welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : المواهب في تحرير أحكام المكاسب*
تألیف :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

المواهب في تحرير أحكام المكاسب

صفحه 1
المواهب
في تحرير أحكام
المكاسب
تقريراً لبحث شيخنا الأُستاذ
العلاّمة المحقّق آية الله
الشيخ جعفر السبحاني دام ظلّه
بقلم
سيف الله اليعقوبي الإصفهاني
من منشورات مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 2
اسم الكتاب:   المواهب في تحرير أحكام المكاسب
المؤلف:   سيف الله اليعقوبي
الطبعة:   الأُولى
المطبعة:   مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
التاريخ:   1424 هـ
الكمية:   2000 نسخة
الناشر:   مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الصفّ والإخراج: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
توزيع
مكتبة التوحيد
قم ـ ساحة الشهداء
تلفن: 7745457

صفحه 3
بسم الله الرحمن الرحيم

صفحه 4

صفحه 5

تصدير: بقلم الأُستاذ المحاضر

بسم الله الرحمن الرحيم

التشريع الإسلامي والتحدّيات المعاصرة

الحمد للّه ربّ العالمين، والصلاة والسلام على نبيّه نبي الرحمة، وعلى الأصفياء من عترته، صلاة دائمة مادامت السماوات ذات أبراج، والأرض ذات فجاج.
أمّا بعد; فقد ارتحل النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وترك بين الأُمّة وديعتين عظيمتين، وثقلين كريمين، ألا وهما: الكتاب والعترة، وجعلهما المرجع للمسلمين من بعده في جميع الأعصار. والأُمّة الإسلامية وإن اختلفت في أمر الخلافة بين التنصيص والانتخاب لكنّها لم تكن مختلفة ـ حسب تنصيص الرسول ـ في أنّ الزعامة العلمية وتبيين التشريع الإسلامي على عاتق الكتاب والعترة، فلأجل ذلك اقتفت أُمّة كبيرة من المسلمين إثر الكتاب والعترة في مجال العقائد والأُصول، والأحكام والفروع، وليس قول العترة إلاّ قول الرسول، فشيعة أهل البيت يصدرون عن الكتاب أوّلاً، وأقوال العترة وأفعالهم ثانياً، فالاجتهاد عندهم قائم على تينك الدعامتين.

صفحه 6
إنّ الأُصول الموجودة في الكتاب وأحاديث العترة، أغنت الشيعة عن الرجوع إلى سائر المقاييس الظنيّة التي ما أنزل اللّه بها من سلطان، وقد استنطقوا كتاب اللّه وروايات العترة في ظل الاجتهاد عبر قرون تربو على أربعة عشر قرناً، وقد أعانهم على إجابة كلّ حاجات الحياة، انفتاحُ باب الاجتهاد لديهم منذ رحلة النبي الأعظم إلى زماننا هذا، وبذلك حفظوا للفقه نضارته، وللشرع طراوته وعدم اندراسه.
إنّ النظر إلى الفقه الإسلامي بنظرة جامدة، يُعرقل خطاه للقيام بواجبه في كلّ عصر، ولا يتلاءم مع خاتمية الرسالة والتشريع الإسلامي، وهذا يفرض على المجتهد أن ينظر إلى الفقه بوجه يستطيع تبيين التشريع الإسلامي في جميع الموضوعات وفي جميع الأجيال والقرون إلى يوم القيامة.
إنّ قيام التشريع الإسلامي بهذه الوظيفة المهمّة يتوقّف على ثبوت أمرين:
الأوّل: أن تكون مصادر الفقه غزيرة وافرة وذات مادة حيوية يستطيع الفقيه بالإمعان فيها إعطاء كلِّ موضوع حقّه، سواء أكان موجوداً في عصر الرسول والأئمّة (عليهم السلام) أم كان موضوعاً مستجدّاً.
الثاني: استنطاق الكتاب والأحاديث عن طريق الاجتهاد وبذل الجهد في طريق الاستنتاج، وكان هذا هو الرأي السائد على الفقه الإسلامي عبر قرون، بيد أنّ أهل السنّة أقفلوا باب الاجتهاد في أواسط سابع القرون لمسائل سياسية يعرفها من عرف تاريخ الاجتهاد.(1)

(1) لاحظ: مفاهيم القرآن:3/295ـ302، ولاحظ: الخطط المقريزية:2/333ـ334.

صفحه 7
تقسيم المسؤوليات الفقهية بين الفقهاء
إنّ الرائج في العصور السابقة، قيام فقيه واحد بكلّ المسؤوليات الفقهية واستنباط جميع الأحكام الشرعية في مختلف أبواب الفقه، فألف غير واحد من الفقهاء موسوعات فقهية كبيرة في أجزاء كثيرة، من شأنها أن تقوم بتأليفها لجنة فقهية، لا فقيه واحد، شكر اللّه مساعيهم.
غير انّ الظروف السائدة تفرض على الفقه والفقيه، فتح اختصاصات فقهية للممارسين له حتّى يكون الاجتهاد ـ منضمّاً إلى التخصص في نواح معيّنة ـ موجباً لتعميق الفقه وتكفّله لإدارة المجتمع وغنائه عن التطفّل على موائد الأجانب.
إنّ طروء الموضوعات الجديدة في الحياة، في ظل الحضارة الصناعية، وتوسع نطاق التشريعات المدنية والدولية في العالم، جعل التشريع الإسلامي أمام تحديات جديدة، وفتح آفاق حديثة كانت غير موجودة في القرون الغابرة، فكما أنّ الظروف السابقة فرضت علينا التحفّظ على انفتاح الاجتهاد بمعنى استنطاق الكتاب والحديث في كلّ مورد، فهي تفرض علينا ـ في هذا العصر ـ تقسيم المسؤوليات بين ذوي المواهب الفقهية، حتّى يظهر من ضم هذا ـ فتح باب التخصصات ـ إلى ذاك ـ فتح باب الاجتهاد ـ تفوّق التشريع الإسلامي وتعمّقه بالنسبة إلى التشريعات القائمة في العالم التي تستوردها كلّيات الحقوق ومجالس التشريع في الدول المتحضّرة، ولن تتحقّق تلك الأُمنية إلاّ بتوجّه كلّ من ذوي الأذواق المختلفة إلى ما يلائم ذوقه في الأبواب الفقهية المختلفة.
نحن نرى بأُمِّ أعيننا أنّ الطب كان علماً واحداً وكان طبيب واحد يقوم بجميع الحاجات الطبيّة في العصور السابقة، ولكن ازدياد الحاجات وتقدّم الحضارة في مجال العلاج والطبابة، واكتشاف آفاق جديدة في بدن الإنسان

صفحه 8
وروحه، فرض على الأطباء مسألة التخصّص وانتخاب كلِّ طبيب ما يلائم روحه وفكره وذوقه وسليقته بعد تعلّم الطب العام الذي يورث الإنسان إلماماً بأُصول الطب، وقد انتفع بهذا الموضوع المجتمع البشري، ولولا هذا التخصّص لكان الطب فاشلاً أمام الحاجات الهائلة.
إنّ هذا الأمر يفرض على الفقه فتح أبواب تخصّصيّة في الفقه، ليمارس فقيه واحد قسماً خاصّاً من أبواب الفقه الذي يلائم ذوقه وفكره، مثلاً يستقل باستنباط الأحكام العبادية فقيه، ويترك أبواب العقود والمعاملات لغيره حتّى يكتسب الفقه عمقاً وشمولاً.
إنّ الحضارة الحديثة، طرحت موضوعات في الحياة البشرية تحتاج إلى دراسة معمّقة، فجاءت بتشريعات وتقنينات في أبواب المعاملات، والحقوق وفي أبواب السياسات والتأديبات، والقضاء وفصل الخصومات، وغير ذلك ممّا يقف عليها من درس الفقه المدني أو الدولي أو تخرج عن كليات الحقوق الغربية في المجالات المختلفة، وهذا يفرض علينا دراسة هذه الموضوعات وهذه التقنينات والتشريعات خصوصاً في ما يرجع إلى الحقوق الفردية والاجتماعية، والسياسية: المدنية والدولية، ومن المعلوم أنّ دراسة هذه الأُمور تستغرق وقت الفقيه، وإفاضة الوقت في هاتيك المجالات، تعرقل خطا الفقيه عن الاستيعاب بما يمت إلى هذا القسم بصلة.
ونحن لا نشكّ في أنّ رسالة الفقه الإسلامي في ضوء الكتاب والسنّة رسالة شاملة قادرة على حلّ جميع المشاكل، وإعطاء حكم كلّ موضوع فيما يطرح: حول الفرد والمجتمع، حول الحقوق والاقتصاد، حول السياسة والقضاء، ولكن القيام الدقيق بهذه الوظائف يستنفد طاقات الفقيه إذا حاول أن يكون مجيداً في

صفحه 9
الاستنباط، متفوّقاً في مجال الفقه، وهذا يفرض مسألة التخصّص، بمعنى تقسيم المسؤوليات الفقهية بين الفقهاء العظام.
إنّ رفض مسألة التخصّص وانكباب الكثيرين من الفقهاء على أبواب محدودة أتاح الفرصة لغير ذوي المؤهّلات فقاموا ـ من دون كفاءة ـ بتبيين التشريع الإسلامي في مجالات الحقوق والسياسة والاقتصاد، مع أنّهم لا يعرفون من الفقه إلاّ ألفاظاً جوفاء وقواعد محدودة ليست لهم أهلية الاستنباط والاجتهاد.
إنّ فتح باب التخصّص في التشريع الإسلامي لا يعني وقوف فقيه على باب من أبواب الفقه دون باب آخر، فإنّ هذه فكرة خاطئة، بل يعني تقسيم المسؤوليات الكبرى بعد نيل درجة الاجتهاد وكسب المقدرة على أن يستنبط الأحكام الشرعية عن أدلّتها التفصيلية، بل بعدما مارس أبواباً مختلفة في ظروف خاصة حتّى تبلورت سليقته وظهرت أهليته وبان ذوقه وشمه، فعليه ـ عند ذلك ـ أن يختار، ما يوافق ذوقه ومواهبه.
هذه هي «الشركة» في الحقوق المدنية ترى فيها أقساماً كثيرة تربو على الستة، وهذه هي مسألة «التأمين» بأقسامها المختلفة في مجال الصناعة وغيرها، وهذه هي المسائل السياسية العالمية، والحقوق المدنية والدولية و... كلّ ذلك يفرض علينا، فتح باب التخصّصات في الحوزات العلمية.
وهناك وجه آخر للزوم فتح هذا الباب في وجه الفقهاء العظام، وهو اختلاف المسائل الفقهية في المبادئ التي يحتاج إليها الفقيه في استنباط أحكامها، فانّ المسائل الفقهية وإن كانت تشترك في المبادئ العامّة التي ذكرها المحقّقون في باب الاجتهاد والتقليد، ولكن أبواب العقود والإيقاع، تختلف عن أبواب العبادات، وكلاهما يختلفان عن أبواب السياسات والتأديبات و... من حيث

صفحه 10
المبادئ الخاصّة، فالفقيه في استنباط الأحكام العبادية يحتاج إلى دراسة الكتاب والسنّة سنداً ومتناً أزيد من دراستهما في أبواب المعاملات، فانّ النصوص في العبادات كثيرة بخلاف أبواب المعاملات فإنّ فيها الكليّات والقواعد التي ربّما لا تحتاج إلى مثل هذه الدراسة، ولكن تحتاج إلى مبادئ أُخرى، ومن المعلوم أنّ صرف الوقت في جميع هذه المجالات يستنفد الطاقة، فيصد الإنسان عن التعمّق والتدبّر الكافي، إلاّ النوابغ القلائل الذين يَضنُّ بهم الدهر إلاّ في فترات خاصّة.
أسأله سبحانه أن يوفّقني لتبيين هذه النظرية في مجال آخر حتّى استوفي حقّها.
وفي الختام نضع أمام القارئ هذه المباحث في مجال المكاسب المحرّمة التي ألقيناها على عصبة من فضلاء الحوزة، وقد قام بتحريرها وضبطها واستخراج مصادر أحاديثها، قرة عيني، العالم الجليل والفاضل النبيل، الجامع بين العلم والتقى، الفائق على كثير من أقرانه، البارع على لفيف من أمثاله: الشيخ سيف اللّه اليعقوبي الإصفهاني ـ دامت بركاته ـ.
فجاء الكتاب سفراً محرّراً بعبارات واضحة، خالياً عن الإجمال المخلّ والإطناب المملّ، أسأله سبحانه أن يوفّقه لنشر سائر ما كتب من أبحاثنا الفقهية، وأُوصيه بالاحتياط التام في مواضع الشبهات، وأن لا ينساني من الدعاء كما لا أنساه إن شاء اللّه.
جعفر السبحاني
قم المشرفة
22 جمادى الآخرة من شهور عام 1410هـ

صفحه 11
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد للّه ربّ العالمين، والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى، محمّد وآله خير الورى، لا سيّما على خاتم الأوصياء، عليه آلاف التحية والثناء.
أمّا بعد: فإنّ علم الفقه ـ الذي هو العلم بالوظائف في هذه الحياة الدنيا ـ من أفضل العلوم وأسماها، لاتّصاله باللّه سبحانه أوّلاً، وكونه مصدر السعادة في الدارين ثانياً، وقد بلغ حثّ أئمّة أهل البيت على تعلّمه إلى حد، ودّوا أن تكون السياط على رؤوس أصحابهم حتّى يتفقّهوا. كيف والإنسان هو الذي تحمّل الأمانة الإلهية في هذه النشأة، وأمّا غيره فأبى عن تحمّلها وأشفق منها، وما هذه الأمانة إلاّ العمل بالوظائف الإلهية المتوجّهة إلى الإنسان في دار الدنيا، وعلى ضوء ذلك فالفقه والفقيه يلقيان الضوء على الطريق حتى يمشي المجتمع في ضوئهما إلى معالم السعادة ومراكزها.
ثمّ إنّي بحمد اللّه ممّن وفقه اللّه تعالى لدراسة هذا العلم والنظر فيه، سنين متمادية، وقد جعلت محور استفادتي في هذا العلم دروس شيخنا العلاّمة، الحجة، المحقّق، الفقيه، الأُستاذ الأكبر آية اللّه الشيخ جعفر السبحاني ـ دام ظله ـ كيف وشيخنا الأُستاذ ـ مدّ ظله ـ أحد من وفّقه اللّه سبحانه لنشر العلوم الإسلامية وتدريسها وتربية جيل جديد من العلماء والفضلاء، في مجال علوم الشريعة، أُصولها وفقهها، وله على العلم وأهله أياد بيضاء.

صفحه 12
ولمّا وقع ما كتبته في قسم المكاسب المحرّمة موقع القبول والرضا منه، وقد قرأ فصوله وأبوابه، استجزته لطبعه فأجازني، فاشكر اللّه سبحانه على توفيقه لهذا الإنجاز، وأرجوه أن يوفّقني لنشر كلّما ضبطته وحررته من دروس شيخنا الأُستاذ ـ دام ظله الوارف ـ إنّه سميع الدعاء.
قم ـ الحوزة العلمية
سيف اللّه اليعقوبي القمشئي
26 جمادى الآخرة 1410هـ

صفحه 13
قال شيخنا الأُستاذ ـ دام ظلّه ـ :
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد للّه ربّ العالمين، والصلاّة والسلام على نبيّه وخيرة خلقه محمّد، وعلى الأصفياء من عترته الذين أذهب اللّه عنهم الرِّجس وطهّرهم تطهيراً.(رَبِّ أَوزِعْني أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الّتي اَنْعَمْتَ عَليَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعملَ صالِحاً تَرضاهُ وَأَصْلِحْ لِي في ذُرّيَّتي) .(1)
أمّا بعد; فإنّ الكلام يقع في أحكام المكاسب، حلالها وحرامها، سائغها ومحظورها. وإن كان النظر إلى القسم المحرّم أكثر، فنقول:
«المكاسب» جمع «مكسب» كمفاعل جمع «مفعل» و تتّحد في مفرده زنة المصدر الميمي وأسماء الزمان و المكان. والمراد في المقام هو الأوّل، بمعنى الكسب أو الاكتساب. ولو أُريد منه اسم المكان، فالمراد بيان أحكام الموضوعات التي يكتسب بها، فالأوّل هو الأنسب في المقام، بل المتعيّن.
إنّ «الشيخ الأعظم» صدّر كتابه بالروايات العامّة، التي تتضمّن قواعد كلّية في أحكام المكاسب، واستند إليها في المسائل التي طرحها فيما بعد. وهي لا تتجاوز عن روايات أربع:

(1) الأحقاف:15.

صفحه 14
1. رواية تحف العقول.
2. رواية الفقه الرضوي.
3. رواية دعائم الإسلام.
4. النبوي الوارد في الكتب الفقهية الاستدلالية.
وإليك دراسة هذه الروايات سنداً ودلالة.

صفحه 15

1

حول رواية «تحف العقول»

روى الحسن بن علي بن شعبة في «تحف العقول» عن الصادق (عليه السلام) : أنّه سئل عن معايش العباد؟ فقال: «جميع المعايش كلّها من وجوه المعاملات فيما بينهم ممّا يكون لهم فيه المكاسب، أربع جهات، ويكون منها حلال من جهة، حرام من جهة.
فأوّل هذه الجهات الأربعة: الولاية، ثمّ التجارة، ثمّ الصناعات تكون حلالاً من جهة حراماً من جهة، ثمّ الإجارات.
والفرض من اللّه تعالى على العباد في هذه المعاملات الدخول في جهات الحلال، والعمل بذلك الحلال منها، واجتناب جهات الحرام منها.
فإحدى الجهتين من الولاية: ولاية ولاة العدل الذين أمر اللّه بولايتهم على الناس، والجهة الأُخرى: ولاية ولاة الجور.
فوجه الحلال من الولاية ولاية الوالي العادل، وولاية ولاته بجهة ما أمر به الوالي العادل، بلا زيادة ولا نقصان، فالولاية له والعمل معه ومعونته وتقويته حلال محلل.
وأمّا وجه الحرام من الولاية: فولاية الوالي الجائر، وولاية ولاته، فالعمل لهم

صفحه 16
والكسب معهم بجهة الولاية لهم حرام محرّم، معذّب فاعل ذلك على قليل من فعله أو كثير، لأنّ كلّ شيء من جهة المؤونة له معصية كبيرة من الكبائر، وذلك انّ في ولاية الوالي الجائر دروس الحقّ كلّه، فلذلك حرم العمل معهم ومعونتهم والكسب معهم إلاّ بجهة الضرورة نظير الضرورة إلى الدم والميتة.
وأمّا تفسير التجارات في جميع البيوع ووجوه الحلال من وجه التجارات التي يجوز للبائع أن يبيع ممّا لا يجوز له، وكذلك المشتري الذي يجوز له شراؤه ممّا لا يجوز له: فكلّ مأمور به ممّا هو غذاء للعباد، وقوامهم به في أُمورهم في وجوه الصلاح الذي لا يقيمهم غيره، ممّا يأكلون ويشربون و يلبسون وينكحون ويملكون ويستعملون من جميع المنافع التي لا يقيمهم غيرها، وكلّ شيء يكون لهم فيه الصلاح من جهة من الجهات، فهذا كلّه حلال بيعه وشراؤه وإمساكه واستعماله وهبته وعاريته.
وأمّا وجوه الحرام من البيع والشراء: فكلّ أمر يكون فيه الفساد، ممّا هو منهيّ عنه، من جهة أكله أو شربه أو كسبه أو نكاحه أو ملكه أو إمساكه أو هبته أو عاريته أو شيء يكون فيه وجه من وجوه الفساد، نظير البيع بالربا، أو بيع الميتة، أو الدم، أو لحم الخنزير، أو لحوم السباع من صنوف سباع الوحش و الطير، أو جلودها، أو الخمر، أو شيء من وجوه النجس، فهذا كلّه حرام ومحرّم، لأنّ ذلك كلّه منهي عن أكله وشربه ولبسه وملكه وإمساكه والتقلّب فيه، فجميع تقلّبه في ذلك حرام، وكذلك كلّ بيع ملهو به، وكلّ منهيّ عنه ممّا يتقرّب به لغير اللّه، أو يقوى به الكفر والشرك من جميع وجوه المعاصي، أو باب يوهن به الحقّ، فهو حرام محرّم بيعه وشراؤه وإمساكه وملكه وهبته وعاريته وجميع التقلّب فيه، إلاّ في حال تدعو الضرورة فيه إلى ذلك.

صفحه 17
وأمّا تفسير الإجارات: فإجارة الإنسان نفسه أو ما يملك أو يلي أمره ـ إلى أن قال ـ :
وأمّا تفسير الصناعات: فكلّ ما يتعلّم العباد أو يعلّمون غيرهم، من أصناف الصناعات، مثل الكتابة والحساب والتجارة والصياغة والسراجة والبناء والحياكة والقصارة والخياطة وصنعة صنوف التصاوير ـ ما لم يكن من ذوات الأرواح ـ وأنواع صنوف الآلات التي يحتاج إليها العباد ـ منها منافعهم وبها قوامهم وفيها بلغة جميع حوائجهم ـ فحلال فعله وتعليمه والعمل به وفيه لنفسه أو لغيره.
وإن كانت تلك الصناعة وتلك الآلة قد يستعان بها على وجوه الفساد ووجوه المعاصي وتكون معونة على الحقّ والباطل فلا بأس بصناعته وتعليمه، نظير الكتابة التي هي على وجه من وجوه الفساد تقوية ومعونة لولاة الجور، كذلك السكين والسيف والرمح والقوس، وغير ذلك من وجوه الآلة التي تُصرف إلى جهات الصلاح وجهات الفساد، وتكون آلة ومعونة عليهما، فلا بأس بتعليمه وتعلّمه وأخذ الأجر عليه والعمل به وفيه لمن كان له فيه جهات الصلاح، من جميع الخلائق، ومحرّم عليهم فيه تصريفه إلى جهات الفساد والمضار.
فليس على العالم والمتعلّم إثم ولا وزر، لما فيه من الرجحان في منافع جهات صلاحهم وقوامهم وبقائهم.
وإنّما الإثم والوزر على المتصرّف بها في وجوه الفساد والحرام، وذلك إنّما حرّم اللّه الصناعة التي هي حرام كلّها، التي يجيء منها الفساد محضاً، نظير البرابط والمزامير والشطرنج، وكلّ ملهوّ به، والصلبان والأصنام، وما يشبه ذلك من صناعات الأشربة الحرام، وما يكون منه وفيه الفساد محضاً، ولا يكون منه ولا فيه

صفحه 18
شيء من وجوه الصلاح، فحرام تعليمه وتعلّمه والعمل به، وأخذ الأجر عليه، وجميع التقلب فيه من جميع وجوه الحركات كلّها، إلاّ أن تكون صناعة قد تتصرف إلى جهات الصنائع، وإن كان قد يتصرّف بها ويتناول بها وجه من وجوه المعاصي، فلعلّة ما فيه من الصلاح، حل تعلّمه وتعليمه والعمل به، ويحرم على من صرفه إلى غير وجه الحقّ والصلاح. فهذا تفسير بيان وجه اكتساب معايش العباد وتعليمهم في جميع وجوه اكتسابهم ـ إلى أن قالـ:
وأمّا ما يجوز من الملك والخدمة فستة وجوه:
ملك الغنيمة، وملك الشراء، وملك الميراث، وملك الهبة، وملك العارية، وملك الأجر.
فهذه وجوه ما يحلّ وما يجوز للإنسان إنفاق ماله وإخراجه بجهة الحلال في وجوهه، وما يجوز فيه التصرّف والتقلّب من وجوه الفريضة والنافلة.(1)

والكلام يقع تارة في المؤلِّف، وأُخرى في المؤلَّف

أمّا الأوّل: فهو: أبو محمد الحسن بن علي بن الحسين بن شعبة الحرّاني. يروي عن : أبي علي محمد بن همام الاسكافي (المتوفّى عام 336هـ)(2) و يروي أيضاً عن «ابن همام»، محمد بن جعفر بن قولويه مؤلّف «كامل الزيارات»(3)(المتوفّى عام 367 أو 369هـ) وعلى ذلك يكون الرجل في طبقة «ابن قولويه»، متقدّماً بقليل على الشيخ الصدوق (المتوفّى عام 381هـ) وقد ذكر أرباب المعاجم ترجمته وقيمة كتابه في كتبهم.

(1) الوسائل:12/54، الباب2 من أبواب ما يكتسب به، الحديث1.
(2) أرّخ وفاته كما ذكرناه، الرجالي العظيم النجاشي فراجعه.
(3) انظر الباب73، الحديث1 من كتاب كامل الزيارات.

صفحه 19
أمّا وثاقته فلم يتعرّض أحد من القدماء له بالوثاقة ولا بالضعف، نعم وثّقه كثير من المتأخّرين، كالشيخ إبراهيم القطيفي مؤلف كتاب «الوافية في تعيين الفرقة الناجية»، والقاضي نور اللّه التستري في «مجالس المؤمنين» في ترجمة أبي بكر الحضرمي، والشيخ الحر العاملي في كتاب «أمل الآمل» و العلاّمة المجلسي في مقدّمة «البحار»، و المولى عبد اللّه الأفندي صاحب «الرياض» والسيد الخونساري الاصفهاني صاحب «الروضات» ، ونقل الشيخ حسين بن علي بن صادق البحراني في كتابه «الطريق إلى اللّه»: أنّ شيخنا المفيد يروي عنه.(1)
وأمّا الثاني: ـ الكتاب ـ فلا شكّ أنّه من أجلّ الكتب، ويعرّفه المجلسي بقوله: إنّ نظمه يدلّ على رفعة شأن مؤلّفه، وقد حوى من المواعظ ما فيه حياة للقلوب.
وأمّا الكلام في اعتبار نفس الرواية التي صدَّر بها الشيخ كتابه: فانّها مرسلة، لا مسندة، وهناك قرائن تدلّ على أنّ الرواية منقولة بالمعنى، ولأجل ذلك حصل في متنها غلق واضطراب، وإن كان أكثر مضامينها مطابقة للروايات المعتبرة.
وعلى أيّ حال فهل يمكن الاعتماد عليها في عامّة مضامينهاـ خصوصاً في المتفردات ـ أو لا؟ الظاهر لا، لوجود بعض المناقشات فيها:
الأوّل: أنّها مرسلة ولا جابر لها، وهي وإن كانت مشهورة، لكن الاشتهار مربوط بالأعصار المتأخّرة، والجابر هو الشهرة بين القدماء. والذي يسهل الخطب: (إنّ جلّ روايات الكتاب ـ حسب ما لاحظناه ـ مراسيل لا مسانيد) ولعلّه ترك

(1) الكنى والألقاب:1/318.

صفحه 20
الأسانيد لأجل ثبوت صحّة الأحاديث عنده، كما فعله أحمد بن علي الطبرسي في ما رواه في كتاب «الاحتجاج».
الثاني: انّ السائل سأل عن مقدار جهات معايش العباد فأجاب الإمام بأنّها منحصرة في أربع: 1. الولايات 2. التجارات 3. الصناعات 4. الإجارات.
مع أنّ جهات المعايش لا تنحصر فيما ذكر، فإنّ منها الحيازات، والزراعات والنتاجات، والاصطياد، وغرس الأشجار، والأسباب القهرية كالمواريث، وهي غير داخلة في الجهات المذكورة في الحديث.
وربّما يجاب عنه بأنّ صدر الحديث وإن كان ظاهراً فيما ذكر، لكن الإمام(عليه السلام) عدل عن الجواب إلى بيان جهات المعايش من جهة خصوص المعاملات، ولأجل ذلك حصرها في أربع، حيث قال (عليه السلام) : «جميع المعايش كلّها من وجوه المعاملات فيما بينهم ممّا يكون لهم فيه المكاسب» فالمقسم هو التعايش من طرق المعاملات.
وأنت خبير بأنّ الجواب لا يدفع الإشكال بحذافيره، لما فيه:
أوّلاً: أنّ المراد من الولاية ليست الولاية العامّة التي جعلها اللّه لخاصّة أوليائه، أو للعدول من فقهائه، وإنّما المراد منها هو الولاية العرفية الخاصّة للولاة وعمّالهم، ومن المعلوم أنّ الولاة اجراءٌ للحكومات. فالولاية بهذا المعنى داخلة تحت الإجارات، والمراد من الإجارة هو المعنى الأعم الذي يدخل فيه مثل الجعالة والولاية، وعليه فلا وجه لعدّها مستقلة. اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ جعلها قسيماً للإجارة لأجل ترفيع مقام الولاية، وبذلك أفردها عن الإجارة بالذكر.

صفحه 21
وثانياً: إن أُريد من الصناعات نفس العمل، أعني: ذات البناء والخياطة من دون ملاحظة الطوارئ ـ من كون الإنسان أجيراً في إيجادها وإحداثها ـ فهي ليست قسماً من المعاملات.
وإن أُريد منها العمل المعقود عليه، كما إذا آجر نفسه لأجل البناء والخياطة، فهو داخل تحت الإجارة، وإن باع عمل نفسه فهو داخل تحت التجارة، وبالجملة لا يظهر ـ لجعل الصناعة قسماً مستقلاً ـ وجه.
الثالث: انّه مشتمل على ما لا يقول به المشهور، أعني: حرمة التصرّف والتقلّب مطلقاً فيما يكون فيه وجه من وجوه الفساد، أو يكون فيه شيء من وجوه النجس، ومن المعلوم أنّ التصرّف والإمساك فيما يكون فيه وجه من وجوه الفساد والنجس ليس حراماً على الإطلاق، وإنّما يحرم فيما إذا كان الاستعمال في جهة الفساد، أو يكون الاستعمال فيما يشترط فيه الطهارة، كيف؟ وقد روى سماعة في الموثّق، قال: سألته عن لحوم السباع وجلودها؟ فقال: «... أما الجلود فاركبوا عليها ولا تلبسوا منها شيئاً تصلّون فيه».(1)
الرابع: التعارض في بعض فقراتها في ضابطي الحلّ والحرمة، فقد قال في ضابطة الحل: أن يكون فيه الصلاح من جهة من الجهات فهذا كلّه حلال بيعه. وذكر في ضابطة الحرمة: أن يكون فيه وجه من وجوه الفساد. فعندئذ يقع التزاحم أو التعارض في ذي الجهتين: الصلاح والفساد، في الصنائع التي فيها الجهتان.
الخامس: وجود التشقيق والتصنيف الذي يناسب كتب المصنّفين; والذي يسهل الخطب في هذا الوجه أنّ التشقيق بهذا الوصف موجود في عهد الإمام (عليه السلام)

(1) الوسائل:3/256، الباب5 من أبواب لباس المصلّي، الحديث3.

صفحه 22
إلى مالك، وفي رسالة الحقوق «لعلي بن الحسين (عليه السلام) »، وقدنقل صاحب «تحف العقول» كلاً من العهد والرسالة في كتابه.
ومع هذا كلّه فقد قال السيد الطباطبائي(قدس سره) في تعليقته: إنّه يستفاد من ذلك الحديث اثنتا عشرة قاعدة كلّية، فلاحظ.(1)
هذا كلّه حول حديث تحف العقول.

(1) 1. حرمة الدخول في أعمال السلطان الجائر وحرمة التكسّب بهذه الجهة.
2. حرمة الإعانة على الإثم.
3. جواز التجارة بكلّ ما فيه منفعة محلّلة.
4. حرمة التجارة بكلّ ما فيه مفسدة من هذه الجهة.
5. حرمة بيع الأعيان النجسة، بل المتنجّسة إذا جعل المراد من الوجوه، الأعم.
6. حرمة كلّ عمل يقوى به الكفر.
7. حرمة كلّ عمل يوهن به الحق.
8. جواز الإجارة بالنسبة إلى كلّ منفعة محلّلة.
9. حرمة الإجارة في كلّ ما يكون محرماً.
10. حلية الصناعات التي لا يترتب عليها الفساد.
11. حرمة ما يكون متمحّضاً للفساد.
12. جواز الصناعة المشتملة على الجهتين بقصد الجهة المحلّلة، بل يظهر من الفقرة الأخيرة، جوازها مع عدم قصد الجهة المحرّمة، وإن لم يكن قاصداً للمحلّلة.

صفحه 23

2

حول رواية «الفقه الرضوي»

قال في «الفقه الرضوي»: «... اعلم يرحمك اللّه أنّ كلّ مأمور به ممّا هو منّ على العباد، وقوام لهم في أُمورهم، من وجوه الصلاح الذي لا يقيمهم غيره، وممّا يأكلون ويشربون ويلبسون وينكحون ويملكون ويستعملون، فهذا كلّه حلال بيعه وشراؤه وهبته وعاريته.
وكلّ أمر يكون فيه الفساد ممّا قد نهي عنه من جهة أكله وشربه ولبسه ونكاحه وإمساكه لوجه الفساد، ومثل الميتة، والدم، ولحم الخنزير، والربا، وجميع الفواحش، ولحوم السباع، والخمر، وما أشبه ذلك، فحرام ضار للجسم، وفساد للنفس».(1)
أمّا الفقه الرضوي فقد اختلفت فيه الأقوال، وإليك بيان الأقوال المشهورة.
الأوّل: انّه من منش آت الإمام (عليه السلام) ، اختاره المجلسي الأوّل (رحمه الله) ، ويظهر أيضاًمن ولده، وإليك لفظهما:
قال العلاّمة المجلسي الأوّل في «روضة المتّقين»:

(1) مستدرك الوسائل:13/65، الباب2 من أبواب ما يكتسب به، الحديث1.

صفحه 24
اعلم أنّ السيد الثقة الفاضل المعظم القاضي مير حسين ـ طاب ثراه ـ كان مجاوراً في «مكة المعظمة» سنين، ولمّا رجع إلى إصفهان، ذكر لي انّي جئت بهدية نفيسة إليك، وهو الكتاب الذي كان عند القميّين وجاءوا به إليّ، عندما كنت مجاوراً، وكان على ظهره، انّه يُسمّى بـ«الفقه الرضوي» وكان فيه بعد الحمد والصلاة على محمد وآله: «أمّا بعد فيقول عبد اللّه علي بن موسى الرضا» وكان في مواضع منها خطه صلوات اللّه وسلامه عليه. وذكر «القاضي»: انّ من كان عنده هذا الكتاب، ذكر أنّه وصل إلينا عن آبائنا، انّ هذا الكتاب من تصنيف الإمام ـ صلوات اللّه عليه ـ وكانت نسخة قديمة مصحّحة فانتسخت منها.ولمّا أعطاني القاضي نسخته انتسخت منها، وكان عندي مدّة ثمّ أخذمنّي بعض التلامذة ونسيت الآخذ، جاءني به بعد تأليفي بهذا الشرح، فلمّـا تدبّرته ظهر انّ جميع ما يذكره «علي بن بابويه» في الرسالة فهو عبارة هذا الكتاب ممّا ليس في كتب الحديث....
والظاهر انّه كان هذا الكتاب عند «الصدوقين» وحصل لهما العلم بأنّه تأليفه صلوات اللّه عليه، والظاهر انّ الإمام ـ صلوات اللّه عليه ـ ألّفه لأهل خراسان وكان مشهوراً عندهم، ولمّا ذهب الصدوق إليها اطّلع عليه بعـدما وصل إلى أبيه قبل ذاك، فلمّا كتب أبوه إليه الرسالة وكان ما كتبه موافقاً لهذا الكتاب، تيقّن عنده مضامينه، فاعتمد عليها «الصدوق» ـ والذي ظهر لي بعـد التتبع انّ علّة عدم إظهار هذا الكتاب انّه لمّا كـان التـأليف في خراسـان وكان أهلهـا من العامّة ـ والخاصّة منهم قليلة ـ اتّقى صلواتاللّهعليه فيه في بعض المسائـل تأليفـاً لقلوبهم، مع أنّـه صلوات اللّه عليـه ذكر الحقّ أيضاً، لم يُظهر «الصـدوق» ذلك الكتاب وكان مخزونـاً عندهما وكانـا يفتيـان بما فيـه،

صفحه 25
ويقولان إنّـه قول المعصوم.(1)
وقال «العلاّمة المجلسي » في أوّل «البحار»: أخبرني به السيد الفاضل المحدّث القاضي أمير حسين ـ طاب ثراه ـ ، بعد ما ورد اصفهان، قال: قد اتّفق في بعض سني مجاورتي «بيت اللّه الحرام»، أن أتاني جماعة من أهل قم حاجّين، وكان معهم كتاب قديم يوافق تاريخه عصر الرضا(عليه السلام) و سمعت الوالد(رحمه الله) أنّه قال: سمعت السيد يقول: كان عليه خطه ـ صلوات اللّه عليه ـ ، وكان عليه إجازات جماعة كثيرة من الفضلاء، وقال السيد: حصل لي العلم بتلك القرائن انّه تأليف الإمام (عليه السلام) ، فأخذت الكتاب وكتبته وصحّحته، فأخذ والدي(قدس سره) هذا الكتاب من السيد واستنسخه وصحّحه، وأكثر عباراته موافق لما يذكره الصدوق أبو جعفر بن بابويه في «كتاب من لا يحضره الفقيه» من غير سند، وما يذكره والده في رسالته إليه، وكثير من الأحكام التي ذكرها أصحابنا ولا يعلم مستندها، مذكورة فيه.(2)
وقال في «الفصول»: ويدلّ على ذلك أيضاً أنّ كثيراً من فتاوى «الصدوقين» مطابقة له في اللفظ، وموافقة له في العبارة، لا سيما عبارة «الشرائع»]لوالد الصدوق[، وانّ جملة من روايات الفقيه التي ترك فيها الاسناد موجودة في الكتاب.(3)
وقد بالغ المتتبع«النوري» في الفائدة الثانية من خاتمة «مستدركه» في تشييد هذا القول وتأييده واسناده إلى غير واحد من الأعلام المتأخّرين.(4)
الثاني: انّه نفس ما ألّفه والد الصدوق لابنه، وينقل عنه الصدوق في كتاب

(1) روضة المتقين:1/16.
(2) بحار الأنوار:1/11.
(3) مستدرك الوسائل:3/345.
(4) مستدرك الوسائل:3/336.

صفحه 26
«الفقيه» بعنوان «وفي رسالة أبي إليّ» و قد اشتهر بـ«كتاب شرائع علي بن موسى ابن بابويه»، والشاهدعلى ذلك أنّ ما نقله الصدوق عن تلك الرسالة يطابق بلفظه ومعناه لفظ ذلك الكتاب ومعناه، وانتسابه إلى الرضا(عليه السلام) نشأ من اشتراك اسم والد الصدوق ووالد والده مع اسم الإمام واسم والده(عليهما السلام) فظنّ انّه «لعلي بن موسى الرضا (عليهما السلام) » حتّى لقبت تلك الرسالة بـ «فقه الرضا»، ولمّا كان الكتاب مفتتحاً بالعبارة التالية:
(يقول عبد اللّه علي بن موسى) توهّم الكاتب انّه للإمام، وزاد لفظ الرضا بعد ذلك.
الثالث: انّه نفس كتاب«التكليف» لمحمد بن علي الشلمغاني الذي طلب الشيعة من وكيل الناحية أبي القاسم الحسين بن روح أن ينظر فيه، فلمّا نظر فيه قال:ما فيه شيء إلاّ وقد روي عن الأئمّة (عليهم السلام) إلاّ في موضعين أو ثلاثة، فانّه لعنه اللّه كذب عليهم في رواياتها.
وقد روى الشيخ في كتاب «الغيبة» أيضاً عن عدّة من مشايخه، عن أبي الحسن محمد بن أحمد بن داود و أبي عبد اللّه الحسين بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه، انّهما قالا: ممّا أخطأ محمد بن علي في المذهب في باب الشهادة: أنّه روى عن العالم (عليه السلام) أنّه قال: «إذا كان لأخيك المؤمن على رجل حقّ فدفعه ولم يكن له من البيّنة عليه إلاّ شاهد واحد، وكان الشاهد ثقة رجعتَ إلى الشاهد وسألتَه عن شهادته، وإذا أقامها عندك شهدت معه عند الحاكم على مثل ما يشهده عنده لئلاّ يتوى(1) حقّ امرئ مسلم».(2)

(1) توي يتوى: كرضي يرضى: هلك.
(2) كتاب الغيبة لشيخ الطائفة:252.

صفحه 27
وهذه الرواية الّتي تفرّد بها الشلمغاني موجودة في هذا الكتاب، وهذا يفيد الاطمئنان بأنّه من تأليف الشلمغاني.
هذه هي الأقوال المشهورة حول هذا الكتاب، وهناك احتمالات أُخر ضربنا عنها صفحاً. ولا يمكن الاعتماد على مثل هذا الكتاب لوجوه:
الأوّل: لو كان الكتاب من تأليف الإمام لاشتهر طيلة هذه القرون، مع أنّه ليس في كلمات القدماء من هذا الكتاب أثر ولا خبر، مع توغّلهم في ضبط الآثار المروية عن الأئمّة الأطهار (عليهم السلام) .
الثاني: ما ورد في الرسالة من الألفاظ التي يبعد صدورها من الإمام (عليه السلام) مثل قوله: روي، يروى، أروي، نروي، وهذه التعابير غير مأنوسة في كلمات الأئمّة(عليهم السلام) .
وهذا الوجهان وغيرهما ممّا أورده صاحب «المستدرك» وصار بصدد الإجابة عنها، توجب سلب الاطمئنان عن الكتاب. والظاهر انّ أدلّة حجّية الخبر الواحد لا تشمل مثل هذا، هذا كلّه في سنده.
وأمّا مضمون الرواية فظاهره حرمة جميـع الاستعمالات إذا كـان الشيء منهيـاً عنه، ويكون فيه وجه من وجوه الفساد، حيث قال: «وكلّ أمر يكون فيه الفساد ممّا قد نهى عنه من جهة أكله وشربه، ونكاحه، وإمساكه بوجه الفساد...».
مع أنّه لم يقل أحد بمضمونها، إذ كيف يمكن لفقيه أن يفتي بحرمة إمساك الدم و الميتة للأغراض المباحة.
على أنّ التعليل الوارد فيه غير شامل لجميع الموارد، حيث علّل جميع التقلّبات ممّا فيه الفساد بقوله: «ضار للجسم وفساد للنفس» مع أنّ لبس الميتة أو

صفحه 28
الانتفاع بها في بعض الغايات ليس بضار للجسم، ولا موجب لفساد النفس.
وعلى كلّ تقدير لا يمكن الاعتماد على هذا الحديث فيما إذا تفرّد بشيء غير موجود في الأحاديث الصحيحة.

صفحه 29

3

حول رواية«دعائم الإسلام»

روى القاضي النعمان عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في كتاب«دعائم الإسلام»: «الحلال من البيوع، كلّ ما هو حلال من المأكول والمشروب وغير ذلك ممّا هو قوام للناس وصلاح ومباح لهم الانتفاع به، وما كان محرّماً أصله منهياً عنه لم يجز بيعه ولا شراؤه».(1)
والكلام يقع في المؤلِّف والمؤلَّف:
أمّا الأوّل: فهو يكنّى بأبي حنيفة ويسمّى بالنعمان بن أبي عبد اللّه: محمد بن منصور التميمي المغربي، توفّي في القاهرة في 29 جمادى الآخرة سنة 363هـ، ويعرف بالقاضي النعمان، أو بأبي حنيفة الشيعي، وقد وصل إلى أعلى المراتب في عهد المعز لدين اللّه ـ الخليفة الفاطمي الرابع ـ و صار قاضي القضاة وداعي الدعاة، ولا شكّ انّ المؤلف من الفاطميّين من الإسماعيليين. ولم نقف على توثيقه، وترجمه «صاحب المستدرك» في الفائدة الثانية ونقل كلمات العلماء في حقّ الرجل، وممّا نقل عن العلاّمة الطباطبائي (قدس سره) انّه إنّما لم يرو عمّن بعد الصادق من الأئمّة

(1) دعائم الإسلام:2/18.

صفحه 30
خوفاً من الخلفاء الإسماعيلية حيث كان قاضياً منسوباً من قبلهم.(1) وطبع الكتاب بمصر وحقّقه آصف علي أصغر فيضي وقدّم له مقدّمة، وقد ترجمه شيخنا الأُستاذ ـ مدّ ظله ـ في موسوعته: بحوث في الملل والنحل، الجزء الثامن، فلاحظ.
أمّا الثاني: فالكتاب كلّه مراسيل عن علي (عليه السلام) وأبي عبد اللّه (عليه السلام) ، وقد عرفت كلام العلاّمة الطباطبائي بحر العلوم (قدس سره) في ترك روايته عن غيرهما من الأئمّة (عليهم السلام) .

(1) لاحظ المستدرك:3/313ـ 322.

صفحه 31

4

حول الحديث «النبوي»

أعني قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إنّ اللّه إذا حرّم شيئاً حرّم ثمنه».
فنقول: قد احتجّ به الشيخ (رحمه الله) في «الخلاف»(1) و العلاّمة (رحمه الله) في «التذكرة» ـ على ما قيل ـ و الحديث مروي في السنن والمسانيد، روى البيهقي في «السنن الكبرى» أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)كان جالساً عند الركن، فرفع بصره إلى السماء فضحك وقال: «لعن اللّه اليهود ـ ثلاثاً ـ إنّ اللّه حرّم عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها، إنّ اللّه إذا حرّم على قوم أكل شيء حرّم عليهم ثمنه».(2)
وروى الإمام أحمد بن حنبل في مسنده عن ابن عباس قال: كان رسول اللّه قاعداً في المسجد ـ إلى أن قال ـ: إنّ اللّه عزّ وجلّ إذا حرّم على قوم أكل شيء حرّم عليهم ثمنه.(3)
وروى أبو داود عن ابن عباس مثل ما رواه البيهقي وأحمد مشتملاً على لفظة «أكل شيء».(4)

(1) الخلاف:2/82 المسائل:208، 310، 311 وقد رواه بدون لفظة «أكل».
(2) السنن الكبرى:6/13.
(3) المسند:1/247، 293.
(4) سنن أبي داود:3/280، كتاب البيوع.

صفحه 32
وروى في «المستدرك» عن غوالي اللآلي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ إلى أن قال ـ: إنّ اللّه تعالى إذا حرّم على قوم أكل شيء حرّم ثمنه.(1)
فتلخص أنّ الرواية في كتب المسانيد والحديث مشتملة على لفظة «أكل» غير أنّها مروية في كتب أصحابنا الاستدلالية بدون هذا القيد. نعم نقل عن مسند أحمد بن حنبل أنّه رواه بدون لفظة «أكل» ولم نعثر عليه، فعلى فرض صحّة وجود «الأكل» في الرواية كما مرّ مصدره يكون المراد: إنّ اللّه إذا حرّم أكل شيء معد للأكل حرّم ثمنه، وبذلك يعلم أنّ ما في حاشية سنن البيهقي من النقض على الرواية بانتقاضها ببيع الآدمي، بل الحمار والسنور حيث يحرم أكلها ولا يحرم بيعها، باطل، لما عرفت من أنّ المراد من تحريم الأكل هو تحريم أكل شيء معد للأكل، وأمّا الأمثلة فليست مخلوقة للأكل ولا معدّة له.
وعلى فرض صحّة ما رواه أحمد بن حنبل في مسنده من عدم وجود لفظ «الأكل» فالمراد ما إذا كان جميع منافع الشيء أو منافعه الشائعة الغالبة حراماً بحيث يصدق على الشيء انّه حرام على الإطلاق حقيقة، كما إذا حرمت جميع منافعه حقيقة، مثل ما إذا حرم الانتفاع بالخمر مطلقاً حتّى في سقي الشجر، أو تنزيلاً وحكماً مثل ما إذا حرمت منافعه الشائعة، فعندئذ يحرم بيعه تكليفاً ووضعاً لأجل انّ تحريم المنافع عامّتها أو أغلبها يوجب سقوط الشيء عن المالية، فإنّ مالية الشيء لأجل منافعه، فلو كان معدوم المنفعة حقيقة أو مسلوبها شرعاً، فلا يبذل بإزائه الثمن المألوف، وما هو كذلك تعد المعاملة عليه سفهية.
ومع ذلك كلّه فالقدر المتيقن في الرواية هو ما إذا كان عامّة منافعها محرّمة ـ وإن كان نادر المصداق والوجود في الشريعة المطهرةـ أو غالبها ومعظمها وكان

(1) مستدرك الوسائل:13/73، الباب6.

صفحه 33
البيع لهذه الغاية المحرّمة، وأمّا إذا كان البيع للغاية المحلّلة وإن كانت غير غالبة فلا يعمّه الحديث، وسيوافيك انّ بيع الأعيان النجسة في غير ما دلّ الدليل الخاص بحرمة بيعها ـ كعذرة الإنسان للتسميد مثلاً ـ لغايات محلّلة كبيع الميتة له أيضاً وبيع جلدها للسقي، صحيح تشمله إطلاقات البيع والتجارات، ولا تزاحمه تلك العمومات حتّى النبوي الذي يستند إليه كثيراً، غفلة عمّا يرمي إليه.
وعلى كلّ تقدير فهذه الروايات العامّة لأجل فقدان السند، ووجود الإرسال في جميعها، وعدم الجابر، لا يمكن الاعتماد عليها، إلاّ النبويّ الأخير، فإنّه مشهور بين الفقهاء حديثاً وقديماً. وقد عرفت مفاده على كلا التقديرين.

صفحه 34

في تقسيم المكاسب

إنّ الفقهاء ـ رضوان اللّه عليهم ـ قسّموا المكاسب إلى محرّم ومكروه ومباح.
وقال المحقق: وينقسم إلى محرّم ومكروه ومباح.
وزاد بعضهم عليه، الواجبَ والمندوب، قال سلاّر في «المراسم»: المكاسب على خمسة أضرب: واجب، و ندب، ومكروه، ومباح، ومحظور.
ثمّ مثّل لكلّ واحد وقال:
أمّا الواجب: فهو كلّ حلال بيعه أو الاحتراف به إذا كان لا معيشة للإنسان سواه.
وأمّا الندب: فهو ما يكتسب به على عياله ما يُوسِّع به عليهم.
وأمّا المكروه: فهو أن يكتسب محتكراً، أو له عنه غنى، ويحتمل به مشقة.
وأمّا المباح: فهو أن يكتسب بما لا يضره تركه ولا يقيم بأوده، بل له غنى عنه.
وأمّا المحظور: فان يكتسب مالاً لينفقه في الفساد أو يحترف بالحرام.(1)
وتبعه العلاّمة في «القواعد» فزاد على الأقسام الثلاثة، الواجبَ والمندوبَ، واحتملـه الشيخ الأنصاري(رحمه الله) فمثّل للمستحب بالتكسّب بالزراعـة والرعي، وللواجـب بالتكسّب بالصناعـات التي بها قـوام الحياة، ثمّ تأمّل في

(1) انظر المراسم:169.

صفحه 35
آخر كلامه.
ووجه التأمّل: انّ المستحب هو نفس الزراعة والرعي، أو نفس الإنفاق على العيال موسعاً وإن لم يكتسب بهما، لاستحباب توفير ما يموِّنُ به الناس وترخيص أسعارهم وإيجاد الرفاه لهم.
كما أنّ الواجب هو حفظ النظام ونفس العمل من التجارة والبناء سواء (أكان) بأُجرة أم لا. وأمّا الاكتساب بهما فليس واجباً، كما أنّ الواجب في مورد العيال هو الإنفاق بأيّ طريق حسن، والقول بوجوب التجارة والبناء من باب المقدمة خروج عن البحث، لأنّ البحث في الوجوب النفسي كالاستحباب والكراهة.
والحقّ أن يقال: انّه إن أُريد تقسيم التكسّب فهو ثلاثي لا غير. وإِن أُريد تقسيم العمل بما هوهو سواء أوقع موضع التكسّب أم لا، فالتقسيم خماسي كما أوضحناه.

معنى حرمة التكسّب

تُطلق حرمة الاكتساب ويراد منها تارة الحرمة التكليفية، وأُخرى الوضعية.
أمّا الأُولى فقد فسّرت بوجوه:
الأوّل: ما عن الشيخ الأنصاري من أنّ المراد حرمة النقل والانتقال بقصد ترتيب الأثر المحرّم. ثمّ إنّه(قدس سره) علّل في ذيل كلامه وجه التقييد بـ «قصد ترتيب الأثر المحرّم» بأنّ ظاهر الأدلّة في تحريم بيع مثل الخمر. هو ما إذا باع بقصد ترتيب الآثار المحرّمة. أمّا لو قصد الأثر المحلّل فلا دليل على تحريم المعاملة إلاّ من حيث التشريع.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من التقييد مخالف لإطلاق ما دلّ عليه النهي بما

صفحه 36
هوهو، فإنّ إطلاقه يقتضي حرمة البيع سواء أقصد المشتري الأثرَ المحرّم أم قصد الأثر المحلّل، فحرمة الاكتساب بالخمر والخنزير والصليب والأصنام وآلات القمار ثابتة في الحالتين جميعاً، ولا يحتاج في تحقّق حرمته (إذا قصد الأثر المحلّل) إلى تحقّق عنوان التشريع، فإنّ النهي عن بيع شيء كتجويز بيعه، فكما أنّ ما دلّ على الحلّية يقتضي حليته مطلقاً سواء أقصد المشتري الأثر المحلّل أم قصد غيره، فهكذا ما دلّ على حرمته، فلا وجه للتقييد أبداً.
نعم: لو كان النهي عن البيع لأجل كونه إعانة على الإثم، كبيع السلاح من أعداء الدين، والعنب من الخمّار، لكان لذلك وجه، فيكون الاكتساب المحرّم ما إذا كان المشتري قاصداً للأثر المحرم; وأمّا إذا لم يكن كذلك، كما إذا قصد الكافر الحرب مع الكافر الآخر أو كان القصد أكل العنب، فلا يكون محرماً.
الثاني: ما ذكره المحقّق الإيرواني من أنّ معنى حرمة الاكتساب هو حرمة إنشاء النقل والانتقال بقصد ترتيب أثر المعاملة، أعني: التسليم والتسلّم للمبيع والثمن، فلو خلا عن هذا القصد لم يوصف الإنشاء الساذج بالحرمة.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من القيد على خلاف الإطلاق أيضاً، فإنّ مقتضى الإطلاق تحريم البيع بما هوهو، سواء أكان مقترناً بقصد ترتيب أثر المعاملة من التسليم والتسلّم، أم لا. نعم لو كان دليل الحرمة هو الإعانة على الإثم لكان لهذا القيد وجه.
الثالث: ما أفاده المحقّق الخوئي ـ دام ظلّه ـ : انّ ما يكون موضوعاً لحليّة البيع بعينه موضوع لحرمته وليس البيع عبارة عن الإنشاء الساذج، من غير فرق بين أن نقول بأنّ الإنشاء عبارة عن إيجاد المعنى باللفظ ـ كما هو المعروف بين

صفحه 37
الأُصوليين ـ أم كان بمعنى إظهار ما في النفس من الاعتبار، وليس البيع أيضاً عبارة عن مجرّد الاعتبار النفساني... بل حقيقة البيع عبارة عن المجموع المركّب من ذلك الاعتبار النفساني مع إظهاره بمبرز خارجي، سواء أتعلّق به الإمضاء من الشرع والعرف أم لا.(1)
وما ذكره وإن كان متيناً، لكنّه يجب أن يقيد الإنشاء أو ابراز الاعتبار النفساني ـ الذي هو موضوع الحلية والحرمة ـ بالجد، ويقال بأنّ موضوع الحرمة هو إنشاء السبب الجدّي، بالفعل أو القول الذي يتسبب به العقلاء إلى حصول المسببات، وعلى ذلك يكون قصد ترتيب أثر المعاملة من لوازم الإنشاء الجدي والسبب الحقيقي.
والفرق بين هذا المعنى وما ذكره المحقّق الإيرواني واضح، حيث إنّ القصد المزبور جزء الموضوع المحرّم عنده، ومن لوازمه على الأخير، فإنّ إنشاء السبب على وجه الجد يلازم ذلك القصد. هذا كلّه في الحرمة التكليفية.
وأمّا الحرمة الوضعية في الاكتساب: فهي عبارة عن فساد المعاملة، بحيث لا يترتب عليها الأثر شرعاً أو قانوناً.
نعم: حرمة الاكتساب التكليفية لا تلازم الفساد، والنسبة بين الحرمتين عموم وخصوص من وجه، فالبيع عند النداء، حرام تكليفاً لا وضعاً، والمعاملة غير فاسدة، كما أنّ البيع الغرري بنفسه حرام وضعاً وفاسد حسب القانون، وليس نفس التكسّب بحرام تكليفاً، وربما يجتمعان كما في بيع الخمر.
وإلى ما ذكرنا أشار « الشيخ الأعظم (قدس سره) » بقوله: وأمّا حرمة المال في مقابلها

(1) مصباح الفقاهة:1/30.

صفحه 38
ـ أي مقابل حرمة الاكتساب ـ فهو متفرّع على فساد البيع، لأنّه مال الغير وقع في يده بلا سبب شرعي وإن قلنا بعدم التحريم.(1)
هذا كلّه حول تفسير حرمة الاكتساب تكليفاً ووضعاً، فهلمّ معي نبحث عن الاكتسابات المحرّمة. فنقول: إنّ للاكتسابات المحرمة أنواعاً، نذكر كلّ نوع في طي مسائل:

(1) وما نقلناه من الشيخ الأعظم جملة معترضة وقعت في كلامه بين تفسير حرمة الاكتساب تكليفاً وتقييده بقصد ترتيب الأثر. وبين تعليل هذا التقييد، ولأجل ذلك حصل الإغلاق في كلامه (قدس سره) .

صفحه 39
الاكتسابات المحرمة
(1)
النوع الأوّل: الاكتساب بالأعيان النجسة
وفيه مسائل ثمان:
1. التكسّب ببول مالا يؤكل لحمه.
2. التكسّب بروث مالا يؤكل لحمه.
3. التكسّب بالدم.
4. التكسّب بالمني.
5. التكسّب بالميتة.
6. التكسّب بالكلب والخنزير.
7. التكسّب بالخمر.
8. التكسّب بالأعيان النجسة غير القابلة للطهارة.

صفحه 40

صفحه 41

1

الاكتساب بالأعيان النجسة

الأعيان النجسة التي يمكن الاكتساب بها عبارة عن: البول، والروث، والدم، والمني، والميتة، والكلب، والخنزير، والخمر، والأعيان المتنجسة التي لا تقبل الطهارة. وكان للمصنّف أن يبحث عن جميع الأعيان النجسة جملة واحدة من دون أن يخصّص لكلّ منها بحثاً خاصاً، حتّى يكون البحث موجزاً قابلاً للتدريس غير أنّه عقد لكلّ واحد منها عنواناً خاصاً فنحن نقتفي أيضاً أثره فنقول: إنّ هنا مسائل ثمان:
***

صفحه 42

المسألة الأُولى:

التكسب ببول ما لا يؤكل لحمه

قد تعرّض الفقهاء لحكمه بين مخصّص له بذكر، ومُدْخِل له تحت العنوان الكلّي : «العين النجسة».
قال الشيخ (قدس سره) في «النهاية»: وجميع النجاسات محرّم التصرّف فيها والتكسّب بها على اختلاف أجناسها، من سائر أنواع العذرة والأبوال وغيرهما، إلاّ أبوال الإبل خاصة.(1)
وقال سلار (رحمه الله) في «المراسم»: التصرّف في الميتة ولحم الخنزير وشحمه والدم والعذرة والأبوال ببيع وغيره حرام، إلاّ بيع بول الإبل خاصة.(2)
وقال العلاّمة (قدس سره) في «التذكرة»: يشترط في المعقود عليه الطهارة الأصلية،... ولو باع نجس العين كالخمر والخنزير والميتة لم يصحّ إجماعاً.(3)
وقال في «الجواهر»: لا خلاف يعتد به في حرمة التكسّب في الأعيان النجسة التي لا تقبل الطهارة بغير الاستحالة.(4)

(1) النهاية:364.
(2) المراسم:170.
(3) التذكرة:10/25، المسألة 8، فصل في العوضين.
(4) الجواهر:22/8.

صفحه 43
وقال ابن قدامة في «المغني»: والحيوان قسمان: نجس، وطاهر. فالنجس نوعان: أحدهما ما هو نجس رواية واحدة، وهو الكلب والخنزير وما تولّد منهما أو من أحدهما، فهذا نجس عينه وسؤره وجميع ما خرج منه.(1)
فكلّ هذا لا يجوز بيعه، لأنّه لا نفع فيه، فأخذ ثمنه أكل مال بالباطل.(2)
إلى غير ذلك من الكلمات التي ستقف عليها في المسائل الآتية.
إذا عرفت ذلك فاعلم: أنّ الهدف الأسمى في المقام هو البحث عن الحرمة التكليفية فقط. وأمّا الحرمة الوضعية ـ بالمعنى الذي عرفت ـ فيبحث عنها استطراداً فنقول:استدلّ الشيخ الأعظم على حرمة التكسّب تكليفاً بوجوه أربعة، أشار إليها بقوله: «بلا خلاف ظاهر، لحرمته، ونجاسته، وعدم الانتفاع به منفعة محلّلة مقصودة فيما عدا بعض أفراده كبول الإبل الجلاّلة أو الموطوءة».
ولكن هذه الوجوه الأربعة مخدوشة جدّاً.
أمّا الأوّل ـ أعني قوله: «بلا خلاف ظاهر» ـ : فقد اعترض عليه بأنّه من المحتمل أو المعلوم استناد المجمعين إلى الروايات العامّة والروايات الخاصّة في بيع الأجناس النجسة، وهذا الاحتمال وإن كان قائماً في أكثر المسائل الإجماعية ـ التي وردت فيها روايات ـ ، لكنّه في المقام تجاوز حدّ الاحتمال، لأنّ الشيخ قد أفتى بحرمة التكسّب بالأبوال النجسة في كتاب «النهاية»، وهو ملتزم فيها بصياغة المسائل بنفس النصوص الواردة عن الأئمة (عليهم السلام) في المسألة، وهذا يكشف عن ورود النصّ الخاص في نفس المسألة غير ما ورد من الروايات العامّة أو الخاصّة في بعض الأجناس النجسة، فيُحتمل جدّاً الإجماع أو «لا خلاف» مستنداً إلى الرواية.

(1) المغني:1/41، الطبعة الثالثة.
(2) المغني: 4/229.

صفحه 44
وأمّا الثاني ـ أعني قوله: «لحرمته»، والضمير عائد إلى البول، فإن أراد حرمة شربه فهو مسلّم، ولكنّه لا يلازم حرمة التكسّب تكليفاً فضلاً عن فساده إذا كانت له مالية عقلائية. وإن أراد حرمة كلّ منافعه حتّى التداوي وصنع الطين، فهو ممنوع، لعدم الدليل على حرمة التصرّف في النجس على وجه الإطلاق، إلاّ ما سمعته في حديث «تحف العقول» حيث قال: «فجميع تقلّبه في ذلك حرام»، وقد عرفت ضعف الحديث وعدم إمكان الاحتجاج به فيما تفرّد به.
وأمّا الثالث ـ أعني قوله: «ونجاسته» ـ : فالظاهر انّه ليس دليلاً مستقلاً، وإنّما هو ملازم للوجه الثاني أعني قوله: «لحرمته» ـ أو الرابع ـ أعني قوله: «وعدم الانتفاع به منفعة محللة مقصودة» ـ إذ ليست النجاسة بما هي مانعة عن جوازالتكسّب; ولأجل ذلك يجوز بيع العبد الكافر وكلب الماشية والحائط لعدم حرمته، وإمكان الانتفاع بالمنفعة المحلّلة المقصودة، ولأجل ما ذكرنا ـ النجاسة ليست من الموانع ـ قال صاحب الغنية (رحمه الله) ـ بعد أن اعتبر في المبيع أن يكون منتفعاً به تحرزاً ممّا لا منفعة فيه، وقيّدنا بكونها مباحة تحفظاً من المنافع المحرمة، ويدخل في ذلك كلّ نجس لا يمكن تطهيره»(1) وما ذكره صريح في أنّ اعتبار الطهارة لأجل كونه يمكِّن الانتفاع للإنسان، بخلاف النجاسة فهي مانعة عنه.
وأمّا الرابع ـ أعني قوله: «وعدم الانتفاع به منفعة محلّلة مقصودة »ـ فلو صحّ لدلّ على الحرمة الوضعية لا التكليفية، لأنّ عدم الانتفاع يخرج المورد عن المالية، ويكون أكل الثمن في مقابله أكلاً بالباطل.
ثمّ إنّ الشيخ الأنصاري اعترض على ما ذكره بأنّ الشرب ليس من منافع البول الشائعة حتّى تكون حرمته سبباً لعدم إمكان الانتفاع بها بنحو المنفعة

(1) الغنية: 213، كتاب البيع .

صفحه 45
المحلّلة، كما أنّ الأكل ليس من منافع الطين النجس، فعند ذلك لو كان هناك منفعة مثل التداوي بالبول، أو الاستعمال في البناء لما كان هناك مانع من صحّة البيع.
ولا يخفى انّ ما ذكره من التداوي أو الاستعمال في البناء نادر يُلحق البول بعادم المنفعة، ولأجل ذلك لا يعد البول مالاً لأجل هذين الاحتمالين، فعلى ذلك فلو قلنا بأنّ صحّة التكسّب قائمة على كون الشيء مالاً، لا تصحّ المعاوضة عليه.
والأولى أن يقال:انّه لا دليل على حرمة التكسّب بالبول تكليفاً سوى الإجماع، وورودها في النهاية في عداد المسائل المتلقاة عن الأئمّة (عليهم السلام) . وأمّا حرمته وضعاً فلأجل عدم ماليّته، لأنّ تنفّر الطباع عن البول وقذارته في الأذهان ووفوره وكثرته صارت سبباً لخروجه عن المالية فلا يبذل بأزائه الثمن حتّى يكون عوضاً أو معوضاً، وما ذكر من حديث التداوي أو الاستعمال في البناء منفعة نادرة، لا تكاد توجد إلاّ في الفترات البعيدة. وقلّ ما يتّفق أن يبنى به البناء، أو يداوى المريض به.
والحاصل انّه لو اشترط في صحّة المعاوضة، المالية. فلا شكّ في عدم ماليته، ويترتب عليه فساد المعاوضة، وأمّا حرمة نفس التكسّب فلا دليل عليه سوى الإجماع ووروده في الفتاوى المتلقاة عن الأئمّة (عليهم السلام) .
ثمّ إنّ المحقّق الخوئي ـ دام ظله ـ وجّه صحة المعاوضة عليه مع فرض عدم صدق المال عليه بوجوه:
1. لا دليل على اعتبار المالية في البيع، وإنّما المناط صدق عنوان المعاوضة عليه، وأمّا ما عن المصباح من أنّه مبادلة مال بمال فلا يكون دليلاً على ذلك، لعدم حجّية قوله.
2. يكفي أن يكون المبيع مالاً بنظر المتبايعين إذا كان عقلائياً، ولا يجب

صفحه 46
كونه مالاً في نظر العقلاء أجمع.
3. لو سلمنا عدم كون الأبوال المذكورة مالاً حتّى في نظر المتبايعين، لكن غاية ما يلزم، كون المعاملة عليها سفهية، ولا دليل على بطلانها بعد شمول أدلّة صحّة البيع لها.(1)
يلاحظ على هذه الوجوه:
أمّا الأوّل: فلو سلّمنا أنّ المناط هو المعاوضة، لكن المقصود منها هو المعاوضة العقلائية التي تدور عليها رحى الحياة، لا المعاوضة اللغوية التي لا يشترط فيها أن يكون العوض أو المعوَّض مالاً يبذل بازائه الثمن، فلأجل ذلك تصدق المعاوضة على مبادلة الأشياء التافهة التي لا يرغب إليها أحد سوى الصبيان، وأمّا المعاوضة العقلائية فلا تنفك عن كونها مالاً يرغب إليه العقلاء ويُبذل بازائه الثمن، وعلى ذلك فالمعاوضة العقلائية تلازم المالية.
وأمّا الثاني: ففيه أنّ كون الشيء مالاً في خصوص نظر المتعاملين خارج عن مصب الإطلاقات والأدلّة الإمضائية للمعاملات، إذ لا شكّ انّ قوله سبحانه: (احَلَّ اللّه البيع)ناظر إلى البيع المتعارف بين العقلاء وعامّة الناس، وهو يلازم كون العوضين مالاً عندهم، لا في خصوص نظر المتعاملين.
وأمّا الثالث: ففيه أنّ القول بصحّة المعاملة السفهية عجيب، لانصراف الإطلاقات عن مثلها; هذا كلّه لو فرضنا عدم كون بول النجس مالاً.
وأمّا لو شككنا في كونه مالاً أو لا، فهل يمكن التمسّك بالإطلاقات أو لا؟ فقد فصّل المحقّق الورع الشيرازي، بين أدلّة نفوذ البيع وأدلّة نفوذ التجارة، فمنع التمسّك بالأُولى دون الثانية، حيث قال: لو فرض الشكّ في المالية أمكن

(1) مصباح الفقاهة: 1/34.

صفحه 47
التمسّك بأدلّة نفوذ التجارات ووجوب الوفاء بالعقد. ولا يصحّ التمسك بأدلّة نفوذ البيع لأنّه مبادلة مال بمال; ومع الشكّ في الموضوع كما هو المفروض لا يرجع إلى العموم، نعم لو تُمسِّك بعمومات التجارة يثبت كونه بيعاً، لأنّه على فرض الصحّة ليس إلاّ بيعاً.(1)
يلاحظ عليه: أنّه لا فرق بين أدلّة نفوذ البيع ونفوذ التجارات، فإنّ أدلّة نفوذ العقد والتجارات منصرفة إلى ما يرغب إليه العقلاء، وهم لا يرغبون إلاّ إذا كان لمورد العقد والتجارة مالية صالحة لبذل الثمن بازائه، فيخرج ما ليس له مالية قطعاً، كالماء على شفير البحر، والتراب في البيداء.
ولو شكّ في مالية الشيء يكون المورد من قبيل الشكّ في الشبهة المصداقية للعمومات، ولا يصحّ في مثله التمسّك بعموم العام، من غير فرق بين قوله تعالى: (أَحَلَّ اللّهُ البَيعَ)(2) وقوله تعالى: (أَوفُوا بالعُقُودِ) (3) غير أنّ المالية مدلول مطابقي لأدلّة نفوذ البيع، والتزامي لغيره.
ثمّ إنّ الشيخ (قدس سره) استثنى من حرمة الاكتساب بالبول النجس، بولَ الإبل الجلاّلة أو الموطوءة، ولعلّ وجه الاستثناء هو توهم شمول الإجماع المنقول على جواز بيع بول الإبل لهاتين الصورتين، وإن حرم شربه، ولكنّ الحقّ عدم الفرق بين النجس والمتنجس وضعاً وتكليفاً.
أمّا الأوّل: فلانتفاء المالية، وأمّا الثاني: فلشمول معقد الإجماع المنقول المستفيض، للمتنجس من البول فلاحظ. وأمّا الكلام في بول الإبل الطاهر فسيوافيك البحث عنه.

(1) تعليقة المحقّق الشيرازي:10.
(2) البقرة:275.
(3) المائدة:1.

صفحه 48

فرعان

الفرع الأوّل:

التكسّب بأبوال ما يؤكل لحمه، غير الإبل

الظاهر من الشيخ الأعظم (قدس سره) التفصيل بين جواز شرب أبوال ما يؤكل لحمه اختياراً فيجوز بيعها، وحرمة شربها كذلك، ففيه وجهان:
الأوّل: الحرمة، لعدم المنفعة المحلّلة المقصودة، والمنفعة النادرة كالاستعمال في البناء وغيره ـ لو تمّت ـ لزمت صحّة المعاوضة على كلّ شيء.
الثاني: الجواز، لا للمنفعة النادرة ـ حتّى يقال: لو كانت المنفعة النادرة ملاكاً للجواز لزم صحّة المعاوضة على كلّ شيء ـ ، بل للمنفعة الظاهرة، أعني: الشرب في ظرف خاص، وهو ظرف الضرورة.
والفرق بين المنفعة الظاهرة ـ ولو في ظرف خاص ـ و بين النادرة، حكم العرف بأنّ الأوّل ذو منفعة، دون الثاني.
ثمّ إنّه (قدس سره) استدرك ورجّح عدم الجواز على القول بالحرمة بالبيان الذي ورد في الكتاب فراجع.
أقول: التفصيل المذكور مبني على كون المنفعة الظاهرة للبول هو الشرب،

صفحه 49
ولأجله فصّل بين جواز الشرب وحرمته، واستظهر ذلك من أنّه إذا نسبت الحلّية والحرمة للقابل للشرب، يقدر «شربه» والقابل للأكل يقدر «أكله» وبما انّ البول من الأُمور القابلة للشرب يكون المقدّر في تحليله وتحريمه هو الشرب، فعلى ذلك يكون الشرب هو المنفعة الشائعة، فيدور جواز البيع وحرمته على جواز الشرب وحرمته.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره صحيح في الأُمور المعدّة للشرب والأكل، لا في كلّ ما يمكن شربه وأكله وإن لم يكونا معدّين لذلك. فالبول والروث والطين ليست معدّة لذلك، ولأجل ذلك نفى الريب في جواز بيع الطين مع أنّه محرّم الأكل. وبذلك يتبيّن انّ جواز البيع وحرمته غير مبنيّ على جواز الشرب وعدمه.
والحقّ أن يقال: انّ المعاوضة على الأبوال الطاهرة محرمة وضعاً لاستخباثها وتنفّر الطباع منها، ولأجل ذلك لا يعدّ مالاً عند العرف، أضف إلى الاستخباث والتنفّر، كثرتها ووفورها بحيث لا يبذل بازائها الثمن سواءً أجاز شربها أم لم يجز، والتداوي بها أو الاستعمال في البناء في القلّة بمكان لا يصيّرها مالاً، إذ قلّ ما يتّفق لبشر أن يتداوى بالأبوال، أو يبني بناء بها، نعم: لو تقدّمت الحضارة إلى حدّ راج صنع الأدوية وغيرها من الأبوال لكان لجواز المعاوضة وجه.
وأمّا الحرمة التكليفية فلا، لعدم الدليل عليها في الأبوال الطاهرة.
فتلخص انّ بيع البول الطاهر حرام وضعاً، لا تكليفاً، إلاّ إذا عُدّ معاونة على الإثم، كما إذا وقف البائع على أنّ المشتري بصدد الانتفاع المحرّم.

سؤال وإجابة

قد عرفت أنّ عدم صحّة البيع وضعاً في الأبوال النجسة والطاهرة لأجل عدم كونها مالاً في نظر العقلاء، ولكن الشيخ الأعظم (قدس سره)استند في عدم الصحّة

صفحه 50
إلى وجه آخر، وهو: شمول الأحاديث العامّة لها أوّلاً، وعدم وجود المنفعة المحلّلة ثانياً. وعند ذلك يوجّه إليه السؤال التالي:
إنّ الأبوال والأدوية تشتركان في حرمة الانتفاع اختياراً، وجوازه اضطراراً، فحينئذ فما الوجه في جواز بيع الثاني دون الأوّل؟
وأجاب عنه الشيخ بقوله: والتداوي بها لبعض الأوجاع لا يوجب قياسها على الأدوية والعقاقير، لأنّه يوجب قياس كلّ شيء عليها للانتفاع به في بعض الأوقات (كالاضطرار).
يلاحظ عليه: أنّ الجواب غير تام، للفرق الواضح بين المرض والاضطرار، فانّ الأوّل من الأحوال العادية للإنسان، بخلاف الاضطرار الذي لا يتّفق إلاّنادراً، فحينئذ فلا يصحّ قوله: للانتفاع به في بعض الأوقات كالاضطرار.
ثمّ إنّه يظهر منه (قدس سره) جواب آخر حيث قال: ولا ينتقض أيضاً بالأدوية المحرّمة في غير حال المرض لأجل الإضرار، لأنّ حلّية هذه في حال المرض ليست لأجل الضرورة بل لأجل تبدّل عنوان الإضرار بعنوان النفع.
يلاحظ عليه: أنّه يمكن لصاحب النقض أن يقول: إنّ البول مثل الدواء فانّ حلّيته في حال المرض لأجل تبدّل عنوان الإضرار بعنوان النفع.
والحاصل: انّ التفريق بين البول والدواء بعد الاعتراف بماليتهما مشكل، وإنّما تنحل العقدة إذا كان بينهما فرق جوهري: وهو كون الأدوية والعقاقير مالاً يطلبها الناس من قريب أو بعيد وتتطاول إليها الأعناق، ومثلها الطين، خصوصاً في البلاد التي يحمل فيها التراب من خارج البلد، بخلاف الأبوال فانّها لا تعدّ أموالاً عند العرف والعقلاء.

صفحه 51
ثمّ إنّ المحقّق الإيرواني(1) جاء بجواب آخر، وهو الفرق بين البول والدواء بعد اشتراكهما في عدم جواز الانتفاع في حال الاختيار، بأنّ البول حرام بالذات سواء أزاد أم نقص كالخمر، وهذا بخلاف الدواء فانّه حرام بمناط الإضرار، ولا يحرم قليله إذا لم يكن مضراً، وما هو محرم بالمناط الثانوي لا يكون محرماً بالعنوان الأوّلي، وإلاّ لا يوجد في العالم مباح بالذات، إذ ما من مباح إلاّ وهو مضر في بعض الشرائط، كما إذا أكل الخبز وشرب الماء زائداً على الحد اللازم.
ولا يمكن أن يقال: انّ عنوان الضرر غير منفك عن الدواء، كيف، وربما كان مضرّاً لبعض دون بعض، وزمان دون زمان، فلأجل ذلك لا يكون محرّماً بالذات، وما لا يكون كذلك لا يكون محرّم البيع وضعاً وتكليفاً، وإن كان محرّم الاستعمال بعنوان الإضرار.
يلاحظ عليه: أنّه لو صحّ لا يصحّ في مورد البول، فانّ الظاهر من الرضوي انّما نهي من أكله وشربه ولبسه لأجل كونه ضاراً للجسم ومفسداً للنفس، فصار كالدواء، والبول الطاهر نهي عن شربه لأجل كونه ضاراً للجسم ومفسداً للنفس، فلو حرم حرم بهذا العنوان. لا بما هوهو; اللّهم إلاّ أن يحمل التعليل على بيان الحكمة، لا لبيان موضوع الحرمة.
والظاهر: سقوط السؤال من أصله وعدم الحاجة إلى هذه الأجوبة، لما عرفت من الفرق الجوهري بين الأبوال والأدوية.
نعم: كلّ من لم يعترف بهذا الوجه يقع في التفكيك بينها و بين الأدوية والعقاقير والطين في المخمصة.
***

(1) حاشية المكاسب:3، ذيل قول الشيخ (قدس سره) : لأنّه يوجب قياس كلّ شيء عليها.

صفحه 52

الكلام في لحوم السباع وشحومها(1)

الظاهر جواز بيع لحوم السباع وشحومها لوجود المنفعة المحلّلة، كإطعام الكلب والهرة وغيرهما بها، بل وشيوع التداوي ببعضها ـ كلحم الأفعى والسمك السقنقور ـ فيجوز بيعه تكليفاً ووضعاً لوجود الفائدة الشائعة، وعدم انطباق أحد العناوين المحرّمة عليه.
وأمّا شحمها، فلأنّ له مالية، للمنفعة المحلّلة كالإسراج وطلي السفن وغيرهما.
ثمّ إنّ الشيخ(قدس سره) فصّل بين لحم السباع وشحمها، فألحق الأوّل بالبول في عدم الانتفاع به انتفاعاً محللاً، دون الثاني لإمكان الاستفادة منه بالإسراج.
ثمّ لمّا كان «النبوي» الوارد في مورد الشحوم مخالفاً لهذا التفريق صار بصدد الإجابة عنه وقال(2): ولا ينافيه النبوي:«لعن اللّه اليهود حرِّمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها»، لأنّ الظاهر انّ الشحوم كانت محرّمة الانتفاع على اليهود بجميع الانتفاعات، لا كتحريم شحوم غير مأكول اللحم علينا.
أقول: الأصل في ذلك قوله سبحانه: (وَعَلَى الَّذينَ هادُوا حَرّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُر وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلاّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْمَا اخْتَلَطَ بِعَظْم ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيهِمْ وَإِنّا لَصادِقُونَ) .(3)
والظاهر: انّ الشحوم كانت محرّمة عليهم من حيث الأكل، وأمّا اللعن

(1) هذا البحث بين الفرعين استطرادي، لانّ المسألة الأُولى مختصة بالتكسّب ببول ما لا يؤكل لحمه ، لا التكسّب بلحمه وشحمه.
(2) المكاسب:4.
(3) الأنعام:146.

صفحه 53
عليهم لأنّهم باعوها لأجل هذا الأثر المحرّم، والبيع حرام عند الشيخ إذا كان بقصد ترتيب الأثر المحرّم ـ ذاتاً ـ عليه، ويمكن توجيه اللعن لأجل انّ بيعها يعدّ إعانة على الإثم.
والحق أن يقال: انّ النبوي أعني قوله: «إنّ اللّه إذا حرّم شيئاً حرّم ثمنه» لا ينافي ما ذكرناه، إذ لا يشمل المورد، لأنّ المراد من تحريم الشيء هو تحريم جميع منافعه أو الشائعة منها، بحيث يلحق الموجود بالمعدوم، وشحم غير المأكول ليس من هذا القبيل، لأنّ الإسراج والطلي من المنافع الشائعة، ومثله لحوم السباع خصوصاً في ما ذكرناه سابقاً.
نعم: لو صحّ ما ورد في مسند أحمد من زيادة لفظ «الأكل» يشكل جواز بيع شحم السباع فضلاً عن لحومها، لأنّ المدار في حرمة البيع هو حرمة الأكل، لا وجود الفائدة المحلّلة وعدمها، واللحوم والشحوم من غير المأكول يحرم أكلها.
واعلم أنّ أحمد بن حنبل نقل الحديث في مسنده هكذا: حدثنا عبد اللّه، حدّثني أبي، حدّثنا علي بن عاصم، انا(1) الحذاء، عن بركة، عن أبي الوليد، انا(2) ابن عباس قال: كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قاعداً في المسجد مستقبلاً الحجر، قال فنظر إلى السماء فضحك، ثمّ قال: «لعن اللّه اليهود حرّمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها، وانّ اللّه عزّوجلّ إذاحرّم على قوم أكل شيء حرّم عليهم ثمنه».(3)
ثمّ إنّ الشيخ أجاب عمّا ذكرنا من الإشكال بقصور دلالة النبوي، قائلاً : بأنّه لا يمكن الأخذ بهذا العموم، إذ لازمه انّ كلّماحرّم أكله، حرّم ثمنه، وهو يستلزم تخصيص الأكثر، لأنّ كثيراً من الأشياء محرّمة الأكل كالتراب والطين مع

(1) الظاهر انّ اللفظ كناية عن «حدثنا» فتدبّر، وفي السنن مكان «انا الحذاء»: «خالد الحذاء».
(2) الظاهر انّ اللفظ كناية عن «حدثنا» فتدبّر، وفي السنن مكان «انا الحذاء»: «خالد الحذاء».
(3) المسند:1/247ـ293.

صفحه 54
أنّهما غير محرّمة البيع.
وروى البيهقي في سننه نفس هذا الحديث بالسند التالي:
أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أنبأ أحمد بن عبيد الصفار، ثنا إسماعيل بن إسحاق، ثنا مسدد، ثنا بشر بن المفضل، عن خالد الحذاء، عن بركة أبي الوليد، عن ابن عباس قال: رأيت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)جالساً عند الركن فرفع بصره إلى السماء فضحك...إلى آخر الحديث مثل ما تقدّم عن المسند.(1)
وروى في «المستدرك» عن «غوالي اللآلي» مرسلاً عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «قال: لعن اللّه اليهود...إذا حرّم على قوم أكل شيء حرّم عليهم ثمنه».(2)
غير انّ الوارد في الكتب الفقهية الاستدلالية هو حذف كلمة «أكل»، و قد ورد في «الخلاف» وغيره بلا لفظ «أكل»، وعلى ذلك فلم يثبت وجود لفظ «أكل»، وإن ورد في السنن والمسانيد، لعدم ثبوت صحّة كلّ ما ورد فيهما، والمروي في «المستدرك» مرسل، والظاهر انّه مأخوذ منها.
ولا يخفى ما في هذا الجواب من الضعف، لأنّ المراد على فرض وجود لفظ «أكل» هو حرمة أكل ما أُعدّ للأكل، لا مطلق ما يحرم أكله، وإن لم يكن معدّاً له، كما في المثالين، فلا يُعدّان نقضاً بالاستدلال بالحديث.
والحاصل : انّ كلّ شيء معدّ للأكل إذا حرم أكله، يحرم ثمنه، وتفسير العموم بهذا المعنى لا يلزم منه تخصيص الأكثر.
والأولى أن يجاب بعدم ثبوت لفظ «أكل» وإن ورد في مسند أحمد وسنن البيهقي والمستدرك.

(1) السنن الكبرى:6/13.
(2) المستدرك:2/427.

صفحه 55

الفرع الثاني:

التكسّب ببول الإبل

أقول:يقع الكلام في مقامين:
الأوّل: جواز شربه اختياراً وعدمه.
الثاني: جواز بيعه وعدمه.
أمّا الأوّل: اختلفت أقوال العلماء في جواز شرب بول ما يؤكل عموماً، وبول الإبل خصوصاً، فذهب الشيخ الطوسي في نهايته وابن حمزة والعلاّمة والشهيدان قدس سرهم إلى الحرمة ، إلاّ أبوال الإبل، فانّه يجوز للاستشفاء بها. وذهب المرتضى وابنا الجنيد وإدريس إلى الجواز لمكان طهارته، والأظهر عند المحقّق (قدس سره) هو الحرمة لاستخباثها وإن كانت طاهرة.
والظاهر من الشيخ الأنصاري من تعليله الجواز في بول الإبل، اختصاص جواز شربه بصورة الضرورة كما يحكي عنه لفظ الاستشفاء.
والظاهر هو الحرمة مطلقاً، لما ذكره المحقّق (قدس سره) من عدّ العرف كلَّ ذلك من الخبائث التي ارتكزت حرمتها بين المسلمين، وأمّا ما في الجواهر نقلاً عن المرتضى(قدس سره) في تأييد الحلية المطلقة من أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بشرب أبوال الإبل، وانّه لم

صفحه 56
يعلم منه أنّ الوجه فيه الضرورة المبيحة للمحرم(1) غير تام، لصراحة رواية عمّار بن موسى في ذلك كما سيوافيك.
والعجب انّه (رحمه الله) يقول: إنّ التقييد لم يرد في كلام الإمام، بل وقع في كلام السائل كما في خبر سماعة. مع أنّ التقييد ورد في خبر عمّار بن موسى في كلام نفس الإمام (عليه السلام) كما هو واضح.
فنقول: روى عمّار بن موسى، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : قال: سئل عن بول البقر يشربه الرجل؟ قال: «إن كان محتاجاً إليه يتداوى به يشربه، وكذلك أبوال الإبل والغنم».(2)
وعن سماعة، قال: سألت أبـا عبد اللّه (عليه السلام) عـن شرب الرجـل أبـوال الإبـل والبقـر والغنـم ينعت لـه مـن الوجع هل يجوز له أن يشرـب؟ قـال: «نعم لا بـأس بـه».(3) ورواه في «طب الأئمّة» أيضاً وإليك ترجمـة من ورد في سند الحديث:

(1) الجواهر:36/392.
(2) الوسائل: 17/87، الباب59 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث1.
رواه الشيخ في التهذيب:
1. عن محمد بن أحمد بن يحيى (وهو صاحب كتاب «نوادر الحكمة» الثقة).
2. عن أحمد بن الحسن(وهو أحمد بن الحسن بن علي بن فضال، الفطحي الثقة) والدليل على أنّ ذلك هو المراد منه، رواية «محمد بن أحمد بن يحيى عنه»، في غير هذا المورد.
3. عن عمرو بن سعيد (الساباطي، وثّقه النجاشي).
4. عن مصدق بن صدقة(نقل العلاّمة عن ابن عقدة أنّه ثقة، وقال الكشي هو من أجلّة العلماء الفقهاء العدول).
5. عن عمّار بن موسى (وثّقه النجاشي) فالرواية موثّقة، والثلاثة الأخيرة من الفطحيّة.
(3) الوسائل: 17/88، الباب59 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث7.

صفحه 57
1. عن أحمد بن الفضل (وليس هو أحمد بن الفضل الخزاعي لأنّه من أصحاب الكاظم (عليه السلام) ، كما أنّه ليس هو أحمد بن الفضل الكناسي لأنّه من أصحاب الصادق (عليه السلام) كما في رجال الكشي في ترجمة «عروة القتات» فإذاً الرجل مجهول لا نعرفه) ومع ذلك يمكن على القول بكون المراد هو الخزاعي بشهادة أنّ الحسين النوفلي الذي هو من أصحاب الرضا (عليه السلام) يروي عن مؤلّف طب الأئمّة أعني الحسين بن بسطام، فلا غرو في أن يروي المؤلّف عن أحمد بن الفضل الخزاعي الذي هو من أصحاب الكاظم (عليه السلام).
2. عن محمد بن إسماعيل بن عبد اللّه(ولم يعنون في كتب الرجال شخص بهذا العنوان).
3. عن زرعة (ثقة واقفي، يروي عن أبي عبد اللّه، وموسى الكاظم(عليهما السلام) ) عن سماعة (وهو ثقة واقفي) فالرواية لا يمكن الاحتجاج بها.
وروى المفضل بن عمر، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : أنّه شكا إليه الربو الشديد. فقال: «اشرب له أبوال اللقاح» فشربت ذلك فمسح اللّه دائي.(1)
والمراد من اللقاح : الفحل من الخيل والإبل، ومفردها لقوح، والرواية ظاهرة في اختصاص الجواز بحالة الضرورة، والثانية والثالثة وإن كانتا واردتين في مورد الضرورة لا مقيدتين بها ولكنّهما ضعيفتان لا يحتج بهما كما أوعزنا إلى ضعفهما في التعليقة.
نعم، هنا ما يدلّ على الجواز مطلقاً، مثل ما روي في «قرب الإسناد» عن أبي البختري، عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)قال «لا بأس ببول ما أكل

(1) الوسائل: 17/88، الباب59 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث 8، والرواية ضعيفة بـ«محمد بن سنان» فلاحظ.

صفحه 58
لحمه».(1)
ولكن الرواية، ضعيفة لا يحتج بها.
وروى أيضاً أحمد بن محمد بن عيسى، عن بكر بن صالح، عن الجعفري، قال: سمعت أبا الحسن موسى (عليه السلام) يقول: «أبوال الإبل خير من ألبانها، ويجعل اللّه الشفاء في ألبانها».(2)
والرواية كسابقتها ضعيفة لأجل بكر بن صالح، لجهالته فلا يحتج بها، وبهذا يتضح اختصاص جواز الشرب بحال الضرورة دون الاختيار، مضافاً إلى استخباثها عرفاً، فيشمله ما دلّ على حرمة أكل الخبث وشربه.
وأمّا الثاني ـ أعني: جواز البيع وعدمه ـ : فالشيخ الأعظم بنى صحة البيع وعدمه على جواز شربه اختياراً وعدمه، وحيث إنّ الأقوى عدم جواز شربه اختياراً، فلا يجوز التكسّب به، والمنفعة النادرة ليست ملاكاً لنفوذ البيع وصحته.
والحقّ أن يقال: انّ جواز شربه اختياراً لا يستلزم صحّة بيعه، لعدم كونه مالاً، لاستخباثه وتنفّر الطبع منه، والتداوي في بعض الأحايين النادرة لا يوجب كونها مالاً، هذا تمام الكلام في المسألة الأُولى.

(1) الوسائل: 17/87، الباب59 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث2; والرواية ضعيفة بأبي البختري وهو وهب بن وهب بن عبد اللّه، قال النجاشي: روى عن أبي عبد اللّه وكان كذّاباً.
(2) الوسائل:17/87، الباب59 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث3.

صفحه 59

المسألة الثانية:

في التكسّب بروث ما لا يؤكل لحمه

ويقع الكلام في موارد أربعة:
الأوّل: جواز الانتفاع بروث ما لا يؤكل لحمه.
الثاني: التكسّب بعذرة الإنسان.
الثالث: التكسّب بسرجين مالا يؤكل لحمه.
الرابع: التكسّب بروث ما يؤكل لحمه. وإليك الكلام فيها.

الأوّل: جواز الانتفاع بروث ما لا يؤكل

لا ينبغي الإشكال في جواز الانتفاع بأرواث مالا يؤكل لحمه، وسرجين ما لا يؤكل لحمه، كما لا إشكال في جواز الانتفاع بعذرة الإنسان، للسيرة المستمرة بين المسلمين في الأعصار والأمصار في الاستفادة منها في الزروع والكروم وأُصول الأشجار والتسميد، إلى غير ذلك. والبحث في ذلك إطناب بلا طائل.إنّما الكلام في المورد الثاني، أعني جواز التكسّب، فنقول:

الثاني: التكسّب بعذرة الإنسان

الظاهر من الفقهاء حرمة التكسّب بعذرة الإنسان .

صفحه 60
قال الشيخ في «النهاية»: وجميع النجاسات محرّم التصرّف فيها والتكسّب بها على اختلاف أجناسها من سائر أنواع العذرة والأبوال وغيرهما.(1)
والمراد من العذرة إمّا رجيع الإنسان أو خرء الحيوان غير المأكول أو مطلق الحيوان ولو كان مأكولاً، وعلى كلّ تقدير رجيع الإنسان داخل فيها.
وقال في «المبسوط»: وأمّا سرجين ما لايؤكل لحمه وعذرة الإنسان، وخرء الكلاب والدم فانّه لا يجوز بيعه، ويجوز الانتفاع به في الزروع والكروم وأُصول الشجر بلا خلاف.(2)
وقال في «الخلاف»: سرجين ما يؤكل لحمه يجوز بيعه ـ إلى أن قال ـ: وأمّا النجس منه فلا، لدلالة إجماع الفرقة، وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «إنّ اللّه تعالى إذا حرّم شيئاً حرّم ثمنه» وهذا محرّم بالإجماع، فوجب أن يكون بيعه محرماً.(3)
والعبارة وإن كانت واردة في السرجين النجس، ولكن عذرة الإنسان داخلة فيه موضوعاً إذا صحّ إطلاق السرجين على عذرة الإنسان، وإن كان بعيداً، أو حكماً بالفحوى كما هو غير بعيد.
وقال ابن قدامة: ولا يجوز بيع السرجين النجس، وبهذا قال مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة يجوز، ولأنّ أهل الأمصار يبتاعونه لزرعهم من غير نكير فكان إجماعاً، ولنا انّه مجمع على نجاسته فلم يجز بيعه كالميتة، وما ذكروه ليس بإجماع، لأنّ الإجماع اتّفاق أهل العلم ولم يوجد، ولأنّه رجيع نجس فلم يجز بيعه كرجيع الآدمي.(4)

(1) النهاية:364.
(2) المبسوط:2/167.
(3) الخلاف:2/82، المسألة310، باب عدم إمكان تطهير زيت النجس بالغسل.
(4) المغني:4/14، كتاب البيع، الطبعة الثالثة.

صفحه 61
ثمّ الظاهر: انّ كلّ من حكم بحرمة التكسّب بالسرجين النجس لا يفرّق بينه و بين عذرة الإنسان، وأمّا الأدلّة فتدلّ على المنع روايات ثلاث:
1. روى يعقوب بن شعيب، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال: «ثمن العذرة من السحت».(1)
والسند مشتمل على مجهولين : الأوّل علي بن مسكين، والثاني عبد اللّه بن وضاح.
2. ما رواه في «الدعائم»: انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) نهى عن ...وعن بيع العذرة، وقال: هي ميتة.(2) والرواية مرسلة.
3. نعم: في مقابل هاتين الروايتين خبر محمد بن مضارب، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «لا بأس ببيع العذرة».(3)
ومحمد بن مضارب لم يوثّق، ولم يرد في حقّه شيء يدلّ على مدحه صريحاً. نعم ربما يقال بوثاقته لأجل رواية صفوان وابن مسكان عنه، على القول بأنّ صفوان لا يروي إلاّ عن ثقة، وقد أوضحنا حاله في أبحاثنا الرجالية.
ثمّ إنّ هنا رواية رابعة موثّقة قد جمعت مضمون كلتا الطائفتين من الروايات وهي موثّقة سماعة:«عن مسمع بن أبي مسمع، عن سماعة بن مهران قال: سأل

(1) الوسائل:12/126، الباب40 من أبواب ما يكتسب به، الحديث1.
(2) المستدرك:13/71، الباب5 من أبواب ما يكتسب به، الحديث5.
(3) الوسائل: 12/126، الباب40 من أبواب ما يكتسب به، الحديث3، رواه الشيخ في التهذيب:6/372، الحديث 200، وفي الاستبصار:3/56، والسند في الكتابين هكذا: أحمد بن محمد، عن الحجّال، عن ثعلبة، عن محمد بن مضارب، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لا بأس ببيع العذرة».
والنسخ متّفقة على ضبط (مضارب) بالضاد المعجمة،غير انّ المحقّق الأردبيلي احتمل في شرح الإرشاد كتاب البيع: ص 5 انّه بالصاد المهملة والدال.

صفحه 62
رجل أبا عبد اللّه (عليه السلام) وأنا حاضر فقال: إنّي رجل أبيع العذرة فما تقول؟ قال: «حرام بيعها وثمنها».
وقال: لا بأس ببيع العذرة.(1)
والظاهر انّ الرواية الأخيرة من جمع الراوي بين الروايتين لا من الإمام (عليه السلام) ، ويدلّ على ذلك أنّه قال: وقال: «لا بأس ببيع العذرة»، ولو كان الجمع من الإمام (عليه السلام) لكان اللازم أن يقول: فقال: «لا بأس ببيع العذرة».
وعلى هذا فلا يمكن الاحتجاج بالموثّقة ، فلابدّأن نركّز البحث في ما تقدّم من الروايات الثلاث فنقول:
قد اختلفت الأنظار في الجمع بين الروايات بوجوه:
الأوّل: الرجوع إلى القواعد العلاجية، وهو يقتضي الأخذ بما دلّ على التحريم وطرح ما يدلّ على الجواز، لأنّ النسبة بين الروايتين نسبة التباين، وهو مورد الأخبار العلاجية، وبما انّ ما يدلّ على التحريم موافق للمشهور، والثاني مخالف له يؤخذ به دون الثاني، أضف إلى ذلك انّ ما يدلّ على الجواز غير حائز لشرائط الحجية، وهذا هو الحقّ، ويظهر وجهه بعد إبطال الوجوه الآتية.(2)
الثاني: الجمع بينهما بحمل الأوّل على عذرة الإنسان، والثاني على عذرة البهائم، وعلّل بأنّ الأوّل نصّ في عذرة الإنسان ظاهر في غيرها بعكس الخبر

(1) الوسائل: 12/126، الباب40 من أبواب ما يكتسب به، الحديث2، وما في نسخة الوسائل: (مسمع عن أبي مسمع) تصحيف لأنّ في الاستبصار(ج3، ص 56) مسمع بن أبي مسمع، مضافاً إلى أنّه ليس في الرجال أبو مسمع، ولعلّ كلمة «عن» تصحيف كلمة «ابن»، والظاهر انّ مسمع ثقة، لما روى الكشي عن علي بن حسن بن فضّال: انّه ثقة، مضافاً إلى اعتماد مثل صفوان عليه.
(2) ولعلّ النهي عن بيعها: لأجل انّ فيه نحو مهانة وذلّة للمؤمن فلم يرض له هذه الدناءة فحرم بيعها تكليفاً.

صفحه 63
الثاني، ويطرح ظاهر كلّ منهما بنصّ الآخر، واستقرب الشيخ الأعظم (قدس سره) هذا الجمع برواية سماعة، التي عرفتها، قائلاً بأنّ الجمع بين الحكمين في كلام واحد لمخاطب واحد يدلّ على أنّ تعارض الأوّلين ليس إلاّ من حيث الدلالة، فلا يرجع فيه إلى المرجّحات السندية أو الخارجية.(1)
يلاحظ عليه: أنّه كيف يكون اللفظ الواحد في رواية نصّاً في معنى وظاهراً في آخر، وفي الرواية الأُخرى على العكس، مع تجرّد كل واحد عن الاحتفاف بالقرائن الصارفة؟ أضف إلى ذلك ما سيوافيك من أنّ«العذرة» لا تستعمل إلاّفي «عذرة الإنسان»، ولا تستعمل في غيرها إلاّ بدليل، وما استقربه برواية سماعة غير تام، لأنّه إنّما يكون دليلاً لو كان الجمع من الإمام (عليه السلام) لا من الراوي، وقد عرفت أنّ الجمع من الثاني كما يشعر به قوله «وقال» مكان «فقال».
والظاهر أنّ سماعة بن مهران سمع الحديثين من الإمام (عليه السلام) في مجلسين مختلفين، وجمع بينهما في كلامه، وفصل بين الحديثين بلفظ (وقال) وأعاد ذكر العذرة بالاسم الظاهر مشعراً بأنّه سمع كلا الحديثين من الإمام (عليه السلام) .
الثالث: حمل خبر المنع على بلاد لا ينتفع بها لعدم المالية، وحمل خبر الجواز على ما ينتفع بها.
يلاحظ عليه: أنّه جمع تبرعي، لو صحّ، لصحّ الجمع بأنحاء أُخر أيضاً من حمل خبر المنع على بيع العذرة مجرّدة عن التراب، وخبر الجواز على المخلوطة به، إلى غير ذلك من الوجوه التبرعية.
الرابع: حمل خبر المنع على التقيّة.
يلاحظ عليه: أنّ العامّة لم يستقر رأيهم على شيء واحد، ويظهر ذلك بما ذكره

(1) المكاسب:3.

صفحه 64
ابن رشد القرطبي في «بداية المجتهد» حيث قال: وأمّا القسم الثاني وهي النجاسات التي تدعو الضرورة لاستعمالها كالرجيع والزبل الذي يتخذ في البساتين، واختلف في بيعها في المذهب، فقيل بمنعها مطلقاً، وقيل بإجازتها مطلقاً، وقيل بالفرق بين العذرة والزبل، أعني إباحة الزبل ومنع العذرة.(1)
وقال في «الفقه على المذاهب الأربعة»: لا ينعقد بيع العذرة، فإذا باعها كان البيع باطلاً، إلاّ إذا خلطها بالتراب فانّه يجوز بيعها إذا كانت لها قيمة مالية كأن صارت «سباخاً».(2)
وما استثناه هو القول الثالث في «بداية المجتهد»، وليس بموضع وفاق للجميع.وقد مرّ كلام ابن قدامة وصرّح انّ المسألة خلافية.
ثمّ إنّ الشيخ نقل في «الخلاف» انّ أبا حنيفة يجوّز بيع السراجين، وانّ الشافعي لا يجوّز بيعها، وأضاف(قدس سره) كلمة: ولم يفصّلا.(3)
وهذه الكلمة تشير بأنّ المجوّز والمحرّم لم يفصّلا في السراجين بين الطاهر والنجس، وعلى هذا فليس الحكم بالمنع فتوى مشهورة بين العامّة حتّى يحمل دليل المنع على التقية، كما أنّ الظاهر انّ لفظ «السراجين» في عبارة «الخلاف» يعمّ عذرة الإنسان ورجيعه، ولأجل ذلك لم يعنونها مستقلة، وإن كان الاستعمال الرائج على خلافه.(4)
الخامس: ما احتمله الفقيه السبزواري من حمل رواية المنع على الكراهة

(1) بداية المجتهد:2/125.
(2) الفقه على المذاهب الأربعة:2/232.
(3) لاحظ الخلاف:2/82.
(4) ويدلّ عليه قوله في «المبسوط»: إنّ سرجين ما لايؤكل لحمه وعذرة الإنسان، وخرء الكلب لا يجوز بيعها. لاحظ المبسوط:2/167.

صفحه 65
ورواية الجواز على الترخيص المطلق، واستبعده الشيخ الأعظم، ووجهه بأنّ استعمال لفظ السحت في الكراهة بعيد جداً، ومع ذلك استعمل فيها; كما عن بعض المحقّقين في عدّة من الروايات:
منها: ما رواه سماعة قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «السحت أنواع كثيرة، منها كسب الحجّام إذا شارط، وأجر الزانية، وثمن الخمر، وأمّا الرشا في الحكم فهو الكفر باللّه العظيم».(1)
ومنها: ما رواه سماعة أيضاً قال: قال: «السحت أنواع كثيرة منها كسب الحجّام وأجر الزانية، وثمن الخمر».(2)
والظاهر وحدة الروايتين لا تعدّدهما لوحدة المروي عنه ـ أعني: سماعة ـ ووحدة المتن ـ تقريباً ـ غير أنّ الأوّل اشتمل على الجملة الشرطية دون الأخير.
ومنها: ما رواه الصدوق (قدس سره) في «عيون الأخبار» عن الرضا (عليه السلام) ، عن آبائه عن علي (عليهم السلام) في قوله تعالى : (أكّالون للسحت)قال: «هو الرجل يقضي لأخيه الحاجة، ثمّ يقبل هديته».(3)
ومنها: ما في المستدرك نقلاً عن ابن عباس في تفسير قوله: (أَكّالون للسحت)(4) قال: «أُجرة المعلّمين الذين يشارطون في تعليم القرآن».(5)
ومنها: ما في «المستدرك» نقلاً عن «الجعفريات»، عن علي بن أبي طالب(عليه السلام) قال: «من السحت ثمن الميتة، وثمن اللقاح، ومهر البغي، وكسب الحجّام ،

(1) الوسائل:12/62، الباب5 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 2.
(2) الوسائل: 12/63ـ64، الباب5 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 6ـ 11.
(3) الوسائل: 12/63ـ64، الباب5 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 6ـ 11.
(4) المائدة:42.
(5) المستدرك: 13/116، الباب 26 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 2.

صفحه 66
وأجر الكاهن، وأجر القفيز، وأجر الفرطون، والميزان، إلاّ قفيزاً يكيله صاحبه، أو ميزاناً يزن به صاحبه، وثمن الشطرنج، وثمن النرد، وثمن القرد، وجلود السباع، وجلود الميتة قبل أن تدبغ، وثمن الكلب، وأجر الشرطي الذي لا يعديك إلاّ بأجر، وأجر صاحب السجن، وأجر القائف، وثمن الخنزير، وأجر القاضي، وأجر الساحر، وأجر الحاسب بين القوم لا يحسب لهم إلاّ بأجر، وأجر القارئ الذي لا يقرأ القرآن إلاّبأجر، ولا بأس أن يجري له من بيت المال، والهدية يلتمس أفضل منها، وذلك قوله تعالى:(وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثر)(1) وهو قوله تعالى: (وَما آتَيْتُمْ مِنْ رباً ليربُوا فِي أَمْوال النّاس فَلا يَربُوا عِنْدَ اللّه) (2) وهي الهدية يطلب منها من تراث الدنيا أكثر منها، والرشوة في الحكم، وعسب الفحل، ولا بأس أن يهدي له العلف، وأجر القاضي، إلاّقاضي يجري عليه من بيت المال، وأجر المؤذن إلاّ مؤذن يجري عليه من بيت المال».(3)
فقد استعمل في هذه الروايات كلمة «السحت» في التكسّب المكروه ـ أعني: كسب الحجّام، وأخذ الهدية بعد قضاء حاجة الأخ، وأخذ الأُجرة على تعليم القرآن ـ فانّ التكسّب في هذه الموارد مكروه بالاتّفاق.
أضف إلى ذلك انّه قد نصّ بعض أهل اللغة استعماله في المكروه، قال ابن منظور في «لسان العرب»: ويرد في الكلام على المكروه مرّة و على الحرام أُخرى، ويستدلّ عليه بالقرائن، وقد تكرّر في الحديث.(4)
قلت: إنّ لفظ السحت حسب ما يستفاد من كثير من المعاجم كـ«المصباح المنير»و «القاموس»، و«مجمع البحرين» ـ وحتى نفس «لسان العرب» ـ نصّ في

(1) المدثر:6.
(2) الروم:39.
(3) المستدرك: 13/69، الباب5 من أبواب ما يكتسب به، الحديث1.
(4) لسان العرب:2/42 ط ـ بيروت.

صفحه 67
الحرام، وماخبث من المكاسب، ولا يحل أكله ولا كسبه، إلى غير ذلك من نظائر هذه الكلمات.
وقال في «لسان العرب» السحت: كلّ حرام قبيح الذكر، وقيل: هو ما خبث من المكاسب وحرم فلزم عنه العار، وقبيح الذكر كثمن الكلب والخمر والخنزير، إلى آخر ما أفاده، وقد استعمل في الروايات في الغلول وأُجور الفواجر وثمن الخمر والنبيذ والمسكر والربا والرشاء وثمن الكلب وأجر الكاهن وثمن الميتة، وكلّ ذلك يؤيّد كون المتبادر من السحت هو الحرام وما خبث من المكاسب، فلا يصحّ العدول عن هذا النصّ أو الظهور إلى غيره إلاّ بدليل قاطع.
وأمّا الروايات المستدلّ بها، فكلّها ضعاف لا يصحّ الاستدلال بها.
أمّا الأُولى: فلوجود «الجاموراني» في السند.(1)
فإن قلت: إنّ الاستدلال بالحديث لا يتوقّف على صحّة الرواية،بل يكفي صحّة استعمال السحت في المكروه إذا كان المستعمل عربياً يصحّ الاحتجاج بكلامه، والحديث وإن كان موضوعاً يكفي في الاحتجاج به على المطلوب.
قلت: إنّ الاستدلال بالحديث إنّما هو بمناط أنّ الإمام (عليه السلام) استعمل لفظ السحت في المكروه من الاكتسابات ـ أعني: أُجرة الحجّام ـ فانّها مكروهة بحكم الاتّفاق والروايات الواردة فيها.(2) فبملاحظة هذه الروايات يحكم انّ الإمام

(1) هو محمد بن أحمد أبو عبد اللّه الجاموراني، عدّه الشيخ (قدس سره) في باب الكنى ممّن لم يرو عنهم (عليهم السلام) ، وقال النجاشي: أبو عبد اللّه الجاموراني، ابن بطة، عن البرقي، عن أبي عبد اللّه الجاموراني بكتابه. انتهى. وقال ابن الغضائري: ضعّفه القميّون واستثنوه من كتاب «نوادر الحكمة». وضعّفه العلاّمة في «الخلاصة». لاحظ تنقيح المقال:3/24فصل الكنى باب العين.
(2) الوسائل: 12/71، الباب9 من أبواب ما يكتسب به، فقد وردت أحاديث كثيرة دلّت على جواز التكسّب بها.

صفحه 68
استعمل لفظ السحت في المكروه، فلو لم تصحّ نسبة الحديث إلى الإمام (عليه السلام) لما أمكن إثبات كون المراد من السحت في المقام هو الكراهة، لأنّه لو ثبت سند الحديث أمكن القول بأنّهم (عليهم السلام)استعملوا السحت في هذه الرواية في الكراهة بقرينة حكمهم بالكراهة فيها في سائر الروايات، وأمّا إذا لم يثبت واحتملنا الوضع والكذب، فلا دليل على أنّ الراوي استعمله في الكراهة إذ من المحتمل أنّ الراوي استعمله في الحرام.
وأمّا الثانية : فضعيفة بعثمان بن عيسى الذي ضعّفه العلاّمة في «المخلتف»(1) و هو من رؤوس الواقفة الذي امتنع عن دفع ما كان عنده من أموال الإمام الكاظم إلى الإمام الثامن (عليهما السلام) .(2)
وقال النجاشي: كان له ـ يعني الرضا (عليه السلام) ـ في يده مال فمنعه، فسخط عليه، قال: ثمّ تاب وبعث إليه بالمال، وكان يروي عن أبي حمزة.(3) فالاحتجاج بقوله في مثل هذه المسألة مشكل، نعم ذكر الشيخ عمل الطائفة برواياته، وأمّا كونه من رجال كامل الزيارات وتفسير القمي، فليس بشيء لما حقّقناه في محله من اختصاص التوثيق بمشايخه الذين يروي عنهم ابن قولويه بلا وساطة، لا كلّ من ورد اسمه في الاسناد، وأمّا تفسير القمي، فلم يثبت اسناد الموجود إلى علي بن إبراهيم.فلاحظ أبحاثنا في الرجال، فلم يبق إلاّ قول الشيخ في «العدّة»: عمل الطائفة برواياته لأجل كونه موثوقاً به ومتحرجاً عن الكذب. وتبعه ابن شهراشوب فعدّه من ثقات أبي إبراهيم موسى بن جعفر (عليه السلام) .(4)

(1) لاحظ المختلف:1/183و 428 ولاحظ ترجمته في معجم رجال الحديث:11/ 126ـ 127.
(2) لاحظ رجال الكشي الرقم 264.
(3) رجال النجاشي برقم 817.
(4) لاحظ المناقب :4/350، باب إمامة أبي إبراهيم.

صفحه 69
نعم: يحتمل كونه من أصحاب الإجماع لما ذكره الكشي من أنّه ذكر بعضهم مكان فضالة بن أيوب(عثمان بن عيسى) ولكنّه غير ثابت، ونسبه الكشي إلى القيل وهو مشعر بضعفه.
وأمّا الثالثة: فانّ قوله سبحانه: (أَكّالون للسحت) فهو راجع إلى علماء اليهود الذين كانوا يحكمون بغير ما أنزل اللّه، فلو قلنا بالرواية لزم عدم انطباق الآية على موردها، فانّ عمل اليهود وحكمهم بغير ما أنزل اللّه وجلب الأموال من ذلك كان سحتاً محرّماً قطعاً، واحتمال استعماله في الجامع بين المكروه والحرام احتمال لا يتبادر إلى الذهن.
ومن المحتمل انّ السحت في نفس الرواية مستعمل في المحرّم، لاحتمال أن يكون المراد من قضاء الحاجة، هو فصل الخصومة بالحقّ، بحيث كان إهداء الهدية أمراً مفروضاً بين الحاكم والمشتكي، ولا شكّ انّ الهدية بهذه الصورة محرّمة كما سيوافيك.
وبالجملة: لا يمكن الجمع بحمل السحت على الكراهة بهذه الروايات، وقد عرفت ما هو المتبادر منه عند أهل اللغة.
السادس: الجمع بين الحديثين بحمل الأوّل على الحكم الوضعي مشعراً ببطلان المعاملة، والثاني على الحكم التكليفي بمعنى انّ بيع العذرة ليس كبيع الخمر حتّى يكون نفس العمل محرّماً; ولا يخفى انّ هذا الجمع تبرعي أيضاً.
والحقّ في المقام هو: انّ المورد من قبيل المتعارضين، ويجب الأخذ برواية التحريم فقط لكونها موافقة للشهرة الفتوائية، وقد أوضحنا في محلّه انّ المرجع عند معارضة ما هو موافق للمشهور مع ما هو مخالف له هو الأخذ بالرواية المطابقة لفتوى المشهور.
أضف إلى ذلك أنّه مؤيّد بالعمومات المتقدّمة، وبذلك يعلم ضعف ما

صفحه 70
أفاده المحقّق الإيرواني (رحمه الله) حيث قال: المتعيّن في مقام العمل طرح روايات المنع، أمّا رواية سماعة فبالإجمال، وأمّا رواية يعقوب فبضعف السند، مضافاً إلى الابتلاء بالمعارض، والمرجع عموم (أَوفُوا بِالعُقُود)(1) و (أَحلّ اللّهُ البيعُ)(2) و (تِجارَة عَنْ تَراض)(3) وقوله في رواية «التحف»: «وكلّ شيء يكون لهم فيه الصلاح من جهة من الجهات».(4)
أقول: إنّ ما ذكره مبنيّ على حجية الخبر الشاذ ـ أعني: خبر محمد بن مضارب ـ و عندئذ يتعارضان ويتساقطان فيرجع إلى العمومات; غير انّ التحقيق خلافه، وقد أوضحنا في مبحث التعادل والترجيح انّ نفس الشهرة الفتوائية بين القدماء حجّة لا يعدل عنها، وعلى ذلك جرت سيرة أصحاب الأئمّة(عليهم السلام) ، كما أثبتنا في محلّه من أنّ الخبر الشاذ ليس بحجّة، وأنّ تعارض الخبر الموافق للمشهور مع الخبر الشاذ ليس من قبيل تعارض الحجّة مع الحجة، بل من قبيل تعارض الحجّة مع اللا حجة، وعند ذلك يتعيّن العمل بموافق المشهور ولا تصل النوبة إلى التعارض.
وأمّا نفس العذرة فالظاهر انّه يتبادر منها عذرة الإنسان ورجيعه فلا تعمّ غيره إلاّ بالقرينة، وفسره ابن منظور في لسانه بـ«غائط الإنسان» وقال: الغائط هو السلح; وفي حديث ابن عمر: انّه كره السلت الذي يزرع بالعذرة، يريد الغائط الذي يلقيه الإنسان.
وحكي انّ معناها الأصلي هو فناء البيت، وسمّيت عذرات الناس بها، لأنّها تلقى بالأفنية.(5)

(1) المائدة:1.
(2) البقرة:275.
(3) النساء:29.
(4) تعليقة المحقّق الإيرواني:4.
(5) لسان العرب:4/554.

صفحه 71
وقال في «المقاييس»: العذرة : فناء الدار، وفي الحديث: «اليهود أنتن خلق اللّه عذرة» أي فناء. ثمّ سمّي الحدث عذرة لأنّه كان يلقى بأفنية الدور.(1)
وقال في «القاموس»: العاذر، والعاذرة، والعذرة: الغائط.(2) والغائط في اللغة، الأرض المطمئنة الواسعة، يكني به عن العذرة، وهذه التعابير ظاهرة في عذرة الإنسان، لأنّها تلقى في أفنية الدار لإذهابها إلى البساتين، أو هي التي يتخذ لها غائطاً وأرضاً مطمئنة واسعة.
ومع ذلك كلّه فقد ذهب «سيدنا الأُستاذ» ـ دام ظلّه ـ (3) إلى أنّ العذرة هي خرء مطلق الحيوان، واستظهره من بعض اللغويين، وقد عرفت كلمات اللغويين.(4)
وعلى ذلك فتختص الحرمة بعذرة الإنسان، وأمّا سرجين ما لا يؤكل لحمه أو أرواث ما يؤكل فلا تشمله هذه الروايات، بل لابدّ في إثبات الحرمة في ما لا يؤكل من التماس دليل آخر.
ثمّ إنّه ربّما يؤيد الجواز ـ أي جواز البيع ـ بما رواه «المفضل» عن الإمام

(1) المقاييس:4/257.
(2) القاموس المحيط:2/123، مادة «العذر».
(3) المراد «الإمام الخميني(قدس سره) » وكان في الظروف التي يلقي الأُستاذ هذه المحاضرات حياً يرزق وقد لبى دعوة ربّه بعد سنين، أي في ليلة التاسعة والعشرين من شهر شوال المكرم من شهور عام 1409هـ. ق، فقد أحزن موته عالماً، وأسرّ عالماً آخر، كما هو القانون الكلي في موت الأولياء فالمؤمنون يحزنون والكفّار يفرحون، وقد كان (قدس سره) من الرجال القلائل الذين يضن بهم الدهر إلاّ في فترات قليلة.
سلام اللّه عليه يوم ولد، ويوم مات، ويوم يبعث حياً. المؤلف.
(4) نعم ورد في صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع ما يشعر بصحّة إطلاقها على خرء الحيوانات حيث قال: أو يسقط فيها شيء من عذرة كالبعرة ونحوها. الوسائل: 1/130، الباب14 من أبواب الماء المطلق ، الحديث 21.

صفحه 72
الصادق (عليه السلام) : حيث قال (عليه السلام) : «ربما كان الخسيس في سوق المكتسب نفيساً في سوق العلم، فلا تستصغر العبرة في الشيء لصغر قيمته، فلو فطنوا طالبو الكيمياء لما في العذرة لاشتروها بأنفس الأثمان وغالوا بها ».(1)
مستدلاً بأنّه لو كان التكسّب بالعذرة حراماً لما صدر منه (عليه السلام) هذا الكلام ولو في مقام بيان خواص الأشياء إذ فيه ترغيب على بيع العذرة، ولو كان حراماً لما صدر منه ترغيب.
ولكن الحديث ضعيف لأجل محمد بن سنان، ودلالة الحديث ليس بقوي لا يخرج عن حدّ الإشعار، ولا يمكن الاعتمادعليه في مقابل ما دلّ على الحرمة، وغاية ما يمكن أن يقال انّه دالّ على جواز الانتفاع لا غير.

المورد الثالث: التكسّب بسرجين مالا يؤكل لحمه

السرجين والسراجين كالروث والأرواث: وهو رجيع ذي الحافر، من غير فرق بين المأكول وغيره، والكلام في المقام في سرجين غير المأكول. احتج الشيخ على حرمة التكسّب به بأمرين:
الأوّل: الأخبار العامّة.
والثاني: الإجماع المتقدّم من الشيخ في «الخلاف» حيث قال: وأمّا النجس منه فلدلالة إجماع الفرقة، وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «إنّ اللّه تعالى إذا حرّم شيئاً حرّم ثمنه»، وهذا محرّم بالإجماع فوجب أن يكون بيعه محرّماً.
وعن المحقّق الأردبيلي الجواز، وتبعه السبزواري في كفايته، وربما يستظهر من عبارة الشيخ في «الاستبصار» جواز البيع، لحمله دليل المنع عن بيع العذرة

(1) المستدرك: 13/121، الباب33 من أبواب ما يكتسب به، الحديث1.

صفحه 73
على عذرة الإنسان المشعر بجوازه في غير الإنسان، نجسة كانت أو طاهرة.
ولكن الاستظهار غير ثابت، لاحتمال كون ذكر الإنسان من باب المثال.
أقول: يمكن تقريب التحريم بالإجماعات المنقولة عن الأعاظم.
قال الشيخ في «النهاية»: وجميع النجاسات محرّم التصرّف فيها والتكسّب بها على اختلاف أجناسها من سائر أنواع العذرة والأبوال.(1)
وهذه العبارة وإن كانت تعطي حرمة الانتفاع بها أيضاً، لكنّه ـ يجب تأويله لضرورة جواز الانتفاع بعذرة ما لا يؤكل لحمه في الزروع والبساتين، لكنّه لا مناص عن الأخذ بما نقله في التكسّب بها.
وقد تقدّمت عبارة الشيخ في «الخلاف» فلا نعيد.
وقال العلاّمة في «التذكرة»: لا يجوز بيع السرجين النجس إجماعاً منّا، وبه قال مالك والشافعي وأحمد للإجماع على نجاسته فيحرم بيعه كالميتة، وقال أبوحنيفة: «يجوز لأنّ أهل الأمصار يبايعونه لزروعهم من غير نكير فكان إجماعاً» ونمنع إجماع العلماء ولا عبرة بغيرهم ولأنّه رجيع نجس فلم يصحّ بيعه كرجيع الآدمي. أمّا غير النجس فيحتمل عندي جواز بيعه.(2)
وقال في «المنتهى»: لا يجوز بيع السرجين النجس، وبه قال الشافعي وأحمد. قال أبو حنيفة: يجوز. لنا: انّه مجمع على نجاسته فلم يجز بيعه كالميتة.(3) إلى غير ذلك من الأقوال.
ثمّ إنّ سيدنا الأُستاذ دام ظله قد استشكل في نسبة حكاية الإجماع إلى العلاّمة في «التذكرة» و«المنتهى» قائلاً: لم يدّع الإجماع إلاّعلى نجاسته، واستنتاج عدم بيعه اجتهاد منه.(4)

(1) النهاية:364.
(2) التذكرة:2/470.
(3) المنتهى:2/1008.
(4) المكاسب المحرمة:1/42.

صفحه 74
وما ذكره ـ دام ظلّه ـ غير تام في ما نقلناه عن «التذكرة» لأنّه بحكم «واو العطف» استدلّ بوجهين: الأوّل: الإجماع، والثاني: انّه رجيع نجس فلا يصحّ بيعه كرجيع الآدمي; والظاهر انّ الاستدلال الثاني لأجل إلزام الخصم، لعدم اعتماده على إجماع الشيعة.
نعم يجري ما ذكره من الاحتمال في عبارة «المنتهى» فلاحظ.
ثمّ إنّ هذه الإجماعات المنقولة لو تمّت لكفت في حرمة التكسّب تكليفاً ووضعاً، وإلاّ فلو ثبتت ماليتها فالإطلاقات محكمة. ولا يضر عدم معهودية بيع رجيع الكلب والسنور، بل تكفي المالية وإن لم تكن المعهودية.
نعم يظهر من خبر أبي يزيد القسمي، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) وجود الانتفاع بخرء الكلب، حيث سئل عن جلود الدارش التي يتّخذ منها الخفاف قال: فقال (عليه السلام) : «لا تصلّ فيها، فانّها تدبغ بخرء الكلاب».(1)
المورد الرابع: التكسّب بالأرواث الطاهرة
لا شكّ في جواز التكسّب بالأرواث الطاهرة، للسيرة المستمرة بين المسلمين، بل العقلاء عامة، وقد حكاه الشيخ (قدس سره)في«الخلاف» وتشمله الإطلاقات.
نعم، حكي عن المفيد و سلاّر المنع، مستدلّين بقوله سبحانه في إطراء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائث) (2) قائلين بأنّ إطلاقها يشمل بيعها، مضافاً إلى النبوي: «انّ اللّه إذاحرّم شيئاً حرّم ثمنه».

(1) الوسائل: 2/1091، الباب 71 من أبواب النجاسات، الحديث1.
(2) الأعراف:157.

صفحه 75
وأجاب الشيخ الأعظم عن الأوّل: بأنّ المراد من تحريم الخبائث تحريم أكلها.
يلاحظ عليه: أنّه يستلزم حينئذ اختصاص الطيّبات في الآية بالمأكول منها مع أنّها أعمّ لكلّ فائدة محلّلة، قال سبحانه: (وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمّا يَقُولُون) (1) وعلى ذلك فلا يختص الطيب والخبيث بالمأكول.
وقال في «لسان العرب»: الخبيث ضد الطيب من الرزق، والولد، والناس. ويستعمل في الكفر والشيطان.(2)
ومع ذلك كلّه ـ أي مع الاعتراف بعموميتهما للمأكول وغيره ـ لا يصحّ الاستدلال بالآية على التحريم، لأنّ المراد تحليل كلّ طيب في الجهة التي تستطاب، وتحريم كلّ خبيث في الجهة التي تخبث، وعندئذ فيمكن أن يكون في كلّ طيب وخبيث جهتان، ويكون المراد تحليل الطيّب في الجهة التي تستطاب، وتحريم الخبيث في الجهة التي تخبث، ومن المعلوم انّ جهة الخبث في الأرواث أكلها لا التكسّب بها للاستفادة بها في المخابز والمطابخ.
وأمّا النبوي: فلو قلنا بوجود لفظ «الأكل» فيه فهو لا يشمل إلاّ ما هو معد للأكل خلقة، ولا يشمل الروث أبداً، وإن لم نقل بذلك فهو لا يشمل إلاّ ما إذا حَرُم جميع منافع الشيء، أو منافعه الظاهرة، والأرواث الطاهرة ليست من هذا القبيل، فإذا كانت لها مالية عرفية فالإطلاقات، بل العمومات محكمة.

(1) النور:26.
(2) لسان العرب:2/141.

صفحه 76

المسألة الثالثة

التكسّب بالدم

قال الشيخ الأعظم: تحرم المعاوضة على الدم بلا خلاف.
وقال في «النهاية»: وبيع الميتة والدم ولحم الخنزير وما أُهلّ لغير اللّه به والتصرّف فيه والتكسّب به حرام محظور.(1)
وقال في «المبسوط»: وإن كان نجس العين مثل الكلب والخنزير، والفأرة والخمر والدم وما توالد منهم وجميع المسوخ، وما توالد من ذلك أو من أحدهما فلا يجوز بيعه.(2)
وقال في «المراسم»: ولحم الخنزير وشحمه والدم والعذرة والأبوال ببيع وغيره حرام.(3)
وقال في «التذكرة»: والدم كلّه نجس، وكذا ما ليس بنجس منه كدم غير ذي النفس السائلة، لاستخباثه.(4)

(1) النهاية:364.
(2) المبسوط:2/65.
(3) المراسم:170.
(4) التذكرة:10/35، المسألة13، فصل في العوضين.

صفحه 77
قال ابن قدامة: ولا يجوز بيع الخنزير ولا الميتة ولا الدم. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على القول به، وأجمعوا على تحريم الميتة والخمر.(1)
ثمّ إنّ الدليل على حرمة التكسّب به هو الشهرة الفتوائية بين المسلمين كما عرفت، وهي كافية.
وأمّا الأخبار العامّة فقد عرفت عدم صحّة الاستدلال بها، لأنّها لم تثبت سنداً ولم يثبت استناد العلماء إليها إلاّفي النبوي، وإذا كان الدليل هو الشهرة الفتوائية فيصحّ الفرق بين النجس والطاهر بكونها مختصة بالدم النجس دون الطاهر.
وما أفاده المحقّق الخوئي: من اشتراك الدمين في حرمة الأوّل(التكسّب) وجواز الانتفاع بهما منفعة محلّلة كالصبغ والتسميد، وأمّا النجاسة فقد عرفت مـراراً أنّه لا موضوعية لها، فلا تكون فارقـة بين الدمين، والأخبار السابقة لو تمّت لدلّت على حرمة بيعها(2)، غيـر تام، لأنّ الفارق هو الشهـرة الفتوائية المختصة بالنجس دون الطاهر، فيحل بيع الدم الطاهر ويصحّ إذا كان ذا منفعة مصحّحة لأن يعد مالاً.
هذا مفاد القاعدة الأوّلية، إلاّ أنّ الظاهر من مرفوعة أبي يحيى الواسطي هو حرمة بيع الدم مطلقاً تكليفاً، طاهراً كان أو نجساً، لأنّ مورد الرواية هو الطاهر، فتثبت في الثاني بطريق أولى، حيث قال: مرّ أمير المؤمنين (عليه السلام) بالقصّابين فنهاهم عن بيع سبعة أشياء من الشاة: نهاهم عن بيع الدم، والغدد، وآذان الفؤاد، والطحال، والنخاع، والخصى، والقضيب.(3)

(1) المغني:4/229.
(2) مصباح الفقاهة:1/54.
(3) الوسائل: 16/359، الباب31 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث2.

صفحه 78
والدليل على أنّ المراد هو الدم الطاهر هو كون الخطاب متوجهاً إلى القصّابين الذين فرغوا عن ذبح الحيوان وجاءوا بلحمه إلى السوق، والدم المتخلّف فيه، طاهر.
اللّهمّ إلاّ أن يقال: انّ الدم المتخلّف في الحيوان قليل، فلا يمكن أن يكون النهي لغاية بيعها، بل المراد هو الدم المسفوح الذي تقدفه العروق عند الذبح ولم يكن هناك دليل على أنّ الذبح كان في مكان، والبيع في مكان آخر، بل كانا في مكان واحد، وكان الدم يباع كما تباع اللحوم فنهى الإمام عن بيعها.
وعلى أيّ تقدير، أنّ النهي عن البيع في هذه الرواية لا يشمل إلاّ البيع لهذه الغاية دون غيرها، لأنّ الروايات الواردة في النهي عن أكله حاكية عن جريان العادة على أكل الدم، وقد ورد في ذلك روايتان:
1. روى إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «حرم من الشاة سبعة أشياء: الدم، والخصيتان، والقضيب، والمثانة، والغدد، والطحال، والمرارة».(1)
2. روى ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لا يؤكل من الشاة عشرة أشياء: الفرث، والدم، والطحال، والنخاع، والعلبا، والغدد، والقضيب، والأُنثيان، والحيا، والمرارة».(2)
وكون النهي وارداً في موضع تلك السيرة الحاكمة يصدّنا عن القول بعمومية مفاد مرفوعة الواسطي، وعلى ذلك ـ أي انحصار الحرمة ببيع الدم لغاية الأكل ـ

(1) الوسائل: 16/359، الباب31 من أبواب الأطعمة المحرّمة، الحديث1.
(2) الـوسـائل:16/360، الباب31 مـن أبـواب الأطعمة المحرّمـة، الحديث4، ولاحظ الأحاديث3، 11، 19.

صفحه 79
انّه لو ترتبت عليه منافع أُخر، كالتسميد والصبغ ونجاة المجروحين، فلا بأس ببيعه، كيف، وقد صار الدم في الحضارة المعاصرة عنصراً مؤثراً في نجاة المصدومين والمجروحين، وصار من الأُمور التي يبذل بازائها الثمن، فلا إشكال في المعاملة عليه إذا كانت الغاية غير الأكل.
أضف إلى ذلك قوله في رواية «تحف العقول»: «كلّ شيء يكون لهم فيه الصلاح» فهو يدلّ على صحّة المعاملة.
نعم: يعارضه قوله: «أو شيء من وجوه النجس»، ولكن تقدّم أنّه معرض عنه، فلابدّ فيه من التصرّف بنحو يخرجه عن الشذوذ.
بقي الكلام في ضعف رواية الواسطي لكونها مرفوعة، وهو منجبر بعمل المشهور.
ثمّ إنّ المحقّق الإيرواني (رحمه الله) خصّص مرفوعة الواسطي بالدم المسفوح حيث قال: إنّ الظاهر إرادة الدم النجس الذي تقذفه الذبيحة دون الطاهر المتخلف في الذبيحة(1)، غير انّك عرفت عمومية الرواية، لما قلناه من وجود السيرة في تلك الأزمنة على أكل الدم المتخلّف في الذبيحة، وعندئذ تصير الرواية عامّة في النهي عن البيع بالنسبة إلى المسفوح والمتخلّف.
***

(1) تعليقة المحقّق الإيرواني:5.

صفحه 80

المسألة الرابعة

في بيع المني

والكلام يقع في موارد:
الأوّل: بيع المني إذا وقع في خارج الرحم.
الثاني: بيع المني إذا وقع في الرحم.
الثالث: بيع المني في الأصلاب ويسمّى بعسيب الفحل، ومثله إكراؤه لذلك، وسيوافيك معنى العسيب.
أمّا الأوّل فقد استدلّ الشيخ الأعظم على حرمة بيع المني بأمرين:
1. قوله: لنجاسته.
2. قوله: وعدم الانتفاع به حينئذ.
أقول: أمّا النجاسة فليست بمانعة إذا لم تكن سبباً لخروج الشيء عن المالية. وسيوافيك جواز الانتفاع بالميتة فضلاً عن غيرها.
وقد عرفت من «الغنية» انّ شرطية الطهارة لأجل تمكّن الإنسان من الانتفاع بالشيء منفعة محلّلة حيث قال: واحترزنا بقولنا ذلك عمّا يحرم الانتفاع به ويدخل في ذلك كلّ نجس، وسيوافيك في الانتفاع بالميتة ما يفيدك في المقام.
نعم، يظهر من الشيخ الطوسي كون نفس النجاسة مانعة، قال في

صفحه 81
«الخلاف»: بيض ما لا يؤكل لحمه لا يجوز أكله ولا بيعه، وكذلك مني ما لا يؤكل لحمه، وللشافعي فيه وجهان ـ إلى أن قال ـ : فأمّا المني فانّه نجس عندنا، وما كان نجساً لا يجوز بيعه ولا أكله بلا خلاف.(1) هذا كلّه حول الدليل الأوّل.
أمّا الدليل الثاني ـ أعني قوله: وعدم الانتفاع به ـ فإن أراد حرمة الانتفاع فهو ممنوع لما عرفت، وستعرف جواز الانتفاع بالنجس في ما لم يستلزم أمراً حراماً، وإن أراد عدم وجود المنفعة للمني حينئذ ، فهو بحث موضوعي، فلو فرض إمكان الانتفاع به بالآلات الصناعيّة فلا مانع من بيعه، وإن كان تحقّقه نادراً.
أمّا المورد الثاني: فعلّله الشيخ بعدم الانتفاع بالنسبة إلى صاحب المني، لأنّ الولد نماء الأُمّ في الحيوانات عرفاً، وليس كالبذر المغروس في الأرض حتّى يكون النماء لصاحب البذر، وعندئذ إذا دخل المني في الرحم يصير جزءاً من الحيوان، ويكون ملكاً لمالكه.
وربّما يعلّل بالنجاسة، لكنّه غير تام، لأنّه من قبيل ما دخل من الباطن إلى الباطن، ومثله لا يوصف بالنجاسة.
ثمّ إنّ المحقّق الخوئي ـ دام ظله ـ نسب إلى العلاّمة فساد البيع وانّه قال في «التذكرة»: لا نعرف خلافاً في فساد بيع الملاقيح للجهالة، وعدم القدرة على التسليم.
ثمّ أورد عليه: بأنّ كلاً من الجهالة وعدم القدرة على التسليم لا تكونان مانعين عن بيع الملاقيح، لأنّها لا تختلف قيمتها باختلاف الكم والكيف، وانّ تسليم كلّ شيء بحسب حاله، وهو في المني وقوعه في الرحم، وهو حاصل على

(1) الخلاف:2/73، المسألة:270.

صفحه 82
الفرض.(1)
والظاهر: انّ مراد العلاّمة من الملاقيح هنا هو الجنين، وإليك نقل عبارته: لا يجوز بيع الملاقيح، وهي ما في بطون الأُمّهات، ولا المضامين، وهي ما في أصلاب الفحول...ولا نعرف خلافاً بين العلماء في فساد هذين البيعين للجهالة وعدم القدرة على التسليم، لأنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) نهى عن بيع الملاقيح والمضامين، ولا خلاف فيه.
ثمّ قال: تذنيب: لو باع الحمل مع أُمّه جاز إجماعاً، سواءً كان في الآدمي أو غيره.(2) فانّ ما ذكره في «التذنيب» خير شاهد على أنّ المراد من الملاقيح في بطون الأُمّهات هي الأحمال.
نعم: عنون العلاّمة ـ في المسألة الآتية ـ بيع عسيب الفحل، وعلّل عدم جوازه بأنّه غير متقوّم ولا معلوم ولا مقدور عليه، وهو المورد الثالث الذي نبحث عنه.
ويؤيد ما ذكرنا من أنّ مراده من الملاقيح هو الجنين، ما في الكتب الفقهية للعامّة.
قال ابن قدامة في «المغني»: مسألة وكذلك بيع الحمل غير أُمّه، واللبن في الضرع. ثمّ شرحه بقوله: بيع الحمل في البطن دون الأُمّ، ولا خلاف في فساده قال ابن المنذر: وقد أجمعوا على أنّ بيع الملاقيح والمضامين غير جائز، وانّما لم يجز بيع الحمل في البطن لوجهين:
أحدهما: جهالته، فانّه لا تعلم صفته ولا حياته.

(1) مصباح الفقاهة:1/58ـ59.
(2) التذكرة:10/66، المسألة 38، في اشتراط العلم بالعوضين.

صفحه 83
والثاني: انّه غير مقدور على تسليمه...، وقد روى سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)انّه نهى عن بيع المضامين والملاقيح، قال أبو عبيد: الملاقيح ما في البطون، وهي الأجنّة، والمضامين ما في أصلاب الفحول، فكانوا يبيعون الجنين في بطن الناقة، وما يضربه الفحل في عامه، أو في أعوام وأنشد:
انّ المضاميـن التـي فـي الصلب *** ماء الفحول في الظهور الحدب(1)
وأمّا المورد الثالث:
وهو بيع ماء الفحل في الصلب والذي يعبر عنه بـ«بيع عسيب الفحل»، وقد أسماه العلاّمة (قدس سره)في «التذكرة»، وابن قدامة في «المغني» بـ«بيع المضامين».
فنقول: إنّ العسب يطلق على أُمور:
قال في لسان العرب: العسب طرق الفحل: ضرابه، العسب: ماء الفحل، العسب: الولد، العسب: الكراء الذي يؤخذ على ضرب الفحل، وفي الحديث نهى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن عسب الفحل، تقول: عسب فحله يعسبه أي أكراه.(2) فانّ المنهي عنه هو إكراء الفحل.
وعلى كلّ تقدير فيقع الكلام في المقامين: تارة في البيع، وأُخرى في الإجارة.
أمّا بيعه: فقد قال العلاّمة في «التذكرة»: يحرم بيع عسيب الفحل ـ و هو نطفته ـ لأنّه 1. غير متقوّم 2. ولا معلوم 3. ولا مقدور عليه 4. وانّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نهى عنه.(3) وما استدلّ به لا يصلح للاحتجاج:
أمّا الأوّل: ـ أعني عدم المالية ـ فلأنّ الملاك في مالية الشيء كونه ممّا يبذل بازائه الثمن، وعسب الفحل ممّا يبذل بازائه الثمن.

(1) المغني:4/187، وعندئذ يتحد بيع المضامين مع المورد الثالث الذي سنبحث عنه.
(2) لسان العرب:1/598.
(3) التذكرة:1/474.

صفحه 84
وأمّا الثاني : ـ أعني: غير المعلومية والجهالة ـ فلأنّها إنّما تمنع إذا كانت موجبة للغرر، وكون المعاملة محظورة لا يقدم عليها العقلاء، وهي منتفية في المقام، وليست الجهالة في المقام بماهي مانعة، لعدم الفرق بين قلّة النطفة وكثرتها، لأنّ الحمل يتحقّق بجزء صغير منها.
وأمّا الثالث: ـ أعني : كونه غير مقدور ـ فلأنّ تسليم كلّ شيء بحسبه، فهو يتحقّق بعمل الفحل خاصة.
وأمّا الرابع: ـ أعني: ورود النهي عن طريقنا وغيرنا ـ فهو جدير بالبحث فنقول: وردت عدّة روايات نشير إليها:
1. ما رواه في «الخصال» عن أبي عروبة قال: حدثنا أبو الخطاب مسنداً إلى الحسين بن علي (عليهما السلام) : «انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) نهى عن خصال تسعة: عن مهر البغي، وعن عسيب الدابة ـ يعني كسب الفحل ـ وعن خاتم الذهب، وعن ثمن الكلب، وعن مياثر الأرجوان».(1)
2.مرسلة الصدوق: «نهى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) عن عسيب الفحل، وهو أجر الضراب».(2) ويحتمل اتحادها مع ما سبق.
3. وروى في «المستدرك» عن الجعفريات عن علي (عليه السلام) : «من السحت ثمن الميتة، وثمن اللقاح... وعسب الفحل، وجلود السباع».(3)
4. وروى في «دعائم الإسلام»: «انّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) نهى عن بيع الأحرار، وعن

(1) الوسائل:12/64، الباب5 من أبواب ما يكتسب به، الحديث13، وما في الوسائل المطبوع«أبي عدوية» مكان «أبي عروبة» فتصحيف.
(2) الوسائل:12/77، الباب12 من أبواب ما يكتسب به، الحديث3.
(3) المستدرك:13/69، الباب5 من أبواب ما يكتسب به، الحديث1.

صفحه 85
بيع الميتة... وعن عسب الفحل».(1)
5. وروى في «البخاري»،عن النافع، عن ابن عمر قال: نهى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن عسب الفحل.(2)
6. روى البيهقي عن أبي هريرة:نهى عن مهر البغي، وعسب الفحل، وعن ثمن السنور، وعن الكلب، إلاّ كلب صيد.(3)
7. وروى مسلم في صحيحه: نهى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) عن بيع ضراب الجمل، وعن بيع الماء والأرض.(4)
وهذه الروايات مع ضعف أكثرها لا يمكن إنكار صدور مضمونها لتضافرها. وفي مقابلها ما يدلّ على الجواز:
1. صحيحة حنان بن سدير قال: دخلنا على أبي عبد اللّه (عليه السلام) ومعنا فرقد الحجام ـ إلى أن قال ـ : فقال له: جعلني اللّه فداك، إنّ لي تيساً أكريه، فما تقول في كسبه؟ قال: «كل كسبه فانّه لك حلال، والناس يكرهونه». قال حنان: قلت: لأي شيء يكرهونه وهو حلال؟ قال: «لتعيير الناس بعضهم بعضاً».(5)
2. صحيحة معاوية بن عمار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ـ في حديث ـ قال: قلت له: أجر التيوس؟ قال: «إن كانت العرب لتعاير به، و لا بأس».(6)

(1) المستدرك:13/71، الباب5 من أبواب ما يكتسب به، الحديث5.
(2) صحيح البخاري:3/94، كتاب الإجارات، باب عسب الفحل.
(3) السنن الكبرى:6/6.
(4) صحيح مسلم:5/34.
(5) الوسائل:12/77، الباب12 من أبواب ما يكتسب به، الحديث1، والسند صحيح ولا غبار عليه إلاّ من جانب سهل بن زياد، والأمر في سهل سهل. وحنان بن سدير ثقة، وثّقه الشيخ في الفهرست.
(6) الوسائل:12/77، الباب12 من أبواب ما يكتسب به، الحديث2.

صفحه 86
ثمّ إنّ الجمع بين الطائفتين يحصل بأحد أمرين:
الأوّل: حمل الروايات المانعة على الكراهة، لظهور النهي في الحرمة، فيترك الظهور لأجل نصوصية الصحيحتين الدالّتين على الجواز.
ويؤيد ذلك اشتمال رواية الجعفريات على ما ليس بمحرّم كبيع جلود السباع، وأجر القارئ، كما اشتملت رواية «الخصال» على ما ليس بمحرّم قطعاً كلبس ثياب تنسج بالشام مع عدم ثبوت حرمته.
الثاني: حمل الروايات الناهية على صورة البيع، لاشتمال قسم منها على لفظ البيع كرواية «ابن عمر » و «جابر»في صحيحي البخاري ومسلم، على ما عرفت، وحمل الروايات المجوزة على صورة الكراء والإجارة، بل موردها هو الكراء والإجارة ولا يتجاوز إلى غيرها، هذا كلّه في بيعه.
وأمّا إجارته فذهب الشيخ في «الخلاف» إلى جواز الإجارة، مع ترك التعرّض لصورة البيع، حيث قال: إجارة الفحل للضراب مكروهة وليست بمحظورة وعقد الإجارة عليه غير فاسد، وقال مالك: يجوز ولم يكرهه، وقال أبو حنيفة والشافعي: إنّ الإجارة فاسدة والأُجرة محظورة. دليلنا: انّ الأصل الإباحة، فمن ادّعى الحظر والمنع فعليه الدلالة، فأمّا كراهية ما قلناه فعليه إجماع الفرقة وأخبارهم.(1)
وقال في «المستند»: نهى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) عن عسيب الفحل وهـو أجرة الضـراب، وحمل على التنزيـه، للإجمـاع، ولصحيحة ابن عمار، عـن أجـر التيوس؟ قـال: «إن كـانت العرب لتعاير بـه، ولا بـأس»، وروايـة حنـان المتقـدّمة، والظاهر من هذه الأخبار كراهة أخذ الأجر مطلقاً بجعل

(1) الخلاف:2/73، كتاب البيوع، باب إجارة الفحل للضراب.

صفحه 87
وإجارة، والتخصيص بالأخيرة غير ظاهر.(1)
ثمّ ربما يتوهّم حمل الروايات المانعة على التقية، ولكنّه ليس بمتين لكونه مورد الخلاف عندهم، أضف إلى ذلك أنّ أصحاب الصحاح والسنن رووا روايات النهي.
وقال ابن قدامة في «المغني»: وبيع عسب الفحل غير جائز، وإجارة الفحل للضراب حرام، والعقد فاسد، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وحكي عن مالك جوازه.(2)
وأحسن الجموع حمل النواهي على الكراهة، وإن أبيت فغاية ما يستفاد من النهي هو حرمة التكسّب تكليفاً، وأمّا بطلان المعاملة وضعاً فلا يستفاد منها.
***

(1) المستند:14/59، كتاب المكاسب.
(2) المغني:4/189.

صفحه 88

المسألة الخامسة

التكسّب بالميتة

قال الشيخ الأعظم(قدس سره) : تحرم المعاوضة على الميتة وأجزائها التي تحلّها الحياة من ذي النفس السائلة على المعروف من مذهب الأصحاب.
أقول: الكلام يقع في مقامين:
الأوّل: الانتفاع بالميتة.
الثاني: بيع الميتة.
انّ الشيخ الأعظم (قدس سره) خلط بين المقامين وأوجد ذلك قلقاً في المسألة، فنقول:

المقام الأوّل: الانتفاع بالميتة

فقد اختلفت فيه كلمات الأصحاب، فيظهر من بعضهم حرمة التصرّف والانتفاع، وإليك كلماتهم:
1. قال الشيخ الطوسي (قدس سره) في «النهاية»: وبيع الميتة والدم، ولحم الخنزير، وما أُهلّ لغير اللّه به، والتصرّف فيه، والتكسّب به، حرام محظور.(1) وعطف التكسّب

(1) النهاية:364.

صفحه 89
على التصرّف، دليل على أنّ المراد من التصرّف غير التكسّب ويريد به الانتفاع.
2. قال سلاّر في «المراسم» عند البحث عن التكسّب بالحرام:
والتصرّف في الميتة، ولحم الخنزير، والدم والعذرة، والأبوال، ببيع وغيره، حرام.(1)
3. وقال ابن إدريس بعد نقل صحيحة البزنطي الدالّة على جواز الانتفاع بإليات الغنم ـ وستوافيك الصحيحة عن قريب ـ: لا يلتفت إلى هذا الحديث فانّه من نوادر الأخبار، والإجماع منعقد على تحريم الميتة والتصرّف فيها بكلّ حال، إلاّ أكلها للمضطر.(2)
ونقل في «مفتاح الكرامة»، عن الطبرسي، والبيضاوي، والراوندي في أحد وجهيه، والمرتضى في ظاهر الانتصار، والعلاّمة في التذكرة ونهاية الأحكام ، والمنتهى، والمختلف، وولده في شرح الإرشاد وغيرهم، انّهم استدلّوا على تحريم الانتفاع بالميتة بقوله سبحانه: (حُرّمتعليكُمُ المَيْتَة) (3) قائلين بأنّه يستلزم من إضافة التحريم إلى «الميتة» حرمة جميع المنافع المتعلّقة بها، لأنّ التحريم لا يتعلّق بالأعيان حقيقة فتعيّن المجاز، وأقرب المجازات تحريم جميع وجوه الاستمتاعات والانتفاعات، وحكاه في «كنز العرفان» عن قوم، واحتمله المولى الأردبيلي في «آيات أحكامه».(4)
ويظهر من طائفة جواز الانتفاع، ننقل بعض كلماتهم:
1. قال في «المقنع»: ولا بأس أن تتوضّأ من الماء إذا كان في زق من جلدة

(1) المراسم:170.
(2) السرائر:3/574.
(3) المائدة:3.
(4) مفتاح الكرامة:4/19.

صفحه 90
ميتة، ولا بأس بأن تشربه.(1)
2. وقال الشيخ الطوسي بعد ما نقل حديث زرارة، أعني قوله: قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن جلد الخنزير يجعل ذلك دلواً يستقى به الماء؟ قال: «لا بأس» الوجه انّه لا بأس أن يستقى به، لكن يستعمل ذلك في سقي الدواب والأشجار ونحو ذلك.(2)
3. وقال العلاّمة في «القواعد»: وجلد الميتة لا يطهر بالدباغ، ولو اتّخذ منه حوض لا يتسع الكر نجس الماء فيه، وإن احتمله فهو نجس والماء طاهر، فإن توضأ منه جاز ان كان الباقي كرّاً فصاعداً.(3)
4. ونقل في «مفتاح الكرامة» عن جمّ غفير جواز الانتفاع بالميتة حتّى من الذين نقلنا عنهم عدم جواز الانتفاع، وكأنّهم عدلوا عمّا قالوا أوّلاً.
قال: ولا مخالف في عدم جواز الانتفاع بالميتة سوى الشيخ في «النهاية»(4) والمحقّق في «الشرائع»، و«النافع»، وتلميذه صاحب «كاشف الرموز»، والمصنّف في «الإرشاد»، فجوزوا الاستقاء بجلودها لغير الصلاة والشرب، ومال إليه صاحب «التنقيح»، للأصل، ولتبادر التناول من الآية الشريفة، وجوّز الصدوق في «المقنع» جواز الاستقاء بجلد الخنزير بأن يجعل دلواً لغير الطهارة، ووافقه العلاّمة على ذلك في «القواعد»، وحكى الشهيد فـي حواشيه على الكتاب انّه نقل عـن المصنّف في حلقة الدرس انّه جوز الاستصباح بإليـات الغنم المقطـوعة

(1) المقنع: 6، كتاب الطهارة.
(2) الوسائل:1/129، الباب14 من أبواب الماء المطلق، الحديث16.
(3) القواعد:1/192، كتاب الطهارة في النجاسات، مؤسسة النشر الإسلامي.
(4) الظاهر من عبارة الشيخ في النهاية هو عدم الجواز لقوله:«وبيع الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير اللّه به والتصرف فيه والتكسب به حرام محظور » النهاية : 364، وعطف «التكسب» على «التصرف» دليل المغايرة.

صفحه 91
تحت السماء.
هذا وان مقتضى أصالة الحل والإباحة وعموم (خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الأرْضِ جَمِيعاً)(1) الجواز في ما إذا لم يستلزم حراماً، فلو دلّ الدليل على الحرمة مطلقاً نأخذ به، وإلاّ فالأصل هو المحكّم إذا لم يكن هناك دليل اجتهادي على وفقه.
إذا عرفت هذه الأقوال، وقفت على أنّ المسألة ليست إجماعية، وعنوانها في النهاية دليل على أنّ فيها نصاً، وستوافيك نصوص المسألة من الطرفين، وعلى أي تقدير فقد استدلّ على حرمة الانتفاع بالكتاب والسنّة:
أمّا الأوّل: فقوله سبحانه:(يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا للّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ* إِنّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَ الدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ فَمَن اضطُرَّ غَيْرَ باغ وَلا عاد فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيم).(2)
وقوله سبحانه:(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطيحَةُ وَما أَكلَ السَّبُعُ إِلاّ ما ذَكَّيْتُم وَما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ اليَومَ يَئِسَ الَّذينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ اليومَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَة غَيْرَ مُتَجانِف لإثْم فَإنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحيم).(3)
وجه الاستدلال: ما سبق نقله عن «مفتاح الكرامة» ولا يخفى ضعف الاستدلال، أمّا الآية الأُولى فالتحريم في قوله تعالى: (إِنّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ )

(1) البقرة:29.
(2) البقرة:172ـ 173.
(3) المائدة:3.

صفحه 92
متعلّق بالأكل لباً، لقوله سبحانه قبل هذه الآية: (يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ )فبملاحظة هذا يكون المراد من قوله سبحانه: (إِنّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ) حرمة أكل الميتة، ويؤيده قوله سبحانه: (فَمَن اضطُرَّ غَيْرَ باغ وَلا عاد فَلا إِثْمَ عَلَيْه) أي: لا إثم عليه في سد الجوع بالميتة.
وأمّا الآية الثانية: أعني قوله سبحانه: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَة)، فالتحريم فيها أيضاً متعلّق بالأكل لقوله سبحانه قبل هذه الآية: (وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا)(1) ومن المعلوم انّ الاصطياد للأكل.
ويؤيده قوله سبحانه في نفس الآية: (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَة غَيْرَ مُتَجانِف لإثْم ) والمراد من المخمصة هو المجاعة، ويشهد عليه أيضاً قوله سبحانه بعدها: (يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ)(2) إلى غير ذلك من القرائن التي تشهد على أنّ المراد من تحريم الميتة هو تحريم أكلها.
وأمّا السنّة: فهي على طائفتين: بين ما يدلّ على حرمة الانتفاع، وما يدلّ على عدمها.
الطائفة الأُولى: وهي على أقسام:
الأوّل: ما يدلّ على حرمة الانتفاع مطلقاً من غير فرق بين منفعة دون منفعة، وبين الجامد والمائع:
1. خبر علي بن أبي مغيرة، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : الميتة ينتفع منها بشيء؟ فقال: «لا» قلت: بلغنا انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) مر بشاة ميتة فقال: ما كان على أهل هذه الشاة إذا لم ينتفعوا بلحمها أن ينتفعوا بإهابها؟ فقال: «تلك شاة كانت لسودة بنت زمعة زوج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكانت شاة مهزولة لا ينتفع بلحمها فتركوها

(1) المائدة:2.
(2) المائدة:4.

صفحه 93
حتّى ماتت. فقال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): ما كان على أهلها إذا لم ينتفعوا بلحمها أن ينتفعوا بإهابها أي تذكّى».(1)
والخبر يدلّ بظاهره على أنّ إهاب الميتة لا ينتفع به، إذ لو كان الانتفاع بها جائزاً لما تأسّف النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).
يلاحظ عليه:
أمّا أوّلاً: فانّ علي بن أبي مغيرة لم يوثّق. وما ربما يتوهّم من أنّ النجاشي وثّقه فهو غفلة عن مراده، وعبارة النجاشي تهدف إلى توثيق ابنه لا توثيقه، وإليك نصّ عبارته قال: الحسن بن علي بن أبي المغيرة الزبيدي الكوفي ثقة هو. وأبوه روى عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه (عليهما السلام) ، وهو يروي كتاب أبيه عنه.(2)
والمتوهم تصوّر انّ قوله: «ثقة» راجع إلى الابن والأب. كأنّه تصوّر انّ الواو في قوله«وأبوه» عاطفة، والحال انّها ابتدائية، وشكل العبارة هكذا: «ثقة هو»، وأبوه روى عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه (عليهما السلام)«وهو يروي كتاب أبيه» ولو كانت الواو في قوله:«وأبوه» عاطفة لعاد الضمير عندئذ في قوله«روى» إلى «الابن» و يصير المعنى انّ الابن يروي عن الإمامين (عليهما السلام) وعندئذ لا يلائم قوله: «وهو يروي كتاب أبيه عنه».
وثانياً: أنّ قضية مرور رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) على سخلة نقلت بصور مختلفة يوجب سلب الاطمئنان عمّا في هذا الخبر، إذ الظاهر من صحيحة أبي مريم انّ السخلة التي مرّ بها رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)كانت مذكاة حيث قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : السخلة التي مرّ بها رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وهي ميتة فقال: ما ضرّ أهلها لو انتفعوا

(1) الوسائل: 16/368، الباب34 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث1.
(2) رجال النجاشي، برقم105.

صفحه 94
بإهابها؟ قال: فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «لم تكن ميتة يا أبا مريم ولكنّها كانت مهزولة، فذبحها أهلها، فرموا بها، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ما كان على أهلها لو انتفعوا بإهابها».(1)
نعم: يظهر ممّا رواه ابن أبي جمهور الأحسائي في «عوالي اللآلي» انّ الشاة كانت ميتة، قال: صحّ عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب. وقال في شاة ميمونة: «ألا انتفعتم بجلدها».(2)
كما يظهر أيضاً ممّا رواه القاضي في «دعائم الإسلام» عن علي (عليه السلام) أنّه قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: «لا ينتفع من الميتة بإهاب ولا عظم ولا عصب»، فلمّا كان من الغد خرجت معه فإذا نحن بسخلة مطروحة على الطريق. فقال: «ما كان على أهل هذه لو انتفعوا بإهابها». قال: قلت: يا رسول اللّه فأين قولك بالأمس؟ قال: «ينتفع منها بالإهاب الذي لا يلصق».(3)
والمراد من قوله: «لا يلصق» هو الدباغة، وعندئذ يحتمل فيه التقية، أو المراد عدم السراية بأن يلبس الجلد فوق الثياب.
وعلى هذا التضارب الحاكم على الروايات لا يمكن الاعتماد على رواية علي بن أبي مغيرة، لأنّ الواقعة نقلت بصور مختلفة.
2. موثّقة سماعة قال: سألته عن جلود السباع أينتفع بها؟ فقال: «إذا رميت وسمّيت فانتفع بجلده، وأمّا الميتة فلا».(4)
3. صحيحة عبد اللّه بن سهل الكاهلي قال: سأل رجل أبا عبد اللّه (عليه السلام)

(1) الوسائل:16/368، الباب 34 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث3.
(2) المستدرك:16/191، الباب25 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث1.
(3) المستدرك:16/192، الباب35 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث2.
(4) الوسائل:16/368، الباب34 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث4.

صفحه 95
وأنا عنده عن قطع إليات الغنم؟ فقال: « لا بأس بقطعها إذا كنت تصلح بها مالك، ثمّ قال:إنّ في كتاب علي انّ ما قطع منها ميت لا ينتفع به».(1)
وجه الدلالة: انّه يلوح من الحديث انّ عدم الانتفاع من الميّت كان أمراً مفروغاً عنه عند السائل والإمام(عليه السلام) ، فنزل الإمام (عليه السلام)المقطوعة من الأحياء، منزلة الميت.
يلاحظ عليه: أنّ أصل الحكم وإن كان مفروغاً منه عند الطرفين وانّه لا ينتفع به، ولكن سعة الحكم وإطلاقه غير ثابت، إذ من المحتمل أن يكون المراد: انّه لا ينتفع به مثل ما ينتفع بالمذكى من لبسه والصلاة فيه، كما يحتمل أن يكون المراد لا ينتفع مطلقاً، فمسلمية الحكم ومفروغيته عند السائل والمسؤول، لا يدلّ على سعته وإطلاقه.
ويؤيده ما رواه محمد بن إدريس في آخر «السرائر» نقلاً من كتاب «جامع البزنطي» صاحب الرضا(عليه السلام) قال: سألته عن الرجل تكون له الغنم يقطع من إلياتها وهي أحياء أيصلح له أن ينتفع بما قطع؟ قال: «نعم يذيبها ويسرج بها ولا يأكلها ولا يبيعها»(2). وهي ظاهرة في أنّ ما هو المسلم في الميتة، هو عدم الأكل والبيع والمعاملة معه معاملة المذكّى.
الثاني: ما يدلّ على أنّه لا يستفاد منها بإهاب ولا عصب ولا عظم ويدلّ عليه:
1. خبر الفتح بن يزيد الجرجاني، عن أبي إسحاق، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: كتبت إليه أسأله عن جلود الميتة التي يؤكل لحمها ذكياً؟ فكتب: «لا ينتفع

(1) الوسائل:16/295، الباب30 من أبواب الصيد والذباحة، الحديث1.
(2) الوسائل:12/67، الباب6 من أبواب ما يكتسب به، الحديث6.

صفحه 96
من الميتة بإهاب ولا عصب، وكلّما كان من السخال الصوف وإن جز، والشعر والوبر والأنفحة والقرن، ولا يتعدى إلى غيرها إن شاء اللّه».(1)
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ الرواية ضعيفة لاشتمال سندها على مجهول كفتح بن يزيد، وعلى غير معنون في كتب الرجال كمختار بن محمد بن مختار.
وثانياً: اضطراب متن الحديث لأنّ قوله: «وكلّ ما كان من السخال الصوف وإن جز، والشعر، والوبر، والأنفحة، والقرن، ولا يتعدى إلى غيرها» مضطرب ويحتمل أن يكون «وكلّما» مبتدأ حذف خبره وهو «ينتفع بها».
واحتمل «سيدنا الأُستاذ » ـ دام ظله ـ أن يكون «كلّما» معطوفاً على قوله «بإهاب» وتقدر كلمة «إلاّ» قبل «الصوف» وهو أحد الاحتمالات.
2. ما في «غوالي اللآلي» انّه صحّ عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) انّه قال: «لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب».(2)
3. ما في «السنن الكبرى» عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد اللّه بن عكيم قال: قرئ علينا كتاب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بأرض جهينة وأنا غلام شاب:«ان لا تستمتعوا من الميتة بإهاب ولا عصب».(3)
4. ما في «دعائم الإسلام» عن علي (عليه السلام) :«لا ينتفع من الميتة بإهاب ولا عظم ولا عصب».(4)
ويمكن عدّ هذا القسم من الروايات من القسم الأوّل بإلغاء الخصوصية ولكن الجميع لا يحتج به.

(1) الوسائل: 16/366، الباب 33 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث7.
(2) المستدرك:16/191، الباب 25 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث1.
(3) السنن الكبرى:1/14.
(4) المستدرك:16/192، الباب25 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث2.

صفحه 97
الثالث: ما يدلّ على حرمة الانتفاع بها في اللبس ونحوه كجعل قلادة السيف من الميتة، وإليك بيانها:
1. رواية علي بـن جعفـر، عـن أخيـه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال: سألته عن لبس السمور والسنجاب والفنك. فقال: «لا يلبس ولا يصلّى فيه إلاّ أن يكون ذكياً».(1)
2. رواية «علي بن جعفر» في كتابه عن أخيه موسى بن جعفر(عليهما السلام) قال: سألته عن الماشية تكون لرجل فيموت بعضها أيصلح له بيع جلودها، ودباغها ويلبسها؟ قال:«لا، وإن لبسها فلا يصلّي فيها».(2)
غير انّ دلالة الثانية ضعيفة: لأجل التعبير بـ«لا يصلح» المشعر بالكراهة مضافاً إلى أنّ السؤال في الرواية عن البيع واللبس جميعاً، ولكن الجواب بالمنع عن اللبس فقط، يشعر بجواز الانتفاع بالبيع، وانّ النهي عن اللبس لأجل كونه مانعاً من صحّة الصلاة.
3. رواية تحف العقول عن الصادق (عليه السلام) (في حديث) قال: «وكلّ ما أنبتت الأرض فلا بأس بلبسه والصلاة فيه، وكلّ شيء يحلّ لحمه فلا بأس بلبس جلده الذكي منه وصوفه وشعره ووبره...».(3)
4. عن عثمان بن عيسى عن سماعة قال: سألته عن أكل الجبن وتقليد السيف وفيه الكيمخت والفراء؟ فقال: «لا بأس ما لم تعلم أنّه ميتة».(4)
أقول: الفراء حمار الوحش، وأمّا الكيمخت فقد فسر بجلد الميتة المملوح كما

(1) الوسائل: 3/255 الباب4 من أبواب لباس المصلي، الحديث6.
(2) الوسائل:16/369، الباب 34 من أبواب الأطعمة المحرمة ، الحديث6.
(3) الوسائل:3/252، الباب 2من أبواب لباس المصلّي، الحديث8.
(4) الوسائل:16/368، الباب 34 من أبواب الأطعمة المحرمة ، الحديث5.

صفحه 98
في «مجمع البحرين» مادة «كمخ» روى الشيخ في «الاستبصار» عن سماعة قال: سألته عن جلود الميتة المملوح وهو الكيمخت، فرخّص فيه وقال: وإن لم تمسّه فهو أفضل.(1)
ولا يخفى انّ أكثر ما دلّ على حرمة الانتفاع غير صحيح، ولا يمكن إبداء الرأي في هذه الطائفة قبل ملاحظة روايات الطائفة الثانية.

الطائفة الثانية: ما يدلّ على جواز الانتفاع

وإليك بيانها:
1. رواية ابن أبي عمير، عن أبي زياد النهدي، عن زرارة، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن جلد الخنزير يجعل دلواً يستقى به الماء؟ قال: «لا بأس».(2)
هذه الرواية ضعيفة سنداً بأبي زياد النهدي، نعم هي واضحة دلالة ، حيث إنّ السؤال عن جعل جلد الخنزير دلواً يستقي به الماء لا عن الانتفاع بالماء، فقوله: «لا بأس» يتعلّق بالسؤال.
2. صحيحة زرارة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الحبل يكون من شعر الخنزير يستقى به الماء من البئر هل يتوضّأ من ذلك الماء؟ قال: «لا بأس».(3)
والرواية صحيحة سنداً، غير واضحة دلالة، فانّ الظاهر، بل الصريح انّ السؤال تعلّق بإمكان الانتفاع من الماء لا عن السقي بشعر الخنزير، وعلى ذلك فقوله: «لا بأس» يرتبط بنفس السؤال، وهو التوضّؤ من الماء، لا عن الاستقاء

(1) الاستبصار:4/90، باب تحريم جلود الميتة، رقم 344، الحديث4.
(2) الوسائل: 1/129، الباب14 من أبواب الماء المطلق، الحديث16.
(3) الوسائل:1/125، الباب14 من أبواب الماء المطلق، الحديث2.

صفحه 99
بشعر الخنزير.
ثمّ إنّ حكم الإمام (عليه السلام) بالتوضّي من الماء مردّد بين ماء البئر وماء الدلو، ولو أُريد الثاني يجب حمل الرواية على ما إذا كان الحبل غير ملاق لماء الدلو، أو يحمل على كون الدلو كراً، لاستفاضة الروايات على انفعال الماء القليل.
3. موثّقة حسين بن زرارة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ـ في حديث ـ قال: قلت له: شعر الخنزير يعمل حبلاً و يستقي به من البئر التي يشرب منها أو يتوضّأ منها؟ فقال: «لا بأس به».(1)
ودلالة هذه الرواية كالسابقة، غير انّه يمكن أن يقال بدلالة الجميع على جواز الانتفاع بشعر الخنزير، إذ لو كان الانتفاع من الشعر محرّماً لكان على الإمام(عليه السلام) التنبيه على ذلك مع أنّه سكت عنه.
ثمّ إنّ الاستدلال بهذه الروايات الثلاث ليس على نمط واحد، فانّ الرواية الأُولى اشتملت على جلد الخنزير وهو ميتة، بل أنجس من الميتة المتعارفة لكونه نجساً في حال الحياة أيضاً، والاستدلال بالروايتين الأخيرتين من باب إلغاء الخصوصية فانّه إذا جاز الانتفاع بشعر الخنزير النجس في حال حياة الحيوان ومماته، فالانتفاع بميتة الحيوان الطاهر العين يكون أولى، فلاحظ.
4. رواية الحسن الوشاء قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) فقلت: إنّ أهل الجبل تثقل عندهم إليات الغنم فيقطعونها. قال: «هي حرام» قلت: فنصطبح بها؟ فقال: «أما تعلم أنّه يصيب اليد والثوب وهو حرام».(2)
والمراد من الحرام في كلا الموردين هو النجاسة فيكون إرشاداً إلى أنّ هذا

(1) الوسائل: 1/126، الباب14 من أبواب الماء المطلق، الحديث3.
(2) الوسائل: 16/364، الباب32 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث1.

صفحه 100
العمل يوجب تلويث اليد والثوب وابتلاء الإنسان بالنجاسة، وإلاّفلا يصحّ أن يحمل على الحرمة التكليفية، للعلم القطعي بعدم حرمة تنجيس اليد والثوب.
5. ما رواه محمد بن إدريس في آخر السرائر عن جامع البزنطي صاحب الرضا (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل تكون له الغنم يقطع من إلياتها وهي أحياء، أيصلح له أن ينتفع بما قطع؟ قال: «نعم يذيبها، ويسرج بها ولا يأكلها ولا يبيعها».(1)
وهذه الرواية صريحة في جواز الانتفاع ببيع الميتة والإسراج، وانّ الممنوع هو البيع، وبذلك يعلم أنّ المراد من الكبرى المفروغة في رواية الكاهلي التي مرّ ذكرها هو الانتفاع بالأكل، فقد جاء في صحيحة الكاهلي قال: سأل رجل أبا عبد اللّه(عليه السلام) ـ وأنا عنده ـ عن قطع إليات الغنم. فقال: «لا بأس بقطعها إذا كنت تصلح بها مالك، ثمّ قال: إنّ في كتاب علي (عليه السلام) انّ ما قطع منها ميت لا ينتفع به».(2)
فبملاحظة هاتين الروايتين الواردتين في موضوع واحد يعلم أنّ الكبرى المفروغة في صحيحة الكاهلي هي حرمة الانتفاع من الميتة كالانتفاع من المذكّى.
6. موثّقة سماعة قال: سألته عن جلد الميتة المملوح، وهو الكيمخت؟ فرخص فيه وقال: «إن لم تمسّه فهو أفضل».(3)
وهي تدلّ على جواز الانتفاع، وتوضح علّة النهي الوارد في الطائفة الأُولى وهي السراية، كما يفصح عنه قوله (عليه السلام) :«إن لم تمسه أفضل».
7. رواية ابن أبي عمير، عن الريّان بن الصلت قال: سألت أبا الحسن

(1) الوسائل: 12/67، الباب6 من أبواب ما يكتسب به، الحديث6.
(2) الوسائل: 16/295، الباب30 من أبواب الصيد والذبائح، الحديث1.
(3) الوسائل: 16/369، الباب34 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث8.

صفحه 101
الرضا (عليه السلام) عن لبس الفراء والسمور والسنجاب والحواصل وما أشبهها، والمناطق والكيمخت والمحشو بالقز والخفاف من أصناف الجلود؟ فقال: «لا بأس بهذا كلّه إلاّ بالثعالب».(1)
8. رواية علي بن أبي حمزة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) و أبا الحسن (عليه السلام) عن لباس الفراء والصلاة فيها. فقال: «لا تصل فيها إلاّ ما كان منه ذكياً» قال: قلت: أو ليس الذكي ممّا ذكي بالحديد؟ قال: «بلى إذا كان ممّا يؤكل لحمه».(2)
فسكوت الإمام (عليه السلام) عن حكم اللبس، والاكتفاء ببيان حكم الصلاة فيها يدلّ على الجواز.
9. ما رواه علي بن أبي حمزة أنّ رجلاً سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) وأنا عنده عن الرجل يتقلّد السيف ويصلّي فيه؟ قال:«نعم». فقال الرجل: إنّ فيه الكيمخت. قال: وما الكيمخت؟ قال: جلود دواب، منه ما يكون ذكياً، ومنه ما يكون ميتة، فقال: «ما علمت أنّه ميتة فلا تصل فيه».(3)
فقد فسر «الكيمخت» في هذه الرواية بجلود الدواب التي يكون منها الذكي كما يكون منها الميتة، مع أنّه قد فسر في الروايات السالفة بالميتة أو الميتة المملوحة، ولعلّ هنا اصطلاحين.
10. رواية أبي القاسم الصيقل وولده قال: كتبوا إلى الرجل: جعلنا اللّه فداك إنّا قوم نعمل السيوف ليست لنا معيشة ولا تجارة غيرها ونحن مضطرون إليها وإنّما علاجنا جلود الميتة والبغال والحمير الأهلية لا يجوز في أعمالنا غيرها فيحل لنا عملها وشراؤها وبيعها ومسّها بأيدينا وثيابنا ونحن نصلّي في ثيابنا؟

(1) الوسائل: 3/256، الباب5 من أبواب لباس المصلّي، الحديث2.
(2) الوسائل: 3 /251، الباب2 من أبواب لباس المصلّي، الحديث2.
(3) الوسائل:2/1072، الباب50 من أبواب النجاسات، الحديث4.

صفحه 102
ونحن محتاجون إلى جوابك في هذه المسألة يا سيدنا لضرورتنا. فكتب: «اجعل ثوباً للصلاة».
وكتب إليه : جعلت فداك وقوائم السيوف التي تسمّى السفن نتخذها من جلود السمك، فهل يجوز لي العمل بها ولسنا نأكل لحومها؟ فكتب (عليه السلام) : «لا بأس».(1)
قوله:«نعمل السيوف» يحتمل أن يكون تصحيف «نغمد السيوف» ومعناه : نعمل للسيوف أغماداً، ويؤيّده انّه نقل في الجواهر مكانه، قوله: «إنّي أعمل أغماد السيوف» ولعل شغله كان هو ذاك ـ أي جعل الأغماد للسيوف ـ لا عمل السيف. ويظهر من ذيل المكاتبة الثانية انّه كان يعمل أيضاً السفن وهو جلد خشن يجعل على قوائم السيوف.
نعم: يظهر من مكاتبته الثالثة وجود شغل آخر له حيث يقول: كتب إليه إنّي رجل صيقل(2) اشتري السيوف وأبيعها من السلطان أجائز لي بيعها؟ فكتب: «لا بأس به».(3)
ولعلّه كانت له أشغال ثلاثة في زمن واحد أو في أزمنة متفرقة. وبذلك يعلم أنّ المراد من قوله: «نحن مضطرون إليها» ليس الاضطرار المبيح للمحظورات، بل المراد هو الاضطرار حسب شغله، وانّ طبيعة الشغل كانت تلازم الابتلاء بالميتة، وسيوافيك بعض الكلام في ذلك عند البحث عن بيع الميتة.
وربما يتوهم ضعف الرواية، لأنّ أبا القاسم وولده مهملان في الرجال، ولم

(1) الوسائل:12/125، الباب38 من أبواب ما يكتسب به، الحديث4.
(2) الصيقل: من يجلي السيوف.
(3) الوسائل: 12/70، الباب8 من أبواب ما يكتسب به، الحديث5.

صفحه 103
يوثّقا، ولكنّه مدفوع بأنّ الظاهر من الرواية انّ محمد بن عيسى بن عبيد قد رأى المكاتبة وإجابة الإمام(عليه السلام) عنها، فالعبرة بقول محمد بن عيسى بن عبيد لا بنقل أبي القاسم وولده كما يفصح عنه قوله: قال «كتبوا إلى الرجل» من دون أن يقول «كتبنا إلى الرجل».
وأمّا محمد بن عيسى بن عبيد فهو وإن اختلفت فيه الأنظار، إلاّأنّ الأقوى وثاقته، لأنّ محمد بن الحسن بن الوليد وإن استثناه من رجال كتاب «نوادر الحكمة»(1) إلاّ أنّ النجاشي نقل عن أبي العباس بن نوح (رجالي عصر النجاشي في البصرة): وقد أصاب شيخنا أبو جعفر محمد بن الحسن بن الوليد في ذلك كلّه، وتبعه أبو جعفر بن بابويه (رحمه الله) على ذلك إلاّ في محمد بن عيسى بن عبيد فلا أدري ما رابه؟!(2) لأنّه كان على ظاهر العدالة والثقة(3). وعلى ذلك فالرواية صحيحة.
11. رواية «دعائم الإسلام» : عن علي (عليه السلام) أنّه قال: «سمعت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: لا ينتفع من الميتة بإهاب ولا عظم ولا عصب...قال: ينتفع منها بالإهاب الذي لا يلصق».(4) ولعلّ المراد من قوله: «لا يلصق» ما عولج بالدباغة حتّى يصير يابساً ولا تتعدى نجاسته، ومن المحتمل أن تكون الدباغة رافعة لكراهة الانتفاع، بخلاف اليابس الذي لم يدبغ، ويحتمل ورود الرواية مورد التقية، لأنّ من المخالفين من يجوّز الانتفاع من الميتة بعد الدباغة.

(1) نوادر الحكمة تأليف محمد بن أحمد بن يحيى الأشعري القمي وهو ثقة في نفسه غير انّ محمّد بن الحسن بن الوليد استثنى من رجاله عدّة أشخاص، ذكره النجاشي في رجاله. لاحظ رجال النجاشي.
(2) رابه: من الريب بمعنى الشك، أي ما الذي صار سبباً في التشكيك فيه؟!
(3) رجال النجاشي 246 في ترجمة محمد بن أحمد بن يحيى.
(4) المستدرك:16/192، الباب25 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث2.

صفحه 104
12. رواية «الجعفريات»: «انّ عليّاً (عليه السلام) كان يصلّي في سيفه وعليه الكيمخت» (1)، والمراد من الكيمخت هو الميتة، وإلاّ فلا وجه لنقله.
الجمع بين الطائفتين من الروايات بوجوه:
الأوّل: وهو أظهرها، انّ الروايات المجوزة صريحة في جواز الانتفاع، وما يدلّ على عدم الجواز ظاهر، وليس بصريح فيه، ومقتضى الجمع الدلالي حمل ما دلّ على عدم الجواز على الكراهة، وليس هذا الجمع جمعاً تبرعياً، بل في نفس الروايات الواردة في المقام أيضاً شواهد على ذلك:
1. انّ قاسماً الصيقل بعدما كتب إلى الرضا (عليه السلام) ما كتب وأجاب الإمام(عليه السلام) باتّخاذ الثوب الخاص للصلاة، كتب إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام) ثانياً بقوله: انّي كنت كتبت إلى أبيك بكذا وكذا فصعّب عليّ ذلك، فصرت أعملها من جلود الحمر الوحشية الذكية؟ فكتب (عليه السلام) إلّي: «كلّ أعمال البر بالصبر يرحمك اللّه، فإن كان ما تعمل وحشياً ذكياً فلا بأس».(2)
فانّ قوله (عليه السلام) «كلّ أعمال البر بالصبر» ناظر إلى أنّ العمل السابق كان مطلوب الترك لا واجبه، وإلاّلما قابله الإمام (عليه السلام) بهذا اللحن اللين.
2. رواية سماعة قال: سألته عن جلد الميتة المملوح ـ و هو الكيمخت ـ فرخّص فيه وقال: «إن لم تمسّه فهو أفضل».(3)
فانّ قوله: «إن لم تمسّه فهو أفضل» يعطي كون الانتفاع جائزاً بالذات، لأنّه ظاهر في أنّ صورة عدم المس أفضل من غيره، ومقتضاه جواز الانتفاع، غير انّ

(1) المستدرك:3/229، الباب39 من أبواب لباس المصلّي، الحديث1.
(2) الوسائل: 2/1070، الباب 49 من أبواب النجاسات، الحديث1.
(3) الوسائل: 16/369، الباب34 من أبواب الأطعمة المحرمة ، الحديث8.

صفحه 105
بعض الصور أفضل من بعضها.
3. رواية الحسن الوشّاء قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) فقلت: إنّ أهل الجبل تثقل عندهم إليات الغنم فيقطعونها. قال: «هي حرام». قلت: فنصطبح بها؟ فقال: «أما تعلم أنّه يصيب اليد والثوب وهو حرام؟».(1)
فإنّ قوله (عليه السلام) : «أما تعلم أنّه يصيب اليد والثوب وهو حرام» مشعر بالكراهة لما عرفت من أنّ المراد من الحرام هو النجاسة، والحديث يرشد إلى أنّ الأولى ترك الانتفاع لئلاّ يبتلي بالنجاسة في الأكل والصلاة، وربما يدلّ على هذا الجمع بعض ما سنذكره في الجمع الثاني.
الثاني: حمل الروايات المانعة على الانتفاع بالميتة على نحو الانتفاع من المذكّى، كالانتفاع بها في المأكل، والملبس في حال الصلاة، ويدلّ على ذلك بعض الروايات:
1. صحيحة البزنطي صاحب الرضا (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل تكون له الغنم يقطع من إلياتها وهي أحياء أيصلح له أن ينتفع بما قطع؟ قال: «نعم يذيبها، ويسرج بها ولا يأكلها ولا يبيعها»(2) حيث يقول(عليه السلام): «يذيبها ويسرج بها ولا يأكلها ولا يبيعها» فانّ تجويز الإذابة والإسراج والنهي عن الأكل خير شاهد على أنّ المراد من النهي هو تحريم الانتفاع من الميتة على النحو الذي ينتفع من المذكّى.
2. رواية علي بن أبي حمزة قال: سألت أبا عبد اللّه أو أبا الحسن (عليهما السلام) عن لباس الفراء والصلاة فيها؟ فقال: «لا تصلّ فيها إلاّما كان منه ذكياً».(3) فانّ

(1) الوسائل: 16/364، الباب32 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث1.
(2) الوسائل: 12/67، الباب6 من أبواب ما يكتسب به، الحديث6.
(3) الوسائل: 3/251، الباب2 من أبواب لباس المصلّي، الحديث2.

صفحه 106
النهي عن خصوص الصلاة في غير المذكّى مشعر بأنّه لا ينتفع من الميتة مثل ما ينتفع من المذكّى.
3. رواية «دعائم الإسلام» حيث قال: «ينتفع منها بالإهاب الذي لا يلصق»(1) فانّ الاكتفاء بما «لا يلصق» كناية عن الانتفاع بها على وجه لا تسري حتّى لا يبتلي بالنجاسة في بدنه ولباسه.
4. رواية أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الصلاة في الفراء، فقال: كان علي بن الحسين(عليهما السلام) رجلاً صرداً لا يدفئه فراء الحجاز لأنّ دباغها بالقرظ، فكان يبعث إلى العراق فيؤتى ممّا قبلكم بالفرو فيلبسه، فإذا حضرت الصلاة ألقاه وألقى القميص الذي يليه فكان يسأل عن ذلك....(2)
فانّ الفرو الذي كان يلبسه الإمام (عليه السلام) وإن كان مورد شبهة، غير انّ تفريق الإمام (عليه السلام) بين حال الصلاة وغيرها خير دليل على أنّ الميتة لا ينتفع منها مثل ما ينتفع من المذكّى، ولأجل ذلك كان الإمام (عليه السلام)يلقيه ويلقي القميص الذي يليه في حال الصلاة، لاحتمال كونه ميتة ويلبسه في غير تلك الحالة لجواز لبسه فيها.
فإن قلت: إنّ الإمام (عليه السلام) أخذه من يد المسلم، وعندئذ فالفرو محكوم بالتذكية.
قلت: ولكنّه لا ينافي الاحتياط في حال الصلاة التي هي معراج المؤمن، بخلاف غير حال الصلاة إذ لا وجه فيه للاحتياط.
وبالجملة لو كان الانتفاع من الميتة محرماً لم يُفرّق الإمام (عليه السلام) في مورد الشبهة بالتبعيض في الاحتياط، وهذا الجمع لا بأس به، وهو لا ينافي الجمع السابق.

(1) المستدرك: 16/192، الباب 25 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث2.
(2) الوسائل: 3/338، الباب61 من أبواب لباس المصلّي، الحديث2.

صفحه 107
الثالث: حمل الروايات المجوّزة على خصوص موردها ـ وهو الجلود والإليات ـ وورود السؤال عنهما لأجل كثرة الابتلاء بهما.
الرابع: حمل الروايات المجوزة على التقية; ولا يخفى بعده: لأنّ العامّة لا يجوّزون الانتفاع بالميتة قبل الدباغ اتّفاقاً، وإن جوّزه بعضهم بعد الدباغة، على أنّ عمل علي بن الحسين (عليهما السلام) في داخل بيته لا يمكن حمله على ذلك.
هذه هي الجموع الدلالية المحتملة في المقام، والأولى هو الأوّل ثمّ الثاني.

المقام الثاني: في بيع الميتة

المشهور بين علماء المسلمين حرمة بيع الميتة.
قال الشيخ في «النهاية»: وبيع الميتة والدم ولحم الخنزير وما أُهلّ لغير اللّه به والتصرّف فيه والتكسّب به حرام محظور.(1)
وقال في «الخلاف»: إذا كان الرهن شاة فماتت، زال ملك الراهن عنها وانفسخ الرهن إجماعاً.(2) وهذه العبارة تعطي انّ الرهن بالموت يخرج عن الملكية فلا يصحّ رهنه ومثله بيعه، إذ لا بيع إلاّ في ملك.
وقال سلاّر (قدس سره) في «المراسم»: فأمّا المحرم...وعمل الأطعمة والأدوية الممزوجة بالخمر، والتصرّف في الميتة، ولحم الخنزير وشحمه، والدم والعذرة والأبوال ببيع وغيره، حرام.(3)
وقال العلاّمة (قدس سره) في «التذكرة» : يشترط في المعقود عليه، الطهارة الأصلية، فلا تضرّ النجاسة العارضة مع قبول التطهير، ولو باع نجس العين كالخمر والميتة

(1) النهاية:364.
(2) الخلاف:2/103، المسألة 34.
(3) المراسم: 170، والمراد من التصرّف هو البيع أو أوسع منه.

صفحه 108
والخنزير لم يصحّ إجماعاً لقوله تعالى: (فاجْتَنِبُوهُ)(1) ، (حُرمت عَلَيْكُمُ الْمَيْتة)... ولقول جابر: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)وهو بمكة ـ يقول: «إنّ اللّه ورسوله حرّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام».(2)
وقال في «المنتهى» : أجزاء الميتة والخنزير وما يكون منهما حرام نجس لا يجوز بيعه ولا شراؤه ولا أخذ ثمنه، وكذا جلد الميتة قبل الدباغ بلا خلاف بين العلماء كافة، ولا بعد الدباغ عندنا وعند جماعة من الجمهور.(3)
وقال النراقي في «المستند»: ومنها الميتة، وحرمة بيعها وشرائها والتكسّب بها إجماعي.(4)
وقال في «المغني»: لا يجوز بيع الميتة ولا الخنزير ولا الدم(5). إلى غير ذلك من الكلمات.
ولا يمكن التشكيك في حرمة بيعها على وجه الإجمال، وإنّما الكلام في تعيين حدّ الحرمة، ولا يعلم إلاّ بالوقوف على روايات الباب فنقول: إنّ الروايات على أقسام:
الأوّل: ما دلّ على أنّ ثمن الميتة سحت، وهو:
1. رواية السكوني، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «السحت ثمن الميتة، وثمن الكلب، وثمن الخمر، ومهر البغي، والرشوة في الحكم، وأجر الكاهن».(6)

(1) المائدة:90.
(2) التذكرة:10/25، المسألة8، فصل في العوضين.
(3) المنتهى:2/1009.
(4) مستند الشيعة:14/78.
(5) المغني:4/13، كتاب البيع، الطبعة الثالثة.
(6) الوسائل: 12/62، الباب5 من أبواب ما يكتسب به، الحديث5.

صفحه 109
2. ما رواه حماد بن عمرو وأنس بن محمد، عن أبيه جميعاً، عن جعفر بن محمد، عن آبائه (عليهم السلام) في وصية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي (عليه السلام) : «يا علي من السحت ثمن الميتة، وثمن الكلب، وثمن الخمر، ومهر الزانية والرشوة في الحكم، وأجر الكاهن».(1)
3. مرسلة «الصدوق» ـ التي هي بمنزلة المسند ـ قال: قال (عليه السلام) : «أجر الزانية سحت، وثمن الكلب الذي ليس بكلب الصيد سحت، وثمن الخمر سحت، وأجر الكاهن سحت، وثمن الميتة سحت، فأمّا الرُّشى في الحكم فهو الكفر باللّه العظيم».(2)
الثاني: ما يدلّ بالخصوص على عدم جواز بيعه، وذلك مثل:
1. ما رواه محمد بن إدريس في آخر السرائر نقلاً عن جامع البزنطي صاحب الرضا (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل تكون له الغنم يقطع من إلياتها وهي أحياء أيصلح له أن ينتفع بما قطع؟ قال: «نعم يذيبها، ويسرج بها ولا يأكلها ولا يبيعها».(3)
2. ما رواه عبد اللّه بن جعفر في «قرب الإسناد» عن عبد اللّه بن الحسن، عن جدّه علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال: سألته عن الماشية تكون للرجل فيموت بعضها، يصلح له بيع جلودها ودباغها ولبسها؟ قال: «لا، ولو لبسها فلا يصلي فيها».(4)
فانّ الظاهر انّ «لا» راجع إلى البيع واللبس معاً.

(1) الوسائل: 12/63، الباب5 من أبواب ما يكتسب به ، الحديث9.
(2) الوسائل: 12/63، الباب5 من أبواب ما يكتسب به، الحديث8.
(3) الوسائل: 12/67، الباب6 من أبواب ما يكتسب به، الحديث6.
(4) الوسائل: 12/65، الباب5 من أبواب ما يكتسب به، الحديث17.

صفحه 110
الثالث: ما يدلّ على جواز البيع في ما يجوز الانتفاع به:
1. رواية أبي القاسم الصيقل وولده قال: كتبوا إلى الرجل: جعلنا اللّه فداك انّا قوم نعمل السيوف ليست لنا معيشة ولا تجارة غيرها ونحن مضطرون إليها، وإنّما علاجنا جلود الميتة والبغال والحمير الأهلية لا يجوز في أعمالنا غيرها، فيحلّ لنا عملها وشراؤها وبيعها ومسّها بأيدينا وثيابنا ونحن نصلّي في ثيابنا؟ ونحن محتاجون إلى جوابك في هذه المسألة يا سيدنا لضرورتنا. فكتب: «اجعل ثوباً للصلاة»(1). والظاهر انّ الضمير في «بيعها ومسّها» : يعود إلى الميتة.
نعم، الضمير في قولهم: «لا يجوز في أعمالنا غيرها» يرجع إلى البغال والحمير لا إلى الميتة، لأنّه لا يحتمل أن لا يصلح لصنع الأغماد، غير الميتة فانّ الميتة وغيرها في ذاك المورد سواء.
ومثل ذلك رواية أبي مخلد السرّاج قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) إذ دخل عليه معتب فقال: بالباب رجلان، فقال: «أدخلهما» فدخلا فقال أحدهما: إنّي رجل سرّاج أبيع جلود النمر. فقال: «مدبوغة هي؟» قال: نعم. قال: «ليس به بأس»(2). ويحتمل ورود هذه الرواية مورد التقية، لأنّ بعض العامّة يجوّزون بيع الميتة إذا كانت مدبوغة; كما يحتمل أن تكون شرطية الدباغة لأجل كونها رافعة للكراهة.
وربما يستدلّ بصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن الفراء، اشتريه من الرجل الذي لعلّي لا أثق به، فيبيعني على أنّها ذكية، أبيعها على ذلك؟ فقال: «إن كنت لا تثق به فلا تبعها على أنّها ذكية، إلاّ أن

(1) الوسائل: 12/125، الباب38 من أبواب ما يكتسب به، الحديث4.
(2) الوسائل: 12/124، الباب 38 من أبواب ما يكتسب به، الحديث1.

صفحه 111
تقول: قد قيل لي انّها ذكية»(1). ببيان أنّ مقتضى إطلاقه جواز اشتراء الجلد من مجهول ولو لم يكن في سوق المسلمين، وعندئذ يكون المبيع محكوماً بكونها غير مذكاة لأجل استصحاب عدم التذكية.
ولكن الاستدلال ضعيف لعدم كون الرواية واردة في مقام البيان من هذه الجهة كما هو غير خفي على من تأمّلها.
إذا عرفت هذه الطوائف من الروايات فانّ مقتضى الجمع الدلالي هو تخصيص الطائفة الأُولى بالثالثة، وعندئذ تكون الطائفة الثانية أيضاً منصرفة إلى ما إذا كان البيع لغاية الانتفاع بالإلية بالأكل.
ثمّ إنّ هاهنا أسئلة نأتي بها مع الإجابة عنها:
1. انّ أبا القاسم وولده مهملان في علم الرجال، ورواية أبي مخلد ضعيفة لأجل نفسه، فكيف تخصّص الطائفة الأُولى بما لم تثبت حجيته؟
الجواب: قد عرفت صحّة رواية أبي القاسم وولده، لأنّ الاعتماد هنا على مشاهدة محمد بن عيسى صورة المكاتبة.
نعم:روى الكليني هذه المكاتبة عن نفس قاسم الصيقل أيضاً، قال: كتبت إلى الرضا (عليه السلام) : إنّي أعمل أغماد السيوف من جلود الحمر الميتة فتصيب ثيابي، فأُصلّي فيها؟ فكتب إليّ: «اتّخذ ثوباً لصلاتك».(2)
ولكن الاعتماد على ما نقله عن محمد بن عيسى بن عبيد، وعندئذ تكون رواية أبي مخلد مؤيدة له.
2. انّ تقرير الإمام (عليه السلام) لجواز البيع، لأجل قول القائل:«ونحن مضطرون

(1) الوسائل: 12/124، الباب 38 من أبواب ما يكتسب به، الحديث2.
(2) الوسائل: 2/1050، الباب34 من أبواب النجاسات، الحديث4.

صفحه 112
إليها ولا يجوز في أعمالنا غيرها» فعندئذ يكون الجواز لأجل الضرورة المبيحة للمحظور.
الجواب: ليس المراد من الاضطرار هو الاضطرار المبيح للمحظور، بل المراد انّ تجارتنا لا تنفك عن استعمال الميتة، لأنّ الميتة والمذكّى في عصره كانا مختلطين غير متميزين، وكان هذا التكسّب لا ينفك عن الابتلاء بالميتة، ولولا هذا، كيف يمكن تصور الاضطرار إلى خصوص الميتة في بلد المسلمين الذي يغلب المذكّى على الميتة فيه غلبة بارزة؟
ويدلّ على ذلك ما نقلناه من المكاتبة الثانية إلى الإمام الجواد (عليه السلام) حيث إنّه لمّا صعب العمل عليه باتّخاذ الثوب المستقل، عدل إلى استعمال خصوص الحمر الوحشية الذكية، ولم يترتب عليه أي محظور، وعلى ذلك فمرجع الضمير في قوله«غيرها» إلى جلود الحمير والبغال سواء كانت ذكية أم ميتة، لا إلى الميتة.
3. أليس رواية الصيقل مكاتبة محتملة للتقية كما هو الشائع في المكاتبات؟
الجواب: انّ هنا قرائن تدلّ على أنّ المكاتبة وردت لبيان الواقع، وهي اتّفاق العامّة على عدم جواز البيع قبل الدباغ، وأمّا بعده فهم بين مانع ومجيز، وعلى هذا يكون الحكم بالجواز في ما لم يدبغ على خلاف التقية، وفيما دبغ يُحتمل الأمران، والظاهر هو السلامة، والأصل في الخبر، أن يكون صادراً لبيان الواقع، أعني: كونه صحيحاً من جهة الصدور.
أضف إلى ذلك انّه لو كان الحكم بالجواز وارداً مورد التقيّة لكان قوله (عليه السلام) : «اجعل للصلاة ثوباً آخر» وارداً على خلاف التقية.
4. انّ مورد السؤال عمل السيوف وبيعها وشراؤها، لا خصوص الغلاف مستقلاً، ولا في ضمن السيف على أن يكون جزءاً من الثمن في مقابل عين الجلد،

صفحه 113
فغاية ما تدلّ عليه المكاتبة جواز الانتفاع بجلد الميتة بجعله غمداً للسيف، وهو لا ينافي عدم جواز معاوضته بالمال، ولذا جوز جماعة ـ منهم الفاضلان على ما حكي عنهماـ الاستقاء بجلد الميتة لغير الصلاة والشرب مع عدم قولهم بجواز بيعه.(1)
الجواب: انّ ما ذكر من الإشكال يخالف صريح الرواية، فانّ الظاهر من قولهم: «وإنّما غلافها من جلود الميتة من البغال والحمير الأهلية لا يجوز في أعمالنا غيرها فيحلّ لنا عملها وشراؤها وبيعها ومسّها بأيدينا وثيابنا» انّ الضمائر الأربعة تعود إلى جلود الميتة فهي المباعة والمشتراة والممسوسة، وعند ذلك كيف يكون الغلاف خارجاً عن المبيع وتابعاً له؟ وتوهّم عود الضمائر إلى السيوف يردّه قولهم:«مسّها».
وقد سبق أنّ شغلهم حين السؤال كان نفس التغميد وصنع الأغماد على السيوف لا نفس السيوف.
إذ كيف يكون الغلاف خارجاً عن المبيع تابعاً له مع أنّه ربّما يكون الغلاف أغلى قيمة من نفس السيوف؟!
هذا هو مقتضى الجمع الدلالي، وربما يتصوّر أنّ هنا جمعاً آخر، وهو حمل السحت في الطائفة الأُولى على الكراهة، وقد عرفت أنّه مشكل.
نعم، يؤيد الجواز الفرع الآتي ـ أعني : ما إذا اختلط المذكّى بالميتة ـ إذ يمكن الاستئناس به لهذه المسألة بشرط إلغاء الخصوصية، وهو سهل.

(1) المكاسب : 5.

صفحه 114

فرعان

الأوّل: في بيع الميتة ضمن المذكى

انّه كما لا يجوز بيع الميتة منفردة، كذلك لا يجوز بيعها منضمة إلى مذكّى، ولو باعها فإن كان المذكّى ممتازاً صحّ البيع فيه وبطل في الميتة، كما سيجيء في محلّه، وإن كان مشتبهاً بالميتة لم يجز بيعه أيضاً، لأنّه لا ينتفع به منفعة محلّلة بناء على وجوب الاجتناب عن كلا المشتبهين، فهو في حكم الميتة من حيث الانتفاع.
ثمّ إنّ متن المسألة هو بيع الميتة في ضمن المذكّى، وأمّا بيع خصوص المذكّى، أو خصوص الميتة من المختلط فهو خارج عن البحث، وإن ذكره الشيخ الأعظم .
ثمّ إنّ الداعي لعنوان هذه المسألة هو احتمال كون اشتباه الميتة بالمذكّى موجباً لجواز بيعها، وتوضيح ذلك انّه قد عرفت أنّ العلماء في الانتفاع بالميتة على قولين، فمن قائل بجواز الانتفاع وهو الأشهر، بل المشهور المنصور، ومن قائل بعدم جوازه، فإن قلنا بجواز الانتفاع بالميتة المعلومة انتفاعاً محلّلاً، يجوز الانتفاع بالمشتبه منها كذلك ويصحّ البيع للغاية المحلّلة وعند ذلك لا حاجة لعقد البحث عن الميتة المشتبهة كما ارتكبه (قدس سره) عند البحث عن الفرعين.
نعم لو كان البيع لغاية الأكل الذي يشترط فيه الطهارة والحلية، يصحّ

صفحه 115
عقد البحث عن المذكّى المشتبه بالميتة حسب ما قرره.
كما انّه لو قلنا بحرمة الانتفاع مطلقاً حتى فيما لا محذور فيه من التسميد وغيره، يصحّ عنوان المسألة بلا إضافة قيد، لأجل احتمال أن يكون الاشتباه مجوزاً للانتفاع أوّلاً والبيع ثانياً، ولأجل ذلك يصحّ عنوان المسألة مجدّداً على ذلك القول بلا قيد.
هذا والكلام يقع في مقامين:
الأوّل: حكم المسألة حسب القواعد العامة.
الثاني: حسب الروايات الواردة في المسألة.
فنقول: أمّا حسب القواعد فللمسألة صور، فانّ المشتري تارة يكون مسلماً، وأُخرى كافراً.
وعلى الأوّل: فربما يكون المذكّى مشخّصاً عند البائع دون المشتري، وأُخرى بالعكس، وثالثة يكون مشخّصاً عند الطرفين.
وأمّا إذا كان كافراً فإمّا أن نقول باشتراكه مع المسلم في الفروع كاشتراكه في الأُصول، أو نقول بعدم كونه مكلّفاً في الفروع. هذه صور المسألة، وأمّا حكمها حسب القواعد، فنقول: لا شكّ في الجواز في بعض الصور، كما إذا كان المذكّى مشخصاً عند المشتري دون البائع، أو كان المشتري كافراً ولم نقل بكونه مكلّفاً بالفروع كتكليفه بالأُصول.
أمّا الأوّل: فلأنّه لا يشترط أن يكون البائع متمكّناً من الانتفاع المحلّل حتّى يضر جهل البائع بالمذكّى، وإنّما يشترط تمكّن المشتري من الانتفاع المحلّل، وهو حاصل بعلمه بالمذكّى.
وأمّا الثاني: فلأنّه إذا لم يكن الكافر محكوماً بالفروع لا يكون الانتفاع بالميتة

صفحه 116
محرّماً عليه، بل يكون كالانتفاع بالمذكّى، ولا يعد البيع إعانة على الإثم.
هذا حكم الصورتين حسب القواعد الأوّلية(1) والظاهر انّ المفروض غير هاتين الصورتين، فالكلام إنّما هو في صورة جهل المشتري بالمذكّى كجهل البائع، كما أنّ المفروض محكومية الكفّار بالفروع كمحكوميتهم بالأُصول، فعند ذلك يجب أن نقف على مقتضى القواعد، فنقول:
قال الشيخ الأعظم: إذا كان المذكّى مشتبهاً بالميتة لم يجز بيعه أيضاً، لأنّه لا ينتفع به منفعة محلّلة بناء على وجوب الاجتناب عن كلا المشتبهين فهو في حكم الميتة من حيث الانتفاع، فأكل المال بازائه أكل بالباطل، كما أنّ كلاً من المشتبهين في حكم الميتة.
أقول: الاستدلال بالآية في المورد غير تام، لأنّ الآية بحكم كون «الباء » في قوله تعالى: (بِالباطل) (2) للسببية بصدد بيان أكل المال بسبب باطل فيكون ناظراً إلى الأسباب الصحيحة، فيصحّ إذا كان السبب صحيحاً دون ما إذا كان باطلاً كبيع الحصاة، والملامسة، والمنابذة والربا، فالاستدلال بها على المورد مع كون السبب صحيحاً كالبيع، غير تام.(3)
أضف إلى ذلك انّ الباطل في الآية واقع في مقابل التجارة التي تطلق على نفس الأسباب، فيكون المراد من الباطل هو السبب الباطل، في مقابل التجارة، والآية تهدف إلى التمسّك بالأسباب الصحيحة والتجارة، وتمنع عن التمسّك بالأسباب الباطلة.

(1) سيوافيك في خاتمة البحث انّ بيع المختلط من مستحل الميتة ليس إعانة وإن قلنا بكونه محكوماً بالفروع كمحكوميته بالأُصول.
(2) النساء: 29.
(3) نعم لو قلنا بأنّ «الباء» في الآية للمقابلة يتم الاستدلال.

صفحه 117
نعم، قوله: «لأنّه لا ينتفع به منفعة محلّلة بناءً على وجوب الاجتناب عن كلا المشتبهين فهو في حكم الميتة من حيث الانتفاع». كلام تام يصحّ الاستناد إليه، لأنّه إذا كانت الميتة مسلوبة المنفعة ومحرمة، والمذكّى لأجل عدم التميّز صار بحكمها، يحكم العقل عندئذ بلزوم الاجتناب عن كلا المشتبهين لإحراز الواقع، فيصير الكلّ بمنزلة الميتة، مسلوب المنفعة ومحرماً، ومثل ذلك يسقط عن المالية في نظر الشارع ولا يمكن بيع ما ليس له مالية في الشرع. هذا توضيح ما رامه الشيخ الأعظم (رحمه الله)وأورد عليه المحقّق الخوئي ـ دام ظله ـ ما هذا خلاصته:
إنّ المدرك في حرمة بيع الميتة منفردة إن كان هو النصوص والإجماعات فلا شبهة في أنّهما لا تشملان صورة الاختلاط، لأنّه لا يصدق بيع الميتة على ذلك مع قصد المذكّى حتّى مع تسليمها إلى المشتري لكونه مقدمة لإقباض المبيع، وعلى هذا فلا وجه لما ذهب إليه الشيخ الأعظم (قدس سره) من المنع على الإطلاق بناءً على وجوب الاجتناب عن كلا المشتبهين.
نعم، لا يجوز أن ينتفع بهما فيما كان مشروطاً بالطهارة والتذكية.
وإن كان المدرك في المنع هو حرمة الانتفاع بالميتة لكونها في نظر الشارع مسلوبة المالية (نظير الخمر والخنزير)، فغاية ما يترتّب عليه هو عدم جواز بيعهما من شخص واحد، للعلم الإجمالي بوجود ما لا يجوز الانتفاع به فيهما، وأمّا بيعهما من شخصين فلا بأس فيه، لأنّ حرمة الانتفاع لم تثبت إلاّ على الميتة المعلومة إمّا إجمالاً أو تفصيلاً على سبيل منع الخلو، وإذا انتفى أحد العلمين انتفت حرمة الانتفاع أيضاً، فلم يبق في البين إلاّ الاحتمال فيندفع بالأصل، فانّ هذا نظير انعدام أحد المشتبهين أو خروجه عن محل الابتلاء الموجب لسقوط العلم الإجمالي عن التأثير.(1)

(1) مصباح الفقاهة:1/72.

صفحه 118
يلاحظ على الشقّ الأوّل: أنّ مفروض المسألة إنّما هو بيع الميتة منضمة إلى المذكى، أي في ضمن بيعهما، وبعبارة أُخرى بيع المختلط من الميتة والمذكى، وأمّا بيع خصوص المذكّى من المختلطين، وكون تسليمهما مقدّمة لتسليم المذكّى، فخارج عن البحث، وإنّما هو احتمال ذكره الشيخ بعد عنوان المسألة، حيث قال: «وجوّز بعضهم البيع بقصد بيع المذكى» وهو يشعر أنّ عنوان المسألة غير هذا، وعلى ذلك فما ذكره الشيخ في تعليل المسألة ـ راجع إلى ما عنون به المسألة فلا يصحّ قوله ـ دام ظلهـ «لا شبهة في أنّهما لا تشملان صورة الاختلاط، لأنّه لا يصدق بيع الميتة على ذلك مع قصد المذكّى حتّى مع تسليمها إلى المشتري لكونه مقدّمة لإقباض المبيع»، فانّ قوله ـ دام ظله ـ : «لكونه مقدّمة لإقباض المبيع»، صريح في أنّ مفروض كلامه هو كون المبيع خصوص المذكّى، وانّ تسليم كليهما من باب المقدّمة، والحال انّه خارج عن مفروض المسألة، فانّ عنوانها عبارة عن بيع الميتة مع المذكّى، وما ورد من الروايات في النهي عن بيع الميتة على وجه الإطلاق يشمل بيعها منفردة أو منضمة إلى المذكّى.
ويلاحظ على الشقّ الثاني: انّ البيع من شخصين وإن كان يرفع الإشكال عن المشتري حيث لا علم له بكون المأخوذ ميتة، إلاّ أنّ الإشكال يتوجه إلى البائع لأنّه يعلم أنّ أحد البيعين محرّم عليه، لأنّه باع مالا ينتفع به شرعاً، وما ليس مالاً عند الشارع.
ثمّ إنّ المحقّق الإيرواني احتمل بطلان البيع حسب القاعدة الأوّلية لأجل جهالة المبيع وتردّده بين الشيئين، وأورد على الشيخ الأعظم بأنّه يظهر من عدم استناده إلى جهالة المبيع انّه لا تضر بصحّة البيع مع أنّ عدم إضرارها باطل.(1)

(1) تعليقة المحقّق الإيرواني:5.

صفحه 119
يلاحظ عليه: بمثل ما أوردناه على الشق الأوّل من كلام المحقّق الخوئي ـ دام ظله ـ فانّ الاستناد إلى قاعدة الجهالة إنّما يصحّ إذا كان عنوان المسألة بيع خصوص المذكّى.
وقد عرفت أنّه خارج عن متن المسألة، وإنّما نقله الشيخ عن بعضهم وجهاً، وأمّا بناءً على كون المسألة هو بيع الميتة منضمة إلى المذكّى بحيث يكون الثمن في قبال المجموع لا خصوص المذكّى، فلا يتوجه إشكال الجهالة، فانّ المبيع هو المختلط من الميتة والمذكّى ولا جهالة فيه، وبذلك يعلم أنّ ما ذكره المحقّق الإيرواني (رحمه الله) أخيراً لتوجيه كلام الشيخ غير تام، حيث قال: ويمكن أن يتخلّص عمّا ذكره المصنّف بما ذكرناه بأن يبيع كلّياً موصوفاً بأوصاف خاصة، ثمّ يُسلّم أطراف العلم الإجمالي ليحصل به تسليم المبيع ضمناً.
وقد عرفت أنّ هذا التوجيه لا يصلح لتصحيح ما هو المقصود من عنوان المسألة.
هذا كلّه إذا باع الميتة منضمة إلى المذكّى، وأمّا لو باع خصوص المذكّى في ضمن الميتة، فقد ذهب الشيخ إلى عدم كون ذاك القصد نافعاً، بعد فرض عدم جواز الانتفاع بالمذكّى، لأجل الاشتباه.
أقول: بما أنّه (قدس سره) اختار جواز الانتفاع بالميتة المعلومة فيما لا محذور فيه، فلابدّ أن يكون مراده من عدم جواز الانتفاع هو الانتفاع فيما فيه المحذور كالأكل كما لا يخفى، وأمّا الانتفاع بمالا محذور فيه، فالمعلوم تفصيلاً وإجمالاً فيه سواسية.
ثمّ إنّه ربّما يصحح جواز بيع خصوص المذكّى من المشتبهين بأنّه لو قلنا بعدم وجوب الاجتناب في الشبهة المحصورة عن كلا الطرفين، وجواز ارتكاب أحدهماـ و بعبارة أُخرى: لو قلنا بكفاية الموافقة الاحتمالية وعدم وجوب الموافقة

صفحه 120
القطعية ـ جاز البيع بالقصد المذكور.(1)
وأورد عليه الشيخ (قدس سره) بأنّه لو صحّ المبنى فإنّما يصحّ فيما إذا كان الأصل الجاري هو الجواز كالإناءين الطاهرين إذا علمنا بعروض النجاسة لأحدهما، لا فيما إذا كان الأصل الجاري هو الحرمة كما إذا علمنا بنجاسة الإناءين ثمّ وقفنا على طهارة أحدهما، وبما انّ الحالة السابقة في الصورة الثانية هي الحرمة، فتجب الموافقة القطعية عملاً بالأصل، والمختلط من الميتة والمذكّى من قبيل القسم الثاني، لأنّ الأصل في كلا الحيوانين هو عدم التذكية، غاية الأمر عروض العلم الإجمالي بتذكية أحدهما، وهو غير قادح بالعمل بالأصلين.
وأورد عليه المحقّق الخوئي ـ دام ظله ـ بأنّ أصالة عدم التذكية لا تثبت الميتة ـ التي هي أمر وجودي ـ إلاّعلى القول بالأُصول المثبتة، فانّ الميتة عبارة عمّا مات حتف أنفه، أو ما فارقه الروح بغير ذكاة شرعية، أو على هيئة غير مشروعة، أمّا في الفاعل أو في المفعول، وبما انّ جميعها من الأُمور الوجودية فلا يثبت شيء منها بأصالة عدم التذكية، إلاّ على القول بحجّية الأصل المثبت.(2)
ويمكن أن يقال أنّه لا حاجة إلى إثبات انّه ميتة حتّى يقال انّه مثبت، لأنّ المراد من الانتفاع هو الانتفاع المحرّم كالأكل وغيره، وأمّا الانتفاع المحلّل كالتسميد وغيره فجواز الانتفاع به والبيع لأجله خارج عن البحث، والميتة المعلومة تفصيلاً وإجمالاً في هذا القسم سواسية.
وعلى ذلك فيكفي في إثبات حرمة الانتفاع، استصحاب عدم التذكية، فانّ

(1) لا يخفى انّه لو صحّ المبنى، لجاز بيع أحدهما مطلقاً من دون ضم الآخر، لأنّ المفروض جواز ارتكاب أحدهما وبيعه، من دون شرطية كونه موافقاً لما هو الحلال واقعاً.
(2) مصباح الفقاهة:1/73.

صفحه 121
عدم التذكية موضوع للحرمة ولا يحتاج إلى إثبات عنوان الميتة حتّى يكون من الأُصول المثبتة.
ثمّ إنّ المحقّق الشيرازي (قدس سره) صرّح بعدم كفاية أصالة الحلّ في جواز البيع، قائلاً: بأنّ أصالة الحلّ لا يثبت بها إلاّ جواز الأكل، وأمّا جواز البيع فلا. لأنّ المفروض عدم جواز بيع الميتة الواقعية، فمع الشكّ في تحقّق الموضوع القابل للانتقال، يحكم بأصالة عدم الانتقال، وإن لم يكن هناك أصل يثبت به عدم كونه المذكّى، وذلك نظير المال المردّد بين كونه مال الشخص أو مال غيره، فانّه وإن قلنا بجواز أكله إذا لم يكن مسبوقاً بكونه ملكاً لغيره، لكن لا نقول بجواز بيعه، لما قلنا من الشكّ في الملكية المترتب عليها جواز البيع ونفوذه.(1)
أقول: إنّ مفاد أصالة الحلّ على فرض جريانها ليس حلية خصوص الأكل، بل مقتضاها ترتب جميع آثار الحلية على المشكوك فيه في الظاهر، ومن آثارها جواز البيع وصحّته، بل الظاهر انّ مفاد أصالة الحلّ هو صحّة البيع تكليفاً ووضعاً، وقياسه بالمال المردّد بين مال نفسه ومال غيره قياس مع الفارق، للفرق بين المقيس والمقيس عليه، لأنّ إحراز الملكية من أركان جواز البيع، ففي مثل المال المردد بين كونه مال الشخص أو مال غيره، لم يحرز هذا الركن، فيكون شبهة مصداقية، لقوله: «لا تبع ما ليس عندك»، وأمّا المقيس، فلا شكّ أنّ المالية، بل الملكية، محرزة للمالك، وإنّما المشكوك هو جواز الانتفاع بواحد منهما، فيكون القياس مع الفارق، اللّهم إلاّ أن يقال بمعارضته بأصالة عدم الانتقال، وهي عبارة أُخرى عن أصالة عدم ملكية المشتري للمثمن، وأثره الشرعي هو عدم جواز تصرّفه، فلاحظ.
هذا كلّه حسب القواعد الأوّلية.

(1) تعليقة المحقّق الشيرازي:10ـ11.

صفحه 122

وأمّا حسب الروايات الخاصّة

1. فقد روى الكليني بسند صحيح، عن الحلبي، قال: سمعت أبا عبد اللّه(عليه السلام) يقول: «إذا اختلط الذكي بالميت، باعه ممّن يستحل الميتة، وأكل ثمنه».(1)
2. وروى أيضاً بسند صحيح، عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) انّه سئل عن رجل كان له غنم وبقر فكان يدرك الذكي منها فيعزله، ويعزل الميتة، ثمّ إنّ الميتة والذكي اختلطا، كيف يصنع به؟ قال: «يبيعه ممّن يستحل الميتة، ويأكل ثمنه فانّه لا بأس به».(2)
فعلى هذا يجوز بيعه ممّن يستحل حتّى فيما إذا علم أنّه ينتفع به في المنافع المحرّمة كالأكل لو فرض كون المبيع ميتة في الواقع.
وأورد على العمل بهذه الروايات إشكالات نذكرها، وما يمكن أن يقال في دفعها:
منها: إعراض الأصحاب عنها، فقد حكى في «مفتاح الكرامة» عن ابن إدريس، انّه مخالف لأُصول المذهب، وقال القاضي: إنّ الأحوط ترك بيعه.(3)
ومع ذلك فالإعراض غير ثابت، بل عدمه ثابت، فقد نقل صاحب مفتاح الكرامة عن «النهاية» و«الوسيلة» و«الجامع»: انّه إذا اختلط لحم المذكّى بالميتة، ولم يكن هناك طريق إلى تمييزه منها، لم يحل أكل شيء منه، وبيع على مستحل الميتة.

(1) الوسائل: 16/370، الباب36 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث1.
(2) الوسائل:16/370، الباب36 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث2.
(3) مفتاح الكرامة:4/20.

صفحه 123
وقال المحقّق: ربما كان حسناً إذا قصد بيع المذكى حسب، ووافقه المصنّف في مطاعم الكتاب والتحرير.(1)
أقول: قال الشيخ في «النهاية»: وإذا اختلط اللحم الذكي بالميتة ولم يكن هناك طريق إلى تمييزه منها، لم يحل أكل شيء منه، وبيع على مستحلّي الميتة.(2)
وقال المحقّق في «الشرائع»: وإذا اختلط الذكي بالميتة، وجب الامتناع منه حتّى يعلم الذكي بعينه، وهل يباع ممّن يستحل الميتة؟ قيل: نعم، وربما كان حسناً إن قصد بيع الذكي حسب، وكل ما أُبين من حي فهو ميتة يحرم أكله واستعماله.(3)
وقال العلاّمة في «المختلف» ـ بعد نقل جواز بيع المختلط من الذكي والميتة على مستحلّـي الميتة عن الشيخ ـ : وتبعه ابن حمزة، و قال ابن البراج: إذا اختلط لحم ذكي بميتة ولم يمكن تمييزه منها لم يحل له أكل شيء منه، و قد قيل: إنّه يجوز بيعه على مستحلّي الميتة، والأحوط ترك بيعه.
وقال ابن إدريس: لا يجوز بيعه ولا الانتفاع به. وقد روي أنّه يباع على مستحل الميتة، والأولى إطراح هذه الرواية وترك العمل بها، لأنّها مخالفة لأُصول مذهبنا، ولأنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «إنّ اللّه إذا حرّم شيئاً حرّم ثمنه» ـ ثمّ قال ـ: والوجه ما قاله الشيخ (قدس سره).(4)
وقال العلاّمة (قدس سره) في «الإرشاد»: ويحرم المشتبه بالميتة، فان بيع على مستحلّيه قصد المذكّى.
ويظهر من المحقّق الأردبيلي الميل إلى العمل بالصحيحين، قال في توضيح

(1) مفتاح الكرامة:4/19ـ20.
(2) النهاية:586.
(3) الشرائع:3/223، كتاب الأطعمة والأشربة، القسم الرابع في الجامدات.
(4) مختلف الشيعة: 8/319، كتاب الصيد وتوابعه ، فصل في ما يحلّ من الميتة ويحرم من الذبيحة.

صفحه 124
قوله:«ويحرم المشتبه بالميتة»: ويؤيده تجويز البيع على مستحل الميتة مطلقاً، ولا يخرج عن الاحتياط، ثمّ ذكر صحيح الحلبي وقال: ولمّا كان مفاد الرواية خلاف ما تقرر عندهم ـ من عدم جواز التصرّف في الميتة وعدم إباحة أكل ثمنها ـ ذكروا أنّه يقصد بيع المذكّى لا الميتة.(1)
وقال النراقي في «المستند»: إنّ ما دلّت عليه الصحيحتان من جواز البيع لمستحلّي الميتة مذهب جماعة. منهم الشيخ في «النهاية» و ابن حمزة، وهو الأقوى، للصحيحين المذكورين المخصّصين للأخبار المانعة عن الانتفاع بالميتة مطلقاً وعن بيعها، لأخصّيتهما المطلقة منها من وجوه، خلافاً للحلّي والقاضي وجمع آخر، فقد منعوه للأخبار المذكورة بجوابها، ولما دلّ على حرمة الإعانة على الإثم بناءً على كون الكفّار مكلّفين بالفروع كما هو المذهب.
وفيه، منع كونه إعانة، كما يظهر وجهه ممّا ذكرناه في بيان الإعانة على الإثم في كتاب «العوائد»، مع أنّها أيضاً ليست إلاّقاعدة كلّية، صالحة للتخصيص، وقد يعتذر المانعون للصحة عن الصحيحين بوجوه غير تامّة لا فائدة في ذكرها بعد عمل الأكابر بظاهرهما.(2)
وفي «الجواهر»: فالمتجه العمل بالخبرين الجامعين لشرائط الحجية، خصوصاً بعد الشهرة المحكية في «مجمع البرهان» على العمل بهما، وابن إدريس طرحهما على أصله، بل لا ريب في أولوية ذلك ممّا في «الدروس»: من الميل إلى تعرفه بالعرض على النار بالانبساط والانقباض كما سيأتي في اللحم المطروح المشتبه.(3)

(1) شرح الإرشاد للمحقّق الأردبيلي:11/272ـ 273، كتاب الأطعمة والأشربة.
(2) مستند الشيعة: 15/154، كتاب المطاعم والمشارب، الفصل السادس في حكم المشتبه.
(3) الجواهر:36/341.

صفحه 125
وأنت إذا أحطت بهذه الكلمات تقف على أنّ الصحيحين ممّا عمل به كثير من الأصحاب، وإنّما لم يعمل به بعضهم كابن إدريس والقاضي لأجل اجتهادهم في أنّ مضمونهما مخالف للقواعد العامة، مع الغفلة عن أنّ المخالفة بالعموم والخصوص لا تعد مخالفة.
ومنها ]الإشكالات[: احتمال ورود الروايتين على التقية، حكاه في «مفتاح الكرامة» عن أُستاذه كاشف الغطاء ـ قدس سرهما ـ.
يلاحظ عليه: أنّ الحمل عليها فرع القول به من العامّة، وقد عرفت أنّ العامة قاطبة لا يجوزون بيع الميتة قبل الدباغ وإن اختلفوا في جوازه بعده.
ومنها: انّ الروايات محمولة على التعجيز، نقله صاحب مفتاح الكرامة (قدس سره) أيضاً عن أُستاذه معلّلاً بأنّه لا مستحل للميتة بعد عهد موسى على نبيّنا وآله و(عليه السلام) من جميع الملّيين.
يلاحظ عليه: أنّ نهي القرآن عن أكل الميتة يدلّ على وجود السيرة بأكلها وغيرها، قال سبحانه: (حُرِّمت عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّم وَلَحْم الخِنْزير وَما أُهِلَّ لِغَيْرِاللّهِ بهِِ وَالْمُنخَنِقَة وَالمَوقُوذَة وَالمُتَردّية والنَّطيحَة وَما أَكَلَ السَّبع إِلاّ ما ذكَّيتُمْ وَما ذُبِحَ عَلى النُّصُب وَان تَسْتَقْسِمُوا بالأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ اليَوم يَئسَ الَّذينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلاتَخْشَوهُمْ وَاخْشونِ اليَومَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دينكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي وَرَضيتُ لَكُمُ الإِسلامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ في مَخْمَصَة غَير مُتَجانِف لإِثمْ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحيم).(1)
وقد حكي انّ أُناساً من العرب كانوا يأكلون جميع ذلك ولا يعدونه ميّتاً، إنّما يعدّون الميت ما يموت من الوجع.

(1) المائدة:3.

صفحه 126
ويكفي استحلال العرب في الجاهلية، وإن لم يكن حلالاً عند أصحاب الشرائع السماوية.
ومنها: انّها معارضة لما روي عن علي (عليه السلام) حيث سئل عن شاة مسلوخة وأُخرى مذبوحة، عُمّى على الراعي أو على صاحبها، فلا يدري الذكية من الميتة؟ قال:«يرمي بهما جميعاً إلى الكلاب».(1)
يلاحظ عليه: أنّ الرواية محتملة لأن يراد منها عدم المعاملة معهما معاملة المذكّى، وحرمة الانتفاع بهما كالانتفاع بالذكي، ومثل هذا لا يعارض ما دلّ صريحاً على جواز البيع من المستحل، لأنّ انحصار البيع من المستحل أوضح شاهد على أنّه لا يجوز الانتفاع بها مثل الذكي، ويؤيد ذلك:
ما روي عن يعقوب بن يزيد،عن الحسن بن المبارك،عن زكريا بن آدم قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام)عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيه لحم كثير ومرق كثير؟ قال: «يهراق المرق، أو يطعمه أهل الذمّة أو الكلب، واللحم اغسله وكله».قلت: فانّه قطر فيه الدم؟ قال: الدم تأكله النار إن شاء اللّه». قلت: فخمر أو نبيذ قطر في عجين أو دم؟ قال: فقال: «فَسَدَ» قلت: أبيعه من اليهودي والنصارى وأُبيّن لهم؟ قال: «نعم، فانّهم يستحلّون شربه»، قلت: والفقاع هو بتلك المنزلة إذا قطر في شيء من ذلك؟ قال: فقال: «أكره أنا ان آكله إذا قطر في شيء من طعامي».(2)
ففي هذا الحديث جعل أهل الذمّة في رديف الكلب فجوّز في حقهم ما يجوز في حقّ الكلب. وعلى ذلك فلا منافاة بين الصحيحين من جواز البيع على

(1) المستدرك:13/73، الباب7 من أبواب ما يكتسب به، الحديث1.
(2) الوسائل: 2/1056، الباب38 من أبواب النجاسات، الحديث8.

صفحه 127
مستحل الميتة وبين ما يدلّ على رميهما إلى الكلاب.
ومنها: انّ هذه الروايات معارضة لروايات الاختبار، فقد روي أنّ اللحم المردّد بين الميتة والمذكّى يختبر بالطرح على النار فإن انقبض فذكي، وإن انبسط فهو ميت.
فقد روى إسماعيل بن شعيب، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل دخل قرية فأصاب بها لحماً لم يدر أذكي هو أم ميت؟ فقال: فاطرحه على النار، فكلّ ما انقبض فهو ذكي، وكلُّ ما انبسط فهو ميت».(1)
وروى الصدوق مرسلاً قال: قال الصادق (عليه السلام) :«لا تأكل الجري ـ إلى أن قال: ـ و إذا وجدت لحماً ولم تعلم أذكي هو أم ميتة؟ فألق قطعة منه على النار، فإن انقبض فهو ذكي، و ان استرخى على النار فهو ميتة».(2)
يلاحظ عليه: أنّ الخبر الأوّل ضعيف بإسماعيل بن شعيب، لعدم توثيقه في الرجال، والثاني مرسل، أضف إليه انّه لا تأثير للذكاة وعدمها في انبساط اللحم وانقباضه.
نعم ربما يورد على الروايتين بأنّهما واردتان في الشبهة البدوية، وهي خارجة عن محط البحث، فإنّ البحث في المقام إنّما هو اختلاط الميتة القطعية بالمذكّى القطعي، وهو غير ما وردت فيه الرواية.
وأنت خبير بأنّ هذا الفرق غير فارق لمكان ظهور الدليل في كونه علامة لتمييز المذكى عن الميتة من دون أن تكون لخصوص السؤال فيه في ذلك مدخلية والحقّ جواز العمل بالصحيحين كما لا يخفى.
ثمّ إنّ العلاّمة جعل بيعهما من مستحل الميتة صورة بيع، لا بيعاً حقيقة،

(1) الوسائل: 16/370، الباب37 من أبواب الأطعمة المحرّمة، الحديث 1و2.
(2) الوسائل: 16/370، الباب37 من أبواب الأطعمة المحرّمة، الحديث 1و2.

صفحه 128
وقال: إنّه ليس بيعاً محقّقاً، بل أُطلق عليه اسم البيع لمشابهته له في بذل مال في مقابله عوض.(1)
وفسره صاحب مفتاح الكرامة (قدس سره) بقوله بأنّه ليس بيعاً بل استنقاذ لمال الكافر برضاه فكان سائغاً.(2)
وأورد عليه المحقّق الخوئي ـ دام ظلّه ـ: بأنّ النسبة بين الكافر المستحل وبين ما يجوز استنقاذ ماله عموم من وجه، فانّه قد يكون المستحل ممّن لا يجوز استنقاذ ماله، إلاّ بالأسباب الشرعية كالذمّي، وقد يكون غير المستحل ممّن يجوز استنقاذ ماله.(3)
يلاحظ عليه: أنّه لم يقل باستنقاذ ماله على وجه الإطلاق، بل مقيّداً برضاه، وعندئذ تكون النسبة بين الكافر ومن يجوز استنقاذ ماله عموماً وخصوصاً مطلقاً، فإنّ الثاني أعمّ مطلقاً من الكافر، لأنّه يجوز استنقاذ مال الكافر والمسلم برضاه.
ومنها: حمل الروايتين على صورة قصد البائع المسلم أجزاءها التي لا تحلّها الحياة.
يلاحظ عليه: أنّ الحمل مخالف لظاهر الروايتين، إذ لو كان المبيع هو ما لا تحلّه الحياة فلا وجه لبيعه من المستحل، واحتمال اشتمال المبيع على اللحم داعياً إلى البيع لا مبيعاً، خلاف الظاهر جداً، أضف إليه انّ الرواية الثانية مشتملة على البقر وليس فيه شيء لا تحلّه الحياة صالحاً لأن يباع.
نعم ربّما يتوهّم أنّ بيع المختلط من مستحلّي الميتة إعانة على الإثم، لأنّ الكفّار مكلّفون بالفروع كتكليفهم بالأُصول.

(1) مختلف الشيعة:8/320، كتاب الصيد وتوابعه، الفصل الرابع.
(2) مفتاح الكرامة:4/20.
(3) مصباح الفقاهة:1/75.

صفحه 129
يلاحظ عليه: ما سيأتي في تحقيق معنى الإعانة على الإثم، وانّه لا يصدق على هذا وما شابهه، كبيع العنب والتمر ممّن يعلم انّه يجعلهما خمراً، وإلاّفإنّ كثيراً من البيوع من الكافر والفاسق ستكون إعانة على الإثم حتّى سقيهم بجرعة من الماء لتنجس الماء بمجرد مباشرته بالفم.
***

الفرع الثاني: بيع ما ليس له دم سائل

اتّفقت كلمة المشهور على أنّه لا ينجس من الميتات إلاّ ما له نفس سائلة لا غيرها ممّا ليس له نفس كذلك كالجراد والوزغ، وقال الصادق (عليه السلام) في مرفوعة محمد بن يحيى:«لا يفسد الماء إلاّ ما كانت له نفس سائلة».(1)
ولا خلاف إلاّ في الوزغ والعقرب، وربّما يظهر من «الوسيلة»، و«المهذّب» القول بنجاسة ميتهما. ولعلّه للاغترار بوجوب النزح فيهما عند الوقوع في البئر، غير أنّ وجوب النزح فيهما لا يدلّ على النجاسة، لأنّ وجوبه أعمّ منها، كما في اغتسال الجنب من الماء ففيه النزح من دون طروء نجاسة على الماء، كما أنّ الأمر بإراقة الماء الذي وجد فيه العقرب والأمر بعدم التوضّؤ منه محمول على التنزيه والتجنب عن السم المحتمل.
واتّفقت كلمتهم على أنّه لا يجوز الصلاة في جلد الميتة ممّا له نفس سائلة سواء كان ممّا يؤكل لحمه أو لا، دبغ أو لا، غير أنّ المنساق من الميتة في المباحث كلّها هو ميتة ذي النفس السائلة، فانّ الميتة في مقابل المذكّى المنصرف إلى ما يقبل التذكية، وليس هي إلاّ ما له نفس سائلة.

(1) الوسائل: 2/1052، الباب35 من أبواب النجاسات، الحديث5.

صفحه 130
ولأجل ذلك: تجوز الصلاة في ميتة ما ليس له نفس سائلة كجلد السمك والخز.(1)
وعلى ذلك فلا مانع من المعاملة على ميتة ما ليس له نفس سائلة لوجود المنافع المهمة في بعضها كالدهن في السمك، والجلد في الخز، فتشمله الإطلاقات.
وما يتصوّر أنّ بيعه ممّن نعلم أنّه يأكله إعانة على الإثم، مدفوع بما أشرنا إليه وسيجيء توضيحه تفصيلاً عند البحث عن الإعانة على الإثم وانّ المراد من الإعانة المحرمة غير هذا، وإلاّ لكان أكثر البيوع إعانة على الإثم.
وربما يستدل على الحرمة بالروايات العامّة التي قد مرت في صدر الكتاب وأوضحنا مفادها، والصالح للاستدلال منها في بدء النظر هو النبوي، أعني قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ اللّه إذا حرم شيئاً حرم ثمنه» فلو قلنا بأنّ الحديث مشتمل على لفظ الأكل فيمكن أن يستدلّ به، ويقال بأنّ السمك الميتة محرّم الأكل فهو محرم البيع.
يلاحظ عليه: أنّ القدر المتيقن ما إذا لم يكن المبيع مشتملاً على المنفعة المحلّلة وإن لم تكن مقصودة، ومع ذلك كان البيع واقعاً للجهة المحرّمة ـ أعني الأكل ـ وهو خلاف المفروض.
وأمّا إذا قلنا بتجرّده عن ذلك اللفظ، فقد عرفت أنّ نسبة التحريم إلى الأعيان إنّما تصحّ إذا كانت غالب منافعها محرّمة وكانت الغاية من البيع تلك المنافع، والمفروض عدم ثبوت الأمرين، إذ للسمك والخز الميّتين منافع محلّلة، كما أنّ البيع حسب الفرض ليس لأجل المنافع المحرمة.

(1) الوسائل: 3/261، الباب8 من أبواب لباس المصلي، الحديث4، وجواز الصلاة في الخز مع كونه ممّا لا يؤكل لحمه خارج بالدليل.

صفحه 131

المسألة السادسة

التكسّب بالكلب والخنزير

قال الشيخ الأعظم (قدس سره) : يحرم التكسّب بالكلب الهراش والخنزير البريّين إجماعاً على الظاهر المصرّح به في المحكي عن جماعة، وكذلك أجزاؤهما، نعم لو قلنا بجواز استعمال شعر الخنزير وجلده جاء فيه ما تقدّم في جلد الميتة.(1)
أقول: يقع الكلام في مقامات:

الأوّل: في تحريم التكسّب بالكلب الهراش

فسر الكلب الهراش بما ساء خلقه، وقد جاء في كلامه قيدان:
1. التقييد بالهراش، وهو ما ساء خلقه، وذلك لأجل عدم حرمة غيره على وجه الإجمال كما سيوافيك.
2. التقييد بالبري، وذلك لطهارة الكلب البحري، بل لا يطلق عنوان الكلب عليه على وجه الإطلاق، وإنّما يطلق عليه المركّب من الكلب والماء(كلب الماء) ومثله الخنزير، هذا توضيح كلامه.
استدلّ على حرمة التكسّب بالكلب بوجهين:
الأوّل: الإجماع.

(1) المكاسب:1/41، المسألة6.

صفحه 132
أقول: قال الشيخ : يجوز بيع كلاب الصيد، ويجب على قاتلها قيمتها إذا كانت معلّمة، ولا يجوز بيع غير الكلب المعلّم على حال.
وقال أبو حنيفة ومالك: يجوز بيع الكلاب مطلقاً، إلاّ أنّه مكروه، فإن باعه صحّ البيع ووجب الثمن، وإن أتلفه متلف لزمته قيمته.
وقال الشافعي: لا يجوز بيع الكلاب معلمة كانت أو غير معلمة، ولا يجب على قاتلها القيمة.
دليلنا: إجماع الفرقة فانّهم لا يختلفون فيه... وروى جابر أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) نهى عن ثمن الكلاب والسنور إلاّ كلب الصيد، وهذا نصّ.(1)
ولا يخفى أنّ القدر المتيقّن من قوله: ولا يجوز بيع غير الكلب المعلم على حال، هو الكلب الهراش والعقور وما أشبههما.
وقال في «المراسم»:فأمّا المحرّم فبيع كلّ عصب... وبيع الكلاب، إلاّ السلوقي وكلب الماشية والزرع.(2)
وقال في «التذكرة»: الكلب إن كان عقوراً حرم بيعه عند علمائنا. وبه قال الحسن وربيعة وحمّاد والأوزاعي والشافعي وداود وأحمد.(3)
وقال في «المنتهى»: وقد أجمع علماؤنا على تحريم بيع ما عدا كلب الصيد والماشية والزرع والحائط من الكلاب.(4)
وقال في «المستند»: ومنها الخنزير والكلب، وحرمة التكسّب بهما إجماعية كما صرّح به جماعة.(5)

(1) الخلاف:2/80، المسألة302.
(2) المراسم:170.
(3) التذكرة:10/26، المسألة9، فصل في العوضين، كتاب البيع.
(4) المنتهى:2/1009، كتاب التجارة.
(5) المستند:14/84، كتاب التجارة.

صفحه 133
وقال ابن قدامة الحنبلي في المغني: لا يختلف المذهب في أنّ بيع الكلب باطل، أيّ كلب كان وبه قال الحسن، وربيعة، وحماد، والأوزاعي، والشافعي، وداود، وكره أبو هريرة ثمن الكلب، ورخّص في ثمن كلب الصيد خاصة جابر بن عبد اللّه، وعطاء، والنخعي، وجوز أبوحنيفة بيع الكلاب كلّها وأخذ أثمانها، وعنه رواية في الكلب العقور انّه لا يجوز بيعه، واختلف أصحاب مالك، فمنهم من قال: لا يجوز، ومنهم من قال: الكلب المأذون في إمساكه يجوز بيعه ويكره. واحتج من أجاز بيعه بما روي عن جابر أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نهى عن ثمن الكلب والسنّور إلاّ كلب الصيد.(1)
وهذه الكلمات ونظائرها تشرف الفقيه على تحقّق الإجماع على حرمة بيع الكلب.
والظاهر انّ الإجماع لأجل النصوص المتضافرة على حرمته، وستوافيك النصوص.
الثاني: الأخبار المتضافرة على حرمة الكلب، وهي على طائفتين:
قسم منها في مقام الإجمال، وقسم آخر في مقام البيان، وقد فرق صاحب الوسائل(قدس سره) روايات المسألة في الأبواب المختلفة، ونأتي من كلّ قسم ببعضه:
1. روى السكوني، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «السحت ثمن الميتة، وثمن الكلب، وثمن الخمر و...».(2)
2. وروى أبو بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث: «انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ثمن الخمر، ومهر البغي، وثمن الكلب الذي لا يصطاد، من السحت».(3)

(1) المغني لابن قدامة:4/225ـ 226.
(2) الوسائل:12/62ـ63، الباب5 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 5و7.
(3) الوسائل:12/62ـ63، الباب5 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 5و7.

صفحه 134
3. وروى حماد بن عمرو وأنس بن محمد، عن أبيه، عن جعفر بن محمد، عن آبائه (عليهم السلام) ، في وصية النبي لعلي صلّى اللّه عليهما وآلهما قال: «يا علي من السحت: ثمن الميتة، وثمن الكلب».(1)
4.وروى القاسم بن عبد الرحمن، عن محمد بن علي الباقر، عن أبيه، عن الحسين بن علي، عن أبيه(عليهم السلام) في حديث:«انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) نهى عن تسعة خصال: عن مهر البغي...وعن ثمن الكلب».(2)
5. وروى الحسن بن علي الوشاء، عن الرضا (عليه السلام) قال: «وثمن الكلب سحت».(3)
6. وروى البخاري:«انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) نهى عن ثمن الكلب».(4)
7. وروى البيهقي، عن أبي هريرة:«نهى عن الكلب إلاّ كلب الصيد».(5)
هذه هي الطائفة الأُولى.
وأمّا الطائفة الثانية التي يظهر انّها في مقام البيان وإعطاء الضابطة الكلّية بشهادة استثناء الصيود من الكلب، فإليك بيانها:
1. روى الصدوق (قدس سره) مرسلاً قال: قال (عليه السلام) : «أجر الزانية سحت، وثمن

(1) الوسائل:12/63، الباب5 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 9.
(2) الوسائل:12/64، الباب5 من أبواب ما يكتسب به، الحديث13، وفي هذا الحديث «أبي عدوية» تصحيف«أبي عروبة» كما في الخصال.
(3) الوسائل:12/83، الباب14 من أبواب ما يكتسب به، الحديث2، رواه في الوسائل عن «الحسن بن علي القاساني» وهو تصحيف «الحسن بن علي الوشاء» كما في الكافي، وهو نفس ما رواه صاحب الوسائل في ذلك الباب عن تفسير العياشي تحت الرقم8، وبهذا المضمون ما ورد في الوسائل في الحديث 4، 5، 8 من الباب 14 من أبواب ما يكتسب به، فلاحظ.
(4) صحيح البخاري:3/84، آخر البيوع.
(5) السنن الكبرى:6/6.

صفحه 135
الكلب الذي ليس بكلب الصيد سحت».(1)
2. روى أبو عبد اللّه العامري قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن ثمن الكلب الذي لا يصيد. فقال: «سحت، وأمّا الصيود فلا بأس».(2)
والظاهر وحدة هذه الرواية مع ما رواه صاحب الوسائل في ذلك الباب تحت الرقم 7 لوحدة متنهما، وإن كان السند مختلفاً، والظاهر وقوع التصحيف في السند، وإليك اسنادها:
فقد روى في الكافي: عن علي بن محمد بن بندار، عن أحمد بن أبي عبد اللّه، عن محمد بن علي، عن عبد الرحمن بن أبي هاشم، عن القاسم بن الوليد العماري، عن عبد الرحمن الأصم، عن مسمع بن عبد الملك، عن أبي عبد اللّه العامري قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن ثمن الكلب الذي لا يصيد؟ فقال: «سحت، فأمّا الصيود فلا بأس».(3)
وقد روى الشيخ (قدس سره) نفس الرواية في التهذيب هكذا: أحمد بن أبي عبد اللّه، عن محمد بن علي، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم بن الوليد العامري قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)....(4)
فالاختلاف بين السندين في أُمور:
ألف: روى الكليني الحديث عن علي بن محمد بن بندار،عن أحمد بن أبي عبد اللّه.
وروى الشيخ الحديث عن الراوي الثاني في سند الكليني، أعني: أحمد بن

(1) الوسائل:12/63، الباب 5 من أبواب ما يكتسب به، الحديث8.
(2) الوسائل: 12/83، الباب14 من أبواب ما يكتسب به، الحديث1.
(3) الكافي:5/127، كتاب المعيشة«باب السحت»، الحديث5.
(4) التهذيب:6/367، في المكاسب(أخبار ما لا يجوز التكسّب به)، الحديث181.

صفحه 136
أبي عبد اللّه.
ب: وصف الكليني القاسم بن الوليد بالعماري، ووصف الشيخ (قدس سره) القاسم بن الوليد بالعامري.
ج: القاسم بن الوليد في رواية الكليني لا يروي عن الإمام (عليه السلام) إلاّبثلاث وسائط ـ أعني: 1. عبد الرحمن الأصم، 2. مسمع بن عبد الملك، 3. أبو عبد اللّه العامري.
والحال: أنّ القاسم بن الوليد في رواية الشيخ (قدس سره) يروي عن نفس الإمام (عليه السلام) بلا واسطة. وتحقيق الحال يحتاج إلى ملاحظة تفصيل الطبقات.

المقام الثاني: في حرمة بيع الخنزير

قال الشيخ في «الخلاف»: لا يجوز بيع شيء من المسوخ مثل القرد والخنزير والدب والثعلب والأرنب والذئب والفيل وغير ذلك ممّا سنبيّنه.(1)
وقال العلاّمة (قدس سره) في «التذكرة»: ولو باع نجس العين كالخمر والميتة والخنزير لم يصح إجماعاً.(2)
وقال الشيخ في «المبسوط»: وإن كان نجس العين مثل الكلب والخنزير والفأرة والخمر والدم، وما توالد منهم، وجميع المسوخ، وما توالد من ذلك، أو من أحدهما فلا يجوز بيعه، ولا إجارته، ولا الانتفاع به، ولا اقتناؤه بحال إجماعاً إلاّ الكلب فإنّ فيه خلافاً.(3)
وقال ابن قدامة في «المغني»: ولا يجوز بيع الخنزير، ولا الميتة، ولا الدم.

(1) الخلاف:2/81.
(2) التذكرة:10/25، المسألة8، فصل في العوضين.
(3) المبسوط:2/165، كتاب البيوع، باب حكم ما يصحّ بيعه ومالا يصحّ.

صفحه 137
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على القول به، وأجمعوا على تحريم الميتة والخمر، وعلى أنّ بيع الخنزير وشراءه حرام، وذلك لما رواه جابر قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو بمكة يقول: «إنّ اللّه ورسوله حرّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام».(1)
هذه هي كلمات الفقهاء، ثمّ إنّ الكلام يقع في موارد:
الأوّل: في حرمة بيع الخنزير.
الثاني: الانتفاع به في تربية الدواب، لما اشتهر من أنّ أنس الخنزير بالخيل موجب لسمنها وكمالها.
الثالث: الانتفاع بأجزائها كالجلد والشعر، والبيع لذلك.
فنقول: أمّا الأوّل: فقد وردت حوله روايات، وهي على طوائف:

منها: ما دلّ على انّه يحرم للمسلم بيعه وضعاً

وإليك بيانها:
1. روى ابن أبي نجران(2) عن بعض أصحابنا، عن الرضا (عليه السلام) قال: سألته عن نصراني أسلم وعنده خمر وخنازير، وعليه دين، هل يبيع خمره وخنازيره، ويقضي دينه؟ قال: «لا».(3)
2. وروى يونس في مجوسي باع خمراً أو خنازير إلى أجل مسمّى، ثمّ أسلم قبل أن يحل المال؟ قال: «له دراهمه»، وقال: أسلم رجل وله خمر أو خنازير ثمّ مات، وهي في ملكه وعليه دين. قال: «يبيع ديانه أو ولي له غير مسلم، خمره

(1) المغني:4/229.
(2) في الكافي وهامش المخطوط: ابن أبي عمير.
(3) الوسائل:12/167، الباب57 من أبواب ما يكتسب به، الحديث1.

صفحه 138
وخنازيره، ويقضي دينه، وليس له أن يبيعه وهو حيّ، ولا يمسكه».(1)
3. ما رواه في «قرب الاسناد»، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال: سألته عن رجلين نصرانيين باع أحدهما خمراً أو خنزيراً إلى أجل فأسلما قبل أن يقبضا الثمن، هل يحل له ثمنه بعد الإسلام؟ قال: «إنّما له الثمن فلا بأس أن يأخذه».(2)
فصريح الأُولى بأنّ النصراني إذا أسلم لا يجوز له بيع الخنزير وقضاء دينه.
كما أنّ صريح الثانية انّه يبيعه ديّانه أو ولي له غير مسلم، فلو جاز للمسلم بيعه لما قيد الوليّ بكونه غير مسلم، أضف إلى ذلك قوله (عليه السلام) : «وليس له أن يبيعه وهو حي» وعلى ذلك فالمراد من الديّان هو غير المسلم منهم.
كما أنّ المفهوم من رواية «قرب الاسناد» تسليم حرمة البيع إذا كان البيع في حالة الإسلام، وإنّما السؤال عن جواز أخذ الثمن إذا باع حال الكفر ثمّ أسلم ولم يقبض الثمن ويريد قبضه حال الإسلام.
ويؤيده ما في «الجعفريات» عن علي (عليه السلام) قال: «من السحت ثمن الميتة ـ إلى أن قال ـ : وثمن الخنزير».(3)
ومثله ما عن «دعائم الإسلام» عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم):«انّه نهى عن بيع الأحرار، وعن بيع الميتة، والخنزير».(4)
والروايتان في مقام الإجمال، وعلى فرض الإطلاق تقيّدان بما يأتي، وإلاّ فهما منصرفتان إلى المسلم.

(1) الوسائل:12/167، الباب57 من أبواب ما يكتسب به، الحديث2.
(2) الوسائل:12/172، الباب61 من أبواب ما يكتسب به، الحديث1.
(3) المستدرك:13/69و71، الباب5 من أبواب ما يكتسب به، الحديث1و5.
(4) المستدرك:13/69و71، الباب5 من أبواب ما يكتسب به، الحديث1و5.

صفحه 139
وروى البيهقي في سننه، عن جابر بن عبد اللّه انّه سمع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول عام الفتح بمكة:«إنّ اللّه ورسوله حرّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام».(1)
وروى أيضاً عن أبي هريرة أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «إنّ اللّه جلّ ثناؤه حرّم الخمر وثمنها، وحرم الميتة وثمنها، وحرم الخنزير وثمنه».(2)
وروى أيضاً عن ابن عبـاس قـال: «السحت: الرشوة في الحكم ـ إلى أن قال ـ: ...وثمن الخنزير».(3)
و هذه الأحاديث في الإجمال والإهمال أو الإطلاق والتقييد، أو الانصراف، مثل ما تقدّم.

ومنها: ما يدلّ على جوازه مطلقاً

1. روى زرارة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، في الرجل يكون لي عليه الدراهم فيبيع بها خمراً وخنزيراً ثمّ يقضي منها؟ قال: « لا بأس»، أو قال: «خذها».(4)
2. ما رواه محمد بن يحيى الخثعمي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل، يكون لنا عليه الدين فيبيع الخمر والخنازير فيقضينا؟ فقال: «فلا بأس به، ليس عليك من ذلك شيء».(5)
3. روى أبو بصير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) ، عن الرجل يكون له على الرجل مال، فيبيع بين يديه خمراً وخنازير يأخذ ثمنه؟ قال: «لا بأس».(6)
وهذه الأحاديث محمولة على ما إذا كان البائع ذمياً، بشهادة القسم الثالث الذي سيوافيك.

(1) السنن الكبرى للبيهقي:6/12، وروى الحديث الأوّل البخاري في صحيحه راجع الجزء3 ص 84 باب بيع الميتة والأصنام.
(2) السنن الكبرى للبيهقي:6/12، وروى الحديث الأوّل البخاري في صحيحه راجع الجزء3 ص 84 باب بيع الميتة والأصنام.
(3) السنن الكبرى للبيهقي:6/12، وروى الحديث الأوّل البخاري في صحيحه راجع الجزء3 ص 84 باب بيع الميتة والأصنام.
(4) الوسائل:12/171، الباب60 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 3و4و5.
(5) الوسائل:12/171، الباب60 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 3و4و5.
(6) الوسائل:12/171، الباب60 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 3و4و5.

صفحه 140

ومنها: ما يدلّ على التفصيل بين الذّمّي والمسلم

وهي رواية منصور بن حازم قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : لي على رجل ذمّيّ دراهم فيبيع الخمر والخنزير وأنا حاضر، فيحل لي أخذها؟ فقال: «إنّما لك عليه دراهم فقضاك دراهمك».(1)
وهذه الرواية تقيّد جميع المطلقات، أخذاً بمفهوم الوصف، لكونه في مقام التحديد.
نعم بقي هنا رواية محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) في رجل كان له على رجل دراهم فباع خمراً وخنازير وهو ينظر فقضاه؟ فقال: «لا بأس به، أمّا للمقتضي فحلال، وأمّا للبائع فحرام».(2)
ووجه الإشكال أنّ البائع لا يخلو من أن يكون ذمّياً أو مسلماً، فلو كان ذمّياً فالمعاملة جائزة تكليفاً ووضعاً، ولو كان مسلماً فالمعاملة باطلة كذلك، ويكون أداء الدين منه أداءً من غير ماله.
فعلى الأوّل : لا يصحّ قوله:«أمّا للبائع فحرام».
وعلى الثاني: فهو وإن كان للبائع أيضاً حراماً، لكنّه حرام بالنسبة إلى الآخذ أيضاً فلا يصحّ قوله: «لا بأس به، أمّا للمقتضي فحلال»: فإنّ المراد من المقتضي هو الآخذ.
ويمكن أن يقال: انّ الذي ثبت هو جواز بيع الخنزير للذمّي وضعاً لا تكليفاً، فلو باعه الذمّي فالمعاملة صحيحة وإن كان نفس التكسّب حراماً، ولم يثبت من رواية منصور بن حازم أزيد من هذا، حيث قال(عليه السلام): «إنّما لك عليه

(1) الوسائل:12/171، الباب60 من أبواب ما يكتسب به، الحديث1.
(2) الوسائل:12/171، الباب60 من أبواب ما يكتسب به، الحديث2.

صفحه 141
دراهم فقضاك دراهمك» وعلى هذا فيمكن أن تحمل رواية «ابن مسلم» على كون البائع ذمّياً، وتكون المعاملة صحيحة بحيث يجوز للآخذ التصرّف فيه، غير أنّه لما كان نفس العمل محرّماً وصف البائع بقوله: «أمّا للبائع فحرام».
والحاصل: انّه لا يظهر من روايات الجواز في حقّ الذميّ إلاّ الحليّة الوضعية لا التكليفية.

المقام الثالث: الانتفاع بالخنزير في حياته

قد اشتهر على الألسن: أنّ أُنس الخنزير بالدواب موجب لسمنها وكمالها.
أقول: يظهر من الشيخ في «المبسوط» عدم الجواز، حيث قال: الحيوان الذي هو نجس العين كالكلب والخنزير والفأرة و... وما توالد منهم، وجميع المسوخ وما توالد من ذلك، أو من أحدهما، فلا يجوز بيعه، ولا إجارته، ولا الانتفاع به ولا اقتناؤه بحال، إجماعاً، إلاّ الكلب.(1)
ومع ذلك كلّه يمكن أن يقال: انّ المحرم هو الانتفاعات المحرّمة، كالأكل والبيع، وأمّا الانتفاعات الأُخر، فلم تثبت حرمتها.
وأمّا كون الأصل هو حرمة الانتفاع من الأعيان النجسة، فسيوافيك الكلام عنه في مختتم البحث عن النوع الأوّل.

المقام الرابع: الانتفاع بأجزاء الخنزير

هل يجوز الانتفاع بأجزاء الخنزير، سواء كان ممّا تحلّه الحياة أم لا. يظهر من «مفتاح الكرامة» ذهاب العلاّمة في «المختلف» إلى جواز استعماله مطلقاً، سواء

(1) المبسوط:2/165، كتاب البيوع، باب حكم ما يصحّ بيعه وما لا يصح.

صفحه 142
اضطر إلى استعماله أو لا، وانّه وافقه على ذلك «كشف اللثام»، واستدلّ عليه في «المختلف» بخبري برد الأسكاف وسليمان الأسكاف، وقيّده في «النهاية» و«السرائر» وغيرهما بما إذا اضطر إلى استعماله، وفي «كشف اللثام» انّه إذا اضطر، استعمل إجماعاً، ولعلّه يكفي في الاضطرار عدم كمال العمل بدونه.وقال: وقد سمعت ما حكيناه عن «المقنع» ومطاعم الكتاب (قواعد العلاّمة) من جواز الاستقاء بجلد الخنزير عند الكلام على الميتة، وقد حرم المصنّف (1) في مطاعم الكتاب، استعمال شعر الخنزير، وظاهره الإطلاق، كالسرائر، وفيها ـ أي السرائر ـ انّ الأخبار به متواترة.
وقد اعترف جماعة بعدم الظفر بخبر واحد، وستعرف الحال. ومرادنا بالإطلاق عدم الفرق بين استعماله فيما يشترط بالطهارة وما لا يشترط بها.(2)
وقال في «المغني»: وكلّ حيوان فشعره مثل بقية أجزائه، ما كان طاهراً فشعره طاهر، وما كان نجساً فشعره كذلك، ولا فرق بين حالة الحياة، وحالة الموت، واختلفت الرواية عن أحمد في الخرز بشعر الخنزير، فروي عنه كراهته.(3)
غير أنّ الظاهر من بعض الروايات هو جوازالانتفاع، وإليك بيانها:
1. صحيحة سيف بن سليمان التمّار، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له: إنّ رجلاً من مواليك يعمل الحمايل بشعر الخنزير؟ قال: «إذا فرغ فليغسل يده».(4)

(1) العلاّمة مؤلّف قواعد الأحكام.
(2) مفتاح الكرامة:4/23.
(3) المغني:1/67، الطبعة الثالثة.
(4) الوسائل:12/167، الباب58 من أبواب ما يكتسب به، الحديث1.
قال النجاشي(قدس سره) : سيف بن سليمان التمّار، كوفي، روى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، ثقة. ووثّقه العلاّمة (قدس سره) في القسم الأوّل من «الخلاصة» كما وثّقه في «الوجيزة».

صفحه 143
2. ما رواه سليمان الأسكاف قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن شعر الخنزير يخزر به؟ قال:«لا بأس به، ولكن يغسل يده إذا أراد أن يصلّي».(1)
3. ما رواه زرارة، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سألته عن الحبل يكون من شعر الخنزير يستقى به الماء من البئر، هل يتوضأ من ذلك الماء؟ قال: «لا بأس».(2)
فلو كان استعمال شعر الخنزير أمراً محرّماً لنبّه عليه الإمام (عليه السلام) .
4. وروى زرارة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن جلد الخنزير يجعل دلواً يستقى به الماء؟ قال: «لا بأس».(3)
ثمّ إنّه لو قلنا بجواز الانتفاع بأجزائه لحلّ البيع بذلك كما لا يخفى، لشمول الإطلاقات مع عدم مانع عنها، إلاّ ما ورد في نفس الخنزير، وهو منصرف إلى الحيوان حيّاً، فلو صدق الخنزير على الميت فانّها تصدق على الجسد الكامل، وأمّا أجزاؤه المتفككة فلا.
***

(1) الوسائل:2/1017، الباب13 من أبواب النجاسات، الحديث3.
(2) الوسائل: 1/125، الباب14 من أبواب الماء المطلق، الحديث2.
(3) الوسائل: 1/129، الباب14 من أبواب الماء المطلق، الحديث16.

صفحه 144

المسألة السابعة

التكسّب بالخمر

قال الشيخ الأعظم(قدس سره) : يحرم التكسّب بالخمر، وكلّ مسكر مائع، والفقاع إجماعاً ـ نصاً وفتوى ـ و في بعض الأخبار: يكون لي على الرجل الدراهم فيعطيني خمراً فقال: «خذها ثم أفسدها». قال علي:واجعلها خلاً.(1)
والمراد به إمّا أخذ الخمر مجاناً ثمّ تخليلها، أو أخذها وتخليلها لصاحبها، ثمّ أخذ الخل وفاء عن الدراهم.(2)
أقول: الخمر في اللغة بمعنى الستر، ومنه الخمار، لأنّه يستر رأس المرأة، وإنّما أُطلق على ذلك المائع لأنّه يستر العقل ويخفيه ـ وهو يعادل لفظ «شراب» في اللغة الفارسيةـ ولا يطلق إلاّ على المتّخذ من العنب، وعليه بعض أهل اللغة، وربما يطلق على الأعم منه ومن المتّخذ من التمر، بل على كلّ مسكر.
وعلى أيّ تقدير فحرمة التكسّب بالخمر بالمعنى الأخصّ ممّا اتّفق عليه عامّة المسلمين.
قال في «الخلاف»: لا يجوز بيع الخمر، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة:

(1) الوسائل:17/297، الباب31 من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث6.
(2) المكاسب:1/42.

صفحه 145
يجوز أن يوكّل ذميّاً ببيعها وشرائها . دليلنا: إجماع الفرقة....(1)
وقال في «التذكرة»: كما لا يجوز للمسلمين مباشرة بيع الخمر، فكذا لا يجوز أن يوكّل فيه ذمّيّاً، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد، وأكثر أهل العلم.(2)
وقال ابن رشد القرطبي في «بداية المجتهد»: أمّا بيع النجاسات فالأصل في تحريمها حديث جابر ثبت في الصحيحين قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ اللّه ورسوله حرّما بيع الخمر والميتة...وقال في الخمر: إنّ الذي حرم شربها حرم بيعها».(3)
وقال في «المغني»: لا يجوز بيع الميتة... وذلك لما روى جابر قال: سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)وهو بمكة يقول:«إنّ اللّه ورسوله حرم بيع الميتة والخمر والخنزير والأصنام» متّفق عليه.(4)
وعلى كلّ تقدير، فلا إشكال في حرمة بيعها، وقد تواترت الروايات على حرمة التكسّب بالخمر، ونأتي بقليل من كثير منها:
1. صحيحة محمد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل ترك غلاماً له في كرم له يبيعه عنباً أو عصيراً، فانطلق الغلام فعصر خمراً ثمّ باعه؟ قال: «لا يصلح ثمنه»، ثمّ قال: «إنّ رجلاً من ثقيف أهدى إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) راويتين من خمر، فأمر بهما رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فأُهريقتا، وقال: إنّ الذي حرّم شربها حرّم ثمنها»، ثمّ قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «إنّ أفضل خصال هذه التي باعها الغلام أن يتصدّق بثمنها».(5)

(1) الخلاف:2/82.
(2) التذكرة:10/26، المسألة8، فصل في العوضين.
(3) بداية المجتهد:2/125.
(4) المغني:4/13، الطبعة الثالثة.
(5) الوسائل:12/164ـ165، الباب55 من أبواب ما يكتسب به، الحديث1.

صفحه 146
2. ما رواه أبو أيّوب، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : رجل أمر غلامه أن يبيع كرمه عصيراً، فباعه خمراً، ثمّ أتاه بثمنه؟ فقال: «إنّ أحب الأشياء إليّ أن يتصدّق بثمنه».(1)
3. ما رواه زيد بن علي عن آبائه (عليهم السلام) قال: «لعن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): الخمر، وعاصرها، ومعتصرها، وبائعها، ومشتريها، وساقيها، وآكل ثمنها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه».(2)
4. ما رواه جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لعن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في الخمر عشرة: غارسها، وحارسها، وعاصرها، وشاربها، وساقيها، وحاملها، والمحمولة إليه، وبائعها، ومشتريها، وآكل ثمنها».(3)
إلى غير ذلك من الروايات، وروى العامّة مثل ما رواه الخاصة، وإليك بعضها:
1. روى البخاري في كتاب البيوع، عن عائشة، قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «حرمت التجارة في الخمر».(4)
2. وروى البيهقي عن أبي هريرة، أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «إنّ اللّه حرّم الخمر وثمنها».(5)
والظاهر من الروايات هو الحرمة الوضعيّة ويشهد على ذلك قول الإمام (عليه السلام) للغلام الذي عصر الكرم خمراً ثمّ باعه: «إنّ الذي حرّم شربها حرّم ثمنها»، ثمّ قال: «أن يتصدّق بثمنه» فانّ قوله: «حرّم ثمنها» ظاهر في الحرمة الوضعية،

(1) الوسائل:12/164ـ165، الباب55 من أبواب ما يكتسب به، الحديث2و3.
(2) الوسائل:12/164ـ165، الباب55 من أبواب ما يكتسب به، الحديث2و3.
(3) الوسائل:12/165، الباب55 من أبواب ما يكتسب به، الحديث4.
(4) صحيح البخاري:3/82.
(5) السنن الكبرى:6/12.

صفحه 147
والتصدّق لأجل عدم معرفة المشتري بعينه.
نعم تبقى هنا رواية، وهي ما رواه الشيخ، عن الحسين بن سعيد، عن محمد بن أبي عمير وعلي بن حديد، عن جميل، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : يكون لي على الرجل الدراهم فيعطيني بها خمراً؟ فقال: «خذها ثمّ أفسدها، قال عليٌّ: واجعلها خلاً».(1)
فانّ ظاهر الرواية وقوع المعاوضة بين الدين والخمر، مع أنّ التكسّب به محرّم مطلقاً، ولأجل ذلك فسره «الشيخ» بوجهين:
الأوّل: أخذ الخمر مجاناً ثمّ تخليلها لنفسه.
الثاني: أخذها وتخليلها لصاحبها، ثمّ أخذ الخل من صاحبه وفاء عن الدراهم.
وقد أورد المحقّق الإيرواني على الوجهين:
أمّا الأوّل: فبأن: الخمر إمّا هي ممّا تملك، أو ممّا لا تملك، فعلى الأوّل لا مانع من أخذها بدل الدراهم كما هو ظاهر الرواية أيضاً، وعلى الثاني كانت بعد التخليل لمالكها، واحتاج أخذها بدل الدراهم إلى إذن جديد من مالكها، ومن هذا يظهر ما في قوله:«أو أخذها وتخليلها لصاحبها ثمّ أخذ الخل وفاء عن الدراهم». وذلك أنّ المالك لم يعط الخل وفاء، وإنّما أعطى الخمر، فكيف يأخذ الخل وفاءً بلا إذن جديد من المالك؟(2)
يلاحظ عليه: بأنّ الشقّ الأوّل ـ أعني: «انّ الخمر ممّا تملك وانّه لا مانع من أخذها بدل الدراهم» ـ مخالف لفتوى الفقهاء، لعدّهم الخمر والخنزير ممّا لا

(1) الوسائل:17/297، الباب31 من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث6.
(2) تعليقة المحقّق الإيرواني، ص 6.

صفحه 148
يملكان فتعين الشق الثاني ـ أعني: التخليل لمالكها، وأخذ الخل بدلاً عن الدين ـ ولا غبار عليه لشهادة الإعطاء في هذه الصورة على إذنه بتملّكه عن جانبه ضمناً بعد التخليل ولا يحتاج إلى إذن جديد من مالك الخمر أو الخل.
وبذلك يظهر ضعف قوله: «إنّ المالك لم يعط الخل وفاءً، وإنّما أعطى الخمر فكيف يأخذ الخل وفاءً بلا إذن جديد من المالك؟» لما عرفت من شهادة القرينة الحالية على وجود إذن ضمني على التملّك الجديد.
بقي هنا شق آخر على القول بأنّ الخمر لا تملك، وهو: أخذ الخمر مجاناً ثمّ تخليلها لا لصاحبه بل لأجل نفسه.
فأورد عليه المحقّق الخوئي ـ دام ظله ـ : بأنّ أخذها مجاناً ثمّ تخليلها لا يوجب سقوط الدين عن الغريم، وهي صريحة في حصول الوفاء بمجرّد الأخذ.(1)
يلاحظ عليه: أنّ الخمر وإن كان لا تملك لكن يتعلّق بها حقّ الأولوية، فالمديون وإن كان لا يملك الخمر، إلاّ أنّه لتسلّطه عليها أولى بأن يجعلها خلاً، وعند ذلك يمكن أن يقال: انّه يرفع اليد عن الأولوية مشروطاً بإسقاط دينه، فيسقط الدين بمجرّد تسلّط الدائن على الخمر وإن خلّلها لنفسه.
والحاصل: انّ مجموع الإشكالات الواردة على تفسير الشيخ الأعظم (قدس سره) تنحصر في أُمور ثلاثة: ذكر المحقّق الإيرواني صورتين منها، وأكمله المحقّق الخوئي بصورة ثالثة، وإليك تلك الصور إجمالاً والجواب كما عرفت:
1. كون الخمر ممّا تملك.
2. كون الخمر ممّا لا تملك لكنّه خلّلها بنيّة صاحبه.
3. أخذها وتخليلها عن نفسه.

(1) مصباح الفقاهة:1/87.

صفحه 149
فعلى الأوّل: يسقط الدين لأجل صحّة المعاوضة في خصوص المورد.
وعلى الثاني: يتملّك الخل لأجل الإذن الضمني.
وعلى الثالث: يكون رفع اليد والسلطة عن الخمر مشروطاً بإسقاط دينه.
وعلى كلّ حال، فليست الرواية دالّة على صحّة المعاوضة على الخمر حتّى تخصّص أدلّة حرمة بيع الخمر، لأنّ أقصى ما تدلّ عليه الرواية هو جواز أخذ الخمر من المدين مسلماً كان أو كافراً وفاءً عن الدين بقصد التخليل والإفساد، وهو غير جواز المعاوضة على الخمر بشتّى صورها.
ثمّ إنّ المحقّق الإيرواني احتمل أن يكون المراد من الإفساد هو جعلها خمراً فاسداً لا يرغب فيها، وعند ذلك لا يدلّ على سقوط الدين، بل يحكم ببقاء الدراهم في الذمّة، وأمّا الخمر فيفسدها حسماً لمادة الفساد.
ولا يخفى: انّ ما ذكره مخالف لما فهم الراوي ـ أعني: علي بن حديد ـ من كلام الإمام (عليه السلام) عصر صدور الرواية، وليس ما فهمه المحقّق الإيرواني أولى بالاتّباع ممّا فهمه الراوي.
أضف إلى ذلك أنّ الراوي فهم من الرواية بحكم السكوت سقوط الدين بهذا العمل، لابقاءه في الذمة، وهذا لا يتمشّى إلاّ بجعل الخمر خلاً، لا فاسداً لا يرغب فيها أحد، وإلاّ لكان له أن يسأل عن موضوع دينه بعد هذا الجواب.
ثمّ إنّ الشيخ الأعظم عمّم الحكم، أي حرمة التكسّب إلى كلّ مسكر مائع وقال: وكلّ مسكر مائع والفقاع، إجماعاً نصّاً وفتوى.
والفقاع هو كـ«رمّان» شيء يتّخذ من ماء الشعير.
والنبيذ: هو الذي يتّخذ من التمر والزبيب والعسل، ثمّ إنّه يظهر من بعض الروايات تسمية هذا الشراب بالنبيذ.

صفحه 150
روى سماعة بن مهران، عن الكلبي النسابة، أنّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن النبيذ؟ فقال:«حلال». فقال: انّا ننبذه فنطرح فيه العكر وما سوى ذلك؟ فقال: «شه شه تلك الخمرة المنتنة». قلت: جعلت فداك فأي نبيذ تعني؟ فقال: «إنّ أهل المدينة شكوا إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) تغير الماء وفساد طبائعهم، فأمرهم أن ينبذوا، فكان الرجل يأمر خادمه أن ينبذ له، فيعمد إلى كف من تمر فيقذف به في الشن، فمنه شربه ومنه طهوره».فقلت: وكم كان عدد التمر الذي في الكف؟ قال:«ما حمل الكف». فقلت: واحدة أو اثنتين؟ فقال:«ربما كانت واحدة، وربما كانت اثنتين». فقلت: وكم كان يسع الشن ماء؟ فقال: «ما بين الأربعين إلى الثمانين، إلى ما فوق ذلك». فقلت: بأي الأرطال؟ فقال: «أرطال مكيال العراق».(1)
ثمّ إنّ الأئمّة (عليهم السلام) اهتموا ببيان حكم النبيذ والفقاع في مختلف الموارد فصرّحوا بحرمتهما ـ تارة ـ بعنوانهما مثل ما رويناه عن الكلبي النسّابة، ومثل ما رواه محمد بن عيسى، عن الوشّاء قال: كتبت إليه ـ يعني: الرضا (عليه السلام) ـ أسأله عن الفقاع؟ قال: فكتب: «حرام وهو خمر».(2)
وـ أُخرى ـ بأنّه نازل منزلة الخمر مثل ما رواه أبو الجارود قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن النبيذ أخمر هو؟ فقال: «ما زاد على الترك جودة فهو خمر».(3)
ومثله ما رواه ابن فضّال قال: كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام) أسأله عن الفقاع. فقال: «هو الخمر، وفيه حدّ شارب الخمر».(4)

(1) الوسائل:1/147، الباب2 من أبواب الماء المضاف، الحديث2.
(2) الوسائل: 17/287، الباب27 من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث1.
(3) الوسائل: 17/274، الباب19 من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث4.
(4) الوسائل: 17/287، الباب27 من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث2. ولاحظ ما ورد في الباب28 من هذه الأبواب.

صفحه 151
كما أنّهم صرّحوا بوجوب غسل ما وصل إليه من النبيذ والفقاع، فقد روي عن زرارة عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) أنّه قال: «إذا أصاب ثوبك خمر أو نبيذ ـ يعني: المسكر ـ فاغسله إن عرفت موضعه، وإن لم تعرف موضعه فاغسله كلّه».(1)
والفقيه إذا لاحظ هذه الروايات يحدس حدساً قطعياً بأنّ المسكرات المائعة تشارك الخمر في جميع الأحكام حتّى حرمة التكسّب.
وإن شئت قلت: إنّ الفقيه إذا لاحظ انّ الأئمّة (عليهم السلام) أمروا بغسل الثوب الذي أصابه خمر أو نبيذ، وانّه لا يصلّـى في ذلك الثوب حتّى يغسل كما مر، ولاحظ قول أبي الحسن الماضي (عليه السلام) لعلي بن يقطين: «إنّ اللّه عزّ وجلّ لم يحرّم الخمر لاسمها ولكن حرّمها لعاقبتها، فما كان عاقبته عاقبة الخمر فهو خمر»(2)، ولاحظ انّهم (عليهم السلام) أفتوا لشيعتهم بعدم التداوي بالنبيذ في مواضع خاصة(3) وعدم الاكتحال بالمسكر والنبيذ(4)، ولاحظ انّهم (عليهم السلام) حكموا بإجراء الحد على شارب الفقاع، ولاحظ ما رواه الحسن بن علي الوشّاء عن الرضا (عليه السلام) أسأله عن الفقاع فكتب: حرام ومن شربه كان بمنزلة شارب الخمر». قال: وقال أبو الحسن (عليه السلام) : «لو أنّ الدار داري لقتلت بائعه ولجلدت شاربه». قال: وقال أبو الحسن الأخير(عليه السلام) : «حده حدّ شارب الخمر». وقال (عليه السلام) : «هي خمرة استصغرها الناس».(5)

(1) الوسائل: 2/1055، الباب38 من أبواب النجاسات، الحديث2. ولاحظ ما ورد في ذاك الباب من الروايات.
(2) الوسائل: 17/273، الباب19 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث1.
(3) لاحظ الوسائل: 17/274، الباب 20 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث 1و15; والباب21 الحديث 2و4.
(4) لاحظ الوسائل: 17/274، الباب 20 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث 1و15; والباب21 الحديث 2و4.
(5) الوسائل: 17/292، الباب28 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث1.

صفحه 152
إلى غير ذلك من الروايات المبثوثة في مختلف الأبواب التي تصرّح بحرمة شربه والاكتحال به وانّه يحد مثل شارب الخمر ـ وعند ذلك ـ يحدس الفقيه، انّ سائر المسكرات كالخمر في حرمة التكسّب بها وانّها منزلة منزلة الخمر في جميع الأحكام، فما أصرح قوله (عليه السلام) : «فما فعل فعل الخمر فهو خمر» وكذا قوله(عليه السلام) : «فما كان عاقبتُه عاقبةَ الخمر فهو خمر» فمقتضى عموم المنزلة هو اشتراك جميع المسكرات المائعة في جميع الأحكام ـ من النجاسة وحرمة الشرب ووجوب الحدّ وحرمة التكسّب إلى غير ذلك من الأحكام ـ .

حكم المسكر غير المعدّ للشرب

ثمّ إنّ المنصرف إليه من الروايات هو المسكر المعدّ للشرب، وأمّا المسكر المعدّ لسائر الأُمور كالكحول الذي يستعمل في الصنائع والطبابة فيجوز بيعه تكليفاً ووضعاً، وأمّا نجاسته فهي خارجة عن محلّ البحث، كما لا شكّ في حرمة شربه إذا عالجه بالماء.(1)

في المسكر الجامد

وهل تعمّ الحرمة كلّ مسكر سواء كان جامداً أو مائعاً أو تختص بالمائع؟ ربما يستظهر من عبارة الشيخ الأعظم اختصاص الحرمة بالمائع لتقييده المسكر بالمائع حيث قال: وكلّ مسكر مائع، والفقاع إجماعاً ونصاً.
غير انّ المحقّق الإيرواني احتمل أن يكون وجه التقييد بالمائع لأجل كون البحث في الأعيان النجسة، والنجس من المسكرات ما يكون مائعاً، لا أنّ حرمة

(1) وقد كتبت الصحف في هذه الأيام انّ بعض من شرب الكحول صار أعمى، ولا شك انّ المسكرات على الإطلاق أحد العوامل التي تسبب العمى.

صفحه 153
البيع تختص بالمائع من المسكرات، بل تعمّ الجميع، لعموم حرمة الانتفاع من المسكر.(1)
وعلى كلّ تقدير، فقد استدلّ على حرمة بيع المسكر مطلقاً سواء كان مائعاً أم جامداً بوجوه:
1. صحيحة عمّار بن مروان قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الغلول. فقال: «كلّ شيء غلّ من الإمام فهو سحت... والسحت أنواع كثيرة منها أُجور الفواجر، وثمن الخمر، والنبيذ والمسكر... ».(2)
وإطلاق الرواية يحكم بحرمة المعاوضة على المسكر مطلقاً.(3)
نعم، الاستدلال بالرواية مبني على ورود الرواية بصورة عطف «المسكر» على «النبيذ» غير أنّه ورد في «الخصال» بصورة الوصف «النبيذ المسكر»، فعندئذ لا تدلّ على حرمة ثمن كلّ مسكر حتّى الجوامد، وروى في «الوسائل» عن «معاني الأخبار» و «الخصال» على وجه الوصف.
روى أبو أيوب، عن عمار بن مروان قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «كلّ شيء غل من الإمام فهو سحت، والسحت أنواع كثيرة... ومنها أُجور القضاة، وأُجور الفواجر، وثمن الخمر، والنبيذ المسكر».(4)
ويؤيد كون الرواية واردة على وجه الوصف ما يظهر من الروايات من أنّ

(1) تعليقة المحقّق الإيرواني:6.
(2) الوسائل:12/61، الباب5 من أبواب ما يكتسب به، الحديث2.
(3) والرواية صحيحة، ولا يضر وجود سهل بن زياد، لأنّ الأمر في سهل، سهل، ورواه الشيخ في التهذيب بسند صحيح، ووجود إبراهيم بن هاشم في السند لا يجعلها حسنة، لأنّه ثقة على الأقوى، بل فوقها.
(4) الوسائل:12/64، الباب5 من أبواب ما يكتسب به، الحديث12.

صفحه 154
النبيذ كان على قسمين: مسكر وغيره.(1)
2. التمسّك بما دلّ على حرمة ما يفعل فعل الخمر، فقد قال أبو الحسن الماضي (عليه السلام) : «إنّ اللّه عزّوجلّ لم يحرّم الخمر لاسمها ولكن حرّمها لعاقبتها، فما كان عاقبته عاقبة الخمر فهو خمر».(2) ولا يبعد الإطلاق بالنسبة إلى المائع والجامد، فيكون بمنزلة الخمر في حرمة البيع.
3. التمسّك بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم) : «كلّ مسكر حرام» فقد روى فضيل بن يسار قال: ابتدأني أبو عبد اللّه (عليه السلام)يوماً من غير أن أسأله فقال: «قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): كلّ مسكر حرام»، قال: قلت: أصلحك اللّه، كلّه؟ قال: «نعم، الجرعة منه حرام».(3)
ولكنّ الظاهر انّ مراده من المسكر هو المسكر المائع بقرينة ذيلها:«نعم الجرعة منه حرام» ويشهد لذلك ورود لفظ الشراب في نظائر هذه الرواية.
فقد روى الفضيل، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال: «حرّم اللّه الخمر بعينها، وحرم رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) المسكر من كلّ شراب، فأجـاز اللّه له ذلك ـ إلى أن قال ـ : فكثير المسكر من الأشربة نهاهم عنه نهي حرام، ولم يرخّص فيه لأحد».(4) كما أنّ المراد من الحرمة هو حرمة الشرب لا البيع.
4. ما رواه عطاء بن يسار، عن أبي جعفر (عليه السلام) قـال: قـال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «كل مسكر حرام، وكـلّ مسكر خمر».(5) ويحتمل فيه ما ذكرناه في السابق; أضف إليه انّ الحديث ضعيف لأجل أحمد بن الحسن الميثمي، وعبد الرحمن

(1) لاحظ الوسائل:1/147، الباب2 من أبواب الماء المضاف.
(2) الوسائل:17/273، الباب19 من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث1.
(3) الوسائل:17/259، الباب15 من أبواب ما يكتسب به، الحديث1.
(4) الوسائل:17/260، الباب15 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 2و5.
(5) الوسائل:17/260، الباب15 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 2و5.

صفحه 155
بن زيد، وزيد بن أسلم.
5. التعليل بحرمة الانتفاع، فانّ المسكرات مائعها وجامدها محرّمة الانتفاع، فيحرم بيعها بمناط واحد(1) ويؤيده النبوي: «إنّ اللّه إذاحرّم شيئاً حرّم ثمنه».
وفيه: انّ ذلك التعليل ينطبق على بعض المسكرات التي ليس فيها أيّة منفعة محلّلـة، كبعـض المخـدرات، وأمّا بعضهـا الآخـر ـ كالحشيش والترياق ـ التي لهـا منافع شائعة في الطبابة وغيرها فـلا يمكن الحكم بحرمة المعاملة عليهـا كما لا يخفى.

(1) تعليقة المحقّق الإيرواني:6.

صفحه 156

المسألة الثامنة

تحرم المعاوضة على الأعيان المتنجسة

قال الشيخ الأعظم: تحرم المعاوضة على الأعيان المتنجّسة، غير القابلة للطهارة، إذا توقّفت منافعها المحلّلة المعتد بها على الطهارة.
يظهر من الشيخ وغيره رحمهمُ اللّه انّ المنع عن بيع المتنجس يختص بغير القابل للطهارة، وأمّا القابل لها فخارج عن مورد البحث، ووجه التفريق هو عدم صدق المال على غير القابل، وصدقه على القابل للطهارة.
وأورد بعض المحشّين على الشيخ بأنّ لازم ذلك جواز المعاوضة على الأعيان النجسة القابلة للطهارة بارتفاع عنوانها بمثل الاستحالة والانتقال والاستهلاك فيما إذا كان تعلّق العقد على ذات ذي العنوان النجس، كما إذا أشار إلى الخمر الخارجي وقال: بعت هذا، مثلاً، حيث إنّ المبيع في المثال قابل للطهارة بالاستحالة، مع بقاء المبيع في الخارج. وأمّا إذا كان متعلّق العقد نفس العنوان الزائل بالاستحالة مثلاً، فلا يجوز المعاوضة عليها حينئذ، لعدم المنفعة المحلّلة لهذا العنوان، وبعد زوالها بالاستحالة وإن كانت لها منفعة محلّلة، إلاّ أنّها موضوع آخر غير المبيع.(1)

(1) هداية الطالب إلى أسرار المكاسب:23ـ 24.

صفحه 157
ولا يخفى عدم صحّة القياس بين المتنجّس والنجس، فانّ التطهير في المتنجّس لا يوجب زوال الصورة النوعية إلى صورة أُخرى، كتطهير السجادات والحصر والبواري، وهذا بخلاف حصول الطهارة في الأعيان النجسة فانّها لا تتحقّق إلاّ بزوال الصورة النوعية، فتجويز البيع في المتنجّس القابل للطهارة لا يلازم تجويزه في النجس.
وأمّا ما أفاده من أنّه إذا كان المبيع ذا العنوان النجس كالمائع في ما إذا أشار إلى الخمر الخارجي وقال: بعت هذا، فالمبيع قابل للطهارة مع بقاء المبيع، فغير تام، لأنّ التفكيك بين كون المبيع هو الخمر بصورتها النوعية، وبين بيعها بما هي مائع من المائعات وجسم من الأجسام، دقّة عقلية لا يتوجّه إليها العرف، ولأجل ذلك قد ذكرنا في محلّه انّ التفريق في مسألة تخلّف الإشارة عن الوصف بين قول القائل: «بعتك هذا الفرس العربي» و قوله: «بعتك هذا الفرس إن كان عربياً عندما ظهر غير عربي، غير تام. وإن فرّق الشيخ الأعظم (قدس سره) عند التخلّف وظهوره غير عربي بين قوله: « الفرس العربي» فجعله من قبيل دفع المبائن مكان المبيع، وقوله: «إن كان عربياً» فجعله من قبيل تخلّف الوصف، لا دفع المبائن.
فقد قلنا في محلّه إنّ هذا التفريق مبني على الدقة العقلية، لا يلتفت إليها العرف، وإنّما هو ينظر إلى المعنى دون اللفظ، فلو كان الفرس العربي وغير العربي نوعين أو جنسين في الخارج، فهما من قبيل المتباينين، سواء قال: الفرس العربي أو قال: الفرس إن كان عربياً. ولو لم يكونا كذلك، بأن لم تكن العربية مقوِّمة للمبيع، لما كانا من قبيل المتباينين سواء أقال بلفظ الوصف أم بلفظ الشرط.
وعلى أي حال فقد قال في «التذكرة»: وما عرضت له النجاسة إن قَبِل

صفحه 158
التطهير صحّ بيعه ويجب إعلام المشتري بحاله، وإن لم يقبله كان كنجس العين.(1)
وقال في «المبسوط»: وإن كان مائعاً فلا يخلو من أحد أمرين: إمّا أن يكون ممّا لا يطهر بالغسل، أو يكون ممّا يطهر، فإن كان ممّا لايطهر بالغسل مثل السمن فلا يجوز بيعه، وإن كان ممّا يطهر بالغسل مثل الماء، فانّه وإن كان نجساً إلاّ أنّه إذا كوثر بالماء المطهر فهو يطهر، وقيل: إنّ الزيت النجس يمكن غسله، والأولى أن لا يجوز تطهيره، لأنّه لا دليل عليه، فما هذا حكمه يجوز بيعه إذا طهر.(2)
واستدلّ الشيخ الأعظم على بطلان البيع في الأعيان المتنجسة غير القابلة للتطهير بوجوه:
1. إذا توقّفت منافعها المحلّلة المعتد بها على الطهارة، فيشملها ما تقدّم من النبوي: «إنّ اللّه إذا حرم شيئاً حرم ثمنه» كما يشملها خبر الدعائم المتقدّم.
أمّا التمسك برواية «تحف العقول» ـ أعني: قوله: «وأمّا وجوه الحرام من البيع و الشراء، فكلّ أمر يكون فيه الفساد ممّا هو منهي عنه من جهة أكله وشربه... أو شيء من وجوه النجس، فهذا كلّه حرام محرم، لأنّ ذلك كلّه منهيّ عن أكله وشربه» ـ فهو غير تام، لأنّ «وجوه النجس» عبارة عن النجاسات العينية ولا يشمل المتنجّسات.
2. التمسّك بالتعليل الوارد في تلك الرواية، أعني قوله: «لأنّ ذلك كلّه محرّم أكله وشربه ولبسه».
وأورد عليه المحقّق الخوئي ـ دام ظله ـ بأنّه إن كان المراد بالحرمة فيها هي

(1) التذكرة:10/25، المسألة8، فصل في العوضين.
(2) المبسوط:1ـ2/167.

صفحه 159
الحرمة الذاتية، فلا تشمل المتنجّس بداهة، لأنّها مختصة بالأعيان النجسة، إذن فيكون المتنجّس خارجاً عنها بالتخصّص، وإن كان المراد بها ما يعمّ الحرمة الذاتية والحرمة العرضية، فيلزم على الشيخ أن لا يفرّق حينئذ بين ما يقبل التطهير وما لا يقبله، فانّ موضوع حرمة البيع على هذا التقدير هو ما يتصف بالنجاسة سواء أكانت ذاتية أم عرضية، فإمكان التطهير لا يؤثر في زوال الحرمة الفعلية عن موضوعها الفعلي.(1)
يلاحظ عليه: بأنّ المراد هو الأعم من الذاتية والعرضية، غير أنّـها منصرفة عمّا يقبل التطهير من المتنجس، بخلاف ما لايقبل، فانّه أشبه شيء بالأعيـان النجسـة.
والأولى أن يجاب عن الاستدلال بأنّ القدر المتيقّن من الأحاديث العامّة ما كان غالبُ منافعه محرّمة، وكان البيع لأجل تلك المنافع المحرّمة، وبانتفاء أحد القيدين تنتفي الحرمة، فلو فرضنا كون المنافع الغالبة محرّمة ولكن كانت الغاية، الاستفادة من المنافع المحلّلة غير الغالبة، كما إذا اشترى الدبس المتنجس للاستفادة منه فيما لا يشترط في استعماله الطهارة، أو كانت منافعه الشائعة محلّلة، ولكنّه اشتراه لأجل منفعة محرمة نادرة، كما إذا اشترى السكين لقتل المحقون دمه فلا تشمله الأحاديث العامّة، وكون البيع إعانة على الإثم أمر آخر، خارج عن محل البحث.
نعم إنّما يصحّ البيع في مقابل المنفعة المحلّلة النادرة، إذا كان الثمن معادلاً لها في سوق العقلاء، وإلاّ فلو دفع بازاء المنفعة المحلّلة النادرة ما يدفع في مقابل الشائعة المحرمة، لعدّت المعاملة سفهية.

(1) مصباح الفقاهة:1/89.

صفحه 160
والحاصل: أنّ المنفعة المقهورة لا تكون ملاكاً لجواز البيع إلاّ إذا كانت المعاملة عقلائية لا سفهية.

في بيع المسوخ

قال الشيخ الأعظم(قدس سره) : اعلم أنّه قيل بعدم جواز بيع المسوخ من أجل نجاستها، ولما كان الأقوى طهارتها لم يحتج إلى التكلّم في جواز البيع هاهنا.
نعم، لو قيل بحرمة بيعها لا من حيث نجاستها، بل لأجل عدم المنفعة لزم البحث عنه في ذيل النوع الثاني ممّا لا يجوز الاكتساب به لأجل عدم المنفعة فيه.
ولنذكر كلمات القوم:
قال الشيخ (قدس سره) في «الخلاف»: لا يجوز بيع شيء من المسوخ، مثل القرد والخنزير والدب والثعلب والأرنب والذئب والفيل وغير ذلك ممّا سنبيّنه، وقال الشافعي: كلّ ما ينتفع به يجوز بيعه، مثل القرد والفيل وغير ذلك.
دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضاً قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ اللّه تعالى إذا حرّم شيئاً حرّم ثمنه» وهذه الأشياء محرّمة اللحم بلا خلاف، إلاّ الثعلب فانّ فيه خلافاً، وهذا نصّ.(1)
وقال العلاّمة (قدس سره) في «التذكرة»: وفي السباع التي لا تصلح للصيد عنده ـ الشافعي ـ وجهان لمنفعة جلودها. أمّا العلق ففي بيعه لمنفعة امتصاص الدم إشكال، وأظهر وجهي الشافعي وأحمد الجواز... والأقرب عندي المنع ـ وهو أحد الوجهين لهما ـ لندور الانتفاع، فأشبه ما لا منفعة فيه، إذ كلّ شيء فله نفع، وأمّا منع الشافعي من بيع الحمار الزمن فليس بجيد للانتفاع بجلده.(2)

(1) الخلاف:2/81، المسألة308.
(2) التذكرة:10/36، المسألة15، كتاب البيع، الفصل الرابع، الشرط الثاني من شروط العوضين.

صفحه 161
وقال الشيخ في «المبسوط»: وإن كان نجس العين مثل الكلب والخنزير والفأرة والخمر والدم، وما توالد منهم، وجميع المسوخ، وما توالد من ذلك، أو من أحدهما، فلا يجوز بيعه، ولا إجارته ولا الانتفاع به ولا اقتناؤه بحال، إجماعاً.(1)
وقال في «النهاية»: وبيع سائر المسوخ وشراؤها والتجارة فيها والتكسّب بها محظور، مثل القردة والفيلة والدببة وغيرها من أنواع المسوخ.(2)
إذا عرفت هذه الكلمات، فاعلم أنّه يقع الكلام في مقامين:
الأوّل: حكم المسألة حسب القاعدة الأوّلية.
الثاني: حكمها حسب الروايات.
أمّا الأوّل: فالحقّ هو الجواز فيما إذا عدّ المبيع مالاً عند العقلاء، ولم يسقطه الشارع عن الاعتبار.
وأمّا الإجماع الذي استند إليه الشيخ الطوسي، في الحكم بعدم الجواز فالظاهر انّ الإجماع مستند إلى ما حَسَبَه دليلاً على المسألة كسائر إجماعاته الواردة في «الخلاف».
وأمّا الاستدلال بالنبوي فقد عرفت مفاده من أنّ القدر المتيقّن منه ما إذا كان غالب منافع الشيء محرّمة، وكان البيع لأجل المنفعة المحرّمة، وبانتفاء أحد القيدين تنتفي الحرمة، والمفروض انّ الغاية من بيع السباع هو الانتفاع بجلدها ـ لا بلحمها ـ وهو منفعة محلّلة غالباً، فكذا لو كان البيع لأجل الجلد واللحم، ولكن الغرض من بيع اللحم وشرائه هو الاستفادة منه في التسميد ونحوه، فمثل هذه الموارد خارجة عن مورد النبوي. هذا حكم المسألة حسب القواعد الأوّلية.

(1) المبسوط:1ـ2/165.
(2) النهاية: 364، كتاب المكاسب.

صفحه 162
وأمّا الثاني: ـ أعني: حكمها حسب الروايات ـ فالظاهر من الروايات هو جواز الانتفاع، بل جواز البيع، فممّا يدلّ على جواز الانتفاع:
1. ما رواه علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن لباس الفراء والسمور والفنك والثعالب وجميع الجلود؟ قال: «لا بأس بذلك».(1)
2. وما رواه زرعة، عن سماعة قال: سألته عن لحوم السباع وجلودها فقال: «أمّا لحوم السباع فمن الطير والدواب فإنّا نكرهه، وأمّا الجلود فاركبوا عليها، ولا تلبسوا منها شيئاً تصلّون فيه».(2)

ما يدلّ على جواز البيع

روى عبد الرحمان بن أبي عبد اللّه، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:«ثمن الكلب الذي لا يصيد سحت»، ثمّ قال: «ولا بأس بثمن الهر».(3)
وأمّا ما عن «الجعفريات» : قال علي (عليه السلام) : «من السحت... ثمن القرد، وجلود السباع وجلود الميتة قبل أن تدبغ، وثمن الكلب».(4)
وما عن الدعائم عن علي (عليه السلام) قال: «من السحت ثمن جلود السباع».(5) فلا يمكن الاحتجاج بهذين المرسلين، وأمّا حملهما على الكراهة فلا يناسب لفظ «السحت».

(1) الوسائل:3/256، الباب5 من أبواب لباس المصلي، الحديث1 و3. وبهذا المضمون روايات في هذا الباب فراجع الحديث:2و4و6.
(2) الوسائل:3/256، الباب5 من أبواب لباس المصلي، الحديث1 و3. وبهذا المضمون روايات في هذا الباب فراجع الحديث:2و4و6.
(3) الوسائل: 12/83، الباب14 من أبواب مان يكتسب به، الحديث3.
(4) المستدرك:13/69، الباب5 من أبواب ما يكتسب به، الحديث1.
(5) المستدرك:13/120، الباب31 من أبواب ما يكتسب به، الحديث2.

صفحه 163

المستثنى من حرمة الاكتساب بالأعيان النجسة:

1. بيع الكافر المملوك.
2. بيع الكلب غير الهراش.
3. بيع العصير العنبي إذا غلى ولم يذهب ثلثاه.
4. الانتفاع بالدهن المتنجس وبيعه له.
5. الانتفاع بالمتنجس.
6. بيع المتنجس.
7. الانتفاع بالأعيان النجسة بغير البيع.
8. الانتفاع بها بالبيع.
وبعض ما استثنى من الأعيان النجسة من قبيل الاستثناء المنقطع كالأدهان.

صفحه 164

صفحه 165

المستثنى من الأعيان النجسة

قد عرفت أحكام الأعيان النجسة من حيث جواز البيع والانتفاع، غير أنّ هناك أعياناً محكومة بالنجاسة قد استثنيت من الحرمة بالاتّفاق، وقد ذكرها الشيخ الأعظم (قدس سره) ، ونحن نقتفي أثره.

الأوّل: بيع المملوك الكافر

قال الشيخ الأعظم: يجوز بيع المملوك الكافر أصلياً أم عرضياً كالمرتد الملّي بلا خلاف ظاهر، كما ادّعى عليه الإجماع، أو فطرياً على الأقوى، بل الظاهر انّه لا خلاف فيه من هذه الجهة، وإن كان فيه كلام من حيث كونه في معرض التلف لوجوب قتله، ولم نجد من تأمّل فيه من جهة نجاسته.
يلاحظ عليه: أنّ الكافر ينقسم إلى: أصلي، وعرضي; والعرضي ينقسم إلى: ملّي وفطري. ولا إشكال في بيع الأصلي والعرضي الملّي لوجود المقتضي، وعدم مانعية الكفر أو نجاسته من البيع، وكفاية المنفعة المحلّلة، وإنّما في العرضي الفطري، فقد استشكل فيه لكونه معرضاً للتلف.
ففيه: أوّلاً: أنّه مشترك بين الملّي والفطري، لأنّ الملّي وإن كان تقبل توبته ويسقط عنه الحدّ إذا تاب، غير أنّ من المحتمل أن لا يتوب ويجري عليه الحكم

صفحه 166
حينئذ كالفطري مطلقاً.
وثانياً: أنّه إنّما يقع في معرض التلف إذا كان هناك حاكم مبسوط اليد يريد أن يجري عليه الحكم، وأمّا في غير هذا المورد فلا.
أضف إلى ذلك: انّه يمكن الانتفاع بكلا الكافرين في الكفّارة، سواء أكان هناك حاكم مبسوط اليد أم لا. وأمّا كون النجاسة مانعة فقد مرّ الكلام فيه، وسيوافيك انّ مانعيتها لأجل عدم تمكّن الانتفاع بالمنافع المحلّلة، وهو هنا منتف.
نعم، من قال بأنّ النجاسة بعنوانها مانعة، يجب عليه المنع من بيع العبد الكافر مطلقاً، إلاّ ما قام عليه الدليل، سواء أقبلت توبته أم لا، كان هناك حاكم مبسوط اليد أم لا، كانت هناك منفعة محلّلة أم لا.

صفحه 167

الثاني: جواز بيع كلب الصيد

قال الشيخ الأعظم: تجوز المعاوضة على غير الكلب الهراش في الجملة، بلا مانع ظاهر، إلاّما عن ظاهر إطلاق العماني (رحمه الله) ، ولعلّه كإطلاق كثير من الأخبار بأنّ ثمن الكلب سحت، وهو محمول على الهراش، لتواتر الأخبار واستفاضة نقل الإجماع على جواز بيع ما عدا الكلب الهراش في الجملة.
يلاحظ عليه: أنّ الكلب على أقسام:
فهو إمّا سلوقي، وهو منسوب إلى «سلوق» قرية باليمن، وقيل بلد بأرمينية، أو بلد بالروم أكثر كلابها معلّمة، والظاهر هو الأوّل، ويعبّر عنه بالفارسية بـ«تازى» وهو الرفيع المحدودب البطن ـ.
أو غير سلوقي، ينتفع به في الصيد تارة، وحراسة الماشية والبستان والزرع والدور والخيام أُخرى، أو لا ينتفع به إلاّفي اللعب، والأُنس كما هو المتعارف عند قوم، أو لا ينتفع به أبداً لكونه صار عقوراً، أو هراشاً، أو مجنوناً خارجاً عن طاعة البشر، أو لذهاب ملكة التكالب كالكلاب المهملة العائشة في الأزقة.
إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّه لا إشكال في جواز بيع القسم الأوّل، كما لا إشكال في حرمة بيع ما لا ينتفع به أصلاً، إنّما الكلام في جواز بيع ما يدور بين الأوّل والثاني فنقول:
قال الشيخ في «الخلاف»: يجوز بيع كلاب الصيد، ويجب على قاتلها

صفحه 168
قيمتها إذا كانت معلّمة، ولا يجوز بيع غير الكلب المعلّم على حال.
وقال أبو حنيفة ومالك: يجوز بيع الكلاب مطلقاً، إلاّ أنّه مكروه، فإن باعه صحّ البيع ووجب الثمن، وإن أتلفه متلف لزمته قيمته.
وقال الشافعي: لا يجوز بيع الكلاب معلّمة كانت أو غير معلمة، ولا يجب على قاتلها القيمة.
دليلنا : إجماع الفرقة فانّهم لا يختلفون فيه، ويدلّ على ذلك أيضاً قوله تعالى: (وَأَحَلّ اللّه البيع) (1) وقوله: (إِلاأنْ تَكُون تِجارةً عن تَراض)(2) ولم يفصّل. وروى جابر أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): نهى عن ثمن الكلاب والسنور، إلاّ كلب الصيد، وهذا نص.(3)
وقال في «النهاية»: وكذلك ثمن الكلب إلاّ ما كان سلوقياً للصيد، فانّه لا بأس ببيعه وشرائه وأكل ثمنه والتكسّب به، وبيع جميع السباع والتصرّف فيها والتكسّب بها محظور.(4)
وقال في «المبسوط»: والكلاب على ضربين: أحدهما لا يجوز بيعه بحال، والآخر يجوز ذلك فيه، فما يجوز بيعه ما كان معلّماً للصيد، وروي أنّ كلب الماشية والحائط كذلك، وما عدا ذلك كلّه فلا يجوز بيعه ولا الانتفاع به.(5)
وقال سلاّر في «المراسم»: فأمّا المحرم فبيع كلّ عسب... وبيع الكلاب إلاّ السلوقي وكلب الماشية والزرع.(6)

(1) البقرة:275.
(2) النساء:29.
(3) الخلاف:2/80.
(4) النهاية:364، هذه عبارة النهاية، وليس فيها عن كلب الماشية والزرع عين ولا أثر، فما نسب إليه في مصباح الفقاهة:1/93 من ورودهما فيها غير صحيح.
(5) المبسوط:1ـ2/166.
(6) المراسم:170.

صفحه 169
وقال ابن رشد: فمنها الكلب والسنور، أمّا الكلب فاختلفوا في بيعه، فقال الشافعي: لا يجوز بيع الكلب أصلاً، وقال أبو حنيفة: يجوز ذلك، وفرّق أصحاب مالك بين كلب الماشية والزرع المأذون في اتّخاذه، وبين ما لا يجوز اتّخاذه، فاتّفقوا على أن مالا يجوز اتّخاذه لا يجوز بيعه للانتفاع به وإمساكه، فأمّا من أراده للأكل فاختلفوا فيه فمن أجاز أكله أجاز بيعه.(1)
وقال ابن قدامة: ولا يجوز بيع الكلب... ورخّص في ثمن كلب الصيد خاصة جابر بن عبد اللّه وعطاء والنخعي، وأجاز أبو حنيفة بيع الكلاب كلّها وأخذ ثمنها.(2)
ثمّ إنّ قول الشيخ في «النهاية»: إلاّ ما كان سلوقياً للصيد، مبهم من وجهين:
الأوّل: لفظ «للصيد» فيحتمل وجهين:
1. إخراج غير الصيود من الكلاب السلوقية، وأنّ ما يجوز بيعه هو خصوص الصيود من السلوقي لا كلّ سلوقي.
2. أن يكون لبيان الغاية من البيع، أي يجوز البيع لهذه الغاية لا للحراسة والمحافظة، ولا اللعب والأُنس.
الثاني:لفظ «السلوقي» وهو أيضاً يحتمل وجهين:
1. يحتمل أن يكون ذكر السلوقي من باب المثال، وانّ المدار مطلق الصيود وإن لم يكن من ذاك الجنس.
2.يحتمل أن يكون المراد خصوص السلوقي بتخيّل انحصار الصيود فيه.

(1) بداية المجتهد:2/126.
(2) المغني:4/13، الطبعة الثالثة.

صفحه 170
ثمّ إنّ الظاهر من الروايات كثرة استعمال لفظ السلوقي في عصر الأئمّة(عليهم السلام)، فقد ورد في عدّة روايات في باب الطهارة والصيد والدية، مثل ما رواه محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الكلب السلوقي. فقال: «إذا مسسته فاغسل يدك».(1)
وما رواه السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «الكلاب الكردية إذا عُلِّمت فهي بمنزلة السلوقية».(2)
إذا عرفت ذلك فلاحظ لسان الروايات فانّه على وجوه نأتي بالجميع:
1. «انّ ثمن الكلب الذي لا يصطاد من السحت».
ويدلّ عليه ما رواه أبو بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث:«انّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: ثمن الخمر، ومهر البغي، وثمن الكلب الذي لا يصطاد، من السحت».(3)
2.«انّ ثمن الكلب الذي ليس بكلب الصيد سحت».
ويدلّ عليه ما أرسله الصدوق وقال: قال (عليه السلام) : «أجر الزانية سحت، وثمن الكلب الذي ليس بكلب الصيد سحت...».(4)
3.«انّ ثمن الكلب الذي لا يصيد سحت وأمّا الصيود فلا بأس».

(1) الوسائل:1/194، الباب11 من أبواب نواقض الوضوء، الحديث1; والجزء2، الباب12 من أبواب النجاسات، الحديث9.
(2) الوسائل:16/224، الباب10 من أبواب الصيد والذبائح، الحديث1، والمراد من الكلاب الكردية هي الكلاب الضخمة. ولاحظ الوسائل:19/167، كتاب الديات، الباب19 من أبواب ديات النفس.
(3) الوسائل:12/63، الباب5 من أبواب ما يكتسب به، الحديث7، والباب14 الحديث6.
(4) الوسائل:12/63، الباب5 من أبواب ما يكتسب به، الحديث8.

صفحه 171
ويدلّ عليه ما رواه أبو عبد اللّه العامري قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن ثمن الكلب الذي لا يصيد فقال: «سحت، وأمّا الصيود فلا بأس».(1)
ومثله ما رواه محمد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «ثمن الكلب الذي لا يصيد سحت».(2)
4. «ثمن كلب الصيد».
وتدلّ عليه رواية أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن ثمن كلب الصيد؟ قال: «لا بأس بثمنه، والآخر لا يحل ثمنه».(3)
إذا وقفت على لسان الروايات، وانّ المدار في حلّية البيع هو كون الكلب صائداً، فربما يتوهم انصراف روايات الجواز إلى السلوقي ـ أي حلية بيع خصوص السلوقي من الصيود، لا كلّ كلب صيود ـ بدعوى انّه هو المنساق منها، لانصراف كلب الصيد إليه لكثرة وقوع الاصطياد به في الخارج، فيبقى غير السلوقي تحت مطلقات المنع عن التكسّب بالكلاب وإن كان صائداً.
يلاحظ عليه: أنّ المدار في الانصراف كثرة الاستعمال دون كثرة الوجود، ولم تثبت كثرة استعمال هذه العناوين في السلوقي، على أنّ من المحتمل جدّاً أن يكون المراد من السلوقي في كلماتهم مطلق كلب الصيد وإن كان من غير جنس السلوقي.
وأجاب عنه الشيخ الأعظم: بأنّه لا يصحّ في مثل قوله:«ثمن الكلب الذي لا يصيد» أو «ليس بكلب الصيد» لأنّ مرجع التقييد إلى إرادة ما يصحّ سلب صفة الاصطياد عنه.

(1) الوسائل:12/83، الباب14 من أبواب ما يكتسب به، الحديث1و7 وقد مرّ وحدة الروايتين.
(2) الوسائل:12/83، الباب14 من أبواب ما يكتسب به، الحديث3و5.
(3) الوسائل:12/83، الباب14 من أبواب ما يكتسب به، الحديث3و5.

صفحه 172
توضيح ما أفاده: انّه إنّما تصحّ دعوى الانصراف في ما إذا كان وصف الاصطياد بصورة الإثبات مثل قوله: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن كلب الصيود هل يباع؟ قال: نعم» ونحوه، وأمّا إذا كان الوصف مأخوذاً في الموضوع بصورة السلب ـ مثل الحديثين ـ فلا يمكن ادّعاء الانصراف، لأنّ المراد من الكلب الذي يصحّ سلب وصف الاصطياد عنه ليس هو سلب وصف الاصطياد بالفعل، وإلاّ لم يصحّ البيع في شيء من أفراد السلوقي أيضاً إلاّ في حال الاصطياد، وذلك معلوم البطلان، بل المراد الكلب الذي يصحّ سلب وصف الاصطياد عنه من جهة عدم كونه صاحب ملكة الاصطياد، ومثل هذا يعطي قاعدة كلّية ولا يكون موجباً للانصراف، لأنّ دعوى الانصراف في مورد المطلق، لا فيما يفيد الكلّية والعموم.(1)
وأورد على هذا الجواب: بأنّه يصحّ في الحديث الأوّل ـ رواية محمد بن مسلم ـ حيث إنّ وصف الاصطياد أخذ قيداً للموضوع، ولا يتم في الحديث الثاني ـ مرسلة الفقيه، أعني: انّ ثمن الكلب الذي ليس بكلب الصيد سحت ـ فانّ من القريب أن لا يصدق كلب الصيد إلاّ على السلوقي.
يلاحظ عليه: أنّ ادّعاء انصراف كلب الصيد إلى السلوقي وعدم صدقه إلاّ عليه ليس بأولى من ادّعاء كون المراد من السلوقي مطلق ما يصيد وإن كان غير سلوقي، بل الثاني هو الأولى، ويعلم هذا بملاحظة ما ورد من الروايات.
فقد ورد في بعض الروايات: «انّ دية الكلب السلوقي أربعون درهماً»(2)، كما ورد في بعض الروايات أنّ دية كلب الصيد ـ من غير تقييد بالسلوقي ـ أربعون

(1) لاحظ تعليقة العلاّمة المامقاني:30.
(2) الوسائل: 19، الباب19 من أبواب ديات النفس، الحديث:1و2و6.

صفحه 173
درهماً، فقد روى ابن فضال، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «دية كلب الصيد أربعون درهماً، ودية كلب الماشية عشرون درهماً».(1)
وليس حمل كلب الصيد في هذه الرواية على السلوقي بأولى من حمل السلوقي في الرواية الأُولى على مطلق الصيود وإن لم يكن من جنس السلوقي، بل الثاني أولى، لتقييد كلب الصيد في بعض الروايات بالسلوقي حيث قال: «دية كلب الصيد السلوقي أربعون درهماً» فلو كان «كلب الصيد» منصرفاً إلى السلوقي لكان التقييد به بلا وجه، وهذا يعطي انّ كلب الصيد مشترك بين السلوقي وغيره، فربما يستعمل مطلقاً، وربما يقيد به، وأمّا وجه التقييد بالسلوقي مع كون الدية واحدة في مطلق كلب الصيد، فلأجل الوجوه التي يوجه بها التقييد بالوصف مع عدم وجود المفهوم.
وتؤيده بعض الروايات حيث ينزل الكلاب الكردية منزلة السلوقية ويقول: «الكلاب الكردية إذا علّمت فهي بمنزلة السلوقية»(2) فهي تفيد انّ الميزان هو التعلّم لا السلوقية، والرواية وإن وردت في جواز الأكل من صيد الكلاب الكردية لا في جواز البيع عليها، لكن يمكن الاستئناس منه على جواز البيع أيضاً.
وتؤيد العموم رواية محمد بن قيس، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : لا خير في الكلاب إلاّ كلب صيد أو كلب ماشية».(3)
والحاصل: انّ ادّعاء انصراف كلب الصيد إلى خصوص السلوقي بعيد جدّاً.

(1) الوسائل: 19، الباب19 من أبواب ديات النفس، الحديث:4و5.
(2) الوسائل: 16/224، الباب10 من أبواب الصيد والذبائح، الحديث1.
(3) الوسائل:8/387، الباب43 من أبواب أحكام الدواب، الحديث2.

صفحه 174

ما هو المراد من «الصيود» و «الذي لا يصيد»؟

هذان التعبيران يحتملان وجوهاً نشير إليها:
الأوّل: أن يكون لفظ الصيود مشيراً إلى المعلَّم، ويكون قوله: «لا يصيد» مشيراً إلى غير المعلم، من غير فرق في الطرفين بين السلوقي وغيره.
ولا يخفى بعده، لأنّ دعوى الانصراف إلى خصوص المعلّم ممنوع جدّاً.
الثاني: أن يكون المراد من الصيود، المتّخذ للصيد، والمراد من مقابله ما لا يتّخذ له.
وفيه منع أيضاً، لأنّ الظاهر كون الموضوع للجواز والحرمة هو نفس الكلب بوصف الصيودية، لا هو مع قيد الاتّخاذ.
الثالث: الكلب الثابت له هذا العنوان فعلاً بأن يكون مشتغلاً بالاصطياد بالفعل، ويراد من مقابله ما لا يكون مشتغلاً به كذلك، وعلى ذلك فالكلب الذي له ملكة الاصطياد وليس مشتغلاً به بالفعل يدخل تحت أدلّة الحرمة. ولا يخفى أيضاً بعده.
الرابع: ما يكون له ملكة الاصطياد، في مقابل ما ليس له تلك الملكة، سواء أكان مشتغلاً به بالفعل أو لا، وهذا هو المتبادر من كلب الصيد أو الكلب الصيود، كما هو المتبادر من قوله:«الذي لا يصيد»، وعلى ذلك فكلّ كلب له قدرة الاصطياد وإن كان شاغلاً بالفعل للحراسة فهو داخل تحت أدلّة الجواز، وما ليس له ملكة الاصطياد بحيث يصحّ سلب ذلك العنوان عنه فهو داخل تحت أدلّة المنع، وإنّما قلنا إنّه هو المتبادر، لأنّه نتيجة إطلاق أدلّة عدم تدخل التعليم والاتخاذ والاشتغال الفعلي في الحكم، ويظهر ذلك بملاحظة أشباهه.

صفحه 175

في بيع الكلاب الثلاثة:

كلب الحائط والماشية والزرع

لا شكّ انّه يجوز اقتناء هذه الكلاب للانتفاع بها، لأنّها من وسائل الحياة.
ويدلّ على الجواز ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث: «انّه رخّص في اقتناء كلب الصيد، وكلّ كلب فيه منفعة، مثل كلب الماشية، وكلب الحائط، والزرع رخصهم في اقتنائه...».(1)
قال الشيخ في «الخلاف»: يجوز اقتناء الكلب لحفظ البيوت، ولأصحاب الشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه، وهو الصحيح عند محصليهم، ومنهم من قال: لا يجوز لأنّ السنّة خصّت كلب الصيد والماشية والزرع.
دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم.(2)
وقال العلاّمة في «التذكرة»: يجوز اقتناء كلب الصيد والزرع، والماشية والحائط دون غيره لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم)«من اتّخذ كلباً، إلاّ كلب ماشية أو صيد أو زرع، نقص من أجره كلّ يوم قيراط»، ولو اقتناه لحفظ البيوت فالأقرب الجواز ـ وهو قول

(1) المستدرك:13/90، الباب12 من أبواب ما يكتسب به، الحديث7.
(2) الخلاف:2/81.

صفحه 176
بعض الشافعية وبعض الحنابلة ـ لأنّه في معنى الثلاثة، ومنعه بعضهم لعموم النهي.(1)
وقال في «المنتهى»: فلو اقتناه لحفظ البيوت والأقرب الإباحة، وهو قول بعض الشافعية، وبعضهم حرم ذلك.
لنا: انّ له دية مقدّرة بالشرع على ما يأتي فيجوز اقتناؤه، ولأنّه فيه منفعة كمنفعة كلب الماشية والزرع من الحفظ والحراسة.(2)
إنّما الكلام في بيعها، فقد اختلفت كلمة الأصحاب، بل اختلفت كلمة الفقيه الواحد في كتابيه.
أمّا الشيخ الطوسي: فقد خصّ جواز البيع بكلاب الصيد(3). فقال في «الخلاف»: يجوز بيع كلاب الصيد، ويجب على قاتلها قيمتها إذا كانت معلّمة، ولا يجوز بيع غير الكلب المعلّم على حال.
وقال أبو حنيفة ومالك: يجوز بيع الكلاب مطلقاً، إلاّ أنّه مكروه، فإن باعه صحّ البيع ووجب الثمن، وإن أتلفه متلف لزمته قيمته.
وقال الشافعي: لا يجوز بيع الكلاب معلّمة كانت أو غير معلّمة، ولا يجب على قاتلها القيمة.
دليلنا: إجماع الفرقة فانّهم لا يختلفون فيه، ويدلّ على ذلك أيضاً قوله تعالى: (وَأَحَلّ اللّهُ البيع)، وقوله تعالى: (إِلاّ تَكُون تِجارة عَنْ تَراض) ولم

(1) التذكرة:10/30، ضمن فروع المسألة9، كتاب البيع، الفصل الرابع، الشرط الأوّل من شروط العوضين.
(2) المنتهى:2/1010.
(3) الاستظهار مبني على كون المراد من «كلب الصيد» ما اتّخذ لهذا العمل، وأمّا إذا قيل بأنّ المراد منه، المعنى العام الشامل لكلب الماشية والزرع فيتحد مفاده مع ما سيوافيك عن كتاب الإجارة.

صفحه 177
يفصل، وروى جابر أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «نهى عن الكلاب والسنور إلاّ كلب الصيد» وهذا نص.(1)
ولكن يظهر من إجارة «الخلاف» القول بجواز بيع هذه الكلاب، حيث قال: «يصحّ إجارة كلب الصيد للصيد، وحفظ الماشية والزرع». وللشافعي فيه وجهان: أحدهما مثل ما قلناه، والآخر انّه لا يجوز ذلك.
دليلنا: انّ الأصل جوازه، والمنع يحتاج إلى دليل، ولأنّ بيع هذه الكلاب يجوز عندنا، وما يصحّ بيعه يصحّ إجارته بلا خلاف.(2)
ولكن يظهر منه في «المبسوط»: عدم جواز بيع غير المعلّم للصيد حيث قال: والكلاب على ضربين: أحدهما لا يجوز بيعه بحال، والآخر يجوز ذلك فيه، فما يجوز بيعه ما كان معلّماً للصيد.(3)
هذه أقوال الشيخ (قدس سره) ، وأمّا غيره فنأتي ببعضها:
قال العلاّمة في «المختلف»: وقال ابن الجنيد: لا بأس بشراء الكلب الصائد والحارس للماشية والزرع، وقال ابن البراج: يجوز بيع كلب الصيد دون غيره من الكلاب، وقال ابن إدريس: يجوز بيع كلب الصيد سواء كان سلوقياً ـ وهو المنسوب إلى سلوق قرية باليمن ـ أو غير سلوقي، وكلب الزرع وكلب الماشية وكلب الحائط، وبه قال ابن حمزة، وهو الأقرب عندي.(4)
وقال المحقّق الأردبيلي في «مجمع الفائدة»: واختلفوا في الثلاثة الباقية، وسوّغ في «المبسوط»، وهو اختيار ابن إدريس، وهو الأقوى عندي.

(1) الخلاف:2/80، المسألة302، كتابي البيوع، باب ما يصحّ بيعه وما لا يصحّ من الكلاب وغيرها.
(2) الخلاف:2/216.
(3) المبسوط:2/166.
(4) المختلف:5/12، كتاب المتاجر، فصل في وجوه الاكتساب، ولاحظ المنتهى:2/1009.

صفحه 178
ثمّ قال: وذلك غير بعيد، للأصل، مع حصول النفع المطلوب للعقلاء، مع عدم المنع في نصّ أو إجماع، ومجرّد كونه نجساً لا يصلح لذلك، ولا لعدم التملّك، فالظاهر التملّك وجواز ما يترتب عليه. ويحتمل العدم، لأنّ الأصل عدم التملّك والبيع فرعه، وللرواية الدالة على أنّ ثمن الكلب سحت، خرج كلب الصيد بدليل آخر، وبقي الباقي، ولا دليل على التملّك.
وقال: ويمكن أن يكون عموم خلق الأشياء للإنسان وانتفاعه بها وقبضه لها مع صلاحية الانتفاع بها، دليلاً له كما في سائر المباحات، وتحمل رواية «ثمن الكلب سحت» على كلب الهراش الذي لا نفع فيه غير الكلاب الأربعة.(1)
وقال النراقي في «المستند»: في المسألة قولان: المنع وهو للشيخين، والقاضي، والغنية، و الشرائع، واختاره من المتأخرين جماعة، وعن الخلاف الإجماع عليه، لإطلاق الأخبار المانعة عموماً وخصوص الكلب وعدم المخصص.
والجواز وهو للاسكافي، والحلّي، وابن حمزة، وابن علي، والفاضل، والتنقيح، والمهذّب، واختاره كثير ممّن تأخّر، للأصل، والعمومات، والاشتراك مع كلب الصيد في الانتفاع المسوّغ لبيعه، ولأنّ لها ديات مقدرة، ولجواز إجارتها، ولا فارق ـ إلى أن قال ـ : فالجواز هو الأقوى وإن كان المنع أحوط.(2)
والرجوع إلى الأقوال المتشتّتة التي نقلناها عن المصادر السابقة والتي نقلها صاحب مفتاح الكرامة(3) يثبت عدم تحقّق الإجماع على أحد القولين، وعلى ذلك فما حكي عن حواشي الشهيد: انّ أحداً لم يفرّق بين الكلاب الأربعة في جواز البيع

(1) مجمع الفائدة:8/37، كتاب المتاجر.
(2) المستند:14/85، كتاب المكاسب.
(3) لاحظ مفتاح الكرامة:4/23ـ28.

صفحه 179
وعدمه ليس في محله.
يلاحظ عليه: أنّ مقتضى القاعدة هو جواز البيع لأجل جواز الانتفاع المصحّح لجواز بيعه، خصوصاً بالنسبة إلى ما ورد في مرسل «تحف العقول» من جواز بيع ما فيه جهة من جهات الصلاح.
غير أنّ الذي أوجب العدول عن هذه القاعدة، الإطلاقات الواردة حول بيع الكلب من أنّه سحت، فالخروج عن هذه الإطلاقات يحتاج إلى مخصص ومقيّد أقوى، فلو لم يثبت المخصص لكان العمل بالعمومات متعيّناً.
ثمّ إنّ العلاّمة استدلّ في «المختلف» على الجواز بوجوه أربعة:
1. انّ الأصل هو إباحة البيع.
2. لو جاز بيع كلب الصيد، جاز بيع باقي الكلاب الأربعة، لأنّ المقتضي لجواز البيع ـ هو جواز الانتفاع ـ موجود في الجميع.
3. لأنّها تجوز إجارتها فيجوز بيعها.
4. انّ لهذه الكلاب ديات منصوصة تعرب عن ماليتها وجواز المعاوضة عليها.
أضف إلى ذلك ما رواه الشيخ في «المبسوط» مرسلاً من قوله: وروى: «انّ كلب الماشية والحائط كذلك».
ولا يخفى ضعف الكلّ.
أمّا الأوّل: فلأنّ التمسّك بالأصل إنّما يصحّ لو لم يكن هناك عموم أو إطلاق في مقابله.
وأمّا الثاني: فلأنّ الأخذ بالمناط إنّما يصحّ إذا أحرز المقتضي، وعلم عدم المانع، ولم يحرز الثاني، ولعلّ في جواز بيع غير الصيود من الكلاب مفاسد غالبة

صفحه 180
على منافعها غير معلومة لنا، وما أفاده المحقّق الإيرواني من أنّ هذا ليس من القياس الباطل، بل من باب إسراء الحكم بسريان مناطه وعلته(1)، غير تام، لأنّ العلم بالمناط فرع العلم بعدم المانع وعدم المفسدة الغالبة، وهو بعد مشكوك.
وأمّا الثالث: فلأنّ جواز الإجارة لا يكون دليلاً على جواز البيع، فانّ إجارة الحر نفسه جائزة ولا يجوز بيعه، وبيع الفواكه جائز ولا تجوز إجارتها.
وأمّا الرابع: فانّ الدية لو لم تدلّ على عدم التملّك ـ و إلاّ لكان الواجب القيمة كائنة ما كانت ـ لم تدلّ على التملّك، لاحتمال كون الدية من باب تعيين غرامة معينة لتفويت شيء ينتفع به لا لإتلاف مال كما في إتلاف عمل الحر، هكذا أجاب عنه الشيخ الأعظم، غير أنّ في صدر كلامه نظراً وهو «دلالة تقدير الدية على عدم التملّك» لأنّ تقديرها لا يدلّ على عدم الملكية، ففي الجناية على العبد تلزم الدية مع أنّه مملوك لمولاه ولا تتقدّر فيه القيمة، وعلى ذلك فالدية مشتركة بين الملك وغيره.
نعم، ما أفاده في ذيل كلامه من احتمال كون الدية من باب تعيين غرامة معينة في كمال الإتقان.
وأمّا الخامس: ـ أعني: مرسلة المبسوط ـ فليست بحجة، ولم ترد في الكتب الحديثية من الخاصة والعامة.

نظرية سيدنا الأُستاذ ـ دام ظله ـ

ثمّ إنّ سيدنا الأُستاذ احتمل وقوّى كون مطلق الكلاب ـ عدا الكلاب المهملة التي تتردد في الأزقة والأسواق ممّا زالت عنها ملكة الاصطياد والتكالب ـ

(1) تعليقة المحقّق الإيرواني:6.

صفحه 181
داخلاً في عنوان الكلب الذي يصطاد والصيود، ولا يصح أن يقال انّها لا تصطاد، أو ليست بصيود وإن كانت للماشية والحراسة ونحوها، فانّ الكلب ما لم تكن له ملكة الاصطياد لا يتخذ للماشية وحفظ الأغنام ونحوها.
فالكلاب على صنفين:
أحدهما: ما زالت عنها صفة التصيّد، وهي التي صارت مهملة، ولم يكن لها التكالب، وهي الكلاب المهملة الدائرة في الأزقة، أو العائشة على صدر صاحبها العياش الملاعب بها، والمؤانس معها، على تأمّل في الثانية.
وثانيهما: ما بقيت على صفتها وملكتها السبعية، وهي صيود وسبع بطبعها، وصادق عليها انّها تصيد وتصطاد، سواء اتّخذت للاصطياد، أو لحفظ الأغنام، أو لحراسة البلد، أو القرية أو المزارع ونحوها، فالميزان في جواز البيع هو صدق الوصف عليها، لا استعمالها في الصيد أو اشتغالها به، والظاهر صدق العناوين على جميع الأنواع، فكلاب الأغنام والمواشي صيود، تصيد الذئب والغزال وغيرهما، ولو فرض ـ بعيداً ـ سلب صفة الاصطياد عن بعض ما يتخذ للحراسة يمكن الحكم بصحّة معاملته، بعدم القول بالفصل، بل وبالاستصحاب.(1)
ولا يخفى انّ إدخال جميع الكلاب عدا الكلاب المهملة تحت عنوان: (الذي يصيد) لا يخلو من بعد، فانّ هذا العنوان ـ نظير عنوان (كلب الصيد) الذي اعترف فيه بأنّه لا يصدق على كلب الماشية والزرع ـ لا يصدق إلاّعلى الكلب الذي خلق على وضع خاص يقدر معه على العدو و الأخذ، وهذا غير متحقّق في الكلاب الثلاثة فإنّ أكثر هذه الكلاب ربما تتأتى منها الحراسة ولا يتأتى منها الاصطياد، لأنّ حراسة الحائط والبستان لا تتوقّف إلاّ على النباح والهجوم، وهذا لا

(1) المكاسب المحرّمة للإمام الخميني:1/70.

صفحه 182
يكفي في الاصطياد، ولو صحّ ما ذكره لكان تقسيم الكلاب إلى الأقسام المختلفة أمراً غير طائل.
ومع ذلك كلّه فالحقّ جواز بيع هذه الكلاب الثلاثة، بل كلّ كلب ينتفع به بنحو من الأنحاء في الحياة، لجريان السيرة على المعاملة عليها أوّلاً، وترتيب آثار الملكية عليها من الهبة والوقف والوصية ثانياً، وانّه ممّا فيه وجه من وجوه الصلاح ثالثاً، ولقوله (عليه السلام) : «لا خير في الكلاب إلاّكلب صيد أو كلب ماشية» رابعاً.(1)
وحمله على خصوص الاقتناء دون البيع مخالف للإطلاق.
فإن قلت: أخبار حصر الجواز في كلب الصيد أخصّ من الأخبار العامّة، مثل قوله:«أو وجه من وجوه الصلاح» و مقتضى القاعدة تقديم الأوّل على الثاني لا العكس.
قلت: إنّ الأخبار العامة في مقام إعطاء الضابطة، وهي تقتضي تقديمها على أخبار الحصر.
أضف إلى ذلك انّه يمكن حمل الحصر على الحصر الإضافي، في مقابل ما يتّخذ للأُنس واللعب كما هو المعروف بين المترفين وأهل اللعب والدعابة، فالمراد من حصر الجواز في الصيد، هو نفي ما يتّخذ للّعب، لا نفي الكلاب الثلاثة المفيدة التي تدور عليها رحى الحياة في المزارع والقرى والخيام، واللّه العالم.

(1) الوسائل:8/387، الباب43 من أبواب أحكام الدواب، الحديث2.

صفحه 183

الثالث: بيع العصير العنبي إذا غلى ولم يذهب ثلثاه

قال الشيخ الأعظم(قدس سره): الأقوى جواز المعاوضة على العصير العنبي إذا غلى ولم يذهب ثلثاه وإن كان نجساً، لعمومات البيع والتجارة الصادقة عليها.
أقول: إنّ البحث في العصير العنبي إذا غلى ولم يذهب ثلثاه يقع في مقامات:
الأوّل: في طهارته ونجاسته، فهل هو نجس مطلقاً، أو طاهر مطلقاً، أو يُفصَّل بين ما إذا غلى بنفسه وبين ما إذا غلى بالنار، فيحكم بنجاسته في الأوّل دون الثاني، كما هو المحكي عن ابن حمزة من القدماء و شيخ الشريعة الاصفهاني من المتأخرين، وغيره من الأعلام القائلين بأنّه إذا غلى بنفسه يصير خمراً مسكراً. أو يفصل بين العصير العنبي وغيره من العصير التمري فيحكم بالنجاسة في الأوّل دون الثاني كما عن بعض الفقهاء؟ أقوال، والتحقيق والتفصيل موكول إلى محله.
الثاني: حرمة بيعه حسب القواعد العامة(1) فنقول:
يظهر من الشيخ في «النهاية» حرمة البيع فيما إذا غلى بنفسه، قال: والعصير لا بأس بشربه وبيعه ما لم يغل، وحدّالغليان الذي يحرم ذلك هو أن يصير أسفله أعلاه، فإذا غلى حرم شربه وبيعه إلى أن يعود إلى كونه خلاً، وإذا غلى

(1) في مقابل حرمته حسب الروايات الخاصّة.

صفحه 184
العصير على النار لم يجز شربه إلى أن يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه.(1)
وبحكم المقابلة بين قوله: «إذا غلى بنفسه» و قوله: «إذا غلى العصير على النار» يعلم أنّ عدم جواز البيع مختصّ بالأوّل لذكره فيه دون الثاني لخلوّه عنه.(2)
ويظهر من «مفتاح الكرامة» عدم الفرق بين المغليّ بنفسه و المغليّ بالنار، قال: وأمّا عصير العنب فلا ريب في عدم جواز بيعه إذا نشّ وغلى من قبل نفسه، لأنّه يصير حينئذ خمراً ولا يطهر إلاّ بانقلابه خلاً كما نصّ عليه الأكثر من المتقدّمين والمصنّف (العلاّمة) في رهن «التذكرة» والمحقّق الثاني في رهن «جامع المقاصد»، وقد نزّلنا عليه كلام جماعة من المتأخرين كما بيّناه في رسالتنا المسمّاة بـ«العصرة في العصير»، بل لا فرق في ذلك بين عصير العنب وعصيري التمر والزبيب إذا نشّا وغليا من قبل أنفسهما.
وأمّا إذا غلى عصير العنب بالنار ولم يذهب ثلثاه فلا ريب في نجاسته كما بيّناه في غير موضع، بل ادّعى عليه الإجماع. والظاهر أيضاً عدم جواز بيعه، لأنّه حينئذ خمر كما صرّح به جماعة، أو كالخمر إذا اعتدّ للتخليل كما نصّ عليه المحقّق الثاني، وهو الظاهر من عبارة «النهاية».(3)
ثمّ استدلّ عليه بإطلاق خبر أبي كهمس، وإطلاق مرسل ابن الهيثم، وسيوافيك كلا الخبرين فانتظر.
ويظهر ممّا نقله الشيخ الأعظم عن المحقّق الثاني ـ قدس سرهما ـ في حاشية الإرشاد عدم جواز البيع مطلقاً، قال: ولو تنجس العصير ونحوه فهل يجوز بيعه

(1) النهاية:591، باب الأشربة المحظورة والمباحة.
(2) إلاّ أن يقال: انّ حرمة الشرب، تلازم حرمة البيع، فاكتفى بذكر الأوّل عن الثاني، فلا يدلّ على جواز البيع في الثاني، فلاحظ.
(3) مفتاح الكرامة:4/12.

صفحه 185
على من يستحله؟ فيه إشكال، وذكر أنّ الأقوى العدم لعموم: (وَلا تَعاوَنُوا عَلى الإِثْمِ وَالْعُدُوان).(1)
واستظهر الشيخ الأعظم انّ المراد حرمة بيعه للشرب قبل التثليث، لا حرمة بيعه ممّن نعلم أنّه يطهره بالتثليث كما يظهر من ذكر المشتري وهو من يستحلّه، ويظهر ذلك من الدليل الذي أقامه ـ أعني:(وَلا تَعاوَنُوا عَلى الإِثْمِ وَالْعُدْوان) ـ فانّ المعاونة إنّما تصدق إذا بيع ممّن يشربه نجساً لاممّن يشربه بعد التطهير.(2)
وعلى ذلك الاستظهار، فالمحقّق الثاني من المجوّزين مطلقاً غلى بنفسه أم بالنار، كما أنّ الشيخ في «النهاية» من المفصّلين بينهما، وظاهر «مفتاح الكرامة» كونه من المحرمين مطلقاً.
وعلى كلّ تقدير فقد استدلّ على حرمة بيعه حسب القواعد الكلية بوجوه ملفّقة من كونه نجساً، وانّه محرّم الشرب، وفاقد المالية.
ولا يخفى عدم تمامية هذه الوجوه:
أمّا الأوّل: فقد عرفت أنّ النجاسة بما هي ليست مانعة من البيع، وإنّما هي مانعة إذا صارت موجبةً لعدم الانتفاع منها منفعة محلّلة، والمفروض إمكان الانتفاع منه بالتطهير بالتثليث، على أنّ كونه نجساً أوّل الكلام، وشمول رواية «تحف العقول» ـ أعني قوله: «وأمّا وجوه الحرام من البيع والشراء فكلّ أمر يكون فيه الفساد ممّا هو منهي عنه من جهة أكله وشربه...أو شيء فيه وجه من وجوه

(1) المائدة:2.
(2) وربما يستظهر انّ مراد المحقّق من قوله:«وتنجس العصير»، هو عصير الفاكهة لا العصير العنبي إذا غلى، والظاهر عدم إتقانه، لأنّه لا وجه لتخصيص المشتري بمن يستحله فانّ عصير الفواكه حلال عند الجميع مسلماً كان أو غير مسلم.

صفحه 186
الفساد... أو شيء من وجوه النجس، فهذا كلّه حرام محرّم، لأنّ ذلك كلّه منهي عن أكله وشربه» ـ للمتنجّس غير ثابت.
وأمّا الثاني : أعني: كونه محرّم الشرب، فيشمله النبوي المعروف، ففيه ما عرفت مراراً من أنّ النبوي ناظر إلى ما إذاكانت معظم منافع الشيء محرمة، وكان البيع لتلك الغايات المحرمة، وكلا القيدين منتفيان في المقام.
وأمّا الثالث: أعني: عدم المالية، فغير تام، كيف وهو ممّا يبذل بازائه الثمن، ولو أتلفه الغاصب ضمن.
نعم، لو أغلاه الغاصب ضمن نقص القيمة إذا كان سبباً لنقصها، لا مطلقاً، كما يظهر من الشيخ إطلاق الضمان، سواء نقص في القيمة أم تساوت أو زادت.
الثالث: حرمة بيعه حسب الروايات، فقد استدلّ على حرمة البيع بروايات نذكرها لتعرف عدم دلالة هذه الروايات على حرمة بيع العصير العنبي المغلي بالنار وهو المطروح في المقام.
الأُولى: رواية أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن ثمن العصير قبل أن يغلي لمن يبتاعه ليطبخه أو يجعله خمراً؟ قال: «إذا بعته قبل أن يكون خمراً وهو حلال فلا بأس».(1)
ولا يخفى إنّ الاستدلال به على حرمة بيع العصير قبل التثليث غير تام لوجوه:
1. الاستدلال إمّا بمفهوم القضية الشرطيةـ أعني قوله: «إذا بعته » ـ أو بمفهوم الظرف ـ أعني قوله: «قبل أن يكون خمراً» ـ ، والأوّل بيّن البطلان، لأنّ

(1) الوسائل: 12/169، الباب59 من أبواب ما يكتسب به، الحديث2.

صفحه 187
الشرط سيق لتحقّق الموضوع، فلو لم يكن هناك بيع، لم يكن هناك موضوع حتّى يترتب عليه الحكم، والثاني أشبه شيء بالتمسّك بمفهوم اللقب منه.
2. انّ مفهومه على فرض الثبوت هو وجود البأس إذا باع بعد أن يكون خمراً، وهو ليس صريحاً في الحرمة.
3. أضف إلى ذلك انّ المتكلّم في مقام بيان حكم المنطوق دون المفهوم، فلا يمكن الأخذ بإطلاق المفهوم والحكم بحرمته مطلقاً إذا باع بعد أن يكون خمراً مع وجود القدر المتيقن في المقام، وهو انّه إذا باع ممّن يطبخه ويجعله بختجاً(1)، أو يجعله خمراً صناعياً.
ويظهر من بعض الروايات انّ «البختج» كان على قسمين: قسم كان حلالاً يجوز شربه، والقسم الآخر ما يقابله ولا يجوز شربه; ولعلّ أكثر استعمال البختج في القسم الثاني الذي يقال له في الفارسية « مى پخته»، ويشهد لذلك ما رواه معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل من أهل المعرفة بالحقّ يأتيني بالبختج ويقول: قد طبخ على الثلث وأنا أعرف انّه يشربه على النصف أفأشربه بقوله وهو يشربه على النصف؟ فقال: «لا تشربه». قلت: فرجل من غير أهل المعرفة ممّن لا نعرفه يشربه على الثلث ولا يستحلّه على النصف يخبرنا أنّ عنده بختجاً على الثلث قد ذهب ثلثاه وبقي ثلثه يشرب منه؟ قال: «نعم».(2)
4. هذا كلّه مع غض البصر عن ضعف الرواية عند المشهور بعلي بن أبي حمزة وقاسم بن محمد.
5. احتمل الشيخ (قدس سره) انّ الرواية وما يليها راجعة إلى البيع للشرب بدون

(1) البختج: معرب مى پخته.
(2) الوسائل: 17/234، الباب7 من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث4.

صفحه 188
الإعلام، وإن كان هذا الحمل بعيداً عن مساق الأخبار.
6. احتمل المحقّق الشهيدي في تعليقته انّها ـ وما سيأتي ـ سيقت للنهي عن بيع العصير إذا غلى بنفسه وصار خمراً ومسكراً، وسيوافيك بيانه أيضاً.
الثانية: رواية أبي كهمس قال: سأل رجل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن العصير فقال: لي كرم وأنا أعصره كلّ سنة وأجعله في الدنان(1)وأبيعه قبل أن يغلي؟ قال: «لا بأس به، وإن غلى فلا يحل بيعه»، ثمّ قال: «هو ذا نحن نبيع تمرنا ممّن نعلم أنّه يصنعه خمراً».(2)
غير أنّه لا يمكن الاحتجاج بها لاحتمال أن يكون المراد من الغليان هو الإسكار من باب ذكر السبب وإرادة المسبب، وعلى ذلك تكون الرواية راجعة إلى غليان العصير بنفسه لا بالنار، أضف إلى ذلك انّه يمكن أن تكون الرواية ناظرة إلى حرمة بيع العصير للشرب بلا إعلام، لأجل ان سقي المسلم المتنجّس حرام، وأمّا حرمة بيعه للدبس فلا يستفاد منه.
واحتمل سيدنا الأُستاذ ـ دام ظلّه ـ بل جزم بأنّ هذه الرواية وما شابهها متعرّضة لمسألة أُخرى، وهي ما يأتي الكلام فيها إن شاء اللّه من بيع العصير ممّن يعلم

(1) جمع الدن ـ بفتح الدال وتشديد النون ـ كهيئة الحب إلاّ أنّه أطول منه وأوسع رأساً، والجمع الدنان بكسر الدال وتخفيف النون.
(2) الوسائل: 12/169، الباب59 من أبواب ما يكتسب به، الحديث6.

صفحه 189
أنّه يجعله خمراً، وهي غير ما نحن بصدده، أعني: أنّ العصير بما انّه حرام أو نجس هل يجوز بيعه أم لا؟، يباع ممّن يجعله خمراً أو خلاً أو دبساً، وهذه الروايات أجنبية عن مسألتنا خصوصاً بملاحظة ذيل هذه الرواية«هو ذا نحن نبيع تمرنا ممّن نعلم أنّه يصنعه خمراً»، فانّ الظاهر منها انّ السؤال كان عن بيع العصير ممّن يعلم أنّه يجعله خمراً، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «هوذا» ـ أي عملك نحو عملنا ـ نحن أيضاً نفعل ذلك، ولعلّ بيع العصير ممّن يجعله خمراً كان معهوداً متعارفاً فحمل عليه السؤال.(1)
يلاحظ عليه: أنّ الذيل وإن كان ظاهراً في المسألة التي أشار إليها، لكن صدرها لا يلائم ما ذكره حيث يفصل بين قبل الغليان وبعده، فيحكم بالجواز في الأوّل وبالحرمة في الثاني، وعلى كلّ تقدير فالرواية ضعيفة لأجل «أبي كهمس».
الثالثة: رواية أبي بصير، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) وسئل عن الطلا؟ فقال: «إن طبخ حتى يذهب منه اثنان ويبقى واحد فهو حلال، وما كان دون ذلك فليس فيه خير».(2)
والاستدلال بها مبني على أنّ الخير المنفي يعمّ الشرب والبيع.
وفيه ضعف، لأنّ الطلا، الخمر المسكر، والعصير إذا لم يطبخ وترك حتى تخمّر اشتدّ إسكاره، وإذا طبخ على النصف أو الثلث ثمّ ترك مدة تخمّر أيضاً لكنّ فيه إسكاراً ضعيفاً، وكلّما زيد طبخه قلّ إسكاره حتّى يذهب ثلثاه فلا يتخمّر حينئذ وإن مكث شهوراً.
وعلى ذلك فالرواية ناظرة إلى كيفية خارجية في وضع العصير، وانّه إنّما لا يتخمّر إذا ذهب منه اثنان وبقي واحد، وما دون ذلك فليس فيه خير لاشتماله على الإسكار الضعيف، فالرواية ناظرة إلى جواز الشرب وعدمه لا جواز البيع وعدمه.
وقال بعض المحقّقين: وإنّما حدّد الشارع بهذا الحد ـ ذهاب الثلثين ـ ولم

(1) المكاسب المحرمة:1/85.
(2) الوسائل: 17/226، الباب2 من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث6.

صفحه 190
يحله على العرف، لأجل أنّ الإسكار الضعيف في العصير المتخمّر بعد الطبخ يصير مثاراً للشك والوسوسة، وجعل الحدّفي ذلك ذهاب الثلثين حسماً للنزاع.(1)
الرابعة: مرسلة محمد بن الهيثم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن العصير يطبخ بالنار حتّى يغلي من ساعته أيشربه صاحبه؟ فقال: «إذا تغيّـر عن حاله وغلى فلا خير فيه حتّى يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه».(2)
والمراد من قوله: «حتى يغلي من ساعته» إذا طبخ العصير بالنار وترك بعد الطبخ حتّى غلى بنفسه، وعندئذ بما أنّه لم يذهب ثلثاه،يشرع بالتخمّر، فأجاب الإمام (عليه السلام) بأنّه لا يصلح للشرب:«إذا تغيّر عن حاله وغلى حتّى يذهب ثلثاه». وهذا الحديث، كالحديث السابق ناظر إلى الشرب، ولا إطلاق في قوله(عليه السلام) : «فلا خير فيه حتّى يذهب ثلثاه» بالنسبة إلى البيع، فعلى ذلك فالتغيّر في العصير مبدأ للغليان، والغليان علّة للإسكار، فلأجل ذلك قال (عليه السلام) : «إذا تغيّر عن حاله وغلى فلا خير فيه حتّى يذهب ثلثاه»، على أنّ الرواية مرسلة، فهذه الروايات ممّا لا يمكن إثبات حرمة البيع بها.
وقصارى الكلام في هذه الروايات أنّ مفادها خارج عمّا نحن بصدده، بل راجعة إلى موارد أُخر:
1. إمّا راجعة إلى صورة الغليان بنفسه أو بالشمس الموجب للإسكار، فلا يعمّ المقام الذي هو عبارة عن صورة الغليان بالنار قبل ذهاب الثلثين والذي لا إسكار فيه، أو فيه إسكار ضعيف كما هو التحقيق.

(1) تعليقة الشهيدي:25.
(2) الوسائل: 17/226، الباب2 من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث7.

صفحه 191
2. أو راجعة إلى البيع لأجل الشرب من دون إعلام، فتكون الحرمة من باب كون سقي النجس حراماً.
3. أو راجعة إلى من يصنعه خمراً، كما هو المختار عند سيدنا الأُستاذ ـ دام ظله ـ وعلى كلّ تقدير فهي خارجة عمّا نحن بصدده من بيعه لمن يصنعه دبساً ويشربه بعد التثليث كما لا يخفى.

صفحه 192

الرابع: الانتفاع بالدهن المتنجس

بالاستصباح وبيعه له

قال الشيخ الأعظم: تجوز المعاوضة على الدهن المتنجّس على المعروف من مذهب الأصحاب . وجعل هذا من المستثنى من بيع الأعيان النجسة مبني على المنع من الانتفاع بالمتنجّس إلاّما طرح بالدليل، أو على المنع من بيع المتنجّس وإن جاز الانتفاع به نفعاً مقصوداً محلّلاً وإلاّ كان الاستثناء منقطعاً.
يلاحظ عليه: أنّ الاستثناء منقطع مطلقاً، سواء أقلنا بمنع الانتفاع بالمتنجس أم لا، وسواء أقلنا بمنع بيع المتنجس أم لا، لأنّ البحث حسب عنوان الشيخ هو الأعيان النجسة التي تعد نجسة بالذات لا الأعيان المتنجّسة، فالبحث عن الثاني مطلقاً بحث استطرادي.
ثمّ إنّّ الكلام يقع في موارد:

الأوّل: جواز الانتفاع بالاستصباح

قال الشيخ في «الخلاف»: يجوز بيع الزيت النجس لمن يستصبح به تحت السماء.
وقال أبو حنيفة: يجوز بيعه مطلقاً.

صفحه 193
وقال مالك والشافعي: لا يجوز بيعه بحال.
دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم.(1)
وقال في «المبسوط»: يجوز بيع الزيت النجس لمن يستصبح به تحت السماء، ولا يجوز إلاّلذلك.(2)
وقال المحقّق في «الشرائع»: فالمحرّم أنواع: الأوّل: الأعيان النجسة كالخمر... وكلّ مائع نجس عدا الأدهان لفائدة الاستصباح تحت السماء.(3)
وقال العلاّمة في «التذكرة»: الثالث: الإليات المقطوعة من الشاة الميتة...أمّا الدهن النجس بملاقاة النجاسة له فيجوز بيعه لفائدة الاستصباح به تحت السماء خاصة، وللشافعي قولان: أحدهما: لا يجوز تطهيره فلا يصحّ، وبه قال مالك وأحمد; والثاني: يجوز تطهيره، ففي بيعه عنده وجهان.(4)
وقال ابن رشد في «بداية المجتهد»: ومن هذا الباب اختلافهم في بيع الزيت النجس وما ضارعه بعد اتّفاقهم على تحريم أكله، فقال مالك: لا يجوز بيع الزيت النجس، وبه قال الشافعي، وقال أبوحنيفة: يجوز إذا بيّن، وبه قال ابن وهب من أصحاب مالك.(5)
وقال ابن قدامة: وإذا وقعت النجاسة في مائع كالدهن وما أشبهه نجس، واستصبح به ان أحبّ، ولم يحل أكله ولا ثمنه.

(1) الخلاف:2/83.
(2) المبسوط:2/167، كتاب البيوع.
(3) الشرائع:2/9، كتاب التجارة، فصل فيما يكتسب به.
(4) التذكرة:10/32 ضمن فروع المسألة11، فصل في العوضين.
(5) بداية المجتهد:2/126. وهذه الكلمات كما هي دليل على جواز البيع دليل على جواز الانتفاع بطريق أولى.

صفحه 194
وقال أيضاً: إذا استصبح بالزيت النجس فدخانه نجس، لأنّه جزء يستحيل منه.(1)
ويدلّ على جواز الانتفاع عدّة نصوص:
1. ما رواه معاوية بن وهب، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت: جرذ، مات في زيت أو سمن أو عسل، فقال: «أمّا السمن والعسل فيؤخذ الجرذ وما حوله، والزيت يستصبح به».(2)
وهذه الرواية نقلها الكليني في «الكافي»، وهي تدلّ على جواز الانتفاع، ولها ذيل نقله الشيخ في «التهذيب» يدلّ على جواز البيع كما سيوافيك.
2. ما رواه زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إذا وقعت الفأرة في السمن فماتت فيه، فإن كان جامداً فألقها وما يليها، وإن كان ذائباً فلا تأكله واستصبح به، والزيت مثل ذلك».(3)
3. ما رواه الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الفأرة والدابة تقع في الطعام والشراب فتموت فيه؟ فقال: «إن كان سمناً أو عسلاً أوزيتاً فانّه ربّما يكون بعض هذا، فإن كان الشتاء فانزع ما حوله و كله، وإن كان الصيف فارفعه حتى تسرج به، وإذاكان ثرداً فاطرح الذي كان عليه، ولا تترك طعامك من أجل دابة ماتت عليه».(4)
4. ما رواه سعيد الأعرج، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ـ في حديث ـ انّه سأله عن الفأرة تموت في السمن والعسل. فقال: «قال علي (عليه السلام): خذ ما حولها وكل بقيته».

(1) المغني:11/86ـ88، الطبعة الثالثة.
(2) الوسائل:16/364، الباب43 من أبواب الأطعمة المحرّمة، الحديث 1و3.
(3) الوسائل:16/364، الباب43 من أبواب الأطعمة المحرّمة، الحديث 1و3.
(4) الوسائل:16/375، الباب43 من أبواب الأطعمة المحرّمة، الحديث4.

صفحه 195
وعن الفأرة تموت في الزيت؟ فقال: «لا تأكله، ولكن أسرج به».(1)
5. ما رواه في «المستدرك» قال: «قال علي (عليه السلام) : في الزيت والسمن إذا وقع فيه شيء له دم فمات فيه، استسرجوه».(2)
هذا كلّه في الانتفاع، وقد عرفت جوازه فتوىً ونصاً. ويقع الكلام في المورد الثاني، أعني: جواز البيع.

الثاني: في جواز بيعه

وقد عرفت من كلمات القوم عند البحث عن الانتفاع جواز البيع لأجل الاستصباح فهو ممّا لا كلام فيه، إنّما الكلام في إطلاقه، والنصوص في ذلك مختلفة وعلى أقسام، وإليك بيانها:
الف: ما يدلّ على جواز البيع مع لزوم الإعلام، مثل:
1. رواية أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الفأرة تقع في السمن أو في الزيت فتموت فيه؟ فقال: «إن كان جامداً فتطرحها وماحولها ويؤكل ما بقي، وإن كان ذائباً فأسرج به، وأعلمهم إذا بعته».(3)
2. رواية الشيخ، عن معاوية بن وهب، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) ، في جرذ مات في زيت ما تقول في ذلك؟ فقال: بعه وبيّنه لمن اشتراه ليستصبح به».(4)
وقد تقدّمت رواية الكليني عن معاوية بن وهب في جواز الانتفاع بالزيت لأجل الاستصباح، وليس فيها شيء عن جواز البيع.

(1) الوسائل:16/375، الباب 43 من أبواب الأطعمة المحرّمة، الحديث5.
(2) المستدرك:13/73، الباب6 من أبواب ما يكتسب به، الحديث3.
(3) الوسائل:12/66، الباب6 من أبواب ما يكتسب به، الحديث3.
(4) الوسائل: 12/66، الباب6 من أبواب ما يكتسب به، الحديث4، والجرذ هو الذكر من الفأر.

صفحه 196
وهل هذه الرواية وما رواه الكليني روايتان مستقلتان، أو رواية واحدة حصل التقطيع بينهما، فروى الكليني صدرها في كتاب الأطعمة الباب 14، وروى الشيخ ذيلها في باب الغرر من كتاب التجارة؟
نعم رواها الشيخ في «التهذيب» في الذبائح والأطعمة جامعاً بين ما نقله الكليني وما رواه هو نفسه في كتاب التجارة حيث قال بعد نقل ما رواه الكليني : وقال في بيع ذلك الزيت: «تبيعه وتبيّنه لمن اشتراه ليستصبح به».(1) فعلم من ذلك أنّ الشيخ الطوسي نقل تارة بالنقل باللفظ كما في باب الغرر من كتاب التجارة(2)، وأُخرى بالنقل بالمعنى كما في كتاب الذبائح والأطعمة.
نعم يرد على الشيخ الأعظم انّه نقل رواية الحلبي باسم رواية سعيد الأعرج.
3. رواية «قرب الاسناد»، عن إسماعيل بن عبد الخالق، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سأله سعيد الأعرج السمّان ـ وأنا حاضر ـ عن الزيت والسمن والعسل تقع فيه الفأرة فتموت كيف يصنع به؟ قال:«أمّا الزيت فلا تبعه إلاّ لمن تبيّن له فيبتاع للسراج، وأمّا السمن فإن كان ذائباً فهو كذلك، وإن كان جامداً والفأرة في أعلاه فيؤخذ ما تحتها وما حولها ثمّ لا بأس به، والعسل كذلك إن كان جامداً».(3)
4. وما رواه في «المستدرك» عن الجعفريات: انّ عليّاً (عليه السلام) سئل عن الزيت يقع فيه شيء له دم فيموت؟ قال:«الزيت خاصة يبيعه لمن يعمله صابوناً».(4) ودلالته على لزوم الإعلام بالالتزامية.

(1) التهذيب:9/85، رقم الحديث359.
(2) التهذيب:7/129، باب الغرر، رقم الحديث563.
(3) الوسائل:12/66، الباب6 من أبواب ما يكتسب به، الحديث5.
(4) المستدرك:13/72، الباب 6 من أبواب ما يكتسب به، الحديث2.

صفحه 197
ب: ما يدلّ على جواز البيع مطلقاً من غير تقييد بالإعلام مثل:
1. ما رواه في «قرب الاسناد» عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر(عليهما السلام) قال: وسألته عن فأرة وقعت في حب دهن فأُخرجت من قبل أن تموت أيبيعه من مسلم؟ قال: «نعم ويدهن به».(1)
2. وفي «الجعفريات» باسناده عن جعفر بن محمد، عن أبيه: أنّ عليّاً سئل عن الزيت... قال: «يبيعه لمن يعمله صابوناً».(2)
ج: ما يدلّ على عدم جواز بيعه من مسلم، مثل:
1. ما رواه في «قرب الاسناد» عن موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال: سألته عن حبّ دهن ماتت فيه فأرة؟ قال: «لا تدهن به، ولا تبعه من مسلم».(3)
2. وفي «المستدرك» عن «الجعفريات» أنّ علياً (عليه السلام) قال: «في الخنفساء والعقرب والصرد إذا مات في الإدام فلا بأس بأكله، قال: وإن كان شيئاً مات في الإدام وفيه الدم في العسل أو في الزيت أو في السمن فكان جامداً جنبت ما فوقه وما تحته ثمّ تؤكل بقيته، وإن كان ذائباً فلا يؤكل، يستسرج به ولا يباع».(4)
3. وعن «دعائم الإسلام» عنهم (عليهم السلام) : «إذا أخرجت الدابة حيّة ولم تمت في الإدام لم ينجس ويؤكل، وإذا وقعت فيه فماتت لم يؤكل ولم يبع ولم يشتر».(5)
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ تعارض الروايات يرتفع بتقييد بعضها ببعض.
توضيحه: أمّا القسم الأوّل فيدلّ على جواز البيع بقيد الإعلام، فنأخذ به لصحّة بعض رواياته، مضافاً إلى كونه المفتى به بين الأصحاب.

(1) الوسائل:12/69، الباب7 من أبواب ما يكتسب به، الحديث6.
(2) المستدرك:13/72، الباب6 من أبواب ما يكتسب به، الحديث2.
(3) الوسائل:12/69، الباب 7 من أبواب ما يكتسب به، الحديث5.
(4) المستدرك:13/71و72، الباب6 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1و5.
(5) المستدرك:13/71و72، الباب6 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1و5.

صفحه 198
وأمّا القسم الثاني فيقيّد إطلاقه بالقسم الأوّل، على أنّه يمكن أن يقال: انّ قوله في رواية «قرب الاسناد»: «نعم ويدهن به» يدلّ بالدلالة الضمنية على لزوم الإعلام، لأنّ استعمال المشتري الزيتَ النجس في خصوص الإدهان يتوقّف على العلم بالموضوع وأنّه نجس، ولا يحصل ذلك العلم غالباً إلاّ بإخبار البائع، أو علم المشتري بالنجاسة مستقلاً، وهو يغني عن إعلام البائع.
ومثله ما في «الجعفريات» حيث يقول: «يبيعه لمن يعمله صابوناً» فإنّ بيعه لخصوص هذا المورد فرع الإعلام، أو سبق علم المشتري بالنجاسة، فتأمّل.
وأمّا القسم الثالث: فيحمل على النهي عن بيعه بلا إعلام، وبما أنّ النهي في رواية «قرب الاسناد» مقيّد بقوله:«من مسلم» يستفاد منه جواز بيعه من كافر مطلقاً، ويترتب على ذلك كون وجوب الإعلام مخصوصاً بما إذا لم يقف المشتري على نجاسته، وأمّا إذا كان واقفاً عليه من قبل، أو كان ممّن لا يبالي بالحرام فيأكل الزيت النجس كالزيت الطاهر، فالإعلام غير واجب، لعدم ترتّب الأثر عليه، لأنّه لأجل التحفّظ من اقتراف الحرام وهو: إمّا حاصل بلا إعلام، أو غير حاصل معه.
ثمّ إنّ الكلام يقع في موارد:
الأوّل: هل صحّة بيع الدهن النجس مشروطة باشتراط الاستصباح صريحاً في متن العقد، أو مشروطة بقصدهما لذلك، أو لا يشترط مطلقاً، أو يفصّل بين ما تكون المنفعة المحلّلة نادرة لا تلاحظ في ماليته كما في الاستصباح بدهن اللوز، وبين غيره ممّا تكون من منافعه الغالبة كالزيت النجس فيعتبر في الأوّل دون الثاني؟
نُسب الأوّل إلى الحلّي، لأنّه قال: «ويجوز بيعه بهذا الشرط عندنا»(1). غير أنّ

(1) السرائر:2/22.

صفحه 199
سيدنا الأُستاذ ـ دام ظله ـ استظهر عدم الدلالة، لاحتمال أن يكون نظره إلى أنّ الجواز مع الاشتراط إجماعي كما يظهر من قوله: «عندنا» ولم يحرز الإجماع على الصحّة في غير الصورة، ولا يدلّ ذلك على أنّ مختاره لزوم الاشتراط، بل لا يدلّ على وجود القائل بالاشتراط، لأنّ دعوى الإجماع على جوازه مع الاشتراط لا تدلّ على وجود الخلاف في غيره، ولعلّ الأصحاب لم يتعرّضوا له فلم يحرز الإجماع ولا الخلاف.(1)
ولا يخفى بُعْد الاستظهار، لأنّ المفهوم من عبارته هو عدم الجواز عندنا بلا هذا الشرط، لا ما ذكره دام ظله، فتدبّر.
واستظهر الشيخ الأعظم (قدس سره) من عبارة «الخلاف» التي مرّت، ومن عبارة كلّ من عبّر عن المسألة بقول:«جاز بيعه للاستصباح»، كما في «الشرائع» و «القواعد» اشتراط قصد الاستصباح، ولكنّه قابل للمناقشة، لاحتمال أن يكون التعليل راجعاً إلى بيان وجه الجواز، يعني انّ جواز البيع لأجل وجود الفائدة وهي جواز الاستصباح كما استظهره المحقّق الثاني(قدس سره) .
وعلى كلّ تقدير، فالظاهر عدم لزوم الاشتراط لا لفظاً ولا قصداً، لأنّ الملاك في جواز البيع اشتمال المبيع على المنفعة المحلّلة التي تصحّح كون بذل المال في مقابلها معاوضة عقلائية لا سفهية، ولا دليل على لزوم قصد تلك المنفعة المحلّلة، بل لو قصد البائع أو المشتري عند وجود منفعة محلّلة، الانتفاع بالمنفعة المحرمة لصحّ أيضاً، لأنّ المجوّز وجود المنفعة المحلّلة حتّى تكون المعاملة عقلائية لا سفهية، وقصد المنفعة المحرمة مع وجود المحلّلة لا يوجب خروج المعاملة عن الإطلاقات، فمن اشترى السكين لأجل قتل الإنسان لا يحرم اشتراؤه بالذات،

(1) المكاسب المحرمة:1/88.

صفحه 200
وإن حرم لأجل عنوان آخر، وتصوّر كون تلك المعاملة أكلاً للمال بالباطل قد عرفت جوابه غير مرّة، فانّ الآية راجعة إلى الأسباب التي لم ينفِّذها الشرع كالقمار، والمنابذة وغيرهما.
ومع ذلك كلّه فالقول بالصحّة في صورة وجود المنفعة المحلّلة وقصد الانتفاع بالمحرّم لا يخلو من مخالفة للعمومات المتقدّمة ومذاق الشارع. والأولى الاقتصار في جواز البيع على كفاية نفس وجود المنافع المحلّلة بلا لزوم قصدها. وأمّا الجواز مع قصد المنافع المحرّمة فهو مخالف لما علم من الشرع.
والحاصل: انّه لو كان الشيء ذا منفعة محلّلة ومحرّمة ولم يكن اشتماله على المنفعة المحرمة موجباً لسقوطه عن المالية، وإن كان موجباً لقلّة ماليته كما في الدهن النجس، صحت المعاملة على المبيع، لأنّه في حدّ ذاته مشتمل على منفعة محلّلة، بل يمكن أن يقال: انّ قصد الانتفاع بالمنافع المحرّمة لا يوجب فسادها، لأنّ قصد الانتفاع بمحلّلها ليس له دخل في المالية ولا دخل في ماهية المعاملة، فلا يكون قصد المنفعة المحرمة موجباً لسقوطها عن المالية، على إشكال كما عرفت.
نعم، لو كانت المنفعة المحلّلة في جنب المحرّمة طفيفة لا توجب وصف الشيء بالمالية، ويكون بذل الثمن في مقابله أمراً سفهياً فلا يصحّ بيعه لا بنحو الإطلاق ولا بلحاظ المنفعة المحلّلة إذا كان بذل الثمن في مقابله أمراً سفهياً.
نعم، لو كان الثمن مساوياً لقيمته لما كان هناك منع عن بيعه، ومن هنا يظهر النظر في ما أفاده الشيخ الأعظم من اعتبار قصد الاستصباح إذا كانت المنفعة المحلّلة منحصرة فيه، وكانت من منافعه النادرة التي لا تلاحظ في ماليته كما في دهن اللوز والبنفسج، وجهه:أنّ مالية الشيء إنّما هي باعتبار منافعه المحلّلة المقصودة منه لا باعتبار مطلق الفوائد غير الملحوظة في ماليته، ولا باعتبار

صفحه 201
الفوائد الملحوظة المحرّمة، فإذا فرض انّه لا فائدة في الشيء محلّلة ملحوظة في ماليته، فلا يجوز بيعه على الإطلاق، لأنّ الإطلاق ينصرف إلى كون الثمن بإزاء المنافع المقصودة منه، والمفروض حرمتها، فيكون أكلاً للمال بالباطل، ولا على قصد الفائدة النادرة المحلّلة، لأنّ قصد الفائدة النادرة لا يوجب كون الشيء مالاً».(1)
وجه النظر، انّ مطلق الفائدة المحلّلة كاف في مالية الشيء سواء أكانت غالبة أم نادرة، غاية الأمر كون المنفعة غالبة يوجب غلاء قيمتها، كما أنّ كونها نادرة يوجب قلّة قيمتها، لا أنّ ملاك المالية منحصر بالمنفعة المحلّلة الغالبة كما يظهر من كلامه (قدس سره) ، ففي ما تكون المنفعة المحلّلة مستهلكة مغفولاً عنها غالباً، يجب أن يكون الثمن معادلاً في العرف لقيمة الشيء باعتبار منافعه النادرة، وربّما تكون المنفعة المباحة النادرة مرغوباً فيها، وهي تصحّح جواز المعاملة من غير لزوم اعتبار كون المنفعة غالبة.
نعم، إنّما تبطل المعاملة في مقابل المنفعة النادرة إذا كانت المعاملة سفهية ولم يكن الثمن معادلاً للمنفعة. هذا كلّه حسب القواعد.
وأمّا حسب الروايات فقد أفاد الشيخ أنّ الأخبار المتقدّمة خالية عن اعتبار قصد الاستصباح، لأنّ موردها ما يعدّالاستصباح منفعة مقصودة من البيع كافية في ماليته العرفية، وربما يتوهّم من قوله (عليه السلام)في رواية الأعرج المتقدّمة: «فلا تبعه إلاّ لمن تُبيّن له فيبتاع للسراج» اعتبار القصد.
ويدفعه: انّ الابتياع للسراج إنّما جعل غاية للإعلام، بمعنى انّ المسلم إذا اطّلع على نجاسته، فيشتريه للإسراج، نظير قوله (عليه السلام)في رواية معاوية بن وهب: «بعه وبيّنه لمن اشتراه ليستصبح به». (2)

(1) المكاسب:9، طبعة تبريز.
(2) الوسائل:12/66، الباب6 من أبواب ما يكتسب به، الحديث4.

صفحه 202
ثمّ إنّ الظاهر كما عليه الشيخ الأعظم(قدس سره) انّ قوله (عليه السلام) : «ليستصبح به» غاية للتبيين لا للبيع، والمراد يبيّنه لمن اشتراه ليستصبح به، وليس غاية لقوله: «بعه» بأن يكون المراد «بعه ليستصبح به»، وتعلّق الغاية بكلا الفعلين بعيد كتعلّقه بالبعيد.
نعم، ظاهر رواية إسماعيل بن عبد الخالق، عن سعيد الأعرج، عنه (عليه السلام) أنّ لفظ «للسراج» في قوله (عليه السلام): «فيبتاع للسراج» غاية لكلا الفعلين، أي «فلا تبعه إلاّ لمن تُبيّن له» ولكنّه لا يخرج عن حدّ الإشعار.
والظاهر من مجموع روايات الباب انّ لزوم التبيين لأجل تحرز المشتري عن أكله، من غير دخل لقصد الاستصباح في صحّة المعاملة.
الثاني: قد وقع الخلاف بين الفقهاء في وجوب إعلام المشتري وعدم وجوبه، فهل يجب مطلقاً، أو فيما إذا كان المشتري مريداً لاستعماله فيما يشترط فيه الطهارة أو لا يجب مطلقاً؟ وعلى فرض الوجوب، فهل وجوبه نفسي أو شرطي، بمعنى اعتباره في صحّة المعاملة؟
ثمّ إنّ الشيخ الأعظم: ذهب إلى أنّه لو قلنا في المسألة السابقة بوجوب قصد الاستصباح ونحوه، يجب الإعلام، لتوقّف اشتراطه لفظاً أو قصداً على العلم بالنجاسة المتوقّف على الإعلام.
يلاحظ عليه: أنّه ربّما لا يتوقّف قصد الاستصباح على الإعلام، كما إذا دلّت القرائن المفيدة للعلم بأنّه لا يشتريه إلاّ لغاية الاستصباح، ومع ذلك يمكن البحث في وجوب الإعلام وعدمه وإن لم يتوقّف قصد الاستصباح على الإعلام.
وعلى أيّ تقدير، لا شكّ انّ ظاهر الأخبار هو وجوب الإعلام، إنّما الكلام في كون وجوبه نفسياً، والغرض منه صيانة المشتري عن استعمال النجس فيما

صفحه 203
يشترط فيه الطهارة وإن لم تتوقف صحّة المعاملة عليه، أو وجوبه شرطياً لتوقّف صحّة المعاملة عليه.
وتظهر الفائدة بين القولين في موردين:
1. على القول بالوجوب الشرطي تبطل المعاملة مع عدم الإعلام بخلافه على القول بوجوبه النفسي.
2. على القول بالشرطية يجب الإعلام وإن علمنا أنّ المشتري لا ينتفع به فيما يحرم الانتفاع به، بخلافه على القول بالنفسية فانّ الغاية من الإعلام صون المشتري عن الورود في الحرام لولا البيان، فإذا دلّت القرائن على وجود الغاية من دون بيان فلا وجه للإعلام.
نعم، رواية أبي بصير:«وأعلمهم إذا بعته»(1) ظاهرة في الوجوب الشرطي، فانّ لزوم الإعلام مقارناً مع البيع دليل الشرطية.
ولا يخفى ضعف الدلالة، لصدق قوله (عليه السلام) : «واعلمهم إذا بعته» فيما إذا أخّر البيان إلى زمان تفرّق المشتري والبائع، ونظيره قوله (عليه السلام) في رواية إسماعيل بن عبد الخالق: «فلا تبعه إلاّ لمن تبيّن له فيبتاع للسراج»(2) لصدقه وإن تأخّر البيان عن البيع، ومعه لا مجال لتوهّم الوجوب الشرطي.
أضف إلى ذلك انّ قوله (عليه السلام): «يبتاع للسراج» غاية للبيان، ويفيد أنّك ان بيّنته فهو يبتاعه للسراج ويستعمله فيه، وعلى ذلك فوجوب الإعلام فيما إذا دلّت القرائن على أنّه لا يستعمله إلاّ في الاستصباح، أو إذا كان المشتري غير مبال، يكون لغواً، لعدم ترتب فائدة عليه، وكلّ ذلك يؤيد الوجوب النفسي لا الشرطي، غاية الأمر انّه يجب إذا ترتبت عليه فائدة.

(1) الوسائل:12/66، الباب6 من أبواب ما يكتسب به، الحديث3.
(2) الوسائل:12/66، الباب6 من أبواب ما يكتسب به، الحديث5.

صفحه 204

قاعدة حرمة تغرير الجاهل

ثمّ إنّ الشيخ الأعظم(قدس سره) جعل المورد من فروع قاعدة حرمة تغرير الجاهل بالحكم أو الموضوع في المحرّمات، واستدلّ عليه بروايات:
أمّا الحكم مثل ما دلّ على أنّ من أفتى بغير علم لحقه وزر من عمل بفتياه، فالمفتي يحمل وزرين: وزر نفسه، ووزر العامل به عن جهل.
وبعبارة أُخرى: انّ إثبات الوزر للمباشر من جهة فعل القبيح الواقعي، وحمله على المفتي من حيث التسبيب والتغرير، قال أبو جعفر (عليه السلام) :«من أفتى الناس بغير علم ولا هدى من اللّه لعنته ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ولحقه وزر من عمل بفتياه».(1)
وأمّا الموضوع: فتدلّ عليه عدّة روايات:
1. روى معاوية بن وهب قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) أيضمن الإمام صلاة الفريضة؟ فانّ هؤلاء يزعمون أنّه يضمن. فقال: «لا يضمن، أي شيء يضمن إلاّأن يصلّي بهم جنباً أو على غير طهر».(2)
2. ما رواه عباية قال: كتب أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى محمد بن أبي بكر: «انظر يا محمد صلاتك كيف تصلّيها لوقتها؟ فانّه ليس من إمام يصلّي بقوم فيكون في صلاته نقص إلاّ كانت عليه ولا ينقص ذلك من صلاتهم».(3)
3. ورواه في «تحف العقول» بصورة أُخرى وهي:«ثمّ انظر صلاتك كيف هي؟ فانّك إمام، وليس من إمام يصلّي بقوم فيكون في صلاتهم تقصير إلاّ كان

(1) الوسائل:18/9، الباب4من أبواب صفات القاضي، الحديث1، فقد روى صاحب الوسائل في هذا المورد 36 حديثاً.
(2) الوسائل:5/434، الباب36 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث6.
(3) البحار:85/92ـ93، كتاب الصلاة من أبواب أحكام الجماعة.

صفحه 205
عليه أوزارهم، ولا ينقص من صلاتهم شيء، ولا يتمّها إلاّ كان له مثل أُجورهم، ولا ينتقص من أُجورهم شيء، واعلم أنّ كلّ شيء من عملك تابع لصلاتك، واعلم أنّه من ضيّع الصلاة فانّه لغير الصلاة من شرائع الإسلام أضيع».(1)
4. ما دلّ على أنّه لا يجوز سقي الخمر صبيّاً ولا مملوكاً ولا كافراً كما رواه أبو الربيع الشامي قال: سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن الخمر؟ فقال: «قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّ اللّه عزّ وجلّ بعثني رحمة للعالمين ولأُمحق المعازف والمزامير وأُمور الجاهلية والأوثان، وقال: أقسم ربّي لا يشرب عبد لي خمراً في الدنيا إلاّ سقيته مثل ما يشرب منها من الحميم معذباً أو مغفوراً له، ولا يسقيها عبد لي صبياً صغيراً أو مملوكاً إلاّسقيته مثل ما سقاه من الحميم يوم القيامة معذباً أو مغفوراً له».(2)
5. ما دلّ على كراهة سقي الخمر البهيمة مثل ما رواه غياث، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) :«أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) كره أن تسقى الدواب الخمر».(3)
نعم، هذه الرواية الأخيرة تدلّ على كراهة ولا يستفاد منها التحريم بالنسبة إلى الإنسان بل غايته انّه تشتد كراهته.
6. ما دلّ على حرمة بيع المختلط إلاّ من المستحل: مثل ما رواه الحلبي قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام)يقول: «إذا اختلط الذكي بالميت باعه ممّن يستحل الميتة، وأكل ثمنه».(4)
7. ما دلّ على حرمة إطعام المرق للإنسان، مثل ما رواه زكريا بن آدم قال:

(1) البحار:85/92ـ93، كتاب الصلاة من أبواب أحكام الجماعة.
(2) الوسائل:17/245، الباب 10 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث1، ولاحظ الحديث2و3.
(3) الوسائل:17/246، الباب10 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث4، ولاحظ الحديث5.
(4) الوسائل: 16/370، الباب36 من أبواب الأطعمة المحرمة، الحديث 1، ولاحظ الحديث2.

صفحه 206
سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيه لحم كثير ومرق كثير، قال: «يهراق المرق، أو يطعمه أهل الذمّة أو الكلب، واللحم اغسله وكله».(1)
8. ما رواه في «الجعفريات» عن علي (عليه السلام) ، أنّه سئل عن شاة مسلوخة وأُخرى مذبوحة عُمّيَ على الراعي أو على صاحبها فلا يدري الذكية من الميتة؟ قال: «يرمي بهما جميعاً إلى الكلاب».(2)
فقد استدلّ الشيخ بهذه الروايات على حرمة تغرير الجاهل بالحكم أو الموضوع، وأيّده بقوله: إنّ أكل الحرام وشربه من القبيح ولو في حقّ الجاهل، ولذا يكون الاحتياط فيه مطلوباً مع الشكّ، إذ لو كان للعلم دخل في قبحه لم يحسن الاحتياط، وحينئذ يكون إعطاء النجس للجاهل المذكور إغراء بالقبيح، وهو قبيح عقلاً.(3)
وما ذكره لا غبار عليه خصوصاً بالنسبة إلى ما ذهبت إليه العدلية من كون الأحكام مشتملة على المناطات والمصالح والمفاسد، فإغراء الجاهل بالحكم أو الموضوع مفوّت لغرض المولى وموجب لوقوع الجاهل في المفسدة، وكلاهما قبيح، وليست المصلحة والمفسدة تابعتين لعلم المكلّف أو جهله، فانّ الدواعي لجعل الأحكام إنّما هي نفس الملاكات من غير دخالة لعلم المكلّف أو جهله بها.
غير أنّ الذي يمكن أن يقال في المقام هو: انّ إغراء الجاهل بالحكم يرجع إلى ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل يمكن أن يقال: أنّه يرجع إلى النهي عن المعروف والأمر بالمنكر، وهو حرام بلا إشكال.

(1) الوسائل:2/1056، الباب38 من أبواب النجاسات، الحديث8.
(2) المستدرك:13/73، الباب7 من أبواب ما يكتسب به، الحديث1.
(3) المكاسب:1/9.

صفحه 207
وأمّا إغراء الجاهل بالموضوع، فإن كان للعالم دخل في إغراء الجاهل بنحو من أنواع التدخّل من التسبيب، وإيجاد الشرط، أو الداعي، أو رفع المانع، أو غير ذلك من أنواع التدخّل، كان ذلك حراماً، فمن قدّم طعاماً نجساً إلى الجاهل به يكون له دخل في صدور هذا الفعل المحرّم من الجاهل، فانّ الحكم في حقّ الجاهل وإن كان غير منجّز لجهله، إلاّ انّا نعلم أنّ الشارع الحكيم غير راض بتفويت الأغراض واقتراف المفاسد.
نعم، لو لم يكن هناك تدخل من العالم فهو على قسمين، فربما يكون الموضوع ممّا نعلم أنّ الشارع قد أعطى له أهمية خاصة لا يرضى بترك مطلوبه حتّى أنّه أمر الشاك بالاحتياط فيه كالدماء والأعراض والأموال، فعندئذ يجب على العالم إعلام الجاهل، فلو انجرّ سكوته إلى قتل البريء وهتك العرض أو نهب المال، يكون ذلك محرماً.
وأُخرى لا يكون بهذا الحدّ، فلا دليل على لزوم الإعلام، وما عن العلاّمة في أجوبة المسائل المهنائية ـ حيث سأله السيد المهناء عمّن رأى في ثوب المصلّي نجاسة، فأجاب بأنّه يجب الإعلام لوجوب النهي عن المنكر ـ غير تام، إذ لا دليل على لزوم الإعلام في المقام.
هذا هو التقسيم الواضح في مسألة إغراء الجاهل والسكوت عنه، غير أنّ الشيخ أتى في المقام بتقسيم آخر، وقال ما هذا حاصله:
إنّ هنا أُموراً أربعة:
أحدها: أن يكون فعل الشخص علّة تامة لوقوع الحرام في الخارج، كما إذا أكره غيره على المحرّم، و لا إشكال في حرمته.
ثانيها: أن يكون فعله سبباً للحرام، كمن قدّم إلى غيره محرّماً، ومثله ما نحن

صفحه 208
فيه، والأقوى فيه التحريم، لأنّ استناد الفعل إلى السبب أقوى، فنسبة فعل الحرام إليه أولى، ولذا يستقر الضمان على السبب دون المباشر الجاهل.
ثالثها: أن يكون شرطاً لصدور الحرام، وهذا يكون على وجهين:
الأوّل: أن يكون من قبيل إيجاد الداعي إلى المعصية، إمّا بإيجاد الرغبة، وإمّا بإيجاد العناد حتّى يقع الغير في المعصية.
الثاني: أن يكون بصورة إيجاد شرط آخر غير الداعي، كبيع العنب ممّن يعلم أنّه يجعله خمراً.
رابعها: أن يكون من قبيل عدم المانع، وهذا يكون تارة مع الحرمة الفعلية في حقّ الفاعل، كسكوت الشخص عن المنع من المنكر، ولا إشكال في الحرمة مع وجود شرائط النهي عن المنكر، وأُخرى مع عدم الحرمة الفعلية بالنسبة إلى الفاعل كسكوت العالم عن إعلام الجاهل ـ كما فيما نحن فيه ـ فانّ صدور الحرام منه مشروط بعدم إعلامه، فهل يجب رفع الحرام بترك السكوت أو لا؟فيه إشكال، إلاّ إذا علمنا من الخارج وجوب دفع ذلك لكونه فساداً قد أمر بدفعه كلّ من قدر عليه، كما لو اطّلع على عدم إباحة دم من يريد الجاهل قتله، أو عدم إباحة عرض له، أو لزم من سكوته ضرر مالي قد أمرنا بدفعه عن كلّ أحد، فانّه يجب الإعلام، وأمّا فيما تعلّق بغير الثلاثة من حقوق اللّه، فوجوب دفع مثل هذا الحرام مشكل، لأنّ الظاهر من أدلّة النهي عن المنكر وجوب الردع عن المعصية، فلا يدلّ على وجوب إعلام الجاهل بكون فعله معصية.
ولا يخفى ما في هذا التقسيم من وجوه النظر:
أمّا أوّلاً: فانّه جعل مورد البحث تارة من القسم الثاني فقال: «أن يكون فعله

صفحه 209
سبباً للحرام، كمن قدّم إلى غيره محرماً ومثله ما نحن فيه، وأُخرى من قبيل القسم الخامس حيث قال: وأُخرى مع عدم الحرمة الفعلية بالنسبة إلى الفاعل، كسكوت العالم عن إعلام الجاهل كما فيما نحن فيه. وقد أتعب المحشّون أنفسهم في رفع التناقض عن كلامه، فلاحظ تعليقة الشهيدي وغيره.
وثانياً: فلأنّه جعل الإكراه علّة تامّة لصدور الفعل عن الغير حيث قال: أن يكون فعل الشخص علّة تامة لوقوع الحرام في الخارج، كما إذا أكره غيره على المحرم.
وهو غير صحيح، لأنّ العلّة التامّة ما لا ينفك فيها المعلول عن العلّة، وليس الإكراه من هذا الباب، فانّ المكره ـ بالفتح ـ إنّما يختار أحد الجانبين ويرجحه بإرادة واختيار، فله أن يرجّح تحمّل الضرر المتوعد به، ويرفض ارتكاب الفعل.
وبذلك يعلم أنّ الفاعل المكره ـ بالفتح ـ من أقسام الفاعل المريد، بل من أقسام الفاعل المختار، غاية الأمر هو مختار في انتخاب أحد الفعلين وإن كان بالنسبة إلى الجامع بين الفعل وتحمّل الضرر غير مختار، وبذلك يعلم الإشكال في كثير من الكلمات حول بيع المكره حيث استشكلوا فيه بعدم القصد تارة وعدم الاختيار والحرية أُخرى.
وثالثاً: انّ الظاهر من كلامه أنّ الحرمة تتوجه على المكره ـ بالكسر ـ دون المكره ـ بالفتح ـ و انّ وزر الحرام على المكرِه، ولكن الضابطة الكلية غير ذلك، لأنّ الأُمور المكره عليها على قسمين:
تارة يكون الإكراه رافعاً لحرمة الفعل كما لو أكره زوجته في نهار رمضان على الجماع، فالحرمة متوجهة إلى الزوج دون الزوجة، ولأجل ذلك لزمته كفارتان وضرب

صفحه 210
خمسين سوطاً فيتحمّل حدّ الزوجة(1) ففي هذه الموارد يتحمل المكره ـ بالكسر ـ وزر الحرام ويكون المكره بريئاً ولا يتحمّل أي وزر.
وأُخرى لا يرفع الإكراه حرمة الفعل، كما في الإكراه على قتل نفس محترمة، فإنّه لا يجوز قتله بإكراه الغير، ويجب تحمّل الضرر المتوعد به بلغ ما بلغ، كما ورد من أنّ التقية شرعت لحقن الدماء فإذا بلغت الدماء فلا تقية.(2)
ورابعاً: انّه علّل حرمة السبب بأنّ نسبة فعل الحرام إليه أقوى، مستشهداً بأنّ الضمان يستقر على السبب دون المباشر، ففيه: أنّ التسبيب لوقوع الغير في الحرام حرام، سواء كان السبب أقوى أم لا، ولا دخل للأقوائية في حرمته.
نعم يشترط في استقرار الضمان على السبب أو توجهه إليه ابتداءً أقوائية السبب من المباشر، ولأجل ذلك يوصف السبب بالحرمة وإن لم يكن أقوى. ولا يستقر الضمان على السبب إلاّ في صورة كونه أقوى. فهنا مسألتان:
مسألة حرمة التسبيب، وهو حرام مطلقاً ضعيفاً كان أو أقوى ومسألة استقرار الضمان، وهو مشروط بكونه أقوى، فتعليل حرمة التسبيب بالثاني في غير محله.
وبذلك يعلم أنّه لا فرق بين ما جعله سبباً وما جعله شرطاً، وقد جعل الشرط على قسمين، والجميع موصوف بالحرمة، لأنّه نوع تدخّل في صدور الحرام

(1) الوسائل:7/37، الباب12 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث1، روى المفضل بن عمر، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل أتى امرأته وهو صائم وهي صائمة، فقال: «إن كان استكرهها فعليه كفّارتان، وإن كانت طاوعته فعليه كفّارة، وعليها كفّارة، وإن كان أكرهها فعليه ضرب خمسين سوطاً نصف الحد، وإن كانت طاوعته ضرب خمسة وعشرين سوطاً وضربت خمسة وعشرين سوطاً».
(2) الوسائل:11/483، الباب31 من أبواب الأمر والنهي، الحديث1.

صفحه 211
عن الغير، ولأجل ذلك كان عليه (قدس سره) أن يجعل القسم الثاني والثالث بكلا قسميه قسماً واحداً.
ثمّ إنّ بعضهم استدلّ على وجوب الإعلام بأنّ النجاسة عيب خفي يجب إظهاره; وأورد عليه الشيخ بوجهين:
الأوّل: انّوجوب الإعلام على القول به ليس مختصاً بالمعاوضات، بل يشمل مثل الإباحة والهبة من المجانيات.
يلاحظ عليه: أنّ أخصية الدليل لا يضر بعمومية المدّعى لعدم القول بالفصل، فتصحّ تسرية الحكم إلى جميع الصور بعدم القول بالفصل.
الثاني: انّ كون النجاسة عيباً ليس إلاّ لكونه منكراً واقعياً وقبيحاً، فإن ثبت ذلك حرم الإلقاء فيه مع قطع النظر عن مسألة إظهار وجوب العيب، وإلاّ لم يكن عيباً، فتأمّل.(1)

الثالث : في وجوب الاستصباح تحت السماء

اختلفت كلمات الأصحاب في وجوب الاستصباح تحت السماء، فذهب جماعة إلى عدم جوازه إلاّ تحت السماء، وإليك أقوالهم:
1. قال الشيخ في «المبسوط»: يجوز بيع الزيت النجس لمن يستصبح به تحت السماء ولا يجوز إلاّ لذلك.(2)
2. وقال في «الخلاف»: يجوز بيع الزيت النجس لمن يستصبح به

(1) وجه التأمّل واضح، لأنّ عدم كونه منكراً واقعياً وقبيحاً لا يلازم عدم كونه عيباً، لأنّ كون شيء منكراً أخصّ من كونه عيباً، فانّ نجاسة الزيت عيب فيه وموجب لنقصان ماليته وليس أمراً منكراً قبيحاً ـ منه دام ظله ـ.
(2) المبسوط:1ـ2/167.

صفحه 212
تحت السماء.
وقال أبو حنيفة: يجوز بيعه مطلقاً، وقال مالك والشافعي: لا يجوز بيعه بحال.
دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم.(1)
3. وقال ابن البراج والشيخان: الدهن إذا وقعت فيه نجاسة جاز الاستصباح به تحت السماء، ولا يجوز الاستصباح به تحت الظلال.(2)
4. وقال ابن إدريس: يجوز الاستصباح به تحت السماء، ولا يجوز الاستصباح به تحت الظلال، لا لأنّ دخانه نجس، بل تعبدنا به، لأنّ دخان الأعيان النجسة ورمادها طاهر عندنا بغير خلاف بيننا.(3)
نعم، يظهر من كلمات بعض هؤلاء في مواضع أُخر جوازه مطلقاً، أو ما إذا لم يعلم أو يظن ببقاء شيء من الأدهان في الدخان، وتصاعده معها.
قال الشيخ في «المبسوط»: فالكلام في السمن والزيت والشيرج والبزر وهذه الأدهان كلّها واحد، فمتى وقعت الفأرة وماتت فيه نجس كلّه، ويجوز عندنا وعند جماعة الاستصباح به في السراج، ولا يؤكل ولا ينتفع به في غير الاستصباح، وفيه خلاف، وروى أصحابنا أنّه يستصبح به تحت السماء دون السقف، وهذا يدلّ على أنّ دخانه نجس، غير أنّ عندي أنّ هذا مكروه.(4)
وقال في «الخلاف»: إذا ماتت الفأرة في سمن أو زيت أو شيرج أو بزر، نجس كلّه، جاز الاستصباح به، ولا يجوز أكله، ولا الانتفاع به لغير

(1) الخلاف: 2/83، المسألة312، وفي دلالته على عدم الجواز في غيره خفاء.
(2) المختلف:8/331، كتاب الصيد، الفصل الخامس في الأطعمة والأشربة.
(3) المختلف: 8/133، كتاب الصيد وتوابعه، الفصل الخامس في الأطعمةوالأشربة.
(4) المبسوط:8/332، كتاب الأطعمة، في ذكاة الجنين.

صفحه 213
الاستصباح.(1)
وقال ابن قدامة: وإذا وقعت النجاسة في مائع كالدهن وما أشبهه نجس واستصبح به إن أحب، ولم يحل أكله ولا ثمنه.(2)
وإطلاقه يدلّ على الجواز مطلقاً، بل يمكن استظهار الجواز ممّا ذكره في كتاب البيع من «الخلاف». أيضاً بناءً على ما استظهره سيدنا الأُستاذ، من أنّ مراده: انّ الاستصباح تحت السماء مورد اتّفاق وإجماع، وأمّا غيره فليس كذلك، لا أنّه غير جائز بالاتّفاق.
وعلى كلّ تقدير فقد استدلّ على لزوم الاستصباح تحت السماء بوجوه:
الأوّل: الإجماع، أو الشهرة، على لزوم الاستصباح تحت السماء.
والظاهر عدم وجود الشهرة في المسألة، وقد عرفت اختلاف كلمات الشيخ في كتبه، فكيف يمكن ادّعاء الإجماع والشهرة، ويظهر ذلك ممّا حكي عن ابن إدريس فانّه اختار عدم جواز الاستصباح به تحت الظلال، ونقل كلام الشيخ في «المبسوط»، ثمّ ردّ عليه قائلاً: بأنّه لم يذهب أحد من أصحابنا إلى أنّ الاستصباح به تحت الظلال مكروه، بل محظور بغير خلاف بينهم، وشيخنا أبو جعفر محجوج بقوله في جميع كتبه، إلاّ ما ذكره هنا، فالأخذ بقوله وقول أصحابه أولى من الأخذ بقوله المفرد عن قول أصحابنا.
وقال العلاّمة (قدس سره) في «المختلف» بعد نقل هذا عن ابن إدريس: وهذا الردّ على شيخنا جهل منه وسخف، فإنّ الشيخ (رحمه الله) أعرف بأقوال علمائنا والمسائل الإجماعية والخلافية. والروايات الواردة هنا في «التهذيب» مطلقة غير مقيدة

(1) الخلاف:3/269، كتاب الأطعمة، المسألة 19.
(2) المغني:11/86، الطبعة الثالثة.

صفحه 214
بالسماء. ثمّ نقل الروايات وقال: إذا عرفت هذا فلا استبعاد في ما قاله شيخنا في «المبسوط» من نجاسة دخان النجس لبُعد استحالته كلّه، بل يمكن أن تتصاعد أجزاؤه قبل إحالة النار لها بسبب السخونة المكتسبة من النار إلى أن تلقى الظلال فتتأثر بنجاسته: ولهذا منعوا من الاستصباح به تحت الظلال، فانّ ثبوت هذا القيد مع طهارته ممّا لا يجتمعان، لكن الأولى الجواز مطلقاً للأحاديث مالم يعلم أو يظن بقاء شيء من أعيان الدهن، فلا يجوز الاستصباح به تحت الظلال.(1)
و مع هذه الكلمات فالاستدلال بالإجماع أو الشهرة غير تام.
الثاني: ما رواه الشيخ في «المبسوط» ـ مرسلاً ـ حيث قال: روى أصحابنا أنّه يستصبح به تحت السماء دون السقف.
يلاحظ عليه: أنّه غير حجة، لأنّ الشيخ لم يروه في جامعيه، ولا رواه غيره، ولو كان حجّة لأفتى به الشيخ، ولعلّ كلمة «روى» تصحيفُ «قال»، ولم يكن هاهنا رواية.
الثالث: تحريم تنجيس السقف، ويظهر هذا ممّا نقلناه عن العلاّمة في مختلفه.
وفيه: انّ دخان المتنجس طاهر، لقصور دليل نجاسة الدهن المتنجس عن شموله لدخانه وبخاره، وتوهّم استصحاب النجاسة مدفوع باختلاف المتيقن والمشكوك، وعدم اتحادهما وجوداً ومقتضى الأصل الطهارة.
نعم، لو علم في مورد بتصاعد أجزاء الدهن مع الدخان يحكم بالنجاسة لعدم الاستحالة، وهذا إنّما يتحقّق لو اجتمعت الأجزاء الدهنية وصارت محسوسة ملموسة، لا ما إذا كانت صغيرة بحيث لا تعدّ دهناً. ثمّ لو تمّت نجاسة دخان

(1) المختلف:8/332، كتاب الصيد، الفصل الخامس في الأطعمة والأشربة.

صفحه 215
الدهن فلا دليل على حرمة تنجيس السقف.
الرابع: ما يظهر من ابن إدريس من طهارة دخان الأعيان النجسة وانّ المنع للتعبّد.
يلاحظ عليه: ليس هنا ما يدلّ على التعبّد، وأمّا مرسلة الشيخ فقد أعرض عنها الشيخ وما أفتى بمضمونها.
نعم استوجه سيدنا الأُستاذ ـ دام ظله ـ نهي الأصحاب عن الاستصباح به تحت الظلال، لأجل ورود الأدخنة النجسة في منافذ البدن كالأُذن والأنف والحلق سيما إذا كانت البيوت ضيقة وسقوفها منخفضة، وعند ذلك تكون مظنّة اجتماع الأجزاء الدهنية الطفيفة غير المستحيلة، ولا أقلّ من احتماله في تلك المواضع.
فعلى كلّ تقدير فليس هاهنا دليل صالح للزوم الاستصباح به تحت السماء، ولعلّ النهي للتنزيه عن النجس المحتمل أو المظنون، فلا معارضة بين المطلقات وما رواه الشيخ (قدس سره) .

صفحه 216

الخامس: الانتفاع بالمتنجّس

ويقع الكلام فيه في موردين:
الأوّل: الانتفاع بالدهن المتنجس في غير الاستصباح.
الثاني: الانتفاع بعامّة المتنجسات في مالا يشترط فيه الطهارة.
والمورد الأوّل من فروع المورد الثاني، غير أنّه لما ورد في الأوّل رواية خاصة نفرده بالبحث. فنقول: ذهب بعضهم إلى عدم الجواز في غير الاستصباح مستدلاً بما رواه علي بن جعفر عن أخيه (عليهما السلام) : قال سألته عن حب دهن ماتت فيه فأرة؟ قال: «لا تدهن به ولا تبعه من مسلم».(1)
يلاحظ عليه: أنّ النهي في قوله (عليه السلام) : «لا تدهن» نهي إرشادي عن إدهان البدن به لصيرورته نجساً ومانعاً عن الصلاة، ولولا هذا المحظور فلا مانع من الإدهان بالنجس، واحتمال الإطلاق فيه وانّ المقصود تحريم مطلق الإدهان حتّى طلي السفن وغيرها ممنوع، أضف إلى ذلك أنّه قد ورد جواز بيعه«لمن يعمله صابوناً»(2) هذا حال الزيت النجس.
وأمّا المورد الثاني، فربّما يستدلّ على جواز الانتفاع بالنجس فيما لا يشترط فيه الطهارة بقوله تعالى: (هُوَ الّذي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى

(1) الوسائل:12/69، الباب7 من أبواب ما يكتسب به، الحديث5.
(2) المستدرك:13/72، الباب6 من أبواب ما يكتسب به، الحديث2.

صفحه 217
إِلى السَّماءِ فَسَوّيهُنَّ سَبْعَ سَمواتوَهُوَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيم) .(1)
والاستدلال مبني على أنّ اللام في «لكم» للانتفاع، فعليه تدلّ على جواز الانتفاع بكلّ ما في الأرض حتّى يثبت خلافه.
واحتمل المحقّق الخوئي ـ دام ظلّه ـ كون اللام للغاية، أي الغاية القصوى من خلق ما في الأرض هو الإنسان، ولكنّه لا يدلّ على جواز الانتفاع به، فانّ الغرض لما كان تربية الإنسان وهو ربّما يحصل بالاجتناب عن بعض ما في الأرض، ومع ذلك يصدق انّه خلق لأجل الإنسان.(2)
والظاهر صحّة الاستدلال سواء أقلنا بأنّ اللام للغاية أم للانتفاع، فإذا كان الإنسان هو الأصل وكان ما في الأرض خلق لأجله، يكون غيره في خدمته إلاّ ما منع عنه الشارع.
واحتمال كون الغاية في الخلقة هو الاجتناب أمر لا يقبله الطبع، بل يعدّ من قبيل تعارض الصدر مع الذيل، فمن جانب يقول خلق ما في الأرض لك، ومن جانب آخر يقول الغاية من خلقة بعض الأشياء هو اجتنابك عنه; والأولى أن يجاب بأنّ الآية ليست في مقام بيان كيفية الانتفاع، فإنّ الآية بمنزلة قول الأب لابنه: إنّ هذا البيت وما فيه لك، وهذا لا ينافي أن تكون هناك محدودية في كيفية الاستعمال بأن يكون طاهراً لا نجساً.
والأولى أن يستدلّ على جواز الانتفاع بالمتنجّسات بالأصل الذي هو حجّة إن لم يكن هناك ما ينافيه.وعلى ذلك يجب البحث عمّا استدلّ به المخالف بحيث لو تم لانتفى الأصل.

(1) البقرة:29.
(2) مصباح الفقاهة:1/128.

صفحه 218
استدلّ القائل بعدم جواز الانتفاع بآيات ثلاث:
الأُولى: قوله سبحانه:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّما الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون) (1). فقوله تعالى:«رجس» بحكم كونه ضابطة كلّية، وبما أنّه تعليل لوجوب الاجتناب عن هذه المذكورات دليل على لزوم الاجتناب عن كلّ رجس، وانّ لزوم الاجتناب عن الخمر وأقرانها لأجل أنّه رجس، والمفروض انّ المتنجسات رجس بلا إشكال.
وبعبارة أُخرى: انّ «الرجس» على ما في «المقاييس» بمعنى: الخلط والاختلاط، ويستعمل في القذر: لأنّه لطخ وخلط. والقذر ضد النظيف.
ثمّ القذارة، قد تكون حسيّة كما في الأوساخ الظاهرية من الأقذار، وقد تكون معنوية كما في الميسر وغيره.
فعلى هذا فالرجس أعمّ من القذارة الظاهرية والمعنوية، والظاهرية أعمّ من النجس والمتنجس، فما عن الشيخ الأعظم (قدس سره)وتبعه المحقّق الخوئي ـ دام ظله ـ (2) من أنّ الظاهر من «الرجس» ما كان كذلك في ذاته لا ما عرض له ذلك فيختصّ بالعناوين النجسة، وهي النجاسات العشر، غير تام، لما عرفت من أنّه في اللغة يطلق على القذر ضد النظيف، وعلى الوسخ ضد الطيب، من غير فرق بين القذر بالذات والقذر بالعرض.
وما ذكره الشيخ أيضاً من أنّه لو عمّ الرجس المتنجس لزم أن يخرج عنه أكثر الأفراد، فإنّ أكثر المتنجسات لا يجب الاجتناب عنها، غير تام أيضاً، لأنّ تخصيص الأكثر إنّما يلزم إذا خرج المتنجسات بعناوينها الكثيرة لا بعنوان واحد كما حقّق في محله.

(1) المائدة:90.
(2) مصباح الفقاهة:1/129.

صفحه 219
ومع ذلك فاستدلال المستدلّ غير تام لوجهين:
1. انّه لم يستعمل الرجس في القرآن إلاّ في الأقذار المعنوية، كما في قوله سبحانه: (فََمَنْ يُرِدِ اللّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَح صَدْرَهُ للإسلامِ ومَن يُرِدْ أن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُون).(1)
وقوله سبحانه:(وَمَا كانَ لِنَفْس أَنْ تُؤْمِنَ إِلاّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُون).(2)
وقوله سبحانه:( ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعامُ إِلاّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوثانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّور).(3)
وقوله سبحانه:(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنّما الخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصابُوَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون).(4)
وقوله سبحانه: (قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِم يَطْعَمُهُ إِلاّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِير فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغ وَلا عاد فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيم).(5)
والمراد من الرجس في هذه الآيات هي القذارة المعنوية، حتّى في الآية الأخيرة، وعلى فرض كون المراد منه هو القذارة الظاهرية منها، فلا شكّ أنّ المراد

(1) الأنعام:125.
(2) يونس:100.
(3) الحج:30.
(4) المائدة:90.
(5) الأنعام:145.

صفحه 220
من الرجس في آية الخمر ـ التي يتخذها المستدلّ ضابطة كلية في مورد لزوم الاجتناب عن الرجس ـ هو القذارة غير الظاهرية، وعلى ذلك لا تشمل الآية القذر الظاهر ـ أعني: النجس والمتنجس ـ .
2. لو سلمنا عموم دلالة الآية لكنّها ليست في مقام بيان الاجتناب عن كلّ رجس ظاهري وباطني، وإنّما الآية في مقام بيان الاجتناب عن كلّ رجس تعد مباشرتُه من عمل الشيطان، وكون استعمال المتنجس من عمل الشيطان أوّل الكلام، لأنّ المراد منه هو كونه مورد رضاً منه، وهو الذي يريد به إغواء الناس وإضلالهم، وليس في الانتفاع بالمتنجّس فيما لا يشترط فيه الطهارة شيء من ذلك.
الثانية: قوله سبحانه: (يا أَيُّهَا المُدَّثِّرْ* قُمْ فَأَنْذِرْ* وَرَبَّكَ فَكَبِّر* وَثِيابَكَ فَطَهِّر *وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ* وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِر *وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ) .(1)
وجه الاستدلال: انّ الرجز أعمّ من النجس والمتنجّس.
يلاحظ عليه: أنّ الرجز ـ بالكسر والضم ـ قد وردا في القرآن:
أمّا الأوّل: فقد ورد في موارد تسعة، وأُريد منه العذاب ـ غالباً ـ ، فلاحظ الآيات التالية:
قوله سبحانه: (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ).(2)
وقوله سبحانه : (وَلَمّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى ادعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْز) .(3)

(1) المدثر:1ـ7.
(2) البقرة:59.
(3) الأعراف:134.

صفحه 221
وقوله سبحانه: (فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَل هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُون) .(1)
وقوله سبحانه: (فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ) .(2)
وقوله سبحانه: (وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدامَ) .(3)
وقوله سبحانه: (وَالَّذينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْز أَليمٌ) .(4)
وقوله سبحانه: (هذا هُدَى والّذينَ كَفَرُوا بآياتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْز أَليم).(5)
وقوله سبحانه: (إِنّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُون) .(6)
وأمّا الثاني: فقد استعمل في مورد واحد وهو الآية المبحوث عنها، وفيه احتمالات:
1. أن يكون المراد منه العذاب، والمراد الاجتناب عن عوامله وأسبابه، وهي المخالفة، ولا بعد في توجّه هذا الخطاب إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نظير قوله سبحانه: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) (7) وليس الخطاب خطاباً صورياً، بل حقيقياً، كسائر الخطابات المتوجهة إلى الناس، وامتناع صدوره منه(صلى الله عليه وآله وسلم)مع العصمة لا يسلتزم كون

(1) الأعراف:135.
(2) الأعراف:162.
(3) الأنفال:11. وليس المراد منه هو العذاب، ولأجل ذلك قلنا ـ أُريد منه العذاب ـ غالباً.
(4) سبأ:5، والعذاب في هذه الآية وبعدها مصداق للرجز لا معناه.
(5) الجاثية:11.
(6) العنكبوت:34.
(7) الزمر:65.

صفحه 222
الخطاب صورياً، لأنّه يكفي في صحّة الخطاب إمكان الصدور منه وإن لم يكن هناك وقوع،خصوصاً إذا كان الهدف عن ذلك ضرب القاعدة للناس جميعاً.
ويحتمل أن يراد منه القذارة المعنوية مقابل القذارة الظاهرية، وعلى كلّ تقدير فلا يكون دليلاً على اجتناب المتنجس.
وربما يقال: انّ المراد هو الأصنام والأوثان، والمراد الاجتناب عن عبادتها، ولكنّه احتمال بعيد جداً، لأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يوم نزلت الآية كان يحارب عبادتها ويناضل من يعبدها، وعند ذلك فخطابه (صلى الله عليه وآله وسلم)بلزوم هجرها على وجه التنجيز غير صحيح، وإن كان يصحّ إذا كان بصورة الشرطية مثل قوله تعالى: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُك).(1)
ومع هذه الاحتمالات لاتبقى دلالة للآية، وعلى فرض دلالتها على لزوم الاجتناب عن كلّ قذارة ظاهرية، فليست الآية في مقام البيان حتّى بالنسبة إلى الانتفاع بها في ما لا محذور فيه.
الثالثة: قوله سبحانه: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيّ الّذي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التوراةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطِّيّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الّتي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون) .(2)
وجه الاستدلال: انّ كلّ متنجس خبيث، وإطلاق التحريم يشمل عموم الانتفاع.

(1) الزمر:65.
(2) الأعراف:157.

صفحه 223
يلاحظ عليه: أنّ الطيب والخبيث تارة توصف بهما الذوات كالطعام الطيب والخبيث، والأرض الطيبة والخبيثة، قال سبحانه: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتي اخْرَجَ لِعِبادهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذينَ آمَنُوا فِي الحَياةِ الدُّنيا خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الآيات لِقَوْم يَعْلَمُونَ).(1)
وقوله سبحانه:(وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاّ نَكِداً كَذلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ لِقَوْم يَشْكُرُونَ) .(2)
وأُخرى توصف به الأعمال مثل قوله سبحانه:(وَلُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَنَجَّيْناهُ مِنَ القَريةِ الّتي كانَتْ تَعْمَلُ الخَبائِثَ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْء فاسِقِين).(3)
إذا عرفت هذا فنقول: قد أجاب الشيخ الأعظم (قدس سره) عن الاستدلال بالآية بأنّ المراد هنا حرمة الأكل بقرينة مقابلته لحلية الطيبات.
يلاحظ عليه: بما قلناه في باب بيع الأرواث الطاهرة، من أنّ الخبيث لا يختصّ بالمأكول كالطيب، قال في اللسان: الخبيث ضد الطيّب.
وقال سبحانه: (الخَبِيثات لِلْخَبيثينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرزْقٌ كَرِيم).(4)
وقال سبحانه:(وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذينَ كَفَرُوا عَلى النّار أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها فَاليَومَ تُجْزَونَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُون) (5) وعلى ذلك فالخبيث يعمّ المأكول وغير المأكول، والذوات والأفعال، من غير تخصيص بواحد منها.

(1) الأعراف:32.
(2) الأعراف:58.
(3) الأنبياء:74.
(4) النور:26.
(5) الأحقاف:20.

صفحه 224
وأجاب المحقّق الخوئي ـ دام ظله ـ عن الاستدلال: بأنّ المراد من الخبائث هو الفعل الخبيث كما في الآية: (وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الّتي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْء فاسِقين).(1)
يلاحظ عليه: أنّ استعمال الخبيث في مورد نفس الأفعال لا يستلزم تخصيص الآية بها، والظاهر عموميتها للذوات والأفعال، كما أنّها أعمّ من الخبيث بالذات كالنجاسات وبالعرض كالمتنجّسات.
والأولى أن يجاب: بأنّ الآية مع عموميتها لا تدلّ إلاّ على حرمة الخبيث في جهة خبثه، وحلية الطيب في الجهة التي تستطاب، ومن المعلوم أنّ الانتفاع بالمتنجسات في غير جهة الأكل والصلاة وغير ما يشترط فيه الطهارة ليس انتفاعاً في الجهة التي تخبث.

وأمّا الأخبار العامّة المستدلّ بها فهي:

1. ما في «تحف العقول»: «أو شيء من وجوه النجس فهذا كلّه حرام محرّم، لأنّ ذلك كلّه منهي عن أكله وشربه ولبسه وإمساكه والتقلّب فيه».(2)
وجه الاستدلال: انّه (عليه السلام) علّل النهي عن بيع وجوه النجس بأنّ ذلك كلّه حرام محرّم أكله وشربه ولبسه وإمساكه، وجميع التقلّب في ذلك حرام.
وأجاب عنه الشيخ الأعظم: بأنّ المراد من وجوه النجس عنواناته المعهودة، لأنّ الوجه هو العنوان، والدهن ليس عنواناً للنجاسة، والملاقي للنجس وإن كان عنواناً للنجاسة لكنّه ليس وجهاً من وجوه النجاسة في مقابلة غيره، ولذا لم يعدّوه عنواناً في مقابل العناوين النجسة، مع ما عرفت من لزوم تخصيص الأكثر لو أُريد

(1) الأنبياء:74.
(2) الوسائل:12/54، الباب2 من أبواب ما يكتسب به، الحديث1.

صفحه 225
به المنع عن استعمال كلّ متنجس.
وما ذكره أوّلاً وإن كان متيناً، لكن ما ذكره ثانياً من استلزام شمول الحديث للمتنجسات خروج الأكثر، قد عرفت ما فيه، لأنّ الخروج إنّما هو بعنوان واحد لا بعناوين كثيرة.
2. ما رواه السكوني، عن جعفر عن أبيه(عليهما السلام) أنّ علياً (عليه السلام) سئل عن قدر طبخت وإذا في القدر فأرة. قال:«يهرق مرقها ويغسل اللحم ويؤكل».(1)
يلاحظ عليه: أنّ المراد بإهراق المرق لغاية النهي عن أكله بقرينة مقابله«ويؤكل اللحم» فلا يدلّ على عدم جواز الانتفاع بالمرق مطلقاًحتّى فيما لا يشترط فيه الطهارة فما عن المحقّق الخوئي ـ دام ظله ـ من أنّ الظاهر من الأمر بالإهراق هو عدم جواز الانتفاع بالمرق مطلقاً(2)، غير تام، ووجهه ما ورد في الرواية ـ من القرينة ـ أعني قوله (عليه السلام) : يغسل اللحم.
ومثله ما رواه زكريا بن آدم قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيه لحم كثير ومرق كثير قال: «يهراق المرق أو يطعمه أهل الذمة، أو الكلب، واللحم اغسله وكله».(3)
فالمراد من الأمر بإهراق المرق هو عدم أكله بقرينة قوله (عليه السلام) : «أو يطعمه أهل الذمة أو الكلب، واللحم اغسله وكله».
3. ما ورد في روايات كثيرة من إلقاء ما حول الجامد من الدهن وشبهه وطرحه وأكل ما وراءه، فلو كان الانتفاع من المتنجّس جائزاً لما أمر بطرح ما حول الفأرة من الزيت.

(1) الوسائل:1/150، الباب5 من أبواب الماء المضاف، الحديث3.
(2) مصباح الفقاهة:1/132.
(3) الوسائل:2/1056، الباب38 من أبواب النجاسات، الحديث80.

صفحه 226
مثل ما رواه أبو بصير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الفأرة تقع في السمن أو في الزيت فتموت فيه؟ فقال: «إن كان جامداً فتطرحها وما حولها ويؤكل ما بقي و إن كان ذائباً فاسرج به وأعلمهم إذا بعته».(1)
يلاحظ عليه: أنّ المراد من الطرح هو عدم أكلها بقرينة قوله (عليه السلام) : «ويؤكل ما بقي»، فما عن المحقّق الخوئي ـ دام ظله ـ (من ظهور الأمر بالطرح في حرمة الانتفاع به مطلقاً) غير تام ومصدره الغفلة عن القرينة الموجودة في الرواية، ويؤيد ما ذكرناه ما رواه البيهقي في سننه: سئل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)عن الفأرة تقع في السمن أو الودك، فقال: «اطرحوها وماحولها إن كان جامداً»، فقالوا: يا رسول اللّه فإن كان مائعاً؟ قال: «فانتفعوا به ولا تأكلوه».(2)
4. وما رواه سماعة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل معه إناءان فيهما ماء وقع في أحدهما قذر لا يدري أيّهما هو، وليس يقدر على ماء؟ قال: «يهريقهما جميعاً ويتيمّم».(3)
لكن الظاهر انّ المراد من «إهراقهما» هو عدم التوضّؤ وعدم الانتفاع بهما فيما يشترط فيه الطهارة، لا عدم الانتفاع مطلقاً، وبذلك يعلم المراد ممّا رواه أبو بصير عنهم (عليهم السلام) قال: «إذا أدخلت يدك في الإناء قبل أن تغسلها فلا بأس إلاّ أن يكون أصابها قذر بول أو جنابة، فإن أدخلت يدك في الماء وفيها شيء من ذلك فاهرق ذلك الماء».(4)

(1) الوسائل:12/66، الباب6 من أبواب ما يكتسب به، الحديث3; ولاحظ الحديث 1و5 من هذا الباب.
(2) السنن الكبرى:9/354.
(3) الوسائل:1/113، الباب8 من أبواب الماء المطلق، الحديث2.
(4) الوسائل:1/113، الباب 8 من أبواب الماء المطلق، الحديث4.

صفحه 227
وفي رواية أُخرى عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الجنب يحمل الركوة أو التور ، فيدخل أصبعه فيه؟ قال:«إن كانت يده قذرة فأهرقه، وإن كان لم يصبها قذر فليغتسل منه. هذا ممّا قال اللّه تعالى:(ما جعل عليكم في الدين من حرج).(1)
فانّ المراد من الأمر بالإهراق في هذه الروايات عدم الاستعمال في الوضوء، والغسل بقرينة قوله (عليه السلام)في مقابله:«فليغتسل منه».
5. الأخبار المستفيضة عند الخاصة والعامّة من جواز الاستصباح بالدهن النجس، فلو جاز الانتفاع بغيره لما كان وجه لتخصيص الاستصباح بالذكر.
يلاحظ عليه: انّما خصّ الاستصباح بالذكر، لأنّه من المنافع الغالبة للدهن بعد الأكل، فأشار الإمام(عليه السلام) إرشاداً إلى أنّه ينتفع به للإسراج حتّى لا يضيع المال كما ورد في بعض الروايات.
منها: قوله في «قرب الاسناد» عن موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال: سألته عن الفأرة والكلب إذا أكلا من الجبن وشبهه أيحل أكله؟ قال: «يطرح منه ما أكل ويحل الباقي». قال: وسألته عن فأرة أو كلب شربا من زيت أو سمن. قال:«إن كان جرة أو نحوها فلا تأكله ولكن ينتفع به لسراج أو نحوه، وإن كان أكثر من ذلك فلا بأس بأكله، إلاّ أن يكون صاحبه موسراً يحتمل أن يهريقه فلا ينتفع به في شيء».(2)
على أنّه قد عرفت سابقاً ورود جواز الانتفاع به في الصابون حيث قال(عليه السلام) : «يبيعه لمن يعمله صابوناً».(3)

(1) الوسائل:1/115، الباب 8 من أبواب الماء المطلق، الحديث11.
(2) الوسائل:16/377، الباب 45 من أبواب الأطعمة والأشربة المحرمة، الحديث2.
(3) المستدرك:13/72، الباب 6 من أبواب ما يكتسب به، الحديث2.

صفحه 228
هذا كلّه حال الروايات التي استدلّ بها القائل بعدم جواز الانتفاع، وبقي الاستدلال بالإجماع فنقول:
الاستدلال على عدم الجواز بالإجماع الوارد في كلام جماعة منهم: المفيد (قدس سره) في «المقنعة» حيث قال: إذا وقعت الفأرة في الزيت والسمن والعسل وأشباه ذلك وكان مائعاً أُهرق، وإن كان جامداً أُلقي ما تحتها وما وليها من جوانبها، واستعمل الباقي وأكل وتصرّف الإنسان في الانتفاع به كيف شاء. وكذلك الحكم في الميتة وكلّ دابة نجسة إذا وقعت فيما سمّيناه. وإن وقع ذلك في الدهن جاز الاستصباح به تحت السماء ولم يجز تحت الظلال، ولا يجوز أكله والادّهان به على حال.(1)
ومنهم السيد في «الانتصار» حيث قال: وممّا انفردت به الإمامية أنّ كلّ طعام عالجه أهل الكتاب ومن ثبت كفرهم بدليل قاطع لا يجوز أكله ولا الانتفاع به، واختلف باقي الفقهاء في ذلك، وقد دللنا على ذلك في كتاب الطهارة حيث دللنا على أنّ سؤر الكفار نجس.(2)
وقال الشيخ في «المبسوط» في الماء المضاف: انّه مباح التصرّف فيه بأنواع التصرّف ما لم تقع فيه نجاسة، فإن وقعت فيه نجاسة لم يجز استعماله على حال، وقال: في حكم الماء المتغيّر بالنجاسة: إنّه لم يجز استعماله إلاّعند الضرورة للشرب لا غير.(3)
وقال في «النهاية»: وإن كان ما حصل فيه الميتة مائعاً، لم يجز استعماله ووجب إهراقه.(4)

(1) المقنعة:582، كتاب الذبائح والأطعمة.
(2) الانتصار:10.
(3) المبسوط:1/5ـ6.
(4) النهاية:588، كتاب الأطعمة والأشربة.

صفحه 229
وقال في «الخلاف»: إذا ماتت الفأرة في سمن أو زيت أو شيرج أو بزر نجس كلّه، جاز الاستصباح به ولا يجوز أكله والانتفاع به لغير الاستصباح، وبه قال الشافعي.
وقال قوم من أصحاب الحديث: لا ينتفع به بحال لا بالاستصباح ولا غيره، بل يراق كالخمر.
وقال أبو حنيفة: يستصبح ويباع أيضاً بالاستصباح.
وقال داود: إن كان المائع سمناً لم ينتفع به بحال، وإن كان ماعداه من الأدهان لم ينجس بموت الفأرة فيه، ويحل أكله وشربه، لأنّ الخبر ورد في السمن فحسب.
دليلنا : إجماع الفرقة وأخبارهم، وروى سالم، عن أبيه أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سئل عن الفأرة تقع في السمن والودك؟ فقال: إن كان جامداً فاطرحوها وما حولها، وإن كان مائعاً فانتفعوا به ولا تأكلوه.
وروى أبو سعيد الخدري أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سئل عن الفأرة تقع في السمن والزيت؟ فقال: «استصبحوا به ولا تأكلوه» وهو إجماع الصحابة.
وروي ذلك عن علي (عليه السلام) وابن عمر; فأمّا علي (عليه السلام) فقال في السمن تقع فيه الفأرة: «لا تأكلوه وانتفعوا به في السراج والادم».
وابن عمر قال: ينتفع به في السراج ويدهن به الادم، والدليل على أبي حنيفة قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ اللّه تعالى إذا حرم شيئاً حرم ثمنه».(1)
وقال ابن زهرة: وقيدنا بكونها مباحة تحفّظاً من المنافع المحرمة، ويدخل في ذلك كلّ نجس لا يمكن تطهيره، عدا ما استثني من بيع الكلب

(1) الخلاف:3/269، كتاب الأطعمة، المسألة19.

صفحه 230
المعلّم للصيد، والزيت النجس للاستصباح به تحت السماء، وهذا يدلّ على جواز بيعه لذلك.(1)
غير أنّ الدقة في هذه الكلمات تعطي خلاف ما استظهر، أمّا كلام السيد فلأنّ ما تفرّدت به الإمامية هو نجاسة أهل الكتاب ونجاسة ما باشروه، خلافاً للعامّة فانّهم يعدّون كلّ آدمي طاهراً حتّى المشرك ، إلاّ الرازي في تفسيره.
وأمّا حرمة الأكل والانتفاع فهي من الفروع المتفرّعة التي فرّعها السيد على ما اتّفقت عليه الإمامية، لا أنّه معقد الإجماع.
وبالجملة: فالمسألة الرئيسية التي وقع فيها الخلاف بين الإمامية وغيرهم هي نجاسة أهل الكتاب وطهارتهم، وهي التي ادّعى عليها السيد الإجماع.
وأمّا ما جاء في ذيل كلامه: «لا يجوز أكله ولا الانتفاع به» فهو من الفروع المترتبة على الأصل المسلم عند الإمامية وليس معقد الإجماع ومورده، ويظهر ذلك من الدقة في كلامه، ويزيده توضيحاً قوله: حيث دللنا على أنّ سؤر الكفّار نجس.
وأمّا كلام الشيخ في «الخلاف» فقد استظهر الشيخ الأعظم انّ قوله: (دليلنا إجماع الفرقة) راجع إلى جواز الاستصباح باعتبار أنّ ادّعاءه بعد تحرير النزاع يرجع إلى الحكم الواقع مورد الخلاف وهو جواز الانتفاع بالزيت بالاستصباح.
أضف إلى ذلك أنّ معقد الإجماع هو مسألة المنع عن الأكل لاستشهاده برواية سالم، عن أبيه، عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم); ورواية أبي سعيد الخدري حيث جاء فيهما: «ولا تأكلوه» وجاء في رواية علي (عليه السلام) وابن عمر، النهي عن الأكل وجواز الانتفاع

(1) الغنية:63، كتاب البيع.

صفحه 231
به في الإسراج والادم، كلّ ذلك يشير إلى أنّ معقد الإجماع هو حرمة الأكل وأشباهه ممّا يشترط فيه الطهارة.
ويمكن أن يقال: انّ مراده ومراد السيد في «الانتصار» من عدم الانتفاع به هو عدم الانتفاع فيما تشترط فيه الطهارة، وأمّا مالا يشترط فيه الطهارة، ولا محذور فيه حسب الشرع فالانتفاع فيه جائز.
قال الشيخ الأعظم (قدس سره) :«والذي أظن أنّ كلمات القدماء ترجع إلى ما ذكره المتأخّرون، وأنّ المراد بالانتفاع في كلمات القدماء، الانتفاعات الراجعة إلى الأكل والشرب وإطعام الغير وبيعه على نحو ما يحلّ أكله.
وأمّا كلام السيد (قدس سره) في «الغنية» فلا ظهور له، لأنّ مرجع الضمير في قوله: «وهو إجماع الطائفة» مردّد بين أُمور:
1. اشتراط المنفعة المحلّلة.
2. جواز بيع الكلب.
3. جواز بيع الزيت للاستصباح.
4. عدم جواز الانتفاع من النجس، وهو أبعد الوجوه.
أضف إلى ذلك أنّ الإجماعات الواردة في كلام السيد والشيخ وابن زهرة مؤوّلة بوجود الإجماع على الكبرى، أو بوجود الرواية، أو ادّعاء الإجماع حسب القاعدة ـ عندهم ـ إلى غير ذلك من الأُمور التي يجب توجيهها، وإلاّفالقول بأنّ المراد من الإجماعات الواردة في كلامهم هو الإجماع المصطلح مشكل جداً، مضافاً إلى ما عرفت من ذهاب جم غفير إلى الجواز، ودلالة بعض الروايات على الاستفادة به في الصابون وغيره، فجواز الانتفاع بالمتنجّس هو المتعيّن، وقد عرفت أنّ الأصل هو جواز الانتفاع إلاّما قام الدليل القطعي على عدمه.

صفحه 232

السادس: جواز بيع المتنجّس

إلى هنا تبيّن جواز الانتفاع بالأعيان المتنجّسة في مالا محذور فيه، فعندئذ يقع الكلام في جواز بيع جميع المتنجسات للانتفاع بالمنافع المحلّلة كالصبغ والطين، أو يقتصر في بيع المتنجسات على المنصوص كالدهن، غاية الأمر يصحّ التجاوز من الاستصباح إلى غيره كصنع الصابون.
الظاهر صحّة بيعها لوجود المقتضي ـ وهو المنافع المحلّلة ـ و عدم كون النجاسة بما هي مانعة، فتشمله عمومات البيع والعقود، وأيّده الشيخ الأعظم باستصحاب الحكم قبل التنجّس، ويمكن تقريره بوجهين:
الأوّل: استصحاب الحكم الشرعي الكلّي بأن يقال: الطين قبل التنجّس كان جائز البيع، والأصل بقاء الجواز بعد التنجّس أيضاً.
وهذا القسم من الاستصحاب مردودٌ لا، لاختصاص الاستصحاب بالموضوعات، بل لأجل أنّه من قبيل إسراء

صفحه 233
حكم من موضوع إلى موضوع آخر، فأين قولنا: «الطين قبل التنجّس» من قولنا:« الطين بعد التنجس» فهما موضوعان مختلفان.
الثاني: استصحاب الحكم الشرعي الجزئيّ بأن يقال مشيراً إلى الطين المتنجّس: إنّ هذا الطين قبل التنجّس كان جائز البيع، والأصل بقاء الجواز، وحينئذ يقع السؤال عن الفرق بين الاستصحابين حيث عدّ الأوّل من قبيل إسراء حكم من موضوع إلى موضوع آخر دون الثاني، ولكن الفرق واضح جدّاً، لأنّ الموضوع في استصحاب الحكم الكلّي الشرعي هو المفاهيم الكليّة العقلانية، وهي تتميز بنفسها عن غيرها، فلذلك يكون الطين قبل التنجس غير الطين بعد التنجس، وهذا بخلاف استصحاب الحكم الشرعي الجزئي فانّ المستصحب هو الوجود الخارجي من الطين وهو باق قطعاً، وتنجّسه بعد طهارته لا يستلزم تبدّل الموضوع إلى موضوع آخر.
توضيحه: إنّ هناك أمرين:
الأوّل: الحكم الشرعي الكلي، أعني: جواز بيع الطين الطاهر.
الثاني: تطبيق الكلّـي على الفرد الخارجي ووصفه بالجواز بأن يقال: هذا الطين الطاهر يجوز بيعه، فإذا طرأ التغيّر وتبدّلت الطهارة بالنجاسة، فإن عدّت الطهارة مقوّمة للموضوع فلا يجري فيها الاستصحاب كما هو الحال في الصورة الكلبية والملحية إذا تبدّل الكلب في الأراضي المالحة إلى الملح وإن لم تعدّ مقوّماً للموضوع، بل عدّ من حالاته وأوصافه على نحو يكون الموضوع محفوظاً وإن طرأ التبدّل إلى بعض أوصافه، فعندئذ يكون الموضوع هو هذا الطين وهو محفوظ في كلتا الحالتين فيستصحب ويحكم عليه بالجواز.
وهذا هو السرّ في عدم جريان الحكم الشرعي الكلّـي وجريان الحكم الشرعي الجزئي، فإنّ الموضوع في الأحكام الشرعية مفاهيم مختلفة يتميّز بعضها عن بعض، ولا تقبل المسامحة، وهذا بخلاف ما إذا انطبق الحكم الشرعي الكلّـي على الفرد الخارجي (الطين الطاهر) ثمّ طرأت عليه النجاسة، فانّ الموضوع بعد الانطباق هو هذا الشيء الذي يشار إليه، ومن المعلوم بقاؤه بالذات وإنّما طرأ الاختلاف في حالاته وقد صار سبباً للشكّ في بقاء الحكم وعدمه.

صفحه 234
ومن هنا يعلم أنّ الاستصحاب التعليقي على النحو الكلي أشبه بالقياس فأين قولنا: «العصير العنبي إذا غلا يحرم» من قولنا:«العصير الزبيبي إذا غلا يحرم» فإنّ المفاهيم بذواتها متميّزه فلا يمكن الإغضاء عن بعضها، فإنّ مفهوم العنب غير مفهوم الزبيب.
وأمّا إذا انطبق الحكم الكلّـي الشرعيّ على عنب جزئي، فيحكم عليه بالنجاسة إذا غلا، فينقلب الموضوع من العنوان الكلّـي(عصير العنب) إلى موضوع جزئي وهو هذا العنب، فإذا جفّ ماؤه وصار زبيباً، فالعرف يعدّ الباقي نفس السابق، وإن تغيّر اسمهما، ويقول: هذا الشيء الموجود نفس الشيء السابق، وقد جفّ ماؤه، وعندئذ يجري الاستصحاب بلا إشكال.

صفحه 235

السابع: الانتفاع بالأعيان النجسة

هل يجوز الانتفاع بالأعيان النجسة أم لا؟ ظاهر عبارة كثير من الأقدمين هو عدم جواز الانتفاع بنجس العين.
قال الشيخ في «النهاية»: جميع النجاسات محرم التصرّف فيها والتكسّب بها على اختلاف أجناسها.(1)
وقال في «المبسوط»: نجس العين لا يجوز بيعه ولا إجارته ولا الانتفاع به ولا اقتناؤه بحال، إجماعاً، إلاّ الكلب فانّ فيه خلافاً.(2)
وقال سلاّر في «المراسم»: التصرّف في الميتة ولحم الخنزير وشحمه والدم والعذرة والأبوال ببيع وغيره حرام.(3)
وقال الشيخ الأعظم: ظاهر فخر الدين في «شرح الإرشاد» والفاضل المقداد، الإجماع على حرمة الانتفاع، حيث استدلاّ على عدم جواز بيع الأعيان النجسة بأنّها محرّمة الانتفاع، وكلّ ما هو كذلك لا يجوز بيعه، أمّا الصغرى فإجماعية.(4)
نعم، يظهر من بعض العبارات جواز الانتفاع، قال في «المبسوط»: إنّ سرجين ما لا يؤكل لحمه وعذرة الإنسان وخرء الكلاب والدم فانّه لا يجوز بيعه،

(1) النهاية:364.
(2) المبسوط:2/166.
(3) المراسم:170.
(4) المكاسب:1/97.

صفحه 236
ويجوز الانتفاع به في الزروع والكروم وأُصول الشجر بلا خلاف.(1)
وقال العلاّمة في «المختلف»: والمعتمد جواز استعماله (شعر الخنزير) مطلقاً، ونجاسته لا تعارض الانتفاع به لما فيه من المنفعة العاجلة الخالية من ضرر عاجل أو آجل فيكون سائغاً، عملاً بالأصل السالم عن معارضة دليل عقلي أو نقلي في ذلك.(2)
وقال الشهيد في «قواعده»: النجاسة ما حرم استعماله في الصلاة والأغذية.(3)
وقال الشهيد الثاني في «الروضة»: فيما لا يجوز بيعه من النجاسات والدم وإن فرض لها نفع حكمي كالصبغ، وأرواث وأبوال غير المأكول وإن فرض لهما نفع، وأمّا هما ممّا يؤكل لحمه فيجوز مطلقاً.(4)
إلى غير ذلك من الكلمات التي تكشف عن عدم كون المسألة مورد إجماع واتّفاق، أضف إلى ما ذكر ماورد من الروايات المشعرة بجواز الانتفاع من النجس، مثل ما ورد في الاستقاء بشعر الخنزير.
روى زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له: إنّ رجلاً من مواليك يعمل الحمائل بشعر الخنزير؟ قال: «إذا فرغ فليغسل يده».(5)
وروى عبد اللّه بن المغيرة، عن برد، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : جعلت فداك انّا نعمل بشعر الخنزير فربّما نسي الرجل فصلّى و في يده منه شيء؟ فقال: «لا ينبغي أن يصلّي وفي يده منه شيء»، فقال: خذوه فاغسلوه، فما كان له دسم

(1) المبسوط:2/167.
(2) المختلف:8/323، كتاب الصيد وتوابعه.
(3) نضد القواعد:210.
(4) كتاب شرح اللمعة:1/308، كتاب التجارة.
(5) الوسائل:12/167، الباب58، من أبواب ما يكتسب به، الحديث1.

صفحه 237
فلا تعملوا به، وما لم يكن له دسم فاعملوا به، واغسلوا أيديكم منه».(1)
وروى زرارة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن جلد الخنزير يجعل دلواً يستقى به الماء؟ قال: «لا بأس».(2)
وما رواه حسن بن محبوب قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الجص يوقد عليه بالعذرة وعظام الموتى ثمّ يجصص به المسجد، أيسجد عليه؟ فكتب إلي بخطه:«انّ الماء والنار قد طهّراه».(3) فلو كان استعمال العذرة في صنعة الجص حراماً لكان للإمام(عليه السلام)التنبيه عليه.
نعم، مضمون الحديث لا يخلو من غرابة، لأنّ الظاهر من الماء هو الماء الممزوج بالجص، ومثله لا يمكن أن يطهر الجص النجس على فرض نجاسته، كما أنّ النار إنّما تطهّر، إذا استحال بها الشيء رماداً أو غيرها، ولأجل ذلك يجب ردّ علم هذا الحديث إليهم (عليهم السلام) .
روى قاسم الصيقل قال: كتبت إلى الرضا (عليه السلام) أنّي أعمل أغماد السيوف من جلود الحمر الميتة فتصيب ثيابي، فأُصلّي فيها؟ فكتب (عليه السلام) إلّي:«اتّخذ ثوباً لصلاتك».(4)
وصحيحة زرارة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الحبل يكون من شعر الخنزير، يستقى به الماء من البئر، هل يتوضأ من ذلك الماء؟ قال: «لا بأس».(5)
إلى غير ذلك من الروايات التي مضى بعضها في ما سبق.

(1) الوسائل:12/168، الباب58 من أبواب ما يكتسب به، الحديث4.
(2) الوسائل:1/129، الباب14 من أبواب الماء المطلق، الحديث16.
(3) الوسائل:2/1099، الباب81 من أبواب النجاسات، الحديث1.
(4) الوسائل:2/1070، الباب49 من أبواب النجاسات، الحديث1.
(5) الوسائل:1/125، الباب14من أبواب الماء المطلق، الحديث2.

صفحه 238

الثامن: في بيع النجس

قد عرفت جواز الانتفاع بالأعيان النجسة فيما لا محذور فيه، كالانتفاع بالعذرة والميتة في التسميد، وشعر الخنزير للسقي، وكلب الماشية والزرع والحائط للحراسة، وهذه الانتفاعات تعطي للنجس مالية عرفية يبذل بأزائها الثمن، فإذا بلغ الشيء إلى هذا الحدّ من المالية ترتبت عليه جميع آثارها من الضمان والهبة والإعارة ما لم يدلّ دليل على إلغاء الشارع ماليته كما في الخمر والخنزير.
نعم، مجرّد كونه مالاً لا يكفي في صحّة البيع ولا الهبةولا الضمان، بل لابدّ هنا من ثبوت الملكية، ولأجل ذلك نرى أنّ الشيخ الأعظم (قدس سره) يحاول إثبات صحّته من طريق حق الاختصاص في هذه الأُمور، إمّا من جهة الحيازة، وإمّا لكون أصلها مالاً للمالك، كما لو مات حيوان له أو فسد لحم اشتراه للأكل على وجه خرج عن المالية.
ولكن يمكن أن يقال: انّ المالكية أمر عرفي لها علل وأسباب، فإذا صحّ تملّك الإنسان للشيء عند العرف صحّ تملّكه عند الشرع، إلاّ ما قام الدليل على عدم تملّكه كالخمر والخنزير، وعلى ذلك فالأعيان النجسة يصحّ تملّكها بالحيازة وغيرها، وعلى ذلك تترتب عليه جميع الآثار المترتبة على الأعيان الطاهرة، حتّى البيع للمنافع الصالحة، بشرط أن يكون الثمن مساوياً لقيمتها ولا تعدّ المعاملة سفهية أو وسيلة للخدعة.

صفحه 239
هذا هو مقتضى القاعدة، إلاّ أن يقوم الإجماع على حرمة بيع النجس فلا يجوز بيعه.
ثمّ إنّه لو قلنا بعدم جواز البيع لأجل الإجماع وبعض النصوص العامة فلا مانع من القول بإجارتها وإعارتها وهبتها معوضة وبلا عوض، ولا تستلزم حرمةُ البيع حرمةَ سائر المعاوضات، هذا هو مقتضى القاعدة ولا يعدل عنه إلاّ بدليل.
ثمّ هذا كلّه على فرض ماليتها وملكيتها، وأمّا لو قلنا بعدم صحّة تملّكها ـ على خلاف التحقيق ـ فالظاهر ثبوت حقّ الاختصاص، إمّا لأجل كونه مالكاً لأصله، كما لو مات الحيوان أو فسد لحم اشتراه، والمشكوك يعدّ من مراتب المتيقّن فيستصحب بقاء العلقة; وإمّا لأجل الحيازة وشمول قوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«من سبق إلى مالا يسبقه إليه مسلم فهو أحقّ به».(1)
نعم: هاهنا إشكال تعرّض له الشيخ وهو عدم ثبوت حقّ الاختصاص إلاّفي ما إذا قصد الحائز الانتفاع، وعلى ذلك فلا يثبت لولم يكن له ذلك القصد، وبذلك يشكل الأمر في ما تعارف الناس عليه في بعض البلاد: من جمع الحطب والعذرات حتّى إذا صارت من الكثرة بحيث ينتفع منها ببيع وغيره كاستعمالها في البساتين والزرع فلا يجوز له بيع حقّ الاختصاص أو رفع اليد عنه ببذل مال، لعدم قصده الانتفاع بها شخصياً.
ولكن يمكن أن يقال: انّ قصد الانتفاع إنّما يشترط في الأمكنة المشتركة كالأوقاف العامة فلا يجوز له إشغال المساجد والمعابد بافتراش السجادة ووضع التربة في مكان المصلّين إلاّ بقصد العبادة مثلاً، لأنّ ذلك على خلاف وجهة

(1) المستدرك:17/111، الباب1 من أبواب إحياء الموات، الحديث4.

صفحه 240
الوقف، وأمّا المباحات العامّة فلا يشترط فيها قصد الانتفاع شخصياً، بل يكفي فيها مجرّد الحيازة الخارجية، بشرط إمكان الانتفاع بها بنفسها أو بقيمتها. وعلى ذلك جرت السيرة.
هذا تمام الكلام في النوع الأوّل ممّا يحرم التكسّب به.
***

صفحه 241
الاكتسابات المحرمة
(2)
النوع الثاني: الاكتساب بما يحرم ما يقصد منه
وهو على أقسام:
القسم الأوّل: ما لا يقصد من وجوده على نحوه الخاص إلاّ الحرام،
وهي أُمور:
1. هياكل العبادة المبتدعة كالصنم والصليب.
2. آلات القمار على اختلاف أصنافها.
3. آلات اللهو.
4. أواني الذهب والفضة.
5. الدراهم المغشوشة.
القسم الثاني: ما يقصد منه المتعاملان المنفعة المحرّمة، وفيه مسائل ثلاث:
1. أن يبيع العنب على أن يعمل خمراً.
2. أن يعامل على عين مشتملة على صفة يقصد منها الحرام، كالعقد على الجارية المغنية.
3. أن يبيع العنب ممّن يعمله خمراً بقصد أن يعمله...
القسم الثالث: ما يحرم لتحريم ما يقصد منه شأناً
1. بيع السلاح من أعداء الدين.
2. بيع السلاح من قطّاع الطريق.

صفحه 242

صفحه 243
النوع الثاني: الاكتساب بما يحرم ما يقصد منه

القسم الأوّل: ما لا يقصد من وجوده على نحوه الخاص إلاّ الحرام

وفيه أُمور:

الأوّل: هياكل العبادة المبتدعة كالصنم والصليب(1)

بيع هياكل العبادة المبتدعة يتصور على وجهين: تارة المبيع هو المادة المتهيئة بالهيئة الخاصة، وأُخرى يكون المبيع نفس المادة فنبحث في الصورتين، واحدة تلو الأُخرى.

الأصنام بمادتها وصورتها

فقال المفيد (قدس سره) في «المقنعة»: وعمل الأصنام والصلبان والتماثيل المجسمة والشطرنج والنرد وما أشبه ذلك، حرام وبيعه وابتياعه حرام.(2)
وقال سلاّر (قدس سره) في «المراسم»: فأمّا المحرم... وعمل الأصنام والصلبان، وكلّ آلة يظن الكفّار أنّها آلة عبادة لهم، والتماثيل المجسمة.(3)

(1) في كون الصليب من هياكل العبادة المخترعة تأمّل، والظاهر أنّ الصليب عند النصارى شيء مقدّس يشار به إلى صلب المسيح ـ على نبيّنا وآله و(عليه السلام) ـ وليس هيكلاً عبادياً.
(2) المقنعة:90، كتاب المكاسب.
(3) المراسم:170.

صفحه 244
والظاهر انّ العبارة ناظرة إلى حرمة نفس عمل تلك الصور، وأمّا حرمة بيعه فاستفادتها منها يحتاج إلى مقدّمة أُخرى.
وقال العلاّمة في «المنتهى»: ويحرم عمل الأصنام والصلبان وغيرهما من هياكل العبادة المبتدعة.(1)
وقال المحقّق في «الشرائع»: ما يحرم لتحريم ما قصد به... وهياكل العبادة المبتدعة كالصليب والصنم.(2)
وقال العلاّمة في «التذكرة»: ما أسقط الشارع منفعته، لا نفع له فيحرم بيعه، كآلات الملاهي مثل العود والزمر، وهياكل العبادة المبتدعة كالصليب والصنم.(3)
وقال المحقّق الأردبيلي في «مجمع الفائدة»: ما يحرم لتحريم ما يقصد به... وكالأصنام والصلبان، ودليل تحريم الكلّ: الإجماع.(4)
وقال صاحب الرياض في شرح قول المحقّق: «الثاني: الآلات المحرّمة، كالعود والطبل والزمر وهياكل العبادة المبتدعة كالصنم والصليب وآلات القمار كالنرد والشطرنج» وغيرهما بإجماعنا المستفيض.(5)
وقال صاحب الجواهر (قدس سره) بعد نقل عبارة المحقّق: ونحو ذلك بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه والنصوص.(6)
ولأجل ذلك يقول الشيخ الأعظم (قدس سره) : بلا خلاف ظاهر، بل الظاهر الإجماع عليه.

(1) المنتهى:2/1011.
(2) الشرائع:2/9، كتاب التجارة، فصل فيما يكتسب به.
(3) التذكرة:10/36، المسألة 16، فصل في العوضين، كتاب البيع.
(4) مجمع الفائدة:8/41، كتاب المتاجر.
(5) رياض المسائل:8/49، كتاب التجارة.
(6) الجواهر:22/25.

صفحه 245
وقال ابن قدامة: وعن جابر انّه سمع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عام الفتح وهو بمكة يقول: «إنّ اللّه ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام».(1)
ثمّ الكلام في بيع هياكل العبادة المخترعة يقع تارة في الحرمة التكليفية، وانّ نفس التكسّب والمعاوضة عليها حرام، وأُخرى في الحرمة الوضعية وبطلان المعاملة بها ويكون الثمن المقبوض، مقبوضاً بالعقد الفاسد، ويدخل في القاعدة المعروفة: «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده».
وأمّا صور المسألة: فالبيع تارة يكون للغاية المحرّمة كبيع الصنم لغاية العبادة، إمّا للاشتراط في متن العقد أو التواطؤ عليها خارج العقد.
وأُخرى بيعها لمن يعلم تحقّق تلك الغاية منه، وإن لم يكن مشترطاً في متن العقد أو متواطئاً عليه خارجه، كبيع الصنم لمن نعلم أنّه يشتريه للعبادة، أو نعلم أنّه يشتريه ليبيعه من عابده.
وثالثة بيعها ممّن نعلم أنّه لا تتحقّق منه تلك الغاية، كما إذا اشتراها المسلم بما انّه من الآثار العتيقة القديمة، أو لكسرها طلباً للثواب الأُخروي، أو لغير ذلك من الغايات التي لا تتحقّق فيها تلك الغاية المحرّمة.
ثمّ هل يحرم التكسّب مطلقاً، أو يفصّل بين الصور؟

البيع للغايات المحرّمة

لا يمكن إظهار النظر إلاّ بعد دراسة الأدلّة، وقد استدلّ بوجوه: أظهرها بعد الإجماع ما دلّ على المنع من بيع الخشب ممّن يجعله صليباً أو صنماً، فإذا كان البيع لتلك الغاية حراماً فحرمة بيع نفس تلك الهياكل تثبت بالأولوية، ففي صحيحة

(1) المغني:4/201.

صفحه 246
ابن أُذينة قال: كتبت إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) أسأله عن رجل له خشب فباعه ممّن يتّخذه برابط؟ فقال: «لا بأس به». وعن رجل له خشب فباعه ممّن يتّخذه صلباناً؟ قال:«لا».(1)
وصحيحة عمرو بن حريث قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن التوت أبيعه يصنع للصليب والصنم؟ قال: «لا».(2)
وجه الدلالة ـ كما أشرنا إليه ـ انّه إذا كان البيع لصناعة الصليب والصنم حراماً، فيكون بيع نفس الصنم أولى بالحرمة.
أضف إلى ذلك أنّ الثابت من سيرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والوصي (عليه السلام) هو كسر الأصنام، وكان (صلى الله عليه وآله وسلم)يبعث رجالاً لكسر أصنام القبائل في أطراف الحجاز، وقد قام ـ نفسي فداه ـ بنفسه بكسر أصنام أطراف الكعبة، ورفع علياً(عليه السلام) على غاربه لكسرها ، وفي ذلك يقول القائل:
وصعود غارب أحمد فضل له *** دون الصحابة والقرابة أجمعا
ووجوب الكسر يدلّ على عدم الضمان الملازم لعدم ماليته عند الشرع.
فإن قلت: إنّ جواز الإتلاف مع عدم الضمان لا يدلّ على عدم المالية، كجواز إتلاف مال الكافر الحربي مع عدم ضمانه، مع أنّه مال عند الشرع.
قلت: فرق بين الأمر بالكسر والإتلاف وإعدام الموضوع، وبين جواز الانتفاع مع عدم الضمان، والمقام من قبيل القسم الأوّل، فهو يلازم عدم المالية عند الشرع، بخلاف الثاني، ولأجل ذلك لا يجوز فيه الإسراف والإحراق وإنّما يجوز الانتفاع بلا عوض، فيخرج من تحت العمومات مثل قوله تعالى:(أَحَلَّ اللّه البيع) فانّ البيع إنّما هو المعاوضة بين المالين، والمراد من المالية هو ما يعد مالاً عند

(1) الوسائل:12/127، الباب41 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1و3.
(2) الوسائل:12/127، الباب41 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1و3.

صفحه 247
الشرع، لا عند العرف بما هوهو وإن كان مخالفاً للشرع، لعدم معقولية تنفيذ الشارع بيع ما لا يعترف بماليته وضمانه.
ويوضح ا لمقصود ـ أي حرمة بيع الصنم ـ ما دلّ على حرمة بيع الخمر، فانّ المفاسد المترتبة على بيع الصنم أقوى ممّا يترتب على بيع الخمر، ولأجل تلك الأقوائية، نرى أنّه (عليه السلام) شبّه مُدْمِنُ الخمر بعابد الوثن، كقول أبي عبد اللّه (عليه السلام) :«مدمن الخمر يلقى اللّه يوم يلقاه كعابد وثن»(1) كما أنّ عبادته أكثر شراً وفساداً من شرب الخمر. وعلى ذلك يكون بيع الصنم كبيع الخمر، وعبادته كشربه في الحرمة.
وبعبارة أُخرى: دلّت الروايات على أنّ شرب الخمر مفتاح كلّ شرّ كما رواه أبو بكر الحضرمي عن أحدهما (عليهما السلام) قال:«الغناء عش النفاق، والشرب مفتاح كلّ شر»(2)، فإذا كان شرب الخمر مفتاح كلّ شر، يلزم أن يكون بين الصنم والخمر عموم المنزلة، فالصنم كالخمر وعبادته كشربه وبيعه كبيعه لما بينهما من التقارن والتشابه، وهذه الوجوه تفيد القطع بحرمة بيع الهياكل المعدّة للعبادة.
أضف إلى ذلك، الروايات العامة التي مرّ بيانها في صدر الكتاب، فانّها وإن لم يصحّ اسنادها، لكنّها تصلح لأن تكون مؤيدة للحكم.
ثمّ إنّه يستدلّ على الحكم بقوله سبحانه: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالباطِلِ إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراض مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً) .(3)
وجه الاستدلال: انّه إذا كانت المنفعة المقصودة من هذه الهياكل محرّمة

(1) الوسائل:17/254، الباب13 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث3. ولاحظ الأحاديث 4و5و6و7و9 من هذا الباب.
(2) الوسائل: 17/256، الباب 13 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث17.
(3) النساء:29.

صفحه 248
تكون المعاوضة عليها، معاوضة على الشيء بالباطل الذي لا يقوم بشيء.
يلاحظ عليه: أنّ الاستدلال بالآية في هذا المورد ونظائره غفلة عن مفادها، وما ورد فيها من الروايات. أمّا ظاهرها، فلأنّ الظاهر من لفظة«بالباطل» انّها للسببية، فتكون الآية ناظرة إلى الأسباب الصحيحة وزاجرة عن الأسباب الباطلة كالربا وبيع الحصاة والمنابذة والملامسة، وأمّا المعاوضة على شيء غير قابل للمعاوضة، فهو خارج عن مفاد الآية. وأمّا الروايات فقد فسرت الآية بما ذكرناه، فعن زياد بن عيسى قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قول اللّه عزّوجلّ:(وَلا تَأْكُلُوا أَموالكُم بَيْنَكُمْ بِالباطِلِ)(1) فقال: كانت قريش يقامر الرجل بأهله وماله فنهاهم اللّه عزّوجلّ عن ذلك.(2)
وعن أحمد بن محمد بن عيسى في نوادره قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) في قول اللّه عزّوجلّ: (وَلاتَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالباطِلِ)قال: «ذلك القمار».(3)
ثمّ إنّ المادة في بيع المادة المتهيّئة بهيئة قد تكون ممّا لا مالية له كالمصنوع من الخزف وأمثاله، فلا شبهة في حرمة البيع تكليفاً، للأدلّة السالفة، ووضعاً لعدم ماليتها، أمّا المادة فواضح، وأمّا الهيئة فللزوم إتلافها، وعدم ضمان المتلف.
وقد تكون ممّا له قيمة كالذهب والفضة، فلا إشكال في حرمة البيع تكليفاً ووضعاً لما ذكرناه .
وتوهم أنّه إذا كان كلّ من الهيئة والمادة ذات شأن ومؤثراً في كمية الثمن فلماذا لا يكون المورد من قبيل «بيع ما يملك منضماً إلى ما لا يملك» كبيع الشاة

(1) البقرة:188
(2) الوسائل:12/119، الباب35 من أبواب ما يكتسب به، الحديث1، وص 121، الحديث14.
(3) الوسائل:12/119، الباب35 من أبواب ما يكتسب به، الحديث1، وص 121، الحديث14.

صفحه 249
مع الخنزير في صفقة واحدة، ولماذا لا يقسط الثمن عليهما ويصحّ البيع في المادة دون الثمن غاية الأمر انّه يثبت للمشتري الخيار؟، مدفوع بأنّ التقسيط إنّما يصحّ إذاكان لكلّ ممّا «يملك وما لا يملك» وجود مستقل حتّى يصحّ التقسيط حسب نظر العرف، وفي المقام الهيئة والمادة لهما وجود واحد ينحل عند العقل إلى مادة وهيئة، ومثل ذلك لا يكون محلاً للتقسيط، فتأمّل.(1)
وبذلك علمت حرمة التكسّب بهذه الهياكل تكليفاً ووضعاً في الصورتين الأُوليين، أعني: البيع للغاية المحرّمة، أو البيع في المورد الذي نعلم تحقق تلك الغاية إمّا من المشتري أو ممّن يشتري منه.

البيع لا لغايات محرمة

وأمّا البيع في غير هذين الموردين كبيعها ممّن يشتريه تحفّظاً على الآثار العتيقة القديمة، أو لكسرها طلباً للثواب الأُخروي، أو للاشتهار بأنّه كاسر الأصنام تشبهاً بالنبي والوصي صلّى اللّه عليهما وآلهما. فهل يجوز البيع في هذه الصور أم لا؟ فيمكن أن يقال بقصور الأدلّة اللفظية عن شمولها، خصوصاً فيما إذا انقرض عبدة هذه الأصنام، وبعدم شمول دليل عقلي لهذه الصور، إذ لا تترتب على بيعها وشرائها واقتنائها وحفظها أيّة مفسدة.
نعم يبقى هنا إشكال وهو أنّه كيف يمكن الحكم بجواز البيع مع أنّ مقتضى استصحاب حرمة البيع ولزوم الكسر وانتفاء المالية قبل البيع، حرمة البيع تكليفاً ووضعاً؟ وقد عرفت كيفية جريان الاستصحاب في الأحكام الشرعية حيث

(1) وجه التأمّل هو وجود الفرق بين ما لاقيمة لمادته وما له قيمة، كالذهب، فالظاهر إمكان استكشاف حكمه ممّا إذا باع ما يملك مع ما لا يملك ـ منه دام ظله ـ.

صفحه 250
قلنا: إنّ الحكم الكلّي إذا انطبق على موضوع خارجي يكون الموضوع للاستصحاب هو الموضوع الخارجي دون الموضوع الذي أخذ في لسان الدليل، وفي المقام إذا انطبق الحكم الكلي على صنم من الأصنام. يقال: انّ هذا الصنم كان واجب الكسر، منتفى المالية، ومحرّم البيع، فنشكّ في بقاء هذه الأحكام الثلاثة عند البيع لغاية التحفّظ أو لغاية الكسر والأصل بقاؤه.
وما أفاده سيّدنا الأُستاذ ـ دام ظله ـ من عدم جريان استصحاب الحكم الجزئي، لأنّ الحكم المستكشف من مناط عقلي لا يمكن أوسعيته عن موضوعه ومناطه، ولا استصحاب الكلّي، لأنّ الجامع بين الحكمين انتزاعي عقلي لا حكم شرعي، ولا موضوع ذو حكم كذلك(1)، غير تام، لأنّ الحكم الشرعي المستصحب هنا ليس حكماً عقلياً، ولا مستكشفاً عنه، بل الحكم الشرعي هنا مستفاد من الإجماع، ومن الروايات السابقة الدالّة على حرمة بيع الخشب للصنم والصليب، وما دلّت على أنّ مدمن الخمر كعابد الوثن إلى غير ذلك.
وعلى ذلك فالاستصحاب حجّة في المقام إلاّ أن تقوم حجّة أقوى منه.
ولو أغمضنا عن الاستصحاب الحاكم على البطلان نقول: إنّ بيع الصنم لغاية الكسر على قسمين:
الأوّل: أن يبيع الصنم ولم يكن لمادته قيمة كما إذا كان الصنم مصنوعاً من خشب صغير لا قيمة له، وأراد المشتري أن يشتريه لغاية الكسر طلباً للثواب أو للاشتهار به بين الناس، لكن جواز بيعه متوقّف على كون الصنم ذا قيمة في هذه الحالة، والمفروض أنّ الشارع أسقط مالية الصورة، وليست لمادته قيمة، فكيف يمكن تنفيذ بيع ما ليس مالاً؟

(1) المكاسب المحرّمة:1/109.

صفحه 251
اللّهمّ إلاّ أن يقال: انّ حيازته لغاية الكسر لمّا لم تكن أمراً محرماً لا تُسْقِط الصورة عن المالية عند الشرع، فيصحّ بيعه بشرط أن يعلم أو يطمئن بأنّ البيع لتلك الغاية حتّى يتيقّن كونه مالاً، وأمّا عند الشكّ بأنّ الشراء لهذه الغاية أو لا، فلا يصحّ بيعه للشكّ في ماليته، وعلى كلّ تقدير فهذه الصورة من نوادر الصور.
الثاني: أن يكون لرضاضه قيمة وهو الذي ذكره العلاّمة، ونقله الشيخ الأعظم عن «تذكرته» وإن لم نجده فيها، قال: إذا كان لمكسورها قيمة وباعها صحيحة لتكسر، وكان المشتري ممّن يوثق بديانته، فانّه يجوز بيعها على الأقوى، فقد ذكر العلاّمة لجواز البيع قيوداً ثلاثة:
1. أن يكون لمكسورها قيمة.
2. البيع لغاية الكسر.
3. موثوقاً بديانة المشتري.
أمّا الشرط الأوّل: فلأنّه لولاه لما صحّ البيع .
وأمّا الثاني: فلأنّه لولاه لعمّته عمومات المنع وأدلّة التحريم، لأنّه تترتب عليه العبادة المبتدعة.
وأمّا الثالث: فليس هو شرطاً ثالثاً في قبال الشرطين في عالم الثبوت، وإنّما هو شرط لإحراز الشرط الثاني، فلو أحرز أنّ البيع لغاية الكسر ولو من طريق آخر غير وثاقة المشتري، يصحّ البيع وإن لم يكن المشتري موثوقاً به.
وكلتا الصورتين راجعتان إلى ما إذا باع هياكل العبادات بهيئتها ومادتها، غير أنّ الشيخ الأعظم حمل عبارة العلاّمة على ما إذا باع المادة(1)، وأورد على العلاّمة بالاستغناء عن القيد الثالث بكسره قبل أن يقبضه إيّاه فانّ الهيئة غير محرمة

(1) سيأتي البحث عنه.

صفحه 252
في هذه الأُمور كما صرّحوا به في باب الغصب.
يلاحظ عليه: أنّ ما فرضه خلاف مفروض العلاّمة من كون المبيع هو الصنم بهيئته، يشتريه لغاية الكسر طلباً للثواب أو لكسب الاشتهار كما يعبر عنه قوله «ليكسر».
نعم يصحّ ما ذكره إذا كان المبيع مادة الصنم الذي سنبحث عنه.
وبذلك يعلم أنّ جواز البيع لا يتوقف على كون الغاية الكسر، بل يكفي عدم ترتيب الغاية المحرّمة عليه، كما إذا انقرض عبدة تلك الأصنام وكان البيع للحفاظ عليه في أحد المتاحف، هذا كلّه إذا كان المبيع هو الهيئة والمادة الذي هو المسألة الأصلية.(1)

بيع الأصنام بمادتها فقط

إذا كان المبيع هو المادة فقط، فله صور:
1. إمّا أن لا يكون لها قيمة، كما إذا كانت مادة كارتونية; أو كان لها قيمة لكن لا يمكن تفكيك الصورة عن المادة إلاّ بإبطال مالية المادة، كالرخام المحكوكة عليها صورة الصنم.
ففي هذين القسمين تبطل المعاملة لعدم مالية المادة في القسم الأوّل، وفوات المالية عند التفكيك في الثاني، ويلحق بهما ما إذا كانت مالية المادة طفيفة لكن باعها بقيمة تساوي قيمة المادة والصورة، فانّ البيع في هذه الصورة يشبه الخدعة أو تعدّ المعاملة سفهية، فلا تشملها أدلّة نفوذ المعاملات.

(1) وقد عرفت أنّ جواز البيع مبني على الغمض عن الاستصحاب، فلاحظ.

صفحه 253
2. إذا كان للمادة قيمة وباع الأصنام بمادتها بقيمة مساوية لها، كما إذا كانت الأصنام من خشب فوزنها بقيمة الحطب، فالظاهر صحّة المعاملة.
وهل يجب بيعها مع شرط الكسر إذا كان المشتري موثوقاً بديانته أو يصحّ مطلقاً؟ الظاهر الثاني، غاية الأمر انّه يجب على كلّ من البائع والمشتري الكسر، فمن خالف هذا التكليف أثم، وإن كان البيع لأجل وقوعه على المادة صحيحاً.
وذهب سيدنا الأُستاذ ـ دام ظله ـ إلى صحّة المعاملة فيما إذا شرط المشتري على البائع عدم الكسر، قائلاً بأنّ الشرط الفاسد غير مفسد، وانّ كون الشرط فاسداً أو كون التسليم إعانة على الإثم لا يوجب بطلان المعاوضة.(1)
نعم يمكن أن يقال: انّ شرط إبقاء الصورة إذا لم يحرز انّ الابتياع لأحد الأغراض الصحيحة ـ كالكسر طلباً للثواب، أو للاشتهار بأنّه كاسر الأصنام ـ ، يعدّ أمارة على كون المعاملة على المادة والصورة، وانّ عنوان كون البيع على المادة خدعة من جانب المشتري أو الطرفين.

(1) المكاسب المحرمة:1/113.

صفحه 254

الثاني: آلات القمار على اختلاف أصنافها

يظهر من الأصحاب الاتفاق على حرمة بيعها وإليك شيئاً منها:
قال سلاّر في «المراسم»: فأمّا المحرم... والشطرنج والنرد وما أشبه ذلك من آلات اللعب والقمار وبيعه وابتياعه.(1)
وقال المحقّق في «الشرائع»: ما يحرم لتحريم ما قصد به كآلات اللهو مثل العود والزمر... وآلات القمار كالنرد والشطرنج.(2)
وقال العلاّمة في «التذكرة»: مسألة: ما أسقط الشارع منفعته لا نفع له فيحرم بيعه كآلات الملاهي مثل العود والزمر... وآلات القمار كالنرد والشطرنج.(3)
وقال في «المنتهى»: ويحرم آلات اللهو كالعود والزمر وآلات القمار كالنرد والشطرنج والأربعة عشر وغيرها من آلات اللهو بلا خلاف بين علمائنا.(4)
وقال النراقي في «المستند»: ما يقصد منه المحرم كآلات اللهو... وآلات القمار من النرد والشطرنج وغيرهما، ولا خلاف في حرمة بيعها والتكسّب بها، ونقل الإجماع ـ كما قيل به ـ مستفيض، بل هو إجماع محقّق.(5)
وتدلّ على الحرمة ـ مضافاً إلى الإجماع والسيرة المسلمة بين المسلمين الحاكية

(1) المراسم:170.
(2) الشرائع:2/9، كتاب التجارة، فصل فيما يكتسب به.
(3) التذكرة:10/36، المسألة16، كتاب البيع.
(4) المنتهى:2/1011، كتاب التجارة.
(5) المستند:14/88، كتاب المكاسب.

صفحه 255
عن حرمة المعاملة ـ روايات:
1. رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى: (إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنْصابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(1) قال: «أمّا الخمر فكلّ مسكر من الشراب ـ إلى أن قال (عليه السلام):ـ وأمّا الميسر فالنرد والشطرنج، وكلّ قمار ميسر».(2) والرواية ضعيفة بأبي الجارود وهو زيدي.
2. مرسل ابن إدريس، عن جامع البزنطي، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «بيع الشطرنج حرام».(3)
3. ويمكن تسرية الحكم إلى كلّ آلة أُعدّت للقمار، لقوله في صحيحة معمر بن خلاد، عن أبي الحسن(عليه السلام) قال: «النرد والشطرنج والأربعة عشر بمنزلة واحدة، وكلّ ما قومر عليه فهو ميسر».(4)
4. وما رواه أبو بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : «النرد والشطرنج هما الميسر».(5)
وهذه الروايات تفيد عمومية الحكم لكلّ ما يصدق عليه أنّه ميسر وآلة للقمار.
5. وروى البيهقي في سننه عن ابن عمر: كان إذا وجد أحداً من أهله يلعب بالنرد ضربه وكسرها.(6)
6. وروى نظير ذلك عن عثمان، وانّه كان على المنبر وقال: أيّها الناس إيّاكم

(1) المائدة:90.
(2) الوسائل:12/239، الباب102 من أبواب ما يكتسب به، الحديث12.
(3) الوسائل:12/241، الباب103 من أبواب ما يكتسب به، الحديث4.
(4) الوسائل:12/242، الباب104 من أبواب ما يكتسب به، الحديث1و2.
(5) الوسائل:12/242، الباب104 من أبواب ما يكتسب به، الحديث1و2.
(6) السنن الكبرى:10/216.

صفحه 256
والميسر ـ يريد النرد ـ فانّها قد ذكرت لي انّها في بيوت ناس منكم، فمن كانت في بيته فليحرقها أو فليكسرها.(1)
وعلى كلّ تقدير فلا ينبغي أن يشكّ في حرمة بيع المادة الموصوفة بوصف معد للقمار، إنّما الكلام في جواز بيع المادة مع زوال الصفة المحرمة التي يحرم بيعها.
قال العلاّمة: الأقوى عندي الجواز مع زوال الصفة المحرّمة.
وأورد عليه الشيخ الأعظم: بأنّه إن أراد من زوال الصفة زوال الهيئة فلا ينبغي الإشكال في الجواز، ولا معنى لأن يكون مورداً للخلاف.
وقال السيد في تعليقته على «المكاسب»: لعلّه أراد بزوال الصفة عدم مقامرة الناس بها وتركهم لها بحيث خرجت عن كونها آلة للقمار وإن كانت الهيئة باقية.
ولا يخفى انّ التوجيه لا ينطبق على العبارة، ولعلّ في عبارة العلاّمة سقطاً، وهو سقوط كلمة «اشتراط»، وقد مضى نظير تلك العبارة عن العلاّمة في بيع هياكل العبادة، ثمّ إنّه يأتي فيها الصور التي قدمناها في بيع هياكل العبادة.
ثمّ إنّ المراد من القمار هو المراهنة، والمسابقة، والمغالبة، سواء كان مع العوض، أم غيره، فكلّ آلة معدّة للمراهنة مع العوض بحيث لا يقصد منها غيرها تحرم المعاوضة عليها، وأمّا الآلة المعدّة للمراهنة بدون العوض، فلو قلنا بحرمة نفس المراهنة يلحق بها حكم آلتها، وإلاّ فلا، كالكرة والصولجان.(2) ونظيرهما كرة القدم.
ثمّ إنّه كثرت في هذه الأيّام آلات المغالبة بلا عوض كما هو معلوم لمن له أدنى مراجعة إلى المجتمع، وسيأتي حكم تلك المراهنات عند البحث عن حكم القمار.

(1) السنن الكبرى:10/215.
(2) وما في مكاسب الشيخ من: الترسة والصولجان فالظاهر انّه تصحيف.

صفحه 257

الثالث: آلات اللهو

والمراد من هذا اللفظ هو ما أعدّ للّهو، وعلى ذلك فلا يظهر حكم الموضوع سعة وضيقاً إلاّ بعد ظهور معنى اللهو وحرمته كذلك، وبما انّ الشيخ أخّر بيان معنى اللهو إلى الأبحاث الآتية، فنحن نقتفي أثره، غير انّ هناك مصاديق متيقّنة للآلات وهي المزمار والمعازف والأوتار والقيثارات والطنبور وغيرها ممّا يستعمله أهل اللهو في مجالسهم ومحافلهم.
ويدلّ على التحريم تكليفاً ووضعاً بعد الإجماع، وبعد الروايات العامّة الماضية في صدر الكتاب، خصوص ما رواه صاحب المستدرك عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) انّه قال: «إنّ اللّه تعالى بعثني هدى ورحمة للعالمين، وأمرني أن أمحو المزامير والمعازف والأوتار والأوثان وأُمور الجاهلية ـ إلى أن قال:ـ إنّ آلات المزامير شراؤها وبيعها وثمنها والتجارة بها حرام».(1)
ويمكن استفادة الحرمة الوضعية ممّا دلّ على حرمة استعمالها والاشتغال بها وانّ استعمالها من الكبائر، فإذا كان الاستعمال كذلك صارت الآلة ممّا لا منفعة له شرعاً، وتكون المعاوضة عليها معاوضة على ما لا منفعة له.
وإن شئت قلت: إنّ الشارع أسقط مالية هذه الأشياء، وبهذه الكيفيات

(1) المستدرك:13/219، الباب79 من أبواب ما يكتسب به، الحديث16.

صفحه 258
صيّرها في عداد مالا منفعة له، وعندئذ يكون بذل المال عليها بذلاً لما لا منفعة له عند الشرع، وحينئذ لا تشمله إطلاقات التنفيذ والإمضاء، أعني قوله سبحانه: (أَحَلَّ اللّه البيع) أو (أَوفُوا بِالعُقُود) ، وسيأتي حكم هذه الأشياء في النوع الثالث، أعني: بيع مالا منفعة له عرفاً أو شرعاً.
وممّا دلّ على أنّ هذه الأشياء لا مالية لها هو اتّفاقهم على لزوم كسرها وعدم ضمانها، ويؤيّده ما رواه البيهقي في سننه عن ابن عمر «كان إذا وجدها مع أحد من أهله أمر بها فكسرت وضربه ثمّ أمر بها فأُحرقت بالنار».(1)
ثمّ إنّه يأتي فيها ما ذكرنا في الأصنام في بيع هياكل العبادة.

(1) السنن الكبرى:10/216.

صفحه 259

الرابع: آنية الذهب والفضة

اتّفقت الفقهاء عامة ـ عدا داود ـ على أنّه لا يجوز الأكل والشرب في آنية الذهب بلا خلاف، بل في «الجواهر»: إجماعاً من كلّ من يحفظ عنه العلم عدا داود فانّه حرّم الشرب خاصة، إجماعاً محصلاً ومنقولاً مستفيضاً إن لم يكن متواتراً، وعن بعض الأصحاب التصريح باتّفاق المسلمين على حرمة الأكل والشرب.
نعم قال الشيخ في «الخلاف»: يكره استعمال أواني الذهب والفضة، وكذلك المفضّض منها.(1)
والظاهر انّ مراده من الكراهة هو الحرمة، بقرينة ما نقل من الأخبار بعد الحكم بالكراهة .
وقال أيضاً في «الخلاف»: أواني الذهب والفضة محرّم اتّخاذها واستعمالها، غير أنّه لا تجب فيها الزكاة.(2)
وأمّا الإناء فقد فسره في «المصباح المنير» بالوعاء والأوعية، ولا يخفى أنّه تفسير بالأعم، وإلاّ لزم حرمة استعمال وعاء السمن والماء والساعة و... مع أنّ شمول الحرمة لها بيّن البطلان.
والظاهر أنّ المراد من الإناء ما كان معدّاً للأكل والشرب والطبخ، وغير ذلك يشكّ في صدق الإفناء عليه.

(1) الخلاف:1/7، كتاب الطهارة، المسألة15.
(2) الخلاف:1/307، كتاب الزكاة، المسألة103.

صفحه 260
ثمّ إنّ الحكم بالحرمة في أواني الذهب والفضة وإلحاقها بهياكل العبادات وآلات القمار، إنّما يصحّ في صورتين:
1. إذا كانت مسلوبة المنفعة على وجه الإطلاق حتّى يحرم اقتناؤها والتزيين بها، وعندئذ يدخل في النوع الثالث من الاكتسابات المحرّمة الذي سيطرحه الشيخ (قدس سره) .
وإن شئت قلت: إذا كانت مسلوبة المنفعة تكون مسلوبة المالية: فلا تشملها الإطلاقات والعمومات التنفيذية.
اللّهمّ إلاّ أن يقال: انّ الميزان في المالية كونه مبذولاً بازائه الثمن عند العرف لا عند الشرع، ولكنّه بعيد، إذ من البعيد أن يكون الشيء ممّا لا منفعة له عند الشارع لكن ينفذه بأدلّة التنفيذ وعموماتها.
نعم، لو قلنا بجواز الاقتناء أو التزيين بها فلا وجه لتحريم المعاملة تكليفاً ووضعاً.
وربّما يستدلّ على حرمة اقتنائه بما ورد عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال: «آنية الذهب والفضة متاع الذين لا يوقنون».(1)
ولكنّ الاستدلال به لا يخلو من تأمّل، لكونه مثل قوله سبحانه:(اعلَمُوا أَنَّما الحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الأَمْوالِ وَالأولادِ).(2)
فالحكم أخلاقي يهدف إلى حسن الزهد في الدنيا.
2. إذا وقعت المعاملة على المادة المتهيّئة بالهيئة الخاصة التي لا ينتفع بها إلاّ في الحرام، وأمّا إذا وقعت على الهيئة والمادة، ولكن بشرط كسرها، أو على نفس المادة، أو غير ذلك من الصور التي قدّمناها، فلا وجه للتحريم.

(1) الوسائل:2/1084، الباب65 من أبواب النجاسات، الحديث4.
(2) الحديد:20.

صفحه 261

الخامس: الدراهم المغشوشة

تحرم المعاملة على الدراهم المعمولة لأجل غشّ الناس إذا لم يفرض على هيئتها الخاصة منفعة محلّلة مثل التزيين، ويقع الكلام في موضعين:
الأوّل: في التزيين أو دفعه إلى الظالم للتخلّص.
الثاني: في جواز المعاوضة عليها.
أمّا الأوّل: فقد نسب إلى جماعة وجوب كسرها وإعدامها، وبالنتيجة لا يصحّ التزيين بها، ولا يجوز دفعها إلى الظالم، مستدلاً بما رواه المفضل بن عمر الجعفي قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام)فأُلقي بين يديه دراهم، فألقى إليّ درهماً منها فقال:«ايش هذا؟» فقلت: ستوق، فقال:«وما الستوق؟» فقلت: طبقتين فضة وطبقة من نحاس، وطبقة من فضّة، فقال: «اكسرها فانّه لا يحلّ بيع هذا ولا إنفاقه».(1)
وبما رواه موسى بن بكر قال: كنّا عند أبي الحسن (عليه السلام) وإذا دنانير مصبوبة بين يديه. فنظر إلى دينار فأخذه بيده ثمّ قطعه نصفين، ثمّ قال لي: «إلقه في البالوعة حتّى لا يباع شيء فيه غش».(2)

(1) الوسائل:12/473، الباب10 من أبواب الصرف، الحديث5.
(2) الوسائل:12/209، الباب86 من أبواب ما يكتسب به، الحديث5.

صفحه 262
ومثله ما في «المستدرك» عن «دعائم الإسلام» عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه سئل عن إنفاق الدراهم المحمول عليها. قال: «إذا كان الغالب عليها الفضة فلا بأس بإنفاقها»، وقال في الستوق وهو المطبق عليه الفضة وداخله نحاس:«يقطع ولا يحل أن ينفق وكذلك المزيّفة والمكحلة».(1)
والظاهر عدم دلالة هذه الروايات على وجوب الكسر نفسياً وحرمة إبقائها حتّى يحرم التزيين أو غيره من المنافع المحلّلة كردّ شر الظالم بدفعها، لأنّ الظاهر من إيجاب الكسر هو عدم جواز المعاملة عليها، ويوضح ذلك، التعليل الوارد في الروايات الثلاث، حيث قال (عليه السلام) في الأُولى:«فانّه لا يحلّ بيع هذا ولا إنفاقه»، وقال (عليه السلام) في الثانية: «حتّى لا يباع شيء فيه غش»، وإنّما المهم هو الكلام في المقام الثاني.
فنقول: إنّ الدراهم المغشوشة على قسمين:
الأوّل: أن تكون مسكوكة بسكة رائجة معتبرة اعترفت بها الحكومة، أو كانت رائجة عند الناس يتعاملون عليها، بلا غمض وتردد، فالمعاملة عليها لا تعدّ غشاً لعدم سقوطها من الاعتبار عند الحكومة ولا عند الناس، سواء أكان المتعاملان عالمين أو جاهلين أو مختلفين.
نعم، إذا أسقطته الحكومة من الاعتبار، أو لم يتعامل عليها عند الناس، تعدّ المعاملة عليها غشاً بلا كلام، وما ورد من الروايات من جواز المعاملة على هذه الدراهم يحمل على الرائج عند الحكومة، والمعترف بها عند الناس، مثل رواية محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) : قال: جاءه رجل من سجستان فقال له: إنّ عندنا دراهم يقال لها«الشاهية» تحمل على الدرهم دانقين. فقال:

(1) المستدرك:13/351، الباب6 من أبواب جواز إنفاق الدراهم المغشوشة، الحديث1.

صفحه 263
«لا بأس به إذا كانت تجوز».(1)
وما عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : أشتري الشيء بالدراهم فأعطي الناقص الحبة والحبتين؟ قال: «لا، حتّى تبيّنه»، ثمّ قال: «إلاّ أن يكون نحو هذه الدراهم الأوضاحية التي تكون عندنا عدداً».(2)
وما رواه البرقي، عن فضل أبي العباس قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الدراهم المحمول عليها. فقال: «إذا أنفقت ما يجوز بين أهل البلد فلا بأس، وإن أنفقت ما لا يجوز بين أهل البلد فلا».(3)
وما رواه حريز بن عبد اللّه قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) فدخل عليه قوم من أهل سجستان فسألوه عن الدراهم المحمول عليها؟ فقال: «لا بأس إذا كان جواز المصر».(4)
الثاني: أن تكون الدراهم ساقطة من الاعتبار حكومياً وشعبياً، فالمعاملة عليها على صورتين:
1. أن تكون المعاملة على الثمن الكلّي غير أنّه دفع عند المعاوضة، الدراهم المغشوشة، فلا إشكال في صحّة المعاملة، غير أنّه يجب دفع الدراهم الصحيحة واسترداد المغشوشة، والغالب في المعاملات هو هذا القسم.
2. إذا وقعت المعاملة على الدراهم الشخصية المغشوشة، فعندئذ إذا كان المتعاملان عالمين، أو كان البائع عالماً(5)، فلا شكّ في صحّة المعاملة، لعدم صدق الغش بعد علم المتعاملين أو علم خصوص البائع الذي يتوجه إليه الضرر، وما تقدّم من الروايات الثلاث من عدم صحّة المعاملة عليها منصرفة عن هاتين الصورتين.

(1) الوسائل:12/473، الباب10 من أبواب الصرف، الحديث6و7.
(2) الوسائل:12/473، الباب10 من أبواب الصرف، الحديث6و7.
(3) الوسائل:12/474، الباب10 من أبواب الصرف، الحديث9و10.
(4) الوسائل:12/474، الباب10 من أبواب الصرف، الحديث9و10.
(5) لانّه مع علمه بالغش يرضى بالدرهم المغشوش من المشتري.

صفحه 264
وأمّا إذا كان المتعاملان جاهلين، أو كان البائع جاهلاً، فلا شكّ في معذورية الجاهل من حيث الحرمة التكليفية، دون العالم كالمشترى في المقام الذي يدفع الدرهم المغشوش، وإنّما الكلام في الحكم الوضعي فيهما، فنقول: إنّ الأوصاف والقيود المأخوذة في المعاملات على قسمين:
الأوّل: ما يعدّمقوّماً للشيء ويعد صورة نوعية له عرفاً وإن ذكر بلفظ الوصف والشرط، كما إذا اشترى جارية جميلة المنظر فظهرت عجوزاً كريهة، أو اشترى صندوقاً فبان انّه طبل.
والثاني: ما يعد كمالاً للشيء لا صورة نوعية، ومقوماً له كما إذا اشترى عبداً كاتباً فظهر أُمّياً.
فعلى ضوء ذلك، ففي ما إذا وقعت المعاملة على الدرهم المغشوش المشخص، المحدّد بصفات غير موجودة فيه، فإمّا أن تعدّ الصفات من الأُمور المقوّمة والممنوعة فتبطل المعاملة، سواء كان الغش في المادة كما إذا كثر الخليط، أو كان الغش في السكة كما إذا اشتراه على أنّها سكة السلطان الفلاني فبانت سكة غيره.
وجه البطلان واضح، لأنّ المقصود وما عقد عليه غير المدفوع، فوزان ذلك وزان ما إذا اشترى شيئاً مشخّصاً بأنّه قطن فبان حديداً، فلا يمكن تصحيح المعاملة ولو بجعل خيارات عديدة.
وأمّا إذا عدّ الفاقد بالنسبة إلى الواجد من قبيل الناقص إلى الكامل، وكان المدفوع هو المقصود غير أنّه لا يوجد فيه بعض ما اشترط فيه، فعندئذ لو كان النقص في المادة بكثرة الخليط لاعلى وجه يجعل الواجد والفاقد نوعين، فالمعاملة صحيحة مع خيار العيب، وأمّا إذا كان الغش في السكة كما إذا وقعت المعاملة على الدرهم المسكوك في هذه السنة فبان انّه مسكوك في سنة قبلها أو بعدها، فتصحّ المعاملة مع خيار التدليس، لأنّه أخفى العيب الموجود فيه.

صفحه 265
ثمّ إنّ الشيخ الأعظم (قدس سره) أفاد في المقام: ولو وقعت المعاوضة عليها جهلاً فتبيّن الحال لمن صارت إليه، فإن وقع عنوان المعاوضة على الدرهم المنصرف إطلاقه إلى المسكوك سكة السلطان بطل البيع. وإن وقعت المعاوضة على شخصه من دون عنوان، فالظاهر صحّة البيع مع خيار العيب إن كانت المادة مغشوشة، وإن كان مجرّد تفاوت السكة فهو خيار التدليس فتأمّل.
الظاهر: انّ الشق الأوّل في كلامه ناظر إلى وقوع المعاملة على الدرهم الكلّي المنصرف إلى سكة خاصة كسكّة السلطان في مقابل سكّة التاجر أو سلطان آخر بقرينة قوله فيما بعد:وإن وقعت المعاوضة على شخصه من دون عنوان.
فيلاحظ عليه: أنّه لو كانت المعاملة واقعة على الدرهم الكلّي فلا وجه للبطلان بعد إمكان تسليم الغير إليه، كما هو الحكم في كلّ مورد وقع العقد على الشيء الكلّي وتخلّف في مقام التسليم فأعطى غيره مكانه.(1)
وأمّا الشق الثاني في كلامه: فقد صحّح البيع مع خيار العيب، لو كان الغش في المادة، وخيار التدليس مع كون الغش في السكة; ولكنّه غير تام، بل يجب التفصيل بين ما إذا كان الغش في المادة بالغاً إلى حدّ يجعل الناقص والكامل شيئين متباينين، وبين ما إذا لم يكن بالغاً لهذا الحدّ، ففي الصورة الأُولى تبطل المعاملة، لأنّه بمنزلة المعاملة على الشيء المعيّن بما أنّه قطن فبان حديداً، وأمّا الصورة الثانية فتصحّ المعاملة مع خيار العيب، لعدم عدّ الواجد والفاقد من الأُمور المتباينة.
ومثله الغش في السكّة، فانّ الغش في السكّة تارة يبلغ إلى حدّ يجعل المسكوكين متباينين كسكّة السلطان وسكّة التاجر، وربّما لا تبلغ إلى ذلك الحدّ،

(1) ويحتمل أن يكون مراده في الشقّ الأوّل، هو وقوع المعاملة على شخص الدرهم لكن بعنوان أنّه سكّة السلطان، وفي الشق الثاني: وقوع المعاملة على شخص الدرهم أيضاً لكن بدون تعنونه بعنوان، وعلى هذا لا يرد عليه الإشكال في الشقّ الأوّل. ـ منه دام ظلّه ـ

صفحه 266
كما في السكّة العتيقة والجديدة، فإنّ الظاهر أنّ الاختلاف بينهما كاختلاف المرغوب مع غير المرغوب كما لا يخفى.
ثمّ إنّه يظهر من الشيخ الأعظم (قدس سره) فيما إذا كان الغش في الهيئة أنّه بصدد تصحيح المعاوضة على المادة، وإبطالها في الهيئة وتنظيرهما بما إذا جمع بين الخل والخمر في صفقة واحدة، فيصحّ فيما يملك وتبطل في مالا يملك.
وقال في وجه الاستظهار : «وهذا بخلاف ما تقدّم من الآلات، فانّ البيع الواقع عليها لا يمكن تصحيحه بإمضائه من جهة المادة فقط، واسترداد ما قابل الهيئة من الثمن المدفوع».(1)
فترى أنّه يخصّ المنع بآلات القمار ولا يعطف عليه الدراهم الخارجة المغشوشة، مع أنّ ما ذكره من التعليل وإبداء الفرق يقتضي عطف الدراهم على آلات القمار، وإليك عبارته: إنّ كلّ جزء من الخل والخمر مال، لابدّ أن يقابل في المعاوضة بجزء من المال، ففساد المعاملة باعتباره يوجب فساد مقابله من المال لا غير، بخلاف المادة والهيئة، فانّ الهيئة من قبيل القيد للمادة جزء عقلي لا خارجي تقابل بمال على حدة، ففساد المعاملة باعتباره فساد للمعاملة على المادة حقيقة، وهذا الكلام مطرد في كلّ قيد فاسد بذل الثمن الخاص لداعي وجوده».(2)
وأنت ترى أنّ نسبة السكّة إلى المادة كنسبة هيئة آلات اللهو إلى مادتها فيجب أن يلحق بها لا بالخل والخمر.
وحاصل ما ذكر من الفرق أنّ التقسيط، إنّما يجري في الأجزاء الخارجية التي يمكن الإشارة الحسية إلى كلّ جزء جزء، لا في الأجزاء العقلية التي ليس لكلّ من المادة والهيئة وجود على حدة فيها، وإنّما الموجود شيء واحد يحلّله العقل إلى مادة وهيئة، فلاحظ.

(1) المكاسب: 15، طبعة تبريز .
(2) المكاسب: 15، طبعة تبريز.

صفحه 267
الاكتسابات المحرّمة
(2)
النوع الثاني: الاكتساب بما يحرم ما يقصد منه
وهو على أقسام:
الأوّل: ما لا يقصد من وجوده على نحوه الخاص إلاّ الحرام. وقد مضى الكلام فيه.
الثاني: ما يقصد منه المتعاملان المنفعة المحرمة، وفيه مسائل ثلاث:
1. أن يبيع العنب على أن يعمل خمراً.
2. أن يعامل على عين مشتملة على صفة يقصد منها الحرام كالعقد على الجارية المغنّية.
3. أن يبيع العنب ممّن يعمله خمراً بقصد أن يعمله خمراً.

صفحه 268

صفحه 269

المسألة الأُولى :

أن يبيع العنب على أن يعمل خمراً

أن يبيع العنب على أن يعمل خمراً، أو الخشب على أن يعمل صنماً، أو آلة لهو، أو قمار.(1)
فالبيع باطل سواء كان المبيع كلّياً أو جزئياً، سواء كان الشرط مصرحاً به في متن العقد، أو متواطأً عليه في الخارج ووقع البيع مبنياً عليه، فقد استدلّ الشيخ الأعظم على بطلان المعاملة بوجوه:
الأوّل: الإجماع، وادّعى عدم الخلاف.
الثاني: كون المعاملة إعانة على الإثم.
الثالث: انّ الالتزام بصرف المبيع في المنفعة المحرّمة الساقطة في نظر الشارع أكل للمال بالباطل.
الرابع: ما نقل من الروايات، التي سيوافيك نقلها.
أمّا الدليل الأوّل: فهو غير بعيد كما هو ظاهر من كلام الأصحاب في باب الإجارة وغيره.

(1) انّ الشيخ الأعظم(قدس سره) عطف على البيع إجارة المساكن ليباع أو يحرز فيها الخمر، وكذا إجارة السفن والحمولة لحملها، ونحن نفرد للإجارة بحثاً خاصّاً.

صفحه 270
قال الشيخ في «الخلاف»: إذا استأجر داراً ليتّخذها ماخوراً(حانوتاً خ ل) يبيع فيها الخمر، أو ليتّخذها كنيسة، أو بيت نار، فإنّ ذلك لا يجوز، والعقد باطل.
وقال أبو حنيفة: العقد صحيح، ويعمل فيه غير ذلك من الأعمال المباحة دون ما استأجره له; وبه قال الشافعي.
دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم، وأيضاً فهذه الأشياء محظورة بلا خلاف، فلا يجوز الاستئجار لها.(1)
وقال أيضاً: إذا استأجر رجلاً لينقل له خمراً من موضع إلى موضع، لم تصح الإجارة. وبه قال الشافعي.
وقال أبوحنيفة: تصحّ كما لو استأجره لينقل الخمر إلى الصحراء ليريقه.
دليلنا: ما قلناه في المسألة الأُولى سواء.(2)
وقال العلاّمة في «المنتهى»: يحرم بيع العنب ليعمل خمراً، وكذلك العصير، وبه قال الشافعي وأحمد، وقال الثوري: يجوز مع الحلال فمن شاء....(3)
وقال المحقّق الأردبيلي (قدس سره) في «مجمع الفائدة»: وبيع العنب... قد علم شرحه، فانّ البحث فيه مثل بحث السفينة والدابة بعينه من غير فرق.(4)
وقال السيد العاملي في «مفتاح الكرامة»: وإجارة السفن والمساكن للمحرّمات، وبيع العنب ليعمل خمراً، والخشب ليعمل صنماً: فإمّا أن يعلم أنّه لا يعمل هذا العنب بخصوصه خمراً، ولا يتعاطى المحرّمات في خصوص هذا البيت، أو هذه الدابة; أو يعلم ذلك، أو يظن، أو لا يعلم ولا يظن، ودليل التحريم في الأوّل ظاهر لأنّه إعانة على الإثم والعدوان... .

(1) الخلاف:2/215، كتاب الإجارة المسألة37و38.
(2) الخلاف:2/215، كتاب الإجارة المسألة37و38.
(3) المنتهى:2/1010، كتاب التجارة.
(4) مجمع الفائدة: 8/49، كتاب المتاجر.

صفحه 271
وأمّا الثالث وهو ما إذا آجر لمن يعلم أنّه يعمل أو يتعاطى بدون شرط في متن العقد، فإمّا أن يقصد بذلك الإعانة على ذلك أو لا، فإن قصد فلا ريب في التحريم، لأنّه إعانة على الإثم.(1)
وقال النراقي في «المستند»: ومنها الإجارة والبيع، بل كلّ معاملة وتكسّب للمحرم، كإجارة المساكن والحمولات للخمر، وركوب الظلمة وإسكانهم للظلم، وبيع العنب والتمر وغيرهما ممّا يعمل منه المسكر ليعمل خمراً أو الخشب ليعمل صنماً.(2)
وقال ابن قدامة: وبيع العصير ممّن يتّخذه خمراً باطل، فأمّا إن كان الأمر محتملاً، مثل أن يشتريها من لا يعلم حاله، أو من يعمل الخل والخمر معاً، ولم يلفظ بما يدلّ على إرادة الخمر، فالبيع جائز، وإذا ثبت التحريم فالبيع باطل. ويحتمل أن يصحّ، وهو مذهب الشافعي.
وقال أيضاً: وهكذا الحكم في كلّ ما يقصد به الحرام، كبيع السلاح لأهل الحرب، وبيع الأمة للغناء أو إجارتها كذلك، أو إجارة داره لبيع الخمر... فهذا حرام، والعقد باطل.(3)
هذه كلمات الأصحاب وغيرهم، والظاهر أنّ اتّفاقهم على الحكم لأجل الاستناد إلى الأدلّة العقلية والنقلية، نعم ليس مثل هذا الإجماع كاشفاً عن وجود دليل وصل إليهم ولم يصل إلينا، كما هو ظاهر لمن أمعن النظر في كلماتهم.
وأمّا الدليل الثاني: أعني كون المعاملة إعانة على الإثم، فغايته كون العمل حراماً تكليفاً لا وضعاً.

(1) مفتاح الكرامة:4/37.
(2) المستند: 14/95، كتاب المكاسب.
(3) المغني:4/200.

صفحه 272
وما ربما يقال من أنّ الحرمة التكليفية تكشف عن مبغوضية العمل وهو لا يجتمع مع التنفيذ، مدفوع، بأنّ ذلك فيما إذا كان ذات العمل مبغوضاً حسب التشريع فلا يصحّ مع مبغوضيته الذاتية، تنفيذه بالإطلاقات والعمومات، فالبيع الربوي لمّا كان مبغوضاً بالذات ـ مثل إجارة المرأة نفسها للفحشاء لما كانت مبغوضة ومنفورة في الشريعة المقدّسة ـ فلا يجتمع مع التنفيذ، لأنّه أشبه بطلب الشيء مع طلب تركه.
وأمّا إذا كان ذات العمل ـ بما هو ـ غير مبغوض، كالبيع عند النداء، ولكن انطبق عليه عنوان طارئ مبغوض وهو مانعيته عن استماع الخطبتين والمشاركة في فريضة الجمعة، ففي مثل ذلك لا يدلّ النهي على الفساد، ومثله المقام، فانّ بيع العنب بما هوهو ليس أمراً مبغوضاً وإنّما المبغوضية لأجل الاشتراط في متن العقد أو التواطؤ عليه، وهو لا يوجب كون ذات البيع مبغوضاً.
وأمّا الدليل الثالث: فلو أراد الاستناد إلى الآية الكريمة، فقد أوضحنا أنّ الآية ناظرة إلى الأسباب الباطلة كالقمار وغيره، وإن أراد انّ المعاوضة على العنب المشروط صرفه في الحرام، كالمعاوضة على مالا منفعة له ـ الذي قد بحث عنه الشيخ الأعظم في النوع الثالث(1) ـ فتدخل المسألة في هذا النوع.
وعلى كلّ تقدير، فقد أورد عليه المحقّق الخوئي ـ دام ظلّه ـ: بأن تخلّف الشروط الصحيحة إنّما يوجب الخيار

(1) الاكتساب بما لا منفعة فيه محللة معتدّاً بها.

صفحه 273
للمشترط، لأنّ الشروط لا تقابل بجزء من الثمن، والشروط الفاسدة لا تزيد على الصحيحة، فلا يسري فساد الشرط إلى العقد.(1)
يلاحظ عليه: أنّ تخلّف الشروط في صحيحها وفاسدها إنّما يوجب الخيار للمشترط إذا لم يكن الشرط بمنزلة ما يسقط المبيع عن المالية في محيط التشريع، وأمّا إذا بلغ إلى هذا الحدّ فلا يمكن الالتزام بصحّة البيع وفساد الشرط.
وقال ـ دام ظلّه ـ أيضاً: انّه يقسّط الثمن على الشروط في مثل بيع الشيء مع شرط خياطة ثوب أو بناء دار أو نجارة باب، ونحوها ممّا يوجب زيادة الثمن، وأمّا الشروط التي تجعل على المشتري أن لا يصرف المبيع إلاّ في جهة خاصّة سواء أكانت محرّمة أم محلّلة، فلا تقابل بشيء من الثمن، وإذن فاشتراط البائع على المشتري صرف المبيع في الحرام لا يوجب فساد البيع حتّى على القول بالتقسيط.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره راجع إلى الشروط الفاسدة التي لاتجعل المبيع مسلوب المنفعة في محيط التقنين والتشريع، كاشتراط ترك التسري في بيع الأمة وغيرها، وأمّا اشتراط صرفها في مورد لا يقابل بالثمن أصلاً في محيط التشريع فلا يمكن أن يقال بصحّة البيع في المشروط وبطلانه في الشرط، وسنرجع إلى هذا الكلام عن قريب إن شاء اللّه تعالى.
ثمّ إنّ صاحب المستند استدلّ بوجه آخر، وهو انّ فعل المباح بقصد التوصّل إلى الحرام حرام، والمقام من مصاديق تلك القاعدة.
يلاحظ عليه: أنّ المقدّمة المحرّمة، على فرض تسليم حرمتها، إنّما تتم فيما إذا لم ينفك الحرام عن المقدّمة، كما في المقدّمات التوليدية، والجزء الأخير من المقدّمات الاعدادية، وأمّا المقدّمات التي يتوسط بينها و بين ذيها إرادة الإنسان أو شيء آخر، فلا تحرم بحرمة ذيها، والمقام من مصاديق تلك الضابطة.

نظرية السيّد الأُستاذ

إذا عرفت ذلك فاعلم : أنّه قد استدلّ سيدّنا الأُستاذ ـ دام ظلّه ـ على

(1) مصباح الفقاهة:1/162.

صفحه 274
الحرمة ببيان آخر وقرره بوجهين:(1)
الأوّل: انّ مثل هذا الشرط مخالف لمقتضى العقد مطلقاً فهو في قوّة بيع شيء بشرط عدم صيرورته ملكاً للمشتري، فيكون مخالفاً لمقتضى العقد وموجباً لبطلانه، سواءً أقلنا بأنّ الشرط الفاسد مفسد أم لا، لأنّ الخلاف في الشرط الفاسد إنّما هو في الشروط التي لا يضر اشتراطها بقوام المعاملة، وأمّا الشروط المنافية لماهيتها وقوامها، فلا ينبغي الكلام في مفسديتها، لرجوعها إلى التناقض في الجعل والتنافي في الإنشاء، والمقام من قبيل ذلك، فانّ العنب مثلاً مسلوب المنفعة بحسب قانون الشرع من حيث التخمير، فإذا كان مفاد الشرط تحريم الانتفاع بالمحلّل، يرجع إلى انتقال الشيء مسلوب المنفعة مطلقاً، فلا تعتبر معه الملكية للمشتري، فيكون الشرط في قوّة البيع بشرط عدم الملكية وإن لم يكن بعينه هو.(2)
يلاحظ عليه: أنّ الشرط إمّا أن يكون منافياً لنفس العقد، كأن يشترط عدم العوض في البيع، أو عدم الأُجرة في الإجارة، أو عدم الملكية للمثمن، بأن يقول: بعتك بشرط أن لا تملك المبيع، أو قال: بعتك العبد بشرط أن يكون منعتقاً، ونحو ذلك ويُمثّل لهذا القسم بقولهم: إذا باع بلا ثمن وآجر بلا أُجرة.
وأمّا أن يكون منافياً لمقتضاه، أي للازمه الخارج عن ماهيته، وهو على قسمين: لأنّ اللازم، إمّا لازم للعقد المطلق أو لمطلق العقد، ولا كلام في خروج ما كان لازماً للعقد المطلق عن محل الكلام، إذ لا إشكال في صحّة تقييد ما هو مقتضى إطلاق العقد، وإلاّ لامتنع التقييد مطلقاً، بخلاف ما إذا كان لازماً لمطلق العقد بمعنى انّ العقد بنفسه وبما هوهو يقتضيه إمّا عرفاً، وإمّا شرعاً.
والفرق بين اللازم العرفي واللازم الشرعي واضح، لأنّ اللازم العرفي كالجزء

(1) يأتي الوجه الثاني في ص 280 فانتظر .
(2) المكاسب المحرمة:1/116.

صفحه 275
المقوّم للعقد، يلزم من انتفائه انتفاء العقد في نظر العرف، كجواز الانتفاع والسلطنة على التصرف، بخلاف ما إذا كان لازماً شرعياً فلا يلزم من انتفائه انتفاء العقد، فالطلاق بيد الزوج لازم شرعي للنكاح ولا يمكن انفكاكه، إلاّ أنّه لا يلزم من فرض عدمه، انتفاء حقيقة النكاح.
وإن شئت التوضيح فنقول: إنّ ما يخالف مقتضى العقد إمّا أن يخالف مقتضاه الأوّل الذي يوجد بالعقد في عالم الاعتبار بلا واسطة أمر اعتباري آخر كملكية المبيع للمشتري والثمن للبائع، ولا ريب انّ اشتراط عدم هذا الأمر مخالف لمقتضى العقد، وفاسد ومفسد للعقد، لاستحالة تعلّق القصد الجدي بإيجاد المتناقضين.
وأمّا أن يخالف ما يترتب على مقتضاه الأوّل، وهذا ما نسمّيه بالمقتضي الثانوي، وهو على قسمين: تارة يكون من اللوازم والآثار التي إذا انتفت، انتفت فائدة المقتضي الأوّل عرفاً ـ كجواز التصرّف في المبيع والانتفاع به المترتب على ملكيته المتحقّقة بالعقد ـ فلو باع وشرط عدم جواز التصرف والانتفاع يعدّ مثل هذا مخالفاً لمقتضى العقد، لأنّ الغاية القصوى من الملكية هي جواز الانتفاع والتصرّف، ومع عدم جوازهما لا يصحّ اعتبار الملكية عند العقلاء، ويعد مخالفاً للغرض الذي اعتبره العقلاء في العقود والمعاملات.
وأُخرى لا يكون المقتضي الثانوي بهذه المثابة، ففي مثله لا يضرّ شرط عدم ترتّب هذا الأثر على المقتضي الأوّل، هذا مثل شرط بيع المبيع من عمرو، أو شرط عدم بيعه منه، أو عدم بيعه وهبته والاقتصار في الانتفاع بشؤون أُخر.
والفرق في المقتضى الثانوي بين القسمين هو أنّ القسم الأوّل يعدّ أثراً لمطلق العقد، والثاني يعدّ أثراً للعقد المطلق.

صفحه 276
وبذلك يعلم أنّ كون الشرط مخالفاً لمقتضى العقد أعمّ من أن يكون مخالفاً لمقتضاه الأوّل الذي يوجد بالعقد بلا واسطة كالملكية، أو يكون مخالفاً لمقتضاه الثانوي المترتب على المقتضي الأوّل بحيث لولا المقتضي الثانوي، يعدّ اعتبار المقتضي الأوّل لغواً، ولا يجوز التفكيك في عالم الاعتبار بينهما.
ثمّ إنّ ما ذكرناه في القسم الثاني ممّا يترتّب على المقتضي الأوّل إنّما لا يعدّ مخالفاً لمقتضى العقد إذا كان الشرط بنحو الفعل، كأن يقول: أبيعك هذا المبيع بشرط أن لا تبيعه من زيد، أو مطلقاً، وأمّا إذا كان على وجه شرط النتيجة بمعنى، أن لا يكون لك سلطنة البيع من عمرو أو مطلقاً، فهو أيضاً يعدّ مخالفاً لمقتضى العقد، لأنّ مقتضى العقد تسلّط المشتري على البيع، وسلب السلطنة على البيع أو سلب السلطنة على الانتفاع يعدّ مخالفاً لاعتبار الملكية.
نعم، إذا كان على وجه شرط الفعل فلا يكون مخالفاً، لأنّ مفاد شرط الفعل ليس هو سلب السلطنة، بل مفاده طلب أن لا يفعله المشتري، وإن كان له سلطنة البيع، وشتان بينهما.
إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّ فرض الشرط مخالفاً لمقتضى العقد لابدّ وأن يرجع إلى أحد القسمين الأوّلين، كأن يكون منافياً لنفس العقد، كما إذا باع بشرط عدم العوض في البيع، أو عدم الأُجرة في الإجارة، أو عدم الملكية للثمن، أو يكون منافياً للازمه العرفي غير المنفك عنه في نظره بحيث يعدّ مقوّماً للعقد، كجواز الانتفاع والسلطنة على التصرّف.
وأمّا إذا كان منافياً للازمه الشرعي، فهو داخل في الشرط المخالف للكتاب والسنّة، كما أنّ الشرط المخالف لإطلاق العقد جائز بلا خلاف.

صفحه 277

دراسة حقيقة الشرط في المقام

إذا عرفت ذلك فهلمّ معي ندرس حقيقة هذا الشرط، وانّه من أيّ قسم من الأقسام المزبورة.
لا شكّ أنّه ليس من قبيل القسم الأوّل ـ أي المخالف لنفس العقد ـ لأنّه لم يشترط على المشتري عدم ملكية المبيع، ومعنى صرفه في الحرام وعدم صرفه في الحلال، لا يرجع إلى اشتراط عدم ملكيته لا بالدلالة المطابقية ولا بالدلالة الالتزامية، وإنّما يلزم ذلك إذا منعه عن التصرّف مطلقاً، لا ما إذا منعه عن التصرّف في قسم دون قسم.
وأمّا القسم الثاني: أي كونه منافياً للأثر العرفي اللازم للعقد، فغير لازم أيضاً، لأنّ للعنب في نظر العرف ـ مع غض النظر عن حكم الشرع ـ منفعتين:
الأُولى: أكله.
والثانية: تخميره.
فم آل الشرط في نظر العرف تجويز الانتفاع بإحدى المنفعتين دون الأُخرى، ومثل هذا لا يُعدّ في نظر العرف ملازماً لانتفاء ما هو مقوّم للعقد، وكون العنب مع شرط التخمير مسلوب المنفعة عند الشرع خارج عن إطار البحث، لما قلنا من أنّ الشرط المنافي للأثر اللازم للعقد عند الشرع يرجع إلى كون الشرط مخالفاً للكتاب والسنّة، ولا يلزم من فرض عدمه انتفاء العقد، كانتفاء كون الطلاق بيد الزوج.
وبعبارة أُخرى: هذا الاشتراط لا يزيد على من باع عبداً واشترط عتقه، أو باع واشترط عدم بيعه من غيره أو هبته له، وقد احتمل العلاّمة في «التذكرة» الجواز فيهما، ونقل عن بعضهم صحته.
وبالجملة فرق بين أن يشترط عدم الملكية للمبيع، أو يشترط شيئاً لا يجتمع

صفحه 278
مع صحّة العقد عند العرف، وبين أن يمنعه من تصرّف دون تصرّف، كما إذا منعه عن البيع فقط أو عن الهبة مع تسويغ الانتفاع بغيرهما كالإيجار والعارية وغيرهما.
وإن شئت قلت: إنّ شرط عدم الانتفاع من المبيع بالانتفاعات المحلّلة، وشرط الانتفاع من منافعه المحرمة، يرجع إلى شرطين، فالثاني من الشروط يرجع إلى الشرط المخالف للكتاب والسنّة، ولا ارتباط له بالشروط المخالفة لمقتضى العقد، وليس مفاده اشتراط ترك الانتفاع من منافعه المحلّلة.
وأمّا الشرط الأوّل، فهو إذا كان على وجه شرط النتيجة، كأن يسلب منه السلطنة على الانتفاع، فهو أيضاً يعدّ مخالفاً لمقتضى العقد.
وأمّا إذا كان على نحو شرط الفعل، كأن يطلب منه عدم الانتفاع بالمحلّلة، فبما انّ للمبيع منافع تكوينية يبذل بازائها الثمن كالتخمير وإن كانت محرّمة، فلا يعدّ طلب ترك الانتفاع بالمحلّلة مع التمكّن بالمحرمة حينئذ شرطاً مخالفاً لمقتضى العقد وموجباً للغوية اعتبار الملكية، فانّ اعتبارها يتوقّف على وجود الأثر، وهو موجود بالانتفاع بالمنفعة المحرّمة، ولا يلزم وجود أثر أزيد من هذا. وكون تلك المنفعة محرمة لا صلة له باعتبار العقلاء، فانّ اعتبار العقلاء للملكية يتوقّف على وجود أثر لها في عالم الاعتبار لا في عالم الشرع.
وبذلك يظهر عدم تمامية ما ربما يقال من أنّ «م آل هذا الشرط(عدم جواز الانتفاع بالمنافع المحلّلة) بضميمة منع الشارع من بعض التصرّفات كالتخمير يعدّ مخالفاً لما يقصد من العقد» إذ فيه خلط بين الغاية التي تترتب على البيع شرعاً، وما يترتب عليه في محيط العقلاء وعالم الاعتبار. ويكفي في صحّة العقد وجود أثر له في عالم الاعتبار. ولأجل ذلك لو بيع العنب في الدول الغربية الذين يعتادون شرب الخمر ويشربونها كشرب الماء وشرط على المشتري تخميره وعدم

صفحه 279
الانتفاع به بغير ذاك الطريق، لا يعدّ ذاك الشرط مخالفاً لمقتضى العقد، ولا تعدّ الملكية في ذاك المحيط بلا أثر، إذ يكفي جواز الانتفاع به في طريق خاص وإن لم يجز له الانتفاع من الطرق الأُخرى.
وبالجملة: حصل الخلط بين اللازم العرفي واللازم الشرعي، فبيع العنب بشرط عدم الانتفاع بالمنافع المحلّلة شرعاً، إنّما يكون مخالفاً لمقتضى العقد في محيط الملتزمين بالشرع، لا في محيط مطلق المتعاملين، والبحث إنّما هو في القسم الثاني دون الأوّل.
وبذلك يعلم أنّ ما اشتهر في كلماتهم من عدم جواز اشتراط الضمان في العارية، أو عدم جواز اشتراط عدم إخراج الزوجة من بلدهاـ مستدلاً بأنّ الشرط على خلاف مقتضى العقد ـ غير تام ، لأنّ الظاهر كون عدم الضمان في المثال الأوّل من لوازم العقد المطلق، لا مطلق العقد، فإنّ غاية الأمر أنّ عقد العارية لا يقتضي الضمان لا أنّه يقتضي عدمه، فلا ينافي اشتراطه.
نعم، لا يجوز اشتراط الضمان في الوديعة، لأنّ حقيقتها هو الاستئمان، والتضمين ينافي تلك الحقيقة، وأمّا عدم جواز إخراج الزوجة من بلدها فهو من قبيل اللوازم الشرعية لا اللوازم العرفية التي تُعدّ مقوّمة لمضمون العقد.
أضف إلى ذلك أنّه ـ دام ظله ـ خلط بين الملكية والمالية، والنسبة بينهما عموم من وجه، فالحبّة الواحدة ملك وليست بمال، لأنّها لا يبذل بازائها الثمن، والحقوق التي يبذل بازائها الثمن كحقّ التحجير والشفعة والخيار مال، وليست بملك وقد يجتمعان، وعلى ذلك فشرط صرفه في الحرام دون الحلال لا يوجب إلاّ خروج الشيء عن المالية دون الملكية، وعلى ذلك فقوله ـ دام ظله ـ : «فيكون الشرط في قوة البيع بشرط عدم الملكية» غير ظاهر، بل الصحيح لو تمّ كلامه أن يقول:« في قوة بيع شيء لا منفعة له».

صفحه 280

الوجه الثاني للسيد الأُستاذ

الثاني من الوجهين اللّذين استند إليهما سيّدنا الأُستاذ ـ دام ظلّه ـ هو انّ مالية الشيء إنّما هي بلحاظ المنافع المترتبة عليها، فما لا منفعة له مطلقاً ليس بمال، فإذا اشترط على المشتري أن لاينتفع من العنب مثلاً إلاّالانتفاع بالمحرّم فلا محالة يكون البيع بلحاظ الانتفاع بالمحرّم والمالية الآتية من قبله، مع أنّ هذه المالية ساقطة شرعاً، فمالية العنب الآتية من قبل المنافع المحلّلة ساقطة فرضاً حسب اشتراط البائع، فلا يمكن أن يكون البيع صحيحاً بلحاظ المالية الآتية من قبلها، والمالية الساقطة شرعاً لا تصلح للمبادلة، فيكون دليل إسقاطها حاكماً على أدلّة تنفيذ البيع بإخراج المعاملة عن موضوع أدلّته وإدخالها في أكل المال بالباطل.(1)
يلاحظ عليه: لولا أنّه ـ دام ظله ـ ناقش في هذا الوجه، بوجه خفيف لكان باب المناقشة فيه مفتوحاً على مصراعيه، لأنّ مالية الشيء وإن كانت قائمة بمنافعها، وما لا منفعة له بوجه من الوجوه لا يعدّمالاً ولا يبذل بازائه الثمن، إلاّأنّ هذه الضابطة مختصّة بما إذا كان الشيء فاقداً لها تكويناً كالديدان والفضلات، ومثله ما إذا عدّ فاقداً للمنفعة عرفاً، كما إذا باع الشيء وخصّ منافعه لنفسه مادام المبيع موجوداً، فانّ المبيع في هاتين الصورتين لا يبذل بازائه الثمن، لأنّه في القسم الأوّل فاقد للمنفعة تكويناً، وفي القسم الثاني فاقد لها في عرفهم، لأنّ المبيع ـ عندئذ ـ ينتقل إلى المشتري مسلوب المنفعة مطلقاً.
وأمّا إذا كانت للمبيع منفعتان: محلّلة ومحرّمة واشترط على المشتري أن لا ينتفع بمحلّلها، ففي مثله لا تعدّ العين فاقدة للمنفعة ومسلوبتها، إذ فرق بين أن

(1) المكاسب المحرمة:1/117ـ 118.

صفحه 281
تنتقل العين إلى المشتري بلا منفعة، وبين أن تنتقل إليه بجواز التصرّف فيها في جهة دون جهة، وفي مثله لا تعدّ العين فاقدة للمنفعة، وكون تلك المنفعة غير مشروعة في نظر الشرع لا يلازم عدّ العين فاقدة للمنفعة في نظر العقلاء والعرف بما هم عقلاء وبما هم أهل العرف.
بل يمكن أن يقال (على تأمّل) بالصحّة أيضاً فيما إذا أفرز منافع العين لنفسه أيضاً، لأنّ ميزان كون الشيء فاقداً للمنفعة وعدمها إنّما هو كونه كذلك حسب التكوين، وليس الشيء مع هذا الشرط فاقداً للمنفعة حسب وجوده الواقعي، وانّ إفراز المنافع للبائع لا يوجب كون العين فاقدتها واقعاً، بدليل أنّه يمكن له الانتفاع من العين مع هذا الشرط، وهو دليل على أنّ العين غير فاقدة لها، غاية الأمر انّه يلزم العصيان إذا خالف الشرط، لا انّ العين معه، فاقدة لها.
نعم، يمكن القول ببطلان المعاملة مع هذا الشرط لأجل كون المعاملة مع الالتزام بالشرط سفهية، وهو غير كون العين فاقدة للمنفعة.
والذي يقتضيه النظر أنّ اشتراط تخمير العنب داخل في الشرط المخالف للكتاب والسنّة فيجري فيه ما يجري في مطلق المخالف، فلو قلنا بعدم إفساده للعقد صحّ العقد، هذا كلّه حسب القواعد.

عرض المسألة على الروايات

قد استدلّ على الحرمة تكليفاً ووضعاً بما ورد من النهي عن بيع الخشب ممّن يتّخذه صلباناً أو بيع التوت ممّن يصنع الصليب أو الصنم.
1. روى الكليني بسند صحيح، عن ابن اذينة قال: كتبت إلى أبي عبد

صفحه 282
اللّه(عليه السلام) أسأله عن رجل له خشب فباعه ممّن يتّخذه برابط؟ فقال: «لا بأس به».وعن رجل له خشب فباعه ممّن يتّخذه صلباناً؟ قال:«لا».(1)
2. وما رواه عمرو بن حريث قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن التوت أبيعه يصنع للصليب والصنم؟ قال:«لا».(2)
يلاحظ عليه: أنّ الروايتين راجعتان إلى الصورة الثالثة، فهي أجنبية عن صورة اشتراط الصرف في الحرام، بل وعن صورة كون الداعي هو الحرام، فموردها مجرّد العلم بصرف المشتري للمبيع في الحرام، وهي الصورة التي ستوافيك، إذ من البعيد جداً من المسلم أن يبيع الخشب مشترطاً على المشتري أن يعمله صليباً أو صنماً، أو يكون العمل داعياً للبيع.
نعم ربما يتحقّق نادراً، كما إذا كان لبعض المسمّين باسم المسلم فائدة دنيوية في هذا المضمار، لكن حمل الرواية على هذه الصورة حمل لها على الفرد النادر.
فإن قلت: إذا كان العلم بصرف المشتري المبيع في الانتفاع المحرّم موجباً لحرمة البيع وبطلانه فما ظنك بتصريحه به كما في المقام؟
قلت: الأمر كما ذكرت، لكن يقتصر في الاستدلال بالفحوى على مورده، وهو شرط الانتفاع من الخشب والتوت في مورد الصليب والصنم، فانّه إذا كان العلم بالانتفاع موجباً للحرمة فاشتراط هذا الانتفاع موجب لها بطريق أولى، ولكن لا يمكن الانتقال منه إلى غير الصنم والصليب، كاشتراط استعمال العنب في الخمر، فانّ ثبوت الحكم، أي الحرمة في الأقوى كاشتراط استعماله في صناعة الصليب والصنم لا يوجب ثبوت الحكم في الأضعف، أعني: استعمال العنب في التخمير.

(1) الوسائل:12/127، الباب41 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1و2.
(2) الوسائل:12/127، الباب41 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1و2.

صفحه 283
وإن شئت قلت: إنّ الروايات دلّت على الحرمة عند العلم بالانتفاع في مورد الصنم والصليب، ومقتضى الاستدلال بالفحوى هو القول بأولوية الحرمة إذا شرط هذا الانتفاع في متن العقد، ولا يمكن الاستدلال بهذه الفحوى فيما شرط الانتفاع في التخمير، لأنّ ثبوت الحكم في مورد هياكل العبادة، لا يوجب ثبوته في مورد التخمير، لأنّ الحكم في الثاني أضعف منه في الأوّل.
وبذلك يظهر عدم تمامية ما ذكره الشيخ الأعظم (رحمه الله) ، فانّه بعد ما حمل ظاهر هذه الأخبار على المسألة الثالثة ـ أعني: حرمة بيع الخشب لمن يعلم أنّه يعمله صنماً ـ قال: نعم لو قيل في المسألة الآتية ـ بيع الخشب لمن يعلم أنّه يصنعه صنماً ـ بحرمة البيع لظاهر هذه الأخبار، صحّ الاستدلال بفحواها على ما نحن فيه.
إذ يلاحظ عليه: أنّ الاستدلال بالفحوى يتوقّف على كون الحكم في موردها أقوى من المنطوق، وليست الحرمة في بيع العنب للتخمير أقوى من الحرمة في مورد بيع الخشب للصنم، سواء كان بصورة الاشتراط أو كان على وجه العلم بأنّه يعمله صنماً.

استدلال آخر

نعم يمكن الاستدلال على المقام بما ورد في كتب الفريقين من لعن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)بائع الخمر، كما جاء في حديث المناهي من أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) نهى أن يشترى الخمر، وأن يسقى الخمر وقال: «لعن اللّه الخمر وغارسها وعاصرها وشاربها وساقيها وبائعها ومشتريها، وآكل ثمنها، وحاملها، والمحمولة إليه».(1)
وجه الاستدلال: أنّ لعن البائع يكشف عن مبغوضية البيع بالذات، وهي

(1) الوسائل:12/165، الباب55 من أبواب ما يكتسب به، الحديث5، وقد جمع الشيخ الصدوق (قدس سره) المناهي في باب خاص، راجع أوّل الجزء الرابع من الفقيه.

صفحه 284
لا تجتمع مع تنفيذه والالتزام بالعمل به وترتيب سائر آثاره.
ولو قيل بأنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لعن بائع الخمر ومشتريها ولم يلعن بائع العنب ومشتريه لأجل التخمير. فيمكن أن يقال: إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لعن غارسها وعاصرها، وليس بائع العنب بأقل من غارسه.
وعلى كلّ تقدير فالحكم بالحرمة وضعاً وتكليفاً هو المتعيّن.
هذا كلّه في البيع، وأمّا الإجارة فهي على صور:

صفحه 285

أحكام الإجارة وصورها

الأُولى: أن يكون متعلّق الإجارة من الأُمور المحرّمة، كأن يؤاجر نفسه للعمل المحرّم، كالغناء وضرب الطبل، والنوح بالباطل، وتعليم الغناء، وغير ذلك من الأُمور المحرّمة التي لا إشكال في حرمة العقد عليها تكليفاً ووضعاً، لأنّ المبغوضية الذاتية لا

صفحه 286
تجتمع مع تنفيذه وإيجاب العمل بمقتضاه.
الثانية: أن يكون متعلّق الإجارة أمراً محللاً كإجارة السفن والخيل للحمل، ولكن يشترط عليه أن لا يتصرّف فيه إلاّ في الجهة المحرّمة دون المحلّلة، وهذه المسألة نظير ما تقدّم في بيع العنب واشتراط عدم تصرّفه فيه إلاّ بالتخمير، وقد عرفت الكلام فيه مستقصى.
فلو قلنا: إنّ مثل هذا الاشتراط يرجع إلى كون الشرط مخالفاً لمقتضى العقد فتبطل المعاملة، لما مرّ من عدم تمشي القصد إلى إيجاد المتباينين والمقتضيين المتخالفين، وأمّا على ما قلناه من أنّ مثل هذا الشرط يرجع إلى الشرط المخالف للكتاب والسنّة، تدخل المسألة في باب كون الشرط الفاسد مفسداً للعقد أم لا؟ فعلى فرض عدم مفسديته يصحّ المشروط دون الشرط.
اللّهمّ إلاّ أن يستدلّ على الحرمة باللعن الوارد في مورد الخمر، فإنّ رسولاللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) لعن عدّة طوائف، وليست إجارة السفينة أو السيارة أو البيت لحمل الخمر وبيعها فيه بأقلّ من غارسها وحاملها والمحمولة إليه، والمبغوضية الذاتية لا تجتمع مع الصحة والتنفيذ وإيجاب العمل على مقتضاه.
الثالثة: أن يكون الاستعمال في الجهة المحرمة داعياً للإجارة لا قيداً مأخوذاً في الكلام، كأن يؤجر داره للخمّار بداعي بيع الخمر فيه غير مشترط ذاك لفظاً، ولا متواطئاً عليه خارجاً، أو آجر مع العلم بانتفاعه منه انتفاعاً محرّماً، والظاهر هو الصحّة لأنّ الدواعي ما لم تؤخذ في متعلّق العقد، ولم يكن الإنشاء مبنيّاً عليها، لا تؤثر في بطلان العقد ضرورة، لأنّ الأحكام تدور مدار الإنشاء والإيجاد في عالم الاعتبار من دون نظر إلى الدواعي والأغراض، وإلاّ لبطلت أكثر الإجارات التي ينتفع منها على وجه الحرام.
ويدلّ على الصحة مضافاً إلى ما ذكرناه، صحيحة ابن أُذينة قال: كتبت إلى أبي عبداللّه (عليه السلام)أسأله عن الرجل يؤاجر سفينته ودابته ممّن يحمل فيها أو عليها الخمر والخنازير، قال: «لا بأس».(1)
ودلالته بالإطلاق على حكم كلتا الصورتين (الداعي والعلم بالانتفاع) غير خال من القوّة، فإنّ إيجار السفينة والدّابة ممّن يحمل فيها أو عليها الخمر أعمُّ من أن يكون حمل الخمر مقصوداً للموجر ـ و إن لم يصرّح به في متن العقد ـ أم لا.
نعم تعارضه رواية صابر قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يؤاجر بيته فيباع فيه الخمر؟ قال: «حرام أجره».(2)
يلاحظ عليه:أوّلاً: أنّه ضعيف السند، سواء كان الراوي صابراً أو

(1) الوسائل:12/126، الباب39 من أبواب ما يكتسب به، الحديث2.
(2) الوسائل:12/125، الباب39 من أبواب ما يكتسب به، الحديث1.

صفحه 287
جابراً.(1)
وثانياً: أنّه مخالف للقواعد العامّة من أنّ المعتمد في الصحة والبطلان والحرمة والجواز على نفس الإنشاء لا على الدواعي.
وثالثاً: أنّ من المحتمل تطرّق التصحيف إليه، وأنّ الصحيح «ليباع» مكان «فيباع» فيكون ناظراً إلى صورة الاشتراط في متن العقد.
ويشهد لما ذكرناه من التفصيل ما رواه صاحب «دعائم الإسلام» عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال: «من اكترى دابّة أو سفينة فحمل عليها المكتري خمراً أو خنازير أو ما يحرم لم يكن على صاحب الدابّة شيء، وإن تعاقدا على حمل ذلك فالعقد فاسد والكرى على ذلك حرام».(2)
فالرواية صريحة في التفصيل بين كونه قيداً للإنشاء و ما ليس كذلك، سواء كان الانتفاع على وجه المحرّم معلوماً للموجر أو داعياً أو لا.
الرابعة: أن يشترط فيه وراء الانتفاع بالمحلّل الانتفاع بالمحرّم أيضاً، كما إذا اشترط أن يبيع فيه الخمر مع سائر الأشياء كما في بعض الأماكن العامّة، والمسألة داخلة في كون الشرط الفاسد مفسداً أم لا، ومختار المشهور عدم الإفساد.
وربّما يفصل بين كون الشرط بحيث لا يعتبر بلحاظه شيء في مقابله، ولو لُبّاً، فيكون من صغريات كون الشرط الفاسد مفسداً أم لا. وقد يعتبر بلحاظه شيء كأن يؤجره بقيمة رخيصة حتّى يتمكن من تحصيله مهما أراد، ويكون الشرط موجباً لنقصان الأُجرة، ففيه وجهان:

(1) صابر مولى بسام، وقد يستفاد حسن حاله من رواية جماعة عنه والتي نقلها النجاشي، وفيه تأمّل، وتوثيقه لأجل رواية صفوان عنه لا بأس به، وقد أوضحنا حال هذه القاعدة في أبحاثنا الرجالية فراجعها.
(2) المستدرك:13/121، الباب32 من أبواب ما يكتسب به، الحديث1.

صفحه 288
1. الصحّة لأنّ الميزان في باب المعاملات هو مصب الإنشاء، لا اللّبّ، وإن نقصت الأُجرة لأجل هذا الشرط عن الحدّ المتعارف.
2. البطلان، لأنّ المفروض أنّ الموجر لم يُسقط مالية ماله، ولم يجعله للمشتري مجاناً، بل جعله بلحاظ الشرط ـ الذي في نظره مال وذو قيمة ـ ومع عدم حصول هذا الشرط له، يكون ما بلحاظه بلا عوض واقعاً، وهذا من قبيل أكل المال بالباطل.(1)
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره ـ دام ظله ـ يأتي في جميع الشروط الفاسدة، فإنّ الشروط وإن لم تكن دخيلة في الثمن بحسب الإثبات، لكنّها دخيلة بحسب الثبوت لُبّاً، ولأجل ذلك تتفاوت قيمة الشيء بوجود الأوصاف وعدمها، فلو صحّ ما ذكر يلزم بطلان المعاملة في الشروط الفاسدة، بل وفي الشروط الصحيحة أيضاً عند التخلّف، وتصحيح الثاني (الشروط الصحيحة) بالإجماع وغيره كما ترى.
أضف إليه: أنّ جعل الخيار في صورة التخلّف يوجب خروج المورد عن كونه أكلاً للمال بالباطل.

(1) المكاسب المحرمة:1/121.

صفحه 289

المسألة الثانية

أن يعامل على عين مشتملة على صفة يقصد منها الحرام

إذا قصد منها ذلك وقصد اعتباره في البيع، كالعقد

على الجارية المغنية والعبد الماهر في القمار

وقبل الخوض في البحث نشير إلى الصور الواردة في كلام الشيخ (قدس سره) .
إنّ الصفة التي يقصد منها الحرام على أقسام:
1. أن تكون الصفة دخيلة في كمّية الثمن، ويبذل مقدار من الثمن بأزائها، وتقع طرف المعاوضة.
2. أن تكون دخيلة في كمّية الثمن، ولكن على وجه الداعي، من دون أن تكون طرف المعاوضة.
3. أن لا تكون دخيلة فيه أبداً، لا على وجه المعاوضة، ولا على نحو الداعي.
4. تلاحظ الصفة من حيث إنّها وصف كمال قد تُصرَف إلى المحلّل فيزيد لأجلها الثمن، وهي تارة تكون ممّا يعتد بها وأُخرى تكون نادرة.

صفحه 290
هذه هي الصور الواردة في كلام الشيخ.(1)
وقال سيدنا الأُستاذ ـ دام ظله ـ في بيان الصور: تارة تقصد المعاوضة بين العين الموصوفة مع لحاظ زيادة القيمة لأجل الصفة، كمن باع الجارية المغنية المعدّة للتغنّي، ولاحظ لصفة تغنيها زيادة قيمة، وأُخرى تقصد المعاوضة على الموصوفة بلا لحاظ قيمة لأجلها، وثالثة تلاحظ الصفة من جهة أنّها صفة كمال فتزاد لأجلها القيمة من غير نظر إلى عملها الخارجي، فانّ زيادة القيم فيما هو موصوف بصفة كمال وإن كانت غالباً للانتفاع بها لا لنفسها بما هي كمال، لكن قد تتعلّق الأغراض بها بما هي فتزاد القيمة لأجلها، ورابعة هذه الصورة بلا ازدياد القيمة، وخامسة تلاحظ الصفة من حيث إنّها كمال قد يستفاد منها الحلال كالتغنّي في الأعراس، وفي هذه الصورة تارة تكون المنفعة المحلّلة نادرة، وأُخرى شائعة إلى غير ذلك.(2)
ومحل البحث في كلام الشيخ هو الصورة الأُولى حسب تقسيمه، أي ما يكون دخيلاً في المعاوضة وبذل مقدار من الثمن بازائه.

الكلام على ضوء القواعد

والبحث يقع في مقامين: حسب القواعد، وحسب الروايات.
أمّا الأوّل: فربما قيل بالحرمة تكليفاً ووضعاً، لأنّ بذل الثمن في مقابل وصف التغنّي الذي ليس له مالية شرعاً، من قبيل أكل المال بالباطل.
وإن شئت قلت: إنّ بذل الثمن في مقابل المبيع والوصف لا يخلو من وجوه ثلاثة:

(1) المسألة الثانية من القسم الثاني من النوع الثاني من أنواع المكاسب المحرّمة.
(2) المكاسب المحرّمة:1/123.

صفحه 291
1. الصحّة في جميعه فهو يستلزم بذل مقدار من الثمن في مقابل شيء ساقط عند الشرع، ولا يعدّمالاً عنده، فيكون بمنزلة أكل المال بالباطل.
2. الصحّة في مقدار ما بذل في مقابل المبيع، والبطلان في مقدار ما بذل في مقابل الوصف.
ولكنّ التقسيط غير معروف في الشروط عرفاً ـ لأنّ القيد أمر معنوي لا يوزّع عليه شيء من المال، وإن كان يبذل المال بملاحظة وجوده ـ و غير واقع شرعاً بناءً على ما اشتهر من أنّ الثمن لا يوزع على الشروط.
3. بطلان العقد رأساً.
والحاصل: أنّ العقد إمّا باطل رأساً، أو صحيح كذلك، أو باطل بالنسبة إلى ما قابل الوصف، وصحيح بالنسبة إلى غيره، والأخيران باطلان، فيبقى الأوّل.
أمّا بطلان التفكيك، فلعدم معهوديته بين القيد والمقيّد، وأمّا بطلان الصحّة بقول مطلق، فلأنّ أكل المال بداعي الحرام أكل بالباطل، فصارت النتيجة البطلان رأساً.
وأورد عليه المحقّق الخوئي ـ دام ظله ـ بوجهين:
الأوّل: إنّ بعض الأعمال كالخياطة وإن صحّ أن تقع عليه المعاوضة وأن يقابل بالمال إذا لوحظ على نحو الاستقلال، إلاّ أنّه إذا لوحظ وصفاً في ضمن المعاوضة لا يقبل بشيء من الثمن وإن كان يبذل المال بملاحظة وجوده، وعليه فحرمة الصفة لا تستلزم حرمة المعاوضة في الموصوف، وإنّما هي كالشروط الفاسدة لا توجب إلاّ الخيار.
يلاحظ عليه: أنّه إذا كان الشيء يقابل بالمال إذا لوحظ على نحو الاستقلال، يقابل به أيضاً إذا لوحظ على نحو الجزئية والشرطية، لأنّ القابلية

صفحه 292
محفوظة في كلتا الحالتين، ولا يوجب جعله جزءاً أو شرطاً، كونه مغفولاً عنه خارجاً عن تصوّر المتبايعين، بل ربّما تكون الغاية القصوى من المعاملة تحصيل ذلك والانتفاع به، فكيف لا يبذل بازائه الثمن إذا لوحظ جزءاً أو شرطاً أو وصفاً؟ أضف إليه أنّه خلف الفرض، لأنّ المفروض وقوع المعاوضة على العين والوصف.
الثاني: لو سلّمنا أنّ الأوصاف تقابل بجزء من الثمن، فانّ ذلك لا يستلزم بطلان المعاملة. إذ الحرام إنّما هو الأفعال الخارجية من الغناء والقمار والزنا دون القدرة عليها التي هي خارجة عن اختيار البشر.
يلاحظ عليه: أنّ الحرام وإن كان نفس الأعمال الخارجية، غير أنّ الإسلام أسقط تلك المقدرة التي اكتسبها العبد بالتمرين والممارسة كالمهارة في القمار والسرقة، فبذل الثمن في مقابل تلك الصفة التي ليست بمال شرعاً أكل للمال بالباطل، أي بيع شيء ليس بمال شرعاً.
نعم إنّ عدّ ذلك أكلاً للمال بالباطل مبني على لزوم كون المعوّض مالاً عند الشرع، ولا يكفي كونه مالاً عند العرف، وقد عرفت فيما سبق خلاف ذلك، لأنّ المفروض أنّ البيع هو المبادلة بين المالين عند العقلاء، ولا يلزم أن يكون العوضان أو أحدهما مالاً عند الشرع، ووصف الغناء مالٌ عند العقلاء، بمعنى أنّه يبذل بازائه الثمن.
ولو سلمنا ذلك وانّه يلزم أن يكون العوضان مالاً عند الشرع، فالحقّ هو التقسيط، والالتزام بالصحّة في المبيع، والبطلان في ما قابل الوصف، وتقسيط الثمن عليهما معاً.
وما ذكره الشيخ الأعظم : من أنّ التقسيط غير معروف عرفاً ولا واقع شرعاً،

صفحه 293
غير ثابت، بل هو أمر عرفي استقرت عليه سيرة العقلاء خصوصاً في هذه الأوصاف التي يكون اتّصاف المبيع بها هو الغاية القصوى للمشتري، ولا وجه للقول بأنّ الثمن لا يقسط على الشروط في الأوصاف، بل وسيوافيك أنّ القول بالتقسيط والأرش حتّى في تخلّف الشروط والصفات موافق للقاعدة و ثبوته في وصف الصحّة ليس مخالفاً لها، بل يمكن أن يقال بأنّ الشرط أقبل للتقسيط، لأنّه التزام مستقل في ضمن العقد; هذا كلّه في الصورة الأُولى التي وردت في كلام الشيخ (قدس سره) .

أحكام سائر الصور

وأمّا الصورة الثانية: وهي ما يكون دخل الوصف على وجه الداعي من دون أن يبذل بازائه شيء من الثمن، والظاهر هو الصحّة، لأنّ الميزان في الصحّة والبطلان هو ما وقع تحت دائرة الإنشاء، وأمّا اللبيّات فليست مداراً للصحّة والبطلان.
وأمّا الصورة الثالثة، أعني: ما إذا لم يلاحظ الوصف دخيلاً في كمية الثمن لا على وجه المعاوضة ولا على وجه الداعي، فلا إشكال في الصحّة.
وأمّا الصورة الرابعة: وهي ما إذا لوحظ من حيث إنّها صفة كمال قد يستفاد منه الحلال فيزيد لأجله الثمن، فقد فصّل الشيخ بين ما تكون المنفعة المحلّلة بتلك الصفة ممّا يُعتد بها، وغيره، فالصحّة في الأُولى، والإشكال والتردّد في الثانية. هذا كلّه حسب القواعد.

صفحه 294

حكم المسألة في ضوء الروايات

وأمّا حسب الأدلّة النقلية، فنقول:
قال العلاّمة (قدس سره) في «المنتهى»: النـوع الثالث ما هو محرّم فـي نفسه، مسألـة: الغنـاء عنـدنا حرام وأُجرة المغنيـة حرام. روى الجمهور، عن أبي أُمامة، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «لا يجوز بيع المغنيّات ولا أثمانهن ولا كسبهن» وهذا يحمل على بيعهنّ وأمّا ماليتهن الخاصّة لغير الغناء فلا يبطل، كما أنّ العصير لا يحرم بيعه لغير الخمر لصلاحية الخمر.(1)
وقال السيد العاملي في «مفتاح الكرامة»: وممّا ذكر يُعلم الحال في الجارية المغنية وبيعها بأكثر ممّا يرغب فيها لولا الغناء، وقال (عليه السلام) : «المغنيّة ملعونة، ومن آواها ملعون، و من أكل كسبها ملعون» إلى غير ذلك من الأخبار المتضافرة.(2)
وقال النراقي(قدس سره) في «المستند»: ويدلّ عليه المستفيضة المانعة من بيع المغنّيات وشرائهن وتعليمهن، كرواية الطاطري عن بيع الجواري المغنيات.(3)
إذا عرفت هذه الكلمات فنقول: تدلّ على الحرمة عدّة روايات:
1. ما رواه محمد بن عثمان العمري ـ بخط صاحب الزمان (عليه السلام) ـ : «أمّا ما سألت عنه أرشدك اللّه وثبّتك من أمر المنكرين لي ـ إلى أن قال (عليه السلام) ـ : وأمّا ما وصلتنا به فلا قبول عندنا إلاّ لما طاب وطهر، وثمن المغنّية حرام».(4)
2. ما رواه إبراهيم بن أبي البلاد قال: قلت لأبي الحسن الأوّل (عليه السلام) : جُعلت

(1) المنتهى:2/1011.
(2) مفتاح الكرامة:4/33.
(3) المستند:14/133، كتاب المكاسب.
(4) الوسائل:12/86، الباب16 من أبواب ما يكتسب به، الحديث3.

صفحه 295
فداك إنّ رجلاً من مواليك عنده جوار مغنّيات قيمتهن أربعة عشر ألف دينار، وقد جعل لك ثلثها. فقال: «لا حاجة لي فيها، إنّ ثمن الكلب والمغنّية سحت».(1)
3. ما رواه إبراهيم بن أبي البلاد قال: أوصى إسحاق بن عمر بجوار له مغنّيات أن تبيعهن ويحمل ثمنهن إلى أبي الحسن (عليه السلام) قال إبراهيم: فبعت الجواري بثلاثمائة ألف درهم، وحملت الثمن إليه، فقلت له: «إنّ مولى لك يقال له «إسحاق بن عمر» أوصى عند وفاته ببيع جوار له مغنّيات وحمل الثمن إليك، وقد بعتهن، وهذا الثمن ثلاثمائة ألف درهم. فقال: «لا حاجة لي فيه، إنّ هذا سحت وتعليمهن كفر، والاستماع منهن نفاق، وثمنهن سحت».(2)
4. رواية سهل بن زياد، عن الحسن بن علي الوشاء قال: سئل أبو الحسن الرضا (عليه السلام) عن شراء المغنية. قال: «قد تكون للرجل الجارية تلهيه، وما ثمنها إلاّ ثمن كلب، وثمن الكلب سحت، والسحت في النار».(3)
5. رواية ابن فضال، عن سعيد بن محمد الطاطري، عن أبيه، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سأله رجل عن بيع الجواري المغنّيات. فقال: «شراؤهن وبيعهن حرام، وتعليمهن كفر، واستماعهن نفاق».(4)
6. روى قطب الدين الراوندي في «لب اللباب» عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: « لا يحلّ بيع المغنّيات ولا شراؤهن وثمنهن حرام».(5)
7. رواية «غوالي اللآلي» عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّه نهى عن بيع المغنيات وشرائهن والتجارة فيهن وأكل ثمنهن».(6)

(1) الوسائل:12/87، الباب16 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4و5.
(2) الوسائل:12/87، الباب16 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4و5.
(3) الوسائل:12/88، الباب16 من أبواب ما يكتسب به، الحديث6و7.
(4) الوسائل:12/88، الباب16 من أبواب ما يكتسب به، الحديث6و7.
(5) المستدرك:13/92، الباب14 من أبواب ما يكتسب به، الحديث3و4.
(6) المستدرك:13/92، الباب14 من أبواب ما يكتسب به، الحديث3و4.

صفحه 296
8. وروى البيهقي، عن أبي أمامة، عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «لا تبتاعوا المغنّيات ولا تشتروهنّ ولا تعلموهنّ، ولا خير في تجارة فيهنّ، وثمنهنّ حرام».(1)
9. وروى أيضاً عن مجاهد في قوله تعالى: (وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَري لَهْو الحَديث)(2) قال: «هو اشتراء المغنّي والمغنّية بالمال الكثير، والاستماع إليه وإلى مثله من الباطل».(3)
هذا مجموع ما ورد من الروايات وبعضها وإن كان مرسلاً، وبعضها الآخر وإن كان مشتملاً على المجهول والمهمل، لكن في المجموع غنى وكفاية، إنّما الكلام في مقدار دلالتها على الحرمة.
واستظهر المحقّق الخوئي ـ دام ظله ـ اختصاص الأخبار المانعة ببيع الجواري المغنّية المعدّة للتلهّي والتغنّي، كالمطربات اللاتي يتّخذن الرقص حرفة لأنفسهنّ ويدخلن على الرجال، إذ من الواضح أنّ القدرة على التغنّي كالقدرة على بقيّة المحرّمات ليست بمبغوضة ما لم يصدر الحرام في الخارج، على أنّ نفعها لا ينحصر بالتغنّي، لجواز الانتفاع بها بالخدمة وغيرها.
ومع الإغضاء عن جميع ذلك فإنّ بيعها بقصد الجهة المحرمة لا يكون سبباً لوقوع الحرام، لبقاء المشتري بعد على اختياره في أن ينتفع بها بالمنافع المحرّمة إن شاء، أو بالمنافع المحلّلة، وعليه فلا موجب لحرمة البيع إلاّمن جهة الإعانة على الإثم، وهي بنفسها لا تصلح للمانعية.(4)
والظاهر دلالة الروايات على أوسع ممّا ذكره ـ دام ظله ـ، كما أنّها تدلّ على الحرمة تكليفاً ووضعاً.

(1) السنن الكبرى:6/14.
(2) لقمان:6.
(3) السنن الكبرى:10/225.
(4) مصباح الفقاهة:1/169.

صفحه 297
أمّا دلالتها على أوسع ممّا ذكره، فالظاهر منها أنّ بيع المغنّية مادامت موصوفة بهذه الملكة والحرفة حرام. سواء أبذل بلحاظ ذاك الوصف شيئاً زائداً أم لا، سواء اشتراه بلحاظ التغنّي في المجالس أم لا، وسواء أكان الهدف التغنّي للرجال أم لنفس المولى، وسواء اشتراها لأجل الانتفاع المحلّل كقراءة القرآن وحسن صوتها أم لا، كلّ ذلك داخل في هذه الروايات فمادامت الجارية يصدق عليها أنّها مغنّية تحرم المعاملة عليها.
اللّهمّ إلاّ إذا تابت وتركت شغلها، لانصراف الأخبار عن هذه الصورة، كانصرافها عمّا إذا كان الهدف منعها عن التغنّي، وكان البائع غير قادر عليه بشرط أن لايكون لوصف التغنّي دخل في زيادة الثمن.
والحاصل: أنّ وجود هذه الملكة أو ثبوت تلك الحرفة مانع عن البيع، فأراد الشارع قلع مادة الفساد أو تقليله.
ويؤيد ذلك أنّ الإمام (عليه السلام) قال: «ثمن الكلب والمغنّية سحت» وليس لفظ المغنّية إلاّ إشارة إلى من لها حرفة التغنّي، فالبيع عليها حرام، وثمنها كثمن الكلب، ومثله قوله (عليه السلام) في رواية الطاطري: «شراؤهنّ وبيعهنّ حرام».
وعلى ذلك يحرم حتى فيما إذا اشتراها لأجل الاستفادة من صوتها في قراءة القرآن أو التغنّي عند زف الأعراس، حتّى إذا ما اشتراها مع قطع النظر عن وصف التغنّي، بل اشتراها بما هي هي أو بما أنّها ـ وراء كونها مغنّية ـ خيّاطة، فجميع هذه الصور داخلة في الروايات، إلاّ فيما إذا تركت حرفة التغنّي بحيث لا يطلق عليها ـ لأجل الترك ـ أنّها مغنّية، أو ما إذا لم يقدر البائع على صيانتها عن التغنّي، فيبيعها ممّن له تلك المقدرة، بشرط أن لا يوجب ذلك الوصف زيادة الثمن، وأمّا غيرهما فالجميع داخل تحت الإطلاقات.

صفحه 298
والعجب من أنّ الوصف الذي يوجب التنافس عند الناس ورغبتهم إلى البيع والتكالب على تحصيله صار عند الشرع مانعاً عن بيع موصوفه، وذلك لأجل قلع الفساد أو تقليله، وما ربّما يتخيّل من كون التحريم لأجل كونه أكلاً للمال بالباطل لا صلة له بمفاد الأحاديث.
ولأجل كون بيع تلك الجواري ممنوعاً شرعاً وباطلاً ردّ الإمام (عليه السلام) وصية بعض مواليه وقال: «لا حاجة لي فيها، إنّ ثمن الكلب والمغنية سحت»، والمستفاد من الرواية الثانية أنّ الجواري المغنّيات كانت موجودة ولم تُبع بعد، ومن الرواية الثالثة أنّها كانت مبتاعة.
وعلى أيّ تقدير: فردّ الوصية دليل على أنّ بيعهن مطلقاً حرام، وثمنهن سحت، فلو كان هناك مبرر للبيع ببعض الصور الماضية لأمر الإمام (عليه السلام) بالبيع ولم يردها، كأن يقول: بعها بما هي هي من دون أن يكون لوصفها تأثير في زيادة الثمن، أو يقول: بعها لمن يستفيد منها في قراءة القرآن وزف العرائس، أو تفحّص عن البيع الواقع، وانّها بيعت بأيّة صورة، أو غير ذلك من الصور التي ربّما يتصوّر جواز بيعها فيها، وبذلك يعلم مفاد رواية إبراهيم بن أبي البلاد.
وأمّا دلالتها على الحرمة الوضعية فواضحة، إذ لا يتبادر من السحت إلاّ ذاك، وقد وردت الكلمة في الموارد الأُخر، وقد ناقشنا المحقّق المزبور في قوله بأنّ السحت أعمّ من الحرمة والكراهة.
ثمّ إنّ هناك روايتين ربّما يستظهر منهما الجواز:
1. رواية عبد اللّه بن الحسن الدينوري قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام) : جعلت فداك ما تقول في النصرانية أشتريها وأبيعها من النصراني؟ فقال: «اشتر وبع». قلت: فأنكح؟ فسكت عن ذلك قليلاً ثمّ نظر إليّ وقال شبه الإخفاء: «هي لك

صفحه 299
حلال». قال: قلت: جعلت فداك فأشتري المغنّية أو الجارية تحسن أن تغنّي أريد بها الرزق لا سوى ذلك؟ قال: «اشتر وبع».(1)
2. ما رواه محمد بن علي بن الحسين قال: سأل رجل علي بن الحسين (عليهما السلام) عن شراء جارية لها صوت؟ فقال: «ما عليك لو اشتريتها فذكّرتك الجنة ـ يعني بقراءة القرآن والزهد والفضائل التي ليست بغناء ـ فأمّا الغناء فمحظور».(2)
وهاتان الروايتان مؤوّلتان أو مطروحتان.

(1) الوسائل:12/86، الباب16 من أبواب ما يكتسب به، الحديث1و2.
(2) الوسائل:12/86، الباب16 من أبواب ما يكتسب به، الحديث1و2.

صفحه 300

المسألة الثالثة

أن يبيع العنب ممّن يعمله خمراً بقصد أن يعمله خمراً

قال الشيخ: يحرم بيع العنب ممّن يعمله خمراً بقصد أن يعمله، وكذا بيع الخشب بقصد أن يعمله صنماً أو صليباً، لأنّ فيه إعانة على الإثم والعدوان، ولا إشكال ولا خلاف في ذلك. أمّا لو لم يقصد ذلك فالأكثر على عدم التحريم.
وقال العلاّمة في «المنتهى»: وهل يجوز أن يباع على من يعمله إذا لم يبعه لذلك(1) نص أصحابنا على جوازه، وهو قول الحسن البصري وعطاء والثوري، ومنع منه أحمد، وكرهه الشافعي.
لنا: إنّه عقد تمّ بشروطه وأركانه، ولم يقرن به ما يبطل وكان سائغاً بقوله تعالى:(وَأَحَلّ اللّه البيع) .
لا يقال: إنّه ببيعه إيّاه مكّنه من فعل القبيح، فيكون حراماً باطلاً لقبحه.
لأنّا نقول: التمكّن من القبح ليس بقبيح، لأنّ اللّه تعالى مكّن الكافر والظالم من الكفر، والظلم ولم يكن ذلك قبيحاً، والقول بالكراهة حسن لا يأتين أن يكون فيه مساعدة على المعصية.(2)

(1) أي إذا لم يبع لتلك الغاية، فالاستشهاد بهذه العبارة على المقام بمفهومها.
(2) المنتهى:2/1010، كتاب البيع.

صفحه 301
وقال في «المختلف»: قال ابن إدريس: لا بأس ببيع الخشب لمن يعمله صنماً أو صليباً أو شيئاً من الملاهي، لأنّ الوزر على من يجعله كذلك لا على الذي باع... والأقرب عندي أنّه إذا كان البائع يعلم أنّ المشتري يعمل الخشب صنماً أو شيئاً من الملاهي حرم بيعه وإن لم يشترط في العقد ذلك.
لنا: إنّه قد اشتمل على نوع مفسدة فيكون محرّماً، لأنّه إعانة على المنكر.(1)
والظاهر من الأقوال أنّ الأصحاب فصّلوا بين صورتي القصد وعدمه، فذهبوا إلى الحرمة في الأوّل دون الثاني، ولكن العلاّمة اختار الحرمة في كلتا الصورتين، ومع ذلك حكم في الإرشاد بالكراهة في الصورة الثانية، وقال: يكره بيعه على من يعمله من غير شرط. ونقله في «مفتاح الكرامة» عن «التحرير» أيضاً.
وقال البيهقي في «سننه»: أفتي بكراهة بيع العصير ممّن يعصر الخمر، والسيف ممّن يعصي اللّه عزّوجلّ به.(2)
وقال ابن قدامة: و بيع العصير ممّن يتّخذه خمراً باطل. واستدلّ بالآية بالكريمة: (وَلا تَعاوَنُوا عَلى الإِثْمِ وَالعُدْوان) وهذا نهي يقتضي التحريم.(3)

دراسة حكم المسألة من حيث القواعد

ويقع البحث تارة حسب القواعد، وأُخرى حسب الروايات. وربما يقال: انّ مقتضى القاعدة هو الحرمة، واستدلّوا عليها بوجوه:
الأوّل: حرمة الإعانة على الإثم، فربّما يقال إنّ مقتضى القاعدة هو الحرمة، وإنّ بيعه لمن يعلم أنّه يصنعه خمراً من أوضح مصاديق الإعانة على الإثم الوارد في قوله سبحانه: (يا أَيُّهَا الّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائرَ اللّهِ وَلا الشهرَ الحَرامَ ولاَ الهَدْيَ

(1) المختلف:5/22، كتاب التجارة، فصل في وجوه الاكتساب.
(2) السنن الكبرى:5/327.
(3) المغني:4/283.

صفحه 302
وَلاَ الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَ آنُ قَوْم أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلى البِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلى الإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ العِقاب).(1)
وأورد على الاستدلال بالآية بوجوه:
منها: ما عن المحقّق الإيرواني، إنّ النهي تنزيهي، وذلك بقرينة مقابلته بالأمر بالإعانة على البرّ والتقوى الذي ليس للإلزام قطعاً.
يلاحظ عليه: إنّ مناسبة الحكم والموضوع(العدوان والإثم) تقتضي حملها على الحرمة، لا على الكراهة.
ومنها: ما منه (قدس سره) أيضاً: انّ قضية باب التفاعل هو الاجتماع على الإتيان بالإثم والعدوان كأن يجتمعوا على قتل النفوس ونهب الأموال، لا إعانة الغير على الإتيان بالمنكر على أن يكون الغير مستقلاً في الإتيان به وهذا مُعيناً له بالإتيان ببعض مقدّماته.
يلاحظ عليه: أنّ مفاد الآية هو الأعمّ ممّا ذكره، فقد قال سبحانه: (يا أَيُّهَا الّذينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الحَرامَ وَلاَ الهَديَ وَلا القلائدَ وَلا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ يَبتَغُونَ فَضلاً مِنْ رَبِّهِمْ)(2) فأمر سبحانه معشر المؤمنين أن لا يحلّوا أُموراً: شعائر اللّه، والشهر الحرام، والهدي، والقلائد، ولا الذين يؤمّون البيت الحرام طلباً لفضل ربّهم ورضواناً.
وبما أنّ المشركين صدّوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه عام الحديبية عن المسجد الحرام نبّه سبحانه بقوله: (وَلا يَجْرِمَنّكُمْ شن آن قَوم أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِد الحَرام)

(1) المائدة:2.
(2) المائدة:2.

صفحه 303
أي لا يحملنكم بغض قوم على أن تعتدوا عليهم، لأجل أنّهم صدّوكم عن المسجد الحرام، وبعدما تمّ حكم المحرمات الخمس، أتى بقوله: (وَتَعاوَنُوا عَلى البِرّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلى الإِثْمِ وَالْعُدوان)مصرّحاً بأنّ المطلوب من المؤمنين هو التعاون على البر والتقوى لا التعاون على الإثم والعدوان.
وبما أنّ قوله سبحانه في محل التعليل للأحكام الماضية، يكون المراد منه هو العام سواء اجتمعوا على الإتيان بها، أو عزم واحد منهم على الإتيان وأعان الآخرون عليه، والقول بأنّ الآية بصدد بيان القسم الأوّل ـ جموداً على اللفظ ـ خلاف ما يتبادر من الآية، لوضوح عدم الفرق بين القسمين في نظر العرف، فسواء شاركوا في إحلال هذه المحرّمات، أم أقدم واحد وأعانه الآخر، وبما أنّ الآية وردت لبيان ضابطة شرعية كلّية، تجري في غير هذه الخمسة الواردة في الآية.
والظاهر أنّ هيئة باب المفاعلة والتفاعل تستعمل في كلا المعنيين، قال سبحانه: (لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلاَ مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ) .(1)
وقال سبحانه: (وَلا تُضارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ) (2)، أي لا تضيّقوا عليهن بالنفقة والمسكن. وقال تعالى: (وَلاَ يُضارُّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ) (3) إلى غير ذلك من الآيات والروايات التي استعملت فيها أفعال هذين البابين في فعل غير مشترك بين الجماعة أو الاثنين.
وقال في اللسان: تعاونا: أعان بعض بعضاً.(4)
أضف إلى ذلك أنّ المفسرين فسّروا الآية بصورة أعم، قال الطبرسي(قدس سره) : أمر اللّه عباده بأن يعين بعضهم بعضاً على البر والتقوى، وهو العمل بما أمرهم اللّه تعالى به واتّقاء ما نهاهم عنه، ونهاهم أن يعين بعضهم بعضاً على الإثم، وهو ترك

(1) البقرة:233.
(2) الطلاق:6.
(3) البقرة:282.
(4) اللسان:13/299.

صفحه 304
ما أمرهم به وارتكاب ما نهاهم عنه من العدوان، وهو مجاوزة ما حد اللّه لعباده في دينهم وفرض لهم في أنفسهم.(1)
ومنها(2):ما ذكره المحقّق الثاني من أمثلة أُخرى وقال: بأنّه لو تمّ هذا الاستدلال يلزم منع معاملة أكثر الناس وعدم جواز بيع شيء ممّا يعلم عادة التوصّل به إلى محرّم.
وأوضحه صاحب الجواهر بقوله: قامت السيرة على معاملة الملوك والأُمراء فيما يعلمون صرفه في تقوية الجند والعساكر المساعدين لهم على الظلم والباطل، وإجارة الدور والمساكن والمراكب لهم لذلك، وبيع المطاعم والمشارب للكفّار في نهار شهر رمضان مع علمهم بأكلهم فيه، وبيعهم بساتين العنب منهم مع العلم العادي بجعل بعضه خمراً، «وبيع القرطاس منهم مع العلم بأنّ منه ما يتّخذ كتب ضلال».(3)
أقول: ومثله سقي الكافر لكونه إعانة على الإثم لتنجيس الماء بمباشرته إيّاه، فيحرم عليه شربه، ومثل تمكين الزوجة الزوج وإن علمت بعدم اغتساله عن الجنابة، ومثل تجارة التاجر، ومسير الحاج والزوّار وإعطائهم الضريبة المعينة للظلمة، ومثل إجارة الدواب والسفن والسيارات والطيارات من المسافرين، مع العلم إجمالاً بأنّ فيهم من يقصد في ركوبه معصية، ومثل عقد المجالس لتبليغ الأحكام وتعزية سيد الشهداء (عليه السلام) مع العلم بوقوع بعض المعاصي فيها من الغيبة والاستهزاء والكذب والافتراء ونظر كلّ من الرجال والنساء إلى من لا يجوز النظر إليه.(4)

(1) مجمع البيان:2/155.
(2) أي من الوجوه الواردة على الاستدلال بالآية.
(3) الجواهر:22/33 والأولى ترك هذا المثال فانّ البيع في هذه الصورة محرّم جداً ولم تجر السيرة على ذلك.
(4) سنعود إلى توضيح حال هذه الأمثلة التي تمسّك بها في إثبات اشتراط القصد في صدق التعاون.

صفحه 305

دراسة عدّة أُمور

ثمّ إنّه لمّا بلغ الكلام إلى هنا وجب البحث عن عدّة أُمور:
1. هل يعتبر قصد المعين توصّل المعان إلى الحرام أو لا؟ وهذا هو البحث المهم في الآية، فلو قلنا باشتراط قصد المعين توصّل المعان إلى الحرام اتّضح حال هذه الأمثلة المتقدّمة حيث لا قصد هناك للمعين، ولو كان هناك قصد لحرمت.
2. هل يعتبر في الاتّصاف بالحرمة وقوع الإثم في الخارج أو لا؟
3. هل يعتبر قصد المعان الحرام أم يكفي تخيّل المعين أنّه قاصد؟
4. هل يعتبر علم المعين بترتب الأثر على فعله أو لا؟
5. هل يعتبر العلم بتوقّف تحقّق الإثم على خصوص هذه المقدّمة أو لا؟

أ: اعتبار قصد المعين

ذهب المحقّق الثاني إلى شرطية قصد المعين، حيث أشكل على الاستدلال بالآية بقوله: ويشكل بلزوم عدم جواز بيع شيء ممّا يعلم عادة التوصّل به إلى محرّم فتمنع معاملة أكثر الناس.
واختاره المحقّق الأردبيلي في «زبدة البيان» عند البحث عن الآية حيث قال: الظاهر أنّ المراد الإعانة على المعاصي مع القصد ، أو على الوجه الذي يقال عرفاً أنّه كذلك. مثل أن يطلب الظالم العصا من شخص لضرب مظلوم فيعطيه إيّاها، أو يطلب منه القلم لكتابة ظلم فيعطيه إيّاه، ونحو ذلك ممّا يُعد ذلك معاونة عرفاً، فلا يصدق على التاجر الذي يتجر لتحصيل غرضه أنّه معاون للظالم العشّار في أخذ العشور، ولا على الحاج الذي يؤخذ منه بعض المال في طريقه ظلماً، وغير ذلك ممّا لا يحصى، فلا يعلم صدقها على شراء من لم

صفحه 306
يحرم عليه شراء السلعة من الذي يحرم عليه البيع، ولا على بيع العنب ممّن يعمل خمراً والخشب ممّن يعمل صنماً.(1)
واستحسنه الشيخ الأعظم (رحمه الله) من جهة أنّه لم يعلّق صدق الإعانة على القصد، ولا أطلق القول بصدقها بدونه، بل علّقه بالقصد وبالصدق العرفي وإن لم يكن قصد.
يلاحظ عليه: أنّ الإعانة ليست من المفاهيم القصدية حتّى يعتبر في صدقها وجود القصد، وليس مثل التعظيم والتكريم المتقوّمين بالقصد، بل من الأُمور الواقعية الصادرة من الإنسان كالضرب والأكل والشرب، غاية الأمر أنّه ربّما يعدّ معذوراً إذا صدر منه بلا قصد أو بدون إجبار وإكراه، فالقول بتدخل القصد في ماهية الإعانة غفلة عن حقيقتها.
ثمّ إنّ سيّدنا الأُستاذ ـ دام ظلّه ـ استدلّ على اعتباره بقوله:الظاهر أنّ إعانة شخص على شيء عبارة عن مساعدته عليه وكونه ظهيراً للفاعل، وهو إنّما يصدق إذا ساعده في توصّله إلى ذلك الشيء، وهو يتوقّف على قصده لذلك، فمن أراد بناء مسجد، فكلّ من أوجد مقدّمة لأجل توصّله إلى ذلك المقصد يقال ساعده عليه وأعانه على بناء المسجد، وأمّا البائع للجص والآجر وسائر ما يتوقّف عليه البناء إذا كان بيعهم لمقاصدهم وبدواعي أنفسهم فليس واحد منهم معيناً ومساعداً على البناء ولو علموا أنّ الشراء لبنائه.
نعم، لو اختار أحدهم من بين سائر المبتاعين، الباني للمسجد لتوصّله إليه، كان مساعداً بوجه، دون ما إذا لم يفرّق بينه و بين غيره، لعدم قصده إلاّ الوصول بمقصده، فالبزاز البائع لمقاصده ما يجعل ستراً للكعبة ليس معيناً على

(1) زبدة البيان:297، في أشياء من أحكام الحجّ.

صفحه 307
البر والتقوى، ولا البائع للعنب بمقصد نفسه ممّن يجعله خمراً معين على الإثم ومساعد له فيه، بل لو أوجد ما يتوقّف عليه مجاناً لغرض آخر غير توصّله إلى الموقوف لا يصدق أنّه أعانه وساعده عليه.(1)
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره ـ دام ظله ـ من عدم الصدق في الأمثلة التي استشهد بها كان لأجل أنّ المتبادر من الإعانة عند التعلّق بالأُمور الدينية هو التبرّع، وبما أنّ البائع لم يتبرّع في عمله فلا تصدق عليه الإعانة عند العرف، ولو غض النظر عن هذا المرتكز فلا شكّ أنّه إعانة.
والمهم حلّ الأمثلة التي اعتمد عليها صاحبا «المفتاح» و «الجواهر» كما أوردناه وسوف نرجع إليه.
وحاصل الكلام: أنّ اشتراط القصد في صدق الإعانة لا يخلو من أحد احتمالين:
الأوّل: أن يكون بمعنى الإرادة والاختيار، فيكون الحرام ما أعان به المعين باختيار في مقابل إعانته بجبر، والظاهر عدم اشتراطه في صدق الإعانة، لما عرفت من أنّه لا يفرق عن سائر الأفعال التكوينية التي لا يشترط في صدقها الاختيار والإرادة، فلو ضرب رجل عمراً في حالة النوم أو بالجبر والقسر، يصدق عليه أنّه ضارب، غاية الأمر يكون وصف الفعل بالحرمة في صورة صدوره عن اختيار، فالمتوقّف على هذا القصد تنجّز حرمة الإعانة.
الثاني: أن يراد بمعنى الداعي الباعث نحو الفعل، فيكون حصول الحرام غاية لفعل المعين، وهذا هو الذي اعتبره الشيخ في صدق الإعانة.
والحقّ عدم اعتباره مثل السابق، فنفس الإتيان بمقدّمات فعل الغير إعانة له على الفعل.

(1) المكاسب المحرمة:1/142.

صفحه 308
نعم، مع عدم العلم بترتّب الحرام لا يعلم كون الفعل إعانة على الحرام، وإن كانت نفس الإعانة للغير صادقة.
هذا هو الحقّ الصراح في مفاد الآية، وأمّا النقوض التي أوردها صاحب «جامع المقاصد» و غيره فلابدّ من التخلّص منها بنحو من الأنحاء، فيمكن الإجابة عنها بوجوه:
الأوّل: ما عن المحقّق الإيرواني: من أنّ الإعانة ليست هي مطلق إيجاد مقدّمة فعل الغير، وإلاّ حرم توليد الفاسق، والإنسان مطلقاً حيث يعلم أنّ في نسله من يرتكب المعصية عادة، فيلزمه أن يجتنب النكاح، وأيضاً حرم بذل الطعام والشراب لمن يعلم أنّه يرتكب الذنب، بل الإعانة عبارة عن مساعدة الغير بالإتيان بالمقدّمات الفاعلية لفعله دون مطلق المقدّمات الشاملة للمادية، فضلاً عن إيجاد نفس الفاعل، أو حفظ حياته، فتهيئة موضوع فعل الغير والإتيان بالمفعول به لفعله ليس إعانة له على الحرام، ومن ذلك مسير الحاج وتجارة التجار وفعل ما يغتاب الشخص على فعله.(1)
يلاحظ عليه: أنّ تخصيص الحرمة بالعلّة الفاعلية وإخراج العلل المادية تخصيص للآية بلا وجه، فإنّه كما تصدق الإعانة على إعطاء العصا والسكين للضرب والقتل، يصدق إمداد الفاعل بالدراهم والدنانير، وتشهد له رواية علي بن أبي حمزة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) :«...لولا أنّ بني أُمية وجدوا لهم من يكتب ويجبي لهم الفيء ويقاتل عنهم، ويشهد جماعتهم، لما سلبونا حقّنا، ولو تركهم الناس وما في أيديهم ما وجدوا شيئاً إلاّ ما وقع في أيديهم...».(2)

(1) تعليقة المحقّق الإيرواني:16.
(2) الوسائل:12/144، الباب47 من أبواب ما يكتسب به، الحديث1.

صفحه 309
وروى البيهقي في «سننه»: من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة لقي اللّه و بين عينيه مكتوب: آيس من رحمة اللّه.(1)
ثمّ إنّ سيدنا الأُستاذ ـ دام ظله ـ أجاب عن الأمثلة التي ادّعي فيها وجود السيرة قائلاً: بأنّ بيع المطاعم من الكفّار، وما هو نظير ذلك كبيع العنب لهم مع العلم بجعل بعضه خمراً، إنّما هو لأجل عدم كون الإتيان بما ذكر إثماً وعصياناً ، لا لكون الكفّار غير مكلّفين بالفروع، بل لأنّ أكثرهم إلاّ ما قلّوندر جُهّال قاصرون لا مقصرون.
نعم: فيهم من يكون مقصراً ـ لو احتمل خلاف مذهبهم ـ فيكون بيع الطعام في نهار شهر رمضان من الكفّار خارجاً عن عنوان الإعانة على الإثم أو تهيئة أسباب المعصية.(2)
يلاحظ عليه: عدم تمامية الجواب في نفس المورد، فضلاً عن غيره، فإنّ عدّ اليهود والنصارى المتواجدين في البلاد الإسلامية أو ما يقرب منها من الجهّال القاصرين، غير تام، كيف، وقد ملأ أسماعهم وقلوبهم أنّ هناك رجلاً ادّعى النبوّة بعد المسيح وجاء بكتاب وشريعة وأسّس حضارة، أفلا يكفي هذا النداء لإيقاظ شعورهم بأنّ من المحتمل أن تكون هناك شريعة ناسخة لشريعتهم، ومع هذا الاحتمال كيف يصدق انّهم جُهّال قاصرون؟!
فالأولى في الجواب أن يقال: إنّ هذه الأمثلة ليست على نمط واحد، فانّ بعضاً منها حرام جدّاً، ولا يعبأ بالسيرة لو كانت كبيع القرطاس من الكفّار والفساق، مع العلم بأنّ بعضهم ينشر به كتب الضلال.
كما أنّ بعضاً منها لا يُعدّ إعانة على الحرام، بل يعد تخلّصاً من شر الظالم

(1) السنن الكبرى:8/22.
(2) المكاسب المحرمة:1/133ـ 134.

صفحه 310
كدفع التاجر والحاج والزوّار الضريبة المعينة للظلمة، وذلك لأنّ المحرّم من الإعانة ما إذا قام بها باختيار من نفسه; وأمّا من كان مشتغلاً بحرفته، مقبلاً على شأنه، غير أنّ الظالم يقف في وجهه ويسلب عنه الحرية إلاّ إذا أعطاه الضريبة المعيّنة، فإنّ دفعها ليس إلاّ للتخلّص من شرّه والتوجّه إلى شغله، وليس مثل ذلك إعانة أبداً.
كما أنّ بعضاً منها لا يعدّ إعانة عرفاً على الحرام، وكونه إعانة بالدقة العقلية غير مضر، وهذا كما في عقد المجالس لتبليغ الأحكام وتعزية سيّد الشهداء (عليه السلام) مع العلم بوقوع بعض المعاصي فيها، فانّ عاقد المجالس لا يهمّه إلاّ العمل بواجبه الشرعي، أو وظيفته الاستحبابية، واستغلال غيره ذاك العمل في طريق الحرام غير مرتبط به ولا يعد عمله إعانة في العرف، وهذا نظير عمل إبراهيم (عليه السلام) حيث بنى البيت لإعلاء كلمة التوحيد مع أنّه صار بعده مركزاً للأصنام وعبدتها، واستغلّه المشركون في طريق مقاصدهم، فعِلمُ إبراهيم(عليه السلام) بذلك لم يجعل عملَه إعانة على الإثم.
كما أنّ بعضاً منها أداء للحقوق التي لا يصحّ التواني في أدائها بحجّة أنّ صاحب الحق سيجعله ذريعة إلى الحرام، كما في تمكين الزوجة للزوج وإن علمت بعدم اغتساله من الجنابة، فانّ التمكين حقّ من حقوق الزوج يجب على الزوجة القيام به، وليس لها التواني بحجّة انّه لا يغتسل من الجنابة، وهذا مثل من يطلب دينه من المديون ولكنّه يمتنع من الأداء بحجّة أنّه سيعصي به إذا دفع.
وأمّا إجارة الدواب والسفن والسيارات من المسافرين مع العلم إجمالاً بأنّ فيهم من يعدّ سفره سفر معصية، فإن أُريد به ارتكاب المعصية فيها، كالاغتياب فهو لا يستلزم كون الإجارة إعانة على المعصية، وإن أُريد منه كون نفس السفر

صفحه 311
معصية، فلو كان نفس المسافر مشخّصاً يجب الامتناع عنه، وأمّا مع العلم الإجمالي بكون واحد منهم محرّم السفر فلا، لأنّ التفحّص مستلزم للمفاسد، والامتناع عن الإيجار على وجه الإطلاق يستلزم مفاسد أُخرى، كما هو واضح على من له إلمام بالمسائل الاجتماعية.
وعلى كلّ تقدير فتجب الدقة في هذه الموارد فما صدق عليه إعانة على المعصية في نظر العرف يحكم بالحرمة وإلاّ فلا، وبما ذكرنا يظهر حال بقية الأمثلة.

ب: اعتبار وقوع الإثم في الخارج

انّ اشتراط وقوع الإثم في الخارج في صدق الإعانة على الإثم، هو الشرط الثاني من الشروط الماضية فقد يقال باعتباره، مستدلاً بأنّ الظاهر من قوله تعالى: (وَلاَ تَعاوَنُوا عَلى الإِثْمِ) هو الإعانة على تحقّقه وهو لا يصدق إلاّ معه، فإذا لم يتحقّق خارجاً وإنّما أوجد الفاعل بعض مقدّمات عمله، لا يقال انّه أعانه على إثمه لعدم صدوره منه.
وبالجملة: الإعانة على تحقّق الإثم موقوفة على تحقّقه، وإلاّ يكون من توهم الإعانة عليه لا نفسها، ويكون تجرّياً لا إثماً، ولهذا لو علم بعدم تحقّقه منه لا يكون إيجاد المقدّمة إعانة على الإثم بلا شبهة.
ولا يخفى أنّ المستدلّ خلط بين المصدر واسمه، فالإثم في الآية مستعمل في المعنى المصدري لا في الاسم المصدري، وعلى ذلك فلا يتوقّف صدق الإعانة على وقوع المعان عليه في الخارج، بل يكفي وصف عمل الغير بالإثم والعدوان.
ويدلّ على ذلك انّه إذا طلب السارق من شخص سُلماً فسلّمه إليه، ثمّ حيل بين السارق والسرقة، يصدق عليه أنّه أعانه على الإثم، كما أنّه إذا أعان رجل

صفحه 312
على عمارة المسجد بالآجرّ والجُص، ثمّ منع مانع عن البناء يصدق أنّه أعان على البناء وإن لم يتحقّق.
نعم يصحّ اشتراط وقوع المعان عليه على القول بوجوب المقدّمة الموصلة في الواجبات، وحرمة المقدّمة الموصلة في المحرّمات، أو على القول بأنّ وجود ذي المقدّمة دخيل لوصف المقدّمة بالوجوب والحرّمة على نحو الشرط المتأخر، وكلاهما خلاف التحقيق.
وبالجملة: إذا كان الشخص مصمِّماً على عمل وهيّأ بعض المقدّمات واشتغل به بجد واجتهاد وأعانه عليه شخص آخر، ففي ذلك المجال يصدق عليه المعان، وعلى الشخص الآخر المعين، وعلى الفعل الإعانة، وعلى المقصد المعان عليه، سواء أتحقّق المقصد النهائي أم لا؟ وأمّا عدم صدقه في ما لو علم بعدم تحقّقه منه فليس عدم الصدق لأجل عدم وقوع المعان عليه، بل لأجل أمر آخر، وهو أنّ العلم بعدم تحقّق الفعل من الشخص إمّا لأجل العلم بعدم وجود القصد في المعان، أو لعروض المانع عليه في المستقبل.
أمّا الأوّل: فنسلم عدم الصدق، وذلك لأجل عدم اتصاف فعل المعان بالحرمة لفقدان القصد.
وأمّا الصورة الثانية فنمنع عدم الصدق.

دراسة سائر الشروط الماضية

وأمّا الشرط الثالث: أعني قصد المعان على الإثم، فهو شرط لا غبار عليه، فلو علم عدم القصد لا يصدق على الفعل الإعانة على الإثم. ولو تخيّل أنّه قاصد وأعانه عليه ثمّ تبيّن عدم قصده يكون الفعل تجرّياً كاشفاً عن سوء السريرة، وأمّا الكلام في حرمته ـ حرمة التجري ـ والعقاب عليه فموكول إلى محلّه.

صفحه 313
وأمّا الشرط الرابع: أي علم المعين بترتّب الإثم على ما يعين عليه، فالظاهر عدم الاشتراط، بل يكفي رجاء أن يستفيد منه غيره، فلو أعطى السكّين لظالم رجاءً لقتل صالح صدق أنّه أعانه عليه.
وأمّا الشرط الخامس: أعني توقّف الإثم على خصوص هذه المقدّمة، فلا يعتبر، فلو كان المهاجم مُسلّحاً وأعانه الغير بسلاح آخر رجاء أن يستفيد منه في قتل غيره، فيكفي هذا في صدق كونه إعانة.
هذا حال الشروط المعتبرة أو المحتمل اعتبارها في الإعانة.

الدليل الثاني(1) على حرمة البيع

ما ذكره الشيخ الأعظم (قدس سره) قال: انّه يمكن الاستدلال على حرمة بيع الشيء ممّن يعلم أنّه يصرف المبيع في الحرام بأنّ دفع المنكر كرفعه واجب، ولا يتم إلاّ بترك البيع، فيجب. ثمّ قال: وأشار إليه المحقّق الأردبيلي حيث استدلّ على حرمة بيع العنب في المسألة ـ بعد عموم النهي عن الإعانة ـ بأدلّة النهي عن المنكر، ويشهد بهذا ما ورد من أنّه «لولا أنّ بني أُميّة وجدوا من يجبي لهم الصدقات، ويشهد جماعتهم ما سلبوا حقّنا»، دلّ على مذمّة الناس في فعل ما لو تركوه لم تتحقّق المعصية من بني أُميّة.
ويمكن توضيح ما ذكره بوجهين:
الأوّل: دلّت الروايات المتواترة على وجوب إنكار المنكر بالقلب على كلّ حال، وتحريم الرضا به، قال أبو عبد اللّه (عليه السلام):«حسب المؤمن غيراً إذا رأى منكراً أن يعلم اللّه عزّوجلّ من قلبه إنكاره».(2)

(1) مضى الدليل الأوّل على ضوء القواعد، ص 303.
(2) الوسائل: 11/408، الباب5 من أبواب الأمر والنهي، الحديث1.

صفحه 314
وفي رواية أُخرى:«حسب المؤمن عذراً إذا رأى منكراً أن يعلم اللّه من نيّته أنّه له كاره».(1)
وفي رواية أُخرى عن علي (عليه السلام) قال: «أمرنا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)أن نلقي أهل المعاصي بوجوه مكفهرّة».(2)
وهذه الروايات الدالّة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى هذا الحدّ لا تخالف ما دلّ على جواز بيع الخمر ممّن نعلم أنّه يخمره، إذ هو مصداق واضح لإشاعة الفحشاء.
الثاني: انّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب، إمّا عقلاً كما هو الحقّ، أو نقلاً للقرآن والسنّة والإجماع.(3)
وعلى كل تقدير فالهدف من إيجابه بأحد الطريقين منع تحقّق ما هو مبغوض عند المولى في الخارج، إمّا من خصوص المكلّف، أو من مطلق الفاعل، ولو كان صادراً من غير مكلّف ـ كما إذا وقع ولد المولى في الماء، أو وقع معرضاً لهجوم حيّة ـ فيجب رفع ذلك. ولا فرق في نظر العقل بين الدفع والرفع، فكما أنّه يجب رفع المنكر والمبغوض كذا يجب هدم ما يوجب تحقّق المبغوض في الخارج، وعلى ذلك يحرم بيع العنب من الغير من باب دفع المنكر وعدم تحقّق مقتضيه حتى يتحقّق نفسه.
وإن شئت قلت: إنّه لا يجتمع وجوب دفع المنكر مع جواز بيع العنب من الغير.

(1) الوسائل:1/408، الباب5 من أبواب الأمر والنهي، الحديث1.
(2) الوسائل:11/413، الباب6 من أبواب الأمر والنهي، الحديث1.
(3) ذهب المحقّق الطوسي(قدس سره) في «تجريد العقائد» إلى وجوبهما نقلاً لا عقلاً، والتفصيل موكول إلى محلّه.

صفحه 315
ثمّ إنّ الشيخ الأعظم (قدس سره) أورد على هذا البيان بأنّه لا يتم في موردين:
الأوّل: لو تمّ هذا الدليل لدلّ على حرمة بيع العنب ولو ممّن يعلم أنّه سيجعله خمراً مع عدم قصد ذلك حين الشراء، إلاّ أنّه لم يقم دليل على وجوب تعجيز من يعلم أنّه سيهمّ بالمعصية، إنّما الثابت من النقل والعقل وجوب ردع من همّ بها وأشرف عليها بحيث لولا الردع لفعلها أو استمر عليها.
ولا يخفى إنّنا لو قلنا بوجوب دفع المنكر، ولزوم حيازة مقاصد المولى، لزم عدم التفريق بين من هو قاصد حال البيع لجعله خمراً، أو سيهمّ بذلك، وليس هذا الإيجاب بمناط اللطف حتى يقال باختصاصه بمن قصد وهمّ، بل هو واجب بمناط آخر وهو قلع ما ينجر إلى تحقّق مبغوض المولى حفظاً لمقاصده لا تلطّفاً على العبد.
الثاني: انّ الاستدلال المذكور إنّما يحسن مع علم البائع بأنّه لو لم يبعه لم تحصل المعصية، لأنّه حينئذ قادر على الردع، أمّا لو لم يعلم ذلك، أو علم بأنّه تحصل منه المعصية بفعل الغير فلا يتحقّق الارتداع بترك البيع، كمن يعلم عدم الانتهاء بنهيه عن المنكر.
وتوهم أنّ البيع حرام على كلّ أحد فلا يجوز ارتكابه لهذا الشخص ـ معتذراً بأنّه لو تركه لفعله غيره ـ مدفوع، بأنّ ذلك فيما كان محرماً على كلّ واحد على سبيل الاستقلال، فلا يجوز لواحد منهم الاعتذار بأنّ هذا الفعل واقع لا محالة ولو من غيري فلا ينفع تركي له، أمّا إذا وجب على جماعة شيء واحد كحمل ثقيل مثلاً بحيث يراد منهم الاجتماع عليه، فإذا علم واحد من حال الباقي عدم القيام به والاتّفاق معه في إيجاد الفعل كان قيامه بنفسه بذلك الفعل لغواً فلا يجب، وما نحن فيه من هذا القبيل، فانّ عدم تحقّق المعصية من مشتري العنب موقوف على

صفحه 316
تحقّق ترك البيع من كلّ بائع، فترك المجموع للبيع سبب واحد لترك المعصية، كما أنّ بيع واحد منهم على البدل شرط لتحقّقها، فإذا علم واحد منهم عدم اجتماع الباقي معه في تحصيل السبب، والمفروض أنّ قيامه منفرداً لغو، سقط وجوبه.
ثمّ إنّ الشيخ أورد على هذا البيان بقوله: «وتوهم انّ البيع حرام...»: وحاصله: هو انّ النهي ينحل حسب تعدّد أفراد الطبيعة، فيكون لكلّ فرد نهي مستقل، فإذا تحقّقت التروك بترك هذا الفرد للبيع وترك ذاك الفرد له، حصل ترك التخمير رأساً، فكان كلّ ترك، تركَ فرد من الحرام، لا أنّ مجموع التروك يكون مقدمة لترك حرام واحد.
ثمّ أجاب وحاصله: أنّ منشأ النهي هو أن لا يتحقّق الإثم في الخارج، فإذا علم صدور الإثم في الخارج ولو مع ترك الإعانة من شخص خاص، فلا موجب لحرمتها، فيكون المقام من قبيل الأمر بحركة جسم ثقيل لا يرفعه إلاّ جماعة فلا وجه لوجوب الاشتغال بها بعد العلم بتواني الأفراد الآخرين الذين تجب مساعدتهم، والمقام من هذا القبيل، لأنّ عدم تحقّق المعصية بالتخمير يتوقّف على ترك جميع من يملك العنب للبيع، وليس لترك واحد وبيع الآخرين أثر في ترك المبغوض.
يلاحظ عليه: بأنّ المفروض أنّه يجب على كلّ شخص دفع الفاعل عن ارتكاب المنكر حسب حكم العقل، وليس وجوبه مشروطاً بشيء، غاية الأمر انّه إذا قام الثالث ببيع العنب يتحقّق المنكر، ولا يقدر الشخص على دفعه، وإذ يكون بيع الشخص الثالث تعجيزاً له عن القيام بدفع المنكر.
إنّما الكلام فيما إذا استعدّ الثالث للبيع، وتمكينه من العنب ولكنّه بعدُ لم يبع ولم يمكّنه، فهل هذا يوجب سقوط الوجوب عن الشخص الأوّل أم لا؟الظاهر لا،

صفحه 317
فإنّه ما لم يتحقّق البيع من الغير تكون القدرة على الدفع باقية له، ومع هذه القدرة لا وجه لارتفاع الوجوب، إذ المفروض أنّ الغير بَعدُ لم يبع العنب ولم يمكّنه منه، فهو حينئذ قادر على إبقاء الدفع، كما هو قادر على نقضه، فمادام الغير لم يقم بعمل البيع وتسليمه ولم يأت بعمل موجب لتعجيزه، فلا وجه لعدم وجوبه.
والحاصل: إنّ الذي يرفع الوجوب عنه هو قيام الغير بعملية توجب عجزه عن القيام بدفع المنكر، والمفروض أنّه لم يحصل بعد، بل هو ناو وبان على ذلك، وليست نيته وبناؤه موجباً لارتفاع الوجوب.
وبذلك يعلم أنّ قياس المقام برفع الجسم الثقيل الذي لا يرفعه إلاّ جماعة، أو عرض العسكر الذي لا يتحقّق إلاّ بالاجتماع، قياس مع الفارق، فإنّ الإيجاب لكلّ واحد مشروط بقيام الآخر، أو العلم بقيامه، أو مظنة قيامه، ومع العلم بالعدم يسقط الوجوب، وهذا بخلاف المقام فإنّ دفع المنكر بترك بيع العنب واجب على كلّ واحد وجوباً مطلقاً غير مشروط بشيء، حتّى بعد عزم الثالث على البيع ولا يسقط الوجوب بالعلم بقيامه بالبيع في المستقبل، وعندئذ لا يسقط الوجوب ولو عُلِمَ عزم الغير على البيع.
نعم بيع الغير موجب لتعجيزه عن دفع المنكر، وهو خارج عن البحث، فإنّما الكلام فيما إذا لم يمكّنه بعد وإن نوى وعزم على التمكين.
إلى هنا تبيّن أنّ مقتضى القواعد العقلية هو الحرمة إمّا من باب كون بيع العنب إعانة على الإثم، أو كونه تمكيناً للغير من المنكر مع حرمته ولزوم دفعه.

عرض المسألة على الروايات

إنّ الروايات على طائفتين:

صفحه 318
الأُولى: ما دلّت على الجواز وضعاً وتكليفاً، وإليك بيانها:
1. صحيحة ابن أُذينة قال: كتبت إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) أسأله عن الرجل يؤاجر سفينته ودابته ممّن يحمل فيها أو عليها الخمر، والخنازير؟ قال: «لا بأس».(1)
وهذه الرواية تدلّ على الجواز وضعاً وتكليفاً حسب الإطلاق.
2. ما رواه أبو بصير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن ثمن العصير قبل أن يغلي لمن يبتاعه ليطبخه أو يجعله خمراً؟ قال: «إذا بعته قبل أن يكون خمراً وهو حلال فلا بأس».(2)
3. ما رواه أبو كهمس قال: سأل رجل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن العصير فقال: لي كرم وأنا أعصره كلَّ سنة واجعله في الدنان وأبيعه قبل أن يغلي؟ قال: «لا بأس به، وإن غلى فلا يحل بيعه»، ثمّ قال:«هو ذا نحن نبيع تمرنا ممّن نعلم أنّه يصنعه خمراً».(3)
4. ما رواه الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه سئل عن بيع العصير ممّن يصنعه خمراً؟ فقال: «بعه ممّن يطبخه أو يصنعه، خلاً أحبُّ إليَّ ولا أرى بالأوّل بأساً».(4)
5. ما رواه أحمد بن محمد بن أبي نصر، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن بيع العصير فيصير خمـراً قبـل أن يقبض الثمن؟ فقال: «لو بـاع ثمرته ممّن يعلم أنّه يجعله حراماً لم يكن بذلك بأس، فأمّا إذا كان عصيراً فلا يباع إلاّ

(1) الوسائل:12/126، الباب39 من أبواب ما يكتسب به، الحديث2.
(2) الوسائل:12/169، الباب59 من أبواب ما يكتسب به، الحديث2و6، وص 170، الحديث9.
(3) الوسائل:12/169، الباب59 من أبواب ما يكتسب به، الحديث2و6، وص 170، الحديث9.
(4) الوسائل:12/169، الباب59 من أبواب ما يكتسب به، الحديث2و6، وص 170، الحديث9.

صفحه 319
بالنقد».(1)
6. ما رواه عمر بن أُذينة قال: كتبت إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) أسأله عن رجل له كرم أيبيع العنب والتمر ممّن يعلم أنّه يجعله خمراً أو سكراً؟ فقال: «إنّما باعه حلالاً في الأبان الذي يحل شربه أو أكله فلا بأس ببيعه».(2)
7. ما رواه محمد بن إسماعيل قال: سئل الرضا (عليه السلام) ـ وأنا أسمع ـ عن العصير يبيعه من المجوس واليهود والنصارى والمسلمين قبل أن يختمر ويقبض ثمنه أو ينسأه؟ قال: «لا بأس إذا بعته حلالاً، فهو أعلم يعني العصير وينسئ ثمنه».(3)
الثانية: مادلّت على عدم الجواز:
1. ما رواه صابر قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يؤاجر بيته فيباع فيه الخمر، قال: «حرام أجره».(4)
2. ما رواه ابن أبي عمير، عن ابن أُذينة قال: «كتبت إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل له خشب فباعه ممّن يتّخذه برابط؟ فقال: «لا بأس به». وعن رجل له خشب فباعه ممّن يتّخذه صلباناً؟ قال: «لا».(5)
3. ما رواه عمرو بن حريث قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن التوت أبيعه يصنع للصليب والصنم؟ قال: «لا».(6)
إذا عرفت هذا فيجب إمعان النظر في كيفية الجمع بين الروايات:

(1) الوسائل:12/169، الباب59 من أبواب ما يكتسب به، الحديث1و5. ويدلّ على ذلك في هذا الباب، الحديث4و 7و 8و10.
(2) الوسائل:12/169، الباب59 من أبواب ما يكتسب به، الحديث1و5. ويدلّ على ذلك في هذا الباب، الحديث4و 7و 8و10.
(3) الوسائل:17/304، الباب38 من أبواب الأشربة المحرمة، الحديث2.
(4) الوسائل:12/126، الباب39 من أبواب ما يكتسب به، الحديث1.
(5) الوسائل:12/127، الباب41 من أبواب ما يكتسب به، الحديث1و2.
(6) الوسائل:12/127، الباب41 من أبواب ما يكتسب به، الحديث1و2.

صفحه 320
الأوّل: حمل الأخبار المانعة على صورة اشتراط جعل الخشب صليباً أو صنماً، أو على ما إذا تواطآ عليه خارج العقد.
وأورد عليه الشيخ الأعظم(رحمه الله) بأنّ هذا في غاية البعد، إذ لا داعي للمسلم لاشتراط صناعة الخشب صنماً في متن بيعه أو في خارجه، ثمّ يجيء ويسأل الإمام(عليه السلام) عن جواز فعل هذا في المستقبل وحرمته، وهل يحتمل أن يريد الراوي بقوله: «أبيع التوت ممّن يصنع الصنم والصليب؟» ، أبيعه مشروطاً عليه وملزماً في متن العقد أو قبله أن لا يتصرّف فيه إلاّ بجعله صنماً؟
أضف إلى ذلك إنّه لا يصحّ هذا الحمل في رواية صابر قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يؤاجر بيته فيباع فيه الخمر. قال: «حرام أجره»، فانّ الوارد فيها «فيباع» لا «ليباع».
فالظاهر انّ الروايات المانعة ناظرة إلى هذه الصورة لا إلى الصورة الأُولى، وعلى ما ذكرنا نبّه المحقّق الإيرواني حيث قال في حقّ هذه الأخبار: إنّها بأجمعها أجنبية عن صورة اشتراط الصرف في الحرام، بل وعن صورة كون الداعي هو الحرام، وأيّ مسلم يشترط الحرام أو يدعوه إلى المعاملة وقوع الحرام؟ وإنّما مورد الأخبار صورة العلم بصرف المشتري للمبيع في الحرام.(1)
الثاني: ما ذكره الشيخ وارتضاه، وهو حمل الأخبار المانعة على الكراهة، لشهادة غير واحد منها عليها، منها رواية رفاعة عن بيع العصير ممّن يصنعه خمراً. قال: «بيعه ممّن يطبخه أو يصنعه خلاً أحبّ إليّ، ولا أرى به بأساً»(2) وغيرها.
وأورد عليه المحقّق الخوئي ـ دام ظله ـ بوجهين:

(1) تعليقة المحقّق الإيرواني:14.
(2) الظاهر أنّ مراده رواية الحلبي فانّ ما ذكره في المتن رواه الحلبي لا رفاعة، لاحظ الوسائل:12/170، الباب59 من أبواب ما يكتسب به، الحديث8و9.

صفحه 321
الأوّل: انّه معارض بما في بعض الروايات من بيعهم (عليهم السلام) تمرهم ممّن يجعله شراباً خبيثاً كما في رواية رفاعة بن موسى، قال: سئل أبا عبد اللّه (عليه السلام) ـ و أنا حاضر ـ عن بيع العصير ممّن يخمره. قال: «حلال. ألسنا نبيع تمرنا ممّن يجعله شراباً خبيثاً».(1)ومن البعيد صدور الفعل المكروه منهم (عليهم السلام)دفعة واحدة فضلاً عن الدفعات.
وبما في بعض الروايات من تعليل جواز البيع بأنّه قد وقع على العنب الحلال وإنّما المشتري جعله حراماً أبعده اللّه وأسحقه، ولا تزر وازرة وزر أُخرى.
ويمكن الإجابة عنه: بأنّ المراد من قوله (عليه السلام): «ألسنا نبيع» هو بيع المسلمين القاطنين(2) في المدينة لا بيع شخص الإمام (عليه السلام) ، وعلى ذلك تحمل رواية أبي كهمس حيث قال الإمام (عليه السلام) : «هو ذا نحن نبيع تمرنا ممّن نعلم أنّه يصنعه خمراً»، فانّ المراد هو بيع جمهور المسلمين في المدينة وغيرها لا بيع شخص الإمام (عليه السلام) ، ولا مناص عن هذا الحمل، إذ من البعيد أن يقوم الإمام (عليه السلام) بهذا العمل في كلّ عام، فانّه لا يليق أن ينسب إلى إمام الجمعة والجماعة فضلاً عن إمام المسلمين.
الثاني: انّ كون بيع العصير ممّن يجعله خلاً أحب، لا يدلّ على كراهة بيعه ممّن يجعله خمراً، خصوصاً مع تصريحه (عليه السلام) فيها بالجواز بقوله:«ولا أرى بالأوّل بأساً»، نعم لو كان لفظ الرواية «إنّي لا أُحب بيعه ممّن يجعله خمراً» لكان دالاً على كراهة البيع.
ويمكن الإجابة عن الإشكال بأنّ صيغة التفضيل ـ بقرينة المقام بيع العنب ممّن يصنعه خمراً ـ كانت مجرّدة عن معنى التفضيل، ومفاد الحديث انّ هذا محبوب

(1) الوسائل:12/170، الباب59 من أبواب ما يكتسب به، الحديث8.
(2) قطن في المكان: أقام فيه وتوطّنه.

صفحه 322
دون ذاك، مثل قوله: (رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمّا يَدْعُونَني إِلَيْهِ) .(1)
وأمّا قوله(عليه السلام) : «لا أرى به بأساً» فلا ينافي الكراهة، لأنّه بصدد بيان الجواز بالمعنى الأعم.
أضف إلى ذلك أنّه يمكن استفادة الكراهة من قوله (عليه السلام) في صحيحة الحلبي: «تبيعه حلالاً ليجعله حراماً فأبعده اللّه وأسحقه»(2) وقوله في رواية يزيد ابن خليفة: «بعته حلالاً فجعله حراماً فأبعده اللّه».(3)
فإن قلت: إنّ اللام في «ليجعله» والفاء في قوله«فتجعله» تدلاّن على ورود الروايتين في صورة الاشتراط أو التواطؤ.
قلت: إنّ اللام في الأُولى للعاقبة لا للغاية، فكم فرق بين قوله: «ضرب زيداً للتأديب» وقوله تعالى: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً)(4)؟!
الثالث: ما نقله الشيخ أيضاً من التفصيل بين بيع الخشب ممّن يعمله صليباً أو صنماً فالحكم هو الحرمة، ومسألة بيع العنب ممّن يعمله خمراً فالعمل فيها على الأخبار المجوّزة، وقال: هذا الجمع قول فصل ـ بين الأخبار ـ لو لم يكن قولاً بالفصل.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره لا يتم في بعض الروايات كرواية صابر قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يؤاجر بيته فيباع فيه الخمر. قال: «حرام أجره» (5) فانّ مورد الرواية هو إقدام المستأجر على بيع الخمر في البيت لا اشتراطه أو التواطؤ عليه خارج العقد.

(1) يوسف:33.
(2) الوسائل: 12/169 و170، الباب59 من أبواب ما يكتسب به، الحديث4و10.
(3) الوسائل: 12/169 و170، الباب59 من أبواب ما يكتسب به، الحديث4و10.
(4) القصص:8.
(5) الوسائل: 12/125، الباب39 من أبواب ما يكتسب به، الحديث1.

صفحه 323
أضف إلى ذلك: إنّ حرمة بيع الخمر أشدُّ من صنع الصليب الذي يعدّ شعاراً لصلب عيسى (عليه السلام)على الأعواد، فكيف يحرم بيع الخشب لصناعة ذلك ويجوز بيع العنب لصنع الخمر؟! اللّهمّ إلاّ أن يكون آلة العبادة، فتكون صناعته ترويجاً للشرك، وهو إثم أعظم من بيع الخمر.
الرابع: حمل الأخبار المجوّزة على ما إذا علم أنّ المشتري للعنب خمّار يصنع الخمر ولم يعلم صرف العنب المشترى بعينه في المحرّم، وحمل الأخبار المانعة على ما إذا علم صرفه في المحرّم بشخصه.
الخامس: حمل الأخبار على ما إذا علم أنّه حين البيع قاصد لصرف المبيع في المحرّم، وحمل الأخبار المجوّزة على ما إذا علم أنّه سيتجدّد له القصد في صرفه في المحرّم.
يلاحظ عليه: أنّ كلا الجمعين بلا شاهد.
والأولى من بين هذه الجموع هو حمل الأخبار المانعة على الكراهة.
وهناك جمع آخر لم يذكره المجوّزون، وهو حمل الأخبار المجوّزة على جواز بيع العنب ممّن يصنعه عصيراً ويشربه أو يبيعه قبل أن يذهب ثلثاه، حيث إنّ الظاهر من الروايات أنّ شربه كان متعارفاً بين الناس، ويدلّ على ذلك رواية أحمد بن محمد بن أبي نصر، ويزيد بن خليفة، ومحمد الحلبي، وعمر بن أُذينة، وأبي كهمس، ورفاعة بن موسى.(1)
والمراد من الخمر في الروايات هو ما إذا غلى بنفسه. نعم، يبعد ذلك في بعض الروايات، فلاحظ.

(1) لاحظ الوسائل: 12/169 و170 ـ الباب59 من أبواب ما يكتسب به، الأحاديث1، 3، 4، 5، 6و8.

صفحه 324
ولا بأس بتجويز هذا البيع بخصوصه، وعدم تجويز بيعه ممّن يصنعه خمراً معروفاً، للفرق الواضح بين العصير المغلي قبل التثليث وبين الخمر ـ المعروف ـ في درجة إسكاره أوّلاً، وضرورة حرمة الثاني بين المسلمين دون الأوّل، فلأجل ذلك جاز الأوّل دون الثاني، وذلك لأجل انّ كثيراً من المسلمين يُحلّون هذا النوع من العصير خلافاً للشيعة تبعاً لأئمتهم (عليهم السلام) .
وهذا الجمع أحسن الجموع، حيث لا يرد عليه إلاّ كونه خلاف ظاهر بعض الروايات أوّلاً، وكونه غير تام في مورد التمر ثانياً، وإن كان تاماً في مورد عصير العنب لكونه نجساً أو حراماً قبل التثليث، فصحّ السؤال عنه والجواب بالجواز، دون عصير التمر حيث إنّ المشهور في عصير التمر هو الطهارة والحلّية قبل التثليث إلاّ إذا كان مسكراً، فلا حاجة للسؤال حتّى يجاب بالجواز.
ثمّ إنّه لو تمّ أحد هذه الجموع، وإلاّفلابدّ من الطرح، والظاهر أنّ الأخذ بالروايات المجوّزة عند المعارضة مشكل من وجوه:
الأوّل: مخالفتها لصريح حكم العقل من قبح تهيئة وسائل المعصية للغير.
توضيحه: انّ مرتكب المعصية وإن كان لا يعاقب على الإتيان بالمقدّمات عقاباً زائداً على عقاب ذيها، لكنّه إذا ساعد الغير وهيّأ مقدّمات المعصية للغير فهو يعاقب بنفس هذه المساعدة، لاستقلال العقل بقبح فعله وعمله، ولأجل ذلك يعد إمداد المجرم جرماً، من غير فرق بين الإعانة لداعي توصل الغير إلى الحرام أم لا، ومن غير فرق بين كون المعان مريداً حال الإعانة للحرام أم لا، ومن غير فرق بين كون الحرام متروكاً بتركه أم لا، كلّ ذلك قبيح عند العقل، وإن كانت درجات القبح مختلفة.

صفحه 325
ويؤيد ذلك: رواية صابر، حيث حرمت إجارة البيت فيما إذا يباع فيه الخمر، فإنّ القدر المتيقّن من الرواية هو علم المؤجر بأنّه يترتب على الإجارة أمرٌ محرّم، ويؤيده ما ورد من اللعن على طوائف عشر، التي منها غارس الخمر، وغيره على ما رواه جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لعن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)في الخمر عشرة: غارسها، وحارسها، وعاصرها، وشاربها، وساقيها، وحاملها، والمحمولة إليه، وبائعها، ومشتريها، وآكل ثمنها».(1)
الثاني: مخالفتها لما ورد في الكتاب من حرمة الإعانة على الإثم والعدوان، وقد عرفت عدم الفرق بين كون المعين قاصداً لوقوع الحرام في الخارج وعدمه.
الثالث: الاستدلال بالروايات الواردة في باب الخمر، حيث إنّ الحرمة لا تختص بشاربه، بل تعمّ كلّ من أعانه، كما ورد في الروايات حيث روى الحسين بن زيد، عن الصادق (عليه السلام) ، عن آبائه (عليهم السلام) ـ في حديث المناهي ـ «انّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) نهى أن يشتري الخمر، وأن يسقي الخمر، وقال: لعن اللّه الخمر، وغارسها، وعاصرها، وشاربها وساقيها، وبائعها، ومشتريها، وآكل ثمنها، وحاملها، والمحمولة إليه».(2)
وهذا الوجه الثالث وإن لم يعم غير الخمر لكنّه يكفي في جعل هذه الأخبار موهونة غير قابلة للاعتماد.
وبالجملة، فهذه الروايات مخالفة لأُصول المذهب، ولأجل ذلك قال صاحب الرياض: في مقاومة هذه النصوص وإن كثرت واشتهرت وظهرت دلالتها، بل وربما كان في المطلب صريحاً بعضها لما مرّ من الأُصول والنصوص

(1) الوسائل: 12/165، الباب55 من أبواب ما يكتسب به، الحديث4.
(2) الوسائل: 12/165، الباب55 من أبواب ما يكتسب به، الحديث5.

صفحه 326
المعتضدة بالعقول إشكال، والمسألة لذلك محل إعضال، فالاحتياط فيها لا يترك على حال.(1)
قد علمت«في صحة المعاملة وفسادها» أنّ الأقوى هو حرمة المعاملة، وانّه لا يصحّ رفع اليد عن الأخبار المانعة بالأخبار المجوّزة لما عرفت من مخالفتها لأُصول المذهب، وعند ذلك يقع الكلام في صحتها وبطلانها على فرض حرمتها.

ما هو الحكم الوضعي في المقام؟

قال الشيخ الأعظم(قدس سره) : ثمّ إنّه كلّ مورد حكم فيه بحرمة البيع، فالظاهر عدم فساد البيع، لتعلّق النهي بما هو خارج عن المعاملة، أعني: الإعانة على الإثم أو المسامحة في الردع عنه (المنكر).
ويحتمل الفساد لإشعار قوله في رواية التحف المتقدّمة: «وكلّ بيع ملهو به، وكلّ منهي عنه لما يتقرّب به لغير اللّه أو يقوى به الكفر والشرك في جميع وجوه المعاصي، أو باب يوهن به الحقّ، فهو حرام محرّم بيعه وشراؤه وإمساكه».(2)
وفَصّل سيدنا الأُستاذ ـ دام ظله ـ بين وقوع المعاملة معاطاة وبين وقوعها بالصيغة، فالصحّة في الأوّل دون الثاني، لأنّ المحرّم عنوان آخر منطبق على المعاملة الخارجية، سواء كان المستند حكم العقل بقبح تهيئة أسباب المحرم، أو وجوب دفع المنكر، أو حكم الشرع بوجوب دفعه، أو حرمة التعاون عليه، لأنّ موضوعات تلك الأحكام عناوين غير نفس المعاملة وبينها عموم من وجه، والموضوعات الخارجية مجمع لها، ولكلّ منها حكمه.

(1) الرياض:8/55، مؤسسة النشر الإسلامي.
(2) الوسائل:12/56، الباب2 من أبواب ما يكتسب به، الحديث1.

صفحه 327
وأمّا على الثاني، أي كون المعاملة واقعة بالصيغة، تقع المزاحمة ـ بعد وقوع المعاوضة ـ بين دليل حرمة التعاون على الإثم، ودليل وجوب تسليم المثمن، فإن قلنا بترجيح الثاني يجب عليه التسليم ويعاقب على الإعانة على الإثم، ولو قلنا بترجيح الأوّل فلا يجوز له التسليم.(1)
والظاهر عدم تمامية التفصيل، وانّ المعاطاة والبيع بالصيغة متّحدان حكماً، لأنّ المعاطاة أحد مصاديق العقد الفعلي والسبب العملي، فلو قلنا ـ كما هو الحق ـ بعمومية قوله تعالى:(أُوفُوا بِالعُقُود) (2) للسبب القولي والفعلي تكون المعاطاة والعقد بالصيغة من واد واحد، لأنّ بين عنوان الوفاء بالعقد الأعم من القولي والفعلي، وعنوان دفع المنكر أو حرمة التعاون عليه، عموم وخصوص من وجه، وكلّ من العنوانين محكوم بضدّ ما حكم به على الآخر، فيكون موضوع التنفيذ هو عنوان البيع والعقد، كما يكون موضوع الحرمة هو التعاون، فبين العنوانين عموم وخصوص من وجه، والتسليم والتسلّم في المعاطاة والبيع بالصيغة مجمع لكلا العنوانين، غاية الأمر أنّ إنشاء التمليك في الأوّل بنفس التسليم والتسلّم وفي الثاني بالإنشاء اللفظي، وهذا لا يوجب الفرق من حيث النتيجة، لأنّ الذي يزاحم حرمة التعاون أو وجوب رفع المنكر هو وجوب الوفاء بالعقد أو وجوب تنفيذ البيع بما هوهو الشامل لكلا السببين.
وربّما يحتمل البطلان، لأنّ المعاوضة لدى العقلاء متقوّمة بإمكان التسليم والتسلّم، ومع تعذرهما شرعاً لا تقع المعاوضة صحيحة، وتسليم المبيع في المقام متعذّر شرعاً، لعدم جوازه فرضاً، وعدم جواز إلزامه عليه لا من قبل المشتري ولا

(1) المكاسب المحرمة:1/149.
(2) المائدة:1.

صفحه 328
من قبل الوالي ومع عدم تسليمه يجوز للمشتري عدم تسليم الثمن، والمعاوضة التي هذا حالها ليست عقلائية ولا شرعية فتقع باطلة.
يلاحظ عليه: أنّ ما هو المقوّم لصحّة المعاملة هو قدرة البائع على التسليم تكويناً، وممنوعيته شرعاً لا توجب كونه فاقداً للقدرة المعتبرة في العقود كما هو واضح، فالأولى ما ذهب إليه الشيخ ـ و هو صحّة المعاملة ـ لتعلّق النهي بما هو خارج عن المعاملة.
نعم لو تمّت رواية «تحف العقول» سنداً كفت في الحكم بالبطلان، خصوصاً على ما استدركنا به على نقل الشيخ، نصّ الحديث، إذ لا شكّ أنّ بيع العنب ممّن نعلم أنّه يصنعه خمراً من مصاديق قوله:«أو باب يوهن به الحق» وأيضاً من مصاديق قوله: «يقوى به أبواب الباطل والضلالة».
ثمّ إنّ البحث في الصحّة والفساد على القول بالتحريم يختص بغير باب العنب، وأمّا فيه، فالظاهر من الروايات المستفيضة الحاكية لعن رسولاللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)أنّ نفس بيع العنب ممّن يتّخذه حرام مستقلاً، لا من باب كونه إعانة على الإثم، فإذا كان حراماً بالذات تمتنع الصحّة، لأنّ المبغوضية بالذات لا تجتمع مع الصحة، إذ معنى الصحّة وجوب تنفيذ البيع، وصحّة المعاقبة على الامتناع من تسليم المبيع أو تسلّم الثمن، ومثل هذا الإيجاب لا يجتمع مع كون التسليم والتسلّم مبغوضاً بالذات.
وبالجملة: فكلّ مورد يكون البيع حراماً بالذات ـ لا بعروض عنوان خارج عنه ـ يحكم بالفساد.
***

صفحه 329
الاكتسابات المحرمة
2

القسم الثالث من النوع الثاني

ما يحرم لتحريم ما يقصد منه شأناً

القسم الثالث: ما يحرم لتحريم ما يقصد منه شأناً، بمعنى انّ من شأنه أن يقصد منه الحرام.(1)
ولا يخفى ما في هذا العنوان من الإشكال، إذ لو أُريد منه ظاهره ـ أعني: القابلية ـ فيلزم حرمة كثير من الأشياء التي تقبل أن يقصد منها الحرام حتى بيع العنب، ولأجل ذلك يجب أن يصار إلى أنّ المراد من الشأنية هو كونها موضوعاً لذلك، كبيع السلاح من أعداء الدين، فيختص البحث به، فكان الأولى تخصيص عنوان البحث ببيع السلاح من أعداء الدين من دون أخذ عنوان عام، كما عليه الأصحاب في كتبهم الفقهية.

(1) قد مرّ انّ النوع الثاني من المحرمات ما يحرم التكسب به لتحريم ما يقصد به، وهو على أقسام: الأوّل: مالا يقصد من وجوده على نحوه الخاص إلاّ الحرام، وهي أُمور:
منها: هياكل العبادة المبتدعة ـ الخ.
القسم الثاني: ما يقصد منه المتعاملان المنفعة المحرّمة، وقد فسّر الشيخ (قدس سره) في ضمن مسائل ثلاث.
القسم الثالث من النوع الثاني هو ما ذكر في المتن، فلا تغفل.

صفحه 330
ثمّ إنّ الشيخ الأعظم قال: بأنّ تحريم مثل هذا النوع مقصور على النص، إذ لا يدخل ذلك تحت الإعانة، خصوصاً مع عدم العلم بصرف الغير له في الحرام، كبيع السلاح من أعداء الدين مع عدم قصد تقويتهم، بل وعدم العلم باستعمالهم لهذا المبيع الخاص في حرب المسلمين.
ولا يخفى أنّه وإن لم تصدق عليه الإعانة على الإثم ـ لا لأجل اعتبار القصد في صدقها لما عرفت من عدم اشتراطه، بل لأجل لزوم العلم باستعمال المبيع في الحرام، والمفروض عدمه ـ ولكن تصدق عليه الإعانة على تقوّي الكفر والشرك والضلالة والباطل ووهن الحق، فلو كان هذا هو المناط للحرمة تصدق الإعانة، ويحرم كلّ ما يعد إعانة لمثل هذا الأمر سلاحاً كان أو كتاباً أو غير ذلك.
وممّا يؤيد أنّ الحرمة من باب الإعانة رواية هند: «فمن حمل إلى عدونا سلاحاً يستعينون به علينا فهو مشرك».(1)
وعلى كلّ تقدير فالأولى جعل عنوان المسألة حسب ما في الكتب الفقهية من بيع السلاح من أعداء الدين، فقد اختلفت كلمتهم بعد الاتّفاق على أصل الحكم وصاروا إلى أقوال ثمانية نقلها السيد الطباطبائي (قدس سره) في تعليقته:
أحدها: وهو ظاهر المشهور، اختصاص الحرمة بحال قيام الحرب.
الثاني: التحريم في حال المباينة وعدم الصلح، وهو مختار جماعة.
الثالث: التحريم في حال الحرب أو التهيّؤ له، وهو ظاهر «المسالك».
الرابع: التحريم مطلقاً، وهو المحكي عن حواشي الشهيد، بل عن الشيخين والديلمي والحلبي قدس سرهم و«التذكرة»، وربّما يستظهر من «الشرائع» أيضاً.
الخامس: التحريم مع قصد المساعدة فقط، حكاه في «الجواهر» عن بعض،

(1) الوسائل:12/70، الباب8 من أبواب ما يكتسب به، الحديث2.

صفحه 331
ويمكن استظهاره من «الشرائع».
السادس: التحريم مع أحد الأمرين من القصد إلى المساعدة أو قيام الحرب، اختاره في «الشرائع».
السابع: التحريم مع الأمرين من القصد وقيام الحرب، حكاه في «الجواهر».
الثامن: ما اختاره في «المستند» من إطلاق المنع بالنسبة إلى المشركين، والتفصيل بين حال المباينة والصلح بالنسبة إلى المسلمين المعادين للدين، وهو المحكي عن «المهذب».(1)
أقول: يقع الكلام في موضعين:
الأوّل: حكم المسألة من حيث القواعد العامة.
الثاني: دراسة حكمها من حيث الروايات، فنقول:

دراسة المسألة حسب القواعد العامة

إنّ مقتضى القاعدة في السلاح الذي انقرض زمانه وخرج عن كونه قابلاً للاستعمال في ميادين الحرب هجوماً ودفاعاً، هو الجواز، فلو أراد الكافر تأسيس معرض لإراءة الحضارة الإنسانية الغابرة، وأراد شراء الأسلحة القديمة المتروكة للعرض، فلا إشكال في بيعه لعدم وجود الملاك في التحريم، لأنّه لا إعانة على الإثم، ولا موجب لتقوّي الكفر.
وأمّا السلاح الرائج المستعمل في جبهات الحرب فحرمة بيعه وجوازه تابع لمصالح الإسلام والمسلمين، فلو كانت نار الحرب بين المسلمين والكفّار مشتعلة،

(1) تعليقة السيد الطباطبائي:10.

صفحه 332
أو أراد العدو التهيّؤ للحرب، أو كان الزمان زمان هدنة وصلح ولكن يخاف منه على حوزة الإسلام آجلاً، فلا يجوز البيع منهم.
وبذلك يعلم أنّه ليس موضوع الحرمة هو وجود الحرب أو تهيّؤ العدو، كما أنّه ليس موضوع الجواز وجود الصلح بين الإسلام والكفر، بل الحكم تابع للمصالح العامّة، فلو كانت نار الحرب مشتعلة بين المسلمين وطائفة من الكفّار، ولكن كانت هناك طائفة من الكفّار يعيشون تحت لواء الحكومة الإسلامية، أو تكون بينهم وبين الحكومة الإسلامية علاقات صادقة، يمكن دفع شرُّ المهاجم بهم، ففي هذه الصورة يجب على والي المسلمين تأييدهم بالعِدّة والعُدَّة فضلاً عن بيع السلاح منهم.
كما أنّه لو كان هناك بين الإسلام والكفر صلح وهدنة ولكن يخاف من هجوم العدو آجلاً لا عاجلاً، فلا يجوز البيع إذا كان هناك ذاك الترقّب، فإذا كان هذا هو المناط، فكما لا يجوز بيع السلاح من الكافر فكذلك لا يجوز بيعه من المخالف وإن كان مسلماً إذا كان هناك ذاك الترقّب.
وبالجملة: لا يجوز بيع السلاح من أعداء الطائفة الحقّة لو خيف من هجومهم وتقويتهم.
ولأجل كون الملاك ما ذكرنا يجوز بيع السلاح من المخالف وإن كان كافراً ذمّياً إذا كان الشراء لأجل دفع شر السارق والسبع، وهذا هو مفاد القاعدة.

دراسة المسألة في ضوء الروايات

أمّا حكم المسألة حسب الروايات فهي على طوائف ثلاث:
الأُولى: ما يدلّ على جواز البيع مطلقاً، كرواية أبي القاسم الصيقل قال: كتبت إليه إنّي رجل صيقل اشتري السيوف وأبيعها من السلطان أجائز لي بيعها؟

صفحه 333
فكتب :«لا بأس به».(1)
الثانية: ما يدلّ على عدم الجواز مطلقاً، كرواية علي بن جعفر، عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: سألته عن حمل المسلمين إلى المشركين التجارة. قال:«إذا لم يحملوا سلاحاً فلا بأس».(2)
ورواية جعفر بن محمد عن آبائه (عليهم السلام) (في وصيّة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي (عليه السلام)) قال: «يا علي كفر باللّه العظيم من هذه الأُمة عشرة: القتّات ـ إلى أن قال: ـ وبائع السلاح من أهل الحرب».(3)
الثالثة: ما يدلّ على التفصيل بين الهدنة والمباينة، كرواية أبي بكر الحضرمي قال: دخلنا على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال له حكم السرّاج: ما تقول فيمن يحمل إلى الشام السروج وأداتها؟ فقال: «لا بأس، أنتم اليوم بمنزلة أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، انّكم في هدنة، فإذا كانت المباينة حرم عليكم أن تحملوا إليهم السروج والسلاح».(4)
ورواية هند السرّاج قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : أصلحك اللّه انّي كنت أحمل السلاح إلى أهل الشام فأبيعه منهم، فلمّا عرّفني اللّه هذا الأمر ضقت بذلك وقلت: لا أحمل إلى أعداء اللّه، فقال لي: «احمل إليهم، فانّ اللّه يدفع بهم عدونا وعدوكم ـ يعني الروم ـ وبعهم، فإذا كانت الحرب بيننا فلا تحملوا، فمن حمل إلى عدونا سلاحاً يستعينون به علينا فهو مشرك».(5)
وما رواه أبو عبد اللّه البرقي، عن السرّاج، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت له: إنّي أبيع السلاح. قال: فقال: «لا تبعه في فتنة».(6)

(1) الوسائل:12/70، الباب8 من أبواب ما يكتسب به، الحديث5.
(2) الوسائل:12/70و71، الباب 8 من أبواب ما يكتسب به، الحديث6و7.
(3) الوسائل:12/70و71، الباب 8 من أبواب ما يكتسب به، الحديث6و7.
(4) الوسائل:12/69و70، الباب8 من أبواب ما يكتسب به، الحديث1و2و4.
(5) الوسائل:12/69و70، الباب8 من أبواب ما يكتسب به، الحديث1و2و4.
(6) الوسائل:12/69و70، الباب8 من أبواب ما يكتسب به، الحديث1و2و4.

صفحه 334
وهذا مختار الشيخ الأعظم (قدس سره) وقال: وبهذه الروايات المفصِّلة تقيّد المطلقات جوازاً ومنعاً، ثمّ نقل عن حواشي الشهيد بأنّ بيع السلاح حرام مطلقاً في حال الحرب والصلح والهدنة، لأنّ فيه تقوية الكافر على المسلم فلا يجوز على كلّ حال.
ثمّ أورد عليه، بأنّه يشبه الاجتهاد في مقابل النص، مع ضعف دليله.
ويلاحظ على ما أفاده:
أمّا أوّلاً: فلأنّه ليس هنا رواية مطلقة دالّة على الجواز على وجه الإطلاق إلاّ رواية أبي القاسم الصيقل وفيها: كتبت إليه انّي رجل صيقل اشتري السيوف وأبيعها من السلطان، أجائز لي بيعها؟ فكتب: «لا بأس به».(1)
ولا يخفى أنّ المراد من السلطان هو السلطان المسلم لا الكافر ولا المشرك.
وثانياً: إنّ مورد الروايات المفصِّلة هو أيضاً سلاطين الجور من المسلمين، حيث قال فيمن يحمل إلى الشام السروج وأداتها، ومثله الرواية الثانية، وقريب منهما في الظهور الرواية الرابعة، وعندئذ كيف يمكن الاعتماد على هذا في إثبات التفصيل بين الحرب والهدنة بالنسبة إلى الكافر؟
وأمّا قول الإمام (عليه السلام) : «لا بأس، أنتم اليوم بمنزلة أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، إنّكم في هدنة»، فمراده (عليه السلام) من التشبيه هو أنّ الشيعة وأهل الشام بمنزلة أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث إنّهم مع كون بعضهم منافقاً و مع عداوة بعضهم لبعض كانوا في الظاهر متوافقين، ولم يكن بينهم نزاع فكذلك أنتم وأهل الشام، فالمخاطب بقوله:«أنتم» مجموع الطرفين من أهل الحق وأهل الشام، وعلى ذلك فلا توجد هناك رواية مفصّلة.

(1) الوسائل: 12/70، الباب8 من أبواب ما يكتسب به، الحديث5.

صفحه 335
وعلى ذلك فمختار الشهيد (قدس سره) أقوى وأنسب للقواعد، إذ فيه تقوية للكافر بلا إشكال، وتقويته كانت على الإثم ولو آجلاً، سواء كانت الحرب سجالاً، أم كان الزمان زمان الهدنة، بل يمكن استفادة الحكم من قوله سبحانه: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّة)(1) فإنّ الآية تأمر بجمع السلاح لغاية الإرهاب والإرعاب، ومع ذلك فكيف يجوز تقوية الكافر لو لم تكن هناك مصلحة؟! على أنّ الروايات المفصّلة المتقدّمة أظهر شاهد على ما نتوخّاه، وهو أنّ الملاك للحرمة والجواز وجود المفسدة العاجلة أو الآجلة أو المصلحة كذلك، لأنّ دولة الشام كانت في قبال دولة الروم وكان تجهيزها مقروناً بالمصلحة في مقابل العدو المشترك، وبذلك يظهر انّ هذه المسألة أكثر ابتلاء للحكومات الإسلامية، والمعيار في الصحّة والفساد ما ذكرنا.
فإن قلت: كيف تقول بعدم الجواز مع أنّ ظاهر رواية الصيقل هو الجواز مطلقاً، وظاهر رواية السرّاج هو الجواز في غير الفتنة؟
قلت: لو فرض هناك إطلاق يقيّد بالدليل العقلي، لاستقلال العقل بعدم الجواز في ما إذا كان في البيع مفسدة أو لم تكن هناك أيّة مصلحة لا عاجلاً ولا آجلاً، وأمّا رواية السرّاج فموردها بيع السلاح من المسلم لا من الكافر، ولأجل ذلك قيد الإمام (عليه السلام) جواز البيع بعدم الفتنة واشتعال النار بين طائفتين من المسلمين.
فإن قلت: كيف تقول بالجواز فيما إذا اقتضت المصلحة بيعه من الكافر مع أنّ إطلاق رواية علي بن جعفر (عليه السلام) خلافه، وهكذا وصيّة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للوصي (عليه السلام) حيث قال: «يا علي كفر باللّه العظيم من هذه الأُمّة عشرة: القتّات ـ إلى أن قال: ـ

(1) الأنفال:60.

صفحه 336
وبائع السلاح من أهل الحرب»(1)؟
قلت: إنّ هاتين الروايتين هما المصدر للقول بعدم الجواز، وهو المحكي عن الشيخين والديلمي، والحلبي، و«التذكرة»، وربما يستظهر من «الشرائع»، والظاهر انصراف الروايتين إلى صورة وجود المفسدة، خصوصاً بالنظر إلى ما ورد في رواية علي بن جعفر (عليه السلام) من قوله:«حمل المسلمين إلى المشركين التجارة»، وفي رواية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «بائع السلاح من أهل الحرب» وغير خفي انّ المشرك وأهل الحرب يخاف منهم على الإسلام في غالب الأوقات إمّا عاجلاً أو آجلاً.
أضف إلى ذلك أنّ رواية علي بن جعفر (عليه السلام) ليست في مقام بيان حكم السلاح، بل هي بصدد بيان حكم التجارة، ولأجل ذلك لا يمكن التمسّك بإطلاقها في جانب السلاح.
ثمّ إنّ الشيخ الأعظم نقل تفصيلاً آخر عن «النهاية»، وظاهر «السرائر» وأكثر كتب العلاّمة، والشهيدين والمحقّق الثاني قدس سرهم وهو اختصاص المنع بالسلاح دون ما لا يصدق عليه ذلك، كالمجن والدروع وسائر ما يكنُّ، واستدل برواية محمد بن قيس قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن الفئتين تلتقيان من أهل الباطل أبيعهما السلاح؟ فقال: «بعهما ما يكنّهما الدرع والخفين ونحو هذا».(2)
ولا يخفى أنّ الرواية خارجة عن مورد البحث، لأنّها واردة في ما إذا كان طرفا الحرب محقوني الدم، وإلاّفلا وجه لتجويز ما يكنُّ وتحريم مالا يكنُّ، فالظاهر أنّ الحرمة في غير المحقون تعمّ كلا القسمين.

(1) الوسائل:12/71، الباب8 من أبواب ما يكتسب به، الحديث7.
(2) الوسائل:12/70، الباب8 من أبواب ما يكتسب به، الحديث3.

صفحه 337
والظاهر أنّ الملاك في جميع الصور واحد، وهو رعاية مصالح الإسلام والمسلمين ومقتضيات الزمان، من غير فرق بين حالتي الحرب والهدنة، والكافر والمسلم، والهجوم والدفاع، هذا كلّه في الحرمة التكليفية.

صحّة البيع أو فساده

أمّا الحرمة الوضعية فهل تبطل المعاملة أو لا؟ يظهر حكمها ممّا أوضحناه في بيع العنب ممّن يعلم أنّه يصنعه خمراً، فإنّ بين بيع السلاح وتقوّي الكفر ووهن الحقّ عموماً وخصوصاً من وجه، فما تعلّق به الأمر بالتسليم وتنفيذ المعاملة هو عنوان البيع، وما تعلّق به النهي هو تقوّي الكفر ووهن الحقّ، فيتصادقان في مورد بيع السلاح من أعداء الدين مع وجود المفسدة، ومثل ذلك لا يوجب الفساد، إذ كم من فرق بين تعلّق النهي بنفس البيع وبين تعلّقه بعنوان منطبق على ما انطبق عليه عنوان البيع.
فإن قلت: إنّ المعاملة باطلة لفقدان شرطها، وهو إمكان التسليم، والمفروض أنّ المشتري ـ بحكم كون التسليم حراماً ـ غير قادر عليه، ومعه كيف تصحّ المعاملة.
قلت: لا يشترط في المعاملة أزيد من القدرة العرفية، فيخرج ما لا تتعلّق به القدرة عرفاً، كبيع الطير في الهواء، والسمك في الماء، وأمّا القدرة الشرعية ـ أي كونه مساغاً ومباحاً ـ فغير مشروط.
فإن قلت: لو قلنا بالصحّة يكون تسليم المعوض واجباً لأجل وجوب الوفاء بالعقد، وحراماً لكونه إعانة على الإثم أو إعانة على وهن الحقّ وتقوية الكفر.
قلت: الحكم فيه ما قيل في الصلاة في الدار المغصوبة، فانّ الحركة فيها

صفحه 338
محكومة بحكمين: حرام بما أنّها مصداق الغصب، وواجب بما أنّها مصداق الصلاة. وقد قلنا في محله: انّ متعلّق الأمر والنهي، هو العناوين الكلية، لا المصاديق الخارجية فلاحظ.

البيع من قطّاع الطريق

لا شكّ أنّ البيع منهم حرام، لأجل كونه إعانة على الإثم، وقد عرفت أنّه لا يشترط في صدق الإعانة إلاّ قصد المعان عليه، والمفروض وجوده.
ويؤيد ذلك ما في حديث «تحف العقول»: «أو وجه من وجوه الفساد».
ثمّ إنّ الشيخ (قدس سره) استدلّ على الحرمة بما ورد في رواية «تحف العقول»: بإناطة الحكم بتقوّي الباطل ووهن الحقّ، محتملاً لشموله لعمل قطّاع الطريق.
ولا يخفى أنّ الوارد في رواية «التحف» هو وهن الحقّ وتقوية الكفر، وليس عمل القطّاع موجباً لوهن الحقّ وتقويته، إذ لا صلة لعملهم بالحقّ والكفر، وإنّما هم يطلبون أموال المسلمين وثروتهم.
نعم، لو صحّ ما نقله الشيخ عن «التحف» من قوله: «تقوّي الباطل» كان لما ذكر وجه.

صفحه 339
الاكتسابات المحرمة
(3)
النوع الثالث: الاكتساب بما لا منفعة محلّلة فيه
التمهيد للبحث:
ما هو ملاك البحث في هذا النوع؟
الفرق بين هذا النوع من البيع، والبيع السفهي.
جعل هذا البحث ذيلاً لشرائط العوضين أولى.
أدلّة الفقهاء على حرمة هذا النوع من البيع:
1. اشتراط المالية في المبيع
2. حرمة الأكل بالباطل
3. عدم الاعتناء بالمنافع النادرة
4. لزوم كون المنفعة ممّا يعدّ صلاحاً للناس

صفحه 340

صفحه 341
الاكتسابات المحرمة
(3)

النوع الثالث: الاكتساب بمالا منفعة محلّلة فيه

وممّا يحرم الاكتساب به الاكتساب بما لا منفعة محلّلة فيه معتدّ بها عند العقلاء.
قال الشيخ الأعظم (قدس سره) : والتحريم في هذا القسم ليس إلاّ من حيث فساد المعاملة وعدم تملّك الثمن، وليس كالاكتساب بالخمر والخنزير.
قبل الورود في البحث نقدّم أُموراً:
الأوّل: انّ البحث في مسائل النوعين السابقين كان حول الحرمة التكليفية والوضعية، وأمّا البحث في هذا النوع فهو مركز على الوضعية لعدم الحرمة التكليفية في هذا النوع من المعاملات إجماعاً.
الثاني: انّ البحث مركّز في أنّه هل يصحّ بيع ما ليس فيه منفعة محلّلة معتدّ بها أو لا؟ وأمّا المعاملات السفهية الخارجة عن حريم الأغراض العقلائية فهي خارجة عن حريم البحث، وبين العنوانين عموم من وجه، إذ ربّما لا يكون بيع ما ليس فيه منفعة محلّلة معتدّ بها معاملة سفهية إذا تعلّق بها غرض شخصي، وربّما ينعكس فيكون بيع ما فيه منفعة محلّلة معتدّ بها سفهياً كبيع الماء في جانب الشط،

صفحه 342
وقد يجتمعان.
ولأجل ذلك لابدّ من إفراز حكم كلّ من العنوانين عن الآخر.
الثالث: كان الأولى للمصنّف (قدس سره) عقد هذا البحث في ذيل المسائل المعقودة لبيان أحكام العوضين.
الرابع: إنّ عدم المنفعة إمّا ناشئ من قلّته كالحبّة من الحنطة، وأُخرى من خسّته ودناءته كالخنافس والعقارب والجعلان و....
وعلى كلّ تقدير فقد ذهب جماعة إلى بطلان بيع مالا منفعة له.
قال الشيخ (قدس سره) في «المبسوط»: وإن كان ممّا لا ينتفع به فلا يجوز بيعه بلا خلاف، مثل الأسد والذئب وسائر الحشرات من الحيّات والعقارب والفأر والخنافس والجعلان، والحداة والنسر والرخمة وبغاث الطير، وكذلك الغربان سواء كان أبقع أو أسود.(1)
وقال العلاّمة (قدس سره) في «التذكرة»: لا يجوز بيع ما لا منفعة فيه، لأنّه ليس مالاً، فلا يؤخذ في مقابله المال كالحبّة والحبتين من الحنطة.(2)
وقال في «المنتهى»: يحرم بيع ما لا ينتفع به كالحشرات كلّها كالفأرة والحيّات والعقارب والخنافس والجعلان وبنات وردان، وسباع البهائم التي لا تصلح للاصطياد كالأسد والذئب، وما لا يؤكل ولا يصاد به من الطير كالرخم والحداة والغراب الأبقع والأسود وبيعها، كلّ هذا لا يجوز بيعه ولا أخذ ثمنه لعدم الانتفاع به.(3)
إلى غير ذلك من الكلمات المتقاربة، وعلى كلّ تقدير فقد استدلّ لبطلان

(1) المبسوط:2/166، كتاب البيوع.
(2) التذكرة:10/35، المسألة14، كتاب البيع.
(3) المنتهى:2/1016، كتاب التجارة.

صفحه 343
المعاملة بوجوه:
الأوّل: يعتبر في مفهوم البيع المالية في الطرفين أو في خصوص المبيع، ومالا منفعة له لا يعدّ مالاً.
يلاحظ عليه: أنّ المالية لا تدور مدار اشتمال العين على المنفعة، وإلاّ فالمجوهرات ممّا لا ينتفع به الإنسان كانتفاعه بالمأكولات والملبوسات والمساكن وغيرها، ويكفي في كون العين مالاً إقبال العقلاء، وإن لم تشتمل على منفعة، والمفروض أنّ المبيع ممّا يبذل بازائه الثمن.
وبذلك يعلم ما في جواب الشيخ الأعظم من الملاحظة حيث قال: إنّه لا مانع من التزام جواز بيع كلّ ما له نفع ما، ولو فرض الشكّ في صدق المال على مثل هذه الأشياء المستلزم للشكّ في صدق البيع، أمكن الحكم بصحّة المعاوضة عليها لعمومات التجارة والصلح والعقود والهبة المعوّضة وغيرها، وعدم المانع، لأنّه ليس إلاّ أكل المال بالباطل ـ الخ.
الثاني : ما نقله الشيخ الأعظم (رحمه الله) عن «الإيضاح»(1) من كون أكل المال بازاء هذه الأشياء أكلاً للمال بالباطل، فتكون معاملة فاسدة.
يلاحظ عليه: ما عرفت ـ و ستعرف أيضاً ـ أنّ الآية ناظرة إلى الأسباب الباطلة والصحيحة، بقرينة لفظة «الباء» فانّها للسببية لا للمقابلة، وقد وردت الآية في موارد ثلاثة من القرآن المجيد(2) والكلّ يشير إلى ما ذكرنا، وكأنّ المستدل توهم أنّ «الباء» للمقابلة، فيكون ناظراً إلى العوض والمعوض الصحيحين أو الباطلين.

(1) والظاهر أنّه إيضاح النافع، لا إيضاح الفوائد، فالأوّل للشيخ إبراهيم بن سليمان القطيفي المعاصر للمحقّق الكركي وله نفحات الفوائد، والثاني لفخر المحقّقين قدس سرهم .
(2) البقرة:188، النساء:29و 161.

صفحه 344
وإن أراد المستدلّ بأنّ المعاملة سفهية.
ففيه: إنّه ربّما يتعلّق غرض نوعي أو شخصي لشراء هذه الأشياء، خصوصاً إذا أُريد من شرائها إجراء الفحوص العلمية عليها.
نعم، لو لم يكن هناك أيّ غرض من الغرضين تبطل المعاملة، كمبادلة القمّل بالبرغوث، لعدم صدق قوله سبحانه:(إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارة عَنْ تَراض) (1)، فإنّ التجارة فرع الماليّة، وهي فرع كون الشيء ممّا يبذل بازائه الثمن.
الثالث: ممّا استدلّ به الشيخ الأعظم(قدس سره) الإجماع على عدم الاعتناء بالمنافع النادرة، وهو الظاهر من التأمّل في الأخبار أيضاً، مثل ما دلّ على تحريم بيع ما تحرم منفعته الغالبة مع اشتماله على منفعة نادرة محلّلة، مثل قوله(عليه السلام) : «لعن اللّه اليهود حرّمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا ثمنها» بناءً على أنّ للشحوم منفعة نادرة محلّلة على اليهود.
لأنّ ظاهر تحريمها عليهم تحريم أكلها أو سائر منافعها المتعارفة دون النادرة، فلولا أنّ النادر في نظر الشارع كالمعدوم، لم يكن وجه للمنع عن البيع، كما لم يمنع الشارع عن بيع ما له منفعة محلّلة مساوية للمحرمة في التعارف والاعتداد.
يلاحظ عليه: أنّ إفتاء جماعة بالبطلان ممّا لا شكّ فيه، ولكنّه مستند إلى القواعد التي كانت بأيديهم وأيدينا، ولم يكن مستنداً إلى نصّ وصل إليهم ولم يصل إلينا، ومثل هذا الاتّفاق لا يلازم رأي المعصوم(عليه السلام) ، ولا يكشف عن وجود النصّ كما هو ظاهر لمن لاحظ الأقوال، وأمّا لعن اليهود فليس إلاّ لأجل بيع الشحوم للمنافع المحرّمة، وهي أكلها كما يشعر به قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ اللّه إذا حرّم أكل شيء حرم ثمنه» وقد عرفت: أنّ الوارد في النصوص يشتمل على لفظ «الأكل» ولو

(1) النساء:29.

صفحه 345
باعوها لأجل المنافع المحلّلة النادرة لما عمّهم اللعن، أو لا أقل من الشكّ فيه.
الرابع: ممّا استدلّ به الشيخ الأعظم(قدس سره) قوله (عليه السلام) في رواية «تحف العقول» في ضابط ما يكتسب به:«وكلّ شيء يكون لهم فيه الصلاح من جهة من الجهات وذلك كلّه حلال بيعه وشراؤه» ولا يراد مطلق المنفعة الشامل للنادرة، وإلاّ لعمّ الأشياء كلّها. ومثله قوله في آخر الحديث: «إنّما حرم اللّه الصناعة التي يجيء منها الفساد محضاً» فإنّ كثيراً من الأمثلة المذكورة هناك لها منافع محلّلة، فانّ الأشربة المحرّمة كثيراً ما ينتفع بها في معالجة الدواب، بل المرضى، فجعلها ممّا يجيء منه الفساد محضاً باعتبار عدم الاعتناء بهذه المصالح بندرتها.
يلاحظ عليه: أمّا الشق الأوّل من الرواية: فالحصر فيها حصر إضافي لا حقيقي، فهي واردة لذكر ما فيه الصلاح والفساد، وأمّا ما لا صلاح فيه ولا فساد فخارج عن مورد الرواية وليست متعرّضة له.
فإن قلت: إنّ الرواية في مقام الضابطة، فالشق الثالث المتوهّم لابدَّ أن يكون داخلاً في أحد الشقين، وحيث إنّه ليس بداخل فيما فيه الصلاح فهو داخل في الشق الآخر.
قلت: إنّما يتوجّه الإشكال لو كان الشق الثالث شقاً شائعاً بحيث يكون ترك ذكره نقضاً للضابطة، وأمّا إذا كان قليل المورد نادر المصداق عزيز الاتّفاق، فعدم ذكره لا يضرّ بكون الرواية في مقام الضابطة.
وأمّا الشق الثاني: فلو صحّ التمسّك به، فإنّما يتم في مثل الصنائع والأشربة المحرمة ذات المفاسد الأخلاقية والاجتماعية، فلا يصحّ بيعها لأجل تلك الغايات النادرة، وذلك لأنّ بيعها لهذه الغايات النادرة يضاد غرض الشارع من قلع مادة الفساد وعدم وقوع هذه الأشياء في متناول الأيدي، وهذا بخلاف الأُمور الخسيسة

صفحه 346
القليلة الفائدة بحسب طبعها، فشمول الشق لهذه الأُمور مورد شك وترديد.
والحاصل: أنّه لو دلّ، لدلّ فيما إذا كان البيع حراماً تكليفاً ووضعاً، فلا يصحّ للمسلم أن يرتكب بيع هذه الأُمور بحجّة أنّها مشتملة على منافع نادرة، كالخمر والبرابط، ولا يعمّ ما يحرم وضعاً فقط لأجل فقدان المنفعة الرائجة.
وبذلك يظهر أنّه ليس في الباب دليل صالح على المنع عن المعاملة لهذه الأشياء إذا ترتبت عليها أغراض عقلائية في صناعة الدواء وإجراء الفحوص العلمية.
ويؤيد ذلك ما ورد في جواز بيع الهرة مثل ما رواه عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «ثمن الكلب الذي لا يصيد سحت»، ثمّ قال:«ولا بأس بثمن الهر».(1)
وقد اختار الشيخ الطوسي(قدس سره) جواز بيع جلود السباع لأجل المنفعة المحلّلة.
والضابطة الكلية أنّه إذا لم يكن في المورد غرض عقلائي، نوعي أم شخصي، لا عاجلاً ولا آجلاً لا تصحّ المعاملة، ولو توهّم المتعاملان وجود المنفعة ثمّ تبيّن خلافه كشف عن البطلان.
ومثله ما لو تعلّق به غرض سفهي، كما إذا اشترى الجعل ليرى كيفية تلاعبه بالعذرة، ومثل ذلك لا يصحّ، لفقدان الغايات العقلائية.

(1) الوسائل:12/83، الباب14 من أبواب ما يكتسب به، الحديث3.

صفحه 347
الاكتسابات المحرمة
(4)
النوع الرابع: الاكتساب بعمل محرّم في نفسه
1. تدليس الماشطة
2. تزيين الرجل بما يحرم عليه
3. التشبيب بالمرأة المؤمنة
4. التصوير
5. التطفيف
6. التنجيم
7. حفظ كتب الضلال
8. حلق اللحية
9. الرشوة
10. سب المؤمن
11. السحر
12. الغش
13. الغناء
14. الغيبة
15. القمار
16. القيادة
17. القيافة
18. الكذب
19. الكهانة
20. اللهو
21. مدح من لا يستحقّ المدح
22. معونة الظالمين
23. النجش
24. النميمة
25. النياحة في الباطل
26. الولاية من قبل الجائر
27. هجاء المؤمن حرام
28. الهجر

صفحه 348

صفحه 349
الاكتسابات المحرّمة
(4)

ممّا يحرم الاكتساب به،

الاكتساب بعمل محرّم في نفسه

ويقع الكلام في موردين:
الأوّل: بيان نفس الأعمال التي تثبت حرمتها، أو قيل بها.
الثاني: حكم الإجارة على العمل المحرّم، وضعاً وتكليفاً.
وقد فصّل الشيخ الأعظم (قدس سره) في المقام حتّى أورد في البحث موضوعات لم يتعارف الاكتساب بها كالغيبة والكذب، ونحو ذلك على ترتيب الحروف الهجائية، ونحن نقتفي أثره. ولكن نقدّم البحث عن المقام الثاني، أي حكم الإجارة على الأعمال المحرّمة وضعاً وتكليفاً على وجه الإجمال بحيث يتّضح حكم الإجارة على الأُمور المحرّمة التي سيوافيك بيانها على الترتيب.
فنقول: لو ثبتت حرمة الشيء في نفسه كالتصوير والتغنّي فالاكتساب به حرام تكليفاً ووضعاً.
أمّا الأوّل: فلأنّ العمل لمّا كان حراماً، فالتكسّب به على نحو الإجارة أو

صفحه 350
الجعالة يكون أيضاً حراماً، لأنّ التصوير والتغنّي حرام شرعاً ومبغوض وجوداً، فإيجاده مباشرة أو تسبيباً يكون أيضاً حراماً.
وإن شئت قلت: لا تختص الحرمة بالوجود المباشري، بل تعم الوجود التسبيبي.
ويدلّ على ذلك ما في «تحف العقول»:«وأمّا وجوه الحرام من وجوه الإجارة نظير أن يؤاجر نفسه على حمل ما يحرم عليه أكله أو شربه أو لُبْسه، أو يؤاجر نفسه في صنعة ذلك الشيء أو حفظه أو لبسه، أو يؤاجر نفسه في هدم المساجد أو قتل النفس بغير حل، أوحمل التصاوير والأصنام والمزامير والبرابط والخمر، والخنازير، والميتة، والدم، أو شيء من وجوه الفساد الذي كان محرماً عليه من غير جهة الإجارة فيه».
وأمّا الحرمة الوضعية، فهي واضحة أيضاً، فإنّ الإجارة إذا كانت حراماً تكليفاً يمتنع أن يتعلّق بها وجوب الوفاء، فانّ مقتضى الحرمة التكليفية حرمة التسليم والتسلّم، ومقتضى الصحّة وجوبهما، فلا يجتمعان، وليس ذلك من قبيل بيع العنب ممّن يصنعه خمراً، فإنّ البيع هناك لم يكن محرّماً بالذات، ولو حرم فإنّما يحرم لأجل أحد العناوين المنطبقة عليه كالإعانة على الإثم ولزوم رفع المنكر، وهذا بخلاف المقام، فانّ نفس الإجارة محرّمة لا تجتمع مع وجوب الوفاء المحرّم.
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى المقام الأوّل، أي بيان الأعمال التي تثبت حرمتها أو قيل بها، و نذكرها على حسب الحروف الهجائية تبعاً للشيخ الأعظم(قدس سره) فنقول:

صفحه 351

1

تدليس الماشطة

قال الصدوق (قدس سره) في «المقنع»: ولا بأس بكسب الماشطة إذا لم تشارط، وقبلت ما تعطى، ولا تصل شعر المرأة بشعر امرأة غيرها، وأمّا شعر المعز فلا بأس بأن يوصل بشعر المرأة.(1)
وقال الشيخ (قدس سره) في «النهاية»: وكسب المواشط حلال إذا لم يغششن ولا يدلسن في عملهن، فيصلن شعر النساء بشعر غيرهن من الناس، ويوشمن الخدود، ويستعملن مالا يجوز في شريعة الإسلام، فإن وصلن شعورهن بشعر غير الناس لم يكن بذلك بأس.(2)
وقال في «الخلاف»: يكره للمرأة أن تصل شعرها بشعر غيرها رجلاً كان أو امرأة، ولا بأس بأن تصل شعرها بشعر حيوان آخر طاهر.(3)
وقال سلاّر في «المراسم»: فأمّا كسب المواشط إذا لم تغش... فحلال طلق.(4)

(1) المقنع:122.
(2) النهاية:366.
(3) الخلاف:1/70، كتاب الصلاة، المسألة334.
(4) المراسم:170.

صفحه 352
وقال العلاّمة (قدس سره) في «الإرشاد»: والغش بما يخفى وتدليس الماشطة.
وقال المحقّق الأردبيلي(قدس سره) في شرحه: المراد تدليس المرأة التي تريد تزويج امرأة برجل، أو بيع أمة، بأن يستر عيبها ويظهر ما يحسنها من تحمير وجهها ووصل شعرها، مع عدم علم الزوج والمشتري بذلك، والظاهر أنّه غير مخصوص بالماشطة، بل لو فعلت المرأة بنفسها ذلك كذلك، بل لو فعلت أوّلاً لا للتدليس ثمّ حصل في هذا الوقت المشتري أو الزوج فإخفاؤه مثل فعله، ودليل التحريم كأنّه الإجماع وأنّه غش وهو حرام.(1)
هذا بعض كلمات أصحابنا وإليك بعض الكلمات من غيرهم:
قال البيهقي في «سننه»: جاءت امرأة إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالت: إنّ لي بنتاً عروساً وأنّ الحصبة أخذتها، فسقط شعر رأسها أفأصل في شعر رأسها؟ فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «لعن اللّه الواصلة والمستوصلة».
وقال في حديث آخر: «لعن اللّه الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة».
ونقل أيضاً زجر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن «أن تصل المرأة برأسها شيئاً»، ونقل عن ابن عباس:«لا بأس بالوصال في الشعر إذا كان من صوف».(2)
وقال ابن قدامة: والواصلة هي التي تصل شعرها بغيره أو شعر غيرها، والمستوصلة الموصول شعرها بأمرها، فهذا لا يجوز... وروي عن جابر قال: «نهى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن تصل المرأة برأسها شيئاً».
وقال المروزي: جاءت امرأة من هؤلاء الذين يمشطون إلى أبي عبد اللّه

(1) مجمع الفائدة والبرهان:8/83، كتاب المتاجر.
(2) السنن الكبرى:2/426.

صفحه 353
فقالت: إنّي أصل رأس المرأة بقرامل وأمشطها فترى لي أن أحجّ ممّا اكتسب؟ قال: «لا» وكره كسبها.وقال لها: «يكون من مال أطيب من هذا»، والظاهر أنّ المحرّم إنّما هو وصل الشعر بالشعر لما فيه من التدليس.(1)
فنقول: إنّ الكلام يقع في مقامين:
الأوّل: في حكم نفس عمل الماشطة.
الثاني: في تدليس الماشطة.
أمّا الأوّل، فقد قيّد الجواز بأُمور:
الأوّل: عدم الاشتراط.
الثاني: عدم وصل الشعر بالشعر.
الثالث: عدم الغسل بالخرقة.
الرابع: عدم حف الشعر.
الخامس:عدم الوشر والوشم.
فنقول: أمّا الأمر الأوّل: فالماشطة والمشاطة هي التي تمرُّ المشط وتتخذ ذلك حرفة لنفسها، وهي جائزة لسيرة المسلمين على الرجوع إليها، ودلالة الأخبار على جوازها.
وأمّا تقييدها بعدم اشتراط الأُجرة فتدلُّ عليه مرسلة الفقيه، حيث قال (عليه السلام) : «لا بأس بكسب الماشطة ما لم تشارط وقبلت ما تعطى، ولا تصل شعر المرأة بشعر امرأة غيرها، وأمّا شعر المعز فلا بأس بأن توصله بشعر المرأة».(2)
ونظيرها في «الفقه الرضوي»: «لا بأس بكسب الماشطة إذا لم تشارط وقبلت

(1) المغني:1/76ـ77، الطبعة الثالثة.
(2) الوسائل:12/95، الباب19 من أبواب ما يكتسب به، الحديث6.

صفحه 354
ما تعطى، ولا تصل شعر المرأة بغير شعرها، وأمّا شعر المعز فلا بأس بأن توصل».(1)
غير أنّ الكلام في لزوم العمل بهذا الشرط مع وجود الإرسال في الروايتين، وحملهما على الاستحباب أولى.
ووجهه: أنّ عمل الماشطة ليس عملاً تبرعيّاً ـ لكونه مخالفاً للسيرة، ويدلّ على ذلك بعض الروايات كخبر قاسم بن محمد، عن علي قال: سألته عن امرأة مسلمة تمشط العرائس ليس لها معيشة غير ذلك وقد دخلها ضيق. قال: «لا بأس ولكن لا تصل الشعر بالشعر»(2) ـ ولا من باب الإيجار، وإلاّلاستحب فيه تعيين الأُجرة كما تدلّ عليه نصوص باب الإجارة(3)، بل هو من قبيل الأمر بإيجاد العمل الذي ينصرف إلى أُجرة المثل، وبما أنّ ما يدفع إلى الماشطة لا يقل عنها أُمرت بترك المشارطة، وإلى هذا الوجه وغيره أشار الشيخ الأعظم (قدس سره) فلاحظ.
وأمّا الأمر الثاني: ـ أعني: عدم وصل الشعر بالشعر ـ ، فالروايات فيه على أقسام:
القسم الأوّل: ما يدلّ على الجواز كرواية سعد الاسكاف قال: وسئل أبو جعفر (عليه السلام) عن القرامل التي تضعها النساء في رؤوسهن يصلنه بشعورهن؟ فقال: «لا بأس على المرأة بما تزينت به لزوجها». قال: فقلت: بلغنا أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لعن الواصلة والموصولة. فقال: «ليس هنالك، إنّما لعن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)الواصلة التي

(1) المستدرك:13/94، الباب17 من أبواب ما يكتسب به، الحديث1.
(2) الوسائل: 12/94، الباب19 من أبواب ما يكتسب به، الحديث4.
(3) لاحظ الوسائل:13/245 ، الباب 3 من أبواب أحكام الإجارة.

صفحه 355
تزني في شبابها فلما كبرت قادت النساء إلى الرجال، فتلك الواصلة والموصولة».(1) فإنّ قول الإمام(عليه السلام) : «ليس هنالك» الخ، يدلّ على أنّ عمل الواصلة يعني ايصال شعر امرأة بغيرها ممّا لا بأس به.
القسم الثاني: ما يدلّ على المنع ، وتدلّ على ذلك مرسلة ابن أبي عمير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «دخلت ماشطة على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال لها: هل تركتِ عملكِ أو أقمتِ عليه؟ فقالت: يا رسول اللّه أنا أعمله إلاّ أن تنهاني عنه فانتهي عنه. فقال: افعلي فإذا مشطت فلا تجلي الوجه بالخرق، فانّه يذهب بماء الوجه ولا تَصلي الشعر بالشعر».(2)
وخبر قاسم بن محمد، عن علي قال: سألته عن امرأة مسلمة تمشط العرائس ليس لها معيشة غير ذلك وقد دخلها ضيق. قال: «لا بأس، ولكن لا تصل الشعر بالشعر».(3)
ورواية علي بن غراب حيث قال: «لعن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) النامصة والمنتمصة، والواشرة والموتشرة، والواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة».(4)
القسم الثالث: ما يظهر منها التفصيل بين وصل شعر امرأة بشعر غيرها، وبين وصل شعر المعز بها، بالجواز في الثاني دون الأوّل، نحو مرسلة الفقيه، حيث قال (عليه السلام) :«لا بأس بكسب الماشطة ما لم تشارط وقبلت ما تعطى، ولا تصل شعر المرأة بشعر امرأة غيرها، وأمّا شعر المعز فلا بأس بأن توصله بشعر المرأة».(5)
ونظير ذلك ما في رواية عبد اللّه بن الحسن حيث فصّلت بين الصوف

(1) الوسائل:12/94، الباب19 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 3و2.
(2) الوسائل:12/94، الباب19 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 3و2.
(3) الوسائل: 12/94، الباب19 من أبواب ما يكتسب به، الحديث4.
(4) الوسائل:12/95، الباب19 من أبواب ما يكتسب به، الحديث7.
(5) الوسائل:11/95، الباب19 من أبواب ما يكتسب به، الحديث6.

صفحه 356
والشعر.(1)
ويمكن حمل الروايات المانعة على الكراهة بما ورد في الرواية الأخيرة حيث قال: «وإن كان شعراً فلا خير فيه» فانّه ظاهر في الكراهة في الشعر وعدمها في الصوف، ويمكن استظهار الكراهة من رواية ثابت بن سعيد حيث قال: سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن النساء تجعل في رؤوسهن القرامل. قال: «يصلح الصوف و ما كان من شعر امرأة لنفسها، وكره للمرأة أن تجعل القرامل من شعر غيرها، فإن وصلت شعرها بصوف أو بشعر نفسها فلا يضرها».(2)
والظاهر أنّ المراد من الكراهة هو الكراهة المصطلحة.
فإن قلت: كيف تحمل على الكراهة وأنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لعن الواصلة والموصولة كما في رواية سعد الاسكاف.(3)
قلت: إنّ الإمام (عليه السلام) فسّره بالقيادة، وإن كان علي بن غراب(4) فسّره بوصل الشعر، وهو لا يقاوم تفسير الإمام (عليه السلام) ، وإن ورد ما ذكره أيضاً في «سنن البيهقي».
وعلى ذلك فالمتعيّن هو الكراهة في وصل شعر امرأة بغيرها وعدمها في غيره.
وأمّا الأمر الثالث: ـ أي عدم الغسل بالخرقة ـ فقد ورد هذا القيد في روايتين:
الأُولى: رواية محمد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ـ في حديث أُمّ حبيب

(1) الوسائل:12/94، الباب19 من أبواب ما يك