجودات الاِمكانية يوضح لزوم علمه سبحانه بالجزئيات وضوحاً كاملاً، وذلك لما تقدّم انّ نفس وجود كلِّ شيء عين معلوميته للّه تعالى ولا فرق في مناط هذا الحكم بين المجرّد والمادّي، والكلّي والجزئي، فكما انّ الموجود الثابت معلوم له تعالى بثباته، كذلك الموجود المتغيّر معلوم للّه سبحانه بتغيره وتبدّله فالاِفاضة التدريجيّة، والحضور بوصف التدرّج لديه سبحانه يلازم علمه تبارك وتعالى بالجزئيّات الخارجيّة.

شبهات المنكرين

قد عرفت برهان علمه سبحانه بالجزئيات، وبقي الكلام في تحليل الشبهات التي أُثيرت في هذا المجال، وإليك بيانها:
1. العلم بالجزئيات يلازم التغيّر في علمه تعالى
قالوا لو علم سبحانه ما يجري في الكون من الجزئيات لزم تغيّر علمه بتغيّر المعلوم وإلاّ لانتفت المطابقة، وعلى هذا فهو سبحانه إنّما يعلم الجزئيات من حيث هي ماهيات معقولة لا بما هي جزئية متغيّرة.
إنّ الشبهة قائمة على فرض كون علمه سبحانه بالاَشياء علماً حصولياً على طريق الصور المرتسمة القائمة بذاته سبحانه، وعند ذلك يكون التغيّر في المعلوم ملازماً لتغيّر الصور القائمة به ويلزم على ذلك كون ذاته محلاً للتغيّر والتبدّل.
وقد عرفت أنّ علمه تعالى بالموجودات حضوري بمعنى أنّ الاَشياء بهويّاتها الخارجية وحقائقها العينية حاضرة لديه سبحانه، فلا مانع من القول بطروء التغيّر
(100)
على علمه سبحانه إثر طروء التغيّر على الموجودات العينية، فإنّ التغيّر الممتنع على علمه إنّما هو العلم الموصوف بالعلم الذاتي، وأمّا العلم الفعلي أي العلم في مقام الفعل، فلا مانع من تغيّره كتغيّر فعله، فإنّ العلم في مقام الفعل لا يعدو عن كون نفس الفعل علمه لا غير.
2. إدراك الجزئيات يحتاج إلى آلة
إنّ إدراك الجزئيات يحتاج إلى أدوات مادّية وآلات جسمانية، وهو سبحانه منزّه عن الجسم ولوازمه الجسمانيّة.
والجواب عن هذه الشبهة واضح، فإنّ العلم بالجزئيات عن طريق الاَدوات الماديّة إنّما هو شأن من لم يحط الاَشياء إحاطة قيّوميّة، ولم تكن الاَشياء قائمة به حاضرة لديه، كالاِنسان في علمه الحصولي بالجزئيات الخارجية، فإنّ علمه بها لمّا كان عن طريق انتزاع الصور بوسيلة الاَدوات الحسيّة كان إدراك الجزئيات متوقفاً على تلك الاَدوات، وأمّا الواجب عزّ اسمه فلمّا كان علمه عن طريق إحاطته بالاَشياء وقيامها به قياماً حقيقياً فلا يتوقّف علمه بها على الاَدوات وإعمالها.

تكملة

قد ورد في الشريعة الاِسلامية الحقّة توصيفه تعالى بالسمع والبصر وعدّ السميع والبصير من أسمائه سبحانه (1)والحقّ انّ سمعه وبصره تعالى ليسا وصفين يغايران وصف العلم، إنّما المغايرة بلحاظ المفهوم لا من حيث الحقيقة والمصداق، فقد عرفت أنّ جميع العوالم الاِمكانية حاضرة لديه سبحانه، فالاَشياء على الاِطلاق، و المسموعات، والمبصرات خصوصاً، أفعاله سبحانه، وفي الوقت نفسه

(1) انّه سبحانه وصف نفسه بالبصير 42 مرّة، وبالسميع 41 مرّة في الكتاب العزيز.

(101)
علمه تعالى.
ثمّ إنّ الملاك المتقدّم وإن كان موجوداً في المشمومات والمذوقات والملموسات، فإنّها أيضاً حاضرة لديه سبحانه كالمسموعات والمبصرات، لكن لمّا كان إطلاق هذه الاَسماء ملازماً للمادّة والاِحساس في أذهان الناس، لم يصحّ إطلاق اللامس والذائق والشامّ عليه.
ومن الغايات التي يرشد إليها الذكر الحكيم في مقام التوصيف بالسميع والبصير هو إيقاف الاِنسان على أنّ ربَّه سميع يسمع ما يتلفّظه من كلام، بصير يرى كلّ عمل يصدر منه فيحاسبه يوماً حسب ما سمعه ورآه.
ثمّ إنّ بعض المتكلّمين قد عدّ الاِدراك من صفاته تعالى والمدرك ـ بصيغة الفاعل ـ من أسمائه، تبعاً لقوله سبحانه:
(لا تُدْرِكُهُ الاََبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الاََبْصارَ وَهُوَ اللَّطيفُ الْخَبِيرُ ) . (1)
ولا شكّ انّه سبحانه ـ بحكم الآية الشريفة ـ مدرك، لكن الكلام في أنّ الاِدراك هل هو وصف وراء العلم بالكليات والجزئيات؟ أو هو يعادل العلم ويرادفه؟ أو هو علم خاص؟ والاَقرب هوالاَخير وهو العلم بالموجودات الجزئية العينية، فإدراكه سبحانه هو شهود الاَشياء الخارجية ووقوفه عليها وقوفاً تاماً .
قال سبحانه:
(أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهيدٌ). (2)

(1) الاَنعام :103.
(2) فصلت :53.

(102)

2
قدرته تعالى

اتّفق الاِلهيّون على أنّ القدرة من صفاته الذاتية الكمالية كالعلم، ولاَجل ذلك يعدّالقادر والقدير من أسمائه سبحانه.

تعريف القدرة

إنّ هناك تعريفين للقدرة مشهورين:
أحدهما :أنّـها عبارة عن صحّة الفعل والترك، والمراد من الصحّة: الاِمكان، فالقادر هو الّذي يصحّ أن يفعل وأن يترك.
والثاني: أنّها عبارة عن صدور الفعل بالمشيّة والاختيار، فالقادر من إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل.
وقد أُورد على التعريف الاَوّل بأنّ الاِمكان المأخوذ في التعريف، إمّا إمكان ماهوي يقع وصفاً للماهية، أو إمكان استعدادي يقع وصفاً للمادّة؛ وعلى كلا التقديرين لا يصحّ أخذه في تعريف قدرته سبحانه، لاَنّ اللّه تعالى منزّه عن الماهية والمادّة.
والمراد من المشيّة في التعريف الثاني هو الاختيار الذاتي له سبحانه، فهو تعالى يفعل باختياره الذاتي ويترك كذلك، أي ليس فعله وتركه لازماً عليه لعدم وجود قدرة غالبة تضطرّه على الفعل أو الترك.

(103)

برهان قدرته تعالى

استدلّ على قدرته سبحانه بوجوه نكتفي بواحد منها، وهو برهان إحكام الصنع وإتقانه.
توضيحه:
أنّه قد عرفت في الاَبحاث المتقدّمة انّ الفعل كما يدلّ على وجود الفاعل، كذلك خصوصياته تدلّ على خصوصيات الفاعل، فإذا كان الفعل متَّسماً بالاِحكام والاِتقان، والجمال و البهاء يدلّ ذلك على علم الفاعل بتلك الجهات وقدرته على إيجاد مثل ذلك الصنع.
ولاَجل ذلك نرى أنّه سبحانه عندما يصف روائع أفعاله وبدائع صنعه في آيات الذكر الحكيم، يختمها بذكر علمه تعالى وقدرته، يقول سبحانه:
(اللّهُ الّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الاََرْضِمِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الاََمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً) . (1)
فالاِحكام والاِتقان في الفعل آيتا العلم وعلامتا القدرة، وانّا نرى في كلمات الاِمام علي _ عليه السلام _ انّه يستند في البرهنة على قدرته تعالى بروعة فعله وجمال صنعه سبحانه:
قال _ عليه السلام _ :
«وأرانا من ملكوت قدرته وعجائب ما نطقت به آثار حكمته». (2)

(1) الطلاق :12.
(2) نهج البلاغة: خطبة الاَشباح، الخطبة 91.

(104)
وقال أيضاً:
«وأقام من شواهد البيّنات على لطيف صنعته وعظيم قدرته». (1)
وقال أيضاً:
«فأقام من الاَشياء أودها، ونهج حدودها، ولاءم بقدرته بين متضادّها». (2)

سعة قدرته تعالى

إنّ الفطرة البشرية تقضي بأنّ الكمال المطلق الذي ينجذب إليه الاِنسان في بعض الاَحايين قادر على كلّ شيء ممكن، ولا يتبادر إلى الاَذهان أبداً ـ لولا تشكيك المشكّكين ـ انّ لقدرته حدوداً، أو انّه قادر على شيء دون شيء، ولقد كان المسلمون في الصدر الاَوّل على هذه العقيدة استلهاماً من كتاب اللّه العزيز الناصّ على عمومية قدرة اللّه سبحانه.
قال سبحانه:
(وَكانَ اللّهُعَلى كُلِّ شَيْءٍ قَديراً) . (3)
وقال تعالى:
(وَكانَ اللّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً) . (4)
كما صرّح بعمومية قدرته تعالى في الاَحاديث المرويّة عن أئمّة أهل

(1) نهج البلاغة: الخطبة 165.
(2) نهج البلاغة: الخطبة 91.
(3) الاَحزاب :27.
(4) الكهف : 45.

(105)
البيت _ عليهم السلام _ .
قال الاِمام الصادق _ عليه السلام _ :
«الاَشياء له سواء علماً وقدرةً وسلطاناً وملكاً وإحاطةً». (1)

البرهان العقلي على عمومية قدرته تعالى

إذا تعرّفت على قضاء الفطرة على عموميّة قدرته تعالى ونصّ القرآن والحديث على ذلك، فاعلم أنّ هناك براهين عقلية على ذلك نكتفي بتقرير واحد منها، وهو:
إنّ وجوده سبحانه غير محدود ولا متناه، بمعنى انّه وجود مطلق لا يحدّه شيء من الحدود العقلية والخارجية،وما هو غير متناه في الوجود، غير متناه في الكمال والجمال، لاَنّ منبع الكمال هو الوجود، فعدم التناهي في جانب الوجود يلازم عدمه في جانب الكمال، وأيّ كمال أبهى من القدرة، فهي غير متناهية تبعاً لعدم تناهي وجوده وكماله.

دفع شبهات في المقام

ثمّ إنّ هناك شبهات، أُوردت على القول بعمومية قدرته تعالى ربما يعسر دفعها على الطالب، يجب أن نذكرها ونبين وجه الدفع عنها:
1. هل هو سبحانه قادر على خلق مثله؟ فلو أُجيب بالاِيجاب لزم افتراض الشريك له سبحانه، ولو أُجيب بالنفي ثبت ضيق قدرته وعدم عمومها.
ويدفع ذلك بأنّه ممتنع فلا يصل الكلام إلى تعلّق القدرة به أو عدمه،
(1) التوحيد للصدوق: الباب9، الحديث 15.

(106)
والوجه في امتناعه هو لزوم اجتماع النقيضين، أعني: كون شيء واحد واجباً بالذات وممكناً كذلك، فإنّ ذلك المثل بما انّه مخلوق، يكون ممكناً، وبما انّه مثل له تعالى، فهو وا جب بالذات، وهو محال بالضرورة.
2. هل هو قادر على أن يجعل العالم الفسيح في البيضة من دون أن يصغر حجم العالم أو تكبر البيضة؟
والجواب عنه كسابقه، فإنّ جعل الشيء الكبير في الظرف الصغير أمر ممتنع في حدّ ذاته، إذ البداهة تحكم بأنّ الظرف يجب أن يكون مساوياً للمظروف، فجعل الشيء الكبير في الظرف الصغير يستلزم كون ذلك الظرف مساوياً للمظروف لما يقتضيه قانون مساواة الظرف والمظروف وأن يكون أصغر منه غير مساوٍ له ـ لما هو المفروض ـ وهذا محال وإنّما يبحث عن عمومية القدرة وعدمها بعد فرض كون الشيء ممكناً في ذاته، وإلى هذا أشار الاِمام علي _ عليه السلام _ في الجواب عن نفس السوَال بقوله:
«إنّ اللّه تبارك وتعالى لا ينسب إلى العجز، والذي سألتني لا يكون».(1)
3. هل يمكنه سبحانه أن يوجد شيئاً لا يقدر على إفنائه، فإن أُجيب بالاِيجاب لزم عدم سعة قدرته حيث لا يقدر على إفنائه وإن أُجيب بالسلب لزم أيضاً عدم عموم قدرته.
والجواب عنه: انّ الشيء المذكور بما انّه ممكن فهو قابل للفناء، وبما انّه مقيّد بعدم إمكان إفنائه فهو واجب غير ممكن، فتصبح القضية كون شيء واحد ممكناً وواجباً، قابلاً للفناء وغير قابل له، وهو محال، فالفرض المذكور مستلزم للمحال، والمستلزم للمحال محال، وهو خارج عن موضوع بحث عموميّة القدرة، كما تقدّم.

(1) التوحيد للصدوق: الباب9، الحديث9.

(107)

3
حياته تعالى

اتّفق الاِلهيّون على أنّ الحياة من صفاته تعالى، وانّ الحيّ من أسمائه الحسنى، ولكن إجراء هذا الاسم عليه سبحانه يتوقّف على فهم معنى الحياة وكيفية إجرائها على اللّه تعالى، فنقول:
الدرك والفعل ركنان للحياة
إنّ الحياة المادّية في النبات والحيوان والاِنسان ـ بما انّه حيوان ـ تقوم بأمرين، هما: الفعّاليّة والدرّاكيّة، فالخصائص الاَربع (1)التي ذكرها علماء الطبيعة راجعة إلى الفعل والانفعال، والتأثير والتأثّر ونرمز لها «بالفعّاليّة»، كما نرمز إلى الحسّ والاِدراك المتسالم على وجودهما في أنواع الحيوان، وقد يقال بوجودهما في النبات أيضاً، بـ«الدرّاكيّة» فالحيّ هو الدرّاك والفعّال، كما هو المصطلح عند الفلاسفة الاِلهيين.
فملاك الحياة الطبيعيّة هو الفعل والدرك، وهو محفوظ في جميع المراتب لكن بتطوير وتكامل، أعني: حذف النواقص والشوائب الملازمة للمرتبة النازلة عن المرتبة العالية، فالفعل المترقب من الحياة العقلية في الاِنسان لا يقاس بفعل
(1) وهي: الجذب والدفع، النمو والرشد، التوالد والتكاثر، الحركة وردّة الفعل.

(108)
الخلايا النباتية والحيوانية، كما أنّ درك الاِنسان للمسائل الكلية أعلى وأكمل من حسّ النبات وشعور الحيوان ومع هذا البون الشاسع بين الحياتين، تجد أنّا نصف الكلّ بالحياة بمعنى واحد وليس ذاك المعنى الواحد إلاّ كون الموجود «درّاكاً» و«فعالاً ».

ما هو معنى حياته تعالى؟

فإذا صحّ إطلاق الحياة بمعنى واحد على تلك الدرجات المتفاوتة فليصحّ على الموجودات الحيّة العلوية لكن بنحو متكامل، فاللّه سبحانه حيّ بالمعنى الذي تفيده تلك الكلمة، لكن حياة مناسبة لمقامه الاَسنى، بحذف النواقص والاَخذ بالزّبدة واللّب، فهو تعالى حيّ أي«فاعل» و«مدرك» وإن شئت قلت: «فعّال» و«درّاك» لا كفعاليّة الممكنات ودرّاكيتها.

دلائل حياته تعالى

قد ثبت بالبرهان انّه سبحانه عالم وقادر، وقد تقدّم البحث فيه، وقد بيّنا انّ حقيقة الحياة في الدرجات العلوية، لا تخرج عن كون المتّصف بها درّاكاً وفعّالاً، ولا شكّ انّ للّه تعالى أتمّ مراتب الدرك والفعل، لاَنّ له أكمل مراتب العلم والقدرة، وهما عين ذاته سبحانه، فهوحيّ بحياة ذاتية.
أضف إلى ذلك انّه سبحانه خلق موجودات حيّة، مدركة فاعلة، فمن المستحيل أن يكون معطي الكمال فاقداً له.

تذييل

عُدَّ من صفاته الثبوتية الذاتية، الاَزلية والاَبدية والسرمديّة والقدم والبقاء،
(109)
وعليه فهو سبحانه قديم أزليّ، باق أبديّ، وموجود سرمديّ، قالوا: يطلق عليه الاَوّلان لاَجل انّه المصاحب لمجموع الاَزمنة المحقّقة أو المقدَّرة في الماضي، كما يطلق عليه الآخران لاَجل انّه الموجود المستمرّ الوجود في الاَزمنة الآتية محقّقة كانت أو مقدَّرة، ويطلق عليه السرمديّة بمعنى الموجود المجامع لجميع الاَزمنة السابقة واللاحقة. هذا ما عليه المتكلّمون في تفسير هذه الاَسماء والصفات.
يلاحظ عليه: أنّه يناسب شأن الموجود الزماني الّذي يصاحب الاَزمنة المحقّقة أو المقدَّرة، الماضيّة أو اللاحقة، واللّه سبحانه منزَّه عن الزمان والمصاحبة له، بل هو خالق للزمان سابقه ولاحقه، فهو فوق الزمان والمكان، لا يحيطه زمان ولا يحويه مكان، وعلى ذلك فالصحيح أن يقال: إنّ الموجود الاِمكاني ما يكون وجوده غير نابع من ذاته، مسبوقاً بالعدم في ذاته لا يمتنع طروء العدم عليه، ويقابله واجب الوجود بالذات وهو ما يكون وجوده نابعاً من ذاته، ويمتنع عليه طروء العدم ولا يلابسه أبداً، ومثل ذلك لا يسبق وجوده العدم، فيكون قديماً أزليّاً، كما يمتنع أن يطرأ عليه العدم، فيكون أبديّاً باقياً، وبملاحظة ذينك الاَمرين، أعني: عدم مسبوقية وجوده بالعدم وامتناع طروء العدم عليه، يتصف بالسّرمديّة ويقال: إنّه سرمديّ.
(110)

4
إرادته تعالى

إنّ الاِرادة من صفاته سبحانه، والمريد من أسمائه، ولا يشكّ في ذلك أحد من الاِلهيين أبداً، وإنّما اختلفوا في حقيقتها، وانّها هل تكون من صفات الذات أو من صفات الفعل؟

الاَقوال في تفسير إرادته تعالى

إنّ الاِرادة في الاِنسان بأيّ معنى فسّرت، ظاهرة تظهر في لوح النفس تدريجية، ومن المعلوم انّ الاِرادة بهذا المعنى لا يمكن توصيفه سبحانه بها، لاَنّه يستلزم كونه موجوداً ماديّاً يطرأ عليه التغيّر والتبدّل من الفقدان إلى الوجدان، وما هذا شأنه لا يليق بساحة الباري، ولاَجل ذلك اختلفت كلمة الاِلهيين في تفسير إرادته تعالى وإليك بعض الآراء المطروحة في هذا المجال:

1. إرادته سبحانه، علمه بالنظام الاَصلح

فسّرت طائفة من المحقّقين إرادة اللّهتعالى بعلمه بالنظام الاَصلح والاَتم، قال صدر المتألهين:
«معنى كونه مريداً انّه سبحانه يعقل ذاته ويعقل نظام الخير الموجود
(111)
في الكلّ من ذاته وانّه كيف يكون». (1)
وقال الحكيم السبزواري:
«الاِرادة والقدرة عين علمه العنائي وهو عين ذاته». (2)
يلاحظ عليه: أنّ تفسير الاِرادة بالعلم، يرجع إلى إنكار حقيقة الاِرادة فيه سبحانه، ولاَجل عدم صحّة هذا التفسير نرى أنّ أئمّة أهل البيت (عليهم السّلام) ينكرون تفسيرها بالعلم، قال بكير بن أعين: قلت لاَبي عبد اللّه الصادق _ عليه السلام _ : علمه ومشيئته مختلفان أو متفقان...؟
فقال _ عليه السلام _ : «العلم ليس هو المشيئة، ألا ترى أنّك تقول سأفعل كذا إن شاء اللّه، ولا تقول سأفعل كذا إن علم اللّه». (3)

2. إرادته سبحانه ابتهاجه بذاته وبفعله

قد يقال : إنّللاِرادة مقامين:
1. إرادة في مقام الذات وهي ابتهاجه تعالى في ذاته.
2. إرادة في مقام الفعل، وهي رضاه سبحانه بفعله.
توضيح ذلك: أنّ ذاته تعالى لمّا كانت صرف الخير وتمامه كان مبتهجاً بذاته أتمّ الابتهاج، وينبعث من الابتهاج الذاتي ابتهاج في مرحلة الفعل، فإنّ من أحبّ شيئاً أحبّ آثاره ولوازمه، وهذه المحبَّة الفعلية هي الاِرادة في مرحلة الفعل وهي الّتي وردت في الاَخبار التي جعلت الاِرادة من صفات فعله وإليها أشار الحكيم

(1) الاَسفار :6|316.
(2) شرح الاَسماء الحسنى:42.
(3) الكافي : 1|109، باب الاِرادة.

(112)
السبزواري بقوله:
رضاوَه بالذات بالفعل رضا * وذا الرّضــا إرادة لمن قضــى
ويرد على هذه النظرية ما أوردناه على سابقها، فإنّ حقيقة الاِرادة غير حقيقة الرضا والابتهاج، فتفسير الاِرادة بهما يرجع إلى إنكارها.

3. الاِرادة إعمال القدرة

ربما تفسّر إرادته سبحانه بإعمال القدرة ويقال: (1)
«انّا لا نتصور لاِرادته تعالى معنى غير إعمال القدرة والسلطنة ولمّا كانت سلطنته تعالى تامّة من جميع الجهات، ولا يتصوّر فيه النقص أبداً فبطبيعة الحال يتحقّق الفعل في الخارج، ويوجد بصرف إعمال القدرة من دون توقّفه على أيّة مقدّمة أُخرى كما هو مقتضى قوله سبحانه:
(إِنّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون) . (2)
يلاحظ عليه : أنّ إعمال القدرة والسلطنة إمّا فعل اختياري له سبحانه أو إضطراري، ولا سبيل إلى الثاني لاَنّه يستلزم أن يكون تعالى فاعلاً مضطرّاً، وعلى الاَوّل فما هو ملاك كونه مختاراً ؟ لاَنّه لابدّ أن يكون هناك قبل إعمال السلطنة وتنفيذ القدرة شيء يدور عليه كونه فاعلاً مختاراً، نعم يمكن تصحيح هذا القول بإرجاعه إلى القول الآتي.

(1) المحاضرات : 2|36و72.
(2) يس : 82.

(113)

4. إرادته، كونه مختاراً بالذات

الحقّ انّ الاِرادة من الصفات الذاتية وتجري عليه سبحانه مجرّدة من شوائب النقص وسمات الاِمكان،فالمراد من توصيفه بالاِرادة كونه فاعلاً مختاراً في مقابل كونه فاعلاً مضطرّاً، لا إثبات الاِرادة له بنعت كونها طارئة زائلة عند حدوث المراد، أو كون الفاعل خارجاً بها عن القوّة إلى الفعل، لاَنّها لا تعدّ من صفات الكمال مقيّدة بهذه الخصائص، بل كمالها في كون صاحبها مختاراً، مالكاً لفعله آخذاً بزمام عمله، فإذا كان هذا كمال الاِرادة فاللّه سبحانه واجد له على النحو الاَكمل، إذ هو الفاعل المختار غير المقهور في سلطانه، وليس هذا بمعنى إرجاع الاِرادة إلى وصف سلبي وهو كونه غير مقهور ولا مستكره، كما نقل عن النجّار، بل هي وصف وجودي هو نفس ذاته، والتعبير عنه بوصف سلبي لا يجعله أمراً سلبياً كتفسير العلم بعدم الجهل، والقدرة بعدم العجز.
فلو صحَّ تسمية هذا الاختيار الذاتي بالاِرادة، فالاِرادة من صفات ذاته تعالى وإلاّ وجب القول بكونها من صفات الفعل. (1)

(1) ما أفاده شيخنا الاَُستاذ ـ دام ظلّه ـ في تفسير إرادته تعالى يوافق نظرية العلاّمة الطباطبائي ـ قدّس سرّه ـ فإنّه أيضاً ناقش الرأي المشهور عند الفلاسفة من تفسير الاِرادة بالعلم بالنظام الاَصلح، ثمّ أثبت للّه تعالى اختياراً ذاتياً، ثمّ بيّن انّ الاِرادة بمعناها المعهود عندنا إنّما يصحّ إطلاقها على اللّه تعالى بعد التجريد عن النواقص، بما هي صفة فعلية منتزعة عن مقام فعله سبحانه، نظير الخلق والاِيجاد والرحمة، وذلك باعتبار تمامية الفعل من حيث السبب وحضور العلّة التامة للفعل كما يقال عند مشاهدة جمع الفاعل أسباب الفعل ليفعل، انّه يريد كذا فعلاً. راجع الاَسفار:6|315ـ316؛ نهاية الحكمة: المرحلة 12، الفصل 13؛ بداية الحكمة: المرحلة 12، الفصل 6و8.

(114)

الاِرادة في روايات أهل البيت _ عليهم السلام _ .

يظهر من الروايات المأثورة عن أئمّة أهل البيت _ عليهم السلام _ انّ مشيئته وإرادته من صفات فعله، كالرازقية والخالقية، وإليك نبذاً من هذه الروايات:
1. روى عاصم بن حميد، عن أبي عبد اللّه _ عليه السلام _ قال:
«قلت: لم يزل اللّه مريداً؟ قال: إنّ المريد لا يكون إلاّ لمراد معه، لم يزل اللّه عالماً قادراً ثمّ أراد». (1)
2. روى صفوان بن يحيى قال: قلت لاَبي الحسن _ عليه السلام _ :
أخبرني عن الاِرادة من اللّه ومن الخلق؟
قال: فقال _ عليه السلام _ :
«الاِرادة من الخلق الضمير، وما يبدو لهم بعد ذلك من الفعل، وأمّا من اللّه تعالى فإرادته إحداثه لا غير ذلك، لاَنّه لا يروّى ولا يهمّ ولا يتفكّر، وهذه الصفات منفيّة عنه، وهي صفات الخلق، فإرادة اللّه الفعل لا غير ذلك، يقول له كن فيكون بلا لفظ، ولا نطق بلسان،ولا همّة، ولا تفكّر، ولا كيف لذلك، كما انّه لا كيف له». (2)
3. روى محمد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه _ عليه السلام _ قال:
«المشيئة محدثة». (3)
ترى أنّ الرواية الاَُولى تنفي صفة الاَزليّة عن الاِرادة، فلا تكون من صفاته
(1) الكافي : 1|109، باب الاِرادة، الحديث1.
(2) نفس المصدر: الحديث3.
(3) نفس المصدر: الحديث7.

(115)
الذاتية الّتي هي عين ذاته تعالى، كما أنّ الرواية الثالثة صرّحت على أنّ المشيئة محدثة، فلا تكون من صفاته الذاتية، وقد صرّحت الرواية الثانية على أنّ إرادته تعالى عين إحداثه تعالى وإيجاده فهي عين فعله، ولكنّ الروايات لا تنفي كون الاِرادة بالمعنى الّذي فسّرناها به، أعني: الاختيار الذاتي من صفات ذاته، بل الذي نفته، هي الاِرادة بالمعنى الموجود في الاِنسان، لاَنّ إثبات هذه الاِرادة للّه تعالى يستلزم محذورين:
الاَوّل: قدم المراد أو حدوث المريد، كما ورد في الرواية الاَُولى.
الثاني: طروء التغيّر والتدريج على ذاته سبحانه، كما ورد في الرواية الثانية.
(116)

(117)

الفصل الرابع
الصفات الثبوتية الفعلية

إنّ صفات اللّه تعالى الفعلية التي تنتزع من مقام فعله سبحانه كثيرة،والّذي نخصّه بالبحث هنا أمران: التكلّم والحكمة، فنقول:

1
التكلّم

أجمع المسلمون تبعاً للكتاب والسنّة على كونه سبحانه متكلّماً، ولكنّهم اختلفوا في أمرين:
ألف. تفسير حقيقة كلامه تعالى، وما هو المراد منه.
ب. حدوثه وقدمه.
لقد شغلت هذه المسألة بال العلماء والمفكّرين الاِسلاميّين في عصر الخلفاء، وحدثت بسببه مشاجرات بل صدامات دامية مذكورة في التاريخ
(118)
تفصيلاً، وعرفت بـ«محنة القرآن» فيلزمنا البحث والتحليل حول ذينك الاَمرين على ضوء العقل والقرآن والنقل المعتبر فنقول:

الاَقوال في تفسير كلامه تعالى

الاَقوال التي ذكرها المتكلّمون والفلاسفة في هذا المجال أربعة:
1. ما اختاره المعتزلة: وهو انّ كلامه تعالى عبارة عن أصوات وحروف غير قائمة باللّه تعالى قياماً حلولياً أو عروضياً، بل يخلقها في غيره كاللوح المحفوظ أوجبرائيل أو النبي أو غير ذلك، قال القاضي عبد الجبار:
«حقيقة الكلام الحروف المنظومة، والاَصوات المقطّعة، وهذا كما يكون منعماً بنعمة توجد في غيره، ورازقاً برزق يوجد في غيره، فهكذا يكون متكلّماً بإيجاد الكلام في غيره وليس من شرط الفاعل أن يحلّ عليه فعل». (1)
وهذا المعنى من الكلام هو الّذي يسمّى بالكلام اللفظي وهو من صفات فعله تعالى، حادث بحدوث الفعل.
2. نظرية الاَشاعرة: يظهر من موَلّف المواقف (2)انّ الاَشاعرة معترفون به وبأنّه حادث، ولكنّهم يدّعون معنى آخر وراءه ويسمّونه بالكلام النفسي.
قال الفاضل القوشجي في تفسير الكلام النفسي:
«إنّ من يورد صيغة أمر أو نهي أو نداء أو إخبار أو استخبار أو غير ذلك يجد في نفسه معاني يعبّـر عنها بالاَلفاظ التي نسمّيها بالكلام الحسّي، فالمعنى الذي يجده في نفسه ويدور في خلده، لا يختلف
(1) شرح الاَُصول الخمسة :528.
(2)شرح المواقف:8|93.

(119)
باختلاف العبارات بحسب الاَوضاع والاصطلاحات ويقصد المتكلم حصوله في نفس السامع ليجري على موجبه، هو الّذي نسمّيه الكلام النفسي». (1)
وهذا المعنى من الكلام ـ على فرض ثبوته ـ يكون من صفات ذاته تعالى وقديم بقدم الذات، ولكنّه ليس أمراً وراء العلم التصوّري أو التصديقي.
3. نظريّة الحكماء: ذهبت الحكماء إلى أنّ لكلامه سبحانه مفهوماً أوسع ممّا ذكره المعتزلة من الكلام اللفظي، بل كلامه تعالى مساوق لفعله سبحانه فكلّ موجود كما هو فعله ومخلوقه، كذلك كلام له تعالى ونسمّيه بـ«الكلام الفعلي».
توضيح ذلك: أنّ الغرض المقصود من الكلام اللفظي ليس إلاّ إبراز ما هو موجود في نفس المتكلّم ومستور عن المخاطب والسامع، فالكلام ليس إلاّ لفظاً دالاً على المعنى الذي تصوّره المتكلّم وأراد إيجاده في ذهن السامع، فحقيقة الكلام هي الدلالة والحكاية، ولا شكّ انّ الفعل كما يدلّ على وجود فاعله فهكذا خصوصياته الوجودية دالّة على خصوصياته الوجودية، وليس الفرق بين دلالة اللفظ على المعنى ودلالة الفعل على الفاعل، إلاّ أنّ دلالة الاَوّل وضعي اعتباري، ودلالة الثاني تكويني عقلي، والدلالة التكوينية العقلية أقوى من الدلالة اللفظية الوضعيّة.
وعلى هذا، فكلّ فعل من المتكلّم أفاد نفس الاَثر الذي يفيده الكلام، من إبراز ما يكتنفه الفاعل في سريرته من المعاني والحقائق، يصحّ تسميته كلاماً من باب التوسع والتطوير.

(1) شرح التجريد للقوشجي :319.

(120)

كلامه تعالى في القرآن والحديث

إنّ لكلامه تعالى في القرآن الكريم معاني أو مصاديق ثلاثة نشير إليها:
1. الكلام اللفظي: قال سبحانه:
(فَلَمّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِىَِ الوادِ الاََيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِالْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ) . (1)
دلّت الآية الكريمة على أنّه تعالى نادى نبيه موسى _ عليه السلام _ وكلّمه من طريق الشجرة، إمّا بإيجاد الكلام فيها ـ كما قال بعضهم ـ أو بأخذه حجاباً وتكليمه من ورائه. (2)
2. الكلام بالاِيحاء: وهو إلقاء المعنى فقط أو اللفظ والمعنى معاً في روع الاَنبياء وغيرهم من الاَولياء الاِلهيين، إمّا بلا واسطة أو معها، قال سبحانه:
(وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللّهُ إِلاّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ) . (3)
فقوله:(إِلاّوَحْياً) إشارة إلى الاِيحاء بلا واسطة، وقوله:(أَو يُرسِلَ رَسُولاً...) إشارة إلى الاِيحاء بواسطة ملك الوحي كما قال تعالى:
(نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الاََمْينُ* عَلى قَلْبِكَ) . (4)
كما أنّ قوله:(أَو مِنْ وَراء حِجاب) إشارة إلى الكلام المسموع كما تقدّم.

(1) القصص :30.
(2) وعلى الاحتمال الثاني فالآية راجعة إلى قوله تعالى :(أَوْمِنْ وَراءِ حِجاب) (الشورى|51).
(3) الشورى : 51.
(4) الشعراء : 193ـ194.

(121)
فترى انّه سبحانه أطلق لفظ الكلام على الوحي بقسميه، وعدَّ إيحاءه سبحانه، تكليماً له، فالوحي كلامه والاِيحاء تكليمه.
3. نفس وجود الاَشياء: هناك آيات تدلّ على أنّ وجود الاَشياء كلام له تعالى، ترى أنّه تعالى يصف المسيح _ عليه السلام _ بأنّه كلمة اللّه التي ألقاها إلى مريم العذراء، قال تعالى:
(إِنَّما الْمَسيحُ عِيْسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ).(1)
4. القضاء والحكم الاِلهي
قد استعملت الكلمة في كثير من الآيات فيما قاله تعالى وحكم به، كقوله:
(وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَني إِسْرائيلَ بِما صَبَرُوا) . (2)
وقوله:
(وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلى الّذينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لايُوَْمِنُونَ). (3)
وقوله:
(وَلَولا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ) . (4)
إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة في هذا المجال.

(1) النساء : 171.
(2) الاَعراف :137.
(3)يونس :33.
(4) يونس :19.

(122)
وقد فسّر الاِمام علي _ عليه السلام _ قوله تعالى بفعله الذي ينشئه ويمثله، حيث قال:
«يقول لمن أراد كونه كن فيكون، لا بصوت يقرع، ولا بنداء يسمع، وإنّما كلامه سبحانه فعل منه أنشأه ومثّله». (1)
فتحصّل بذلك، انّ كلامه سبحانه في القرآن لا ينحصر في الكلام اللفظي، كما لا يكون منحصراً في الكلام الفعلي، بل هناك قسمان آخران سمّيا بالكلام، أحدهما: الوحي، وثانيهما: قضاوَه تعالى وحكمه، نعم يمكن إرجاع هذين القسمين إلى الكلام الفعلي، بلحاظ انّ الاِيحاء والقضاء أيضاً من أفعاله سبحانه.
وبذلك يظهر انّ الصواب من الآراء المتقدّمة هو نظريّة الحكماء، وأمّا نظرية المعتزلة فهي غير منطبقة على جميع مصاديق كلامه سبحانه وإنّما هو قسم قليل منه.
وأمّا نظرية الاَشاعرة فليس له أثر في الكتاب العزيز.
فالمعتزلة أصابوا في جهة وأخطأوا في جهة أُخرى، أصابوا في جعلهم كلامه تعالى من صفات أفعاله سبحانه وأخطأوا في حصره في الكلام اللفظي.
ولكنّ الاَشاعرة أخطأوا في جهتين:في حصر الكلام الفعلي بالكلام اللفظي، وفي ادّعاء قسم آخر من كلام سمّوه بالكلام النفسي وجعلوه وصفاً ذاتياً له تعالى.
إلى هنا تمّ الكلام في تفسير حقيقة كلامه تعالى وتحليل الآراء المطروحة في هذا المجال.

(1) نهج البلاغة: الخطبة 186.

(123)

كلامه سبحانه حادث أو قديم؟

من المسائل التي اختلفت فيها كلمات المتكلّمين، مسألة حدوث كلامه تعالى أو قدمه، ويمكن إرجاع هذه المسألة إلى القرن الثاني وقد يقال أوّل من قال بكون القرآن مخلوقاً هو جعد بن درهم وبقيت في طيّالكتمان إلى زمن المأمون، وإليك دراسة الآراء وتطوّرها في المسألة:

1. نظرية أهل الحديث والحنابلة

أوّل من أكّد القول بعدم حدوث القرآن وعدم كون كلامه تعالى مخلوقاً وأصرّ عليه، أهل الحديث، وفي مقدّمتهم «أحمد بن حنبل» فإنّه الذي أخذ يروّج فكرة عدم خلق القرآن ويدافع عنها بحماس، متحمّلاً في سبيلها من المشاقّ ما هو مسطور في زبر التاريخ، وإليك نصّنظريته في هذه المسألة:
«والقرآن كلام اللّه ليس بمخلوق، فمن زعم انّ القرآن مخلوق فهو جهمي كافر، ومن زعم انّ القرآن كلام اللّه عزّ وجلّ ووقف ولم يقل مخلوق ولا غير مخلوق، فهو أخبث من الاَوّل». (1)
ثمّ إنّه قد نقل عنه ما يوافق التوقّف في المسألة، ولذلك يرى المحقّقون انّ إمام الحنابلة كان في أوّليّات حياته يرى البحث حول القرآن بأنّه مخلوق أو غير مخلوق، بدعة، ولكنّه بعدما زالت المحنة وطلب منه الخليفة العباسي المتوكّل،
(1) السنّة :49.

(124)
الاِدلاء برأيه، اختار كون القرآن ليس بمخلوق، ومع ذلك لم يوَثر انّه قال إنّه قديم. (1)

2. نظرية المعتزلة

قد تبنَّت المعتزلة القول بخلق القرآن وانبروا يدافعون عنه بشتّى الوسائل، ولمّا كانت الخلافة العباسية في عصر المأمون ومن بعده إلى زمن الواثق باللّه، توَيد حركة الاِعتزال وآراءها، استعان المعتزلة من هذا الغطاء، وقاموا باختبار علماء الاَمصار الاِسلامية في هذه المسألة، وكانت نتيجة هذا الامتحان أن أجاب جميع الفقهاء في ذلك العصر بنظرية الخلق، ولم يمتنع إلاّ نفر قليل على رأسهم الاِمام أحمد بن حنبل، وإليك ما ذكره القاضي عبد الجبّار في هذا المجال:
«أمّا مذهبنا في ذلك انّ القرآن كلام اللّه تعالى ووحيه، وهو مخلوق محدث، أنزله اللّه على نبيّه ليكون علماً ودالاًّ على نبوته، وجعله دلالة لنا على الاَحكام لنرجع إليه في الحلال والحرام، واستوجب منّا بذلك الحمد والشكر، وإذا هو الذي نسمعه اليوم ونتلوه وإن لم يكن (ما نقروَه) محدثاً من جهة اللّه تعالى فهو مضاف إليه على الحقيقة كما يضاف ما ننشره اليوم من قصيدة امرىَ القيس على الحقيقة وإن لم يكن امروَ القيس محدثاً لها الآن». (2)

3. نظرية الشيخ الاَشعري

أوّل ما أعلنه الشيخ الاَشعري في هذا المجال هو القول بعدم كون القرآن مخلوقاً حيث قال:

(1) تاريخ المذاهب الاِسلامية :300.
(2) شرح الاَُصول الخمسة :528.

(125)
«ونقول: إنّ القرآن كلام اللّه غير مخلوق، و انّ من قال بخلق القرآن فهو كافر».(1)
ولكنّه رأى أنّ القول بقدم القرآن المقروء والملفوظ شيئاً لا يقبله العقل السليم، فجاء بنظرية جديدة أصلح بها القول بعدم خلق القرآن والتجأ إلى أنّ المراد من كلام اللّه تعالى ليس القرآن المقروء بل الكلام النفسي.

دلالة القرآن على حدوث كلامه تعالى

صرّح القرآن الكريم على حدوث كلامه تعالى ـ أعني: القرآن ـ في قوله سبحانه:
(ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ). (2)
والمراد من «الذكر» هو القرآن نفسه لقوله سبحانه:
(إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ) . (3)
وقوله سبحانه:
(وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَومِكَ) . (4)
والمراد من «محدث» هو الجديد وهو وصف «للذكر» ومعنى كونه جديداً انّه أتاهم بعد الاِنجيل، كما أنّ الاِنجيل جديد ،لاَنّه أتاهم بعد التوراة، وكذلك بعض سور القرآن وآياته ذكر جديد أتاهم بعد بعض، وليس المراد كونه محدثاً من
(1) الاِبانة :21، ولاحظ مقالات الاِسلاميين :321.
(2) الاَنبياء :2.
(3) الحجر :9
(4) الزخرف :44.

(126)
حيث نزوله، بل المراد كونه محدثاً بذاته بشهادة انّه وصف لـ«ذكر»، فالذكر بذاته محدث، لا بنزوله فلا معنى لتوصيف المحدث بالذات بكونه من حيث النزول، لتقدّم ما بالذات على ما بالعرض.
ويدلّ على حدوثه قوله سبحانه:
(ولَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلاً).(1)
فهل يصحّ توصيف القديم بالاِذهاب والاِعدام؟!

موقف أهل البيت _ عليهم السلام

إنّ تاريخ البحث وما جرى على الفريقين من المحن، يشهد بأنّ التشدّد فيه لم يكن لاِحقاق الحقّ وإزاحة الشكوك بل استغلّت كلّ طائفة تلك المسألة للتنكيل بخصومها، فلاَجل ذلك نرى أنّ أئمّة أهل البيت _ عليهم السلام _ منعوا أصحابهم من الخوض في تلك المسألة، فقد سأل الريّان بن الصلت الاِمام الرضا _ عليه السلام _ وقال له: ما تقول في القرآن؟
فقال _ عليه السلام _ :
«كلام اللّه لا تتجاوزوه، ولا تطلبوا الهدى في غيره فتضلوا». (2)
فانّا نرى أنّ الاِمام _ عليه السلام _ يبتعد عن الخوض في هذه المسألة لما رأى من أنّ الخوض فيها ليس لصالح الاِسلام، وانّ الاكتفاء بأنّه كلام اللّه أحسم لمادّة الخلاف.

(1) الاِسراء : 86.
(2) التوحيد للصدوق: الباب 30، الحديث 2.

(127)
ولكنّهم _ عليهم السلام _ عندما أحسّوا بسلامة الموقف، أدلوا برأيهم في الموضوع، وصرّحوا بأنّ الخالق هو اللّه سبحانه وغيره مخلوق، والقرآن ليس نفسه سبحانه وإلاّ يلزم اتحاد المنزِل والمنزَل، فهو غيره، فيكون لامحالة مخلوقاً.
فقد روى محمّد بن عيسى بن عبيد اليقطيني انّه كتب علي بن محمّد بن علي ابن موسى الرضا _ عليه السلام _ إلى بعض شيعته ببغداد، وفيه:«وليس الخالق إلاّ اللّه عزّوجلّ وما سواه مخلوق، والقرآن كلام اللّه لا تجعل له اسماً من عندك فتكون من الضالين». (1)

تكملة

اتّفق المسلمون والاِلهيون على أنّ الصدق من صفاته تعالى وانّه سبحانه صادق، والمراد من صدقه تعالى كون كلامه منزّهاً عن شوب الكذب، ولمّا كان المختار عندنا في «الكلام» انّه من الصفات الفعلية يكون الصدق في الكلام مثله وهو واضح.
ويمكن الاستدلال على صدقه بأنّ الكذب قبيح عقلاً، وهو سبحانه منزّه عمّا يعدّ العقل من القبائح، والبرهان مبني على قاعدة التحسين والتقبيح العقليين، وهي من القواعد الاَساسية في كلام العدلية.
(1) المصدر السابق:الحديث 4.

(128)

2
الحكمة

من الصفات الفعلية الحكمة وهي تطلق على معنيين:
أحدهما: كون الفعل في غاية الاِحكام والاِتقان، وغاية الاِتمام و الاِكمال.
وثانيهما: كون الفاعل لا يفعل قبيحاً ولا يخل بواجب.
قال الرازي:
«...معنى الاِحكام في حقّ اللّه تعالى في خلق الاَشياء هو إتقان التدبير فيها، وحسن التقدير لها ففيها ما لا يوصف بوثاقة البنية كالبقّة والنملة وغيرهما، إلاّ أنّ آثار التدبير فيها وجهات الدلالات فيها على قدرة الصانع وعلمه ليست بأقلّ من دلالة السماوات والاَرض والجبال على علم الصانع وقدرته».
ثمّ ذكر معنى ثانياً للحكيم وقال:
«الثاني انّه عبارة عن كونه مقدّساً عن فعل مالا ينبغي
قال تعالى:
(أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً) (1)".

(1) الموَمنون : 115؛ لاحظ شرح أسماء اللّه الحسنى : 279ـ280.

(129)
وقال:
(وما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالاََرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً). (1)
ويمكن الاستدلال على حكمته تعالى بمعنى إتقان فعله وتدبيره بوجهين:

1. التدبّر في نظام الكون وبدائعه

أوضح دليل على أنّه تعالى حكيم بهذا المعنى، انّ فعله في غاية البداعة والاِحكام والاِتقان فانّ الناظر يرى أنّ العالم خلق على نظام بديع، وانّ كلّ نوع خلق بأفضل صورة تناسبه وجهّز بكلّ ما يحتاج إليه من أجهزة تهديه في حياته وتساعده على السير إلى الكمال، وإن شئت فانظر إلى الاَشياء المحيطة بك ممّا هو من مظاهر حكمته تعالى.
فلاحظ القلب وهو مضخّة الحياة التي لا تكلّ عن العمل فإنّه ينبض يوميّاًما يزيد على مائة ألف مرّة، يضخّ خلالها ثمانية آلاف لتر من الدم وبمعدّل وسطي يضخّ ستة وخمسين مليون غالون على مدى حياة الاِنسان، فترى هل يستطيع محرّك آخر للقيام بمثل هذا العمل الشاقّ لمثل تلك الفترة الطويلة من دون حاجة لاِصلاح...؟
وأمثال ذلك الكثير ممّا لا تستوعبه السطور بل ولا الزبر.
إنّ معطيات العلوم الطبيعية عمّا في الكون أفضل دليل على وجود الحكمة الاِلهية في الفلكيات والاَرضيات.

(1) ص : 27.

(130)

2. مناسبة الفعل لفاعله

إنّ أثر كلّ فاعل يناسب واقع فاعله وموَثره فهو كظلّ يناسب ذا الظلّ، فالفاعل الكامل من جميع الجهات يكون مصدراً لفعل كامل وموجود متوازن أخذاً بقاعدة مشابهة الظلّ لذي الظلّ، وقد استعملت الحكمة بهذا المعنى في كلمات الاِمام علي _ عليه السلام _ حيث قال:
«...وأرانا من ملكوت قدرته وعجائب ما نطقت به آثار حكمته... فظهرت البدائع التي أحدثتها آثار صنعته وأعلام حكمته...قدّر ما خلق فأحكم تقديره ودبّره فألطف تدبيره ـ إلى أن قال : ـ بدايا خلائق أحكم صنعها وفطرها على ما أراد وابتدعها». (1)
وأمّا البحث عن حكمته تعالى، بالمعنى الثاني فسيجيء عند البحث عن عدله سبحانه فانتظره.
(1) نهج البلاغة: الخطبة 91.

(131)

الفصل الخامس
الصفات الخبريّة

قسّم بعض المتكلّمين صفاته سبحانه إلى ذاتيّة وخبريّة،والمراد من الاَُولى أوصافه المعروفة من العلم والقدرة والحياة، والمراد من الثانية ما أثبتته ظواهر الآيات والاَحاديث له سبحانه من العلو والوجه واليدين إلى غير ذلك، وقد اختلفت آراء المتكلّمين في تفسير هذا القسم من الصفات إلى أقوال:

الاَوّل: الاِثبات مع التكييف والتشبيه

زعمت المجسِّمة و المشبِّهة انّ للّه سبحانه عينين ويدين مثل الاِنسان.
قال الشهرستاني:
«أمّا مشبِّهة الحشويّة... أجازوا على ربِّهم الملامسة و المصافحة وانّ المسلمين المخلصين يعانقونه سبحانه في الدنيا والآخرة ، إذا بلغوا في الرياضة والاجتهاد إلى حدّ الاِخلاص». (1)
(1) الملل والنحل :1|105.

(132)
وبما انّ التشبيه والتجسيم باطل بالعقل والنقل فلا نبحث حول هذه النظرية.

الثاني: الاِثبات بلا تكييف ولا تشبيه

إنّ الشيخ الاَشعري ومن تبعه يجرون هذه الصفات على اللّه سبحانه بالمعنى المتبادر منها في العرف، لكن لاَجل الفرار عن التشبيه يقولون«بلا تشبيه ولا تكييف».
يقول الاَشعري في كتابه(الاِبانة): إنّ للّه سبحانه وجهاً بلا كيف، كما قال:
(وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ وَ الاِِكْرامِ) . (1)
وانّ له يدين بلا كيف، كما قال:
(خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) . (2)
وقد نقل هذه النظرية عن أبي حنيفة والشافعي وابن كثير. (3)وحاصل هذه النظرية انّ له سبحانه هذه الحقائق لكن لا كالموجودة في البشر، فله يد و عين، لا كأيدينا وأعيننا وبذلك توفقوا ـ على حسب زعمهم ـ في الجمع بين ظواهر النصوص ومقتضى التنزيه.
أقول: القول بأنّ للّه يداً لا كأيدينا، أو وجهاً لا كوجوهنا، وهكذا سائر الصفات الخبرية أشبه بالاَلغاز فاستعمالها في المعاني الحقيقة وإثبات معانيها على اللّه سبحانه بلا كيفية أشبه بكون حيوان أسداً حقيقة ولكن بلا ذنب ولا مخلب ولا ناب ولا....

(1)الرحمن :27.
(2) ص : 75.
(3) لاحظ «علاقة الاِثبات والتفويض» :46ـ49.

(133)
وإبراز العقيدة الاِسلامية بصورة الاِبهام والاَلغاز كما في هذه النظرية كإبرازها بصورة التشبيه والتجسيم المأثور من اليهودية والنصرانية كما في النظرية الاَُولى، لا يجتمع مع موقف الاِسلام و القرآن في عرض العقائد على المجتمع الاِسلامي.
وممّن خالف هذه النظرية منهم أبو حامد الغزالي، وحاصل ما ذكره في نقدها انّ هذه الاَلفاظ التي تجري في العبارات القرآنية والاَحاديث النبويّة لها معان ظاهرة وهي الحسيّة التي نراها، وهي محالة على اللّه تعالى، ومعان أُخرى مجازية مشهورة يعرفها العربي من غير تأويل ولا محاولة تفسير، فإذا سمع اليد في قوله ـ صلّى اللّه عليه وآله وسلم ـ : «إنّ اللّه خمّر آدم بيده ، وإنّ قلب الموَمن بين إصبعين من أصابع الرحمان» فينبغي أن يعلم أنّ هذه الاَلفاظ تطلق على معنيين: أحدهما ـ و هو الوضع الاَصلي ـ : هو عنصر مركب من لحم وعظم وعصب، وقد يستعار هذا اللفظ، أعني: اليد، لمعنى آخر ليس هذا المعنى بجسم أصلاً، كما يقال:
«البلدة في يد الاَمير».
فإنّ ذلك مفهوم وإن كان الاَمير مقطوع اليد، فعلى العامّي وغير العامّي أن يتحقّق قطعاً ويقيناً انّ الرسول لم يرد بذلك جسماً، وانّ ذلك في حقّ اللّه محال، فإن خطر بباله انّ اللّه جسم مركب من أعضاء فهو عابد صنم، فانّ كلّ جسم مخلوق وعبادة المخلوق كفر وعبادة الصنم كانت كفراً لاَنّه مخلوق. (1)
ومنهم أبو زهرة المعاصر فإنّه أيضاً قدح في هذه النظرية وقال:
«قولهم بأنّ للّه يداً ولكن لا نعرفها».
«وللّه نزولاً لكن ليس كنزولنا» الخ.

(1) الجاء العوام.

(134)
هذه إحالات على مجهولات، لا نفهم موَدّاها ولا غاياتها. (1)

الثالث: التفويض

وقد ذهب جمع من الاَشاعرة وغيرهم إلى إجراء هذه الصفات على اللّه سبحانه مع تفويض المراد منها إليه.
قال الشهرستاني:
«إنّ جماعة كثيرة من السّلف يثبتون صفات خبرية مثل اليدين والوجه ولا يوَوّلون ذلك، إلاّ أنّهم يقولون انّا لا نعرف معنى اللفظ الوارد فيه، مثل قوله:
(اَلرَّحْمنُ عَلى الْعَرْشِ اسْتَوى) .
ومثل قوله:
(لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ) .
ولسنا مكلّفين بمعرفة تفسير هذه الآيات بل التكليف قد ورد بالاعتقاد بأنّه لا شريك له وذلك قد أثبتناه». (2)
وإليه جنح الرازي وقال:
«هذه المتشابهات يجب القطع بأنّ مراد اللّه منها شيء غير ظواهرها كما يجب تفويض معناها إلى اللّه تعالى ولا يجوز الخوض في تفسيرها».(3)
(1) تاريخ المذاهب الاِسلامية : 1|219ـ220.
(2) الملل والنحل : 1|92ـ93 بتلخيص.
(3) أساس التقديس :223.

(135)
أقول:
«إنّ لاَهل التفويض عذراً واضحاً في هذا المجال، فإنّهم يتصوّرون انّ الآيات المشتملة على الصفات الخبريّة من الآيات المتشابهة، وقد نهى سبحانه عن ابتغاء تأويلها وأمر عباده بالاِيمان بها». (1)
نعم يلاحظ على مقالتهم هذه انّ الآيات ليست من الآيات المتشابهة، فإنّ المفاد فيها غير متشابه (2)إذا أمعن فيها الاِنسان المتجرّد عن كلّ رأي سابق.

الرابع: التأويل (3)

إنّ العدليّة من المتكلّمين هم المشهورون بهذه النظرية حيث يفسّرون اليد بالنعمة والقدرة، والاستواء بالاستيلاء وإظهار القدرة.
أقول: إنّ الظاهر على قسمين: الظاهر الحرفي والظاهر الجملي، فإنّ اليد مثلاً مفردة ظاهرة في العضو الخاص، وليست كذلك فيما إذا حفت بها القرائن، فإنّقول القائل في مدح إنسان انّه «باسط اليد»، أو في ذمه «قابض اليد» ليس ظاهراً في اليد العضوية التي أسميناها بالمعنى الحرفي، بل ظاهر في البذل والعطاء أو في البخل و الاقتار وربما يكون مقطوع اليد، وحمل الجملة على غير ذلك المعنى، حمل على غير ظاهرها.
وعلى ذلك يجب ملاحظة كلام الموَوِّلة فإن كان تأويلهم على غرار ما بيّناه
(1) لاحظ آل عمران :7.
(2) يعني انّ هذه الآيات وإن كانت متشابهة في بادىَ الرأي وقبل إرجاعها إلى المحكمات، لكنّها تصير محكمة بعد إرجاعها إليها.
(3) قد استوفى شيخنا الاَُستاذ ـ دام ظلّه ـ الكلام في أقسام التأويل في مقدمة الجزء الخامس من موسوعته القرآنية «مفاهيم القرآن»:12ـ 16.

(136)
فهوَلاء ليسوا بموَوِّلة بل هم مقتفون لظاهر الكتاب والسنّة، ولا يكون تفسير الكتاب العزيز ـ على ضوء القرائن الموجودة فيه ـ تأويلاً وإنّما هو اتّباع للنصوص والظواهر، وإن كان تأويلهم باختراع معان للآيات من دون أن تكون في الآيات قرائن متصلة أو منفصلة دالّة عليها فليس التأويل ـ بهذا المعنى ـ بأقلّ خطراً من الاِثبات المنتهي إمّا إلى التجسيم أو إلى التعقيد والاِبهام.
وعلى ضوء ما قرّرنا من الضابطة والميزان، تقدر على تفسير ما ورد في التنزيل من الوجه (1)والعين (2)و الجنب (3)والاِتيان (4)والفوقية (5)والعرش (6) والاستواء (7) وما يشابهها، من دون أن تمسّ كرامة التنزية، ومن دون أن تخرج عن ظواهر الآيات بالتأويلات الباردة غير الصحيحة.
(1) (كُلّ شيءٍ هالِك إِلاّ وجهه) (القصص|88).
(2) (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا) (هود|37).
(3) (أَنْ تقول نفس يا حَسرتى عَلى ما فَرَّطْت في جَنْب اللّه) (الزمر|56).
(4) (وَجاءَ رَبّكَ وَالمَلَكُ صَفّاً صَفّاً) ( الفجر |22) .(فَأتى اللّه بنيانهم من القواعد) (النحل|26).
(5) (يَدُ اللّهِ فَوقَ أَيدِيهِمْ )(الفتح|10) .
(6) (إِذاً لابْتَغَوا إِلى ذِي الْعَرشِ سَبيلاً) ( الاِسراء|42).
(7) (الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرشِ اسْتَوى) (طه|5).

(137)

الفصل السادس
الصفات السلبيّة

الصفة السلبية ما تفيد معنى سلبياً، لكن اللّه تعالى لا يجوز سلب كمال من الكمالات عنه لكونه مبدأ كل كمال، فصفاته السلبية ما دلّ على سلب النقص والحاجة، كمن ليس بجاهل، وليس بعاجز، ولمّا كان معنى النقص والحاجة في معنى سلب الكمال كانت الصفة السلبية المفيدة لسلب النقص، راجعة إلى سلب واحد وهو سلب النقص والاحتياج ولقد أجاد الحكيم السبزواري في المقام حيث قال:
وَوَصْفُهُ السَّلْبيُّ سَلْبُ السَّلْبِ جا * في سَلْــبِ الاحتيـاجِ كُلاً أَدْرِجا
وقد ظهرت في مجال صفاته السلبية عقائد وآراء سخيفة كالحلول والجهة والروَية وغير ذلك، فدعا ذلك المتكلّمين أن يبحثوا عن هذه الصفات السلبية في مسفوراتهم الكلامية، والاَصل الكافل لاِبطال جميع تلك المذاهب والآراء وجوب الوجود بالذات، فإنّ الجميع مستلزم للتركيب والجسمية وهما آيتا الفقر والحاجة المنافية لوجوب الوجود بالذات.

(138)
وقد تقدّم الكلام حول بعض هذه الصفات، كنفي الشريك والتركيب والصفات الزائدة على الذات في مباحث التوحيد، ونبحث الآن عن غيرها فنقول:

1. ليس بجسم

الجسم ـ على ما نعرف له من الخواص ـ هو ما يشتمل على الاَبعاد الثلاثة من الطول والعرض و العمق، وهو ملازم للتركيب، والمركب محتاج إلى أجزائه والمحتاج لا يكون واجب الوجود بالذات.

2. ليس في جهة ولا محلّ

وقد تبيّن استغناوَه عنهما ممّا ذكرنا من الدليل على نفي الجسمية، فإنّ الواقع في جهة أو محلّ لا يكون إلاّجسماً أوجسمانياً. (1)

3. ليس حالاً في شيء

إنّ المعقول من الحلول قيام موجود بموجود آخر على سبيل التبعية، وهذا المعنى لا يصحّ في حقّه سبحانه لاستلزامه الحاجة وقيامه في الغير.

(1) بجهة طرف الامتداد * في مأخذ الاِشارة مرادي
انّ طرف كلّ امتداد ونهايته من حيث هو طرف إمّا نقطة وإمّا سطح وإمّا خط، ومن حيث هو واقع في مأخذ الاِشارة الحسّية جهة، والفرق بينها وبين المكان انّ الجهة مقصد المتحرك من حيث الوصول إليه، و المكان مقصد له من حيث الحصول فيه.
الحكيم السبزواري، شرح المنظومة.

(139)

4. ليس متحداً مع غيره

حقيقة الاتحاد عبارة عن صيرورة الشيئين المتغايرين شيئاً واحداً، وهو مستحيل في ذاته، فضلاً عن استحالته في حقّه تعالى، فإنّ ذلك الغير بحكم انحصار واجب الوجود في واحد، ممكن، فبعد الاِتحاد إمّا أن يكونا موجودين فلا اتحاد، أو يكون واحد منهما موجوداً والآخر معدوماً، والمعدوم إمّا هو الممكن، فيلزم الخلف وعدم الاِتحاد، أو الواجب فيلزم إنعدام الواجب وهو محال.

5. ليس محلاً للحوادث

والدليل على ذلك انّه لو قام بذاته شيء من الحوادث للزم تغيّره، واللازم باطل، فالملزوم مثله، بيان الملازمة: انّ التغيّر عبارة عن الانتقال من حالة إلى أُخرى، فعلى تقدير حدوث ذلك الاَمر القائم بذاته، يحصل في ذاته شيء لم يكن من قبل، فيحصل الانتقال من حالة إلى أُخرى.
وأمّا بطلان اللازم، فلانّ التغيّر نتيجة وجود استعداد في المادّة التي تخرج تحت شرائط خاصّة من القوّة إلى الفعل، فلو صحّ على الواجب كونه محلاً للحوادث، لصحّ أن يحمل وجوده استعداداً للخروج من القوّة إلى الفعلية، وهذا من شوَون الاَُمور الماديّة، وهو سبحانه أجلّ من أن يكون مادّة أو مادّياً.

6. لا تقوم اللَّذة والاَلم بذاته

قد يطلق الاَلم واللّذة ويراد منهما الاَلم واللّذة المزاجيان، والاتصاف بهما يستلزم الجسميّة والمادّة وهو تعالى منزّه عنهما كما تقدّم.
وقد يطلقان ويراد منهما العقليان، أعني إدراك القوّة العقلية ما يلائمها أو ينافيها، وبما انّه لا منافي في عالم الوجود لذاته تعالى لاَنّ الموجودات أفاعليه
(140)
ومخلوقاته، وبين الفعل و فاعله كمال الملائمة الوجودية، فلا يتصوّر ألمٌ عقلي له سبحانه.
وأمّا اللَّذة العقلية فأثبتها للّه تعالى بعضهم قائلين بأنّ واجب الوجود في غاية الجمال والكمال والبهاء، فإذا عقل ذاته فقد عقل أتمَّ الموجودات وأكملها، فيكون أعظم مدرِك لاَجلّ مدرَك بأتم إدراك.
ولكن منع بعضهم عن توصيفه سبحانه باللَّذة العقلية أيضاً لعدم الاِذن الشرعي بذلك، وممّن جوز الاتصاف باللّذة العقلية من متكلّمي الاِماميّة، موَلّف الياقوت حيث قال:
«الموَثّر مبتهج بالذات لاَنّ علمه بكماله الاَعظم يوجب له ذلك،فكيف لا والواحد منّا يلتذُّ بكماله النقصاني». (1)
وهو ظاهر كلام المحقّق الطوسي في تجريد الاعتقاد، حيث نفى الاَلم مطلقاً وقيد اللَّذة المنفية بالمزاجيّة (2) ومن المانعين له المحقّق البحراني حيث قال:
«اتّفق المسلمون على عدم إطلاق هذين اللفظين عليه تعالى... وأمّا الفلاسفة فإنّهم ... لمّا فسروا اللَّذة بأنّها إدراك الملائم أطلقوا عليه لفظ اللَّذة وعنوا بها علمه بكمال ذاته، فلا نزاع معهم إذن في المعنى، إذ لكلّ أحد أن يفسِّر لفظه بما شاء، لكنّا ننازع في إطلاق هذا اللفظ عليه لعدم الاِذن الشرعي». (3)

(1) أنوار الملكوت :102.
(2) كشف المراد: المقصد 3، الفصل 2، المسألة 18.
(3) قواعد المرام: القاعدة 4، الركن 2، البحث 8.

(141)

7. انّه تعالى ليس بمرئيّ

إتّفقت العدلّية على أنّه تعالى لا يُرى بالاَبصار لا في الدنيا ولا في الآخرة، وأمّا غيرهم فالكراميّة والمجسِّمة الذين يصفون اللّه سبحانه بالجسم ويثبتون له الجهة، جوَّزوا روَيته بلا إشكال في الدارين، وأهـل الحديث والاَشاعــرة ـ مع تحاشيهم عن إثبات الجسميّة و الجهة له سبحانه ـ قالوا بروَيته يوم القيامة وانّ الموَمنين يرونه كما يرى القمر ليلة البدر، وتحقيق الكلام في هذا المجال رهن دراسة تحليلية حول أُمور ثلاثة:
ألف. تحديد محلّ النزاع.
ب. أدلّة امتناع الروَية.
ج. أدلّة القائلين بالجواز.
فنقول:

ما هو موضوع النزاع؟

الروَية التي تكون في محلّ الاستحالة والمنع عند العدلية هي الروَية البصرية بمعناها الحقيقي، لا ما يعبّر عنه بالروَية القلبية كما ورد في روايات أهل البيت _ عليهم السلام _ والشهود العلمي التام في مصطلح العرفاء، وهذا المعنى من الروَية هو الظاهر من كلام الشيخ الاَشعري حيث قال:
«وندين بأنّ اللّه تعالى يرى في الآخرة بالاَبصار كما يرى القمر ليلة البدر، يراه الموَمنون كما جاءت الروايات عن رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ». (1)
(1) الاِبانة :21.

(142)
وقال أيضاً:
«إن قال قائل: لم قلتم إنّ روَية اللّه بالاَبصار جائزة من باب القياس؟ قيل له: قلنا ذلك لاَنّ مالا يجوز أن يوصف به اللّه تعالى و يستحيل عليه، لا يلزم في القول بجوازالروَية». (1)
لكنّ المتأخرين منهم لمّا رأوا انّ القول بجواز الروَية بالاَبصار تستحيل في حقّه تعالى، حاولوا تصحيح مقولتهم بوجوه مختلفة فقال الاِمام الرازي:
«وقبل الشروع في الدلالة لابدّ من تلخيص محلّ النزاع، فإنّ لقائل أن يقول: إن أردت بالروَية الكشف التامّ، فذلك ممّا لا نزاع في ثبوته، وإن أردت بها الحالة التي نجدها من أنفسنا عند إبصارنا الاَجسام فذلك ممّا لا نزاع في انتفائه ـ إلى أن قال: ـ و الجواب انّا إذا علمنا الشيء حال مالم نره، ثمّ رأيناه، فانّا ندرك تفرقة بين الحالين، وتلك التفرقة لا تعود إلى ارتسام الشبح في العين ولا إلى خروج الشعاع منها، بل هي عائدة إلى حالة أُخرى مسمّاة بالروَية، فندّعي انّ تعلّق هذه الصفة بذات اللّه تعالى جائز». (2)
وحاصله ـ كما لخّصه المحقّق الطوسي ـ : انّ الحالة الحاصلة عند ارتسام الشبح في العين أو خروج الشعاع منها، المغايرة للحالة الحاصلة عند العلم، يمكن أن يحصل مع عدم الارتسام وخروج الشعاع.
يلاحظ عليه: أنّ الحالة المذكورة إمّا تكون روَية بصرية بالحقيقة، فذلك محال في حقّه تعالى كما اعترف به الرازي أيضاً، وإمّا لا تكون كذلك وإنّما هي
(1) اللمع : 61 بتلخيص.
(2) تلخيص المحصل :316.

(143)
مشتركة مع الروَية البصرية في النتيجة، أعني: المشاهدة، فهي راجعة إلى الكشف التام والروَية القلبية ولا نزاع فيها، قال المحقّق الطوسي:
«ويحتاج في إثبات كون تلك الحالة غير الكشف التام إلى دليل». (1)
وقال الفضل بن روزبهان الاشعري:
«إذا نظرنا إلى الشمس فرأيناها ثمّ غمضنا العين، فعند التغميض نعلم الشمس علماً جليّاً، وهذه الحالة مغايرة للحالة الاَُولى التي هي الروَية بالضرورة... ويجوز عقلاً أن يكون تلك الحالة تدرك الاَشياء من غير شرط ومحلّ، وإن كان يستحيل أن يدرك الاِنسان بلا مقابلة وباقي الشروط عادة، فالتجويز عقلي والاستحالة عادية». (2)
يلاحظ عليه: أنّ تلك الحالة الحاصلة عند التغميض إنّما هي صورة المرئي ومحلّها الحس المشترك أو الخيال لا الباصرة، وهي موقوفة على سبق الروَية، فإن كانت روَية اللّه سبحانه ممتنعة، فقد امتنعت هذه الحالة، وإلاّ فلا حاجة إلى تكلّف إثبات هذه الحالة وجعلها محلّ النزاع، هذا إذا كان مراده حصول تلك الحالة حقيقة، وأمّا إن كان مراده ما يشبه تلك الحالة لا نفسها، فهو خارج عن محلّ النزاع لاَنّه راجع إلى الروَية القلبيّة ولا تكون ممتنعاً لا عقلاً ولا عادة.
فأمثال هذه المحاولات لا تخلو من بطلانه رأساً، أو خروجه عمّا كان محلّ النزاع في الصدر الاَوّل بين الاَشاعرة والعدلية.

(1) نفس المصدر :328.
(2) دلائل الصدق : 1|183ـ184.

(144)

أدلّة امتناع روَيته تعالى

يدلّ على امتناع الروَية وجوه:
1. انّ الروَية إنّما تصحّ لمن كان مقابلاً ـ كالجسم ـ أو في حكم المقابل ـ كالصورة في المرآة ـ و المقابلة وما في حكمها إنّما تحقّق في الاَشياء ذوات الجهة، واللّه منزّه عنها فلا يكون مرئياً، وإليه أشار موَلّف الياقوت بقوله:
«ولا يصحّ روَيته، لاستحالة الجهة عليه». (1)
2.انّ الروَية لا تحقق إلاّ بانعكاس الاَشعَّة من المرئي إلى أجهزة العين، وهو يستلزم أن يكون سبحانه جسماً ذا أبعاد.
3. انّ الروَية بأجهزة العين نوع إشارة إليه بالحدقة، وهي إشارة حسّية لا تتحقق إلاّ بمشار إليه حسّي واقع في جهة، واللّه تعالى منزّه عن الجسمانيّة و الجهة.
4. انّ الروَية إمّا أن تقع على الذات كلِّها أو على بعضها، فعلى الاَوّل يلزم أن يكون المرئي محدوداً متناهياً، وعلى الثاني يلزم أن يكون مركّباً ذا أجزاء وأبعاض والجميع مستحيل في حقِّه تعالى.
أدلّة القائلين بالجواز
إنّ للقائلين بجواز روَيته تعالى أدلّة عقلية ونقلية، فمن أدلّتهم العقلية ما ذكره الاَشعري بقوله:
«ليس في جواز الروَية إثبات حدث، لاَنّ المرئي لم يكن مرئياً لاَنّه محدث، ولو كان مرئياً لذلك للزمه أن يرى كلّمحدث وذلك باطل

(1) أنوار الملكوت :82.

(145)
عنده».(1)
يلاحظ عليه: أنّ الحدوث ليس شرطاً كافياً في الروَية حتّى تلزم روَية كلّ محدث، بل هو شرط لازم يتوقف على انضمام سائر الشروط التي أشرنا إليها وبما انّ بعضها غير متوفّر في الموجودات المجرّدة المحدثة، لا تقع عليها الروَية.
وهناك دليل عقلي استدلّ به مشايخ الاَشاعرة في العصور المتأخرة، وحاصله انّملاك الروَية والمصحّح لها أمر مشترك بين الواجب والممكن وهو الوجود، قالوا:
«إنّ الروَية مشتركة بين الجوهر والعرض، ولابدّ للروَية المشتركة من علّة واحدة، وهي إمّا الوجود أو الحدوث، والحدوث لا يصلح للعليّة لاَنّه أمر عدمي، فتعيّن الوجود، فينتج انّ صحّة الروَية مشتركة بين الواجب والممكن». (2)
وهذا الدليل ضعيف جدّاً ومن هنا لم يتمّ عند المفكرين من الاَشاعرة أيضاً، إذ لقائل أن يقول: إنّ الجهة المشتركة للروَية في الجوهر والعرض ليست هي الوجود بما هو وجود، بل الوجود المقيّد بعدّة قيود، وهي كونه ممكناً، مادّياً، يقع في إطار شرائط خاصّة، يستحيل في حقّه تعالى، ولو كان الوجود هو الملاك التام لصحّة الروَية للزم صحّة روَية الاَفكار والعقائد، والروحيات والنفسانيات كالقدرة والاِرادة وغير ذلك من الاَُمور الروحية الوجودية الّتي لا تقع في محلّ الروَية.

(1) اللمع :61.
(2) شرح المواقف : 8|115؛ شرح التجريد للقوشجي : 329ـ330؛ تلخيص المحصل :317؛ كشف المراد :231؛ قواعد المرام :78.

(146)

استدلال المجوّزين بالكتاب العزيز

استدلّ القائلون بالجواز بآيات من الكتاب العزيز:
1. قوله تعالى:
(وُجُوهٌ يَومَئِذٍ ناضِرَةٌ* إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ) . (1)
وتوضيح الاستدلال:
«انّ النظر في اللّغة جاء بمعنى الانتظار ويستعمل بغير صلة، وجاء بمعنى التفكّر ويستعمل بـ (في ) وجاء بمعنى الرأفة ويستعمل بـ (اللام) وجاء بمعنى الروَية ويستعمل بـ (إلى) و النظر في الآية موصول بـ (إلى) فوجب حمله على الروَية». (2)
يلاحظ عليه : أنّ النظر المتعدّي بـ«إلى» كما يجيء بمعنى الروَية، كذلك يجيء كناية عن التوقّع والانتظار كما قال الشاعر:
وجوه ناظرات يوم بـــدر * إلى الرحمــان يأتــي بالفلاح
وكقول آخر:
إنّي إليك لما وعدت لناظـر * نظــر الفقير إلى الغني الموسر
وقد شاع في المحاورات:«فلان ينظر إلى يد فلان» يراد انّه رجل معدم محتاج يتوقع عطاء الآخر.

(1) القيامة : 22ـ23.
(2) شرح التجريد للفاضل القوشجي:331.

(147)
والتأمّل في الآيتين بمقارنتهما بالآيتين الواقعتين في تلوهما يهدينا إلى أنّ المراد من النظر في الآية، هو التوقع والانتظار، لا الروَية، وإليك تنظيم الآيات حسب المقابلة:
1. (وُجُوهٌ يَومَئِذٍ ناضِرَةٌ) .
ويقابلها قوله تعالى:
2. (وُجُوهٌ يَومَئِذٍ باسِرَةٌ) .
3. (إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ) .
ويقابلها قوله تعالى:
4. (تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ) .
فالفقرتان الاَوليتان تصفان الناس يوم القيامة وانّهم على طائفتين: طائفة مطيعة وهم ذات وجوه ناضرة، وطائفة عاصية وهم ذات وجوه باسرة، ثمّ ذكر لكلّ منهما وصفاً آخر، فللاَُولى انّهم ناظرة إلى ربّها، وللثانية انّهم يظنون أن يفعل بهم فاقرة أي يتوقعون أن ينزل عليهم عذاب يكسر فقارهم ويقصم ظهورهم.
فالمقابلة بين الفقرة الثالثة والرابعة تشهد على المراد من الفقرة الثالثة الّتي مضادَّة للرابعة، وبما انّ الفقرة الرابعة ظاهرة في أنّ المراد توقُّع العصاة العذاب الفاقر، يكون المراد من الفقرة الثالثة توقع الرحمة والكرم من اللّه تعالى لا روَيته تعالى.
ثمّ إنّ الرازي ناقش في تفسير النظر في الآية بالانتظار، بأنّ الانتظار سبب الغم والآية مسوقة لبيان النعم، وأجاب عنه المحقّق الطوسي، بأنّ الظاهر من الآيات، انّالحالة التي عبّر عنها تعالى بقوله:(وُجُوهٌ يَومئِذٍ ناضِرَةٌ* إِلى رَبّها ناظِرَة) متقدّمة على حالة استقرار أهل الجنّة في الجنة وأهل النار في النار، وذلك
(148)
لاَنّ في حال استقرار أهل النار في النار قد فعل بها الفاقرة، وعليه فانتظار النعمة بعد البشارة بها فرح يقتضي نضارة الوجه وليس سبباً للغم، كما أنّانتظار العقاب بعد الاِنذار بوروده غمّ عظيم يقتضي بسارة الوجه. (1)
2. قوله تعالى حكاية عن موسى _ عليه السلام _ :
(رَبِّ أَرِني أَنْظُر إِلَيْكَ) . (2)
وجه الاستدلال: انّ الروَية لو لم تكن جائزة لكان سوَال موسى جهلاً أو عبثاً. (3)
والجواب عنه انّ التدبر في مجموع ما ورد من الآيات في القصة يدلّنا على أنّ موسى _ عليه السلام _ ما كان طلب الروَية إلاّ لتبكيت قومه عندما طلبوا منه أن يسأله الروَية لنفسه، حتى تحلّ روَيته للّه مكان روَيتهم، وذلك بعد ما سألوه أن يريهم اللّه جهرة لكي يوَمنوا بأنّ اللّه كلّمه، فأخذتهم الصاعقة، فطلب الكليم منه سبحانه أن يحييهم اللّه تعالى، حتى يدفع اعتراض قومه عن نفسه إذا رجع إليهم، فلربما قالوا: إنّك لم تكن صادقاً في قولك انّ اللّه يكلّمك، ذهبت بهم فقتلتهم، فعند ذلك أحياهم اللّه وبعثهم معه، وإليك الآيات الواردة في القصّة:
ألف. (وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُوَْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) . (4)
ب. (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ
(1) تلخيص المحصل :320ـ 321.
(2) الاَعراف :143.
(3) تلخيص المحصل: 320.
(4) البقرة :55.

(149)
بِظُلْمِهِمْ).(1)
ج. (وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا فَلَمّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا) . (2)
د. (وَلَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ). (3)
فالآيتان الاَُولى والثانية تدلاّن على أنّ أهل الكتاب طلبوا من موسى أن يسأل من اللّه تعالى أن يريهم ذاته، فاستحقّوا بسوَالهم هذا العذاب و الدمار فأخذتهم الصاعقة، والآية الثالثة تدلّ على أنّ الذين اختارهم موسى لميقات ربّه أخذتهم الرجفة، ولم تأخذهم إلاّ بما فعلوه من السفاهة، والظاهر انّ المراد منها هو سوَال الروَية المذكور في الآيتين المتقدمتين، والمقصود من الرجفة، هي رجفة الصاعقة، كما عبّر عن هلاكة قوم صالح تارة بالرجفة (4)وأُخرى بالصاعقة. (5)
وبما انّه لم يكن لموسى مع قومه إلاّ ميقات واحد، كان الميقات الوارد في الآية الثالثة نفس الميقات الوارد في الآية الرابعة، ففي هذا الميقات وقع السوَالان، غير أنّسوَال الروَية عن جانب القوم كان قبل سوَال موسى الروَية لنفسه، والقوم سألوا الروَية حقيقة وموسى سألها تبكيتاً لقومه وإسكاتاً لهم، يدلّ على ذلك انّه لم يوجّه إلى الكليم من جانبه سبحانه أيّ لوم وعتاب أو موَاخذة وعذاب بل اكتفى
(1) النساء :153.
(2) الاَعراف :155.
(3) الاَعراف : 143.
(4) لاحظ الاَعراف :78.
(5) حم السجدة :17.

(150)
تعالى بقوله:(لَنْ تَراني) .
3. قوله تعالى ـ فيما أجاب موسى عند سوَال الروَية لنفسه ـ :
(وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوفَ تَرانِي) . (1)
وجه الاستدلال:
«انّه تعالى علّق الروَية على استقرار الجبل وهو ممكن والمعلّق على الممكن، ممكن فالروَية ممكنة». (2)
يلاحظ عليه: أنّ المعلَّق عليه ليس هو إمكان الاستقرار، بل وجوده وتحقّقه بعد تجلّيه تعالى على الجبل، و المفروض انّه لم يستقرّ بعد التجلّي، كما قال تعالى:
(فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً) . (3)
أضف إلى ذلك انّ المذكور في الآية هو استقرار الجبل في حال النظر إليه بعد تجلّيه تعالى عليه، ومن المعلوم استحالة استقراره في تلك الحالة، وإليه أشار المحقّق الطوسي بقوله:
«وتعليق الروَية باستقرار المتحرك لا يدلّ على الاِمكان». (4)

الروَية في روايات أهل البيت _ عليهم السلام _

إنّ المراجع إلى خطب الاِمام علي _ عليه السلام _ في التوحيد و ما أُثر عن أئمة العترة الطاهرة يقف على أنّ مذهبهم في ذلك امتناع الروَية، فعلى من أراد الوقوف على
(1) الاَعراف :143.
(2) تلخيص المحصل :319؛ شرح التجريد للقوشجي :329.
(3) الاَعراف :143.
(4) كشف المراد : 231؛ تلخيص المحصل :319.

(151)
كلمات الاِمام علي _ عليه السلام _ أن يراجع نهج البلاغة، وعلى كلمات سائر أئمّة أهل البيت _ عليهم السلام _ أن يراجع الكافي لثقة الاِسلام الكليني والتوحيد للشيخ الصدوق. (1)
ثمّ إنّهم _ عليهم السلام _ رغم تأكيدهم على إبطال الروَية الحسية البصرية صرّحوا على إمكان الروَية القلبيّة، فهذا هو الاِمام علي ـ عليه السّلام _ حينما سأله ذعلب اليماني هل رأيت ربّك يا أمير الموَمنين؟ فقال _ عليه السلام _ :
«أفأعبد ما لا أرى؟!» فقال: وكيف تراه؟ فقال: «لا تدركه العيون بمشاهدة العيان ولكن تدركه القلوب بحقائق الاِيمان». (2)
وهكذا أجاب _ عليه السلام _ سوَال حبر من اليهود حينما سأله بنفس ذلك السوَال. (3)
وروى الصدوق بسنده عن عبد اللّه بن سنان عن أبيه، قال:
حضرت أبا جعفر _ عليه السلام _ فدخل عليه رجل من الخوارج، فقال له: يا أبا جعفر أي شيء تعبد؟ قال: «اللّه»، قال: رأيته؟ قال:« لم تراه العيون بمشاهدة العيان ولكن رأته القلوب بحقائق الاِيمان». (4)
إلى غير ذلك من الروايات، وأمّا البحث عن حقيقة تلك الروَية القلبية التي هي غير الروَية البصريّة الحسية، فليطلب من مظانّه.

(1) الكافي :ج1، باب إبطال الروَية؛ التوحيد: الباب الثامن. ويراجع أيضاً بحار الاَنوار:ج4، باب نفي الروَية وتأويل الآيات فيها.
(2) نهج البلاغة: الخطبة 179.
(3) لاحظ التوحيد للصدوق: الباب 8، الحديث 6.
(4) المصدر السابق: الحديث 5.

(152)

(153)

الباب الثالث
في
مباحث العدل والحكمة

وفيه اثنا عشر فصلاً:
1. التحسين والتقبيح العقليّان
2. العدل الاِلهي.
3. أفعال اللّه سبحانه معلّلة بالغايات.
4. المصائب والشرور وحكمته تعالى.
5. التكليف بما لا يطاق قبيح.
6. وجوب اللطف عند المتكلّمين
7. في الجبر والكسب.
8. نظرية التفويض.
9. أمر بين أمرين.
10. الاِجابة عن شبهات وشكوك.
11. في القضاء والقدر.
12. في حقيقة البداء.

(154)

(155)

الفصل الاَوّل
التحسين والتقبيح العقليان

إنّ العدل عند المتكلمين عبارة عن تنزّهه تعالى عن فعل ما لا ينبغي، وهذا أحد معاني الحكمة، فالعدل الحكيم هو الذي لا يفعل القبيح ولا يُخلُّ بالحسن، والتصديق بثبوت هذه الصفة للباري تعالى مبنيّ على القول بالتحسين والتقبيح العقليين، فإنّ مفاد تلك المسألة انّ هناك أفعالاً يدرك العقل كونها حسنة أو قبيحة، ويدرك انّ الغنيّ بالذّات منزّه عن الاتصاف بالقبيح وفعل مالا ينبغي، ومن هنا يلزمنا البحث عن تلك المسألة على ضوء العقل والكتاب العزيز فنقول:
ذهبت العدلية إلى أنّ هناك أفعالاً يدرك العقل من صميم ذاته من دون استعانة من الشرع انّها حسنة وأفعالاً أُخرى يدرك أنّها قبيحة كذلك، وقالت الاَشاعرة:لا حكم للعقل في حسن الاَشياء وقبحها، فلا حسن إلاّما حسّنه الشارع ولا قبيح إلاّ ما قبّحه، والنزاع بين الفريقين دائر بين الاِيجاب الجزئي والسلب الكلي، فالعدلية يقولون بالاَوّل والاَشاعرة بالثاني.

إطلاقات الحسن والقبح وملاكاتهما

لا شكّ انّ للحسن والقبح معنى واحداً، وإنّما الكلام في ملاك كون الشيء
(156)
حسناً أو قبيحاً، وهو يختلف باختلاف الموارد، فقد ذكر للحسن والقبيح ملاكات نوردها فيما يلي:
1. ملائمة الطبع ومنافرته: فالمشهد الجميل ـ بما انّه يلائم الطبع ـ حسن، كما أنّ المشهد المخوف ـ بما انّه منافر للطبع ـ يعدّ قبيحاً، ومثله الطعام اللّذيذ والصوت الناعم، فإنّهما حسنان، كما انّ الدواء المرّ ونهيق الحمار قبيحان.
2. موافقة الغرض والمصلحة ومخالفتهما: والغرض والمصلحة إمّا شخصيان وإمّا نوعيان، فقتل عدوّ الاِنسان يعدّ حسناً عنده لاَنّه موافق لغرضه، ولكنّه قبيح لاَصدقاء المقتول وأهله، لمخالفته لاَغراضهم ومصالحهم الشخصية، هذا في المجال الشخصي، وأمّا في المجال النوعي، فإنّ العدل بما انّه حافظ لنظام المجتمع ومصالح النوع فهوحسن وبما انّ الظلم هادم للنظام ومخالف لمصلحة النوع فهو قبيح.
3. كون الشيء كمالاً للنفس أونقصاناً لها: كالعلم والجهل، فالاَوّل زين لها والثاني شين، ومثلهما الشجاعة والجبن، وغيرهما من كمالات النفس ونقائصها.
4. ما يوجب مدح الفاعل وذمّه عند العقل: وذلك بملاحظة الفعل من حيث إنّه مناسب لكمال وجودي للموجود العاقل المختار أو نقصان له، فيستقل العقل بحسنه ووجوب فعله، أو قبحه ووجوب تركه وهذا كما إذا لاحظ العقل جزاء الاِحسان بالاِحسان، فيحكم بحسنه وجزاء الاِحسان بالاِساءة فيحكم بقبحه، فالعقل في حكمه هذا لا يلاحظ سوى انّ بعض الاَفعال كمال للموجود الحيّ المختار وبعضها الآخر نقص له فيحكم بحسن الاَوّل وقبح الثاني.

تعيين محلّ النزاع

لا نزاع في الحسن والقبح بالملاك الاَوّل والثالث، وهو واضح، وكذلك في
(157)
الحسن والقبيح بملاك الغرض والمصلحة الشخصيين، وأمّا الغرض و المصلحة النوعيان فإنّ كثيراً من الباحثين عن التحسين والتقبيح العقليين يعلّلون حسن العدل والاِحسان، وقبح الظلم والعدوان، باشتمال الاَوّل على مصلحة عامّة والثاني على مفسدة كذلك. وهذا الملاك في الحقيقة من مصاديق الملاك الرابع كما لا يخفى.

دلائل المثبتين والنافين

ألف. دلائل المثبتين: استدلّ القائلون بالتحسين والتقبيح العقليين بوجوه عديدة نكتفي بذكر وجهين منها:
الدليل الاَوّل: وهو ما أشار إليه المحقّق الطوسي بقوله:
«ولانتفائهما مطلقاً لو ثبتا شرعاً».
توضيحه: انّ الحسن والقبح لو كانا بحكم العقل، بحيث كان العقل مستقلاً في إدراك حسن الصدق وقبح الكذب فلا إشكال في أنّ ما أخبر الشارع عن حسنه حسن، وما أخبر عن قبحه قبيح، لحكم العقل بأنّ الكذب قبيح والشارع منزَّه عن ارتكاب القبيح.
وأمّا لو لم يستقلّ العقل بذلك، فلو أخبر الشارع بحسن فعل أو قبحه فلا يمكن لنا الجزم بكونه صادقاً في كلامه حتى نعتقد بمضمون أخباره و نستكشف منه حسن الفعل أو قبحه، وذلك لاحتمال عدم صدق الشارع في اخباره،فإنّ الكذب حسب الفرض لم يثبت قبحه بعد وإثبات قبح الكذب باخبار الشارع عن قبحه مستلزم للدور.
الدليل الثاني: وهو ما ذكره العلاّمة الحلّي بقوله:

(158)
«لو كان الحسن والقبح باعتبار السمع لا غير لما قبح من اللّه تعالى شيء (1) ولو كان كذلك لما قبح منه تعالى إظهار المعجزات على يد الكاذبين، وتجويز ذلك يسدّ باب معرفة النبوة، فانّ أيّ نبيّأظهر المعجزة عقيب ادّعاء النبوّة لا يمكن تصديقه مع تجويز إظهار المعجزة على يد الكاذب في دعوى النبوة». (2)
والعجب انّ الفضل بن روزبهان حاول الاِجابة عن هذا الدليل بقوله:
«عدم إظهار المعجزة على يد الكذّابين ليس لكونه قبيحاً عقلاً بل لعدم جريان عادة اللّه الجاري مجرى المحال العادي بذلك». (3)
فعند ذلك لا ينسدّ باب معرفة النبوة لاَنّ العلم العادي حاكم باستحالة هذا الاِظهار.
يلاحظ عليه: أنّه من أين وقف على تلك العادة وانّ اللّه لا يجري الاِعجاز على يد الكاذب؟ ولو كان التصديق متوقّفاً على إحرازها لزم أن يكون المكذّبون بنبوّة نوح أو من قبله و من بعده معذورين في إنكارهم لنبوّة الاَنبياء، إذ لم تثبت عندهم تلك العادة، لاَنّ العلم بها إنّما يحصل من تكرّر روَية المعجزة على يد الصادقين دون الكاذبين.

ب. أدلّة النافين

الدليل الاَوّل: قالوا: لو كان العلم بحسن الاِحسان وقبح العدوان ضرورياً
(1) لما تقدّم في الدليل الاَوّل من عدم إثبات حسن فعل أو قبحه مطلقاً.
(2) نهج الحق وكشف الصدق: 84.
(3) دلائل الصدق: 1|369، ثمّ إنّ هناك أدلّة أُخرى لاِثبات عقلية الحسن والقبح طوينا الكلام عنها لرعاية الاختصار، للطالب أن يراجع الاِلهيات : 1|246.

(159)
لما وقع التفاوت بينه وبين العلم بأنّالواحد نصف الاثنين، لكنّ التالي باطل بالوجدان.
ويلاحظ عليه أوّلاً: أنّه يجوز التفاوت في الاِدراكات البديهية، فالاَوّليات متقدمة على المشاهدات وهي على الفطريات وهكذا، فوجود التفاوت بين البديهيات لا ينافي بداهتها، وإليه أشار المحقّق الطوسي بقوله:
«ويجوز التفاوت في العلوم لتفاوت التصوّر». (1)
وثانياً: نفي كون الحكم بحسن فعل أو قبحه بديهيّاً لا يدلّعلى نفي كونه عقلياً، فانّ نفي الاَخص لا يدلّ على نفي الاَعم، فمن الجائز أن يكون العقل مستقلاً بحسن فعل أو قبحه لكن بالتأمل والنظر، فعلى فرض قبول ما ادعي من التفاوت لا يجدي المنكر شيئاً.
الدليل الثاني
لو كان الحسن والقبح عقليين لما اختلفا، أي لما حسن القبيح ولما قبح الحسن، والتالي باطل، فإنّ الكذب قد يحسن والصدق قد يقبح، وذلك فيما إذا تضمّن الكذب انقاذ نبيّ من الهلاك والصدق إهلاكه.
فلو كان الكذب قبيحاً لذاته لما كان واجباً ولا حسناً عندما استفيد به عصمة دم نبيّ عن ظالم يقصد قتله. (2)
والجواب عنه: انّ كلاً من الكذب في الصورة الاَُولى والصدق في الصورة الثانية على حكمه من القبح والحسن، إلاّ انّ ترك إنقاذ النبي أقبح من الكذب،
(1) كشف المراد :236.
(2) شرح التجريد للقوشجي : 339.

(160)
وإنقاذه أحسن من الصدق، فيحكم العقل بترك الصدق وارتكاب الكذب قضاءً لتقديم الاَرجح على الراجح، فإنّ تقديم الراجح على الاَرجح قبيح عند العقل.
الدليل الثالث
إنّ القول بالتحسين والتقبيح العقليين دخالة في شوَون ربّ العالمين الذي هو مالك كلّ شيء حتى العقل، فله أن يتصرّف في ملكه كيف يشاء، ولازم القول بأنّ العقل حاكم بحسن بعض الاَفعال وقبحه تحديد لملكه وقدرته سبحانه.
ويردّه انّ العقل ليس فارضاً على اللّه تعالى شيئاً وإنّما هو كاشف عن القوانين السائدة على أفعاله تعالى، فالعقل يطالع أوّلاً صفات اللّه الكمالية كالغنى الذاتي، والعلم والقدرة الذاتيين، ثمّ يستنتج منها تنزّهه عن ارتكاب القبائح، وهذا كما انّ العقل النظري يكشف عن القوانين السائدة على نظام الكون وعالم الطبيعة.
وبالتأمل فيما ذكرنا يظهر ضعف سائر ما استدلّ به القائلون بنفي التحسين والتقبيح العقليين ولا نرى حاجة في ذكرها وبيان وجوه الخلل فيها. (1)

التحسين والتقبيح في الكتاب العزيز

إنّالتدبُّر في آيات الذكر الحكيم يعطي انّه يسلّم استقلال العقل بالتحسين والتقبيح خارج إطار الوحي ثمّ يأمر بالحسن وينهى عن القبيح، وإليك فيما يلي نماذج من الآيات في هذا المجال.

(1) إن شئت الوقوف التّام على مجموع دلائل الاَشاعرة راجع القواعد الكلاميّة، بقلم الموَلّف، ص 70ـ83.

(161)
1. (إِنَّ اللّهَيَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالاِِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي القُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْي يَعظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) . (1)
2. (قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّي الْفَواحِشَ) . (2)
3. (يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ) . (3)
فهذه الآيات تعرب بوضوح عن أنّ هناك أُموراً توصف بالعدل والاِحسان والمعروف والفحشاء والمنكر والبغي قبل تعلّق الاَمر والنهي بها، وانّ الاِنسان يجد اتّصاف بعض الاَفعال بأحدها ناشئاً من صميم ذاته وليس عرفان الاِنسان بها موقوفاً على تعلّق الشرع، وإنّما دور الشرع هو تأكيد إدراك العقل بالاَمر بالحسن والنهي عن القبيح وبيان ما لا يستقلّ العقل في إدراك حسنه وقبحه، وتدلّ على ما تقدّم بأوضح دلالة الآية التالية:
4. (وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللّهُأَمَرَنا بِها قُلْإِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ) . (4)
فإنّ الظاهر من الآية انّ المشركين كانوا عارفين بقبح أفعالهم وانّها من الفحشاء ولكنّهم حاولوا توجيه تلك الاَفعال الشنيعة إمّا بكونها إبقاءً لسيرة آبائهم وهم كانوا يحسِّنون ذلك، وإمّا بكونها ممّا أمر بها اللّه سبحانه ولكنّ اللّه تعالى يخطّئهم في ذلك و يقول انّاللّه لا يأمر بالفحشاء كما يخطّئهم في اتّباعهم سيرة آبائهم بقوله:

(1) النحل :90.
(2) الاَعراف :33.
(3) الاَعراف :157.
(4) الاَعراف :28.

(162)
(أَوَ لَوْ كانَ آباوَُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ) . (1)
5. (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِيْنَ فِي الاََرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجّارِ) . (2)
6. (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمينَ كَالْمُجْرِمينَ* ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ). (3)
7. (هَلْ جَزاءُ الاِِحْسانِ إِلاَّ الاِِحْسانُ) . (4)
وهذه الآيات تدلّ على أنّه سبحانه اتّخذ وجدان الاِنسان سنداً لقضائه فيما تستقلّ به عقليته، فالاِنسان يجد من تلقاء نفسه قبح التسوية عند الجزاء بين المفسد والمصلح والفاجر و الموَمن والمسلم والمجرم، كما انّه يدرك كذلك حسن جزاء الاِحسان بالاِحسان، وهذا الاِدراك الفطري هو السند في حكم العقل بوجوب يوم البعث والحساب كي يفصل بين الفريقين ويجزى كلّمنهما بما يقتضيه العدل والاِحسان الاِلهي.
(1) البقرة :170.
(2) ص :28.
(3) القلم : 36ـ37.
(4) الرحمن :60.

(163)

الفصل الثاني
العدل الاِلهي

إنّ من ثمرات التحسين والتقبيح العقليّين إثبات عدله تعالى في أفعاله وأحكامه، وقبل بيان وجه الاستدلال عليه نقدّم الكلام حول تعريف العدل وأقسامه.

حقيقة العدل وأقسامه

أحسن كلمة في تعريف العدل ما روي عن علي _ عليه السلام _ حيث قال:
«العدل يضع الاَُمور مواضعها». (1)
بيان ذلك:
إنّ لكلّ شيء وضعاً خاصّاً يقتضيه إمّا بحكم العقل، أو بحكم الشرع، والمصالح الكلية والشخصية في نظام الكون، فالعدل هو رعاية ذلك الوضع وعدم الانحراف إلى جانب الاِفراط والتفريط، نعم موضع كلّ شيء بحسبه، ففي
(1) نهج البلاغة: قسم الحكم، الرقم 437.

(164)
التكوين بوجه، وفي المجتمع البشري بوجه آخر وهكذا وبلحاظ اختلاف موارده تحصل له أقسام ليس هنا مقام بيان تلك الاَقسام، إلاّ أنّ موارد العدل بالنسبة إلى اللّه تعالى يجمعها أقسام ثلاثة:
1. العدل التكويني: وهو إعطاوَه تعالى كلّ موجود ما يستحقه ويليق به من الوجود، فلا يهمل قابلية، ولا يعطّل استعداداً في مجال الاِفاضة والاِيجاد.
2. العدل التشريعي: وهو انّه تعالى لا يهمل تكليفاً فيه كمال الاِنسان وسعادته، وبه قوام حياته المادّية والمعنوية، الدنيوية والاَُخروية، كما انّه لا يكلّف نفساً فوق طاقتها.
3. العدل الجزائي: وهو انّه تعالى لا يساوي بين المصلح والمفسد والموَمن والمشرك في مقام الجزاء والعقوبة، بل يجزي كلّإنسان بما كسب، فيجزي المحسن بالاِحسان والثواب، والمسيء بالاِساءة والعقاب، كما أنّه تعالى لا يعاقب عبداً على مخالفة التكاليف إلاّ بعد البيان و الاِبلاغ.

استنتاج عدله تعالى من قاعدة التحسين والتقبيح العقليّين

إنّ مقتضى التحسين والتقبيح العقليّين على ما عرفت، هو انّ العقل بما هو، يدرك انّ هذا الفعل بما هوهو من دون اختصاص ظرف من الظروف أو قيد من القيود حسن أو قبيح، والمأخوذ في موضوع هذا الحكم العقلي ليس إلاّ الفاعل العاقل المختار ، من غير فرق بين الواجب والممكن.
وعلى ذلك فاللّه سبحانه عادل ومنزَّه من الظلم، لاَنّ القيام بالعدل حسن وتركه كارتكاب الظلم قبيح، واللّه سبحانه حكيم لا يرتكب القبيح كما هو مقتضى القول بالتحسين والتقبيح العقليّين.

(165)

العدل وأقسامه في القرآن الكريم

وقد وصف الذكر الحكيم اللّه تعالى بالعدل ونزَّهه عن الظلم بجميع أقسامه في كثير من آيات الذكر الحكيم.
1. قوله تعالى:
(شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا العِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ). (1)
فإنّ قوله (قائِماً) إمّا حال من اسم اللّه تعالى موَكّدة، وإمّا حال من «هو» في قوله:(لا إله إِلاّ هُوَ ) ، والمراد من قيامه بالقسط إمّا مطلق يشمل جميع مراتب القسط (في التكوين والتشريع والجزاء) وإمّا يختص بالقسط التكويني كما ذهب إليه بعضهم (2) وعلى هذا، فمعناه انّه تعالى حاكم بالعدل في خلقه إذ دبّر أمر العالم بخلق الاَسباب والمسبّبات، وإلقاء الروابط بينها، وجعل الكل راجعاً إليه بالسير والكدح والتكامل وركوب طبق عن طبق، ووضع في مسير هذا المقصد نعماً ينتفع منها الاِنسان في عاجله لآجله، وفي طريقه لمقصده. (3)
2. قال سبحانه:
(وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها) . (4)
وهذا ناظر إلى عدله تعالى في التشريع والتكليف.
3. قال تعالى:
(لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَ أَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالمِيزانَ لِيَقُومَ
(1) آل عمران :18.
(2) لاحظ مجمع البيان : 2|420، (كما روي عنه ـ صلى اللّه عليه وآله وسلم ـ أنّ بالعدل قامت السماوات والاَرض).
(3) لاحظ الميزان :3|119.
(4) الموَمنون :62.

(166)
النّاسُ بِالْقِسْطِ) . (1)
وهذا أيضاً من شوَون عدله التشريعي، فالغرض من بعث الرسل وتشريع القوانين الاِلهية إقامة القسط في المجتمع البشري.
4. قال سبحانه:
(وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) . (2)
5. قال تعالى:
(وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَة فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيئاً) . (3)
6. وقال سبحانه:
(ما كُنّا مُعَذِّبينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً) . (4)
وهي ناظرة إلى عدله تعالى في مقام الحساب والجزاء والآيات في هذا المجال أكثر من أن تحصى.

العدل في روايات أئمّة أهل البيت _ عليهم السلام _

اشتهر علي _ عليه السلام _ وأولاده _ عليهم السلام _ بالعدل، وعنه أخذت المعتزلة، حتى قيل: «التوحيد والعدل علويّان والتشبيه والجبر أمويّان».
وإليك بعض ما أثر عنهم _ عليهم السلام _ :
1. سئل علي _ عليه السلام _ عن التوحيد والعدل، فقال:

(1) الحديد :25.
(2) الموَمنون :62.
(3) الاَنبياء :47.
(4) الاِسراء :15.

(167)
«التوحيد أن لا تتوهّمه، والعدل أن لا تتّهمه». (1)
أي أن لا تتوهّم في توصيفه تعالى بالصفات التي يدركها الوهم، ولا تتّهمه بقبائح الاَفعال.
2. روى الصدوق، عن الصادق _ عليه السلام _ انّه قال:
«أمّا التوحيد فأن لا تجوِّز على ربك ماجاز عليك، وأمّا العدل فأن لا تنسب إلى خالقك ما لامك عليه». (2)
3. وقال علي _ عليه السلام _ :
«الذي صدق في ميعاده وارتفع عن ظلم عباده، وقام بالقسط في خلقه، وعدل عليهم في حكمه». (3)
وقد أُشير في هذا الكلام الشريف إلى جميع أقسام العدل: فقوله _ عليه السلام _ :
«ارتفع عن ظلم عباده».
وكذا قوله _ عليه السلام _ :
«وعدل عليهم في حكمه».
ناظر إلى العدل في مقام التشريع، والجزاء وقوله _ عليه السلام _ :
«وقام بالقسط في خلقه».
ناظر إلى العدل في الاِيجاد والخلق، فانّ الخلق لا يختص بالاِنسان بل يعمّه وغيره.

(1) نهج البلاغة: قسم الحكم، رقم 470.
(2) التوحيد للصدوق: الباب 5، الحديث 1.
(3) نهج البلاغة: الخطبة 185.

(168)

إجابة عن إشكال

لا شكّفي وجود آلام ومصائب اجتماعية يتألّم منها و يستضرّ بها أفراد المجتمع من غير فرق بين الموَمن والكافر والمطيع والعاصي، فإذا كان الكافر والعاصي مستحقاً لتلك المصائب بكفره وعصيانه، فما هو المصحح لتألّم الموَمن المطيع وتضرّره منها، مع أنّ مقتضى العدل أن لا تزر وازرة وزر أُخرى، ولا يعاقب الموَمن بعقوبة الكافر، أفلا يخلُّ ذلك بعدله تعالى؟
والجواب عنه: انّ من خواص يوم القيامة انّه «يوم الفصل»، فيفصل أهل النار من أهل الجنّة وتجزى كلّنفس بما كسبت، وأمّا الحياة الدنيوية فالناس يعيشون فيها بالاختلاط والاشتراك، فإذا نزلت بليّة وكارثة طبيعية أو غير طبيعية يتألّم منها الجميع، ولكن مع ذلك انّ اللّه تعالى بعدله و رحمته يعوِّض غير المستحقين لتلك النازلة بما هوأنفع لهم إمّا في الدنيا و إمّا في الآخرة، وهذا هو المراد من «العوض» في اصطلاح المتكلمين.
ثمّ إنّ هذا الجواب لا يختصّ بالمقام، بل يأتي في جميع الموارد التي يكون عمل فرد أو أفراد سبباً تكوينيّاً أو تشريعيّاً لتألّم الغير وتضرّره، كالاختلالات العضوية والفكرية الطارئة على بعض المواليد الناشئة من سوء تغذية الوالدين أوبعض الاعتيادات المضرّة وغير ذلك، فربما يخرج الولد أعمى أو أبكم أو أصم أو غير ذلك من العلل، مع أنّ السبب لها هو غيره سبحانه، لكنّه تعالى يعوِّضهم برحمته، ويرفع عنهم التكليف الشاقّ.
فيعطي للمتألّم عوضاً لتألّمه وابتلائه من الاَجر ما يكون أنفع بحاله، وهذا كما يكون مقتضى عدله سبحانه، يكون أيضاً مقتضى لطفه ورحمته، ويدخل تحت قاعدة الاَصلح في الدين، وجميع ذلك مروي عن أئمّة أهل البيت _ عليهم السلام _ ، واستلهم
(169)
العدلية من المتكلّمين من تلك الروايات وعنونوها في مسفوراتهم الكلامية.
روى الصدوق بسند صحيح، عن الصادق _ عليه السلام _ انّه قال:
«كان فيما أوحى اللّه عزّ وجلّ إلى موسى _ عليه السلام _ أنْ يا موسى ما خلقت خلقاً أحبُّ إليَّ من عبدي الموَمن، و إنّما أبتليه لما هو خير له وأُعافيه لما هو خير له، وأنا أعلم بما يصلح عليه أمر عبدي، فليصبر على بلائي، وليشكر نعمائي، وليرض بقضائي، أكتبه في الصدّيقين عندي إذا عمل برضائي فأطاع أمري». (1)
(1) التوحيد: الباب62، الحديث 13.

(170)

(171)

الفصل الثالث
أفعال اللّه سبحانه معلَّلة بالغايات

ممّا يترتّب على مسألة التحسين والتقبيح العقليّين تنزيه أفعاله سبحانه عن العبث ولزوم اقترانها بالغايات والاَغراض، وهذه المسألة من المسائل التي تشاجرت فيها العدلية والاَشاعرة، فالاَُولى على الاِيجاب والثانية على السلب.
واستدلّت العدلية على مدّعاهم بأنّ خلوَّ الفعل عن الغاية والغرض يعدّ لغواً وعبثاً و هو من القبائح العقلية، واللّه تعالى منزَّه عن القبائح فلابدّ أن تكون أفعاله مقترنة بأغراض ومعلَّلة بغايات.
والمهمّ في هذا المجال التحقيق حول دلائل الاَشاعرة على إنكار كون أفعاله تعالى معلّلة بالغايات، وأمّا دليل نظرية العدلية فهو واضح، لاِنّ هذه المسألة ـ كما تقدّم ـ من فروع مسألة التحسين والتقبيح العقليّين فنقول:
استدلّت الاَشاعرة على مذهبهم بأنّه:
«لو كان فعله تعالى لغرض لكان ناقصاً لذاته مستكملاً بتحصيل ذلك الغرض، لاَنّه لا يصلح غرضاً للفاعل إلاّ ما هو أصلح له من
(172)
عدمه وهو معنى الكمال». (1)
الجواب: انّ الاَشاعرة خلطوا بين الغرض الراجع إلى الفاعل، والغرض الراجع إلى فعله، فالاستكمال لازم في الاَوّل دون الثاني، والقائل بكون أفعاله بالاَغراض والغايات والدواعي والمصالح، إنّما يعني بها الثاني دون الاَوّل.
توضيح ذلك: «إنّ العلّة الغائية في أفعال الفواعل البشرية هي السبب لخروج الفاعل عن كونه فاعلاً بالقوّة إلى كونه فاعلاً بالفعل، فهي متقدّمة على الفعل صورة وذهناً وموَخّرة عنه وجوداً وتحقّقاً، ولا تتصوّر العلّة الغائية بهذا المعنى في ساحته تعالى، لغناه المطلق في مقام الذات والوصف و الفعل، فلا يحتاج في الاِيجاد إلى شيء وراء ذاته، وإلاّ لكان ناقصاً في مقام الفاعلية مستكملاً بشيء وراء ذاته وهو لا يجتمع مع غناه المطلق، ولكن نفي العلّة الغائية بهذا المعنى لا يلازم أن لا يترتب على فعله مصالح وحكم ينتفع بها العباد وينتظم بها النظام، وذلك لاَنّه سبحانه فاعل حكيم، والفاعل الحكيم لا يختار من الاَفعال الممكنة إلاّما يناسب ذلك، ولا يصدر منه ما يضادّه ويخالفه». (2)
قالوا:
«سلّمنا انّ الغرض قد يعود إلى غير الفاعل، لكن نفع غيره إن كان أولى بالنسبة إليه تعالى من عدمه جاء الاِلزام، لاَنّه تعالى يستفيد حينئذٍ بذلك النفع والاِحسان ما هو أولى به وأصلح له، وإلاّلم يصلح أن يكون غرضاً». (3)

(1) شرح المواقف: 8|202ـ203.
(2) وإلى ذلك أشار المحقّق الطوسي بقوله:«ونفي الغرض يستلزم العبث ولا يلزم عوده إليه» كشف المراد: المقصد 3، الفصل 3، المسألة 4.
(3) شرح المواقف :8|203.

(173)
يلاحظ عليه: أنّ المراد من الاَصلح والاَولى، ما يناسب وجود الفاعل وشوَونه، فالفاعل الحكيم لا يقوم إلاّبما يناسب شأنه، وليس معنى الاَصلح والاَولى ما ذكر في كلام المستشكل، أعني: ما يفيد شيئاً للفاعل ويكمله.
والحاصل : انّ فاعليّته سبحانه لا تتوقّف على أمر زائد على ذاته، فليس هناك ما يكمل ذاته تعالى، وهو كما يقدر على الحسن قادر على القبيح، ولكن بمقتضى حكمته لا يختار إلاّ الحسن الراجح، وأين هذا من حديث الاستكمال والاستفادة ونحو ذلك؟

القرآن وأفعاله سبحانه الحكيمة

والعجب من غفلة الاَشاعرة من النصوص الصريحة في هذا المجال، يقول سبحانه:
(أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ) . (1)
وقال:
(وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالاََرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبينَ) . (2)
وقال:
(وما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالاََرْضَ وَما بَيْنَهما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الّذينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ) . (3)

(1) الموَمنون :115.
(2) الدخان :38.
(3) ص :37.

(174)
وقال:
(وَما خَلَقْتُ الجِنَّ وَالاِِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونَ) . (1)

مذهب الحكماء في أفعاله تعالى

ربما يتوهم اتّفاق رأي الحكماء مع الاَشاعرة في نفي الغاية والغرض عن أفعاله تعالى، ولكنّه خطأ محض، قال صدر المتألهين:
«إنّ الحكماء ما نفوا الغاية والغرض عن شيء من أفعاله مطلقاً، بل إنّما نفوا في فعله المطلق إذا لوحظ الوجود الاِمكاني جملة واحدة، غرضاً زائداً على ذاته تعالى، وأمّا ثواني الاَفعال والاَفعال المخصوصة والمقيّدة فأثبتوا لكلّ منها غاية مخصوصة كيف وكتبهم مشحونة بالبحث عن غايات الموجودات ومنافعها...». (2)

(1) الذاريات :56.
(2) الاَسفار :7|84.

(175)

الفصل الرابع
المصائب والشرور وحكمته تعالى

إنّ اللّه سبحانه خلق السماوات و الاَرض وما بينهما لمصلحة الاِنسان وانتفاعه بها في معيشته، مع أنّ المصائب والبلايا تنافي هذه الغاية وتضادّها، والفاعل الحكيم لا يصنع ما يضادّ غرضه.
أضف إلى ذلك انّ مقتضى رحمة اللّه الواسعة رفع المصائب ودفع الشرور الواقعة في عالم الطبيعة كي لا تصعب المعيشة على الاِنسان وتكون له هنيئة مريئة بلا جزع ومصيبة.
والاِجابة عن هذه الشبهة تبتني على بيان أُمور:

الاَوّل: المصالح النوعيّة راجحة على المصالح الفردية

لا شكّ انّ الحياة الاِنسانية حياة اجتماعية، فهناك مصالح ومنافع فردية، وأُخرى نوعية اجتماعية، والعقل الصريح يرجّح المصالح النوعية على المنافع الفردية، وعلى هذا فما يتجلّى من الظواهر الطبيعية لبعض الاَفراد في صورة المصيبة
(176)
والشرّ، هو في عين الوقت تكون متضمّنة لمصلحة النوع و الاجتماع، فالحكم بأنّ هذه الظواهر شرور، تنافي مصلحة الاِنسان، ينشأ من التفات الاِنسان إليها من منظار خاص والتجاهل عن غير نفسه في العالم، من غير فرق بين من مضى في غابر الزمان ومن يعيش في الحاضر في مناطق العالم أو سوف يأتي ويعيش فيها.
وما أشبه الاِنسان في مثل هذه الروَية المحدودة بعابر سبيل يرى جرّافة تحفر الاَرض، أو تهدم بناء مثيرة الغبار والتراب في الهواء، فيقضي من فوره بأنّه عمل ضارّ وشرّ، وهو لا يدري بأنّ ذلك يتمّ تمهيداً لبناء مستشفى كبير يستقبل المرضى ويعالج المصابين ويهيّىَ للمحتاجين إلى العلاج وسائل المعالجة والتمريض.
ولو وقف على تلك الاَهداف النبيلة لقضى بغير ما قضى، ولوصف ذلك التهديم بأنّه خير وانّه لا ضير فيما يحصل من ضوضاء الجرّافة وتصاعد الغبار.

الثاني: ضآلة علم الاِنسان و محدوديته

إنّ علم الاِنسان المحدود هو الذي يدفعه إلى أن يقضي في الحوادث بتلك الاَقضية الشاذّة، ولو وقف على علمه الضئيل ونسبة علمه إلى مالا يعلمه لرجع القهقرى قائلاً:
(رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ) . (1)
ولاَذعن بقوله تعالى:
(وَما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إِلاّ قَلِيلاً) . (2)

(1) آل عمران:191.
(2) الاِسراء:85.

(177)
ولذلك ترى كبار المفكّرين وأعاظم الفلاسفة يعترفون بجهلهم وعجزهم عن الوقوف على أسرار الطبيعة وهذا هو المخ الكبير في عالم البشرية الشيخ الرئيس يقول:
«بلغ علمي إلى حدٍّ علمت أنّي لست بعالم».

الثالث: الغفلة عن القيم الاِنسانية العليا

ليست الحياة الاِنسانية حياة ماديّة فقط، بل للاِنسان حياة روحية معنوية، ولا شكّ انّ الفلاح والسعادة في هذه الحياة، هي الغاية القصوى من خلق الاِنسان، ومفتاح الوصول إلى تلك الغاية هو العبادة والخضوع للّه سبحانه، وعلى هذا الاَساس فالحوادث التي توجب اختلالاً مّا في بعض شوَون الحياة المادّية ربما تكون عاملاً أساسياً لاتّجاه الاِنسان إلى اللّه سبحانه كما قال سبحانه:
(فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعََلُ اللّه فِيهِ خَيْراً كَثيراً) . (1)
كما سيوافيك بيان ذلك.

الرابع: المصائب وليدة الذنوب والمعاصي

القرآن الكريم يعدّ الاِنسان مسوَولاً عن كثير من الحوادث الموَلمة والوقائع الموجعة في عالم الكون، قال سبحانه:
(ظَهَرَ الفَسادُ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النّاسِ) . (2)
وقال سبحانه:

(1) النساء:19.
(2) الروم:41.

(178)
(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالاََرْضِوَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ) . (1)
وقال سبحانه:
(وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثيرٍ) . (2)
إلى غير ذلك من الآيات الدالّة على أنّ لاَعمال الاِنسان دوراً واقعياً في البلايا والشرور الطبيعية والاجتماعية، ولكنّ الاِنسان إذا أصابته مصيبة وكارثة يعجل من فوره، وبدل أن يرجع إلى نفسه ويتفحّص عن العوامل البشرية لتلك الحوادث ويقوم بإصلاح نفسه، يعدّها مخالفة لحكمة الصانع أو عدله ورحمته.

الفوائد التربويّة للمصائب

إذا عرفت هذه الاَُصول فلنرجع إلى تحليل فوائد المصائب والشرور، فنقول:

1. المصائب وسيلة لتفجير الطاقات

إنّ البلايا والمصائب خير وسيلة لتفجير الطاقات و تقدّم العلوم ورقي الحياة البشرية، فإنّ الاِنسان إذا لم يواجه المشاكل في حياته لا تنفتح طاقاته ولا تنمو، بل نموّها وخروجها من القوّة إلى الفعل رهن وقوع الاِنسان في مهبّ المصائب والشدائد.
وإلى هذه الحقيقة يشير قوله تعالى:

(1) الاَعراف:96.
(2) الشورى:30.

(179)
(فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً* إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً* فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ* وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ). (1)

2. البلايا جرس إنذار وسبب للعودة إلى الحقّ

إنّ التمتع بالمواهب المادّية والاستغراق في اللذائذ والشهوات يوجب غفلة كبرى عن القيم الاَخلاقية وكلّما ازداد الاِنسان توغّلاً في اللذائذ و النعم، ازداد ابتعاداً عن الجوانب المعنوية.
وهذه حقيقة يلمسها كلّ إنسان في حياته وحياة غيره، ويقف عليها في صفحات التاريخ، ونحن نجد في الكتاب العزيز التصريح بصلة الطغيان بإحساس الغنى، إذ يقول عزّ وجلّ:
(إِنَّ الاِِنْسانَ لَيَطْغى* أَنْ رَاهُ اسْتَغْنى) . (2)
فإذاً لابدّ لانتباه الاِنسان من هذه الغفلة من هزّة وجرس إنذار يذكّره ويرجعه إلى الطريق الوسطى، وليس هناك ما هو أنفع في هذا المجال من بعض الحوادث التي تقطع نظام الحياة الناعمة بشيء من المزعجات حتى يدرك عجزه ويتنبّه من نوم الغفلة.
ولاَجل هذا يعلّل القرآن الكريم بعض النوازل والمصائب بأنّها تنزل لاَجل الذكرى و الرجوع إلى اللّه، يقول سبحانه:
(وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِىٍّ إِلاّأَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ لَعلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ).(3)
(1) الانشراح:5ـ 8.
(2) العلق:6ـ 7.
(3) الاَعراف:94.

(180)
ويقول أيضاً:
(وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ).(1)
ويقول أيضاً:
(ظَهَرَ الفَسادُ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النّاسِ لِيُذيقَهُمْ بَعْضَ الّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) . (2)
ويقول تعالى:
(وَبَلَوناهُمْ بِالحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرجِعُونَ) . (3)

3. حكمة البلايا في حياة الاَولياء

يظهر من القرآن الكريم والاَحاديث المتضافرة انّ البلايا والمحن ألطاف إلهيّة في حياة الاَولياء والصالحين من عباد اللّه وشرط لوصولهم إلى المقامات العالية في الآخرة.
قال سبحانه:
(أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَ الضَّرّاءُ وَزُلْزِلُوا...) . (4)
وقال أيضاً:

(1) الاَعراف:130.
(2) الروم:41.
(3) الاَعراف:168.
(4) البقرة:214.

(181)
(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الاََمْوالِ وَالاََنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصّابِرينَ* الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنّا للّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ* أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ). (1)
وروى هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه _ عليه السلام _ انّه قال:
«إنّ أشدّ الناس بلاءً الاَنبياء، ثمّ الّذين يلونهم، ثمّ الاَمثل فالاَمثل». (2)
وروى سليمان بن خالد عنه _ عليه السلام _ انّه قال:
«وانّه ليكون للعبد منزلة عند اللّه فما ينالها إلاّبإحدى خصلتين، إمّا بذهاب ماله أو ببلية في جسده». (3)
وقد شكا عبد اللّه بن أبي يعفور إلى أبي عبد اللّه الصادق _ عليه السلام _ ممّا أصابته من الاَوجاع ـ وكان مسقاماً ـ فقال _ عليه السلام _ :
«يا عبد اللّه لو يعلم الموَمن ماله من الاَجر في المصائب لتمنّى انّه قرّض بالمقاريض». (4)

حاصل المقال

إنّ المصائب على قسمين: فردية و نوعية، و إن شئت فقل: محدودة ومطلقة، ولاَعمال الاِنسان دور في وقوع المصائب والبلايا، وهي جميعاً موافقة للحكمة وغاية
(1) البقرة:155ـ157.
(2) الكافي:ج 2، باب شدة ابتلاء الموَمن، الحديث 1.
(3) نفس المصدر: الحديث23.
(4) نفس المصدر: الحديث15.

(182)
الخلقة، فإنّ الغرض من خلقة الاِنسان وصوله إلى الكمالات المعنوية الخالدة، وتلك المصائب جرس الاِنذار للغافلين و كفّارة لذنوب المذنبين وأسباب الاِرتقاء والتعالي للصالحين.
هذا في جانب الغرض الاَُخروي، وأمّا في ناحية الحياة الدنيوية فيجب إلفات النظر إلى أمرين:
1. ملاحظة منافع نوع البشر المتوطّنين في نواحي العالم، بلا قصر النظر إلى منافع الفرد أو طائفة من الناس.
2. ملاحظة ما يتوصّل إليه الاِنسان عند مواجهته للمشاكل والشدائد من الاختراعات والاكتشافات الجديدة الموَدّية إلى صلاح الاِنسان في حياته المادية.
(183)

الفصل الخامس
التكليف بما لا يطاق قبيح

إنّ التكليف بما هو خارج عن قدرة المكلّف ظلم، وقبح الظلم من البديهيات الاَوّلية عند العقل العملي، فيستحيل على الحكيم أن يكلّف العبد بما لا قدرة له عليه، من غير فرق بين كون نفس الفعل المكلّف به ممكناً بالذات، ولكن كان خارجاً عن إطار قدرة المكلّف، كالطيران إلى السماء بلا وسيلة، أو كان نفس الفعل بما هوهو محالاً، كدخول الجسم الكبير في الجسم الصغير من دون أن يتوسّع الصغير أو يتصغّر الكبير، هذا هو قضاء العقل في المسألة.
والآيات القرآنية أيضاً صريحة في أنّه سبحانه لا يكلّف الاِنسان إلاّوسعه، وقدر طاقته ولا يظلمه مطلقاً.
قال سبحانه:
(لا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاّوُسْعَها) . (1)
وقال تعالى:
(وَما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبيد) . (2)

(1) البقرة:286.
(2) فصلت:46.

(184)

الاَشاعرة وتجويز التكليف بما لا يطاق

ومع هذه البراهين المشرقة نرى أنّ الاَشاعرة جوّزوا التكليف بما لا يطاق، وبذلك أظهروا العقيدة الاِسلامية، عقيدة مخالفة للوجدان والعقل السليم، ومن المأسوف عليه انّ المستشرقين أخذوا عقائد الاِسلام عن المتكلّمين الاَشعريين، فإذا بهم يصفونها بكونها على خلاف العقل والفطرة لاَنّهم يجوّزون التكليف بما لا يطاق.
إنّ الاَشاعرة استدلّوا بآيات تخيّلوا دلالتها على ما يرتأونه، مع أنّها بمنأى عمّا يتبنّونه في المقام، وأظهر ما استدلّوا به آيتان:
الآية الاَُولى: قوله تعالى:
(ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ) . (1)
وجه الاستدلال: انّ الآية صريحة على أنّ المفترين على اللّه سبحانه في الدنيا، المنكرين للحقّ لم يكونوا مستطيعين من أن يسمعوا كلام اللّه ويصغوا إلى دعوة النبي إلى الحقّ مع أنّهم كانوا مكلّفين باستماع الحقّوقبوله، فكلّفهم اللّه تعالى بمالا يطيقون عليه.
يلاحظ عليه: أنّ عدم استطاعتهم ليس بمعنى عدم وجودها فيهم ابتداءً، بل لاَنّهم حرموا أنفسهم من هذه النعم بالذنوب، فصارت الذنوب سبباً لكونهم غير مستطيعين لسمع الحقّ وقبوله، وقد تواترت النصوص من الآيات والاَحاديث على أنّ العصيان والطغيان يجعل القلوب عمياء والاَسماع صمّـاء.
قال سبحانه:
(فَلَمّا زاغُوا أَزاغَ اللّهُ قُلُوبَهُمْ) . (2)

(1) هود:20.
(2) البقرة:26.

(185)
وقال سبحانه حاكياً عن المجرمين:
(لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنّا فِي أَصحابِ السَّعير*فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لاََصحابِ السَّعير ) . (1)
فقولهم:(لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أَو نَعْقِلُ) يدلّ على أنّهم كانوا قادرين على ذلك، لاَنّه لو لم يكونوا قادرين كان المناسب في مقام الاعتذار أن يقولوا: «لو كنّا قادرين على السمع والتعقّل» كما لا يخفى.
ولقد أجاد الزمخشري في تفسير الآية بقوله:
«أراد أنّهم لفرط تصامّهم عن استماع الحقّوكراهتهم له، كأنّهم لا يستطيعون السمع، و... الناس يقولون في كلّلسان: هذا كلام لا استطيع أن أسمعه». (2)
الآية الثانية: قوله تعالى:
(يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَونَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطيعُونَ). (3)
وجه الاستدلال: انّه تعالى يدعوا الضالّين والطاغين إلى السجود يوم القيامة مع أنّـهم لا يستطيعون الاِجابة، والاِتيان بالسجود، فإذا جاز التكليف بما لايطاق عليه في الآخرة، جاز ذلك في الدنيا.
يلاحظ عليه: أنّ يوم القيامة دار الحساب والجزاء، وليس دار التكليف والعمل، فدعوته تعالى في ذلك اليوم ليس بداعي التكليف وغاية العمل، بل المقصود توبيخ الطاغين وإيجاد الحسرة فيهم لتركهم السجود في الدنيا مع كونهم
(1) الملك:10ـ11.
(2) الكشاف:2|386.
(3) القلم:42.

(186)
مستطيعين عليه كما قال سبحانه:
(وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ).(1)
ونظير الآية قوله سبحانه:
(فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقينَ) . (2)

(1) القلم: 43.
(2) البقرة: 23.

(187)

الفصل السادس
وجوب اللطف عند المتكلّمين

ممّا يترتب على القول بالتحسين والتقبيح العقليين وجوب اللطف على اللّه تعالى، وأشهر ما قيل في تعريفه هو : انّاللطف عبارة عمّا يقرّب المكلّف إلى الطاعة، ويبعّده عن المعصية، ثمّ إن اتصل اللطف بوقوع التكليف يسمّى لطفاً محصِّلاً، وإلاّ يسمّى لطفاً مقرِّباً، قال السيّد المرتضى:
«إنّ اللطف ما دعا إلى فعل الطاعة، وينقسم إلى ما يختار المكلّف عنده فعل الطاعة ولولاه لم يختره، وإلى ما يكون أقرب إلى اختيارها، وكلا القسمين يشمله كونه داعياً». (1)
وقال التفتازاني:
«وفي كلام المعتزلة انّ اللطف ما يختار المكلّف عنده الطاعة تركاً أو إثباتاً أو يقرب منهما مع تمكّنه في الحالين، فإن كان مقرّباً من الواجب أو ترك القبيح يسمّى لطفاً مقرّباً، وإن كان محصِّلاً له
(1) الذخيرة في علم الكلام:186.

(188)
فلطفاً محصِّلاً، ويخصُّ المحصِّل للواجب باسم التوفيق، والمحصِّل لترك القبيح باسم العصمة». (1)

برهان وجوب اللطف على اللّه تعالى

استدلّوا على وجوب اللطف عليه سبحانه بأنّ ترك اللطف يناقض غرضه تعالى من خلقه العباد وتكليفهم، وهو قبيح لا يصدر من الحكيم، قال المحقّق البحراني:
«إنّه لو جاز الاِخلال به في الحكمة فبتقدير أن لا يفعله الحكيم، كان مناقضاً لغرضه، لكن اللازم باطل فالملزوم مثله.
بيان الملازمة: انّه تعالى أراد من المكلّف الطاعة، فإذا علم انّه لا يختار الطاعة، أو لا يكون أقرب إليها إلاّ عند فعل يفعله به لا مشقة عليه فيه ولا غضاضة، وجب في الحكمة أن يفعله، إذ لو أخلّ به لكشف ذلك عن عدم إرادته له، وجرى ذلك مجرى من أراد من غيره حضور طعامه وعلم أو غلب ظنه انّه لا يحضر بدون رسول، فمتى لم يرسل عدَّ مناقضاً لغرضه.
وبيان بطلان اللازم: انّ العقلاء يعدّون المناقضة للغرض سفهاً، وهو ضدّ الحكمة ونقص، والنقص عليه تعالى محال». (2)
أقول: إنّ اللطف إذا كان موَثّراً في رغبة أكثر المكلّفين بالطاعة وترك المعصية يجب من باب الحكمة، وأمّا إذا كان موَثراً في آحادهم المعدودين فالقيام به من باب الفضل والكرم.

(1) شرح المقاصد:4|313.
(2) قواعد المرام:117ـ 118.

(189)
ثمّ إنّ القائلين بوجوب اللطف ذكروا له شرطين:
الاَوّل: أن لا يكون له حظ في التمكين وحصول القدرة، إذ العاجز غير مكلّف فلا يتصوّر اللطف في مورده.
الثاني: أن لا يبلغ حدّالاِلجاء ولا يسلب عن المكلّف الاختيار، لئلا ينافي الحكمة في جعل التكليف من ابتلاء العباد وامتحانهم.
ومن هنا يتبيّن وهن ما استدلّ به القائل بعدم وجوب اللطف، حيث قال:
«لو وجب اللطف على اللّه تعالى لكان لا يوجد في العالم عاص، لاَنّه ما من مكلّف إلاّ وفي مقدور اللّه تعالى من الاَلطاف ما لو فعله به لاختار عنده الواجب واجتنب القبيح». (1)

أقسام اللطف

اللطف إمّا من فعل اللّه تعالى، ويجب في حكمته فعله كالبعثة، وإلاّ عدّ تركه نقضاً لغرضه كما مرّ، أو من فعل المكلّف، وحينئذٍ فإمّا أن يكون لطفاً في تكليف نفسه، ويجب في حكمته تعالى أن يعرِّفه إياه ويوجبه عليه، وذلك كمتابعة الرسل والاقتداء بهم، أو في تكليف غيره، و ذلك كتبليغ الرسول الوحي، ويجب أن يشتمل على مصلحة تعود إلى فاعله، إذ إيجابه عليه لمصلحة غيره مع خلوِّه عن مصلحة تعود إليه ظلم وهو عليه تعالى محال. (2)

(1) لاحظ شرح الاَُصول الخمسة:523.
(2) قواعد المرام:118؛ إرشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين:278.

(190)

(191)

الفصل السابع
الجبر و الكسب

من الاَبحاث الكلامية الهامّة، البحث عن كيفية صدور أفعال العباد، وانّهم مختارون في أفعالهم أو مجبورون ، مضطرّون عليها ؟والمسألة ذات صلة وثيقة بمسألة العدل الاِلهي، فانّ العقل البديهي حاكم على قبح تكليف المجبور وموَاخذته عليه، وانّ اللّه سبحانه منزَّه عن كلّ فعل قبيح.
ثمّ إنّ هذه المسألة من المسائل الفكرية التي يتطلّع كلّ إنسان إلى حلّها، سواء أقدر عليه أم لا، ولاَجل هذه الخصيصة لا يمكن تحديد زمن تكوّنها في البيئات البشرية، و مع ذلك فهي كانت مطروحة في الفلسفة الاِغريقية، ثمّ انطرحت في الاَوساط الاِسلامية وبحث عنها المتكلّمون والفلاسفة الاِسلاميون، كما وقع البحث حولها في المجتمعات الغربية الحديثة، والمذاهب و الآراء المطروحة في هذا المجال في الكلام الاِسلامي أربعة:
1. مذهب الجبر المحض.
2. مذهب الكسب.
3. مذهب التفويض.
4. مذهب الاَمر بين الاَمرين.

(192)
فلنبحث عنها واحداً تلو الآخر.

ألف ـ الجبر المحض

وهو المنسوب إلى جهم بن صفوان (المتوفّـى | 128هـ)، قال الاَشعري:
«تفرّد جهم بأُمور، منها: انّه لا فعل لاَحد في الحقيقة إلاّ اللّه وحده، وانّ الناس إنّما تنسب إليهم أفعالهم على المجاز، كما يقال: تحرّكت الشجرة، ودار الفلك، وزالت الشمس». (1)
وعرّفهم الشهرستاني بأنّهم يقولون:
«انّ الاِنسان لا يقدر على شيء ولا يوصف بالاستطاعة وإنّما هو مجبور في أفعاله لا قدرة له ولا إرادة ولا اختيار، وإنّما يخلق اللّه تعالى الاَفعال فيه على حسب ما يخلق في سائر الجمادات... وإذا ثبت الجبر فالتكليف أيضاً كان جبراً». (2)
ولا ريب في بطلان هذا المذهب، إذ لو كان كذلك لبطل التكليف والوعد والوعيد والثواب والعقاب. ولصار بعث الاَنبياء وإنزال الكتب والشرائع السماوية لغواً. تعالى اللّه عن ذلك علواً كبيراً.

ب ـ الاَشاعرة والكسب

قد انطرحت نظرية الكسب في معترك الاَبحاث الكلامية قبل ظهور الشيخ الاَشعري بأكثر من قرن، فهذه هي الطائفة الضرارية (3) قالت:

(1) مقالات الاِسلاميين:1|312.
(2) الملل والنحل:1|87.
(3) هم أصحاب ضرار بن عمرو، وقد ظهر في أيّام واصل بن عطاء ( المتوفّـى سنة 131هـ).

(193)
«بأنّ أفعال العباد مخلوقة للّه تعالى حقيقة والعبد مكتسبها». (1)
وتبعتهم في ذلك الطائفة النجّارية (2)فعرّفهم الشهرستاني بأنّهم يقولون:
«إنّ الباري تعالى هو خالق أعمال العباد خيرها وشرّها، حسنها وقبيحها، والعبد مكتسب لها، ويثبتون تأثيراً للقدرة الحادثة، ويسمّون ذلك كسباً». (3)
ومع ذلك فقد اشتهرت نسبة النظرية إلى الاَشاعرة وعدّت من مميّزات منهجهم، وما ذلك إلاّ لاَنّ الشيخ الاَشعري وتلامذة مدرسته قاموا بتحكيم هذه النظرية وتبيينها بالاَدلّة العقلية والنقلية وقد اضطربت عبارات القوم في تفسيرها إلى حدّ صارت من الاَلغاز حتى قال الشاعر:
ممّا يقال ولا حقيقة عنده * معقولة تدنو إلى الاَفهام
الكسب عند الاَشعري، والحال * عند البهشمي، وطفرة النظّام (4)
ومرجع تلك التفاسير المختلفة إلى أمرين:
1.انّ للقدرة المحدثة (قدرة العبد) نحو تأثير في اكتساب الفعل و هو يسمّى «كسباً» وهذا التفسير يظهر من جماعة من الاَشاعرة.
2. ليس للقدرة المحدثة تأثير في الفعل سوى مقارنتها لتحقّق الفعل من جانبه سبحانه وهذا التفسير يظهر من كلمات جماعة أُخرى من الاَشاعرة.
وإليك فيما يلي نصوصهم في هذا المقام:

(1) الملل والنحل للشهرستاني:1|90ـ91.
(2) هم أصحاب الحسين بن محمد بن عبد اللّه النجّار، وله مناظرات مع النظام، توفّـي عام 230هـ.
(3) الملل والنحل:1|89، نقل بالمعنى.
(4) عبدالكريم الخطيب المصري(م1396هـ): القضاء والقدر :185.

(194)

1. كلام الشيخ الاَشعري

قال عند إبداء الفرق بين الحركة الاضطرارية والحركة الاكتسابية:
«لمّا كانت القدرة موجودة في الحركة الثانية وجب أن يكون كسباً، لاَنّ حقيقة الكسب هو انّ الشيء وقع من المكتسب له بقوّة محدثة». (1)
يلاحظ عليه: انّه لم يبيّن مراده من وقوع الفعل المكتسب بقوّة محدثة، فهل المقصود انّ للقوة المحدثة تأثيراً في وجود الفعل تكوينياً ؟ فهذا ينافي ما تبنّاه الاَشعري من نظرية «خلق الاَعمال»، أو أنّ تأثيرها ليس في واقعية الفعل بل في أمر آخر كالعناوين الطارئة عليه، كما قال به الباقلاني؟ وحينئذٍ يرد عليه ما نورده على كلام الباقلاني، وهاهنا احتمال ثالث و هو أن يكون المراد من كلمة «باء» في قوله «بقوَّة محدثة» مقارنتها لحدوث الفعل لا تأثيرها فيه، وهذا هو التفسير الثاني وسيوافيك ما يرد عليه.

2. كلام القاضي الباقلاني

قال:
«الدليل قد قام على أنّ القدرة الحادثة لا تصلح للاِيجاد، لكن ليست صفات الاَفعال أووجوهها واعتباراتها تقتصر على جهة الحدوث فقط، بل هاهنا وجوه أُخرى هي وراء الحدوث».
ثمّ ذكر عدّة من الجهات والاعتبارات، كالصلاة والصيام والقيام والقعود، وقال:

(1) اللمع:76.

(195)
«إنّ الاِنسان يفرِّق فرقاً ضرورياً بين قولنا:«أوجد» و قولنا: «صلّى» و«صام» و «قعد» و «قام» وكما لا يجوز أن تضاف إلى الباري جهة ما يضاف إلى العبد، فكذلك لا يجوز أن تضاف إلى العبد جهة ما يضاف إلى الباري تعالى». (1)
ثمّ استنتج أنّالجهات التي لا يصحّ اسنادها إلى اللّه تعالى فهي متعلّقة للقدرة الحادثة ومكتسبة للاِنسان، وهي التي تكون ملاك الثواب والعقاب.
يلاحظ عليه: أنّ هذه العناوين والجهات لا تخلو من صورتين:
إمّا أن تكون من الاَُمور العدمية، فعندئذٍ لا يكون للكسب واقعية خارجية، بل يكون أمراً ذهنياً اعتبارياً خارجاً عن إطار الفعل والتأثير، فكيف توَثّر القدرة الحادثة فيه، حتى يعدّكسباً للعبد، و يكون ملاكاً للثواب والعقاب؟
وإمّا تكون من الاَُمور الوجودية ، فعندئذٍ تكون مخلوقة للّه سبحانه حسب الاَصل المسلَّم (خلق الاَفعال)عندكم.

الغزالي وتفسير الكسب

قال في «الاقتصاد» ما هذا حاصله:
«إنّما الحقّ إثبات القدرتين على فعل واحد والقول بمقدور منسوب إلى قادرين، فلا يبقى إلاّ استبعاد توارد القدرتين على فعل واحد، وهذا إنّما يبعد إذا كان تعلّق القدرتين على وجه واحد، فإن اختلفت القدرتان واختلف وجه تعلقهما فتوارد القدرتين المتعلقتين على شيء واحد غير محال».

(1) الملل و النحل:1|97ـ 98.

(196)
وحاصل ما ذكره في تغاير وجه تعلق القدرتين هو:
«انّ تعلق قدرته سبحانه بفعل العبد، تعلّق تأثيري، وتعلّق قدرة العبد نفسه تعلّق تقارني، وهذا القدر من التعلّق كاف في إسناد الفعل إليه وكونه كسباً له». (1)
وقد تبعه في ذلك عدّة من مشايخهم المتأخرين كالتفتازاني والجرجاني والقوشجي. (2)
يلاحظ عليه: أنّ دور العبد في أفعاله على هذا التفسير ليس إلاّ دور المقارنة، فعند حدوث القدرة والاِرادة في العبد يقوم سبحانه بخلق الفعل، ومن المعلوم انّ تحقق الفعل من اللّه مقارناً لقدرة العبد، لا يصحّح نسبة الفعل في تحقّقه إليه، ومعه كيف يتحمّل مسوَوليته، إذ لم يكن لقدرة العبد تأثير في وقوعه؟

إنكار الكسب من محقّقي الاَشاعرة

إنّ هناك رجالاً من الاَشاعرة أدركوا جفاف النظرية وعدم كونها طريقاً صحيحاً لحلّ معضلة الجبر، فنقضوا ما أبرموه وأجهروا بالحقيقة، نخصّ بالذكر منهم رجالاً ثلاثة:
الاَوّل: إمام الحرمين، فقد اعترف بنظام الاَسباب والمسببات الكونية أوّلاً، وانتهائها إلى اللّه سبحانه و انّه خالق للاَسباب ومسبباتها المستغني على الاِطلاق ثانياً، وانّ لقدرة العباد تأثيراً في أفعالهم، وانّ قدرتهم تنتهي إلى قدرته سبحانه ثالثاً.(3)
(1) لاحظ الاقتصاد في الاعتقاد:47.
(2) لاحظ شرح العقائد النسفية: لسعد الدين التفتازاني (م792هـ): 117؛ شرح المواقف للجرجاني:8|146 وشرح التجريد للقوشجي:345.
(3) لاحظ نص كلامه في الملل و النحل:1|98ـ 99 وهو بشكل أدق خيرة الحكماء والاِمامية جمعاء.

(197)
الثاني: الشيخ الشعراني، وهو من أقطاب الحديث والكلام في القرن العاشر، فقد وافق إمام الحرمين في هذا المجال وقال:
«من زعم انّه لا عمل للعبد فقد عاند، فإنّ القدرة الحادثة، إذا لم يكن لها أثر فوجودها وعدمها سواء، و من زعم انّه مستبد بالعمل فقد أشرك، فلابدّ أنّه مضطرّ على الاختيار». (1)
الثالث: الشيخ محمّد عبده، فقال في كلام طويل:
«منهم القائل بسلطة العبد على جميع أفعاله واستقلاله المطلق وهو غرور ظاهر(يريد المعتزلة) ومنهم من قال بالجبر وصرَّح به (يريد الجبرية الخالصة) ومنهم من قال به وتبرّأ من اسمه (يريد الاَشاعرة)وهو هدم للشريعة ومحو للتكاليف، وإبطال لحكم العقل البديهي، وهو عماد الاِيمان.
ودعوى انّ الاعتقاد بكسب العبد (2)لاَفعاله يوَدّي إلى الاِشراك باللّه ـ وهو الظلم العظيم ـ دعوى من لم يلتفت إلى معنى الاِشراك على ما جاء به الكتاب و السنّة، فالاِشراك اعتقاد انّ لغير اللّه أثراً فوق ما وهبه اللّه من الاَسباب الظاهرة، وانّ لشيء من الاَشياء سلطاناً على ما خرج عن قدرة المخلوقين...». (3)

(1) عبد الوهاب بن أحمد الشعراني (م976هـ): اليواقيت والجواهر في بيان عقيدة الاَكابر: 139ـ141.
(2) يريد من الكسب، الاِيجاد و الخلق لا الكسب المصطلح عند الاَشاعرة، كما هو واضح لمن لاحظ كلامه.
(3) محمّد عبده (م1323هـ): رسالة التوحيد: 59ـ62.

(198)

(199)

الفصل الثامن
المعتزلة و التفويض

المنقول عن المعتزلة هو انّ أفعال العباد مفوَّضة إليهم وهم الفاعلون لها بما منحهم اللّه من القدرة، وليس للّه سبحانه شأن في أفعال عباده، قال القاضي عبد الجبار:
«ذكر شيخنا أبو عليص :اتّفق أهل العدل على أنّ أفعال العباد من تصرّفهم وقيامهم وقعودهم، حادثة من جهتهم، وانّ اللّه عزّ وجلّ أقدرهم على ذلك ولا فاعل لها ولا محدث سواهم». (1)
وقال أيضاً:
«فصلٌ في خلق الاَفعال، و الغرض به، الكلام في أنّ أفعال العباد غير مخلوقة فيهم وانّهم المحدثون لها». (2)
ثمّ إنّ دافع المعتزلة إلى القول بالتفويض هو الحفاظ على العدل الاِلهي، فلمّا
(1) المغني في أُصول الدين:6|41، الاِرادة.
(2) شرح الاَُصول الخمسة:323.

(200)
كان العدل عندهم هو الاَصل والاَساس في سائر المباحث، عمدوا إلى تطبيق مسألة أفعال العباد عليه، فوقعوا في التفويض لاعتقادهم بأنّ القول بكون أفعال العباد مخلوقة للّه سبحانه ينافي عدله تعالى وحدّدوا بذلك خالقيّته تعالى و سلطانه. والّذي أوقعهم في هذا الخطأ في الطريق، أمران:
أحدهما: خطأوهم في تفسير كيفيّة ارتباط الاَفعال إلى الاِنسان وإليه تعالى، فزعموا انّهما عرضيان، فأحدهما ينافي الآخر ويستحيل الجمع بينهما، وبما انّهم كانوا بصدد تحكيم العدل الاِلهي لجأوا إلى التفويض ونفي ارتباط الاَفعال إلى اللّه تعالى، قال القاضي عبد الجبار:
«إنّ من قال إنّ اللّه سبحانه خالقها (أفعال العباد) ومحدثها، فقد عظم خطاوَه، وأحالوا حدوث فعل من فاعلين». (1)
يلاحظ عليه: أنّ الاِنسان لا استقلال له، لا في وجوده، ولا فيما يتعلّق به من الاَفعال وشوَونه الوجودية، فهو محتاج إلى إفاضة الوجود و القدرة إليه من اللّه تعالى مدى حياته، قال سبحانه:
(يا أَيُّهَا النّاسُ أَنْتُمُ الفُقَراءُ إِلَى اللّهِ وَ اللّهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَميد) . (2)
وثانيهما: عدم التفكيك بين الاِرادة والقضاء التكوينيين والتشريعيين، فالتكويني منهما يعمّ الحسنات والسيّئات بلا تفاوت، ولكنّ التشريعي منهما لا يتعلّق إلاّ بالحسنات، قال سبحانه:
(إِنَّ اللّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ) . (3)

(1) المغني: 6|41، الاِرادة.
(2) فاطر:15.
(3) الاَعراف:28.

(201)
وقال سبحانه:
(قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ) . (1)
فالآيات النازلة في تنزيهه تعالى عن الظلم والقبائح إمّا راجعة إلى أفعاله سبحانه، ومدلولها انّه سبحانه منزّه عن فعل القبيح مطلقاً، وإمّا راجعة إلى أفعال العباد، ومدلولها انّه تعالى لا يرضاها، ولا يأمر بها بل يكرهها وينهى عنها، فالتفصيل بين حسنات أفعال العباد وقبائحها إنّما يتمّ بالنسبة إلى الاِرادة والقضاء التشريعيّين، لا التكوينيّين، وهذا هو مذهب أئمّة أهل البيت _ عليهم السلام _ .
روى الصدوق باسناده عن الرضا عن آبائه عن الحسين بن علي _ عليهم السلام _ قال: سمعت أبي علي بن أبي طالب _ عليه السلام _ يقول:
«الاَعمال على ثلاثة أحوال: فرائض، وفضائل، ومعاصي. فأمّا الفرائض فبأمر اللّه تعالى وبرضى اللّه وبقضائه وتقديره ومشيّته وعلمه. وأمّا الفضائل فليست بأمر اللّه، ولكن برضى اللّه وبقضاء اللّه وبقدر اللّه وبمشيّة اللّه وبعلم اللّه. وأمّا المعاصي فليست بأمر اللّه، ولكن بقضاء اللّه وبقدر اللّه وبمشية اللّه وبعلمه، ثمّ يعاقب عليها». (2)
وقال أبو بصير: قلت لاَبي عبد اللّه _ عليه السلام _ : شاء لهم الكفر وأراده؟ فقال: «نعم» قلت: فأحبّ ذلك و رضيه؟ فقال:«لا» قلت: شاء و أراد مالم يحب ولم يرض به؟ قال: «هكذا خرج إلينا». (3)
(1) الاَعراف:29.
(2) بحار الاَنوار:5|29 نقلاً عن التوحيد والخصال والعيون.
(3) نفس المصدر: 121، نقلاً عن المحاسن.

(202)
إلى غير ذلك من الروايات، ومفادها كما ترى هو التفكيك بين الاِرادة التكوينية والتشريعية، أعني: الرضى الاِلهي، فالمعاصي وإن لم تكن برضى من اللّه ولم يأمر بها، ولكنّها لا تقع إلاّ بقضاء اللّه تعالى وقدره وعلمه ومشيّته التكوينية، وهذا هو المستفاد من أمثال قوله تعالى:
(وَما هُمْ بِضارّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاّبِإِذْنِ اللّهِ) . (1)

بطلان التفويض في الكتاب والسنّة

إنّ الذكر الحكيم يردّ التفويض بحماس ووضوح:
1. يقول سبحانه:
(يا أَيُّهَا النّاسُ أَنْتُمُ الفُقَراءُ إِلَى اللّهِ وَ اللّهُ هُوَ الغَنِيُّ الحَميد) . (2)
2. ويقول سبحانه:
(وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللّهِ) . (3)
3. ويقول تعالى:
(كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثيرةً بِإِذْنِ اللّهِ) . (4)
4. ويقول سبحانه:
(وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُوَْمِنَ إِلاّ بِإِذْنِ اللّهِ) . (5)

(1) البقرة:102.
(2) فاطر:15.
(3) البقرة:102.
(4) البقرة:249.
(5) يونس:100.

(203)
إلى غير ذلك من الآيات التي تقيّد فعل الاِنسان بإذنه تعالى، والمراد منه الاِذن التكويني ومشيئته المطلقة.
وأمّا السنّة، فقد تضافرت الروايات على نقد نظرية التفويض فيما أُثر من أئمّة أهل البيت _ عليهم السلام _ وكان المعتزلة مدافعين عن تلك النظرية في عصرهم، مروّجين لها.
1. روى الصدوق في «الاَمالي» عن هشام، قال: قال أبو عبد اللّه _ عليه السلام _ :
«إنّا لا نقول جبراً ولا تفويضاً». (1)
2. وفي «الاحتجاج» عن أبي حمزة الثمالي انّه قال: قال أبو جعفر _ عليه السلام _ للحسن البصري:
«إيّاك أن تقول بالتفويض فإنّ اللّه عزّ وجلّ لم يفوّض الاَمر إلى خلقه وهناً منه وضعفاً، ولا أجبرهم على معاصيه ظلماً». (2)
3. وفي «العيون» عن الرضا _ عليه السلام _ انّه قال:
«مساكين القدرية، أرادوا أن يصفوا اللّه عزّوجلّ بعدله فأخرجوه من قدرته وسلطانه». (3)
(1) بحار الاَنوار:5|4، كتاب العدل و المعاد، الحديث 1.
(2) المصدر السابق: ص17، الحديث 26.
(3) المصدر السابق: ص 54، الحديث 93.

(204)

(205)

الفصل التاسع
الاَمر بين الاَمرين

قد عرفت أنّ المجبّرة جنحوا إلى الجبر لاَجل التحفّظ على التوحيد الاَفعالي وحصر الخالقية في اللّه سبحانه، كما أنّ المفوّضة انحازوا إلى التفويض لغاية التحفّظ على عدله سبحانه، وكلا الفريقين غفلا عن نظرية ثالثة يوَيّدها العقل ويدعمها الكتاب والسنّة، وفيها الحفاظ على كلٍّ من أصلي التوحيد والعدل، مع نزاهتها عن مضاعفات القولين، وهذا هو مذهب الاَمر بين الاَمرين الّذي لم يزل أئمّة أهل البيت _ عليهم السلام _ يحثّون عليه، من لدن حمى وطيس الجدال في أفعال الاِنسان من حيث القضاء والقدر أو غيرهما، وأمّا حقيقة هذا المذهب فتتعيّن في ظل أصلين عقليّين برهن عليهما في الفلسفة الاَُولى وهما:

1. كيفية قيام المعلول بالعلّة

إنّ قيام المعلول بالعلّة ليس من قبيل قيام العرض بموضوعه أو الجوهر بمحلّه، بل قيامه بها يرجع إلى معنى دقيق يشبه قيام المعنى الحرفي بالمعنى الاسمي في المراحل الثلاث: التصوّر، والدلالة والتحقّق، فإذا قلت: سرت من البصرة إلى
(206)
الكوفة، فهناك معان اسميّة هي السير والبصرة والكوفة، ومعنى حرفي وهو كون السير مبدوّاً من البصرة ومنتهياً إلى الكوفة، فالابتداء والانتهاء المفهومان من كلمتي«من» و«إلى» فاقدان للاستقلال في مجال التصوّر، فلا يتصوّران مستقلّين ومنفكين عن تصوّر البصرة والكوفة، وإلاّ لعاد المعنى الحرفي معنى اسمياً ولصار نظير قولنا: «الابتداء خير من الانتهاء».
وكذلك فاقدان للاستقلال في مجال الدلالة فلا يدلاّن على شيء إذا انفكّتا عن مدخوليهما، كما هما فاقدان للاستقلال في مقام التحقّق والوجود، فليس للابتداء الحرفي وجود مستقل منفكّ عن متعلّقه، كما ليس للانتهاء الحرفي وجود كذلك.
وعلى ضوء ذلك يتبيّن وزان الوجود الاِمكاني الّذي به تتجلّى الاَشياء وتتحقّق الماهيات، فإنّ وزانه إلى الواجب لا يعدو عن وزان المعنى الحرفي إلى الاسمي، لاَنّ توصيف الوجود بالاِمكان ليس إلاّبمعنى قيام وجود الممكن وتعلّقه بعلّته الموجبة له، وليس وصف الاِمكان خارجاً عن هويّته وحقيقته، بل الفقر والربط عين واقعيته، وإلاّ فلو كان في حاقّ الذات غنياً ثمّ عرض له الفقر يلزم الخلف.

2. وحدة حقيقة الوجود تلازم عموميّة التأثير

قد ثبت في الفلسفة الاَُولى انّ سنخ الوجود الواجب والوجود الممكن واحد يجمعهما قدر مشترك وهو الوجود وطرد العدم وما يفيد ذلك، وانّ مفهوم الوجود يطلق عليهما بوضع واحد وبمعنى فارد.
وعلى ضوء هذا الاَصل، إذا كانت الحقيقة في مرتبة من المراتب العالية ذات أثر خاصّ، يجب أن يوجد ذلك الاَثر في المراتب النازلة، أخذاً بوحدة
(207)
الحقيقة، نعم يكون الاَثر من حيث الشدّة والضعف، تابعاً لمنشئه من هذه الحيثية، فالوجود الواجب بما انّه أقوى وأشد، يكون العلم والدرك والحياة والتأثير فيه مثله، والوجود الاِمكاني بما انّ الوجود فيه أضعف يكون أثره مثله، ولاَجل ذلك ذهب الاِلهيون إلى القول بسريان العلم والحياة والقدرة إلى جميع مراتب الوجود الاِمكاني، ويشهد الكتاب العزيز على صحّة نظريتهم في مجال السريان العلمي والدركي إلى جميع مراتب الوجود.
إذا وقفت على هذين الاَصلين تقف على النظرية الوسطى في المقام وأنّه لا يمكن تصوير فعل العبد مستقلاً عن الواجب، غنياً عنه، غير قائم به، قضاءً للاَصل الثاني، وبذلك يتّضح بطلان نظرية التفويض، كما انّه لا يمكن إنكار دور العبد بل سائر العلل في آثارها قضاءً للاَصل الثالث، وبذلك يتبيّن بطلان نظرية الجبر في الاَفعال ونفي التأثير عن القدرة الحادثة.
فالفعل مستند إلى الواجب من جهة ومستند إلى العبد من جهة أُخرى، فليس الفعل فعله سبحانه فقط بحيث يكون منقطعاً عن العبد بتاتاً، ويكون دوره دور المحل والظرف لظهور الفعل، كما أنّه ليس فعل العبد فقط حتى يكون منقطعاً عن الواجب، وفي هذه النظرية جمال التوحيد الاَفعالي منزّهاً عن الجبر كما أنّ فيها محاسن العدل منزّهاً عن مغبّة الشرك و الثنويّة.
إيضاح وتمثيل
هذا إجمال النظرية حسب ما تسوق إليه البراهين الفلسفية، ولاِيضاحها نأتي بمثال وهو انّه لو فرضنا شخصاً مرتعش اليد فاقد القدرة، فإذا ربط رجل بيده المرتعشة سيفاً قاطعاً وهو يعلم انّ السيف المشدود في يده سيقع على آخر ويهلكه، فإذا وقع السيف وقتل، ينسب القتل إلى من ربط يده بالسيف دون
(208)
صاحب اليد الذي كان مسلوب القدرة في حفظ يده، فهذا مثال لما يتبنّاه الجبري في أفعال الاِنسان.
ولو فرضنا انّ رجلاً أعطى سيفاً لمن يملك حركة يده وتنفيذ إرادته فقتل هو به رجلاً، فالاَمر على العكس، فالقتل ينسب إلى المباشر دون من أعطى، وهذا مثال لما يعتقده التفويضي في أفعال الاِنسان.
ولكن لو فرضنا شخصاً مشلول اليد (لا مرتعشها) غير قادر على الحركة إلاّ بإيصال رجل آخر التيّار الكهربائي إليه ليبعث في عضلاته قوّة ونشاطاً بحيث يكون رأس السلك الكهربائي بيد الرجل بحيث لو رفع يده في آنٍ انقطعت القوّة عن جسم هذا الشخص، فذهب باختياره وقتل إنساناً به، والرجل يعلم بما فعله، ففي مثل ذلك يستند الفعل إلى كلّ منهما، إمّا إلى المباشر فلاَنّه قد فعل باختياره وإعمال قدرته، وإمّا إلى الموصل، فلاَنّه أقدره وأعطاه التمكّن حتى في حال الفعل والاشتغال بالقتل، وكان متمكّناً من قطع القوّة عنه في كلّ آنٍ شاء وأراد، وهذا مثال لنظرية الاَمر بين الاَمرين، فالاِنسان في كلّ حال يحتاج إلى إفاضة القوّة والحياة منه تعالى إليه بحيث لو انقطع الفيض في آنٍ واحد بطلت الحياة والقدرة، فهو حين الفعل يفعل بقوّة مفاضة منه وحياة كذلك من غير فرق بين الحدوث والبقاء.
محصّل هذا التمثيل انّ للفعل الصادر من العبد نسبتين واقعيتين، إحداهما نسبته إلى فاعله بالمباشرة باعتبار صدوره منه باختياره وإعمال قدرته، وثانيهما نسبته إلى اللّه تعالى باعتبار أنّه معطي الحياة والقدرة في كلّ آن وبصورة مستمرّة حتى في آن اشتغاله بالعمل. (1)
(1) هذا المثال ذكره المحقّق الخوئي ـ قدّس سرّه ـ في تعاليقه القيّمة على أجود التقريرات، ومحاضراته الملقاة على تلاميذه. لاحظ أجود التقريرات:1|90 والمحاضرات:2|87 ـ 88. وهناك أمثلة أُخرى لتقريب نظرية الاَمر بين الاَمرين، لاحظ تفسير الميزان:1|100 والاَسفار:6|377ـ 388.

(209)

الاَمر بين الاَمرين في الكتاب والسنّة

إذا كان معنى الاَمر بين الاَمرين هو وجود النسبتين والاِسنادين في فعل العبد، نسبة إلى اللّه سبحانه، ونسبة إلى العبد، من دون أن تزاحم إحداهما الاَُخرى، فانّا نجد هاتين النسبتين في آيات من الذكر الحكيم:
1. قوله سبحانه:
(وَما رَمَيْتَ إِذْرَمَيْتَ وَلكِنَّ اللّه رَمى) . (1)
فترى أنّ القرآن الكريم ينسب الرمي إلى النبيّ، وفي الوقت نفسه يسلبه عنه وينسبه إلى اللّه.
2. قال سبحانه:
(قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ...) . (2)
فإنّ الظاهر انّ المراد من التعذيب هو القتل، لاَنّ التعذيب الصادر من اللّه تعالى بأيد من الموَمنين ليس إلاّ ذاك، لا العذاب البرزخي ولا الاَُخروي، فإنّهما راجعان إلى اللّه سبحانه دون الموَمنين،وعلى ذلك فقد نسب فعلاً واحداً إلى الموَمنين وإلى خالقهم.
3. انّ القرآن الكريم يذمّ اليهود بقساوة قلوبهم ويقول:
(ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ...) . (3)
ولا يصحّ الذم واللوم إلاّ أن يكونوا هم السبب لعروض هذه الحالة على
(1) الاَنفال:17.
(2) التوبة:14.
(3) البقرة:74.

(210)
قلوبهم، وفي الوقت نفسه يسند حدوث القساوة إلى اللّه تعالى ويقول:
(فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَة) . (1)
4. هناك مجموعة من الآيات تعرِّف الاِنسان بأنّه فاعل مختار في مجال أفعاله (2)، ومجموعة أُخرى تصرّح بأنّكلّما يقع في الكون من دقيق وجليل لا يقع إلاّبإذنه سبحانه وانّ الاِنسان لا يشاء لنفسه إلاّما شاء اللّه له. (3)
فالمجموعة الاَُولى من الآيات تناقض الجبر وتفنِّده، كما أنّالمجموعة الثانية تردّ التفويض وتبطله، ومقتضى الجمع بينهما حسب ما يرشدنا إليه التدبّر فيها ليس إلاّالتحفّظ على النسبتين،وانّ العبد يقوم بكلّ فعل وترك باختيار وحرّيّة لكن بإقدار وتمكين منه سبحانه، فليس العبد في غنىً عنه سبحانه في فعله وتركه.
هذا ما يرجع إلى الكتاب الحكيم، وأمّا الروايات فنذكر النزر اليسير ممّا جمعه الشيخ الصدوق في «توحيده» و العلاّمة المجلسي في «بحاره»:
1. روى الصدوق عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه ـ عليهما السّلام ـ قالا:
«إنّ اللّه عزّ وجلّ أرحم بخلقه من أن يجبر خلقه على الذنوب، ثمّيعذّبهم عليها واللّه أعزّ من أن يريد أمراً فلا يكون».
قال: فسئلا ـ عليهما السّلام ـ : هل بين الجبر والقدر منزلة ثالثة؟ قالا:
«نعم أوسع ممّا بين السماء والاَرض». (4)
(1) المائدة:13.
(2) لاحظ:الكهف:29؛ النور:11؛ السجدة:49؛ الزمر:7؛ الطور:19؛ النجم:39ـ41؛ المزمل:19؛ المدثر:55؛ الاِنسان:61؛ النبأ:39؛ عبس:12؛ الشمس:7ـ10.
(3) لاحظ: البقرة:102، 249، 251؛ الاَعراف:188؛ يونس:100؛ التكوير:29.
(4) التوحيد، ص 360، الباب 59، الحديث 3.

(211)
2. وروى باسناد صحيح عن الرضا _ عليه السلام _ أنّه قال:
«إنّ اللّه عزّوجلّ لم يُطَع بإكراه، ولم يُعصَ بغلبة، ولم يهمل العباد في ملكه، وهو المالك لما ملّكهم، والقادر على ما أقدرهم عليه، فإن ائتمر العباد بطاعته، لم يكن اللّه عنها صادّاً ولا منها مانعاً، وإن ائتمروا بمعصيته فشاء أن يحول بينهم و بين ذلك فعل، و إن لم يحل وفعلوه فليس هو الذي أدخلهم فيه». (1)
3. وروى أيضاً عن المفضل بن عمر عن أبي عبد اللّه _ عليه السلام _ قال:
«لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين».
قال، فقلت: وما أمر بين أمرين؟ قال:
«مثل ذلك مثل رجل رأيته على معصية فنهيته فلم ينته، فتركته ففعل تلك المعصية، فليس حيث لم يقبل منك فتركته، أنت الذي أمرته بالمعصية». (2)
4. وللاِمام الهادي _ عليه السلام _ رسالة مبسّطة في الردِّ على أهل الجبر والتفويض، وإثبات العدل والاَمر بين الاَمرين نقلهـا عليّ بن شعبة ـ عليهما السّلام ـ في «تحف العقول»، وأحمد بن أبي طالب الطبرسي ـ عليهما السّلام ـ في «الاحتجاج»، وممّا جاء فيها في بيان حقيقة الاَمر بين الاَمرين، قوله:
«وهذا القول بين القولين ليس بجبر ولا تفويض، وبذلك أخبر أمير الموَمنين صلوات اللّه عليه عباية بن ربعي الاَسدي حين سأله عن الاستطاعة التي بها يقوم ويقعد ويفعل، فقال له أمير الموَمنين:
(1) التوحيد للصدوق: الباب 59، الحديث 7.
(2) المصدر السابق: الحديث 8.

(212)
سألت عن الاستطاعة تملكها من دون اللّه أو مع اللّه؟ فسكت عباية، فقال له أمير الموَمنين : قل يا عباية، قال: وما أقول؟ قال _ عليه السلام _ : ...تقول إنّك تملكها باللّه الذي يملكها من دونك، فإن يملِّكها إيّاك كان ذلك من عطائه، وإن يسلبكها كان ذلك من بلائه، هو المالك لما ملّكك، والقادر على ما عليه أقدرك». (1)

تذييل

نقل عن الفخر الرازي أنّه اعترف بأنّ الحقّفي المقام ما قاله أئمّة الدين من الاَمر بين الاَمرين، وإن أخطأ في تفسيره، وجعل وزان الاِنسان، وزان القلم في يد الكاتب، والوتد في شقّ الحائط، وفي كلام العقلاء، قال الحائط للوتد: لم تشقّني؟ فقال:
«سل من يدقّني». (2)
وممّن اعترف بالاَمر بين الاَمرين شيخ الاَزهر في وقته، محمّد عبده في رسالته حول التوحيد، قال:
«جاءت الشريعة بتقرير أمرين عظيمين، هما ركنا السعادة وقوام الاَعمال البشرية، الاَوّل: انّ العبد يكسب بإرادته وقدرته ما هو وسيلة لسعادته، والثاني: انّقدرة اللّه هي مرجع لجميع الكائنات وانّ من آثارها ما يحول بين العبد و إنفاذ ما يريده....
وقد كلّفه سبحانه أن يرفع همّته إلى استمداد العون منه وحده بعد أن يكون قد أفرغ ما عنده من الجهد في تصحيح الفكر وإجادة العمل،
(1) بحار الاَنوار:5|75، الباب الثاني، الحديث 1.
(2) راجع بحار الاَنوار: ج5، ص 82.

(213)
وهذا الّذي قرّرناه قد اهتدى إليه سلف الاَُمّة، وعوّل عليه من متأخّري أهل النظر إمام الحرمين الجوينيص ، وإن أنكر عليه بعض من لم يفهمه». (1)
(1) رسالة التوحيد:57ـ62 بتخليص.

(214)

(215)

الفصل العاشر
الاِجابة عن شبهات وشكوك في المقام

إلى هنا فرغنا عن دراسة المذاهب والآراء في مسألة الجبر و الاختيار ، ثمّ إنّ هاهنا شبهات وشكوك يجب علينا دراستها والاِجابة عنها:

1. علم اللّه الاَزلي

قالوا:
«إنّ ما علم اللّه عدمه من أفعال العبد فهو ممتنع الصدور عن العبد وإلاّ جاز انقلاب العلم جهلاً، وما علم اللّه وجوده من أفعاله فهو واجب الصدور عن العبد، وإلاّ جاز ذلك الانقلاب وهو محال في حقّه سبحانه، وذلك يبطل اختيار العبد، إذ لا قدرة على الواجب والممتنع، ويبطل أيضاً التكليف لابتنائه على القدرة والاختيار، فما لزم القائلين بمسألة خلق الاَعمال فقد لزم غيرهم لاَجل اعتقادهم بعلمه الاَزلي المتعلّق بالاَشياء».(1)

(1) شرح المواقف:8|155 بتلخيص منّا.

(216)
والجواب عنه: انّ علمه الاَزلي لم يتعلّق بصدور كلّفعل عن فاعله على وجه الاِطلاق، بل تعلّق علمه بصدوره عنه حسب الخصوصيات الموجودة فيه وعلى ضوء ذلك، تعلّق علمه الاَزلي بصدور الحرارة من النار على وجه الجبر والاضطرار، كما تعلّق علمه الاَزلي بصدور الرعشة من المرتعش كذلك، ولكن تعلّق علمه سبحانه بصدور فعل الاِنسان الاختياري منه بقيد الاختيار والحرية، ومثل هذا العلم يوَكّد الاختيار.
قال العلاّمة الطباطبائي:
«إنّ العلم الاَزلي متعلّق بكلّ شيء على ما هو عليه، فهو متعلّق بالاَفعال الاختيارية بما هي اختيارية، فيستحيل أن تنقلب غير اختيارية...».(1)

2. إرادة اللّه الاَزلية

قالوا:
«ما أراد اللّه وجوده من أفعال العبد وقع قطعاً، وما أراد اللّه عدمه منها لم يقع قطعاً، فلا قدرة له على شيء منهما». (2)
والجواب عنه: انّ هذا الاستدلال نفس الاستدلال السابق لكن بتبديل العلم بالاِرادة، فيظهر الجواب عنه ممّا ذكرناه في الجواب عن سابقه.
قال العلاّمة الطباطبائي:
«تعلّقت الاِرادة الاِلهية بالفعل الصادر من زيد مثلاً لا مطلقاً، بل من حيث إنّه فعل اختياري صادر من فاعل كذا، في زمان كذا
(1) الاَسفار:6|318، تعليقة العلاّمة الطباطبائي ـ عليهما السّلام ـ .
(2) شرح المواقف:8|156.

(217)
ومكان كذا، فإذن تأثير الاِرادة الاِلهية في الفعل يوجب كون الفعل اختيارياً وإلاّ تخلّف متعلّق الاِرادة... فخطأ المجبرة في عدم تمييزهم كيفيّة تعلّق الاِرادة الاِلهية بالفعل...». (1)

3. لزوم الفعل مع المرجِّح الخارج عن الاختيار

قالوا: إنّ العبد لو كان موجداً لفعله بقدرته فلابدّ من أن يتمكّن من فعله وتركه، وإلاّ لم يكن قادراً عليه، إذ القادر من يتمكّن من كلا الطرفين.
وعلى هذا يتوقف ترجيح فعله على تركه على مرجح، وإلاّ لزم وقوع أحد الجائزين بلا مرجِّح وسبب وهو محال، وذلك المرجّح إن كان من العبد وباختياره لزم التسلسل الباطل، لاَنّا ننقل الكلام إلى صدور ذلك المرجّح عن العبد فيتوقّف صدوره عنه إلى مرجّح ثان وهكذا....
وإن كان من غيره و خارجاً عن اختياره، فبما انّه يجب وقوع الفعل عند تحقّق المرجح، والمفروض انّ ذلك المرجح أيضاً خارج عن اختياره، فيصبح الفعل الصادر عن العبد، ضروريّ الوقوع غير اختيارى له. (2)
والجواب عنه: انّ صدور الفعل الاختياري من الاِنسان يتوقّف على مقدمات و مبادىَ من تصوّر الشيء والتصديق بفائدته والاشتياق إلى تحصيله وغير ذلك من المبادىَ النفسانية والخارجية، ولكن هذه المقدمات لا تكفي في تحقّق الفعل وصدوره منه إلاّبحصول الاِرادة النفسانية التي يندفع بها الاِنسان نحو الفعل، ومعها يكون الفعل واجب التحقّق وتركه ممتنعاً.
والمرجّح ليس شيئاً وراء داعي الفاعل وإرادته وليس مستنداً إلاّ إلى نفس
(1) الميزان: 1|99ـ100.
(2) شرح المواقف:8|149ـ150 بتلخيص وتصرّف.

(218)
الاِنسان وذاته، فإنّها المبدأ لظهوره في الضمير، إنّما الكلام من كونه فعلاً اختيارياً للنفس أو لا، فمن جعل الملاك في اختيارية الاَفعال كونها مسبوقةً بالاِرادة وقع في المضيق في جانب الاِرادة، لاَنّ كونها مسبوقة بإرادة أُخرى يستلزم التسلسل في الاِرادات غير المتناهية، وهو محال.
وأمّا على القول المختار، من أنّ الملاك في اختيارية الاَفعال كونها فعلاً للفاعل الّذي يكون الاختيار عين هويته وينشأ من صميم ذاته وليس أمراً زائداً على هويّته عارضاً عليها، فلا إشكال مطلقاً، وفاعلية الاِنسان بالنسبة إلى أفعاله الاختيارية كذلك، فاللّه سبحانه خلق النفس الاِنسانيّة مختارة، وعلى هذا يستحيل أن يسلب عنها وصف الاختيار ويكون فاعلاً مضطرّاً كالفواعل الطبيعيّة.

4. التكليف بمعرفة اللّه تكليف بالمحال

قالوا:
«التكليف واقع بمعرفة اللّه تعالى إجماعاً، فإن كان التكليف في حال حصول المعرفة فهو تكليف بتحصيل الحاصل، وهو محال، وإن كان حال عدمها فغير العارف بالمكلّف وصفاته المحتاج إليه في صحّة التكليف منه، غافل عن التكليف وتكليف الغافل تكليف بالمحال». (1)
والجواب عنه: انّا نختار الشقّ الاَوّل من الاستدلال و لكن لا بمعنى المعرفة التفصيلية حتّى يكون تحصيلاً للحاصل، بل المعرفة الاِجمالية الباعثة على تحصيل التفصيلية منها.
توضيح ذلك: أنّ التكليف بالمعرفة تكليف عقلي، يكفي فيه التوجّه الاِجمالي
(1) شرح المواقف:8|157.

(219)
إلى أنّ هناك منعماً يجب معرفته ومعرفة أسمائه وصفاته شكراً لنعمائه، أو دفعاً للضرر المحتمل.

5. لا يوجد الشيء إلاّ بالوجوب السابق عليه

قد ثبت في الفلسفة الاَُولى انّ الموجود الممكن مالم يجب وجوده من جانب علّته لم يتعيّن وجوده ولم يوجد، وذلك: لاَنّ الممكن في ذاته لا يقتضي الوجود ولا العدم، فلا مناص لخروجه من ذلك إلى مستوى الوجود من عامل خارجي يقتضي وجوده، ثمّ ما يقتضي وجوده إمّا أن يقتضي وجوبه أيضاً أو لا . فعلى الاَوّل وجب وجوده، وعلى الثاني، بما انّ بقاءه على العدم لا يكون ممتنعاً بعد، فيسأل: لماذا اتّصف بالوجود دون العدم؟ وهذا السوَال لا ينقطع إلاّبصيرورة وجود الممكن واجباً وبقائه على العدم محالاً، وهذا معنى قولهم:«إنّ الشيء مالم يجب لم يوجد».
هذا برهان القاعدة، ورتّب عليها القول بالجبر، لاَنّ فعل العبد ممكن فلا يصدر منه إلاّ بعد اتّصافه بالوجوب، والوجوب ينافي الاختيار.
والجواب عنه: انّ القاعدة لا تعطي أزيد من أنّ المعلول إنّما يتحقّق بالاِيجاب المتقدّم على وجوده، ولكن هل الاِيجاب المذكور جاء من جانب الفاعل والعلّة أو من جانب غيره؟ فإن كان الفاعل مختاراً كان وجود الفعل ووجوبه المتقدّم عليه صادراً عنه بالاختيار، وإن كان الفاعل مضطرّاً كالفواعل الكونية كانا صادرين عنه بالاضطرار.
والحاصل: انّ الوجوب المذكور في القاعدة وإن كان وصفاً متقدّماً على الفعل، ولكنّه متأخّر عن الفاعل، فالمستفاد منه ليس إلاّ كون الفعل موجَباً (بالفتح) وامّا الفاعل فهو قد يكون أيضاً كذلك وقد يكون موجِباً (بالكسر)، فإن أثبتنا كون الاِنسان مختاراً فلا تنافيه القاعدة المذكورة قيد شعرة.

(220)

(221)

الفصل الحادي عشر
القضاء و القدر

إنّ القضاء و القدر من الاَُصول الاِسلامية الواردة في الكتاب والسنّة، وليس لمن له إلمام بهذين المصدرين الرئيسيين أن ينكرهما أو ينكر واحداً منهما، إلاّ أنّ المشكلة في توضيح ما يراد منهما، فإنّه المزلقة الكبرىفي هذا المقام، واستيفاء البحث عنه يستدعي بيان أُمور:

1. تعريف القضاء والقدر

قال ابن فارس:
«القدر ـ بفتح الدال وسكونه ـ حدُّ كلِّ شيء ومقداره وقيمته وثمنه، ومنه قوله تعالى:
(وَمَنْ قُدِر عَلَيْهِ رِزْقُه) أي قدر بمقدار قليل». (1)
وقال الراغب:
«القدر والتقدير تبيين كمية الشيء». (2)
(1) المقاييس:5|63.
(2) المفردات: مادة قدر.

(222)
هذا معنى القدر في اللغة. وأمّا معنى القضاء، فقال ابن فارس:
«القضاء أصل صحيح يدلّ على إحكام أمر وإتقانه وإنفاذه لجهته، قال اللّه تعالى:
(فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ) أي أحكم خلقهـن ـ إلى أن قال: ـ و سمّي القاضي قاضياً لاَنّه يحكم الاَحكام وينفذها، وسمّيت المنيّة قضاءً لاَنّها أمر ينفذ في ابن آدم وغيره من الخلق». (1)
وقال الراغب:
«القضاء فصل الاَمر قولاً كان ذلك أو فعلاً». (2)
أقول: مجموع النصّين من العلمين يرجع إلى أنّ أيّ قول أو عمل إذا كان متقناً محكماً، وجادّاً قاطعاً، وفاصلاً صارماً ،لا يتغيّر ولا يتبدّل، فذلك هو القضاء.
هذا ما ذكره أئمّة اللغة، وقد سبقهم أئمّة أهل البيت _ عليهم السلام _ ، كما ورد فيما روي عنهم _ عليهم السلام _ :
روى الكليني بسنده، إلى يونس بن عبد الرحمان، عن أبي الحسن الرضا _ عليه السلام _ وقد سأله يونس عن معنى القدر والقضاء، فقال:
«هي الهندسة ووضع الحدود من البقاء والفناء، والقضاء هو الاِبرام وإقامة العين». (3)
(1) المقاييس:5|99.
(2) المفردات: مادة قضى.
(3) الكافي:1|158. ورواه الصدوق في توحيده بتغيير يسير.

(223)

2. مراتب القضاء والقدر

لكلّ من القضاء والقدر مراتب أو أقسام، نشير إليها:
ألف. القضاء والقدر التشريعيان:ويعنى به الاَوامر والنواهي الاِلهية الواردة في الكتاب والسنّة، وقد أشار إليه الاِمام أمير الموَمنين ـ عليه السّلام ـ في كلامه حينما سأله الشامي عن معنى القضاء والقدر فقال:
«الاَمر بالطاعة والنهي عن المعصية، والتمكين من فعل الحسنة وترك السيئة، والمعونة على القربة إليه والخذلان لمن عصاه، والوعد والوعيد» إلى آخر كلامه الشريف. (1)
ب. القضاء والقدر التكوينيان: ويعنى به ما يرجع إلى الحقائق الكونية ونظام الوجود وله أقسام:
1. القضاء والقدر العلميّان
فالتقدير العلمي عبارة عن تحديد كلّ شيء بخصوصياته في علمه الاَزلي سبحانه، قبل إيجاده، فهو تعالى يعلم حدّكلّشيء و مقداره وخصوصياته الجسمانية وغير الجسمانية.
والمراد من القضاء العلمي هو علمه تعالى بضرورة وجود الاَشياء وإبرامها عند تحقّق جميع ما يتوقّف عليه وجودها من الاَسباب والشرائط ورفع الموانع.
فعلمه السابق بحدود الاَشياء وضرورة وجودها، تقدير و قضاء علميّان؛ وقد أَُُشير إلى هذا القسم، في آيات الكتاب المجيد:

(1) التوحيد للصدوق:380؛ بحار الاَنوار:5|128، باب القضاء والقدر، الحديث 74.

(224)
قال سبحانه:
(وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاّ بِإِذْنِ اللّهِ كِتاباً مُوََجَّلاً) . (1)
وقال أيضاً:
(قُلْ لَنْ يُصيِبَنا إِلاّ ما كَتَبَاللّهُ لَنا هُوَ مَولانا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِالْمُوَْمِنُونَ) . (2)
وقال:
(وَما يُعَمَّر مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاّ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللّهِ يَسير).(3)
وقال:
(ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الاََرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ في كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها...) . (4)
هذه بعض الآيات التي وردت في بيان انّ خصوصيات الاَشياء وضرورة وجودها متحقّقة في علمه الاَزلي، أو مراتب علمه كالكتاب الوارد في الآيات الماضية.
2. القضاء و القدر العينيان
التقدير العيني عبارة عن الخصوصيات التي يكتسبها الشيء من علله عند
(1) آل عمران: 145.
(2) التوبة:51.
(3) فاطر:11.
(4) الحديد:22.

(225)
تحقّقه وتلبسه بالوجود الخارجي.
والقضاء العيني هو ضرورة وجود الشيء عند وجود علّته التامّة ضرورة عينية خارجية.
فالتقدير والقضاء العينيان ناظران إلى التقدير و الضرورة الخارجيين اللّذين يحتفّان بالشيء الخارجي، فهما مقارنان لوجود الشيء بل متّحدان معه، مع أنّ التقدير والقضاء العلميان مقدّمان على وجود الشيء.
فالعالم المشهود لنا لا يخلو من تقدير وقضاء، فتقديره تحديد الاَشياء الموجودة فيه من حيث وجودها، وآثار وجودها، وخصوصيات كونها بما انّها متعلّقة الوجود والآثار بموجودات أُخرى، أعني العلل والشرائط، فيختلف وجودها وأحوالها باختلاف عللها وشرائطها، فالتقدير يهدي هذا النوع من الموجودات إلى ما قدر له في مسير وجوده، قال تعالى:
(اَلَّذِي خَلَقَ فَسَوّى*وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى) . (1)
أي هدى ما خلقه إلى ما قدّر له.
وأمّا قضاوَه، فلمّا كانت الحوادث في وجودها وتحقّقها منتهية إليه سبحانه فما لم تتمّ لها العلل والشرائط الموجبة لوجودها، فانّها تبقى على حال التردّد بين الوقوع واللا وقوع، فإذا تمَّت عللها وعامّة شرائطها ولم يبق لها إلاّ أن توجد، كان ذلك من اللّه قضاء و فصلاً لها من الجانب الآخر وقطعاً للاِبهام.
وبذلك يظهر انّ التقدير و القضاء العينيين من صفاته الفعلية سبحانه فانّ مرجعهما إلى إفاضة الحدّ والضرورة على الموجودات، وإليه يشير الاِمام الصادق _ عليه السلام _ في قوله:

(1) الاَعلى:2ـ3.

(226)
«القضاء والقدر خلقان من خلق اللّه، واللّه يزيد في الخلق ما يشاء».(1)
ومن هنا يكشف لنا الوجه في عناية النبي وأهل البيت ـ عليهم السّلام ـ بالاِيمان بالقدر، وانّ الموَمن لا يكون موَمناً إلاّ بالاِيمان به (2) فإنّ التقدير والقضاء العينيين من شعب الخلقة، وقد عرفت في أبحاث التوحيد انّ من مراتب التوحيد، التوحيد في الخالقية، وقد عرفت آنفاً انّ حدود الاَشياء وخصوصياتها، وضرورة وجودها منتهية إلى إرادته سبحانه، فالاِيمان بهما، من شوَون التوحيد في الخالقية.
ولاَجل ذلك ترى انّه سبحانه أسند القضاء والقدر إلى نفسه، وقال:
(قَدْ جَعَلَ اللّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً) . (3)
وقال تعالى:
(وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونَ) . (4)
(1) التوحيد للصدوق: الباب 60، الحديث 1.
(2) روى الصدوق في «الخصال» بسنده عن علي _ عليه السلام _ قال: قال رسول اللّه ص:«لا يوَمن عبد حتى يوَمن بأربعة: حتى يشهد أن لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له، وانّي رسول اللّه بعثني بالحقّ، وحتى يوَمن بالبعث بعد الموت وحتّى يوَمن بالقدر» ـ (البحار:ج5، باب القضاء و القدر، الحديث 2ـ).
وروى أيضاً بسنده عن أبي امامة الصحابي، قال: قال رسول اللّه ص: «أربعة لا ينظر اللّه إليهم يوم القيامة: عاقّ، ومنّان ،ومكذب بالقدر، ومدمن خمر» ـ (البحار :ج5، باب القضاء والقدر، الحديث 3 ـ).
وروى الترمذي عن جابر بن عبد اللّه قال: قال رسول اللّه ص: «لا يوَمن عبد حتى يوَمن بالقدر خيره وشره» ـ (جامع الاَُصول، ابن الاَثير الجزري (م606هـ):10|511، كتاب القدر، الحديث 7552ـ ).
(3) الطلاق:3.
(4) البقرة:117.

(227)
وقال سبحانه:
(فَقضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ) . (1)
وقال تعالى:
(إِنّا كُلّ شَيءٍ خَلْقْناهُ بِقَدر ) . (2)
وقال سبحانه:
(وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُه إِلاّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ) . (3)
وغيرها من الآيات الحاكية عن قضائه سبحانه بالشيء وإبرامه على صفحة الوجود.
(1) فصلت:12.
(2) القمر:49.
(3) الحجر:21.

(228)

(229)

الفصل الثاني عشر
في حقيقة البداء

إنّ البداء في اللغة هو الظهور بعد الخفاء، قال تعالى:
(وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ* وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا). (1)
والبداء بهذا المعنى لا يطلق على اللّه سبحانه بتاتاً، لاستلزامه حدوث علمه تعالى بشيء بعد جهله به.

الاعتقاد بالبداء عند أئمّة أهل البيت _ عليهم السلام _

تحتلّ مسألة البداء في عقائد الشيعة الاِمامية المكانة الاَُولى، وهم تابعون في ذلك للنصوص الواردة عن أئمّة أهل البيت _ عليهم السلام _ في تلك المسألة:
1. روى الصدوق (2) بإسناده عن زرارة عن أحدهما ،يعني أبا جعفر وأبا عبد اللّه ـ عليهما السّلام ـ ، قال:
«ما عبد اللّه عزّ وجلَّ بشيء مثل البداء».

(1) الزمر:47ـ 48.
(2) التوحيد للصدوق: الباب 54، الحديث 1.

(230)
2. وروى بإسناده عن هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه _ عليه السلام _ قال:
«ما عظّم اللّه عزّ وجلَّ بمثل البداء».
3. وروى بإسناده عن محمّد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه _ عليه السلام _ قال:
«ما بعث اللّه عزَّ وجلّ نبيّاً حتى يأخذ عليه ثلاث خصال: الاِقرار بالعبودية، وخلع الاَنداد، وانّ اللّه يقدّم ما يشاء ويوَخّر ما يشاء».
4. وعن الريّان بن الصلت، قال: سمعت الرضا _ عليه السلام _ يقول:
«ما بعث اللّه نبيّاً قطّ إلاّبتحريم الخمر، وأن يقرّله بالبداء».
إلى غير ذلك من مأثوراتهم _ عليهم السلام _ في هذا المجال.

موقف الاِمامية في إحاطة علمه تعالى

اتّفقت الاِماميّة تبعاً لنصوص الكتاب والسنّة والبراهين العقلية على أنّه سبحانه عالم بالاَشياء والحوادث كلّها غابرها وحاضرها ومستقبلها، كلِّيِّها وجزئيِّها، وقد وردت بذلك نصوص عن أئمّة أهل البيت _ عليهم السلام _ .
قال الاِمام الباقر _ عليه السلام _ :
«كان اللّه ولا شيء غيره، ولم يزل اللّه عالماً بما يكون، فعلمه به قبل كونه كعلمه به بعدما كوَّنه». (1)
وقال الاِمام الصادق _ عليه السلام _ :
«فكلّ أمر يريده اللّه فهو في علمه قبل أن يصنعه ليس شيء يبدو له إلاّ وقد كان في علمه، انّ اللّه لا يبدو له من جهل». (2)
إلى غير ذلك من النصوص المتضافرة في ذلك.

(1) بحار الاَنوار:4|86، الحديث 23.
(2) بحار الاَنوار:4|121، الحديث 63.

(231)

حقيقة البداء عند الاِماميّة

وبذلك يظهر انّ المراد من البداء الوارد في أحاديث الاِمامية ويعدُّ من العقائد الدينية عندهم ليس معناه اللغوي، أفهل يصحّ أن ينسب إلى عاقل ـ فضلاًعن باقر العلوم وصادق الاَُمّة ـ القول بأنّ اللّه لم يعبد و لم يعظم إلاّ بالقول بظهور الحقائق له بعد خفائها عنه، والعلم بعد الجهل؟! كلاّ، كلّ ذلك يوَيّد انّ المراد من البداء في كلمات هوَلاء العظام غير ما يفهمه المعترضون، بل مرادهم من البداء ليس إلاّ انّ الاِنسان قادر على تغيير مصيره بالاَعمال الصالحة والطالحة (1)وانّ للّه سبحانه تقديراً مشترطاً موقوفاً، وتقديراً مطلقاً، والاِنسان إنّما يتمكّن من التأثير في التقدير المشترط، وهذا بعينه قدر إلهي، واللّه سبحانه عالم في الاَزل، بكلا القسمين كما هو عالم بوقوع الشرط، أعني: الاَعمال الاِنسانية الموَثرة في تغيير مصيره وعدم وقوعه.
قال الشيخ المفيد (المتوفّـى|413هـ): قد يكون الشـيء مكتوباً بشـرط فيتغير الحال فيه، قال اللّه تعالى:
(ثُمَّ قَضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمّى عِنْدَهُ) . (2)
فتبيّن انّ الآجال على ضربين، وضرب منهما مشترط يصحّ فيه الزيادة والنقصان، ألا ترى قوله تعالى:
(وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصْ مِنْ عُمُرِهِ إِلاّ فِي كِتابٍ). (3)

(1) سيوافيك انّالنبيّ الاَكرمص ـ حسب ما رواه البخاري ـ استعمل لفظ البداء في نفس ذاك المعنى الذي تتبنّاه الاِمامية.
(2) الاَنعام:2.
(3) فاطر:11.

(232)
وقوله تعالى:
(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالاََرْضِ) . (1)
فبيّن انّ آجالهم كانت مشترطة في الامتداد بالبرّ والانقطاع عن الفسوق، وقال تعالى فيما أخبر به عن نوح _ عليه السلام _ في خطابه لقومه:
(اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفّاراً * يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدراراً...) . (2)
فاشترط لهم في مدّ الاَجل وسبوغ النعم الاستغفار، فلو لم يفعلوا قطع آجالهم وبتر أعمالهم واستأصلهم بالعذاب، فالبداء من اللّه تعالى يختصّ بما كان مشترطاً في التقدير وليس هو انتقال من عزيمة إلى عزيمة، تعالى اللّه عمّا يقول المبطلون علوّاً كبيراً. (3)

تفسير البداء في ضوء الكتاب والسنّة

قد اتّضح ممّا تقدّم انّ المقصود بالبداء ليس إلاّ تغيير المصير والمقدّر بالاَعمال الصالحة و الطالحة وتأثيرها في ما قدّر اللّه تعالى لهم من التقدير المشترط، ولاِيضاح هذا المعنى نشير إلى نماذج من الآيات القرآنية وما ورد من الروايات في تغيير المصير بالاَعمال الصالحة والطالحة.
ألف. القرآن وتأثير عمل الاِنسان في تغيير مصيره
1. قال سبحانه:

(1) الاَعراف:96.
(2) نوح: 10 ـ 11.
(3) تصحيح الاعتقاد:50، ولاحظ أيضاً أوائل المقالات، باب القول في البداء والمشيئة:52.

(233)
(إِنَّ اللّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَومٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ) . (1)
2. وقال سبحانه:
(ذلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَومٍ حَتّى يُغَيِّروا ما بِأَنْفُسِهِمْ) . (2)
3. وقال سبحانه:
(وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالاََرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ) . (3)
4. وقال سبحانه:
(وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لاََزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابي لَشَديدٌ).(4)
5. وقال سبحانه:
(فَلَولا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاّ قَومَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ). (5)
6. وقال سبحانه:
(فَلَولا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحينَ* لَلَبِثَفِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُون).(6)

(1) الرعد:11.
(2) الاَنفال:53.
(3) الاَعراف:96.
(4) إبراهيم:7.
(5) يونس:98.
(6) الصافات:143ـ144.

(234)
7. وقال سبحانه:
(وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذاقَهَا اللّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ) . (1)
إلى غير ذلك من الآيات.
ب. الروايات وتأثير العمل في تغيير المصير
1. روى جلال الدين السيوطي (المتوفّى 911هـ) عن علي _ عليه السلام _ انّه سأل رسول اللّه ـ صلّى اللّه عليه وآله وسلم ـ عن هذه الآية (يَمْحُوا اللّه ما يَشاءُ) ، فقال:
«لاَقرَّن عينيك بتفسيرها، ولاَقرَّن عين أُمّتي بعدي بتفسيرها: الصدقة على وجهها، وبرّ الوالدين، واصطناع المعروف، يحوِّل الشقاء سعادة،ويزيد في العمر، ويقي مصارع السوء». (2)
2. وأخرج الحاكم عن ابن عباس، قال:
«لا ينفع الحذر من القدر، ولكن اللّه يمحو بالدعاء ما يشاء من القدر». (3)
3. وقال الاِمام الباقر _ عليه السلام _ :
«صلة الاَرحام تزكّي الاَعمال، وتنمّي الاَموال، وتدفع البلوى، وتيسّر الحساب، وتنسىَ في الاَجل». (4)
(1) النحل:112.
(2) الدر المنثور:4|66.
(3) نفس المصدر.
(4) الكافي:2|470.

(235)
4. وقال الصادق _ عليه السلام _ :
«إنّ الدعاء يردّ القضاء، وانّالموَمن ليذنب فيحرم بذنبه الرزق». (1)
إلى غير ذلك من الاَحاديث المتضافرة المروية عن الفريقين في هذا المجال.

النزاع لفظي

ممّا تقدّم يظهر انّ حقيقة البداء ـ و هي تغيير مصير الاِنسان بالاَعمال الصالحة والطالحة ـ ممّا لا مناص لكلّمسلم من الاعتقاد به وإلى هذا أشار الشيخ الصدوق بقوله:
«فمن أقرَّ للّه عزّوجلّ بأنّ له أن يفعل ما يشاء، ويعدم ما يشاء، ويخلق مكانه ما يشاء، ويقدِّم ما يشاء، ويوَخِّر ما يشاء، ويأمر بما شاء كيف شاء، فقد أقرَّ بالبداء، وما عظّم اللّه عزّ وجلّ بشيء أفضل من الاِقرار بأنّ له الخلق والاَمر والتقديم والتأخير وإثبات مالم يكن ومحو ما قد كان». (2)
فالنزاع في الحقيقة ليس إلاّ في التسمية، ولو عرف المخالف انّ تسمية فعل اللّه سبحانه بالبداء من باب المجاز والتوسّع لما شهر سيوف النقد عليهم، وإن أبى حتّى الاِطلاق التجوّزي، فعليه أن يتّبع النبيّ الاَعظم ـ صلّى اللّه عليه وآله وسلم ـ حيث أُطلق لفظ البداءعليه سبحانه بهذا المعنى المجازي الذي قلنا، في حديث الاَقرع والاَبرص والاَعمى، روى أبو هريرة انّه سمع رسول اللّه ـ صلّى اللّه عليه وآله وسلم ـ يقول:
«إنّ ثلاثة في بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى، بدا للّه عزّ وجلّ أن
(1) البحار:93|288.
(2) التوحيد: 335، الباب 54.

(236)
يبتليهم». (1)
فبأيِّ وجه فسِّر كلامه ـ صلّى اللّه عليه وآله وسلم ـ يفسَّر كلام أوصيائه.
فاتّضح بذلك انّ التسمية من باب المشاكلة، وانّه سبحانه يعبّر عن فعل نفسه في مجالات كثيرة بما يعبِّر به الناس عن فعل أنفسهم لاَجل المشاكلة الظاهرية، فترى القرآن ينسب إلى اللّه تعالى «المكر والكيد» و«الخديعة» و«النسيان» و«الاَسف» إذ يقول:
(يَكِيدونَ كَيْداً* وَأَكِيدُ كَيْداً). (2)
(وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً) . (3)
(إِنَّ المُنافِقينَ يُخادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ) . (4)
(نَسُوا اللّهَ فَنَسِيَهُمْ) . (5)
(فَلَمّا آسَفُونَا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ) . (6)
إلى غير ذلك من الآيات والموارد.
وبذلك تقف على أنّ ما ذكره الاَشعري في «مقالات الاِسلاميّين»، والبلغمي في تفسيره، والرازي في المحصَّل، وغيرهم حول البداء، لا صلة له بعقيدة الشيعة فيه، فإنّهم فسّروا البداء للّه بظهور ما خفي عليه، والشيعة براء منه، بل البداء
(1) النهاية في غريب الحديث والاَثر:1|109، للاِمام مجد الدين أبي السعادات المبارك بن محمّد الجزري؛ رواه البخاري في صحيحه لاحظ:4|172.
(2) الطارق:15ـ 16.
(3) النمل:50.
(4) النساء:142.
(5) التوبة:67.
(6) الزخرف:55.

(237)
عندهم كما عرفت تغيير التقدير المشترط من اللّه تعالى، بالفعل الصالح والطالح، فلو كان هناك ظهور بعد الخفاء فهو بالنسبة إلينا لا بالنسبة إلى اللّه تعالى، بل هو بالنسبة إليه إبداء ما خفي وإظهاره، ولو أطلق عليه البداء من باب التوسع.

اليهود و إنكار النسخ والبداء

ثمّ إنّ المعروف من عقيدة اليهود انّهم يمنعون النسخ سواء كان في التشريع و التكوين، أمّا النسخ في التشريع فقد استدلّوا على امتناعه بوجوه مذكورة في كتب أُصول الفقه مع الجواب عنها، وأمّا النسخ في التكوين وهو تمكّن الاِنسان من تغيير مصيره بما يكتسبه من الاَعمال بإرادته واختياره، فقد استدلّوا على امتناعه بأنّ قلم التقدير والقضاء إذا جرى على الاَشياء في الاَزل استحال أن تتعلّق المشيئة بخلافه.
وبعبارة أُخرى: ذهبوا إلى أنّ اللّه قد فرغ من أمر النظام وجفَّ القلم بما كان فلا يمكن للّه سبحانه محو ما أثبت وتغيير ما كتب أوّلاً.
وهذا المعنى من النسخ الذي أنكرته اليهود هو بنفسه كما ترى حقيقة البداء بالمعنى الذي يعتقده الشيعة الاِمامية كما عرفت، فإنكاره من العقائد اليهودية التي تسرَّت إلى المجتمعات الاِسلامية في بعض الفترات واكتسى ثوب العقيدة الاِسلامية، مع أنّ القرآن الكريم يردُّ على اليهود في عقيدتهم هذه ويقول:
(يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُوَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتاب) . (1)
ويقول أيضاً:
(كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) . (2)

(1) الرعد:39.
(2) الرحمن:29.

(238)
ويقول:
(أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالاََمْرُ تَبارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعالَمينَ) . (1)
والآية مطلقة غير مقيّدة بزمان دون زمان، ولاَجل ذلك ينسب إلى اللّه تعالى كلّ ما يرجع إلى الخلق والاِيجاد ويبيّن ذلك بصيغ فعلية استقبالية دالّة على الاستمرار في كثير من الآيات الراجعة إلى الخلق والتدبير.
وقد حكى سبحانه عقيدة اليهود بقوله:
(قالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَة) . (2)
فهذا القول عنهم يعكس عقيدتهم في حقّ اللّه سبحانه، وانّه مسلوب الاِرادة تجاه كلّ ما كتب وقدّر، وبالنتيجة عدم قدرته على الاِنفاق زيادة على ما قدّر وقضى، فردّاللّه سبحانه عليهم بإبطال تلك العقيدة بقوله:
(بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ) . (3)
ولاَجل ذلك فسّر الاِمام الصادق _ عليه السلام _ الآية بقوله:ولكنّهم (اليهود) قالوا: قد فرغ من الاَمر فلا يزيد ولا ينقص، فقال اللّه جلّجلاله تكذيباً لقولهم:
(غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْيَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ).
ألم تسمع اللّه عزّ وجلّ يقول:
(يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُوَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ) . (4)

(1) الاَعراف:54.
(2) المائدة:64
(3) المائدة:64.
(4) التوحيد: الباب 25، الحديث 1.

(239)
ومن هنا تعرف أنّ القول بالبداء من صميم الدين ولوازم التوحيد والاعتقاد بعمومية قدرته سبحانه، وانّه من مقاديره وسننه السائدة على حياة الاِنسان من غير أن يسلب عنه الاختيار في تغيير مصيره، فكما أنّه سبحانه، كل يوم هو في شأن، ومشيئته حاكمة على التقدير، وكذلك العبد مختار له أن يغيِّـر مصيره ومقدره بحسن فعله، ويخرج نفسه من عداد الاَشقياء ويدخلها في عداد السعداء، كما أنّ له عكس ذلك.
فاللّه سبحانه:
(لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ) . (1)
فهو تعالى إنّما يغيّر قدر العبد بتغيير منه بحسن عمله أو سوئه، ولا يعدّ تغيير التقدير الاِلهي بحسن الفعل أو سوئه معارضاً لتقديره الاَوّل سبحانه، بل هو أيضاً جزء من قدره وسننه.

التقدير المحتوم والموقوف

قد أشرنا سابقاً إلى أنّ التغيير إنّما يقع في التقدير الموقوف دون المحتوم، وهذا ما يحتاج إلى شيء من البيان فنقول:
إنّ للّه سبحانه تقديرين، محتوماً وموقوفاً، والمراد من المحتوم مالا يبدّل ولا يغيّر مطلقاً، وذلك كقضائه سبحانه للشمس والقمر مسيرين إلى أجل معيّن، وللنظام الشمسي عمراً محدّداً، وتقديره في حقِّ كلّ إنسان بأنّه يموت، إلى غير ذلك من السنن الثابتة الحاكمة على الكون والاِنسان.
والمراد من التقدير الموقوف الاَُمور المقدّرة على وجه التعليق، فقدّر
(1) الرعد:11.

(240)
انّالمريض يموت في وقت كذا إلاّ إذا تداوى، أو أجريت له عمليّة جراحية، أو دعي له وتصدّق عنه، وغير ذلك من التقادير التي تغيّر يإيجاد الاَسباب المادّية وغيرها التي هي من مقدّراته سبحانه أيضاً، واللّه سبحانه يعلم في الاَزل كلا التقديرين: الموقوف، وما يتوقف عليه الموقوف، وإليك بعض ما ورد عن أئمّة أهل البيت _ عليهم السلام _ حول هذين التقديرين:
1. سئل أبو جعفر الباقر _ عليه السلام _ عن ليلة القدر، فقال: تنزل فيها الملائكة والكتبة إلى سماء الدنيا فيكتبون ما هو كائن في أمر السنة... قال:
«وأمر موقوف للّه تعالى فيه المشيئة، يقدِّم منه ما يشاء ويوَخِّر ما يشاء».
وهو قوله:
(يَمْحُوا اللّهُ ما يَشاءُوَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ) . (1)
2. روى الفضيل قال: سمعت أبا جعفر _ عليه السلام _ يقول:
«من الاَُمور أُمور محتومة جائية لا محالة، ومن الاَُمور أُمور موقوفة عند اللّه يقدِّم منها ما يشاء ويمحو منها ما يشاء: ويثبت منها ما يشاء». (2)
3. وفي حديثٍ قال الرضا _ عليه السلام _ لسليمان المروزي:
«يا سليمان انّمن الاَُمور أُموراً موقوفة عند اللّه تبارك وتعالى يقدِّم منها ما يشاء ويوَخِّر ما يشاء». (3)
(1) بحار الاَنوار:4|102، باب البداء، الحديث 14، نقلاً عن أمالي الطوسي.
(2) المصدر السابق: 119، الحديث 58.
(3) نفس المصدر:95، الحديث 2.

(241)

الاَجل المطلق و المسمّى في القرآن الكريم

إنّ القرآن الكريم ذكر الاَجل بوجهين: على وجه الاِطلاق، وبوصف كونه مسمّى فقال:
(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمّىً عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُون).(1)
فجعل للاِنسان أجلين: مطلقاً ومسمّىً، كما انّه جعل للشمس والقمر أجلاً مسمّى فقال سبحانه:
(وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لاََجَلٍ مُسَمّى) . (2)
والمقصود من الاَجل المسمّى هو التقدير المحتوم، ومن الاَجل المطلق التقدير الموقوف، قال العلاّمة الطباطبائي:
«إنّ الاَجل أجلان: الاَجل على إبهامه، والاَجل المسمّى عند اللّه تعالى، وهذا هو الذي لا يقع فيه تغيير لمكان تقييده بقوله [عنده] وقد قال تعالى:
(وَما عِنْدَ اللّهِ باق) . (3)
وهو الاَجل المحتوم الّذي لا يتغيّر ولا يتبدّل، قال تعالى: (إِذا جاءَأَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ).(4)

(1) الاَنعام:2.
(2) الرعد:2.
(3) النحل:96.
(4) يونس:49.

(242)
فنسبة الاَجل المسمّى إلى الاَجل غير المسمّى، نسبة المطلق المنجّز إلى المشروط المعلّق، فمن الممكن أن يتخلّف المشروط المعلّق عن التحقّق لعدم تحقّق شرطه الّذي علّق عليه، بخلاف المطلق المنجّز، فإنّه لا سبيل إلى عدم تحقّقه البتّة.
والتدبّر في الآيات يفيد انّ الاَجل المسمّى هو الذي وضع في أُمّ الكتاب، وغير المسمّى من الاَجل هوالمكتوب فيما نسمّيه بـ[لوح المحو والاِثبات]». (1)

(1) الميزان: ج7، تفسير سورة الاَنعام، الآية الثانية.

(243)

الباب الرابع
في
النبوّة العامّة

وفيه خمسة فصول:
1. أدلّة لزوم البعثة.
2. أدلّة منكري النبوَّة.
3. طرق التعرّف على صدق مدّعي النبوَّة.
4. حقيقة الوحي في النبوَّة.
5. عصمة أنبياء اللّه تعالى.


(244)

(245)

مقدمة:

النبوَّة سفارة بين اللّه وبين ذوي العقول من عباده، لتدبير حياتهم في أمر معاشهم ومعادهم،والنبيّ هو الاِنسان المخبر عن اللّه تعالى بإحدى الطرق المعروفة.
والبحث في النبوَّة يقع على صورتين:
الاَُولى: البحث عن مطلق النبوَّة.
الثاني: البحث عن نبوَّة نبيّ خاص، كنبوَّة سيدنا محمّد ص.
والاَبحاث التي طرحها المتكلّمون حول النبوَّة العامة تتمحور في أربعة أُمور وهي:
1. حسن البعثة ولزومها، أو تحليل أدلّة مثبتي البعثة ومنكريها.
2. الطرق التي يعرف بها النبيّالصادق من المتنبّىَ الكاذب.
3. الطريق أو الوسيلة التي يتلقّى بها النبيّ تعاليمه من اللّه سبحانه.
4. الصفات المميّزة للنبيّ عن غيره.
وبإشباع البحث في هذه المجالات الاَربعة يكتمل البحث في النبوَّة العامة، ويقع الكلام بعده في النبوَّة الخاصّة بإذنه تعالى.

(246)

(247)

الفصل الاَوّل
أدلّة لزوم البعثة

1. حاجة المجتمع إلى القانون الكامل

لا يشكّ أحد من الفلاسفة والباحثين في الحياة الاِنسانية، في أنّ للاِنسان ميلاً إلى الاجتماع والتمدّن، كما أنّ حاجة المجتمع إلى القانون ممّا لا يرتاب فيه، وذلك لاَنّ الاِنسان مجبول على حبِّ الذات، وهذا يجرّه إلى تخصيص كلّ شيء بنفسه من دون أن يراعي لغيره حقّاً، ويوَدّي ذلك إلى التنافس والتشاجر بين أبناء المجتمع وبالتالي إلى عقم الحياة وتلاشي أركان المجتمع، فلا يقوم للحياة الاجتماعية أساس إلاّ بوضع قانون دقيق ومحكم ومتكامل يقوم بتحديد وظائف كلّفرد وحقوقه.

شرائط المقنّن

لا ريب في أنّ جعل قانون يكون متناولاً لجميع جوانب الحياة للمجتمعات البشرية في أصقاع الاَرض التي تتباين من حيث الظروف الجغرافية والعادات والتقاليد، يحتاج إلى توفّر شروط وشروط، تخرج قطعاً عن طاقة الاِنسان مهما ترقّى
(248)
في درجات العلم، وإليك بيان الشرطين الاَساسيَّين لذلك:

الاَوّل: معرفة المقنِّن بالاِنسان

إنّ أوّل وأهمّ خطوة في وضع القانون، معرفة المقنِّن بالمورد الّذي يضع له القانون، وعلى ضوء هذا، لابدّ أن يكون المقنِّن عارفاً بالاِنسان: جسمه وروحه، غرائزه وفطريّاته، وما يصلح لهذه الاَُمور أو يضرّ بها، وكلّما تكاملت هذه المعرفة بالاِنسان كان القانون ناجحاً وناجعاً في علاج مشاكله وإبلاغه إلى السعادة المتوخّاة من خلقه.

الثاني: عدم انتفاع المقنِّن بالقانون

وهذاالشرط بديهي، فإنّ المقنِّن إذا كان منتفعاً من القانون الذي يضعه، سواء كان النفع عائداً إليه أو إلى من يمتّ إليه بصلة خاصّة، فهذا القانون سيتمّ لصالح المقنِّن لا لصالح المجتمع، ونتيجته الحتميّة الظلم والاِجحاف.
فالقانون الكامل لا يتحقّق إلاّ إذا كان واضعه مجرّداً عن حبّالذات وهوى الانتفاع الشخصي.
أمّا الشرط الاَوّّل: فإنّا لن نجد في صفحة الوجود موجوداً أعرف بالاِنسان من خالقه، فإنّ صانع المصنوع أعرف به من غيره، يقول سبحانه:
(أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُالْخَبِيرُ ) . (1)
إنّ عظمة الاِنسان في روحه ومعنوياته، وغرائزه وفطرياته، أشبه ببحر كبير لا يرى ساحله ولا يضاء محيطه، وقد خفيت كثير من جوانب حياته ورموز وجوده
(1) الملك:14.

(249)
حتى لقِّب بـ«الموجود المجهول».
وأمّا الشرط الثاني: فلن نجد أيضاً موجوداً مجرّداً عن أيّ فقر وحاجة وانتفاع سواه سبحانه، ووجه ذلك انّ الاِنسان، مجبول على حبّ الذّات، فهو مهما جرّد نفسه من تبعات غرائزه لن يستطع التخلّص من هذه النزعة.
وممّا يدلّ على عدم صلاحية البشر نفسه لوضع قانون كامل، مانرى من التبدّل الدائم في القوانين والنقض المستمرّ الذي يورد عليها بحيث تحتاج في كلّ يوم إلى استثناء بعض التشريعات وزيادة أُخرى، إضافة إلى تناقض القوانين المطروحة في العالم من قبل البشر، وما ذلك إلاّلقصورهم عن معرفة الاِنسان حقيقة المعرفة وانتفاء سائر الشروط في واضعيها.
فإذا كان استقرار الحياة الاجتماعية للبشر متوقفاً على التقنين الاِلهي، فواجب في حكمته تعالى إبلاغ تلك القوانين إليهم عبر واحد منهم يرسله إليهم، والحامل لرسالة اللّه سبحانه هو النبيّ المنبىَ عنه والرسول المبلّغ إلى الناس، فبعث الاَنبياء واجب في حكمته تعالى حفظاً للنظام المتوقف على التقنين الكامل.
وإلى هذا الدليل يشير قوله تعالى:
(لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ) . (1)

2. حاجة المجتمع إلى المعرفة

إنّ الاِنسان ـ كغيره من الموجودات الحيّة ـ مجهّز بهداية تكوينية لكنّها غير وافية في إبلاغه الغاية التي خلق لها، ولاَجل ذلك ضمّ الخالق إلى تلك الغرائز
(1) الحديد:25.

(250)
مصباحاً يضيء له السبيل في مسيرة الحياة، ويفي بحاجاته التي تقصر الغرائز عن إيفائها، وهو العقل.
ومع ذلك كلّه فإنّ العقل أيضاً غير كاف في إبلاغه إلى السعادة المتوخّاة، بل يحتاج إلى عامل ثالث يعينه في بلوغ تلك الغاية، ووجه ذلك انّ العقل الاِنساني غير مصون عن الخطأ والزلل.
ثمّ إنّ أهمّ ما يحتاج الاِنسان إلى التعرف عليه ليكون ناجحاً في الوصول إلى السعادة المطلوبة من حياته أمران: المعرفة باللّه سبحانه، والتعرّف على مصالح الحياة ومفاسدها، والمعرفة الكاملة في هذين المجالين لا تحصل للاِنسان إلاّ في ضوء الوحي وتعاليم الاَنبياء، وأمّا العلوم الاِنسانية فهي غير كافية فيهما.
وممّا يوضح قصور العلم البشري في العلوم الاِلهية انّهناك الملايين من البشر يقطنون بلدان جنوب شرق آسيا على مستوى راق في الصناعات والعلوم الطبيعية، ومع ذلك فهم في الدرجة السفلى في المعارف الاِلهية، فجلّهم ـ إن لم يكن كلّهم ـ عبّاد للاَصنام والاَوثان، وببابك بلاد الهند الشاسعة وما يعتقده مئات الملايين من أهلها من قداسة وتألُّه في «البقر».
نعم هناك نوابغ من البشر عرفوا الحقّ عن طريق التفكير والتعقّل كسقراط وأفلاطون وأرسطو، ولكنّهم أُناس استثنائيون، لا يعدّون معياراً في البحث، وكونهم عارفين بالتوحيد لا يكون دليلاً على مقدرة الآخرين عليه.
على أنّه من المحتمل جدّاً أن يكون وقوفهم على هذه المعارف في ظلّ ما وصل إليهم من التعاليم السماوية عن طريق رسله سبحانه وأنبيائه، قال صدر المتألّهين:
«أساطين الحكمة المعتبرة عند اليونانيين خمسة: أنباذ قلس
(251)
وفيثاغورث وسقراط وأفلاطون وأرسطا طاليس ـ قدس سرّهم ـ ، وقد لقى فيثاغورث تلاميذ سليمان بن داود ـ عليهما السّلام ـ بمصر واستفاد منهم وتلمّذ للحكيم المعظم الربّاني أنباذ قلس وهو أخذ عن لقمان الآخذ عن داود _ عليه السلام _ ، ثمّ سقراط أخذ عن فيثاغورث وأفلاطون عن سقراط وأخذ أرسطاطاليس عن أفلاطون وصحبه نيِّفاً وعشرين سنة...». (1)
وممّا يدلّ على قصور العلم الاِنساني عن تشخيص منافع البشر والمجتمعات ومضارّها، انّالمجتمع الاِنساني ـ مع ما بلغه من الغرور العلمي ـ لم يقف بعد على النظام الاقتصادي النافع له، فطائفة تزعم انّ سعادة البشر في نظام الرأسمالية والاقتصاد الحرّ المطلق، والاَُخرى تدّعي انّ سعادة البشر في النظام الاشتراكي وسلب المالكية عن أدوات الانتاج وتفويضها إلى الدولة الحاكمة.
كما أنّه لم يصل بعد إلى وفاق في مجال الاَخلاق وقد تعدّدت المناهج الاَخلاقيّة في العصر الاَخير إلى حدّ التضادّ فيها.
وأيضاً نرى أنّ الاِنسان ـ مع ما يدّعيه من العلم و المعرفة ـ لم يدرك بعد عوامل السعادة والشقاء له، بشهادة انّه يشرب المسكرات، ويستعمل المخدّرات، ويتناول اللحوم الضارّة، كما يقيم اقتصاده على الرِّبا الذي هو عامل إيجاد التفاوت الطبقي بين أبناء المجتمع.
فإذا كان هذا حال الاِنسان في معرفة المسائل الابتدائية في الاقتصاد والاَخلاق، وعوامل السعادة والشقاء، فما ظنّك بحاله في المسائل المبنيّة على أُسس تلك العلوم، أفبعد هذا الجهل المطبق يصحّ لنا أن نقول إنّ الاِنسان في غنى عن الوحي في سلوك طريق الحياة؟

(1) الرسائل:68ـ 69.

(252)
وفيما روي عن أئمّة أهل البيت _ عليهم السلام _ إشارات إلى هذا البرهان نأتي بنموذجين منها: قال الكاظم _ عليه السلام _ :
«يا هشام: ما بعث اللّه أنبياءه ورسله إلى عباده إلاّ ليعقلوا عن اللّه، فأحسنهم استجابة أحسنهم معرفة، وأعلمهم بأمر اللّه أحسنهم عقلاً، وأكملهم عقلاً أرفعهم درجة في الدنيا والآخرة». (1)
وقال الاِمام الرضا _ عليه السلام _ :
«لم يكن بدّ من رسول بينه و بينهم معصوم يوَدّي إليهم أمره ونهيه وأدبه، ويقفهم على ما يكون به من إحراز منافعهم ودفع مضارّهم إذ لم يكن في خلقهم ما يعرفون به ما يحتاجون إليه». (2)

(1) الكافي:ج1، كتاب العقل والجهل، الحديث 12.
(2) بحار الاَنوار:11|40.

(253)

الفصل الثاني
أدلّة منكري بعثة الاَنبياء

الدليل الاَوّل

إنّ الرسول إمّا أن يأتي بما يوافق العقول أو بما يخالفها، فإن جاء بما يوافق العقول، لم يكن إليه حاجة، ولا فائدة فيه، وإن جاء بما يخالف العقول، وجب ردّ قوله.
وبعبارة أُخرى: إنّ الذي يأتي به الرسول لا يخلو من أحد أمرين: إمّا أن يكون معقولاً، وإمّا أن لا يكون معقولاً.
فإن كان معقولاً، فقد كفانا العقل التام بإدراكه والوصول إليه، فأي حاجة لنا إلى الرسول؟ وإن لم يكن معقولاً، فلا يكون مقبولاً، إذ قبول ما ليس بمعقولٍ، خروجٌ عن حدّ الاِنسانية ودخول في حريم البهيمية.

والجواب

إنّ حصر ما يأتي به الرسول بموافق العقول ومخالفها، حصر غير حاصر، فإنّ
(254)
هاهنا شقّاً ثالثاً وهو إتيانهم بما لا يصل إليه العقل بالطاقات الميسورة له، فإنّك قد عرفت فيما أقمنا من الاَدلّة على لزوم البعثة، أنّ عقل الاِنسان وتفكّره قاصر عن نيل الكثير من المسائل.

الدليل الثاني

قد دلّت الدلائل العقلية على أنّ للعالم صانعاً عالماً قادراً حكيماً، وأنّه أنعم على عباده نعماً توجب الشكر، فننظر في آيات خلقه بعقولنا، ونشكره بآلائه علينا، وإذا عرفناه وشكرنا له، استوجبنا ثوابه، وإذا أنكرناه وكفرنا به، استوجبنا عقابه، فما بالنا نتّبع بشراً مثلنا؟!
والجواب عنه بوجهين:
الاَوّل: إنّ كثيراً من الناس لا يعرفون كيفية الشكر، فربما يتصوّرون أنّ عبادة المقرَّبين نوع شكر للّه سبحانه، فلاَجل ذلك ترى عبدة الاَصنام و الاَوثان يعتقدون أنّ عبادتهم للمخلوق شيءٌ موجب للتقرّب. (1)
الثاني: إنّ تخصيص برامج الاَنبياء بالاَمر بالشكر والنهي عن كفران النعمة، غفلة عن أهدافهم السامية، فإنّهم جاءوا لاِسعاد البشر في حياتهم الفردية والاجتماعية، ولا تختصّ رسالتهم بالاَوراد والاَذكار الجافّة، كتلك الّتي يردّدها أصحاب بعض الديانات أيّام السّبت والاَحد في البيع والكنائس، وإنّك لتقف على عظيم أهداف رسالة النبيّ الاَكرمص إذا وقفت على كلمته المأثورة:
«إنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة». (2)
(1) قال تعالى حكاية عن المشركين:(وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللّهِ زُلْفى) (الزمر:3).
(2) تاريخ الطبري، :2|63، قاله النبي عند دعوة أقاربه إلى الاِسلام.

(255)

الدليل الثالث

إنّ أكبر الكبائر في الرسالة، اتّباع رجل هو مثلك في الصورة والنفس والعقل، يأكل ممّا تأكل، ويشرب ممّا تشرب... فأي تميّز له عليك؟ وأيّفضيلة أوجبت استخدامك؟ وما دليله على صدق دعواه؟ (1)

والجواب

ليس هذا المذكور في الدليل بشيء مستحدث، بل هذا ما كان المشركون يكرّرونه على ألسنتهم معترضين على رسلهم، كما ذكره تعالى في الكتاب الكريم:
قال تعالى:
(...وَأَسَرُّوا النَّجْوى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ...). (2)
وقال تعالى:
(وَقالَ الْمَلاَُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ وَأَتْرَفْنهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ما هذا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأَكُلُ مِمّا تَأَكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ* وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ). (3)
ولكنّ الرسل قابلتهم بالجواب، وصدّقتهم بأنّهم مثلهم في الجسم الصورة، لكنّهم غيرهم في المعرفة و الكمال الروحي، لصلتهم باللّه سبحانه دونهم،
(1) أُنظر للوقوف على مدارك أدلّة البراهمة، الملل والنحل للشهرستاني:2|250ـ252؛ وكشف المراد: 217؛ وشرح التجريد:358.
(2) الاَنبياء:3.
(3) الموَمنون:33ـ34.

(256)
واطّلاعهم على الغيب بإذنه سبحانه.
قال عزّ من قائل:
(قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللّهُ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللّهِ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُوَْمِنُونَ) . (1)
وقد أمر اللّه تعالى رسوله أن يواجه هذا المنطق بقوله:
(قُلْإِنّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ) . (2)
فالجملة الاَُولى، وهي الاِتحاد في البشرية، إشارة إلى أحد ركني الرسالة، وهو لزوم المسانخة التامة بين المرسل ـ بالفتح ـ والمُرسَل إليه.
وقوله:(يُوحى إِلَيّ) ، إشارة إلى وجه الفرق بينهما، وأنّه لاَجل نزول الوحي عليه يجب اتّباعه وإطاعته.
وبذلك يظهر تميّز الاَنبياء وفضيلتهم وتقدّمهم على غيرهم.
وأمّا دليلهم على صدق ادّعاءاتهم، فسيوافيك في البحث التالي أنّهناك طرقاً ثلاثة لتمييز النبيّ الصادق عن المتنبّىَ الكاذب.
(1) إبراهيم:11.
(2) فصلت: 6.

(257)

الفصل الثالث
طرق التعرّف
على صدق دعوى النبوّة

يجب أن تقترن دعوى النبوَّة بدليل يثبت صحّتها وإلاّ كانت دعوى فارغة غير قابلة للاِذعان والقبول وهذا ما تقتضيه الفطرة الاِنسانية، يقول الشيخ الرئيس في كلمته المشهورة:
«من قبل دعوى المدّعي بلا بيِّنة وبرهان، فقد خرج عن الفطرة الاِنسانية».
ثمّ إنّ هنا طرقاً ثلاثة للوقوف على صدق مدّعي النبوَّة في دعواه وهي :
ألف. الاِعجاز.
ب. تصديق النبيّ السابق نبوّة النبيّاللاحق.
ج. جمع القرائن والشواهد من حالات المدّعي وتلامذة منهجه.
ولنبدأ باستعراض هذه الطرق، الواحد تلو الآخر:

(258)

1. الاِعجاز


تعريف المعجزة

المشهور في تعريف المعجزة أنّها :«أمر خارق للعادة، مقرون بالتحدّي، مع عدم المعارضة» (1) وإليك توضيحه:
إنّ هناك أُموراً تعدّ خارقة (مضادّة) للعقل، كاجتماع النقيضين وارتفاعهما، ووجود المعلول بلاعلّة ونحو ذلك، وأُموراً أُخرى تخالف القواعد العادية، بمعنى انّها تعدّمحالات حسب الاَدوات والاَجهزة العادية، والمجاري الطبيعية، ولكنّها ليست محالاً عقلاً لو كان هناك أدوات أُخرى خارجة عن نطاق العادة، وهي المسمّاة بالمعاجز، وذلك كحركة جسم كبير من مكان إلى مكان آخر بعيد عنه، في فترة زمانية لا تزيد على طرفة العين بلا تلك الوسائط العادية، فإنّه غير ممتنع عقلاً ولكنّه محال عادة، ومن هذا القبيل ما يحكيه القرآن من قيام من أوتي علماً من الكتاب بإحضار عرش بلقيس ملكة سبأ، من بلاد اليمن إلى بلاد الشام في طرفة عين بلا توسط شيء من تلك الاَجهزة المادّية المتعارفة (2) فتحصّل أنّ الاِعجاز أمر خارق للعادة لا للعقل.
ثمّ إنّ الاِتيان بما هو خارق للعادة لا يسمّى معجزة إلاّ إذا كان مقترناً بدعوى النبوّة، وإذا تجرّد عنها وصدر من بعض أولياء اللّه تعالى يسمّى «كرامة» وذلك كحضور الرزق لمريم _ عليها السلام _ بلا سعي طبيعي (3) ولاَجل ذلك كان الاَولى أن
(1) شرح التجريد: 465.
(2) لاحظ النمل:40.
(3) لاحظ آل عمران:37.

(259)
يضيفوا إلى التعريف قيد:«مع دعوى النبوّة (1).
ولا يتحقّق الاِعجاز إلاّ إذا عجز الناس عن القيام بمعارضة ما أتى به مدّعي النبوّة، ويترتّب على هذا انّ ما يقوم به كبار الاَطباء والمخترعين من الاَُمور العجيبة خارج عن إطار الاِعجاز، كما أنّ ما يقوم به السحرة والمرتاضون من الاَعمال المدهشة، لا يعدّ معجزاً لانتفاء هذا الشرط.
ومن شرائط كون الاِعجاز دليلاً على صدق دعوى النبوّة أن يكون فعل المدّعي مطابقاً لدعواه، فلو خالف ما ادّعاه لما سمّي معجزة وإن كان أمراً خارقاً للعادة، ومن ذلك ما حصل من مسيلمة الكذاب عندما ادّعى انّه نبي، وآية نبوته انّه إذا تفل في بئر قليلة الماء، يكثر ماوَها، فتفل فغار جميع ماوَها.

دلالة الاِعجاز والتحسين والتقبيح العقليّان

إنّ دلالة المعجزة على صدق دعوى النبوّة يتوقّف على القول بالحسن والقبح العقليّين، لاَنّ الاِعجاز إنّما يكون دليلاً على صدق النبوّة، إذا قبح في العقل إظهار المعجزة على يد الكاذب، فإذا توقّف العقل عن إدراك قبحه واحتمل صحّة إمكان ظهوره على يد الكاذب، لا يقدر على التمييز بين الصادق والكاذب، فالذين أعدموا العقل ومنعوا حكمه بهما، يلزم عليهم سدّ باب التصديق بالنبوّة من طريق الاِعجاز، قال العلاّمة الحلّي:
«لو كان الحسن والقبح باعتبار السمع لا غير لما قبح من اللّه تعالى شيء، ولو كان كذلك لما قبح منه تعالى إظهار المعجزات على يد
(1) لا تختص المعجزة بدعوى النبوة، بل يعمّها و دعوى الاِمامة وغيرها من الدعاوى الاِلهية، كدعوى المسلم انّ شريعة الاِسلام هي الحق دون غيرها من الشرائع، ويقوم بالمباهلة ، فذلك معجزة ألبتة، فالصحيح في تعريف المعجزة أن يقال:«هو الفعل الخارق للعادة الذي يأتي به من يدّعي منصباً أو مقاماً إلهياً شاهداً على صدق دعواه» راجع البيان في تفسير القرآن: 33.

(260)
الكاذبين، وتجويز ذلك يسدّ باب معرفة النبوّة، فإنّ أيّ نبي أظهر المعجزة عقيب ادّعاء النبوّة لا يمكن تصديقه مع تجويز إظهار المعجزة على يد الكاذب في دعوى النبوّة». (1)

الرابطة المنطقية بين الاِعجاز ودعوى النبوّة

هناك من يتخيّل انّ دلالة المعجزة على صدق دعوى النبيّ، دلالة إقناعية لا برهانية، بحجّة انّ الدليل البرهاني يتوقّف على وجود رابطة منطقية بين المدّعى والدليل، وهي غير موجودة في المقام، ويردّه انّ دعوى النبوّة والرسالة من كلّ نبي ورسـول ـ على ما يقصّه القـرآن ـ إنّما كانت بدعوى الوحي والتكليم الاِلهي بلا واسطة أو بواسطة نزول ملك، وهذا أمر لا يساعده الحس ولا توَيّده التجربة، فإنّ الوحي والتكليم الاِلهي وما يتلوه من التشريع والتربية الدينية ممّا لا يشاهده البشر في أنفسهم، والعادة الجارية في الاَسباب والمسبّبات تنكره، فهو أمر خارق للعادة.
فلو كان النبي صادقاً في دعواه النبوّة والوحي، لكان لازمه انّه متّصل بما وراء الطبيعة، موَيَّد بقوَّة إلهية تقدر على خرق العادة، فلو كان هذا حقّاً كان من الممكن أن يصدر من النبيّخارق آخر للعادة يصدّق النبوّة والوحي من غير مانع منه، فانّ حكم الاَمثال واحد، فلئن أراد اللّه هداية الناس بطريق خارق للعادة وهو طريق النبوّة والوحي، فليوَيّدها وليصدّقها بخارق آخر وهو المعجزة.
وهذا هو الذي بعث الاَُمم إلى سوَال المعجزة على صدق دعوى النبوّة كلّما جاءهم رسول من أنفسهم. (2)
(1) نهج الحق وكشف الصدق: 84 .
(2) الميزان:1|86.

(261)

فوارق المعجزة لسائر خوارق العادة

إنّهناك جهات من التمايز والتفارق بين المعجزة والكرامة وبين غيرهما من خوارق العادات وهي: الجهة الاَُولى من حيث طريق الحصول عليها، فإنّ المعجزة والكرامة وليدتان لعناية إلهية خاصة، وليس السبب لهما مما تناله يد الدراسة والتعلّم، ولكن السحر ونحوه نتاج التعليم والتعلّم ولها مناهج تعليمية يجب ممارستها حتى يصل طالبها إلى النتائج المطلوبة يقول سبحانه:
(وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحرَ ـ إلى أن قال: ـ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِوَزَوجِهِ) . (1)
قال القاضي عبد الجبار:
«إنّ الحيلة ممّا يمكن أن تتعلم وتعلم،وهذا غير ثابت في المعجزة».(2)
ومن هنا فإنّ السحر ونحوه قابل للمعارضة دون المعجزة، وإلى هذا أشار عبد الجبار بقوله:
«إنّ الحيل ممّا يقع فيها الاشتراك، وليس كذلك المعجزة». (3)
ولمّا كان السحر ونحوه رهن التعليم والتعلم، فهو متشابه في نوعه، متّحد في جنسه، يدور في فلك واحد، ولا يخرج عن نطاق ما تعلمه أهله ولذا لا يأتون إلاّ بما تدرّبوا عليه، بخلاف إعجاز الاَنبياء فانّه على جانب عظيم من التنوّع في الكيفيّة إلى حدّ قد لا يجد الاِنسان بين المعجزات قدراً مشتركاً وجنساً قريباً، كما في المعجزات التي يخبر بها القرآن عن موسى وعيسى ـ عليهما السّلام ـ بقوله تعالى:

(1) البقرة:102.
(2) شرح الاَُصول الخمسة:572.
(3) نفس المصدر.

(262)
(فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ) . (1)
وقوله تعالى:
(وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنّاظِرينَ) . (2)
وقوله تعالى:
(وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَومِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَفَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشَرَةَ عَيْناً) . (3)
وقوله تعالى:
(فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظيْمِ) . (4)
وقوله سبحانه:
(وَرَسُولاً إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِىَُ الاََكْمَهَ وَالاََبْرَصَ وَأُحْيِ المَوْتى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لآيةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُوَْمِنينَ). (5)
نعم الحكمة الاِلهية اقتضت أن تكون معاجز الاَنبياء مناسبة للفنون الرائجة في عصورهم حتى يتسنّى لخبراء كلّفنٍّ تشخيص المعاجز وإدراك استنادها إلى القدرة الغيبية، وتميّزها عن الاَعمال الباهرة المستندة إلى العلوم والفنون الرائجة.
الجهة الثانية من حيث الاَهداف والغايات، فإنّ أصحاب المعاجز يتبنّون أهدافاً عالية ويتوسّلون بمعاجزهم لاِثبات حقّانية تلك الاَهداف ونشرها، وهي تتمثّل في الدعوة إلى اللّه تعالى وحده وتخليص الاِنسان من عبوديّة الاَصنام
(1) الاَعراف:107.
(2) الاَعراف:108.
(3) البقرة:60.
(4) الشعراء:63.
(5) آل عمران:49.

(263)
والحجارة والحيوانات والدعوة إلى الفضائل ونبذ الرذائل، واستقرار نظام العدل الاجتماعي وغير ذلك، كما أنّ أصحاب الكرامات أيضاً لايتبنّون إلاّ ما يكون موافقاً لرضى اللّه سبحانه لا غير.
وهذا بخلاف المرتاضين والسحرة، فغايتهم إمّا كسب الشهرة والسمعة بين الناس، أو جمع المال والثروة، وغير ذلك ممّا يناسب متطلّبات القوى البهيميّة.
الجهة الثالثة من حيث التقيّد بالقيم الاَخلاقية، فإنّ أصحاب المعاجز والكرامات ـ باعتبار كونهم خرّيجي المدرسة الاِلهية ـ متحلّون بأكمل الفضائل والاَخلاق الاِنسانية، والمتصفّح لسيرتهم لا يجد فيها أيّ عمل مشين ومناف للعفّة ومكارم الاَخلاق، وأمّا أصحاب الرياضة و السحر، فهم دونهم في ذلك، بل تراهم غالباً فارغين عن المثل و الفضائل والقيم.
فبهذه الضوابط يتمكّن الاِنسان من تمييز المعجزة عن غيرها من الخوارق والنبيّ عن المرتاض والساحر.

هل المعجزة تناقض قانون العلّية وبرهان النظم؟

إنّالمعجزات لا تعدّ نقضاً لقانون العلّية العام، فإنّ المنفي في مورد المعجزة هو العلل المادّية المتعارفة الّتي وقف عليها العالم الطبيعي واعتاد الاِنسان على مشاهدته في حياته ولكن لا يمتنع أن يكون للمعجزة علّة أُخرى لم يشاهدها الناس من قبل ولم يعرفها العلم ولم تقف عليها التجربة.
كما أنّها لا تضعضع برهان النظم الّذي يستدل به على وجود الصانع، وذلك لاَنّ الاِعجاز ليس خرقاً لجميع النظم السائدة على العالم، وإنّما هو خرق في جزء من أجزائه غير المتناهية الخاضعة للنظام والدالّة ببرهان النظم على وجود الصانع.

(264)

2. تنصيص النبيّ السابق

إذا ثبتت نبوَّة نبي بدلائل مفيدة للعلم بنبوَّته، ثمّ نص هذا النبي على نبوَّة نبيّ لاحق يأتي من بعده، كان ذلك حجّة قطعيّة على نبوَّة اللاحق، لا تقلّ في دلالتها عن المعجزة.
وذلك لاَنّ النبيّ الاَوّل، إذا ثبتت نبوّته، يثبت كونه معصوماً عن الخطأ والزلل، لا يكذب ولا يسهو، فإذا قال ـ والحال هذه ـ :سيأتي بعدي نبيّ اسمه كذا، وأوصافه كذا وكذا، ثمّ ادّعى النبوّة بعده شخص يحمل عين تلك الاَوصاف والسمات، يحصل القطع بنبوَّته.
ولابدّ أن يكون الاستدلال بعد كون التنصيص واصلاً من طريق قطعي، وكون الاَمارات والسمات واضحة، منطبقة تمام الانطباق على النبيّ اللاحق، وإلاّ يكون الدليل عقيماً غير منتج.
ومن هذا الباب تنصيص المسيح على نبوّة النبي الخاتم ص، كما يحكيه سبحانه بقوله:
(وَإِذْ قالَ عِيسى ابنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَد) . (1)

(1) الصف:6.

(265)
ويظهر من الذكر الحكيم أنّ السلف من الاَنبياء وصفوا النبيّ الاَكرم بشكل واضح، وأنّ أهل الكتاب كانوا يعرفون النبي كمعرفتهم لاَبنائهم، قال سبحانه:
(الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) . (1)
بناءً على رجوع الضمير إلى النبي، المعلوم من القرائن، لا إلى الكتاب.
وقال سبحانه:
(الَّذِيْنَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الاَُمِّيَّ الّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوراةِ وَالاِِنْجيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ) . (2)
وقد آمن كثير من اليهود والنصارى بنبوّة النبيّ الخاتم في حياته وبعد مماته، لصراحة التباشير الواردة في العهدين.
هذا، وإنّ الاعتماد على هذا الطريق في مجال نبوّة النبيّ الخاتم، في عصرنا هذا، يتوقّف على جمع البشائر الواردة في العهدين وضمّها إلى بعضها، حتى يخرج الاِنسان بنتيجة قطعيّة على أنّ المراد من النبي المُبشَّر به فيهما هو النبيّ الخاتم. وقد قام بهذا المجهود لفيف من العلماء وألَّفوا فيه كتباً (3)، وسيوافيك بحثه في النبوّة الخاصّة، بإذنه تعالى.

(1) البقرة:146.
(2) الاَعراف:157.
(3) لاحظ منها كتاب «أنيس الاَعلام»، وموَلّفه كان قسيساً محيطاً بالعهدين وغيرهما وقد تشرّف بالاِسلام، وألّف كتباً كثيرة، منها هذا الكتاب وقد طبع في ستة أجزاء.

(266)

3. جمع القرائن والشواهد

هذا هو الطريق الثالث لتمييز النبيّ الصادق عن المتنبّىَ الكاذب وهذا الطريق ضابطة مطّردة في المحاكم القانونية، معتمدٌ عليه في حلّ الدعاوى والنزاعات، يسلكه القضاة في إصدار أحكامهم، ويستند إليه المحامون في إبراء موكّليهم، خاصّة في المحاكم الغربية التي تفتقد القضاء على ضوء الاَيمان والبيّنات، وتقضي هذه الطريقة بجمع كلّ القرائن والشواهد التي يمكن أن توَيّد دعوى المدّعي، أو إنكار المنكر، وضمّها إلى بعضها حتى يحصل القطع بصحّة دعواه أو إنكاره.
ويمكن تطبيق هذه الطريقة بعينها في مورد دعوى النبوّة، فنتحرّى جملة القرائن الّتي يمكن أن نقطع معها بصدق الدعوى، ومن أهمّ هذه القرائن:

1. نفسيّات النبي

ممّا يدلّ على كون مدّعي النبوّة صادقاً في دعواه، تحلّيه بروحيات كمالية عالية، وأخلاق إنسانية فاضلة، غير منكبّ على الدنيا وزخرفها، ولا طالب للرئاسة والزعامة، لم ير له في حياته منقصة، ودناسة، بل عرف بكلّ خلق كريم، واشتهر بالنّزاهة والطهارة.
فجميع هذه الصفات تدلّ على صفائه في روحه وباطنه، وبالتالي صدقه في دعواه.

(267)

2. مضمون الدعوة

من جملة القرائن التي ترشد إلى صدق المدّعي أو كذبه في دعواه، مضمون العقيدة التي يحملها،والدعوة التي يدعو إليها، ومقدار التوافق بينهما.
فإذا كانت العقيدة التي يحملها، والمعارف التي يدعو إلى اعتناقها، معارف إلهية تبحث في خالق الكون وصفاته وأفعاله، وكانت دعوته العملية مرشدة إلى التحلّي بالمُـثُـل الاَخلاقيـة، والفضائل الاِنسانية، وناهية عن الرذائل النفسية وركوب الشهوات المنحرفة والفسق والمجون، كانت هذه قرائن على اتصال دعوته بخالق الكون، ومبدأ الخير والجمال.

3. الاَدوات التي يستفيد منها في دعوته

من القرائن الّتي تدلّ على صدق المدّعي في دعوى النبوّة والسفارة الاِلهية، اعتماده في دعوته على أساليب إنسانية، موافقة للفطرة والطهارة، فإنّ لذلك دلالات على إلهية دعواه.
وأمّا لو اعتمد في نشر وتبليغ ما يدّعيه على وسائل إجرامية، وأساليب وحشية غير إنسانية، متمسكاً بقول ماكيافللي: «الغاية تبرّر الوسائل» (1)، كان هذا دليلاً على كون دعواه شخصية محضة، لا صلة لها بالعالم الربوبي.

(1) نيكولو ماكيافللي (1469ـ1527م). سياسي وموَرخ إيطالي، أحد أعلام عصر النهضة في اوربا، شارك في الحياة السياسية في إيطاليا ثمّ اعتزلها عام (1512م) متفرغاً للتأليف، وعرف في تاريخ الفكر السياسي بموَلّفه الشهير «الاَمير»، حيث أيّد فيه نظام الحكم المطلق، وأحلّ فيه للحاكم اتّخاذ كلّ وسيلة تكفل استقرار حكمه واستمراره، ولو كانت منافية للدين والاَخلاق وذلك على أساس أنّ الغاية تبرّر الوسيلة، ومن هنا صار لفظ «المكيافللية» وصفاً لكلّ مذهب ينادي بأنّ الغاية تبرر الواسطة أو الوسيلة.
غير أنّ ماكيافللي عاد في كتابه «المحاضرات»، فأيّد النظام الجمهوري الذي يقوم على سيادة الشعب، وعدَّ مزايا هذا النظام وفضّله على النظام الملكي.

(268)

4. الموَمنون به

إنّ لنفسيات الموَمنين بمدّعي النبوّة وحواريه، دلالة خاصّة على صدقه فيما يدّعيه،وذلك أنّ أقرباء المدّعي وبطانته إذا آمنوا به، واتّبعوا دعوته، وبلغوا فيها مراتب عالية من التقوى والورع، كان هذا دالاًّ على صدق المدّعي في ظاهره وباطنه، وعدم التوائه وكذبه، لاَنّ الباطن لا يمكن أن يخفى عن الاَقرباء والبطانة.
هذه القرائن وما يشابهها إذا اجتمعت في مدّعي النبوّة، ودعواه التي يدّعيها، كانت دليلاً قاطعاً على صدقه، فإنّ كلّ واحدة من القرائن، وإن كانت قاصرة عن إفادة اليقين، إلاّ أنّها بمجموعها تفيده.
أوّل من طرق هذا الباب
إنّ أوّل من طرق هذا الباب، وجعل القرائن المفيدة للقطع بصدق المدّعي، دليلاً على صحّة الدعوى، هو قيصر الروم، فإنّه عندما كتب إليه النبيّ الاَكرم ـ صلّى اللّه عليه وآله وسلم ـ رسالة يدعوه فيها إلى اعتناق دينه الّذي أتى به، أخذ ـ بعد استلامه الرسالة ـ يتأمّل في عبارات الرسول، وكيفية الكتابة، حتى وقع في نفسه احتمال صدق الدعوى، فأمر جماعة من حاشيته بالتجوّل في الشام والبحث عمّن يعرف الرسول عن قرب، ومطّلع على أخلاقه وروحياته، فانتهى البحث إلى العثور على أبي سفيان وعدّة كانوا معه في تجارة إلى الشام، فأُحضروا إلى مجلس قيصر، فطرح عليهم الاَسئلة التالية:
* قيصر: كيف نسبه فيكم؟
ـ أبو سفيان: محضٌ، أوسطنا نسباً.
* قيصر: أخبرني، هل كان أحد من أهل بيته يقول مثل ما يقول، فهو
(269)
يتشبّه به؟
ـ أبوسفيان: لا، لم يكن في آبائه من يدّعي ما يقول.
* قيصر: هل كان له فيكم ملك فاستلبتموه إيّاه، فجاء بهذا الحديث لتردّوا عليه ملكه؟
ـ أبو سفيان: لا.
* قيصر: أخبرني عن أتباعه منكم، من هم؟
ـ أبو سفيان: الضعفاء والمساكين والاَحداث من الغلمان والنساء، وأمّا ذوو الاَسنان والشرف من قومه فلم يتبعه منهم أحد.
* قيصر: أخبرني عمّن تبعه، أيحبه ويلزمه؟ أم يقليه ويفارقه؟
ـ أبو سفيان: ما تبعه رجل ففارقه.
* قيصر: أخبرني كيف الحرب بينكم وبينه؟
ـ أبو سفيان: سجال، يدال علينا وندال عليه.
* قيصر: أخبرني هل يغدر؟
ـ أبو سفيان:(لم أجد شيئاً ممّا سألني عنه أغمزه فيه غيرها فقلت): لا، ونحن منه في هدنة، ولا نأمن غدره،(وأضاف أبوسفيان بأنّ قيصر ما التفت إلى الجملة الاَخيرة منه).
ثمّ إنّ قيصر أبان وجه السوَال عن الاَُمور السابقة وأنّه كيف استنتج من الاَجوبة التي سمعها من أبي سفيان أنّه نبيّ صادق، بقوله:
«سألتك كيف نسبه فيكم، فزعمت أنّه محض من أوسطكم نسباً، وكذلك يأخذ اللّه النبي إذا أخذه، لا يأخذه إلاّ من أوسط قومه نسباً.

(270)
وسألتك هل كان أحد من أهل بيته يقول بقوله: فهو يتشبّه به، فزعمت أن لا.
وسألتك هل كان له فيكم ملك فاستلبتموه إيّاه، فجاء بهذا الحديث يطلب به ملكه، فزعمت أن لا.
وسألتك عن أتباعه فزعمت أنّهم الضعفاء والمساكين والاَحداث والنساء، وكذلك أتباع الاَنبياء في كلّ زمان.
وسألتك عمّن يتبعه، أيحبّه ويلزمه، أم يقليه ويفارقه، فزعمت أن لا يتبعه أحد فيفارقه، وكذلك حلاوة الاِيمان لا تدخل قلباً فتخرج منه.
وسألتك هل يغدر، فزعمت أن لا. فلئن صدقتني عنه ليغلبني على ما تحت قدميّ هاتين،ولوددت أنّي عنده فأغسل قدميه، إنطلق لشأنك».
قال أبو سفيان:
«فقمت من عنده وأنا أضرب إحدى يديّ بالاَُخرى وأقول: إي عباد اللّه، لقد أمِرَ أمرُ ابن أبي كبشة، أصبح ملوك بني الاَصفر يهابونه في سلطانهم بالشام». (1)
وممّن طرق هذا الباب في القرن الثالث عشر أحد مشايخ الشيعة في مدينة إسطنبول، فقد ألّف كتابه «ميزان الموازين» (2) وأوعز إلى هذا الطريق عند البحث عن نبوّة خاتم الاَنبياء، وبعده الكاتب السيد محمّد رشيد رضا، موَلّف المنار، في كتابه «الوحي المحمدي»، فقد بلغ الغاية في جمع الشواهد والقرائن، وسنسلك نحن هذا الطريق عند البحث في النبوّة الخاصّة.

(1) تاريخ الطبري:2|290ـ291، حوادث السنة السادسة للهجرة.
(2) طبع الكتاب عام 1288.

(271)

الفصل الرابع
حقيقة الوحي في النبوّة

الوحي في اللّغة كما يستنبط من نصوص أهلها في معاجمهم هو الاِعلام بخفاء بطريق من الطرق (1) وقد جاء استعماله في القرآن الكريم في موارد متعدّدة مختلفة يجمعها المعنى اللغوي حقيقة أو ادّعاءً، منها قوله سبحانه:
(وَأَوحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها) . (2)
أي أودع في كلّ سماءٍ السنن والاَنظمة الكونية، وقدّر عليها دوامها، فإيجاد السنن والنظم في السماوات على وجه لا يقف عليه إلاّ المتدبّر في عالم الخلقة يشبه الاِلقاء والاِعلام بخفاء بنحو لا يقف عليه إلاّ الملقى إليه، وهو الوحي.
ومنها قوله سبحانه:
(وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذي مِنَ الْجِبالِبُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمّا يَعْرِشُونَ).(3)
(1) راجع في ذلك معجم مقاييس اللغة:6|93؛ المفردات في غريب القرآن، مادة «وحي»؛ لسان العرب:15|379.
(2) فصلت:12.
(3) النحل:68.

(272)
فأطلق الوحي على ما أودع في صميم وجود النحل من غريزة إلهية تهديه إلى أعماله الحيويّة الخاصّة.
ومنها قوله سبحانه:
(وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيه) . (1)
حيث إنّ تفهيم أُمّ موسى مصير ولدها كان بإلهام وإعلام خفي، عبّر عنه بالوحي.
ومنها قوله تعالى في وصف زكريّا:
(فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيّاً).(2)
والمعنى: أشار إليهم من دون أن يتكلّم، لاَمره سبحانه إيّاه أن لا يكلّم الناس ثلاث ليال سويّاً، فأشبه فعله، إلقاء الكلام بخفاء لكون الاِشارة أمراً مبهماً.
ومنها قوله تعالى:
(وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ) . (3)
ويعلم وجه استعمال الوحي هنا ممّا ذكرناه فيما سبقه.

وحي النبوّة

ولكنّ الغالب في استعمال كلمة الوحي في القرآن هو كلام اللّه المنزل على
(1) القصص:7.
(2) مريم:11.
(3) الاَنعام:121.

(273)
نبيّ من أنبيائه، فكلّما أطلق الوحي وجرّد عن القرينة يراد منه ذلك، وهذا هو الذي نحن بصدد بيان حقيقته فنقول:
والوحي الّذي يختصّ به الاَنبياء إدراك خاصّ متميّز عن سائر الاِدراكات فإنّه ليس نتاج الحس ولا العقل ولا الغريزة، وإنّما هو شعور خاص يوجده اللّه سبحانه في الاَنبياء وهوشعور يغاير الشعور الفكري المشترك بين أفراد الاِنسان عامّة، لا يغلط معه النبي في إدراكه ولا يشتبه ولا يختلجه شك ولا يعترضه ريب في أنّ الذي يوحي إليه هو اللّه سبحانه، من غير أن يحتاج إلى إعمال نظر أو التماس دليل، أوإقامة حجّة.
قال سبحانه:
(نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الاََمْينُ* عَلى قَلْبِكَ) . (1)
فهذه الآية تشير إلى أنّ الّذي يتلقّى الوحي من الروح الاَمين هو نفس النبيّ الشريفة، من غير مشاركة الحواس الظاهرة التي هي الاَدوات المستعملة في إدراك الاَُمور الجزئية.
وعلى هذا، فالوحي حصيلة الاِتّصال بعالم الغيب، ولا يصحّ تحليله بأدوات المعرفة المعتادة ولا بالاَُصول التي تجهّز بها العلم الحديث ومن لم يذعن بعالم الغيب يشكل عليه الاِذعان بهذا الاِدراك الّذي لا صلة له بعالم المادّة وأُصوله.

هل الوحي نتيجة النبوغ؟

إنّ هناك أُناساً يفسّرون النبوّات والرسالات ونزول الوحي على العباد الصالحين بنحو يجمع بين تصديق الاَنبياء من جانب، والاَُصول العلمية الحديثة
(1) الشعراء:193ـ194.

(274)
من جانب آخر، ومن هذا الباب تفسير بعضهم النبوّة بالنبوغ والوحي بلمعات ذاك النبوغ.
وحاصل مذهبهم: انّه يتميّز بين أفراد الاِنسان المتحضّر، أشخاص يملكون فطرة سليمة وعقولاً مشرقة تهديهم إلى ما فيه صلاح الاجتماع وسعادة الاِنسان، فيضعون قوانين فيها مصلحة المجتمع وعمران الدنيا، والاِنسان الصالح الذي يتميّز بهذا النوع من النبوغ هو النبي، والفكر الصالح المترشّح من مكامن عقله وومضات نبوغه هو الوحي، والقوانين التي يسنّها لصلاح الاجتماع هو الدّين، والروح الاَمين هو نفسه الطاهرة التي تفيض هذه الاَفكار إلى مراكز إدراكه، والكتاب السماوي هو كتابه الّذي يتضمن سننه وقوانينه.
ويلاحظ عليه أوّلاً: لو صحّت هذه النظرية لم يبق من الاعتقاد بالغيب إلاّ الاعتقاد بوجود الخالق البارىَ، أمّا ما سوى ذلك فكلّه نتاج الفكر الاِنساني الخاطىَ، وهذا في الواقع نوع إنكار للدين.
وثانياً: أنّ قسماً ممّا يقع به الوحي الاِنباء عن الحوادث المستقبلة، إنباءً لا يخطىَ تحقّقه أبداً، مع أنّ النوابغ وإن سموا في الذكاء والفطنة لا يخبرون عن الحوادث المستقبلة إلاّ مع الاحتياط والتردّد، لا بالقطع واليقين، وأمّا رجالات السياسة اللاعبون على حبالها لمصالحهم الشخصية، سواء صدقت تنبّوَاتهم أم كذبت، فإنّ حسابهم غير حساب النوابغ.
وثالثاً: أنّ حملة الوحي ومدّعي النبوّة ـ من أوّلهم إلى آخرهم ـ إنّما ينسبون تعاليمهم وسننهم إلى اللّه سبحانه ولا يدّعون لاَنفسهم شيئاً، ولا يشكّ أحد في أنّ الاَنبياء عباد صالحون، صادقون لا يكذبون، فلو كانت السنن التي أتوا بها من وحي أفكارهم، فلماذا يغرّون المجتمع بنسبتها إلى اللّه تعالى؟
هذا، ولو كانت شريعة النبيّ الخاتم ـ صلّى اللّه عليه وآله وسلم ـ والكتاب المجيد الذي جاء به،
(275)
وليدي النبوغ والعبقرية، فلماذا عجز عن مقابلته ومقارعته النوابغ والعباقرة طرّاً في جميع القرون إلى عصرنا هذا؟

هل الوحي نتيجة تجلّي الاَحوال الروحيّة؟

زعم بعض المستشرقين (1) انّ الوحي إلهام يفيض من نفس النبي لا من الخارج، وذاك انّ منازع نفسه العالية، وسريرته الطاهرة، وقوّة إيمانه باللّه وبوجوب عبادته، وترك ما سواها من عبادة وثنية وتقاليد وراثية رديئة يكون لها في جملتها من التأثير ما يتجلّى في ذهنه، ويحدث في عقله الباطن الروَى و الاَحوال الروحية فيتصوّر ما يعتقد وجوبه، إرشاداً إلهياً نازلاً عليه من السماء بدون وساطة، أو يتمثّل له رجل يلقّنه ذلك، يعتقد انّه ملك من عالم الغيب، وقد يسمعه يقول ذلك ولكنّه إنّما يرى و يسمع ما يعتقده في اليقظة كما يرى و يسمع مثل ذلك في المنام الذي هو مظهر من مظاهر الوحي عند جميع الاَنبياء.
يقول أصحاب هذه النظرية: لانشكّ في صدق الاَنبياء في إخبارهم عمّا رأوا وسمعوا، وإنّما نقول: إنّ منبع ذلك من نفسه وليس فيه شيء جاء من عالم الغيب الذي يقال إنّه وراء عالم المادّة والطبيعة.

نقد هذه النظرية

هذه النظرية التي جاء بها بعض الغربيين وإن كانت تنطلي على السذج من الناس وتأخذ بينهم رونقاً إلاّ انّ رجال التحقيق يدركون تماماً انّها ليست بشيء جديد قابل للذكر، وإنّما هي تكرار لمقالات العرب الجاهليّين في النبوّة والوحي،
(1) هذه النظرية مأثورة عن المستشرق «مونتيه» وفصّلها «إميل درمنغام»، لاحظ الوحي المحمدي، السيد محمّد رشيد رضا، الطبعة السادسة عام 1960م، ص66.

(276)
فمن جملة افتراءاتهم على النبيّ الاَكرمص ، وصم شريعته بانّها نتاج الاَحلام العذبة التي كانت تراود خاطره، ثمّ تتجلّى على لسانه وبصره، قال تعالى:
(بَلْقالُوا أَضغْاثُ أَحْلامٍ) . (1)
والقرآن يردّ مقالتهم ويركّز على أنّ الوحي أمر واقعي مفاض من اللّه سبحانه، ويقول:
(وَالنَّجْمِ إِذا هَوى* ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى* وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى* إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى*عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى) . (2)
وكذلك يقول:
(ما كَذَبَ الْفُوَادُ ما رَأى) . (3)
أي لم يكذّب فوَاد محمّد ـ صلّى اللّه عليه وآله وسلم ـ ما أدركه بصره، أي كانت روَيته صحيحة غير كاذبة وإدراكاً حقيقياً، وكذلك يقول:
(ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى) . (4)
كناية عن صحّة روَيته وانّه لم يبصر ما أبصره على غير صفته الحقيقية ولا أبصر ما لا حقيقة له.
والحاصل: انّ الاَنبياء كانوا يعرّفون أنفسهم بأنّهم مبعوثون من جانب اللّه تعالى ولا شأن لهم إلاّ إبلاغ الرسالات الاِلهيّة إلى الناس، هذا نوح شيخ الاَنبياء يقول:

(1) الاَنبياء:5.
(2) النجم:1ـ5.
(3) النجم:11.
(4) النجم:17.

(277)
(يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ* أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعَلَمُ مِنَ اللّهِ ما لا تَعْلَمُونَ* أَوَ عَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لُيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعلَّكُمْ تُرحَمُونَ) . (1)
ولا ريب في أنّهم كانوا صادقين في أقوالهم ـ كما اعترف به صاحب النظرية ـ وعندئذٍ لو قلنا بأنّ ما ذكروه غير مطابق للواقع وانّ ما أتوا به من المعارف والشرائع لم يكن رسالات إلهية وذكراً من جانبه سبحانه، بل كان نابعاً من باطن ضميرهم وتجلّيات نفوسهم، لكان الاَنبياء قاصرين في مجال المعرفة، مازالوا في جهل مركب، وهذا ما لا يتفوّه به من له أدنى معرفة بمقالات الاَنبياء وشخصياتهم الجليلة في مجال العلم والعمل، بل يأبى العقل والفطرة من اتّسام من دونهم بمراتب من رجالات العلم والدين بمثل هذا الجهل والخبط.

الوحي والشخصيّة الباطنة

إنّ جماعة من الغربيّين فسّروا الوحي بما أثبتوه في أبحاثهم النفسية من الشخصيّة الباطنة، لكلّ إنسان وقد جرّبوا ذلك على المنوَّمين تنويماً مغناطيسياً، فوجدوا أنّ النائم يظهر بمظهر من الحياة الروحية لا يكون له وهو يقظان، فيعلم الغيب ويخبر عن البعيدين، يبصر ويسمع ويحسّ بغير حواسّه الظاهرة ويكون على جانب كبير من التعقّل والاِدراك.
قالوا: هذه الشخصية هي التي تهدي الاِنسان بالخواطر الجيدة من خلال حجبه الجسمية الكثيفة، وهي التي تعطيه الاِلهامات الطيّبة الفجائية في الظروف الحرجة، وهي التي تنفث في روع الاَنبياء ما يعتبرونه وحياً من اللّه، وقد تظهر له
(1) الاَعراف:61ـ62.

(278)
متجسّدة فيحسبونها من ملائكة اللّه هبطت عليهم من السماء. (1)
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّهذه النظرية على فرض صحتها لا دلالة لها على أنّ خصوص الوحي عند الاَنبياء من سنخ إفاضة الشخصية الباطنية وتجلّيها عند تعطّل القوى الظاهرية.
وثانياً: أنّ الشخصّية الباطنية للاِنسان إنّما تتجلّى وتجد مجالاً للظهور بآثارها المختلفة، عند تعطّل القوى الظاهرية، فلذا يقوى ظهورها في المرضى والسكارى والنائمين، وتبقى مندثرة ومغمورة في طوايا النفس عندما تكون القوى الظاهرية والحواس البشرية في حالة الفعّالية والسعي، مع أنّ المعلوم من حالات الاَنبياء: انّ الوحي الاِلهي كان ينزل عليهم في أقصى حالات تنبّههم واشتغالهم بالاَُمور السياسية والدفاعية والتبليغية، فكيف يكون ما تجلّى للنبي وهو يخوض غمار الحرب، تجلّياً للشخصيّة الباطنة والضمير المخفي؟ وأين الاَنبياء من الخمول والانعزال عن المجتمع؟
(1) لاحظ دائرة المعارف لفريد وجدي: 10|712ـ716.

(279)

الفصل الخامس
عصمة أنبياء اللّه تعالى

إن ّللعصمة مراتب أو أبعاداً وهي:
1. العصمة في تلقّي الوحي وإبلاغه.
2. العصمة في العمل بالشريعة الاِلهيّة.
3. العصمة عن الخطأ في تطبيق الشريعة.
4. العصمة عن الخطأ في تشخيص مصالح الاَُمور ومفاسدها.
5. العصمة عن الخطأ في الاَُمور العادية.
6. التنزّه عن المنفِّرات.
والبحث عنها وعن مسائل أُخرى متعلّقة بها هو الغرض من هذا الفصل.

(280)

العصمة في اللغة والاصطلاح

قال ابن فارس:
«عصم: أصل واحد صحيح يدلّ على إمساك ومنع وملازمة، والمعنى في ذلك كلِّه واحد، من ذلك [العصمة] أن يعصم اللّه عبده من سوء يقع فيه، واعتصم العبد باللّه تعالى إذا تمنّع». (1)
وقال الراغب: العصم الاِمساك، والاعتصام الاستمساك، قال: (لا عاصم اليوم من أمر اللّه): أي لا شيء يعصم منه، وقال: ( ما لهم من اللّه من عاصم)، والاعتصام التمسّك بالشيء، قال: (اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً) (2)، انتهى ملخصاً.
هذا هو معناها اللغوي، وأمّا في اصطلاح المتكلّمين فالمشهور عند العدلية انّها لطف لا داعي معه إلى ترك الطاعة ولا إلى ارتكاب المعصية مع القدرة عليهما (3)وعند الاَشاعرة «أن لا يخلق اللّه فيهم ذنباً» (4). وقال المحقّق الجرجاني المتوفّى(816هـ) في كتاب التعريفات:
«العصمة ملكة اجتناب المعاصي مع التمكن منها». (5)

(1) المقاييس:4|331.
(2) المفردات: كتاب العين، مادة عصم.
(3) شرح المقاصد:4|312؛ إرشاد الطالبين:130.
(4) شرح المواقف:8|280.
(5) التعريفات:65، الطبعة الاَُولى، طهران.

(281)
أقول: ما ذكره الشريف هو الصحيح وما ذكره المشهور سبب إلهي لتحقّق العصمة، فالحقّ انّ العصمة غصن من دوحة التقوى، وهي ملكة نفسانية راسخة في النفس، تمنع الاِنسان عن المعصية مطلقاً، فهي من سنخ التقوى لكنّها درجة قصوى منها، فالتقوى في العاديين من الناس، كيفية نفسانية تعصم صاحبها عن اقتراف كثير من القبائح والمعاصي، فهي إذا ترقّت في مدارجها وعلت في مراتبها، تبلغ بصاحبها درجة العصمة الكاملة والامتناع المطلق عن ارتكاب أيّ قبيح من الاَعمال، بل يمنعه حتى التفكير في خلاف أو معصية.

عصمة الاَنبياء في تلقّي الوحي وإبلاغه

ذهب جمهور المتكلّمين من السنّة والشيعة إلى عصمة الاَنبياء في هذه المرحلة. والعصمة في هذه المرحلة على وجهين: أحدهما: العصمة عن الكذب، والثاني: العصمة عن الخطأ سهواً في تلقّي الوحي ووعيه وأدائه، وما سيجيء من الدليل الاَوّل على إثبات العصمة عن المعصية، يثبت عصمتهم في هذا المجال، ولاَجل ذلك اكتفى به المحقّق الطوسي في إثبات العصمة على الاِطلاق، فإنّ الوثوق التام بالاَنبياء لا يحصل إلاّ بالاِذعان البات بمصونيتهم عن الخطأ في تلقّي الوحي وتحمّله وأدائه، عمداً وسهواً.
أضف إلى ذلك انّ تجويز الخطأ في التبليغ ولو سهواً ينافي الغرض من الرسالة، أعني: إبلاغ أحكام اللّه تعالى إلى الناس.
ويدلّ على عصمة الاَنبياء في هذا المجال قوله تعالى:
(عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً * لِيَعْلَمَ أَنْ قَد ْأَبْلَغُوا
(282)
رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيءٍ عَدَداً). (1)
إنّ الآية تصف طريق بلوغ الوحي إلى الرسل، ومنهم إلى الناس بأنّه محروس بالحفظة يمنعون تطرّق أيّ خلل وانحراف فيه، حتى يبلغ الناس كما أُنزل من اللّه تعالى، ويعلم هذا بوضوح ممّا تذكره الآية من أنّ اللّه سبحانه يجعل بين الرسول ومن أُرسل إليهم ( من بين يديه) وبينه و مصدر الوحي (وَمن خَلفه ) رصداً مراقبين هم الملائكة.

لزوم عصمة الاَنبياء عن المعاصي

إنّ الاَدلّة العقليّة على وجوب عصمة الاَنبياء كثيرة نكتفي بتقرير دليلين منها:

1. الوثوق فرع العصمة

قال المحقّق الطوسي:
«ويجب في النبي العصمة ليحصل الوثوق، فيحصل الغرض».
تقريره ـ كما قال العلاّمة الحلّي ـ:
«إنّ المبعوث إليهم لوجوَّزوا الكذب على الاَنبياء والمعصية، جوّزوا في أمرهم ونهيهم وأفعالهم التي أمروهم باتّباعهم فيها ذلك، وحينئذٍ لا ينقادون إلى امتثال أوامرهم، وذلك نقض الغرض من البعثة». (2)
وبعبارة أُخرى ـ كما قال العلاّمة الطباطبائي ـ :

(1) الجن:26ـ 28.
(2) كشف المراد:274.

(283)
«التبليغ يعمّ القول والفعل، فإنّ في الفعل تبليغاً، كما في القول، فالرسول معصوم عن المعصية باقتراف المحرّمات وترك الواجبات الدينية، لاَنّ في ذلك تبليغاً لما يناقض الدين فهو معصوم من فعل المعصية». (1)
فإن قلت: إنّ هذا الدليل لا يثبت أزيد من عصمة الاَنبياء بعد البعثة.
قلت: لو كانت سيرة النبي مخالفة لما هو عليه بعد البعثة لا يحصل الوثوق الكامل به و إن صار إنساناً مثاليّاً، فتحقّق الغرض الكامل من البعثة رهن عصمته في جميع فترات عمره، يقول السيد المرتضى في الاِجابة عن هذا السوَال:
«إنّا نعلم أنّ من نجوّز عليه الكفر والكبائر في حال من الاَحوال، وإن تاب منهما ... لا نسكن إلى قبول قوله كسكوننا إلى من لا نجوّز عليه ذلك في حال من الاَحوال ولا على وجه من الوجوه... فليس إذاً تجويز الكبائر قبل النبوّة منخفضاً عن تجويزها في حال النبوّة وناقصاً عن رتبته في باب التنفير». (2)

2. التربية رهن عمل المربّي

إنّ الهدف العام الذي بعث لاَجله الاَنبياء هو تزكية الناس وتربيتهم، ولا شكّ انّ تأثير التربية بالعمل أشدّ وأعمق وآكد منها عن طريق الوعظ والاِرشاد، وذلك انّ التطابق بين مرحلتي القول والعمل هو العامل الرئيسي في إذعان الآخرين بأحقيّة تعاليم المصلح والمربّـي، وهذا الاَصل التربويّ يجرّنا إلى القول بأنّ التربية الكاملة المتوخّاة من بعثة الاَنبياء لا تحصل إلاّ بمطابقة أعمالهم
(1) الميزان:20|57.
(2) تنزيه الاَنبياء:5 بتصرف قليل.

(284)
لاَقوالهم، وهذا كما يوجب العصمة بعد البعثة، يقتضيها قبلها أيضاً، لاَنّ لسوابق الاَشخاص وصحائف أعمالهم الماضية تأثيراً في قبول الناس كلامهم وإرشاداتهم. (1)

عصمة الاَنبياء في الكتاب العزيز

إذا ثبتت عصمة الاَنبياء في التبليغ، يجوز الاستناد بكلامهم في العصمة عن المعاصي، وعلى ضوء ذلك نقول: يصف القرآن الكريم الاَنبياء بالعصمة بلطائف البيان ودقائقه، نكتفي بالاِشارة إلى نموذج منها، قال عزّ وجلّ ـ بعد ذكره عدّة من الاَنبياء ـ:
(أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِه). (2)
وقال في موضع آخر:
(وَمَنْ يَهْدِ اللّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ) . (3)
ثمّ بيّن أنّ المعصية ضلالة بقوله:
(وَلَقَدْأَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاً كَثِيراً) . (4)
فإذا كان الاَنبياء مهديين بهداية اللّه، ومن هداه اللّه لا تتطرّق إليه الضلالة، وكانت المعصية نفس الضلالة، فينتج أنّ المعصية لا سبيل لها إلى الاَنبياء.

(1) وقد أقام المتكلّمون على عصمة الاَنبياء دلائل كثيرة، فذكر المحقّق الطوسي ثلاثة، وأضاف إليها القوشجي دليلين آخرين، وذكر الاِيجي تسعة أدلّة، غير انّ بعضها ليس دليلاً عاماً، بل يختص بعصر النبوّة، راجع في ذلك: كشف المراد:274؛ شرح التجريد:358؛ المواقف:359ـ360.
(2) الاَنعام:90.
(3) الزمر:37.
(4) يس:62.

(285)

مبادىَ تكوّن العصمة

لا شكّ أنّ ملكة العصمة عن المعاصي لا تحصل لصاحبها إلاّ بلطف من اللّه تعالى وتوفيقه،والّذي يعطي للاِنسان أهليّة وصلاحية للحصول عليها أمران:
1. العلم القطعي بعواقب المعاصي ونتائج الطاعات: فانّه يخلق في النفس وازعاً قوياً يصدّه عن إرتكاب الاَعمال الخطيرة، وأمثاله في الحياة كثيرة، فلو وقف أحدنا على أنّ في الاَسلاك الكهربائية طاقة من شأنها أن تقتل من يمسّها عارية من دون عائق، فانّه يحجم من تلقاء نفسه عن مسّ تلك الاَسلاك والاِقتراب منها. وقس على ذلك سائر العواقب الخطيرة وإن كانت من قبيل السقوط في أعين الناس،وفقدان الكرامة وإراقة ماء الوجه، بحيث لا ترغد الحياة معه.
فإذا كان العلم القطعي بالعواقب الدنيوية لبعض الاَفعال يوجد تلك المصونية عن الارتكاب في نفس العالم، فكيف بالعلم القطعي بالعواقب الاَُخروية للمعاصي ورذائل الاَفعال؟ علماً لا يداخله ريب ولا يعتريه شك، علماً تسقط دونه الحجب فيرى صاحبه رأي العين، ويلمس لمس الحس تبعات المعاصي ولوازمها وآثارها في النشأة الاَُخرى، ذاك العلم الذي قال تعالى فيه:
(كَلاّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ* لَتَرَوُنَّ الْجَحيمَ) . (1)
وكأنَّ الاِمام عليّاً _ عليه السلام _ يصف هوَلاء بقوله:
«فهم والجنّة كمن قد رَآها فهم فيها منعمون، وهم والنار كمن قد رآها فهم فيها معذَّبون». (2)
(1) التكاثر:5 ـ 6.
(2) نهج البلاغة: الخطبة 193، جاء فيها أوصاف المتّقين.

(286)
ثمّ إنّ هذا العلم الذي يعطي صاحبه مصونية كاملة عن المعاصي، ليس من سنخ العلوم المتعارفة لتسرّب إليه التخلّف، بل هو علم خاصّفوقها ربّما يعبّر عنه بشهود العواقب، وانكشافها كشفاً تاماً لا يبقى معه ريب، يقول العلاّمة الطباطبائي ـ قدّس سرّه ـ :
«إنّ هذا العلم يخالف سائر العلوم في أنّ أثره العملي وهو صرف الاِنسان عمّا لا ينبغي إلى ما ينبغي، قطعي غير متخلّف دائماً، بخلاف سائر العلوم فانّ الصرف فيها أكثري غير دائم». (1)
والحاصل انّ للعلم مرحلة قويّة راسخة، تغلب الاِنسان على الشهوات وتصدّه عن فعل المعاصي والآثام وإلى هذا أشار الفاضل المقداد السيوري (المتوفّى 826هـ) بقوله:
«العصمة ملكة نفسانية تمنع المتّصف بها من الفجور مع قدرته عليه، وتتوقّف هذه الملكة على العلم بمثالب المعاصي ومناقب الطاعات، لاَنّ العفّة متى حصلت في جوهر النفس وانضاف إليها العلم التامّ بما في المعصية من الشقاء، وفي الطاعة من السعادة، صار ذلك العلم موجباً لرسوخها في النفس، فتصير ملكة». (2)
2. حبّ المعبود يمنع عن معصيته: انّ الاِنسان إذا عرف خالقه كمال المعرفة الميسورة، واستغرق في شهود كماله وجماله، وجد في نفسه انجذاباً نحوه، وتعلّقاً خاصّاً به على نحو لا يستبدل برضاه شيئاً، ويدفعه شوق المحبّة إلى أن لا
(1) الميزان:11|163.
(2) اللوامع الاِلهية:170.

(287)
يبتغي سواه، ويصبح كلّ ما يخالف أمره ورضاه منفوراً لديه، وتلك هي درجة العصمة الكاملة، ولا ينالها إلاّ الاَوحدي من الناس، وإلى هذا يشير الاِمام علي _ عليه السلام _ بقوله:
«ما عبدتك خوفاً من نارك، ولا طمعاً في جنتك، إنّما وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك».
وحفيده الصادق _ عليه السلام _ :
«لكنّي أعبده حبّاً له، وتلك عبادة الكرام». (1)
ونتيجة هذا الحبّ هو النور الذي أشار إليه قوله تعالى:
(أَوَ مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ في النّاسِ).(2)
والروح الذي يشير إليه قوله سبحانه:
(وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ) . (3)
وهوَلاء هم المخلَصون الّذين لا مطمع لاِبليس في إغوائهم مطلقاً:
(قالَ فَبِعِزَّتِكَ لاَُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعينَ * إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ). (4)

(1) بحار الاَنوار:70|22.
(2) الاَنعام:123.
(3) المجادلة:22.
(4) ص:82 ـ 83.

(288)

العصمة والاختيار

ربّما يتوهم أنّ العصمة تسلب من المعصوم الحرية والاختيار وتقهره على ترك المعصية، لتكون النتيجة انتفاء كلّ مكرمة ومحمدة تنسب إليه لاجتنابه المعاصي والمآثم.
ويدفعه انّالمعصوم قادر على اقتراف المعاصي بمقتضى ما أُعطى من القدرة والحرية، غير أنّ تقواه العالية، وعلمه بآثار المعاصي، واستشعاره عظمة الخالق، يصدّه عن ذلك؛ فهو كالوالد العطوف الذي لا يقدم على ذبح ولده ولو أُعطي ملء الاَرض ذهباً، وإن كان مع ذلك قادراً على قطع وتينه كما يقطع وتين عدوه.
يقول العلاّمة الطباطبائي:
«إنّ ملكة العصمة لا تغيّر الطبيعة الاِنسانية المختارة في أفعاله الاِرادية ولا تخرجها إلى ساحة الاِجبار والاضطرار، كيف والعلم من مبادىَ الاختيار، كطالب السلامة إذا أيقن بكون مائع مّا سمّاً قاتلاً من حينه، فانّه يمتنع باختياره من شربه». (1)
وهذا نظير صدور القبيح من اللّه سبحانه، فإنّه ممكن بالذات ويقع تحت إطار قدرته، فبإمكانه تعالى إخلاد المطيع في نار جهنّم، لكنّه لا يصدر منه لكونه مخالفاً للحكمة، ومبايناً لما وعد به.
وعلى ضوء ذلك فوصف العصمة موهبة تفاض على من يعلم من حاله أنّه باختياره ينتفع منها في ترك القبائح، فيعدّ مفخرة قابلة للتحسين والتكريم، وقد شبّه الشيخ المفيد العصمة بالحبل الذي يعطى للغريق ليتشبّث به فيسلم، فالغريق مختار في التقاط الحبل والنجاة، أو عدمه والغرق.

(1) الميزان:11|163.

(289)

العصمة عن الخطأ في تطبيق الشريعة و الاَُمور العادية

إنّ صيانة النبي عن الخطأ و الاشتباه في مجال تطبيق الشريعة(مثل أن يسهو في صلاته، أو يغلط في إجراء الحدود) والاَُمور العادية المرتبطة بحياته الشخصية(مثل خطائه في مقدار دينه للناس) ممّا طرح في علم الكلام، وطال البحث فيه بين المتكلمين، فالظاهر من الاَشاعرة والمعتزلة تجويزهم السهو على الاَنبياء في هذا المجال، فإنّهم جوّزوه في صدور الصغائر من الذنوب، فتجويزه في غيره أولى، وأمّا الاِمامية، فالصدوق وأُستاذه محمّد بن الحسن بن الوليد جوّزاه (1) ولكن مشهور المحقّقين على خلافه (2) وقد ألّف غير واحد منهم كتباً ورسائل في نفي السهو عن النبي، وقد فصّل العلاّمة المجلسي في البحار (3) الكلام في المسألة، وأطنب في بيان شذوذ الاَخبار التي استند إليها القائلون بالسهو؛ وناقشها بأدلّة متعدّدة السيد عبد اللّه شُبّر في كتابيه: «حقّ اليقين» (4)و «مصابيح الاَنوار». (5)
والحقّ انّ الدليل العقلي الدالّ على لزوم عصمة النبي في مجال تبليغ الرسالة دالّ ـ بعينه ـ على عصمته عن الخطأ في تطبيق الشريعة وأُموره الفردية، فإنّ التفكيك بين صيانة النبي في مجال الوحي، وصيانته في سائر المجالات وإن كان أمراً ممكناً عقلاً، لكنّه كذلك بالنسبة إلى عقول الناضجين في الاَبحاث الكلامية، وأمّا عامة الناس فإنّهم غير قادرين على التفكيك بين تينك المرحلتين، بل يجعلون السهو في إحديهما دليلاً على إمكان تسرّب السهو في الاَُخرى.
فلابدّ لسدِّ هذا الباب الذي ينافي الغاية المطلوبة من إرسال الرسل، من أن يكون النبي مصوناً عن الخطأ في عامّة المراحل.

(1) من لا يحضره الفقيه:1|234ـ235، ط دار الكتب الاِسلامية، الطبعة الخامسة.
(2) للوقوف على أقوالهم راجع الاِلهيات:2|189ـ190.
(3) بحار الاَنوار: 17|97ـ 129، الباب16.
(4) حقّ اليقين: 1|124ـ 129.
(5) مصابيح الاَنوار:2|133.

(290)
وممّا تقدم يظهر الحكم في عصمة الاَنبياء في تشخيص مصالح الا َُمور ومفاسدها، فانّ الملاك في لزوم العصمة فيما تقدّم من المراتب والموارد، موجود هنا.
التنزّه عن المنفِّرات
كما أنّ العصمة عن الذنوب والخطأ في التبليغ وتطبيق الشريعة والاَُمور العادية لازمة للاَنبياء حتّى يحصل الوثوق التام بأقوالهم وأفعالهم ويحصل بذلك الغرض من بعثتهم، كذلك ينبغي تنزّههم عن كلّ صفة توجب تنفّر الناس، وتحلّيهم بكلّ ما يوجب انجذابهم إليهم، قال المحقّق البحراني:
«ينبغي أن يكون منزّهاً عن كلّ أمر ينفّر عن قبوله، إمّا في خلقه كالرذائل النفسانية من الحقد والبخل والحسد والحرص ونحوها، أو في خلقه كالجذام والبرص، أو في نسبه كالزنا ودناءة الآباء، لاَنّ جميع هذه الاَُمور صارف عن قبول قوله والنظر في معجزته، فكانت طهارته عنها من الاَلطاف التي فيها تقريب الخلق إلى طاعته واستمالة قلوبهم إليه». (1)
(1) قواعد المرام:127.

(291)

الباب الخامس
في
النبوّة الخاصَّة

وفيه ستة فصول:
1. بشائر خاتم الرسل في العهدين.
2. القرائن الدالة على نبوّة الرسول الاَعظم.
3. الاستدلال بمعجزاته (إعجاز القرآن الكريم).
4. نقد مذهب الصرفة.
5. إعجاز القرآن من جهات أُخرى.
6. الخاتمية في ضوء العقل والوحي.

(292)

(293)

تمهيد:

بعد الفراغ عن البحث حول النبوّة العامّة، علينا أن نبحث عن النبوّة الخاصّة، أعني: نبوّة نبي الاِسلام محمّد بن عبد اللّه ـ صلّى اللّه عليه وآله وسلم ـ فنقول: ولد ـ صلّى اللّه عليه وآله وسلم ـ بمكّة عام (570م) وقام بالدعوة في أوائل القرن السابع الميلادي (610م) وأوّل ما بدأ به، دعوة أقربائه وعشيرته، وبعد سنوات ـ استطاع في أثنائها هداية جمع من عشيرته ـ وجَّه دعوته إلى عموم الناس، ثمّ استمرّ في رسالته والناس بين موَمن به مفاد بنفسه ونفيسه، وعدوّ ينابذه ويتحيّن الفرص للفتك به وقتله، فلمّا أحسَّ بالخطر، غادر موطنه إلى مدينة يثرب فأقام هناك سنين عشر، إلى أن أجاب داعي الموت وذلك في عام 633ميلادي.
إنّ التدبر في آثار دعوته ـ صلّى اللّه عليه وآله وسلم ـ يدفع الاِنسان إلى الاِذعان بأنّ لها سمات وخصائص تمتاز بها عن غيرها وهي:
1.سرعة انتشارها في أقطار العالم الاِنساني لا سيّما بين الاَُمم المتحضّرة، سرعة لم ير التاريخ لها مثيلاً.
2. تحفّظ الاَُمّة الموَمنة على حضارات الاَُمم المغلوبة والحضارات المفتوحة، وبذلك افترقت عن سائر الثورات البشرية، وأصبح التمدّن الاِسلامي حضارة إنسانية مكتملة الاَبعاد، وصانت السالف من الحضارات اليونانية والرومانية والفارسية، والتمدّن الصناعي الحديث.

(294)
3. تضحية المعتنقين لدينه وتفانيهم في سبيله حتى قدَّموا كلّ دقيق وجليل ممّا يملكون في سبيل نصرته وإعزازه.
وهناك سمات للدّعوة المحمّدية وردت في القرآن الكريم من أهمّها عالمية الرسالة، وخاتميتها، وعلى هذا فاللازم على المنصف المتحرّي للحقيقة أن يبحث عن حقيقة هذه الدعوة وصحّة دلائلها، وقد وقفت عند البحث عن النبوّة العامّة على أنّ للتعرّف على صدق مدّعي النبوّة طرقاً ثلاثة، وهي: إتيانه بالمعجز، وتصديق النبي السابق وتنصيصه على نبوّته، والقرائن الدالّة على صدق دعواه، ونحن نسلك في التعرّف على صدق ادّعاء نبيّ الاِسلام هذه الطرق، و بما انّ مسألة الاِعجاز تتطلّب نطاقاً واسعاً من البحث نوَخّرها عن البحث حول الطريقين الاَخيرين، فنقول:
(295)

الفصل الاَوّل
بشائر خاتم الرسل في العهدين

إنّ النبيّ الاَكرم ـ صلّى اللّه عليه وآله وسلم ـ كان يحتجّ على اليهود والنصارى بأنّه قد بُشّر به في العهدين، وانّ أهل الكتاب لو رجعوا إلى كتبهم ـ حتّى بعد التحريف ـ لوجدوا بشائره فيها وتعرّفوا عليه كتعرّفهم على أبنائهم ، كان يحتجّ بهذه الكلمات، ولم يكن هناك أيُّ ردّ من الاَحبار والرهبان في مقابله، بل غاية جوابهم كان السكوت وإخفاء الكتب وعدم نشرها بين أتباعهم.
يقول سبحانه:
(الَّذِينَآتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ). (1)
وغير ذلك من الآيات.
ثمّ إنّ علماء المسلمين في الاَعصار السابقة نقّبوا في العهدين، وجمعوا البشارات الواردة فيهما، ونقل هذه البشائر يستدعي تأليف كتاب منفرد حافل
(1) البقرة:146.

(296)
ونحن نكتفي في المقام بذكر بشارة وردت في إنجيل يوحنّا في الاِصحاحات:14، 15، 16، وإليك نصوصها في الاِنجيل الحالي المترجم إلى اللّغة العربية:
1. إن كنتم تحبّوني فاحفظوا وصاياي، وأنا أطلب من الاَب فيعطيكم معزّياً آخر ليمكث معكم إلى الاَبد. (1)
2. وأمّا المُعزّي، روح القدس الذي سيرسله الاَب باسمي، فهو يعلّمكم كلّ شيء، ويذكّركم بكلّ ما قلته لكم. (2)
3. ومتى جاء المعزّي الذي سأرسله أنا إليكم من الاَب روح الحقّالّذي من عند الاَب ينبثق، فهو يشهد لي و تشهدون أنتم أيضاً لاَنّكم معي من الابتداء. (3)
4. لكنّي أقول لكم الحق: إنّه خير لكم أن انطلق، لاَنّه إن لم انطلق، لا يأتيكم المعزّي، ولكن إن ذهبت أرسله إليكم. (4)
4. وأمّا متى جاء ذاك روح الحق، فهو يرشدكم إلى جميع الحق، لاَنّه لا يتكلّم من نفسه، بل كلّ ما يسمع يتكلّم به، ويخبركم بأُمور آتية. (5)
إنّ الموَرّخين أجمعوا على أنّ الاَناجيل الثلاثة غير متّى كتبت من أوّل يومها باللغة اليونانية، مع أنّالمسيح _ عليه السلام _ كان يتكلّم بالعبرية، وعلى هذا فالمسيح بشَّر بما بشَّر باللغة العبرية أوّلاً، وإنّما نقله إلى اليونانية كاتب الاِنجيل الرابع «يوحنّا» واللفظ اليوناني الّذي وضعه مكان اللفظ العبري مردّد بين كونه «پاراقليطوس» الّذي هو بمعنى المعزّي والمسلّي والمعين والوكيل، أو «پريقليطوس» الذي هو
(1) إنجيل يوحنّا، ط دار الكتاب المقدس، الاصحاح 14، الجملتان 15، 16.
(2) نفس المصدر: الجملة 26.
(3) المصدر السابق نفسه.
(4) المصدر السابق: الاصحاح 16، الجملة 7.
(5) نفس المصدر: الجملة 13.

(297)
بمعنى المحمود الّذي يرادف أحمد، ومترجموا إنجيل يوحنّا ومفسّروه يصرّون على الاَوّل، وادّعوا انّ المراد منه روح القدس، و انّه نزل على الحواريّين في يوم الخميس بعد فقدان المسيح، كما ذكر تفصيله في كتاب أعمال الرسل، وزعموا أنّهم بذلك خلعوا المسلمين عن السلاح الذي كانوا يحتجّون به عليهم.
ومع ذلك فهناك قرائن دالّة على أنّ المبشَّر به هو الرسول الاَعظم، لا روح القدس:
ألف. انّه وصف المبشَّر به بلفظ «آخر» و هذا لا يناسب كونه نظير روح القدس لانحصاره في واحد، بخلاف الاَنبياء فإنّهم يجيئون واحداً بعد الآخر.
ب: انّه نعته بقوله :«ليمكث معكم إلى الاَبد» وهذا يناسب نبوّة النبي الخاتم الّتي لا تنسخ.
ج: قوله: «وأمّا المعزّي روح القدس الّذي سيرسله الخ» يناسب أن يكون المبشَّر به نبيّاً يأتي بعد فترة من رسالة النبيّ السابق بعد أن تصير الشريعة السابقة على وشك الاضمحلال والاندثار، فيأتي النبيّ اللاحق يذكِّر بالمنسيّ، وأمّا لو كان المراد هو روح القدس فقد نزل على الحواريّين بعد خمسين يوماً من فقد المسيح، أفيظنّ بالحواريّين نسيان تعاليم المسيح في هذه المدة اليسيرة؟
قوله: «لاَنّه إن لم أنطلق الخ» يناسب أن يكون المبشَّر به نبيّاًحيث علَّق مجيئه بذهابه، وذلك لامتناع سيادة شريعتين مختلفتين على أُمّة واحدة، وأمّا روح القدس فانّه حسب تصريح إنجيل متّى ولوقا نزل على الحواريّين عندما بعثهم المسيح للتبشير والتبليغ. (1)
(1) لاحظ إنجيل متى: الاصحاح10، الجملة الاَُولى وما بعدها؛ وإنجيل لوقا: الاصحاح 10، الجملة 11.

(298)
د: قوله: «ومتى جاء ذاك، روح الحقّ الخ» يناسب مع كون المبشَّر به نبيّاً خاتماً، صاحب شريعة متكاملة لا يتكلّم إلاّ بما يوحى إليه، وهذه كلّها صفات الرسول الاَكرم ـ صلّى اللّه عليه وآله وسلم ـ.
فجميع هذه القرائن تشهد بوضوح على أنّ المراد من «المعزّي» المبشَّر به، هوا لنبيّ الاَكرم لا روح القدس، وهناك قرائن أُخرى ذكرها المحقّقون من المسلمين تركنا ذكرها لغرض الاختصار. (1)
وجدير بالذكر انّ الاِمام علي بن موسى الرضا ـ عليهما السّلام ـ احتجّ على الجاثليق النصراني، ورأس الجالوت اليهودي بما ورد في العهدين من البشارة بالنبيّ الخاتم وأُمّته. (2)
(1) راجع أنيس الاَعلام في نصرة الاِسلام:5|139ـ172؛ كان موَلّفه قسّيساً نصرانياً تشرَّف بالاِسلام ولقِّب بـ«فخر الاِسلام» توفّي سنة 1330هـ.
(2) راجع التوحيد للصدوق: 420ـ 425، الباب 65.

(299)

الفصل الثاني
القرائن الدالَّة على نبوَّة
الرسول الاَعظم

من الطرق التي يستكشف بها صدق دعوى مدّعي النبوّة، هي الفحص عن القرائن والشواهد الداخلية والخارجية، وقد ذكرنا في النبوّة العامّة انّ قيصر الروم هو أوّل من اعتمد هذا الاَُسلوب، وأُصول هذه القرائن في المقام عبارة عن الاَُمور التالية:
ألف. سيرته النفسية والخلقية قبل الدعوة
كفى في إشراق سيرته ـ صلّى اللّه عليه وآله وسلم ـ قبل النبوّة انّه كان يدعى «الاَمين» وكان محلّثقة واعتماد العرب في فضّ نزاعاتهم، فالتاريخ يروي انّه لولا حُنْكة الرسول في حادثة وقعت بين العرب في مكّة، وإجماعهم على قبول قضائه، لسالت دماوَهم وهلكت نفوسهم، وذلك انّهم لمّا بلغوا في بناء الكعبة ـ التي هدمها السيل ـ موضع الركن، اختصموا في وضع الحجر الاَسود مكانه، كلّ قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون
(300)
الاَُخرى، حتى تخالفوا واستعدوا للقتال، فمكثت قريش على ذلك أربع ليال أو خمساً، تفكّر في مخلص من هذه الورطة.
ثمّ إنّ أبا أُميّة بن المغيرة، الذي كان أسنّ قريش كلّها، اقترح عليهم اقتراحاً، فقال: يا قريش، اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه، أوّل من يدخل من باب هذا المسجد، يقضي بينكم فيه، ففعلوا، فكان أوّل داخل عليهم رسول اللّه ـ صلّى اللّه عليه وآله وسلم ـ فلمّا رأوه قالوا: «هذا الاَمين رضينا، هذا محمّد» فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر قال ص: هلمّ ثوباً، فأُتي به فأخذ الركن، فوضعه فيه بيده، ثمّ قال:
لتأخذ كلّ قبيلة بناحية من الثوب، ثم ارفعوه جميعاً، ففعلوا، حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه هو بيده، ثمّ بنوا عليه كما أرادوا». (1)

ب. الظروف التي فيها نشأ وادّعى النبوّة

الصورة العامّة الّتي يمكن رسمها عن العرب الجاهليين، انّه كان مجتمعاً غارقاً إلى آذانه في عبادة الحجارة والاَوثان، والفساد الذريع في الاَخلاق، يظهر في شيوع القمار والزنا، ووأد البنات، وأكل الميتة، وشرب الدم، والغارات الثأرية، وغير ذلك من التقاليد والاَعمال السيّئة التي نقلها الموَرّخون ولا حاجة للتفصيل.
والنبيّ الاَكرم ـ صلّى اللّه عليه وآله وسلم ـ وليد هذه البيئة المتدهورة، نشأ وترعرع فيها، وقضى أربعين عاماً بينهم،فإذا به قد بعث بأُصول وآداب ومعارف، تضادّ ما كان سائداً في تلك البيئة، فلو كان هو في تعاليمه مستمدّاً من بيئته، لكان قد تأثّر بها ولو في بعض هذه التقاليد.

(1) السيرة النبوية لابن هشام:1|192ـ 199؛ الكافي للكليني:4|217ـ 218.

(301)

ج. المفاهيم التي تبنّاها ودعا إليها

جاء الرسول الاَعظم بمفاهيم راقية في جميع شوَون الحياة البشرية، ففي مجال المبدأ والمعاد دعا إلى التوحيد، ونبذ الوثنية وتنزيهه سبحانه عن كلّنقص وعيب، وقرّر انّالموت ليس بمعنى ختم الحياة، وإنّما هو نافذة للحياة الاَبديّة، وأين هذا من مفاهيم الشرك والوثنيّة التي كانت سائدة في ذلك الزمن،وقولهم كما حكاه اللّه تعالى:
(ما هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ ) . (1)
وفي حقل الاَخلاق والتعاون والتآلف الاجتماعي، زرع في محيط البغضاء والحقد بذور المحبّة والموَاساة، وجعل أبناء المجتمع الواحد إخوة في الدين وقال:
(إِنَّما المُوَْمِنُونَ إِخْوَةٌ) . (2)
وأرسى أركان الاِحسان والعدالة الاِجتماعية، وحذّر عن الفواحش والبغي والعدوان، وأين هذا من الممارسات الاَخلاقية القبيحة الرائجة بين العرب في تلك الظروف؟
وفي الحقل الاقتصادي، جاء بأُصول ومفاهيم بنى عليها بنياناً محكماً من التشريعات الاقتصادية في مختلف أبواب المعاملات، فمن ذلك انّه نادى بحرمة الربا الّذي كان الشغل الشاغل في الجزيرة العربية.
وإلى هذا أشار جعفر بن أبي طالب في مقالة ألقاها إلى ملك الحبشة فقال:
«أيّها الملك بعث اللّه فينا نبيّاً أمرنا بخلع الاَنداد وترك الاستقسام بالاَزلام، وأمرنا بالصلاة والزكاة والعدل والاِحسان وإيتاء ذي القربى ونهانا عن الفحشاء والمنكر والبغي». (3)

(1) الجاثية:24.
(2) الحجرات:10.
(3) مجمع البيان:3ـ4|234.

(302)

د. الاَساليب التي اعتمدها في نشر دعوته

إنّ منطق النبيّ الاَكرم ومسلكه ـ كغيره من الاَنبياء ـ هو شقّ الطريق على نهج الصدق والعدل و التحرّز عن التذرّع بوسائل غير حقّة حتى لو كانت مفيدة ونافعة لاَهدافه الشخصيّة، بل كان يناهضها ليستقيم الناس على جادّة الواقع والحقّ.

هـ. أثر رسالته في تغيير البيئة التي ظهر فيها

إنّ الاِلمام العابر بأحوال العرب في شبه الجزيرة العربيّة، يكفي في إثبات انّ الثورة العارمة على التقاليد والعادات السائدة هناك آنذاك، في مدّة لا تزيد على ثلاث وعشرين سنة وصُنع أُمّة متحضّرة منها، في هذه البرهة الوجيزة من الزمن، أمر يستحيل تحقّقه عن طريق الاَسباب العاديّة والاَساليب المتعارفة، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّوراء هذه الثورة، إمدادات غيبية، نصرت الثائر في جميع مواقفه ومقاصده.
وهذا الاِمام علي بن أبي طالب _ عليه السلام _ يصف وضع العرب الجاهليّين في بعض خطبه ويقول:
«وأنتم معشر العرب على شرّ دين وفي شرّ دار... تسفكون دماءكم وتقطعون أرحامكم، الاَصنام فيكم منصوبة، والآثام بكم معصوبة». (1)
فهذه الاَُمّة على هذه الحال وهذه الاَوصاف، تحوّلت إلى أُمّة عالمة أرست قواعد الحضارة الاِنسانية في مدّة قصيرة، ولم يتحقّق ذلك إلاّ في ظلّ العنايات
(1) نهج البلاغة: الخطبة 26.

(303)
الاِلهية والاِمدادات الغيبية، وإلى هذا أشارت قرَّة عين الرسول الزهراء البتول _ عليها السلام _ في خطبة ألقتها بعد رحلة أبيها في مسجد المدينة حيث قالت:
«ابتعثه اللّه إتماماً لاَمره، وعزيمة على إمضاء حكمه، وإنفاذاً لمقادير حتمه؛ فرأى الاَُمم فرقاً في أديانها، عُكّفاً على نيرانها،عابدة لاَوثانها، منكرة للّه مع عرفانها؛ فأنار اللّه بمحمّد ـ صلّى اللّه عليه وآله وسلم ـ ظلمها وكشف عن القلوب بُهمها، وجلّى عن الاَبصار غممها؛ وقام في الناس بالهداية، فأنقذهم من الغواية، وبصَّـرهم من العماية، وهداهم إلى الدين القويم، ودعاهم إلى الطريق المستقيم». (1)
هذه دراسة إجمالية للدّعوة المحمّدية، وتبيين القرائن الموجودة فيها، والكلّ يشهد على أنّ الداعي كان صادقاً في دعوته، محقّاً في نبوته، وهذا الطريق قابل للبسط والاِسهاب ففي وسع المحقّقين في الحياة النبوية، أن يشقّوا هذا الطريق بشكل مُسهب، حتى يتجلّى صدق دعوته تجلّي الشمس في رائعة النهار.
(1) الاحتجاج للطبرسي: 99، ط نشر المرتضى، مشهد.

(304)

(305)

الفصل الثالث
الاِعجاز البياني للقرآن الكريم

قد ضبط التاريخ انّه كانت لنبي الاِسلام معاجز كثيرة في مواقف حاسمة غير انّه كان يركّز على معجزته الخالدة وهي القرآن الكريم، ونحن نقتصر بالبحث عن هذه المعجزة الخالدة فنقول:
إنّ الحكمة الاِلهية اقتضت أن يكون الدين الخالد مقروناً بالمعجزة الخالدة حتى تتمّ الحجة على جميع الاَجيال والقرون إلى أن تقوم الساعة:
(لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) . (1)
بل تكون
(للّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ) . (2)
على الناس في كلّ زمان ومكان.
إنّ للقرآن في مجالي اللفظ والمعنى كيفية خاصّة يمتاز بها عن كلّ كلام
(1) النساء:65.
(2) الاَنعام:149.

(306)
سواه، سواء أصدر من أعظم الفصحاء و البلغاء أو من غيرهم، وهذا هو الذي لمسه العرب المعاصرون لعصر الرسالة، ونحن نعيش في بدايات القرن الخامس عشر من هجرة النبي، وندّعي انّ القرآن لم يزل معجزاً إلى الآن، وانّه أرقى من أن يعارض أو يبارى ويوَتى بمثله أبداً، غير انّ لاِثباته مسلكين:
الاَوّل: المراجعة إلى أهل الخبرة ممّن يعدّون من صميم أهل اللغة العربية.
الثاني: التعرّف عليه بالمباشرة والتحليل.
ونحن نكتفي بالمسلك الاَوّل هنا لغرض الاختصار، فنقول:

اعتراف بلغاء العرب بإعجاز القرآن البياني

إنّما نركّز البحث عليه في المقام راجع إلى الاِعجاز البياني للقرآن الذي كان هو محور الاِعجاز في عصر النزول وعند فصحاء الجزيرة وبلغائهم. انّ التاريخ قد ضبط اعتراف مجموعة كبيرة من فصحاء العرب بهذا الاَمر نشير إلى نماذج منها:
ألف. الوليد بن المغيرة
كان الوليد بن المغيرة شيخاً كبيراً و من حكّام العرب يتحاكمون إليه في أُمورهم وينشدونه الاَشعار، فما اختاره من الشعر كان مقدّماً مختاراً، يروي التاريخ انّه سمع آيات من القرآن عندما كان يتلوها النبي ـ صلّى اللّه عليه وآله وسلم ـ (1) لمّا سمع ذلك قام حتى أتى مجلس قومه بني مخزوم فقال:

(1) وهي ست آيات من أوّل سورة الموَمن، من قوله تعالى (حم* تَنْزِيلُ الْكِتابِمِنَ اللّهِ الْعَزيْزِ العَلِيم) إلى قوله:(أَنَّهُمْ أَصحابُ النارِ) .

(307)
«واللّه لقد سمعت من محمّد آنفاً كلاماً ما هو من كلام الاِنس ولا من كلام الجنّ، وانّ له لحلاوة، وانّعليه لطلاوة، وانّ أعلاه لمثمر، وانّ أسفله لمغدق، وانّه ليعلو وما يُعلى عليه». (1)

ب. عتبة بن ربيعة

سمع عتبة بن ربيعة آيات من الذكر الحكيم تلاها رسول اللّه ـ صلّى اللّه عليه وآله وسلم ـ عليه (2) فرجع إلى أصحابه وقال لهم:
«إنّي قد سمعت قولاً واللّه ما سمعت مثله قط، واللّه ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة،... فواللّه ليكوننّ لقوله الّذي سمعت منه نبأ عظيم». (3)

ج. ثلاثة من بلغاء قريش

يحكي لنا القرآن انّ المشركين تواصوا بترك سماع القرآن والاِلغاء عند قراءته في قوله:
(وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرآنِ وَالغَوا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ).(4)
ومع ذلك فأُولئك الّذين كانوا مبدأً لردع الشباب عن سماع القرآن قد نقضوا عهدهم لشدّة التذاذهم من سماعه، فهوَلاء ثلاثة من بلغاء قريش
(1) مجمع البيان:9ـ10|387.
(2) وهي سبع وثلاثون آية من سورة فصلت.
(3) السيرة النبوية لابن هشام:1|293ـ294، والقصة طويلة ذكرنا موضع الحاجة منها.
(4) فصلت:26.

(308)
وأشرافهم وهم: أبو سفيان بن حرب، وأبو جهل بن هشام، والاَخنس بن شريق، خرجوا ليلة ليستمعوا كلام رسول اللّهص وهو يصلّـي من الليل في بيته، فأخذ كلّ رجل منهم مجلساً يستمع فيه، وكلّ لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له حتى إذا طلع الفجر، تفرّقوا، فجمعهم الطريق فتلاقوا وقال بعضهم لبعض:
«لا تعودوا، فلو رآكم بعض سفهائكم لاَوقعتم في نفسه شيئاً، ثمّ انصرفوا». (1)
ولكن عادوا في ليلتين أُخرتين بمثل ذلك.
وما هذا إلاّ لاَنّ القرآن كان كلاماً خلاّباً لعذوبة ألفاظه وبلاغة معانيه، رائعاً في نظمه وأُسلوبه، ولم يكن له نظير في أوساطهم.

د. الطفيل بن عمر الدوسي

من الحبائل التي سلكها أعداء النبي ـ صلّى اللّه عليه وآله وسلم ـ لصدّ تأثير القرآن، منع شخصيّات المشركين من لقاء الرسول و من تلك الشخصيات الطفيل، وكان رجلاً شريفاً شاعراً لبيباً، فقد قدم مكّة ورسول اللّه بها فمشى إليه رجال من قريش و خوَّفوه من سماع كلام النبي وبالغوا في ذلك، يقول الطفيل: فواللّه ما زالوا بي حتى أجمعت أن لا أسمع منه شيئاً ولا أُكلّمه، حتى حشوت في أُذني حين غدوت إلى المسجد كرسفاً... فغدوت إلى المسجد، فإذا رسول اللّه قائم يصلّي عند الكعبة، فقمت منه قريباً فأبى اللّه إلاّ أن يسمعني بعض قوله فسمعت كلاماً حسناً، فقلت في نفسي واثكل أُمّي، واللّه انّي لرجل لبيب، شاعر، ما يخفى عليّ الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل، فإن كان الذي يأتي به حسناً قبلته
(1) السيرة النبوية:1|315.

(309)
وإن كان قبيحاً تركته، فمكثت حتى انصرف رسول اللّه إلى بيته، فاتبعته، حتى إذا دخل بيته دخلت عليه فقلت:
«يا محمّد إنّ قومك قد قالوا لي كذا وكذا، فواللّه ما برحوا يخوّفونني أمرك حتى سددت أُذني بكرسف، لئلاّ أسمع قولك، ثمّ أبى اللّه إلاّ أن يسمعني قولك فسمعته قولاً حسناً، فأعرض عليَّ أمرك.
قال: فعرض عليَّ رسول اللّه ـ صلّى اللّه عليه وآله وسلم ـ الاِسلام وتلا عليَّ القرآن، فلا واللّه ما سمعت قولاً قطّ أحسن منه، ولا أمراً أعدل منه، فأسلمت وشهدت شهادةالحقّ». (1)

هـ. القرآن وأُسلوبه المعجز

الاَساليب السائدة في كلام العرب عصر نزول القرآن، كانت تتردّد بين الاَساليب التالية:
1. أُسلوب المحاورة وهو الّذي كان متداولاً في المكالمات اليومية ولم يكن مختصّاً بطائفة منهم.
2. أُسلوب الخطابة وهو الاَُسلوب الرائج بين خطباء العرب وبلغائهم، منها ما ألقاه قسّ بن ساعدة في سوق عكاظ وقال: «أيّها الناس إسمعوا وعوا، من عاش مات، ومن مات فات، وكلّما هو آت آت، ليل داج، ونهار ساج، وسماء ذات أبراج، ونجوم تزهر،وبحار تزخر، وجبال مرساة، وأرض مدحاة، وأنهار مجراة، انّ في السماء لخبراً، وانّ في الاَرض لعبراً، ما بال الناس يذهبون ولا يرجعون، أرضوا فأقاموا، أم تركوا فناموا؟ (2)
(1) السيرة النبوية :1|382ـ383.
(2) صبح الاَعشى للقلقشندي: 1|212؛ إعجاز القرآن لعبد القاهر الجرجاني:124؛ البيان والتبيين للجاحظ:1|168.

(310)
ويرى هذا الاَُسلوب في خطب النبي وعلي ـ عليهما السّلام ـ في مواقف مختلفة.
3. أُسلوب الشعر، وهو الاَُسلوب المعروف المبني على البحور المعروفة في العروض.
4. أُسلوب السجع المتكلّف، وهو كان يتداوله الكهنة والعرّافون.
لكنّ القرآن جاء بصورة من صور الكلام على وجه لم تعرفه العرب، وخالف بأُسلوبه العجيب أساليبهم الدارجة ومناهج نظمهم ونثرهم، انّ الاَُسلوب القرآني الذي تفرّد به، كان أبين وجه من وجوه الاِعجاز في نظر الباحثين عن إعجازه، وقد ركّز القاضي الباقلاني عليه و حصر وجه إعجازه فيه، وقال:
«وجه إعجازه ما فيه من النظم والتأليف والترصيف، و انّه خارج عن وجه النظم المعتاد في كلام العرب ومبائن لاَساليب خطاباتهم، ولهذا لم يمكنهم معارضته». (1)
وممّا يدلّ على أنّ القرآن ليس كلام النبيّ الاَعظم هو وجود البون الشاسع بين أُسلوب القرآن وأُسلوب الحديث النبوي، فمن قارن آية من القرآن الكريم مع الاَحاديث القطعية الصادرة منه ـ صلّى اللّه عليه وآله وسلم ـ أحسّ بمدى التفاوت بين الاَُسلوبين، وهذا يدلّ على أنّ القرآن نزل من عالم آخر على ضمير النبي، بينما الحديث الذي تكلّم به النبي من إنشاء نفسه.
مثلاً يقول الرسول ـ صلّى اللّه عليه وآله وسلم ـ في وصف الغفلة عن الآخرة:
«وكأنّ الموت فيها على غيرنا كتب، وكأنّ الحقّ فيها على غيرنا وجب، وكأنّ الذي نشيّع من الاَموات سفر، عمّا قليل إلينا يرجعون».
هذا أُسلوب الحديث في هذا المجال، وأمّا أُسلوب القرآن فهو هكذا:

(1) الاِتقان في علوم القرآن للسيوطي: 4|8.

(311)
(وَما هذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهِيٍ الْحَيوانُ لو كانوا يعلَمُونَ) . (1)
وهناك نوع آخر من المقارنة يتجلّى فيها التفاوت بوضوح بين الاَُسلوبين وهو ملاحظة خطب الرسول الاَعظم عندما يخطب ويعظ الناس بأفصح العبارات وأبلغها، ثمّ يستشهد في ثنايا كلامه بآي من الذكر الحكيم، فعندها يلمس البون الشاسع بين الاَُسلوبين.
خطب النبيّ الاَكرم يوم فتح مكّة في المسجد الحرام فقال: «يا معشر قريش إنّ اللّه قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء، الناس من آدم وآدم خلق من تراب:
(أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقاكُمْ) (2) . (3)
(1) العنكبوت:64.
(2) الحجرات:13.
(3) السيرة النبوية لابن هشام:3|273؛ تاريخ الطبري: 3|120.

(312)

(313)

الفصل الرابع
نقد مذهب الصرفة

الرأي السائد بين المسلمين في إعجاز القرآن هو كونه في الطبقة العليا من الفصاحة والدرجة القصوى من البلاغة مع ما له من النظم الفريد والاَُسلوب البديع. وهناك مذهب آخر نجم في القرن الثالث اشتهر بمذهب الصرفة وإليه ذهب جماعة من المتكلّمين، وأقدم من نسب إليه هذا القول أبوإسحاق النظام، وتبعه أبو إسحاق النصيبي، وعباد بن سليمان الصيمري، وهشام بن عمرو الفوطي وغيرهم من المعتزلة؛ واختاره من الاِمامية الشيخ المفيد في «أوائل المقالات» وإن حكي عنه غيره، والسيد المرتضى في رسالة أسماها بـ«الموضح عن جهة إعجاز القرآن» والشيخ الطوسي في شرحه لجمل السيد، وإن رجع عنه في كتابه «الاقتصاد» وابن سنان الخفاجي (المتوفّى 464هـ) في كتابه«سرّ الفصاحة».
وحاصل هذا المذهب هو انّه ليس الاِتيان بمثل القرآن من حيث الفصاحة والبلاغة وروعة النظم وبداعة الاَُسلوب خارجاً عن طوق القدرة البشرية، وإنّما العجز والهزيمة في حلبة المبارزة لاَمر آخر وهو حيلولته سبحانه بينهم وبين الاِتيان بمثله، فاللّه سبحانه لاَجل إثبات التحدّي، حال بين فصحاء العرب
(314)
وبلغائهم وبين الاِتيان بمثله.
وقد أورد عليها وجوه من النقاش والاِشكال نكتفي بذكر ثلاثة منها:
الاَوّل: انّ المتبادر من آيات التحدّي انّ القرآن في ذاته متعال، حائز أرقى الميزات وكمال المعجزات حتى يصحّ أن يقال في حقّه بأنّه:
(لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الاِِنْسُ وَالجنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذا الْقُرآن لايَأْتُونَ بِمثْلِهِ وَلَو كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهيراً) (1). (2)
الثاني: لو كان عجز العرب عن المقابلة لطارىَ مباغت أبطل قواهم البيانية، لاَُثر عنهم أنّهم حاولوا المعارضة ففوجئوا بما ليس في حسبانهم، ولكان ذلك مثار عجب لهم، ولاَعلنوا ذلك في الناس، ليلتمسوا العذر لاَنفسهم وليقلّلوا من شأن القرآن في ذاته. (3)
الثالث: لو كان الوجه في إعجاز القرآن هو الصرفة كما زعموا، لما كانوا مستعظمين لفصاحة القرآن، ولما ظهر منهم التعجب لبلاغته وحسن فصاحته كما أثر عن الوليد بن المغيرة، فإنّ المعلوم من حال كلّ بليغ فصيح سمع القرآن يتلى عليه، انّه يدهش عقله ويحير لبّه وما ذاك إلاّ لما قرع مسامعهم من لطيف التأليف وحسن مواضع التصريف في كلّ موعظة وحكاية كلّ قصَّة، فلو كان كما زعمه أهل الصرفة لم يكن للتعجب من فصاحته وجه، فلمّا علمنا بالضرورة إعجابهم بالبلاغة، دلَّ على فساد هذه المقالة. (4)

(1) الاِسراء:88.
(2) اُنظر بيان إعجاز القرآن:21.
(3) لاحظ مناهل العرفان في علوم القرآن للزرقاني:2|314.
(4) الطراز: 3|393ـ 394، وهناك مناقشات أُخرى على نظرية الصرفة مذكورة في الاِلهيات:2|327ـ332.

(315)
ولاَجل وهن هذه النظرية، صار السائد بين المسلمين عامة وأكابر الشيعة خاصة، كون القرآن معجزاً من حيث الفصاحة العليا والبلاغة القصوى والاَُسلوب البديع، وزيادة في إيضاح الحال نورد ما ذكره الشيخ الطبرسي المتوفّى (548هـ) في تفسير الآية 88 من سورة الاِسراء:
(قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الاِِنْسُ وَالْجِنُّ) الآية.
قال:
«المراد انّه لئن اجتمعت الجنّ والاِنس متعاونين متعاضدين، على أن يأتوا بمثل هذا القرآن في فصاحته وبلاغته ونظمه على الوجوه التي هو عليها من كونه في الطبقة العليا من البلاغة، والدرجة القصوى من حسن النظم وجودة المعاني وتهذيب العبارة والخلو من التناقض، واللفظ المسخوط، والمعنى المدخول على حدٍّ يشكل على السامعين ما بينهما من التفاوت، لعجزوا عن ذلك و لم يأتوا بمثله:(وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهيراً) أي معيناً على ذلك مثلما يتعاون الشعراء على بيت شعر». (1)
(1) مجمع البيان:5ـ6|438.

(316)

(317)

الفصل الخامس
إعجاز القرآن من جهات أُخرى

قد تعرّفت على الاِعجاز البياني للقرآن الكريم، غير انّ له جهات أُخرى من الاِعجاز لا يختصّفهمها بمن كان عارفاً باللغة العربية وواقفاً على فنون البلاغة في الكلام، وهذه العمومية في الاِعجاز هي التي يدل عليها قوله تعالى:
(قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الاِِنْسُ وَالجنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذا الْقُرآن لايَأْتُونَ بِمثْلِهِ وَلَو كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهيراً) . (1)
فلو كان التحدّي ببلاغة بيان القرآن وجزالة أُسلوبه فقط لم يتعدّ التحدّي العرب العرباء، وقد قرع بالآية أسماع الاِنس والجن، فإطلاق التحدّي على الثقلين ليس إلاّ في جميع ما يمكن فيه التفاضل في الصفات، فالقرآن آية للبليغ في بلاغته وفصاحته، و للحكيم في حكمته، وللعالم في علمه، و للمقنّنين في تقنينهم، وللسياسيين في سياستهم، ولجميع العالمين فيما لا ينالونه جميعاً كالغيب وعدم الاختلاف في الحكم والعلم والبيان، وإليك فيما يلي بيان تلك الجهات:

(1) الاِسراء:88.

(318)

1. عدم التناقض والاختلاف

ممّا تحدّى به القرآن هو عدم وجود التناقض والاختلاف في آياته حيث قال:
(أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) . (1)
توضيح ذلك:
أنّ الاِنسان جبل على التحوّل والتكامل، فهو يرى نفسه في كلّ يوم أعقل من سابقه وانّ ما صنعه اليوم أكمل وأجمل ممّا أتى به الاَمس، وهناك كلمة قيّمة للكاتب الكبير عماد الدين أبي محمّد بن حامد الاِصفهاني (المتوفّى 597هـ) يقول فيها:
«إنّي رأيت انّه لا يكتب إنسان كتاباً في يومه، إلاّقال في غده لو غيّر هذا لكان أحسن، ولو زيد كذا لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل ولو ترك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر» هذا من جانب.
ومن جانب آخر، انّ القرآن نزل نجوماً في مدّة تقرب من ثلاث و عشرين سنة في فترات مختلفة وأحوال متفاوتة من ليل ونهار، وحضر وسفر، وحرب وسلم وضرّاء وسرّاء وشدّة ورخاء، ومن المعلوم انّ هذه الاَحوال توَثّر في الفكر والتعقّل.
ومن جانب ثالث، انّ القرآن قد تعرّض لمختلف الشوَون وتوسّع فيها أحسن التوسع، فبحث في الاِلهيّات والاَخلاقيات والسياسيات والتشريعيات والقصص وغير ذلك، ممّا يرجع إلى الخالق والاِنسان والموجودات العلوية

(1) النساء:82.

(319)
والسفلية.
ومع ذلك كلّه لا تجد فيه تناقضاً واختلافاً، أو شيئاً متباعداً عند العقل والعقلاء،
بل ينعطف آخره على أوّله، و ترجع تفاصيله وفروعه إلى أُصوله و عروقه، انّ مثل هذا الكتاب، يقضي الشعور الحيّ في حقِّه انّ المتكلم به ليس ممّن يحكم فيه مرور الاَيّام ويتأثر بالظروف والاَحوال، فلا يكون إلاّ كلاماً إلهياً ووحياً سماوياً.
ثمّ إنّ كلمة (كَثِيراً) وصف توضيحي لا احترازي، والمعنى: لو كان من غير اللّه لوجدوا فيه اختلافاً، وكان ذلك الاختلاف كثيراً على حدّ الاختلاف الكثير الذي يوجد في كلِّ ما هو من عند غير اللّه، ولا تهدف الآية إلى أنّ المرتفع عن القرآن هو الاختلاف الكثير دون اليسير. (1)

2. الاِخبار عن الغيب

إنّ في القرآن إخباراً عن شوَون البشر في مستقبل أدواره وأطواره، وإخباراً بملاحم وفتن وأحداث ستقع في مستقبل الزمن، وهذا الاِخبار إن دلَّ على شيء فإنّما يدلّ على كون القرآن كتاباً سماوياً أوحاه سبحانه إلى أحد سفرائه الذين ارتضاهم من البشر، لاَنّه أخبر عن حوادث كان التكهّن والفراسة يقتضيان خلافها، مع أنّه صدق في جميع أخباره، ولا يمكن حملها على ما يحدث بالمصادفة، أو على كونها على غرار أخبار الكهنة والعرّافين والمنجمين، فإنّ دأبهم هو التعبير عن أحداث المستقبل برموز وكنايات حتى لا يظهر كذبهم عند التخلّف، وهذا بخلاف أخبار القرآن فإنّه ينطق عن الاَحداث بحماس ومنطق قاطع، وإليك الاَمثلة:

(1) لاحظ الميزان للسيد العلاّمة الطباطبائي (قدّس سرّه) :5|20.

(320)
ألف. التنبّوَ بعجز البشر عن معارضة القرآن: قال سبحانه:
(قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الاِِنْسُ وَالجنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذا الْقُرآن لايَأْتُونَ بِمثْلِهِ وَلَو كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهيراً) . (1)
وقال أيضاً:
(وَإِنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُم صادِقينَ*فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا...) . (2)
ترى في هذه الآيات التنبّوَ الواثق بعجز الجن والاِنس عن معارضة القرآن عجزاً أبدياً، وقد صدق هذا التنبّوَ إلى الحال، فعلى أي مصدر اعتمد النبي في هذا التحدّي غير الاِيحاء إليه من جانبه تعالى؟
ب. التنبّوَ بانتصار الروم على الفرس: قال سبحانه:
(آلم*غُلِبَتِ الرُّوْمُ* في أَدْنَى الاََرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ* في بِضْعِ سِنينَ للّهِ الاََمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَومَئِذٍ يَفْرَح المُوَْمِنُونَ) . (3)
ينقل التاريخ انّ دولة الروم ـ وكانت دولة مسيحية ـ انهزمت أمام دولة الفرس ـ و هي وثنية ـ بعد حروب طاحنة بينهما سنة 614م، فاغتمّ المسلمون لكونها هزيمة لدولة إلهية أمام دولة وثنيّة وفرح المشركون، وقالوا للمسلمين بشماتة:
(1) الاِسراء:88.
(2) البقرة:23ـ24.
(3) الروم: 1ـ4.

(321)
إنّ الروم يشهدون أنّهم أهل كتاب وقد غلبهم المجوس، وأنتم تزعمون أنّكم ستغلبوننا بالكتاب الذي أُنزل عليكم فسنغلبكم كما غلبت الفرس الروم.
فعنذ ذلك نزلت هذه الآيات الكريمات تنبىَ بأنّ هزيمة الروم هذه سيعقبها إنتصار لهم في بضع سنين، وهي مدّة تتراوح بين ثلاث سنوات وتسع، تنبّوَ بذلك، و كانت المقدمات والاَسباب على خلافه، لاَنّ الحروب الطاحنة أنهكت الدولة الرومانية حتى غزيت في عقر دارها كما يدلّ عليه قوله:(في أَدنَى الاََرض) ، ولاَنّ دولة الفرس كانت دولة قويّة منيعة، وزادها الانتصار الاَخير قوّة ومنعة، ولكنّ اللّه تعالى أنجز وعده وحقّق تنبّوَ القرآن في بضع سنين، فانتصر الروم سنة 622م.
ج. التنبّوء بالقضاء على العدو قبل لقائه: قال سبحانه:
(وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرينَ).(1)
نزلت الآية قبل لقاء المسلمين العدوّ في ساحة المعركة، فأخبر النبي عن هزيمة المشركين، واستئصال شأفتهم، ومحق قوتهم كما يدلّ عليه قوله:
(وَيَقْطَعَ دابِرَ الكافِرينَ) .
د. التنبّوء بكثرة الذريّة : قال سبحانه:
(إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوثَر ) .
الكوثر هو الخير الكثير والمراد هنا بقرينة قوله:(إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الاََبْتَر ) كثرة ذريته _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فالمعنى انّ اللّه تعالى يعطي نبيّه نسلاً يبقون على مرّ الزمان .

(1) الاَنفال:7.

(322)
قال الرازي:
«فانظر كَمْ قتل من أهل البيت، ثمّ العالم ممتلىَ منهم و لم يبق من بني أُميّة أحد يعبأ به، ثمّ انظر كَمْ كان فيهم من الاَكابر من العلماء كالباقر والصادق والكاظم والرضا والنفس الزكية وأمثالهم». (1)
هذه نماذج من تنبّوَات الذكر الحكيم، وهناك تنبّوَات أُخرى لم نذكرها لرعاية الاختصار. (2)

3. الاِخبار عن القوانين الكونية

لا شكّ انّ الهدف الاَعلى للقرآن الكريم هو الهداية، لكنّه ربما يتوقّف على إظهار عظمة الكون والقوانين السائدة عليه، و لاَجل ذلك نرى أنّ القرآن أشار إلى بعض تلك القوانين الّتي كانت مجهولة للبشر في عصر الرسالة، وإنّما اهتدى إليها العلماء بعد قرون متطاولة، وهذا في الحقيقة نوع من الاِخبار من الغيب، وإليك نماذج من ذلك:
ألف. الجاذبيّة العامة: يقول سبحانه:
(اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍتَرَونَها) . (3)
إنّ الآية تثبت للسماوات عمداً غير مرئية، فإذا كانت الجاذبية العامّة عمداً تمسك السماوات ـ حسب ما اكتشفه نيوتن وهو من القوانين العلمية المسلّمة عند العلماء الطبيعيين ـ فتكون الآية ناظرة إلى تلك القوّة وإنّما جاء القرآن بتعبير عام
(1) مفاتيح الغيب:8|498، ط مصر.
(2) لاحظ مفاهيم القرآن لشيخنا الاَُستاذ السبحاني ـ مد ظلّه ـ :3|377ـ534.
(3) الرعد:2.

(323)
حتّى يفهمه الاِنسان في القرون الغابرة والحاضرة، وقد روى الصدوق عن أبيه عن الحسين بن خالد عن أبي الحسن الرضا _ عليه السلام _ قال: قلت له:
أخبرني عن قول اللّه تعالى (رفع السماوات بغير عمد ترونها)؟
فقال:
«سبحان اللّه، أليس يقول: (بِغير عمد ترونها) ؟!»
فقلت: بلى، فقال:
«ثَمَّ عمد ولكن لا ترى». (1)
ب. حركة الاَرض: يشير القرآن إلى حركة الاَرض بقوله تعالى:
(وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللّهِالَّذِي أَتْقْنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ) . (2)
وقد خصّ بعض المفسّرين الآية بيوم القيامة، لاَنّ الآية السابقة عليها راجعة إليها، غير انّهناك قرائن تدلّ على أنّ الآية ناظرة إلى نظام الدنيا وهي انّ القيامة يوم كشف الحقائق وحصول الاذعان واليقين فلا يناسب قوله:
(تَحْسَبُها جامِدَة) .
وأيضاً انّ في القيامة تبدّل الاَرض غير الاَرض، والآية ناظرة إلى الوضع الموجود في الجبال، ويشعر بذلك كلمة الصنع في قوله:
(صُنْعَ اللّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) .
وأيضاً انّ الظاهر من قوله:

(1) البرهان في تفسير القرآن للعلاّمة السيد هاشم البحراني:2|278.
(2) النمل:88.

(324)
(إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ) .
هو ما يفعله الاِنسان في حياته الدنيا، فوحدة السياق في الاَفعال المستعملة في الآية أعني «ترى»، «تحسبها»، «تمرّ» و«تفعلون» قرينة على أنّ المقصود حركة الجبال في هذا النظام الموجود، وبما انّ الجبال راسخة في الاَرض فحركتها تلازم حركة الاَرض، وتخصيصها بالذكر لبيان عظمة قدرته تعالى على حركة هذه الاَشياء العظيمة الثقيلة كالسحاب، وتشبيه حركتها بالسحاب لبيان انّ حركة الاَرض دائمة أوّلاً، وانّها متحقّقة بهدوء وطمأنينة ثانياً.
ج. دور الجبال في ثبات الاَرض:
القرآن الكريم يبحث عن أسرار الجبال وفوائدها في آيات شتّى، منها انّها حافظة لقطعات القشرة الاَرضية، تقيها من التفرّق و التبعثر، كما أنّ الاَوتاد والمسامير تمنع القطعات الخشبية عن الانفصال، يقول سبحانه:
(وَأَلْقى فِي الاََرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهاراً وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ). (1)
إلى غير ذلك من الآيات، هذا وأساتذة الفيزياء والتضاريس الاَرضية يفسّرون كون الجبال أوتاداً للاَرض بشكل علمي خاص، لا يقف عليه إلاّ المتخصّص في تلك العلوم والمطلّع على قواعدها. (2)
وفي الختام نوَكّد على ما أشرنا إليه في صدر البحث من أنّ المقصود الاَعلى للقرآن هو الهداية والتزكية وليس من شأنه تبيين قضايا العلوم الطبيعية ونحوها
(1) النحل:15.
(2) راجع في ذلك تفسير سورة الرعد لشيخنا الاَُستاذ ـ دام ظله ـ «قرآن و أسرار آفرينش» (فارسي).

(325)
وإنّما يتعرض لذلك أحياناً لاَجل الاهتداء إلى المعارف الاِلهية، وعلى ذلك فلا يصحّ لنا الاِكثار في هذا النوع من الاِعجاز وتطبيق الآيات القرآنية على معطيات العلوم حتى وإن لم يكن ظاهراً فيها، بل يجب أن يعتمد في تفسيرها على نفس الكتاب أو الاَثر المعتبر من صاحب الشريعة ومن جعلهم قرناء الكتاب وأعداله ـ صلوات اللّه عليه وعليهم أجمعين ـ .

4. الجامعيّة في التشريع

إنّ التشريع القرآني شامل لجميع النواحي الحيويّة في حياة البشر يرفع بها حاجة الاِنسان في جميع المجالات من الاعتقاد، والاَخلاق والسياسة والاقتصاد وغيرها، انّنفس وجود تلك القوانين في جميع تلك الجوانب، معجزة كبرى لا تقوم بها الطاقة البشريّة واللجان الحقوقية، خصوصاً مع اتصافها بمرونة خاصّة تجامع كلَّ الحضارات والمجتمعات البدائية و الصناعية المتطورة، يقول الاِمام الباقر _ عليه السلام _ في هذا المجال:
«إنّ اللّه تعالى لم يدع شيئاً تحتاج إليه الاَُمّة إلاّ أنزله في كتابه وبيَّنه لرسوله، وجعل لكلِّ شيء حداً، وجعل عليه دليلاً يدلّ عليه». (1)
والدليل الواضح على ذلك انّالمسلمين عندما بسطوا ظلال دولتهم على أكثر من نصف المعمورة، وأُمم الاَرض كانت مختلفة في جانب العادات والوقائع والاَحداث، رفعوا ـ رغم ذلك ـ صرح الحضارة الاِسلامية وأداروا المجتمع الاِسلامي طيلة قرون في ظلّ الكتاب والسنّة من غير أن يستعينوا بتشريعات أجنبيّة، وسنرجع إلى هذا البحث عند الكلام حول الخاتمية.

(1) الكافي:1|59.

(326)

5. أُمّيّة حامل الرسالة

إنّ صحائف تاريخ حامل الرسالة أوضح دليل على أنّه لم يدخل مدرسة، ولم يحضر على أحد للدراسة وتعلّم الكتاب، وقد صرّح بذلك القرآن بقوله:
(ما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍوَلا تَخُطُّهُ بَيَمِينِكَ إِذاً لارْتابَالْمُبْطِلُونَ) . (1)
كيف وقد عاش وتربّى في بلد كان أهلها محرومين من فنون العلم والحضارة آنذاك ولذلك وصفهم القرآن بـ«الاَُميّين»، فالبرغم من مغالطة قساوسة الغرب والمستغربة وتشبثاتهم بمراسيل عن مجاهيل، وانتحالات الملاحدة في هذا الاَمر، فإنّ أُمّيّة النبيّوقومه تموج بالشواهد الواضحة من الكتاب والتاريخ والحديث. (2)
نعم لمّا أحسّ فصحاء العرب وبلغاوَهم بالعجز عن معارضة القرآن وانّه ليس من سنخ كلام البشر، اتّهموه بأنّه أساطير الاَوّلين تملى عليه بكرة وأصيلاً يمليها عليه بشر (3) ويردّه تعالى بقوله:
(لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ) . (4)
فمن لاحظ ذاك المعهد البسيط يذعن بأنّ من الممتنع أن يخرج منه شخصيّة
(1) العنكبوت:48.
(2) راجع في ذلك، مفاهيم القرآن:3|321ـ327.
(3) يقول سبحانه:(وَقالُوا أَساطِيرُ الاََوَّلينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً) ( الفرقان:5). و يقول: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمَهُ بَشَرٌ ) (النحل:103) وقالوا فيه وجوهاً فعن ابن عباس: قالت قريش إنّما يعلّمه بلعام، وكان قيناً بمكة رومياً نصرانياً، وقال الضحاك: أراد به سلمان الفارسي، قالوا: إنّه يتعلّم القصص منه، وقيل غير ذلك. راجع مجمع البيان:3|386؛ والكشاف:3|218. الموَلّف .
(4)النحل:103.

(327)
فذَّة كشخصيّة النبي وكتاب مثل كتابه إلاّ أن يكون له صلة بقدرة عظيمة مهيمنة على الكون، كما أنّه لو قارن القرآن فيما يبيّنه في مجال المعارف و يقصّه من قصص الاَنبياء الاِلهيين بالعهدين، يتجلّى له انّ القرآن لم يتأثر في ذلك بالعهدين، بل ويتّضح له انّما في العهدين ليس وحياً إلهياً وإنّما هي من منشئات الاَحبار والرهبان خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيّئاً فموّهوا الكتب السماوية بخرافاتهم. (1)
وفي ذلك يقول العلاّمة الطباطبائي ـ قدّس سرّه ـ :
«إنّ من قرأ العهدين وتأمّل ما فيهما ثمّ رجع إلى ما قصّه القرآن من تواريخ الاَنبياء السالفين وأُممهم رأى أنّ التاريخ غير التاريخ والقصّة غير القصّة، ففيهما عثرات وخطايا لاَنبياءاللّه الصالحين تنبو الفطرة وتنفر من أن تنسبها إلى المتعارف من صلحاء الناس وعقلائهم، والقرآن يبرّوَهم منها». (2)
(1) للوقوف على نماذج من هذه الخرافات والاَباطيل في بيان قصص الاَنبياء راجع الاِلهيات الطبع الاَوّل: 2|361ـ 376.
(2) الميزان: 1|64.

(328)

(329)

الفصل السادس
الخاتمية في ضوء العقل و الوحي

اتّفقت الاَُمّة الاِسلامية على أنّ نبيّها محمّد _ صلى الله عليه وآله وسلم _ خاتم النبيين، وشريعته خاتمة الشرائع، وكتابه خاتم الكتب السماوية، ويدلّ على ذلك نصوص من الكتاب والسنّة نشير إليها، ثمّ نجيب عن أسئلة حول الخاتمية.
نصّ القرآن الكريم على أنّه خاتم النبيّين بقوله:
(ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللّهِ وَخاتَمَ النَّبِيّينَ).(1)
قال ابن فارس:
«الختم له أصل واحد وهو بلوغ آخر الشيء، يقال: ختمت العمل وختم القارىَ السورة، والختم وهو الطبع على الشيء فذلك من هذا الباب أيضاً، لاَنّ الطبع على الشيء لا يكون إلاّ بعدبلوغ آخره». (2)

(1) الاَحزاب:40.
(2) مقاييس اللغة: مادة ختم.

(330)
ثمّ إنّ ختم باب النبوّة يستلزم ختم باب الرسالة، وذلك لاَنّ الرسالة هي إبلاغ أو تنفيذ ما تحمّله الرسول عن طريق الوحي، فإذا انقطع الوحي والاتصال بالمبدأ الاَعلى فلا يبقى للرسالة موضوع، وهذا واضح لمن أمعن النظر في الفرق بين النبي والرسول، فالنبي هو الاِنسان الموحى إليه بإحدى الطرق المعروفة، والرسول هو الاِنسان القائم بالسفارة من اللّه للتبشير أو لتنفيذ عمل في الخارج أيضاً، وهناك آيات أُخرى تدلّ على خاتمية الرسالة المحمّدية تصريحاً أو تلويحاً يطول المقام بذكرها.
وممّا ينصّ على الخاتمية من الاَحاديث، حديث المنزلة المتّفق عليه بين الاَُمّة فقد نزّل النبي نفسه مكان موسى، ونزّل عليّاً مكان هارون، وقال مخاطباً عليّاً _ عليه السلام _ :
«أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّبعدي». (1)
ودلالة الحديث على الخاتمية واضحة، كدلالته على خلافة علي للنبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بعد رحلته كما سيوافيك بيانه في باب الاِمامة.
وقال علي _ عليه السلام _ :
«أرسله على حين فترة من الرسل، وتنازع من الاَلسن، فقفّى به الرسل وختم به الوحي». (2)
إلى غير ذلك من النصوص المتضافرة في ذلك. (3)
(1) أخرجه البخاري في صحيحه:3|58؛ ومسلم في صحيحه:2|323؛ وابن ماجة في سننه:1|28؛ والحاكم في مستدركه:3|109؛ وأحمد بن حنبل في مسنده:1|331 و2|369، 437. وأمّا الاِماميّة فقد أصفقوا على نقله في مجامعهم الحديثية.
(2) نهج البلاغة:الخطبة 133.
(3) راجع في ذلك مفاهيم القرآن:3|148ـ 179.

(331)

شبهة واهية

أُورد على الخاتمية شبهات واهية غنية عن الاِجابة يقف عليها كلّمن له إلمام بالكتاب والسنّة والاَدب العربي، ولاَجل إراءة وهن هذه الشبهات (1) نأتي بما تعدّ من أقواها، ثمّنرجع إلى البحث حول سوَال مهمّ حول الخاتمية، وهي قابلة للبحث والنقاش، أمّا الشبهة فهي:
كيف يدّعي المسلمون انغلاق باب النبوّة والرسالة، مع أنّصريح كتابهم ناصّ بانفتاح بابهما إلى يوم القيامة حيث يقول:
(يا بَنِي ا دَمَ إِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) ؟ (2) والجواب ، انّ الآية تحكي خطاباً خاطب به سبحانه بني آدم في بدء الخلقة، وفي الظرف الذي هبط فيه آدم إلى الاَرض، فالخطاب ليس من الخطابات المنشأة في عصر الرسالة حتى ينافي ختمها، بل حكاية للخطاب الصادر بعد هبوط أبينا آدم إلى الاَرض، و الشاهدعلى ذلك أمران:
الاَوّل: سياق الآيات المتقدمة على هذه الآية.
الثاني: قوله سبحانه في موضع آخر:
(قالَاهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى) . (3)
فقوله:

(1) للوقوف عليها وعلى أجوبتها، لاحظ المصدر السابق: 185ـ 216.
(2) الاَعراف: 35.
(3) طه:123.

(332)
(فَإِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنّي هُدىً) .
يتّحد مضموناً مع قوله:
(إِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي)

الخاتمية وخلودالتشريع الاِسلامي

إنّ هاهنا سوَالاً يجب علينا الاِجابة عنه، وهو انّ توسع الحضارة يلزم المجتمع بتنظيم قوانين جديدة تفوق ما كان يحتاج إليها فيما مضى، وبما انّ الحضارة والحاجات في حال تزايد وتكامل، فكيف تعالج القوانين المحدودة الواردة في الكتاب والسنّة، الحاجات المستحدثة غير المحدودة؟
والجواب، انّ خلود التشريع الاِسلامي وغناه عن كلّ تشريع مبنيّ على أُمور تالية:

1. حجّية العقل في مجالات خاصّة

اعترف القرآن والسنّة بحجّية العقل في مجالات خاصّة، ممّا يرجع إليه القضاء فيها، وقد بيّن مواضع ذلك في كتب أُصول الفقه، فهناك موارد من الاَحكام العقلية الكاشفة عن أحكام شرعية، كاستقلال العقل بقبح العقاب بلا بيان، الملازم لعدم ثبوت الحرمة و الوجوب إلاّبالبيان، واستقلاله بلزوم الاجتناب عن أطراف العلم الاِجمالي في الشبهات التحريمية، ولزوم الموافقة القطعية في الشبهات الوجوبية، واستقلاله بإطاعة الاَوامر الظاهرية، وغير ذلك، ولعلّ الجميع يرجع إلى مبدأ واحد وهو استقلال العقل بالحسن والقبح في بعض الاَفعال.

(333)
وبما انّ هذا البحث، يرجع إلى علم أُصول الفقه نقتصر على هذا القدر، ونختم الكلام بحديث عن الاِمام موسى بن جعفر _ عليه السلام _ وهو يخاطب تلميذه هشام ابن الحكم بقوله:
«إنّ للّه على الناس حجّتين: حجَّة ظاهرة، وحجَّة باطنة. فأمّا الظاهرة فالرسل والاَنبياء والاَئمّة، وأمّا الباطنة فالعقول». (1)

2. تبعيّة الاَحكام للمصالح والمفاسد

يستفاد من القرآن الكريم بجلاء انّ الاَحكام الشرعية تابعة للمصالح والمفاسد، وبما انّ للمصالح والمفاسد درجات ومراتب، عقد الفقهاء باباً لتزاحم الاَحكام وتصادمها، فيقدّمون الاَهمّ على المهمّ، والاَكثر مصلحة على الاَقلّ منه، وقد أعان فتح هذا الباب على حلّ كثير من المشاكل الاجتماعية الّتي ربما يتوهّم الجاهل انّها تعرقل خُطى المسلمين في معترك الحياة.

3. تشريع الاجتهاد

إنّ من مواهب اللّه تعالى العظيمة على الاَُمّة الاِسلامية، تشريع الاجتهاد، وقد كان الاجتهاد مفتوحاً بصورته البسيطة بين الصحابة والتابعين، كما أنّه لم يزل مفتوحاً بين أصحاب الاَئمّة الطاهرين ـ عليهم السّلام ـ .
وقد جنت بعض الحكومات في المجتمعات الاِسلامية حيث أقفلت باب الاجتهاد في أواسط القرن السابع وحرمت الاَُمّة الاِسلاميّة من هذه الموهبة العظيمة، يقول المقريزي:

(1) الكافي:1|16.

(334)
«استمرّت ولاية القضاة الاَربعة من سنة 665، حتّى لم يبق في مجموع أمصار الاِسلام مذهب يعرف من مذاهب الاِسلام ، غير هذه الاَربعة وعودي من تمذهب بغيرها وأُنكر عليه، ولم يولَّ قاض، ولا قبلت شهادة أحد ما لم يكن مقلِّداً لاَحد هذه المذاهب...». (1)
ومن بوادر الخير ان وقف غير واحد من أهل النظر من علماء أهل السنّة وقفة موضوعية، وأحسُّوا بلزوم فتح هذا الباب بعد غلقه قروناً. (2)

4. صلاحيات الحاكم الاِسلامي وشوَونه

من الاَسباب الباعثة على كون التشريع الاِسلامي صالحاً لحلّ المشاكل انّه منح للحاكم الاِسلامي كافَّة الصلاحيات الموَدِّية إلى حقّ التصرّف المطلق في كلّ ما يراه ذا صلاحيّة للاَُمَّة، ويتمتّع بمثل ما يتمتّع به النبي والاِمام المعصوم من النفوذ المطلق، إلاّما يُُعدّ من خصائصهما.
قال المحقّق النائيني ـ قدّس سرّه ـ :
«فوِّض إلى الحاكم الاِسلامي وضع ما يراه لازماً من المقرّرات، لمصلحة الجماعة وسدّ حاجاتها في إطار القوانين الاِسلامية». (3)
وهناك كلمة قيِّمة للاِمام الخميني ـ قدّس سرّه ـ نأتي بنصّها:
«إنّ الحاكم الاِسلامي إذا نجح في تأسيس حكومة إسلامية في قطر من أقطار الاِسلام، أو في مناطقه كلِّها، وتوفّرت فيه الشرائط
(1) الخطط المقريزية:2|344.
(2) لاحظ تاريخ حصر الاجتهاد للعلاّمة الطهراني، ودائرة المعارف لفريد وجدي، مادة «جهد» و«ذهب».
(3) تنبيه الاَُمّة وتنزيه الملَّة:97.

(335)
والصلاحيات اللازمة، وأخصّ بالذكر: العلم الوسيع، والعدل، يجب على المسلمين إطاعته، وله من الحقوق والمناصب والولاية، ما للنبيّ الاَكرم من إعداد القوّات العسكريّة، ودعمها بالتجنيد، وتعيين الولاة وأخذ الضرائب، وصرفها في محالّها، إلى غير ذلك....
وليس معنى ذلك انّ الفقهاء والحكام الاِسلاميين، مثل النبي والاَئمة في جميع الشوَون والمقامات، حتى الفضائل النفسانية، والدرجات المعنوية، فانّ ذلك رأي تافه لا يركن إليه، إذ انّ البحث إنّما هو في الوظائف المخوّلة إلى الحاكم الاِسلامي، و الموضوعة على عاتقه، لا في المقامات المعنوية والفضائل النفسانية، فانّهم ـ صلوات عليهم ـ في هذا المضمار في درجة لا يدرك شأوهم ولا يشقّ لهم غبار حسب روائع نصوصهم وكلماتهم». (1)

5. الاَحكام الّتي لها دور التحديد

من الاَسباب الموجبة لانطباق التشريع القرآني على جميع الحضارات، تشريعه لقوانين خاصّة، لها دور التحديد و الرقابة بالنسبة إلى عامّة تشريعاته، فهذه القوانين الحاكمة، تعطي لهذا الدين مرونة يماشي بها كلّ الاَجيال والقرون.
يقول سبحانه:
(وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) . (2)
ويقول سبحانه:

(1) ولاية الفقيه:63ـ 66.
(2) الحج: 78.

(336)
(فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍفَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) . (1)
ويقول سبحانه:
(إِلاّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) . (2)
ويقول سبحانه:
(إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالاِِيمانِ) . (3)
وما ورد حول النهي عن الضرر من الآيات، كلّها تحدّد التشريعات القرآنية بحدود الحرج والعسر والضرر، فلولا هذه التحديدات الحاكمة لما كانت الشريعة الاِسلامية مماشية لجميع الحضارات البشرية.

6. الاعتدال في التشريع

من الاَسباب الموجبة لصلاح الاِسلام للبقاء والخلود كون تشريعاته مبتنية على أساس الاعتدال موافقة للفطرة الاِنسانية، فأخذت من الدنيا ما هو لصالح العباد، ومن الآخرة مثله، فكما ندب إلى العبادة، ندب إلى طلب الرزق أيضاً، بل ندب إلى ترويح النفس، والتخلية بينها وبين لذّاتها بوجه مشروع.
وقال الاِمام علي _ عليه السلام _ :
«للموَمن ثلاث ساعات: ساعة يناجي ربّه، وساعة يرمُّ فيها معاشه، وساعة يخلّي بين نفسه ولذاتها». (4)

(1) البقرة: 173.
(2) الاَنعام:119.
(3) النحل: 106.
(4) نهج البلاغة: باب الحكم، رقم 390.

(337)

الباب السادس
في
الاِمامة والخلافة

وفيه ثمانية فصول:
1. لماذا نبحث عن الاِمامة ؟
2. حقيقة الاِمامة عند الشيعة وأهل السنّة .
3. طرق إثبات الاِمامة عند أهل السنّة.
4. أدلّة وجوب تنصيب الاِمام عند الشيعة.
5. وجوب العصمة في الاِمام.
6. النصوص الدينية وتنصيب علي _ عليه السلام _ للاِمامة.
7. السنّة النبوية والاَئمة الاثنا عشر.
8. الاِمام الثاني عشر في الكتاب والسنّة.

(338)

(339)

الفصل الاَوّل
لماذا نبحث عن الاِمامة ؟

إنّ أوّل خلاف نجم بين المسلمين بعد ارتحال الرسول الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ هو الاختلاف في مسألة الاِمامة والخلافة، وصارت الاَُمّة بذلك فرقتين، فرقة تشايع عليّاً _ عليه السلام _ وفرقة تشايع غيره من الخلفاء، والبحث حول كيفية وقوع هذا الاختلاف وعلله خارج عمّا نحن بصدده هنا، لاَنّه بحث تاريخي على كاهل علم الملل والنحل، والمقصود بالبحث في هذا المجال هو تحليل حقيقة الاِمامة وشروطها عند الشيعة وأهل السنّة، على ضوء العقل والوحي والواقعيات التاريخية.
قد يقال: إنّ البحث عن صيغة الخلافة بعد النبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ يرجع لُبّه إلى أمر تاريخى قد مضى زمنه، وهو انّ الخليفة بعد النبي هل هو الاِمام أمير الموَمنين أو أبوبكر، وماذا يفيد الموَمنين البحث حول هذا الاَمر الذي لا يرجع إليهم بشيء في حياتهم الحاضرة، أو ليس من الحريّ ترك هذا البحث حفظاً للوحدة؟
والجواب انّه لا شك انّ من واجب المسلم الحرّ السعي وراء الوحدة، ولكن
(340)
ليس معنى ذلك ترك البحث رأساً، فإنّه إذا كان البحث نزيهاً موضوعياً يكون موَثراً في توحيد الصفوف وتقريب الخطى، إذ عندئذٍ تتعرف كلّ طائفة على ما لدى الاَُخرى من العقائد والاَُصول، وبالتالي تكون الطائفتان متقاربتين، وهذا بخلاف ما إذا تركنا البحث مخافة الفرقة فانّه يثير سوء الظنّمن كلّ طائفة بالنسبة إلى أُختها في مجال العقائد فربما تتصوّرها طائفة أجنبية عن الاِسلام، هذا أوّلا.
وثانياً: انّ لمسألة الخلافة بعد النبي بعدين: أحدهما تاريخي مضى عصره، والآخر بُعد ديني باق أثره إلى يومنا هذا، وسيبقى بعد ذلك، وهو انّه إذا دلّت الاَدلّة على تنصيب علي _ عليه السلام _ على الولاية والخلافة بالمعنى الذي تتبنّاه الاِمامية يكون الاِمام وراء كونه زعيماً في ذلك العصر، مرجعاً في رفع المشاكل التي خلّفتها رحلة النبي، كما سيوافيك بيانها، فيجب على المسلمين الرجوع إليه في تفسير القرآن وتبيينه، وفي مجال الموضوعات المستجدة التي لم يرد فيها النصّ في الكتاب والسنّة، فليس البحث متلخّصاً في البعد السياسي حتى نشطب عليه بدعوى انّه مضى ما مضى، بل له مجال أو مجالات باقية.
ولو كان البحث بعنوان الاِمامة والخلافة مثيراً للخلاف ولكن للبحث صورة أُخرى نزيه عنه، وهو البحث عن المرجع العلمي للمسلمين بعد رحلة النبيّالاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في مسائلهم ومشاكلهم العلمية، وهل قام النبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بنصب شخص أو طائفة على ذلك المقام أو لا ؟ والبحث بهذه الصورة لا يثير شيئاً.
والشيعة تدّعي انّ السنّة النبوية أكَّدت على مرجعية أهل البيت _ عليهم السلام _ في العقائد والمسائل الدينية، وراء الزعامة السياسية المحدَّدة بوقت خاصٍّ ومن أوضحها حديث الثقلين المتواتر عند الفريقين ولا يشك في صحته إلاّ الجاهل به
(341)
أو المعاند، فقد روي بطرق كثيرة عن نيف وعشرين صحابياً. (1)
روى أصحاب الصحاح والمسانيد عن النبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ انّه قال:
«يا أيّها الناس انّي تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلّوا، كتاب اللّه وعترتي أهل بيتي».
وقال في موضع آخر:
«إنّي تركت فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا ، كتاب اللّه حبل ممدود من السماء إلى الاَرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلّفوني فيهما».
وغير ذلك من النصوص المتقاربة.
إنّ الاِمعان في الحديث يعرب عن عصمة العترة الطاهرة، حيث قورنت بالقرآن الكريم وانّهما لا يفترقان، ومن المعلوم انّ القرآن الكريم كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فكيف يمكن أن يكون قرناء القرآن وأعداله خاطئين فيما يحكمون، أو يقولون ويحدِّثون.
أضف إلى ذلك انّ الحديث، يعدّ المتمسّك بالعترة غير ضالٍّ، فلو كانوا غير معصومين من الخلاف والخطأ فكيف لا يضلُّ المتمسّك بهم؟
كما أنّه يدلّ على أنّالاهتداء بالكتاب والوقوف على معارفه وأسراره يحتاج إلى معلّم خبير لا يخطأ في فهم حقائقه وتبيين معارفه، وليس ذلك إلاّ من جعلهم
(1) وكفى في ذلك انّ دار التقريب بين المذاهب الاِسلامية قامت بنشر رسالة جمعت فيها مصادر الحديث، ونذكر من طرقه الكثيرة ما يلي: صحيح مسلم:7|122؛ سنن الترمذي:2|307؛ مسند أحمد:3|17، 26، 59؛ 4|366 و371؛ 5|182، 189. وقد قام المحدّث الكبير السيد حامد حسين الهندي ـ قدّس سرّه ـ في كتابه «العبقات» بجمع طرق الحديث ونقل كلمات الاَعاظم حوله، ونشره في ستة أجزاء.

(342)
النبي قرناء الكتاب إلى يوم القيامة وهم العترة الطاهرة، وقد شبَّههم في حديث آخر بسفينة نوح في أنّ من لجأ إليهم في الدين وأخذ أُصوله وفروعه عنهم نجا من عذاب النار، ومن تخلَّف عنهم كمن تخلّف يوم الطوفان عن سفينة نوح وأدركه الغرق. (1)
(1) روى المحدّثون عن النبي ص انّه قال: «إنّما مثل أهل بيتي في أُمّتي كمثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق» مستدرك الحاكم:2|151؛ الخصائص الكبرى للسيوطي:2|266 وللحديث طرق ومسانيد كثيرة من أراد الوقوف عليها ، فعليه بتعاليق إحقاق الحق:9|270ـ293.

(343)

الفصل الثاني
حقيقة الاِمامة
عند الشيعة و أهل السنّة

الاِمام هو الذي يوَتمُّ به إنساناً كان أو كتاباً أو غير ذلك، محقّاً كان أو مبطلاً وجمعه أئمّة. (1)وقوله تعالى:
(يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ) .
أي بالّذي يقتدون به، وقيل بكتابهم. (2)
وعرِّفت الاِمامة بوجوه:
1.الاِمامة رئاسة عامّة في أُمور الدين والدنيا.
2. الاِمامة خلافة الرسول في إقامة الدين، بحيث يجب اتّباعه على كافّة
(1) أصله أَءْمِمة وزان أمثلة فادغمت الميم في الميم بعد نقل حركتها إلى الهمزة وبعض النّحاة يبدّلها ياء للتخفيف.
(2) راجع المفردات للراغب، كتاب الاَلف، مادة أُمّ.

(344)
الاَُمّة، وهذان التعريفان ذكرهما موَلّف المواقف. (1)
3. الاِمامة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا.(2)
4. الاِمامة رئاسة عامّة دينية مشتملة على ترغيب عموم الناس في حفظ مصالحهم الدينية و الدنياوية، وزجرهم عمّا يضرّهم بحسبها. (3)
واتّفقت كلمة أهل السنّة، أو أكثرهم، على أنّ الاِمامة من فروع الدين.
قال الغزالي:
«اعلم أنّ النظر في الاِمامة ليس من فنّ المعقولات، بل من الفقهيات».(4)
وقال الآمدي (المتوفّى 631هـ):
«واعلم أنّ الكلام في الاِمامة ليس من أُصول الديانات». (5)
وقال الاِيجي:
«ومباحثها عندنا من الفروع، وإنّما ذكرناها في علم الكلام تأسّياً بمن قبلنا». (6)
وقال ابن خلدون:
«وقصارى أمر الاِمامة انّها قضية مصلحية إجماعية ولا تلحق

(1) شرح المواقف:8|345.
(2) اختاره ابن خلدون في المقدمة:191.
(3) اختاره المحقق الطوسي في قواعد العقائد.
(4) الاقتصاد في الاعتقاد:234.
(5) غاية المرام في علم الكلام :363.
(6) شرح المواقف:8|344.

(345)
بالعقائد». (1)
وقال التفتازاني:
«لا نزاع في أنّ مباحث الاِمامة بعلم الفروع أليق...». (2)
وأمّا الشيعة الاِمامية، فينظرون إلى الاِمامة كمسألة كلاميّة، وزانها وزان النبوّة، سوى تلقّي الوحي والاِتيان بالشريعة، فإنّها مختومة بارتحال النبيّالاَكرم ص، فمسألة الاِمامة تكون من المسائل الجذرية الاَصليّة. (3)

موَهِّلات الاِمام وصفاته

اختلفت كلمات أهل السنّة في ما يشترط في الاِمام من الصفات، فمنهم (4) من قال إنّها أربع، هي: العلم، والعدالة، والمعرفة بوجوه السياسة، وحسن التدبير، وأن يكون نسبه من قريش، وزاد بعضهم (5)عليها سلامة الحواس والاَعضاء والشجاعة، وبعض(6) آخر البلوغ والرجولية، قال الاِيجي:
«الجمهور على أنّ أهل الاِمامة: مجتهد في الاَُصول والفروع ليقوم بأُمور الدين، ذو رأي ليقوم بأُمور الملك، شجاع ليقوى على الذبّ عن
(1) مقدمة ابن خلدون:465، ط دار القلم، بيروت.
(2) شرح المقاصد: 5|232 ، ط منشورات الرضي ، قم المقدّسة.
(3) أقول: الفارق بين المسألة الكلاميّة والفقهيّة هو موضوعها، فموضوع المسألة الكلامية هو وجود اللّه تعالى أو صفاته وأفعاله، وموضوع المسألة الفقهيّة هو أفعال المكلّفين من البشر، ونصب الاِمام عند الاِماميّة فعل اللّهتعالى، وأمّا عند أهل السنّة فتعيين الاِمام وظيفة المسلمين. الموَلّف.
(4) هو أبو منصور البغدادي (المتوفّى429هـ) في أُصول الدين: 277، ط دار الكتب العلمية، بيروت.
(5) هو أبو الحسن البغدادي (المتوفّى450هـ) في الاَحكام السلطانية:6.
(6) هو ابن حزم الاَندلسي ( المتوفّى456هـ) في الفصل:4|186.

(346)
الحوزة؛ وقيل: لا يشترط هذه الصفات، لاَنّها لا توجد، فيكون اشتراطها عبثاً أو تكليفاً بمالا يطاق ومستلزماً للمفاسد التي يمكن دفعها بنصب فاقدها؛ نعم يجب أن يكون عدلاً لئلاّ يجور، عاقلاً ليصلح للتصرّفات، بالغاً لقصور عقل الصبي، ذكراً إذ النساء ناقصات عقل و دين، حُرّاً لئلاّ يشغله خدمة السيد ولئلاّ يحتقر فيعصى». (1)

يلاحظ على هذه الشروط

أوّلاً: أنّ اختلافهم في عددها ناشىَ من افتقادهم لنصٍّ شرعي في مجال الاِمامة، وإنّما الموجود عندهم نصوص كلّية لاتتكفّل بتعيين هذه الشروط، والمصدر لها عندهم هو الاستحسان والاعتبارات العقلائية في ذلك، وهذا ممّا يقضى منه العجب، فكيف ترك النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بيان هذا الاَمر المهمّ شرطاً وصفة، مع أنّه بَيَّن أبسط الاَشياء وأدناها من المكروهات والمستحبات؟!
وثانياً: أنّ اعتبار العدالة لا ينسجم مع ما ذهبوا إليه من أنّ الاِمام لا ينخلع بفسقه وظلمه، قال الباقلاني:
«لا ينخلع الاِمام بفسقه، وظلمه بغصب الاَموال و تضييع الحقوق وتعطيل الحدود، ولا يجب الخروج عليه، بل يجب وعظه وتخويفه وترك طاعته في شيء ممّا يدعو إليه من معاصي اللّه». (2)
وثالثاً: أنّ التاريخ الاِسلامي يشهد بأنّ الخلفاء بعد علي ـ عليه السّلام ـ كانوا يفقدون
(1) شرح المواقف: 8|349ـ350.
(2) التمهيد: 181. راجع في ذلك أيضاً شرح العقيدة الطحاوية:379؛ وشرح العقائد النسفية:185.

(347)
أكثر هذه الصلاحيات ومع ذلك مارسوا الخلافة.
وأمّا الشيعة الاِمامية فبما انّهم ينظرون إلى الاِمامة بأنّها استمرار لوظائف الرسالة ـ كما تقدّم ـ يعتبرون في الاِمام توفُّر صلاحيات عالية لاينالها الفرد إلاّ إذا وقع تحت عناية إلهية خاصة، فهو يخلف النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ في العلم والعصمة والقيادة الحكمية وغير ذلك من الشوَون، قال المحقّق البحراني:
«إنّا لمّا بيَّنا انّه يجب أن يكون الاِمام معصوماً وجب أن يكون مستجمعاً لاَُصول الكمالات النفسانية، وهي العلم والعفّة والشجاعة والعدالة... ويجب أن يكون أفضل الاَُمّة في كلِّ ما يُعدُّ كمالاً نفسانياً، لاَنّه مقدَّم عليهم، والمقدَّم يجب أن يكون أفضل، لاَنّ تقديم الناقص على من هو أكمل منه قبيح عقلاً، ويجب أن يكون متبرّئاً من جميع العيوب المنفِّرة في خلقته من الاَمراض كالجذام والبرص ونحوهما، وفي نسبه وأصله كالزنا والدناءة، لاَنّ الطهارة من ذلك تجري مجرى الاَلطاف المقرِّبة للخلق إلى قبول قوله وتمكّنه، فيجب كونه كذلك». (1)

(1) قواعد المرام:179ـ180.

(348)

(349)

الفصل الثالث
طرق إثبات الاِمامة
عند أهل السنّة

الطريق لاِثبات الاِمامة عند الشيعة الاِمامية منحصرة في النصّ من النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أو الاِمام السابق، وسيوافيك الكلام فيه في الفصل القادم.
وأمّا عند أهل السنّة فلا ينحصر بذلك، بل يثبت أيضاً ببيعة أهل الحلّوالعقد، قال الاِيجي:
«المقصد الثالث فيما تثبت به الاِمامة، وانّها تثبت بالنصّ من الرسول ومن الاِمام السابق بالاِجماع وتثبت ببيعة أهل الحلّ والعقد خلافاً للشيعة، لنا ثبوت إمامة أبي بكر بالبيعة». (1)
ثمّ إنّهم اختلفوا في عدد من تنعقد به الاِمامة على أقوال، قال الماوردي (المتوفّى450هـ): «اختلف العلماء في عدد من تنعقد به الاِمامة منهم على مذاهب
(1) شرح المواقف:8|351.

(350)
شتّى: فقالت طائفة: لا تنعقد إلاّ بجمهور أهل الحلّ والعقد من كلّبلد ليكون الرضا به عامّاً، والتسليم لاِمامته إجماعاً، وهذا مذهب مدفوع ببيعة أبي بكر على الخلافة باختيار من حضرها، ولم ينتظر ببيعته قدوم غائب عنها.
وقال طائفة أُخرى: أقلّ ما تنعقد به منهم الاِمامة خمسة يجتمعون على عقدها أو يعقدها أحدهم برضا الاَربعة، استدلالاً بأمرين:
أحدهما: انّ بيعة أبي بكر انعقدت بخمسة اجتمعوا عليها ثمَّ تابعهم الناس فيها، وهم: عمر بن الخطاب، وأبو عبيدة بن الجراح، وأسيد بن خضير، وبشر بن سعد، وسالم مولى أبي حذيفة.
والثاني: انّ عمر جعل الشورى في ستّة ليعقد لاَحدهم برضا الخمسة، وهذا قول أكثر الفقهاء، والمتكلّمين من أهل البصرة.
وقال آخرون من علماء الكوفة: تنعقد بثلاثة يتولاّها أحدهم برضا الاثنين ليكونوا حاكماً وشاهدين، كما يصحّ عقد النكاح بولي وشاهدين.
وقالت طائفة أُخرى: تنعقد بواحد، لاَنّ العباس قال لعلي: أُمدد يدك أُبايعك، فيقول الناس عمّ رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بايع ابن عمِّه فلا يختلف عليك اثنان، ولاَنّه حكم وحكم واحد نافذ». (1)

يلاحظ على هذه الاَقوال والنظريات

أوّلاً: أنّ موقف أصحابها موقف من اعتقد بصحّة خلافة الخلفاء، فاستدلّ به على ما يرتئيه من الرأي، وهذا استدلال على المدّعى بنفسها، وهو دور واضح.
وثانياً: أنّ هذا الاختلاف الفاحش في كيفية عقد الاِمامة، يعرب عن بطلان
(1) الاَحكام السلطانية:6ـ7، ط الحلبي ، مصر.

(351)
نفس الاَصل، لاَنّه إذا كانت الاِمامة مفوَّضة إلى الاَُمّة، كان على النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بيان تفاصيلها وطريق انعقادها، وليس عقد الاِمام لرجل أقلّ من عقد النكاح بين الزوجين الَّذي اهتمّ القرآن والسنّة ببيانه وتحديده، والعجب انّ عقد الاِمامة الذي تتوقّف عليه حياة الاَُمّة، لم يطرح في النصوص ـ على زعم القوم ـ ولم يتبيَّن حدوده وشرائطه.
والعجب من هوَلاء الاَعلام كيف سكتوا عن الاعتراضات الهائلة التي توجهت من نفس الصحابة من الاَنصار والمهاجرين على خلافة الخلفاء الذين تمَّت بيعتهم ببيعة الخمسة في السقيفة، أو بيعة أبي بكر لعمر، أو بشورى الستّة، فإنّ من كان ملِمّاً بالتاريخ، يرى كيف كانت عقيرة كثير من الصحابة مرتفعة بالاعتراض، حتى أنّ الزبير وقف في السقيفة أمام المبايعين وقد اخترط سيفه وهو يقول:
«لا أغمده حتى يبايع علي، فقال عمر: عليكم الكلب فأُخذ سيفه من يده، وضرب به الحجر وكسر». (1)

هل الشورى أساس الحكم والخلافة؟

قد حاول المتجدّدون من متكلّمي أهل السنّة، صبَّ صيغة الحكومة الاِسلامية على أساس المشورة بجعله بمنزلة الاستفتاء الشعبي واستدلّوا على ذلك بآيتين:
الآية الاَُولى: قوله سبحانه:
(وَشاوِرهُمْ فِي الاََمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ) . (2)

(1) الاِمامة والسياسة: 1|11.
(2) آل عمران:159.

(352)
فاللّه سبحانه أمر نبيّه بالمشاورة تعليماً للاَُمّة حتى يشاوروا في مهامّ الاَُمور ومنها الخلافة.

يلاحظ عليه

أوّلاً: أنّ الخطاب في الآية متوجه إلى الحاكم الّذي استقرّت حكومته، فيأمره سبحانه أن ينتفع من آراء رعيته، فأقصى ما يمكن التجاوز به عن الآية هو انّ من وظائف كلّ الحكام التشاور مع الاَُمّة، وأمّا انّ الخلافة بنفس الشورى، فلا يمكن الاستدلال عليه بها.
وثانياً: أنّ المتبادر من الآية هو انّ التشاور لا يوجب حكماً للحاكم، ولا يلزمه بشيء، بل هو يقلّب وجوه الرأي ويستعرض الاَفكار المختلفة، ثمّ يأخذ بما هو المفيد في نظره، حيث قال تعالى:
(فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ) .
كلّذلك يعرب عن أنّ الآية ترجع إلى غير مسألة الخلافة والحكومة، ولاَجل ذلك لم نر أحداً من الحاضرين في السقيفة احتجّ بهذه الآية.
الآية الثانية: قوله سبحانه:
(وَالَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ) . (1)
ببيان انّكلمة «أمر» أضيفت إلى ضمير «هم» وهو يفيد العموم لكلّ أمر ومنه الخلافة، فيعود معنى الآية: انّ شأن الموَمنين في كلِّ مورد شورى بينهم.

(1) الشورى:38.

(353)
يلاحظ عليه: أنّ الآية حثَّت على الشورى فيما يمتّ إلى شوَون الموَمنين بصلة، لا فيما هو خارج عن حوزة أُمورهم، وكون تعيين الاِمام داخلاً في أُمورهم فهو أوّل الكلام، إذ لا ندري ـ على الفرض ـ هل هو من شوَونهم أو من شوَون اللّه سبحانه؟ ولا ندري، هل هي إمرة وولاية إلهية تتمّ بنصبه سبحانه وتعيينه، أو إمرة وولاية شعبيّة يجوز للناس التدخّل فيها؟
فإن قلت: لو لم تكن الشورى أساس الحكم، فلماذا استدلّ بها الاِمام علي _ عليه السلام _ على المخالف، وقال مخاطباً لمعاوية:
«إنّه بايعني القوم الّذين بايعوا أبابكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه»؟ (1)
قلت: الاستدلال بالشورى كان من باب الجدل حيث بدأ رسالته بقوله:
«أمّا بعد، فإنّ بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشام، لاَنّه بايعني الّذين بايعوا أبا بكر وعمر...».
ثمّ ختمها بقوله:
«فادخل فيما دخل فيه المسلمون». (2)
فالابتداء بالكلام بخلافة الشيخين يعرب عن أنّه في مقام إلزام معاوية الّذي يعتبر البيعة وجهاً شرعياً للخلافة، ولولا ذلك لما كان وجه لذكر خلافة الشيخين، بل لاستدلّ بنفس الشورى.

(1) نهج البلاغة: الرسائل، الرقم 6.
(2) لاحظ وقعة صفين لنصر بن مزاحم (المتوفّـى 212 هـ):ص 29، ط مصر، وقد حدف الرضي في نهج البلاغة من الرسالة ما لا يهمه، فإنّ عنايته كانت بالبلاغة فحسب.

(354)

تصوّر النبيّ الاَكرم للقيادة بعده

إنّ الكلمات المأثورة عن الرسول الاَكرم ص، تدلّعلى أنّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ كان يعتبر أمر القيادة بعده مسألة إلهيّة وحقّاً خاصّاً للّه جلَّ جلاله، فإنّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لمّا دعا بني عامر إلى الاِسلام وقد جاءوا في موسم الحج إلى مكّة، قال رئيسهم: أرأيت ان نحن بايعناك على أمرك، ثمّ أظهرك اللّه على من خالفك، أيكون لنا الاَمر من بعدك؟
فأجابه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بقوله:
«الاَمر إلى اللّه يضعه حيث يشاء». (1)
فلو كان أمر الخلافة بيد الاَُمّة لكان عليه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أن يقول الاَمر إلى الاَُمّة، أو إلى أهل الحلّوالعقد، أو ما يشابه ذلك، فتفويض أمر الخلافة إلى اللّه سبحانه ظاهر في كونها كالنبوّة يضعها سبحانه حيث يشاء، قال تعالى:
(اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ) . (2)
فاللسان في موردين واحد.
ثمّ إنّه لو كانت صيغة الحكومة هي انتخاب القائد عن طريق المشورة باجتماع الاَُمّة، أو بالبيعة، فما معنى تعيين الخليفة الثاني من جانب أبي بكر، والخليفة الثالث عن طريق شورى عيّـن أعضاءها عمر بن الخطاب؟!
أضف إلى ذلك انّ هناك نصوصاً تشير إلى ما في مرتكز العقل، من أنّ ترك الاَُمّة بلا قائد وإمام قبيح على من بيده زمام الاَمر، هذه عائشة تقول لعبد اللّه بن عمر:

(1) السيرة النبوية لابن هشام:2|424.
(2) الاَنعام:124.

(355)
«يا بُنيّ أبلغ عمر سلامي وقل له، لا تدع أُمّة محمّد بلا راع». (1)
وإنّما قالت ذلك عندما اغتيل عمر وأحسّ بالموت، وأرسل ابنه إلى عائشة ليستأذن منها أن يدفن في بيتها مع رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ومع أبي بكر.
وهذا عبد اللّه بن عمر يقول لاَبيه:
«إنّي سمعت الناس يقولون مقالة، فآليت أن أقولها لك، وزعموا انّك غير مستخلف، وانّه لو كان لك راعي إبل أو غنم ثمّجاءك وتركها، لرأيت أن قد ضيّع، فرعاية الناس أشدّ». (2)
وبذلك استصوب معاوية أخذه البيعة من الناس لابنه يزيد وقال:
«إنّي كرهت أن أدع أُمّة محمّد بعدي كالضأن لا راعي لها». (3)
فإذا كان ترك الاَُمّة بلا راع، أمراً غير صحيح في منطق العقل، فكيف يجوز لهوَلاء أن ينسبوا إلى النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ انّه ترك الاَُمّة بلا راع؟! فكأنَّ هوَلاء كانوا أعطف على الاَُمّة من النبيّ الاَكرم، انّ هذا ممّا يقضى منه العجب.
(1) الاِمامة والسياسة:1|32.
(2) حلية الاَولياء:1|44.
(3) الاِمامة والسياسة:1|168.

(356)

(357)

الفصل الرابع
أدلّة وجوب تنصيب الاِمام
عند الشيعة الاِمامية

إنّ الاِمامة عند الشيعة تختلف في حقيقتها عمّا لدى أهل السنّة، فهي إمرة إلهية واستمرار لوظائف النبوّة كلّها سوى تحمّل الوحي الاِلهي، ومقتضى هذا إتّصاف الاِمام بالشروط المشترطة في النبي، سوى كونه طرفاً للوحي القرآني، وبناءً على هذا ينحصر طريق ثبوت الاِمامة بتنصيص من اللّه وتنصيب من النبيص أو الاِمام السابق، وإليك فيما يلي براهين هذا الاَصل:
ألف. الفراغات الهائلة بعد النبي في مجالات أربعة
إنّالنبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لم تكن مسوَوليّاته وأعماله مقتصرة على تلقّي الوحي الاِلهي وتبليغه إلى الناس، بل كان يقوم بالاَُمور التالية أيضاً:
1. يفسّر الكتاب العزيز ويشرح مقاصده ويكشف أسراره، يقول سبحانه:

(358)
(وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَلِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) . (1)
2. يبيّن أحكام الموضوعات التي كانت تحدث في زمن دعوته.
3. يدفع الشبهات ويجيب عن التساوَلات العويصة المريبة التي كان يثيرها أعداء الاِسلام من يهود و نصارى.
4. يصون الدين من التحريف والدسِّ ويراقب ما أخذه عنه المسلمون من أُصول وفروع حتى لا تزلّفيه أقدامهم.
هذه هي الاَُمور الّتي مارسها النبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أَيّام حياته، ومن المعلوم انّرحلته تخلّف فراغاً هائلاً في هذه المجالات الاَربعة، فيكون التشريع الاِسلامي حينئذٍ أمام محتملات ثلاثة:
الاَوّل: أن لا يبدي الشارع اهتماماً بسدِّ هذه الفراغات الهائلة التي ستحدث بعد الرسول. وهذا الاحتمال ساقط جدّاً، لا يحتاج إلى البحث، فإنّه لا ينسجم مع غرض البعثة، فإنّ في ترك هذه الفراغات ضياعاً للدين والشريعة.
الثاني: أن تكون الاَُمّة قد بلغت بفضل جهود صاحب الدعوة في إعدادها حدّاً تقدر معه بنفسها على سدِّ ذلك الفراغ. غير انّ التاريخ والمحاسبات الاِجتماعية يبطلان هذا الاحتمال ويثبتان انّه لم يقدّر للاَُمّة بلوغ تلك الذروة لتقوم بسدّ هذه الثغرات التي خلّفها غياب النبيّ الاَكرم، لا في جانب التفسير ولا في جانب الاَحكام، ولا في جانب ردّ التشكيكات ودفع الشبهات، ولا في جانب صيانة الدين عن الانحراف.
أمّا في جانب التفسير، فيكفي وجود الاختلاف الفاحش في تفسير آيات الذكر الحكيم حتى فيما يرجع إلى عمل المسلمين يوماً وليلة.

(1) النحل:44.

(359)
وأمّا في مجال الاَحكام، فيكفي في ذلك الوقوف على أنّ بيان الاَحكام الدينيّة حصل تدريجاً على ما تقتضيه الحوادث والحاجات الاجتماعية في عهد الرسول ص، ومن المعلوم انّ هذا النمط كان مستمرّاً بعد الرسول، غير انّ ما ورثه المسلمون منه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لم يكن كافياً للاِجابة عن ذلك، أمّا الآيات القرآنية في مجال الاَحكام فهي لا تتجاوز ثلاثمائة آية، وأمّا الاَحاديث في هذا المجال، فالذي ورثته الاَُمّة لا تتجاوز خمسمائة حديث، وهذا القدر لا يفي بالاِجابة على جميع الموضوعات المستجدّة.
ولا نعني من ذلك انّ الشريعة الاِسلامية ناقصة في إيفاء أغراضها التشريعية وشمول المواضيع المستجدّة، بل المقصود انّ النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ كان يراعي في إبلاغ الحكم حاجة الناس ومقتضيات الظروف الزمنية، فلابدّ في إيفاء غرض التشريع على وجه يشمل المواضيع المستجدة والمسائل المستحدثة أن يستودع أحكام الشريعة من يخلفه ويقوم مقامه.
وأمّا في مجال ردّ الشبهات والتشكيكات وإجابة التساوَلات، فقد حصل فراغ هائل بعد رحلة النبيّمن هذه الناحية، فجاءت اليهود والنصارى تترى، يطرحون الاَسئلة، حول أُصول الاِسلام وفروعه، ولم يكن في وسع الخلفاء آنذاك الاِجابة الصحيحة عنها، كما يشهد بذلك التاريخ الموجود بأيدينا.
وأمّا في جانب صيانة المسلمين عن التفرقة، والدّين عن الانحراف، فقد كانت الاَُمّة الاِسلامية في أشدّ الحاجة إلى من يصون دينها عن التحريف وأبناءها عن الاختلاف، فإنّ التاريخ يشهد على دخول جماعات عديدة من أحبار اليهود ورهبان النصارى و موَبدي المجوس بين المسلمين، فراحوا يدسّون الاَحاديث الاِسرائيلية والاَساطير النصرانية والخرافات المجوسية بينهم، ويكفي في ذلك أن يذكر الاِنسان ما كابده البخاري من مشاقّ وأسفار في مختلف أقطار الدولة الاِسلامية، وما رواه بعد ذلك، فإنّه ألفى الاَحاديث المتداولة بين المحدثين في
(360)
الاَقطار الاِسلامية، تربو على ستمائة ألف حديث، لم يصحّ لديه منها أكثر من أربعة آلاف، وكذلك كان شأن سائر الذين جمعوا الاَحاديث وكثير من هذه الاَحاديث التي صحّت عندهم كانت موضع نقد وتمحيص عند غيرهم. (1)
فهذه المجعولات على لسان الوحي، تقلع الشريعة من رأس، وتقلب الاَُصول، وتتلاعب بالاَحكام، وتشوّش التاريخ، أو ليس هذا دليلاً على عدم وفاء الاَُمّة بصيانة دينها عن الانحراف والتشويش؟!
هذا البحث الضافي يثبت حقيقة ناصعة، وهي عدم تمكّن الاَُمّة، مع ما لها من الفضل، من القيام بسدِّ الفراغات الهائلة التي خلّفتها رحلة النبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ويبطل بذلك الاحتمال الثاني تجاه التشريع الاِسلام بعد عصر الرسالة.
الاحتمال الثالث: أن يستودع صاحب الدعوة، كلّ ما تلقّاه من المعارف والاَحكام بالوحي، وكلّما ستحتاج إليه الاَُمّة بعده، شخصيّة مثالية، لها كفاءة تقبُّل هذه المعارف والاَحكام وتحمّلها، فتقوم هي بسدِّ هذا الفراغ بعد رحلتهص وبعد بطلان الاحتمالين الاَوّلين لا مناص من تعيُّن هذا الاحتمال، فإنّوجود إنسان مثالي كالنبيّ في الموَهّلات، عارف بالشريعة ومعارف الدين، ضمان لتكامل المجتمع، وخطوة ضرورية في سبيل ارتقائه الروحي والمعنوي، فهل يسوغ على اللّه سبحانه أن يهمل هذا الاَمر الضروري في حياة الاِنسان الدينية؟
إنّ اللّه سبحانه جهَّز الاِنسان بأجهزة ضرورية فيما يحتاج إليها في حياته الدنيوية المادية، ومع ذلك كيف يعقل إهمال هذا العنصر الرئيسي في حياته المعنوية والدينية؟! وما أجمل ما قاله أئمّة أهل البيت في فلسفة وجود هذا الخلف ومدى تأثيره في تكامل الاَُمّة.

(1) لاحظ حياة محمّد، لمحمّد حسين هيكل، الطبعة الثالثة عشرة:49ـ50.

(361)
قال الاِمام علي _ عليه السلام _ :
«اللّهمّ بلى لا تخلو الاَرض من قائم للّه بحجّة، إمّا ظاهراً مشهوراً، وإمّا خائفاً مغموراً، لئلا تبطل حجج اللّه وبيّناته». (1)
وقال الاِمام الصادق _ عليه السلام _ :
«إنّ الاَرض لا تخلو إلاّ وفيها إمام، كيما إن زاد الموَمنون شيئاً ردَّهم، وإذا نقصوا شيئاً أتمّه لهم». (2)
هذه المأثورات من أئمة أهل البيت تعرب عن أنّ الغرض الداعي إلى بعثة النبيّ، داع إلى وجود إمام يخلف النبيّ في عامّة سماته، سوى ما دلّ القرآن على انحصاره به ككونه نبيّاً رسولاً وصاحب شريعة.

ب. الاَُمّة الاِسلاميّة ومثلث الخطر الدّاهم

إنّ الدولة الاِسلامية التي أسّسها النبي الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ كانت محاصرة حال وفاة النبي من جهتي الشمال والشرق بأكبر إمبراطوريتين عرفهما تاريخ تلك الفترة، وكانتا على جانب كبير من القوّة والبأس، وهما: الروم وإيران، ويكفي في خطورة امبراطورية إيران انّه كتب ملكها إلى عامله باليمن ـ بعدما وصلت إليه رسالة النبي تدعوه إلى الاِسلام، ومزَّقها ـ: «ابعث إلى هذا الرجل بالحجاز، رجلين من عندك، جلدين، فليأتياني به» (3) وكفى في خطورة موقف الاِمبراطورية الرومانية، انّه وقعت اشتباكات عديدة بينها وبين المسلمين في السنة الثامنة للهجرة، منها سريّة موتة التي قتل فيها قادة الجيش الاِسلامي، وهم: جعفر بن أبي طالب، وزيد
(1) نهج البلاغة: قسم الحكم، الرقم 147.
(2) الكافي: 1|178، الحديث 2.
(3) الكامل للجزري: 2|145.

(362)
ابن حارثة، وعبد اللّه بن رواحة، ورجع الجيش الاِسلامي من تلك الواقعة منهزماً، ولاَجل ذلك توجّه الرسول الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بنفسه على رأس الجيش الاِسلامي إلى تبوك في السنة التاسعة لمقابلة الجيوش البيزنطية ولكنه لم يلق أحداً، فأقام في تبوك أيّاماً ثمّرجع إلى المدينة، ولم يكتف بهذا بل جهّز جيشاً في أُخريات أيّامه بقيادة أُسامة ابن زيد لمواجهة جيوش الروم؛ هذا من الخارج.
وأمّا من الداخل، فقد كان الاِسلام والمسلمون يعانون من وطأة موَامرات المنافقين الذين كانوا يشكّلون جبهة عدوانية داخلية، أشبه بما يسمّى بالطابور الخامس، فهوَلاء أسلموا بألسنتهم دون قلوبهم، وكانوا يتحيّنون الفرص لاِضعاف الدولة الاِسلامية بإثارة الفتن الداخلية، ولقد انبرى القرآن الكريم لفضح المنافقين والتشهير بخططهم ضدّ الدين والنبيّ في العديد من السور القرآنية وقد نزلت في حقّهم سورة خاصة.
إنّ اهتمام القرآن بالتعرّض للمنافقين المعاصرين للنبي، المتواجدين بين الصحابة أدلّ دليل على أنّهم كانوا قوّة كبيرة ويشكّلون جماعة وافرة ويلعبون دوراً خبيثاً في إفساح المجال لاَعداء الاِسلام، بحيث لولا قيادة النبي الحكيمة لقضوا على كيان الدين، ويكفي في ذلك قوله سبحانه:
(لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الاَُمُورَ حَتّى جاءَالْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللّهِ وَهُمْ كارِهُونَ) . (1)
وقد كان محتملاً ومترقّباً أن يتّحد هذا المثلث الخطير لاكتساح الاِسلام واجتثاث جذوره بعد وفاة النبي، فمع هذا الخطر المحيق الداهم، ما هي وظيفة القائد الحكيم الذي أرسى قواعد دينه على تضحيات عظيمة؟ فهل المصلحة
(1) التوبة:48.

(363)
كانت تقتضي تنصيب قائد حكيم عارف بأحكام القيادة ووظائفها حتى يجتمع المسلمون تحت رايته ويكونوا صفّاً واحداً في مقابل ذاك الخطر، أو انّ المصلحة العامّة تقتضي تفويض الاَمر إلى الاَُمّة حتى يختاروا لاَنفسهم أميراً، مع ما يحكيه التاريخ لنا من سيطرة الروح القبلية على المسلمين آنذاك؟ويكفي شاهداً على ذلك ما وقع من المشاجرات بين المهاجرين والاَنصار يوم السقيفة. (1)
إنّ القائد الحكيم هو من يعتني بالاَوضاع الاِجتماعية لاَُمّته، ويلاحظ الظروف المحيطة بها، ويرسم على ضوئها ما يراه صالحاً لمستقبلها، وقد عرفت انّ مقتضى هذه الظروف هو تعيين القائد والمدبّر، لا دفع الاَمر إلى الاَُمّة، وإلى ما ذكرنا ينظر قول الشيخ الرئيس ابن سينا في حقّ الاِمام:
«والاستخلاف بالنصّ أصوب، فإنّ ذلك لا يوَدّي إلى التشغّب والتشاغب والاختلاف». (2)

ج. نصب الاِمام لطف إلهي

هذا حاصل ما سلكناه في بيان وجوب تنصيب الخليفة والاِمام للاَُمّة الاِسلامية من جانب النبيّ الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ على ضوء العقل الفطري ودراسة التاريخ الاِسلامي وشوَون الرسالة النبوية ومسوَولياتها الخطيرة، وهذا المسلك يقرب ممّا سلكه مشايخنا الاِماميّة في هذا المجال من الاستناد بقاعدة اللطف، وفي ذلك يقول السيد المرتضى:
«والذي يدلّ على ما ادّعيناه انّ كلّ عاقل عرف العادة وخالط الناس، يعلم ضرورة انّ وجود الرئيس المصيب النافذ الاَمر، السديد التدبير
(1) راجع السيرة النبوية:2|659ـ660.
(2) الشفاء، الاِلهيات، المقالة العاشرة، الفصل الخامس، ص 564.

(364)
ترتفع عنده التظالم و التقاسم والتباغي أو معظمه، أو يكون الناس إلى ارتفاعه أقرب، وإن فقد من هذه صفته يقع عنده كلّ ما أشرنا إليه من الفساد أو يكون الناس إلى وقوعه أقرب، فالرئاسة على ما بيَّنّاه لطف في فعل الواجب والامتناع من القبيح، فيجب أن لا يخلّي اللّه تعالى المكلّفين منها، ودليل وجوب الاَلطاف يتناولها». (1)
هذا الاستدلال كما ترى موَلّف من مقدمتين:
الاَُولى: انّ نصب الاِمام لطف من اللّه على العباد.
الثانية: انّ اللطف واجب على اللّه لما تقتضيه حكمته تعالى.
أمّا المقدّمة الاَُولى، فلاَنّ اللطف هو ما يقرّب إلى الطاعة ويبعّد عن المعصية ولو بالاِعداد، وبالضرورة انّ نصب الاِمام كذلك لما به من بيان المعارف والاَحكام الاِلهية وحفظ الشريعة من الزيادة والنقصان وتنفيذ الاَحكام ورفع الظلم والفساد ونحوها.
وأمّا المقدمة الثانية، فلاَنّ ترك هذا اللطف من اللّه سبحانه إخلال بغرضه ومطلوبه وهو طاعة العباد له وترك معصيته فيجب على اللّه نصبه لئلا يخلّبغرضه، ولا ينافي اللطف في نصبه سلب العباد سلطانه أو غيبته، لاَنّ اللّه سبحانه قد لطف بهم بنصب المُعَدّ لهم، وهم فوَّتوا أثر اللطف على أنفسهم وإلى هذا أشار المحقّق الطوسي بقوله:
«الاِمام لطف فيجب نصبه على اللّه تعالى تحصيلاً للغرض...ووجوده لطف وتصرفه لطف آخر وعدمه منّا». (2)
(1) الذخيرة في علم الكلام:410.
(2) كشف المراد، المقصد الخامس: 284.

(365)
وأوضحه العلاّمة الحلّي، بقوله:
«لطف الاِمامة يتمّ بأُمور: منها ما يجب على اللّه تعالى وهو خلق الاِمام وتمكينه بالتصرّف والعلم والنصّ عليه باسمه ونسبه، وهذا قد فعله اللّه تعالى، و منها ما يجب على الاِمام وهو تحمّله للاِمامة وقبوله لها وهذا قد فعله الاِمام، ومنها ما يجب على الرعية وهو مساعدته والنصرة له وقبول أوامره وامتثال قوله، وهذا لم يفعله الرعية، فكان منع اللطف الكامل منهم لا من اللّه تعالى ولا من الاِمام». (1)

مناظرة هشام بن الحكم مع عمرو بن عبيد

ناظر هشام بن الحكم ـ وهو من أبرز أصحاب الاِمام الصادق ـ عليه السّلام ـ في علم الكلام ـ مع عمرو بن عبيد ـ و هو من مشايخ المعتزلة ـ في مسألة الاِمامة وصارت النتيجة إفحام هشام لعمرو عند جمع من تلامذته، وإليك ما رواه الكليني في ذلك:
علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن إبراهيم، عن يونس بن يعقوب، قال: كان عند أبي عبد اللّه _ عليه السلام _ جماعة من أصحابه، منهم: حمران بن أعين، ومحمّد ابن النعمان، وهشام بن سالم، والطيّار، وجماعة فيهم هشام بن الحكم وهو شاب، فقال أبو عبد اللّه _ عليه السلام _ :
«يا هشام ألا تخبرني كيف صنعت بعمرو بن عبيد؟ وكيف سألته؟».
فقال هشام: يابن رسول اللّه إنّي أُجلُّك واستحييك ولا يعمل لساني بين يديك.

(1) المصدر السابق:285ـ 286.

(366)
فقال أبو عبد اللّه _ عليه السلام _ :
«إذا أمرتكم بشيء فافعلوا».
قال هشام: بلغني ما كان فيه عمرو بن عبيد وجلوسه في مسجد البصرة، فعظم ذلك عليّ، فخرجت إليه ودخلت البصرة يوم الجمعة، فأتيت مسجد البصرة، فإذا أنا بحلقة كبيرة فيها عمرو بن عبيد وعليه شملة سوداء، متَّزر بها من صوف، وشملة مرتدياً بها والناس يسألونه، فاستفرجت الناس، فأفرجوا لي، ثمّقعدت في آخر القوم على ركبَتيَّ، ثمّ قلت: أيّها العالم: إنّي رجل غريب تأذن لي في مسألة؟
فقال لي: نعم.
فقلت له: ألك عين؟
فقال: يا بُني أيّ شيء هذا من السوَال وشيء تراه كيف تسأل عنه؟
فقلت: هكذا مسألتي.
فقال: يا بُنيَّ سل وإن كانت مسألتك حمقاً.
قلت: أجِبْني فيها. قال لي: سَل.
قلت: ألك عين؟ قال: نعم، قلت: فما تصنع بها؟
قال: أرى بها الاَلوان والاَشخاص.
قلت: فلك أنف؟ قال: نعم، قلت: فما تصنع به؟
قال: أشمّ به الرائحة.
قلت: ألك فم؟ قال: نعم، قلت: فما تصنع به؟ قال: أذوق به الطعم.
قلت: فلك أُذن؟ قال: نعم، قلت: فما تصنع بها؟ قال: أسمع بها الصوت.

(367)
قلت: ألك قلب؟
قال: نعم، قلت: فما تصنع به؟ قال: أُميِّز به كلّ ما ورد على هذه الجوارح والحواس.
قلت: أو ليس في هذه الجوارح غنى عن القلب؟ فقال: لا، قلت: وكيف ذلك وهي صحيحة سليمة؟
قال: يا بني: إنّ الجوارح إذا شكّت في شيء شمَّته أو رأته أو ذاقته أو سمعته، ردَّته إلى القلب فيستيقن اليقين و يبطل الشك.
فقلت له: فإنّما أقام اللّه القلب لشكّ الجوارح؟
قال: نعم.
قلت: لابدّ من القلب وإلاّ لم تستيقن الجوارح؟
قال: نعم.
فقلت له: يا أبا مروان فاللّه تبارك وتعالى لم يترك جوارحك حتى جعل لها إماماً يصحّح لها الصحيح ويتيقّن به ما شكّ فيه، ويترك هذا الخلق كلَّهم في حيرتهم وشكهم واختلافهم، لا يقيم لهم إماماً يردّون إليه شكّهم وحيرتهم، ويقيم لك إماماً لجوارحك ترد إليه حيرتك وشكّك؟
فسكت ولم يقل لي شيئاً... ثمّ ضمَّني إليه وأقعدني في مجلسه، وزال عن مجلسه و ما نطق حتى قمت.
فضحك أبو عبد اللّه _ عليه السلام _ وقال: يا هشام مَنْ عَلَّمك هذا؟
قلت: شيء أخذته منك وألَّفته.
فقال _ عليه السلام _ : هذا واللّه مكتوب في صحف إبراهيم وموسى. (1)

(1)الكافي: ج1، كتاب الحجة، باب الاضطرار إلى الحجة، الحديث 3.

(368)
ولعلّ قوله _ عليه السلام _ : هذا واللّه مكتوب الخ، إشارة إلى أنّ مسألة نصب الخليفة والاِمام التي يحكم بها العقل الصريح، كانت من سنن الاَنبياء والمرسلين، وإنّما ذكر إبراهيم وموسى لما كان لهما من المكانة الخاصة في هذا المجال، ولذلك أيضاً ذكر القرآن ما استدعياه من اللّه سبحانه في أمر الاِمامة والوزارة (1)ويدلّ على ذلك أيضاً ما روي عن رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ أنّه قال:
«كانت بنو إسرائيل تسوسهم الاَنبياء كلَّما هلك نبيّ خلفه نبيّ، وانّه لا نبيّ بعدي ، وسيكون بعدي خلفاء يكثرون». (2)
وظاهر الحديث انّ استخلاف الخلفاء في الاَُمّة الاِسلامية، كاستخلاف الاَنبياء في الاَُمم السالفة، ومن المعلوم انّ الاستخلاف كان هناك بالتنصيص.
(1) لاحظ البقرة: 124، وطه:30.
(2) جامع الاَُصول لابن أثير الجزري: 443 الفصل الثاني.

(369)

الفصل الخامس
وجوب العصمة في الاِمام

اتّفق أهل السنّة على أنّ العصمة ليست من شرائط الاِمام أخذاً بمبادئهم حيث إنّ الخلفاء بعد رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ لم يكونوا بمعصومين، قال التفتازاني:
«واحتجّ أصحابنا على عدم وجوب العصمة بالاِجماع على إمامة أبي بكر وعمر وعثمان، مع الاِجماع على أنّهم لم تجب عصمتهم... وحاصل هذا دعوى الاِجماع على عدم اشتراط العصمة في الاِمام». (1)
وأمّا الشيعة الاِمامية فقد اتّفقت كلمتهم على هذا الشرط، قال الشيخ المفيد:
«اتّفقت الاِمامية على أنّ إمام الدين لا يكون إلاّ معصوماً من الخلاف للّه تعالى». (2)
وقال أيضاً:

(1) شرح المقاصد:5|249.
(2) أوائل المقالات:47، الطبعة الثانية.

(370)
«أقول: إنّ الاَئمّة القائمين مقام الاَنبياء في تنفيذ الاَحكام وإقامة الحدود وحفظ الشرائع وتأديب الاَنام، معصومون كعصمة الاَنبياء». (1)
ثمّ إنّهم استدلّوا على وجوب العصمة بوجوه، نكتفي ببعضها:

1. الاِمام حافظ للشريعة كالنبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _

إنّ حقيقة الاِمامة عند الاِمامية ـ كما عرفت ـ هي القيام بوظائف الرسول بعد رحلته، فيجب أن يكون الاِمام متمتّعاً بما يتمتّع به النبيّ من الكفاءات والموَهّلات، ومنها كونه مصوناً عن الخطأ في العلم والعمل لكي تحفظ الشريعة به ويكون هادياً للناس إلى مرضاة اللّه سبحانه، وإليه أشار العلاّمة الحلّي بقوله:
«ذهبت الاِمامية إلى أنّ الاَئمّة كالاَنبياء في وجوب عصمتهم عن جميع القبائح والفواحش من الصغر إلى الموت عمداً وسهواً، لاَنّهم حفظة الشرع والقوّامون به، حالهم في ذلك كحال النبي ص». (2)
وناقش فيه التفتازاني بقوله:
«إنّ نصب الاِمام إلى العباد الّذين لا طريق لهم إلى معرفة عصمته بخلاف النبي». (3)
والجواب عنه ظاهر بما تقدّم من بطلان القول بأنّ نصب ا لاِمام مفوَّض إلى العباد، ولنا أن نعكس ونقول: وجوب عصمة الاِمام ممّا يحكم به العقل الصريح
(1) نفس المصدر:74.
(2) دلائل الصدق:2|7، الطبعة الاَُولى، القاهرة ـ1396هـ.
(3) شرح المقاصد: 5|248.

(371)
بالتأمّل في حقيقة الاِمامة والغرض منها، وحيث إنّ الناس لا طريق لهم إلى معرفة عصمة الاِمام كما اعترف به الخصم، فلا يكون نصبه مفوَّضاً إليهم.

2. آية ابتلاء إبراهيم _ عليه السلام _

قال سبحانه:
(وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهيم ربُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَتي قالَلا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمينَ) . (1)
الاستدلال بالآية على المقصود رهن بيان أمرين:
الاَوّل: ما هو المقصود من الاِمامة التي أنعم اللّه سبحانه بها على نبيّه الخليل _ عليه السلام _ ؟
الثاني: ما هو المراد من الظالمين؟
أمّا الاَوّل: فقال بعضهم: إنّ المراد من الاِمامة، هي النبوّة والرسالة، ويردّه انّ إبراهيم كان نبيّاً قبل تنصيبه إماماً، وذلك لاَنّه طلب الاِمامة لذريَّته، فكان له عند ذلك ولد أو أولاد، ومن المعلوم انّإبراهيم لم يرزق ولداً إلاّ في أوان الكبر بنصّ القرآن الكريم، حيث قال:
(الْحَمْدُ للّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ) . (2)
وعلى ذلك يجب أن تكون الاِمامة الموهوبة للخليل غير النبوّة، والظاهر انّ المراد منها هي القيادة الاِلهيّة للمجتمع، مضافاً إلى تحمّل الوحي وإبلاغه، فانّ هناك مقامات ثلاثة:

(1) البقرة:124.
(2) إبراهيم:39.

(372)
1. مقام النبوّة ، وهو منصب تحمّل الوحي.
2. مقام الرسالة، وهو منصب إبلاغه إلى الناس.
3. مقام الاِمامة، وهو منصب القيادة وتنفيذ الشريعة في المجتمع بقوَّة وقدرة.
والاِمامة الّتي يتبنّاها المسلمون بعد رحلة النبي الاَكرم _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ، تتّحد واقعيتها مع هذه الاِمامة.
وأمّا الثاني: أعني المراد من الظّالمين، فالظلم في اللغة هو وضع الشيء في غير موضعه ومجاوزة الحدّ الذي عيّنه الشرع، والمعصية من وضع الشيء (العمل) في غير موضعه، فالمعصية من مصاديق الظلم، قال سبحانه:
(وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدودَ اللّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ) . (1)
ثمّ إنّ الظاهر من صيغة الجمع المحلّى باللام، انّالظلم بكلّ ألوانه وصوره مانع عن نيل هذا المنصب الاِلهي، وتكون النتيجة ممنوعيّة كلّ فرد من أفراد الظلمة عن الارتقاء إلى منصب الاِمامة، سواء أكان ظالماً في فترة من عمره ثمّ تاب وصار غير ظالم، أو بقى على ظلمه، فالظالم عندما يرتكب الظلم يشمله قوله سبحانه: (لا يَنالُ عَهْدي الظّالِمينَ) فصلاحتيه بعد ارتفاع الظلم يحتاج إلى دليل.
وعلى ذلك فكلّ من ارتكب ظلماً وتجاوز حدّاً في يوم من أيّام عمره، أو عبد صنماً، وبالجملة ارتكب ما هو حرام، فضلاً عمّا هو كفر، ليس له أهليّة منصب الاِمامة، ولازم ذلك كون الاِمام طاهراً من الذنوب من لدن وضع عليه قلم التكليف، إلى آخر حياته، وهذا ما يرتئيه الاِمامية في عصمة الاِمام.
وممّا يوَكّد ما ذكرناه انّ الناس بالنسبة إلى الظلم على أقسام أربعة:

(1) البقرة:229.

(373)
1. من كان طيلة عمره ظالماً.
2. من كان طاهراً ونقيّاً في جميع فترات عمره.
3. من كان ظالماً في بداية عمره، وتائباً في آخره.
4. عكس الثالث.
وحاشى إبراهيم _ عليه السلام _ أن يسأل الاِمامة للقسم الاَوّل والرابع من ذرّيّته، وقد نصَّ سبحانه على أنّه لا ينال عهده الظالم، وهو لا ينطبق إلاّ على القسم الثالث، فإذا خرج هذا القسم بقي القسم الثاني وهو المطلوب.

3. آية إطاعة أُولي الاَمر

قال سبحانه:
(أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطيعُوا الرَّسُولَ وَأُولي الاََمْرِمِنْكُمْ) . (1)
إنّه تعالى أمر بطاعة أُولي الاَمر على وجه الاِطلاق، ولم يقيّده بشيء و من البديهي انّه سبحانه لا يرضى لعباده الكفر والعصيان ولو كان على سبيل الاِطاعة عن شخص آخر، وعليه تكون طاعة أُولي الاََمر فيما إذا أمروا بالعصيان محرَّماً.
فمقتضى الجمع بين هذين الاَمرين أن يكون أُولو الاَمر الّذين وجبت إطاعتهم على وجه الاِطلاق معصومين لا يصدر عنهم معصية مطلقاً، فيستكشف من إطلاق الاَمر بالطاعة اشتمال المتعلّق على خصوصيّة تصدّه عن الاَمر بغير الطاعة.
وممَّن صرَّح بدلالة الآية على عصمة أُولي الاَمر الاِمام الرازي في تفسيره، ولكنّه لم يستثمر نتيجة ما هداه إليه استدلاله المنطقي، حيث استدرك قائلاً بأنّا
(1) النساء:59.

(374)
عاجزون عن معرفة الاِمام المعصوم والوصول إليه واستفادة الدين والعلم منه، فلا مناص من كون المراد هو أهل الحلِّ والعقد.(1)
يلاحظ عليه: أنّه إذا دلَّت الآية على عصمة أُولي الاَمر فيجب علينا التعرّف عليهم، وادّعاء العجز هروب من الحقيقة، فهل العجز يختصّ بزمانه أو كان يشمل زمان نزول الآية؟ والثاني باطل قطعاً، فإنّه لا يعقل أن يأمر الوحي الاِلهي بإطاعة المعصوم ثمّ لا يقوم بتعريفه حين النزول، وبالتّعرّف عليه في عصر النزول، يعرف المعصوم في أزمنة متأخرة عنه حلقة بعد أُخرى.
هذا مع أنّ تفسير «أُولي الاَمر» بأهل الحلِّ والعقد تفسير بما هو أشدّ غموضاً، فهل المراد منهم، العساكر، والضبّاط، أو العلماءوالمحدّثون، أو الحكّام والسياسيّون، أو الكلّ؟وهل اتّفق اجتماعهم على شيء ولم يخالفهم لفيف من المسلمين؟!
وهناك نصوص من الكتاب والسنّة تدلّ على عصمة أهل بيت النبي وعترته، كآية التطهير وحديث الثقلين وغير ذلك، تركنا البحث عنها لرعاية الاختصار (2). وقد تقدّم في الفصل الاَوّل ما يفيد في المقام فراجع.
(1) مفاتيح الغيب:10|144.
(2) راجع الاِلهيات:2|627ـ631 و607ـ611، الطبعة الاَُولى.

(401)

الباب السابع
في
المعاد

وفيه عشرة فصول:
1. براهين إثبات المعاد.
2. براهين تجرّد النفس الناطقة.
3. المعاد الجسماني والروحاني.
4. براهين بطلان التناسخ.
5. القبر والبرزخ.
6. الحساب والشهود.
7. الميزان والصراط.
8. الشفاعة في القيامة.
9. الاِحباط والتكفير.
10. الاِجابة عن أسئلة حول المعاد.

(402)

(403)

الفصل الاَوّل
براهين اثبات المعاد

الاعتقاد بالمعاد عنصر أساسي في كلّ شريعة لها صلة بالسّماء بحيث تصبح الشرائع بدونه مسالك بشرية مادّية لا تمتُّ إلى اللّه بصلة، وقد بيَّن الذكر الحكيم وجود تلك العقيدة في الشرائع السماوية من لدن آدم إلى المسيح. (1) وقد اهتمّ به القرآن الكريم اهتماماً با الواردة في مجال المعاد، وقد قام بعضهم بإحصاء ما يرجع إليه في القرآن فبلغ زهاء ألف وأربعمائة آية، وكان السيد العلاّمة الطباطبائي ـ قدّس سرّه ـ يقول بأنّه ورد البحث عن المعاد في القرآن في آيات تربو على الاَلفين، ولعلّه ضمّ الاِشارة إليه إلى التصريح به، وعلى كلّ تقدير فهذه الآيات الهائلة تعرب عن شدّة إهتمام القرآن به.
لا شكّ انّ المعاد أمر ممكن في ذاته وإنّما الكلام في وجوب وقوعه، وهناك وجوه عقلية تدلّ على ضرورة وجود نشأة الآخرة هدانا إليها القرآن الكريم.

(1) راجع في ذلك الآيات:55ـ57 من سورة آل عمران و24، 35، 36 من سورة الاَعراف و 41 من سورة إبراهيم و87 من سورة الشعراء و17 من سورة العنكبوت و5، 32، 40، 43 من سورة غافر و17، 18 من سورة نوح .

(404)

الاَوّل: صيانة الخلقة عن العبث

يستدلّ الذكر الحكيم على لزوم المعاد بأنّ الحياة الاَُخرويّة هي الغاية من خلق الاِنسان وانّه لولاها لصارت حياته منحصرة في إطار الدنيا، ولاَصبح إيجاده وخلقه عبثاً وباطلاً، واللّه سبحانه منزَّه عن فعل العبث، يقول سبحانه:
(أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ) . (1)
ومن لطيف البيان في هذا المجال قوله سبحانه:
(وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالاََرضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبينَ* ما خَلَقْناهُما إِلاّ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ* إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ ميقاتُهُمْ أَجْمَعينَ) . (2)
ترى أنّه يذكر يوم الفصل بعد نفي كون الخلقة لعباً، وذلك يعرب عن أنّ النشأة الاَُخروية تصون الخلقة عن اللغو واللعب.
ويقرب من ذلك الآيات التي تصفه تعالى بأنّه الحقّ، ثمّ يرتّب عليه إحياء الموتى والنشأة الآخرة، يقول سبحانه:
(ذلِكَ بِأَنَّ اللّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحيي الْمَوتى...) . (3)
إلى غير ذلك من الآيات. (4)

(1) الموَمنون:115.
(2) الدخان:38ـ40.
(3) الحج:6.
(4) لاحظ الحج:62ـ 66؛ لقمان:30ـ 33.

(405)

الثاني: المعاد مقتضى العدل الاِلهي

إنّ العباد فريقان: مطيع وعاص، والتسوية بينهم بصورها (1) المختلفة خلاف العدل، فهنا يستقلّ العقل بأنّه يجب التفريق بينهما من حيث الثواب والعقاب، وبما انّ هذا غير متحقّق في النشأة الدنيوية، فيجب أن يكون هناك نشأة أُخرى يتحقّق فيها ذلك التفريق، وإلى هذا البيان يشير المحقّق البحراني بقوله:
«انّا نرى المطيع والعاصي يدركهما الموت من غير أن يصل إلى أحد منهما ما يستحقّه من ثواب أو عقاب، فإن لم يحشروا ليوصل إليهما ذلك المستحقّ لزم بطلانه أصلاً». (2)
وإلى هذا الدليل العقلي يشير قوله تعالى:
(أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كَالْمُفْسِدينَ فِي الاََرْض* أَمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كَالْفُجّارِ) . (3)
وقوله تعالى:
(أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمينَ كَالْمُجْرِمينَ* ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) . (4)
وقوله سبحانه:
(إِنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى) . (5)
فقوله: (لتجزى) إشارة إلى أنّ قيام القيامة تحقيق لمسألة الثواب والعقاب اللّذين هما مقتضى العدل الاِلهي.

(1) وهي: إثابة الجميع، وعقوبة الجميع، وتركهم سدى من دون أن يحشروا.
(2) قواعد المرام: 146.
(3) ص: 28.
(4) القلم: 35ـ 36.
(5) طه: 15.

(406)

الثالث: المعاد مجلى لتحقّق مواعيده تعالى

إنّه سبحانه قد وعد المطيعين بالثواب في آيات متضافرة، ولا شكّ انّ إنجاز الوعد حسن والتخلّف عنه قبيح، فالوفاء بالوعد يقتضي وقوع المعاد، قال المحقّق الطوسي:
«ووجوب إيفاءالوعد والحكمة يقتضي وجوب البعث». (1)
وإلى هذا البرهان يشير قوله سبحانه:
(رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَومٍ لا رَيْبَفِيهِ إِنَّ اللّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعاد) . (2)

تنبيه

إنّ القرآن الكريم أكَّد بوجه بليغ على قدرة الخالق وعلمه فيما أجاب عن شبهات المخالفين، والوجه في ذلك واضح، لاَنّ جلّ شبهاتهم ناشئة عن الغفلة أو الجهل بالقدرة المطلقة والعلم الوسيع للّه تعالى، فإنّ إحياء الموتى ليس من المحالات الذاتية وإنّما ينكر من ينكر أو يستبعده لجهله بقدرة اللّه المطلقة وعلمه الشامل وإليك فيما يلي نماذج من الآيات في هذا المجال:
(هُوَ الَّذِي يَبْدَوَُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) . (3)
(وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ* قُلْيُحيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَمَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) . (4)

(1) كشف المراد: المقصد السادس، المسألة الرابعة.
(2) آل عمران:9.
(3) الروم:27.
(4) يس:78ـ 79.

(407)
(وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْبَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ ولا فِي الاََرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاّفي كِتابٍمُبِينٍ) . (1)
(ذلِكَ بِأَنَّ اللّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيي الْمَوتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَديرٌ).(2)
(ءَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ* قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الاََرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ) . (3)
(1) سبأ: 3.
(2) الحج:6.
(3) ق:3ـ 4.

(408)

(409)

الفصل الثاني
براهين تجرّد
النفس الانسانية

إنّ بعض شبهات منكري المعاد ناشىَ عن توهّم انّ الاِنسان ليس إلاّ مجموعة خلايا وعروق وأعصاب وعظام وجلود تعمل بانتظام، فإذا مات الاِنسان صار تراباً ولا يبقى من شخصيته شيء، فكيف يمكن أن يكون الاِنسان المعاد هو نفس الاِنسان في الدنيا ؟ وعليه فلا يتحقّق المقصود من المعاد وهو تحقيق العدل الاِلهي بإثابة المطيع وعقوبة العاصي، ولعلَّه إلى هذه الشبهة يشير قولهم:
(ءَإِذا ضَلَلْنا فِي الاََرْضِ ءَإِنّا لَفِي خَلْقٍ جَديدٍ) . (1)
وقد أجاب سبحانه عنها بقوله:
(قُلْ يَتَوفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) . (2)
يعني انّ شخصيتكم الحقيقية لا تضلّ أبداً في الاَرض، فإنّها محفوظة لا
(1) السجدة:10.
(2) السجدة:11.

(410)
تتغيّر ولا تضلّ، وتلك الشخصية هي ملاك وحدة الاِنسان المحشور في الآخرة والاِنسان الدنيوي، فالآية تعرب عن بقاء الروح بعد الموت وتجرّدها عن المادّة، وهذا الجواب هو الاَساس لدفع أكثر الشبهات حول المعاد الجسماني.
لقد شغل أمر تجرّد الروح بال المفكّرين، واستدلّوا عليه بوجوه عقلية عدّة، كما اهتمّ القرآن الكريم ببيانه في لفيف من آياته، وفيما يلي نسلك في البحث عن تجرّد الروح هذين الطريقين: العقلي والنقلي:
ألف. البراهين العقلية
إنّ البحث العقلي في تجرّد الروح مترامي الاَطراف، مختلف البراهين، نكتفي من ذلك ببيان برهانين، ومن أراد التبسّط فليرجع إلى الكتب المعدّة لذلك. (1)

1. ثبات الشخصية الاِنسانية في دوامة التغيّرات الجسديّة

لقد أثبت العلم انّالتغيّر والتحوّل من الآثار اللازمة للموجودات المادّية، فلا تنفك الخلايا التي يتكوّن منها الجسم البشري عن التغيّر و التبدّل، وقد حسب العلماء معدّل هذا التجدّد فظهر لهم انّه يحدث بصورة شاملة في البدن مرَّة كلّ عشر سنين، هذا.
ولكن كلّ واحد منّا يحسّ بأنّ نفسه باقية ثابتة في دوامة تلك التغيّرات الجسميّة، ويجد انّ هناك شيئاً يسند إليه جميع حالاته من الطفولية والصباوة والشباب، والكهولة، فهناك وراء بدن الاِنسان وتحوّلاته البدنية حقيقة باقية ثابتة رغم تغيّر الاَحوال وتصرّم الاَزمنة.

(1) لاحظ شرح الاِشارات:2|368ـ371؛ الاَسفار:8|38؛ أُصول الفلسفة للعلاّمة الطباطبائي: المقالة 3.

(411)
فلو كانت تلك الحقيقة التي يحمل عليها تلك الصفات أمراً مادّياً مشمولاً لسنّة التغيّر والتحوّل لم يصحّ حمل تلك الصفات على شيء واحد حتى يقول: أنا الذي كتبت هذا الخطّ يوم كنت صبيّاً أو شابّاً، وأنا الذي فعلت كذا وكذا في تلك الحالة وذلك الوقت.

2. عدم الانقسام آية التجرّد

الاِنقسام والتجزّوَ من لوازم المادّة، ولاَجل ذلك ذكر الفلاسفة في محلّه بطلان الجزء الّذي لا يتجزّأ، وما يسمّيه علم الفيزياء، جزءاً لا يتجزّأ، فإنّما هو غير متجزّىَ بالحسّ، وأمّا عقلاً فهو منقسم مهما تناهى الاِنقسام، هذا من جانب.
ومن جانب آخر، كلّ واحد منّا إذا رجع إلى ما يشاهده في صميم ذاته، ويعبّر عنه بـ«أنا» وجده معنى بسيطاً غير قابل للانقسام والتجزّي، فارتفاع أحكام المادّة، دليل على أنّه ليس بمادّي.
إنّ عدم الانقسام لا يختصّ بالنفس بل هو سائد على الصفات النفسانية من الحبّوالبغض والاِرادة والكراهة والاِذعان ونحو ذلك، اعطف نظرك إلى حبّك لولدك وبغضك لعدوّك فهل تجد فيهما تركّباً، وهل ينقسمان إلى أجزاء؟ كلاّ، و لا.
فظهر انّ الروح وآثارها، والنفس والنفسانيات كلّها موجودات واقعية خارجة عن إطار المادّة.

ب. القرآن وتجرّد النفس

الآيات القرآنية الدالّة على تجرّد النفس وخلودها بعد الموت تصريحاً أو تلويحاً كثيرة نأتي بنماذج منها:

(412)
1. يقول سبحانه:
(اللّهُ يَتَوَفَّى الاََنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالّتي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الّتي قَضى عَلَيْهَا الْمَوتَ وَيُرْسِلُ الاَُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) . (1)
لفظة التوفّي بمعنى القبض والاَخذ لا الاِماتة، وعلى ذلك فالآية تدلّ على أنّ للاِنسان وراء البدن شيئاً يأخذه اللّه سبحانه حين الموت والنوم، فيمسكه أن كتب عليه الموت، ويرسله إن لم يكتب عليه ذلك إلى أجل مسمّى.
2. قال تعالى:
(وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ* فَرِحينَ بِما آتاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلهِ وَيَسْتبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاّ خَوفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) . (2)
وصراحة الآية غير قابلة للاِنكار، فإنّها تقول: إنّهم أحياء أوّلاً، ويرزقون ثانياً، وإنّ لهم آثاراً نفسانية يفرحون ويستبشرون ثالثاً، وتفسير الحياة، بالحياة في شعور الناس وضمائرهم وقلوبهم، وفي الاَندية والمحافل تفسير مادّي للآية مخالف لما ذكر للحياة من الاَوصاف الحقيقية.
3. قال تعالى:
(وَحاقَ بِآلِ فِرْعَونَ سُوءُ الْعَذاب* النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَونَ أَشَدَّ الْعَذابِ) . (3)

(1) الزمر:42.
(2) آل عمران:169ـ170.
(3) الموَمن:45ـ46.

(413)
وجه الاستدلال بالآية على المقصود واضح.
4. قال تعالى:
(قِيْلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَيا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ* بِما غَفَر لِي رَبِّي وَجَعَلَني مِنَ الْمُكْرَمينَ) . (1)
المخاطب لقوله : ( ادْخُلِ الْجَنَّة) والقائل لما ذكر بعده من التمنّي هو موَمن آل يس واسمه حبيب النجّار كما ورد في الروايات، وقصّته معروفة، والآية تدلّ على أنّه باق بعد الموت يرزق في الجنّة، ويتمنّى أن يعلم قومه بما رزق من الكرامة.
(1) يس: 26ـ27.

(414)

(415)

الفصل الثالث
المعاد الجسماني و الروحاني
في القرآن الكريم

إنّ القول بالمعاد الجسماني والروحاني معاً يتوقّف على أُمور:
1. الاعتقاد بتجرّد الروح الاِنساني.
2. الاعتقاد بأنّ الروح يعود إلى البدن عند الحشر.
3. انّهناك آلاماً ولذائذ جزئية وكلية، جسمانية وروحانية.
إنّ من أمعن النظر في الآيات الواردة حول المعاد يقف على أنّ المعاد الذي يصرُّ عليه القرآن هو عود البدن الذي كان الاِنسان يعيش به في الدنيا ولا يصدِّق عود الروح وحدها فقط، كما أنّه لا يخصّ الثواب والعقاب بالجسمانية منهما بل يثبت أيضاً ثواباً وعقاباً روحانيين غير حسيّين، وإليك فيما يلي نماذج من عناوين الآيات في هذين المجالين:
1. ما ورد في قصّة إبراهيم، وإحياء عزير، و بقرة بني إسرائيل، ونحو
(416)
ذلك. (1)
2. ما يصرّح على أنّ الاِنسان خلق من الاَرض وإليها يعاد ومنها يخرج. (2)
3. ما يدلّ على أنّ الحشر عبارة عن الخروج من الاَجداث والقبور. (3)
4. ما يدلّ على شهادة الاَعضاء يوم القيامة. (4)
5. ما يدلّ على تبديل الجلود بعد نضجها وتقطّع الاَمعاء. (5)
هذا كلّه بالنسبة إلى الملاك الاَوّل؛ وأمّا بالنسبة إلى الملاك الثاني، فالآيات الراجعة إلى الآلام واللذائذ الحسيّة أكثر من أن تحصى ولا حاجة إلى ذكرها، فلنقتصر بالاِشارة إلى نماذج من الآيات الناظرة إلى الآلام واللّذائذ العقلية:
1. قال سبحانه:
(وَعَدَ اللّهُ الْمُوَْمِنِينَ وَالْمُوَْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الاََنْهارُ خالِدينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللّهِ أَكْبَرُذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) . (6)
ترى أنّه سبحانه يجعل رضوان اللّه في مقابل سائر اللّذات الجسمانية ويصفه بكونه أكبر من الاَُولى وانّه هو الفوز العظيم، ومن المعلوم انّ هذا النوع من اللذّة لا يرجع إلى الجسم والبدن، بل هي لذَّة تدرك بالعقل والروح في درجتها القصوى.
2. يقول سبحانه:

(1) البقرة:68ـ73، 243، و 259ـ260.
(2) الاَعراف:25؛طه: 55 ؛ الروم:25؛نوح:18 .
(3) الحج:7؛ يس: 51؛ القمر:7؛ المعارج:43.
(4) النور: 24؛ يس:65؛ فصلت:41.
(5) النساء:56؛ محمّد: 15.
(6) التوبة:72.

(417)
(وَعَدَ اللّهُ الْمُنافِقينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللّهُ وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ) . (1)
يظهر عظم هذا الاَلم بوقوع هذه الآية قبل آية الرضوان، فكأنَّ الآيتين تعربان عن اللذّات والآلام العقلية الّتي تدركها الروح بلا حاجة إلى الجسم والبدن.
3. يقول سبحانه في وصف أصحاب الجحيم:
(كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ) . (2)
إنّ عذاب الحسرة أشدّ على النفس ممّا يحلّبها من عذاب البدن، ولاَجل ذلك يسمّى يوم القيامة، يوم الحسرة، قال سبحانه:
(وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ) . (3)
نختم الكلام بما أفاده المحقّق الطوسي في المقام حيث قال:
«أمّا الاَنبياء المتقدّمون على محمّد _ صلى الله عليه وآله وسلم _ فالظاهر من كلام أُممهم انّ موسى _ عليه السلام _ لم يذكر المعاد البدني، ولا أنزل عليه في التوراة لكن جاء ذلك في كتب الاَنبياء الذين جاءوا بعده، كحزقيل وشعيا ـ عليهما السّلام ـ ولذلك أقرّ اليهود به، وأمّا في الاِنجيل فقد ذكر: انّالاَخيار يصيرون كالملائكة وتكون لهم الحياة الاَبدية، والسعادة العظيمة، والاَظهر انّ المذكور فيه المعاد الروحاني.
وأمّا القرآن فقد جاء فيه كلاهما:

(1) التوبة:68.
(2) البقرة: 167.
(3) مريم: 39.

(418)
أمّا الروحاني ففي مثل قوله عزّ من قائل:
(فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُن) .
و (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَة).
و (رِضْوانٌ مِنَ اللّهِ أَكْبر ) .
وأمّا الجسماني فقد جاء أكثر من أن يعد، وأكثره ممّا لا يقبل التأويل، مثل قوله عزّ من قائل:
(قالَ مَنْ يُحْيي الْعِظامَ وَهِيَرَمِيمٌ قُلْيُحيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّة).
(فَإِذا هُمْ مِنَالاََجداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ).
(وَانْظُرْ إِلَى العِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً).
(أَيَحْسَبُ الاِِنْسانُ أَنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ بَلى قادِرينَ عَلىأَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ).
(وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا) ...
أمّا القياس على التشبيه فغير صحيح، لاَنّ التشبيه مخالف للدليل العقلي الدالّ على امتناعه، فوجب فيه الرجوع إلى التأويل، وأمّا المعاد البدني فلم يقم دليل، لاعقلي ولا نقلي على امتناعه، فوجب إجراء النصوص الواردة فيه على مقتضى ظواهرها». (1)

شبهة الآكل والمأكول

إنّ هذه الشبهة من أقدم الشبهات التي وردت في الكتب الكلامية حول
(1) تلخيص المحصل:393ـ394،ط دار الاَضواء، بيروت.

(419)
المعاد الجسماني وقد اعتنى بدفعها المتكلّمون والفلاسفة الاِلهيون عناية بالغة، والاِشكال يقرّر بصورتين نأتي بهما مع الاِجابة عنهما:

الصورة الاَُولى

لو أكل إنسان كافر إنساناً موَمناً صار بدنه أو جزء منه جزءاً من بدن الكافر، والكافر يعذّب فيلزم تعذيب الموَمن وهو ظلم عليه.
والجواب عنه واضح، فإنّ المدرك للآلام واللذائذ هو الروح، والبدن وسيلة لاِدراك ما هو المحسوس منهما، وعليه فصيرورة بدن الموَمن جزءاً من بدن الكافر لا يلازم تعذيب الموَمن، لاَنّ المعذّب في الحقيقة هو روح الكافر ونفسه، لا روح الموَمن، وهذا نظير أخذ كلية الاِنسان الحيّ ووصلها بإنسان آخر، فلو عذّب هذا الاَخير أو نعّم، فالمعذّب والمنعّم هو هو، ولا صلة بينه و بين من وهب كليته إليه.

الصورة الثانية

إذا أكل إنسان إنساناً يصير بدنه المأكول أو جزء منه، جزء البدن الآكل، وتلك الاَجزاء إمّا يعاد مع بدن الآكل، وإمّا يعاد مع بدن المأكول، أو لا يعاد أصلاً. (1)ولازم الجميع عدم عود البدن بتمامه وبعينه، أمّا في أحدهما كما في الفرضين الاَوّلين، أو في كليهما كما في الفرض الاَخير، فالمعاد الجسماني بمعنى حشر الاَبدان بعينها باطل.
والمشهور عند المتكلّمين في الاِجابة عنه هو انّ بدن الاِنسان مركب من الاَجزاء الاَصليّة والفاضلة، والاَجزاء الاَصليّة باقية بعد الموت، وعند الاِعادة توَلّف وتضمّ معها أجزاء أُخرى زائدة، والمعتبر في المعاد الجسماني هوإعادة تلك الاَجزاء
(1) وأمّا فرض عوده مع كلّ من الآكل و المأكول فهو ساقط رأساً، لاَنّه محال عقلاً.

(420)
الاَصلية، والاَجزاء الاَصلية في كلّ بدن تكون فاضلة في غيره (1) وإليه أشار المحقّق الطوسي بقوله:
«ولا يجب إعادة فواضل المكلّف». (2)
أقول: المعاد الجسماني لا يتوقف على كون البدن المحشور نفس البدن الدنيوي حتى في المادّة الترابية بل لو تكون بدن الاِنسان المعاد من أيّة مادّة ترابية كانت وتعلّقت به الروح وكان من حيث الصورة متّحداً مع البدن الدنيوي يصدق على المعاد انّه هو المنشأ في الدنيا.
يوَيّد ذلك قول الاِمام الصادق _ عليه السلام _ :
«فإذا قبضه اللّه إليه صيَّر تلك الروح إلى الجنّة في صورة كصورته فيأكلون و يشربون، فإذا قدم عليهم القادم، عرفهم بتلك الصورة التي كانت في الدنيا». (3)
فترى أنّ الاِمام _ عليه السلام _ يذكر كلمة الصورة، ولعلّ فيه تذكير بأنّه يكفي في المعاد الجسماني كون المعاد متّحداً مع المبتدأ في الصورة من غير حاجة إلى أن يكون هناك وحدة في المادّة الترابية بحيث إذا طرأ مانع من خلق الاِنسان منه، فشل المعاد الجسماني ولم يتحقّق.
ويستظهر ذلك أيضاً من نحو قوله تعالى:
(أَوَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالاََرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ).(4)

(1) قواعد المرام لابن ميثم البحراني:144.
(2) كشف المراد، المقصد 6، المسألة 4.
(3) بحار الاَنوار، ج6، باب أحوال البرزخ، الحديث 32.
(4) يس:81.

(421)
قال التفتازاني: ربما يميل كلام الغزالي وكلام كثير من القائلين بالمعادين إلى أنّ معنى ذلك أن يخلق اللّه تعالى من الاَجزاء بعد خراب البدن، ولا يضرّنا كونه غير البدن الاَوّل بحسب الشخص لامتناع إعادة المعدوم بعينه، وما شهد به النصوص من كون أهل الجنّة جرداً مرداً، وكون ضرس الكافر مثل جبل أُحد يعضد ذلك، وكذا قوله تعالى:
(كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها) . (1)
ولا يبعد أن يكون قوله تعالى:
(أَوَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالاََرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ).(2)
إشارة إلى هذا. (3)
وقال العلاّمة الطباطبائي ـ قدّس سرّه ـ :
«البدن اللاحق من الاِنسان إذا اعتبر بالقياس إلى البدن السابق منه كان مثله لا عينه، لكنّ الاِنسان ذا البدن اللاحق إذا قيس إلى الاِنسان ذي البدن السابق، كان عينه لا مثله، لاَنّ الشخصية بالنفس وهي واحدة بعينها».(4)
(1) النساء:56.
(2) يس:81.
(3) شرح المقاصد:5|90ـ91، ط منشورات الرضي ،قم المقدسة.
(4) الميزان:17|114.

(422)

(423)

الفصل الرابع
براهين بطلان التناسخ

التناسخ هو انتقال النفس من بدن إلى بدن آخر في هذه النشأة، بلا توقّف أبداً، قال شارح حكمة الاِشراق:
«إنّ شرذمة قليلة من القدماء ذهبوا إلى امتناع تجرّد شيء من النفوس بعد المفارقة لاَنّها جسمانية، دائمة الانتقال في الحيوانات وغيرها من الاَجسام ويعرفون بالتناسخية وهم أقلّالحكماء تحصيلاً». (1)
يرد على القول بالتناسخ أُمور تالية:
1. انّهم يقولون إنّ المصائب والآلام التي تبتلى بها طائفة من الناس هي في الحقيقة جزاء لما صنعوا في حياتهم السابقة من الذنوب عندما كانت أرواحهم متعلّقة بأبدان أُخرى، كما أنّ النعم واللذائذ التي تلتذ بها جماعة أُخرى من الناس هي أيضاً جزاء أعمالهم الحسنة في حياتهم المتقدمة، وعلى هذا فكلّ يستحقّ لما هو حاصل له، فلا ينبغي الاعتراض على المستكبرين والمترفين، كما لا ينبغي القيام
(1) شرح حكمة الاِشراق: المقالة الخامسة، الفصل الاَوّل.

(424)
بالانتصاف من المظلومين والمستضعفين، وبذلك تنهدم الاَخلاق من أساسها ولا يبقى للفضائل الاِنسانية مجال، وهذه العقيدة خير وسيلة للمفسدين والطغاة لتبرير أعمالهم الشنيعة.
2. انّهذه العقيدة معارضة للقول بالمعاد الذي أُقيم البرهان العقلي على وجوبه، ومن الواضح انّ الذي ينافي البرهان الصحيح فهو باطل، فالقول بالتناسخ باطل.
3. انّلازم القول بالتناسخ هو اجتماع نفسين في بدن واحد، وهو باطل.
بيان الملازمة انّه متى حصل في البدن مزاج صالح لقبول تعلّق النفس المدبّرة له، فبالضرورة تفاض عليه من الواهب من غير مهلة وتراخ، قضاءً للحكمة الاِلهية التي شاءت إبلاغ كلّ ممكن إلى كماله الخاص به، فإذا تعلّقت النفس المستنسخة به أيضاً كما هو مقتضى القول بالتناسخ، لزم اجتماع نفسين في بدن واحد.
وأمّا بطلان اللازم فلاَنّ تشخّص كلّ فرد من الاَنواع بنفسه وصورته النوعية، ففرض نفسين في بدن واحد مساوق لفرض ذاتين لذات واحدة وشخصين في شخص واحد، وهذا محال، على أنّذلك مخالف لما يجده كلّ إنسان في صميم وجوده وباطن ضميره، قال المحقّق الطوسي:
«وهي مع البدن على التساوي».
وقال العلاّمة الحلي في شرحه:
«هذا حكم ضروري أو قريب من الضروري، فانّ كلّ إنسان يجد ذاته ذاتاً واحدة، فلو كان لبدن نفسان لكان تلك الذات ذاتين وهو محال». (1)

(1) كشف المراد: المقصد الثاني، الفصل الرابع، المسألة الثامنة.

(425)
فإن قلت: إنّ تعلّق النفس المنسوخة إذا كان مقارناً لصلاحية البدن لاَفاضة نفس عليه، يمنع عن إفاضتها عليه، فلا يلزم اجتماع نفسين في بدن واحد.
قلت: إنّ استعداد المادة البدنية لقبول النفس من واهب الصور يجري مجرى استعداد الجدار لقبول نور الشمس مباشرة وانعكاساً، فلا يكون أحدهما مانعاً عن الآخر، غير انّ اجتماع النفسين في بدن واحد ممتنع عقلاً، والامتناع ناشىَ من فرض التناسخ كما لا يخفى. (1)

سوَالان وجوابهما

1. لو كان التناسخ ممتنعاً فكيف وقع المسخ في الاَُمم السالفة، كما صرّح به الذكر الحكيم؟ (2) والجواب: انّ محذور التناسخ المحال، أمران:
أحدهما: اجتماع نفسين في بدن واحد.
ثانيهما: تراجع النفس الاِنسانية من كمالها إلى الحدّ الذي يناسب بدنها المتعلّقة به.
والمحذوران منتفيان في المقام، فإنّ حقيقة مسخ الاَُمّة المغضوبة والملعونة هي تلبّس نفوسهم الخبيثة لباس الخنزير والقرد، لاتبدّل نفوسهم الاِنسانية إلى نفوس القردة والخنازير، قال التفتازاني:
«إنّ المتنازع هو انّ النفوس بعد مفارقتها الاَبدان، تتعلّق في الدنيا بأبدان أُخر للتدبير والتصرّف والاكتساب لا أن تتبدّل صور الاَبدان
(1) لاحظ الاَسفار:9|10.
(2) لاحظ المائدة:60؛ الاَعراف:166.

(426)
كما في المسخ...». (1)
وقال العلاّمة الطباطبائي:
«الممسوخ من الاِنسان، إنسان ممسوخ لا انّه ممسوخ فاقد للاِنسانية». (2)
2. ما هو الفرق بين التناسخ الباطل والقول بالرجعة على ما عليه الاِماميّة؟
الجواب: الفرق بينهما واضح بعد الوقوف على ما تقدّم، فإنّ الرجعة لا تستلزم انتقال النفس من بدن إلى بدن آخر، ولا اجتماع نفسين في بدن واحد، ولا تراجع النفس عن كمالها الحاصل لها، وبذلك تعرف قيمة كلمة أحمد أمين المصري حيث يقول:
«وتحت التشيّع ظهر القول بتناسخ الاَرواح». (3)

ملخّص القول في الرجعة

قد انتهى البحث إلى بيان الفرق بين التناسخ والرجعة، فلا بأس بأن نأتي بملخّص القول في هذه المسألة تتميماً للفائدة، فنقول:
الرجعة في اللغة ترادف العودة، وتطلق اصطلاحاً على عودة الحياة إلى مجموعة من الاَموات بعد النهضة العالمية للاِمام المهدي ـ عليه السّلام ـ وهي ممّا تعتقد به الشيعة الاِمامية بمقتضى الاَحاديث المتضافرة ـ بل المتواترة ـ المروية عن أئمّة أهل البيت _ عليهم السلام _ في ذلك ، ويشهد به الكتاب أيضاً، قال الشيخ المفيد:

(1) شرح المقاصد:3|327، ط منشورات الشريف الرضي.
(2) الميزان:1|209.
(3) فجر الاِسلام:277.

(427)
«إنّ اللّه تعالى يحيي قوماً من أُمّة محمّد _ صلى الله عليه وآله وسلم _ بعد موتهم، قبل يوم القيامة، وهذا مذهب يختصّ به آل محمّد _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ... والرجعة إنّما هي لممحضي الاِيمان من أهل الملّة وممحضي النفاق منهم دون من سلف من الاَُمم الخالية». (1)
وقد وصف الشيخ الحرّ العاملي الروايات المتعلّقة بالرجعة بأنّها أكثر من أن تعدّ وتحصى و انّها متواترة معنى. (2)
ويقع الكلام في الرجعة في مقامين:
1. إمكانها.
2. الدليل على وقوعها.
ويكفي في إمكانها، إمكان بعث الحياة من جديد يوم القيامة، مضافاً إلى وقوع نظيرها في الاَُمم السالفة، كإحياء جماعة من بني إسرائيل (البقرة|55ـ65) وإحياء قتيل منهم (البقرة|72ـ73) وبعث عزير بعد مائة عام من موته (البقرة|259) وإحياء الموتى على يد عيسى _ عليه السلام _ (آل عمران|49).
وقد عرفت أنّ تصوّر الرجعة من قبيل التناسخ المحال عقلاً تصور باطل.
ومن الآيات الدالة على وقوع الرجعة قوله تعالى:
(وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ). (3)

(1) المسائل السروية: 32و35 المطبوع ضمن المجلد السابع من مصنَّفات الشيخ المفيد، ط الموَتمر العالمي لاَلفية الشيخ المفيد.
(2) الاِيقاظ من الهجعة: الباب 2، الدليل 3.
(3) النمل:83.

(428)
إنّ الآية تركّز على حشر فوج من كلّ جماعة لا حشر جميعهم، ومن المعلوم انّ الحشر ليوم القيامة يتعلّق بالجميع لا بالبعض، يقول سبحانه:
(وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الاََرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْمِنْهُمْ أَحَداً) . (1)
فأخبر سبحانه انّ الحشر حشران: عامّ وخاصّ.
وأمّا كيفية وقوع الرجعة وخصوصياتها فلم يتحدّث عنها القرآن، كما هو الحال في تحدّثه عن البرزخ والحياة البرزخية.
ويوَيّد وقوع الرجعة في هذه الاَُمّة وقوعها في الاَُمم السابقة كما عرفت، وقد روى الفريقان أنّ رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قال:
«تقع في هذه الاَُمّة السنن الواقعة في الاَُمم السابقة». (2)
وبما انّ الرجعة من الحوادث المهمّة في الاَُمم السابقة، فيجب أن يقع نظيرها في هذه الاَُمّة.
وقد سأل المأمون العباسي الاِمام الرضا _ عليه السلام _ عن الرجعة فأجابه بقوله:
«إنّها حقّ، قد كانت في الاَُمم السابقة، ونطق بها القرآن و قال رسول اللّه ص: يكون في هذه الاَُمّة كلّ ما كان في الاَُمم السالفة حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة». (3)
هذا محصّل الكلام في حقيقة الرجعة ودلائلها، ولا يدّعي المعتقدون بها انّ الاعتقاد بها في مرتبة الاعتقاد باللّه وتوحيده، والنبوّة والمعاد، بل انّها تعدّ من
(1) الكهف: 47.
(2) صحيح البخاري:9|102و112؛ كنز العمال:11|133؛ كمال الدين:576.
(3) بحار الاَنوار:53|59، الحديث 45.

(429)
المسلّمات القطعية، ولا ينكرها إلاّ من لم يمعن النظر في أدلّتها.
ثمّ إنّ للسيد المرتضى كلاماً يستفاد منه الغرض من الرجعة، حيث قال:
«اعلم أنّالذي يذهب الشيعة الاِمامية إليه، انّ اللّه تعالى يعيد عند ظهورإمام الزمان المهدي _ عليه السلام _ ، قوماً ممّن كان قد تقدّم موته من شيعته ليفوزوا بثواب نصرته ومعونته ومشاهدة دولته، ويعيد أيضاً قوماً من أعدائه لينتقم منهم، فيلتذّوا بما يشاهدون من ظهور الحقّ وعلوّ كلمة أهله».(1)
أسئلة وأجوبتها
1. انّ الاعتقاد بالرجعة يعارض قوله تعالى:
(وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ) . (2)
فإنّ الآية تنفي رجوعهم بتاتاً.
والجواب: انّ الآية مختصة بالظالمين الذين أهلكوا في هذه الدنيا ورأوا جزاء عملهم فيها، فهذه الطائفة لا ترجع دون الجميع.
2. انّ القول بالرجعة ينافي ظاهر قوله تعالى:
(حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرْكتُ كَلاّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ).(3)

(1) المصدر السابق نقلاً عن رسالة كتبها المرتضى جواباً عن أسئلة أهل الري.
(2) الاَنبياء:95.
(3) الموَمنون:99ـ100.

(430)
والجواب: انّ الآية تحكى عن قانون كلّي قابل للتخصيص بدليل منفصل، والدليل على ذلك ما عرفت من إحياء الموتى في الاَُمم السالفة، ومفاد الآية انّ الموت بطبعه ليس بعده رجوع، وهذا لا ينافي الرجوع في مورد أو موارد لمصالح عليا.
3. لم لا يجوز أن يكون قوله تعالى:
(وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوجاً) الآية.
ناظراً إلى يوم القيامة، والمراد من الفوج من كلّأُمّة هو الملاَ الظالمين وروَسائهم؟
والجواب: انّظاهر الآيات انّ هناك يومين: يوم حشر فوج من كلّ أُمّة، ويوم ينفخ في الصور، وجعل الاَوّل من متمّمات القيامة، يستلزم وحدة اليومين وهو على خلاف الظاهر.
وبما ذكرناه يظهر سقوط كثير ممّا ذكره الآلوسي في تفسيره عند البحث عن الآية. (1)

(1) لاحظ تفسيره: 20|26.

(431)

الفصل الخامس
القبر و البرزخ

البرزخ هو المنزل الاَوّل للاِنسان بعد الموت، وقد صرّح القرآن على أنّ أمام الاِنسان بعد موته برزخ إلى يوم القيامة قال عزَّ من قائل:
(وَمِنْ وَرائِهِمْ (1) بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) . (2)
ولكن الآية لا تدلّعلى وجود حياة في تلك الفاصلة، نعم هناك آيات يستفاد منها وجود حياة واقعية للاِنسان في تلك النشأة نأتي ببعضها:
1. قال تعالى:
(قالُوا رَبَّنّا أَمَتَّنَا اثْنَتَينِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَينِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَل إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبيلٍ) . (3)
وهذه الآية تحكي عن تحقيق إحياءَين وإماتتين إلى يوم البعث، والظاهر أنّ
(1) الوراء في الآية بمعنى الاَمام كما في قوله سبحانه:(وَكانَ وَراءهم مَلِكٌ يَأخُذُ كُلَّ سَفينَةٍ غَصْباً) (الكهف|79) .
(2) الموَمنون:100.
(3) الموَمن: 11.

(432)
المراد ما يلي:
الاِماتة الاَُولى هي الاِماتة عن الحياة الدنيا.
والاِحياء الاَوّل هو الاِحياء في البرزخ، وتستمرّ هذه الحياة إلى نفخ الصور الاَوّل.
والاِماتة الثانية، عند نفخ الصور الاَوّل، يقول سبحانه:
(وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الاََرْض). (1)
والاِحياء الثاني ، عند نفخ الصور الثاني، يقول سبحانه:
(وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الاََجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ) . (2)
وتعدّد نفخ الصور يستفاد من الآيتين، فيترتّب على الاَوّل هلاك من في السماوات ومن في الاَرض، إلاّ من شاء اللّه، وعلى الثاني قيام الناس من أجداثهم، وفي أمر النفخ الثاني يقول سبحانه:
(وَنُفِخَ فِي الصُّورِفَجَمَعْناهُمْ جَمعاً) . (3)
ويقول سبحانه:
(فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتساءَلُونَ) . (4)
واختلاف الآثار يدلّ على تعدّد النفخ.
وعلى ضوء هذا فللاِنسان حياة بعد الاِماتة من الحياة الدنيا، وهي حياة برزخية متوسطة بين النشأتين.

(1) الزمر:68.
(2) يس:51.
(3) الكهف:99.
(4) الموَمنون:101.

(433)
2. قوله سبحانه:
(مِمّا خَطيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللّهِأَنْصاراً) . (1)
وهذه الآية تدلّ على أنّهم دخلوا النار بعد الغرق بلا فصل للفاء في قوله: (فأُدخلوا) ولوكان المراد هو نار يوم القيامة لكان اللازم الاِتيان بـ«ثمّ» أوّلاً، وارتكاب التأويل في قوله (فأُدخلوا) ، حيث وضع الماضي مكان المستقبل لاَجل كونه محقّق الوقوع، وهو خلاف الظاهر، ثانياً.
3. قوله سبحانه:
(النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَونَ أَشَدَّ الْعَذابِ). (2)
وهذه الآية تحكي عرض آل فرعون على النّار صباحاً ومساءً، قبل يوم القيامة، بشهادة قوله بعد العرض: (وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَة) ولاَجل ذلك، عبّر عن العذاب الاَوّل بالعرض على النّار، وعن العذاب في الآخرة، بإدخال آل فرعون أشدّ العذاب، حاكياً عن كون العذاب في البرزخ، أخفّ وطأً من عذاب يوم السّاعة.
ثمّ إنّ هناك آيات تدلّ على حياة الاِنسان في هذا الحدّ الفاصل بين الدنيا والبعث، حياة تناسب هذا الظرف، تقدّم ذكرها عند البحث عن تجرّد النفس، ونكتفي هنا بهذا المقدار، حذراً من الاِطالة.
وأمّا من السنّة، فنكتفي بما جاء عن الصادق _ عليه السلام _ ، عندما سُئِلَ عن أرواح الموَمنين، فقال:

(1) نوح:25.
(2) الموَمن:46.

(434)
«في حجرات في الجنّة، يأكلون من طعامها، ويشربون من شرابها، ويقولون ربّنا أتمم لنا السّاعة وأنجز ما وعدتنا».
وسئل عن أرواح المشركين، فقال:
«في النّار يعذّبون، يقولون لا تقم لنا السّاعة، ولا تنجز لنا ما وعدتنا».(1)
السوَال في القبر وعذابه ونعيمه
إذا كانت الحياة البرزخية هي المرحلة الاَُولى من الحياة بعد الدنيا، يظهر لنا أنّما اتّفق عليه المسلمون من سوَال الميّت في قبره، وعذابه إن كان طالحاً، وإنعامه إن كان موَمناً صالحاً، صحيح لا غبار عليه، وأنّ الاِنسان الحيّ في البرزخ مسوَول عن أُمور، ثمّ معذّب أو منعَّم.
قال الصدوق في عقائده:
«إعتقادنا في المساءلة في القبر أنّها حقّلابُدّ منها، ومن أجاب الصواب، فاز بروحٍ وريحان في قبره، وبجنّة النعيم في الآخرة، ومن لم يجب بالصواب، فله نُزُلٌ من حميم في قبره، وتصلية جحيم في الآخرة». (2)
وقال الشيخ المفيد:
«جاءت الآثار الصحيحة عن النبي أنّ الملائكة تنزل على المقبورين فتسألهم عن أديانهم، وألفاظ الاَخبار بذلك متقاربة، فمنها أنّ
(1) البحار:6|169، باب أحوال البرزخ، الحديث 122؛ص 270، الحديث 126.
(2) الاعتقادات في دين الاِمامية: 37، الباب 17.

(435)
ملكين للّه تعالى، يقال لهما ناكر ونكير، ينزلان على الميت فيسألانه عن ربّه ونبيّه ودينه و إمامه، فإن أجاب بالحقّ، سلّموه إلى ملائكة النعيم، وإن ارتجّ سلّموه إلى ملائكة العذاب. وفي بعض الروايات أنّ اسمي الملكين الذين ينزلان على الكافر: ناكر و نكير، و اسمي الملكين الذين ينزلان على الموَمن: مبشّر وبشير».
إلى أن قال:
«وليس ينزل الملكان إلاّ على حيّ، ولا يسألان إلاّ من يفهم المساءلة ويعرف معناها، وهذا يدلّ على أنّ اللّه تعالى يحيي العبد بعد موته للمساءلة، ويديم حياته لنعيم إن كان يستحقّه، أو لعذاب إن كان يستحقّه». (1)
وقال المحقّق الطوسي في التجريد:
«وعذاب القبر واقع، للاِمكان، وتواتر السمع بوقوعه».
وقال العلاّمة الحلي في شرحه:
«نقل عن ضرار أنّه أنكر عذاب القبر، والاِجماع على خلافه». (2)
والظاهر اتّفاق المسلمين على ذلك، يقول أحمد بن حنبل:
«وعذاب القبر حقّ، يُسأل العبد عن دينه وعن ربّه، ويرى مقعده من النار والجنّة، ومنكر ونكير حق». (3)
وقد نسب إلى المعتزلة إنكار عذاب القبر، والنسبة في غير محلّها، وإنّما المنكر
(1) تصحيح الاعتقاد: 45ـ 46.
(2) كشف المراد: المقصد 6، المسألة 14؛ ولاحظ إرشاد الطالبين:425.
(3) السنّة: 47؛ ولاحظ الاِبانة للاَشعري:27.

(436)
واحدٌ منهم، هو ضرار بن عمرو، كما تقدّم، وقد انفصل عن المعتزلة، صرّح بذلك القاضي عبد الجبار المعتزلي . (1)
هذا كلّه ممّا لا ريب فيه، إنّما الكلام فيما هو المراد هنا من القبر، والاِمعان في الآيات الماضية التي استدللنا بها على الحياة البرزخية، والروايات الواردة حول البرزخ، تعرب بوضوح عن أنّ المراد من القبر، ليس هو المكان الذي يدفن فيه الاِنسان، ولا يتجاوز جثَّته في السَّعة، وإنّما المراد منه هو النشأة التي يعيش فيها الاِنسان بعد الموت وقبل البعث، وإنّما كنّي بالقبر عنها، لاَنّ النزول إلى القبر يلازم أويكون بدءاً لوقوع الاِنسان فيها.
والظاهر من الروايات تعلّق الروح بأبدان تماثلُ الاَبدان الدنيوية، لكن بلطافة تناسب الحياة في تلك النشأة، وليس التعلّق بها ملازماً لتجويز التناسخ، لاَنّ المراد من التناسخ هو رجوع الشيء من الفعلية إلى القوّة، أعني عودة الروح إلى الدنيا عن طريق النطفة، فالعلقة، فالمضغة إلى أن تصيرإنساناً كاملاً، وهذا منفي عقلاً وشرعاً، كما تقدّم، ولا يلزم هذا في تعلّقها ببدن ألطف من البدن المادي، في النشأة الثانية.
قال الشيخ البهائي:
«قد يتوهم أنّ القول بتعلّق الاَرواح، بعد مفارقة أبدانها العنصرية، بأشباح أُخر ـ كما دلّت عليه الاَحاديث ـ قولٌ بالتناسخ، وهذا توهم سخيف، لاَنّ التناسخ الذي أطبق المسلمون على بطلانه، هو تعلّق الاَرواح بعد خراب أجسادها، بأجسام أُخر في هذا العالم، وأمّا القول بتعلّقها في عالم آخر، بأبدان مثالية، مدة البرزخ، إلى أن تقوم قيامتها
(1) شرح الاَُصول الخمسة:730.

(437)
الكبرى، فتعود إلى أبدانها الاَوّلية بإذن مُبدعها، فليس من التناسخ في شيء».(1)
قال الرازي:
«إنّ المسلمين يقولون بحدوث الاَرواح وردّها إلى الاَبدان، لا في هذا العالم، والتناسخية يقولون بقدمها، وردّها إليها، في هذا العالم، وينكرون الآخرة والجنّة والنار، وإنّما كُفّروا من أجل هذا الاِنكار». (2)
نَفْخُ الصور
إنّ الاِنسان الذي يعيش في هذا الكوكب، بالنسبة إلى المعارف الغيبية، كالجنين في بطن أُمّه، فلو قيل له إنّوراء الرحم أنجُماً وكواكب وشموساً وأقماراً، وبحاراً ومحيطاتٍ ، لا يفقه منها شيئاً، لاَنّها حقائق خارجة عن عالمه الضيّق، والاِنسان الماديّ القاطن في هذا الكوكب لا يفقه الحقائق الغيبية الموجودة وراء هذا العالم، فلاَجل ذلك لا مناص له من الاِيمان المجرّد من دون تعمق في حقيقتها، وهذا أصل مفيد جداً في باب المعاد، وعلى ذلك تبتني مسألة نفخ الصور، فما هو المراد من الصور، أهو شيء يشابه البوق المتعارف أو شيء غيره؟ وما هو المراد من النفخ؟ لا مناص لنا من الاعتقاد بوجوده وتحقّقه، وإن لم نتمكن من التعرّف على واقعيته، ومع ذلك فلابدّ أن تكون هناك حقيقة وواقعية، لها صلة بين نفخ الصور في هذا العالم، ونفخه في النشأة الاَُخرى.
تدلّ الآيات على أنّ الاِنسان يعيش في البرزخ إلى أن يفاجئه نفخ الصور، فعند ذلك يهلك كلّمن في السماوات والاَرض إلاّمن شاء اللّه، يقول سبحانه:

(1) بحا رالاَنوار:6|277.
(2) نهاية العقول، للرازي، نقلاً عن البحار:6|278.

(438)
(وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الاََرْضِإِلاّمَنْ شاءَ اللّه ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرونَ) . (1)
ففي النفخ الاَوّل موت كلّ ذي حياة في السماوات والاَرض، كما أنّ في النفخ الثاني، إحياءهم.
يقول سبحانه:
(وَنُفِخَ فِي الصُّورِفَإِذا هُمْ مِنَ الاََجْداثِإِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ) . (2)
(1) الزمر:68.
(2) يس: 51.

(439)

الفصل السادس
الحساب و الشهود

يبحث في هذا الفصل حول الاَُمور التالية:
1. ما هوالغرض من الحساب؟
2. كيف يحاسب اللّه تعالى العباد يوم القيامة؟
3. من هم الشهود يوم القيامة؟
وإليك البيان:
إنّ من أسماء يوم القيامة، «يوم الحساب»، يحكي القرآن الكريم دعاء إبراهيم _ عليه السلام _ إلى اللّه تعالى، حيث قال:
(رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُوَْمِنينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ) . (1)
كما يحكي انّ موسى _ عليه السلام _ فيما أجاب فرعون حينما هدّده بالقتل قال:
(إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُوَْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ
(1) إبراهيم:41.

(440)
الحِسابِ).(1)
ثمّ إنّ الغرض من الحساب ليس هو وقوفه سبحانه على ما يستحقه العباد من الثواب والعقاب، بالوقوف على أعمالهم الصالحة والطالحة وهذا واضح، بل الغرض منه الاِحتجاج على العاصين، وإبراز عدله تعالى على العباد في مقام الجزاء، ولاَجل ذلك يقيم عليهم شهوداً مختلفة، وللشيخ الصدوق كلام مبسوط في المقام نأتي به إيضاحاً للمقصود، قال:
«إعتقادنا في الحساب انّه حقّ، منه ما يتولاّه اللّه عزّ وجلّ، ومنه ما يتولاّه حججه، فحساب الاَنبياء والاَئمّة _ عليهم السلام _ يتولاّه عزّوجلّ، ويتولّى كلُّ نبي حساب أوصيائه ويتولّى الاَوصياء حساب الاَُمم، واللّه تبارك و تعالى هو الشهيد على الاَنبياء والرسل، وهم الشهداء على الاَوصياء، والاَئمّة شهداء على الناس».
وذلك قول اللّه عزّ وجلّ:
(لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ علَى النّاسِ) . (2)
وقوله تعالى:
(فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍوَجِئْنا بِكَ عَلىهوَلاءِ شَهِيداً). (3)
وقال اللّه تعالى:
(أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِوَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ).(4)

(1) الموَمن:27.
(2) الحج:78.
(3) النساء: 41.
(4) هود:17.

(441)
والشاهد أمير الموَمنين _ عليه السلام _ .
وقوله تعالى:
(إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ* ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ) . (1)
ومن الخلق من يدخل الجنّة بغير حساب، وأمّا السوَال فهو واقع على جميع الخلق لقول اللّه تعالى:
(فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسَأَلَنَّ الْمُرْسَلين) . (2)
يعني عن الدّين، وكلّ محاسب معذّب ولو بطول الوقوف، ولا ينجو من النار ولا يدخل الجنّة أحد بعمله إلاّ برحمة اللّه تعالى.
وانّ اللّه تبارك و تعالى يخاطب عباده يخاطب عباده من الاَوّلين والآخرين بمجمل حساب عملهم مخاطبة واحدة يسمع منها كلّ واحد قضيته دون غيرها، ويظنّ انّه المخاطب دون غيره، ولا تشغله تعالى مخاطبة عن مخاطبة.
ويخرج اللّه تعالى لكلّ إنسان كتاباً يلقاه منشوراً، ينطق عليه بجميع أعماله، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلاّ أحصاها، فيجعله اللّه محاسب نفسه والحاكم عليها بأن يقال له:
(إِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَومَ عَلَيْكَ حَسِيباً) . (3)
ويختم اللّه تبارك وتعالى على قوم على أفواههم وتشهد أيديهم وأرجلهم وجميع جوارجهم بما كانوا يكتمون.

(1) الغاشية:25ـ26.
(2) الاَعراف:6.
(3) الاِسراء: 14.

(442)
(وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (1) (2)
وقال الشيخ المفيد:
«الحساب هو المقابلة بين الاَعمال والجزاء عليها، والمواقفة للعبد على ما فرط منه والتوبيخ له على سيئاته، والحمد على حسناته، ومعاملته في ذلك باستحقاقه، وليس هو كما ذهب العامة إليه من مقابلة الحسنات بالسيئات والموازنة بينهما على حسب استحقاق الثواب والعقاب عليهما، إذ كان التحابط بين الاَعمال غير صحيح، ومذهب المعتزلة فيه باطل غير ثابت». (3)
أقول: يستفاد من آيات الذكر الحكيم انّالشهود في يوم الحساب على أصناف، وهم:
1. اللّه سبحانه :
يقول تعالى: (إِنَّ اللّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القِيامَةِ إِنَّ اللّهَ عَلىكُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) . (4)
ويقول أيضاً:
(لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللّهِ وَاللّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ) . (5)

(1) فصلت:21.
(2) رسالة الاعتقادات للشيخ الصدوق، الباب 28، باب الاعتقاد في الحساب والموازين.
(3) تصحيح الاعتقاد: 93، ط منشورات الرضي، قم.
(4) الحج:17.
(5) آل عمران:98.

(443)
2. نبيّكلّ أُمّة:
يقول سبحانه: (وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) . (1)
ويقول أيضاً:
(وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ* وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً...) . (2)
والظاهر انّ هذا الشاهد من كلّ أُمّة هو نبيُّهم، وإن لم يصرّح به في الآيات، وذلك للزوم كون الشهادة القائمة هناك مشتملة على حقائق لا سبيل للمناقشة فيها، فيجب أن يكون هذا الشاهد عالماً بحقائق الاَعمال التي يشهد عليها، ولا يكون هذا إلاّ بأن يستوي عنده الحاضر والغائب، ولا يتصوّر هذا المقام إلاّلنبيّ كلّأُمّة.
3. نبيّ الاِسلام:
يقول سبحانه: (فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هوَلاءِ شَهيداً).(3)
4. بعض الاَُمّة الاِسلامية:
يقول سبحانه: (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُعلَيْكُمْ شَهِيداً) . (4)
والخطاب في الآية وإن كان للاَُمّة الاِسلامية، لكنّ المراد بعضهم، نظير قوله
(1) النحل: 89.
(2) القصص:74ـ75.
(3) النساء:41.
(4) البقرة:143.

(444)
تعالى: (وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً) مخاطباً لبني إسرائيل، والمراد بعضهم، والدليل على أنّ المراد بعض الاَُمّة، هو انّ أكثر أبنائها ليس لهم معرفة بالاَعمال إلاّ بصورها إذا كانوا في محضر المشهود عليهم، وهو لا يفي في مقام الشهادة، لاَنّ المراد منها هو الشهادة على حقائق الاَعمال والمعاني النفسانية من الكفر والاِيمان، وعلى كلّ ما خفي عن الحس ومستبطن عن الاِنسان ممّا تكسبه القلوب الذي يدور عليه حساب ربّ العالمين يقول سبحانه:
(وَلكِنْ يُوَاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) . (1)
وليس ذلك في وسع الاِنسان العادي إذا كان حاضراً عند المشهود عليه، فضلاً عن كونه غائباً، وهذا يدلّنا على أنّ المراد رجال من الاَُمّة لهم تلك القابلية بعنايةٍ من اللّه تعالى، فيقفون على حقائق أعمال الناس المشهود عليهم.
أضف إلى ذلك انّ أقلّ ما يعتبر في الشهود هو العدالة والتقوى، والصدق والاَمانة، والاَكثرية الساحقة من الاَُمّة يفقدون ذلك وهم لا تقبل شهادتهم على صاع من تمر أو باقة من بقل، فكيف تقبل شهادتهم يوم القيامة؟!
وإلى هذا تشير رواية الزبيري عن الاِمام الصادق _ عليه السلام _ ، قال:
«أفَتَرى أنّ من لا تجوز شهادته في الدنيا على صاع من تمر، يطلب اللّه شهادته يوم القيامة ويقبلها منه بحضرة جميع الاَُمم الماضية؟! كلاّ، لم يعن اللّه مثل هذا من خلقه». (2)
5. الاَعضاء والجوارح:
يقول سبحانه: (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا
(1) البقرة:225.
(2) نور الثقلين:1|113، الحديث 409.

(445)
يعْمَلُونَ)(1).(2)
وأمّا كيفية الشهادة فهي من الاَُمور الغيبية نوَمن بها، وما إنطاقها على اللّه بعزيز، وقد وسعت قدرته تعالى كلّ شيء، كما يشير إليه قوله تعالى:
(قالُوا أَنْطَقَنَا اللّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ) . (3)
(1) النور: 24.
(2) وفي معناها الآية 65|يس، و الآية 20|فصلت.
(3) فصلت:21.

(446)

(447)

الفصل السابع
الميزان و الصراط

من الاَبحاث الكلامية الراجعة إلى المعاد هو البحث حول الميزان والصراط، ولا اختلاف بين المسلمين في الاعتقاد بهما، وإنّما الاختلاف في المقصود منهما، ونحن نذكر الاَقوال في هذا المجال أوّلاً، ثمّ نبيّن ما هو الصحيح عندنا فنقول:
ألف. الميزان
اختلفوا في كيفية الميزان يوم القيامة، فقال شيوخ المعتزلة: إنّه يوضع ميزان حقيقي له كفّتان يوزن به ما يتبيّن من حال المكلّفين في ذلك الوقت لاَهل الموقف، بأن يوضع كتاب الطاعات في كفّة الخير ويوضع كتاب المعاصي في كفّة الشرّ، ويجعل رجحان أحدهما دليلاً على إحدى الحالتين، أو بنحو من ذلك لورود الميزان سمعاً والاَصل في الكلام الحقيقة مع إمكانها.
وقال عبّاد وجماعة من البصريّين وآخرون من البغداديين المراد بالموازين، العدل دون الحقيقة. (1)

(1) كشف المراد: المقصد السادس، المسألة الرابعة عشرة.

(448)
أقول: لا شكّ انّ النشأة الآخرة، أكمل من هذه النشأة وانّه لا طريق لتفهيم الاِنسان حقائق ذاك العالم وغيوبه المستورة عنّا إلاّ باستخدام الاَلفاظ التي يستعملها الاِنسان في الاَُمور الحسيّة، وعلى ذلك فلا وجه لحمل الميزان على الميزان المتعارف، خصوصاً بعد استعماله في القرآن في غير هذا الميزان المحسوس، قال سبحانه:
(لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ) . (1)
لا معنى لتخصيص الميزان هنا بما توزن به الاَثقال، مع أنّ الهدف هو قيام الناس بالقسط في جميع شوَونهم العقيديّة والسياسية والاجتماعية والاقتصادية.
وبذلك يعلم انّ تفسير الميزان بالعدل، أو بالنبيّ، أو بالقرآن كلّها تفاسير بالمصداق، فليس للميزان إلاّ معنى واحد هو ما يوزن به الشيء، وهو يختلف حسب اختلاف الموزون من كونه جسماً أو حرارة أو نوراً أو ضغطاً أو رطوبة أو غير ذلك، قال صدر المتألّهين:
«ميزان كلّ شيء يكون من جنسه، فالموازين مختلفة، والميزان المذكور في القرآن ينبغي أن يحمل على أشرف الموازين، وهو ميزان يوم الحساب، كما دلّعليه قوله تعالى: (وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَومِ القِيامَة) وهو ميزان العلوم وميزان الاَعمال القلبية الناشئة من الاَعمال البدنية». (2)
ولسيّدنا الاَُستاذ العلاّمة الطباطبائي ـ قدّس سرّه ـ في المقام تحقيق لطيف استظهره من
(1) الحديد:25.
(2) الاَسفار: 9|299.

(449)
الآيات القرآنية وحاصله: «انّ ظاهر آيات الميزان (1)هو انّ الحسنات توجب ثقل الميزان والسيئات خفَّته فإنّها تثبت الثقل في جانب الحسنات دائماً والخفّة في جانب السيئات دائماً، لا أن توزن الحسنات فيوَخذ ما لها من الثقل ثمّ السيئات ويوَخذ مالها من الثقل، ثمّ يقاس الثقلان فأيّهما كان أكثر كان القضاء له، ولازمه صحّة فرض أن يتعادل الثقلان كما في الموازين الدائرة بيننا من ذي الكفتين والقبّان وغيرهما.
ومن هنا يتأيّد في النظر انّ هناك أمراً آخر تقاس به الاَعمال، والثقل له، فما كان منها حسنة انطبق عليه ووزن به وهو ثقل الميزان، وما كان منها سيئة لم ينطبق عليه ولم يوزن به وهو خفّة الميزان، كما نشاهده فيما عندنا من الموازين، فانّ فيها مقياساً وهو الواحد من الثقل كالمثقال يوضع في إحدى الكفتين ثمّ يوضع المتاع في الكفة الاَُخرى، فإن عادل المثقال وزناً بوجه على ما يدلّ عليه الميزان أخذ به وإلاّ فهو الترك لا محالة والمثقال في الحقيقة هو الميزان الذي يوزن به، وأمّا القبّان، وذو الكفتين ونظائرهما فهي مقدّمة لما يبيّنه المثقال من حال المتاع الموزون به ثقلاً وخفة.
ففي الاَعمال واحد مقياس توزن به، فللصلاة مثلاً ميزان توزن به وهي الصلاة التامّة التي هي حقّالصلاة، وللزكاة و الانفاق نظير ذلك، وللكلام والقول حقّ القول الذي لا يشتمل على باطل، وهكذا كما يشير إليه قوله تعالى:
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ حَقَّ تُقاتِهِ) . (2)
فاللّه سبحانه يزن الاَعمال يوم القيامة بالحقّ، فما اشتمل عليه العمل من الحقّ فهو وزنه وثقله.

(1) لاحظ الاَعراف:9، الموَمنون: 103، القارعة:11.
(2) آل عمران:102.

(450)
وعلى هذا فالوزن في الآية بمعنى الثقل دون المعنى المصدري، وإنّما عبّر بالموازين ـ بصيغة الجمع ـ لانّ لكلّأحد موازين كثيرة من جهة اختلاف الحقّ الذي يوزن به باختلاف الاَعمال، فالحقّ في الصلاة ـ وهوحقّ الصلاة ـ غير الحقّ في الزكاة والصيام والحجّ وغيرها وهو ظاهر».(1)

ب. الصراط

يستظهر من الذكر الحكيم ويدلّ عليه صريح الروايات، وجود صراط في النشأة الاَُخروية يسلكه كلّموَمن وكافر يقول سبحانه:
(فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً*... وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتماً مَقْضِيّاً). (2)
وقد اختلف المفسّرون في معنى الورود، بين قائل بأنّ المراد منه هو الوصول إليها، والاِشراف عليها لا الدخول، وقائل بأنّ المراد دخولها، وعلى كلّ تقدير فلا مناص للمسلم من الاعتقاد بوجود صراط في النشأة الاَُخروية وهو طريق الموَمن إلى الجنّة والكافر إلى النّار.
ثمّ إنّهم اختلفوا في أنّ الصراط هل هو واحد يمرّ عليه الفريقان، أو انّ لكلّمن أصحاب الجنّة والنّار طريقاً يختصّبه؟ قال العلاّمة الحلّي:
«وأمّا الصراط فقد قيل إنّ في الآخرة طريقين: أحدهما إلى الجنّة يهدي اللّه تعالى إليها أهل الجنّة والاَُخرى إلى النار يهدي اللّه تعالى أهل النار إليها، كما قال تعالى في أهل الجنّة: (سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحَ بالَهُمْ
(1) الميزان:8|10ـ12.
(2) مريم:68ـ71.

(451)
وَيُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ) (1) وقال في أهل النار: (فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحيم) . (2)
وقيل إنّ هناك طريقاً واحداً على جهنَّم يكلّف الجميع المرور عليه ويكون أدقّمن الشعر وأحدّ من السيف، فأهل الجنّة يمرّون عليه لا يلحقهم خوف ولا غم، والكفّار يمرّون عليه عقوبة لهم وزيادة في خوفهم، فإذا بلغ كلّ واحد إلى مستقره من النّار سقط من ذلك الصراط». (3)
وقال الشيخ المفيد في تفسير كون الصراط أدقّ من الشعرة وأحدّ من السيف:
«المراد بذلك انّه لا يثبت لكافر قدم على الصراط يوم القيامة من شدّة ما يلحقهم من أهوال يوم القيامة ومخاوفها فهم يمشون عليه كالّذي يمشي على الشيء الذي هوأدقّمن الشعرة وأحدّ من السيف، وهذا مثل مضروب لما يلحق الكافر من الشدّة في عبوره على الصّراط». (4)
أقول: لا شكّ انّ هناك صلة بين الصراط الدنيوي (القوانين الشرعية التي فرضها اللّه سبحانه على عباده وهداهم إليها) والصراط الاَُخروي، والقيام بالوظائف الاِلهية، الذي هو سلوك الصراط الدنيوي أمر صعب أشبه بسلوك طريق أدقّ من الشعر وأحدّ من السيف، فكم من إنسان ضلّ في طريق العقيدة، وعبد النفس والشيطان والهوى، مكان عبادة اللّه سبحانه، وكم من إنسان فشل في
(1) محمّد :5.
(2) الصافات:23.
(3) كشف المراد: المقصد السادس، المسألة 14.
(4) تصحيح الاعتقاد: 89.

(452)
مقام الطاعة والعمل بالوظائف الاِلهية.
فإذا كان هذا حال الصراط الدنيوي من حيث الصعوبة والدقة، فهكذا حال الصراط الاَُخروي، ولاَجل ذلك تضافرت روايات عن الفريقين باختلاف مرور الناس حسب اختلافهم في سلوك صراط الدنيا، قال الاِمام الصادق _ عليه السلام _
«الناس يمرّون على الصراط طبقات، فمنهم من يمرُّ مثل البرق، ومنهم مثل عدو الفرس، ومنهم من يمرُّ حبوا، و منهم من يمرُّ مشياً، ومنهم من يمرُّ متعلّقاً قد تأخذ النار منه شيئاً وتترك شيئاً». (1)

(1) أمالي الصدوق:107، المجلس33؛ لاحظ الدر المنثور:4|291.

(453)

الفصل الثامن
الشفاعة في القيامة

للشفاعة أصل واحد يدلّ على مقارنة الشيئين، من ذلك الشفع، خلاف الوتر، تقول كان فرداً فشفّعته. (1)
والمراد من الشفاعة في مصطلح المتكلمين هو أن تصل رحمته سبحانه ومغفرته إلى عباده من طريق أوليائه وصفوة عباده، ووزان الشفاعة في كونها سبباً لاِفاضة رحمته تعالى على العباد وزان الدعاء في ذلك، يقول سبحانه:
(وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاءُوكَ فَاسْتَغْفَروا اللّه وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوّاباً رَحِيماً) . (2)
وتتّضح هذه الحقيقة إذا وقفنا على أنّ الدعاء بقول مطلق، وبخاصّة دعاء الصالحين، من الموَثِّرات الواقعة في سلسلة نظام الاَسباب والمسبّبات الكونية، وعلى هذا ترجع الشفاعة المصطلحة إلى الشفاعة التكوينية بمعنى تأثير دعاء النبيّص في جلب المغفرة الاِلهية إلى العباد.

(1) مقاييس اللغة لابن فارس: 3|201.
(2) النساء: 46.

(454)

الشفاعة في الكتاب والسنّة

قد ورد ذكر الشفاعة في الكتاب الحكيم في سور مختلفة لمناسبات شتّى كما وقعت مورد اهتمام بليغ في الحديث النبويّ وأحاديث العترة الطاهرة، والآيات القرآنية في هذا المجال على أصناف:
الصنف الاَوّل: ما ينفي الشفاعة في بادىَ الاَمر، كقوله سبحانه:
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ) . (1)
الصنف الثاني: ما ينفي شمول الشفاعة للكفّار، يقول سبحانه ـ حاكياً عن الكفّارـ:
(وَكُنّا نُكَذِّبُ بِيَومِ الدِّينِ* حَتّى أَتانَا الْيَقينُ* فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشّافِعينَ). (2)
الصنف الثالث: ما ينفي صلاحية الاَصنام للشفاعة، يقول سبحانه:
(وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيْكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْتَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ) (3). (4)
الصنف الرابع: ما ينفي الشفاعة عن غيره تعالى، يقول سبحانه:
(وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ
(1) البقرة:254.
(2) المدثر: 46ـ 48.
(3) الاَنعام:95.
(4) ولاحظ يونس:18؛ الروم:13؛ يس:23؛ الزمر:43.

(455)
وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) (1). (2)
الصنف الخامس: ما يثبت الشفاعة لغيره تعالى بإذنه ، يقول سبحانه:
(يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلاّمَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَولاً) (3). (4)
الصنف السادس: ما يبيّن من تناله شفاعة الشافعين، يقول سبحانه:
(وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ). (5)
ويقول أيضاً:
(وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماوات لا تُغْني شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاّمِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى) . (6)
هذه نظرة إجمالية إلى آيات الشفاعة، وأمّا السنّة فمن لاحظ الصحاح والمسانيد والجوامع الحديثية يقف على مجموعة كبيرة من الاَحاديث الواردة في الشفاعة توجب الاِذعان بأنّها من الاَُصول المسلّمة في الشريعة الاِسلامية، وإليك نماذج منها:
1. قال رسول اللّه ـ صلّى اللّه عليه وآله وسلم ـ :
«لكلّ نبيٍّ دعوة مستجابة، فتعجّل كلّ نبيّ دعوته، وانّي اختبأت
(1) الاَنعام:51.
(2) ولاحظ الاَنعام:7؛ السجدة:4؛ الزمر:44.
(3) طه:109.
(4) ولاحظ البقرة:255؛ يونس:3؛ مريم:87؛ سبأ:23؛ الزخرف:86.
(5) الاَنبياء:28.
(6) النجم:26.

(456)
دعوتي شفاعة لاَُمّتي، وهي نائلة من مات منهم لا يشرك باللّه شيئاً». (1)
2. وقال ـ صلّى اللّه عليه وآله وسلم ـ :
«أُعطيت خمساًوأُعطيت الشفاعة، فادّخرتها لاَُمّتي، فهي لمن لا يشرك باللّه». (2)
3. وقال ـ صلّى اللّه عليه وآله وسلم ـ :
«إنّما شفاعتي لاَهل الكبائر من أُمّتي». (3)
4. وقال علي _ عليه السلام _ :
«ثَلاثة يشفعون إلى اللّه عزّ وجلّ فيشفّعون: الاَنبياء، ثمّ العلماء، ثمّ الشهداء». (4)
5. وقال الاِمام زين العابدين _ عليه السلام _ :
«اللّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد، وشرِّف بنيانه، وعظِّم برهانه، وثقِّل ميزانه، وتقبَّل شفاعته». (5)

الشفاعة المطلقة والمحدودة

تتصور الشفاعة بوجهين:

(1) صحيح البخاري:8|33و9|170؛ صحيح مسلم:1|130.
(2) صحيح البخاري:1|42و119؛ مسند أحمد:1|301.
(3) من لا يحضره الفقيه: 3|376.
(4) الخصال، للصدوق: باب الثلاثة، الحديث 169.
(5) الصحيفة السجادية، الدعاء: 42. ومن أراد التبسط فليرجع إلى «مفاهيم القرآن»: 4|287ـ 311 لشيخنا الاَُستاذ ـ دام ظلّه ـ.

(457)
1. المطلقة: بأن يستفيد العاصي من الشفاعة يوم القيامة وإن فعل ما فعل، وهذا مرفوض في منطق العقل والوحي.
2. المحدودة: وهي التي تكون مشروطة بأُمور في المشفوع له، ومجمل تلك الشروط أن لا يقطع الاِنسان جميع علاقاته العبودية مع اللّه ووشائجه الروحية مع الشافعين، وهذا هو الذي مقبول عند العقل والوحي.
وبذلك يتضح الجواب عمّا يعترض على الشفاعة من كونها توجب الجرأة وتحيي روح التمرّد في العصاة و المجرمين، فانّ ذلك من لوازم الشفاعة المطلقة المرفوضة، لا المحدودة المقبولة.
والغرض من تشريع الشفاعة هو الغرض من تشريع التوبة التي اتّفقت الاَُمّة على صحّتها، وهو منع المذنبين عن القنوط من رحمة اللّه وبعثهم نحو الابتهال والتضرع إلى اللّه رجاء شمول رحمته إليهم، فإنّ المجرم لو اعتقد بأنّ عصيانه لا يغفر قطّ، فلا شكّ انّه يتمادى في اقتراف السيئات باعتقاد أنّ ترك العصيان لا ينفعه في شيء، وهذا بخلاف ما إذا أيقن بأنّ رجوعه عن المعصية يغير مصيره في الآخرة، فإنّه يبعثه إلى ترك العصيان والرجوع إلى الطاعة.
وكذلك الحال في الشفاعة، فإذا اعتقد العاصي بأنّ أولياء اللّه قد يشفعون في حقّه إذا لم يهتك الستر ولم يبلغ إلى الحد الذي يحرم من الشفاعة، فعند ذلك ربما يحاول تطبيق حياته على شرائط الشفاعة حتى لا يحرمها.

شرائط شمول الشفاعة

قد تعرّفت على أنّ الشفاعة المشروعة هي الشفاعة المحدودة بشروط، وقد عرفت مجمل تلك الشروط، وينبغي لنا أن نذكر بعض تلك الشروط تفصيلاً على ما ورد في الروايات:

(458)
1. منها عدم الاِشراك باللّه تعالى: وقد تقدّم ذلك فيما نقلناه من أحاديث الشفاعة.
2. الاِخلاص في الشهادة بالتوحيد: قال رسول اللّه ـ صلّى اللّه عليه وآله وسلم ـ :
«شفاعتي لمن شهد أن لا إله إلاّ اللّه مخلصاً، يصدِّق قلبه لسانه، ولسانه قلبه». (1)
3. عدم كونه ناصبياً: قال الاِمام الصادق _ عليه السلام _ :
«إنّ الموَمن ليشفع لحميمه إلاّ أن يكون ناصباً، ولو أنّ ناصباً شفع له كلّ نبيٍّ مرسل وملك مقرَّب ما شفعوا». (2)
4. عدم الاستخفاف بالصلاة: قال الاِمام الكاظم _ عليه السلام _ :
«إنّه لا ينال شفاعتنا من استخفّ بالصلاة». (3)
5. عدم التكذيب بشفاعة النبي ـ صلّى اللّه عليه وآله وسلم ـ : قال الاِمام علي بن موسى الرضا _ عليه السلام _ : قال أمير الموَمنين _ عليه السلام _ :
«من كذّب بشفاعة رسول اللّه لم تنله». (4)

ما هو أثر الشفاعة؟

إنّ الشفاعة عند الاَُمم، مرفوضها ومقبولها يراد منها حطّالذنوب ورفع العقاب، وهي كذلك عند الاِسلام كما يوضحه قوله ـ صلّى اللّه عليه وآله وسلم ـ :
«إدّخرت شفاعتي لاَهل الكبائر من أُمتي». (5)

(1) صحيح البخاري:1|36؛ مسند أحمد:2|307 و518.
(2) ثواب الاَعمال للصدوق: 251.
(3) الكافي: 3|270، 6|401.
(4) عيون أخبار الرضا: 2|66.
(5) سنن أبي داود:2|537؛ صحيح الترمذي:4|45.

(459)
ولكنّ المعتزلة ذهبت إلى أنّ أثرها ينحصر في رفع الدرجة وزيادة الثواب، فهي تختص بأهل الطاعة، وما هذا التأويل في آيات الشفاعة إلاّ لاَجل موقف مسبق لهم في مرتكب الكبيرة، حيث حكموا بخلوده في النار إذا مات بلا توبة، فلمّا رأوا انّ القول بالشفاعة التي أثرها هو إسقاط العقاب، ينافي ذلك المبنى، أوّلوا آيات اللّه فقالوا إنّأثر الشفاعة إنّما هو زيادة الثواب وخالفوا في ذلك جميع المسلمين.
قال الشيخ المفيد:
«اتّفقت الاِمامية على أنّ رسول اللّه ـ صلّى اللّه عليه وآله وسلم ـ يشفع يوم القيامة لجماعةمن مرتكبي الكبائر من أُمّته، وانّ أمير الموَمنين _ عليه السلام _ يشفع في أصحاب الذنوب من شيعته، وانّ أئمّة آل محمّد ـ صلّى اللّه عليه وآله وسلم ـ يشفعون كذلك و ينجي اللّه بشفاعتهم كثيراً من الخاطئين، ووافقهم على شفاعة الرسول ـ صلّى اللّه عليه وآله وسلم ـ المرجئة سوى ابن شبيب، وجماعة من أصحاب الحديث، وأجمعت المعتزلة على خلاف ذلك وزعمت انّشفاعة رسول اللّه ـ صلّى اللّه عليه وآله وسلم ـ للمطيعين دون العاصين و انّه لا يشفع في مستحق العقاب من الخلق أجمعين». (1)
وقال الاِمام أبوحفص النسفي:
«والشفاعة ثابتة للرسل والاَخيار في حقّ أهل الكبائر بالمستفيض من الاَخبار». (2)

(1) أوائل المقالات:54، الطبعة الثانية.
(2) شرح العقائد النسفية:148. ولاحظ أنوار التنزيل للبيضاوي:1|152؛ ومفاتيح الغيب للرازي:3|56، ومجموعة الرسائل الكبرى، لابن تيمية:1|403؛ وتفسير ابن كثير:1|309.

(460)

هل يجوز طلب الشفاعة؟

ذهب ابن تيمية، وتبعه محمّد بن عبد الوهاب ـ مخالفين الاَُمّة الاِسلامية جمعاء ـ إلى أنّه لا يجوز طلب الشفاعة من الاَولياء في هذه النشأة ولا يجوز للموَمن أن يقول:
«يا رسول اللّه اشفع لي يوم القيامة».
وإنّما يجوز له أن يقول:
«اللّهمّ شفِّع نبينا محمّداً فينا يوم القيامة».
واستدلاّ على ذلك بوجوه تالية:
1. انّه من أقسام الشرك، أي الشرك بالعبادة، والقائل بهذا الكلام يعبد الولي.(1)
والجواب عنه ظاهر، بما قدمناه في حقيقة الشرك في العبادة، وهي أن يكون الخضوع والتذلّل لغيره تعالى باعتقاد انّه إله أو ربّ، أو انّه مفوض إليه فعل الخالق وتدبيره وشوَونه، لا مطلق الخضوع والتذلّل.
2. انّ طلب الشفاعة من النبي يشبه عمل عبدة الاَصنام في طلبهم الشفاعة من آلهتهم الكاذبة، يقول سبحانه:
(وَيعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هوَُلاءِ شُفَعاوَُنا عِنْدَ اللّهِ) . (2)
وعلى ذلك فالاستشفاع من غيره سبحانه عبادة لهذا الغير. (3)
(1) الهدية السنية:42.
(2) يونس:18.
(3) كشف الشبهات لمحمد بن عبد الوهاب:6.

(461)
ويردّه انّ المعيار في القضاء ليس هو التشابه الصوري، بل المعيار هو البواطن والعزائم، وإلاّ لوجب أن يكون السعي بين الصفا والمروة والطواف حول البيت شركاً، لقيام المشركين به في الجاهلية، وهوَلاء المشركون كانوا يطلبون الشفاعة من الاَوثان باعتقاد انّها آلهة أو أشياء فوض إليها أفعال اللّه سبحانه من المغفرة والشفاعة.
وأين هذا ممّن طلب الشفاعة من الاَنبياء والاَولياء بما انّهم عباد اللّه الصالحون، فعطف هذا على ذلك جور في القضاء وعناد في الاستدلال.
3. انّ طلب الشفاعة من الغير دعاء له ودعاء غيره سبحانه حرام، يقول سبحانه:
(فَلا تَدْعُوا مَعَ اللّهِ أَحَداً) . (1)
ويردّه انّ مطلق دعاء الغير ليس محرماً وهو واضح، وإنّما الحرام منه ما يكون عبادة له بأن يعتقد الاَُلوهية والربوبية في المدعو، والآية ناظرة إلى هذا القسم بقرينة قوله: (مَعَ اللّه) أي بأن يكون دعاء الغير على وزان دعائه تعالى وفي مرتبته، ويدلّ عليه قوله سبحانه ـ حاكياً قولهم يوم القيامة ـ :
(تَاللّهِ إِنْ كُنّا لَفِي ضَلالٍ مُبين* إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمين) . (2)
4. انّ طلب الشفاعة من الميت أمر باطل.
ويردّه انّالاِشكال ناجم من عدم التعرّف على مقام الاَولياء في كتاب اللّه الحكيم، وقد عرفت في الفصول السابقة انّ القرآن يصرّح بحياة جموع كثيرة من الشهداء، وغيرهم، ولو لم يكن للنبي ـ صلّى اللّه عليه وآله وسلم ـ
(1) الجن:18.
(2) الشعراء:97ـ 98.

(462)
حياة فما معنى التسليم عليه في كلّصباح ومساء وفي تشهد كلّصلاة: «السّلام عليك أَيُّها النَبيُّ وَرَحمَة اللّهِ وَبَركاتُهُ )؟!
والموَمنون لا يطلبون الشفاعة من أجساد الصالحين وأبدانهم، بل يطلبونها من أرواحهم المقدّسة الحيّة عند اللّه سبحانه، بأبدان برزخية.
(463)

الفصل التاسع
الاحباط و التكفير

الاِحباط في اللّغة بمعنى الاِبطال، يقال: أحبط عمل الكافر أي أبطله.
والتكفير بمعنى التغطية، يقال: للزارع كافر، لانّه يغطي الحب بتراب الاَرض، قال اللّه تعالى: (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الكُفّارَ نَباتُهُ) (1).
والكفر ضدّ الاِيمان، سمّي بذلك لاَنّه تغطية الحق. (2)
والمراد من الحبط في إصطلاح المتكلّمين هو سقوط ثواب العمل الصالح بالمعصية المتأخرة، كما أنّ المراد من التكفير هو سقوط الذنوب المتقدمة بالطاعة المتأخرة.
واختلف المتكلّمون هنا، فقال جماعة من المعتزلة بالاِحباط والتكفير، ونفاهما المحقّقون، ثمّ القائلون بهما اختلفوا، فقال أبو علي الجبّائي: إنّ المتأخر يسقط المتقدم ويبقى على حاله، وقال أبو هاشم: إنّه ينتفي الاَقل بالاَكثر، وينتفي من الاَكثر بالاَقل ما ساواه، ويبقى الزائد مستحقاً، وهذا هو الموازنة. (3)
(1) الحديد: 20.
(2) المقاييس:2|129، مادة «حبط»؛ و5|191، مادة «كفر».
(3) كشف المراد، المقصد السادس، المسألة 7.

(464)
ويبطل القول الاَوّل انّه يستلزم الظلم، لاَنّ من أساء وأطاع وكانت إساءته أكثر، يكون بمنزلة من لم يحسن، وإن كان إحسانه أكثر، يكون بمنزلة من لم يسىَ، وإن تساويا يكون مساوياً لمن يصدر عنه أحدهما. (1)
وأيضاً ينافي قوله تعالى:
(فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه* وَمَنْ يعْمَلْمِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ). (2)
وإلى هذين الوجهين أشار المحقّق الطوسي بقوله:
«والاِحباط باطل لاستلزامه الظلم، ولقوله تعالى: (فَمَنْ يَعمَلْ مِثْقالَذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ) ». (3)
ويردّ قول أبي هاشم ما ذكره المحقّق الطوسي بقوله:
«ولعدم الاَولويّة إذا كان الآخر ضعيفاً، وحصول المتناقضين مع التساوي».
توضيحه: انّا إذا فرضنا استحقاق المكلّف خمسة أجزاء من الثواب وعشرة أجزاء من العقاب، وليس إسقاط إحدى الخمستين من العقاب بالخمسة من الثواب أولى من الاَُخرى، فإمّا أن يسقطا معاً وهو خلاف مذهبه، أو لا يسقط شيء منهما وهو المطلوب.
ولو فرضنا انّه فعل خمسة أجزاء من الثواب وخمسة أجزاء من العقاب، فإن تقدّم إسقاط أحدهما للآخر لم يسقط الباقي بالمعدوم
(1) كشف المراد: المقصد السادس، المسألة 7.
(2) الزلزلة:7ـ 8.
(3) نفس المصدر .

(465)
لاستحالة صيرورة المعدوم والمغلوب غالباً وموَثّراً، وإن تقارنا لزم وجودهما معاً، لاَنّ وجود كلّمنهما ينفي وجود الآخر فيلزم وجودهما حال عدمهما، وذلك جمع بين النقيضين. (1)
فإن قلت: لو كان الاِحباط باطلاً فما هو المخلص فيما يدلّ على حبط العمل في غير مورد من الآيات التي ورد فيها انّ الكفر والارتداد والشرك والاِساءة إلى النبيّوغيرها ممّا يحبط الحسنات؟
قلت: إنّ القائلين ببطلان الاِحباط يفسّرون الآيات بأنّ الاستحقاق في مواردها كان مشروطاً بعدم لحوق العصيان بالطاعات.
ويمكن أن يقال إنّ الاستحقاق في بدء صدور الطاعات لم يكن مشروطاً بعدم لحوق العصيان، بل كان استقراره وبقاوَه هو المشروط بعدم لحوق المعصية.
قال الطبرسي في تفسير قوله تعالى:
(وَمَنْ يَكْفُر بِالاِِيمانِ فَقَدْحَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخرةِ مِنَ الخاسِرينَ) . (2)
وفي قوله: (فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُه) هنا دلالة على أنّ حبوط الاَعمال لا يترتّب على ثبوت الثواب، فإنّ الكافر لا يكون له عمل قد ثبت عليه ثواب، وإنّما يكون له عمل في الظاهر لولا كفره لكان يستحقّ الثّواب عليه، فعبّر سبحانه عن هذا العمل بأنّه حبط، فهو حقيقة معناه». (3)
(1) توضيح الدليل للعلاّمة الحلي، لاحظ المصدر المتقدم.
(2) المائدة:5.
(3) مجمع البيان:3ـ4|163، لاحظ أيضاً ص 207، تفسير الآية 50| المائدة.

(466)
وبما ذكره الطبرسي يظهر جواب سوَال آخر، وهو انّه إذا كان الاستحقاق مشروطاً بعدم صدور العصيان فكيف يطلق عليه الاِحباط، إذ الاِحباط إبطال وإسقاط ولم يكن هناك شيء يبطل أو يسقط؟
وذلك لاَنّ نفس العمل في الظاهر سبب ومقتضي، فالاِبطال والاِسقاط كما يصدقان مع وجود العلّة التامّة، فهكذا يصدقان مع وجود المقتضي الذي هو جزء العلّة.
هذا كلّه في الاِحباط، وأمّا التكفير فهو لا يعدّ ظلماً لاَنّ العقاب حقّ للمولى وإسقاط الحقّ ليس ظلماً بل إحسان، وخلف الوعيد ليس بقبيح عقلاً، وإنّما القبيح خلف الوعد، فلاَجل ذلك لاحاجة إلى تقييد استحقاق العقاب أو استمراره بعدم تعقب الطاعات، بل هوثابت غير انّ المولى سبحانه عفى عبده لما فعله من الطاعات.
قال سبحانه:
(إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَونَ عَنْهُ نُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَريماً) (1) .(2)
هذا ولا يصحّ القول بالاِحباط والتكفير في كلّ الاَعمال، بل يجب تتبّع النصوص والاقتصار بها في ذلك.
(1) النساء:31.
(2) وفي معناها الآية 29|الاَنفال؛ والآية 2|محمّد.

(467)

الفصل العاشر
الاجابة عن أسئلة
حول المعاد

نختم مباحث المعاد بالاِجابة عن أسئلة طرحت في هذا المجال:

1. كيف يخلّد الاِنسان في الآخرة مع أنّالمادّة تفنى؟

دلّت الآيات والروايات على خلود الاِنسان في الآخرة، إمّا في جنتها ونعيمها، أو في جحيمها وعذابها مع أنّ القوانين العلمية دلّت على أنّ المادّة حسب تفجُّر طاقاتها، على مدى أزمنة طويلة، تبلغ إلى حدّ تنفد طاقتها، فلا يمكن أن يكون للجنّة والنّار بقاء، وللاِنسان خلود.
والجواب ، انّالسوَال ناش من مقايسة الآخرة بالدنيا وهو خطأ فادح، لاَنّ التجارب العلمية لا تتجاوز نتائجها المادّة الدنيوية، وإسراء حكم هذا العالم إلى العالم الآخر، وإن كان مادّياً، قياس بلا دليل، فللآخرة أحكام تخصّها لا يقاس بها أحكام هذه النشأة يقول سبحانه:

(468)
(يَوْمَ تُبَدَّلُ الاََرْضُ غَيْرَ الاََرْضِ وَالسَّماواتُ) . (1)
قال العلاّمة الطباطبائي:
«المسلّم من التبدّل انّ حقيقة الاَرض والسماء وما فيهما يومئذٍ هي هي، غير انّ النظام الجاري فيهما يومئذٍ غير النظام الجاري فيهما في الدنيا».(2)
وقد تعلّقت مشيئته تعالى بإخلاد الجنّة والنّار والحياة الاَُخروية، وله إفاضة الطاقة، إفاضة بعد إفاضة على العالم الاَُخروي ويعرب عن ذلك قوله سبحانه:
(كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُم جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللّهَ كانَ عَزيزاً حَكِيماً) . (3)

2. ما هو الغرض من عقاب المجرم؟

إنّ الحكيم لا يعاقب إلاّ لغاية، وغاية العقوبة إمّا التشفّي كما في قصاص المجرم، وهو محال على اللّه، أو تأديب المجرم، أو اعتبار الآخرين، وهما يختصّان بالنشأة الدنيوية، فتعذيب المجرم في الآخرة عبث.
والجواب عنه: انّوقوع المعاد من ضروريات العقل و من غاياته تحقّق العدل الاِلهي بوجه كامل في مورد المكلّفين، ويتوقّف ذلك على عقوبة المجرمين وإثابة المطيعين.
(أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمينَ كَالْمُجْرِمينَ* ما لَكُمْ كَيْفَتَحْكُمُونَ) . (4)

(1) إبراهيم:48.
(2) الميزان:12|93.
(3) النساء:56.
(4) القلم:35ـ36.

(469)

3. هل يجوز العفو عن المسيء؟

والجواب مثبت، لاَنّ التعذيب حقّ للمولى سبحانه وله إسقاط حقّه، فيجوز ذلك إذا اقتضته الحكمة الاِلهية ولم يكن هناك مانع عنه.
وقد خالف معتزلة بغداد في ذلك، فلم يجوّزوا العفو عن العصاة عقلاً، واستدلّوا عليه بوجهين:
الاَوّل: «انّ المكلّف متى علم انّه يفعل به ما يستحقّه من العقوبة على كلّوجه، كان أقرب إلى أداء الواجبات واجتناب الكبائر». (1)
يلاحظ عليه: أنّه لو تمّ لوجب سدّ باب التوبة، لاِمكان أن يقال انّ المكلّف متى علم انّه لا تقبل توبته كان أقرب إلى الطاعة وأبعد من المعصية.
أضف إلى ذلك انّللرجاء آثاراً بنّاءة في حياة الاِنسان، ولليأس آثاراً سلبية في الاِدامة على الموبقات، ولاَجل ذلك جاء الذكر الحكيم بالترغيب والترهيب معاً.
ثمّإنّ الكلام في جواز العفو لا في حتميته، والاَثر السلبي ـ لوسلّمناه ـ يترتّب على الثاني دون الاَوّل.
الثاني: انّ اللّه أوعد مرتكب الكبيرة بالعقاب، فلو لم يعاقب، للزم الخلف في وعيده والكذب في خبره وهما محالان. (2)
والجواب: انّ الخلف في الوعد قبيح دون الوعيد، والدليل على ذلك انّ كلّ عاقل يستحسن العفو بعد الوعيد في ظروف خاصّة، والوجه فيه انّ
(1) شرح الاَُصول الخمسة: 646.
(2) شرح العقائد العضدية لجلال الدين الدواني (المتوفّـى 908 هـ):2|194.

(470)
الوعيد ليس جعل حق للغير بخلاف الوعد، بل الوعيد حقّ لمن يَعِد فقط، وله إسقاط حقّه، والصدق والكذب من أحكام الاِخبار دون الاِنشاء، والوعيد إنشاء ليس بإخبار فلا يعرضه الكذب.

4. هل الجنّة والنار مخلوقتان؟

اختلف المتكلمون في ذلك، فذهب الجمهور إلى أنّهما مخلوقتان، وأكثر المعتزلة والخوارج وطائفة من الزيدية ذهبوا إلى خلاف ذلك، قال المفيد:
«إنّ الجنّة والنّار في هذا الوقت مخلوقتان، وبذلك جاءت الاَخبار، وعليه إجماع أهل الشرع والآثار، وقد خالف في هذا القول المعتزلة والخوارج وطائفة من الزيدية، فزعم أكثر من سمّيناه انّما ذكرناه من خلقهما من قسم الجائز دون الواجب، ووقفوا في الوارد به من الآثار، وقال من بقي منهم بإحالة خلقهما». (1)
واستدلّ القائلون بكونهما مخلوقتين بالآيات الدالة على أنّ الجنة أُعدَّت للمتقين والنّار أُعدّت للكافرين. (2)
وقد احتمل السيد الرضي في «حقائق التأويل» أن يكون التعبير بالماضي لقطعية وقوعه، فكأنّه قد كان (3) وله نظائر في القرآن الكريم.
أقول: ممّا يدلّعلى أنّ الجنّة مخلوقة قوله تعالى:
(وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَة أُخْرى* عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى* عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى). (4)

(1) أوائل المقالات: 141ـ142، الطبعة الثانية؛ ولاحظ شرح المقاصد:5|108، وشرح التجريد للقوشجي:507.
(2) قواعد المرام: 167.
(3) حقائق التأويل:247.
(4) النجم:13ـ15.

(471)
ولم ير التعبير عن الشيء الذي سيتحقّق غداً بالجملة الاسمية.
ثمّ إنّ هناك روايات متضافرة مصرّحة بأنّ الجنة والنّار مخلوقتان ، فلا يمكن العدول عنها. (1)
واستدلّ النافون لخلقهما بوجوه:
1. انّ خلق الجنة والنار قبل يوم الجزاء عبث.
وفيه انّ الحكم بالعبثية يتوقف على العلم القطعي بعدم ترتّب غرض عليه، ومن أين لنا العلم بهذا؟ ويمكن عدّ ذلك من مصاديق لطفه تعالى كما أشار إليه المحقّق اللاهيجي. (2)
2. انّهما لو خلقتا لهلكتا لقوله تعالى:
(كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ) . (3)
واللازم باطل للاِجماع على دوامهما، وللنصوص الشاهدة بدوام أُكُل الجنّة وظِلِّها.
يلاحظ عيه: أنّه ليس المراد من «هالك» هو تحقّق انعدام كلّ شيء وبطلان وجوده، بل المراد انّ كلّ شيء هالك في نفسه باطل في ذاته، هذا بناء على كون المراد بالهالك في الآية، الهالك بالفعل.
وأمّا إذا أُريد منه الاستقبال ـ بناءً على ما قيل من أنّ اسم الفاعل ظاهر
(1) لاحظ بحار الاَنوار: 8|119و196، باب الجنة، الاَحاديث 34، 129، 130.
(2) گوهر مراد: 482؛ والطبع الجديد :661(فارسي).
(3) القصص:88.

(472)
في الاستقبال ـ فهلاك الاَشياء ليس بمعنى البطلان المطلق بعد الوجود بأن لا يبقى منها أثر، فإنّ آيات القرآن ناصّة على أنّ كلّ شيء مرجعه إلى اللّه وإنّما المراد بالهلاك على هذا الوجه، تبدّل نشأة الوجود والانتقال من الدنيا إلى الآخرة، وهذا يختصّبما يكون وجوده وجوداً دنيوياً محكوماً بأحكامها، فالجنّة والنّار الاَُخرويان خارجان من مدلول الآية تخصصاً.
وقد أُجيب عن الاِشكال بمنع الملازمة، وحمل دوام أُكُلها وظلّها على دوامها بعد وجودها ودخول المكلّفين فيها. (1)

5. أين مكان الجنّة والنار؟

المشهور عند المتكلّمين انّ الجنّة فوق السماوات، تحت العرش، وانّ النار تحت الاَرضين (2) والالتزام بذلك مشكل لعدم ورود دليل صريح أو ظاهر في ذلك، قال المحقّق الطوسي:
«والحقّ انّا لانعلم مكانهما ويمكن أن يستدلّ على موضع الجنّة بقوله تعالى: (عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى) يعني عند سدرة المنتهى». (3)
نعم ربما يستظهر من قوله تعالى:
(وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ) . (4)
إنّ الجنّة في السماء فإنّ الظاهر من قوله: (وَما تُوعَدُونَ) هو الجنّة. (5)

(1) قواعد المرام:168.
(2) شرح المقاصد: 5|111.
(3) تلخيص المحصل:395، ط دار الاَضواء.
(4) الذاريات: 22.
(5) الميزان: 18|375.

(473)
هذا كلّه على القول بأنّ الجنّة والنار حسب ظواهر الكتاب موجودتان في الخارج مع قطع النظر عن أعمال المكلّفين، وانّهما معدَّتان للمطيع والعاصي، وأمّا على القول بأنّ حقيقة الجنة والنار عبارة عن تجسّم عمل الاِنسان بصورة حسنة وبهيَّة أو قبيحة ومرعبة، فالجنّة والنار موجودتان واقعاً بوجودهما المناسب في الدار الآخرة و إن كان أكثر الناس، لاَجل كونه محاطاً بهذه الظروف الدنيوية، غير قادر على روَيتهما، وإلاّ فالعمل سواء كان صالحاً أو طالحاً قد تحقّق وله وجودان وتمثّلان، وكلّ موجود في ظرفه.

6. من هو المخلَّد في النار؟

اختلفت كلمة المتكلّمين في المخلَّدين في النار، فذهب جمهور المسلمين إلى أنّ الخلود يختص بالكافر دون المسلم وإن كان فاسقاً، وذهبت الخوارج والمعتزلة إلى خلود مرتكبي الكبائر إذا ماتوا بلا توبة. (1)
قال المحقّق البحراني:
«المكلّف العاصي إمّا أن يكون كافراً أو ليس بكافر، أمّا الكافر فأكثر الاَُمّة على أنّه مخلّد في النار، وأمّا من ليس بكافر، فإن كانت معصيته كبيرة فمن الاَُمّة من قطع بعدم عقابه وهم المرجئة الخالصة، و منهم من قطع بعقابه وهم المعتزلة والخوارج، ومنهم من لم يقطع بعقابه إمّا لاَنّ معصيته لم يستحقّ بها العقاب وهو قول الاَشعرية، وإمّا لاَنّه يستحقّ بها عقاباً إلاّ أنّ اللّه تعالى يجوز أن يعفو عنه، وهذا هو المختار».(2)

(1) أوائل المقالات: 53، الطبعة الثانية.
(2) قواعد المرام:160.

(474)
واستدل المحقّق الطوسي على انقطاع عذاب مرتكب الكبيرة بوجهين حيث قال:
«وعذاب صاحب الكبيرة ينقطع لاستحقاقه الثواب بإيمانه ولقبحه عند العقلاء».
توضيحه: انّ صاحب الكبيرة يستحقّ الثواب والجنة لاِيمانه، فإذا استحقّ العقاب بالمعصية، فإمّا أن يقدّم الثواب على العقاب، وهو باطل، لاَنّ الاِثابة لا تكون إلاّ بدخول الجنّة والداخل فيها مخلّد بنص الكتاب المجيد وعليه إجماع الاَُمّة، أو بالعكس وهو المطلوب.
أضف إلى ذلك انّ لازم عدم الانقطاع أن يكون من عبد اللّه تعالى مدّة عمره بأنواع القربات إلى اللّه، ثمّ عصى في آخر عمره معصية واحدة مع حفظ إيمانه، مخلّداً في النار، ويكون نظير من أشرك باللّه تعالى مدّة عمره وهو قبيح عقلاً محال على اللّه سبحانه. (1)
واستدلّت المعتزلة على خلود الفاسق في النار بإطلاق الآيات الواردة في الخلود، ولكن المتأمّل في الآيات يقف على قرائن تمنع من الاَخذ بإطلاقها ولا نرى ضرورة في التعرّض لها. (2)

7. كيف يصحّ الخلود مع كون الذنب منقطعاً ؟

إنّ من السنن العقلية المقرّرة رعاية المعادلة بين الجرم و العقوبة، وهذه المعادلة منتفية في العذاب المخلّد، فإنّ الذنب كان موقتاً منقطعاً.

(1) لاحظ كشف المراد: المقصد 6، المسألة 8.
(2) راجع في ذلك الاِلهيات:2|906ـ911 الطبعة الاَُولى؛ ومنشور جاويد:ج9، فصل 26، وهو تفسير موضوعي للقرآن الكريم لشيخنا الاَُستاذ ـ دام ظلّه ـ (فارسي).

(475)
والجواب عنه أمّا أوّلاً: فانّ المراد من المعادلة بين الجرم والعقوبة ليس هو في جانب الكمّية ومن حيث الزمان، بل في جانب الكيفيّة ومن حيث عظمة الجرم بلحاظ مفاسده الفردية أو النوعية، كما نرى ذلك في العقوبات المقرّرة عند العقلاء لمثل القتل والاِخلال في النظم الاجتماعي، ونحو ذلك، فالجرم يقع في زمان قليل ومع ذلك فقد يحكم عليه بالاِعدام والحبس الموَبَّد.
وأمّا ثانياً:
فإنّ العذاب في الحقيقة أثر لصورة الشقاء الحاصلة بعد تحقّق علل معدّة وهي المخالفات المحدودة وليس أثراً لتلك العلل المحدودة المنقطعة حتى يلزم تأثير المتناهي أثراً غير متناه وهو محال، نظيره انّ عللاً معدّة ومقربات معدودة محدودة أوجبت أن تتصوّر المادّة بالصورة الاِنسانية فتصير المادة إنساناً يصدر عنه آثار الاِنسانية المعلولة للصورة المذكورة.
ولا معنى لاَن يسأل ويقال:
«إنّ الآثار الاِنسانية الصادرة عن الاِنسان بعد الموت صدوراً دائمياً سرمديّاً لحصول معدّات محدودة مقطوعة الاَمر للمادّة، فكيف صارت مجموع منقطع الآخر من العلل سبباً لصدور الآثار المذكورة وبقائها مع الاِنسان دائماً، لاَنّ عليتها الفاعلة ـ وهي الصورة الاِنسانية ـ موجودة معها دائماً على الفرض، فكما لا معنى لهذا السوَال لا معنى لذلك أيضاً». (1)
(1) الميزان: 1|415.

(476)

(477)

خاتمة المطاف

إلى هنا وقفنا على الصحيح من العقائد الاِسلامية مدعماً بالبرهنة من الكتاب والسنّة والعقل، بقي الكلام في أمرين لهما دور في إكمال العقائد وتبيينها:
الاَوّل: الاِيمان وأحكامه.
الثاني: التُهم التي رميت بها عقائد الشيعة.
فلنجعل البحث عنهما خاتمة لاَبحاث الكتاب.

1. الاِيمان وأحكامه

الاِيمان من الاَمن وله في اللغة معنيان متقاربان: أحدهما: الاَمانة التي هي ضدّ الخيانة، ومعناها سكون القلب. و الآخر: التصديق، والمعنيان متدانيان. (1)
وأمّا في الشرع فاختلفت الآراء في تحقيق الاِيمان وانّه اسم لفعل القلب فقط، أو فعل اللسان فقط، أو لهما جميعاً، أو لهما مع فعل سائر الجوارح، وعلى القول الاَوّل فهل هو المعرفة فقط أو هي مع إذعان القلب.
فنسب إلى الكرّامية انّهم فسّروا الاِيمان بالاِقرار باللسان فقط، واستدلّوا
(1) مقاييس اللغة:1|133.

(478)
عليه بقوله _ صلى الله عليه وآله وسلم _ :
«أمرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلاّ اللّه، محمّد رسول اللّه».(1)
وردّ بأنّمعنى القول في كلامه : حتى يقولوا، هو الاِذعان والاِيمان، وإطلاق القول على الاعتقاد والاِذعان شائع، وأيضاً الاِيمان أمر قلبي يحتاج إثباته إلى مظهر وهو الاِقرار باللسان في الغالب، وسيوافيك انّ ظاهر كثير من النصوص هو انّ الاِيمان فعل للقلب.
وذهبت المعتزلة والخوارج إلى أنّالعمل بالجوارح مقوِّم للاِيمان والفاقد له ليس بموَمن بتاتاً، إلاّ أنّهما اختلفا، فالخوارج يرون الفاقد كافراً، والمعتزلة يقولون: إنّه ليس بموَمن ولا كافر بل هو في منزلة بين المنزلتين، وممّا استدلّوا به قوله تعالى:
(وَما كانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ) . (2)
إذ المراد من الاِيمان في الآية هو صلاتهم إلى بيت المقدس قبل النسخ.
وردّ بأنّالاستعمال أعمّ من الحقيقة، ولا شكّانّ العمل أثر الاِيمان، ومن الشائع إطلاق اسم المسبَّب على السَّبب، والقرينة على ذلك الآيات المتضافرة الدالّة على أنّ الاِيمان فعل القلب وانّالعمل متفرّع عليه كما سيجيَ.
وذهب بعض المتكلّمين إلى أنّ الاِيمان مركّب من الاِذعان بالقلب والاِقرار باللسان، وهو مختار المحقّق الطوسي في تجريد العقائد، والعلاّمة الحلي في نهج المسترشدين، ونسبه التفتازاني إلى كثير من المحقّقين وقال: هو المحكي عن أبي حنيفة (3) واستدلّ عليه بقوله تعالى:

(1) رواه مسلم في صحيحه:1|53.
(2) البقرة:143.
(3) شرح المقاصد: 5|178.

(479)
(وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً).(1)
وأُجيب بأنّ مفاد الآية انّهم كانوا عالمين بالحق مستيقنين به، ومع ذلك لم يوَمنوا ولم يسلّموا به ظلماً وعلوّاً، وهذا نظير قوله سبحانه:
(فَلَمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَروا بهِ) . (2)
فالآية وما يشابهها تدلّ على أنّ المعرفة بوحدها ليست هي الاِيمان المطلوب في الشريعة بل يحتاج إلى إذعان بالقلب، والجحود باللسان ونحوه كاشف عن عدم تحقّقه.
ومن هنا تبيّن بطلان قول من فسَّر الاِيمان بالمعرفة فقط، وقد نسب إلى جهم ابن صفوان (المتوفّى 128هـ) وإلى أبي الحسن الاَشعري في أحد قوليه (3)، ونسبه شارح المواقف إلى بعض الفقهاء. (4)
وذهب جمهور الاَشاعرة إلى أنّ الاِيمان هو التصديق بالجنان، قال صاحب المواقف:
«هو عندنا وعليه أكثر الاَئمّة كالقاضي والاَُستاذ التصديق للرسول فيما علم مجيئه به ضرورة، فتفصيلاً فيما علم تفصيلاً، وإجمالاً فيما علم إجمالاً». (5)
وقال التفتازاني بعد حكاية هذا المذهب:

(1) النمل:14.
(2) البقرة:89.
(3) شرح المقاصد:5|176ـ177؛ إرشاد الطالبين: 439.
(4) شرح المواقف:8|323.
(5) المواقف في علم الكلام:384.

(480)
«وهذا هو المشهور، وعليه الجمهور». (1)
وقال الفاضل المقداد:
«قال بعض أصحابنا الاِمامية والاَشعرية: إنّه التصديق القلبي فقط، واختاره ابن نوبخت وكمال الدين ميثم في قواعده، وهو الاَقرب لما قلناه من أنّه لغة التصديق، ولمّا ورد نسبته إلى القلب، عرفنا انّ المراد به التصديق القلبي، لا أي تصديق كان... ويكون النطق باللسان مبيِّناً لظهوره، والاَعمال الصالحات ثمرات موَكِّدة له». (2)
وهذا القول هو الصحيح وتدلّ عليه طوائف ثلاث من الآيات:
الاَُولى: ما عدّ الاِيمان من صفات القلب، والقلب محلاً له، مثل قوله تعالى:
(أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الاِِيمانَ) . (3)
وقوله تعالى:
(وَلَمّا يَدْخُلِ الاِِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ) . (4)
وقوله تعالى:
(وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالاِِيمانِ) . (5)
والثانية: ما عطف العمل الصالح على الاِيمان، فإنّ ظاهر العطف انّ المعطوف غير المعطوف عليه، والآيات في هذا المعنى فوق حدّ الاِحصار.
والثالثة: آيات الختم والطبع نحو قوله تعالى:

(1) شرح المقاصد:5|177.
(2) إرشاد الطالبين:442.
(3) المجادلة:22.
(4) الحجرات:12.
(5) النحل:106.

(481)
(أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ) . (1)
وقوله تعالى:
(خَتَمَ اللّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ) . (2)
فالاِمعان في هذه الآيات يثبت انّ الاِيمان هوالتصديق القلبي، يترتب عليه أثر دنيوي وأُخروي، أمّا الدنيوي فحرمة دمه وعرضه وماله، إلاّ أن يرتكب قتلاً أو يأتي بفاحشة.
وأمّا الاَُخروي فصحّة أعماله، واستحقاق المثوبة عليها وعدم الخلود في النار، واستحقاق العفو والشفاعة في بعض المراحل.
ثمّ إنّ السعادة الاَُخروية رهن الاِيمان المشفوع بالعمل، لا يشكّ فيه من له إلمام بالشريعة والآيات والروايات الواردة حول العمل، ومن هنا يظهر بطلان عقيدة المرجئة التي كانت تزعم انّالعمل لا قيمة له في الحياة الدينية، وتكتفي بالاِيمان فقط، وقد تضافر عن أئمّة أهل البيت _ عليهم السلام _ لعن المرجئة (3) قال الصادق _ عليه السلام _ :
«ملعون، ملعون من قال: الاِيمان قول بلا عمل». (4)
وممّا ذكرنا تبيّن انّ الاَحاديث المروية في أنّ الاِيمان عبارة عن معرفة بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالاَركان (5) لا تهدف تفسير حقيقة الاِيمان، بل هي ناظرة إلى أنّ الاِيمان بلا عمل لا يكفي لوصول الاِنسان إلى السعادة، وانّ مزعمة المرجئة
(1) النحل:108.
(2) البقرة:7.
(3) لاحظ الوافي، للفيض الكاشاني: 3|46، أبواب الكفر والشرك، باب أصناف الناس .
(4) البحار:66|19.
(5) سنن ابن ماجة: ج1، باب الاِيمان، الحديث 65؛ خصال الصدوق، باب الثلاثة، الحديث 207؛ نهج البلاغة: الحكم 227؛ بحار الاَنوار: ج69، ص 18، الباب 30.

(482)
لا أساس لها، هذا هو مقتضى الجمع بينها و بين ما تقدّم من الآيات.
نسأل اللّه سبحانه أن يجعلنا من الصالحين من عباده الموَمنين الذين قال في حقّهم : (وَمَنْ عَمِلَ صالِحاًمِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُوَْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِحِسابٍ) . (1)

2. الشيعة والاتّهامات الواهية

هناك بعض المسائل التي لم تزل الشيعة الاِمامية تزدرى بها أو تتّهم بالاعتقاد بها، وهي الاعتقاد بالبداء، والرجعة والمتعة، وعدم الاعتقاد بعدالة جميع الصحابة، وإتهام القول بتحريف القرآن.
وقد تقدّم الكلام حول البداء في مبحث العدل، والرجعة في مبحث المعاد، والبحث حول المتعة يحال إلى علم الفقه (2) فلنبحث هنا عن بقية تلك المسائل وهي ثلاث:
ألف. موقف الشيعة من القرآن الكريم
اتّهمت الشيعة من جانب بعض المخالفين بالقول بتحريف القرآن ونقصانه، ولكنّ المراجعة إلى أقوال أكابر الطائفة وأقطابهم يثبت خلاف ذلك، وإليك فيما يلي نصوص بعض أعلامهم. (3)

(1) الموَمن:40.
(2) راجع في ذلك كتاب «الاِعتصام بالكتاب والسنّة» لشيخنا الاَُستاذ السبحاني ـ مدّ ظلّه ـ .
(3) ولهم على إبطال مزعمة التحريف وجوه عديدة يطول المقام بذكرها، راجع في ذلك، مقدمة تفسير آلاء الرحمن للعلاّمة البلاغي؛ وتفسير الميزان للعلاّمة الطباطبائي:12|106ـ137؛ وتفسير البيان للمحقّق الخوئي: 215ـ254؛ وإظهار الحق للعلاّمة الهندي: 2|128؛ وصيانة القرآن عن التحريف للاَُستاذ محمد هادي معرفة، فإنّ فيها غنى وكفاية لطالب الحق.

(483)
قال الصدوق (المتوفّى381هـ):
«اعتقادنا انّ القرآن الذي أنزله اللّه تعالى على نبيّه محمّد _ صلى الله عليه وآله وسلم _ هو ما بين الدفّتين، وهو ما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك، ومن نسب إلينا انّا نقول إنّه أكثر من ذلك فهو كاذب». (1)
وقال السيد المرتضى (المتوفّى436هـ):
«إنّ القرآن معجزة النبوّة ومأخذ العلوم الشرعية والاَحكام الدينية، وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته الغاية حتّى عرفوا كلّ شيء اختلف فيه من إعرابه وقراءته وحروفه وآياته، فكيف يجوز أن يكون مغيّراً ومنقوصاً مع العناية الصادقة والضبط الشديد». (2)
وقال شيخ الطائفة محمّد بن الحسن الطوسي(المتوفّى460هـ):
«إنّ الزيادة فيه مجمع على بطلانها، وأمّا النقصان منه، فالظاهر أيضاً من مذهب المسلمين خلافه، وهو الاَليق بالصحيح من مذهبنا، وهو الذي نصره المرتضى، وهو الظاهر من الروايات». (3)
وقال أمين الاِسلام الطبرسي (المتوفّى 548هـ):
«أمّا الزيادة فمجمع على بطلانها، وأمّا النقصان منه فقد روى جماعة من أصحابنا وقوم من حشوية أهل السنّة انّفي القرآن نقصاناً والصحيح من مذهبنا خلافه». (4)
(1) الاعتقادات في دين الاِمامية 59، الباب 33، باب الاعتقاد في مبلغ القرآن.
(2) المسائل الطرابلسيات.
(3) تفسير التبيان:1|3.
(4) مجمع البيان: المقدمة.

(484)
وقال العلاّمة الحلّي(المتوفّى 726هـ):
«الحقّ انّه لا تبديل ولا تأخير ولا تقديم، وانّه لم يزد ولم ينقص، ونعوذ باللّه من أن يعتقد مثل ذلك، فإنّه يوجب تطرّق الشك إلى معجزة الرسول المنقولة بالتواتر». (1)
هوَلاء ثُلّة من أعلام الشيعة في القرون السابقة من رابعها إلى ثامنها، ويكفي ذلك في إثبات انّ نسبة التحريف إلى الشيعة ظلم وعدوان، وأمّا المتأخّرون فحدِّث عنه ولا حرج، ونكتفي منهم بنقل كلمة للاَُستاذ الاَكبر الاِمام الخميني ـ قدّس سرّه ـ في هذا المجال، حيث قال:
«إنّ الواقف على عناية المسلمين بجمع الكتاب وحفظه وضبطه، قراءة وكتابة، يقف على بطلان تلك المزعمة (التحريف) و انّه لا ينبغي أن يركن إليها ذو مسكة، وما ورد فيه من الاَخبار بين ضعيف لا يستدل به، إلى مجعول تلوح منه أمارات الجعل، إلى غريب يقضى منه العجب، إلى صحيح يدلّ على أنّ مضمونه، تأويل الكتاب وتفسيره». (2)
أجل، الغفلة عن ذلك وعدم التفرقة بين تأويل القرآن وتنزيله دعا بعضهم إلى القول بالتحريف، قال المفيد (المتوفّى413هـ):
«قد قال جماعة من أهل الاِمامة انّه لم ينقص من كلمة ولا من آية ولا من سورة، ولكن حذف ما كان مثبتاً في مصحف أمير الموَمنين _ عليه السلام _ من تأويله وتفسير معانيه على حقيقة تنزيله، وذلك كان ثابتاً منزلاً
(1) أجوبة المسائل المهنّائية: المسألة 13.
(2) تهذيب الاَُصول: 2|165.

(485)
وإن لم يكن من جملة كلام اللّه تعالى الذي هو القرآن المعجز وقد يسمّى تأويل القرآن قرآناً ـ إلى أن قال: ـ
وعندي انّ هذا القول أشبه من مقال من ادّعى نقصان كلم من نفس القرآن على الحقيقة دون التأويل، وإليه أميل واللّه أسأل توفيقه للصواب». (1)

روايات النقيصة في كتب أهل السنّة

ثمّ إنّ روايات النقيصة لا تختص بأحاديث الشيعة ـ وقد عرفت الرأي الصحيح فيها ـ بل هناك مجموعة من الروايات في كتب التفسير والحديث عند أهل السنّة تدلّ على نقصان طائفة من الآيات والسور، وهذا القرطبي يقول في تفسير سورة الاَحزاب:
«أخرج أبو عبيد في الفضائل وابن مردويه، وابن الاَنباري عن عائشة قالت: كانت سورة الاَحزاب تقرأ في زمان النبيّ مائتي آية، فلمّا كتب عثمان المصاحف لم يقدر منها إلاّ على ما هو الآن». (2)
وهذا هو البخاري يروي عن عمر قوله:
لولا أن يقول الناس إنّ عمر زاد في كتاب اللّه، لكتبت آية الرجم بيدي (3)، إلى غير ذلك من الروايات التي نقل قسماً منها السيوطي في الاِتقان. (4).

(1) أوائل المقالات: الباب 81، 59، ط الموَتمر العالمي بمناسبة ألفية الشيخ المفيد.
(2) تفسير القرطبي: 14|113؛ ولاحظ الدر المنثور:5|180.
(3) صحيح البخاري:9|69، باب الشهادة تكون عند الحاكم في ولاية القضاء، ط مصر.
(4) الاِتقان:2|30.

(486)
ومع ذلك فنحن نُجِلُّ علماء السنّة ومحقّقيهم عن نسبة التحريف إليهم، ولا يصحّ الاستدلال بالرواية على العقيدة، ونقول مثل هذا في حقّ الشيعة، وقدعرفت أنّ الشيخ المفيد يحمل هذه الروايات على أنّها تفسير للقرآن، وللسيدمحمّد رشيد رضا أيضاً كلام في توجيه ما ورد حول نسخ التلاوة في روايات أهل السنة نأتي بنصِّه، قال:
«ليس كلّ وحي قرآناً، فانّ للقرآن أحكاماً ومزايا مخصوصة وقد ورد في السنّة كثير من الاَحكام مسندة إلى الوحي ولم يكن النبي _ صلى الله عليه وآله وسلم _ ولا أصحابه يعدّونها قرآناً، بل جميع ما قاله _ عليه السلام _ على أنّه دين فهو وحي عند الجمهور، واستدلّوا عليه بقوله: (وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى*إِنْ هُوَ إِلاّوَحْيٌّ يُوحى) وأظهره الاَحاديث القدسيّة.
ومن لم يفقه هذه التفرقة من العلماء وقعت لهم أوهام في بعض الاَحاديث رواية ودراية وزعموا انّها كانت قرآناً ونسخت». (1)
ب. موقف الشيعة من عدالة الصحابة جمعاء
عدالة الصحابة كلّهم ونزاهتهم من كلّسوء هي أحد الاَُصول التي يتديّن بها أهل السنّة، قال ابن حجر:
«اتّفق أهل السنّة على أنّ الجميع عدول ولم يخالف في ذلك إلاّشذوذ من المبتدعة». (2)
وقال الاِيجي:

(1) تفسير المنار:1|414، التعليقة، ط دار المعرفة، بيروت، لبنان.
(2) الاِصابة: 1|17.

(487)
«يجب تعظيم الصحابة كلّهم، والكف عن القدح فيهم، لاَنّ اللّه عظَّمهم وأثنى عليهم في غير موضع من كتابه والرسول قد أحبَّهم وأثنى عليهم في أحاديث كثيرة». (1)
وقال التفتازاني:
«اتّفق أهل الحقّ على وجوب تعظيم الصحابة والكفّ عن الطعن فيهم، سيّما المهاجرين والاَنصار، لما ورد في الكتاب والسنّة من الثناء عليهم». (2).
غير انّ الشيعة الاِمامية عن بكرة أبيهم على أنّ الصحابة كسائر الرواة فيهم العدول وغير العدول، وانّ كون الرجل صحابياً لا يكفي في الحكم بالعدالة، بل يجب تتبع أحواله حتى يقف على وثاقته، وذلك لاَنّ القول بعدالة جميع الصحابة ونزاهتهم من كلّ شيء ممّا لا يلائم القرآن والسنّة ويكذبه التاريخ، وإليك البيان:

الصحابة في الذكر الحكيم

إنّ الذكر الحكيم يصنِّف الصحابة إلى أصناف يمدح بعضها ويذمّ بعضاً آخر، فالممدوحون هم السّابقون الاَوّلون (3) والمبايعون تحت الشجرة (4)، والمهاجرون والاَنصار (5) وأمّا المذمومون فهم أصناف نشير إلى بعضها:
1. المنافقون: لقد أعطى القرآن الكريم عناية خاصة بعصبة المنافقين،
(1) شرح المواقف:8|373.
(2) شرح المقاصد: 5|303.
(3) راجع التوبة:100.
(4) راجع الفتح:18.
(5) راجع الحشر:8.

(488)
وأعرب عن نواياهم وندَّد بهم في السور التالية: البقرة، آل عمران، المائدة، التوبة، العنكبوت، الاَحزاب، محمّد، الفتح، الحديد، المجادلة، الحشر و المنافقين، وهذا يدلّ على أنّهم كانوا جماعة هائلة في المجتمع الاِسلامي.
2. المرتابون والسمّاعون: يحكي سبحانه عن طائفة من أصحاب النبيّ انّهم كانوا يستأذنونه في ترك الخروج إلى الجهاد، ويصفهم بأنّ في قلوبهم إرتياب، وانّ خروجهم إلى الجهاد لا يزيد المسلمين إلاّخبالاً، وانّهم يقومون بالسماع للكفّار. (1)
3. الظانّون باللّه غير الحقّ: يحكي سبحانه عن طائفة من أصحاب النبيّ انّهم كانوا يظنون باللّه غير الحقّ ظنّ الجاهلية، إذ يشكّون في كون المسلمين على صراط الحق ويقولون:
(لَوْ كانَ لَنا مِنَالاََمْرِ شَيْء ما قُتِلْنا ههُنا) . (2)
4. المولُّون أمام الكفّار: يستفاد من بعض الآيات ويشهد التاريخ على أنّ جماعة من صحابة النبيّانهزموا عن القتال مع الكفار يوم أُحد وحنين، قال ابن هشام في تفسير الآيات النازلة في أُحد ثمّ أنّبهم على الفرار عن نبيهم وهم يدعون، لا يعطفون عليه لدعائه إيّاهم، فقال:
(إِذْ تَصْعُدُونَ وَلا تَلْوونَ عَلى أَحَدٍوَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخراكُمْ). (3)
وقال في انهزام الناس يوم حنين:

(1) لاحظ التوبة:45ـ47.
(2) آل عمران: 154.
(3) آل عمران:153.

(489)
«فلّما انهزم الناس ورأى من كان مع رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ : من جفاة أهل مكّة، الهزيمة تكلّم رجال منهم بما في أنفسهم من الضغن، فقال أبو سفيان بن حرب لا تنتهي هزيمتهم دون البحر، وصرخ جبلة بن حنبل: ألا بطل السحر اليوم». (1)
هذه صفوف من الصحابة ندَّد بهم القرآن الكريم وعيَّرهم بذمائم أفعالهم وقبائح أوصافهم، أفبعد هذا يصحّ أن يعدّ جميع الصحابة عدولاً أتقياء، ويرمى من يقدح في هوَلاء بالزندقة والبدعة؟ مع أنّ اللّه سبحانه وصف طائفة منهم(وهم السمّاعون) بالظلم.

الصحابة في السنّة النبوية

روى أبوحازم عن سهل بن سعد قال، قال النبي ص:
«إنّي فرطكم على الحوض من ورد شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً، وليردنَّ عليَّ أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثمّ يحال بيني وبينهم... قال أبوحازم: فسمع النعمان بن أبي عياش، وأنا أُحدّثهم بهذا الحديث فقال: هكذا سمعت سهلاً يقول؟ فقلت: نعم، قال: وأنا أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته يزيد فيقول: إنّهم منّي، فقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً لمن بدَّل بعدي، أخرجه البخاري ومسلم».(2)
وروى البخاري ومسلم أنّ رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ قال:

(1) سيرة ابن هشام:3|114و4|444.
(2) جامع الاَُصول لابن الاَثير:11|120، رقم الحديث 7972.

(490)
«يرد عليَّ يوم القيامة رهط من أصحابي (أو قال من أُمّتي) فيحلئون عن الحوض، فأقول يا ربّ أصحابي، فيقول: إنّه لا علم لك بما أحدثوا بعدك، انّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى». (1)
وقد اكتفينا من الكثير بالقليل، و من أراد الوقوف على ما لم نذكره فليراجع جامع الاَُصول لابن الاَثير.

التاريخ وعدالة الصحابة

كيف يمكن عدّ الصحابة جميعاً عدولاً والتاريخ بين أيدينا، نرى أنّ بعضهم كوليد بن عقبة ظهر عليه الفسق في حياة النبيّ وبعده، أمّا الاَوّل فمن المجمع عليه بين أهل العلم انّقوله تعالى:
(إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا) . (2)
نزلت في شأنه، كما نزل في حقّه قوله تعالى:
(أَفَمَنْ كانَ مُوَْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوون) . (3)
وأمّا الثاني فروى أصحاب السير والتاريخ أنّ الوليد سكر وصلّـى الصبح بأهل الكوفة أربعاً ثم التفت إليهم وقال: هل أزيدكم ... . (4)
وهذا قدّامة بن مظغون صحابي بدري، روي أنّه شرب الخمر، وأقام عليه
(1) نفس المصدر: الحديث 7973.
(2) الحجرات:6.
(3) السجدة:18. لاحظ تفسير الطبري: 21|62؛ وتفسير ابن كثير:3|452.
(4) راجع الكامل لابن الاَثير: 3|105 ـ 107؛ أُسد الغابة:5|91.

(491)
عمر الحدّ (1) ولا درأ عنه الحدّ بحجّة انّه بدري، ولا قال: قد نهى رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ عن ذكر مساوىَ الصحابة، كما انّ المشهور (2) انّعبد الرحمان الاَصغر بن عمر بن الخطاب، قد شرب الخمر وضربه عمر حدّاً فمات، و كان ممّن عاصر رسول اللّه ص.
إنّ بعض الصحابة خضب وجه الاَرض بالدماء، فاقرأ تاريخ بسر بن أرطاة، حتى أنّه قتل طفلين لعبيد اللّه بن عباس، وكم وكم بين الصحابة لدَّة هوَلاء من رجال العيث والفساد، قد حفل التاريخ بضبط مساوئهم، أفبعد هذه البيّنات يصحّ التقوّل بعدالة الصحابة مطلقاً؟!
إنّ النظرة العابرة لتاريخ الصحابة تقضي بأنّ بعضهم كان يتّهم الآخر بالنفاق والكذب (3) كما انّ بعضهم كان يقاتل بعضاً ويقود جيشاً لمحاربته، فقتل بين ذلك جماعة كثيرة، أفهل يمكن تبرير أعمالهم من الشاتم والمشتوم، والقاتل والمقتول، وعدّهم عدولاً ومثلاً للفضل والفضيلة؟!

حديث أصحابي كالنجوم

إنّ القائلين بعدالة الصحابة جميعاً يتمسّكون بما يروى عن النبيّ صانّه قال:
«أصحابي كالنّجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم». (4)
(1) أُسد الغابة:4|199؛ وسائر الكتب الرجالية.
(2) نفس المصدر: 3|312.
(3) راجع في ذلك صحيح البخاري: 5|188، في تفسير سورة النور، مشاجرة سعد بن معاذ مع سعد ابن عبادة في قضية الاِفك.
(4) جامع الاَُصول: 9|410، كتاب الفضائل، الحديث 6359.

(492)
أقول: كيف يصحّ إسناد هذا الحديث إلى رسول اللّه _ صلى الله عليه وآله وسلم _ مع أنّ لازمه الاَمر بالمتناقضين؟ لاَنّ هذا يوجب أن يكون أهل الشام في صفّين على هدى، وأن يكون أهل العراق أيضاًعلى هدى، وأن يكون قاتل عمار بن ياسر مهتدياً، وقد صحّ الخبر عن النبيّص انّه قال له : «تقتلك الفئة الباغية»، وقال سبحانه:
(فَقاتِلُوا الَّتي تَبْغي حَتّى تَفِيءَ إِلى إِمْرِ اللّهِ) . (1)
فدلّ على أنّها مادامت موصوفة بالمقام على البغي فهي مفارقة لاَمر اللّه، ومن يفارق أمر اللّه لا يكون مهتدياً.
إنّ هذا الحديث موضوع على لسان النبيّ الاَكرم، كما صرّح بذلك جماعة من أعلام أهل السنّة، قال أبو حيّان الاَندلسي:
«هو حديث موضوع لا يصحّ بوجه عن رسول اللّه».
ثمّ نقل قول الحافظ ابن حزم في رسالته «إبطال الرأي والقياس» ما نصّه:
«وهذا خبر مكذوب باطل لم يصحّ قطّ».
ثمّ نقل عن البزّاز صاحب المسند قوله:
«وهذا كلام لم يصحّ عن النبيّ _ صلى الله عليه وآله وسلم _ وشرع بالطعن في سنده». (2)
ثمّ إنّ التفتازاني وإن أخذته العصبية في الدعوة إلى ترك الكلام في حقّالبغاة والجائرين، لكنّه أصحر بالحقيقة فقال:
«ما وقع بين الصحابة من المحاربات والمشاجرات على الوجه المسطور في كتب التاريخ، والمذكور على السنة الثقات يدلّ بظاهره على أنّ بعضهم حاد عن طريق الحقّ، وبلغ حدّ الظلم والفسق...
(1) الحجرات:9.
(2) لاحظ جميع ذلك في تفسير البحر المحيط:5|528.

(493)
إلاّ أنّ العلماء لحسن ظنهم بالصحابة ذكروا لها محامل وتأويلات بها تليق...». (1)

كلمة لبعض المعاصرين من أهل السنّة

إنّ بعض المنصفين من المصريين المعاصرين قد اعترف بالحقّ، وأراد الجمع بين رأيي السنّة والشيعة في حقّ الصحابة، فقال:
«إنّ منهج أهل السنّة في تعديل الصحابة أو ترك الكلام في حقّهم منهج أخلاقي، وانّ طريقة الشيعة في نقد الصحابة وتقسيمهم إلى عادل وجائر منهج علمي، فكلّ من المنهجين مكمّل للآخر ـ إلى أن قال: ـ إنّ الشيعة وهم شطر عظيم من أهل القبلة يضعون جميع المسلمين في ميزان واحد، ولا يفرقون بين صحابي وتابعي ومتأخّر، كما لا يفرّقون بين متقدّم في الاِسلام وحديث عهد به إلاّ باعتبار درجة الاَخذ بما جاء به حضرة الرسول _ صلى الله عليه وآله وسلم _ والاَئمّة الاثنا عشر بعده، وانّ الصحبة في ذاتها ليست حصانة يتحصّن بها من درجة الاعتقاد، وعلى هذا الاَساس المتين أباحوا لاَنفسهم ـ اجتهاداً ـ نقد الصحابة والبحث في درجة عدالتهم، كما أباحوا لاَنفهسم الطعن في نفر من الصحابة أخلّوا بشروط الصحبة وحادوا عن محبّة آل محمّد _ عليه السلام _ ، كيف لا، وقد قال الرسول الاَعظم:
«إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا، كتاب اللّه وعترتي آل بيتي...».

(1) شرح المقاصد:5|310.

(494)
وعلى أساس هذا الحديث ونحوه يرون انّ كثيراً من الصحابة خالفوا هذا الحديث، باضطهادهم لآل محمّد ولعنهم لبعض أفراد هذه العترة، ومن ثمّ فكيف يستقيم لهوَلاء المخالفين شرف الصحبة، وكيف يوسموا باسم العدالة؟!
ذلك هو خلاصة رأي الشيعة في نفي صفة العدالة عن بعض الصحابة، وتلك هي الاَسباب العلمية الواقعية التي بنوا عليها حججهم». (1)
ج. التقية بين الوجوب والحرمة
ممّا يشنّع به على الشيعة قولهم بالتقية وعملهم به في أحايين وظروف خاصّة، ولكنّ المشنِّعين لم يقفوا على مغزاها، ولو تثبتوا في الاَمر ورجعوا إلى الكتاب والسنّة لوقفوا على أنّها ممّا تحكم به ضرورة العقل ونصّ الشريعة.

حقيقة التقية وغايتها

التقية مشتقة من الوقاية والمراد منها التحفّظ على ضرر الغير بموافقته في قول أو فعل مخالف للحق، وإذا كان هذا مفهومها فهي تقابل النفاق، تقابل الاِيمان والكفر، فإنّ النفاق عبارة عن إظهار الحقّ وإخفاء الباطل، ومع هذا التباين بينهما لا يصحّ عدّها من فروع النفاق، كما انّ القرآن الكريم يعرف المنافقين بالمتظاهرين بالاِيمان والمبطنين للكفر، يقول سبحانه:
(إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللّهِ وَاللّهُ يَعْلَمُ أَنَّك
(1) الاَُستاذ داود حنفي المصري.

(495)
لَرَسُولُهُ وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقينَ لَكاذِبُونَ) . (1)