welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : نظام الطلاق*
تألیف :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

نظام الطلاق

صفحه 1
الأحوال الشخصية
نظام الطلاق
في الشريعة الإسلامية الغرّاء
تقريراً لبحث شيخنا
الفقيه المحقّق
الشيخ جعفر السبحاني
ـ دام ظلّه ـ
تأليف
الشيخ سيف الله اليعقوبي الإصفهاني

صفحه 2
هوية الكتاب
اسم الكتاب ................................ نظام الطلاق في الشريعة الإسلاميّة الغرّاء
المؤلّف....................................................... الفقيه المحقّق جعفر السبحاني
الموضـوع ............................................... الأحوال الشخصيّة: الطلاق
الطبعة الأولى ...................................................... عام 1414 هـ. ق
الكميّة.................................................................... 2000 نسخة
المطبعة ....................................................................... اعتماد ـ قم
الناشر: ............ مؤسسة الإمام الصّادق (عليه السلام)قم
الصفّ والإخراج الفنـّي باللاينوترون ............ مؤسسة الإمام الصّادق (عليه السلام)قم
توزيع
مكتبة التوحيد
قم ـ ساحة الشهداء

صفحه 3
نظام الطلاق
في الشريعة الإسلاميّة الغرّاء

صفحه 4
بسم الله الرحمن الرحيم
بقلم شيخنا المحاضر ـ دام ظله ـ
الحمد لله الّذي رفع درجات العلماء، وفضّل مدادهم على دماء الشهداء، وجعل موطأ أقدامهم، أجنحة ملائكة السماء، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء الّذي برسالته ختمت رسالات السماء، وعلى آله الطيّبين النجباء، كهوف الورى، وأعلام التقى، ومصابيح الدجى صلاة دائمة باقية.
أمّا بعد: فانّ الشريعة الإسلامية شريعة كاملة اغنت المجتمع البشري عن أيّ تشريع آخر، بشريّ شرقي أو غربي، ومن معظم مباحثها، الأحوال الشخصيّة المتمثلة في نظام الأُسرة وأحكامها وحقوقها.
ويتمثّل نظام الاسرة عندنا في ايجادها بالنكاح أو حلّها بالطّلاق والموت والفسخ والانفساخ، وحقوق الاسرة في حال الحياة والممات كالميراث والوصية.
غير انّ هذا المصطلح جديد بين علماء الحقوق والقانون، وأوّل من استخدمه في بداية هذا القرن هو الفقيه المصريّ محمد قدر باشا وقد وضع مجموعة فقهيّة سمّاها «الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية» ولكن الحقوقيين يستعملون تلك اللفظة في معنى أوسع ممّا ذكرنا (1) ولا مشاحة في الاصطلاح.
ولمّا كان هذا الموضوع من أهمّ المباحث الفقهية. وقد ورثنا من علمائنا

1 . لاحظ شرح قانون الأحوال الشخصيّة للدكتور عبدالرحمن الصابوني: 11 .

صفحه 5
القدامى والمتأخرين دراسات عميقة وابحاث مفصّلة في ذلك المجال، عمدنا إلى معالجة هذه الأبحاث بالقائها بصورة استدلالية في صورة تلائم روح العصر، وتلبيّ حاجة طلاّب المنهج.
فألقينا محاضرات حول أحكام النكاح والطلاق والميراث، على ثلّة من فضلاء الحوزة العلمية مرّة تلو أُخرى، وقد دوّنت ونظّمت مجموعة هذه المحاضرات بوساطة الفضلاء ممن حضر هذه البحوث، وممن دوّن هذه الابحاث وضبطها أحسن ضبط الفاضل النبيل حجّة الإسلام الشيخ سيف الله اليعقوبي الاصفهاني ـ دامت إفاضاته ـ .
وقد قرأنا وراجعنا ما كتب، وما دبجته يراعته فالفيناه كافلاً لما ألقيناه ومستوعباً لما أردناه ـ فجزاه الله عن الإسلام خير الجزاء وجعل عقباه خيراً من دنياه ـ .
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الحوزة العلمية ـ قم
جعفر السبحاني
24 شعبان المعظم 1414 هـ

صفحه 6
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأنبياء وخاتم المرسلين أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين إلى يوم الدين.
وبعد لمّا كانت الأحوال الشخصية من أهم المباحث الفقهية إذ في ظلّ القوانين المرتبطة بها، يقوم نظام الاسرة ويستقيم أمرها، وتحلّ المناكح، طلب حضار بحوث العلاّمة الفقيه المحقّق آية الله الشيخ جعفر السبحاني ـ دام ظلّه ـ أن يلقي محاضرات استدلالية في هذا المجال، فلبّى سماحته ـ مشكوراً ـ دعوتهم، وكنت ممن حضر هذه الدروس، وتوفّق لكتابتها وتدوينها وتأكيداً للصحة عرضتها على سماحته ـ دام ظلّه ـ فشرفني بمطالعتها وتصحيح ما لزم تصحيحه فيها، وها أنا اقدّمها لطلاب الفقه ومحبي فقه أهل البيت(عليهم السلام)أملا أن يستفيدوا منها منهجاً ومحتوى، وطريقة وموضوعاً، والله الموفق.
وكتابنا هذا يشمل على مقدمة وفصول خمسة.
سيف الله اليعقوبي الاصفهاني

صفحه 7

تعريف الطلاق

النكاح عقد بين الزوجين وعليه يبنى صرح الاسرة ويصان به العرض ويتحفظ على العفّة، و الطّلاق حلّ ذلك العقد، فإذا كان الأوّل أحبّ الأُمور عند الشارع كما في الروايات (1) يكون الطلاق أبغضها، ولكنّه ربّما تقتضي الضرورة قطع العُلقة وفكّ العقدة، وقد شرّعه الإسلام في ظروف خاصّة، ربّما لايكون عنه محيص. وفي الوقت نفسه وصفه بأبغض الأشياء.
روى صفوان بن مهران عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال: «قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): تزوَّجوا وزوِّجوا، ألا فمِن حظّ امرء مسلم إنفاق قيمة أيّمة، وما من شيء أحبُّ إلى اللّه ـ عزّ وجلّ ـ من بيت يعمر بالنّكاح، وما من شيء أبغض إلى اللّه ـ عزّ وجلّ ـ من بيت يخرب في الإسلام بالفرقة» يعني الطّلاق.(2) وبهذا المضمون روايات أُخر فراجع.
إنّ حكم الطّلاق في الإسلام دليل على كمال تشريعه وتقنينه إذ لم يترك تلك الناحية الحيويّة سدى، وليس تحريم الطّلاق في النصرانيّة دليلاً على العناية بالمرأة واحترامها، فإنّ تفسير الحرمة بهذا الوجه خداع وضلال، بل تحريم

1 . قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): ما بني بناء في الإسلام أحبّ إلى اللّه عزّ وجلّ من التزويج. الوسائل14: الباب1 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث4.
2 . الوسائل15: الباب 1 من أبواب مقدّماته وشرائطه،الحديث1.

صفحه 8
الطّلاق لغاية الإنتقام من الزّوج لارتكاربه ذنباً لايغفر وهو تأهّله وتزّوّجه، وخروجه عن الإقتداء بالمسيح (عليه السلام) ، فحكم عليه بحرمة الطّلاق، تعذيباً وإيلاماً له حتّى لاتفكّ رقبته من هذا القيد، فالتحريم آية الهوان للمرأة، لاآية التكريم.
وعلى كلّ تقدير فالطّلاق لغةً: هو حلُّ القيد كقيد الأسير، يقال: أُطلقالأسير إذا حُلَّ من القيد، وربّما يستعمل في الإرسال والتّرك، يقال: ناقة طالقة، كما يقال: طلَّق القوم: تركهم. ولايخفى قرب المعنيين وإمكان تصوير جامع بينهما.
ثمّ إنّ لفظ الطّلاق مصدر للفعل المجرّد، و اسم مصدر للمزيد فيه، فلو قال: طلقت (بتخفيف اللاّم وفتحها وضمّها) طلاقاً فهو مصدر، ولو قال على تشديد اللاّم، طلّقت، فهو اسم مصدر. والمصدر التّطليق نظير: السّلام والكلام والتّسليم والتكريم حرفاً بحرف(1).
ثمّ إنّ الطّلاق من الأُمور العرفيّة الاعتباريّة الرائجة بين العقلاء إلاّ فرقة واحدة من المسيحيين، أعني الفرقة «الكاثوليكيّة». وقد أمضاه الإسلام بشروط كما ستوافيك. وهل هو اسم للسبب، أي إنشاء فراق المرأة بلفظ أو فعل، أو للمسبّب، أعني الأثر الحاصل من الإنشاء، فيه خلاف كالخلاف الموجود في جميع ألفاظ المعاملات.
وقد عرّف الطّلاق بـ «إزالة قيد النّكاح»، والأولى تعريفه بـ «حلِّ العقدة» اقتداءً بقوله سبحانه: (أوْ يَعْفُوَا الّذي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ) (2)

1 . لاحظ للسان و المجمع مادة طلق.
2 . البقرة:237.

صفحه 9
وأُشكل على التّعريف بعدم صدقه على الطّلاق الرّجعيّ، فإنّه لاتُرفع فيه عقدة النّكاح، بشهادة أنّه يجوز الرّجوع فيه لفظاً وعملاً مع القصد وغيره، فلو جامع الزوج المطلّقة الرّجعيّة لابقصد الرّجوع، يزول أثر الطّلاق وترجع إلى حبالته.
ويمكن الجواب عنه بأنّه لافرق بين البائن والرّجعيّ، غير أنّه يجوز العود إلى النّكاح مجدداً في الثاني دون الأوّل.
وإن شئت قلت: إنّ تحقّق الطّلاق في الرّجعيّ حقيقةً مشروط بشرط متأخّر وهو عدم تحقّق الرجوع من الزّوج قولاً وعملاً مع القصد وعدمه، فالرفع في كليهما فعليّ، لكنّه في البائن مطلق وفي الرجعيّ مشروط، وكلّ ما يقال في الشرط المتأخّر جار في المقام أيضاً إشكالاً وجواباً، وربّما يعرّف الطّلاق (لأجل إدخال الرجعيّ فيه) بأنّه : إزالة النّكاح أو نقصان حلِّه بلفظ مخصوص. والمراد من قوله «نقصان حلّه» هو نقص عدد الطّلاق الذي يترتّب عليه نقص حلّ الزّوجية، وهذا إذا طلّقها طلقةً رجعيةً فإنّها تنقص حلّها... ولايملك إلاّ طلقتان مع أنّه كان في السابق يملك ثلاث طلقات.(1)
يلاحظ عليه: بأنّه لو قيل بعدم الإزالة في الرجعيّ كما هو مقتضى التقابل في التعريف، لزم منه عدم تحقّق الطّلاق فيما إذا لم يرجع بعد الطّلاق وخرجت عن العدّة وهو كما ترى. وأقصى ما يترتب عليه هو نقصان حلِّه وهو غير إزالة النكاح.

أركانه:

إنّ للطّلاق إضافةً إلى المطلِّق، وإلى المطلّقة، وإلى الصيغة التي بها يتحقَّق، فطبيعة الحال تقتضي كون الأركان في الطلاق ثلاثة، غير أنّه لمّا اشترط في

1 . الفقه على المذاهب الأربعة:4/278.

صفحه 10
الشرع بالإشهاد صارت أركانه أربعة، وربّما يجعل الركن الرابع هو القصد، «بأن يقصد النّطق بلفظ الطّلاق» (1)
يلاحظ عليه: أنّه من شرائط المطلِّق او من شرائط الصيغة أعني الركن الثالث وليس ركناً مستقلاً وستوافيك شروط الصيغة. فيقع الكلام في الأركان واحداً بعد آخر.

1 . الفقه على المذاهب الأربعة:4/281.

صفحه 11
الفصل الأوّل:
في أركان الطلاق
وهي أربعة:
الف: المطلِّق وشروطه
1. البلوغ 2. العقل. 3. الاختيار. 4. القصد.
ب: المطلَّقة وشروطها
1. أن تكون زوجة    2. معقودة دائماً.
3. طاهرة من الحيض والنفاس      4. متبرأة من المواقعة
ج: الصيغة وشروطها
1. اشتراط الإنشاء بلفظ: أنت طلاق وفيه بيان حكم الطّلاق بالكتابة وطلاق غير القادر على الإنشاء بالعربية، وطلاق الأخرس والحلف بالطّلاق.
2. أن يكون منجّزاً لا معلَّقاً.
3. حكم الطّلاق ثلاثاً.
ج: الإشهاد: حضور عدلين في مجلس الطّلاق.
ـ وفي حكم تبيّن فسق الشاهدين.

صفحه 12

صفحه 13

الركن الأوّل:

المطلِّق

ويشترط فيه شروط أربعة:
أحدها: البلوغ. ثانيها: العقل. ثالثها : الاختيار. رابعها: القصد.
وإليك الكلام في الشرط الأوّل.

الشرط الأوّل: البلوغ

اختلفت كلمة الأصحاب في شرطية البلوغ فذهبت طائفة إلى عدم شرطيته وإليك البيان:
قال ابن بابويه: والغلام إذا طلّق للسنّة فطلاقه جائز (1).
وقال الشيخ في النهاية: والغلام إذا طلّق وكان ممّن يحسن الطلاق وقد أتى عليه عشر سنين فصاعداً جاز طلاقه (2).
وقال ابن البرّاج: إذا كان يحسن الطّلاق، وكان سنّه عشر سنين أو أكثر من ذلك، وأراد الطّلاق كان ذلك جائزاً (3).
وقال ابن حمزة: ومن لم يبلغ ضربان إمّا لم يبلغ عشر سنين فصاعداً فلايصحّ منه الطّلاق ولا من وليّه له، أو بلغ وكان مميّزاً فيصحّ طلاقه (4).
وخالفهم لفيف من القدماء وجلّ المتأخرين.

1 . الفقه الرضوي بناءً على أنّه تأليف والد الصدوق.
2 . النهاية: 518.
3 . المهذب: 2/288.
4 . الوسيلة: 323.

صفحه 14
قال أبو الصلاح: واشترطنا صحّة التصرّف إحترازاً من الصبيّ والمجنون والسكران (1).
وقال سلاّر: ومن شرط المطلِّق أن يكون مالكاً لأمره (2).
وقال ابن ادريس ـ بعد نقل كلام الشيخ في النهاية وذكر الرواية التي استند إليها الشيخ ـ: إنّها مخالفة لأُصول المذهب، والأدلّة المتضافرة، ولقول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم (3).
وأمّا المتأخّرون فكفى في اتّفاقهم على الشرطية قول صاحب الجواهر بعد قول المحقق «البلوغ»: بلا خلاف أجده (4).
وأمّا العامّة; فقال شمس الدين ابن قدامة المقدسيّ في شرحه على المغني: أكثر الروايات عن أحمد أنّ طلاقه يقع، وذكره الخرقي واختاره أبوبكر(5) وابن حامد، وروي نحو ذلك عن سعيد بن المسيّب وعطاء والحسن والشعبي وإسحاق، وروى أبو طالب عن أحمد: لايجوز طلاقه حتى يحتلم، وهو قول النخعي والزّهري ومالك وحمّاد والثوري وأبي عبيد وذكر أبو عبيد أنّه قول أهل العراق وأهل الحجاز. وروي ذلك عن ابن عباس لقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «رفع القلم عن الصبيّ حتّى يحتلم» (6) وهذا النقل يدلُّ على أنّ المسألة كانت مورد

1 . الكافي: 305.
2 . المراسم: 161.
3 . السرائر: 2/673، و 693.
4 . الجواهر: 32/4.
5 . المراد أبوبكر الخلاّل الذي جمع فتاوى أحمد بن حنبل من هناوهناك.
6 . المغني:8/236، وقد نقل فيه الجواز لمن له بين عشر إلى اثني عشر سنّاً كما نقل جوازه لمن أحصى الصلاة وصام رمضان إلى غير ذلك من العبارات المشعرة بكفاية التمييز.

صفحه 15
الاختلاف بين التابعين وتابعيهم.
ومع ذلك قال ابن رشد: «واتفقوا على انّه الزوج العاقل البالغ الحرّ غير المكره»(1).
وأمّا الروايات فهي على طائفتين:
الأُولى: ما يدلّ على عدم نفوذ طلاق الصبيّ حتّى يحلتم. مثل:
1ـ ما رواه أبو الصباح الكنانيّ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال: «ليس طلاق الصبيّ بشيء».(2)
2ـ والسّكوني، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال: «كلّ طلاق جائز إلاّ طلاق المعتوه أو الصبيّ أو مبرسم أو مجنون أو مُكرَه». (3)
3ـ وأبو بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال: «لايجوز طلاق الصبيّ ولا السّكران».(4)
4ـ وحسين بن علوان، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن عليّ (عليه السلام) ، قال: «لايجوز طلاق الغلام حتّى يحتلم».(5)
وفي مقابلها ما يدلّ على الجواز بقيد كونه عاقلاً، أو قادراً على وضع الصدقة في موضعها وحقّها والكلُّ كناية عن كونه مميّزاً، نظير:
1ـ ما رواه سماعة، قال: سألته عن طلاق الغلام ولم يحتلم وصدقته، فقال: إذا طلّق للسُّنَّة ووضع الصدقة في موضعها وحقّها فلابأس وهو جائز.(6)
2ـ وجميل بن درّاج عن أحدهما (عليهما السلام) ، قال: يجوز طلاق الغلام إذا

1 . بداية المجتهد: 2/81.
2 . الوسائل15:الباب32 من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث1و 3 و 4 و 8 و 7.
3 . الوسائل15:الباب32 من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث1و 3 و 4 و 8 و 7.
4 . الوسائل15:الباب32 من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث1و 3 و 4 و 8 و 7.
5 . الوسائل15:الباب32 من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث1و 3 و 4 و 8 و 7.
6 . الوسائل15:الباب32 من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث1و 3 و 4 و 8 و 7.

صفحه 16
كان قد عقل وصدقته ووصيّته وإن لم يحتلم.(1)
3ـ وما رواه في الفقه الرضوي: والغلام إذا طلّق للسّنّة فطلاقه جائز.(2)
وأمّا روايتا ابن بكير وابن أبي عمير، فمضطربتان متناً وإليك ما روياه:
4ـ روى في الكافي عن ابن بكير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال: «]لا [يجوز طلاق الغلام إذا كان قد عقل ووصيّته وصدقته وإن لم يحتلم». (3)
فلو كان الذيل«وإن لم يحتلم» فهو يدلّ على زيادة حرف النفي وأنّ الصحيح «يجوز»، بخلاف ما إذا كان «إن لم يحتلم» فإنّه يناسب كون الصحيح «لايجوز».
5ـ وروى عن ابن أبي عمير، عن بعض رجاله، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «]لا[ يجوز طلاق الصبيّ إذا بلغ عشر سنين».(4) والظاهر زيادة ]لا[ كما رواه في الوسائل.
هذا ما وقفنا عليه من الرّوايات، وهل الطائفتان متعارضتان حتّى يرجع إلى المرجّحات، أو أنّ النسبة بينهما عموم وخصوص مطلق; لظهور الروايات النافية في عدم جواز طلاق الصبي مطلقاً بلغ العشر أم لم يبلغ، قدر على وضع الصدقة في موضعها أم لا، فعلى ذلك فتخصّص الطائفة الأولى بالطائفة الثانية؟
قال صاحب الحدائق: تحمل رواية الكناني ورواية أبي بصير ونحوهما ممّا

1 . الوسائل13: الباب 15 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث2، ورواه في الوسائل عن جميل بن دُرّاج عن أحدهما، والظاهر سقوط الواسطة كما في المصدر وهو محمّد بن مسلم لأنّ جميل بن درّاج من أحداث أصحاب الإمام أبي عبد اللّه (عليه السلام) فلايمكن له أن يروي عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) . إلاّ أن يكون ذلك قرينة على أنّ المراد هو الإمام الصادق (عليه السلام) فتأمّل.
2 . المستدرك:3/8 الباب24، الحديث3.
3 . الكافي: 6/124 كتاب الطلاق، الحديث4و 5.
4 . الكافي: 6/124 كتاب الطلاق، الحديث4و 5.

صفحه 17
دلّ على عموم عدم جواز طلاقه على من لم يبلغ العشر أو من بلغ، ولكن لايعقل ذلك، وما دلّ على جواز طلاقه مطلقاً كما في رواية جميل بن درّاج وسماعة وابن بكير ونحوها على من بلغ عشراً وكان يعقل ذلك.
يلاحظ عليه: أنّه يستلزم أن يكون ورود العامّ لغواً، فإنّه إذا خرج البالغ عشراً وما فوقه، وخرج المميّز والعارف بوضع الصدقة محلّها; يلزم أن يكون العامّ مختصاً بما دون العشر وغير المميّز، ومن المعلوم أنّ طلاقه غير صحيح قطعاً فلاحاجة للعناية بذكره.
فالحق أنّ الطائفتين متعارضتان، والترجيح مع الطائفة الأولى لموافقتها للسنّة النبويّة، أعني قوله: «رُفع القلم عن الصبيّ حتّى يحتلم»(1) على أنّ طبيعة الموضوع وخطورته تقتضي اشتراط البلوغ فلايترك هذا الموضوع المهمّ إلى الصبيّ نفسه، وإن عقل وميّز، كيف وأمر الطلاق ليس بأقلّ من الأموال، ولايجوز له التصرّف في أمواله فكيف في حلّ عقدة النّكاح، فالظاهر اشتراط البلوغ بلا كلام.

طلاق الوليّ زوجة الصبيّ

إذا كان البلوغ شرطاً في جواز الطلاق فلايجوز للوليّ طلاق زوجته عنه أيضاً ولايةً إجماعاً، وقد استدلّ عليه بما لايخلو من النظر، كالنبويّ المعروف «الطلاق بيد من أخذ بالسّاق»(2) فإنّه في مقابل الأجنبيّ لا الوليّ كأدلّة الوكالة ; فإذا جاز الطلاق بالوكالة وكانت أدلّة الوكالة مقدّمةً على النبويّ جاز بالولاية أيضاً.
وبذلك يظهر ضعف ما استدلّ به المحقّق، حيث قال: «لاختصاص

1 . الجامع الصغير:2/57.
2 . كنز العمال:5/155.

صفحه 18
الطلاق بمالك البِضْع» لما عرفت من أنّ معناه; أنّ الطلاق بيد المالك لا الأجنبيّ، وأمّا الوكيل والوليّ الخاصّ أو العامّ فالدليل منصرف عن إخراجهم. نعم استدلّ بقوله: «وتوقّع زوال حجره غالباً لقصر مدّته» وهو في محلّه.
والأولى الإستدلال بالروايات المرويّة في المقام; مثل صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام)في الصبيّ يتزوّج الصبيّة يتوارثان؟ فقال: «إذا كان أبواهما اللّذان زوّجاهما فنعم» قلت: فهل يجوز طلاق الأب؟ قال:«لا».(1)
وخبر عبيد بن زرارة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال: سألته عن الصبيّ يُزوّج الصبيّة هل يتوارثان؟ قال: «إن كان أبواهما هما اللّذان زوّجاهما فنعم»، قلنا: يجوز طلاق الأب؟ قال: «لا».(2)
وخبر فضل بن عبد الملك، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يزوِّ ج ابنه وهو صغير قال: «لابأس» قلت: يجوز طلاق الأب؟ قال: «لا...».(3)
وربّما توصف الرواية بالصحّة لكن في طريقها عبد اللّه بن محمّد بن عيسى وهو أخو أحمد بن محمّد بن عيسى ولم يوثّق هو ولا أخوه الآخر أعني بنان بن محمد بن عيسى صريحاً، وإن دلّت القرائن على وثاقة عبد اللّه كما ذكره العلاّمة المامقاني في ترجمته فلاحظ. والمسألة إجماعيّة لاتحتاج إلى التفصيل.
هذا إذا كان الصبيّ سويّاً وسالماً وأمّا غيره فله صور ثلاث:
1ـ إذا جُنّ بعد العقد و هو غير بالغ.
2ـ إذا بلغ فاسد العقل.

1 . الوسائل14:220، الباب 12 من أبواب عقد النكاح، الحديث1.
2 . الوسائل 17/528، الباب 11 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث3.
3 . الوسائل15/39، الباب 28 من أبواب المهور، الحديث2، ولاحظ الحديث 5 من هذا الباب.

صفحه 19
3ـ إذا جُنَّ بعد البلوغ.
ذكر المحقّق من الصّور الثلاث الثانية والثالثة حيث قال: «فلو بلغ فاسد العقل طلّق وليّه مع مراعاة الغبطة» وهذه هي الصورة الثانية، وأشار إلى الصورة الثالثة عند البحث عن الشرط الثاني حيث قال: «ويطلّق عن المجنون» والظاهر هو الجنون المنفصل عن البلوغ.
وأمّا الصورة الأولى; أعني إذا جُنّ بعد العقد وهو غير بالغ فغير مذكور في كلامه ولعلّه اكتفى في بيان حكمه بما سبق من أنّه لايجوز للوليّ طلاق زوجة الصبيّ سواء كان سويّاً أم غير سويّ، فيبقى الكلام في الصورتين المذكورتين.
أمّا الأولى أعني ما إذا بلغ فاسد العقل; فالشيخ وابن إدريس; على عدم الجواز مستدلين بأنّه :«ليس للوليّ أن يطلّق عمّن له عليه ولاية; لابعوض ولابغير عوض، وبه قال الشافعيّ، وأبو حنيفة وأكثر الفقهاء...» .(1)
ولايخفى ضعف الاستدلال، أمّا النبويّ; فقد عرفت انصرافه عن الوليّ، وأمّا التمسّك بالأصل; فهو محجوج بالدليل الإجتهاديّ. ولأجل ذلك ذهب المشهور إلى الجواز ويدلُّ على الجواز روايات:
1ـ ما رواه شهاب بن عبد ربّه، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : «المعتوه الذي لايحسن أن يطلّق; يُطلّق عنه وليّه على السّنّة» قلت: فطلّقها ثلاثاً في مقعد، قال: «تردُّ إلى السُّنّة فإذا مضت ثلاثة أشهر أو ثلاثة قروء فقد بانت منه بواحدة».(2)

1 . الخلاف: 2/437، المسألة 39،كتاب الخلع.و ذهب في النهاية ص519 إلى الجواز، السرائر2: 494.
2 . الوسائل15/329، الباب 35 من أبواب مقدّمات الطلاق:، الحديث2.

صفحه 20
2ـ و ما رواه أبو خالد القمّاط(1)، قال: قلت: لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : الرجل الأحمق الذّاهب العقل يجوز طلاق وليّه عليه؟ قال: «ولم لايطلِّق هو»؟ قلت:لايؤمن إن طلّق هو أن يقول غداً لم أُطلّق، أو لايحسن أن يطلِّق، قال:«ما أرى وليّه إلاّ بمنزلة السلطان». (2)والموضوع في الروايتين هو المعتوه.
وقد عرفت في التّعليقة أنّ الرواية نقلت بصور مختلفة، فالموضوع في رواية صفوان قوله; (رجل يعرف رأيه مرةً وينكره أُخرى) وهو في رواية محمّد بن أبي حمزة; الرجل الأحمق الذاهب العقل، كما هو في رواية محمّد بن سنان; المعتوه. وبذلك يعلم أنّ الموضوع هو دون المجنون; بشهادة رواية صفوان،. كما يعلم أنّ المعتوه أقلّ من المجنون» فيثبت الحكم في المجنون بطريق أولى، ويظهر من أهل اللّغة أنّ المعتوه أقلّ من المجنون:
قال الفيّومي في كتاب المصباح المنير: عَتِه عَتْهاً من باب تَعِبَ وعَتَاهاً بالفتح: نقص عقله من غيرجنون أو دهش، وفيه لغة ثانية عتِّه بالبناء للمفعول عتّاهةً بالفتح وعتاهيةً بالتخفيف فهو معتوه بيّن العِته.
وعن التهذيب: المعتوه ، المدهوش من غير حسّ أو جنون.
وقال في القاموس: عَتِه كعني عَتهاً وعُتهاً وعُتاهاً بضمها فهو معتوه نقص عقله أو فقد أو دُهِش.
نعم; أُورد على الاستدلال بهذه الروايات في المسالك بما هذا لفظه: «ولأنّ متن الحديث لايخلو من قصور; لأنّ السائل وصف الزوج بكونه ذاهب العقل،

1 . نقلها عنه، صفوان بن خالد تارة، ومحمّد بن أبي حمزة ثانياً، ومحمّد بن سنان ثالثاً، بمتون مختلفة في التعبير، والظاهر وحدة الرواية وإنّما الاختلاف لأجل النقل بالمعنى فلو كان ضعف في الطريقين الأخيرين لأجل محمّد بن أبي حمزة ومحمّد بن سنان فلاضعف في الطريق الأُول.
2 . الوسائل15/329، الباب 35من أبواب مقدّمات الطلاق:، الحديث1.

صفحه 21
ثمّ يقول له الإمام «ما له لايطلّق» مع الإجماع على أنّ المجنون ليس له مباشرة الطلاق، ولاأهليّة التصرف، ثمّ يعلِّل السائل عدم طلاقه بأنّه لا يؤمن من أن ينكر الطلاق أو لايعرف حدوده، ثمّ يجيبه الإمام بكون الوليّ بمنزلة السلطان، وكلُّ هذا يضعِّف الاحتجاج بها».(1)
وتمكن الإجابة; بأنّ المعتوه في لغة العرب; هو ناقص العقل من دون جنون، ولأجل ذلك قال له الإمام«ماله لايطلِّق» فأجاب الراوي: بأنّه يمكن أن ينكره بعد الطلاق أو أنّه لايعرف حدوده، وعلى ذلك يحمل قوله«ذاهب العقل» فالمراد هو ناقصه لافاقده من رأس، ومثله تصحّ مباشرته للطلاق بإذن الوليّ، لأنّه كالسفيه في مجال المال والثروة.
وعلى ذلك يحمل ما رواه أبو بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه سُئل عن المعتوه: أيجوز طلاقه؟ فقال: «ماهو»؟ قال: فقلت: الأحمق الذاهب العقل، فقال: «نعم». (2)
غاية الأمر يلزم تقيّده بإذن الوليّ، وأمّا لو كان فاقد العقل فلايُعبأُ بلفظه وصيغته. هذا كلّه إذا بلغ فاسد العقل.
وأمّا الصورة الثانية أعني إذا جُنَّ بعد البلوغ; فهل يجوز للوليّ الطلاق عنه أخذاً بما هو المتبادر من الروايات السابقة من أنّ المِلاك; هو فقدان العقل بعد البلوغ سواء أكان متّصلاً بأيّام الصبا أم لا،، كما عليه صاحب الجواهر حيث قال: «إنّ ولاية المجنون مطلقاً للأبّ والجدّ من غير فرق بين المتّصل والمنفصل»(3)، أو يتولاّه الحاكم لانقطاع ولاية الوالدين بالبلوغ عاقلاً؟(4) وجهان;

1 . الحدائق:25/155،كتاب الطلاق.
2 . الوسائل15/328، الباب 34 من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث8.
3 . الجواهر:32/9.
4 . و هذا هو الفرق الجوهريّ بين الصورتين.

صفحه 22
أحوطهما الجمع بين القولين; وهو طلاق الوليّ بإذن الحاكم.

الشرط الثاني: العقل

وليس فيه خلاف; فلايصحّ طلاق المجنون مطبقاً أو إدواريّاً حال جنونه، ولا السّكران، ولامن زال عقله بإغماء أو بسبب تناول مسكر من خمر وحشيش وأفيون وكوكائين ونحو ذلك من المخدِّرات التي تغطّي العقل.
وهل العقل شرط برأسه؟ أو أنّه شرط لاستلزامه عدم القصد الذي يترتّب عليه الحكم؟ وجهان، ولكنه لايترتّب عليه أثر شرعيّ بعد استفاضة النصوص على أنّه لا طلاق لمن فقد العقل ذاتاً أو عرضاً.
وتدلّ على ذلك مضافاً إلى ما تقدّم في الشرط الأوّل (1); روايتا الحلبي، ونكتفي بذكر واحدة منهما قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن طلاق السّكران وعتقه، فقال: «لايجوز» قال: وسألته عن طلاق المعتوه، قال: «وماهو»؟ قال: قلت: الأحمق الذاهب العقل، قال: «لايجوز»، قلت: فالمرأة كذلك يجوز بيعها وشراؤها؟ قال: «لا». (2) ولأجل وضوح الحكم طوينا الكلام عن نقل الروايات على وجه التفصيل.
نعم; هناك فرع وهو; أنّه إن تناول الشخص شيئاً وهو عالم بأنّه ـ يزيل العقل ـ فذهب عقله وطلَّق امرأته; فهل يقع طلاقه؟ الظاهر: لا. بل هو منصرف الروايات; إذ قلَّ ما يتَّفق للإنسان أن لايعرف خصوصيّات المسكرات.

1 . وهي رواية السّكونيّ.
2 . الوسائل ج 15/328، الباب 34 من أبواب مقدّمات ، الحديث5، ولاحظ الرواية 4و6و7 من هذا الباب.

صفحه 23
ثمّ إنّ بعض من عاصرناه من فقهاء أهل السّنّة، بعد ما ذكر شرطيّة العقل; فرَّق بين ما إذا تناول المسكر وهو يعلم أنّه يزيل العقل; فيقع طلاقه زجراً له ولأمثاله الذين ينتهكون حرمات الدّين، وما إذا تناوله وهو غير آثم في تناوله، وطلّق امرأته; فلايقع لأنّه معذور.
وضعفه ظاهر; لأنّ العبرة في الطّلاق بإنشائه عن قصد، والسكران سواء كان متهتّكاً أو معذوراً فاقد للشرط أي قصد اللّفظ والمعنى بالإرادة الإستعمالية فضلاً عن الإرادة الجدّيّة. وكونه آثماً في تناوله أو غير آثم; لايؤثّر في المقام; لفقدان الشرط المقوِّم للصيغة، وإلاّ يجب الإلتزام بجميع إنشاءاته كبيعه وشرائه وهو كما ترى. فالحقّ بطلانه في كلتا الصورتين.
ثمّ إذا لم يكن له وليّ من أب أو جدّ; طلَّق عنه السلطان أو مَن نصبه للنظر في ذلك ويدلُّ عليه ما تقدّم من الروايات من تنزيل الوليّ منزلة السلطان الدالّ على ثبوت الحكم في المنزَّل عليه، غير أنّ السلطان وليُّ من لاوليَّ له، فتختصُّ ولايته بما إذا لم يكن هناك وليّ.
وأمّا الإدواري; فيصحُّ طلاقه إذا كان كامل العقل في ظرف إنشاء الطّلاق كالسكران. نعم; لو فرض تأثير حال جنونه في حال إفاقته; يتولّى طلاقه الوليّ كما هو اللاّئح ممّا سبق من الروايات حول المعتوه والذاهب العقل.
وأمّا(1) ولاية الأب أو الجدّ على السكران وشارب المرقِّد; فغير ثابت; لفحوى ما دلّ على عدم ولايته على الصبيّ; لرجاء زوال العذر، إلاّ إذا كان هناك حرج وضرر، أو كان العود إلى الإفاقة متوقِّفاًعلى مضيّ زمن طويل، فيقوم الوليّ بطلاقها عنهما.

1 . لاحظ رواية أبي خالد القمّاط المتقدّمة وغيرها.

صفحه 24

الشرط الثالث: الاختيار; فلايصحُّ طلاق المكرَه

يقع الكلام في موردين: الأوّل في حكم طلاق المكره، والثاني فيما يتحقّق به الإكراه.
أمّا الأوّل: فطلاقه باطل إجماعاً، وقد وردت ـ مضافاً إلى حديث الرفع ـ روايات خاصّة; مثل ما رواه عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) ، قال: سمعته يقول: «لو أنّ رجلاً مسلماً مرّ بقوم ليسوا بسلطان، فقهروه حتّى يتخوّف على نفسه; أن يعتق أو يطلِّق ففعل، لم يكن عليه شيء».(1) وما رواه يحيى بن عبد اللّه بن الحسن، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) ، قال: سمتعه يقول: «لايجوز طلاق في استكراه، ولاتجوز يمين في قطيعة رحم، ـ إلى أن قال ـ وإنّما الطلاق ما أُريد به الطلاق من غير استكراه و لا إضرار»(2) وغيرهما ممّا يدلّ على بطلان طلاق المكره.
نعم; إنّما المهمّ هو بيان ما يتحقّق به الإكراه، وقد ذكروا التحقُّقه أموراً ثلاثة:
1ـ كون المُكرِه قادراً على فعل ما توعّد به.
2ـ غلبة الظنّ بأنّه يفعل ذلك مع امتناع المكرَه.
3ـ أن يكون ما توعّد به مضرّاً بالمكرَه نفسه، أو من يجري مجراه كالأب والولد، سواء كان ذلك الضرر قتلاً أو جرحاً أو شتماً أو ضرباً.
والذي يمكن أن يقال: إنّه يكفي الخوف من العمل بما توعّد به، ولايشترط الظنّ بالفعل لصدق الإكراه أوّلاً ; و لورود الخوف في رواية عبد اللّه بن سنان ثانياً

1 . الوسائل 15/331، الباب 37 من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث2.
2 . نفس المصدر الحديث4.

صفحه 25
كما عرفت.
نعم; يختلف تحقُّق الإكراه حسب اختلاف منازل المكرَهين في تحمّل الإهانة وعدمه ما عدا القتل والجرح، فربّما كان قليل الشتم يضرّ بالوجيه صاحب الوقار، والضرب لايضرُّ ببعض آخر ولايبالي به.
والمشهور كما في الشرائع هو تحقُّق الإكراه مع الضرر الكثير لا اليسير، وظاهره أنّه يلاحظ المال بما هو هو، فإن كان كثيراً فهو صادق دون ما إذا كان قليلاً. والأولى التفريق بين المضرّ بحال المكرَه وغيره; لا الكثير واليسير، ولقد أحسن في الحدائق حيث قال: «يتحقّق الإكراه بتوعُّده بما يكون مضرّاً به بحسب حاله; في نفسه أو من يجري مجراه». (1)

المكره من أقسام المريد

ربّما يتوهّم أنّ المكرَه غير مريد، ولكنّه في غير محلّه، بل الفاعل المريد بين مختار ومكرَه، وأمّا الفاقد للإرادة فهو الفاعل المضطرّ; مثل حركة يد المرتعش.
والمكرَه والمختار من أقسام الفاعل المريد، غاية الأمر; أنّ الإرادة تنبع في المختار من صميم ذاته من دون تأثير عامل خارجيّ، بخلاف الأوّل; فإنّ للعامل الخارجيّ تأثيراً في ظهور الإرادة في أُفق النفس، ولأجل كونه مريداً وقاصداً; يقع الطلاق صحيحاً إذا ارتفع الإكراه وأمضى عمله، فتكون الصحة مطابقةً للقاعدة، والمكرَه بإرادته، يقدّم الأقلّ محذوراً على الأكثر، ويطلق بإرادة تامّة.
وبذلك يعلم; أنّ البحث في المكرَه المريد للطلاق جدّاً لأجل الإكراه، فما ذكره العلاّمة في التحرير، وأفتى به الشهيد الثاني في شرح الروضة; بأنّه لو أكره

1 . الحدائق25، كتاب الطلاق 160.

صفحه 26
على الطلاق فطلّق ناوياً; يقع صحيحاً; غير تامّ; لما عرفت من أنّ المكرَه من أقسام المريد، ومورد البحث والروايات ما إذا طلّق عن إرادة وقصد.
وما جاء في كلامهما بأنّ الإكراه يرتفع بقصد اللّفظ دون المعنى وأنّ القصد لا إكراه فيه عليه; غير مفيد; فبالإضافة إلى ما عرفت ـ من أنّه مورد البحث والروايات ـ أنّ التلفّظ باللّفظ من دون إرادة معناه أمر يغفل عنه أكثر المكرهين، فلا يرون أمامهم إلاّ طريقاً واحداً وهو الطّلاق عن قصد وإرادة، فلايمكن صرف الروايات عن الصورة الغالبة وحملها على الصورة النادرة.
ويؤيّد ذلك; ما سيوافيك من عدم وجوب التّورية للقادر عليها. ويدلّ على ما ذكرناه خبر يحيى بن عبد اللّه بن الحسن عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، حيث قال: «وإنّما الطلاق ما أُريد به الطلاق من غير استكراه ولاإضرار». (1)فحكم ببطلان الطّلاق في موضع قصده لكن عن إكراه فإرادته في ظرف الإكراه غيركافية.
ثمّ إنّ ههنا فروعاً ذكرت في كتب الفقهاء نذكر المهمّ منها:
1ـ إذا أُكره على الطّلاق ولم يكن للإكراه تأثيرٌ فيه; كما إذا كان مستعدّاً له فصار الإكراه مبرراً ظاهرياً للطّلاق; فلا إشكال في صحّته .
2ـ إذا كان له داع إلى الطّلاق ولكن لم يكن داعياً تامّاً فأُكره فصار داعياً تامّاً.
3ـ إذا طلّق لا من جهة التخلّص من الضرر المتوجّه إليه، بل لأجل دفع الضرر عن المكرِه; كما إذا قال الولد للوالد: طلّق ضرّة أُمي وإلاّ لقتلتك أو لقتلت نفسي؟ فطلّق لصيانة نفس الولد عن القتل قصاصاً أو ابتداءً.

1 . الوسائل15/331، الباب 37 من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث4.

صفحه 27
4ـ إذا طلّق وكان الداعي هو الشفقة الدينيّة على المكرِه، أو على المطلّقة; لئلاّ يعذّب في الآخِرَة الولد بقتل الوالد أو ترتكب المطلّقة عملاً حراماً. فهل الكلّ من مصاديق الإكراه أو عدمه أو فيه تفصيل؟
يمكن أن يقال: إنّه إذا قلنا: بأنّ الاختيار شرط لا أنّ الإكراه مانع; فالظاهر بطلان الطّلاق في جميع الصور; لعدم وجود الاختيار فيها، فلولا إكراه الولد لما اختار الوالد الطّلاق. وإنّما طلّق لأجل إضرار الولد وتهديده وقد ألجأ الوالد إلى الطّلاق، وأمّا على القول بأنّ الإكراه مانع; فالظاهر هو التفصيل، فإن كان الداعي نفس الإكراه وكان له دور في ظهور الإرادة في نفس المكرَه; فالطّلاق باطل. وأمّا إذا كان الإكراه مغفولاًعنه وكان الداعي عدم توجّه المحذور الدنيويّ أو الأُخرويّ إلى الولد; فلايصدق عليه الإكراه. فيقع صحيحاً هذا حكم جميع الصور.
5ـ إذا أكرهه على طلاق زوجة معينة ; فطلّقها مغ غيرها بلفظ واحد أو طلّقهما بصيغتين; والظاهر اتّصاف الأولى بالإكراه دون الثانية، وما في الجواهر من «أنّه لو طلّقها مع غيرها بلفظ واحد، فإنّه يشعر باختياره أيضاً»;غير تامّ;إذ من الممكن أن لايكون طلاقها منبعثاً من اختياره، بل لاجل أنّه ربّما لاتكون الظروف مساعدةً لإبقاء الثانية وحدها فيطلّقهما معاً، ولولا الإكراه لما طلّق الثانية أبداً.
6ـ لو أُكره على طلاق زوجة معيّنة فطلّق غيرها; فالظاهر اتّصافه بالإكراه، ولعلّ العدول منها إلى غيرها; هو للتوصّل به إلى رفع الإكراه به، فيكون طلاق غيرها اكراهيّاً.
7ـ لو أكرهه على طلاق إحدى زوجاته; بأن يختار واحدة معيّنة ويطلّقها، فطلّقها كذلك ; فالظاهر بطلانه; لأنّها إحدى أفراد الكلّيّ المكرَه عليه.
8ـ لو كان الإكراه على الإبهام، وعدل إلى التعيين; ففي المسالك أنّه يصحّ;

صفحه 28
لأنّه غير المكرَه عليه جزماً.
يلاحظ عليه: أنّ التفريق بين الإكراه على المبهَم والإكراه على المعيّن; من شأن العالم بهذه المسائل لاغيره، فأكثر الناس لايدور في خلدهم إلاّ أنّ الإكراه لايرتفع إلاّ بالطّلاق معيّناً .
نعم; لو وقف على أنّ المكرَه يرضى بالطّلاق الباطل أي الطّلاق مبهماً وطلّق صحيحاً أي معيّنة; فللصّحّة وجه.
9ـ ولو أُكره على الطّلاق بكناية من الكنايات; فطلّق باللّفظ الصريح; ففيه التفصيل الماضي، في الصورة الثامنة.
10ـ لو طلّق وادّعى أنّه كان مكرَهاً عليه وأنكرت الزوجة; قيل: لو كانت هناك قرينة تدلّ على صدقه بأن كان محبوساً; قدّم قوله بيمينه، وإلاّ فلا.
ولو طلّق في المرض ثمّ قال: كنت مغشيّاً عليّ، أو مسلوب القصد; قيل: لم يقبل قوله إلاّ ببيّنة; لأنّ الأصل الصحّة، وإنّما قبلت القرائن في الإكراه; لظهورها وكثرة وقوعها ووضوح مراتبها.
الظاهر أنّه لافرق بين الصورتين إذا كانت هناك قرائن مفيدة للاطمئنان الذي هو علم عرفيّ. هذا وكما أنّ الأصل هو الصحّة; كذلك الأصل كون الإنسان مختاراً في فعله.
وأمّا وجوب التّورية وعدمه على القادر عليها; فقد فرغنا من حكمها عند البحث عن المكاسب المحرّمة.

الشرط الرابع: القصد

وهل المراد; هو قصد اللّفظ أو قصد المعنى بالإرادة الإستعماليّة أو قصده

صفحه 29
بالإرادة الجدّيّة، أي قصد إنشاء الطّلاق جدّاً، ويخرج على الأوّل النائم والسكران والغالط، وعلى الثاني الجاهل باللّغة، وعلى الثالث الهازل، والظاهر هو الثالث; لعدم الحاجة إلى إخراج فاقد القصد على الاطلاق; بعد خروجه باشتراط العقل، وأمّا الثاني فنادر الوجود لايحتاج إلى عنوان مستقلّ. فتعيّن الثالث; أي من يقصد اللّفظ والمعنى بالإرادة الإستعماليّة دون الجديّة; كما هو الحال في الهازل والمعلّم والملقّن إلى غير ذلك ممّن يفتقد الإرادة الجدّيّة.
وقد تضافرت الروايات على اشتراطه، وما هذا إلاّفي مقابل فتوى العامّة قاطبة; من كفاية قصد اللّفظ في الطّلاق عن قصد المعنى جدّاً إذا كان اللّفظ صريحاً; فمن طلّق باللّفظ الصريح وإن لم يقصد المعنى جدّاً يقع طلاقه; دون اللفظ بالكنايات. ولو طلّق باللّفظ الكنائي يشترط فيه القصد. فأقاموا صراحة اللّفظ مكان القصد. إذ نقل الشيخ عن فقهاء عصره: «الصريح ما يقع به الطّلاق من غير نيّة، والكنايات ما يحتاج إلى نيّة». (1)
ونقل في الخلاف عنهم بعد الإشارة إلى ألفاظ الطّلاق الصريح وغيره: فكلّ ذلك يقع به الخلع إلاّ أنّه لاتراعي في الألفاظ الصريحة، النيّة; فيقع الخلع بالتلفّظ به، وتعتبر النيّة في الكنايات بينهما جميعاً.(2)
وقال ابن قدامة في المغني: اللّفظ ينقسم إلى صريح وكناية; فالصريح يقع به الطّلاق من غير نيّة، والكناية لايقع بها الطلاق حتّى ينويه أو يأتي بما يقوم مقام نيّته. (3)
وقد عرفت تضافر الروايات على لزوم القصد في صحّة الطلاق; مثل ما رواه

1 . الخلاف، ج2: كتاب الطلاق،445/المسألة 17.
2 . الخلاف2:كتاب الخلع،433/المسألة 14.
3 . المغني8/263، كتاب الطلاق.

صفحه 30
ابن بكير عن زرارة عن اليسع، قال: سمعت أبا جعفر(عليه السلام) يقول في حديث: «ولو أنّ رجلاً طلّق على سنّة وعلى طهر من غير جماع وأشهد ولم ينو الطلاق; لم يكن طلاقه طلاقاً».(1)
وما رواه ابن بكير عن زرارة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لاطلاق إلاّ ما أُريد به الطلاق». (2)
وما رواه هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) ،قال: «لاطلاق إلاّ لمن أراد الطلاق». (3)
وعلى ذلك، فلو خاطب زوجته بظنّ أنّها زوجة غيره وقال: أنت طالق، أو قال : زوجتي طالق بظنّ أنّه ليس له زوجة، ثمّ تبيّن أنّ وكيله زوَّجه; لايقع صحيحاً.

فيما لو ادّعى عدم القصد:

ولو طلّق زوجته، ثمّ قال: لم أقصد الطّلاق جدّاً، قال المحقّق: قبل منه ظاهراً وديّنَ بنيّته باطناً، وإن تأخّر تفسيره ما لم تخرج المرأة عن العدّة; لأنّه إخبار عن نيّته.(4)
وقال الشيخ في الخلاف: لو قال لها: أنت طالق، ثمّ قال: أردت أن أقول أنت طاهر أو أنت فاضلة، أو قال: طلّقتك، ثمّ قال: أردت أن أقول أمسكتكِ فسبق لساني فقلت طلّقتك; قبل منه في الحكم وفيما بينه وبين اللّه، وقال الشافعيّ وأبو حنيفة ومالك وجميع الفقهاء: لايقبل منه في الحكم الظاهر ويقبل منه فيما بينه وبين اللّه ـ دليلنا ـ إجماع الفرقة وأيضاً فإنّ اللّفظ إنّما يكون مفيداً لما وضع له

1 . الوسائل15:الباب 11 من أبواب مقدّمات الطلاق:285ـ286، الحديث1،3،4.
2 . الوسائل15:الباب 11 من أبواب مقدّمات الطلاق:285ـ286، الحديث1،3،4.
3 . الوسائل15:الباب 11 من أبواب مقدّمات الطلاق:285ـ286، الحديث1،3،4.
4 . الشرائع:3/13.

صفحه 31
في اللّغة بالقصد والنيّة....(1)
ولايخفى أنّ التفصيل المنقول عن أئمة المذاهب الثلاثة; لايوافق الأصل المسلّم عندهم من عدم اعتبار القصد في الألفاظ الصريحة; مثل أنت طالق، فعلى الأصل المزبور; يتحقق الطّلاق وإن لم يقصد قطعاً، فكيف إذا كان مشكوكاً، اللّهمّ; إلاّ أن يقال: إنّ كلامهم فيما إذا قصد اللّفظ والمعنى بالإرادة الإستعماليّة، و إن لم يقصد المعنى بالإرادة الجديّة لا ما إذا قصد نفس اللّفظ فقط; كما هو الحال في المثال الذي طرحه الشيخ من سبق اللسان، ولأجل ذلك قالوا: «لايقبل منه في الحكم الظاهر و يقبل منه فيما بينه وبين اللّه» .
وعلى كلّ تقدير; فقد ذهب الشهيد الثاني في المسالك وسبطه في شرح النافع إلى عدم القبول، ولمّا كان ما اختاره الشيخ والمحقّق وغيرهما مشكلاً; من جهة أنّلازمه سماع الإنكار بعد الإقرار، مع كون الأصل في باب القضاء; هو عدمالسماع، أو سماع قول البائع بعد تمام العقد بأنّه لم يقصد البيع، إلى غير ذلكمن موارد أُخرى ممّالايسمع الإنكار;حاول القائلون تصحيحه بوجوه نذكرها:
1ـ إنّه إخبار عن نيّته، ولاتعلم حقيقتها إلاّ من قبله، وإنّما حكم بها اعتماداً على ظاهر حال العاقل المختار; المعلومة حجّيّته في ذلك ما لم تصدر الدعوى منه.
يلاحظ عليه: أنّه يسمع الإخبار عن النيّة إذا لم يتعلّق بحقّ الغير; كما إذا قال: لست صائماً، لا في المقام الذي هو متعلّق حقّ الغير (أي الزوجة)، وهو يمنع من قبول اخباره عن نيّته، ولأجل ذلك التجأ بعضهم;إلى تقييد القبولبالعدّة الرجعيّة المقتضي بقاء علقة الزوجيّة دون العدّة البائنة لزوال العلقة بالكلّيّة.
ولكن التقييد غير مفيد; لأنّ سماع دعواه في هذه الصورة لأجل; أنّ دعوى

1 . الخلاف2/446، المسألة 19، كتاب الطلاق.

صفحه 32
عدم القصد كإنكار الطلاق فيسمع من حيث إنّه رجعة، لا أنّ قوله «حجّة في المقام».
2ـ ولمّا كان أحد النقوض; لزوم سماع دعوى البائع إذا ادّعى عدم القصد; حاول صاحب الجواهر ادّعاء الفرق بينهما، وقال: «إنّ الطلاق ليس له إلاّطرف واحد; وهو الإيقاع من الموقِع، وأصل الصحّة; لايجري فيه بعد اعتراف فاعله بفساده بما لايعلم إلاّ من قبله، بخلاف البيع مثلاً، فإنّه لو ادّعى الموجِب عدم القصد المقتضي فساد إيجابه وعدم جريان أصل الصحّة; عورض بأصالة صحّة القبول الذي هو فعل مسلم أيضاً، والأصل فيه الصّحة التي لاتتوقّف على العلم بصحة الإيجاب، بل يكفي فيها احتمال الصحّة الذي لاريب في تحقّقه مع دعواه التي لاتمضي إلاّ في حقّه...».(1)
ولايخفى; أنّ أصالة الصحّة في القبول لاتعارض مع صحّة ادّعاء عدم القصد، إذ ليس معناها في جانب القبول; هو الصحّة الفعليّة التي لاتجتمع مع القول بعدم القصد، بل مفادها هو الصحّة الشأنيّة بمعنى; أنّه لو كان هناك إيجاب صحيح لكان القبول صحيحاً ومفيداًللغرض، وهذا يجتمع حتّى مع العلم بفساد الإيجاب فكيف مع الشكّ في صحّته؟
3ـ ما رواه منصور بن يونس في حديث، عن العبد الصالح: إنّه تزوّج امرأة بغداديّة، ثمّ تزوّج ابنة خاله بالكوفة، وقد طلّق الأُولى مرّتين، ولمّا أراد النظر إلى ابنة خاله قالت اخته وخالته: إنّه لاينظرإليها إلاّ أن يطلّق الأولى فقال: فأبوا عليّ إلاّ تطليقها ثلاثاً ولا واللّه جعلت فداك ما أردت اللّه(2)، ولا أردت إلاّ أن أُداريهم عن نفسي، وقد امتلأ قلبي من ذلك، فمكث طويلاً مطرقاً ثمّ رفع رأسه وهو

1 . الجواهر:32/21.
2 . هكذا; ولكنّ الظاهر أنّ العبارة هكذا:(ما أردت واللّه).

صفحه 33
متبسّم، فقال: «أمّا بينك وبين اللّه فليس بشيء، ولكن إن قدّموك إلى السُّلطان أبانها منك». (1)
أقول إنّ ابن سماعة رواها عن عبيس بن هشام و صالح بن خالد ـ جميعاً عن منصور بن يونس (2) و هي قاصرة الدلالة، لأنّها وردت في المكرَه الذي طلّق للمداراة، وقد امتلأ قلبه من غيضه. وقد قلنا: إنّ المكرَه من أقسام المريد، والمريد بين مختار ومكره، فكيف يستدلّ بها على فاقد القصد.
والحقّ; عدم قبول قوله، لأنّه إنكار بعد الاقرار، وليس هناك فرق بين رجوعه عن الطلاق بادّعاء عدم القصد، ورجوعه عن الاقرار إذا أقرّ وقال: (لك عندي درهم) ثم ادّعى عدم القصد . فالدالّ على القصد في كلا الموردين; ظاهر حال الفاعل العاقل من غير فرق بينهما.
وقد عرفت; أنّ سماع إنكاره في العدّة لأجل كونه مصداقاً للرجوع.
ثم إنّه إذا صدّقته المرأة، فهل يقبل قولهما حتّى بعد انقضاء العدّة؟ الظاهر; هو القبول لأنّ الحقّ منحصر فيهما وربّما يقال: بعدم القبول باعتبار تعلُّق حقّ اللّه تبارك وتعالى شأنه بالموضوع، ومع فرض صدور ما يحكم به بظاهر الشرع على صدور الطلاق الجديّ منه، لاتجدي المصادقة. ولايخفى ضعفه كما هو بيّن.

التوكيل في الطلاق:

ذهب المشهور إلى جواز التوكيل في الطلاق حاضراً كان الزوج أو غائباً، وفصّل الشيخ في النهاية بين الغائب والحاضر; فمنعها في الثاني حيث قال: «إذا

1 . الوسائل15/332، الباب38 من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث1.
2 . لم يوثّق عُبيس بن هشام، نعم روى جمع من المشايخ عنه، و أما صالح بن خالد وهو أبو شعيب المحاملي فهو ثقة، والظاهر اتحاده مع ابن شعيب الكناسي الذي وثقه العياشي في باب الكنى.

صفحه 34
وكّل الرجل غيره بأن يطلّق عنه; لم يقع طلاقه إذا كان حاضراً في البلد، وإن كان غائباً جاز توكيله في الطلاق». (1)
وتبعه ابن البرّاج حيث قال: «والوكالة في الطلاق جائزة مع الغيبة دون الحضور». (2); ومثله ابن حمزة حيث قال: «ولايصحّ التوكيل في الطلاق إلاّ للغائب»(3) وعن الحسن بن سماعة بعد ما نقل حديث زرارة (لايجوز الوكالة في الطلاق) أنّه قال: وبهذا الحديث نأخذ، وهو ظاهر في المنع مطلقاً.
ونسب في الحدائق إلى الكليني; التوقّف في المسألة حيث إنّه نقل الخبر الموافق والمخالف ولم يأت بشيء.(4) وعلى ذلك يكون التوقّف قولاً رابعاً، ولكنّه ليس في محلّه; لأنّ الكافي كتاب حديث لاكتاب إفتاء، نعم ربّما يناقش في بعض الروايات ويفتي ببعض ما رواه.
وأمّا العامّة; فالظاهرمنهم الجواز في الخَلع والطلاق، قال ابن قدامة: ويصحّ التوكيل في الخلع من كلّواحد من الزوجين.(5) وقد أفتى بجواز توكيل الصبيّ في الطلاق.(6) وقال أيضاً:«لو وكّل أجنبيّاً فقال: طلِّق زوجتي، فالحكم على ما ذكرناه(أي لم يملك إلاّطلقةً واحدة)».(7)
واستدلّ المشهور بوجوه:
الأوّل: التمسك بإطلاقات روايات باب الوكالة; مثل ما رواه معاوية بن وهب، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)أنّه قال: «من وكّل رجلاً على إمضاء أمر من

1 . النهاية:511.
2 . المهذّب:2/277.
3 . الوسيلة:333.
4 . الحدائق:25/171.
5 . المُغني:8/225.
6 . المُغني:8/258.
7 . المُغني:8/301.

صفحه 35
الأُمور; فالوكالة ثابتة أبداً حتّى يُعلمه بالخروج منها كما أعلمه بالدخول فيها»(1) ولايخفى أنّ الرواية ليست في مقام بيان; أنّ كلّ شيء تجوز الوكالة فيه، وإنّما هي في مقام بيان أنّ الوكالة (في ما تصحّ فيه الوكالة) باقية على حالها حتّى يصل إلى الوكيل ما يخرجه عنها، وأمّا ما تجوز فيه الوكالة ومالايجوز فليست بصدد بيانه.
الثاني: التمسك بروايات خاصّة مثل;
1ـ ما رواه سعيد الأعرج، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال:سألته عن رجل جعل أمر امرأته إلى رجل فقال: إشهدوا أنّي قد جعلت أمر فلانة إلى فلان، فيطلّقها; أيجوز ذلك للرّجل؟ فقال: «نعم».(2) ومفاد الرواية; هو توكيله في إبقاء المرأة على حبالته أو طلاقها عنه، وما في الحدائق «من أنّ الرواية خارجة عن محل البحث; فإنّ ظاهرها إنّما هو جعل الاختيار في الطلاق وعدمه إلى ذلك الرجل، فإن شاء طلّق وإن شاء لم يطلّق إلاّ أنّ الرجل اختار الطلاق فطلّق; فهو غير محل البحث، أعني توكيل الغير في إيقاع صيغة الطلاق» غير تامّ; لأنّ القسمين من قبيل الوكالة، إلاّ أنّه ربّما يوكّله في الطلاق فقط، وربّما يوكّله بين الإمساك والطلاق، وعلى فرض تغايرهما فالعرف يراهما من باب واحد.
2ـ مارواه ابن مسكان، عن أبي هلال الرازي(3) قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام) رجل وكّل رجلاً يطلِّق امرأته إذا حاضت وطهرت وخرج الرّجل، فبدا له فأشهد أنّه قد أبطل ما كان أمره به وأنّه قد بدا له في ذلك، قال: «فليعلم أهله

1 . الوسائل13/285،الباب1من أبواب الوكالة، الحديث1.
2 . الوسائل15/333،الباب 39 من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث1.
3 . قال المامقاني:رواه عنه حفص بن أبي البختري، وقد وقع الرجل في طريق الصدوق في كتاب الوكالة، وروى عنه عبد اللّه بن مسكان (والمرادهذه الرواية)، ولم أقف على اسمه ولاحاله، فهو مجهول.

صفحه 36
وليعلم الوكيل».(1) والرواية صريحة في التوكيل وإن كان السند غير نقيّ.
3ـ ما رواه السكوني، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال: «قال أمير المؤمنين(عليه السلام) في رجل جعل طلاق امرأته بيد رجلين; فطلّق أحدهما وأبى الآخر; فأبى أمير المؤمنين (عليه السلام) أن يجيز ذلك حتّى يجتمعا جميعاً على طلاق». (2)
وأمّا ما رواه محمّد بن عيسى اليقطيني قال: بعث إليّ أبو الحسن(عليه السلام) رزم ثياب وأمر بدفع ثلاثمائة دينار إلى رحيم; زوجة كانت له وأمرني أن أُطلّقها عنه وأُمتّعها بهذا المال، وأمرني أن أُشهد على طلاقها صفوان بن يحيى، وآخر نسي محمّد بن عيسى اسمه(3); فلايحتج به على قول المشهور القائل بجواز التوكيل في الطلاق مطلقاً، لأنّ المفروض غيبة الزوج أعني الإمام، نعم; الرواية حجّة على بطلان من منع الوكالة حتّى في حالة غيبة الزوج، كالحسن بن سماعة.
وبفضل هذه الروايات; يمكن القول بجواز التوكيل مطلقاً، غائباً كان الزوج أو حاضراً، وليس لما ذهب إليه الشيخ من التفصيل دليل سوى حمل رواية زرارة الدالة على المنع مطلقاً على خصوص الحاضر; جمعاً بين الطائفتين، حيث روى زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لاتجوز الوكالة في الطلاق»(4) ولو صحّ الحديث فهو دليل على قول الحسن بن سماعة المانعة عن الوكالة مطلقاً، لاعلى قول الشيخ المفصّل بين الحاضر والغائب، إلاّ أن يحمل الحديث على الحاضر; جمعاً بينه وبين الطائفة الأولى، ولكنّه جمع تبرعيّ لاشاهد له وهو غير مقبول. فعندئذ تتعارضان، والترجيح مع الأُولى; لكثرة عددها، وعمل المشهور بها، وجريان السيرة على مضمونها. ورواية زرارة أشبه بالرواية المعرض عنها.

1 . الوسائل 15الباب 39 من أبواب مقدّمات الطلاق، الأحاديث3، 2، 6.
2 . الوسائل 15الباب 39 من أبواب مقدّمات الطلاق، الأحاديث3، 2، 6.
3 . الوسائل 15الباب 39 من أبواب مقدّمات الطلاق، الأحاديث3، 2، 6.
4 . الوسائل 15 الباب 39 من أبواب مقدّمات الطلاق، الأحاديث5.

صفحه 37
اللّهمّ ; إلاّ أن يحمل على الكراهة أو التقيّة، على فرض وجود فتوى بعض منهم على منع الوكالة في الطلاق، وهو غير معلوم لما عرفت من اتّفاقهم على جواز الوكالة.

هل يجوز توكيل الزوجة؟

دلّت الروايات السابقة على; أنّ الطلاق أمر يقبل النيابة، ولأجل ذلك جاز توكيل الغير في طلاق الزوجة، وعندئذ لافرق بين الرجل والمرأة، وما جاء في النصوص السابقة من قوله: «رجل وكّل رجلاً يطلّق امرأته» فهو من باب المثال، مثل قوله: «رجل شكّ بين الثلاث والأربع» فيكون الموضوع هو المكلّف حسب فهم العرف، فلايفرّق فيه بين كون المرأة زوجة الموكّل أو لا، وإلى ذلك يرجع قول العلامة في المختلف: «إنّه فعل يقبل النيابة، والمحلُّ قابل فجاز، كما وكّل غيرها من النساء أو توكّلت في طلاق غيرها» وما عن الشيخ«من أنّه لايصحّ توكيل الزوجة ولو في حال الغيبة; لظهور تلك النصوص في غيره» في غير محلّه لماعرفت من إلغاء الخصوصيّة.
وربّما يستدلّ على الجواز; بما ورد في قوله سبحانه من تخيير النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)زوجاته; بين التسريح والإمساك،(1) فيدلّ على جواز توكيل الزوجة في طلاق نفسها.
يلاحظ عليه: أنّ الظاهر من الآية; هو تخيير النبيّ نساءه بين الطلاق والبقاء على الزواج، فيطلّق النبيّ من أرادت الطلاق، ويترك من أرادت البقاء لا

1 . يشير إلى قوله سبحانه:(يا أيّها النبيّ قُل لأزواجكَ إنْ كُنتُنَّ تُرِدنَ الحَياةَ الدُّنيا وَزينَتَها فَتَعالَين أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرّحكُنَّ سَراحاً جميلاً* وَإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللّه ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَة فإنّ اللّه أعَدَّ للمُحسِناتِ مِنْكُنَّ أجْراً عَظِيماً). الأحزاب : 28ـ29.

صفحه 38
توكيلها في طلاقها نفسها.
وربّما استدلّ للقول بالمنع بوجوه عليلة:
منها; التمسك بظاهر قوله: « الطلاق بيد مَنْ أخذ بالساق» خرج عنه ما خرج، وبقي الباقي تحته، وقَدْ عرفتَ ضعفه لأنّه في مقابل الأجنبيّ لا الوليّ والوكيل.
ومنها; أنّ القابل لايكون فاعلاً.
يلاحظ عليه; أنّ الطلاق من الإيقاعات لامن العقود، وليس فيه إيجابٌ ولاقبول حتّى يلزم اتّحاد الموجِب والقابل.
نعم; يلزم اتحّاد المطلِّق والمطلَّقة، ويكفي فيه التغاير الاعتباريّ.

تفريع:

لو وكلّ الغير في طلاق زوجته، وقال طلِّق زوجتي ثلاثاً فطلَّق مرّة واحدةً، فهل يصحُّ ما أوقع أو لا ؟
التحقيق; أنّه إذا وكَّل الغير تطليق امرأته ثلاثاً، فإمّا يريد طلاقها ثلاثاً في مجلس واحد، بلا تخلّل الرجعة في البين أو يريد طلاقها مرتّباً، أعني تخلُّل الرجعه بين الطلقات، إمّا بتوكيله على ذلك أيضاً، أو قلنا باقتضاء التوكيل نحو ذلك.
وعلى كلا التقديرين; فإمّا أن يكون التوكيل فيها على نحو العامّ المجموعيّ، أو على نحو العامّ الاستغراقي; فعلى الأوّل لاتصحّ الأُولى منها إذا اكتفى بها; لأنّها غير داخلة في مورد الوكالة، اللّهمّ إلاّ إذا أمكن تصوير الوكالة بنحو العامّ الاستغراقيّ في مثلها فتصحّ الأُولى عندئذ فتأمّل.
وعلى الثاني تصحّ الأُولى منها ـ إذا كانت الوكالة بصورة العام الاستغراقيـ

صفحه 39
لأنّ المفروض عدم دخالة الهيئة الاجتماعيّة في ما وكّل فيه على وجه تكون الواحدة جزء ما وكلّ فيه.
نعم; إنّه إذا طلّق واحدةً وكانت الوكالة على نحو العامّ المجموعي تتوقف صحّتها لكونها مرتّبة; على تمام العمل، فلو طلّقها ثانياً وثالثاً صحّ الجميع، وإلاّ لم يحكم بصحّة الأُولى.

صفحه 40

الركن الثاني:

المطلَّقة

قد عرفت; أنّ أركان الطلاق أربعة، وقد مضى الأوّل وهو المطلِّق، والثاني منها هو المطلَّقة، ولها شروط إليك بيانها:

الأوّل: أن تكون زوجةً

المراد إخراج المحلّلة والمنكوحة شبهةً، فإنّ حلّية الأولى تنتهي بتمام وقت التحليل، والثانية بانكشاف الحال. نعم; إنّ التأكيد في الروايات على أنّ الطّلاق بعد النكاح ـ بعد كونه من الواضحات ـ لأجل; ردّ ما عليه فقهاء عصر الأئمّة (عليهم السلام) من صحّته مشروطاً بالزواج.
قال الشيخ في الخلاف: «لاينعقد الطّلاق قبل النكاح ولايتعلّق به حكم; سواء عقده في عموم النساء أو خصوصهنَّ أو أعيانهنَّ; وسواء كانت الصفة مطلقَةً أو مضافةً إلى ملك... و به قال في الصحابة على (عليه السلام) و ابن عباس وعائشه وفي الفقهاء الشافعيّ وأحمد وإسحاق و ذهبت طائفة إلى أنّه ينعقد قبل النكاح في عموم النساء وخصوصهنّ».(1)
وإلى ذلك تشير ما تضافرت من الروايات عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) ، وإليك بعضها.

1 . الخلاف4/432،المسألة 13،كتاب الخلع.

صفحه 41
1ـ مضمرة سماعة قال: سألته عن الرجل يقول: يوم أتزوّج فلانةً فهي طالق، فقال:«ليس بشيء، إنّه لايكون طلاق حتّى يملك عُقْدَة النكاح».(1)
2ـ روى الحلبي عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في حديث أنّه سئل عن رجل قال:كلّ امرأة أتزوّجها ما عاشت أُمّي فهي طالق، فقال: «لاطلاق إلاّ بعد نكاح ولاعتقَ إلاّ بعد ملك».(2)
3ـ وفي رواية عن عليّ بن الحسين (عليه السلام) في رجل سمّى امرأةً بعينها وقال: يوم يتزوّجها فهي طالق ثلاثاً، ثمّ بداله أن يتزوّجها أيصلح ذلك؟ قال: فقال: «إنّما الطلاق بعد النكاح»(3) إلى غير ذلك من الروايات، ومن ألطف الإستدلال على المسألة ما رواه الطبرسي عن عليّ بن الحسين (عليه السلام) ، فقال له رجل: إنّي قلت: يوم أتزوّج فلانةً فهي طالق، فقال:«إذهب فتزوّجها، فإنّ اللّه بدأ بالنكاح قبل الطلاق، فقال: (إذا نَكَحْتُمُ المؤمِناتِ ثُمَّ طَلِّقْتُمُوهُنَّ). (4)
***

الثاني: أن يكون العقد دائماً

لايقع الطلاق بالمستمتع بها، ولو كانت حرةً بلا خلاف، ودلّت الروايات على عدم وقوع طلاقها . مثل ما رواه الشيخ بإسناده عن الحسن الصيقَل، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت: رجلٌ طلّق امرأته طلاقاً لاتحلُّ له حتّى تنكح زوجاًغيره، فتزوّجها رجل متعةً أتحلّ للأوّل؟ قال:«لا.لأنّ اللّه يقول:(فإنْ طَلَّقَها فلاتحلُّ لَهُ مِنْ بََعْدُ حتّى تنْكِحَ زوجاً غَيْرَهُ فإنْ طَلَّقَها)والمتعة ليس فيهـا

1 . الوسائل15: الباب 12من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث5.
2 . الوسائل15:الباب 12 من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث1، 3.
3 . الوسائل15:الباب 12 من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث1، 3.
4 . الوسائل15: الباب12من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث13.

صفحه 42
طلاق»(1) وروى محمّد بن مسلم عن أبي جعفر(عليه السلام) في المتعة ليست من الأربع لأنّها لاتطلَّق ولاترث وإنّما هي مستأجرة.(2)
وصريح هذه الروايات; أنّ المستمتع بها لاتقبل الطلاق، وما ذكره الشهيد في المسالك من الاعتماد على الاتّفاق وإلاّ فتعدُّد الأسباب ممكن; فغير تامّ وإنْ تبعه صاحب الجواهر حيث قال: «وإن لم يحضرني من النصوص ما يدلّ على عدم وقوع الطلاق بالمستمتَع بها، نعم; فيها ما يدلّ على حصوله بانقضاء المدّة وبهبتها، ولكنّ ذلك لايقتضي عدم صحّته عليها; لإمكان تعدُّد الأسباب».(3) وقد عرفت النصوص الدالّة على عدم وقوع طلاقها، وما نقلناه عن العَلَمَين في غاية العجب.

الثالث: أن تكون طاهرة من الحيض و النفاس

اتّفقت كلمتهم على أنّه يجب أن تكون المطلّقة في حال الطّلاق طاهرة عن الحيض والنفاس بلا خلاف، ولكن اختلفوا في أنّ الطهارة هل هي شرط الصحّة والإجزاء، أو شرط الكمال والتمام، وبعبارة أُخرى هل هي حكم تكليفي متوجّه إلى المطلّق، وهو أنّه يجب أن يحلَّ العقدة في حال كونها طاهرة من الحيض والنفاس، فلو تخلّف أثم وصحَّ الطلاق، أو هو حكم وضعي قيد لصحّة الطلاق، ولولاه كان الطلاق باطلاً ؟ فالإمامية وقليل من سائر المذاهب الفقهية على الثاني وأكثر المذاهب على الأوّل وإليك بعض كلماتهم:
قال الشيخ الطوسي في الخلاف: الطلاق المحرّم، هو أن يطلّق مدخولاً بها غير غائب عنها غيبة مخصوصة، في حال الحيض أو في طهر جامعها فيه، فما هذا

1 . الوسائل15: الباب9 من أبواب أقسام الطلاق الحديث4.
2 . الوسائل14/495،الباب43من أبواب المتعة، الحديث2.
3 . الجواهر32:28.

صفحه 43
حكمه فانّه لا يقع عندنا، والعقد ثابت بحاله، وبه قال ابن عليَّة، وقال جميع الفقهاء: انّه يقع وإن كان محظوراً. ذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه ومالك والاوزاعي والثوري والشافعي .
ـدليلنا ـ اجماع الفرقة، وأيضاً الأصل بقاء العقد، ووقوع الطلاق يحتاج إلى دليل شرعي، وأيضاً قوله تعالى: (فطلِّقوهنَّ لعدَّتهنَّ)وقد روي لقبل عدّتهنّ، ولا خلاف انّه أراد ذلك، وإن لم تصحّ القراءة به، فإذا ثبت ذلك دل على أنّ الطلاق إذا كان من غير الطهر محرّماً، منهياً عنه، والنهي يدل على فساد المنهى عنه (1).
وستوافيك دلالة الآية على اشتراط الطهارة من الحيض والنفاس.
وقال ابن رشد في حكم من طلّق في وقت الحيض: فانّ الناس اختلفوا منذلك في مواضع منها أنّ الجمهور قالوا: يُمضى طلاقه، وقالت فرقة: لاينفذولايقع، والذين قالوا: ينفذ، قالوا: يؤمر بالرجعة، وهؤلاء افترقوا فرقتين، فقوم رأواأنّذلك واجب، وأنّه يجبر على ذلك، وبه قال مالك، وأصحابه، وقالت فرقة: بل يندب إلى ذلك ولا يجبر، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة والثوري وأحمد (2).
وقد فصل الجزيري وبيّـن آراء الفقهاء في كتابه (3).
هذه هي الأقوال، غير أنّ البحث الحرّ يقتضي نبذ التقليد والنهج على الطريقة المألوفة بين السلف حيث كانوا يصدعون بالحق ولا يخافون لومة

1 . الشيخ الطوسي: الخلاف : 4، كتاب الطلاق المسألة 2.
وما ذكره من تقدير «قبل» إنّما يتم على القول بكون العبرة في العدَّة بالحيض فيكون قبلها هي طهرها من الحيض والنفاس فتتم الدلالة.
2 . ابن رشد: بداية المجتهد: 2/64.
3 . الجزيري: الفقه على المذاهب الأربعة: 4/297ـ302.

صفحه 44
المخالف، وكانوا لا يخشون إلاّ اللّه، فلو وجدنا في الكتاب والسنّة ما يرفض آراءهم فهما أولى بالاتباع.

الاستدلال بالكتاب:

قال اللّه تعالى: (يا أيُّها النَّبيُّ إذا طَلَّقتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنّ لِعدَّتِهنَّ وأحْصوا العِدَّةَ واتَّقوا اللّهَ رَبَّكُم)(1).
توضيح دلالة الآية يتوقّف على تبيين معنى العدَّة في الآية، فهل المراد منها، الأطهار الثلاثة أو الحيضات الثلاث؟ وهذا الخلاف يتفرّع على خلاف آخر هو تفسير «قروء» في الآية بالأطهار أو الحيضات.
توضيحه: أنّ الفقهاء اختلفوا في معنى قوله سبحانه: (والمُطلَّقاتُ يَتَربَّصنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثلثةَ قُروء)(2) فذهبت الشيعة الإمامية إلى أنّ المراد من القروء هو الأطهار الثلاثة، وقد تبعوا في ذلك ما روي عن علي (عليه السلام) : روى زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:قلت له إنّي سمعت ربيعة الرأي يقول:إذا رأت الدم من الحيضة الثالثة بانت منه و إنّما القرء ما بين الحيضتين و زعم أنّه أخذ ذلك برأيه فقال أبو جعفر(عليه السلام)كذب لعمرى ما قال ذلك برأيه و لكنّه أخذه عن علي (عليه السلام) قال: قلت له: و ما قال فيها عليّ(عليه السلام) قال كان يقول إذا رأت الدم من الحيضة الثالثة فقد انقضت عدتها و لا سبيل له عليها و إنّما القرء ما بين الحيضتين(3) .
روى زراره قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) سمعت ربيعة الرأي يقول من رأيي إنّ الأقراء التي سمّى اللّه عز و جلّ في القرآن إنّما هو الطهر فيما بين

1 . الطلاق: الآية 2.
2 . النساء: الآية 228.
3 . الوسائل: الجزء 15، الباب 15، أبواب العدد، الحديث 4 و لاحظ الحديث1.

صفحه 45
الحيضتين فقال: كذب لم يقل برأيه و لكنه إنّما بلغه عن علي (عليه السلام) فقلت أكان علي (عليه السلام) يقول ذلك فقال: نعم، إنّما القرء الطهر الذي يقرء فيه الدم فيجمعه فإذا جاء المحيض، دفعه (1).
وذهب أصحاب سائر المذاهب إلاّ قليل كربيعة الرأي ـ إلى أنّ المراد منها هي الحيضات. ولسنا في مقام تحقيق ذلك إنّما الكلام في بيان دلالة الآية على كلا المذهبين على اشتراط الطهارة في حال الطلاق، بعد الوقوف على أنّ من جوّز الطلاق في الحيض قال بعدم احتساب تلك الحيضة من «القروء» فنقول:
إن قلنا بأنّ العدّة عبارة عن الأطهار فيكون اللام في قوله : (لعدّتهنّ)بمعنى «في» ويكون المراد: فطلقوهنّ في عدّتهنّ، نظير قوله سبحانه: (هوَ الَّذي أَخرَجَ الَّذينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتابِ مِنْ دِيارِهِم لأوَّلِ الحَشْـرِ)(2) أي طلقوهنّ في عدّتهن أي في الزمان الذي يصلح لعدّتهن (3)، أو هي بمعنى الغاية، فيكون المعنى: طلّقوهنّ لأن يعتددن بعد الطّلاق بلا فصل، وعلى كلا الوجهين تدلّ الآية بالملازمة على شرطية الطهارة في الطّلاق.
وإن قلنا بأنّ العدّة عبارة عن الحيضات الثلاث يكون المراد (فطلّقوهنّ) مستقبلات (لعدّتهنّ)كما تقول: لقيته لثلاث بقين من الشهر، تريد مستقبلاً لثلاث (4). فبما أنّ العدّة على هذا الفرض هي الحيض، فيكون قُبيله هو ضدّه أعني الطهارة.

1 . الوسائل : 15، الباب 14 من أبواب العدد، الحديث 4.
2 . الحشر: الآية 2.
3 . الرازي: مفاتيح الغيب: 3/30.
4 . الزمخشري: الكشاف: 1/137، ط بيروت، وهذا ما أشار إليه الشيخ الطوسي في الخلاف من أنّ المعنى: قبيل عدتهن، ولاحظ: المصباح المنير مادة «عدّ» وقد عقد الشيخ الحرّ العاملي في الوسائل باباً في أنّ الاقراء في العدّة هي الاطهار (لاحظ: ج15، الباب 14 من أبواب العدد).

صفحه 46
وعلى كلّ تقدير فالآية ظاهرة في شرطية الطهارة في صحّة الطلاق.
ثمّ إنّ بعض الباحثين ذكر الحكمة في المنع من الطلاق في الحيض: أنّ ذلك يطيل على المرأة العدة، فانّها إن كانت حائضاً لم تحتسب الحيضة من عدّتها، فتنتظر حتى تطهر من حيضها وتتم مدّة طهرها ثمّ تبدأ العدة من الحيضة التالية(1).
هذا على مذهب أهل السنّة من تفسير «القروء» وبالتالي العدّة بالحيضات، وأمّا على مذهب الإمامية من تفسيرها بالأطهار، فيجب أن يقال: ... فإنّها إن كانت حائضاً لم تحتسب الحيضة من عدتها فتنتظر حتى تطهر من حيضها وتبدأ العدّة من يوم طهرت.
وعلى كلّ تقدير، فبما أنّهم اتّفقوا على أنّ الحيضة التي وقع الطلاق فيها لا تحسب من العدّة إمّا لاشتراط الطهارة أو لعدم الاعتداد بتلك الحيضة، تطيل على المرأة، العدّة سواء كان مبدؤها هو الطهر أو الحيضة التالية.

الاستدلال بالسنّة:

إنّ الروايات تضافرت عن أئمّة أهل البيت على اشتراط الطهارة. روى الكليني بسند صحيح عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: كلّ طلاق لغير العدّة (السنّة) فليس بطلاق: أن يطلّقها وهي حائض أو في دم نفاسها أو بعد ما يغشاها قبل أن تحيض فليس طلاقه بطلاق (2).
هذا ما لدى الشيعة وأمّا ما لدى السنّة فالمهم لديهم في تصحيح طلاق

1 . أحمد محمد شاكر: نظام الطلاق في الإسلام: 27.
2 . الوسائل: 15، الباب 8 من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث 9، وغيره.

صفحه 47
الحائض هو رواية عبد اللّه بن عمر، حيث طلّق زوجته وهي حائض، وقد نقلت بصور مختلفة نأتي بها (1).
الأُولى: ما دلّ على عدم الاعتداد بتلك التطليقة وإليك البيان:
1ـ سئل أبو الزبير عن رجل طلّق امرأته حائضاً؟ قال: طلّق عبد اللّه بن عمر ـ رضى اللّه عنهماـ امرأته وهي حائض على عهد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)فسأل عمر(رضي الله عنه) رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: إنّ عبد اللّه بن عمر طلّق امرأته وهي حائض؟ فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : ليراجعها، فردّها عليّ وقال: إذا طهرت فليطلّق أو ليمسك، قال ابن عمر: وقرأ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) : (يا أيُّها النَّبيُّ إذا طَلَّقتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنّ لِعدَّتِهنَّ) أي في قبل عدّتهنّ.
2ـ روى أبو الزبير قال: سألت جابراً عن الرجل يطلّق امرأته وهي حائض؟ فقال: طلّق عبد اللّه بن عمر إمرأته وهي حائض، فأتى عمر رسول اللّه فأخبره بذلك فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : ليراجعها فانّها إمرأته.
3ـ روى نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر أنّه قال في الرجل يطلّق إمرأته وهي حائض، قال ابن عمر: لا يعتدّ بها.
الثانية: ما يتضمّن التصريح باحتساب تلك التطليقة طلاقاً صحيحاً وإن لزمت إعادة الطلاق وإليك ما نقل بهذا المضمون:
1ـ يونس بن جبير قال: سألت ابن عمر قلت: رجل طلّق إمرأته وهي حائض؟ فقال: تعرف عبد اللّه بن عمر؟ قلت: نعم ، قال: فانّ عبد اللّه بن عمر طلّق امرأته وهي حائض، فأتى عمر (رضي الله عنه) النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)فسأله، فأمره أن يراجعها ثمّ يطلّقها من قبل عدّتها. قال، قلت: فيعتدّ بها؟ قال: نعم، قال: أرأيت

1 . راجع في الوقوف على تلك الصور، السنن الكبري للبيهقي: 7/ 324ـ 325.

صفحه 48
إن عجز واستحمق.
2ـ يونس بن جبير قال: سألت ابن عمر قلت: رجل طلّق امرأته، وهي حائض؟ قال: تعرف ابن عمر؟ إنّه طلّق امرأته وهي حائض، فسأل عمر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فأمره أن يراجعها، قلت: فيعتد بتلك التطليقة؟ قال: فمه؟ أرأيت إن عجز واستحمق.
3ـ يونس بن جبير قال: سمعت ابن عمر قال: طلّقت امرأتي وهي حائض. فأتى عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فذكر ذلك له، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ليراجعها، فإذا طهرت فليطلّقها، قال: فقلت لابن عمر: فاحتسبت بها؟ قال: فما يمنعه؟ أرأيت إن عجز واستحمق.
4ـ أنس بن سيرين قال: سمعت ابن عمر يقول: طلَّقت امرأتي وهي حائض، قال: فذكر ذلك عمر للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)قال، فقال: ليراجعها فإذا طهرت فليطلقها. قال: فقلت له ـ يعني لابن عمرـ: يحتسب بها؟ قال: فمه؟
5ـ أنس بن سيرين: ذكر نحوه غير أنّه قال: فليطلّقها إن شاء. قال: قال عمر ـ رضى اللّه عنهـ: يا رسول اللّه أفتحتسب بتلك التطليقة؟ قال: نعم.
6ـ أنس بن سيرين قال: سألت ابن عمر عن إمرأته التي طلّق؟ فقال: طلّقتها وهي حائض. فذكر ذلك لعمر (رضي الله عنه)فذكره للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: مره فليراجعها فإذا طهرت فليطلّقها لطهرها. قال: فراجعتها ثمّ طلّقتها لطهرها. قلت: واعتدّت بتلك التطليقة التي طلّقت وهي حائض؟ قال: مالي لا أعتدّ بها، وإن كنت عجزت واستحمقت.
7ـ عامر قال: طلّق ابن عمر امرأته وهي حائض واحدة، فانطلق عمر إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخبره، فأمره إذا طهرت أن يراجعها ثمّ يستقبل الطلاق في عدّتها

صفحه 49
ثمّ تحتسب بالتطليقة التي طلّق أوّل مرّة.
8ـ نافع عن ابن عمر (رضي الله عنه) أنّه طلّق امرأته، وهي حائض، فأتى عمر ـ رضى اللّه عنهـ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) فذكر ذلك له فجعلها واحدة.
9ـ سعيد بن جبير عن ابن عمر (رضي الله عنه) قال: حُسِبَتْ عليَّ بتطليقة.
الثالثة: ما ليس فيه تصريح بأحد الأمرين:
1ـ ابن طاووس عن أبيه : أنّه سمع ابن عمر سئل عن رجل طلّق إمرأته حائضاً؟ فقال: أتعرف عبد اللّه بن عمر؟ قال: نعم. قال: فإنّه طلّق إمرأته حائضاً، فذهب عمر (رضي الله عنه) إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فأخبره الخبر، فأمره أن يراجعها. قال: لم أسمعه يزيد على ذلك لأبيه.
2ـ منصور بن أبي وائل: إنّ ابن عمر طلّق إمرأته، وهي حائـض، فأمره النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)أن يراجعها حتّى تطهر، فإذا طهرت طلّقها.
3ـ ميمون بن مهران عن ابن عمر أنّه طلّق إمرأتـه في حيـضها، قـال: فأمرهرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يرتجعها حتى تطهر فإذا طهرت فإن شاء طلّق و إن شاء أمسك قبل أن يجامع.
وهناك رواية واحدة تتميّز بمضمون خاص بها، وهي رواية نافع قال: إنّ عبد اللّه بن عمر طلّق إمرأته وهي حائض ، على عهد رسولاللّه، فسألعمربن الخطاب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) عن ذلك؟ فقال رسولاللّه:فليراجعها، فليمسكحتى تطهر ثم تحيض ثمّ تطهر، إن شاء أمسكهابعدوإنشاء طلّق قبل أن يمس، فتلك العدّة التي أمر اللّه أن يطلّق لها النساء.
وبعدتصنيف هذه الروايات نبحث عن الفئة الراجحة منها بعد معرفة طبيعة الاشكالات التي تواجه كلاً منها ومعالجتها.

صفحه 50

معالجة الصور المتعارضة:

لا شك أنّ الروايات كانت تدور حول قصّة واحدة، لكن بصور مختلفة، فالحجّة منها مردّدة بين تلك الصور والترجيح مع الأُولى لموافقتها الكتاب وهي الحجّة القطعية، وما خالف الكتاب لا يحتجّ به، فالعمل على الأُولى.
وأمّا الصورة الثالثة، فيمكن ارجاعها إلى الأُولى لعدم ظهورها في الاعتداد والصحّة، نعم ورد فيها الرجوع الذي ربّما يتوهّم منه، الرجوع إلى الطلاق الملازم لصحّته، لكن ليس بشيء.
فانّ المراد من المراجعة فيها هو المعنى اللغوي لا مراجعة المطلّقة الرجعية، ويؤيّد ذلك أنّ القرآن يستعمل كلمة الرد أو الامساك، فيقول: (وبعُولتهنَّ أحقُّ بِردِّهنَّ)(1).
وقال سبحانه: (الطلاقُ مرَّتانِ فإمساكٌ بِمَعروف) (2) . وقال سبحانه: (فأمسكوهنَّ بِمعرُوف)(3) وقال تعالى: (ولاتمسكُوهنَّ ضِراراً لِتعتَدوا)(4).
نعم استعمل كلمة الرجعة في المطلّقة ثلاثاً إذا تزوّجت رجلاً آخر فطلّقها، قال سبحانه: (فإنْ طَلَّقَها فَلا تَحلُّ لَهُ مِنْ بَعدُ حَتّى تَنكحَ زَوجاً غيرَه فَإنْ طَلَّقها فَلا جُناحَ عَلَيهِما أنْ يَتَراجَعا) (5).
بقي الكلام في النصوص الدالة على الاحتساب أعني الصورة الثانية، فيلاحظ عليها بأُمور:
1ـ مخالفتها للكتاب، وما دلّ على عدم الاحتساب .

1 . البقرة: الآية 228.
2 . البقرة: الآية 229.
3 . البقرة: الآية 231.
4 . البقرة: الآية 231.
5 . البقرة: الآية 230.

صفحه 51
2ـ أنّ غالب روايات الاحتساب لا تنسبه إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وإنّما إلى رأي ابن عمر وقناعته، فلو كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قد أمر باحتسابها، لكان المفروض أن يستند ابن عمر إلى ذلك في جواب السائل، فعدم استناده إلى حكم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دليل على عدم صدور ما يدلّ على الاحتساب من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)نفسه، فتكون هذه النصوص موافقة للنصوص التي لم تتعرّض للاحتساب، لأنّها كلّها تتّفق في عدم حكم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) باحتساب التطليقة، غايته اشتمل بعضها على نسبة الاحتساب إلى ابن عمر نفسه، وهو ليس حجّة لاثبات الحكم الشرعي.
نعم روايتا نافع رويتا بصيغتين، نسب الحكم بالاحتساب في احدى الصيغتين إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه (الرواية 8 من القسم الثاني) ، بينما رويت الثانية بصيغة أُخرى تضمّنت النسبة إلى ابن عمر بعدم الاحتساب (الرواية 3 من القسم الأوّل).
وأمّا رواية أنس فرويت بصيغتين تدلاّن أنّ الحكم بالاحتساب هو قناعة ابن عمر نفسه لا قول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)(الرواية 4و 6 من القسم الثاني) وبصيغة ثالثة نسبت الاحتساب إلى النبيّ (الرواية 5 من القسم الثاني) ومع هذا الاضطراب لا تصلح الرواية لاثبات نسبة الحكم بالاحتساب إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)نفسه.
3ـ إنّ فرض صحّة التطليقة المذكورة لا يجتمع مع أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بإرجاعها وتطليقها في الطهر بعده، لأنّ القائلين بصحّة الطلاق في الحيض لا يصحّحون اجراء الطلاق الثاني في الطهر الذي بعده، بل يشترطون بتوسّط الحيض بين الطهرين واجراء الطلاق في الطهر الثاني. ولعلّه للاعتماد على الرواية الأخيرة التي تتميّز بمضمون خاصّ فالأمر من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بارجاعها وتطليقها في الطهر الثاني ينافي احتساب تلك تطليقة صحيحة.
4ـ اشتهر في كتب التاريخ أنّ عمر كان يعتبر ولده بالعجز عن الطلاق،

صفحه 52
وظاهره يوحي بأنّ ما فعله لم يكن طلاقاً شرعاً.
وبعد ملاحظة كلّ ما قدّمناه يتّضح عدم ثبوت نسبة الاحتساب إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)والذي يبـدو أنّ النـص ـ على فرض صـدوره ـ لم يتضمّن احتســـاب التطليقة من قبل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وانّما هي اضافات أو توهّمات بسبب قناعة ابن عمرأو بعض من هم في سلسلة الحديث، ولذلك اضطربت الصيغ في نقل الحادثة.
وأمّا رواية نافع المذكورة فيلاحظ عليها أنّها لا تدلّ على صحّة التطليقة الأُولى إلاّ بادّعاء ظهور «الرجوع» في صحّة الطلاق وقد علمت ما فيه، وأمّا أمره بالطلاق في الطهر الثاني بعد توسّط الحيض بين الطهرين حيث قال: «مره فليراجعها، فليمسك حتّى تطهر ثم تحيض ثم تطهر. إن شاء أمسكها وإن شاء طلّق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمره أن يطلّق لها النساء» فلعلّ أمره بمضي طهر وحيض، لأجل مؤاخذة الرجل حيث تسرّع في الطلاق وجعله في غير موضعه فأُرغم عليه أن يصبر طهراً وحيضاً، فإذا استقبل طهراً ثانياً فليطلّق أو يمسك.
وبعد كلّ هذا يمكننا ترجيح الحكم ببطلان الطلاق في الحيض، لاضطراب النقل عن ابن عمر، خصوصاً مع ملاحظة الكتاب العزيز الدال على وقوع الطلاق لغاية الاعتداد، أو قبل العدّة على ما عرفت.

المستثنيات من هذا الأصل

ثمّ إنّه استثنيت من هذا الحكم طوائف
منها: غير المدخول بها،
ومنها; الحامل. وتضافرت الروايات والفتوى على ذلك.
روى الصدوق عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال: «خمس يطلَّقن على كلّ

صفحه 53
حال: الحامل المتبيّن حملها، والتي لم يدخل بها زوجها، والغائب عنها زوجها، والتي لم تحضِ، والتي قد جلسَتْ عن المحيض»(1) وبهذا المضمون غيرها.
والمقصود من قوله: «على كلّ حال» ; هو حال الحيض فقط، أو الأعمّ منه ومن حال طهر المواقعة، و اللفظ وإن كان عامّاً; لكنّ طلاقهنّ في حال طهر غير المواقعة ليس موضع شكّ وترديد حتى يحتاج إلى البيان، و المحتاج إليه هو حال الحيض و طهر المواقعة ، على أنّ المسألة إجماعيّة.
وبذلك; يظهر جواب ما يتوهم من أنّ النسبة بين هذه الروايات وما دلّ على بطلان الطلاق في أيّام الحيض عموم من وجه فيتعارضان في مورد الاجتماع; لشمول الطائفة الأولى لما إذا طلّق إحدى هؤلاء في أيّام الطهر دون الثانية، وصدقها فيما إذا طلّق غير الخمسة في أيّام الحيض، ويتصادقان في طلاق هؤلاء في أيّام الحيض. و لا وجه لإبقاء المجمع تحت الطائفة الأولى.
وذلك; لأنّ إخراج أيّام الحيض عن الطائفة الأولى، يستلزم لغويّتها; لأنّ جواز الطلاق في أيّام الطهر حكم عامّ، لايختصُّ بهذه الطائفة، فلاتثبت خصوصية هؤلاء الخمسة إلاّ إذا قلنا بصحّة طلاقهنّ في أيّام الدم، ولأجل ذلك قلنا: بأنّ المقصود الجدّيّ في الطائفة الأولى; هو أيّام الدم فقط و هي أيّام طهر المواقعة وإن كان اللفظ عامّاً.

ومنها: الغائب عنها زوجها:

اتفقت كلمتهم; على أنّ الغائب عنها زوجها يجوز طلاقها وإن صادف أيّام الحيض. ثمّ إنّ الغائب عنها زوجها سنةً أو سنتين ـ ولا اطّلاع له على أحوال

1 . الوسائل15:الباب 25 من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث1، وبهذا المضمون غيره.

صفحه 54
زوجته ـ يجوز طلاقها بلاشرط ولاكلام، وهو القدر المتيقَّن في قوله: «خمسٌ يُطلَّقنَ على كلِّ حال». (1)
إنّما الكلام في الأقسام الآتية:
1ـ إذا غاب عنها و هي في طهر لم يواقعها فيه.
2ـ إذا غاب عنها و هي في طهر المواقعة.
3ـ إذا غاب عنها وهي حائض.
هذه هي صور المسألة، ثمّ إنّ الكلام يقع في موضعين:
الأوّل: هل يجب على الزوج التربُّص في هذه الصور أو لا؟
الثاني: فلو قلنا بوجوب التربُّص فما هي مدّته؟
وتظهر حال المقامين معا بالبحث التالي:
فنقول قد اختلفت آراؤهم حسب ما نقله العلاّمة في المختلف:
1ـ ذهب ابن أبي عقيل المعاصر للكلينيّ وعليّ بن بابويه(م329) والمفيد (م413) وسلار(م 463) إلى; جواز الطلاق عند عدم التمكّن من الاستعلام من غير تربُّص.
2ـ وذهب الصدوق في الفقيه إلى أنّه يجب التربُّص وأقصاه خمسة أشهر أو ستة أشهر وأوسطه ثلاثة أشهر وأدناه شهر.
3ـ وقال ابن الجنيد: وينتظر الغائب بزوجته من آخر جماع أوقعه ثلاثة أشهر إذا كانت ممّن تحمل، وإن كانت آيسة أو لم تبلغ إلى حال الحمل طلّقها إذا شاء.
4ـ وقال الشيخ في النهاية إذا خرج إلى السفر وقد كانتطاهراً، طهراً لم يقربها فيه بجماع جاز له أن يطلقها أي وقت شاء و متى كانت طاهراً طهراً قد

1 . الوسائل15:الباب 25 من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث1، وبهذا المضمون غيره.

صفحه 55
قربها فيه بجماع; فلايطلّقها حتّى يمضي ما بين شهر إلى ثلاثة أشهر ثمّ يطلّقها بعد ذلك أيّ وقت شاء.(1)واختاره ابن البرّاج في مهذّبه. (2)
5ـويظهر من موضع آخر من النهاية; وجوب التربّص شهراً فصاعداً مطلقاً; من غير فرق بين تركها وهي في طهر لم يواقعها فيه، أو طهر واقعها فيه، ويحمل الثاني على الأوّل.
6ـ وذهب المحقّق في الشرائع وهوالمشهور بين المتأخرين; إلى اعتبار مضيّ مدّة يعلم انتقالها من الطهر الذي واقعها فيه إلى آخر بحسب عادتها ولايتقدّر بمدّة مخصوصة وهو خيرة ابن ادريس والعلاّمة في أكثر كتبه.
ومنشأ الاختلاف; هو تضارب الروايات في المقام، إذ هي على طوائف:
منها: ما يدلّ باطلاقه على عدم لزوم التربّص; مثل قوله: «خمسٌ يُطلَّقنَ على كلّ حال»(3) ولعلّه إليه استند ابن أبي عقيل وابن بابويه والمفيد. ويؤيّده بعض الروايات:(4)
منها; ما يدلّ على وجوب التربّص شهراً; مثل ما رواه إسحاق بن عمّار عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: «الغائب إذا أراد أن يطلّقها، تركها شهراً».(5)
ومنها; ما يدلّ على لزوم التربّص بالأهلّة والشهور، وقد فسّرت الأهلّة بثلاثة أشهر وبالخمسة والستة أشهر. روى زرارة عن بكير، قال: أشهد على أبي

1 . الحدائق:25/183ـ184.
2 . المهذّب:2/286.
3 . تضافرت الروايات على هذا المضمون; لاحظ الوسائل15: الباب 25من أبواب مقدّمات الطلاق.
4 . الوسائل15:الباب26من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث1.
5 . الوسائل 15:الباب 26من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث3. وهو متحّد مع ما رواه محمّد بن أبي حمزة عن إسحاق بن عمّار، لاحظ الرواية الخامسة من هذا الباب.

صفحه 56
جعفر (عليه السلام) أنّي سمعته يقول: «الغائب يطلّق بالأهلّة والشّهور».(1) وروى جميل بن درّاج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «الرّجل إذا خرج من منزله إلى السفر فليس له أن يطلِّق حتّى تمضي ثلاثة أشهر».(2)
هذا مجموع ما ورد في هذا الباب من الروايات، وقد اضطربت كلماتهم في الجمع بين هذه الروايات، والكلّ يستند إليها ولكلّ وجه، وإليك البيان:
1ـ يمكن أن يقال بعدم وجوب التربّص; أخذاً بالإطلاقات السابقة، وحمل روايات التربّص على الاستحباب. ويدلّ عليه اختلاف ألسنتها بين شهر، إلى ثلاثة، إلى خمسة، إلى ستة، ثمّ التنزّل في رواية إسحاق بن عمّار إلى أشهر، كلّ ذلك يعرب عن استحباب التربّص.
2ـ يمكن أن يقال بوجوب التربّص شهراً واحداً; على ما دلّت عليه رواية إسحاق بن عمّار ومن المعلوم أنّ المرأة تنتقل في هذه المدّة من حالة إلى حالة أُخرى.وأمّا التقادير الأُخر فتحمل على استحباب التربّص أزيد من شهر، أو تحمل على اختلاف النساء في عاداتهنّ، وإن كان الأخير بعيداً، فإنّ لازمه حمل رواية جميل الدالّة على التربّص مقدار ثلاثة أشهر; على الفرد النادر.
3ـ يجب التربّص مدّةً يعلم انتقالها من القرء الذي وطأها فيه إلى آخر بمقتضى العادة; كما عليه المحقّق وأكثر من تأخّر عنه وذلك; لأنّ للزوجة الحالات الثلاثة الماضية أعني:
أ: إذا غاب عنها وهي في طهر لم يواقعها فيه.
ب: إذا غاب عنها وهي في طهر المواقعة.

1 . الوسائل15:الباب 26 من أبواب مقدّمات الطلاق، الأحاديث2. ولاحظ الرواية الثامنة من هذا الباب.
2 . الوسائل15:الباب 26 من أبواب مقدّمات الطلاق، الأحاديث 7. ولاحظ الرواية الثامنة من هذا الباب.

صفحه 57
ج : إذا غاب عنها وهي حائض.
أمّا الصورة الأولى; فليس التربّص فيه واجباً; لأنّه إذا كان حاضراً جاز له طلاقها، فكيف إذا غاب عنها، نعم لو علم أيّام قرءها ـ لو فرضت لها عادة وقتيّة ـ أخّرها إلى أيّام طهرها، بناء على اعتبار مثل هذه العادة هنا.
أمّا الصورتان الأخيرتان فالبحث في لزوم التربّص وعدمه راجع إليهما، وعند ذلك; فما ورد في الشرع من التقادير إنّما هو لأجل معرفة الانتقال من حالة إلى أُخرى فلو تركها في طهر المواقعة; يتربّص بمقدار يطمئنّ بانتقالها عن القُرء الذي وطأها فيه إلى قُرء آخر، ولو تركها وهي حائض; فلو كانت لها عادةً راعاها لأولويّتها من العادة النوعيّة ويتربّص بمقدار يعلم انتقالها من حيض إلى طهر، فالتقادير الواردة في الرواياتلأجل تحصيل الاطمئنان بالانتقال، فإذا كان كذلك; فليس الشهر ولاالثلاثة أشهر وغيرهما مقياساً واقعيّاً، وإنّما هي طرق لتحصيل هذا النوع من الاطمئنان.
ثمّ إنّ الاطمئنان وإن كان يحصل بمضيّ شهر أو أزيد بقليل ولايتوقف على الأشهر; لكن تحصيلاً للاطمئنان الأكثر واستظهاراً لحال المرأة حتّى لايقع الطلاق في طهر المواقعة أو حيضها، ورد الأمر بالتربّص بالشهور والأهلّة.
فيحصل من ذلك: أنّ الأقوى هو القول الأخير، وأنّ التقادير الواردة طريق لمعرفة حالها وعدم دخل المدّة بما هي هي في الحكم.
ولو طلّقها بعد أن مضت المدّة، ثمّ وقف على أنّ الطلاق وقع وهي حائض صحّ الطلاق; لرواية أبي بصير قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : الرجل يطلّق امرأته وهو غائب، فيعلم أنّه يوم طلّقها كانت طامثاً، قال: «يجوز».(1)

1 . الوسائل 15:الباب 26 من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث6.

صفحه 58
ولو مضت المدّة المعتبرة فأخبره عدلٌ بأنّها حائض; فهل جاز طلاقها أولا؟ قال في المسالك «لو طلّقها والحال هذه يقع طلاقه باطلاً لوجود المقتضي للبطلان وصحّة طلاقه غائباً مشروطة بعدم الظنّ بحصول المانع».
والأولى أن يقول: مشروطة بعدم قيام الحجّة على وجود المانع ، وإلاّ فالظنّ بما هو هو ليس بحجة والمرجع الإطلاقات المجوّزة للطلاق. إلاّ إذا قلنا بحجّية قول العادل في الموضوعات.

و منها الحاضر غير المتمكّن من التعرّف على حالها:

ثمّ إنّه لو كان حاضراً ولكنّه لا يستطيع أن يصل إليها حتى يعلم حيضها وطهرها; فهو بمنزلة الغائب. كما أنّ الغائب لو فرض إمكان علمه بحالها كان كالحاضر; وتدلّ على ذلك صحيحة عبد الرحمن ابن الحجّاج، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل تزوّج امرأة سرّاً من أهلها وهي في منزل أهلها، وقد أراد أن يطلّقها وليس يصل إليها; فيعلم طمثها إذا طمثت ولايعلم بطهرها إذا طهرت قال: فقال:«هذا مثل الغائب عن أهله يطلّق بالأهلّة والشّهور...».(1)
والمسألة مورد اتّفاق إلاّ من الحلّي فقد ترك العمل بالصحيحة بناءً على مذهبه في خبر الواحد من عدم حجيّته عنده.
فتحصّل; أنّ الشرط الثالث هو كونها طاهراً من الحيض والنفاس; خرجت منه طوائف أربع:
1ـ غير المدخول بها. 2ـ والحامل. 3ـ والغائب عنها زوجها. 4ـ والحاضر

1 . الوسائل15:الباب 28 من أبواب مقدّمات الطلاق ، الحديث1، ومثله خبر عليّ بن كيسان، لاحظ الرواية الثانية من ذلك الباب.

صفحه 59
الذي هو بحكم الغائب.
وبقي حكم المسترابة: التي لاتحيض وهي في سنّ من تحيض، وسيأتي حكمها في الشرط الرابع من لزوم الصبر إلى ثلاثة أشهر. فانتظر.

الشرط الرابع: أن تكون مستبرأة:

يشترط في صحّة الطلاق; أن تكون مستبرأة من المواقعة التي واقعها، إمّا حقيقة كالحيضة بناءً على عدم اجتماعها مع الحمل، أو بما جعله الشارع طريقاً إلى ذلك كمضيّ المدّة في الغائب والمسترابة.
قال الشيخ في الخلاف: «الطلاق المحرّم هو أن يطلّق مدخولاً بها، غير غائب عنها غيبةً مخصوصة، في حال الحيض، أو في طهر جامعها فيه، فما هذا حكمه فإنّه لايقع عندنا، والعقد ثابت بحاله، وبه قال ابن عليّة، وقال جميع الفقهاء: إنّه يقع وإن كان محظوراً، ذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه ومالك والأوزاعيّ والثوريّ والشافعيّ».(1)
واستدلّ على الحكم مضافاً إلى ما ورد في الكتاب من طلاقهم للعدّة ـ وقد مضى تفسيرهـ بالروايات; مثل ما رواه معمّر بن يحيى، عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه (عليهما السلام) ، أنّهما قالا: «إذا طلّق الرّجل في دم النّفاس أو طلّقها بعد ما يمسّها فليس طلاقه إيّاها بطلاق». (2)
نعم; خرج عن هذا الحكم طوائف:

أـ اليائسة التي لاعدّة لها.(3)


1 . الخلاف2/438، المسألة 2،كتاب الطلاق.
2 . الوسائل15:الباب9 من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث1، ولاحظ الروايات في هذا الباب.
3 . لاحظ الوسائل15:الباب 25من أبواب مقدّمات الطلاق.

صفحه 60

ب ـ والتي لم تحض.

قد ورد النصّ على جواز طلاق الخمس على كلّ حال ومنهم «التي لم تحض». (1) وهل المراد منها; غير البالغة، أو يعمّ البالغة التي لم تر الدم; المتبادر هو الأوّل أو هو القدر المتيقّن وتؤيده رواية عبد الرحمان بن الحجّاج، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول:«ثلاث يتزوّجن على كلّ حال: التي قد يئست من المحيض ومثلها لاتحيض» قلت: ومتى تكون كذلك؟ قال: «إذا بلغت ستّين سنة فقد يئست من المحيض ومثلها لاتحيض، والتي لم تحض ومثلها لاتحيض»، قلت: ومتى يكون كذلك؟ قال:«مالم تبلغ تسع سنين فإنّها لاتحيض ومثلها لاتحيض، والتي لم يدخل بها».(2)

ج ـ الحامل:

وهي إحدى الطوائف الخمس التي استفاضت النصوص على طلاقها على كلّ حال، أضف إلى ذلك; أنّ طلاقها مع الحمل طلاق للعدّة التي هي وضع الحمل، وهل الموضوع كونها حاملاً في الواقع سواء استبان الحمل أم لم يستبن، أو الموضوع هو المستبان؟
النصوص بين مطلق; مثل رواية الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال: «لابأس بطلاق خمس على كلّ حال: الغائب عنها زوجها والتي لم تحض، والتي لم يدخل بها زوجها، والحبلى، والتي قد يئست من المحيض».(3)

1 . تضافرت النصوص على خروجها بهذا العنوان، لاحظ الوسائل15:الباب 25من أبواب مقدّمات الطلاق، الأحاديث1، 3، 4، 5.
2 . الوسائل 15: الباب 3من أبواب العدد، الحديث5.
3 . الوسائل15:الباب 25من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث3، ولاحظ الحديث 5من هذا الباب.

صفحه 61
ومقيّد; مثل رواية إسماعيل بن جابر الجعفي، عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال: «خمس يطلّقن على كلّ حال: الحامل المتبيّن حملها، والتي لم يدخل بها زوجها، والغائب عنها زوجها، والتي لم تحض، والتي قد جلست عن المحيض».(1)
ومقتضى القاعدة حمل المطلق على المقيّد، ويقيّد الحكم بالتبيّن.
أمّا ألفاظ الأصحاب; فهي أيضاً بين مقيّد، كالمفيد في مقنعته،(2) والشيخ في نهايته،(3) وابن البرّاج في مهذّبه،(4) وابن حمزة في وسيلته،(5) وابن سعيد في جامعه،(6).
ومطلق كالعلاّمة في المختلف(7)، والشهيدين في الروضة.(8)
ومقتضى القاعدة تقييد المطلق بالمقيد و القول بأنّ الموضوع هو الحامل المبان حملها. لكن يقع الكلام في أنّ الاستبانة شرط لماذا. إنّ هناك احتمالات.
1ـ انّها شرط لإباحة الطلاق فإنّ طلاق غير المستبرأة من المواقعة، حرام تكليفاً إلاّ إذا استبان حمل المطلقة، و أمّا الصحة فهي تابعة لكونها حاملا واقعاً وعدمه و لذا لو تخيل الاستبانة و طلّقها و بان الخلاف كان الطلاق باطلاً و إن لم يرتكب حراماً لمكان الظـن بالحمل و على هذا يكون العلم بالحمل مأخوذاً في الموضوع على وجه الوصفية لا الطريقية.
2ـ انّ الاستبانة شرط لصحة الطلاق، فلو طلق بدونها، بطل و إن صادف الواقع و كانت حاملا و هذا خيرة السيد الطباطبائي في مصابيحه (9) .

1 . الوسائل 15: الباب 25من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث1، ولاحظ الحديث 2و4من هذا الباب.
2 . المقنعة: 81 كتاب الطلاق.
3 . النهاية: 516.
4 . المهذّب:2/285.
5 . الوسيلة:322.
6 . الجامع للشرائع:467.
7 . المختلف:37، كتاب الطلاق.
8 . الروضة:2:/132، كتاب الطلاق.
9 . الجواهر32/42.

صفحه 62
3ـ أن تكون الغاية من اشتراط الاستبانة هو صيانة فعل المطلق من احتمال اللغوية ، فيلزم عليه الاصطبار حتى يتبين الحمل و يكون عمله مقروناً مع الغرض.
و الأقرب هو الوجه الثالث، لندرة كون العلم مأخوذاً في موضوع الاحكام على وجه الوصفية كما هو الحال في القول الثاني، و أمّا الأول فبعيد.
وعلى كلّ تقدير، لو كانت النصوص ظاهرةً في واحد من هذه الوجوه من شرطيّته لإباحة الطلاق أو لصحّته، أو لصيانة فعل المكلّف عن اللغويّة فهو، وإلاّ فالمرجع أصالة بقاء عقدة النكاح استصحاباً موضوعيّاً لاحكميّاً كليّاً حتّى يقال: بأنّ الاستصحاب في الشبهات الحكميّة الكلّية ليس بحجّة، بأن يقال: إنّ هذه المرأة كانت زوجة ومعقودة لزوجها والأصل بقائها كذلك.

د ـ المسترابة:

يسقط هذا الشرط في المسترابة، وهي التي لاتحيض لخلقة ، أو عارض، وهي في سنّ من تحيض، لكن يشترط أن يمضي عليها من زمن مواقعتها ثلاثة أشهر معتزلاً لها، وتدلّ عليه; صحيحة إسماعيل بن سعد الأشعري، قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن المسترابة من المحيض كيف تطلّق؟ قال: «تطلّق بالشهور».(1)
ومرسل داود بن أبي يزيد العطّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، قال: سألته عن المرأة يستراب بها ومثلها تحمل ومثلها لاتحمل ولاتحيض، وقد واقعها زوجها، كيف يطلّقها إذا أراد طلاقها؟ قال: «ليمسك عنها ثلاثة أشهر ثمّ يطلّقها».(2)

1 . الوسائل ج15:الباب4من أبواب العدد، الحديث17.
2 . الوسائل ج15:الباب 40 من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث1.

صفحه 63

هـ ـ الغائب:

وممّن يسقط هذا الشرط في حقّها ; هي الغائب عنها زوجها، وقد مضى البحث عنه، عند البحث عن اشتراط الطهر من المحيض، ومضى الاختلاف في لزوم التربّص وعدمه ومقداره، فلاحظ.

الشرط الخامس: تعيين المطلّقة

يشترط تعيين المطلّقة; بأن يقول «أنت طالق» أو «هندٌ طالق» على نحو يرفع الاحتمال، فلو كانت له زوجة واحدة فقال: «زوجتي طالق» صحّ لعدم الإبهام، وما ورد في صحيحة محمّد بن مسلم أنّه سأل أبا جعفر (عليه السلام)عن رجل قال لامرأته: أنت علَيّ حرامٌ أو بائنة أو بتّة أو بريّة أو خليّة، قال: «هذا كلّه ليس بشيء إنّما الطّلاق أن يقول لها في قبل العدّة بعد ما تطهر من محيضها قبل أن يجامعها: أنتِ طالق أو اعتدّي، يريد بذلك الطّلاق، ويشهد على ذلك رجلين عدلين».(1)
وما في خبر محمّد بن أحمد بن مطهّر، قال: كتبتإلى أبي الحسن صاحبالعسكر (عليه السلام) أنّي تزوّجت أربع نسوة ولم أسأل عن أسمائهنّ ثمّ إنّي أردت طلاق إحداهنّ وتزويج امرأة أُخرى، فكتب(عليه السلام) : «انظر إلى علامة إن كانت بواحدة منهنّ فتقول: اشهدوا أنّ فلانة التي بها علامة كذا وكذا هي طالق، ثمّ تزوّج الأُخرى إذا انقضت العدّة».(2) فإنّما هو لأجل تحقّق التعيّن، فإذا كانت المطلّقة متعيّنة بنفسها فلاحاجة إلى الإشارة ولاإلى ذكر العلامة.

1 . الوسائل15:الباب 16من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث3.
2 . الوسائل14:الباب 3من أبواب استيفاء العدد، الحديث3.

صفحه 64
إنّما الكلام في ما لو كان له زوجتان، أو زوجات فقال: «زوجتي طالق»، وله صورتان:
1ـ أن ينوي زوجة معيّنة ثمّ يفسّر ما نوى.
2ـ أن لاينوي زوجة معيّنة.
أمّا الأوّل: فقد قال الشيخ في الخلاف: «إذا سألته بعض نسائه أن يطلّقها، فقال: نسائي طوالق، ولم ينو أصلاً، فإنّه لاتطلّق واحدة منهنّ، وإن نوى بعضهنّ فعلى ما نوى».(1)
وقال المحقّق: «إنّه يصحّ ويقبل تفسيره لمّا لايعلم إلاّ من قبله من غير يمين»، وما ورد في الروايتين من الخطاب أو ذكر العلامة;فإنّما هما طريقان للتعيين، ولاموضوعيّة لهما، فينوب عنهما النيّة والتعيين في الضمير، هذا ممّا لاشبهة فيه. إنّما الإشكال; في عرفيّة هذا النوع من الطلاق، وشمول الإطلاقات له. ومعه لايمكن الاكتفاء به مضافاً إلى استصحاب بقاء علقة النكاح على النحو الموضوعيّ بأن يقال: إنّ هذه المرأة كانت مزوّجةً والأصل بقاءها على ما كانت عليه.
اللّهم; إلاّ أن يقال: إنّ هذا الأصل محكوم بأصل آخر، وهو أصالة عدم شرطيّة التعيين في اللفظ والعبارة. وهذا الأصل حاكم على الأصل المتقدّم لكون الشكّ في إزالة عقدة النكاح وعدمها مسبّب عن الشك في شرطيّة التعيين في اللفظ وعدمه، فإذا جرى الأصل الثاني، لم يبق لجريان الأصل الأوّل وجه.
وأمّا القسم الثاني: فقد قال الشيخ في الخلاف: «إذا سألته بعض نسائه أن يطلّقها فقال: نسائي طوالق ولم ينو أصلاً فإنّه لاتطلّق واحدة منهنّ، وإن نوى بعهضنّ فعلى ما نوى، وقال أصحاب الشافعيّ : يطلّق كلّ امرأة له، نوى أو لمينو، إلاّ ابن الوكيل فإنّه قال: إذا لم ينو السائلة فإنّها لاتطلّق، وقال مالك: يطلّق

1 . الخلاف:4/ المسألة 16،كتاب الطلاق.

صفحه 65
جميعهنّ إلاّ التي سألته، لأنّه عدل عن المواجهة إلى الكناية فعلم أنّه قصد غيرها).(1)
وقال المفيد: فيمن له زوجة واحدة: « لو قال : انت و اومى اليها بعينها... فاذا فعل ذلك فقد بانت منه واحدة».(2)
ويستفاد منه حكم التعيين عند تعدد الزوجات.
ويظهر من الشيخ في المبسوط أنّه يصحّ الطلاق بلا تعيين غاية الأمر أنّه يجب عليه أن يعين بالقول أو بالفعل، والأوّل كما إذا قال: اخترت تعيين الطلاق في هذه، والثاني بأن يطأ واحدة منهما (3). ونقل في الجواهر عن محكي المبسوط أنّه «يصحّ ويستخرج بالقرعة» (4). وليس في المبسوط منه أثر.
وقال ابن ادريس عند بيان شرائط صحّة الطلاق : «و منها تعيينها».(5)
ولايخفى; أنّ القول بالبطلان في هذه الصورة أولى منه في الصورة السابقة لعدم التعيين لافي اللفظ ولافي النيّة، ومعه يشكّ في شمول الإطلاقات لمثل هذا النوع من الطلاق، كما يشكّ في صحّته عند العقلاء، وعلى ذلك; فالمرجع هو الأصل على ما قرّر في الصورة السابقة.
نعم; يعارضه الأصل الآخر، وهو عدم شرطيّة التعيين في الضمير عند إجراء الصيغة; بل يكفي التعيين بقيد القرعة، أو باختيار نفسه.
إلاّ أنّ الإشكال كلّه; في وجود الشكّ في كون هذا الفرد من الطلاق داخلاً تحت الإطلاقات ورائجاً بين العقلاء.

1 . الخلاف:4/ المسألة 16،كتاب الطلاق.
2 . المقنعة: 525.
3 . المبسوط : 5/26.
4 . السرائر : 2/665.
5 . السرائر: 2 / 665 .

صفحه 66
أضف إلى ذلك أنّ الإخراج بالقرعة قاصرٌ جداً، لانحصار حجيّتها بباب الخصومات والمنازعات لامطلقاً كما ذكرنا في محله.
ثمّ إنّ كلاً من المجوّز والمانع; استدلّ بوجوه زائفة نشير إليها:
أمّا المجوّز; فقد استدلّ على الجواز بما ورد من تخيّر من أسلم على أكثر من أربع، حيث ورد عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في مجوسيّ أسلم وله سبع نسوة وأسلمن معه كيف يصنع؟ قال: «يمسك أربعاً ويطلّق ثلاثاً». (1)أي يفارق ثلاثاً ويخلّي سبيلهنّ.
ولايخفى; أنّه لايفيد شيئاً في المقام، لأنّه إنّما يفارق غير الأربع على وجه التعيين، وليس هناك إبهام في النيّة، كما أنّ المانع استدلّ باستصحاب بقاء النكاح المتوقّف زواله على السبب الشرعيّ الذي تحتمل فيه مدخليّة ذكرما يقتضي التعيين، ولو بقرائن حالية ، ولاأقلّ من الشكّ في تناول العمومات و بناء العقلا لهذا النوع من الطلاق المبهم، و هو كالنكاح من أهم الأمور.
ولايخفى; أنّ الأصل محكوم بالدليل الاجتهاديّ، ولو كانت الإطلاقات شاملة لهذه الصورة لما كان لهذا الأصل; أصل.
نعم;ما ذكره في ذيل كلامه هو الأصل، فالشكّ في شمول الإطلاقات لهذا النوع من الطّلاق أو بناء العقلاء على اعتبار ذلك الطّلاق قائم بحاله.

1 . الوسائل14:الباب 6من أبواب ما يحرم باستيفاء العدد، الحديث1.

صفحه 67

الركن الثالث:

الصيغـة

قد عرفت; انّ للطلاق أركاناً، فالأوّل منها هو المطلِّق، والثاني منها هو المطلَّقة، والثالث هو: الصيغة، التي ليس لها شأن إلاّ إزالة قيد النكاح. ومقتضى القاعدة الأوّليّة; هو صحّة إيقاعه بأيّ لفظ شاء المطلِّق، بشرط أن يكون صريحاً في الإيقاع وحلّ عقدة النكاح، كما هو الحال في سائر العقود، لما قلنا في محلّه من; أنّ هذه المفاهيم الاعتبارية والاجتماعيّة تدور عليها رُحى الاجتماع في الغابر والحاضر، وليس الشارع هو المؤسّس لهذه الأمور الاعتباريّة، بل كانت رائجة قبل الإسلام في المجتمعات البشريّة، فكان لهم نكاح وطلاق كما كان لهم بيع وإجارة، وجاء الشارع وأمضى هذه الأمور الاعتباريّة على ما هي عليه، غير أنّه تصرّف في أحكامها وشروطها، فعلى ذلك; فكلّ ما كان سبباً لإيجاد العلقة أو زوالها فهو المتّبع أخذاً بالإمضاء، وقد كانت السيرة بمرأى ومسمع من الشارع وحينئذ فلو كان شيء منها أو سبب منها غير مرضيّ عنده لكان عليه التنبيه على الخطأ كما نبّه بذلك في موارد.
وأمّا الطلاق; فمقتضى القاعدة هو ذاك، إلاّ أنّ اللائح من صحيحة محمّد بن مسلم(1) وابن سماعة حين قال: (ليس الطلاق إلاّ كما روى بكير بن أعين أن يقول لها وهي طاهر من غير جماع: أنت طالق، ويشهد شاهدي عدل، وكلّ ما سوى ذلك فهي ملغى)(2): أنّ الشارع تصرّف في صيغته وقام بعمل مولويّ وحدّدها

1 . الوسائل15:الباب 16من أبواب مقدّمات الطلاق:294، الحديث3، 1.
2 . الوسائل15:الباب 16من أبواب مقدّمات الطلاق:294، الحديث3، 1.

صفحه 68
وصاغها في هيئة خاصّة من مادّة مخصوصة وهو أن يقول: «أنت طالق» وأقصى ما يمكن التجاوز عنه هو الاستغناء عن الإشارة بذكر اسمها أو وصفها، وأمّا الطلاق بغيرهذه المادّة; فلايجوز.
قال الشيخ في الخلاف: «صريح الطلاق لفظ واحد، وهو قوله: أنت طالق، أو هي طالق أو فلانة طالق، مع مقارنة النيّة له. فإن تجرّد النيّة لم يقع به شيء، والكنايات لايقع بها شيء; قارنتها نيّة أو لم تقارنها» (1)
وهذا هو الوجه في ذهاب المشهور إلى عدم وقوعه بالكنايات مطلقاً، أو بغير هذه المادّة، ومع ذلك نقل الاختلاف في عدّة صيغ نشير إليها:

1ـ إذا قال «أنتِ الطالِقُ»

إذا قال: «أنتِ الطالقُ أو طلاق أو من المطلَّقات; لم يقع به خلافاً للشيخ في المبسوط حيث قال: «إنّه يقع إذا نوى»(2) وقال في الخلاف:«إذا قال لها: أنتِ الطلاقُ ; لم يكن صريحاً في الطلاق ولاكناية».(3)
استدلّ المانع كما عليه المحقّق في الشرائع: «بأنّه بعيد عن شبه الإنشاء باعتبار دلالته على المضيّ».
يلاحظ عليه: بأنّ الجمل الاسميّة ربّما تكون آكد في الإنشاء ، حتّى قالوا: إنّ قول الوالد لولده: «ولدي يصلّي» آكد في طلبها من قوله: «صلّ يا ولد». وإنّما المانع; هو خروجه عن النصّ الذي رواه الأصحاب حيث حدّده النصّ بقوله:

1 . الخلاف4: المسألة 17، كتاب الطلاق:.
2 . المبسوط:5/25، 26، كتاب الطلاق.
3 . الخلاف4: المسألة 21،كتاب الطلاق.

صفحه 69
«أنتِ طالق» فالعدول عنه إلى المعرّف «باللام» أو إلى مصدره أو قوله: مطلّقة; يخالف الحصر. اللّهم; إلاّ إذا قلنا بأنّ الحصر إضافيّ، كما سيوافيك.

2ـ إذا قال:(اعتدّي)

إذا قال لزوجته: (اعتدّي، ونوى به الطلاق) فهل يقع به الطلاق أو لا؟ فالمشهور; هو عدم الوقوع.
قال الشيخ في الخلاف: «كنايات الطلاق لايقع بها شيء من الطلاق، سواء أكانت ظاهرة أم خفيّة، نوى بها الفرقة أم لم ينو ذلك، وعلى كلّ حال لاواحدة ولاما زاد عليها. وقال الشافعي: الكنايات على ضربين ظاهرة وباطنة، فالظاهرة; خليّة وبريّة بتّة وبتلة وبائن وحرام، والخفية كثيرة منها; اعتدّي واستبرئي رحمك...).(1)
ولكن الظاهر من بعض الروايات; أنّ محمّد بن أبي حمزة(2) من أصحاب الصادق (عليه السلام) وعليّ بن الحسن الطاطريّ (3) من أصحاب الكاظم(عليه السلام) كانا يقولان به، وكان ابن سماعة مخطِّئاً لرأيهما في ذلك.
روى الكليني عن حميد بن زياد، عن ابن سماعة، عن علي بن الحسن الطاطريّ قال: الذي أُجمع عليه في الطلاق أن يقول: أنت طالق أو اعتدّي، وذكر أنّه قال لمحمّد بن أبي حمزة: كيف يشهد على قوله: اعتدّي؟ قال: يقول: اشهدوا

1 . الخلاف4: المسألة 20،كتاب الطلاق.
2 . محمد بن أبي حمزة: ثابت بن أبي صقيّة الثمالي من أصحاب الصادق (عليه السلام) يروي عنه ابن أبي عمير.
3 . عليّ بن الحسن الطاطريّ الكوفي; واقفيّ شديد العناد في مذهبه، شديد العصبيّة على من خالفه من الإماميّة. تنقيح المقال:2/278.

صفحه 70
اعتدّي، قال ابن سماعة: غلط محمّد بن أبي حمزة أن يقول: اشهدوا اعتدّي، قال الحسن بن سماعة: ينبغي أن يجيءَ بالشهود إلى حجلتها أو يذهب بها إلى الشهود; إلى منازلهم، وهذا المحال الذي لايكون، ولم يوجب اللّه عزّ وجلّ هذا على العباد، وقال الحسن: ليس الطلاق إلاّ كما روى بكير بن أعين; أن يقول لها وهي طاهر من غير جماع: أنت طالق، ويشهد شاهدين عدلين وكلُّ ما سوى ذلك فهو ملغى.(1)
ولعلّ مراده أن لو صحّ إيقاعه بالخطاب بـ «اعتدّي» يجب أن يسمع الشهود، وهو لايتحقّق إلاّ بمجيئ الشهود إلى حجلتها أو يذهب بها إلى الشهود; إلى منازلهم وكلاهما من المحالات العاديّة، فينتج عدم وقوعه بـ«اعتدّي».
ولايخفى; أنّه لو كان مراده هذا لزم عدم وقوعه بما ورد في صحيحة محمّد بن مسلم، و في كلام نفس ابن سماعة فان الخطاب للمرأة بمحضر الشهود يستلزم أحد المحذورين.
فالحقّ عدم الوقوع; لكونه خلاف الحصر، ولم يثبت وروده في صحيحة محمّد بن مسلم(2); وذلك لأنّ العلاّمة نقله في المختلف بلاهذا الذيل.(3)
ثمّ إنّه لو فرض وروده في رواية محمّد بن مسلم; فهو محمول على أنّه إخبار للزوجة بأنّه طلّقها، وأنّه يجب عليها العدّة; بشهادة رواية عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال :«يرسل إليها، فيقول الرسول: اعتدّي فإنّ فلاناً قد فارقك»(4) فهي تدلّ على وقوع الطلاق قبل هذا الخطاب.

1 . الكافي:6/70.
2 . مضى مصدره و رواها في الوسائل مع هذا الذيل.
3 . المختلف:34، كتاب الطلاق.
4 . الوسائل 15:الباب16من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث2، ونظيرها رواية محمد بن قيس. الحديث5 من هذا الباب.

صفحه 71

3ـ إذا قال:«هل طلَّقت فلانة، فقال: نعم»:

إذا سئل الزوج; بأنّه هل طلق امرءتة فصدّقه، وقال: «نعم»، فهل يقع به الطلاق أو لا؟ بل هو حكاية عن الطلاق، فلو لم يطلقها قبل التصديق جامعاً للشرائط; لايكون التصديق طلاقاً وإن حضر العدلان.
قال الشيخ في النهاية: «فإن قيل للرجل: هل طلَّقت فلانة؟ فقال: نعم، كان الطلاق واقعاً».(1)
وقال ابن حمزة: «وما يكون في حكم الطلاق أربعة أشياء:» وعدّ من جملتها «قوله: «نعم إذا قيل له: طلَّقت فلانة».(2)
وقال ابن إدريس: «فإن قيل للرجل: هل طلَّقت فلانة، فقال: نعم، كان ذلك إقراراً منه بطلاق شرعيّ».(3)
وقال ابن البرّاج: «قال إذا قيل لرجل: هل طلَّقت زوجتك فلانة؟ فقال: نعم، كان طلاقه واقعاً».(4)
ولايخفى; أنّ محلّ البحث هو وقوع الطلاق بقوله: «نعم»، وأمّا حكم الإقرار; فيحكم عليه بطلاق سابق قبل الإقرار ظاهراً. إذا عرفت ذلك فاعلم; أنّ ما هو صريح في وقوع الطلاق به: رواية السكوني عن جعفر، عن أبيه، عن عليّ(عليه السلام) في الرجل يقال له: أطلّقت امرأتك؟ فيقول: نعم، قال: قال: «قد طلَّقها حينئذ».(5) والاعتماد عليها مشكل; لكونه مخالفاً لصحيحة محمّد بن مسلم.(6)

1 . النهاية:518.
2 . الوسيلة:324.
3 . السرائر2:676.
4 . المهذّب:2/278و296.
5 . الوسائل 15:الباب 16من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث6، 3.
6 . الوسائل 15:الباب 16من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث6، 3.

صفحه 72
المحدّدة للطلاق. أضف إلى ذلك أنّه إقرار بالطلاق وليس إنشاءً له، وحمله على إنشاء الطلاق لايفيد أيضاً; لكونه من الكنايات التي لايقع بها الطلاق. و أقصى ما تدل عليه هو حجّية إقراره، و هو غير القول بصحة الطلاق به.
وأمّا سائر الروايات الدالّة عليه; فقد وردت في موضع وقوع الطلاق على المرأة من جانب المخالف، فأراد غيره نكاحها; فورد أنّه يُدعى الرجل ويُسأل عن طلاق امرأته، فإذا أقرّ، اعتدّت المرأة ثلاثة أشهر ثمّ تزوّج، روى حفص بن البختري، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل طلّق امرأته ثلاثاً، فأراد رجل أن يتزوّجها، كيف يصنع؟ قال: «يأتيه فيقول: طلَّقت فلانة؟ فإذا قال: نعم، تركها ثلاثة أشهر ثمّ خطبها إلى نفسها».(1) وبهذا المضمون غيره.(2)
وبذلك; يعلم عدم صحّة الاستدلال بهذه الروايات لأنّ موردها هو زوجة المخالف التي ربّما تطلَّق غير طلاق السنّة، ومقتضى قاعدة الإلزام وإن كان هو الصحّة; لكنّ الإمام(عليه السلام) أمر بالاعتداد.
ومقتضي قاعدة الإلزام; الصحّة وترتيب الأثر على طلاقه بدون حاجة إلى الطلاق، إلاّ أنّ الإمام (عليه السلام)دفعاً للتُّهمة، أمر بأخذ الإقرار من الزوج، حتّى لايتّهم الزوج الثاني بأنّه تزوّج زوجة الغير، ومثل ذلك لايكون دليلاً على إنشاء الطلاق به في غير هذاالمورد. وأمّا الاعتداد بعد التصديق; فمحمول على التنزيه والاحتياط.
بقيت هنا أمورٌ وإليك عناوينها:

1 . الوسائل15:البا ب31من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث1.
2 . لاحظ مرسل عثمان بن عيسى وإسحاق بن عمّار في الجزء 14: الباب 36 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، وقد رويت رواية إسحاق بن عمّار بلفظ آخر في الجزء15:الباب 31من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث2.

صفحه 73
1ـ الطلاق بالألفاظ الكنائيّة.
2ـ هل يجوز للقادر بإجراء الصيغة باللغة العربيّة، إجراؤها بغيرها؟
3ـ هل العربيّة الملحونة تقوم مقام غيرها إذا كان صحيحاً؟
4ـ جواز الطلاق بالكتابة وعدمه
5ـ كيفيّة طلاق الأخرس.
6ـ هل يجوز الطلاق بالتخيير أو لا؟
أمّا الأوّل: فقد ظهرت حاله من نصوص الحصر وغيرها، نعم يقع بها على فتوى العامّة كما هو معلوم، غير أنّهم يشترطون النيّة في الصيغ الكنائيّة دون الصريحة.
قال الشيخ في الخلاف: «كنايات الطلاق لايقع بها شيء من الطلاق، سواء كانت ظاهرة أو خفيّة، نوى بها الفرقة أو لم ينو ذلك، وعلى كلّ حال لاواحدة ولامازاد عليها. وقال الشافعي: الكنايات على ضربين: ظاهرة وباطنة، فالظاهرة خليّة وبريّة بتّة وبتلة وبائن وحرام، والخفيّة كثيرة منها: اعتدّي واستبرئي رحمِكَ وتجرّعي وتقنّعي واذهبي واعزبي والحقي بأهلك وحبلك على غاربك ، وجميعها تحتاج إلى نيّة تقارن التلفّظ بها»(1).
و أمّا الثاني: فالمشهور تعيّن العربيّة على القادر بها، وليس له دليل ظاهر سوى نصوص الحصر; التي أظهرها صحيحة محمد بن مسلم حيث قال: «إنّما الطّلاق أن يقول لها في قبل العدّة بعد ما تطهر من محيضها قبل أن يجامعها: أنتِ طالق أو اعتدّي ، يريد بذلك الطّلاق ويشهد على ذلك رجلين عدلين»(2). ولكنّ

1 . الخلاف:4، المسألة 20،كتاب الطلاق.
2 . الوسائل15:الباب 16من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث3.

صفحه 74
الظاهر أنّ الحصر إضافيّ لاحقيقيّ، والمقصود نفي وقوع الطلاق بالالفاظ الكنائيّة التي لاتنفي وقوعه بما يعادل قوله:«أنت طالق» في غير العربيّة.
وأمّا رواية وهب بن وهب(1) فهي ضعيفة; لأجله(2).
والظاهر; وقوع الطلاق بغير العربيّة للقادر عليها فضلاً عن العاجز، لشمول الإطلاقات وصدق الطلاق على غير العربيّة، وأمّا العاجز فهو موضع وفاق واتّفاق، نعم; بما أنّ الطلاق والنكاح من توابع نظام الأُسرة، فالاحتياط مرغوب فيه نكاحاً وطلاقاً فلاتترك العربيّة بالنسبة إلى القادر.
وأمّا الثالث: فلاشكّ أنّ الترجمة الصحيحة متقدّمة على العربية الملحونة.
وأمّا الرابع: فقد أفتى الشيخ في النهاية; بجواز الطلاق بالكتابة في الزوج الغائب، حيث قال: (ولايقع الطلاق إلاّ باللسان. فإن كتب بيده: انّه طالق امرأته وهو حاضر ليس بغائب، لم يقع الطلاق. وإن كان غائباً وكتب بخطّه: انّ فلانة طالق، وقع الطلاق. وإن قال لغيره: اكتب إلى فلانة امرأتي بطلاقها، لم يقع الطلاق)(3).
وقد نسب الوقوع إلى ابن البرّاج، والنسبة غير صحيحة حيث قال: (وإن كتب ونوى ولم يتلفّظ بذلك لم يقع به طلاق)(4).
نعم; وافق الشيخ ابن حمزة في وسيلته حيث قال:(الكتابة من الأخرس،

1 . الوسائل 15:الباب 17من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث1.
2 . قال النجاشي: روى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ، وكان كذاباً وله أحاديث مع الرشيد في الكذب، تنقيح المقال:3/283 الرقم 1279.
3 . النهاية:511.
4 . المهذّب2/277، اللّهم إلاّ أن يحمل كلامه على الحاضر دون الغائب فيتّحد مع الشيخ في النتيجة.

صفحه 75
ومن الغائب بأربعة شروط: أن يكتب بخطّه، ويشهد عليه...).(1)
وعدل عنه، في كتاب الخلاف فقال: «إذا كتب بطلاق زوجته ولم يقصد بذلك الطلاق; لايقع بلاخلاف، وإن قصد به الطلاق فعندنا أنّه لايقع به شيء، وللشافعيّ فيه قولان: أحدهما يقع على كلّ حال، وبه قال أبو حنيفة، والآخر أنّه لايقع، وهو مثل ما قلناه ـ دليلنا ـ إجماع الفرقة، وأيضاً الأصل بقاء العقد، ولادليل على وقوع الطلاق بالكتابة».(2)
وما ذكره الشيخ في النهاية; هو ما جاء في صحيحة أبي حمزة الثمالّي قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام)عن رجل قال لرجل: اكتب يا فلان إلى امرأتي بطلاقها، أو اكتب إلى عبدي بعتقه، يكون ذلك طلاقاً أو عتقاً؟ قال:«لايكون طلاقاً ولاعتقاً حتّى ينطق به لسانه أو يخطّه بيده وهو يريد الطلاق أو العتق، ويكون ذلك منه بالأهلّة والشُّهود، يكون غائباً عن أهله»(3) وقد جاء فيها التقييد «بيده» وتبعه الشيخ في النهاية وابن حمزة في وسيلته.
ولكنّ الظاهر; أنّها قاصرة عن الحجيّة لمعارضتها بصحيحة زرارة، قال: سألته عن رجل كتب إلى امرأته بطلاقها، أو كتب بعتق مملوكه; ولم ينطق به لسانه، قال: «ليس بشيء حتّى ينطق به».(4) وأيضاً قال زرارة: قلت لأبي جعفر(عليه السلام) : رجل كتب بطلاق امرأته أو بعتق غلامه ثمّ بدا له فمحاه قال: «ليس ذلك بطلاق ولاعتاق حتى يتكلّم به». (5)
والترجيح مع هاتين الصحيحتين; أخذاً بما خالف العامّة عند التعارض. نعم; لولا هذا كان مقتضى القاعدة هو تقييد الصحيحتين بصحيحة أبي حمزة

1 . الوسيلة:323.
2 . الخلاف4: المسألة 29،كتاب الطلاق.
3 . الوسائل15:الباب 14من أبواب مقدّمات الطلاق، الأحاديث3، 1، 2.
4 . الوسائل15:الباب 14من أبواب مقدّمات الطلاق، الأحاديث3، 1، 2.
5 . الوسائل15:الباب 14من أبواب مقدّمات الطلاق، الأحاديث3، 1، 2.

صفحه 76
الثمالي، وحملهما على الحاضر دون الغائب، ولكن أعرض المشهور عنها وأخذوا بهما; لمخالفتهما للعامّة وموافقتها لهم، وسيرتهم في ما كان المقيّد موافقاً للعامّة; وإن كانت تقييد المطلَق لاحمل المقيّد على التقيّة، ولكنّهم عدلوا عنها لما ورد في النصوص من الحصر الظاهر في التلفّظ النافي للكتابة، ولايخفى أنّه موافق للاحتياط أيضاً.
وأّمّا الخامس: أعني طلاق الأخرس; فقد ورد في غير واحد من الروايات(1): أنّ طلاقه« أن يأخذ مقنعتها ويضعها على رأسها ويعتزلها» وفي صحيحة البزنطيّ: أن طلاقها أن «يكتب ويشهد على ذلك»(2) وفيما لايستطيع الكتابة يطلّق بالذي يعرفه من أفعاله.
وفي مرسلة يونس في رجل أخرس كتب في الأرض بطلاق امرأته، قال: «إذا فعل في قبل الطهر بشهود وفهم عنه كما يفهم عن مثله ويريد الطّلاق جاز طلاقه على السُّنّة».(3)
وبما أنّ الأخرس غير قادر على السبب القولي، يقوم السبب الفعليّ مكانه، من غير فرق بين إلقاء القناع أو الكتابة، ولعلّ الثانية أحد الأسباب الفعليّة كما لايخفى، وليست متعيّنة خصوصاً أنّ الخُرَّس قاطبة إلاّ ما شذّ كانوا; غير قادرين على الكتابة في تلك الأزمنة.
وأمّا السادس: فهو ما إذا خيّرها بين نفسها وزوجها، قال الشيخ: فإن اختارت الزوج فهو، وإن اختارت نفسها; فهل يقع به الطلاق سواء نويا أم لم ينويا، أو نوى أحدهما، وقال قوم من أصحابنا: إذا نويا وقع الطلاق، ثمّ اختلفوا،

1 . الوسائل15:الباب19من أبواب مقدّمات الطلاق، الأحاديث2، 3، 5.
2 . الوسائل15:الباب19من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث1و4.
3 . الوسائل15:الباب19من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث1و4.

صفحه 77
فمنهم من قال: يقع واحدة رجعيّة، ومنهم من قال: بائنة، وقال الشافعيّ: هو كناية من الطرفين يفتقر إلى نيّة الزوجين معاً، وقال مالك: يقع به الطلاق الثلاث من غير نيّة; لأنّ هذه اللفظة عنده صريحة في الطلاق الثلاث كما يقول في الكنايات الظاهرة).(1)
واستدلّ الشيخ على مختاره ; بأنّ الأصل بقاء العقد، ولم يدلّ دليل على أنّه تحصل الفرقة بهذه اللفظة. وقال في المبسوط بمثل ذلك، وأضاف: «بأنّه حكي عن بعض أصحابنا، أنّه يقع الطلاق إذا نويا ذلك، وعند بعض المخالفين أنّه كناية من الطرفين فيفتقر إلى نيّة الزوجين، وفيه خلاف).(2)
وقال في النهاية: (أو جعل إليها الخيار، فاختارت نفسها، فإنّ ذلك كلّه، لايؤثّر في الطلاق، ولاتحصل به بينونة ولاتحريم على حال).(3)
وقال ابن البرّاج: «فإن خيّرها في الطلاق مثل أن يقول لها: «جعلت أمرك إليك» أو «أمركِ بيدكِ» أو «طلّقي نفسك» لم يقع به طلاق».(4)
وذلك خيرة الأصحاب بعد الشيخ وتلميذه ابن البرّاج، غير أنّه حكى الجواز عن ابن أبي عقيل وابن الجنيد; قال الأوّل منهما: «والخيار عند آل الرسول(عليهم السلام) أن يخيّر الرجل امرأته، ويجعل أمرها إليها في أن تختار نفسها أو تختاره بشهادة شاهدين من قبل عدّتها; فإن اختارت المرأة نفسها في المجلس فهي تطليقة واحدة، وهو أملك برجعتها ما لم تنقض عدّتها، وإن اختارت زوجها فليس بطلاق، ولو تفرّقا ثمّ اختارت المرأة نفسها لم يقع شيء. وبه قال عليّ بن بابويه حيث قال:«أمّا التخيير; فأصل ذلك أنّ اللّه عزّو جلّ أنِف لنبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لمقالة قالها بعض نسائه: أترى محمّداً لو طلّقنا ألا نجد أكفاءنا من قريش يتزوّجونا. فأمر اللّه

1 . الخلاف4: المسألة 31، كتاب الطلاق.
2 . المبسوط:5/29ـ30، كتاب الطلاق.
3 . النهاية:521.
4 . المهذّب:2/277.

صفحه 78
عزّ وجلّ نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يعتزل نساءه تسعةً وعشرين يوماً، فاعتزلهنَّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)في مشربة أُمِّ إبراهيم، ثمّ نزلت هذه الآية: (يا أيُّها النَّبيُّ قُلْ لأزواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنيا وَ زينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَِّرحْكُنَّ سَراحاً جميلاً* وإن كنتُنَّ تُرِدْنَ اللّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخرَةِ فإنَّ اللّهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أجراً عظيماً)فاخترنَ اللّهَ ورسوله فلم يقع الطلاق)(1) ونقله ابنه الصدوق في المقنع(2). ونسب الوقوع إلى السيد المرتضى; ولكن ظاهر عبارته في الانتصار خلافه، حيث قال:(وممّا انفردت به الإمامية أنّ الطلاق لايقع إلاّ بلفظ واحد وهو قوله: «أنتِ طالِق)».(3) وأمّا في كتابه الآخر، أعني: الناصريّات، فالمسألة غير معنونة فيها. وعلى ذلك; فالمشهور هو عدم الوقوع ولابدّ من تحرير محل النزاع فنقول:
1ـ لاشكّ أنّ القائل بالوقوع إنّما يعتبره صيغة الطلاق إذا اجتمع فيه سائر الشروط; من كون المرأة في غير طهر المواقعة، وحضور العدلين، إلى غير ذلك ممّا يعدّ شرطاً لصحّة الطلاق.
2ـ إذا قصد من قوله: «أمركِ بيدك»، توكيلها في الطلاق من دون جعل التّولية لها وتفويضه إليها، وهو صحيح على القول بصحّة وكالة المرأة في الطلاق عند من لم يشترط المقارنة بين الإيجاب والقبول.
3ـ لو قالت المرأة بعد التخيير «أنا طالق» لم يكن إشكال عند من يجوِّز وكالة المرأة في الطلاق.
4ـ إنّما البحث; في كون التخيير بصورة التفويض أو التوكيل طلاقاً بإحدى الصور التالية:
أ ـ كون نفس التخيير طلاقاً.

1 . المختلف:33، كتاب الطلاق.
2 . المقنع:81، كتاب الطلاق.
3 . الانتصار:129.

صفحه 79
ب ـ كون قولها: اخترت نفسي طلاقاً.
ج ـ كون التخيير طلاقاً إذا انضمّ إليه قولها: اخترت نفسي.
فلاشكّ أنّ العامّة يعتبرونه طلاقاً لأنّهم يجوّزون الطلاق بالكناية. إنّما الكلام في صحّة الطلاق به مع كونه كنائيّاً. والروايات على أصناف:
الطائفة الأُولى: ما يظهر منه أنّه مخصوص برسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، روى محمّد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام)عن الخيار، فقال:« وما هو وما ذاك إنّما ذاك شيء كان لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)».(1) وبهذا المضمون بعض الروايات.(2)
ويظهر من بعض الروايات; أنّ التخيير لم يكن كافياً في فراق نساء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)عنه، بل كان الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)يطلقهنَّ إذا اخترنَ أنفسهنَّ. روى عيص بن القاسم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: سألته عن رجل خيّر امرأته فاختارت نفسها; بانَتْ منه؟ قال: «لا، إنّما هذا شيء كان لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)خاصّةً أُمر بذلك ففعل ولو اخترنَ أنفسهنَّ لطلّقهنَّ وهو قول اللّه عزّ وجل:(قُلْ لأزواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنيا وَ زينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرّحْكُنَّ سَراحاً جميلاً).(3)
نعم; لو كانت النسخة«لطلَّقن» كانت دالّة على كون نفس التخيير مع اختيارهنَّ طلاقاً من دون حاجة إلى التطليق، ولكن لايناسبها الاستشهاد بالآية لأنّها تضمّنت قوله: (وأُسّرحْكنَّ)الذي هو بمعنى أُطلِّقْكُنَّ.
الطائفة الثانية: ما يظهر منه; وقوع الطلاق به، روى زرارة ومحمّد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «لاخيار إلاّ على طهر من غير جماع بشهود».(4)

1 . الوسائل15:الباب41من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث1.
2 . لاحظ الأحاديث التالية:2 و3و13 من الباب 41 من أبواب مقدّمات الطلاق.
3 . الوسائل15:الباب 41 من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث4و 8.
4 . الوسائل15:الباب 41 من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث4و 8.

صفحه 80
وروى أيضاً محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:«إذا خيّرها وجعل أمرها بيدها في غير قبل عدّتها من غير أن يشهد شاهدين فليس بشيء وإن خيّرها وجعل أمرها بيدها بشهادة شاهدين في قبل عدّتها فهي بالخيار ما لم يتفرّقا، فإن اختارت نفسها فهي واحدة وهو أحقُّ برجعتها وإن اختارت زوجها فليس بطلاق».(1)
ثم إنّ ما يدلّ على الوقوع، بين ما يدلّ على كون الواقع طلاقاً رجعياً، وكونه طلاقاً بائناً.
أمّا الأوّل: فقد روى زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: قلت له: رجل خيّر امرأته فقال: «إنّما الخيار لها ما داما في مجلسهما فإذا تفرّقا فلاخيار لها»، فقلت: أصلحك اللّه فإن طلّقت نفسها ثلاثاً قبل أن يتفرّقا من مجلسهما قال: «لايكون أكثر من واحدة، وهو أحقُّ برجعتها قبل أن تنقضي عدّتها، قد خيّر رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) نساءه فاخترنه فكان طلاقاً»، قال: قلت له: لو اخترن أنفسهنّ؟ قال: فقال لي: «ما ظنُّك برسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لو اخترنَ أنفسهنَّ أكان يمسكهنَّ».(2)
وروى فضيل بن يسار، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل قال لامرأته: قد جعلت الخيار إليك، فاختارت نفسها قبل أن تقوم، قال: «يجوز ذلك عليه» فقلت: فلها متعة؟ قال: «نعم» قلت: فلها ميراث إن مات الزوج قبل أن تنقضي عدّتها؟ قال:«نعم وإن ماتَت هي ورثها الزّوج».(3)
وأمّا الثاني; أي ما يدلّ على كونه طلاقاً بائناً; فيدلّ عليه غير واحد من روايات الباب مثل ما رواه زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «إذا اختارت نفسها

1 . الوسائل15:الباب 41من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث 14.
2 . الوسائل15:الباب 41 من أبواب مقدّمات الطلاق الأحاديث/12، 17. ولاحظ الحديث 3و4 من هذا الباب.
3 . الوسائل15:الباب 41 من أبواب مقدّمات الطلاق الأحاديث/12، 17. ولاحظ الحديث 3و4 من هذا الباب.

صفحه 81
فهي تطليقة بائنة وهو خاطب من الخُطّاب، وإن اختارت زوجها فلا شيء».(1)
وما رواه يزيد الكناسيّ عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لاترث المخيّرة من زوجها شيئاً في عدّتها لأنّ العصمة قد انقطعت فيما بينها وبين زوجها من ساعتها، فلارجعة له عليها ولاميراث بينهما».(2)
والظاهر; تقديم ما يدلّ على عدم الوقوع على ما دلّ على الوقوع لما عرفت من أنّه من خصائص الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لكونه مخالفاً للعامة أوّلاً، وموافقاً لنصوص الحصر ثانياً، وخالياً من التعارض في مداليلها ثالثاً.
ثمّ إنّ هناك روايات تؤكد بطلان الطلاق بحجّة أنّ تفويضه إلى المرأة مخالف للسُّنّة; مثل مرسلة ابن بكير ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في امرأة نكحها رجل فأصدقته المرأة، وشرطت عليه أنّ بيدها الجماع والطلاق، فقال: «خالف السنّة وولّى الحقّ من ليس أهله» وقضى أنّ على الرجل الصداق، وأنّ بيده الجماع والطلاق وتلك السنّة.(3)
فإذا كان التخيير باطلاً، كيف يقع به الطلاق؟ والعجب; أنّ الشهيد الثاني حاول تصحيح الطلاق لترجيح أخباره بالكثرة والصحّة والصراحة، وقال: «أجاب المانعون عن الأخبار الدالّة على الوقوع بحملها على التقيّة، ولو نظروا إلى أنّها أكثر وأوضح سنداً وأظهر دلالة لكان أجود، ووجه الأوّل واضح، والثاني أنّ فيها الصحيح والحسن والموثّق، وليس فيها ضعيف بخلاف أخبار المنع، فإنّ فيها

1 . الوسائل15:الباب 41 من أبواب مقدّمات الطلاق الأحاديث/ 9، 10. ولاحظ الحديث 3و4 من هذا الباب.
2 . الوسائل15:الباب 41 من أبواب مقدّمات الطلاق الأحاديث/ 9، 10. ولاحظ الحديث 3و4 من هذا الباب.
3 . الوسائل 15:الباب 42من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث1، ولاحظ الحديث 5من الباب41 من أبواب مقدّمات الطلاق، وبهذا المضمون; ما رواه في الوسائل15:الباب 29من أبواب المهور، الحديث1.

صفحه 82
الضعيف والمرسَل والمجهول».(1)
ولايخفى; أنّ مخالفة العامّة التي هي المرجّح الأكبر في باب التعارض تمنعنا عن الأخذ بهذه الروايات وإن بلغت في الصحّة ما بلغت.
ثمّ إنّ الأصحاب ذكروا في المقام فروعاً على فرض صحّة التخيير، ولكن نحن في غنىً عن البحث عنها. بعد ما تبيّن بطلان الأصل.

1 . الحدائق:25/225.

صفحه 83

الحلف بالطلاق

اعلم أنّ الطلاق غير المنجّز ينقسم إلى قسمين:
1ـ الطلاق المعلّق.
2ـ الحلف بالطلاق.
وكلاهما من أقسام غير المنجّز، والفرق بينهما أنّه لو قصد من التعليق الحثّ على الفعل، أو المنع عنه، يسمّى حلفاً بالطلاق كقوله: إن دخلت الدار فأنتِ طالق، أو إن لم تدخلي الدار فأنت طالق، أو قصد منه تصديق المخبر، كقوله: زوجتي طالق لو كان في حقيبتي بضاعة ممنوعة.
وأمّا إذا علّق ولم يكن منه لا الحث على الفعل ولا المنع منه، ولا التنبيه على تصديق المخبر، يسمّى طلاقاً معلّقاً، كقوله: أنتِ طالق إن طلعت الشمس، أو أنتِ طالق إن قدم الحاج، أو أنتِ طالق إن لم يقدم السلطان، فهو شرط محض ليس بحلف، لأنّ حقيقة الحلف، القسم.
وإنّما سمي تعليق الطلاق على شرط حلفاً تجوزاً، لمشاركته الحلف في المعنى المشهور وهو الحث أو المنع أو تأكيد الخبر نحو قوله: واللّه لأفعلنّ، أو لا واللّه لا أفعل، أو واللّه لقد فعلت أو واللّه لم أفعل، وما لم يوجد فيه هذا المعنى لا تصحّ تسميته حلفاً (1).

1 . ابن قدامة: المغني: 7/ 365.

صفحه 84
وقال السبكي: إنّ الطلاق المعلّق، منه ما يعلّق على وجه اليمين، ومنه ما يعلّق على غير وجه اليمين، فالطلاق المعلَّق على غير وجه اليمين كقوله: إذا جاء رأس الشهر فأنتِ طالق، أو إن أعطيتني ألفاً فأنتِ طالق.
والذي على وجه اليمين كقوله: إن كلّمتِ فلاناً فأنت طالق، أو إن دخلت الدار فأنتِ طالق، وهو الذي يقصد به الحث أو المنع أو التصديق، فإذا علّق الطلاق على هذا الوجه، ثمّ وجد المعلّق عليه وقع الطلاق (1).
ثمّ إن وقوع الطلاق بالحلف هو مذهب أكثر أهل السنّة إلاّ من شذّ وسنشير إليه، فقد أجازت مذاهبهم الطلاق (وراء الحلف) بكل ما دلّ عليه لفظاً وكتابة وصراحة وكناية، مثل: أنتِ عليّ حرام، أو أنتِ بريّة، أو اذهبي فتزوّجي، أو حبلك على غاربك، أو الحقي بأهلك، إلى غير ذلك من الصيغ.
والجدير بالذكر أنّهم سوّدوا الصفحات الطوال العراض حول أقسام الطلاق المعلّق خصوصاً النوع الخاص به، أعني: الحلف به، وجاءوا بآراء وفتاوى لم يبرهنوا عليها بشيء من الكتاب والسنّة، والراجع إليها يقطع بأنّ الطلاق عند هؤلاء أُلعوبة، يتلاعب به الرجل بصور شتّى.
وإن كنت في شكّ ممّا ذكرت فلاحظ الكتابين المعروفين:
1ـ المغني: تأليف محمد بن عبد اللّه بن أحمد بن محمد بن قدامة (المتوفّـى عام 620) وهو أوسع فقه ظهر عند الحنابلة مع الترجيح بين الأقوال بالدليل المقنع لهم. فقد خصّ (45) صفحة من كتابه بهذا النوع من الصيغ .
(2)2ـ الفقه على المذاهب الأربعة: تأليف الشيخ عبد الرحمان الجزيري، فقد

1 . السبكي: تقي الدين علي بن عبد الكافي (المتوفى 756) : الدرّة المضيئة: 155.
2 . لاحظ الجزء السابع 369ـ 414 بتصحيح الدكتور محمد خليل هراس.

صفحه 85
ألّفه ليعرض الفقه بثوبه الجديد على الناشئ ، ومع ذلك فقد خصّ من كتابه لهذا النوع من صور الطلاق صفحات كثيرة (1) وإليك نماذج من هذه الصور حتى تقف على صدق ما قلناه; ننقله من الكتاب الأوّل:
1ـ إن قال لامرأتيه: كلّما حلفت بطلاقكما فأنتما طالقتان، ثمّ أعاد ذلك ثلاثاً، طلّقت كل واحدة منهما ثلاثاً.
2ـ إن قال لإحداهما: إن حلفت بطلاقك فضرّتك طالق، ثمّ قال للأُخرى مثل ذلك ...
3ـ وإن كان له ثلاث نسوة فقال: إن حلفت بطلاق زينب، فعمرة طالق، ثم قال: وإن حلفت بطلاق عمرة، فحفصة طالق، ثمّ قال: إن حلفت بطلاق حفصة، فزينب طالق، طلقت عمرة، وإن جعل مكان زينب عمرة طلّقت حفصة، ثمّ متى أعاده بعد ذلك طلّقت منهنّ واحدة ...
4ـ ومتى علّق الطلاق على صفات فاجتمعن في شيء واحد وقع بكلّ صفة ما علّق عليها كما لو وجدت متفرّقة وكذلك العتاق، فلو قال لامرأته: إن كلّمت رجلاً فأنت طالق، وإن كلّمت طويلاً فأنت طالق، وإن كلّمت أسود فأنت طالق، فكلّمت رجلاً أسود طويلاً، طلّقت ثلاثاً (2).
إلى غير ذلك من الصور التي لا يترتب على نقلها سوى اضاعة الوقت والورق.
وفي مقابل هؤلاء، أئمّة أهل البيت، يرون الحلف بالطلاق باطلاً و لا يذكرون للطلاق إلاّ صيغة واحدة، روى ابن سماعة قال ليس الطلاق إلاّ كما روى

1 . الفقه على المذاهب الأربعة الجزء الرابع.
2 . المغني: 7/369ـ 376.

صفحه 86
بكير بن أعين أن يقول لها و هي طاهر من غير جماع ـ: أنت طالق ويشهد شاهدي عدل، وكلّ ما سوى ذلك فهو ملغى (1).
ومع أنّ المشهور عند أهل السنّة وقوع الطلاق بالحلف به، فنجد بين الصحابة والتابعين من ينكر ذلك ويراه باطلاً ، ووافقه بعض المتأخّرين كابن حزم من الظاهريين ، وابن تيمية من الحنابلة.
قال ابن حزم: وصحّ خلاف ذلك (وقوع الطلاق باليمين) عن السلف.
1ـ روينا من طريق حماد بن سلمة عن حميد عن الحسن: انّ رجلاً تزوّج امرأة وأراد سفراً فأخذها أهل امرأته فجعلها طالقاً إن لم يبعث بنفقتها إلى شهر، فجاء الأجل ولم يبعث بشيء، فلمّـا قدم خاصموه إلى عليّ، فقال عليّ (عليه السلام) : اضطهدتموه حتى جعلها طالقاً، فردّها عليه (2).
2ـ روينا من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء: في رجل قال لامرأته: أنتِ طالق إن لم أتزوّج عليك. قال: إن لم يتزوّج عليها حتى تموت أو يموت، توارثا. والحكم بالتوارث آية بقاء العلقة.
3ـ ومن طريق عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن غيلان بن جامع عن الحكم بن عتيبة قال: في الرجل يقول لامرأته: أنتِ طالق إن لم أفعل كذا ثمّ مات أحدهما قبل أن يفعل، فإنّهما يتوارثان.
إنّ في عدم اعتداد الإمام عليّ بالطلاق ـ بلا اكراه ـ والحكم بالتوارث في الروايتين الأخيرتين دلالة على عدم الاعتداد باليمين بالطلاق.

1 . وسائل الشيعة 15، الباب 16 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه، الحديث 1.
2 . ظاهر الحديث: أنّ الإمام ردّ المرأة لوقوع الطلاق مكرهاً، وبما أنّه لم تكن هناك كراهة ولم يطلب أهل المرأة سوى النفقة، يحمل على خلاف ظاهره، من بطلان الطلاق لأجل الحلف به.

صفحه 87
4ـ ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج: أخبرني ابن طاووس عن أبيه أنّه كان يقول: الحلف بالطلاق ليس شيئاً. قلت: أكان يراه يميناً؟ قال: لا أدري.
قال ابن حزم بعد نقل هذه الروايات: فهؤلاء علي بن أبي طالب وشريح (1) وطاووس لا يقضون بالطلاق على من حلف به فحنث، ولا يعرف لعلي في ذلك مخالف من الصحابة ـ رضي اللّه عنهم ـ ثم يقول: من أين أجزتم الطلاق بصفة ولم تجيزوا النكاح بصفة، والرجعة بصفة كمن قال: إذا دخلت الدار فقد راجعت زوجتي المطلّقة، أو قال: فقد تزوّجتك وقالت هي مثل ذلك، وقال الولي مثل ذلك ولا سبيل إلى فرق (2).
فقد سئل ابن تيميّة عن مسألة الحلف بالطلاق، فأفتى بعدم وقوع الطلاق بنفس الحلف ولكن قال: تجب الكفّارة إذا لم يطلّق بعد، فقال: إنّ في المسألة بين السلف والخلف أقوالاً ثلاثة:
1ـ إنّه يقع به الطلاق إذا حنث في يمينه، وهذا هو المشهور عند أكثر الفقهاء المتأخّرين حتى اعتقد طائفة منهم أنّ ذلك اجماع، ولهذا لم تذكر عامتهم عليه حجّة، وحجّتهم عليه ضعيفة، وهي أنّه التزم أمراً عند وجوب شيء فلزمه ما التزمه (3).
2ـ إنّه لا يقع به طلاق ولا تلزمه كفّارة، وهذا مذهب داود وأصحابه، وطوائف من الشيعة، ويذكر ما يدل عليه عن طائفة من السلف (4)، بل هو مأثور عن طائفة صريحاً كأبي جعفر الباقر (عليه السلام) رواية جعفر بن محمد، وأصل هؤلاء

1 . نقل رواية عن شريح تركنا نقلها لعدم دلالتها على ما يريده. وكان عليه عطف عطاء عليه أيضاً.
2 . ابن حزم الأندلسي: المحلّـى: 10/212ـ213.
3 . سيوافيك ضعف هذا الدليل بعد الفراغ من نقل كلامه.
4 . قد تعرفت على القائلين بعدم كفاية الحلف في تحقّق الطلاق في كلام ابن حزم الظاهري.

صفحه 88
أنّ الحلف بالطلاق والعتاق والظهار لغو كالحلف بالمخلوقات.
3ـ وهو أصح الأقوال، وهو الذي يدلّ عليه الكتاب والسنّة، والاعتبار أنّ هذا يمين من أيمان المسلمين فيجري فيها ما يجري في أيمان المسلمين، وهو الكفّارة عند الحنث إلاّ أن يختار الحالف ايقاع الطلاق، فله أن يوقعه، ولا كفّارة، وهذا قول طائفة من السلف والخلف كطاووس وغيره، وهو مقتضى المنقول عن أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا الباب، وبه يفتي كثير من المالكية وغيرهم، حتى يقال: إنّ في كثير من بلاد المغرب من يفتي بذلك من أئمّة المالكية، وهو مقتضى نصوص أحمد ابن حنبل، وأُصول في غير هذا الموضع (1).
إنّ هنا أُموراً:
الأوّل: في وقوع الطلاق بنفس هذا الانشاء.
الثاني: لزوم الكفّارة عند الحنث أي عند عدم ايقاع الطلاق.
الثالث: ما هو حكم الزوجة في الفترة التي لم يقع المعلّق عليه.
أمّا الأوّل: فالدليل الذي نقله ابن تيمية عن القائل كان عبارة أنّه التزم أمراً عند وجوب شرط فلزمه ما التزمه، مثلاً التزم بأنّه إذا كلّمت الزوجة فلاناً فهي طالق.
يلاحظ عليه: أنّه ليس لنا دليل مطلق يعم نفوذ كلّ ما التزم به الانسان حتّى فيما يحتمل أنّ الشارع جعل له سبباً خاصّاً كالطلاق والنكاح، إذ عند الشكّ يكون المرجع هو بقاء العلقة الزوجية إلى أن يدلّ دليل على خروجها عن عصمته، أخذاً بالقاعدة المأثورة عن أئمّة أهل البيت بأنّه لا ينقض اليقين بالشك، المعبّـر عنه في مصطلح الاُصوليين بالاستصحاب.

1 . ابن تيمية، الفتاوى الكبرى: 3/12 و13.

صفحه 89
قال السبكي: «قد أجمعت الاُمّة على وقوع المعلّق كوقوع المنجز، فإنّ الطلاق ممّا يقبل التعليق، ولا يظهر الخلاف في ذلك إلاّ عن طوائف من الروافض، ولمّـا حدث مذهب الظاهريين، المخالفين لاجماع الاُمّة ، المنكرين للقياس، خالفوا في ذلك ـ إلى أن قال ـ: ولكنّهم قد سبقهم الاجماع .
ثمّ قال: وقد لبَّس ابن تيمية بوجود خلاف في هذه المسألة وهو كذب وافتراء وجرأة منه على الإسلام، وقد نقل اجماع الأُمّة على ذلك أئمّة لا يرتاب في قولهم ولا يتوقّف في صحّة نقلهم(1).
كيف يحكم بسبق الاجماع مع خلاف الإمام علي ولفيف من التابعين وأئمّة أهل البيت، وليس ابن تيميّة ناقلاً للخلاف بل نقله ابن حزم الأندلسي ونقله هو عنه كما صرّح في رسائله.
وهناك كلمة لبعض مشايخ الإمامية نأتي بنصّها وفيه بيان وبلاغ، قال: إنّ الإمامية يضيّقون دائرة الطلاق إلى أقصى الحدود، ويفرضون القيود الصارمة على المطلِّق والمطلَّقة، وصيغة الطلاق وشهوده. كلّ ذلك لأنّ الزواج عصمة ومودّة ورحمة وميثاق من اللّه. قال تعالى: (وَقَدْ أَفْضَـى بَعْضُكُمْ إلى بَعْض وَأخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غليظاً)(النساء/21) وقال سبحانه: (وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَوَدَّةً وَرَحْمَةً)(الروم/21) اذن لا يجوز بحال أن ننقض هذه العصمة والمودة والرحمة، وهذا العهد والميثاق إلاّ بعد أن نعلم علماً قاطعاً لكلّ شكّ بأنّ الشرع قد حلّ الزواج ونقض بعد أن أثبته وأبرمه.
(2)

1 . السبكي: الدرّة المضيئة : 155ـ 156.
2 . الفقه على المذاهب الخمسة: 414.

صفحه 90
وقد تضافرت الروايات عن أئمّة أهل البيت على بطلان هذا الطلاق، بل وعدم الاعتداد بهذا اليمين مطلقاً، ومن أخذ دينه عن أئمّة أهل البيت، فقد أخذ عن عين صافية. نكتفي ببعض ما ورد عنهم:
1ـ روى الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: كل يمين لا يراد به وجه اللّه في طلاق أو عتق فليس بشيء (1).
2ـ جاء رجل باسم «طارق» إلى أبي جعفر الباقر وهو يقول: يا أبا جعفر إنّي هالك إنّي حلفت بالطلاق والعتاق والنذور، فقال: يا طارق إنّ هذا من خطوات الشيطان (2).
3ـ عن أبي أُسامة الشحام، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : إنّ لي قريباً أو صهراً لي حلف إن خرجت امرأته من الباب فهي طالق ثلاثاً، فخرجت فقد دخل صاحبها منها ما شاء اللّه من المشقة فأمرني أن أسألك فأصغى إليّ، فقال: مره فليُمسكها فليس بشيء، ثمّ التفت إلى القوم فقال: سبحان اللّه يأمرونها أن تتزوّج ولها زوج (3).
وقد عرفت الشيعة بانكارها الأُمور الثلاثة في باب الطلاق.
1ـ طلاق المرأة وهي حائض.
2ـ الطلاق بلا اشهاد عدلين.
3ـ الحلف على الطلاق.
هذا كلّه حول وقوع الطلاق وإليك الكلام في المقامين: الثاني والثالث:
وأمّا الثاني وهو ترتّب الكفّارة وعدمه، فيحتاج إلى تنقيح ما هو الموضوع

1 . وسائل الشيعة: الجزء 16، الباب 14 من أبواب كتاب الايمان، الحديث 1و 4، ولاحظ سائر أحاديث الباب.
2 . وسائل الشيعة: الجزء 16، الباب 14 من أبواب كتاب الايمان، الحديث 1و 4، ولاحظ سائر أحاديث الباب.
3 . الوسائل: الجزء 15، الباب 18 من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 3.

صفحه 91
للكفّارة، فلو دلّ الدليل على أنّ الكفّارة من آثار الحلف بلفظ الجلالة أو ما يعادله أو يقاربه، كالربّ وغيره فلا تترتب على الحلف بالطلاق والعتاق، وبما أنّ المسألة خارجة عن موضوع البحث، نحيل تحقيقها إلى محلّه.
وأمّا الثالث: فقد نقل ابن حزم عن الشافعي: الطلاق يقع عليه والحنث في آخر أوقات الحياة (فلو قال لامرأته: أنتِ طالق إن لم أضرب زيداً، فإنّما يتحقّق الحنث ـ إذا لم يضرب ـ عند موته، ومعنى هذا أنّها زوجته إلى ذلك الآن) ونقل عن مالك: يوقف عن امرأته وهو على حنث حتى يبرّ ، ثمّ استشكل على الإمامين(1).
وجملة الكلام فيه ـ على القول بانعقاد الطلاق به ـ أنّ المعلّق عليه تارة يكون أمراً وجودياً ـ كالخروج عن الدار ـ وأُخرى عدمّياً ـ مثل إن لم أفعل ـ وعلى التقديرين تارة يكون محدّداً مؤقتاً بزمان وأُخرى مطلقاً مرسلاً عنه، فلو كان أمراً وجودياً فهي زوجته مالم يتحقق، فإذا تحقّق في ظرفه المعيّـن، أو مطلقاً ـ حسب ما علّق ـ تكون مطلّقة. ولو كان أمراً عدمياً، فلو كان محدداً ومؤقتاً بزمان، فلو لم يفعل في ذلك الزمان تكون مطلّقة، بخلاف ما لو لم يكن كذلك، فلا تكون مطلّقة إلاّ في آخر الوقت الذي لايستطيع القيام به.
ولكنّها فروض على أساس منهار.

الكلام في الطلاق المعلّق:

قد عرفت أنّ الطلاق غير المنجّز ينقسم إلى قسمين: منه ما يوصف بالحلف بالطلاق ومنه ما يوصف بالمعلّق فقط، وقد عرفت حكم الأوّل وإليك الكلام في الثاني:

1 . ابن حزم الأندلسي: المحلّـى: 9/213.

صفحه 92
فنقول: إنّ للشروط تقسيمات:
1ـ ما تتوقّف عليه صحّة الطلاق ككونها زوجة، وما لا تتوقف عليه كقدوم زيد.
2ـ ما يعلم المطلّق بوجوده عند الطلاق كتعليقه بكون هذا اليوم يوم الجمعة، وأُخرى ما يشك في وجوده.
3ـ ما يذكر في الصيغة تبرّكاً، لا شرطاً وتعليقاً كمشيئته سبحانه (إن شاء اللّه)، و ما يذكر تعليقاً حقيقة.
ومورد البحث هو الشق الثاني من القسم الأوّل من الأقسام الثلاثة وقد اتّفقت كلمة الإمامية (1) على بطلان المعلّق والدليل المهم هو النص والاجماع وإليك البيان:

الطلاق المعلّق باطل نصّاً واجماعاً:

دلّ النصّ عن أئمّة أهل البيت على بطلان الطلاق المعلّق، ويكفي في ذلك ما رواه بكير بن أعين عنهم (عليهم السلام)أنّهم قالوا: ليس الطلاق إلاّ أن يقول الزوج لها وهي طاهرة من غير جماع: أنتِ طالق، ويشهد شاهدي عدل، وكل ما سوى ذلك فهي ملغى (2).
فأيّ تصريح أولى من قوله: «وكل ما سوى ذلك فهي ملغى» مع شيوع الطلاق المعلّق خصوصاً قسم الحلف في أعصارهم.
وإذا أُضيف إلى ذلك ما روي عنهم (عليهم السلام) في بطلان الحلف بالطلاق لاتّضح الحكم بأجلى وضوح لأنّ الحلف به قسم من أقسام المعلّق، فليس بطلانه

1 . الطوسي: الخلاف: 2، كتاب الطلاق ، المسألة 40.
2 . الوسائل: الجزء 15، الباب 16 ، الحديث 1.

صفحه 93
إلاّ لبطلان المعلّق غاية الأمر يتضمّن حلفاً ويميناً، وقد عرفت أنّ الإمام قال: سبحان اللّه يأمرونها أن تتزوج ولها زوج (1).
وأمّا الاجماع فقد قال المرتضى: وممّاانفردت به الإمامية أنّ تعليق الطلاق بجزء من أجزاء المرأة أيّ جزء كان لا يقع فيه الطلاق (2).
وقال الشيخ في الخلاف: إذا قال لها: أنت طالق إذا قدم فلان، فقدم فلان. لا يقع طلاقه (3).
وقال ابن ادريس: واشترطنا اطلاق اللفظ احترازاً من مقارنة الشروط (4).
ومن تفحّص فقه الإمامية يجد كون البطلان أمراً متّفقاً عليه.
ويؤيّد ذلك: أنّ عناية الإسلام بنظام الأُسرة الذي أُسّها النكاح والطلاق، يقتضي أن يكون الأمر فيها منجّزاً لا معلّقاً، فإنّ التعليق ينتهي إلى ما لا تحمد عاقبته من غير فرق بين النكاح والطلاق، فالمرء إما يقدم على النكاح والطلاق أو لا، فعلى الأوّل فينكح أو يطلّق بتاتاً، وعلى الثاني يسكت حتّى يحدث بعد ذلك أمراً، فالتعليق في النكاح والطلاق لا يناسب ذلك الأمر الهام، فقد قال سبحانه: (ولَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْـنَ النِّساءِ وَلو حَرَصْتُمْ فَلاَ تَـمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ فَتَذَرُوها كَالمُعَلَّقَةِ وَإن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فإِنَّ اللّهَ كان غَفُوراً رَحيماً)(النساء/129).
واللّه سبحانه يشبّه المرأة التي يترك الزوج اداء حقها الواجبة عليه بالمعلّقة التي هي لا ذات زوج ولا أيّم، فالمنكوحة معلّقاً، أو المطلّقة كذلك، أشبه شيء بالمعلّقة الواردة في الآية، فهي لا ذات زوج ولا أيّم.

1 . الوسائل: الجزء 15، الباب 18 من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث 4.
2 . السيد المرتضى: الانتصار : 14.
3 . الطوسي: الخلاف، كتاب الطلاق، المسألة 13.
4 . ابن ادريس الحلي: السرائر،2: 665.

صفحه 94
نعم ربّما استدلّ ببعض الوجوه العقلية على البطلان وهي ليست تامّة عندنا نظير:
أ ـ أنّ الطلاق المعلّق من قبيل تفكيك المنشـأ عن الانشاء، لأنّ المفروض عدم وقوعه قبل الشرط، فيلزم تفكيك المنشأ عن الانشاء.
وأنت خبير بعدم استقامة الدليل، فإنّ المنشأ بعد الانشاء محقّق من غير فرق بين المنجّز والمعلّق، غير أنّ المنشأ تارة يكون منجّزاً وأُخرى معلّقاً، وفائدة الانشاء أنّه لو وقع المعلّق عليه لا يحتاج إلى انشاء جديد.
ب ـ ظاهر الأدلّة ترتّب الأثر على السبب فوراً، فاشتراط تأخّره إلى حصول المعلّق عليه، خلاف ظاهر الأدلّة.
يلاحظ عليه: أنّه ليس في الأدلّة ما يثبت ذلك، فالوارد في الأدلّة هو لزوم الوفاء بالانشاء غير أنّ الوفاء يختلف حسب اختلاف مضمونه، فالأولى الاستدلال بالنص والاجماع.
0 0 0

صفحه 95

الطلاق ثلاثاً

دفعة أو دفعاتفي مجلس واحد

من المسائل التي أوجبت انغلاقاً وعنفاً في الحياة وانتهت إلى تمزيق الأُسرة وتقطيع صلات الأرحام في كثير من البلاد، مسألة تصحيح الطلاق ثلاثاً دفعة واحدة، بأن يقول: أنت طالق ثلاثاً، أو يكرّره ثلاث دفعات ويقول في مجلس واحد: أنتِ طالق، أنتِ طالق، أنتِ طالق. وأنّها تحسب ثلاث تطليقات حقيقة وتحرم المطلّقة على زوجها حتى تنكح زوجاً غيره.
إنّ الطلاق عند أكثر أهل السنّة غير مشروط بشروط عائقة عن التسرّع إلى الطلاق، ككونها غير حائض، أو في غير طهر المواقعة، أو لزوم حضور العدلين. فربّما يتغلّب الغيظ على الزوج ويأخذه الغضب فيطلّقها ثلاثاً في مجلس واحد، ثمّ يندم على عمله ندامة شديدة تضيق عليه الأرض بما رحبت فيتطلّب المَخلَص عن أثره السيّئ، ولا يجد عند أئمّة المذاهب الأربعة و الدعاة إليها مخلصاً فيقعد ملوماً محسوراً ولا يزيده السؤال والفحص إلاّ نفوراً عن الفقه والفتوى.
نحن نعلم علماً قاطعاً بأنّ الإسلام دين سهل وسمح، وليس فيه حرج وهذا يدفع الدعاة المخلصين إلى دراسة المسألة من جديد دراسة حرّة بعيدة عن أبحاث الجامدين الذين أغلقوا باب الاجتهاد في الأحكام الشرعية على وجوههم، وعن أبحاث أصحاب الهوى الهدّامين الذين يريدون تجريد الأُمم عن الإسلام، حتى ينظروا إلى المسألة ويتطلبوا حكمها من الكتاب والسنّة، متجرّدين عن كلّ رأي مسبق فلعلّ اللّه يحدث بعد ذلك أمراً، وربّما تفك العقدة ويجد المفتي مَخلصاً من

صفحه 96
هذا المضيق الذي أوجده تقليد المذاهب.
وإليك نقل الأقوال:
قال ابن رشد: جمهور فقهاء الأمصار على أنّ الطلاق الثلاث حكمه حكم المطلّقة الثالثة، وقال أهل الظاهر وجماعة: حكمه حكم الواحدة ولا تأثير للفظ في ذلك (1).
قال الشيخ الطوسي: إذا طلّقها ثلاثاً بلفظ واحد، كان مبدعاً ووقعت واحدة عند تكامل الشروط عند أكثر أصحابنا، وفيهم من قال: لا يقع شيء أصلاً وبه قال علي ـ عليه الصلاة والسلام ـ وأهل الظاهر ، وحكى الطحاوي عن محمد بن إسحاق أنّه تقع واحدة كما قلناه، وروي أنّ ابن عباس وطاووساً كانا يذهبان إلى ما يقوله الإمامية.
وقال الشافعي: فإن طلّقها ثنتين أو ثلاثاً في طهر لم يجامعها فيه، دفعة أو متفرّقة كان ذلك مباحاً غير محذور ووقع. وبه قال في الصحابة عبد الرحمان بن عوف، ورووه عن الحسن بن علي ـعليهما الصلاة والسلام ـ، وفي التابعين ابن سيرين، وفي الفقهاء أحمد وإسحاق وأبو ثور.
وقال قوم: إذا طلّقها في طهر واحد ثنتين أو ثلاثاً دفعة واحدة، أو متفرقة، فعل محرّماً وعصى وأثم، ذهب إليه في الصحابة علي ـ عليه الصلاة والسلام ـ ، وعمر، وابن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وفي الفقهاء أبو حنيفة وأصحابه ومالك، قالوا: إلاّ أنّ ذلك واقع (2).

1 . ابن رشد: بداية المجتهد: 2/62 ، ط بيروت.
2 . الشيخ الطوسي: الخلاف: 4 كتاب الطلاق ، المسألة 3. وعلى ما ذكره، نقل عن الإمام عليّ رأيان متناقضان، عدم الوقوع والوقوع مع الاثم.

صفحه 97
قال أبو القاسم الخرقي في مختصره: وإذا قال لمدخول بها: أنت طالق، أنت طالق، لزمه تطليقتان إلاّ أن يكون أراد بالثانية إفهامها أن قد وقعت بها الأُولى فتلزمه واحدة، وإن كانت غير مدخول بها بانت بالأُولى ولم يلزمها ما بعدها لأنّه ابتداء كلام.
وقال ابن قدامة في شرحه على مختصر الخرقي: إنّه إذا قال لامرأته المدخول بها : أنت طالق مرّتين ونوى بالثانية ايقاع طلقة ثانية، وقعت لها طلقتان بلا خلاف، وإن نوى بها إفهامها أنّ الأُولى قد وقعت بها أو التأكّد لم تُطلّق إلاّ مرّة واحدة، وإن لم تكن له نيّة وقع طلقتان وبه قال أبو حنيفة ومالك، وهو الصحيح من قولي الشافعي وقال في الآخر: تطلّق واحدة.
وقال الخرقي أيضاً في مختصره: «ويقع بالمدخول بها ثلاثاً إذا أوقعها مثل قوله : أنت طالق، فطالق فطالق، أو أنت طالق ثمّ طالق، ثم طالق، أو أنت طالق، ثمّ طالق وطالق أو فطالق.
وقال ابن قدامة في شرحه: إذا أوقع ثلاث طلقات بلفظ يقتضي وقوعهنّ معاً، فوقعن كلّهنّ كما لو قال: أنت طالق ثلاثاً (1).
وقال عبد الرحمان الجزيري: يملك الرجل الحر ثلاث طلقات، فإذا طلق الرجل زوجته ثلاثاً دفعة واحدة، بأن قال لها: أنت طالق ثلاثاً، لزمه ما نطق به من العدد في المذاهب الأربعة وهو رأي الجمهور، وخالفهم في ذلك بعض المجتهدين: كطاووس وعكرمة وابن إسحاق وعلى رأسهم ابن عباس ـ رضي اللّه عنهم ـ (2).

1 . ابن قدامة: المغني: 7/416.
2 . عبد الرحمان الجزيري: الفقه على المذاهب الأربعة: 4/341.

صفحه 98
إلى غير ذلك من نظائر تلك الكلمات التي تعرب عن اتّفاق جمهور الفقهاء بعد عصر التابعين على نفوذ ذلك الطلاق محتجّين بما تسمع، ورائدهم في ذلك تنفيذ عمر بن الخطاب، الطلاق الثلاث بمرأى ومسمع من الصحابة ولكن لو دلّ الكتاب والسنّة على خلافه فالآخذ به متعيّـن. و أمّا مذهب أئمّة أهل البيت فهو عدم وقوع الثلاث قطعاً. و هذا القول مشهور عنهم.

دراسة الآيات الواردة في المقام:

قال سبحانه:
(وَ المُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُروء وَ لا يَحِلَّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يؤْمِنَّ بِاللّهِ وَ الْيَومِ الآخِرِ وَ بُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحاً وَ لَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالمعْرُوفِ وَ لِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَ اللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)(البقرة/228).
(الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوف أَوْ تَسْرِيحٌ بِإْحْسَان وَ لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيئاً إلاّ أَنْ يَخَافَا ألاّ يُقِيما حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ يُقِيما حُدُودَ اللّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيما افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلا تَعْتَدُوها وَ مَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُولئكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)(البقرة/229).
(فَإن طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أن يَتَراجَعا إنْ ظَنّا أن يُقيما حُدُودَ اللّهِ وَتِلكَ حُدُودُ اللّهِ يُبَيِّنُها لِقَوم يَعلَمُونَ)(البقرة/230).
(وَإذا طَلَّقتُمُ النِساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمسِكُوهُنَّ بَمَعرُوف أَو سَـرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوف وَ لا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعتَدُوا وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَد ظَلَمَ نَفسَهُ ...)(البقرة/231).

صفحه 99
جئنا بمجموع الآيات الأربع ـ مع أنّ موضع الاستدلال هو الآية الثانية ـ للاستشهاد بها في ثنايا البحث وقبل الخوض في الاستدلال نشير إلى نكات في الآيات:
1ـ قوله سبحانه: (وَلَهُنّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالمَعْرُوف) كلمة جامعة لا يؤدّى حقّها إلاّ بمقال مسهب، وهي تعطي أنّ الحقوق بينهما متبادلة، فما من عمل تعمله المرأة للرجل إلاّ وللرجل عمل يقابله، فهما ـ في حقل المعاشرة ـ متماثلان في الحقوق والأعمال، فلا تسعد الحياة إلاّ باحترام كل من الزوجين الآخر، وقيام كلّ بعمل خاصّ، فعلى المرأة القيام بتدبير المنزل والقيام بالأعمال فيه، وعلى الرجل السعي والكسب خارجه، هذا هو الأصل الأصيل في حياة الزوجين الذي تؤيده الفطرة، وقد قسم النبيّ الأُمور بين ابنته فاطمة وزوجها علي فجعل أُمور داخل البيت على ابنته وأُمور خارجه على زوجها ـ صلوات اللّه عليهما ـ .
«المرّة» بمعنى الدفعة للدلالة على الواحد في الفعل، و «الامساك» خلاف الاطلاق، و«التسريح» مأخوذ من السرح وهو الاطلاق يقال: سرح الماشية في المرعى: إذا أطلقها لترعى. والمراد من الامساك هو ارجاعها إلى عصمة الزوجية. كما أنّ المقصود من «التسريح» عدم التعرّض لها لتنقضي عدتها في كل طلاق أو الطلاق الثالث الذي هو أيضاً نوع من التسريح . على اختلاف في معنى الجملة.
3ـ قيّد الإمساك بالمعروف، والتسريح باحسان ، مشعراً بأنّه يكفي في الامساك قصد عدم الاضرار بالرجوع، وأمّا الاضرار فكما إذا طلّقها حتى تبلغ أجلها فيرجع إليها ثم يطلّق كذلك، يريد بها الاضرار والايذاء، وعلى ذلك يجب أن يكون الامساك مقروناً بالمعروف، وعندئذ لو طلب بعد الرجوع ما آتاها من قبل، لا يعدّ أمراً منكراً غير معروف، إذ ليس اضراراً.

صفحه 100
وهذا بخلاف التسريح فلا يكفي ذلك بل يلزم أن يكون مقروناً بالاحسان إليها فلا يطلب منها ما آتاها من الأموال. ولأجل ذلك يقول تعالى: (ولا يَحِلُّ لَكُمْ أن تأخذوا ممّا آتَيْتُمُوهُنّ شيئاً) أي لا يحلّ في مطلق الطلاق استرداد ما آتيتموهنّ من المهر، إلاّ إذا كان الطلاق خلعاً فعندئذ لا جناح عليها فيما افتدت به نفسها من زوجها.
وقوله سبحانه: (فيما افْتَدَتْ بِهِ)دليل على وجود النفرة من الزوجة فتخاف أن لا تقيم حدود اللّه فتفتدي بالمهر وغيره لتخلّص نفسها.
4ـ لم يكن في الجاهلية للطلاق ولا للمراجعة في العدة، حدّ ولا عدّ، فكان الأزواج يتلاعبون بزوجاتهم يضارّوهنّ بالطلاق والرجوع ما شاءوا، فجاء الإسلام بنظام دقيق وحدّد الطلاق بمرّتين، فإذا تجاوز عنه وبلغ الثالث تحرم عليه حتى تنكح زوجاً غيره.
روى الترمذي: كان الناس، والرجل يُطلِّق امرأته ما شاء أن يطلّقها، وهي امرأته إذا ارتجعها وهي في العدّة، وإن طلّقها مائة مرّة أو أكثر ، حتى قال رجل لامرأته: واللّه لا أُطلقك فتبيني منّي، ولا آويك أبداً قالت: وكيف ذلك؟ قال: أُطلّقك فكلّما همَّت عدّتك أن تنقضي راجعتك، فذهبت المرأة فأخبرت النبي فسكت حتى نزل القرآن: (الطّلاقُ مَرَّّتان ...) (1).
5ـ اختلفوا في تفسير قوله سبحانه: (الطَّلاقُ مَرَّّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوف أو تَسْريحٌ بِإِحْسان)إلى قولين:
ألف: إنّ الطلاق يكون مرّتين، وفي كلّ مرّة إمّا إمساك بمعروف أو تسريح باحسان، والرجل مخيّـر بعد ايقاع الطلقة الأُولى بين أن يرجع فيما اختار من

1 . الترمذي: الصحيح : 3 كتاب الطلاق، الباب 16، الحديث 1192.

صفحه 101
الفراق فيمسك زوجته ويعاشرها باحسان، وبين أن يدع زوجته في عدّتها من غير رجعة حتى تبلغ أجلها وتنقضي عدّتها.
وهذا القول هو الذي نقله الطبري عن السدي والضحاك فذهبا إلى أنّ معنى الكلام: الطلاق مرتان فامساك في كلّ واحدة منهما لهنّ بمعروف أو تسريح لهنّ باحسان، وقال: هذا مذهب ممّا يحتمله ظاهر التنزيل لولا الخبر الذي رواه إسماعيل بن سميع عن أبي رزين (1).
يلاحظ عليه: أنّ هذا التفسير ينافيه تخلّل الفاء بين قوله: (مرّتان) وقوله (إمساك بمعروف)فهو يفيد أنّ القيام بأحد الأمرين بعد تحقّق المرّتين، لا في أثنائهما. وعليه لابدّ أن يكون كل من الامساك والتسريح أمراً متحقّقاً بعد المرّتين، ومشيراً إلى أمر وراء التطليقتين.
نعم يستفاد لزوم القيام بأحد الأمرين بعد كلّ تطليقة، من آية أُخرى أعني قوله سبحانه: (وَ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوف أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوف وَ لا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا)(2).
ولأجل الحذر عن تكرار المعنى الواحد في المقام يفسّـر قوله: (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوف أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَان)بوجه آخر سيوافيك.
ب ـ أنّ الزوج بعد ما طلّق زوجته مرّتين، يجب أن يتفكّر في أمر زوجته أكثر ممّا مضى، فيقف أن ليس له بعد التطليقتين إلاّ أحد الأمرين: إمّا الامساك بمعروف وادامة العيش معها، أو التسريح باحسان بالتطليق الثالث الذي لارجوع بعده أبداً، إلاّ في ظرف خاص.

1 . الطبري: التفسير: 2/278 وسيوافيك خبر أبي رزين.
2 . البقرة: الآية 231 وأيضاً في سورة الطلاق: (فإذا بلغن أجلهنّ فأمسكوهنَّ بمعروف أو فارقوهنَّ بمعروف) (الطلاق/2).

صفحه 102
فيكون قوله تعالى: (أو تَسْرِيحٌ بِإِحْسان) اشارة إلى التطليق الثالث الذي لا رجوع فيه ويكون التسريح متحقّقاً به. وهنا سؤالان أثارهما الجصاص في تفسيره:
1ـ كيف يفسّـر قوله: (أو تَسْرِيحٌ بِإِحْسَان) بالتطليق الثالث. مع أنّ المراد من قوله في الآية المتأخّرة (أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بإِحْسان) هو ترك الرجعة وهكذا المراد من قوله (فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فأمْسِكُوهُنَّ بِمعَروف أو فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوف)(الطلاق/2) هو تركها حتى ينتهي أجلها، ومعلوم أنّه لم يرد من قوله: (أو سَرِّحُوهُنَّ بمعروف) أو قوله: (أو فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوف) : طلّقوهنّ واحدة أُخرى(1).
يلاحـظ عليه: أنّ السؤال أو الاشكال ناشئ من خلط المفهوم بالمصداق، فاللفظ في كلا الموردين مستعمل في السرح والاطلاق، غير أنّه يتحقّق في مورد بالطلاق، وفي آخر بترك الرجعة ، وهذا لا يعد تفكيكاً في معنى لفظ واحد في موردين، ومصداقه في الآية 229، هو الطلاق، وفي الآية 231، هو ترك الرجعة، والاختلاف في المصداق لا يوجب اختلافاً في المفهوم.
2ـ إنّ التطليقة الثالثة مذكورة في نسق الخطاب بعده في قوله تعالى: (فَإِنْ طلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجْاً غَيْرَه)وعندئذ يجب حمل قوله تعالى: (أو تسريحٌ باحسان) المتقدم عليه على فائدة مجدّدة وهي وقوع البينونة بالاثنين(2) بعد انقضاء العدّة.
وأيضاً لو كان التسريح باحسان هو الثالثة لوجب أن يكون قوله تعالى:

1 . الجصاص: التفسير: 1/389.
2 . الأولى أن يقول: بكل طلاق حسب سياق كلامه.

صفحه 103
(فإن طلّقها) عقيب ذلك هي الرابعة، لأنّ الفاء للتعقيب قد اقتضى طلاقاً مستقلاّ ً بعد ما تقدم ذكره (1).
والاجابة عنه واضحة، لأنّه لا مانع من الاجمال أولاً ثمّ التفصيل ثانياً، فقوله تعالى: (فإن طلّقها) بيان تفصيلي للتسريح بعد البيان الاجمالي، والتفصيل مشتمل على ما لم يشتمل عليه الاجمال من تحريمها عليه حتى تنكح زوجاً غيره. فلو طلّقها الزوج الثاني عن اختياره فلا جناح عليهما أن يتراجعا بالعقد الجديد إن ظنّا أن يُقيما حدود اللّه فأين هذه التفاصيل من قوله: (أو تسريح باحسان).
وبذلك يعلم أنّه لا يلزم أن يكون قوله: (فإن طلّقها) طلاقاً رابعاً.
وقد روى الطبري عن أبي رزين أنّه قال: أتى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) رجل فقال: يا رسول اللّه أرأيت قوله: (الطلاق مرّتان فامساك بمعروف أو تسريح باحسان)فأين الثالثة؟ قال رسول اللّه: (امساك بمعروف أو تسريح باحسان)هي الثالثة(2).
نعم الخبر موقوف وليس أبو رزين الأسدي صحابياً بل تابعي.
لكن تضافرت الروايات عن أئمّة أهل البيت أنّ المراد من قوله: (أو تسريح باحسان)هي التطليقة الثالثة (3).
إلى هنا تمّ تفسير الآية وظهر أنّ المعنى الثاني لتخلّل لفظ «الفاء» أظهر بل هو المتعيّـن بالنظـر إلى روايات أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) .
بقي الكلام في دلالة الآية على بطلان الطلاق ثلاثاً بمعنى عدم وقوعه بقيد الثلاث، وأمّا وقوع واحدة منها فهو أمر آخر، فنقول:

1 . الجصاص: التفسير: 1/389.
2 . الطبري: التفسير: 2/278.
3 . البحراني: البرهان: 1/221، وقد نقل روايات ست في ذيل الآية.

صفحه 104

الاستدلال على بطلان الطلاق ثلاثاً :

إذا تعرّفت على مفاد الآية، فاعلم أنّ الكتاب والسنّة يدلاّن على بطلان الطلاق ثلاثاً، وأنّه يجب أن يكون الطلاق واحدة بعد الأُخرى، يتخلّل بينهما رجوع أو نكاح، فلو طلّق ثلاثاً مرّة واحدة. أو كرّر الصيغة فلا يقع الثلاث. وأمّا احتسابها طلاقاً واحداً ، فهو وإن كان حقّاً، لكنّه خارج عن موضوع بحثنا، وإليك الاستدلال عن طريق الكتاب أوّلاً والسنّة ثانياً:

أوّلاً: الاستدلال عن طريق الكتاب:

1ـ قوله سبحانه: (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوف أوْ تسْرِيحٌ بِإِحْسَان) .
تقدّم أنّ في تفسير هذه الفقرة من الآية قولين مختلفين، والمفسّـرون بين من يجعلونها ناظرة إلى الفقرة المتقدّمة أعني قوله : (الطلاق مرّتان... ) ومن يجعلونها ناظرة إلى التطليق الثالث الذي جاء في الآية التالية، وقد عرفت ما هو الحق، فتلك الفقرة تدل على بطلان الطلاق الثلاث على كلا التقديرين.
أمّا على التقدير الأوّل، فواضح لأنّ معناها أنّ كلّ مرّة من المرّتين يجب أن يتبعها أحد أمرين: إمساك بمعروف، أو تسريح باحسان.
قال ابن كثير: أي إذا طلّقتها واحدة أو اثنتين، فأنت مخيّـر فيها ما دامت عدّتها باقية، بين أن تردّها إليك ناوياً الاصلاح والاحسان وبين أن تتركها حتى تنقضي عدتها، فتبين منك، وتطلق سراحها محسناً إليها لا تظلمها من حقّها شيئاً ولا تضارّ بها (1) وأين هذا من الطلاق ثلاثاً بلا تخلّل واحد من الأمرين ـ الامساك

1 . ابن كثير: التفسير: 1/53.

صفحه 105
أو تركها حتى ينقضي أجلها ـ سواء طلّقها بلفظ: أنت طالق ثلاثاً، أو: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق.
وأمّا على التقدير الثاني، فإنّ تلك الفقرة وإن كانت ناظرة لحال الطلاق الثالث، وساكتة عن حال الطلاقين الأولين، لكن قلنا إنّ بعض الآيات، تدل على أنّ مضمونها من خصيصة مطلق الطلاق، من غير فرق بين الأولين والثالث فالمطلِّق يجب أن يُتبعَ طلاقه بأحد أمرين:
1ـ الامساك بمعررف.
2ـ التسريح باحسان.
فعدم دلالة الآية الأُولى على خصيصة الطلاقين الأولين، لا ينافي استفادتها من الآيتين الماضيتين (1). ولعلّهما تصلحان قرينة لالقاء الخصوصية من ظاهر الفقرة (فامساك بمعروف أو تسريح باحسان)وإرجاع مضمونها إلى مطلق الطلاق ولأجل ذلك قلنا بدلالة الفقرة على لزوم اتباع مطلق الطلاق بأحد الأمرين على كلا التقديرين، وعلى أي حال فسواء كان عنصر الدلالة نفس الفقرة أو غيرها ـ كما ذكرنا ـ فالمحصّل من المجموع هو كون اتباع الطلاق بأحد أمرين من لوازم طبيعة الطلاق الذي يصلح للرجوع.
ويظـهر ذلك بوضوح إذا وقفنا على أنّ قوله: (فبلغن أجلهنّ)من القيود الغالبية، وإلاّ فالواجب منذ أن يطلّق زوجته، هو القيام بأحد الأمرين، لكن تخصيصه بزمن خاص وهو بلوغ آجالهن، إنّما هو لأجل أنّ المطلّق الطاغي عليه غضبه وغيظه، لا تنطفئ سورة غضبه فوراً حتى تمضي عليه مدّة من الزمن تصلح فيها، لأن يتفكّر في أمر زوجته ويخاطَب بأحد الأمرين، وإلاّ فطبيعة الحكم

1 . الآية 231 من سورة البقرة والآية 2 من سورة الطلاق.

صفحه 106
الشرعي (فامساك بمعروف أو تسريح باحسان) تقتضي أن يكون حكماً سائداً على جميع الأزمنة من لدن أن يتفوّه بصيغة الطلاق إلى آخر لحظة تنتهي معها العدّة.
وعلى ضوء ما ذكرنا تدلّ الفقرة على بطلان الطلاق الثلاث وأنّه يخالف الكيفية المشروعة في الطلاق، غير أنّ دلالتها على القول الأوّل بنفسها، وعلى القول الثاني بمعونة الآيات الاُخر.

2ـ قوله سبحانه: (الطلاق مرّتان) .

إنّ قوله سبحانه: (الطلاق مرّتان): ظاهر في لزوم وقوعه مرّة بعد أُخرى لا دفعة واحدة وإلاّ يصير مرّة ودفعة، ولأجل ذلك عبّـر سبحانه بلفظ «المرّة» ليدلّ على كيفية الفعل وانّه الواحد منه، كما أنّ الدفعة والكرّة والنزلة، مثل المرّة، وزناً ومعنىً واعتباراً.
وعلى ما ذكرنا فلو قال المطلِّق: أنت طالق ثلاثاً، لم يطلِّق زوجته مرة بعد أُخرى، ولم يطلّق مرّتين، بل هو طلاق واحد، وأمّا قوله «ثلاثاً» فلا يصير سبباً لتكرّره، وتشهد بذلك فروع فقهية لم يقل أحد من الفقهاء فيها بالتكرار بضم عدد فوق الواحد. مثلاً اعتبر في اللعان شهادات أربع، فلا تجزي عنها شهادة واحدة مشفوعة بقوله «أربعا». وفصول الأذان المأخذوة فيها التثنية، لا يتأتّى التكرار فيها بقراءة واحدة واردافها بقوله «مرتين» ولو حلف في القسامة وقال: «أُقسم باللّه خمسين يميناً أنّ هذا قاتله» كان هذا يميناً واحداً. ولو قال المقرّ بالزنا: «أنا أُقرّ أربع مرّات أنّي زنيت» كان اقراراً واحداً، ويحتاج إلى اقرارات، إلى غير ذلك من الموارد التي لا يكفي فيها العدد عن التكرار.
قال الجصاص: (الطلاق مرّتان) ، وذلك يقتضي التفريق لا محالة، لأنّه لو

صفحه 107
طلّق اثنتين معاً لما جاز أن يقال: طلّقها مرّتين، وكذلك لو دفع رجل إلى آخر درهمين لم يجز أن يقال: أعطاه مرتين، حتى يفرق الدفع، فحينئذ يطلق عليه، وإذا كان هذا هكذا، فلو كان الحكم المقصود باللفظ هو ما تعلّق بالتطليقتين من بقاء الرجعة لأدّى ذلك إلى اسقاط فائدة ذكر المرّتين، إذ كان هذا الحكم ثابتاً في المرة الواحدة إذا طلّق اثنتين، فثبت بذلك أنّ ذكر المرتين إنّما هو أمر بايقاعه مرتين، ونهى عن الجمع بينهما في مرّة واحدة (1).
هذا كلّه إذا عبّـر عن التطليق ثلاثاً بصيغة واحدة، أمّا إذا كرّر الصيغة كما عرفت، فربّما يغتر به البسطاء ويزعمون أنّ تكرار الصيغة ينطبق على الآية، لكنّه مردود من جهة أُخرى وهي:
أنّ الصيغة الثانية والثالثة تقعان باطلتين لعدم الموضوع للطلاق، فإنّ الطلاق إنّما هو لقطع علقة الزوجية، فلا زوجية بعد الصيغة الأُولى حتى تقطع، ولا رابطة قانونية حتى تصرم، وبعبارة واضحة: إنّ الطلاق هو أن يقطع الزوج علقة الزوجيّة بينه وبين امرأته ويطلق سراحها من قيدها، وهو لا يتحقّق بدون وجود تلك العلقة الاعتبارية الاجتماعية، ومن المعلوم أنّ المطلّقة لا تطلق، والمسرَّحة لا تسرح.
فلا يحصل بهذا النحو من التطليقات الثلاث، العدد الخاص الذي هو الموضوع للآية التالية أعني قوله سبحانه: (فإَِنْ طلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَه) وكيف لا يكون كذلك، وقد قال (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا طلاق إلاّ بعد نكاح، وقال: ولا طلاق قبل نكاح (2).

1 . الجصاص: أحكام القرآن: 1/378.
2 . البيهقي: السنن الكبرى: 7/318 ـ 321، الحاكم: المستدرك: 2/24.

صفحه 108
فتعدّد الطلاق رهن تخلّل عقدة الزواج بين الطلاقين، ولو بالرجوع، وإذا لم تتخلّل يكون التكلّم أشبه بالتكلّم بكلام لغو.
قال السماك: إنّما النكاح عقدة تعقد، والطلاق يحلّها، وكيف تُحل عقدة قبل أن تعقد؟! (1).

3ـ قوله سبحانه: (فَطَلّقُوهُنّ لِعِدَّتِهِنَّ).

إنّ قوله سبحانه: ( الطلاق مرّتان)وارد في الطلاق الذي يجوز فيه الرجوع(2)، ومن جانب آخر دلّ قوله سبحانه: (وإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فطلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا العِدَّةَ)(الطلاق/1). على أنّ الواجب في حقّ هؤلاء هو الاعتداد واحصاء العدّة، من غير فرق بين أن نقول أنّ «اللام» في (عدّتهنّ) للظرفية بمعنى «في عدّتهنّ» أو بمعنى الغاية، والمراد لغاية أن يعتددن(3)، إذ على كلّ تقدير يدلّ على أنّ من خصائص الطلاق الذي يجوز فيه الرجوع، هو الاعتداد واحصاء العدّة، وهو لا يتحقّق إلاّ بفصل الأوّل عن الثاني، وإلاّ يكون الطلاق الأوّل بلا عدّة واحصاء لو طلّق اثنتين مرّة. ولو طلّق ثلاثاً يكون الأوّل والثاني كذلك.
وقد استدلّ بعض أئمّة أهل البيت بهذه الآية على بطلان الطلاق الثلاث.
روى صفوان الجمّـال عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : أنّ رجلاً قال له: إنّي طلّقت امرأتي ثلاثاً في مجلس واحد؟ قال: ليس بشيء، ثمّ قال: أما تقرأ كتاب اللّه:

1 . البيهقي، السنن الكبرى: 7/318.
2 . فخرج الطلاق البائن كطلاق غير المدخولة، وطلاق اليائسة من المحيض الطاعنة في السن وغيرهما.
3 . مرّت تفسير الآية ص39.

صفحه 109
(ياأيُّها النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنّ لِعِدَّتِهِنَّ ـ إلى قوله سبحانه: ـ لَعَلَّ اللّه يُحدِثُ بَعْدَ ذلكَ أمراً)ثمّ قال: كلّ ما خالف كتاب اللّه والسنّة فهو يرد إلى كتاب اللّه والسنّة (1).
أضف إلى ذلك: أنّه لو صحّ التطليق ثلاثاً فلا يبقى لقوله سبحانه: (لعلَّ اللّه يحدث بعد ذلك أمراً)لأنّه يكون بائناً ويبلغ الأمر إلى ما لا تحمد عقباه، ولا تحل العقدة إلاّ بنكاح رجل آخر وطلاقه مع أنّ الظاهر أنّ المقصود حلّ المشكل من طريق الرجوع أو العقد ثانياً في العدّة.

ثانياً: الاستدلال عن طريق السنّة:

قد تعرّفت على قضاء الكتاب في المسألة، وأمّا حكم السنّة، فهي تعرب عن أنّ الرسول كان يعد الطلاق ثلاثاً في مجلس واحد لعباً بالكتاب.
1ـ أخرج النسائي عن محمود بن لبيد قال: أُخبر رسول اللّه عن رجل طلّق امرأته ثلاث تطليقات جميعا، فقام غضبان ثم قال: أيلعب بكتاب اللّه وأنا بين أظهركم؟ حتى قام رجل وقال: يا رسول اللّه ألا أقتله؟ (2) . إنّ محمود بن لبيد صحابي صغير وله سماع، روى أحمد باسناد صحيح عنه قال: أتانا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فصلّـى بنا المغرب في مسجدنا فلمّـا سلّم منها ... (3).
ولو سلمنا عدم سماعه كما يدّعيه ابن حجر في فتح الباري (4) فهو صحابي

1 . عبد اللّه بن جعفر الحميري: قرب الاسناد : 30، ورواه الحر العاملي في وسائل الشيعة ج15 الباب 29 من أبواب مقدمات الطلاق ، الحديث 25.
2 . النسائي: السنن: 6/142، السيوطي: الدر المنثور: 1/283.
3 . أحمد بن حنبل: المسند: 5/427.
4 . ابن حجر: فتح الباري: 9/315، ومع ذلك قال: رجاله ثقات، وقـال في كتابه الآخر بلـوغ c dالمرام 224 : رواته موثّقون، ونقل الشوكاني في نيل الأوطار: 7/11، عن ابن كثير أنّه قال: اسناده جيد، أُنظر «نظام الطلاق في الإسلام» للقاضي أحمد محمد شاكر: 37.

صفحه 110
ومراسيل الصحابة حجة بلا كلام عند الفقهاء، أخذاً بعدالتهم أجمعين.
2ـ روى ابن إسحاق عن عكرمة عن ابن عباس قال: طلق ركانة زوجته ثلاثاً في مجلس واحد فحزن عليها حزناً شديداً، فسأله رسول اللّه: كيف طلّقتها؟قال: طلقتها ثلاثاً في مجلس واحد. قال: إنّما تلك طلقة واحدة فارتجعها(1).
والسائل هو ركانة بن عبد يزيد، روى الإمام أحمد باسناد صحيح عن ابنعباس قال: طلّق ركانة بن عبد يزيد أخو بني مطلب امرأته ثلاثاً في مجلس واحد فحزن عليها حزناً شديداً قال: فسأله رسول اللّه: كيف طلّقتها؟ قال: طلّقتها ثلاثاً. قال، فقال: في مجلس واحد؟ قال: نعم. قال: فإنّما تلك واحدة فأرجعها إنشئت. قال: فأرجعها فكان ابن عباس يرى إنّما الطلاق عند كلّ طهر(2).

الاجتهاد تجاه النص:

التحق النبيّ الأكرم بالرفيق الأعلى وقد حدث بين المسلمين اتّجاهان مختلفان، وصراعان فكريان، فعليّ (عليه السلام)و من تبعه من أئمّة أهل البيت، كانوا يحاولون التعرّف على الحكم الشرعي من خلال النصّ الشرعي آية ورواية، ولا يعملون برأيهم أصلاً، وفي مقابلهم لفيف من الصحابة يستخدمون رأيهم للتعرّف

1 . ابن رشد: بداية المجتهد: 2/61، ورواه آخرون كابن قيم في اغاثة اللهفان: 156 والسيوطي في الدر المنثور: 1/279 وغيرهم.
2 . أحمد بن حنبل: المسند: 1/265.

صفحه 111
على الحكم الشرعي من خلال التعرّف على المصلحة ووضع الحكم وفق متطلّباتها.
إنّ استخدام الرأي فيما لا نصّ فيه، ووضع الحكم وفق المصلحة أمر قابل للبحث والنقاش، إنّما الكلام في استخدامه فيما فيه نص، فالطائفة الثانية كانت تستخدم رأيها تجاه النص، لا في خصوص ما لا نصّ فيه من كتاب أو سنّة بل حتى فيما كان هناك نصّ ودلالة.
يقول أحمد أمين المصري: ظهر لي أنّ عمر بن الخطاب كان يستعمل الرأي في أوسع من المعنى الذي ذكرناه، وذلك أنّ ما ذكرناه هو استعمال الرأي حيث لا نصّ من كتاب ولا سنّة، ولكنّا نرى الخليفة سار أبعد من ذلك، فكان يجتهد في تعرّف المصلحة التي لأجلها نزلت الآية أو ورد الحديث، ثمّ يسترشد بتلك المصلحة في أحكامه، وهو أقرب شيء إلى ما يعبّـر عنه الآن بالاسترشاد بروح القانون لا بحرفيته (1).
إنّ الاسترشاد بروح القانون الذي أشار إليه أحمد أمين أمر، ونبذ النص والعمل بالرأي أمر آخر، ولكن الطائفة الثانية كانوا ينبذون النص ويعملون بالرأي، وما روي عن الخليفة في هذه المسألة، من هذا القبيل. وإن كنت في ريب من ذلك فنحن نتلو عليك ما وقفنا عليه:
1ـ روى مسلم عن ابن عباس، قال: كان الطلاق على عهد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر: طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إنّ الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم (2).

1 . أحمد أمين: فجر الإسلام : 238، نشر دار الكتاب.
2 . مسلم: الصحيح: 4 باب الطلاق الثلاث، الحديث 1.

صفحه 112
2ـ وروى عن ابن طاووس عن أبيه: أنّ أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم انّما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبي بكر وثلاثاً من (خلافة) عمر؟ فقال: نعم (1).
3ـ وروى أيضاً: أنّ أبا الصهباء قال لابن عباس: هات من هناتك، ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول اللّه وأبي بكر واحدة؟ قال: قد كان ذلك فلمّـا كان في عهد عمر تتابع الناس في الطلاق فأجازه عليهم (2).
4ـ روى البيهقي، قال: كان أبو الصهباء كثير السؤال لابن عباس، قال: أما علمت أنّ الرجل كان إذا طلّق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها، جعلوها واحدة على عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبي بكر (رضي الله عنه)وصدراً من إمارة عمر (رضي الله عنه) فلمّـا رأى الناس قد تتابعوا فيها، قال: أجيزوهن عليهم (3).
5ـ أخرج الطحاوي من طريق ابن عباس أنّه قال: لمّا كان زمن عمر ـرضى اللّه عنه ـ قال: يا أيّها الناس قد كان لكم في الطلاق أناة وإنّه من تعجل أناة اللّه في الطلاق ألزمناه إياه (4).
6ـ عن طاووس قال: قال عمر بن الخطاب: قد كان لكم في الطلاق أناة فاستعجلتم أناتكم وقد أجزنا عليكم ما استعجلتم من ذلك (5).
7ـ عن الحسن: أنّ عمر بن الخطاب كتب إلى أبي موسى الأشعري: لقد هممت أن أجعل إذا طلّق الرجل امرأته ثلاثاً في مجلس أن أجعلها واحدة، ولكنّ

1 . مسلم: الصحيح: 4 باب الطلاق الثلاث، الحديث 2ـ3. التتابع: بمعنى الاكثار من الشر.
2 . مسلم: الصحيح: 4 باب الطلاق الثلاث، الحديث 2ـ3. التتابع: بمعنى الاكثار من الشر.
3 . البيهقي: السنن: 7/339، السيوطي: الدر المنثور: 1/279.
4 . العيني: عمدة القارئ: 9/537، وقال: اسناده صحيح.
5 . المتقي الهندي: كنز العمال: 9/676، برقم 27943.

صفحه 113
أقواماً جعلوا على أنفسهم، فألزِمُ كلّ نفس ما ألزَمَ نفسه. من قال لامرأته: أنت عليَّ حرام، فهي حرام، ومن قال لامرأته: أنت بائنة، فهي بائنة، ومن قال: أنت طالق ثلاثاً، فهي ثلاث (1).
هذه النصوص تدلّ على أنّ عمل الخليفة لم يكن من الاجتهاد فيما لا نصّ فيه ولا أخذاً بروح القانون الذي يعبّـر عنه بتنقيح المناط واسراء الحكم الشرعي إليالمواضع التي تتشارك المنصوصَ في المناط، كما إذا قال: الخمر حرام، فيسري حكمه إلى كلّ مسكر أخذاً بروح القانون وهو أنّ علّة التحريم هي الاسكار الموجود في المنصوص وغير المنصوص، وانّما كان عمله من نوع ثالث وهو الاجتهاد تجاه النص ونبذ الدليل الشرعي، والسير وراء رأيه وفكره وتشخيصه، وقد ذكروا هنا: وجوهاً ليبرّروا بها عمل الخليفة و إليك بيانها.

تبريرات لحكم الخليفة:

لمّا كان الحكم الصادر عن الخليفة يضاد نصّ القرآن أو ظاهره، حاول بعض المحقّقين تبرير عمل الخليفة ببعض الوجوه حتّى يبرّر حكمه ويصحّحه ويخرجه عن مجال الاجتهاد تجاه النص بل يكون صادراً عن دليل شرعي، وإليك بيانها:

1ـ نسخ الكتاب بالاجماع الكاشف عن النص:

إنّ الطلاق الوارد في الكتاب منسوخ، فان قلت: ما وجه هذا النسخ وعمرـرضى اللّه عنه ـ لا ينسخ، وكيف يكون النسخ بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟ قلت: لمّا خاطب عمر الصحابة بذلك فلم يقع انكار، صار اجماعاً ، والنسخ بالاجماع جوّزه بعض

1 . المتقي الهندي: كنز العمال: 9/676، برقم 27943.

صفحه 114
مشايخنا، بطريق أنّ الاجماع موجب علم اليقين كالنص فيجوز أن يثبت النسخ به، والاجماع في كونه حجّة أقوى من الخبر المشهور.
فان قلت: هذا اجماع على النسخ من تلقاء أنفسهم فلا يجوز ذلك في حقّهم، قلت: يحتمل أن يكون ظهر لهم نص أوجب النسخ ولم ينقل إلينا (1).
يلاحظ عليه أولاً: أنّ المسألة يوم أفتى بها الخليفة، كانت ذات قولين بين نفس الصحابة، فكيف انعقد الاجماع على قول واحد، وقد عرفت الأقوال في صدر المسألة. ولأجل ذلك نرى البعض الآخر ينفي انعقاد الاجماع البتة ويقول: وقد أجمع الصحابة إلى السنة الثانية من خلافة عمر على أنّ الثلاث بلفظ واحد، واحدة ولم ينقض هذا الاجماع بخلافه، بل لا يزال في الاُمّة من يفتي به قرناً بعد قرن إلى يومنا هذا» (2).
وثانياً: أنّ هذا البيان يخالف ما برّر به الخليفة عمله حيث قال: إنّ الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم» ، ولو كان هناك نص عند الخليفة، لكان التبرير به هو المتعيّـن.
وفي الختام نقول: أين ما ذكره صاحب العمدة ممّا ذكره الشيخ صالح بن محمد العمري (المتوفى 1298) حيث قال: إنّ المعروف عند الصحابة والتابعين لهم باحسان إلى يوم الدين، وعند سائر العلماء المسلمين: أنّ حكم الحاكم المجتهد إذا خالف نصّ كتاب اللّه تعالى أو سنّة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)وجب نقضه ومنع نفوذه، ولا يعارض نصّ الكتاب والسنّة بالاحتمالات العقليّة والخيالات النفسية، والعصبيّة الشيطانية بأن يقال: لعلّ هذا المجتهد قد اطّلع على هذا النصّ وتركه

1 . العيني: عمدة القارئ: 9/537.
2 . تيسير الوصول: 3/162.

صفحه 115
لعلّة ظهرت له، أو أنّه اطّلع على دليل آخر، ونحو هذا ممّا لهج به فرق الفقهاء المتعصّبين وأطبق عليه جهلة المقلّدين (1).

2ـ تعزيرهم على ما تعدّوا به حدود اللّه:

لم يكن الهدف من تنفيذ الطلاق ثلاثاً في مجلس، إلاّ عقابهم من جنس عملهم، وتعزيرهم على ما تعدّوا حدود اللّه، فاستشار أُولي الرأي، وأُولي الأمر وقال: إنّ الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم؟ فلمّـا وافقوه على ما اعتزم، أمضاه عليهم وقال: أيّها الناس قد كانت لكم في الطلاق أناة وأنّه من تعجّل أناة اللّه ألزمناه إيّاه (2).
لم أجد نصّاً فيما فحصت في مشاورة عمر أُولي الرأي الأمر، غير ما كتبه إلى أبي موسى الأشعري بقوله: «لقد هممت أن أجعل إذا طلّق الرجل امرأته ثلاثاً في مجلس أن أجعلها واحدة ...» (3) وهو يخبر عن عزمه وهمّه ولا يستشيره، ولو كانت هنا استشارة كان عليه أن يستشير الصحابة من المهاجرين والأنصار القاطنين في المدينة وعلى رأسهم علي بن أبي طالب، وقد كان يستشيره في مواقف خطيرة ويقتفي رأيه.
ولا يكون استعجال الناس، مبرّراً لمخالفة الكتاب والسنّة بل كان عليه ردع الناس عن عملهم السيّئ بقوّة ومنعة، وكيف تصحّ مؤاخذتهم بما أسماه رسول اللّه لعباً بكتاب اللّه (4).

1 . العمري: ايقاظ همم أُولي الأبصار : 9.
2 . أحمد بن حنبل: المسند : 1/314، برقم 2877، وقد مرّ تخريج الحديث أيضاً، لاحظ نظام الطلاق في الإسلام لأحمد محمد شاكر: 79.
3 . المتقي الهندي: كنز العمال : 9/676، برقم 27943.
4 . السيوطي: الدر المنثور : 1/283.

صفحه 116
يقول ابن قيم: إنّ هذا القول قد دلّ عليه الكتاب والسنّة والقياس والاجماع القديم، ولم يأت بعده اجماع يبطله ولكن رأى أمير المؤمنين عمر (رضي الله عنه) أنّ الناس قد استهانوا بأمر الطلاق وكثر منهم ايقاعه جملة واحدة، فرأى من المصلحة عقوبتهم بامضائه عليهم ليعلموا أنّ أحدهم إذا أوقعه جملة بانت منه المرأة، وحرّمت عليه، حتى تنكح زوجاً غيره نكاح رغبة، يراد للدوام لا نكاح تحليل، فإذا علموا ذلك كفّوا عن الطلاق المحرَّم، فرأى عمر أنّ هذا مصلحة لهم في زمانه، ورأى أنّ ما كانوا عليه في عهد النبيّ وعهد الصديق، وصدراً من خلافته كان الأليق بهم، لأنّهم لم يتابعوا فيه وكانوا يتّقون اللّه في الطلاق، وقد جعل اللّه لكلّ من اتّقاه مخرجاً، فلمّـا تركوا تقوى اللّه وتلاعبوا بكتاب اللّه وطلّقوا على غير ما شرّعه اللّه ألزمهم بما التزموه عقوبة لهم فإنّ اللّه شرّع الطلاق مرّة بعد مرّة، ولم يشرّعه كلّه مرّة واحدة (1).
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من التبرير لعمل الخليفة غير صحيح، إذ لو كانت المصالح المؤقتة مبررة لتغيّـر الحكم فما معنى «حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة» ولو صحّ ما ذكره لتسرّب التغيّـر إلى أركان الشريعة، فيصبح الإسلام العوبة بيد الساسة، فيأتي سائس فيحرِّم الصوم على العمّال لتقوية القوة العاملة في المعامل.
وفي الختام نذكر تنبّه بعض علماء أهل السنّة في هذه العصور بما في تنفيذهذا النوع من الطلاق،

1 . ابن قيم الجوزية: اعلام الموقعين : 3/36.

صفحه 117
ولأجل ذلك تغيّـر قانون محاكم مصر الشرعية وخالفمذهب الحنفية بعد استقلالها وتحرّرها عن سلطنة الدولة العثمانية.
ويا للأسف أنّ كثيراً من مفتي أهل السنّة على تنفيذ هذا النوع من الطلاق، ولأجل ذلك يقول مؤلّف المنار بعد البحث الضافي حول المسألة: «ليس المراد مجادلة المقلّدين أو ارجاع القضاة والمفتين عن مذاهبهم، فإنّ أكثرهم يطّلع على هذه النصوص في كتب الحديث وغيرها ولا يبالي بهما لأنّ العمل عندهم على أقوال كتبهم دون كتاب اللّه وسنّة رسوله (1).

إذا طلّق ثلاثاً هل تقع واحدة منها أو لا؟

إذا طلّق زوجته و فسر الطلقة باثنين أو ثلاث لم يقع فوق الواحدة، وهو من ضروريات مذهب الشيعة، خلافاً للعامة، وقد اتفقوا على وقوعه كذلك إلا من عرفتهم.
إنّما الكلام في وقوع الواحد وعدمه، فذهب ابن أبي عقيل والسيد المرتضى وسلاّر وابن حمزة ويحيى بن سعيد إلى عدم الوقوع. قال ابن أبي عقيل:«لو طلقها ثلاثاً بلفظ واحد وهي طاهر لم يقع عليها شيء»(2) وقال السيد المرتضى ومما انفردت به الامامية القول: بأنّ الطلاق الثلاث بلفظ واحد لايقع، وباقى الفقهاء يخالفون في ذلك. ـ والظاهر انّ مراده بطلان الطلاق مطلقاً ولأجل ذلك قال بعد هذا الكلام ـ وحكي عن محمد بن إسحاق أنّ الطلاق الثلاث يُردّ إلى واحدة».(3)
وقال سلاّر : في شروط الطلاق« وان يتلفظ بالطلاق موحداً» (4) وقال ابن حمزة في تفسير الطلاق البدعي «وهو الطلاق المعلق بشرط، وايقاع الطلاق ثلاثاً بلفظة واحدة ولايقع كلاهما وقال بعض أصحابنا تقع واحدة من ثلاث»(5) وقال

1 . السيد محمد رشيد رضا: المنار: 2/386، الطبعة الثالثة 1376.
2 . المختلف:35، كتاب الطلاق.
3 . الانتصار:134.
4 . المراسم:161.
5 . الوسيلة:322.

صفحه 118
بن سعيد في شرائط صحة الطلاق:«وأن يتلفظ به موحداً فإن خالف لم يقع ، وقيل يقع واحدة».(1)
نعم قال الشيخ في النهاية انّه يقع طلقة واحدة«ومن شرائط الطلاق العامة أن يُطَّلقها تطليقة واحدة. فإن طلّقها أكثر من ذلك ثنتين أو ثلاثاً أو ما زاد عليه، لم يقع أكثر من واحدة»(2) وقال في المبسوط: «ولو قال أنت طالق أكثر الطلاق عدداً أو أكثر الطلاق: كان عندنا مثل الاولى سواء، وعندهم تطلق بالثلاث لأنّ أقلّه واحدة وأكثره ثلاث فإن قال أكمل الطلاق وقعت واحدة عندنا...»(3) وقال في الخلاف:«إذا طلقها ثلاثاً بلفظ واحد كان مبدعاً ووقعت واحدة عند تكامل الشروط عند أكثر أصحابنا وفيهم من قال: لايقع شيء أصلاً وبه قال علي ـ عليه الصلاةو السلام ـ وأهل الظاهر، وحكى الطحاوي عن محمد بن إسحاق انّه قال: تقع واحدة كما قلناه، وروى انّ ابن عباس وطاوساً كان يذهب إلى ما يقوله الإمامية.(4)
وقال ابن البراج: «إذا قال لها:«أنتِ طالق اثنين» وقعت طلقة في الحال، بقوله أنت طالق إذا نوى الفرقة، وما عدا ذلك لغو.(5) وإلى ذلك ذهب العلاّمة في المختلف: «انّ المقتضى للواحدة ثابت والمانع لايصلح للمانعية فيثبت الحكم، أمّا وجود المقتضي فهو لفظ الطلاق وقوله أنت طالق، للإجماع على سببيّته مع وجود شرائطه والتقدير حصول ذلك وأمّا عدم صلاحية المعارض للمانعية فلأنّه ليس إلاّ قوله ثلاثاً وهو غير معارض لأنّه مؤكد لكثرة الطلاق وإيقاعه، وتكثير سبب البينونة، والواحدة موجودة في الثلاثة لتركبها عنها وعن وحدتين أُخرتين ولامنافاة بين الكل وجزئه فيكون المقتضي وهو الجزء خالياً عن المعارض».(6)

1 . الجامع للشرائع:465.
2 . النهاية:512.
3 . المبسوط :5/13.
4 . الخلاف:4/ المسألة 3، كتاب الطلاق.
5 . المهذب :2/279.
6 . المختلف:36، كتاب الطلاق.

صفحه 119
يلاحظ عليه: بأنّ الموجود في ضمن الثلاث هو الواحد لابشرط والمطلوب هو الواحد بشرط لا، فكيف يمكن أن يقال إنّ الواحدة موجود في الثلاثة لتركبها عنها وعن وحدتين أُخرتين.
وإن شئت قلت: إنّ المنشأ هو الطلاق بشرط شيء أي طلاقاً مقيداً بطلاقين آخرين والمصحَّح هو الطلاق بشرط لا، فكيف يصح؟ فيكون من قبيل ما قصد لم يقع وما حكم بوقوعه لم يقصد. والأولى الاستدلال عليه عن طريق الروايات كما أشار إليه في ذيل كلامه فنقول: انّ هنا طوائف من الروايات:

الطائفة الأولى ما يدل بالصراحة على وقوع الواحدة:

1ـ صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: الطلاق ثلاثاً في غير عدّة إن كانت على طهر فواحدة، وإن لم تكن على طهر فليس بشيء.(1)
2ـ وصحيحة زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) قال: سألته عن رجل طلّق امرأته ثلاثاً في مجلس واحد وهي طاهر قال: هي واحدة.(2)
3ـ وما رواه شهاب بن عبد ربه، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال: قلت: فطلقها ثلاثاً في مقعد قال: تردّ إلى السنة فإذا مضت ثلاثة أشهر أو ثلاثة قروء فقد بانت منه بواحدة.(3)
وهذه الروايات مع كثرتها ووجود الصحاح وغيرها بينها يشرف الفقيه على القطع بعدم ورودها تقية، وإنّما ورد لبيان الواقع . أضف إلى ذلك انّ في بعضها

1 . الوسائل ج15: الباب29من أبواب مقدمات الطلاق، الأحاديث 1و2، وبهذا المضمون الحديث 3و7و11 و12و13و14و16و 28و30 من هذا الباب.
2 . الوسائل ج15: الباب29من أبواب مقدمات الطلاق، الأحاديث 1و2، وبهذا المضمون الحديث 3و7و11 و12و13و14و16و 28و30 من هذا الباب.
3 . الوسائل ج15: الباب29من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث 4، وبهذا المضمون 3و7و11 و12و13و14و16و 28و30 من هذا الباب.

صفحه 120
قرينة واضحة على صدورها لبيان الواقع.

الطائفة الثانية:

ما يدل على البطلان من رأس وعدم وقوع شيء حتى الواحدة، وهي بين صريح مطلق ومفصل وقابل للتأويل وإليك بيانها:
فأمّا الصريح المطلق فمنه ما يدل على أنّ المطلقة ثلاثاً من ذوات الأزواج مثل ما روى عمر بن حنظله عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إيّاكم والمطّلقات ثلاثاً في مجلس واحد فإنّهن ذوات أزواج.(1)
ومثل ما رواه حفص بن البختري، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إياكم والمطلّقات ثلاثاً فانّهنَّ ذوات أزواج».(2)
وقال أمير المؤمنين(عليه السلام) : اتقوا تزويج المطلّقات ثلاثاً في موضع واحد فإنّهنّ ذوات أزواج.(3)
ومثله رواية هارون بن خارجة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال قلت: إنّي ابتليت فطلقت أهلي ثلاثاً في دفعة فسألت أصحابنا فقالوا ليس بشيء وانّ المرأة قالت: لاأرضى حتى تسأل أبا عبد اللّه (عليه السلام)فقال: ارجع إلى أهلك فليس عليك شيء (4) وقريب منه مكاتبة عبد اللّه بن محمد إلى أبي الحسن (عليه السلام) (5) فكتب إليه: انّه روى أصحابنا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يطلق امرأته ثلاثاً بكلمة واحدة على طهر بغير جماع بشاهدين أنّه تلزمه تطليقة واحدة فوقع

1 . الوسائل15: الباب 29من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث 20.
2 . الوسائل ج15: الباب29من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث21و24.
3 . الوسائل ج15: الباب29من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث21و24.
4 . الوسائل ج15: الباب 29 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه ، الحديث 29و19.
5 . الوسائل ج15: الباب 29 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه ، الحديث 29و19.

صفحه 121
بخطّه: أخطأ على أبى عبد اللّه (عليه السلام) انّه لايلزم الطلاق ويردّ إلى الكتاب والسنة إن شاء اللّه.

الصريح المفصل

أي ما يفصل بين الموافق والمخالف فيصح منه لامن الموافق مثل ما روى إبراهيم بن محمد الهمداني قال: كتبت إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام) مع بعض أصحابنا فأتاني الجواب بخطّه: فهمت ما ذكرت من أمر ابنتك وزوجها ـ إلى أن قال ـ ومن حنثه بطلاقها غير مرّة فانظر فإن كان ممّن يتولانا ويقول بقولنا فلاطلاق عليه لأنّه لم يأت أمراً جهله، وإن كان ممّن لايتولانا ولايقول بقولنا فاختلعها منه فإنّه إنّما نوى الفراق بعينه.(1)
وما روى عبد اللّه العلوي عن أبيه قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن تزويج المطلّقات ثلاثاً فقال لي: إنّ طلاقكم« الثلاث» لايحلّ لغيركم، وطلاقهم يحلّ لكم لأنّكم لاترون الثلاث شيئاً وهم يوجبونها.(2)
وروى عبد اللّه بن طاووس قال: قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام) : إنّ لي ابن أخ زوّجته ابنتي وهو يشرب الشراب ويكثر ذكر الطلاق فقال: إن كان من إخوانك فلاشيء عليه، وإن كان من هؤلاء فأبنها منه فانّه عنى الفراق.(3)

ما يقبل التأويل

روى الحسن بن زياد الصيقل قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : لاتشهد لمن

1 . الوسائل ج15:الباب 30 من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث 1.
2 . الوسائل ج15:الباب 30 من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث 9و11. و لاحظ ذيل الحديث الأخير.
3 . الوسائل ج15:الباب 30 من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث 9و11. و لاحظ ذيل الحديث الأخير.

صفحه 122
طلق ثلاثاً في مجلس واحد.(1) فإنّ النهي عن عدم الشهادة لايلازم القول بالبطلان لامكان كون نفس تقبّل الشهادة حراماً لكون الطلاق بدعياً لأنّ السنّة هو التفريـق.
روى صفوان الجمال، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) انّ رجلاً قال له: إنّي طلّقت امرأتي ثلاثاً في مجلس، قال: ليس بشيء، ثم قال: أما تقرأ كتاب اللّه :(يا أيُّها النبي إذا طلّقتم النساء فطلّقوهنّ لعدتهنّ)إلى قوله :(لعل اللّه يحدث بعد ذلك أمراً)ثم قال: كلما خالف الكتاب والسنّة فهو يردّ إلى كتاب اللّه والسنّة.(2) ولعلّ المراد هو بطلان الثلاث لا الواحد، كما سيوافيك في الطائفة الثالثة.

الطائفة الثالثة

ما هو مجمل في مفاده حيث اكتفى بلزوم الرد على الكتاب والسنّة ولم يبين ما هو مفاده، مثل ما رواه الكلبي النسّابة عن الصادق (عليه السلام) ... فقلت: فرجل قال لامرأته : أنت طالق ثلاثاً فقال: تردّ إلى كتاب اللّه وسنّة نبيّه.(3)ومثله مكاتبة عبد اللّه بن محمد إلى أبي الحسن (عليه السلام) روى أصحابنا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)في الرجل يطلق امرأته ثلاثاً بكلمة واحدة على طهر بغير جماع بشاهدين أنّه يلزمه تطليقة واحدة، فوقّع بخطّه أخطأ على أبي عبد اللّه (عليه السلام) انّه لايلزم الطلاق ويردّ إلى الكتاب والسنّة إن شاء اللّه .(4) ولكن يفسرها مارواه أبو محمد الوابشي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل ولّى امرأته رجلاً وأمره أن يطلّقها على السنَّة فطلقها ثلاثاً في مقعد واحد قال: يردّ إلى السنة فإذا مضت ثلاثة أشهر أو ثلاثة قروء فقد

1 . الوسائل ج15: الباب 29من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث17و25.
2 . الوسائل ج15: الباب 29من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث17و25.
3 . الوسائل ج15: الباب 29من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث5و19. ذكر المكاتبة في المقام أيضاً لتردد قوله « إنّه يلزم الطلاق، بين البطلان المطلق أو بطلان الثلاث فلاحظ.
4 . الوسائل ج15: الباب 29من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث5و19. ذكر المكاتبة في المقام أيضاً لتردد قوله « إنّه يلزم الطلاق، بين البطلان المطلق أو بطلان الثلاث فلاحظ.

صفحه 123
بانت بواحدة.(1) ومثله رواية إسماعيل بن عبد الخالق قال: سمعت أبا الحسن(عليه السلام) وهو يقول: طلق عبد اللّه بن عمر امرأته ثلاثاً فجعلها رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) واحدة فردها إلى الكتاب والسنّة.(2) ويمكن رفع التعارض بوجهين:
وحاصل الجمع الأوّل هو التفريق بين تكرير الصيغة و عدمه فتقع الواحدة في المتكرر دون الآخر و حاصل الجمع الثاني حمل ما دلّ على الفساد على عدم وقوع الثلاثة ، لا واحدة و إليك البيان:
الأوّل: ربما يجمع بحمل ما دل على وقوع تطليقة واحدة على صورة تكرير الصيغة كأن يقول: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، وحمل ما دل على البطلان من رأس على ما إذا طلق ثلاثاً بكلمة واحدة.
ويؤيده: انّ التعبير الوارد في أكثر الروايات الدالة على وقوع الواحدة، هو قوله: عن رجل طلّق امرأته ثلاثاً في مجلس واحد أو مجلس، أو قريب منه.(3) والمتبادر من قوله: طلّق ثلاثاً في مجلس واحد و قد جاء فيه وقوع الواحدة.(4) هو تكرير الصيغة إذ لايقال لمن قال سبحان اللّه عشراً انّه سبّح اللّه عشراً إلاّ إذا كرر التسبيح عشراً.
وأمّا ما ورد في بعض الروايات الدالة على البطلان كرواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) من طلّق ثلاثاً في مجلس فليس بشيء، من خالف كتاب اللّه ردّ إلى كتاب اللّه عزّ وجلّ وذكر طلاق ابن عمر. فالبطلان فيها لأجل وقوعه في غير طهر بشهادة ذكر طلاق ابن عمر، فإنّه طلق وهي حائض.(5) فتأمل.

1 . الوسائل ج15: الباب 29من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث13و18.
2 . الوسائل ج15: الباب 29من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث13و18.
3 . لاحظ الوسائل ج15: الباب 29 من أبواب مقدّمات الطلاق الحديث: 2 و3 و8 و9 و10 و14 و25 و27 و29.
4 . لاحظ الروايات التالية: 2و3و11و13و14وصدره محمول على التقيةو16و18و26 و28.
5 . المصدر، لاحظ الحديث8و9و10.

صفحه 124
وأمّا ما رواه صفوان الجمال عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) انّ رجلاً قال له: إنّي طلقت امرأتي ثلاثاً في مجلس، قال: ليس بشيء، ثم قال أما تقرأ كتاب اللّه: (ياأيُّها النبيّ إذا طلّقتم النساء فطلّقوهنَّ لعدتهنَّ)إلى قوله :(لعلّ اللّه يحدث بعد ذلك أمراً) ثم قال: كلّما خالف كتاب اللّه والسنّة فهو يردّ إلى كتاب اللّه والسنّة.(1) فهو غير صريح في البطلان المطلق، بل الظاهر عدم وقوع الثلاث وانقطاع العصمة حتى تنكح زوجاً غيره بشهادة قوله: (لعلّ اللّه يحدث بعد ذلك أمراً) والمقصود لعلّ الزوج يندم من فعله ويرجع عن طلاقه فهو من أدلّة وقوع الواحدة دون غيره.
نعم يخالفه ما رواه هارون بن خارجة عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: قلت إنّى ابتليت فطلّقت أهلي ثلاثاً في دفعة فسألت أصحابنا فقالوا: ليس بشيء وانّ المرأة قالت: لاأرضى حتى تسأل أبا عبد اللّه (عليه السلام)فقال: ارجع إلى أهلك فليس عليك شيء(2) ولكنّه محمول على عدم وقوع الثلاث لا الواحدة، والمراد من الرجوع إلى الأهل، هو الرجوع عن طلاقه.
فعلى ضوء هذا البيان فما دل على الصحة صريح أو محمول على وقوع الطلقات مترتبة.
وأمّا ما دلّ على البطلان فصريح أو محمول على الطلاق بكلمة واحدة مثل رواية إسحاق بن عمار الصيرفي عن جعفر عن أبيه، انّ علياً (عليه السلام) كان يقول: إذا طلّق الرجل المرأة قبل أن يدخل بها ثلاثاً في كلمة واحدة فقد بانت منه ولاميراث بينهما ولارجعة ولاتحلّ له حتى تنكح زوجاً غيره، وإن قال: هي طالق هي طالق هي طالق فقد بانت منه بالأولى، وهو خاطب من الخطّاب إن شاءت

1 . الوسائل ج15: الباب 29 من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث 25و29.
2 . الوسائل ج15: الباب 29 من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث 25و29.

صفحه 125
نكحته نكاحاً جديداً، وإن شاءت لم تفعل.(1) وصدره محمول على التقيّة إذ هو مخالف للقولين (عدم الوقوع بتاتاً أو وقوع الواحدة منها) ولو كان الحكم فيه كالصورة الأخيرة لكان المتجّه الجواب عنهما بجواب واحد وهو وقوع الطلاق إذا الحكم في الصورتين متحد عند العامة.
ومثلها مكاتبة عبد اللّه بن محمد إلى أبي الحسن(عليه السلام) روى أصحابنا عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)في الرجل يطلّق امرأته ثلاثاً بكلمة واحدة على طهر بغير جماع بشاهدين أنّه يلزمه تطليقة واحدة، فوقّع بخطّه أخطأ على أبي عبد اللّه (عليه السلام) إنّه لايلزم الطلاق ويردّ إلى الكتاب والسنّة إن شاء اللّه. (2)
نعم، ومع ذلك كلّه فالجزم بهذا الجمع مشكل إذ من المستبعد أن يكون مورد السؤال هو تكرير الصيغة إذ ليس هناك منشأ لتوهم بطلان الطلاق الأوّل فيه حتى يكون منشأ للسؤال، وهذا يوجب أن يكون مورد السؤال والجواب غير هذه الصورة.
ويمكن دفعه بصراحة بعض الروايات في كون السؤال والجواب هو تكرير الصيغة وعدمه كما هو الحال في رواية الصيرفي وستوافيك.
الثاني: حمل ما دلّ على الفساد على عدم وقوع الثلاثة سواء كرّر الصيغة أم لم يكررها وهذا الوجه يتحمّله بعض الروايات كما في رواية حسن بن زياد الصيقل قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام)لاتشهد لمن طلّق ثلاثاً في مجلس واحد.(3) فيحمل على أنّه لايجوز أن يشهد بالثلاث، بل يشهد بالواحدة.

1 . الوسائل ج15: الباب 29 من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث 15.
2 . الوسائلج 15: الباب29من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث19.
3 . الوسائلج 15: الباب29من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث17.

صفحه 126
وأمّا ما ورد في رواية عمر بن حنظله عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إيّاكم والمطلقات ثلاثاً في مجلس واحد فإنّهنّ ذوات أزواج(1) فمحمول على وقوعه في الحيض حيث إنّ الطلاق ثلاثاً في مجلس واحد، من شعار العامة وهم لايشترطون الطهر، أو محمول على ما إذا كان الطلاق معلّقاً على شرط فانّهم كانوا يطلّقون أزواجهم ثلاثاً معلّقاً على الشرط فيقول لزوجته لو كلمت فلاناً فأنت طالق ثلاثاً، ومثله رواية حفص بن البختري(2) إشكالاً وجواباً.
وعلى ضوء ذلك يحمل قوله«بكلمة واحدة» في بعض الروايات على مجلس واحد سواء كرّر الصيغة أم لم يكرّر ولاينافيه إلاّ رواية إسحاق بن عمار الصيرفي، انّ عليّاً (عليه السلام) كان يقول: إذا طلّق الرجل المرأة قبل أن يدخل بها ثلاثاً في كلمة واحدة فقد بانت منه ولاميراث بينهما ولارجعة ولاتحلّ له حتى تنكح زوجاً غيره. وإن قال: هي طالق هي طالق هي طالق فقد بانت منه بالأولى، وهو خاطب من الخطّاب إن شاءت نكحته نكاحاً جديداً، وإن شاءت لم تفعل.(3)

إذا كان المطلّق معتقداً بصحة الطلاق ثلاثاً

هذا إذا كان المطلّق غير معتقد بصحة الطلاق ثلاثاً فقد عرفت الاتفاق على عدم وقوع الثلاث، وإنّما الاختلاف في وقوع الواحد وعدمه وأمّا إذا كان المطلّق معتقداً كما هو حال المخالف فهل يصح للقائل بالبطلان ترتيب أثر الصحة أولا.
ظاهر الروايات المستفيضة هو الأوّل أخذاً بمعتقده. وهذا ما يعبر عنه

1 . الوسائلج 15: الباب29من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث20و21.
2 . الوسائلج 15: الباب29من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث20و21.
3 . الوسائل ج15: الباب 29من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث 15.

صفحه 127
بقاعدة الالزام وقد فرّق شيخنا الحر العاملي روايات القاعدة في أجزاء كتابه.(1)
1ـ قال الرضا (عليه السلام) : من كان يدين بدين قوم لزمته أحكامهم.(2)
2ـ روى عبد الأعلى، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يطلّق امرأته ثلاثاً قال: إن كان مستخفّاً بالطلاق ألزمته ذلك.(3)
3ـ روى أبو العباس البقباق قال: دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال لي ارو عنّى أن من طلّق امرأته ثلاثاً في مجلس واحد فقد بانت منه(4) و هذا محمول على كون المطلِّق معتقداً بالصحة.
ولافرق بين كون المطلّقة عارفة أم لا وتدل عليه: رواية إبراهيم بن محمد الهمداني قال: كتبت إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام) مع بعض أصحابه فأتاني الجواب بخطّه: فهمت ما ذكرت من أمر ابنتك وزوجها ـ إلى أن قال ـ ومن حنثه بطلاقها غير مرة فانظر فإن كان ممّن يتولاّنا ويقول بقولنا فلاطلاق عليه لأنّه لم يأت أمراً جهله، وإن كان ممّن لايتولاّنا ولايقول بقولنا فاختعلها منه فانّه إنّما نوى الفراق بعينه.(5)
إنّما الكلام في ما إذا كان الزوج عارفاً والزوجة مخالفة فطلقها ثلاثاً، فإذا رفعت أمرها إلى القاضي فلامناص عن الحكم بالمذهب الحق، ورد الزوجة إلى زوجها إذا رجع و كانت في عدتها وأمّا إذا خرجت عن عدتها، وقلنا بوقوع الواحدة فلاطريق للزوج عليها فيجوز للغير التزويج.

1 . لاحظ الوسائل ج17: الباب4 من أبواب ميراث الاخوة والأجداد، الحديث 2و3و4و5.
2 . الوسائل ج15،: الباب 30 من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث 10و7و8 وبهذا المضمون 11من هذا الباب.
3 . الوسائل ج15،: الباب 30 من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث 10و7و8 وبهذا المضمون 11من هذا الباب.
4 . الوسائل ج15،: الباب 30 من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث 10و7و8 وبهذا المضمون 11من هذا الباب.
5 . لاحظ الروايات 1و3و4و5 من الباب 30 من مقدمات الطلاق.

صفحه 128

الركن الرابع:

الاشهاد على الطلاق

وممّا انفردت به الإماميّة، القول: بأنّ شهادة عدلين شرط في وقوع الطلاق، ومتى فقد لم يقع الطلاق وخالف باقي الفقهاء في ذلك (1).
وقال الشيخ الطوسي: كلّ طلاق لم يحضره شاهدان مسلمان عدلان وإن تكاملت سائر الشروط، فإنّه لا يقع. وخالف جميع الفقهاء ولم يعتبر أحد منهم الشهادة (2).
ولاتجد عنواناً للبحث في الكتب الفقهية لأهل السنّة وانّما تقف على آرائهم في كتب التفسير عند تفسير قوله سبحانه: (فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوف أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوف وَأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْل مِنْكُمْ وَ أَقِيمُوا الشَّهَادَةَ للّهِ)(الطلاق/2). وهم بين من يجعلونه قيداً للطلاق والرجعة، ومن يخصّه قيداً للرجعة المستفادة من قوله: (فَامْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوف).
روى الطبري عن السدّي أنّه فسّـر قوله سبحانه: (وَأشْهِدُوا ذَوى عَدْل مِنْكُمْ) تارة بالرجعة وقال: أشهدوا على الامساك إن أمسكتموهنّ وذلك هو الرجعة، واُخرى بها وبالطلاق وقال: عند الطلاق وعند المراجعة.
ونقل عن ابن عباس: أنّه فسّره بالطلاق والرجعة(3).

1 . المرتضى: الانتصار: 127 ـ 128.
2 . الطوسي: الخلاف:4، كتاب الطلاق المسألة5.
3 . الطبري: جامع البيان: 28/88.

صفحه 129
وقال السيوطي: أخرج عبد الرزاق عن عطاء قال: النكاح بالشهود، والطلاق بالشهود، والمراجعة بالشهود.
وسئل عمران بن حُصين عن رجل طلّق ولم يشهد، وراجع ولم يشهد؟ قال: بئس ما صنع طلّق في بدعة وارتجع في غير سنّة فليشهد على طلاقه ومراجعته وليستغفر اللّه(1).
قال القرطبي: قوله تعالى: (وأشهدوا) أمرنا بالاشهاد على الطلاق، وقيل: على الرجعة، والظاهر رجوعه إلى الرجعة لا إلى الطلاق. ثمّ الاشهاد مندوب إليه عند أبي حنيفة كقوله: (وَأشْهِدُوا إذا تَبَايَعْتُمْ) وعند الشافعي واجب في الرجعة(2).
وقال الآلوسي (وأشهدوا ذوى عدل منكم) عند الرجعة إن اخترتموها أو الفرقة إن اخترتموها تبرّياً عن الريبة(3).
إلى غير ذلك من الكلمات الواردة في تفسير الآية.
وممّن أصحر بالحقيقة عالمان جليلان: أحمد محمد شاكر القاضي المصري، والشيخ أبو زهرة. قال الأوّل بعد ما نقل الآيتين من أوّل سورة الطلاق: والظاهر من سياق الآيتين أنّ قوله: (وأشهدوا) راجع إلى الطلاق و إلى الرجعة معاً والأمر للوجوب، لأنّه مدلوله الحقيقي، ولا ينصرف إلى غير الوجوب ـ كالندب ـ إلاّبقرينة ولا قرينة هنا تصرفه عن الوجوب، بل القرائن هنا تؤيّد حمله على الوجوب ـ إلى أن قال: ـ فمن أشهد على طلاقه، فقد أتى بالطلاق على الوجه المأمور به، ومن أشهد على الرجعة فكذلك، ومن لم يفعل فقد تعدّى حدود اللّه الذي حدّه له فوقع عمله باطلاً، لا يترتّب عليه أي أثر من آثاره ـ إلى أن قال: ـ

1 . السيوطي: الدر المنثور: 6/232، وعمران بن حصين من كبار أصحاب الإمام عليّ (عليه السلام) .
2 . القرطبي: الجامع لأحكام القرآن: 18/157.
3 . الآلوسي: روح المعاني: 28/134.

صفحه 130
وذهب الشيعة إلى وجوب الاشهاد في الطلاق وأنّه ركن من أركانه، ولم يوجبوه في الرجعة والتفريق بينهما غريب لا دليل عليه(1).
وقال أبو زهرة: قال فقهاء الشيعة الإمامية الاثنا عشرية والإسماعيلية: إنّ الطلاق لا يقع من غير اشهاد عدلين، لقوله تعالى «في أحكام الطلاق وانشائه في سورة الطلاق» : (وَأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْل مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ للّهِ ذلِكُمْ يُوعَظُ بهِ مَنْ كَانَ يُؤمِنُ بِاللّهِ واليَومِ الآخرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللّهَ يَجعَل لَهُ مَخرَجاً *ويَرْزُقُه مِنْ حيثُ لا يَحتَسِبْ) فهذا الأمر بالشهادة جاء بعد ذكر انشاء الطلاق وجواز الرجعة، فكان المناسب أن يكون راجعاً إليه، وأنّ تعليل الاشهاد بأنّه يوعظ به من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر يرشّح ذلك ويقويه، لأنّ حضور الشهود العدول لا يخلو من موعظة حسنة يزجونها إلى الزوجين، فيكون لهما مخرج من الطلاق الذي هو أبغض الحلال إلى اللّه سبحانه وتعالى.
وأنّه لو كان لنا أن نختار للمعمول به في مصر لاخترنا هذا الرأي فيشترط لوقوع الطلاق حضور شاهدين عدلين (2).
وهذه النصوص تعرب عن كون القوم بين من يقول برجوع الاشهاد إلى الرجعة وحدها، وبين من يقول برجوعه إليها وإلى الطلاق ، ولم يقل أحد برجوعه إلى الطلاق وحده إلاّ ما عرفته من كلام أبي زهرة. وعلى ذلك فاللازم علينا بعد نقل النص، التدبّر والاهتداء بكتاب اللّه إلى حكمه.
قال سبحانه: (يا أيُّها النَّبيُّ إذا طَلَّقتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقوهُنَّ لِعِدَّتهنَّ وَ أحْصُوا العِدَّةَ واتَّقوا اللّهَ ربَّكم لا تُخرِجُوهنَّ مِن بيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إلاَّ أن يأتِينَ بِفحِشَة

1 . أحمد محمد شاكر: نظام الطلاق في الإسلام: 118ـ 119.
2 . أبو زهرة: الأحوال الشخصية: 365 كما في الفقه على المذاهب الخمسة: 131(والآية: 2ـ3 من سورة الطلاق).

صفحه 131
مُبيِّنة وَتِلكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللّهَ يُحدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمراً *فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوف أَو فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوف وأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْل مِنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهدَةَ للّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ واليومِ الآخِر وَمَن يَتَّقِ اللّهَ يَجْعَلْ لهُ مَخْرَجاً)(الطلاق/1ـ2).
إنّ المراد من بلوغهنّ أجلهنّ: اقترابهنّ من آخر زمان العدة واشرافهنّ عليه. والمراد بامساكهنّ: الرجوع على سبيل الاستعارة، كما أنّ المراد بمفارقتهنّ: تركهنّ ليخرجن من العدّة ويبنّ.
لا شك أنّ قوله: (وأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْل ) ظاهر في الوجوب كسائر الأوامر الواردة في الشرع ولا يعدل عنه إلى غيره إلاّ بدليل ، إنّما الكلام في متعلّقه. فهناك احتمالات أربعة:
1ـ أن يكون قيداً لقوله: (فطلّقوهنَّ لعدّتهنَّ) .
2ـ أن يكون قيداً لقوله: (فأمسكوهنّ بمعروف).
3ـ أن يكون قيداً لقوله: (أو فارقوهنّ بمعروف) .
4ـ أن يكون قيداً للأول و الثاني.
لم يقل أحد برجوع القيد إلى الأخير فالأمر يدور بين رجوعه إلى الأوّل أو الثاني، والظاهر رجوعه إلى الأوّل وذلك لأنّ السورة بصدد بيان أحكام الطلاق وقد افتتحت بقوله سبحانه: (يا أيُّها النبيُّ إذا طلّقتُمُ النِّساءَ)فذكرت للطلاق عدّة أحكام:
1ـ أن يكون الطلاق لعدّتهنّ.
2ـ احصاء العدّة.
3ـ عدم خروجهنّ من بيوتهنّ.
4ـ خيار الزوج بين الامساك والمفارقة عند اقتران عدّتهنّ.

صفحه 132
5ـ اشهاد ذوَي عدل منكم.
6ـ عدّة المسترابة.
7ـ عدّة من لا تحيض وهي في سن من تحيض.
8ـ عدّة أُولات الأحمال.
وإذا لاحظت مجموع آيات السورة من أوّلها إلى الآية السابعة تجد أنّها بصدد بيان أحكام الطلاق لأنّه المقصود الأصلي، لا الرجوع المستفاد من قوله: (فأمسكوهنّ)وقد ذكر تبعا. و إرجاع القيد إلى خصوص الأمر التبعي أو إليه وإلى الأمر الأصلي يحتاج إلى دليل.
وهذا هو المروى عن أئمتنا (عليهم السلام) . روى محمد بن مسلم قال: قدم رجل إلى أمير المؤمنين(عليه السلام)بالكوفة فقال : إنّي طلّقت امرأتي بعد ما طهرت من محيضها قبل أن أُجامعها، فقال أمير المؤمنين(عليه السلام):أشهدت رجلين ذوَي عدل كما أمرك اللّه؟ فقال:لا، فقال: اذهب فانّ طلاقك ليس بشيء (1).
وروى بكير بن أعين عن الصادقين (عليهم السلام) أنّهما قالا: وإن طلّقها في استقبال عدّتها طاهراً من غير جماع، ولم يشهد على ذلك رجلين عدلين، فليس طلاقه إيّاها بطلاق (2).
وروى محمد بن الفضيل عن أبي الحسن (عليه السلام) أنّه قال لأبي يوسف: إنّ الدين ليس بقياس كقياسك وقياس أصحابك، إنّ اللّه أمر في كتابه بالطلاق وأكّد فيه بشاهدين ولم يرض بهما إلاّ عدلين، وأمر في كتابه التزويج وأهمله بلا شهود، فأتيتم بشاهدين فيما أبطل اللّه، وأبطلتم شاهدين فيما أكّد اللّه عزّ وجلّ، وأجزتم طلاق المجنون والسكران، ثم ذكر حكم تظليل المحرم (3).

1 . الوسائل: ج15 الباب 10 من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 7 و3 و 12 ولاحظ بقية أحاديث الباب.
2 . الوسائل: ج15 الباب 10 من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 7 و3 و 12 ولاحظ بقية أحاديث الباب.
3 . الوسائل: ج15 الباب 10 من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 7 و3 و 12 ولاحظ بقية أحاديث الباب.

صفحه 133
قال الطبرسي: قال المفسرون: أُمروا أن يشهدوا عند الطلاق وعند الرجعة شاهدي عدل حتى لا تجهد المرأة المراجعة بعد انقضاء العدّة ولا الرجل الطلاق. وقيل: معناه وأشهدوا على الطلاق صيانة لدينكم، وهو المروى عن أئمتنا (عليهم السلام) وهذا أليق بالظاهر، لأنّا إذا حملناه على الطلاق كان أمراً يقتضي الوجوب وهو من شرائط الطلاق، ومن قال: إنّ ذلك راجع إلى المراجعة، حمله على الندب(1).
ثمّ إنّ الشيخ أحمد محمد شاكر، القاضي الشرعي بمصر كتب كتاباً حول «نظـام الطلاق في الإسلام» وأهدى نسخة منه مشفوعة بكتاب إلى العلامة الكبير الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء وكتب إليه: إنّني ذهبت إلى اشتراط حضور شاهدين حين الطلاق، وإنّه إذا حصل الطلاق في غير حضرة الشاهدين لم يكن طلاقاً ولم يعتد به، وهذا القول وإن كان مخالفاً للمذاهب الأربعة المعروفة إلاّ أنّه يؤيّده الدليل ويوافق مذهب الأئمّة أهل البيت والشيعة الإمامية.
وذهبت أيضاً إلى اشتراط حضور شاهدين حين المراجعة، وهو يوافق أحد قولين للإمام الشافعي ويخالف مذهب أهل البيت والشيعة، واستغربت (2) من قولهم أن يفرقوا بينهما والدليل له: (وأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْل منكُم)واحد فيهما.
وأجاب العلاّمة كاشف الغطاء في رسالة إليه بيّـن وجه التفريق بينهما وإليك نص ما يهمنا من الرسالة:
قال بعد كلام: «وكأنّك ـ أنار اللّه برهانك ـ لم تمعن النظر هنا في الآيات الكريمة كما هي عادتك من الامعان في غير هذا المقام، وإلاّ لما كان يخفى عليك

1 . مجمع البيان : 5/306.
2 . مرّ نصّ كلامه حيث قال: والتفريق بينهما غريب.

صفحه 134
أنّ السورة الشريفة مسوقة لبيان خصوص الطلاق وأحكامه حتى أنّها قد سمّيت بسورة الطلاق، وابتدأ الكلام في صدرها بقوله تعالى: (إذا طلّقتم النساء) ثم ذكر لزوم وقوع الطلاق في صدر العدّة أي لا يكون في طهر المواقعة، ولا في الحيض، ولزوم احصاء العدّة، وعدم اخراجهنّ من البيوت، ثمّ استطرد إلى ذكر الرجعة في خلال بيان أحكام الطلاق حيث قال عزّ شأنه: (فإذا بلغن أجلهنّ فأمسكوهنّ بمعروف)أي إذا أشرفن على الخروح من العدّة، فلكم امساكهنّ بالرجعة أو تركهنّ على المفارقة. ثمّ عاد إلى تتمة أحكام الطلاق فقال: (وأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْل منكُم) أي في الطلاق الذي سيق الكلام كلّه لبيان أحكامه ويستهجن عوده إلى الرجعة التي لم تذكر إلاّ تبعاً واستطراداً، ألا ترى لو قال القائل: إذا جاءك العالم وجب عليك احترامه واكرامه وأن تستقبله سواء جاء وحده أو مع خادمه أو رفيقه، ويجب المشايعة وحسن الموادعة، فانّك لا تفهم من هذا الكلام إلاّ وجوب المشايعة والموادعة للعالم لا له ولخادمه ورفيقه، وإن تأخّرا عنه، وهذا لعمري حسب القواعد العربية والذوق السليم جلي واضح لم يكن ليخفى عليك وأنت خريت العربية لولا الغفلة (وللغفلات تعرض للاريب)، هذا من حيث لفظ الدليل وسياق الآية الكريمة.
وهنالك ما هو أدقّ وأحقّ بالاعتبار من حيث الحكمة الشرعية والفلسفة الإسلامية وشموخ مقامها وبعد نظرها في أحكامها. وهو أنّ من المعلوم أنّه ما من حلال أبغض إلى اللّه سبحانه من الطلاق، ودين الإسلام كما تعلمون ـ جمعي اجتماعي ـ لا يرغب في أي نوع من أنواع الفرقة لاسيما في العائلة والاُسرة، وعلى الأخص في الزوجة بعد ما أفضى كل منهما إلى الآخر بما أفضى.
فالشارع بحكمته العالية يريد تقليل وقوع الطلاق والفرقة، فكثّر قيوده وشروطه على القاعدة المعروفة من أنّ الشيء إذا كثرت قيوده، عزّ أو قلّ وجوده،

صفحه 135
فاعتبر الشاهدين العدلين للضبط أوّلاً وللتأخير والأناة ثانياً، وعسى إلى أن يحضر الشاهدان أو يحضر الزوجان أو أحدهما عندهما يحصل الندم ويعودان إلى الالفة كما اُشير إليه بقوله تعالى: (لا تدري لعلَّ اللّه يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أمراً) وهذه حكمة عميقة في اعتبار الشاهدين، لا شكّ أنّها ملحوظة للشارع الحكيم مضافاً إلى الفوائد الاُخر، وهذا كلّه بعكس قضية الرجوع فإنّ الشارع يريد التعجيل به ولعلّ للتأخير آفات فلم يوجب في الرجعة أيّ شرط من الشروط.
وتصحّ عندنا معشر الإمامية ـ بكلّ ما دلّ عليها من قول أو فعل أو إشارة ـ ولا يشترط فيها صيغة خاصة كما يشترط في الطلاق; كل ذلك تسهيلاً لوقوع هذا الأمر المحبوب للشارع الرحيم بعباده والرغبة الأكيدة في الفتهم وعدم تفرّقهم، وكيف لا يكفي في الرجعة حتّى الاشارة ولمسها ووضع يده عليها بقصد الرجوع وهي ـ أي المطلّقة الرجعية ـ عندنا معشر الإمامية لا تزال زوجة إلى أن تخرج من العدّة، ولذا ترثه ويرثها، وتغسله ويغسلها، وتجب عليه نفقتها، ولا يجوز أن يتزوّج بأُختها، وبالخامسة، إلى غير ذلك من أحكام الزوجية» (1).

اعتبار معرفة المطلّق والمطلّقة وعدمه

هل يشترط في الشهادة على الطلاق العلم التفصيلي بالمطلّقة كما هو ظاهر المدارك أو لا، كما عليه صاحب الحدائق حيث اكتفى بالعلم الاجمالي وادّعى انّه الذي جرى عليه كافة من حضرنا مجالسهم من مشايخنا المعاصرين.
أقول: انّ هنا احتمالات:
1ـ سماع العدلين وإن لم يحضرا مجلس الانشاء كما إذا كانا في غرفة أُخرى

1 . أصل الشيعة وأُصولها: 163ـ 165 ، الطبعة الثانية.

صفحه 136
يسمعان إنشاء المطلّق.
2ـ سماع العدلين مع حضورهما.
3ـ هذان الأمران مع المعرفة الاجمالية بالمطلّقة.
4ـ هذه الأمور مع المعرفة التفصيلية بها أو رؤيتها.
هذه هي المحتملات في هذا الشرط.
ذهب صاحب المدارك إلى تحصيل العلم بالمطلقة على وجه يشهد العدلان بوقوع طلاقها وقال: فما اشتهر بين أهل زماننا من الاكتفاء بمجرد سماع العدلين صيغة الطلاق ـ إن لم يعلما المطلّق والمطلّقة بوجه ـ بعيد جداً، بل الظاهر انّه لاأصل له في المذهب فإنّ النص والفتوى متطابقان على اعتبار الإشهاد ومجرد سماع صيغة لايعرف قائلها لايسمّى اشهاداً قطعاً. ثم نقل عن الشيخ في النهاية اعتبار علم الشهود بالمطلقة.(1)
أقول: إن أراد من قوله: «مع العلم بالمطلقة على وجه يشهد العدلان بوقوع طلاقها» هو العلم التفصيلي بما تميزها وتشخصها عن غيرها من النساء فهو ممنوع لتحقق الشهادة بدونه أيضاً.
وإن أراد العلم الاجمالي بالمطلّقة على وجه يقدر معه على أداء الشهادة بحيث لايكون تحمّل الشهادة لغواً فهذا ممّا لانشك في اعتباره. ويتحقق هذا، بالعلم باسم المطلّقة والمطلّق أو كونها بنت فلان أو أُخت فلان أو غير ذلك ممّا يعينها ويخرجها عن الابهام بحيث لو راجع إليهما الحاكم يعرف المطلق والمطلّقة عن غيرهما فهذا مما يعتبر في الشهادة.

1 . قال الشيخ في النهاية/510: «إذا أراد الطلاق، فينبغي أن يقول: فلان طالقة أو يشير إلى المرأة، بعد أن يكون قد سبق العلم بها من الشهود فيقول: هذه طالق».

صفحه 137
ويدل على ذلك قوله سبحانه:(وأشْهِدُوا ذَوَيْ عدل منكُمْ وَ أقيموا الشَّهادَة للّهِ).(1) إذ لانشك في أنّ الشهادة ليست أمراً تعبدياً، بل وجبت لغاية عقلائية تفيد الحاكم عند الخصومة وهذا يتوقف على مثل تلك المعرفة. وعلى هذا لايلزم تحصيل العلم التفصيلي على الشاهدين كما لايكفي سماع الطلاق من المطّلق من غير معرفة بهما ولو إجمالاً، بحيث لو شهدا بالطلاق لما أفاد شيئاً بل لابد من معرفة تنفع عند فصل الخصومة وإقامة الشهادة ولاينافيه ما ورد في صحيحة أبي بصير المرادي حيث قال: قلت أرأيت ان هو خرج إلى بعض البلدان فطلق واحدة من الأربع واشهد على طلاقها قوماً من أهل تلك البلاد وهم لايعرفون المرأة...(2) لأنّ المقصود هو عدم المعرفة الشخصية بالمرأة وقد قلنا عدم اعتبارها، بل يكفي التعرف عليها بنوع ما، بحيث يفيد في مقام أداء الشهادة وهذا يتحقق بالتعرف باسم الأب وما يشابه.
وبذلك يعرف انّ ما ذكرنا من الاحتمالات غير وجيه.
وقد اعترف بذلك صاحب الجواهر حيث قال:«لو قلنا باستفادة اعتبار كونهما شاهدين من الأمربالاشهاد في الكتاب والسنّة لاتّجه ما قاله السيد (صاحب المدارك) لاما قالاه(صاحب الحدائق وصاحب الرياض).(3)
والظاهر أنّه لو اعتمدنا في المسألة على ما في الكتاب من الإشهاد لكفى ما ذكرنا من المعرفة دون ما ذكره السيد من المعرفة التفصيلية، ودون ما ذكراه من كفاية المعرفة الاجمالية وإن لم تفد شيئاً في المحاكم وفصل الخصومات.
ثمّ إنّ الظاهر انّ الشهادة هي الشرط ولايحتاج إلى الأمربالاشهاد فلايلزم أن

1 . الطلاق:2.
2 . الوسائل ج15 : الباب 23من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث 1.
3 . الجواهر :32/107.

صفحه 138
يقول اشهدوا على ذلك. وذلك لأنّ الأمر بالاشهاد طريقي والمقصود تحقق الشهادة من العدلين.
ثم إنّ الظاهر من النصوص هو اعتبار شاهدين خارجين عن المطلّق وإن كان المطلّق وكيلاً أو وليّاً، والمقصود حضور رجلين عدلين خارجين عن طرفي العقد.
ولكن الظاهر من المسالك احتمال الاكتفاء بالوكيل عن أحد الشاهدين حيث قال:«وإن كان وكيله، ففي الاكتفاء به عن أحدهما وجهان: من تحقق اثنين خارجين عن المطلّق ومن انّ الوكيل نائب عن الزوج فهو بحكمه».
والظاهر خلافه لتبادر كون الشاهد غير المطلق، والمطلق يصدق على الموكل والوكيل معاً كما أنّ ظاهر الكتاب اجتماع العدلين في حضور انشاء الطلاق فلو شهد واحد منهما ثم شهد الآخر ولو بتكرار الانشاء من المطلق لم يكف لأنّ المتبادر غيره.
وتؤيده صحيحة البزنطي قال: سألت أبا الحسن(عليه السلام) عن رجل طلّق امرأته على طهر من غير جماع وأشهد اليوم رجلاً ثم مكث خمسة أيام ثم أشهد آخر فقال: إنّما اُمر أن يشهدا جميعاً.(1)
قوله: «إنّما اُمر أن يشهدا جميعاً» اشارة إلى ما ذكرنا من أنّ المتبادر هو حضور العدلين معاً.
روى إسماعيل بن بزيع عن الرضا(عليه السلام) قال: سألته عن تفريق الشاهدين في الطلاق، فقال: نعم و تعتدّ من أوّل الشاهدين، وقال:لايجوز حتّى يشهدا جميعاً.(2)

1 . الوسائل ج 15: الباب20من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث 1و2.
2 . الوسائل ج 15: الباب20من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث 1و2.

صفحه 139
وصدر الجواب راجع إلى الاستشهاد وانّه يجوز التفريق في تحمّل الشهادة كما إذا أقرّ الزوج بطلاق زوجته واستشهد رجلين في وقتين مختلفين فيصح شهادتهما، ولايلزم اجتماعهما عند التحمل والأداء، نعم تعتد من أوّل الشاهدين وإن تأخر أداء الآخر لأنّ المفروض وحدة مضمونهما وإن اختلفا تحملاً وأداءً.
وأمّا الذيل فهو راجع إلى حضورهما في الانشاء فهو الذي قال: «لايجوز حتى يشهدا جميعاً».
ثم إنّ العدالة المعتبرة في المقام مثل ما اعتبرت في غير هذا المقام فلايصح تفسيره بالاسلام بل هو شيء ورائه و هو الذي يعبر عنه بالحالة الرادعة عن الكبائر والاصرار على الصغائر.
نعم نسب إلى الشيخ في النهاية بالاكتفاء بمجرد الإسلام كما نسب إلى القطب الراوندي والنسبة إلى النهاية في محلها، فانّه اكتفى بالإسلام في غير مورد فقال عند بيان شرائط الطلاق: «ويكون طلاقه بمحضر من شاهدين مسلمين ويتلفظ بلفظ مخصوص...».
وقال بعد عدة أسطر: «ومن طلّق، ولم يشهد شاهدين ممن ظاهره الإسلام كان طلاقه غير واقع».
وقال: «فإن طلق بمحضر من رجلين مسلمين ولم يقل لهما اشهدا وقع طلاقه».(1)
نعم نقل في الجواهر: انّ العبارة الأولى في نسخته تشتمل على لفظة«عدلين» غير انّ المطبوع المنتشر أخيراً فاقد لها.
نعم فسر الشيخ العدالة في باب الشهادة من النهاية على النحو الوارد في

1 . النهاية:509ـ510.

صفحه 140
صحيحة ابن أبي يعفور (1) قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم و عليهم فقال: أن تعرفون بالستر والعفاف وكفّ البطن والفرج واليد واللسان، ويعرف باجتناب الكبائر التى أوعد اللّه عليها النار....(2)
وعلى كلّ تقدير فالعدالة المعتبرة في الشاهدين غير الإسلام ويدل عليه الكتاب والسنّة قال سبحانه: (واشهدوا ذوي عدل منكم) فانّ الخطاب للمؤمنين ولفظة «من» في منكم كأنّه تبعيضية لاتبيينية.
وأمّا الروايات فيدل عليه غير واحد منها كصحيحة الفضلا رووا عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه(عليهما السلام)في حديث إنّه قال: وإن طلّقها في استقبال عدّتها طاهراً من غير جماع ولم يشهد على ذلك رجلين عدلين فليس طلاقه ايّاها بطلاق.(3)
وروى بكير بن أعين عن أبي جعفر(عليه السلام) في حديث قال: إن طلّقها للعدة أكثر من واحدة فليس الفضل على الواحدة بطلاق، وإن طلّقها للعدة بغير شاهدي عدل فليس طلاقه بطلاق، ولايجوز فيه شهادة النساء.(4)
وروى محمد بن مسلم قال: قدم رجل إلى أمير المؤمنين(عليه السلام) بالكوفة فقال: إنّي طلّقت امرأتي بعد ما طهرت من محيضها قبل أن أُجامعها، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) : أشهدت رجلين ذوي عدل كما أمرك اللّه؟ فقال: لا.، فقال: اذهب فإنّ طلاقك ليس بشيء.(5)

1 . الوسائل ج18: الباب 41 من أبواب الشهادة، الحديث 1.
2 . النهاية:225.
3 . الوسائل ج 15: الباب 10من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث 3و2و7 ولاحظ 1و3 من الباب 16 من أبواب مقدمات الطلاق.
4 . الوسائل ج 15: الباب 10من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث 3و2و7 ولاحظ 1و3 من الباب 16 من أبواب مقدمات الطلاق.
5 . الوسائل ج 15: الباب 10من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث 3و2و7 ولاحظ 1و3 من الباب 16 من أبواب مقدمات الطلاق.

صفحه 141
وأمّا ما ورد من الاكتفاء بلفظ «البيّنة» في بعض الروايات مثل رواية محمد بن مسلم عن أبي جعفر(عليه السلام) في حديث قال: جاء رجل إلى على(عليه السلام)فقال يا أمير المؤمنين إنّي طلقت امرأتي، قال(عليه السلام) : ألك بيّنة؟ قال: لا، قال: اغرب(1) فليس حجة على خلاف المختار لعدم كون الإمام في مقام بيان أوصاف الشاهدين.
أضف إلى ذلك انّ لفظة «بيّنة» في كلام الأمير ظاهرة في العدلين لافي مجرد الشاهدين.
بقي هنا كلام وهو انّ ظاهر بعض الروايات هو الاكتفاء بشهادة الناصبيين روى البزنطي عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) عن رجل طلق امرأته بعد ما غشيها بشهادة عدلين قال: ليس هذا طلاقاً... قلت: فإن أشهد رجلين ناصبيين على الطلاق أيكون طلاقاً؟ فقال: من ولد على الفطرة أُجيزت شهادته على الطلاق بعد أن يعرف منه خير.(2)
وأظن انّ الرواية لو لم تكن ظاهرة في عدم الاكتفاء بالناصبي ليست ظاهرة في صحة الاكتفاء وذلك لأنّ اللائح من كلام الإمام هو بيان الحقيقة (عدم الاكتفاء بالناصبي) بوجه غير خفي على العارف بكلامه. فإنّ الناصبي إذا كان أنجس من الكلب(3) كيف يمكن القول بأنّه ولد على الفطرة وانّه يعرف منه خير وهذا التعبير الكنائي والعدول عن التصريح إليه دليل واضح على أنّه لايعبأ به.

1 . الوسائل ج15: الباب 10 من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث 1و4 ومثله ما رواه في الوسائل ج18: الباب 41 من أبواب الشهادة، الحديث 1.
2 . الوسائل ج15: الباب 10 من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث 1و4 ومثله ما رواه في الوسائل ج18: الباب 41 من أبواب الشهادة، الحديث 1.
3 . الوسائل ج1: الباب 11 من أبواب الماء المضاف الحديث5.

صفحه 142

تبيّن فسق الشاهدين بعد الطلاق

إذا تبين فسق الشاهدين فهل يبطل الطلاق أو لا؟

وللمسألة صور:
1ـ تبيّن فسق الشاهدين عند الزوج.
2ـ تبيّن فسق الشاهدين عند المطلق(الوكيل).
3ـ تبيّن فسقهما عند غيرهما من الناس.
فهل يحكم بالصحة عند الجميع أو لا ؟، أو يفصل والمسألة مبنية على أن ّ العدالة المعتبرة هي العدالة الواقعية و أنّ حسن الظاهر طريق إليها فإذا تخلف الطريق يكشف عن عدم الشرط للصحة أو أنّ الشرط احرازها في مقام الانشاء وإن لم يكونا كذلك في الواقع.
لاريب انّ اللفظ موضوع للمصاديق الواقعية لا المصاديق المحرزة، فيكون الشرط هو العدالة الواقعية إلاّ إذا دلّ دليل على الاكتفاء بالاحراز في مقام الانشاء كما هو الحال في عدالة الإمام في صلاة الجماعة حيث روى ابن راشد قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) إنّ مواليك قد اختلفوا فأُصلّي خلفهم جميعاً فقال: لاتصلّ إلاّ خلف من تثق بدينه.(1) والرواية صحيحة ووجود سهل بن زياد في السندغير مضرلأنّ الأمر في «سهل» سهل.
وأمّا في غير هذا المورد فالأصل المحكَّم هو كون العدالة بوجودها الواقعي شرطاً لقوله سبحانه: (وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْل مِنْكُمْ) أي من كان كذلك في الواقع

1 . الوسائل ج5: الباب 10من أبواب صلاة الجماعة، الحديث2.

صفحه 143
ومثله قوله: «يطلّقها إذا طهرت من حيضها قبل أن يغشيها بشاهدين عدلين»(1) و مفهوم قوله «ولم يشهد على ذلك عدلين فليس طلاقه بطلاق». (2)
ثم إذا كان المطلّق عالماً بعدالتهما ، يصح له ترتيب الأثر على طلاقها فيجوز له تزويج اختها، أو بنت أُختها، وبنت أخيها بلا إذنها.
نعم لايجوز للغير تزويج المرأة المطلّقة بحجّة انّ الزوج قائل بصحة طلاقها وذلك لما عرفت من انّ الشرط هو وجود العدالة الواقعية والمفروض خلو الانشاء عنه فكيف يجوز للغير ترتيب آثار الصحة على ذلك الطلاق فلايجوز له تزويجها بعد الطلاق وليس المورد من موارد قاعدة الالزام كما لايخفى.
ثم إنّه تضافرت النصوص على عدم نفوذ شهادة المرأة في الطلاق كعدم نفوذ شهادتها في الهلال وغيره روى محمد بن مسلم قال: قال: لاتجوز شهادة النساء في الهلال ولافي الطلاق.(3)
إلى هنا تمّ الكلام في الأركان الأربعة:
المطلّق، و المطلّقة، و الصيغة و الإشهاد.
فيقع الكلام في الفصل الثاني في بيان أقسام الطلاق بإذنه سبحانه.

1 . الوسائل: ج 15، الباب 10 من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 1و3.
2 . الوسائل: ج 15، الباب 10 من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 1و3.
3 . الوسائل ج18: الباب24 من أبواب الشهادة، الحديث 8، وبهذا المضمون روايات في الباب.

صفحه 144

صفحه 145

الفصل الثاني:

أقسام الطلاق

1. تقسيم الطلاق حسب الحكم التكليفي إلى واجب ومستحبّ ومكروه.
2. تقسيم الطلاق حسب الحكم الوضعي إلى سنّي وبدعيّ.
3. تقسيم السنّي إلى بائن ورجعيّ.
4. تقسيم الرجعي إلى عديّ وغير عديّ.
5. اختصاص الطلاق العدّي بالحرمة الأبدية إذا بلغ تسع تطليقات.
6. مسائل ست
أ. هل استيفاء العدّة هادم لحكم الطلاق.
ب. في طلاق الحامل ثلاث تطليقات.
ج. في طلاق الحايل ثلاث تطليقات.
د. لو شك في أصل الطلاق.
هـ . في من طلق ولكن كذّب فعله قوله.
و. إذا طلق غائب وأراد تزويج الرابعة.

صفحه 146

صفحه 147

في

أقسام الطلاق

الطلاق ينقسم حسب التكليف والوضع على أقسام:
أمّا الأوّل فينقسم إلى واجب(تعييني وتخييري)ومستحب ومكروه. فالتعييني كطلاق من لايستطيع على الانفاق(1) وعدم صبرها على البقاء، والتخييري كطلاق المولي والمظاهر اللذين يؤمران بعد المدة، بالفئ أو الطلاق ـ كما سيأتي.
والمستحب كالطلاق مع الشقاق أو مع عدم العفاف، والمكروه كالطلاق مع التألف دون التناكر.
وأمّا المباح بالمعنى الأخص فلايتصف به بعد كونه أبغض الأشياء عند الشارع، نعم يتصف بالاباحة بالمعنى الأعم.

1ـ تقسيمه إلى بدعي وسنّي

وأمّا الثاني أعني التقسيم حسب الحكم الوضعي فالمعروف تقسيمه إلى البدعي والسنّي، فالبدعي في مصطلح الفقهاء ثلاثة:
1ـ طلاق الحائض الحائل بعد الدخول مع حضور الزوج أو غيبته دون

1 . الواجب بالذات هو الانفاق، والحرام بالذات هو الامساك بغير معروف، ولايتم التخلص من هذا الحرام إلاّ بالطلاق ولو اتصف بالوجوب فإنّما يتصف لأجل طروء عنوان عرضيّ عليه وعلى ضوء هذا يمكن تصوير كونه محرماً أيضاً كما لايخفى.

صفحه 148
مرور المدة المشترطة الماضية ومثلها النفساء.
2ـ الطلاق في طهر قربها فيه مع عدم اليأس والصغر والحمل.
3ـ طلاق الثلاث من غير رجعة بينها، مرسلة أو مرتبة.
والمراد من البدعي عندنا هو الطلاق الباطل خلافاً للعامة، فهو عندهم صحيح وإن كان محظوراً.
وعلى ذلك فكلّ طلاق غير جامع لشرائط الصحة فهو طلاق بدعي وإن لميدخل في الثلاثة كالطلاق بلا حضور العدلين أو الطلاق بغير اللفظ المخصوص، ولم يعلم وجه التخصيص بالثلاثة فإنّ النهي كما ورد فيها، ورد في غيرها.
قال ابن رشد: «أجمع العلماء على أنّ المطلّق للسنّة في المدخول بها هو الذي يطلّق امرأته في طهر لم يمسها فيه، طلقة واحدة، والمطلّق في الحيض أو الطهر الذي مسّها فيه غير مطلّق للسنّة.(1)
أمّا الطلاق السنّي فينقسم إلى بائن و رجعيّ.
أمّا البائن: فهو ما لايصح للزوج بعده الرجوع وهي ستة ـ وسيوافيك بيانها عند أحكام الرجوع(2) ويقابله الرجعي و هو الذي للمطلّق فيه الرجوع فيه سواء رجع أم لم يرجع وهو غير البائن قطعاً.

1 . بداية المجتهد:2/163، ثم ذكر بعض الموارد الذي اختلف فيه فقهائهم في كونها سنّة أو بدعة كالطلاق ثلاثاً أي بلفظ الثلاث وغيره. ولاحظ الفقه على المذاهب الأربعة:4/297.
2 . وهي عبارة اجمالاً:1ـ طلاق المرأة التي لم يدخل بها.2ـ طلاق اليائسة.3ـ طلاق من لم تبلغ المحيض أي التسع، وإن دخل بها.4ـ طلاق المختلعة.5ـطلاق المباراة. 6ـ المطلّقة ثلاثاً بينها رجعتان أو عقدان أو رجعة وعقد ـ كما سيوافيك.

صفحه 149

2ـ تقسيم الرجعيّ إلى عدّي و غير عدّي

ثمّ إنّ الرجعيّ ينقسم إلى عدّي و غير عدّي فالعدّي هو أن يطلق على الشرائط ثمّ يرجع في العدّة و يطأ ثم يطلق في طهر آخر غير طهر المواقعة. و ما سواه في أقسام الرجعي رجعي غير عدّي كما إذا تجرد عن الوطء أو رجع إليها بعد العدّة بعقد جديد.
و يظهر من بعض الروايات أن تسمية الطلاق الواحد على النحو المذكور بالعدّي من قبيل تسمية الجزء باسم الكل و أن الطلاق العدّي عبارة عن طلاقها للعدّة مرتين يتبعها طلاق بائن لأنّ الثالث لا يكون عدّياً حيث لا رجوع فيه وذلك كما إذا:
1ـ طلّقها ثم يراجعها ويواقعها.
2ـ طلّقها في طهر آخر ثم يراجعها ويواقعها.
3ـ طلّقها في طهر آخر.
وهو كما ترى مركب من عدّيين وبائن، فالمجموع من حيث المجموع طلاق عدّي، وإن كان الأوّلان رجعيين والثالث بائناً. وهذا هو الظاهر من النصوص حيث روى أبو بصير، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في حديث قال: وأمّا طلاق العدة(1) فان يدعها حتى تحيض وتطهر ثم يطلّقها بشهادة شاهدين ثم يراجعها ويواقعها ثم ينتظر بها الطهر، فإذا حاضت وطهرت أشهد شاهدين على تطليقة أُخرى ثم يراجعها ويواقعها ثم ينتظر بها الطهر، فإذا حاضت وطهرت أشهد شاهدين على التطليقة الثالثة ثم لا تحلّ له أبداً حتى تنكح زوجاً غيره.(2)

1 . وفي بعض النسخ «الرجعة» مكان «العدة» والصحيح هو الأوّل بقرينة سائر الروايات.
2 . الوسائل ج 15: الباب2من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 2.

صفحه 150

3ـ تقسيمه إلى السنّي بالمعنى الأعم والأخص

إنّ هناك تقسيماً آخر بين الفقهاء وهو تقسيم السنّي إلى الأعم والأخص والمراد من الأعم هو الطلاق المشروع الذي يقابل البدعي، كما أنّ المراد من الأخص، هو القسم الخاص منه أعني ما جاء في روايتى زرارة وأبي بصير.(1)
قال الشهيدان في اللمعة وشرحها: ويطْلق الطلاق السنّي على كل طلاق جائز شرعاً، والمراد به الجائز بالمعنى الأعم وهو هنا ما قابل الحرام، ويقال له طلاق السنّة بالمعنى الأعم ويقابله البدعي وهو الحرام، ويطلق السنّي على معنى أخص من الأوّل وهو أن يطلّق على الشرائط ثم يتركها حتى تخرج من العدة ويعقد عليها ثانياً ويقال له طلاق السنّة بالمعنى الأخص.(2)

المطلّقة تسعاً بالطلاق العدّي تحرم أبداً

إنّ من ثمرات التقسيم إلى العدّي وغيره هو أنّ المطلّقة تسعاً بالطلاق العدّي تحرم في التاسعة حرمة أبديّة ولاتحلّ بالمحلّل بإجماع من الطائفة المحقّة وأمّا غيره من سائر الأقسام فلاتحرم مؤبّدة في أيّ مرحلة من المراحل وإنّما تتوقّف حلّيتها على المحلّل في الثالثة في كلّ مرتبة وإليك التوضيح:
اتّفقت الفقهاء على أنّ المطلّقة ثلاثاً تحرم على زوجها حتى تنكح زوجاً غيره من غير فرق بين طلاق وطلاق فسواء أكانت مدخولاً بها أم لم تكن وعلى الأولى

1 . لاحظ الوسائل ج15: الباب 2 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 1، وفي الكافي: 6/65ـ66.
2 . الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية:2/130.

صفحه 151
سواء أراجعها في العدّة وواقعها ثمّ طلّقها أم لم يواقعها ثمّ طلّقها، ثم راجعها كذلك ثم طلّقها ومن غير فرق بين الرجوع في العدّة أو تركها إلى أن تنقضي عدّتها، ثمّ تزويجها بعقد جديد إلى أن يتمّ عدد الثلاث، وبالجملة لم يفرقوا في المستكملة ثلاثاً بين أقسام الطلاق بل عمّموا الحكم على جميع الصور.(1)
هذا ولكنّهم خصّوا الحرمة الأبديّة في المطلقة تسعاً بالطلاق العدّي فقط وهذا من متفرّدات الإماميّة أي أصل التحريم المؤبّد واختصاصه به منهم.
ولأجل إراءة نماذج من كلماتهم نذكر بعض النصوص:
1ـ قال الشيخ في النهاية: ومتى أراد أن يطلّقها طلاق العدّة، فليطلّقها كما قدّمناه في طهر لم يقربها فيه بجماع بمحضر من شاهدين ـ إلى أن ذكر ثلاث تطليقات للعدة ـ فقال: «فإن طلّقها بعد ذلك ثلاث

1 . قال السيد في الانتصار:«ومما انفردت به الإمامية أنّ من طلّق امرأته تسع تطليقات للعدّة ينكحها بينهنّ رجلان ثم تعود إليه حرمت عليه أبداً. (لاحظ ، ص108) وقال في الخلاف إذا طلقها تسع تطليقات للعدة تزوّجت فيما بينها زوجين لم تحل له أبداً وهو إحدى الروايتين عن مالك وخالف جميع الفقهاء في ذلك (الخلاف 4: المسألة 100، كتاب الطلاق .

صفحه 152
تطليقات اخر طلاق العدّة لم تحل له أبداً».(1)
وقال ابن البراج: «طلاق العدّة مخصوص بمن ترى دم الحيض وصفته أن يطلّقها على الشروط السالف ذكرهاـ إلى ان ذكر ـ التطليقات الثلاث وعدم الحليّة إلاّ بمحلّل فقال: وإن راجعها».(2) كذلك وطلّقها ثلاث تطليقات كما قدمناه لم تحلّه حتى تنكح زوجاً غيره فإذا تزوّجت به على الصفة المقدّم ذكرها وطلّقها أو مات عنها جاز له الرجوع إليه بعقد جديد ومهر جديد فإن طلّقها بعد ذلك ثلاث تطليقات أُخر يكمل بها مع ما تقدّم ذكره، تسع تطليقات لم تحل له أبداً.(3)
وقال ابن ادريس في السرائر:«بعد ذكر أحكام المطلّقة ثلاثاً، ويهدم الزوج الثاني التطليقات الثلاث وإن تكرّرت من الأوّل أبداً، إلاّ أن يكون طلاق عدة بعد تسع تطليقات ينكحها بينها زوجان».(4)
وقد توالى الافتاء بذلك عبر العثور إلى عصرنا هذا قال السيد الاصفهاني: «لو طلّق تسعاً طلاق العدة حرمت عليه أبداً وذلك بأن طلّقها ثم راجعها ثم واقعها ثم طلّقها في طهر آخر ثم راجعها ثم واقعها ثم طلّقها في طهر آخر وهذا هو طلاق العدّة، فإذا حلّت للمطلق بنكاح زوج آخر وعقد عليها ثم طلقها ثلاثاً كالثلاثة الأولى ثم حلّت له بمحلّل آخر ثم عقد عليها ثم طلّقها ثلاثاً كالأوليين حرمت عليه أبداً.
وبالجملة إنّما توجب تسع طلقات، الحرمة المؤبّدة إذا وقع طلاق العدّة ثلاث مرات ويعتبر فيه أمران: أحدهما تخلل رجعتين فلايكفي وقوع عقدين مستأنفين ولاوقوع رجعة وعقد مستأنف في البين، الثاني وقوع المواقعة بعد كلّ رجعة فطلاق العدّة مركب من ثلاث طلقات اثنتان منها رجعية وواحدة منها بائنة فإذا وقعت ثلاثة منه حتى كملت تسع طلقات حرمت عليه أبداً، هذا والأحوط الاجتناب عن المطلّقة تسعاً مطلقاً وإن لم تكن الجميع طلاق العدّة.(5)
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الروايات بين ما يستشم أو يستظهر منها اختصاص الحرمة الأبدية بالمطلّقة العديّة ومنها ماهو مطلق يعم جميع أقسام

1 . النهاية: 514.
2 . المراد من الرجوع هنا هو نكاح المرأة بعقد جديد بعد طلاق المحلل.
3 . المهذب: 2/282.
4 . السرائر:323، كتاب الطلاق.
5 . وسيلة النجاة كتاب الطلاق باب القول في أقسام الطلاق المسألة 4، 372 وقد أمضاه السيد الإمام الخميني (قدس سره) في تحريره.

صفحه 153
الطلاق وإليك بيان ما يدلّ على الأوّل.
1ـ ما رواه الصدوق عن موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد (عليهم السلام) قال:... وأمّا التي في السنّة فالمواقعة في شهر رمضان نهاراً... وتزويج الرجل امرأة قد طلّقها للعدة تسع تطليقات.(1)
2ـ ما رواه المعلى بن خنيس عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في رجل طلّق امرأته ثم لم يراجعها حتى حاضت ثلاث حيض ثم تزوّجها ثم طلّقها فتركها حتى حاضت ثلاث حيض ثم تزوّجها ثم طلّقها من غير أن يراجع ثم تركها حتى حاضت ثلاث حيض، قال: له أن يتزوّجها أبداً ما لم يراجع ويمس.(2)
3ـ ما رواه عبد اللّه بن بكير عن زرارة بن أعين، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: سمعته يقول: الطلاق الذي يحبه اللّه والذي يطلّق الفقيه وهو العدل بين المرأة والرجل أن يطلّقها في استقبال الطهر بشهادة شاهدين وإرادة من القلب ثم يتركها حتى تمضي ثلاثة قروء فإذا رأت الدم في أوّل قطرة من الثالثة وهو آخر القروء لأنّ الاقراء هي الاطهار فقد بانت منه، وهي أملك بنفسها، فإن شاءت تزوّجته وحلّت له بلازوج، فإن فعل هذا بها مائة مرة هدم ما قبله وحلّت له بلا زوج، وإن راجعها قبل أن تملك نفسها ثم طلقها ثلاث مرّات يراجعها ويطلّقها لم تحل له إلاّبزوج.(3)
4ـ ما ورد في الفقه الرضوي «وسمّي طلاق السنّة الهدم لأنّه متى استوفت قرؤها وتزوّجها الثانية هدم الطلاق الأوّل، وروي أنّ طلاق الهدم لايكون إلاّ بزوج

1 . الوسائل ج14: الباب 1 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 1.
2 . الوسائل ج15: الباب 3من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 13.
3 . الوسائل ج15: الباب3من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 16.

صفحه 154
ثان».(1)
ولكن الاستدلال بهذه الروايات على تخصيص الحكم بالطلاق العدّي غير تام.
أمّا الأوّل: فالدلالة وإن كانت تامة، ولكن السند غير نقي فقد ورد فيه، سهل بن صالح، وإبراهيم بن عبد الرحمان، وكلاهما غير معنونين في كتب الرجال. نعم جاء فيها إبراهيم بن عبد الرحمان وهو لاينطبق على ما ورد في هذا السند.
وأمّا الثاني: فهو وإن كان صريحاً في اختصاص الحرمة بالطلاق العدّي أي من رجع في العدة ودخل بها ثم طلّق كما هو صريح قوله:«أن يتزوّجها أبداً ما لم يراجع ويمس» ويكون مفهومه أنّ غيرها لايمكن تزويجها أبداً، لكنّها يرد عليها أمران:
1ـ أنّها ليست صريحة في الحرمة الأبديّة في التاسعة بل تدلّ على أنّ غيرها تحرم في فترة خاصة وأمّا انّ هذه الفترة ما هي فهي ساكتة.
2ـ أنّها مشتملة على فتوى شاذة وهو انّ الخروج عن العدة هادم للطلاق فلاتحتاج في الطلاق الثالث إلى المحلّل كما هو فتوى ابن بكير فيما يأتي ومعه كيف يمكن الاستدلال بهذا الحديث.
وبذلك تظهر عدم صحة الاستدلال بالرواية الثالثة فهي بصدد بيان ما ذهب إليه ابن بكير وهي انّ الخروج عن العدّة هادم للطلاق ولاتحتاج إلى المحلّل وإن تكرر مائة مرة وإنّما يحتاج في ما إذا رجع في العدة وطلّقها وليست لها صلة بمسألتنا وهي الحرمة في الطلاق التاسع.

1 . المستدرك:3/12، كتاب الطلاق.

صفحه 155
بقي ما في الفقه الرضوي وهي صالحة للتأييد لاللاستدلال والاحتجاج، مع أنّها غير واضحة الدلالة وبالجملة الاستدلال بهذه الروايات على اختصاص الحرمة الأبديّة بالمطلّقة عديّة لايخلو عن تأمل.
وهناك روايات تدل باطلاقها على عمومية الحرمة لجميع أقسام الطلاق ولابأس بنقلها:
روى جميل بن دراج، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: إذا طلّق الرجل المرأة فتزوجت ثم طلّقها فتزوجها الأوّل ثم طلّقها فتزوجت رجلاً ثم طلّقها، فإذا طلّقها على هذا ثلاثاً لم تحلّ له أبداً.(1)
روى زرارة بن أعين وداود بن سرحان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال: والذي يطلق الطلاق الذي لاتحلّ له حتى تنكح زوجاً غيره ثلاث مرات وتزوّج ثلاث مرات لاتحل له أبداً.(2)
روى محمد بن سنان، عن الرضا(عليه السلام) فيما كتب إليه في العلل: وعلّة الطلاق ثلاثاً لما فيه من المهلة فيما بين الواحدة إلى الثلاث لرغبة تحدث أو سكون غضبه إن كان ويكون ذلك تخويفاً وتأديباً للنساء وزجراً لهن عن معصية أزواجهنّ فاستحقت المرأة الفرقة والمباينة لدخولها فيما لاينبغي من معصية زوجها، وعلّة تحريم المرأة بعد تسع تطليقات فلاتحلّ له أبداً عقوبة لئلاّيتلاعب بالطلاق فلايستضعف المرأة ويكون ناظراً في أُموره متيقظاً معتبراً وليكون ذلك مؤيساً لهما عن الاجتماع بعد تسع تطليقات.(3)
وهذه الروايات كما ترى تشتمل جميع الأقسام، ولو تمت دلالة ما استظهر

1 . الوسائل 14: الباب 11 من أبواب ما يحرم باستيفاء العدد، الحديث 2.
2 . الوسائل ج15، الباب 4 من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 4.
3 . الوسائل الجزء 15، الباب4 من أبواب أقسام الطلاق الحديث8.

صفحه 156
منه الاختصاص، تقيّدت به، ولكنّه كما عرفت، قاصرة الدلالة، أو غير صالحة للاستدلال.
ولأجل ذلك يدور الأمر بين أحد أمرين:
الأوّل: كانت هناك قرائن قطعية مخصصة للحكم بالمطلّقة العدّية وصلت إلى أيدى الشيخ وأمثاله ولم تصل إلينا، فأفتوا باختصاص الحرمة بالعدية فعند ذلك، تخصص اطلاقات الطائفة الثانية بالطائفة الاولى وإن كانت قاصرة الدلالة وعلى كل حال، يكون الاطلاق معرضاً عنه ولايصلح للاحتجاج.
الثاني: الأخذ بالاطلاق، والافتاء بالحرمة مطلقاً، ولاأقلّ من الاحتياط كما عليه السيد الاصفهاني والاستاذ الأكبر الإمام الخميني ـ قدس سرهما ـ وإن كان ظاهرهما كون الاحتياط استحبابياً.
وقد اعترف بما ذكرنا ـ عدم صراحة الروايات في اختصاص التحريم بالتسع، بالطلاق العدّي ـ صاحب الجواهر وقال: بل ظاهره الاطلاق، فالعمدة حينئذ الاجماع.(1)
نعم يمكن تأييد الاختصاص بما في الروايات من المقابلة بين السنّي والعدّي (2) وليس لهذا التقسيم أثر شرعي سوى في التحريم الأبدي في التسع في الأخير فلو قلنا بالتعميم فلاوجه لهذا التفريق وأمّا المحلّل فقد عرفت وسيوافيك عدم الفرق فيه في جميع أقسام الطلاق.
نعم في بعض النصوص تصريح بالتحريم أبداً بالتسع في طلاق السنّة.(3)

1 . الجواهر32/123.
2 . الكافي 6 كتاب الطلاق باب تفسير طلاق السنة و العدّة ص65.
3 . الوسائل ج14: الباب 11من أبواب استيفاء العدد، الحديث 2.

صفحه 157
ثم إنّ تفسير الطلاق العدّي بما ذكرنا هو ما جاء في روايتي زرارة وأبي بصير(1) وهو الطلاق الذي يتعقّبه الرجوع والوقاع وعلى ذلك فيجب أن يكون بعد كل تطليقة من التطليقتين الأوليين، رجوع و وقاع. نعم لايتصف الثالثة بالعدّي في كل مرحلة لكونها بائنة، فعلى القول باختصاص الحرمة بالعدّي يجب أن يكون هناك ست تطليقات عدّيّة وثلاث تطليقات بائنة، وأمّا الاكتفاء في كل مرحلة بكون واحدة منها عدّيّة خلاف الظاهر، والظاهر من العلمين الجليلين الحكم بالاحتياط الاستحبابي في هذا القسم.
ثم على القول باتصاف الكل بالعدّيّة هل يشترط التوالي أو يكفي التفريق أيضاً؟ احتمل الشهيد في الروضة الاكتفاء بالتفريق وقال: وحيث كانت النصوص والفتاوى مطلقة في اعتبار التسع للعدّة في التحريم المؤّبد، كان أعم من كونها متوالية ومتفرقة فلو اتفق في كلّ ثلاث واحدة للعدة اعتبر فيه إكمال التسع كذلك.(2) وفيه تأمل، نعم ذكر صاحب الجواهر صورة أُخرى للتفريق فلاحظه.(3)

1 . الوسائل:ج15: الباب 2من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 1و2. لاحظ ص149 من هذا الكتاب.
2 . الروضة:2/80، كتاب النكاح.
3 . الجواهر:32/125.

صفحه 158

مسائل ست

الأولى:

هل استيفاء العدة هادم لحكم الطلاق أو لا ؟

لاخلاف في أنّ ـ ما عدا طلاق السنّة بالمعنى الأخص ـ يتوقف على المحلّل وإنّما الخلاف في هذا القسم، والمراد منه هو ذات العدّة الرجعية التي لم يرجع فيها الزوج وإنّما عقد لها بعد الخروج عن العدّة فالمشهور هو عدم الفرق فيها وبين غيرها من الأقسام (ممّا ليست ذات عدّة أبداً، أو ذات عدّة بائنة أو رجعية عقد لها بعد الخروج عن العدّة أو ذات عدّة رجعيّة رجع إليها فيها).
وقد خالف ابن بكير والصدوق في الطلاق السنّي بالمعنى الأخص، فقالوا بأنّه لايحتاج إلى محلّل بعد الثلاثة بل استيفاء العدة يهدم التحريم وهو ظاهر الصدوق في الفقيه حيث قال:ـ بعد أن أورد طلاق السنّة ـ فجاز له أن يتزوجها بعد ذلك وسمى طلاق السنّة طلاق الهدم، لأنّه متى استوفت قروءها وتزوّجها ثانية هدم الطلاق الأوّل(1) ولعلّ الشهيد الأوّل يريد من قوله: انّ هذا الطلاق لايحتاج إلى محلل بعد الثلاث» ما ذكره الصدوق في فقيهه. وقد طرح الأصحاب مسألة «المطلّقة ثلاثاً» في كتاب النكاح(2) وإنّما الهدف هنا ردّ التفصيل، وانّ التوقف على المحلّل لايختص بصورة دون صورة.

1 . الفقيه،:3/320.
2 . لاحظ الشرائع: كتاب النكاح.

صفحه 159
ويدل على ما ذهب إليه المشهور، روايات بين مطلقة تعم المورد، و خاصة به فنذكر البعض.
روى إسماعيل بن بزيع عن الرضا (عليه السلام) قال: البكر إذا طلقت ثلاث مرات وتزوّجت من غير نكاح فقد بانت منه ولاتحلّ لزوجها حتى تنكح زوجاً غيره.(1)
وروى الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل طلّق امرأته ثم تركها حتى انقضت عدّتها ثم تزّوجها ثم طلّقها من غير أن يدخل بها حتى فعل ذلك بها ثلاثاً، قال: لاتحل له حتى تنكح زوجاً غيره.(2)
وروى عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين(عليه السلام) : إذا أراد الرجل الطلاق طلّقها في قبل عدتها من غير جماع فانّه إذا طلّقها واحدة ثم تركها حتى يخلو أجلها أو بعده فهي عنده على تطليقة، فإن طلّقها الثانية وشاء أن يخطبها مع الخطّاب إن كان تركها حتى خلا أجلها، وإن شاء راجعها قبل أن ينقضي أجلها، فإن فعل فهي عنده على تطليقتين فإن طلّقها ثلاثاً فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، وهي ترث وتورث مادامت في التطليقتين الأوّلتين.(3)
وهناك ما يدل على مختار ابن بكير.
1ـ ما رواه ابن بكير، عن زرارة بن أعين، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سمعته يقول: الطلاق الذي يحبه اللّه والذي يطلّق الفقيه وهو العدل بين المرأة والرجل أن يطلّقها في استقبال الطهر بشهادة شاهدين وإرادة من القلب، ثم يتركها حتى تمضي ثلاثة قروء فإذا رأت الدم في أوّل قطرة من الثالثة وهو آخر

1 . الوسائل ج15: الباب 3من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 1و4و8.
2 . الوسائل ج15: الباب 3من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 1و4و8.
3 . الوسائل ج15: الباب 3من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 1و4و8.

صفحه 160
القروء لأنّ الأقراء هي الأطهار فقد بانت منه، وهي أملك بنفسها، فإن شاءت تزوّجته وحلّت له بلا زوج، فإن فعل هذا بها مائة مرة هدم ما قبله وحلّت له بلازوج وإن راجعها قبل أن تملك نفسها ثم طلّقها ثلاث مرات يراجعها ويطلّقها لم تحل له إلاّ بزوج.(1) وهذه الرواية تنتهي إلى عبد اللّه بن بكير فإذا كان ثقة، يصح الاحتجاج بها فما ذكره الشيخ في التهذيب من أنّه يجوز أن يكون اسند ذلك إلى زرارة نصرة لمذهبه لما رأى أصحابه لايقبلون ما يقوله برأيه وقد وقع منه في اعتقاد الفطحية ما هو أعظم من ذلك.(2)، غير تام لأنّه من أصحاب الإجماع وهم ثقات بالاتفاق. وإنّما الكلام في وثاقة مشايخهم.(3)
ويمكن أن يقال: انّ قوله:«فإن فعل هذا بها مائة مرة...» من كلامه واستنباطه وليس من جملة الحديث بشهادة انّ الكليني نقله خالياً منه.(4)
ويشهد لذلك انّه استدل لمذهبه بحديث رفاعة لابهذا الحديث ولو كان مذيلاً بهذا الذيل كان الاستدلال به أولى من حديث رفاعة.
وقد ذكر الحر العاملي في ذيل الحديث وجوهاً للجمع لكنّها غير تامّة.
2ـ روى المعلّى بن خنيس، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل طلّق امرأته ثم لم يراجعها حتى حاضت ثلاث حيض ثم تزوّجها ثم طلّقها فتركها حتى

1 . المصدر نفسه، الحديث 16.
2 . التهذيب: 8/35، ذيل الحديث26.
3 . وما أضعف ما ذكره صاحب الحدائق دفاعاً عن الشيخ قائلاً بأنّ الشيخ لم يطعن عليه بانّه يعتقد المخالفة في الحكم الشرعي، وإنّما اسند إليه عروض الشبهة في ذلك وانّه بسبب عروض هذه الشبهةوتوهم انّها حق، روى عن زرارة هذه الرواية: الحدائق :25/282، ومعناه انّه كذب لنصرة المذهب وهو نفس كلام المعترض لكن بعبارة اُخرى.
4 . الكافي 65: باب تفسير طلاق السنة، الحديث 3 ص65.

صفحه 161
حاضت ثلاث حيض ثم تزوّجها ثم طلّقها من غير أن يراجع ثم تركها حتى حاضت ثلاث حيض، قال: له أن يتزوجها أبداً ما لم يراجع ويمس.(1)
3ـ روى ابن سماعة، عن محمد بن زياد، وصفوان، عن رفاعة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن رجل طلق امرأته حتى بانت منه وانقضت عدّتها ثم تزوجّت زوجاً آخر فطلّقها أيضاً ثم تزوجت زوجها الأوّل أيهدم ذلك الطلاق الأوّل؟ قال: نعم.(2)
4ـ روى عبد اللّه بن المغيرة قال: سألت عبد اللّه بن بكير عن رجل طلّق امرأته واحدة ثم تركها حتى بانت منه ثم تزوجها، قال: هي معه كما كانت في التزويج، قال : قلت: فانّ رواية رفاعة إذا كان بينهما زوج فقال لي عبد اللّه: هذا زوج وهذا مما رزق اللّه من الرأي.(3)
هذه الروايات تعرب عن انّ الفتوى المشهور، بين الأصحاب يوم ذاك هو الحرمة إلاّ بمحلل، وانّ ابن بكير لما أظهر رأيه هجم عليه الأصحاب فلم يقدر على الدفاع عن رأيه إلاّ بأنّه رأي رزق اللّه إيّاه، فالشهرة بين الأصحاب مع اعتضادها بالأخبار المتضافرة كافية في المقام. فلاحظ.

1 . الوسائل ج15: الباب 3من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 13.
2 . الوسائل ج15:الباب 3من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 11و12.
3 . الوسائل ج15:الباب 3من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 11و12.

صفحه 162

المسئلة الثانية

في طلاق الحامل ثلاث تطليقات

لاشك في أنّه يجوز طلاق الحامل مرة واحدة، وانّها من الخمس التي يجوز طلاقها على كل حال.(1)ولايشترط فيها كونه واقعاً في طهر غير المواقعة، لما مر.
إنّما الكلام في طلاقها أزيد من مرّة كالاثنين والثلاث، فالمشهور جوازه مطلقاً بعامّة أنواعه إلاّ الطلاق السنّي بالمعنى الأخص، ولايتصور فيها لأنّه العقد على المطلّقة بعد الخروج عن العدّة، ولاتخرج الحامل عنها إلاّ بوضع حملها قال سبحانه:(وَ أُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) .(2) و حينئذ ينتفي الموضوع (الحامل).
وما دلّ من الروايات على أنّ طلاق الحامل، واحدة.(3) محمول على الكراهة بقرينة ما يأتي من التصريح بالجواز.
وقد توقف صاحب المدارك قائلاً بأنّ الأخبار المتضمنة بأنّ طلاق الحامل واحدة مستفيضة وأسانيدها معتبرة وليس لها ما يصلح للمعارضة فطرحها مشكل.
يلاحظ عليه، بانّ المرجع بعد التعارض والتكافؤ هو الكتاب وإطلاقه لا الأخذ بأحد الطرفين كما هو ظاهر كلامه. أضف إليه أنّه لا تصل النوبة إلى التعارض لأنّ الحمل على الكراهة، أي كراهة التجاوز عن الواحدة، مانع عن

1 . الوسائل ج15: الباب 25 من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث 1و2وغيرهما.
2 . الطلاق:الآية4.
3 . لاحظ الوسائل ج15، الباب 20 من أبواب أقسام الطلاق، الأحاديث 1و2و4و5و7.

صفحه 163
الطرح وما ورد في موثقة إسحاق بن عمار، عن أبي الحسن الأوّل(عليه السلام) قال: سألته عن الحبلى تطلّق الطلاق الذي لاتحلّ له حتى تنكح زوجاً غيره، قال: نعم، قلت: ألست قلت لي: إذا جامع لم يكن له أن يطلق؟ قال: إنّ الطلاق لايكون إلاّ على طهر قد بان أو حمل قد بان، وهذه قد بان حملها.(1) يعرب عن وجود شبهة في الأذهان يوم ذاك فدفعها الامام.
نعم خالف بعض الأصحاب في المقام
1ـ فذهب الصدوقان إلى انّه لايجوز الطلاق الثاني قبل أن يمضي لها ثلاثة أشهر قال في المقنع:«وإن راجعها ـ يعني الحبلى ـ قبل أن تضع ما في بطنها أو يمضي لها ثلاثة أشهر، ثم أراد طلاقها فليس له ذلك حتى تضع ما في بطنها وتطهر ثم يطلّقها، وظاهره عدم الفرق بين كون الطلاق عدّياً أو غيره.
2ـ وذهب ابن الجنيد إلى المنع في خصوص الطلاق العدّي إلاّ بعد شهر قال: وإن أراد طلاقها (الثانية)تركها شهراً من حال جماعها في الرجعة ثم طلقها....(2)
3ـ وقال الشيخ لايجوز طلاقها للسنّة أي الطلاق بعد المراجعة بلا مواقعة ويجوز إذا كان للعدّة.(3)
4ـ وقال ابن البراج: «طلاق هذه المرأة إذا أراد زوجها، طلّقها أيّ وقت شاء، فإذا طلّقها واحدة، فهو أملك برجعتها، ما لم تضع حملها، فإذا استرجعها على هذا الوجه، ثم أراد أن يطلّقها طلاق السنّة لم يجز له ذلك، حتى تضع حملها، فإن أراد أن يطلّقها للعدّة الطلقة التي قدّمنا ذكرها، جاز له ذلك، وينبغي له

1 . المصدرنفسه، الحديث8. وكان قوله «إنّ الطلاق لايكون...» استثناء عما نقله عن الإمام.
2 . المختلف:37، كتاب الطلاق.
3 . النهاية:517، كتاب الطلاق.

صفحه 164
إذا أراد ذلك أن يواقعها، ثم يطلّقها، فإذا فعل ذلك بانت منه بتطليقة، وهو أملك برجعتها، فإن استرجعها وأراد أن يطلّقها بعد المواقعة، فإذا فعل ذلك بانت منه بتطليقتين، فإذا طلّقها الثالثة لم تحلّ له حتى تنكح زوجاً غيره.(1)
5ـ وقال ابن حمزة: «والحامل إذا استبان حملها طلّقها متى شاء، فإن أراد طلاقها للسنّة صبر بعد الطلاق حتى تضع الحمل، ثم عقد عليها ثانياً، وإن أراد طلاقها للعدة طلّقها ثم راجعها وواقعها، ثم طلّقها متى شاء حتى يستوفى ثلاثاً، فإذا استوفى لم تحل له حتى تنكح زوجاً غيره على ما ذكرنا.(2)
ويدل على الجواز، لفيف من الروايات.
روى إسحاق بن عمار قال: قلت لأبي إبراهيم(عليه السلام) : الحامل يطلّقها زوجها ثم يراجعها ثم يطلّقها ثم يراجعها ثم يطلّقها الثالثة، قال: تبين منه ولاتحل له حتى تنكح زوجاً غيره.(3) وبهذا المضمون موثقته الاُخرى.(4)
وروى أيضاً عن أبي الحسن الأوّل (عليه السلام) قال: سألته عن الحبلى تطلّق الطلاق الذي لاتحلّ له حتى تنكح زوجاً غيره، قال: نعم، قلت: ألست قلت لي: إذا جامع لم يكن له أن يطلق؟ قال: انّ الطلاق لايكون إلاّ على طهر قد بان أو حمل قد بان، وهذه قد بان حملها.(5)
ومورد الروايات هو الطلاق غير العدّي فلو دل دليل على مرور زمن خاص في مورد العدّي يجب تقييدها به كما هو الحال في رواية يزيد الكناسي فانتظر. هذا حال المختار.
وأمّا ما ذهب الصدوقان فلم نجد ما يصلح للدلالة عليه، سوى عبارة

1 . المهذب :2/285.
2 . الوسيلة:322، كتاب الطلاق.
3 . الوسائل ج15: الباب20 من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 6و10و8.
4 . الوسائل ج15: الباب20 من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 6و10و8.
5 . الوسائل ج15: الباب20 من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 6و10و8.

صفحه 165
الفقه الرضوي، ومن المحتمل انّه تأليف الوالد، كما ذكرناه في محلّه.(1)
وأمّا ما ذهب ابن الجنيد من لزوم مرور شهر في الطلاق العدّي من حال جماعها فتدل عليه رواية يزيد الكناسي قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن طلاق الحبلى، فقال: يطلّقها واحدة للعدّة بالشهور والشهود، قلت: فله أن يراجعها؟ قال: نعم وهي امرأته، قلت: فإن راجعها ومسّها ثم أراد أن يطلّقها تطليقة أُخرى، قال: لايطلّقها حتى يمضي لها بعد ما يمسها شهر....(2) والرواية صحيحة إلى يزيد الكناسي و كنيته أبو خالد وهو كنية كل مسمّى بـ «يزيد» ـ وهو ممدوح ـ وما في الحدائق من أنّه بريد الكناسي وانّه مجهول.(3) غير صحيح. وله روايات عن علي بن رئاب وهشام بن سالم وأبي أيوب الخزاز.
وعلى هذا فلو لم تكن الرواية معرضاً عنها فتقييد الاطلاقات بها متعيّنة وتكون النتيجة جواز طلاق الحامل أزيد من واحد إلى ثلاث إلاّ إذا كان الطلاق الأوّل عدّياً رجع فيها الزوج ودخل بها، فعندئذ يجب الصبر من وقت الجماع شهراً، فيطلّق بعده، وهذا لايخلو من قوة وإن لم نجد من أفتى به غير ابن الجنيد. ولم يظهر لنا الاعراض.
وأمّا مذهب الشيخ، أعني: التفصيل بين الطلاق العدّي والسنّي أي الطلاق بعد المراجعة بلا دخول. فيجوز في الأوّل دون الثاني، فليس له دليل صالح، وإنّما أراد بذلك الجمع التبرّعي بين الروايات، نعم يدل عليه مرسل ابن بكير فقد روى مرسلاً عن بعضهم قال في الرجل تكون له المرأة الحامل وهو يريد أن يطلّقها قال: يطلّقها إذا أراد الطلاق بعينه يطلّقها بشهادة الشهود فإن بداله في يومه أو من بعد ذلك أن يراجعها يريد الرجعة بعينها فليراجع وليواقع ثم يبدو له

1 . لاحظ المواهب في تحرير أحكام المكاسب: 16ـ 21 و هو تقرير دروس شيخنا الأستاذ ـ مدّ ظلّه ـ.
2 . الوسائل ج15: الباب 20 من أبواب أقسام الطلاق، الحديث11.
3 . الحدائق:25/286، وقد تبع في هذا، كلام المجلسي الأول، لاحظ تنقيح المقال:3/324.

صفحه 166
فيطلق أيضاً ثم يبدو له فيراجع كما راجع أوّلاً، ثم يبدو له فيطلق فهي التي لاتحلّ له حتى تنكح زوجاً غيره إذا كان إذا راجع، يريد المواقعة والامساك ويواقع.(1)
وفي الختام نقول: ربّما جمع بين ما دلّ على أنّ طلاق الحامل واحدة وما دلّ على جوازه أكثر من مرّة بحمل الطائفة الأولى على من لم يرد بالرجعة الامساك،بل إنّما أراد مقدمة لطلاقها فلايجوز أزيد من واحدة. بخلاف ما لو رجع بها لإرادة إمساكها ومواقعتها ثم بدا له فطلّقها.
ويمكن الاستئناس بهذا الجمع من قوله سبحانه:(وَ بُعُولَتُهنَّ أحَقُّ بِرَدِّهنَّ في ذلكَ إنْ أرادوُا إصْلاحاً)(2)، وهذا يعرب عن أنّ الرجوع حقّ للزوج إذا أراد به إمساكها بالمعروف، فلو كان مقدمة للطلاق الآخر، فليس له ذلك الحق.
وبعبارة أُخرى انّه يجب على الزوج إمّا الامساك بالمعروف أو التسريح بالاحسان وهذا النوع من الرجوع ليس واحداً منهما، بل هو أشبه بالضرار . قال سبحانه: (وإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْروف أو سَرّحُوهُنَّ بِمَعْروف ولاتُمْسِكُوهنَّ ضِراراً لِتَعْتَدوُا وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ).(3)
وهذه الآية والآية المتقدمة تحدّدان حق الزوج في الرجوع إلى المرأة المطلّقة وعلى ذلك فلايخلو هذا الوجه من قوة فيجب أن يكون الرجوع في الحامل لأجل ذلك، إلاّ ما دلّ الدليل على خلافه وسيوافيك الكلام فيه أيضاً في الحائل.
وما ذكرنا في هذه المسألة من تقوية قول ابن الجنيد وتحديد حقّ الرجوع بارادة الاصلاح وإن كان مخالفاً لخيرة المشهور ولكن الدليل أحقّ أن يتّبع، فما في كتب الفقه والفتاوى من الاطلاق في الطلاق و جواز الرجوع من غير شرط أشبه باللعب بالطلاق الذي هو معلوم من الشرع منعه.

1 . الوسائل: ج15: الباب 20 من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 9.
2 . البقرة: الآية 288و230.
3 . البقرة: الآية 288و230.

صفحه 167

المسألة الثالثة

في طلاق الحائل ثلاث تطليقات

إذا أراد طلاق الحائل طلاقاً رجعياً ثم رجع إلى أن انتهى إلى الطلاق الثالث فله صور:
1ـ ما عليه العامّة من جواز ثلاث تطليقات من غير رجعة مرسلاً أو مرتباً في مجلس واحد وقد مرّ انّه باطل أساساً أو يقع واحدة وهذا خارج عن موضوع البحث وإنّما ذكرناه استطراداً.
2ـ أن يطلّق في طهر لم يواقعها فيه ثم يراجع ويواقع ويطلّق في طهر آخر، فيكون كل طلاق في طهر خاص مع المواقعة في الطهر المتقدِّم.
3ـ أن يطلّق جامعاً للشرائط ثم يراجع بلامواقعة ولكن يكون كل طلاق في طهر خاص بلا مواقعة في الطهر المتقدّم.
4ـ أن يطلّق، ثم يراجع بلامواقعة ويطلّق ثلاث تطليقات في طهر واحد.
لاخلاف في انّه إذا طلق الحائل المدخول بها ثم راجعها وواقعها، يجوز أن يطلّقها ثانياً، إنّما الخلاف فيما إذا طلّقها بعد المراجعة الخالية من المواقعة، سواء كان في طهر الطلاق الأوّل أو الطهر الذي بعده، والمشهور بين الأصحاب الصحّة.
ونقل العلاّمة في المختلف، الخلاف من ابن أبي عقيل وحكم بعدم وقوع الطلاق في القسمين الأخيرين: أي إذا رجع ولم يواقع، سواء كان الجميع في طهر واحد، أو في أطهار مختلفة وعلّله بقوله: «لو طلّقها في غير جماع بتدنيس المواقعة

صفحه 168
بعد الرجعة لم يجز ذلك، لأنّه طلّقها من غير أن ينقضي الطهر الأوّل، ولاينقضي الطهر الأوّل إلاّ بتدنيس المواقعة بعد المراجعة، فإذا جاز أن يطلق التطليقة الثانية بلا طهر جاز أن يطلّق كلّ تطليقة بلاطهر ولو جاز ذلك لما وضع اللّه الطهر.(1)
يلاحظ عليه أنّه لو استند فيه إلى النص فهو و إلا ّ كيف لاينقضي الطهر الأوّل بلا مواقعة مع انّه ينقضي بتخلل الحيض بين الطهرين. فيتوجه عليه:
أوّلاً: انّ اللازم انقضاء الطهر الذي واقعها فيه، لاكلّ طهر والمفروض انّه طلّقها في طهر ثان غير طهر المواقعة.
وثانياً: انّ الطهر كما ينقضي بالمواقعة، ينقضي بتخلّل الحيض بين الطهرين أيضاً. فيختص دليله بما إذا طلق في طهر واحد، لافي أطهار مختلفة.
فالأوّلى عطف عنان الكلام على الروايات الواردة في المقام فنقول:إذا وقع الطلاق في طهر آخر بلامواقعة بعد الرجوع.
فالروايات على طائفتين:
1ـ ما يدلّ على انّه يقع الثاني والثالث فتحرم عليه حتى تنكح زوجاً غيره من غير فرق بين وقوع الجميع في طهر واحد أو كل في طهر خاص، و الأكثر ناظر إلى الثاني مثل صحيحة عبد الحميد بن عوّاض ومحمد بن مسلم قالا: سألنا أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل طلّق امرأته وأشهد على الرجعة ولم يجامع ثم طلّق في طهر آخر على السنّة أتثبت التطليقة الثانية بغير جماع؟ قال: نعم إذا هو أشهد على الرجعة ولم يجامع كانت التطليقة ثابتة.(2)
وصحيحة البزنطي قال:سألت الرضا (عليه السلام) عن رجل طلّق امرأته

1 . المختلف:41، كتاب الطلاق. و في صحيحة أبي بصير الآتية إشارة لما ذكره .
2 . الوسائل ج15: الباب 19من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 1.

صفحه 169
بشاهدين ثم راجعها و لم يجامعها بعد الرجعة حتى طهرت من حيضها ثم طلّقها على طهر بشاهدين أيقع عليها التطليقة الثانية وقد راجعها ولم يجامعها؟ قال: نعم.(1)
ومثلهما حسنة أبي علي ابن راشد(2)،(لأجل محمد بن عيسى عبيد وإن كان الأقوى وثاقته) و موثقة إسحاق بن عمار.(3) الدالة على الجواز و إن كان الجميع في طهر واحد.
2ـ ما يدل على المنع، مثل صحيحة ابن الحجاج قال: قال أبو عبد اللّه(عليه السلام) في الرجل يطلق امرأته له أن يراجع، وقال: لايطلق التطليقة الأُخرى حتى يمسّها.(4)
ورواية المعلى بن خنيس عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يطلق امرأته تطليقة ثم يطلّقها الثانية قبل أن يراجع قال: فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : لايقع الطلاق الثاني حتى يراجع ويجامع.(5)
وموثقة إسحاق بن عمار، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: الرجعة بالجماع وإلاّ فإنّما هي واحدة.(6)
و صحيحة أبي بصير الدالّة على ما نقلناه من ابن أبي عقيل بأنّ الطهر الأوّل لا ينقضي إلاّ بمواقعة بعد الرجعة فلا يصح الطلاق في الطهر الثاني لو لم يكن قبله دخول فضلاً عن كون الجميع في طهر واحد(7)

1 . الوسائل ج15: الباب 19من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 2.
2 . لاحظ الوسائل ج15: الباب 19من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 5و4.
3 . لاحظ الوسائل ج15: الباب 19من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 5و4.
4 . الوسائل ج15: الباب 17 من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 2و5و4.
5 . الوسائل ج15: الباب 17 من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 2و5و4.
6 . الوسائل ج15: الباب 17 من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 2و5و4.
7 . لاحظ الوسائل ج15:الباب 2من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 2و ربما يؤيد برواية اُخرى أيضاً لاحظ: الباب 19، الحديث 1.

صفحه 170
ويمكن حمل الطائفة الثانية على الكراهة بقرينة قوله في موثقة إسحاق بن عمار «فليس ينبغي له إذا هو راجعها أن يطلّقها إلاّ في طهر آخر».(1)
وفي صحيحة أبي بصير إشارة إلى أنّ النهي لأجل التباعد من عمل العامّة وانّ أولى الأفراد ما كان أبعد عمّا عندهم وهو المشتمل على المراجعة والمواقعة المستلزمة لاعتبار طهر آخر غير الأوّل، ودونه الطلاق بعد المراجعة في طهر آخر، غير الأوّل ودونهما الطلاق في ذلك الطهر بعد المراجعة والكلّ غير ما يفعله العامّة.(2)
وهناك جمع آخر، وهو التفريق بين كون الرجعة والطلاق لغاية البينونة فليس له الرجوع والطلاق بعده ولايحسب من الثلاث حتى يمسّها، وكون غرضه من الرجعة هو أن تكون في حباله ثم بدا له الطلاق، فيصح وإن لم يمس ويحسب من الثلاث.
يلاحظ عليه، انّه ليس له دليل سوى ما روى عن عمل الإمام الباقر (عليه السلام) (3) وهو لايدل على عدم صحة غيره.
أضف إلى ذلك ما ذكرناه في الحامل، من انّ الرجوع لغاية البينونة إمساك بالضرار سواء مسّها أم لم يمسها فكيف يصح التفريق بين المسّ وعدمه وإن كان في الصورة الثانية أشدّ فإنّ العدّة تكون تسعة أشهر، مع انّ غاية ما رخص الشارع تركه للزوجة أربع أشهر ولكنّه لايمنع عن صدق الاضرار، وقد عقد

1 . الوسائل ج15: الباب 17 من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 3.
2 . وفي الصحيحة: «وكذلك لاتكون التطليقة الثالثة إلاّ بمراجعة ومواقعة بعد الرجعة ثم حيض وطهر بعد الحيض ثم طلاق بشهود حتى يكون لكل تطليقة ،طهر من تدنيس المواقعة بشهود»لاحظ الوسائل،ج15، الباب 2من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 2.
3 . لاحظ الوسائل ج15: الباب 4من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 3.

صفحه 171
صاحب الوسائل باباً (1) تحت عنوان كراهة الرجعة بغير قصد الامساك بل بقصد الطلاق» روى فيها ثلاث روايات، ظاهرها التحريم، غير أنّ صاحب الوسائل صدّر الباب بالكراهة، حفظاً لفتوى الأصحاب، فجواز الرجوع لأجل الطلاق امساك بالضرار، نهى عنه في الكتاب، فعدم جوازه أحوط واللّه العالم.
وهناك جمع ثالث ذكره الشيخ من حمل الأخبار المانعة على تكرار الطلاق بعد الرجعة بدون وطء فإنّ ذلك الطلاق لايقع للعدة، لأنّه مشروط بالرجعة والوطء بعدها وحمل أخبار الجواز على طلاق السنة في مقابلة العدّي.
ووصفه المحقق بكونه تحكماً. وذلك لأنّه لم يأت بشيء جديد، بل فسر العدّي والسنّي في مقابله، أضف إلى ذلك أنّ بعض أخبار المنع، لايوافقه لظهورها في بطلان الطلاق مطلقاً عديّاً كان أو سنيّاً كصحيحة عبدالرحمان بن الحجاج قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يطلق امرأته له أن يراجع، وقال: لايطلّق التطليقة الأُخرى حتى يمسها.(2)
وخبر المعلى بن الخنيس عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في الرجل يطلّق امرأته تطليقة ثم يطلّقها الثانية قبل أن يراجع قال: فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : لايقع الطلاق الثاني حتى يراجع ويجامع.(3)
فالحق في الجمع ما ذكرناه.
وبذلك تعلم الحال في الصورتين: الثالثة و الرابعة و كيفية الجمع حمل الروايات المانعة على الكراهة.

1 . الباب 34 من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 1و2و3.
2 . الوسائل ج15: الباب 17من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 2و5.
3 . الوسائل ج15: الباب 17من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 2و5.

صفحه 172

المسألة الرابعة

لو شك في أصل الطلاق أو في عدده

لو شك في أصل الطلاق بنى عملاً على عدمه لأصالة عدمه، وأمّا أصالة بقاء الزوجية، فهو أصل مسببي متوافق المضمون مع الأصل الأوّل وهو حاكم عليه.
ومثله لو شك في عدده من غير فرق بين الثلاث والتسع، وأمّا إذا علم إجمالاً بوقوع طلاق وشك في كونه عدّياً أو سنيّاً، فبما أنّ الأثر(الحرمة المؤبدة في التسع) يترتب على العديّ دون السنيّ، و لايترتب عليه أثر بالخصوص وراء ما يترتب على كل طلاق، فيجري الأصل وينفي الأوّل دون الثاني كما هو الحال في كل مورد من أطراف العلم الاجمالي إذا ترتب الأثر على أحد الطرفين دون الآخر.
ولو وكل رجلان، شخصاً ليطلّق زوجتهما، فطلّق واحدة دون الاُخرى، ثم اشتبهت المطلّقة، فهل يجب عليهما الاحتياط بحجّة وجود علم اجمالي لهما، أولا؟ الظاهر هو الثاني، لأنّ من شرائط تنجيز العلم الاجمالي وجود خطاب في البين، متوجه إلى المكلّف قطعاً، وإن جهل موضوع المتعلّق، كالعلم الاجمالي بنجاسة أحد الانائين ومن المعلوم عدم وجود خطاب مثله في المقام، لأنّ كلاً منهما شاك في تطليق زوجته، وليس هنا خطاب مشترك بينهما، وهذا نظير ما إذا وجدا منيّا في ثوب مشترك و علما اجمالاً أنّه من أحدهما، فلايجب الغسل لواحد منهما، ويجوز لكل، الدخول في الصلاة.
فإن قلت: انّه يجب على الحاكم التفريق بين الأجنبي والأجنبية، وهو يعلم

صفحه 173
انّ أحد الرجلين، أجنبي بالنسبة إلى زوجته السابقة.
قلت: إنّما يجب على الحاكم النهي عن المنكر المنجّز، حسبة ولو باعدام الموضوع، وهو فرع كون العمل عند كلّ شخص منكراً، دون ما إذا لم يكن كذلك، فليس هناك منكر منجز،يجب على الحاكم رفعه أو دفعه، وهذا مثل ما، لو علم الحاكم انّ الرجل يتزوّج اخته الرضاعية، والزوج جاهل بذلك فلايجب عليه، التفريق بينهما بحجّة وجوب نفي المنكر حسبة. فتدبر.

المسألة الخامسة

فيمن طلّق ولكن كذب فعله قوله

إذا طلّق غائباً ثم حضر ودخل بالزوجة ثم ادعى الطلاق وأقام بينة فهل تقبل دعواه وبينته أو لا؟
يقع الكلام في مقامين: الأوّل: مقتضى القاعدة الأوّلية، الثاني: مقتضى النصوص. فربما يقال: إنّ مقتضى القاعدة قبول دعواه أوّلاً، وبيّنته ثانياً.
أمّا الأوّل، فلأنّه كسائر أقاريره فيما يتعلق به، فلافرق بين ادّعاء الطلاق وغيره وتوهم انّ قبول دعواه(الطلاق) يستلزم حمل فعله معها على الجماع المحرّم وهو خلاف الأصل في عمل المسلم، مدفوع بان تصرفه إنّما يحمل على الصحّة حيث لا يعترف بما ينافيه ولذا لو جامع امرأة واشتبه حالها وادعى بأنّه كان زنا، يقبل قوله و لايحمل على الصحة .
وأمّا الثاني، أعني: قبول بيّنته فلأنّ البيّنة المكذَبة بالقول أو الفعل وإن

صفحه 174
كانت لاتسمع، لكنّه فيما إذا كان المكذب هو المقيم لاما إذا قامت الشهادة حسبة فإنّها تقبل ويحكم بالبينونة.(1)
يلاحظ على الأوّل: انّ فعله وإن كان لايحمل على الصحة، إلاّ أنّ قبول دعواه في المقام مشكل، لأنّه إقرار في حق الغير كما في المثالين لافي حق نفسه وليس مثل سائر أقاريره التي تقبل لعموم اقرار العقلاء.
وعلى الثاني، فلأنّ البيّنة المكذبة بالفعل أو القول، إذا تعلّقت بحقوق الآدميين، لاتقبل مطلقاً، سواء كان هو المقيم أو غيره وما ذكر من التفصيل راجع إلى حقوق اللّه، حيث تقبل البينة المكذبة إذا قامت لا ما إذ أقامه.
وعلى ضوء ذلك فمقتضى القاعدة الأوّلية، عدم قبول قوله ولابيّنته.
وأمّا النص، فهو أيضاً يوافق ذلك روى سليمان بن خالد قال: سألت أبا عبدا للّه (عليه السلام) عن رجل طلّق امرأته وهو غائب وأشهد على طلاقها ثم قدم فأقام مع المرأة أشهراً لم يعلمها بطلاقها ثم إنّ المرأة ادّعت الحبل، فقال الرجل: قد طلّقتك وأشهدت على طلاقك، قال: يلزم الولد ولايقبل قوله.(2)
وعلى هذا فيحكم عليه بالزوجية ولحوق الولد ظاهراً، وهذا ما يحكم به حسب الظاهر ولكن يجب عليه العمل بما بينه وبين اللّه، كما هو معلوم.
نعم الرواية منصرفة عمّا إذا أظهر تأويلاً مسموعاً لفعله ومورد الرواية، هو المجرد عن ذكر التأويل.

1 . الجواهر :32/144.
2 . الوسائل ج15: الباب15 من أبواب أقسام الطلاق، الحديث4، رجال السند كلهم ثقات، غير إسماعيل بن مرار، والقرائن تفيد وثاقته.

صفحه 175

المسألة السادسة

إذا طلق غائباً وأراد تزويج الرابعة

لاشك انّ من كان عنده أربع فطلّق واحدة رجعياً لم يجز له أن يتزوّج حتى تنقضي عدة المطلّقة، إنّما الكلام إذا طلق الغائب وأراد العقد على رابعة أو على أُخت الزوجة فللأصحاب فيه قولان:
1ـ المشهور الصبر من حين الوط إلى تسعة أشهر.
2ـ الصبر إلى سنة ونسب إلى يحيى بن سعيد في الجامع ولم نجده فيه واختاره العلاّمة في القواعد.(1)
ويدل على الأوّل صحيح حمّاد بن عثمان قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : ما تقول في رجل له أربع نسوة طلّق واحدة منهن وهو غائب عنهنّ، متى يجوز له أن يتزوّج؟ قال: بعد تسعة أشهر وفيها أجلان: فساد الحيض وفساد الحمل.(2)
ومورد الحديث هو العقد على الخامسة، هل يلحق به العقد على الأُخت، أخذاً بوحدة الملاك خلافاً للمحكي عن ابن إدريس فذهب إلى أنّه يكفي في جواز تزويجها، ما يعلمه من عادة المطلّقة من الحيض، وإلاّ فالثلاثة أشهر.
ثم انّه لو قلنا بالغاء الخصوصية فهو وإلاّ فالمحكم هو الأصل وهو حرمة نكاح الأُخت حتى يعلم الحلّ.

1 . القواعد: كتاب الفرائض، الفصل الرابع في ميراث الأزواج.
2 . الوسائل ج15: الباب 47 من أبواب العدد، الحديث 1.

صفحه 176
وأمّا صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) : إذا طلّق الرجل وهو غائب فليشهد على ذلك فإذا مضى ثلاثة أقراء من ذلك اليوم فقد انقضت عدّتها.(1) فإنّما هو في غير مورد نكاح الخامسة قطعاً والأُخت على الأظهر. أضف إلى ذلك انّ الرواية ناظرة إلى مقدار عدتها وهي لاتتجاوز عن ثلاثة أشهر وأمّا الصبر إلى تسعة أشهر، فهو احتياط في أمر النكاح، ولايترتب عليه أحكامها من الانفاق والرجوع والتوارث وغيرها.
ولأجل ذلك لو علم خلّوها، من الحمل كما إذا غاب عنها سنة أو أزيد كفاها ثلاثة أقراء إن علم عادة المرأة، أو ثلاثة أشهر إذا لم يعلم، لعدم الموضوع للاحتياط المزبور.
وعلى كل حال، لو لم يصبر وتزوّج فصحّة العقد وعدمها تابعة لخروجها عن العدّة، حتى لو تزوج بعد المدة وبان عدم خروجها عنها لاسترابة أو غيرها، فالأقوى هو البطلان.

1 . الوسائل ج15: الباب 26 ، من أبواب العدد، الحديث 1.

صفحه 177

الفصل الثالث

في اللّواحق وفيه مقاصد

الأوّل: طلاق المريض
الثاني: فيما يزول به تحريم الثلاث وشروطه
الثالث: الرجعة وأقسامها
1. تبيين حقيقة الرجوع.
2. اعتبار الشهادة في الرجوع.
3. التعليق في الرجوع.
4. إذا طلّقها رجعياً فارتدّت.
5. رجعة الأخرس.
6. اختلاف الزوجين في انقضاء العدة وصوره.
7. إذا اختلفا في أصل الحمل.
8. إذا ادّعت انقضاء العدة، وادّعى الزوج الرجوع
تذييل في اعمال الحيل الشرعية

صفحه 178

صفحه 179

اللواحق وفيه مقاصد:

الأوّل:

في طلاق المريض

ويقع الكلام في أمور:

1ـ هل يجوز للمريض تكليفاً أن يطلق زوجته أو لا؟

الظاهر من الأصحاب هو الجواز مع الكراهة الشديدة زيادة على أصل كراهة الطلاق غير أنّ اللائح من المفيد في المقنعة وابن البراج في مهذبه هو عدم الجواز تكليفاً.
قال الأوّل: وللمريض أن ينكح في مرضه ويغالي في المهور ونكاحه جائز. وليس له أن يطلّق في المرض وإن طلّق وهو مريض فللمرأة الميراث منه ما بين طلاقه وبين سنة ما لم يصح في تلك السنة أو تتزوج المرأة».(1)
وقال الثاني:لايجوز طلاق المريض فإن طلّق كان طلاقه واقعاً وورثته الزوجة ما بينه وما بين سنة إن لم يبرأ من مرضه ولم تتزوج».(2)
وحكى عن الشيخ في الاستبصار أنّه قال :«ولايجوز طلاق يقطع الموارثة بينهما». ولكن الحكاية ليست في محله بل هو من المجوزين فيه(3).

1 . المقنعة:102، باب نكاح المريض وطلاقه، كتاب الميراث.
2 . المهذب:2/289، باب طلاق المريض .
3 . لاحظ الاستبصار :3 /304.

صفحه 180
والظاهر انّهم تبعوا ظاهر النص الوارد في خبر عبيد بن زرارة ونفس زرارة(1) ويحمل على الكراهة لما سيوافيك من الأحاديث الظاهرة في جواز الطلاق وإن كانت الغاية المتوخّاة للزوج (حرمانها عن الارث) لاتترتب عليه، وتكفي في ذلك صحيحة الحلبي: انّه سئل عن رجل يحضره الموت فيطلّق امرأته، هل يجوز طلاقه؟ قال: نعم، وإن مات ورثته، وإن ماتت لم يرثها.(2)

2ـ ماهو حكم الميراث إذا مات الزوج في مرضه أو ماتت الزوجة قبل الزوج

المشهور عند الأصحاب. هو:
الف: يرثها الزوج إذا ماتت في العدة الرجعية
ب: انّه لايرثها في البائن ولافيما إذا ماتت خارج العدّة الرجعية.
ج: انّها ترثه مطلقا، بائناً كان الطلاق أو رجعياً، بشرط أن لايصح الزوج ولاتتزوج المرأة بعد العدّة.
وإليك البحث عن كل الشقوق. فنقول:
أمّا الشق الأوّل، أي ارث الزوج إيّاها في العدّة الرجعية فلم يفرّقوا بين كون الطلاق في حال الصحة أو المرض، أخذاً بالاطلاقات الواردة في المقام وقد عقد صاحب الوسائل باباً لذلك في كتاب الفرائض وإليك ما استدل باطلاقه على المقام.
في صحيحة زرارة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يطلّق المرأة فقال يرثها وترثه ما دام له عليها رجعة.(3)

1 . لاحظ الوسائل ج15: الباب 21 من أبواب أقسام الطلاق، الحديث1و2.
2 . الوسائل ج15 الباب 22من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 2.
3 . الوسائل ج17: الباب 13، من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 4.

صفحه 181
وفي صحيحة أُخرى له قال: إذا طلّق الرجل امرأته توارثا ما كانت في العدّة، فإذا طلّقها التطليقة الثالثة فليس له عليها الرجعة ولاميراث بينهما.(1)
وفي صحيح محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) :أيما امرأة طلقت فمات عنها زوجها قبل أن تنقضي عدّتها فإنّها ترثه ثم تعتدّ عدّة المتوفّى عنها زوجها وإن توفيت في عدتها ورثها.(2)
إلى غير ذلك من الروايات التي يمكن استظهار الاطلاق منها وإن كان الاستظهار من بعضه بعيداً خصوصاً فيما يحصر ارث الزوجة من الزوج في العدّة الرجعية فهو مختص بالمطلِّق المصحّ لا المريض ولا الأعم وإلاّ لورثت إلى سنة إجماعاً.
وعلى كلّ تقدير فالاطلاق غير بعيد في بعضها كما هو واضح لمن لاحظ روايات الباب، نعم بقيت في المقام روايتان يجب علاجهما.
1ـ صحيحة الحلبي قال: إنّه سئل عن رجل يحضره الموت فيطلق امرأته هل يجوز طلاقه، قال: نعم وإن مات ورثته وإن ماتت لم يرثها.(3)
والرواية واردة في المريض، لأنّ حضور الموت يلازم المرض غالباً، ولايعمّ غيره فهي من هذه الجهة خاصة كما أنّها بعمومها للطلاق البائن والرجعي عامة فتدلّ باطلاقها على حرمان الزوج من إرث الزوجة في العدّة إذا وقع الطلاق في حال المرض، بائناً ـ كان ـ أم رجعيّاً.
وإلى هذا الاشكال يشير صاحب الكفاية بقوله: «لكن اطلاق الصحيحة ينافيه»(4) وتبعه صاحب المدارك وقال: بأن ّ مقتضى الصحيحة أنّ الزوج لايرثها

1 . الوسائل ج17: الباب 13، من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 10و 8.
2 . الوسائل ج17: الباب 13، من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 10و 8.
3 . الوسائل ج15: الباب 22 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 2.
4 . أي ما رواه زرارة و غيره.

صفحه 182
مطلقاً.
وربما يجمع بحمل الرواية على البائن لكنّه ينافيه قوله ـ قبل ذلك ـ «فإن مات ورثته».
و ربما يجمع بتقييد الصحيحة بالاطلاق وتكون النتيجة إخراج الرجعيّ عنها.
والأولى أن يقال: إنّ النسبة بين الاطلاقات، وصحيحة الحلبي، هو العموم والخصوص من وجه، فالأوّل عامة لأجل عموميتها للصحيح والمريض، وخاصة لاختصاصها، بالرجعي دون البائن، وقد عرفت حال الصحيحة، فتفترق الاولى عن الثانية في الصحيح إذا طلق رجعياً، وتفترق الثانية عن الاولى في المريض إذا طلّق بائناً، ويجتمعان في المريض إذا طلّق رجعياً، وماتت في العدّة فلاوجه لتقديم الاطلاقات على الصحيحة بعد كون النسبة العموم من وجه.
ويمكن أن يقال: باختصاص الصحيحة بما إذا ماتت بعد انقضاء العدة وقد تفطّن بهذا الجمع، المحدّث البحراني في حدائقه وقال: وأمّا الصحيحة فالمراد منها إنّما هو ما لو طلّق المريض زوجته وخرجت عن العدّة فإن مات ورثته وإن ماتت لم يرثها وذلك لأنّ الخروج عن العدة موجبلانقطاع العصمة بينهما، خرج منه ميراثها منه إلى سنة بالنصوص الآتية وبقي ما عداه على مقتضى القاعدة.(1)
ويمكن الاستئناس بهذا التقييد بالصحيح الذي رواه نفس الحلبي وأبو بصير وأبو العباس جميعاً عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) انّه قال: ترثه ولا يرثها إذا انقضت العدة.(2) بناءً على وروده في المريض .

1 . الحدائق:25/315،316.
2 . الوسائل ج15: الباب 22 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 9.

صفحه 183
فانّ قوله: «إذا انقضت العدة» قيد للأخير أعني: «ولايرثها» إذا ماتت بعدما انقضت العدة كما هو ظاهر ولايمكن أن يكون قيداً للأوّل، أعني: «ترثه» لأنّه إن كان الطلاق في حال الصحة فهي ترثه في نفس العدة لابعد الانقضاء وإن كان في حال المرض فهي ترثه حتى بعد الانقضاء إلى سنة فإذاً يكون القيد راجعاً إلى الثاني ولو فرضنا ورودها في المريض يكون مقيداً لقوله «ولايرثها» في الصحيح الأوّل.
هذا إذا قلنا بورود الصحيح الثاني في خصوص المريض كما هو غير بعيد وإلاّ فلو قلنا باطلاقه وشموله للصحيح والمريض فلايكون مقيداً للصحيح الأوّل بل يكون حاله حال الاطلاقات المتضافرة كما عرفت ويشكل العلاج بين الاطلاقات وصحيح الحلبي في مورد التعارض وبما أنّ الإجماع انعقد على ارثه منها إذا طلّق حال المرض وتوفّت فيها ولم يقل أحد بحرمانه فالفتوى ما استقرّت عليه الشهرة وهو ارث الزوج من الزوجة في العدة سواء كان الطلاق في حال الصحة أم في حال المرض.(1)
2ـ رواية يونس عن بعض رجاله عن أبي عبد اللّه، «قال: سألته ما العلة التي من أجلها إذا طلّق الرجل امرأته وهو مريض في حال الاضرار ، ورثته ولم يرثها؟ و ما حدّ الاضرار عليه؟ فقال: هو الاضرار، ومعنى الاضرار، منعه إياها ميراثها منه فاُلزم الميراث عقوبة(2) حيث إنّ الإمام لم يردّ قول السائل «ولم يرثها».
ولكن الظاهر نفي ارثه منها، كارثها منه ، أعني: الموارثة إلى سنة دون الارث في العدّة الرجعية، إذا ماتت فيها.

1 . ويمكن أن يقال بانّهما رواية واحدة نقلا مع زيادة ونقيصة فالقيد الموجود في الثانية، أعني و «إذا انقضت العدّة» سقط من الرواية الاولى اإذ من البعيد أن يسأل الحلبي موضوعاً واحداً مرتين وظاهر الرواية الثانية انّها جزء من رواية وليست مستقلة.
2 . الوسائل ج17، الباب 14 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 7.

صفحه 184

أما الشق الثاني

هذا كلّه في الفرع الأوّل أي ارثه منها في العدة الرجعية، وأمّا الفرع الثاني، أعني: حرمانه منه إذا كان الطلاق بائناً أو إذا ماتت خارجها.
فقال الشيخ في الخلاف: المريض إذا طلّقها طلقة لايملك رجعتها فإن ماتت لم يرثها بلاخلاف وإن مات هو من ذلك المرض ورثته ما بينها وبين سنة ما لم تتزوج، فإن تزوجت بعد انقضاء عدّتها لم ترثه، وإن زاد على السنّة يوم واحد لم ترثه.(1) فيظهر انّه كذلك عند أهل السنة حيث لم يذكر قولاً لهم فيه وإنّما ذكر أقوالاً في الفرع الآتي، أعني: وراثة الزوجة عنه كما سيوافيك.
نعم ذهب الشيخ في النهاية إلى أنّ الزوج يرثها في العدة من غير فرق بين كون الطلاق رجعيّاً أو بائناً وإليك نصه:«وإذا طلّق الرجل امرأته وهو مريض فانّهما يتوارثان ما دامت في العدة فإن انقضت عدّتها ورثته ما بينها وبين سنة ما لم تتزوّج ـ إلى أن قال ـ ولافرق في جميع هذه الأحكام بين أن تكون التطليقة هي الأولى أو الثانية وسواء كان له عليها رجعة أو لم يكن فإنّ الموارثة ثابتة بينهما على ما قدّمناه.(2)
وتبعه ابن حمزة وقال: وإذا طلّق المريض زوجته بائناً أو رجعياً ومات أحدهما وهي في العدّة توارثا فإن خرجت من العدّة لم يرثه الرجل و ورثته هي إلى مضيّ سنة كاملة ما لم تتزوّج قبل انقضائها.(3)

1 . الخلاف/4: المسألة 54، كتاب الطلاق .لاحظ أقوال أهل السنة في الفروع الثلاثة في الخلاف أيضاً ولأجل كثرة الاختلاف لم نذكرها.
2 . النهاية كتاب الطلاق:509 .
3 . الوسيلة: كتاب الطلاق 324.

صفحه 185
ولكن هذا القول شاذ والوراثة بعد الطلاق على خلاف الأصل يقتصر فيه على موضع النص وهو كون الطلاق رجعياً يملك فيه الرجل الرجعة فأصالة عدم الارث هو المحكم وبعبارة أُخرى: انّ الطلاق البائن موجب لانقطاع العصمة بين الزوجين الموجب سقوط التوارث، استثنى من ذلك خصوص ارثها منه فيه البائن بالنصوص الآتية. وليس في المسألة دليل خاص ومع ذلك يمكن الاستئناس بما ورد في خبر محمد بن القاسم الهاشمي(1) قال سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: لاترث المختلعة ولا المباراة ولاالمستأمرة في طلاقها من الزوج شيئاً إذا كان ذلك منهنّ في مرض الزوج وإن مات، لأنّ العصمة قد انقطعت منهنّ ومنه.(2)
لأنّ مقتضى قوله: «لأنّ العصمة قد انقطعت منهنَّ ومنه» عدم الوراثة عند انقطاع العصمة والتعليل موجود، إذا توفّت بعد العدّة كما في الشق الأوّل أو كان الطلاق بائناً كما في المقام، وأمّا ارثها إلى سنة فقد خرجت بالدليل، ولأجل الارغام كما في الروايات.(3)
وربما يستدل برواية زرارة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يطلق المرأة فقال: يرثها وترثه ما دام له عليها رجعة.(4) قائلاً بأنّ القيد (مادام له عليها رجعة) لا يرجع إلى قوله «وترثه» إجماعاً لثبوته لها مطلقاً، رجعياً كان أم بائناً إلى سنة فيبقى في ميراثه ، فيؤخذ بمفهوم القيد.
يلاحظ عليه: انّ الاستدلال مبني على ورود الرواية في المريض، وأمّا لو

1 . محمد بن القاسم الهاشمي مهمل في الرجال ولكن يروي عنه الحسن بن محبوب كما في هذه الرواية وهو موجب لحصول الاطمئنان بصدور الحديث.
2 . الوسائل ج17: الباب 15من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 1.
3 . الوسائل ج17: الباب 14من أبواب ميراث الأزواج ،الحديث 7.
4 . الوسائل ج17: الباب 13من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 4.

صفحه 186
قلنا بورودها في الصحيح فلاربط لها بالمقام ويكون القيد راجعاً إليهما، فإنّهما في الصحيح يتوارثان في العدة الرجعية فقط.
ثم إنّ هنا روايات ربما أيّدت بها مقالة الشيخ من ميراثه إذا توفّت في العدّة سواء كان رجعيّاً أم بائناً، ولكنّها لاصلة لها بالمقام وإليك البيان.
روى ابن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل طلّق امرأته ثم توفى عنها وهي في عدتها فانّها ترثه وتعتدّ عدّة المتوفّى عنها زوجها، وإن توفيت هي في عدّتها فإنّه يرثها وكلّ واحد منهما يرث من دية صاحبه لو قتل ما لم يقتل أحدهما الآخر(1) وجه الاستدلال: هو إطلاق الرواية في انّه يرثها في عدّتها مطلقاً رجعياً كان الطلاق أم بائناً.
والجواب انّ المتبادر منه هو الصحيح والمفروض أنّهما يتوارثان في العدة، غاية الأمر اطلاقها مقيد بالرجعة حسب الروايات السالفة.
ومثله خبر عبدالرحمان عن موسى بن جعفر(عليه السلام) قال: سألته عن رجل يطلق امرأته آخر طلاقها قال: نعم يتوارثان في العدّة.(2) وخبر يحيى الأزرق عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: المطلّقة ثلاثاً ترث وتورث مادامت في عدتها.(3)
والاستدلال بهما مبني على ورودهما في المريض خاصة أوكانتا مطلقتين والأوّل منفي والثاني على خلاف الاجماع لعدم التوارث في حال الصحّة في الطلاق البائن، لامنه ولامنها والروايتان شاذتان .
***

1 . الوسائل ج15: الباب 36 من أبواب العدد، الحديث7.
2 . الوسائل ج15: الباب 22 من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 12و13.
3 . الوسائل ج15: الباب 22 من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 12و13.

صفحه 187

أمّا الشق الثالث:

ارث الزوجة المطلّقة من زوجها إذا طلّقها مريضاً إلى سنة

فقد اتفقت كلمتهم على أنّها ترثه مطلقاً بائناً كان الطلاق أم رجعياً، مات في العدة أو خارجها إلى سنة. لاأزيد بشرطين:
1ـ ما لم تتزوّج بعد العدّة.
2ـ مالم يبرأ الزوج من مرضه الذي طلّقها فيه، ولو برئ ثم مرض ثم مات، تجري فيه الضابطة الأوّلية في ميراثها عن زوجها فلاترثه إلاّ في العدة الرجعية ويدلّ عليه لفيف من الروايات.
1ـ صحيحة أبي العباس عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إذا طلّق الرجل المرأة في مرضه ورثته مادام في مرضه ذلك وإن انقضت عدّتها إلاّ أن يصحّ منه قال: قلت: فإن طال به المرض، فقال: ما بينه وبين سنة.(1)
2ـ خبر أبي عبيدة و أبي الورد كليهما، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إذا طلّق الرجل امرأته تطليقة في مرضه ثم مكث في مرضه حتى انقضت عدّتها فانّها ترثه ما لم تتزوّج فإن كانت تزوّجت بعد انقضاء العدّة فانّها لاترثه.(2)
إلى غير ذلك من الروايات المتضافرة التي رواه في الوسائل.(3)
وأنت إذا لاحظت روايات الباب (4) وضممت بعضها إلى بعض تقف على

1 . الوسائل ج15: الباب 22من أبواب أقسام الطلاق ،الحديث 1و5.
2 . الوسائل ج15: الباب 22من أبواب أقسام الطلاق ،الحديث 1و5.
3 . لاحظ الوسائل ج15: الباب 22 من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 2، 3، 6، 7، 8، 9، 10، 11و15 وغيره .
4 . قد فرق روايات المسألة في كتابي الطلاق والميراث فلاحظ أيضاً الجزء 17، الباب 14 من أبواب ميراث الأزواج.

صفحه 188
انّ المشهور بين الأصحاب هو مقتضى الجمع بين الروايات.
بقي الكلام في بعض الفروع وإليك البيان
الأوّل: إذا ادّعى الرجل انّه طلّقها ثلاثاً في حال الصّحة
إذا ادّعى الرجل وهو مريض وقال: إنّى طلّقتها في الصّحة ثلاثاً فهل يقبل قوله في حقّه وحقّها فلايرثها إذا ماتت كما لاترثه إذا مات الرجل أخذاً بعموم إقرار العقلاء على أنفسهم، أو لا، بل يقبل في حقّه لا في حقّها.
الظاهر هو الثاني لأنّ عموم الاقرار فيما إذا كان الاقرار على نفسه لاما إذا كان على غيره ، أعني: الزوجة فهو باقراره هذا يريد حرمان الزوجة من الإرث بعد وفاته لأنّ البائن لاترث الزوج إذا كان الطلاق في حال الصحة بخلاف ما إذا كان في حال المرض.
ومع ذلك كلّه، لايثبت من عدم قبول قوله في حقها انّه طلقها في حال المرض حتى ترثه إلى سنة وإنّما يكتفي بارثها في العدّة إذا مات فيها وذلك لعدم احراز السبب إلاّ بهذا المقدار.
توضيحه انّ الثابت هو الزوجية المتقضية لارثها في العدة فقط، ووقوع الطلاق ثلاثاً في حال الصحة وإن لم يثبت حتّى ينتفي الارث من رأسه، ولكن وقوعه في حال المرض أيضاً غير ثابت حتى يقتضي الميراث إلى سنة ، فيكتفي بالمقدار الثابت في السبب، أعني: الزوجية التي لم يثبت ارتفاعها بالطلاق الثلاث في حال الصحة.
وأمّا إذا ادعت المطلّقة انّ المريض طلّقها قبل موته في حال المرض وانكر الوارث ذلك وزعم انّه طلّقها في حال الصحة فلايجري في هذه الصورة ما ذكرناها في الصورة السابقة إذ ليس هناك إقرار على النفس وعلى الغير، بل هناك

صفحه 189
احتمالان متساويان وتظهر الثمرة في الارث بعد العدّة الرجعية إذا كان الطلاق في حال المرض دون ما إذا كان الطلاق في حال الصحة وبما انّ الميراث يتوقف على ثبوت الشرط وهو كون الطلاق واقعاً في حال المرض لايحكم به إلاّ بعد ثبوته ويكفي في نفي المسبب عدم ثبوت السبب . نعم الحكم لها بالميراث إذا توفي في العدّة صحيح كما سيوافيك تفصيله في النوع الرابع فانتظر.
الثاني: إذا فسخ الزوج العقد في مرض الموت ومات بعد الفسخ أو إذا طلّق الأسير غير الآمن، أو طلّق المأخوذ بحد يخاف عليه مثل ما يخاف عليه بالمرض ومات أو قتل، أو لو قذفها وهو مريض فلاعنها وبانتباللعان، ومات أو حرمت عليه بعمل محرّم كالرضاع وهو مريض، فهل يلحق بالطلاق أو لا، الظاهر لا، لأنّه الحاق لايتجاوز عن كونه قياساً.
فإن قلت: الظاهر من مرسلة يونس ومضمرة سماعة أنّ علّة التوريث، كون الرجل في مظنّة التهمة بالاضرار بها، فكان التوريث عقوبة من الشارع(1) وعلى ذلك يمكن تسرية الحكم إلى كل فعل يقوم به الزوج وهو في مظنّة الموت، سواء كان بالطلاق وإن لم يكن مريضاً، كما في طلاق الأسير غير الآمن والمأخوذ قوداً وفرضنا اعدامهما بعد الطلاق أو كان بغيره مع كونه مريضاً ووافاه الموت كاللعان والفسخ والتحريم بالرضاع.
قلت: إنّ الغالب في علل الأحكام كونها حكمة لاعلة تدور عليها رحى الأحكام حتى الاعتداد في العدّة لأجل تبين الحمل، فقد حملها المشهور على الحكمة ولأجل ذلك حكموا على لزوم الاعتداد وإن كان الرحم بريئاً.

1 . الوسائل ج17: الباب 14 من أبواب ميراث الأزواج ،الحديث 7و9.

صفحه 190
وهذا أمر يقف عليه من لاحظ كتاب علل الشرائع الذي جمع فيه الصدوق، ما ورد فيه من حكم التشريع ـومع ذلك ـ فمن قطع بالمناط، فعليه أن يلحق الفروع الماضية بطلاق المريض.
الثالث: إذا طلّق مع سؤال المرأة وهو في مرض الموت كالمختلعة والمباراة فعلى من زعم انّ الاضرار من قبيل علل الحكم ومناطه، يجب القطع بعدم الميراث لعدم الاضرار من جانب الزوج وعلى من زعم انّه من قبيل الحكم فالمرجع إطلاق الروايات الشامل لجميع الصور. فعلى ما استظهرنا فالظاهر هو الثاني لولا رواية محمد بن القاسم الهاشمي قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: لاترث المختلعة ولا المباراة ولا المستأمرة في طلاقها من الزوج شيئاً إذا كان ذلك منهن في مرض الزوج وإن مات، لأنّ العصمة قد انقطعت منهن ومنه.(1)والرواية معتبرة ويكفي في اعتبارها اعتماد الحسن بن محبوب عليه، فعدم الوراثة أقوى.
الرابع: إذا ادّعت المطلّقة انّ الميت طلّقها في المرض حتّى ترثه إلى سنة وأنكر الوارث وزعم انّ الطلاق كان في الصحة، حتى لاترثه إذا مات بعد الخروج عن العدّة فالأصل عدم ميراثها في مورد الشك إلى أن يثبت سببه والضابطة الكلية في ميراثهما، هو توارثهما في العدّة وأمّا التوارث خارجها فمنوطة بكون الطلاق في حال المرض ولم يثبت سواء علم تاريخ الطلاق وجهل تاريخ المرض، أو كان العكس أو جهلا معاً.
فإن قلت: إذا علم تاريخ المرض، فلامانع من إجراء الأصل في مجهول التاريخ، أعني: الطلاق، فيقال: أصالة عدم الطلاق إلى طرؤ المرض فتكون النتيجة وقوع الطلاق بعد طرؤ المرض.

1 . الوسائل ج17: الباب 15 من أبواب ميراث الأزواج، الحديث 1.

صفحه 191
قلت: هذا صحيح لولا انّه أصل مثبت، كما انّه إذا عكس وعلم تاريخ الطلاق، تكون أصالة عدم المرض إلى زمان الطلاق لايثبت شرعاً، تأخّر المرض عن زمان الطلاق.
الخامس: من الموارد التي ترث الزوجات الثمانية ثمناً أو ربعاً هو ما إذا لو طلّق أربعاً في مرضه وتزوّج أربعاً ودخل بهنّ ثم مات، فلو كان له ولد تساوين في الثمن وإن لم يكن له ولد، تساوين في الربع ويمكن تصوير اشتراك الاثنتي عشر منهن في الربع والثمن وهو واضح.
السادس: إذا طلّق في حال المرض ولكنّه قتل فيه فهل يلحق بما سبق أو لا؟ الظاهر، لا، وذلك لأنّ الموضوع هو الطلاق في مرض الموت، والمفروض غيره.

صفحه 192

الثاني

في ما يزول به تحريم الثلاث

قد عرفت انّ الطلاق الثلاث، مترتبة(لامرسلة كما عليه العامة)يوجب حرمة المطلّقة حتى تنكح زوجاً غير المطلّق. من غير فرق بين المدخول بها أو لا، وعلى الأوّل لافرق بين العدّي وغيره، كما لافرق فيما إذا رجع في العدّة ، بين طلاقها بعد المواقعة أو بلا مواقعة.
وقد عرفت أنّ خلاف ابن بكير لايقام له وزن ويزول التحريم بشروط أربعة:

الشرط الأوّل: أن يكون بالغاً:

يشترط كون الزوج الثاني بالغاً فلايكفي المراهق ولاالصبي. نعم يظهر من الشيخ في الخلاف كفاية الأوّل حيث قال: «إذا تزوّجت بمراهق قرب من البلوغ وينتشر عليه ويعرف لذة الجماع ودخل بها فإنّها تحلّ للأوّل، وبه قال الشافعي، وقال مالك: لاتحلّ للأوّل ـ دليلنا ـ قوله تعالى:(لاتَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْد حَتّى تَتْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ) ولم يفصّل وأيضاً قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى يذوق عسيلتها وهذا قد ذاق ولايلزم عليه غير المراهق لأنّه لايعرف العسيلة».(1)
وحاصله التمسك باطلاق الآية وهو موضع تأمل لما في ذيل الآية ما يشعر باستقلال الزوج في الطلاق وهو غير متحقق في الصبي مطلقاً. قال سبحانه:

1 . الخلاف3/4، المسألة 8 ، كتاب الرجعة.

صفحه 193
(فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللّهِ وَ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْم يَعْلَمُون)(1) وإن صحت النسبة إليه مع قيام الولي به ، لكنه خلاف الظاهر.
أضف إلى ذلك رواية علي بن الفضل الواسطي قال: كتبت إلى الرضا (عليه السلام) : رجل طلّق امرأته الطلاق الذي لاتحلّ له حتّى تنكح زوجاً غيره فتزوّجها غلام لم يحتلم، قال: لاحتى يبلغ، فكتبت إليه: ما حدّ البلوغ؟ فقال: ما أوجب اللّه على المؤمنين الحدود.(2) وما ورد في واحد من الروايات من قوله :«لاحتى يذوق عسيلتها».(3)والعسيلة كالهريثة من أسماء الطعام، والمراد ذوق حلاوة الجماع وهو كناية عن الانزال، كما تؤمى إليه التشبّه بالعسل المشتمل على كمال اللذة ـ ومعه لايشمل صبياً. فمنصرف الآية مع هاتين الروايتين كاف في اثبات المطلوب ولو شك فالمرجع هو استصحاب الحرمة حتى يعلم خلافها.

الشرطالثاني: الدخول:

قال الشيخ في الخلاف: إذا طلّقها ثلاثاً على الوجه الذي يقع الثلاث على الخلاف فيه«فلاتحل له حتّى تنكح زوجاً غيره» فيطأها فالوطء من الثاني يشترط لتحل للأوّل، وبه قال علي (عليه السلام) وابن عمر وجابر وعائشة وجميع الفقهاء إلاّ سعيد بن المسيب فإنّه لم يعتبر الوطء، وإنّما اعتبر النكاح الذي هو العقد ـ دليلنا ـ إجماع الفرقة، وأيضاً فالتحريم حاصل بلا خلاف ولم يدل دليل على رفع التحريم بمجرد العقد فمن ادعى ذلك فعليه الدلالة، وروى سفيان بن عيينة عن الزهري

1 . البقرة: الاية 230.
2 . الوسائل ج15: الباب 8من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 1.
3 . الوسائل ج15: الباب 7 من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 3.

صفحه 194
عن عروة عن عائشة أنّها قالت: أتت زوجة رفاعة بن مالك إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقالت: طلّقني رفاعة وبتّ طلاقي وتزوّجت بعبد الرحمان بن الزبير وأمّا معه مثل هدبة الثوب فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة أم لا؟ فقالت: نعم فقال: لا حتى تذووقي عسيلته ويذوق عسيلتك، وروى سعيد بن المسيب عن عبد اللّه بن عمر أنّه قال سئل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن امرأة طلّقها زوجها ثلاثاً ثم تزوّجت بآخر لم يصبها فطلّقها أفتحل للأوّل؟ فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): لاحتى تذوق العسيلة».(1)
وقد دلت على شرطية الدخول ـ مضافاً إلى ما ذكره الشيخ في الخلاف ـ موثقة زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)في حديث قال: فإذا طلّقها ثلاثاً لم تحلّ له حتّى تنكح زوجاً غيره فإذا تزوّجها غيره ولم يدخل بها وطلّقها أو مات عنها لم تحلّ لزوجها الأوّل حتّى يذوق الآخرعسيلتها(2) إلى غير ذلك من الروايات.
ويمكن استظهار ذلك من الكتاب أيضاً حيث قال سبحانه: (حَتّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ)(3) فإنّ قوله حتّى تنكح في المقام بمعنى حتّى تتزوّج لكن استخدام لفظ النكاح للتزويج في المقام لايخلو عن عناية بالوطء حيث إنّه بمعناه وإن كان ربما يستعمل في العقد أيضاً.
ولكن الظاهر عدم كفاية الدخول ولزوم الانزال لما عرفت مما ورد من ذوق العسيلة فيما نقله العامة(4)والخاصة(5) ولو شك فالحكم هو استصحاب الحرمة اللّهم إلاّ أن يقال باطلاق الكتاب وتحكيمه.

1 . الخلاف:3/4المسألة 6، كتاب الرجعة.
2 . الوسائل ج15: الباب 7من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 1.
3 . البقرة:230.
4 . السنن الكبرى :7/73.
5 . الوسائل ج15:الباب 7 من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 1و3.

صفحه 195

الشرط الثالث: أن يكون بالعقد:

لابالملك ولابالاباحة فضلاً عن كون الوطء حراماً أو شبهة ولو بالعقد الفاسد لقوله سبحانه: (حتّى تَنْكِحَ زَوجاً غَيْرَهُ فَإنْ طَلَّقها فَلا جُناحَ عَلَيْهما أنْ يَتَراجَعا إنْ ظنّا أنْ يُقيما حُدُودَ اللّهِ).(1) ومعنى الآية حتى تتزوّج زوجاً آخر، ثم تنفصل عنه بالطلاق، كل ذلك منفي في تلك الموارد.
الرابع: أن يكون العقد دائماً لامتعة:ويدل عليه ظاهر الكتاب، أعني: قوله سبحانه: (فإن طلّقها)وليس في المتعة طلاق، أضف إليه تضافر الروايات، في عدم كفايته(2) ولانطيل الكلام بنقلها.
والنتيجة: إذا استكملت الشرائط المزبورة، يزول تحريم الثلاث ويكون الزوج الأوّل خاطباً من الخطاب.
***

هل التزويج أثناء الثلاثة هادم أو لا؟

إذا تزوّجت المطلّقة أثناء الطلقات الثلاث بغير الزوج الأوّل، فهل هو هادم ما دون الثلاث فتبقى معه على ثلاث تطليقات فكأنّه لم يطلّقها، أو أنّها تبقي معه على ما بقي من الثلاث فتبقي بعد عودها إلى الأوّل على واحدة أو اثنتين.
المشهور هو الأوّل، بل لم يعلم القائل بالثاني في الأصحاب وإن نقله الشيخ في الخلاف عن بعض الأصحاب، نعم يظهر التردد عن العلاّمة في التحرير(3)

1 . البقرة:230.
2 . الوسائل 15: الباب التاسع من أبواب أقسام الطلاق و أحكامه.
3 . التحرير: كتاب الطلاق بحث المحلل: 57.

صفحه 196
وصاحب المدارك في شرح النافع والفاضل الخراساني في الكفاية ونسبه المحقق إلى أشهر الروايتين ومال إليه المحدّث البحراني في الحدائق. وقال هو الظاهر عندي من الأخبار.(1)
ولنقدّم ما ذكره الشيخ في الخلاف حتى يعلم موقف المسألة بين العامّة والخاصّة يوم ذاك قال: «الظاهر من روايات أصحابنا والأكثرين انّ الزوج الثاني إذا دخل بها يهدم ما دون الثلاث من الطلقة والطلقتين، وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسف، وفي الصحابة ابن عمر وابن عباس، وقد روى أصحابنا في بعض الروايات انّه لايهدم إلاّ الثلاث فإذا كان دون ذلك فلايهدم، فمتى تزوّجها الزوج الأوّل كانت معه على ما بقي من الطلاق وبه قال في الصحابة ــ على ما حكوه ـ علي ـ عليه الصلاة و السلام ـ وعمر وأبو هريرة، وفي الفقهاء: مالك والشافعي والاوزاعي وابن أبي ليلى ومحمد وزفر، وقال الشافعي: رجع محمد بن الحسن في هذه المسألة.(2) وعلى هذا فالقول بالهدم منقول عن أبي حنيفة وأبي يوسف وابن عمر وابن عباس. وغيرهم على القول الآخر.
إذا عرفت ذلك: يدلّ على قول المشهور روايات ثلاث:
1ـ رواية رفاعة المشهور بين الأصحاب في عصر الصادق والكاظم (عليهما السلام) وروى بصور خمس في اللفظ، متحدة في المعنى، وربما يتصور المبتدئ انّها روايات خمس مع انّها رواية واحدة.
روى رفاعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن رجل طلّق امرأته حتّى بانت منه وانقضت عدّتها ثم تزوجت زوجاً آخر فطلّقها أيضاً ثمّ تزوّجت

1 . الحدائق :25/333.
2 . الخلاف4: المسألة 59، كتاب الطلاق .

صفحه 197
زوجها الأوّل أيهدم ذلك، الطلاق الأوّل؟ قال: نعم.(1) وفي بعض الصور قال: يهدم الثلاث ولايهدم الواحدة والثنتين؟! (2)
2ـ ما رواه عمرو بن ثابت، عن عبد اللّه بن عقيل بن أبي طالب قال: اختلف رجلان في قضية علي (عليه السلام)وعمر في امرأة طلّقها زوجها تطليقة أو اثنتين فتزوجها آخر فطلّقها أو مات عنها، فلّما انقضت عدّتها تزوّجها الأوّل، فقال عمر: هي على ما بقي من الطلاق، وقال أمير المؤمنين(عليه السلام) : سبحان اللّه يهدم الثلاث ولايهدم واحدة؟!(3)
والرواية مقطوعة وإن تضمنت في أثنائها حكم الأمير(عليه السلام) ومع ذلك لاتخرج عن كونها مقطوعة.
3ـ وعن الحسن بن محبوب، عن إسحاق بن جرير، عن أبي عبد اللّه قال: سأله بعض أصحابنا وأنا حاضر عن رجل طلّق امرأته تطليقة واحدة ثم تركهاحتى بانت منه ثم تزوّجها الزوج الأوّل، قال: فقال: نكاح جديد، وطلاقجديد وليس التطليقة الاولى بشيء هي عنده على ثلاث تطليقات مستأنفات.(4)
والمعتمد هو رواية رفاعة، وقد عرفت انّ الثانية مقطوعة والثالثة لم ترو في الكتب الأربعة، وإنّما اقتبسها صاحب الوسائل من فقه الرضا (عليه السلام)والمهمّ انّ رواية رفاعة كانت مشهورة روى عبد اللّه بن المغيرة قال: سألت عبد اللّه بن بكير عن رجل طلّق امرأته واحدة ثم تركها حتّى بانت منه ثم تزوّجها، قال: هي معه كما كانت في التزويج، قال: قلت: فإنّ رواية رفاعة إذا كان بينهما زوج فقال لي عبد

1 . الوسائل ج15: الباب 6 من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 1.
2 . لاحظ الوسائل ج15: الباب 6 من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 2.
3 . الوسائل ج15،:الباب 6 من أبواب أقسام الطلاق، الحديث3و14.
4 . الوسائل ج15،:الباب 6 من أبواب أقسام الطلاق، الحديث3و14.

صفحه 198
اللّه: هذا زوج وهذا مما رزق اللّه من الرأي.(1)
وهذا يعرب عن شهرة الرواية بين الأصحاب وانّها كانت مدار الافتاء.
وتدل على القول الآخر روايات مستفيضة انهاها صاحب الحدائق(2) إلى ثمان ونقل خمساً منها صاحب الوسائل.
روى الحلبي، قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل طلّق امرأته تطليقة واحدة ثم تركها حتّى مضت عدّتها فتزوّجت زوجاً غيره ثم مات الرّجل أو طلّقها فراجعها زوجها الأوّل، قال: هي عنده على تطليقتين باقيتين.(3)
و روى زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) انّ عليّاً (عليه السلام) كان يقول في الرجل يطلّق امرأته تطليقة «واحدة»(خ) ثم يتزوّجها بعد زوج: إنّها عنده على ما بقي من طلاقها.(4) إلى غير ذلك من الروايات.(5)
ويمكن تأييد هذا القول بوجهين:
1ـ اطلاق الكتاب مع القول الثاني حيث إنّ مقتضاه انّ الطلّقات الثلاث مطلقاً سواء تخلّلها نكاح آخر، أم لا، محرم.
2ـ جلالة رواة الطائفة الثانية حيث إنّها رواها الحلبي وزرارة وجميل بن دراج ومنصور بن حازم إلى غير ذلك من الأجلاّء.
ومع ذلك كله فالمتعيّن هو القول الأوّل. وقد ذكرنا في محله انّ شهرة الرواية

1 . الوسائل ج15: الباب 3 من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 12، ولاحظ الحديث11 من هذا الباب.
2 . الحدائق الناضرة:25/234ـ236.
3 . الوسائل ج15: الباب 6من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 6و10.
4 . الوسائل ج15: الباب 6من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 6و10.
5 . لاحظ الوسائل ج15: الباب 6 من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 7و8و9و11.

صفحه 199
بين الأصحاب مقرونة بالافتاء بمضمونها من ممّيزات الحجّة عن اللاحجّة، لامن مرجحات الروايات وقد عرفت انّ رواية رفاعة كانت مشهورة بين الأصحاب في عصر الإمام الكاظم (عليه السلام)ومابعده على حدّ كان الأصحاب يحتجّون بها على ابن بكير حيث كان يرى ـ أو يرى أصحابه أيضاً ـ ان ّ استيفاء العدّة هادم لحكم الطلاق.
ولأجل ذلك لايصحّ العدول عنها إلى غيرها وإن بلغ ما بلغمن الكثرة، بل كلّما ازدادت كثرة وصحة، ازدادت ريباً.
أضف إلى ذلك احتمال وجود التقيّة في الطائفة الثانية، كما تعرب عنه رواية عبد اللّه بن عقيل بن أبي طالب.(1)
نعم، الظاهر من رواية زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (2) انّ عليّاً كان يذهب إلى عدم كونه هادماً وقد عرفت ما نقله الشيخ في الخلاف عن علي (عليه السلام)ولكن الأقوى، بالنظر إلى الشهرة كونه هادماً، ولايخفى طريق الاحتياط.

تتمـة:

1ـ لو طلق الذميّ الذميّة ثلاثاً فتزوّجت بعد العدة ذميّاًجامعاً لشرائط التحليل ثم بانت منه وترافعا إلينا فالحكم هو جواز العقد عليها من جانب الزوج الأوّل لأنّ الكفّار محكومون بالفروع مثل الأصول فحكم الآية عام لجميع الناس ، مؤمنا كان أم لا، بل لو أسلما والحال هذه حلّ للأوّل نكاحها بعقد مستأنف بنفس الدليل.
2ـ إذا تزوّجت المطلّقة ثلاثاً بالخصي فهل يحلّ أم لا، الظاهر لا، لأنّ الخصي

1 . الوسائل، ج15: الباب 6من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 3و10.
2 . الوسائل، ج15: الباب 6من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 3و10.

صفحه 200
من سلّت خصيتاه والخصيتان هما: الجلدتان فيهما البيضتان.(1) ولعل من سلّت خصيتاه لايتحقق منه الانتشار، فلايتحقق الدخول فكيف الانزال ولعلّه ـ لهذا الوجه ـ جاء في رواية محمد بن مضارب قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن الخصي يحلّل؟ قال: لايحلّل.(2)
ويظهر من الشيخ في المبسوط انّه يتحقق الانتشار دون الانزال حيث قال: «وأمّا الخصي فعلى ضربين مسلول ومجبوب، فالمسلول من سلّت بيضتاه وبقي ذكره، فمن هذه صورته إذا تزوّجت به ووطئها حلّت للأوّل، لأنّه أولج ولذّ، وإن كان لاينزل، و الانزال غير معتبر في باب الاباحة، لأنّه لو التقي الختانان من الصحيح ثم انسل حلّت للأوّل.
وأمّا المجبوب إن لم يبق من ذكره شيء فإنّ الوطي منه معدوم، فلايتعلّق به اباحة، فإن بقي مالايتبين فلايبيحها للأوّل، لأنّه لايغيب ولايدخل، وإن بقي قدر ما يغيب منه إذا أولج ويلتقي ختاناهما، فإنّه يبيحها للأوّل». (3) وعلى هذا فمن اكتفى في التحليل بالدخول يكتفي به وإلاّ فلا. وقد مرّ الكلام فيه.
3ـ إذا زوّجها زوج آخر، فارتدّ بعد العقد والدخول، فتحل وإن انفسخ العقد بالارتداد ، لأنّ ما هو المطلوب من التحليل هو التزويج الصحيح والدخول بعده، وفراقهما بالارتداد، دون الطلاق لايضر، لأنّ الطلاق في قوله:(فإن طلّقها فلاجناح عليهما...) كناية عن فراقهما صحيحاً وهو حاصل(4)، نعم لو ارتد بعد التزويج وقبل الدخول، فلايحل وإن دخل بعد الارتداد، لكون الدليل ظاهراً في اعتبار كونها زوجة حين الوطء وليس كذلك في المقام لأنّ الارتداد يوجب انفساخ

1 . مجمع البحرين مادة «خصي».
2 . الوسائل ج15: الباب 10 من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 1.
3 . المبسوط:5/110،كتاب الطلاق.
4 . لاحظ أيضاً ص197.

صفحه 201
العقد.

فـروع:

الفرع الأوّل: لو ادّعت المطلقة ثلاثاً انّها تزوجت زوجاً آخر، وفارقها وقضت العدة وكان ما تدعيه من حيث مقدار الزمان أمراً ممكناً فهل يقبل قولها أو لا؟
قال الشيخ في المبسوط: «فإذا طلّقها ثلاثاً فغابت ثم جاءت وقالت قد حُلِّلت لك لأنّي قد خرجت من العدة وتزوّجت بزوج وأصابني وخرجت من عدّته فانّه ينظر:
فإن مضت من وقت طلاقها مدّة لايتأتي فيها جميع ذلك، فإنّه لايقبل قولها، لأنّه قد عرف كذبها، وإن مضت مدّة من ذلك الوقت يتأتي فيها جميع ما وصفت قبل قولها بلايمين، لأنّ في جملة ذلك ما لايتوصل إليه إلاّ بقولها، وهو الوطء، وانقضاء العدّة فهي مؤتمنة عليه(1)
أقول: للمسألة صورتان:
1ـ إذا ادّعت ولم يكذبها الزوج الثاني2ـ إذا كذبها
أمّا الصورة الأولى في القدر المتيقن من صحيح حمّاد، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في رجل طلّق امرأته ثلاثاً فبانت منه فأراد مراجعتها فقال لها: إنّي أُريد مراجعتك فتزوّجي زوجاً غيري، فقالت له: قد تزوّجت زوجاً غيرك وحلّلت لك نفسي أيصدّق قولها ويراجعها؟ وكيف يصنع؟ قال: إذا كانت المرأة ثقة صدّقت في قولها.(2)ولاوجه لالغاء وثاقتها كما في الجواهر ـ محتجّاً بعدم القائل بشرطيتها ـ وذلك لأنّ الأعراض من مهامّ الأمور، فلامانع من شرطيتها في قبول قول المدّعي

1 . المبسوط:5/111،كتاب الطلاق.
2 . الوسائل ج15: الباب 11من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 1.

صفحه 202
فيها وإن لم تكن شرطاً في سائر الموارد.
ومع النص لاحاجة لما ذكر من الوجوه العليلة وإليك الإشارة إليها.
1ـ ما ذكره الشيخ في المبسوط انّه من الأُمور التي لاتعلم إلاّمن قبلها.
يلاحظ عليه: بأنّ النصوص تضافرت على تفويض الأُمور الثلاثة إليها، أعني: الحيض، والعدّة، والحمل(1); ولادليل على حجية قولها في غيرها.
2ـ إنّها مدعية بلامعارض فيكون قولها حجة مثل كل مدع لايعارضه شيء وقد روى منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت: عشرة كانوا جلوساً وسطهم كيس فيه ألف درهم فسأل بعضهم بعضاً: ألكم هذا الكيس؟ فقالوا كلهم: لا، وقال واحد منهم: هولى، فلمن هو؟ قال: للذي ادّعاه.(2)
وأيّده في الحدائق بأنّ الأخبار الواردة باثبات الدعاوي بالبيّنات والأيمان، لاعموم فيها على وجه يشمل ما نحن فيه وإنّما موردها ما إذا كان النزاع بين خصمين مدع ومنكر.(3)
ونظير ذلك مدعى الوكالة في مال شخص فإنّه يجوز شراؤه منه بادعاء الوكالة .
يلاحظ عليه: انّ معنى قبول قول المدّعي بلامعارض، هو انّه يجوز للغير ترتيب الأثر على قوله، فلو ادّعى انّ الكيس ماله، يجوز تناوله منه بسبب من الأسباب، لكن هذا، إذا لم يكن في المقام خطاب منجّز متوجه إلى الغير، فلايجوز له ترك العمل بالخطاب بمجرد قول المدعى وإن لم يكن له معارض، ولأجل ذلك لو ادعى رجل الوكالة في بيع مال رجل يجوز شراء المال الذي تحت يده منه، ولكنّه

1 . لاحظ الوسائل ج15: الباب 24 من أبواب العدد، الحديث 1و2.
2 . الوسائل: 20018: الباب 17 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1.
3 . الحدائق:25/349.

صفحه 203
لايجوز تسليم مال الرجل إليه ومثله المقام، فقد خوطب الزوج الأوّل بحرمة التزويج حتى يتحقق التحليل ولم يجعل ادّعاء المدّعي، طريقاً إلى تحقق هذا الشرط فالخلط حصل من عدم التمييز بين التصديق النسبي والتصديق المطلق، فالمدّعى بلا معارض يصدق نسبياً مالم يكن هناك خطاب متوجه إلى الغير وإلاّ فهو مقدم.
3ـ ربما يموت الزوج أو تتعذّر مصادفته بعينه ونحوها فلو لم يقبل ذلك لزم الاضرار والحرج المنفيان.
يلاحظ عليه كما في الجواهر عدم الضرر والحرج باجتناب شخص خاص منها.
4ـ استدل في الحدائق بالنصوص الواردة لقبول قولها في الخلو عن الزوج مثل رواية محمد بن عبد اللّه الأشعريّ قال: قلت للرضا(عليه السلام): الرجل يتزوّج بالمرأة فيقع في قلبه انّ لها زوجاً، فقال: وما عليه؟ أرايت لو سألها البيّنة كان يجد من يشهد أن ليس لها زوج.(1) وغير ذلك من الروايات.
يلاحظ عليه: أنّ النصوص أجنبية عن المقام فانّه وردت في الشبهة البدوية وعدم وجود خطاب منجز متوجه إلى الزوج بخلاف المقام كما عرفت.
الصورة الثانية: أعني ما إذا كذبها الزوج الثاني وأنكر أصل النكاح فلايمكن قبول قولها لأجل هذه الوجوه، لما عرفت ضعفها وأمّا صحيحة حماد(2) انّ القدر المتيقن غير هذه الصورة. اللّهمّ إلاّ أن يقال بأنّ فرض كونها ثقة أمينة يستلزم الوثوق بقولها، والوثوق علم عرفي فلاوجه لعدم حجّية قولها والحال هذه.وبذلك يظهر عدم صحّة ادّعاء الانصراف كما لايخفى خصوصاً إذا كان الزوج الثاني،

1 . الوسائل ج14: الباب 10 من أبواب المتعة، الحديث 5، ولاحظ الحديث 1و2و3و4 من هذا الباب.
2 . الوسائل ج15: الباب 11 من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 1.

صفحه 204
غيرثقة.

الفرع الثاني:

إذا دخل المحلّل فادّعت الاصابة فهنا صور ثلاث:
أـ ان يصدقها المحلل.
بـ أن يسكت عنه.
ج ـ أن يكذبها.
قال الشيخ في المبسوط: «وإن قال الزوج الثاني ما أصبتها، فإن غلب على ظنّه صدقها قبل قولها، وإن غلب كذبها تجنّبها وليس بحرام».(1)
أمّا الصورة الأُولى والثانية فالظاهر تصديقها لدخولها في صحيحة حماد(2) فيشملها قولها«إذا كانت المرأة ثقة صدقت في قولها» فإنّها بادّعائها الاصابة تدعى كونها حلالاً للزوج الأوّل ومفروض البحث كونها مطلّقة وإلاّ فلو كان في حبال الزوج الثاني، فالبحث قليل الجدوى.
إنّما الكلام فيما إذا كذبها الزوج الثاني وقال: إنّه ما أصابها فهناك احتمالات:
1ـ ما ذكره الشيخ في المبسوط من الأخذ بقول من ظنّ صدقه.
2ـ ما ذكره المحقق من الأخذ بقولها على كلّ حال معلّلاً بتعذر إقامة البيّنة بما تدعيه.
وقواها في المسالك قائلاً بانّها تصدق في شرطه وهو انقضاء العدّة فكذا في سببه ولأنّه لولاه لزم الحرج والضرر.

1 . المبسوط:5/111، كتاب الطلاق .
2 . الوسائل ج15: الباب 11 من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 1.

صفحه 205
3ـ ما جنح إليه صاحب الحدائق من انّ المسألة داخلة في باب المعارضة والمنازعة في صحة ما تدّعيه من الوطء الذي يترتب عليه التحليل فتجب على المدّعي إقامة البيّنة ومع تعذرها فاليمين على المنكر والواجب على الزوج اليمين في عدم الاصابة أو الردّ وكيف كان فإن ثبت ذلك يترتب عليه التحليل وإلاّ فلا تحليل.
والظاهر هو القول الرابع وهو الأخذ بقولها إذا كانت ثقة أمينة فانّ النزاع إنّما هو بعد طلاق الزوج الثاني وإن اختلفا في الاصابة وعدمها وإلاّ فلو كانت في حباله وهي بعد لم تطلق لاتظهر للمسألة ثمرة فعندئذ يجب الأخذ بقولها على الشرط الموجود في الرواية (1) فانّها بادّعاء الاصابة تدعى حليتها للزوج الأوّل فيدخل في صحيحة حماد.
نعم، تصدق في قولها نسبّياً، فيجوز للزوج الأوّل تزويجها، لامطلقاً فلايثبت بتصديقها، انّ الطلاق كان بعد الدخول حتّى يجب على الزوج الثاني دفع المهر كلّه لانصفه . فلاحظ.
نعم لو رجعت عن دعواها تسمع إذا كان الرجوع قبل العقد لابعده لأنّها في الأولى مقرة على نفسها فيسمع كما انّها في الثانية مقرة على غيرها فلاتسمع.
لو وطأها الزوج الثاني محرّماً كالوطء في الاحرام أو الصوم الواجب أو في الحيض فالمشهور أنّها تحلّ لتحقق النكاح الصحيح والوطء المستند إلى العقد، اللّهمّ إلاّ أن يدّعي انصراف الأدلّة إلى الوطء المأذون شرعاً وهو أوّل الكلام. وليس المورد من الأمور التعبدية، حتّى لايكون المبغوض مقرّباً. فلامانع من اجتماع الأمر والنهي والامتثال من جهة والمخالفة من جهة اُخرى.

1 . الوسائل: ج15، الباب 11من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 1.

صفحه 206

الثالث:

في الرجعـة

المراد من الرجعة في المقام رجوع الزوج إلى نكاحه السابق والأصل في ذلك، كتاب اللّه عزّ وجلّ قال: (وبُعُولَتُهُنَّ أحقُّ بِرَدِّهنَّ في ذلِكَ إنْ أرادُوا إصلاحاً).(1) أي ردّهن في زمان التربّص وهو زمان العدّة وقيّد جواز الرجعة بارادة الاصلاح لاالمضارة.
وقال سبحانه: (الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْروف أو تَسْريحٌ بإِحْسان) (2) أي إذا طلّق الزوج مرتين، مرّة بعد اُخرى يتخلل بينهما رجوع أو عقد مستأنف، فله الرجوع إلى نكاحه فإذا رجع إلى نكاحه فلامناص له عندئذ عن اختيار أحد الأمرين: إمساكها بمعروف أو تطليقها ثالثة وتسريحها باحسان، فتحرم عليه مطلقاً إلاّ بمحلل.
وقال سبحانه: (وإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فَأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْروف أو سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْروف وَلاتُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا) (3) والمراد إذا قاربن بلوغ الأجل، فلكم الخيار بين الرجوع إلى النكاح بقصد المعاشرة بالمعروف من غير طلب ضرار بالمراجعة، أو تركهنَّ حتّى تنقضي عدّتهنّ فيكنّ أملك بأنفسهنَّ وليس عليكم الرجوع إليهنّ بقصد الاضرار.
وأمّا السنّة فيمرّ عليك قسم منها في الأبحاث الآتية.

1 . البقرة :228.
2 . البقرة:229.
3 . البقرة:231.

صفحه 207
وهل الرجوع من الإيقاعات فيعتبر فيه، ما يعتبر فيها من قصد الانشاء، فلو قلنا بصحته قولاً وفعلاً فيشترط في الرجوع الفعلي أن يكون بنيّة الرجوع فلايكون الدخول فضلاً عن التقبيل واللمس بشهوة رجوعاً إذا لم تكن بقصد الرجوع، أو انّها تمسّك بالزوجية التي هي في شرف الانقضاء، بانقضاء أيّام العدّة، فلايحتاج إلى قصد الرجوع وراء قصد ذات الفعل حتّى يكون فعلاً اختيارياً، الظاهر هو الثاني، لتصريح الروايات بأنّ المطلّقة الرجعية زوجة بالفعل وإن كانت في مظنة انتهاء أمدها بخروج العدّة ومعها، لايحتاج إلى النيّة، فلو قام بفعل لايجوز لغير الزوج فهو تمسك بالزوجية المشرفة على الانقضاء وإيصاد لها عن الزوال.
وإليك بعض ما يدلّ على كون الرجعية زوجة.
فعن محمد بن مسلم قال: سئل أبو جعفر (عليه السلام) عن رجل طلّق امرأته واحدة ثم راجعها قبل أن تنقضي عدّتها ولم يشهد على رجعتها، قال: هي امرأته مالم تنقض العدّة، وقد كان ينبغي له أن يشهد على رجعتها، فإن جهل ذلك فليشهد حين علم ولاأرى بالّذي صنع بأساً وإنّ كثيراً من الناس لو أرادوا البيّنة على نكاحهم اليوم لم يجدوا أحداً يثبت الشهادة على ما كان من أمرهما، ولاأرى بالذي صنع بأساً وان يشهد فهو أحسن.(1)
وفي معتبرة يزيد الكناسي قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن طلاق الحبلى فقال: يطلّقها واحدة للعدّة بالشهور والشهود، قلت: فله أن يراجعها؟ قال: نعم وهي امرأته، قلت: فإن راجعها ومسّها ثم أراد أن يطلّقها تطليقة اُخرى، قال: لايطلّقها حتى يمضى لها بعد ما يمسّها شهر، قلت: وإن طلّقها ثانية وأشهد ثمّ راجعها وأشهد على رجعتها ومسّها ثم طلّقها التطليقة الثالثة وأشهد على طلاقها

1 . الوسائل ج15: الباب 13من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 6.

صفحه 208
لكلّ عدّة شهر، هل تبين منه كما تبين المطلّقة للعدّة التي لاتحلّ لزوجها حتّى تنكح زوجاً غيره؟ قال: نعم، قلت: فما عدّتها؟ قال: عدّتها أن تضع ما في بطنها ثم قد حلّت للأزواج(1).
ويؤيده ما ورد في انّه يجوز لها الزينة والتجمّل وإظهاره للزوج فعن زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: المطلّقة تكتحل وتختضب وتطيب وتلبس ما شاءت من الثياب لأنّ اللّه عزّ وجلّ يقول: (لَعَلَّ اللّهَ يحدِث بَعَد ذلك أمراً)لعلّها أن تقع في نفسه فيراجعها.(2)
كل ذلك يعرب عن كونها زوجة بالفعل، والقيام بما يجوز للزوج من الأعمال الجنسية تمسّك بالزوجية وايصاد لها عن الزوال والانهيار ، فلاحاجة إلى نيّة الرجوع.
نعم يلزم قصد أصل الفعل أي الدخول والتقبيل وغيره فلايكفي إذا صدر بلا نيّة، كما إذا تلفظ به نائماً أو دخل بها بظنّ أنّها أمته أو زوجته الاُخرى وأمّا لزوم كون الفعل المقصود، مقروناً بنيّة الرجوع فلا. ولأجل ذلك ترى انّ الروايات عدّ نفس الوطء مطلقاً، رجوعاً كما سيوافيك.
وماذكرنا هو الظاهر من بعض فقهاء العامّة قال ابن قدامة: «الرجعية في ]من ظ [أحكام الزوجات والرجعة امساك لها واستيفاء لنكاحها ولهذا سمى اللّه سبحانه وتعالى الرجعة امساكاً وتركها فراقاً وسراحاً فقال:(فإذا بلغن أجلهنّ فأمسكوهنّ بمعروف أو فارقوهنّ بمعروف)وفي آية أُخرى: (فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان)وإنّما تشعث النكاح بالطلقة وانعقد بها سبب زواله فالرجعة تزيل شعثه وتقطع مضيه إلى البينونة فلم يحتج لذلك إلى ما يحتاج إليه ابتداء

1 . الوسائل ج15: الباب 20 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 11.
2 . الوسائل ج15: الباب 21من أبواب العدد الحديث 2.

صفحه 209
النكاح.(1)
وعلى ذلك فكلّ ما يعدّ تمسّكاً بالزوجية عرفاً وإعراضاً عن الطلاق، يعدّ رجوعاً. سواء نوى بذلك الرجوع أم لم ينو، فكأنّ الشارع أخذ بظاهر الحال. ففي صحيح محمد بن القاسم قال: سمعت أبا عبد اللّه(عليه السلام) يقول: من غشي امرأته بعد انقضاء العدّة جلد الحدّ وإن غشيها قبل انقضاء العدّة كان غشيانه إيّاها رجعة لها.(2) ومنه يظهرحال اللمس والتقبيل بشهوة ومقتضى اطلاقه، تحقق الرجعة به حتّى مع قصد العدم أيضاً.
كما تظهر الحال في إنكار الطلاق، فهو رجعة عرفاً وتمسّك بالزوجية بل أبلغ من التصريح بالرجوع إذ الانكار بمرأى ومسمع ممن يعلم انّه طلّق، كناية عن شدّة تمسّكه بالزوجية على وجه كأنّه لم يطلّق وانّه لم يكن هناك طلاق كل ذلك ادّعاءً.
وبذلك يظهر الجواب عمّا ربّما يقال: إنّ إنكار أصل الطلاق مناف لقصد الرجعة بالإنكار.
يلاحظ عليه: أنّ إنكار الطلاق، ينافي قصد مفهوم الرجعة إذ لو لم يكن هناك طلاق، فما معنى الرجوع ؟ وأمّا مع حقيقة الرجعة التي هي التمسك بالزوجية ووضع اليد عليها. فلاينافيها، بل إنكار الطلاق آية شدة التمسك بها ولم يقم دليل على قصد مفهوم الرجعة بما هي هي.
كما يظهر الجواب عمّا ربّما يقال: من أنّ الرجعة تابعة للطلاق وفرع له، وإنكار المتبوع والأصل، انكار للفرع فلو كان مع ذلك، سبباً لتحقق الرجوع يلزم أن يكون شيء واحد، سبباً للنقيضين: الرجعة ونفيها.

1 . المغني:8/481، كتاب الطلاق .
2 . الوسائل ج18: الباب 29 من أبواب حد الزنا ، الحديث 1.

صفحه 210
يلاحظ عليه: انّ الرجوع بمعناه الواقعي، أي التمسك بالزوجية مجدداً، يتوقف على وجود الطلاق خارجاً والواقع لايخلو عن أحد أمرين إمّا أن يكون الطلاق متحققاً منه أو لا، فعليالأوّل يتحّقق التمسك بالزوجية مجدداً، وعلى الثاني يلغو الرجوع. نعم إنكار الطلاق ينافي تحقق قصد الرجوع بما هو هو، وهو بعد لم يقم دليل على اعتباره.
وتعرب عن ذلك صحيحة أبي ولاّد الحنّاط، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن امرأة ادّعت على زوجها انّه طلّقها تطليقة طلاق العدّة طلاقاً صحيحاً، يعني على طهر من غير جماع وأشهد لها شهوداً على ذلك، ثم أنكر الزوج بعد ذلك ، فقال: إن كان إنكار الطلاق قبل انقضاء العدّة فإنّ إنكاره الطلاق رجعة لها، وإن كان أنكر الطلاق بعد انقضاء العدّة فانّ على الإمام أن يفرق بينهما بعد شهادة الشهود بعد أن تستحلف أنّ انكاره للطلاق بعد انقضاء العدّة وهو خاطب من الخطّاب.(1)
كل ذلك يعرب عن عدم كون الرجوع إيقاعاً بل تمسّكاً بالزوجية فعلاً وإن ذهل عن الطلاق واقعاً أوأنكره.

اعتبار الشهادة في الرجعة

اتفقت كلمتهم على استحباب الاشهاد في الرجعة تبعاً للنصوص الشرعية الدالة على ذلك.
قال الشيخ في الخلاف: «يستحب الاشهاد على الرجعة، وليس ذلك بواجب، وبه قال أبو حنيفة والشافعي في القديم والجديدو هو الصحيح عندهم،

1 . الوسائل ج15: الباب 14من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 1.

صفحه 211
وقال في الإملاء: الاشهاد واجب، وبه قال مالك:«دليلنا ـ إجماع الفرقة وأخبارهم، وأيضاً قوله تعالى: (وبعولتهنّ أحقّ بردهنَّ)ولم يشرط الاشهاد، وقوله: (فاشهدوا ذوي عدل منكم)المراد به ]الاشهاد [على الطلاق على ما بيّناه في ما مضى لأنّه قال: ذلك في عقيب قوله: (أو فارقوهنّ بمعروف)يعني بذلك الطلاق وهو أقرب من قوله :(فأمسكوهنَّ بمعروف أو فارقوهنَّ بمعروف).(1)
وقال ابن قدامة : فأمّا الشهادة ففيه روايتان«احداهما» تجب وهذا أحد قولي الشافعي لأنّ اللّه تعالى قال: (فأمسكوهنَّ بمعروف أو فارقوهنَّ بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم)وظاهر الأمر الوجوب ولأنّه استباحة بضع مقصود فوجبت الشهادة فيه كالنكاح وعكسه البيع.
«والرواية الثانية» لاتجب الشهادة وهي اختيار أبي بكر وقول مالك وأبي حنيفة لأنّها لاتفتقر إلى قبول فلم تفتقر إلى شهادة كسائر حقوق الزوج، ولأنّ ما لايشترط فيه الولي لايشترط فيه الاشهاد كالبيع وعند ذلك يحمل الأمر على الاستحباب، ولاخلاف بين أهل العلم في أنّ السنّة الاشهاد فإن قلنا هي شرط فإنّه يعتبر وجودها حال الرجعة، فإن ارتجع بغير شهادة لم يصح لأنّ المعتبر وجودها في الرجعة دون الاقرار بها إلاّ أن يقصد بذلك الاقرار، الارتجاع فيصح.(2)
والأصل في ذلك قوله سبحانه: (فإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فأمْسِكُوهُنَّ بِمَعْروف أو فارِقُوهُنَّ بِمَعْروف وَ أشْهدُوا ذَوَيْ عَدْل مِنكُمْ وَ أقيمُوا الشَّهادة للّهِ) (3) فقد تقدم في بحث الطلاق ان ّ الاشهاد الوارد في الآية راجع إلى صدر الآية، أعني: قوله: (فطلّقوهنّ) لا الامساك أي الرجوع ولا «المفارقة» ولا إلى كليهما معاً وعلى فرض

1 . الخلاف: 3/3،المسألة 4، كتاب الرجعة.
2 . المغني: 8/482، كتاب الطلاق.
3 . الطلاق:2.

صفحه 212
رجوعه إلى الطلاق والامساك معاً يحمل على الندب في الأخير دون الطلاق لما استفاضت الروايات على صحة الرجوع بلا شهود وإن كان الاشهاد مستحباً ولايستلزم ذلك استعمال الصيغة في أكثر من معنى أي في الوجوب في الطلاق والندب في الامساك بل الأمر مستعمل في معنى واحد وهو البعث إلى الاشهاد وإنّما ينتزع الوجوب من حكم العقل بأنّ بعث المولى لايترك بلاجواب وحيث انّ الروايات دلّت على جواز تركه في الرجوع دون الطلاق نرفع اليد عن حكم العقل في الثاني دون الأوّل، وإليك بعض ما ورد في المقام:
روى محمد بن مسلم، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال:إنّ الطلاق لايكون بغير شهود، وإنّ الرجعة بغير شهود رجعة، ولكن ليشهد بعد فهو أفضل.(1)
وروى الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الذي يراجع ولم يشهد قال: يشهد أحبّ إليّ ولاأرى بالذي صنع بأساً.(2).

التعليق في الرجوع

إذا قال راجعتك إذا جاء رأس الشهر أوإن رضى الوالد، أو الولد، فهل يصح أو لا، المحكي عن المشهور بطلان العقود والإيقاعات ذات التعليق، نظراً إلى أنّه من قبيل التعليق في الانشاء وهو لايقبل التعليق بل أمره دائر بين الوجود والعدم، كالايجاد في التكوين، حيث لايقبل التعليق.
وقد عرفت ضعفه وانّ الانشاء ليس فيه تعليق بل المعلّق هو المنشأ وهذا نظير قول المولى:أكرم زيد إن جاءك أو جاء رأس الشهر.
وفصّلت العامّة بين النكاح والطلاق فمنعوا في الأوّل وجوّزوا في الثاني

1 . الوسائل ج15: الباب 13من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 3و2.
2 . الوسائل ج15: الباب 13من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 3و2.

صفحه 213
وعطفوا الرجوع على النكاح قال ابن قدامة: «ولايصحّ تعليق الرجعة على شرط لأنّه استباحة فرج مقصود فأشبه النكاح ولو قال: راجعتك إن شئت، لم يصح كذلك، ولو قال: كلّما طلقتك فقد راجعتك، لم يصح لذلك ولأنّه راجعها قبل أن يملك الرجعة فأشبه الطلاق قبل النكاح، وإن قال : إن قدم أبوك فقد راجعتك، لم يصح لأنّه تعليق على شرط.(1)
وبما انّك عرفت انّ الرجوع ليس من مقولة الايقاع، بل هو من مقولة التمسك بالزوجية المشرفة على الزوال وايصادها فكلّما دلّ عليه، منجّزاً كان أم معلّقاً،يكون كافياً في المقام ويجعل الطلاق بلا أثر.

إذا طلّقها رجعيّاً فارتدّت

إذا طلّقها رجعياً فارتدّت فهل له الرجوع إليها أو لا ونستوضح حال المسألة باستعراض بعض ماله صلة بالمقام فنقول:
1ـ اختلف الأصحاب في نكاح الكتابية على أقوال، بين مجوّز مطلقاً على كراهة مع الاستطاعة على نكاح المسلمة، ومانع كذلك ومفصّل بين الدائم والمنقطع فيجوز انقطاعاً لا دائماً والاختلاف يختصّ بالكتابية الأصلية، لاالمرتدّة . وسيأتي حكم المرتدّة.
2ـ لايجوز نكاح المرتدّة سواء كانت عن فطرة أو عن ملّة.
3ـ لو ارتدّ أحد الزوجين أو ارتدا معاً دفعة قبل الدخول وقع الانفساخ في الحال، سواء كان الارتداد عن فطرة أو ملّة، وكذا بعد الدخول إذا كان الارتداد من الزوج وعن فطرة، وأمّا إن كان ارتداده عن ملّة أو كان الارتداد من الزوجة

1 . المغني: 8/485، كتاب الطلاق.

صفحه 214
مطلقاً وقف الفسخ على انقضاء العدّة فإن رجع أو رجعت قبل انقضائها كانت زوجته وإلاّ انكشف انّها بانت منه عند الارتداد.
وعلى ضوء هذه الأحكام المسلّمة عند الأصحاب نقول: إنّ المحقّق تردد في المسألة بين صحة الرجوع وعدمها بانياً تردده على كون المطلقة الرجعية زوجة أو لا فعلى الأوّل يصح وإلاّ فلا.
يلاحظ عليه: أنّ الرجعية ليست بأقوى من الزوجة غير المطلّقة فقد عرفت انّ الارتداد موجب لانفساخ الزوجية على التفصيل الذي عرفته.
وبذلك ظهر عدم صحة بناء المسألة أيضاً على كون الرجعة نكاحاً ابتداءً أو استدامة فلايصح على الأوّل دون الثاني. لما عرفت من أنّها لاتتجاوز عن الزوجة غير المطلّقة والارتداد فيها يوجب انفساخ الزوجية.
فالأولى بناء جواز الرجوع على اسلامها قبل انقضاء العدّة وعدمه فلو أسلمت قبله فهو يكشف عن بقائها على الزوجية ويكشف عن كون الرجوع بمعنى التمسك بالزوجية وايصادها عن الزوال، وقع في محله. اللّهمّ إلاّ أن يقال بالنقل فعندئذ يجب تجديد الرجوع إذا أسلمت قبله، وأمّا إذا بقيت على الارتداد، أو أسلمت بعد الانقضاء فلا يصح الرجوع .
ولو كانت عنده ذميّة فأسلم الزوج فطلّقها رجعياً فهل يجوز الرجوع أو لا؟ فلو قلنا بجواز نكاح الكتابية ابتداءً فيجوز قطعاً سواء قلنا بأنّ الرجوع نكاح ابتداء أو استدامة له ، ولو قلنا بعدم جوازه فالجواز مبني على كونه عقداً مستأنفاً أو استدامة نكاح. وبما أنّ الحق انّها لم تخرج عن الزوجية كما عرفت، انتفى احتمال كون الرجوع نكاحاً ابتداء فهي برجوعه لها في العدة كالمستدامة التي لم يطلّقها.
والحاصل انّ الرجعة ليست ابتداءَ نكاح حتى لايجوز الرجوع إلى الذمية على

صفحه 215
القول بعدم جواز نكاحها، ولأجل ذلك يجوز الرجوع في حال الاحرام وإن كان النكاح فيه على وجه الابتداء حراماً لكن الرجوع ليس إلاّ تمسكاً بالنكاح الموجود والزوجية المشرفة على الزوال.

رجعة الأخرس

المشهور انّ رجعته بالاشارة الدالة على الرجوع، وعن الصدوقين انّه بأخذ القناع عن رأسها. والأصل في ذلك ما رواه السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: تلبية الأخرس وتشهده وقراءته القرآن في الصلاة تحريك لسانه وإشارته باصبعه.(1)
وروى مسعدة بن صدقة قال: سمعت جعفر بن محمد (عليهما السلام) يقول: إنّك قد ترى من المحرم من العجم لايراد منه ما يراد من العالم الفصيح وكذلك الأخرس في القراءة في الصلاة والتشهد وما أشبه ذلك، فهذا بمنزلة العجم والمحرم لايراد منه ما يراد من العاقل المتكلم الفصيح.(2) فإذا كانت الاشارة كافية عن القراءة ففي الرجعة أولى، خصوصاً بالنظر إلى قوله في الرواية الثانية «وما أشبه ذلك» ففيه دلالة على حكم التلبية والنكاح والطلاق والعقود والإيقاعات وما أشبه ذلك.
نعم، ذكر والد الصدوق في رسالته: الأخرس إذا أراد أن يطلّق امرأته ألقى على رأسها قناعها يريها انّها قد حرمت عليه وإذا أراد مراجعتها كشف القناع يرى أنّها قد حلت. وفي الفقه الرضوي نفس تلك العبارة، لكن بوضع المعتوه مكان الأخرس والظاهر انّ النسخة، مغلوطة لأنّ المعتوه من نقص عقله ودهش من غير جنون، فلايصح نكاحه وطلاقه والحال هذه.

1 . الوسائل ج4: الباب 59من أبواب القراءة، الحديث 1و2.
2 . الوسائل ج4: الباب 59من أبواب القراءة، الحديث 1و2.

صفحه 216
وعلى كل تقدير فوروده في رسالة والد الصدوق كاشف عن ورود نص وصل إليه ولم يصل إلينا.والذي وصل إلينا انّما هو في مورد طلاقه، لافي رجوعه، نعم ورد في طلاقه الأمور الآتية:
1ـ كتابة الطلاق والاشهاد عليه.
2ـ الاكتفاء بالذي يُعرف به من أفعاله من كراهته وبغضه لها.
3ـ وضع القناع على رأسها.(1)
ولعلّ والد الصدوق انتقل إلى ما ذكره عما جاء في الثالث، حيث إنّه إذا كان وضع القناع طلاقاً، فكشفه يكون رجوعاً.
ويمكن أن يقال: إنّ الملاك هو التفهيم الرائج، فأخذ القناع من مصاديق الأصل الكلي، فالأقوى الاكتفاء بكلّ ما يدل على ذلك، كغير الأخرس.

في ادّعاء انقضاء العدّة

إذا ادّعت انقضاء العدّة فله صور نأتى بها.
1ـ ادّعاء انقضاء العدّة بالحيض
إنّ ادّعاء انقضاء العدّة تارة يكون بالحيض، وأُخرى بالأشهر وثالثة بوضع الحمل وإليك بيان أحكامها.
إذا ادّعت انقضاء العدّة بالحيض في زمان محتمل وأقلّه عندنا ـ بناء على تفسير الأقراء بالطهر ـ ستة وعشرون يوماً ولحظتان فالقول قولها، روى زرارة عن

1 . لاحظ الوسائل ج15: الباب 19 من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث1، 2و3.

صفحه 217
أبي جعفر (عليه السلام) قال: العدة والحيض للنساء إذا ادّعت صدقت.(1)
وروى الطبرسي مرسلاً، عن الصادق(عليه السلام) في قوله تعالى: (ولايحل لهنّ أن يكتمنّ ما خلق اللّه في أرحامهنّ) قال: قد فوض اللّه إلى النساء ثلاثة أشياء: الحيض، والطهر، والحمل.(2)
هذا فيما إذا لم يكن هناك منكر وأمّا معه فالقول أيضاً قولها وإن أنكره الزوج غاية الأمر يتوجه عليها اليمين لدفع التهمة. إنّما الكلام إذا ادّعت أمراً على خلاف عادتها كما إذا ادعى انقضاء عدته في شهر، مع انّ عادتها على رؤية الدم في كل شهر مرّة، فهل يؤخذ بقولها عملاً بالاطلاق أو لا؟ قال الشهيد في اللمعة: لايقبل من المرأة دعوى غير المعتاد إلاّ بشهادة أربع من النساء المطّلعات على باطن أمرها.(3)
ويدل عليه المسند عن أمير المؤمنين (عليه السلام) :انّه قال في امرأة ادّعت أنّها حاضت في شهر واحد ثلاثِ حيض: «فقال كلّفوا نسوة من بطانتها أنّ حيضها كان فيما مضى على ما ادّعت؟ فإن شهدت صدقت وإلاّ فهي كاذبة».(4)
وحمله الشيخ على المتهمة وهو جمع تبرعي ولو وجب الأخذ به، يؤخذ به مطلقاً سواء أكانت متهمة أم لا، ويكون تمام الموضوع هو ادّعاء أمر غير معتاد.
ويمكن أن يقال بانصراف صحيحة زرارة في قبول قولها عمّا إذا ادّعت خلاف المعتاد، فعندئذ تصل النوبة، إلى العمل بالأصل وهو بقاؤها على العدّة إلاّ إذا أقامت البيّنة، بل يمكن أن يقال إنّ الوثوق على خلاف قولها بنفسه حجّة لأنّه

1 . الوسائل ج15: الباب 24 من أبواب العدد، الحديث 1و2.
2 . الوسائل ج15: الباب 24 من أبواب العدد، الحديث 1و2.
3 . الروضة البهية: 2/135.
4 . الوسائل ج2: الباب 47 من أبواب الحيض، الحديث 3، والمراد من إسماعيل بن زياد هو السكوني الذي هو مقبول الرواية.

صفحه 218
علم عرفي فشمول الأخبار لهذه الصورة مشكل فيكون ادّعاء المرأة موهوناً جدّاً لايعبأ به.
ولو ادّعى الانقضاء في زمان غير ممكن فجاء وقت الامكان فتارة تكذّب نفسها في دعواها الأولى صُدِّقت بيمينها، إنّما الكلام إذا بقيت على دعواها فهل تصدق أو لا، من أنّها دعوى فاسدة فكيف يترتب الأثر عليها، ومن أنّه يتضمن دعوى الانقضاء في الزمان الثاني أيضاً وهو أمر ممكن.

2ـ ادّعاء الانقضاء بالأشهر

إذا ادّعت الانقضاء بالأشهر فإن كان تاريخ الطلاق معلوماً يرجع إلى المحاسبة فإن طابقت قولها فتصدّق وإلاّ فلا، إنّما الكلام إذا اختلفا، فأنكر الزوج انقضائها، فهل تصدق أولا ؟ وجهان، من اطلاق المعتبرة (1) ومن أنّ أساس الاختلاف ليس في الانقضاء وعدمه بل الاختلاف في زمان الطلاق، وإن صار هذا الاختلاف سبباً للاختلاف في الانقضاء وعدمه، مثلاً لو ادّعت انّها طُلّقت أوّل المحرم فتكون عدّتها منقضية بانقضاء ربيع الأوّل ولكن الزوج ادّعى انّها طلّقت في أوّل صفر، فلاتنقضي إلاّ بانقضاء ربيع الثاني، فالاختلاف الثاني نابع من الاختلاف في مبدأ الطلاق وزمان ايقاعه فكيف يرجع إليها في مبدأ الطلاق بل تصل النوبة عندئذ إلى الأصول وهي، أصالة بقاء عدتها، أو بقاء كونها معتدّة. فإذا رجع يكون الرجوع في العدّة فالصغرى محرزة بالأصل والكبرى محرزة بالدليل الاجتهادي، أعني: قوله سبحانه: (وبُعُولَتهنَّ أحقُّ بِرَدّهِنَّ)(2) وأمّا اثبات تأخر الحادث أي عدم وقوع الطلاق إلى أوّل صفر، فلايثبت كونها معتدة في زمان

1 . صحيحة زرارة: المتقدمة من تفويض أمور ثلاثة إليها.
2 . البقرة:230.

صفحه 219
المخاصمة.
ولأجل ذلك لو انعكس الفرض وادّعى الزوج الانقضاء دونها، يؤخذ بقولها، لالأنّها المرجع في انقضاء العدّة لما عرفت من أنّ صلب النزاع ليس فيه، بل هو في مبدأأ الطلاق ووقته فادّعى هو تقدّم إيقاع الطلاق وادّعت هي تأخره فالمرجع بقاء العدّة وكونها معتدة.

3ـ ادعاء الانقضاء بالحمل

ولو كانت حاملاً فادّعت انقضاء عدّتها بالوضع فأنكر الزوج وضعها بعد اعترافه بحملها فالقول قولها بيمينها وإن كانت مدّعية ولم يكلّف بالبيّنة ولاباحضار الولد وذلك بوجهين:
1ـ شمول المعتبرة السابقة، أعني: صحيحة زرارة: الحيض والعدّة إلى النساء.(1) للمقام والمفروض انّها تدّعي انقضاء العدّة وهو ينكره والاختلاف في تحقق سببه وهي تدّعي الوضع، والآخر ينكره.
2ـ مارواه الطبرسي مرسلاً: عن الصادق (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى(ولايحلّ لهنّ أن يكتمن ما خلق اللّه في أرحامهنّ)قال قد فوض اللّه إلى النساء ثلاثة أشياء: الحيض والطهر والحمل(2) والحديث مرسل لكن استقرّعليه العمل في ما يرجع إليه.
هذا إذا ادّعت الوضع بلاتوصيف وأمّا إذا وصف حال الولد فهل يقيد تصديقها بالإمكان فلو ادّعى ولداً كاملاً فأقل مدّة تصدق فيها ستة أشهر

1 . الكافي ج6/13ـ16 ، ولاحظ المغني لابن قدامة : 8/489.
2 . الوسائل15: الباب 24 من أبواب العدد الحديث 2.

صفحه 220
ولحظتان ولو ادّعى سقطاً مصوراً، أو مضغة أو علقة فقد جاء في الروايات تفصيل كل ذلك، فأقل المدّة للعلقة أربعون يوماً وللمضغة ثمانون يوماً، وللسقط المصور مائة وعشرون يوماً(أربعة أشهر) (1) فالظاهر تصديقها، وإن ادعى في توصيفها أمراً غير ممكن أخذاً باطلاق الرواية إلاّ أن يقال بانّ توصيفها أمراً غير ممكن، يستلزم سلب الوثوق بقولها في أصل الوضع ومعه كيف يمكن أن تكون المعتبرة محكمة.

4ـ إذا ادّعت الحمل فأنكر الزوج

إذا اتفقا على الحمل واختلفا في الوضع، فقد مرّ حكمه وأمّا إذا لم يتفقا في أصل الحمل فادّعته الزوجة وأنكره الزوج وجهان:
1ـ تقديم قول الزوجة: لأنّ الحمل إحدى الأمور الثلاثة التي فوضت إليها كما روى الطبرسي عن الصادق(عليه السلام)في تفسير قوله تعالى:(ولايحل لهنّ أن يكتمنّ ما خلق اللّه في أرحامهنّ)قال: قد فوض اللّه إلى النساء ثلاثة أشياء: الحيض، والطهر، والحمل.(2) ولما ورد في صحيح زرارة من أنّ العدّة والحيض للنساء.(3) ففيما إذا ادّعت الحمل والوضع تدّعي الخروج عن العدّة، نعم لايحتج به فيما إذاادّعى أصل الحمل دون الوضع لعدم ورود الحمل فيه بل إنّما ورد في المرسلة. والاحتجاج بها يتوقف على جبر ضعفها بعمل الأصحاب وهو غير بعيد وإنّما يحتج عليه بما ورد من حرمة كتمانهنّ المتلازم لوجوب قبول قولهنّ قال سبحانه:(ولايكتمنَ ما خلقَ اللّهُ في أرحامهنّ)(4).

1 . سنن البيهقي 10: 266، الكافي6: 13.
2 . الوسائل ج15: الباب 24 من أبواب العدد، الحديث 2و1.
3 . الوسائل ج15: الباب 24 من أبواب العدد، الحديث 2و1.
4 . البقرة: 228.

صفحه 221
2ـ تقديم قول الزوج ولعلّه المشهور لمطابقة قوله الأصل، فيكون منكراً والآخر مدّعياً وليس مما لاتعسر اقامة البيّنة عليه، لو ادّعت الحمل والوضع، وأمّا لو ادّعت أصل الحمل فيمكن استكشاف صحة قولها باختبارات بسيطة في أوائل الحمل فضلاً عن أواسطه فانّ لسان الحال يغني عن لسان القال.

5ـ إذا ادّعت انقضاء العدّة

إذا ادعت انقضاء العدّة وصدّقها الزوج لكنّه ادّعى الرجعة فعلاً أو قولاً قبل الانقضاء وأنكرته الزوجة، فالقول قول المرأة لكونها منكرة فتحلف على البت إذا ادّعى الرجوع الفعلي، وعلى عدم العلم إذا ادّعى الرجوع القولي.
فإذا كان الزوج مدّعياً للرجوع والزوجة منكرة له، فلايفرق في تقديم قول المنكر مع حلفه بين ما سبق دعواها الانقضاء على دعواه الرجوع، أو تأخره.
إنّما الكلام فيما إذا صدقته الزوجة في الرجوع ولكن ادّعت انقضاء العدة قبل الرجوع لتقع الرجعة في غير محلها فهناك أقوال:
1ـ تقديم قول الزوج وهو قول المحقق.
2ـ التفصيل بينما إذا تعيّن زمان انقضاء العدّة وادّعى الزوج انّ رجوعه كان قبله فوقع في محله وادّعت هي وقوعه بعده فوقع في غير محلّه، فيقدّم قوله مع يمينه وبينما إذا تعيّن زمان الرجوع وادّعت الزوجة انقضائها قبله، مثال الثاني: إذا اتفقا على انّ الرجوع كان يوم الجمعة وادّعى الزوج انّ انقضاء العدّة كان يوم السبت وادّعت هي انقضاءها كان يوم الخميس فالقول قولها بيمينها. اختاره السيد الإصفهاني(رحمه الله).
3ـ ما ذكره السيد الاستاذ (قدس سره) على عكس ما ذكره السيد الإصفهاني

صفحه 222
وقال: فإن تعيّن زمان الانقضاء وادّعى الزوج أنّ وقوعه كان قبله وادّعت هي انّه بعده أنّ القول قولها بيمينها، وإن كان بالعكس بأن تعيّن زمان الرجوع دون الانقضاء فالقول قوله بيمينه.
4ـ تقديم قولها في كلتا الصورتين وهو الأقوى كما سيتضح.
هذه هي الوجوه المحتملة، وإليك تبيينها:
أمّا القول الأوّل فوجه تقديم قول الزوج انّه مدع لصحة الرجوع والزوجة مدّعية لفساده فيقدّم قول مدعى الصحّة:
يلاحظ عليه: أنّ قول مدعى الصحّة إنّما يقدّم إذا كان هناك فعل مشترك بين الطرفين كالبيع والاجارة فادّعى أحدهما الصحة والآخر الفساد، كما إذا قال: بعتك وأنا صبي وقال الآخر: «اشتريت منك وأنت بالغ» ، وهذا بخلاف المقام فإنّ الرجوع فعل الزوج، قائم به، وإن كان له صلة بالزوجة ولكنّه ليس فعلاً مشتركاً بين الاثنين، وهذا مثل ما إذا قال الزوج: «أنت طالق» وقالت الزوجة: أنا حائض فلايقدّم قول الزوج بحجّة انّه مدع للصحّة، وعلى ذلك فكلّ، مدع ومنكر فلاتثبت الرجعة إلاّ مع فرض نكول الزوجة عن اليمين.
أضف إلى ذلك انّ مقتضى ما دلّ على الأئتمان بقولها في انقضاء العدّة تقتضي الأخذ بقولها، إمّا مطلقاً أو فيما إذا اتفقا على وقت الرجعة واختلفا في الانقضاء فادّعت الزوجة كونه قبل الرجعة. واعترافها بالرجعة القولية لاينافي الحكم بفسادها بسبب تأخرّها عن انقضاء العدّة، إذ ليس الاعتراف، اعترافاً مطلقاً حتى يحمل على الصحّة بل اعترافاً برجوع فاسد.
وأمّا وجه القول الثاني فلأنّه إذا اتفقا على زمان الانقضاء يخرج المورد عمّا دلّ على الاعتماد بقولها في انقضاء العدّة، إذ المفروض انّ الطرفين اتفقا على أنّ

صفحه 223
وقت الانقضاء يوم الخميس، وإنّما اختلفا في الرجوع فالزوج يدّعي وقوعه يوم الأربعاء والزوجة تدّعي وقوعه يوم الجمعة، فيؤخذ بقول مدعى الصحّة، أو لأنّه ممّا لايعلم إلاّ من قبله.
نعم فيما إذا اتفقا على وقت الرجوع واختلفا في الانقضاء فالمحكّم هو قولها لما مرّ من أنّها المرجع في الحيض والعدّة.(1)
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره في الشقّ الثاني وإن كان لاغبار عليه إلاّ أنّ الحكم بتقديم قول الزوج في الشقّ الأوّل غير تام لما عرفت في نقد القول الأوّل من أنّ الأخذ بقول مدع الصحّة إنّما هو فيما إذا كان هناك عمل مشترك يدّعي أحدهما صحته والآخر فساده لافي مثل المقام.
وأمّا القول الثالث: أعني: ما ذكره سيدنا الأُستاذ (قدس سره) فهو مبني على جريان الأصل في مجهول التاريخ من الحادثين دون المعلوم منهما فعلى ضوء ذلك.
فإن تعيّن زمان الانقضاء واختلفا في تقدّم الرجوع عليه وتأخره عنه، فالأصل عدم تحقّق الرجوع إلى زمان الانقضاء فيكون القول قولها ويكفي عدم احراز الرجوع في زمان العدّة، في الحكم بالبينونة ولايلزم اثبات تأخر الرجوع عن الانقضاء حتى يكون الأصل مثبتاً.
وأمّا إذا كان الأمر بالعكس بأن تعيّن زمان الرجوع دون الانقضاء فالقول قوله بيمينه، وذلك بنفس ما ذكرناه في الشق الأوّل من جريان الأصل في المجهول منهما، وهو أصالة عدم تحقق الانقضاء إلى زمان الرجوع، فيكون الرجوع واقعاً في زمان الزوجيّة.
يلاحظ عليه: انّ ما ذكره في الشقّ الأوّل صحيح لاغبار عليه، فانّ عدم

1 . الوسائل ج15: الباب 24من أبواب العدد، الحديث 1.

صفحه 224
تحقق الرجوع إلى زمان الانقضاء كاف في الحكم بالبينونة والأخذ بقولها ولاتحتاج إلى اثبات تأخر الرجوع عن الانقضاء فلايكون الأصل مثبتاً.
وأمّا الشقّ الثاني فالأصل فيه مثبت لأنّ أصالة بقاء العدّة وعدم الانقضاء إلى زمان الرجوع لايثبت كون الرجوع في العدّة، مع انّ الموضوع لقطع البينونة هو ثبوت كون الرجوع في زمان العدّة وإنّما هو لازم عقلي لبقاء العدّة وعدم انقضاء ها إلى زمان الرجوع إذ العقل يحكم عندئذ بأنّ الرجوع في العدة.
أضف إلى ذلك انّ الاعتماد على قول الرجل في هذه الصورة مخالف لاطلاق صحيح زرارة من أنّها المرجع في خروج العدّة إذ المفروض انّ زمان الرجوع متعيّن وإنّما الاختلاف في زمان انقضاء العدّة فهي تدعي انقضاءها قبله، والزوج يدّعي العكس، فيؤخذ بقولها أخذاً بصحيح زرارة من أنّ العدّة إلى النساء.

في جواز الحيل الشرعية

ثمّ إنّ المحقّق الحلّي تبعاً لبعض الفقهاء خصّ المقصد الرابع بجواز استعمال الحيل الشرعية الّتي لها باب واسع في الفقه وقد أُشير إليها في الروايات في أبواب الربا، والزكاة وغيرهما، غير انّ الافتاء في كلّ مسألة من المسائل المتشتتة يتوقف على الرجوع إلى أدلّتها بالخصوص، وبما انّ المسائل متنوعة لايجمعها عنوان واحد سوى جواز استعمال الحيل نترك كلّ مسألة إلى بابها، لكن نشير إلى نكتة وهي:
انّ جواز استعمال الحيل يتوقف ـ مضافاً إلى جواز نفس الحيلة بالذات فلايتمّ في ما كان نفس الوسيلة حراماً ـ على عدم استلزام استعمال الحيلة لغوية القانون والحكم الشرعي، فلو رخصنا الربا بالتمسك بحيلة شرعية مباحة على

صفحه 225
وجه لزمت لغوية الحكم وعاد الناس إلى أكل الربا بلا هوادة، فلاشك انّه حرام لاستلزامه مسخ الشريعة وتبديلها عمّا هي عليها.
ولأجل ذلك يجب على الفقيه رعاية الاحتياط التام في هذا المجال، حتّى لايكون سبباً لجرأة الناس على اقتراف المحرّمات عن طريق الحيل والذي يدلّ على ذلك هو الآيات الواردة في شأن قوم كانوا يسكنون على شاطئ بحر فنهاهم نبيّهم عن اصطياد السمك في يوم السبت، فتوصلوا بحيلة وهو حفر أخاديد وجداول تؤدي إلى حياض فيتهيأ للحيتان الدخول من تلك الطرق و لايتهيأ لها الخروج إذا همّت بالرجوع، فجاءت الحيتان يوم السبت، فدخلت الأخاديد، وحصلت في الحياض والغدران، ولم تقدر على الخروج وبقيت ليلتها في مكانها، وبعده كان القوم يأخذون السمك ليلة الأحد ويومها قائلين بانّ الصيد لم يكن في السبت بل هو في يوم الأحد فأنزل اللّه فيه قوله سبحانه:(وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِين).(1)
وقال سبحانه:(وَ سْأَلهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَ يَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ).(2)
والآية وما ورد في شأن نزولها تصدّ الفقيه عن الاجتراء بالافتاء باستعمال الحيل الشرعية إلاّ إذا كان هناك اضطرار عرفي أو غرض ديني رفيع.
إنّ بعض الفقهاء المعاصرين صاروا بصدد تصحيح كثير من المعاملات الربويّة بإرجاعها إلى عناوين اُخرى حتى تنطبق عليه العناوين المحللّة مع أنّ

1 . البقرة/61.
2 . الأعراف/163.

صفحه 226
الذي لا يدور في خلد المتعاملين هي تلك العناوين الثانوية التي اضيفت إليها.
ترى تلك القصة في كثير من المعاملات الدارجة باسم الصك و الحوالة و غيرها.
أضف إلى ذلك أنّ كثيراً من التصحيحات تحت اسم الحيل الشرعية تعطي الجرأة للعامّي في مجالات لا تحمد عاقبتها. فالأولى الكتفاء بالعناوين الأوليّة و العناوين الثانوية الدارجة و اما نحت الحيل الشرعية و العناوين الذهنية المغفولة بين الناس فالاعراض عنها أحوط و أولى.
هذا هو ملخص القول في جواز الحيل الشرعية وأمّا البحث عن مسائلها واحدة بعد أُخرى فهو موكول إلى محلّها.

صفحه 227

الفصل الرابع:

في العدد وفيه أُمور

1 . في من يعتدّ ومن لا يعتدّ.
2 . في عدّة ذات الأقراء.
3 . في عدّة ذات الشهور.
4 . حكم البالغة: المرتابة وغير المرتابة.
5 . في عدّة الحامل.
6 . إذا مات الزوج أثناء العدّة وصورها الثلاثة.
7 . حكم من حملت من زنا.
8 . في الحامل عن شبهة.
9 . في اختلاف الزوجين في تاريخي الطلاق والوضع.
10 . في عدّة الوفاة في الدائم والمتمتع بها.
11 . في عدّة الحامل المتوفي عنها زوجها.
12 . حكم المفقود عنها زوجها.

صفحه 228

صفحه 229

في العــدد

العدّة عبارة عن أيّام تربص المرأة الحرّة بمفارقة الزوج أو ذي الوطء المحترم بفسخ أو طلاق أو موت أو زوال اشتباه.وبيان ذلك يتمّ في ضمن أُمور:

الأمر الأوّل:

فيمن يعتدّ ومن لايعتدّ

ونبيّن ذلك في ضمن اُمور:

1ـ عدّة الفراق للمدخول بها فقط

لافرق في عدّة الوفاة بين كون المرأة مدخولاً بها أو لا، فانّ العدّة نوع حداد من المرأة بالنسبة إلى زوجها فتجب مطلقاً. أخذاً باطلاق قوله سبحانه: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ لاَِنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُر وَ عَشْراً).(1)
وأمّا عدّة الفراق فلاعدّة على من لم يدخل بها سواء بانت بطلاق أو فسخ أو هبة مدّة، لصريح قوله سبحانه: (يا أيُّها الّذينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤمِناتِ ثُمَّ طلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قبلُ أن تَمَسُّوهُنَّ فَمالَكُم عَلَيهنَّ مِنْ عِدَّة تَعتَدوُنَها فَمَتّعوهُنَّ وسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جميلاً).(2)

1 . البقرة:233.
2 . الأحزاب:49.

صفحه 230
وقد تضافرت الروايات على عدم العدّة لغير المدخول بها روى الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: إذا طلّق الرجل امرأته قبل أن يدخل بها فليس عليها عدّة، تزوج من ساعتها إن شاءت وتبينها تطليقة واحدة وإن كان فرض لها مهراً فنصف ما فرض.(1)
وهذا ممّا لاشكّ فيه إنّما البحث في فروع اُخر نشير إليها.

2ـ كفاية الدخول وإن لم ينزل

المراد من المسّ والدخول عند المشهور، إيلاج الحشفة وإن لم ينزل من غير فرق بين الفحل، والخصي، ومعيب الانثيين وذلك لأنّ الموضوع للحكم هو الدخول كما هو واضح لمن لاحظ روايات الباب.(2)
أضف إلى ذلك اطلاق ما ورد في صحيح الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل دخل بامرأة قال: إذا التقى الختانان وجب المهر والعدّة.(3)، وكون العدّة لأجل احراز براءة الرحم من الحمل، لاينافي سعة الحكم كما هو الحال في الحكم والمصالح الشرعية. ولأجل ذلك وجبت العدّة لمن نعلم براءة رحمها من الحمل، كما إذا فارقها الزوج عدّة شهور ثم طلّقها.
نعم ورد في صحيح عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سأله أبي وأنا حاضر عن رجل تزوّج امرأة فاُدخلت عليه و لم يمسّها ولم يصل إليها حتّى طلّقها، هل عليها عدّة منه؟ فقال: إنّما العدّة من الماء، قيل له: فإن كان واقعها في

1 . الوسائل ج15: الباب 1 من أبواب العدد الحديث 4، ولاحظ الأحاديث ،2و 3 و5و6و7و8 من هذا الباب.
2 . لاحظ الوسائل ج15: الباب 1 من أبواب العدد.
3 . الوسائل ج15: الباب 54 من أبواب المهور، الحديث 3.

صفحه 231
الفرج ولم ينزل؟ فقال: إذا أدخله وجب الغسل والمهر والعدّة.(1) ولكن الذيل الدال على انّ الميزان هو الدخول، حاكم على قوله«إنّما العدّة من الماء» فيحمل على الفرد الغالب.
ويؤيد ذلك ، ما ورد في بعض رواياته: «ملامسة النساء هي الإيقاع بهنّ»(2) وما ورد في موثق يونس بن يعقوب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سمعته يقول: لايوجب المهر إلاّ الوقاع في الفرج.(3) وإن كان المتبادر منهما أنّهما بصدد نفي علّة مطلق اللمس وانّه يجب أن ينتهي اللمس إلى الوقاع، لكن ـ مع ذلك ـ لايبعد اطلاقهما في أنّ الإيقاع على وجه الاطلاق، يوجب العدّة.

3ـ هل هنا فرق بين القبل والدبر

وقد تسالم الأصحاب على التسوية ويمكن أن يستدل لهم بوجوه:
أ: اطلاق الروايات الدالة على أنّ العدّة تدور مدار الدخول.(4)
يلاحظ عليه: انّ المطلق ينصرف إلى الفرد الشائع خصوصاً بعد كون الفرد الآخر، موضع خلاف في عصر ورود الروايات بين فقهاء الإسلام ولأجل ذلك ورد في بعضها«محاش نساء اُمّتي على رجال اُمّتي حرام».(5)
ب: ما ورد انّه أحد المأتيّين(6) .
يلاحظ عليه: انّ اللفظ الأوّل ورد في مرسلة حفص بن سوقة، عمن أخبره قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن رجل يأتي أهله من خلفها قال: هو أحد

1 . الوسائل ج15: الباب 54 من أبواب المهور، الحديث 1، 2، 6.
2 . الوسائل ج15: الباب 54 من أبواب المهور، الحديث 1، 2، 6.
3 . الوسائل ج15: الباب 54 من أبواب المهور، الحديث 1، 2، 6.
4 . لاحظ الوسائل ج15: الباب 1من أبواب العدد.
5 . الوسائل ج14: الباب 72من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 5.
6 . الوسائل ج 14: الباب 73 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 7و3.

صفحه 232
المأتيّين، فيه الغسل.(1)
وأمّا الآخر فالظاهر من بعض الروايات انّ الفرج لايطلق إلاّ على القبل فقط ففي رواية موسى بن عبد الملك، عن رجل قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن اتيان الرجل المرأة من خلفها فقال: أحلّتها آية من كتاب اللّهـ قول لوطـ:(هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَر لَكُمْ)وقد علم أنّهم لايريدون الفرج.(2). وعلى ذلك فلايصلح المروي: «إحدى الفرجين» إلاّ على سبيل الاستعارة، فاثبات تمام أحكام المعنى الحقيقي من جواز الوطء والمهر والعدة، يحتاج إلى احراز عموم المنزلة وهو بعد لم يحرز.
هذا من جانب ومن جانب آخر ورد في موثق يونس بن يعقوب، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سمعته يقول: لايوجب المهر إلاّ الوقاع في الفرج.(3) فإن قلنا بشموله للدبر يجب الالتزام بالمهر وهو غير معروف والتفريق بين المهر والعدّة بتخصيص الأوّل بالقبل وتعميم الثاني كما ترى.
أضف إلى ذلك ما يظهر من صحيح أبي عبيدة أنّ العدّة تترتب على الالتذاذ من الجانبين، ووجودها كذلك في الدبر غير ظاهر بل الظاهر من الروايات انّ مسّها منها، موجب للأذى حيث قال: «هي لعبتك فلاتؤذها».(4)
فالتوقف والافتاء بالاحتياط أولى من الافتاء بالوجوب كما لايخفى.

4ـ لافرق بين وطء الكبير والصغير

نقل عن بعض الأصحاب أنّه لافرق بين وطء الكبير والصغير وإن نقص

1 . الوسائل ج 14: الباب 73 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 7و3.
2 . الوسائل ج 14: الباب 73 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 7و3.
3 . الوسائل ج15: الباب 54من أبواب المهور، الحديث 6.
4 . الوسائل ج14: الباب 72 من أبواب مقدمات النكاح، الحديث 4.

صفحه 233
سنّه عن زمان امكان التولّد منه عادة: لاطلاق النص ومحل البحث فيما إذا دخل ولم ينزل وإلاّ فهو بالانزال يكون بالغاً. ويرد عليه ما ذكرناه في الفرع السابق من انصراف أدلّة الدخول إلى الفرد الشائع لأنّه لايخلو إمّا أن يدخل في الصغر ويطلّق فيه، أو يصبر ويطلّق في الكبر، والأوّل غير مراد قطعاً لأنّ طلاق الصغير باطل، وليس للولي الطلاق وإن كان له النكاح، فينحصر فيما إذا دخل في الصغر، وطلّق في الكبر، وهو نادر جدّاً.
ويمكن الاستئناس بما ورد في خبر الواسطي في عدم حصول التحليل بالغلام الذي لم يحتلم حتى يبلغ حيث قال: كتبت إلى الرضا (عليه السلام) : رجل طلّق امرأته الطلاق الذي لاتحل له حتى تنكح زوجاً غيره فتزوّجها غلام لم يحتلم، قال: لاحتى يبلغ، فكتبت إليه: ما حدّ البلوغ؟ فقال: ما أوجب اللّه على المؤمنين الحدود.(1)
غير أنّ كون الحكم وضعياً لاتكليفياً تقوى وجوب العدّة مطلقاً، لعدم الفرق في الأحكام الوضعية بين البالغ و غيره فالضمانات والغرامات بين الكبير والصغير سواسية. فلايترك الاحتياط.

5ـ لافرق بين قصد الفعل وعدمه

لافرق بين قصده الفعل وعدمه بعد كون الملاك صدق الدخول والتقاء الختانين على ما عرفت وبما أنّ الحكم وضعي يعم القاصد وغيره كما هو الحال في سائر الأحكام الوضعية، حيث لايشترط في الغرامات والضمانات سوى صدور الفعل عن الانسان.

1 . الوسائل ج15: الباب 8من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 1.

صفحه 234

الأمر الثاني

في عدّة ذات الاقراء

وعرفت بالمستقيمة الحيض أي التي يأتيها حيضها في كل شهر مرّة على عادة النساء و في معناها معتادة الحيض فيما دون ثلاثة أشهر.
و ربما تعرف بمن تكون بها عادة مضبوطة وقتياً سواء انضبط العدد أم لا.
لكنه غير مطرد لأنّ معتادة الحيض فيما زاد على ثلاثة أشهر، لاتعتد بالاقراء و إن كانت لها عادة وقتياً و عدداً.
فالمستقيمة الحيض تعتد بثلاثة أقراء نصّاً من اللّه سبحانه: (وَ المُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُروء وَ لا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ).(1)
نعم يجب البحث عن معنى القرء الذي يجمع بـ «قروء» فهل المراد منه الأطهار أو المراد منه الحيضات، بعد كون لفظ القرء مشتركاً بين الطهر والحيض.
يظهر من الروايات أنّه قد اختلفت كلمات الصحابة والتابعين في تفسير اللفظ. قال الشيخ في الخلاف: الاقراء هي الاطهار، وبه قال عبد اللّه بن عمر، وزيد بن ثابت وعائشة، وبه قال الفقهاء السبعة، وفي التابعين الزهري وربيعة، وبه قال مالك وابن أبي ليلى والشافعي وأبو ثور وغيرهم، وقال قوم: الاقراء هي

1 . البقرة:226.

صفحه 235
الحيض، ذهب إليه على ما رووا عن علي ـ عليه الصلاة والسلام ـ وعمروابن مسعود وابن عباس وأبو موسى، وبه قال أهل البصرة: الحسن البصري وعبيد اللّه بن الحسن العنبري، وبه قال الأوزاعي وأهل الكوفة والثوري وابن شبرمة وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وإسحاق، وحكى عن أحمد أنّه قال: الأظهر عندي قول زيد بن ثابت أنّها الأطهار وروى انّه قال لا أحسن أن أفتي في هذه المسألة بشيء مع اختلاف الصحابة فيها ـ دليلنا ـ إجماع الفرقة وأخبارهم، وأمّا القرء فهو يشترك بين الطهر والحيض في اللغة.
وفي الناس من قال:هو عبارة عن جمع الدم بين الحيضتين مأخوذ من قرأت الماء في الحوض إذا جمعته، وفيهم من قال هو اسم لاقبال ما كان اقباله معتاداً وادبار ما كان ادباره معتاداً، يقال أقرأ النجم إذا طلع لأنّ طلوعه معتاد، أقرأ النجم إذا غاب لأنّ غيبوبته معتادة، فسمّى الطهر والحيض قرءاً لأنّ غيبتهما معتادة، وإذا كان ذلك مشتركاً رجعنا في البيان إلى الشرع .
وروي أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لفاطمة بنت أبي حبيش: صلّي أيّام أقرائك يعني أيّام طهرك.
وروي انّه قال: لعبد اللّه بن عمر حيث طلّق امرأته وهي حائض: هكذا أمرك ربّك إنّما السنّة أن تستقبل بها ثم تطلّقها في كل قرء تطليقة يعني في كل طهر ، والمعول على ما قلناه.(1)
ويمكن الاستدلال على أنّ المراد من القروء في الآية هو الأطهار بأنّ الأصل في مادة قَرَءَ هو الجمع لكن لاكلّ جمع بل الجمع الذي يتلوه الصرف، وعليه الأولى أن يراد منها الطهر، لأنّه حالة جمع الدم، وأمّا الحيض فهو حالة القذف، ولعلّه

1 . الخلاف3/50، المسألة 2،كتاب العدّة.

صفحه 236
بهذه العناية أطلق على الجمع بين الحروف «القراءة» وقد صرح أهل اللغة بأنّ معناه هو الجمع.
وبذلك يشعر قوله سبحانه:(لاتُحَرّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ *إنَّ عَلَيْنا جمَعَهُ وقُرآنَه *فإذا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَه)(1) وقوله تعالى: (وَقُرآناً فَرَقْنَاه لِتَقْرَأه عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْث).(2)
ويمكن الاستدلال بقوله سبحانه:(يا أيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ)(3) ويتمّ الاستدلال ببيان أمرين:
1ـ أنّ المراد هو الطلاق المشروع السنّي لا البدعي، وعلى ذلك فلايشمل الطلاق في الحيض أو في طهر المواقعة لأنّ الطلاق فيهما إمّا باطل على مذهب الحق أو محرّم بدعي على مذهب العامّة، وعلى كلّ تقدير فمنصرف الآية خصوصاً بعد توجه الخطاب إلى النبي (وإن كانت النتيجة عامة) هو الطلاق الصحيح غير البدعي وهو ليس إلاّ الطلاق في الطهر.
2ـ المتبادر من الآية تربص المرأة بعد الطلاق واعتدادها وراءه، فإذا كان الطلاق في الطهر كان التربّص فيه أيضاً .
وعلى ضوء هذين الأمرين تبيّن أنّ المراد من العدّة هو الطهر وبالملازمة يكون المراد من القرء هو الطهر أيضاً، وقد روى العامّة عن النبي أنّه لما طلّق ابن عمر زوجته وهي حائض، قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لأبيه: مره فليراجعها فإذا طهرت فليطلّق أو ليمسك، وتلى النبي قوله تعالى: (إذا طلّقتم النساء فطلّقوهنّ لعدتهنّ) أي

1 . القيامة:18ـ19.
2 . الأسراء:106، الميزان:2/241ـ242.
3 . الطلاق:1.

صفحه 237
مستقبلاً لعدتهنّ.(1)
وأمّا الروايات، فقد تضافرت على أنّ المراد من القرء هو ما بين الحيضتين. روى زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: القرء ما بين الحيضتين(2)، ورواه أيضاً محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام)(3) وروى أيضاً زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: الاقراء هي الاطهار(4) ، وروى أيضاً قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : سمعت ربيعة الرأي يقول: من رأيي أنّ الاقراء التي سمّى اللّه عزّوجلّ في القرآن إنّما هو الطهر فيما بين الحيضتين، فقال: كذب لم يقل برأيه ولكنّه إنّما بلغه عن على(عليه السلام) ، فقلت: أكان علي (عليه السلام) يقول ذلك؟ فقال: نعم إنّما القرء الطهر الذي يقرؤ فيه الدم فيجمعه فإذا جاء المحيض دفعه.(5)
نعم، في مقابل تلك الروايات، ما يظهر منه أنّ المراد من القرء هو الحيض، مثل صحيح الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: عدّة التي تحيض ويستقيم حيضها ثلاثة قروء، وهي ثلاث حيض.(6)
وموثقة عبد اللّه بن ميمون، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن أبيه قال: قال علي(عليه السلام) : إذا طلّق الرجل المرأة فهو أحق بها ما لم تغتسل من الثالثة. (7) إلى غير ذلك من الروايات التي نقلها الشيخ الحرّ في وسائله.
وهذه الروايات إمّا مؤوّلة وإمّا محمولة على التقية، ويؤيد ذلك ما رواه زرارة

1 . مجمع البيان:1/326.
2 . الوسائل ج15:الباب 14 من أبواب العدد، الحديث 1ـ2ـ3ـ4ـ7 وبهذا المضمون روايات كثيرة في هذا الباب.
3 . الوسائل ج15:الباب 14 من أبواب العدد، الحديث 1ـ2ـ3ـ4ـ7 وبهذا المضمون روايات كثيرة في هذا الباب.
4 . الوسائل ج15:الباب 14 من أبواب العدد، الحديث 1ـ2ـ3ـ4ـ7 وبهذا المضمون روايات كثيرة في هذا الباب.
5 . الوسائل ج15:الباب 14 من أبواب العدد، الحديث 1ـ2ـ3ـ4ـ7 وبهذا المضمون روايات كثيرة في هذا الباب.
6 . الوسائل ج15: الباب 14 من أبواب العدد الحديث7.
7 . الوسائل ج15: الباب 15 من أبواب العدد، الحديث 12، وبهذا المضمون الحديث 15 و16 من الباب.

صفحه 238
عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له: أصلحك اللّه رجل طلّق امرأته على طهر من غير جماع بشهادة عدلين، فقال: إذا دخلت في الحيضة الثالثة فقد انقضت عدتها، وحلّت للأزواج. قلت له: أصلحك اللّه إنّ أهل العراق يروون عن علي (عليه السلام) أنّه قال: هو أحق برجعتها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة. فقال: فقد كذبوا.(1)
وما رواه أيضاً عن أبي جعفر (عليه السلام) انّ علياً (عليه السلام) كان يقول: إنّما القرء الطهر يقرء فيه الدم فتجمعه فإذا جاء الحيض قذفته، قلت: رجل طلّق امرأته طاهراً من غير جماع بشهادة عدلين؟ قال: إذا دخلت في الحيضة الثالثة انقضت عدّتها وحلّت للأزواج، قلت: إنّ أهل العراق يروون عن علي (عليه السلام)انّه أحقّ برجعتها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة؟ فقال: كذبوا.(2)
نعم يمكن تأويل بعض هذه الروايات بأنّ المراد دخولها في الدم الثالثة حتى يتيقّن خروجها عن الطهر ، و هو يتمّ في بعض تلك الروايات لاجميعها.

حكم المفسوخة والمفارقة باللعان

لاشك أنّ هذا الحكم حكم من يفارق الزوج بسبب صحيح وأن أخذ المطلّقات في عنوان الحكم لكونه السبب الغالب، فعلى ذلك فتعتدّ المفسوخة العقد، والمفارقة عن زوجها باللعان إذا كانت مدخولة، لما عرفت أنّ تمام الموضوع للحكم هو الدخول أو التقاء الختانين، أو صبّ الماء في الرحم والكل موجودة فيهما، خرج منه الزانية على اختلاف فيها، ولو شك فالأصل الحرمة على الغير إلاّ بالاعتداد.
نعم إنّ تفسير القرء بما بين الحيضتين تفسير على الغالب وإلاّ فربّما يكون

1 . الوسائل ج15: الباب 15من أبواب العدد، الحديث1و19.
2 . الوسائل ج15: الباب 15من أبواب العدد، الحديث1و19.

صفحه 239
الطهر بين النفاس والحيض، كما إذا طلّقها بعد الوضع قبل أن تَر دماً ثم رأته لحظة ثم رأت الطهر عشراً، ثم رأت الحيض ثلاثاً، فكان ما بينهما عدّة وإن كان هذا القرء نادراً.

انقضاء العدّة برؤية الدم الثالث

إذا كانت مدّة التربّص، الاطهار الثلاثة فتخرج من العدّة بقذف الدم الثالث، ففي موثقة زرارة «إذا رأت الدم من الحيضة الثالثة فقد انقضت عدّتها ولاسبيل له عليها وإنّما القرء ما بين الحيضتين.(1)
ثم إنّ ظاهر الأصحاب الاكتفاء في القرء الأوّل بلحظة منه بعدَ الطلاق، فضلاً عن الزائد منها، ويدلّ عليه اطلاق النصوص الدالة على انقضاء العدّة بمجرد رؤية الدم الثالث سواء كان الطلاق في أوّل الطهر أو وسطه أو آخره.
أضف إلى ذلك: أنّ إيقاع الطلاق في ابتداء الطهر الأوّل على وجه لايمضي منه إلاّ مقدار زمان وقوع الطلاق أمر حرجي، وعلى فرض عدم اعتباره لافرق فيما بقي من الطهر الأوّل بين القليل والكثير.
ثمّ الظاهر من المحقق في النافع خروج العدّة برؤية الدم الثالث في ذات العادة الوقتية سواء كانت بالنسبة إلى أوله منضبطة كالمعتادة في أول الشهر أو مضطربة كان رأت تارة في أوله و اُخرى في وسطه أو آخره، و على كل تقدير فتخرج من العدّة في القسمين بمجرد رؤية الدم الثالث.
ذهب المحقق في الشرائع إلى أنّ الانقضاء بمجرد رؤية الدم الثالث يختصّ

1 . الوسائل ج15: الباب 15من أبواب العدد، الحديث4، ولاحظ 1و2و5 وغيرها من هذا الباب.

صفحه 240
بما إذا كانت عادتها مستقرة بالزمان ومضبوطة بالوقت، و غيرها تكون كالمضطربة فلايحكم بانقضاء العدة إلاّ مع العلم بكونه حيضاً وذلك بعد مضي ثلاثة أيّام أخذاً بالاحتياط.
والظاهر هو الأوّل لقاعدة الامكان وانّه كلّما أمكن أن يكون حيضاً فهو حيض وإن كان الاستظهار ، أي الجمع بين عمل تروك الحائض وفرائض المستحاضة، مستحباً ولو لزم الاحتياط لما اختص بالمضطربة وقتاً بل تعم ذات العادة الوقتية لامكان تخلّفها وانقطاعه قبل مضي الثلاثة أيام بل وبعد الثلاثة لامكان استمرار الدم وتجاوزها عن العاشرة إلى حد، يجب عليها أن يتراجع إلى التميز المقتضي كون الحيض آخر الدم أو وسطه... وهكذا والتفصيل في محله.

أقل زمان تنقضي به العدّة

إنّ أقل زمان تنقضي به العدّة ستة وعشرون يوماً ولحظتان، بأن يطلّقها وقد بقي من الطهر لحظة بعد الطلاق ثم تحيض أقل الحيض ثلاثة أيّام، ثم تطهر أقل الطهر عشرة أيام، ثم تحيض أقل الحيض ثم تطهر أقل الطهر فصار الجميع ستة وعشرون يوماً ولحظة ثم تحيض بعد تمام العشرة الأخيرة لحظة فتكون اللحظة الأخيرة كاشفة عن الخروج من العدة ولامدخل لها في العدة بعد تفسير العدّة بالاطهار وإن نسب إلى الشيخ كونها جزء منها، والحق إنّها مقدمة علمية ، لادخل لها في العدّة وتظهر الثمرة لو توفّي أو توفّت في تلك اللحظة فلايتوارثان، كما أنّه لو عقد عليها، لما كان عقداً في العدة إلى غير ذلك من الآثار.
وربما يتصوّر أقل مما ذكر بل تبلغ إلى ثلاثة وعشرون يوماً وثلاث لحظات وذلك فيما إذا كان طلّق بعد الوضع وقبل الرؤية، بلحظة، ثم ترى دم النفاس

صفحه 241
لحظة (وقد تحقق في محلّه أنّ النفاس لا حدّ لها في جانب الأقل) ثم مضى لها أقل الطهر ثم رأت الدم ثلاثة أيّام على النحو المذكور في الصورة الأُولى.

إذا اختلف الزوجان في بقاء جزء من الطهر بعد الطلاق

قد عرفت أنّه يكفي بقاء جزء من الطهر بعد الطلاق ويحسب طهراً أو لا، فلو ادّعت الزوجة بقاءه لتقصر بذلك عدّتها وأنكر الزوج بأن ادّعى وقوع الحيض بعد الطلاق بلافصل لتكون الاطهار الثلاثة متأخّرة عن الحيض فتطول مدة العدة ليتمكن من الرجوع، فلاشك أنّ قول الزوج هو المطابق للأصل أي بقاء العدّة وعدم خروجها من العدّة، فمقتضى الضابطة الأولى، تقديم قوله مع حلفه إلاّ أنّها متروكة بما دلّ على الائتمان لها في الأُمور الثلاثة. الحيض والعدّة والحمل وقد مضت رواياته.
ولو وقع في الطهر ثم حاضت بعد انتهاء التلفّظ بصيغة الطلاق بحيث لم يتخلل زمان بين الطلاق والحيض فهل يصح الطلاق أولا ؟، وعلى فرض صحته فهل يعتد بذلك الطهر أو لا؟
أمّا الأوّل فالظاهر الصحة بعد كونه واقعاً في طهر جامعاً للشرائط وعدم امكان الاعتداد بعده لايضرّ بصحته إذ ليس وجود الطهر بعده من شرائط صحته.
أمّا الثاني فلا، لأنّ الظاهر من قوله: (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) كما مرّ، حصول الاعتداد بطهر بعد الطلاق وهو هنا منتف كما أنّ المتبادر من قوله (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوء) البقرة/228 هو تحقق التربّص بعد اتصافهنّ بالمطلّقات، ولأجل ذلك تفتقر في انقضاء عدتها إلى ثلاثة اقراء مستأنفات.

صفحه 242

الأمر الثالث

في عدّة ذات الشهور

وأحكام النساء الست في ضوء القرآن

قد عرفت أنّ خروج مستقيمة الحيض و من لحقت بها من معتادة الحيض دون الثلاثة أشهر عن العدّة بالاطهار الثلاثة. وبالجملة كلّ من كان الطهر الفاصل بين حيضتين منها أقل من ثلاثة أشهر، يرجع إلى الأقراء كما عرفت، وأمّا إذا لم تكن لها عادة معيّنة على نحو تمضي عليها ثلاثة شهور بيض لاترى فيها دماً، فعليها الاعتداد بالشهور الثلاثة. وعلى ذلك فالآيتان الكريمتان كافلتان لبيان عدّة المطلّقة، فقوله سبحانه: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوء) (1) راجع إلى ذات الأقراء، والأُخرى أعني قوله سبحانه: (وَ اللاّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيض مِنْ نِسَائِكُمْ إِن ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُر وَ اللاّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَ أُولاتُ الأحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَ مَنْ يَتَّقِ اللّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً)(2) راجعة إلى ذات الشهور أي من ليست لها عادة وقتيّة.
وبالوقوف على مفاد الآيتين تتبيّن كيفية اعتداد غالب المطلقات. فنقول: أمّا الآية الأُولى فقد مضت، وأمّا الثانية فالنساء المطلّقات غير ذوات الأقراء على أقسام:
1ـ الصغيرة المدخول بها.
2ـ البالغة المدخول بها ولم تحض بعد، وهي في سن من تحيض.

1 . البقرة: 228.
2 . الطلاق:4.

صفحه 243
3ـ ما اقتربن حد اليأس وارتفعت حيضهنّ لعامل مردد بين كونه لحبل أو ليأس.
4ـ اليائسات القطعية.
إذا عرفت ذلك فاعلم: أنّ الآية الثانية مؤلّفة من عدّة جمل:
(وَ اللاّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيض مِنْ نِسَائِكُمْ إِن ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُر).
(واللائي لم يحضن).
(وَ أُولاتُ الأحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ).
إنّ الجملة الثانية عطف على الجملة الأُولى وبما أنّها مقيّدة بقوله (إن ارتبتم) تكون الثانية أيضاً مقيدة بها، وعلى كل حال فالجزاء في كل منهما واحد: وهو (فعدتهنّ ثلاثة) وكأنّه سبحانه وتعالى يقول:
أ ـ واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر.
ب: واللائي لم يحضن إن ارتبتم فعدتهنّ ثلاثة أشهر.
ج : وأولات الأحمال أجهلنّ أن يضعن حملهنّ.
وعليه يكون لكل من الجملتين الأُوليين منطوق ومفهوم.
أمّا الجملة الأُولى فمنطوقها عبارة عن اليائسة المرتاب فيها وعلّة الريبة احتمال أنّ ارتفاع طمثها لحبلها، أو لبلوغها حد اليأس فهي تعتد بثلاثة أشهر، وعليه يكون معنى قوله «يئسن من المحيض» أي أشرفن وقربن منه وإلاّ فلو كان المقصود هو البالغ حد اليأس قطعاً فلاوجه للارتياب و هذا نظير قوله سبحانه: (فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهِنَّ بِمَعْرُوف أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوف).(1)

1 . البقرة: 231.

صفحه 244
وأمّا مفهومها وهو: اللائي يئسن من المحيض من نسائكم من دون الارتياب كما في الطاعنة في السن، اليائسة القطعية ـ فلاعدة لها لا بالاقراء ولا بالثلاثة .
أمّا الجملة الثانية فمنطوقها عبارة: اللائي لم يحضن إن ارتبتم فيهن ـ كما إذا كن في سن من تحيض ولايحضن فعدتهنّ ثلاثة أشهر، ووجه الارتياب هو احتمال أن يكون ارتفاع الطمث مستنداً إلى الحبل أو الضعف البدني.
وأمّا مفهومها وهو: اللائي لم يحضن من دون ارتياب ـ كما إذا لم يكن في سن من تحيض ـ فلاعدّة لهنّ لابالاقراء ولابالثلاثة، وذلك كما في الصغيرة المدخول بها في أواسط العقد الثاني من عمرها، .
إلى هنا تبين حكم أربع نساء: اثنتان من المنطوق واثنتان من المفهوم.
1ـ اللواتى اشرفن على اليأس مع الارتياب(بالمنطوق).
2 ـ اللواتى يئسن من الحيض بلا ارتياب(بالمفهوم).
3 ـ اللواتى لم يحضن و هنّ في سن من تحيض مع الارتياب (بالمنطوق)
4 ـ اللواتى لم يحضن بلا ارتياب كالصغيرة المدخول بها (بالمفهوم).
ثم إنّ حكم الحامل من حيث مقدار العدّة فقد بيّنه سبحانه في الجملة التالية:(وَ أُولاتُ الأحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) .
وأمّا حكم المرأة التي تحيض بلاريب ولا ارتياب فقد بين حكمها سبحانه بقوله :(وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوء) .
وبذلك تبين حكم النساء من حيث مقدار العدّة: فخمس منهنّ تبين حكمهن من آية سورة الطلاق، والسادسة من آية سورة البقرة(1).

1 . البقرة:231.

صفحه 245
هذا إذا قلنا بأنّ القيد (إن ارتبتم) قيد للمعطوف أيضاً، وأمّا لو خصصناه بالمعطوف عليه فيكون من لاتحيض مطلقاً سواء كانت بالغة أو لا محكومة بالاعتداد بالأشهر مطلقاً. وهو بعيد .
ثم إنّ للسيد المرتضى رأياً آخر في تفسير الآية يليق التنبية به وهو أنّه حمل الجملة الاُولى على اليائسة القطعية، بحجة أنّ الآية قد قطع على اليأس من المحيض بقوله: (واللائي يئسن من المحيض)والمشكوك حالها والمرتاب في أنّها تحيض أو لاتحيض لاتكون آيسة.
ولما التفت السيد إلى انّها مشروطة بقوله :(إن ارتبتم) فسّر الارتياب بأنّ المراد هو الشك في فرض العدّة عليها أولا، واستشهد على ذلك بما روى عن أُبي بن كعب من أنّه قال: يا رسول اللّه إنّ عدداً من النساء لم يذكر في الكتاب: الصغار والكبار وأُولات الأحمال، فأنزل اللّه عزّ وجلّ: (واللائي يئسن من المحيض...)فكان سبب نزول هذه الآية ، الارتياب الذي ذكرناه أي فقد العلم بكتابة العدة لهن.
هذا كله في الفقرة الأُولى من الآية، وأمّا الفقرة الثانية فحملها على الصغيرة وقال: واللائي لم يبلغن، عدتهنّ الأشهر.(1)
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ المراد من قوله : (واللائي يئسن) ليس من يقطع يأسها، بل المراد هو قربهن من اليأس واشرافهن عليه كما مر نظيره في قوله: (فإذا بلغن أجلهن...)وبذلك ينسجم معنى الآية مع الشرط الوارد فيها، ويظهر عدم صحة قوله: «قد قطع في الآية على اليأس من المحيض».
وثانياً: أنّ تفسير الشرط (إن ارتبتم) بالجهل وعدم العلم بفرض العدّة

1 . الانتصار: 146ـ147.

صفحه 246
عليهنّ وعدمه تفسير بعيد عن الأذهان، وخلاف ما هو المتبادر في عصر التابعين ومن بعدهم فانّهم لن يفهموا من هذا الشرط إلاّ الريبة من يأسهن واحتمال أنّ ارتفاع طمثهن لأجل بلوغهن حدّ اليأس أو لأمر آخر من الحبل وغيره، كما هو واضح لمن راجع كلمات الفريقين والروايات(1). وما روى عن أبي بن كعب ليس بحجة على أنّ ظاهره ليس على حدّ يتفق مع ما يدعيّه السيد.
وثالثاً: أنّ حصر مفاد الفقرة الثانية على الصغيرة بعيد جداً، بل الظاهر أنّ المراد منه هو من لاتحيض وهي في سنّ من تحيض، فيختص بالبالغة لأنّ لفظة «لاتحيض»لايطلق إلاّ على من، شأنه التحيّض، لامن هو خارج عن ذلك المجال فحصرها في الصغيره أبعد، كما أنّ القول بإطلاقها وشمولها لمطلق البالغة وإن لم تدرك الحيض كما إذا دخلت العاشرة بعيد، والظاهر انصرافه إلى البالغة المدركة للحيض.(2) كل هذا حول الآية، فلنقدّم الكلام عن الصغيرة واليائسة القطعية. فنقول:
الصغيرة واليائسة القطعية
المشهور انّه لاعدّة لهما: قال الشيخ في الخلاف: الأظهر من روايات أصحابنا أنّ التي لم تحض ومثلها لاتحيض والآيسة من المحيض ومثلها لاتحيض، لاعدّة عليهما من طلاق، وإن كانت مدخولاً بها، وخالف جميع الفقهاء في ذلك وقالوا: يجب عليهما العدّة بالشهور وبه قال قوم من أصحابنا ـ دليلنا ـ روايات أصحابنا وأخبارهم وقد ذكرنا وأيضاً قوله تعالى : (واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهنّ ثلاثة أشهر)فشرط في إيجاب العدّة ثلاثة أشهر إن

1 . لاحظ الباب 4من أبواب العدّة عامة، الروايات وصحيحة الحلبي الحديث 7، خاصة.
2 . نعم سيوافيك لزوم اعتداد البالغة غير المدركة للحيض لأجل النص الوارد فيها فانتظر.

صفحه 247
ارتابت، والريبة لاتكون إلاّ فيمن تحيض مثلها، وأمّا من لاتحيض مثلها فلاريبة عليها.(1)
وقال في الحدائق: «اختلفوا في الصغيرة التي لم تبلغ تسع سنين إذا طلّقت بعد الدخول بها وإن فعل زوجها محرماً، وكذا في اليائسة هل عليهما عدّة أم لا؟ وكذا في صورة الفسخ ووطء الشبهة الموجبين للعدّة في غير هذا الموضع.
فالمشهور بين الأصحاب أنّه لاعدّة عليهما، وبه صرح الشيخان والصدوقان وسلاّر وأبو الصلاح وابن البراج وابن حمزة ومن تأخّر عنه.
قال السيد المرتضى: الذي أذهب إليه أنّ على الآيسة ـ من المحيض والتي لم تبلغ ـ العدّة على كل حال من غير شرط الذي حكيناه عن بعض أصحابنا ـ يعني بذلك أن لاتكون في سنّ من تحيض ـ وتبعه في ذلك ابن زهرة، والمعتمد هو الأوّل كما تكاثرت به الأخبار عن الأئمة الأطهار (عليهم السلام) (2)
أقول: إنّ الروايات في المقام على طائفتين:
الأولى :ما هو صريح في المقصود وعمل به الأصحاب إلاّ من عرفت وإليك بعضها:
ففي صحيحة زرارة ، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الصبية التي لايحيض مثلها والتي قد يئست من المحيض، قال: ليس عليهما عدّة وإن دخل بهما.(3)
وفي موثقة عبد الرحمان بن الحجاج قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): ثلاث تتزوّجن على كل حال: التي لم تحض ومثلها لاتحيض، قال: قلت: وما حدُّها؟

1 . الخلاف:3/50، المسألة 1، كتاب العدة.
2 . الحدائق:25/431.
3 . الوسائل ج15: الباب 3من أبواب العدد ، الحديث 3.

صفحه 248
قال: إذا أتى لها أقل من تسع سنين، والتي لم يدخل بها، والتي قد يئست من المحيض ومثلها لاتحيض، قلت: وماحدّها؟ قال: إذا كان لها خمسون سنة.(1)
وفي صحيح حماد بن عثمان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن التي قد يئست من المحيض والتي لايحيض مثلها؟ قال: ليس عليها عدّة.(2)
الثانية: ما هو ظاهر في خلاف المقصود وعلى فرض الظهور قابلة للحمل، وقد أعرض عنها الأصحاب.
روى أبو بصير موقوفاً قال: عدّة التي لم تبلغ الحيض ثلاثة أشهر والتي قد قعدت من المحيض ثلاثة أشهر.(3)
ويمكن حمل الفقرتين على البالغة غير المدركة للحيض، والمشرفة على اليأس.
روى عبد اللّه بن سنان صحيحاً، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال في الجارية التي لم تدرك الحيض قال: يطلّقها زوجها بالشهور، قيل: فإن طلّقها تطليقة ثم مضى شهر ثم حاضت في الشهر الثاني قال: فقال: إذا حاضت بعد ما طلّقها بشهر ألقت ذلك الشهر و استأنفت العدّة بالحيض فإن مضى لها بعدما طلّقها شهران ثم حاضت في الثالث تمت عدّتها بالشهور فإذا مضى لها ثلاثة أشهر فقد بانت منه وهو خاطب من الخطّاب وهي ترثه ويرثها ما كانت في العدّة.(4) والظاهر انّ المقصود بقوله: «الجارية» هي البالغة المرتابة.
وروى هارون بن حمزة الغنوي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن جارية

1 . الوسائل ج15: الباب 2من أبواب العدد، الحديث 4و1ولاحظ الباب 3من أبواب العدد، الحديث1و2.
2 . الوسائل ج15: الباب 2من أبواب العدد، الحديث 4و1ولاحظ الباب 3من أبواب العدد، الحديث1و2.
3 . المصدرنفسه، الحديث6.
4 . الوسائل ج15: الباب 2من أبواب العدد، الحديث 7.

صفحه 249
حدثة طُلّقت ولم تحض بعد فمضى لها شهران ثم حاضت أتعتد بالشهرين؟ قال: نعم وتكمل عدّتها شهراً، فقلت: أتكمل عدّتها بحيضة؟ قال: لا، بل بشهر يمضي آخر عدّتها على ما يمضي عليه أوّلها (1).
والظاهر أنّ المراد هو البالغة التي أدركت الحيض بعد شهرين.
وروى الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: عدّة المرأة التي لاتحيض والمستحاضة التي لاتطهر ثلاثة أشهر، وعدة التي تحيض ويستقيم حيضها ثلاثة قروء، قال: وسألته عن قول اللّه عزّ وجلّ: (إن ارتبتم) ما الريبة؟ فقال: ما زاد على شهر فهو ريبة، فلتعتد ثلاثة أشهر، ولتترك الحيض، وما كان في الشهر لم يزد في الحيض على ثلاث حيض فعدّتها ثلاث حيض.(2) والظاهر انّ المراد البالغة المرتابة.
وحاصل الكلام انّ المعتمد هو الطائفة الاُولى لا الثانية، لوجوه:
1ـ صراحة الاُولى دون الثانية وإمكان حملها على ما لاينافيها .
2ـ موافقتها للكتاب حسب ما أوضحنا مفاده لاعلى النحو الذي سلك السيد المرتضى (قدس سره) .
3ـ مخالفتها للعامّة وموافقة الثانية لهم، فيمكن حملها على التقية.
وقد عرفت تضافر الروايات على أنّ خمساً من النساء يطلّقن على كل حال، مثل رواية جابر الجعفي، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: خمس يطلّقن على كل حال: الحامل المتبيّن حملها، والتي لم يدخل بها زوجها، والغائب عنها زوجها، والتي لم

1 . الوسائل ج15: الباب 2من أبواب العدد، الحديث 9.
2 . الوسائل ج15: الباب 4من أبواب العدد، الحديث7، ولاحظ الحديث9 من هذا الباب.

صفحه 250
تحض، والتي قد جلست عن المحيض.(1)
وصحيحة الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: لابأس بطلاق خمس على كل حال: الغائب عنها زوجها، والتي لم تحض، والتي لم يدخل بها زوجها، والحبلى، والتي قد يئست من المحيض.(2)
والصبية التي لم تكمل التسع داخلة في قوله: (والتي لم تحض)وإنّما الكلام في دخول غيرها كما سيوافيك.
إلى هنا تمّ الكلام في القسمين الصغيرة واليائسة القطعية وبقي البحث في البالغة غير المرتابة وغيرها.
ونقدم الكلام في غير المرتابة وله قسم واحد:

من بلغت التسع ولم تبلغ حد الحيض عادة

يمكن أن يقال بعدم دلالة الآية على لزوم العدّة في أمثالهنّ وانّ منصرف قوله (واللائي لم يحضن)هو «من لم تحض وهي في سنّ من تحيض» فالآية ساكتة عن حكم هذه الصورة.
اللّهمّ إلاّ أن يقال بإطلاقها لكلّ بالغة سنّاً سواء أدركت وقت الحيض أم لا. وعلى كل تقدير فالمشهور هو لزوم الاعتداد وإليك بعض ما ورد فيه:
روى عبد الرحمان بن الحجّاج قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) : ثلاث تتزوّجن على كلّ حال: التي لم تحض ومثلها لاتحيض، قال: قلت: وما حدّها؟

1 . الوسائل ج15: الباب 25 من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث 1و3 ولاحظ الحديث 4و5من هذا الباب.
2 . الوسائل ج15: الباب 25 من أبواب مقدمات الطلاق، الحديث 1و3 ولاحظ الحديث 4و5من هذا الباب.

صفحه 251
قال: إذا أتى لها أقل من تسع سنين، والتي لم يدخل بها، والتي قد يئست من المحيض ومثلها لاتحيض، قلت: ما حدها؟ قال: إذا كان لها خمسون سنة.(1)
والرواية صريحة في المطلوب ودونها في الصراحة مارواه أبو بصير قال: عدّة التي لم تبلغ الحيض ثلاثة أشهر والتي قد قعدت من المحيض ثلاثة أشهر.(2)
وما رواه ابن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال في الجارية التي لم تدرك الحيض قال: يطلّقها زوجها بالشهور، قيل: فإن طلّقها تطليقة ثم مضى شهر، ثمّ حاضت في الشهر الثاني قال فقال: إذا حاضت بعد ما طلّقها بشهر ألقت ذلك الشهر واستأنفت العدّة بالحيض، فإن مضى لها بعد ما طلّقها شهران ثم حاضت في الثالث تمّت عدّتها بالشهور، فإذا مضى لها ثلاثة أشهر فقد بانت منه وهو خاطب من الخطّاب وهي ترثه ويرثها ما كانت في العدّة.(3)
وما رواه محمد بن الحكيم قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) فقلت: المرأة التي لاتحيض مثلها ولم تحض كم تعتد؟ قال: ثلاثة أشهر، قلت: فانّها ارتابت؟ قال: تعتد آخر الأجلين تعتد تسعة أشهر، قلت: فانّها ارتابت؟ قال: ليس عليها ارتياب لأنّ اللّه عزّ وجلّ جعل للحبل وقتاً فليس بعده ارتياب.(4)
وعليه يحمل ما رواه أبو بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: عدّة التي لم تحض والمستحاضة التي لاتطهر ثلاثة أشهر، وعدة التي تحيض ويستقيم حيضها ثلاثة قروء والقروء جمع الدم بين الحيضتين.(5)
وربما يتبادر إلى الذهن عدم الاعتداد عليها لعدم الريبة أوّلاً وإطلاق رواية جابر وصحيحة الحلبي الماضيتين.(6)

1 . الوسائل ج15: الباب 2من أبواب العدد، الحديث 4و6و7.
2 . الوسائل ج15: الباب 2من أبواب العدد، الحديث 4و6و7.
3 . الوسائل ج15: الباب 2من أبواب العدد، الحديث 4و6و7.
4 . الوسائل ج15: الباب 4من أبواب العدد، الحديث 18و9.
5 . الوسائل ج15: الباب 4من أبواب العدد، الحديث 18و9.
6 . ص 249ـ 250 ولاحظ الوسائل ج15: الباب 25من أبواب مقدمات الطلاق الحديث 1و2.

صفحه 252
غير أنّ مقتضى الجمع حملها على غير البالغة لصراحة رواية عبد الرحمان بن الحجاج في المقام.
وإليك الكلام في البالغة المرتابة:

1ـ من لاتحيض وهي في سنّ من تحيض

لاشك انّ من لاتحيض وهي في سنّ من تحيض هي المرتابة التي هي صريح مورد الآية أعني قوله سبحانه:(واللائي لم يحضن) (إن ارتبتم) وعلى فرض عدم تقدير شرط فمنصرف الفقرة هو هذا القسم وتدل عليه من النصوص رواية أبي نصر البزنطي، عن محمد بن حكيم، عن عبد صالح (عليه السلام)قال: قلت له: المرأة الشابة التي لاتحيض ومثلها يحمل، طلّقها زوجها، قال: عدّتها ثلاثة أشهر.(1)

2ـ من كانت تحيض مدّة لكن انقطع الدم لأمر غير معلوم

وهي أيضاً من أقسام المرتابة وإن لم تذكر في الآية ولافي النصوص بخصوصها لكنّها تعتد بنفس الملاك الموجود في البالغة المرتابة التي لم يسبق حيضها.

3ـ من لاتحيض ولكن انقطع الدم لأمر معلوم

وهذه كالمرضعة التي انقطع عنها الدم لأمر معلوم وتدل عليه رواية أبي العباس البقباق قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل طلّق امرأته بعد ما ولدت وطهرت وهي امرأة لاترى دماً مادامت ترضع ما عدّتها؟ قال: ثلاثة أشهر.(2)

1 . الوسائل ج15: الباب 4من أبواب العدد، الحديث8.
2 . الوسائل ج15: الباب 4من أبواب العدد، الحديث 6.

صفحه 253
ثمّ إنّ الأقسام الثلاثة الأخيرة يشترك في أمر وهو أنّها تراعى الشهور والأقراء فإن سبقت الأطهار قبل انقضاء الشهور الثلاثة خرجت العدّة، وإن سبقت الشهور البيض قبل الاقراء فقد خرجت العدّة وعليه عدّة من الروايات:
روى زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: أمران أيّهما سبق بانت منه المطلّقة: المسترابة إن مرت بها ثلاثة أشهر بيض ليس فيها دم بانت منه، وإن مرت بها ثلاثة حيض ليس بين الحيضتين ثلاثة أشهر بانت بالحيض، قال ابن أبي عمير: قال جميل: وتفسير ذلك إن مرّت بها ثلاثة أشهر إلاّ يوماً فحاضت ثم مرت بها ثلاثة أشهر إلاّ يوماً فحاضت ثم مرت بها ثلاثة أشهر إلاّ يوماً فحاضت فهذه تعتد بالحيض على هذا الوجه، ولاتعتد بالشهور، وإن مرت بها ثلاثة أشهر بيض لم تحض فيها فقد بانت.(1)
وروى أيضاً، عن أحدهما (عليهما السلام) قال: أيّ الأمرين سبق إليها فقد انقضت عدّتها: إن مرت بها ثلاثة أشهرلاترى فيها دماً فقد انقضت عدّتها، وإن مرّت ثلاثة أقراء فقد انقضت عدّتها.(2)
وروى محمد بن حكيم، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام)عن امرأة يرتفع حيضها فقال: ارتفاع الطمث ضربان: فساد من حيض، وارتفاع من حمل فأيّهما كان فقد حلّت للأزواج إذا وضعت أو مرت بها ثلاثة أشهر بيض ليس فيها دم.(3)
نعم، الحكم الوارد في هذه الروايات يعم الأقسام الثلاثة الأخيرة دون القسم الأوّل لفرض أنّها لاتحيض وهي في سنّ من لاتحيض فالاعتداد هناك بالشهور فقط.
فتلخّص ممّا ذكرنا أمران:

1 . الوسائل ج15: الباب 4من أبواب العدد، الحديث5و3و16.
2 . الوسائل ج15: الباب 4من أبواب العدد، الحديث5و3و16.
3 . الوسائل ج15: الباب 4من أبواب العدد، الحديث5و3و16.

صفحه 254
1ـ انّ الاعتداد بالأشهر إنّماهو مع عدم إمكان حصول الاقراء.
2ـ إذا أمكن حصول الاقراء فأيّهما سبق اعتدت به.

الأمر الرابع

في فروع تسعة

الأوّل: لاشك انّ من تحيض فيما زاد على ثلاثة أشهر ولو ساعة فهي تعتد بالشهور كما انّ من تعتد بأقل منها ولو لحظة تعتد بالاقراء. وعليه ففي الصورة الاُولى(من تحيض فيما زاد على ثلاثة أشهر) فلو طلقت في أوّل الطهر تعتد بالشهور، وأمّا إذا طلقت أثناء الطهر بحيث لاتسلم ثلاثة أشهر بيض، فبما ذا تعتد؟
الجواب: انّها تعتد بالأشهر و يكون مبدؤها هو طهرها من الحيض الذي عرض لها بعد الطلاق، حتى تكمل الثلاثة، والطهر الفاصل بين الطلاق والحيض بعده، لايحسب منها بل تعد مرورها مقدمة لحصول الاعتداد بالأشهر.
الثاني: إذا فرضنا انّ امرأة تحيض في كلّ أربعة أشهر مثلاً مرة، فلو طلّق، في زمان يبقى معه ثلاثة أشهر بعد الطلاق فتنقضي عدّتها بالأشهر، وأمّا لو فرض طلاقها في وقت لايبقى من الطهر أشهر تامّة، فكيف تعتد؟
الجواب: انّ حكمها، حكم المرأة السابقة وأنّها تعتد بالشهور غير أنّ مبدأ الثلاثة الأشهر هو الطهر من الحيض الذي عرض لها بعد الطلاق حتى يكمل الثلاثة، ويكون مرور الفصل بين الطلاق والحيض مقدمة لحصول الشهور الثلاثة البيض.
لكن صاحب المسالك احتمل أنّها تعتد في الصورتين الماضيتين بالاقراء بحجة: أنّ الفصل الواقع بين الطلاق والحيض أقل من ثلاثة، ثم اعترض عليه بأنّها ربّما صارت (كما في الصورة الثانية) عدّتها سنة وأكثر على تقدير وقوع الطلاق

صفحه 255
في وقت لايتم بعده ثلاثة أشهر بيض.(1)
وهو كما ترى، لأنّ الميزان في الاعتداد بالاقراء، ليس محاسبة المدّة الواقعة بين الطلاق والحيض حتى يحكم بالاعتداد بالاقراء في مثل الصورتين، بل الميزان ملاحظة المدة بين الحيضتين والمفروض انّها أزيد من ثلاثة. غاية الأمر يكون الفصل الأقل بين الطلاق والحيض غير محسوب.
الثالث: لو كانت لاترى الدم إلاّ في كلّ سنة أو أزيد، فهي تعتدّ بالأشهر. ولو طلقت في وقت لايسلم بعد الطلاق ثلاثة أشهر، فهي أيضاً تعتد بالأشهر بنفس البيان.
الرابع: إذا كانت تحيض في كلّ ثلاثة أشهر مرّة ، فهي تعتدّ بالأقراء، حسب تفسير جميل كلام الإمام وهو من أصحاب الصادق (عليه السلام) وتلامذته الأجلاء.
غير أنّ الظاهر من صحيحة محمّد بن مسلم أنّه تعتدّ بالشهور، روى عن أحدهما (عليهما السلام)قال: في التي تحيض في كل ثلاثة أشهر مرة أو في ستّة أو في سبعة أشهر... أنّ عدة هؤلاء كلهنَّ ثلاثة أشهر(2) ومثلها صحيحة أبي مريم(3) ورواية أبي بصير(4)
وظاهر هذه الروايات هو أنّ من كانت عادتها في الحيض في كل ثلاثة أشهر فإنّها تعتد بالأشهر، ولاقائل بها من الأصحاب فتطرح ويرجع علمها إلى أهلها.
الخامس: لاشك أنّ من تعتاد الحيض في كلّ خمسة أشهر أو ستة أشهر مرة واحدة، فانّها تعتد بالأشهر لحصول ثلاثة أشهر بيض في تلك المدة فتخرج بها من

1 . المسالك :2/38.
2 . الوسائل ج15: الباب4من أبواب العدد، الحديث 1و2.
3 . الوسائل ج15: الباب 13 من أبواب العدد، الحديث3.
4 . الوسائل ج15 الباب4 من أبواب العدد، الحديث2.

صفحه 256
العدّة.
وتدل على ذلك صحيحة زرارة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن التي لاتحيض إلاّ في ثلاث سنين أو أربع سنين قال: تعتدّ بثلاثة أشهر ثم تزوج إن شاءت. (1) وقد عرفت تنصيص محمد بن مسلم(2) بذلك.
غير أنّ في مقابلهما أحاديث تدل على اعتدادها بالاقراء وهي شواذ لاتعمل بها. روى أبو بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال في التي لاتحيض إلاّ في كل ثلاث سنين أو أكثر من ذلك قال: فقال: مثل قرئها الذي كانت تحيض في استقامتها ولتعتد ثلاثة قروء وتزوّج إن شاءت.(3)
وقريب منها، رواية ابن حمزة الغنوي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في المرأة التي لاتحيض إلاّ في كل ثلاث سنين أو أربع سنين أو خمس سنين، قال: تنتظر مثل قروءها التي كانت تحيض فلتعتد ثم تزوج إن شاءت.(4)
ورواية أبي الصباح قال: سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن التي لاتحيض في كل ثلاث سنين إلاّ مرة واحدة كيف تعتد؟ قال: تنتظر مثل قرءها التي كانت تحيض في استقامتها ولتعتد ثلاثة قروء ثم تزوج إن شاءت.(5)
ولعل القرؤ كناية عن الأشهر بمعنى احتساب كل شهر حيضة كما أومى إليه خبر أبي بصير (6).
السادس: قد عرفت أنّ من لاتحيض وهي في سنّ من تحيض، تراعي الشهور والحيض فإن سبقت الأطهار فقد خرجت عن العدّة، وإن سبقت الشهور الثلاثة البيض فكذلك، وأمّا إذا اعتدت شهرين ثم رأت في الثالث حيضاً وتأخر الثانية أو الثالثة و هي المسترابة بالحمل و الأولى أن يقال المحتبسة الدم تتميز عن

1 . الوسائل ج15: الباب 4من أبواب العدد، الحديث11و1.
2 . الوسائل ج15: الباب 4من أبواب العدد، الحديث11و1.
3 . المصدرنفسه الحديث 14و19و15و2 و لاحظ الجواهر ج32: 248.
4 . المصدرنفسه الحديث 14و19و15و2 و لاحظ الجواهر ج32: 248.
5 . المصدرنفسه الحديث 14و19و15و2 و لاحظ الجواهر ج32: 248.
6 . المصدرنفسه الحديث 14و19و15و2 و لاحظ الجواهر ج32: 248.

صفحه 257
النوع التاسع (1) ففيها قولان:
الأوّل: تصبر مدّة تعلم بها براءة رحمها من الحمل وهي تسعة أشهر في حين الطلاق فإن ظهر بها حمل اعتدت بوضعه، وإن لم يظهر بها حمل وعلمت براءة رحمها اعتدت بعد التسعة، ثلاثة أشهر.
الثاني: أنّها تصبر سنة لأنّها أقصى مدّة الحمل فإن ظهر بها حمل اعتدت بها وإن مرّت الأقراء الثلاثة بها ضِمْنَ هذه المدة، اعتدت بها وإلا اعتدت ثلاثة أشهر بعد إكمال السنة إن لم يتم الأقراء في أمثالها.
وتدل على الأوّل رواية سورة بن كليب قال: سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام)عن رجل طلّق امرأته تطليقة واحدة على طهر من غير جماع بشهود طلاق السنة وهي ممّن تحيض، فمضى ثلاثة أشهر فلم تحض إلاّ حيضة واحدة ثم ارتفعت حيضتها حتى مضى ثلاثة أشهر اُخرى، ولم تدر ما رفع حيضتها فقال: إن كانت شابّة مستقيمة الطمث فلم تطمث في ثلاثة أشهر إلاّ حيضة ثم ارتفع طمثها فلاتدري ما رفعها فإنّها تتربّص تسعة أشهر من يوم طلقها ثم تعتدّ بعد ذلك ثلاثة أشهر ثم تزوج إن شاءت(2)
والحديث في مستقيمة الحيض التي عرض لها ارتفاع الحيض ولم تعلم سببه ومن المحتمل كونه الحمل وإنّما عدل عن القاعدة السابقة أي كفاية سبق أحد الأمرين: الاقراء أو الشهور الثلاثة لأجل احتمال الحمل وعليه كان مقتضى القاعدة في المقام هو الانتظار إلى تمام التسع التي تتم بها الاقراء، أو ثلاثة أشهر أو وضع الحمل. ولكن ورد التعبد بالاعتداد ثلاثة أشهر أيضاً بعد التسع .

1 . لاحظ الحدائق: 25: 416 لقد بسط الكلام في المسألة.
2 . الوسائل ج15: الباب 13من أبواب العدد، الحديث 2، وفي السند مالك بن عطية الكوفي الثقة، وأمّا سورة بن كليب فعدّه الشيخ من أصحاب الصادق (عليه السلام) وهو من الحسان.

صفحه 258
غير أنّ ابن إدريس (1) طرح الخبر، لكونه خبراً واحداً وأخذ بمقتضى القاعدة وهو التربص إلى أقصى الحمل أعني التسعة أشهر.
وقد أورد في المسالك على هذا القول إشكالات خمسة من كونه ضعيف السند أوّلاً، ومخالفاً للأصل في اعتبار الحمل بتسعة أشهر ثانياً ، وأنّ اعتدادها بثلاثة أشهر بعد العلم ببراءتها من الحمل ـ لاوجه له بعد حصول ـ أحد الأمرين: الاقراء، أو الشهور البيض، ثالثاً. إلى غير ذلك من الإشكالات.
لكن لو كانت الرواية قابلة للاحتجاج يمكن أن يقال إنّ الاعتداد بالمدّة الطويلة، لأجل كون التسعة أشهر إنّما هو لدفع شبهة الحمل، ولو لم يكن هناك احتمال الحمل لما وجب الصبر، وأمّا الاعتداد، فإنّما هو بالثلاثة أشهر، وقد عرفت أنّ استبراء الرحم من الحمل من الحكم الشرعية وليس ملاكاً له، وقد تفطن بهذه النكتة ابن إدريس وقال: إذا احتبس الدم الثالث بعد مضي تسعة أشهر اعتدت بعدها بثلاثة أشهر تمام السنة لأنّها تستبرأ بتسعة أشهر وهي أقصى مدة الحمل فيعلم انّها ليست حاملاً ثم تعتد بعد ذلك عدتها وهي ثلاثة أشهر».(2)
وذكر العلامة في القواعد: «لو رأت الدم في الثالث وتأخرت الحيضة الثانية أو الثالثة صبرت تسعة أشهر ليعلم براءة رحمها ثم اعتدت بعد ذلك بثلاثة أشهر، وفي رواية تصبر سنة ثم تعتد ونزلها قوم على احتباس الدم الثالث».(3)
ومع ذلك كله فدفع شبهه الحمل يتم بأقل من التسعة لأنّه يستبين في زمان أقل من هذا فكيف يمكن حمل الصبر عليه، ولو حمل الخبر على الندب وشدة الاحتياط وانّه تخرج من العدة بأحد الأمرين بعد الاحتباس لكان أحسن، من فرض العدة الطويلة عليها بلاوجه. واللّه العالم.

1 . السرائر:340، كتاب الطلاق.
2 . المسالك2: والمطبوع عندنا غير مرقّم.
3 . القواعد: كتاب الطلاق، المقصد الرابع في العدد في الفصل الثاني.

صفحه 259
وأمّا ما ذهب إليه ابن إدريس من لزوم الصبر إلى تسعة أشهر، فهو بلا وجه ولادليل عليه، لماعرفت من أنّ الحمل يستبين في أقل من ذلك فالأمر دائر بين الاكتفاء بأحد الأمرين إذا سبق، أو العمل بمفاد الحديث لاغير.
وأمّا الثاني فتدل عليه موثقة عمار الساباطي قال:سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل عنده امرأة شابّة وهي تحيض في كل شهرين أو ثلاثة أشهر حيضة واحدة كيف يطلقها زوجها؟ فقال: أمر هذه شديد، هذه تطلّق طلاق السنّة تطليقة واحدة على طهر من غير جماع بشهود ثم تترك حتى تحيض ثلاث حيض متى حاضتها فقد انقضت عدّتها، قلت له: فإن مضت سنة ولم تحض فيها ثلاث حيض؟ فقال: يتربّص بها بعد السنة ثلاثة أشهر ثم قد انقضت عدّتها، قلت: فإن ماتت أو مات زوجها؟ قال: أيّهما مات ورثه صاحبه ما بينه وبين خمسة عشر شهراً.(1)
وحملها الشيخ على احتباس الدم بعد المرّة الاُولى، كما أنّ حسنة سورة بن كليب وردت في الاحتباس بعد الثانية، ولكنّها غير ظاهرة لأنّ قوله في الحسنة«ولم تحض فيها ثلاث حيض» يصدق على الاحتباس بعد المرّة الاُولى، وبعد الثانية أيضاً.
وما أورد عليه صاحب المسالك يتوجه على هذا أيضاً بوجه أتم، ولولا دعوى الشهرة على العمل بالاُولى، أمكن حمل الروايتين على الندب، طلباً للتنزّة الكثير. والأخذ بمقتضى القاعدة: أي كفاية سبق أحد الأمرين بعد الاحتباس لكن الأحوط الأخذ بما عليه المشهور.
السابع : لو طلّقت ذات الأقراء قبل بلوغ سنّ اليأس ورأت الدم مرة أو

1 . الوسائل ج15: الباب 13من أبواب العدد، الحديث 1.

صفحه 260
مرتين ثم يئست، أكملت العدّة بشهر أو شهرين.
أقول: إنّ هذه المرأة ليست يائسة حتى لاتكون لها عدّة ولامن غيرها حتى تعتد بالأقراء والشهور، فما دلّ على عدم اعتداد الاُولى أصلاً واعتداد الثانية بالأقراء، والشهور لايشملها ومقتضى القاعدة عدم وجوب الاكمال عليها للأصل، وإنّما ذهب إليه الأصحاب قاطبة لما رواه هارون بن حمزة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في امرأة طلّقت وقد طعنت في السن فحاضت حيضة واحدة ثم ارتفع حيضها؟ فقال: تعتد بالحيضة وشهرين مستقبلين فإنّها قد يئست من المحيض.(1)
وربما يعلل بأنّ الشارع حكم عليها بوجوب العدّة قبل اليأس وقد كانت من ذوات الأقراء، فإذا تعذّر إكمالها لليأس، المقتضي انتفاء حكم الحيض مع تلبسها بالعدّة، أكملت بالأشهر، لأنّها بدل عن الأقراء فيجعل لكل قرء شهر، وفيه تأمل(2)، ولكنّ المهم هو النص.
وبالتعليل الوارد في النص(فانّها قد يئست من المحيض) يعلم حكم عكس المسألة (3)، وهو ما إذا طلقت ذات الشهور واعتدّت شهراً أو شهرين ثم يئست أتمت ثلاثة، وذلك لاشتراكهما في التعليل، وحاصله أنّ المطلّقة غير اليائسة إذا دخلت في حدّ اليأس ويئست عن المحيض يجب إكمال عدّتها بشكل ممكن وليس هو هنا إلاّ الشهرأو الشهران لفرض دخولها في اليأس.
الثامن : المدار في الشهور على الهلالي لأنّها المتبادر من الآيات والروايات، ثمّ إنّه إن وقع الطلاق في أوّل رؤية الهلال، فلاشك انّه تخرج عن العدّة بخروج

1 . الوسائل ج15: الباب6من أبواب العدد الحديث 1.
2 . نيابة الأشهر عن الاقراء في غير اليائسة لافيها كما هي المفروض في المقام.
3 . المسألة السابقة: ذات الاقراء.

صفحه 261
الشهر الثالث كما هو المصرح في خبر أبي مريم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : في الرجل كيف يطلّق امرأته وهي تحيض في كل ثلاثة أشهر حيضة واحدة؟ قال: يطلّقها تطليقة واحدة في غرّة الشهر إذا انقضت ثلاثة أشهر من يوم طلّقها فقد بانت منه وهو خاطب من الخطّاب.(1)
إنّما الكلام فيما إذا طلقت في أثناء الشهر، فعندئذ يقع الكلام في كيفية محاسبة الشهور الثلاثة ويتصور على وجوه:
1ـ تعتد بهلالين لتمكنها منها وتأخذ من الثالث بقدر الغائب من الشهر الأوّل ليتحقق بذلك صدق ثلاثة أهلّة، مال إليه صاحب الجواهر.
2ـ تعتد بشهور ثلاثة هلاليّة، وذلك بأن تكمل الثالث ثلاثين، ليتحقق الاعتداد بشهور هلالية ثلاثة، مال إليه المحقق في الشرائع.
3ـ يكمل الأوّل من الثاني فينكسر، ويكمل من الثالث فينكسر، فيكمل من الرابع والأوّل هو الأقوى والثاني أحوط، والمتعارف عند الناس في الآجال هو الثالث.
التاسع: في المرتابة بالحمل عبرنا بها ليتميز عن النوع السادس كما أشرنا إليه و هذه المسألة غير ما مرّ هناك وذلك لأنّ ما سبق في المحتبسة الدم من غير أن يعلم وجه الاحتباس وهذا بخلاف ما نحن فيه، فإنّ الاحتباس إنّما هو لريبة الحمل لاغير، وصور المسألة ثلاثة، لأنّ الارتياب بالحمل تارة يكون بعد انقضاء العدّة والنكاح ، واُخرى بعد العدة وقبل النكاح وثالثة قبل انقضاء العدّة. وعلى التقادير الثلاثة فالحكم الواقعي معلوم إذ لو تبين في ما يأتي من الأيّام كونها حاملاً يترتب عليه فساد النكاح وعدم الخروج من العدة وإلاّ فلا. إنّما الكلام في الحكم الفعلي

1 . الوسائل ج15: الباب 13من أبواب العدد، الحديث 3.

صفحه 262
في حال الريبة، فنقول:
أمّا الصورة الأولى: فمقتضى القاعدة صحة النكاح ـ فضلاً عن صحة الخروج عن العدّة ـ بعد قيام الأمارة الشرعية على خروجها من العدّة فلايعتنى بظن الريبة الذي ليس بحجّة، مضافاً إلى حسنة محمد بن حكيم عن العبد الصالح (عليه السلام)قال: قلت له: «المرأة الشابة التي تحيض مثلها يطلّقها زوجها فيرتفع طمثها ما عدّتها؟ قال: ثلاثة أشهر، قلت: فانّها تزوجت بعد ثلاثة أشهر فتبين بها بعد ما دخلت على زوجها أنّها حامل، قال: هيهات من ذلك يا ابن حكيم رفع الطمث ضربان: إمّا فساد من حيضه فقد حل لها الازواج وليس بحامل، وإمّا حامل فهو يستبين في ثلاثة أشهر لأنّ اللّه عزّ وجلّ قد جعله وقتاً يستبين فيه الحمل، قال: قلت: فانّها ارتابت قال: عدّتها تسعة أشهر.
قال: قلت: فإنّها ارتابت بعد تسعة أشهر؟ قال: إنّما الحمل تسعة أشهر، قلت: فتزوج؟ قال: تحتاط بثلاثة أشهر، قلت: فإنّها ارتابت بعد ثلاثة أشهر، قال: ليس عليها ريبة تزوّج».(1)
ولايخفى أنّ صدر الحديث يحكي بأنّه لاريبة بعد الثلاث وعلى ذلك فلايظهر وجه لقوله في الفقرة الثانية من الحديث:«عدتها تسعة أشهر فضلاً عن الاحتياط بثلاثة أشهر» بعد السؤال الثالث، فالحديث لايخلو عن اضطراب واختلاف بين الفقرتين، فلامناص إلاّ القول بأنّ الحكم الشرعي هو عدم الاعتناء بعد الثلاثة، غير أنّ الاصطبار بتسعة أشهر فيما إذا حصلت الريبة بعد انقضاء العدّة وقبل الزواج أو مطلقاً حتى ولو بعد الزواج، أمر مندوب حتى يتبين له الحال طلباً للتنزّه، ومنه يظهر حكم الحالة الثانية، أعني ما إذا حصلت الريبة بعد انقضاء العدّة وقبل التزويج، فلايعتنى بظن الريبة بعد وجود الأمارة على أنّها

1 . الوسائل ج15: الباب 25من أبواب العدد، الحديث 4.

صفحه 263
خرجت عن العدّة.
وأمّا ما ورد في الموثقة الاُخرى لمحمد بن حكيم، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: قلت له: المرأة الشابّة التي تحيض مثلها يطلّقها زوجها فيرتفع طمثها كم عدّتها؟ قال: ثلاثة أشهر قلت: فإنّها ادّعت الحبل بعد ثلاثة أشهر، قال: عدّتها تسعة أشهر، قلت: فإنّها ادّعت الحبل بعد تسعة أشهر قال: إنّما الحمل تسعة أشهر، قلت: تزوّج، قال: تحتاط بثلاثة أشهر، قلت: فانّها ادّعت بعد ثلاثة أشهر، قال: لاريبة عليها تزوّج إن شاءت»(1)فلاصلة له بالمقام، وإنّما هو في المرأة الشابة التي تدعي الحبل بعد ثلاثة أشهر، ومن المعلوم أنّها ملزمة بالعمل بما تدعي من الحمل أعني الاصطبار إلى تسعة أشهر، ومثلها خبره الثالث.(2)
ومنها يعلم حكم الصورة الثانية أعني كون الارتياب بعد العدة وقبل النكاح.
وأمّا الصورة الثالثة أعني ما إذا ارتابت بالحمل قبل انقضاء العدّة ربما يقال: إنّه لا يجوز له النكاح بعد انقضاء ثلاثة أشهر قال العلاّمة: «لو ارتابت به قبل انقضاء العدة فإنّها لا تنكح و لو انقضت العدة حتى يتحقق الخلو أو تضع الحمل»(3) فهل لا يجوز ، استصحاباً لبقائها على العدّة، أو يجوز أخذاً بالأمارة الشرعية واستصحاب عدم الحمل الحاكم على استصحاب بقاء العدة حكومة الأصل السببي على الأصل المسببي.
وأمّا صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج(4) فإنّما هي كالخبرين السابقين لمحمد بن حكيم خارجة عن محل البحث، فإنّما هي فيما ادّعت المرأة الحبل. وسيأتي البحث عنها في عدة الحامل فانتظر.

1 . الوسائل ج15: الباب 25 من أبواب العدد، الحديث 2و4.
2 . الوسائل ج15: الباب 25 من أبواب العدد، الحديث 2و4.
3 . التحرير: كتاب الطلاق و العدة: 71.
4 . الوسائل ج15: الباب 25 من أبواب العدد، الحديث 1.

صفحه 264

الأمر الخامس

في عدة الحامل

المعروف بين الأصحاب أنّ عدة الحامل تنقضي بوضع الحمل فقط ولو بعد الطلاق بلافصل، وليس لها أجل غيره. ولم يخالف في ذلك إلاّ الصدوق في الفقيه وابن حمزة في وسيلته.
قال الصدوق في المقنع: واعلم أنّ أولات الأحمال أجلهنّ أن يضعن حملهنّ وهو أقرب الأجلين، وإذا وضعت أو أسقطت يوم طلّقها أو بعده متى كان، فقد بانت منه وحلّت للأزواج و إذا مضى بها ثلاثة أشهر من قبل أن تضع فقد بانت منه ولاتحل للأزواج حتى تضع.(1)
وقال ابن حمزة:« فالحامل عدتها أقرب الأجلين، ومعنى ذلك أنّ الرجل إذا طلّق امرأته حاملاً، ووضعت حملها عقيب الطلاق بلحظة بانت منه بوضع الأوّل، ولم يجز لها أن تتزوّج إلاّ بعد وضع جميع ما في بطنها ـ إلى أن قال ـ وإن مضت على ذلك ثلاثة أشهر، ولم تضع الحمل بانت منه ولم يجز لها التزوّج إلاّ بعد وضع الحمل.(2)
وقال السيد المرتضى: «ومما يظن أنّ الإمامية مجتمعة عليه ومنفردة به، القول

1 . المقنع كتاب الطلاق/116
2 . الوسيلة:235، كتاب الطلاق في أحكام العدّة .

صفحه 265
بأنّ عدة الحامل المطلّقة أقرب الأجلين، وتفسير ذلك أنّ المطلّقة إذا كانت حاملاً ووضعت قبل مضي الاقراء الثلاثة فقد بانت بذلك، وإن مضت الاقراء الثلاثة قبل أن تضع حملها بانت بذلك أيضاً .
وقد بيّنا في جواب المسائل الواردة من أهل الموصل الفقهية انّه ما ذهب جميع أصحابنا إلى هذا المذهب ولا أجمع العلماء منّا عليه، وأكثر أصحابنا يفتى بخلافه، ويذهب إلى أنّ عدّة من ذكرنا حالها، وضعها الحمل، وأنّ من ذهب إلى خلاف ما نصرناه إنّما عوّل على خبر يرويه زرارة بن أعين عن أبي جعفر (عليه السلام) ، وقد بيّنا أنّه ليس بحجّة توجب العلم، وسلّمناه مع ذلك وتأوّلناه واستوفينا هناك من الكلام ما لاطائل في إعادته هاهنا. وفي الجملة إذا كانت هذه المسألة مما لايجمع أصحابنا عليها ويختلفون فيها فهي خارجة عمّا بنينا هذا الكتاب عليه.(1)
وذكر نظير ذلك ابن إدريس في السرائر حيث قال:«وقد ذهب بعض أصحابنا إلى أنّ الحامل أقرب عدّتها، أقرب الأجلين من جملتهم ابن بابويه ومعنى ذلك أنّها إن مرت بها ثلاثة أشهر فقد انقضت عدّتها ولاتحل للأزواج حتى تضع ما في بطنها، وإن وضعت الحمل بعد طلاقه بلافصل بانت منه وحلّت للأزواج.(2)
والحق ما هو المشهور ويدل عليه من الكتاب قوله سبحانه:(وَ أُولاتُ الأحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ)(3) ولو كان لهنّ أجل آخر، أعني مرور ثلاثة أشهر قبل الوضع، أو الاقراء الثلاثة ـ على فرض نادر ـ كان المناسب ذكره لأنّه بصدد بيان ما تخرج به الحوامل عن العدّة.
وأمّا خروجهنّ عن العدّة بالثلاثة فإن أُريد منها، ثلاثة أشهر كما في عبارة

1 . الانتصار: 148.
2 . السرائر:328، كتاب الطلاق.
3 . الطلاق: 4.

صفحه 266
الصدوق فقد خص الخروج بها في الآية، باليائسة المرتابة ومن لا تحيض وهي في سن من تحيض، وليست الحامل بيائسة قطعاً، ولاممن لاتحيض وهي في سنّ من تحيض.
وإن أُريد منها، ثلاثة قروء كما في عبارة المرتضى، فما دل عليه أعني قوله سبحانه: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوء).(1) إمّا منصرف إلى غير الحامل، لأنّها لاتحيض بالأغلب الغالب، وعلى فرض عموميتها، تخصّص بآية الحمل لكونها أخص منها. وكأنّه يقول سبحانه: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوء) إلاّ الحامل فإنّها تتربّص إلى وضع حملها.
وعلى ذلك، فمقتضى الآيات هو انحصار أجلها في وضع حملها، وأمّا الروايات فيدل عليه لفيف منها:
1ـ ما رواه الصدوق باسناده، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: طلاق الحامل واحدة، فإذا وضعت ما في بطنها فقد بانت منه.(2)
2ـ ما رواه إسماعيل الجعفي، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: طلاق الحبلى واحدة، فإذا وضعت ما في بطنها فقد بانت.(3)
3ـ ما رواه سماعة قال: سألته عن طلاق الحبلى، فقال: واحدة وأجلها أن تضع حملها.(4)
ثم إنّ الصدوق وابن حمزة كما عرفت ذهبا إلى غير ما ذهب إليه المشهور وأُستدلّ لقولهما بروايات ثلاث:

1 . البقرة: 228.
2 . الوسائل ج15: الباب 9 من أبواب العدد، الحديث 1و4و5 ولاحظ أيضاً الحديث 7و8من هذا الباب.
3 . الوسائل ج15: الباب 9 من أبواب العدد، الحديث 1و4و5 ولاحظ أيضاً الحديث 7و8من هذا الباب.
4 . الوسائل ج15: الباب 9 من أبواب العدد، الحديث 1و4و5 ولاحظ أيضاً الحديث 7و8من هذا الباب.

صفحه 267
1ـ ما رواه أبو الصباح الكناني عن الصادق (عليه السلام) : «طلاق الحامل واحدة وعدّتها أقرب الأجلين».(1) وهو أصرح ما في الباب.
2ـ ما رواه الحلبي صحيحاً عن الصادق (عليه السلام) قال: «طلاق الحبلى واحدة وأجلها أن تضع حملها وهو أقرب الأجلين».(2)
3ـ ومثله صحيحة أبي بصير(3).
ثم إنّ صاحب الحدائق صار بتأويل الرواية الأُولى التي هي صريحة في مدعاهما فقال:«إنّ الخبر في الرواية الاُولى محذوفة وهو أن تضع حملها وكأنّ قال: طلاق الحامل واحدة وعدّتها أن تضع حملها» الذي هو أقرب الأجلين فقوله: «أقرب الأجلين» ليس بخبر وإنّما هو صفة لموصوف محذوف.
وعلى ذلك فتكون الروايتان هادفتين إلى معنى واحد وهو أنّ أجلها شيء واحد وهو وضع الحمل وأمّا أنّه كيف يكون وضع الحمل أقرب الأجلين، فقال في وجهه ما هذا توضيحه: أنّ وضع الحمل يمكن أن يكون بعد الطلاق بلحظة أوأيّام يسيرة فهو قابل للأقربية، كما هو قابل للأبعدية وهذا بخلاف التحديد بثلاثة أشهر، فإنّه لا قرب فيها بالكليّة (4). فالمقصود من الأقربية كونه أقرب في بعض الأحوال لامطلقاً.
يلاحظ عليه: أنّ معنى أقرب الأجلين هو أنّ وضع الحمل أقربهما مطلقاً لاأنّه قابل للأقربية أحياناً كما إذا وضع بعد الطلاق بلحظة أو أيام يسيرة.
ثمّ إنّ صاحب الجواهر حاول الاستدلال بالرواية على القول الثاني وجعل الأصل هو الحديث الأوّل وصار إلى تطبيق الحديث الثاني على الأوّل وقال:

1 . الوسائل ج15: الباب 9 من أبواب العدد، الحديث3و6و2 .
2 . الوسائل ج15: الباب 9 من أبواب العدد، الحديث3و6و2 .
3 . الوسائل ج15: الباب 9 من أبواب العدد، الحديث3و6و2 .
4 . الحدائق 25: 450.

صفحه 268
«إنّ قوله:«وهو أقرب الأجلين» جملة حالية مكان كونها جملة مستأنفة والمراد منه أنّ الاعتداد بالوضع إنّما هو في حال يكون أقرب الأجلين لاما يكون أبعدهما وإلاّ فتعتد بالثلاثة فيوافق الثاني مع الأوّل(1).
يلاحظ عليه: أنّه لايخلو من تكلّف، بل الظاهر أنّه يصف وضع الحمل بكونه أقرب الأجلين مطلقاً.
والحق أن يقال: إنّ الروايات لاتخلو من إجمال ضرورة أنّا نعلم أنّ وضع الحمل ليس أقرب الأجلين قطعاً فلايصحّ الاحتجاج بالروايات.
ثم إنّه يكفي في الخروج عن العدّة خروج الولد تاماً أو غير تام وتدل عليه مضافاً إلى إطلاق الكتاب، موثقة عبد الرحمان بن الحجاج عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «سألته عن الحبلى إذا طلّقها زوجها فوضعت سقطاً تمّ أو لم يتمّ أو وضعته مضغة فقال: كل شيء يستبين أنّه حمل تمّ أو لم يتمّ فقد انقضت عدتها وإن كان مضغة».(2)
وليس في الرواية دليل على أنّ المضغة أقل ما يتحقق به الحمل، و ذلك لأنّه إنّما ورد في كلام الإمام لأجل ورودها في كلام السائل. فالميزان صدق الحمل، ولو كان علقة، وأمّا خروج المني فيشكل العلم بأنّه كان مستقراً في الرحم ثم خرج منها. والمقياس على ما عرفت هو صدق الحمل على كل تقدير.
وأمّا المراد من الوضع فلو كان متصلاً فلايصدق إلاّ بعد خروج الكل، ولو كان منفصلاً فلايصدق إلاّ بعد خروج الجميع وذلك لأنّ المراد من قوله (أن يضعن حملهنّ )هو الفراغ من الحمل ولايصدق الفراغ إلاّ بعد خروج الكل متصلاً كان أو منفصلاً، ولو شك في الخروج عن العدّة وعدمه فالاستصحاب هو

1 . الجواهر32: 254.
2 . الوسائل الجزء 15، الباب 11 من أبواب العدد الحديث1.

صفحه 269
المحكّم القاضي ببقائها على العدّة. نعم هو من قبيل استصحاب الحكم الشرعي الذي اختلفت في جوازه الانظار، وسيوافيك توضيحه عند البحث عمّا إذا وضع أحد الحملين دون الآخر.
وعلى ضوء هذا فلو رجع والحمل بعد لم يتم خروجه لكان الرجوع في العدّة كما لو مات الزوج ترثه الزوجة وبالعكس.

لو ادعت الحمل

ولو طلّقت فادّعت الحمل صبر عليها أقصى الحمل وهو تسعة أشهر من حين الوطء لأنّها بزعمها من «اولات الأحمال» الواجب عليهنّ الاعتداد بذلك.
هكذا ذكره المحقق وغيره، وهذا هو المشهور، غير أنّ في خصوص المقام روايات تدل على الصبر إلى سنة، وهو لاينافي بما ثبت في محله أنّ أقصى الحمل تسعة أو عشرة، وحاصل هذه الروايات أنّه إن ظهر بالصبر إلى تسعة أشهر أنّها حامل وإلاّ اعتدت بعدها بثلاثة أشهر.
روى عبد الرحمان بن الحجاج قال: سمعت أبا إبراهيم (عليه السلام) يقول: إذا طلّق الرجل امرأته فادّعت حبلاً انتظر بها تسعة أشهر فإن ولدت وإلاّ اعتدّت بثلاثة أشهر ثم قد بانت منه.(1)
وروى محمد بن حكيم (2) ، عن أبي الحسن (عليه السلام)قال: قلت له: المرأة الشابة التي تحيض مثلها يطلّقها زوجها فيرتفع طمثها ما عدّتها؟ قال: ثلاثة أشهر، ـ إلى أن قال ـ قلت: فإنّها ارتابت(بعد ثلاثة أشهر)(3)، قال: عدّتها تسعة

1 . الوسائل ج15: الباب 25من أبواب العدد، الحديث 1و4.
2 . الوسائل ج15: الباب 25من أبواب العدد، الحديث 1و4.
3 . ما بين الهلالين سقط عن نسخة الوسائل.

صفحه 270
أشهر، قلت: فإنّها ارتابت بعد تسعة أشهر قال: إنّما الحمل تسعة أشهر، قلت: فتزوّج؟ قال: تحتاط بثلاثة أشهر، قلت: فإنّها ارتابت بعد ثلاثة أشهر، قال: ليس عليها ريبة تزوج إن شاءت. وبهذا المضمون رواية اُخرى.(1)

هناك احتمالات

1ـ أنّ المدّة المضروبة، كلّها عدّتها ولاتخرج عنها إلاّ بمرورها عليها إلاّ إذا علم الحمل فخروجها عنها حينئذ بوضعه.
2ـ انّ عدتها هو تسعة أشهر، فعدم ظهور شيء إلى تلك المدّة دليل على عدم الحمل الذي تدعيه. فيحمل الصبر ثلاثة أشهر على الندب.
3ـ أنّ الشهور الاُولى أي التسعة أشهر، لأجل استعلام حا ل الرحم وأنّها حامل أو لا، فإن علم خروجها عن العدة، بوضع حملها وإلاّ ، فتعتد بثلاثة أشهر بعدها اختاره صاحب الحدائق(2) في غير هذا الموضع.
4ـ ويمكن أن يقال: بأنّه إذا علم حالها وأنّه لاحمل لها في مدّة أقل من تسعة أشهر تخرج عن العدّة، إذا مضت عليها ثلاثة شهور بيض، أو أقراء ثلاثة، ولاتجب الصبر إلى تسعة أشهر فضلاً عن الثلاثة بعدها. والأقوى الأخير، والأحوط هو الأوّل.
وقد عرفت فيما مضى، رواية عمار الماضية الدالة على الصبر إلى خمسة عشر شهراً، وما هذا إلاّ لشدّة الاحتياط (3).
ولو كان حملها اثنين، فوضعت الأوّل دون الثاني فهل تخرج عن العدّة أو لا؟

1 . الوسائل15: الباب 25 من أبواب العدد الحديث 5.
2 . الحدائق : 25/457 ، مسألة المطلقة المسترابة إذا توفي عنها زوجها في الأجل المضروب عليها.
3 . راجع ص260 من هذا الكتاب.

صفحه 271
قولان: أحدهما للشيخ في النهاية(1) وابن البراج في مهذبه(2) وابن حمزة في وسيلته(3)، أنّه تبين بوضع الأوّل ولكن لاتنكح إلاّ بعد وضع الأخير.
والثاني للشيخ في خلافه ومبسوطه(4)، وابن شهر آشوب في متشابهات القرآن(5) انّها لاتخرج عن العدّة إلاّ بعد وضعهما.
قال الشيخ في الخلاف:«إذا طلّقها وهي حامل فولدت توأمين بينهما أقل من ستة أشهر فإنّ عدّتها لاتنقضي حتى تضع الثاني منهما، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي وعامة أهل العلم، وقال عكرمة تنقضي عدّتها بوضع الأوّل، وقد روى أصحابنا أنّها تبين بوضع الأوّل غير أنّها لاتحلّ للأزواج حتى تضع الثاني والمعتقد الأوّل ـ دليلنا ـ قوله تعالى: (وأولات الأحمال أجلهنّ أن يضعن حملهنّ) وهذه ما وضعت حملها».(6)
استدل للقول الأوّل بخبر عبد الرحمان بن البصري، عن أبي عبد اللّه ـ(عليه السلام)قال: سألته عن رجل طلّق امرأته وهي حبلى وكان في بطنها اثنان فوضعت واحداً وبقي واحد قال: تبين بالأوّل ولاتحل للأزواج حتى تضع ما في بطنها.(7)
ولكنّه خبر لايصلح للاستدلال، ولم يظهر عمل المشهور به على وجه يجبر ضعفه.
ويمكن الاستدلال للقول الثاني بظاهر قوله سبحانه: (وأولات الأحمال أجلهنّ أن يضعن حملهنّ)فانّ الحمل وإن كان يصدق على واحد منهما عند ما

1 . النهاية :534.
2 . المهذب :2 /316.
3 . الوسيلة:325.
4 . المبسوط :5 /241.
5 . متشابهات القرآن لابن شهر آشوب:2/200.
6 . الخلاف:3/53، المسألة 8،كتاب العدّة.
7 . الوسائل ج15: الباب 10من أبواب العدد، الحديث 1.

صفحه 272
كان منفرداً لكنّه لما انضم إلى مثله لاتصدق الآية إلاّ إذا فرغت المرأة عن أمر الولادة على وجه يقال: صارت فارغة، ولو لم يتم الدليل الاجتهادي فمقتضى الاستصحاب عدم خروجها عن العدّة لكن لابنحو استصحاب الحكم الشرعي الكليّ حتى يستشكل بعدم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية، بل استصحاب بقاء موضوع على ما كان عليه بأن يشار إلى المرأة فيقال: إنّ هذه المرأة كانت معتدة والأصل بقاءها على ما كانت، وإن كان الشك في بقاء عدّتها وعدمها ناشئاً عن الشك في الحكم الكلي، وقد أوضحنا حاله في الأبحاث الاُصولية وقلنا بأنّ استصحاب الحكم الكلي وإن كان مخدوشاً، لكنّه ربّما يكون مبدأ للشك في بقاء الموضوع الخارجي على ما هو عليه، فيستصحب حاله ووصفه.

صفحه 273

الأمر السادس:

موت الزوج أثناء العدة

لو طلّقها ثم مات قبل انقضاء العدّة فلها حالات ثلاث:
الأولى: أن يكون الطلاق رجعياً وكانت حائلاً.
الثانية: أن يكون الطلاق رجعياً وكانت حاملاً.
الثالثة: أن يكون الطلاق بائناً.
أمّا الأولى، فتعتد من حين موته عدة الوفاة أعني أربعة أشهر وعشراً وأمّا الثانية: فتعتد بأبعد الأجلين منها ومن وضع الحمل كغير المطلّقة.
وأمّا الثالثة: فتقتصر على عدّة الطلاق من غير فرق بين الحائل والحامل ولاعدّة عليها بسبب الوفاة. وعدة الحائل بالاقراء والشهور، وعدّة الحامل بوضع حملها.
هذا ما اتفقت عليها كلمة الأصحاب.
قال الشيخ في المبسوط: «إذا طلّق زوجته طلاقاً رجعياً فاعتدّت بعض العدّة، ثم توفّي عنها زوجها فإنّها تنتقل إلى عدة الوفاة بلاخلاف لأنّها في معنى الزوجات».(1)
وقال ابن قدامة: «إذا مات زوج الرجعية استأنفت عدة الوفاة أربعة أشهر وعشراً بلاخلاف، قال ابن المنذر أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على ذلك وذلك لأنّ الرجعية زوجة يلحقها طلاقه وينالها ميراثه فاعتدت الوفاة كغير المطلّقة.

1 . المبسوط: 5/277.

صفحه 274
وإن مات مطلق البائن في عدّتها بنت على عدة الطلاق إلاّ أن يطلّقها في مرض موته فإنّه تعتد أطول الأجلين من عدة الوفاة أو ثلاثة قروء نص على هذا أحمد وبه قال الثوري وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن: وقال مالك والشافعي وأبو عبيد وأبو ثور وابن المنذر تبني على عدة الطلاق لأنّه مات وليست زوجة له لأنّها بائن من النكاح ولاتكون منكوحة.(1) وإليك الكلام في الثلاثة الصور.

الصورة الأولى

إذا طلّقت رجعية

ومات الزوج أثناء العدة وكانت حائلاً

فقد عرفت أنّها تستأنف عدة الوفاة ولاعبرة بما اعتدت به من الزمان. وعلى كل تقدير فيمكن الاستدلال عليه، بقوله سبحانه: (وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُر وَ عَشْراً)(2) بعد ما دلّت الروايات على أنّ المطلّقة الرجعيّة زوجة، كما عرفته في محله، فكونها زوجة ثابتة بالروايات فتدخل في الآية الكريمة الواردة في الذكر الحكيم.
أضف إلى ذلك ما ورد في المقام لفيف من الروايات:
روى هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)في رجل كانت تحته امرأة فطلّقها ثم مات قبل أن تنقضي عدّتها، قال: تعتدّ أبعد الأجلين عدّة المتوفّى عنها زوجها. (3)
وروى محمد بن قيس، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سمعته يقول: أيّما امرأة

1 . المغني:9/108.
2 . البقرة:234.
3 . الوسائل ج15: الباب36 من أبواب العدد، الحديث 1.

صفحه 275
طلّقت ثم توفي عنها زوجها قبل أن تنقضي عدتها ولم تحرم عليه فانّها ترثه ثم تعتد عدّة المتوفى عنها زوجها، وإن توفيت وهي في عدّتها ولم تحرم عليه فإنّه يرثها.(1)
وروى جميل بن درّاج، مرسلاً عن أحدهما (عليه السلام) في رجل طلّق امرأته طلاقاً يملك فيه الرجعة ثم مات عنها، قال: تعتد بأبعد الأجلين أربعة أشهر وعشراً(2) إلى غير ذلك من الروايات.(3)
ثم إنّ الوارد في النصوص هو الاعتداد بأبعد الأجلين ومن المعلوم أنّه إنّما يكون أبعد إذا كانت الزوجة غير مسترابة، وأمّا مسترابة الحمل فينعكس الأمر، فتكون عدة الفراق أبعد من عدة الوفاة، وقد علمت أنّ عدّتها تسعة أشهر ثم ثلاثة أشهر أو سنة ثم مثلها. وإن كان الأخير معرضاً عنها، وعلى كل تقدير فلو كانت المطلّقة مسترابة، ثم توفّي عنها زوجها في أثناء العدّة، فما وظيفتها؟!

هناك احتمالات:

1ـ حكمها حكم الحائل، تعتد عدّة الوفاة سواء بقي من عدّة الطلاق شيء، أم لا، إذا مات، وهي في الثلاثة بعد التسعة، وبالجملة فالمدار عدة الوفاة.
2ـ تعتد عدة الوفاة مع المدة التي يظهر فيها عدم الحمل، فالواجب أمران، الاعتداد بعدة الوفاة وظهور براءة رحمها. وإن تتم المدّة المضروبة على المسترابة.
3ـ إنّما تتبدل إلى عدة الوفاة، إذا مات في الثلاثة بعد التسعة أو السنة، لأنّها عدّتها دون ما يتقدمها التسعة أو السنة وهو خيرة الحدائق.
ونظير هذه المسألة ما إذا كانت المطلّقة ممن ترى الدم في كل شهر وتصف

1 . الوسائل ج15: الباب36 من أبواب العدد، الحديث 3و5.
2 . الوسائل ج15: الباب36 من أبواب العدد، الحديث 3و5.
3 . لاحظ الوسائل، ج15، الباب 36 من أبواب العدد، الحديث 2و7و9.

صفحه 276
مرة فأقراؤها تزيد على عدة الوفاة، فتجري فيه الاحتمالات المذكورة في المسترابة.
ويمكن أن يقال: إنّ روايات الباب وإن دلّت على وجوب عدة الوفاة عند موت الزوج في أثناء العدّة وظاهرها وجوب عدّة واحدة عليها وهي عدّة الوفاة ولكنّها لاتدلّ على انتفاء أثر الطلاق وهو استبراء الرحم من الولد، فلو لم تكن عدة الوفاة كافياً في تعيين تكليف المرأة يجب نفي الريبة بالتربص وعلى ضوء ذلك يجب في الصورة الأُولى الاعتداد بأبعد الأجلين من عدة الوفاة ووظيفة المسترابة.
فلو مات الزوج بعد الطلاق بشهر مثلاً تعتد عدّة الوفاة، ولكن لايمكن الاكتفاء به إذا لم يتبيّن وضع المرأة فيجب التربّص إلى رفع الريبة وظهور التكليف ، كما أنّه لو مات بعد سبعة أشهر تعتد بأبعدهما من اتضاح الحال وعدة الوفاة ولعل الأبعد هو عدة الوفاة.
هذا كلّه في المسترابة وأمّا ما إذا كان عدة الطلاق أبعد من عدة الوفاة كما إذا ترى الدم في شهرين ونصف، فتعتدّ بأبعدهما، فلو مات في الشهر الأوّل تعتد بعدة الطلاق، ولو مات في الشهر السادس تعتدّ بعدة الوفاة.
والحاصل يجب عليه مراعاة كلتا الوظيفتين من ملاحظة أثر الطلاق وعدة الوفاة، وقد عرفت أنّ الروايات وإن تنفي عدّة الطلاق ولكنّها لاتنفي رعاية أثرها، ولأجل ذلك يجب رعاية كلتا الوظيفتين.

الصورة الثانية:

إذا طلّقت رجعية وكانت حاملاً

إذا توفّي زوجها أثناء العدّة تعتد بأبعد الأجلين من وضع الحمل ومضي أربعة أشهر وعشراً، وحينئذ فإن وضعت قبل استكمال أربعة أشهر وعشرة أيام

صفحه 277
صبرت إلى انقضائها وإن مضت الأربعة أشهر والعشر تعتد بوضع الحمل، بلاخلاف، وذلك جمعاً بين الآيتين أعني قوله سبحانه:(وَ أُولاتُ الأحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) (1) وقوله سبحانه:(وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُر وَ عَشْراً)(2) فامتثالها يحصل بأبعد الأجلين.
ولو نوقش في دلالة الآيتين، فتكفي في ذلك النصوص المستفيضة، ففي صحيحة الحلبي في الحامل المتوفّى عنها زوجها: «تنقضي عدّتها آخر الأجلين»(3) وهذه الروايات وإن وردت في الحامل من دون ايعاز إلى طلاقها، لكن يعلم حكمها من روايات الباب أيضاً لأنّ الطلاق ليس له أثر خاص في المقام غير التربّص إلى وضع الحمل، وإنّما الأثر في المقام للتوفّي، كما لايخفى.
نعم اتفقت فقهاء العامّة على أنّ أجلها هو وضع حملها من غير فرق بين طلاق الزوجة وموت الزوج. قال ابن قدامة: أجمع أهل العلم في جميع الأمصار على أنّ المطلّقة الحامل تنقضي عدّتها بوضع حملها وكذلك كل مفارقة في الحياة وأجمعوا على أنّ المتوفّى عنها زوجها إذا كانت حاملاً، أجلها وضع حملها إلاّ ابن عباس. وروي عن علي من وجه منقطع أنّها تعتدّ بأقصى الأجلين.(4)

الصورة الثالثة:

مـا إذا طلّقهـا بائنـاً

اتفقت كلمة الأصحاب على انّها تقتصر على اتمام عدة الطلاق لعدم شمول الآية لها لأنّ المفروض انقطاع العصمة بينهما فليست هي زوجة حتى

1 . الطلاق:4.
2 . البقرة:234.
3 . الوسائل ج15: الباب31من أبواب العدد، الحديث 1 ولاحظ سائر الروايات في هذا الباب.
4 . المغني: 9/110.

صفحه 278
تشملها الآية ويصدق عليها انّها من مصاديق (وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْوَاجاً ...)ولأجل ذلك لايتوارثان. أضف إلى ذلك انّ في ما مرّ من الروايات في الصورة الاُولى الماعاً إلى حكم هذه الصورة ففي صحيح محمد بن قيس الماضي قوله...ولم تحرم عليه فانّها ترثه ثم تعتد عدّة المتوفى عنها زوجها...(1)، والمراد من «لم تحرم عليه» في الموردين عدم كون الطلاق بائناً حيث تحرم الزوجة على الزوج بعد الطلاق.
وفي موثق سماعة: قال سألته عن رجل طلّق امرأته ثم انّه مات قبل أن تنقضي عدّتها، قال: تعتدّ عدّة المتوفى عنها زوجها ولها الميراث.(2) ومن المعلوم أنّ الميراث في الرجعي دون البائن ومثله ما رواه محمد بن مسلم.(3)
وقد عرفت فيما مضى من التفصيل في كلام ابن قدامة وقد ذهب جماعة من فقهائهم إلى أنّه إن طلّقها في مرض موته فانّها تعتد أطول الأجلين من عدة الوفاة أو ثلاثة قروء، وإن ذهب مالك والشافعي إلى انّه يكتفي بعدّة الطلاق، والحق هو القول الثاني كما عليه اطلاق كلمات الأصحاب ولأنّها بائن من النكاح فلاتكون زوجة حتى تعتد بعدّة الوفاة ويكون المعيار أطول الأجلين.

1 . البقرة:234.
2 . الوسائل ج15: الباب 36 من أبواب العدد، الحديث3و9.
3 . الوسائل ج17: الباب 13من أبواب ميراث الزوجة، الحديث5.

صفحه 279

الأمر السابع:

في حكم من حملت من زنا

لو حملت من زنا ثم طلّقها الزوج اعتدت بالأشهر والأقراء لا بالوضع.
أقول: إنّ للمسألة صوراً:
1ـ أن تكون المطلّقة الحاملة من زنا ذات بعل.
2ـ أن تكون حاملة من زنا فقط ولم تكن ذات بعل، وهي وإن كانت خارجة عن موضوع البحث ولكن نذكرها استطراداً مثل الصور التالية.
3ـ إذا كانت زانية من غير حمل، وأرادت التزويج مع نفس الزاني أو مع غيره وإليك أحكام الصور.
أمّا الاُولى: فهي تعتدّ بالأشهر والأقراء لابالوضع، وذلك لأنّه يشترط في الحمل الذي تنقضي العدّة بوضعه كونه منسوباً إلى من العدة منه، فإذا علم انتفاؤه عن الفراش، كأن يكون غائباً عنها مدة مديدة أو تلد تاماً لدون ستة أشهر من يوم النكاح، فإنّها تعتدّ بما كانت تعتدّ لولا الحمل، فحينئذ فإن لم تر حيضاً اعتدّت بالاشهر وإلاّ اعتدّت بالاقراء وبانت بانقضاء الاشهر أو الاقراء، وإن لم تضع حملها، فانّ الزنا لاحرمة له، حملت منه أو لم تحمل كما في الصور الاخرى.
وعلى هذا فاعتدادها لايتوقف على وضع حملها بل يجتمع مع الحمل سواء وضعت قبل انقضاء العدّة أم لا.
أمّا الثانية: فتظهر حالها من الاُولى فانّها حملت من الزنا ولم تكن ذات بعل فيجوز لها التزويج قبل أن تضع ولاعدّة للحمل عن الزنا ، ولااستبراء إذ لا موضوع

صفحه 280
للاستبراء بعد تبين حملها وفي الحدائق(1)«وعليه ظاهر اتفاق كلمة الأصحاب»، قال في المسالك: يشترط في الحمل كونه منسوباً إلى من العدة منه، إمّا ظاهراً أو احتمالاً، فلو انتفى عنه شرعاً لم يعتد به.(2)
وأمّا الثالثة: أعني: إذا كانت زانية من دون حمل ولابعل، فهل عليها الاستبراء من الماء الحرام أو لا، قال العلاّمة في التحرير أنّ عليها العدّة(3) وفي المسالك: لابأس به حذراً من اختلاط المياه وتشويش الأنساب(4)، واختاره في الحدئق(5) لما سيوافيك من الروايات، وقال في الجواهر لايلزم اختلاط الانساب ضرورة أنّه مع الدخول بها، واحتمال كون الولد منه اُلحق به لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الولد للفراش وللعاهر الحجر» وإلاّ فهو لغيره.
ثم إنّ صاحب الحدائق استدل على ما ذهب إليه برواية إسحاق بن جرير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: قلت له: الرجل يفجر بالمرأة ثم يبدو له في تزويجها، هل يحل له ذلك؟ قال: نعم إذا هو اجتنبها حتى تنقضي عدّتها باستبراء رحمها من ماء الفجور فله أن يتزوجها، وإنّما يجوز له تزويجها بعد أن يقف على توبتها.(6)
وبرواية تحف العقول عن أبي جعفر محمد بن علي الجواد (عليهما السلام) أنّه سئل عن رجل نكح امرأة على زنا أيحل له أن يتزوجها؟ فقال: يدعها حتى يستبرئها من نطفته ونطفة غيره إذ لايؤمن منها أن يكون قد أحدثت مع غيره حدثاً كما أحدثت معه ثم يتزوّج بها إن أراد فإنّما مثلها مثل نخلة أكل رجل منها حراماً ثم اشتراها فأكل منها حلالاً.(7)

1 . الحدائق:25/458.
2 . المسالك:2/45.
3 . التحرير:71، كتاب الطلاق والعدّة .
4 . المسالك:2/47.
5 . الحدائق:25 /458.
6 . الوسائل ج15: الباب 44 من أبواب العدد، الحديث1و2.
7 . الوسائل ج15: الباب 44 من أبواب العدد، الحديث1و2.

صفحه 281
ولايخفى أنّ مقتضى الاحتياط هو التربص واستبراء رحمها، وإن كان المشهور أنّه لاعدّة على المزنّي بها سواء حملت من الزنا أم لا.(1)

الأمر الثامن:

في الحامل من شبهة (2)

إذا وطئت المرأة بالشبهة فلها صور نذكرها فيما يلي:
الاُولى ـ إذا وطئت بالشبهة وحملت ثم طلّقت وأمكن اللحوق بالزوج من حيث الفراش.
الثانية ـ تلك الصورة ولكن لم يمكن لحوقها بالفراش، بل بالواطئ لبعد الزوج عنها في تلك المدّة.
الثالثة ـ إذا طلّقت ومضت شهر ثم وطئت بالشبهة فحملت .
الرابعة ـ إذا وطئت بالشبهة ولم تكن ذات بعل.
ثم إنّ الشبهة في جميع الصور إمّا من الطرفين أو من طرف الواطئ فقط أو من طرف الموطوءة خاصّة، وإليك بيان أحكام الصور:
قال الشيخ في الخلاف: «كل موضع يجتمع على المرأة عدّتان فانّهما لاتتداخلان بل تأتي بكلّ واحدة منهما على الكمال، وروى ذلك عن علي (عليه السلام) وعمر وعمر بن عبد العزيز، وبه قال الشافعي، وذهب مالك وأبو حنيفة وأصحابه إلى أنّهما تتداخلان وتعتدّ عدّة واحدة منهما معاً ـ دليلنا ـ إجماع الفرقة، وأيضاً فقد

1 . لاحظ وسيلة النجاة، باب القول في عدّة وطي الشبهة، وتحرير الوسيلة ج2، المسألة الأولى.
2 . سيـجيئ الكلام في عدّة الموطوءة شبهة على وجه الاطلاق، في فصل العدد بخلاف المقام فإنّ البحث فيه مركز على الحامل شبهة.

صفحه 282
ثبت وجوب العدّتين عليهما، وتداخلهما يحتاج إلى دليل، وروى سعيد بن المسيّب وسليمان بن يسار....(1)
روى سعيد بن المسيب: «أنّ طليحة كانت تحت رشيد الثقفي فطلّقها البتة فنكحت في عدّتها فضربها عمر بن الخطاب وضرب زوجها بالمخفقة ضربات وفرّق بينهما ثم قال عمر بن الخطاب: أيّما امرأة نكحت في عدّتها فإن كان زوجها الذي تزوّج بها لم يدخل بها فرّق بينهما ثم اعتدّت بقية عدّتها من زوجها الأوّل وكان خاطباً من الخطاب فإن كان دخل بها فرّق بينهما ثم اعتدّت بقية عدّتها من زوجها الأوّل ثم اعتدّت من الآخر ثم لم ينكحها أبداً».(2)
أمّا الصورة الأُولى فيظهر من الحدائق أنّه تكفي عدّة واحدة وهي عدّة الطلاق، بخلاف الصورة الثانية إذ يجب عليها عدّتان، تعتدّ أوّلاً من الواطئ بوضع الحمل، ثم من الزوج عدّة الطلاق، ولاتتداخلان لأنّهما حقّان مقصودان للآدميّين كالدين فتداخلهما على خلاف الأصل.
أمّا وحدة العدّة في الصورة الأُولى فلأنّ المفروض لحوق الولد بالزوج فعدّتها بعد الطلاق بوضع حملها ومعه لاموضوع لعدّة الواطئ لأنّ لحوق الولد بالزوج كشف عن عدم استقرار نطفته في الرحم، وهذا بخلاف الصورة الثانية، أعني: إذا ما كان الولد ملحقاً بالواطئ، فعليها عدّتان، عدّة للزوج لأجل الطلاق وعدّة للحمل، فتعتدّ بالوضع من الواطئ ثم تستأنف عدّة الطلاق بعد الوضع.
وبذلك يظهر حكم الصورة الثالثة، أعني: ما إذا تأخر الوطء عن الطلاق فبما أنّها وطئت أثناء العدّة فالحمل للواطئ فتعتدّ عن الوطء بوضع الحمل ثم تعود إلى إتمام بقية عدّة الطلاق بعد الوضع بناء على تعدّد العدّتين.

1 . الخلاف3/60، المسألة 31، كتاب العدة.
2 . السنن الكبرى: 7/ 441 كتاب العدد.

صفحه 283
هذا هو المشهور غير أنّ صاحب الحدائق زعم أنّ التعدّد مذهب العامّة وحمل أخبار التعدد على التقية وجعل القول بالاتحاد هو الأظهر، فإليك ما يدلّ على التعدد أوّلاً وإلى الوحدة ثانياً.
أمّا الأوّل فتدلّ عليه صحيحة الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: سألته عن المرأة الحبلى يموت زوجها فتضع وتزّوّج قبل أن تمضي لها أربعة أشهر وعشر؟ فقال: إن كان دخل بها فرّق بينهما، ولم تحلّ له أبداً، واعتدّت ما بقي عليها من الأوّل واستقبلت عدّة اُخرى من الآخر ثلاثة قروء، وإن لم يكن دخل بها فرّق بينهما واعتدّت بما بقي عليها من الأوّل وهو خاطب من الخطاب».(1)
وصحيحة محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: المرأة الحبلى يتوفى عنها زوجها فتضع وتزوّج قبل أن تعتد أربعة أشهر وعشراً؟ فقال: إن كان الذي تزوّجها دخل بها فرّق بينهما ولم تحلّ له أبداً واعتدت بما بقي عليها من عدّة الأوّل واستقبلت عدّة أُخرى من الآخر ثلاثة قروء، وإن لم يكن دخل بها فرّق بينهما وأتمّت ما بقي من عدّتها وهو خاطب من الخطاب».(2)
وهاتان الروايتان واردتان في المتزوّجة في عدّة الوفاة التي دخل بها، وقد حكم فيهما بالاعتداد للزوج أوّلاً ثم للواطئ وما هذا إلاّ لسبق سبب الأوّل وهو موت الزوج وتأخير سبب الثاني وهو الدخول في عدّة الوفاة، وإلى ذلك ينظر قول السيد الإصفهاني في وسيلته: «وإن كان حائلاً يقدّم الأسبق منهما وبعد تمامها استقبلت عدّة اُخرى من الآخر».(3)
ثم إنّ الاستدلال بهاتين الروايتين على المورد استدلال بالنظير على النظير

1 . الوسائل ج14: الباب 17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 6و2، وفي السند عبد الكريم، والمراد منه عبد الكريم بن عمرو بن صالح وهو ثقة ثقة فالحديث صحيح.
2 . الوسائل ج14: الباب 17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 6و2، وفي السند عبد الكريم، والمراد منه عبد الكريم بن عمرو بن صالح وهو ثقة ثقة فالحديث صحيح.
3 . وسيلة النجاة:2/382، المسألة 4، فصل عدّة وطأ الشبهة.

صفحه 284
فيما إذا طلّقت ثم وطئت، فيكون الدخول حينئذ دخولاً في العدّة شبهة غير أنّ العدّة في الروايتين عدّة الوفاة وفي المفروض عدّة الطلاق.
وأمّا إذا وطئت ثم طلّقت فلايكون نظيراً للمقام، بل من قبيل الدخول على ذات البعل لأنّ المفروض أنّها لم تكن مطلّقة عند الدخول، فالاستدلال بهما على هذا المورد يكون من باب الأولوية لأنّه إذا كان الدخول على المعتدّة موجباً للاعتداد فالدخول شبهة على المزّوّجة وإن طلقت بعد، موجب لها بطريق أولى وسيوافيك لزوم العدّة للمزوّجة المدخول بها شبهة وإن لم تطلق.
وأمّا كيفية الاعتداد من حيث السبق والتأخير فقد قال المحقق: «بأنّها تعتدّ بالوضع من الواطئ ثم تستأنف عدّة الطلاق بعد الوضع» وما هذا إلاّ لأجل سبق الدخول على الطلاق فتعتد للشبهة بسبق سببها، ثم للطلاق لأجل تأخر سببه.
ولكنّ الحال كذلك فيما إذا انعكس الأمر بأن كان الدخول شبهة بعد الطلاق وما ذلك إلاّ لعدم امكان تأخير عدّته التي هي وضع الحمل، فليس حينئذ إلاّ تأخير إكمال عدّة الطلاق بعد فرض عدم التداخل بين العدّتين.
وإلى ذلك ينظر قول السيد الإصفهاني: «إذا كانت معتدة بعدّة الطلاق»(1) أو الوفاة(2) فوطأها شبهة أو وطأها ثم طلّقها أو مات عنها زوجها فعليها عدّتان عند المشهور وهو الأحوط إن لم يكن الأقوى فإن كانت حاملاً من أحدهما تقدّم عدّة الحمل فبعد وضعه تستأنف العدّة الاُخرى(3)
وعلى كل تقدير فصحة الروايتين تصد الفقيه عن الرجوع إلى غيرهما ما لميكن هناك دليل أقوى منهما وسيوافيك انّ ما استدل به على وحدة العدّتين قاصر الدلالة غالباً.

1 . كما هو المفروض في المقام.
2 . كما هو مورد الروايتين.
3 . وسيلة النجاة:2/382.

صفحه 285
أمّا القول الثاني أي وحدة العدتين فقد ذهب إليه صاحب الحدائق. واستدل ببعض الروايات، فها نحن نذكر كلّ ما يمكن أن يستدل به لقوله فنقول:
1ـ روى زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) في امرأة تزوّجت قبل أن تنقضي عدّتها، قال: يفرق بينهما وتعتد عدّة واحدة منهما جميعاً.(1)
يلاحظ عليه ـ بأنّه لم يرد فيها الدخول فلعلّ المراد، اجراء العقد من دون النكاح واطلاق العدّة على مثل هذا الفراق، من باب التوسع.
2ـ روى أبو العباس عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في المرأة تزوّج في عدّتها قال: يفرّق بينهما وتعتد عدّة واحدة منهما جميعاً.(2)
يلاحظ عليه: بما ذكرناه في السابقة.
3ـ روى زرارة، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن امرأة نعي إليها زوجها فاعتدت فتزوّجت فجاء زوجها الأوّل ففارقها وفارقها الآخر كم تعتد للناس؟ قال: بثلاثة قروء، وإنّما يستبرأ رحمها بثلاثة قروء تحلّها للناس كلّهم، قال زرارة: وذلك انّ أُناساً قالوا: تعتدّ عدّتين لكلّ واحدة عدّة فأبى ذلك أبو جعفر (عليه السلام)وقال: تعتدّ ثلاثة قروء فتحلّ للرجال.(3)
وهو ظاهر في غير المدخولة، بشهادة ذيله«تحلها للناس كلّهم» أي حتى المتزوج.
4ـ روى يونس عن بعض أصحابه في امرأة نُعي إليها زوجها فتزوّجت ثم قدم زوجها الأوّل فطلّقها وطلّقها الآخر، فقال إبراهيم النخعي: عليها أن تعتد

1 . الوسائل ج14: الباب 17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 11و12.
2 . الوسائل ج14: الباب 17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 11و12.
3 . الوسائل ج15: الباب 38 من أبواب العدد، الحديث1.

صفحه 286
عدّتين، فحملها زرارة إلى أبي جعفر (عليه السلام) فقال: عليها عدّة واحدة».(1) وهي مثل السابق في عدم الدلالة على المقصود.
5ـ روى زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) في امرأة فقد زوجها أو نعي إليها فتزوّجت ثم قدم زوجها بعد ذلك فطلّقها، قال:«تعتد منهما جميعاً ثلاثة أشهر عدّة واحدة وليس للآخر أن يتزوّجها أبداً».(2) وهي ظاهرة في خلاف المختار وما نقله في الجواهر(3) من أنّ الشيخ حملها على عدم دخول الثاني بها، لايساعده ذيله:« وليس للآخر أن يتزوّجها أبداً» فإنّ التحريم الأبدي يؤيد الدخول ، إلاّ أن تكون الرواية من الروايات الدالة على أنّ مطلق العقد على ذات العدّة يوجب التحريم خلافاً للروايات المفصلّة بين الدخول وعدمه. وعلى كل تقدير، فما ذهب إليه المشهور هو الأقوى.
وأمّا الصورة فسيوافيك كلها في فصل العدد.
***

الأمر التاسع:

في اختلاف الزوجين في تاريخي الطلاق والوضع

ولها صور ثلاث:
1ـ إذا اتفق الزوجان في زمن الطلاق واختلفا في زمن الوضع.
2ـ إذا اتفقا في زمن الوضع واختلفا في زمن الطلاق، وهو على وجوه.
3ـ ما إذا لم يتفقا في شيء منهما.
وقد وردت هذه الصور مع غيرها في كلام الشيخ وإليك بيانها.

1 . الوسائل ج15: الباب 38من أبواب العدد، الحديث 2.
2 . الوسائل ج14:الباب 16 من أبواب مايحرم بالمصاهرة، الحديث 2.
3 . الجواهر: 32/266.

صفحه 287
قال الشيخ في المبسوط: «إذا طلّق زوجته وولدت ثم اختلفا فقالت المرأة انقضت عدّتي بالولادة، وقال الزوج: عليك العدّة بالأقراء ففيه خمس مسائل:
الأولى: أن يتفقا على وقت الولادة، ويختلفا في وقت الطلاق، بأن يتفقا على أنّ الولادة كانت يوم الجمعة، وقالت المرأة طلقتني يوم الخميس وولدت يوم الجمعة، وقال هو: بل طلّقتك يوم السبت فعليك العدّة بالأقراء، فالقول قول الزوج، لأنّ الطلاق فعله، فإذا اختلفا في وقت فعله كان القول قوله.
الثانية: أن يتفقا على وقت الطلاق، ويختلفا في وقت الولادة، بأن يتفقا أنّ الطلاق كان يوم الجمعة، وقال الزوج: كانت الولادة يوم الخميس، والطلاق بعدها فلم تنقض العدّة بالولادة، وقالت بل كانت يوم السبت فانقضت عدّتي بوضع الحمل فالقول قولها، لأنّه اختلاف في وقت فعلها وهي الولادة.
الثالثة: إذا تداعيا مطلقاً فيقول الزوج لم تنقض عدّتك بوضع الحمل فعليك الاعتداد بالأقراء، وقالت قد انقضت عدّتي به، فالقول قول الزوج، لأنّ الأصل بقاء العدّة.(1)
وجه الأوّل والثاني أنّ الولادة والطلاق فعلهما، فيقدم في كل، قول من يكون الفعل له وهي الزوجة في الوضع والزوج في الطلاق.
الرابعة: إذا اقرّا بجهالة ذلك بأن يقول الزوج:

1 . المبسوط:5/241، كتاب العدد.

صفحه 288
لست أدري هل كان الطلاق قبل الولادة أو بعدها؟ وقالت هي مثل ذلك فيلزمها أن تعتد بالاقراء احتياطاً للعدة لأنّ الأصل بقاؤها فلاتسقط بالشك، ويستحب للزوج ألاّ يرجعها في حال عدّتها خوفاً من أن يكون عدتها قد انقضت بوضع الحمل.
الخامسة: أن يدعي أحدهما العلم وأقرّ الآخر بالجهالة بأن يقول الزوج: وضعتِ حملك ثم طلقتكِ، فعليك العدة بالأقراء، وقالت المرأة لست أدري أكان قبل الوضع أم بعده. أو قالت المرأة طلقتني ثم ولدت، وقال الزوج: لست أدري أكان قبله أم بعده فالحكم أن يقال للذي أقر بالجهالة ما ذكرته ليس بجواب عما ادعاه فإن اجبت وإلاّ جعلناك ناكلاً ورردنا اليمين عليه (الآخر) وحكمنا له بما قال. (1)
وفيما ذكره أخيراً تأمل إذ من المحتمل أن يُكلّف باليمين على عدم العلم، لأنّ تكليفه على اليمين الجازمة حينئذ لاوجه وبالتالي لادليل على جعل مدعى الجهل ناكلاً نعم لو لم يحلف يرد اليمين على المدعي. والتفصيل في محله.

لو اقرت بانقضاء العدة ثم جاءت بولد لستة أشهر

فصاعداً منذ طلقها فهل يلحق بالزوج أو لا ؟

قال الشيخ: إذا طلّق زوجته فأقرت بانقضاء عدتها ثم أتت بعد ذلك بولد دون أقصى مدة الحمل من وقت الطلاق فإن نسبه يلحق بالزوج وقال قوم: إذا أتت به لأكثر من ستة أشهر من وقت انقضاء العدة لم يلحقه وهو الأقوى عندي.(2)
لاشك انّه إن لم تقر بانقضاء العدة وجاءت بولد لستة أشهر فصاعداً يلحق به وقد نص به الشيخ أيضاً وقال : «فإن أتت به لأقل من تسعة أشهر فانّه يلحقه سواء كان الطلاق رجعياً أو بائناً لأنّه يمكن أن يكون منه(3) وليس المانع في المقام إلاّ اعترافه بانقضاء العدة، ولو كان الولد من الزوج لم تتم عدتها.
نعم ذهب المحقق إلى خلاف ما اختاره الشيخ وقال:«والأشبه الحاقه به

1 . المبسوط: 5، كتاب العدة 242ـ243.
2 . المبسوط: 5، 247.
3 . المبسوط: 5، 242.

صفحه 289
مالم يتجاوز اقصى الحمل» (1) لأنّها حينئذ على حكم الفراش السابق في لحوق كل ما يحتمل كونه منه. ولذا لو لم تخبر بانقضاء العدة لم يكن اشكال في لحوق الولد به.
والاقرار بانقضاء العدة إنّما يؤخذ به فيما يرجع عليها، لافي حق الغير أعني: الولد والوالد فالحق الثابت للفراش مأخوذ به حتى يثبت خلافه.

بقي هنا أمران:

1ـ هل مبدأ الاحتساب هوحين الطلاق، أو الطهر الذي لم يواقعها فيه؟
انّ المحقق ـ تبعاً للشيخ ـ جعل المبدأ لاحتساب المدة، حين الطلاق، المقتضي لكون أقصى الحمل أكثر مما فرض انّه أقصاه، لتقدم العلوق على الطلاق لأنّ المعتبر كونه في الفراش وهو متقدم على الطلاق الذي لايصح إلاّ في وقت متأخر عن الوطء بمقدار ما تنتقل من الطهر الذي اتاها فيه إلى غيره، وذلك يوجب زيادة الأقصى بكثير.(2)
وحمله صاحب الجواهر على التسامح أو انّ حكم الفراش باق إلى حين الطلاق ويكفي فيه الاحتمال الذي لايعلم به المطلِّق، على وجه لاينافي صدقَ كونها في طهر لم يواقعها فيه، بزعمه. (3)
2ـ هل هناك فرق بين العدة البائنة والرجعية أولا ؟
المسألة مبنية على بقاء الفراش في الاُولى وعدمه وهل قوله (صلى الله عليه وآله وسلم):«الولد للفراش » يعم البائن في عدتها كالرجعيّة أولا.

1 . الجواهر: 32،272.
2 . المبسوط 5: 242 في مسألة وإن اتت بالولد.
3 . الجواهر: 32/272.

صفحه 290
نعم على القول بعدم اللحوق مطلقاً كما عليه الشيخ الطوسي في صورة كون الطلاق بائناًلايحكم بالولد بكونه من زنا لعدم حصول اليقين بسببه لاحتمال كون سببه، هو الوطء بالشبهة.
نعم لايلحق بالزوج إذ جاءت به لازيد من أقصى الحمل، ولكن الشيخ فصل بين كون الطلاق بائناً فلايلحق. ورجعياً فيلحق قال: وإن أتت بولد لأكثر من تسعة أشهر من وقت الطلاق فإن كان بائناً لم يلحقه النسب لأنّ الولد لايبقى أكثر من تسعة أشهر، ولايلحقه لأنّها ليست بفراش وينتفي عنه بغير لعان، وإن كان الطلاق رجعياً فهل يلحقه نسبه أم لا ؟قال قوم:لايلحقه لأنّها محرمة عليه كتحريم البائن وقال آخرون : يلحقه النسب، وهو الذي يقتضيه مذهبنا لأنّ الرجعية في معنى الزوجة بدلالة انّ أحكام الزوجات ثابتة في حقها. (1)

الأمر العاشر:

في عدة الوفاة

اتفق الفقهاء على انّ الحرة المنكوحة بالعقد الصحيح الدائم إذا توفي عنها زوجها تعتد أربعة أشهر وعشراً وكفى في ذلك قوله سبحانه:(وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُر وَ عَشْراً فإَذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ فلاجناحَ عَلَيْكُمْ فيما فَعَلْنَ في أنْفُسِهنَّ بالمَعروفِ وَ اللّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبير) (2)
وأمّا قوله سبحانه :(وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّونَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لاَِزْوَاجِهِمْ مَتَاعاً إلى الحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاج فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاجُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوف وَ اللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (3) فهو إمّا راجع إلى أنّ لهنّ حق

1 . المبسوط5: 242 في مسألة و إن اتت بالولد.
2 . البقرة: 234و240.
3 . البقرة: 234و240.

صفحه 291
السكنى وغيره في بيت الزوج إلى سنة وليس للوارث منعها عنه، بشهادة قوله : (غير اخراج فإن خرجن فلاجناح عليكم في ما فعلن في أنفسهنّ من معروف) .
قال الطبرسي: في تفسير الآية (وصية لأزواجهم) أي فليوصوا وصية لهنّ ومن رفع فمعناه «وصيّة من اللّه لأزواجهم أو عليهم وصية لهن» (متاعاً إلى الحول) يعني ما ينتفعن به حولاً من النفقة والكسوة و السكنى . (غير اخراج) أي لايخرجن من بيوت الأزواج. (فإن خرجن)بأنفسهن قبل الحول من غير أن يخرجهن الورثة....(1) وهل التمتع مختص بالسكنى ، أو يعم النفقة والكسوة احتمالان ومقتضى اطلاق قوله (متاعاً إلى الحول)هو الثاني.
وهناك احتمال آخر وحاصله انّ الآية الاولى ناسخة للآية الثانية ويؤيده الامعان في لفظ «الحول» حيث أتى به معرفاً، ولم يقل«إلى حول» وهذا يدل على وجود «حول» معروف بين السامعين تذكره بعض الروايات.
روى العياشي: لمانزلت قوله(...يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً) جاءت النساء يخاصمن رسول اللّه وقلن لانصبر فقال لهن رسول اللّه : كانت احداكن إذا مات زوجها أخذت بعرة فالقتها خلفها في دبرها في خدرها، ثم قعدت فإذا كان مثل ذلك اليوم من الحول أخذتها ففتقها ثم اكتحلت بها ثم تزوجت فوضع اللّه عنكن ثمانية أشهر. (2)
وروى أيضاً عن أبي بصير مضمرة قال سألته عن قول اللّه (...وصية لأزواجهم متاعاً إلى الحول غير اخراج)قال هي منسوخة قلت: وكيف كانت قال: كان الرجل إذا مات انفق على امرأته من صلب المال حولاً ثم أخرجت

1 . المبسوط5/242.
2 . تفسير العياشي:1/121.

صفحه 292
بلا ميراث ثم نسختها آية الربع والثمن فالمرأة ينفق عليها من نصيبها. (1)
وعلى ذلك فالآية نزلت في صدر الإسلام ، وعملت بها ثم نسخت بآية التربص وغيرها من آيات المواريث.
إذا عرفت ذلك فاعلم انّ الكلام يقع في عدّة الحائل تارة والحامل اُخرى. وإليك الكلام في الأوّل.

عدّة الوفاة للحائل

لاخلاف بين الأصحاب وغيرهم في أنّ عدّة الحائل المتوفى عنها زوجها هي أربعة أشهر وعشراً ولافرق بين الصغيرة والكبيرة. نعم اختلف الروايات في موردين.

1ـ المتمتع بها

وهل مقدار عدتها هو أربعة أشهر وعشر أو أن مقدارها نصف الحرة و الحق أنّه لافرق بين الدائم وغيرها فالعدة في الجميع واحدة وعليها فتوى الأصحاب وتدل عليه صحيحة عمر بن أُذينة عن زرارة قال سألت أبا جعفر (عليه السلام) ما عدة المتعة إذا مات عنها الذي تمتع بها، قال: أربعة أشهر وعشراً قال: يا زرارة كل النكاح إذا مات الزوج فعلى المرأة حرة كانت أو أمة أو على أيّ وجه، كان النكاح منه متعة أو تزويجا أو ملك يمين فالعدة أربعة أشهر وعشراً وعدة المطلّقة ثلاثة أشهر، والأمة المطلّقة عليها نصف ما على الحرة ، وكذلك المتعة عليها مثل ما على الأمة.(2)
وذهب بعضهم إلى أن عدّة المتعة في الوفاة نصف الحرة واستدل له بما رواه

1 . تفسير العياشي1:
2 . الوسائل ج15: الباب 52 من أبواب العدد، الحديث 2.

صفحه 293
علي بن عبد اللّه بن علي بن شعبة الحلبي عن أبيه عن رجل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن رجل تزوّج امرأة متعة ثم مات عنها ما عدّتها؟ قال: خمسة وستون يوماً.(1)وفي السند مضافاً إلى الارسال، علي بن حسن الطاطري وهو واقفي شديد العناد في مذهبه، صعب العصبية على من خالفه من الإمامية، ولعلّ المتمتع بها كانت أمة وعدّة الوفاة على الأمة هو شهران وخمسة أيّام. نعم يخالفه ما مرّ من صحيحة زرارة.
وأمّا ما رواه عليّ بن يقطين عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: عدّة المرأة إذا تمتّع بها فمات عنها خمسة وأربعون يوماً.(2) فهو لايطابق القولين وحمله الشيخ على موت الزوج في العدة بعد انقضاء الأجل، ويؤيّده أنّه قال: تمتع بها فمات عنها زوجها، بلفظ «فـ» فكأنّ الموت كان بعد تمام التمتّع.(3)
وعلى كل تقدير فالعدول عن اطلاق الآية والصحيحة أمر مشكل.
ثم انّ المرأة المعتدّة تبين بغروب الشمس من اليوم العاشر لأنّه نهاية اليوم وهو مبنيّ على أنّ المراد من العشر في الآية عشر ليال مع عشرة أيّام، وذلك لأنّه كلّما أطلق اليوم يدخل فيه ليله، وكل ما اطلق الليل يدخل فيه يومه، إلاّ إذا كان قرينة على الخروج كما كان في قوله سبحانه:(سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيال وَ ثَمَانِيَةَ أَيَّام حُسُوماً)(4) خلافاً للاوزاعي.
قال الشيخ في الخلاف: «عدة المتوفى عنها زوجها إذا كانت حائلاً أربعة أشهر وعشرة أيّام بلاخلاف، والاعتبار بالأيّام دون الليالي عندنا، فإذا غربت الشمس من اليوم العاشر انقضت العدّة وبه قال جميع الفقهاء إلاّ الأوزاعي فانّه قال تنقضي عدّتها بطلوع الفجر من اليوم العاشر ـ دليلنا ـ ما اعتبرناه مجمع على

1 . الوسائل ج15: الباب 52 من أبواب العدد، الحديث 4و3.
2 . الوسائل ج15: الباب 52 من أبواب العدد، الحديث 4و3.
3 . الحدائق:25/191.
4 . الحاقة: 7.

صفحه 294
انقضاء عدّتها به، وما ذكره ليس عليه دليل وأيضاً فالليالي إذا أطلقت فإنّما يراد بها ليالي أيّامها، فحمل الكلام على ذلك هو الواجب(1) لما عرفت من أنّه كلما اطلق اليوم أوالليل يدخل الآخر في المحاسبة أيضاً.
ثم المراد من الشهر، هو الشهور الهلالية فلو مات وكان الباقي العشر فلاكسر بل تعتد بها وتضم إليها أربعة أشهر هلالية وإن كان الباقي أقل لم تعدّه وتحسب أربعاً هلالية أيضاً وتكمل باقي العشر من الشهر السادس وإن كان الباقي أكثر ففيه الوجوه المذكورة في عدّة الفراق.

2ـ غير المدخولة

لافرق في وجوب العدّة للوفاة بين المدخولة و غيره و يدل عليه إطلاق الكتاب العزيز أولاً، و الروايات المعتبرة ثانياً.
ففي صحيح محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) في الرجل تموت و تحته امرأة لم يدخل بها، قال لها نصف المهر و لها الميراث كاملاً و عليها العدّة كاملة (2).
و في صحيح عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال قضى أمير المؤمنين في المتوفى عنها زوجها و لم يمسها قال: لا تنكح حتى تعتد أربعة أشهر و عشراً عدّة المتوفى عنها زوجها (3).
وقياس المقام بعدّة الفراق قياس مع الفارق فان العدّة في المقام للتحزن و التفجع و لذلك حددت بالاشهر و الأيام، بخلاف عدّة الفراق فإنّها لأجل

1 . الخلاف:3/56،المسألة 18، كتاب العدة.
2 . الوسائل، الباب 35 من أبواب العدد، الحديث1و2.
3 . الوسائل، الباب 35 من أبواب العدد، الحديث1و2.

صفحه 295
تحصيل العلم بطهارة الرحم عن الولد، و لأجل ذلك حددت بالاقراء.
و أمّا موثق عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل طلّق امرأته من قبل أن يدخل بها أعليها عدّة؟ قال: لا، قلت له: المتوفى عنها زوجها قبل أن يدخل بها أعليها عدّة؟ قال: أمسك عن هذا.(1) فلاتخلو عن إجمال.
نعم روى الشيخ في التهذيب عن محمد بن عمر الساباطي، قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن رجل تزوج امرأة فطلّقها قبل أن يدخل بها، قال: لاعدّة عليها، وسألته، عن المتوفى عنها زوجها من قبل أن يدخل بها، قال: لاعدة عليها سواء.(2) ولكنّه ضعيف السند أوّلاً، متروك العمل ثانياً ومخالف لاطلاق الكتاب ثالثاً. والظاهر انّها محمولة على التقية وفي غيرواحد من الروايات إشارة إليه.(3)

الأمر الحادي عشر:

في عدّة الحامل المتوفى عنها زوجها

ولو كانت حاملاً اعتدّت بأبعد الأجلين من وضع الحمل ومضيّ أربعة أشهر وعشرة أيام وحينئذ فإن وضعت قبل استكمال أربعة أشهر وعشرة أيّام، صبرت إلى انقضائها وكذا العكس. وهذا ممّا لاخلاف فيه بين الإمامية. وأمّا غيرهم، فقال الشيخ في الخلاف: عدّة المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملاً أبعد الأجلين من وضع الحمل أو الأربعة أشهر وعشرة أيّام، وبه قال علي (عليه السلام) وابن عباس، وقال جميع الفقهاء وأبو حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي والأوزاعي

1 . الوسائل ج15: الباب 35 من أبواب العدد، الحديث 5و4.
2 . الوسائل ج15: الباب 35 من أبواب العدد، الحديث 5و4.
3 . لاحظ الوسائل ج15: الباب 58 من أبواب المهور، الحديث 11.

صفحه 296
والليث بن سعد: عدّتها وضع الحمل وهو المروي عن عمرو بن مسعود وأبي هريرة ـ دليلنا ـ إجماع الفرقة، وأيضاً ان ما اعتبرناه مجمع على انقضاء العدّة به...».(1)
وقال السيد المرتضى:«ومما انفردت به الإمامية أنّ عدّة الحامل المتوفى عنها زوجها أبعد الأجلين، وتصوير هذه المسألة أنّ المرأة إذا كانت حاملاً فتوفّي عنها زوجها ووضعت حملها قبل أن تنقضي أربعة أشهر وعشرة أيّام لم تنقض بذلك عدّتها حتى تمضي أربعة أشهر وعشرة أيّام، فإن هي مضت عنها أربعة أشهر وعشرة أيّام ولم تضع حملها، لم يحكم لها بانقضاء العدّة حتى تضع الحمل وهذه المسألة يخالف فيها الإمامية جميع الفقهاء في زماننا هذا لأنّ الفقهاء يحكون في كتبهم ومسائل خلافهم خلافاً قديماً فيها، وأنّ أمير المؤمنين (عليه السلام)وعبد اللّه بن عباس كانا يذهبان إلى مثل ما تفتي به الإمامية الآن فيها، والحجّة للإمامية الإجماع المتردد في هذا الكتاب».(2)
وقال ابن قدامة: «أجمع أهل العلم في جميع الأعصار على أنّ المطلّقة الحامل تنقضي عدّتها بوضع حملها وكذلك كل مفارقة في الحياة، وأجمعوا أيضاً على أنّ المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملاً أجلها وضع حملها إلاّ ابن عباس، وروى عن علي من وجه منقطع أنّها تعتدّ بأقصى الأجلين، وقاله أبو السنابل بن بعكك في حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فردّ عليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله، وقد روى عن ابن عباس أنّه رجع إلى قول الجماعة لما بلغه حديث سبيعة، وكره الحسن والشعبي أن تنكح في دمها ويحكى عن حماد وإسحاق أنّ عدّتها لاتنقضي حتى تطهر، وأبى سائر أهل العلم هذا القول، وقالوا: لو وضعت بعد ساعة من وفاة زوجها حلّ لها أن تتزوج ولكن لايطؤها زوجها حتى تطهر من نفاسها وتغتسل وذلك لقول اللّه تعالى (وَ أُولاتُ

1 . الخلاف:3/57، المسألة 19، كتاب العدّة.
2 . الانتصار: 149.

صفحه 297
الأحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ)وروي عن أُبي بن كعب قال: قلت للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (وَ أُولاتُ الأحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ)للمطلّقة ثلاثاً أو للمتوفى عنها؟ قال: «هي للمطلّقة ثلاثاً وللمتوفى عنها» وقال ابن مسعود: من شاء باهلته أو لاعنته انّ الآية التي في سورة النساء القصرى(وَ أُولاتُ الأحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) نزلت بعد التي في سورة البقرة: (وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْوَاجاً) يعني أنّ هذه الآية هي الأخيرة فتقدم على ما خالفها من عموم الآيات المتقدمة ويخص بها عمومها».(1)
أقول: إنّ بين الآيتين ـمن حيث المضمون ـعموماً وخصوصاً من وجه، فالآية الثانية مختصة بالمتوفى عنها زوجها، وعامّة لشمولها الحائل والحامل، والآية الأولى مختصة بالحامل، وعامة لشمولها المطلّقة والمتوفى عنها زوجها، فيجتمعان في الحامل المتوفى عنها زوجها، فعلى الثانية يجب التربص أربعة أشهر وعشراً، وعلى الأولى يكفي وضع الحمل فتقدم أحد الدليلين على الآخر يحتاج إلى دليل.
بل يمكن أي يقال: أنّ الآية الاُولى خاصة بالمطلّقات ولاتعدوها سياق الآيات، قال سبحانه: (واللاّئي يَئِسْنَ مِنَ المَحيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتهُنّ ثَلاثَةُ أشْهُر وَالّلائي لم يَحِضْنَ وَ أُولاتُ الأحمالِ أجلُهنَّ أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنّ وَمَنْ يَتَّقِ اللّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أمْرِهِ يُسراً).(2)
مضافاً إلى قوله سبحانه: (وإنْ كُنّ أُولاتِ حَمْل فَأنْفِقُوا عَلَيْهِنّ حتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فإنْ أرضَعْنَ لَكُم فآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْروف وَإنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرضِعُ لَهُ أُخرى).(3)
فإن قلت: إنّ لازم ما ذكرنا من اختصاص آية الحمل بالمطلّقة، هو خروجها

1 . المغني:9/110، كتاب العدّة .
2 . الطلاق:4و6.
3 . الطلاق:4و6.

صفحه 298
عن العدّة بمضي المدّة وإن لم تضع، فما هو الوجه في الاعتداد بأبعد الأجلين؟
قلت: الوجه تضافر الروايات من أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ، ففي صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال في الحامل المتوفى عنها زوجها: تنقضي عدّتها آخر الأجلين.(1)
وفي موثقة سماعة، قال: قال: المتوفى عنها زوجها الحامل أجلها آخر الأجلين، إن كانت حبلى فتمت لها أربعة أشهر وعشر ولم تضع فانّ عدّتها إلى أن تضع، وإن كانت تضع حملها قبل أن يتم لها أربعة أشهر وعشر تعتدّ بعد ما تضع تمام أربعة أشهر وعشر وذلك أبعد الأجلين.(2)
أضف إلى ذلك ما ذكره في المسالك: من أنّه لو عمل باطلاق آية الوفاة لاقتضى خروجها عن العدّة بمضيّها، وإن لم تضع فيلزم أن تكون عدّة الوفاة أضعف من عدّة الطلاق والأمر بالعكس كما يظهر من زيادة عدّتها ومن شدّة أمرها وكثرة لوازمها، فتكون مراعاة الوضع على تقدير تأخره عن أربعة أشهر وعشر، أولى منه في الطلاق الثابت بالإجماع.

لزوم الحداد على الزوجة

يلزم المتوفى عنها زوجها الحداد بلاخلاف، قال الشيخ في الخلاف: «المتوفى عنها زوجها عليها الحداد طول العدّة، وبه قال جميع الفقهاء وأهل العلم إلاّ الشعبي والحسن البصري فانّهما قالا:لايلزمها الحداد في جميع العدّة، وإنّما يلزمها العدّة ـ دليلنا ـ إجماع الفرقة وطريقة الاحتياط، وروي عن علي (عليه السلام)أنّه قال: لايحل لامرأة تؤمن باللّه واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث ليال إلاّ على

1 . الوسائل ج15: الباب 31 من أبواب العدد، الحديث 1و2 ، ولاحظ روايات الباب.
2 . الوسائل ج15: الباب 31 من أبواب العدد، الحديث 1و2 ، ولاحظ روايات الباب.

صفحه 299
الزوج أربعة أشهر وعشراً.(1)
والأصل في ذلك النصوص المتضافرة:
وهي صحيحة ابن أبي يعفور، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن المتوفى عنها زوجها، قال: لاتكتحل لزينة ولاتطيب ولاتلبس ثوباً مصبوغاً ولاتبيت عن بيتها وتقضي الحقوق وتمتشط بغسلة وتحج وإن كان في عدّتها.(2)
وصحيح أبي العباس قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : المتوفى عنها زوجها؟ قال: لاتكتحل لزينة ولاتطيب ولاتلبس ثوباً مصبوغاً ولاتخرج نهاراً ولاتبيت عن بيتها، قلت: أرأيت إن أرادت أن تخرج إلى حق كيف تصنع؟ قال: تخرج بعد نصف الليل وترجع عشاء.(3)
إلى غير ذلك من الروايات المروية في الباب من أنّ عليها أن تحدّعلى زوجها، ففي رواية زرارة: «فعدّتها من يوم يأتيها الخبر أربعة أشهر وعشراً لأنّ عليها أن تحد عليه في الموت أربعة أشهر وعشراً.(4)

الأمر الثاني عشر:

في حكم المفقود عنها زوجها

هذه المسألة من المسائل التي يكثر بها الابتلاء وقد كان بعض مشايخنا العظام ـ أعلى اللّه مقامهم ـ يتورع عن الافتاء فيها . ولكن لامحيص عن الفقيه الذي يفزع إليه الناس من الافتاء وحلّ المعضلة. فنقول:

1 . الخلاف:3/59،المسألة 26، كتاب العدّة.
2 . الوسائل ج15: الباب 29من أبواب العدد، الحديث 2و3و1.
3 . الوسائل ج15: الباب 29من أبواب العدد، الحديث 2و3و1.
4 . الوسائل ج15: الباب 29من أبواب العدد، الحديث 2و3و1.

صفحه 300
لاخلاف في أنّ الغائب إن علمت حياته فهو كالحاضر، وإن علم موته اعتدت منه وجاز تزويجها، إنّما الإشكال فيما لو انقطع خبره ولم يثبت موته ولاحياته فانّ الذي تقتضيه الاُصول، هو وجوب الصبر استصحاباً لحياته إلى أن يثبت موته شرعاً، لكن وردت الأخبار عنهم (عليهم السلام) بخلاف ذلك وأنّ لها مخلصاً، خلافاً لبعض العامّة القائل بلزوم بقائها حتى يأتي خبر موته أو طلاقه إيّاها.
قال الشيخ في الخلاف: قال ]الشافعي[ في الجديد انّها تكون على الزوجية أبداً لاتحل للازواج إلى أن يتيقن وفاته، وهو أصح القولين لدى ]الشوافع[ وروى ذلك عن علي (عليه السلام) ، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وأهل الكوفة بأسرهم: ابن أبي ليلى وابن شبرمة والثوري وغيرهم.
وأمّا الشيعة فقد قال الشيخ في الخلاف: امرأة المفقود الذي لايعرف خبره ولايعلم أحيّ هو أم ميّت تصبر أربع سنين ثم ترفع خبرها إلى السلطان لينفذ من يتعرف خبر زوجها في الآفاق فإن عرف له خبراً لم يكن لها طريق إلى التزويج، وإن لم يعرف له خبراً أمر وليّه أن ينفق عليها فلاطريق لها إلى التزويج، وإن لم يكن له ولي، أمرها أن تعتد عدّة المتوفى عنها زوجها فإذا اعتدت ذلك حلّت للازواج، وللشافعي فيه قولان: قال في القديم: تصبر أربع سنين ثم ترفع أمرها إلى الحاكم حتى يفرق بينهما ثم تعتد للوفاة وتحل للازواج، وروى ذلك عن عمر وابن عمر وابن عباس ومالك وأحمد وإسحاق.(1)
هذا هو إجمال المسألة ، غير أنّ الوقوف على الشروط اللازمة وتمييزها عن غيرها يتوقف على البحث عن عدة أُمور وبذلك تعرف أقوال أصحابنا في شروط الموضوع، والمهم عبارة عن الأُمور التالية:

1 . الخلاف:3/60،المسألة 33، كتاب العدّة.

صفحه 301
1ـ هل يشترط الطلاق بعد مدّة التربّص أو يكفي رفع الأمر إلى الحاكم من غير حاجة إلى الطلاق.
2ـ العدّة في المقام، عدة طلاق أو عدة وفاة.
3ـ هل اللازم رفع أمرها إلى الحاكم ليضرب الأجل ويفحص عن الزوج في الاطراف، أو يكفي مضيّ أربع سنين قبل الرجوع إلى الحاكم.
4ـ هل المبدء لأربع سنين، هو حين الفقد أو حين رفع الأمر إلى الحاكم زمان فقد خبره أو حين ضرب الحاكم الأجل.
وهناك أُمور ليست بهذه الدرجة من الأهمية. فيبحث عن الجميع ليتّضح الحقّ بأجلى مظاهره. فنقول:
الأوّل: إذا طولب أربع سنين ولم يعرف له خبر فهل يكفي أمر الحاكم لها بالاعتداد، عدّة الوفاة أم لابدّ من الطلاق أوّلاً من الولي أو الحاكم مع عدمه. وعلى الثاني فهل العدّة عدّة الوفاة أو عدّة الطلاق؟ أقوال أربعة:
1ـ يكفي أمر الحاكم لها بالاعتداد عدّة الوفاة. ويظهر هذا من المفيد والطوسي وابن البراج والحلّي والمحقق وغيرهم ـ قدّس سرّهم ـ وإليك عباراتهم.
قال المفيد: «وإن لم تعلم له خبر اعتدت عدّة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرة أيّام».(1)
وقال الشيخ في النهاية: «وإن لم يعرف له خبر بعد أربع سنين، من يوم

1 . المقنعة:83، كتاب الطلاق.

صفحه 302
رفعت أمرها إلى الإمام، اعتدت من الزوج عدّة المتوفى عنها زوجها».(1)
وقال ابن إدريس: «فإن لم يعرف له خبره حتى انقضت أربع سنين من يوم رفعت أمرها إلى الإمام أمرها الإمام بالاعتداد عنه أربعة أشهر وعشرة أيّام عدّة المتوفى».(2)
وقال ابن البراج: «وإن لم يكن له وليّ فرّق الحاكم بينهما فاعتدت عدّة الوفاة».(3)
وقال المحقق في الشرائع: «وإن لم يعرف خبره، أمرها بالاعتداد عدّة الوفاة».(4)
2ـ يلزم الطلاق من الوليّ أو الحاكم مع عدمه والعدّة عدّة الوفاة، قال به الصدوق في المقنع وابن حمزة في الوسيلة.
قال الصدوق: «أجبره الوالي على أن يطلّقها تطليقة في استقبال العدّة وهي طاهرة، فيصير طلاق الوليّ طلاق الزوج، وإن لم يكن لها وليّ طلّقها السلطان،...وعدّتها أربعة أشهر وعشرة أيّام».(5)
وقال ابن حمزة:«وإن لم يجد له خبراً بموت، ولاحياة، أمر الحاكم بعد انقضاء أربع سنين وليّ الغائب بتطليقها، فإن لم يكن له وليّ طلّقها الحاكم، فإذا طلّقها اعتدت عنه عدّة الوفاة».(6)
3ـ لابدّ من الطلاق من أحدهما والعدّة عدّة الطلاق وإليه جنح الشهيد في مسالكه وسبطه في مداركه.(7)
4ـ قول ابن الجنيد، إن طلّقه الوليّ، فالعدّة عدّة الطلاق، وإن لم يطلّق، أمرها(بدون طلاق) ولي المسلمين أن تعتد عدة الوفاة. وحكاه العلاّمة في المختلف

1 . النهاية: 538.
2 . السرائر:340، كتاب الطلاق.
3 . المهذب:2/338.
4 . الشرائع:3/39، كتاب الطلاق .
5 . المقنع:119، كتاب الطلاق.
6 . الوسيلة:324.
7 . لاحظ المسالك:2/50 .

صفحه 303
قال: «أمره السلطان بأن يطلق فإن طلّقها، وقع طلاقه موقع طلاق زوجها وإن لميطلّق أمرها وليّ المسلمين أن تعتد فإذا خرجت من العدّة حلّت للازواج».(1)
فإنّ ظاهر قوله: «وقع طلاقه موقع طلاق زوجها» أن العدّة عدّة الطلاق ، كما أنّ المتبادر من الثاني عدّة الوفاة إذ المفروض أنّها تعتد بلاطلاق من الوالي فكيف تكون العدّة، عدّة الطلاق مع عدمه، فتعين أن تكون عدة الوفاة.
وإليك تحليل الأقوال:
أمّا القول الأوّل: فتدل عليه موثقة سماعة قال: سألته عن المفقود؟ فقال: إن علمت أنّه في أرض فهي منتظرة له أبداً حتى يأتيها موته أو يأتيها طلاق، وإن لم تعلم أين هو من الأرض ولم يأتها منه كتاب ولاخبر فإنّها تأتي الإمام (عليه السلام) فيأمرها أن تنتظر أربع سنين فيطلب في الأرض، فإن لم يوجد له خبر حتى يمضى الأربع سنين أمرها أن تعتد أربعة أشهر وعشراً ثم تحل للازواج فإن قدم زوجها بعد ما تنقضي عدّتها فليس له عليها رجعة، وإن قدم وهي في عدّتها أربعة أشهر وعشراً فهو أملك برجعتها.(2)
وأمّا القول الثاني: فهو مركب من أمرين:
1ـ طلاق الولي أو الوالي إن لم يطلق الولي، وتدل عليه رواية أبي الصباح الكناني، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)في امرأة غاب عنها زوجها أربع سنين ولم ينفق عليها ولم تدر أحيّ هو أم ميت، أيجبر وليّه على أن يطلّقها؟ قال: نعم، وإن لم يكن له وليّ طلّقها السلطان، قلت: فإن قال الولي: أنا أنفق عليها؟ قال: فلايجبر على طلاقها، قال: قلت: أرأيت إن قالت : أنا أُريد مثل ما تريد النساء ولاأصبر

1 . المختلف:41، كتاب الطلاق.
2 . الوسائل ج14: الباب 44من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 2.

صفحه 304
ولاأقعد كما أنا ؟ قال: ليس لها ذلك ولا كرامة إذا أنفق عليها».(1) وغيرها من روايات الباب.
2ـ من كون العدّة عدّة الوفاة، ويدل عليها مرسلة الفقيه:«أنّه إن لم يكن للزوج وليّ طلّقها الوالي ويشهد شاهدين عدلين، فيكون طلاق الوالي طلاق الزوج وتعتد أربعة أشهر وعشراً ثم تزوّج إن شاءت».(2)
وأمّا القول الثالث: فقد مرّ دليل لزوم الطلاق، وأمّا كون العدّة هو عدّة الطلاق فهو وإن لم يصرّح به في الروايات لكنّه هو المتبادر، كرواية بريد بن معاوية(3) وصحيحة الحلبي (4) وأمّا رواية سماعة الدالة على عدّة الوفاة فمضمرة ضعيفة السند.
وأمّا القول الرابع: فيعلم وجهه من التأمل فيه، لأنّه إذا كان وظيفة الولي الطلاق، تكون العدّة عدّته، وإذا لم يطلق ووصلت النوبة إلى الوالي، وأمر بالاعتداد بلاطلاق، تكون العدّة عدّة الوفاة بتنزيله منزلة الموت وإلاّ فلا وجه للاعتداد بلا طلاق كما هو المفروض.
هذا وبما أنّ أكثر روايات الباب دالة على لزوم الطلاق من الولي أو الوالي، لميكن بدّ من تقديمه على موثقة سماعة الظاهرة في عدم لزومه وكفاية الأمر بالاعتداد من الوالي.
ويمكن الجمع بين الروايات بالأخذ بالصريح وترك غيره ويحصل ذلك برعاية أمرين:
1ـ إنّ روايات الباب صريح في لزوم الطلاق، فيؤخذ بها، ويترك ظهور ما

1 . الوسائل ج15: الباب 23من أبواب أقسام الطلاق ، الحديث، 5.
2 . الوسائل ج15: الباب 23من أبواب أقسام الطلاق ، الحديث، 2.
3 . لاحظ الوسائل ج15: الباب23 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 1و4.
4 . لاحظ الوسائل ج15: الباب23 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 1و4.

صفحه 305
هو ظاهر في خلافه من عدم لزومه. كموثقة سماعة إذ ليس فيها عن الطلاق أثر، لولا قوله في آخرها من قوله:«فهو أملك برجعتها» المشعر بلزوم الطلاق حتى يصدق الرجعة.
2ـ إنّ روايات الباب، ظاهرة في أنّ عدّتها عدّة الطلاق لكن صريح مضمرة سماعة على أنّها عدّة الوفاة فيؤخذ بالصريح ويترك الظاهر، مضافاً إلى أنّه ورد في مرسلة الفقيه الجمع بين الطلاق وعدّة الوفاة. وكون الموثقة مضمرة لايضرّ لأنّ جميع مروياته كذلك مضمرة.
وما ذكرنا، خيرة السيد الاصفهاني في الوسيلة والاُستاذ الأكبر في تحريره. ولكن الأحوط الجمع بين العدّتين ورعاية أبعد الأجلين، لقيام الاحتمال بأنّ وظيفتها، التربص ثلاثة قروء، كما أنّ المحتمل أنّ وظيفتها تربص أربعة أشهر وعشراً، وذلك فيما إذا كانت ذات الاقراء وكانت تحيض في كل شهرين أو أقل من ثلاثة مرّة واحدة ولاتخرج من العدّة بمرور أربعة أشهر وعشراً.
والحق أن يقال: إنّ ما ذكر من الجمع ليس جمعاً عرفياً، وإنّما هو أخذ بالقدر المتيقن من الروايات والمتعارف عندهم في أمثال المقام، فانّ الظاهر أنّ الإمام في كل واحدة من هذه الروايات في مقام بيان ما هو تمام الموضوع لتخلص المرأة عن الحرجوالحياة القلقة، وعلى هذا، فهل يصح أن يترك ذكر الطلاق في بعضها مع ركنيته، أو يترك ذكر عدّة الوفاة مع إرادتها، فالروايات حسب الفهم العرفي متعارضة، وانّما صرنا إلى ما ذكرنا لأجل الأخذ بالقدر المتيقن ولأجل ذلك يقول السيد الإصفهاني «وفي اعتبار بعض ما ذكر تأمل ونظر، إلاّ أنّ اعتبار الجميع هو الأحوط. »
الثاني: هل المبدأ لأربع سنين، هو حين الفقد أو حين رفع أمرها إلى الحاكم. وهو متفرع على أمر آخر، وهو أنّه هل يكفي في الاعتداد، مرور أربع سنين من حين

صفحه 306
الفقد، أو لايكفي إلاّ إذا رفعت أمرها إلى الحاكم فضرب لها الأجل حتى قال العلاّمة في القواعد:«لولم ترفع خبرها إلى الحاكم فلاعدّة حتى يضرب لها المدّة ثم تعتدّ ولوصبرت مائة سنة، وابتداء المدّة من رفع القضية إلى الحاكم وثبوت الحال عنده لا من وقت انقطاع الخبر».(1)
ظاهر عبارات الأصحاب هو الثاني، وبما انّه الأوفق للاحتياط اكتفى به السيد الاصفهاني في وسيلته والاستاذ ـ قدّس سرهما ـ في تحريره ، ويدلّ عليه صحيحة بريد بن معاوية قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن المفقود كيف تصنع امرأته؟ فقال : ما سكتت عنه وصبرت فخل عنها، وإن هي رفعت أمرها إلى الوالي أجّلها أربع سنين ثمّ يكتب إلى الصقع الذي فقد فيه فليسأل عنه فإن خبّر عنه بحياة صبرت وإن لم يخبر عنه بحياة حتى تمضي الأربع سنين دعا وليّ الزوج المفقود....(2) ومثله موثقة سماعة كما عرفت.
وربما يستظهر من صحيحة الحلبي (3) خلافه وانّه يكفي مرور أربع سنين بلاتأجيل من الحاكم حيث قال: «المفقود إذا مضى له أربع سنين فإذا مضى بعث الوالي» ـ ومع ذلك ـ فهو ليس بصريح ولعلّ المرأة رفعت أمرها من قبل فأجّل لها أربع سنين ثم جاءت إليها بقرينة قوله «فإذا مضى بعث الوالي» ولعلّه يعرب عن اطلاع الوالي على الأمر من أوّل الأمر، وعندئذ تنطبق مع صحيحة «بريد». اللّهمّ إلاّ أن يحمل على ثبوت المضيّ بشهادة العدلين بعد رفع الأمر إليه.
وأمّا صحيحة الكناني فليست بصدد بيان تلك الجهة حتى يؤخذ بإطلاقها وإنّما هي بصدد بيان جواز إجبار الولي على الطلاق وعدمه، بقرينة أنّها خالية عن قيد الفحص من المدّة المزبورة أيضاً.

1 . ايضاح القواعد3: 353 ـ 354.
2 . الوسائل ج15: الباب 23من أبواب أقسام الطلاق الحديث 1و4.
3 . الوسائل ج15: الباب 23من أبواب أقسام الطلاق الحديث 1و4.

صفحه 307
وعلى هذا فالأحوط لو لم يكن الأقوى، كون المبدأ، الأجل الذي يؤجّلها الوالي، لامبدأ الفقد خلافاً لصاحب الحدائق حيث حكم لأجل إطلاق روايتي الحلبي والكناني، من أنّها إذا رفعت أمرها إلى الحاكم بعد الأربع سنين، من حين الفقد يكفي ذلك إلاّ أنّه يتفحّص عنه فيجري عليه الحكم، وإن رفعت أمرها في أثنائها فإنّه يجب عليها التربص حتّى يتمّ الأربع وتضمّ إليها المدة الباقية ثم يجري الحكم.
الثالث: لو تعذر رفع الأمر إلى الحاكم أو أمكن رفعه إليه ولكن تعذر الفحص فهل يجب عليها الصبر إلى أن يظهر حاله بوجه من الوجوه أو لا؟ اختار الأوّل، ابن إدريس في السرائر والشهيد في المسالك. قال في السرائر:«إنّها في زمن الغيبة مبتلاة وعليها الصبر إلى أن تعرف موته أو طلاقه، على ما وردت به الأخبار عن الأئمة الأطهار (عليهم السلام) (1) وعلّله في المسالك بأصالة بقاء الزوجية».(2)
ويظهر من السيد الخوانساري في جامعه قال: «ولم يظهر من الأدلّة لزوم تخليص المرأة في كل زمان» (3)ويظهر من الكاشاني في وافيه والبحراني في حدائقه.
قال البحراني: إنّ القول الأوّل مبني على ظاهر ما اتّفقت عليه كلمتهم من توقف الطلاق أو الاعتداد على رفع الأمر إلى الحاكم، حيث قال العلاّمة في القواعد من «أنّه لو مضت مائة سنة ولم ترفع أمرها إلى الحاكم فلاطلاق ولاعدّة»، وابتداء المدّة من رفع القصة إلى الحاكم وثبوت الحال عنده لا من وقت انقطاع الخبر.
ثم قال لاظهور فيها على توقف الطلاق على رفع الأمر إلى الحاكم وأنّ مبدأ الأربع التي يجب عليها التربص فيها من مبدأ الرفع وانّ الفحص إنّما هو من الحاكم، بل الذي يظهر منها إنّما هو وجوب التربص أربع سنين رفعت أمرها إلى

1 . السرائر:340، كتاب الطلاق.
2 . المسالك :2/50.
3 . جامع المدارك:4/563.

صفحه 308
الحاكم قبل الأربع أم لا، وإنّ مبدأ الأربع من حين الفقدـ إلى أن قال: ـ فمع فقده أو قصور يده فانّه لاينتفي الحكم المذكور بل يجب على عدول المؤمنين القائمين مقامه في تولّي بعض الأمور الحسبية، القيام بذلك، وتخرج الآيات والروايات الدالّة على نفي الضرر والحرج والضيق شاهداً في هذا الدين على ذلك».(1)
وقال السيد الاصفهاني: إذا لم يكن الوصول إلى الحاكم فإن كان للحاكم وكيل ومأذون في التصدي للأمور الحسبية، فلايبعد قيامه مقامه في هذا الأمر ومع عدمه فالظاهر قيام عدول المؤمنين مقامه.
وعليه سيدنا الأُستاذ (قدس سره) في التحرير إلاّ أنّه استشكل في قيام عدول المؤمنين مقامه.
يلاحظ على ما ذكره في الحدائق
أوّلاً: أنّه خلط بين المسألتين، أعني كون مبدأ الأربع، فقد الزوج أو رفع الأمر إلى الحاكم، وبين لزوم مدخلية الحاكم في ذلك فيمكن التفكيك. واختيار أنّ المبدء لأربع سنين، هو فقد الزوج، ولكن لاينفذ الحكم إلاّ بالمراجعة إلى الحاكم وإصداره الحكم بالطلاق والاعتداد.
وثانياً: أنّ القول بقيام عدول المؤمنين بالأمر، فرع القول انّه من وظيفة الحاكم فانّهم لايقومون إلاّ بما لو كان الحاكم موجوداً أو مبسوط اليد لما وصلت النوبة إليهم، فلو قلنا: إنّه ليس من شؤونه، لما ثبت لهم الولاية أبداً.
وثالثاً: أنّ طبيعة القضية أعني خطورة الأمر تعطى لزوم تدخّل الحاكم في حلّ العقدة.
هذا وأمّا صحّة تدخّل المؤمنين في حلّها، فهو أنّ العلم الخارجي حاصل

1 . الحدائق:25/486.

صفحه 309
بأنّ الشارع لايرضى ببقاء الزوجة الشابة في الضيق و الحرج لأنّه لاينطبق مع الشريعة السمحة السهلة، التي بها بعث النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) كما لايجتمع مع قوله سبحانه: (وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدّينِ مِنْ حَرَج)(1)فعندئذ، يكون تخليصها معلوماً، فلو كان الحاكم موجوداً أو تصل اليد إليه، يقوم به حسب النصوص وإلاّ يقوم نوّابه ممن وُكّلت إليهم الأمور الحسبية وإلاّ فعدول المؤمنين لأجل حصول العلم بأنّه مطلوب للشارع بلاقيد ولاشرط، اللّهمّ إلاّ إذا لم يحصل مثل ذاك العلم.
والعجب من السيد الخوانساري: حيث فسر الإمام والسلطان والوالي في الروايات بالنواب الخاصة، وأضاف انّه لم يظهر من الأدلّة لزوم تخليص المرأة في كل زمان حتى يقال القدر المتيقن مداخلة الحاكم ثمّ عدول المؤمنين ثم غير العدول.(2) وعلى هذا يجب أن تبقي المعضلة في حال الغيبة على حالها.
يلاحظ عليه: أنّ الكلمات الثلاث، رمز القوّة والقدرة، سواء أكانت شرعية كالحاكم الشرعي، أم غيره كحكام الجور غير أنّ التوسل بهم لما كان مع وجود الحاكم الشرعي منه، ممنوعاً، يجب الرجوع إليه دونهم، اللّهمّ إلاّ إذا توقف التخلص على الرجوع إليهم فيكفي عندئذ إذن الحاكم الشرعي وانطباق عملهم على رأيه.واللّه العالم.
الرابع: لافرق في المفقود بين من اتفق فقده في جوف البلد أو في السفر ومن فقد في القتال، أو عند ما انكسرت السفينته ولم يعلم حاله. وذلك لعموم النص وشموله لجميع ذلك.
لأنّ أكثر النصوص يشمل المفقود، وبعضها كصحيحة الكناني تعبّر عن

1 . الحج: 78.
2 . جامع المدارك :4/567.

صفحه 310
الموضوع بالغائب وهما شاملان لجميع الأقسام، خلافاً لصاحب الحدائق حيث قال: «إنّ مورد الأخبار السفر، وانّ الفقد حصل فيه فيرسل إلى الفحص عنه في تلك الجهة أو الجهات» وهذا لايصدق على من فقد في جوف البلد أو فقد لانكسار السفينة(1).
وحاصل ما أفاده، أنّ مورد الأخبار يشتمل على قيدين: الفقد في السفر، وإمكان المراسلة والفحص، والمفقود في جوف البلد فاقد للشرط الأوّل، ومن كسرت سفينته. أو هجم عليه قطاع الطريق فقتلوا من قتلوه، ونهبوا ما نهبوه، فاقد للشرط الثاني، فإلى من يرسل وعمن يسأل؟!
يلاحظ عليه: أنّ موضوع الحكم في الروايات هو المفقودوالغائب، وهما صادقان على الجميع، وأمّا السفر فهو جهة تعليلية للفقد والغيبة لاتقييدية، فلا وجه لدخله في الحكم، وأمّا القيد الثاني أعني الفحص عن المغروق في السواحل القريبة بموضع الغرق و البلاد المتصلة بمحلّ قطاع الطريق فيمكن. وما يدّعي من دلالة القرائن المفيدة للعلم بموته في بعض الموارد ككسر السفينة وهجوم القطاع، لامضايفة فيها، فلو دلّت على وجه أفاد العلم فلافرق بين جميعأقسام المسألة حتى الغائب في السفر إذ لاشيء وراء العلم«ولاقرية بعد عبادان».
والحاصل، لو حصل العلم بموت الغائب، يعمل به ، من غير فرق بين الغائب في السفر والمفقود في المفاوز في شدة الحر والبرد، والمعارك العظيمة وإلاّ فالظاهر عدم الاكتفاء بالظنون والحدسيات، ولزوم الصبر أربع سنين والفحص، إلى أن يحكم الحاكم.
الخامس: ذهب صاحب المسالك إلى أنّ الحكم مختص بالزوجة فلايتعدى

1 . الحدائق:25/490.

صفحه 311
إلى ميراثه وقوفاً فيما خالف الأصل على مورده، فيتوقف ميراثه إلى أن يمضي مدّة لايعيش مثله إليها عادة، واختاره في الجواهر قائلاً بأنّ الإلحاق لادليل عليه إلاّ القياس.
لاشك أنّ مقتضى استصحاب الحياة، حرمة تقسيم أمواله، كما أنّ مقتضى استصحاب بقاء الزوجية هو حرمة نكاحها، خرج الثاني بالدليل وبقي الأوّل بحاله.
والاستدلال بأنّ الفروج مبنية على الاحتياط فإذا خولف الأصل فيها، فغيرها أولى بالمخالفة: غير سديد لأنّ المخالفة لأجل دفع الضرر الحاصل بالمرأة بالصبر على العنت دون غيره من الميراث ـ ومع ذلك ـ فللنظر فيه مجال.
أوّلاً: أنّ الروايات والفتاوى متفقة على أنّه لو كان للغائب مال يمكن الانفاق منه عليها لايصح لها رفع الشكوى حتى يخيّرها الحاكم بين الطلاق والبقاء، فكيف يجوز طلاقها مع وجود ميراث للزوج اللّهمّ إذا فرضت المسألة، في المال الذي لايمكن الإنفاق منه عليها.
وثانياً: أنّ الموثقتين حاكمتان على خلافه، أعني موثقة سماعة وإسحاق بن عمار، روى الأوّل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: المفقود يحبس ماله على الورثة قدر ما يطلب في الأرض أربع سنين، فإن لم يقدر عليه قسم ماله بين الورثة، فإن كان له ولد حبس المال وأنفق على ولده تلك الأربع سنين».(1)
وروى الثاني، قال: قال لي أبو الحسن (عليه السلام) : المفقود يتربّص بماله أربع سنين ثم يقسم.(2) وقد عمل القوم بروايتهما في غير المقام.فلاوجه لطرحهما في

1 . الوسائل ج17: الباب 6 من أبواب ميراث الخنثى، الحديث9.
2 . الوسائل ج17: الباب6 من أبواب ميراث الخنثى ، الحديث 5، وبهذا المضمون الحديث9 من هذا الباب.

صفحه 312
المقام وليست في المسألة شهرة مسقطة لهما عن الحجية.
السادس: اتفق النص والفتوى على أنّ الخيار بين الصبرو رفع الشكوى إلى الحاكم ليخلصها إنّما هو فيما إذا لايعرف خبره، ولايكون هنا من ينفق عليها. وإلاّ فلو عرف خبره، أو كان هنا من ينفق عليها من مال الزوج أوّلاً ، أو من الولي إن لم يكن له مال فلاخيار لها، بل يتعين عليها الصبر.
ويدل على ذلك لفيف من الروايات:
صحيحة بريد بن معاوية قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المفقود كيف تصنع امرأته؟ فقال: ...فإن خبّر عنه بحياة صبرت وإن لم يخبر عنه بحياة حتى تمضي الأربع سنين دعا وليّ الزوج المفقود فقيل له: هل للمفقود مال؟ فإن كان للمفقود مال أنفق عليها حتى يعلم حياته من موته، وإن لم يكن له مال قيل للوليّ: أنفق عليها، فإن فعل فلاسبيل لها إلى أن تتزوج ما أنفق عليها، وإن أبى أن ينفق عليها أجبره الوالي على أن يطلق...».(1)
وبذلك يقيد إطلاق موثقة سماعة ومرسلة الفقيه حيث قال في الاُولى: «فإن لم يوجد له خبر حتى يمضي الأربع سنين أمرها أن تعتد أربعة أشهر وعشراً ثم تحلّ للأزواج».(2)
وكما أنّ الرواية تقيّد ما لم يرد فيه لزوم الانفاق وصبرها عنده، كذلك يقيّد بها، ما لم يرد فيه الترتيب بتقديم الإنفاق من مال الزوج على مال الوليّ كرواية الحلبي(3) وأبي الصلاح الكناني.(4)

1 . الوسائل ج15: الباب 23من أبواب أقسام الطلاق، الحديث1.
2 . الوسائل ج14: الباب 44 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 2.
3 . الوسائل ج15: الباب 23 من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 4و5.
4 . الوسائل ج15: الباب 23 من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 4و5.

صفحه 313
ثم هل الولي مخيّر بين الإنفاق ، واختيار الطلاق، فلو ترك الإنفاق، واختار الطلاق، فلاعقاب عليه كما هو الحال في الواجبات التخييرية، أو أنّ المتعيّن عليه، هو الإنفاق أولاً ، فإن أبى أن ينفق عليها، يجب عليه الطلاق؟ وجهان والمتبادر من صحيحة بريد هو الثاني وهو أشبه بإيجاب أمرين على وجه الترتب.
وقد تعرضت الروايات لبعض ما ربما يختلج في الذهن، وهو أنّ الحاجة لاتنحصر في الأكل واللبس حتى تصبر بالانفاق، بل الحاجة الغريزية أولى بالرعاية، ولكن الإمام أجاب عنه بما في صحيحة الحلبي: «قال: قلت: فإنّها تقول: فإنّي أُريد ما تريد النساء؟ قال: ليس ذاك لها ولاكرامة».(1)
وفي صحيحة الكناني: «قال: قلت: أرأيت إن قالت: أنا أُريد مثل ما تريدالنساء ولاأصبر ولاأقعد كما أنا، قال: ليس لها ذلك ولاكرامة إذا أنفق عليها».(2)
هذا و لابدّ من حمل الصحيحتين على ما إذا لم يكن الصبر عليها أمراً شاقاً لا يتحمّل عادة، إذ أيّ فرق بين الغسل و الوضوء الحرجيين و بقاء امرأة شابة بلا زوج بل ربما يكون الصبر في الثاني أشدّ بمراتب من الحرج بالتوضوء أو الغسل بالماء البارد، أو في البرد القارص.
وربما يقال بأنّ الحكم في مورد المفقود عنها زوجها، وضع على الحرج فلا يرتفع به ولكنه لا يخلو من تأمّل، إذ ليس هذا مثل أحكام الغرامات و الديات الموضوعة على الضرر و الحرج فلا ترفع عند وجودهما.
نعم إذا كان الصبر عليها أمراً غير شاق، خصوصاً إذا كان هناك بصيص من الرجاء فعليها الصبر، لا ما إذا كان شاقاً و ربما ينجر الأمر إلى ما لاتحمد

1 . الوسائل ج15: الباب 23، من أبواب أقسام الطلاق، الحديث4و5.
2 . الوسائل ج15: الباب 23، من أبواب أقسام الطلاق، الحديث4و5.

صفحه 314
عاقبته، فللحاكم التأجيل وحلّ العقدة كما لايخفى. هذا و لم أر من تعرض بذلك، لكنّه ليس ببعيد عن روح الإسلام وأحكامه السهلة السمحة التي بعث بها النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم).
وعلى ضوء ذلك، ينزل ما ورد عنهم (عليهم السلام) من الصبر، على ما لايبلغ الأمر إلى هذا الحدّ.
السابع: لو أنفق عليها الولي أو الحاكم من ماله ثم تبيّن تقدّم موته عليالإنفاق، مقتضى القواعد، هو الضمان: إما ضمان الآمر، لأمره المولوي بالإنفاق، وإما ضمان المنفِق لكونه السبب، وإما ضمان الزوجة لكونها المتصرّفة المنتفعة المباشرة للتلف ، ولأقوائية المباشر يستقرّ الضمان عليهاوالمفروض أنّه لميكن هناك أيّ غرور من الآمر والمنفق، كما إذا دعا إلى أكلطعام الغير بعنوانأنّه مال نفسه فتبين الحال. بل الجميع يحتملون موت الزوج وانّ ما ينفقعليه، يحتمل أن يكون مال الورثة ولكن ينفق المال لأجل استصحاب حياتهوزوجيتها. فإذا تبين خطأ الاستصحاب، وانّ التصرف كان في مال الغير،يستقرّ الضمان عليها على الأقوى إذ هي المنتفعة بالمال أو المتصرفة فيه بالمباشرة.
والأمر بالإنفاق، لايلازم عدم الضمان فإنّه لايتجاوز عن الاذن في التصرف في اللقطة أو الأمر بجواز التصرف في مال المحتكر في الغلاء، أو السرقة منطعامالغير عند المجاعة أو تعليف دابة الغير، المشرف على الموت، فإنّ الأمر هنا،بمعنى جواز التصرف في تلك الموارد وأمّا كون التصرف بالمجّان فلايستفادمنه.
واستدل لعدم الضمان عليها ولاعلى المنفق بوجهين:
1ـ انّ الشارع أمر بالإنفاق، ومعه يكون الحكم بضمان المنفق، أو المنفق

صفحه 315
عليها قبيحاً.
2ـ الحكم مبني على الظاهر وقد كانت زوجته ظاهراً.
يلاحظ على الأوّل: أنّ الحكم بالإنفاق لأجل حلّ المشكل مؤقتاً حتى تتبيّن الحال، والضمان في مثل هذا كيف يكون قبيحاً، والشاهد عليه أنّه لو وصل خبر الموت إليها في ذلك الوقت، تكون نفقتها عليها لاعلى الزوج.
ويلاحظ على الثاني: أنّ ما ذكره من انّ الأحكام الشرعية لاتناط بالواقع ونفس الأمر للزوم الحرج، والشارع إنّما كلّف بالظاهر ظهر خلافه أم لم يظهر، إنّما يتمّ إذاكانت الأحكام منوطة بالواقع بما هو هو سواء أقامت عليها البيّنة أم لا، وأمّا إذا قلنا بأنّ الوظيفة هو العمل به في حدّ اقامة الطريق على الواقع فلايلزم الحرج فيجب على المكلف تطبيق العمل على الواقع بمقدار ما قام الدليل عليه، وهذا هو السرّ في حجيّة الأمارات، وعليه فما دامت الأمارة غير قائمة على موته، كانت الزوجة معذورة، ومعها تخرج عن العذر وأيّ حرج في ذلك.
وعليه فالضمان عليها إلاّ إذا كانت معسرة، فلامانع من رجوع صاحب المال إلى الحاكم ليدفع الغرامة من بيت المال، وليس المقام من قبيل «ما أخطأت القضاة ففي بيت مال المسلمين» لعدم الخطاء في المقام لأنّه عمل بمرّ الحق الذي ورد في الشرع في هذه الحال، وإنّما الرجوع إليه، لأجل أمره واستناد التلف إليه أقوى من المنفق المطيع لأمره. اللّهم إلاّ أن يدعى ظهور الروايات في الانفاق عليها، انفاقاً بلاعوض وأنّه هو المتبادر منها، وذلك لكونها محبوسة بأمر الشارع فيجب أن ينفق عليها أيضاً ولو لم تكن محبوسة، ربما تتزوّج وترفع حاجتها ، لكنّها لما حبست بأمره، يجب أن تكون النفقة عليه فتأمل.
الثامن: لو قدم الزوج وقد خرجت عن

صفحه 316
العدّة وتزوّجت، لاسبيل له عليها ولو جاء وهي في العدة كان أملك بها، إنّما الخلاف فيما إذا جاء وقد خرجت عن العدّة ولم تتزوّج فذهب الصدوق في المقنع(1) وابن إدريس في السرائر(2) وابن حمزة في الوسيلة(3) والشيخ في المبسوط(4) إلى أنّه لاسبيل له عليها. واختار الشيخ في النهاية(5) والخلاف(6) جواز الرجوع، وتبعه ابن البراج في المهذب(7).
وقال المحقق في الشرائع فيه روايتان أشهرهما أنّه لاسبيل له عليها.
وهناك تفصيل ذكره العلاّمة في المختلف(8) من أنّ العدّة إن كانت بعد طلاق الولي فلاسبيل للزوج عليها وإن كانت بأمر الحاكم من غير طلاق كان أملك بها، وعلّله بأنّ طلاق الأوّل، طلاق شرعي قد انقضت عدّته بخلاف الأمر بالاعتداد فانّه كان مبنياً على الظن بوفاته وقد ظهر بطلانه ولاأثر لتلك العدّة، والزوجية باقية لبطلان الحكم بالوفاة.
أقول: لم نجد نصاً على القول الثاني والوارد في صحيحة بريد وموثقة سماعة هو الأوّل ففي صحيحة بريد بن معاوية«فإن جاء زوجها قبل أن تنقضي عدتها من يوم طلّقها الوالي فبدا له أن يراجعها فهي امرأته وهي عنده على تطليقتين، وإن انقضت العدّة قبل أن يجيئ ويراجع فقد حلّت للأزواج ولاسبيل للأوّل عليها»(9)ومثله موثقة سماعة.(10)
وأمّا التفصيل ببين طلاق الوليّ وأمر الحاكم بالاعتداد فهو محجوج بما ورد في موثقة سماعة، فقد ورد الأمر بالاعتداد من الحاكم بلاطلاق من الولي والوالي، ومعه قال: «فإن قدم زوجها بعد ما تنقضي عدتها فليس له عليها رجعة.(11)

1 . المقنع: 119، باب الطلاق.
2 . السرائر: 340، كتاب الطلاق.
3 . الوسيلة:324، كتاب العدّة.
4 . المبسوط:5/278، كتاب العدد.
5 . النهاية: 538.
6 . الخلاف:3/61المسألة 34، كتاب العدّة.
7 . المهذب:2/338.
8 . المختلف:41،كتاب الطلاق.
9 . الوسائل ج15: الباب 23من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 1.
10 . الوسائل ج14: البا ب44من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 1.
11 . الوسائل ج14: البا ب44من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 1.

صفحه 317
التاسع: لو جاء الزوج وهي في العدّة، فاللائح من الروايات أنّ الزوجية لاتعود إلاّ بالرجوع لقوله في صحيحة بريد«وإن جاء زوجها من قبل أن تنقضي عدّتها فبدا له أن يراجعها فهي امرأته وهي عنده على تطليقتين»(1)وفي موثقة سماعة: «وإن قدم وهي في عدّتها أربعة أشهر وعشراً فهو أملك برجعتها».(2) والموثقة وإن كانت خالية من الطلاق لكن قوله: «أملك برجعتها» يكشف عن وجوده وإن لم يذكر صريحاً حتى يكون الزوج معه أملك بارجاعها، وإلاّ فلامعنى لرجعتها، ولعلّ مراد المحقق من قوله«فهو أملك بها» هو أملك برجعتها ليكون مطابقاً للنص. لا أنّه أملك بلا انشاء الرجوع.
العاشر: الظاهر من الروايات أنّ العدّة، عدّة طلاق، وقد صرّح في صحيحة بريد(3) أنّه بعد طلاق الولي أو الوالي على تطليقتين. غير أنّ مقدار العدّة هنا، هي عدة الوفاة: أربعة أشهر وعشراً، وإذا كانت العدّة رجعية فهل يجرى هنا جميع أحكام عدّة الطلاق من استئناف عدة الوفاة إذا مات الزوج أثناء العدّة أم لا، وإليك صور المسألة وإن كان بعضها خارجاً عن موضوع المسألة، والمقسم في جميع الصور هو: «التبيّن» لاموت الزوج لأنّ الأثر في عدّة الوفاة مترتب على التبيّن، لازمان الموت.
1ـ إذا تبيّن موته قبل انقضاء المدة«أربع سنين» أو بعده قبل الطلاق، فلاشك أنّه تجب عليها عدّة الوفاة، لكونها زوجة توفّي عنها زوجها ووصل إليها الخبر وهي زوجة لم تطلق.
2ـ لو تبيّن موته وهي في أثناء عدة الطلاق وجب عليها استئناف عدة

1 . الوسائل ج15: الباب 23 من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 1.
2 . الوسائل ج14: الباب 44 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 2.
3 . الوسائل15: الباب 23 من أبواب أقسام الطلاق الحديث1.

صفحه 318
الوفاة لعموم ما دلّ على ذلك مثل صحيحة محمّد بن قيس، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سمعته يقول: أيّما امرأة طلقت ثم توفيّ عنها زوجها قبل أن تنقضي عدّتها ولم تحرم عليه فانّها ترثه ثم تعتد عدة المتوفّى عنها زوجها، وإن توفّيت وهي في عدّتها ولم تحرم عليه فانّه يرثها».(1) ومثلها مرسلة جميلابن درّاج، عن أحدهما (عليهما السلام)في رجل طلق امرأته طلاقاً يملك فيه الرجعة ثم مات عنها، قال: تعتد بأبعد الأجلين أربعة أشهر وعشراً(2)وقد علمت أنّ المطلّقة الرجعية زوجة تجري عليها أحكام الزوجية.
وظاهر روايات الباب وإن كان يشعر بكفاية اعتداد واحد، لكنّها منصرفة عن هذه الصورة، والنسبة بينهما وبين ما دلّ على استئناف العدّة إذا توفّي الزوج في أثناء العدّة وإن كان عموماً من وجه إلاّ أنّ مقتضى الفهم العرفي تقديم الثانية على الأولى، فالاعتداد وإن لم يكن أقوى لكنّه أحوط كما عليه السيد الإصفهاني (قدس سره) في وسيلته، وسيدنا الاستاذ (قدس سره) في تحريره ، وفاقاً لصاحب الجواهر حيث قال: «نعم لو فرض مجيئ خبر موته وهي في أثناء العدّة أمكن القول باستئنافها عدة الوفاة، كما إذا جاءها قبل الشروع بها».(3)
3ـ إذا تبيّن موت الزوج بعد انقضاء العدّة سواء كان موته المتبيّن قبل العدّة أو في أثناءها أو بعدها وقبل التزويج أو بعده، فلاأثر لوصول هذا الخبر، لظهور الروايات في الاكتفاء بعدّة واحدة، ولو كانت هناك عدّة اُخرى وجب الحث عليها، وهذا بخلاف ما إذا وصل الخبر إليها أثناء العدّة إذ يكفي في البيان ما في الروايات العامّة من أنّ المعتدة الرجعية إذا توفّي زوجها، وهي في العدّة، استأنفت عدة الوفاة.

1 . الوسائل ج15: الباب 36 من أبواب العدد، الحديث 3و5.
2 . الوسائل ج15: الباب 36 من أبواب العدد، الحديث 3و5.
3 . الجواهر :32/300.

صفحه 319
نعم لو قلنا ـ بما لم نقل به سابقاً ـ من أنّ الزوج أملك بها إذا جاء بعد الاعتداد، قبل التزويج، فيحتمل استئناف عدة الوفاة لو جاء الخبر وهي بعد لم تتزوّج، لأنّ الحكم بالعدة والبينونة كان مبنياً على الظاهر ومستند حكم الحاكم الاجتهاد، وقد تبيّن خطئه، فعليها عدة الوفاة بعد بلوغها الخبر كغيرها. لكنّه مخالف للنص من أنّها ـ بعد الاعتداد ـ تحل للازواج والحالتان (إذا جاء الخبر بعد الاعتداد، أو بعد النكاح) متساويتان، فلو قيل بالاعتداد في الاُولى لوجب الحكم في الثانية ولم يقل به أحد، سوى بعض الشافعية.
نعم لابأس بالاحتياط فيما إذا تبيّن بعد الاعتداد، وكان الموت واقعاً في أثناء العدّة، لما قرّر في محله من أنّه إذا تجدد الموت في أثناء عدة الطلاق انتقلت إلى عدّة الوفاة وإن لم تعلم بالموت إلاّ بعدها.
وإن كان ظهور الروايات في الاكتفاء بعدّة واحدة قويّاً، كما لايخفى.
الحادي عشر: هل نفقة الزوجة في أيام الاعتداد على الغائب، أو لا ؟ وجهان:
أحدهما: عدم النفقة لأنّ العدّة، عدة وفاة والفرقة حصلت من حكم الحاكم. ولوفرض أنّ الفرقة بالطلاق وأنّه يجوز له الرجوع عليها لكن نفقة المطلّقة إنّما هي على الزوج إذا طلّقها الزوج، لامثل المقام الذي يطلّقها الولي أو الوالي فالأدلّة منصرفة عنها.
ثانيها: انّ قوله في صحيحة بريد:«فإن كان للمفقود مال أنفق عليها حتى يعلم حياته من موته، وإن لم يكن له مال قيل للولي: أنفق عليها فإن فعل فلاسبيل لها إلى أن تتزوّج ما أنفق عليها وإن أبى أن ينفق عليها أجبره الوالي على أن يطلّق تطليقة في استقبال العدّة وهي طاهر فيصير طلاق الولي طلاق الزوج

صفحه 320
فإن جاء زوجها قبل أن تنقضي عدّتها من يوم طلّقها الولي فبدا له أن يراجعها فهي امرأته وهي عنده على تطليقتين.(1) نص في كون الفرقة بالطلاق وانّ طلاقها بمنزلة طلاق الزوج ولأجل ذلك يحسب تطليقة واحدة، وهي عنده على تطليقتين ـ ومع هذا التنزيل ـ لاوجه للترديد في وجوب النفقة عليه، وادعاء الانصراف لاوجه له وكون مدّة العدّة في المقام موافقاً لمدّة عدّة الوفاة، لايكون دليلاً على كون العدّة، عدة وفاة، بل هذا نوع خاص من عدة الطلاق، يوافق مقداره، مقدار عدّة الوفاة.
أضف إلى ذلك: أنّ مقتضى استصحاب حياة الزوج هو كون العدّة عدّة الطلاق، ولعلّ احتمال موته صار سبباً لجعل مدّته أكثر من عدّة الطلاق، لتتوافق كلتا العدّتين. ومقتضى الاحتياط، الاكتفاء في أخذ النفقة بثلاثة قروء لاأزيد. كما أنّ مقتضاه، الاكتفاء في الرجوع على الزوجة على مقدار عدة الطلاق. وإن كان ظاهر الدليل جواز رجوعه في جميع المدّة المضروبة. ولكن مع غض النظر عن الاحتياط انّا إذا رأينا أنّ الإمام إذا جعل طلاقهما طلاق الزوج، ورتب على عدّتها آثار العدّة الرجعية، نستكشف عمومية التنزيل. ومن آثارها كون النفقة عليه، وجواز الرجوع في جميع المدّة المضروبة، ويمكن ادعاء الصراحة في الحكم الأخير.
الثاني عشر: لااشكال أنّه لو مات أحد الزوجين بعد العدّة فلاتوارث بينهما لانقطاع العصمة بالخروج عن العدّة سواء تزوّجت أم لا، لما عرفت من ضعف القول برجوعه عليها إذا خرجت عن العدّة ولم تتزوّج.
إنّما الكلام فيما لو مات الزوج الغائب وهي في العدّة ففي ثبوت التوارث وعدمه، الوجهان المذكوران في الأمر المتقدم، وهما أنّ الظاهر من الروايات كون

1 . الوسائل ج15: الباب 23من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 1.

صفحه 321
العدّة رجعية، وأنّ الشارع نزل طلاق الولي أو الوالي منزلة طلاق الزوج، فلامانع من شمول ما دل(1) على توارث الزوجين في العدّة الرجعية لما نحن فيه. وبالجملة إنّ ما ورد في المقام نوع حكومة لما دلّ من التوارث في العدّة، بايجاد الموضوع وتوسيعه لها. والقول بترتب بعض آثار العدّة الرجعية كما ترى.
الثالث عشر: إذا حضر الزوج بعد الخروج عن العدّة وأراد طلاقها، لم يقع لانقطاع العصمة بينهما ففي صحيحة بريد:«وإن انقضت العدّة قبل أن يجيئ ويراجع فقد حلّت للأزواج ولاسبيل للأوّل عليها».(2) وأمّا إذا حضر وهي في أثناء العدّة وأراد طلاقها فقال المحقّق في الشرائع «صح» وهو مشكل لعدم صحة التطليقتين من دون تخلّل رجوع بينهما والمطلّقة لاتطلق ثانياً إلاّ إذا كان هناك رجوع والمفروض عدمه. إلاّ إذا قلنا بأنّ طلاقها يتضمن الرجوع نظير قول القائل اعتق عبدك عنّي أي ملّكني إيّاه ثم اعتق عنّي... وهو أنّما يصح إذا كان القائل متوجّهاً بالملازمة لامطلقاً.
الرابع عشر: إذا علم أنّ الفحص لاينفع ولايترتب عليه أثر، فالظاهر سقوط وجوبه للغويته، ولم يظهر من الروايات كونه واجباً تعبّداً، ومثله ما إذا تفحّص وحصل اليأس فالظاهر سقوطه فيما بقي من المدّة، ففي كلتا الصورتين يكفي انقضاء المدّة في جواز طلاقها وزواجها.
الخامس عشر: إذا انقضت المدّة ولم يعلم موته ولاحياته، وأراد الحاكم الزام الولي بالطلاق، لكن انصرفت الزوجة واختارت البقاء ، فلها ذلك، لأنّ قيام الحاكم بذلك لأجل تخليصها من الحرج فإذا رضيت بالبقاء وتحمّل الحرج فلها ذلك، كما إذا عدلت عن البقاء فلها ذلك ولايحتاج إلى التفحّص الجديد.

1 . الوسائل ج17: الباب 13من أبواب ميراث الأزواج.
2 . الوسائل ج15: الباب23من أبواب أقسام الطلاق، الحديث 1.

صفحه 322
السادس عشر: ليس للفحص والطلب كيفية خاصة، بل المدار ما يعد طلباً وفحصاً، أخذاً باطلاق الدليل ويتحقّق ذلك ببعث من يعرف المفقود ـ رعاية ـ باسمه وشخصه أو بحليته إلى مظان وجوده للظفر به وبالكتابة وغيرها كالتلغراف وسائر الوسائل الرائجة في كلّ عصر ليتفقّد عنه، وبالطلب من المسافرين كالزوّار والحجّاج والتجّار وغيرهم أن يتفقّدوا عنه في مسيرهم ومنازلهم ومقامهم وبالاستخبار منهم حين الرجوع.
السابع عشر: لايشترط في المبعوث والمكتوب إليه والمستخبر منهم من المسافرين العدالة، بل تكفي الوثاقة المفيدة للاطمئنان الذي هو علم عرفي.
الثامن عشر: لايعتبر أن يكون الفحص مقروناً بالبعث أو الكتابة ونحوها من الحاكم، بل يكفي كونه من كل أحد حتى نفس الزوجة إذا كان بأمره بعد رفع الأمر إليه، كما هو مقتضى الاطلاق.
التاسع عشر: مقدار الفحص بحسب الزمان أربعة أعوام، ولايعتبر فيه الاتصال التام، بل هونظير تعريف اللقطة سنة كاملة يكفي فيه ما يصدق عرفاً أنّه قد تفحّص عنه في تلك المدّة.
العشرون: المقدار اللازم من الفحص هو المتعارف لأمثال ذلك وما هو المعتاد، فلايعتبر استقصاء الممالك والبلاد، ولايعتنى باحتمال إمكان وصوله إلى مكان ولابالاحتمالات البعيدة، بل إنّما يتفحّص عنه في مظان وجوده فيه ووصوله إليه وما احتمل فيه احتمالاً قريباً. لانصراف النصوص عن الوجه غير المتعارف.
الواحد والعشرون: لو علم أنّه قد كان في بلد معين في زمان ثم انقطع أثره يتفحص عنه أوّلاً في ذلك البلد على المعتاد، فيكفي التفقّد عنه في جوامعه ومجامعه وأسواقه ومتنزهاته ومستشفياته وخاناته المعدة لنزول الغرباء ونحوها، ولايلزم استقصاء تلك المحال بالتفتيش أو السؤال، بل يكفي الاكتفاء، المعتد به

صفحه 323
من مناطقه المشهورة، وينبغي ملاحظة زي المفقود وصنعته وحرفته، فيتفقد عنه في المحال المناسبة له ويسأل عنه من أبناء صنفه وحرفته مثلاً. فإذا تم الفحص في ذلك البلدو لم يظهر منه أثر ولم يعلم موته ولاحياته فإن لم يحتمل انتقاله إلى محل آخر بقرائن الأحوال سقط الفحص والسؤال، واكتفى بانقضاء مدة التربّص أربع سنين، وإن احتمل الانتقال فإن تساوت الجهات فيه تفحص عنه في تلك الجهات، ولايلزم الاستقصاء التام، بل يكفي الاكتفاء ببعض المحال المهمة والمشتركة في كل جهة مراعياً للأقرب ثم الأقرب إلى البلد الأوّل، وإن كان الاحتمال في بعضها أقوى جاز جعل محل الفحص ذلك البعض والاكتفاء به. خصوصاً إذا بعد احتمال انتقاله إلى غيره. وإذا علم أنّه قد كان في مملكة أو سافر إليها ثم انقطع أثره كفى أن يتفحّص عنه مدّة التربّص في بلادها المشهورة التي تشد إليها الرحال، وإن سافر إلى بلد معيّن من مملكة كالعراقي سافر إلى خراسان يكفي الفحص في البلاد والمنازل الواقعة في طريقه إلى ذلك البلد وفي نفس ذلك البلد، ولاينظر إلى الأماكن البعيدة عن الطريق فضلاً عن البلاد الواقعة في أطراف المملكة، وإذا خرج من منزله مريداً للسفر أو هرب لايدري إلى أين توجّه وانقطع أثره تفحّص عنه مدّة التربص في الأطراف والجوانب مما يحتمل قريباً وصوله إليه. ولاينظر إلى ما بعد احتماله.
الثاني والعشرون: لو أتت بولد بعد مضي ستة أشهر من دخول الثاني لحق به بحكم «الولد للفراش» وقد أمكن لحوقه. ولو ادعاه الأوّل وذكر أنّه وطأها سرّاً لم يلتفت إلى دعواه لزوال فراشه.نظير ما لو طلّقه فتزوّجت وأتت بولد يمكن إلحاقه بهما، وقال الشيخ في المبسوط بالقرعة(1) ولكنّه غير تام لأنّ الولد للفراش الفعلي إذا أمكن إلحاقه. والقرعة فيما لانص فيه من الشارع.

1 . المبسوط:5/267.

صفحه 324
الثالث والعشرون: لو غلط الحاكم بالحساب فأمرها بالاعتداد فاعتدت وتزوّجت، قبل مضي مدّة التربّص: أربع سنين وأربعة أشهر وعشراً بطل النكاح الثاني، لكونه نكاحاً لذات بعل يجري فيه حكمه، فلو دخل بها تحرم عليه أبداً وإلاّ، يتزوّجها بعد مضي مدّة التربّص كاملاً.
هذا إذا لم يعلم موته ولاحياته، وأمّا إذا علم موته وأنّ نكاحه لها كان بعد موته صح الثاني، لكونه ليس نكاحاً لذات البعل لفرض موته، ولانكاحاً للمعتدّة، لأنّ عدّة الوفاة تشرع بعد العلم بالوفاة والمفروض عدمه. لعدم وصول خبر الموت إليها.
هذا جيد إذا كان نكاحه لها بعد الموت وقبل الأمر بالاعتداد، وأمّا إذا كان بعده، وفي أثناء الاعتداد ففيه وجهان: الصحة، لأنّ الاعتداد موقوف على الطلاق الصحيح الذي يتعقّب تربّص الأربع سنين. والمفروض أنّها اعتدّت قبل مضي مدة التربّص، والبطلان لابتناء النكاح ظاهراً وفي زعم المتعاقدين على الاعتداد، ولايخفى قوة الأوّل.
الرابع والعشرون: ما ورد في الروايات من الأحكام تعمّ الدائمة والمنقطعة لكونها أيضاً زوجة، والموضوع في النصوص هي الزوجة. كما أنّ الظاهر عموميتها لليائسة، لعدم استغنائها في الفرقة عن الطلاق، وعدم اعتدادهما عدّة الطلاق، لايضرّ لما عرفت من أنّ العدة ، عدّة طلاق من جهة، وعدّة وفاة من جهة اُخرى. مضافاً إلى اختصاص حلّ العقدة بقسم دون قسم غير تام.
والحاصل أنّ عدم حاجة المنقطعة إلى الطلاق، واليائسة إلى العدّة لايكون سبباً للانصراف، غاية الأمر يكون لزوم الطلاق من خصوصيات المورد أي الدائمة ولايكون معتبراً في حلّ العقدة مطلقاً وهي وإن كانت غنية عن الطلاق، لكن خلاصها في أثناء العدة لايحتاج إلى سبب مخرج.

صفحه 325

الفصل الخامس:

أحكام المعتدة

1. في خروج المعتدة عن بيتها.
2. نفقة ذات العدّة.
3. في نفقة المتوفى عنها زوجها.
4. المتزوجة في العدّة.
5. أحكام الحمل.
6. وجوب الاعتداد في الوطء بالشبهة.
7. إذا طلّقها بائناً ثمّ وطأها للشبهة.

صفحه 326

صفحه 327

أحكام المعتدة

وفيه مسائل

الأُولى :في سكنى المعتدة

لاسكنى للبائن لانقطاع عصمتها من زوجها وأمّا غيرها، فلاخلاف نصّاً وفتوى في وجوب السكنى لها عليه، ويدل عليه قوله سبحانه:(لاتُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنّ وَلا يَخْرُجْنَ إلاّ أنْ يَأتِينَ بِفاحِشَة مُبَيّنة وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَنْ يَتَعَدّ حُدُودَ اللّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لاتَدرِي لَعَلّ اللّهَ يُحدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أمْراً)(1) والآية كما تدل على حرمة إخراجهنّ ، تدل على حرمة خروجهنّ وإن لم يكن هناك اخراج، نعم هي مختصة بالرجعية ولاتعم البائن لذيل الآية:(لعلّ اللّه يحدث بعد ذلك أمراً)وقوله بعد الآية (فإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنّ فَأمْسِكُوهُنّ بِمَعرُوف أوْ فارِقُوهُنّ بِمَعْرُوف) (2) الصريح في الرجعية، لاختصاص جواز الامساك بها.
وتدل عليه أيضاً صحيحة سعد بن أبي خلف قال: سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن شيء من الطلاق فقال: إذا طلّق الرجل امرأته طلاقاً لايملك فيه الرجعة فقد بانت منه ساعة طلّقها وملكت نفسها ولاسبيل له عليها وتعتد حيث شاءت ولانفقة لها، قال: قلت: أليس اللّه عزّ وجلّ يقول: (لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَ لا يَخْرُجْنَ) قال: فقال: إنّما عنى بذلك التي تطلّق تطليقة بعد

1 . الطلاق: 1.
2 . الطلاق:2.

صفحه 328
تطليقة فتلك التي لاتُخرَج ولاتَخرُج حتى تطلق الثالثة فإذا طلّقت الثالثة فقد بانت منه ولانفقة لها والمرأة التي يطلّقها الرجل تطليقة ثم يدعها حتّى يخلو أجلها فهذه أيضاً تقعد في منزل زوجها ولها النفقة والسكنى حتى تنقضي عدّتها.(1)
ثم يقع الكلام في أمرين آخرين:
1ـ هل يجوز لها الخروج بإذن زوجها، أو لايجوز حتى ولواذن، إلاّ لضرورة مسوغة نُسب الثاني إلى المشهور لاطلاق الآية والأخبار(2) وقال الزمخشري: جمع بين النهيين (لاتخرجوهن ـ و لا يخرجن) لأجل أن لا يأذنوا لهنّ في الخروج إذا طلبن ذلك إيذانا بأن إذنهم لا أثر له في رفع الحظر واختاره في المسالك قائلاً بأنّ فيه حقاً للّه تعالى بخلاف السكنى المستحقة بالنكاح فإنّ حقها مختص بالزوجين وذهب أبو الصلاح في الكافي (3) والعلاّمة في التحرير (4) إلى الأوّل.
والظاهر انّ الحكم بعدم الخروج ليس حكماً جديداً بل هو استمرار للحكم الموجود قبل الطلاق ومن البعيد أن تكون المعتدّة أشد حكماً من المزوّجة، فالآية واطلاقات الروايات منصرفة إلى ما إذا لم يأذن الزوج مثل المزوّجة قبل الطلاق.
وتؤيد ذلك صحيحة الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: لاينبغي للمطلّقة أن تخرج إلاّ باذن زوجها حتى تنقضي عدّتها ثلاثة قروء أو ثلاثة أشهر إن لم تحض.(5) وهي رواية صحيحة، وتخصيص الكتاب بخبر الواحد وإن كان غير مرضي عندنا لكنّها تصلح له، بعد القول بانصراف الآية عن صورة الاذن وانّها

1 . الوسائل ج15: الباب 20من أبواب العدد، الحديث 1.
2 . لاحظ الوسائل ج15: الباب 18من أبواب العدد الحديث، 3و4و5و6.
3 . الكافي307، كتاب الطلاق.
4 . التحرير:75، كتاب الطلاق.
5 . الوسائل ج15: الباب 18من أبواب العدد، الحديث 1.

صفحه 329
ليست بصدد تأسيس حكم جديد و يؤيّده خبر معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سمعته يقول: «المطلّقة تحجّ في عدّتها إن طابت نفس زوجها».(1)
أضف إلى ذلك ما نقل عن فضل بن شاذان من انّ المراد من النهي عن الاخراج والخروج عن رغم وسخط وعلى انّها لاتريد العود إلى بيتها. وعلى ذلك يكون الخروج مع نيّة العود ولو بلاإذن من الزوج جائزاً.
2ـ لايجوز اخراجها إلاّ إذا أتت بفاحشة مبيّنة(بكسر الباء) أي ظاهرة، وقرء«مبيّنة» بفتح الياء أي مظْهَرة أظهرتها. والفاحش في اللغة: القبيح والفاحشة ما يشتدّ قبحه من الذنوب، فلايجوز الاخراج إلاّ إذا ارتكبت أمراً شديد القبح وظاهره واختلفت كلمة المفسرين في المراد منها.
فعن ابن عباس: كل معصية للّه تعالى ظاهرة ، فهي فاحشة، وقيل المراد الزنا فتخرج لاجراء الحدّ عليها، وقيل: هي البذاء على أهلها فيحلّ لهم اخراجها، وقد جاء لفظ الفاحشة في الذكر الحكيم ثلاث عشرة مرة واستعمل في اللواط تارة قال سبحانه: (ولُوطاً إذْقالَ لِقَومِهِ أتَأتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أحَد مِنَ العالَمين)(2)وفي الزنا، أُخرى كما قال سبحانه: (وَلاتَقْرَبُوا الزِنى إنّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبيلاً) (3) وفي الكبائر ثالثة قال سبحانه: (والّذينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُنُوبَ إلاّ اللّهَ وَلَمْ ُِيصرِّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُون) (4) والظاهر انّ المراد في المقام هو الاتيان بقبيح،يصعب تحمله على أهل البيت، لامطلق الكبائر وإن لم تكن لها صلة بأهلالبيت كما إذا ادّعت انّها خيّاطة وليست كذلك أو أكلت الربا. هذا هو

1 . الوسائل ج15: الباب 22 من أبواب العدد، الحديث 2، وسيوافيك البحث عن حجّها الواجب وغيره.
2 . الأعراف:80.
3 . الأسراء:32.
4 . آل عمران:135.

صفحه 330
التفسير البياني وأمّا المأثور فعن الرضا (عليه السلام) تفسيرها بأذاها لأهل زوجها وسوء خلقها.(1) وعن الصادق (عليه السلام)تفسيرها بالزنا فتخرج ويقام عليها الحد.(2) ولامنافاة بين التفسيرين ، لأنّهما من مصاديق الفاحشة ولاتختص بهما. ولعلّ الايذاء أدنى مراتب الفاحشة والزنا من أشدّها ولأجل ذلك عبر في النهاية(3) بـ «أدنى ما يجوز معه اخراجها أن تؤذي أهل الرجل».
نعم الظاهر من رواية سعد بن عبد اللّه القمي، عن صاحب الزمان (عليه السلام) اختصاصها بالسحق، قال: قلت له: أخبرني عن الفاحشة المبيّنة التي إذا أتت المرأة بها في أيّام عدّتها حلّ للزوج أن يخرجها من بيته، قال (عليه السلام) : الفاحشة المبيّنة هي السحق دون الزنا، فانّ المرأة إذا زنت وأُقيم عليها الحدّ ليس لمن أرادها أن يمتنع بعد ذلك من التزويج بها لأجل الحدّ، وإذا سحقت وجب عليها الرجم، والرجم خزي ومن قد أمر اللّه عزّ وجلّ برجمه فقد أخزاه، ومن أخزاه فقد أبعده، ومن أبعده فليس لأحد أن يقربه».(4) ولكن مقتضى التعليل الوارد فيها هو كون السحق من أظهر مصاديقها لااختصاصها به، وعلى ذلك تحمل على بيان أشد ّ المراتب، لااختصاصها بها كما هو ظاهرها.
وأمّا خروجها، بلاإذن منه. ففي ذلك يقول الشيخ:«ومتى اضطرّت المرأة إلى الخروج، أو أرادت قضاء حق]كزيارة الوالدين[، فلتخرج بعد نصف الليل، ولترجع إلى بيتها قبل الصبح»(5) وقريب منه عبارة المحقق في الشرائع.
أقول: في المقام روايتان، علّق الجواز في واحدة منهما على الحاجة، وفي

1 . فلاحظ الوسائل ج 15: الباب 23من أبواب العدد، الحديث:1و2و5و6و3.
2 . فلاحظ الوسائل ج 15: الباب 23من أبواب العدد، الحديث:1و2و5و6و3.
3 . النهاية: 534.
4 . الوسائل ج15: الباب 23 من أبواب العدد ، الحديث 4.
5 . النهاية:534.

صفحه 331
اُخرى، على الزيارة وهي التي عبر عنه الشيخ بـ «قضاء حق» روى الصفار في مكاتبته إلى أبي محمد الحسن بن علي (عليهما السلام) في امرأة طلّقها زوجها ولم يجر عليها النفقة للعدّة وهي محتاجة هل يجوز لها أن تخرج وتبيت عن منزلها للعمل أو الحاجة؟ فوقّع (عليه السلام) : لابأس بذلك إذا علم اللّه الصحة منها.(1)
وروى سماعة بن مهران قال: سألته عن المطلّقة أين تعتد؟ قال: في بيتها لاتخرج وإن أرادت زيارة خرجت بعد نصف الليل ولاتخرج نهاراً، وليس لها أن تحج حتى تنقضي عدّتها، وسألته عن المتوفى عنها زوجها أكذلك هي؟ قال: نعم وتحجّ إن شاءت.(2)
أقول: لاشك انّ الاضطرار الواقع في كلامهما لايعني، الاضطرار الذي يرتفع به الحكم كما هو المراد في حديث الرفع: «وما اضطروا إليه » لعدم اختصاص الرفع به بالمورد حتّى يختصّ بالذكر، فلامحيص من حمله في كلامهما على الحاجة الواردة في المكاتبة التي يطلق عليها الاضطرار عرفاً فعندئذ يجوز معها وأمّا مراعاة الوقت الوارد في الموثقة فإنّما يلزم إذا ارتفع به الحاجة وإلاّ فتخرج في الوقت الذي يرفع حاجتها وهل خروجها مشروط بما إذا كان بإذن الزوج أو لا، الظاهر الثاني، إذ لو كان مشروطاً لذكر.
وأمّا الحجّ فيجوز للمعتدّة عدّة وفاة بلاكلام لصحيحة ابن أبي يعفور، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: سألته عن المتوفّى عنها زوجها قال: لاتكتحل للزينة ولاتطيب ولاتلبس ثوباً مصبوغاً ولاتبيت عن بيتها وتقضى الحقوق وتمتشط بغسلة وتحجّ وإن كان في عدّتها.(3) ومضمرة سماعة الماضية إنّما الكلام في المعتدّة الرجعية،

1 . الوسائل ج15: الباب 55 من أبواب العدد، الحديث 1.
2 . الوسائل ج15: الباب 19من أبواب العدد، الحديث 1.
3 . الوسائل ج15: الباب 29من أبواب العدد، الحديث 2.

صفحه 332
فقد اختلفت الروايات، فيدل بعضها على الجواز كصحيحة محمد بن مسلم قال: المطلّقة تحجّ وتشهد الحقوق».(1) وبعضها الآخر المنع كمضمر سماعة الماضية، وثالث على التفصيل بين اذن الزوج وعدمه ومقتضى الجمع هو الجواز معه لابدونه.
ثم انّ منصرف الروايات هو الحج التطوعي دون الواجب ولأجل ذلك يقول المحقق وتخرج في الواجب وإن لم يأذن، لضيق وقته، كما هو شأن كل واجب مضيّق.
ويظهر من الشيخ في الخلاف عدم جوازه في الواجب إلاّ إذا خرجت بالحج ثم طلّقها زوجها، فإن كان الوقت ضيقاً بحيث تخاف فوات الحج إن أقامت فإنّها تخرج وتقضي حجّها وتعود فتقضي باقى العدّة إن بقي عليها وقت، وإن كان الوقت واسعاً أو كانت محرمة بعمرة فإنّها تقيم وتقضي عدّتها ثم تحجّ وتعتمر، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: عليها أن تقيم وتعتد ولايجوز لها الخروج سواء كان الوقت ضيقاً أو واسعاً ـ دليلنا ـ قوله تعالى:(وَ أَتِمُّوا الحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ للّهِ) ولم يفصل.(2)
ومقتضى التعليل الوارد في كلامه جوازه وإن لم تحرم إذا كان عدم الخروج سبباً لفوات الحج.

الثانية في نفقة ذات العدّة

تثبت النفقة والكسوة لذات العدّة الرجعية مادامت في العدّة كما تثبت للزوجة من غير فرق بين كونها حائلاً أو حاملاً.

1 . الوسائل ج15: الباب22من أبواب العدد، الحديث 1.
2 . الخلاف:3/58، المسألة 25، كتاب العدّة.

صفحه 333
ويدل على ثبوت النفقة و الكسوة من الكتاب قوله سبحانه:(لاتُخْرِجُوهُنّ مِنْ بُيُوتِهنّ وَلايَخْرُجْنَ إلاّ أنْ يَأتينَ بِفاحِشَة مُبَيَِّنة)(1) وقوله تعالى : (أسْكِنُوهُنّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلاتُضارُّوهُنّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنّ) (2) ـ وجه الدلالة ـ هو أن الآية كناية كأنّها تقول: «تعاملوا معهنّ نظير المعاملة قبل الطلاق، من جميع الجهات» لاخصوص السكنى فتعم النفقة والكسوة. كما يدلّ على لزوم الكلّ ما دلّ على انّ المطلّقة الرجعية زوجة حقيقة كما مرّ وأمّا الروايات فيكفي في ذلك صحيح سعد بن أبي خلف قال: سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن شيء من الطلاق فقال: إذا طلّق الرجل امرأته طلاقاً لايملك فيه الرجعة فقد بانت منه ساعة طلّقها وملكت نفسها ولاسبيل له عليها وتعتدّ حيث شاءت ولانفقة لها ، قال: قلت: أليس اللّه عزّ وجلّ يقول:(لاتخرجوهنّ من بيوتهنّ ولايخرجن) قال: فقال: إنّما عنى بذلك التي تطلق تطليقة بعد تطليقة فتلك التي لاتُخرج ولاتَخرج حتى تطلّق الثالثة فإذا طلّقت الثالثة فقد بانت منه ولانفقة لها، والمرأة التي يطلّقها الرجل تطليقة ثم يدعها حتى يخلو أجلها فهذه أيضاً تقعد في منزل زوجها ولها النفقة والسكنى حتى تنقضي عدّتها.(3) والنفقة فيها تعمّ الكسوة وبما انّ المسألة اتفاقية بين الفقهاء نكتفي بذلك.
نعم يشترط أن لاتكون ناشزة فلو طلّقها وهي ناشزة لم تستحق وكذا لو نشزت في العدّة بالخروج عن مسكنها بغير اذنه فتسقط نفقتها وسكناها ولو عادت إلى الطاعة عاد الاستحقاق لما عرفت من انّها زوجة.

1 . الطلاق:1.
2 . الطلاق: 6.
3 . الوسائل ج15: الباب 20من أبواب العدد، الحديث 1.

صفحه 334

في نفقة البائن

وأمّا البائنة فقد اتفق النص والفتوى على عدم استحقاقها، اللّهم إلاّ إذا كانت حاملاً ـ كما سيجيئ ـ وأمّا العامّة فهم بين موجب وناف، قال الشيخ في الخلاف: «المطلّقة البائنة أو المختلعة لاسكنى لها، وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق وقال باقي الفقهاء: إنّ لها السكنى ـ دليلنا ـ إجماع الفرقة، ولأنّ الأصل براءة الذمة، وشغلها يحتاج إلى دليل».(1)
وقال أيضاً: «لانفقة للبائن ، وبه قال ابن عباس ومالك والاوزاعي وابن أبي ليلى والشافعي، وقال قوم: أنّ لها النفقة، ذهب إليه في الصحابة عمر بن الخطاب وابن مسعود وبه قال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه ـ دليلنا ـ ما قلناه في المسألة الاولى سواء وأيضاً قوله تعالى: (وَ أسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجدِكُمْ وَ لا تُضارُوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَ إِنْ كُنَّ أولاتُ حَمْل فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ)لما ذكر: النفقة شرط(2) الحمل، وأيضا دليله يدل على أنّ من ليس بحامل لانفقة لها.(3)
لكن الاستدلال بمفهوم الآية على نفيها في مورد البائن غير الحامل موضع تأمل إذ الآية بصدد بيان مدة الانفاق وهو قوله:(حَتّى يَضَعْنَ حملَهُنَّ) لابصدد بيان الانفاق على الحامل حتى يؤخذ بمفهومها و انّها لاتجب في غيرها.
والاولى الاستدلال بما تضافر من الروايات الدالة على عدم استحقاقها وهي:
بين نافية مطلقاً، كرواية زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: المطلّقة ثلاثاً

1 . كذا في النسخ المطبوعة و الظاهر «شرطها».
2 . الخلاف:3/77،المسألة 16و17، كتاب النفقات.
3 . الخلاف:3/77،المسألة 16و17، كتاب النفقات.

صفحه 335
ليس لها نفقة على زوجها إنّما ذلك للّتي لزوجها عليها رجعة.(1) ورواية رفاعة بن موسى أنّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المختلعة لها سكنى ونفقة؟ قال: لاسكنى لها ولانفقة.(2)
ومفصلّة بين الحمل وغيره وهي كثيرة. روى سماعة، قال: قلت له: المطلّقة ثلاثاً لها سكنى أو نفقة؟ فقال: حبلى هي؟ قلت: لا، قال: ليس لها سكنى ولانفقة.(3)
و مطلقة دالّة على لزوم الانفاق على الحبلى من غير فرق بين الرجعية والبائن(4). فيحمل النافي أي القسم الأوّل، على المفصل أي القسم الثاني. و يكون القسم الثالث مؤيداً للزوم الانفاق في الحبلى البائن.
وأمّا ما رواه الحسن بن محبوب عن ابن سنان قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المطلّقة ثلاثاً على العدّة لها سكنى أو نفقة؟ قال:«نعم» (5) فمحمول على التقية لماعرفت، أوعلى كونها حاملاً، أو على الاستحباب.
ثم انّه وقع الكلام في انّ النفقة في البائن الحبلى هل هي للحمل أو للحامل. و التفصيل موكول إلى باب النفقات من كتاب النكاح.

1 . الوسائل ج15: الباب 8من أبواب النفقات الحديث 2وهي متحد مع ما رواه في الوسائل برقم 4من ذلك الباب والحديث9، ولاحظ الحديث 5من ذلك الباب.
2 . الوسائل ج15: الباب 8من أبواب النفقات الحديث 2وهي متحد مع ما رواه في الوسائل برقم 4من ذلك الباب والحديث9، ولاحظ الحديث 5من ذلك الباب.
3 . المصدر، الحديث 3، ولاحظ أيضاً الحديث 6و7 من ذلك الباب.
4 . الوسائل: الجزء 15، الباب 7 من أبواب النفقات الحديث1و2و3و4و5.
5 . الوسائل: الجزء15، الباب 8 من أبواب النفقات الحديث 8.

صفحه 336

الثالثة:

في نفقة المتوفّى عنها زوجها

اتفق النص(1) والفتوى على انّه لانفقة للمتوفى عنها زوجها وذلك لعدم المال للزوج، والأموال قد انتقلت إلى الورثة. قال الشيخ في الخلاف: «المتوفى عنها زوجها لانفقة لها على كل حال حاملاً كانت أو حائلاً بلا خلاف إلاّ أنّ أصحابنا رووا أنّها إذا كانت حاملاً أنفق عليها من نصيب ولدها الذي في جوفها ولم يذكر الفقهاء ذلك، وروى عن بعض الصحابة أنّه قال: إنّ لها النفقة ولم يفصّل ـ دليلنا ـ إجماع الفرقة، وأيضاً الأصل براءة الذمة».(2)
وأمّا ما رواه محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «المتوفى عنها زوجها ينفق عليها من ماله».(3) ففيه انّ الكليني رواه في باب «الرجل يطلّق امرأته ثم يموت قبل أن تنقضي عدّتها» وهو ظاهر في أنّ الخبر كان في المصدر محفوفاً بقرينة دالة على ورودها في المطلّقة، وهو غيرما نحن فيه.وأمّا تأويله بارجاع الضمير على الولد، فلاشاهد له، إذ الظاهر انّ الضمير يرجع إلى الزوج وعلى كل تقدير فالرواية إمّا مؤوّلة أو شاذة.
إنّما الكلام فيما إذا كانت حاملاً فالمشهور، انّه لاينفق عليها من نصيب الولد، وقد وصفه المحقق بالأشهر أي رواية وعملاً، ونقل عن الاسكافي والصدوق وأبي الصلاح وابن البراج وابن حمزة، بأنّه ينفق عليها من نصيب الولد.(4)

1 . لاحظ الوسائل ج15: الباب 9من أبواب النفقات، الحديث 3و6.
2 . الخلاف:3/57،المسألة20،، كتاب العدّة.
3 . الوسائل ج15: الباب 9 من أبواب النفقات، الحديث 4.
4 . المختلف:62، كتاب العدّة.

صفحه 337
ويدل على الأوّل، حديث أبي الصباح الكنائي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)في المرأة الحامل المتوفى عنها زوجها هل لها نفقة؟ قال: لا (1) ويقابله حديثه الآخر عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: المرأة الحبلى المتوفى عنها زوجها ينفق عليها من مال ولدها الذي في بطنها.(2)
وأُجيب عن الثاني بأنّ في سنده: محمد بن الفضيل وهومشترك بين الثقة والضعيف.
يلاحظ عليه: أنّه ورد في سند كلا الحديثين.
وربما يجمع بين الروايتين بوجهين:
1ـ لامنافاة بين الروايتين لأنّ عدم الانفاق من مال الزوج كما هو مضمون الرواية الأولى، لاينافى لزومه من مال الولد. كما هو مضمون الرواية الثانية.
وأورد عليه في الجواهر بأنّه مناف لما هو المصرّح في صحيح محمد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام)قال: سألته عن المتوفى عنها زوجها ألها نفقة؟ قال: لا، ينفق عليها من مالها. (3) من لزوم الانفاق من مال نفسها.
يلاحظ عليه : أنّ الكلام في الحامل و النفي الوارد في صحيح ابن مسلم مطلق يحمل على الحائل، ولامنافاة بين كون نفقتها من مالها في الحائل دون الحامل فهي من مال الولد.
2ـ وجمع صاحب الحدائق(4) بين الروايتين، بحمل الاُولى على ما إذا لم تكن

1 . الوسائل ج15: الباب 9من أبواب النفقات، الحديث 2.
2 . الوسائل ج15: الباب 10من أبواب النفقات، الحديث 1.
3 . الجواهر 32: 363 و لاحظ: الوسائل ج15: الباب 9من أبواب النفقات، الحديث 6. و الاستدلال مبنيّ على فصل حرف النفي عن الفعل أي « لا ، ينفق عليها...»
4 . الحدائق:25/118.

صفحه 338
الأُم محتاجة، والثاني على ما إذا كانت محتاجة.
والجمع الأوّل لابأس به، لولا أنّ تقييد الرواية الاُولى مشكل، لأنّ الإمام بصدد بيان وظيفة السائل في الواقعة وليس في مقام ضرب القانون حتى يجوز تأخير قيده وسائر خصوصياته ولو كان الانفاق واجباً من مال الولد، لما صح له تركه.
والحمل على الاستحباب أولى من الطرح، وأمّا الجمع الثاني، فهو وإن كان جمعاً تبرعيّاً لكنّه غير بعيد بالنسبة إلى قوله سبحانه:(حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ)فتأمّل.
وأمّا ما رواه السكوني (1)، فهو شاذ لم يعمل به أحد وتأويله بدفعه من نصيب الولد، خلاف ظاهر الرواية فانّ صريحها دفع المؤنة من سهام الجميع.

الرابعة:

في المتزوّجة في العدّة

اتفق النص والفتوى على انّ التزويج في العدة غير صحيح. ولم يخالف فيه أحد وقد قال سبحانه: (وَ لا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ) (2) فانّ تحريم العزم على إجراء الصيغة، يدل على حرمة نفس العقد فضلاً عن الآثار المترتبة عليه.(3) والمقصود في المقام لواحق المسألة، أعني: ما تمس بالعدة: وهي:
1ـ إذا عقدها ولم يدخل بها.
2ـ إذا عقدها ودخل بها عالماً بالتحريم.
3ـ إذا عقدها ودخل بها وكان جاهلاً بالتحريم ولم تحمل.

1 . الوسائل ج15: الباب 10 من أبواب النفقات ، الحديث 2.
2 . البقرة:235.
3 . الجواهر: 29/428ـ436.

صفحه 339
4ـ إذا عقدها ودخل بها وكان جاهلاً بالتحريم فحملت.
فيقع الكلام في جميع الصور في وجوب العدّة الثانية و عدمه.
أمّا الأولى: فلاشك انّها في عدّة الأوّل، ومجرّد العقد الباطل لايقطعها ولايكون العقد الباطل سبباً للعدّة كما لايخفى.
وأمّا الثانية: فالمشهور انّه لاعدّة لماءِ زان، سواء حملت منه أو لم تحمل إذ لاحرمة له، هذا وقد قدمنا الكلام في ذلك، وقلنا إنّ الأحوط استبراؤها من ماء الزنا وقدّمنا ما يدلّ على ذلك(1) وهذا القول وإن كان غير مشهور، لكن مال إليه صاحب المسالك واختاره في الحدائق: وهو المطابق للاحتياط المطلوب في باب النكاح وأمّا كيفية اعتدادها فيعلم ممّا يأتي.
وأمّا الثالثة: أعني: ما إذا دخل بها جاهلاً ولم تحمل، فيكون الدخول عندئذ شبهة وهو دخول صحيح لاينفك عن العدّة، إنّما الكلام في تداخل العدّتين وعدمه.
فقال المحقق : أتمت عدّة الاُولى لأنّها أسبق واستأنفت للثاني على أشهر الروايتين.
والظاهر من الخلاف كونه المشهور حيث قال: «كل موضع تجتمع على المرأة عدّتان فانّهما لاتتداخلان بل تأتي بكل واحدة منهما على الكمال، وروى ذلك عن علي (عليه السلام) وعمر وعمر بن عبد العزيز، وبه قال الشافعي، وذهب مالك وأبو حنيفة وأصحابه إلى انّهما تتداخلان وتعتدّ عدّة واحدة منهما معاً ـ دليلنا ـ إجماع الفرقة، وأيضاً فقد ثبت وجوب العدّتين عليها، وتداخلهما يحتاج إلى دليل، وروى

1 . فلاحظ الوسائل ج15: الباب 44من أبواب العدّة، الحديث 1و2.

صفحه 340
سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار أنّ طلحة كانت تحت رشيد النخعي فطلّقها النيّة فنكحت في آخر عدّتها ففرّق عمر بينهما فضربها بالمخففة ضربات وزوّجها ثم قال: أيّما رجل يتزوج امرأة في عدّتها، فإن لم يكن دخل بها زوجها الذي تزوّجها فرّق بينهما وتأتي ببقية عدّة الأوّل ثم تستأنف عدّة الثاني لاتحل له أبداً، وعن علي (عليه السلام) نحو ذلك ولامخالف لهما في الصحابة.(1)
وقال ابن البراج في المهذّب: «وإذا اجتمع على امرأة عدّتان وكانت هي والزوج جاهلين، أو كان الزوج جاهلاً وكانت غير حامل تعتد بالاقراء أو بالشهور، فانّها تكمل عدّة الأوّل ثم تعتدّعن الثاني. وإذا لم تكن اعتدّت عن الأوّل بشيء، اعتدت منه بثلاثة أقراء، أو ثلاثة أشهر. فإن كانت اعتدت عنه ببعض العدّة، فإنّها تتم ذلك وتعتدّعن الثاني عدّة كاملة، وإنّما قدّمت العدّة عن الأوّل لأنّها سابقة.(2)
وقال ابن حمزة في الوسيلة:«وإن علم أحدهما دون الآخر سقط حق العالم ولزمه الحد، ولم يسقط حقّ الجاهل، وسقط الحدّ، والتحريم لازم، وللزوج الأوّل عليها رجعة، ولم يخل: اما جاءت بولد، أم لم تجئ فإن جاءت بولد انقضت عدّة الأوّل بوضع الحمل، واستأنفت العدّة عن الثاني. وإن لم تجئ بولد أتمت العدّة للأوّل، واستأنفت للثاني».(3)
وقال ابن سعيد في الجامع:«ولايتداخل العدّتان فإن تزوّجت المعتدّة ودخل بها الزوج فرّق بينهما وأتمت العدّة للأوّل واستأنفت عدّة من الثاني».(4)

1 . الخلاف:3/60، المسألة31، كتاب العدّة.
2 . المهذب:2/332.
3 . الوسيلة: 326.
4 . الجامع للشرائع:473.

صفحه 341
إلى غير ذلك من الكلمات الناصّة على تعدد العدّة.
وأمّا الروايات فهي على طائفتين، منها ما يدل على التعدّد:
مثل موثقة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: المرأة الحبلى يتوفى عنها زوجها فتضع وتزوّج قبل أن تعتد أربعة أشهر وعشراً فقال: إن كان الذي تزوّجها دخل بها فرّق بينهما ولم تحلّ له أبداً واعتدت بما بقي عليها من عدّة الأوّل واستقبلت عدّة اُخرى من الآخر ثلاثة قروء، وإن لم يكن دخل بها فرّق بينهما وأتمت ما بقي من عدّتها وهو خاطب من الخطاب.(1)
وصحيح الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:سألته عن المرأة الحبلى يموت زوجها فتضع وتزوّج قبل أن تمضي لها أربعة أشهر وعشراً فقال: إن كان دخل بها فرّق بينهما ولم تحل له أبداً واعتدّت ما بقي عليها من الأوّل واستقبلت عدّة اُخرى من الآخر ثلاثة قروء وإن لم يكن دخل بها فرّق بينهما واعتدت بما بقي عليها من الأوّل وهو خاطب من الخطاب».(2)
وصحيحة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يتزوج المرأة في عدّتها قال: إن كان دخل بها فرّق بينهما ولم تحل له أبداً وأتمت عدّتها من الأوّل وعدّة اُخرى من الآخر، وإن لم يكن دخل بها فرّق بينهما وأتمّت عدّتها من الأوّل وكان خاطباً من الخطاب».(3)
وخبر علي بن بشير النبّال قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل تزوّج امرأة في عدّتها ولم يعلم وكانت هي قد علمت انّه قد بقي من عدّتها وانّه قذفها بعد علمه بذلك فقال: إن كانت علمت انّ الذي صنعت يحرم عليها فقدمت على

1 . الوسائل ج14: الباب 17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 2.
2 . الوسائل ج14: الباب 17من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 6 .
3 . الوسائل ج14: الباب 17من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث9.

صفحه 342
ذلك فانّ عليها الحدّ حد الزّاني ولاأرى على زوجها حين قذفها شيئاً، وإن فعلت ذلك بجهالة منها ثم قذفها بالزنا ضرب قاذفها الحدّ و فرّق بينهما وتعتد ما بقي من عدّتها الاُولى وتعتدّ بعد ذلك عدّة كاملة».(1)
ثمّ انّ صريح تلك الروايات، هو عدم تداخل جزء من العدّة الثانية في العدّة الاُولى، بل تجب عليها اكمال العدّة الاُولى ثم استئناف العدّة الثانية كما هو ظاهر صحيح الحلبي وابن مسلم وخبر ابن بشير النبال.
ومنها: ما يدّل على عدم التعدد و لايتجاوز عن أربع:
منها: صحيح زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) :في امرأة تزوّجت قبل أن تنقضي عدّتها قال: «يفرّق بينهما وتعتدّ عدّة واحدة منهما جميعاً».(2)
لكن الظاهر من الرواية هو كفاية عدّة واحدة، بمعنى عدم تأثير الثاني أصلاً، مع فرض عروضه في أثناء العدّة الاُولى.
وأمّا القول باشتراك العدّتين فيما بقي من العدّة الاُولى، واختصاص ما بقي من العدّة الثانية للثاني، فخارج عن مفاد الروايات جميعاً فهي بين التعدّد الكامل والوحدة الكاملة.
وربما يستدل للاتحاد بوجوه عقلية واهية لايليق بالبحث، من ظهور أدلّة العدد في اتصال العدّة بالسبب أوما يقوم مقامه كبلوغ الخبر من الوفاة والمفروض أنّ الزمان غير قابل للتعدد، فلامحيص عن التداخل. وأنّ الغرض هو الاستبراء وقد حصل بالعدّة الاولى.

1 . الوسائل ج14: الباب 17من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث9و18ولعلّ هذه الرواية نفس التاسعة.
2 . الوسائل ج14: الباب 17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 11. لاحظ الحديث 12 من هذا الباب و الحديث 2و7 من الباب 16.

صفحه 343
يلاحظ عليهما: أنّهما اجتهادان في مقابل النصّ، أضف إليه انّ ظهورالسبب في اتصال مسببه ترفع عنه اليد في مقابل النص.
ثم انّ الشيخ حمل روايات الوحدة على صورة عدم الدخول، وهو خلاف ظاهر البعض وصريح الآخر، إذ لو لم يكن هناك دخول فما معنى الاعتداد بعدّة واحدة منهما. كما انّه لو لم يكن دخول فما معنى حرمتها على الثاني كما هو صريح رواية زرارة.(1)
وربما يحمل التعدّد على الاستحباب. كما عن سيد المدارك في شرحه على النافع. وهو كما ترى.
وربما يحمل التعدّد على التقية لكونه مذهب العامة حيث ذهب إليه الخليفة كما حكاه الشيخ في الخلاف ويؤيده روايتا زرارة ويونس. (2) و هو كما ترى لانّه كما نقله عن الخليفة ، نقله عن علي أيضاً. وانّه لم يكن أحد من الصحابة قائلاً بالوحدة وأمّا الاستشهاد برواية زرارة ويونس فالثانية ضعيف من المراسيل التي، لايصح الركون عليها في رد الأخبار الصحيحة. فالتعدد مضافاً إلى كونه المشهور، موافق للاحتياط المطلوب في باب النكاح.
أمّا الرابعة أعني ما إذا عقدها و دخل بها و كان جاهلاً بالتحريم و حملت و لها صور أربع.
1ـ لو حملت وعلم بالقرائن انّه للاولى كما إذا طلّقها حاملاً ثم وطأها بالشبهة، اعتدّت بوضعه للأوّل لسبق سببه أوّلاً، وللنصوص السابقة ثانياً، ثم تعتدّ للثاني بعد وضعه إمّا بالاقراء إن كانت ذات العادة وإلاّ فبالاشهر أو بالتلفيق كما سيظهر.

1 . الوسائل ج14: الباب 16من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 2.
2 . فلاحظ الوسائل ج15: الباب 38 من أبواب العدد، الحديث 1و2.

صفحه 344
2ـ لو حملت ودلّت القرائن على انّه للثاني، كما إذا تولد لأكثر من أقصى الحمل من وطء الأوّل اعتدّت بوضعه للثاني، لكون الحمل له فيكون وضعه خروجاً عن عدّته، لا خروجاً عن عدّة من ليس الحمل له. وأمّا عدّة الأوّل فإن كانت بالاقراء وعرض وطء الثاني في أثناء القرء الثاني مثلاً، لم يحتسب ذلك قرءاً، فبقي عليها قرءان فلو تأخر النفاس عن الولادة، يحسب الطهر الواقع بينهما قرءاً ولو اتصل بها وطهرت من دمها، فإن استمر الطهر لأجل الرضاع فتعتدّ بالأشهر لما عرفت من أنّ وظيفة من لاتحيض في الأقل من ثلاثة أشهر، هو الاعتداد بالاشهر، فلاتخرج من العدّة إلاّ بعد مضي شهرين(1)، يحسب كل شهر قرءاً وأمّا إذا حاضت فتخرج من العدّة بالقرءين.
هذا كله إذا كانت عدّتها بالاقراء وأمّا إذا كانت بالأشهر، فلو حملت في الشهر الثاني ، فقد مضى قرء واحد، فلها الاعتداد بالشهرين أيضاً بعد الوضع، إذا بقيت بهذه الحالة وأمّا إذا صارت ذات عادة عددية ووقتية، فلاتخرج عن عدّة الأوّل إلاّ بطهرين بينهما حيض.
3ـ إذا دلّت القرائن على انّ الحمل لثالث كما إذا توّلد لأكثر من مدّة الحمل من وطء الأوّل ولأقل من ستة أشهر من وطء الثاني لم يعتبر زمن الحمل من العدّتين لفرض خروجه عنهما وليس الحمل محكوماً بكونه من زنا، فالمتجه أن تعتدّ بعد وضعه، عدّة كاملة للأوّل، ثمّ استأنفت للثاني.
الرابعة: إذا صحّت انتسابه لكلّ واحد، كما إذا لم يتجاوز عن أقصى الحمل بالنسبة إلى الأوّل ولم ينقص عن أقله بالنسبة إلى الثاني فقال الشيخ في المبسوط:«أُقرع بينهما» (2) بحجّة انّ القرعة لكلّ أمر مشكل وقد عرفت أنّها تختص بالمرافعات، والاُولى الحاقه لمن له الفراش، أخذاً بقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «الولد للفراش»

1 . إذا ضيفا إلى الشهر الذي كان قبل الوطء يصير ثلاثة أشهر.
2 . المبسوط:5/247.

صفحه 345
وهل المراد الفراش الشأني فيلحق بالأوّل أو الفعلي فيلحق بالثاني، لأنّ المفروض انّ الوطء كانت شبهة. إلاّ أنّ كون الأوّل فراشاً شأنياً مع كونه واطئاً وكان الولد قابلاً للانتساب له، محل تأمّل. فالأوّل أقوى. خلافاً لصاحب الجواهر.

الخامسة:

في أوان التربّص
إعلم أنّه تعتدّ زوجة الحاضر من حين الطلاق والوفاة، لظهور التربص الوارد في آيتي (1) الطلاق والوفاة في اتصاله بسببه مضافاً إلى النصوص الواردة في طلاق الغائب ووفاته فانّها تدل بحكم المقابلة على انّ التربص في زمان الحضور إنّما هو من حينهما وستوافيك الروايات.
وأمّا طلاق الغائب: فقد اتفق النص والفتوى على كونه أيضاً من حينه، وسيوافيك نص المفيد والشيخ و القول المخالف عند البحث عن عدّة الوفاة، فقد خالف في ذلك ابن الجنيد و الحلبيّ وسيمرّ عليك دليل الأخير عند البحث عن عدّة الوفاة، ويدل على ذلك لفيف من الروايات كصحيح محمد بن مسلم، قال: قال لي أبو جعفر (عليه السلام): «إذا طلّق الرجل وهو غائب فليشهد على ذلك فإذا مضى ثلاثة أقراء من ذلك اليوم فقد انقضت عدّتها».(2) وصحيح الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يطلّق امرأته وهو غائب عنها من أيّ يوم تعتد به؟ قال: إن قامت لها بيّنة عدل أنّها طلّقت في يوم معلوم و تيقّنت فلتعتد من يوم طلقت وإن لم تحفظ في أي يوم وفي أي شهر فلتعتدّ من يوم يبلغها.(3)

1 . البقرة: 228و234.
2 . الوسائل ج15: الباب26 من أبواب العدد، الحديث 1و2، ولاحظ الحديث 2و3و4 و5 و6 و7 من ذلك الباب.
3 . الوسائل ج15: الباب26 من أبواب العدد، الحديث 1و2، ولاحظ الحديث 2و3و4 و5 و6 و7 من ذلك الباب.

صفحه 346
ولأجل ذلك إذا طلّق ولم يعلمها إلاّ بعد ما مضت عدّتها، فلا عدّة لها سواء كان حاضراً، أم غائباً، كما في صحيح أبي نصر البزنطي عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال في المطلّقة إذا قامت البيّنة أنّه قد طلّقها منذ كذا وكذا فكانت عدّتها قد انقضت فقد بانت».(1) وما عن الحلبي(2) من اعتبار البلوغ لظاهر الأمر بالتربص، أو انّ الاعتداد عبادة يحتاج إلى النيّة، غير تام وكانّ بعض ما استدلّ به اجتهاد في مقابل النص وأمّا الاعتداد ففي صورة الجهل بالزمان، من يوم البلوغ ـ كما في الرواية السابقة ـ لأجل الأخذ بالقدر المتيقن، وإلاّ لو علمت انّه كان إمّا قبل يومين أو عشرة أيام تأخذ بالقدر المتيقن.
وأمّا المتوفى عنها زوجها، وهو غائب فانّما تعتدّ من حين البلوغ لامن حين الوفاة فالمشهور عندنا هو هذا. قال الشيخ في الخلاف:«إذا مات عنها وهو غائب عنها وبلغها الخبر فعليها العدّة من يوم يبلغها وبه قال علي (عليه السلام) ، وذهب قوم إلى أنّ عدّتها من يوم مات سواء بلغها بخبر واحد أو متواتر، وبه قال ابن عباس وابن عمر وابن مسعود وابن الزبير وعطا والزهري والثوري ومالك وأبو حنيفة وأصحابه وعامة الفقهاء والشافعي وغيره، وقال عمر بن عبد العزيز: إن ثبت ذلك بالبيّنة فالعدّة من حين الموت، وإن لم يثبت بالبيّنة بل بالخبر والسماع فمن حين الخبر ـ دليلنا ـ إجماع الفرقة وطريقة الاحتياط.
وأمّا إذا طلّقها (3) وهو غائب فإنّ عدّتها من يوم طلّقها لامن يوم يبلغها، والخلاف بين الفقهاء فيها مثل الخلاف في المسألة الاُولى سواء(4).

1 . الوسائل ج15: الباب 27 من أبواب العدد، الحديث2، ولاحظ الحديث1و3 من هذا الباب .
2 . الوسائل ج15: الباب 26 من أبواب العدد، الحديث 2.
3 . هذ الدليل راجع إلى المسألة السابقة فلاحظ.
4 . الخلاف:3/54،المسألة 11، كتاب العدّة.

صفحه 347
ووافقه المفيد وسلاّر وابن البرّاج وابن حمزة. قال في المختلف قال المفيد: «فلو طلّق الغائب ثم ورد الخبر عليها وقد حاضت من يوم طلّقها إلى ذلك الوقت ثلاث حيض، فقد خرجت من عدّتها ولاعدّة عليها بعد ذلك وإن كانت حاضت أقلّ من ثلاث حيض احتسبت به من العدّة وثبت عليها تمامها.
ولو مات عنها في غيبته ووصل خبر وفاته إليها بعد سنة أو أقل أو أكثر، اعتدت لوفاته من يوم يبلغها الخبر بذلك ولم يحتسب بما مضى من الأيّام والفرقان المعتدّة عليها، الحداد فإذا لم تعلم بموته لم تحتد، والمطلّقة لاحداد عليها وإنّما يجب أن يمتنع من الأزواج وهي وإن لم تعلم بطلاق زوجها ممتنعة من العقود عليها والازواج وبه قال سلار وابن البراج وابن حمزة».
وقال ابن الجنيد: والتي يطلّقها زوجها أو يموت وهو غائب عنها إن علمت الوقت وإلاّ حين يبلغها فإن كان قد خرج وقت العدّة عنها فلاعدّة عليها إن كان مسيرة بين البلاد من كان يمكن علمها بذلك قبل الوقت الذي علمت وإن كانت المسافة لاتحتمل أن يعلم الحال في الوقت الذي علمت به اعتدت من يوم يبلغها عدّة كاملة وكانت كالتي يبلغها طلاق أو وفاة زوجها وهي معه في البلد.
وقال أبو الصلاح:«وإذا طلق الغائب أو مات فعليها أن تعتدّ لكلّ منهما من يوم بلغها الطلاق أو الوفاة لكون العدّة من عبادات النساء وافتقار العبادة إلى نيّة تتعلق بابتدائها».(1)ويدلّ على قول المشهور لفيف من الروايات:
كصحيح محمد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام) في الرجل يموت وتحته امرأة وهو غائب، قال: تعتدّ من يوم يبلغها وفاته.(2)

1 . المختلف:62، كتاب العدّة.
2 . الوسائل ج15: الباب 28 من أبواب العدد، الحديث 1.

صفحه 348
وصحيح البزنطي، عن الرضا (عليه السلام) قال: سأله صفوان وأنا حاضر عن رجل طلّق امرأته وهو غائب فمضت أشهر، فقال: إذا قامت البيّنة أنّه طلّقها منذ كذا وكذا، وكانت عدّتها قد انقضت فقد حلّت للازواج، قال: فالمتوفّى عنها زوجها، فقال: هذه ليست مثل تلك هذه تعتدّ من يوم يبلغها الخبر لأنّ عليها أن تحدّ.(1)
ثم انّ هناك روايات ربما يمكن أن تقع دليلاً لبعض تلك الأقوال التي حكاها العلاّمة في مختلفه وإليك نقلها مع توضيحها.
1ـ خبر أبي البختري عن على (عليه السلام)أنّه سئل عن المتوفى عنها زوجها إذا بلغها ذلك وقد انقضت عدّتها فالحداد يجب عليها، فقال علىّ (عليه السلام): إذا لم يبلغها ذلك حتى تنقضي عدّتها فقد ذهب ذلك كلّه وتنكح من أحبّت.(2)والخبر ضعيف غاية الضعف لأجل أبي البختري، الذي وصف بالكذب.
2ـ صحيح الحسن بن زياد قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المطلّقة يطلّقها زوجها ولاتعلم إلاّ بعد سنة، والمتوفى عنها زوجها ولاتعلم بموته إلاّ بعد سنة قال: إن جاء شاهدان عدلان فلاتعتدان وإلاّ تعتدان(3) فتدل على كفاية مرور مقدار العدّة في المتوفى عنها زوجها كالمطلّقة وهو صحيح في الثانية دون الاولى ولأجل ذلك حملها الشيخ على وهم الراوي وانّ كلام الإمام كان في المطلّقة دون المتوفى وعلى فرض ثبوته يحمل على البائنة. وكلا الحملين كما ترى ليس لهما شاهد.

1 . الوسائل ج15: الباب 26 من أبواب العدد، الحديث7 ولاحظ الحديث2و3و4و5و8 من هذا الباب.
2 . الوسائل ج15: الباب 28 من أبواب العدد، الحديث 7.
3 . الوسائل ج15: الباب 28من أبواب العدد، الحديث 9، وفي سنده«عبد الكريم» وهو عبد الكريم بن عمرو الخثعمي وهو ثقة بقرينة رواية أبي نصر البزنطي عنه، والحسن بن زياد أيضاً ثقة، فالخبر صحيح.

صفحه 349
3ـ صحيح الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت له: امرأة بلغها نعى زوجها بعد سنة أو نحو ذلك، قال: فقال: إن كانت حبلى فأجلها أن تضع حملها ، وإن كانت ليست بحبلى فقد مضت عدّتها إذا قامت لها البيّنة أنّه مات في يوم كذا وكذا وإن لم يكن لها بيّنة فلتعتد من يوم سمعت(1) وصحة الرواية جرّت الشهيد في المسالك إلى الافتاء بمضمونها، وحمل سائر الروايات على الاستحباب.
4ـ صحيح منصور بن حازم المفصل بين موته في مكان قريب وبعيد، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام)يقول في المرأة يموت زوجها أو يطلّقها وهو غائب، قال: إن كان مسيرة أيام فمن يوم يموت زوجها تعتد، وإن كان من بعد فمن يوم يأتيها الخبر لأنّها لابدّ من أن تحدّ له»(2) ، وفي سنده سيف بن عميرة، وثّقه الشيخ في فهرسه، والنجاشي في رجاله والتوثيق موجود في المطبوع من الرجال دون النسخ المخطوطة منه. كما حكاه المعلّق في تعليقته، وقد اختاره الشيخ في تهذيبه وقال: انّ المتوفى عنها زوجها تعتدّ من يوم وفاة الزوج إن كانت قريبة كيوم أو يومين وإلاّ من يوم بلغها ولعلّ الاعتداد في الأوّل من يوم مات، هو وصول الخبر إليها عاجلاً وتصير في حكم المعتدة من يوم الوفاة فلم يبق لما يصلح للاستدلال إلاّ الصحيحان الأخيران وهما لايعادلان ما مضى من الروايات المتواترة أوّلاً، والمعللة ثانياً، والمشهورة ثالثاً، فيحمل المخالف على التقية كما يظهر من الأقوال المنقولة في الخلاف فلاحظ.
ثم إنّ الظاهر من البلوغ هو البلوغ العرفي، الذي يعبر عنه، بـ «الاطمئنان» لامطلق البلوغ الذي لايعبأ بقوله في الشرع كما إذا بلغ بخبر الفاسق، إلاّ إذا أفاد الاطمئنان، نعم ظاهر صحيحة الكناني الماضية(3) عدم اشتراط البيّنة ، كما في فتوى

1 . الوسائل ج15: الباب 28 من أبواب العدد، الحديث 10و12.
2 . الوسائل ج15: الباب 28 من أبواب العدد، الحديث 10و12.
3 . الوسائل ج15: الباب 28 من أبواب العدد، الحديث 2.

صفحه 350
عمر بن عبد العزيز، بل يكفي البلوغ العرفي الذي لم يردّه الشرع وعلى ضوء ذلك فلو بلغها بمن لايعتدّ به فاعتدّت ، ثم صادف ذلك، فالظاهر عدم الاجتزاء لعدم صدق البلوغ الوارد في الرواية.

السادسة:

1ـ إذا طلّقها رجعياً، ثم رجع، ثم طلق رجعياً قبل المسيس.
2ـ إذا طلّقها رجعياً، ثم رجع ، ثم خالع قبل المسيس.
3ـ إذا خالعها، ثم تزوّج في العدّة، ثم طلّق قبل المسيس.
والمعروف استئناف العدة، في الأُولى والثانية دون الثالثة.
وقد ذكر الشيخ في الخلاف الصورتين : الاُولى والثالثة وحكم في الاُولى باستئناف العدّة وفي الثالثة بالبناء على العدّة الاُولى، قال: إذا طلّقها طلقة رجعية ثم راجعها ثم طلّقها بعد الدخول بها فعليها استئناف العدّة بلاخلاف.
وإن طلّقها ثانياً قبل الدخول فعليها استئناف العدة لأنّ العدّة الاُولى قد انقضت بالرجعة، وقال الشافعي: إن لم يكن دخل بها على قولين، قال في القديم. تبنى وهو قول مالك، وقال في الجديد: تستأنف وهو قول أبي حنيفة واختيار المزني، وأصح القولين عندهم فأمّا إذا خالعها(1) ثم طلّقها فانّها تبنى على العدّة الأولة قولاً واحداً وهو قول محمد بن الحسن، وعند أبي حنيفة أنّها تستأنف العدّة، وقال داود: لاتجب عليها عدّة أصلاً لاتستأنف العدّة ولاتبنى ـ دليلنا ـ إجماع الفرقة وأخبارهم وأيضاً قوله تعالى: (وَ المُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوء)

1 . المقصود انّه خالعها، ثم تزوجها في عدتها، ثم طلّقها قبل الدخول لها. وبهذا البيان ذكر في الخلاف الصورة الثانية والثالثة. والتزّوّج في العدة، قام مكان الرجوع بعد الطلاق وإنّما تزوّج ولم يرجع إلى نكاحه، لكون الطلاق خلعيّاً.

صفحه 351
ولم يفرق.(1)
وإليك توضيح الجميع:
أمّا الاُولى: أعني إذا طلّقها رجعيّاً، ثم رجع ، ثم طلّق رجعيّاً يجب عليها استئناف العدّة، بل لايكفي البناء على السابقة منها. وذلك لأنّها بالرجوع عادت إلى النكاح الأوّل المجامع للدخول وصارت كأنّها لم تطلق بالنسبة إلى الآن فهي منكوحة ومدخولة وإن بقي للطلاق أثر ما من حيث عدّتها من المطلّقات الثلاث المحرّمة، فإذا طلّقها بعد الرجعة قبل المسيس يصدق عليها طلاق بعد نكاح وجد فيه المسيس، فيدخل في مفهوم قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ المؤُمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّة تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَ سَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَميلاً).(2)
قال الشيخ في المبسوط:«إذا طلّق الرجل زوجته طلقة رجعيّة، وجرت في العدّة، ثم راجعها فانّ عدّتها تنقطع بالرجعة، لأنّها تصير فراشاً فإن طلّقها بعد ذلك بعد الدخول فعليها استئناف العدّة بلاخلاف، وإن لم يكن دخل بها قال قوم: تبني وقال آخرون. تستأنف وهو الأصح عندنا».(3)
وبذلك يعلم حكم الصورة الثانية، لأنّها بالرجوع عادت إلى النكاح الأوّل، والخلع بعد الرجوع مثل الطلاق بعد الدخول فكما انّ الطلاق بعد الدخول، يدخل الموضوع في مفهوم الآية فهكذا الخلع بعد الدخول.

1 . الخلاف3/56،المسألة17، كتاب العدّة، وقد أشار في ذيل العبارة إلى المسألة وما في صدرها خارج عن محل البحث.
2 . الأحزاب:49.
3 . المبسوط : 5/250 وقد أشار في ذيل العبارة إلى المسألة، كعبارة الخلاف وما في صدره خارج عن المفروض.

صفحه 352
والحاصل أنّ الرجوع بعد الطلاق، يجعله كأن لم يكن فترجع الزوجة إلى حبال الزوج ويصدق عليها انّها طلّقت أو خلعت بعد الدخول بها، فتجب العدّة.
وقد نسب إلى الشيخ ، انّه لاعدّة فيها .
وأمّا الصورة الثالثة:
فالمعروف عدم وجوب العدّة خلافاً للقاضي في مهذبة ووجه ذلك: أنّه إذا كان الطلاق الأوّل بائناً، كما إذا خالعها في الأمر، ثم تزوّجها، فلايعود الفراش الأوّل بالعقد الثاني، بل هو فراش جديد لم يحصل فيه دخول، فإذا طلّقها يصدق انّها مطلّقة عن نكاح غير مدخول بها فيدخل تحت منطوق الآية:(ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّة تَعْتَدُّونَهَا) والمقام من الحيل الشرعية التى ذكروها في المقام. وقد فتحوا فصلاً لها في أثناء كتاب الطلاق وعلى ضوء هذا فيجوز للزوج ولغيره العقد عليها بلاعدّة.
وإلى هذه الصورة يشير الشيخ في المبسوط ويقول:«إذا تزوّج امرأة ودخل بها، ثم خالعها]ثم عقد عليها[ ثم طلّقها قبل الدخول، قال قوم: لاعدّة عليها للظاهر ولها أن تتزوج في الحال وهو الأقوى عندنا.
أقول: انّ من ذلك في النفس شيئاً. لأنّ العقد الجديد بعد الخلع ثم الطلاق قبل الدخول، إذا أسقط العدة. فكيف يصح لها التزويج، مع احتمال أدائه إلى اجتماع مياه في رحم واحد، فانّه ربما يتزوجها ـ والحال هذه ـ شخص آخر، فيدخل بها ويخالعها، ثم يتزوجها ويطلّقها قبل الدخول فتنقطع العدّة وتحلّ للازواج فيتزوجها آخر، ويدخل بها ويخالعها ثم يتزوجها ويطلّقها قبل الدخول فتنقطع عدّتها وتحل للآخر، وعندئذ ربما تختلط مياه الازواج الثلاثة في رحم، ويكون الحمل مجهول النسب.

صفحه 353
نعم قد أجاب عنه الشيخ في مبسوطه وقال: «هذا لايلزم على مذهبنا ، لانّه لايصح أن يختلعها إلاّ بعد أن يستبرئها بحيضة فيعلم براءة رحمها فإذا عقد عليها بعد ذلك ثم طلّقها قبل الدخول فانّها تملك نفسها وهي براءة الرحم فلايؤدي إلى ما قالوه، وإنّما يؤدي على مذهب من وافقهم في جواز الطلاق قبل الاستبراء فيلزم ما قالوه».(1)
وما ذكره وإن كان متيناً، لكن حصول البراءة للرحم بحيضة واحدة، ليس أمراً قطعياً، لامكان تحيض الحامل. وكيف يحكم بالبراءة بها.
أضف إلى ذلك انّ سقوط العدّة إنّما هو بالنسبة إلى الزوج وأمّا سقوطها بالنسبة إلى الغير، فلم تثبت فالاحتياط لايترك ولأجل ذلك حكم القاضي بالاعتداد قال: «فإن خالعها، ثم تزوجها ثم طلّقها، استأنفت أيضاً العدّة ولم يجز لها أن تبني على ما تقدّم».(2)

السابعة: في وجوب الاعتداد في الوطء بالشبهة

انّ الوطء بالشبهة له أحكام من حيث وجوب الاعتداد، ولحوق الأولاد، وحرمة التزويج وسقوط الحدّ إلى غير ذلك من الأحكام التي يبحث عنها في مختلف أبواب الفقه والبحث في المقام مركّز على وجوب العدة عليها فنقول:
لو كان الرجل والمرأة جاهلين، يجب الاعتداد عليها، ومثله ما إذا كان الواطئ جاهلاً دون المرأة، لأنّ العدّة حقّ له عليها كما هو الظاهر من قوله سبحانه:(فما لكم عليهنّ من عدّة تعتدونها)(3) وأمّا لزوم الاعتداد في الشبهة لقوله

1 . المبسوط:5/25.
2 . المهذب:2/322.
3 . الأحزاب:49. المقصود: الاستدلال مركّز على أنّ العدّة حق للواطئ أو الزوج فقط بقرينة «اللام» فتجب العدّة عليها لأجل هذا الحق. فتدبّر.

صفحه 354
(عليه السلام) :«إذا التقى الختانان وجب المهر والعدّة والغسل» (1)خرج عنه الزنا لعدم حرمة، ماء الزاني وبقي غيره تحت الاطلاق.
إنّما الكلام فيما إذا كان الرجل عالماً وكانت المرأة جاهلة فهل يحكم عليها بالاعتداد، صيانة للمياه من الاختلاط، أو لا، لأنّه لاحق له عليها والمفروض انّه لاحرمة لمائه، وعندئذ فلها أن تتزوج وأمّا مسألة اختلاط المياه، فإن تبين انّ الحمل من الواطئ، أو من الزوج الثاني، فيحكم به وإلاّ فمقتضى قوله (صلى الله عليه وآله وسلم)«الولد للفراش وللعاهر الحجر» يحكم بانّه من صاحب الفراش، خرج منه ما إذا علم انّه من الزاني.
وأمّا حكم الولد، فلو كانت الشبهة من الطرفين فيلحق بهما، وإلاّ فيلحق بالجاهل منهما دون العالم. ولامانع من التبعيض في المقام فيكون ولداً شرعياً للجاهل دون العالم وبذلك يعلم حكم الحد فلانطيل.

الثامنة: إذا طلّقها بائناً ثم وطأها شبهة

إذا طلّقها بائناً ثم وطأها شبهة فهل تتداخل العدّتان أو لا؟ والمراد من تداخلها: استئناف عدّة كاملة للأخير منهما ، تدخل فيه بقية الاُولى، كما انّ المراد من عدمه، إكمال العدّة الاُولى ثم استئناف عدّة كاملة ثانية وجهان:
من أنّ الموجب لها حقيقة هو الوطء. ولو استأنفت عدة كاملة، ظهرت براءة الرحم لانقضائها. أضف إليه انّ المقام أولى من الاعتداد لشخصين وقد ورد النص(2) بالاكتفاء بعدّة واحدة فيها فكيف إذا كانت لشخص واحد.
ومن انّ الأصل عدم التداخل، وليس الموجب لها هو الوطء بل الموجب

1 . الوسائل ج15: الباب 54 من أبواب المهور، الحديث 4.
2 . الوسائل: الجزء14، الباب 17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث12.

صفحه 355
أمران: الطلاق، الوطء، ولأجل ذلك لو طلق الغائب عن زوجته سنة، كان له عليها عدّة، نعم لو تعدد الوطء من المشتبه اجتزأ بعدّة كاملة للأخير، لكون السبب هو الوطء وأمّا النص الوارد بالاكتفاء بعدّة واحدة إذا كان الاعتداد لشخصين، فقد مرّ انّه غير معمول به.
ثم تقييد الطلاق بالبائن في عنوان المسألة، لأجل أنّ الوطء شبهةً في الطلاق الرجعي، رجوع عند البعض وإلاّ فلافرق بين البائن والرجعي.
ثم إن كانت عدّة الطلاق بالحمل، ثم طرأ الوطء، فتعتد للثاني، بعد الوضع وإن كانت عدّة الطلاق بالأقراء، وحدث الحمل بالوطء، فتخرج عن العدّة الثانية بالوضع ويخرج من العدّة الاُولى، باكمال الاقراء بعد الوضع. والاكتفاء بالوضع عنهما، كما احتمل الشهيد في المسالك، مخالف لأصالة عدم التداخل.
ولأجل ذلك إذا وُُطئت في العدّة الرجعية شبهة، وحملت من الثاني اعتدّت بالوضع من الثاني لأنّ الحمل له، دونه، وأكملت عدّة الاُولى بعد الوضع بأشهر أو اقراء وكان للأوّل الرجوع في تلك العدّة دون زمان الحمل الذي هو عدّة المشتبه. نعم حكى عن المبسوط جواز الرجوع في زمن الحمل.
***
تم تحرير كتاب الطلاق وبلغ الكلام إلى هنا صبيحة يوم الأربعاء، تاسع شوال المكرّم من شهور عام 1411 من الهجرة النبوية، نشكره سبحانه على آلائه ونعمائه ونسأله أن يديم صحة وجود شيخنا الاُستاذ العلاّمة الفقيه الشيخ جعفر السبحاني ـ دام ظله الوارف ـ انّه بذلك قدير وبالاجابة جدير.
سيف اللّه اليعقوبي القمشئي
قم المشرفة

صفحه 356

صفحه 357
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدللّه رب العالمين والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطاهرين لاسيما بقية اللّه في الأرضيين روحي وأرواح العالمين له الفداء.
قال شيخنا الاستاذ ـ مدّ ظلّه ـ

كتاب الخلع والمباراة

الخلع مصدر خلع وهو بضم الفاء بمعنى التبرّي وبفحتها بمعنى الإزالة ولعلّ المعنيين يرجعان إلى أصل واحد. ويناسب الثاني قوله سبحانه:(هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَ أَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ)(1) وفي الاصطلاح «إزالة قيد النكاح بفدية من الزوجة وكراهة منها له خاصة دون العكس وإلاّ فيكون مباراة بمعنى المفارقة فهي ازالة قيد النكاح بفدية منها مع كراهة من الجانبين. ويدل على مشروعيته قوله سبحانه:(ولايحلُّ لَكُمْ أنْ تَأخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إلاّ أنْ يَخافا ألاّ يُقِيماحُدُودَ اللّهِ فَإنْ خِفْتُمْ ألاّ يُقيماحُدُودَ اللّهِ فَلاجُناحَ عَلَيْهِما فَيمَا افْتَدَتْ بِهِ) (2) وقد تضافرت الروايات على مشروعيته ففي صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إذا قالت المرأة لزوجها جملة لااُطيع لك أمراً مفسراً وغير مفسر حل له ماأخذ منها وليس له عليها رجعة».(3)

1 . البقرة: 187.
2 . البقرة: 229.
3 . الوسائل ج15: الباب 1من أبواب الخلع والمباراة، الحديث 1.

صفحه 358
ويقع الكلام في مواضع أربعة:
1ـ في صيغته.
2ـ في الفدية أعني المال الذي تبذله المرأة ليطلّقها به.
3ـ في شرائطه.
4ـ في أحكامه.
وإليك الكلام في هاتيك المواضع:

الأوّل:

في صيغته

الخلع كما يستفاد من تعريفه من العقود المفيدة لإبانة الزوجية بعوض مخصوص، فلابدّ من صيغة دالة عليها فتكفي كل عبارة دالّة على انشاء الابانة بعوض مثل قولك:
خلعتك أو خالعتك على كذا.
أنت، أو فلانة مختلعة على كذا.
وكما يقع الانشاء بصيغة الماضي، يقع بصيغة الجملة الاسمية كما مرّ مثل قوله :(وأنا به زعيم)، وأمّا الطلاق غير الخلعي