welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : المختار في احكام الخيار*
تألیف :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

المختار في احكام الخيار

صفحه 1
المختار
في
احكام الخيار
دراسة مبسطةٌ في الخيار واحكامهُ
والشروط والنقد والنسيئةِ والقبض
تأليف
الفقيه البارع
جعفر السبحاني
نشر مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)للتحقيق والتأليف
قم ـ ايران

صفحه 2
هوية الكتاب
اسم الكتاب:   المختار في أحكام الخيار
الموضوع:   المعاملات قسم الخيارات
تأليف:    جعفر السبحاني
المطبعة:   اعتماد ـ قم
التاريخ:   1414 هـ
الكمية:   3000 نسخة
الناشر:   مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الصفّ والإخراج: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
توزيع
مكتبة التوحيد
قم ـ ساحة الشهداء

صفحه 3
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدللهِ ربِّ العالمين
والصلاة والسلام على خاتم رسله وآخر سفرائه وأمينه على وحيه وصفيّه من عباده إمام الرحمة، وقائد الخير، ومفتاح البركة، وعلى آله حجج الله في أرضه الذين ختم بهم على جميع من ذرأ وجعلهم شهداء على من جحد، وكثّرهم بمنّه على من قلّ، صلاة دائمة ما دامت السماء ذات أبراج والأرض ذات فجاج.(1)
أمّا بعد: فقد طلب منّي حضّار بحوثي الفقهية الكرام، القاءَ محاضرات في أحكام المعاملات ـ وذلك بعد إنهاء البحث ـ على أحكام النكاح والطلاق والفرائض (الأحوال الشخصية)، فلبَّيت طلبهم، ونزلت عند رغبتهم، فاخترت أحكام الخيارات على ضوء ما أفاده الشيخ الأعظم الأنصاري (قدس سره)ملتزماً بالبحث عن الأهمِّ فالأهمّ، معرضاً عمّا لا يمسُّ الحياة، ولا يمتُّ إلى الفقه بصلة.

1 . مقتبس من دعاء الإمام زين العابدين (عليه السلام)في الصحيفة، الدعاء 2 .

صفحه 4
وتشتمل هذه الصحائف على لبِّ ما ألقيته في المحاضرات وأرجو أن تكون رصيداً لبغاة الفقه الإسلامي، ومصباحاً لمن يريد أن يسلك طريقه ويقتطف ثماره.
وتتميز هذه المحاضرات بأُمور ثلاثة:
1. إنّ رائدنا في عنوان المسائل وتنظيمها، هو كتاب الشيخ الأعظم الأنصاري في الخيارات وأحكامها والشروط والنقد والنسيئة والقبض ـ فلذلك مشينا على ضوئه ترتيباً وعنونة ـ واقتفينا أثره بتوضيح مقاصده تارة، ونقدها أُخرى بتعابير خالية عن التعقيد.
2. لما كان للمشايخ العظام ـ الذين جاءوا بعده وتربّوا في أحضانه، وارتووا من منهل علمه ـ آراء وأفكار جديدة فيها فقد عطفنا النظر إليها أيضاً، وقمنا بتحليلها بالمشراط العلمي ـ فلذلك ـ ترى بعض المواضع طويلة الذيل، مترامية الأطراف.
3. الالماع إلى آراء المتقدمين من الفقهاء حتّى يتبين للناظر مسير المسألة تاريخياً وتتخذ المحاضرات لنفسها صبغة الفقه المقارن حتّى ينتفع بها القارئ الكريم.
والله الهادي إلى سواء السبيل وهو حسبي ونعم الوكيل
قم ـ مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
جعفر السبحاني
6 ـ ربيع الأوّل من شهور عام 1413 هـ

صفحه 5
الفصل الأوّل
الخيار لغة واصطلاحاً
الأصل في البيع اللزوم
ما هو الدليل على هذا الأصل في الكتاب والسنّة
الاستدلال بالأصل على اللزوم
الأصل المعارض لهذا الأصل

صفحه 6

صفحه 7

الخيار لغة واصطلاحاً

الخيار اسم مصدر من الاختيار، نصّ به الجوهري في الصحاح، وقال: الخيار: الاسم من الاختيار، وتبعه ابن منظور في لسان العرب، والفيروز آبادي في القاموس، والزبيدي في تاج العروس، ويظهر أيضاً من النهاية الأثيرية في تفسير قوله: «البيّعان بالخيار ما لم يفترقا» فقال: الخيار: الاسم من الاختيار، وهو طلب خير الأمرين: إمّا امضاء البيع أو فسخه.
ولعلّ وجهه هو أنّ المصدر الثلاثي من الفعل المزيد فيه، يكون اسم مصدر لا نفسه، مثل قوله: طلّق طلاقاً، أو اغتسل غُسلاً، وفي المقام: اختار خياراً.
وأمّا معناه لغة: فالظاهر أنّّه بمعنى الاصطفاء. قال سبحانه: (وَاخْتار موسى قَومَهُ سَبعينَ رَجلاً لِميقاتِنا) (الأعراف /155) وقال: (وَأنَا اخْترتُكَ فاسْتَمِعْ لِمَـا يُوحى)(طه/13) ومثلها آيات أُخر (1).
فإذا كان الخيار بمعنى الترجيح فهو من مقدّمات الارادة بعد تصوّر المراد والتصديق بملائمته للطبع أو العقل، أي ترجيحه ثم الاشتياق إلى ايجاده، ثمّ التصميم.
فعلى ذلك فالمعنى اللغوي منه يغاير المعنى المعروف بين الفقهاء، فهو عندهم بمعنى حقّ الخيار، وحقّ الاصطفاء، لا الاختيار والانتخاب، فلا مناص عن القول بالنقل عن المعنى اللغوي إلى المعنى الاصطلاحي وهو حقّ الترجيح وحق الاصطفاء.

1 . القصص/68، الدخان/32.

صفحه 8

تعريف الخيار:

عرّف الخيار المصطلح بوجوه:
ألف ـ الخيار: هو حقّ الاصطفاء من الفسخ وعدمه، وإن شئت قلت: سلطنة ذي الخيار على الفسخ، فالخيار من مقولة «الحق» وهو سلطنة خاصة للعاقد على تعيين أحد الطرفين.
ب ـ الخيار: هو ملك فسخ العقد. وهو المنقول عن «فخر المحقّقين» (1).
واعترض عليه بأنّه غير جامع ولا مانع. أمّا الأوّل فلخروج الخيار الثابت في مورد المحجور عليه كالسفيه والمجنون، إذ لا سلطنة لهما على فسخ العقد.
وأمّا الثاني فلدخول موارد في التعريف مع أنّها ليست من الخيار المصطلح، أعني:
1ـ ملك الفسخ في العقود الجائزة.
2ـ ملك الفسخ في العقد الفضولي.
3ـ ملك الوارث ردّ العقد على ما زاد على الثلث.
4ـ ملك العمّة والخالة لفسخ العقد على بنت الأخ والأُخت.
5ـ ملك الأمة المزوّجة من عبد، فسخ العقد إذا أُعتقت.
6ـ ملك كل من الزوجين للفسخ بالعيوب.

1 . نسبه الشيخ الأنصاري إلى موضع من الايضاح ولم نجده في الموضع المعدّ لبيانه، لاحظ: ايضاح القواعد : 1/480.

صفحه 9
يلاحظ على الأوّل: بأنّه داخل في التعريف، إذ السلطنة ثابتة للمحجور عليه، وهو مالك لزمام العقد لكنّه لا يقوم به بنفسه، بل يقوم به غيره، وليس التعريف ظاهراً في كون صاحب السلطنة قائماً بنفسه بإعمالها، وبعبارة أُخرى: المحجور عليه، يملك فسخ العقد، ولكنّه ينوب عنه وليّه، كسائر التصرّفات التي فيها غبطة المحجور عليه فيقوم به وليّه.
ويلاحظ على الثاني: بأنّه تختلف أحكام هذه الموارد. أمّا الأوّلان: فلا يدخلان فيه وذلك لأنّ المراد من ملك الفسخ هو السلطة عليه، الحاصلة من العقد، النابعة منه، بمعنى أن يكون العقد سبباً للسلطة كما في خياري المجلس والحيوان وغيرهما. وأمّا ملك الفسخ في العقود الجائزة والعقد الفضولي: فليس نابعاً من عقد العارية أو عقد الفضولي، وإنّما هو نابع من ملكيّة المعير للمستعار، وملكية المالك لماله المبيع بغير اذنه، وبعبارة أُخرى: انّ قوله: «ملك فسخ العقد» هو السلطة الابتدائية الحاصلة بالعقد والسلطة في الموردين ليست ابتدائية، بل ثابتة قبل العقد، لعدم انقطاع العلقة بين المالك وماله، لا في العقود الجائزة ولا في البيع الفضولي.
وأمّا المتوسّطان: فلأنّ المتبادر من ملك فسخ العقد هو تملّك العاقد فسخ عقده كما في الخيارات المعروفة، والأمر فيهما ليس كذلك بل الزوجة مالكة لفسخ عقد زوجها، كما أنّ الوارث مالك لفسخ عقد المورِّث، فيما زاد على الثلث، فمثل ذلك غير داخل في التعريف حتى يحتاج إلى الاخراج، وإن شئت قلت: المتبادر ملك فسخ عقد نفسه لا عقد غيره.
وأمّا الأخيران: فلا وجه لاخراجهما فكلّ من الزوج والزوجة ذو خيار عند

صفحه 10
ظهور العيوب المجوِّزة للفسخ، كما أنّ الأمة المزوّجة من عبد ذات خيار، إذا أُعتقت. فتلخّص أنّ التعريف جامع ومانع وهو عبارة أُخرى عمّـا اخترناه من التعريف من السلطنة على الفسخ وعدمه.
ج ـ الخيار: هو ملك إقرار العقد و إزالته.
وأورد عليه الشيخ: بأنّ المراد من اقرار العقد إمّا ابقاؤه على حاله بترك الفسخ، أو جعله عقداً لازماً غير قابل للفسخ.
فعلى الأوّل، فذكره مستدرك لكفاية قوله «ملك ازالته» عن ذكر اقرار العقد وابقاؤه على حاله، لأنّ من يملك الازالة، يملك الابقاء على حاله.
وعلى الثاني، يكون مرجعه إلى إسقاط حقّ الخيار، لأنّ جعل العقد لازماً غير قابل للانفساخ، لا يتحقّق إلاّ بإسقاط حقّ الخيار، فلا يؤخذ مثله في تعريف نفس الخيار.
أضف إلى ذلك: أنّه لا يصدق التعريف ـ على الاحتمال الثاني ـ إلاّ على الخيار القائم بطرف واحد لا الخيار المشترك، إذ باسقاطه لا يصير العقد عقداً لازماً إلاّ من طرفه لا مطلقاً مع أنّ ظاهر التعريف كونه لازماً مطلقاً.
يلاحظ على الأوّل: بأنّ كلّ واحد من القيدين يغني عن الآخر، فملك اقرار العقد يلازم ملك ازالته كما أنّ ملك الازالة يلازم ملك الاقرار، فعلى ذلك، فليس الاستدراك منحصراً في لفظ اقرار العقد، بل ذكر كلّ واحد، يوجب استدراك الآخر.
ومع ذلك كلّه لا يعد مثل ذلك استدراكاً إذا كان الهدف هو التعريف بصورة واضحة.

صفحه 11
وأمّا الثاني أعني: جعل العقد لازماً و غير قابل للفسخ، فليس مرجعه إلى اسقاط حقّ الخيار بل إلى جعل العقد عقداً لازماً غير قابل للفسخ، فلا يلزم من تفسيره بالمعنى الثاني أخذ إسقاط الخيار في تعريف الخيار، غاية الأمر أنّ الاسقاط سبب لجعله لازماً لا نفسه.
والشاهد على ذلك: أنّك لو عرّفت الخيار بما ذكر، لا يكون مخالفاً لما هو المتبادر من الخيار عند العقلاء، بخلاف ما لو فسّـرت بقولك: «الخيار هو اسقاط حقّ الخيار».
وأمّا ما أُفيد أخيراً من ظهوره في جعله لازماً مطلقاً من كلا الطرفين، فليس التعريف ظاهراً فيه بل المتبادر هو الأعم منه ومن اللزوم النسبي.
ثمّ إنّ المتبادر من الروايات في تفسير الخيار هو التعريف الأوّل والثاني.
قال(صلى الله عليه وآله وسلم): «البيّعان بالخيار ما لم يفترقا، فإذا افترقا فلاخيار بعدالرضا منهما»(1) فمعناه أنّ له السلطة على انتخاب أحد الطرفين إلى أن يفترقا وبعده لاسلطنة له.
وفي رواية الحلبي ... فإذا افترقا وجب البيع (2).
وروى الصفار عن أبي محمد ـعليهالسلامـ في الدابّة التي أحدث فيها المشتري حدثاً من أخذ الحافر وغيره، أنّه ـعليهالسلامـ وقّع: «إذا أحدث فيها حدثاً فقد وجب الشراء» (3). وجه الدلالة أنّه إذا كان البيع بمعنى العقد متعلقاً للّزوم فيكون العقد متعلقاً للخيار أيضاً.

1 . الوسائل: 12، الباب الأوّل من أبواب الخيار، الحديث 3 ـ 4.
2 . الوسائل: 12، الباب الأوّل من أبواب الخيار، الحديث 3 ـ 4.
3 . المصدر نفسه: الباب الرابع، الحديث 2.

صفحه 12

الأصل في البيع اللزوم

قال العلاّمة في التذكرة: الأصل في البيع اللزوم (1).
ما هو المراد من «الأصل» في المقام؟ قد ذكرت عدّة احتمالات:
1ـ الراجح: مستنداً في تصحيحه إلى الغلبة.
وأورد عليه: أنّه إن أراد غلبة الأفراد فغالبها ينعقد جائزاً لأجل خيار المجلس أو الحيوان أو الشرط.
وإن أراد الغلبة من حيث الزمان فهي لا تنفع في الأفراد المشكوكة لأنّ الفرد المشكوك من البيع، مشكوك من أوّل وجوده وأنّه هل هو جائز أو لازم، فلا يفيده كون البيع في أغلب الأزمنة لازماً.
2ـ القاعدة المستفادة من العمومات التي يجب الرجوع إليها عند الشك.
3ـ الاستصحاب: أي استصحاب بقاء أثر العقد بعد الفسخ.
4ـ المعنى اللغوي: بمعنى أنّ وضع البيع وأساسه عرفاً على اللزوم وصيرورة المالك الأوّل كالأجنبي، فإنّ لكلّ معاملة في نظر العقلاء طبعاً خاصاً، فطبيعة العارية هو الجواز لأنّ المعير لم يقطع علاقته عن ماله، وإنّما دفعه إلى المستعير

1 . التذكرة: 1/ 490، ايضاح الفوائد في شرح القواعد: 1/480.

صفحه 13
ليقضي به حاجته ثم يردَّه إلى صاحبه، بخلاف طبيعة الوقف فإنّها عبارة عن قطع المالك علقته عن الموقوف، وادخاله في سلطة الموقوف عليهم، ومثله البيع فإنّ غرض كل من المتعاقدين هو التصرّف فيما صار إليه تصرّفاً مأموناً من نقض صاحبه عليه.
وبعبارة أُخرى: أنّ كلاّ ً من البائع والمشتري إنّما يُقدم على البيع لأن يقضي بالثمن أو المثمن، حاجته التي لا تقضى إلاّ أن يكون مالكاً له على وجه، تنقطع به سلطة البائع، فالمشتري ـ مثلاً ـ يريد أن يشتري بيتاً ويسكن فيه وتحصل له الطمأنينة من أزمة المسكن بحيث لا تكون للبائع سلطة الرد وتعود المشكلة، أو يريد أن يجعله صداقاً لامرأته أو غير ذلك من الأُمور التي تقتضي بطبعها كون البيع عقداً لازماً.
ولعلّ هذا الوجه أحسنها وأطبقها على عبارة التذكرة، بل هو كاف في اثبات اللزوم للبيع في موارد الشك من دون حاجة إلى التجشّمات التي ارتكبها الشيخ في أوّل البيع. وفي المقام، فإذا كانت طبيعة البيع في نظر العرف مقتضية للّزوم وقد أمضاه الشارع بما له هذه الطبيعة، فهو المحكّم في الموارد المشكوكة حتى يدل دليل على خلافه كما هو الحال قبل التفرّق ، وبالجملة: الأُولى دراسة طبائع المعاملات وخصائصها ونتائجها عند العرف حتى نقضي على أنّ الأصل ما هو، ومن المعلوم أنّها بهذا الوصف، وقع مورد التصويب والامضاء، فما لم يدل دليل على خلافه يؤخذ بالمعنى المتبادر عند العرف.
ثمّ إنّ العلاّمة ذكر أنّه يُخرَجُ من هذا الأصل بأمرين: ثبوت خيار، أو ظهور عيب. ويحتمل أن يكون العطف من باب عطف الخاص على العام كما يحتمل أن

صفحه 14
يكون من باب عطف المباين على المباين، وأنّ المراد من المعطوف عليه، ما كان ثابتاً بأصل الشرع أو بجعل المتعاقدين، ومن المعطوف ما اقتضى نفس المعاملة كما إذا كان أحد العوضين معيباً. وهناك وجه ثالث، وهو: أنّ وجه التفكيك بين خيار العيب وسائر الخيارات، هو أنّ الثابت في الثاني هو الفسخ فقط وفي الأوّل الفسخ والارش معاً.

ما هو الدليل على أنّ الأصل هو اللزوم:

استدلّ الشيخ عليه ب آيات وروايات، نذكر المهم منها:
1ـ آية الوفاء بالعقود:
قال سبحانه: (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنوا أَوفُوا بالعُقودِ أُحِلَّت لَكُمْ بهيمةُ الأنعام)(1).
وجه الدلالة: أنّ المراد بوجوب الوفاء، العمل بما اقتضاه العقد في نفسه بحسب الدلالة اللفظية، ومن المعلوم أنّ مدلول عقد البيع حسب الدلالة اللفظية هو مالكية المشتري للمثمن، فيجب حسب الآية، العمل بما تقتضيه مالكيته، فكما أنّ أخذه من يده بغير رضاه والتصرّف فيه، نقض لمضمون ذلك العقد، فهكذا التصرّفات الواقعة بعد فسخ المتصرّف من دون رضا صاحبه، حرام. فمدلول الآية حسب الدلالة المطابقية، حرمة كلّ تصرّف يعد نقضاً لمالكية المشتري للمثمن سواء أكان قبل الفسخ كما هو المسلَّم أو بعد الفسخ كما هو مورد البحث، فإذا

1 . المائدة /1.

صفحه 15
حرم التصرّف، كشف عن بطلان الفسخ وهو ملازم للزوم البيع، فمدلول الآية حكم تكليفي وهو حرمة كل تصرّف يُعَد نقضاً فينتَزعُ منه حكم وضعي وهو بطلان الفسخ المساوي للّزوم.
أُوردَ على الاستدلال بالآية بما يلي:
إنّ معنى وجوب الوفاء بالعقد، العمل بما يقتضيه من لزوم وجواز، فلا يتمّ الاستدلال به على اللزوم لأنّه لم يحرز ـ بعدُ ـ أنّ مفاد العقد في البيع، هو اللزوم. وبعبارة أُخرى: الآية تقضي بأنّه يجب العمل على طبق العهد والعقد، فلو كان العقد لازماً تجب الحركة على طبقه، وإن كان جائزاً تجب كذلك، وهذا مثل ما يقال: يجب العمل بالأحكام الشرعية، فيدخل تحته العمل بالواجبات والمستحبّات.
فأجاب عنه الشيخ: إنّ اللزوم والجواز من الأحكام الشرعية للعقد وليسا من مقتضيات العقد في نفسه مع قطع النظر عن حكم الشارع، فالذي يجب الوفاء به ما هو مقتضاه حسب الدلالة اللفظية، وما يدل عليه العقد بهذه الدلالة هو مالكية المشتري للمثمن فيجب الوفاء بها والاحترام لها، وأمّا الوجوب واللزوم فخارجان عن مفاد العقد فيخرج عن اطار وجوب الوفاء.
هذا توضيح ما أفاده الشيخ:
يلاحظ على أصل الاستدلال أوّلاً: بالفرق بين التصرّف قبل الفسخ والتصرّف بعده، فالأوّل حرام بحكم الآية لأنّه نقض لمضمون العقد المتحقّق فعلاً على وجه القطع، وأمّا الثاني فبما أنّ العقد مشكوك البقاء بعد الفسخ لاحتمال كون البيع عقداً جائزاً يجوز حلّه، فلا يصحّ لنا القول بأنّه نقض للوفاء بالعقد، لأنّ

صفحه 16
العقد بعدُ مشكوك، والتمسّك بالآية في هذا الظرف تمسّك بالعام في الشبهة المصداقية.
وبعبارة أُخرى: أنّ وجوب الوفاء بالعقد فرع وجوده، فهو بعد مشكوك ولا يحرز إلاّ بالاستصحاب، والمفروض الاستدلال بالآية لا به، و سيجيئ البحث عنه مستقلاّ ً.
وثانياً: أنّ الوفاء بالعقد والعهد يتصوّر على وجهين: آنيّ واستمراريّ، إذ يتصوّر للعقد، تارة وفاء استمراري كما إذا نذر صلاة الليل في كل ليلة أو نذر ألاّ يشرب التبغ إلى سنة، ففي هذه الصورة يكون كل زمان موضوعاً للوفاء بالعقد والعهد، فلو صلّـى شهراً وتركها شهراً، فقد نقض عهده ولم يف بعقده.
وأُخرى وفاء آنيّ كما في البيع، فإنّ من باع شيئاً بشيء فالوفاء به عبارة عن تمليك المثمن وتملّك الثمن، فإذا قاما بهذا الأمر فقد وفيا بالعقد، وليس بعده موضوع حتى يجب الوفاء به، حتى ولو نزع المثمن من يد المشتري جبراً وزوراً بعدما دفع إليه اختياراً ففي هذا الوقت، ارتكب الحرام وغصب مال الناس، لا أنّه نقض عهده ولم يف بعقده.
وبذلك يظهر ضعف ما أفاده أحد السادة (قدس سره) حيث قال: إنّ معنى الوفاء يختلف باختلاف متعلّقه، فإن تعلّق بفعل، كان بمعنى إيجاده كالوفاء بالوعد، وإن تعلّق بموجود، كان بمعنى ترتيب الآثار عليه كالوفاء بالعقد حيث إنّه موجود قد وجد بانشائه. إلاّ أنّ اطلاق الأمر به بأيّ معنى كان، وعدم تقييده بقيد «ما لم يفسخ» يوجب ظهوره عرفاً في عدم انحلاله وانفساخه بحلّ العقد وفسخه من دون رضا المعقود له كما أنّ اطلاق «أُوفوا بالعقد والنذر والشرط» يدل

صفحه 17
على عدم انحلالها بحلّ العاهد والناذر والشارط من دون رضا المعهود له، والمنذور والمشروط له، وهو معنى اللزوم (1).
وجه الضعف هو الفرق الواضح بين الوفاء بالنذر والعهد، والوفاء بالعقد، فإنّ الوفاء في الأوّلين يتصوّر له استمرار، كما إذا كانت مدّة النذر سنة. وأمّا البيع فلا يتصوّر له مدّة وراء الزمن الذي اتّفقا عليه من كون المبادلة نقداً أو نسيئة أو سلفاً، فإذا قاما على ما عقدا عليه وتفرّقا وحصل القبض، فقد وفيا بعقدهما وحصل الامتثال وسقط الأمر لحصول الموضوع، فالوفاء بعد هذه المدّة خارج عن مدلول الآية.
ويلاحظ على ما ذكره الشيخ في دفع الاشكال على الاستدلال من التفكيك بين مضمون العقد وأحكامه والقول بأنّ ما يجب به الوفاء هو مضمون العقد لا أحكامه الشرعية والعرفية، بأنّه تفكيك عقلي لا يلتفت إليه العرف، إذ هو لا يميّـز بين مضمون العقد (مالكية المشتري) وأحكامه من لزوم البيع وجوازه، فما ذكره (قدس سره) من أنّ اللـزوم والجـواز من الأحكام الشـرعيّة للعقـد وليس من مقتضيات العقد، مع قطع النظر عن حكم الشارع وإن كان صحيحاً لكن العرف لا يميّـز بينهما. فعندئذ يصحّ ما نقله من الاعتراض من أنّ معنى وجوب الوفاء بالعقد هو العمل بما يقتضيه من لزوم وجواز، فلا يصحّ الاستدلال بوجوب الوفاء على لزوم البيع.
والانصاف أنّ الآية قاصرة عن الدلالة على لزوم البيع بعد الفسخ فلابدّ من التماس دليل آخر.

1 . نثارات الكواكب، ص 4.

صفحه 18

ذبّ اشكال عن دلالة الآية:

وربّما يعترض على دلالة الآية بأنّ المراد من العقود في الآية هو العهود، كما ورد في مرسلة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه ـعليهالسلامـ قال: سألته عن قول اللّه عزّ وجلّ: (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنوا أَوفوا بالعقود) ؟ قال: العهود (1). فتكون الآية أجنبية عن المقام، إذ لا عهد في البيع ونظائره.
قال أبو عبيدة: (أَوفوا بالعقود) : واحدها عقد ومجازها العهود، والأيمان التي عقّدتم.
وقال الحطيئة:
قوم إذا عقدوا عقداً لجارهم *** شدّوا العناج وشدّوا فوقه الكربا
ويقال: اعتقد فلان لنفسه (2).
يلاحظ عليه ـ مضافاً إلى أنّ الرواية مرسلة نقلها العياشي في تفسيره، وعامّة رواياته في التفسير الموجود بأيدينا مراسيل ـ: أنّ العقد في اللغة كما صرّح به الراغب في مفرداته: هو الجمع بين أطراف الشيء، ويستعمل ذلك في الأجسام الصلبة كعقد الحبل وعقد البناء. وعلى هذا فليس له معنى سوى ما هو المتبادر من أمثال عقد الحبل وعقد أطراف الرداء، وأمّا استعماله في الأُمور المعنوية فباستعارة وتناسب، فكأنّه بالتبادل يعقد المعوض بالعوض أو ذمّته بذمّة الآخر فتحصل منهما حالة خاصة تطلق عليها العقدة، قال سبحانه: (ولا تَعزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ

1 . الوسائل: ج16، الباب 25 من أبواب النذر والعهد، الحديث 3.
2 . مجاز القرآن لأبي عبيدة معمر بن المثنى التيمي (المتوفّـى عام 210) ج1، ص 145.

صفحه 19
حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ) (البقرة/235)، وقال سبحانه: (إلاّ أن يَعْفُونَ أو يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِِ عُقْدَةَ النِّكاحِ)(البقرة/237).
وبذلك يعلم أنّ استعماله في العهد لأجل أنّ فيه شدّاً وربطاً بين العاهد والمعهود، وليس العهد إلاّ مصداقاً من مصاديق المعنى الكلّـي الشامل لكلّ أمر فيه نحو عقد وتوثيق بين الشيئين. والشاهد على ذلك إن فعل هذه المادة استعمل في الذكر الحكيم في التحكيم والتوثيق الموجود في نفس اليمين، قال سبحانه: (لا يُؤاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ في أَيْمانِكُمْ وَلكنْ يُؤاخِذُكُم بِما عَقَّدتُّمُ الأيمان)(المائدة/89) أي حلفتم بوعي ودقّة، وقال سبحانه: (والَّذِينَ عَقَدَتْ أيمانكُمْ فَ آتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ) (النساء/33) والظاهر أنّ المراد من الآية الأخيرة هو ضامن الجريرة، وأمّا الرواية فيمكن أن تكون مشيرة لمصداق ربّما يغفل عنه الانسان، فإنّ العهود والمواثيق والأيمان عقود وعهود يجب الوفاء بها.
وعلى ذلك فالآية مطلقة تعمّ كل عقد عَقدهُ الانسان ولا يحلّ إلاّ بسبب.
هذا وانّ للأعلام حول الآية كلمات في تقريبها للدلالة على المقصود، ولكنّها ليست بمقنعة ولا متبادرة من الآية حتى تكون حجّة، بل أكثرها مفروضة عليها فإنّ الاستظهار يجب أن يكون على حدّ فهم العرف من الآية وليست كذلك فلاحظ.

2ـ آية حلّية البيع:

قال سبحانه: (الَّذِينَ يَأكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومونَ إلاّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ ذَلِكَ بأنَّهُمْ قالُوا إنَّمَا البَيْعُ مِثلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللّهُ البَيعَ وَحَرَّمَ الرِّبا

صفحه 20
فَمَن جاءَهُ مَوعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمرُهُ إلى اللّهِ ومَنْ عادَ فَأُولَئِكَ أصحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدونَ)(البقرة/275).
وقد استدلّ بها الشيخ في المقام، قائلاً بأنّ حلّية البيع لا يراد منها إلاّ حلّية جميع التصرّفات (1) المترتب عليه، التي منها ما يقع بعد فسخ أحد المتبايعين بغير رضا الآخر، مستلزمة لعدم تأثير ذلك الفسخ وكونه لغواً غير مؤثّر (2) .
يلاحظ عليه: بأنّ الاستدلال فرع كون الآية في مقام بيان حلّية جميع التصرّفات حتى بعد الفسخ، مع أنّها في مقام نفي التساوي الذي كان المشركون المرابون يكرّرونه في أنديتهم، وكانوا يقولون: لا فرق بين البيع والربا، وإنّ البيع مثل الربا، فنزلت الآية ردّاً على قولهم بنفي المساواة ، وأنّه سبحانه أحلّ البيع وحرّم الربا من غير تعرّض لسائر الحالات من حلّية البيع بعد فسخ الفاسخ، فإنّ هذا فرع كون المتكلّم في مقام البيان من هذه الناحية.
قال ابن عباس: كان الرجل منهم إذا حلّ دينه على غريمه فطالبه به، قال المطلوب منه له: زدني في الأجل وأزيدك في المال، فيتراضيان عليه ويعملان به، فإذا قيل لهم: هذا ربا، قالوا: هما سواء، يعنون بذلك أنّ الزيادة في الثمن حالَ البيع، والزيادة فيه بسبب الأجل عند محلّ الدين سواء، فذمّهم اللّه به وألحق الوعيد بهم وخطّأهم في ذلك بقوله: «وأحلّ البيع وحرّم الربا» أحلّ اللّه البيع الذي لاربا فيه وحرّم البيع الذي فيه الربا ... (3).

1 . لا يخفى أنّ ظاهر الآية، هو حلّية نفس البيع لا التصرّفات من غير فرق بين قبل الفسخ وبعده.
2 . المتاجر، قسم الخيارات، ص 215.
3 . مجمع البيان: 1/389 وبيّـن في ذيل التفسير الفروق بين البيع والدين والزيادة فيهما.

صفحه 21
وبعبارة أُخرى: أنّ الحلّية إمّا تكليفية أو وضعية، فعلى الأوّل يكون مفادها أنَّ البيع حلال لا حرام مثل قولنا: الغنم حلال والكلب حرام، ومن المعلوم أنّه لايمكن الاحتجاج بحلّية الغنم على كونه حلالاً ولو كان مغصوباً أو موطوءاً أو جلاّلاً.
وعلى الثاني يكون مفاده أنّ البيع أمضاه الشارع وأحلّه محلّه دون الربا وأمّا أنّه أحلّه في كلّ ظرف وموقف وأمضاه في جميع الشرائط، فالآية ساكتة عنه.
3ـ آية التجارة عن تراض:
قال سبحانه: (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنوا لا تأكلُوا أَموالَكُمْ بَينَكُمْ بالباطلِ إلاّ أنْ تَكونَ تجارةً عن تَراض مِنكُم ولا تَقْتلوا أنفسكُمْ إنَّ اللّهَ كانَ بِكُمْ رحيما) (النساء/29).
والاستدلال تارة بالمستثنى منه وأُخرى بالمستثنى، أمّا الأوّل فيقال: إنّ أخذ مال الغير وتملّكه من دون اذن صاحبه باطل عرفاً، فتعمّه الآية.
يلاحظ عليه: بالشك في وجود الموضوع، إذ لو كان العقد جائزاً في الواقع يكون تملّكه حينئذ أكلاً بالحق كما هو الحال في العقود الجائزة بالذات أو بالعرض، وحيث إنّ الحال غير معلوم يكون المورد من قبيل الشبهة المصداقية للآية.
وأمّا الثاني فبأن يقال: إنّه باطلاقه يدل على حلّية أكل المال إذا كان سبب حصول ذلك المال، تجارة عن تراض، فيكون مفاده هو حلّية التصرّف للمشتري مطلقاً قبل الفسخ وبعده.
ويعلم ضعفه ممّا ذكرنا من أنّه ليس إلاّ بصدد كون التجارة سبباً لحلّية

صفحه 22
التصرّف، ولا نظر له إلى الخصوصيات حتّى يعم بعد الفسخ.
ثمّ إنّ للآية تفسيراً آخر أوعزنا إليه عند البحث عن المكاسب المحرّمة وحاصله: أنّ الآية ليست بصدد بيان حلّيّة المسبّبات كالبيع وغيره، وإنّما هي بصدد بيان الأسباب وأنّه يجب على الناس التمسّك بالأسباب الحقّة دون الباطلة، فالتجارة عن تراض سبب حقّ، وأمّا أكل المال عن طريق بيع المنابذة والربا فهو ممنوع، فعندئذ تكون الآية أجنبية عن الاستدلال على اللزوم.
هذه جملة الآيات التي استدلّ بها الشيخ على كون الأصل في البيع، اللزوم.

الاستدلال بالروايات:

ثمّ إنّه استدل بروايات وهي بين مرسلة ومسندة:

1ـ الاستدلال بالمراسيل:

قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا يحلّ مال امرئ مسلم إلاّ بطيب نفسه، وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : الناس مسلّطون على أموالهم، فالنبويّان مرسلان غير مسندين، وقد تمسّك بهما الفقهاء في جميع الأعصار من غير توقّف.
وأمّا كيفيّة الاستدلال بهما على كون الأصل في البيع اللزوم، فهو ما ذكره الشيخ من أنّ مقتضى السلطنة التي أمضاها الشارع أن لا يجوز أخذه من يده وتملّكه عليه من دون رضاه.
يلاحـظ على الاستدلال: بأنّ المقام من قبيل الشبهة المصداقية للدليل الاجتهادي فإنّا نشكّ في المثمن هل هو ملك للمشتري بعد الفسخ أو لا؟

صفحه 23
وبعبارة أُخرى: نشكّ في كونه مالاً له حتى يصحّ له التصرّف و لا يحل للغير التصرّف فيه إلاّ بطيب نفسه أو لا؟ إذ من المحتمل أنّ الفسخ مؤثّر في اخراجه عن ملكه وماله.
فهذا الاشكال السيّال متوجّه على جميع ما استدلّ به الشيخ من الآيات والروايات، وإن كان الاستدلال بالآيات غير خال عن اشكالات أُخرى.

2ـ الاستدلال بالمسانيد:

استدلّ بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «المؤمنون عند شروطهم» فقد رواه الكليني بسند صحيح عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه قال: سمعته يقول: «من اشترط شرطاً مخالفاً لكتاب اللّه، فلا يجوز له، ولا يجوز على الذي اشترط عليه. والمسلمون عند شروطهم ممّا وافق كتاب اللّه عزّ وجلّ» (1).
وجه الاستدلال بالحديث يتوقّف على بيان مقدمة وهي أنّ صاحب القاموس فسّـر الشرط بأنّه: الزام الشيء والتزامه في البيع وغيره، لكن صاحب الحدائق وغيره كالسيّد الطباطبائي في تعليقته على مبحث الشروط استظهرا أنّه أعم من الشرط التبعي والابتدائي، فالبيع بنفسه شرط وعهد وهكذا النكاح، وتدل على عمومية الشرط روايات متفرّقة في الأبواب نذكر بعضها:
1ـ رواية الحلبي عن أبي عبد اللّه قال: في الحيوان كلّه، شرط ثلاثة أيام للمشتري وهو بالخيار فيها إن شرط أو لم يشترط (2).

1 . الوسائل: ج 12، الباب 6 من أبواب الخيار، الحديث 1و2.
2 . المصدر نفسه: الباب 3، من أبواب الخيار، الحديث 1و4.

صفحه 24
والمراد من الشرط هو الحكم الشرعي المستقل النافذ على المتبايعين، لاالشرط الضمني التبعي بقرينة قوله: «شرط أو لم يشترط».
2ـ ما رواه أصحاب الصحاح والمسانيد في حقّ بريرة لما اشترتها عائشة وشرط مواليها عليها ولاءها، فوقف عليه النبيّ وقال: «ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليس في كتاب اللّه، من اشترط شرطاً ليس في كتاب اللّه فهو باطل، وإن اشترط مائة شرط، قضاء اللّه أحق وشرطه أوثق، والولاء لمن اعتق»(1).
والمراد من شرطه سبحانه هو حكم اللّه المطلق «الولاء لمن اعتق».
وبهذه الروايات ونظائرها (2) ذهب الشيخ إلى أنّ الحديث يعمّ كلا الالتزامين: التبعي والابتدائي، فعند ذلك يصحّ الاستدلال به على لزوم البيع، فإنّ العقد على هذا شرط، فيجب الوفاء به حسب قوله: «المؤمنون عند شروطهم» من غير فرق بين قبل الفسخ وبعده.
يلاحظ عليه بنفس ما ذكرناه في الأدلة المتقدمة، فإنّ وجوب الوفاء فرع

1 . صحيح البخاري الجزء الأوّل، كتاب الصلاة، الباب 70 ص 94 والجزء الثالث كتاب البيوع، الباب 67، ص 71، وكتاب الشروط ، الباب 3 ص 189، ومسند أحمد 6: 86 مع اختلاف مع ما في المتن.   الوسائل: الجزء 14، الباب 52، من أبواب نكاح العبيد والاماء، الحديث 2 و 14.   روى البخاري في تفسير قوله تعالى: (يا أيُّها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهنَّ ـ إلى قوله: ـ غفور رحيم) قال عروة: قالت عائشة: فمن أقرّ بهذا الشرط منهنَّ قال لها رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : قد بايعتك. كلاماً يكلّمها به واللّه ما مسّت يده يد امرأة قط في المبايعة.   صحيح البخاري: الجزء الثالث، كتاب الشروط الباب 1 ص 189.
2 . لاحظ بحث الشروط من الخيارات، ص 277، طبعة تبريز، ولا يبعد أنّ الاستعمال في رواية بريرة وأمثالها في الشرط الابتدائي في باب المشاكلة، فلا تصلح للاستدلال.

صفحه 25
وجود الشرط، وهو قبل الفسخ محقّق وبعده مشكوك.
3ـ ما رواه الكليني بسند صحيح عن أبي عبد اللّه ـعليهالسلامـ قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «البيّعان بالخيار ما لم يفترقا، فإذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما» وفي حديث آخر: «فإذا افترقا وجب البيع» (1).
وجه الاستدلال أنّه لا خيار لهما إذا افترقا بعد الرضا (بالبيع حين الانشاء) فيعم حتى بعد الفسخ.
يلاحظ عليه: أنّ الرواية بصدد بيان الوجوب النسبي لا المطلق، وحاصله أنّه لا خيار لهما من هذا الجانب أي المجلس، وأمّا أنّه لا خيار لهما أبداً فليس بصدد بيانه، بشهادة وجود الخيار بعد الافتراق لأجل الشرط والغبن والتدليس وغيره.
إلى هنا تمّ الاستدلال بالآيات والروايات وقد عرفت عدم دلالة واحد منهما على المقصود.

الاستدلال بالأصل على اللزوم:

بقي الكلام في الاستدلال بالأصل ولم يقرّره الشيخ، بل ذكره مجملاً ويمكن تقريره هكذا:
1ـ أصالة بقاء العقد بعد الفسخ.
2ـ أصالة بقاء البيع بعده.
3ـ أصالة بقاء الشرط بعده.

1 . الوسائل: الجزء 12، الباب 1 من أبواب الخيار، الحديث 3 و 4.

صفحه 26
والأصل يجري على نحو مفاد كان الناقصة لا التامّة. فالأصل الموضوعي يحرز موضوع الأدلة الاجتهادية، فيثبت أنّ هنا عقداً وبيعاً وشرطاً حتى بعد الفسخ فيجب الوفاء به، كما يحلّ للمشتري التصرّف فيما أخذه من البائع، ويجب على المتعاملين الوفاء بهذا الشرط.
وعلى كل تقدير فهو من قبيل القسم الثاني من أقسام استصحاب الكلّـي كما إذا شككنا في أنّ الحيوان الموجود في الدار حصان أو بقرة، فعلى الأوّل قطعي الارتفاع، وعلى الثاني قطعي البقاء فيستصحب الجامع بينهما، و نظيره المقام حيث إنّ الانسان يشك في أنّ العقد الموجود هل هو عقد لازم لا يرتفع بفسخ الفاسخ قطعاً، أو عقد جائز مرتفع معه قطعاً فيستصحب بقاء العقد، فينقح الأصل، موضوع الدليل الاجتهادي فتتم الحجّة بثبوت الصغرى بالاستصحاب، والكبرى بالدليل الاجتهادي.
فإن قلت: إنّ أقصى ما يثبته الاستصحاب وجود العقد والبيع، ولا يكفي ثبوتهما في اثبات لزوم العقد بعد انقسامهما إلى جائز ولازم، فيكون التمسّك بالكبرى مع انقسام العقد إلى قسمين، أشبه بالتمسّك بالعام في الشبهة المصداقية للمخصّص.
وبعبارة أُخرى: الوفاء بالعقد وإن كان واجباً لكنّه خرجت منه العقود الجائزة، فاستصحاب بقاء العقد لا يثبت سوى عنوان العام وهو العقد وهو لايكفي إلاّ مع احراز عدم انطباق عنوان المخصّص أيضاً وهو كونه عقداً جائزاً، والمفروض عدم احرازه، فيكون التمسّك بالعام غير تام. وكون بقاء العقد ملازماً للّزوم لأنّه لو بقي حتى بعد الفسخ، فيكون لازماً، غير مفيد لكونه أصلاً مثبتاً.

صفحه 27
قلت: الاشكال مبني على أنّه سبحانه قال: (أَوفوا بالعقود)ثمّ ورد عليه التخصيص بقوله إلاّ العقود الجائزة، فنشك في دخول البيع تحت عنوان المخصّص أي العقود الجائزة أو لا، ولكن الواقع ليس كذلك، والعقود الجائزة عنوان انتزاعي من المخصّصات الواردة على العام، كعقد الهبة والعارية، وعندئذ يكون الشكّ في خروج البيع عن تحت العام، شكّاً في أصل التخصيص، أي في التخصيص الزائد، والأصل عدمه، لا شكّاً في الشبهة المصداقية له.
توضيح ذلك: أنّ الشك في المقام على قسمين:
تارة نشك في العقد الخارجي المشخّص المعيّـن أنّه هل هو بيع أو هبة، فلو كان بيعاً لا ينفسخ بفسخ البائع (بناء على لزومه) وإن كان هبة ينفسخ بفسخه، ففي مثله لا يصح استصحاب بقاء العقد ولا يكون منقّحاً لحال الشبهة المصداقية الخارجية، لأنّ العقد بما هو عقد لا يجب الوفاء به إلاّ بعد احراز عدم انطباق عنوان المخصّص أعني: كونه هبة، وبما أنّه غير محرز يكون التمسّك بالعام في مثله، كالتمسّك بوجوب اكرام العالم عند الشك في كونه عالماً عادلاً أو فاسقاً مع تسليم خروج الفاسق، فإنّ احراز العالم غير كاف في وجوب الاكرام إلاّ بعد احراز عدم عنوان الخاص، وفي المثال المزبور إلاّ بعد احراز عدم انطباق عنوان الهبة.
وأُُخرى يكون الشكّ في خروج العنوان الكلّـي عن تحت العام مثلاً نعلم أنّه خرج من تحت وجوب الوفاء بالعقد، العارية والهبة ونشك في أنّه خرج البيع عن تحته وعدمه، فإذا ثبت كون عقد البيع موجوداً للاستصحاب ، حتى بعد فسخ الفاسخ يصحّ التمسّك بالعام إذ لولاه يلزم تخصيص زائد على العام. والمفروض أنّ الشبهة حكمية كلية وأنّ البيع بما هو هو لازم.

صفحه 28
فإن قلت: إنّ ما يجب الوفاء به إنّما هو العقد الواقعي، لا العقد التعبّدي ولا يثبت بالاستصحاب إلاّ العقد التعبّدي.
قلت: إنّ الاستصحاب يثبت بقاء العقد الواقعي في ظرف الشك، فالثابت به هو بقاء العقد الواقعي لا العقد التعبّدي، نعم بفضل التعبّد يثبت بقاؤه في ظرف الشك، والتعبّد بالبقاء سبب لاثبات وجود المستصحب لا هو قيد للمستصحب، فالذي يستصحب هو نفس العقد لا العقد التعبّدي.
هذا كلّه حول هذه الأُصول الثلاثة.
نعم هناك أُصول أُخرى متوافقة المضمون مع ما سبق نشير إليها:
1ـ استصحاب بقاء ملك المشتري، وهو وإن كان صحيحاً لكنّه مسبّب عن بقاء العقد، فباجراء الأصل السببي يستغنى عن الأصل المسبّبي وإن كانا متوافقي المضمون.
أضف إلى ذلك: أنّه لا يثبت به إلاّ جواز تصرّف المالك لا لزوم العقد، اللّهمّ إلاّ أن يقال بحجّية الأصل المثبت لأنّ جواز التصرّف وحلّيته بعد الفسخ يلازم عقلاً كونه لازماً، إذ لو كان جائزاً لما صحّ التصرّف.
2ـ استصحاب عدم تأثير الفسخ، ولكنّه ليس له أثر شرعي لأنّه ليس موضوعاً لدليل اجتهادي كما هو الحال في كل أصل موضوعي جار في الموضوعات اللّهمّ إلاّ أن يقال بقاعدة المقتضي والمانع، حيث إنّ المقتضي وهو وجود العقد والبيع، موجود، والشك في تأثير فسخ الموجود، فالأصل عدم رافعيته، ولكن هذه القاعدة غير تامّة لعدم الدليل على حجّيتها.

صفحه 29
3ـ استصحاب عدم ارتفاع أثر العقد، ولكنّه بالنسبة إلى اثبات بقاء الملك مثبت لأنّ عدم ارتفاع أثر العقد يلازم بقاء الملك.

الأصل المعارض:

ثمّ إنّ هناك أصلاً معارضاً أشار إليه الشيخ وقال: إنّ مقتضى الاستصحاب عدم انقطاع علاقة المالك عن العين، والمراد المالك الأوّل هو البائع، ولو صحّ هذا الاستصحاب يكون حاكماً على الأُصول الثلاثة الأخيرة، إذ لو ثبت بقاء علاقة المالك الأوّل، لارتفع الشك في بقاء المال في ملك المشتري، فلا يصحّ استصحاب بقاء ملكه مع صحّة استصحاب بقاء علاقة المالك الأوّل.
يلاحظ عليه: أنّ علاقة المالك الأوّل إن كانت نابعة من مالكيته للمبيع فقد انتفت باخراج المال عن ملكه قطعاً، وإن كانت نابعة من غير هذا الوجه كاحتمال سلطة اعادة العين إلى ملكه فهو مشكوك الحدوث، ولا معنى لاستصحابه.
فتلخّص أنّ الدليل الصالح لاثبات كون الأصل في البيع، اللزوم هو قضاء طبع العقد عليه مع ما عرفت من الاستصحاب. والمهم هو الأوّل.

صفحه 30

صفحه 31

في أقسام الخيارات

ذكر المحقّق للخيار خمسة أقسام :
1ـ خيار المجلس.
2ـ خيار الحيوان.
3ـ خيار الشرط.
4ـ خيار الغبن.
5ـ خيار التأخير.
وزاد في النافع وقواعد العلاّمة، وارشاده، وتذكرته: خيار الرؤية، وخيار العيب، فصارت سبعة.
وذكر في اللمعة أربعة عشر، وجعل منها: خيار الشركة، وخيار تبعّض الصفقة مع دخولهما تحت خيار العيب، كما لا يخفى، وربّما أنهاها بعضهم إلى عشرين، ولكن يمكن ادغام كثير منها تحت السبعة.
وعلى كل حال فنحن نقتفي أثر شيخنا الأنصاري فندرس السبعة ويعلم حكم مالم نذكر منها ممّا ذكرناه إن شاء اللّه، فنقول:

صفحه 32

صفحه 33

الفصل الثاني

خيار المجلس

دليله
ثبوته للوكيل
ثبوته للموكّل أيضاً
هل خيار المجلس للوكيل والموكل واحد؟
تفويض الأمر إلى الوكيل
عدم ثبوت الخيار للفضولي
خيار المجلس لو كان العاقد واحداً
في مستثنيات خيار المجلس
خيار المجلس وسائر العقود
خيار المجلس وبيع الصرف والسلم
في مسقطات خيار المجلس الأربعة:
أ. اشتراط سقوطه في نفس العقد
ب. اسقاطه بعد العقد
ج. التفرّق عن رضا
د. التصرّف قبل التفرّق

صفحه 34

صفحه 35

خيار المجلس

واضافته إليه إمّا من باب اضافة الحال إلى المحلّ، والمراد من المجلس: مطلق مكان العقد، وإن كانا قائمين فيه أو من باب اضافة المسبّب إلى السبب لكون المجلس سبباً للخيار كخيار الغبن والعيب لكونهما سبباً له.
وهذا الخيار من ضروريات فقه الإمامية، وأمّا غيرهم فقد اختلفوا فيه، قال الشيخ في الخلاف: البيع ينعقد بوجود الايجاب من البائع والقبول من المشتري، لكنّه لا يلزم المتبايعين بنفس العقد بل يثبت لكلّ واحد منهما خيار الفسخ ما داما في المجلس إلى أن يتفرّقا أو يتراضيا بالتبايع في المجلس.
وروي هذا عن الصحابة عن علي ـعليهالسلامـ وعبد اللّه بن عمر وعبد اللّه بن عباس وأبي هريرة وأبي برزة الأسلمي، وبه قال الحسن البصري وسعيد بن المسيب، والزهري وعطاء، ومن الفقهاء: الأوزاعي وأحمد وإسحاق والشافعي.
وذهبت طائفة إلى أنّ البيع يلزم بمجرّد العقد، ولا يثبت فيه خيار المجلس بحال، ذهب إليه من التابعين شريح والنخعي، ومن الفقهاء مالك وأبو حنيفة وأصحابه، ثمّ استدلّ الشيخ على مذهبه بما روى نافع عن ابن عمر أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

صفحه 36
قال: المتبايعان كلّ واحد منهما على صاحبه بالخيار ما لم يتفرّقا إلاّ بيع الخيار(1).
وقد تضافرت الروايات على ذلك من طرقنا، فرواه محمد بن مسلم وزرارة وفضيل بن يسار والحلبي عن الصادق ـعليهالسلامـ كما رواه علي بن اسباط عن الرضا ـعليهالسلامـ وكلّها غير الأخيرة صحيحة السند واضحة الدلالة. نذكر بعضها:
1ـ محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه ـعليهالسلامـ قال: قال رسول اللّه: «البيّعان بالخيار حتى يفترقا وصاحب الحيوان بالخيار ثلاثة أيام».
2ـ وروى أيضاً عن أبي جعفر ـعليهالسلامـ قال: سمعته يقول: «بايعت رجلاً فلمّـا بايعته قمت فمشيت خُطاً ثمّ رجعت إلى مجلسي ليجب البيع حين افترقنا».
3ـ وروى زرارة عن أبي عبد اللّه ـعليهالسلامـ : سمعته يقول: «البيّعان بالخيار حتى يفترقا وصاحب الحيوان ثلاث (يريد ثلاثة أيام)» (2).
ثمّ إنّه روى غياث بن إبراهيم (الذي هو زيدي بتريّ) عن علي ـعليهالسلامـ أنّه قال: «إذا صفَّق الرجل على البيع، فقد وجب وإن لم يفترقا» (3).
والظاهر أنّ المراد من التصفيق هو اسقاط خيار المجلس، ولعلّه كان علامة لصيرورة العقد لازماً واسقاط الخيار من الطرفين، وعلى كل تقدير فلا يعتمد على الرواية الشاذة في مقابل المتضافر منها، ولقد وقعت الحنفية لأجل نفي خيار

1 . الخلاف ج3، كتاب البيع، المسألة 6. والتذكرة 1/490 وفيها: قال أبو حنيفة ومالك: يلزم النكاح بالايجاب والقبول ولا يثبت خيار المجلس ...
2 . لاحظ: الوسائل 12: الباب 1 من أبواب الخيار: عامة الروايات، وما نقله في الباب الثالث عن محمّد بن مسلم برقم 3، متّحد مع ما نقله في الباب الأوّل عنه.
3 . المصدر نفسه: الرواية 7.

صفحه 37
المجلس في حيص وبيص تبعاً لإمام مذهبهم، حيث واجهوا بالروايات المتضافرة الدالة على خيار المجلس، فحاولوا أن يجمعوا بين النص والفتيا فوقعوا فيما وقعوا فلاحظ كتبهم.

ثبوت خيار المجلس للوكيل:

هل يختص خيار المجلس بالعاقدين المالكين أو يعم الوكيلين أيضاً؟ فيه أقوال:
الأوّل: ما ذهب إليه صاحب الحدائق بثبوته للأصيل والوكيل حيث قال: واطلاق الأخبار المذكورة شامل لما قدّمنا ذكره من كون المتبايعين مالكين أو وكيلين أو بالتفريق، لصدق البيّعان على الجميع، وهما من وقع منهما الايجاب والقبول (1).
الثاني: خيرة صاحب المقاصد من اختصاصه بالعاقدين المالكين، قال: إنّ الحديث دال على حكم المالكين المتعاقدين، لأنّه الغالب وأمّا إذا كان العاقد وكيلاً لهما فيستفاد حكمه من أمر خارج(2) ويستدل على هذا القول بوجهين:
الأوّل: إنّه لا يصدق «البيّع» على الوكيل حقيقة واطلاقه عليه مجاز، لأنّ مبادئ اسم المصدر غير قائم به، وأنّه بمنزلة الآلة، وكأنّه لسان الموكل.
يلاحظ عليه: أنّه كيف لا يصدق البيّع على الوكيل مع صحّة صدقه على الفضولي والمكره وليس الوكيل بأدون منهما، وأمّا المبادئ فالتصوّر والتصديق

1 . الحدائق: ج 19، ص 7.
2 . جامع المقاصد: 4/286.

صفحه 38
والعزم قائمة به، لفرض كون بيعه فعلاً اختيارياً له.
الثاني: أنّ دليل لزوم العقد أعني: قوله سبحانه: (أَوفوا بالعقود) متوجّه إلى المالكين أو إلى من له الأمر، كالأولياء والوكيل المطلق، والوكيل في خصوص اجراء الصيغة لا يجب عليه الوفاء بأيّ نحو فسّـر، سواء أكان مفاده حكماً تكليفياً أي وجوب ابقاء العقد وترتيب أثره، أو حكماً وضعياً وهو لزوم العقد، وحيث إنّ أدلّة الخيار مقيّدة لدليل وجوب الوفاء، فلابدّ أن يختصّ الخيار بمن يجب عليه الوفاء، ولا يعمّ الأجنبي.
وأجاب عنه سيدنا الأُستاذ (قدس سره) : بأنّ للآية الكريمة مدلولين: أحدهما: مطابقي، والآخر: استلزامي، ودليل الخيار بمنزلة الاستثناء من الحكم الوضعي، أي اللزوم المستفاد استلزاماً من قوله تعالى لا من الحكم التكليفي المطابقي فكأنّه قال: كل عقد من عقودكم لازم واستثنى منه العقد الخياري، سواء أكان الخيار للمالك أو لغيره، ويشهد له قوله ـعليهالسلامـ : «فاذا افترقا وجب البيع» فإنّه ظاهر كالصريح في أنّ الاستثناء من الحكم الوضعي، فكأنّه قال: لا يجب البيع قبل الافتراق (1).
يلاحظ عليه: أنّه ليس للآية إلاّ مدلول مطابقي وهو الالزام التكليفي وأمّا اللزوم الوضعي فهو منتزع من وجوب الوفاء بالعقد والمفروض أنّ الحكم التكليفي مختصّ بالمالك لا الأعم منه ومن الوكيل، ولا معنى لكون المنتزع أعم من منشأ الانتزاع، وليس المنتزع كلازم المعنى الذي يمكن أن يكون أعم من الملزوم، ولعلّ تعبيره بالمعنى اللازم لأجل دفع ما ذكرناه.

1 . المتاجر، قسم الخيارات ج4، ص 46.

صفحه 39
والأولى أن يقال: إنّ وجوب الوفاء لا يختص بالعاقدين المالكين، فإنّ العامل في المضاربة وكيل يجب عليه الوفاء بما عقد، فليس له الامتناع من دفع المثمن أو غير ذلك، وسيوافيك أنّ الموضوع أوسع من مثل العامل في المضاربة.
الثالث: ما اختاره الشيخ من اختصاصه بالوكيل الذي له حقّ التصرّف في المبيع، قال: «إنّ مفاد أدلّة الخيار اثبات حقّ وسلطنة لكلّ من المتعاقدين على ما انتقل إلى الآخر، بعد الفراغ عن تسلّطه على ما انتقل إليه، فلا يثبت بها هذا التسلّط لو لم يكن مفروغاً عنه في الخارج ألا ترى أنّه لو شك المشتري في كون المبيع ممّن ينعتق عليه لقرابة، أو يجب صرفه لنفقة أو اعتاقه لنذر فلا يمكن الحكم بعدم وجوبه بأدلّة الخيار بزعم اثباتها للخيار والمستلزم لجواز ردّه على البائع وعدم وجوب عتقه.
فعلى ما ذكره: إذا لم يكن مستقلاّ ً في التصرّف في مال الموكّل بل كان وكيلاً في التصرّف على وجه المعاوضة، فليس للوكيل الخيار لعدم تمكّنه من ردّ ما انتقل إليه كما صرّح به الشيخ في ذيل كلامه، وأولى منه بعدم ثبوت الخيار إذا كان وكيلاً لاجراء الصيغة فقط».
يلاحظ عليه: بأنّه إن أراد التسلّط المطلق فهو ليس بموجود حتى في عامل القراض، إذ ليس له العتق ولا الاتلاف، ولا الوقف، وإن أراد التصرّف على النقل بعقد جديد حتى يجوز له الفسخ مثل العقد الجديد، فما الدليل عليه.
وإن أراد التسلّط على الفسخ فقط فهذا مثل السابق، بل هو يستفاد من دليل الخيار، لا أنّه يحرز قبل الخيار.

صفحه 40
والحاصل: أنّ اطلاق الدليل محكّم على هذه الاحتمالات، والتقييد والتخصيص مشكوك من رأس. وبهذا يظهر الجواب عن الأمثلة التي لا يجوز التمسّك فيها بالخيار عند احتمال كون المبيع ممّن ينعتق عليه أو ممّا يجب صرفه في النفقة، أو اعتاقه لنذر وذلك لأنّ وجود المخصّص والمقيّد قطعي في تلك الأمثلة فيكون المورد شبهة مصداقية لهما، فلا يجوز التمسّك بالعام ولا المطلق، وهذا بخلاف المقام، فإنّ أصل التخصيص والتقييد مشكوك.
الرابع: نظرية السيد الطباطبائي والمحقّق الخراساني فاكتفيا بكفاية السلطنة على نفس العقد ايجاداً واعداماً، قائلين بأنّه لو كان وكيلاً في أصل المعاملة بأن جعل أمرها إليه من غير أن يكون وكيلاً في التصرّف في العين كفى في ثبوت الخيار، فالمدار السلطنة على المعاملة مطلقاً، وإن لم يكن مسلّطاً على سائر التصرّفات في العين، ثمّ قال السيّد: وبالجملة كل مورد تجوز له الإقالة يثبت له الخيار، وكلّ مورد لم تثبت له الإقالة لا تنصرف إليه الأدلّة، وليس له الخيار، والوكيل في مجرّد اجراء الصيغة ليست له الإقالة، فليس له الفسخ.
ولعلّ هذا القول هو أوجه الأقوال وأسدّها فيؤخذ باطلاق الرواية إلاّ في مورد الوكالة في اجراء الصيغة، ويؤيّد ذلك أنّ الحكمة في جعل هذا الخيار هو فسح المجال للطرفين حتى ينظرا فيما يبيعان أو يشتريان وهو وإن كانت حكمة لاعلّة، ولكنّها تصلح لأن تصير سبباً للانصراف عن الوكيل في اجراء الصيغة ويبقى الباقي تحته.
ثمّ إنّ الكلام في المقام في اثبات الخيار بأدلّة خيار المجلس، وأنّ هذا الحق الشرعي هل هو ثابت للمالك أو يعمّ وكيله، وأمّا البحث عن سعة دلالة عقد الوكالة على الفسخ وعدمه فهو خارج عن موضوع البحث، فسواء كان نطاق

صفحه 41
دلالته وسيعاً شاملاً للفسخ أو ضيّقاً قاصراً عنه فلا يؤثّر في ثبوت حقّ الخيار للوكيل وعدمه، لأنّ حقّ الفسخ لو كان ثابتاً في المقام للوكيل، فإنّما هو حقّ شرعي ثبت من جانب الشرع لا من جانب المالك الموكل، فالبحث عن سعة دلالة عقد الوكالة وضيقها خارج عن مصبّ البحث، وبذلك يظهر الخلط فيما ذكره صاحب المسالك (1) فلاحظ.
ثمّ إنّه إذا كان الموكّل غير راض بالفسخ فهل يجوز للوكيل القيام به أو لا؟
ذهب الشيخ الأعظم إلى المنع، ولعلّ وجهه هو انصراف الدليل عن هذه الصورة وذلك لأنّ الخيار لأجل فسح المجال للتروّي في مصالح الموكّل، فإذا كان هو غير راض بالفسخ، فكيف يجوز للوكيل فسخه، ومع ذلك فيمكن أن يقال: إنّ هـذا حقّ للبيّـع بما هـو بيـع، فلا وجـه للمنـع عن الشمـول وليـس في هذا نائباً عن الموكـّل ووكيلاً عنه، وإنّما هو وكيل له في البيع، وهذا الحق أعطاه الشارع إيّاه بما هو بيّع.
فلو فرضنا وجود الاطلاق فتقع المعارضة بينه وبين عموم «لا يحلّ مال امرئ مسلم إلاّ بطيب نفسه» والنسبة عموم وخصوص من وجه، فيجتمعان في هذا المورد، فعلى الاطلاق يصحّ فسخه، وعلى النبوي يحرم فعله، فينتزع منه الفساد، ولعلّ اطلاق الخيار أقوى من اطلاق النبوي فيقدّم عليه خصوصاً على القول بأنّالنبوي بصدد بيان الحكم التكليفي لا الوضعي، والمسألة لا تخلو من اشكال، فلاحظ.

1 . المسالك ج1، في شرح قول المحقّق: «ولكلّ من المتبايعين خيار الفسخ» حيث قال: فإن لم ينصّ لهما الموكّل على الخيار، لم يكن لهما الفسخ فينتفي الحكم عنهما وإن وكّلهما فيه ...، وأنت ترى أنّه خروج عن البحث لأنّه في ثبوت هذا الحق للوكيل من جانب الشارع وعدمه ولا صلة لتوكيل الموكّل له في الفسخ وعدمه.

صفحه 42

هل للموكّل خيار المجلس؟

قد تعرّفت على أنّ للوكيل في غير مورد الوكالة في اجراء الصيغة، خيار المجلس، فهل للموكِّل خيار أيضاً في عرض الخيار للوكيل؟ وجوه:
1ـ له الخيار مطلقاً، لكون الخيار حقّاً لصاحب المال شرعاً ارفاقاً له، وأنّ ثبوته للوكيل لكونه نائباً عنه، يستلزم ثبوته للمنوب عنه.
2ـ عدمه كذلك، لتبادر المتعاقدين من النص، فللمباشرة مدخلية في ثبوت الخيار.
3ـ له الخيار فيما إذا لم يكن للوكيل خيار وذلك لأنّ خيار المجلس كاللازم لماهيّة البيع، فإذا كان الوكيل غير ذي خيار، فلا محالة يكون للموكِّل خيار.
ثمّ إنّ سيّدنا الأُستاذ (قدس سره) اختار القول الثاني، وقال في كلام مفصّل ما هذا حاصله: إنّ «البيّع» قد وضع لمن صدر منه البيع وليس هو إلاّ الوكيل، وتصوّر أنّه موضوع لمن صدر عنه البيع ومن كان سبباً لصدوره أعني الموكِّل غير تام، لأنّه موضوع للجامع البسيط، وليس هنا جامع بسيط بين المباشر والسبب، والجامع المركّب وإن كان موجوداً لكنّه ليس موضوعاً للمشتق كما حقّقناه في محلّه.
والحاصل: أنّ المفهوم البسيط مختص بالمباشر، والجامع المركّب وإن كان يعمّ الوكيل والموكّل والمباشر ومن هو سبب، لكنّه ليس موضوعاً له، واستعماله مجازاً في المباشر والسبب خلاف الظاهر، فعلى ذلك فهو يختصّ بمن قام بالبيع

صفحه 43
وهو الوكيل (1).
يلاحظ عليه: أنّه لو أُريد عن البيّع العاقد لاختصّ بالمباشر قطعاً، لأنّ من صدر منه العقد هو الوكيل، وأمّا إذا أُريد منه من قام به المعنى الاعتباري، فلااشكال في أنّ البيع صدر من الوكيل والموكّل معاً، ولأجل صدوره منهما يتوقّف على وجود شروط في الموكّل من كونه عاقلاً بالغاً مريداً غير مكره، مالكاً للمبيع غير محجور، وموكِّلاً إيّاه، وعلى شروط في الوكيل، وعندئذ يرى العرف كليهما مصدرين لتحقّق تلك الماهية، ولا يعد ذلك من قبيل السبب والمباشر كالأمر بالقتل، إذ لا شكّ هنا أنّ القتل قائم بالمباشر لا بالسبب، بل يعد ذلك من قبيل نسبة أفعالنا إلى الأعضاء والجوارح، وفي الوقت نفسه ينسب إلى أنفسنا فالعين ترى كما أنّ النفس ترى كذلك، وكلتا النسبتين حقيقيتان، ونظير ذلك نسبة أفعالنا إلينا وفي الوقت نفسه إلى المبادئ العالية، فالفعل كما هو منتسب إلينا انتساباً صدورياً فكذلك منتسب إلى المبادئ العالية بالصدور لا بالتسبيب، ومن المعروف قول المحقّق السبزواري:
«والفعل فعل اللّه وهو فعلنا».
ومن رأى أنّ مسألة أفعال العباد بالنسبة إلى اللّه سبحانه مسألة التسبيب، فقد غفل عن حقيقة التوحيد الافعالي و مع ذلك لا ينسب إليه نقائص الأفعال وشرورها وعناوينها المادية كالأكل والشرب ونظير المقام أيضاً، الأفعال التي تقوم بها جنود الرب من الملائكة كالتوفّـي وغيره، فالتوفّـي صادر من اللّه سبحانه وفي الوقت نفسه صادر عن الملائكة. قال سبحانه: (اللّهُ يتوفّـى الأنفسَ حينَ موتها)(الزمر/46)

1 . كتاب البيع، قسم الخيارات، ج4، ص 58 ـ 60 بتلخيص منّا.

صفحه 44
وكذلك يقول: (الَّذِينَ تتَوفّاهمُ الملائكةُ طيّبين يقولونَ سلامٌ عليْكمْ) (النحل/32).
وعلى الجملة فبما أنّ بعض مبادئ البيع قائم بالموكِّل والبعض الآخر بالوكيل، يرى العرف كليهما مصدرين له، والمتّبع هو المفهوم العرفي لا الدقة العقليّة، فالبيّع بمعناه البسيط (من صدر منه البيع الاعتباريّ) منطبق على الوكيل والموكّل معاً في نظر العرف، وهذا كاف.
ولعل الأقوى هو القول الأوّل وهو ثبوت الخيار لهما مطلقاً.

هل الخيار في الوكيل والموكّل واحد أو متعدّد ؟

ثمّ إذا قلنا بأنّ لكل واحد من الوكيل والموكِّل حقّاً مجعولاً من جانب الشارع يقع الكلام في أنّه:
هل الخيار في موردهما خيار واحد فكل من سبق منهما إلى إعماله نفذ وسقط خيار الآخر، فلو أنفذ الوكيل أو الموكّل فقد نفَذ البيع ولا يبقى للآخر مجال للاعمال، وذلك لأنّ هنا حقّاً واحداً فقد سبق أحدهما إلى حيازته فلم يبق موضوع للآخر.
كما أنّه سبق إلى إعماله بالفسخ فلا يبقى للآخر موضوع، فليس المقام على هذه الصورة من قبيل تقديم الفاسخ على المجيز، كما إذا كان لكلّ من البائع والمشتري خيار، فلو فسخ أحدهما لم يبق للآخر مجال الاجازة وذلك لأنّه فيما إذا كان الحق متعدّداً، فيكون الفسخ من أحد الجانبين مقدَّماً على إجازة الآخر.

صفحه 45
وأمّـا المقـام فالفاسـخ وإن كـان مقـدّماً لكـن تقـدّّمـه على المجـيز لأجـل عدم الموضوع للاجازة بعد كون الحـق واحـداً سبـق إليه الفـاسخ، فلم يبق بعد الفسخ موضوع حتى يسبق إليه المجيز، فالتقدّم أشبه بالسالبة بانتفاء الموضوع.
هذا ما يظهر من الشيخ بتوضيح منّا.
ولكن يمكن أن يقال بتعدّد الحق، وذلك لأنّ الحكم متعلّق بعنوان البيّع وهو منطبق على كل من الوكيل والموكّل، وللوكيل خيار لكونه مصداق «للبيّع» وللموكِّل خيار لكونه مصداقه، فالخيار وإن كان حكماً واحداً لكنّه يتكسّـر بتعدّد موضوعه.
فعند ذلك يختلف حكم الصورتين. أمّا إذا قام أحدهما بالتنفيذ فعلى مبنى الشيخ يسقط خيار الآخر لعدم الموضوع له، وعلى هذا المسلك لا يتعدّى تنفيذه عن اسقاط خياره، فيبقى للبيّع الآخر خياره بما هو بيّع.
وأمّا إذا قام أحدهما بالفسخ فيكون من قبيل تقديم الفاسخ على المجيز، فيكون للتقدّم موضوع كما إذا كان لكل من البائع والمشتري خيارٌ.
وعلى هذا الأساس يظهر حكم التفرّق عن المجلس فيما إذا كان للوكيل والموكّل خيار، فعلى القول الأوّل يكفي مطلق التفرّق لفرض أنّ هنا خياراً واحداً مغيّىً بالتفرّق وهو حاصل بتفرّق واحد من الأصيل والوكيل.
وعلى القول الثاني أعني: القول بتعدّده حسب تعدّد البيّع فتفرّق أحدهما لايتجاوز عن إسقاط خياره فيبقى للآخر حكمه، وإنّما يسقط خيار الآخر

صفحه 46
بالتفرّق الكامل أي تفرّق كلّ من الأصيل والوكيل.
والعجب أنّ الشيخ الأعظم مع أنّه اختار المذهب الأوّل أي وحدة الخيار مع كثرة من قام به، قوّى كون الملاك في التفرّق هو تفرّق الكل، مع أنّ لازم مبناه هو الاكتفاء بصرف التفرّق.
ولأجل ذلك أورد عليه السيد الطباطبائي بأنّ الظاهر أنّ الحكم معلّق على صدق التفرّق والمفروض صدقه.

تفويض الأمر إلى الوكيل:

فلو كان الموكّل ذا خيار دون الوكيـل كما إذا كان وكيـلاً في اجـراء الصـيغة فقـط، فهـل للموكّل تفويـض الأمـر إلى الوكيل؟ قال الشيخ: الأقوى العدم لأنّالمتيقّن من الدليل ثبوت الخيار للعاقد في صورة القول به عند العقد، لالحـوقه له بعده. نعم يمكن توكيله في الفسخ أو في مطلق التصرّف فسخاً أو التزاماً (1).
يلاحظ عليه: بأنّ الخيار القابل للتفويض حدث حين العقد وإنّما يُفوّض إليه بعد العقد، فما هو الشرط وهو أصل الخيار موجود حينه، نعم كون الوكيل ذا حقّ خياري فإنّما هو بعده، ولا يظهر من الدليل لزوم وجود التفويض حين العقد، بشهادة أنّ الخيار حقّ قابل للنقل والاسقاط كما سيوافيك، فكيف يصحّ لنا المنع منه؟

1 . الشيخ الأنصاري: المتاجر: قسم الخيارات ص 217.

صفحه 47

عدم ثبوت الخيار للفضولي:

إنّ الكلام في البيع الفضولي وتحقيقه موكول إلى محلّه، فالبيع الفضولي عندنا قبل الاجازة ليس عقداً ولا بيعاً ولا تشمله العمومات والمطلقات، بل هو شيء لغو عند العقلاء، وأشبه بتنظيم الأجنبي سنداً لبيع دار الغير فلا يعد مثل ذلك مصداقاً للبيع الممضى من قبل الشرع. نعم إذا ألحقته الاجازة ينطبق عليه البيع ويشمله (أَوفوا بالعقود)بمعنى أوفوا بعقودكم، فقبل الاجازة فاقد للاستناد، وإنّما يتحقّق الاستناد بالاجازة لكن إذا صدر ممّن له صلة بالمالك بنحو من الأنحاء كالقرابة والصداقة، لا ما إذا كان أجنبيّاً بحتاً، لعدم كونه متعارفاً.
وعلى ضوء ما ذكرنا فليس للفضولي خيار المجلس لا قبل الاجازة لعدم صدق «البيع» ولا «البيّع» الواردين في العمومات والمطلقات ، ولا بعدها فلأنّه لايتجاوز عن الوكيل في مجرّد اجراء الصيغة، وقد علمت عدم شمول الدليل لمثله.
وأمّا كون المالك ذا خيار في المقام فلا بأس به، لأنّه يكون بيّعاً بعد الاجازة، وقد علمت أنّ البيّع وضع لمن صدر منه البيع وهو ـ بعد الاجازة ـ بالاجازة من مصاديق من صدر عنه البيع، ولكنّ الكلام في تعيين مجلس الخيار، فهل الميزان هو حضورهما (المالكين) في مجلس العقد وهو يتوقّف على أن لا يتفرّقا من زمان اجراء الصيغة إلى زمان صدور الاجازة، أو الميزان هو مجلس الاجازة بشرط حضورهما في مجلس الاجازة فما لم يتفرّقا لكان لكلّ من المجيز والمالك الآخر خيار المجلس؟ هذا هو الأقوى لما عرفت من أنّ عقد الفضولي ليس بيعاً ولا عقداً مُمضى للشارع وإنّما يصير عقداً من حين الإجازة، فكأنَّ الاجازة تنفخ الروح في

صفحه 48
العقد، ويعتبر أمراً قانونياً في مجلس الاجازة في عالم الاعتبار، فما دام المجيز والمالك الآخر غير متفرّقين عن مجلس الاجازة، فالخيار باق.
هذا من غير فرق بين كون الاجازة ناقلة أو كاشفة إمّا على الأوّل فهو واضح وإمّا على الثاني، فلأنّ الكشف الحقيقي باطل بمعنى وجود الملكيّة في الواقع قبل تحقّق الاجازة لأنّ معناه الغاء الاجازة والرضا في تحقّق الملكية، فينحصر المراد منه بأمرين:
1ـ الكشف الحكمي بمعنى ترتيب آثار الملكية للعين المشترى من الفضولي.
2ـ القول بأنّ الاجازة توجد ملكيّة في الماضي من زمان الاجازة كما أنّ العقد من المالك يوجد ملكيّة في المستقبل، وبما أنّ الملكيّة من الأُمور الاعتبارية فلا مانع من كون مال في يوم واحد ملكاً للمجيز وبعد الاجازة ملكاً للمشتري، وذلك لاختلاف زمن اعتبار الملكيّة للشخصين، فالعين وزمان مملوكيتها وإن كانا واحدين لكن زمان الاعتبار مختلف.
وعلى كل تقدير فبما أنّ الحكم بترتيب الآثار بكلا المعنيين إنّما هو بنفس الاجازة فالعبـرة بمجلسها لا بمجلس العقد.
ثمّ إنّه إذا تبايع غاصبان ثمّ تفاسخا، قال الشيخ: لم يزل العقد قابلاً للحوق الاجازة، بخلاف ما لو ردّ الموجب منهما قبل قبول الآخر، لاختلال صورة المعاقدة.
يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره مبني على أنّ إيجاب الفضولي (الغاصب) كايجاب المالك حكماً فيجوز للثاني إبطال ايجابه قبل قبول القابل، فكذا يجوز للفضولي ردّ

صفحه 49
ايجابه بعد تحقّقه لكن القياس غير صحيح، فكما أنّه لا حقّ للفضولي بعد تحقّق الكل فهكذا لا حقّ له بعد تحقّق الجزء، وكما أنّ الكل قابل للاجازة فهكذا الجزء قابل للحوق القبول، وليس ايجاب الفضولي مثل ايجاب المالك الذي له ابطال ايجابه قبل قبول المشتري، وبعبارة أُخرى: إذا كان أمر الفضولي أشبه بتنظيم السند الخالي عن الامضاء فلا بأس للاعتناء به مطلقاً من غير فرق بين الجزء والكل.

لو كان العاقد واحداً:

هذا كلّه في ما إذا كان هناك عاقدان، وربّما يتّحد العاقد ويعقد عن الطرفين ولاية ووكالة، أو أصالة من جانب نفسه، وولاية ووكالة من جانب غيره، فالصور المتصوّرة أربعة، والصحيح منها ثلاثة:
1ـ أن يشتري لنفسه عن غيره.
2ـ أن يشتري لغيره عن نفسه.
3ـ أن يشتري لغيره عن غيره.
وأمّا القسم الرابع: وهو أن يشتري لنفسه عن نفسه فهو باطل (1).
فيقع الكلام في مقامين: « الأوّل»: في ثبوت الخيار وعدمه، «الثاني»: فيما هو المسقط على فرض الثبوت.
أمّا المقام الأوّل ففيه قولان: الأوّل: ثبوت الخيار وهو الظاهر عن الشيخ في

1 . وبذلك يظهر معنى عبارة الشيخ حيث يقول: لو كان العاقد واحداً لنفسه أو غيره عن نفسه أو غيره ولاية أو وكالة، فالمقصود أن يعقد لنفسه (عن غيره)، أو لغيره عن نفسه، أو لغيره (عن غيره).

صفحه 50
مبسوطه وابن البراج في مهذبه والمحقّق في شرائعه، والشهيد في دروسه. والثاني: عدم الخيار، واستقربه صاحب الحدائق.
أمّا القول بثبوت الخيار، فيقال: إنّ العاقد الواحد بائع ومشتر فله ما لكلّ منهما كسائر أحكامها الثابتة لهما من حيث كونهما متبايعين، فكما أنّ سائر أحكام المتبايعين ثابت للعاقد الواحد فهكذا خيار المجلس (1).
فإن قلت: إنّ الموضوع في لسان الدليل: «البيّعان» وهو لا يصدق على الواحد.
قلت: إنّ التثنية، لجهة بيان أنّ الحكم ثابت لكلّ من البائع والمشتري وليس خاصّاً بواحد منهما، وليست ناظرة إلى وجوب التعدّد حتى يخرج العاقد الواحد، فالغاية من التثنية هو تسرية الحكم إليهما لا لإخراج العاقد الواحد، ولأجل ذلك يقول المحقّق: لو كان العاقد واحداً عن اثنين كالأب والجد، كان الخيار ثابتاً، ومثله غيره.
أمّا عدم ثبوت الخيار: فإنّ الظاهر من الغاية هو ثبوت الخيار فيما إذا أمكن التفرّق، وهو غير ممكن في المقام، وإن شئت قلت: إنّ الموضوع بالنظر إلى النصّ صورة التعدّد، والغاية فيه الافتراق المستلزم للتعدّد، ولو أُجيب عن الأوّل بأنّ الاتيان بالتثنية لغاية التسرية لا لاعتبار التعدّد، يبقى امكان الافتراق بحاله.
فربّما يجاب عن الاستدلال بأنّ قوله ما لم يفترقا محمول على ارادة السلب بمعنى أنّ الخيار ثابت ما لم يحصل الافتراق، وهنا (إذا كان العاقد واحداً) لم يحصل

1 . فلو كان ولياً لصغير فأُكره على العقد يلحقه حكم الاكراه، وإن كان وكيلاً من جانب آخر ولم يحصل التقابض في المجلس في الصرف والسلم يبطل.

صفحه 51
افتراق لعدم ما يحصل به الافتراق، وهو التعدّد.
يلاحظ عليه: أنّ حمل الذيل على ارادة السلب أي تقابل السلب والايجاب، بعيد. والظاهر كون التقابل تقابل العدم والملكة.
وربّما يجاب عن الاستدلال أيضاً بأنّ كلمة «حتى» كما تدخل على الممكن، تدخل على المستحيل، مثل قوله تعالى:
(ولا يَدخلُونَ الجنَّـةَ حتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياط)(الأعراف/ 40).
يلاحظ عليه : بأنّه إذا دخلت لفظة «حتى» على المستحيل لا تكون غاية حقيقة بل تكون صورة غاية، والمقصود هو كون الحكم مستمرّاً إلى الأبد، لا أنّه مستمر إلى تلك الغاية. وهذا بخلاف المقام، فإنّ الافتراق غاية للحكم، والمقصود انقطاع استمراره بحصول الغاية.
والأولى: أن يجاب بالفرق بين كون الغاية قيداً للحكم وبين كونها غاية له، فلو كان المراد هو الأوّل يكون الموضوع الخيار المقيّد بما قبل الافتراق وهذا لايتحقّق إلاّ في مورد أمكن الافتراق، وإن كان المراد هو الثاني يكون الخيار ثابتاً لكلّ من المتبايعين بلا قيد وشرط، وكون التفرّق غاية له، يعني أنّه إن حصل التفرّق يرتفع الخيار، وإن لم يحصل يبقى بحاله، ولا يختص بما إذا حصل التفرّق، ولأجل ذلك لو تعدّد العاقد، ولكن لم يمكن الافتراق كما في الانسانين المتلاصقين إذا تعاملا يكون لهما الخيار وإن لم يمكن الافتراق، وهذا مثلما إذا قيل: «أكرم العلماء إلى أن يفسقوا» وليس المراد الإكرام المقيّد بكونه قبل الفسق بل المراد أنّ الفسق على فرض حصوله رافع للوجوب.

صفحه 52
ثمّ إنّ الشيخ الأعظم توقّف في المسألة وقال: الأولى التوقّف تبعاً للتحرير، ولكنّه لا مجال له، إذ غاية الأمر صيرورة الحديث مجملاً فيرجع إلى الأصل الأوّلي الذي أسّسه في البحث السابق وهو أصالة اللزوم إلاّ ما قام الدليل على الخيار فيه.
هذا كلّه في المقام الأوّل أعني: ثبوت الخيار وعدمه، وأمّا المقام الثاني وهو أنّه على فرض الثبوت فما هو المسقط؟! فذكر المحقّق هنا أُموراً ثلاثة، وقال:
1ـ كان الخيار ثابتاً ما لم يشترط سقوطه (في متن العقد).
2ـ أو يلتزم به عنهما بعد العقد.
3ـ أو يفارق المجلس الذي عقد فيه على قول .
وذكر في الجواهر أنّه لم يعرف قائل المسقط الثالث ولعلّه لبعض العامّة (1). ووهنه ظاهر، لأنّ رافع الخيار ليس هو مفارقة المجلس، ولأجل ذلك لو كان البائعان مصطحبين إلى مقدار من النهار بقي الخيار وإن تركا مجلس العقد، فما ربّما يقال بأنّ مفارقة المجلس مسقطة فإنّما هو لأجل تلازمه مع التفرّق وإلاّ فلا، والأولى الاكتفاء بالمسقطين المذكورين، وإلاّ فيبقى العقد خيارياً حتى يسقط الخيار بسائر الأُمور المسقطة الآتية.

1 . الجواهر، ج23، ص 20.

صفحه 53

في مستثنيات خيار المجلس:

ربّما يستثنى بعض أشخاص المبيع عن عموم هذا الخيار، وقد ذكر الشيخ موارد أربعة:
1ـ من ينعتق على أحد المتبايعين.
2ـ العبد المسلم المشترى من الكافر.
3ـ شراء العبد نفسه.
4ـ المبيع إذا لم يكن قابلاً للبقاء كالجمد في الجو المشمس الحار.
المسألة الأُولى:
إذا اشترى رجل من ينعتق عليه فيقع الكلام في موضعين:
الأوّل: تعلّق الخيار بالعين.
الثاني: تعلّقه بأخذ القيمة.
أمّا الأوّل فالظاهر من غير واحد عدم الخيار بالنسبة إلى العين، غير أنّه حكي عن الدروس ثبوت الخيار للبائع. أمّا بيان عدم تعلّقه بالعين على وجه الاجمال فلتضافر الروايات على أنّهم إذا ملكوا عتقوا. كصحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر ـعليهالسلامـ قال: «إذا ملك الرجل والديه أو اخته أو خالته أو عمّته عُتِقوا» (1).
وموثقة عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه: «إذا ملك الرجل والديه أو اخته أو عمّته أو خالته عُتِقوا» (2).

1 . الوسائل: ج16، الباب 7، من كتاب العتق، الحديث 1و 4، ولاحظ: الحديث 1، من الباب الرابع من كتاب بيع الحيوان.
2 . الوسائل: ج16، الباب 7، من كتاب العتق، الحديث 1و 4، ولاحظ: الحديث 1، من الباب الرابع من كتاب بيع الحيوان.

صفحه 54
وظاهر الرواية تحقّق الانعتاق بمجرّد التملّك، ومن المعلوم أنّه لا رقّية بعد الحرية، فلا يعود الحر رقّاً.
نعم، على قول من يذهب إلى توقّف الملكية على انقضاء زمان الخيار، أو قول من يقول بأنّ الانعتاق من آثار الملكية المستقرّة لا المتزلزلة، أو قول من يقول إنّ الانعتاق وإن كان يحصل بمجرد الملك إلاّ أنّه متزلزل يقبل العود إلى الرقية، وما دلّ على أنّ الحر لا يعود رقّاً، فإنّما هو في الحرية المستقرّة أو الأصلية، ـ على هذه الأقوال ـ فالخيار بعد باق لامكان رجوع العين، غير أنّ المبنى الأوّل باطل لذهاب المشهور إلى خلافه، ولم ينقل إلاّ عن الشيخ.
وأمّا المبنى الثاني فكون العتق من آثار الملكيّة المستقرّة على خلاف اطلاق الروايتين، فإنّ ظاهره أنّ الملكية آناً ما يوجب العتق من غير فرق بين المستقرّة وغيرها، وبذلك يظهر ضعف الثالث من التشكيك في اطلاق عدم عود الحرّ رقّاً فتخصيصه بالحرية المستقرّة كما ترى.
ثمّ لو صحّت هذه الاحتمالات لم يبق فرق بين رد المشتري والبائع فلا وجه لتخصيص الخيار بالبائع دون المشتري، غير أنّ المعلوم من مذاق الشارع هو اشاعة العتق وتقليل الرقّية، فالاحتمالات الثلاثة لا تجتمع مع ما هو المعلوم من مذاق الشارع في مورد الرقّية، فعدم تعلّق الخيار بالعين هو الأظهر.

تعلّق الخيار بأخذ القيمة:

أمّا الثاني أي تعلّقه بأخذ قيمة العين ففيه وجهان بل قولان: بين ناف لبقاء الخيار، ومثبت له، فقد استدل النافي بوجوه نشير إليها:

صفحه 55
1ـ عدم صدق البيّعين على المتعاقدين وإنّما هو صـورة شـراء، والانشـاء مقدمة للانعتاق، والمقام أشبه بالبيع الاستنقاذيّ، كما في شراء الأسير المسلم من الكافر (1).
يلاحظ عليه: أنّه خلط بين الغاية ونفس العمل، فالغاية شيء وما يقوم به الطرفان شيء آخر، والعمل في نظر العرف بيع وشراء، فهذا يبيع رقيقه، وذاك يشتريه، وإن كان الباعث للشراء هو العطوفة والمحبّة الرحمية.
2ـ ما ذكره في التذكرة من أنّ المشتري وطَّن نفسه على الغبن المالي والمقصود من الخيار أن ينظر ويتروّى لدفع الغبن عن نفسه، وأمّا من جهة البائع فهو وإن كان عقد معاوضة لكن النظر إلى جانب العتق أقوى (2).
يلاحظ عليه: بأنّ المشتري وطَّن نفسه لصرف مقدار من المال يساوي قيمة الرقيق في طريق رحمه، ولا يطلب من ذلك سوى عتقه، وأمّا التوطين على صرف ما يزيد على قيمته (وإن لم يصدق الغبن) فليس بثابت لو لم نقل بثبوت خلافه فيقوم باعمال الخيار لدفع الضرر بدفع القيمة وأخذ الثمن.
3ـ انصراف دليل الخيار إلى حال وجود العوضين، فإذا تلف أحدهما أو كلاهما فلا خيار، فإنّ الانعتاق شرعاً يعد نوع تلف، لامتناع رجوع الحرّ رقّاً.
يلاحظ عليه: بأنّه لا وجه للانصراف أو للاختصاص ببقاء العين سوى ما سيجيئ في الوجه الخامس من قيام الخيار بالعين، فإذا تلفت العين تكويناً أو تشريعاً فلا موضوع للخيار، وسيوافيك ضعفه، وانّ الخيار قائم بالبيع والعقد،

1 . منية الطالب : ج2، ص 17.
2 . تذكرة الفقهاء: ج1/491.

صفحه 56
وتعلّق الخيار حدوثاً وإن كان متوقّفاً على وجود العوضين أو أحدهما، ولكن بقاؤه أوسع من ذلك فيبقى الخيار ببقاء البيع والعقد، وإن كانت العين تالفة حقيقة أو حكماً.
4ـ ما اعتمد عليه الشيخ الأعظم من أنّ الشراء، إتلاف له في الحقيقة وإخراج له عن المالية، وسيجيئ سقوط الخيار بالاتلاف بل بأدنى تصرّف، فسقوط خيار المشتري لأجل كونه متلِفاً.
وأمّا سقوط خيار البائع، فلأنّ بيعه ممّن ينعتق عليه اقدام على اتلافه واخراجه عن الماليّة. ثمّ قال: إنّا إذا قلنا إنّ الملك فيمن ينعتق عليه، تقديري لاحقيقي، فالمعاملة عليه من المتبايعين مواطاة على اخراجه عن المالية وانسلاكه في ما لا يتموّل لكنّه حسن مع علمهما (1).
وحاصل كلامه أنّ بيع العبد ممّن ينعتق عليه اتلاف بشرطين:
الأوّل: علمهما بأنّ المبيع ممّن ينعتق على المشتري.
الثاني: أنّ مالكية المشتري لمن ينعتق عليه تقديري لا حقيقي.
أمّا الأوّل فشرطه واضح، لأنّ الجاهل لم يقدم على الاتلاف، وإن كان التلف مترتّباً عليه.
وأمّا الثاني فلأنّه إذا كانت الملكية تقديرية كانت الغاية من البيع هي التحرير، ويكون العقد صورة قانونية للهدف من دون أن يكون هناك بيع ولا شراء، بل أشبه باستنقاذ الأسير المسلم من الكافر. وعلى ذلك فالاقدام على بيع من

1 . المتاجر: قسم الخيارات ص 218.

صفحه 57
ينعتق، اقدام على الإعتاق، وانشاؤه انشاء له، وهذا بخلاف ما إذا كانت الملكيّة حقيقية فالبائع إنّما أقدم على ملكية المشتري، والثاني اشتراه لتلك الغاية، وأمّا الانعتاق فهو أثر مترتّب على الملكية وعلى المنشأ.
هذا ما يمكن به توضيح كلام الشيخ.
ولكن يمكن أن يقال: إنّه لا فرق بين كون الملكية تقديرية أو تحقيقية، أمّا على الأوّل فلما ذكره، وأمّا على الثاني فالطرفان وإن أقدما على الملكية لا على التحرير، ولكنّهما لما كانا واقفين على أنّ انشاء الملكيّة يترتّب عليه التحرير، والانعتاق، فلا ينفك قصد السبب عن قصد المسبّب، أعني: التحرير، وهذا نظير ما إذا قامت أُمّ الزوجة بارضاع ولد بنتها مع العلم بأنّه يترتّب عليه شرعاً حرمة بنتها على زوجها فلا يصحّ لها أن تعتذر بأنّها لم تقصد إلاّ الرضاع وسدّ الجوع دون التحريم، وإنّما هو حكم قضى به الشارع، وذلك لأنّ العلم بأنّ السبب (ارضاع ولد الولد) لا ينفك عن المسبّب، يستلزم كونه قاصداً للتحريم بلا شك.
والحاصل: أنّه لا يظهر فرق بين الملكية التحقيقية والتقديرية في عد البيع في أحدهما اتلافاً دون الآخر وإن كان الانعتاق في الثانية نتيجة الانشاء بلا فصل، ونتيجة الملكية المنشأة في الأُولى.
وبذلك يظهر عدم تمامية ما ذكره السيد الطباطبائي (قدس سره)من أنّ الشراء ليس اتلافاً بحسب قصد المتعاقدين وإن علما بأنّ الحكم الشرعي ذلك، فهو كما لو باعا مع العلم بوجود خيار المجلس أو الحيوان، فإنّه ليس اقداماً على الخيار وجعلاً له، حتى يكون راجعاً إلى خيار الشرط.
وبعبارة أُخرى: المفروض أنّه لا يقصد منه إلاّ التملّك الحقيقي، والانعتاق

صفحه 58
حكم تعبّدي شرعي قهري، بل لو قصد بالشراء الاعتاق بطل، لأنّ العتق فرع الملكية (1).
وجه النظر يظهر ممّا ذكرناه، إذ لا شكّ أنّ الطرفين قصدا الملكية لكن قصد الملزوم لا ينفك عن قصد لازمه عند العلم بالملازمة.
وتبعه المحقّق النائيني حيث قال: إنّ الانعتاق حكم شرعي مترتّب على الملك، فمجرّد علم المتبايعين به لا يؤثّر في سقوط الخيار لأنّهما لم يُقدِما إلاّ على بيع العبد، والانعتاق والخيار حكمان مجعولان واردان على الموضوع، فلا وجه لترجيح أحدهما على الآخر (2).
والأولى في الجواب أن يقال: إنّه ليس هناك دليل لفظي على بطلان الخيار بالاتلاف إلاّ ما ورد في باب خيار الحيوان من أنّ التصرّف والاحداث فيه يسقط خيار الحيوان، ففي صحيحة علي بن رئاب عن أبي عبد اللّه ـعليهالسلامـ قال: «الشرط في الحيوان ثلاثة أيّام للمشتري، اشترط أم لم يشترط، فإن أحدث المشتري فيما اشترى حدثاً قبل الثلاثة أيّام فذلك رضا منه، فلا شرط، قيل له: وما الحدث؟ قال: إن لامس أو قبّل أو نظر منها إلى ما كان يحرم عليه قبل الشراء» (3).
وهذه الروايات صريحة في التصرّف التكويني، وأمّا التصرّف التشريعي بمعنى إيجاد فعل يحكم الشارع عليه بالانعدام تشريعاً، فلا يشمله لسان الدليل، فالحق بقاء الخيار حتى مع الانعتاق.

1 . تعليقة السيد الطباطبائي على الخيارات، ص 7.
2 . منية الطالب: ج2، ص 17.
3 . الوسائل: ج12، الباب 4، من أبواب الخيار، الحديث 1.

صفحه 59
5ـ أنّ الفسخ عبارة عن ارجاع العوضين إلى محلّهما قبل البيع، ولا يعقل ارجاع المعدوم كما لا يعقل بيع المعدوم، والمنعتق وإن لم يكن معدوماً لكنّه بحكمه لأنّه لا يمكن ارجاعه تحقيقاً إلى محلّه، ولا ارجاعه إلى ملك المشتري لينتقل منه إلى البائع تحقيقاً لحقيقة الفسخ.
يلاحظ عليه: أنّ مبنى الاستدلال أنّ الخيار متعلّق بالعين، فإذا تلفت ولو شرعاً لم يبق لاعمال الفسخ مجال لأنّه عبارة عن ارجاع العوضين إلى محلِّهما قبل البيع، ولا يعقل ارجاع المعدوم، وفي كلا الأمرين نظر.
أمّا الأوّل: أي تعلّق الخيار بالعين، فهو خلاف ظاهر الأدلّة لأنّ لسانها هو «البيّعان بالخيار» بمعنى أنّ المتعاقدين بالخيار، فالخيار يحمله العقد وإن كان أثره يظهر في متعلقه، أعني: الثمن والمثمن، والعقد حدوثاً وإن كان يتوقّف على وجود العوضين أو أحدهما، ولكنّه بقاءً غير متوقّف عليه، فلو تلف المبيع لا يكون العقد معدوماً فالتعهّد أو التعاهد باقيان على حالهما، فلو كان هناك فسخ فيتعلّق بحل العقد ورفع العهد، وحلِّه.
وأمّا الثاني: أعني كون الفسخ عبارة عن ارجاع العوضين إلى محلّهما قبل البيع فهو أيضاً غير تام وإنّما هو أثر الفسخ في بعض الموارد فالفسخ حقيقة عقلائية، وحل العقد أمر عرفي، له آثار مختلفة حسب اختلاف موارده.
فتارة يكون أثره هو ما ذكر كما إذا حلّ العقد وكانت العينان باقيتين.
وأُخرى يكون ارجاع من جانب والتخلّي عن العهد من جانب آخر، كما إذا باع قمحاً على وجه السلف وأخذ الثمن ثمّ فسخه المشتري، فيرجع الثمن إلى المشتري، ولا يرجع إلى البائع شيء سوى تخلِّيه عن العهد.

صفحه 60
والحاصل: أنّ الفسخ أمر عقلائي يطلب لنفسه في كلّ مورد أثراً ولا ينحصر أثره بما ذكر، وعلى ضوء ذلك فلو فسخ البائع وكانت العين باقية، ترجع العين إلى ملكه، وأمّا لو كانت تالفة تكويناً أو تشريعاً فينتقل إلى بدلها، أعني: القيمة السوقية حسب حكم العقلاء، ولا يكون لحلِّ العقد هنا أثر إلاّ ذاك، فإذا كان لدليل الخيار اطلاق حتى في مورد تلف العين، يكون العمل به على هذا النحو العقلائي.
ثمّ إنّ الشيخ ذكر هناك وجهين مختلفين: فعلى الأوّل ذهب إلى أنّه لا أثر لاعمال الخيار، وهو رجوع المبيع إلى المشتري، حتى ينتقل إلى بدله دون الثاني، وإليك ملخّص عبارته، ثمّ إيضاحها.

الوجه الأوّل:

إذا قلنا: إنّ فسخ العقد خروج الملك عن ملك من انتقل إليه إلى ملك من انتقل عنه نظراً إلى أنّ خروج أحد العوضين (المبيع) عن ملك أحدهما (المشتري) يستلزم دخول الآخر فيه ولو تقديراً (1) لم يكن وجه للخيار فيما نحن فيه. ولو قلنا بكون الخيار بمجرد العقد، والانعتاق عقيب الملك آناً ما إذ برفع العقد لا يقبل المنعتق عليه لأن يخرج من ملك المشتري إلى ملك البائع ولو تقديراً، إذ ملكية المشتري لمن ينعتق عليه لا يترتّب عليه سوى الانعتاق، ولا يجوز تقديره بعد الفسخ قبل الانعتاق خارجاً عن ملك المشتري إلى ملك البائع ثمّ انعتاقه مضموناً

1 . هو قيد للخروج أي خروج المبيع عن ملك المشتري تقديراً، ودخوله في ملك البائع وفرض تلفه في ملكه حتى يكون مضموناً له على المشتري لأنّ المفروض أنَّ المتلف هو المشتري وقد أتلفه في ملك البائع.

صفحه 61
على المشتري، كما لو فرض بيع المشتري للمبيع في زمن الخيار ثمّ فسخ البائع، والحاصل أنّ الفاسخ يتلقّى الملك من المفسوخ عليه، وهذا غير حاصل فيما نحن فيه (1).
توضيح هذا الوجه بذكر أمرين:
1ـ أنّ ضمان المشتري للمبيع لا يتحقّق إلاّ إذا تلف المبيع في ملك البائع، فلأجل ذلك لا مناص من تقديره ملكاً للبائع حتى يكون التلف من جانب المشتري في ملكه ويكون ضامناً.
2ـ أنّ الفاسخ لا يتلقّى الملك إلاّ من المفسوخ عليه، وهو المشتري، فيجب أن يتملّكه المشتري قبل التلف ثمّ يخرج من ملكه إلى ملك البائع ويفرض التلف في ملكه.
وبما أنّ الأمر الثاني لا يتحقّق في المقام لأنّه كلّما تملّكه المشتري بعد فسخ البائع، يترتّب عليه الانعتاق ولا تصل النوبة إلى تلقّي الفاسخ الملك من ملك المفسوخ عليه، فلا يكون لهذا الفسخ أثر، وهذا بخلاف ما إذا كان التلف تكوينيّاً كما إذا تلف المبيع عند المشتري، فإذا فسخ البائع يقدر خروجه عن ملك المشتري ودخوله في ملك البائع قبل التلف، فيكون التلف في ملك البائع.
هذا هو مقصوده، ولكنّك خبير بأنّ ما ذكره اعتبارات لا يساعده العرف في المقام، إذ لا دليل على الأمر الأوّل، أي بأن يكون الضمان موقوفاً على كون التلف في ملك البائع، بل لو فرضنا أنّ التلف كان في ملك المشتري ولكن قام البائع لحل

1 . المتاجر: قسم الخيارات ص 218، طبعة تبريز، وفي المطبوعة سقط قوله: «ملك من انتقل إليه إلى» فلاحظ.

صفحه 62
العقد عن حين الفسخ. لزم على المشتري عند العقلاء أن يقوم برد المبيع إن كان موجوداً وبدله إن كان تالفاً أخذاً بالتعهّد من دون حاجة إلى هذه التجشّمات.
كما لا دليل على الأمر الثاني أي تملّك الفاسخ الملك (العين) من المفسوخ عليه، بل يكفي تملّكه البدل منه.

الوجه الثاني:

إن قلنا إنّ الفسخ لا يقتضي أزيد من ردِّ العين إن كان موجوداً وبدله إن كان تالفاً أو كالتالف، ولا يعتبر في صورة التلف امكان تقدير تلقّي الفاسخ الملك من المفسوخ عليه، بل يكفي أن يكون العين المضمونة قبل الفسخ بثمنها مضمونة بعد الفسخ بقيمتها مع التلف ...كان الأوفق بعمومات الخيار ، القول به هنا.
وهذا هو الذي أيّدناه وقلنا إنّ حكم العقلاء بالضمان لا يتوقّف على التكلّفات الموجودة في الوجه الأوّل.
هذا كلّه حول المسألة الأُولى أي بيع العبد ممّن ينعتق عليه.
وليعذرني اخواني فقد خرجنا عمّـا تعهّدنا به في صدر البحث من الاجتناب عمّـا لا يمسّ الحياة في عصرنا هذا، ولكن لمّا كان البحث عن هذه المسألة مفيداً لأجل تحقيق حقيقة الفسخ، فقد آثرنا خطوات القوم في المقام.

المسألة الثانية:

إذا اشترى العبد المسلم من الكافر فربّما يحتمل عدم الخيار لما ذكره الشيخ في الوجه الأوّل من أنّ الفسخ يتوقّف على رجوع العين إلى مالكه الأصلي (الكافر) ولو تقديراً، لتكون مضمونة له بقيمته على من انتقل إليه، ورجوع المسلم إلى الكافر

صفحه 63
غير جائز.
ولكنّك قد عرفت أنّ الفسخ لا يتوقّف على رجوع العين، لا إلى المشتري ثمّ البائع كما في المسألة الأُولى، ولا إلى المالك الأصلي كما في المقام، وبما أنّ رجوع المسلم إلى الكافر غير جائز يكفي في الضمان لزوم الخروج عن عهدته، فلو كانت العين موجودة فبردّها وإلاّ فبقيمتها من دون حاجة إلى دخوله إلى ملك أحد من المشتري أو البائع.
وأمّا المسألة الثالثة: أعني شراء العبد نفسه، فلعلّ عدم الخيار ولو بالنسبة إلى القيمة هو الأظهر لعدم شمول أدلّته له.
وأمّا المسألة الرابعة: أعني عدم الخيار فيما إذا لم يكن قابلاً للبقاء فلانصراف الأدلّة عن مثله.

خيار المجلس وسائر العقود:

يظهر من غير واحد، اتّفاق العلماء على عدم دخول خيار المجلس في العقود الجائزة، قال الشيخ الطوسي: الوكالة، والعارية ، والقراض، والجعالة، والوديعة لا خيار فيها في المجلس، ولا يمتنع دخول الشرط فيها، ثمّ قال: دليلنا على عدم الدخول، هو الاجماع (1).
و سبب ذلك أنّ الموضوع لخيار المجلس في الروايات، هو البيّع، فلا يثبت في العقود الأُخرى مطلقاً، جائزة كانت أم لازمة، أمّا الأُولى فلاختصاص أدلّة

1 . الخلاف 3/13، كتاب البيوع، المسألة 7. وقريب منه كلام القاضي في جواهره لاحظ المسألة195.

صفحه 64
خيار المجلس بالعقد اللازم، مضافاً إلى لغوية دخوله فيها، لأنّها في جميع الأوقات جائزة، ولا حاجة للتوقيت.
إنّما الكلام في ثبوته، في العقود اللازمة كالاجارة والصلح، فالحق حسب أُصولنا عدمه، لاختصاص الموضوع بالبيّع، وهو غير صادق على الموجر والمتصالح، قال الشيخ: إذا احال بمال عليه على غيره، فَقَبِلَ المحتال الحوالة، جاز أن يدخلها خيار الشرط ولا خيار مجلس فيه، وقال الشافعي: لا يدخله خيار الشرط وفي خيار المجلس وجهان (1) ، وذكر في ما إذا ملك الشفيع الشقص بالثمن، وانتزع عن يدي المشتري أنّه ليس له خيار المجلس (2).
فإن قلت: إنّ الظاهر من الفقهاء تسرية أحكام البيع إلى سائر العقود المعاوضية مثل: كل مبيع قد تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه، ونحو ذلك، فليكن المقام من هذا القبيل.
قلت: إنّ أحكام البيع على قسمين: منه ما يستظهر من أدلّتها أنّها ثابت للبيع لكونه معاوضة، مثلاً انّ الضمان المعاوضي اقتضى كون التلف قبلَ اقباضه من مال بائعه، لا خصوص البيع. ومثله خيار العيب فإنّ جواز الردّ لأجل وجود الاشتراط الضمني على أن يكون المبيع سالماً لأنّ الأصل في الخلقة هو السلامة ـعلى ما سيوافيك تفصيله ـ فلو تخلّفت يكون له نقض المعاوضة، لأنّها على خلاف الأصل الذي هو كالشرط الضمني فيعم الحكم كل معاوضة، وهذا بخلاف المجلس فإنّه حكم تعبّدي ورد في مورد البيع لا يتعدّى من البيع إلى غيره إلاّ بدليل شرعي.

1 . الخلاف: 3/13، كتاب البيوع ، المسألة 11 و 13.
2 . الخلاف: 3/13، كتاب البيوع ، المسألة 11 و 13.

صفحه 65

خيار المجلس وبيع الصرف والسلم:

لا اشكال في شمول اطلاق الدليل لبيع الصرف بعد التقابض، والسلم بعد الاقباض، إنّما الكلام في شموله لما قبلهما. وبعبارة أُخرى: الكلام في مبدأ الخيار، فيهما بعد كونه من حين العقد في غيرهما فهنا وجهان:
الأوّل: إنّ مبدأ الخيار هو العقد في غير الصرف والسلم لظهور النص في كون البيع علّة تامّة للخيار وأمّا فيهما فإنّما هو بعد التقابض والإقباض، وذلك لأنّ الخيار يتعلّق بالعقد الصحيح، والمفروض أنّه لا صحّة قبلهما، فلو تبايعا ولم يتقابضا، وتفرّقا، بطل العقد، بخلاف ما إذا تفرّقا في غيرهما فلا يبطل العقد، وبذلك يظهر الفرق بين التقابض في الصرف والسلم والتقابض في غيرهما، فإنّ التقابض في الأوّل مكمّل للعقد وجزء منه، ولولاه لكان العقد ناقصاً وهذا بخلافه في غيرهما، فإنّ البيع والعقد كاملان، وليس التقابض إلاّ عملاً بالتعهّد وخروجاً عن عهدة الواجب الذي فرضه عليهما العقد.
وإن شئت قلت ـفي وجه عدم الخيار قبل التقابضـ: إنّ الخيار فك العقد الصحيح وحلّه وهو فرع كونه موجوداً، والمفروض أنّه لا يتمّ إلاّ بالتقابض وهو غير متحقّق بعد، ويترتّب عليه: أنّه لا موضوع للخيار قبل التقابض والدليل لا يعمّهما بل هو خارج عنه موضوعاً.
الثاني: إنّ مبدأ الخيار هو العقد مطلقاً، غاية الأمر: أنّ جعل الخيار قبل إكمال العقد، يتوقّف على وجود الأثر وهو موجود، لأنّه إن قلنا بوجوب التقابض تكليفاً، فثمرته هو رفع وجوبه بالفسخ فله أن يمتنع عنه بعده، وإن قلنا بعدم

صفحه 66
وجوبه، فثمرة الفسخ، هو خروج العقد بفسخ ذي الخيار عن قابلية لحوق القبض المملك، ولأجل ذلك لو فرض اشتراط سقوط خيار المجلس في العقد، لم يخرج العقد بفسخ المشروط عليه عن قابليّته.
يلاحظ عليه: أنّ حقيقة الفسخ، هو فك العقد، فلو أمكن صحّ جعله، وإلاّ فلا، وأمّا رفع وجوب التقابض أو إخراج العقد عن القابلية والصلاحية لأن يلحقه القبض المملِّك، فليسا من الآثار البارزة له حتّى يصحّ ثبوته لأجل ذينك الأثرين.
نعم لو صحّ حلّ العقد تترتّب عليه الآثار الأُخر من رفع الوجوب أو إسقاط الصلاحية، ولكن المفروض أنّه لم يتحقّق الموضوع (العقد) .
ثمّ إنّه ربّما يستدلّ على وجوب التقابض بوجهين:
1ـ ماذكر العلاّمة في التذكرة من أنّه لولاه، لزم الربا. والاستدلال ضعيف:
أمّا أوّلاً : فلأنّه يتمّ فيما إذا كان العوضان من جنس واحد لا ما إذا كانا من جنسين كبيع الذهب بالفضّة، فإنّ الزيادة في الأوّل ممنوع دون الثاني.
وثانياً: فلأنّ ترك التقابض يوجب البطلان لا الربا، وإنّما يتصوّر الربا فيما إذا قبض واحد، متأخّراً عن الآخر بمقدار معتد به، فبما أنّ للأجل قسطاً من الثمن، فالمتأخّر قد أخذ أزيد ممّا أخذه المتقدّم (1).
2ـ ما ذكره الشيخ الأعظم من أنّه مقتضى قوله سبحانه: (أوفوا بالعقود) وإن لم يكن العقد هنا بنفسه مملكاً. وهذا الوجه كالسابق، لأنّ المفروض أنّه

1 . التذكرة: 1/ 517، في بيع الصرف قال: لو تعذر عليهما التقابض في المجلس و أرادا الافتراق لزمهما أن يتفاسخا العقد بينهما فإن تفرّقا قبله كان ذلك ربا....

صفحه 67
لاعقد قبل التقابض، لأنّه شرط في صحّة العقد، فما لم يتحقّق التقابض لايتمّ العقد، وكونه عقداً عرفاً قبله غير مفيد، بعد تضافر الروايات على شرطية التقابض في صحّة العقد. ففي رواية محمّد بن قيس عن أبي جعفر ـعليهالسلامـ قال: «قال أمير المؤمنين ـعليهالسلامـ: لايبتاع رجل فضّة بذهب إلاّ يداً بيد، ولا يبتاع ذهباً بفضّة إلاّ يداً بيد» (1). ولأجل كونه شرطاً في الصحّة جاء في صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه ـعليهالسلامـ قال: «إذا اشتريت ذهباً بفضّة أو فضّة بذهب، فلا تفارقه حتّى تأخذ منه وإن نزى(2)حائطاً فانز معه» (3).
فالحقّ أن يقال: إنّ مبدأ الخيار في الصرف والسلم إنّما هو بعد التقابض دون غيرهما، فالمبدأ فيه هو تمام العقد مع صحّته.
0 0 0

1 . الوسائل: 12، الباب 2 من أبواب الصرف الحديث 3 .
2 . نزى: وثب.
3 . الوسائل: 12، الباب 2 من أبواب الصرف الحديث 8.

صفحه 68

في مسقطات خيار المجلس:

ذكر الفقهاء أنّه يسقط بأُمور أربعة:
1ـ اشتراط سقوطه في نفس العقد.
2ـ اسقاطه بعد العقد.
3ـ التفرّق عن رضا.
4ـ التصرّف.
فلنأخذ كلّ واحد بالبحث:

المسقط الأوّل : اشتراط سقوطه في نفس العقد:

لا يظهر الخلاف في سقوطه بالاشتراط في متن العقد. والدليل عليه هو عموم: «المؤمنون عند شروطهم» (1) والمفروض أنّ الشرط المزبور أمر جائز في نفسه فلا يشمله ذيله: إلاّ ما حرّم حلالاً أو أحلّ حراماً.
فإن قلت: إنّه معارض بإطلاق أدلّة خيار المجلس والنسبة بين الدليلين عموم من وجه، فلا وجه لتقديم أحدهما على الآخر.
قلت: إنّ دليل نفوذ الشرط الجائز مقدّم على دليل خيار المجلس وذلك لأنّ معنى دليل الخيار أنّ البيع بما هو هو مع قطع النظر عن الطوارئ والعوارض مقتضى للخيار، وأمّا معها فلا بأس من منع تأثير المقتضى كما هو الحال في كلّ

1 . الوسائل: ج12، الباب 6 من أبواب الخيار، الحديث 1 و 2 و 5.

صفحه 69
العناوين الأوّلية بالنسبة إلى الثانويّة، فالتوضّؤ للصلاة بما هو هو واجب والنوافل الليلية بما هي هي مستحبّة، ولا ينافي ذلك ارتفاع وجوب الأوّل بالضرر والحرج، أو كونها واجبة بالنذر وغيره(1).
وما أفاده السيّد الأُستاذ (قدس سره) من أنّ وزان قوله: «من شرط شرطاً فليف بشرطه» وزان قوله تعالى: (أوفوا بالعقود)، غير تامّ لما فيه أوّلاً: أنّه أي فرق بين دليل الشرط ودليل النذر، أعني قوله: (وليوفوا نذورهم)(الحجّ/29) حيث يوصف الثاني دليلاً ثانوياً دون الأوّل مع اتّحادهما في اللسان، أعني: «من شرط شرطاً فليف به».
وثانياً: إنّ التقدّم ليس رهن كون دليل الشرط عنواناً ثانويّاً حتّى يمنع عنه بل يكفي فهم العرف من أنّ الخيار أمر اقتضائي نافذ لو لم يمنع عنه طارئ وحادث مثل الشرط.
وبذلك يعلم أنّه لا حاجة في علاج المعارضة بترجيح دليل الشرط بالكتاب فإنّ الترجيح فرع المعارضة.
ثمّ إنّ هناك شبهات تعرّض لها الشيخ فلنذكرها.

شبهات ثلاث حول اشتراط سقوطه في العقد:

الأوّلى: إنّ الشرط إنّما يجب الوفاء به إذا كان العقد المشروط فيه لازماً لأنّ الشرط في ضمن العقد الجائز لا يزيد حكمه على أصل العقد، فلزوم الشرط يتوقّف على لزوم العقد، فلو ثبت لزومه بلزوم الشرط لزم الدور.

1 . نسبة الوجوب إليها بالعرض و المجاز، و الواجب حقيقة هو الوفاء بالنذر ولا يخرج الإنسان من عهدته إلاّ باقامتها بنيّة الاستحباب كما حقّقناه في محلّه.

صفحه 70
يلاحظ عليه: أنّ البيع من العقود اللازمة بالطبع وبالذات، وخيار المجلس طارئ ومانع عن نفوذ لزومه قبل التفرّق، فإذا ارتفع المانع باشتراط السقوط، يعود اللزوم، وليس للاشتراط شأن إلاّ رفع المزاحم فلا يحتاج في اتّصافه باللزوم الفعلي إلى شيء آخر سوى رفع المزاحم.
وعلى ذلك فاللزوم الاقتضائي أمر طبيعي له، لا يتوقّف على شيء من صحّة الشرط ولزومه، وأمّا اللزوم الفعلي فهو يتوقّف على رفع المزاحم المتوقّف على صحّة الشرط، وأمّا صحّة الشرط فلا يتوقّف على لزوم العقد لا اقتضاءً ولا فعلاً بشهادة صحّة الشرط في العقود الجائرة وإن لم تكن لازمة لتبعية العقود للقصود. وعلى ذلك فالتوقّف من جانب واحد، وهو توقّف اللزوم الفعلي على صحّة الشرط، لامن جانبين حتّى يتوقّف صحّة الشرط على شيء.
وبالجملة: صحّة الشرط بنفسه كاف في إثبات اللزوم الفعلي.
الثانية: إنّ هذا الشرط مخالف لمقتضى العقد على ما هو ظاهر البيّعان بالخيار، فاشتراط عدم كونهما بالخيار، اشتراط لعدم بعض مقتضيات العقد.
أقول: الصحيح في طرح الإشكال أن يقال: إنّ اشتراط عدم كونهما بالخيار مخالف لمقتضى السنّة لا أنّه مخالف لمقتضى العقد، وذلك لأنّ المراد من مقتضى العقد هو ما لا ينفكّ عنه في نظر العرف، ويكون تفكيكه عنه بمنزلة تفكيك اللازم عن الملزوم، ويكون أشبه بالتناقض في الإنشاء، وهذا كما إذا تزوّج امرأة بشرط أن لا يتمتّع منها، فإنّ هذا الشرط مخالف لمقتضى عقد التزويج فإنّ الغاية منه هو التمتّع الجنسي، فالغاؤه بتاتاً لا يجتمع مع التزويج، ومثله إذا باع بلا ثمن أو آجر بلا أُجرة فإنّ البيع بلا ثمن والإجارة بلا أُجرة لا يعد بيعاً ولا إجارة بل يُعدّ محاباة.

صفحه 71
وعلى ضوء ذلك فشرط عدم الخيار ليس منافياً لمقتضى العقد إذ ليس الخيار إلاّ حكماً شرعياً مترتّباً عليه بشهادة عدم وجوده بين غير المسلمين، ولو كان من مقتضياته لما انفكّ عنه في ظرف دون ظرف.
نعم يمكن أن يقال: إنّ شرط عدم الخيار مناف للسنّة الواردة القائلة بأنّ البيّعان بالخيار.
يلاحظ عليه: أنّ الهدف من الاشتراط ليس هو نفي الحكم الشرعي، حتّى يكون اشتراطه مخالفاً للسنّة بل المراد من حكم الشرع بالخيار، أنّه قد أعطى للبائع أو المشتري حقّاً ماليّاً باسم خيار المجلس، فيشترط إسقاط حقّه كما يشترط على الزوجة إسقاط حقّ قسْمها في متن العقد، والحكم الشرعي لما صار مصدراً لهذا الحقّ فالمقصود من الاشتراط هو تسليط ذي الحقّ على إسقاط حقّه المنتزع من هذا الحكم.
وبعبارة أُخرى: تارة يشترط على عدم كون العقد خيارياً، وأُخرى عدم كون البيّع ذا خيار، بإسقاط حقّه، فما يعدّ مخالفاً للسنّة هو الأوّل، لأنّه تصرّف في حريم الشارع، دون الثاني لأنّه تصرّف في حريم ذي الحقّ فله إسقاطه برضاه.
الثالثة: إنّ إسقاط الخيار في ضمن العقد، إسقاط لما لم يجب لأنّ الخيار لايحدث إلاّ بعد البيع فإسقاطه فيه كإسقاطه قبله.
يلاحظ عليه: أنّ إسقاط ما لم يجب كضمانه أمر باطل، لأنّ الإسقاط فرع الثبوت فلا معنى لإسقاط ما لم يثبت كما أنّ الضمان في مذهب الإمامية نقل ذمّة إلى ذمّة فما لم تشتغل ذمّة المضمون عنه بشيء ولم يثبت فيها لا وجه لنقله إلى ذمّة أُخرى، وهذا ما يقال: إنّ ضمان ما لم يجب باطل.
ولكن إسقاط أو ضمان ما لم يثبت، من الأُمور الاعتبارية، وصحّتهما

صفحه 72
وبطلانهما تدوران مدار صلاحية الشيء للثبوت والإسقاط عند العقلاء، فلو لم يكن هناك ثبوت بتاتاً حتّى بنحو المقتضي، فاعتبار السقوط أو الضمان أمر لغو لايحوم حوله العقلاء وأمّا إذا كان هناك مقتض للثبوت وإن لم تكن هناك علّة تامّة فيصح الإسقاط كما يصحّ الضمان، ولأجل ذلك أطبق الفقهاء على صحّة ضمان المبيع أو إسقاط ضمانه عند احتمال كون المال مسروقاً أو مستحقّاً للغير فللمشتري أن يضمّنه إذا بان المال مستحقّاً للغير، حتّى يرجع إليه ويأخذ منه ثمنه ولا يقال: إنّه ضمان ما لم يجب، لوجود المقتضى وهو العقد وعدم ثبوت كونه مال الغير لا يضرّ بالضمان بعد كون المورد مظنّة لذلك، كما أنّه يصحّ للبائع البراءة من ذلك وليس ذلك إسقاطاً لما لم يجب لوجود المقتضي، وعلى ذلك فيكفي في الثبوت وجود المظنّة له، ولأجل ذلك صحّحنا طلب الطبيب البراءة من الدية إذا انجرّ العمل إلى التلف، ولا يقال: إنّه إسقاط ما لم يجب بل يعد ذلك إسقاطاً لما له مظنّة الثبوت.
وبذلك يتبيّن أنّ المقام من قبيل إسقاط ما ثبت لأنّ العقد بنفسه مقتض للخيار لو لم يكن هناك اشتراط السقوط، فيكفي هذا المقدار من الاقتضاء لإسقاطه، فيكون المقام من قبيل الدفع لا من قبيل الرفع.
وبذلك تتّضح قوّة ما ذكره العلاّمة في التذكرة: «لو وكّله في شراء عبده وعتقه، وفي تزويج امرأة وطلاقها، واستدانة دين وقضائه، صحّ» مع أنّه لا عتق إلاّ في ملك، ولا طلاق إلاّ بعد نكاح، والمفروض أنّه بعدُ لم يملك ولم يتزوّج ومع ذلك صحّ توكيله لحصول المقتضي، بخلاف إذا وكّله في طلاق زوجة سينكحها.
ومثل ما إذا قال البائع: بعته وارتهنته، قبل قبول المشتري وقال: اشتريته ورهنته.

صفحه 73
وتدلّ على صحّته صحيحة مالك بن عطيّة قال: سألت أبا عبد اللّه عن رجل كان له أب مملوك وكان تحت أبيه جارية مكاتبة قد أدّت بعض ما عليها، فقال لها ابن العبد: هل لك أن أعينك في مكاتبتك حتى تؤدّي ما عليك بشرط أن لا يكون لك الخيار بعد ذلك على أبي إذا ملكت نفسك، قالت: نعم، فأعطاها في مكاتبتها على أن لا يكون لها الخيار عليه بعد ذلك؟ قال ـعليهالسلامـ: لا يكون لها الخيار، المسلمون عند شروطهم(1).
والرواية صالحة للاستدلال على حكومة أدلّة الشروط على أدلّة الأحكام الأوّلية، وقد استدلّ بها الشيخ عليها، كما أنّها صالحة للاستدلال بها على المقام، فيكفي في الإسقاط وجود المقتضي، حيث إنّ المكاتبة بعد لم تملك الخيار، مع أنّها أسقطتها قبله.

صور إسقاط الخيار في العقد:

ثمّ إنّه يتصوّر إسقاط خيار المجلس في متن العقد على وجوه:
1ـ سقوطه في متن العقد على وجه شرط النتيجة بأن يكون الخيار ساقطاً بهذا الشرط من دون أن يحتاج سقوطه إلى سبب آخر، وهذا كما إذا باع الشاة واشترط كونها صدقة أو وقفاً بمعنى صيرورة الشاة بنفس هذا البيع والشرط ـلابسبب آخر ـ صدقةً أو وقفاً.
2ـ أن يشترط عدم الفسخ على نحو شرط الفعل فيقول: بعت بشرط أن لاأفسخ في المجلس، فيرجع إلى الالتزام بترك الفسخ، والمراد من الفعل هو الالتزام بترك الفسخ، وهذا نظير أن

1 . الوسائل: ج 16، الباب 11 من أبواب المكاتبة، الحديث 1.

صفحه 74
يبيع من زيد ويشترط عليه أن لا يبيعه من عمر.
3ـ أن يشترط إسقاط الخيار بعد العقد وهو أيضاً شرط فعل، وهذا نظير أن يبيع شيئاً ويشترط بيعه من آخر.
إنّ صحّة الصورة الأُولى تتوقّف على أن يكون السقوط من الأُمور التي لايتوقّف في تحقّقه على سبب خاصّ وإلاّ فلو كان محتاجاً إلى سبب معيّن لا يصحّ اشتراطه، كما إذا اشترط كون زوجته مطلقة أو أمواله صدقة أو عبيده أحراراً، فإنّ هذه المسبّبات رهن أسباب خاصّة في الشرع لا تحصل بنفس الاشتراط، وهذا بخلاف إسقاط الحقّ فإنّه لا يتوقّف على سبب خاصّ، فيصحّ على كلتا الصورتين بنحو شرط الفعل وشرط النتيجة.
ثمّ إنّ التعبير عن هذا القسم بعدم الثبوت لا يخلو من إشكال إذ ربّما يتوهّم منه عدم كون العقد خيارياً، وعندئذ يكون على خلاف السنّة، والأولى أن يعبّر عنه بالسقوط أو دفع الخيار باعتبار تحقّق مقتضيه، في مقابل الارتفاع الذي هو عند تحقّق العلّة التامّة.
وأمّا الصورة الثانية: أي إذا شرط الالتزام بعدم الفسخ بعد العقد، فيقع الكلام في موارد:
1ـ إذا اشترط ترك الفسخ هل يكون ترك الفسخ واجباً باعتبار أنّ الوفاء بالشرط لا يتمّ إلاّ به، نظير صلاة الليل إذا نذرها حيث يكون واجباً لكون الوفاء لايتمّ إلاّ بها؟
المشهور ذلك ولكن التحقيق خلافه، لأنّ ما هو الواجب بالذات هو الوفاء بالنذور، قال سبحانه: (وليوفُوا نُذُورَهُم)(الحجّ/29):كما أنّ الواجب بالذات في المقام هو الوفاء بالشرط، قال علي ـعليهالسلامـ: «من شرط لامرأته شرطاً فليف لها به» (1).

1 . الوسائل: ج 12، الباب 6 من أبواب الخيارات الحديث 5.

صفحه 75
وأمّا الإتيان بصلاة الليل أو الالتزام بترك الفسخ فإنّما من محقّقات الوفاء بالنذر والشرط، والحكم الشرعي لا يتعدّى من موضوعه الواقعي إلى ما ليس موضوعاً، ولو صحّ إطلاق الواجب عليهما فهما واجبان بالعرض.
وبالجملة فرق بين مصداق الكلّي، كالفريضة بالنسبة إلى الصلاة، وبين منطبق العنوان الواجب كالصلاة بالنسبة إلى الوفاء بالنذر، فهي ليست مصداقاً له بل محقّقاً وموجداً له فهو لا يتّصف إلاّ بالوجوب العرضي.
2ـ إذا ترك الالتزام فهل يكون الفسخ محرّماً تكليفياً بزعم أنّ الأمر بالشيء (الالتزام بترك الفسخ) نهي عن ضدّه، أعني: نفس الفسخ أو لا؟ التحقيق لا، لما ثبت في محلّه من عدم الاقتضاء في الأمر المتعلّق بالشيء حقيقة فكيف إذا كان تعلّق الأمر عرضيّاً.
3ـ حكم الفسخ وضعاً وأنّه هل يكون نافذاً لو فسخ، أو لا؟ وهذا هو المهمّ في المقام، ذكر الشيخ الأعظم فيه وجهين:
الأوّل: عدم النفوذ وذلك لأنّ وجوب الوفاء بالشرط مستلزم لوجوب إجباره عليه، وعدم سلطنته على تركه، كما لو باع منذور التصدّق، على ما ذهب إليه غير واحد، فمخالفة الشرط وهو الفسخ غير نافذ في حقّه.
توضيحه: أنّ وجوب الوفاء بالشرط (حتّى بعد الفسخ) مستلزم لوجوب الإجبار عليه، وهو دليل على بقاء العقد، حتّى بعده وعدم تأثير الفسخ وهذا هو المطلوب.
يلاحظ عليه: أنّه لا دليل على وجوب الوفاء بالشرط بعد التخلّف بالفسخ

صفحه 76
حتّى يترتّب عليه الإجبار الملازم لبقاء العقد، الكاشف عن عدم تأثير الفسخ، لأنّ شموله عليه ـبعد الفسخـ فرع إحراز وجود العقد وهو أوّل الكلام، إذ يحتمل أن يكون المقام أشبه بالعصيان في الأحكام التكليفية، الموجب لسقوط الأمر، وفي المقام يكون موجباً لارتفاع الموضوع وهو العقد.
و بعبارة أُخرى: يجب عليه العمل بالشرط وصيانة العقد عن الفسخ ما دام موجوداً، وأمّا إذا فسخ وارتفع الموضوع بالعصيان فلا معنى لوجوب العقد ـبعد ارتفاعهـ حتّى يستلزم الأُمور المذكورة المثبتة لعدم تأثير العقد.
وبذلك يظهر ما ذكره في آخر كلامه حيث قال: «هذا الاحتمال أوفق بعموم وجوب الوفاء بالشرط، الدالّ على وجوب ترتّب آثار الشرط وهو عدم الفسخ في جميع الأحوال حتّى بعد الفسخ فيستلزم ذلك كون الفسخ الواقع لغواً».
الثاني: النفوذ لعموم دليل الخيار والالتزام بترك الفسخ لا يوجب فساد الفسخ على ما قاله بعضهم من أنّ بيع منذور التصدّق، حنث موجب للكفّارة لافاسد. وحينئذ لا فائدة في هذا غير الإثم على مخالفته إذ ما يترتّب على مخالفة الشرط في غير هذا المقام من تسلّط المشروط له على الفسخ لو خولف الشرط، غير مترتّّب هنا (لكونه تحصيلاً للحاصل).
توضيحه: أنّ عموم دليل الخيار يعمّ المقام ولا مانع سوى الالتزام بترك الفسخ شرعاً في متن العقد. ومخالفته بالفسخ وإن كان حراماً لكنّه لا يوجب فساده، وذلك لأنّه لم يسقط حقّ الخيار حتّى لا يعمّه دليل الخيار، وإنّما التزم بترك الفسخ فإذا خالف فيؤخذ بمقدار ما خالف، فلو كان عمله حنثاً كما إذا باع منذور التصدّق، تترتب عليه الكفّارة، ولكن لا يبطل بيعه لعدم خروجه عن ملكه بالنذر

صفحه 77
(اللهمّ إلاّ إذا جعله صدقةً على نحو شرط النتيجة بحيث صار صدقة بنفس الشرط كما سيأتي)، ولو لم يكن عمله حنثاً، لكن كان عملاً محرّماً، يؤدّب لأجل المخالفة، ويكون فسخه نافذاً لتمسّكه بحقّه الذي لم يسقط بعد، وهذا نظير ما إذا صرف النفقة الواجبة في غير موردها، أو نكح امرأة حلف على ترك نكاحها، أو اشترى عيناً حلف على عدم شرائها.
وبذلك يظهر الفرق بين كون الشرط سقوط حقّ الفسخ (شرط النتيجة) وكونه الالتزام بترك الفسخ (شرط الفعل) فإنّ الفسخ في الأوّل غير نافذ، إذ لم يبق هناك حقّ حتى يتمسّك به، بخلاف الثاني. ومثله الفرق بين منذور التصدّق، والالتزام بالتصدّق ففي الأوّل ـبناء على صحّتهـ خرجت العين عن ملكه فلاموضوع للبيع إذ لا بيع إلاّّ في ملك، بخلاف الثاني لأنّه التزم فيه أن يتصدّق بها مع كونه ملكاً له ولم يخرج عن ملكه، وبهذا اتّضح معنى قوله «والالتزام بترك الفسخ لا يوجب الفساد».
وأمّا التمسّك لتضعيف هذا الوجه بعموم قوله: «المؤمنون عند شروطهم»، قائلاً بأنّ له عموماً أحوالياً كما أنّ له عموماً أفراديّاً، ومن جملة أحواله، حال العقد بعد وقوع الفسخ فيكون مقتضاه وجوب الوفاء حتّى في هذا الظرف فضعيف جدّاً مضافاً إلى ما عرفت من أنّ وجوب الوفاء لا يدلّ على بطلان الفسخ، إنّ التمسّك بالإطلاق الأحوالي فرع إحراز كونه فرداً للعام وهو فرع إحراز عدم تأثير الفسخ، ولو ثبت به لدار إذ من المحتمل خروج البيع بعد الفسخ عن تحت عموم دليل الشرط.
أمّا الصورة الثالثة: أعني: أن يشترط إسقاط الخيار، بعد العقد فلو أخلّ به وفسخ العقد يجري فيه الوجهان، وقد عرفت الأقوى.

صفحه 78

حكم الشرط غير المذكور في العقد:

إنّ إسقاط الخيار في العقد يتصوّر على وجوه ثلاثة:
1ـ أن يذكر سقوطه في متن العقد، كأن يقول: بعتك بشرط عدم خيار المجلس بيننا.
2ـ أن يشترطا قبل العقد أن لا يثبت بينهما خيار ثمّ يتعاقدا مع الإشارة إلى الشرط المتقدّم كأن يقول بعتك على الشرط المزبور.
3ـ أن يتقاولا على السقوط ثمّ يتعاقدا مجرّداً عن التصريح والاشارة إلى الشرط.
لا إشكال في صحّة الأوّل والثاني ولزوم الوفاء بهما. إنّما الكلام في الصورة الثالثة وهو المسمّى عند الفقهاء بالشرط المبنيّ عليه العقد، فهل يجب الوفاء به، مثل المذكور أو هو أشبه بالوعد بالالتزام، أو هو التزام تبرّعي، فلا يجب الوفاء إلاّ تبرّعاً؟ قال الشيخ:
«إذا شرطا قبل العقد، أن لا يثبت بينهما خيار بعد العقد، صحّ الشرط، ولزم العقد بنفس الإيجاب والقبول، وللشافعي فيه قولان: أحدهما أنّ ذلك لا يصحّ وعلى ذلك أكثر أصحابه، ومنهم من قال بصحّته، مثل ما قلناه دليلنا أنّه لا مانع من هذا الشرط، والأصل جوازه، وعموم الأخبار في جواز هذا الشرط يتناول هذا الموضع» (1).

1 . الخلاف: ج 3، كتاب البيوع، المسألة 28.

صفحه 79
ثمّ إنّ الشيخ الأعظم حمل عبارة الخلاف على الشرط المذكور في متن العقد بصورة الإشارة إلى ما تبايعا عليه، لا على الصورة المجرّدة عن أي ذكر وإشارة (1)، ولكن عبارة الخلاف لو لم تكن ظاهرة في الثالثة ليست ظاهرة في الصورة الثانية. وما أفاده الشيخ الأعظم في عدم وجوب الوفاء يتلخّص في أُمور:
1ـ إنّ المتبادر من الشرط هو الإلزام والالتزام المرتبط بمطلب آخر، وقد عرّفه القاموس بالإلزام أو الالتزام في البيع، وهو لا يصدق إلاّ على القسمين الأوّلين دون الثالث، إذ ليس هناك حبل يربط الأوّل بالثاني، فلا تعمّه أدلّة الشروط، لعدم صدق الموضوع.
2ـ إنّ المتحقّق في السابق إمّا وعد أو التزام تبرّعي لا يجب الوفاء به، والعقد اللاحق وإن وقع مبنّياً عليه لكن لا ويلزمه لأنّه إلزام مستقل لا يرتبط بالعقد، إلاّ بجعل المتكلّم، والمفروض عدمه.
3ـ لا يقاس الشرط المذكور قبل العقد على أوصاف العوضين كالحنطة الحمراء، ولا على الشروط التي جرت العادة والعرف على الالتزام بها في العقد، وذلك:
لأنّ ذكر الأوصاف قبل العقد يوجب انصراف العوض إليها في العقد، فلا يحتاج إلى إنشاء على حدّة.
وأمّا الشروط فلو كانت من الشروط العامّة كالسلامة من العيوب، أو التسليم والتسلّم، فإنشاء العقد إنشاء لهذه الشروط العامّة، لأنّها من لوازم ألفاظ العقود، فكما أنّها تنشأ بها معانيها المطابقة فكذا مداليلها الالتزامية.

1 . المتاجر، قسم الخيارات، ص 221، و لاحظ: منية الطالب، ج 2، ص 27.

صفحه 80
وهذا بخلاف الشرط الخاصّ (كإسقاط الخيار) للعاقد الخاص، فإنّه ليس من المداليل الالتزامية، وليس كالشروط النوعيّة، ولا كأوصاف العوضين، فليس هو المنشأ في العقد إلاّ مع ارتباط العقد به صريحاً أو إشارة.
هذا غاية توضيح لكلام الشيخ، وعلى ذلك بنى عدم وجوب الوفاء بالشروط الابتدائية التي لا يتقدّمها عقد ولا يتأخّرها أيضاً، بل تنعقد اتفاقية ابتدائية بين الطرفين كعقد التأمين في الشركات والتجارات.
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّه لم يثبت كون الشرط هو التزام في التزام بل استعمل في غير واحد من الروايات في نفس التعهّد، وسيوافيك تفصيله في بحث الشروط ومضى بعض الكلام فيه عند الكلام في حديث «بريرة» وعلى فرض التسليم، يقع الكلام في كيفيّة هذا الالتزام، فهل تكفي التبعية الواقعيّة، النفس الأمرية، ككون الشرط من شؤون المشروط واقعاً وبين المتعاقدين أو تشترط التبعيّة في الإنشاء واخراجه بصورة التزام في التزام في عالم اللفظ، فعلى الأوّل فالشرط حاصل لأنّهما التزما بسقوط الخيار في العقد الذي جاء بعده بلا فصل، فالالتزام الأوّل يعد من شؤون الالتزم الثاني، وليس التزاماً مستقلاّ ً، وعلى الثاني أي لزوم كون التبعية منشأ باللفظ وإن كان لا تعمّه أدلّة الشروط ـحسب الفرضـ لكنّه باطل لإطلاق قوله: «المؤمنون عند شروطهم» فغاية ما يمكن أن يقال هو إخراج الالتزامات الابتدائية غير المرتبطة بالتزام، وأمّا المرتبط معنىً المنفكّ إنشاءً، فداخل تحته.
وثانياً: إنّ قوله: إنّ إسقاط الخيار قبل العقد إمّا وعد أو التزام تبرّعي ليس حاصراً بل هو إنشاء لإسقاط خيار العقد الذي بصدد إنشائه وليس من قبيل إسقاط ما لم يجب، لوجود المقتضى.

صفحه 81
أضف إلى ذلك ما في صحيحة سليمان بن خالد، فإنّ الظاهر أنّه من هذا القسم، حيث يقول:
هل لك أن أعينك في مكاتبتك حتّى تؤدّي ما عليك بشرط أن لا يكون لك الخيار بعد ذلك على أبي، إذا أنت ملكت نفسك، قالت: نعم، فأعطاها في مكاتبتها على أن لا يكون لها الخيار بعد ذلك. قال ـعليهالسلامـ: لا يكون لها الخيار، المسلمون عند شروطهم(1).
فالظاهر أنّ الإعطاء تحقّق بالمعاطاة، بانياً على الشرط المذكور من قبل. مع أنّ المرجع في المعاملات، هو العرف والعقلاء، وهم لا يفرّقون بين الأقسام الثلاثة قدر شعرة.
ولو صحّ ما ذكره الشيخ في الأوصاف، من كفاية المقاولة السابقة في وصف العوضين، فليكن كذلك الشروط الخاصّة، إذا ذكرت قبل العقد، بل الأمر في العوضين أشدّ لأنّهما من الأركان دون الشروط، وسيوافيك تمام الكلام في بحث الشروط.
0 0 0

المسقط الثاني: الإسقاط بعد العقد:

قد تعرّفت على المسقط الأوّل وهو اشتراط السقوط في العقد بأقسامه الثلاثة، وهذا هو المسقط الثاني ووصفه الشيخ بأنّه المسقط الحقيقي، وأظنّ أنّ

1 . الوسائل: ج 16، الباب 11 من أبواب المكاتبة، الحديث 1.

صفحه 82
المسألة من المسائل الواضحة التي لا تحتاج إلى الاطناب وإقامة الدليل والبرهان، غير أنّ الشيخ الأعظم تلقّى المسألة نظريّة، وتمسّك على الجوار بوجوه، ولكنّها غنية عنها لأنّ كون ذي الحقّ مختاراً في إسقاط حقّه ممّا أطبق عليه العقلاء، والمقام من مصاديق هذا الأصل فإنّ احتمال عدم سقوط خيار المجلس بعد العقد مبنّى على الاحتمالات كلّها منتفية، وإليك بيانها:
1ـ إنّ خيار المجلس من الحقوق التعبّدية التي ليس لذي الحقّ فيها حقّ الإسقاط، كحقّ الرجوع إلى الزوجة، ومن المعلوم انتفاء هذا الاحتمال لأنّ خيار المجلس كسائر الخيارات الرائجة من الحيوان والعيب والغبن التي شرعت لصالح صاحبه، فله أن يتقلّب في حقّه كيفما شاء، ما لم يمنعه عنه دليل خاص وهذا لا ينافي أنّ المشرِّع لخيار المجلس هو الشرع ولعلّه لم يكن بين العقلاء منه عين ولا أثر، لأنّه لا يوجب اختلافاً في الماهية، حتّى يتميّز عن سائر الخيارات جوهراً. وإن شئت قلت: الشارع عطف هذا الخيار على سائر الخيارات التي كانت معتبرة عند العقلاء، ومعدودة من حقوق المتعاملين.
2ـ احتمال أنّه من الحقوق غير القابلة للإسقاط كحقّ الحضانة والولاية وغير ذلك، وهو أيضاً احتمال منفي في المقام، وإلاّ يلزم أن تكون ماهيّته مغايرة لماهيّة سائر الخيارات.
3ـ عدم سقوطه بالأسباب العرفيّة، وهذا أيضاً كالسابق إذ مرجعه إلى تصرّف الشارع في حقيقته حتّى لا يسقط إلاّ بمسقط شرعي، وعلى ضوء ذلك يكون خيار المجلس من الحقوق العقلائيّة.
ومن المعلوم أنّ لذي الحق أن يتقلّب في حقّه كيفما أراد ما لم يمنع عنه دليل

صفحه 83
كالإتلاف والإسراف وغير ذلك، وهذا المقدار يكفي في إسقاطه بعد العقد، نعم استدلّ الشيخ بوجوه من الأدلّة بعد الإجماع نأتي ببعضها:
1ـ ما ورد في خيار الحيوان في صحيحة علي بن رئاب عن أبي عبد اللّه قال: «الشرط في الحيوان ثلاثة أيّام للمشتري اشترط أم لم يشترط، فإن أحدث المشتري فيما اشترى حدثاً قبل الثلاثة الأيّام فذلك رضا منه فلا شرط» (1).
بتقريب أنّ التصرّف مسقط لكونه كاشفاً عن الرضا النوعي أو الشخصي بالبيع، فإذا كفى ذلك في السقوط، فالتصريح بالسقوط أولى بأن يكون مسقطاً.
وأورد على الاستدلال بالفرق بين المقيس والمقيس عليه، فإنّ المقيس عليه إعمال الخيار بإمضاء البيع والمقيس إعدام الخيار، واستفادة الحكم الثاني من الأوّل لا يخلو عن غموض(2).
يلاحظ عليه: أنّ العبرة بعموم التعليل وهو أنّ كلّ ما يكشف عن رضا العاقد بالبيع فهو مسقط لخياره، والمقيس والمقيس عليه وإن كانا من بابين، ولكن عموم التعليل يعمّ الموردين، فالتفاوت بينهما غير مخلّ بالاستدلال.
2ـ قوله: الناس مسلّطون على أموالهم، فإذا كانوا مسلّطين عليها فأولى أن يكونوا مسلّطين على حقوقهم المتعلّقة بالأموال، ولا معنى لتسلّطهم على مثل هذه الحقوق غير القابلة للنقل، إلاّ نفوذ تصرّفهم فيها بما يشمل الإسقاط.
وأورد على الاستدلال: أنّ دليل السلطنة في مقام أصل التشريع وهو أنّ لصاحبها أنحاء السلطنة على ماله، وبالفحوى أنّ له انحاء السلطة على حقّه،

1 . الوسائل: ج 12، الباب 4 من أبواب الخيار، الحديث 1.
2 . نخبة الأزهار في أحكام الخيار، تقرير شيخ الشريعة الاصفهاني، بقلم الوالد ـ قدّس سرّهما ـ ، ص97.

صفحه 84
وأمّا نوعية سبب التسلّط حتّى الإسقاط بعد العقد وأنّه بيده فلا إطلاق له، فلايمكن استكشاف جواز السبب (الإسقاط) من إطلاق دليل السلطنة، إذ هو في مقام بيان أصل السلطنة، لا أسبابها، ولأجل ذلك لا يمكن أن يستدلّ باطلاقه على جواز العقد بغير العربية أو نفوذ الإنشاء بالفعل كالقول، وذلك لأنّ جواز السبب وعدمه يطلب من دليل آخر، ولا يمكن استفادته من دليل السلطنة، لأنّ تشخيص جواز السبب وعدمه ليس من أنحاء السلطنة حتّى ينفع الإطلاق في حقّه.
يلاحظ عليه: أنّ الأعراض عن العين أو الحقّ من أنحاء السلطنة على المال ومن أقسامها ومصاديقها، ولذلك لا يجوز للمفلس الاعراض لأنّه قد سلبت عنه هذه السلطنة ومثله الأكل والشرب، فإنّهما من انحائها لا من أسبابها، وبذلك يظهر الحال في الحقوق. وذلك لأنّ العرف لا يرى إسقاط الخيار إلاّ من أنحاء السلطنة على الحقّ، نعم ربّما يقال من أنّ الحديث بصدد إثبات السلطنة للناس والإسقاط إعدام لها.
يلاحظ عليه: بأنّ الإعدام ـكالأكل والشربـ إذا كان لصالح صاحب السلطنة، يعد ذلك من أقسام السلطنة، وتحقيقاً لها.
ثمّ إنّه ربّما يستدلّ بقوله سبحانه: (أوفوا بالعُقود)(المائدة/1)، والاستدلال ضعيف جداً لأنّ الإسقاط ليس عقداً، ومثله الاستدلال بأدلّة الشروط، وهو فرع شمولها للشروط الابتدائية، وإن كان غير بعيد.
ثمّ إنّ الإسقاط كما يتحقّق باللفظ، يتحقّق بالكتابة أيضاً وهو أمر عرفي لاإشكال فيه، بل يرى العرف الكتابة في هذه الأزمنة أضبط من الكلام، واحتمال أنّه لم يكن في مقام الإسقاط غير مسموع بين العقلاء.

صفحه 85

سقوط الخيار بقوله: «اختر»

لو قال أحدهما لصاحبه «اختر». فهل يسقط خيار الآمر أو لا؟ فله صور لأنّه إذا قال ذلك، فالمخاطب إمّا أن:
1ـ يختار الفسخ.
2ـ أو يختار الإمضاء.
3ـ أو يسكت.
أمّا الصورة الأُولى: فينفسخ العقد بلا إشكال ولا يترتّب على البحث عن مفاد «قول الآمر» فائدة.
أمّا الصورة الثانية ففيها احتمالات:
الف: يسقط خياره مطلقاً وهو خيرة الشيخ في الخلاف(1).
ب: يسقط بشرط إرادة تمليك الخيار للمخاطب وإلاّ فهو باق.
ج: يسقط بشرط إرادة التمليك أو التفويض، دون إرادة الاستكشاف.
وأمّا الصورة الثالثة ففيها أيضاً احتمالات:
الف: يسقط مطلقاً.
ب: لا يسقط كذلك.
ج: لا يسقط إذا لم يملك.
قال الشيخ في الخلاف: إذا قال أحد المتبايعين لصاحبه في المجلس بعد العقد: اختر، فإن اختار إمضاء العقد انقطع بينهما الخيار، وإن سكت أو لم يختر(2)،

1 . الخلاف: ج 3، كتاب البيوع، 27.
2 . بأن يقول لا أختار شيئاً.

صفحه 86
كان الخيار كما كان.
وقال الشافعي: يثبت في حيّز الساكت، وفي حيّز الآخر وجهان:
أحدهما: يثبت ـ والآخر هو المذهب ـ: إنّه ينقطع خياره وحده، ولصاحبه الخيار. دليلنا: انّا أجمعنا على أنّ لهما الخيار قبل هذا القول، فمن ادّعى أنّ خيار أحدهما قد زال فعليه الدلالة(1).
إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ لفظة «اختر» لا تدلّ في عرفنا إلاّ على الاستكشاف لا على السقوط، ولا التمليك والتفويض، ولعلّ من قال بواحد من هذه الاحتمالات لأجل أحد أمرين:
1ـ إنّ لفظة «اختر» مسقط تعبّدي، كالافتراق، ويدلّ عليه ما روي عنه(صلى الله عليه وآله وسلم): البيّعان بالخيار ما لم يفترقا أو يقول أحدهما لصاحبه «اختر» (2). ولكن المروي مرسل، لا يحتجّ به.
2ـ إنّ اللفظة كانت ظاهرة في تلك الأيّام في أحد الوجوه الثلاثة ولو ثبت ذلك لا صلة له بزماننا هذا، فإنّه للاستكشاف فيها لا غير. نعم ورد في باب الطلاق عن رجل خيـّر امرأته فاختارت نفسها فبانت، فأجاب الإمام، لا إنّما هذا شيء كان لرسول اللّه خاصّة (3).
إكمال: إنّ إسقاط أحدهما خياره لا يوجب سقوط خيار الآخر.
كما أنّه لو أجاز أحدهما وفسخ الآخر انفسخ العقد، لأنّه مقتضى ثبوت

1 . الخلاف: كتاب البيع ج3 المسألة 27 .
2 . المستدرك: ج 13، الباب 2 من أبواب الخيار، الحديث 3.
3 . الوسائل: ج 15، الباب 41 من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث 4.

صفحه 87
الخيار وليس من قبيل تقدّم الفاسخ على المجيز، إذ لا تعارض بين الحقّين، فلكلّ حقّ مستقل، أجاز أحدهما دون الآخر.
نعم لو ثبت الخيار لمتعدّد كالأصيل والوكيل، وقلنا: بأنّ هنا خياراً واحداً مشتتركاً (لا أنّ لكلّ واحد خياراً مستقلاّ ً وإلاّ فلا يسقط خيار الآخر بإسقاط أحدهما خياره إذ لا تعارض) فأجاز أحدهما أوْ لم يكن له خيار، وفسخ الآخر دفعة واحدة، يقدّم الفاسخ وهو من صغريات القاعدة المزبورة. (تقدّم الفاسخ على المجيز).
هذا من غير فرق بين كون التعدّد لجانب واحد ـكالبائعـ أو كليهما.
وإلى هذه الصورة يشير الشيخ الأعظم بقوله: نعم لو اقتضت الإجازة لزوم العقد من الطرفين (الأصيل والوكيل) كما لو فرض ثبوت الخيار من طرف أحد المتعاقدين أو من طرفهما، لمتعدّد (1) كالأصيل والوكيل.
و مثله إذا تصرّف ذو الخيار في العوضين دفعة واحدة كما لو باع عبداً بجارية ثمّ اعتقهما حيث إنّ إعتاق العبد فسخ، وإعتاق الجارية إجازة.
و نظيره اختلاف الورثة في الإجازة والفسخ.
وهذه الموارد الثلاثة من قبيل تقديم الفاسخ على المجيز عند العلاّمة. ولكنّ الحقّ أنّه يقع التعارض بين الفسخ والإجازة، لأنّ الأوّل إبطال للعقد، والثاني تثبيت له، وهما متنافيان، فلا يجتمعان، فيرجع إلى الأصل المقرّر في المورد وهو بقاء العقد مع الخيار.

1 . المتعدّد، متعلّق لقوله «ثبوت الخيار».

صفحه 88

المسقط الثالث: الافتراق

لا إشكال في سقوط الخيار به لتضافر الروايات فيه، ولا يعتبر أن يكون الافتراق حاكياً عن رضا الطرفين أو واحد منهما بالعقد بل الرضا حين العقد كاف، وإن لم يعلم الرضا حينه، بل علم عدمه، لكن افترقا مع عدم الاكراه، وأمّا ما رواه فضيل بن يسار عن أبي عبد اللّه من أنّه قال له: «ما الشرط في غير الحيوان؟ قال: البيّعان بالخيار ما لم يفترقا، فإذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما»(1) ففيه احتمالات:
1ـ رضيا بالبيع وقته.
2ـ رضيا بالبيع حين الافتراق ويكون الافتراق عن رضا منهما.
3ـ رضيا بالبيع حين الافتراق ويكون الافتراق كاشفاً نوعياً عن الرضا، ويكون الاعتداد به لكونه كاشفاً نوعيّاً عنه.
4ـ رضيا بالافتراق ولا يكون عن إكراه.
والظاهر هو المعنى الأوّل، ثم الأخير، والمقصود أنّ البيع مقتض للّزوم، والمجلس مانع عن تأثيره فإذا زال، أثّر المقتضي.
وأمّا ما هو المحقّق للافتراق فهناك أقوال:
1ـ ما حكاه الشيخ: عن الشافعي أنّه قال: يرجع في ذلك إلى العادة.
2ـ وقال الشيخ: أقل ما ينقطع به خيار المجلس خطوة فصاعداً (2).

1 . الوسائل: ج 12، الباب 1 من أبواب الخيار، الحديث 3.
2 . الخلاف: ج 3 ص 21 كتاب البيوع، المسألة 26.

صفحه 89
3ـ وذهب الشيخ الأعظم إلى أنّ الملاك هو افتراقهما بالنسبة إلى الهيئة الاجتماعية الحاصلة لهما حين العقد، فإذا حصل الافتراق الإضافي ولو مسمّـاه ارتفع الخيار فلا تعتبر الخطوة، بل يكفي الأقل منها، فلو تبايعا في سفينتين متلاصقتين كفى مجرّد افتراقهما (1).
والظاهر قوّة القول الأوّل ـلو لم يرد هناك تحديد من الشرع ـ وذلك لأنّ الافتراق من المفاهيم العرفيّة فيرجع فيه إليه، ومن المعلوم أنّه لا يصدق عندهم بالخطوة والخطوتين، فضلاً عن انفصال السفينتين بأقلّ من خطوة، خصوصاً إذا كان الافتراق لغرض عقلائي غير خارج عن حيطة المعاملة كما إذا كان المكان ضيّقاً والمكان حارّاً فيتحرّك من جانب إلى جانب، فالاكتفاء بالخطوة فضلاً عن الأقل منها غير المتبادر من الرواية.
وأمّا التحديد في بعض الروايات بـ «خطى» فهي روايات حاكية لعمل أبي جعفر الباقر ـعليهالسلامـ فالمروي عن محمد بن مسلم عنه أنّه قال: «بايعت رجلاً، فلمّـا بايعته قمت فمشيت خطى، ثمّ رجعت إلى مجلسي ليجب البيع حين افترقنا»(2).
والمروي عن أبي عبد اللّه ـعليهالسلامـ عن أبيه ـعليهالسلامـ هو أنّه قال: فلمّـا استوجبها قام فمضى فقلت له: يا أبه عجلت القيام؟ فقال: يا بني، أردت أن يجب البيع(3).
فالظاهر من النقل الأوّل، أنّ الإمام مشى خطوات ثمّ رجع إلى المجلس،

1 . المتاجر، ص 222.
2 . الوسائل: ج 12، الباب 2 من أبواب الخيار، الحديث 2 و 3.
3 . المصدر نفسه: الباب 2 من أبواب الخيار، الحديث 1 و 4.

صفحه 90
والظاهر من النقل الثاني أنّ الإمام قام من المجلس ومضى إلى مكان آخر، وتبعه أبو عبد اللّه ـعليهالسلامـ وظاهر النقلين أنّهما يحكيان موضوعاً واحداً، ولأجل ذلك لايمكن الأخذ بهما، وهذا يكشف عن طرؤ اضطراب عليها عند النقل.
وعلى فرض كون النقلين راجعين إلى موردين مختلفين فلا يمكن الأخذ بما رواه محمّد بن مسلم، وذلك للفرق بين قولنا «إمش خطى» وقولنا: «ثمّ مشيت خطى» فبما أنّ الأوّل أمر وطلب يؤخذ بإطلاقه، ويقال: إنّ ثلاث خطوات وهي أقل الجمع كافية في حصول الغاية أخذاً بالإطلاق، وهذا بخلاف الأخبار عن فعل الإمام بأنّه خطوات فبما أنّها تصدق على الأقل والأكثر ويصير مجملاً من هذه الجهة لأنّها حكاية عن واقعة، وليس يلزم على الحاكي تعيين المرتبة الخاصة التي تحقّق بها الافتراق حتى يحمل على المرتبة النازلة عند عدم القرينة على الأكثر فإنّ الخطى كما تصدق على ثلاثة تصدق على ثلاثين أيضاً، وعلى ذلك فالحقّ أنّ الملاك هو الافتراق العرفي.
ثمّ إنّ الشيخ نقل عن بعضهم التأمّل في كفاية الخطوة مستدلاّ أوّلاً: بانصراف الاطلاق إلى أزيد منها، وثانياً: باستصحاب الخيار، أي كون العقد خيارياً.
ولا يخفى أنّ الجمع بينهما غير صحيح لأنّ الشبهة شبهة حكمية مفهومية، فلو قلنا بالانصراف فهو دليل اجتهادي لا يحتاج معه إلى الاستصحاب كما هو واضح. نعم لو كانت الشبهة موضوعية، كان للاستصحاب مجال فقط دون الانصراف.

صفحه 91

الافتراق عن إكراه:

إذا أكره المتعاقدان على التفرّق فهل يسقط خيارهما أو لا؟ نقول: إنّ للمسألة صورتين:
الأُولى: إذا أُكرها على التفرّق على وجه يتمكّنان من الفسخ والإمضاء.
الثانية: إذا أُكرها على التفرّق مع المنع من التخاير.
أمّا الأُولى: فالظاهر من كلمات الفقهاء سقوط خيارهما. قال الشيخ في الخلاف: إذا أُكره المتبايعان أو أحدهما على التفرّق بالأبدان على وجه يتمكّنان من الفسخ والتخاير فلم يفعلا بطل خيارهما أو خيار من تمكّن من ذلك. وللشافعي فيه وجهان، فقال أبو إسحاق مثل ما قلناه، وقال غيره: لا ينقطع الخيار. دليلنا: انّه إذا كان متمكّناً من الإمضاء و الفسخ فلم يفعل حتى وقع التفرّق بالأبدان دلّ على الرضا بالإمضاء(1).
ولا يخفى ضعف الدليل، فإنّ المتعاقدين وإن كانا متمكّنين من الإمضاء والفسخ ولكن ربّما لا يكونان جازمين بأحد الطرفين فيتوقّف الجزم على استمرار مجلس العقد حتّى يتروّيا في مصالحهما والتمكّن من الفسخ والإمضاء لايحكي عن رضاهما بالعقد، ولولا التسالم لكان للتشكيك في السقوط مجال، كما سيوافيك بيانه.
أمّا الثانية: أعني ما إذا لم يتمكّنا من التخاير أي اختيار الفسخ أو العمل

1 . الخلاف، ج 3، كتاب البيوع، المسألة 35، و كلام الشيخ في الأعم من كون المكره، كل من المتعاقدين أو واحد منهما، و سيجئ في البحث عن إكراه الواحد في المسألة الثانية.

صفحه 92
على مقتضى الخيار، بأن يسدّ أفواههما أو هدّدا عليه، فالمشهور هو عدم السقوط. قال في الشرائع: ولم يبطل الخيار لو أُكرها على التفرّق، وقال في الجواهر: بلا خلاف أجده، بل في الغنية وعن تعليق الشرائع الإجماع عليه، للأصل بعد تبادر الاختيار من النصوص، ولذا يصحّ في التحقيق أن يقال: لم يفترقا ولكن فرقا(1).
ولا يخفى أنّ الجمع بين الأصل والتبادر غير وجيه، فإنّ الثاني دليل اجتهادي والآخر دليل فقاهتي، وعلى كلّ تقدير فقد استدلّ على عدم السقوط بوجوه نشير إليها:
1ـ تبادر الاختيار من الفعل المسند إلى الفاعل المختار.
يلاحظ عليه: أنّه إن أراد منه لزوم كون الفعل إرادياً في مقابل الافتراق غير الإرادي، مثل نقل كلّ واحد إلى مكان خاصّ من دون إرادة واحد منهما، فالافتراق هنا إرادي لأنّ الفعل الإرادي ما سبقته الإرادة، والمكره من أقسام الفاعل الإرادي فهو يرجّح تطبيق العمل على ما يطلبه المكره بترجيح الفعل على الترك أو بالعكس بالتروي والتفكّر، ففعله إرادي قطعاً، مقابل غير الإرادي مثل الفعل الصادر عن النائم، أو من ألقى عليه القبض فجرّ إلى مكان آخر.
وإن أراد كونه شرطاً اختياريّاً في مقابل كونه إكراهياً فهو ممنوع، وادّعاء التبادر كما ترى، والشاهد عليه أنّهم حكموا بسقوط الخيار إذا حصل التفرّق عن غفلة أو نوم أحد الطرفين أو اضطرار، كما إذا حالت الريح والسيل بينهما أو تفرّقا فراراً عن لصّ أو هجوم سبع أو غير ذلك، فسقوط الخيار في تلك الموارد يكشف عن عدم اشتراط كون الفعل إراديّاً بهذا المعنى.

1 . الجواهر: ج 23، ص 9.

صفحه 93
2ـ حديث الرفع المروي في الخصال بسند صحيح: رفع عن أُمّتي تسعة: الخطأ والنسيان، وما أُكرهوا عليه وما لا يعلمون...(1) وممّا رفع: هو «ما استكرهوا عليه»: وليست المؤاخذة متعلّق الرفع لأنّها أمر تكويني لا يمتَّ إلى التشريع بصلة بل المرفوع هو الأعم من التكليف والوضع، والشاهد على عمومية الرفع هو ما رواه البرقي في المحاسن بسند صحيح عن أبي الحسن ـعليهالسلامـ في الرجل يستكره على اليمين فيحلف بالطلاق والعتاق وصدقة ما يملك أيلزمه ذلك؟ فقال: لا، قال رسول اللّه: رفع عن أُمّتي ما اكرهوا عليه، وما لم يطيقوا وما اخطؤا(2) حيث استدل الإمام ـعليهالسلامـ على عدم لزوم العمل بالحلف عن إكراه بالحديث والصحيحة دلّت على أنّ المرفوع، الأعمّ من التكليف والوضع، فيكون لزوم العقد مرتفعاً بارتفاع الافتراق حكماً.
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّه لو قلنا بالرفع في الإكراه يجب أن نقول بمثله في الافتراق عن نسيان واضطرار لأنّهما من التسعة التي رفع حكمهما، ولم يقل به أحد.
ثانياً: انّ الافتراق ليس موضوعاً للحكم الشرعي بل حدّ له، فلو انعدم الحد يرتفع الحكم سواء كان عن اختيار أو لا كما إذا قال: أكرم زيداً ما دام كونه في المسجد، فإذا أُخرج قهراً سقط الحكم.
3ـ صحيحة فضيل عن أبي عبد اللّه في حديث: «فإذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما» (3).

1 . الصدوق: الخصال: باب التسعة الحديث 9 ص 417.
2 . الوسائل: ج 16، الباب 12 من أبواب كتاب الإيمان، الحديث 12.
3 . المصدر نفسه: ج 12، الباب 1، من أبواب الخيار، الحديث 3.

صفحه 94
وتقريب الاستدلال بوجهين:
الأوّل: إنّها دلّت على أنّ الشرط في السقوط، الافتراق والرضا منهما، والمراد هو الرضا المتّصل بالتفرّق بحيث يكون التفرّق ناشئاً عن الرضا بالبيع، ومن المعلوم أنّ التفرّق الإكراهي لا ينشأ عن الرضا بالبيع بل عن إكراه المكره.
الثاني: إنّ قوله «بعد الرضا» إشارة إلى إناطة السقوط بالرضا بالعقد، الكاشف عنه الافتراق، فيكون الافتراق مسقطاً لكونه كاشفاً نوعاً عن رضاهما بالعقد وإعراضهما عن الفسخ(1).
وحاصل هذا الوجه أنّ المسقط هو الافتراق الكاشف عن الرضا بالعقد، وليس الافتراق الإكراهي كاشفاً عنه.
والفرق بين الوجهين واضح، فإنّ الأوّل يعتمد على أنّ المسقط الافتراق الناشئ عن الرضا بالبيع، والوجه الثاني يعتمد على أنّ المسقط هو الافتراق الكاشف عن الرضا، وعلى كلّ تقدير فليس الافتراق الإكراهي كاشفاً عن الرضا بالبيع.
يلاحظ على الوجه الأوّل: أنّه لو كان المسقط هو التفرّق عن رضى بالبيع، لزم أن لا يسقط الخيار إذا علم أنّ الافتراق لم ينشأ عن الرضا بالبيع، وإنّما نشأ من عامل آخر مثل الجهل بالحكم، أو لعامل آخر كهجوم السبع وغيره، مع أنّ الظاهر سقوطه.
وأمّا الثاني فهو كون المسقط التفرّق الكاشف عن الرضا بالبيع حين

1 . المتاجر، قسم الخيارات، ص 222.

صفحه 95
التفرّق، فذلك احتمال مرجوح في مقابل ما عرفته من الاحتمال، وهو أنّ المراد هو الرضا بالبيع حين البيع، لا الرضا به حين الافتراق، وذلك لأنّ الرواية بصدد بيان أنّ المقتضى للّزوم هو نفس العقد الذي أوقعه الطرفان بالرضا، والمانع هو الخيار، فالمقتضي موجود لايقاعهما العقد بالرضا، والمانع مرتفع بالتفرّق، فلا وجه لبقاء الخيار، فعلى ذلك فما هو الشرط، هو وجود الرضا حين البيع، لا الرضا حين الافتراق، ولا الافتراق الكاشف عن الرضا بالبيع، حتى تكون المحتملات الثلاثة صحيحة، والذي ذكرناه هو الواضح.
هذا كلّه حول أدلّة القوم بعدم السقوط وتحليلها، وقد عرفت عدم تماميتها، ومـع ذلك كلّه يمكن القـول بعـدم السـقوط إذا أُكرها على التفرّق وذلك لانـصراف دليل الخيار عن مثله، لأنّ خيار المجلس شرع لفسح المجال للمتعاقدين للتفكّر فيما عقدا، فصار التفرّق آية لجنوحهما (بعد التروي) إلى الالتزام بالعقد، ومن المعلوم أنّ مثل ذلك لا يتحقّق إلاّ في الافتراق الاختياري لاالإكراهي.
فإن قلت: إنّ ما ذكرت ليس ملاكاً للحكم، بل حكمة له، ولأجل ذلك ربّما يتخلّف الحكم عنها، كسقوط الخيار بذهاب واحد مع غفلة الآخر، أو حيلولة الريح بينهما أو التفرّق لأجل الفرار من الحيوان الضاري أو غير ذلك، ممّا أفتوا بسقوط الخيار فيه مع تخلّف الحكمة.
قلت: إنّ كونه حكمة تكفي في انصراف الدليل عن صورة التفرّق الإكراهي الذي يحمله الغير على التفرّق وإن كان غير منصرف عمّـا إذا كان هناك دافع عن نفسه، نظير:

صفحه 96
1ـ إذا أُكره أحدهما على الذهاب، ولم يمنع الآخر من المصاحبة والتخاير، ولكن بقى في المجلس مختاراً.
2ـ أُكره أحدهما على البقاء وترك التخاير وترك الآخر المجلس اختياراً.
نعم إذا أُكره أحدهما على الذهاب، ومنع الآخر عن المصاحبة والتخاير فهو داخل في المسألة السابقة أي الإكراه على الطرفين جميعاً، وقد عرفت عدم سقوط خيارهما. إنّما الكلام في الصورة الأُولى، فالأقوال فيها أربعة:
1ـ سقوط خيارهما.
2ـ ثبوت خيارهما.
3ـ سقوط خيار المختار.
4ـ التفصيل بين بقاء المختار، فيثبتان ومفارقته المكان، فيسقطان.
هذه هي الأقوال، وإليك مبانيها.
فإن قلنا: إنّ الغاية حصول الافتراق الاختياري لكليهما وإنّ افتراق كلّ واحد منهما مسقط لخيار نفسه على وجه العام الاستغراقي، يسقط عندئذ خيار المختار دون المكره، إذ الفرض أنّ تفرّق كلّ واحد منهما، غاية لخيار نفسه لا لخيار الآخر، فالمختار يسقط خياره دون المكره لعدم الاعتداد شرعاً بإذهابه المساوق مع الافتراق.
وإن قلنا: بأنّ الغاية هو حصول الافتراق الاختياري لكليهما لكن يتوقّف سقوط خيار كلّ واحد منهما على مجموع الافتراقين الاختياريين على وجه العام

صفحه 97
المجموعي، فمالم يحصل هناك مجموعهما اختياراً، فلا يسقط خيار واحد منهما، وعلى هذا يثبت خيارهما لعدم حصول الغاية، أعني: مجموع الافتراقين الموصوف بالاختياري.
هذا إذا قلنا بأنّ الغاية هو الافتراقان، إمّا على نحو العام الاستغراقي أو على نحو العام المجموعي.
وأمّا إذا قلنا بأنّ الغاية حصول افتراق من أحدهما، فإن قلنا بأنّه يعتبر في المسقط كونه فعلاً وجودياً فيأتي التفصيل بين بقائه، وذهابه، فلو بقي فيثبت الخياران، لعدم صدور افتراق مسقط منهما أمّا المكره فلعدم الاعتداد بافتراقه، وأمّا المختار فلعدم صدور فعل منه.
وأمّا إذا قلنا بأنّه يكفي كونه تركاً اختيارياً فعندئذ يسقط الخياران بصدور التفرّق من واحد منهما، وهو جلوسه في المكان وعدم مصاحبته للمكره.
هذه هي المباني، ولكن الشيخ أهمل ترجيح أحدهما على الآخر، والظاهر هو الأوّل، لأنّ قوله «البيّعان» في قوّة قوله «البائع والمشتري بالخيار» وقوله: «ما لم يفترقا» في قوّة قوله: «ما لم يفترق البائع والمشتري»، فالمقابلة فيها في الحكم ثبوتاً وسقوطاً على نحو واحد، فإذا كان كلّ محكوماً بخيار مستقل فهو بحكم المقابلة محكوم بمسقط مستقلّ، فيكون تفرّق كلّ واحد منهما مسقطاً لخيار نفسه، وتكون النتيجة هو العام الاستغراقي ثبوتاً وسقوطاً.
واحتمال كون مجموع التفرّق ـإذا وصف بالاختيارـ غاية لكلا الخيارين على نحو العام المجموعي، بعيد عن الأذهان العرفية، وأبعد منه الاحتمال الثالث.
ومنه يظهر حكم الصورة الثانية، وهي ما إذا أُكره أحدهما على البقاء ممنوعاً

صفحه 98
من التخاير، وفارق الآخر اختياراً، وإنّ مقتضى ما ذكرنا سقوط خيار المختار دون المكره.
ثمّ إنّه إذا زال الإكراه، فهناك احتمالات:
1ـ جعل مجلس زوال الإكراه بمنزلة مجلس العقد، وإن كانا متباعدين.
2ـ إذا اجتمعا بعد الزوال يكون ذلك مجلس الخيار.
3ـ إنّ الغاية ممتنعة الحصول في المورد، فيبقى الخيار بحاله إلى أن يسقط بأحد المسقطات، ولا يخفى أنّ الاحتمالين الأوّلين تخرّص على الغيب، فإنّ الثابت شرعاً هو بقاء خيارهما إذا أُكرها وتكون النتيجة بقاء الخيار بعد الافراج عنهما، وأمّا تنزيل مجلس زوال الإكراه أو تنزيل المجلس الجديد عند الاجتماع منزلة مجلس الخيار فهو يحتاج إلى دليل، فلا مانع من القول ببقاء الخيار إلى أن يسقط بسائر المسقطات كالانسانين المتلاصقين لا يسقط خيارهما بالتفرّق لعدم امكانه.

المسقط الرابع: التصرّف:

إنّ كون التصرّف مسقطاً لخيار المجلس على وجه يأتي في خياري الحيوان والشرط، ممّا لم يظهر بين الفقهاء خلاف فيه وإن لم يرد في خصوصه نص، وإنّما ورد النص في غيره، ويظهر من الشيخ في الخلاف ورود النص فيه، قال: «روي عنهم ـعليهمالسلامـ من أنّ المشتري إذا تصرّف في المبيع بطل خياره» (1) ومورد النصّ هو خيار الحيوان(2) وقد تلقّاه الشيخ ضابطة كلّية، ولأجل ذلك قال في الجواهر: «إنّا لم

1 . الخلاف: ج 3/23، المسألة 30.
2 . الوسائل : ج12، الباب 4 من أبواب الخيار.

صفحه 99
نجد ما يدلّ على إبطال التصرّف بمطلق الخيار...» (1) وحكى القول بمسقطيته عن جواهر القاضي ولم نجده في مظانّه، ولكن قال في المهذب: «وإذا ثبت لزوم البيع أمّا بوقوعه مطلقاً أو بمضي المدّة إن كان مشروطاً، أو تصرّف المشتري فيه بتمليك أو عتق أو هبة» (2).
وعلى كلّ تقدير فيمكن استظهار السقوط ممّا ورد في التعليل الوارد في خيار الحيوان، حيث قال: «فإن أحدث المشتري فيما اشترى حدثاً قبل الثلاثة أيّام، فذلك رضا منه فلا شرط» (3) ويؤيّد ذلك ما سيوافيك من أنّ المتبادر في كلام الشيخ في الخلاف وبعض الروايات أنّ خيار الحيوان، ليس بخيار مستقلّ بل هو نفس خيار المجلس الممتدّ في مورد الحيوان إلى ثلاثة أيّام.

1 . الجواهر: 23/17.
2 . المهذّب: 1/357.
3 . الوسائل: ج 12، الباب 4 من أبواب الخيار الحديث1.

صفحه 100

صفحه 101
الفصل الثالث
خيار الحيوان
اختصاص خيار الحيوان بالمشتري وعدمه
مبدأ خيار الحيوان ومنتهاه
في مسقطات خيار الحيوان
أ. اشتراط سقوطه في ضمن العقد
ب. اسقاطه بعد العقد بقوله: التزمت بالعقد
ج. سقوطه بكل فعل دال على التزامه بالعقد
د. التصرّف

صفحه 102

صفحه 103

خيار الحيوان

خيار الحيوان: ممّا انفردت به الإمامية، ولم يقل به غيرهم، ويظهر من خلاف الشيخ، أنّ المتلقَّى في زمانه: إنّ خيار الحيوان، هو نفس خيار المجلس، وهو في غير الحيوان ينقضي بالافتراق وفيه بمضيِّ ثلاثة أيّام ولكن غيرهم قالوا بأنّ حكم الحيوان وجميع المبيعات واحد، وقال: يثبت في الحيوان الشرط ثلاثة أيّام شرط ذلك أو لم يشرط، وقال جميع الفقهاء: حكم الحيوان حكم سائر المبيعات(1).
وفي صحيح محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه ـعليهالسلامـ قال: المتبايعان بالخيار ثلاثة أيّام في الحيوان، وفيما سوى ذلك من بيع حتى يتفرّقا.
وفي صحيح زرارة عن أبي جعفر ـعليهالسلامـ قال سمعته يقول: قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): البيّعان بالخيار حتى يتفرّقا، وصاحب الحيوان ثلاث.
وعلى كلّ تقدير، فمقتضى الاطلاقات هو شمول الحكم لكلّ ذي حياة له قيمة فيعم النحل، ودود القز العلق ولكنّه منصرف عن المبتاع لا بما أنّه حيوان بل بما أنّه لحم، مثل السمك المخرج عن الماء والجراد المحرز، والصيد المشرف على

1 . الخلاف، ج 3، كتاب البيوع، المسألة 8.

صفحه 104
الموت، كما هو منصرف عن الحيوان الكلّي، فإنّه ليس حيواناً إلاّ بالحمل الأوّلي لابالحمل الشائع، وتصوّر كون مبدأ الخيار هو أوّل زمان التسليم، خلاف النص، من كون مبدئه، هو العقد، ولولا النصّ على شموله للرقّ من الإنسان، لقلنا بنفس هذا الانصراف فيه، لأنّه ليس بحيوان عرفاً وإن كان كذلك عقلاً، وكيف كان فيقع الكلام في مواضع:
1ـ اختصاص خيار الحيوان بالمشتري وعدمه.
2ـ مبدأ الخيار ومنتهاه.
3ـ مسقطاته

الموضع الأوّل: في اختصاصه بالمشتري وعدمه:

هل يختصّ الخيار بالمشتري أو يعمّه والبائع، المشهور هو الأوّل، قال العلاّمة في المختلف: خيار الحيوان ثلاثة أيّام يثبت بالعقد سواء شرطاه أو لا، للمشتري خاصّة ذهب إليه الشيخان وابن الجنيد، وسلاّر والصدوق وابن البراج وابن إدريس(1).
وقال السيّد المرتضى: يثبت الخيار للبائع والمشتري وحكي القول الثاني عن ابن طاووس وقوّاه الشهيد الثاني في المسالك.
وهناك قول احتمله العلاّمة في مختلفه وهو ثبوته لصاحب الحيوان بائعاً كان أو مشترياً، مثمناً كان أو ثمناً.

1 . مختلف الشيعة: كتاب التجارة، 172.

صفحه 105
استدل للقول الأوّل بوجوه:
1ـ الأصل في البيع هو اللزوم خرج عنه المشتري وبقي الباقي تحته، والمراد منه هو مقتضى العمومات اللفظية التي مرّ البحث عنها.
2ـ صحيحة فضيل: «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال قلت له: ما الشرط في الحيوان؟ قال: ثلاثة أيّام للمشتري، قلت له: ما الشرط في غير الحيوان؟ قال: البيّعان بالخيار ما لم يفترقا، فإذا افترقا فلا خيار بعد الرضا منهما» (1)والاستظهار منه بأنحاء:
الف: قد ثبت في محلّه أنّ المسند إليه إذا كان معرّفاً باللام يفيد الحصر مثل قوله: «الطلاق لمن أخذ بالساق» وقوله: «الولاء لمن اعتق» وعلى ذلك يكون قوله: «ثلاثة أيّام للمشتري» بقرينة السؤال بمنزلة قوله: «الخيار ثلاثة أيّام للمشتري».
ب: مقتضى المقابلة حيث عبّـر في غير الحيوان بقوله: «البيّعان» وفي الحيوان بالمشتري فلو كان عاماً لما كان وجه للعدول عنهما إليه.
ج: دلالة القيد في مقام التحديد على المفهوم.
3ـ صحيحة علي بن رئاب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «الشرط في الحيوان ثلاثة أيّام للمشتري اشترط أم لم يشترط» (2) ودلالتها على المدّعى، لأجل إفادتها الحصر على ما بين أوّلاً، وكون القيد في مقام التحديد دالاّ ً على المفهوم ثانياً.

1 . الوسائل: ج 12، الباب 3، من أبواب الخيار، الحديث 5، و الباب 1، الحديث 3 وقد فرّقها على البابين كعادته في الكتاب.
2 . المصدر نفسه: الباب 4 من أبواب الخيار، الحديث 1.

صفحه 106
4ـ صحيحته الأُخرى: قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن رجل اشترى جارية لمن الخيار، للمشتري أو للبائع أو لهما كلاهما؟ فقال: الخيار لمن اشترى ثلاثة أيّام نظرة، فإذا مضت ثلاثة أيّام فقد وجب الشراء» (1).
5ـ صحيحته الثالثة: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل اشترى جارية لمن الخيار؟فقال: الخيار لمن اشترى» (2).
6ـ صحيحة الحلبي: عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «في الحيوان كلّه شرط ثلاثة أيّام للمشتري» (3) وجه الدلالة ذكر القيد في مقام التحديد.
7ـ خبر علي بن أسباط عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام)قال سمعته يقول: «الخيار في الحيوان ثلاثة أيّام للمشتري» (4) وجه الدلالة نفس ما سبق من ذكر دلالة الهيئة على الحصر أوّلاً وكون القيد في مقام التحديد ثانياً.
8ـ استفاضت الروايات على أنّه لو مات الحيوان في أيّام الخيار، يكون الضمان على البائع دون المشتري(5) هذا من جانب، ومن جانب آخر اتّفقت كلمتهم على أنّ كلّ مبيع قد تلف في زمن الخيار، فهو ممّن لا خيار له، ومن ملاحظة الأمرين تحصل صغرى وكبرى بالنحو التالي: الضمان في زمن الخيار على البائع، وكل من كان الضمان عليه، فهو ممّن لا خيار له ينتج: البائع ممّن لاخيارله.

1 . الوسائل: ج 12، الباب 3 من أبواب الخيار، الحديث 9.
2 . المصدر نفسه: الباب 4 من أبواب الخيار، الحديث 3.
3 . المصدر نفسه: الباب 3 من أبواب الخيار، الحديث 1.
4 . المصدر نفسه: الباب 1 من أبواب الخيار، الحديث 5.
5 . المصدر نفسه: الباب 5 من أبواب الخيار.

صفحه 107
هذه هي الوجوه التي استدلّ بها القائل على اختصاص الخيار بالمشتري.
يلاحظ على الدليل الأوّل: أنّه إن أراد من العموم، مثل: (أوفوا بالعقود) فقد خرج منه بيع الحيوان حسب مجموع الروايات، فعندئذ سواء أكان الخيار للمشتري أم للأعم منه والبائع، لا يلزم منه تخصيص زائد، وإنّما يتمسّك بالعموم فيما إذا دار الأمر بين أصل التخصيص وعدمه أو بين الأقل والأكثر، والتخصيص في المقام مسلّم، وهو خروج بيع الحيوان، فلا فرق بين أن يكون الخيار لواحد من الطرفين، أو لكليهما.
ونظير ذلك إذا كان المتمسّك هو قوله: «البيّعان بالخيار ما لم يفترقا»: ببيان أنّ مفاده هو اللزوم بعد الافتراق خرج منه المشتري وبقي البائع تحته، يلاحظ أنّه مقيّد ببيع غير الحيوان، بقرينة قوله في صحيحة فضيل، حيث قال: قلت له: ما الشرط في غير الحيوان؟ قال: «البيّعان بالخيار ما لم يفترقا» (1).
ومثله صحيحة محمّد بن مسلم حيث يقول: «المتبايعان بالخيار ثلاثة أيّام في الحيوان، وفي ما سوى ذلك من بيع حتّى يفترقا» (2) فإذا كان لزوم البيع بالافتراق مقيّداً ببيع غير الحيوان لا يتفاوت الأمر بين كون الخيار لواحد أو لأكثر كما مرّ.
وأمّا الحجج الباقية فهي بين صريح كرواية علي بن رئاب التي لا تقبل التأويل بل أمرها يدور بين الأخذ بها، أو طرحها (إذا تمّ دليل القول الثاني)، أو غير صريح بل دلالته بالمفهوم الصالح لرفع اليد عنها بدليل أقوى، ولا يمكن القضاء في الحجج الباقية إلاّ بعد دراسة حجّة القول الثاني.

1 . الوسائل: ج 12، الباب 1 من أبواب الخيار، الحديث 3.
2 . المصدر نفسه: ج 12، الباب 3 من أبواب الخيار، الحديث 3.

صفحه 108

حجة القول الثاني:

احتجّ القائل بالأعم، بصحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه ـعليهالسلامـ قال: «المتبايعان بالخيار ثلاثة أيام في الحيوان، وفيما سوى ذلك من بيع حتى يفترقا» (1).
والدلالة واضحة فهي تثبت الخيار حقّاً للبائع والمشتري مطلقاً، سواء بيع حيوان بنقد أو حيوان بحيوان، أو الحنطة بحيوان، ثمّ إنّ الصحيحة وإن كانت تعارضها رواية ابن رئاب، إلاّ أنّها لا تعادل صحيحة محمد بن مسلم لأنّها مروية في قرب الاسناد وهو من الكتب التي وقف عليها الأصحاب في العصور الأخيرة، بخلاف الصحيحة فإنّها مروية في الكتب الأربعة. وأمّا غيرها فبما أنّ دلالتها بالمفهوم فيمكن إخلاء القضية عن المفهوم بالقول بأنَّ القيد (المشتري) وارد مورد الغالب، فيؤخذ باطلاق الصحيحة.
يلاحظ على الاستدلال:
أوّلاً: بأنّ مجموع ما استدل به القائل بالقول الأوّل لا يقصر في الاعتبار عن صحيحة محمد بن مسلم، فلو تنازلنا فيجب الحكم بالتعارض والرجوع إلى الأُصول دون الأخذ بالصحيحة.
وثانياً: أنّ هناك رواية أُخرى لمحمد بن مسلم قد جاء فيها مكان «المتبايعين»، لفظ «صاحب الحيوان»، رواها عن أبي عبد اللّه قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : البيّعان بالخيار حتى يفترقا، وصاحب الحيوان بالخيار ثلاثة أيام (2)، وهي

1 . الوسائل: ج12، الباب 3 من أبواب الخيار، الحديث 3.
2 . المصدر نفسه: الباب 1، من أبواب الخيار، الحديث 1.

صفحه 109
نفس الرواية السابقة غير أنّ فيها تقديماً وتأخيراً، ففي الثانية قُدِّم خيار المجلس وأُخِّر خيار الحيوان، بخلاف الأُولى، وفي الوقت نفسه عبّـر عن موضوع واحد بلفظين مختلفين (المتبايعان وصاحب الحيوان).
وحينئذ إن قلنا: إنّهما رواية واحدة عن أبي عبد اللّه رويت بصورتين مختلفتين فطرأ الاضطراب عليها فهذا يصدّنا عن الأخذ بالأعم منهما، وهو المتبايعان.
وإن قلنا: إنّهما روايتان مختلفتان، يقع التعارض بينهما، فإنّ الأُولى ترى الخيار للبائع والمشتري، والثانية تراه لصاحب الحيوان بائعاً كان أو مشترياً فيعامل معهما معاملة المتعارضين.

حجّة القول الثالث:

قد عرفت أنّ العلاّمة جنح إلى ثبوت الحكم في مطلق صاحب الحيوان سواء أكان مشترياً كما هو واضح أم بائعاً كما في بيع الحنطة بالحيوان، بحيث يكون الحيوان ثمناً، والدليل على ذلك هو ما عرفت من الصحيحة الثانية لمحمد بن مسلم، حيث جعل الموضوع فيه «صاحب الحيوان» لا المشتري. وسيوافيك ما رواه زرارة في هذا الشأن أيضاً.
يلاحظ عليه: أنّه فسّـر صاحب الحيوان في موثقة ابن فضال مقيداً بالمشتري. روى الحسن بن علي بن فضال، قال: سمعت أبا الحسن علي بن موسى الرضا ـعليهالسلامـ يقول: صاحب الحيوان المشتري بالخيار بثلاثة أيّام (1). ومع هذا التقيّد كيف يمكن الأخذ باطلاق الصحيحة، والموثّقة حجة كالصحيحة.

1 . الوسائل: ج12، الباب 3، من أبواب الخيار، الحديث 2.

صفحه 110
نعم، تخلّص الشيخ من هذا الاشكال باحتمال ورود القيد مورد الغالب، لأنّ الغالب كون صاحب الحيوان مشترياً.
يلاحظ عليه: أنّه لو صحّ هذا الاحتمال لأجل الغلبة لصحّ تنزيل الاطلاق في صحيحة محمد بن مسلم على الفرد الغالب وهو المشتري، إذ لو كانت الغلبة مصحّحة للتصرّف في القيد لكانت مسوّغة للتصرّف في الاطلاق فيحمل المطلق (صاحب الحيوان) على الفرد الغالب (المشتري) فما الفرق بين التصرّفين حيث ادّعى الشيخ الأنصاريّ أنّ الغلبة قد تكون بحيث توجب تنزيل القيد عليها، ولا توجب تنزيل الاطلاق.
ومع ذلك كلّه، فالقول الأوّل هو الأرجح، ولكنّه ينطبق على القول الثالث أيضاً، وإليك البيان بذكر أمرين:
الأوّل: إنّ مضمون الروايات لا يتجاوز عن ثلاثة:
1ـ الخيار لخصوص المشتري، وهو الأكثر.
2ـ الخيار لصاحب الحيوان، وقد جاء في صحيحة محمد بن مسلم، كما جاء في صحيحة زرارة، وقد روى عن أبي جعفر قال: سمعته يقول: قال رسول اللّه: «البيّعان بالخيار حتى يتفرّقا و صاحب الحيوان ثلاث» (1).
3ـ ثبوته للمتبايعين، وقد ورد في رواية محمد بن مسلم، وقد عرفت كيفية الجمع بين الروايات في التقرير السابق، وأنّ الآخذ بالقول الأوّل بحمل الاطلاق في صاحب الحيوان بالخيار، على كونه وارداً مورد الغالب وهو المشتري، كما أنّ الآخذ بالقول الثالث بحمل القيد الوارد في حجج القول الأوّل، على الفرد

1 . الوسائل: ج 12، الباب 3 من أبواب الخيار، الحديث 6.

صفحه 111
الغالب، وقد عرفت أنّه لا ترجيح لأحد الحملين على الآخر.
وأمّا ما دلّ على ثبوته للمتبايعين، فهو إمّا مضطرب المتن أو معارض برواية أُخرى عن نفس محمد بن مسلم، وسيوافيك رفع التعارض بغير هذا الوجه.
الثاني: إنّ البيع إذا كان متحقّقاً بالنقد فصاحب المتاع بائع والناقد مشتر، وأمّا إذا كان المتاع في مقابل المتاع فكلّ واحد بائع من جهة، ومشتر من جهة أُخرى، ولا اعتبار ببعض الوجوه الذي يذكره الشيخ في مثل المقام من عدّ صاحب الحاجة مشترياً، والمقابل بائعاً، والشاهد على ذلك أنّ الطرف المقابل إذا أراد بيع ما أُخذ من صاحب الحاجة يقول: اشتريته بمتاع كذا. كل ذلك يعرب عن اتّصاف كل من الطرفين بالبيع والاشتراء.
إذا عرفت هذين الأمرين، فنقول:
ما ورد من أنّه خيار الحيوان للمشتري فهو ناظر إلى ما إذا كانت المعاملة متحقّقة بالنقد فالخيار للمشتري دون البائع.
وما ورد فيه من أنّ الخيار لصاحب الحيوان فهو ناظر إلى ما إذا كانت المبادلة بين الحيوان ومتاع آخر، فعندئذ فمن أخذ الحيوان ودفع المتاع الآخر، وإن كان بائعاً من جهة، لكنّه مشتر أيضاً من جهة أُخرى، فكما يصحّ لنا أن نصفه بأنّه صاحب الحيوان، يصحّ لنا أن نصفه بأنّه مشتر، فيكون العنوانان منطبقين عليه.
وأمّا العنوان الثالث، أعني: المتبايعين فهو محمول على مبادلة حيوان بحيوان، فلكل خيار الحيوان لأنّهما متبايعان وأنّهما صاحبا الحيوان كما أنّ كليهما مشتريان أيضاً، فلا منافاة بين ثبوت الخيار لخصوص المشتري وثبوته للمتبايعين.

صفحه 112
وبهذا البيان يمكن الجمع بين الروايات بلا اشكال، وبما أنّ المعاملات في العصور السابقة خصوصاً في البلاد النائية عن الحضارات، كانت تتحقق بتبديل متاع بمتاع آخر أو من جنسه، فلا بعد في حمل هذه الروايات على هذا النوع من المعاملات ولا يعد ذلك من الجمع التبرّعي.
0 0 0

الموضع الثاني: في مبدأ خيار الحيوان ومنتهاه:

المشهور أنّ مبدأ خيار الحيوان هو زمان العقد «صرّح به جماعة وهو ظاهر الباقين» (1) وحكي الخلاف عن الغنية، فزعم أنّ مبدأه من حين التفرّق. ويمكن استظهار الخلاف من الشيخ والحلّـي حيث قالا: بأنّ مبدأ خيار الشرط من حين التفرّق، قال في المبسوط: الأولى أن يقال: إنّه يعني خيار الشرط يثبت من حين التفرّق لأنّ الخيار يدخل إذا ثبت العقد، والعقد لم يثبت قبل التفرّق (2).
ولو صحّ ما ذكره لجرى في خيار الحيوان أيضاً، والتحقيق هو القول الأوّل، وذلك ببيان مقدمة، وهي أنّك قد عرفت فيما سبق هو أنّ روح النزاع في عصر الشيخ بين المثبت والمنكر، كان في امتداد خيار المجلس إلى ثلاثة أيام وعدمه، فالإمامية على الابتداء خلافاً لغيرهم قالوا: بأنّ الغاية واحدة. وعلى ذلك خيار الحيوان على فرض ثبوته ليس خياراً مستقلاّ ً، بل هو نفس خيار المجلس الذي وافق عليه كل الفقهاء سوى الحنفية غير أنّه عند الإمامية في غير الحيوان مغيّا

1 . جواهر الكلام، ج23، ص 28.
2 . المبسوط: 2/85.

صفحه 113
بالتفرّق، وفيه إلى ثلاثة أيام، وعند غيرنا للجميع غاية واحدة وهو التفرّق في الحيوان وغيره.
ويمكن استظهار ذلك من الروايات وأنّه ليس هنا إلاّ خيار واحد لجميع المتعاملين وإنّما الاختلاف بين الحيوان وغيره في منتهى الخيار.
منها: صحيحة محمد بن مسلم حيث اتّخذت المتبايعين موضوعاً في الحيوان وغيره، وفصّلت بين كون المبيع حيواناً وغيره، وقال: المتبايعان بالخيار ثلاثة أيام في الحيوان، وفي ما سوى ذلك من بيع حتى يفترقا (1). وظاهره أنّ الخيار المتحقّق في الحيوان، نفس الخيار المتحقّق في غيره، وإنّما الاختلاف في الغاية.
وتؤيّده أيضاً رواية علي بن أسباط، عن أبي الحسن الرضا(عليه السلام) ، قال: «سمعته يقول: الخيار في الحيوان ثلاثة أيام وفي غير الحيوان أن يفترقا» (2).
ونظيرها صحيحة فضيل، حيث تقول: قلت له: ما الشرط في الحيوان؟ قال: ثلاثة أيام للمشتري. قال: قلت له: ما الشرط في غير الحيوان؟ قال: البيّعان بالخيار ما لم يفترقا (3).
فإنّ الظاهر من رواية علي بن أسباط أنّ هنا خياراً واحداً في المبيع غير أنّه تختلف غايته حسب اختلاف المبيع، كما أنّ الظاهر من صحيحة فضيل أنّ الشرط في الحيوان ثلاثة أيام وهو في غيره ما لم يفترقا، فالمجعول خيار واحد غير أنّه رعاية للحكمة، جعل غايته في غير الحيوان الافتراق لسرعة تبيّـن حاله وفي الحيوان ـ

1 . الوسائل: ج12، الباب 3 من أبواب الخيار، الحديث 3.
2 . المصدر نفسه: الحديث 8.
3 . المصدر نفسه: الحديث 5، والباب 1 من أبواب الخيار، الحديث 3.

صفحه 114
لحاجته إلى التروّي والامعان ـ إلى ثلاثة أيّام. هذا هو الظاهر من الروايات.
ومنه يظهر أنّه لا غبار في الحكم بأنّ مبدأه هو زمان العقد كحكمه في سائر المبيعات، لأنّه في الحيوان وغيره من جنس واحد تشمله أدلّة خيار المجلس، نعم على القول بالتعدّد يأتي النزاع في مبدئه.
فإن قلت: يلزم على ذلك عدم الخيار للبائع بتاتاً لا بعنوان خيار المجلس، ولا بعنوان خيار الحيوان في بيع الحيوان لأنّ خيار الحيوان هو استمرار لخيار المجلس، وقد قرّر عند المشهور أنّه للمشتري دون البائع، فيلزم عليه أن لا يثبت له الخيار أبداً.
قلت: لا مانع من الالتزام به، إذا وافقه الدليل، فالمتبايعان في غير الحيوان لهما الخيار ما لم يتفرّقا، كما لهما الخيار في بيع الحيوان، حسب العمومات لكن خرج عنه البائع بدليل منفصل.
فان قلت: إنّ رواية الفضيل ليست في بيان أصل الخيار، حتى تستنتج منها وحدة الخيار، بل هي في مقام بيان الغاية.
قلت: لا دليل على عدم كونه في مقام البيان من هذه الجهة أيضاً مع أنّ الإمام حكى في حديثه قول النبيّ وهو: البيّعان بالخيار ما لم يفترقا، ومن المعلوم أنّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)كان في مقام بيان أصل الخيار مع غايته لما سبق أنّ خيار المجلس من الأحكام الإسلامية غير المسبوقة بحكم عرفي.
ثمّ إنّه لو قلنا بتعدّد الخيار، وإنّ هناك خيار مجلس يعم المتبايعين غايته التفرّق، وخياراً آخر لصاحب الحيوان غايته ثلاثة أيام، يمكن استظهار قول المشهور أيضاً من نفس الروايات وذلك بوحدة السياق، لا من ملاحظة رواية

صفحه 115
حاكية عن أنّ مبدأ الخيارين هو العقد، فلاحظ قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): البيّعان بالخيار حتى يفترقا، وصاحب الخيار بالحيوان ثلاثة أيام (1).
وإن شئت قلت: إنّ الخيارين مترتّبان على العنوانين: البيّعان، وصاحب الحيوان، وبما أنّهما يتحققان بنفس العقد، لازمه أنّه يتحقّق الخيار بتحقّقهما، لأنّ المفروض أنّ كل واحد تمام الموضوع للحكم. هذا كلّه حول قول المشهور.
ثم إنّه استدلّ على القول الآخر بوجوه مختلفة نشير إليها:
1ـ وجود المانع العقلي عن كون مبدأ الخيار هو العقد وذلك لأنّ العقد المتزلزل بخيار المجلس لا يقبل التزلزل من جانب خيار الحيوان، إذ هو تحصيل للحاصل، وإن شئت قلت: إنّ البيع جائز بسبب خيار المجلس فلا وجه للحكم بجوازه أيضاً لكونه لغواً، وبعبارة ثالثة: إنّ الخيار شيء واحد فلا يصحّ توارد سببين تامّين عليه.
يلاحظ عليه: أنّ هذه الوجوه الثلاثة مردودة بوجهين اجمالاً وتفصيلاً:
أمّا الاجمال، فإنّها من باب خلط الأُمور الاعتبارية بالحقائق الخارجية، فإنّ هذه التعليلات تتمشّـى في الحقائق، دون المسائل الاعتبارية.
وأمّا تفصيلاً، فعن الأوّل: بأنّ معنى قوله: «العقد المتزلزل لأجل خيار المجلس لا يصحّ توصيفه بالتزلزل لأجل خيار آخر» ، إنّه لا يصحّ اجتماع خيارين في عقد واحد وهو منقوض باجتماع خيار العيب والغبن في عقد واحد. أضف إلى ذلك: أنّه لا مانع من اجتماعهما لترتّب الأثر عليهما باسقاط واحد وابقاء الآخر، فربّما يسقط خيار الغبن في العقد ويبقى خيار العيب، وما يظهر من عبارته من

1 . الوسائل: ج 12، الباب 1 من أبواب الخيار، الحديث 1.

صفحه 116
امتناع تزلزل المتزلزل أشبه باجراء حكم التكوين إلى التشريع.
وأمّا عن الثاني: فلأنّ عدم جواز الحكم بالجوازين على عقد، إنّما هو إذا اتّحدت الجهة فعقد الهبة لا يكون جائزاً بجوازين، وأمّا إذا اختلفت الجهة فلا مانع، فيجوز أن يكون عقد البيع جائزاً لأجل خيار المجلس وجائزاً أيضاً لأجل خيار الحيوان.
وأمّا عن الثالث: أعني امتناع توارد سببين على مؤثّر واحد، فإنّما هو من خصائص التكوين لا التشريع، فإنّ الأسباب الشرعية ليست مؤثّرات وموجدات بل موضوعات، فلا مانع من أن يكون البيّعان موضوعاً للخيار لأجل التروّي في مجلس العقد مطلقاً حيواناً كان أو غير حيوان، وأن يكون عنوان الحيوان سبباً لخيار آخر، ثلاثة أيام لحاجة المشتري إلى التروّي المستمر. فالاختلاف في الموضوع صار سبباً لاعتبار خيارين.
هذا كلّه حول المانع العقلي.
2ـ وأمّا المانع الشرعي فهو عبارة عن الأُصول العملية كأصالة عدم حدوث خيار الحيوان حين التفرّق، أو أصالة عدم ارتفاعه بانقضاء ثلاثة من حين العقد.
يلاحظ عليه: أنّ الأصلين مثبتان، فإنّ المطلوب اثبات أنّ مبدأ خيار الحيوان هو العقد، وهذا أثر عقلي للأصلين كما هو واضح.
ثمّ إنّه ربّما يؤيّد خلاف المشهور بما دلّ على أنّ تلف الحيوان في الثلاثة من البائع (1) مع أنّ التلف في الخيار المشترك من المشتري.

1 . الوسائل: ج 12، الباب 5 من أبواب الخيار.

صفحه 117
يلاحظ عليه: أنّ هذا يمكن أن يكون دليلاً على عدم تعدّد الخيار، وأنّ هنا خياراً واحداً غايته التفرّق في غير الحيوان، وانقضاء ثلاثة أيام فيه، مع اختصاصه بالمشتري، والتلف في هذه المدّة من البائع لكونه ممن لا خيار له، ولو تنزّلنا عن ذلك وقلنا بتعدّد الخيار، فنقول: إنّ الاطلاق وارد مورد الغالب، فإنّ التلف قلّما يتّفق في مجلس البيع، وإنّما يتحقّق بعده. فلأجل ذلك قالوا: بأنّ التلف في الثلاثة من البائع، لأنّ التلف يتّفق عند انقضاء خيار البائع بالتفرّق ، وبقاء خيار المشتري إلى ثلاثة أيام ، وإلاّ فلو تلف قبل التفرّق فيحكم عليه بحكم الخيار المشترك.
هذا كلّه في بيع المالك، وأمّا عقد الفضولي وبيع السلم، فنقول: أمّا الأوّل فإن قلنا: إنّ الاجازة ناقلة فلا شك أنّ مبدأ الخيار هو زمن صدور الاجازة، وأمّا إذا قلنا بكونها كاشفة فلها احتمالات:
1ـ الكشف الحقيقي: بمعنى حصول الملكية للمشتري بمجرّد عقد الفضولي، وإن لم يكن هناك رضا المالك و لكنّها كانت غير معلومة، كشفت عنها الاجازة، وعلى ذلك فلا تأثير للاجازة في حصولها، بل لها تأثير في حصول العلم بها، وهذا الاحتمال باطل لظهور الأدلّة في تأثير الرضا في النقل والانتقال لا في ظهورهما.
2ـ الكشف الحقيقي: بمعنى أنّ الاجازة في زمن صدورها تحدث ملكية للمشتري فيما سبق كما أنّ عقد المالك يحدث له ملكية فيما يأتي، ولمّا كانت الملكية أمراً اعتبارياً يصحّ جعلها واعتبارها في السابق واللاحق، ولا تتوقف صحّة الاعتبار على شيء سوى ترتّب الأثر، وتصوّر استلزامه أن يكون شيء واحد ملكاً

صفحه 118
لشخصين في زمان واحد، مدفوع بأنّه لا مانع منه، لاختلاف زمان الاعتبار، وإن كان زمان المعتبر واحداً، ولا يضر ذلك إذا اختلف زمان الاعتبار، فلو باع الفضولي يوم السبت وأجاز المالك يوم الأحد فالمجيز كان مالكاً في يوم السبت قبل صدور الاجازة، وبعد اجازته يتغيّـر الاعتبار ويفرض كون المشتري مالكاً فيه.
هذا غاية التوجيه للكشف الحقيقي بهذا المعنى، وقد كان سيدنا الأُستاذ الحجّة الكوه كمري ـقدّس اللّه سرّهـ (1) يستقربه في تفسير الروايات الدالة على الكشف ولكنّه فرض بعيد عن الأذهان العرفية، فلا يصح تنزيل ما دلّ على الكشف على هذا الفرض.
فلمّـا بطل الفرضان تعيّـن الكشف الحكمي وهو ترتيب آثار الملكية للمشتري لا فرضه مالكاً، وإنّما يكون مالكاً من زمان صدور الاجازة، فيتعلّق خيار الحيوان بهذا الظرف، لما تضافرت الروايات على أنّ خيار الحيوان لصاحبه وهو ليس صاحباً إلاّ من هذا الزمان.
أمّا بيع الحيوان سلفاً، فلو قلنا بتعلّق خيار الحيوان بالكلي كتعلّقه بالجزئي، يكون مبدؤه هو العقد كسائر العقود، ولو قلنا بعدم تعلّقه بالكلّـي، فلا مناص من تصويره فيما إذا كان الحيوان ثمناً كما إذا باع طعاماً سلفاً بحيوان نقداً، وقد عرفت أنّ الخيار لصاحب الحيوان من غير فرق بين كونه بائعاً أو مشترياً، أضف إليه أنّه مشتر بعنوان آخر، فلا ينافي القول بثبوت الخيار هنا له، القول باختصاصه بالمشتري كما مر.

1 . الفقيه الحفيظ وقد حضرنا بحثه أزيد من ثلاث سنوات، كان ـقدّس سرّهـ آية في الذكاء والحفظ والتتبع. توفّي ـ رحمه اللّه ـ في جمادي الآخرة من شهور عام 1372 ودفن في مقبرته الواقعة في المدرسة الحجتية.

صفحه 119

في دخول الليالي:

إنّ للأيام في القرآن والعرف اطلاقات نشير إليها:
1ـ قد تطلق الأيام ويراد منها الدورات التكوينية السائدة على الموجود، كما في قوله سبحانه: (اللّهُ الَّذِي خَلَقَ سبعَ سَموات والأرض في ستّة أيّام) (السجدة/4) ، فلو قلنا: إنّ المراد مجموع السماوات و الأرض سواء كانت تحت المجرَّة أم فوقها، وبعبارة أُخرى: العوالم الكونية مطلقاً، فلا مناص من تفسير الآية بالدورات التدريجية التي مضت عليها، وصارت سبباً لاستكمالها من النقص إلى الكمال، نعم لو قلنا: إنّ المراد هو السماء المحسوس، فلا مانع من تصوير أيّام لها باعتبار أيام سائر المنظومات، وعندئد يكون اليوم بمعناه اللغوي.
2ـ وقد تطلق الأيام ويراد منها الفصول الأربعة، قال سبحانه: (وقدَّرَ أقواتها أربعةَ أيّام سواء للسائلين)(فصلت/10).
3ـ وقد تطلق الأيام ويراد منها ما يقابل الليالي. قال سبحانه: ( سَخَّرها عَلَيهمْ سَبعَ لَيال وثمانية أيّام حُسوما)(الحاقة/7).
4ـ وقد تطلق الأيام ويراد منها بياض الأيام مع لياليها، قال سبحانه خطاباً لزكريا: (آيتُكَ أنْ لا تُكَلِّمَ الناسَ ثلاثةَ أيّام إلاّ رمزاً) (آل عمران/41)، فإنّ المراد امساك لسانه عن الكلام في الأيام والليالي إلاّ إيماءً من غير آفة حدثت فيه. وقال سبحانه حاكياً عن صالح: (فَعَقَرُوها فقالَ تَمَتَّعُوا في دارِكُمْ ثلاثة أيّام ذلكَ وعدٌ غَيْـرَ مَكْذوب) (هود/65).
وليس ذلك الاستعمال بعزيز بل ترى نظيره في الروايات مثل قوله: «أقلّ

صفحه 120
الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام» (1) وقوله: «إذا دخلت بلداً وأنت تريد المقام عشرة أيام فأتم الصلاة» (2) ولا شكّ أنّ المراد هو الأيام مع لياليها.
وعلى ذلك فالظاهر أنّ المراد من الأيام في روايات الباب هي مع لياليها، وتؤيّد ذلك حكمة جعل الخيار فانّها لإمهال المشتري كما في صحيحة علي بن رئاب: «الخيار لمن اشترى ثلاثة أيام نظرة» (3) أي مهلة حتى يختبر، وعند ذلك يكون المراد من قوله: «فإذا مضت ثلاثة أيّام فقد وجب الشراء» مضيّها بلياليها معاً.
إذا عرفت ذلك فلنذكر أحكام الصور المتصوّرة موضوعاً وحكماً:
1ـ لا شك في دخول الليلتين المتوسّطتين ، إذ لولاه يلزم انقطاع الخيار في الليالي وحدوثه في الأيام وهو كما ترى. إنّما الكلام في كيفية الدخول، فذهب الشيخ الأنصاري إلى أنّ دخولهما تبعيّ لحفظ الاستمرار، وعلى ما ذكرنا دخولهما حقيقي وموضوعي لأنّه أُريد من الأيام ـ ولو مجازاً ـ الأيام ولياليها وذلك أمر متعارف، وهناك فرق بين قولنا للمشتري: الخيار من حين العقد إلى مضي ثلاثة أيّام، وقولنا: له الخيار ثلاثة أيّام، أو أنّ الشرط في الحيوان ثلاثة أيّام، فيراد من التعبير الأوّل بياض يوم، ويكون دخول الليالي حكماً وتبعاً، بخلاف التعبير الثاني فانّه ظاهر في دخول الليالي في مفهوم الأيام وأنّ لها موضوعية كموضوعيتها.
2ـ لو عقد في أوّل النهار، فعلى ما ذكره الشيخ من أنّ دخول الليلتين

1 . لاحظ الوسائل: ج2، الباب 10، من أبواب الحيض.
2 . المصدر نفسه: الباب 15 من أبواب صلاة المسافر، الحديث 17.
3 . المصدر نفسه: ج 12، الباب 3 من أبواب الخيار، الحديث 9.

صفحه 121
المتوسطتين دخول حكمي دخلتا لحفظ الاستمرار حتى ينقضي الخيار إلى آخر اليوم الثالث، لا تدخل الليلة الثالثة لعدم الحاجة إلى الاستمرار، وعلى ما اخترناه ينقضي بانتهاء الليلة الثالثة.
3ـ إذا عقد في أثناء الليل أو النهار، فالظاهر من الشيخ التلفيق بأي نحو اتّفق، بقي من اليوم شيئاً يسيراً أو كثيراً، ومثله الليل، وذلك هو الأقوى لأنّ المقياس هو مضي زمان يعادل ثلاثة أيام مع لياليها حتى يقف المشتري على معايب الحيوان، وهذا لا يتفاوت فيه كون مبدؤه أوّل النهار أو وسطه.
غير أنّ السيد الطباطبائي ذكر للمسألة صوراً ثلاث، وقال: ولو كان في أثناء النهار فإن كان ما مضى منه قليلاً، بحيث يصدق اليوم الكامل على بقيته فيحسب ذلك اليوم يوماً واحداً، كما إذا كان في آخر النهار بحيث لم يبق منه إلاّ يسير لا يعتنى به فيلغى بالمرّة، ولابد من مضي ثلاثة أيام تامة غيره، وإن كان في الأثناء ولم يكن الماضي أو الباقي ملحقاً بالعدم، فاللازم بمقتضى القاعدة الغاء ذلك اليوم، ومضي ثلاثة أيّام أُخر، وذلك لأنّ التلفيق من اليوم الرابع فرع ارادة مقدار بياض يوم، مع أنّ ظاهر اللفظ ارادة نفس اليوم لا مقداره (1).
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره بعيد من ذوقه وفقاهته، لأنّ المعاملات أُمور عرفية والتروّي ثلاثة أيام إمهال للمشتري لينظر فيما اشترى، والقول بأنّ المراد هو اليوم الكامل لا مقداره، يناسب العبادات التي تطلب لنفسها الجمود لا المعاملات التي تطلب السهولة واليسر.
4ـ لو عقد بعد مضي مقدار من الليل فعلى ما ذكرنا لا ينقضي إلاّ بعد مضي هذا المقدار من الليلة الرابعة، وقال الشيخ بانقضاء الخيار بانتهاء اليوم

1 . تعليقة السيد الطباطبائي: 2/ 18.

صفحه 122
الثالث، واحتمل بعضهم ورود النقص على اليوم الثالث بمقدار ما استغرق من الليلة الأُولى وهو فاسد، لأنّه يستلزم ارادة مقدار اليوم من النصوص أي الساعات(36ساعة مثلاً) وعليه يكفي يوم وليلتين أو يومان وليلة واحدة وهو فاسد.

الموضع الثالث: في مسقطاته:

يسقط خيار الحيوان كخيار المجلس بأُمور نشير إليها:
1ـ اشتراط سقوطه في ضمن العقد، أو في ضمن عقد سابق، أو عقد لاحق وتصوّر كونه اسقاطاً لما لم يجب قد عرفت جوابه، وله اسقاط بعضه دون بعض، من غير فرق بين أن يكون الساقط أوّله أو وسطه أو آخره، وهو وإن كان حقّاً واحداً، إلاّ أنّه يتقسّط حسب الأيام بل الساعات، وما أفاده المحقق الخراساني في تعليقته من الاشكال على اسقاط اليوم الثاني فقط من أنّ ثبوته بعد اسقاط اليوم الوسط، إمّا اعادة للمعدوم أو تحقّق بلا سبب (1)، غير تام، لأنّ اسقاطه لو كان في ضمن العقد يرجع معناه إلى تقليل مدّة الخيار من أوّل الأمر، وتخصيصه بالأوّل والثالث، وهذا كما لو كان الخيار المجعول من جانب الشارع في الحيوان بهذا النحو.
وإن كان اسقاطه بعد العقد، لبعض الأجزاء فهو اسقاط لبعضه مع الصيانة على الباقي، فلا يلزم في الصورتين اعادة للمعدوم، أو تحقّق أمر بلا سبب، وهذا كما يجوز في المال أن يباع بعضه دون بعض فهكذا يجوز للحق اسقاط بعضه دون بعض.

1 . تعليقة المحقّق الخراساني على المتاجر والخيارات/ 94ـ 95.

صفحه 123
2ـ اسقاطه بعد العقد، بقوله: التزمت بالعقد.
3ـ سقوطه بكل فعل دال على التزامه بالعقد (1)، وكراهته للفسخ وإن لم يستلزم تصرّفاً في المبيع، كما لو اشترى جارية، واشترى لها في أيام الخيار ما يناسبها من الألبسة والأحذية وأدوات الزينة، أو عرضها للبيع من دون أن يتصرّف فيها ولكن عُدَّ العمل عرفاً انشاءً فعلياً للالتزام بالبيع واسقاط للحق، إذ لا فرق فيه بين القول والفعل، فالانشاء الفعلي كالانشاء القولي وقد ورد في خيار الشرط ما يشهد لذلك (2).
4ـ التصرّف وكونه مسقطاً في الجملة ممّا لا كلام فيه، إنّما الكلام في خصوصياته فقد اضطربت كلماتهم كاضطراب النصوص في نظرهم، وقد أنهى السيد الطباطبائي الأقوال في المسألة إلى سبعة من كون المسقط هو التصرّف بقصد الاسقاط، أو الكاشف عن الرضا بالالتزام كشفاً طريقياً، أو كشفاً موضوعياً (3)، أو مطلق التصرّف إلاّ ما كان للاختبار، أو ما كان منقصاً للقيمة، أو يكون له أُجرة، أو ما كان موجباً لتغيّـر العين كأخذ حافر الدابة أو انعالها، أو التصرّف في البيع بما أنّه مملوك له (4).
والمهم دراسة الروايات وعرض الأقوال عليها. والروايات على قسمين:
ألف: ما يتبادر في بادئ النظر أنَّ التصرّف مسقط بلا قيد وشرط.
ب ـ ما يظهر منه كون المغيّـر منه مسقطاً.

1 . وقد سقط هذا القسم من المسقطات من قلم الشيخ الأعظم فاكتفى بالأقسام الثلاثة.
2 . الوسائل: ج12 ، الباب 12 من أبواب الخيار ، الحديث 1.
3 . تظهر الثمرة فيما لو علم عدم ارادة الالتزام فلا يسقط على الطريقية دون الموضوعية.
4 . تعليقة السيد الطباطبائي: 2/21.

صفحه 124
أمّا الأوّل: فتدل عليه: صحيحتا علي بن رئاب عن أبي عبد اللّه ـعليهالسلامـ قال: الشرط في الحيوان ثلاثة أيام للمشتري، اشترط أم لم يشترط، فإن أحدث المشتري فيما اشترى حدثاً قبل الثلاثة الأيام، فذلك رضاً منه فلا شرط. قيل له: وما الحدث؟ قال: إن لامسَ أو قبّل أو نظر منها إلى ما كان يحرم (1) عليه قبل الشراء (2).
ابتدأ الإمام بخيار الحيوان، وجعل الموضوع لسقوط الخيار «احداث الحدث» من جانب المشتري لكنّه عندما أراد التمثيل به، مثّل بالأحداث الواردة على الأمة، لا على الحيوان بالمعنى العرفي.
وعنه أيضاً: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل اشترى جارية لمن الخيار؟ فقال: الخيار لمن اشترى ـ إلى أن قـال:ـ قلت له: أرأيت إن قبّلها المشتري أو لامس؟ قال: فقال: إذا قبّل أو لامس أو نظر منها إلى ما يحرم على غيره فقد انقضى الشرط ولزمته (3).
وتختلف الرواية عمّـا تقدّمها في أنّ السؤال من أوّل الأمر عن الجارية، وتشترك معها أنّه جعل اللمس والنظر مسقطين، وفهم العلماء منهما أنّ مطلق التصرّف هو المسقط سواء كان مغيّـراً أم لا، منقِّصاً للقيمة أم لا، تصرّف بنيّة الاسقاط أم لا، كاشفاً عن الالتزام أم لا.
وأمّا الثاني: فعدّة روايات:
1ـ مكاتبة الصفّار قال: كتبت إلى أبي محمد (عليه السلام)في الرجل اشترى من

1 . خرج التصرّف حال السهو والغفلة أو بقصد الاختبار.
2 . الوسائل: ج12 الباب 4 من أبواب الخيار، الحديث 1و 3.
3 . الوسائل: ج12 الباب 4 من أبواب الخيار، الحديث 1و 3.

صفحه 125
رجل دابّة فأحدث فيها حدثاً من أخذ الحافر، أو أنعلها، أو ركب ظهرها فراسخ، أله أن يردّها في الثلاثة الأيام التي له فيها الخيار بعد الحدث الذي يحدث فيها أو الركوب الذي يركبها فراسخ؟ فوقّع ـعليهالسلامـ : إذا أحدث فيها حدثاً فقد وجب الشراء إن شاء اللّه (1).
والموضوع لسقوط الخيار هو احداث الحدث، ولكن الراوي خصَّه بالأمر الطارئ عليها من أخذ الحافر و انعالها، ولم ير ركوب فراسخ من مصاديقه، بشهادة أنّه عطف «ركب» على «أحدث» الحاكي عن المباينة وأقرّه الإمام عليه، بشهادة أنّه جعل الموضوع احداث الحدث، وقال: «إذا أحدث فيها الحدث ...» ولم يذكر الركوب ، وعليه، المسقط هو الطارئ المغيّـر لا مطلق التصرّف مثل الركوب عدّة فراسخ فضلاً عن سقي الدابة وتعليفها، أو ركوب الدابة للاختبار، أو للذهاب إلى البيت القريب من محل الاشتراء.
2ـ خبر الحلبي عن أبي عبد اللّه ـعليهالسلامـ : في رجل اشترى شاة فأمسكها ثلاثة أيام ثمّ ردّها؟ فقال: «إن كان في تلك الثلاثة أيام يشرب لبنها ردّ معها ثلاثة أمداد، وإن لم يكن لها لبن فليس عليه شيء» (2) والرواية محمولة عليالردفي الساعات الأخيرة للثلاثة الأيام بحيث يصدق عليه أنّه أمسكها ثلاثة أيام،كمايحمل ردّ الامداد، على الاستحباب لأنّ النماء للمشتري، التزم بالبيع أم لا.
وجه الاستدلال أنّه لو كان مطلق التصرّف مسقطاً، لسقط الخيار لأنّ المفروض حلبها وشرب لبنها، فإذا لم يكن مثل ذلك مسقطاً، فسقي الدابة

1 . الوسائل: ج12، الباب 4 من أبواب الخيار، الحديث 2.
2 . المصدر نفسه: الباب 13، من أبواب الخيار الحديث 1.

صفحه 126
وتعليفها واستخدام الأمة لبعض الأُمور، لا تكون مسقطة بطريق أولى.
3ـ ما رواه الصدوق في معاني الأخبار عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في الغنم المصراة وقال: «من اشترى مَحفلة فليردّ معها صاعاً، وسمّيت محفلة لأنّ اللبن جعل في ضرعها واجتمع، وكل شيء كثَّرته قد حفلته» (1).
4ـ صحيحة عبد اللّه بن سنان قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن الرجل يشتري الدابّة أو العبد، ويشترط إلى يوم أو يومين فيموت العبد والدابّة أو يحدث فيه حدث، على مَنْ ضمان ذلك؟ فقال: على البائع حتى ينقضي الشرط ثلاثة أيام ويصير المبيع للمشتري» (2) فلو كان مطلق التصرّف مسقطاً كالسقي والتعليف والحلب، أو الركوب لزم حمل تلك الروايات التي تجعل الضمان على عاتق البائع، على الصورة النادرة، إذ قلّـما يتّفق أن تنفكّ الدابة عن هذه التصرّفات، بخلاف ما إذا قلنا بأنّ المتيقّن من هذه الروايات، هو التصرّفات المغيِّـرة أو المنقصة لا مطلقها، فلا يلزم المحذور لعدم ندرته.

الجمع بين الروايات:

وأمّا الجمع بين الطائفتين فالمهم هو تفسير ما هو الموضوع لثبوت الخيار، أعني: ما أحدث فيه حدثاً فإنّه مفتاح الجمع فنقول:
إنّ المتبادر من هذه الكلمة هو التصرّفات المغيّـرة، وذلك، مضافاً إلى دلالة مكاتبة الصفار على هذا المعنى، إنّه ورد ذلك العنوان في غير واحد من أبواب الفقه وأُريد منها طروء التغيّـر، وإليك البيان:

1 . الوسائل: ج12، الباب 13، من أبواب الخيار الحديث 3.
2 . المصدر نفسه: الباب 5 من أبواب الخيار، الحديث 2.

صفحه 127
1ـ ورودها في باب خيار العيب، روى زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «أيّما رجل اشترى شيئاً وبه عيب وعوار لم يتبرّأ إليه، ولم يبيّـن له فأحدث فيه بعدما قبضه شيئاً، ثمّ علم بذلك العوار وبذلك الداء ، أنّه يمضي عليه البيع ويرد عليه بقدر ما نقص من ذلك الداء والعيب من ثمن ذلك لو لم يكن به» (1) فالموضوع كما ترى هو احداث الحدث وقد فسّـر بعض الروايات بقطع الثوب أو خياطته أو صبغه(2).
2ـ قد فسّـرت أحداث السنة في المبيع بالمغيّـرات، روى أبو همام قال: سمعت الرضا يقول: يرد المملوك في أحداث السنة من الجنون والجذام والبرص ...
3ـ وردت هذه الكلمة، في إيجار ما استأجره بأنّه لا يجوز إلاّ أن يحدث فيه حدثاً، فعن سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «إنّي لأكره أن أستأجر الرحى وحدها ثمّ أُؤجرها بأكثر ممّا استأجرتها إلاّ أن أُحدث فيها حدثاً أو أُغرم فيها غرماً» (3). كل ذلك يعرب عن أنّ المراد من احداث الحدث، احداث عمل في المبيع على ما سبق.
إذا عرفت ذلك فنقول: إذا كان التصرّف المسقط منحصراً في المغيّـر، يبقى هناك سؤال وهو أنّ الإمام عدّ لمس الأمة وتقبيلها أو النظر منها إلى ما كان يحرم عليه قبل الشراء من المسقطات، ومن المعلوم أنّ هذه الأُمور ليست تصرّفاً مغيّـراً.
والجواب: أنّ ما جاء فيها مختص بباب خيار الحيوان، ولا يتعدّى عنه إلى غيره مثل خيار العيب، فلأجل ذلك جعلوا المسقط هناك الوطء، وتضافرت

1 . الوسائل: ج12، الباب 16 من أبواب الخيار، الحديث 2 و3 و4.
2 . الوسائل: ج12، الباب 16 من أبواب الخيار، الحديث 2 و3 و4.
3 . المصدر نفسه: ج 13 الباب 20 من أبواب الاجارة، الحديث 1، ولاحظ الباب 22 منها.

صفحه 128
الروايات (1) في كونها مسقطة، ولو كان النظر واللمس مسقطاً، يلزم عدم استناد السقوط في مورد إلى الوطء لكونه مسبوقا بهما.
أضف إلى ذلك ما رواه داود بن فرقد من جواز ردّ الأمة بعد ستّة أشهر إذا لم تحض (2)، ومن البعيد أن لا يتصـرّف فيها المشتري باللمس والنظر إلى ما يحرم إليه.
والحاصل: أنّ الأمة مستثناة عن الضابطة الكلية في هذا الباب فالتلذّذ الجنسي منها مسقط للخيار فهو فيها قائم مقام التصرّف المغيّـر في سائر أنواع الحيوان.
والذي صار سبباً لاضطراب كلمات الأصحاب، هو عدّ هذه الأمثلة الواردة في مورد الأمة من مسقطات الخيار فيها، فاتّخذوها مقياساً لكل مورد، وحكموا بمسقطيّة كل التصرّفات إلاّ ما يستثنى من الأُمور الجزئية أو الاختبارية.
وأمّا إذا قلنا بأنّ هذه الأمثلة وردت في الأمة، ولها خصوصية بين سائر الحيوانات، فلا يصحّ لنا انتزاع ضابطة كلية في جميع أنواع الحيوان، فلمسها وتقبيلها أو النظر إلى ما يحرم، أُقيم في الشرع مقام التصرّف المغيِّـر في غيرها لأنّها انسان لها قيمتها الخاصة، وهذه الأُمور تنقص من قيمتها، أو مكانتهافي الاجتماع، وبذلك تقدر على جمع الروايات والقضاء بين كلمات الأصحاب.

1 . الوسائل: ج 12، الباب 3، من أبواب أحكام العيوب.
2 . المصدر نفسه: الحديث 3.

صفحه 129

عموميّة الحكم للجاهل والعالم:

ثمّ إنّه إذا كان التصرّف المغيّـر مسقطاً فهل هو مسقط مطلقاً، سواء كان المتصرّف عالماً بالموضوع (أن هذا الفرس مثلاً هو المبيع الذي اشتراه أمس) أو جاهلاً به وتصوّر أنّه هو ماله الذي تملَّكه قبل شهور، وسواء كان عالماً بالحكم وأنّه ذو خيار أو أنّ خياره يسقط بالتصرّف أم لا؟
أو أنّ المسقط هو التصرّف الصادر من الملتفت إلى الموضوع والحكم، فلا يسقط إذا كان جاهلاً بالموضوع أو الحكم، ظاهر الروايات هو الأوّل، وإنّ التصرّف واحداث الحدث كاف في ثبوت الخيار مطلقاً، ولو خصصناه بالملتفت، يلزم حمل المطلقات على المواضع القليلة أو النادرة، فإنّ الجهل في الأحكام سائد على الناس خصوصاً الجهل بخصوصيات المسقط.
وعلى ما اخترنا، يكون مطلق التصرّف المغيّـر مسقطاً وينطبق المختار على القول السادس من الأقوال السبعة التي نقلها السيد الطباطبائي كما لا يخفى.

تفسير قوله: «فذلك رضاً منه فلا شرط»:

قد ورد في صحيحة علي بن رئاب عند تحديد المسقط، قوله ـعليهالسلامـ : «فإن أحدث المشتري فيما اشترى حدثاً قبل الثلاثة أيام، فذلك رضا منه، فلا شرط».
وهنا ثلاث جمل:
1ـ الجملة الشرطية: «فإن أحدث فيما اشترى حدثاً».
2ـ الجملة الجزائية: «فذلك رضاً منه».
3ـ الجملة التالية: «فلا شرط».

صفحه 130
وقد ذكر الشيخ الأعظم فيها وجوهاً أربعة ، وإن كانت المحتملات فيها أزيد من أربعة، وقد نبَّه عليها السيد الطباطبائي في تعليقته ونحن نذكر ما ذكره الشيخ بايضاح:
1ـ إنّ قوله: «فذلك رضاً منه» جملة إنشائية جزائية، بمعنى أنّ إحداث الحدث في الحيوان بمنزلة الرضا تعبّداً، سواء أكان في الواقع التزام بالبيع أم لا، والـ(فاء) فيه فاءُ جزاء، والجملة جزاء للشرط، و قد عطف عليه قوله: «فلاشرط» والمعنى: إن أحدث المشتري في الحيوان حدثاً فهذا محكوم في الشرع بالالتزام بالبيع وبالرضا تعبّداً ولا خيار له عندئذ.
2ـ إنّ قوله: «فذلك رضاً ...» جملة انشائية تعليلية والـ (فاء) المصدر بها فاء تعليل للجزاء الوارد بعده أعني «فلا شرط» جيئ به لبيان علّة الجزاء، وللتوطئة والتمهيد حتى يقع الجزاء مورداً للقبول. والمعنى: إن أحدث المشتري في الحيوان حدثاً ـ فلأجل أنّه رضا تعبّدي ومحكوم في الشرع بالالتزام ـ فلا شرط ولا خيار.
و على هذين الاحتمالين يكون كل تصرّف مسقطاً للخيار، لأنّ الشارع يتلقّاه من المشتري التزاماً بالبيع ورضاً منه به، سواء أكان التصرّف كاشفاً عن الرضا النوعي أو الفعلي أم لا.
ولا يخفى بعد الاحتمالين، لأنّ التعليلات الشرعية أو ما في منزلتها، تجب أن تكون أُموراً حسّية يفهمها الناس، أو أُموراً فطرية يدركها المكلّفون بفطرتهم ووجدانهم، حتى التعليل الوارد في الاستصحاب من قوله: في الصحيحة الأُولى لزرارة «ولا يُنقَض اليقين بالشك أبداً ...» وعليه يجب أن يعلّل سقوط الخيار بالتصرّف بشيء محسوس أو مفطور، وكون التصرّف رضاً تعبّدياً وإن لم يكن هناك رضاً فعلي ولا نوعي، لا يصلح للتعليل إذ هو أشبه بتعليل أمر تعبّدي، بأمر مثله.

صفحه 131
3ـ أن تكون الجملة إخبارية من دون اعمال تعبد فيه وعلّةً للجزاء، أعني: «فلا شرط» والمراد من الرضا هو الرضا النوعي، بمعنى أنّ التصرّف كاشف عن الرضا غالباً ونوعاً، وفي الوقت نفسه تعليل للجزاء الوارد بعده، أعني: «فلا شرط» ومعنى الجملة أنّ التصرّف ـ بما أنّه يكشف عن الرضا غالباً ونوعاً ـ وإن لم يعلم الحال في المقام ـ يسقط خياره ولا شرط، وعلى ذلك يدور الحكم مدار ما يكشف عن الرضا غالباً، لا عن الرضا الشخصي الفعلي، وهو بما أنّه علّة للحكم يكون مخصِّصاً ومُعَمِّماً.
أمّا الأوّل: فلو دلّت القرائن على أنّ التصرّف لأجل الاختبار أو صدر اشتباهاً بعين مملوكة، فلا يكون مسقطاً لعدم دلالته مع القرينة ـ على الاختبار أو الاشتباه ـ على الرضا فتخرج عن الضابطة .
وأمّا الثاني: فكما أنّه لو صدر منه فعل ـ وإن لم يكن تصرّفاً في المبيع ـ كاشف عن وجود الرضا غالباً يسقط خياره وإن لم يكن تصرّفاً، كالتعريض للبيع أو اشتراء اللباس والحذاء للأمة أو غير ذلك ممّا يدل نوعه على الرضا.
4ـ تلك الصورة بعامة خصوصياتها، ولكن المناط كشف التصرف عن الرضا الفعلي سواء كان مثله كاشفاً عن الرضا نوعاً وغالباً أم لا، فالمناط هو ظهور رضاه الفعلي.
و لمّا كان المسقط عند الشيخ مطلق التصرّف إلاّ ما خرج من التصرّفات الجزئية، وقد فسر الحدث به، التجأ إلى هذه الاحتمالات، وبما أنّك عرفت أنّ المسقط هو التصرّف المغيّـر، وأنّ احراز الرضا الشخصي أمر مشكل و صعب، فلا يكون مناطاً للحكم، فيتعيّـن المعنى الثالث فيكون كلّ تصرّف مغيّـر، مسقطاً من غير فرق بين كونه علّة أو حكمة للحكم.

صفحه 132
أمّا الأُولى: فلأنّ كلّ تصرّف مغيّـر يكشف عن الرضا نوعاً ولا يتخلّف عنه، فليست العلّة أوسع من المعلول، ولا بالعكس.
وأمّا إذا جعل حكمة فالأمر أوضح إذ لا يدور الحكم مدارها، بل الملاك هو التصرّف المغيّـر واطلاقه، كان هناك ما يكشف عن الرضا النوعي أم لا.

صفحه 133
الفصل الرابع
خيار الشرط
دليله.
مبدأ خيار الشرط.
جعل الخيار للأجنبي.
اشتراط الاستيمار.
بيع الخيار، صوره وأحكامه:
أ. صور المسألة.
ب. نصوص المسألة وأدلتها.
ج. أقسام رد الثمن.
د. في كيفية الفسخ.
هـ . مسقطات هذا الخيار.
و. سقوطه بالتصرّف.
ز. في نماء المبيع وحكم تلف العوضين.
ح. في الرد على المالك ووكيله والولي.
ط. في أقسام رد الثمن وحكمها.
ي. في جواز اشتراط الفسخ للمشتري.
ك. في جريان شرط الخيار في العقود والايقاعات.

صفحه 134

صفحه 135

خيار الشرط (1)

والمراد منه: الخيار الثابت، بسبب اشتراطه في العقد، فإنّ الخيار تارة يكون أثر نفس العقد شرعاً كخيار المجلس والحيوان، وأُخرى يفرض على العقد من جانب المتبايعين، أو أحدهما، كما هو الحال في خيار الشرط، ويكفي في صحّة ذلك اطباق العقلاء عليه في معاملاتهم مع عدم ردع من الشارع، وهذا كاف في اثبات الصحّة، قال الشيخ في عداد أقسام بيع الخيار (2): الثالث: أن يشترطا في حال العقد مدّة معلومة، يكون لهما فيها الخيار ما شاءا من الزمان، ثلاثاً أو شهراً أو أكثر، فإنّه ينعقد العقد، ويكون لهما الخيار في تلك المدّة، إلاّ أن يوجباه بعد ذلك على أنفسهما.
وقال أبو حنيفة: لا تتجاوز المدة عن ثلاث، وعند مالك: ما تدعو الحاجة إليه ...... (3).

1 . وهو غير خيار تخلّف الشرط الذي لم يبحث عنه الشيخ الأعظم هنا وإن بحث عن الشروط وأحكامها بعد انهاء البحث عن أقسام الخيارات واستغنى به عن البحث هنا.
2 . المراد منه كل بيع يثبت فيه الخيار فيعم خيار المجلس كما هو صريح كلامه.
3 . الخلاف: 3/9 المسألة 7.

صفحه 136
وقال المحقّق: إنّ خيار الشرط بحسب ما يشترطانه أو أحدهما، وقال في الجواهر في تفسيره: لا يتقدّر بمدّة مخصوصة خلافاً للشافعي وأبي حنيفة.
فقد استدل عليه بالأخبار العامة المسوغة لاشتراط كل شرط إلاّ ما خالف كتاب اللّه وسنّة رسوله (1)، كما استدل بالأخبار الخاصة الواردة في بعض أفراد المسألة:
1ـ روى عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال: وإن كان بينهما شرط أياماً معدودة، فهلك في يد المشتري قبل أن يمضي الشرط فهو من مال البائع (2).
2ـ روى السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) قضى في رجل اشترى ثوباً بشرط إلى نصف النهار، فعرض له ربح فأراد بيعه، قال: لِيَشهد أنّه قد رضيه فاستوجبه، ثمّ ليبعه إن شاء، فإن أقامه في السوق ولم يبع فقد وجب عليه (3).
وفي الرواية دلالة أيضاً على ما مضى من أنّ كلّ فعل حاك عن الرضا والالتزام بالبيع، مسقط للخيار وإن لم يكن تصرّفاً في المبيع.
3ـ وتدل عليه الأخبار الواردة في فسخ البيع برد الثمن، وسيوافيك في محلّه.
كل ذلك يعرب عن أنّ جعل الخيار بالشرط مطابق للقاعدة.

1 . لاحظ: الوسائل: ج12 الباب 6، من أبواب الخيار، الحديث 1و 2و 3و 4 و5.
2 . المصدر نفسه: الباب 8 من أبواب الخيار، الحديث 2، و أورده أيضاً في الباب 5 من أبواب الخيار، الحديث 2 وقد جاء في صدره خيار الحيوان.
3 . المصدر نفسه: الباب 12 من أبواب الخيار، الحديث 1.

صفحه 137
ثمّ إنّ صاحب المستند زعم أنّه مخالف للكتاب والسنّة، أمّا الكتاب، فقوله سبحانه: (أَوفوا بالعقود)فإنّ الخيار بمعنى عدم وجوب الوفاء في المدّة المضروبة، يضاد مفاد الآية. وأمّا السنّة فقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «فإذا افترقا وجب البيع» فإنّ جعل الخيار بمعنى عدم لزومه بعد الافتراق ما دامت المدّة غير منقضية، وأين هو من قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «فإذا افترقا وجب البيع» ثمّ إنّه التجأ في التصحيح إلى الطائفة الثانية من الروايات وجعلها مخصّصة للطائفة الأُولى (1).
يلاحظ عليه: أنّ معنى (أَوفوا بالعقود) : أوفوا بالعقد الذي عقدتم وبالانشاء الذي أنشأتم، فإن كان لازماً فلازم، وإن كان جائزاً فجائز، فلا يستفاد منه شيء فوق ما تراضى عليه المتعاقدان، فإذا تراضيا على البيع مع الخيار عشرة أيام، وجب الوفاء بهذا المنشأ على ما هو عليه. وأمّا النبوي فمعناه: أنّ الافتراق بما هو هو ملزم، ولكنّه لا ينافي أن يكون هناك طارئ آخر موجب لكون البيع جائزاً كخياري العيب والغبن، خصوصاً على القول بكون مبدأ الخيار في العيب هو العقد.
وأعجب منه أنّه لمّا وقف على أنّ خيار الشرط نافذ بالاتّفاق. ذهب إلى كون أدلّته مخصّصة لما دلّ على عدم جواز مخالف الكتاب والسنّة.
وجه العجب، أنّ عموم ما دلّ على عدم نفوذ الشرط المخالف آب عن التخصيص. إذ كيف يمكن تسويغ ما خالف الكتاب والسنّة واضفاء المشروعية عليه، فلا مناص عن جعل بيع الخيار خارجاً عن الآية بالتخـصّص على ما عرفت.

1 . المستند: ج1/ 28.

صفحه 138

لا فرق بين المدّة المتّصلة أو المنفصلة عن العقد:

لا فرق بين كون زمان الخيار متّصلاً بالعقد أو منفصلاً عنه، لاطلاق أدلّة الشرط. و صيرورة العقد بعد لزومه جائزاً لا يكون مانعاً من صحّة الاشتراط بعد اطلاق الأدلّة، وليس هو في حد نفسه محذوراً بعد وجوده في الخيارات كخيار التأخير، وقد تقدم أنّ الخيار وإن كان أمراً واحداً لكنّه قابل للتقطيع حسب الأزمنة، ويكفي اثباته في جزء من الزمان دون جزء.

لزوم كون المدّة مضبوطة:

قال المحقق: يجب أن يكون (ما يشترطانه من مدّة الخيار) مدّة مضبوطة ولا يجوز أن يناط بما يحتمل الزيادة والنقصان، كقدوم الحاج، ومثله أوان الحصاد والدياس.
ويمكن الاستدلال عليه بوجهين:
1ـ دلّ الدليل على اعتبار العلم بالعوضين في البيع، فيكون الجهل بهما أو بأحدهما وإن كان طفيفاً، مانعاً عن الصحّة، والشرط مطلقاً راجع إلى أحد العوضين، فالجهل به جهل بهما، فيبطل، لاشتراط العلم، وهذا الدليل أحسن ممّا سيوافيك من الدليل الثاني، لأنّ السابر في الروايات وفتاوى القوم يقف على أنّ الجهل بهما غير مغتفر إلاّ إذا كان على وجه لا يعبأ به عرفاً، ولا يتلقّاه العرف جهلاً، وإن كان يُعدّ جهلاً بهما عقلاً.
2ـ صيرورة المعاملة بذلك غررية، كما أفاده الشيخ واعتمد عليه دون

صفحه 139
الدليل الأوّل معلّلاً بأنّ الشرط قيد للمعاملة وبمنزلة الجزء من أحد العوضين، فتصير المعاملة غررية يشملها نهي النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) عن بيع الغرر (1).
يلاحظ عليه: أنّ الاستدلال بالنبوي يتوقّف على فهم معنى الغرر في اللغة، والمتحصّل من المعاجم أنّه يستعمل تارة في معنى الخطر، وأُخرى في معنى الخدعة، وإليك نصوصهم:
1ـ قال الخليل في كتاب «العين»: الغِرُّ: الذي لم يُجرِّب الأُمور مع حداثة السن، والمؤمن غِرّ كريم، والغرر كالخطر، وغرَّر بماله أي حمله على الخطر (2).
وقال الجوهري: نهى رسول اللّه عن بيع الغرر، وفسّـر بما يكون له ظاهر يغرّ المشتري، وباطن مجهول مثل بيع السمك بالماء، والطير في الهواء، وقريب منه في مجمع البحرين للطريحي.
وقال ابن منظور: الغرر: الخطر، ونهى رسول اللّه عن بيع الغرر، ومثّل له بالبيع في الماء، وبيع الغرر المنهى عنه، ما كان له ظاهر يُغرُّ المشتري وباطن مجهول. يقال: إياك وبيعَ الغرر. ويدخل في بيع الغرر البيوع المجهولة التي لا يحيط بكنهها المتبايعان، حتى تكون معلومة.
هذه كلمات أئمّة اللغة وهي تعرب عن أنّه لا يتجاوز عن معنيين، بل معنى واحد بارجاع أحدهما إلى الآخر وهما عبارتان عن الخطر والخدعة، ولعلّ معناه هو الثاني، والخطر ملازم للخدعة.

1 . الوسائل : 13/ 320 الباب 40، من أبواب آداب التجارة، الحديث 3: نهى رسول اللّه عن بيع المضطرّين وعن بيع الغرر.
2 . العين: ج 4 ص 346.

صفحه 140
وعلى كل تقدير فالبيع المنهى عنه إمّا هو البيع الذي كان هناك فيه تغرير من أحد المتبايعين على الآخر، أو البيع المخطور الذي لا يعلم كنهه ولا يقدم عليه العاقل وقد عرفت مثاله، أعني: بيع السمك والطير بالماء والهواء.
وعلى ضوء هذا: إذا كان هناك خيار غير منضبط على وجه الدقة كالخيار إلى قدوم الحاج أو إلى الحصاد والدياس، لا يصدق عليه بيع الغرر بمعنى البيع الذي فيه اغترار، كما هو المفروض، ولا الخطر، إذ ليس فيه خطر لأنّ الجهل بمقدار الخيار وأنّه هل هو شهر أو أزيد منه بعشرة أيام، لا يعدّ ركوباً للأمر المخطور، والبيع الخطري إنّما يصدق على البيع المحاباتي كما إذا اشترى صُبرة من الحنطة وهي مردّدة بين كونه ألف كيلو غرام أو ألفين، وأمّا الآجال المردّدة بين شهر أو أربعين يوماً فلا يدخل في البيع المخطور غالباً، وكونه كذلك نادراً لا يكون دليلاً على الغالب.
ويؤيّد ذلك ما رواه الصدوق في معاني الأخبار بسنده عن النبي الأكرم: أنّه نهى عن المجر وهو أن يباع البعير أو غيره ممّا «بما» في بطن الناقة، ونهى عن الملاقيح والمضامين، فالملاقيح: ما في البطون وهي الأجنّة، والمضامين: ما في أصلاب الفحول. وكانوا يبيعون الجنين في بطن الناقة وما يضرب الفحل في عامه وفي أعوام، ونهى عن بيع حبل الحبلة، ومعناه: ولد ذلك الجنين الذي في بطن الناقة أو هو نتاج النتاج، وذلك غرر (1).
وبذلك يعلم أنّ الاستدلال ببيع الغرر في كلمات القوم، في كثير من الموارد في غير محلّه، لأنّهم ربّما يستدلّون به في نفي البيع الضرري أو في البيع المجهول على

1 . الوسائل: ج12، الباب 10 من أبواب عقد البيع، الحديث 2.

صفحه 141
وجه الاطلاق مع أنَّهما ليسا بمتلازمين للخطر على وجه الاطلاق، فلابدّ في الاستدلال من احراز أحد الأمرين، وجود اغترار أو صدق الخطر عند العرف.
ثمّ إنّ صاحب الجواهر استدلّ على بطلان البيع في المقام بقوله «قولاً واحداً للغرر حتى في الثمن لأنّ له قسطاً منه فيدخل فيما نهى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فاشتراطه مخالف للسنّة، وما دلّ على وجوب اتباعها من الكتاب» (1).
وأورد عليه الشيخ الأعظم: بأنّ كون البيع بواسطة الشرط مخالفاً للكتاب والسنّة، غير كون نفس الشرط مخالفاً للكتاب والسنّة، ففي الثاني يفسد الشرط، ويتبعه البيع، وفي الأوّل يفسد البيع فيلغوا الشرط، اللّهمّ إلاّ أن يراد أنّ نفس الالتزام بخيار في مدّة مجهولة غرر، وإن لم يكن بيعاً فيشمله دليل نفي الغرر، فيكون مخالفاً للكتاب والسنّة. لكن لا يخفى سراية الغرر إلى البيع، فيكون الاستناد في فساده إلى فساد شرطه المخالف للكتاب، كالأكل من القفا (2).
توضيحه: أنّه إن أراد أنّ اشتراط هذا الخيار، المجهولة مدّته، سبب الغرر في نفس البيع (3) حيث إنّ له قسطاً من الثمن، وجهالة المدّة موجب لجهالة الثمن فيشمله قوله: «نهى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن بيع الغرر» فلا يصحّ أن يفرع عليه قوله: فاشتراطه مخالف للسنّة وما دلّ على اتباعها من الكتاب (4) فإنّ ظاهره أنّ نفس الاشتراط غرري، فهو خلط بين كون البيع بواسطة الشرط غرريّاً ونفس الاشتراط غرريّاً، فهو جمع بينهما في كلامه.

1 . جواهر الكلام: ج23 ص 32.
2 . المتاجر: ص 228.
3 . يؤيده قوله: «للغرر حتى في الثمن ...».
4 . يريد وقوله سبحانه: (ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) (الحشر/7).

صفحه 142
وإن أراد أنّ نفس الشرط غرريّ لأجل الجهالة في مدّته، فيدخل ذاك الشرط الغرري تحت قوله: «نهى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عن الغرر» الذي رواه البيهقي في سننه (1) ففيه مضافاً إلى أنّه مناف لقوله «حتى في الثمن لأنّ له قسطاً» يرد عليه أنّ العدول عن الاستدلال على فساد البيع بكونه غررياً، إلى الاستدلال على فساده لأجل كون ذاك الشرط غررياً فيه ـ مع عدم الحاجة إلى الواسطة ـ كالأكل من القفاء.
هذا توضيح مراد الشيخ الأعظم ولا يخفى قصور عبارته، ولكن الظاهر أنّ الاشكال غير متوجّه عليه لأنّ الظاهر أنّ مراده هو القسم الأوّل بشهادة قوله للغرر حتى في الثمن. والاعتماد على كون الشرط مخالفاً للسنّة، ليس بلحاظ نفسه حتى يرجع إلى القسم الثاني بل لأجل كونه سبباً لسريان الغرر إلى الثمن وبالتالي إلى نفس البيع فيكون نفس البيع غررياً.

أقسام المدة المجهولة:

لا فرق في بطلان العقد بين ذكر المدّة المجهولة كقدوم الحاج، وعدم ذكر المدة أصلاً، كأن يقول: بعتك على أن يكون لي الخيار، وبين ذكر المطلقة كأن يقول: بعتك على أن يكون لي الخيار مدّة، لاستواء الكل في الجهل على ما قلناه أو لاستواء الكل في الغرر على مذهب الشيخ الأنصاري.
هذا هو مقتضى القاعدة. إنّما الكلام فيما ذكره الشيخ في الخلاف.
قال الشيخ: من ابتاع شيئاً بشرط الخيار ولم يسمّ وقتاً ولا أجلاً بل أطلقه، كان له الخيار ثلاثة أيام ولا خيار له بعد ذلك ـ إلى أن قال ـ: دليلنا اجماع الفرقة

1 . سنن البيهقي: ج5/338.

صفحه 143
وأخبارهم (1).
وظاهره وجود أخبار في المسألة مع أنّه لم توجد أخبار بهذا المضمون في رواياتنا.
ولأجل ذلك أوّله العلاّمة بارادة خيار الحيوان، ويحتمل أنّ الشيخ استند إلى روايات تأخير الثمن، إلى غير ذلك من المحتملات، وعلى كلّ تقدير فمقتضى الضابطة هو البطلان.
وربّما يحتمل بطلان الشرط دون العقد مستنداً إلى أنّ الشرط الفاسد غير مفسد للعقد وهو غير تام، لأنّ البحث عن افساد الشرط الفاسد وعدمه، بحث حيثي، يتمحّض في كون الشرط الفاسد بما هو هو ـ مع قطع النظر عن العناوين الأُخر، هل هو مفسد أو لا؟ كما إذا جعل أمر الطلاق بيد المرأة وقد افترق فيها العلماء فرقتين، وهذا لا ينافي القول بالافساد إذا طرأ عليه عنوان آخر كالجهل بالعوضين فإنّه مفسد مطلقاً، ومثله ما إذا كان ملازماً لطروء التناقض على مفاد العقد، كالشرط المخالف لمقتضى العقد فهو مفسد قطعاً، كما إذا باع وشرط أن لاينتفع بالمبيع، وعلى الجملة فالبحث في الافساد وعدمه يتمحّض في نفس هذا الموضوع لا ما إذا استلزم فساداً آخر كالجهل بالعوضين، أو طروء التناقض في الانشاء فهو مبطل قطعاً.

1 . الخلاف: ج3 ص20 ، كتاب البيوع، المسألة 25. وقد ذكر شيخنا المعلق، روايات زعم أنّها مصادر لفتوى الشيخ والكل أجنبيّ عنها، فهي راجعة إمّا إلى خيار التأخير، أو إلى خيار الحيوان.

صفحه 144

مبدأ خيار الشرط:

مبدأ خيار الشرط هل هو حين العقد، أو حين التفرّق؟ وقد مضى نظير هذا البحث في خيار الحيوان لكن خيار الحيوان لما كان بجعل الشارع، يجب أن يُتَّبع في تعيين المبدأ لسانُ الدليل، وأمّا خيار الشرط فهو بجعل المتعاقدين، فيجب أن يتّبع ما هو المتبادر من ظاهر كلامهما.
ذهب الشيخ الطوسي إلى أنّ كون المبدأ هو تفرّق الأبدان وقال:
«مدّة خيار الشرط من حين التفرّق بالأبدان لا من حين حصول العقد، وللشافعي فيه وجهان: أحدهما: مثل ما قلناه، والثاني: أنّه من حين العقد. ثم استدلّ: بأنّ الخيار يثبت بعد ثبوت العقد، والعقد لا يثبت إلاّ بعد التفرّق، فوجب أن يكون الخيار ثابتاً من ذلك الوقت (1) وإلى هذا الوجه يشير الحلّـي في سرائره بقوله: إنّ المتبادر من جعل الخيار، جعله في زمان لولا الخيار لزم العقد (2).
ماذا يريد من قوله «ثبوت العقد» فإن أراد حصول الملكية للمشتري، فهي حاصلة قبل التفرّق وإن أراد كون العقد لازماً غير متزلزل، فلازمه عدم جواز اجتماع خيارين في زمان واحد، مع أنّه ممكن وواقع، من غير فرق بين كونهما شرعيين أو جعليين، أو مختلفين. ومن أوضح مصاديق الجمع، اجتماع خياري العيب والغبن.
واختار الشيخ الأعظم أنّ المبدأ هو حين العقد، مستدلاً بأنّه المتبادر من

1 . الخلاف ج3 ص 33 المسألة 44 من كتاب البيوع.
2 . السرائر: 1/247 والموجود في المتن منقول بالمعنى.

صفحه 145
الاطلاق أوّلاً، وأنّه لو كان المبدأ حين التفرّق بطل لأدائه إلى جهالة مدّة الخيار ثانياً.
يلاحظ على الوجه الأوّل: أنّه إنّما يتم إذا كان الخيار المجعول أطول من الخيار الموجود كما إذا اشترط في بيع الحيوان أن يكون له خيار عشرة أيام، والغرض من الاشتراط جعل مدة التروّي أكثر. وأمّا إذا كان المجعول مساوياً مع الموجود أو أقلّ منه، فالمتبادر منه أو منصرفه، كونه ذا خيار عند انقضاء الخيار الموجود، صيانة لفعله عن اللغوية، ولعل ما نقلناه عن الحلّـي، ناظر إلى هذه الصورة لافيما إذا كان زمان الخيار المشروط أطول من الأوّل، كما عرفت.
كما أنّه يلاحظ على الوجه الثاني: بأنّه إنّما يلزم إذا لم يكن زمان الخيار، محدّداً بالأيام كما إذا قال: بعتك بشرط أن يكون لي الخيار من حين التفرّق إلى يوم الجمعة، فحيث إنّ زمان التفرّق غير معلوم تكون مدّة الخيار مجهولة، وأمّا إذا قال: بعتك بشرط أن يكون لي الخيار من حين التفرّق إلى ثلاثة أيام، فالمجهول عندئذ، إنّما هو وقت الخيار لا مدّته ومقداره.
وعلى كل تقدير، فالمتّبع ظاهر كلام المتعاقدين إذا لم يمنع عن أخذه مانع.

جعل الخيار للأجنبي:

ومن أقسام هذا الخيار جعل الخيار لغير المتعاقدين، كما لو باع المتاع وشرط الخيار لفرد آخر، قال الشيخ في الخلاف: «إذا باع عيناً بشرط الخيار لأجنبي صحّ ذلك» وقال محمد في الجامع الصغير: قال أبوحنيفة: «لو قال: بعتك على أنّ الخيار لفلان، كان الخيار له ولفلان». وقال أبو العباس: جملة الفقه في هذا أنّه إذا باعه وشرط الخيار لفلان، نظرتْ فإن جعل فلاناً وكيلاً له في الامضاء والردّ صحّ قولاً

صفحه 146
واحداً. وإن أطلق الخيار لفلان أو قال: لفلان دوني، فعلى قولين: أحدهما يصحّ على ما شرط، والثاني لا يصحّ وهو اختيار المزني، ثمّ استدلّ الشيخ على ما اختاره بالعمومات الدالّة على أنّ المؤمنين عند شروطهم وأنّ كل شرط لا يخالف الكتاب والسنّة فإنّه جائز (1).
وهذه الأقوال تعرب عن أنّ موضوع المسألة لم يكن مشخّصاً فإنّ الظاهر أنَّ جعل الخيار للأجنبي نحو جعله لنفسه أو لصاحبه لا وكيلاً عن نفسه، وعند ذلك يسقط ما ذكره محمد الشيباني في الجامع الصغير من أنّه لو قال: بعتك على أنّ الخيار لفلان، كان الخيار له ولفلان «لأنّه مبنيّ على كون الأجنبي وكيلاً، ولا معنى لوكالة الأجنبي بدون ثبوت الخيار للموكل».
فلأجل ذلك حمل العبارة الظاهرة في انحصار الخيار في الأجنبي، على ثبوته للمالك و الأجنبي، وقال: إنّه يثبت لكليهما أخذاً بمفاد الوكالة، كما يسقط الشق الأوّل من كلام أبي العباس من حديث الوكالة، فالكلام مركّز على جعل الخيار للأجنبي فقط، فهل يصحّ كما اختاره الشيخ أو لا يصحّ كما هو اختيار المزني؟
فالحق هو الصحة لعموم الأدلة وضعف ما يتوهّم كونه مخالفاً للكتاب والسنّة لأنّ ما يتوهّم عبارة عمّـا يلي:
انّ الخيار سواء تعلّق بالعين الذي يعبّـر عنه بالترادّ، أو بالعقد المعبّـر عنه بـ «حق فسخ العقد» عبارة عن الرد في ملك الفاسخ بالفسخ أو بالتراد، فالفاسخ إمّا أن يكون مالكاً أو نائباً عنه وهذا الشرط مفقود في المقام.
يلاحظ عليه: أنّه لا دليل على اختصاص الفسخ بأحد المتعاقدين، بل

1 . الخلاف: ج3 ص 35 ـ كتاب البيوع، المسألة 48.

صفحه 147
الملاك أن يكون للفاسخ حق في العقد ، كما في المقام، أو في العين، كما في المرتهن بالنسبة إلى العين المرهونة إذا باعه الراهن، ونظيره ارث الزوجة للخيار مع عدم ارثها من العين، فيما إذا باع الزوج داره مع الخيار ومات في أثناء المدّة فالزوجة ترث الخيار، وتفسخ وإن لم يكن الرد في ملك الفاسخ.
ثمّ إنّه هل يسقط خيار الأجنبي باسقاط الشارط أو لا؟ الظاهر لا، لما عرفت من أنّه ليس من باب الوكالة بل اثبات حق بعقد لازم للأجنبي، فلا يسقط إلاّ باسقاطه، وكون خيار الأجنبي حقّاً للمشروط له (ممنوع) وإنّما هو لصالح المشروط له وهو غرض وحكمة للجعل وليس محدِّداً لاطلاق الخيار، فله الأخذ بالخيار من دون مراعاة مصلحة الشارط.
ثمّ إنّه لو جعل الخيار لمتعدّد، فإن كان المجعول خياراً واحداً لأشخاص متعدّدين، فلا اشكال في عدم نفوذ الفسخ والامضاء إلاّ مع اجتماعهم عليه.
وأمّا لو جعل الخيار لكل واحد مستقلاّ ً، فلكلّ حق الفسخ، ولو فسخ واحد منهم انفسخ. إنّما الكلام إذا أمضى واحد منهم، فهل يبقى مجال لفسخ الآخر أو لا؟ قال الشيخ: يقدّم الفاسخ لأنّ مرجع الاجازة إلى اسقاط خيار المجيز خاصة.
ولكنّه مبنيّ على تفسير الخيار الثابت لكلّ واحد، بملك فسخ العقد فقط، وأمّا لو قلنا بأنّ الخيار عبارة عن ملك فسخ العقد وابرامه، فلا وجه لتقديم الفاسخ على المجيز إذا تقدّمت الاجازة، لأنّه باجازته قد أبرم العقد، وأحكمه، فخرج عن كونه في معرض التزلزل، نعم لو تقارن الفسخ والابرام لم يؤثِّر شيءمنهما، أو قلنا بأنّ الخيار عبارة عن ملك الفسخ يصحّ ما ذكره الشيخ كما لايخفى.

صفحه 148

اشتراط الاستيمار:

الاستيمار مصدر باب الاستفعال من «أمر» بمعنى الاستشارة، وربّما يطلق عليه المؤامرة ويراد منها المشاورة خلافاً لما هو الرائج اليوم في استعمالها فإنّها تطلق على المواطاة ومثله الائتمار . قال سبحانه: (إنَّ المَلأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيقتلوكَ فَاخرُجْ إنّي لَكَ منَ النّاصِحِينَ)(القصص/20) . قال في مجمع البيان: الائتمار التشاور والارتياد، يقال: ائتمر القوم وارتأوا بمعناه. قال النمر بن تولب:
أرى الناسَ قد أحدثوا شيمةً *** وفي كـلّ حـادثــــــة يؤتَمــرُ
وقال سبحانه: (وأْتَمروا بينكُمْ بِمعروف) (الطلاق/6) أي وتشاوروا بينكم.
وأمّا تفسير الاستيمار بمعنى طلب الأمر والبعث، فغير صحيح في المقام، وعلى كلّ تقدير فقد يشترط البائع على المشتري أو بالعكس، أن يستشير الأجنبي في أمر العقد، فلا يصدر إلاّ عن رأيه في مجالي التنفيذ والردّ، وهو يتصوّر على وجهين:
1ـ إذا ورد الشرط على الخيار الثابت بجعل الشارع كخياري المجلس والحيوان، أو بجعل المتعاقدين كما في المقام، وكان معناه أنّ صاحب الخيار لايصدر في الأخذ بالخيار، واعماله إلاّ عن رأي المشير، وبما أنّ هذا الشرط غير مخالف للكتاب والسنّة يرجع النزاع فيه إلى أنّ الاشتراط هل يسلب عنه حقّ التنفيذ أو الرد قبل الاستيمار أولا؟وعلى فرض الاستيمار هل تجوز له المخالفة أولا؟
2ـ إذا علّق نفس الخيار على الاستيمار بمعنى أنّه لا يثبت له الخيار إلاّ بعد

صفحه 149
الاستشارة، وصدور الاشارة منه إلى واحد من الردّ والتنفيذ، وهذا لا يتمّ في خياري المجلس والحيوان، لأنّهما مجعولان بجعل الشارع، شرطا أم لم يشترطا، وتعليق حدوثهما على الاستيمار يخالف السنّة فلا مناص عن تخصيصه بغيرهما.
والظاهر أنّ مورد البحث هو الصورة الأُولى. قال الشيخ في الخلاف:
«إذا باعه بشرط أن يستأمر فلاناً، فليس له الردّ حتى يستأمره» وللشافعي فيه وجهان: أحدهما هو ظاهر المذهب مثل ما قلناه، والثاني: له الردّ من غير استيمار، دليلنا ما قلناه في المسألة الأُولى لأنّ الأخبار على عمومها (1).
وقال العلاّمة في التحرير بجواز الردّ قبل الاستيمار مستدلاّ ً بأنّه ذكره احتياطاً (2).
وجه الاستظهار أنّ الحكم بجواز الردّ قبل الاستيمار من العلاّمة، لا يتم إلاّ بعد أن يكون الخيار مفروغاً عنه و إلاّ فلو كان أصل الخيار مشروطاً به، لا يصحّ لأيّ فقيه أن يحتمل جواز الردّ، إذ لا مشروط (الخيار) قبل شرطه حتى ينازع في جواز الانتفاع به.
إذا عرفت ذلك فنقول: أمّا القسم الأوّل فله أقسام:
ألف ـ هل يجوز له التنفيد أو الردّ قبل الاستيمار، والمراد من الجواز هو الجواز الوضعي بمعنى نفوذهما، لا الحكم التكليفي إذ هو معلوم لا يحتاج إلى بيان. فالظاهر نفوذهما، لأنّه ذو خيار، وقد انتفع بخياره، والمفروض أنّ الاستيمار ليس شرط الخيار غاية الأمر أنّه تخلّف عن الشرط الذي التزم به حيث التزم على نفسه أنّه لا ينتفع منه إلاّ بعد الاستشارة فلم يعمل بشرطه، فللطرف الآخر خيار تخلّف الشرط إذا نَفَّذَ العقد، لا ما إذا فسخه، لبقاء الموضوع في الأوّل دون الثاني، إذ يصحّ

1 . الخلاف: ج3 ص 37 المسألة 50.
2 . التحرير: 166.

صفحه 150
للمشروط له الفسخ بعد تنفيذه بحجّة أنّه تخلّف عن الشرط، ولا يصحّ له التنفيذ إذا فسخ، لارتفاع الموضوع. اللّهمّ إلاّ أن يقال بعدم العبرة لتنفيذه وفسخ بعد اشتراطها بالاستيمار.
ب ـ إذا استأمره وصدر عن رأيه تنفيذاً و فسخاً فلا اشكال في الصحّة.
ج ـ إذا استشار وأمره بالتنفيذ، فخالف ففسخ، يكون الفسخ نافذاً، غاية الأمر تخلّف عن شرطه. وما في الجواهر «من لزوم العقد بامضاء المستأمر وسكوته إذا كان المراد منها اشتراط الخيار له بأمره لانتفاء المشروط حينئذ بانتفاء شرطه»(1)، فإنّما يناسب الصورة الثانية لا الأُولى، إذ الخيار فيها مشروط دون الأُولى، وفي كلامه خلط بين الصورتين كغيره ولا يمكن جبره عندئذ بشيء إلاّ بالتصالح، وتنازل المشروط عليه عن حقّه في مقابل شيء وإلاّ فلا معنى لتنفيذ العقد بعد الفسخ بحجّة أنّ له خيار تخلّف الشرط.
وما ذكره الشيخ في هذه الصورة بقوله: «فإن أمره بالاجازة لم يكن له الفسخ قطعاً، إذ الغرض من الشرط ليس مجرّد الاستيمار، بل الالتزام بأمره» صحيح إن أراد منه الجواز التكليفي وأمّا إن أراد منه الجواز الوضعي فغير صحيح، لأنّ له حقّ الخيار على وجه الاطلاق وقد انتفع بحقّه على خلاف شرطه، فهو عاص في عمله وإن كان فسخه نافذاً. إلاّ أن يقال بعدم العبرة لفسخه، لكونه محدداً بصدوره عن رأي الغير.
د ـ إذا استشار فأمره بالفسخ يجب عليه العمل بقول المشير، فلو امتنع فللمشروط له خيار تخلّف الشرط، فيجوز له الفسخ بحجّة التخلّف.
ثمّ إنّ الشيخ قد اختار في المقام (بخلاف صورة الأمر بالاجازة) «أنّه لايجب عليه الفسخ تبعاً (لصاحب الجواهر) (2) بل غاية الأمر أنّه يملك الفسخ

1 . الجواهر : 23/35 قال: أمّا لو أمر بالفسخ فلا يتعيّـن عليه امتثال أمره به قطعاً كغيره.
2 . الجواهر : 23/35 قال: أمّا لو أمر بالفسخ فلا يتعيّـن عليه امتثال أمره به قطعاً كغيره.

صفحه 151
حينئذ، إذ لا معنى لوجوب الفسخ عليه، أمّا مع عدم رضا الآخر بالفسخ فواضح، إذ المفروض أنّ الثالث لا سلطنة له على الفسخ، والمتعاقدان لا يريدانه، وأمّا مع طلب الآخر للفسخ فلأنّ وجوب الفسخ حينئذ على المستأمِر (بالكسر) راجع إلى حقّ لصاحبه عليه، فإن اقتضى اشتراط الاستيمار ذلك الحق على صاحبه عرفاً، فمعناه سلطنة صاحبه على الفسخ، فيرجع اشتراط الاستيمار إلى شرط كل منهما على صاحبه» (1).
ولا يخفى عدم صحّة التفريق بين صورتي الاجازة والفسخ، فلو وجب الامتثال في الأُولى وجب في الثانية، وليس معنى الاستشارة في المقام مجرّد ملك الفسخ، بل ما ذكره في صورة الاجازة من الالتزام بأمره، فلذا يجب عليه الفسخ إذا أمر به.
وأمّا ذكره في آخر كلامه من أنّ وجوب الفسخ عليه يرجع إلى شرط لكلِّ منهما على صاحبه فغير تام، بل الشرط هنا لواحد منهما على الآخر، غير أنّ المشروط عليه لما لم يقم بواجبه (الفسخ بعد الاستشارة) كان للمشروط له فسخ العقد بحجّة التخلّف عن الشرط.
هذا كلّه في الصورة الأُولى، وأمّا الصورة الثانية فحكم الموارد واحد، إلاّ المورد الأوّل فليس له التنفيذ أو الردّ قبل الاستيمار، لأنّ المفروض عدم ثبوت الخيار له إلاّ بعد الاستيمار فكيف ينتفع بخيار لا وجود له، وأمّا بقية الموارد فالحكم فيها واحد.
نعم ربّما يقال: إنّ صحّة الصورة الثانية بعامة شقوقها مبتن على صحة التعليق في الانشاء أي تعليق الخيار على الاستشارة، والتعليق في الانشاء باطل

1 . المتاجر، قسم الخيارات: ص 229 طبعة تبريز.

صفحه 152
فيجب أن يكون منجزاً كالصورة الأُولى.
والظاهر أنّ المقام من قبيل التعليق في المنشأ، ولا دليل على البطلان فيه سوى الاجماع، ويمكن أن يكون دليل المجمعين في استنادهم في البطلان إلى الدليل العقلي المتوهّم في المقام، فالحقّ صحّة هذه التعليقات إلاّ ما قام الدليل على بطلانه نقلاً كالطلاق.

بيع الخيار:

من أفراد خيار الشرط، الخيار الذي يضاف إليه البيع، ويقال له «بيع الخيار» أي البيع الذي فيه الخيار، والمقصود منه في مصطلح الإمامية أن يشترط البائع على المشتري أنّ له استرجاع المبيع بردّ الثمن في مدّة مضبوطة. ومورد النصوص هو اشـتراط البـائع، ولو كانـت المـسألة موافقـة للقاعـدة يصـحّ العكس أيـضاً، أي اشتراط المشتري استرداد الثمن بردّ المبيع في مدّة معلومة، ولكن الغالب هو الأوّل.
ومن مصالح تشريع هذا النوع من البيع صدّ الناس عن أكل الربا، حيث إنّه ربّما تمسّ الحاجة إلى النقود ولا تتحصّل إلاّ بالربا، فيبيع داره جداً بثمنه الواقعي أو أقل منه كما هو الغالب حتى ينتفع هو بثمنها، والمشتري بالمبيع بالاسكان والايجار، ولكنّه ربّما لا يريد أن يقطع علقته تماماً عن المبيع، لأنّه ربّما يحتاج إليه في المستقبل خصوصاً مع شيوع أزمة السكن فيشترط على المشتري أنّ له استرجاع المثمن برد الثمن في مدّة مضبوطة. وهذا ما يسمّيه فقهاء أهل السنّة ببيع الوفاء ولهم فيه دويّ.
قال الشيخ في الخلاف: يجوز عندنا البيع بشرط، مثل أن يقول: بعتك إلى

صفحه 153
شهر، فإن رددت عليّ الثمن، وإلاّ كان المبيع لي. فإن ردّ عليه، وجب عليه ردّ الملك، وإن جازت المدّة ملك بالعقد الأوّل، وقال جميع الفقهاء: إنّ ذلك باطل يبطل به العقد. ثمّ استدل بعمومات الشروط وقال: وعلى من ادّعى المنع منه الدلالة (1).
وقال المحقق: «ويجوز اشتراط أن يرد البائع فيها بالثمن ويرتجع بالمبيع إن شاء».
إنّ الداعي إلى عنوان هذا القسم مستقلاّ ً مضافاً إلى وجود الخلاف بينناوبين غيرنا في صحّة هذا القسم، هو أنّه يتميّز عن مطلق خيـار الشـرط بأُمور:
1ـ اشتراط ردّ الثمن في الفسخ كما يجيئ أقسامه.
2ـ إنّ التصرّف في الثمن في غيره موجب لانتفاء الخيار، بخلاف هذا القسم لأنّه شرّع لانتفاء البائع بالثمن والمشتري بالمبيع، فلو سقط به لزمت لغوية المعاملة إلاّ إذا اشترط ردّ العين كما سيوافيك.
3ـ إنّ العقد ومتعلّقه، أعني: الخيار في خيار الشرط، مطلقان غير معلّقين، بخلاف هذا القسم، فإنّ الخيار فيه معلّق في بعض الصور الرائجة، وإن لم يكن العقد معلّقاً ، فلو قلنا بابطال التعليق مطلقاً، سواء كان في نفس المعاملة أو في توابعه أعني الخيار، يجب القول بالبطلان في المقام حسب الضابطة إلاّ إذا دلّ الدليل على صحّة هذا النوع من التعليق و هذه الوجوه هي السبب لعنوان البحث مستقلاّ ً، وتحقيق الحال يتوقّف على الكلام في أُمور:

1 . الخلاف: ج3، كتاب البيوع ص 19 المسألة 22.

صفحه 154

الأمر الأوّل: صور المسألة:

ذكر الشيخ للمسألة صوراً خمساً وأضاف إليه السيّد الطباطبائي ثلاث صور أُخرى وإليك بيان الجميع:
1ـ أن يكون ردّ الثمن في مدّة معيّنة كسنة قيداً للخيار، فلا خيار قبله، وتكون مدّة الخيار منفصلة عن العقد دائماً ففي أيّ زمان قام بالردّ في طول السنة كان له الخيار.
2ـ أن يكون الخيار ثابتاً له من زمان العقد على وجه الاطلاق، إلاّ أنَّ ردّ الثمن يؤخذ قيداً للفسخ ، وسبب الخيار هو نفس العقد المشروط، لكن لا يفسخ إلاّ بعد ردّ الثمن.
3ـ أن يكون ردّ الثمن فسخاً فعلياً ويتّحد هذا الوجه مع السابق في أنّ الخيار مطلق والفسخ مقيّد، غير أنّ الفسخ هناك بالقول والرد شرط له ولكن الفسخ هنا بنفس الرد، فلو قال أحد ببطلان شرط النتيجة أي حصول الفسخ عند الردّ بلا سبب قولي ولا فعلي، لم يتوجّه الاشكال على هذه الصورة لأنّ هنا سبباً فعلياً كالردّ وهو في الوقت نفسه شرط لتحقّق الفسخ الاعتباريّ، المنشأ بهذا العمل.
4ـ أن يكون ردّ الثمن قيداً لانفساخ العقد، ويكفي في الانفساخ نفس اشتراطه في العقد بردّ الثمن، بلا حاجة إلى سبب خاص.
5ـ أن يكون ردّ الثمن شرطاً لوجوب الاقالة على المشتري بأن يلتزم على نفسه أن يقيله إذا جاء بالثمن واستقال.
هذه هي الصور التي ذكرها الشيخ.

صفحه 155
ويلاحظ على الصورة الأُولى بأمرين:
أوّلاً: أنّ زمان الخيار فيه مجهول، لأنّ المفروض أنّ الردّ قيد للخيار، وبما أنّ زمان الردّ مجهول فيكون زمان الخيار أيضاً مجهولاً، وإن كان مجموع الظرف الذي يجوز فيه الردّ مضبوطاً كسنة إلاّ أنّه لا يكفي في الضبط، بل يجب أن يعلم أنّه في أيّ زمان يقوم بالردّ ويحصل الخيار.
وثانياً: أنّ الفسخ معلّق على الردّ، ولو قلنا ببطلان التعليق حتى في توابع البيع تشكل الصحّة.
ويلاحظ على الصورة الثانية أيضاً بمشكلة التعليق حيث إنّ التسلّط على الفسخ معلّق على ردّ الثمن، فلو قلنا: بأنّ التعليق مضرّ مطلقاً حتى في توابع البيع، تشكل الصحّة.
وأمّا الصورة الثالثة فهي أظهر الصور وأبعدها عن الاشكال. وتشترك تلك الصورة مع ما تقدمها أنّ الفسخ يحصل بسبب أمّا قولي كما في الثانية أو فعليّ كما في الثالثة.
ويلاحظ على الرابعة بأنّ صحّتها مبنية على صحّة شرط النتيجة أي الانفساخ.
وأمّا الصورة الخامسة فيظهر الحال فيها ممّا ذكرنا.
والذي يمكن أن يقال: إنّه لا دليل على بطلان التعليق في جميع العقود فضلاً عن توابعه إلاّ ما قام الدليل على لزوم تنجّزه كالنكاح والطلاق.
وأمّا شرط النتيجة فهو صحيح إلاّ ما قام الدليل على لزوم سبب خاص فيه

صفحه 156
كالطلاق والنكاح، وأمّا في غير ذلك المورد، فالاشتراط كاف في تحقّق الفسخ والانفساخ كما أنّه كاف في تعيّـن الموجود في الصدقة.
نعم تبقى مشكلة الجهل في بعض الصور، و سيوافيك الحال في كونه مضرّاً أو لا.
وأمّا الصور التي أشار إليها السيد الطباطبائي فهي عبارة عن:
6ـ اشتراط الخيار بردّ الثمن في رأس السنة، وهي نفس الصورة الأُولى غير أنّها ليس فيها جهل، للعلم بوقت الخيار وهو رأس السنة.
7ـ اشتراط بيعه عليه إذا جاء بمقدار الثمن.
8ـ أن يجعل له الخيار طول المدّة ولكن يشترط عليه أن لا يفسخ إلاّ بعد الردّ(1).

الأمر الثاني: نصوص المسألة وأدلّتها:

قد وردت في المسألة نصوص بين صحيح وموثق وضعيف، وإليك نقلها:
روى الكليني عن علي بن النعمان (2) عن سعيد بن يسار (3) قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : إنّا نخالط أُناساً من أهل السواد وغيرهم، فنبيعهم ونربح

1 . تعليقة السيد الطباطبائي: 2/26، والوجه الثامن هو الوجه الثاني إلاّ أنّهما يفترقان في أنّ تحقّق الفسخ هنا بنفس الاشتراط دون الصورة التي ذكرها، فانّها لا تتحقّق إلاّ بالقول، وهو أيضاً غير الصورة الثالثة لأنّ الفسخ هناك فعلي.
2 . الأعلم النخعي. قال النجاشي: كان علي ثقة، وجهاً، ثبتاً، صحيحاً، واضح الطريقة، روى عنه ابن أبي الخطاب. الرجال: 2/109 برقم 717.
3 . كوفي ثقة، روى عنه محمد بن أبي حمزة.

صفحه 157
عليهم للعشرة اثني عشر والعشرة ثلاثة عشر، نؤخّر (نوجب) ذلك فيما بيننا وبين السنة ونحوها، ويكتب لنا الرجل على داره أو على أرضه بذلك المال الذي فيه الفضل، الذي أخذ منّا شراءً قد باع وقبض الثمن منه فنعده «فعندنا ـ يب. فبعدهخل»، إن هو جاء بالمال إلى وقت بيننا وبينه أن نردّ عليه الشراء، فإن جاء الوقت ولم يأتنا بالدراهم فهو لنا فما ترى في الشراء؟ فقال: أرى أنّه لك إن لم يفعل، وإن جاء بالمال للوقت فردّ عليه(1).
والرواية وإن كانت مشتملة على لفظ الوعد، لكن المراد منه هو الاشتراط بقرينة الجواب حيث قال: «أرى أنّه لك ...» والرواية صالحة للحمل على أكثر الصور.
فلو قلنا: إنّه ظاهر في انفساخ البيع، فلا يردّ عليه أنّ الانفساخ يحتاج إلى سبب، وذلك لأنّ الشرط بنفسه كاف في الانفساخ إذا تحقّق ردّ الثمن.
2ـ موثقة إسحاق بن عمار، قال: حدّثني من سمع أبا عبد اللّه (عليه السلام) وسأله رجل وأنا عنده فقال: رجل مسلم احتاج إلى بيع داره، فجاء إلى أخيه، فقال: أبيعك داري هذه، وتكون لك أحبّ إليّ من أن تكون لغيرك على أن تشترط لي إن أنا جئتك بثمنها إلى سنة أن تردّ عليّ فقال: لا بأس بهذا إن جاء بثمنها إلى سنة ردّها عليه، قلت: فإنّها كانت فيها غلّة كثيرة فأخذ الغلّة، لمن تكون الغلّة؟ فقال: الغلّة للمشتري، ألا ترى أنّه لو احترقت لكانت من ماله (2).
والرواية محتملة لأكثر الوجوه السابقة، فلا نعيد.

1 . الوسائل: ج12، الباب7 من أبواب الخيار، الحديث 1.
2 . المصدر نفسه: الباب 8 من أبواب الخيار، الحديث 1.

صفحه 158
3ـ خبر معاوية بن ميسرة، قال: سمعت أبا الجارود يسأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) : عن رجل باع داراً له من رجل وكان بينه وبين الرجل الذي اشترى منه الدار حاصر، فشرط: إنّك إن أتيتني بمالي ما بين ثلاث سنين فالدار دارك، فأتاه بماله؟ قال: له شرطه. قال أبو الجارود: فإنّ ذلك الرجل قد أصاب في ذلك المال في ثلاث سنين؟ قال: هو ماله، و قال أبو عبد اللّه: أرأيت لو أنّ الدار احترقت من مال من كانت؟ تكون الدار دار المشتري (1).
4ـ روى في المستدرك عن دعائم الإسلام عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) أنّه سئل عن رجل باع داره على شرط انّه إن جاء بثمنها إلى سنة أن يردّ عليه؟ قال: لا بأس بهذا وهو على شرطه (2).
وعلى ضوء هذه الروايات فالجهل الموجود في زمان الخيار (لو كان ردّ الثمن قيداً للخيار) أو في زمان الردّ أو الفسخ أو الانفساخ مغتفر، وهذا ممّا لا يغتفر في غير هذا المورد.

الأمر الثالث: أقسام ردّ الثمن:

الثمن المشروط ردّه إمّا شخصي أو كلّـي في الذمّة، فعلى الأوّل فإن قبضه فلا شكّ أنّ له الخيار بردّه، إنّما الكلام إذا لم يقبضه فهل له الخيار أو لا؟ قال الشيخ: له الخيار وإن لم يتحقّق ردّ الثمن، لأنّه شرط على تقدير قبضه، وإن لم يفسخ حتى انقضت المدّة لزم البيع ويحتمل العدم (عدم الخيار)، بناء على أنّ

1 . الوسائل: ج12، الباب 8 من أبواب الخيار، الحديث 3.
2 . المستدرك: ج 13، الباب 6 من أبواب الخيار، الحديث 1.

صفحه 159
اشتراط الردّ بمنزلة اشتراط القبض قبله.
يلاحظ عليه: أنّه ليست لردّ الثمن موضوعية بل هو أحد الطرق لاستيلاء المشتري على ثمنه، فإذا كان الثمن موجوداً عنده ومستولياً عليه من أوّل الأمر، فلا موضوع للردّ ، حتى يتّخذه المشتري حجّة على البائع.
وبالجملة: المتبادر في هذا المقام أنّ المشتري لا يرضى بردّ المبيع إلاّ بأخذ عوضه، فإذا كان العوض عنده موجوداً والشرط حاصلاً فتلغى شرطية الشرط، ويكون له الخيار على وجه الاطلاق متقيّداً بمدّة معيّنة، ومنه يظهر ما في كلام السيد الطباطبائي حيث يقول: المسألة مبنيّة على أنّ الردّ هل هو معتبر من باب الموضوعية أو من باب الطريقية لوصول الثمن إلى المشتري أي حصوله عنده؟ فعلى الأوّل لا خيار لعدم تحقّق شرطه، وهو الردّ المسبوق بالقبض، لا لاشتراط القبض قبله كما بيّنه المصنّف، بل لعدم الموضوع حينئذ، وعلى الثاني فله الخيار لأنّ المفروض حصول الثمن عنده، والغالب في أنظار العرف هو الطريقية إذ لاغرض لهم في تحقّق موضوع الردّ بما هو رد (1).
إنّ احتمال كون الردّ أمراً مطلوباً في نفسه وراء نتيجته التي هي الاستيلاء احتمال عقلي بحت لا يتبادر إلى الأذهان العرفية، وبذلك يعلم أنّ ما أطنب به سيدنا الأُستاذ (قدس سره)في المقام ليس بتام.
ثمّ إذاقبض الثمن المعيّـن فلاشتراط ردّه صور:
1ـ إمّا أن يشترط ردّ عينه.
2ـ أو يشترط ردّ ما يعم بدله مع عدم التمكّن من العين لا بسبب منه،

1 . تعليقة السيد الطباطبائي ج2 ص 26.

صفحه 160
أومطلقاً.
3ـ أو ولو مع التمكّن منه.
4ـ أو يطلق.
أمّا الأوّل أعني اشتراط ردّ العين، فلو تلف من البائع أو من غيره، فالظاهر عدم الخيار، اللّهمّ إلاّ أن يكون الشرط ناظراً إلى سقوطه بتلف البائع، لا بتلف الغير، فعندئذ يبقى الخيار بحاله عند اتلاف الغير.
إنّما الكلام في صحّة هذا الشرط في الأثمان الرائجة في زماننا هذا، فإنّه أيّ فرق بين هذا الورق، وذاك الورق فالكل من نوع واحد وصنف فارد، لا فرق فيها بين الناس أبداً، نعم لما كانت النقود في العصور السابقة مختلفة من حيث العيار وكثرة الذهب والفضة وقلّتهما، كان لهذا الشرط مجال في تلك العصور، وعلى ضوء ذلك فنفس هذا الشرط في عصورنا لغو ولزوم الوفاء به مورد نظر.
وأمّا على الثاني والثالث فله ردّ البدل في موضع صحّة الاشتراط. وبه خرج ما إذا شرط ردّ المثل، مع وجود العين، فإنّ هذا الشرط مخالف لمقتضى حلّ العقد، إذ مقتضاه هو حصول الترادّ بين العينين، إلاّ أن يكون هناك اتّفاق آخر بالاكتفاء بالمثـل عن العين. نعم يمكن أن يقال: إنّ لزوم استرجاع العين من آثـار الفسخ المطلق، لا مطلق الفسخ وإنّه لو شرط قبول المثل مع وجود العين صحّ بمقتضيعموم أدلّة الشرط، والاشتراط يدل على أنّ النظر إلى مالية العين لا إلى نفسها .
وأمّا الرابع: أعني ما إذا أُطلق، فقال الشيخ الأنصاري: «مقتضى ظاهر الشرط فيه ردّ العين، ولعلّ العكس هو الحق فإنّ ظاهر الاطلاق هو جواز ردّ المثل أيضاً».

صفحه 161
هذا كلّه إذا كان الثمن شخصيّاً، وأمّا إذا كان الثمن كلّياً، فهو على قسمين: فتارة يكون في ذمة البائع، كما هو مضمون رواية سعيد بن يسار المتقدم، فردّه باداء ما في الذمّة، وأُخرى يكون الثمن في ذمّة المشتري، ثمّ يُعيّـن في فرد، والظاهر في المقام هو الاكتفاء بردّ المثل، خصوصاً انّ الغرض هنا من البيع هو الانتفاء من الثمن، كما هو الغالب الأغلب، فلو كان الغرض متعلّقاً بردّ عين الثمن لوجب التصريح عليه.

الأمر الرابع: في كيفيّة الفسخ:

إنّ هذا القسم من الخيار، يفترق عن خيار الشرط بأنّ ردّ الثمن شرط في الفسخ دون خيار الشرط، وعندئذ يقع البحث في أنّه: هل يكفي مجرّد الردّ في الفسخ أو يتوقّف على انشائه لفظاً؟ والحق أنّه لو كان ردّ الثمن انشاءً للفسخ عرفاً، وكان الرادّ قاصداً به الانشاء لاستغنى عن انشاء الفسخ لفظاً، لأنّ الأسباب الفعلية تقوم مقام الأسباب القولية، هذه هي المعاطاة، فهي سبب فعلي تحصل به الملكية للمتعاقدين، إذا كانا قاصدين التمليك بالاعطاء، وليس السبب الفعلي منحصراً في المعاطاة وهذا هو باب الوقف، وقد ذكروا فيه أنّ الوقف يتوقّف على التسليم، فلو اشترى سجّاداً وافترشه في المسجد بنيّة الوقف وصلّـى عليه كفى في حصول الوقف وانشائه، اللّهمّ إلاّ أن يشترطا الفسخ اللفظي وراء ردّ الثمن أو مثله، وبالجملة كيفية الفسخ تابعة لكيفية الاتّفاق بين المتعاقدين، فلو اتّفقا على الفسخ بعد ردّ الثمن فلا مناص عن الفسخ اللفظي، وإلاّ فيكفي ردّ الثمن، إذا قصد به انشاء الفسخ.

صفحه 162

الأمر الخامس: مسقطات هذا الخيار:

إنّ هذا الخيار يسقط بمثل ما تسقط به سائر الخيارات، إلاّ ما دلّ الدليل على عدم سقوطه به، وإليك التفصيل:
1ـ يسقط بالاسقاط بعد العقد، على الوجوه الخمسة (1) أمّا الأوّل وهو ما إذا كان ردّ الثمن شرطاً لتحقّق الخيار، فالخيار وإن لم يكن موجوداً، لكن المقتضى موجود، ولا يعد اسقاطاً لما لم يجب وله نظائر في الفقه، وإن أبيت عن عدم الجواز، فلا شكّ أنّ للبائع قبل الردّ حقّاً لا ينكر، والدليل عليه أنّه يستطيع أن يستحصل الخيار بردّ الثمن، فله أن يسقط هذا الحق. وأمّا على الوجه الثاني والثالث، فالاسقاط من قبيل اسقاط ما ثبت لتحقّق الخيار بالفعل، وأمّا على الرابع والخامس، فإنّهما ليسا من قبيل شرط الخيار، وإنّما للبائع عليه حق الشرط، فيجوز اسقاط ذلك الحق، وبالتالي لا ينفسخ بالردّ ولا تجب الاقالة به.
2ـ يسقط بانقضاء المدّة، وعدم ردّ الثمن أو بدله مع الشرط، أو مطلقاً على ما عرفت. إنّما الكلام فيما لو كان المردود من غير الجنس أو كان معيباً، فلا شكّ أنّ الأوّل غير كاف إنّما الكلام في كفاية ردّ المعيب مع قبوله، وعدم التفات المشتري إلى العيب، فهل الفسخ صحيح غير أنّ له حقّ الاستبدال أو أنّ الرد غير متحقّق، لانصراف الشرط إلى ردّ الجنس الصحيح؟ وجهان والأقوى التفصيل بين ما إذا كان العيب طفيفاً يعدّ في نظر العرف ردّاً للثمن، وما إذا كان الفرق هائلاً وكثيراً. والحاصل أنّه إذا كان الرضا بالمعيب في نظر العرف رضاً بنفس المشروط

1 . تقدمت الوجوه الخمسة ص 154.

صفحه 163
فالحقّ تحقّق الردّ، بخلاف ما إذا كان الرضا على فاقد الوصف رضاً بالبدل فالظاهر عدم تحقّقه.

الأمر السادس: يسقط بالتصرّف:

قد عرفت أنّ التصرّف على وجه الاطلاق، أو المغيّـر، مسقط لخيار الحيوان والمجلس، وهل هو كذلك في بيع الخيار أو لا؟
لا شكّ أنّ التصرّف في الثمن الكلّـي المشخّص في فرد، لا يسقط الخيار، لشهادة الحال بكفاية ردّ مثل الثمن، وإنّ المراد بردّ الثمن هو ردّ مثله، وهو أيضاً مورد الموثق (1) أو منصرف اطلاقه.
كما أنّ الظاهر خروج ما إذا كان الثمن معيّناً، ودلّت القرائن على اتّفاق المتعاقدين على ثبوت الخيار مع التصرّف أيضاً لما عرفت من أنّ الغرض من البيع، هو التصرّف في الثمن ثمّ ردّه باسترجاع المبيع.
كما أنّ الظاهر خروج مورد الثالث عن محطّ البحث أيضاً وهو ما إذا تصرّففي الثمن بنحو يدل عل الالتزام بالعقد، كما إذا باع داراً بقرية وأجرى فيها أنهاراً وغرس أشجاراً، فإنّ ذلك يعرب عن كونه ملتزماً ببقاء البيع، وعدم فسخه.
بقي الكلام فيما إذا دلّت القرائن على لزوم ردّ نفس العين فقط، بأن كان الاتّفاق من أوّله مقيّداً ومضيّقاً و كان الانتفاع بالعين ممكناً مع عدم التصرّف فيها، لكن تصرّف فيها فحينئذ للمسألة صورتان:

1 . الوسائل: ج12، الباب 8 من أبواب الخيار، الحديث 1.

صفحه 164
1ـ لو قلنا بأنّ الخيار ثابت قبل الردّ، وأنّ ردّ الثمن قيد للتسلّط على الفسخ فمثل هذا التصرّف مسقط للخيار، أخذاً بالضابطة الكلّية المستفادة من الروايات الواردة في خيار الحيوان، وهو أنّ التصرّف المغيّـر كاشف عن الرضا والالتزام بالبيع.
2ـ لو قلنا بأنّ الخيار يحدث بردّ الثمن وأنّه لا خيار قبله، فالتصرّف وإن لم يكن في ظرف الخيار، لكن شرط الخيار غير متحقّق لكون المفروض أنّ ما هو الشرط، عبارة عن ردّ نفس العين على ما كانت عليه وهو بعد غير متحقّق ولاممكنولم يكن ردّ المثل أو القيمة شرطاً للخيار، فليس له الفسخ لعدم وجود الشرط.
هذه هي الفروض الذهنية للمسألة وأمّا ما هو المتحقّق في الخارج هو شهادة القرائن على جواز التصرّف في الثمن وكفاية ردّ المثل، وغيره نادر لا يليق بالبحث.

الأمر السابع: في نماء المبيع وحكم تلف العوضين:

وإليك صور المسألة:
1ـ نماء المبيع أيام الخيار، أو قبل الفسخ للمشتري، ويكفي في ذلك ما ورد من الروايات(1).
2ـ لو تلف المبيع فإن كان قبل الفسخ فهو من مال المشتري، لأنّ المفروض أنّه مالك وقد وقع التلف في ملكه.
أضف إلى ذلك أنّه صريح موثقة إسحاق بن عمار وخبر معاوية بن ميسرة،

1 . الوسائل: ج12، الباب 8 من أبواب الخيار، الحديث 1 و 3.

صفحه 165
ففي الأُولى: الغلّة للمشتري ألا ترى أنّه لو احترقت لكان من ماله. وفي الثاني: قال أبو عبد اللّه: أرأيت لو أنّ الدار احترقت من مال من كانت؟ تكون الدار دار المشتري (1).
وإن كان من بعد الفسخ وصيرورة البيع ملكاً للبائع لكن تحت يد المشتري، فيكون ضامناً ضمان اليد، استولى عليه. فعلى اليد ما أخذت حتى تؤدّي.

الاستدلال بقاعدة التلف في زمن الخيار:

ثمّ إنّه ربّما يتمسّك في ثبوت الضمان على المشتري فيما إذا كان التلف قبل الردّ بقاعدة «التلف في زمن الخيار من مال من لا خيار له».
يلاحظ عليه: أنّ المدّعى حقّ ولكن الدليل غير تام، أمّا أوّلاً : فإنّه إنّما يتمّ فيما إذا كان الردّ قيّداً للتسلّط على الفسخ لا الخيار، وإلاّ فلا خيار قبل الردّ فيكون التصرّف في زمان اللزوم لا في زمان الخيار، اللّهمّ إلاّ إذا قيل بأنّ المراد من القاعدة: أنّ التلف يتوجّه على من كان العقد من جانبه لازماً، لا على من كان العقد من جانبه متزلزلاً فإنّ البائع وإن لم يكن ذا خيار على القول باشتراط الخيار بالردّ، وهو بعد لم يتحقّق لكن العقد متزلزل من جانبه، إذ في وسعه أن يردّ فيستحصل الخيار ويفسخ . وبعبارة أُخرى: المراد من «الخيار» الأعم من المتّصل والمنفصل، فعلى القول بكون الردّ قيداً للتسلّط على الفسخ، فالخيار متّصل.
وأمّا على القول بكونه قيداً لنفس الخيار، فالخيار منفصل. ومضمون

1 . كان تقدير العبارة هكذا: «من مال من كانت؟ من مال المشتري» فعندئذ تكون الدار، دار المشتري.

صفحه 166
القاعدة: أنّ الدرك يتوجّه على من لا خيار له أبداً لا متّصلاً ولا منفصلاً وأمّا من له الخيار باحدى الصورتين فذمّته بريئة من الدرك.
وثانياً: أنّ مدرك القاعدة هو الروايات الواردة في خياري الحيوان والشرط، وفي الثاني إذا كان المبيع حيواناً أيضاً وأنّه لو تلف في أيام الخيار سواء كان الخيار فيها بجعل الشارع كما في خيار الحيوان أعني: «ثلاثة أيّام»، أم بجعل المتعاقدين كما في خيار الشرط، واستفادة الضابطة الكلّية من تلك الروايات وتسريتها إلى بيع الخيار فيما إذا كان المبيع غير حيوان أمر مشكل جداً فضلاً عن تسريتها إلى سائر الخيارات كالغبن و العيب.
توضيح ذلك: أنّ أغلب الروايات واردة في خيار الحيوان (1)، غير رواية واحدة فإنّ صدرها راجع إلى خيار الحيوان وذيلها إلى خيار الشرط مع كون المبيع حيواناً وإليك نصّها:
روى ابن سنان عن أبي عبد اللّه ـعليهالسلامـ ، قال: سألته عن الرجل يشتري الدابة أو العبد، ويشترط إلى يوم أو يومين فيموت العبد والدابّة أو يحدث فيه حدث، على من ضمان ذلك؟ فقال: على البائع حتى ينقضي الشرط ثلاثة أيّام ويصير المبيع للمشتري (2).
وإن كان بينهما شرط أيّاماً معدودة، فهلك في يد المشتري قبل أن يمضي الشرط فهو من مال البائع (3).

1 . الوسائل: ج12 الباب 5 من أبواب الخيار، الحديث 1 ـ 5 .
2 . ورواه الصدوق مرسلاً نحوه إلاّ أنّه قال: لا ضمان على المبتاع حتى ينقضي الشرط ويصير المبيع له، ورواه الشيخ مثله إلاّ أنّه قال: ويصير المبيع للمشتري شرط البائع أو لم يشترط.
3 . الوسائل: ج12، الباب 5 من أبواب الخيار، الحديث 2، ونقل ذيله أيضاً في الباب 8، الحديث2.

صفحه 167
ترى أنّ صدر الرواية في خيار الحيوان وأنّ التلف فيه على البائع والذيل في خيار الشرط، لكن في مورد الحيوان فالتسرية إلى جميع أقسام خيار الشرط فضلاً عن سائر الخيارات أمر مشكل وذلك لما عرفت من أنّ مورد الروايات هو موت الأمة وهلاك الدابّة في ثلاثة أيّام أو في الأيام المعدودة، ومن المحتمل أن يكون لتلف الحيوان خصوصية في توجّه الضمان على البائع وهي أنّ الموت بعد البيع في هذه الأيّام يكون مستنداً لعلّة سابقة على العقد، وإن كان البائع أو المشتري جاهلين، غير أنّ الموت يكشف غالباً عن سبق هذه العلّة، ففي هذا الظرف حكم الشارع على وجه الاطلاق بكون درك الحيوان على البائع من غير فرق بين كون الخيار خيار حيوان أو خيار شرط، لكن في مورد الحيوان، ومع هذا الاحتمال الموجَّه لا يصحّ لنا الحكم بالتعميم والتسرية، وأنّ الحكم ثابت في خيار الشرط، فيما إذا كان المبيع غير حيوان، أو في بيع الخيار مطلقا ولأجل ذلك فالحق الاكتفاء في اجراء القاعدة بالخيارين خيار الحيوان وخيار الشرط وفي الأخير بما إذا كان المبيع حيواناً، واستفادة الضابطة الكلّية من نقل الكليني «على البائع حتى ينقضي الشرط ثلاثة أيّام ويصير المبيع للمشتري» أو من نقل الصدوق بقوله: «لا ضمان على المبتاع حتى ينقضي الشرط ويصير المبيع له» بعيد جداً، خصوصاً على احتمال أنّ لفظة حتى ليست تعليلة، بل لبيان الغاية (1).
والحق أنّ في اثبات كون الضمان على المشتري لا نحتاج إلى القاعدة بل يكفي الروايات ولكن العقد جائز لوجهين:
أوّلاً: أنّ الحكم بلزوم البيع مع وقوعه على أقل من قيمته الواقعية، حكم

1 . هذا مجمل ما فصَّلناه في محلّه.

صفحه 168
ضرري منفي بأدلّة حرمة الضرر، وعدم نفوذه، سواء قلنا : إنّه مفاد قوله «لا ضرر ولا ضرار»، أو أنّه مفاد سائر الروايات الناهية عن الضرر، وعلى كل تقدير فالحكم الضرري منفي.
وثانياً: أنّ ما ذكره من أنّ لصاحبه علاقة بمبيعه، وهو لا يبيعه إلاّ برجاء الاسترجاع وإن كان صحيحاً لكنّه لا يدل على أنّه غمض العين عن ماليتها مطلقاً ولو عند التلف الخارج عن الاختيار، فارجاع العين عند الامكان، واسترجاع مثلها أو قيمتها عند عدم الامكان من باب تعدّد المطلوب، ففي الظرف الذي يتعاقد المتعاقدان لو سئـل البائـع عن المبيع أنّه إذا تلف لا بتقـصير من المشـتري فهل ترضى بالثمن المأخـوذ، فهو يرجع ويجيـب بالنفي، وهـذا دليل على تعدّد المطلوب، فالظاهر بقاء الخيار مع تلف العين، وقد عرفت أنّ الخيار يتعلّق بالعقد، ولو قلنا بأنّه يتعلّق بالعين، فإنّما يتعلّق بها بمراتبها، كما قرّر في محلّه.
3ـ إذا تلف الثمن فإن كان قبل الفسخ فمقتضى القاعدة كون التلف من البائع وقد تلف تحت يده، فتضمين الغير يحتاج إلى دليل قاطع، واحتمل الشيخ الأعظم كونه من المشتري وإن كان ملكاً للبائع أخذاً بقاعدة «التلف في زمان الخيار، ممّن لا خيار له» وقد عرفت الكلام فيه، والفوارق الموجودة بين موردها والمقام، أضف إليه هنا أمراً آخر، وهو أنّ موردها هو تلف المبيع، والمفروض في المقام تلف الثمن، فكيف تستظهر عمومية القاعدة.
وأمّا الاستدلال على كون التلف من البائع بقاعدة «الخراج بالضمان» بضميمة كون النماء له بحجّة أنّ معنى النبوي أنّ الخراج في مقابل ضمان العين فبما أنّ الخراج للبائع فالضمان له أيضاً، فضعيف جداً لأنّه لو أخذ باطلاق القاعدة

صفحه 169
لزم كون خراج المغصوب لغاصبه بحجّة أنّه ضامن له ـ كما أخذ به أبو حنيفة حسب بعض الروايات (1) مع أنّه بيّـن البطلان، وإن خصّص بالمالك، يكون معناه الخراج في مقابل ضمان المالك لماله، واطلاق الضامن على المالك غير متعارف. لأنّ الضمان هو العهد والضامن هو المتعهّد ولا يطلق على المالك أنّه متعهّد لماله وضامن له، ولعلّ للنبوي معنى آخر، لا صلة له بباب الغرامات، ومن المحتمل أنّه راجع إلى الأراضي الخراجية، وأنّ خراج الأرض في مقابل التعهّد، يدفعه مُتقبّلُ الأرض للإمام أو السلطان وهو المسؤول عن الأرض وخراجها، دون من لم يتعهّد.
ثمّ إنّه لا فرق في ضمان الثمن على البائع مطلقاً إذا تلف قبل الفسخ بين كونه قبل الردّ والفسخ أو كان بعد الردّ وقبل الفسخ، أخذاً بمقتضى القاعدة العقلائية من أنّ تلف المال على المالك إذا تلف تحت يده، وإنّما يفرق بينهما لو قلنا بشمول قاعدة: «التلف في ضمان الخيار ممّن لا خيار له» للمقام، فلو قلنا بأنّ الرد قيد للخيار، فلو تلف قبل الرد ، فقد تلف في زمن اللزوم فالضمان على البائع، بخلاف ما لو تلف بعد الردّ فقد تلف في أيّام الخيار فالضمان على المشتري.
وشمول القاعدة للثمن وإن كان ممنوعاً لما عرفت من اختصاص مدرك القاعدة بالمبيع أوّلاً وكونه حيواناً ثانياً، لكنّه لو قلنا بالشمول لا فرق بين الصورتين، وإن قلنا بأنّ الرد قيد للخيار، لما عرفت أنّ الميزان كون المعاملة لازماً من أحد الطرفين دون الآخر وفي المقام العقد من جانب المشتري لازم بخلاف البائع، وإن شئت قلت: يكفي في دفع الضمان وجود الخيار بالقوّة وإن لم يكن بالفعل.

1 . الوسائل: ج 13، الباب 17 من أبواب أحكام الاجارة، الحديث 1.

صفحه 170

الأمر الثامن: في الردّ على المالك ووكيله والولي:

لا اشكال في صدق القدرة على الفسخ بردّ الثمن إلى نفس المشتري، وإنّما الكلام في صدقه على الردّ إلى وكيله المطلق أو الحاكم أو عدول المؤمنين، وبما أنّ هذا الخيار جعلي، يجب علينا إتباع كيفية الاتفاق، فلأجل ذلك يجب أن يلاحظ صورة العقد والتعاهد، فإليك صورَه:
1ـ إذا اشترط كفاية الردّ إلى المشتري ووكيله ووليّه، ووارثه، يكفي الرد إلى الجميع. ومثله ما إذا كان ذكر واحد منهم من باب المورد لا من باب القيد.
2ـ إذا اشترط الرد إلى نفسه بنحو التقييد على نحو لا يعتد بالردّ إلى غيره أيّاً كان فلا يتحقّق الشرط إذا ردّ إلى غيره، وعلى ذلك لو امتنع الردّ إلى شخصه لغيبته أو جنونه أو موته أو غير ذلك يسقط الخيار إذا انقضت المدّة ولم يتحقّق الشرط.
فإن قلت: لماذا لا يجوز الردّ إلى وكيله المطلق إذا قلنا بأنّ الوكالة تنزيل الوكيل منزلة الموكّل ذاتاً وفعلاً أو فعلاً فقط، فعندئذ يكون الردّ إليه ردّاً إلى الشخص؟
قلت: إنّ هذا إنّما يكفي، إذا اتفقا على كفاية الردّ على الشخص الأعم من الحقيقي أو التنزيلي وأمّا إذا اتّفقا على شخصه الحقيقي فقط من دون أن يعمّ الشخص الاعتباري فلا.
فإن قلت: لماذا لا يكفي الرد إلى الوارث لأنّ المال على أي حال ينتقل إلى الوارث على نحو كان لمورثه فالرد إليه كالرد إلى مورثه؟
قلت: المال وإن كان ينتقل إلى الوارث، ولكن الكلام في تحقّق الشرط بالردّ

صفحه 171
إليه، مع تقييده الردّ إلى الشخص، فانتقال المال إلى الوارث لا يكون دليلاً على كفاية الردّ إليه.
3ـ إذا أطلق الرد إلى نفسه من دون تعميم في الكلام ولا تقييد بالشخص، ولم يعلم أنّ ذكره من باب المورد فيكفي الرد إلى الوكيل المطلق لو كان أو إلى الحاكم الشرعي أو من باب القيد فلا يكفي ما ذكر، الظاهر هو الثاني.
وربّما يعلّل عدم الكفاية بأنّ الأدلّة الدالّة على ولاية الحاكم أو الوكيل لاتشمل ما ليس للمولى عليه أو الموكّل مصلحة فيه، فقبضهما ليس قبضاً للمشتري حتى يكون المدفوع ملكاً للمشتري فيجب عليهما حفظه ويردّ المبيع إلى البائع.
وربّما يجاب بأنّه لو فرض اطلاق الوكالة لِما لَهُ وعليه كما هو المفروض في المقام فقبضه يكون قبض الموكل، وأمّا ولاية الحاكم فلا تختص بما للمولّى عليه فيه مصلحة ولذا ينفق على زوجة الغائب من ماله.
والأولى أن يقال في عدم كفاية الردّ إلى الوكيل والوليّ، هو أنّ المنشأ في العقد مضيّق بالذات، وذلك لأنّه شرط الرد إلى نفسه، فهو وإن كان غير مقيّد بالشخص ولا مطلقاً ومعمّمـاً بالنسبة إلى الشخص وغيره، ولكنّه على نحو لا يصدق إلاّ على نفسه، فكفاية الرد إلى الغير لم ينشأ فكيف يكتفى به؟ فتصوّر أنّ الوكيل وجود تنزيلي للموكّل وأنّ الحاكم يقوم بشؤون المولى عليه، لا يفيد في المقام إذا كان المنشأ مضيقاً بالذات غير صادق إلاّ على الدفع إلى الشخص.
ثمّ إذا تولّـى واحد من الأب أو الجد أحد طرفي العقد، فهل يجوز للبائع أن يرد إلى الوليّ الآخر الذي لم يكن متولّياً للعقد، كما لو اشترى الأب للطفل بخيار

صفحه 172
البائع فهل للبائع الرد إلى جد الطفل أو لا؟ الظاهر هو الجواز، لولاية كلّ منهما على الطفل في عرض الآخر، وهذا بخلاف ما لو اشترى الحاكم للطفل بخيار البائع، فليس للبائع الردّ إلى حاكم آخر، لأنّ ولاية الحاكم الثاني محدّدة بالمال الذي لا وليّ له، والمفروض أنّ الحاكم الأوّل وضع يده عليه، فخرج عن كونه مالاً بلا ولي، وبعبارة أُخرى ولاية الحاكم في تلك الموارد محدودة بالأُمور التي لم يتكفَّلها أحد، فإذا كان للأمر متكفّل، فليست له هناك ولاية فعليّة.

الأمر التاسع: في أقسام ردّ الثمن وحكمها:

1ـ إذا أطلق اشتراط الفسخ بردّ الثمن، فالمتبادر منه عدم التمكّن من الفسخ إلاّ بردّ الثمن جميعاً، وأولى منه إذا صرّح بذلك.
فلو ردّ البائع بعض الثمن والحال كذلك فلا يخلو إمّا أن يدفع بعنوان الأمانة، إلى أن يجتمع قدر الثمن فيفسخ، فيكون حينئذ أمانة عند المشتري لا يضمنه إلاّ مع التفريط، وإمّا أن يدفع إليه بعنوان كونه ثمناً مع أنّ الثمن هو المجموع، فلو قبضه المشتري يكون مقبوضاً بالقبض الفاسد، لأنّ المفروض أنّ الشرط لم يتحقّق حتى يكون ثمناً ومن جانب آخر أنّ البائع دفعه بذلك العنوان، فيكون الاقباض والقبض معاوضياً وتصير يده عليه يد ضمان كالمقبوض بالبيع الفاسد، فلا يجوز له التصرّف فيه مطلقاً، ويضمن لو تلف أخذاً بمفاد قاعدة «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده».
2ـ ولو شرط خيار الفسخ بردّ بعض الثمن بمعنى أنَّ ردّ البعض كاف في تحقّق شرط الخيار أو التسلّط على الفسخ جاز ، لما عرفت: أنّ هذا الخيار وتوابعه

صفحه 173
يتبع كيفية الجعل والاتفاق، وعندئذ ترجع العين إلى البائع، وتبقى بقية الثمن على ذمّته.
3ـ لو شرط البائع الفسخ في كل جزء بردّ ما يخصّه من الثمن جاز الفسخ فيما قابل المدفوع، فلو ردّ البقية إلى انقضاء المدّة ينفسخ الجميع، وإلاّ يصير المبيع مشاعاً. ثمّ إنّه لو صرّحا بانحلال العقد وامكان تبعّضه فهو، وإلاّ فللمشتري الخيار، لأنّ المفهوم ـ عند عدم التصريح بالانحلال ـ هو اشتراط فسخ الكل ولكن جزءاً فجزء، لا خيار الفسخ كلاّ ً أو جزءاً.
وأمّا ما هو سببه فهل هو لأجل وجود شرط ضمني في العقد وهو كون مجموع المبيع بوصف اجتماعه مقابلاً لمجموع الثمن كما عليه المحقّق النائيني، أو أنّ خيار تبعّض الصفقة خيار مستقل لا صلة له بخيار الشرط؟ الظاهر هو الثاني لأنّه لو كان الخيار من أجل الشرط الضمني لكان الخيار خيار تخلّفه لا تبعّض الصفقة، بل الحق انّ الخيار هنا هو خيار تبعّض الصفقة، ووجه ذلك هو أنّ المنشأ مضيّق من أوّل الأمر لأنّهما اتّفقا إمّا على أن يكون جميع المبيع للمشتري إذا لم يفسخ أو جميعه للبائع إذا فسخ، فكون المبيع مشاعاً ومشتركاً بينهما الذي هو نتيجة فسخ البعض دون بعض ممّا لم ينشأ ولم يتفق عليه فكيف يمكن أن يجبر المشتري على قبوله، فلو أُريد من كونه من باب تخلّف شرط ضمني في العقد ما ذكرناه فنعم الوفاق، وإلاّ فالظاهر أنّه من باب تبعّض الصفقة الذي يتلقّاه العرف خياراً مستقلاّ ً ومبايناً لما اتّفقا عليه.
هذه هي صور المسألة وأحكامها غير أنّ صاحب المستند قال ببطلان غير الفرض الأوّل قائلاً بأنّ الحكم على خلاف القاعدة، ومورد النص غير هذه الصورة، وأدلّة الشروط ليست جارية لأنّ شرط الخيار مخالف للسنّة، وإنّما جوّزناه

صفحه 174
في المقام من جهة النصوص الخاصّة (1).
يلاحظ عليه: أنّه مبنيّ على ما فهمه من أنّ بيع الخيار على خلاف السنّة فلازم ذلك هو الاكتفاء بمورد النصوص، وأمّا على المختار من كونه على وفق القاعدة فلا.
ثمّ إنّ تصوير القسم الأخير وهو الفسخ في كل جزء بردّ ما يخصّه من الثمن ليس بأمر مشكل والذي يقرب ذلك تقسيم تحرّر المكاتب إلى مشروط ومطلق، ففي الأوّل لا يتحرّر ما لم يؤد الجزء الأخير من الثمن، بخلاف الثاني، فالتحرّر هنا يتحقّق بمقدار ما أدّى من الثمن، وليس ذلك لأجل أنّ العقد الواقع على شيء، قابل للتحليل إلى عقود كثيرة حسب تحليل المعقود عليه، فإنّ ذلك ممّا لا يقبله الذوق ولا يتلقّاه العرف صحيحاً، فمن باع داراً فإنّما باع شيئاً واحداً وأوقع عقداً واحداً، بل الانحلال لأجل أنّ الالتزام وإن كان شيئاً واحداً، والانشاء أمراً فارداً إلاّ أنّ المتعلّق لما كان مركّباً ومتكثّراً فهو يكون قابلاً للتجزئة فينفسخ في جزء ويبقى في جزء آخر، وتحليل الأُمور الاعتبارية لا يبتنى على الدقائق الموجودة في التكوين.

الأمر العاشر: في جواز اشتراط الفسخ للمشتري:

إذا كان بيع الخيار مطابقاً للقاعدة فكما يجوز للبائع اشتراط الفسخ برد الثمن كذلك يجوز للمشتري اشتراطه لكن برد المثمن، وأمّا على قول صاحب المستند فلا يصحّ التعميم لأنّه على خلاف القاعدة، وقد عرفت الاشكال فيه، وعلى هذا فيجوز اشتراط الفسخ لكل منهما بردّ ما انتقل إليه أو بدله عندما يجوز ردّ البدل.

1 . مستند الشيعة: 1/284.

صفحه 175
فإذا صحّ اشتراط الفسخ من جانب المشتري فمقتضى الاطلاق ردّ العين، فلو تلف سقط الخيار لعدم التمكّن من الشرط، ولا يكفي ردّ البدل، لانصراف الاطلاق في باب المبيع إلى ردّ نفسه، عكس الاشتراط في ردّ الثمن، فالاطلاق فيه ينصرف إلى الاكتفاء بردّ المثل أيضاً لأنّ الغرض منه هو التصرّف في الثمن أوّلاً وعدم التفاوت بين العين والمثل في الأثمان ثانياً، بخلاف العين.
نعم إذا كان المبيع من المنتجات الصناعية التي لا يتميّـز العين عن المثل فيها بنحو من الانحاء، فلا يبعد الاكتفاء بردّ البدل عند تلف العين.
هذا كلّه إذا أطلق ردّ العين، وأمّا لو صرّح بكفاية البدل عند عدم القدرة على العين لتلفها أو تعذّر الوصول إليها، فيكفي ردّ البدل، وعلّله الشيخ بقوله: لأنّ مرجعه إلى اشتراط الخيار بردّ المبيع عند وجوده، و بدله عند تلفه.
وهل يجوز اشتراط ردّ بدله ولو مع التمكّن من العين أو لا؟ ذهب شيخنا الأعظم إلى الثاني قائلاً بأنّه خلاف مقتضى الفسخ، لأنّ مقتضاه رجوع كل من العوضين إلى صاحبه، فاشتراط البدل اشتراط للفسخ على وجه غير مشروع، بل ليس فسخاً في الحقيقة. وحاصله أنّه خلاف مقتضى الفسخ.
يلاحظ عليه: بما عرفت سابقاً من أنّ رجوع كل من العوضين إلى صاحبه ليس من آثار مطلق الفسخ حتى فيما إذا صرّح بالخلاف، وجواز الاكتفاء بالبدل بل من آثار الفسخ المطلق، بمعنى أنّه لو شرط الفسخ بردّ المثمن وسكت عن التقييد، فمقتضاه ردّ كل من العوضين إلى صاحبه، لا ما إذا شرط الفسخ وصرّح بالاكتفاء بالبدل وإن تمكّن من ردّ العين، فإنّ م آل ذلك هو شرط جواز افراغ الذمّة بالبدل، فإنّ ذمّة المشتري وإن كانت مشغولة بالعين ما دامت موجودة،

صفحه 176
ولكنّه يشترط على البائع في ضمن العقد بلزوم اكتفائه في مقام الافراغ، ببدله دون نفسه، وهذا مثلما إذا كان لزيد على عمرو دنانير، فيشترط في ضمن العقد بالاكتفاء في مقام الافراغ بالدراهم مكان الدنانير.
وقد نبّه الشيخ بذلك في الفرع الآتي وإن غفل عنه في المقام، وإليك نصّه، قال:
لو اشترط ردّ التالف بالمثل في القيمي وبالقيمة في المثلي، أمكن الجواز لأنّه بمنزلة اشتراط ايفاء ما في الذمّة بغير جنسه، لا اشتراط ضمان التالف المثلي بالقيمة، والقيمي بالمثل، ولا اشتراط رجوع غير ما اقتضاه العقد (1) إلى البائع، فتأمّل.
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّه ليس ضمان المثلي بالمثلي، أو القيمي بالقيمي، حكماً شرعياً ثابتاً بالكتاب والسنّة حتى يكون اشتراط خلافه شرطاً على خلاف الكتاب والسنّة، نعم هي قاعدة عقلائية اتفقوا عليها في باب المرافعات والخصومات، وبما أنّه لم يردع عنها الشارع، يكون حكماً امضائياً للشرع.
وثانياً: أنّه إذا صحّ افراغ الذمّة بغير ما اشتغلت به أولاً في المقام بحجّة أنّ الهدف من الشرط ليس هو تبدليل التشريع الممضى، بل الطرفان يسلّمان على أنّ المثلي يضمن بالمثلي، والقيمي بالقيمي، غير أنّهما يتّفقان بعد تسليمه على جواز ايفاء ما في الذمّة بغير جنسه ـ لو صحّ ذلك ـ فليصحّ ما ذكرناه في الفرع المتقدم من جواز اشتراط ايفاء ما في الذمّة من الاشتغال بالعين ببدلها، إذ ليس الشارطان يهدفان إلى تبديل الحكم الشرعي، بل يسلّمان أنّ الذمّة مشغولة بردّ العين أولاً، ولكن يشترطان الاكتفاء في مقام افراغ الذمّة بردّ بدلها مع التمكّن منها.

1 . كذا في النسخ، والأولى أن يقال: الفسخ، مكان العقد.

صفحه 177

الأمر الحادي عشر ـ شرط الخيار في العقود والايقاعات:

لا شك في صحّة شرط الخيار في البيع، وما أشبهه من العقود اللازمة كالاجارة والمزارعة والمساقاة. إنّما الكلام في صحّة جعله في غيرها، فيقع الكلام في مواضع:
1ـ حكم الخيار في الايقاعات.
2ـ حكم الخيار في العقود الجائزة.
3ـ حكم الخيار في بعض العقود اللازمة.
فنقول: قبل الخوض في المقصود نذكر ما هو مقتضى القاعدة.
مقتضى القاعدة: عدم صحّة خيار الشرط في العقود والايقاعات إلاّ فيما إذا أحرزت مشروعيّة الفسخ فيه، فكل مورد اُحرزت مشروعيته فيه، يجوز شرطه في الانشاء، ولا يصحّ التمسّك باطلاق أدلّة الشروط في اثبات مشروعيته، وذلك لأنّ أدلّة الشروط كأدلّة النذر والعهد، ليست مشرّعة حتى يُصحَّح بها اشتراط ما لم تحرز مشروعيته، وإنّما دورها ايجاب العمل بما ثبتت مشروعيته، وعلى ذلك فكلّ ما شكّ في مشروعية شيء في حدّ ذاته أو مشروعية أخذه في الانشاء، لا يصحّ التمسّك باطلاق أدلّة الشروط كما هو واضح.
فنخرج بهذه النتيجة: أنّه لابد في اثبات مشروعيّة الفسخ في العقودوالايقاعات من دليل وراء أدلّة الشروط ومع الشك فيها، لا يترتّب عليه الأثر.
إذا عرفت ذلك فنقول:

صفحه 178

الموضع الأوّل: حكم الخيار في الايقاعات:

هل يصحّ شرط الخيار في الايقاعات أو لا ؟ نقل الاتفاق على العدم وعلّل المحقّق النائيني عدم الصحّة بوجهين:
1ـ الخيار هو ملك الالتزام، وليس في الايقاعات أيّ التزام وعهد من الموقع، ولم يلتزم بالتزام عهدي أو عقدي (1).
يلاحظ عليه: أنّ الخيار هو السلطنة على الفسخ والاقرار، وليس الالتزام داخلاً في مفهومه، وعلى ذلك فمن له سلطنة الهدم والاقرار فهو ذو الخيار سواء كان المتعلّق عقداً أو ايقاعاً، فكما للعقد هدم واقرار، فهكذا للايقاع.
أضف إلى ذلك: لو سلّمنا دخول الالتزام في مفهوم الخيار فأيّ مانع من القول بوجود الالتزام في الايقاع، فالمطلّق ملتزم بخروج زوجته عن حبالته شرعاً وقانوناً، والمعتِق ملتزم بحرية عبده، فلو شرط الخيار كان معناه أنّه يملك هذا الالتزام هدماً واقراراً.
2ـ ليس الشرط مجرّد ذكر شيء منضمّـاً إلى آخر كما لو قيل: بعتك الدار وآجرتك البستان، بل يجب أن يناط المنشأ به، وفي الايقاعات لو أُنيط أصل المنشأ به بطلت، للتعليق، ولو ذكر غير مرتبط بالمنشأ فهو الشرط الابتدائي الذي لايجب الوفاء به، لكونه حينئذ مجانيّاً وبلا عوض، وغير منضم إلى أحد الطرفين(2).
يلاحظ عليه: أنّه لو صحّ ذلك لزم بطلان خيار الشرط في العقود أيضـاً لأنّ إناطة المنشأ به في الشرط يستلزم التعليق وهو مبطل عند القائل بالتنجيز، والحل

1 . منية الطالب: ج2 ص 55.
2 . منية الطالب: ج2 ص 55.

صفحه 179
أنّ المبطل حسب القاعدة هو تعليق الانشاء لا المنشأ، والمقام من قبيل الثاني لاالأوّل إلاّ إذا دل دليل على البطلان فيه أيضاً.
ثمّ إنّ سيّدنا الأُستاذ ـ قدّس اللّه سرّه ـ ذكر وجهين آخرين لبطلان خيار الشرط في الايقاعات، وإليك حاصلهما:
1ـ إنّ الشرط على ما يظهر من اللغويين الزام والتزام في البيع ونحوه، والظاهر من الطرف أن يكون البيع حاوياً له، أي يقع الشرط في ضمنه وخلاله، بحيث يدعى أنّه ظرفه وأنّه فيه، ومن المعلوم أنّ الايقاع لا يعقل فيه ذلك فإنّه لايعقل أن يرتبط به الشرط الواقع بعده أي بعد تماميته عنواناً وتأثيراً فضلاً عن أن يكون في ضمنه وخلاله (1).
يلاحظ عليه: أنّ مراد اللغويين من قولهم الزام والتزام في البيع هو اخراج الشروط الابتدائية وأنّه يجب أن يكون الشرط تابعاً للبيع ونحوه في الالتزام لا التزاماً مستقلاًّ، ومن المعلوم أنّه يكفي في التبعية كون الشرط من قيود المنشأ وفروعه، وأمّا كونه داخلاً في المنشأ وعدم كفاية التبعيّة فهو أمر غير ظاهر من كلامهم.
ولو صحّ ما ذكره يبطل كل شرط في الايقاع، سواء كان الشرط خيار الفسخ أو غيره، وانّ معناه أنّ الايقاع لا يقبل الاشتراط على وجه الاطلاق، وهو كما ترى، وستوافيك بعض الروايات المشتملة على الشرط في الايقاع في بابي الوقف والعتق، وإن قام ـ قدّس اللّه سرّه ـ بتأويل هذه الروايات وأنّها من قبيل الاستثناء من أوّل الأمر، لا الاشتراط في الايقاع وما هو إلاّ لأنّه قد أخذ موقفاً مسبقاً في الايقاعات فالتجأ إلى التأويل، وإلاّ فأيّ محذور في انشاء ايقاع مشروط كانشاء عقد مثله، وليس الايقاع إلاّ مثل العقد من الأُمور الاعتبارية التي لا يشترط في صحّتها إلاّ

1 . كتاب البيع: قسم الخيارات ج4 ص 252.

صفحه 180
كونها معتبرة عند العقلاء، ومترتّباً عليها الأثر، فالتزام كون الشرط داخلاً في المنشأ لا خارجاً عنه وعدم كفاية التبعية كما ترى.
2ـ انّ الخيار إنّما يصحّ في العقود لأنّها أُمور اعتبارية باقية لدى الشرع والعرف اعتباراً ولهذا نرى ثبوت الخيار فيها عند العرف والشرع، ومنه يستكشف أنّها موجودة عندهما فيصحّ فسخه وحلّه، وأمّا الايقاعات فلا دليل على بقائها الاعتباري عند العقلاء أو الشرع بل الظاهر عدم اعتبارهم ذلك، ومعه لا معنى لحلّه أو رفعه، والشك في ذلك كاف في عدم ثبوته.
يلاحظ عليه: أنّه لم يظهر الفرق بين العقود والايقاعات حيث ادّعى أنّ المنشأ له بقاء في الأوّل دون الثاني مع أنّهما متساويان في المقام، فإن أُريد بقاءالانشاء اللفظي فهو معدوم في كليهما، وإن أُريد المنشأ الاعتباري، فلهبقاءعند العرف مطلقاً، فالمرأة المطلّقة، مطلّقة إلى آخر حياتها، والعبد المعتقحرّ كذلك.فللطلاق والعتق بالمعنى الاسمي نوع بقاء ومثله الابراء بالمعنيالاسمي لاالمصدري، فذمّة المشغول بعد الابراء بريئة في حال الانشاء وبعده.
والحاصل: أنّ هذه الوجوه التي تبتنى على دقائق فلسفية لا يصحّ أن تقع أساساً للحكم الشرعي، فإنّ الأحكام الشرعية مبنية على أُمور عرفية واضحة لدى العامة. والأُستاذ ـ قدّس اللّه سرّه ـ إنّما وصل إليها بعد رياضة علمية ومجاهدات ذهنية عميقة.
والذي يمكن أن يقال: إنّه لابدّ أن نلاحظ كل نوع من الايقاع برأسه، ونقف على قضاء العرف والشرع في مورده، وليست هناك ضابطة كلّية صادقة في جميع الموارد.

صفحه 181

بطلان شرط الفسخ في القربيات:

أمّا العتق والصدقة والوقف فإنّها أُمور قربية من شأنها أن تكون متمحّضةً في اللّه سبحانه، وما كان كذلك فشرط خيار الفسخ فيه ( لا مطلق الشرط ) لايناسب طبعها وشأنها، ولذلك تضافرت الروايات على أنّ «الصدقة للّه عزّ وجلّ فما جعل للّه عزّ وجلّ فلا رجعة فيه» وفي رواية أُخرى عن رسول اللّه: «إنّمامثل الذي يتصدّق بالصدقة، ثمّ يعود فيها مثل الذي يقيئ ثم يعود في قيئه»(1).
لا أقول إنّ شرط الفسخ يضاد القربة، بل المراد أنّ الصدقة و العتق والوقف، اخراج للمال عن الملكية، وبذل له في سبيل اللّه، فشأن عمل مثلها، هو الاخراج والاعراض لا العود إليه ثانياً بالفسخ والرجوع وبالتالي ابطاله وبالنتيجة فهذه النكتة تصد العقلاء من تصحيح خيار الفسخ فيه وإن لم يكن مانعاً من القربة.
نعم الذي ينافيه هو شرط الرجوع فيما بذله في سبيل اللّه لا مطلق جعل شرط فيه، ولذلك جاء جعل الشرط في الوقف والعتق، أمّا الأوّل فما رواه عبد الرحمان بن الحجاج عمّـا أوصى به علي ـعليهالسلامـ وقضى وجاء فيها: «فإن أراد أن يبيع نصيباً من المال فيقضي به الدين فليفعل إن شاء لا حرج عليه فيه...» (2) وليس مثل هذا الشرط رجوعاً ولا منافياً، لقوله «فما جعل للّه عزّ وجلّ فلا رجعة فيه» لأنّه إنّما ينافي إذا شرط بيع الواقف لصالح نفسه، لا بيع الموقوف عليه عند حاجته فإنّ مثل ذلك

1 . الوسائل: ج 13، الباب 11 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث 1 و 2 وغيرهما.
2 . المصدر نفسه: الباب 10 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث 4.

صفحه 182
يعد من انتفاع الموقوف عليه من الأصل كانتفاعه من الفرع.
وأمّا الثاني فقد تضافرت الروايات على جعل الشرط في العتق. وفي نفس هذه الرواية «إنّ ما كان لي من مال «ينبع» يعرف لي فيها وما حولها، صدقة ورقيقها ـ غير «أبي رياح» و «أبي نيزر» و «جُبير» ـ عتقاء ليس لأحد عليهم سبيل فهم موالي، يعملون في المال خمس حجج. ومنه نفقتهم ورزقهم ورزق أهاليهم».
وروى عبـد الرحمان بن أبي عبـد الرحمان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «أوصى أمير المؤمنين فقال: إنّ «أبا نيزر» و «رباحاً» و «جُبيراً» عتقوا على أن يعملوا في المال خمس سنين» (1). وقد استفاضت الروايات على جواز العتق وشرط العمالة عليه (2) ولا يعد مثل ذلك رجوعاً في الصدقة وإنّما هو تضييق للمبذول من أوّل الأمر بصورة الشرط فإنّ منافع العبد لمولاه فله بذل جميعها وقبض بعضها وكونه استثناءً أو شرطاً، ليس له تأثير في المقام.
هذا كلّه في هذا القسم من الايقاعات وأمّا غيرها كالطلاق، فلا يصحّ فيه شرط الخيار، وذلك لأنّ الزوجة أرفع شأناً من أن يتساوم معها الزوج كتساوم المتعاملين فيطلق بشرط خيار الفسخ ولأجل الاشعار بكرامتها وترفّعها نرى أنّ للطلاق والنكاح مراسم بين الأُمم جميعاً كل ذلك يعرب عن ترفّع شأنها، وأهمية الأمرين قال سبحانه: (الطلاق مرّتانِ فَإمساكٌ بِمَعْروف أو تَسرِيحٌ بإحسان) (البقرة /229) غير أنّه لأجل صيانة العلقة بين الزوجين، جعل للرجل حق الرجوع من دون أن يشترطه وهو في الحقيقة تمسّك بالزوجيّة التي كانت في مظنّة الزوال لولا التدارك بالرجوع.

1 . الوسائل: ج16، الباب 10 من أبواب العتق، الحديث 1.
2 . المصدر نفسه: الباب 11 من أبواب العتق، الحديث 1 و2 و3.

صفحه 183
بقي الكلام في الصلح والابراء، أمّا الأوّل: فلو كان في مقام المعاوضة يدخل فيه الخيار بلا اشكال، وأمّا لو كان في مقام الابراء، كالصلح قبل ثبوت الحق فلمنافاته لحكمة التشريع، فإنّه لقطع النزاع، واشتراط الخيار إعادة للنزاع، وهذا وإن كان حكمة ولا يدور الحكم مدارها، لكنّها كافية لأن تقع سبباً لانصراف أدلّة خيار الشرط عن مورده على وجه يتجلّـى شرط الفسخ أمراً منافياً لمضمونه عند العرف، ومنه يظهر حال الابراء مضافاً إلى أنّه كرامة من المبرئ، ولا كرامة في شرط الرجوع.
هذا كلّه في الايقاعات وقد علمت أنّه لا ضابطة كلّية تدل على عدم صحّة جعل الخيار فيها، وإنّما الملاك ملاحظة كل نوع بخصوصه حسب مضمونه وملاك تشريعه.

الموضع الثاني: حكم الخيار في العقود الجائزة:

إنّ العقود الجائزة على قسمين: قسم لا يعتريها اللزوم في حال من الأحوال كالوكالة والوديعة والهبة غير المعوّضة إلى غير ذي الرحم، فجعل خيار الشرط فيها لغوا إلاّ أن تصير لازمة بالعرض فحينئذ يجوز اشتراط الخيار فيها في ضمن عقد آخر وتوهّم أنّه يجب على هذا عدم اجتماع الخيارين في عقد واحد كالمجلس والحيوان، والغبن والعيب، فإنّ أحدهما يغني عن الآخر، مدفوع بالفرق بين المقام، وما عطف عليه، فإنّ خياري المجلس والحيوان من قبيل الحقوق، ومثله خيار العيب والغبن، فيجوز إسقاط أحدهما وابقاء الآخر، وهذا بخلاف الجواز في هذه المعاملات، فإنّه حكم غير قابل للاسقاط ومعه لا حاجة لجعل الخيار، وبالجملة العقد الذي هو جائز بالذات ما لم يعرض عليه عنوان موجب للّزوم، لا حاجة

صفحه 184
لجعل الخيار .
وأمّا القسم الثاني، أعني: ما ربّما يطرأ عليها اللزوم ولو في بعض الأحوال كالهبة إلى ذي رحم أو مطلق الهبة إذا تصرّف فيها الموهوب له، فجعل الخيار فيها و إن كان غير لغو لكنّه إنّما يصحّ إذا كان اللزوم فيها لزوماً حقّياً لا حكمياً شرعياً غير قابل للاسقاط والتغيير، وهو ليس ببعيد كما سيوافيك.

الموضع الثالث: حكم الخيار في العقود اللازمة:

لا شك في جواز جعل الخيار في العقود اللازمة ما لم يقترن بمانع، كالبيع والاجارة والمضاربة والمساقاة والمزارعة وما أشبهها. إنّما الكلام في بعض المصاديق وإليك الكلام فيها:
1 ـ النكاح: إنّ النكاح عقد لازم ولكن لزومه حكمي لا حقّي، شرعي لا جعلي، باشتراط المتعاقدين، والانسان يلمس ذلك من المرتكزات العرفية فإنّ النكاح بين الأُمم والشعوب أعلى من أن يتعامل معه معاملة سائر العقود، ولأجل ذلك له مراسيم بين الأُمم كما أنّ لانحلاله أيضاً مراسيم، وهذا يعرب عن أنّ المتديّنين يتلقّون لزومه من جانب الشرع ورب الزوجين، كما أنّ غيرهم يتلقّونه أمراً مهمّـاً من المجتمعات، فعلى ذلك فليس الوجوب حقّاً للزوجين حتى يكون انحلاله بيدهما بل شرعي لا يقبل الانحلال إلاّ بما جعله الشرع سبباً له.
ويقرب من ذلك الهبة إلى ذي الرحم، والهبة عند تصرّف الموهوب له فيها، فإنّ اللزوم فيها حكمي لا حقّي، فلأجل صيانة مقام الرحم حَرم الرجوع، ولأجل دفع العسر والحرج وقطع النزاع، حكم باللزوم عند تصرّف الموهوب له، فمثل ذلك لا يقبل جعل الخيار.

صفحه 185
إنّما الكلام في الضابطة الكلّية لتمييز اللزوم الحكمي عن اللزوم الحقّي، فقال المحقّق النائيني: إنّ اللزوم في النكاح ناش عن حكم الشارع بلزوم نفس عنوان العقد لا عن التزام المتعاقدين، وبعبارة أُخرى: كل لزوم نشأ من: (أُوفوا بالعقود) فهو حقّي وكلّما نشأ من نفس العنوان فهو حكمي، وبعبارة ثالثة: انّ اللزوم إذا كان ناشئاً عن حكم الشارع بلزوم نفس العنوان فهو حكمي، فكون رفع النكاح موقوفاً على الطلاق شرعاً كاشف عن أنّ رفعه ليس بيد المتعاقدين، ويدل عليه عدم مشروعية الإقالة فيه، فإنّها والخيار توأمان، بخلاف ما إذا لم يكن كذلك فإنّ لزومه حقّي (1).
يلاحظ عليه: أنّ تمييز اللزوم الحكمي عن اللزوم الحقّي بما ذكره لا يزيد إلاّإبهاماً، إذ من أين نقف على أنّ اللزوم في معاملة خاصّة نشأ من حكم الشارع بلزوم نفس العنوان أو من التزام المتعاقدين. والأولى استكشافه من طرق أُخرى، كملاحظة طبع المعاملة (2) من علّو مقامها وقداستها لدى العرف من أن تخضع لخيار الشرط كالنكاح أو لمخالفته لما هو الغاية من المعاملة، كجعله في عقد الرهن فإنّ تسلط الراهن على العين المرهونة لا يجمع مع غرض المرتهن، أو لاستنكار العرف كالهبة لذوي الرحم، إلى غير ذلك من الامارات والقرائن التي تثبت كون اللزوم حكمياً كما هو الحال في الأمثلة الآتية.
ثمّ إنّ كون لزوم النكاح حكمياً لا ينافي الرجوع في العدّة الرجعية، والفسخ بالعيوب، فإنّ الأوّل تمسّك بالزوجية قبل زوالها لا أنّه ذو خيار بل أنّ الطلاق في الرجعية إنّما يؤثّر إذا خرجت عن العدّة ولم يرجع إليها الزوج، فبالرجوع تنتفي العلّة

1 . منية الطالب: 2/ 56.
2 . وقد عرفت أنّه الميزان أيضاً لتمييز اللازم عن الجائز أيضاً، وقد مرّ تفصيله في الفصل الأوّل.

صفحه 186
التامّة للطلاق، فكأنّ النكاح كان أمراً في حال الذوبان والانحلال، فرخّص الشارع للزوج أن يخرجه عن هذه الحالة، وأمّا الفسخ بالعيوب فهو استثناء عن اللزوم الشرعي. وقد قدّمنا الكلام في ذلك في صدر الكتاب.
2ـ الرهن والضمان والحوالة والكفالة: فالظاهر عدم جواز خيار الشرط فيها، لأنّ جعل الخيار فيها ينافي الغرض المقصود، لأنّ غرض المرتهن من الرهن هو كسب الوثوق، ومع جعل الخيار يزول هذا الغرض، كما أنّ غرض المضمون له من التضمين بعد فراغ ذمّة المضمون عنه، هو الرجوع إلى الضامن، فلو شرط الضامن الخيار في الضمان لغى التضمين، ومثله الكفالة، وتصوّر أنّ الأغراض دواع وحكم لا علل ومناطات غير مضرّ لما عرفت من أنّ كون الداعي من هذه المعاملات هو كسب الوثوق والاطمئنان، يوجب انصراف أدلّة الخيار عن هذه المعاملات، وكون هذه المعاملات غير قابلة للخيار في نظر العقلاء.
3ـ وبذلك يظهر عدم صحّة جعل الخيار في القرض، لأنّ الغاية من الاقتراض هو رفع الحاجة وجعل الخيار ولزوم رجوع العين أو بدله قبل الأجل لايجتمع مع هذه الغاية، وهو كاف في سببيّة الانصراف.
4ـ وأمّا المعاطاة فيجوز فيها جعل الخيار وتصوّر أنّ السبب القولي لا يرتبط بالسبب الفعلي كما ترى، وذلك أنّ الارتباط المطلوب، ليس هو الارتباط التكويني بل الاعتباري، ويكفي في ذلك البيان باللفظ.
5ـ الجعالة والسبق والرماية، الظاهر عدم صحّة شرط الخيار فيها فإنّها قبل العمل ما لم يصل إلى النتيجة عقود جائزة، وبعدها عقود لازمة غير قابلة للفسخ.
ثمّ إنّ الشيخ الأعظم ذكر ضابطة في تمييز ما يجوز فيه جعل الخيار عمّـا لايجوز، وقال: «الأظهر بحسب القواعد إناطة دخول خيار الشرط بصحّة

صفحه 187
التقايل في العقد، فمتى شرّع التقايل مع التراضي بعد العقد جاز تراضيهما حين العقد على سلطنة أحدهما أو كليهما على الفسخ ...» (1).
ولكنّه يتم في جانب الأصل، فإنّ جواز التقايل بعد العقد يكشف عن أنّ زمام المعاملة بيد المتعاقدين وليس للشارع حكم تعبّدي وراء رضاهما، فإذا جازت الإقالة بعد العقد جاز التزلزل قبل العقد، ولا يصحّ في العكس، وهو أنّ مالاتجوز الإقالة فيه لا يجوز جعل الخيار إذ من الممكن أن يكون للعقد قبل حدوثه حكماً مغايراً لحكمه بعد الحدوث فالمكلّف يكون في فسحة قبل العقد، وله أن يتقلّب كيف ما شاء ولو بجعل الخيار، ولكنّه لمّا عقد والتزم لا يكون له الهدم بالإقالة.

1 . المتاجر، قسم الخيارات ص 234.

صفحه 188

صفحه 189

الفصل الخامس

خيار الغبن

تعريف الغبن.
دليل خيار الغبن.
شروط خيار الغبن.
طرق ثبوت جهل المغبون.
هل ظهور الغبن محدِث للخيار أو كاشف عنه؟
في مسقطات خيار الغبن الأربعة:
أ. الاسقاط بعد العقد.
ب. اشتراط السقوط في متن العقد.
ج. تصرّف المغبون بعد العلم بالغبن.
د. تصرّف المشتري المغبون قبل العلم بالغبن.
في تصرّف الغابن.
في حكم تلف العوضين مع الغبن.
عدم اختصاص خيار الغبن بالبيع.
هل خيار الغبن فوري أو لا؟

صفحه 190

صفحه 191

خيار الغبن

أمّا الغبن في اللغة، فقد قال في الصحاح: وهو بالتسكين في البيع وبالتحريك في الرأي.
وقال ابن منظور في اللسان: وغَبِنْتَ رَأيكَ: أي نسيته وضيّعته، وغَبِنَ الشيء: وفيه غَبْناً وغَبَناً: نسيه واَغفله وجهله. الغَبْن: ضعف الرأي، والغَبْنُ في البيع والشراء: الوَكْسُ. غَبَنَهُ: أي خدعه، وغَبِنْتُ في البيع إذا غَفَلْتَ عنه.
وقال الفيروز آبادي في القاموس: غبن الشيء وفيه: نسيه أو اغفله أو غلط فيه، وغبن رأيه: ضعف.
وهذه الكلمات: تعطي أنّ المقوِّم لصدق الغبن هو غفلة الطرف أو جهله أو نسيانه في مقابل علم الغابن وإغفاله، فتكون النتيجة شرطية علم الخادع وجهل المخدوع، فلو كان الخادع جاهلاً أو المخدوع عالماً لا يتحقّق الغبن، ولا تصدق الخدعة، وأمّا قوله سبحانه: (إنَّ المنافِقينَ يُخادِعونَ اللّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ)(النساء/142) فلا يدل على عدم شرطية جهل المخدوع بحجّة: أنّ المراد منه هو اللّه سبحانه وهو عالم وذلك أنّه سبحانه ينقل رأي المنافقين وأنّهم يظنّنون أنّه

صفحه 192
سبحانه لا يعلم تخطيطاتهم ومؤامراتهم، ثمّ هو يرد عليهم بأنّه سبحانه خادعهم بمعنى ابطال مخططاتهم، فاستعمال الخدعة في كلا الموردين بالعناية، أمّا الأوّل فبما عرفت، وأمّا الثاني فمن باب المشاكلة والمجاراة. وعلى أي حال فلو كان اللفظ حقيقة في الخدعة يكون معناه اللغوي أوسع ممّا يستعمله الفقهاء، فإنّهم يتوسّعون في استعماله، حيث يطلقونه مع جهل الطرفين، بل حتى مع علم الآخر وإن لم يترتّب عليه أثر الغبن أعني الخيار لأجل كون الطرف، مُقدِماً عليه، وعلى ذلك فاللفظ أمّا منقول من المعنى اللغوي إلى معنى أوسع أو هناك توسّع في الاستعمال مجازاً.

تعريف الغبن:

فالغبن: هو التمليك بما يزيد على القيمة مع جهل الآخر، أو مبادلة مال بأزيد عن ثمنه المثلي. وبما أنّه لم يرد فيه نص لم يذكره الصدوق في المقنع، ولا المفيد في المقنعة ولا الشيخ في النهاية، ولكن أوعز إليه في الخلاف في مسألة تلقّي الركبان، وقال: «تلقّي الركبان لا يجوز ، فإن تلقّى واشترى كان البائع بالخيار إذا ورد السوق إلاّ أنّ ذلك محدود بأربعة فراسخ فإن زاد على ذلك كان جلباً، ولم يكن به بأس، وللشافعي فيه قولان: أحدهما: لا يجوز ولم يحدّه، والثاني: ليس له الخيار، دليلنا اجماع الفرقة وأخبارهم، وروى أبو هريرة أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) نهى عن تلقّي الجلب، فإن تلقّى متلقّ فاشتراه، فصاحب السلعة بالخيار إذا ورد السوق» (1).
وقال القاضي: ومن ابتاع شيئاً وظهر له فيه غبن، فلا يخلو إمّا أن يكون من

1 . الخلاف: ج3، كتاب البيع، ص 172المسألة 282.

صفحه 193
أهل الخبرة أو لا يكون كذلك، فإن كان من أهل الخبرة لم يكن له ردّه، وإن لم يكن من أهل الخبرة وكان مثله لم تجر العادة، فسخ العقد إن أراد، وإن كانت العادة جرت بمثله لم يكن له خيار (1).
وقال ابن حمزة: خيار الغبن أن يبيع شيئاً أو يبتاع وهو غير عالم بالقيمة وفيه غبن لا يتغابن بملكه في مثله فإذا علم كان له الخيار (2).
وقال ابن زهرة في الغنية: السبب الخامس للخيار: ظهور غبن لم تجر العادة بمثله بدليل الاجماع المشار إليه، ويحتج على المخالف بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا ضرر ولا ضرار ومن اشترى بمائة ما يساوي عشرة، كان في غاية الضرر ـ وبنهيه (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ عن تلقّي الركبان، وقوله: «فإن تلقّى متلق فصاحب السلعة بالخيار إذا دخل السوق، لأنّه إنّما جعل له الخيار لأجل الغبن (3).
وقال المحقّق: من اشترى شيئاً ولم يكن من أهل الخبرة وظهر فيه غبن لم تجر العادة بالتغابن به، كان له فسخ العقد إذا شاء.
وذكر في الجواهر أنّه لم يجد خلافاً في المسألة بين من تعرّض له عدا ما يحكى عن المحقّق في حلقة درسه، واستظهره في الدروس من كلام الاسكافي لأنّ البيع مبني على المغالبة.
ونسبه في التذكرة إلى علمائنا (4).

1 . المهذّب: 1/361.
2 . الوسيلة: 237. ويحتمل أن يكون «بملكه» مصحف «بمثله» فلاحظ.
3 . الغنية: 588.
4 . الجواهر: ج23 ص 41.

صفحه 194
هذه كلمات أصحابنا وأمّا غيرهم فذكره ابن قدامة في المغني وقال: يثبت الخيار في البيع للغبن في مواضع:
أحدها: تلقّي الركبان إذا تلقّاهم فاشترى منهم وباعهم وغبنهم.
الثاني: بيع النجش. (وهو أن يزيد في قيمة السلعة ليشتريه الغير بقيمة أزيد).
الثالث: المسترسل إذا غبن غبناً يخرج عن العادة فله الخيار بين الفسخ والامضاء وبهذا قال مالك، وقال ابن أبي موسى. وقد قيل لزمه البيع وليس له فسخه وهذا مذهب أبي حنيفة و الشافعي، لأنّ نقصان قيمة السلعة مع سلامتها، لا يمنع لزوم العقد كبيع غير المسترسل وكالغبن اليسير ... (1).
ثمّ إنّ المراد بالزيادة في التعريف إنّما هي مع ملاحظة ما انضمَّ إليه من الشرط، فلو باع ما يساوي مائة دينار بأقلَّ منه مع اشتراط الخيار للبائع فلا غبن، لأنّ المبيع ببيع الخيار ينقص ثمنه عن المبيع بالبيع اللازم، وهكذا غيره من الشروط بل في تعليقة السيد الطباطبائي نفي خيار الغبن مع ثبوت الخيار بوجه آخر سواء كان من جهة الاشتراط أو غيره، كخيار الحيوان إذا كان المغبون هو المشتري لقصور الأدلّة عن الشمول خصوصاً إذا كان المدرك قاعدة الضرر.
والحاصل: أنّه يلاحظ الغبن مع توابع العقد ولوازمه وشروطه:

أدلّة خيار الغبن:

ثمّ إنّه استدل على خيار الغبن بوجوه وهي بين تامّة وغير تامّة وإليك

1 . المغني: 3/522 ـ523.

صفحه 195
البيان:
الأوّل: قوله سبحانه: (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالباطِلِ إلاّ أَن تَكُونَ تِجارَةً عَن تَراض مِنكُمْ)(النساء/29) فقد استدلّ العلاّمة بذيل الآية وقال: معلوم أنّ المغبون لو عرف الحال لم يرض بالمعاملة ولما كان مُقتضى التعليل بطلانَ المعاملة، لا كون المغبون ذا خيار، أورد عليه في الجواهر: أنّ التراضي حاصل بالضرورة وإلاّ كانت المعاملة باطلة لا أنّ فيها الخيار (1).
ثمّ إنّ الشيخ الأعظم حاول تصحيح الدليل، وقال: وتوجيهه: إن رضا المغبون بكون ما يأخذه عوضاً عمّـا يدفعه، مبنيّ على عنوان مفقود، وهو عدم نقصه عنه في المالية، فكأنّه قال: اشتريت هذا الذي يساوي درهماً بدرهم، فإذا تبيّـن أنّه لا يساوي درهماً تبيّـن أنّه لم يكن راضياً به عوضاً، لكن لما كان المفقود صفة من صفات المبيع لم يكن تبيّـن فقدها كاشفاً عن بطلان البيع، بل كان كسائر الصفات المقصودة التي لا يوجب تبيّـن فقدها إلاّ الخيار فراراً عن استلزاملزوم المعاملة إلزامه بما لم يلتزم ولم يرض به، فالآية إنّما تدلّ على عدم لزوم العقد.
ثمّ أورد عليه بأمرين:
1ـ إنّ الوصف المذكور إنّما يوجب ذلك إذا كان عنواناً لا داعياً ، ومن المعلوم أنّه من قبيل الثاني الذي لا يوجب تخلّفه شيئاً.
2ـ لو فرضنا أنّه أخذ على وجه التقييد ولكنّه إنّما يوجب إذا ذكر في متن العقد، والمفروض عدمه.
يلاحظ على التوجيه: أنّ الآية تنهى عن الأكل بالباطل وتستثني الأكل

1 . الجواهر: ج23، ص 42.

صفحه 196
بالتجارة عن تراض، وأمّا التفصيل الذي جاء في كلامه فلا تدلّ عليه الآية، وإنّما هو محاسبات عقلية لتصحيح الخيار، والاستدلال إنّما يتمّ إذا كانت الآية دالّة عليه بإحدى الدلالات الثلاث، وهي لا تدلّ إلاّ على حرمة الأكل بالباطل وجوازه بالتجارة عن تراض مضافاً إلى ما سيوافيك من تفسير الآية.
الثاني: الاستدلال بصدر الآية قائلاً بأنّ أكل المال على وجه الخدع ببيع ما يساوي درهماً بعشرة، مع عدم تسلّط المخدوع بعد تبيّـن خدعه على ردّ المعاملة وعدم نفوذ ردّه، أكل للمال بالباطل، أمّا مع رضاه بعد التبيّـن بذلك، فلا يعدّ أكلاً بالباطل، ومقتضى الآية وإن كان حرمة الأكل حتى قبل تبيّـن الخدع إلاّ أنّه خرج بالاجماع وبقى ما بعد اطلاع المغبون وردِّه للمعاملة.
أورد عليه الشيخ: بأنّه يعارضه ظاهر الذيل، أعني قوله سبحانه: ( إلاّ أن تكون تجارة عن تراض) بناء على عدم خروج ذلك عن موضوع التراضي فمع التكافؤ يرجع إلى أصالة اللزوم (1) وحاصل ما ذكره أنّ صدر الآية يدل على البطلان وذيلها يدلّ على الصحّة، فيتكافأ الظهوران ويتساقطان، فيرجع إلى الأصل.
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ الاستدلال بالصدر على الخيار في المقام يستلزم دلالته على معنيين مختلفين يشكل الجمع بينهما بدلالة واحدة، لأنّه يدل بالدلالة المطابقية على بطلان الأكل بالأسباب الباطلة ـ كما هو ظاهر الآية ـ ويدلّ حسب استظهار الشيخ على صحّة الأكل وجوازه مع الخيار في المقام، مع أنّ الجمع بين المعنيين واستظهارهما من الآية مشكل جداً.

1 . المتاجر: قسم الخيارات، ص 234.

صفحه 197
ومثله الذيل فإنّ لازم الاستدلال به على المقام يستلزم دلالته على صحّة الأكل ولزوم العقد تارة، وصحّته دون لزومه أُخرى وهو كما ترى، والجملة الواحدة لا تكون كافلة لبيان الأمرين.
وهذا يعرب عن بطلان التمسّك بهما وأنّه مبنيّ على الخلط بين مفاد الآية وحكم العقلاء في المقام كما سيوافيك.
وثانياً: أنّ هذا النحو من التفسير لا يناسب ساحة القرآن، إذ كيف يؤخذ بظهور الصدر قبل انضمام الذيل إليه، فتكون النتيجة التعارض والتساقط والرجوع إلى الأصل وليس للآية إلاّ ظهور واحد لا ظهوران، ولأجل توضيح الحال نرجع إلى تفسير الآية صدرها وذيلها فنقول:
إنّها في مقام بيان المنع عن أكل المال بالأسباب المحرّمة وجوازه إذا كانت محلّلة، وليس لها شأن بالمسبّبات إذا كانت الأسباب محلّلة ـ كما في البيع المشتمل على الغبن ـ وإليك التوضيح:
إنّ مضمون الآية ورد في غير واحد من الآيات، ولا يعلم المراد إلاّ بنقل الجميع وتفسيرها عن طريق التفسير الموضوعي.
أـ قال سبحانه: (ولا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُم بَيْنَكُمْ بِالباطِلِ وَتَدْلُوا (1) بِهَا إلَى الحُكّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَموالِ الناسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة/188).
يقول الطبرسي: لا يأكل بعضكم مال بعض بالغصب والظلم والوجوه التي لا تحل، وقيل معناه: لا تأكلوا أموالكم باللهو واللعب مثل ما يؤخذ في القمار

1 . الإدلاء: ارسال الدلو في البئر لنزح الماء، كنّى به عن مطلق تقريب المال إلى الحكّام ليحكموا كما يريده الراشي.

صفحه 198
والملاهي. لأنّ كلّ ذلك من الباطل، وروي عن أبي جعفر أنّه يعني بالباطل: اليمين الكاذبة، يقتطع به الأموال. وروي عن أبي عبد اللّه قال: كانت قريش تقامر الرجل في أهله وماله فنهاهم اللّه. والأولى حمله على الجميع لأنّ الآية تحتمل الكل(1).
وتؤيّد ما ذكره لفظة «الباء» في (بالباطل) الدال على السببية فالآية تدل على حرمة الأكل بالأسباب الباطلة التي عرفت ـ لا بالأسباب الصحيحة كالتجارة مع الرضا ـ.
ب ـ قال سبحانه: (فَبِظُلْم مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّبات أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِم عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثيراً * وَأَخْذِهِمُ الرِبوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ الناسِ بِالباطِلِ وَأعْتَدْنَا لِلكافِرينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً)(النساء/160ـ161).
قال الطبرسي في تفسير الباطل: أي بغير استحقاق ولا استيجاب وهو ما كانوا يأخذونه من الرشا في الأحكام كقوله: (وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ) ( المائدة/62) وما كانوا يأخذونه من أثمان الكتب التي كانوا يكتبونها بأيديهم و يقولون هذا من عند اللّه وما أشبه ذلك من الم آكل الخبيثة، عاقبهم اللّه تعالى على جميع ذلك بتحريم ما حرّم عليهم من الطيّبات (2).
ج ـ قال سبحانه: (يا أَيُّها الّذِينَ آمَنُوا إنَّ كثيراً مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالباطِلِ وَيَصدُّونَ عَن سَبيلِ اللّهِ) (التوبة/34).
قال الطبرسي: يأخذون الرشا على الحكم (3).

1 . مجمع البيان : ج1/282 ط صيدا.
2 . المصدر نفسه: ج2/138.
3 . المصدر نفسه: ج3/25.

صفحه 199
إنّ هذه الآيات وما نقلناه عن أمين الإسلام حولها، يفسّـر قوله سبحانه: (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالباطِلِ إلاّ أَن تَكُونَ تِجارَةً عَن تَراض مِنكُمْ) (النساء/29) وقد اشتهر التمسّك بالآية منذ قرون في مورد المسبّبات، مع أنّها كاخواتها ناظرة إلى الأسباب المحرّمة والآية بصدد تحريم الأكل عن طريق السبب الحرام، وتسويغ الأكل بالسبب المحلّل، والبيع من الأسباب المحلّلة واشتماله على الغبن لا يجعله من الأسباب المحرّمة فهو خارج عن الآية خروجاً موضوعيّاً فلا صلة لها به.

الثالث: الروايات الواردة في كتب الفريقين:

الروايات التي استدل بها على خيار الغبن على صنفين: صنف ورد في مورد تلقّي الركبان، وصنف في غيره، أمّا الأوّل فإليك ما وقفنا عليه:
1ـ روى أبو هريرة: أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) نهى عن تلقّي الجلب فإنْ تلقّى متلقّ فاشتراه فصاحب السلعة بالخيار إذا ورد السوق (1).
2ـ روى البيهقي: لا تَلَقَّوا الجلب فمن تلقّاه واشترى منه فإذا أتى السوق فهو بالخيار (2).
3ـ روي في دعائم الإسلام عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه نهى عن تلقّي الركبان. قال جعفر بن محمد (عليهما السلام): هو تلقّي الركبان لشراء السلع منهم خارجاً عن

1 . سنن أبي داود: 3/ 299 الحديث 3437، سنن الترمذي: 3/524، الحديث 1321، ونقله الشيخ في الخلاف: 3/173، المسألة 282 من كتاب البيوع، و أوعز إليه في الغنية في فصل أسباب الخيار ومسقطاته.
2 . سنن البيهقي: ج5/348.

صفحه 200
الإمصار لما يخشى في ذلك على البائع من الغبن ويقطع بالحاضرين في المصر عن الشراء إذا خرج من يخرج لتلقّي السلع قبل وصولها عليهم (1).
وهل الخيار الوارد في روايتي أبي داود والبيهقي، هو خيار تلقّي الركبان وإن لم يكن هناك غبن، أو هو خيار الغبن، حكى الأوّل عن بعض فقهاء أهل السنّة وكأنّه تصوّر أنّ للتلقّي موضوعية ولكن قوله (صلى الله عليه وآله وسلم)في الروايتين: «فإذا ورد السوق» أو أتى السوق، قرينة على أنّ المراد منه هو خيار الغبن، لأنّه كناية عن الوقوف على السعر، لأنّ الأسعار تتبيّـن في الأسواق.
أضف إلى ذلك ما نقله صاحب دعائم الإسلام عن جعفر بن محمد (عليهما السلام)حيث فسّـره بالغبن، وهذه الروايات صالحة لتأييد ما سنذكره من الروايات من طرقنا، وأمّا الثاني فإليك البيان:
4ـ روى إسحاق بن عمّـار عن أبي عبد اللّه ـعليهالسلامـ قال: غبن المسترسل سحت (2).
5ـ روى مُيسّـر عنه قال: غبن المؤمن حرام (3) والاسترسال الاستئناس إلى الانسان والثقة بما يحدِّثه.
6ـ قال الصدوق: قال الصادق ـعليهالسلامـ : غبن المسترسل سحت، وغبن المؤمن حرام (4).

1 . مستدرك الوسائل: ج13 ، الباب 13، من أبواب الخيار، الحديث 1، وهو يفسر الحديثين المتقدمين وأنّ المراد من الخيار الوارد فيهما هو خيار الغبن، لا خيار التلقّي.
2 . الوسائل: ج12، الباب 17 من أبواب الخيار ، الحديث 1و 2.
3 . الوسائل: ج12، الباب 17 من أبواب الخيار ، الحديث 1و 2.
4 . المصدر نفسه: ج12، الباب 1 من أبواب التجارة ، الحديث 4.

صفحه 201
7ـ روى عمر بن جميع عن أبي عبد اللّه ـعليهالسلامـ أنّه قال: غبن المسترسل ربا (1).
8ـ روى ابن طاووس في كتاب الاستخارات عن أحمد بن محمد بن يحيى عن الصادق ـعليهالسلامـ في تعليم آداب التجارة لبعض أصحابه: ولا تكتم عيباً يكون في تجارتك ولا تغبن المسترسل، فإنّ غبنه لا يحل (2).
9ـ روى جميل بن دراج، قال: سألت أبا عبد اللّه ـعليهالسلامـ عن رجل اشترى ضيعة وقد كان يدخلها ويخرج منها فلمّـا أن نقد المال صار إلى الضيعة فقلّبها، ثمرجع فاستقال صاحبه، فلم يُقِله، فقال أبو عبد اللّه: إنّه لو قلّب منها ونظر إليتسعة وتسعين قطعة، ثمّ بقي منها قطعة ولم يرها لكان له في ذلك خيار الرؤية(3).
وهذه الروايات ضعيفة الدلالة إلاّ الأخيرة كما سيوافيك بيانه، وذلك لأنّ المراد من الغبن أمّا المعنى المصدري أو الزيادة الحاصلة بالبيع الغبني، وعلى كل تقدير لا يدل إلاّ على حرمة نفس العمل أو الزيادة لا على صحّة المعاملة وجوازها مع وجود الخيار للمغبون.
ويؤيّد المعنى الثاني تشبيه الزيادة بالبيع الربوي فهذه الزيادة مثل الزيادة في الربا سحت.
نعم يمكن الاستئناس بالحديث الأخير وسيوافيك بيانه.

1 . الوسائل: ج12، الباب 1 من أبواب التجارة ، الحديث 5.
2 . مستدرك الوسائل: ج 13 ، الباب 13، من أبواب الخيار ، الحديث 1.
3 . الوسائل: ج12، الباب 15 من أبواب الخيار ، الحديث 1، وغيره.

صفحه 202
10ـ روى زرارة في حديث: أنّ رسول اللّه قال: لا ضرر ولا ضرار (1).
ووصفه الشيخ الأعظم بأنّه أقوى ما استدل به وقال: إنّ لزوم مثل هذا البيع وعدم تسلّط المغبون على فسخه ضرر عليه، واضرار به، فيكون منفياً، فحاصل الرواية أنّ الشارع لم يحكم بحكم يكون فيه الضرر، ولم يسوغ اضرار المسلمين بعضهم بعضاً (2) ولم يمض لهم من التصرّفات ما فيه ضرر على الممضى عليه (3) ومنه تظهر صحّة التمسّك بها لتزلزل كل عقد يكون لزومه ضرراً على الممضى عليه سواء أكان من جهة الغبن أم لا، وسواء أكان في البيع أم في غيره (4).
ولمّـا كانت تلك القاعدة الدليل الوحيد عند البعض في المقام وغيره فلا بأس بإفاضة القول فيها على وجه يناسب المقام وذلك في ضمن أُمور:
1ـ إنّ التمسّك بها متفرّع على التفسير الذي اختاره الشيخ للقاعدة من أنّ المنفي هو الحكم الضرري، فكل حكم كان ضررياً في جميع الحالات أو بعضها فهو مرفوع، فايجاب الوضوء على المريض ضرريّ وإن كان غير ضرريّ في حالة الصحّة لكنّه إذا كان ضررياً في حالة المرض، يكون مرفوعاً، ووزان القاعدة وزان حديث الرفع، فإنّ رفع «النسيان» و «ما لا يعلم» كناية عن رفع الحكم المنسيّ المجهول، فالشارع في محيط التشريع ينفي هذه الأحكام بنفي العناوين العارضة لها.
2ـ إنّ المرفوع تارة هو الحكم التكليفي كحرمة أكل الميتة في مورد الاضطرار

1 . الوسائل: ج12، الباب 17 من أبواب الخيار ، الحديث 3.
2 . ناظر إلى صحّة استفادة الحكم التكليفي منه.
3 . ناظر إلى استفادة الحكم الوضعي منه أيضاً.
4 . المتاجر، قسم الخيارات ص 235.

صفحه 203
فمن اضطرّ إلى أكل الميتة أو أكل مال الغير في عام المجاعة فهو مرفوع، وأُخرى الحكم الوضعي وهو لزوم المعاملة في المقام، فإنّ ايجاب الوفاء على المغبون حكم ضرري فهو مرفوع، كما أنّ الحكم بحرمة أكل الميتة اضرار على النفس فهو مرفوع.
3ـ إنّ الموضوع الضرري إن كان له حكم واحد يرتفع الضرر برفعه، فهو المتعيّـن للرفع، وإن كان له حكمان يرتفع الضرر برفع أحدهما، فإن كان بينهما ترتب فالمرفوع هو المتأخّر، وإلاّ فهو أحدهما لا على التعيين، وكذا في كل مقام كان هناك حكمان أو أحكام يلزم الضرر من ثبوت الجميع، ويرفع برفع أحدهما، ففي ما نحن فيه نقول: إنّ البيع المغبون فيه موضوع ضرري وله حكمان: أحدهما الصحّة والآخر اللزوم، والضرر إنّما يلزم من ثبوت كليهما، لكن اللزوم متأخّر طبعاً عن الصحّة فهو المتعيّـن للرفع (1).
4ـ نعم: إنّ قاعدة لا ضرر وإن كانت تنفي الحكم، ولا تثبته فوزانها وزان حديث الرفع، فهو حديث رفع لا حديث وضع، وعلى ذلك فغاية ما تثبته القاعدة هو نفي اللزوم لا اثبات الخيار بين الفسخ والامضاء لكن يكفي في اثبات الخيار، نفي الحكم فإنّ نفي اللزوم عبارة أُخرى عن كون المعاملة جائزة، وجواز المعاملة يساوق كون الخيار بيد المشتري، فله الامضاء أو الفسخ.
أضف إلى ذلك: أنّ حديث لا ضرر ورد في محيط التشريع فهو يخبر عن نفي أيّ حكم ضرري مجعول، وبالتالي عن عدم توجّه أيّ ضرر إلى المسلمين من جانب التشريع، فعلى ذلك لو كان رفع الحكم كافياً في نفي الضرر عن المسلم فهو، وإلاّ فلو توقّف على اثبات حكم آخر، يثبت قطعاً، مثلاً لو غصب شخص

1 . تعليقة السيد الطباطبائي، قسم الخيارات، ص 37.

صفحه 204
مال غيره وتملّكه، فالقاعدة لا تمضيه لكنّه لا يكفي في رفع الضرر إلاّ إذا حكم عليه بالضمان عند التلف، فلو تلف المال في يده أو أتلفه، تجعل القاعدة ذمّته مشغولة بالمثل أو القيمة وإلاّ لزم الضرر، وإن شئت قلت: إنّ قاعدة الضرر قد ترفع الحكم عن الموضوع الضرري إن كان ذلك الحكم هو الموجب للضرر، وقد تثبت حكماً آخر له إن كان عدم الاثبات موجباً له كما في اتلاف مال الغير فإنّ عدم جعل الضمان حكماً لهذا الموضوع يستلزم الضرر.
5ـ فإن قلت: إنّ الضرر كما يندفع بالخيار بين الفسخ والامضاء يندفع بتخيير الغابن المغبونَ بين امضاء العقد بكل الثمن، ورد الغابن بالمقدار الزائد، غاية الأمر يثبت الخيار للغابن لتبعّض المال عليه، وأيضاً يرتفع بتسلّط المغبون على الزام الغابن بأحد الأمرين من الفسخ في الكل ومن تدارك ما فات على المغبون، ومعناه أنّ للمغبون الفسخ إذا لم يبذل الغابن التفاوت، والفرق بين الوجهين هو أنّ الأمر في الأوّل بيد المغبون، وفي الثاني بيد الغابن في اختيار واحد من الفسخ والرد، وبعبارة أُخرى: انّ في الأوّل الزام الغابن بخصوص ردّ الزائد بخلاف الثاني فإنّ له الزامه بأحد الأمرين المترتبين وبذل الزائد، فإن لم يبذل يفسخ.
قلت: قد عرفت أنّ قاعدة «لا ضرر» كحديث الرفع فهو حديث نفي لاحديث اثبات، فشأنه نفي الأحكام التي يجيئ من ناحيتها الضرر، وإنّما يصار إلى اثبات الحكم ـ وراء النفي ـ إذا توقف نفي الضرر عليه، كما إذا أتلف الغاصب مال الغير، أو تلف تحت يده. ولكن المقام من قبيل القسم الأوّل إذ يكفي في رفع الضرر عن المغبون نفي الحكم الوضعي فقط، وصيرورة العقد جائزاً بمعنى أنّ بيده الامضاء والفسخ وأمّا اثبات جواز الالزام، وأنّه يجوز للمغبون الزام الغابن

صفحه 205
بدفع القدر الزائد، أو أنّه يجب على المغبون القبول إذا ألزمه الغابن فهو حكملايتوقّف عليه دفع الضرر. وبالجملة: شأن القاعدة أوّلاً وبالذات، هوالنفي لاالاثبات، وإنّما يصار إلى الثاني في ظروف خاصّة وليس المقام من قبيلها.
وأمّا ما ذكره الشيخ من ترجيح دفع الضرر بردّ المقدار الزائد لأنَّ الزام الغابن بالفسخ، ضرر لتعلّق غرض الناس بما ينتقل إليهم من أعواض أموالهم خصوصاً النقود، فغير تام، لأنّه من قبيل تفويت النفع، لا توجيه الضرر إليه. مضافاً إلى معارضته بضرر المغبون لأنّ من الناس من لا يرضى باقتناء الأجناس الرخيصة، أو لأنّه لا تقضى حاجته بها.
هذا كلّه في تشييد دلالة القاعدة على الخيار في المقام لكن في التمسّك بها في المقام اشكالاً نذكره وحاصله: أنّ من المحتمل جدّاً اختصاص القاعدة بنفي الأحكام التكليفية لا الوضعية كما هو خيرة شيخ الشريعة الاصبهاني وإليك تشريحه:

ومفاد القاعدة:

إنّ شيخ الشريعة الاصبهاني قد ذهب إلى أنّ مفاد القاعدة هو نفي الحكم التكليفي بشهادة أنّ القاعدة وردت في موارد ثلاثة:
1ـ قضية سمرة بن جندب المعروفة (1).
2ـ مورد منع فضل الماء حيث قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا يمنع فضل ماء ليمنع فضل كلأ

1 . الوسائل: ج 17، الباب 12 من أبواب احياء الموات، الحديث 3.

صفحه 206
فقال: لا ضرر ولا ضرار ... (1).
3ـ مورد الشفعة حيث قضى بالشفعة بين الشركاء في الارضين والمساكن، قال: لا ضرر ولا ضرار (2).
4ـ المستفاد من الأوّلين هو النهي التكليفي، أمّا الأوّل فواضح، وأمّا الثاني فإنّ مراد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)هو النهي عن منع نقع البئر حتى يكون سبباً لمنع فضل الكلأ لأنّ الراعي إنّما يقصد الكلأ إذا كانت مقرونة بالماء، فإذا منع من الماء يمنع من الكلأ قهراً، فنهى عنه (صلى الله عليه وآله وسلم)نعم الثالث ظاهر في الحكم الوضعي، إذ بيع الشريك حصته من الدار من غيره ليس بمحرّم قطعاً حتى يحكم عليه بلاضرر ولاضرار وإنّما المحكوم هو لزوم بيعه من الغير، حيث إنّ الشريك يتضرّر من هذا البيع فهو مرفوع، ولكن المهم هو ثبوت تذيّل حديث الشفعة بهذه القاعدة وذلك لأنّا نرى أنّ أحمد بن حنبل روى أقضية رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)عن عبادة بن صامت، وهي أزيد من عشرين قضية، وليس حديث الشفعة فيه مذيّلاً بالقاعدة، وإنّما جاءت القاعدة منفردة، وإليك بعض نصوصه:
وقضى رسول اللّه في الركاز الخمس.
وقضى أنّ الولد للفراش وللعاهر الحجر.
وقضى بالشفعة بين الشركاء في الارضين والدور.
وقضى للجدّتين من الميراث بالسدس بينهما بالسواء.
وقضى أن لا ضرر ولا ضرار.

1 . الوسائل: ج 17، الباب 7 من أبواب احياء الموات، الحديث 2.
2 . المصدر نفسه: الباب 5، من أبواب الشفعة، الحديث 1.

صفحه 207
وقضى أنّه ليس لعرق ظالم حق.
وقضى ... (1).
وهذه الفقرات كلّها أو جلّها مرويّة من طرقنا موزّعة على الأبواب، وغالبها برواية عقبة بن خالد، وبعضها برواية غيره، وجملة منها برواية السكوني، والذي اعتقده أنّها كانت مجتمعة في رواية عقبة بن خالد عن أبي عبد اللّه ـعليهالسلامـ كما في رواية عبادة بن صامت إلاّ أنّ أئمّة الحديث فرّقوها على الأبواب.
وبذلك يعلم أنّه لم يثبت تذيّل حديث الشفعة بهذه القاعدة، بل هي قضية واحدة، وليس في باقي قضاياه غير قضائه بالشفعة أو بالنهي عن منع فضل الماء، منه أثر ولا خبر، وبذلك يسقط الاستدلال بقاعدة لا ضرر على الخيار (2).
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من عدم دلالة القاعدة على نفي الحكم الوضعي مبني على كون النفي بمعنى النهي مستدلاً بقوله سبحانه: (فَلاَ رَفَثَ ولا فُسُوقَ ولا جِدَالَ في الحَجِّ)(البقرة/197) وقوله سبحانه: (فَاذْهَبْ فَإنَّ لَكَ في الحياةِ أن تَقُولَ لا مِساس وإنَّ لكَ موْعِداً لن تَُخْلَفَهُ) (طه/97) غير أنّ الصيغة حقيقة في نفي الحقيقة وحملها على النهي خلاف الظاهر وما استشهد به من الأمثلة مع غضّ النظر عن بعضها لا يثبت إلاّ جواز الاستعمال لا انحصاره فيه، فإنّ هناك من الأمثلة ما لا يجوز فيه ما ذكر، مثل قوله: لا ربا بين الزوح والزوجة، ولا ربا بين الولد والوالد، ومن المعلوم أنّ الصيغة هناك لنفي الحقيقة لا للنهي عن الربا

1 . مسند أحمد، الجزء 5، ص 326.
2 . رسالة لا ضرر، لشيخ الشريعة، ص 17و 18، ونخبة الأزهار لتقرير بحثه بقلم الوالد ـ رضوان اللّه عليهـ ص 173.

صفحه 208
لضرورة جواز الربا في الموردين، وقد ورد عن سيد الأنبياء وسيد الأوصياء نفس المدلول لكن بلفظ «ليس» مكان «لا».
قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : ليس بيننا وبين أهل حربنا ربا، نأخذ منهم ألف ألف درهم بدرهم ونأخذ منهم ولا نُعطيهم.
وقال أمير المؤمنين ـعليهالسلامـ : ليس بين الرجل وولده ربا، ولا بين السيد وعبده ربا (1).

ما هو الحق في تفسير القاعدة:

الحق في تفسير الحديث هو المعنى الثالث، بمعنى أنّ النفي ليس بمعنى النهي كما عليه شيخ الشريعة (قدس سره)، بل هو باق في معناه ولكن ليس منشأ الضرر، هو الحكم التكليفي والوضعي حتى يكون الحديث ناظراً إلى نفيهما، بل المنشأ هو الناس وتضاربهم وتكالبهم في حطام الدنيا، والحديث ناظر إلى نفي الضرر في المجتمع البشري ويخبر عنه، لا عن محيط التشريع والتقنين فلا يصح ما عليه الشيخ الأعظم من جعل الحديث ناظراً إلى محيط القانون. ومع ذلك كلّه يمكن الاستدلال به على نفي الأحكام الشرعية الضررية إذا كان المبدأ والمنشأ هو الناس.
توضيحه: أنّ نفي الضرر بين الناس وعدم وجوده في المجتمع شيء لا يمكن تصديقه حقيقةً، فلا بد أن يكون الاطلاق مجازياً وادّعائياً حتى يصح لصاحب الشريعة أن يدّعي: ليس بين المسلمين ضرر ولا بين المكلّفين اضرار، وبما أنّه أمر

1 . الوسائل: ج12 الباب 7 من أبواب الربا الحديث 1 و 2 وغيرهما.

صفحه 209
ادّعائي يحتاج إلى مسوّغ وليس هو إلاّ عدم تشريعه كل حكم تكليفي أو وضعيّ يكون مصدراً للاضرار ويقع مستمسكاً للناس في هذا المجال.
فالشارع لما نظر إلى محيط التقنين ورأى صفحته خالياً عن الحكم الضرري قاطبة، صحّ له أن يدّعي أنّه لا ضرر بين الناس ولا ضرار بين المكلّفين ويرتّب على ذلك حرمة كل عمل يوجب الضرر على الغير، أو عدم تنفيذ كل معاملة تستلزم ذلك، هذا خلاصة المختار والتفصيل يطلب من محله (1).
وعلى ذلك فلا مانع من الاستدلال على الخيار بالقاعدة.

الرابع: الاجماع:

استدل على الخيار في المقام بالاجماع المحصل من زمان الشيخ إلى زماننا هذا، فقد عرفت بعض مصادر الفتوى إلى زمان المحقّق (2)، إلاّ أنّ بعض كتب القدماء خالية عنه، فلم يرد في كتب الصدوق والمفيد ولا في كتاب النهاية للشيخ وهذا يعرب عن عدم وجود النص ، وأنّ الحكم اشتهر من زمن الشيخ لكنّه فتوى على وفق القاعدة، فلا يكون مثل ذلك الاجماع حجة كاشفاً عن نصّ وصل إليهم ولم يصل إلينا.

الخامس: بناء العقلاء:

والأولى أن يستدل على الخيار ببناء العقلاء وهو أمر مسلّم بينهم حتى أنّه يُلام البائع على عمله، ويحكم بأنّه للمشتري الرد واسترداد ثمنه، وليس ذلك البناء بناء عقلائياً تعبّدياً، لتمشّـي الأُمور بل له أساس عقلي، وهو أنّ المبتاع إذا حاول

1 . لاحظ رسالة: «قاعدتان فقهيتان» لولدنا الروحاني الشيخ حسن مكي: 56ـ57.
2 . راجع ص 191ـ 192 من هذا الكتاب.

صفحه 210
الشراء خصوصاً إذا كان المبيع ذات قيمة غالية، لا يتّفق مع البائع على المعاملة إلاّ وفي ضميره أنّ ما يدفعه من السعر مساو للمبيع على وجه التقريب بحيث لو وقف على فقد هذا الوصف وإنّ المساواة منتفية لما أقدم على البيع، وهذا التقيّد وإن كان غير ملفوظ ولا مذكور في العقد لكنّه من القيود المفهومية التي تدل عليها القرائن اللفظية أو الحالية، فإنّ المماكسة في البيع أو السؤال من مراكز مختلفة، أصدق شاهد على أنّه لا يشتري إلاّ بزعم المساواة والمقابلة، وعلى ذلك فهي من القيود المفهوميّة التي لا تحتاج إلى التصريح، وذلك كقيد وصف الصحّة الذي لايلزم ذكره في متن العقد فلو ظهر معيباً يحكم بجواز الرد واسترداد الثمن، وليس لأحد أن يعترض بأنّ وصف الصحّة غير مذكور ولا ملفوظ، وذلك لأنّ القيود إنّما يلزم ذكرها فيما لا تكون مفهومة من اللفظ أو من القرينة، وأمّا مثلها فتكفي فيه شهادة الحال أو المقال، فإذا تخلّف القيد وفقد المبيع الوصف الملحوظ فللمبتاع الردّ لأجل التخلّف.
ثمّ إنّ هذا البيان هو الذي أشار إليه الشيخ عند توجيه كلام العلاّمة في التذكرة ونقلناه بنصّه، ولكن أورد عليه بأُمور:
1ـ أنّ هذا الوصف من قبيل الداعي لا من قبيل العنوان فلا يوجب تخلّفه شيئاً، وقد لا يكون داعياً أيضاً كما إذا كان قصده تحصيل المتاع وإن كان ثمنه أضعاف قيمته.
2ـ أنّ أخذه على وجه التقييد لا يوجب خياراً إذا لم يذكر في متن العقد (1).

1 . المتاجر: قسم الخيارات، ص 234.

صفحه 211
يلاحظ عليه: أنّه كيف يدّعي أنّه من قبيل الدواعي وليس من قبيل العناوين؟ فإنّ أساس التجارة (لا البيوع الشاذّة) على الانتفاع، فعدم التغابن أمر مطلوب للمتبايعين، لا يغفل عنه المشتري ولا البائع، وكونه داعياً بل غير داع في بعض البيوع لا يكون ملاكاً للقضاء، فإنّ أغلب الناس إنّما يقدمون على الشراء بعد السؤال عن أمكنة متعدّدة، وبعد الاطمئنان بالمساواة، يقدمون على المعاملة. وعلى هذا، فهو قيد مأخوذ في المعاملة يتفق عليه الطرفان.
وأمّا عدم ذكره في متن العقد، فلا يضر لأنّه إنّما يلزم إذا لم يفهم من قرينة حال أو مقال كوصف الصحّة، فالأوصاف التي لها تأثير تامّ في الرغبة ولا يغفل عنها الانسان، لا يلزم ذكرها في متن العقد، و ما ذكره ـ لو صحّ ـ فإنّما هو راجع إلى الأوصاف الكمالية، كالكتابة في العبد والخياطة في الأمة، التي ربّما لا تكون مطلوبة.
ويمكن الاستئناس بما نقلناه عن جميل بن درّاج في مورد الضيعة، فقد حكم الإمام بالخيار بعد ما بان أنّ جزءاًمن الضيعة يفقد الوصف الذي كان موجوداً في أكثر أجزاء الضيعة، وقال: لو قلّب منها ونظر إلى تسعة وتسعين قطعة ثم بقي منها قطعة ولم يرها، لكان له في ذلك خيار الرؤية (1).
والجامع بين المقام ومورد الرواية هو فقد الوصف، ففي المقام المبيع يفقد وصف المساواة للسعر الذي أخذه البائع في مقابله، كما أنّ الجزء الأخير من الضيعة في الرواية يفقد الوصف الموجود في سائر الأجزاء.
وأظن أنّ الاستدلال ببناء العقلاء أصلح وأسلم من الاشكال، ولا يكاد ينكره ملمّ بالمعاملات الرائجة في العالم بين الناس أو بين الشركات.

1 . الوسائل: ج12، الباب 15، من أبواب الخيار، الحديث 1.

صفحه 212

شرائط الخيار:

يشترط في هذا الخيار أمران:
الأوّل: عدم علم المغبون بالقيمة.
الثاني: كون التفاوت فاحشاً.
أمّا الأوّل: فإنّ المغبون إمّا أن يكون جاهلاً بالقيمة أو غافلاً عنها، أو عالماً بغبنه أو مطمئناً أو ظانّاً أو شاكّاً ، لا شك في ثبوت الخيار في الصورتين الأوليين سواء قلنا بأنّ مدرك الخيار هو حديث تلقّي الركبان، وما عطف عليه من الروايات، من كون غبن المؤمن سحتاً، أو قلنا بأنّ مدركه هو قاعدة «لاضرر» أو «بناء العقلاء»، فعلى كل تقدير فالمبتاع فيهما ذو خيار بين الفسخ والامضاء، ولا حاجة لنا إلى تحليل لفظ الغبن وتفسيره لما عرفت أنّ الغبن الشرعي أوسع من الغبن اللغوي.
كما أنّه لا شك في عدم الخيار في صورة الاقدام على المعاملة مع العلم أو الاطمئنان بالغبن، وذلك لأنّ المتبادر من حديث تلقّي الركبان هو عدم العلم بشهادة قوله: «فإذا ورد السوق فهو بالخيار»، كما أنّ المتيقّن من حديث «لا ضرر» غيرهما، لأنّ الضرر هنا جاء من اقدام المكلّف في المعاملة الغبنية مع العلم والاطمئنان، لا من سائر الناس ـ كما هو المختار ـ ولامن الشارع بلزوم الوفاء، فحكمه حينئذ لا يعد اجحافاً ولا اضراراً .
ربّما يقال: إنّ اقدامه على الضرر ليس إلاّ من باب ادخال نفسه في موضوع ضرريّ وقد بيّـن في محلّه: أنّ مجرّد ذلك لا يرفع حكم الضرر، نظير ذلك ما إذا

صفحه 213
شرب شيئاً يضرّ معه الصوم أو الوضوء أو أجنب نفسه متعمّداً مع كونه مريضاً، فالصوم والغسل مرفوعان وإن كان مقصّراً.
أجاب عنه السيّد الطباطبائي بالفرق بين ما لو كان اللزوم حكماً عرفياً قد أمضاه الشارع أو حكماً شرعياً، فعلى الأوّل : الاقدام على البيع الكذائي اقدام على الضرر عرفاً، وعلى الثاني: ليس كذلك، بل الضرر إنّما يأتي من قبل اللزوم الذي هو من مجعولات الشارع نظير ايجاب الوضوء أو الغسل بعد المرض (1).
ولا يخفى عدم وضوح الفرق بين كون اللزوم عرفياً أو شرعياً، لأنّه بعد الإمضاء يكون مثل الحكم التأسيسيّ وانّ الزام المغبون باللزوم حكم ضرري وإن كان مقصّـراً، ولو كان التقصير مؤثّراً في مورد المعاملة فليكن كذلك في مورد الأحكام.
ويظهر من السيد الأُستاذ: أنّه تفطّن للاشكال وأجاب: بأنّ الحكم بالاغتسال الضرري على خلاف الامتنان، بخلاف الحكم بالخيار على المغبون العالم فإنّه على وفاقه لامكان حصول البداء له، فلاحظ.
ومثله بناء العقلاء، لأنّه أقدم مع العلم بعدم المساواة، فلم يكن القيد مأخوذاً في المعاملة ولا موجوداً في ضميره، وقد عرفت أنّ أساس الحكم بالخيار هو تقيّد المعاملة لبّاً بالمساواة.
وإنّما الكلام في صورة الظن بالغبن أو الشك فيها، فالظاهر وجود الخيار، وذلك لأنّه لم يقدم على المعاملة على وجه الاطلاق ولم يرفع يده عن قيد المساواة، كما رفع عنه في صورتي العلم والاطمئنان، ولأجل ذلك لو تبيّـن الحال يندم من الاقدام بخلاف صورتي العلم والاطمئنان.

1 . تعليقة السيد الطباطبائي قسم الخيارات/38.

صفحه 214

فروع:

1ـ لو أقدم على غبن يتسامح به فبان أزيد، بما لا يتسامح بالمجموع (مجموع ما أقدم وما لم يقدم) وإن كان كل واحد ممّا يتسامح به./
2ـ لو أقدم على غبن يتسامح به فبان أزيد بما لا يتسامح به منفرداً.
3ـ لو أقدم على غبن لا يتسامح به فبان أزيد بما يتسامح به منفرداً.
4ـ لو أقدم على غبن لا يتسامح به فبان أزيد بما لا يتسامح.
يحتمل عدم الخيار في الجميع لما عرفت من أنّ الخيار لأجل تخلّف وصف التسـاوي، ومع العلم بعدم التساوي لا يعقل اشتراطه، والمفروض أنّه عالم بعدمه.
كما يحتمل التفصيل بين ما أقدم على غبن يتسامح فيه، وما لا يتسامح فيه، بالقول بالخيار في الأوّل دون الثاني، لأنّه باقدامه على غبن لا يتسامح فيه قد شطب على قصّة التساوي بقلم عريض، إذ تهيأ لمعاملة غبنية، بخلاف الأوّل فإنّه أقدم بما يتسامح به والاقدام به ليس اقداماً على المعاملة الغبنية لأنّ المفروض أنّ ما يتسامح به لا يطلق عليه الغبن، ويقدم عليه العقلاء كثيراً، فيثبت الخيار مطلقاً سواء كان الزائد بما يتسامح ولكن المجموع مما لا يتسامح أو بما لا يتسـامح، أيضاً.
وبعبارة أُخرى أنّه هتك حرمة ماله في الثاني دون الأوّل فيؤخذ بما أقدم ويظهر من شيخ الشريعة التفصيل ـ فيما إذا أقدم بما لا يتسامح ـ بين كون الزائد

صفحه 215
أيضاً مثله أو كان ممّا يتسامح بالخيار في الأوّل دون الثاني قائلاً بأنّه أقدم على مالايتسامح فيه بشرط لا، فقد تبيّـن أنّه بشرط شيء (1).
ويلاحظ عليه: أوّلاً: أنّه لو صحّ الدليل يجب القول بالخيار في هذه الصورة مطلقاً، سواء كان الزائد بما لا يتسامح أو ممّا يتسامح، لأنّه على كل تقدير أقدم بشرط لا فبان بشرط شيء، اللّهمّ إلاّ أن يكون المراد من شيء هو ما لا يتسامح أيضاً لا الأعم منه وممّا يتسامح كما يظهر من ذيل كلامه.
وثانياً: أنّه باقدامه على المعاملة الغبنية، أسقط خياره، فثبوت خيار آخر له يحتاج إلى دليل، وكون الزائد ذا مراتب، غير كون الخيار ذا مراتب.
وبذلك يظهر النظر في كلام المحقّق النائيني حيث قال: قد يتوهّم أنّ من أقدم على ما يتسامح فكأنّه أسقط شرط التساوي فلا موجب آخر للخيار، ثمّ ردّ عليه بأنّ مقدار التفاوت له مراتب، فقد يسقط المغبون جميعه وقد يسقط بعضه، فلو أسقط مقداراً خاصّاً فلا وجه لسقوط الخيار رأساً (2).
يلاحظ عليه: أنّه وإن أسقط بعض المراتب من التفاوت دون الجميع لكن ليس للخيار إلاّ مرتبة واحدة، فإذا أقدم على ما لا يتسامح فقد أسقط خياره، ولا معنى لثبوت الخيار بعد الاسقاط، وبالجملة كون التفاوت ذا مراتب غير كون الخيار كذلك، فبالاقدام على ما لا يتسامح يسقط الخيار من أصل وليس له مراتب حتى يسقط بعضها دون بعض.

1 . نخبة الأزهار في أحكام الخيار بقلم الوالد (قدس سره): ص 179.
2 . منية الطالب، ج2، ص 63.

صفحه 216

ما هو الملاك في القيمة ؟

إذا كان الغبن تمليك ماله بما يزيد على قيمته يقع الكلام فيما هو الملاك في القيمة، فهل الملاك هو القيمة حال العقد مطلقاً، ارتفعت قيمته بعده أم نزلت أو ثبتت، أو الميزان هو القيمة حال العلم أو الفسخ.
أو يفصل بين القول بثبوت الخيار حال العقد ،غاية الأمر العلم بالغبن كاشف عنه وشرط متأخّر، وبين القول بأنّ ظهور الغبن شرط مقارن فلا خيار قبله، فعلى الأوّل الميزان هو القيمة حال العقد وعلى الثاني هو القيمة حال الظهور.
والاحتمالات آتية فيما إذا تمّ البيع، وأمّا إذا لم يتمّ كما في الصرف والسلم، قبل القبض إذا ارتفعت القيمة بينهما فإنّ القبض والاقباض من أجزاء المعاملة والقبض هو الجزء الأخير منها، فلا شك أنّ الاعتبار بالجزء الأخير، فلو كان حال العقد مغبوناً دون حال الاقباض، فالعبرة بالقيمة الثانية إذ المفروض عدم تحقّق المعاملة قبله حتى توصف بالغبن وعدمه.
يمكن أن يقال: إنّ الملاك هو حال الظهور، أمّا حديث تلقّي الركبان وما عطف عليه من الأخبار فالظاهر من قوله: «فإذا دخل السوق» هو كسب الاطلاع عن القيمة حال الدخول الملازم لظهور الغبن على فرض وجوده اللّهمّ إلاّ أن يقال بندرة حدوث الاختلاف في تلك العصور بين الفترتين (تلقّي الركبان ودخول السوق) فلا يكون دليلاً على أنّ العبرة بزمان ظهور الغبن، لثبات القيم بين الظرفين غالباً و القيمة حال الدخول تكون نفس القيمة حال البيع.
وأمّا قاعدة «لا ضرر» فيمكن ادّعاء الانصراف عن صورة التدارك، فالمراد

صفحه 217
نفي الحكم الضرري غير المتدارك، والمفروض التدارك بمساواة الثمن لقيمة المبيع حال الظهور وإن لم يكن كذلك حال العقد.
نعم على القول بأنّ مبنى خيار الغبن هو الشرط الضمني والتوصيف المفهومي فالمعيار هو قيمة زمان العقد، لأنّ الخيار لأجل تخلّف الوصف. فالمبتاع أقدم على البيع بقيد التساوي بين المبيع وثمنه حال العقد، والمفروض فقدانه في هذا الظرف فيثبت الخيار، سواء تغيّـر السعر بعده أم لا. أضف إليه ما ذكره الشيخ الأعظم من أنّ الزيادة حصلت في ملك المغبون والمعاملة وقعت على الغبن، فلا تكون رافعة للغبن المتقدم.
نعم ما ذكره بعد هذا من احتمال عدم الخيار من حديث التدارك فإنّما يتم لو كان الدليل هو قاعدة «لا ضرر» لا الشرط الضمني والتوصيف المفهوم من القرائن.

هل الميزان علم الوكيل أو الموكّل؟

لا شك أنّ الوكيل إذا كان وكيلاً في مجرد اجراء الصيغة فقط، فالميزان في ثبوت الخيار وعدمه جهل الموكّل وعلمه، لأنّ المفروض أنّ المساومة كانت على عاتق الموكّل، ولم يكن للوكيل دور سوى اجراء العقد. إنّما الكلام فيما إذا كان وكيلاً في المساومة، قال الشيخ:
لو كان وكيلاً في المعاملة والمساومة فمع علمه وفرض صحّة المعاملة لاخيار للموكّل، ومع جهله يثبت الخيار للموكّل إلاّ أن يكون عالماً بالقيمة، وبأنّ وكيله يعقد على أزيد منها ويقرّره له.

صفحه 218
يلاحظ عليه: أنّ المعاملة في الصورة الأولى تقع فضولية لأنّها خرجت عن حدود الوكالة إذ أنّ الوكيل وكيل في مجال صالح الموكّل لا لغيره، فما عن السيد الأُستاذ (قدس سره)من أنّ الوكالة إذا كانت على نحو التفويض فلا يختلج في ذهن الموكّل آحاد تصرّفات الوكيل بالتفصيل، ليس بتام لأنّ الشراء بما لا يتسامح فيه ليس من الأُمور التي لا تختلج في ذهن الموكّل.
وأمّا الصورة الثانية: أعني: إذا جهل بالقيمة فالظاهر ثبوت الخيار للموكّل، وإن كان عالماً بالقيمة لأنّ علمه بالقيمة لا يضر بثبوت الخيار في نفس المعاملة للوكيل لأنّه طرف العقد والمفروض جهله، وعلم الموكّل بالحال، لا يضر إذ ليس واجباً عليه أن يطلعه على الغبن فإذا بان ثبت للوكيل الغبن، وهل يثبت للموكّل مطلقاً أو في صورة جهله بالغبن؟ تقدّم الكلام فيه في خياري المجلس والحيوان.

طرق ثبوت جهل المغبون:

قد عرفت أنّ الخيار يختص بصورة جهل المغبون دون علمه بالقيمة ويعرف جهله بأُمور:
1ـ اعتراف الغابن بجهل المغبون بالقيمة.
2ـ قيام البيّنة على جهله.
3ـ ادّعاء المغبون مع يمينه.
لا شك في ثبوت الخيار بالأوّل والثاني، إنّما الكلام في ثبوته بالثالث وهو الذي اختاره الشيخ الأعظم (قدس سره)فعلى ذلك لو اختلف الغابن والمغبون في

صفحه 219
الجهل بالقيمة، فقال الشيخ: يقدّم قول مدّعي الغبن مع يمينه، واستدل عليه بوجوه:
ألف ـ (يؤخذ) بقول مدّعي الغبن مع اليمين لأصالة عدم العلم الحاكمة على أصالة اللزوم.
ب ـ إنّه قد يتعسّـر إقامة البيّنة على الجهل.
ج ـ ربّما لا يمكن للغابن الحلف على علمه لجهله بالحال، فتأمّل.
يلاحظ عليه: أنّه إذا كان القول قول مدّعي الغبن مع يمينه، فمعنى هذا أنّه منكر يقبل قوله بيمينه، وعندئذ ما معنى قوله: «إنّه قد يتعسّـر إقامة البيّنة على الجهل» لأنّ حلف المنكر غير مقيّد بعسر إقامة البيّنـة عليه إذ ليس من وظيفة المنكر إقامة البيّنة سواء سهلت أم صعبت.
ولو فرضنا أنّه مدع بشهادة قوله: «لعسر إقامة البيّنة عليه» فلا معنى عندئذ لحلفه، إذ الحلف من وظيفة المنكر، والمفروض أنّه مدّع.
نعم يمكن تجويز الحلف عليه إذا لم يكن منكراً بأحد أمرين:
1ـ أن تكون اليمين، مردودة من الغابن المنكر إلى المغبون المدّعي.
فلو كان المراد ذلك لا وجه لتعليله بقوله: «لأصالة عدم العلم» إذ لايشترط في اليمين المردودة كون قول الحالف مطابقاً للأصل.
2ـ إذا ادّعى أمراً يعسر إقامة البيّنة عليه فيحلف ولكنّه صحيح لو ثبتت تلك الضابطة في محلِّه، ولم تثبت كما اعترف به الشيخ في الفرع الآتي.
وعلى كل تقدير فكلام الشيخ فاقد للانسجام اللازم لمثل كلامه، فلا يعرف

صفحه 220
الانسان من هو المدّعي ومن هو المنكر.
ثمّ إنّ تمييز المدّعي عن المنكر أو تمييز المدّعي عن المدّعى عليه كما ورد في النصوص (1) يتوقّف على ضابطة والضوابط المحرّرة في كلامهم هي إحدى الأُمور التالية:
1ـ إنّ المدّعي والمنكر من المفاهيم العرفية كسائر المفاهيم من الأرض والصعيد والمعدن والماء وغيرها فيجب في تشخيص المدّعي من المنكر، الرجوع إلى العرف فهو بصفاء ذهنه يميّز مقيم الدعوى عن الآخر، وهذا هو الحق القراح الذي اختاره شيخ الشريعة الاصبهاني في درسه الشريف (2)فليس لهما حقيقة شرعية أو متشرعية، بل هما باقيان على ما عليه قبل الشريعة وبعدها، وهذا هو الذي يظهر من سيّدنا الأُستاذ (قدس سره) (3).
2ـ المدّعي من لو تَركَ تُرِك بخلاف المنكر، فلا يترك بتركه.
والضابطتان متساويتان.
3ـ المنكر من وافق قوله الأصل، والمدّعي من خالف قوله الأصل.
ولو كان المراد من الأصل هو الأُصول العامّة من أصل البراءة ، عدم الاشتغال فتتحد مع السابقتين، غير أنّ شيخ الشريعة الاصبهاني يصرّ على أنّ المراد من الأصل ليس هو خصوص الأُصول العامة من أصل البراءة و أصل العدم، بل المراد هو الأصل المقرر في المسألة قبل ملاحظة الترافع والتداعي، وهو

1 . الوسائل: ج18، الباب 3 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1 و 2 و5 و6.
2 . لاحظ: نخبة الأزهار ، تقرير الوالد لدرسه الشريف، ص 182.
3 . المتاجر، ج4، ص 292.

صفحه 221
قد يكون أصالة الصحّة، وأصالة اللزوم أو أصالة الاشتغال أو أصالة الاستصحاب، وقد يتحقّق في ضمن الأُصول العامّة.
ولو كان هذا هو الضابطة فتغاير الضابطتين السابقتين خصوصاً إذا قلنا بأنّ المقصود من الأصل هو الأصل الأعم الجاري في مصبِّ الدعوى أو نتيجتها فربّما يكون الأصلان مختلفي النتيجة كما في المقام، فلو ادّعى المغبون الجهل والغابنُ العلم فهناك أُصول مختلفة جارية تارة في مصبّ الدعوى (علم المغبون وجهله) وأُخرى في نتيجة النزاع وهي أنّ المعاملة لازمة أو جائزة نظير:
1ـ أصالة عدم علم المغبون، وهذا هو الأصل الجاري في مصبّ الدعوى.
2ـ أصالة عدم اقدامه على الضرر.
3ـ أصالة لزوم المعاملة. وهذه والتي تقدمتها جاريتان في نتيجة الدعوى.
فعلى الأوّلين المغبون منكر والغابن مدع لأنّه يدّعي علم المغبون واقدامه على الضرر عمداً وكلاهما منفيان بالأصل، وعلى الثالث ينعكس الأمر فالغابن منكر لمطابقة قوله أصالة اللزوم، والمغبون مدع لمخالفة قوله لهذا الأصل.
وبذلك يتبيّـن أنّ الضابطة الثالثة ليست ضابطة قويمة ومرجعاً على الاطلاق وإنّما يرجع إليها لو شلّت الضابطتان الأوّليتان. أو يرجع إليها في مورد الشك، لا في مقام الترافع. فيُعمل بها في حدّ نفسها لا في ظرف المرافعة.
أضف إلى ذلك: أنّ أكثر الأُصول التي أُشير إليها مثبتة في هذه المسألة، فإنّ أصالة عدم العلم لا تثبت كون العقد صادراً عن جهل وعدم علم، كما أنّ أصالة عدم اقدامه على الضرر، لا يثبت كون العقد صادراً بهذا الوصف العنواني،

صفحه 222
وبعبارة أُخرى: كل من الأصلين المذكورين قضية سالبة بانتفاء الموضوع، والمقصود استصحابهما على وجه العدم الناعت أو السالبة بانتفاء المحمول، ففي الأزل لم يكن عقد فلم يكن هناك علم ولا اقدام، والمفروض في حالة الشك هو وجود العقد لكن نريد اتصافه بعدم صدوره عن علم واقدام بالضرر، واستصحاب العدمين الأوّلين واثبات كون العقد لم يصدر عنهما من أوضح الأُصول المثبتة.
وبذلك تقف على أنّ أكثر الأُصول التي تمسّك بها الشيخ في هذه المسألة والمسائل التالية أُصول مثبتة غفل عنها مؤسّس الأُصول في العهد الأخير، أو جرى مجرى القوم.
4ـ المنكر مَن وافق قوله الظاهر والمدّعي من خالف قوله الظاهر.
وأظن أنّ هذه الضوابط اقتنصت من موارد جزئية، والحق هو الرجوع إلى الضابطة الأُولى والثانية أو الثالثة بشرط أن يكون المراد منها الأُصول العامة من البراءة وأصل العدم، وعلى ضوء ما ذكرنا فعلى مدّعي الغبن اقامة البيّنة وإلاّ فيحلف المنكر إمّا على العلم بالحال أو على عدم العلم بالواقع كما في سائر الدعاوي إذا لم يكن المنكر واقفاً على الحال لو قلنا بكفاية مثل هذا النوع من الحلف.
وأمّا حلف المدّعي فلا يجوز إلاّ إذا كانت اليمين يميناً مردودة أو قلنا بالضابطة التي لم تثبت وهي جواز الحلف لكل مدّع تعسر اقامة البينــة على ادّعائـه وهو غير ثابت.

صفحه 223

مسألة : لو اختلفا في القيمة

قال الشيخ: لو اختلفا في القيمة وقت العقد أو في القيمة بعده مع تعذّر الاستعلام.
ولا يخفى أنّ العبارة قاصرة عن افادة المراد وإليك التوضيح:
ألف: إنّ قوله: «ولو اختلفا في القيمة وقت العقد» يتضمّن صورتين: لأنّ الاختلاف في القيمة وقت العقد تارة يكون مع الاتفاق على القيمة الفعلية (حال الادّعاء)، وأُخرى مع الاتفاق على القيمة قبل العقد، توضيحها:
1ـ إذا بيع بثمانية واتفقا على أنّ القيمة الفعلية هي الثمانية أيضاً، ولكنّ البائع يدّعي أنّ السعر حال العقد كان عشرة، وقد نزل بعده إلى ثمانية، وبالتالي يدّعي الغبن. ويقول المشتري: لم يتغيّـر السعر، فالسعر حين العقد، هو نفس السعر بعده، فليس هناك غبن. فأصالة عدم التغير توافق قول منكر سبب الغبن.
2ـ إذا بيع بثمانية واتفقا على أنّ السعر قبل البيع كان عشرة، فالبائع يدّعي بقاء السعر على ما كان عليه إلى حال العقد، وبالتالي يدّعي الغبن، ويقول المشتري بنزوله إلى ثمانية وقت العقد، فلا غبن. فأصالة عدم التغير توافق من يدعي سبب الغبن.
فعلى ضوء ما ذكرنا ـ من أنّه يرجع في تعيين المدّعي والمنكر إلى العرف ـفالمدّعي في الصورتين هو من يدّعي الغبن، والنافي هو المنكر مطلقاً من غير فرق بينهما، فعلى المدّعي البيّنة وعلى المدّعى عليه اليمين.
وعلى الضابطة الثالثة: أعني كون الميزان في تشخيص المدّعي عن المنكر هو

صفحه 224
موافقة الأصل في نفس المسألة ومخالفته، يختلف المدّعي في الصورتين، فبما أنّ الأصل في المقام هو أصالة عدم تغيّـر السعر فالقائل بالتغيّـر في الأوّل هو المغبون، أعني: البائع حيث يدّعي أنّ السعر حال العقد، غيره بعده، فيكون مدّعياً، فيكون الأصل موافقاً لمنكر سبب الغبن ولكن القائل به في الثاني هوالمشتري الغابن حيث يدّعي أنّ السعر قبل العقد، غيره حاله، فيكون مدّعياً.
يلاحظ على نتيجة هذه الضابطة بأمرين:
أوّلاً: أنّ الدعويين في الموردين من مقولة واحدة، فكيف يكون المدّعي في أحدهما هو المغبون وفي الآخر هو الغابن، وهذا يدل على ضعف هذه الضابطة بخلاف ما إذا قلنا بالضابطتين الأوليـين، فيكون المغبون هو المدّعي على كل حال.
ثانياً : أنّ أصالة عدم التغيّـر مثبتة كما أوضحنا حالها حيـث إنّ المتيقّن هو الأصل الأزلي مع فقدان الموضوع والثابت حال الشك ـ على فرض جريان الاستصحاب ـ هو السالبة على فرض وجود الموضوع.
ب ـ إنّ قوله: «أو اختلفا في القيمة بعده» يشير إلى صورة ثالثة وهو أن يكون الاختلاف في القيمة وقت العقد ناشئاً عن الاختلاف في القيمة بعده، مع اتفاقهما على عدم التغيّـر ووحدة السعر في الوقتين، ولكن اختلفا في الصغرى أي كون السعر بعد العقد ما هو، فهل هي الثمانية حتى يكون العقد غير غبنيّ، أو العشرة حتى يكون العقد غبنياً، لأنّ المفروض أنّه باع بثمانية ، ومن المعلوم أنّ الأصل الحاكم والضابط ليس أصالة عدم التغيّـر لاتفاقهما على عدمه، واختلافهما إنّما فيما هو السعر بعد العقد، حتى يكون هو السعر حينه،

صفحه 225
والأصلالمرجع في المقام هو أصالة اللزوم، فهو موافق لقول الغابن، ومخالف لقول المغبون.
ومنه يظهر مقصود الشيخ من العبارة مع خلله حيث قال: «فالقول قول منكر سبب الغبن لأصالة عدم التغيّـر، وأصالة اللزوم».
فالأصل الأوّل راجع إلى الصورتين الأُولتين، على اشكال عرفته، وهو أنّ هذا الأصل لا يوافق قول منكر سبب الغبن مطلقاً، وإنّما يطابقه في صورة واحدة، أعني: الصورة الأُولى دون الثانية بل هو فيها يوافق قول مدّعي الغبن.
كما أنّ الأصل الثاني ـ أصالة اللزوم ـ راجع إلى الصورة الثالثة.
وعلى كل حال ففي الصورة الأُولى والثانية، التغيّـر مختلف فيه، وفي الصورة الثالثة عدم التغيير مسلّم، بقيت هنا صورة وهي ما إذا اتفقا على التغيّـر واختلفا في زمانه وهي التي أشار إليها الشيخ في المسألة التالية، وقال:
«مسألة: لو اتفقا على التغيّـر واختلفا في تاريخ العقد (1) ...».
وصور المسألة ثلاثة:
إمّا أن يكون تاريخ التغيّـر والعقد مجهولين.
وإمّا أن يكون تاريخ العقد معلوماً وتاريخ التغيّـر مجهولاً.
وإمّا أن يكونا على العكس.
وأمّا إذا كانا معلومين، فهو خارج عن موضوع البحث لوضوح حكمه.
وعلى ما ذكرنا من الضابطة فمدّعي الغبن في جميع الصور يعتبر مدّعياً

1 . وفي بعض النسخ: في تاريخه، والضمير راجع إلى التغيّـر، وكلاهما صحيحان.

صفحه 226
حسب القضاء ونافيه منكراً.
وأمّا على الضابطة الثالثة فربّما يتصوّران الأصل يجري في مجهول التاريخ دون معلومه، فمن كان قوله موافقاً للأصل فهو المنكر، والمخالف مدّع.
يلاحظ عليه مع ضعفه: أنّ مجرى الأصل الجاري في جانب المجهول سواء أكان هو التغيّـر أم العقد أصل مثبت، كاستصحاب عدم التغيّـر إلى زمان العقد، حيث لا يثبت به حدوث التغير بعده فلا غبن، واستصحاب عدم العقد إلى زمان التغيّـر، حيث لا يثبت به وقوع العقد على الزائد حتى يثبت الغبن ـ كما ذكره الشيخ الأعظم ـ إذ لا تثبت بالأصل الصادق في ظرف عدم الموضوع، القضية السالبة، بانتفاء المحمول في كلا الجانبين.
0 0 0

الأمر الثاني: ( كون التفاوت فاحشاً ) فهذا هو الذي اتّفقت عليه كلمة الفقهاء.

قال المحقّق: من اشترى شيئاً ولم يكن من أهل الخبرة وظهر فيه غبن لم تجر العادة بالتغابن به، كان له فسخ العقد إذا شاء (1).
وقال ابن قدامة: المسترسل إذا غبن غبناً يخرج عن العادة فله الخيار بين الفسخ والامضاء، ولا تحديد للغبن في المنصوص عن أحمد، وحدّه أبو بكر في التنبيه وابن أبي موسى في الارشاد بالثلث وهو قول مالك، لأنّ الثلث كثير، بدليل قول النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) : والثلث كثير، وقيل: بالسدس، وقيل: ما لا يتغابن الناس به في

1 . الجواهر: ج23، ص 44.

صفحه 227
العادة، لأنّ ما لا يرد الشرع بتحديده يرجع فيه إلى العرف (1).
فالتعبير الرائج بين القدماء هو «ما يتغابن الناس بمثله وما لا يتغابن» وقد ورد هذا اللفظ في المروي عن أبي عبد اللّه في دعائم الإسلام، حيث قال: ينظر في حال السلعة، فإن كان مثلها يباع بمثل ذلك الثمن أو بقريب منه مثل ما يتغابن الناس بمثله، فالبيع جائز، وإن كان أمراً فاحشاً وغبناً بيّناً ... (2).
وربّما يعبّـر عن هذا بما يتسامح الناس وما لا يتسامح كما هو الوارد في كلام الشيخ الأعظم، وقبله في كلام الشهيد الثاني في الروضة.
وعلى أيّ حال فالجميع ناظر إلى أمر واحد وهو أنّ نقيصة الثمن عن المثمن أو زيادته عليه ربّما يكون على وجه لا يتحمّله نوع الناس فعند ذلك يثبت الخيار، بخلاف ما يتحمّله نوعهم، فلا يعتدّون به فلا خيار. وبعبارة أُخرى: ربّما يكون يسيراً بالنسبة إلى المبيع والثمن فلا يعد ضرراً وغبناً وأُخرى يكون كثيراً بالنسبة إليهما.
ودليل هذا الشرط واضح لأنّه إن قلنا: بأنّ مدرك الخيار هو حديث تلقّي الركبان وما عطف عليه، فهو منصرف عن الضرر اليسير بحيث لا يطلق عليه أنّه غبن وتضرّر، كما أنّه لو كان المدرك للخيار هو قاعدة «لا ضرر» فهو مثله فلايطلق على اليسير الضرر، نعم هو ضرر عقلي وليس بضرر عرفي.
وأمّا إذا قلنا بأنّ مدرك الخيار هو الشرط الضمني وإنّ المتعاقدين يتعاهدان

1 . ابن قدامة: المغني، ج3، ص 523. وقد ورد قوله: «والثلث كثير» عن لسان النبي الأكرم حيث شاور سعد بن أبي وقاص النبي في أن يتصدّق بثلث ماله، فأجاب النبي بما ذكر.    لاحظ صحيح البخاري: 8/150 كتاب الفرائض باب ميراث البنات.
2 . المستدرك: ج13، الباب 13 من أبواب الخيار.

صفحه 228
على أنّ الثمن يساوي المثمن في القيمة، ومن المعلوم أنّ المراد من المساواة هو المساواة التقريبية لا الحقيقية فلو كان التفاوت يسيراً فلا يعد نقضاً للشرط بخلاف ما إذا كان فاحشاً، ويتضح ذلك إذا لاحظنا أنّ سنّة السوق هو التغابن وأنّ تثبيت قيم الأمتعة في القرون السالفة لم يكن على وجه التحقيق والدقّة بل الأسعار كانت متقاربة، فعلى ذلك فلو تضرّر بشيء يسير فلا يعد خلافاً للعهد بخلاف ما إذا كان التفاوت كثيراً.
وأمّا ما هو المعيار في القليل والكثير فلا شك أنّ المرجع هو العرف، ولا يمكن اعطاء ضابطة كليّة في المقام لأنّه يختلف نظر العرف من حيث اختلافالمبيع من جهة العزّة والندرة، أو الكثرة والوفرة، ومن حيث الزمان والمكان فربّما يعد التفاوت في عام الجدب والغلاء تفاوتاً يسيراً بخلافه في زمان الخصب والرخاء، كما أنّ ندرة الشيء و عزّته يؤثّر في قضاء العرف في كون التفاوت فاحشاً أو غير فاحش فالأولى ارجاع التقدير إلى العرف، كما نقله ابن قدامة في كتابه.

كون التفاوت يسيراً أو كثيراً أمر نفسيّ لا نسبيّ:

إنّ كون التفاوت يسيراً أو كثيراً، موجباً للضرر أو لا، أمر نفسي لا نسبي، فتلاحظ المعاملة بما هي هي مع قطع النظر عن المتعاملين، من حيث إنّهما غنيان أو فقيران أو بين غني وفقير، فلو كان التفاوت بالنسبة إلى نفس المعاملة من حيث المبيع والزمان والمكان فاحشاً يثبت الخيار، وإن كان المغبون ثريّاً لا يؤثّر هذا المقدار من الضرر في حقّه، وإن لم يكن كذلك فلا يوجب الخيار وإن كان المغبون فقيراً محتاجاً إلى نفس هذا التفاوت وما ذلك إلاّ لأنّ البيع ربط بين المالين، وليس

صفحه 229
ربطاً بين المالكين، وقد عرف بأنّه تميلك مال بمال، بخلاف النكاح فإنّه علاقةوثيقة بين الزوجين، ولأجل ذلك يقول سبحانه: (وَأَنكِحُوا الأيامى مِنكُمْوالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وإِمائِكُمْ ) (النور/32) ومثله عقد الصلح،يقولسبحانه: (إنَّما المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأصْلِحُوا بَيْـنَ أَخَويْكُمْ) (الحجرات/10).
نعم يبقى هناك سؤال إذا كان الميزان في اليسير والكثير هو نفس المعاملة فلماذا أفتى المشهور بوجوب شراء ماء الوضوء بأضعاف قيمته إذا كان متمكّناً دون ما إذا كان فقيراً، فيظهر من هذا أنّ الضرر هنا نسبي وحالي لا نفسي ومالي.
وقد أجاب الشيخ عن الاشكال بوجهين:
1ـ اعتبار الضرر المالي بما هو هو لأنّه ضرر في نفسه من غير مدخلية لحال الشخص، وتحمله في بعض المقامات، إنّما خرج بالنص.
2ـ إنّ بذل المال الكثير في مقام امتثال التكليف، لا لتخصيص عموم نفي الضرر بالنص، بل لأجل عدم كونه ضرراً بملاحظة ما بازائه من الأجر، كما يشيرإليه قوله بعد شرائه ماء وضوئه بأضعاف قيمته: «إنّ ما يشترى به مال كثير»(1).
يلاحظ على الأوّل: أنّ لسان «لا ضرر» آب عن التخصيص، مثل قوله: «لا رهبانية في الإسلام» و «لا رضاع بعد فطام» و «ليس لعرق ظالم حق».
ويلاحظ على الثاني: إذا كان الأجر الأُخروي جابراً للضرر فليكن كذلك في مورد الحرج، مع أنّهم يقولون بأنّ الضرر لو كان مجحفاً بالمكلّف انتفى بأدلّة نفي الحرج.

1 . المتاجر: قسم الخيارات، ص 237.

صفحه 230
والأولى أن يجاب: بأنّ قاعدة «لا ضرر» مختصّة بباب المعاملات، ولا تعمّ العبادات، وذلك لأنّ موردها ومورد غيرها من الروايات الواردة في هذا المجال، هواضرار الناس بعضهم ببعض، ففي هذا المقام ورد قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا ضرر ولاضرار...» وذلك يحدّد معنى الرواية ومصبّ القاعدة، وقد عرفت منّا أنّ النفي فيها بمعناه لا بمعنى النهي، كما عليه شيخ الشريعة (قدس سره)فالقاعدة تتحدث وتخبر عن عدم الضرر في المجتمع الإسلامي، والمسوّغ لهذا الإخبار ـ مع عدم كونه في الواقع كذلك ـ هو خلو صفحة التشريع عن الحكم الضرري وعدم امضائه كل عمل من المكلّفين موجب لايقاع الضرر على الناس، وفي هذا المجال الذي يتضارب فيه الناس، ويورد بعضهم ضرراً على بعض، ينادي الشارع ويقول: «لا ضرر ولا ضرار ...» ومعه كيف يصحّ القول بشمولها لباب العبادات التي ليس للناس فيها دور في ايقاع الضرر، وإنّما المنشأ له هو أمره سبحانه بالصوم والتوضّؤ لمن يضرّانه، وعلى ضوء ذلك فيفترق البابان من حيث الملاك ففي باب المعاملاتيكون الملاك هو ملاحظة نفس المعاملة كما هو مقتضى قاعدة «لاضرر» ، وفي غيره يكون الملاك ما يحدّده النص، نعم لا مانع من شمول قاعدة «لا حرج» لكلا البابين، لعمومية قوله سبحانه: (وما جَعَلَ عَلَيْكُمْفِي الدِّينِ مِنْ حَرَج...)(الحج/78) وهو يتحدّث عن عدم جعل الحرجفي الشريعة الغرّاء، والجعل يعم كل مورد فيه للشارع تشريع تأسيساً أوامضاءً.
ثمّ إنّ الشهيد ذكر في الروضة والمسالك تبعاً لجامع المقاصد أنّ المغبون أمّا أن يكون هو البائع أو المشتري أو هما معاً، فأشكل عليه بعض الفضلاء في تعليقته على الروضة بعدم امكانه، وقدنقل الشيخ فروضاً خمسة لامكانه، وزاد شيخ

صفحه 231
الشريعة (1) فرضاً سادساً، وليست المسألة أمراً مهماً.
مسألة: هل ظهور الغبن محدِث للخيار أو كاشف عنه؟
هذه المسألة عَنونها الشيخ في المتاجر ولم يسبقه إليها فقيه آخر، واستظهر من عبارات القوم تارة كونه محدثاً للخيار وأُخرى كاشفاً.
وذكر للمسألة ثمرات مختلفة نشير إليها:
1ـ إذا تخيّل المشتري أنّ المبيع معيب ولم يكن كذلك بل كان المشتري مغبوناً ففسخ ثمّ ظهر الغبن فعلى القول بكونه محدثاً لا تأثير للفسخ، دونما إذا قلنا بكونه كاشفاً، فقد كان له السلطة على إزالة العقد واقراره، فإذا ظهر الغبن، أثّر في الفسخ، غاية الأمر اشتبه في سبب السلطة، فهو أشبه بالخطأ في التطبيق.
2ـ لو أسقط الخيار قبل ظهوره فعلى الأوّل يكون من قبيل اسقاط ما لم يجب، دون الثاني.
3ـ لو تلف قبل ظهور الغبن، وقلنا بعموم قاعدة «التلف في زمان الخيار ممّن لا خيار له» وشمولها لمثل هذا الخيار فعلى القول بكونه محدثاً فالتلف على المغبون، إذ لا خيار في البين، وبما أنّه تلف تحت يده يكون التلف عليه، بخلاف ما إذا قلنا بكونه كاشفاً، فالمغبون يكون ذا خيار فيحسب على من لا خيار له وهو الغابن.
4ـ جواز التصرّف قبل ظهور الغبن فيما انتقل إلى الغابن العالم بالموضوع، فلو قلنا بكونه محدثاً يجوز له التصرّف فيما انتقل إليه، لأنّ المعاملة لازمة وليس هناك حق للمغبون فيما انتقل إليه، بخلاف ما إذا قلنا بكونه كاشفاً فلا يجوز له

1 . نخبة الأزهار، ص 183.

صفحه 232
التصرّف لأنّه تعلّق به حق المغبون، فلا يجوز للغابن التصرّف فيه.
هذا خلاصة ما يستفاد من كلام الشيخ بعد تلخيصه وتنظيمه، وأمّا ترجيح أحد القولين فيتوقّف على لحاظ ملاك الخيار ، وقد عرفت أنّه استدلّ بوجوه ثلاثة:
1ـ حديث تلقّي الركبان وما عطف عليه من الأحاديث فقد ورد فيه: «فإذا دخل السوق فله الخيار» فربّما يستظهر منه كون ظهور الغبن محدثاً للخيار، حيث رتّب الخيار على الدخول الملازم لظهور الغبن.
يلاحظ عليه، أوّلاً: أنّ أقصى ما تدل عليه القضية الشرطية وجود الخيار عند دخول السوق، وأمّا عدمه قبل الدخول، فلا يدل عليه، إلاّ إذا قلنا بالمفهوم، وهو ممنوع إلاّ فيما ثبت كون المتكلّم في مقام بيان العلّة المنحصرة.
وثانياً: أنّ الخيار وإن رتّب على دخول السوق، لكن دخول السوق طريق إلى العلم بالغبن حين المعاملة، فعندئذ يكون معنى الحديث «إذا دخل السوق وعلم بالغبن فله الخيار» من زمان وجود الغبن وحدوثه، ولو لم يكن الكلام ظاهراً فيه فلا أقل أنّه أحد المحتملين.
2ـ قاعدة «لا ضرر» ، فربّما يستظهر منها أنّ المستفاد منه هو كون ظهور الغبن محدثاً للخيار بدعوى أنّه مع الجهل لا يكون الضرر مستنداً إلى الشارع، بل إلى جهله، فالحكم باللزوم، إنّما يكون ضررياً إذا استند الضرر إليه مع أنّ الضرر مستند إلى جهله، فليس لحكم الشارع باللزوم تأثير في تضرّره لكونه جاهلاً بالموضوع. نعم لو كان حكمه باللزوم بعد ظهور الغبن لكان الضرر مستنداً إلى حكم الشارع.
واختاره بعض الأجلّة وملخص ما قال: إنّ لنا دليلين، محكوماً وحاكماً وهما (أَوفوا بالعقود) وقاعدة «لا ضرر» ولابد في تحكيم الثاني على الأوّل من الاقتصار على مدلوله، وهو رفع كل حكم ينشأ منه الضرر أو يكون سبباً لبقائه واللزوم في

صفحه 233
المعاملة الغبنية كذلك إلاّ في حق الجاهل بالموضوع فيبقى (أوفوا بالعقود)بالنسبة إليه سليماً عن الحاكم وتكون أصالة عدم تأثير الفسخ واستصحاب بقاء الملك محكَّماً.
وبعبارة أُخرى: انّ جعل اللزوم في حقّه ما دام جاهلاً بالموضوع ليس ضررياً مستلزماً لحدوثه أو بقائه، ولا جعل عدم اللزوم رافعاً.
فإن قلت: لازم ذلك بقاء اللزوم وعدم تأثير الفسخ إذا كان جاهلاً بالحكم، لأنّ حكم الشارع باللزوم ليس منشأ للضرر ما دام جاهلاً بالحكم، مع أنّ المسلّم خلافه، لاشتراك الحكم الالهي بين العالم والجاهل، فليكن الجهل بالموضوع مثل الجهل بالحكم.
قلت: إنّ تقييد الحكم الشرعي (الخيار) بالعلم محال لاستلزامه الدور الواضح بخلاف تقييده بالعلم بالموضوع (1).
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره مخالف لاطلاق «لا ضرر» فإنّ مفاده هو عدم جعل حكم ضرري وعدم امضائه سواء كان النفي مؤثّراً في رفع الضرر في الحال أو في المستقبل، والتفريق بين الجهل بالموضوع والعلم به، مبني على كون المطلق ناظراً إلى الحالات فيفرّق بينهما بحجّة أنّ الحكم باللزوم ليس مجلباً للضرر في الصورة الأُولى، مع أنّ هذا خلاف المختار في باب الاطلاق، بل معناه هو كون الطبيعة تمام الموضوع للحكم، وفي المقام الحكم الضرري تمام الموضوع للنفي. والمفروض أنّ اللزوم حكم ضرري في حق المغبون، وكونه غير مؤثّر في بعض الحالات ومؤثّراً في البعض لايصير سبباً لدفع الاطلاق.
وأمّا ما ذكره في دفع النقض الوارد في كلام السيد الطباطبائي، فهو أيضاً

1 . نثارات الكواكب: 107.

صفحه 234
مخدوش إذ لا مانع من تقييد الأحكام بالعلم بنحو نتيجة التقييد أو التخصيص (1) كما في غير مورد من الأحكام.
3ـ ما اعتمدنا عليه من أنّ العقد مبني على قيد المساواة بين الثمن والمثمن في القيمة.
فإذا كان هذا مبنى الخيار فيكون من زمان التخلّف لأنّه معلول فقد الشرط واقعاً، والعلم طريق إليه.
فظهر أنّ المتبادر من الأدلّة كون الظهور كاشفاً لا محدثاً، إنّما الكلام في الآثار المترتّبة على القولين في كلام الشيخ والظاهر عدم وجود ثمرة مترتّبة على البحث.
أمّا الأوّل: فلا يخفى أنّه ثمرة نادرة وعلى فرض صحّته يلزم الفرق بين كون العيب داعياً أو قيداً، فيسقط الخيار على الأوّل دون الثاني، لأنّه أسقط الخيار المقيّد بالعيب لا مطلقاً، وسيجيئ توضيحه.
أمّا الثاني: فلأنّ الاسقاط صحيح على كلا القولين، لما قلنا من أنّه يصحّ الاسقاط مع وجود المقتضى.
وأمّا الثالث: أنّ قاعدة التلف في زمن الخيار مختصّة بالخيارات الثلاث: المجلس والحيوان والشرط كما أوضحنا فلا يعمّ خيار الغبن.
وأمّا الرابع: فهو مبني على منع التصرّف في أيّام الخيار، وسيوافيك حكمه عند البحث عن أحكام الخيار وأنّه يجوز لغير ذي الخيار التصرّف فيما انتقل إليه، وإن كان متعلّقاً لحق الغير، غاية الأمر أنّه لو فسخ يرجع الفاسخ إلى المثل أو القيمة.

1 . لاحظ الجزء الثاني بحث أقسام القطع من فوائد الأُصول للكاظمي تقريراً لبحث استاذه النائيني.

صفحه 235

في مسقطات خيار الغبن

البحث عن المسقطات فرع ثبوت كون الخيار من الحقوق القابلة للاسقاط فالبحث عنه مقدم على البحث عن المسقطات، وقد تركه الشيخ من أصل فنقول: إنّ الظاهر من أدلّة خيار الغبن، هو كونه من الحقوق القابلة للاسقاط.
قد عرفت أنّ الأساس لثبوت خيار الغبن هو حكم العقلاء بأنّ للمغبون الخيار بين الفسخ والامضاء، وأنّ مبنى حكمهم هو وجود الشرط الضمني بين المتعاقدين، المفهوم من القرائن الحافّة بالعقود، من حديث تساوي الثمن والمثمن في القيمة، فإذا تخلّف فلا يكون للمغبون أيّ التزام بحفظ العقد لأنّ ما عقد عليه غير ما هو الواقع في الخارج، فعلى ذلك يصحّ اسقاطه فيما يصحّ اسقاط سائر الحقوق.
ولو قلنا بأنّ الأساس هو حديث تلقّي الركبان، فإنّ قوله: «وإذا دخل السوق كان له الخيار» اشارة إلى ما هو المرتكز في الأذهان أي الخيار المعهودبينالعقلاء عند تخلّف الشرط أو الوصف، وتوهّم أنّ المراد منه هو الجواز الحكمي الشرعي الذي لا يصح اسقاطه خلاف الظاهر، مضافاً إلى أنّه يحكم للمغبون بالخيار ، ويقول: فله الخيار، لا أنّ العقد خياريّ، حتى يصحّ تفسيره بالجواز الشرعي الذي لا يسقط.
وأمّا إذا قلنا: بأنّ الأساس هو قاعدة «لا ضرر» فاثبات كون الجواز بعد

صفحه 236
جريانها هو الجواز الحقّي دون الحكمي يحتاج إلى دليل، فإنّ رفع الضرر كما يحصل بتبدّل اللزوم الحقّي إلى الجواز الحقّي، كذلك يحصل بتبدّله إلى الجواز الحكمي، اللّهمّ إلاّ أن يستأنس الفقيه بأنّ المتبادر عند العرف تبديل اللزوم الحقّي بجواز حقّي مثله.
وعلى ذلك فاسقاط الخيار أمر صحيح على أكثر المباني أو جميعها. إذا عرفت ذلك فنبحث عن المسقطات:

الأوّل: الاسقاط بعد العقد:

إنّ للاسقاط بعد العقد صورتين:
ألف ـ الاسقاط بعده وبعد ظهور الغبن.
ب ـ الاسقاط بعده وقبل ظهور الغبن.
أمّا الأوّل: فيصحّ إذا أسقطه مع العلم بمرتبة الغبن، أو أسقطه مع الجهلبها، لكن أسقط الغبن المسبب عن أيّه مرتبة كان، إنّما الكلام في صورة أُخرى، أعني: إذا أسقطه بزعم أنّ التفاوت ربع، فظهر النصف، ففيه وجوه:
يمكن أن يقال بعدم السقوط لعدم طيب النفس بسقوط هذا المقدار من الحق، وهذا كما إذا أسقط حق عِرْض بزعم أنّه شتم، فبان أنّه قذف.
ويمكن القول بالسقوط لأنّ الخيار أمر واحد مسبّب عن مطلق التفاوت الذي لايتسامح به، فإذا أسقط أثر التفاوت الذي لا يتسامح به ـ وإن كان متحقّقاً عنده في الربع ـ فقد أسقط الخيار، على وجه الاطلاق وكون التفاوت

صفحه 237
مختلف المراتب غير كون الخيار متعدّداً، وقد تقدّم نظير ذلك فيما إذا أقدم على الغبن بما لا يتسامح فبان أكثر بما لا يتسامح أيضاً.
وأمّا عدم سقوط حق القذف إذا عفى عن حق الشتم، فلأجل أنّ الحقّين متغايران، فلا يكون اسقاط أحدهما دليلاً على اسقاط الآخر.
والحق هو التفريق بين كون التفاوت داعياً وكونه قيداً، فإن أسقط الخيار بداعي أنّ التفاوت ربع، فقد أسقط مطلق الخيار لعدم كون الداعي قيداً بخلاف ما لو أسقط الخيار المقيّد بكون سببه الربع، فلا يسقط مطلق الخيار، لأنّ الساقط غير الواقع، ولا بأس بتعدّد الخيار بتعدّد القيد، فإنّ الجزئي كزيد شيء واحد، ولكن يمكن فيه تصوّر الكثرة بالقيود الواردة عليه كزيد المتعمّم وزيد المجرّد عن العمامة، ولأجل ذلك قلنا في محلّه بأنّ للجزئي عموماً أحوالياً وإن لم يكن له عموم افرادي.
وهذا كما إذا اقتدى بشخص بزعم أنّه زيد فبان أنّه عمرو فقد فرّقوا بين كونالاعتقاد بكونه زيداً داعياً للاقتداء بالإمام الحاضر أو قيداً، ففي الفرض الأوّل اقتدى بالإمام الحاضر، غاية الأمر طبَّقه في زعمه على أنّه زيد، بخلاف الاقتداء في الفرض الثاني، فإنّما اقتدى بالحاضر بما أنّه زيد، وقد بان التخلّف، بحيث لو كان عالماً من أوّل الأمر أنّه عمرو لم يقتد به، ومثله ما إذا قال رجل: ادخل ياصديق وكُلْ من الغذاء، فإذا علم أنّ التوصيف بالصداقة من باب الداعي وأنّه لو لم يكن صديقاً أيضاً لدعاه إلى الدخول، لجاز له الدخول والأكلمن الغذاء، بخلاف ما إذا علم أنّه قيد وأنّه لولا الصداقة لما دعاه إلى بيتهولما طابت نفسه للأكل من غذائه، فيحرم عليه الدخول ويضمن قيمة الغذاء.

صفحه 238
هذا كلّه إذا أُسقط بلا عوض، وأمّا إذا أُسقط بعوض بمعنى المصالحة عنهبه، فلا اشكال فيه مع العلم بمرتبة الغبن أو التصريح بعموم المراتب، ولواطلقوكان للاطلاق منصرف كما لو صالح عن الغبن المحقّق في المتاعالمشتري بعشرين، بدرهم، فإنّ المتعارف في مثل هذه المعاملة هوكونالتفاوتأربعة أو خمسة في العشرين فيصالح عن هذا المحتمل بدرهم، فلو ظهر كون التفاوت ثمانية عشرة، فقد ذكر الشيخ أنّ في بطلان الصلح وجهين:
والأولى أن يقال: إنّ المنصرف إليه (الغبن المتعارف) لو كان قيداً في نظرالعرف تكون المصالحة باطلةً، وإلاّ فلا، وتصوّر جريان حكم الغبن في المصالحة أمربعيد لما ذكرنا أنّ المصالحة من العقود المحاباتية، ومثل ذلك لا يقبل الغبن.
وأمّا الثاني: أعني: اسقاطه بعد العقد وقبل ظهور الغبن فيجوز اسقاطه قبل ظهور الغبن، ومرّ نظيره في الخيارات السابقة، والاشكالات المتوهّمة في المقام مندفعة وإليك بيانها:
1ـ إنّ اسقاط الخيار على وجه التنجيز يتوقّف على العلم به، وهو بعد مشكوك ،سواء قلنا بأنّ ظهور الغبن كاشف عنه عقلاً أو محدث وشرط شرعاً، واسقاطه على وجه التعليق ينافي الجزم في العقود والايقاع.
يلاحظ عليه: أنّه لا دليل على بطلان التعليق فيهما إلاّ الاجماع، والقدر المتيقّن منه ما إذا كان التعليق على ما لا يكون الانشاء معلّقاً عليه في الواقع، كقدوم الحاج ودخول الشهر، وأمّا التعليق على ما هو معلّق عليه واقعاً فخارج عنه، سواء تكلّم به أم لا، وهذا كما في طلاق مشكوك الزوجية، واعتاق

صفحه 239
مشكوك الرقية، وابراء ما احتمل الاشتغال به، أو الابراء عن العيوب المحتملة، وضمان درك المبيع، فالاسقاط في الجميع صحيح سواء أكان في مقام الانشاء منجزاً أم معلّقاً.
2ـ انّه اسقاط ما لم يجب، وهذا يختصّ بما إذا كان الظهور شرطاً شرعياً للخيار لا كاشفاً عنه إذ على الثاني فهو اسقاط لما وجب ـ لو كان مغبوناً ـ وأمّا على الأوّل، فهو اسقاط لما لم يجب حتى ولو كان مغبوناً في الواقع، لأنّه إنّما يثبت الخيار، إذا تحقّق الشرط وظهر الغبن.
يلاحظ عليه بما ذكرنا سابقاً من أنّه يكفي في صحّة الاسقاط الاعتباريّ، وجود الأثر ولو بعدَ تبيّـن الخيار، والعقلاء يكتفون في المقام بوجود المقتضي وهو العقد، وإن كان الخيار في المستقبل.
3ـ الاشكال من حيث العوض المتصالح به لأنّ الاسقاط في مقابل جزء من القيمة، فأحد الجزأين متحقّق دون الآخر وهو الخيار.
يلاحظ عليه: أنّ العوض هو احتمال الخيار، وهو أمر متحقّق، وليس العوض الخيار الواقعي، بحيث لو تبيّـن الخلاف، لا يكون الاسقاط خالياً عن العوض، نعم لو كان العوض الحقَّ الواقعي على فرض وجوده وتبيّـن عدمه يلزم ما ذكر.
هذا كلّه حول المسقط الأوّل أي الاسقاط بعد العقد.
وإليك الكلام في المسقط الثاني:

صفحه 240

الثاني: اشتراط السقوط في متن العقد:

يرد على هذا النوع من الاسقاط ما تقدم من الاشكالات المذكورة في الخيارات السابقة فلا نعيد، نعم هنا اشكال خاص وهو لزوم الغرر وهو موجب للبطلان.
يلاحـظ عليه: أنّ المراد من الحديث النبوي أي النهي عن بيع الغرر، أحد الأمرين:
ألف ـ ما اشتمل على الخدعة والحيلة كالتدليس في المبيع.
ب ـ ما إذا كان نفس البيع خطرياً كبيع الطير في الهواء، والسمك في الماء، واشتراء ما في اليد المردّد بين كونه من الفضّة أو الذهب، واشتراء الصبرة من الحنطة المردّدة بين طن أو أطنان.
وبهذا المعنى يصدق الغرر على ما إذا كان المبيع مجهول الذات، أو مجهول الصفات، بل مجهول المقدار كما مثلناه.
إنّما الكلام في شموله مجهول القيمة، لكنّه على قسمين: تارة يكون السعر مجهولاً بتاتاً، كما إذا تردّدت قيمة الشيء بين دينار وألف دينار ، فاشتراه بألف دينار، وأُخرى يكون معلوماً في الجملة لكنّه محتمل الزيادة، فشمول النبوي لهذا القسم مورد تأمّل بل منع، وإلاّ يلزم بطلان أكثر المعاملات، ولا يكون الخيار مصحّحاً للمعاملة وإلاّ يلزم تجويز كل معاملة غررية بالخيار.
أضف إلى ذلك: أنّ رافع الغرر هو الفسخ دون الخيار، فيلزم أن تكون المعاملة حتى مع الخيار مصداقاً للغرر فتبطل.

صفحه 241
نعم لا يرد عليه أنّه مستلزم للدور، بتصوّر أنّ الخيار فرع صحّة البيع ولو كانت صحّته متوقّفة على الخيار فهو الدور، لأنّ الدور في المقام معيُّ، والخيار والصحّة متحقّقان معاً.

الثالث: تصرّف المغبون بعد العلم بالغبن:

إذا تصرّف المغبون فيما اشترى بعد علمه بالغبن، فهل يسقط الخيار مطلقاً أو فيه التفصيل. ولنذكر أقسامه:
1ـ إذا تصرّف في المبيع تصرّفاً كاشفاً عن رضاه الفعلي بالبيع، فلا شكّ في كونه مسقطاً، لأنّ الاسقاط الفعلي كالاسقاط القولي فكما لا يشك أحد في كونالثاني مسقطاً فكذا الأوّل، وعندئذ يكون التصرّف في المبيع انشاءً فعلياً للاسقاط.
2ـ إذا تصرّف فيه تصرّفاً يُستدل بنوعه على رضا المتصرّف نوعاً بالمبيع، وإن لم يعلم التزامه الفعلي به، وهذا أيضاً مسقط للخيار أخذاً بعموم العلة الواردة في صحيحة علي بن رئاب حيث قال: فإن أحدث المشتري فيما اشترى حدثاً قبل ثلاثة أيّام، فذلك رضا منه فلا شرط (1) وقد تقدم عند البحث عن خيار الحيوان، أنّ المراد من إحداث الحدث هو التصرّف المغيّـر، لا مطلقه، خرجت تقبيل الأمة ولمسها من الضابطة بالدليل الشرعي، وبما أنّ الحديث بصدد اعطاء الضابطة يمكن الاستدلال بها في غير موردها، إذ العبرة بعموم التعليل، ولا يتبادر إلى الذهن اختصاصه بالمورد، وحاصل التعليل أنّ تصرّف ذي الخيار يُتلقّى منه كونه راضياً سواء أرضى أم لا، وهذا يَعمّ جميع الأبواب.

1 . الوسائل: ج12، باب 4 من أبواب الخيار، الحديث 1.

صفحه 242
ثم لو قلنا بعموم أدلّة الخيار لصورة التصرّف، يكون عموم التعليل مخصِّصاً، وإن قلنا بقصورها يكون هو المرجع ومقدَّماً على استصحاب الخيار تقدم الدليل الاجتهادي على الأصل العملي.
3ـ إذا تصرّف فيه ـ بعد العلم بالغبن ـ تصرّفاً لا يكشف عن الالتزام الفعلي أو النوعي، فالظاهر بقاء الخيار لوجود المقتضى وهو اطلاق أدلّة الخيار وعدم المقيّد.
توضيح ذلك: أنّ الاجماع الذي هو أحد الأدلّة في خيار الغبن وإن كان قاصراً لاثبات الخيار حينئذ لكونه دليلاً لبيّاً، إلاّ أنّ اطلاق حديث تلقّي الركبان قائم بحاله، والمغبون وإن كان فيه هو البائع، ولكنّه لا خصوصيّة له، ومثله قاعدة «لاضرر»، فإنّ ملاك الخيار هو كون المغبون متضرّراً، وهو قائم بحاله، سواء كان هناك تصرّف أو لا، والحكم بلزوم المعاملة عليه في هذا الحال حكم ضرري وقياسه ـ في كلام الشيخ ـ بالاقدام على المعاملة الغبنية مع العلم، قياس مع الفارق، لأنّ الاقدام هناك دليل على الرضا بالغبن دون المقام، إذ المفروض أنّ التصرّف غير كاشف عن الالتزام لا شخصاً ولا نوعاً.
ومثله حديث المساواة بين الثمن والمثمن في القيمة ، لبناء العقلاء على الخيار في المقام، فهو مُحكَّم في المقام، فأدلّة الخيار جارية بلا مخصّص، وما نقل من بعض معاقد الاجماعات من أنّ تصرّف ذي الخيار فيما انتقل إليه اجازة، وفيمن انتقل عنه فسخ، فالمتيقّن منه هو الصورتان الأولييان لا مثل المقام، إذ ليس في البين إلاّ التصرّف المجرّد عن كل شيء.
ولو شككنا في شمول أدلّة الخيار، فالمرجع عند الشيخ الأعظم (قدس سره) هو استصحاب حكم المخصّص، أعني: الخيار، لا الرجوع إلى العام أعني:

صفحه 243
(أوفوا بالعقود) لما تقرّر في محلّه من أنّ الزمان إذا كان ظرفاً للعام، لا قيداً للموضوع حتى يكون كل فرد من أفراد العام في كل قطعة من الزمان موضوعاً مستقلاّ ً، بل يكون الفرد في جميع الأزمنة فرداً واحداً للعام ، ففي مثله إذا خرج فرد في فترة من الزمان كقبل التصرّف من عموم العام مثل (أَوفوا بالعقود) ثمّ شككنا في بقائه على الحكم السابق، بالتصرّف المجرّد، يستصحب حكم المخصّص إذ لا يلزم من اسراء الحكم إلى زمان الشك، تخصيص زائد، بل يكون خروجه قبل التصرّف وبعده، تخصيصاً واحداً لا تخصيصين.
نعم لو كان العقد الخياري قبل التصرّف فرداً وبعد التصرّف فرداً آخر، يكون المرجع هو العام لا استصحاب حكم المخصّص، لعدم بقاء الحالة السابقة، ومغايرة القضية المشكوكة مع القضية المتيقّنة.
لكن المرجع عندنا مطلقاً هو عموم العام فإذا قال: (أوفوا بالعقود) ، ودلّت مقدمات الحكمة على كون الحكم ثابتاً في جميع الأزمان فهو حجّة مطلقاً في غير ما دلّ الدليل على عدم وجوبه في قطعة خاصة، فكما إذا شكّ في خروج فرد آخر في قطعة من الزمان، يكون المرجع هو عموم العام، فهكذا إذا شكّ في خروج فرد أزيد ممّا دلّ عليه الدليل.
وتوهّم أنّ دخول الفرد تحت العام، بعد خروجه عنه يتوقّف على الدليل، مدفوع بأنّ هذا إنّما يتمّ لو كان الخروج افرادياً أي يخرج الفرد عن تحت العام بما هو فرد، لا أزمانياً أي يخرج الفرد عن تحته «بما هو واقع في تلك القطعة من الزمان»لاالخروج من رأس، حتى يحتاج الدخول إلى دليل آخر بل هو باق تحته كما كان.

صفحه 244

الرابع: تصرّف المشتري المغبون قبل العلم بالغبن:

إذا أتلف الجاهل بالغبن العين المغبون فيها تلفاً حكميّاً (1) كما إذا باعها من ثالث بعقد لازم أو اعتق العبد أو أوجد مانعاً من الردّ كاستيلاد الأمة فهل يسقط خياره أو لا؟
المشهور بين المتأخّرين هو سقوط خياره. قال المحقّق: ولا يسقط ذلك الخيار بالتصرّف (السابق على ظهور الغبن) إذا لم يخرج عن الملك أو لم يمنع من ردّه كالاستيلاد في الأمة والعتق، وعلى ذلك جرى العلاّمة في القواعد والمتأخّرون بعده، ولم يذكره من المتقدّمين سوى الشيخ، قال في خيار المشتري مرابحة عند كذب البائع: أنّه لو ملك السلعة أو تصرّف فيها سقط الردّ.
وبما أنّ اتفاق المتأخّرين في هذه المسألة لا يكشف عن دليل شرعي وصل إليهم ولم يصل إلينا فاللازم دراسة المسألة في ضوء الأدلّة.
استدلّ القائل بالسقوط بأنّ المتيقّن من أدلّة الخيار إنّما هو إذا أمكن ردّ العين المغبون فيها، فإذا امتنع ردّها، فلا دليل على جواز الفسخ، وتضرّر المغبون من جهة زيادة الثمن معارض بتضرّر الغابن بقبول البدل، فإنّ دفع الضرر من الطرفين، إنّما يكون بتسلّط المغبون على ردّ العين.
يلاحظ عليه: أنّ المقتضي لبقاء الخيار موجود، والمانع المتوهّم غير مؤثّر.
أمّا الأوّل: فلأنّ ملاك الخيار في باب الغبن، هو بناء العقلاء المبتني على

1 . أمّا التلف الحقيقي فسيأتي حكمه في البحث عن اتلاف الغابن تحت عنوان «حكم تلف العوضين» فلاحظ ص266.

صفحه 245
تعهّد الطرفين على المساواة بين الثمن والمثمن في القيمة، وقد تبيّـن عدمها، وهذا الملاك موجود قبل التصرّف وبعده على وجه سواء فلا وجه لسقوطه مع التخلّف في جانب الغابن.
ومثله قاعدة «لا ضرر»، فلأنّ تنفيذ اللزوم في حقّه حكم ضرري منفيّ بها، مع عدم التزامه بالضرر لا تصريحاً ولا تلويحاً وتصرّفه عن جهل لا يدلّ على الالتزام أبداً وما في المتاجر «انّ اخراج المغبون العين عن ملكه التزام بالضرر ولو جهلاً منه» كما ترى إذ كيف يكون التزاماً به مع أنّه لو كان واقفاً على الضرر لما أخرجها عن ملكه.
والحاصل: أنّ بناء العقلاء، وقاعدة «لا ضرر» هما المحكَّمان في المقام، ولاوجه لرفع اليد عن مقتضاهما بحجة أنّ القدر المتيقّن منهما، هو وجود العين.
وأمّا الثاني: أعني المانع فليس إلاّ ما يلي:
1ـ ما جاء في كلام المستدلّ من أنّ تضرّر المغبون من جهة زيادة الثمن، معارض بتضرّر الغابن بقبول البدل.
يلاحظ عليه: أنّ الضرر غير متوجّه إليه فإنّها لو كانت مثليّة فلا ضرر في تبديلها بمثلها، خصوصاً في هذه الأيام التي صارت أكثر القيميات مثلية كالألبسة والأواني وغيرهما. فإنّ الصنائع تولّد ملايين من الأجناس المثلية التي لاتجد فيها أيّ فرق بين أفرادها.
وإن كانت قيميّة فتعريضها للبيع يدلّ على إرادة قيمتها، وأنّه لا علاقة له بنفسها، فلا ضرر أصلاً حتى يعارض ضرر زيادة الثمن على القيمة خصوصاً إذا كانت ممّا لا تتحمل.

صفحه 246
2ـ إنّ أثر الفسخ هو ترادّ العينين، ومع عدم امكانه فكيف يؤثّر الفسخ.
يلاحظ عليه: أنّ الفسخ عبارة عن إزالة العقد والالتزام وجعلهما كالعدم من حينه، وأمّا ردّ العينين فإنّما هو في مرتبة متأخّرة، فامتناع الترادّ لا يمنع عن تأثيره وتجويزه، ثمّ بعد الفسخ تصل النوبة إلى أثره وهو التراد فلو وجدها أخذها، وإلاّ يرجع إلى البدل كما هو الحال في باب الغرامات والضمانات، وهذا أصل عقلائي عالمي.
وبعبارة أُخرى: أنّ هناك حقّين مختلفين يجب اعمالهما حسب الامكان، حقّاً للمغبون، وهو حقّ الفسخ حتى يدفع الاعتداء عن نفسه، وليس لهذا الحق بدل. وحقاً للغابن وهو استرداد العين إذا ردّ الثمن، فإن أمكن ردّ العين، وإلاّ يتنزل إلى بدلها شأن كلّ حقّ له بدل، وهو المثل أو القيمة، فالجمع بين الحقّين إنّما هو بالقول بثبوت الخيار لا سقوطه.
فإن قلت: لا يمكن بقاء الخيار مع الاتلاف أو التلف السماوي (1)ومابحكمهما كالخروج عن الملك في مطلق الخيارات لعدم تعقّل اعمال الخيارمنغير فرق بين كونه متعلّقاً بالعين أو بالعقد لأنّ الفسخ عبارة عن حل العقد المتعلّق بالعين فلابد للفسخ من عمل مقابل عمل العقد حتى يكونبهفسخاً، والعين التالفة، لا يعقل رجوعها إلى البائع ويلحق بها التالف الحكمي.
قلت: هذا ما ذكره سيّدنا الأُستاذ ـقدّس اللّه سرّهـ وحاصله: أنّه كما للعقد عمل من عمل المبادلة، كذلك لابدّ أن يكون للفسخ عمل، ومع تلف العين

1 . الكلام في التلف الحكمي وذكر التلف الحقيقي من باب الاستطراد.

صفحه 247
لايتحقّق العمل، إذ العقد والفسخ يتواردان على العين والعمل المناسب لهما قائم بالعين والمفروض تلفها.
يلاحظ عليه: أنّه لاشك أنّ الفسخ، عبارة عن حل العقد المتعلّق بالعين الموجودة في زمان الانشاء وأنّه لابد من وجود عمل له مثل العقد، وأمّا كيفية العمل فلا دخل له في ماهيّة الفسخ بل هو أمر عقلائي، فالمغبون يفسخ تلك الرابطة المتعلّقة بالعين وقت الانشاء، وأمّا العمل المناسب له فهو راجع الى العقلاء، وهم يحكمون بردّ العين عند وجودها، وبدلها عند عدمها. وسيوافيك تفصيله عند البحث عن خيار تعذّر الشرط الذي عنونه الشيخ في مبحث شروط صحّة العقد، فلاحظ.
نعم لو قلنا بقصور أدلّة الخيار، فالمرجع هو استصحاب الخيار عند الشيخ الأعظم على النحو الذي عرفته في التصرّف في المبيع مع العلم بالغبن، وعموم وجوب الوفاء عندنا فلا نعيد.
فبذلك تبيّـن أنّ الحقّ مع الشهيد وليس على خلاف الاجماع.
هذا كلّه إذا أتلف حكماً أو أوجد فيه مانعاً من الردّ. وأمّا الصور الباقية التي ذكرها صاحب الجواهر (1) والشيخ (قدس سره)فنذكر اجمالها ثمّ نأخذها بالدراسة والتحليل:
1ـ إذا نقلها بعقد جائز.
2ـ إذا دبّر العبد أو أوصى به للغير.

1 . الجواهر ج23/44ـ 45.

صفحه 248
3ـ لو زال المانع كما إذا مات ولد أُمّ الولد، أو فسخ المشتري الثاني، لعيب أوغبن.
4ـ إذا آجرها للغير ثم وقف على الغبن.
5ـ إذا امتزجت بمال المغبون.
6ـ إذا تغيّـرت العين بالنقيصة الخارجية الوصفية.
7ـ إذا تغيّـرت بالزيادة الخارجية أو الحكمية (1).
فعلى المختار لا يسقط الخيار في واحد منها، فإذا لم يكن التلف مسقطاً فكيف بمادونه وعلى المشهور، ففيه التفصيل. ولإيقاف القارئ على جلية الحال نأخذ كل واحد بالبحث اجمالاً:
ألف: إذا نقلها بعقد جائز فعلى المختار لا يسقط الخيار إنّما الكلام في أنّه هل يجب عليه تحصيل العين ولو بفسخ العقد الجائز، أو يكفي دفع البدل، ويُرَجَّح الثاني بأنّه لو وجب تحصيل البدل ولو بالفسخ، وجب عليه الإقالة إذا نقله بالعقد اللازم ولو ببذل شيء لأجلها، ويرجح الأوّل بالفرق بين العقدين بوجود التمكّن العرفي في العقد الجائز دون النقل اللازم، بل يمكن أن يقال: إنّ فسخ العقد الأوّل، فسخ للعقد الثاني الجائز تلويحاً وكناية، ولكن الظاهر هو الأوّل لأنّ حقيقة الفسخ شيء، وما يجب على الفاسخ بعده شيء آخر، وقد عرفت أنّ حكم العقلاء بعد الفسخ هو ردّ العين إن وجدت، والبدل إذا فقدت، والمفروض خروج العين عن ملك الفاسخ واحتمال كون فسخ العقد الأوّل كناية عن فسخ العقد الثاني، كما ترى.

1 . كما إذا عمل في الثوب عملاً زاد الرغبة كقصارته.

صفحه 249
هذا على المختار، وأمّا على المشهور فلو كان المانع هو نقل العين عن ملكه فيسقط خياره، وأمّا لو كان المانع عدم امكان الاسترداد، فيختصّ بالعقد اللازم دون الجائز لامكان استرداده بالفسخ.
ب ـ إذا دبّر العبد أو أوصى به للغير، فلا يسقط على كلا القولين.
ج ـ إذا اتفق زوال المانع بموت ولد أمّ الولد وفسخ العقد، فلا يسقط على المختار، وعلى المشهور فيه التفصيل بين كون المسقط هو نقل العين إلى الغير فيسقط أو عدم امكان الاسترداد فلا.
د ـ إذا تصرّف فيها بالايجار للغير فعلى المختار لا يسقط إذ ليس الايجاربأشكل من نقل العـين إنّما الكلام في ردّ العـين أو البـدل، فهناك احتمالات:
1ـ يرد العين وتصحّ الاجارة لأنّه آجرها وهو مالك، والملكية المطلقة كافية في تملّك المنافع الحالية والمستقبلية، غاية الأمر يرجع الغابن بعد الفسخ بالنسبة إلى المنافع إلى أُجرة المثل، ويكون المسمّى للمغبون، كما سيجيئ تفصيله فيما إذا أجرها الغابن.
2ـ يرد العين وتقع الاجارة فضولية فيما بعد الفسخ فلو أمضى يكون له المسمّى وإلاّ تبطل.
3ـ يرد البدل، خصوصاً إذا كانت الاجارة غير قصيرة فإنّ المنفعة رمز العين، فعدمها يساوق عدم العين.
هـ: إذا امتزجت مع ماله، فإن كان على وجه ملحق بالتلف كاستهلاك ماء الورد في دهن الزيت، يلحق بالتلف، ويسقط الخيار على مبنى المشهور دون

صفحه 250
المختار.
وإن كان الممتزجان مثليين وكانا متغايرين في الجنس لا يسقط الخيار ويبقى كل على ملك صاحبه كما إذا اختلط الجوز باللوز.
وإن كانا متّحدين في الجنس والوصف، كما إذا امتزج الشعير بمثله في الوصف، تحصل الشركة، وقد أرسلوه في كتاب الشركة من المسلّمات، ولولاه يمكن القول فيه بما نقول به في القسم الآتي.
وإن كانا متخالفين في الوصف كما إذا اختلط الأعلى بالأردى فهناك احتمالات:
1ـ إلحاقه بحكم التالف، وعليه يسقط خياره على مبنى المشهور دون المختار فيرجع إليه بالقيمة.
2ـ الحكم بالشركة في الثمن ـ إذا فسخ ـ بأن يباع ويعطى من الثمن بنسبة قيمته.
3ـ الحكم بالشركة في العين بنسبة القيمة فإذا كان الأجود يساوي قيمتي الردي كان المجموع بينهما أثلاثاً ورد هذا باستلزامه الربا في الربوي بناء على عمومه لكل معاوضة.
وإن كانا قيميين، تتعين الشركة في العين بنسبة القيمة، وعليه موثقة إسحاق ابن عمّـار: قال: قال أبو عبد اللّه في الرجل يبضعه الرجل ثلاثين درهماً في ثوب وآخر عشرين درهماً في ثوب، فبعث الثوبين ولم يعرف هذا ثوبه ولا هذا ثوبه؟ قال: يباع الثوبان فيعطى صاحب الثلاثين ثلاثة أخماس الثمن ، والآخر خمسي

صفحه 251
الثمن (1).
و ـ إذا تصرّف فيها بالنقيصة وهي على أقسام:
1ـ إذا أتلف بعض العين.
2ـ إذا صارت معيباً من حيث صفات الصحّة فعليه أن يردّ الباقي، مع الارش.
ويمكن القول بدفع البدل لما في قبول الناقص من ضرر على الآخذ، فتأمّل.
3ـ إذا صارت ناقصاً من جهة فقد الوصف (2) والانتقال إلى البدل هو المتعيّـن لعدم تعلّق الارش في تغيّـر الأوصاف عند القوم كما سيجيئ في محلّه، وبما أنّ المختار عندنا هو الارش في فقد صفات الكمال أيضاً، يجري فيه الوجهان السابقان في تلف الأجزاء وصفات الصحّة. هذا على المختار،، وأمّا على المشهور: فالظاهر السقوط لعدم امكان استرداد العين على ما كانت عليه.
زـ إذا تغيّـرت بالزيادة، أمّا المنفصلة كالثمر في الشجر، والصوف واللبن في الشاة، فلا تمنع عن الرد لعدم حصول الشركة لأنّها للمغبون.
إنّما الكلام في المتصلة، حقيقية كانت كما إذا صارت سميناً أو حكمية كما إذا غسل الثوب وزادت به الرغبة فاحتمل الشيخ حصول الشركة في الأُولى دون الثانية، وللتأمّل في أصل حصول الشركة فيهما أوّلاً، والتفريق بين الزيادتين ثانياً،

1 . الوسائل: ج13، كتاب الصلح الباب 11، الحديث 1 وبهذا يتبيّـن أنّ كون المثلية ليست من شرائط الشركة كما عليه المحقّق في الشرائع، بل الاشتباه في معرفة المال يكفي أيضاً.
2 . وقد أشار الشيخ إلى القسمين الأوّلين، ولم يذكر هذا القسم. فإلى الأوّل بقوله: فإن أوجب الارش، وإلى الثاني بقوله: ومن ذلك ما لو تلف بعض العين.

صفحه 252
مجال، والظاهر الرجوع إلى البدل في رفع اليد عنها، وعلى كل تقدير سواء قلنا بالشركة أو بالرجوع إلى البدل لا يسقط الخيار على المختار أمّا على نظر المشهور فيسقط (1).

في تصرّف الغابن:

إنّ صور تصرّف الغابن على وزان تصرّف المغبون فلا حاجة لذكر فهرسه أولاً، ومن المعلوم أنّ واحداً من تصرّفات الغابن في العين المشتراة، لا يُسقط خيار المغبون على كلا المبنيين، والغرض في المقام بيان كيفية استرداد البائع المغبون ـ مثلاً ـ ماله من المشتري الغابن المتصرّف فيه بانحاء مختلفة. وبهذا ظهر الفرق بين المقامين فالهدف في الأوّل هو البحث عن الكبرى وأنّه هل يسقط أو لا بخلاف الثاني، فالغرض هو بيان كيفيّة الاسترداد والبحث في هذا المضمار على عاتق مبحث أحكام الخيار الآتي، وكان على الشيخ إيكال البحث إلى هذا المقام لكنّه قدَّم الكلام فيها تبعاً لبعض المشايخ.

1ـ إذا تصرّف الغابن في المبيع تصرّفاً ناقلاً (2).

إذا تصرّف في المبيع بعقد لازم أو ما في حكمه، ففي تسلط المغبون على ابطال ذلك من حين الفسخ، أو من حين المعاملة، أو رجوعه إلى البدل وجوه.
الأقوى هو الثالث وبه يظهر ضعف الأوّلين، لأنّ تصرّف الغابن في العين

1 . وليعلم: أنّ البحث في تصرّف المغبون كان مركّزاً على سقوط الخيار وعدمه وأمّا كيفية استرداد المال فإنّما ذكر استطراداً بخلاف البحث الآتي، فالبحث فيه مركّز على الثانية لوضوح عدم سقوط خيار المغبون بتصرّف غيره.
2 . العنوان يختصّ بالتلف الحكمي وسيوافيك التلف الحقيقي تحت عنوان «تلف العوضين».

صفحه 253
كان تصرّفاً شرعيّاً لأنّه كان مالكاً لها، ولم يكن حق المغبون، كحق المرتهن في العينالمرهونة، والشفيع في سهم الشريك، حتى تتوقّف صحّة النقل الثاني باجازة المغبون، بل حقّه يتعلّق بالعقد، وأنّ له فسخ العقد ونقض العهد، وبعدالفسخ تصل النوبة إلى استرداد ماله، فإن وجده أخذه، وإلاّ انتقل إلى البدل.
وإن شئت قلت: إنّ هنا حقّين: حقّاً للغابن وهو التقلّب في ماله الذي اشتراه وليس له بدل، وحقّاً للمغبون وهو استرداد ماله بالفسخ، والجمع بين الحقّين هو الانتقال إلى البدل إن لم يتمكّن من استرداد العين.
وأضعف من الوجهين الأوّلين ما احتمله الشيخ من تقديم حق المغبون في مورد الاستيلاد، لسبق سببه، وذلك لأنّ الخيار تعلّق بالعقد، وردّ العين أثره، فلايكون سبقه على الاستيلاد مؤثّراً في تقديم حقّه.
وأمّا إذا تصرّف الغابن في المبيع بالنقل إلى الغير جائزاً. فهو من مصاديق التلف الحكمي، فينتقل إلى البدل بالبيان السابق، وكون العقد جائزاً، لا يجعله من مصاديق «مَنْ فَسخَ ووجدَ المبيع موجوداً» لأنّ المبيع انتقل إلى الغير، وكون انتقاله بالعقد الجائز، لا يخرجه عن كونه خارجاً عن ملك الغابن، وكونه جائزاً إنّما هو من جانب الغابن، لا من جانب المغبون لأنّه ليس طرفاً للعقد.
واحتمل الشهيد في المسالك تسلّط المغبون على فسخ عقد الغابن، إن لم يفسخ الغابن، أو امتنع بعد اجبار الحاكم، وهو عجيب إذ ليس هو طرفاً للعقد، وليس حقّ الخيار كحق الشفعة متعلّقاً بالعين.
وأمّا اجباره على الفسخ أو اجبار الحاكم عليه، فلا دليل عليه بعد صحّة تصرّفه، وكون المغبون مسلّطاً على الفسخ أمر، وكيفيّة استرداد العين أمر آخر، فإذا

صفحه 254
تحقّق الأوّل، يرجع في الثاني إلى السيرة المألوفة بين العقلاء.
ولو عاد المبيع إلى الغابن بالفسخ ثمّ فسخ المغبون، يسترد عينه، اللّهمّ إلاّ إذا فسخ بعد أخذ البدل لسقوط حقّه بأخذ البدل، وليس البدل إلاّ عوضاً عن العين على وجه الاطلاق، لا بدلاً مؤقتاً، ولو عاد بعقد جديد كما إذا اشتراه منه مجدداً، فالظاهر جواز استرداده، لأنّه فسخ ووجد عينه موجوداً، خلافاً للشيخ الأعظم حيث قوَّى عدم وجوب الرد مطلقاً «لأنّه ملك العين بعقد جديد تلقاها من مالكها (المشتري الثاني) والفاسخ إنّما يملك بسبب ملكه السابق بعد ارتفاع السبب الناقل، والمفروض عدم عوده، والعائد أمر آخر» ومراده من الفاسخ هو المغبون ومن السبب الناقل هو العقد المشتمل على الخيار، والمقصود أنّ المغبون لابدّ وأن يملك بالسبب السابق بعد ابطاله العقد الأوّل بالفسخ والحال أنّه لو أبطل عقده، يواجه ملكية جديدة متوسّطة، بين الملكية السابقة العائدة، وبين الفسخ، لاملكيته السابقة.
يلاحظ عليه: أنّ موضوع جواز الاسترداد ، هو كون العين مملوكة للغابن، سواء ملكها بتمليك المغبون أو بعقد جديد، وهذا هو الموضوع للاسترداد في نظر العقلاء لا كونه متملّكاً بالسبب السابق حتى يقال بعدم رجوعها بالفسخ.

2ـ إذا تصرّف الغابن في المبيع تصرّفاً مغيّـراً وهو على انحاء:

ألف: أن يكون موجباً لنقيصته.
ب: أن يكون موجباً لزيادته.
ج: أن يكون موجباً لامتزاجه.
وإليك البحث عن الثلاثة واحداً بعد الآخر:

صفحه 255

ألف ـ التصرّف الموجب للنقيصة:

التصرّف المستلزم للنقيصة، تارة يتحقّق بذهاب بعض أجزاء العين، وأُخرى بذهاب وصف الصحّة، وثالثة بذهاب وصف الكمال.
أمّا الأوّل: فلو كانت العين مثلية كالحنطة، فيرد الباقي مع بدل الذاهب، وإن كانت قيميّة كما إذا أتلف أحد مصراعي الباب، فيرد الباقي مع قيمة التالف، مضافاً إلى ارش النقص الوارد عليه من ذهاب الهيئة الاجتماعية.
أمّا الثاني: فهو كما إذا آلت الحنطة إلى فساد، أو صارت الدابّة عرجاء أو عمياء، فيردّهما مع الارش، لأنّ الفائت مضمون بجزء من العوض، فإذا ردّ تمام العوض وجب رد مجموع المعوض، فيتدارك الفائت منه ببدله.
وإن شئت قلت: إنّ مفاد الفسخ هو ردّ العين على النحو الذي قبضها، فإذا لم يمكن الردّ على النحو المأخوذ، يجب دفع العوض وليس هو إلاّ الارش.
وأمّا الثالث: فهو كما إذا نسي العبد الكتابة، أو نسي الكلب الحراسة التي تعلّمها ـ ولم يذكر الشيخ الأعظم هذا القسم ـ فيردّه بلا ارش، وذلك لأنّ الثمن عند الشيخ وأتباعه يُبذل في مقابل الأجزاء ولا يقابل وصف الصحّة بشيء من الثمن لأنّه أمر معنوي، ولذا لو قابل المعيب بما هو أنقص منه قدراً حصل الربا من جهة الزيادة، فإذا كان هذا حال وصف الصحّة فوصف الكمال أولى بأن لايقابل بشيء من الثمن، إلاّ أن الدليل من النص والاجماع دلّ على ضمان هذا الوصف من بين الأوصاف(1).
ولكن للتأمّل فيما ذكره مجال، والظاهر أنّ الثمن يوزع على الأجزاء وأوصاف

1 . المتاجر: قسم الخيارات/271 ط تبريز.

صفحه 256
الصحّة والكمال جميعاً، وإنّ ضمان وصف الصحّة بالارش مطابق للقاعدة إذ ربّما يكون المطلوب هو الأوصاف كالأمة المغنّية فلا يشتريها إلاّ لغنائها لا لكونها أمة قادرة على الخدمة، وما يذكره الشيخ في أوصاف الصحّة: «من أنّها لا يقابلها شيء لكن لها مدخل في زيادة الثمن وعدمها» غير تام بل لها دور في الاشتراء بأزيد ممّا يُشترى به الفاقد وما هذا إلاّ أنّ الثمن يقع في مقابلها، وعلى هذا فيرده الغابن بالارش مثل وصف الصحّة حرفاً بحرف.
ثمّ إنّ الظاهر من الفقهاء ضمان الغابن التلف السماوي مثل اتلاف الأجنبي، أمّا الثاني فله وجه، لأنّه إذا رجع المغبون إلى الغابن فهو يرجع إلى الأجنبي، وأمّا ضمانه للآفات السماوية، فهو يحتاج إلى التصريح ولا يكفيه الاطلاق، وذلك لأنّ الضمان في المقام ، ضمان معاوضي ينشأ من تعهّد المتعاملين ردّ مال الآخر سالماً عند استرداد ماله بوجه شرعي، ومن المعلوم انصراف مثل هذا النوع من التعهّد عن الآفات السماوية الخارجة عن حيطة القدرة البشرية اللّهمّ إلاّ أن يصرّح بالضمان وجبر الخسارة عندها.
وأمّا تضمينه بقاعدة «على اليد ما أخذت ...» فهو مشكل للشك في اطلاقه إلى هذا الحدّ، كما أنّ تضمينه بقاعدة «تلف المبيع في زمن الخيار ممّن لا خيار له»، أشكل لما عرفت من اختصاصها بالخيارات الثلاثة.

إذا وجدها الفاسخ مستأجرة:

فقد ذكر الشيخ وجوهاً ثلاثة:
1ـ وجوب الصبر على الفاسخ حتى تنقضي المدّة ولا يجب على الغابن بذل عوض المنفعة المستوفاة بالنسبة إلى بقية المدّة، لأنّ المنفعة من الزوائد المنفصلة

صفحه 257
المتخلّلة بين العقد والفسخ فهي ملك للمفسوخ عليه. فالمنفعة الدائمة تابعة للملك المطلق فإذا ملك آناً، ملك المنفعة بأسرها.
يلاحظ عليه: أنّه خلط بين الحق والباطل، إذ لا شك أنّ من ملك العين، آناً، يملك منفعتها الدائمة فله ايجارها ولكن حقيقة الفسخ ليس إلاّ ردّ العين على ما هي عليه، لا ردّ العين المجرّدة من المنافع، إذ ليس هذا النوع من الردّ رداً لها على ما هي عليه، بل ليس لها حقيقة عند العرف إلاّ كونها رمزاً للمنافع المستمرة، فإذا سلبها الغابن، كيف يصح أن يقال إنّه ردّها على ما هي عليه.
والنظر إلى العين بما أنّها جوهر له أبعاد ثلاثة أو أربعة وأنّ بقاءها ببقاء تلك الأبعاد لا ببقاء المنافع، نظر فلسفي فإنّها إذا كانت مسلوبة المنفعة، لاتوصفبالبقاء على ما هي عليـه في نظر العرف الذي لا يطلب العين إلاّ لمنافعها وهي كناية عنده عنها، ويشير بها إليها، فلا يكون ردّها مجرّدة عنها، ردّاًلها.
2ـ وبذلك يظهر ضعف القول الثاني من انفساخ الاجارة في بقية المدّة بحجّة أنّ ملك منفعة الملك المتزلزل متزلزل وهو المحكي عن المحقّق القمّي. إذ لم يدل دليله على الضابطة الواردة في كلامه بل اطلاق (أَوفوا بالعقود)يقتضي صحّة الايجار مطلقاً، ومثله ما إذا مات الموجر، فاطلاق الآية كاف في بقاء العقد وعدم انفساخه بموته، وللورثة الصبر إلى انقضاء المدّة.
3ـ فتعيّـن القول الثالث من ردّ العين، مع رد ما فُوِّت على الفاسخ من المنافع، وليس بدله، إلاّ أُجرة المثل، سواء ساوى أُجرة المسمّى أو زاد أو قلّ منها.
وإن شئت قلت: إنّ المفسوخ عليه ضامن للنقص الوارد على العين بسببكونها مسلوبة المنافع، ولا يعلم مقداره إلاّ بالرجوع إلى أُجرة المثل للعين

صفحه 258
المستأجرة.
نعم لو اشترى مع العلم بكونها مستأجرة فلا ضمان للنقص للاقدام به.

ب ـ التصرّف الموجب للزيادة:

التصرّف المغيّـر إذا لم يكن موجباً لزيادة القيمة، لا يمنع من الردّ ولا شيء لمحدثه لأنّه عمله لنفسه لا بأمر من المغبون، ولم يحصل في مقابله شيء. إنّما الكلام إذا كان موجباً لزيادتها فهي على قسمين:
ألف ـ أحدث زيادة حكمية في المبيع.
ب ـ أحدث زيادة عينية فيه.
أمّا الأُولى: فهي كما إذا بيّض الثوب وغسله، أو علّم العبد الصنعة أو الكتابة فهناك احتمالات:
1ـ ثبوت الشركة في العين بنسبة تلك الزيادة بأن تقوَّم العين معها ولا معها ويؤخذ بالنسبة وهو خيرة الشيخ الأعظم.
2ـ ثبوت الشركة في القيمة بنسبة تلك الزيادة مع كون كل من الوصف والموصوف ملكاً للمغبون.
3ـ استحقاق العامل أُجرة المثل لكونه عمل عملاً محترماً إذ لم يهتك حرمة ماله، والمبيع على هذا القول بوصفه للمغبون لكنّه كالعين المرهونة بالنسبة إلى المرتهن فكما هي ملك للراهن ومتعلّق حق للمرتهن، فهكذا في المقامفالعين بوصفها الموجب لزيادة القيمة ملك للمغبون لكنّها متعلّق حق للغابن.

صفحه 259
أمّا الثانية: أعني: الزيادة العينية.
فإن كانت متصلة كالسمن فهل هي للفاسخ كما عليه صاحب الجواهر في مسألة الحجر، ونقل عن العلامة في المختلف والمحقّق الثاني أنّها للمفسوخ عليه، وعليه تكون في المقام ملكاً للغابن. والظاهر تبعيّتها للعين، إلاّ إذا كانت كثيرة في الغاية، كما إذا أنفق في تحصيلها مؤنة زائدة فهي عندئذ ملك للمفسوخ عليه.
وأمّا إذا كانت منفصلة لكن قائمة بالعين كالأشجار المغروسة فهناك في جواز القلع وعدمه احتمالات:
1ـ يجوز للمغبون قلعها بلا ارش، وهو خيرة العلاّمة في كتاب الشفعة للمختلف.
2ـ لا يجوز له القلع مطلقاً حتى مع الارش، ذهب إليه المشهور في الأرض المغروسة بيد المشتري إذا أفلس ورجع البائع إلى أرضه.
3ـ يجوز له القلع مع الارش وهو خيرة المسالك.
4ـ يجوز لكل واحد تخليص ماله عن مال صاحبه مع جبر الخسارة الواردة على الطرف الآخر من عمله. فإن أراد مالك الغرس قلعه فعليه طمَّ الحفر، وإن أراد مالك الأرض تخليصها فعليه ارش الغرس، أعني: تفاوت ما بين كونه منصوباً دائماً وكونه مقلوعاً، وهو خيرة الشيخ الأعظم.
5ـ إنّ للبائع إلزام المشتري بأحد الأمرين: إمّا قلع شجره وهدم بنائه وطم الأرض، أو ابقائهما مع أُجرة المثل، وعلى المشتري أحد الأمرين لا يجوز له التخلّف عنهما، جمعاً بين الحقّين وعدم اضرار أحدهما بالآخر وهو خيرة السيد الأُستاذ

صفحه 260
ـقدّس اللّه سرّهـ (1).
ولكلّ من الاحتمالات وجه مذكور في المتاجر وللمسألة أشباه ونظائر ومع ذلك لا يمكن القضاء في الجميع بحكم واحد ولنذكرها:
1ـ أن توجد الزيادة في أرض الغير بلا اذن منه كما لو غرس الغاصب في الأرض المغصوبة أو بنى أو زرع.
2ـ أن توجد باذن منه كما إذا استعار أرضاً للغرس والبناء.
3ـ أن توجد في ملك الموجد مع كونه ملكاً متزلزلاً من جهة تعلق الخيار أو حق الشفعة.
4ـ أن توجد في ملكه غير المتزلزل، لكن طرأ عليه الفسخ كما في المفلس الغارس، إذا رجع البائع إلى العين الباقية.
5ـ أن يتمـلّك أحـدهما الأرض والآخـر الأشجـار، أو يبيـع الأرض دون الأشجار.
وحكم الأُولى والأخيرة واضح، حيث إنّه لا حقَّ للغاصب فيها، فلا يزاحم ضرره ضررَ المالك، ولا سلطته ـ المحرَّمة ـ سلطة المالك المشروعة، كما أنّ القرينة الحالية في الأخير تدلّ إمّا على ارادة الابقاء مع الأُجرة أو القلع بلا ارش وكأنّه باع الغرس بما هو حطب أو غيرهما.
إنّما الكلام في حكم الصور المتوسطة، ولا شك أنّه من قبيل تعارض الضررين، فلا يصحّ فرض الضرر على أحدهما معيّناً.
ولكن الكلام في أنّ المقام هل هو من قبيل تعارض السلطنتين وأنّ مقتضى

1 . المتاجر: قسم الخيارات ج4/351.

صفحه 261
اطلاق سلطنة صاحب الأرض عليها، هو قلع الأشجار، كما أنّ مقتضى اطلاق سلطنة صاحب الغرس هو الابقاء.
أو أنّ دليل السلطنة في المقام قاصر عن كلا الطرفين وأنّ المغبون مسلّط على ماله وهو الأرض لا على الغرس والبناء، فلا يجوز له التصرّف فيهما إلاّ باذن صاحبهما ولمالك الغرس سلطان على غرسه وليس له سلطان على الأرض يتصرّف فيها ولا يجوز ذلك إلاّ بإذن صاحبها.
أو التفصيل بين سلطنة صاحب الأرض وسلطنة الآخر حيث إنّ للأوّلالتصرّف في الغرس بالقلع دون الآخر وجوه واحتمالات والأوسط هو الأقرب.
ومفتاح حل المشكل هو البحث عن استحقاق صاحب الغرس لحقِّ الابقاء ـ مع قطع النظر عن دليل السلطنة ـ وعدمه.
الحق أن يقال: إنّه إذا كان الغرس باذن شرعيّ فله الابقاء مع جبر خسارة الطرف الآخر بالأُجرة دون ما إذا كان لا معه فمن القسم الثاني غرس الغاصب أو المشتبه أو القابض بعقد فاسد مع الجهل بالفساد، أمّا الأوّل فواضح وأمّا الأخير فلأنّ الضررين يتساقطان فالمرجع هو قاعدة السلطنة لصاحب الأرض، والمفروض عدم اذن شرعي خصوصاً في المشتبه حيث تخيّل بأنّ أرض الغير، أرض لنفسه.
ومثله المقبوض بالعقد الفاسد فإنّه وإن كان هناك اذن من المالك لكنّه كان إذناً مقيّداً بصحّة العقد لا مطلقاً، ومقتضى قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «ليس لعرق ظالم حقّ»عدم ثبوت حق للمعتدي سواء كان عن علم أو عن جهل. والظالم هو المعتدي.

صفحه 262
وأمّا وراء ذلك فاستنباط الحكم يتوقّف على ملاحظة أمرين:
1ـ إنّ الغارس كان مأذوناً في الغرس من جانب المالك والشارع ولم يكن في غرسه ظالماً ولا معتدياً، ومعنى ذلك أنّ ماله محترم حدوثاً وبقاءً ما لم يهتك احترامه، نعم وللمالك أيضاً أن يتصرّف في ملكه ما شاء وأراد، بالغرس تارة والبناءأُخرى والزرع ثالثة، هذا من جانب.
2ـ ومن جانب آخر، إنّ الفسخ ـ يتعلّق بالعقد والتعهّد المعاملي، وأمّا كيفيّة استرداد العين فهو أمر متأخّر يرجع فيه إلى سيرة العقلاء، والمفروض أنّ الفاسخ استردّ عينه. والحال أنّها كانت مشغولة بالغرس والبناء عن حقّ، وبعبارة أُخرى: عادت إليه العين مع النقص، فعليه جبر النقص حتى يصدق عليه أنّه استرداد للعين على ما هي عليه وذلك بأحد الأمرين:
1ـ دفع الأُجرة للبقاء.
2ـ أو قلعها.
وأمّا الابقاء مجاناً ـ كما نسب إلى المشهور (1) فهو يتنافى مع لزوم استرداد العين على ما كانت عليه حين الأخذ.
هذا من غير فرق بين أن يكون حقّ الغارس متقدّماً على حقّ الفاسخ كما في مورد التفليس إذا غرس المشتري ثمّ أفلس أو متأخراً كما في المقام إذ المدار على كون الزيادة مالاً محترماً للمفسوخ عليه، وهو حاصل في الموردين.
فإذا كان الغرس عملاً محترماً شرعاً، بحكم الأمر الأوّل، وكان للفاسخ أن يسترد ماله على ما هو عليه يوم الدفع بحكم الأمر الثاني، يترتّب عليه أنّ للفاسخ

1 . نسبه السيد الطباطبائي في تعليقته إليهم /40.

صفحه 263
أن يطلب من المفسوخ عليه أحد أمرين: الابقاء مع الأُجرة، أو قلعها وليس له اجباره بأحدهما.
والحاصل: أنّ ملاحظة الأُمور المذكورة تثبت ما ذكرنا من النتيجة:
1ـ إنّ الغارس كان مأذوناً في عمله وتصرّفه وليس عرقه عرق ظالم، وعمله وماله محترم حدوثاً وبقاء.
2ـ إنّ حقيقة الفسخ هو حل العقد وأمّا كيفيّة استرداد العين فهو أمر متأخّر راجع إلى حكم العقلاء.
3ـ إذا استرد العين، يجب على المفسوخ عليه ردها على ما هي عليه إمّا بلانقص أو مع جبره إذا كانت ناقصة، ولمّا كان المفروض نقص المبيع فعليه رفع النقص بدفع الأُجرة أو قلعها وافراغ الأرض من المانع.
وإذا اختار الثاني فالمعروف لزوم طمّ الحُفَر الحاصلة من القلع على المفسوخ عليه، لكنّه منظور فيه، لأنّ الفاسخ حينما ملك الأرض كانت مشغولة بالأشجار عن حق، وهو يستردّ الأرض ويعلم أنّ افراغ الأرض منها يستلزم ايجاد الحفر، ومع هذا الوصف، لا وجه لكون نفقة الطم على المفسوخ عليه.
والحاصل: أنّه لم يسترد الأرض الخالية بل الأرض المشغولة بالأشجار التي لو قلعت لبانت الحُفَر وبذلك ظهر أنّ الحقّ هو القول الخامس، لكن بحذف كون أُجرة الطم على المفسوخ عليه.
نعم لو قلنا بأنّ الخيار يتعلّق بالعين نظير حقّ الرهن لا بالعقد فقط، يجوز له القلع أو الاجبار عليه، لكنّه غير صحيح حتى في مورد الشفعة، إذ للشفيع حل العقد وأمّا رجوع العين فهو تابع لقضاء العقلاء في موردها.

صفحه 264
فإن قلت: إنّ الغرس إنّما وقع في ملك متزلزل وليس الاستحقاق للغرس في الأرض دليلاً على البقاء.
قلت: هذا ما ذكره الشيخ الأعظم ورتّب عليه، أنّ لكلّ من صاحبي الأرض والشجر تخليص ماله عن مال الآخر، وهو غير تام لما عرفت من أنّ الميزان كون الغارس مستحقّاً للغرس في مكان خاص، مأذوناً من قبل الشارع في عمله غير محدود بوقت.
ومنه يظهر أنّه لو أعار الأرض بلا تحديد بوقت، يكون حكمه حكم المشتري الغارس دون ما إذا كان محدوداً بسنة فإنّ له القلع بعد سنة بلا ارش، ومثله الاجارة إلى مدّة معيّنة، فإنّه يستحقّ القلع بعدها، لأنّ الاذن كان من أوّل الأمر مؤقتاً محدوداً، فلو أقدم على غرس لا ينتفع به فيها فقد أقدم على الضرر.

ج ـ التصرّف الموجب للامتزاج:

الامتزاج إمّا أن يكون بغير جنسه، أو بجنسه، وعلى الثاني إمّا أن يكون بالمساوي في الصفات، أو بالأعلى أو بالأدنى وقد مرّت أحكام الكل عند البحث عن تصرّف المغبون فلا نعيد.

في حكم تلف العوضين مع الغبن: (1)

التلف إمّا حقيقي، أو حكمي وقد مضى حكم الثاني، بقي حكم الأوّل في جانبي المغبون والغابن، ثمّ إنّ تلف ما في يد المغبون على أنحاء لأنّ التلف إمّا

1 . وقد تقدّم حكم التلف الحكمي ص244.

صفحه 265
بآفة سماوية أو باتلافه أو باتلاف الأجنبي أو باتلاف الغابن.
كما أنّ تلف ما في يد الغابن ينقسم من حيث السبب إلى هذه الأقسام الأربعة فتصير الأقسام ثمانية.
أمّا الأوّل: فعلى المختار من تعلّق الفسخ بالعقد، لا يسقط خيار المغبون بتلف ما في يده، لأنّ الفسخ أمر، واسترداد المال أمر آخر، ولو قلنا باشتراط الفسخ بإمكان الاسترداد، فالخيار ساقط.
ثمّ إنّه لو تلف ب آفة سماوية (وقلنا بالضمان فيه خلافاً لما حقّقناه) أو باتلاف المغبون ففسخ، أخذ ما عند الغابن أو بدله.
وهل يُغرِم عليه قيمة يوم التلف أو يوم الفسخ أو يوم الأداء كل محتمل.
أمّا الأوّل: فإنّ القيمة قامت في هذا اليوم مقام العين، وأمّا الثاني: فإنّه يوم استحقاق القيمة والأقوى الأخير ، لأنّه مسؤول عن العين ما لم يؤدّها، والتأدية أعم من تأدية نفس العين أو بدلها، وإنّما تزول المسؤولية عن العين بالردّ الأعم حسب قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «على اليد ما أخذت حتى تؤدّي»، فهو مسؤول عن العين إلى أن يؤدّيها فأمّا أن يؤدّيها نفسها أو بدلها وليس إلاّ قيمتها يوم الأداء لا القيمة المتقدّمة، لأنّه كان مسؤولاً عن العين إلى يوم الأداء.
ولو تلف بالأجنبي ففسخ، فيرجع إلى الغابن، ويرجع هو إلى الأجنبي.
وإن كان رجع المغبونُ إليه بالبدل ثمّ ظهر الغبن ففسخ، ردّ على الغابن قيمة يوم الأداء على ما عرفت.
ولو تلف بالغابن فإن لم يفسخ أخذ القيمة من الغابن وإن فسخ أخذ الثمن.

صفحه 266
ولو تلف بالغابن قبل ظهور الغبن فأبرأه المغبون من الغرامة، ثمّ ظهر الغبن ففسخ، فالمغبون يأخذ الثمن بحكم الفسخ (1) فيردّ عليه القيمة، لأنّ الابراء بمنزلة المقبوض.
هذه هي الأقسام الأربعة لما إذا تلف ما في يد المغبون وإليك بيان الصور الأربعة الموجودة فيما إذا تلف ما في يد الغابن.
وأمّا الثاني: أعني: تلف ما في يد الغابن، فإن تلف ما في يده ب آفة سماوية أو باتلافه (ونفترض أنّ الغابن هو المشتري) ففسخ وقلنا بالضمان في الصورة الأُولى أيضاً، يدفع الثمن ويأخذ قيمة يوم الأداء على ما عرفت.
وإن كان باتلاف الأجنبيّ ففسخ، يرجع إلى الغابن في أخذ البدل مع دفع الثمن إليه، ويجوز أيضاً للفاسخ الرجوع إلى المتلف، لأنّ المال في عهدته.
وإن كان باتلاف نفس المغبون فإن لم يفسخ غرم بدله (2) ، ولو أبرأه الغابنثمّ ظهر الغبن ففسخ، ردّ الثمن وأخذ قيمة المتلف لأنّ المبرأ منه كالمقبوض.

مسألة: في عدم اختصاص خيار الغبن بالبيع:

لا اشكال في عدم اختصاص خيار الغبن بالبيع، بل هو ثابت في كل معاملة غير مبنية على التسامح، والاجماع وإن كان قاصراً عن اثبات العموم لكن

1 . لم يذكر الشيخ الأعظم أخذ الثمن، ولعلّه لوضوحه.
2 . لا ثمرة للفسخ لأنّه بحكم الاتلاف يجب عليه دفع البدل، وبحكم الفسخ، يأخذ منه نفس ذلك البدل ـ ولذا لم يذكره الشيخ الأعظم.

صفحه 267
قاعدة لا ضرر وبناء العقلاء غير قاصرين.
نعم لا غبن في الصلح لأجل رفع النزاع أو احتمال الشغل اللّهمّ إلاّ إذا كان الاحتمال دائراً بين العشرة والعشرين فيصالح بالأوّل فبان أنّه ألف، فعند ذاك يتعلّق به الخيار، نعم لو كان التساهل حاكماً على الاطلاق فالظاهر سقوطه.

هل خيار الغبن فوري أو لا؟

نسب (1) إلى المشهور: أنّ خيار الغبن فوري، فلو أهمل في الأعمال ـ بعد الوقوف على الغبن ـ يسقط.
استدل له بأنّ الخيار على خلاف الأصل ـ وهو اللزوم ـ فيقتصر فيه على المتيقّن، كما استدل للقول الآخر بأنّ الأصل بقاء الخيار في القطعات الأُخرى من الزمان.
وكلا الاستدلالين يعربان عن تسليم عدم وجود اطلاق في دليل الخيار، ولأجله لجأ الأوّل إلى الأخذ بالقدر المتيقّن والآخر إلى التمسّك بالاستصحاب. ولكن التحقيق عدم وصول النوبة إلى الاستدلالين لوجود الاطلاق في بعض أدلّته وإليك دراستها.
أمّا الاجماع فهو دليل لبّي يؤخذ بالقدر المتيقّن ومثله حديث تلقّي الركبان وما والاه فإنّها في مقام بيان أصل الخيار وأنّه إذا وقف على الغبن فله الخيار، وأمّا أنّه إذا أهمل فهل هو فوري أو لا، فهو خارج عن حريم دلالته.
إنّما الكلام في مفاد قاعدة «لا ضرر ولا ضرار» والأوّل: لنفي الضرر المالي

1 . الحدائق: 19/43.

صفحه 268
والنفسي، والثاني: لنفي ايجاد الحرج والمكروه، والقضية ظاهرة في سلب العموم، أي نفي أي ضرر وضرار في الاسلام أو في المجتمع الإسلامي، فلو أُريد الأوّل يكون المراد نفي وجود أي حكم ضرري فيه، ولو أُريد الثاني يكون المراد نفيهما في الخارج، وقد قلنا: إنّ الأخبار عن عدمهما ـ مع وجودهما فيه ـ لأجل نفـي أي حكم ضرري ولا ضراري في الشريعة، فصار هذا مسوِّغاً للاخبار عن عدمهما فلمّـا رأى عدم حكم ضرري في مجال التشريع، صار ذلك سبباً لجواز الإخبار عن عدمهما في الخارج.
وعلى ضوء هذا فاللزوم الغبني حكم ضرري منفي، وصفحة التشريع خالية منه، ومعنى خلوّها منه، هو نفيه في جميع الأزمنة من غير فرق بين الأوّل والثاني.
وما ربّما يقال من أنّ منشأ الضرر في الزمان الثاني هو نفس المغبون، حيث ترك الفسخ، وأبقى العقد على حاله، غير تام، إذ مضافاً إلى ـ أنّ منشأ الضرر هو اللزوم الضرري غاية الأمر أنّ المغبون لم يدفعه عن نفسه باعمال الخيار ، وهذا غير القول بأنّ المنشأ له هو نفسه ـ أنّ حكومة القاعدة على الأحكام الأوّلية ليست حكومة تدريجية حسب تدرّج الزمان، وإنّما هي من قبيل حكومة قانون كلّـي على قانون مثله ، نظيره جميع العناوين الثانوية فقد شرعت أحكامها، لأجل تحديد أحكام العناوين الأوّلية، وعلى هذا فهنا حكمان:
1ـ لزوم العقد إذا كان ضررياً.
2ـ نفي كل حكم ضرري.
ففي ظل حكومة الحكم الثاني، يرتفع الأوّل من أصل، وعليه لا معنى لرفع الحكم في زمان دون زمان.

صفحه 269
وما ذكرنا لا ينافي كون الأحكام الشرعية مجعولة على نحو القضايا الحقيقية، إذ معناها أنّها أحكام تطبق على موضوعاتها حسب تواجدها في عمود الزمان وأنّه ما لم يوجد عقد غبني، لا يتحقّق للقاعدة موضوع، وبعده يكون حاكماً على الاطلاق المستفاد من قوله: (أَوفوا بالعقود).
وبذلك يظهر ضعف ما أفاده صاحب الرياض من أنّ المدرك لو كان هو قاعدة «لا ضرر ولا ضرار» فالخيار فوري (1).
ونظير القاعدة، بناء العقلاء الذي هو الأساس لخيار الغبن، فإنّهم لا يرون أنفسهم ملزمين بالوفاء بالعقد بعد ظهور الغبن وتخلّف الشرط من غير فرق بين الزمانين.
نعم يجب أن لا ينتهي الأمر إلى التسامح والتواني فلا شك أنّ أدلّة الخيار منصرفة عن مثله.
هذا إذا أحرز الاطلاق في دليل الخيار، ولو لم يحرز فهل المرجع هو عمومالوفاء بالعقد، أو استصحاب حكم المخصّص؟ ذهب الشيخ الأعظم إليالثاني، قائلاً بأنّ العموم الزماني تابع للعموم الأفرادي، فإذا فرض خروجبعضهفلا مقتض للعموم الزماني فيه، حتى يقتصر من حيث الزمان عليالمتيقّن بل تخصيص الفرد الخارج تخصيص واحد، استمرّ زمان خروجه أو انقطع.
نعم لو فرض إفادة الكلام للعموم الزماني على وجه يكون الزمان مكثّراً لأفراد العام بحيث يكون الفرد في كل زمان مغايراً له في زمان آخر، كان اللازم بعد العلم بخروج فرد في زمان ما، الاقتصار على المتيقّن لأنّ خروج غيره من الزمان،

1 . الرياض : ج1 في أحكام خيار الغبن.

صفحه 270
مستلزم لخروج فرد آخر من العام غير ما علم خروجه (1).
يلاحظ عليه: أنّه لا شك أنّ الآية من قبيل القسم الأوّل وأنّ الفرد في جميع الأزمنة فرد واحد، لا أفراداً مختلفة، فهي نظير ما إذا قال: أكرم كل عالم، فكل فرد من العلماء في مجموع الزمان فرد واحد، لا أنّه في كل ساعة أو يوم فرد لكن هذا النوع من العام على صنفين:
تارة يكون الفرد مطلوب الاكرام في زمان خاص على فرض أنّه لو عصى ولم يكرم، يسقط الأمر، وأُخرى يكون ـ مع كونه فرداً واحداً في جميع الأزمنة ـ مطلوب الاكرام فيما بقى من الزمان ولو مع عصيانه في الأزمنة المتقدّمة وهذا لايعني أنّه في كلّ زمان فرد، وأنّ سقوطه في زمان لا يستلزم سقوط حكمه في الزمان الآخر، بل بمعنى أنّ هنا موضوعاً

1 . المتاجر ص 243 ـ وقال بمثله في الفرائد.

صفحه 271
واحداً و حكماً فارداً، ولكنّه مطلوب استمراره، ولو عصى لا يسقط الحكم، وهذا نظير صوم يوم شهر رمضان، فمع أنّ مجموع ساعات اليوم موضوع واحد ولها اطاعة واحدة ولكنّه إذا فطر في ساعة، وجب عليه الامساك عنه في الساعات الأُخر.
هذا من غير فرق بين استفادة الاستمرار من اللفظ كما إذا قال: أكرم العلماء مستمراً، أو من مقدّمات الحكمة، أو القرائن الأُخر كما هو الحال في قوله سبحانه: (أَوفوا بالعقود) فإنّ قوام الحياة إنّما هو بالوفاء بها مستمرّاً لا ساعة واحدة، ولأجل ذلك لو تخلّف، لما سقط وجوب الوفاء الاستمراري بلا حاجة إلى أمر جديد.
والحاصل: لا نقول إنّ الزمان فيه قيد، وانّ كل فرد في كل زمان ،موضوع مستقلّ، بل مع الاعتراف بظرفيّة الزمان، وكون الفرد في جميع الأزمنة موضوعاً واحداً، نقول: إنّ المطلوب هو استمرارية الحكم مطلقاً، عُصِي في الأثناء أم لا.
وعلى ضوء ذلك يكون المرجع بعد الزمان الأوّل، هو التمسّك بالعموم، لاالأخذ باستصحاب حكم المخصّص.
ولأجل ما ذكر من الدلالة على الاستمرار، يرجع القائل بالتراخي، إلى العام إذا توانى وتسامح المغبون إلى حدّ خارج عن العادة ـ مع اعترافه بكون الزمان ظرفاً ـ وما هذا إلاّ لاستفادة الاستمرار من الآية.
وقد مرّ نظير هذا الكلام منّا في السابق ومن أراد التفصيل فليرجع إلى ما حقّقناه في البحوث الأُصولية.
نعم هذا كلّه إذا لم يكن هنا اطلاق في أدلّة الخيار، وإلاّ فلا تصل النوبة إلى التمسّك بالعام.
ثمّ إنّه بعد القول بالتراخي لا مجال للبحث عن حكم الجاهل بالفور كما طرحه الشيخ الأعظم.

صفحه 272

صفحه 273

الفصل السادس

خيار التأخير

دليله.
شروط خيار التأخير:
أ. عدم قبض المبيع.
ب. عدم قبض مجموع الثمن.
ج. تأخير الثمن.
د. أن يكون المبيع عيناً أو شبهها.
في مسقطات خيار التأخير الخمسة:
أ. سقوطه بعد الثلاثة قولاً وفعلاً.
ب. اشتراط سقوطه في متن العقد.
ج. بذل المشتري للثمن بعد الثلاثة.
د. أخذ الثمن من المشتري.
هـ. مطالبة الثمن.
حكم تلف المبيع في الثلاثة وبعدها.

صفحه 274

صفحه 275

خيار التأخير

عرّفه الشيخ في الخلاف بقوله: من ابتاع شيئاً معيّناً بثمن معيّـن ولم يقبضه، ولا قبض ثمنه وفارقه البائع، فالمبتاع أحقّ به ما بينه وبين ثلاثة أيّام، فإن مضت ولم يُحضره الثمن، كان البائع بالخيار بين فسخ البيع وبين مطالبته بالثمن ـ إلى أن قال ـ: وخالف جميع الفقهاء في ذلك (1).
ويظهر من العبارة كونه من مختصّات الإمامية، وبه صرّح المرتضى في الانتصار (2) والعلاّمة في التذكرة (3) ثمّ إنّهم بعد اتّفاقهم على نفي اللزوم ـ اختلفوا على قولين:
1ـ فمن قائل ببطلان البيع بعدها، صرّح به الشيخ في المبسوط (4) والقاضي في المهذب (5) وحكاه العلاّمة عن ابن الجنيد في المختلف، ومن المتأخّرين قال به

1 . الخلاف: 3/20 المسألة 24.
2 . الانتصار 210.
3 . التذكرة 1/498.
4 . المبسوط 2/87 نسبه إلى الروايات.
5 . المهذب: 1/361.

صفحه 276
المحدّث البحراني في الحدائق حيث قال: الحقّ هو ما ذهب إليه ابن الجنيد والشيخ هنا (1) ومال إليه السيد الطباطبائي في تعليقته على المتاجر (2) وقال: الانصاف يقتضي ما ذكره صاحب الحدائق.
2ـ ومن قائل بالصحّة وارتفاع اللزوم، وإليه ذهب الشيخ في الخلاف ـ كما عرفت ـ وفي النهاية، وحكاه في الحدائق عن المفيد، وابن سعيد في الجامع (3) والمحقّق في الشرائع ومن جاء بعده غير من عرفت.
وعرفان الحق رهن دراسة أدلّته فنقول: استدل للخيار بوجوه:
1ـ الاجماع. والمعلوم أنّه اجماع مستند إلى الروايات.
2ـ قاعدة «لا ضرر». فإنّ الضرر هنا من جهات:
أ ـ أن يكون تلفه منه.
ب ـ كونه محجوراً من التصرّف فيه.
ج ـ وجوب حفظ المبيع للمشتري. وربّما يكون الحفظ حرجياً أيضاً.
يلاحظ عليه: أنّه لو كان الميزان هو الضرر والحرج النوعيان يصح التمسّك بهما مطلقاً سواء أكان هناك ضرر وحرج شخصيان أم لا، غاية الأمر تكون الروايات الآتية محدِّدة لمفادهما، وأمّا إذا كان الملاك هو الشخص، فتختلف حال الاشخاص ولا يصحّ الحكم بالخيار إلاّ بعد طروئهما، فربّما يكون في مورد ضررياً أو حرجياً دون المورد الآخر ولكلّ حكمه، ولأجل قصور الوجهين فالأولى الاستدلال بالروايات.

1 . الحدائق: 19/48.
2 . التعليقة : 2/52.
3 . الجامع للشرائع/ 247.

صفحه 277
3ـ الروايات المتضافرة المغنية عن دراسة رجالها وهي بين صحيحة وموثقة وضعيفة.
1ـ صحيحة زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) : قال: قلت له: الرجل يشتري من الرجل المتاع، ثم يدعه عنده، فيقول: حتى آتيك بثمنه؟ قال: إن جاء فيما بينه وبين ثلاثة أيّام، وإلاّ فلا بيع له.
2ـ خبر عبد الرحمان بن الحجاج قال: اشتريت محملاً فأعطيت بعض ثمنه وتركته عند صاحبه، ثمّ اُحتبِستُ أيّاماً، ثمّ جئت إلى بائع المحمل لآخذه فقال: قد بعته، فضحكت ثم قلت: لا واللّه لا أدعك أو أُقاضيك، فقال لي: ترضى بأبي بكر بن عياش؟ قلت: نعم، فأتيته فقصصنا عليه قصّتنا، فقال أبو بكر: بقول من تريد أن أقضي بينكما، بقول صاحبك أو غيره؟ قال: قلت: بقول صاحبي، قال: سمعته يقول: من اشترى شيئاً فجاء بالثمن ما بينه وبين ثلاثة أيّام وإلاّ فلا بيعله.
3ـ صحيحة علي بن يقطين: أنّه سأل أبا الحسن ـعليهالسلامـ عن الرجل يبيع البيع ولا يقبضه صاحبه ولا يقبض الثمن؟ قال: فإنّ الأجل بينهما ثلاثة أيّام، فإن قبض بيعه وإلاّ فلا بيع بينهما.
4ـ خبر إسحاق بن عمّـار، عن عبد صالح ـعليهالسلامـ قال: من اشترى بيعاً فمضت ثلاثة أيّام ولم يجئ فلا بيع له (1).
ولأجل تحديد مفاد الروايات وتبيين شروط خيار التأخير نبحث عن أُمور:
الأوّل: ما هو مفادها، فهل هي ظاهرة في البطلان بعد ثلاثة، أو ظاهرة في نفي اللزوم؟ وجهان: يرجّح الأوّل بأنّ النكرة الواقعة في سياق النفي موضوعة لنفي

1 . الوسائل: ج12، الباب 9 من أبواب الخيار، الحديث 1 و 2و 3 و 4.

صفحه 278
الحقيقة، فإذا تعذّرت ـ لوجود البيع ـ فأقرب المجازات وهو نفي الصحّة، أولى. ويؤيّده فهم جماعة من الأصحاب كما مر.
ويرجّح الثاني بأنّ الهيئة وإن كانت ظاهرة في نفي الحقيقة ثمّ نفي الصحّة إلاّ أنّ هنا قرائن تدل على أنّ المراد نفي اللزوم وإليك البيان:
1ـ إنّ الجزاء المقدر ـ في صحيحة زرارة: «إن جاء فيها بينه وبين ثلاثة أيّام وإلاّ فلا بيع له»، وفي رواية عبد الرحمان بن الحجاج: «من اشترى شيئاً فجاء بالثمن ما بينه وبين ثلاثة أيّام وإلاّ فلا بيع له» وفي رواية علي بن يقطين: «فإنقبض بيعه وإلاّ فلا بيع بينهما» ـ عبارة عن قوله: يجب عليه الوفاء بالعقد،أويجب أداء المبيع، ونحو ذلك، فلو كان هذا هو الجزاء فيكون مفسّـراً لقوله «وإلاّفلا بيع له» والمراد أنّه إذا لم يجئ لا يجب عليه الوفاء والأداء لا البطلان.
ويؤيّد ذلك أنّ الإمام عبّـر فيما يفسد من يومه بالعهدة وقال: «العهدة فيما يفسد من يومه مثل البقول والبطيخ والفواكه يوم إلى الليل» (1) ومعناه أنّه بعد مرور الزمان المحدّد، لا تعهّد للبائع وهو عبارة أُخرى عن نفي اللزوم.
وبعبارة أُخرى أنّ الهدف من السؤال، هو تعيين تكليف البائع فإنّه كان في السابق ملزماً ـ بالوفاء ـ بالعقد، واقباض المبيع فأراد أن يقف على أنّه هل هو ملزم به مثل السابق أو لا، فوافاه الجواب بإنّه لا بيع، فيكون المراد، هو نفي اللزوم، فأشبه بالبناء المتزلزل الذي يصحّ أن يوصف بأنّه لا بناء، كما يصحّ أن يوصف المنهدم أيضاً بأنّه لا بناء.
2ـ إنّ الحكم في المقام امتناني، ومقتضاه صحّته بلا لزوم لا بطلانه إذ

1 . الوسائل: ج12، الباب 11 من أبواب الخيار، الحديث 2.

صفحه 279
ربّما يتعلّق الغرض ببقاء العقد واستمراره بحيث يكون في بطلانه ضرر عليه.
3ـ ما ورد في دعائم الإسلام: انّه من اشترى صفقة وذهب ليجيئ بالثمن فمضت ثلاثة أيّام ولم يأت به: فلا بيع إذا جاء يطلب إلاّ أن يشاء البائع (1).
4ـ يؤيّده أيضاً ما في رواية علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل اشترى جارية وقال: أجيئك بالثمن؟ فقال: «إن جاء فيما بينه وبين شهر وإلاّ فلا بيع له» (2) بناء على أنّ الرواية غير مختصّة بموردها وأن الاجابة مستحبّة إلى شهر ـ وذلك جمعاً بين الروايات ـ وهو لا يجتمع مع البطلان.
وأمّا تأييده بإفراد الضمير في أكثر الروايات، الدال على انتفاء البيع بالنسبة إلى المشتري، فهو معارض بما في رواية علي بن يقطين «بأنّه لا بيع بينهما»، فلو قلنا بعدم المفهوم للأوّل يرتفع التعارض.
ولو شك في المفاد، فالمحكَّم عند الشيخ هو استصحاب الآثار المترتبة على البيع، وليس اللزوم بالنسبة إلى الصحّة من قبيل الفصل إلى النوع، حتى يلزم من ارتفاعه، ارتفاع الموضوع وانهدام وحدة القضيتين، بل اللزوم والجواز من الآثار والأحكام للصحّة، فهي موضوع لهما عند العرف كما لا يخفى.
ولكنّ التمسّك به إنّما يصحّ لو احتملنا طروء البطلان على البيع بعد انعقاده صحيحاً قطعاً، وأمّا لو احتملنا أنّ معناه عدم انعقاد المعاملة من الأصل وأنّها مرعيّة بعدم تأخير الثمن أزيد من ثلاثة، فإذا أُخّر أزيد منها، انكشف عدم انعقاد المعاملة من حين وقوعها، فلا يكون في المقام قضية متيقنة حتى تستصحب.

1 . المستدرك: ج 13، الباب 8 من أبواب الخيار الحديث 1.
2 . الوسائل: ج12، الباب 9 من أبواب الخيار، الحديث 6.

صفحه 280

شروط خيار التأخير:

يعتبر في خيار التأخير أُمور أربعة:
1ـ عدم قبض المبيع.
2ـ عدم قبض مجموع الثمن.
3ـ عدم اشتراط تأخير تسليم أحد العوضين.
4ـ أن يكون المبيع عيناً أو شبهها كصاع من صبرة.
وإليك دراسة هذه الشروط:

الشرط الأوّل : عدم قبض المبيع:

يعتبر في ثبوت خيار التأخير عدم قبض المبيع، ونقل في الحدائق والجواهر(1): اتفاق الأصحاب عليه ونقل في الأخير عن بعض الأفاضل: عدم اعتباره ومال هو إليه، وعلى كل تقدير، فمصدر القولين ما عرفته من الروايات. فنقول:
يدلّ على الاعتبار صحيحة علي بن يقطين حيث قال: «فإن قبض بيعه، وإلاّ فلا بيع بينهما» ثمّ إنّ الفعل (قبض) لو قرئ مخفَّفاً يتعدّى إلى مفعول واحد، يقال قبض الشيء: أخذه وقبض اللّه فلاناً، وقبض روحه: أماته، قالسبحانه:(وَيَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ وَيقْبِضُونَ أَيدِيَهُمْ)(التوبة/ 67) وعليهذايكون الفاعل صاحب البائع أي المشتري: أي فإن قبض الصاحب المبيعَ.

1 . الحدائق: 19/45، الجواهر: 23/53.

صفحه 281
وأمّا لو قرئ بالتشديد فحينئذ يتعدّى إلى مفعولين يقال: قبَّض فلاناً المال: أعطاه إيّاه، وعلى هذا يكون الفاعل هو البائع، والمراد: قبّض البائعُ صاحبه المبيعَ. وعلى كلا التقديرين لفظة «البيع» بمعنى المبيع بقرينة صدر الرواية: «يبيع البيع» والفقرة على كلتا القراءتين دالّة على اشتراط عدم القبض، وأنّه لو كان هناك قبض فلا خيار.
وهناك احتمال ثالث وهو قراءة «البيع» بالتشديد وهو يطلق على كلّ من المتعاملين، وقد رجعت إلى بعض المعاجم فلم أجد استعماله مفرداً، وعلى فرض صحّته فلو قرئ الفعل بالتشديد يكون البيّع مفعولاً ويقصد منه المشتري أي: إن قبّض البائع المشتريَ.
ولو قرئ بالتخفيف فإن قصد منه المشتري يكون فاعلاً أي: إن قبض المشتري ماله.
نعم لو أُريد منه ـ في هذه الحالة ـ البائع يكون الكلام راجعاً إلى قبض الثمن.
والاحتمالات الثلاثة الأخيرة ضعيفة، والأوّل ثمّ الثاني هو الأقوى.
ونقل بعض المحشّين أنّ الموجود في نسخة المختلف مكان «بيعه» هو«ثمنه» وعلى هذا يسقط الحديث عن الدلالة، ولكن الاعتماد عليها ضعيف جداً.
ثمّ إنّه لو تمّت دلالة الحديث فأمر الاطلاقات سهل.
أمّا خبر إسحاق بن عمّـار: «من اشترى بيعاً فمضت ثلاثة أيّام ولم تجئ فلابيع له، فالذيل منصرف إلى أنّه لم يجئ ليقبض المبيع بقرينة قوله: «من اشترى بيعاً» فهو على الشرطية أدلّ.

صفحه 282
وأمّا ما جاء في كلام القاضي ابن عياش حيث نقل عن الإمام: «من اشتريشيئاً فجاء بالثمن ما بينه وبين ثلاثة أيّام وإلاّ فلا بيع له» فلايعتدباطلاقه ولعلّ ترك القيد لكونه مفروضاً في السؤال حيث قال: «واشتريت محملاً فأعطيت بعض ثمنه، وتركته عند صاحبه» وتصوّر أنّ ترك المتاع عنده، قبض كما ترى، ومثله ما ورد في صحيحة زرارة «ثم يدعه عنده» والمراد منه، هو جعل المبيع مشخصاً لاإقباض المبيع، ولأجل ذلك لو تلف، تلف من مال البائع لا الصاحب. ومثله حديث الجارية، وبالجملة لا يستفاد من هذه الرواياتالثلاث أنّ موردها قبض المبيع، حتى يعارض ما دلّ على شرطية عدم قبضه.
وبالجملة: لو قلنا بأنّ المراد هو اقباضه وتركه عنده أمانة، فيكون مفادها أنّ تمام الموضوع هو المجيئ بالثمن فإن جاء به في الثلاثة، وإلاّ فلا بيع، وعند ذلك يقع التعارض بينه وبين صحيحة ابن يقطين.
ولكن تفسير الايداع في رواية زرارة أو الترك في رواية عبد الرحمان بن الحجاج بالقبض غير تام والرائج هو العقد وتعيين المبيع وعدم قبضه، ولأجل اعطاء الاطمئنان للبائع، لا يقبض المبيع حتى يجيئ بالثمن، فيكون المورد ممّا لم يقبضه المثمن.
ثمّ إن قبض البعض كلا قبض، لأنّ البعض ليس بمبيع إلاّ إذا انحلّ إلى مبيعين، ويكون البعض في مقابل واحد.
ولو بذل المشتري الثمن، وامتنع البائع من قبضه واقباض المبيع فلاخيارلأنّ مدار الخيار على عدم المجيئ بالثمن والمفروض أنّه بذل وامتنع

صفحه 283
البائع.
ولو قبضه المشتري بلا اذن البائع، مع عدم اقباض الثمن، فالظاهر سقوط الخيار. لفقدان الشرط، وصدق القبض.
إنّما الكلام إذا استردّه، فقد بنى الشيخ الأعظم المسألة على ارتفاع الضمان عن البائع بهذا القبض وعدمه، إذ مع ارتفاع الضمان لا ضرر على البائع إلاّ لأمرين وكلاهما قابلان للدفع:
1ـ وجوب حفظ مال الغير.
2ـ عدم وصول ثمنه.
وكلاهما قابلان للدفع فله أخذ المبيع مكان الثمن مقاصة، وأمّا مع عدم ارتفاع الضمان فيجري دليل الضرر.
الظاهر سقوط الخيار أيضاً مثل ما لم يستردّه لحصول القبض، والملاك في سقوط الخيار وعدمه في الروايات هو صدق القبض وعدمه. وليست المسألة مبنيّة على الضرر.
ولو سلّمنا فالظاهر بقاء الخيار حتى مع ارتفاع الضمان وذلك لأنّ الضرر ـمن الأمرين اللذين أشار إليهما ـ بعد باق، لأنّ التقاص إنّما هو في مورد امتناع من عليه الحق عن الأداء لا مطلقاً.
ولو مكّن البائع المشتري من القبض، فلم يقبض، فقد بنى الشيخ المسألة على ارتفاع الضمان وعدمه فيسقط على الأوّل دون الثاني.
والظاهر بناء المسألة على صدق القبض وهو غير صادق.

صفحه 284

الشرط الثاني: عدم قبض الثمن:

اتّفقت كلمتهم على هذا الشرط، وهو ظاهر الأخبار وقد تكرّرت هذه الجملة: إن جاء بينه وبين ثلاثة أيّام وإلاّ فلا بيع له. حتى أنّ بعضهم جعل الموضوع عدم المجيئ بالثمن، سواء أقبض المثمن أم لا، فهو شرط متّفق عليه، وقبض بعض الثمن، كـ: لا قبض لعدم كونه ثمناً.
ولو قبضه بلا إذن فهو كـ: لا قبض، لأنّ تعيين ما في الذمّة في فرد، من صلاحيات المشتري لا البائع، اللّهمّ إذا كان ممتنعاً، فيعيّـن بتعيين الفقيه، وبالجملة أنّ ولاية المشتري في تعيين الثمن الكلّـي في فرد بعد باق، فلا يتعيّـن بدون اذنه .
وعلّله الشيخ بوجه آخر وهو «أنّ ضرر ضمان المبيع مع عدم وصول الثمن إليه على وجه يجوز له التصرّف فيه باق»، وقد عرفت أنّ الخيار في المقام تعبّدي وليس دائراً مدار الضرر. والحق عدم صدق قبض الثمن عليه، وهذا هو الوجه لبقاء الخيار.
ولو كان مديوناً للمشتري بمقدار الثمن، فاحتسبه ثمناً، الظاهر عدم الكفاية لما عرفت من أنّ تعيين الثمن الكلّي في فرد يحتاج إلى اذن المشتري أو تدخّل

صفحه 285
الفقيه عند امتناعه.
ولو عرض المتاع على المشتري ومكّنَه منه فلم يقبضه، فأخذ من ماله بمقداره فهل يسقط الخيار أو لا؟ فقال الشيخ بسقوطه لعدم دخوله في منصرف الأخبار وعدم تضرّر البائع بالتأخير.
يلاحظ عليه : أنّ تعيين الكلّي في فرد يحتاج إلى اذن المالك، أو تدخّل الفقيه، والمفروض أنّه غير ممتنع، فكيف يتعيّـن فيه. ولا يجوز له الأخذ تقاصاً، لما عرفت من أنّه في مورد امتناع من عليه الحق عن ادائه.
ولو مكّنه المشتري من الثمن فلم يقبض، فالظاهر عدم الخيار، لانصراف الأخبار عن مثله بل لا يصدق عليه عدم المجيئ بالثمن.
كما أنّه لو امتنع البائع من تسليم المثمن، فالظاهر عدم الخيار، لانصرافالأخبار عنه. بل القول بالخيار في الصورتين الأخيرتين أمر مستنكر عرفاً.

الشرط الثالث: تأخير الثمن ثلاثة أيّام:

المتبادر من الروايات أنّ التحديد بثلاثة، تحديد شرعي وامهال مولوي من جانب الشارع للمشتري، ومن المعلوم أنّ الإمهال إنّما هو في مورد لم يكن هناك مجوّز للتأخير كاشتراطه في متن العقد.

الشرط الرابع: أن يكون المبيع عيناً أو شبهها كصاع من صبرة:

ويمكن استظهاره مضافاً إلى وروده في عبارة الخلاف والمهذب وغيرهما من كتب الأصحاب، أنّه ورد في النصوص الجمل التالية: 1ـ «يشتري من الرجل المتاع ثمّ يدعه عنده» و 2ـ «اشتريت محملاً» و3 ـ «عن الرجل يشتري المتاع أو الثوب» وكلّها ظاهرة في الشخصي، ولا يعمّ الكلّـي.
نعم ورد في نقل ابن عياش عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «من اشترى شيئاً».
وفي رواية «يبيع البيع» وفي رواية إسحاق بن عمّـار : «من اشترى بيعاً».

صفحه 286
والحق انّه لا يستفاد من الطائفة الأُولى الاختصاص بالشخص، كما لايستفاد من الثانية العموم لعدم كونها في مقام البيان من هذه الجهة.
غير أنّ هذا الخيار لما كان على خلاف القاعدة فإنّ الجواز بعد اللزوم ثبت تعبّداً فيقتصر على المتيقّن من الموارد، وهو المبيع الشخصي مضافاً إلى المناسبة المغروسة في الأذهان من أنّ هذا الخيار لأجل ذب الضرر عن جانب البائع، وهو موجود في الشخصي دون الكلّـي، لا أقول إنّ الحكم دائر مدار الضرر، ولكن يمكن أن يكون قرينة على الانصراف.

أُمور معتبرة عند بعضهم:

ثمّ إنّ هنا أُموراً اعتبرها بعضهم نذكرها:

1ـ عدم الخيار للمشتري:

ووجه اعتباره أنّ ظاهر الأخبار أنّ خيار التأخير في مورد يكون المشتري بغير حق وأمّا ذو الخيار فله حق التأخير فإنّ التأخير بمنزلة التأجيل.
يلاحظ عليه: أنّ ما استظهره من الأخبار أمر صحيح، لكن ليس لذي الخيار حق التأخير، بل يجب عليه تسليم ما لديه سواء كان بائعاً أم مشترياً، وذلك لاطلاق قوله سبحانه (أَوفوا بالعقود) لما عرفت من دلالته على استمرار وجوب الوفاء أوّلاً، واطلاق سلطنة الناس على أموالهم ثانياً، وما في يد المشتري ملك للبائع.
أضف إلى ذلك: أنّ لازم ذلك كون مبدأ خيار التأخير، هو التفرّق في مطلق البيع، وبعد انقضاء الثلاثة في بيع الحيوان وهو كما ترى.

صفحه 287

2ـ تعدّد المتعاقدين:

يشترط تعدّد المتعاقدين لأنّ النص مختصّ بصورة التعّدد.
يلاحظ عليه: أنّ الظاهر وجود القصور في التعبير ولعل «تعدد المتعاقدين» كناية عن امكان القبض والاقباض وعليه فلو عقد الجد، وبيده العوضان لايتحقق الشرط، وإلاّ فلو أمكن القبض والاقباض فلا اشكال في ثبوته وإن كان العاقد واحداً، كما إذا كان وكيلاً عن الطرفين في خصوص اجراء العقد والعوضان بيد الموكلين.

3ـ عدم كون المبيع جارية:

ولعل من شرط ذلك استند إلى رواية ابن يقطين(1) الماضية وهي معرض عنها ولو حملت على الاستحباب، لقصر عن اثبات اللزوم.
وأمّا مبدؤه فالكلام فيه كالكلام في غيره من الخيارات فلا نعيد.

في مسقطات خيار التأخير:

يسقط هذا الخيار بأُمور قد تقدم الكلام فيها فيما مرّ ونذكرها في المقام اجمالاً:
1ـ اسقاطه بعد الثلاثة، قولاً أو فعلاً: ومثله اسقاطه كذلك فيها وقد عرفت أنّه ليس من قبيل اسقاط ما لم يجب، وبما أنّ مستند خيار التأخير هو الروايات لا«قاعدة لا ضرر» لا يصحّ أن يقال: إنّ السبب هو الضرر الحاصل بالتأخير

1 . الوسائل: ج12 الباب 9 من أبواب الخيار، الحديث 6.

صفحه 288
فلايتحقّق إلاّ بعد الثلاثة، وعلى ضوء ما ذكرناه فالعقد مقتض لثبوت الخيار، فيصحّ اسقاطه كسائر الخيارات.
2ـ اشتراط سقوطه في متن العقد: وجه الصحّة ما ذكرناه وبه يتبيّـن عـدم تمامية ما ذكره الشيخ في عدم صحّة الاسقاط: «إنّ السبب في هذا الخيار هو الضرر الحادث بالتأخير دون العقد فانّ الشرط إنّما يسقط به ما يقبل الاسقاط بدون الشرط الخ» بل السبب نفس العقد بنحو المقتضي، وليست القاعدة مستنداً لخيار التأخير بل الروايات.
3ـ بذل المشتري للثمن بعد الثلاثة: ذكره العلاّمة في التذكرة، وقيل بعدم السقوط لأجل الاستصحاب واستصوبه الشيخ لو كان مدرك الخيار هو الروايات دون القاعدة لبقاء الموضوع في الأُولى دون الثانية، لأنّ الموضوع ـ لو كان مدرك الخيار هو القاعدة ـ هو الضرر، ولا شك في عدم الضرر حال بذل الثمن فلا ضرر ليتدارك بالخيار، ولو فرض تضرّره سابقاً بالتأخير فلا يتدارك ذلك بالخيار وإنّما يتدارك به الضرر المستقبل.
يلاحظ عليه: أنّه لو كان المدرك لخيار التأخير هو الروايات لا حاجة إلى الاستصحاب، بل اطلاقها يكفي في اثبات بقاء الخيار حيث يقول: «إن جاء ما بينه وبين ثلاثة أيّام وإلاّ فلا بيع له» ، أي تنقضي سلطنته مطلقاً سواء بذل الثمن فيما بعد أو لا.
كما أنّه لو كان المدرك قاعدة الضرر، يجوز التمسّك بالخيار لو احتمل كون الضرر واسطة في الثبوت دون العروض لأنّه إذا كانت الواسطة واسطة في الثبوت يكفي وجود الواسطة آناً ما في دوام الحكم كالتغيير في الماء فيحدث فيه نجاسة مستمرة وإن زال تغييره بنفسه، فالموضوع للحكم في القضيتين هو الماء والتغيير

صفحه 289
واسطة في ثبوت الحكم له لا في استمرار الحكم، وفي المقام الموضوع للخيار هو العقد، والسبب حدوث الضرر في الثلاثة، فيكفي ذلك في بقائه وإن زال الضرر بعده ببذل الثمن.
4ـ أخذ الثمن من المشتري بعد الثلاثة: ويقع الكلام في الثبوت والاثبات، أمّا الأوّل: فلو نوى عند الأخذ الالتزام بالبيع، فالخيار يسقط وإلاّ فلا، وعندئذ لا يكون مسقطاً مستقلاّ ً بل يكون من المسقطات الفعلية ويدخل في القسم الأوّل، أعني: اسقاطه بعد الثلاثة، وقد عرفت أنّه أعمّ من القول والفعل.
وأمّا الاثبات فالظاهر أنّه يحكم عليه بالاسقاط إذا كان عالماً بالموضوع والحكم، فلا يقبل منه تفسير الأخذ بغير هذا الوجه، من غير فرق بين علمه بوجه الأخذ، أو الظن به أو عدمهما.
5ـ مطالبة الثمن: وقد احتمل بعضهم سقوطه به وهو ضعيف إذ لا دلالة لها على الاسقاط، إذ من المحتمل أن تكون لأجل استكشاف حال المشتري وأنّه هل مستعد للدفع فيمضي أو لا فيفسخ، ولو ادّعى ذلك فيقبل منه. وكم فرق بين أخذ الثمن ومطالبته.

هل خيار التأخير فوري أو لا؟

ظاهر النصوص هو كونه على وجه التراخي وأنّ للبائع بعد عدم مجيئ المشتري بالثمن، الخيار مطلقاً، ولا قصور في النصوص حتى يتمسّك بالاستصحاب، وعلى ضوء هذا لا موضوع للبحث عن كون المورد من مواضع التمسّك بالعام أو من مواضع التمسّك بالاستصحاب.

صفحه 290

حكم تلف المبيع في الثلاثة وبعدها:

قد عرفت أنّ البيع ـ عند تأخير الثمن ـ لازم في الثلاثة وجائز بعدها إمّا مؤقتاً ثم يصير لازماً كما على القول بالفورية، أو مستمراً كما على القول بالتراخي، فعندئذ يقع الكلام في أحكام تلف المبيع فيها وبعدها، فيقع الكلام في صورتين:

الصورة الأُولى: تلف المبيع بعد الثلاثة:

اتّفقت كلمتهم على أنّ المبيع لو تلف بعد الثلاثة كان من البائع اجماعاً مستفيضاً بل متواتراً، ومن المعلوم أنّ الاجماع، اجماع مستند إلى الدليل الشرعي، وهو عبارة عن القاعدة الفقهية المعروفة «كل مبيع قد تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه».
واطلاق الحديث يعمّ ما لو تلف في حال الخيار أو بعده والقاعدة متخذة من النبوي المرسل، وقد رواه صاحب المستدرك (1).
ويؤيّده حكم العقلاء فإنّ البائع مسؤول عن المبيع إلى أن يُسلِّمه إلى المشتري، ولا يكفي اجراء العقد في رفع الضمان ما لم ينضم إليه التسليم، وتؤيّده معتبرة عقبة بن خالد عن أبي عبد اللّه ـعليهالسلامـ في رجل اشترى متاعاً من رجل وأوجبه غير أنّه ترك المتاع عنده، ولم يقبضه، قال: آتيك غداً، إن شاء اللّه، فسرق المتاع من مال مَن يكون؟ قال: من مال صاحب المتاع الذي هو في بيته حتى يقبض المتاع ويخرجه من بيته، فإذا أخرجه من بيته فالمبتاع ضامن لحقّه، حتى يردّ

1 . المستدرك: ج13 ، الباب 9 من أبواب الخيار، الحديث 1.

صفحه 291
ماله إليه (1).
ويكفي اطلاق الرواية في المقام، سواء قال المشتري: «آتيك إن شاء اللّه غداً» أو لا، كان في زمان الخيار أم لا؟.
نعم هناك قاعدتان ربّما يتراءى منهما أنّ الضمان على المشتري دون البائع، وعلى ذلك يجب علاج التعارض بين النبوي الماضي وهاتين القاعدتين، وإليك البيان:

«الخراج بالضمان»:

هذه القاعدة تدلّ على الملازمة بين الخراج والضمان، وإنّ من له الخراج والغلة والنماء، فعليه الضمان، وبما أنّ الخراج هنا للمشتري لأنّ نماء الملك لمالكه، فعليه الضمان.
فيطيب لي قبل علاج التعارض توضيح مفاد القاعدة وبيان مصدرها.
انّ الملازمة بين ملكية النماء والخراج وضمان الرقبة، يتصوّر على وجهين:
1ـ الملازمة بين مالكية النماء، وضمان المالك لملك نفسه، سواء كانت الملكية قطعية غير متزلزلة أو غير قطعية متزلزلة.
2ـ الملازمة بين مالكية النماء ومطلق ضمان العين، وإن كان لأجل الاستيلاء

1 . الوسائل: ج 12، الباب 10، من أبواب الخيار، الحديث 1. وفي سند الرواية محمد بن عبد اللّه بن هلال، ولم يرد فيه توثيق، لكن يروي عنه المشايخ نظراء: محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، والحسين بن عبيد، ومحمد بن أحمد بن يحيى وغيرهم.   وأمّا خالد بن عقبة فهو الذي روى أقضية النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الصادق ـعليهالسلامـ وهو ممدوح وإذا انضم إليهما اتقان الرواية كفى في الاعتماد.

صفحه 292
على عين الغير من غير حق، كالمتصرّف في عين الآخر بلا اذن، وقد فهم أبو حنيفة من الحديث معنى وسيعاً يشتمل القسم الثاني أيضاً، فحكم بعدم اشتغال ذمّة غاصب الدابّة إذا استغلّها، معلّلاً بأنّ الخراج في مقابل ضمانه للعين، ولما سمع الصادق ـعليهالسلامـ ما أفتى به أبو حنيفة قال: في مثل هذا القضاء وشبهه تحبس السماء ماءها وتمنع الأرض بركتها ... (1).
وعلى هذا يكون الحديث مختصّاً بضمان المالك مقابل خراج ملكه سواء أكان ملكاً قطعياً أم متزلزلاً وتعميمه إلى مطلق الضامن ولو عن استيلاء باطل، مردود بنص الإمام الصادق ـعليهالسلامـ مضافاً إلى أنّه أمر مستنكر عرفاً يجب تنزيه الشرع عنه.
أضف إلى أنّ مورد الحديث عبارة عن ضمان المالك ماله وإن كانتمالكيته متزلزلة ونحن نذكر من الكثير القليل منه ليكون معيناً على فهم الحديث.
إنّ رجلاً اشترى غلاماً في زمن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وبه عيب لم يعلم به فاستغلّه ثمّ علم العيب فردّه، فخاصمه إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا رسول اللّه إنّه استغلّه منذ زمان، فقال رسول اللّه: الغلّة بالضمان، وفي بعض الروايات: قضى أنّ الخراح بالضمان(2).
ويدل عليه أيضاً ما رواه إسحاق بن عمّـار قال: قلت لأبي إبراهيم ـعليهالسلامـ : الرجل يرهن الغلام والدار فتصيبه الآفة على من يكون؟ قال: عليمولاه، ثمّ قال: أرأيت لو قتل قتيلاً على من يكون؟ قلت: في عنق العبد، قال:

1 . الوسائل: الجزء 13، الباب 17 من أبواب أحكام الاجارة، الحديث 1.
2 . سنن البيهقي: ج 5 / 321 باب المشتري يجب بما اشتراه عيباً وقد استغلّه زماناً.

صفحه 293
ألا ترى فلم يذهب مال هذا؟ ثمّ قال: أرأيت لو كان ثمنه مائة دينار فزاد وبلغمائتي دينار لمن كان يكون؟ قلت: لمولاه، قال: كذلك يكون عليه ما يكونله(1).
هذا فقه الحديث وتوضيحه (2) وأمّا علاج التعارض، فربّما يعالج، بأخصّية الأوّل عن الثاني، وأنّ الأوّل مختصّ بما قبل القبض، والثاني أعم منه ومن عدم القبض، والحق بالنظر إلى موردها أنّ بين الحديثين، التباين من حيث الموضوع فإنّموضوع الأوّل، هو «حالة عدم قبض المبيع»، والآخر على العكس، فالحديثانمتوجّهان إلى موضوعين لا إلى موضوع واحد، حتى نبحث عن التعارض وعدمه.

2ـ التلف في زمن الخيار ممّن لا خيار له:

هذه هي القاعدة الثانية التي تعارض النبوي الأوّل (التلف قبل القبض) ، فلو تلف بعد الثلاثة أي في زمن خيار البائع، فالتلف من المشتري، لأنّه ممّن لاخيار له، دون البائع. ولو قلنا بامتداد الخيار، يكون التعارض بينهما استمرارياً.
يلاحظ عليه: أنّه قد تقدّم تحديد مفاد القاعدة عند البحث عن خيار الحيوان، وقلنا إنّ القاعدة قاعدة تعبّدية ليس لها أصل بين العقلاء فيقتصر على موردها وهي مختصة بخيار الحيوان إذا تلف في الثلاثة فهو من البائع الذي لاخيار له، وخيار الشرط في خصوص تلف المبيع إذا كان المشتري ذا خيار ولا يمكن

1 . الوسائل: ج 13، الباب 5 من أبواب الرهن الحديث 6.
2 . وبذلك يظهر عدم تمامية تفسير الحديث بأنّ المراد أنّ الخراج كالزكاة والجزية في مقابل التعهدات للمسلمين من ادارة شؤونهم العامّة، ونحو ذلك، كما نبّه به سيدنا الأُستاذ (قدس سره) في المقام.

صفحه 294
التعدّي عنهما إلى غيرهما، وقد ذكرنا ما هو الوجه العرفي لتضمين البائع في المقام، فلاحظ. وعلى كل تقدير فمورد القاعدة عبارة عن التلف بعد القبض كما هو صريح نصوصها، بخلاف المقام.

الصورة الثانية: إذا تلف في الثلاثة:

إذا تلف المبيع في وقت اللزوم أي في الثلاثة فقد اختلفت كلمتهم في المقام إلى أقوال ثلاثة:
1ـ التلف من المشتري، نسب إلى المفيد، وبه قال الشيخ في الخلاف، وهو خيرة سلار وأبي الصلاح.
2ـ التلف من البائع، نصّ به الشيخ في النهاية.
3ـ التفصيل بين ما إذا عرض البائع التسليم فامتنع المشتري من القبول فالضمان عليه، وما إذا لم يعرض فالضمان على البائع (1).
استدل للقول الأوّل ـ على ما في المختلف ـ: بأنّ المال انتقل إلى المشتري فيكون ضمانه عليه.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره صحيح لكن ضمانه إنّما يرتفع حسب الرواية بالاقباض والقبض، والمفروض أنّه تلف قبلهما فيكون الضمان على البائع، وبذلك يظهر أنّ الحق هو القول الثاني، بل تضمين المشتري لماله قبل القبض أمر يستنكره العقلاء فيجب تنزيه الشرع عنه.

1 . المختلف: 173.

صفحه 295

لو اشترى ما يفسد من يومه:

لو اشترى ما يفسد من يومه ولم يجئ بالثمن. ففي مرسلة محمّد بن أبي حمزة: في الرجل يشتري الشيء الذي يفسد من يومه ويتركه حتى يأتيه بالثمن؟ قال: إن جاء فيما بينه وبين الليل بالثمن وإلاّ فلا بيع له (1).
وفي خبر عن زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال: العهدة فيما يفسد من يومه مثل البقول والبطيخ والفواكه يوم إلى الليل (2).
إنّما الكلام في تبيين ما هو المقصود من «مايفسد من يومه» فإن كان المراد منه ما يفسد قرب دخول الليل، فيكون الخيار في أوّل أزمنة الفساد، ومن المعلوم أنّ الخيار لا يجدي في هذا الحال .
لكن الظاهر أنّ المراد منه هو اليوم مع ليله، وقد تقدم في مبحث خيار الحيوان: أنّ لذلك اللفظ استعمالات مختلفة، منها هذا وهو اصطلاح رائج، فالمفسد هو مبيته، فيكون للبائع مجال لبيعه من غيره، ولو تأخّر الخيار عن أوائل الليل، لضاق المجال وربّما صار غير متمكّن منه. ولأجل ذلك عبّـر الشهيد بخيار ما يفسده المبيت.
ثمّ إنّ الشيخ عدّ هذا الخيار من شؤون خيار التأخير، وقال: يشترط فيه ما يشترط فيه، واستظهر السيد الطباطبائي أنّ هذا الخيار، لا دخل له بخيار التأخير ولذا عدّه في اللمعة قسماً آخر، إذ المدار فيه على تأخير قبض المثمن، والحكمة فيه دفع ضرر فساده عن البائع، بمعنى كون التلف قبل القبض عليه، فلو فرضنا

1 . في سنده حسن بن رباط، ولم يوثّق.
2 . الوسائل: الجزء 12، الباب 11 من أبواب الخيار الحديث 1 و2.

صفحه 296
قبض الثمن دون المثمن وكان تأخيره موجباً للفساد، كان للبائع أيضاً الخيار ... والحاصل أنّ هذا الخيار، خيار تأخير قبض المثمن في مورد خاص، والخيار السابق خيار تأخير الثمن، والحكمة في هذا دفع ضرر ضمان المبيع من جهة الفساد، وفي السابق دفع ضرر الصبر على تأخير الثمن(1).
يلاحظ عليه: أنّ لسان الروايات في المقامين واحد، وعرفت رواية محمد بن أبي حمزة حيث جاء فيها: «إن جاء فيما بينه وبين الليل بالثمن ...» حيث خصّ الخيار بمورد عدم المجيئ بالثمن ومفاده أنّه لا خيار له إذا جاء به سواء قبض المثمن أم لا، وجعله كناية عن قبض المثمن بحجّة أنّ الغالب أنّه يقبض المثمن حين المجيئ بالثمن كما ترى وإلاّ يلزم جعله كناية عنه في جميع الموارد، مع أنّه لم يجعل كناية عنه فيما سبق.
على أنّه لولا هذا الترخيص، لكان القول بانصراف حديث «التلف قبل القبض على البائع» عن المورد هو المتعيّـن إذ هو السبب لتلف ماله لا البائع، وعليه فلو فرضنا عدم الخيار للبائع لما كان يتوجّه ضرر عليه إلاّ من ناحية تأخير ثمنه.
والظاهر وحدة الخيارين ماهية وشرطاً.
ولو لم يحدث في البيع إلاّ فوت السوق، فلا شك أنّ الحكم بلزوم العقد ضرر على البائع، فيجوز له البيع من الغير ، وما أفاده الشيخ من كونه فوت نفع لا ضرر إنّما يصحّ لو كان الفائت هو النفع وربّما يكون الفائت رأس ماله وقيمته.

1 . تعليقة السيد الطباطبائي ـ قسم الخيارات/ 57.

صفحه 297

الفصل السابع

خيار الرؤية

تعريفه.
دليله.
في مسقطات خيار الرؤية الستة:
أ. التسامح في الإعمال على القول بالفورية.
ب. الاسقاط القولي بعد الرؤية.
ج. التصرّف بعد الرؤية.
د. التصرّف قبل الرؤية.
هـ . إسقاطه باللفظ قبل الرؤية.
و. إسقاطه في متن العقد.
في سقوط خيار الرؤية بالبذل والإبدال.
اختلاف المتعاقدين في الصفة.
خيار الرؤية لا يختص بالبيع.

صفحه 298

صفحه 299

خيار الرؤية

تعريف خيار الرؤية؟

عرّفه الشيخ في الخلاف بقوله: بيع خيار الرؤية صحيح، وصورته أن تقول: بعتك هذا الثوب الذي في كمي أو في الصندوق فيذكر جنسه وصفته (1).
وقال ابن قدامة: ويعتبر لصحة العقد، الرؤية من البائع والمشتري جميعاً، وإن قلنا بصحّة البيع مع عدم الرؤية فباع ما لم يره فله الخيار عند الرؤية، وإن لم يره المشتري أيضاً فلكل واحد منهما الخيار ـ إلى أن قالـ: وإذا وصف المبيع للمشتري، فذكر له من صفاته ما يكفي في صحّة السلم، صحّ بيعه في ظاهر المذهب (2).
وقال المحقّق: ويلحق بذلك خيار الرؤية وهو بيع الأعيان من غير مشاهدة ويفتقر ذلك إلى ذكر الجنس وهو القدر الذي تشترك فيه أفراد الحقيقة، وذكر الوصف وهو الفارق بين أفراد ذلك الجنس.
إلى غير ذلك من الكلمات الحاكية عن حقيقة هذا الخيار وهو أنّ طريق الخروج عن الغرر إمّا الرؤية والمشاهدة، أو التعريف والتوصيف سواء أكان من

1 . الخلاف: ج 2/5 المسألة 1 من كتاب البيوع.
2 . المغني: ج3/521.

صفحه 300
البائع أم من غيره، فإذا رأى المبيع فإن كان المرئي مطابقاً للموصوف، وإلاّ فله الخيار.
وعند ذلك يطرح في المقام سؤال: وهو أنّ خيار الرؤية عندئذ يرجع إلى خيار تخلّف الوصف، ولا يكون خياراً برأسه، وإن ذكرت الخصوصيات بصورة الاشتراط، فيكون من قبيل خيار تخلّف الشرط.
ويمكن أن يقال: إنَّ خيار تخلّف الوصف عبارة عن بيع شيء موصوفاً بوصف في متن العقد، بخلاف خيار الرؤية فإنّه عبارة عن توصيف البائع المبيع خارج العقد أو تواطئهما عليه، أو سبق رؤية المبيع، أو اختيار جزء منه وقياس الباقي عليه، ثمّ العقد عليه مبنيّاً على وجود الوصف.
وبهذا يمكن التفريق بين خيار الرؤية وخيار تخلّف الشرط، فلو ذكر الوصف في العقد بصورة الاشتراط وقال: اشترط عليك أن يكون كاتباً، وتخلَّف فالخيار خيار تخلّف الشرط دون خيار الرؤية، لأنّه البيع مبنياً على وجود الوصف في المبيع بأحد الطرق المذكورة من دون الاشتراط على البائع في متن العقد ـمضافاًـ إلى أنّ خيار تخلّف الشرط يصدق فيما إذا كان الشرط، انجاز عمل كالخياطة وغيرها. وما ذكرنا، من الفرق أظهر ممّا ذكره بعض المحقّقين (1) فلاحظ.
ثمّ لو صحّ بيع خيار الرؤية، لَدَلَّ على أنَّ ذكر القيود في العقود غير لازم، وأنّ القيود المبنية عليها كالمذكورة في متن العقد، وانّ الاصرار على أنّ القيود إنَّما تكون لازمة الوفاء إذا كانت مذكورة في العقد، واقعة تحت الانشاء غير تام ـ وإن كان بعض السادة من المشايخ مصِـرَّاً عليه في درسه الشريف (2).

1 . تعليقة المحقّق الايرواني/48.
2 . الأُستاذ فقيد العلم والفقاهة السيد محمد الكوه كمري (قدس سره) .

صفحه 301

ما هو الدليل على صحّة البيع:

المشهور عند الإمامية هو الصحّة قبل ظهور الخلاف وبعده، قال في الجواهر: لا ريب في صحّة البيع نصّاً وفتوى بل الاجماع بقسميه عليه (1).
نعم في المقنعة: ولا بأس ببيع الموجود في الوقت بالصفة وإن لم يشاهده المبتاع في الحال، فإن قبضه و وجده على الصفة التي ابتاعه عليها كان البيع ماضياً، وإن كان بخلاف الصفة كان مردوداً(2) وقريب منه عبارة الشيخ في النهاية(3) والظاهر أنّ المراد أنّه قابل للرد بدليل أنّه عبّـر به أيضاً في خيار الغبن، فلاحظ.
وأمّا أهل السنّة فقد نقل الشيخ عن الشافعي أنّه قال: في القديم مطلقاً، وفي الحديث أنّه يصح في الصرف والصلح، وقال في الأم، والبويطي: لا يصح، ثمّقال: والمسألة على قولين، والذي يختارونه أنّه لا يصحّ. وقال أبوحنيفة:يصحّذلك وإن لم يذكر الجنس ... وإنّما يفتقر إلى تعيين المبيع (4)ونقل ابنقدامة عن أحمد: أنّه لا يصحّ حتى يراه لأنّ الصفة لا تحصل بها معرفة المبيع(5).

1 . الجواهر : ج23/92.
2 . المقنعة / 594 ـ الطبعة الحديثة.
3 . النهاية/ 397.
4 . الخلاف: 2 كتاب البيوع المسألة 1 ، وما نقله عن أبي حنيفة من عدم لزوم ذكر الجنس وكفاية التعيين، هو من أقسام بيع الغرر فكيف جوّزه؟
5 . المغني: 3/521.

صفحه 302
أقول: يدلّ على الصحّة السيرة المستمرة بين العقلاء، حيث يبيعون أطناناً من الحبوب باراءة نموذج منها، كما يبيعون المنسوج كذلك، ولم يرد عنه ردع فتشمله أدلّة الامضاء، مضافاً إلى النص الوارد في المقام، أعني: صحيحة جميل بن دراج قال: سألت أبا عبد اللّه ـعليهالسلامـ عن رجل اشترى ضيعة وقد كان يدخلها ويخرج منها، فلمّـا أن نقد المال صار إلى الضيعة فقلبها ثمّ رجع فاستقال صاحبه فلم يقله، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : إنّه لو قلب منها ونظر إلى تسعة وتسعين قطعة ثم بقي منها قطعة ولم يرها لكان له في ذلك خيار الرؤية (1) والرواية ظاهرة في أنّه اشترى الضيعة بتخيّل أنّ ما لم يره مثل ما رآه فبان الخلاف أو محمولة عليه. وقد استدل في الحدائق (2) برواية زيد الشحام وهي قاصرة الدلالة، ومن أراد التوضيح فليرجع إلى مرآة العقول (3).
ثمّ إنّ المعروف ذكر الأوصاف التي ترتفع بها الجهالة الموجبة للغرر وربّما ذكر ضابطتان غيرها:
1ـ ما ذكره العلاّمة في التذكرة وقال: يشترط في بيع خيار الرؤية وصف المبيع وصفاً يكتفي في السلم عندنا.
2ـ يذكر ما يختلف الثمن باختلافه كما عن الوسيلة وجامع المقاصد، والظاهر أنّ المرجع في الجميع واحد.
ثمّ إنّ في المقام اشكالات ذكرها الشيخ لا بأس بتوضيحها:
1ـ وجود التنافي بين اعتبار ما يختلف الثمن باختلافه، وكفاية ذكر أوصاف

1 . الوسائل: ج 12 الباب 15 من أبواب الخيار ، الحديث 1.
2 . الحدائق: 9/57.
3 . مرآة العقول، باب بيع السلم.

صفحه 303
السلم من جهة أنّه قد يتسامح في السلم في ذكر بعض الأوصاف لافضائه إلى عزة الوجود، وهذا المانع مفقود في المقام.
وأجاب الشيخ في المقام بأنّ المعتبر في السلم عين المعتبر في المقام لكن ربّما يتسامحون في بعض أفراد السلم لئلاّ ينتهي إلى عزّة الوجود. ولكن الجواب غير تام، لرجوعه إلى إلغاء الشروط اللازمة في الصحّة. وأنّ الفقهاء حكموا بصحّة العقود الغرريّة لغاية وصول المشتري إلى أغراضه وهو كما ترى.
والأولى أن يقال: إنّه لا يعتبر في المقام أزيد ممّا يعتبر في باب السلم بحيث يرتفع الغرر العرفي ويكفي فيه ذكر ما يتعلّق به أغراض غالب الناس. فيرتفع التنافي بارجاع الملاك إلى الثاني، لا العكس كما صنعه الشيخ.
2ـ إنّ الأوصاف التي يختلف الثمن من أجلها غير محصورة والاقتصار على ما يرفع به معظم الغرر إحالة على مجهول بل يوجب الاكتفاء على ما دون صفات السلم، وقد أشار الشيخ إلى هذا الاشكال بقوله: «ثمّ إنّ الأوصاف التي يختلف الثمن... إلى آخره».
3ـ إذا كان التوصيف يقوم مقام الرؤية، فيجب أن يعتبر في الرؤية ما يحصل بها الاطلاع على جميع الصفات المعتبرة في العين الغائبة ممّا يختلف الثمن باختلافه، والمعلوم من السيرة عدم اعتبار الاطلاع بالرؤية على جميع الصفات المعتبرة في السلم و بيع العين الغائبة، وأشار أيضاً إلى هذا الاشكال بقوله: «وأشكل من ذلك... إلى آخره».
وقد أجاب الشيخ عن الاشكالين بجواب واحد بقوله: «ولا أجد في المسألة أوثق من أن يقال: إنّ المعتبر هو الغرر العرفي في العين الحاضرة والغائبة الموصوفة فإن دلّ على اعتبار أزيد من ذلك حجّة معتبرة أخذ به.

صفحه 304
أقول: إنّ الجواب عن الاشكالات الثلاثة أمر واحد، وهو أنّ أساس البيع على الانتفاع المعقول، والمداقة التامّة تسدّ باب المعاملات والمسامحة الخارجة عن الحد توجب الغرر، والاقدام على البيع والشراء على وجه يرتفع به الغرر العرفي هو الأوسط، وهذا هو المعتبر في بيع الأعيان الحاضرة والغائبة، وفي السلم وغيره، غير أنّ ما ذكره «من أنّ الغرر العرفي أخص من الغرر الشرعي» غير تام لأنّه ليس للغرر حقيقة شرعية. نعم لو دلّ الدليل على اعتبار شيء في باب البيع مع عدم استلزامه غرراً ـ لو لم يعتبر ـ كلزوم تعيين المبيع بين ثوبين متساويين من جميع الجهات، فيعتبر تعبّداً لا لأنّ في عدم تعيينه غرراً.
4ـ إنّ الأوصاف إن لم تذكر لزم الجهالة من حيث الوصف وإن ذكرت كانت قيداً فيلزم الغرر من جهة الجهل بوجود المقيد بها فيرجع إلى غرر أعظم وهو غرر الوجود. وقد أشار إلى هذا الاشكال بقوله: «ثمّ إنّه يمكن الاستشكال في صحّة هذا العقد... إلى آخره».
وأجاب عنه ما هذا حاصله: بالفرق بين كون الأوصاف شروطاً وكونها قيوداً، والغرر بمعنى الجهل بوجود المبيع إنّما يلزم لو كان من قبيل الثاني حتى يكون المبيع أمراً واحداً لا ما إذا كان من قبيل الأوّل، وهو كون المبيع، هو الموجود في بيته قطعاً ولو كان هنا شك فليس الشك في وجوده وعدمه بل الشك في وجود الكيفية الزائدة على المبيع. وأشار إلى هذا الجواب بقوله: «ويمكن أن يقال: إنّ الأوصاف بمعنى الاشتراط لا التقييد» ولكن الجواب غير تام، والفرق بين القيد والشرط دقّة عقلية لا يلتفت إليها العرف، فلو قلت: بعتك الفرس العربي فهو في نظـرهم مثل ما قلت: بعتك الفرس وأشترط عليك أن يكون عربياً، فلو كان الشك في وجود المبيع الموصوف غرراً فالغرر موجود في كلا الموردين. والعبارة

صفحه 305
طريق إلى المقصود وليست مطلوبة بالذات، حتى تكون نفس الصيغة ملاكاً. وكيفية التعبير مناطاً للحكم، فإنّ الغاية لديهم هي الأُمور الخارجية الملموسة، لاالتعبيرات والجمل المختلفة فمن فرّق بين العبارتين، فجعل التخلّف في الأُوليمن قبيل تخلّف المبيع دون الثاني، فقد أعطى للكلام موضوعية وهو كماترى، والحق أنّ التخلّف في كلا الموردين من باب تخلّف الكيفيّة، لاتخلّفالموضوع، وإنّما يكون من قبيل الثاني إذا قال: بعتك هذا القطن، فبان حديداً.
ثمّ إنّ الشيخ أجاب عن الاشكال بجواب ثان وهو بناء البيع على تصديق البائع أو غيره في اخباره باتّصاف المبيع بالصفات المذكورة أو بناء البيع على الاطمئنان باخباره والوثوق بقوله. أو التزامه الشرعي وتعهّده القانوني على كون المبيع موصوفاً بصفة كذا كما سيوافيك تفصيله عند البحث عن المسقط الخامس فانتظـر.
5ـ كيف يكون العقد صحيحاً والحال أنّ المعقود عليه غير موجود، والموجود غير معقود عليه.
والجواب أنّ تخلّف الأوصاف على قسمين: قسم يكون التخلّف سبباً على مغايرة المعقود عليه مع الموجود، كما إذا باع قطناً فبان حديداً، وأُخرى لا يكون سبباً على المغايرة بل المعقود عليه يكون موجوداً، غاية الأمر يكون فاقداً للوصف والكيفية العالية المطلوبة كما في المقام.
6ـ إنّ الموجود وإن لم يعد مغايراً للمعقود عليه عرفاً إلاّ أنّه اشترط اتّصافه بوصف، بمعنى تقيّد الرضا به فلو تخلّف يكون البيع باطلاً ولذا التزم أكثر المتأخّرين بفساد العقد لأجل فساد شرطه.

صفحه 306
أقول: هذا الاشكال لا يختص بالمقام (تخلّف وصف الكمال) بل يأتي في باب تخلّف وصف الصحّة الذي يعبّـر عنه بخيار العيب، وفيما إذاصارالشرطفاسداً. وقد أجاب عنه الشيخ بأنّ المستفاد من النصوص والاجماعاتمنالموارد المتفرّقة عدم بطلان البيع لفقدان الصفة المقصودة غير المتقوّمة للمبيع.
والجواب بظاهره غير تام لأنّ معناه أنّ مقتضى القاعدة هو البطلان، إلاّ أنّ الصحّة من باب النصوص والاجماعات.
ثمّ إنّه ربّما يجاب عن الاشكال بأنّه أشبه بمقام تعارض الاشارة والوصف كما أنّه إذا قال: بعتك هذه الحنطة الصفراء فبانت حمراء فتقدم الاشارة على الوصف لأصرحيتها، فكذا المقام فإنّ بيع الحنطة الموجودة في البيت كأنّه إشارة إليها، فتقدم على الوصف.
ولكن الجواب غير مفيد، لأنّه يدفع به الاشكال الخامس من أنّ المعقود عليه غير موجود، والموجود غير معقود عليه لا الاشكال السادس.
ثمّ إنّ الشيخ نقل عن بعضهم ـ ولم يسمِّه ـ (1) جواباً آخر، وحاصله: هو الفرق بين أن يقع القيد وصفاً للكلّـي كما إذا قال: بعتك الحنطة الصفراء فدفع الحمراء فإنّه يكون من قبيل الوفاء بغير الجنس، من غير فرق بين أن يكون الوصف أمراً مقوّماً أو عرضياً، لأنّ الماهيات والمفاهيم مثار الكثرة فالمفهوم من الحنطة الصفراء، غير المفهوم من الحنطة الحمراء، والمعقود عليه هو الأوّل غير الثاني. وما

1 . قال بعض المحشّـين: المقصود هو الشيخ علي كاشف الغطاء في تعليقته على خيارات اللمعة.

صفحه 307
إذا ورد وصفاً للموجود الخارجي، فلو كان الوصف ذاتياً أي مقوّماً لا عرضياً كان من قبيل تخلّف الذاتي، وأمّا إذا كان الوصف عرضياً فالبيـع وإن كان هو الموصوف إلاّ أنّه يصدق على الفاقد أيضاً.
يلاحظ عليه: بمثل ما ذكرناه في الجواب السابق فإنّ الكلام في الاشكال السادس وهو أنّ الرضا مقيّد من أوّل الأمر بالمقيّد دون العاري عنه، وكون الوصف أمراً عرضياً أو ذاتياً لا يكون قالعاً للاشكال. والحق في الجواب ما أشار إليه الشيخ نفسه في باب تصحيح العقد عند بطلان الشرط من كون المقام من باب تعدّد المطلوب وأنّ الوصف وإن كان مذكوراً في الانشاء بعنوان القيدية ـ فضلاً عمّـا إذا لم يكن ـ إلاّ أنّه يجري عليه في العرف حكم تعدّد المطلوب، والسر في حكمهم هو كونه كذلك في أغراض نوع المعاملين. نعم لو علم في مورد كون المقام من بابوحدة المطلوب بحيث لايكون المشتري راضياً بدونه، فالأولى الحكم بالبطلان.
والدليل على أنّ المقام من قبيل تعدّد المطلوب، هو أنّه لو اقتنع المشتري بالفاقد، لا يطلق عليه أنّ البائع وفى بغير الجنس أو أخذ غير المبيع، بل يقال أخذ واقتنع بالكيفية النازلة.
هذه هي الاشكالات الستة في كلمات الشيخ. وقد عرفت ما هو الحق في الجواب، بقيت هنا أُمور:
ألف: إنّ الخيار مختصّ بما إذا كان الموجود مغايراً للموصوف، غير أنّهيظهر من بعض فقهاء أهل السنّة أنّ الخيار يثبت تلو الرؤية مطلقاً كان هناتخلّف أو لا، نقله ابن قدامة عن الثوري وأبي حنيفة وأصحابه، وهو كما

صفحه 308
ترى(1).
ب: الظاهر من الأصحاب كون المشتري مخيّراً بين الرد والإمساك، ولا يجوز له أخذ الأرش خلافاً للمنقول عن السرائر حيث أثبت الارش أيضاً وخصّه الشيخ بما إذا كان الوصف وصف الصحّة لا وصف الكمال. وسيوافيك اتقان ما ذهب إليه صاحب السرائر في المقام عند البحث عن خيار العيب، وقد تقدم ما يفيدك سابقاً وقلنا إنّ الثمن يوَّزع على الأعيان وأوصاف الصحّة والكمال، وانّ التقسيط موافق للقاعدة، والاجماع المنقول على عدم الارش في الأوصاف الكمالية مخالف للسيرة العقلائية ولم يرد ردع عنها.
ج: إنّ المرجع في تشخيص الداخل في الحقيقة، والخارج عنها هو العرف، فاختلاف الخل المتّخذ من التمر مع الخل المتّخذ عنالزبيب إنّما هو في الأوصاف، مثل اختلاف الدهن المتّخذ من الغنم والبقر، بخلاف لحومهما فالاختلاف هناك في الجنس، هذا ما يذكرونه في المقام.
نعم تظهر من الفقهاء في باب الربا المعاوضي ضابطة أُخرى وهو تبعية الفروع للأُصول، وبما أنّ الأُصول (التمر والزبيب والغنم والبقر) هناك متغايرة فالفروع محكومة بحكمها، فيجوز التفاضل عند المعاوضة بحجّة أنّهما من جنسين لا من جنس واحد. وعلى تلك الضابطة تكون الأُمور المذكورة متغايرة في الجنس في باب الربا وفي الوقت نفسه يحكمـون على الحنطة والشعير بأنّهما من جنس واحد.

1 . في صحيحة جميل المتقدّمة «ولو نظر إلى تسع وتسعين قطعة ثمّ بقي منها قطعة لم يرها لكان له فيها الخيار»، ولكن القدر المتيقّن، هو وجود المغايرة بين المرئي وغيره، لا أنّ وجود الرؤية سبب للخيار مطلقاً ولو لم تكن مغائرة ـ مضافاً ـ إلى كونه أمراً مستنكراً في نظر العقلاء عندما كانت الوحدة سائدة.

صفحه 309
فلو ثبت نصّ أو اجماع على تلك الضابطة فيؤخذ بها وإلاّ فالمحكَّم في المقامين واحد وهو العرف، سواء كانت الأُصول متغايرة أو متجانسة.

د ـ خيار الرؤية فوريّ:

هل خيار الرؤية فوري أو لا؟ ظاهر التذكرة عدم الخلاف بين المسلمين في كونه على الفور إلاّ أحمد حيث جعله ممتدّاً بامتداد المجلس الذي وقعت فيه الرؤية.
والحق هو الفورية أخذاً بما دلّ على استمرارية لزوم الوفاء بالعقد، خرج منه الزمان الأوّل، والشك في الزمان الثاني، فيؤخذ بالدليل الاجتهادي دون استصحاب حكم المخصّص، وقد تقدّم أنّ التمسّك بالعام في أمثال المقام غير مبني على كون الفرد في كل زمان فرداً غيره في الزمان الآخر، بل تكفي استفادة الاستمرار من وجوب الوفاء ـ كما تقدم ـ.
وأمّا التمسّك على التراخي باطلاق الصحيحة الماضية فهو كما ترى لأنّه ليست إلاّ بصدد أصل التشريع. وأضعف منه ما ذكره السيد الطباطبائي من دلالتها على التراخي لأجل مضي مدة طويلة من حين المعاملة إلى وقت السؤال.
يلاحظ عليه: انّما يصح إذا كان السائل هو المشتري، مع أنّ الظاهر غيره حيث قال: سألت أبا عبد اللّه عن رجل الخ.
ثمّ إنّه إذا كان جاهلاً بالحكم أو بفوريته أو نسيهما، فهل تعد عذراً أو لا، الظاهر لا، لعدم الدليل على كونه عذراً، اللّهمّ إلاّ أن يقال: بأنّ لزوم الوفاء عليه ضرري فيثبت إلاّ أن يتسامح.

صفحه 310

في مسقطات خيار الرؤية

يسقط هذا الخيار بأُمور:
1ـ التسامح في الإعمال على القول بالفورية.
2ـ الإسقاط القولي بعد الرؤية ولا كلام فيهما.
3ـ التصرّف بعد الرؤية، لما عرفت أنّه يعدّ عرفاً، التزاماً بالبيع، واسقاطاً فعلياً له، وقد عرفت أنّ المستفاد من صحيحة علي بن رئاب في خيار الحيوان (1)هو الحكم الكلّـي من غير اختصاص بخيار الحيوان.
4ـ التصرّف قبل الرؤية والظاهر عدم الاسقاط لأنّ التصرّف إنّما يعد اسقاطاً فعلياً إذا كان كاشفاً نوعاً عن الرضا كما هو الحال في التصرّف بعدها، وهذا إنّما يتصوّر إذا كان المتصرّف عالماً بالحال والمفروض خلافه، وبعبارة أُخرى: إذا عدّ في العرف التزاماً ومن المعلوم عدمه. وأمّا ما ذكره الشيخ من أنّ اسقاطه مبنيّ على جواز الاسقاط قولاً قبل الرؤية بناء على أنّ التصرّف اسقاط فعلي، غير تام، للفرق الواضح بين البناء والمبنى، فإنّ التصرّف القولي ذو لسان يؤخذ بمضمونه وهذا بخلاف تصرّف الجاهل بالتخلّف، إذ لا لسان له بل من المظنون أو المقطوع أنّه يتصرّف فيه على اعتقاد كونه واجداً للوصف. فما لم يدل دليل شرعي خاص على السقوط فالأقوى عدمه.
5ـ اسقاطه باللفظ قبل الرؤية، وليس هناك مانع من صحّة الاسقاط إلاّ

1 . الوسائل: ج12، الباب 4 من أبواب خيار الحيوان، الحديث 1.

صفحه 311
كونه من قبيل اسقاط ما لم يجب، وقد مضى كراراً أنّه يكفي في صحّته مضافاً إلى كونه أمراً عقلائياً، وجود المقتضى. من غير فرق بين جعل الرؤية كاشفاً عن وجود الخيار في زمان العقد، أو سبباً محدثاً، وإن كان الاسقاط على الكشف أوضح. مضافاً إلى أنّ الظاهر من رواية «جميل» أنّ الرؤية أخذت طريقاً إلى كشف حال المبيع عند العقد، وانّ المعقود عليه كان فاقداً لما تواطئا عليه حين العقد، ولازم ذلك ثبوت الخيار حين العقد.
6ـ اسقاطه في متن العقد: اختلفت كلمتهم في صحّة اسقاطه في العقد إلى أقوال، فمن قائل إلى فساد الشرط وافساده وهو خيرة العلاّمة والشيخ الأعظم، إلى قائل آخر بصحّة الشرط والمشروط، إلى ثالث مفصِّـل بين فساد الشرط وصحّة العقد، وانّ الأوّل فاسد دون الثاني.
والحق هو القول الأوّل وبتوضيح دليله يظهر عدم تمامية سائر الأقوال فنقول: إنّ ابتياع الشيء الغائب جاهلاً بأوصافه المطلوبة غرر لا بد من رفعه، والذي يمكن أن يكون رافعاً أحد الأُمور التالية:
1ـ جعل الخيار: وهو ضعيف جداً إذ هو حكم شرعي مترتّب على صحّة العقد، فلا بدّ من تحقّق الصحّة قبله حتى يترتّب عليه الخيار، فكيف يمكن أن تكون صحّة العقد معلّقة على جعله، أضف إلى ذلك أنّه لو كان جعل الخيار رافعاً للغرر، لزم تصحيح بيع كل مجهول مشروطاً بالخيار.
2ـ التوصيف: لأنّ البيع الغرري عبارة عن بيع شيء على أيّ نحو، دون البيع موصوفاً بصفات معيّنة.
يلاحظ عليه: أنّه كيف يمكن أن يكون التوصيف رافعاً للغرر من دون تضمين، فإنّ التوصيف إخبار عن وجود وصف، وأمّا أنّه هل هو صادق في إخباره

صفحه 312
أو كاذب فلا يعلم من التوصيف، ومن المحتمل أن يكون المبيع فاقداً له، ومعه كيف يكون البيع غير غرري فالاقدام على ابتياع شيء هذا حاله وشأنه، خطر كلّه.
3ـ العلم بصدق البائع والوثوق بقوله: هذا وإن كان رافعاً للغرر لكن لازم ذلك اشتراط صحّة البيع بحصول العلم والاطمئنان مع أنّه غير ظاهر منهم، بل العقلاء يعاملون في اطار أوسع من ذلك فتعيّـن أن يكون الرافع هو الأمر الرابع، وهو:
4ـ التزام البائع وتعهّده الشرعي والقانوني بتسليم المبيع بالصفات التي تواطئا عليها، على نحو يكون تعهّده القانوني مبرِّراً لإقدام المشتري على اشتراء المبيع غير المرئي بحيث لو نقض التزامه ولم يف بعهده، يكون مأخوذاً بالقانون ومحكوماً لدى الحاكم.
وبذلك يظهر أنّ التعهّد بما هو هو لا يمكن أن يكون رافعاً للغرر إلاّ إذا كان له أثر شرعي، وردُّ فعل قانونىّ وهو في بدء الأمر أحد الأمرين:
1ـ جواز الزامه بأداء العين موصوفة بالوصف.
2ـ جواز فسخ العقد.
والأوّل غير ممكن، لكون المبيع أمراً شخصيّاً لا كلّياً قابلاً للتعويض، والمفروض أنّه فاقد للوصف من بدء الأمر والثاني ساقط حسب الفرض، فيصبح التعهّد والالتزام بلا أثر، ومعه كيف يمكن أن يكون رافعاً للغرر، لأنّ المفروض أنّ وجوده وعدمه سواء.
وبذلك ظهر عدم تمامية القول الثاني، وأمّا الثالث فقد زعم أنّ

صفحه 313
فساد الشرط لأجل كونه من قبيل اسقاط ما لم يجب، وقد تعرّفت أنّه يكفي في الاسقاطوجودالمقتضي وهو العقد على عين غائبة موصوفة يحتمل أن تكون فاقدةً للوصف.
فإن قلت:لو كان اسقاط الخيار مخالفاً للالتزام والتعهّد فليكن كذلك إذا باع العين الغائبة أو الحاضرة وتبرّأ من العيوب إذ عندئذ يصبح الالتزام بالصحّة، فاقداً لأثر شرعي مع التبرّي، مع أنّهم صرّحوا في باب خيار العيب بصحّة تبرّي البائع وسقوط الخيار لأجله.
قلت: إنّ خيار العيب ليس أثراً لالتزام البائع بالصحّة. بل هو أثر أصالة السلامة الحاكمة في عالم الخلقة والصنعة فإنّ الأصل هو الصحّة في عالم الخلقة والصنعة، والعيب على خلاف الأصل ، فإذا بان الخلاف يثبت الخيار لأجل سيادة هذا الأصل، سواء أكان هناك التزام من البائع بتسليم الصحّة أم لا، فلو تبرّأ البائع يكون معناه أنّه غير متعهد بتسليم الصحيح لا أنّ هذا الأصل غير جار في المبيع. وهذا بخلاف المقام، فانّ الخيار أثر للالتزام واسقاطه يضاد الالتزام الذي يدلّ عليه انشاء البائع ويجعله بلا أثر.
وبالاحاطة بما ذكرنا تستطيع على ذبِّ الاشكالات التي أثارها السيد الطباطبائي والمحقّق الخراساني ـ قدّس سرّهما ـ حول نظرية الشيخ الأعظم التي اخترناها.

صفحه 314

في سقوط الخيار بالبذل والابدال:

هل يسقط هذا الخيار ببذل التفاوت، وابدال العين، وبشرطهما في متن العقد أو لا؟ فهنا فروع:
1ـ هل يسقط ببذل التفاوت أو لا؟ الظاهر لا، لاطلاق صحيحة جميل، مضافاً إلى عدم اندفاع الضرر به، إذ ربّما يتعلّق الغرض بالشيء الموصوف لا بماليّته. حتى يكون الجبر بالتفاوت رافعاً للضرر، والمقصود سقوطه بمجرّد البذل، وأمّا سقوطه مع التراضي فلا اشكال فيه.
2ـ لو شرط في العقد بذل التفاوت لو بان الخلاف، فهل هو فاسد ومفسد كما عليه صاحب الجواهر (1) أو لا؟ وجه الأوّل أنّه بمنزلة اشتراط اسقاط الخيار لو بان الخلاف لاشتراكهما في كونهما منافيين للتعهّد بالوصف فيعود الغرر فيفسد.
يلاحظ عليه: بوجود الفارق بين المقيس والمقيس عليه، حيث إنّ اشتراط السقوط يستلزم أن يكون الالتزام والتعهّد فاقداً للأثر، لأنّ أثره إمّا جواز الزامه بأداء العين موصوفة أو جواز الفسخ، والأوّل غير ممكن والثاني ساقط، بخلاف المقام فإنّ أثره هو جبران ماليّة الوصف الفاقد ، وعلى هذا فاشتراط بذل التفاوت تأكيد لحفظ الماليّة وعدم توجّه الغرر، فلو كان للمشتري غرضان طوليان، فلا يتوجه الضرر، وبذلك تظهر قوة الوجه الثاني.
وأمّا كون الشرط مجهولاً أو كون العقد معلَّقاً، فلا يضر الجهل لاغتفار الجهالة في الشرط وإلاّ تبطل أكثر الشروط للجهل بقيام المشروط عليه به أولاً، وأمّا

1 . الجواهر : 23/96.

صفحه 315
التعليق فلا دليل على البطلان به إلاّ في مورد فيه نص، وادّعاء الاجماع على بطلان التعليق، اجماع مستند إلى القاعدة، حيث قاسوا الانشاء الاعتباري بالايجاد التكويني فبما أنّ التعليق في الثاني محال فيكون الأوّل مثله ـ وهو كما ترى ـ مضافاً إلى أنّ التعليق راجع إلى المنشأ دون الانشاء كما بيّـن في محلّه.
3ـ لا يسقط الخيار بالابدال لأنّ العقد إنّما وقع على الشخصي فتملّك غيره يحتاج إلى عقد واتفاق جديد ـ هذا ـ ولكن يمكن أن يقال : إنّ العقد في أكثر المعاملات الواقعة على عين شخصية في المثليات هو واقع على الكلّي، حقيقة والاشارة إلى العين الخارجية من باب أنّها احدى المصاديق للكلّـي، و ـ لذا ـ لايعدّ الابدال وفاءً بغيره، نعم ما ذكر صحيح في القيميات التي يتعلّق العقد بها بشخصها ولا يتأتّى فيها القول بوقوع العقد على الكلّي، إلاّ في موارد نادرة.
4ـ إذا شرط الابدال في متن العقد، فعن الشهيد في الدروس يفسد للجهالة والغرر، وهو خيرة الجواهر (1) .
أقول: إنّ الاشكالات المتوهّمة في المقام أُمور:
1ـ الجهالة في الشرط و أنّ المبيع هل واجد له أو لا.
2ـ التعليق في العقد، وهو الابدال إذا بان الخلاف.
أمّا الأوّل فقد عرفت أنّه غير مضر، قال السيد الطباطبائي: ولا يضر جهالة حصول المعلّق عليه وهو التخلّف لاغتفار هذه الجهالات في الشروط. وقد عرفت أنّه لو كان مضرّاً لبطلت أغلب الشروط، وأمّا الثاني، فقد عرفت من أنّه لا دليل على بطلان العقد به، إلاّ فيما ورد فيه نص، وانّ الاجماع المدّعى في المقام، اجماع

1 . الجواهر : 23/96.

صفحه 316
مستند إلى القاعدة كما عرفت.
ثمّ إنّ الشيخ ركّز على لفظ الابدال ـ وغضّ النظر عمّـا هو المتعارف بين الناس في أمثال المقام كما سيوافيك، وحاصل ما ذكره:
أنّ البدل المستحقّ عليه بمقتضى الشرط يتصوّر على وجهين:
الأوّل: أن يقع البدل بازاء الثمن، بمعنى وقوع معاوضة جديدة على تقدير ظهور المخالفة بأن ينفسخ البيع بنفسه عند المخالفة وينعقد بيع آخر فيحصل بالشرط انفساخ عقد، وانعقاد عقد آخر، كلّ منهما معلّق على المخالفة، ومن المعلوم عدم نهوض الشرط لاثبات ذلك.
وجهه: أنّ الانفساخ والعقد على البدل مما يحتاجان إلى سبب خاص كالنكاح والطلاق فلا يصحّ فيه شرط النتيجة وإنّما يصحّ فيما يكفي في ايجاده كل لفظ حتى الشرط.
هذا توضيح كلامه في الشق الأوّل.
يلاحظ عليه: أنّ تصوير وقوع البدل بازاء الثمن لا ينحصر في هذا الوجه، بمعنى اشتراط تحقّق الانفساخ والبيع الثاني بالشرط، بل هناك تصوير آخر، وحاصله أن يتوارد العقد من أوّل الأمر على المبدل والبدل على تقديرين فيقول: بعتك هذا الفرد، إن كان واجداً للأوصاف، وبدله (سواء كان كلّياً أو شخصياً) الواجد للأوصاف إذا كان الأوّل فاقداً لها فلا يرد عليه ما أورد على التصوير الأوّل من استلزامه «تحقّق الانفساخ والعقد على الثاني بالشرط وهما ممّا يحتاجان إلى لفظ خاص».
ولاوجه لبطلانه إلاّ أمران: أحدهما: كونه تعليقياً وقد عرفت عدم الدليل على البطلان، وثانيهما: كونه غررياً للجهل وهو أيضاً منظور فيه لأنّ الجهل إمّا في

صفحه 317
ناحية الشرط وهو التخلّف فقد عرفت اغتفار الجهل في ناحية الشروط، أو الجهل في ناحية المبيع لعدم تعيّنه، وهو أيضاً غير تام، لعدم صدق الغرر بعد الاحتفاظ بمالية المثمن، وتحقّق الغرض بكل واحد من البدل والمبدل، ولزوم تعيين المبيع بهذا المعنى لا دليل عليه سوى أوسعية الغرر الشرعي عن العرفي وهو غير ثابت، نعم لو دلّ عليه دليل لاقتصرنا عليه.
هذا كلّه حول الشق الأوّل وإليك الكلام حول الشق الثاني.
الثاني: «أن يقع البدل بازاء المبيع الذي ظهر على خلاف الوصف، فمرجعه أيضاً إلى انعقاد معاوضة تعليقية غررية بينهما لأنّ المفروض جهالة المبدل» وقد عرفت حال التعليق والغرر في الشق السابق فلا نعيد.
والحق أن يقال: إنّ مرجع شرط الابدال، ليس إلى شيء منها، بل هو شرط فعل بأن يشترط على البائع ابداله بفرد آخر، وهو أمر عقلائي رائج، فلو بان التخلّف فإن وفى بالشرط وإلاّ يكون له اجباره على الوفاء ومع القدرة يكون له خيار تخلّف الشرط.

اختلاف المتعاقدين في الصفة:

لو اختلف البائع والمشتري في شرطية الوصف المفقود وعدمها فقال المشتري: اشتريت هذا العبد على أنّه كاتب، وقال البائع: بعت هذا العبد مطلقاً، فهل يقدّم قول البائع أو قول المشتري؟
الظاهر هو الأوّل ـ لما عرفت ـ من أنّ الميزان في تشخيص المنكر عن المدّعي هو العرف وهو يعتمد على الأصل المعروف: المدّعي من لو ترك، تركت الدعوى، والمنكر بخلافه، ومن المعلوم أنّ المشتري لو ترك، تنتهي الدعوى، بخلاف البائع،

صفحه 318
من غير فرق بين القول بأنّ الاعتبار في تشخيصها، بمحطّ الدعوى وليس للقاضي ارجاعها إلى أمر آخر، إذا كان لدعواهما أثر، أو الاعتبار بما ينتهي إليه دعواهما إذ النتيجة على القولين في المقام واحدة لأنّ مصبّ الدعوى هو ادّعاء اشتراط المبيع بالوصف، وما تنتهي إليه الدعوى هو الخيار، والمشتري يدّعيه والبائع ينكره.
ومثله ما إذا قلنا بأنّ الميزان مخالفة الأصل وموافقته، فالمشتري يدّعي الاشتراط والبائع ينكره والأصل عدم الاشتراط، وبعبارة أُخرى: المشتري يدّعي كلفة زائدة، وراء ذات المبيع، والبائع ينكرها والأصل عدمها.
نعم فصّل سيّدنا الأُستاذ (قدس سره): بين ما إذا قال المشتري: إنّ البائع قال: بعتك هذا العبد الكاتب وأنا قلت: قبلت بيع هذا العبد الكاتب، فيقدّم قول البائع، لتوافقهما في بيع العبد في زمان ويختلفان في توصيفه فبيع العبد ايجاباً وقبولاً ثابت في زمان متقدم، كما أنّ عدم توصيفه متيقّن في زمان ويشك في توصيفه، فيصح أن يقال: إنّ توصيف المبيع في هذا البيع الخارجي مسبوق بالعدم، والأصل عدم توصيفه.
وبين ما إذا قال المشتري: إنّ البائع قال: بعتك الكاتب، مريداً به الموجود الخارجي الموصوف، وقال البائع: بل قلت: «بعتك هذا العبد»، فلا يجري الأصل لعدم توافقهما على بيع العبد في زمان، حتى يختلفا في توصيفه، والكاتب وإن انحلّ إلى ذات ووصف لكن لا يكون هذا الانحلال موجباً لتعلّق البيع بالذات في زمان متقدّم قبل تعلّقه بالموصوف حتى يجري الأصل (1).
يلاحظ عليه: أنّ الميزان ـ في اتفاقهما على شيء واختلافهما في شيء آخر ـ هو المفاهيم والمعاني المتبادرة من الكلام، لا التعابير اللفظية والتراكيب الصورية

1 . البيع: قسم الخيارات: 4/447ـ 448.

صفحه 319
لأنّها طرق إلى المفاهيم. فلو كان قوله: «بعتك هذا العبد الكاتب» اعترافاً من الطرفين على ورود البيع على العبد مجرّداً عن الكتابة في زمان، كان قوله: «بعتك الكاتب» الذي ينسبه المشتري إلى البائع مثله، حيث إنّ مفهوم الأوّل نفس مفهوم الثاني، فكما أنّ اللفظين الأوّلين مرآتين إلى مفهومين مترتّبين، كذلك الكاتب مرآة إلى مفهومين والفرق بينهما بالتفصيل والاجمال، فتكون النتيجة على اتفاقهما على بيع العبد، في زمان ويشك في توصيفه بالكتابة، فيستصحب عدمه.
ثمّ إنّ الشيخ الأعظم وجّه كون المشتري هو المنكر بوجهين:
1ـ ما نقل عن التذكرة: انّ البائع يدّعي لزوم العقد وبالتالي يدّعي استحقاق الثمن والأصل براءة ذمة المشتري من الثمن فلا يلزمه ما لم يَقرّ به أو يثبت بالبيّنة.
يلاحظ عليه: أنّ المشتري يعترف بصحّة البيع غاية الأمر يدّعي الخيار، والاعتراف بصحته عبارة أُخرى عن الاعتراف باشتغال ذمّته بالثمن، فهو أمر متسالم عليه بين المتعاقدين، نعم يدّعي أنَّ له الفسخ لرفع موضوع وجوب دفع الثمن وهو بعد غير ثابت.
2ـ ما ذكره الشيخ الأعظم في المقام (1)، وفي المتاجر عند البحث عن بيع العين بالرؤية السابقة (2) وإليك حاصل ما ذكره في المقامين:
أنّ الحجّة القوية لتوصيف البائع منكراً والمشتري مدّعياً إنّما هو مطابقة قول البائع لأصالة عدم الاشتراط ولكنّه إنّما يجري إذا كان الشك في التزام مستقل في

1 . الخيارات: 252 ط تبريز.
2 . المتاجر، قسم البيع: 199 ط تبريز.

صفحه 320
ضمن الالتزام بالبيع، فيكون هنا التزامان مرتبطان كما إذا قال: بعتك الدار وأشترط عليك خياطة ثوب لي، وأمّا المقام فليس الشرط التزاماً زائداً على أصل البيع بل قيد للمبيع وجزء منه، وهناك التزام واحد وارد إمّا على الموصوف، أو الموجود، فيخرج عن كون المبيع مردّداً بين الأقلّ والأكثر بل أشبه بالمردّد بين المتباينين، وبعبارة أُخرى: انّ هنا انشاءً واحداً ورد إمّا على هذا ـ أو ذاك، ومعه لا تجري أصالة عدم الاشتراط لما عرفت أنّ ليس هنا التزام زائد، وحكمه هنا حكم الأجزاء.
إذا كان الأصل المزبور غير جار، فهنا أصلان:
ألف: أصالة عدم ورود العقد على الموصوف بالوصف المفقود وهو غير نافع للبائع، لأنّ اللزوم ليس من آثار هذا العدم، بل هو من آثار ورود العقدعليالموجود الفاقد، واثبات هذا بنفي ذاك أشبه باثبات أحد الضدين بنفي الآخر.
ب: الأصل عدم ورود العقد على الموجود الفاقد، وبما أنّ وروده على الموجود الفاقد موضوع لللزوم، فيكون منفيّاً بنفي موضوعه، ويكون الأصل المنقّح للموضوع حاكماً على أصالة اللزوم.
وهذا ما يرومه الشيخ في المقامين وإليك عبارته هناك : انّه ليس انشاءً مستقلاّ ً حتى يدفع عند الشك بالأصل. بل المراد إيقاع العقد على العين الملحوظ كونها متّصفةً بهذا الوصف، وليس هنا عقد على العين، والتزام بكونها متّصفة بذلك الوصف فهو قيد ملحوظ في المعقود عليه، نظير الأجزاء ، لا شرط ملتزم في العقد فحينئذ يرجع النزاع إلى وقوع العقد «على ما ينطبق على الشيء الموجود حتى يلزم الوفاء وعدمه، والأصل عدمه، ودعوى معارضته بأصالة عدم وقوع العقد» على

صفحه 321
العين المقيّدة بالوصف المفقود، ليثبت الجواز (1) مدفوعة بأنّ عدم وقوع العقد على العين المقيدة لا يثبت جواز العقد الواقع إلاّ بعد اثبات وقوع العقد على العين غير المقيّدة بأصالة عدم وقوع العقد على المقيّدة وهو غير جائز كما حقق في الأُصول.
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ المرجع في تمييز القيد عن الوصف هو العرف فلو كان الوصف مقوّماً للمبيع يتلقّاه قيداً ، كالقطن بالنسبة إلى الحديد، وإلاّ فيتلقّاه شرطاً كالعربية في الفرس سواء كان التعبير في الموردين بلفظ الوصف أو بلفظ الشرط، وبما أنّ الأوصاف المتخلّفة في المقام من قبيل الثاني، يتلقّاه العرف شرطاً لا قيداً اللّهمّ إلاّ إذا أحرزت عناية المتعاقدين على جعل ما يتلقّاه العرف شرطاً ، قيداً للمبيع، وهو خارج عن محل البحث.
والذي يعرب عن ذلك أنّ الشيخ أجاب بمثل ذلك عن اشكال المحقّق الأردبيلي حيث أشكل على صحّة البيع بأنّ المعقود عليه مغاير للموجود، وهو غير معقود عليه، فقال: ويضعّف بأنّ محل الكلام في تخلّف الأوصاف التي لا توجب مغايرة الموصوف للموجود عرفاً ...
وثانياً: افترضنا أنّه من باب التقييد، ولكن إذا شككنا في أخذه في المبيع فالأصل عدمه، كما إذا شككنا أنّ الواجب هو الرقبة أو هي بقيد الايمان، فالأصل عدمه من غير فرق بين التكاليف الشرعية والأُمور الوضعية فإذا علمنا ورود العقد على هذا الشيء الخارجي، وشككنا في وروده عليه مطلقاً أو مقيّداً، فالأصل عدم وروده على المقيّد، وبالجملة: الشك في كلفة زائدة على البائع والأصل عدمها.

1 . المتاجر: 199 طبعة تبريز ، المراد من الجواز في العبارة، هو المضي المرادف مع اللزوم، وإلاّ فاللازم، التعبير عنه باللزوم كما يخفى، وقد نقل المامقاني في تعليقته غاية الآمال/471 على المقام أنّ العبارة من قوله: «على ما ينطبق على الشيء الموجود» إلى قوله : «وقوع العقد » مضروبة عليها في نسخة الشيخ .

صفحه 322
وثالثاً: قد عرفت أنّ مقتضى الأدلّة الاجتهادية عند القوم هو كون الأصل في البيع اللزوم، كما أنّه مقتضى طبع العقد، وإن لم يكن هناك دليل عليه، فعلى ذلك فمدّعي اللزوم لا يحتاج إلى دليل لوجود الدليل الاجتهادي معه، وإنّما المحتاج إليه هو مدّعي الخيار، ولكن الشيخ جعل الأمر على العكس بحجّة أنّ الأصل عدم ورود العقد على الموجود بهذا الوصف (الفاقد)، فعلى ذلك يجب عليه أن يقدّم قول مدّعي الاشتراط في كل مورد بتلك الحجة، وأنّه لابد في احراز كون الموجود تمام ما وقع عليه العقد وهو كما ترى.
بقيت في كلامه اشكالات أُخرى تعرّض لها المشايخ في تعاليقهم، فلاحظ.

خيار الرؤية لا يختص بالبيع:

هل يختص خيار الرؤية بالبيع أو يعم كل عقد واقع على عين شخصية موصوفة كالصلح والاجارة، فلو قلنا بأنّه على خلاف القاعدة ثبت تعبّداً بصحيحة جميل، يختصّ بالبيع، وأمّا لو قلنا بكونه على وفاقها، وأنّه لأجل التعهّد الضمني فهو يعم البيع وغيره إذا كان العقد مبنياً عليه. ومثله لو قلنا بأنّ مدركه حديث نفي الضرر كما لا يخفى.
مسألة: لو نسجَ بعض الثوب فهل له بيعه على أن ينسج الباقي كالأوّل؟
أقول للمسألة صور:
1ـ أن يتوارد العقد على ثوب شخصي، مع تحقّق بعضه دون البعض الآخر، ولا شك أنّه باطل لأنّ مقتضى كون المبيع شخصياً، كونه موجوداً في الخارج بتمامه والمفروض خلافه.
2ـ أن يتوارد العقد على المقدار المنسوج بشرط أن ينسج الباقي بهذا المنوال

صفحه 323
من الغزل المعيّـن أو الكلّـي ولا اشكال في صحّته، غاية الأمر لو تخلّف ولم ينسجه أصلاً، أو نسجه لا على هذا المنوال يكون له خيار تخلّف الشرط.
3ـ أن يكون المبيع المقدار المنسوج مع أذرع معلومة منسوجة على هذا المنوال، بحيث يكون من قبيل ضم الكلّـي إلى الشخص، فلو تخلّف فله الخيار في المنسوج لتبعّض الصفقة.
وقد نقل البطلان عن الشيخ في المبسوط، وابن سعيد في الجامع، والقاضي في المهذّب، وإليك عبارة الأخير: فانّ ماشاهده من المنسوج، البيع فيه لازم من غير خيار الرؤية، وما لم يشاهده ممّا يتمّم يقف الأمر فيه على خيار الرؤية، وهذا فاسد لأنّه شيء واحد يجتمع فيه خيار الرؤية وانتفاؤه (1).
يلاحظ عليه: أنّ هنا مبيعاً واحداً لا يمكن الحكم عليه باللزوم أو الخيار من جهة خيار الرؤية إلاّ بعد تمام العمل فلو كان هناك تخلّف، يكون فيه خيار الرؤية ولو باعتبار وجود التخلّف في بعض أجزائه. كما هو الحال في الضيعة في صحيحة جميل. فيكون التخلّف في جزء المبيع واسطة في الثبوت على عروض الخيار للمبيع كلّه.

1 . المهذّب: 1/352.

صفحه 324

صفحه 325

الفصل الثامن

خيار العيب

دليله.
التخيير بين الردّ وأخذ الأرش.
في مسقطات خيار العيب الخمسة:
أ. انشاء السقوط قولاً وفعلاً.
ب. اشتراط الاسقاط في متن العقد.
ج. التصرّف في المعيب.
د. تلف العين.
هـ . حدوث العيب عند المشتري.
في سقوط الأرش دون الردّ.
المواضع الّتي يسقط فيها الردّ والأرش.
في الأحكام الأربعة لاختلاف المتبايعين:
أ. الاختلاف في الخيار.
ب. الاختلاف في موجب الخيار.
ج. الاختلاف في المسقط.
د. الاختلاف في الفسخ.
الكلام في تفسير العيب.
هل يعتبر في صدق العيب النقص المالي؟

صفحه 326

صفحه 327

خيار العيب

وهو آخر الخيارات التي طرحها الشيخ في المقام وهو أمر اتفق عليه العقلاء ولم ينقل عن أحد من الفقهاء خلافه. فجواز الفسخ موضع وفاق وإن كان أخذ الارش موضعاً للخلاف بيننا وبين الشافعي، قال الشيخ: إذا حدث بالمبيع عيب في يد البائع، كان للمشتري الردّ والامساك، وليس له اجازة البيع مع الارش، ولا يجبر البائع على بذل الارش بلا خلاف فإن تراضيا على الارش كان جائزاً وبه قال ابن سريج! وظاهر مذهب الشافعي أنّه لا يجوز (أخذ الارش) (1).
وقال ابن قدامة: إنّه متى علم بالمبيع عيباً، لم يكن عالماً به، فله الخيار بين الامساك والفسخ، سواء كان البائع علم العيب وكتمه أو لم يعلم. لا نعلم بين أهل العلم في هذا خلافاً واثبات النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) الخيار بالتصرية تنبيه على ثبوته بالعيب ولأنّ مطلق العقد يقتضي السلامة من العيب (2).
وقال المحقّق: فإن ظهر به عيب سابق على العقد فالمشتري خاصة بالخيار بين فسخ العقد وأخذ الارش. وسيوافيك الكلام في حكم الارش، وعلى كل تقدير:

1 . الخلاف 3/109، كتاب البيوع المسألة 178.
2 . المغني: 4/179.

صفحه 328
اتفق الفقهاء على: «أنّ كل من اشترى مطلقاً اقتضى سلامة المبيع من العيب» إنّما الكلام في منشأ هذا الاقتضاء. وفيه أقوال:
1ـ انصراف المطلق إلى الفرد الصحيح. وأورد عليه الشيخ، أوّلاً: بمنع الانصراف ولذا لا يجري في الأيمان والنذور (1). وثانياً: عدم جريانه فيما نحن فيه لعدم كون المبيع مطلقاً بل هو جزئي حقيقي خارجي. وثالثاً: بأنّ مقتضاه عدم وقوع العقد رأساً على المعيب فلا معنى لامضاء العقد الواقع عليه أو فسخه حتى يثبت الخيار.
وفي بعض ما ذكره نظر، فانّ الانصراف إلى الصحيح، والعقد عليه لا يمنع من امضاء العقد، إذا ظهر معيباً، لأنّه ليس بأقوى من بيع الموصوف إذا تخلّف وصفه، وقد عرفت صحّته، وأنّه من باب تعدّد المطلوب.
نعم يرد على الانصراف بأنّ منشأه هو كثرة الاستعمال، لا كثرة الوجود، والأوّل غير ثابت اللّهمّ إلاّ أن تكون في المعاوضات قرينة حالية على الانصراف.
2ـ إنّ وصف الصحّة قد أخذ شرطاً في العين الخارجية نظير معرفة الكتابة أو غيرها من الصفات المشروطة فيها، وإنّما استغنى عن ذكر وصف الصحّة لاعتماد المشتري في وجودها على الأصل كالعين المرئية سابقاً، حيث يعتمد في وجود أصلها أو صفاتها على الأصل.
يلاحظ عليه: وجود الفرق بين صفات الكمال وصفات الصحّة، فبما أنّ الأُولى ليست مقتضى الخلقة الذي يشير إليه قوله سبحانه: (والّذي خَلَقَ فَسَوّى)(الأعلى/2) تقع مورداً لعناية المتعاقدين ولا يغفل عنها الانسان فيذكرها قبل العقد، فيكون السكوت حينَ العقد مع الاشتراط قبله، دليلاً على التعهّد

1 . وفي الجواهر، أضاف الوصايا.

صفحه 329
الضمني، وهذا بخلاف صفات الصحّة ولأجل كونها من لوازم الخلقة غالباً، تكون مغفولاً عنها حين العقد، و ـ معه ـ كيـف يصحّ لنا القول بأنّ وصف الصحّة أخذ شرطاً في العين.
3ـ إنّ أصالة الصحّة في الأشياء الطبيعية والصناعيّة أصل مسلّم بين العقلاء، التي أخبر عنها الوحي، واتفق عليها العقلاء من طريق التجربة فصارت أصلاً معتمداً بين العقلاء في معاملاتهم وعقودهم، ومرتكزة للأذهان في مبادلاتهم ومعاوضاتهم، وإن لم يكن كذلك في غير ذلك المجال كالوصايا والأيمان والنذور، فلو تخلّف، لا يلزم المتخلّف عليه بالوفاء بعهده (كدفع الثمن)، لأنّ الموجود، غير المعهود عليه إلاّ إذا سمح ورضى بالفاقد واكتفى من المطلوب بالدرجة الوسطى ، لا القصوى.
وأمّا دفع الغرر بمعنى الخطر، فالرافع له، إمّا هو الاطمئنان بالوصف كالاطمئنان بالموصوف، أو الاعتماد على الظروف الساندة والسلطة القضائية الحامية للحقوق.
وبذلك يظهر الفرق بين خيار شرط الصحّة، وخيار العيب فالأوّل مستند إلى ذكرها في متن العقد، بخلاف الثاني، فهو مستند إلى أصل عقلائي معتبر في المعاوضات.
كما يظهر أنّ ذكر شرط الصحّة في متن العقد يحدث خياراً مستقلاّ ً لو بان الخلاف لما عرفت من تغاير الملاكين، نعم ربّما استدلّ على خلافه وأنّه لا يفيد سوى التأكيد، برواية يونس: «في رجل اشترى جارية على أنّها عذراء، فلم يجدها عذراء، قال: يرد عليه فضل القيمة» (1) وجه الدلالة أنّ المتبادر من الحديث، هو

1 . الوسائل: ج 12، الباب 6، من أبواب أحكام العيوب، الحديث 1.

صفحه 330
ايجاد الحدث في الجارية بنحو من الانحاء، ومن جانب أنّ خيار الشرط لا يسقط بالتصرّف بخلاف خيار العيب فإنّه يسقط به ـ كما سيوافيك ـ فلو كان الاشتراط موجباً لحدوث خيار آخر، غير خيار العيب، لما اقتصر الإمام بذكر الارش، وذَكَرَ خيار الردّ.
وربما يقال: إنّ الاستدلال مبني على أمرين:
1ـ دلالة قوله: «على أنّها عذراء» على الاشتراط.
2ـ دلالة قوله: «فلم يجدها عذراء» على التصرّف.
وكلاهما غير ثابت ولعلّ المقصود من الأوّل، كونه بانياً على أنّها عذراء، لكونها موافقة للأصل، كما أنّ المراد من الثاني الاختبار بالنساء أو بغيرهن.
يلاحظ عليه، أوّلاً: أنّهما خلاف الظاهر، وثانياً: أنّ ما ذكر غير دافع للاشكال عن الحديث، إذ لسائل أن يسأل لماذا اكتفى الإمام بأحد الشقّين من الخيار ولم يذكر حقّ الرد، لأنّ المفروض عند المجيب عدم حدوث حدث يسقط خيار الرد في المعيب.
والأولى أن يقال: إنّ الرواية ليست بحجّة لأنّ يونس لم يسندها إلى المعصوم ولعلّها كانت رأيه .

التخيير بين الرد وأخذ الارش:

إذا ظهر العيب السابق على العقد أو القبض، فالمشهور بين الأصحاب كون المشتري بالخيار بين فسخ العقد، وأخذ الارش، ووصفه في الجواهر بكونه اجماعياً محصلاً ومحكياً مستفيضاً، صريحاً وظاهراً. وتحقيق المطلب يحتاج إلى البحثعن أُمور:

صفحه 331
الأوّل: ما هو الرائج بين العقلاء عند ظهور المبيع معيباً؟!
الرائج بينهم هو كون المشتري مستحقّاً للردّ وأخذ الثمن، وأمّا كونه مخيّراً بينه وبين الامساك مع الارش، وأنّه يجب على البائع قبول أيّ فرد اختار، فليس بظاهر منهم، نعم لو امتنع ولم يمكن ردّه بوجه من الوجوه، كان له عليه الارش، فليس أخذ الارش في عرض جواز الردّ، نعم لو تراضيا على الارش، فلا مانع فيه إنّما الكلام في أنّ للمشتري اجباره بالارش وإن لم يكن راضياً به أو لا.
الثاني: انّ المشهور بين الأصحاب، هو التخيير وأمّا كونه أمراً اجماعياً فلا، أمّا الشيخ فقد خالف الحكم في الخلاف (1) والمبسوط فقال في الثاني: «فيما إذا باع المشتري، المعيب قبل علمه بالعيب»: وأمّا لو باعه قبل العلم بالعيب ثم علمه فإنّه لايمكنه الرد لزوال ملكه ولا يجب أيضاً له الارش، لأنّه لم ييأس من ردّه (المشتري الثاني) على البائع (المشتري الأوّل) فإن ردّه على المشتري الأوّل واسترجع الثمن فإنّ المشتري الأوّل يردّه على البائع أيضاً (2).
والعبارة ظاهرة في أنّ الارش في موضع اليأس من امكان الرد لا مطلقاً.
ويظهر الخلاف من ابن البراج فيما إذا اشترى دنانير بدراهم معيّنة: فإذا كان العيب من جنسه مثل أن يكون فضّة خشنة أو ذهباً خشناً أو تكون السكّة فيه مضطربة مخالفة لسكّة السلطان فذلك عيب وهو مخيّـر بين الرد واسترجاع الثمن، وبين الرضا به وليس له المطالبة ببدل لأنّ العقد تناول عينه ووقع عليها ولا يجوز له ابداله (3).

1 . مرّ نصّ الخلاف في صدر المسألة.
2 . المبسوط: 2/131.
3 . المهذب 1/366.

صفحه 332
ترى أنّه ذكر حكم الابدال، ولم يذكر الارش، وبما أنّ العوضين غير متجانسين لا يصحّ أن يقال: إنّ عدم ذكره لأجل استلزام أخذ الارش الربا، فإنّه إنّما يلزم لو كان العوضان متجانسين لا مختلفين كما هو المفروض في كلامه.
نعم يظهر الخيار بين الأمرين عن كثير من الأعلام نذكر المتقدّمين منهم:
1ـ قال المفيد: فإن كان المبيع جملة وظهر العيب في بعضه، كان للمبتاع ارش العيب في البعض الذي وجده فيه، وإن شاء ردّ جميع المتاع واسترجع الثمن وليس له رد المعيب دون سواه (1).
2ـ قال الشيخ: من اشترى شيئاً على شرط الصحّة والسلامة ثمّ ظهر له فيه عيب، له أن يرد المتاع ويسترجع الثمن إن شاء أو يطالب بالارش بين قيمة المتاع صحيحاً وبينه معيباً وليس للبائع عليه خيار (2).
3ـ وقال سلاّر: فإذا باع على الصحّة وظهر عيب، فالمشتري بالخيار إن شاء ردّه بالعيب وإن شاء أخذ ارشه، ولم يردّه ولا خيار للبائع (3).
4ـ وقال ابن حمزة: وإن ظهر (العيب) بالبعض، لم يكن له ردّ المعيب دون غيره فإن شاء ردّ الجميع واسترد الثمن وإن شاء أخذ الارش وهو ما بين قيمته صحيحاً ومعيباً (4).
5ـ وقال ابن إدريس: ......... كان المشتري بين خيرتين: ردّ المتاع واسترجاع الثمن أو الامساك والمطالبة بالارش (5).

1 . المقنعة: 597.
2 . النهاية: 392.
3 . المراسم: 175.
4 . الوسيلة: 256.
5 . السرائر: 2/296.

صفحه 333
وعلى ذلك جرى الأصحاب في العصور المتأخّرة وهو غير خفي على من راجع الشرائع والروضة وغيرهما.
الثالث: ما هو مقتضى الأدلّة الشرعية، قد استدل على القول المشهور، بحديث الضرر والضرار، وهو لا يثبت تمام المقصود، لأنّ الضرر كما يندفع بدفع الارش، يندفع بالفسخ وأخذ الثمن، وأمّا كون الخيار بيد المشتري دون البائع فلا يثبته نفي الضرار.
وأمّا الفقه الرضوي فإليك نصَّه: فإن خرج في السلعة عيب وعلم المشتري، فالخيار إليه:
1ـ إن شاء ردّها. 2ـ وإن شاء أخذها. 3ـ أو ردّ عليه القيمة مع ارش العيب(1)وظاهر العبــارة أنّه مخيّـر بين الأُمــور الثلاثة، وتحتمل زيادة «الهمزة» والصحيـح هو «الواو» فيكون مخيّـراً بين الأوّل والثالث، ولكنّه غير صالح للاستدلال وإنّما يصلح للتأييد. وقد أوضحنا حاله وقلنا: إنّه ليس تأليفاً للإمام وإنّما هو عبارة عن كتاب «التكليف» للشلمغاني، أو رسالة والد الصدوق إلى ولده.
وأمّا الروايات الواردة فليست صريحة ولا ظاهرة فيما عليه المشهور، وهي على مضامين:
1ـ ما يدلّ على التفصيل، بين بقاء المبيع على ما هو عليه وعدمه، بالارش في الثاني، والردّ في الأوّل، نحو مرسلة جميل: عن أحدهما (عليهما السلام) : في الرجل يشتري الثوب أو المتاع فيجد فيه عيباً؟ فقال: إن كان الشيء قائماً بعينه ردّه عليصاحبه وأخذ الثمن، وإن كان الثوب قد قطع أو خيط أو صغ يرجع

1 . المستدرك: ج 13 الباب 12 من أبواب الخيار، الحديث 3.

صفحه 334
بنقصـان العيب (1).
2ـ ما يدلّ على أنّ التصرّف مانع عن الرد ويأخذ الارش، نحو صحيحة ابنسنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)في حديث قال علي ـعليهالسلامـ : لا ترد التي ليست بحبلى إذا وطأها صاحبها، ويوضع عنه من ثمنها بقدر عيب إن كان فيها(2).
3ـ ما يدل على الرد عند ظهور العيب، نحو صحيح ميسر عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قلت له: رجل اشترى زقّ زيت فوجد فيه درديّاً، قال: فقال: إن كان يعلم أنّ ذلك يكون في الزيت لم يردّه، وإن لم يكن يعلم أنّ ذلك يكون في الزيت ردّه على صاحبه(3).
وأمّا ما رواه السكوني (4) عن علي ـعليهالسلامـ فهو يتضمّن جواز تبديل الرُبّ الموجود في السمن به، ولا صلة له بما نحن فيه، أضف إليه: أنّ المضمون على خلاف القاعدة، لأنّ المعاملة كانت شخصية فكيف يجب عليه تبديل الرُبّ بالسمن إلاّ بتأويل مرّ ذكره سابقاً.
نعم روى الحسن بن عطية عن عمر بن يزيد قال: كنت أنا وعمر بالمدينة فباع عمر جراباً هروياً كل ثوب بكذا وكذا فأخذوه فاقتسموه فوجدوا ثوباً فيه عيب، فقال لهم عمر: أعطيكم ثمنه الذي بعتكم به، قالوا: لا ولكنّا نأخذ قيمة

1 . الوسائل: ج 12، الباب 16 من أبواب الخيار، الحديث 3.
2 . المصدر نفسه: الباب 4 من أبواب أحكام العيوب، الحديث 1. لاحظ روايات هذا الباب والحديث 1 من الباب 6 من هذه الأبواب.
3 . المصدر نفسه: الباب 7 من أبواب أحكام العيوب، الحديث 1.
4 . المصدر نفسه: الحديث 3.

صفحه 335
الثوب، فذكر ذلك عمر لأبي عبد اللّه فقال: «يلزمه ذلك»(1) والرواية أجنبية عن فتوى المشهور، بل تدلّ على أنّ البائع رضي أن يقبل خصوص الثوب المعيب ويدفع الثمن الذي باع به وهو وإن كان موجباً لتبعّض الصفقة على البائع لكنّه رضى بذلك، ولكن المشتري طلب القيمة السوقية له إن كان صحيحاً. فأجاب الإمام بأنّه يلزم المشتري، أو يلزم هؤلاء المشترين ذلك أي أخذ الثمن، لاالقيمة، لأنّ مقتضى الفسخ أخذ الثمن لا القيمة، وتظهر الفائدة فيما إذا كان الثمن أقل من القيمة.
وبذلك ظهر أنّه ليس في روايات الباب ما يؤيد فتوى المشهور، وقد اعتمد السيد الأُستاذ (قدس سره) على الشهرة الفتوائية لكنّها إنّما تكون دليلاً لو كشفت عن إعراضهم عن هذه الروايات، وهو غير ثابت، فالقول المشهور لا يخلو عن غموض، وكون الارش مختصّاً بما إذا لم يمكن الرد هو الأحوط لو لم يكن الأقوى.
وأوّل من تنبّه لذلك المحقّق الأردبيلي في شرح الارشاد ثمّ صاحب الحدائق(2) وهو في محله.
وربّما يبذل الجهد لإثبات كون فتوى المشهور موافقة للقاعدة.
أمّا الارش فلأنّ وصف الصحّة الفائتة بمنزلة الجزء الفائت فكما أنّ في الجزء الفائت يسترجع مقدار ما يقابله فكذا في الوصف.
وأمّا الردّ فلتبعّض الصفقة، لأنّه إذا كان الوصف بمنزلة الجزء فتسليمه

1 . الوسائل: ج 12، الباب 16 من أبواب أحكام الخيار، الحديث 1. وفي نسخة الفقيه «يلزمهم ذلك». لاحظ في شرح الرواية روضة المتقين: 7/93، ومرآة العقول: 3/403.
2 . الحدائق: 19/63.

صفحه 336
بلا وصف، بمنزلة تسليم بعض المبيع. وعلى ضوء هذا، فله الرد لذلك، وله الامضاء بمقدار ما يقابل الموصوف واسترداد ما يقابل الثمن.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره لا يتجاوز عن كون كلّ، موافقاً للقاعدة، وأمّا أنّ الخيار بيد المشتري وله اجبار البائع بكل واحد منهما وإن لم يرض بالارش بل ورضى بالردّ فقط، فلا يثبت بما ذكر، فانّ له أن يعترض ويقول بأنّ بيع ذات الموصوف بما قابل من الثمن كان مشروطاً بصحّة البيع في الجزء الآخر، ولما بطل ـولو عن تقصير البائع ـ فلا يصحّ التقسيط بلا رضا البائع، بل أقصى ما يجوز هو الرد وأخذ الثمن، وأمّا الشق الآخر فيتوقّف على رضا البائع.
وأورد عليه الشيخ، بوجهين:
1ـ منع تنزيل الوصف منزلة الجزء عرفاً وشرعاً، ولذا لم يبطل البيع فيما قابله من الثمن، بل كان الثابت بفواته مجرّد استحقاق المطالبة، بل لا يستحق المطالبة بعين ما قابله.
2ـ منع كون الجزء يقابل بجزء من الثمن إذا أخذ وجوده الشخصي على وجه الشرطية كما في بيع الأرض على أنّها جربان معينة فبانت أقل، وما نحن من هذا القبيل.
أقول: المهم هو الوجه الأوّل ـ وسيوافيك تحليله ـ وأمّا الوجه الثاني فغير تام، لما عرفت غير مرة من أنّ هذه الدقائق العقلية غير مطروحة للعرف فلا يفرّق بين الاتيان بالجزء بصورة الجزء، أو الاتيان به بصورة الشرط، إذ الملاك عندهم هو المقاصد والأغراض دون التعابير والألفاظ، فالجزء عندهم جزء وإن عُبِّـر عنه بلفظ الشرط.

صفحه 337
ويدلّ على ما ذكرنا رواية عمر بن حنظلة عن أبي عبد اللّه: في رجل باع أرضاً على أنّها عشرة أجربة فاشترى المشتري ذلك منه بحدوده ونقد الثمن ووقع صفقة البيع وافترقا، فلمّـا مسح الأرض إذا هي خمسة أجربة، قال: إن شاء استرجع فضل ماله وأخذ الأرض، وإن شاء ردّ البيع وأخذ ماله كلّه... (1) ترى أنّ الإمام حكم برد ما قابل الناقص، مع وروده شرطاً لا جزءاً.
وأمّا الأوّل: فلا شك أنّ الجزء غير الوصف، وهما غير الشرط، ولكل موقف خاص في المبيع فلا ينقلب الجزء شرطاً وإن أتى بلسانه، ولا الشرط جزءاً وإن عبّـر عنه بلسان الجزء لكن ذلك لا يمنع عن صحّة تقسيط الثمن على كل من الأجزاء والأوصاف والشروط، من غير فرق بين وصف الصحّة ووصف الكمال فلاحاجة في تصحيح التقسيط على تنزيل الوصف منزلة الجزء، بل تكفي فيه كونه مؤثراً في غلاء المبيع وخلافه، حتى مثل الغلاف وزمان التسليم ومكانه وهذا كاف في صحّة التقسيط.
وأمّا عدم بطلان البيع فيما قابله من الثمن بل كان الثابت بفواته مجرّد استحقاق المطالبة، فهو ـ على فرض تسلميه ـ من خصائص ما يُقسَّط عليهالثمن، فلو استقلّ بالوجود كالأجزاء كان المناسب البطلان لأنّ كل جزء منالثمن يقع في مقابل جزء من المبيع بالحس والعيان، وإن كان غيرمستقلبالوجود، فيكون هناك عند التخلّف حق التقسيط، لا فعليته حتى يبطل البيع فيما يقابله وإنّما يصير فعلياً إذا رضي بالموجود، فيسترد ما قابل الفائت.
وبذلك يظهر الخلل فيما ذكره السيد الطباطبائي (قدس سره) من أنّ لازم

1 . الوسائل: ج12، الباب 14 من أبواب الخيار، الحديث 1.

صفحه 338
التقسيط كون الارش ثابتاً من أوّل الأمر فيكون الامضاء بلا ارش من باب الابراء والهبة (1).
وجهه: هو التفريق بين الأجزاء وغيرها ففي الأوّل، التقسيط فعلي، وفي الآخر شأني، وليس هنا إلاّ الاستحقاق فامضاء البيع بلا ارش، إعراض عن اعمالالحق لا هبة ولا ابراء كما لا يخفى، وما هذا إلاّ خصوصية في نفس ما يُقسَّط عليه.
ثمّ إنّه على القول بالتخيير بين الرد والارش، يشكل التعبير عنهما بكلمة الخيار لأنّه كما سبق عبارة عن حق إزالة العقد واقراره، والارش خارج عنهما.
ويمكن أن يقال: إنّ الارش شرط لأحد الشقّين، أعني: الاقرار، فهو في سائر الموارد بالمجانّ و في المقام بشـرط أخـذ الارش، وما هو المفهوم من الخيار، هو حق الازالة والاقرار وأمّا كونه بالمجان وعدمه فإنّما يفهم من الخارج وبفضل الروايات.
وبذلك يظهر أنّ هنا حقّاً واحداً متعلّقاً بالعقد، فللمشتري السلطة على العقد، بالازالة والاقرار بالارش ومتعلّق الحق (السلطة) هو العقد، ومفهوم السلطة كوجودها تطلب لنفسها الطرفين، الهدم وعدمه.
وبذلك يظهر النظر فيما أفاده ـ سيدنا الأُستاذ ـ (قدس سره)في المقام، حيث تصوّر أنّ في القول بوحدة الحق اشكالاً عقلياً، فذهب إلى أنّ هنا حقّين فعليين، لا يصحّ الجمع بينهما في مقام الاستيفاء (2) فلاحظ كلامه.

1 . التعليقة : 67.
2 . الخيارات: 5/12 ـ 13.

صفحه 339

الظهور كاشف لا شرط شرعي:

لا شك أنّ السبب للخيار، هو العيب، إنّما الكلام في أنّ ظهوره هل هو كاشف عقلي عن الخيار من زمان العقد، أو شرط شرعي لتأثير السبب (1)، ذهب الشيخ إلى الوجه الأوّل قائلاً بأنّ استحقاق المطالبة بالارش الذي هو أحد طرفي الخيار، لا معنى لثبوته بظهور العيب بل هو ثابت بنفس انتفاء وصف الصحّة.
يلاحظ عليه: أنّه لا شكّ أنّه يستحقّ الارش بانتفاء وصف الصحّة لابالظهور، لكنّه لا ينافي كون الظهور شرطاً، وبعبارة أُخرى: كون السبب ـ بمعنى المقتضى ـ نفس العيب، لا ينافي توقّف التأثير الفعلي على الظهور.
والأولى الاستدلال عليه بنحو ما مرّ في خيار الغبن من أنّ الظهور أو ما يعادله في الروايات أُخذا طريقاً لا موضوعاً وهو المتبادر منه في سائر الموارد، لأنّ الأخذ موضوعاً يحتاج إلى القرينة.
هذا إذا كان المصدر للخيار هو الروايات وأمّا إذا كان قاعدة الضرر أو التعهّد الضمني فالملاك هو الضرر الواقعي، أو التخلّف الواقعي، وهو موجود من أوّل الأمر، وعلى هذا يرتب عليه آثاره من أوّل الأمر من الانفساح بالفسخ ـ معلّقاً على وجود العيب ـ والسقوط بالاسقاط قبل الظهور.
ولو شككنا، فمقتضى القاعدة نفي جميع آثار الخيار من الفسخ والسقوط وحتى اشتغال ذمة البائع بالارش قبل الظهور، كما لا يخفى.

1 . عنوان البحث بما ذكرنا أولى من عنوان الشيخ حيث قال: ظهور العيب مثبت للخيار (أي سبب له) أو كاشف عنه. وذلك لأنّه لا يتوهّم أحد في أنّ الظهور سبب، بل الاتفاق على أنّ السبب هو العيب الحاصل، إنّما الكلام في شرطية الظهور أو كاشفيته، فلاحظ.

صفحه 340

عموميّة الخيار للثمن:

إذا قلنا في معيب المبيع بما هو المعروف لدى العقلاء، من الرد أوّلاً، والارش عند عدم امكانه ثانياً، فحكم المثمن والثمن واحد مضافاً إلى قاعدة لا ضرر، ووجود التعهد الضمني فيه كالمبيع، وأمّا إذا قلنا بمقالة المشهور من كون الارش، في عرض الرد، لأجل الروايات، فتعميم الحكم إلى الثمن يحتاج إلى دليل مع اختصاص الروايات الواردة للمبيع وخلو الفتاوى عنه، اللّهمّ إلاّ أن يحمل المبيع على مطلق العوض. أو يقال: إنّ ذكره من باب المثال وكونه وارداً مورد الغالب لأنّ الغالب كون الثمن نقداً والمثمن متاعاً، فيكثر فيه العيب بخلاف النقد.
إلاّ أنّ الكلام في تمامية الروايات في مدّعى المشهور وقد عرفت ما فيها.
وهل يجري في سائر المعاوضات من الصلح والاجارة ونحوهما أو لا؟ يظهر الحال فيها ممّا ذكرنا في مورد الثمن بل التعميم فيها أشكل من الثمن، لامكان التعميم فيه بحمل المبيع الوارد في الروايات على أنّه من باب ذكر المثال، بخلاف البيع فاحتمال الخصوصية أقوى، فالقول بالارش، واجبار الطرف الآخر عليه في سائر العقود، يحتاج إلى دليل فالأقوى الاكتفاء بالرد، أخذاً بسيرة العقلاء وقاعدة نفي الضرر والتعهّد الضمني، إلاّ إذا انحصر جبر الضرر بالارش.

صفحه 341

في مسقطات خيار العيب

يسقط خيار العيب بأُمور:

الأوّل: انشاء السقوط قولاً وفعلاً:

من مسقطات خيار العيب هو انشاء السقوط قولاً أو فعلاً أمّا الأوّل: فهو يختلف حسب سعة دلالة الألفاظ وضيقها فربّما تكون ظاهرة في سقوط خصوص الرد دون الارش كما إذا قال: التزمت بالعقد، فانّ الالتزام بالعقد لا ينافي إقرار العقد بالارش، وربّما تكون صريحة فيه كما إذا قال أسقطت الرد دون الارش إنّما الكلام إذا قال: أسقطت الخيار، فهل هو ظاهر في سقوط كلا الأمرين، كما عليه الشيخ الأعظم، أو خصوص الردّ، كما هو الظاهر من السيد الأُستاذ (قدس سره)؟ والظاهر هو الأوّل لأنّه بمعـنى اسقـاط السلطـة على الازالة والاقرار بالارش، ومعه لا يبقي شيء.
فإن قلت: قد فسّـر الخيار بالسلطة على اقرار العقد وإزالته، ومعه ـ كيف يفهم منه سقوط الارش، مع عدم دخوله في مفهومه.
قلت: قد سبق أنّه شرط لأحد شقي الخيار وهو الاقرار، وقد دلّ عليه النقل، فلو كانت الملازمة بينهما (الاقرار وأخذ الارش) بمرتبة ينتقل من سماعه إلى الارش، فيكون المفهوم من اسقاط الخيار، هو اسقاط السلطة مطلقاً، أي الازالة

صفحه 342
والاقرار بالارش، وإلاّ فيكتفى بسقوط الرد والفسخ دون الارش، وعلى كل تقدير فالمتّبع هو الفهم العرفي في المقام.
هذا كلّه في انشاء السقوط قولاً، وأمّا انشاؤه فعلاً فإنّما هو بالتصرّفات الاعتبارية، كالبيع والهبة والعتق والتدبير وقد ذكره الشيخ تحت عنوان المسقط الثاني، أعني: التصرّف ـ وسيوافيك أنّه ليس لنا دليل على أنّ التصرّف بما هو هو مسقط ـ وإنّما دلّ الدليل على أنّ عدم بقاء العين على حالها مسقط. والتصرّفات الاعتبارية لا تنافي بقاء العين على حالها، لكنّها لما كانت مصداقاً لانشاء الاسقاط فعلاً من العالم بالعيب مطلقاً ومن الجاهل إذا كان محتملاً للعيب، تكون مسقطة حتى ولو بعد الرجوع إلى ملك المشتري، فالمعيار هنا هو كونه مصداقاً لانشاء السقوط فعلاً، سواء أبقيت على حالها أم لا، وسيوافيك الكلام على ضوء كلام الشيخ.

الثاني: اشتراط الاسقاط في متن العقد:

ولم يذكره الشيخ، وقد ذكره في سائر الخيارات، وقد مرّ الكلام فيه وأنّه ليس من قبيل اسقاط ما لم يجب.

الثالث: التصرّف في المعيب:

وقد عدّ التصرّف من المسقطات في كلمات جماعة وهل هو مسقط مطلقاً سواء أكان قبل العلم بالعيب أم الخيار، أو بعده، كان دالاّ على الرضا بالعقد أملا، كان مغيّـراً أم لا، أو ليس بمسقط مطلقاً، أو مسقط إذا دلّ على الرضا دون

صفحه 343
غيره،أو إذا كان مغيراً دون غيره، أو مسقط في كلتا الصورتين دون غيرهما، هذهاحتمالات في بدء النظر. وأمّا الأقوال: فقد اختلفوا فيما هو المسقط، فقيل المسقط:
1ـ التصرّف الكاشف عن الرضا نوعاً وهذا هو الذي استظهره الشيخ من كلمات جماعة وذكر نصوصهم.
2ـ التصرّف المغيِّـر وهو المحكي عن ابن الجنيد، وصريح الشرائع.
3ـ التصرّف المغيّـر قبل العلم، والكاشف عن الرضا بالعقد بعد العلم وإن لم يكن مغيّـراً، وهو خيرة ابن زهرة (1) واختاره الشيخ الأعظم.
4ـ التصرّف بعد العلم وأمّا قبله فلا يسقط الخيار، حكي عن الشيخ في المبسوط (2).
5ـ التصرّف بعد العلم يسقط الرد والارش (3).
6ـ التصرّف بالعتق يسقط الرد أمّا الهبة والتدبير فلا يسقطان، وقد حكيا عن المقنعة(4).
هذه هي الأقوال المصطادة من عبارات القوم وكتبهم والمستند في المقام روايتان:
1ـ خبر زرارة، ووصفه الشيخ الأعظم بالصحّة ولم يعلم وجهه ـ مع أنّ في سنده موسى بن بكير وهو لم يوثّق في الكتب الرجالية الأصليةـ: عن أبي جعفر ـعليهالسلامـ

1 . المختلف: 195، الفصل الحادي عشر من كتاب التجارة.
2 . الجواهر: 23/239.
3 . الوسيلة: 257.
4 . الجواهر : 23/ 239.

صفحه 344
قال: أيّما رجل اشترى شيئاً وبه عيب وعوار، ولم يتبرّأ إليه ولم يبيّـن له، فأحدث فيه بعد ما قبضه شيئاً، ثمّ علم بذلك العوار وبذلك الداء، انّه يمضي عليه البيع ويردّ عليه بقدر ما نقص من ذلك الداء والعيب من ثمن ذلك لو لم يكن به (1).
2ـ مرسلة جميل عن بعض أصحابنا عن أحدهما(عليهما السلام) : في الرجل يشتري الثوب أو المتاع فيجد فيه عيباً، فقال: إن كان الشيء قائماً بعينه ردّه على صاحبه وأخذ الثمن، وإن كان الثوب قد قطع أو خيط أو صبغ، يرجع بنقصان العيب (2).
وربّما يتخيّل التعارض بينهما، حيث إنّ الملاك في الأُولى، هو احداث شيء في المبيع، واطلاقه يشمل المغيِّـر وغيره مع أنّ الملاك في الثانية هو تغيّـر المبيع وعدم بقائه على ما كان عليه في حال العقد.
ويرتفع التعارض بما ذكرنا في خيار الحيوان من أنّ المراد من إحداث الحدث في الروايات، هو ايجاد التغيّـر في المبيع، لا مطلق التصرّف، كالأمر بغلق الباب وتعليف الدابة وسقيها، أو ركوبها إلى البيت أو غير ذلك من التصرّفات التي تبقى معها العين على ما كانت عليه، وقد ذكرنا الشواهد على ذلك فراجع، وعليضوءهذا فالروايتان تشيران إلى معنى واحد وإن شئت قلت الثانية تفسّـر الأُولى.
والذي يؤيّد ذلك (أنّ مطلق التصرّف غير مسقط) ما في صحيح دواد بن فرقد قال: «سألت أبا عبد اللّه ـعليهالسلامـ عن رجل اشترى جارية مدركة فلم تحض

1 . الوسائل: ج 12، الباب 16 من أبواب الخيار، الحديث 2.
2 . المصدر نفسه: الحديث 3.

صفحه 345
عنده حتى مضى لها ستّة أشهر، وليس بها حمل فقال: إن كان مثلها تحيض ولم يكن ذلك من كبر فهذا عيب تردّ منه» (1) فإنّه من البعيد أن لا يتصرّف فيها المشتري، باللمس وغيره، أضف إلى ذلك: أنّه لو كانت مثل هذه التصرّفات مسقطة، يلزم أن لا يكون الوطء مسقطاً، لسبق هذه الأُمور عليه مع تضافر الروايات على أنّه من المسقطات (2).
فإن قلت: إنّ الإمام ـعليهالسلامـ قد عدّ في صحيحة علي بن رئاب بعض التصرّفات غير المغيّـرة من أقسام إحداث الحدث كاللمس والتقبيل والنظر إلى ما يحرم عليه قبل الشراء، فكيف يصحّ لنا تخصيص إحداث الشيء الوارد في خبر زرارة بالتصرّف المغيّـر.
قلت: قد تقدم منّا في خيار الحيوان أنّ ما جاء فيها تعبّد من الإمام ويختصّ بباب خيار الحيوان لخصوصية في الأمة لا غير، ولا يعمّ باب خيار العيب لما عرفت في صحيحة داود بن فرقد، وغيرها.
فتلخص من ذلك أنّ المسقط ـ حسب ما تعطيه الروايتان ـ هو المغيّـر فهو مسقط مطلقاً ، سواء كان قبل العلم أو بعده، كشف عن الرضا نوعاً بالعقد أم لا، واختصاص خبر زرارة بما قبل العلم لا يضر مع اطلاق مرسلة جميل، على أنّه إذا كان مسقطاً قبل العلم، يكون مسقطاً بعده بطريق أولى.
وبما أنّ الموضوع في مرسلة جميل هو بقاء العين وعدمه، فيعم ما إذا استند عدم البقاء إلى أمر سماوي، أو شخص ثالث، وكون الوارد في خبر زرارة هو إسناد الحدث إلى المشتري لا يضر بالمقصود بعد مساعدة العرف في هذه المقامات

1 . الوسائل: ج 12، الباب 3 من أبواب أحكام العيوب 1.
2 . المصدر نفسه: الباب 4 من أبواب أحكام العيوب.

صفحه 346
على أنّ الموضوع «تبدّل العين» وانّ الاسناد إلى المشتري لكونه الغالب لا أنّه دخيل.
وعلى ضوء ذلك، يكون المسقط الثاني: تغيّـر العين بأي سبب كان، وعدم بقائها على ما كانت عليه حـال العقـد لا التصرّف كما هو الـوارد في كلمات القـوم خصوصاً المتأخّرين .
وعلى هذا فما هو المسقط هو عدم بقاء العين، وأمّا التصرّف غير المغيّـر، كبيع المبيع وهبته وعتقه، فليس بمسقط إلاّ لأجل كونه انشاءً فعلياً للاسقاط ـ كما مرّ ـ ولاينحصر فيها بل يعمّ ما لو قام المشتري بأمر يعد عرفاً كونه مصداقاًللاسقاط كما إذا عرض المبيع المعيبَ للبيع أو بنى اصطبلاً للحيوان أو غير ذلك.
فإذا كانت هذه الأُمور انشاء للاسقاط فلو عاد إلى ملكه ثانياً، لا يجوز له الرد وإن كانت العين باقية. من غير فرق بين العتق والبيع وغيرهما.
نعم من جعل المسقط هو التصرّف صحّ له البحث عن عموميته لهذه التصرّفات وعدمها، وأمّا على المختار من أنّ التصرّف ليس بمسقط رأساً، وإنّما هو إمّا داخل تحت المسقط الثالث (التصرّف في العين إذا كان مغيّـراً) أو تحت الأوّل: (انشاء السقوط) فأحكام هذه التصرّفات الاعتبارية واضحة.

الرابع: تلف العين:

وقد ادّعى الاجماع على كونه مسقطاً أو ما يكون كالتالف ويمكن الاستدلال عليه بوجوه:

صفحه 347
1ـ مفهوم الجملة الشرطية الواردة في مرسلة جميل حيث قال: «إن كان الثوب قائماً بعينه ردّه على صاحبه» فكما أنّه يصدق بانتفاء المحمول كما إذا كان الثوب موجوداً لكن غير قائم بحاله، فهكذا يصدق بانتفاء الموضوع بتلف الثوب رأساً فيصدق أنّه غير قائم بعينه.
وأورد عليه السيد الأُستاذ (قدس سره) بأنّه إنّما يتم لو كان المفهوم «إن لم يكن الشيء قائماً بعينه» وأمّا إذا كان المفهوم قضية معدولة «إن كان الثوب غير قائم بعينه» أو سالبة مع حفظ الموضوع فلا، والموافق للعرف في الشرطيات وقوع الشرط في عقد الاثبات، والنفي على موضوع ملحوظ مفروض التحقّق فيخرج مثل التلف الحقيقي (1).
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من اخراج السالبة بانتفاء الموضوع عن تحت المفهوم وتخصيصه بالمعدولة بانتفاء المحمول دقّة عقلية غير مطروحة للعرف المحكَّم في هذه المقامات، وذكر قطع الثوب أو خياطته في ذيل الرواية لا يقتضي التخصيص.
2ـ ادّعاء الأولوية فإذا كان التغيّـر مسقطاً فالتلف أولى به.
يلاحظ عليه: بأنّ سقوط الرد عند التغيّـر إنّما هو لأجل رعاية حال البائع لئلاّ يرد عليه المعيب المضاعف، بخلاف المقام، فإنّه مع الردّ يدفع المشتري قيمة العين المعيب ويأخذ الثمن، وهو شيء سهل لا حرج فيه للطرفين.
3ـ إنّ الحق في هذا الخيار حسب مفاد الأدلّة تعلّق بــردّ العقـد وعلى فرض القول بتعلّقه بالعقد فهو مقيّد حسب اخبار الباب بفسخ العقد بردّ العين،

1 . المتاجر : 5/31.

صفحه 348
فسقوط الحق بالتلف ونحوه ليس كونه مسقطاً شرعياً بل هو لأجل أنّه لا يمكن الرد معه فإنّ وجود العين موضوع له.
يلاحظ عليه: أنّ التفريق بين هذا الخيار وغيره، ليس بـظاهر والخيار في الجميع بمعنى واحد، وهو السلطة على حل العقد واقراره فهو متعلّق بالعقد الباقي، وتفسيره بما ذكر غير ظاهر وأمّا ما هو الوظيفة بعد الحل فإنّما يرجع فيها إلى حكم العقلاء فلو كانت باقية ترد نفسها وإلاّ فبدلها من المثل والقيمة ويأخذ الثمن.
وأمّا لفظ الرد الوارد في مرسلة جميل وغيرها فليس دليلاً على أنّه حقّ متعلّق بالعين وإنّما هو لبيان أثر الفسخ، لا لبيان ماهيّة الحق، والشاهد عليه ما في صحيحة حماد: «إنّ البيع لازم لا يردها» (1).
4ـ إنّ المشتري ـ حسب فتوى المشهور ـ مخيّـر بين الرد وأخذ الارش، وبما أنّ الثاني في عرض الأوّل، فلمّـا امتنع الأوّل، يتعيّـن الشق الآخر للتخيير، ولاتصل النوبة إلى الرجوع إلى رد بدل التالف، لأنّه ليس في عرض المبدل.
يلاحظ عليه ـ مضافاً إلى أنّه إنّما يتمّ على مبنى المشهور، لا على ما هو المستفاد من الروايات ـ: أنّ الشق الأوّل عبارة عن ردّ المبيع، وله درجتان، ردّه بعنيه وردّه بمثله أو بقيمته وليس رد بدل التالف متأخّراً عن أخذ الارش، لأنّه من مصاديق ما هو متّحد معه رتبة فردّ البدل في رتبة أخذ الارش.
فالأولى الاستدلال بالمفهوم لا بهذه الوجوه الاعتبارية.

1 . الوسائل: ج12، الباب 4 من أبواب أحكام العيوب، الحديث 7.

صفحه 349

الخامس: حدوث عيب عند المشتري:

إنّ حدوث العيب في المبيع على أقسام:
1ـ حدوثه بعد العقد وقبل القبض.
2ـ حدوثه بعد القبض في أيّام الخيار للمشتري.
3ـ حدوثه بعد انقضاء أيّامه.
والمقصود بالبحث هو الصورة الثالثة، ونبحث عن الأوّليين استطراداً.

1ـ حدوثه قبل القبض ضماناً ومانعية:

المبيع المعيب السابق على العقد، إذا حدث فيه العيب قبل القبض، يقع الكلام فيه في الأُمور التالية:
1ـ هل ضمانه على البائع أو لا؟
2ـ هل هو مانع عن الرد أو لا؟
3ـ هل هناك خياران أو خيار واحد؟
فنقول: إنّ الضمان على البائع وهو غير مانع عن الردّ بالعيب السابق، ويدل على كلا الحكمين أمران:
1ـ ارتكاز العقلاء حيث يرون البائع مسؤولاً عن المبيع كلاّ ً وجزءاً ووصفاً حتى يُسلِّمه ولا يرون العيب اللاحق مانعاً عن الرد بل يكون الردّ مؤكَّداً لأجل تضاعف العيب.
2ـ مرسلة جميل وفيها: «يشتري الثوب أو المتاع فيجد فيه عيباً...» ببيان أنّ

صفحه 350
قوله «يجد فيه عيباً» وإن كان ظاهراً في العيب السابق على العقد، لكن الظهور بدئي، يزول بملاحظة أنّ بعض الأمتعة ربّما يقع الفصل الزمني بين العقد عليه، وتسليمه واقباضه، ويحدث فيه العيب أيضاً، وبما أنّ الرواية في مقاماعطاء الضابطة وأنّ ذكر الثوب والمتاع من باب المثال فيعم قوله: «يجد فيه عيباً» هذا القسم من العيب أيضاً، ولأجل ذلك يقوم التجاراليوم بعقد التأمين مع الشركات التأمينية، لجبر الخسارات الواردة عليالمبيعبينالعقد والقبض، وما هذا إلاّ لأنّ بعض المبيعات في معرضالتلفوالتعيّب في تلك الفترة من غير فرق بين العصر الحاضر والعصور الماضية.
فإذا كان الحديث مطلقاً، من حيث العيب السابق على العقد، واللاحق به قبل القبض، ومن حيث حدوث واحد منهما أو كليهما، يكون الجواب في الجميع واحداً وهو أنّه «انّ المتاع إذا كان قائماً بعينه، ردّه على صاحبه وأخذ الثمن»، وتكون النتيجة هو كون الخسارة على البائع، وأنّ العيب الحادث غير مانع عن الرد بالعيب السابق. والمبيع لأجل حدوث العيب بين العقد والقبض وإن كان غير باق على حاله لكن سيوافيك أنّ المرسلة لا تشمل هذا النوع من التغير، بل تختص بالتغيّـرات الحادثة بعد القبض، فانتظر.
وربّما يستدل بالنبوي الشريف: «كل مبيع قد تلف قبل قبضه فهو من مال بائعه» ببيان أنّ تلف البعض أو الوصف مثل تلف الكل، والمقصود أنّ التلف بأقسامه الثلاثة بعد العقد وقبل القبض يفرض كالتلف قبل العقد، ولازم ذلك الانفساخ في تلف الكل والبعض، والخيار في حدوث العيب، وذلك لأنّه لو كان المبيع تالفاً كلّه أو بعضه قبل العقد، كان العقد عليه باطلاً، فهكذا إذا كان

صفحه 351
بعده، ولو كان معيباً قبل البيع أو حينه، كان موجباً للخيار، فهكذا إذا كان بعده(1).
يلاحظ عليه أوّلاً : أنّ النبوي يتضمّن حكم تلف الكل، لا البعض ولاالوصف، فالحاقهما به يحتاج إلى الغاء الخصوصية أو تنقيح المناط.
وثانياً: سلّمنا جواز الحاق تلف البعض أو الوصف بتلف الكل، لكن المتبادر منه بيان خصوص كون الخسارة على البائع، وأمّا أن حكم كل واحد بعد العقد حكمه قبل العقد، فتكون النتيجة هو البطلان في الموردين، والخيار في مورد طرؤ العيب، فلا يستفاد منه إذ من المحتمل أن يكون حكم الكل بعد العقد هو البطلان، لا البطلان في موردين والخيار في مورد ثالث وإن كان الحكم كذلك في التلف قبله.
وبذلك يظهر عدم صحّة الاستدلال بما دلّ على أنّ تلف المبيع أو بعضه قبل القبض على البائع، كروايـة عقبـة بن خالـد (2) وصحيحـة بريد بن معاوية(3)فإنّ أقصى ما يمكن أن يقال: هو الحاق تلف الوصف بتلف الذات كلاّ ً أو بعضاً، وأمّا كون الحكم في الأوّلين هو البطلان، وفي الأخير الخيار قياساً على حكمهما قبل العقد فلا يستفاد من الحديثين، لأنّ استفادة ذلك التفصيل يحتاج إلى دلالة زائدة لا توجد فيهما. فالأولى الاستدلال بسيرة العقلاء ومرسلة جميل على أنّ الحكم اجماعي كما لا يخفى.
فإن قلت: كيف لا يوجب سقوط الخيار بالعيب السابق مع أنّ مقتضى اطلاق المرسلة أنّ التغيّـر بعد العقد وقبل القبض مسقط، ولا يعقل أن يكون

1 . تعليقة السيد الطباطبائي: 76.
2 . الوسائل: ج 12، الباب 10، من أبواب الخيار، الحديث 1.
3 . الوسائل: ج12، الباب 19 من أبواب عقد البيع، الحديث 1.

صفحه 352
مسقطاً للخيار الآتي من قبله، لأنّ العيب سبب لثبوته لا لسقوطه، وأمّا سقوطالخيار الناشئ من السبب السابق فلا مانع منه، بل هو مقتضى دلالتها اطلاقاً (1).
قلت: إنّ قوله «فيجد فيه عيباً» وإن كان يشمل العيب القديم والحادث بين العقد والقبض، على ما عرفت، لكن قوله: «إن كان الثوب قائماً بعينه ...» ناظر إلى خصوص التغيّـر الحادث عند المشتري أي بعد دخول العين في سلطته وخروج البائع عن مسؤوليتها، وجعلها على عاتق الآخر، فعلى هذا يقول الإمام: إنّ جواز الردّ وعدمه يدور مدار بقاء الشيء على حاله وعلى النحو الذي أُخذ وعدمه، ولا نظراً لها إلى التغيير الحادث بين العقد والقبض حتى يقال إنّ مقتضى اطلاقها، هو سقوط الخيار بالعيب السابق، بواسطة العيب اللاحق.
وبالجملة: المقصـود تغيّـره وعـدمـه بعد القبض وأمّا العوارض الطارئة قبله فليست بصدد بيان حكمها.
إذا عرفت هذا فإليك البحث عن تعدّد الخيار ووحدته.

هل هناك خياران أو خيار واحد؟

إذا كان العيب الحادث لا يؤثّر في سقوط الخيار المسبب من المعيب المتقدم على العقد، يقع الكلام في تعدد الخيار ووحدته، وأنّ العيب الحادث يؤكد الخيار السابق أو يحدث فيه خياراً مستقلاّ ً.
لا شك أنّ تعدّد العيب يؤثّر في كثرة الارش وقلّته، بمعنى لحاظ كلمنالنقصين وذلك لأنّ لكل عيب تأثيراً في قلّة الرغبة ونزول السعر،

1 . المتاجر: للسيد الأُستاذ قسم الخيارات: 5/45ـ46.

صفحه 353
إنّما الكلام في أنّ تعدّد العيب هل يؤثّر في تعدّد الخيار أو لا، فنقول إنّه على قسمين:
1ـ إذا كان العيبان مجتمعين قبل العقد.
2ـ إذا كانا مترتبين بأن كان أحدهما موجوداً قبله والآخر حدث بينه وبين القبض.
فيقع الكلام في أنّ الفردين من طبيعة واحدة سواء كانا مجتمعين أو مترتبينكالفردين من سببين مختلفين، كالشرط وبيع الحيوان، حتى يتعدّد الخيار، أو لا.
هناك احتمالات:
ألف: التفريق بين فردين من سببين مختلفين فيستقل كل بالخيار، وفردين من سبب واحد، فيكونان داخلين تحت عنوان العيب، فيصير المسبب واحداً كالسبب.
ب: الحكم بتعدّد الخيار مطلقاً، كانا من جنس واحد أو من جنسين، كانا مجتمعين قبل العقد أو متفرقين، وتصوّر أنّ تعدّد الخيار أشبه بتحصيل الحاصل، مدفوع بأنّه إنّما يلزم لو لم يكن للتعدّد أثر، والمشتري ربّما يسقط الخيار المسبب من سبب (الحيوان) دون آخر (الشرط) و ربّما يرضى بأحد العيبين، ويبقى الآخر مؤثّراً في جواز الردّ.
ج: التفريق بين المجتمعين والمترتبين من جنس واحد، فلو كانا مجتمعين قبل العقد فالخيار واحد ولو كانا مترتبين فالخيار متعدّد، وذلك لأنّهما إذا كانا مجتمعين في زمان واحد، يستند الخيار في نظر العرف إلى الجامع بينهما، أعني: العيب، فيتّحد الخيار لاتّحاد سببه، بخلاف ما إذا كان مترتبين فالعيب الموجود

صفحه 354
حين العقد، يوجب خياراً، والحادث بعده، يؤثّر تأثيراً جديداً لعدم كون الاجتماع مانعاً عن تأثيره.
د: إنّ المترتبين كالمجتمعين لا يوجبان خياراً جديداً، غير أنّ الفرد الأخير في المترتبين له اقتضاء التأثير فلو ارتفع المانع يكون مؤثّراً فعلياً، مثلاً إذا أسقط الخيار المستند إلى العيب السابق، ثمّ حدث العيب الجديد، أو أسقطه بعد حدوثه، فلامانع من أن يكون الحادث مؤثّراً وموجباً للخيار، وحاصل الفرق أنّ كل فرد من المجتمعين يصبح كجزء العلّة، فيؤثّر الجميع ويُحدث خياراً واحداً، بخلاف المترتبتين الواقعين في زمنين مختلفين، فإنّ كل واحد علّة تامـة غير أنّ سبق تأثير الأوّل، يمنع عن تأثيره الفعلي، فإذا ارتفع المانع، كما أسقط خياره، تعود الفعلية عليه ويكون سبباً مستقلاّ ً للخيار.
فإن قلت: المستفاد من النبوي الشريف أنّ العيب الحادث بين العقد والقبض، كالعيب الموجود قبل العقد، فيلزم على هذا، اتحاد حكم المترتبين مع المجتمعين.
قلت: قد عرفت مفاده وأنّه لا يتجاوز عن كون الخسارة على البائع، وأمّا أنّ العيب الحادث يتّحد مع القديم في جميع الجهات فلا.
هذه هي الوجوه المحتملة، والوجه الأخير هو الأقرب إلى الاعتبار وارتكاز العقلاء.
وبذلك يظهر ما في كلام سيّدنا الأُستاذ (قدس سره) من أنّ الخيارات المتعدّدة للعيوب تعد لغواً (1) مع أنّ تعدد الخيار ليس إلاّ كتعدّد الحقوق فله أن يتعامل مع كلّ حق بشكل خاص.

1 . المتاجر: قسم الخيارات: 5/45.

صفحه 355

2ـ حكم العيب الحادث بعد القبض في أيام الخيار:

تضافرت النصوص على أنّ العيب الحادث في أيّام الخيار للمشتري على البائع، ففي صحيحة ابن سنان: سألت أبا عبد اللّه ـعليهالسلامـ : عن الرجل يشتري الدابّة أو العبد ويشترط إلى يوم أو يومين فتموت الدابّة أو العبد، أو يحدث فيه حدث على من ضمان ذلك؟! فقال: على البائع حتى ينقضي الشرط: ثلاثة أيّام، ويصير المبيع للمشتري (1).
روى الصدوق عن ابن رباط مرسلاً عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) . قال: إن حدث بالحيوان قبل ثلاثة أيّام فهو من مال البائع (2).
فيقع الكلام في ضمانه، واحداثه الخيار، ثم في مانعيته ـ على نحو تعرف ـ والاستدلال بالصحيحة على المقام فرع دراسة مدلولها وتبيين ماذا يريد الإمامـعليهالسلامـ من قوله : «حتى ينقضي الشرط ثلاثة أيّام ويصير المبيــع للمشتري».
فهل التعبير حقيقي والمراد أنّ المبيع ملك للبائع حقيقة، وأنّه بعدُ لم ينتقل منه إلى المشتري، وإنّما يتحقّق إذا انقضت أيّام الخيار، كما هو خيرة الشيخ الطوسي، ولأجل ذلك ذهب (قدس سره) إلى أنّ حصول الملكية للمشتري يتوقّف على انقضاء الخيار.
أو أنّ التعبير، تعبير مجازي يهدف إلى أنّه لمّا كان النقص على البائع ومن ماله، فكأنّه بعد باق في ملكه ولم ينتقل إلى المشتري ولم يصر ماله.

1 . الوسائل: ج12، الباب 5 من أبواب أحكام الخيار، الحديث 2 و 5.
2 . الوسائل: ج12، الباب 5 من أبواب أحكام الخيار، الحديث 2 و 5.

صفحه 356
فلو قلنا بالأوّل ـ الذي أعرض عنه المشهور ـ يكون حكم العيب الحادث في زمان الخيار حكم العيب الحادث قبل تمام البيع كالحادث بين الايجاب والقبول، ومن المعلوم أنّ مثله مضمون على البائع، ولو باعه ـ مع هذا العيب ـ يحدث خياراً ولا موضوع للبحث عن مانعيته، لأنّ البحث عنها فيما إذا تمّ البيع، وحدث العيب بعده، والمفروض خلافه، فحكم هذا العيب الحادث في زمان الخيار، حكم الحادث قبل اجراء العقد أو أثناءه، فكما أنّه لا موضوع للبحث عن المانعية هناك فكذا المقام. لأنّ المفروض أنّ الانتقال غير حاصل.
ولو قلنا بالثاني، يثبت الضمان والخيار لأنّ التنزيل إنّما هو بلحاظ أظهر الآثار، وأثر حدوث العيب في ملك البائع حقيقة، إنّما هو كونه من ماله ولو باعه معه، يحدث خياراً، فهكذا المنزّل منزلته، أعني: العيب الحادث في أثناء أيّام الخيار، فهو مثل الحادث في ملك البائع في أظهر الآثار وأجلاها، وهـو الخيار والضمان.
وأمّا مانعيته عن الرد بالعيب السابق فالمرسلة منصرفة عن هذا المورد لأنّ العين وإن كانت غير باقية على حالها حيث تغيّـرت عمّـا كانت عليه قبل القبض، لكن لمّا كانت المسؤولية على عاتق البائع، والنقص متوجّهاً إليه تكون المرسلة منصرفة عن هذه الصورة وإنّما هي ناظرة إلى ما لا يكون النقص متوجّهاً إليه، بل تكون المسؤولية متوجّهة إلى المشتري ففي مثل هذا المورد يكون التغيّـرـولو كان خارجـاً عن حيطة المشتري واختياره ـ موجباً لمنع الرد بالعيب السابق.
ثمّ إنّ ما دلّ على أنّ العيب الحادث في أيّام الخيار من مال البائع، مختص بالآفة السماوية، من غير فرق بين صحيحة ابن سنان، أو مرسلة ابن رباط ففي

صفحه 357
هذا النوع من العيب يأتي حديث التنزيل الوارد في الروايتين ويُتلقّى كأنّه حدث قبل العقد، فيكون محدِثاً للخيار وغير مانع عن الرد.
وأمّا العيب الحادث بفعل البائع أو المشتري، أو الأجنبي، فهو خارج عن حريم ما دلّ على أنّ تلف المبيع في زمن الخيار فهو ممّن لا خيار له، ويرجع فيه إلى سائر القواعد.
أمّا اتلاف البائع، فليس بمانع، لانصراف المرسلة عمّـا إذا كان عدم القيام مستنداً إلى تقصير البائع فالمرجع فيه هو عمومات الرد بالعيب السابق، فللمشتري خيار الردّ وأخذ الثمن، كما له أخذ الارش للعيبين السابق والحادث.
ولكن تلاحظ في أخذ الارش للسابق، النسبة إلى الثمن، لأنّ الضمان فيه ضمان معاوضي فالمشتري لا يستحقّ قيمة ما نقص بالعيب السابق، بل يستحق ما دفع بازائه من الثمن، فلأجل ذلك يستحقّ ما خصّه به من الثمن، بخلاف العيب الحادث بيد البائع بعد القبض فإنّ الضمان فيه ضمان يد وغرامة، فيستحقّ قيمته السوقية.
والحاصل أنّ مرسلة جميل: تهدف إلى مراعاة جانب البائع فتشرط في الالزام بالرد بقاء العين بحالها، ومن المعلوم أنّها لا تعم إذا كان البائع نفسه سبباً للنقص وايجاد الضرر.
وأمّا إتلاف المشتري فمسقط بلا كلام، لاطلاق المرسلة، وأمّا الأجنبي فهو أيضاً مانع عن الرد لعدم قيام العين بحالها.
ثمّ إنّ كون الموضوع في رواية زرارة، هو إحداث المشتري، وفي مرسلة جميل،

صفحه 358
عدم قيام العين بحالها، لا يوجب التعارض لأنّهما مثبتتان، لا تصلح إحداهما لتقييد الأُخرى، بل تحدَّد الأُولى بمرسلة جميل فيكون الملاك بقاء العين وعدمه.

3ـ العيب الحادث بعد القبض والخيار:

إذا حدث العيب بعد زمان انقضاء الخيار، فقد حكي الاجماع على كونه مضموناً على المشتري، وأنّه مانع عن الرد. قال الشيخ في الخلاف: إذا اشترى شيئاً وقبضه، ثمّ وجد به عيباً كان عند البائع، وحدث عنده عيب آخر، لم يكن له رده إلاّ أن يرضى البائع بأن يقبله فيكون له ردّه، ويكون له الارش إذا امتنع البائع من قبوله معيباً، وبه قال الشافعي.
وقال أبو ثور وحماد بن أبي سلمان: إذا حدث عند المشتري عيب ووجد عيباً قديماً كان عند البائع ردّه وردّ معه ارش المعيب.
وقال مالك وأحمد: المشتري بالخيار بين أن يرده مع ارش العيب الحادث، وبين أن يمسكه ويرجع على البائع بارش العيب القديم (1).
ولم ينقل الخلاف إلاّ من المفيد لكن عبارته في المقنعة ليست صريحة في جواز الرد (2) واستدلّ العلاّمة في التذكرة بأنّ تحمّل البائع له بالعيب السابق ليس أولى من تحمّل المشتري له بالعيب الحادث.
يلاحظ عليه: أنّه لا يثبت ما رامه (عدم جواز الرد) إذ غايته أنّ المقام من قبيل تعارض الضررين فيتساقطان، فيرجع إلى عمومات الرد عند الأصحاب لتسالمهم في تلك الموارد الرجوع إلى استصحاب حكم المخصص.

1 . الخلاف: 3 /114ـ 115 كتاب البيع، المسألة 192.
2 . المقنعة: 597 باب العيوب الموجبة للردّ.

صفحه 359
والأولى الاستدلال برواية زرارة ومرسلة جميل، وقد عرفت عدم التعارض بينهما وأنّ المقياس بقاء العين بحالها. والمفروض خلافه من غير فرق بين كون التلف مستنداً إلى آفة سماوية أو المشتري أو الأجنبي. نعم لو كان العيب مستنداً بفعل البائع لا يكون مانعاً عن الرد لما عرفت في البحث المتقدم.

بقيت هنا أُمور (1):

الأوّل: إذا كان المستند لسقوط الخيار هو مرسل «جميل» المؤيّد برواية زرارة، فالمسقط الخامس عدم بقاء العين على ما كانت عليه، من التلف والتغيّـر ، سواء كان حسّياً أو غير حسّـي، كما إذا نسي الطحن أو الخياطة أو الكتابة سواء كان التغيّـر عيباً أم لا، فيسقط في موارد وإن لم يكن هناك عيب.
1ـ إذا عمل في المبيع له أُجرة أو زاد فيه وصفاً كذلك، فليس له الردّ لعدم القيام على ما كان وإن لم يكن عيب بل ربّما يزيد على قيمته وقد ورد في مرسلة جميل: الصبغ والخياطة.
2ـ إذا مزج المبيع بماله على وجه لا يتميّـز كمزج الحنطة بالحنطة المساوية لها فيصدق عدم قيامه بعينه.
3ـ إذا تلف بعض المبيع، وإن لم يكن للتالف تأثير في الباقي كما إذا تلف طُنّ من أطنـان الحنطة، ولأجـل ذلك قلنا: إنّ الموضوع التغيّـر سواء كان عيباً أولا.
الثاني: لو رضي البائع بردّه معيباً مع الارش أو مجاناً فهل يبقى التخيير بين الرد والارش مع عدم بقاء العين بحالها أو لا؟ وجهان: من أنّ المنع عن الردّ

1 . ذكرها الشيخ الأعظم وأكملها السيد الطباطبائي في تعليقته: 79ـ80.

صفحه 360
لرعاية حال البائع، فإذا رضي به فلا مانع من الرد. ومن أنّه على خلاف ظاهر المرسلة من سقوط الرد وتعيّـن الارش. والأقوى هو الأوّل، لأنّها واردة في مقام توهّم جواز الالزام بالرد ـ مع عدم بقاء العين بحالها ـ فيكون قوله : «وإن كان الثوب قد قطع...» يرجع بنقصان العيب، في مقام ردّ ذلك التوهّم، فلا يستفاد منها عدم جواز الرد مع الرضا، بل عدم جواز الالزام، وهذا نظير اطلاقات الأمر بالرد مع عدم التصرّف فإنّها في مقام دفع توهّم لزوم الوفاء، فلا يستفاد منها لزوم الرد وعدم جواز الامساك مع الارش.
هذا كلّه إذا لم يكن بعنوان الاقالة وإلاّ فلا اشكال، وليست المرسلة ناظرة إلى نفيها.
الثالث: إذا زال العيب الحادث قبل أخذ الارش فهل يجوز الرد أو لا؟ وجهان من صدق بقاء العين على حالها حين الرد، مضافاً إلى أنّ العيب السابق مقتض للرد، والحادث مانع ما دام موجوداً فإذا زال، أثّر المقتضي، ومن أنّه إذا طرأ الحادث صدق أنّ العين غير قائمة بحالها فسقط الخيار. والأوّل هو الأقوى، إذ لا يستفاد من المرسلة، إلاّ مانعية العيب الجديد عن الرد لا سقوطه به، لو لم نقل إنّ الميزان عدم القيام بحالها في حال الرد لا مطلقاً وقد قلنا سابقاً إنّ البيع من الغير، مانع ما دام موجوداً فإذا رجعت إليه، فهو لا يمنع عن الرد لصدق القيام بحالها حينه، اللّهمّ إلاّ أن يعدّ نفس رفع العيب عن طريق التصليح عيباً باقياً كما هو الحال في الأجهزة الصناعية، فلا يُلْزم بالقبول.
الرابع: إذ ردّ بالعيب السابق، قبل ظهور العيب الحادث في يد المشتري ثمّ بان له، فهل يكشف عن بطلان الفسخ بالعيب السابق أو لا ؟ الظاهر نعم لأنّ الموضوع للرد بالفسخ بقاء العين على حالها، فإذا بان خلافه، بأن تبيّـن عدم

صفحه 361
المجوّز للفسخ واقعاً فيبطل الفسخ، ورضا البائع كان مبنياً على بقاء المبيع على حاله فإذا بان الخلاف لم يعتد بالرضا المعلّق.
إنّ من موانع الردّ تبعّض الصفقة وله أقسام:

1ـ تبعّض الصفقة بردّ المعيب وابقاء الصحيح:

إنّ من موانع الرد ـ عند المشهور ـ لو لم يكن اجماعاً ـ تبعّض الصفقة بالرد، وذلك فيما إذا ابتاع شيئين من مالك واحد بثمن واحد، ثمّ بان عيب في واحدمنهما، فليس له رد المعيب وامساك الصحيح بل له إمّا ردّهما أو امساكهما معاً.
قال الشيخ في الخلاف: إذا اشترى عبدين صفقة واحدة، فوجد بأحدهماعيباً، لم يجز له أن يرد المعيب دون الصحيح وله أن يردهما، وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: له أن يرد المعيب دون الآخر، دليلنا اجماع الفرقة واخبارهم(1).
وقال المحقّق: وإذا ابتاع شيئين صفقة ثمّ علم بعيب في أحدهما لم يجز ردّ المعيب منفرداً وله ردّهما أو أخذ الارش، وعلّق عليه في الجواهر بقوله: « بلا خلاف أجده فيه بل في الغنية الاجماع عليه» (2).
ولنبيّـن حكم بعض الأمثلة حتى يتبيّـن محل النزاع.
1ـ إذا كانت له دار ذات شقق، فباع إحداها بثمن، وأُخرى بثمن آخر،

1 . الخلاف: 3/110، المسألة 180 من كتاب البيوع.
2 . الجواهر: 23/ 248.

صفحه 362
فبان العيب في أحد الشقّتين، فله امساك الصحيح ورد المعيب، سواء وقع البيعان بانشائين أو كان البيعان بانشاء واحد، كما إذا قال بعد المذاكرة والمقاولة : بعت ما علم بما علم، ومثله ما إذا زوّج وكيل المرأتين كلتيهما من زوج واحد بعقد واحد وقال: زوّجتهما من موكّلي ثم بان سبب الفسخ في إحداهما، فيجوز للزوج فسخها دون الأُخرى.
2ـ لو باع سهمه المشاع من الدار والبستان لأجنبيّ صفقة واحدة، فللشريك الأخذ بالشفعة، في كلا الموردين أو واحد منهما، لأنّ له حقّين مستقلّين وليس اعمال أحدهما مشروطاً باعمال الآخر، وهل للمشتري الخيار، لأجل تبعّض الصفقة أو لا؟ فهو مبني على كفاية لا ضرر في اثبات الخيار. فيما إذا كان هناك ضرر نوعاً.
3ـ إذا باع الحيوان مع الثوب صفقة واحدة، يجوز للمشتري، ردّ الحيوان في ثلاثة أيّام وحده، لأنّ متعلّق الخيار هو الحيوان، لا الثوب ولا المجموع منهما، ولو ردّه فهل للبائع الخيار، لتبعّض الصفقة أو لا ؟ فهو مبني على كون «لا ضرر» كافياً لاثبات الخيار، فيما كان هناك ضرر نوعاً.
إذا تعرّفت على حكم هذه الأمثلة يقع الكلام في أنّه إذا اشترى شيئين بثمن واحد من بائع واحد فبان العيب في أحدهما دون الآخر، فهل للمشتري امساك الصحيح ورد المعيب أو لا؟ وبعبارة أُخرى فهل له هذا الحق أو لا؟ وتظهر الثمرة في أنّه على القول بالجواز يكون الرد نافذاً من غير ترقّب، غاية الأمر كان للبائع خيار تبعّض الصفقة على القول به، وربّما لا يقوم باعماله. أمّا إذا لم نقل به، يكون الرد باطلاً لعدم ثبوت هذا الحق، ولا تصل النوبة إلى خيار البائع لأجل التبعض.

صفحه 363
وتظـهر الثمرة أيضاً فيما إذا قلنا بالجواز وكان البائع راضياً، فإنّ الردّ يكون نافذاً، وهذا بخلاف إذا لم نقل به فانّ رضاه لا يفيد، لعدم كونه مشرِّعاً.
ثمّ إنّ محل البحث فيما إذا أمكن ردّ المعيب وامساك الصحيح وهذا فرع الانفكاك بينهما فما يظهر من الشيخ من تعميم البحث إلى الجزء المشاع غير ظاهر(1).
ثم إنّه يمكن الاستدلال على عدم التبعيض بوجوه وهي بين صحيح وزائف وإليك بيانها:
الأوّل: ارتكاز العقلاء في كل عصر ومصر، حيث لا يرون للمشتري إلاّ حقاً واحداً وهو إمّا ردّ الجميع، أو امساك الجميع مع أخذ الارش، وأمّا التبعيض فلا وهذا متبع ما لم يردع عنه الشرع.
الثاني: إنّ العقد الواحد إمّا ينفذ أو يفسخ، ولا يتبعّض.
توضيحه: أنّ قوله ـعليهالسلامـ في المرسلة: «إن كان الشيء قائماً بعينه ردّ على صاحبه» لا يخلو إمّا أن يراد منه الردّ الخارجي مع حفظ العقد وعدم فسخه، أو يجعل كناية عن فسخ العقد وحلِّه، ويكون أثره رجوع العوضين إلى محلّهما. والأوّل غير محتمل، إذ لا معنى لرجوع العوضين إلى محلّهما مع بقاء العقد، فإنّ معنى ذلك ردّ المثمن مع كونه ملكاً للمشتري إلى البائع، وردّ الثمن مع كونه ملكاً للبائع إلى المشتري. والثاني هو المتعيّـن، فإذا كان كناية عن الفسخ، فلا يجوز التبعيض في

1 . حيث قال: «إذا اشترى شيئاً واحداً أو شيئين» ومراده من الشيء الواحد، هو الواحد الحقيقي حيث قال: «لأنّ المردود إن كان جزءاً مشاعاً من المبيع الواحد فهو ناقص من حيث حدوث الشركة، وإن كان معيّناً فهو ناقص ...» ولا يتصوّر ردّ المعيب وإمساك الصحيح في الواحد الحقيقي إلاّ بتكلّف.

صفحه 364
حلّ العقد باثباته في بعض دون بعض (1) إلاّ بأمرين:
1ـ انحلال العقد الواحد إلى عقود، والالتزام الفارد إلى التزامات قابلة للتفكيك بفسخ واحد دون آخر. وهذا وإن أمكن عقلاً لكنّه غير معهود عرفاً فهو لا يرى في المقام إلاّ عقداً والزاماً واحداً، إمّا يثبت أو يزول.
2ـ فسخ المعاملة من رأس وانشاء العقد على خصوص الصحيح وهو خلاف الفرض.
الثالث: عدم بقاء المبيع بحاله.
توضيحه: أنّه جاء في المرسلة «في الرجل يشتري الثوب أو المتاع فيجد فيه عيباً؟ فقال: لو كان الشيء قائماً بعينه ردّه على صاحبه وأخذ الثمن» (2)، والمرادمن المتاع كل ما يطلق عليه من واحد أو أكثر، فلو اشترى لطفله ثوباً معحذاء بصفقة، يصدق عليهما أنّه اشترى متاعاً فليست الوحدة داخلة في مفهومه، ولاهومقيّد بالكثرة، بل يصدق على كل ما يتمتّع به الإنسان من قليل وكثير.
وعلى ضوء ذلك يجب أن يكون المتاع باقياً بذاته و وصفه المقصود للعقلاء، وفي ردّ المعيب وإن كان المتاع باقياً بذاته لكنّه غير باق بوصفه، أعني: انضمامه إلى الصحيح الذي هو الدافع لبيعه وشرائه.
وما ربّما يقال: من أنّ التغيّـر المانع هو الحادث قبل الرد، لا الحادث به،

1 . كتب الإمام أمير المؤمنين إلى معاوية: «لأنّها بيعة واحدة لا يثنّى فيها النظر، ولا يستأنف فيها الخيار» نهج البلاغة، قسم الرسائل: 7 ذكرت كلامه ـعليهالسلامـ لأدنى مناسبة.
2 . الوسائل: ج12، الباب 16 من أبواب الخيار ،الحديث 3.

صفحه 365
غير تام لأنّ مانعيته لأجل رعاية حال البائع، وسدّ توجّه الضرر إليه، فلا يتفاوت الحال بين كونه قبل الرد أو بعده، والمقصود هو أن يصل المتاع إلى البائع على النحو الذي دفعه والتبعيض يباينه.
هذه الوجوه، هي التي يمكن أن يستند إليها الفقيه في اثبات مانعية التبعض عن الردّ وربّما يستدل بما لا يعتمد عليه وإليك البيان:
الرابع: إنّ الأدلّة ظاهرة في تعلّق حقّ الخيار بالمجموع لا بكلّ جزء ولا أقل من الشك، ضرورة عدم الوثوق بالاطلاق فيها على وجه يشمل الفرض والأصل اللزوم من غير فرق بين ما ينقصه التفريق كمصراعي باب أو لا (1).
وأورد عليه الشيخ الأعظم بوجهين:
1ـ أن لازم ذلك عدم جواز ردّ المعيب منفرداً وإن رضى البائع، لأنّ المنع حينئذ لعدم المقتضى للخيار في الجزء لا لوجود المانع منه، وهو لزوم الضرر على البائع حتى ينتفي برضا البائع.
2ـ لا شك في أنّ حقّ الخيار حقّ وحدانيّ متعلّق بما تعلّق به ولا يجوز تبعيضه بالنسبة إلى أجزاء ذلك المتعلّق، وانّما الاشكال في أنّ متعلّقه هل هو خصوص الشيء المعيب، أو مجموع ما وقع عليه العقد؟ لنا أن نقول: إنّ ظاهر دليل الخيار، هو الأوّل، فيكون كأخبار خيار الحيوان، ولازمه جواز التفريق، نظير الخيار المسبّب عن وجود الحيوان في الصفقة في اختصاصه، به نظير اختصاصه في المقام بالجزء المعيوب، وعلى ذلك له حقّ ردّ المعيب وحده ولكن ردّ الصحيح معه لأجل دفع الضرر ولكن لو رضى، صحّ الرد لوجود المقتضى وعدم المانع

1 . الجواهر : 23/248.

صفحه 366
برضا البائع (1).
أضف إليه: أنّه كلّما كان الخيار لوجود خصوصية في المبيع، يتعلّق الخيار بما فيه الخصوصية، كالحيوان إذا بيع مع شيء آخر، فمتعلّق الخيار، هو الحيوان، لقوله: «وصاحب الحيوان بالخيار بثلاثة أيّام» (2) ومثله المقام فانّ الخيار لأجل خصوصية في المبيع، من عيب أو عوار، كما في قوله في رواية زرارة: «أيّما رجل اشترى شيئاً وبه عيب أو عوار ...» (3) ولأجل ذلك لا وجه لتعلّق الخيار بما لا ملاك فيه للخيار وهو الصحيح المنضم إليه.
هذا ما يمكن أن يقال في نقد ما استدلّ به صاحب الجواهر(قدس سره).
والظاهر عدم ابتناء حل المسألة على تعلّق الخيار بالمجموع أو بما فيه العيب، وذلك أنّا نفترض أنّه تعلّق بما فيه العيب، ولكنّه لا يكون دليلاً على جواز ردّه منفرداً إلاّ إذا ثبتت الملازمة بين كون شيء متعلّقاً للخيار وردّه مطلقاً، سواء كان تمام المبيع أو بعضه إذ من المحتمل أن تكون الملازمة بينهما فيما إذا كان المتعلّق تمام لا جزئه. وهو خلاف الفرض، فمحاولة صاحب الجواهر لاثبات كون

1 . توضيح لما أفاده الشيخ، وعبارته لا تخلو عن اطناب واغلاق، حيث قال: لا شك في ثبوت حقّ الخيار لمجموع المبيع لا لكلّ جزء ثمّ فرّع عليه قوله: «هل محل الخيار، الشيء المعيوب أو مجموع ما وقع عليه العقد» ومن الواضح أنّه لو كان الخيار متعلّقاً لمجموع المبيع، لما كان له إلاّ قسم واحد وهو الثاني، ولا يتصوّر تعلّقه بالمعيوب وحده ولأجل ذلك تحيَّـر المحشّون في تصحيح العبارة واحتمل السيد الطباطبائي أنّ المقصود من «مجموع المبيع» مجموع متعلّق الخيار، سواء كان كل المبيع أو القسم المعيب، والمراد أنّ الخيار على كلا القولين يتعلّق بالكل، لا بكل جزء منه. ولا يخفى بُعد التوجيه ولعلّ النسخ مغلوطة.
2 . الوسائل: ج 12، الباب 3، لاحظ روايات الباب.
3 . المصدر نفسه: الباب 16، الحديث 2.

صفحه 367
المتعلّق، تمام المبيع لا جزئه فلا يثبت جواز الردّ، وسعي الشيخ لاثبات أنّ متعلّقه ما فيه العيب فيثبت جواز الرد، غير ناجح.
الخامس: ما ذكره الشيخ من أنّ مرجع جواز الرد منفرداً، إلى اثبات سلطنة للمشتري على الجزء الصحيح من حيث امساكه، ثمّ سلب سلطنته عنه بخيار البائع، ولكن منع سلطنته على الرد أوّلاً، أولى، ولا أقل من التساوي فيرجع إلى أصالة اللزوم.
يلاحظ عليه: أنّه استحسان والمتبع هو الدليل وقد عرفت مفاده.

2ـ تبعّض الصفقة بتعدّد المشتري:

الفرق بين هذه المسألة والمسألة المتقدّمة واضح، فانّ محور الكلام فيما تقدم، هو أنّ تعدّد المبيع ـ مع فرض وحدة العقد والبائع والمشتري ـ هل يوجب تعدّد الخيار على أن يكون بازاء كل معيب خيار، ولازم ذلك أنّه لو كان العيب في جزء المبيع لا في تمامه اختصّ الخيار به، أو لا يوجب ذلك، بل هنا خيار واحد يتعلّق بتمام المبيع، سواء كان واحداً أو متعدّداً، وعلى الثاني كان المعيب واحداً أو متعدّداً.
وأمّا محور الكلام في هذه المسألة فهو أنّ تعدّد المشتري ـ مع فرض تعدّد العقد والمبيع والبائع ـ هل يوجب تعدّد الخيار لكل من المشترين فيجوز لأحدهما الانفراد بالفسخ في سهمه أو لا؟
وعلى كل تقدير ففي المقام أقوال أربعة:
1ـ الجواز مطلقاً، وهو خيرة الشيخ والاسكافي والقاضي والحلّي وغيرهم وهو

صفحه 368
الأقوى كما ستعرف.
2ـ عدم الجواز مطلقاً، وهو خيرة الشيخ الأعظم وجماعة.
3ـ التفصيل بين علم البائع بتعدّد المشتري فيجوز مع علمه لا مع جهله، وهو خيرة جامع المقاصد والمسالك.
4ـ الجواز مع تعدّد القبول من المشترين، وأمّا مع وحدة القبول ففيه التفصيل بين علم البائع بالتعدّد وجهله، وأمّا مبني الجواز وعدمه ـ مع قطع النظر عن التفصيلات ـ فتحتمل أُمور:
1ـ هل يتعدّد العقد بتعدّد المشتري ـ مع وحدة المبيع ـ أو لا ؟
2ـ هل يتعدّد الخيار بتعدّد المشتري ، أو لا؟
3ـ هل المبيع قائم بحاله إذا قام أحدهما بالأعمال أو لا؟
استدلّ الشيخ على عدم الجواز مطلقاً بوجوه ثلاثة:
ألف: إنّ الثابت من الدليل أنّ هنا خياراً واحداً متقوّماً باثنين، فليس لكل منهما الاستقلال، ولا دليل على تعدّد الخيار هنا إلاّ اطلاق الفتاوى والنصوص من أنّ من اشترى معيباً فهو بالخيار الشامل لمن اشترى جزءاً من المعيب لكنّه منصرف إلى غير المقام.
يلاحظ عليه: أنّه إذا كان الدليل منصرفاً إلى ما إذا اتّحد المشتري، وكان المورد خارجاً عن اطلاق الدليل، يلزم أن لا يحكم بالخيار لمجموع المشترين أيضاً لأجل انصراف الدليل عن مثل المقام فيلزم أن لا يكون هناك خيار أصلاً وهو كما ترى.
مع أنّ الامعان في دليل خيار العيب يعرب عن أنّ الخيار ثابت لطبيعة

صفحه 369
المشتري سواء اشترى تمام الشيء أو بعضه وليس الهدف منه إلاّ دفع الضرر عن جانب المشتري فلا يتفاوت بين كونه واحداً أو متعدّداً.
ب: إنّ ردّ هذا المبيع منفرداً عن الآخر نقص حدث فيه.
يلاحظ عليه: أنّ حدوث النقص في المبيع باعمال الخيار، لا يكون مانعاً عن ثبوت أصله، وجواز ردّه غاية الأمر يكون سبباً لثبوت خيار آخر للبائع لأجله وهو غير منكر في المقام.
ج: إذا ردّ بعض المبيع يصدق عليه أنّه غير قائم بعينه ولو بفعل الممسك حصته وهو مانع عن الرد.
يلاحظ عليه: أنّ المراد قيام المبيع بعينه، وليس المبيع إلاّ السهم المشاع وهو قائم بحاله لم ينقص منه شيء، ومردود على النحو الذي أُخذ، وأمّا افتراقه عن النصف الآخر، فليس تغييراً في المبيع.
إذا عرفت مدى صحّة دليل المانع فاعلم أنّ مبنى المسألة إثباتاً ونفياً، هو تعدّد العقد ووحدته في المقام، فلو كان العقد متعدّداً فيتعدّد الخيار، فلو اتّحد العقد يتّحد الخيار، ولأجل ذلك لو كان تعدّد العقد في مورد واضحاً لا يشك في تعدّد الخيار أحد مثلاً فلو باع نصف داره من زيد مشاعاً، ثم باع النصف الآخر من عمرو من دون صلة بين المشترين، فلو حاول أحدهما فسخ ما اشترى لعيب فيها، لم يكن به بأس، ولا يدور في خلد أحد، أنّه لا يصحّ له الانفراد بأعمال الخيار، فيعمّه قوله: «أيّما رجل اشترى شيئاً وبه عيب وعوار» (1) ومثله المقام، فلو باع داره من شخصين بصفقة واحدة وقال: بعتكما الدار بالمناصفة، أو لم يذكر

1 . الوسائل: ج12، الباب 16 من أبواب الخيار، الحديث 2.

صفحه 370
المناصفة فقالا: قبلنا، فالانشاء وإن كان واحداً، لكنّه منحل إلى إنشائين، وعقدين، والتزامين، ولكل عقد والتزام، شأنه وحكمه، وقد مرّ أنّ وكيل الامرأتين لو زوّجهما من رجل واحد، ووجد في إحداهما سبب الفسخ، يصح له فسخها مع امساك الأُخرى.
نعم ربّما يمكن تصوّر وحدة العقد، مع تعدّد القبول، كما إذا كان القابلان وكيلين أو متولّيين لمشروع له شخصية حقوقية كالمنش آت الثقافية، أو الاقتصادية أو المساجد ودار الأيتام فاشتريا شيئاً للجهة المالكة في نظر العرف، ففي مثله ـ ربما يصحّ أن يقال ـ لا يصح ردّ شقص دون شقص.
نعم لو كان القابل واحداً، والمالك المشتري متعدّداً في الواقع، يمكن فيه التفصيل بين علم البائع بالحال وجهله، بجواز الردّ في الأول دون الثاني.

3ـ تبعّض الصفقة بتعدّد البائع:

إذا كان المبيع مشتركاً بين شخصين فباعا من شخص واحد فوجد فيه عيباً، فهل يصح له ردّ سهم أحدهما، وامساك سهم الآخر أو لا؟
يظهر حكمه ممّا ذكرنا، فانّ تعدّد العقد في المقام أوضح من القسم الثاني وعلّله الشيخ بعدم توجّه أيّ ضرر على البائع، إذ لم يكن المبيع له في السابق كلّه، بل كان شريكاً فعاد إلى حاله.
هذا كلّه في سقوط الردّ، دون الارش وإليك الكلام في عكسه وهو البحث التالي:

صفحه 371

في سقوط الارش دون الرد:

يسقط الارش دون الرد في مواضع ثلاثة:
الموضع الأوّل: إذا اشترى ربويّاً بجنسه فظهر عيب في أحدهما ففي جواز أخذ الارش وعدمه وجوه:
ألف: عدم جوازه مطلقاً سواء كان من جنس العوضين أم لا.
ب: جوازه مطلقاً.
ج: التفصيل بين كونه من جنسهما ومن غيرهما فلا يجوز في الأوّل.
وإليك مباني الأقوال:

دليل القولين: الحرمة والجواز:

المقصود من الربا في المقام هو الربا المعاوضي لا الربا القرضي. وحاصله: أنّه لا يجوز في معاوضة المتجانسين عرفاً أو المحكوم عليه بالتجانس شرعاً إذا كانا مكيلين أو موزونين، التفاضل مطلقاً إلاّ إذا كان مثلاً بمثل، حتى ولو كان أحدهما صحيحاً والآخر معيباً لا يجوز أخذ الزيادة كالمصوغ من الحلّي مع المكسور، وكذا كلّ موصوف بوصف زائد له مالية فلا يجوز بيعه بالآخر إلاّ مثلاً بمثل، فيقول المحقق: «ويستوي في وجوب التماثل المصوغ والمكسور، وجيّد الجوهر ورديّه وتضافرت الروايات على أنّ علياً ـعليهالسلامـ يكره أن يستبدل وسقاً من تمر خيبر بوسقين من تمر المدينة لأنّ تمر خيبر أجودهما» (1).

1 . الوسائل: ج12، الباب 15 من أبواب الربا، الحديث 2.

صفحه 372
كما تضافر قولهم ـعليهمالسلامـ في الربويين: ولا يباع (الربويان) إلاّ مثلاً بمثل(1). وعلى ضوء ذلك فأخذ الارش يستلزم الزيادة في أحد الطرفين وبه استدل العلاّمة في التذكرة، وأوضحه الشيخ الأعظم وقال: إنّ وصف الصحّة في أحد الجنسين كالمعدوم (بقرينة روايات حرمة استبدال التمر الرديّ بالتمر الجيّد) لايترتّب على فقده، استحقاق عوض، ومن المعلوم أنّ الارش عوض وصفالصحّة عرفاً وشرعاً، فالعقد على المتجانسين لا يصير سبباً لاستحقاقأحدهما على الآخر زائداً على ما يساوي الجنس الآخر، هذا كلّه حول القول الأوّل.
أمّا القول الثاني: فوجهه أنّ وصف الصحة لا يقابل بشيء من الثمن، فانّ الثمن يقسّط على الشيء وأجزائه لا على أوصافه، بل لا يقابل بشيء أصلاً ولو من غير الثمن وإلاّ لثبت في ذمّة البائع

1 . الوسائل: ج12، الباب 8 من أبواب الربا، الحديث 4.

صفحه 373
وإن لم يختر المشتري، بل الصحّة وصف التزمـه البائع في المبيع من دون مقابلته بشيء من المال كسائر الصفات المشترطة في المبيع، إلاّ أنّ الشارع جوّز للمشتري مع تبيّـن فقده، أخذ ما يخصّه بنسبة المعاوضة من الثمن أو غيره، وهذه غرامة شرعية حكم لها الشارع عند اختيارالمشتري لتغريم البائع هذا، فإذا كان هذا حال غير الربويين، فيظهر حالهما منه.
يلاحظ عليه: عدم تمامية المبنى من عدم تقسيط الثمن إلاّ على الشيء، وأجزائه وعدم تقسيطه على الأوصاف التي توجب غلاء ثمن العين، سواء كانت من أوصاف الصحّة أو من أوصاف الكمال.
والاستدلال عليه: بأنّه لو قوبلت الأوصاف به ثبت الارش في ذمة البائع وإن لم يختر المشتري الارش، غير تام، لما قلنا سابقاً من أنّ الثمن في مقابل الجوهر والاعراض، والاجزاء والصفات، لكن لمّا لم يكن في فقد الجزء إلاّ طريق واحد وهو بطلان المعاملة بمقدار النقص، صارت ذمّة البائع مشغولة بمقداره بالفعل في زمان العقد، وهذا بخلاف فقد الوصف فانّ هناك طرقاً: الردّ من رأس، القبول مع الاغماض من العيب، والقبول مع الارش ـ فعند ذاك ـ تكون ذمته مشغولة به، بالقوة وبصورة المقتضي، فلو ردّ ، أو قبل بلا ارش فهو، وإلاّ يتعين الارش ويخرج الاشتغال عن القوّة إلى الفعل، ويؤثّر المقتضي أثره بعد فقد المانع.
وعلى ضوء ذلك، فلو كان أحد الربويين معيباً، فبما أنّ الشارع ألغى وصف الصحّة فيهما وجعله كالمعدوم، كان أخذ الارش بمنزلة أخذ شيء زائد.
وأمّا الفرق بين كونه من جنسهما أو من غيرهما فليس له أساس صحيح إذ لاشك في أنّ الزيادة الحكمية في أحد الربويين توجب الربا كما إذا اشترط عملاً مع أحدهما فلا تنحصر حرمة الزيادة من جنس العوضين، ففي رواية خالد بن الحجاج «جاء الربا من قبل الشروط» (1) وفي صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج: «انّ الناس لم يختلفوا في النسيئ أنّه الربا» (2) هذا حكم الزيادة الحكمية فما ظنّك بالزيادة العينية من غير جنسهما.
أمّا ما ذكره الشيخ في آخر كلامه من أنّ التصديق يتوقّف على دراسة أمرين، فهو كلام متين فنقول:
1ـ ما هو حقيقة الارش ففيه احتمالات:
ألف: انّه غرامة شرعية أو عرفية، و ـ لذا ـ لا يجب أن يسترجع عين الثمن

1 . الوسائل: ج12، الباب 12 من أبواب الصرف، الحديث 1.
2 . المصدر نفسه: الباب 15 من أبواب الصرف، الحديث 1.

صفحه 374
ولا يكون من باب شغل الذمّة من حين العقد بل تشتغل به ذمّة البائع حين اختياره، هذا خيرة الشيخ الأعظم والسيد الطباطبائي في تعليقته.
ب: ما ذكره الشهيد الثاني في الروضة: أنّه تشتغل به الذمّة من حين العقد وأنّه بمنزلة العوض والتخيير بين أخذه، والعفو عنه، وردّ المبيع لا ينافي ثبوته، غايته التخيير بينه وبين أمر آخر فيكون ثابتاً ثبوتاً تخييرياً.
ج: أن يكون اختيار الارش كاشفاً عن شغل الذمّة من حين العقد فيكون من باب الشرط المتأخّر.
د: أن يكون جزء من الثمن حقيقة قد انفسخ العقد بالنسبة إليه لعدم وصف الصحّة القابل له.
إذا وقفت على المباني فنقول ربّما يقال: إنّ الربا ـ عند أخذ الارش ـ إنّما يلزم على غير القول الأوّل. وأمّا عليه فهو غرامة شرعية أو عرفية أمضاها الشارع فلاصلة له بالعوضين.
يلاحظ عليه: أنّ جعله غرامة شرعية ينافي ما هو المرتكز عند العقلاء حيث إنّه عبارة عن تفاوت قيمتي الصحيح والمعيب، ومعنى ذلك: أنّ الوصف يقابله جزء من الثمن فيتوصل في تعيين ذلك الجزء من الثمن، إلى معرفة قيمتي الصحيح والمعيب ليعرف التفاوت بينهما، فيؤخذ من البائع بنسبة ذلك التفاوت. كلُّ ذلكيعرب عن أنّ الغاية هو معرفة ما هو المقدار الذي وقع من الثمن في مقابلالوصف حتى يوضع عنه لا أنّه غرامة شرعية لأجل أنّ الرجل لم يف بوعده.
ويؤيّده لسان الروايات حيث تكرّر فيها الرد من الثمن، أو الوضع عنه عند ظهور العيب ففي صحيحة ابن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال علي ـعليهالسلامـ

صفحه 375
لا تردّ التي ليست بحبلى إذا وطأها صاحبها، ويوضع عنه من ثمنها بقدر عيب إن كان فيها (1) وفي رواية زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : كان علي ابن الحسين (عليه السلام) لا يردّ التي ليست بحبلى إذا وطأها، وكان يضع له من ثمنها بقدر عيبها (2) وفي رواية عبد الرحمان بن أبي عبد اللّه قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) ... فوجد بها عيباً لم يردّها وردّ البائع عليه قيمة العيب (3) وغير ذلك من الروايات الحاكية عمّـا هو المرتكز لدى العقلاء، من أنّه ثمن الوصف المتخلّف ولما كان الضمان معاوضياً لا ضمان يد، يتوصّل إلى معرفته، بمعرفة القيمتين ثمّ الأخذ بنسبتهما من أصل الثمن.
وأمّا الأقوال الأُخر: فالظاهر هو القول الأوّل على النحو الذي عرفت من كيفيّة ثبوته في ذمّة البائع بنحو المقتضي لا على نحو الفعلية، للفرق الواضح بين تخلّف الجزء والوصف، حيث إنّ الاشتغال بقيمة الجزء ـ لأجل كونه قابلاً للتفكيك عن الأجزاء الأُخر ـ فعليّ فيبطل العقد بالنسبة إليه دون الوصف، فيتربّص حتى يختاره المشتري فيعود فعلياً، وإلى ذلك يرجع القول الثالث من كون اختياره كاشفاً عن اشتغاله حين العقد.
فدراسة معنى الارش أوصلتنا إلى عدم جواز الارش في الربويين.
2ـ ما هو الربا:
وأمّا دراسة الربا فهو عبارة عن كونه زيادة حين العقد وبجعل المتعاقدين، فعلى القول بأنّ الارش غرامة فالقيدان منتفيان وعلى الأقوال فالقيد الثاني أي

1 . الوسائل: ج12، الباب 4 من أبواب أحكام العيوب، الحديث 1.
2 . المصدر نفسه، الحديث 5.
3 . المصدر نفسه، الحديث 6.

صفحه 376
«بجعل المتعاقدين» منتف. وبالجملة فهو غير داخل في العوضين وعلى فرض دخوله ليس بجعل المتعاقدين.
يلاحظ عليه: أنّه إن أُريد من كون الارش ليس بجعل المتعاقدين أنّه ليس منه بالحمل الأوّلي، فهو صحيح ، حيث إنّ المتبايعين أقدما على المعاملة من دون تصريح بالمقدار الواقع في مقابل الذات، والمقدار الواقع في مقابل الأوصاف، وإن أُريد أنّه ليس كذلك، بالحمل الشائع فهو ممنوع إذ للمعيب قيمة، وللصحيح قيمة أغلى، فالإقدام على البيع بقيمة أغلى في غير مورد الربويين أدلّ دليل على أنّه جُعِلَ في مقابل وصف الصحّة جزء من الثمن وإن كان غير معلوم من حيث المقدار ويتوصّل في معرفة المجهول إلى معرفة القيمتين ثمّ الوضع من الثمن بتفاوت النسبتين.
وعلى ذلك فلا يصحّ أن يقال إنّ الارش ليس بجعل المتعاقدين.
والحاصل: أنّه إذا وقفنا على أنّ الشارع ألغى وصف الصحّة في الربويين من جانب، ومن جانب آخر علمنا أنّ الارش في مقابل الوصف المتخلّف، فأخذه بأي عنوان كان، يضاد ما هو المعلوم من حاله، من لزوم كون المعاملة مثلاً بمثل، وعدم اعتبار الوصف.
وبالجملة: انّ الغاء الوصف وأخذ الفائض لا يجتمعان.
الموضع الثاني: إذا لم يوجب العيب نقصاً في القيمة:
إذا كان العيب غير موجب لنقص القيمة، فلا موضوع للارش، لأنّ المفروض أنّ قيمة المعيب ليس بأقلّ من قيمة الصحيح كالسجاجيد

صفحه 377
المستعملة قليلاً فإنّ قيمتها في الغرب ليست بأقل من غيرها، ففيها الردّ إن شاء دون الارش .
الموضع الثالث: إذا كان العوضان من النقدين فظهر العيب في أحدهما بعد انقضاء المجلس فعلى القول بأنّ الارش غرامة لا جزء من العوضين، لا مانع من أخذه بعده سواء كان الارش منهما أو من غيرهما، وأمّا على القول بأنّه جزء منهما فاللازم هو التفصيل بين كونه منهما أو من غيرهما فلا يجوز في الأوّل دون الثاني لأنّه حينئذ يكون البيع ممزوجاً من الصرف وغيره وقد حصل القبض بالنسبة إلى ما يلزم فيه التقابض في المجلس، أعني: الصرف، اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ الثابت في الذمّة ـ على الارش ـ هو النقد الغالب، وغيره عوض عنه لا أنّه ارش، وفيه تأمّل يظهر ممّا ذكرنا، في كيفيّة ثبوت الارش في الذمّة.

المواضع التي يسقط فيها الرد والارش:

قد تعرفت على المواضع التي يسقط فيها الرد دون الارش، أو العكس، والآن نبحث عن المواضع التي يسقط فيها كلاهما معاً. وإليك البيان:

1ـ العلم بالعيب قبل العقد:

إذا وقف المشتري على العيب قبل العقد يسقط الرد والارش، بلا خلاف أجده لأنّ اقدامه معه رضاً منه به، وظهور أدلّة الخيار في غير الفرض مضافاً إلى مفهوم خبر زرارة (1).

1 . الجواهر 23/238.

صفحه 378
أقول: إنّ خيار العيب، ممّا اتفق عليه العقلاء، وهو عندهم يختصّ بغير صورة العلم، لأنّ العلم به قبل العقد رضا منه به، فليس هنا أرضية للخيار، حتى يكون العلم به مسقطاً له، أو مسقطاً لأثرهما من الرد والارش، وإن شئت قلت: العلم مانع من حدوث الخيار أو الجهل به شرط لحدوثه وبذلك يعلم أنّ التعبير بالسقوط توسّع في التعبير، والموضوع هو الجاهل بالعيب وعدم الخيار في مورد العالم أشبه بالسالبة بانتفاء الموضوع.
وأمّا الاستدلال برواية زرارة، أعني قوله: «أيّما رجل اشترى شيئاً وبه عيب وعوار لم يتبرّأ إليه ولم يبيّـن له ما حدث فيه بعد ما قبضه شيئاً، ثمّ علم بذلك العوار وبذلك الداء، أنّه يمضي عليه البيع» (1) فلا يخلو عن تأمّل.
أمّا أوّلاً: فانّ الرواية سيقت لبيان حكم «من أحدث فيه شيئاً بعد القبض وقبل العلم» وأنّ حكمه «أنّه يمضي عليه البيع» وعلى ذلك «فتكون الجملة المتقدمة أي «ولم يبيّـن له» مسوقة لتحقق الموضوع، والشرط المحقّق له، يكون خلواً من المفهوم».
وبذلك يعلم الفرق بين قوله: «لم يتبرّأ إليه» وقوله: «ولم يبيّـن له» حيث تمسّك الشيخ بالأوّل دون الثاني مع كونهما على مساق واحد، وذلك لأنّه لم يسق لبيان الموضوع بخلاف الثاني.
وثانياً: فانّ ما ذكرناه في بحث المفاهيم في مورد القيود، يجري في المقام وهو أنّ القيود بلا استثناء لا تخلو عن مفهوم إذ لولا المدخلية لما أتى بها المتكلّم، وأمّا أنه لو ارتفعت ارتفع الحكم من رأس، فلا دليل عليه، لاحتمال قيام قيد مكانه، وبعبارة أُخرى العلّية محرزة والانحصار غير محرز، ومعه لا يحكم عليها

1 . الوسائل: ج12، الباب 16، الحديث 2.

صفحه 379
بالمفهوم.
هذا فعلى القول بعدم الخيار، لو اشترط المشتري العالم، ثبوت الخيار وأراد منه خيار العيب بأحكامه فهل يصحّ الشرط أو لا ؟ الظاهر لا،لأنّ الشروط كالعهد والنذر ليست بمشرعة فلو كان الخيار مشروعاً في حقّ الجاهل دون العالم، فلا يمكن تسريته إليه أيضاً وهذا هو القانون السائد في جميع العناوين الثانوية، فلا يصحّ جعل الطلاق بيد الزوجة عن طريق الشرط وغيره، وعلى ذلك يكون الشرط فاسداً، ولا يكون مفسداً كما هو الحال في سائر الشروط الفاسدة، إلاّ إذا كان مخلاّ ً بأركان العقد، كما في موردين:
1ـ إذا كان على خلاف مقتضى العقد.
2ـ إذا كان موجباً للجهل بالعوضين.
وأمّا في سوى ذلك، فالمشهور وعليه الشيخ الأعظم ـ كما سيأتي ـ عدم كون الشرط الفاسد مفسداً.

2ـ تبرّي البائع عن العيوب:

ممّا يسقط به الرد والارش تبرّي البائع عن العيوب بأن يقال: بعتك هذا بكلّ عيب، أو أنا برئ من العيوب ظاهرة كانت أو باطنة، معلومة أو غير معلومة. قال الشيخ في الخلاف: إذا باع عبداً أو حيواناً أو غيرهما من المتاع، بالبراءة عنالعيوب ،صحّ البيع وبرأ من كلّ عيب ظاهراً كان أو باطناً، علمه أو لم يعلمه وبه قال أبو حنيفة ، وللشافعي فيه ثلاثة أقوال: أحدها: مثل ما قلناه «ثمّ ذكر قولي الشافعي، وذكر قوليه أيضاً في الثياب، ونقل رأي ابن أبي ليلى»، ثمّ استدلّعلى صحّة مذهبه باجماع الفرقة وأخبارهم وعموم «المؤمنون عند

صفحه 380
شروطهم». (1)
إذا عرفت هذا فاعلم أنّه يقع الكلام تارة في العيوب الموجودة، وأُخرى في المتجدّدة في أيّام الخيار أمّا الأوّل: فالظاهر عدم الفرق بين التبرّي تفصيلاً أو إجمالاً غير أنّ ابن ادريس حكى عن بعض أصحابنا عدم كفاية الثاني، وهو قول الاسكافي (2).
وقال القاضي: «قد ذكرنا في كتابنا الكامل: أنّه إذا تبرّأ البائع إلى المشتري من جميع العيوب لم يكن له الردّ وكان ذلك كافياً ومغنياً عن ذكر العيوب على التفصيل والذي ذكرناه هاهنا من تبيين العيب للمشتري واطّلاعه عليه على التفصيل أحوط وهو الذي ينبغي أن يكون العمل عليه» (3).
وتدلّ على الصحّة ـ مضافاً إلى انصراف دليل الخيار عن مثله، وأنّ التبرّي من العيوب لا يقصر من العلم به، وعموم «المؤمنون عند شروطهم» ـ رواية زرارة السابقة (4)، وخبر جعفر بن عيسى (5) «قال: كتبت إلى أبي الحسن: جعلت فداك المتاع يباع فيمن يزيد فينادي عليه المنادي، فإذا نادى عليه برئ من كل عيب فيه فإذا اشتراه المشتري و رضيه ولم يبق إلاّ نقد الثمن فربّما زهد، فإذا زهد فيه ادّعى فيه عيوباً وأنّه لم يعلم بها، فيقول المنادي: قد برئت منها، فيقول المشتري: لم أسمع البراءة، منها أيصدَّق فلا يجب عليه الثمن، أم لا يصدَّق فيجب عليه الثمن؟ فكتب: عليه الثمن (6).

1 . الخلاف 3/128ـ129.
2 . المختلف : 193 ، الفصل الحادي عشر في العيوب.
3 . المهذب: 1/ 392.
4 . الوسائل: ج12، الباب 16 من أبواب الخيار، الحديث 2 ومرّت ص 366.
5 . لم يوثق، وروى عنه محمد بن عيسى العبيدي وهو ثقة على الأقوى.
6 . الوسائل: ج12، الباب 8، من أبواب أحكام العيوب، الحديث 1.

صفحه 381
ودلالة الروايتين واضحة وتعرب الثانية عن جريان العادة عليه، وإنّما قدّم قول البائع لأنّ المشتري سلّم أنّه نادى، ولكن ادّعى عدم السماع، فادّعى خلاف الظاهر، فقدّم قول من يوافق قوله الظاهر.
وربّما يتوهّم أنّ التبرّي يوجب الغرر، لأنّه إنّما يُقدم اعتماداً على قوله بالصحّة أو سكوته، فإذا صرّح بعدم الضمان للصحّة، يكون البيع غررياً.
يلاحظ عليه: أنّ الرافع للغرر، ليس تصريحه بالصحّة أو سكوته، بل هو أصل الصحّة في الخلقة والصنعة وهو بعد حاكم، لأنّ التبرّي ليس بمعنى الاخبار عن كونه معيباً، بل بمعنى عدم الضمان لو بان كذلك، وما هو الرافع في غير هذا المورد، هو الرافع في المقام غير أنّه كان عليه الضمان في صورة عدم التبرّي بخلاف المقام، وعليه فالأصل، ومشاهدة نفس المشتري، واخبار غير البائع وشهادة القرائن على الصحّة، كلّها رافعة للغرر ولا فرق بين المقام وغيره إلاّ رفع الضمان.
وأمّ التبرّي عن ا العيوب المتجدّدة في أيّام الخيار فتوهّم كونها من قبيل اسقاط ما لم يجب، قد عرفت النظر فيه، أو كونه من قبيل الاسقاط المعلَّق، قد عرفت أنّه ليس في التعليق أيّ اشكال عقلي ولا شرعي إلاّ إذا ثبت بطلانه شرعاً وما يقال من أنّ التبرّي من العيوب المتجدّدة غير متعارف، غير ثابت.
ثمّ إنّّ التبرّي من العيب لا معنى له فلابد من صرفه إلى معنى معقول والمعنى الأوّل من المعاني الثلاثة التي ذكرها الشيخ هو الأنسب وهو التبرّي من الضمان لقبول الرد أو دفع الارش، وبالتالي يسقط حقّ الرد والارش للمشتري. لا اسقاط الخيار، بجميع آثاره، وعلى كل تقدير فالساقط هو الضمان، أو الرد والارش، وأمّا سائر أحكام الخيار، كالتلف قبل القبض أو في زمن الخيار فهو باق

صفحه 382
على حاله. اللّهمّ إلاّ أن تدلّ قرائن على سقوط الخيار على الاطلاق.
ثمّ إنّ هنا أُموراً يظهر من بعض الأصحاب سقوط الرد والارش بها وإليك البيان:

الأوّل: زوال العيب بعد العقد قبل العلم:

إذا زال العيب الموجود حال العقد قبل العلم به فهناك وجوه وأقوال:
1ـ سقوط الرد والارش وهو خيرة العلاّمة، وإليه مال السيد الطباطبائي والمحقّق الايرواني في تعليقتهما.
2ـ سقوط الرد دون الارش وهو مختار الشيخ الأعظم.
3ـ عدم سقوطهما كما ذهب إليه السيد الأُستاذ (قدس سره)وهو الأقوى.
أمّا الأوّل: فهو الظاهر من كلام العلاّمة حيث نزّل المقام بزوال العيب قبل العقد ومن المعلوم أنّ حكم المشبه به هو عدمهما. واستظهره السيد الأُستاذ من كلامه «وسبق العيب لا يوجب خياراً» (1) وسواء أصحّ الاستظهار أم لا فليس له دليل سوى ادعاء انصراف دليل الرد والارش عن هذه الصورة بحجة أنّ الحكمة لجعلهما هو كون الصبر على المعيب ضرراً وهو منتف في المقام، والحكم وإن كان غير دائر مدار الحكمة لكنّها تصلح لأن تكون سبباً لانصراف الدليل عن مورد انتفائها أحياناً.
يلاحظ عليه: أن لا وجه للانصراف بعد اطلاق رواية زرارة ومرسلة جميل كما سيوافيك بيانه.

1 . يحتمل أن يكون الخيار كناية عن حل العقد وامضائه وأمّا الارش فلا صلة له بالخيار.

صفحه 383
أمّا الثاني: أعني: سقوط الردّ دون الارش فمبنيّ على أنّ موضوع الرد، هو المعيب ومع انتفاء العيب لا موضوع له، ولا يجوز الاستصحاب لانتفاء الموضوع، وأمّا الارش فيثبت بنفس العقد لأجل فوات وصف الصحّة عند العقد فيستصحب حتى يثبت الفراغ.
يلاحظ عليه: أنّه تفكيك غريب مع وحدة الدليل (1) فلو كان الارش قائماً بالعقد، فالرد أيضاً كذلك وإن كان الرد قائماً بالمبيع المعيب فالارش مثله. وبعبارة أُخرى: الموضوع إمّا المتلبس بالعيب فيسقطان، أو العقد على المعيب فيثبتان.
أضف إلى ذلك: أنّه لو سلّمنا أنّ موضوع الرد في لسان الدليل، هو رد المعيب لكنّه لا يكون مانعاً من استصحاب جواز ردّه إذا زال العيب، لأنّ الميزان في صحّة الاستصحاب، هو وحدة القضية المشكوكة مع القضية المتيقنة، لا بقاء موضوع الدليل، ويظهر ذلك بتوضيح مثال: إذا ورد الدليل على أنّ الماء المتغيّـر نجس، ثمّ زال التغيّـر بنفسه، فموضوع الدليل الاجتهادي وإن كان مرتفعاً لكنّه لا يمنع عن استصحاب نجاسة الماء، وذلك لأنّه بعد انطباق الدليل على الماء المتغيّـر، يصير الموضوع، للحكم الجزئي هو ذاك الماء في حالة التغير، فلو زال التغيّـر فالموضوع باق والوحدة بين القـضيتين محفوظة، فيقال: كان هذا الماء نجساً، والأصل بقاؤه. ومثله المقام، فانّ الموضوع في لسان الدليل للردّ، هو المعيب لكن الحكم الكلّي إذا انطبق على العين الخارجية يكون الموضوع للحكم الجزئي هو تلك العين، والمفروض أنّه محفوظ لأنّ زوال العيب، لم يبدله إلى موضوع آخر وقد أوضحنا حاله عند البحث عن الاستصحاب التعليقي في علم الأُصول.

1 . صحيحة زرارة ومرسلة جميل الباب 16 من أبواب الخيار الحديث 2 و3.

صفحه 384
والظاهر هو الوجه الثالث وذلك لأنّه مضافاً إلى أنّ نفس وجود العيب وزواله بعد العقد، يعدُّ نقصاً في المعيب، أنّه مقتضى اطلاق رواية زرارة الدالة على الموضوع للرد والارش هو أمران:
1ـ وجود العيب حال العقد.
2ـ عدم تبرّيه منه وتبيينه له. ومقتضاه ثبوتهما مطلقاً زال العيب أم لا، ولو كان البقاء شرطاً إلى زمان الاعمال كان له التقييد.
ومثلها رواية جميل فقوله: «في الرجل يشتري الثوب أو المتاع فيجد فيه عيباً» وإن كان ظاهراً في بقاء العيب، لكنّه ظهور بدئي لأنّ الوجدان طريق إلى وجود العيب حال العقد. وانّ تمام الموضوع هو ذاك.
وحاصل الروايتين، كفاية وجود العيب حال العقد، غير أنّ تصرّف المشتري يوجب سقوط الرد دون الارش والمفروض عدمه.

الثاني: التصرّف بعد العلم بالعيب:

إذا تصرّف بعد العلم بالعيب فهل يسقط الرد والارش كما هو خيرة ابنحمزة(1) أو يفصل بين الرد والارش فيسقط الأوّل دون الثاني كما عليه الشيخ الأعظم؟
أقول: قد تقدم في باب «مسقطات الخيار» انّ التصرّف قبل العلم مسقط للرد دون الارش انّما الكلام في التصرّف بعد العلم، ومن المعلوم انّه ليس الكلام في مطلق التصرّف ـ كما مرّ توضيحه في التصرّف قبل العلم ـ بل الكلام في

1 . الوسيلة/ 257.

صفحه 385
موردين:
1ـ التصرّف المغيّـر كما في مرسلة جميل.
2ـ ما يُعدّ انشاءً فعلياً للاسقاط وحاصل ما استدل به ابن حمزة: انّه كاشف عن الرضا بالمبيع بوصف العيب فسقط الردّ. وما دلّ على الارش مختص بالتصرّف قبله فيسقط الارش وتكون النتيجة سقوطهما.
ويرد على الأوّل: أنّه لو افترصنا انّه دال على الرضا بالمبيع مع عيبه فليس دالاً على انّه راض به مطلقاً إذ الرضا به يتصور على وجهين: مجرداً عن الارش ومعه، والرضا بالمطلق ليس دليلاً على الرضا بالمقيد.
ويرد على الثاني: أنّ تخصيص ما يدل على سقوط الرد دون الارش، بصورة التصرّف قبل العلم ليس في محلّه، فانّ مرسلة جميل مطلقة، تدلّ على سقوط الردّ مع التصرّف دون الارش مطلقاً كان التصرّف قبل العلم أو بعده، ومثله ما رواه عبد الملك بن عمير عن أبي عبد اللّه ـعليهالسلامـ (1) حيث قال: لا تردّ التي ليست بحبلى إذا وطأها صاحبها، وله ارش العيب، ومثله ما رواه محمد بن ميسر، فلاحظ(2).
هذا مقتضى الصناعة الفقهية وامّا السيرة العقلائية فربما لا يعذِّرون المتصرّف ويجعلون التصرّف دليلاً على الرضا بالمبيع المعيب بلا ارش ـ ومعه ـ يشكل الاعتماد على الاطلاقات، واللّه العالم.
وبذلك يظهر انّه لو كان التصرّف في نظر العرف انشاءً فعلياً لاسقاط

1 . الوسائل: ج12، الباب 5 من أبواب أحكام العيوب، الحديث 3.
2 . المصدر نفسه: الباب 4 من أبواب أحكام العيوب، الحديث 8.

صفحه 386
الارش وقبول المبيع مطلقاً، يسقطان قطعاً وليس الكلام في هذه الصورة وإلاّ لما جاز النزاع ولأجل ذلك جعلنا التصرّف على قسمين، وركّزنا البحث على الأوّل: أي: المغيّـر غير الدال على اسقاط الارش.

الثالث: التصرّف في المعيب الذي لم تنقص قيمته بالعيب:

كالعبد الخصيّ، فانّ الارش كان ساقطاً لعدم نقصان قيمته فيسقط الرد بالتصرّف.
استدل على سقوطهما بانّ الصبر على المعيب في مثله لا يُعدّ ضرراً لأنّ التضرّر المالي منتف، والتضرّر من حيث القصد إلى خصوصية مفقودة في العين، مع قطع النظر عن قيمته، قد رضى به المشتري وأقدم عليه بتصرّفه فيه.
يلاحظ عليه: أنّ البحث فيما إذا تصرّف قبل العلم بالعيب وإلاّ فيدخل في القسم الثاني. ومعه كيف يمكن عدّه دليلاً على الرضا بالمعيب الفاقد للخصوصيّة المقصودة.
استدلّ على عدم سقوط الرد بالتصرّف في المقام بأنّ المقدار الثابت من سقوط الرد بالتصرّف فيما إذا أمكن أخذ الارش، وإلاّ فمقتضى القاعدة عدم سقوط الرد بالتصرّف كما في غير العيب والتدليس من أسباب الخيار.
يلاحظ عليه: أنّ تخصيص أدلّة سقوط الردّ بالتصرّف بمورد ثبوت الارش، بلا دليل فانّ مقتضى اطلاق مرسلة جميل سقوط الرد مطلقاً سواء أمكن أخذ الارش أو لا. حيث قال: «إن كان الشيء قائماً بعينه ردّه على صاحبه وأخذ الثمن وإن كان الثوب قد قطع أو صبغ يرجع بنقصان العيب» فانّ الظاهر أنّ سقوط

صفحه 387
الرد بالتصرّف بالقطع، مطلق غير مقيّد بثبوت الارش، فانّ هنا قضيتين مستقلتين: احداهما: الرد إذا كان الشيء قائماً بعينه، والأُخرى: الرجوع بنقصان العيب إن لم يكن كذلك، فليس مفهوم القضية الأُولى مقيداً بمنطوق القضية الثانية، فالظاهر هو سقوط الرد والارش معاً.

الرابع: حدوث العيب في المعيب الذي لا تنقص قيمته بالعيب:

قد تقدم أنّ من مسقطات الردّ حدوث عيب عند المشتري وهو إمّا أن يحدث قبل القبض، أو يحدث بعده في زمان خيار يضمن فيه البائع المبيع، كخيار المجلس والحيوان، أو يحدث بعد مضيّ زمان الخيار والمراد من كون العيب الحادث مانعاً عن الرد هو الأخير (1) وعلى ضوء هذا يكون المراد من حدوث العيب هنا هو هذا القسم إذ من المعلوم عدم كونه مانعاً في القسمين الأوّلين لضمان البائع المبيع. والدليل عليه مرسلة جميل لعدم بقاء الشيء بحاله.
وأورد عليه الشيخ بوجوه:
1ـ انّ الصبر على المعيب ضرر على المشتري، فيرده على البائع مع قيمة النقص الحادث لو كان موجباً للنقص.
2ـ انّ النص الدال على اشتراط الرد بقيام العين مختص بمورد إمكان تدارك ضرر الصبر على المعيب بالارش.
3ـ ليست المسألة اجماعية لمخالفة المفيد في أصل المسألة أي كون العيب الحادث مانعاً من الرد في غير هذا المورد أيضاً.

1 . المتاجر: قسم الخيارات: 257، طبعة تبريز.

صفحه 388
4ـ استصحاب جواز الرد الثابت قبل حدوث العيب.
يلاحظ عليه: أنّ المهم هو الوجه الثاني وهو أيضاً غير تام لأنّ مفهوم قوله: «إن كان الشيء قائماً بعينه رد على صاحبه» غير مقيد بشيء فهو المحكّم من غير فرق بين امكان أخذ الارش وعدمه.
وبذلك ظهر ضعف الوجوه الباقية لأنّ ضرر المشتري معارض بضرر البائع، بالصبر على العيب الحادث خصوصاً إذا كان غير موجب للارش حسب رأي القوم كما في الصفات الكمالية مثل نسيان الكتابة.
وليس الدليل منحصراً بالاجماع حتى يخدش بمخالفة المفيد، ولا موضوع للاستصحاب مع وجود الدليل الاجتهادي. فالسقوط رداً وأرشاً هو الأقوى وعليه سيرة العقلاء.

الخامس: إذا حدث العيب أو تصرّف في المعيب الذي لا يجوز أخذ الارش فيه لأجل الربا:

أمّا الأوّل: فيجري فيه ما ذكرناه في حدوث العيب في المعيب الذي لا تنقص قيمته، فقلنا: إنّ المحكم هو مرسلة جميل الدالة على سقوط الرد لأجل عدم بقاء العين بحالها. وأمّا الثاني: فقد عرفت انّ المسقط ليس إلاّ المغيّـر للعين وأمّاغيره فلا، اللّهمّ إلاّ أن يكون العمل انشاءً فعلياً في الرضا بالمعيب بلا أرشفيكونمسقطاً للرد، ويكون الارش ساقطاً بمعنى عدم الموضوع له بعد الرضا.

صفحه 389

الاستدلال على عدم جواز الرد:

استدل العلاّمة على عدم جواز الردّ باستلزامه الربا، وظاهر كلامه استلزامه الربا في الفسخ لقوله: «لأنّ المردود حينئذ يزيد على وزن عوضه» ومع هذا احتمل الشيخ الأعظم في كلامه وجهين:
أحدهما: انّه يستلزم الربا في أصل المعاوضة، والآخر استلزامه في الفسخ، وأوضح الوجه الأوّل بكلام لا يخلو عن تعقيد وحاصله: أنّ الردّ مع الارش للعيب الحادث، يكشف عن أنّ وصف الصحّة مضمون في الربويات كغيرها وإلاّ فلا وجه لضمان العيب الحادث المزيل لوصف الصحّة، فلو كان وصف الصحّة مضموناً يلزم زيادة المثمن على الثمن في أصل المعاملة من حيث المقدار، لأنّه إذا وقع بعض الثمن في مقابل وصف الصحة للمثمن، يكون الباقي في مقابل المثمن وهو أقل وزناً بالنسبة إلى المثمن لخروج بعضه عن كونه واقعاً في مقابله بوقوعه في مقابل وصف الصحّة.
وأمّا لزومه عند الفسخ فلو فرضنا انّه لم يقابل وصف الصحّة بشيء عند المعاوضة لكنّه إذا ضم إلى المثمن شيء عند الفسخ وهو الارش يلزم زيادة أحد العوضين على الآخر.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ ظاهر كلام العلاّمة (قدس سره) لزوم الربا في الفسخ لا في أصل المعاوضة لقوله: «لأنّ المردود حينئذ يزيد على وزن عوضه» فاحتمال لزومه في أصل المعاوضة مرجوح لا يصار إليه.
وثانياً: انّا نختار كلاّ ً من الشقين ونجيب عن الاشكال، ونقدّم الشق الثاني

صفحه 390
في البحث فنقول.
أمّا الشق الثاني: أي عدم لزومه في الفسخ، فلأنّه إنّما يلزم لو كان الفسخ معاوضة جديدة بين المتجانسين واحداثاً لملكية جديدة لكل من المتعاملين متغايرة لما كانت قبل المعاوضة فلو كان كذلك تلزم الزيادة ولان المفروض كونهما متجانسين إمّا موزونين، أو مكيلين.
وأمّا لو كان الفسخ هو حلّ العقد، وجعله كأن لم يكن فكما أنّه لو لم يكن هناك أيّ عقد ومعاوضة كان الجنسان باقيين على ملك مالكهما الأوّل فهكذا إذا حُلّ العقد وفُسِخَ فيكون مثل ما لم يكن. وتوهّم أنّ تفسير الفسخ بهذا المعنى، يستلزم اعادة المعدوم بعينه وهي محال، مدفوع بأنّها محال في التكوين دون الاعتبار، فلا اشكال في الحكم بالاعادة إذا ترتّب عليه أثر، فإذا كان كذلك ورجع كل شيء إلى حاله السابق يجب على المشتري الارش لما تلف تحت يده من وصف الصحّة مثل ما لو تلف تحت يده مال الغير. وهذا الضمان ليس ضماناً معاوضياً بل ضمان يد فلا تشمله أدلّة حرمة الزيادة في المعاوضة.
فإن قلت: إنّ مجرى ضمان اليد، تلف مال الغير بعينه أو وصفه تحت يده، كالمقبوض بالسوم فيضمنه القابض وصفه وعينه بخلاف المقام فإنّ المفروض أنّه تلف وصف الصحّة، والعين ملك للمشتري لا للبائع فقياس المقام بالمقبوض بالسوم قياس مع الفارق.
قلت: إنّ ظرف التلف يباين ظرف الحكم بالضمان، فانَّ التلف وإن كان في ملك المشتري، لكن الحكم به إنّما هو بعد الفسخ، والتلف وإن لم يكن له أثر حدوثاً لكن يترتّب عليه الأثر بقاءً إلى بعد الفسخ، ولما كان مقتضى الفسخ عود المبيع إلى البائع على ما هو عليه من الأوصاف فلا محيص عن الحكم بالضمان عند

صفحه 391
العود أو بعده، لما تلف في يده من غير فرق بين تعلّقه بالوصف أو بالعين، ولأجل ذلك لو فسخ والعين تالفة يحكم بالضمان ولا يعتد بالقول بأنّه تلف وهو في ملكه. ومثله ما لو فسخ والصحّة تالفة.
هذا كلّه حول الشق الثاني أي: تصوّر الربا عند الفسخ، وأمّا الشق الأوّل أي: القول باستلزامه الربا في أصل المعاوضة، على التقرير الذي عرفته من الشيخ فهو غريب جداً.
لأنّه يكفي في صحّة المعاوضة كون وصف الصحّة غير مقابل بشيء من الثمن، بل كان الثمن في مقابل ذات العين لا هي مع وصف الصحّة. ولكن لمّا كان الصبر على المعيب بالعيب القديم ضرراً على المشتري، وكان الزام البائع بقبوله بلا ارش ضرر عليه، فلا جرم يحكم بجواز الرد مع الارش أخذاً بقاعدة العدل والانصاف فالحكم بالارش ليس لأجل ضمان وصف الصحّة حين المعاوضة بل لأجل تدارك الضرر المتوجّه على البائع، وعلى ذلك فلا مانع من الرد مع الارش.
ثمّ إنّه نقل عن جماعة من الأصحاب وجه آخر لتدارك الضرر وهو فسخ البيع وفرض المبيع تالفاً لامتناع ردّه أمّا الارش فلاستلزمه الربا، وأمّا بدونه لاستلزامه الضرر، فيدفع مكانه من جنسه معيباً بالعيب السابق وسليماً عن الجديد.
يلاحظ عليه: أنّه كيف يحكم عليه بامتناع الرد، مع أنّه لا مانع من الرد بلا ارش، واستلزامه الضرر على البائع لا يجعله من أقسام ممتنع الرد. كالمغروق في الماء فالظاهر أنّه لا مانع من الردّ مع الارش بلا لزوم الربا مطلقاً في أصل المعاوضة ولا في الفسخ.

صفحه 392

السادس: تأخير الأخذ بمقتضى الخيار:

قد استظهر الشيخ الأعظم من عبارة الغنية سقوط الرد والارش فيما إذا أخّر المشتري الأخذ بمقتضى الخيار، وهذا مبني على كون الخيار فورياً. ونقل عن المبسوط والوسيلة سقوط الرد دون الارش وربّما يحتمل أن تكون عبارة الغنية ناظرة إلى هذا القسم .
وصريح الحدائق ومحكي الكفاية، بقاء الخيار، وقال الأوّل: المعروف من مذهب الأصحاب من غير خلاف يعرف: أنّه إذا علم بالعيب ولم يرد لم يبطل خياره، ولو تطاولت المدة. وجعله في التذكرة أقرب (1).
وجه الأوّل: « أنّ التأخير دليل الرضا» ، لكنّه غير تام صغرى وكبرى، أمّا الصغرى فلأعمّية التأخير عن الرضا وربّما يكون التأخير لأجل التدبّـر في عاقبة الأمر وتشخيص المصلحة ولو فرض كونه كاشفاً عنه فهو لا يوجب سقوط الارش إلاّ إذا اقترن بالانشاء الفعلي أو القولي، كما هو الحال في الابراء.
وجه الثاني: كونه مقتضى أصالة اللزوم في العقود. خرج عنه حال العثور على العيب.
يلاحظ عليه: أنّه إنّما يرجع إلى عموم العام إذا لم يكن للمخصَّص اطلاق، والمفروض في المقام وجود الاطلاق فيه، فقد جاء في روايتي زرارة ومرسلة جميل، قوله: «إن كان الشيء قائماً بعينه ردّه على صاحبه وأخذ الثمن»، وما أفاده الشيخ من كون الروايتين في بيان أصل الخيار في غير محلّه، لأنّهما متعرّضتان لحكم الرد، والارش في موضع عدم الرد، فكيف يصح أن يقال إنّه في مقام الاجمال، بل الظاهر

1 . الحدائق، ج 9 ص 117.

صفحه 393
أنّ كونه قائماً بحاله تمام الموضوع للرد والارش.

هل يجب اعلام العيب:

إذا باع شيئاً فيه عيب فهل يجب عليه الاعلام؟ فلو لم يبيّـن فعل فعلاً محظوراً كما عليه الشيخ الطوسي في المقام. أو لا يجب كما عليه المحقّق في الشرائع، أو يفصل بين العيوب الظاهرة والخفية أو بين التبرّي وغيره، إلى غير ذلك من الأقوال.
قال الشيخ: في الخلاف: من باع شيئاً وبه عيب لم يبيّنه فعل فعلاً محظوراً(1).
وقال المحقّق: إذا أراد بيع المعيب، فالأولى اعلام المشتري بالعيب، أوالتبرّي من العيوب مفصلة .لا شك أنّ مقتضى المرؤة هو بيان العيوب الخفية بل الظاهرة إذا كان المشتري غير عارف بالعيب. إنّما الكلام في وجوب البيان، أوحرمة الكتمان مطلقاً أو في صورة كونه خفياً، أو عدم التبرّي وليس هنا دليل صالح لاثبات الوجوب، أو تحريم الترك، سوى كونه غشّاً، لكن الغش خلاف النصح، وهو أمر وجودي لا يصدق إلاّ إذا صدر من المكلّف أمر يوجب ستر الحقيقة، كما إذا مزج اللبن بالماء أو الحنطة بها، وأمّا إذا لم يصدر منه شيء وإنّما عرضه على ما هو عليه، ساكتاً عن بيان العيب، فلا يعد غشاً.
نعم ربّما يقال: إنّ كتمان العيب الخفي غش لأنّ اطلاق العقد منصرف إلى السلامة لكنّه غير تام لأنّ الانصراف ليس كالتصريح بالسلامة، فغاية الانصراف ثبوت الخيار عند ظهور الخلاف.

1 . الخلاف: 3/125، المسألة 211 من أحكام البيوع.

صفحه 394

في أحكام اختلاف المتبايعين

إذا اختلف المتبايعان يقع الكلام تارة في نفس الخيار، وأُخرى في موجبه، وثالثة في مسقطه، ورابعة في إعماله بالفسخ، وقبل الخوض في المقصود نأتي بما ألمعنا إليه سابقاً وهو تعيين ما هو المعتمد في تشخيص المدّعي عن المنكر، فنقول: انّ الفقهاء ـ رضوان اللّه عليهم ـ ذكروا ضوابط لتشخيصهما وقالوا: المدّعي: من لو تَرَك ترك، أو سكت يُسكت الأمر، أو هو من بصدد اثبات قضية.
أقول: إنّ المدّعي والمدّعى عليه الوارد في النص (1) من الموضوعات العرفية التي لا مناص في التعرّف عليها من الرجوع إلى العرف والاعتماد على تشخيصه، فمن حكم عليه العرف بأنّه مدّع والآخر منكر، يؤخذ به كما أنّه لو حكم بكون كل واحد مدّعياً يلحق بباب المتداعيين، فالأولى للقاضي الاستمداد من العرف في تشخيصهما.
ثمّ إنّه ربّما يجعل موافقة الأصل ميزاناً لتشخيص المنكر عن المدّعي، فلو أُريد من الأصل هو أصالة البراءة أو أصالة الصحّة، وأصالة اللزوم فهو يتّحد مع الضابطة السابقة، وأمّا لو أُريد الأعم منها ومطابقة الحالة السابقة فربّما يتفارقان، ويكون المنكر حسب مطابقة قوله الأصل مدّعياً في نظر العرف، كما سيوافيك بيانه في الفروع الآتية، فالصدق العرفي مقدّم على الأصل عند التعارض، فالأولى للفقيههو جعل العرف مرجعاً سواء أوافق قول المنكر الأصل الحاكم في المسألة أولا.

1 . الوسائل: ج18، الباب 3 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 5.

صفحه 395
فإن قلت: فما فائدة الأصل الجاري في المسألة، مع كونه هو الحجّة فلو كانت العين في يد زيد، وادّعاها عمرو، يحكم لزيد حتى يثبت خلافه.
قلت: الأصل هو المحكم في المسألة قبل طرح الخصومة، وليس هو الفاصل لها، بل الفاصل بها هو بينّه المدّعي أو يمين المنكر فأثر الأصل هو ترتيب الأثر عليه في غير مورد الخصومة، وأمّا إذا انتهى الأمر إليها، فلا أثر له، بل يقدّم قول المنكر سواء أكان قوله موافقاً للأصل أم مخالفاً ولا تُجديه موافقة الأصل إلاّ إذا كان ملازماً لكونه منكراً فيتوجّه عليه اليمين فتكون الموافقة مع الأصل، كالحجر في جنب الانسان، نعم لو انصرف المدّعي عن طرح الخصومة، يحكم بكون العين له، أخذاً بمفاد الأصل.
إذا عرفت ذلك فيقع الكلام في مقامات أربع:

المقام الأوّل: الاختلاف في الخيار:

لو اختلفا في وجود الخيار وعدمه فالقول، قول المنكر بيمينه، لأنّ الآخر يدّعي أمراً جديداً ينكره الآخر، وطبع العقد والعهد هو اللزوم، فادّعاء الخيار ادّعاء أمر جديد فلو ترك، تُرِك بخلاف القائل باللزوم فإنّ قوله موافق لطبع العقد، فلو سكت، لم يسكت عنه.
وأمّا تقديم قول المنكر لمطابقة قوله الأصل أي أصالة عدم الخيار، فهو مثبت لأنّ المتيقّن هو عدم الخيار مع انتفاء الموضوع، والمقصود هو عدم الخيار مع وجود الموضوع واستصحاب السالبة بانتفاء الموضوع لغاية اثبات السالبة بانتفاء المحمول من الأُصول المثبتة.

صفحه 396

المقام الثاني: الاختلاف في موجب الخيار:

إنّ الاختلاف في موجب الخيار على أقسام ستة نشير إليها:
الأوّل: لو اختلفا في تعيّب المبيع مع كون المبيع مسبوقاً بالصحّة أو مجهول الحال، وتعذّرت ملاحظته لتلف أو نحوه، فالقول قول منكره بيمينه، لأنّ التعيّب على خلاف طبع المبيع، فادّعاء العيب شيء جديد يحتاج إلى دليل.
الثاني: إذا كان المبيع مسبوقاً بالعيب، وادّعى البائع عدمه حين العقد، فبما انّه يُسلِّمُ وجوده قبل العقد فيدّعي زواله يكون مدّعياً والمشتري منكراً عرفاً وإن لم ينطبق عليه ا