welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : نظام المضاربة*
تألیف :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

نظام المضاربة

صفحه 1
نظام المضاربة
في
الشريعة الإسلامية الغرّاء
تأليف
سماحة الشيخ
آية الله جعفر السبحاني
ـ دام ظلّه الوارف ـ

صفحه 2
هوية الكتاب
اسم الكتاب:   نظام المضارة في الشريعة الإسلامية الغرّاء
الموضوع:   فقه
المؤلف:    جعفر السبحاني
المطبعة:   اعتماد ـ قم
الطبعة:   الأُولى
التاريخ:   عام 1416 هـ
الكمية:   1000 نسخة
الناشر:   مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
توزيع
مكتبة التوحيد
قم ـ ساحة الشهداء

صفحه 3
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد للّه ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف رسله وخاتم أنبيائه، محمّد وآله الطاهرين.
أمّا بعد: فقد طلب منّي غير واحد من حضّار بحوثي الفقهية إلقاء محاضرات في أحكام المضاربة لكثرة الابتلاء بها في هذه الأيام خصوصاً بعد قيام الثورة الإسلامية، والتزام البنوك بتطبيق أعمالهم على مقتضى أحكام الشريعة، فراجت المضاربة بينها وبين المراجعين إليها، فنزلت عند رغبتهم، وأرجو أن تكون نافعة بإذنه سبحانه.

المضاربة تجارة طيّبة:

المضاربة تجارة طيّبة مباركة أمضاها الإسلام لإيجاد التعاون بين أصحاب الثروات والعمال، فصاحب المال يسعى بماله وثروته، والعامل يسعى بعمله وكَدِّه، ويكون الربح بينهما حسب ما اتّفقا عليه «وليس كلّ من يملك المال يُحسن التجارة، كما ليس لكل من يُحسنها، رأسُ مال فاحتيج إليها من الجانبين فصارت المضاربة ضرورة اجتماعية ولأجل ذلك شرّعها اللّه تعالى لدفع الحاجتين، وللقضاء على كنز الأموال في الصناديق، وتداولها بين الناس من جانب، واندفاع العمّال إلى مجال العمل من جانب آخر، وفي الوقت نفسه هو أفضل طريق لسد باب أكل

صفحه 4
الربا، فصاحب المال والعامل ينتفعان بعقد المضاربة من الربح الذي يستحصله العامل، فهذا ينتفع بعمله، وذاك برأس ماله الذي هو أيضاً عمل مضغوط، كما أنّ مايقوم به العامل عمل مُبَسّط، فما ربما يُنقل عن بعض المخدوعين من أنّه لا دور لرأس المال وإنّما الدور كلّه للعمل، غفلةٌ عن واقع المال، فإنّ صاحبه ربّما ناله عن طريق العمل شيئاً فشيئاً حتى بلغ إلى الحالة التي يستعين به العامل في تجارته، ولو علم الناس ما في المضاربة من الخير والبركة لضربوا عن الربا صفحاً. والمضاربة هو المصداق الواضح لقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): «شاركوا الذي قد أقبل عليه الرزق، فإنّه أخلقُ للغنى، وأجدرُ بإقبال الحظّ» (1).
قد كانت الجزيرة العربية، في أغلب المناطق ذات أرض قاحلة ولم يكن للزراعة فيها نشاط بارز، وكان للتجارة هناك دور هامّ خصوصاً في أُمّ القرى وأطرافها وكانت هي الشغل المهم لسكان هذه المنطقة.
يقول الإمام الصادق (عليه السلام): «كان للعباس مال مضاربة، فكان يشترط أن لايركبوا بحراً ولا ينزلوا وادياً، فإن فعلتم فأنتم ضامنون، فأبلغ ذلك رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فأجاز شرطه عليهم» (2).
وقد ضاربت السيدة خديجة ـ رضي اللّه عنها ـ، رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وضمّت إليه غلامه «مَيسَرة» ليخدمه في الطريق ويعينه في العمل، فرجع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) من سفره إلى الشام بربح وافر، واشترى لها أجناساً كانت الرغبة إليها في مكّة شديدة، فأدّى ذلك ـ وما رأت السيدة خديجة منه من مديريّة فائقة وأمانة محمودة ـ إلى الخطبة والزواج كما هو مذكور في التاريخ (3).

1 . الوسائل: 13، الباب7 من أبواب الشركة، الحديث1.
2 . الوسائل: 13، الباب1 من أبواب كتاب المضاربة، الحديث 12.
3 . السيرة النبوية لابن هشام: 1/199. ولم يكن النبيّ أجيراً قطُّ بل كان مضارباً.

صفحه 5

تعريف المضاربة:

عرّفه العلاّمة في التذكرة بقوله: «عقد شُـرِّع لتجارة الإنسان بمال غيره بحصة من الربح» (1) فقوله: «بحصة من الربح» يخرج القرض والبضاعة، فإنّهما والمضاربة تجارة بالمال المأخوذ من الغير، غير أنّه إذا كان الربح للعامل فهو القرض، وإن كان لصاحب المال فهي البضاعة، وإن كان الربح مشتركاً بينهما فهي المضاربة.
وأمّا التفاوت فيرجع إلى الاختلاف في كيفية الاتّفاق، فلو دفعه ليكون الربح بينهما فهو مضاربة، ولو دفعه على أن يكون جميعه للعامل فهو داخل في عنوان القرض، وإن دفعه على أن يكون للمالك فهو المسمّى عندهم بالبضاعة.
وبعبارة أُخرى: الربح يتبع الأصل إلاّ إذا دلّت قرينة على خلافه، ففي القرض، المال للمقترض (العامل) بضمان مثله، فيرجع ربحه إليه لا إلى المالك الأوّل، وفي البضاعة، المال للدافع، فيكون الربح له، ويُعْدَلُ عنه في المضاربة لأجل الاتّفاق على كون الربح بينهما.
ومن ذلك يُعلم حكم ما إذا دفع مالاً إلى الغير ليتّجر من دون أن يشترطا شيئاً فليس له من الربح شيء أخذاً بالضابطة: الربح يتبع المال، وأمّا احترام عمل المسلم فإن كان متبرّعاً، وإلاّ فله أُجرة المثل، لاحترام عمل المسلم.
نعم يرد على التعريف أنّ حقيقة المضاربة شيء والعقد المتكفّل لإنشاء حقيقتها أمر آخر فالعقد سبب لإنشاء المضاربة، وليس حقيقتَها، فلأجل ذلك يجب أن يعرّف بقولنا: اتّفاق شخصين في تجارة على أن يكون من أحدهما المال ومن الآخر العمل ويكون سهم من الربح للمال وسهم منه للعمل. هذه هي

1 . التذكرة: 2/229.

صفحه 6
حقيقة المضاربة، أمّا دور العقد، فله دور إنشائها وإيجادها في عالم الاعتبار.
وبذلك تقف على أنّ تعريف السيد الاصفهاني في الوسيلة والسيد الأُستاذ في تحريرها، غير نقي عن الإشكال حيث جاء فيهما قولهما: «وهي عقد واقع بين شخصين على أن يكون رأس المال في التجارة من أحدهما والعمل من الآخر، وإذا حصل ربح، يكون بينهما» (1).
وهناك إشكال آخر، وهو أنّ العقد منصرف إلى العقد اللفظي مع أنّ المضاربة كما تتحقّق باللفظ، تتحقّق بالفعل والكتابة.
وعرّفه في الجواهر بقوله: «المضاربة دفع الإنسان إلى غيره مالاً ليعمل فيه بحصة من ربحه» (2) وعرّفه في العروة الوثقى بـ: «دفع الإنسان مالاً إلى غيره ليتّجر به على أن يكون الربح بينهما» (3) وكلاهما مخدوشان، فإنّ المضاربة من الأُمور الاعتبارية، والدفع عمل تكويني خارجي، وعمل بمقتضاه وسيوافيك مايمكن أن يكون مراداً لهما، وبما أنّه أشبه بشركة البدن والمال عرّفه ابن قدامة بقوله: أن يشترك بدنٌ ومال، وهذه، المضاربة وتسمّى قراضاً أيضاً، ومعناها أن يدفع رجل ماله إلى آخر يتّجر له فيه، على أنّ ما حصل من الربح بينهما حسب ما(4)يشترطانه ولوصحّ ما ذكره ابن قدامة، فالأولى أن يقال: إنّ المضاربة كالمزارعة والمساقاة من مصاديق شركة العمل والمال، غاية الأمر، العمل يكون تارة هو: التجارة، وأُخرى: الزرع، وثالثة: السقي، وعدّ الجميع من مصاف واحد أولى، وجعلها من مصاديق الشركة أتقن.

1 . وسيلة النجاة، كتاب المضاربة: 78. وتبعه سيدنا الأُستاذ في تحرير الوسيلة.
2 . الجواهر: 26/338.
3 . العروة الوثقى: كتاب المضاربة ، المقدمة/594.
4 . المغني: 5/134.

صفحه 7
ويترتّب على ذلك أنّها تكون عندئذ عن العقود اللازمة كسائر أقسام الشركة، لا من العقود الإذنيّة وإن اتّفق عليه الأصحاب وجعلوها من العقود الجائزة. والعجب أنّهم فرّقوا بينها وبين الأخيرتين، فوصفوا الأُولى بالجواز وهما باللزوم، وسيأتي مايفيدك في المقام.
وعلى كل تقدير فالعقد سواء كان لفظياً أو فعلياً موجد لهذه الحقيقة. كما أنَّ الدفع عمل بالاتفاق وتجسيد له، ثم إنّ لفظ المضاربة مصطلح أهل الحجاز، والقراض مصطلح أهل العراق. أمّا الأوّل فربّما يقال بأنّ وجه التسمية هو أنّ العامل يضرب في الأرض للتجارة، وابتغاء الربح.
يلاحظ عليه: أنّه يستلزم أن تكون المضاربة فعل العامل فقط مع أنّه فعل الاثنين غالباً، بشهادة كونها من باب المفاعلة وإن قال في الجواهر إنّه لم يعثر على اشتقاق أهل اللغة اسماً لربّ المال من المضاربة (1)، فالأولى أن يقال إنّها من ضرب كل منهما في الربح بسهم.
وعلى ما ذكرنا فكل من المالك والعامل مضارب ولا يختص الاسم بالعامل، إلاّ أن يقال إذا كان اللفظ في اللغة موضوعاً لطرف واحد، فلايجوز التصرّف فيها وأمّا القراض فهو بمعنى القطع فكان ربّ المال يقطع قسماً من ماله ويدفعه إلى العامل للتجارة.
ثم إنّ الوضيعة لما كانت على ربّ المال تفترق المضاربة عن المرابحة بالربا بالوجوه التالية:
1 ـ إنّ الخسران في المضاربة على المالك لا على العامل، بخلاف الربا فإنّ الخسران فيه على المقترض الذي هو بمنزلة العامل.

1 . الجواهر: 26/336.

صفحه 8
2 ـ ليس للمالك طلب الربح من العامل إذا لم يربح، وهذا بخلاف الربا فله ـ حسب القوانين العرفية ـ طلبه من المقترض ربحت التجارة أم لم تربح.
3 ـ ليس الربح مضموناً في المضاربة ولكنّه مضمون في الربا للمقرض.
4 ـ إنّ مقدار الربح ـ على فرض حصوله ـ غير معلوم في المضاربة وإنّما المعلوم هو حصة كل واحد من الربح بعد حصوله، بكونه أنصافاً أو أثلاثاً أو أرباعاً وهذا بخلاف الربا، فإنّ مقدار الربح معيّن حقيقةً، حتى ولو قال: لي ثلاثة بالمائة من المال، فإنّه عبارة أُخرى عن قوله: أقرضتك ألف دينار على أن تدفع لي كل شهر ثلاثين ديناراً.
5 ـ إنّ مقـدار الربـح في الربا ينسب إلى رأس المال فيقال ثلاثة بالمائة للدائِن في كل شهر، ولكنّه في المضاربة ينسب إلى نفس الربح الحاصل بسعي العامل، كنصف الربح وثلثه وربعه.
6 ـ ليس للعامل التواني وترك التجـارة في المضاربة وهذا بخلاف باب الاقتراض فله ترك التجارة وصرف المال في عمارة البيت أو في عرسه وعرس بنته.
7 ـ إنّ المال ـ في المضاربة ـ بيد العامل أمانة، وهذا بخلاف ما في يد المقترض فإنّه حسب القوانين العرفية يملكه بضمان ردّ المثل في رأس السنة مثلاً.
فمن خلط المضاربة بالربا المحرّم، لم يدرس حقيقتهما، وسمعنا من بعض من يدّعي الفضل والمعرفة بالحقوق الإسلامية والعالمية ـ عندما كنّا عضواً لمجلس الخبراء لتدوين الدستور للجمهورية الإسلاميـة ـ أنّهما يرتضعان من لبن واحد. يريد بذلك الإطاحة لها ونفيها كنفي الربا.
***

صفحه 9
وتدل على مشروعيـة المضاربــة في الإسلام ـ مضافاً إلى السيرة العملية بين المسلمين الحاكية عن مشروعيّتها ـ روايات متضافرة حولها وحول شروطها وأحكامها نذكر منها ما يلي:
روى محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: سألته عن الرجل يُعطي المال مضاربة وينهى أن يخرج به، فخرج قال: «يضمن المال والربح بينهما» (1).
وروى أبو الصباح الكناني عن أبي عبداللّه (عليه السلام) في الرجل يعمل بالمال مضاربة، قال: «له الربح وليس عليه من الوضيعة شيء، إلاّ أن يخالف عن شيء ممّا أمر صاحب المال» (2) إلى غير ذلك من الروايات.
ثم إنّ البحث عن المضاربة يقع في فصول خمسة:
الأول: في عقد المضاربة وأحكامه.
الثانـي: في المتعاقدين وشرائطهما.
الثالث: في مال القراض وشروطه.
الرابـع: في الربح الحاصل منها.
الخامس: في اللواحق.
وإليك البحث عن الجميع واحداً بعد الآخر.

1 . الوسائل: 13، كتاب المضاربة، الباب1، الحديث 1و3 ولاحظ بقية أحاديث الباب.
2 . الوسائل: 13، كتاب المضاربة، الباب1، الحديث 1و3 ولاحظ بقية أحاديث الباب.

صفحه 10

صفحه 11

الفصل الأوّل:

في عقد المضاربة وأحكامه

يشترط في عقدها كل مايشترط في سائر العقود كالبيع والإجارة والعارية والوديعة من الموالاة بين الإيجاب والقبول، والتنجيز، وغيرهما من الشرائط، فلا حاجة للبحث عنها، ويكفي في المقام كل فعل أو قول دال على اتفاق الطرفين على كون المال من أحدهما والعمل من الآخر، والربح لهما، ويكفي أن يقول: ضاربتك على كذا، ويقول الآخر: قبلت.
هذا إذا كان الإنشاء باللفظ، وأمّا إذا كان بالفعل، فيكفي أن يتقاولا حول اتّفاقهما ثم يقوم صاحب المال بدفع المال إلى العامل ويقبله العامل مبنيّاً على المقاولة المتقدمة، وعند ذلك يكون الإيجاب والقبول بالفعل والعمل، ولعلّ ماسبق من صاحبي الجواهر والعروة الوثقى من تعريفها بالدفع، ناظر إلى هذه الصورة، وإلاّ فالدفع أشبه بالوفاء بالمضاربة كتسليم البيع وتسلّم الثمن اللّذين يعدّان تجسيداً للوفاء بالبيع، إذا سبقهما الإنشاء.

صفحه 12

المضاربة عقد جائز أو لازم؟

نعم يبقى هنا بحث، وهو أنّ المضاربة هل هي عقد جائز أو لازم ؟ يظهر من التتبع في كلمات الفقهاء من الفريقين اتّفاقهم على الجواز وإليك نماذج من كلماتهم.
قال الشيخ: «وصاحب المال متى أراد أن يأخذ ماله من مضاربه كان له ذلك ولم يكن للمضارب الامتناع عليه من ذلك، وكان له أُجرة المثل إلى ذلك الوقت» (1).
وقال ابن البراج: «والقراض من العقود الجائزة في الشريعة بغير خلاف» (2).
وقال ابن حمزة: «وهو عقد جائز بين الطرفين» (3).
وقال ابن إدريس: «والمضاربة عقد جائز من الطرفين لكل واحد منهما فسخه متى شاء» (4).
وقال المحقّق: «وهو جائز من الطرفين. لكل واحد منهما فسخه سواء نضّ المال أو كان به عروض» (5) إلى غير ذلك من العبارات المتقاربة الحاكية عن اتفاقهم على الجواز.
وقال ابن رشد: أجمع العلماء على أنّ اللزوم ليس من موجبات عقد القراض، وأنّ لكل واحد منهما فسخه مالم يشرع العامل في القراض، واختلفوا إذا شرع العامل، فقال مالك: هو لازم وهو عقد يورث فإن مات وكان للمقارض بنون

1 . النهاية: 429.
2 . المهذب: 1/460.
3 . الوسيلة: 264.
4 . السرائر: 2/409.
5 . الجواهر: 26/340 (قسم المتن) .

صفحه 13
أُمناء كانوا في القراض مثل أبيهم، وإن لم يكونوا أُمناء كان لهم أن يأتوا بأمين، وقال الشافعي وأبو حنيفة: لكل واحد منهم الفسخ إذا شاء، وليس هو عقد يورث، فمالك ألزمه بعد الشروع في العمل لما فيه من ضرر، ورآه من العقود الموروثة، والفرقة الثانية شبهت الشروع في العمل بما بعد الشروع في العمل (1).
وقال ابن قدامة: والمضاربة من العقود الجائزة تنفسخ بفسخ أحدهما، أيّهما كان وبموته وجنونه والحجر عليه لسفه، لأنّه متصرّف في مال غيره بإذنه فهو كالوكيل، ولا فرق بين ما قبل التصرّف وبعده (2).
ثم إنّه ظهر مّما ذكرنا من كلماتهم معنى الجواز، وهو جواز الفسخ بمعنى أنّه يجوز للمالك الرجوع عن الإذن في التصرّف في ماله وللعامل الامتناع عن العمل في أي وقت كان، وأمّا ما عيّناه للمال وللعمل من الربح فلا يجوز فسخه والرجوع إلى أُجرة المثل بعد ظهور الربح.
والحاصل أنّ جواز العقد يؤثر في بقائه في المستقبل وعدم بقائه في المستقبل ولا يؤثر في هدم ما بنيا عليه.
ثمّ إنّ الظاهر أنّ الدليل على الجواز عدم الخلاف في المسألة. يقول صاحب الجواهر: الإجماع بقسميه عليه وهو الحجة في الخروج عن قاعدة اللزوم (3).
ولكن القائلين بالجواز على أنّه إذا فسخ أحدهما فلو ربحت يشتركان في الربح وإلاّ فللعامل أُجرة المثل سواء كان الفاسخ هو المالك أو العامل نفسه، وربما يتخيّل أنّه إذا كان الفاسخ هو العامل، فليس له أُجرة المثل لإقدام العامل عليه بمعرفته جواز العقد وإمكان فسخه قبل ظهور الربح.

1 . بداية المجتهد: 2/240.
2 . المغني: 5/179.
3 . الجواهر: 26/340.

صفحه 14
يلاحظ عليه: أنّ الإقدام مع المعرفة بجواز العقد، شيء، والإقدام على التبرّع شيء آخر، فالأوّل لايلازم الثاني، وعلى كل تقدير يجب جبر عمل الساعي عند الفسخ بأُجرة المثل.
ويمكن أن يكون وجه الاتفاق على جوازه هو أنّ المضاربة والوكالة يرتضعان من ثدي واحد، وكلاهما من العقود الإذنية القائمة بالإذن. فإذا ارتفع الإذن، ارتفع الحكم، وهذا هو معنى جواز العقد ومثلهما العارية والوديعة وما أشبههما، فالعقود القائمة بالإذن تستتبع جواز التصرّف إلاّ إذا ارتفع الإذن بالفسخ.
ولكن عدّ المضاربة من العقود الإذنية، لايخلو عن إشكال، لو لم نقل إنّه من العقود اللازمة وأنّه من مصاديق الشركة، غاية الأمر، الشركة بين العمل والمال، وإنّ العمل في المقام هو الاتجار وفي المزارعة والمساقاة هو الزرع والسقي. فالقول باللزوم هو الأقوى والإجماع ليس على نحو يكشف عن دليل وصل إليهم ولم يصل إلينا، ولعل مستندهم هو تصوّر كونها من العقود الإذنية. نضيف إلى ماذكرنا مايلي:
1 ـ ما الفرق بينها وبين المزارعة والمساقاة حيث صرّحوا باللزوم فيهما؟ وقالوا: المزارعة من العقود اللازمة ولاتبطل إلاّ بالتقايل، أو الفسخ بخيار الشرط، أو بخيار الاشتراط، أي تخلّف بعض الشروط المشترطة على أحدهما.
وقالوا في المساقاة: إنّها لازمة لاتبطل إلاّ بالتقايل، أو الفسخ بخيار الشرط، أو تخلّف بعض الشروط، أو لعروض مانع عام موجب للبطلان.
نعم لو كانت المضاربة خالية عن الأجل وقلنا بصحّة مثلها، لامحيص عن كونها جائزة، لأنّ معنى لزومها، في هذه الصورة أن يكون مال الغير في يد العامل دائماً ولايجوز له استرجاعه، كما أنّ معناه في جانب العامل أن يكون هو مادام العمر في خدمة رب المال ولايجوز له التحرّر.

صفحه 15

هل المضاربة المؤجلة لازمة أو جائزة ؟

2 ـ الكلام في المضاربة المعمولة التي لاتنفك عن الأجل، فهل هي لازمة أو جائزة؟ يظهر من الأصحاب الجواز، ولكن يمكن تقريب اللزوم بالبيان التالي وهو:
الف ـ أنّ الأصل في العقود هو اللزوم كما هو الأصل المحقّق في باب المعاملات، والجواز يحتاج إلى الدليل، وأمّا الاتفاق فالقدر المتيقّن منه، هو ما إذا كان مطلقاً لا مؤجّلاً بأجل، وعلى فرض إطلاقه فإنّ الإجماع هنا إجماع على القاعدة، لأنّهم جعلوها من فروع الوكالة في التصرّف في مال الغير فعطفوها عليها ومثل هذا الإجماع لايكشف عن دليل وصل إليهم ولم يصل إلينا. وذلك لعدم الدليل على الفرعية فضلاً عن وجود دليل واصل إليهم.
ب ـ أنّ المصلحة الهامة المترتّبة على المضاربة من خروج الأموال من الكنوز والصناديق وانجذاب العمال إلى العمل لاتتحقّق إلاّ إذا كانت هناك ثقة بين الطرفين، حيث يثق رب المال بأنّ العامل يعمل بماله إلى مدة محدّدة، ويثق العامل بأنّ رب المال لايفسخ العقد، وإلاّ فلو كان جائزاً في المدة المحددة وكان لكلّ فسخ العقد، فلا تبقى ثقة للطرفين، فلا يقومان بها ويكون تشريع المضاربة تشريعاً عاطلاً قليل الفائدة.
ج ـ أنّ المضاربة في العرف معاملة لازمة وهي تكشف عن كونها كذلك شرعاً، وقد ذكر الشيخ الأنصاري في المتاجر بعد الفراغ من تعريف البيع بأنّه يستكشف من الصحة العرفية، الصحة الشرعية (1) وعليه يستكشف من اللزوم العرفي، كونها كذلك شرعاً، فالأقوى هو كونها عقداً لازماً إذا كان محدداً. نعم يجوز للطرفين التفاسخ والإقاله كما هو شأن كل عقد لازم.

1 . المكاسب: 80.

صفحه 16

إذا شرط عدم الفسخ في المدة المضروبة :

إذا قلنا بأنّ المضاربة المطلقة، والمحدّدة بالمدّة كلتاهما جائزتان، فهل يمكن علاج جوازها باشتراط عدم الفسخ فيها حتى تصير المضاربة لازماً بالعرض أولا؟ فله صورتان:
الأُولى: أن يشترط على المالك أو العامل أن لايملكا الفسخ، أو لا يكون لهما حق الفسخ، فلا شك أنّ هذا النوع من الشرط باطل. إنّما الكلام في وجه البطلان فربما يقال كما عليه المحقّق في الشرائع: إنّه مناف لمقتضى العقد (1)، وتبعه السيّد الطباطبائي في العروة (2)، وإن عدل عنه بأنّه مناف لإطلاق العقد لا لمقتضاه، والظاهر أنّه ليس مخالفاً لمقتضاه فلا حاجة إلى الإجابة عنه بما ذكر، لأنّ مقتضى المضاربة نظير كون الربح بينهما أو كون المال من أحدهما والعمل من الآخر، فكل شرط خالف ذلك فهو مخالف لمقتضى العقد، ونظيره في غير باب المضاربة ما إذا باع بلا ثمن، أو آجر بلا أُجرة أو نكح امرأة بشرط أن لايتمتع بها أصلاً، فإنّ كل ذلك مناف لمقتضى العقد، وأمّا اللزوم والجواز في المضاربة وغيرها فليس من مقتضيات العقد. بل من أحكامه، فلا يصحّ عدُّ مثل هذا الشرط منافياً لمقتضى العقد. بل الحق أنّه مخالف للشريعة. وبعبارة أُخرى: مخالف للكتاب والسنّة، فإنّ الإجماعات العديدة كاشفة عن وجود نص في المقام دال على أنّ كلاّ ً من العامل والمالك يملك الفسخ، فاشتراط عدمه شرط على خلاف حكم الشريعة المقدّسة.

1 . الجواهر: 26/341 (قسم المتن) .
2 . العروة الوثقى: كتاب المضاربة المسألة 2.

صفحه 17
الثانية: أن لا يدخل في مجال التشريع ولا يسلب عن الطرفين ملكية الفسخ، والقدرة على هدم العقد بل مع الاعتراف بهذا الحق الشرعي، يشترط عليه أمراً وهو أن لايفسخ في الأجل المضروب في العقد، وبعبارة أُخرى يلتزم بأن لايستفيد من هذا الحق في المدة المضروبة أو يأخذ من هذا المباح بأحد الطرفين وهو عدم الفسخ، وهذا النوع من الاشتراط ليس مخالفاً لمقتضى العقد ولا مخالفاً لحكم الشرع وإلاّ فلو كان مثل هذا الشرط على خلاف الكتاب والسنّة لأصبح جميع الشروط كذلك، لأنّ الشرط مباح في حد نفسه وللمشروط عليه فعله وتركه، ولكنّه بعد الاشتراط لامحيص له عن الإنجاز، فلو باع داره وشرط على المشتري خياطة الثوب، تلزم عليه الخياطة عملاً بالآية الكريمة: (وأوفوا بالعقود) وليس لأحد أن يعترض ويقول إنّ هذا الشرط مخالف للشريعة، لأنّه كان فيها مختاراً بين الفعل والترك والآن أصبح وهي لازمة عليه.
وعلى ذلك فيمكن أن يتوسّل المضارب ورب المال للوصول إلى الغاية المقصودة بهذا النوع من الاشتراط وبذلك تعلم صحة الشرط وليس معناه جعل الجائز لازماً، بل العقد باق على ما كان عليه، وإنّما اللازم هو أن يفي بالشرط الذي التزم به من الفعل والترك.
وبذلك يعلم ضعف ما أفاده السيد المحقّق البروجردي (قدس سره) في تعليقته على العروة الوثقى من القول ببطلان الشرط قائلاً بأنّه ليس لزومها وعدم فسخها بأي معنى كان مّما يقبل الاشتراط، وذلك لما عرفت من أنّ الهدف ليس اشتراط لزوم عقد المضاربة، بل الغاية شرط فعل على المشروط عليه المنتهي إلى تحديده في مجال فسخ العقد، وأين هذا من اشتراط لزوم عقد المضاربة.

صفحه 18

الشرط في العقد الجائز جائز :

ربما يقال بأنّه لو سلّمنا صحة الشرط لكنّه لاينتج المطلوب، لأنّ الشرط جزء من العقد، وليس له حكم زائد على العقد نفسه، فإذا كان العقد جائزاً، فالشرط (عدم الفسخ) يكون جائزاً.
هذا ماذكره الشهيد الثاني في المسالك وقال: القراض من العقود الجائزة لايلزم الوفاء بها فلا يلزم الوفاء بما شرط في عقدها، لأنّ الشرط كالجزء من العقد فلا يزيد عليه.
وبعبارة أُخرى أنّ العمل بالشرط إنّما يجب لو كان العقد موجوداً فإذا رُفِعَ العقد بالفسخ فلا متبوع حتى يجب العمل بالتابع، وبعبارة ثالثة: الوجوب المشروط لايقتضي وجود شرطه فينتج: أنّ الشروط في العقود غير اللازمة غير لازمة الوفاء.

تحليل ماذكره صاحب المسالك :

أقول: يجب علينا توضيح مفاد القاعدة أوّلاً، ثم الإجابة عن إشكال صاحب المسالك ثانياً فنقول:
إنّ للضابطة المعروفة: «الشروط في ضمن العقود الجائزة غير لازمة الوفاء» تفسيرين:
الأوّل: ما ذكره صاحب الجواهر وهو: أنّ الشرط الوارد في ضمن العقد الجائز لايلزم الوفاء به حتى مع عدم فسخ العقد يقول: المراد عدم وجوب الوفاء به، وإن لم يفسخ العقد وأمّا الاستدلال على الوجوب بقوله سبحانه: (أوفوا

صفحه 19
بالعقود) فغير تام لظهور الأمر فيها بالوجوب المطلق فيتعيّن حملها على العقود اللازمة وتخرج منها العقود الجائزة، كما أنّ الاستدلال بالنبوي، أعني: «المؤمنون عند شروطهم» غير تام، لأنّ المراد منه بيان صحة أصل الاشتراط، وأمّا اللزوم وعدمه فيتبع العقد الذي تضمّن الشرط فإن كان لازماً وجب الوفاء بالشرط لكونه حينئذ من توابع العقد، وإلاّ لم يجب، بل يكون حينئذ شبيه الوعد (1).
يلاحظ عليه: أنّ الآية تعمّ العقود اللازمة والجائزة لكن مادام الموضوع (العقد) موجوداً، لأنّ شأن كل حكم مطلق، مقيّد بوجود الموضوع لبّاً، وليست الآية مطلقة حتى مع قطع النظر عن وجود الموضوع، فبالنظر إلى وجود الموضوع يجب العمل بالشروط، في ضمني العقد اللازم أو الجائز.
وأمّا النبوي فما ذكره في غاية البعد، بل مفاد الحديث عدم انفكاك المؤمنين عن شروطهم وأنّ المؤمن وشرطه توأمان لاينفكان وهذا هو معنى اللزوم.
الثاني: ما هو المشهور، وهو أنّه يجب الوفاء به مادام العقد موجوداً، نعم لو فسخها سقط الوجوب، فمع وجود الموضوع يلزم العمل بالشرط إلاّ إذا رفع الموضوع، وهذا كقولنا: يجب الوضوء والركوع والسجود في النوافل، أي مادامت الصلاة، مفروضة الوجود، فهي لاتنفك عنها، وإن كان للمكلّف تركها من رأس.
هذا هو الذي اختاره المشهور وبه صرّح السيد الطباطبائي في عروته (2) هذا هو معنى القاعدة، وأمّا الإجابة عن إشكال المسالك ـ بعد توضيح مفاد القاعدة ـ فبالبيان التالي:

1 . جواهر الكلام: 26/343.
2 . العروة الوثقى: كتاب المضاربة، المسألة2.

صفحه 20

استثناء هذا النوع من الشروط من الضابطة:

قد وقفت على معنى الضابطة وأنّ الشرط في العقود الجائزة لازم الوفاء مالم يفسخ، ولكن هناك قسم من الشروط مستثنى من الضابطة، بل يجب الوفاء به مطلقاً وليس مقيّداً بعدم الفسخ وتوضيحه:
أنّ الشروط المأخوذة في العقود على قسمين:
1 ـ مايرجع إلى طلب فعل من المشروط عليه كخياطة ثوب أو بناء دار فمثل هذا يرجع في البيع والإجارة وأمثالهما إلى كونه تابعاً للثمن أو المثمن، أو العين المستأجرة أو أُجرتها وعليه يبتني النزاع المعروف هل يقسط الثمن على الشروط أولا؟
2 ـ ما لا يرجع إلى شيء منهما وإنّما يرجع إلى تحديد اختيار المشروط عليه من غير نظر إلى كونه تبعاً لشيء من أركان العقد، كما إذا باع شيئاً مع خيار الفسخ للمشتري ولكن يشترط عليه أنّه لو فسخ يجب عليه دفع ألف دينار إلى البائع، فالغرض من هذا النوع من الشرط هو تحديد خيار المشتري حتى لايبادر بالفسخ إلاّ عن فكر وتدبر فيما يستتبعه الفسخ من الغرامة المعلومة، ولأجل ذلك يتنزل احتمال إقدامه للفسخ إلى درجة نازلة عكس ما إذا لم تجعل عليه تلك الغرامة.
ومثله المقام، فإنّ اشتراط عدم الفسخ على المشروط عليه إنّما هو لتحديد خياره حتى لايبادر بالفسخ أثناء المدة المؤجلة حتى يحصل للشارط ثقة بأنّ المشروط عليه يستمر على العهد والعقد.
أمّا الشق الأوّل فهو داخل في الضابطة المعروفة وأنّه يتلوّن بلون العقد، فلو كان العقد لازماً فيكون الشرط لازم الوفاء مثله، فبما أنّه لايجوز له نقض العقد، لايجوز له نقض الشرط وعدم الوفاء به، فالعقد، والشرط يمشيان جنباً إلى جنب

صفحه 21
ولو كان العقد جائزاً يكون حكمه حكم العقد، فإذا كان أصل العقد كالعارية جائزاً فالخياطة التابعة للعقد تكون جائزة.
وأمّا القسم الثاني فهو يستقل في الحكم عن العقد وذلك لأنّ صحّة هذا النوع من الشرط تلازم لزومه وعدم تبعيته للعقد، لأنّ صحة هذا القسم من الشرط لغاية خاصة لاتتحقّق إلاّ بلزومه، ومع ذلك فالنتيجة في المثالين مختلفة.
ففي المورد الأوّل يصح الفسخ ولكن لايبطل الشرط، فإذا فسخ وجب دفع الغرامة وليس له أن يعتذر ويقول بأنّ الشرط ـ دفع الغرامة ـ تابع للمشروط أي العقد، فإذا ارتفع بالفسخ وارتفع العمل به، ارتفع الشرط ووجوب العمل به، وذلك لأنّه لو كان هذا النوع من الشرط تابعاً في وجوب الوفاء لوجود العقد تلزم لغويته وعدم حصول الغاية المطلوبة منه، فإنّ الغاية هو إيقاف المشروط عليه عن الإقدام على الفسخ على حد ممكن، فلو لم يجب العمل به بعد الفسخ بحجة أنّه لازم العمل مادام العقد موجوداً، لزمت لغويته، ولأجل ذلك يتخذ الشرط لنفسه وجوباً مستقلاً سواء كان العقد موجوداً أو لا.
وفي المثال الثاني لايصحّ الفسخ فضلاً عن بطلان الشرط، فإنّ اشتراط عدم الفسخ لغاية طلب الثقة، وهذا لايتحقّق إلاّ بعد كونه محكوماً باللزوم مستقلاً غير تابع للعقد، وإلاّ لغى الشرط وارتفعت الغاية.
فتلخص من ذلك أنّ الشروط على قسمين: شرط يجب العمل به مادام العقد موجوداً، وهو مايرجع مثلاً إلى العين أو الثمن، وشرط يجب العمل به مطلقاً لامقيّداً بوجود العقد وتختلف نتيجته حسب اختلاف الموارد واختلاف الغاية الداعية إلى جعل الشرط في العقد، فتارة يصح الفسخ ولايبطل الشرط، وأُخرى لايصح الفسخ فضلاً عن بطلان الشرط، ولعلّه إلى ماذكرنا يشير السيد الطباطبائي في العروة بعد تفسير الضابطة في ـ الشروط تابعة للعقود ـ بقوله: وهذا

صفحه 22
يتم في غير الشرط الذي مفاده عدم الفسخ مثل المقام فإنّه يوجب لزوم ذلك العقد(1).

محاولة أُخرى لمنع المشروط عليه عن الفسخ :

ثمّ إنّ هناك محاولة أُخرى وهو اشتراط عدم فسخها في ضمن عقد آخر، وإلى ذلك يشير السيد الطباطبائي في العروة الوثقى ويقول: «ولو شرط عدم فسخها في ضمن عقد لازم آخر فلا إشكال في صحة الشرط ولزومه» أمّا الصحة فلما عرفت من أنّ الشرط ليس جعل الجائز لازماً، أو سلب حق الفسخ عن المشروط عليه، وإنّما هو طلب فعل شيء أو ترك منه، أي التزامه باختيار أحد طرفي المباح، وليس مثل هذا مخالفاً للكتاب والسنّة ولا لحكم الشارع بجواز المضاربة.
وأمّا اللزوم فلأنّه ـ بعد الاشتراط ـ يكون جزءاً من العقد اللازم فيجب الوفاء به.
ومنه يظهر أنّه لو شرط في عقد مضاربة، عدم فسخ مضاربة اُخرى سابقة صحّ ووجب الوفاء به إلاّ أن تفسخ هذه المضاربة فيسقط الوجوب، وهو داخل تحت الضابطة السابقة التي تعرّفت على معناها.
كما أنّه لو اشترط في مضاربة، مضاربة أُخرى في مال آخر أو أخذ بضاعة منه، أو قرض أو عدمه وجب الوفاء بالشرط مادامت المضاربة باقية وإن فسخها، سقط الوجوب، أخذاً بما مرّ من أنّ الشروط لازمة الوفاء في العقود الجائزة مادام العقد باقياً.
***

1 . العروة الوثقى: كتاب المضاربة، المسألة2.

صفحه 23

المضاربة على الانتفاع من نماء المبيع:

لو شرط أنّ يشتري أصلاً يشتركان في نمائه كالشجر أو الغنم، فهل يصح ذلك أو لا ؟
قال العلاّمة في القواعد: الأقرب الفساد، لأنّ مقتضى القراض التصرّف في رأس المال (1) .
وقال المحقّق الثاني في تعليل الفساد: إنّ مقتضى القراض الاسترباح بالتجارة، وليس موضع النزاع كذلك فلا يصح القراض عليه، وهو الأصح (2).
يلاحظ على التعليل بأنّه إن أُريد منه التصرف في رأس المال إجمالاً: فقد تصرّف فيه حيث اشترى أصلاً له نماء، وإن أراد التصرّف مرّة بعد مرة، بأن يبيع بعد الشراء فهو منظور فيه، لادليل عليه إلاّ ماستقف عليه.
ويلاحظ على الثاني بأنّ الطرفين ينتفعان من ربح التجارة، فإنّه لو لم يتّجر ولم يشتر الأصل لم ينتفعا بالنماء فالنماء ربح الشراء الذي هو التجارة.
والأولى أن يقال: إنّ المضاربة عبارة عن انتفاع الطرفين بارتفاع القيمة بأن يشتري بقيمة ويبيع بقيمة أزيد، وأمّا الانتفاع عن غير ارتفاع القيمة، كالنماء مع إيقاف التجارة فليس هو من أقسام المضاربة الرائجة بين الناس، ولعلّه إلى ماذكرنا يرجع إفاده العلاّمة في القواعد والمحقّق الثاني في شرحها.
نعم لو قال: اشتره وما يحصل من ارتفاع قيمته ومن نمائه فهو بيننا، فالظاهر أنّه من أقسام المضاربة بشرط أن يكون النماء أمراً تبعياً كنمو الصوف وتوفر اللحم

1 . القواعد: 246.
2 . جامع المقاصد: 8/78.

صفحه 24
لا الإنتاج الذي يعد شيئاً مستقلاً لاربحاً للتجارة فلا يبعد أن يكون النتاج للمالك.
وأضاف في الجواهر قسماً ثالثاً وقال: أو اتفق نماء أعيان المضاربة قبل بيعها شارك في النماء قطعاً (1) لكن بشرط أن تبيعه بأزيد ممّا اشتراه فيحصل الربح، وأمّا إذا أوقف التجارة بالفسخ فلا يبعد أن يكون النماء للمالك ويكون للعامل أُجرة المثل.
ثمّ إنّه لو قلنا بعدم وقوع مثل ذلك مضاربة فهل هو صحيح أو لا ؟ قال السيد الطباطبائي: يمكن دعوى صحته للعمومات غير أنّ السيد البروجردي (قدس سره) علّق عليه بأنّ الأقوى البطلان (2).
أمّا وجه الصحّة، فلأجل أنّ قوله سبحانه: (أوفوا بالعقود) يعم المتعارف وغير المتعارف مالم يكن مخالفاً للأحكام الشرعية، ولأجل ذلك قلنا بصحة المعاملات المستحدثة في عصرنا هذا، وإن لم تكن داخلة تحت العناوين الرائجة، وفي ضوء ذلك صح عقد التأمين والشركات الحديثة، ولم نتجشّم لإدخال هذه العقود تحت العقود الرائجة كما عليه بعض المعاصرين أو أكثرهم، وبالجملة الإسلام دين عالمي يجب عليه إعطاء الحكم لكل حادث جديد وليس المتكفّل له إلاّ تلك العمومات ولا وجه لتخصيصها بالرائج في عصر الرسالة. وأمّا وجه البطلان، فلأجل أنّ المتعاقدين قصدا المضاربة فإذا بطلت، بطل من رأس، لأنّ ماقصد لم يقع، ومانحن بصدد تصحيحه باسم عقد مستقل لم يقصداه.
ويمكن أن يقال: إنّ البطلان بعنوان المضاربة لا يمنع عن صحته بعنوان آخر وذلك لأنّ المطلوب للمتعاقدين هو المساهمة في الربح بأيّ طريق حصل من

1 . الجواهر: 26/344.
2 . العروة الوثقى: كتاب المضاربة: المسألة3.

صفحه 25
دون تقيّد بعنوان المضاربة، فيكون من باب تعدد المطلوب فالرضاء التقديري ـ على تقدير بطلان المضاربة ـ بالتصرّف في المال حاصل وهو كاف وله نظائر في الفقه ذكره الشيخ في باب المعاطاة من المتاجر، فلاحظ.

تحديد عمل العامل في المضاربة :

لو اشترط على العامل أنّ لايشتري إلاّ من زيد، أو لا يبيع إلاّ من عمرو، أو لا يشتري إلاّ الثوب الفلاني أو ثمرة البستان الفلاني، سواء كان الجنس عاماً أو قليلاً أو نادراً صح الجميع، لأن ّالناس مسلّطون على أموالهم، بشرط أن لايؤدّي التحديد إلى تعطيل المضاربة وندرة الربح، بحيث يعد العقد عملاً لغواً غير عقلائي.
فلو شرط عليه شراء ما، لايتمكّن المضارب منه في طول السنة إلاّ مرة واحدة صح ولكن بشرط أن يكون له ربح معتد به يليق أن يضارب عليه المضارب، وإلاّ فيعد أمراً لغواً. نعم نقل ابن قدامة الخلاف عن الأئمة الأربعة. قال:
الشروط في المضاربة تنقسم قسمين: صحيح وفاسد، فالصحيح مثل أن يشترط على العامل أن لايسافر بالمال، أو أن يسافر به، أو لا يتّجر إلاّ في بلد بعينه، أو نوع بعينه أو لا يشتري إلاّ من رجل بعينه، فهذا كله صحيح، سواء كان النوع ممّا يعم وجوده، أو لا يعمّ والرجل مّمن يكثر عنده المتاع أو يقلّ، وبهذا قال أبو حنيفة.
وقال مالك والشافعي: إذا شرط أن لايشتري إلاّ من رجل بعينه أو سلعة بعينها، أو ما لا يعم وجوده كالياقوت الأحمر والخيل الابلق لم يصح، لأنّه يمنع مقصود المضاربة وهو التقليب وطلب الربح، فلم يصح كما لو اشترط أن لايبيع ويشتري إلاّ من فلان، أو أن لايبيع إلاّ بمثل ما اشترى به (1).

1 . المغني: 5/184.

صفحه 26
يلاحظ عليه: أنّ الإمامين خلطا الشرط المخالف لمقتضى العقد بالشرط المخالف لإطلاقه، والباطل هو الأوّل، كما إذا شرط أن يكون الربح كلّه للمالك لا العامل، أو شرط أن يبيع بأرخص ممّا اشترى به أو لا يبيع إلاّ ممّن اشترى منه أوّلاً ومن المعلوم عادة، أنّه لا يشتري إلا بأقل ممّا باع به، وأمّا التحديد بنوع الجنس والمشتري فليس هو على خلاف مقتضى العقد، وإنّما هو تحديد لإطلاقه، فإنّ مقتضى إطلاقه أنّ له أن يشتري ويبيع ما أراد، أو يشتري ويبيع ممّن أراد: فلا يُعَدُّ تحديد ذلك مخالفاً لمقتضاه، وإنّماهو تحديد لإطلاقه، وإلاّ يلزم بطلان كل شرط، لأنّ طبيعة الشرط هو تحديد إطلاق العقد.
روى أحمد بن عيسى في نوادره عن أبيه، قال: قال أبو عبداللّه (عليه السلام): «كان للعباس مال مضاربة، فكان يشترط أن لايركبوا بحراً ولاينزلوا وادياً، فإن فعلتم فأنتم ضامنون، فابلغ ذلك رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) فأجاز شرطه عليهم» (1).

اثنا عشر فرعاً (2):

1 ـ إذا تحقّقت المضاربة وصار العامل وكيلاً لصاحب المال في التجارة، ومشاركاً معه في الربح، يتبع في مايجوز وما لايجوز، ومايجب عليه وما لا يجب، متعارف الزمان والمكان في المضاربة، وليس للإسلام هناك حكم ثابت سوى تنفيذ الاتّفاق ولزوم الوفاء به، إذا لم يكن مقروناً بشيء على خلاف الشرع: وعلى ذلك فما ذكره المحقّق: «يجوز له عرض القماش والنشر والطيّ وإحرازه، وقبض الثمن وإيداعه الصندوق واستئجاره من جرت العادة باستئجاره كالدلاّل والوزان والحمال» (3) كلّها من باب المثال، وراجع إلى المتعارف في ذلك العصر وبعده، وقد

1 . الوسائل: 13، كتاب المضاربة الباب1، الحديث12.
2 . ويمتد البحث فيها إلى ص 41 من الكتاب فلاحظ.
3 . الجواهر: 26/344 (قسم المتن) .

صفحه 27
تبدّلت الأوضاع الاجتماعية وتكاملت، فربّما ينحصر في زماننا واجب المضارب بالتفكير والتخطيط والاتّصال بالشركات الاقتصادية بالهاتف والتلكس، ويستخدم لغير ذلك لفيفاً من العمّال والموظفين، ولأجل ذلك يجب أن نقول بكلمة واحدة وهي: إنّه يجب على المضارب أن يقوم بما يقوم به التاجر لنفسه، ويتبع في ذلك ما هو المرسوم والرائج.
2 ـ لو استأجر فيما تتعارف مباشرته بنفسه، بالأُجرة، فهي من مال العامل لانصراف عقد المضاربة إلى تولّيه بنفسه، كما إذا انعكس الأمر فتولّى بنفسه مايعتاد الاستئجار له، فلو كان متبرعاً فلا أُجرة له، وإلاّ يأخذ الأُجرة من أصل المال لاحترام عمل المسلم، ويستحب على صاحب المال دفع الأُجرة إليه ولو كان متبرعاً اقتداءً بشعيب النبي (عليه السلام) فانّ موسى (عليه السلام) كان متبرعاً في سقي غنم شعيب (عليه السلام)، ومع ذلك أرسل شعيب بنته إلى موسى (عليه السلام) وقالت: (إنّ أبي يدعوك ليجزيك أجر ماسقيت لنا) (القصص ـ 25).
3 ـ إذا سافر للتجارة وكان مأذوناً فيه إمّا بالتصريح أو كان الإطلاق كافياً في جواز السفر كما إذا اقتضت طبيعة التجارة السفر إلى خارج البلد، فهل نفقة السفر على المالك أو على العامل؟ أو يفصل بين مقدار مايبذله في الحضر فعلى العامل، ومايبذله خارجه فعلى المالك؟ وجوه واحتمالات، فالمتبع هو ما اتّفقا عليه في العقد وإلاّ يكون المتبع هو الحكم الرائج في زمان المضاربة ومكانها، فما في صحيح عليّ بن جعفر عن أخيه أبي الحسن (عليه السلام) قال: «في المضارب ما أنفق في سفره فهو من جميع المال، وإذا قدم بلده، فما أنفق فمن نصيبه» (1) محمول على المتعارف في ذلك الزمان واضطرب قول الشافعي في المسألة فتارة قال: لاينفق كالحضر، وأُخرى: ينفق كمال نفقته، وثالثاً: ينفق القدر الزائد على نفقة الحضر

1 . الوسائل: 13، الباب6 من أبواب المضاربة، الحديث1: موثقة السكوني.

صفحه 28
لأجل السفر .(1) وكان على الإمام الشافعي أن يحيل الأمر ـ بعد الإحالة إلى ما اتّفقا عليه ـ، إلى المتعارف، فإذا كان المتعارف هو البذل من أصل المال أو البذل من كيس العامل أو التفصيل بين ماينفق في الحضر والمقدار في السفر، فهو المتبع لأنّ الرائج في وقت المضاربة كالقرينة المتصلة، فيكون بمنزلة ما إتّفقا عليه، نعم لو لم يوجد متعارف، فما يعد نفقة للتجارة فهو من أصل المال دون غيره، ولكن الفرض أمر نادر.
4 ـ إذا سافر لأجل التجارة يلزم أن لايقيم إلاّ بمقدار مايتوقف عليه أمر التجارة، فلو زاد على الإقامة للتفرّج أو الزيارة والسياحة فالنفقة عليه.
5 ـ وفي كل مورد تكون النفقة على أصل المال، يُحسب عليـه وإن لم يكن ربح، ولو ربح بعد ذلك أُخذت من الربح مقدمة على حق العامل ضرورة كون ذلك كالخسارة اللاّحقة للمال التي يجب جبرها بما يتجدّد من الربح، ومع ذلك فاللازم هو العمل بما اتّفقا عليه أوّلاً، ثم الرجوع إلى ما هو الرائج، فربّما يكون الرائج الذي ينصرف إليه عقد المضاربة كون نفقات السفر على رأس المال وعدم كسرها من الربح، فهو أشبه بجعل الربح للعامل أكثر من المالك، ولأجل ذلك يجب أن نقول: المتبع ـ بعد الرجـوع إلى ما اتّفقـا عليـه ـ هو الرائج في كل مكان بشرط أن لايكون مخالفاً لمقتضى العقد ولا الشريعة.
6 ـ لو سافـر مأذونـاً وفسـخ المالك المضاربة وهو في أثناء السفر؟ قال المحقق: فنفقة عوده منه خاصة (2).
وعلّله في الجواهر بارتفاع وصف المضاربة الذي هو سبب استحقاق النفقة، ولا غرر بعد دخوله على العقد الجائز الذي هو معرض ذلك ونحوه.

1 . الخلاف: 3/462 كتاب القراض، المسألة 6.
2 . الجواهر: 26/350 (قسم المتن) .

صفحه 29
يلاحظ عليه: أنّه لو لم يكن اتفاق من الطرفين على أحد الطرفين، أنّ السفر عمل واحد فالإذن بالسفر بمعنى أنّ المالك يتحمّل نفقة الذهاب والإياب، وفسخ المضاربة في الأثناء لايؤثّر في ذلك المعنى، لأنّ الإذن في الشيء إذن في لوازمه وتوابعه.
7 ـ هل للعامل ابتياع المعيب؟ أقول: إذا صرّح المالك بأحد الطرفين فيتبع تصريحه، وإلاّ فالمحكَّم هو المتعارف في مورد المضاربه فربّما يكون المتعارف هو الأعم من المعيب والصحيح، وتكون الغبطة في اشتراء المعيب وبيعه، أكثر من اشتراء الصحيح والمعيب وربّما يكون المتعارف على خلافه فلو لم يكن المتعارف، فالقدر المتيقن هو الاكتفاء بشراء الصحيح.
ولو اتفق له ـ فيما لايجوز شراء المعيب ـ شراء المعيب فعندئذ يقوم مقام المالك، فله الرد أو أخذ الأرش على ماتقتضيه المصلحة.
8 ـ هل إطلاق العقد يقتضي البيع نقداً بثمن المثل من نقد البلد أو لا ؟ يظهر من المحقّق لزوم رعاية الشروط الثلاثة في مطلق المضاربة مالم يصرّح بالخلاف، فيجب عليه:
أوّلاً: البيع نقداً لانسيئة.
وثانياً: البيع بثمن المثل لا في مقابل الجنس والعروض.
ثالثاً: البيع بنقد البلد لا الخارج عنه.
فندرس القيود الثلاثة، وليعلم أنّ البحث في كل واحد فيما إذا لم يكنتصريح من المالك بأحد الطرفين، وإلاّ يكون هو المتّبع وعلى ضوء ذلك، فنقول:

صفحه 30

الأوّل: حكم البيع نسيئةً :

قد استدل على الشرط الأوّل بأنّ في النسيئة من التغرير بالمال ما لا يخفى، ويعارضه أنّه ربّما يكون الغبطة في النسيئة أكثر من النقد، وربّما لايتمشّى الأمر في بعض التجارات إلاّ بالنسيئة كما في الأمتعة المستوردة من الشركات الخارجية، فإنّها تأخذ بعض الثمن مثلاً 20% نقداً والبعض الآخر بعد الوصول إلى يد المشتري وشهادة الخبراء على أنّ المبيع صحيح وليس بمعيب.
وعلى ضوء ذلك فيجب أن يكون المتّبع هو الرائج في نوع التجارة، فإن كان الرائج هو النقد كما في بيع الأمتعة الجزئية كالخبز والخضراوات ومنتجات الألبان وغير ذلك فهو المتّبع. وإن كان الرائج هو الأعم كما في بيع السجاجيد والأقمشة فكذلك، وإلاّ فليكتف بالبيع نقداً لانصراف الإطلاق إليه.
ولا يعارض ذلك بما ذكره الفقهاء من أنّ الأصل في البيع هو النقد، فإنّ ماذكروه راجع إلى اختلاف البائع والمشتري، والبحث في المقام راجع إلى حكم عقد المضاربة الذي يتكفّلها العامل من قبل المالك فهل هو منصرف إلى البيع نقداً أو لا ؟ فالبابان مختلفان.
ثم لو باع نسيئة فيما لم يكن له إلاّ البيع نقداً، قال السيد الطباطبائي: «فإن استوفى الثمن قبل اطّلاع المالك فهو» (1) وعلّق عليه السيد عبد الهادي الشيرازي (قدس سره) بأنّ البيع باطل إلاّ إذا أجاز المالك، فما ذكره المعلّق هو الموافق للقاعدة، لأنّ بيعه كان فضولياً فيحتاج إلى الإجازة، فاستيفاء الثمن لايخرجه عن الفضولية، ولكن ماذكره السيد الطباطبائي هو المنصوص لما ستعرف مفصلاً من أنّه إذا خالف العامل الاتفاق بينه وبين المالك فاتّجر وربح، فهو ضامن للمال، ولكن الربح بينهما.

1 . العروة الوثقى: كتاب المضاربة، المسألة 8.

صفحه 31
ثم إنّه إذا اطّلع المالك قبل الاستيفاء، فإن أمضى البيع نسيئة فهو، وإلاّ فالبيع باطل، فإذا كان المبيع موجوداً فله الرجوع إلى من كان العين عنده موجوداً، فينتزع ماله ويبطل ماترتّب عليه من البيوع.
وأمّا إذا تلف المبيع، فله الرجوع على كلّ من المشتري والعامل، فإن رجع إلى المشتري أخذ منه المثل أو القيمة، ثم إذا كانت القيمة التي دفعها إلى المالك أزيد من الثمن الذي دفعه إلى العامل يرجع إلى العامل في التفاوت، لأنّه مغرور يرجع إلى الغارّ، لأنّه رضي بالمبيع بالثمن المحدّد، والتزم بالضمان في هذا الحد، ولكن المفروض أنّه دفع إلى المالك أزيد مّما التزم به فيرجع إلى الغارّ.
ولو رجع إلى العامل أخذ منه القيمة، فلو كان أزيد من الثمن الذي أخذه العامل من المشتري لم يرجع العامل في التفاوت إلى المشتري إلاّ إذا غرّه المشتري بنحو من الغرور، كما إذا أخبر العاملَ برضى المالك بالبيع نسيئة.
ثم إنّه إذا رضي بالبيع نسيئة، فهل العامل ضامن بالثمن الذي في ذمة المشتري أو لا ؟ ذهب إلى الأوّل المحقّق الثاني في جامع المقاصد والشهيد في المسالك، ولكنه غير تام إذ أيُّ فرق بينه وبين ما أذن للبيع نسيئة من الأمر ولم يحصل من العامل مايقتضي ضمانه، وليس أمر العامل في المقام أشدّ من الغاصب إذا باع المغصوب ثم ندم فأجاز المالك ذلك ورضي بأنَّ الثمن في ذمّة المشتري أن يكون له، فينتقل الضمان من ذمّة العامل والغاصب، إلى ذمّة المشتري الذي رضي المالك بكونه في ذمّته.
اللّهمّ إلاّ أن يتمسّك بالنصوص الدالّة على ضمان العامل فيما إذا خالف تصريح المالك بإلغاء الخصوصية عن صورة التصريح، وإسرائه إلى المفهوم من الإطلاق كما في المقام.
***

صفحه 32
الثاني والثالث: حكم البيع بغير الثمن أو غير نقد البلد:
قد استدلّ على الشرط الثاني بلزوم التضييع بالبيع بدون ثمن المثل واحتمال الكساد في بيع العروض.
يلاحظ عليه: بأنّ الغبطة ربّما تكون بالبيع بالعروض، فإن كان هناك تصريح بأحد الطرفين فهو، وإلاّ فلو كان هناك متعارف في نوع التجارة فيتبعه العامل، نعم فيما إذا باعه بجنس لا رغبة فيه للناس ينصرف الإطلاق عنه قطعاً. وإلاّ فعليه الاكتفاء بالثمن.
وأمّا الشرط الثالث: وهو البيع بنقد البلد، فالبحث فيه فيما إذا لم يكن من المالك تصريح بأحد الطرفين ولم يكن هنا قرينة وتعيّن أحد الأمرين وإلاّ فينصرف إلى ثمن البلد، نعم فيما إذا كان ثمن البلد ممّا يرغب عنه الناس لتزلزله وعدم ثباته، بل ربّما يكون البيع بغير ثمن البلد أوثق فيكون هذا قرينة على البيع بالأعم.
***
9 ـ المراد من السفر هو السفر العرفي لا الشرعي، فيشمل ما إذا كان دون المسافة الشرعية، ثم إنّه إذا أقام بعد تمام العمل لغرض آخر ممّا ليس متعلّقاً بالتجارة فنفقته في تلك المدة على نفسه، لأنّ الإقامة حينئذ ليس لمصلحة المال، فيكون خارجاً عن منصرف عقد المضاربة.
وإن كان مقامه لما يتعلّق بالتجارة ولأمر آخر بحيث يكون كل منهما علّة مستقلّة لولا الآخر، فإن كان الأمر الآخر عارضاً في البين فلا شكّ في جواز أخذ تمام النفقة من مال التجارة لشمول الاتفاق على مثل هذه الإقامة.
إنّما الكلام فيما إذا كانا في عرض واحد، قال السيد الطباطبائي: ففيه وجوه: ثالثها التوزيع، وهو الأحوط في الجملة، وأحوط منه كون التمام على نفسه (1).

1 . العروة الوثقى: كتاب المضاربة، المسألة 17.

صفحه 33
ولكن الأقوى جواز الانفاق إذا لم يكن عدم الاشتغال بأمر آخر في مدّة الإقامة قيداً في الإذن في السفر أو في عقد المضاربة، فيكفي كون الإقامة لمصلحة المال.
وأمّا إذا كانت العلة مجموعهما بحيث يكون كل واحد جزءاً من الداعي، فقال السيد الطباطبائي: الظـاهر التوزيع وعليه صاحب الجواهر (1).
ولكن الظاهر كون النفقة على العامل، وذلك لأنّه إن شمله الإذن بالمقام فالجميع على عاتق صاحب المال، وإن لم يشمله كما هو المفروض فلا معنى للتوزيع.
10ـ لو كان لنفسه مال غير مال القراض فهل النفقة عليه أو على المالك أو يقسّط عليهما؟
فقال السيد الطباطبائي: لو تعدّد أرباب المال كأن يكون عاملاً لاثنين أو أزيد أو عاملاً لنفسه وغيره توزع النفقة، وهل هو على نسبة المالين أو على نسبة العملين ؟ قولان: (2).
11 ـ الاشتراء بعين المال أو بالذمة ، هل يتعيّن له الاشتراء بعين المال، أو يجوز له الاشتراء في ذمّته مضاربة بقصد التأدية عن مال المضاربة؟ فيه اختلاف.
قال المحقّق: «وكذا يجب أن يشتري بعين المال، ولو اشترى في الذمّة لم يصح البيع إلاّ مع الإذن» (3).
وقال العلاّمة: «وإن اشترى في الذمة، لزم العامل إن أطلق الشراء ولم يجز المالك وإن ذكر المالك بطل مع عدم الإجازة» (4).

1 . الجواهر: 26/336.
2 . العروة الوثقى: كتاب المضاربة، المسألة 18.
3 . الجواهر: 26/352 (قسم المتن) .
4 . مفتاح الكرامة: 7/462 (قسم المتن) .

صفحه 34
وقال في الإرشاد: «ولو اشترى في الذمة ولم يضف وقع له» (1).
وقال المحقّق الأردبيلي: «لو اشترى المضارب شيئاً في الذمّة لا بالعين المضارب بها ولم يضف العقد، لا إلى نفسه، ولا إلى المالك وقع الشراء له بحسب الظاهر، بل الباطن أيضاً، إلاّ أن يكون قاصداً غير ذلك فيعمل بمقتضاه بحسب نفس الأمر وإن عمل معه بحسب الظاهر، وإن أضاف إلى نفسه فهو له، وإن أضاف إلى المالك فيكون موقوفاً على الفضولي» (2).
وقال السيد الطباطبائي: «المشهور على ما قيل: إنّ في صورة الإطلاق يجب أن يشتري بعين المال فلا يجوز الشراء في الذمة، وبعبارة أُخرى: يجب أن يكون الثمن شخصياً من مال المالك لا كلّياً في الذمة» (3).
ثمّ إنّ السيد الطباطبائي البروجردي علّق على عبارة العروة بقوله: الظاهر أنّ مرادهم بذلك هو أنّ شراءه على ذمة المالك لايصح، حتى يثبت به شيء في ذمته، ويلزم بتأديته من غير مال المضاربة إن تعذّر عطاؤه منه لا أنّ شراءه في الذمة وتأديته من مال المضاربة غير جائز كما فهمه الماتن، وقوّى خلافه.
ولعلّ بالتدبّر فيما ذكرنا من العبارات تقف على محل النزاع.
ثم إنّ أهل السنة خصّوا البحث بما إذا اشترى في الذمة وتلف مال المضاربة قبل نقد الثمن، وليس للمسألة عنوان في كتبهم بالنحو الموجود في كتبنا(4) حتى أنّ الشيخ الطوسي عنون المسألة بالشكل التالي:
إذا دفع إليه ألفاً للقراض، فاشترى به عبداً للقراض، فهلك الألف قبل أن يدفعه في ثمنه، اختلف الناس فيه على ثلاثة مذاهب، إلى آخر ما أفاده...» (5).

1 . مجمع الفائدة: 10/245. (قسم المتن) .
2 . مجمع الفائدة: 10/245. (قسم المتن) .
3 . العروة الوثقى: كتاب المضاربة، المسألة 12.
4 . المغني لابن قدامة: 5/183، بداية المجتهد: 2/141ـ 142.
5 . الخلاف: 3 كتاب القراض، المسألة 15.

صفحه 35
ويجب البحث في صور المسألة وقد جاءت بأكملها في العروة الوثقى، فنقول: إنّ للمسألة وراء الشراء بعين المال الذي هو خارج عن موضوع بحثنا، صوراً نأتي بها:
الصورة الأُولى: إذا اشترى في الذمّة، لكن بعنوان المضاربة والتأدية عن المال الموجود عنده للمالك وهذا هو الذي أشار إليه السيد بقوله: «أن يشتري العامل بقصد المالك وفي ذمّته من حيث المضاربة» (1)، والضمير يرجع إلى المالك ولكن محدّداً بمال المضاربة لا خارجاً عنه، فيكون مال المضاربة رهن الثمن لا غير، فلو تلف مال المضاربة لايكون ذمّة المالك مشغولاً وإن كان له مال آخر، ولا العامل مسؤولاً، وإن كان له مال آخر. ثم إنّ السيد أشار إلى صورة أُخرى ترجع إلى تلك الصورة لبّاً، وقال: «أن يقصد كون الثمن في ذمّته من حيث إنّه عامل ووكيل عن المالك» وصرّح بأنّه يرجع إلى الأوّل، والحاصل أنّه لافرق بين الاشتراء في ذمّة المالك محدّداً اشتغاله بمال المضاربة، أو في ذمّته، بما أنّه وكيل من جانب المالك وعليه التأدية من المال المضروب.
فالظاهر أنّ البيع صحيح لو لم يكن هناك تصريح بالاشتراء بعين الثمن، وذلك لأنّه يصعب الشراء بعين المضاربة في كثير من الأوقات، بل أكثر المعاملات في زماننا هذا بالذمة، ثم تأدية الثمن عن طريق دفع الصك إلى البائع، فلو أراد المالك غير هذا الفرد الشائع يجب عليه التصريح، فهذا القسم صحيح، والربح بينهما مشترك، إنّما الكلام إذا فرض تلف مال المضاربة، قبل الوفاء في هذه الصورة.
فهناك أقوال بين أهل السنّة، ذكرها الشيخ في الخلاف، وإليك نقلها ونقدها:

1 . العروة الوثقى: كتاب المضاربة، المسألة 12.

صفحه 36
1 ـ قال أبو حنيفة ومحمّد: يكون المبيع لربّ المال، وعليه أن يدفع إليه ألفاً غير الأوّل ليقضي به دينه ويكون الألف الأوّل والثاني قراضاً وهما معاً رأس المال.
2 ـ وقال مالك: ربّ المال بالخيار بين أن يعطيه ألفاً غير الأوّل ليقضي به الدين ويكون الألف الثاني رأس المال دون الأوّل، أو لا يدفع إليه شيئاً فيكون المبيع للعامل والثمن عليه.
ونقل البويطي عن الشافعي: أنّ المبيع للعامل، والثمن عليه ولاشيء على ربّ المال» (1).
وأمّا فقهاء الشيعة فلهم قولان:
1 ـ يقع للعامل.
2 ـ يقع للمالك.
أمّا الأوّل فقد اختاره الشيخ الطوسي قال: وهو الذي يقوى في نفسي واستدلّ على مختاره بأنّه: «إذا هلك المال تحوّل الملك إلى العامل وكان الثمن عليه، لأنّ رب المال إنّما فسح للعامل في التصرّف في ألف إمّا أن يشتريه به بعنيه أو في الذمة وينقد منه ولم يدخل على أن يكون له القراض أكثر منه» (2).
وأمّا الثاني: فيظهر من التعليل الوارد في المنع عن الشراء بالذمة في المسالك، وجود التسليم على وقوعه للمالك قالوا في مقام التعليل: والشراء في الذمة قد يؤدّي إلى وجوب دفع غيره كما في صورة تلف المضاربة قبل الوفاء (3).
واختاره السيد الطباطبائي وقال: «وإذا فرض تلف مال المضاربة قبل الوفاء كان في ذمة المالك يؤدّي من ماله الآخر» (4).

1 . الخلاف: 3، كتاب القراض، المسألة 15.
2 . الخلاف: 3، كتاب القراض، المسألة 15.
3 . المسالك: 1/295.
4 . العروة الوثقى: كتاب المضاربة، المسألة 12، الوجه الثاني.

صفحه 37
وإليك دراسة الأقوال:
أمّا القول الأوّل: الذي هو خيرة أبي حنيفة وتلميذه محمد بن الحسن الشيباني، ويظهر من التعليل كونه مسلّماً بين الأصحاب وهو صريح السيد الطباطبائي، فهو غير تام لما عرفت من الشيخ في الخلاف من أنّ المالك لم يفسح له في القراض أكثر من المال الذي قدّمه إليه، وأمّا الزائد عنه أي اشتغال ذمته بشيء آخر، فهو لم يأذن به لاتصريحاً ولاتلويحاً فكيف يصح له؟
أمّا القول الثاني: أعني مانقل عن «مالك» فهو بيّن الإشكال لأنّه يستلزم كون الشراء مردداً في نفس الأمر بين المالك والعامل، غاية الأمر أنّه إذا قبله المالك بدفع الثمن، يقع البيع له وإلاّ يتعلق الثمن بذمة العامل، ويقع البيع له وهو غير معقول، لأنّ البيع تبديل مال بمال، والمال الثاني بما أنّه كلّي إنّما يكون مالاً إذا أُضيف إلى ذمة معينة، وإلاّ لايسمى مالاً. والثمن الكلّي المردّد ثبوتاً بين الذمتين لايكون مالاً.
وأمّا القول الثاني الذي هو خيره الشيخ الطوسي فهو أيضاً غير تام وما استدلّ به إنّما يفي بنفي وقوعه للمالك ولايثبت كونه للعامل فلاحظ كلامه.
والحق أن يقال: ليس هنا تكليف لا على المالك و لاعلى العامل بنقد الثمن من غير مال المضاربة المفروض هلاكه، فإذا كان البيع مقيّداً بكونه مضاربة ولم يمكن الوفاء به بطل العقد لا لخلل في أركان العقد، بل لأجل عدم إمكان الوفاء به، كما إذا باع مالاً كان يحمل بالسفينة، وغرق قبل التسليم.
هذا حسب الثبوت ولو كان المشتري واقفاً على نية العامل أو صدر التصريح من العامل عند الشراء لم يكن له طلب الثمن منهما. نعم لو لم يذكره أو لم يقف البائع على نيته، تعلّق الثمن بذمته ظاهراً وإن كان فاسداً في نفس الأمر.
***

صفحه 38
الصورة الثانية: أنّ يقصد ذمّة نفسه، واشترى لنفسه ولم يقصد حين الشراء الوفاء من مال المضاربة لكن بَدا له بعد، بدفع الثمن منه.
فلا شك أنّ الشراء صحيح واقع للعامل ويكون الربح له، غاية الأمر أنّه عاص في دفع مال المضاربة عوض الثمن من غير إذن المالك.
نعم لو كان مأذوناً في الاستقراض وقصد القرض، تقع المعاملة صحيحة بلا عصيان، وهناك محاولة للسيد الحكيم (قدس سره)لتصحيح وقوع المعاملة للمالك لكن عند دفع العوض من مال المضاربة إذا قصد في ذلك الحين، الشراء من نفسه للمالك، بمال المضاربة بأنّه لما كان ولياً على الشراء للمالك، لم يحتج في شراء مال نفسه للمالك، إلى أكثر من إنشاء الإيجاب، فيقصد المعاوضة بينه وبين المالك بدفع مال المالك وفاءً عمّا في ذمّته من الثمن، فيكون إنشاء المعاوضه بالفعل، وهو دفع المال إلى البائع لابالقول وبإنشاء واحد بلا قبول (1).
وحاصله: أن ينوي بدفع المال من مال المالك كون المبيع له بنفس ذلك الفعل، كما هو كذلك في الولي من الطرفين كالجدّ والجدّة بالنسبة إلى الصغيرين، وعندئذ يصحّ للمالك.
***
الصورة الثالثة: أن يقصد الشراء لنفسه في ذمّته مع قصد دفع الثمن من مال المضاربة حين الشراء حتى يكون الربح له، فقصد نفسه حيلة منه، فهناك احتمالات:
الف ـ الحكم بصحة الشراء وإن كان عاصياً في التصرف في مال المضاربة

1 . المستمسك: 12/293.

صفحه 39
من غير إذن المالك وضامناً له بل ضامناً للبائع أيضاً، حيث إنّ الوفاء بمال الغير غير صحيح.
وبعبارة أُخرى: الصحّة لأجل تماميّة أركان العقد، وهو المبيع الشخصي وكون الثمن في الذمّة ممّن لذمّته اعتبار وهذا يكفي في الصحّة، واقتران البيع بنية إفراغ الذمة بمال حرام لايضرّ بصحة المعاملة، وهذا مثل ما إذا اشترى لنفسه في الذمّة، وكان في نيته أن يدفع الثمن من المال المغصوب، فالتصرف في المغصوب حرام، ولايضر بالمعاملة وتكون ذمته مشغولة بالثمن واقعاً لاظاهراً.
ب ـ القول ببطلان الشراء لأنّ رضى البائع مقيّد بدفع الثمن والمفروض أنّ الدفع بمال الغير غير صحيح فهو بمنزلة السارق كما ورد في بعض الأخبار من أنّ من استقرض ولم يكن قاصداً الأداء فهو سارق.
يلاحظ عليه: بما ذكرنا، من أنّ أركان العقد أعني المالين متحققة وأحد المالين شخصي والآخر متقوّم بالذمة، وما يدفعه من مال المالك، وإن كان حراماً لكنّه ليس من أركان العقد وإنّما هو وفاء بالعقد، فصار وفاؤه بمال الغير حراماً ولاتسري حرمته وبطلانه إلى العقد، وأمّا مارود في باب الدين فهو مارواه عبدالغفار الجازي عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال:
سألته عن رجل مات وعليه دين؟ قال: «إن كان أتى على يديه من غير فساد لم يؤاخذه اللّه إذا علم من نيته إلاّ من كان لايريد أن يؤدي عن أمانته، فهو بمنزلة السارق» (1).
يلاحظ على الاستدلال بالحديث: بأنّه ورد فيما إذا كان ناوياً عدم الدّفع رأساً، وهذا غير ما إذا أراد الدفع بغير الوجه الشرعي، ومع ذلك فتشبيهه بالسارق

1 . الوسائل: 13، الباب 5 من أبواب الدين والقرض، الحديث1.

صفحه 40
كناية عن قبح عمله، لا أنّه سارق حقيقة ويجري عليه الحدّ.
ج ـ صحّة الشراء للمالك وكون قصده لنفسه لغواً، بعد أن كان بناؤه الدفع من مال المضاربة فإنّ البيع وإن كان بقصد نفسه، والثمن كلّياً في ذمته، إلاّ أنّه ينساق إلى هذا الذي يدفعه فكأنّ البيع وقع عليه، وهذا هو الذي يُنسب إلى المحقق البهبهاني.
يلاحظ عليه: أنّ العقود تابعة للقصود والمفروض أنّه اشترى لنفسه، فلا ينقلب عمّا هو عليه إلاّ بإنشاء قولي أو فعلي آخر، والدفع من مال الغير لايوجب انسياق العقد إلى الذي يدفعه وإنّما هو فعل محرم في جنب أمر حلال إلاّ إذا قصد عند الدفع تمليكه للمالك بنفس الدفع، كما مرّ عن السيد الحكيم (قدس سره) في الصورة الثانية، فالقول الأوّل هو الحق.
***
الصورة الرابعة: أن يقصد الشراء في ذمّته من غير التفات إلى نفسه وغيره وحكمه حكم الصورة الثالثة، لأنّ وقوع العقد للنفس لايحتاج إلى النية بل يكفي عدم اشترائه لغيره، بخلاف وقوعه للغير فإنّه يحتاج إلى نية الغير وهذا مثل ما قلنا بأنّ الوجوب النفسي العيني التعييني لايحتاج إلى بيان زائد، فنفس الإنشاء يكفي في تحقق هذه العناوين بخلاف العناوين المقابلة لها فإنّها تحتاج إلى بيان آخر، وعلى ذلك فلو دفع من مال المضاربة يكون عاصياً.
***

صفحه 41

12 ـ إذا اختلف البائع والعامل في كون الشراء لمن؟

ثم لو اختلف البائع والعامل في أنّ الشراء كان لنفسه أو لغيره، أي المالك، فقد قال المحقق في الشرائع: لو اشترى العامل في الذمة بنية أنّه للمالك لا مع الإذن منه، لاسابقاً ولا لاحقاً ولم يذكره في العقد تعلّق الثمن بذمّة العامل ظاهراً.
ويمكن تعليله بوجهين:
الأوّل: أنّ حمل الذمة على ذمة المالك خلاف الظاهر فيحتاج إلى بيان، بخلاف ذمة النفس، فإنّه غنيّ عنه، والأصل في الفعل المنسوب إلى الفاعل كونه عن نفسه. نعم الظاهر وإن كان هو ذمّة العامل لكنّه لايثبت إلاّ بإعمال قاعدة القضاء وهو حلف البائع إذا لم يكن للعامل البيّنة، فإذا حلف يدفع الثمن من كيسه ولكن المعاملة باطلة. لأنّه قصد للمالك ولم يقع لأنّه لم يأذن وما حكم به حسب قاعدة القضاء لم يقصد فيكون صحيحاً ظاهراً، وباطلاً باطناً.
الثاني: لو افترضنا أنّه لم يكن مأذوناً في الاشتراء في ذمّة المالك، فادّعاء الاشتراء لها يستلزم الفساد بخلاف الاشتراء لنفسه، فإنّه يلازم الصحة، فأصالة الصحة مع البائع لأنّه يدَّعي أنَّه اشترى لنفسه لا للمالك دون العامل.
وأمّا إذا كان مأذوناً في الشراء على ذمّة المالك فاختلفا فيحمل على ذمّة العامل أيضاً أخذاً بظاهر الحال، وإن كان البيع صحيحاً على كلا الفرضين، إلاّ إذا شهدت القرينة على أنّه للمالك.
نعم لو وقع الشراء منه بلا نية أنّه للمالك أو لنفسه، تعلق الثمن بذمته ظاهراً وواقعاً وكان الربح له، لما عرفت من أنّ الشراء للنفس لايحتاج إلى النية والتصريح وإنّما المحتاج خلافه.
هذه هي الفروع المختلفة التي ذكرها المحقق وغيره، اكتفينا بتوضيحها على وجه الاختصار.

صفحه 42

تعدي المضارب عمّا رسمه المالك :

لو تعدّى المضارب عمّا رسمه المالك من الشرط والتخطيط فهل المعاملة صحيحة أو لا؟ وعلى فرض الصحة فهل العامل ضامن أو لا ؟
قال الشيخ: «ومتى تعدّى المضارب ما رسمه صاحب المال، مثل أن يكون أمره أن يصير إلى بلد بعينه فمضى إلى غيره من البلاد، أو أمره أن يشتري متاعاً بعينه فاشترى غيره، أو أمره أن يبيع نقداً فباع نسيئة، كان ضامناً للمال: إن خسر كان عليه، وإن ربح كان بينهما على ما وقع الشرط عليه» (1).
وقال ابن حمزة: «وإن عيّن له جهة التصرّف لم يكن له خلافه، فإن خالف وربح، فإنّ الربح على ما شرط وإن خسر أو تلف غرم» (2).
وقال ابن إدريس: «وإذا لم يأذن في البيع بالنسيئة أو في السفر أو أذن فيه إلى بلد معين، أو شرط أن لايتّجر إلاّ في شيء معيّن، ولايعامل إلاّ إنساناً معيّناً فخالف، لزمه الضمان بدليل إجماع أصحابنا على جميع ذلك» (3) وهو وإن لم يصرّح بصحّة العقد، لكن التصريح بالضمان كناية عنها.
وقال المحقق: «ولو أمره بالسفر إلى جهة فسافر إلى غيرها، أو أمره بابتياع شيء بعينه، فابتاع غيره ضمن، ولو ربح والحال هذه كان الربح بينهما بموجب الشرط» (4).
إلى غير ذلك من كلمات فقهائنا.

1 . النهاية: 428.
2 . الوسيلة: 264.
3 . السرائر: 2/407.
4 . الجواهر: 26/353 (قسم المتن) .

صفحه 43
وقال ابن رشد: وإذا دفع إليه المال على أن لايشتري به إلاّ بالدين، فاشترى بالنّقد، أو على أن لايشتري إلاّ سلعة كذا وكذا والسلعة غير موجودة، فاشترى غير ما أُمر به، فحكي عن ابن القاسم أنّه فصّل فقال: إن كان الفساد من جهة العقد، ردّ إلى قراض المثل، وإن كان من جهة زيادة ازدادها أحدهما على الآخر، ردّ إلى أُجرة المثل، والأشبه أن يكون الأمر في هذا بالعكس، والفرق بين الأُجرة وقراض المثل أنّ الأُجرة تتعلّق بذمة ربّ المال. سواء كان في المال ربح أو لم يكن، وقراض المثل هو على سنة القراض، إن كان فيه ربح كان للعامل منه، وإلاّ فلا شيء له (1) وظاهره هو الصحة. إنّما الكلام في مايستحق العامل من الأُجرة فهل هو قراض المثل أو أُجرة المثل؟
وقال ابن قدامة بعد عنوان المسألة: «وإن قلنا: ليس له البيع نَسَاءً فالبيع باطل، لأنّه فعل مالم يؤذن له فيه، فأشبه البيع من الأجنبي إلاّ على الرواية التي تقول: يقف بيع الأجنبي على الإجازة فها هنا مثله، ويحتمل قول الخرقي صحّة البيع، فإنّه إنّما ذكر الضمان ولم يذكر فساد البيع وعلى كل حال يلزم العامل الضمان، لأنّ ذهاب الثمن حصل بتفريطه، فإن قلنا بفساد البيع ضمن المبيع بقيمته إذا تعذّر استرجاعه، إمّا لتلف المبيع أو امتناع المشتري من ردّه إليه. وإن قلنا بصحته أحتمل أن يضمنه بقيمته أيضاً» (2). ويظهر منه أنّ صحة البيع غير متفق عليه.
إذا وقفت على الأقوال، فاعلم أنّه تضافرت الروايات على أنّه إذا خالف المضارب ما رسمه المالك من الشروط، تكون المعاملة صحيحة والضمان على العامل والربح بينهما، ولكن يقع الكلام في الجمع بين هذه الأحكام الثلاثة وذلك:

1 . بداية المجتهد: 2/243.
2 . المغني لابن قدامة: 5/151.

صفحه 44
أوّلاً: إذا كان البيع على خلاف ما رسمه يكون فضولياً لا صحيحاً بالفعل، إذ المفروض أنّه اشترى بعنوان المضارب للمالك، ولم يشتر أو لم يبع لنفسه شيئاً، فيتوقف صحّته على الإذن الجديد ولا يكفي الإذن السابق المحدود، وظاهر الروايات هو الصحة بنفس الإذن السابق.
وثانياً: لو افترضنا صحّته: فإنّما تصحّ بعنوان المضاربة وعندئذ يتوجه السؤال، وهو أنّه: كيف يكون الربح بينهما ولكن الضمان على العامل، مع أنّ الصحة إذا كانت بعنوان المضاربة يترتّب عليها آثارها وهو كون الخسران على ربّ المال.
فتلزم دراسة الروايات ونقول: إنّـها على طوائف:
الأولى: مايدلّ على أنّ المخالفة توجب الضمان من غير دلالة على صحّة المعاملة فضلاً عن الاشتراك في الربح، منها: صحيح رفاعة بن موسى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في مضارب يقول لصاحبه: إنّ أنت أدَنته أو أكلته فأنت له ضامن؟ قال: «فهو له ضامن إذا خالف شرطه» (1) ومثله مارواه أحمد بن عيسى في نوادره(2).
الثانية: مايدل على الصحة في أمثال مايرجع إلى السفر أو خصوصياته التي لاتعد قيوداً للمضاربة ولاينتفي الإذن بانتفائها بل يكون الغاية منها، هو التضمين مع المخالفة، كصحيح محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: سألته عن الرجل يعطي المال مضاربة، وينهى أن يخرج به فخرج؟ قال: «يضمن المال والرّبح بينهما» (3)وبهذا المضمون روايات أُخرى (4) ولأجل ذلك لايصحّ انتزاع قاعدة كلّية شاملة لسائر موارد المخالفة حتى فيما إذا كان النهي متعلقاً بنفس

1 . الوسائل: 13 الباب1، من أحكام المضاربة، الحديث8 و12.
2 . الوسائل: 13 الباب1، من أحكام المضاربة، الحديث8 و12.
3 . المصدر نفسه: الحديث1ـ 2ـ 6ـ 10ـ 11.
4 . المصدر نفسه: الحديث1ـ 2ـ 6ـ 10ـ 11.

صفحه 45
المعاملة أو ببعض قيودها، وهذا بخلاف النهي عن السفر مطلقاً أو إلى جهة خاصة فإنّه متعلّق بشيء خارج عن ماهية المعاملة وقيودها وهذا النوع من النهي أشبه بما إذا نهى عن البيع بلا بسملة وتحميد، أو بلا لبس ثوب خاصّ فالنهي في الجميع يتعلّق بأمر خارجي من دون تحديد الإذن بوظائف.
الثالثة: مايدل على كلا الحكمين: الربح بينهما والضمان للعامل لكن لا إطلاق فيه بالنسبة إلى الأوّل وإن كان فيه إطلاق بالنسبة إلى الثاني، وذلك في روايات منها:
صحيح أبي الصباح الكناني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يعمل بالمال مضاربة؟ قال: «له الربح وليس عليه من الوضعية شيء إلاّ أن يخالف عن شيء، ممّا أمر صاحب المال» (1) فإنّ القدر المتيقّن أنّ الاستثناء يرجع إلى كون الوضيعة عليه وأنّ المخالفة بأيّ وجه كان يوجب الضمان وليس له إطلاق في جانب الريح، وأنّ المخالفة بأيّ وجه كان يوجب الشركة في الربح ويستلزم الصحة وبهذا ال(2)مضمون روايات .
الرابعة: مايدل على الضمان والاشتراك في الربح مع المخالفة من غير فرق بين مورد دون مورد وهو لايزيد على اثنين:
1 ـ صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يعطي الرجل مالاً مضاربة، فيخالف ما شرط عليه ؟ قال: «هو ضامن والربح بينهما» (3).
2 ـ صحيح جميل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجـل دفــع إلى رجل مالاً يشتري به ضرباً من المتاع مضاربة فاشترى به غير الذي أمره ؟ قال: «هو ضامن والربح بينهما على ما شرط» (4).

1 . الوسائل: 13 الباب1، من أحكام المضاربة، الحديث 3 ـ 4 ـ 7.
2 . الوسائل: 13 الباب1، من أحكام المضاربة، الحديث 3 ـ 4 ـ 7.
3 . المصدر نفسه: الحديث 5 و 9.
4 . المصدر نفسه: الحديث 5 و 9.

صفحه 46
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الشروط المأخوذة في المضاربة على قسمين:
قسم يكون قيداً للمضاربة، ويخصِّصها بموردها كما إذا قال: اشتر به متاعاً ولاتشتر الأكفان، فإنّه يخصّ مورد المضاربة بغير الأكفان ويكون الاشتراء بما لها فضولياً قطعاً.
وقسم يذكر لأجل حفظ رأس المال عن التلف والضياع من دون أن يعدّ قيداً لها ومن دون أن يخصّها بغير مورده وذلك كالنهي عن السفر مطلقاً، أو السفر إلى صوب خاص، فإنّ روح هذه القيود تضمينية لغاية صيانة رأس المال عن التلف فلو خالف، فأقصى مايترتب عليه هو الضمان، لا كون العقد فضولياً لأنّ الغاية هو الضمان، لا عدم الرضاء بالمعاملة.
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى الروايات بأصنافها.
أمّا الطائفة الأُولى فليس فيها مايخالف القواعد لأنّها واردة في خصوص الضمان لو خالف.
أمّا الطائفة الثانية فقد عرفت أنّ الشرط فيها ليس قيداً للمضاربة حتى يخصَّها بغير مورده وإنّما هو تحديد لغاية الضمان لو خالف، لا عدم الرضاء بالعقد لو خالف، فيكون الضمان وصحة المعاملة واشتراك الربح على القاعدة.
وأمّا الطائفة الثالثة فالإطلاق في جانب الضمان دون صحّة العقد واشتراك الربح، فيصحّ حملها على الطائفة الثانية.
بقيت الطائفة الرابعة التي يعدّ القيد فيها قيداً للمضاربة ويخصّها بغير مورده، فنقول: هناك وجوه من الحلول.
1 ـ إنّ الصحة على خلاف القاعدة فيقتصر على موردها وهو:
الف ـ المخالفة في جهة السفر.
ب ـ المخالفة في ابتياع شيء معيّن فخالف واشترى غيره ـ كما يظهر من

صفحه 47
المحقق في الشرائع حيث لم يذكر إلاّ هذين الموردين.
يلاحظ عليه: أنّ الصحة في المورد الأوّل، ليس على خلافها، لما عرفت. نعم المخالفة في المورد الثاني كذلك.
2 ـ ماذكره صاحب الجواهر من تنزيل هذه النصوص على إرادة بقاء الإذن في المضاربة وإرادة الضمان من الاشتراط كما يؤمي إليه خبر رفاعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «في مضارب يقول لصاحبه: إن أنت أدنته أو أكلته فأنت له ضامن قال: هو ضامن إذا خالف شرطه» (1).
***
انفساخ العقد بموت المالك أو العامل:
المشهور أنّ عقد المضاربة يبطل بموت المالك أو العامل، وإليك بعض الكلمات:
1 ـ قال الشيخ: «ومتى مات أحد الشريكين بطلت الشركة» (2).
2 ـ وقال المحقق: «فبموت كل منهما تبطل المضاربة لأنّها في المعنى وكالة»(3).
3 ـ وقال يحيى بن سعيد: «وموت كل منهما يبطلها» (4).
4 ـ وقال العلاّمة: «وينفسخ بموت أحدهما وجنونه» (5).

1 . الجواهر: 26/355. ومن المعلوم أنّ حديث رفاعة صحيح سنداً.
2 . النهاية: 427.
3 . الجواهر: 26/355.
4 . الجامع للشرائع: 316.
5 . القواعد، انظر مفتاح الكرامة: 7/502 (قسم المتن) .

صفحه 48
5ـ وقال في التذكرة: «يعتبر في العامل والمالك مايعتبر في الوكيل والموكل لانعلم فيه خلافاً» (1).
6ـ وقال في الإرشاد: «ويبطل بالموت منهما والخروج عن أهليّة التصرف»(2).
7 ـ ونقله العاملي: عن التذكرة وجامع المقاصد والمسالك ومجمع الفائدة والبرهان وأنّهم زادوا الإغماء والحجر عليه لسفه، وزيد في التذكرة وجامع المقاصد: الحجر على المالك للفلس، لأنّ الحجر على العامل للفلس لايخرجه عن أهلية التصرف في مال غيره بالنيابة، لأنّ المالك يخرج بعروض هذه، له، عن أهلية الاستنابة، والعامل عن أهليه النيابة لأنّها وكالة في المعنى (3).
8 ـ قال المحقق الأردبيلي في وجه البطلان: قد علم أنّه توكيل فيبطل بموت كل منهما كالوكالة، ولأنّ بالموت يخرج المال عن ملك المالك ويصير للورثة فلا يجوز التصرف بالإذن الذي كان من المورث (4).
9 ـ وقال ابن قدامة: «وإذا مات ربّ المال قدّمنا حصة العامل على غرمائه، ولم يأخذوا شيئاً من نصيبه لأنّه يملك الربح بالظهور، فكان شريكاً فيه، وليس لرب المال شيء من نصيبه فهو كالشريك بماله ـ إلى أن قال: ـ وإن مات المضارب ولم يعرف مال المضاربة بعينه صار ديناً في ذمته (5).
فهذا النص يكشف عن أنّ المضاربة تبطل عندهم بالموت فعليه بنى ما ذكر من الفرع.

1 . التذكرة: 2/231.
2 . مجمع الفائدة والبرهان: 10/245.
3 . مفتاح الكرامة: 7/502.
4 . مجمع الفائدة والبرهان: 10/245.
5 . المغني: 5/177.

صفحه 49

دليل بطلان المضاربة بالموت:

أمّا بطلانه بموت العامل فلأنّه كان هو المجاز، وطرف العقد، وليس هو من الحقوق حتى يرثه وارثه، وبعبارة أُخرى هو كالوكيل، فإذا مات بطلت الوكالة، وليست أمراً وراثياً لأولاد الوكيل.
وأمّا إذا مات ربّ المال، فلأجل أنّه ينتقل إلى الورثة، فيكون أمر المال بيدهم بعد الانتقال، ولعلّ هو معنى البطلان، لابمعنى عدم قابلية المضاربة للإبقاء كما سيوافيك.
توضيح ذلك: أنّ العقود على قسمين: إيجادي وإذني، ففي الأول يكفي الإنشاء وإيجاد الأمر الاعتباري عن اختيار، وإن ارتفع الإذن والرضا بعد الإنشاء، فالإذن آناً ما مقروناً بالإنشاء كاف في إباحة المثمن والثمن للمشتري والبائع، ومثله النكاح والإجارة، ولأجل ذلك قلنا في محله: إنّ الإجارة لاتبطل بموت الموجر، لأنّها من العقود الإيجادية التي يكفي فيها الإذن آناً ما، لإنشاء تمليك المنفعة في مدّة معينة.
وأمّا الثاني فهو يتقوم بالإذن في التصرف ويدور مدار وجوده، فما دام الإذن باقياً في خلد العاقد، فالحكم باق وإذا ارتفع يرتفع بارتفاعه، وهذا كالعارية، والأمانة والوكالة، والهبة إلى غير ذوي الرحم فإنّ المقوّم لجواز التصرف هو الإذن الباطني، ولايحتاج إلى الإنشاء اللفظي بل يكفي إعلان الرضا بأيّ وسيلة أمكنت.
فالمضاربة من العقود الإذنية فمقوّمها الإذن، فإذا مات أو جنّ يرتفع الإذن عن خلده، وبارتفاعه يرتفع الحكم من غير فرق بين موت العامل أو المالك وإن كان الحكم في الثاني أوضح، لأنّ إذنه في التصرف مؤثر في جواز تصرف العامل في المال.

صفحه 50
نعم هذا إذا لم يكن هناك إنشاء محدّدٌ أو مشروط بعدم الفسخ، فتصير المضاربة لازمة بالعرض فلا تنفسخ بموت المالك كما مر.

هل يمكن إبقاء المضاربة ؟

إنفساخ المضاربة بموت أحد المتعاقدين في المضاربة إنّما يتمشّى في المضاربة بين شخصين وأمّا إذا كان المضارب قانوناً هو الشركات الكبيرة ذات السهام الكثيرة، فإنّ القول بانفساخ المضاربة بموت بعض أصحاب السهام يُشلُّ أمر التجارة وربّما تتعلق رغبة الوارث ببقاء الشركة، والإعاشة من منافعها، وربّما يكون هناك التزام في بدء الأمر بعدم سحب الشركاء سهامهم في سنين محددة عن الشركة، لئلاّ يختلّ أمر التجارة، ولأجل ذلك يلزم على الفقيه، بذل الجهد لتصحيح بقاء المضاربة إذا رضي الوارث فنقول:
إنّ الإبقاء يتصوّر على وجهين: تارة يكون بعقد جديد مع العامل، وإن كان في تسميته إبقاء نوع مجاز.
وأُخرى إبقاءها بالمعنى الحقيقي، أي استمرارية العمل والاتفاق على النحو الذي عقد في بدء الأمر.
أمّا الأوّل فلا إشكال في صحته، فيصح إذا كان رأس المال ناضّاً لا ديناً ولامنفعة، ولامتاعاً على ما سيجيئ من أنّه يشترط أن يكون رأس المال غير دين ولا متاع، نعم لو قلنا بصحة المضاربة بالمتاع فيكون العقد الجديد صحيحاً، وإن لم يكن المال ناضّاً، وسيوافيك الكلام في لزوم هذا الشرط.
وأمّا الثاني: فيراد منه استمرارية العقد بلا حاجة إلى عقد جديد وإنشاء كذلك.

صفحه 51
قال المحقق: «ولو مات ربّ المال، وبالمال متاع فأقرّه الوارث، لم يصحّ لأنّ الأوّل بطل بالموت» والظاهر من المحقق هو إرادة القسم الثاني لا الإنشاء الجديد، ومراده من البطلان، ارتفاعه اعتباراً فلا يقبل الإبقاء فليس له أيّة صحة لا فعلية ولا تأهّلية.
وعلى ذلك فلو خالفنا قول المحقّق وقلنا بالصحة على النحو الثاني أيضاً، تظهر الثمرة فيما إذا كان المال غير ناض، فلا يصح بالإنشاء الجديد، بخلاف ما لو قلنا بالصحة بالوجه الثاني، فإنّه لمّا كان مفاده استمراراً للعقد المتحقق صحيحاً سابقاً، فلا يشترط فيه كونه ناضّاً أو عيناً، وذلك لما سيوافيك أنّ دليل الاشتراط منصرف إلى العقد الجديد، والاتفاق الإبتدائي لا في إعطاء الاستمرارية للعقد المتحقق سابقاً، غير أنّ كثيراً من محشّـي العروة لما لم يفرّقوا بين القسمين من حيث النتيجة علّقوا على عبارة العروة، أعني: «وهل يجوز لوراث المال إجازة العقد بعد موته؟» ما هذا لفظهم:
لمّا كان عقد المضاربة من العقود الإذنية الصالحة لأن تنعقد بأيّ لفظ يدل عليها، جاز أن ينشأ بذلك ويكون إنشاءً لعقد المضاربة من الوارث، لا إنفاذاً لعقد المورث، وقال معلّق آخر: يمكن أن يقال: لمّا كان عقد المضاربة من العقود الإذنية الصالحة لأنّ يعقد بأيّ لفظ يدل عليها، جاز إنشاؤها بذلك ويكون إنشاء العقد مضاربة مستأنفة من الوارث، لا إبقاءً لعقد المورث (1) وحاصل كلامهما أنّ ظاهر اللفظ وإن كان إبقاء المضاربة بشكل تنفيذ ماسبق فيما يأتي ولكن يحمل على إنشاء العقد مضاربة مستأنفة، لأنّها يكفي فيها كل لفظ يدل عليها.
أقول: لو كان الإشكال عدم إيفاء اللفظ للإنشاء الجديد، كفى ما ذكروه في دفعه.
ولكن الإشكال في موضع آخر وهو أنّه يشترط في الإنشاء المستأنف كل

1 . التعليق الأول للسيد جمال الدين الگلپايگاني، والثاني للسيد الاصطهباناتي ـ قدّس سرّهما ـ .

صفحه 52
ماذكره من الشروط في رأس المال وهذا بخلاف الإبقاء، فلا يشترط فيه ماذكر لانصراف الأدلة وكون القدر المتيقّن منها هو العقد الابتدائي. فإرجاع القسم الثاني إلى القسم الأوّل وإن كان يُضفي على العقد وصف الصحة، ولكن لايفي بمقصود القائل بالصحة وهو إثباتها وإن كانت بعض الشرائط غير موجودة، إذ على الإرجاع يشترط كون المال ناضّاً أو لا أقلّ عيناً. مع أنّه يمكن التصحيح مطلقاً وإن كان ديناً.

الاستدلال على عدم صحة الإبقاء :

ثم إنّ صاحب الجواهر استدلّ على عدم الصحة بالنحو التّالي: «وليس هو ـ أي عقد المورث ـ فضولياً بالنسبة إلى الوارث الذي لم يكن له علقة بالمال حال العقد بوجه من الوجوه».
وتوضيح ما قال: أنّ العقد الفضولي إنّما يصح بالإجازة إذا كان المجيز مالكاً للمعقود عليه أو ذا حقّ فيه وليس الوارث بالنسبة إلى رأس المال في حياة المورِّث كذلك، فليس بمالك ولا ذي حق.
ثم إنّه خاض في النقض والإبرام ما هذا توضيحه.
فان قلت: إذا آجر البطنُ الأوّل العين الموقوفة مدّة زادت على حياتهم، فإنّ الإجارة تصح بإجازة البطن الثاني فما الفرق بينه وبين المقام ؟
قلت: الفرق واضح بين المقامين، لتعلّق حقّ البطن اللاحق بالعين من جانب الواقف يوم الوقف، ولأجل ذلك تكون الإجارة على المدّة الزائدة في نفس الأمر لهم. وإن لم يعلم بها حال العقد بخلاف المقام الذي هو ابتداءً ملك للوارث بالموت، وحينئذ فالمدار في الفضولية كونُ المعقود عليه حال العقد للغير، ولكن الفضوليّ أجرى العقد عليه، بخلاف المقام الذي هو للمالك ولكن بالموت ينتقل عنه إلى وارثه، فليس هو في عقده على ماله فضوليّاً عن الغير الذي لا مدخلية له

صفحه 53
حال العقد.
فإن قلت: ما الفرق بين المقام وبين تصرّف الموصي في ماله بأزيد من الثلث، فإنّ التنفيذ يتوقف على إجازة الوارث، مع أنّ الموصي كان مالكاً لماله ولم يكن للوارث حين الإيصاء حقّ في ماله؟
قلت: الفرق هو أنّ الوصية تصرف بعد الموت الذي هو محل تعلّق حقّ الوارث، وهذا بخلاف عقد المضاربة، فإنّه تصرّف في المال في حال حياته (1).
هذا كلامه، ولكن الحق أنّ المعاملات أُمور عرفية يكفي في صحة الإجازة كون المال في معرض الانتقال إليه، وإن لم يكن له علقة به حال العقد، فكونه سيصير له كاف، ومرجع إجازته حينئذ إلى إبقاء ما فعله المورث، لا قبوله ولا تنفيذه، فإنّ الإجازة على أقسام: قد تكون قبولاً لما فعله الغير كما في إجازة بيع ماله فضولاً، وقد تكون راجعاً إلى إسقاط الحق كما في إجازة المرتهن لبيع الراهن، وإجازة الوارث لما زاد عن الثلث، وقد تكون إبقاءً لما فعله المالك كما في المقام (2).
***
هذا ماذكره الأعلام في المقام، وقد عرفت في بدء البحث أنّ القول بانفساخ العقد بموت أحد المتعاقدين، يشلّ أمر التجارات الكبيرة والشركات المتشكّلة من أصحاب السهام المختلفة التي أُسِّسَتْ على البقاء والانتفاع بالمنافع طيلة سنين. وربّما تتوفر رغبة الوارث إلى استمرار الشركة والإعاشة بما تدرّ فلا عتب للفقيه إذا جاهد في طريق التصحيح فنقول: إذا تدبّرت في الأُمور التالية يسهل لك تصديق ما ذكره السيد الطباطبائي:

1 . الجواهر: 26/362 ـ 363.
2 . العروة الوثقى: كتاب المضاربة، المسألة 29.

صفحه 54
1 ـ إذا قلنا بعـدم اشتراط كون المال عيناً. بـل يكفـي كونـه ديناً قابلاً للتحصيل، أو قلنا ـ بعد تسليم اشتراط كونه عيناً ـ: بعدم اشتراط كونه ناضّاً بل يكفي كونه عروضاً ومتاعاً فلا حاجة إلى بذل الجهد لتصحيح الإبقاء، إذ للوارث أن يَدخل من باب الإنشاء الجديد لعدم الفرق بين الأمرين في عدم الكلفة الزائدة.
ولو قلنا باعتبار كونه عيناً بل درهماً أو ديناراً، فإن قلنا: بعدم الفرق بين الإنشاء الجديد، والإبقاء في الشرائط، فلا حاجة أيضاً إلى بذل الجهد لتصحيح الإبقاء لعدم الاختلاف في رعاية الشرائط.
وأمّا لو قلنا بلزوم وجود هذه الشرائط حدوثاً لا بقاءً لأنّ الدليل المهمّ لها هو الإجماع ولا إطلاق لها والقدر المتيقّن منه هو الحدوث لا البقاء، فيكون السعي لتصحيح إبقاء المضاربة أمراً مطلوباً، لعدم الحاجة إلى الشرائط فيه بخلاف العقد المستأنف.
2 ـ إنّ تفسير الانفساخ بالموت ببطلان العقد وصيرورته كالمعدوم إنّما يتم فيما إذا كان عقد المضاربة مطلقاً غير محدّد بأجل، فإذا كان من العقود الإذنيّة ولم يكن محدّداً بأجل يعمّ بعد الموت يتقوّم بالإذن، فيرتفع بارتفاعه وأما إذا كان العقد محدّداً بأجل يمتد إلى ما بعد الموت يكون له اقتضاء البقاء إذا انضمّ إليه إذن المالك. فيكون جامعاً للشرائط ويكون معنى الانفساخ هو خروج أمر المال من يد المورّث وانتقاله إلى الوارث.
3 ـ إنّ حصـر العقد الفضولي بما إذا كان المعقود عليه حال العقد ملكاً للغير أو متعلّق حقّ للغير حين الحدوث، لا وجه له إذ لم يرد فيه نصّ حتّى يقتصر عليه بل يعمّه، وما إذا كان ملكاً أو متعلق حقّ للغير بقاءً لا حدوثاً، كما في المقام لأنّ موت المالك موجب لانتقال رأس المال إلى الورثة فصار متعلقاً للغير بقاءً لا حدوثاً، فإبقاء المضاربة متوقّف على إذن صاحبه. وهذا مثل ما إذا أعار ماله ثم

صفحه 55
باعه فبقاء عقد العارية، رهن إذن المشتري لأنّه صار متعلقاً للغير بقاءً وإن لم يكن حدوثاً.
وبذلك يظهر النظر فيما أفاده السيد الحكيم (قدس سره) فقد استقـرب عدم الصحة بوجهين:
1ـ الاجازة لا تصح إلاّ بشرطين: الأوّل: أن يكون العقد المجاز صادراً من غير الولي عليه، فلا يصح منه إلاّ بالاجازة. الثاني: أن يكون للمجيز ولاية على العقد، فإذا انتفى ذلك لم تصح الإجازة. وهذان الشرطان موجودان في الأمثلة المذكورة في الجواهر وفي المتن، أمّا فيما نحن فيه فمفقودان معاً، إذ العقد الواقع من المالك صادر من الولي عليه فيصح، ولا معنى لاجازته والإجازة الصادرة من الوارث ـ سواء كانت صادرة منه حال حياة الموروث، أم بعد وفاته ـ صادرة ممن لا ولاية له على العقد. نعم إذا كانت صادرة منه بعد وفاة الموروث فهي ممن له ولاية على تجديد العقد لا على العقد نفسه، فلا معنى لتعلقها بالعقد (1).
وجه النظر: أن ماذكره إنّما يتم إذا لوحظ العقد حدوثاً في مدة حياته، فله الولاية دون الوارث، فالشرطان غير موجودين، وأمّا إذا لوحظ بقاءً حسب التحديد الوارد في العقد فليس للمالك الولاية، بل الولاية للوارث.
2 ـ إنّ الإبقاء متعذّر، لأنّ المفروض بطلانه فكيف يمكن إبقاؤه. مع أنّه غير مقصود للمجيز.
يلاحظ عليه: بما عرفت من أنّ الانفساخ في العقد المطلق يلازم البطلان، ولكنّه في العقد المحدّد بمعنى انتهاء ولايته له، وانتقال الولاية للوارث، فإذا انضمّ إليه إذنه، يكون نافذاً، لعدم القصور في العقد، إلاّ من ناحية إذن الولي والمفروض انضمامه، ثم لم يتحقّق لي معنى قوله: «مع أنّه غير مقصود للمجيز» بل مقصوده هو الإبقاء.

1 . المستمسك: 12/320.

صفحه 56
3 ـ إنّ المالك ركن في عقد المضاربة كالعامل، فإذا مات أحدهما بطل العقد ضرورة كما هو في موت أحد الزوجين فلا يمكن جعل إبقائه.
يلاحظ عليه: أنّ المضاربة علاقة بين عمل العامل ورأس المال، لا العامل والمالك ولذلك يصحّ، ولو لم يعرف المالك كما في المضاربة جعالة، ولأجل ذلك تبطل المضاربة بهلاك رأس المال، وهذا بخلاف الزوجين فإنّهما ركن، يقول سبحانه: (وَأنْكِحُوا الأَيامى مِنْكُمْ وَالصّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وإمائِكُمْ) (النورـ32) والنكاح علاقة بين الزوجين.
وعلى ضوء هذا، يلزم التفصيل بين موت العامل فتبطل المضاربة، وتحويلها لوارث العامل يحتاج إلى عقد مستأنف بخلاف المالك، إذ الركن هو المال وهو باق وإن تغيّرت إضافته من المالك إلى الورثة فتدبّر.
***
ثم إنّ الميت إمّا هو المالك أو العامل ولكلّ صور خمس، لأنّ المال حين الموت إمّا ناضّ أو عروض، وعلى تقدير كونه ناضّاً إمّا أن يكون فيه ربح أو لا، وعلى كونه متاعاً إمّا أن يكون الربح فيه قطعياً أو مرجوّاً أو معلومَ العدم. يظهر أحكام جميع الصور من الإمعان فيما تقدم فنقول:
أمّا إذا كان الميت، هو المالك وكان المال ناضّاً فإن ربح يُقسَّم حسب الاتفاق وليس للغرماء مزاحمة العامل في حصته، لما ستعرف من أنّه يملك الربح بالظهور فكان شريكاً للمالك. وإن لم يربح، فالمال كلّه للوارث.
وإن كان المال عروضاً فإن علم الربح بظهوره، فيشارك الوارث فيه حسب سهمه من الربح. وإن علم عدمه فالمال كلّه للوارث. وإن رجى فقد ذهب صاحب المسالك إلى أنّ للعامل بيعه، وهو كما ترى مع عدم رضاية الوارث المالك

صفحه 57
فعلاً، وقد عرفت أنّ البحث في المضاربة المطلقة، لا المحدودة بعام أو عامين الذي نفترض توفّي المالك أثناء المدّة، أو المشروط فيها عدم الفسخ وإلاّ فله الاشتغال بالعمل. والأولى التصالح إذا كان هناك رجاء للربح.
هذه الصور الخمس فيما إذا كان الميت هو المالك.
وأمّا إذا كان الميتُ هو العامل فتأتي فيه تلك الصور أيضاً، فإن كان المال ناضّاً، رابحاً يدفع سهمه من الربح إلى وارثه. وإن لم يربح فالمال كلّه للمالك.
وإن كان المال متاعاً، فإن علم فيه الربح بظهوره يشاركه حسبَ سهمه، وإن علم عدمه يدفع المال إلى المالك، وإن كان الربح مرجوّاً ففي الجواهر أنّه ينصِّب الحاكم أميناً يبيعه، فإن ظهر فيه ربح، أوصل حصّته إلى الوارث، وإلاّ سلّم الثمن للمالك (1). ويمكن القول بالتصالح أيضاً.

1 . الجواهر: 26/356.

صفحه 58

صفحه 59

الفصل الثاني:

في شرائط المتعاقدين

يشترط في المتعاقدين في المقام كل ما يشترط في غيره من العقد والبلوغ والاختيار، فلا تصح المضاربة من المجنون وغير البالغ والمكرَه، كما يشترط عدم الحجر لفلس في المالك دون العامل، لأنّ حجر المالك للفلس يمنعه عن التصرف في ماله، وليس كذلك حجر العامل لأنّه يمنع عن التصرف في ماله لا في مال الغير بعنوان النيابة، نعم يشترط خلوّهما عن الحجر لسفه، فإنّه مانع عن استنابة المالك ونيابة العامل. وبما أنّ الأصحاب أشبعوا الكلام في الاستدلال على هذه الشرائط في غير هذا المقام نعطف عنان البحث إلى المقام الثالث، فمن أراد التفصيل في ذلك فليرجع إلى ما أفاضه الشيخ الأنصاري في البيع عند البحث عن شرائط المتعاقدين.
***

صفحه 60

صفحه 61

الفصل الثالث:

في مال القراض

يشترط فيه عند المشهور أُمور:

الشرط الأول: أن يكون عيناً فلا يكفي الدين ولا المنفعة:

قال الشيخ: «ومن كان له على غيره مال ديناً، لم يجز له أن يجعله شركة أو مضاربة إلاّ بعد أن يقبضه ثم يعطيه إيّاه إن شاء» (1).
وقال المحقق: «ومن شرطه أن يكون عيناً» (2).
وقال العلاّمة: «ولايجوز القراض على الديون، ولا نعلم فيه خلافاً» (3).
وقال أيضاً: «ولو قارض بالدين وإن كان على العامل أو بثمن مايبيعه لم تصح» (4).

1 . النهاية: 43.
2 . الجواهر: 26/536.
3 . تذكرة الفقهاء: 2/236.
4 . مجمع الفائدة: 10/249 (قسم المتن) .

صفحه 62
ونقله في مفتاح الكرامة عن المبسوط والنافع والتحرير والمسالك والروضة والمختلف، والتنقيح، وإنّه قال في الرياض: لا خلاف فيه وأنّه لم يذكره في المقنعة والمراسم والكافي، والمهذّب والوسيلة والغنية والسرائر واللمعة والمفاتيح، ونقل عن الكفاية أنّه قال: وقالوا: «الظاهر التأمّل في لزوم هذا الشرط» (1).
وقال الأردبيلي: «فلولا الإجماع في اشتراط كونه غير دين لأمكن القول بعدمه» (2).
ويمكن الاستدلال على لزوم هذا الشرط: بأنّ المضاربة علاقة بين عمل العامل والمال كما عرفت سابقاً، والدين بما هو في الذمّة ليس بمال، حتى يقع طرفاً للعلاقة، وبيع الكلّـي في الذمة سلفاً، ليس دليلاً على كونه مالاً، وإن قيل في تعريف البيع: إنّه مبادلة مال بمال. وأنّ معنى كون الشيء في الذمة هو تقبّلٌ وتعهّد من البائع على أن يدفع إلى المشتري مقداراً من الحنطة مثلاً في أجل كذا في مقابل الثمن المعيّن، وبذلك فسرنا قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «على اليد ما أخذت حتى تودّي» فليس معناه أنّ العين المغصوبة سواء كانت موجودة أو تالفة، ثابتة على ذمة صاحب اليد، بل المراد أنّ عليه مسؤولية ردّ العين أو بدلها، مثلاً أو قيمة، ونظيره الكفالة فإنها عبارة عن تقبّل مسؤولية تسليم المكفول للحاكم الشرعي.
ولو تمّ هذا البيان، فلا حاجة إلى دعوى الإجماع الذي تعرف مقدار قيمته مع عدم تعرّض لفيف من الفقهاء به، وإن لم يتمّ. بدعوى أنّ ما في الذمة مالاً، بشهادة أنّه يباع، فكفى في شرطيته مارواه الكليني عن السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام)في رجل له على رجل مال فيتقاضاه ولا يكون عنده، فيقول: هو عندك مضاربة؟ قال: «لايصلح حتى تقبضه منه» (3).

1 . مفتاح الكرامة: 7/441.
2 . مجمع الفائدة: 10/235.
3 . الوسائل الشيعة: 13، الباب5 من أبواب أحكام المضاربة، الحديث1.

صفحه 63
وقال الأردبيلي: «وهي مروية في التهذيب عن النوفلي عن السكوني وهما ليسا بموثقين، قيل في الأول: إنّه غلا في آخر عمره، والثاني عامّي وفي السند إبراهيم بن هاشم أيضاً، فتأمل» (1).
يلاحظ عليه: أنّه روى في الكافي أيضاً بهذا السند، والرجلان ممّن عملت برواياتهما الطائفة في غير مورد، وأمّا إبراهيم بن هاشم فهو فوق الثقة، وقد وردت في حقّه جمل تدل على أنّه فوق أن يوصف بأنّه ثقة، وإن لم يصفه أهل الرجال بالوثاقة.
ومع ذلك كلّه فلو ترك دينه في يد المديون لأن يتّجر به، فاتّجر وربح فالمعاملة صحيحة وإن لم يصدق عليه عنوان المضاربة، لما قلنا من أنّ المعاملات الصحيحة ليست بمنحصرة بما كانت رائجة في عصر الرسالة أو بعده بقليل، بل كلّ تجارة نابعة عن رضا الطرفين، إذا لم تصادم الأُصول والضوابط الشرعية، فهي صحيحة، هذا كلّه في الدّين. وأمّا المنفعة، فكما إذا آجر حماماً واتّفق مع المستأجر أن يتّجر بأُجرته شهراً بعد شهر، ولعلّ عدم الصحة لأجل لزوم أن يكون رأس المال محدّداً موجوداً في ظرف العقد، والمنفعة ليست كذلك، وإنّما يتدّرج وجوداً شهراً بعد شهر.
نعم لو جعل أُجرة شهر واحد مالاً للمضاربة بعد وصوله، فلا إشكال، ويأتي فيه ماذكرناه في الدين من أنّه إذا لم تصحّ بعنوان المضاربة، تصحّ بعنوان معاملة مستقلّة.
***

1 . مجمع الفائدة والبرهان: 10/235.

صفحه 64

الشرط الثاني: أن يكون من النقد:

والمقصود أن يكون دراهم ودنانير مضروبة منقوشة، هذا هو الشرط الثاني عند أكثر العلماء، قال الشيخ: «لايجوز القراض إلاّ بالأثمان التي هي الدراهم والدنانير، وبه قال أبو حنيفة، ومالك والشافعي، وقال الأوزاعي وابن أبي ليلى: يجوز بكل شيء يتموّل، فإن كان ممّا له مِثلٌ كالحبوب والأدهان، يرجع إلى مثله حين المفاصلة، والربح بعده بينهما نصفين، وإن كان ممّا لا مثل له كالثياب والمتاع والحيوان، كان رأس المال قيمته، والربح بعد بينهما، دليلنا: أنّ ما اخترناه مجمع على جواز القراض به، وليس على جواز ما قالوه دليل.
ثم قال: «القراض بالفلوس لا يجوز، وبه قال أبو حنيفة وأبو يوسف والشافعي، وقال محمد: هو القياس إلاّ أنّي أُجيزه استحساناً لأنّها ثمن الأشياء في بعض البلاد، دليلنا: أنّ ما قلناه مجمع على جواز القراض به، وما ذكروه ليس عليه دليل. والاستحسان عندنا باطل».
ثم قال: لايجوز القراض بالورق المغشوش سواء كان الغشُّ أقل أو أكثر أو سواء، وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: إن كان سواءً أو كان الغش أقلّ جاز، وإن كان الغش أكثر لم يجز، دليلنا: ما قلناه في المسألة الأُولى سواء (1).
وقال القاضي: والقراض من العقود الجائزة، وليس يجوز القراض إلاّ بالأثمان من الدنانير والدراهم، ولا يجوز بغيرهما و لايصحّ بالنقرة (2) لأنّها معتبرة بالقيمة كالثياب والحيوان (3).

1 . الخلاف: 3، كتاب المضاربة، المسألة 1 ـ 3.
2 . الفضة المذابة أو الذهب المذاب غير المسكوكين.
3 . المهذب: 1/460.

صفحه 65
وقال: لاتكون المضاربة إلاّ بالأثمان التي هي الدنانير والدراهم، وإنّما قلنا هذا لأنّه لا خلاف في أنّ ماذكرناه مضاربة صحيحة وليس كذلك مايخالفه... (1).
وقال ابن إدريس: ومِنْ شرط ذلك أن يكون رأس المال دراهم أو دنانير معلومة أو مسلّمة إلى العامل، ولا يجوز القراض بغير الدنانير والدراهم من سائر العروض، فعلى هذا لا يجوز القراض بالفلوس ولا بالورق المغشوش (2).
وقال المحقق: وأن يكون دراهم أو دنانير، وفي القراض بالنقرة تردّد، ولا يصح بالفلوس ولابالورق المغشوش وكذا لايصح بالعروض (3).
وقال ابن سعيد: إنّما يصحّ بالأثمان الخالصة من الغش بشرط ذكر حصة مشاعة من الربح معلومة (4).
وقال العلاّمة: أن تكون من النقدين دراهم ودنانير مضروبة منقوشة عند علمائنا (5).
وقال في الإرشاد: ولا يصح إلاّ بالأثمان الموجودة المعلومة القدر المعيّنة (6).
وقال في القواعد: فلايصح القراض بالعروض ولا بالنقرة، ولابالفلوس ولا بالدراهم المغشوشة (7).
وقال ابن قدامة: ولا خلاف في أنّه يجوز جعل رأس المال الدراهم والدنانير فإنّها قيم الأموال وأثمان البياعات والناس يشتركون من لدن النبيّ إلى زمننا من غير نكير، فأمّا العروض فلا تجوز الشركة فيها في ظاهر المذهب، نصّ عليه أحمد في

1 . جواهر الفقه: 124.
2 . السرائر: 2/407.
3 . الجواهر: 26/357، (قسم المتن) .
4 . الجامع للشرائع: 314.
5 . التذكرة: 2/231.
6 . مجمع الفائدة: 10/447، (قسم المتن) .
7 . مفتاح الكرامة: 7/440، (قسم المتن) .

صفحه 66
رواية أبي طالب وحرب، وحكاه عنه ابن المنذر، وكره ذلك ابن سيرين ويحيى بن كثير والثوري والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي (1).
إذا عرفت الأقوال فنقول: استدلّ على اشتراط كون المال درهماً أو ديناراً بوجهين:
الأوّل: الإجماع، وقد عرفت عبارة العلاّمة في التذكرة حيث نسبه إلى علمائنا.
والإمعان في كلماتهم يعرب عن أنّ الإجماع انعقد على صحّة المضاربة بالأثمان ولم ينعقد على الصحة بغيرها، لا أنّه انعقد على عدم الصحة في غير الأثمان، وإن كنت في شكّ ممّا ذكرنا فلاحظ عبارة الشيخ في الخلاف والقاضي في الجواهر، فإنّ الأوّل استدلّ في جميع المراحل الثلاث (المضاربة بالدراهم والدنانير ـ المضاربة بالفلوس ـ المضاربة بالورق المغشوش) بأنّه لا خلاف في أنّ ما ذكرناه مضاربة صحيحة وليس كذلك ما يخالفه. أي الإجماع منعقد على الصحة في الأُولى ولم ينعقد على الصحة في الأخيرتين، وأتى القاضي نفس العبارة في الجواهر، ويظهر ذلك أيضاً من التدبّر في عبارة ابن قدامة، وعلى ذلك فالإجماع منعقد في الجانب الإيجابي دون الجانب السلبي.
الثاني: ماذكره ابن قدامة، وأشار إليه العلاّمة أيضاً. قال الأوّل: إنّ الشركة إمّا أن تقع على أعيان العروض أو قيمتها أو أثمانها.
لا يجوز وقوع المضاربة على أعيانها، لأنّ الشركة تقتضي الرجوع عند المفاصلة برأس المال أو بمثله وهذه لا مثل لها فيرجع إليه، وقد تزيد قيمة جنس أحدهما دون الآخر فيستوعب بذلك جميع الربح، أو جميع المال، وقد تنقص قيمته، فيؤدي إلى أن يشاركه الآخر في ثمن ملكه الذي ليس بربح.
ولا على قيمتها لأنّ القيمة غير متحققة القدر فيفضي إلى التنازع وقد يقوّم

1 . المغني: 5/124.

صفحه 67
الشيء بأكثر من قيمته ولأنّ القيمة قد تزيد في أحدهما قبل بيعه فيشاركه الآخر في العين المملوكة له. ولايجوز وقوعها على أثمانها، لأنّها معدومة حال العقد ولايملكانها (1).
وقال العلاّمة: بأنّها لو جعلت رأس مال، لزم إمّا أخذ المالك جميع الربح أو أخذ المالك بعض رأس المال (2).
توضيح الدليل: أنّ رأس المال إذا كان مثلياً فلا يخلو إمّا أن يكون رأس المال نفس الشيء بما هو هو، لا قيمته السوقية وقت العقد، وإمّا أن يكون قيمته.
فلو كان رأس المال نفس الشيء بما هو هو بحيث يلزم عند المفاصلة دفع العين إن كانت باقية أو مثلها إن كانت تالفة، كما إذا دفع طنّاً من الحنطة وجعلها بما هي هي رأس المال سواء كانت القيمة السوقية ثابتة عند المفاصلة أو مرتفعة أو منخفضة.
وعلى هذا لو كانت قيمتها يوم الدفع ألف درهم و ربحت المضاربة خمسمائة درهم وكانت القيمة السوقية للحنطة غير متغيرة، لا يتوجه إشكال أبداً وإنّما الإشكال في الصورة التالية:
إذا ارتفعت القيمة وصارت قيمة طن من الحنطة ألفاً وخمسمائة درهم، أو انخفضت القيمة فصار الطن منها ثمانمائة درهم، فعند المفاصلة يجب على العامل أن يدفع نفس الحنطة بمقدارها المعيّنة وأن يشتري طنّاً من السوق تارة بألف وخمسمائة درهم، وأُخرى بثمانمائة درهم، فعلى الأوّل يلزم دفع الأصل والربح إلى المالك، وهو معنى قوله: استيعاب جميع المال، وعلى الثاني يلزم أن يدفع إلى المالك بعض رأس المال أي طنّاً من الحنطة المقوّمة بثمانمائة درهم، ويشارك العامل فيما

1 . المغني: 5/124 ـ 125، والعبارة لم تخل من تشويش، ولم يتحقق معنى قوله: «وهذه لا مثل لها» لأنّها صادقة في القيمي لا المثلي، وأعيان العروض ليست قيمية دائمة، بل ربّما تكون مثليّة.
2 . التذكرة: 2/230.

صفحه 68
بقي أعني المائتين.
هذا كله إذا كان رأس المال مثلياً وكان نفسه رأس المال، وأمّا إذا كان رأس المال قيمته السوقية يوم العقد أو كان رأس المال من الأُمور القيميّة كالأنعام، فعند ذاك لايتوجه أيّ إشكال لأنّه يجعل رأس المال قيمتها وقت العقد، فلا فرق بين تجسيم القيمة وجعله درهماً أو ديناراً، أو جعله عروضاً وتقويمَهُ بأحدهما فلا يكون ارتفاع القيمة فيما بعد أو انخفاضها مؤثراً، فلا يلزم استيعاب المالك الأصل والربح أو مشاركة العامل في بعض الأصل.
نعم يرد عليه ما ذكره ابن قدامة في الشق الثاني من كلامه ـ أعني: «ولا على قيمتها لأنّ القيمة غير متحققة القدر ...» .
الإجابة عن الاستدلال :
هذا كلّه توضيح الاستدلال، وأمّا الدفع فهو واضح جداً، لأنّ ارتفاع قيمة المثلي أشبه بالخسران في المضاربة فكما أنّه إذا خسرت المضاربة يرجع العامل صفر اليد فهكذا في المقام، إذ يجب عليه ضمّ الربح إلى الأصل حتى يشتري العين ويدفعها إلى المالك، كما أنّ انخفاض القيمة أشبه بالاسترباح في المضاربة فإنّ اشتراء رأس المال بقيمة رخيصة كثمانمائه، يوجب استرباح العامل بربح كثير، حيث يشتري رأس المال بقيمة رخيصة، ويدفع إلى المالك.
وأما ذكره ابن قدامة في الشق الثاني فمندفع أوّلاً بأنّ التنازع يرتفع بالمقوم، وثانياً نختار أنّ رأس المال هو الأثمان ولا يضر كونها معدومة حال العقد، بعد كونها في قوة الوجود وسيوافيك صحته.
وبذلك تقف على أنّ لتأمّل صاحب الكفاية في لزوم مراعاة هذا الشرط وجهاً، وقد صرّح المحقق الأردبيلي بالصحة في النقرة وهي الذهب أو الفضة المذابة غير المنقوشة وقال ـ بعد نقل كلام التذكرة الحاكي للإجماع ـ:بل ينبغي عدم

صفحه 69
الإشكال في الجواز لعموم أدلّة القراض وتسلّط الناس على أموالهم ولايضر عدم الإجماع (على الصحة) وكون القراض على خلاف الأصل إن سلم، فتأمّل (1).
هذا وقد فصل سيدنا الأُستاذ (قدس سره) بين الفضة والذهب غير المسكوكين والسبائك والعروض فقال بعدم الصحة فيها، وبالصحة في الأوراق النقدية الرائجة في البلاد (2)، ولم يعلم وجه الفرق إلاّ أن يقال: إنّ الإجماع ناظر إلى نفي الصحة في العروض والمتاع لا إلى نفي الصحة في الأوراق النقدية غير الدراهم والدنانير.
ولكن الحقّ الصحة في الجميع، فإنّ المضاربة لم تكن معاملة تأسيسية من قبل الشارع حتى نتفحّص عن قيودها وشروطها، بل هي معاملة عرفية كانت رائجة قبل الإسلام، وإنّما جاءت الشريعة لتقويم أودها، والعرف لايفرّق بين الأثمان مثل الدراهم والدنانير والسبائك والنقرة والفلوس إذا كانت المعاملة رائجة بها. حتى المغشوش إذا كان كذلك فإنّ لكل ذلك قيمة تكون هي رأس المال حقيقة، وليست المعاملات أُموراً تعبّدية يتوخّى فيها نظر الشارع في كل جزئي من جزئياته، بل يكفي كونها صحيحة عند العرف وعدم مخالفتها للأُصول المسلّمة الواردة في الإسلام، وبذلك تعرف صحّة ما مال إليه السيد الطباطبائي وإن عدل عنه في آخر كلامه، حيث قال:
«تأمّل بعضهم في الإجماع على عدم صحة المضاربة بالفلوس والعروض وهو في محلّه، لشمول العمومات إلاّ أن يتحقق الإجماع، وليس ببعيد، فلا يترك الاحتياط» (3).

1 . مجمع الفائدة: 10/248.
2 . تحرير الوسيلة: 1/108ـ 109.
3 . العروة الوثقى، كتاب المضاربة، الشرط الثاني.

صفحه 70
نعم، الورق المغشوش على قسمين: تارة يكون الغش معلوماً، وأُخرى مزوّراً، فالأول لا بأس بالمعاملة به، وأمّا الثاني فيحرم المعاملة به وربّما يجب كسرها حسماً لمادّة الفساد، ففي خبر المفضل بن عمر الجعفي قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) فأُلقي بين يديه دراهم، فألقى إليَّ درهماً منها فقال: «ايش هذا؟» فقلت: ستوق. فقال: «ماالستوق؟» فقلت: طبقتين فضة وطبقة من نحاس وطبقة من فضة، فقال (عليه السلام): «إكسرها فإنّه لايحل بيع هذا ولا إنفاقه» (1).
***
قال المحقق في الشرائع: لو قال: بع هذه السلعة، فإذا نضّ ثمنها فهو قراض لم يصح، لأنّ المال ليس بمملوك عند العقد (2).
أقول: إنّ للمسألة صوراً:
1 ـ أن تكون نفس السلعة رأس المال بنفسه، هذا مبني على صحة جعل العروض رأس المال في المضاربة، وقد عرفت صحته.
2 ـ أن يقصد العاقد بكلامه هذا ويوكِّل العامل في بيعها وجعل ثمنها رأس المال، بإجراء العقد عن الطرفين وكالة من جانب صاحب السلعة، وهذا أيضاً لا ريب في صحته.
3 ـ أن يقصد بذلك إجـراء العقـد بالفعـل وجعـل الثمن قراضاً عند الانضاض، فهذا هو موضوع البحث، والبحث عن هذه الصورة مبنيّ على عدم صحة جعل العروض رأس المال.

1 . الوسائل: 12، الباب 10 من أبواب الصرف، الحديث5.
2 . الجواهر: 26/362 (قسم المتن) .

صفحه 71
وقد استدلّ على البطلان بما يلي:
ألف: عدم دخول الثمن في ملك صاحب السلعة قبل وقوع البيع فقد جعله رأس المال مع أنّه غير مملوك.
ب ـ أنّه مجهول.
ج ـ العقد معلق (1).
أمّا الأوّل: فلم يدل دليل على كون مال القراض مملوكاً حين العقد بل يكفي كونه مملوكاً بالقوة.
خرج من ليس له قدرة لتبديل شيء إلى الثمن المسكوك، وأمّا صاحب السلعة التي سيبدّل إلى الثمن بعد زمن قليل فهو مالك الثمن فلا وجه للبطلان، ولم يدل دليل على أنّ العقد كالعلل الطبيعية يطلب أثره بعد العقد فوراً.
وأمّا الثاني: فغير مضر إذا آل إلى العلم كما سيوافيك بيانه في الشرط الثالث من شروط مال المضاربة.
وأمّا الثالث: فالتعليق غير مضرّ إلاّ إذا دلّ الدليل الشرعي عليه كما في النكاح والطلاق.

فرع: إذا دفع إنسان إلى صيّاد شبكة:

إذا دفع إنسان إلى صياد شبكة، وقال له: اصطد بها فما رزق اللّه سبحانه من صيد فهو بيننا، فقد ذهب المشهور إلى بطلانه، قال ابن البرّاج: كان باطلاً فإن اصطاد شيئاً كان له، دون صاحب الشبكة لأنّه صيده ويكون لصاحب الشبكة أُجرة مثله (2).

1 . الجواهر: 26/362.
2 . المهذب: 1/461.

صفحه 72
وقال ابن سعيد: وإن أعطاه شبكة ليصطاد بها بالنصف لم يصحّ، والصيد لصياده، وعليه أُجرة الشبكة، وإن أعطاه بغلاً ليستقي عليه بينهما نصفين فالماء للمستقي، وعليه أُجرة البغل، وإن سلّم إليه أرضاً ليغرسها من ماله على أنّ لكل واحد نصف ما للآخر لم يصح، والأرض لربّها، والغراس لربّه، ولربّ الأرض أن يُقرّه في أرضه بأُجرة أو يقلعه ويضمن أرشه، أو يقوم عليه فيرد قيمته (1).
وقال المحقق: ولو دفع إلى العامل آلة الصيد كالشبكة بحصة فاصطاد كان للصائد ولكن عليه أُجرة المثل للآلة (2).
وقال العلامة: ولو دفع شبكة للصائد بحصة، فالصيد للصائد وعليه أُجرة الشبكة (3).
وجه البطلان واضح وهو انتفاء الشرط على مبنى القوم أعني الأثمان المسكوكة، وعدم حصول الشركة وعدم الامتزاج.
ثم إنّ المحقق الثاني قال: إنّ البطلان مبني على أنّه لايتصوّر التوكيل في تملّك المباحات، أو أنّ العامل لم ينو بالتملك إلاّ لنفسه، فلو نوى بالحيازة الملك له ولصاحب الشبكة، وقلنا بحصول الملك بذلك، كان لكل منهما الحصة المعينة له، وعلى كل منهما للآخر من أُجرة مثل الصائد والشبكة بحسب ما أصابه من الملك(4).
هذه كلمات القوم، ولكنّك قد عرفت أنّه لا دليل على كون المال من الأثمان المسكوكة، بل تكفي الأعيان الخارجية القابلة للتجارة، والإشكال في موضع آخر

1 . الجامع للشرائع: 317 ـ 318.
2 . الجواهر: 26/358: (قسم المتن) .
3 . مفتاح الكرامة: 7/441، قسم المتن (القواعد)
4 . المصدر نفسه: 7/441.

صفحه 73
وهو أنّ المضاربة عبارة عن الانتفاع بالتجارة أعني ارتفاع القيمة وليس ذلك على فرض عدم شرطية الأعيان المسكوكة من هذا القبيل.
وعلى ذلك يقع الكلام في صحة نفس العقد برأسه. أمّا تصحيحه من جانب التوكيل فهو شيء لايدور في خلد واحد من الطرفين، وإنّما الموجود في نية المتعاملين هو أن تكون الشبكة من واحد، والعمل من آخر والصيد بينهما على نسبة خاصة فيلزم على الفقيه تصحيح ما نويا أو إبطاله، وبما أنّك قد عرفت أنّه لا دليل على اختصاص وجوب الوفاء بالعقود، بالعقود الموجودة في عصر الرسالة، فلا مانع من تصحيح نفس ذلك الاتّفاق برأسه، لكونه تجارة عن تراض وعقداً بين الطرفين ولا يصادم شيئاً من العمومات الناهية أو المطلقات المانعة، خصوصاً مع توفّر هذا النوع من العقد بين العقلاء، حيث إنّ أصحاب السيارات والسفن والقوارب يسلّمونها إلى العمال للانتفاع بها، بالشركة، ولايرونه مخالفاً لأيّ أصل من الأُصول، فالأولى تصحيح هذا النوع من العقود برأسه بما أنّه عقد عقلائي لاتخالفه الأُصول الشرعية.

الشرط الثالث: أن يكون معلوم القدر:

قد عرفت أنّه يشترط في القراض أن لايكون ديناً ويكون من الأثمان المسكوكة حسب رأي القوم، وهناك شرط ثالث ذكروه في المقام، وهو أن لا يكون رأس المال جزافاً بل يكون معلوم القدر.
1 ـ قال الشيـخ: لا يصـح القـراض إذا كان رأس المال جزافاً وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: يصحّ القراض ويكون القول قول العامل حين المفاصلة، وإن كان مع كل واحد منهما بيّنة، قُدِّمت بيّنة ربّ المال، دليلنا: أنّ القراض عقد شرعي يحتاج إلى دليل شرعي وليس في الشرع مايدل على صحة هذا

صفحه 74
القراض، فوجب بطلانه (1).
2 ـ وقال القاضي: إذا دفع إنسان إلى غيره ثوباً وقال له: بعه فإذا حصل ثمنه فقد قارضتك عليه، كان باطلاً، لأنّ القراض لايصحّ بمال مجهول وهذا قراض بمال مجهول لاتعرف قيمته وقت العقد (2).
3 ـ وقال ابن حمزة: القراض الصحيح: ما اجتمع فيه شروط ثلاثة. . . وتعيين مقدار المال (3).
4 ـ وقال ابن إدريس: ومن شرط صحة ذلك أن يكون رأس المال دراهم أو دنانير معلومة مسلّمة إلى العامل (4).
5 ـ وقال المحقق: لابدّ أن يكون معلوم المقدار، ولاتكفي المشاهدة، وقيل: يصحّ مع الجهالة، ويكون القول قول العامل مع التنازع في قدره (5).
6 ـ وقال العلاّمة: الثالث أن يكون معلوماً فلا يصح على المجهول قدره، وفي المشاهد إشكال فإن جوّزناه فالقول قول العامل مع يمنيه في قدره (6).
ومع ذلك فليست المسألة إجماعياً، بل خالف الشيخ الطوسي في المبسوط، فصرّح في آخر كلامه بصحة القراض بالمال المجهول، واستجوده في المختلف (7).
قال ابن سعيد: فإن دفع إليه جزافاً صح، والقول قول العامل في قدره مع

1 . الخلاف: 3، كتاب المضاربة، المسألة 17.
2 . المهذب: 1/460.
3 . الوسيلة: 264.
4 . السرائر: 2/407.
5 . الجواهر: 26/358، (قسم المتن) .
6 . مفتاح الكرامة: 7/445، (قسم المتن) .
7 . المختلف: 6/253.

صفحه 75
يمنيه، وكذلك ثمن المبيع والسلم والأُجرة، وقيل: لايصح (1).
وقال الشهيد في اللمعة: ينبغي أن يكون رأس معلوماً عند العقد (2).
وقال الأردبيلي: وأمّا دليل عدم الجواز بالمشاهد المجهول، فكأنّه الجهل، ونقل عن الشيخ قولاً بالجواز وأنّه مع الاختلاف وعدم البينة، القول قول العامل مع اليمين، بل نقل عنه قولاً بالجواز في الجزاف وإن لم يكن مشاهداً، وإنّه قوّاه في المختلف محتجّاً بالأصل وأنّ المؤمنين عند شروطهم وإذ لاإجماع ولا دليل واضح على المنع، فالقول به لعموم الأدلة غير بعيد، وإن كان خلاف المشهور، والأحوط التعيين (3).
هذه هي الأقوال والآراء في المسألة فنقول: ينبغي ذكر صور المسألة، فنقول:
إنّ المجهول على قسمين: قسم لا يؤول إلى علم، وقسم آخر يؤول إليه ولو بعد وقوع العقد، ونحوه.
أمّا الصورة الأُولى فالموافقة مع الصحة مشكلة لأنّ المعاملة سفهية أولاً، وخطرية ثانياً، فيشمله نهي النبي عن الغرر (4) الذي هو بمعنى الخطر، وعدم الوقوف على الربح والخسران ثالثاً الذي هو الغاية من المضاربة، من غير فرق بين المجهول المشاهد وغيره إلاّ أن يكون المشاهد كافياً في العلم بالمقدار تقريباً، بحيث لايصدق عليه كون المعاملة سفهية، أو كونها مخطورة، وهو خلف الفرض. ولايكفي ارتفاع معظم الغرر، لصدق الغرر أيضاً بعد ارتفاع المعظم.

1 . الجامع للشرائع: 314.
2 . الروضة البهية: (قسم المتن) .
3 . مجمع الفائدة: 10/248 ـ 249.
4 . الوسائل: 12، الباب 10 و 12 من أبواب البيع وشروطه، الحديث2و13.

صفحه 76
أمّا المجهول الذي يؤول إلى العلم ولو بعد ساعة أو يوم أو شهر، فلا بأس بالقول بالصحة، لكون المعاملة عقلائية أولاً والإطلاقات شاملة لها وليس الجهل المؤقت مانعاً عن الصحة لعدم الفرق عند العقلاء بين العلم من بدء الأمر أو العلم بعد مدة، من غير فرق بين أن يكون المجهول مشاهداً أو غير مشاهد، فالحق هو التفريق بين المجهول الذي لا يؤول إلى علم أو يؤول إليه لا التفريق بين المشاهد وغير المشاهد.
وأمّا تصحيح المضاربة بمال مجهول مطلقاً، بما ذكره الشيخ، من كون المرجع هو قول العامل قدراً وربحاً عند التنازع، فهو فرع كون المعاملة عقلائية وشمول الإطلاقات له، على أنّ المفروض فيما إذا لم يؤل إلى علم، فالاعتماد على قول العامل إن كان لكونه أميناً فهو يرجع إلى القسم الثاني الذي يمكن فيه تحصيل العلم، وإلاّ فالدخول في هذه المعاملة بحجّة أنّ المرجع هو العامل مع فرض كونه ليس أميناً في تعيين المقدار، معاملة سفهية وغررية، ولأجل كون المسألة ذات صورتين احتاط السيد المحقق الخوئي في المسألة وقال: على الأحوط الأولى، نعم أفتى السيد الطباطبائي في المتن باشتراط كونه معلوماً مدة ووصفاً ولاتكفي المشاهدة وإن زال به معظم الغرر (1).

الشرط الرابع: أن يكون متعيناً:

قال المحقق: فلو أحضر مالين وقال: قارضتك بأحدهما أو بأيّهما شئت لم ينعقد بذلك قراض (2). قال العلاّمة: لو دفع إليه كيسين، وقال: قارضتك على أحدهما، والآخر وديعة ولم يعيّن، أو قال: قارضتك على أيّهما شئت، لم يصح (3).

1 . العروة الوثقى: 2/427، كتاب المضاربة، الشرط الثالث تعليقة السيد الخوئي.
2 . الجواهر: 26/359 (قسم المتن) .
3 . مفتاح الكرامة: 7/445، (قسم المتن) .

صفحه 77
وقال في التذكرة: الثالث أن يكون معيناً، فلو أحضر المالك العين، وقال للعامل: قارضتك على إحدى هاتين الألفين، أو على أيّهما شئت، لم تصحّ لعدم التعيين (1).
وقال الأردبيلي: كان دليل اشتراط الحضور بالمعنى المذكور هو إجماعنا فتأمّل. وقال أيضاً: عدم الجواز بأحد الألفين مثلاً كأنّه الإجماع والجهالة في الجملة ولكن كونه مضرّاً غير ظاهر (2).
وقال في مفتاح الكرامة: قد تُرِك اشتراط ذلك الشرط في جميع ما عدا الكتب العشرة المذكورة، ويريد من العشرة: التحرير، جامع المقاصد، التذكرة، الإرشاد، والروض، ومجمع البرهان، والمبسوط، والمهذّب، والشرائع، والمسالك (3).
وقال السيد الطباطبائي: الرابع أن يكون معيّناً، فلو أحضر مالين، وقال: قارضتك بأحدهما أو بأيّـهما شئت، لم ينعقد إلاّ أن يعيّن ثم يوقعان العقد عليه، وقال السيد الخوئي في تعليقته: على الأحوط ولايبعد عدم اعتباره.
وقد استدل في الجواهر على اعتباره بأنّ المبهم لاوجود له في الخارج وتلزم موقوفية العقد مع التخيير إلى حال وقوعه، وليس في الأدلة ـ حتى الإطلاقات ـ مايدل على مشروعية ذلك، بل لعلّ الأدلّة، قاضية بخلافه ضرورة ظهورها في سببية العقود وعدم تأخر آثارها عنها وجعل الخيار كاشفاً عن مورد العقد من أوّل الأمر، لا دليل عليه، لكونه مخالفاً للأصل ومن هنا لم يحك خلاف في البطلان حتى من القائلين بالجواز مع الجهالة (4).

1 . التذكرة: 2/231 ـ 234 و 248.
2 . مجمع الفائدة والبرهان: 10/234 و 248.
3 . مفتاح الكرامة: 7/444.
4 . الجواهر: 26/359.

صفحه 78
يلاحظ عليه: أنّ النكرة وإن لم يكن موجوداً في الخارج، في النظرة الفلسفية لكنّها ليست كذلك في النظرة العرفية فالعرف يراها موجوداً في الخارج، بشهادة أنّه يرى مفهوم أحد الكيسين منطبقاً على الخارج، وكفى في ذلك قوله سبحانه ناقلاً عن لسان شعيب النبيّ (عليه السلام): (إنّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إِحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أنْ تَأْجُرَني ثَمانِـيَ حِجَج) (القصص ـ 27) خصوصاً على القول بأنّ قوله هذا كان عقداً، لااقتراحاً منه لموسى (عليه السلام) والمعاملات أُمور عرفية، وليست أُموراً عقلية، فإذا كان العقد أمراً عقلائياً، يكفي في صحته، شمول عمومات المضاربة إذا لم يصادم سائر الأُصول.
ولامانع من أن يكون العقد جزء العلة ويتم العقد باختيار العامل أحد الكيسين، والقول بعدم انفكاك الأثر من العقد من باب قياس الأُمور الاعتبارية بالعلل التكوينية ولم يثبت كون العقد في عالم الاعتبار موثّراً تامّاً في حصول الأثر، بشهادة التمليك في الوصية في ظرف العقد، ولكنّها تحصل بعد الموت، ومثله التدبير، أعني قوله: أنت حر بعد وفاتي، والظاهر عدم اعتباره.
نعم، لا فرق بين أن يكون مشاعاً أو مفروزاً بعد العلم بمقداره ووصفه، فلو كان المال مشتركاً بين شخصين، فقال أحدهما للعامل: قارضتك بحصتي في هذا المال، صحّ مع العلم بحصته من ثلث أو ربع، وكذا لو قال للمالك مائة دينار مثلاً، قارضتك بنصف هذا المال، صحّ.

الشرط الخامس: أن لايكون رأس المال بمقدار يعجز العامل عن التجارة به.

الغاية من المضاربة هي التجارة برأس المال، وهي المقوّمة لها، فإذا كان رأس المال بمقدار يعجز العامل عن التجارة به إمّا لاشتراط المباشرة وهو عاجز

صفحه 79
عن القيام بها مباشرة، وإن كان قادراً إذا استعان فيها بالغير، أو لعجزه مطلقاً، حتى مع الاستعانة بالغير، يقع الكلام في الأُمور التالية:
1 ـ صحة العقد وبطلانه:
2 ـ على القول بالبطلان هل الربح للمالك أو العامل.
3 ـ فعلى القول بأنّ الربح للمالك فهل للعامل أُجرة المثل أو لا ؟
4 ـ إذا تلف فهل العامل ضامن أو لا ؟
وعلى كل تقدير فإمّا أن يكونا عالمين أو جاهلين، أو المالك عالماً والعامل جاهلاً أو بالعكس فنقول: قال المحقق: وإذا أخذ من مال القراض مايعجز عنه ضمن (1).
أقول: أمّا الأوّل أعني حكم العقد فيمكن أن يقال: إنّ القدرة على التجارة بمال المضاربة من مقوّماتها، فإذا كان عاجزاً عن القيام يبطل العقد لعدم المقوّم كما هو الحال في الاستئجار والوصاية، فلو تبيّن عجز الأجير والوصي يكشف عن بطلانه من غير فرق بين كونهما عالمين أو جاهلين، أو أحدهما عالماً والآخر جاهلاً لأنّ القدرة شرط واقعي لصحة العقد وليس العلم والجهل مؤثرين فيهما.
وأمّا الثاني فإنّ الربح تابع للأصل فإذا كان المال للمالك يتبعه الربح، من غير فرق بين كونهما عالمين أو جاهلين أو مختلفين.
وأمّا الثالث أعني أُجرة المثل للعامل، فلأجل احترام عمل المسلم ولكن ربّما يشترط في استحقاقها عدم كون العامل عالماً بفساد العقد سواء كان المالك عالماً أم جاهلاً، فعلم العامل وجهله يؤثران في استحقاق أُجرة المثل وعدمه، وأمّا علم المالك وجهله فليسا بمؤثرين في استحقاق أُجرة المثل وعدمه، فإذا كان العامل عالماً بفساد العقد ومع ذلك اتَّجر بعقد فاسد، فقد سلب احترام عمله وأقدم على

1 . الجواهر: 26/360. (قسم المتن) .

صفحه 80
بذل عمله مجاناً.
ولكن الحق أن يقال: إنّه لم يقدم على بذل ماله بالمجان ولم يسلب حرمة عمله، بشهادة أنّه شرط المشاركة في الربح. فالعلم بفساد العقد لايلازم سلب حرمة عمله كما هو الحال في كل عقد فاسد لم يُقدم الإنسان على بذل المال مجاناً مثل الإجارة وغيرها، نعم قوّى السيد الطباطبائي في كتاب الإجارة، عدم الضمان في صورة العلم بالبطلان فقال: «وكذا في الإجارة على الأعمال إذا كانت باطلة، يستحق العامل أُجرة المثل لعمله دون المسماة إذا كان جاهلاً، وأمّا إذا كان عالماً، فيكون هو المتبرع بعمله سواء كان بأمر من المستأجر أو لا، فيجب عليه ردّ الأُجرة المسمّاة أو عوضها ولايستحق أُجرة المثل (1).
ولكن الحق، التفصيل بين ما إذا كان الفساد مستنداً إلى كون الإجارة بلا أُجرة فبما أنّ مثل هذا فاسد ومفسد لكونه مخالفاً لمقتضى العقد، فلا يستحق الأُجرة، عالماً كان بالفساد أو لا، لأنّه هتك حرمة ماله، ومثله ما إذا جعل مال الغير أُجرة العمل مع علم الأجير له، وأمّا ما سوى ذلك، فالأقوى هو الضمان لأنّه لم يسلّطه على المنفعة مجاناً حتى يكون خارجاً من أدلة الضمانات ولم يهتك حرمة ماله وإن علم فساده شرعاً.
وأمّا الرابع أعني الضمان، فالظاهر أنّه غير ضامن، لكونه من مصاديق «ما لا يضمن بصحيحه لايضمن بفساده» فإنّ مال المضاربة غير مضمون على العامل في المضاربة الصحيحة فلا يكون مضموناً عليه في الباطلة، ففي صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «صاحب الوديعة والبضاعة مؤتمنان»، وقال (عليه السلام) : «ليس على مستعير عارية ضمان، وصاحب العارية والوديعة مؤتمن»(2).

1 . العروة الوثقى: كتاب الإجارة، المسألة 16.
2 . الوسائل: 13، الباب1، من أبواب كتاب العارية، الباب 1، الحديث6.

صفحه 81
ثم إنّ هناك تفصيلين:
الأول: ما ذكره سيد مشايخنا المحقق البروجردي من التفصيل في المسألة وحاصله: هو صحة العقد فيما يقدر، وبطلانه فيما لايقدر سواء أخذ مال القراض دفعة أو تدريجاً. قال (قدس سره) : اعتبار القدرة على العمل في تحقق المضاربة عقلاً، لتقوّمها بالمال والعمل، وعدمها (في المقام) بالنسبة إلى جميع المال لكثرته، لايوجب بطلانها، فيما يقدر عليه ويبذله من العمل في بعضه، فالأقوى صحّتها بالنسبة إلى مايقدر عليه، واستحقاق العامل فيما يعمل به، حصتَه من الربح، بل الأمر في الإجارة أيضاً كذلك، وإن كان بينهما فرق من جهة أُخرى. نعم يكون للمستأجر مع جهله خيار التبعّض.
يلاحظ عليه: أنّ هنا معاملة ومضاربة واحدة بالمال المشخص المعلوم، لا تتكثر ولا تتعدد، فكيف يصح التبعيض في الصحة فيصح فيما يقدر، ويبطل فيما لايقدر، خصوصاً فيما إذا كان مايقدر أقل بكثير ممّا لايقدر فهل يمكن هناك استكشاف رضى المالك بالعقد على الأقل الذي لاينفع؟
نعم، لو علم من قرينة خارجية أنّ هناك مطلوبين متعدّدين، فلا مانع من القول بالتبعيض في الصحة وعلى ذلك ينقلب الحكم في المواضع الأربعة فتصح المضاربة فيما يستطيع، ويكون الربح بينهما لا لخصوص المالك، ولاتكون للعامل أُجرة المثل، كما لايكون ضامناً فيما يقدر، لكونه أميناً فيه ومنه يظهر النظر في ما أفاده المحقق الخوئي (قدس سره) من التصحيح في ما يقدر مطلقاً، بحجّة أنّ المضاربة كغيرها من العقود تنحل إلى عقود متعدّدة على أجزاء رأس المال وإن كان بحسب الإنشاء واحدة، وحالها في ذلك، حال سائر العقود، وحيث إنّ المفروض أنّ العامل ليس بعاجز عن التجارة بجميع أجزاء ذلك المال، وإن كان عاجزاً عن

صفحه 82
الاتّجار بمجموعه، فلا موجب للحكم بالبطلان من رأس وفي جميع المال (1).
وذلك لأنّ القول بانحلال العقد حسب أجزاء المال أمر غير عرفي، فلو ضارب الرجل بمليون ريال، فعلى الانحلال أنّ هناك مضاربات بعدد الريالات وهو كما ترى بل الحق، ملاحظة المقدور ومقايسته مع غير المقدور فإذا استكشف تعدد الرضاء، والمطلوب وأنّ المضارب راض أيضاً بالمضاربة بالقليل مع ترك الكثير، فللصحة مجال وإلاّ فلا.
وبذلك يظهر أنّ الميزان استكشاف تعدد الرضا والمطلوب سواء كان المقدار المقدور متميزاً عن غير المقدور أو لا، فما أفاده ذلك المحقق في ذيل كلامه من عدم الريب في صحة المعاملة بالنسبة إلى المقدور، غير واضح إذا كان رضاؤه مشروطاً بالمعاملة مع الكل. وإلاّ فتصح المعاملة مع الأقل وإن لم يكن متميزاً.
الثاني: التفصيل بين ما إذا أخذ الجميع دفعة وما إذا أخذ مايقدر أوّلاً وما لا يقدر ثانياً، فيحكم بالبطلان إذا أخذ الجميع دفعة، وبالصحة إذا أخذ مايستطيع معه على التجارة أوّلاً ثم أخذ ما يعجز عن التجارة به ثانياً ولكن لم يمزجه بما أخذه أولاً. حكاه في المسالك وقال: وربّما قيل: إنّه إن أخذ الجميع دفعة فالحكم كالأوّل وإن أخذ مقدوره، ثم أخذ الزائد ولم يمزجه به ضمن الزائد خاصة (2).
يلاحظ عليه: بما لوحظ على الأوّل، فإنّ هناك عقداً واحداً وتعهداً فارداً، فلو كان العجز من التجارة بتمامه مانعاً عن صحّة أصل المضاربة، فكل ما يأخذه من هذا المال دفعة أو تدريجاً مبنيّ على العقد الفاسد فيكون الأخذ دفعة وتدريجاً على حدّ سواء، ولو كان مانعاً عن الصحة بالنسبة إلى الزائد على القدر المستطاع فمقتضاه وإن كان هو التفصيل، لكن نسبة العجز والقدرة بالنسبة إلى ما أخذه

1 . مباني العروة الوثقى: 3/30.
2 . المسالك: 1/297.

صفحه 83
أوّلاً وما أخذه ثانياً على حدّ سواء، لاترجيح لأحدهما على الآخر، وما ذكره السيد الطباطبائي في تقوية هذا القول بأنّ الأوّل وقع صحيحاً والبطلان مستند إلى الثاني وبسببه، والمفروض عدم المزج، غير تام وذلك لأنّ المفروض وحدة المضاربة، فليس ما أخذه بقدر المقدور متعلقاً بمضاربة مستقلة، فإذا ضمّ إليه ما لا يستطيع، تكون نسبة الجميع إلى العقد على حدّ سواء.
وبعبارة أُخرى أنّه يأخذ المقدور وغير المقدور بنيّة العقد الواقع أوّلاً، فلاوجه لتفكيك ما أخذه أوّلاً عمّا أخذه ثانياً، خصوصاً إذا كان كل واحد ممّا أخذ مقدوراً له، وإن كان الجميع غير مقدور. اللّهمّ إذا كان هناك قرينة تكشف عن تعدّد المطلوب والرضاء فيصح في المقدور كما مرّ وعندئذ لافرق بين الأخذ دفعة أو تدريجاً، وحمل الأخذ الأوّل على وقوع المضاربة معاطاة، خلاف المفروض وإلاّ فيكون في المقام مضاربتان حقيقة.

لو ضارب بما في يد الغاصب معه:

ولو كان مال المضاربة في يد غاصب فإذا ضاربه المالك عليه فهل يصح العقد أو لا ؟ وعلى فرض الصحة هل يبطل الضمان أو لا ؟
أمّا صحة المضاربة، فلا إشكال فيه إذا كان مال القراض جامعاً للشرائط، وأمّا بطلان الضمان، فلأجل أنّه مع عقد المضاربة ينقلب العنوان فيصير الغاصب عاملاً أميناً معامليّاً لا أميناً تبرعياً كالودعي فيترتب عليه كل مايترتب على الأمين المعاملي، وأمّا استظهار الضمان من قوله(عليه السلام): «على اليد ما أخذت حتى تؤدي» باعتبار عدم حصول الأداء، فالجواب: أنّه منصرف إلى ما إذا كان الغاصب باقياً على غصبه لا ما إذا انقلب العنوان منه إلى عنوان آخر.
وبذلك يظهر أنّه لا وجه لما يقال من أنّه إنّما يرتفع الضمان إذا اشترى به

صفحه 84
شيئاً ودفع المال إلى البائع، ولأنّه قد قضى دينه بإذنه، وذلك لما عرفت من أنّ المضاربة تقلِّب اليد عن العدوانية إلى الأمانية فينقلب الحكم، وبذلك يظهر حكم الرهن إذا كان عند الغاصب ثم رضي المالك بكونه رهناً له في مقابل دينه، فإنّه يرتفع به الضمان.

لو اختلفا في قدر رأس المال :

قال المحقق: لو اختلفا في قدر رأس المال فالقول قول العامل مع يمينه، لأنّه اختلاف في المقبوض (1).
أقول: توضيح المسألة وتحقيقها هو أنّ لها صورتين:
1 ـ إذا تنازع المالك والعامل في مقدار رأس المال الذي أعطاه للعامل وكان النزاع مركّزاً عليه فقط، قُدِّم قولُ العامل بيمينه مع عدم البيّنة، من غير فرق بين كون المال موجوداً أو تالفاً مع ضمان العامل، لأصالة عدم إعطائه أزيد ممّا يقوله، وأصالة براءته إذا كان تالفاً من الأزيد.
2 ـ أن يكون النزاع في مقدار رأس المال راجعاً إلى نزاع آخر وهو النزاع في مقدار نصيب العامل من الربح، كما إذا علم مقدار المال الموجود فعلاً بيد العامل وأنّه ألفا دينار مثلاً، واختلفا في مقدار نصيب العامل منه، لأجل الاختلاف في مقدار رأس المال، بأن يدّعي المالك أنّ رأس المال هو الألف، والألف الآخر هو الربح، فلكلّ واحد خمسمائة دينار ـ بناءً على أنّ الربح بينهما بالتناصف ـ، وادّعى العامل أنّ رأس المال هو ثمانمائة دينار وأنّ الربح هو ألف ومائتا دينار، فلكلّ واحد ستمائة دينار، فذهب المحقق إلى أنّ القول قول العامل بيمينه، لأنّه يرجع إلى اختلاف المقبوض، وفي الواصل إليه والداخل تحت سلطانه بالتصرّف فيه،

1 . الجواهر: 26/363 (قسم المتن) .

صفحه 85
فالمالك يدّعي الأكثر والعامل الأقل، والأصل عدم دخول الزائد تحت سلطانه، فيكون هو المنكر والمالك هو المدّعي، فالقول قول المنكر لو لم يقم المدّعي البينة.
ويمكن أن يقال: إنّ ما ذكره يتمّ في الصورة الأُولى أعني إذا كان النزاع مركّزاً على مقدار رأس المال وكان الربح معيّناً لا نزاع فيه، وأمّا إذا كان النزاع فيه راجعاً إلى النزاع في مقدار نصيب العامل من هذا المال الموجود فلا، لأنّه على تقدير قلّة رأس المال يصير مقدار الربح له أكثر فيكون نصيب العامل أزيد، وعلى تقدير كثرته، يكون بالعكس، ومقتضى الأصل كون جميع هذا المال للمالك إلاّ بمقدار ما أقرّ به للعامل.
وبعبارة أُخرى أنّ الاختلاف في مقدار رأس المال، واجهة لادّعاء أنّه يستحق شيئاً كثيراً من المال الموجود والمالك ينكره، وقد تسالموا على الألف، وهو يدّعي أزيد منه بمائتين والأصل عدمه.
ويظهر سرّ ذلك إذا وقفنا على أنّ المال أصله وفرعه ملك للمالك بالأصالة ومنه ينتقل إلى العامل وبما أنّ الفرع تابع للأصل والمقدار المسلّم الخارج منه هو ما تسالما عليه، فالزائد عليه يحتاج إلى الدليل. وإلى ذلك يشير صاحب الجواهر بقوله: «ولأنّ الأصل مع بقاء المال يقتضي كون جميعه للمالك إلاّ ما أقرّ به للعامل»(1).
إن قلت: إنّ الأصل عدم دفع أزيد من ثمانمائة دينار إلى العامل فيتعين الباقي للربح.
قلت: إنّ الأصل غير مفيد لأنّ تعيّن الزائد للربح ليس أثراً شرعياً لعدم دفع أزيد من ثمانمائة، بل من لوازمه العقلية. ومثله الأصل الآخر أعني أصالة عدم

1 . الجواهر: 26/364، لاحظ العروة الوثقى: المسألة: 52، 60 من كتاب المضاربة.

صفحه 86
حصول الربح أزيد من مقدار ألف فيتعين الباقي كونه رأس المال، وذلك لأنّ تعيّن الباقي في كونه جزءاً لرأس المال ليس أثراً شرعياً لعدم حصول الربح الزائد بل هو لازم عقلي له.
إنّ ما ذكرناه مبنيّ على أنّ الميزان في تمييز المدّعي عن المنكر، إنّما هو م آل الدعوى ومرجعها وحاصلها فيكون المدّعي ـ على هذا ـ هو العامل. وأمّا إذا كان الميزان، هو مصبُّ الدعوى وظاهرها، فالعامل هو المنكر، والمالك هو المدّعي لموافقة قول العامل الأصل، ومخالفة قوله له فالأصل عدم كون رأس المال زائداً على ثمانمائة. وممّن تنبّه لذلك السيد عبد الهادي الشيرازي (قدس سره) في تعليقته على العروة فعلّق على قول السيد: «هذا إذا لم يرجع نزاعهما إلى النزاع في مقدار نصيب العامل من الربح» قوله: «وكذا إذا رجع إليه إذا كان مصبّ الدعوى، النزاعَ في مقدار رأس المال كما هو المفروض»، ولعلّه لأجل ذلك تأمّل سيد مشايخنا البروجردي (قدس سره) في تعليقته وقال: محلّ تأمّل وإشكال.
والمرجع عندنا في باب تمييز المدّعي عن المنكر، هو العرف لا الأُصول العملية، ولا الظواهر، ولا مصب الدعوى وعلى هذا، فالعرف يتلقّى العامل مدّعياً والمالك منكراً.
نعم، إذا اختلفا في حصول الربح وعدمه فالقول قول العامل، أو اتفقا في مقدار رأس المال وادّعى العامل أنّه ربح ألف، والمالك ربح أزيد، فالقول قوله أيضاً.
وأمّا إذا اختلفا في مقدار الحصة وأنّه النصف أو الثلث، فالقول قول المالك.
***

صفحه 87

الفصل الرابع:

في الربـح

إنّ الربح من أركان المضاربة، فالغاية من تشريعها هو الاسترباح، فيقع الكلام حوله في أُمور:

الأوّل: للعامل حصّة من الربح لا أُجرة المثل:

إذا كان رأس المال من المالك والعمل من العامل فهناك شركة بين المال والعمل، فالذي يقابل العمل هو حصة من الربح حسب ما اتفقا عليه، ولا تقابله أُجرة المثل أبداً، وليس للمالك الخيار بين إعطاء حصة من الربح حسب الاشتراط أو أُجرة المثل، بل ليس له إلاّ العمل على الاتّفاق والاشتراط، ودفع حصّة العامل من الربح، وعليه جمهور الفقهاء من الطائفتين بل هو قول جميع المسلمين كما في الروضة إلاّ قليلاً من أصحابنا كما في المسالك والكفاية وإلاّ شواذاً من أصحابنا كما في المفاتيح وعليه الإجماع كما في السرائر، وهو المشهور كما في المهذب البارع والمقتصر، والمشهور المفتى به كما في التنقيح (1).

1 . مفتاح الكرامة: 7/487.

صفحه 88
نعم، خالف المفيد والشيخ الطوسي وأبو الصلاح وسلار، ولم نجد مخالفاً غير هؤلاء الأربعة. قال المفيد: وإذا دفع الإنسان إلى تاجر مالاً ليتّجر به عليأنّالربح بينه وبينه، لم ينعقد بذلك بينهما شركة، وكان له أُجرة مثله في تجارته(1).
وظاهره أنّ المضاربة عنده عقد فاسد، بشهادة قوله: لم ينعقد بذلك بينهما شركة، فيرجع في مقابل العمل إلى أُجرة المثل كما هو الحال في الإجارة الفاسدة، فإنّ للأجير عندئذ أُجرة المثل، ولم نقف لحدّ الآن على دليله على فساد المضاربة مع تضافر الروايات على صحّتها وتطابق السيرة على العمل بها.
قال الشيخ: ... وأعطاه المال ليضارب له به، كان للمضارب أُجرة المثل. وكان الربح لصاحب المال والخسران عليه، وقد روي أنّه يكون للمضارب من الربح مقدار ما وقع الشرط عليه من نصف أو ربع أو أقل أو أكثر، وإن كان خسراناً فعلى صاحب المال (2).
ولا يمكن حمل كلام الشيخ على المضاربة الفاسدة بشهادة أنّه قال: وقد روي أنّه: «يكون للمضارب من الربح بمقدار ما وقع الشرط عليه» ومن المعلوم أنّ الروايات وردت في مورد المضاربة الصحيحة، ولم يعلم لحدّ الآن كيف ترك الشيخ العمل بما رواه هو وغيره في مسانيدهم، فإنّ روايات الباب مطبقة على أنّ العامل ينتفع بحصّة من الربح لا بأُجرة المثل، ومع ذلك فقد أفتى في بعض الموارد على خلافه، وقال: ومتى اشترى المضارب مملوكاً، فكان أباه أو ولده، فإنّه يقوّم عليه، فإن زاد ثمنه على ما اشتراه انعتق منه بحساب مايصيبه من الربح(3).

1 . المقنعة: 632.
2 . النهاية: 428.
3 . النهاية: 430.

صفحه 89
وقال أبو الصلاح: وإمضاء شرطها أفضل، فإن تنازعا فللمضارب أُجرة مثله (1) وقوله صريح في أنّ للمالك الخيار في نقض العقد، ودفع أُجرة المثل، ولكن العمل بالعقد أفضل، وهو عجيب.
وقال سلاّر: والمضاربة أن يسافر رجل بمال رجل فله أُجرة مثله ولا ضمان عليه (2).
وعلى كلّ تقدير فهذا القول وإن صدر من المشايخ العظام، قول شاذ في مقابل إطباق الفقهاء وسيرة المسلمين على أنّ العامل ينتفع بحصة من الربح لا بأُجرة المثل. فلاحظ الباب الثاني من أبواب أحكام المضاربة وغيره ونحن في غنى عن سرد الروايات.

الثاني: تعيين حصة العامل والمالك :

ومن شروط صحة المضاربة تعيين حصة العامل، قال العلاّمة: ومن الشروط أن تكون الحصة لكل منهما معلومة (3).
وقال الخرقي في متن المغني: ومن شرط صحة المضاربة، تقدير نصيب العامل لأنّه يستحقه بالشرط فلم يقدر إلاّ به، ولو قال: خذ هذا المال مضاربة ولم يسمّ للعامل شيئاً من الربح، فالربح كلّه لربّ المال، والوضيعة عليه، وللعامل أُجرة مثله (4).
وعلّله المحقق الأردبيلي بأنّ عدم التعيين مستلزم للجهل الموجب للبطلان،

1 . الكافي: 347.
2 . المراسم: 182.
3 . التذكرة: 2/235.
4 . المغني: 5/142.

صفحه 90
ويمكن أن يقال: إنّ الغاية من المضاربة هو تملّك كل واحد من المالك والعامل حصّة من الربح، والمملوك يجب أن يكون متعيّناً، والمبهم والمردّد بين الثلث والربح وغيرهما لايكون مملوكاً، مضافاً إلى ما ذكر من حديث الغرر، والرجوع الى أُجرة المثل خلاف مقتضى المضاربة، وإنّما يرجع إليها إذا فسدت والمقصود في المقام هو تحديد المضاربة الصحيحة.

إذا جعل لأحدهما شيئاً معيّناً والباقي بينهما :

ولو شرط لأحدهما شيئاً معيناً، والباقي بينهما، بأن يقول المالك: لي من الربح عشرة دنانير وما بقي بالمناصفة، فقد حكم المحقّق بأنّه يفسد وعلّله بعدم الوثوق بحصول الزيادة، فلا تتحقق الشركة، وقال العلاّمة: ويشترط في الربح الشياع، فلو شرط إخراج معيّن من الربح والباقي للشركة بطل.
وعلّله المحقق الأردبيلي بقوله: يشترط كون كلّ جزء جزءاً مشتركاً، وكأنّه لاخلاف في هذا الشرط، وكونه داخلاً في مفهوم المضاربة (1).
وعلّله في الجواهر: بعدم ثبوت مايدلّ على الصحة في الفرض ضرورة اقتصار النص والفتوى على صحّة المشتمل على اشتراك جميع الربح بينهما على جهة الإشاعة بنحو النصف والثلث والربع، وما يؤدّي مؤدّاها، ومنهما ينقدح الشك في تناول الإطلاقات له، هذا مع قطع النظر عن ظهور النصوص في البطلان ولو لظهورها في اعتبار الشركة الإشاعية في جميع الربح، فضلاً عن صريح الفتاوى فحينئذ يبطل القراض، وإن وثق بالزيادة لعدم اشتراك جميع الربح بينهما حينئذ بعد اختصاص أحدهما بشيء معيّن منه (2).

1 . مجمع الفائدة والبرهان: 10/250 ـ 251.
2 . الجواهر: 26/367.

صفحه 91
يلاحظ على ما ذكره المحقق: أنّه ربّما يحصل الوثوق بأنّ الشركة ستربح أكثر بكثير ممّا شرط لأحدهما معيّناً، نعم يتم ما ذكره فيما إذا لم يحصل الوثوق وهو خلاف الفرض.
ويلاحظ على ما ذكره صاحب مجمع الفائدة وصاحب الجواهر من اعتبار الشركة الإشاعية في جميع الربح في حقيقة المضاربة: بأنّه دعوى بلا دليل، فإنّ المعتبر في المضاربة هو أن يكون لكلّ من المالك والعامل سهم من الربح مقابل البضاعة حيث لا يكون للعامل فيها سهم ومقابل القرض حيث لا يكون للمالك فيه سهم، بخلاف المضاربة، فإنّ لكل واحد سهماً من الربح، والمفروض تحقّق ذلك ولو بالإشاعة في غير ما عيّن، وإن شئت قلت: إنّ إخراج عشرة دنانير من الربح يرجع إلى استثناء خمسة دنانير من الإشاعة فكأنّه قال: الربح بينهما مشاع إلاّ في خمسة دنانير.
والعجب أنّ السيد الطباطبائي أفتى في المقام ببطلان المضاربة، وقال: فلو جعل لأحدهما مقداراً معيّناً والبقية للآخر، أو البقية مشتركة بينهما لم يصح، مع أنّه أفتى في المساقاة بخلاف ذلك (1).
وحاصل الكلام: أنّ إطلاق العقد يقتضي المشاركة بالإشاعة في كل جزء جزء من الربح، وهو لايمنع عن تقييد الإطلاق بتخصيص شيء معيّن من الربح للمالك أو العامل والاشتراك بالإشاعة في البقية، وليست الإشاعة في كل جزء، جزء من مقومات المضاربة وحدودها العرفية حتى يكون الشرط مخالفاً لمقتضى العقد، وبذلك تظهر صحّة قسم آخر وهو أن يجعل لأحدهما مقداراً معيّناً والبقية

1 . انظر العروة الوثقى، كتاب المساقاة في شرائط المساقاة، قال: التاسع وكذا لو اشترط اختصاص أحدهما بأشجار معلومة والاشتراك في البقية. أو اشترط لأحدهما مقدار معيّـن مع الاشتراك في البقيّة إذا علم كون الثمر أزيد من ذلك المقدار وأنّه تبقى بقية.

صفحه 92
للآخر، لما ذكرنا من أنّ الإشاعة من مقتضيات مطلق المضاربة وإطلاق العقد، لا من مقومات حقيقتها، وعلى ذلك فكل شرط لم يكن مخالفاً لمقتضى العقد أو حكم الكتاب والسنّة، أو لم يكن غررياً ولا ربوياً ونحوهما، يكون نافذاً بحكم أدلّة الشروط وإطلاقات وجوب الوفاء بالعقد.

إذا جعل جزءاً من الربح لأجنبي:

إذا شرط جزء من الربح لأجنبي عنهما أو لعبد واحد منهما فهل يصح أو لا؟ أقوال، وإليك صور المسألة:
1ـ أن يجعل جزء من الربح لأجنبي عنهما، ولكن كان له عمل مخصوص في المضاربة بأن يحمل لهم المتاع إلى السوق، أو أن يدلّل عليه، ونحوه من الأعمال الجزئية المضبوطة، فلو أطلق عليه الأجنبي عند ذاك، فلأجل أنّ العامل عبارة عمّن كان قائماً بجميع الأعمال، لا ما ينحصر عمله في الحمل والنقل أو في المحاسبة ونحوهما، فالظاهر صحّته لأنّ الأجنبي لا يعمل تبرّعاً بل لغاية الأُجرة فيكون من مؤنة التجارة فلا فرق بين أن يقدّر أُجرته بشيء معيّن أو تكون أُجرته سهماً من الربح، اللّهمّ إلاّ أن يقال إذا كان الأجنبيّ خارجاً عن طرف المضاربة يكون أجيراً يجب أن تكون أُجرته معيّنة ولا تصحّ أن تكون سهماً من الربح لاحتمال عدمه.
2 ـ أن يجعل جزء لأجنبيّ من غير أن يُشترط عليه عمل متعلّق بالتجارة، قال الخرقي في متن المغني: وإذا شرطا جزءاً من الربح لغير العامل نظر، فإن شرطاه لعبد أحدهما أو لعبديهما صحّ وكان ذلك مشروطاً لسيده، فإذا جعلا الربح بينهما وبين عبديهما أثلاثاً كان لصاحب العبد الثلثان، وللآخر الثلث، وإن شرطاه لأجنبي أو لولد أحدهما أو امرأته أو قريبه وشرطا عليه عملاً مع العامل صحّ وكانا عاملين، وإن لم يشترطا عليه عملاً لم تصحّ المضاربة وبهذا قال الشافعي، وحكي

صفحه 93
عن أصحاب الرأي أنّه يصح، إلى أن قال: إنّ ربّ المال يستحقّ الربح بحكم الأصل، والأجنبي لايستحقّ شيئاً، لأنّه إنّما يستحق الربح بمال أو عمل، وليس هذا واحداً منهما، فما شرط لايستحقه فيرجع إلى ربّ المال كما لو ترك ذكره (1) .
والمستفاد من هذه الكلمات:
إنّ الثابت من القراض ما كان تمام الربح فيه مشتركاً بين المالك والعامل، واشتراك شخص ثالث في الربح يحتاج إلى دليل، وإليه يرجع ما نقلناه عن الخرقي.
يلاحظ عليه: أنّ مقتضى إطلاق العقد كون تمام الربح بينهما وهذا الأثر لا ينفك عنه ما دام العقد مطلقاً، فإذا قُيّد، يؤخذ بالتقييد ما لم يكن القيد مخالفاً لمقتضى العقد، أو مخالفاً للكتاب والسنّة، وانحصار الربح فيهما ليس من مقومات المضاربة عرفاً ولأجله لايعدّ شركة الدولة بمقدار الضريبة مخالفاً للمقتضى، والشاهد على ذلك أنّ العرف لا يراه مناقضاً لمفهوم المضاربة، وهذا بخلاف ما إذا باع بلا ثمن وآجر بلا أُجرة، حيث يرى اشتراط عدم الثمن والأُجرة مخالفاً لمفهومهما.
وهناك وجه آخر للبطلان ذكره المحقق الخوئي (قدس سره) من أنّه من قبيل تمليك المعدوم وليس لدينا عموم أو إطلاق يشمل تمليك ما لا يملك (2).
يلاحظ عليه: بأنّه لو كان من قبيل تمليك المعدوم لَعمَّ الإشكال للعامل فكيف يملك النصف للعامل مع أنّه غير موجود؟ والحلّ أنّ التمليك صحيح لوجود المقتضى، وإن لم يكن الربح موجوداً بالفعل، وإن شئت قلت: إنّه من قبيل التمليك المشروط وليس أمراً غريباً وكم له من نظير، وذلك كما في نذر النتيجة

1 . المغني: 5/146.
2 . مباني العروة الوثقى: 3/28.

صفحه 94
فإذا قال: لو أنتجت شاتي هذه توأمين فهما وقف للّه أو نذر لزوار ضريح الإمام، فالتمليك فعليّ مع أنّ المملوك غير موجود، ويكفي في التصحيح وجود المقتضى أو الاشتراط: أي إن أنتجت.
وهناك وجه ثالث وهو: أنّ مقتضى القاعدة تبعية المنافع بأكملها لرأس المال في الملكية وإنّما خرجنا عنها في المضاربة حيث يكون بعض الربح للعامل بالدليل الخاص، وحيث لا دليل على جواز الجعل للأجنبي يكون باطلاً لا محالة، بعد أن لم يكن له شيء من رأس المال أو العمل (1) وهو أيضاً محتمل كلام الخرقي.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره صحيح ولكنّه من آثار المضاربة المطلقة، لا مطلق المضاربة فلا مانع من تقييد الإطلاق بالشرط فيكون واجب الوفاء حسب الإطلاقات، والعمومات، فالربح تابع للمال، ولكنّه ليس على نحو لا يقبل الانفكاك بالاشتراط بدليل انفكاكه في مورد العامل، والحاصل أنّ كون الربح تابعاً للمال من قبيل المقتضي لا العلة التامّة.
ومنه تظهر حال ما إذا جعل سهم لعبد المالك، فلو قلنا بأنّه لايملك شيئاً فيكون راجعاً إلى سيّده.وإن قلنا بأنّه يملك، فيدخل فيما إذا جعل سهم للأجنبي.
***

الثالث: كون المال بيد العامل:

قال العلاّمة في التحرير: يشترط أن يكون رأس المال بيد العامل، ولو اشترط المالك أن يكون بيده لم يصح، وقال في القواعد: يشترط أن يكون مسلّماً في يد العامل، فلو شرط المالك أن تكون يده عليه لم يصح، أمّا لو شرط أن يكون مشاركاً في اليد أو يراجعه في التصرّف أو يراجع مشرفه، فالأقرب الجواز (2).

1 . مباني العروة: 3/27.
2 . مفتاح الكرامة: 7/446. (قسم المتن) .

صفحه 95
وقال في التذكرة: لو شرط المالك أن يكون الكيس في يده يوفي الثمن منه إذا اشترى العامل شيئاً جاز، وهو أوفق بأُصول المذهب لأنّه شرط سائغ لا يخالف كتاباً ولا سنّة وأنّه لو لم يشرع لزم تضرّر صاحب المال، إمّا بترك التجارة أو تسليم ماله إلى الخائن وكلاهما ضرر.
والتحقيق أن يقال: إنّ طبع المضاربة يقتضي أن يكون المال في يد العامل يتقلّب فيه على حسب المصلحة. غير أنّ ذلك مقتضى إطلاق العقد، لا مطلق عقد المضاربة، فلا مانع من أن يشترط أن يكون المال في يد المالك بحيث لايكون مانعاً عن التجارة، أو اختلالها.
وما ربما يقال من انتفاء المضاربة مع عدم استقلال العامل بالمال، منظور فيه لأنّ المعتبر عرفاً هو تمكّن المضارب من التجارة على أيّ نحو شاء، فلو استلزم كون المال بيد المالك عدم تمكّنه منها صحّ ما ذكر، وإلاّ فلا وجه للاشتراط مع صدق المضاربة. قال السيد العاملي: إنّ وضع المضاربة ومشروعيتها على أن يكون المال في يد العامل، كما أنّ وضع الشركة على أن يكون الربح تابعاً لرأس المال وليس ذلك شرطاً فيهما، لكن إذا اشترط في المضاربة أن يكون في يد المالك جاز، كما إذا اشترط التفاوت في الشركة فإنّه يجوز (1).

تعدد العامل مع وحدة المالك (2) :

لو تعدّد العامل مع وحدة المالك خصوصاً فيما إذا كان المال كثيراً لايقوم بحقّه شخص واحد يصح أن يقول: «ضاربتكما بهذا المال، ولكما النصف»، والدليل على الجواز السيرة وإطلاق الأدلة.

1 . مفتاح الكرامة: 7/446. (قسم المتن) .
2 . البحث عن هذه المسألة وما يليها في هذا الفصل استطراديّ فلاحظ.

صفحه 96
ثم إنّ مال كل منهما إمّا أن يكون متميزاً أو لا، فعلى الأوّل تكون مضاربتين مستقلّين، وإن كان الإنشاء واحداً لكلّ حكمه بخلاف ما إذا كان غير متميز، فإنّه مضاربة واحدة، قائمة بعاملين، لها حكمها الواحد.
وعلى هذا لو اتّفق فسخ المضاربة بفاسخ قهري أو اختياري وكان أحدهما قد عمل وربح والآخر بعدُ لم يعمل أو لم يربح، ففيما إذا كان المال متميزاً، فالربح بين العامل والمالك ولا صلة له للعامل الآخر الذي لم يعمل أو عمل ولم يربح، بخلاف ما إذا كان غير متميز فلو ربح أحدهما يستحق الآخر حصته، وإن لم يكن له عمل أو ربح، وهذا كما إذا كان متجر كبير، يتصدّى أحدهما للحبوب شراءً وبيعاً، والآخر للألبسة كذلك، فربح أحدهما دون الآخر مع كون رأس المال مشاعاً فيقسّم الربح الحاصل بين العاملين والمالك أثلاثاً مثلاً.
ثم إنّه يجوز أن يفضِّلَ المالك أحدهما على الآخر، وإن كان عملهما سواء، أو كان مختلفاً وذلك واضح فيما إذا كان المال متميزاً فيقارض أحدهما بنصف الربح والآخر بثلث الربح، ومثله ما إذا كان غير متميز وذلك للسيرة وإطلاق الأدلّة، لأنّ الربح أوّلاً بالذات للمالك فله أن يخصّ أحدهما بشيء أزيد، خصوصاً إذا كان أحدهما أليق من الآخر والمضاربة في صورة عدم تميّز المال وإن كانت واحدة لكن لا دليل على التسوية في الربح مع الاستواء في العمل، وما هو الركن أن يكون للعامل حصة من الربح، وأمّا استواء العاملين في الربح، فلا وكون القبول واحداً قائماً بهما لايستلزم تسوية القابلين في الربح.

تعدد المالك ووحدة العامل :

فكما جاز وحدة المالك وتعدد العامل، يجوز العكس فيجوز تعدّد المالك وتوحّد العامل، سواء كان المال مشاعاً من أول الأمر، أو متميزاً لكن أجاز المالك

صفحه 97
أن يخلط المال ويحصل الشركة بينهما، وأمّا إذا كان متميزاً وغير مخلوط فهو خارج عن موضوع البحث، يقول السيد الطباطبائي: وكذا يجوز مع عدم اشتراك المال بأن يكون مال كل منهما ممتازاً وقارضاً واحداً مع الإذن في الخلط (1). وجه الجواز، إطلاق الأدلة والسيرة، ثم إنّ الاختلاف في تقسيم الربح في المقام يتصوّر على وجهين:
1 ـ الاختلاف في جانب العامل، بأن يضاربه أحد المالكين بالنصف والآخر بالثلث والربع. وبالتالي يكون سهم المالكين مختلفاً ناشئاً من اختلاف سهم العامل، لا ابتداءً، بخلاف الشقّ: التالي فإنّ سهمهما يكون مختلفاً من بدء العقد.
2 ـ الاختلاف في جانب المالك، كما إذا قارضا واحداً واشترطا نصف الربح له ولكن تفاضل المالكان في النصف الآخر، بأن جعل لأحدهما أزيد من الآخر مع تساويهما في مقدار رأس المال، أو تساويا في الباقي مع تفاوتهما فيه.
أمّا الأوّل، فلا إشكال فيه، لأنّ لكل شريك ولاية على حصته فكأنّ أحد الشريكين قال للعامل: اتّجر بحصّتي ولك النصف، وقال الآخر: إتّجر بحصتي ولك الثلث، وإن شئت قلت: إنّ العقد الواحد ينحلّ إلى عقدين حكماً، فلكل عقد حكمه، وتكون نتيجة ذلك بعد إخراج سهم ربح العامل، هو تفاضل سهم المالكين، لأنّ النماء تابع للعين، فنصف الربح راجع إلى ذلك المالك، والنصف الآخر إلى المالك الآخر غاية الأمر أخرج كلٌّ عن ملكه ماعيّنه للعامل من الربح، فيؤدي أحدهما من الربح المختص بماله النصف للعامل، والآخر الثلثين من الربح المختص به وبالتالي يحصل التفاضل بين المالكين. قال السيد الطباطبائي (قدس سره): فإن كان من قصدهما كون ذلك للنقص على العامل بالنسبة إلى صاحب

1 . العروة الوثقى: كتاب المضاربة، المسألة: 27.

صفحه 98
الزيادة بأن يكون، كأنّه اشترط على العامل في العمل بماله، أقلّ مما شرطه الآخر له كأن اشترط هو للعامل، ثلث ربح حصته، وشرط له صاحب النقيصة ثلثي ربح حصته مثلاً مع تساويهما في المال فهو صحيح (1) فقد تسلّم أنّه لو كان هناك نقص على العامل، ينتفع به صاحب الشرط، لا الشريكان.
إنّما الكلام في الصورة الثانية أي فيما إذا كان الاختلاف ناشئاً من اتفاق المالكين على التفاضل فرضيا على أن يكون النصف الآخر من الربح بينهما أثلاثاً مع تساويهما في مقدار رأس المال أو أنصافاً مع اختلافهما فيه. ومنشأ الإشكال أمران:
1 ـ إنّ التفاضل على خلاف مقتضى الشركة فإنّ مقتضاها عدم التفاضل في الربح إذا تساويا في مقدار رأس المال.
2 ـ إنّه على خلاف مقتضى السنّة، لأنّـها دلّت على تبعية النماء للعين في الملك فربح مال كلّ أحد، له.
واشتراطه لغيره جزءاً أو كلاّ ً يحتاج إلى الدليل وتصحيحه بأدلّة الشروط غير صحيح، لأنّها غير مشرّعة وإنّما ينفذ بها كلّ شرط شرعي في نفسه، فما لم يكن سائِغاً بنفسه لايكون سائغاً بالشرط ولذا لم يلتزموا بصحة هذا الشرط في غير الشركة والمضاربة، كما لو باع متاعه لشخص على أن يكون ربحه من تجارته الأُخرى له على نحو شرط النتيجة (2).
يلاحظ على الأوّل: وجود الفرق الواضح بين كون أحد الشريكين صفر اليد وكونه، أقل نصيباً من الآخر، فالأول يخالف مقتضى العقد، دون الآخر.
والميزان في تمييز خلاف المقتضى عن عدمه، ظهور التناقض عند العرف

1 . العروة الوثقى: كتاب المضاربة، المسألة: 28.
2 . مستند العروة: 3/90.

صفحه 99
بعد الاشتراط كما إذا قال: بعت بلا ثمن. أو قال: آجرت بلا أُجرة وليس المقام كذلك، فلو قالا: ضاربنا واحداً، واتفقا على أن يكون سهم أحدهما من الربح أكثر من سهم الآخر لغرض من الأغراض فلا يعدّ مناقضاً.
وأُجيب عن الثاني، بالتفريق بين كون الحكم فعلياً من جميع الجهات فلا يمكن تغييره بالشرط وغيره، وكونه اقتضائياً وحينئذ لا مانع من اشتراط التفاضل لا في عقد الشركة ولا في غيره من العقود فيصح أن يشترط في المبيع التفاضل في النماء للمال المشترك، لأنّ تبعيته للمال حكم اقتضائي قابل للتغيير بالاشتراط في العقد.
يلاحظ عليه: أنّه مبنيّ على ما فسّره الشيخ: الشرط المخالف وغيره بتقسيم الأحكام على قسمين: فعلي واقتضائي، والأوّل منهما لايتطرق إليه التبدل أبداً لابالشرط ولابالنذر كالواجبات والمحرّمات، بخلاف المباحات وأُختيها، فإنّـها يتطرق إليها التغيير بطرو عناوين ثانوية، ثم مثّل لذلك بأمثلة.
ولكنّه غير تام، وذلك لأنّ الأحكام الشرعية فعلية مطلقاً لايتطرق إليها التبدّل والتغيّر مطلقاً، وليس فيما بأيدينا من الأدلة مايدل على تقسيم الأحكام إلى فعلية واقتضائية، وفي صحيحة عبد اللّه بن سنان: «المسلمون عند شروطهم إلاّ كل شرط خالف كتاب اللّه عزّ وجلّ فلا يجوز» (1) كيف وإنّ الإمام جعل اشتراط ترك التسري والتزوّج على الزوجة خلاف شرط اللّه.
وعلى ذلك، فلو دلّت السنّة على تبعية الربح للمال لا يمكن التجاوز عنه إلاّ بدليل كما في المضاربة حيث يكون العامل شريكاً لربّ المال من حين ظهور الثمرة.

1 . الوسائل: 12، الباب 6 من أبواب الخيار الحديث2 ولاحظ أحاديث الباب.

صفحه 100

ما هو الميزان للشرط المخالف والموافق؟

قد أوضحنا حال الأمرين عند البحث عن الشروط في ذيل الخيارات، وقلنا بأنّه ليس للتكليفين الإلزاميين ـ أي الوجـوب والحرمـة ـ إلاّ حالة واحدة فلو كان الشرط موجباً أو منتهياً إلى ترك الواجب أو ارتكاب الحرام فهو مخالف للكتاب والسنّة. إنّما الكلام في غير الإلزاميين فله صورتان:
1 ـ أن يكون الاشتراط تدخّلاً في مجال التشريع، كأن يلتزما بحرمة ما أباحه اللّه في كتابه وسنّة نبيه كحق التسري والتزوّج بامرأة أُخرى، بأن لايكون له ذلك الحق المشروع، فهذا من قبيل تحريم الحلال.
2 ـ أن يطلب منه العمل بأحد طرفي المباح ويتّفقا على ذلك، بلا تدخّل في مجال التشريع من الحكم والحق، فالشارط والمشروط عليه يتفقان على كون التسري حقاً للزوج ومباحاً من جانب الشارع، لكن يطلب الشارط أن يختار المشروط عليه أحد طرفي المباح كالفعل، أو الترك ومثل هذا لا يعد مخالفاً للكتاب والسنّة، وإلاّ لعاد جميع الشروط مخالفاً، مثلاً إذا باع داره واشترط على المشتري خياطة ثوب له فالخياطة بالذات مباحة يجوز له فعلها وتركها، ولكنّها بعد الاشتراط تصبح لازمة، ولا يعد مثل ذلك إيجاباً للمباح لأنّ الطرفين يتفقان على الحكم الشرعي وإنّما يتفقان على أنّ المشروط عليه، يختار من الطرفين جانب الفعل، لا الترك.
وعلى ضوء هذا تبيّن ما هو المخالف للشرع، فلو شرط كون الشريك مالكاً لجزء من سهم الشريك الآخر بظهوره من دون تمليك منه بل يملك بنفس هذا الاشتراط، فهذا مخالف للسنّة. نعم، لو كان الاشتراط على نحو شرط الفعل بأن يشترط تمليك أحد الشريكين قسماً من ربحه للآخر، فهو صحيح، وبعبارة أُخرى:

صفحه 101
شرط النتيجة مخالف للسنّة دون شرط الفعل لكن الثاني يتصوّر بوجهين:
1 ـ أن يكون المشترِط هو العامل كأن يشترط على أحد الشريكين ويقول: لا أُضارب بسهمك إلاّ أن تملك جزءاً من الربح الحاصل للشريك الآخر، ويطلب منه فعل ذلك، من دون تدخّل في حكم الشارع بكون الربح بالظهور للشريكين على نحو التساوي بل يشترط عليه أن يملِّك جزءاً منه للآخر، ولايلزم أن تكون فائدة الشرط عائدة إلى المشترط، بل يمكن أن يكون له غرض من الشرط وهذا هو الذي استند إليه صاحب المستمسك وأوضح حاله. لكن يلاحظ بأنّه خروج عن محطّ البحث. لأنّ مفروضه أنّ التفاضل مستند إلى اشتراط المالكين في عقد المضاربة لا إلى العامل.
2 ـ أن يشترط أحد المالكين على الآخر التفاضل في الربح، في نفس عقد المضاربة على نحو شرط الفعل، فهو وإن كان جائزاً في نفسه لكن نفس عقد المضاربة لايصححه، لأنّ العقد بين كل من المالكين والعامل لابين المالكين، والمالكان عند العقد مع العامل يقعان في طرف الإيجاب والعامل في طرف القبول، والشرط في كل عقد إمّا من الموجب على القابل، أو من القابل على الموجب، ولم يعهد الشرط من الموجب على الموجب (1) ولأجل ذلك لامحيص في مقام التصحيح من تمهيد شركة عقدية بين المالكين قبل عقد المضاربة ثم إيقاع المضاربة عليه، بأن يتفق الشريكان على أن يضاربا عاملاً بشرط أن يتفاضلا في الربح.
وبعبارة أُخرى اتّفقا قبل عقد المضاربة على أن يضاربا في المستقبل بشرط أن يملِّك أحد المالكين جزءاً من ربحه للمالك الآخر إذا ظهر الربح، وهذا لا

1 . وإلى ذلك الإشكال يشير المحقق البروجردي في تعليقته ويقول: الشركة بين المالكين، ليست شركة عقدية، حتى يقال بصحة اشتراط الزيادة فيها على القول بها هناك، وإنّما يكون العقد هنا، بين كل من المالكين، والعامل، لابين المالكين.

صفحه 102
إشكال فيه.
وإلى هذا التصحيح يشير بعض المحشّين للعروة بقوله: الظاهر توقّف الصحة هنا أيضاً على إيقاع عقد الشركة أوّلاً بين المالكين، متضمّناً لما ذكر من شرط التساوي أو التفاضل في الربح الحاصل لهما مع إيقاع عقد المضاربة بينهما، والعامل. ولايجوز الاكتفاء بعقد المضاربة وحده، واشتراط التساوي أو التفاضل المذكور في ضمنه. فتلخّص من هذا البحث الضافي، الأُمور التالية:
1 ـ أنّ المساواة في الربح ليست من مقتضى الشركة، حتى يكون التفاضل على خلاف مقتضى العقد.
2 ـ أنّ تبعية النماء للعين حكم فعلي، وليس حكماً اقتضائياً قابلاً للتغيّر بالنذر والشرط، وأنّ الأحكام واجباتها ومحرماتها ومستحباتها ومكروهاتها ومباحاتها لايتطرق إليه التغيّر بالعناوين الثانوية، فما عن الشيخ من التفريق بين الواجبات والمحرمات والثلاثة الأخيرة بتصوير الأُوليين فعليّتين من جميع الجهات، غير قابل للتغيّر بخلاف الثلاثة الأخيرة، فإنّها أحكام اقتضائية قابلة للتغيّر غير تام. لما قلنا في محلّه من أنّ الإمام عدّ ترك التزوّج والتسري مع كونهما من المباحات، مخالفاً للسنّة في الروايات، وكذا كون الولاء لغير المعتق.
3 ـ أنّ الطريق الواضح للتعرّف على الشرط المخالف للكتاب والسنّة، أنّه إذا كانت الغاية من الشرط هو التدخل في مجال التشريع، حتى في المباحات والمكروهات فكيف المحرمات والواجبات، فيجعل المباح حراماً والتزوّج والتسري محظوراً فهذا على خلاف الكتاب والسنّة، وأمّا إذا كانت الغاية من الشرط طلب أحد طرفي المباح منه، بأن يختار من المباح الفعلَ أو التركَ مع الالتزام بكون العمل مباحاً متساوي الطرفين في الشرع فهذا لا يكون على خلاف الكتاب والسنّة.
4 ـ وعلى ضوء هذا فلو كان المبدأ للتفاضل هو العامل، بأن يشترط العامل

صفحه 103
على أحد المالكين بأنّه لا يقبل المضاربة إلاّ بأن يدفع جزءاً من ربحه إليه، فهذا جائز ونافذ، ولكنّه خارج عن محل البحث، نعم لو شرط على نحو شرط النتيجة بأن يكون جزء من ربحه، للمالك الآخر بلا سبب سوى نفس هذا الشرط فهو على خلاف الكتاب والسنّة.
وأمّا إذا كان مبدأ الاختلاف هو نفس المالكين، فبما أنّهما طرفا الإيجاب، والعامل هو القابل فلا يدور الشرط إلاّ منهما إليه، أو منه إليهما، ولايصح من أحدهما على الآخر مع كون موقف كلّ، موجباً.
لكن، لو اتفقا على شركة عقدية قبل المضاربة، وتقبّلا بأن يدفع أحد الشريكين جزءاً من ربحه الحاصل بالمضاربة التي سيعقدانها مع العامل ثم يعقدان المضاربة على هذا الشرط فلا إشكال.
نعم، لو كان الشرط في العقد المتقدّم على المضاربة على نحو شرط النتيجة فهو باطل، وذلك لأنّه على خلاف السنّة، لأنّ الربح ونماء كل عين يرجع إلى صاحب العين إلاّ أن يكون هناك سبب مخرج غير الشرط، والشرط لايكون مشرعاً.
هذا هو تفصيل المرام في هذه المسألة وقد أطنبنا الكلام وليعذرني إخواني.

القراض في مرض الموت :

ولو دفع قراضاً في مرض الموت، وشرط ربحاً، صحّ وملك العامل الحصة ويعد القراض من منجزات المريض وهو صحيح ولا إشكال فيما إذا كانت الحصة معادلة لأُجرة المثل. وقد جرّ المريض بعمله هذا ربحاً للوارث، إنّما الكلام فيما إذا كانت الحصة أزيد من أُجرة المثل. فإن قلنا بأنّ تبرعات المريض تخرج من الأصل كما هو المشهور فلا إشكال أيضاً. وأمّا إذا قلنا بأنّها من الثلث، فهل يخرج

صفحه 104
ما زاد عن أُجرة المثل عن ثلث الميت أو لا ؟ فلو زاد عن الثلث توقّف على إجازة الوارث؟ وجهان:
لايخرج، لأنّ الربح أمر معدوم متوقّع الحصول وليس مالاً للمريض، بل هو على تقدير حصوله أمر جديد يحصل بسعي العامل، ويحدث على ملكه بعد العقد فلم يكن للوارث فيه اعتراض، وبذلك افترق عن مثل نماء الدابة والشجرة(1).
ويخرج من الثلث لأنّه وإن لم يكن موجوداً لكنّه بما أنّه مال المالك فتمليكه محاباة تضييع على الوارث كما إذا آجر ملكه بأقل من أُجرة المثل وإن لم تكن المنافع موجودة وإنّما يستوفيها الأجير في ظرف حصولها، وكذا لو ساقى أو زارع الفلاح بأكثر من الحصة المتعارفة فإنّ ذلك كلّه إضرار عرفاً بمال الوارث (2).
والثاني هو الأوجه، وذلك لأنّ المنفعة وإن لم تكن موجودة، لكن المقتضي والمنشأ وهو مال القراض موجود فتسليمه إليها ليقارض بحصة أُزيد من أُجرة المثل يعدّ محاباة. خصوصاً إذا كانت المنفعة بمرحلة قريبة من الفعلية. وإلى ما ذكر يشير المحقق الأردبيلي: «وإن كان الربح أكثر من أُجرة المثل، وفي المساقاة والمزارعة بحث وفي الفرق تأمّل» (3).

الإقرار بالربح ثم الرجوع عنه:

قال المحقق: ولو قال العامل: ربحت كذا ورجع، لم يقبل رجوعه وكذا لو ادّعى الغلط، أمّا لو قال: ثم خسرت، أو قال: ثم تلف الربح، قُبِل (4)، وقال

1 . الجواهر: 26/372.
2 . المستمسك: 12/438 وقريب منه في مستند العروة: 3/206.
3 . مجمع الفائدة: 10/255.
4 . الجواهر: 26/372 (قسم المتن) .

صفحه 105
العلاّمة في القواعد: ولو قال العامل: ما ربحت شيئاً أو ربحت ألفاً ثم خسرت أو تلف الربح قبل، بخلاف ما لو قال: غلطت أو نسيت (1).
وقال العلاّمة في الإرشاد: لو ادّعى الغلط في الإخبار بالربح أو بقدره ضمن، أمّا لو قال: ربحت ثم خسرت، أو تلف المال بعد الربح، قبل (2).
وقال المحقق الأردبيلي: «لو أخبر بالربح مجملاً أو عيّن قدره أم لا. ثم قال: غلطت، وما ربحت شيئاً أو غلطت في تعيين المقدار فإنّه كان أقل من ذلك، فيؤخذ بإقراره، ولايسمع الرجوع لأدائه إلى بطلان الأقارير، وعدم سماع الرجوع كسائر الأقارير، فلا فرق في ذلك بين إظهار وجه يمكن، أم لا بحسب الظاهر... ـ إلى أن قال: أمّا لو ادّعى الخسران بعد أن اعترف بالربح، أو تلف المال بعده وأمكن ذلك قُبل، لأنّه أمين من غير ظهور خيانته، وقال: ما يمكن فيقبل كما في غير هذه الصورة وسائر من كان أميناً» (3).
ونقل هذا التفصيل عن المبسوط والتذكرة والتحرير وجامع المقاصد والروض والمسالك والكفاية (4).
أمّا قبوله في الصورة الثانية أي فيما لو ذكر بعد الإقرار، الخسران أو تلف الربح، فله حالتان: إمّا أن يذكر الخسران والتلف بعد الإقرار بالربح، بلا فصل، أو يذكر بعده مع الفصل بيوم أو شهر.
أمّا الحالة الأُولى، فوجه القبول أنَّ للمتكلم أن يلحق بكلامه ما شاء من القيود فلا يؤخذ بالإقرار مالم يفرغ من كلامه.

1 . مفتاح الكرامة: 7/518 (قسم المتن) .
2 . الارشاد: 1/436.
3 . مجمع الفائدة: 10/256.
4 . مفتاح الكرامة: 7/518.

صفحه 106
وأمّا الحالة الثانية، فلأنّه أمين يصدق بالنسبة إلى كلا الأمرين، نعم إذا شهدت القرائن على الكذب، فلا يقبل منه إلاّ باليمين، ولأجل ذلك قيّده بعض محشي العروة بقوله: إذا لم يكن متّهماً.
إنّما الكلام في الصورة الأُولى أعني ما إذا أقرّ بالربح ثم رجع كما قال المحقق: ثم رجع، أو ادّعى الغلط. ففي القسم الأوّل أي الرجوع: فالحق هو عدم القبول، لأنّه مصداق «لاإنكار بعد الإقرار» إذا كان المراد من الرجوع هو نفي الإقرار السابق أي: ما ربحت، كما هو الظاهر.
وأمّا القسم الثاني أي إذا قال: غلطت أو اشتبهت، ففيه احتمالات ثلاثة:
الأوّل: عدم قبوله حتى مع البيّنة.
الثاني: قبول دعواه معها.
الثالث: قبول قوله مع اليمين.
أمّا الأوّل، فهو خيرة صاحب الجواهر حيث قال: لا يقبل لسبق إقراره الماضي عليه، لقاعدة إقرار العقلاء على أنفسهم جائز، وقاعدة «عدم سماع الإنكار بعد الإقرار» السالمتين عن معارضة قاعدة «سماع الأمين في كل مايدّعيه»، بعد عدم ثبوت هذا العموم فيها، وإنّما الثابت المسلّم منها مالم يسبق بإقرار، وأمّا عدم قبول قول البينة لكون العامل مكذباً لها بإقراره السابق، وأمّا قوله: البينة على المدّعي فإنّما هو ظاهر فيما إذا كان الدعوى (الإنكار بعد الإقرار) مسموعة لا ما إذا أسقطها الشارع بقاعدة الإقرار فيبقى حينئذ شهادة البينة نفسها بلا دعوى(1).
يلاحظ عليه: أنّه إنّما يعد إنكاراً إذا قال: «ما ربحت» الذي هو يقابل قوله:

1 . الجواهر: 26/373.

صفحه 107
«ربحت» لا ما إذا قال: «اشتبهت» أو «غلطت» لأنّه لايعني إنكاراً للإقرار السابق، بل هو يعترف بقوله السابق، ولكن يضيف: أنّي اشتبهت في المحاسبة وظننت الربح ثم بدا لي عدمه، وتكون دعواه مسموعة بالبينة وليست مما أسقطها الشارع بالقاعدة السابقة: «لا إنكار بعد الإقرار» بل يمكن أن يقال: بسماع دعواه الثانية بلا بينة أيضاً بحجّة أنّه أمين، غاية الأمر يدخل تحت قاعدة «ليس على الأمين إلاّ اليمين» وليس للمالك إلاّ الاستحلاف كما ورد في الأجير.
روى بكر بن حبيب قال: قلت لأبي عبداللّه (عليه السلام) : أعطيت جبة إلى القصار فذهبت بزعمه؟ قال: «إن اتّهمته فاستحلفه، وإن لم تتهمه فليس عليه شيء» (1). كل ذلك فيما إذا لم تشهد القرائن المفيدة للاطمئنان على أحد الطرفين إذ ما من تاجر إلاّ وله دفتر ومحاسب ووصولات تجارية تعين على القضاء كما لا يخفى.

هل يملك العامل بالظهور أو بالانضاض؟

المشهور بين فقهائنا أنّ العامل يملك بالظهور. وقلّ من قال بأنّه يملك بالانضاض.
1 ـ قال الشيخ في المبسوط: وإن اتفقا على قسمة وإفراز رأس المال جاز لأنّ الربح لهما (2).
2 ـ وقال المحقق: والعامل يملك حصة من الربح بظهوره ولايتوقّف على وجوده ناضّاً (3).

1 . الوسائل: 13، الباب 29 من أبواب أحكام الإجارة، الحديث16.
2 . المبسوط: 3/196.
3 . الجواهر: 26/373 (قسم المتن).

صفحه 108
3 ـ وقـال في النافــع: ويملك العامـل نصيبه من الربح بظهوره وإن لم ينض(1).
4 ـ وقال العلاّمة في القواعد: ويملك بالظهور لا بانضاض على رأي ملكاً غير مستقر وإنّما يستقر بالقسمة أو بالانضاض (2).
5 ـ وقال في الإرشاد: ويملك حصته بالظهور (3).
6 ـ وقال الشهيد الثاني، تعليقاً على قول المحقق: بل لا يكاد يتحقق فيه مخالف ولا نقل في كتب الخلاف عن أحد من أصحابنا ما يخالفه (4).
7 ـ ونقله في مفتاح الكرامة عن التذكرة والتحرير، والتبصرة وإيضاح النافع وجامع المقاصد والروض والكفاية والمفاتيح واللمعة والروضة (5).
ومع ذلك فقد نقل الخلاف أيضاً.
8 ـ قـال فخر المحققين: الذي سمعته من والدي المصنـف أنّ في هذه المسألة ثلاثة أقوال: (6).
«الأوّل: يملك بالظهور، الثاني: يملك بالانضاض لأنّه قبله غير موجود خارجاً، بل هو مقدّر موهوم يثبت له بالظهور حق مؤكّد فيورث عنه ويضمنه المتلف له، لأنّ الإتلاف كالقسمة. الثالث: إنّه يملك بالقسمة لأنّه لو ملك قبلها لكان شريكاً في المال فيكون النقصان الحادث شائعاً في المال فلما انحصر في الربح

1 . المختصر النافع: 147 ط مصر.
2 . مفتاح الكرامة: 7/487 (قسم المتن) .
3 . مجمع الفائدة: 10/254 (قسم المتن) .
4 . المسالك: 1/299.
5 . مفتاح الكرامة: 7/488.
6 . الإيضاح: 2/322، الصحيح أن يقول أربعة أقوال كما يظهر من نقلها.

صفحه 109
دلّ على عدم الملك، لأنّه لو ملكه لاختصّ بربحه، الرابع: إنّ القسمة كاشفة عن ملك العامل لأنّها ليست بعمل حتى يملك بها» والظاهر أنّ بعض هذه الأقوال لغير الشيعة إذ ليس منها في كتبنا عين ولا أثر ولا يعد مثل ذلك خلافاً.
9 ـ وقال في التنقيح: وقيل: لا يملك إلاّ بالانضاض وتظهر الفائدة في العامل إذا اشترى أباه، فإن قلنا بالظهور فحال مايحصل فيه ربح، ينعتق عليه قدر نصيبه ويسعى الأب في الباقي (1).
10 ـ وفي جامع المقاصد: اختلف الفقهاء في وقت ملكه إيّاه على أقوال أصحّها أنّه يملكه حين الظهور (2).
ولو كان خلاف وكان بعض هذه الأقوال لفقهائنا، فالخلاف نادر.
وأمّاالأقوال في أهل السنّة: فقال ابن قدامة: وأمّا ملك العامل لنصيبه من الربح بمجرّد الظهور قبل القسمة، فظاهر المذهب أنّه يثبت هذا الذي ذكره القاضي مذهباً وبه قال أبو حنيفة، وحكى أبو الخطاب رواية أُخرى: أنّه لايملكه إلاّ بالقسمة، وهو مذهب مالك وللشافعي فيه قولان كالمذهبين، واحتج من لم يملكه بأنّه لو ملكه لاختصّ بربحه، ولوجب أن يكون شريكاً لربّ المال كشريكي العنان (3).
وقد ظهرت ممّا ذكرنا أدلّة الأقوال ولنأخذها بالتحقيق. والحق ما عليه المشهور.
ويدل على القول المشهور أُمور:

1 . التنقيح: 2/223.
2 . جامع المقاصد: 8/124.
3 . المغني: 5/169 وقريب منه ما في الشرح الكبير المطبوع في ذيل المغني، لاحظ المصدر: ص166.

صفحه 110
الأوّل: قضاء العرف ولأجل ذلك تصحّ له المطالبة بالقسمة فكان مالكاً كأحد شريكي العنان، لكن ملكية غير مستقرّة، وإنّما تستقر بالقسمة القاطعة وذلك لكون الربح وقاية لرأس المال، من غير فرق بين ربح العامل، وربح المالك ولأجل الخلط بين الملكية اللازمة وغيرها، وأيضاً بين الملكية، وفي الوقت نفسه كون المملوك وقاية لرأس المال كما سيأتي، اختلط الأمر على أصحاب الأقوال فقال من قال: يملك بالقسمة بأنّه لو ملكه قبلها لزم الأُمور التالية:
أ ـ شيوع النقصان الحادث في جميع المال بالنسبة.
ب ـ لزم أن يكون شريكاً لربّ المال كشريكي العنان.
ج ـ لزم أن يختصّ العامل بربحه.
والإجابة عن الكل واضحة، وهو أنّ الملكية لمّا كانت غير مستقرّة، والربح وقاية للمال قبل القسمة، لايكون شريكاً كشريكي العنان، ولايتوجّه النقصان إلى الأصل مع وجود الربح، ولايختصّ العامل بربحه.
الثاني: أنّ المال ليس منحصراً في النقد، فإذا ارتفعت قيمة العروض فرأس المال منه ما قابل رأس المال والزائد ربح وهو محقق الوجود. وبذلك يعلم ضعف ما حكاه الفخر عن والده «بأنّه يملك بالانضاض لأنّه غير موجود خارجاً بل هو مقدّر موهوم» وذلك لما عرفت من أنّ لكلّ من رأس المال وارتفاع القيمة معادلاً في العروض فكيف يكون معدوماً؟!
وبذلك يظهر ما في الجواهر من أنّه لايقاس الربح بالدين، لأنّه وإن كان حكماً إلاّ أنّه مال ـ شرعاً وعرفاً ـ موجود في الذمة، بخلاف قيمة الشيء (1) وقد جرى (قدس سره) في المقام على الفكر الذي أعطاه في مضاربة المريض محاباة وقال

1 . الجواهر: 26/375.

صفحه 111
هناك: «إنّ الربح أمر معدوم» ولو سلم كلامه هناك لعدم ارتفاع القيمة حين العقد فيه فهو غير مسلّم في المقام، لأنّ العروض يعادل رأس المال وشيئاً زائداً باسم الربح.
الثالث: ما جاء في كلماتهم: بأنّ العامل إذا اشترى من ينعتق عليه وظهر ربح: إنّه ينعتق عليه وفقاً لما جاء في صحيح محمد بن قيس: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة فاشترى أباه وهو لايعلم؟ قال: «يقوّم فإن زاد درهماً واحداً أُعتق واستسعى في مال الرجل» (1) وفي بعض النسخ مكان «قيس»: «ميسر».
فعلى الثاني الرواية صحيحة لأنّ محمد بن ميسر، ثقة صرّح به النجاشي في رجاله (2).
إنّما الكلام في محمد بن قيس، فاثنان منهما ثقتان، والثالث ممدوح والرابع ضعيف (3).
وعلى الأوّلين تكون صحيحة وعلى الثالث حسنة وعلى الرابع ضعيفة، لكن اتقان النص وموافقته مع الأُصول يكشف عن صحّتها.
ثم إنّه يترتّب على ما ذكرنا أنّه لو خسر قبل إنهاء عقد المضاربة، يخرج الربح عن ملك العامل لا أنّ الخسران يكون كاشفاً عن عدم الملكية كما هو شأن كلّ ملكية متزلزلة، فالفسخ المتعقّب للعقد الجائز يهدم الملكية ويزيلها لا أنّه يكشف عن عدم الملكية.
نعم، سيّد مشايخنا البروجردي لم يستبعد كون الخسران كاشفاً عن عدم

1 . الوسائل: 13، الباب 8 من أبواب أحكام المضاربة، الحديث1.
2 . رجال النجاشي: 2 برقم 998.
3 . رجال النجاشي: 2 برقم 878، 882، 880، 881 ورجال الشيخ برقم 294.

صفحه 112
الملكية، قائلاً بأنّ ما اشترط في العقد كونه بينهما، هو ربح تجارته بالمال لا ربح كل واحدة من معاملاته فالربح المتعقّب بالخسران، لا يوجب كون التجارة رابحة حتى يشمله الشرط، فدلالة النص عليه لا تخلو عن مناقشة.
يلاحظ عليه: أ نّه خلط بين الربح المستقر وغيره، فالأول عبارة عن مجموع التجارات الواردة على المال، وأمّا غيره فهو ربح كل واحدة من معاملاته، وبذلك يظهر النظر في كلامه: أنّ الربح المتعقّب بالخسران لايوجب كون التجارة رابحة، فإنّه صحيح إذا أُريد من الربح الربح المستقرّ وأمّا إذا أُريد مطلق الربح، فنمنع عدم الصدق بل يقال: ربحنا في معاملة كذا ثم خسرنا في معاملة أُخرى. أضف إلى ذلك: كيف يمكن أن يكون ربح جميع المعاملات بينهما ولايكون ربح كل معاملة بينهما مع أنّه يتشكّل من أرباح جزئية في فترات مختلفة.

ثمرة القول بالملكية المتزلزلة :

إذا قلنا بأنّ العامل يملك حصته بالظهور ملكية متزلزلة يترتب عليها أثر كل ملكية متزلزلة الذي أشار إليه السيد الطباطبائي في كلامه بقوله: «إنّه يترتب عليه جميع آثار الملكية من جواز المطالبة بالقسمة وإن كانت موقوفة على رضى المالك، ومن صحة تصرفاته من البيع والصلح ونحوهما، ومن الارث وتعلق الخمس والزكاة، وحصول الاستطاعة للحج، وتعلق حقّ الغرماء به، ووجوب صرفه في الدين مع المطالبة» (1).
يلاحظ عليه: أنّ بعض هذه الثمرات يترتّب على كلا القولين أي حصول الملكية بالظهور أو بالانضاض.
وذلك لأنّ القائل بالقول الثاني يقول بأنّ ظهور الربح يحدث حقاً للعامل

1 . العروة الوثقى، كتاب المضاربة، المسألة 34.

صفحه 113
الذي فسره صاحب الجواهر بقوله «إنّه بالظهور ملك العامل أن يملك بمعنى أنّ له الانضاض ولو قدر رأس المال، فيتحقّق الربح حينئذ ويتبعه تحقق الملك» (1) وعلى ذلك فالارث ثابت على القولين وأمّا تعلق الخمس والزكاة فهو متوقف على تعلّقهما بالملكية المتزلزلة وقد قال السيد الطباطبائي في كتاب الخمس بعدم ت(2)علّقه بغير اللازم» ومثله الاستطاعة، فإنّها تحصل بمال يجوز للإنسان التصرّف فيه بلا أيّ شرط، وهو هنا مفقود، لعدم جواز التصرف في الربح بلا استئذان المالك مع بقاء عقد المضاربة وهو أشبه بالعين المرهونة، حيث لايجوز فيه التصرف بلا إذن المرتهن.

الربح وقاية لرأس المال:

إنّ كون الربح وقاية لرأس المال من الأحكام المسلّمة عند الفقهاء وقد طفحت به كتبهم.
قال العاملي في شرح قول العلاّمة في القواعد: «والربح وقاية لرأس المال، فإن خسر وربح جبّرت الوضيعة من الربح. . » ما هذا لفظه:
وقد أجمع أهل الإسلام على أنّه إن ربح وخسر جبّرت الوضيعة بالربح كما في جامع المقاصد، لأنّ الربح هو الفاضل عن رأس المال، وقد روى إسحاق بن عمار عن الكاظم (عليه السلام) أنّه: سألته عن مال المضاربة؟ فقال: « الربح بينهما، والوضيعة على المال» (3).
والمال يتناول الأصل والربح، ويقتضي ثبوت هذا الحكم ما دام مال المضاربة فيستمر ما دامت المعاملة باقية (4).

1 . الجواهر: 26/375.
2 . العروة الوثقى، كتاب الخمس، المسألة57.
3 . الوسائل: 13 الباب3، من أبواب المضاربة، الحديث5.
4 . مفتاح الكرامة: 7/490.

صفحه 114
ولايخفى أنّ الرواية ظاهرة في خلاف مايتبنّاه، حيث إنّ المراد من المال هو ما سبق في سؤال السائل وقال: سألته عن مال المضاربة. فلو أخذنا بظهوره يكون المراد أنّ الوضيعة على رأس المال. والرواية محمولة على ما إذا لم يكن ربح.
والأولى أن يستدل عليه بوجه آخر كما سيوافيك، وقال ابن قدامة: «في الربح الظاهر، أنّ هذا الربح مملوك فلابدّ له من مالك ورب المال ولايملكه اتّفاقاً ولاتثبت أحكام الملك في حقّه، فلزم أن يكون للمضارب، ولأنّه يملك المطالبة بالقسمة، فكان مالكاً كأحد شريكي العنان ولا يمنع أن يملكه ويكون وقاية لرأس المال، كنصيب ربّ المال من الربح» (1).
والدليل عليه: أنّ مقوم المضاربة عند العرف هو كون الربح بينهما بعد إنهاء المضاربة، ولايصدق الربح إلاّ عن ما زاد على أصل المال، وإلاّ فلو كان الموجود في نهاية الأمر، هو نفس المال أو أنقص منه ـ وإن ربح في الأثناء ـ لايصدق أنّه ربح على وجه الإطلاق، وبعبارة أُخرى: أنّ ما يجب تقسيمه هو الربح الخالص والخالص هو الزائد عن رأس المال، لا المتحقق أثناء المضاربة، لزواله بتدارك النقص المالي الحادث من خسران أو تلف.
إنّما الكلام في الأمر الذي به يتحقق الاستقرار ويزول التزلزل، فهنا أُمور ممّا يحتمل أن يحصل بها الاستقرار وحده أو مجتمعاً:
1 ـ الانضاض. 2 ـ القسمة. 3 ـ الفسـخ. 4 ـ الانضاض مع القسمة. 5ـالانضاض مع الفسخ. 6 ـ القسمة مع الفسخ. 7 ـ الانضـاض مع القسمة والفسخ معاً.
1 ـ أمّا الانضاض وحده فلا يحصل معه الاستقرار مع بقاء عقد المضاربة،

1 . المغني: 5/170.

صفحه 115
فربّما يتبدّل غداً إلى العروض ثم العروض إلى الانضاض، فما لم يكن إنهاء لعقد المضاربة لا يصير الانضاض سبباً لاستقرار الملكية.
2 ـ وأمّا القسمة وحدها، فإن اختصّت القسمة بالربح دون أصل المال، فلا يفيد الاستقرار مع عدم إنهاء المضاربة والتصميم على استمرارها كما هو المفروض، غاية الأمر يكون التصرّف في الحصة من الربح جائزاً لكن مع ترقّب العاقبة، والضمان لدى الخسران، أو عدم الربح، إنّما الكلام إذا تعلّقت القسمة بالأصل والربح فقد صرح العلاّمة بحصول الاستقرار بها وحدها قال: وإنّما يستقرّ بالقسمة أو بالانضاض والفسخ قبل القسمة (1).
خلافاً لصاحب الجواهر فذهب إلى عدم مدخليتها في الاستقرار، بل إن حصل شيء من الأُمور المذكورة يقتضي الاستقرار فثبوته به وإلاّ فلا.
ولكن الظاهر أنّ تقسيم الأصل والربح ـ سواء كان المال ناضاً أو لا ـ فسخ فعلي للمضاربة وإنهاء له. وإلاّ فلا داعي لتقسيم الكل.
3 ـ الفسخ وحده. فلا يفيد الاستقرار، وذلك لعدم وصول المال إلى مالكه وذلك لأنّ القسمة المتلازمة لرد المال إلى صاحبه من متمّمات عمل المضاربة، وليس من قبيل مميز المشتركات فتقسيم مال الورثة، من قبيل الثاني، دون المقام فإنّه من محقّقات إنهاء المضاربة وختمها فتأمّل.
4 ـ الانضاض مع القسمة وقد ظهر حكمه مما سبق، فليس للانضاض دور في الاستقرار وإنّما المؤثر هو القسمة إذا تعلقت بكلّ المال لابمجرد الربح.
5 ـ الانضـاض مع الفسخ وقـد تبيّن حكمه، لأنّ الانضاض لا دور له، والفسخ وإن كان من مقدّمات الإنهاء لكنّه ليس عاملاً تامّاً في تحقّق الاستقرار،

1 . مفتاح الكرامة: 7/489 (قسم المتن) .

صفحه 116
لعدم وصول مال المالك إلى يده مالم ينضمّ إليه شيء آخر، والتقسم من متمّمات عقد المضاربة وليس مميزاً للمال المشترك.
6 ـ القسمة مع الفسخ، فلا شك أنّه يتحقق بهما الاستقرار. لما عرفت من غير فرق بين كون المال ناضاً أو عروضاً أو مختلطاً، نعم فصّل السيد الطباطبائي في صورة كون المال غير ناض، بأنّه لو قلنا بوجوب الانضاض على العامل فالظاهر عدم الاستقرار وإن قلنا بعدم وجوبه ففيه وجهان أقواهما الاستقرار.
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّه لم يقل أحد بوجوب الانضاض بعد القسمة ولو قيل به فإنّ مورده، هو قبل القسمة.
وثانياً: أنّ التقسيم إنهاء للمضاربة، وإرجاع لمال المالك أي صاحبه، غاية الأمر يتوجّه إلى العامل تكليف انضاض المال وهو لا ينافي استقرار الملك.
هنا نكتة وهي أنّ ما ذكر من الأقسام والاحتمالات يرجع إلى المضاربة بصورة مصغّرة وأمّا إذا كانت بصورة شركة كبيرة فالمتّبع في الاستقرار هو العرف.
7 ـ إذا اجتمعت الأُمور الثلاثة حيث تنتهي المضاربة بها بلا ريب.
وعلى ضوء ذلك فالربح وقاية للخسران والنقص إلاّ إذا أُنهي عقد المضاربة، وهو يتحقق بالفسخ والقسمة، قولاً أو فعلاً. وقد عرفت أنّ القسمة الفعلية تتضمّن الفسخ أيضاً، وأمّا سائر الصور فلا يخرجه عن الوقاية إلاّ إذا اشتملت على الأمرين.

صفحه 117

الفصل الخامس:

في اللواحق

وفيها أُمور:

العامل أمين :

كون العامل أميناً، ممّا طفحت به كتب القوم. اقتداءً بالنصوص: قال الشيخ في المبسوط: العامل أمين في ما في يديه كالوكيل لأنّه يتصرف في مال المالك بإذنه كالوكيل (1).
وقال المحقق: العامل أمين، لا يضمن مايتلف إلاّ عن تفريط أو خيانة (2).
وقال ابن سعيد: المضارب أمين لا يضمن إلاّ بالتفريط (3).
وقال العلاّمة في القواعد: والعامل أمين لا يضمن مايتلف إلاّ بتعدّ أو تفريط (4) إلى غير ذلك من الكلمات والنصوص بين مصرِّح بالصغرى: كونه أميناً،

1 . المبسوط: 3/174.
2 . الجواهر: 26/378.
3 . الجامع للشرائع: 315.
4 . مفتاح الكرامة: 7/513. (قسم المتن) .

صفحه 118
ومصرِّح بالكبرى: وهو لا يضمن التلف.
أمّا الأوّل: فيكفي فيه صحيح ابن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يستبضع المال فيهلك أو يسرق أعلى صاحبه ضمان؟ فقال: «ليس عليه غرم بعد أن يكون الرجل أميناً» (1).
وأمّا الثاني: فقد تضافرت النصوص فيه، ففي صحيح محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): من اتَّجر مالاً واشترط نصف الربح فليس عليه ضمان» (2).
ثم الأمين على قسمين: تارة يأخذ المال لصالح صاحب المال كالودعيّ، وهذا لايصح تضمينه في غير مورد التعدّي والتفريط، بل يعد التضمين أمراً مستهجناً ومخالفاً لمقتضى العقد، وأُخرى لصالح نفسه كالأجير والمضارب والمستأجر، وهو نوع آخر، ويصحّ تضمينه في غير الموردين كما هو محرر في محلّه وربّما يحصل الخلط بين النوعين.
ثم إنَّ مقتضى كونه أميناً أنّه لا يضمن إلاّ بالتعدي والتفريط والأوّل عبارة عن فعل ما ينبغي تركه، والثاني عبارة عن ترك ماينبغي فعله، والخيانة جامع بين الأمرين، فما عن السيد الطباطبائي من جعلها قسيماً معها، ليس بتام، قال: العامل أمين فلا يضمن إلاّ بالخيانة كما إذا اشترى لنفسه وأدّى الثمن من ذلك، أو التفريط بترك الحفظ، أو التعدي بأن خالف ما أمره به ونهاه عنه (3) وما أسماه خيانة فهو من مقولة التعدّي حيث فعل ماينبغي تركه.
ثم إنّه لما كان الضمان في المقام، من مقولة ضمان اليد، وليس من ضمان العقد، فتارة يضمن المال لأجل التلف وأُخرى يضمن الوضيعة الواردة على المال.

1 . الوسائل: 13، الباب 3 من أبواب المضاربة، الحديث 2 و 3 ولاحظ الحديث 4 و 5 وغيرهما.
2 . الوسائل: 13، الباب 3 من أبواب المضاربة، الحديث 2 و 3 ولاحظ الحديث 4 و 5 وغيرهما.
3 . العروة الوثقى، كتاب المضاربة، المسألة 39.

صفحه 119
أمّا الأوّل: أعني التلف فإذا كان التعدّي أو التفريط سبباً، لتلف المال يكون ضامناً للرقبة كما لو سافر مع نهيه عنه أو عدم إذنه في السفر، أو اشترى مانهي عن شرائه، أو ترك شراء ما أمره به، فإنّه يصير بذلك ضامناً للمال لو تلف وإن بقيت المضاربة.
ولابدّ من تقييد الضمان بما إذا كان التعدّي سبباً ولو ناقصاً للتلف، ومنتهياً إليه كما في الموارد المذكورة ومثل ما إذا كان المال قطناً فأمر ببيعه فخالف حتى حدث حرق في المخزن فاحترق رأس المال كلّه، وأمّا إذا لم يكن له أيّ تأثير كما إذا كان رأس المال حديداً فأمر بتبديله قطناً فامتنع وجاء السيل فذهب بكل شيء، فالضمان هنا مشكل جداً لأنّه لو قام بما أمر، لذهب به السيل بسهولة أيضاً.
والحاصل أنّه يجب في الحكم بالضمان، أن يكون لتعدّيه، أو تفريطه تأثير في التلف فالقول بالضمان مطلقاً ولو ب آفة سماوية أمر مشكل وإن أطبقت كلماتهم على الضمان في المقام، وليس هو كالغاصب الذي يؤخذ بأشقّ الأحوال، ويحكم بالضمان حتى يؤدي العين أو المثل أو القيمة.
وأمّا الثاني: أعني الوضيعة، فالظاهر من الجواهر أنّه ضامن لها فقال: ظاهر الأدلّة كونه ضامناً للوضيعة التي تكون في ذلك، ولها صور:
1 ـ إذا سافر، وخسر في التجارة بحيث لو كان في البلد لما خسر.
2 ـ إذا سافر، وخسر في التجارة على وجه لو بقي في البلد التي سافر عنها لحصلت تلك الوضيعة أيضاً.
3 ـ إذا نزل السوق في البلد وغيره الذي سافر إليه، فسافر فخسر، وقد حكم صاحب الجواهر بالضمان في الصورتين الأُوليين دون الثالثة، ولكن الحق اختصاصه بالصورة الأُولى دون الأخيرتين.

صفحه 120
ثم إنّ السيد الحكيم (قدس سره) خصّ ضمان الوضيعة بمخالفة أمر المالك وقال: إنّ المذكور في النـصوص أمران: ضمان المال، وضمان الوضيعة، والأوّل يكون بمطلق الخيانة والتعدّي والتفريط، أمّا ضمان الوضيعة فيختص بالمخالفة للمالك، فإذا كانت الوضيعة حاصلة بعد التعدّي أو التفريط لم يضمنها وإن كان يضمن العين، وإذا كانت الوضيعة بعد مخالفة المالك ضمنها كما ضمن العين(1).
يلاحظ عليه: أنّه إذا انتهت الخيانة إلى تلف العين فلا شك أنّه لايضمن إلاّ نفس الخيانة، مثلية كانت أو قيمية، فلا يضمن المنافع غير المستوفاة بل هو محكوم بردّ ما أخذ عيناً أو مثلها أو قيمتها، وأمّا إذا لم يتّجر فهو ضامن للوضيعة وإن لم تكن هناك مخالفة لأمره، كما إذا ترك التجارة في يوم تكثر فيه الرغبة فنزل السوق فهو ضامن لها وإن لم تكن فيه مخالفة للأمر الشخصي. اللّهمّ إلاّ أن يعمّم أمر المالك إلى مثل المقام فإنّه خالف الشرط العام في العقد والاتّفاق.
قال السيد الطباطبائي: «ولو اقتضت المصلحة بيع الجنس في زمان ولم يبع ضمن الوضيعة إن حصلت بعد ذلك» (2) ولما خصّ السيد الحكيم ضمان الوضيعة بصورة مخالفة أمر المالك حاول أن يصحّح فتوى المتن بقوله «اللّهمّ إلاّ أن يكونمبنى العقد على البيع مع المصلحة فتركه مخالفة للعقد فيكون مخالفاً للمالك».
يلاحظ عليه: أنّ تعميم مخالفة أمر المالك إلى حالة مخالفة المصلحة ناشئ من تخصيص ضمان الوضيعة بما إذا خالف أمر المالك، وإلاّ فلا حاجة لإدغام الأوّل في الثاني فضمان الوضيعة أوسع من مخالفة أمر المالك.

1 . المستمسك: 12/351.
2 . العروة الوثقى، كتاب المضاربة، المسألة: 39.

صفحه 121

إذا ادّعى العامل تلف المال:

مقتضى كون العامل أميناً هو قبول قوله في التلف، لأنّه استأمنه على المال بشهادة أنّه دفع إليه ماله، وقد عرفت تضافر النصوص على الصغرى والكبرى فيقبل قوله سواء أسند التلف إلى أمر ظاهر أو خفىّ، وكذا لو ادّعى الخسارة أو عدم الربح أو كون المال ديناً في أيدي الناس إذا فرض كونه مأذوناً في البيع بالدين، كلّ ذلك لإطلاق كونه أميناً، ومعنى كونه أميناً عدم صحّة تكليفه بالبيّنة واليمين. هذا ولكن جرت السيرة في هذه الأيام على التأكّد من صحّة الادّعاء عن طريق تشكيل لجنة تقوم بهذا الشأن بالنظر إلى القرائن المؤكّدة للتلف والنظر إلى الحسابات المصرفية إذا ادّعى الخسارة، ولايرون ذلك مخالفاً للائتمان ولعلّ التأكّد من صحّة الدعوى من الشروط الضمنية في عقد المضاربة أو من الشروط التي يبنى عليه العقد.
وبالجملة: إذا تمكّن المالك من الاطّلاع على صحّة الادّعاء فله أن يقوم بذلك بطرق عادية حتى يتجلّى له الحق، فإن شهدت القرائن على كذب العامل فيضمن إذا أفادت للقاضي اليقين، وهذا من قبيل جمع القرائن والشواهد التي أصبحت أساساً للقضاء في محاكم اليوم ويورث اليقين للقاضي. فلو جاز للقاضي العمل بعلمه فالمراد مثل هذا العلم الذي يمكن إيقاف الغير على المقدمات التي أورثته اليقين. ولو لم يتمكّن المالك من هذا الأمر فيخلّي سبيل العامل.
ولافرق في سماع قوله بين أن يكون الادّعاء قبل فسخ المضاربة أو بعده، لإطلاق الأدّلة، كما لافرق بين أن يدّعي التلف قبل الفسخ أو بعده لأنّه أمين ولايخرج بالفسخ عن كونه أميناً مالم يكن مقصّراً في الردّ وإلاّ فلا يسمع.
ثم إنّ السيد الخوئي (قدس سره) استدلّ في المقام بالروايات الواردة في باب

صفحه 122
الإجارة فيما إذا ادّعى الصائغ أو الملاّح أو المكاري تلف المتاع من غير تعدّ ولا تفريط وأنكر المالك التلف، أو ادّعى التفريط فخرج إلى عدم ضمان العامل فيما إذا كان مأموناً وليس له أن يطلب منه الإثبات بإقامة البينة على دعواه، بخلاف ما إذا كان متّهماً حيث يطالب بإثبات ما ادّعاه وإلاّ تعيّن الضمان عليه (1).
يلاحظ عليه: أنّ استنتاج حكم المقام من روايات باب الإجارة أمر مشكل لأنّ العامل في المضاربة غير الأجير، ولو كانت للاستئمان درجات فهو في المضاربة آكد وأشدّ والائتمان في العامل وإن كانت أقلّ من الودعي ولكنّه ليس كالأجير، فلأجل ذلك لايكون تضمين الأجير المأمون دليلاً على تضمين العامل الذي يستعمله المالك ويدفع إليه مايملكه من البيضاء والصفراء ليعمل بها، أفيمكن أن يقاس بمستأجر البيت وخيّاط الثوب؟ ولأجل ذلك لم نجد هذا التفصيل في كلمات المحققين المعاصرين.

إذا ادّعى العامل الردّ وأنكره المالك:

إذا ادّعى العامل ردّ المال وأنكره المالك قدّم قول المالك، عملاً بقاعدة «البيّنة للمدّعي واليمين على من أنكر»، وتردّد المحقق في الحكم أوّلاً ثم استظهر عدم القبول. وقيل في وجه التردّد أمران:
1 ـ كونه أميناً كالودعي.
2 ـ إنّ في عدم قبول قوله: إمّا تكليفاً بما لايطاق لاحتمال صدقه، أو تخليداً في السجن لو أصرّ على إنكاره المحتمل الصدق (2).
يلاحظ على الأوّل: بأنّه قياس مع الفارق، فإنّ الودعيّ أخذ المال لصالح

1 . مباني العروة الوثقى: 3/173.
2 . جامع المقاصد: 8/166.

صفحه 123
المالك دون العامل فإنّه أخذه لصالح الطرفين.
ويلاحظ على الثاني: بأنّه لايلزم واحد من المحذورين إذا قام برد المثل أو القيمة إذا كان متمكّناً، وإن كان معسراً فيخلّي سبيله.

في فسخ المالك أو العامل أو انفساخ العقد:

قد عرفت أنّ عقد المضاربة عند الفقهاء من العقود الإذنية القائمة بالإذن، فإذا ارتفع الإذن، ارتفع الجواز. وعندنا من العقود الجائزة إذا فقد الأجل فإنـّها ـ بطبعها في ذلك المجال ـ لاتوصف باللزوم بخلاف ما إذا كانت مؤجّلة فإنّها تكون لازمة صوناً عن اللغوية.
ثم على القول بكونها من العقود الإذنية، هل يصح اشتراط لزومها في ضمن عقد جائز أو في ضمن عقدها أو لا ؟ وجهان وقد عرفت أنّ الأقوى: صحّة الاشتراط وإنّ مثل هذا الاشتراط ليس مخالفاً لمقتضى العقد، ولاالكتاب والسنّة.
ثم إنّه قد يحصل الفسخ من أحدهما، وقد يحصل البطلان والانفساخ بموت أو جنون أو تلف مال التجارة أو لعدم إمكان التجارة، لمانع فيقع الكلام في حكمها في جهات:
1 ـ استحقاق العامل للأُجرة وعدمه.
2 ـ وجوب الانضاض عليه وعدمه إذا كان بالمال عروض.
3 ـ وجوب الجباية عليه وعدمه إذا كان به ديون على الناس.
4 ـ وجوب الرد على المالك وعدمه وكون أُجرة الرد عليه وعدمه، فيبحث عن هذه الأحكام في ضمن مسائل:

صفحه 124
الأُوّلى: لا إشكال في الحكم إذا كان الفسخ ـ حيث جاز ـ قبل الشروع في العمل ولا في مقدماته أو كان بعد العمل والانضاض.
إذ على الأوّل، لاشيء له ولا عليه، لعدم صدور عمل من العامل حتى يبحث عن الأُجرة للعامل وعدمها، وعلى الثاني لو كان هناك ربح يقتسمانه حسب ما اتّفقا عليه، ولو لم يكن شيء، فليس للعامل شيء لعدم الربح، ولو كانت خسارة فهي على المالك.
نعم، لو اشترطا كون الخسارة عليهما وقلنا بصحّة هذا الاشتراط تكون الخسارة عليهما. أو اشترط العامل على المالك شيئاً إن لم يحصل ربح يكون له ما اشترط، إذا قلنا بصحّة هذا الشرط وسيوافيك بيانه.
نعم، ذهب العلاّمة في التذكرة إلى أنّه إذا صار المال ناضّاً وتبيّن عدم الربح كان للعامل أُجرة عمله إلى ذلك الوقت (1) وخالفه في القواعد (2) وهو الحقّ إذ هو على خلاف مبنى المضاربة.
الثانية: إذا كان الفسخ في الأثناء قبل حصول الربح فله صورتان:
إمّا يكون الفسخ من العامل فلا أُجرة له لما مضى من عمله، واحتمال استحقاقه لقاعدة الاحترام، لا وجه له لأنّه على خلاف مبنى المضاربة أوّلاً، وكونه الباعث على انحلال العقد وصيرورته باطلاً ثانياً.
أو يكون الفسخ من المالك أو حصل الانفساخ القهري ففيه قولان، فقد ذهب المحقق في الشرائع (3) والمختصر النافع (4) إلى أن للعامل أُجرة المثل قائلاً:

1 . تذكرة الفقهاء: 2/245. الفصل الخامس التنازع، المسألة الأُولى.
2 . جامع المقاصد: 8/148 (قسم المتن).
3 . الجواهر: 26/388 (قسم المتن) .
4 . المختصر النافع: 147 قال: ومتى فسخ المالك المضاربة صح وكان للعامل أُجرته إلى ذلك الوقت.

صفحه 125
بأنّ عمله محترم صدر بإذن المالك لا على وجه التبرّع بل في مقابل الحصة وقد فاتت بفسخ المالك قبل ظهور الربح، فيستحقّ أُجرة المثل إلى حين الفسخ.
وذهب الشهيد في المسالك وصاحب الجواهر والسيد الطباطبائي في العروة إلى عدم شيء للعامل لأنّ الالتزام بالشيء التزام بلوازمه، لأنّه أقدم على المعاملة الجائزة التي مقتضاها عدم استحقاق شيء إلاّ الربح، وبعبارة أُخرى لم يقدم إلاّ على الحصة على تقدير وجودها ولو لم توجد فلا شيء له. والمالك مسلّط على الفسخ حيث شاء.
وما ربّما يقال: إنّه أقدم من حيث البناء على الاستمرار، غير تام، لأنّه بناء قلبي قائم بنفس العامل ولم يلتزم به المالك فلا يكون موجباً للضمان.
على أنّ سبب الضمان إمّا هو احترام العمل، أو الاستيفاء، أو التفويت، والكل منتف، لأنّ الالتزام بالعقد الجائز التزام بلازمه وهو أنّه لا أُجرة لعمله قبل ظهور الربح وتحقق الفسخ، والثاني معلوم الانتفاء، والثالث إنّما يوجب الضمان إذا أتلف المال، أو كان التفويت محرماً كما إذا حبس العبد فإنّ الحابس يضمن منافعه، بل الأقوى ضمان منافع الحر إذا منعه عن العمل.
الثالثة: لو كان الفسخ من العامل بعد السفر بإذن المالك، وصرف جملة من رأس المال في نفقته، فهل للمالك تضمينه مطلقاً أو إذا كان الفسخ من العامل لا لعذر؟ وجهان:
1 ـ عدم الضمان، لأنّ المالك أقدم على معاملة جائزة قابلة للفسخ في كل زمان فهو المُقْدِم على ضرر نفسه.
2 ـ الضمان مطلقاً، لأنّ الإذن في السفر مشروط ـ بقرينة الحال ـ بالقيام بالتجارة بعده، فيكون ضامناً إذا تخلّف ولولا ذلك لما أجاز المالك السفر. وهذا النوع من الشروط التي تدل عليه القرائن والعادات، من الشروط المبنيّ عليه

صفحه 126
العقد، التي يجب الوفاء بها، فلو تخلّف، فللمالك تضمينه لما صرف من النفقة.
ثم إنّ السيد البروجردي صحّح التضمين بالبيان التالي: «كون النفقة على رأس المال ممّا علم من النصّ، ولا إطلاق له لهذه الصورة».
يلاحظ عليه: أنّه لو لم يكن في المقام نصّ بل كان هناك اتّفاق على كون نفقة السفر من رأس المال، لكفى في انصرافه إلى ما إذا كان السفر مقدّمة للاشتغال بالتجارة أو استمرارها بعده. نعم، لو كان الفسخ من المالك، فلا موجب للضمان إذ لم يقصّر العامل في مقام العمل.
ولايخفى أنّ المضاربة الرائجة بين التجّار لاتنتهي إلى هذه الصورة، لأنّ أصحابها يذكرون شروط المضاربة وخصوصياتها في عقودهم واتفاقياتهم وأنّ نفقة السفر على المالك أو العامل، وأنّه لو سافر وكسب التجارب اللازمة يجب أن يكون في خدمة الشركة بضع سنين وإلاّ يلزم عليه دفع غرامة كذا.
وهذا النوع من المضاربة المهملة، لايحوم حولها أصحابها إلاّ الغجَر من الناس والمغفَّل منهم.
الرابعة: لو حصل الفسخ أو الانفساخ قبل حصول الربح وبالمال عروض، فإن ظهر عدم الربح ـ حتى لو افترضنا أنّه قام بالبيع بعده لايربح قطعاً من غيرفرق بين البيع الخاصّ أو المطلق ـ، فهذا هو الذي فرغنا عنه في المسألة الثانية.
وإن ظهر الربح وحصل، فهذا هو الذي يأتي الكلام فيه في المسألة الخامسة.
والكلام في هذه المسألة، هو عدم ظهور الربح (لاظهور عدمه) ولكن يحتمل الربح لو قام بالبيع بعد الفسخ. وهذا هو موضوع تلك المسألة، نعم قيّده السيد الطباطبائي بالبيع المعين وقال: «وإن احتمل تحقّق الربح بهذا البيع» ولم

صفحه 127
يعلم وجه التخصيص. والحاصل أنّ الموضوع هو عدم ظهور الربح إلى زمان الفسخ وبالمال عروض، ولكن يحتمل حصول الربح لو مكّنه المالك من المال وقام هو بالبيع.
فيقع الكلام تارة في وجوب تمكين المالك العامل في المال للبيع والانضاض لتحصيل الربح المحتمل، أوجواز تصرف العامل في المال لتلك الغاية. وأُخرى في وجوب الانضاض عليه إذا طلبه المالك والكلام في الأوّل يرجع إلى الجهة الأُولى، وفي الثاني يرجع إلى الجهة الثانية.
أمّا تصرّف العامل في المال لتحصيل الغاية المحتملة من دون إذن المالك فلا يجوز، لأنّه تصرّف في مال الغير بلا إذنه والمفروض انتهاء المضاربة. وأمّا وجوب تمكين المالك إذا طلب العامل البيع. والانضاض، فهو فرع شمول الاتّفاق على مثل هذه الإجابة بعد انتهاء المضاربة، والظاهر انصرافه عن هذه الصورة، التي لم يربح أبداً ولكن يحتمل حصوله بعد الفسخ بالبيع والانضاض.
وفي تعليقة السيد البروجردي «مع هذا الاحتمال لايبعد جواز مطالبة ربّ المال بتمكينه من البيع والانضاض» والظاهر أنَّ مراده: وجوب إجابة المالك للبيع والانضاض، إذا طلب العامل، وإلاّ فجواز المطالبة لا شبهة فيه فإنّه يجوز لكل إنسان أن يطلب من الغير هذا العمل، فإن وافق حصل المطلوب وإلاّ ردّ مطلوبه.
فإن قلت: إذا كان الربح محتملاً بالبيع والانضاض، فلا يتعيّن كون الجميع للمالك بل يحتمل وجود اشتراك العامل معه في المال.
قد عرفت أنّ العامل إنّما يملك بالظهور، لا بالاحتمال، فما لم يظهر، يتعيّـن الكل للمالك.
ومنه يعلم حال فرض آخر وهو أنّه وجد زبون يريد اشتراء السلعة بأزيد من

صفحه 128
القيمة السوقية، فهل يعد ذلك ظهوراً للربح أو لا ؟ الظاهر لا، لأنّ المراد من الربح هو ارتفاع القيمة السوقية، وهذا ليس منه فلا يصدق عليه الربح ولايشمله الاتفاق. وما يقال من «أنّه في قوّة وجود الربح» غير تام، لأنّ المفروض أنّه نشأ وتكوّن بعد إبطال المضاربة.
ولو افترضنا أنّه لم يربح قبل الفسخ والانفساخ ولكن ارتفعت القيمة السوقية بعدها. فالظاهر عدم شمول الربح لمثل هذا، لأنّه ظهر بعد إبطال المضاربة. وبالجملة الكلام فيما إذا لم يظهر الربح قبل الفسخ. ولو كان هناك ظهور فإنّما هو بعدهما وقد عرفت أنّ العامل يملك حصّته بالظهور لا قبل الظهور. نعم لو افترضنا وجود الربح قبل الفسخ وكان مخفياً للطرفين قبل الفسخ ثم بان الخلاف فهو أمر خارج عن الموضوع.
أمّا وجوب الانضاض عليه إذا طلبه المالك، ففيه وجهان:
1 ـ وجوب الانضاض، اختاره العلاّمة في القواعد قال: «وله طلب العامل بيعه فإن لم يكن ربح أو كان وأسقط العامل حقّه منه، فالأقرب إجباره على البيع ليرد المال كما أخذه» (1). وقال في موضع آخر: «ولو مات المالك فلورثته مطالبة العامل بالتنضيض» (2)وظاهره قوله: «ليرد المال كما أخذه» ناظر إلى النبوي: «على اليد ما أخذت حتى تؤدي» وهو غير تام لأنّ مال المالك قد تعيّن في العروض بإذنه فردّه، ردّ لماله لا غيره.
والأولى أن يتمسّك بأنّ الانضاض لازم الشرط المبني عليه العقد، والقرينة الحالية الدالة عليه خصوصاً إذا كان المالك، غير مستأهل للانضاض فالاتفاق على المضاربة والحال هذه يلازم الاتفاق على أنّه لو طرأ الفسخ على العقد، فعلى العامل الانضاض. وإلى ذلك ينظر قول بعض المعلّقين على العروة: «الأقوى

1 . مفتاح الكرامة: 7/04 5 (قسم المتن) .
2 . مفتاح الكرامة: 7/04 5 (قسم المتن) .

صفحه 129
الوجوب فإنّه المعهود المتعارف وربّما لا يقدر المالك على بيعه وانضاضه».
2 ـ عدم الوجوب لأنّ بالفسخ والانفساخ ينتهي العقد والاتفاق، والإيجاب يحتاج إلى الدليل أمّا إذا كان الفسخ من المالك فواضح، وأمّا إذا كان من العامل، فلأنّ المالك أقدم على معاملة متزلزلة في كل زمان فلو كان هناك ضرر أو حرج فمن جانبه.
وقد ظهر ضعفه ممّا مرّ من كونه مقتضى الشرط المبني عليه العقد، والقرينة الحالية الدالّة على الاشتراط.
الخامسة: إذا حصل الفسخ أو الانفساخ بعد حصول الربح قبل تمام العمل أو بعده وبالمال عروض (1) فللمسألة صور:
1 ـ إذا رضيا بالقسمة والمال عروض، فلا إشكال فيأخذ مكان الربح نفس العروض.
2 ـ إذا طلب العامل بيعها، قال السيد الطباطبائي: «فالظاهر عدم وجوب إجابته وإن احتمل ربح» (2). خصوصاً إذا كان هوالفاسخ.
وجهه: أنّ الاتفاق إذا انتهى بالفسخ والانفساخ يتعيّن مال كل من المالك والعامل في العروض، ولكلّ سهمه منه. وإجبار العامل، المالك على تمكينه من الوصول إلى الانضاض أمر يحتاج إلى الدليل.
وعلى ضوء ذلك فيُلزم العامل بقبول الاقتسام، وأخذ حصته من العروض ولا يلزم المالك، على دفع ثمن حصته، أو تمكينه من البيع والانضاض.
نعم، يخرج من هذا الأصل صورة أو صورتان:

1 . هذه المسألة ترجع إلى الجهة الثانية من الأغراض الأربعة الماضية ص 130.
2 . سيوافيك مفاده.

صفحه 130
1 ـ إذا كانت حصته قليلاً لايرغب أحد في شرائه، أو لايباع إلاّ بنقصان ففي مثل ذلك يُجبر المالك إمّا على دفع ثمن حصته، منضمة إلى سائر الحصص، أو تمكينه من البيع والانضاض إلى حدّ يستغرق حصته.
2 ـ إذا احتمل الربح في البيع والانضاض وهذا هو الذي أشار إليه السيد الطباطبائي بقوله: «فالظاهر عدم وجوب إجابته وإن احتمل ربح فيه» (1) وخالفه بعض المحشّين واستقرب الوجوب في هذه الصورة، وجهه أنّ استقرار ملك العامل لحصته، إنّما هو بالفسخ القولي المتعقّب بالقسمة، أو بنفس القسمة التي هي فسخ والمفروض عدم تحققها.
يلاحظ عليه: أنّ عدم استقرار ملكه لحصّته إلاّ بهما، لا يكون دليلاً على وجوب الإجابة بل له أن يرفع الشكوى إلى الحاكم حتى يجبره على القسمة. لا أن يقوم بالانضاض.
ولو كان الفسخ من المالك، فهل له طلب العامل بيعها وانضاضها؟ وجوه: ثالثها: التفصيل بين كون صورة مقدار رأس المال نقداً فلا يجب، وبين عدمه فيجب.
ذهب المحقق والشهيد الثانيان إلى الوجوب وذلك لما عرفت من أنّ العامل وإن كان يملك بالظهور لكن لايستقر إلاّ بالانضاض فيحتمل عروض مايقتضي سقوطه، كطروء الخسارة بالبيع (2).
وأورد عليه السيد الطباطبائي أنّ وجوب الانضاض على العامل، لايكون مبنياً عليه، وذلك لأنّه من الممكن أن يكون استقرار ملكية العامل للربح موقوفاً على الانضاض لاحتمال طروء الخسارة بالبيع، ومع ذلك لايجب عليه الانضاض

1 . المراد، الربح الزائد على الربح المتحقق كما لايخفى وإلاّ يرجع الكلام إلى المسألة الرابعة.
2 . الجواهر: 26/390.

صفحه 131
بعد الفسخ وقبل الاقتسام، لعدم الدليل عليه لكن لو حصلت الخسارة بعده قبل القسمة بل أو بعدها يجب جبرها بالربح حتى أنّه لو أخذه يستردّ منه (1).
وحاصله: أنّ هنا أمرين:
1 ـ أنّه بعد انتهاء الشركة بالفسخ لا تستقر ملكية العامل للربح إلاّ بعدم طروء الخسارة على التجارة إلى زمان الانضاض، وإلاّ لا يكون الربح وقاية لها، وعلى ذلك فلو افترضنا عدم الخسارة، فلا يجب الانضاض لانتفاء الغاية، فلا موضوع لكون الربح وقاية لرأس المال، وبعبارة أُخرى أنّ الانضاض مقدّمة، لدفع الخسارة عن رأس المال، فإذا لم تكن هنا أية خسارة ـ كما هو المفروض ـ فلا يجب الانضاض.
2 ـ كون الانضاض أمراً واجباً نفسياً وهذا غير ثابت، لأنّ ثبوته بعد الفسخ يتوقف على الدليل، ومن الممكن أن يكون الجبران واجباً ـ إذا خسر ـ ولايكون الانضاض واجباً مطلقاً.
وبما ذكرنا من كونه شرطاً مبنياً عليه العقد يظهر ضعف ما استدل به على عدم الوجوب من انتفاء عقد المضاربة، وبعبارة أُخرى أنّ المعاملات الصادرة من العامل لما كانت بإذن المالك كانت موجبة لتبدّل مال المالك لدى العامل من النقد إلى العروض، فهي التي تكون مال المالك بالفعل فإلزامه بتبديله إلى النقد ثانياً يحتاج إلى الدليل وهو مفقود (2).
يلاحظ عليه: أنّ المضاربة وإن انتفت لكن الوظيفة بعد لم تنته بشهادة الحال على أنّ المالك يضاربه بالنقد، بشرط أن يرد إليه ماله بالوصف المذكور.
نعم، لو حصلت القسمة سواء سبقها الفسخ القولي أو لا، فالظاهر عدم

1 . العروة الوثقى، كتاب المضاربة، المسألة 46، الفرع الخامس.
2 . مستند العروة الوثقى: 3/149.

صفحه 132
وجوب الانضاض على العامل على وجه.
وبذلك اتّضح أنّ الواجب هو الانضاض بعد الفسخ وقبل القسمة إمّا مطلقاً، أو إلى أن يصير مقدار رأس المال نقداً.
السادسة: لو كان في المال ديون على الناس فهل يجب على العامل أخذها وجبايتها بعد الفسخ أو الانفساخ أم لا ؟ وجهان: قال المحقق في الشرائع: وإن كان (المال) سلفاً كان على العامل جبايته (1).
وقال ابن سعيد: وإن كان المال ديناً جباه العامل، وإن لم يكن فيه ربح (2)، وقال العلاّمة في القواعد: وإذا انفسخ، والمال دَين وجب على العامل تقاضيه، وإن لم يظهر ربح (3) وذهب صاحب الجواهر وتبعه السيد الطباطبائي إلى عدم الوجوب.
استدل للوجوب بأنّ مقتضى المضاربة ردّ رأس المال على صفته والديون لاتجري مجرى المال، وإنّ الدين ملك ناقص والذي أخذه كان ملكاً تامّاً فليؤدّ كما أخذ، لظاهر الخبر (4)
واستدلّ على عدم الوجوب بأنّ الأصل البراءة مع فرض وقوع الدين بإذن المالك وانفساخ المضاربة (5).
يلاحظ على الوجه الأول: أنّ الخبر ـ على فرض صحته ـ ناظر إلى الغاصب، وعلى فرض عمومه فهو منصرف عمّا إذا أذن المالك بالإدانة، فالأولى الاستدلال

1 . الجواهر: 26/391 (قسم المتن) .
2 . الجامع للشرائع: 315.
3 . مفتاح الكرامة: 7/506 (قسم المتن) .
4 . المصدر نفسه، نقله عن الأردبيلي ولم نعثر عليه في مجمع الفائدة، لاحظ: 10/268 عند شرح قول العلاّمة: «وعليه جباية السلف».
5 . الجواهر: 26/391.

صفحه 133
بالاشتراط المبنيّ عليه العقد، وبذلك ينتفي الاستدلال على الوجه الثاني بالأصل، وأمّا إذن المالك بالإدانة فلو يؤثر في انصراف مثل الخبر عنها، لا في مثل الشرط المبني عليه العقد فهو مقيّد بالاستيفاء وليس مطلقاً. من غير فرق بين كون الفاسخ هو المالك، أو العامل.
وأخيراً نأتي بالكلمة السابقة: إنّ الفقيه، اليوم في غنى عن تحقيق هذه المسائل، فإنّ المضاربة الرائجة في أعصارنا لاتنفك عن ذكر قيودها وخصوصياتها حتى جباية الصغير من الديون.
السابعة: إذا مات المالك أو العامل قام وارثه مقامه.
إذا مات كل من المالك أو العامل فما لكلّ من المالك والعامل من الأموال والحقوق ينتقل إلى الوارث.
فلو قلنا: إنّ من حقوق المالك على العامل، انضاض المبيع وجباية الديون، فينتقل إلى الورثة، فعليه أن يقوم بها بعد موت المالك.
كما أنّه لو قلنا: إنّ من حقوق العامل على المالك ـ أن يأذن لبيع العروض ـ بعد الفسخ ـ مطلقاً، أو فيما احتمل فيه الربح، أو فيما إذا كانت حصة العامل قليلة لايرغب في اشترائه الناس أو يُشترى بنقصان، فاذا مات المالك، يلزم على الوارث، الإذن في الإنضاض على حدّ نضّ حصة العامل.
وعلى ضوء ذلك فلو نهاه الوارث عن ذلك، لم يكن مؤثراً فما قاله المحقق «ولو مات ربّ المال وهو عروض كان له البيع إلاّ أن يمنعه الوارث» (1) ليس بتامعلى اطلاقه.
نعم استشكل المحقق الخوئي في بعض الموارد بأنّه من قبيل الحكم الشرعي لا الحقوق، كإلزام العامل باستيفاء الديون، فإنّه حكم مترتّب على الملك من باب

1 . المصدر السابق، قسم المتن.

صفحه 134
تسلّط المالك على ماله ووجوب ردّ الأمانة إلى أهلها. بشهادة أنّ لكل فرد منهم مطالبة العامل، حصّته منه إليه، حتى مع فرض رضا غيره ببقاء حصته ديناً في ذمّة المديون، ولو كان حقّاً لما وجب على العامل في الفرض شيء إذ الحق، أمر واحد بسيط ثابت لمجموع الورثة من حيث المجموع فلا يقبل التجزئة لعدم ثبوته للبعض بخصوصه (1).
يلاحظ عليه: أنّه إذا كان إلزام المالك للعامل على استيفاء الدين حكماً مترتّباً على الملك من باب تسلّط المالك على ماله، ووجوب ردّ الأمانة إلى أهلها، فهو ينفع للوارث أيضاً، لانطباق ذلك العنوان على الوارث، فلا يؤثّر القول بكونه حكماً أو حقاً وإنّما يظهر التفاوت فيهما فيما إذا لم يكن الحكم مترتّباً على عنوان منطبق على المورث في حال حياته، والوارث في حال مماته كما إذا كان قائماً بشخص المورث كوجوب ردّ سلامه، وحرمة غيبته، فلو مات المسلِّم أو المغتاب (بالفتح) فلا ينتقل الحكم إلى الوارث، لأنّ الحكم كان قائماً بالشخص لا بعنوان منطبق على المورِّث والوارث.
الثامنة: إذا حصل الفسخ والتفاسخ فهل تكفي التخلية بين المالك وماله أو يجب الإيصال؟ الظاهر أنّه يختلف المقام فيجب تعيين وظيفة العامل، من خلال القرائن الدالة على كيفية الاتّفاق، فلو كان المال في بلد المضاربة، فتكفي التخلية، كما إذا كان عروضاً في المخازن المستأجرة لوضع الأجناس كالحديد والقطن، أو نقداً في الحساب البنكي فيكفي دفع الصك إلى المالك فالمضاربة لاتدلّ على أزيد من رفع الموانع لوصول المالك إلى ماله، نعم لو كان العروض في بيت العامل، أو في صندوقه فلا تكفي التخلية بل يجب الإيصال، غير أنّ نفقة الإيصال على الربح لأنّه من متمّمات المضاربة.

1 . مباني العروة الوثقى: 3/150.

صفحه 135
ولو أرسله إلى بلد آخر، فلو كان بإذنه، يجب الرد إلى بلده لأنّ الإذن في الإرسال، لما كان بنية الاتّجار، كان لازمه ردَّ المال إلى المالك، نقداً أو عروضاً بعد إنهاء المضاربة، ولو احتاج إلى الأُجرة، فهي على الربح، لأنّه من متمّمات المضاربة عرفاً وليس أمراً خارجاً عنها.
ولو أرسله بلا إذنه وحصل الفسخ، فيجب الرد وتكون الأُجرة على العامل، لأنّ حاله حال الغاصب، نعم لو رضي ببقائه في ذلك البلد، فليس للعامل رده إلى ذلك البلد ، لأنّه مال المالك وهو مسلّط على ماله.
***

إذا قارض العامل غيره:

فله صورتان:
الصورة الأُولى: أن يقارض الغير بإذن المالك.
الصورة الثانية: أن يقارض الغير بغير إذنه.
أمّا الصورة الأُولى، فلها أقسام: ونذكر أحكامها حسب الثبوت والافتراض، وأمّا حكم مقام الإثبات بمعنى أنّه إذا أطلق اللفظ ينصرف إلى أيّ قسم من هذه الأقسام، فهو أمر آخر، يتبع القرائن اللفظية والحالية الحافة بالكلام. قد بحث السيد الطباطبائي عنها، في المسألة الواحدة والثلاثين من مسائل كتاب المضاربة، وتبدو منه العناية بمقام الإثبات في أوائل كلامه في المسألة وإليك أقسام الصورة الأُولى:
القسم الأوّل: أن يجعل العامل الثاني عاملاً للمالك بفسخ المضاربة الأُولى وإيجاد مضاربة جديدة بين المالك والعامل الثاني وهذا لا غبار عليه ولو كان مأذوناً في هذا الحدّ، ويترتب على ذلك أُمور:

صفحه 136
1 ـ إذا قام العامل الثاني بعمل التجارة و ربحت، يكون الربح بينه وبين المالك وليس للعامل الأول منه شيء إلاّ إذا ربح قبل الفسخ فيكون ربحه بينه وبين المالك.
2 ـ ولـو جعـل الحصة للعامل في المضاربة الثانية أقل مما جعل له في المضاربة الأُولى، كأن يكون في الأوّل بالنصف، وفي الثاني بالثلث، ترجع الزيادة الى المالك لأنّ الربح تابع للعين وهو لصاحبها إلاّ ما اتّفقا عليه وليس هو إلاّ الثلث لفسخ المضاربة الأُولى.
3 ـ وهل للعامـل الأوّل أن يشترط على العامل الثاني شيئاً من الربح له أولا؟ مبني على جواز اشتراط بعض الربح للأجنبي، فلو قلنا به لكان جائزاً في المقام وإلاّ فلا، والعجب عن السيد الطباطبائي حيث ذهب إلى جواز جعل الربح للأجنبي في محلّه ولكن قال في المقام بعدم الجواز حيث قال: «وليس له أن يشترط على العامل الثاني شيئاً من الربح بعد أن لم يكن له عمل بعد المضاربة الثانية» (1) مع أنّه قال في موضع آخر: «إلاّ أنّه لما كان مقتضى القاعدة صحة الشرط حتى للأجنبي» (2).
4 ـ ربّما يحاول تصحيح جعل شيء من الربح له، أو كون الزيادة (المتفاوت بين النصف والثلث وهو السدس) له بأنّ هذا المقدار ـ وهوإيقاع عقد المضاربة ثم جعلها للغير ـ نوع من العمل، يكفي في جواز جعل حصة من الربح له، أو كون الزيادة له.
يلاحظ عليه: أنّ عمله هذا مركّب من شيئين:
1 ـ عقد المضاربة لنفسه أوّلاً وهو ليس عملاً في المال واتّجاراً به حتى ينتفع

1 . العروة الوثقى، كتاب المضاربة، المسألة 30.
2 . العروة الوثقى، شروط المضاربة، الشرط السابع.

صفحه 137
في مقابله.
2 ـ جعلها للغير وهو عمل بالوكالة وأين هو من الاتّجار بالمال. وإن شئت قلت: الربح في مقابل الاتّجار بالمال، وعمله ليس شيئاً منه. والحاصل أنّه لو كان له عمل بعد المضاربة الثانية، لكان له الربح في مقابله والمفروض عدمه فكيف يشارك ربح العامل.
نعم، مقتضى احترام عمل المسلم وعدم كون عمله تبرعياً، استحقاقه أُجرة المثل من المالك لأنّه قام بعمل لصالحه بقصد الانتفاع من الربح فاذا لم يُسلَّم تستحق أُجرة المثل وعلى كل تقدير، تكون المضاربة الثانية أجنبية عن المضاربة الأُولى. ولأجل ذلك صار العامل محروماً من الربح وإنّما استحقّت الأُجرة لعمله حيث عقد المضاربة بين العامل والمالك.
القسم الثاني: أن لاتكون المضاربة الثانية أجنبية عن الأُولى، بل تكون الثانية في طول الأُولى ومن شؤونها وتوابعها، والعامل مع التحفّظ على المضاربة الأُولى الواقعة بين المالك ونفسه، يتّفق مع العامل الثاني بصورة الجعالة عن جانب المالك أنّه لو اتّجر بماله، فله كذا من الربح وبما أنّ الثانية (وإن كانت أشبه بالجعالة) من توابع المضاربة الأُولى، يكون الباقي من الربح بعد إخراج سهم العامل الثاني من أرباح المضاربة الأُولى، مشتركاً بين المالك والعامل الأول حسب ما اتّفقا عليه.
هذا ما نبّه عليه السيد الحكيم (1) ولم يذكره السيد الطباطبائي لأنّه خارج عن المقسم، لأنّ الكلام فيما إذا كان العقد الثاني مضاربة، لا جعالة. كما هو المفروض في كلامه.

1 . المستمسك: 12 كتاب المضاربة، المسألة 31.

صفحه 138
القسم الثالث: أن يجعل العامل الثاني عاملاً للمالك في عرض نفسه من دون فسخ للمضاربة الأُولى، ومن دون أن تكون المضاربة الثانية من شؤون المضاربة الأُولى، بل تتوارد المضاربتان على مال واحد، فذهب صاحب الجواهر إلى صحته قائلاً بأنّ سبق عقد القراض معه، لا ينافي ذلك بل لا يقتضي فساده لعدم ما يدلّ على اعتبار خلوّ المال عن وقوع عقد قراض عليه، في صحة الثاني، وإن كان هو لايستحق شيئاً من الربح لعدم العمل منه، أمّا لو فرض عمل كل منهما صحّ وأخذ كل منهما ربح ما عمل به من المال على حسب ما شرط له (1) ونفاها السيد الطباطبائي وقال: «واحتمال بقائها مع ذلك لعدم المنافاة كما ترى».
ومع ذلك كلّه، فالظاهر إمكان جعل مضاربين على مال واحد لأنّه أشبه بجعل الوكالة لشخصين في بيع مال واحد، أو جعل الجعالة لهما في رد مال خاص فأيّهما سبق يكون الربح بينه وبين المالك، وربّما يتّجر أحدهما ببعض المال، فيصح للثاني الاتّجار بالباقي أو يطرأ عليه العذر، فيقوم الثاني بالاتّجار.
القسم الرابع: أن يجعله شريكاً معه في العمل والحصة ولا يتم ذلك إلاّ بفسخ المضاربة الأُولى وعقد مضاربة أُخرى مشتركة، بين المالك والعاملين وتكون الحصة المجعولة في المضاربة للعامل، مشتركة بين العاملين.
القسم الخامس: أن يجعله عاملاً لنفسه، وبما أنّ المضاربة اتّفاق بين المالك والعامل، فلا يصح عقدها بين العاملين، وبعبارة أُخرى: المضارب هو صاحب المال، وفي المقام هو العامل مع العامل الثاني، فيبطل إلاّ أن يرجع إلى القسم الرابع، بمعنى كونهما عاملين مشتركين في مقابل المالك.
***

1 . الجواهر: 26/392.

صفحه 139

الصورة الثانية: إذا ضارب الغير بلا إذن :

إذا ضارب العامل غيره مع عدم الإذن من المالك، فتأتي فيه الأقسام السابقة.
1 ـ أن يجعل العامل الثاني عاملاً للمالك. بصورة الثلاثة الماضية أو يجعله شريكاً مع نفسه في العمل والحصة.
2ـ أن يجعله عاملاً لنفسه فلو أجازه المالك، يلحق لكلّ حكمه من الصحة والبطلان. فلا حاجة إلى البحث إنّما الكلام إذا لم يجز فيبحث عن حكم القسمين:
القسم الأول: إذا ضاربه على أن يكون عاملاً للمالك، وردّ المالك المضاربة.
القسم الثاني: إذا ضاربه على أن يكون عاملاً لنفسه وردّ المالك المضاربة الثانية، والقسمان مشتركان في تمام الخصوصيات غير أنّه جعله في الأوّل عاملاً للمالك وفي الثاني عاملاً لنفسه وبالتالي اتّجر في الأوّل للمالك، وفي الثاني للعامل. وهذا المقدار من الفرق أوجد اختلافاً في الحكم وكانّ لقصد العامل الأوّل والثاني تأثيراً فيه فإليك البيان:
أمّا القسم الأوّل، فنقول:
لاشك أنّ العقد الثاني لأجل الرد يكون باطلاً وبلا أثر، إنّما الكلام إذا عمل العامل الثاني في المال وحصل الربح فلو ردّ العمل أيضاً، تبطل التجارة وأمّا إذا أجاز نفس العمل ـ مع رد عقد المضاربة ـ فالسهم المقرر من الربح للمالك في المضاربة الأُولى، يرجع إليه، إنّما الكلام في السهم المقرر للعامل ففيها أقوال:
أ لف ـ يرجع إلى المالك أيضاً، قال ابن قدامة: «وإن ربح في المال فالربح

صفحه 140
لمالكه ولاشيء للمضارب الأوّل لأنّه لم يوجد منه مال ولا عمل وهل للثاني أُجرة مثله؟ على روايتين: إحداهما: له ذلك، لأنّه عمل في مال غيره بعوض لم يُسلَّم له فكان له أجر مثله كالمضاربة الفاسدة. والثانية: لاشيء له، لأنّه عمل في مال غيره بغير إذنه فلم يستحق لذلك عوضاً كالغاصب ـ إلى أن قال: ـ قال الشريف أبو جعفر: هذا قول أكثرهم، يعني قول مالك والشافعي وأبي حنيفة، ويحتمل أنّه إن كان عالماً بالحال فلا شيء للعامل كالغاصب، وإن جهل الحال فله أجر مثله يرجع به إلى المضارب الأوّل لأنّه غرّه واستعمله بعوض له يحصل له، فوجب أجره عليه(1).
وقال العلاّمة في التذكرة: لو دفع العامل الأوّل قراضاً إلى الثاني بغير إذن المالك فسد، لأنّ المالك لم يأذن فيه ولا ائتمن على المال غيره ـ إلى أن قال: ـ فإذا عمل العامل الثاني فإن حصل ربح فالأقرب أنّه للمالك، ثم لا يخلو إمّا أن يكون العامل الثاني عالماً بالحال أو لا، فإن كان عالماً لم يكن له شيء لأنّه تصرّف في مال الغير بغير إذنه مع علمه بأنّه ممنوع منه ولايستعقب ذلك استحقاق شيء، وإن لم يكن عالماً رجع إلى العامل الأوّل بأُجرة المثل (2).
وحاصل هذا الوجه: أنّ المفروض بطلان المضاربة الثانية فلا يستحق العامل الثاني من الربح حصة، والمفروض أنّ العامل الأول لم يعمل شيئاً حتى يستحق فيكون تمام الربح للمالك إذا أجاز تلك المعاملات الواقعة على ماله. نعم للعامل الثاني أُجرة المثل مع جهله بالبطلان على العامل الأوّل لأنّه مغرور من قبله والمغرور يرجع إلى الغار بخلاف ما لو علم بعدم إذن المالك، فلا شيء له لعدم الغرور.

1 . المغني: 5/160.
2 . تذكرة الفقهاء: 2/240.

صفحه 141
يلاحظ عليه: أنّ الجمع بين كون الربح كلّه للمالك، وكون أُجرة العامل الثاني، على العامل، جمع بين أمرين متنافيين في نظر العرف وصرافة الفطرة. وتعليله بأنّ الربح تابع للمال والمالك يملك ربح ماله، والعامل الأوّل يتحمّل أُجرة عمل العامل الآخر، لأنّه غرّه، غير كاف، لإمكان أن يقول أحد: إنّ الإجازة صير عمله، عملاً مستنداً إلى المالك، بمقدماته ومؤخراته، فلا يصح تفكيك العقد، عمّا يتوقف تحقّقه في الخارج على أُمور، ولعل قضاء العرف في ذلك مقدّم على إطلاق تلك القواعد. فتأمّل.
ب ـ إنّ الباقي من الربح وراء سهم المالك يرجع إلى العامل الأوّل، وعليه أُجرة المثل للعامل الثاني وهو خيرة المحقق حيث قال: فإن فرض ربح كان نصف الربح للمالك والنصف الآخر للعامل الأوّل (إذا كان القراض كذلك) وعليه أُجرة الثاني.
قال العلاّمة: قال المزني: الأصل الجديد للشافعي «فإن اشترى بعين المال فالشراء فاسد، وإن اشترى في الذمة فالشراء صحيح والربح للعامل الأوّل، وللعامل الثاني أُجرة مثله» (1).
ودليله يتلخّص في الأُمور التالية:
1 ـ إنّ المفروض: أنّ المضاربة الثانية باطلة لردّ المالك.
2 ـ إنّ المفروض: أنّ المضاربة الأُولى باقية وإن قلنا بعدم اجتماع مضاربتين على حال واحد ـ على خلاف التحقيق ـ لأنّه لو امتنع، فإنّما يمتنع إذا صحّت المضاربة الثانية والمفروض بطلانها، ولم يظهر من العامل الأول أنّه بصدد فسخ مضاربته وعقده مع المالك.

1 . التذكرة: 2/240.

صفحه 142
3 ـ إنّ المفروض عدم اشتراط المباشرة، فيكفي في الاتّجار صدوره عند سبب من الأسباب.
4 ـ إنّ العامل الثاني وإن أتى بالفعل بنية المالك، لأنّ المفروض أنّ العامل الأوّل، جعله عاملاً للمالك، لكن نيته، ليست مؤثرة لعدم إمضاء المضاربة، غاية الأمر أنّه باعه للمالك أو اشترى له وهو غير مؤثر، لأنّ البيع والشراء سواء صدر من العامل الأوّل أو الثاني، يقع للمالك.
5 ـ إنّ العامل الأول لم يصدر منه عمل تجاريّ مباشرة، لكن صدر منه عمل، حيث إنّه لولاه، ولولا عقده، وجعله مضارباً للمالك، لما تحقق هذا العمل، فكان له دخل في تحقق التجارة والربح وما دعاه إلى عقد المضاربة مع الثاني إلاّ قصد انتفاعه به.
فمجموع هذه المقدمات تنتج كون الربح المقرر للعامل الأوّل، لكون المضاربة باقية بحالها.
ومنه يظهر أنّ على العامل الأوّل، أُجرة المثل للعامل الثاني مطلقاً، جاهلاً كان أو عالماً، أمّا الأوّل فلقاعدة الغرور وأمّا الثاني فلأجل الاستيفاء فإنّه يوجب الضمان، إذا كان هناك أمر واستيفاء. سواء كان العامل عالماً بالفساد أو لا.
بل يمكن أن يقال: إنّ السهم الباقي للعامل الأوّل وإن شرط المباشرة، لما مرّ من أنّ تخلّف الشرط يوجب الضمان ولايوجب الحرمان كما إذا نهى عن السفر بالمال فسافر واتّجر وربح، فالربح بينهما والضمان على العامل.
ولكنّه مخدوش لأنّ المتيقّن هو مخالفة الشرط في العمل المباشري الذي قام به كما إذا سافر مع المال وقد نهى عنه المالك، لا مثل المخالفة في المقام من تفويض العمل إلى غيره كما لايخفى.

صفحه 143
ج ـ يكون السهم المقرر للعامل الأوّل، في المضاربة الأُولى، للعاملين. قال المحقق: وقيل: إنّه بين العاملين ويرجع الثاني على الأوّل بنصف الأُجرة. ولايخفى وجود التهافت بين كونه للعاملين ويرجع الثاني على الأوّل بنصف الأُجرة وهذا القول في الحقيقة راجع إلى القول الثاني.
قال ابن قدامة: وقال القاضي: إنّ لرب المال النصف والنصف الآخر بينهما فهو على ما اتّفقوا عليه لأنّ ربّ المال، رضي بنصف الربح فلا يدفع إليه أكثر منه والعاملان على ما اتّفقا عليه وهذا قول قديم للشافعي وليس هذا موافقاً لأُصول المذهب ولا لنصّ أحمد فإن أحمد قال: لايطيب الربح للمضارب(1). . . .
وقال العلاّمة: نقل المزني من الشافعية أنّه إذا عمل العامل الثاني بغير إذن المالك وحصل في المال ربح كان لربّ المال النصف الذي شرطه لنفسه، وما بقي بين العامل الأول والثاني ثم قال المزني: هذا قول للشافعي قديم(2).
ولايخفى ضعفه بعد بطلان المضاربة الثانية ومعه كيف يأخذ الحصة، فله عندئذ، أُجرة المثل.
د ـ إنّ الربح المقرر للعامل فانّما هو للعامل الثاني عملاً بالشرط، ولا شيء للأوّل إذ لا ملك له ولا عمل.
وهذا القول باطل، لأنّه إنّما يستحق الربح المقرر إذا أجاز المالك المضاربة والمفروض خلافه، وإنّما المفروض إجازة ما صدر عنه من المعاملة، لا المضاربة فيتردّد الأمر بين القولين الأولين.
تم الكلام في القسم الأوّل بصوره الأربعة، مع ردّ المالك المضاربة بقي الكلام في القسم الثاني أعني ما إذا ضاربه ليكون عاملاً لنفسه مع ردّ المالك لها.
***

1 . المغني: 5/161.
2 . التذكرة: 2/240.

صفحه 144
القسم الثاني: إذا ضاربه على أن يكون عاملاً لنفسه، فقد استقرب السيد الطباطبائي وتبعه أصحاب التعاليق على أنّ الربح المقرر للعامل، وعليه أُجرة المثل للعامل الثاني أي اختاروا في هذا القسم القول الثاني الذي أيّدناه وذكرنا دليله.
وحاصل كلامهم: أنّ المضاربة الأُولى باقية بعد فرض بطلان الثانية والمفروض أنّ العامل قصد العمل للعامل الأول فيكون كأنّه هو العامل فيستحق الربح وعليه أُجرة عمل العامل، إذا كان جاهلاً بالبطلان.
يلاحظ عليه: أنّه لا فرق بين القسمين، إلاّ أنّ العامل، في القسم الأوّل عمل للمالك، وفي الثاني، للعامل. ولكنّه ليس بفارق، لأنّ نيته غير مؤثرة، بعد بطلان المضاربة، فعندئذ، فإن قلنا بأنّ النماء تابع للعين فيجب القول بأنّ الربح مطلقاً للمالك في القسمـين، وأنّ للعامـل الثـاني أُجرة المثل. وإن قلنا بأنّ عمل العامل الثاني، عمل تسبيبيّ له، والمفروض عدم اشتراط المباشرة، فالربح المقرر للعامل يكون للعامل الأوّل والأُجرة عليه.
وبالجملة لم يظهر لي الفرق بين القسمين بعد لغوية نية العامل الثاني، وبطلان العقد الثاني أيضاً.
***

لو اختلفا في أصل المضاربة :

إذا قال المالك للعامل: دفعت إليك مالاً قراضاً.
وأمّا العامل فربّما ينكر أصل المضاربة، وأُخرى يقول: لايستحق عندي شيئاً.
ونقدِّم البحث عن الأوّل فنقول: لو أقام المدّعي بيّنة على أنّه دفع إليه مالاً

صفحه 145
قراضاً، وادّعى العامل التلف. بعد أن أنكر المضاربة من أصلها.
قال المحقق: قضى عليه بالضمان.
وقال العلاّمة في القواعد: لم يقبل دعواه(1).
وقال السيد الطباطبائي: لم يسمع منه(2).
ولعل تعبير المحقق أولى إذ عليه يكون محكوماً، بالخروج عن العهدة بدفع العين أو مثلها أو قيمتها، بخلافه على التعبيرين الأخيرين إذ عندئذ يكون محكوماً بدفع العين فقط فيحبس حتى يتبيّن الحال من وجود العين وعدمه.
ثم إنّ المراد من عدم قبول دعواه أو عدم سماعها منه، هو القبول والسماع لولا إنكار أصل المضاربة فإنّه لو كان مسلّماً لأصلها، يقبل قوله في التلف بيمينه ولكنّه لمّا ادّعى التلف، أقرّ بكذب قوله الأول من إنكار أصل المضاربة، فخرج عن كونه أميناً، فيصير مدّعياً في ادّعاء أصل التلف فعليه إقامة البينة على التلف، بعد إقامة المدّعي البينة على أصل المضاربة، ولايكفيه اليمين كما كان كافياً لو لا أنكاره أوّلاً.
ثم إنّه نقل في الجواهر القول بعدم قبول دعواه حتى لو أقام بينة على تلفه منه بلا تعدّ ولا تفريط لتكذيبه إيّاها بإنكاره الأوّل الذي هو أيضاً إقرار في حقه. قال: ومن هنا عبّر الفاضل في القواعد بعدم قبول دعواه(3).
يلاحظ عليه: أنّ تكذيب البينة إذا كانت لصالح الإنسان، إنّما يؤثر إذا قام بتكذيبه على وجه المطابقة لا ما إذا كان على وجه الالتزام كما في المقام فإنّه

1 . مفتاح الكرامة: 7/571 (قسم المتن) .
2 . العروة الوثقى المسألة 54 والتنازع في المقام غير التنازع بينهما في أصل الربح أو مقداره على ما سلف.
3 . الجواهر: 26/395.

صفحه 146
بتكذيبه أصل المضاربة وإن كان يكذب شهادة البينة على أنّ المال تلف في يده بلا تعدّ ولا تفريط، لكن يمكن أن يقال: إنّ إنكاره أصل المضاربة، لأجل أنّه كان يحتمل عدم سماع قوله ولو مع البينة فتوسل في نفي الضمان بإنكار الأصل، على وجه لو كان يعلم أنّه تسمع دعواه مع البينة لما أنكر أصلها. فعلى ذلك فلا يصلح ذلك الإنكار دليلاً على عدم سماع بيّنته.
مع إطلاق دليلها إلاّ ما خرج، وليس قول العلاّمة في القواعد ناظراً إلى عدم قبول بينته. والحاصل أنّه إذا علّل وجه إنكاره بنحو صار متلائماً مع مضمون بينته، لايعد مثل ذلك الإنكار والتكذيب، تكذيباً لبينته.
وعلى الثاني أي أنّه أجاب بقوله «لايستحق عندي شيئاً»، يقبل قوله: بيمنه، سواء أقام المالك بينة أو لا، لعدم إنكار أصل المضاربة، حتى لو ادّعى بعد ذلك التلف، لايكلّف بإقامه البينة، لأنّ بيّنة المالك لاتثبت أزيد من كونه عاملاً فيكون أميناً فيقبل قوله في التلف وليس قوله: «لا يستحق عندي شيئاً» بمعنى إنكارها من أصل.
***

في الخسارة الواردة على مال المضاربة:

الخسارة الواردة على مال المضاربة على أقسام:
1 ـ ماترد عليه بعد الدوران في التجارة كما إذا كان بعد شراء وبيع.
2 ـ ما ترد عليه بعد الشروع فيها كما إذا اشترى ولم يبع.
3 ـ ماترد عليه قبل الشروع فيها.

صفحه 147
أمّا الصورة الأُولى: فالظاهر جبرها بالربح مطلقاً: سواء كان التالف يعادل بعض رأس المال أو يعادل كلّه مع بقاء شيء من المال الرابح حتى تستمرّ المضاربة، ثم لافرق بين كون التلف ب آفة أو بإتلاف ضامن من العامل أو الأجنبي. قال المحقق: إذا تلف مال القراض أو بعضه بعد دورانه في التجارة احتسب التالف من الربح الذي هو وقاية لرأس المال، لأنّ أساس المضاربة هو الاشتراك في الربح بعد عدم ورود نقص على رأس المال ومع عدم الجبر، لايصدق الربح.
ولايظهر الخلاف إلاّ من صاحب جامع المقاصد حيث خصّ الجبر بالربح، بالخسارة الناشئة من نزول السوق ولم يقل به في الموردين التاليين:
1 ـ إذا تلف ب آفة سماوية: قائلاً بأنّه نقصان لاتعلّق له بتصرّف العامل وتجارته.
2 ـ إذا غصب مال التجارة غاصب أو سرقه سارق قائلاً، بأنّ الضمان عليهما بلا جبره بمال القراض.
يلاحظ عليه: أنّه ليس للشارع في مورد المضاربة اصطلاح خاص بل هو بالمعنى المعروف موضع إمضاء له، والأساس هو الاشتراك في الربح بعد ردّ رأس المال، فإذا تلف ب آفة سماوية، أو بغصب الغاصب وسرقة السارق، لم تحصل الغاية المذكورة، فلا موضوع للاشتراك، على أنَّ كونه في ذمة الغاصب والسارق، لايساوي بقاء رأس المال مالم يأخذ العين أو العوض، نعم لو أخذ، يكون من جملة المال.
وأمّا الصورة الثانية: أعني ما إذا كانت الخسارة بصورها السابقة بعد الشروع في التجارة، وقبل الدوران فالظاهر أنّه كالصورة الأُولى، لما عرفت من أنّه مقتضى المضاربة، حتى ولو تلف رأس المال كلّه، كما إذا اشترى في الذمة ـ مع إذن المالك ـ

صفحه 148
وتلف المال (الثمن) قبل دفعه إلى البائع فأدّاه المالك أو باع العامل المبيع وربح وأدّى.
نعم، تردد المحقق في ذلك وقال: وكذا لو تلف قبل الدوران وفي هذا تردد. وأورد عليه في الجواهر بأنّ الأقوى عدم الفرق لأنّ المقتضي لكونه مال قراض هو العقد لا دورانه في التجارة فمتى تصوّر بقاء العقد وثبوت الربح، جبر ما تلف مطلقاً(1).
ثم إنّ استمرار المضاربة مع تلف رأس المال وبقاء المبيع رهن أحد أمرين: أداء المالك الثمن، و بيع المبيع وربحه. نعم لو أدّى المالك يلزم أن ينوي كونها جزءاً لمال المضاربة لا ديناً على المضارب، إذ لامعنى لأن يكون ديناً على العامل ولكن ينتفع به المالك أيضاً.
وأمّا الصورة الثالثة: أعني ما إذا كانت الخسارة واردة قبل الشروع في التجارة كما إذا سرق في أثناء السفر قبل أن يشرع في التجارة، أو في البلد أيضاً قبل أن يسافر، فيجب التفصيل بين تلف البعض والكل. أمّا الأوّل فالمضاربة مستمرة ببقاء بعض المال فلو ربحت، تجبر به الخسارة وأمّا إذا تلف الكل فلو كانت ب آفة سماوية ينفسخ عقد المضاربة، إذا لا يبقى معه مال للتجارة حتى يجبر، ولو أدّاه المالك مجدّداً، فتكون مضاربة ثانية ولا تكون جزءاً للمضاربة الأُولى، لعدم بقاء شيء منها بخلاف ما سبق أي ما إذا تلف المال مع بقاء المبيع وتأدية المالك الثمن، فإنّه يكون جزءاً منها باعتبار بقاء المضاربة وأمّا لو كان التلف بأجنبي أو بالعامل فأدّى عوضه، تكون المضاربة باقية.
***

1 . الجواهر: 26/396.

صفحه 149

في طلب قسمة الربح عند الانضاض:

إذا نضّ المال كلّه أو بقدر الربح فطلب أحدهما قسمة الربح فله صور:
1 ـ إذا اتّفقا على القسمة.
2 ـ إذا رضي العامل دون المالك.
3 ـ إذا رضي المالك دون العامل.
أمّا الأُولى، فلا إشكال، لانحصار الحق فيهما.
أمّا الثانية، ففيه وجهان:
1 ـ عدم الجـواز، اختـاره المحقق وقال: وإن امتنـع المالك لم يُجبر، وتبعه المحقق الثاني قائلاً بأنّ فيه الضرر على المالك لاحتمال خسارة مال القراض فيحتاج إلى الجبر، وهو خيرة السيد الطباطبائي وأكثر المعلِّقين على كتابه.
2 ـ جواز الإجبار، بوجوه:
أ ـ إنّ احتمال الخسران يمنع من وجوب تمكين العامل من حصته لا من أصل القسمة.
ب ـ يمكن تدارك الضرر المحتمل بأخذ الكفيل ونحوه كما في غير المقام.
ج ـ إنّ احتمال الضرر غير كاف في منع سلطنة العامل على قسمة حصته المشاعة(1).
ولعلّ إلى بعض هذه الوجوه يشير بعض المحشين للعروة بقوله: القسمة لا تنافي جبر الخسارة فلابد لعدم الجبر من دليل آخر.
ولعلّ الأوّل أظهر، لما قلنا: من أنّ ملكية العامل للربح، ملكية متزلزلة، وإنّما يستقر بالفسخ على قول، أو بانتهاء أجل المضاربة وإلاّ فهو وإن كان ملكاً

1 . المستمسك: 12/343.

صفحه 150
للعامل لكنّه، متعلّق لحقّ المالك فلا يجوز التصرّف فيه إلاّ برضى المالك وإن كنّا على ثقة لعدم تضرر المالك.
وأمّا الثالثة: فالظاهر من المحقق هو جواز جبر العامل على القسمة، حيث قال: «وإن امتنع المالك لم يجبر» ويظهر من العلاّمة في القواعد عدم الفرق بين الصورتين حيث قال: وإن امتنع أحدهما لم يجبر على القسمة، واستقواه السيد البروجردي وقال: وهذا لا يخلو من قوّة مع بقاء المضاربة.
والظاهر هو الأوّل، لما عرفت من أنّ المانع من القسمة هو أنّ سهم العامل متعلّق حق المالك، بمعنى أنّه إذا خسر، يجبر به، فإذا رضي صاحب الحق فلا وجه للتوقف.
وما ذكره صاحب جامع المقاصد في وجه القول الثاني أنّ العامل لا يأمن من أن يطرأ الخسران وإذا أخرج ما وصل إليه فيحتاج إلى غرم ما حصل له بالقسمة وذلك ضرر(1). كما ترى، ضرورة إمكان المحافظة عليه بعدم التصرف ووضعه عند الودعي أو البنك، وعلى فرض التصرف فيه فلو أغرم لم يكن عليه ضرر لأنّه في مقابل التصرف.
ومع ذلك كلّه لايمكن غضّ النظر عمّا هو المتعارف في المضاربة وربّما يكون المتعارف، هو عدم الاقتسام إلى أن تنتهي المضاربة فيكون التعارف مقدّماً على ما ذكرنا. وهناك احتمال آخر وهو أنّ طلب القسمة إذا نضّ المال كلّه فسخ عملي للمضاربة وعندئذ تكون القسمة على القاعدة.
ولو اقتسما، ثم حصل الخسران فإن حصل بعده ربح يجبره فهو، وإلاّ ردّ العامل أقلّ الأمرين من مقدار الخسران وما أخذ من الربح، لأنّ الأقل إن كان هو الخسران، فليس عليه إلاّ جبره فقط، والزائد له، وإن كان الربح فليس عليه إلاّ ردّ مقدار ما أخذ لا جبر جميع الخسران ولو زائد على الربح المأخوذ. وهذا فيما إذا

1 . جامع المقاصد: 8/145.

صفحه 151
نضّ المال بعضه.
ثم إنّ للشهيد الأوّل نظراً خاصاً في المقام نقله عنه المحقق والشهيد الثانيان في المسالك، مع نقده ونقله السيد الطباطبائي في العروة الوثقى(1) فمن أراد فليرجع إليها.

في اشتراء ربّ المال من العامل :

اتّفقت كلمة الفقهاء على أنّه لا يصح أن يشتري ربّ المال من العامل شيئاً من مال القراض كما صرّح به في المبسوط(2)والشرائع(3) والتذكرة(4) وجامع المقاصد(5) معلّلاً بأنّه لايصح أن يشتري الإنسان ماله. قال ابن قدامة: إذا اشترى ربّ المال من مال المضاربة شيئاً لنفسه لم يصح في إحدى الروايتين وهو قول الشافعي، ويصح في الأُخرى وبه قال مالك والأوزاعي وأبو حنيفة، لأنّه تعلّق حق المضارب به، فجاز ل(6)ه شراؤه. وعلى هذا يجوز الشراء إذا ظهر الربح لأنّه يشتري منه حقّ المضارب ولكنّه يصح في حقّه دون العامل.
يلاحظ عليه: أنّ المفروض أنّ المال مشاع فما يبيعه، ليس ملكاً طلقاً للمضارب بل مشاع بينهما، فلا ينفع ظهور الربح مائة بالمائة، والعجب أنّـهم تفطّنوا لهذه النكتة في اشتراء العامل كما سيوافيك، دون المقام.
فإن قلت: إنّ ملكية العامل للربح، ملكية متزلزلة، فكيف يجوز بيعه؟

1 . العروة الوثقى، كتاب المضاربة، المسألة 36.
2 . المبسوط: 3/196.
3 . الجواهر: 26/400 (قسم المتن) .
4 . التذكرة: 2/236.
5 . جامع المقاصد: 8/147.
6 . المغني: 5/172.

صفحه 152
قلت: معنى كونه ملكية متزلزلة هو كونه متعلق حق المالك، وأنّه لو خسرت التجارة، تكون وقاية لرأس المال فإذا رضي صاحب الحق أي المالك، فلا مانع.
ثم طروء الخسارة لايوجب بطلان البيع فإنّه بمنزلة التلف غاية الأمر يجب على العامل، ردّ ما أخذه ثمناً لاتّفاقهما على أنّه لو خسرت التجارة لايكون الجبر بأزيد ممّا أخذ أي الثمن المسمّى.
وبذلك يظهر ضعف ماذكره في الجواهر(1) وتبعه السيد الطباطبائي من لزوم ردّ قيمتها(2) لأنّه تصحّ في التالف إذا لم يكن برضى المالك كما لايخفى.
هذا كله في اشتراء ربّ المال من العامل وأمّا العكس، فقد فصلوا بين الشراء قبل ظهور الربح فيصحّ لأنّه يشري مال الغير، والشراء بعد ظهوره فيبطل في حصته من الربح، قال العلاّمة: وللعامل أن يشتري من مال المضاربة، وإن ظهر ربح بطل البيع في نصيبه(3). قال ابن قدامة: وإن اشترى المضارب لنفسه من مال المضاربة ولم يظهر في المال ربح صحّ، نصّ عليه أحمد وبه قال مالك والثوري والأوزاعي وإسحاق وحكى ذلك عن أبي حنيفة، وقال أبو ثور: البيع باطل لأنّه شريك ثم استدل بأنّه ملك لغيره فيصحّ شراؤه له، كما لو اشترى الوكيل من موكّله وإنّما يكون شريكاً إذا ظهر ربح، لأنّه إنّما يشارك رب المال في الربح لا في أصل المال ومتى ظهر في المال ربح كان شراؤه كشراء أحد الشريكين. وقال: وإن اشترى أحد الشريكين من مال الشركة شيئاً بطل قدر حقّه لأنّه ملكه(4).
وقال العاملي: وأمّا إذا كان الربح ظاهراً في وقت الشراء بناءً على أنّه يملك

1 . الجواهر: 26/401.
2 . العروة الوثقى، كتاب المضاربة، المسألة 4.
3 . مفتاح الكرامة: 7/501 (قسم المتن) .
4 . المغني: 5/173.

صفحه 153
بالظهور فالبطلان في نصيبه في غاية الظهور، لأنّه لايعقل شراء ملك نفسه وإن كان متزلزلاً(1).
لكن الحكم بالصحة فيما لم يظهر الربح على وجه الإطلاق مشكل، وهذا كما إذا اشترى منه قبل ظهور الربح بأزيد من قيمته، بحيث يكون الربح حاصلاً بهذا الشراء فيشكل بأنّ بعض الثمن يرجع إليه من حيث كونه ربحاً، فيلزم من نقله إلى البائع عدم نقله من حيث عوده إلى نفسه.
وأجاب عنه السيد الطباطبائي بأنّه عند ما يكون ملكاً للمالك، ليس ملكاً للعامل، وإنّما يصير ملكاً له بعد دخوله في ملك المالك وخروجه منه بعد صدق الربح من ملكه. قال «إنّ كونه ربحاً، متأخّر عن صيرورته للبائع فيصير أوّلاً للبائع الذي هو المالك من جهة كونه ثمناً وبعد أن تمّت المعاملة وصار ملكاً للبائع وصدق كونه ربحاً، يرجع إلى المشتري الذي هو العامل على حسب قرار المضاربة فملكية البائع (المالك) متقدمة طبعاً.
يلاحظ عليه: أنّ الأحكام الشرعية مترتبة، على التقدّم والتأخّر الخارجيين، فلا يكفي التقدّم الطبيعي، والمفروض أنّ كونه ملكاً للمالك والعامل معاً في زمان واحد. فليزم أن يشتري مال نفسه أيضاً.
هذه الدراسة على حسب مباني القوم ولنا في المقام كلام آخر، وهو أنّه يجوز اشتراء المالك والعامل، قبل ظهور الربح وبعده، ولا يلزم منه شراء الإنسان لماله نفسه مطلقاً سواء كان المشتري ربّ المال أو العامل، وهو أنّ من نظر إلى الشركات المضاربية في البلاد، يقف على أنّ نفس الشركة، تكتسب لنفسه شخصية حقوقية تكون هي المالكة للأموال لا الملاّك ولا العمّال فتكون هي البائعة والمشترية، لا المالك بوجوده الخارجي ولا العامل بهويته الشخصية. نعم عند انحلال الشركة،

1 . مفتاح الكرامة: 7/501.

صفحه 154
يرجع الأموال، الى المالك والعامل حسب القرار الموجود في عقد الشركة، وعلى ذلك فلو اشترى المالك فانّما يشتريه من الشركة وهكذا العامل. لا من نفسه ولا من حصة عديله.
إنّ تقسيم الملكية إلى الحقيقية والحقوقية أمر عرفه الناس واعترف به الحقوقيون، وكفى ذلك في صحته ونفوذه وليس القول بالملكية الحقوقية أمراً مخالفاً للقواعد، فلا وجه لرفضها مع رواجها بين العقلاء حتى في بلادنا هذا. وقد راج في أيامنا هذه، أنّه تقوم أُسرة كبيرة أو موظفو دائرة خاصة بتشكيل جمعية تعاونية يشارك فيها أعضاء الأُسرة أو موظفو الإدارة، فيشترون حوائجهم منها ولا يدور في خلد أحد أنهم يشترون أموال أنفسهم، وما هذا إلاّ لأنّهم ينظرون إلى الشركة ما دامت قائمة بعين الاستقلال ولو قيل: إنّ للزمان والمكان مدخلية في الاجتهاد واستكشاف الحكم الشرعي، فليكن هذا من مصاديقه.

اشتراط القراض بالبضاعة :

إذا دفع مالاً قراضاً وشرط أن يأخذ له بضاعة، ليكون ربح الأول بينهما، وربح الثاني، لخصوص المالك، فيه أقوال:
1 ـ بطلان العقد لبطلان الشرط.
أمّا بطلان الشرط، فلأنّ العامل في المضاربة لا يعمل عملاً لايستحق في مقابله عوضاً والمفروض في المقام خلافه، وبعبارة أُُخرى: الشرط مخالف لمقتضى عقد المضاربة، لأنّه مبنيّ على الأُجرة في مقابل العمل. والشرط على خلافه.
وأمّا بطلان العقد، فلأجل استلزام الاشتراط تطرق الجهالة إلى حصته من الربح لاقتضاء الشرط قسطاً من الربح وقد بطل فيبطل ما يقابله، فتجهل

صفحه 155
الحصة(1).
وحاصل كلامه: أنّ الشرط المفروض مناف لمقتضى العقد، فيكون باطلاً في نفسه وببطلانه يبطل العقد، لاستلزام الشرط جهالة حصة العامل من الربح، حيث إنّ الشرط له قسط من الربح وببطلانه يسقط ذلك القسط وهو غير معلوم المقدار.
يلاحظ عليه: أنّه ليس منافياً لمقتضى العقد، لأنّ تقبّل البضاعة في ضمن القراض، يوجب ارتفاع حصة العامل في المضاربة فلا يكون الشرط عملاً تبرعيّاً ولايشترط في المضاربة أزيد من أن لايكون عمله بالمجان، والمقام كذلك، لأنّه بتقبّل ذلك العمل أو الأعمال الأُخر، كالخياطة، والبيع وغيرهما، يستحق حصة كبرى، ويضارب مع السهم الأكبر. أضف إلى ذلك أنّ ما ذكروه من التعليل لا يلائم مذهبهم في باب الشروط وهو أنّ الشرط لا يقسّط عليه الثمن ولا يقع في مقابله شيء، حتى يكون سقوطه موجباً لنقصان جزء من الحصة فيصير مجهولاً.
2 ـ القراض صحيح والشرط باطل، لكن بطلان الشرط لايوجب بطلان المشروط، وذلك لأنّه لما كان الشرط جائز الوفاء لا لازمه، كما هو حكم كل شرط في العقد الجائز، يكون وجوده كعدمه فكأنّه لم يشترط ولأجل ذلك لاتوجد جهالة في حصة العامل.
وأورد عليه السيد الطباطبائي بأنّه على فرض إيجاده للجهالة، لايتفاوت الحال بين لزوم العمل به وعدمه حيث إنّه على التقديرين زيد بعض العوض لأجله(2).

1 . المبسوط: 3/197 بتصرف يسير.
2 . العروة الوثقى، كتاب المضاربة، المسألة 33.

صفحه 156
ويلاحظ عليه: أنّه إذا كان وجود الشرط وعدمه سيّان وكأنّه لم يشترط كما جاء في كلام القائل فلا يقع شيء بازاء الشرط على جميع التقادير، ذكر الشرط أو لا، صحّ أو لم يصحّ، وعندئذ لايوجب جهالة في الحصة، وهل ذكر مثل هذا الشرط في العقد إلاّ كعطسة المالك في أثناء العقد لايؤثر شيئاً في سهم العامل.
والأولى أن يجاب عنه بما نذكره في جواب التقريب الآخر لهذا القول.
وربّما يقرر: وجه عدم تأثير بطلان الشرط في بطلان العقد: بأنّ الشرط لا أثر له أصلاً لأنّه ليس بلازم الوفاء حيث إنّه في العقد الجائز، ولايلزم من تخلّفه أثر التسلّط على الفسخ حيث إنّه يجوز فسخه ولو مع عدم التخلّف.
وبعبارة أُخرى: إنّ الشرط في العقود يترتب عليه أثران: تكليفي ووضعي، والأوّل بمعنى وجوب القيام به ووجوب إيصال الحق إلى صاحبه، والثاني بمعنى جواز الفسخ مع التخلّف وكلاهما في المقام منتفيان أمّا الأوّل، فلعدم وجوب الوفاء بالشرط الوارد في ضمن العقود الجائزة، وأمّا الثاني، فإنّه كان جائز الفسخ بالذات سواء كان هناك تخلّف أو لا(1).
يلاحظ عليه بأمرين:
1 ـ ما مرّ سابقاً من لزوم الوفاء بالشرط في ضمن العقود الجائزة مادامت باقية ولم تفسخ، وإن كان له أن يفسخ حتى يسقط وجوب العمل به. ويتضح معنى جواز الشرط في العقود الجائزة، بالإمعان في معنى جواز الشرط في النوافل فإنّ الطهارة فيها غير واجبة لأنّها غير واجبة بالذات ولكن لو أراد الإتيان بها، لم يكن بد من الإتيان بها مع الطهارة.
2 ـ ما أفاده السيد الطباطبائي: إنّا لا نسلّم أنّ تخلّفه لايؤثر في التسلط على

1 . جامع المقاصد: 8، لاحظ الجواهر: 26/402.

صفحه 157
الفسخ، إذ الفسخ الذي يأتي من قبل كون العقد جائزاً إنّما يكون بالنسبة إلى الاستمرار، بخلاف الآتي من تخلف الشرط، فإنّ الثاني يوجب فسخ المعاملة من الأصل، فإذا فرضنا أنّ الفسخ بعد حصول الربح فإن كان من القسم الأوّل اقتضى حصوله من حينه، فالعامل يستحقّ ذلك الربح بمقدار حصته، وإن كان من القسم الثاني يكون تمام الربح للمالك ويستحق أُجرة المثل لعمله، وهي قد تكون أزيد من الربح، وقد تكون أقل فيتفاوت الحال بالفسخ وعدمه إذا كان لأجل تخلّف الشرط(1).
3 ـ صحة العقد والشرط وهو خيرة المحقق، للعمومات، وليس هناك شيء يمنع عن شمولها. ولايعتبر في القراض أزيد من عدم خلو عمل العامل عن جزء من الربح لامطلق عمله وإن لم يكن من القراض، ولكنّه قد اشترط في عقد القراض(2).
أضف إليه ما عرفت من أنّ العمل المجعول على العامل ليس خالياً عن جزء من الربح، لأنّه يصير سبباً لارتفاع سهم العامل من الربح كما عرفت، ولو صح ما قيل يلزم بطلان أيّ شرط في المضاربة على العامل، لخلوه عن الربح. كما لايخفى.

في جبر خسارة الجزء المسترد بربح الباقي:

إذا اشتغل العامل بالتجارة فخسر، ثم أخذ المالك شيئاً من مال القراض واتّجر العامل بالباقي وربح، فلا شك أنّ الربح يجبر به الخسران المتقدم على

1 . العروة الوثقى، كتاب المضاربة، المسألة 33.
2 . الجواهر: 26/402.

صفحه 158
الربح، مادام العقد باقياً، والمال غير منقسم. إلاّ أن الكلام في أنّه هل توزّع الخسارة على المأخوذ والباقي فيجبر النقص المختص بالباقي من المال، ولايجبر به ما يختص بالمأخوذ، أو يجبر به جميع الخسران من غير فرق بين ما يرجع إلى الباقي أو المأخوذ؟ قولان:
الأوّل: خيرة المحقق، في الشرائع والعلاّمة في الإرشاد(1) والقواعد(2) والتذكرة(3)، والمحقق في جامع المقاصد(4)، والأردبيلي في مجمع الفائدة.
والثاني: خيرة صاحب الجواهر(5) والسيد الطباطبائي والمحقق الخوئي ـ قدس أسرارهمـ مثلاً: إذا كان مال القراض مائة فخسر عشرة، وأخذ المالك منه بعد الخسران عشرة، ثم عمل العامل بما بقي منه، فربح عشرة فلو قلنا بأنّه يجب عليه جبر جميع الخسران، فالذي يجب عليه ردّه عبارة عن التسعين وقد أخذ العشرة قبلاً فيكون المجموع على حدّ رأس المال، وإن قلنا بالتوزيع فالذي يجب عليه ردّه عبارة عن تسعة وثمانين إلاّ تُسعاً ـ مضافاً إلى المأخوذ الذي هو كالموجود ـ فإذا قسم الخسران وهو عشرة على تسعين كانت حصة العشرة المأخوذة من الخسران، ديناراً وتُسعاً، فيوضع من رأس المال ويجبر الباقي.
ثم إنّ الطريق لتحديد حصة الجزء المأخوذ من الخسران عبارة عن نسبة المأخوذ إلى الباقي أعني التسعين وهو التُسع، فيوضع من الخسران، تُسعه، وتُسع العشرة عبارة عن واحد وتُسع، فينقص من رأس المال بهذا المقدار فيصير تسعة

1 . مجمع الفائدة: 10/264.
2 . مفتاح الكرامة: 7/493.
3 . التذكرة: 2/247 الفصل الخامس في التناسخ ولواحقه.
4 . جامع المقاصد: 8/134.
5 . الجواهر: 26/403.

صفحه 159
وثمانين إلاّ تُسع(1) بخلافه على القول الآخر فإنّه يكون التسعين تماماً.
إذا وقفت على صورة المسألة فنقول: قد استدلّ المحقق الأردبيلي على القول الأوّل بقوله: «إذا أخذ المالك عشرة، فقد أسقط جبر تلك العشرة. وقال العاملي: «إنّه لمّا استردّ العشرة فكأنّه استردّ نصيبها من الخسران لخروجها بالاسترداد عن استحقاق الجبران لما يصيبها حيث بطل القراض فيها.
وقال العلامة: «وإن كان الاسترداد بعد ظهور الخسران، كان الخسران موزعاً على المسترد والباقي فلا يلزم جبر حصة المسترد من الخسران ـ كما لو استردّ الكل بعد الخسران لم يلزم العامل شيء ـ ويصير رأس المال الباقي بعد المسترد(2).
وحاصل الاستدلال: أنّ أخذ جزء من رأس المال إبطال للمضاربة فيها فلابدّ أن يتبعها ما يخصّها من الخسارة السابقة على أخذها.
أقول: لا شك أنّه لو كانت المضاربة مشروطة لفظاً أو مبنيّةً على رجوع مايدفعه المالك بعنوان رأس المال إليه من غير نقص فيه، حتى ولو لم تكن التجارة بكل ذلك المال بل مع الفسخ في بعضه وانحصار المضاربة في الباقي، يجب جبر جميع الخسارة من غير فرق بين مايرجع إلى المسترد، ومايرجع إلى الباقي.
كما أنّه لو كانت مشروطة بجبر خسران المال الباقي في مجال التجارة، لا ما أخرج منها، يلزم خسران ما بقي دون المسترد، إنّما الكلام فيما إذا كانت مطلقة غير مقيدة فهل مقتضى الإطلاق هو الأوّل كما عليه صاحب الجواهر أو الثاني كما عليه المحقق ومن تبعه؟.
أقول: لو دلّت القرينة على شيء من الأمرين فهو، وإلاّ فما اختاره صاحب

1 . وذلك لأنّ التسعين يشتمل على تسعة عقود، وكل عقد عبارة عن عشرة فإذا خصص كل عقد، لنفسه واحداً يكون سهم التسعين هو التسعة لكل عقد واحد، وأمّا الواحد الباقي من العشرة فينقسم إلى تسعة أجزاء لكل عقد جزء وبالتالي للمأخوذ، جزء أي تسع الواحد. فيكون حصة العشرة من الخسارة، الواحد والتسع وقد سبق منّا الكلام في التوزيع فلاحظ.
2 . التذكرة: 2/247.

صفحه 160
الجواهر هو الأقوى، إذ لو افترضنا أنّ استرداد جزء من رأس المال يلازم إبطلالها في ذلك الجزء لكن المتبادر من المساهمة في الربح، هو رجوع رأس المال إلى المالك على النحو الذي دفع. سواء اتّجر بتمامه أو ببعضه، فيلزم جبر الخسران كلّه إذا اتّجر ـ بعد الخسران ـ ببعض المال ويمكن الاستئناس لما ذكر بأُمور:
1 ـ نفترض أنّ الظروف لم تسمح له الاتّجار بكل المال ـ بعد الخسران ـ واتّجر بالبعض، فلا شك أنّه يُجبر به الخسران المختص بما لم يتّجر به فأيّ فرق بين استرداده، وعدمه ويجمعهما عدم الاتّجار إلاّ ببعض المال.
2 ـ إذا اتّجر وخسر ثم أورد الفسخ على تمام المال قبل إنضاضه أو قسمته ثم ربح هو فيجبر به الخسران السابق، فهل هناك فرق بين فسخ الكل أو البعض؟.
3 ـ إذا ردّ العامـل ـ بلا طلب من المالك ـ رأس المال جـزء فجـزء، مع الاشتغال بالتجارة، وافترضنا أنّ التجارة خسرت في أثنائها، ثم ربحت فلا يخطر ببال أحد أنّه لا يجبر النقص المختص بالجزء المردود، قبل الربح.
نعم لو كان المأخوذ على حدّ، أثر في نزول الربح، بحيث لو كان عند العامل لربح أزيد مما ربح، يمكن انصراف عقد المضاربة عن جبر خسران هذا النوع من الاسترداد، المؤثر في الربح الجابر ولعل المفروض في كلام الفقهاء غير هذه الصورة، وعلى ضوء ذلك فكل جزء اتّجر به، وخسر وكان معدوداً من رأس المال، يجب جبر خسره سواء استردّه المالك فيما بعد أو لا.
فإن قلت: يظهر من السيد الطباطبائي أنّ انفساخ العقد في جزء من رأس المال يوجب فسخ العقد من أصل قال: إذا كان رأس المال مشتركاً بين اثنين فضاربا واحداً ثم فسخ أحد الشريكين فهل تبقى بالنسبة إلى حصّة الآخر أو تنفسخ من الأصل؟ وجهان أقربهما الانفساخ، نعم لو كان مال أحدهما متميزاً وكان العقد واحداً لايبعد بقاء العقد بالنسبة إلى الآخر(1).

1 . العروة الوثقى: كتاب المضاربة، المسألة الثانية عشرة من المسائل الختامية.

صفحه 161
قلت: ما ذكره غير تام في المشبّه به فضلاً عن المشبّه، لأنّها عند تعدد المالك ليست مضاربة واحدة، بل مضاربات بعقد واحد، نظيره ما إذا اشترى إنسان شيئين من شخصين وقال: اشتريت هذا وهذا كلاً بدينار، وقال البائعان: بعنا، فلو ردّ أحد المبيعين بالفسخ أو الانفساخ بقي الآخر على لزومه، وأمّا المقام، فالحق أنّه يعامل مع الجزء معاملة الشرط إذا لم يكن على حدّ يغيّر هيئة المضاربة ووحدتها كما إذا أعار أشياء بعقد واحد، ثم استرد واحداً.
والحاصل: أنّ المال الذي لم يضارب به أبداً، لا تجبر خسارته لأنّه لم يقع في إطار المضاربة، وأمّا إذا وقع فيه وتقلّب فيه العامل أنواع التقلب وخسر، ثم استردّه المالك لغرض من الأغراض، فلا يكون خروج مثله مانعاً عن جبر خسارته.
فإن قلت: انفساخ المضاربة بالنسبة إلى ما أخذه، وبقائها بالنسبة إلى البقية ـ كما هو المفروض ـ مستلزم لعدم انجبار سهم المأخوذ من الخسران بربح البقية فيما بعد، وكذا العكس إذ المضاربة فيه بعدما تمّت وهي خاسرة أو رابحة لاتنقلب عمّا تمّت عليه، فيستقرّ خسرانها على المالك إن كانت خاسرة و لا يكون ربحها وقاية لشيء إن كانت رابحة بخلافها في البقية فإنّها لبقائها لايتعيّن لأحدهما إلاّ بالاختتام (1).
قلت: هذا نص ما ذكره السيد المحقق البروجردي ـ بتصرف يسير ـ في تعليقته على العروة الوثقى وهو لايزيد عن كونه مقتضى فسخ المضاربة في الجزء المسترد، هو عدم جبر الخسران المختص به بربح الباقي.
ولكن يلاحظ عليه: أنّ وقوع الجزء المسترد في إطار المضاربة، والتقلب والتصرف فيه بأنواعه منتهياً إلى الخسارة، كاف في لزوم جبر خسرانه بربح الباقي وإن خرج عن مجال المضاربة بالاسترداد فيما بعد.

1 . العروة الوثقى كتاب المضاربة، المسألة 47.

صفحه 162

جبر الخسران اللاّحق بربح الجزء المسترد :

هذا كله في جانب الخسران، ومثله جانب الربح فكما يجبر بالربح اللاحق خسرانُ الجزء المسترد، فهكذا يُجبر بربح الجزء المسترد، الخسرانُ اللاحق بالاتّجار بالبقية فإذا أخذ المالك ـ بعد ما حصل الربح ـ مقداراً من المال (سواء كان بعنوان استرداد بعض رأس المال، أو هو مع الربح أو من غير قصد إلى أحد الوجهين) ثم اتّجر العامل بالباقي فحصل خسران أو تلف، يجبر بالربح السابق بتمامه حتى المقدار الخاص بما أخذه المالك، ولا يختصّ الجبر بما عداه من غير فرق بين حصة المالك والعامل. وذلك لما عرفت من أنّ المتبادر من عقد المضاربة، هو رد رأس المال بتمامه إلى المالك بلا نقص، فلا محيص عن جعل الربح السابق وقاية حتى في الزمان اللاحق ما دامت المضاربة قائمة بحالها مثلاً: إذا كان رأس المال مائة، فربح عشرة، ثم أخذ المالك عشرة، ثم إتّجر بالبقية فخسر عشرة أو تلف منه عشرة، يجب جبرها بالربح السابق حتى المقدار الشائع منه في العشرة المأخوذة والربح الشائع فيها وإن كان مشتركاً بينهما، لكن يُتلقّى وقاية لرأس المال فلا يبقى للعامل من الربح السابق شيء. وعلى ضوء ذلك فلا وجه لما ذكره بعضهم: أنّ مقدار الربح الشائع في العشرة التي أخذها المالك لايجبر الخسران اللاحق، وأنّ حصة العامل منه يبقى له ويجب على المالك ردّه إليه.
والحاصل: الربح الشائع في العشرة المأخوذة وهو الواحد والتُسع، مشترك بين المالك والعامل، فيجبر به الخسران اللاحق. بخلافه على القول الآخر فإن أخذ العشرة من الأصل والربح، فسخ للمضاربة فيها، فيستقرّ ملك العامل على نصف المأخوذ من الربح فلو انخفض السوق وخسرت عشرة لم يكن للمالك أن يأخذه من العامل بحجة فسخ المضاربة.

صفحه 163
والحق ما عرفت أنّ المتبادر، ردّ رأس المال إلى المالك تماماً عند إنهاء المضاربة، وهذا يلازم جبر الخسران اللاحق، بالربح السابق.

إذا مات وفي يده مال المضاربة: (1)

إذا مات وفي يده مال المضاربة فله صور:
الصورة الأُولى: إذا علم المال بعينه يُردّ إلى رب المال بلا إشكال لعدم خروجه عن ملك مالكه.
الصورة الثانية: إن علم بوجوده في التركة من غير تعيين.
فالظاهر من الأصحاب أنّ المالك يكون شريكاً مع الورثة من غير فرق بين الامتزاج والاختلاط.
1 ـ قال الشيخ الطوسي: «وإن لم يعيَّن كان بينهم بالسويّة على ما تقتضيه رؤس أموالهم(2).
2 ـ وقال المحقق: وإن جهل (فإنّ كل واحد منهم بخصوصه) كانوا فيه سواء (يقسم بينهم أموالهم كما في اقتسام غيرهم من الشركاء)(3).
3 ـ وقال ابن سعيد: من يموت وعنده مال مضاربة إن سمّاه بعينه قبل موته فقال هذا لفلان فهو له، وإن لم يذكره فهو اسوة الغرماء(4) وقد عبّر بلفظ النص الذي رواه السكوني كما سيوافيك.

1 . آثرنا في هذه المسألة كتاب العروة، المسأله الأُولى من المسائل الختامية، لأنّه أكثر تفريعاً مما ذكره المحقق في الشرائع. فلاحظ.
2 . النهاية: 430.
3 . الجواهر: 26/405.
4 . الجامع للشرائع: 316.

صفحه 164
4 ـ وقال العلاّمة في القواعد: وإن عرف، قُدّم وإن جهلت عينه(1)
5 ـ وقال العلاّمة في التذكرة: إذا مات العامل وعنده مال مضاربة لجماعة متعدّدين فإن علم مال أحدهم بعينه كان أحق به، وإن جهلوا كانوا فيه سواء(2).
وقال المحقق الثاني: إن علم بقاء المال في جملة التركة ولم تُعلم عينه بخصوصها فصاحبه كالشريك...(3).
إلى غير ذلك من الكلمات الظاهرة في أنّ العلم ببقاء مال المضاربة في التركة يوجب الشركة بين ربّ المال والوارث بالنسبة، ويقدّم على الغرماء إن كان الميت مديوناً وذلك لأنّه ليس بدين حتى يكون محلّه الذمّة، بل هو في جملة ماله لكنّه لما لم يعلم عينه يكون مالكه كالشريك(4).
واستدلّ له بما رواه السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) عن علي (عليه السلام) أنّه كان يقول: من يموت وعنده مال مضاربة قال (عليه السلام): «إن سمّاه بعينه قبل موته فقال هذا لفلان، فهو له، وإن مات ولم يذكر فهو اسوة الغرماء»(5).
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ الحديث لايدل على شركة المالك مع الوارث في التركة، بشهادة قوله (عليه السلام) «فهو اسوة الغرماء»، فحُكمُ المالك حُكم الغريم وليس الغريم شريكاً مع الوارث وإنّما يمنع الدين عن تصرف الوارث في التركة،

1 . مفتاح الكرامة: 7/510 (قسم المتن) .
2 . التذكـرة: 2/247 ـ وقد افترض وجود أموال للمضاربين غير مختلطة بمال الورثة وإنّما الاختلاف بين أموال نفس المضاربين.
3 . جامع المقاصد: 8/140.
4 . مفتاح الكرامة: 7/509.
5 . الوسائل: 13 الباب 13، من كتاب المضاربة، الحديث1.

صفحه 165
فيكون حالها حال العين المرهونة، فكما أنّه لايجوز للراهن التصرف فيها إلاّ بعد فكّها عن الرهن فهكذا التركة لايجوز للوارث، التصرف في التركة إلاّ بعد أداء دين المورث وأين هذا من كون المالك شريكاً للوارث فيما ترك؟
وممّا يدل على عدم كون الغريم شريكاً للوارث، أنّه يجوز له أداء دين الميت من غير التركة وليس للغريم الإباء عن قبوله، لأنّه تعلّق بذمته لما مات، ولما لم تكن ذمة الميت شيئاً يعتمد عليه احتاجت إلى مايضفي عليه شيئاً من الاعتماد، وليس هو إلاّ تركته ولأجل ذلك صارت التركة رهناً في مقابل الدين فإذا أدّى دينه، بأيّ نحو شاء، جاز التصرّف فيها.
وأمّا ما ربّما يقال: من أنّ التركة لا تنقل إلى الورثة، بل تبقى على ملك الميت إلاّ في الزائد عن دين الميت، فهو بعيد عن الفهم العرفي، وأمّا قوله سبحانه: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة تُوصُونَ بِها أوْ دَيْن) وقوله سبحانه: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصَى بِها أوْ دَيْن)(1) لايعني تحديد أصل الانتقال إلى الوارث، في غير الوصية والدين، بل المقصود الانتقال الكامل العاري عن أيّ منع وحدّ، فهو بعد أداء الدين.
وثانياً: أنّ الشركة القهرية رهن الامتزاج، لا الاختلاط والاشتباه سواء كان المزج بين مالين من جنس واحد أو من جنسين، على وجه لايبقى للمالين التعيّن والتميّز في نفس الأمر، كما إذا امتزج الماء مع الطين، والسكر مع الحليب، وليس المقام من قبيل القسمين بل من قبيل الاختلاط، مع التحفّظ على تعيّن الاجزاء وتشخّصها في نفس الأمر وإن كانا غير متميزين عندنا، وبالجملة إذا كان مال كل واحد متعيّناً ومتميّزاً في الواقع لا تتحقق الشركة.
نعم، ربّما يعد في بعض الموارد عدم التميّز في مقام الإثبات، اختلاطاً في نظر العقل الدقيق، وامتزاجاً في نظر العرف ويحكم بتحقق الشركة، كما في اختلاط

1 . النساء: 12.

صفحه 166
الحنطتين والارزين المتجانسين، فإنّ فعلية كل جزء وإن كانت محفوظة في الواقع لكنّه بالدقة العقلية وأمّا في نظر العرف، فهو من قبيل الامتزاج الحقيقي الذي يفقد فيه كل جنس فعليته وشخصيته.
ولأجل أنّ مراتب الاختلاط مختلفة لم يحكم الإمام بالشركة في مورد الودعي الذي استودع عنده رجل دينارين وآخر ديناراً واحداً فضاع دينار منهما، فحكم الإمام بأنّه يعطي صاحب الدينارين واحداً، ويقسم الآخر بينهما نصفين(1) ولو كان مثل هذا الاختلاط موجباً للشركة، لوجب تقسيم الباقي بين المالكين أثلاثاً مع أنّ الامام قسّمه أرباعاً.
فظهر أنّ اختلاط مال المالك، بمال الوارث واشتباهما لايورث الشركة، بل يحكم على مثل هذا بحكم مالين مشتبهين، فالمرجع إمّا القرعة أو التصالح، والأوّل أقوى والثاني أحوط من غير فرق بين اختلاط أموال المالكين بعضهم ببعض، كما هو الوارد في كلام المحقق والعلامة في التذكرّة أو اختلاط مال المالك بمال العامل كما هو المفروض في كلام الآخرين مثل السيد الطباطبائي في العروة(2). ولابد من التنبيه على أمرين:
1 ـ إنّ مورد القرعة هي مجموعة الأموال التي نعلم بوجود مال المالك فيها أمّا ما نعلم أنّه مال المورث المختص به كالحبوة، فليس محلاّ ً لها كما لا يخفى.
2 ـ إنّ المالك وإن لم يكن مشاركاً للوارث، لكنّه في هذا المورد يكون مقدّماً على الغرماء للعلم الإجمالي بوجود ماله بين التركة، وهو يمنع عن تعلّق حقّ الغرماء به وبعبارة أُخرى فرق بين المالك الذي نعلم بوجود ماله في التركة ودين الغرماء، فإنّ الأوّل ليس ديناً حتى يكون محلّه الذمة ويكون في درجة الغرماء بل هو في جملة

1 . الوسائل: 13، الباب 12 من أبواب الصلح، الحديث1.
2 . السيد الطباطبائي: العروة الوثقى، كتاب المضاربة تحت عنوان مسائل: الأُولى.

صفحه 167
ماله لكنّه لم يعلم عينه، بخلاف مال الغرماء فإنّه دين في ذمّته ولأجل ذلك أطلق عليه بعضهم لفظ «كالشريك»(1) ولو تمّ ما ذكرناه ربّما يصير ذلك قرينة على حمل رواية السكوني على غير هذه الصورة، لما عرفت من أنّه يقدّم في المقام على الغريم، فكيف يكون أُسوة لهم، ولعلّها ناظرة لما يأتي في الصورة الأُخرى.
وبذلك يتبين أنّ الضمان على قسمين: قسم يكون متقدماً على الغرماء كما في الصورة الثانية، وقسم يحكم بالضمان ولكن لايكون مقدماً عليهم بل يكون أُسوة لهم.
الصورة الثالثة: إذا علم عدم وجوده في تركته ولا في يده.
إذا علم بعدم وجوده في تركته ولا في يده إلى زمان ما بعد الموت ولم يعلم أنّه تلف بتفريط أو بغيره أو ردّه على المالك فهل يحكم بضمان العامل، أو لا ؟
1 ـ قال المحقق: وإن جهل كون ما في يد الميت مضاربة لاحتمال التلف أو غيره، قضى به ميراثاً(2).
2 ـ قال العلاّمة: ولو مات العامل ولم يعرف بقاء مال المضاربة بعينه صار ثابتاً في ذمّته وصار صاحبه أُسوة الغرماء على أشكال(3).
3 ـ وقال في التحرير: ففي أخذه من التركة إشكال(4).
4 ـ وعلّق فخر المحققين في الإيضاح على قول والده في القواعد وقوله:
وهذا يعرب عن أنّ الإشكال في أصل الضمان.

1 . الجواهر: 26/407.
2 . الجواهر: 26/407.
3 . مفتاح الكرامة: 7/508 (قسم المتن) .
4 . التحرير: 280.

صفحه 168
5 ـ قال السيد الطباطبائي: الظاهر عدم ضمانه وكون جميع تركته للورثة وإن كان لا يخلو عن إشكال:
وعلى كل تقدير ففي المسألة وجهان: الضمان وعدمه.
أمّا الأوّل: فقد استدل له بقوله: «على اليد ما أخذت حتى تؤدّي»
يلاحظ عليه: أوّلاً: بأنّ الحديث مختص بيد الغاصب والقابض بالسوم، ولو قيل بالعموم يلزم تخصيص الأكثر لعدم الضمان في يد الأمين كالمرتهن، والمستعير، والمستودع، ولا في يد الأجير على عمل في العين، والمستأجر للعين، لاستيفاء منافعها، ولا في يد الملتقط، والوصي، والولي، والشريك، والعامل في المضاربة والعامل في المزارعة، والمساقاة، والجعالة، إلى غير ذلك(1).
وثانياً: افترضنا عمومه ليد الأمين لكن خرج عنه التلف من غير تعدّ ولا تفريط ومن المحتمل كون المقام من مصاديق المخصِّص، فيكون التمسّك به من قبل التمسّك بالعموم في الشبهة المصداقية.
وأمّا الثاني: أي وجه عدم الضمان، فلأنّ الأصل، براءة الذمة.
ولكن الحق هو القول بالضمان لا من باب التمسك بقاعدة «على اليد» حتى يقال: إنّ المقام من قبيل الشبهة المصداقية للمخصص. بل لأجل أصل أطبق عليه العقلاء في باب الأموال التي لم يدفعها المالك إلى الغير محاباة وبالمجان، كما في مورد الهبة والحقوق الواجبة والوديعة والعارية، بل لأجل الاسترباح و ردّ الأصل مع الفرع. ففي ذلك المجال، بما أنّ المالك حفظ حرمة ماله، صار طبع العقد مقتضياً للضمان، حتى يثبت ما يزيل الضمان بالخسران أوّلاً،

1 . المستمسك: 12/421.

صفحه 169
والتلف ثانياً، وإتلاف الغير ثالثاً وهكذا... وبما أنّ الآخذ أمين يكفي دعواه التلف مع اليمين وإلاّ فالأصل الضمان.
وهذا الأصل نظير لأصل المحكّم في باب اللحوم فإنّ الأصل فيها حرمة الأكل وفي باب النساء، هو حرمة النظر، وفي بيع الوقف هو حرمة البيع وبطلانه، وفي بيع مال اليتيم، هو الحرمة والبطلان، إلى غير ذلك من الموارد التي وقفنا على الأصل السائد فيها من سيرة العقلاء، أو الدليل الشرعي، ففي هذه الموارد، الأصل هو المحكم حتى يثبت الخلاف.
إنّ الأصل السائد في المقام هو مسؤولية العامل أمام المالك ولزوم خروجه عنها بدليل. وبما أنّه مات ولم يوص بشيء، ولم يذكر ما يخرجه عن المسؤولية فهو محكوم بها حتى يثبت الخلاف ومجرّد عدم العلم بتلفه بتفريط أو تعدّ غير كاف في الخروج عن المسؤولية.
نعم بما أنّ المفروض عدم العلم بوجوده في تركته، يكون محكوماً بالضمان، وتكون التركة كالرهن في مقابله، ويصير اسوة للغرماء لا مقدماً عليهم، بخلاف الصورة الثانية فقد عرفت أنّه يكون فيها، مقدّماً عليهم. هذا ولو لم نقل بهذا الأصل، فلا شك أنّ الأصل المحكم في المقام هو أصل البراءة كما لايخفى.
الصورة الرابعة: إذا علم ببقائه في يده إلى ما بعد الموت، ولكن لايعلم أنّه موجود في تركته أو لا لأنّه يحتمل أن يكون مدفوناً في مكان غير معلوم أو أمانة عند شخص أو نحو ذلك.
الصورة الخامسة: يعلم ببقائه في يده إلى ما بعد الموت ولكن يعلم (مكان لا يعلم في الرابعة) بأنّه ليس موجوداً في التركة.
وفي هذه الصورة عنصران: أحدهما مأخوذ من الرابعة وهو سيطرته عليه إلى

صفحه 170
ما بعد الموت، وثانيهما مأخوذ من الثالثة وهو العلم بأنّه ليس في تركته.
الصورة السادسة: إذا شكّ حتى في أصل بقائه في يده إلى ما بعد الموت الذي هو الأصل المشترك بين الرابعة والخامسة فإذا كان أصل البقاء تحت يده مشكوكاً، فيكون وجوده في التركة مشكوكاً مثله.
***
إذا قلنا بالضمان في الصورة الثالثة، وهو أضعف الصور من حيث اقتضائه للضمان فالقول به في هذه الصور الثلاث الأخيرة بطريق أولى.
أمّا أضعفية الصورة الثالثة، فلأجل أنّ علمه بعدم كونه تحت يده إلى ما بعد الموت وعلمه بعدم كونه في التركة، من مقتضيات عدم الضمان، بخلاف الرابعة والخامسة إذ في كليهما العلم بأنّه كان تحت يده إلى زمان الموت وهو من مقتضيات الضمان، وإن كان وجوده في التركة مشكوكاً على الرابعة، ومعلوم العدم على الخامسة، وأمّا أضعفيته من السادسة، فلأنّ في الثالثة علماً بالعدم أي عدم كونه تحت يده وكونه في التركة، وفي السادسة، شك فيهما والعلم بالعدم أقوى في سلب الضمان من الشك فيهما.
ولأجل وجود الفرق بين الصور الثلاث، حكم السيد الطباطبائي في الصورتين الأُوليين: الرابعة والخامسة بالضمان بوجه قاطع، وهو لشمول قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «على اليد ما أخذت حتى تؤدّي» ، حيث إنّ الأظهر شموله للأمانات أيضاً.
ودعوى خروجها لأنّ المفروض عدم الضمان فيها، مدفوعةٌ بأنّ غاية مايكون خروج بعض الصور منها كما إذا تلفت بلا تفريط أو ادّعى تلفها كذلك إذا حلف، وأمّا صورة التفريط والإتلاف ودعوى الرد (في غير الوديعة) ودعوى التلف والنكول عن الحلف، فهي باقية تحت العموم.

صفحه 171
ـ وقال أيضـاً ـ: يمكن أن يتمسّـك بعمـوم ما دل على وجوب ردّ الأمانة، بدعوى أنّ الرد أعم من رد العين و ردّ البدل واختصاصه بالأوّل ممنوع إلاّ أنّه يفهم من قوله (عليه السلام) : المغصوب مردود، وجوب عوضه عند تلفه(1).
يلاحظ عليه: أوّلاً: بما عرفت من أنّ دليل «على اليد» قاصر للشمول لغير الغاصب والمأخوذ بالسوم وإلاّ تلزم كثرة التخصيص.
ثانياً: سلّمنا شموله لكن التمسك في المقام به تمسك بالعام في الشبهة المصداقية، لخروج بعض الموارد عن القاعدة كما إذا تلف بلا تفريط وتعدّ وغيرهما. ومن المحتمل كون المقام من مصاديق المخصص، ومعه كيف يتمسك بالعام ويحكم بالضمان.
وبذلك يظهر عدم تمامية الدليل الثاني لأنّه أيضاً مخصص بما خصص به دليل «على اليد» مضافاً إلى أنّ مفاده حكم تكليفي، ولايدل على الحكم الوضعي أي الضمان.
ثم إنّه ربّما يفرق بين الصورتين (الرابعة والخامسة) بالضمان في الأُولى دون الثانية، بأنّ العلم ببقاء يده عليه مال المضاربة إلى ما بعد الموت مع احتماله كونه في التركة يسقط يد العامل عن كونها أمارة الملكية، قال المحقق البروجردي: «إنّ العلم الإجمالي بكون بعض ما كان في يده إلى موته مال الغير، أسقط اعتبارها في جميع أطرافه بالنسبة إلى القدر المعلوم».(2) بخلاف الصورة الثانية، فإنّ أمارية يد العامل فيها محفوظة، للعلم بعدم كونه في التركة، وعلى هذا يلزم في الصورة الرابعة وراء الضمان، كونه مقدّماً على الغرماء لا اسوة لهم.
يلاحظ عليه: بأنّه لافرق بين الصورتين لأنّ كونه في التركة مجرد احتمال، يعادله احتمال آخر وهو أنّه ليس فيها ومثله غير مؤثّر، لأنّ مرجعه إلى العلم

1 . العروة الوثقى: مسائل ختامية: المسالة الأولى.
2 . تعليقة المحقق البروجردي على العروة الوثقى.

صفحه 172
الإجمالي بكونه إمّا في التركة وإمّا في غيرها (مدفون في مكان غير معلوم أو أمانة عند شخص آخر أو نحو ذلك) ومن المعلوم أنّ مثل هذا العلم الإجمالي غير منجز لخروج بعض الأطراف عن الابتلاء، اللّهمّ إلاّ أن يقال بعدم اعتبار هذا الشرط في تنجيز العلم الإجمالي كما عليه السيد الأُستاذ (قدس سره).
وأمّا الصورة السادسة فعلى ما ذكرنا، فالضمان متحقق ولايكون مقدّماً على الغرماء، للعلم بعدم كونه في التركة.
وأمّا تعليل الضمان بأنّ الأصل بقاء يده عليه إلى ما بعد الموت واشتغال ذمّته بالرد عند المطالبة وإذا لم يمكنه ذلك لموته يؤخذ من تركته بقيمته(1).
فيلاحظ عليه: أوّلاً: أنّه إذا كان عموم على اليد شاملاً لهذه الصورة، فلا حاجة إلى الأصل.
وثانياً: أنّ الأصل المذكور لا يثبت كونه في التركة، لاحتمال خروجها عن التركة، بوجه من الوجوه، كما لايثبت الضمان، ما لم يثبت التعدّي والتفريط، لأنّ اليد، يد أمين، والعلم به لايوجب الضمان ما لم يثبت العنوانان
وثالثاً: اشتغال ذمته بالرد عند المطالبة ساقط بالموت وكون الوارث محكوماً بالرد عند المطالبة مسبوق بالعدم يحتاج إلى الدليل.
والتحقيق هو الضمان في جميع الصور لا بهذه الوجوه العليلة، بل الأصل الثابت لدى العقلاء من أنّ المأخوذ بعنوان المعاملة، مضمون يردّ عينه أو بدله. مالم يثبت أحد المسقطات. أمّا ما ركن إليه الأعلام في المقام بأصالة البراءة، فهو محكوم بهذه القاعدة المسلّمة بين العقلاء.
نعم مورد البحث بين الأعلام ما إذا لم يكن بترك التعيين عند ظهور أمارات الموت مفرطاً وإلاّ فلا إشكال في ضمانه لخروجه عن كونه أميناً.

1 . العروة الوثقى: كتاب المضاربة، المسألة الأُولى من المسائل الختامية.

صفحه 173

اشتراط الضمان على العامل

إذا اشترط المالك على العامل أن تكون الخسارة عليهما كالربح، أو اشترط ضمانه لرأس المال ففي صحة الشرط وجهان أو قولان:
ثم إنّ الكلام يقع تارة في ضمان رأس المال عند التلف وإن لم يكن مقروناً بالتعدي والتفريط، وأُخرى في ضمان الوضيعة عند نزول السوق مع بقاء رأس المال بصورة العروض، وإليك الكلام في الأوّل وسيوافيك الكلام في الثاني. فنقول: استدلّ لبطلان الشرط بوجوه:
1 ـ ما ذكره صاحب جامع المقاصد من أنّ الشرط باطل لمنافاته لمقتضى العقد شرعاً، فيبطل العقد بها لأنّ التراضي المعتبر فيه لم يقع إلاّ على وجه فاسد فيكون باطلاً.
يلاحظ عليه: أنّ الميزان في كون الشرط منافياً لمقتضى العقد، ظهور المنافاة بين العقد والشرط أو بين العقد ولوازمه العرفية، والأوّل كما في مثل قوله: «بعتك بلا ثمن، وآجرتك بلا أُجرة»، والثاني مثل قوله: «أنكحتك بشرط أن لا أتمتع منك أبداً»، وأمّا المقام فليس كذلك إذ ليس عدم الضمان داخلاً في جوهر المضاربة ولايعدُّ من اللوازم العرفية التي لاتنفك عنها فإنّـهـا ليست إلاّ ـ عمل العامل بمال المالـك على أن يكون الربح بينهما ـ على ما اتّفقا عليه. وليس عدم الضمان مأخوذاً فيه، بنحو أحد الأمرين.

صفحه 174
وإن شئت قلت: إنّ عدم الضمان، مقتضى إطلاق العقد لا أنّه داخل في جوهره ولا من مقتضيات نفسه عند العرف، وبعبارة أُخرى أنّ المضاربة بما هي هي لا تقتضي الضمان ما دامت كذلك، لا أنّه هي هي تقتضي عدم الضمان حتى يقع التنافي بين الاشتراط ومقتضى العقد.
2 ـ أنّه مخالف للسنّة، حيث إنّه حسب النص أمين ومقتضى كونه أميناً عدم الضمان. وقد ورد النص عليهما في النصوص.
أمّا الصغرى، فيكفي في إثباتها صحيح ابن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يستبضع المال فيهلك أو يسرق أعلى صاحبه ضمان؟ فقال: «ليس عليه غرم بعد أن يكون الرجل أميناً»(1).
وأمّا الكبرى، فيدل عليها صحيح محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): من اتّجر مالاً واشترط نصف الربح فليس عليه ضمان»(2).
يلاحظ عليه: أنّ الضمان ينقسم إلى ضمان اليد وضمان العقد، والروايات ناظرة إلى القسم الأوّل وإن أخذ المال مضاربة، لا يقتضي الضمان لأجل الاستيلاء وهذا لا ينافي جعل الضمان عليه بالاشتراط. وبعبارة أُخرى: إنّ أخذ المال للاتّجار والاشتراك في الربح، لا يلازم الضمان ولا يقتضيه إذ ليس غاصباً ولا متعدياً ولا مفرطاً. وهذا لا ينافي كونه ضامناً بالجعل والمشارطة وعدم الضمان من ناحية التسلط والاستيلاء، لا ينافي الضمان بالجعل والشرط وإلى ذلك يرجع ما ذكره السيد الحكيم: أنّ عدم الضمان لعدم المقتضي لا لمقتضي العدم، ومع الاحتمال يبني على صحة الشرط المخالف له، لعدم ثبوت كونه مخالفاً للكتاب.
وبذلك يظهر ضعف ما أفاده المحقق الخوئي: إنّ ذلك من جهة ملاحظة

1 . الوسائل: 13، الباب 3 من أبواب المضاربة الحديث 3 و 2 وغيرهما.
2 . الوسائل: 13، الباب 3 من أبواب المضاربة الحديث 3 و 2 وغيرهما.

صفحه 175
أنّ العامل أمين ومقتضى مادلّ على أنّ الأمين لا يضمن ولا سيما بعض النصوص الواردة في خصوص المضاربة، هو عدم الضمان، فيكون اشتراط الضمان من الشرط المخالف للسنة حيث إنّ مقتضاه عدم ضمان الأمين سواء اشترط عليه ذلك أم لا يشترط فيبطل لا محالة(1).
يلاحظ عليه: بما عرفت من أنّ مفاد النصوص نفي الضمان اليدي وأنّه ليس على المالك أن يضمنه بمجرد استيلائه على ماله، بعد ما كان الأخذ بإذنه وأمّا نفي الضمان العقدي لأجل المشارطة والاتّفاق فلا تنفيه، وبذلك يظهر الخفاء في قوله: «مقتضاه عدم الضمان اشترط عليه أم لم يشترط» إذ ليست النصوص في مقام البيان من هذه الجهة حتى يؤخذ بإطلاقها.

اشتراط ضمان الوضيعة:

ومن ذلك يعلم، أنّه لافرق بين تضمينه لرأس المال عند التلف، وتضمينه الوضيعة الناشئة من تنزّل السوق وما روي من أنّ الوضيعة على المال. أو ليس عليه من الوضيعة شيء إلاّ أن يخالف أمر صاحب المال(2)، لايدلّ على أنّه حكم شرعي للمضاربة، بحيث لا يجوز مخالفته بالعناوين الثانوية كالشرط ونحوه حتى يصح عدم الضمان، ككون الطلاق بيد الرجل الذي لا يغيّره العنوان الثانوي بل المتبادر من هذه الروايات أنّ مقتضى المضاربة بما هي هي، كون الوضيعة على المال، وذلك لأنّ العامل لم يتعهّد سوى الاتّجار والاشتراك في الربح، فلا محالة لا تتوجّه الوضيعية عليه بل على نفس المال. وأمّا أنّه حكم شرعي حتى في صورة التعهّد وقبول جبر الوضيعة بما له، فلا تنفيه الروايات فيرجع فيها إلى القواعد

1 . مستند العروة الوثقى: 3/50.
2 . الوسائل: 13 الباب 3 من أبواب المضاربة الحديث 5 والباب 1، الحديث4 وغيره.

صفحه 176
العامة وإطلاقات الشروط.
3 ـ إنّ الشرط صحيح ولكن العقد ينقلب إلى القرض اختاره بعض محشّي العروة فقال: إذا اشترط أن تكون الخسارة على العامل، انقلبت قرضاً وتمام الربح للعامل للنص المعمول به(1).
ويريد من النص صحيح محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث: «إنّ عليّاً (عليه السلام) قال: من ضمّن تاجراً فليس له إلاّ رأس ماله وليس له من الربح شيء». رواه المشايخ الثلاثة إلاّ أنّ الشيخ روى «مضاربة» مكان «تاجراً»(2)، وظاهره صحّة الشرط وانقلابه إلى القرض; وأنّه بازاء ضمانه رأس المال، يملك الربح. فكان مضمونه أشبه بما روي عن النبي «الخ(3)راج بالضمان» وأنّ من عليه درك الشيء، فله خراجه وربحه ولكن الصحيحة على خلاف القاعدة، حيث إنّ مضمونه من مصاديق «ما وقع لم يقصد وما قصد لم يقع» ومع ذلك فقد عمل بها الفيض وقال: أُريد بالحديثين أنّ في المضاربة لا ضمان على العامل، فإن اشترط فيها الضمان عليه تصير قرضاً فلا ربح حينئذ (4)لصاحب المال.
وقال في الحدائق: إنّه بمجرد تضمين المالك للمضارب يصير المال قرضاً ويخرج عن المضاربة وإن لم يتقدّم هناك عقد القرض أولا، وهو في معنى اشتراط الربح للعامل فإنّ الأمرين من لوازم القرض ـ إلى أن قال: ـ ومرجعه إلى أنّه باشتراطه الضمان كأنّه قصد إلى أنّ المال يكون قرضاً حينئذ، كما أنّه باشتراط الربح

1 . العروة الوثقى: تعليقة المسألة: 4.
2 . الوسائل: 13، الباب 4 من أبواب المضاربة، الحديث1.
3 . مسند أحمد: 6/237.
4 . الوافي: 18/880 الطبعة الحديثة.

صفحه 177
للعامل خاصة كأنّه قصد ذلك(1).
وظاهر كلام المحدّثين أنّ المتعاملين قصدا المضاربة ولكن جعل الضمان على العامل قلَبه إلى القرض. فكما أنّ جعل الربح للعامل يجعله قرضاً، فهكذا جعل الضمان عليه يجعله قرضاً شاء أو لم يشأ، ولأجل ذلك قال صاحب الحدائق: «كأنّه قصد إلى أنّ المال إن يكون قرضاً. . » وهو كما ترى، لايخرج المورد عن كونه من قبيل ما قصد لم يقع وما وقع لم يقصد، ولا يمكن تصحيحه إلاّ بدليل قاطع كما في بعض الموارد الذي حكاه الشيخ الأنصاري في كتاب المعاطاة. والرواية وإن كانت صحيحة لكنّه لم يعمل بها إلاّ العلمان المتأخران. على تأمّل فيها.
ثم إنّ المحقق الخوئي حاول تصحيح الرواية بحملها على أنّ المقصود كان من أوّل الأمر هو القرض فقال ـ بعد بيان الفرق بين البيع والدين ـ: هذه الصحيحة لما كانت ناظرة إلى الضمان المطلق أعني دفع ماله إلى غيره ليكون في عهدته من أوّل الأمر، كانت الرواية أجنبية عن محل الكلام فإنّها واردة في القرض ابتداءً لا في انقلاب المضاربة إلى القرض بالاشتراط.
فالصحيحة ـ بناءً على ما ذكرناه واختاره صاحبا الوافي والحدائق ـ غير واردة في المضاربة، وإنّما هي واردة في التضمين الفعلي وأنّى ذلك من اشتراط الضمان عند التلف؟(2).
يلاحظ عليه: أنّ تفسير الرواية بكونها واردة في القرض ابتداءً، لا يلائم الكلمات الواردة في المتن نظير:
1 ـ «من ضمّن مضاربة» ـ حسب نقل الشيخ.

1 . الحدائق: 21/202.
2 . مستند العروة الوثقى: 3/51.

صفحه 178
2 ـ «رأس ماله»: فإنّه يناسب مورد المضاربة لا الدين إذ الرائج فيه لفظ الدين والقرض.
3 ـ «ضمّن تاجراً» فإنّه يناسب كون الأخذ مضارباً لا مقترضاً محضاً.
والحق أنّ الحمل المذكور خلاف ظاهرها.
أضف إلى ذلك: أنّ ما اختاره من التفسير للرواية تخالف خيرة المحدثين. فإنّ كلامهما ظاهر في ورود الرواية في المضاربة ابتداءً لكنّه «يخرج عن المضاربة» قهراً ولأجل ذلك استعمل البحراني كلمة «كأنّه».
والحق أنّ الرواية صريحة في الانقلاب لكنّها مخالفة للأُصول والقواعد العامة فلا يجوز الإفتاء بمضمونها، فلابد من حمل علمها إليهم (عليه السلام) على أنّ الظاهر من نقل محمد بن قيس أنّ الحكم كان قضاء من علي (عليه السلام) والرائج في أقضية الإمام هو الأخذ بها إلاّ إذا خالف القواعد والأُصول، فيحمل عندئذ على أنّه قضية في واقعة هو أعرف بحكمها من غيره.
إذا عرفت ذلك: فاعلم أنّ الحق هو صحّة الشرط ولزومه حسب أدلّة الشروط، ولو قلنا ببطلان الشرط فلا نقول ببطلان أصل المضاربة، لأنّ الشرط الفاسد عندنا غير مفسد إلاّ في موردين:
1 ـ إذا كان منافياً لمقتضى العقد وليس المقام منه.
2 ـ إذا كان موجباً للجهالة في خصوص البيع، لما روي: نهى النبي عن بيع الغرر، والمقام ليس من قبيل البيع فتكون النتيجة بطلان الشرط، وصحّة العقد. وعلى فرض كون الجهالة مضراً مطلقاً في البيع وغيره، فالمقام عار عن الجهالة.
***

صفحه 179

في خلط رأس المال مع مال آخر :

إذا أخذ مالاً للمضاربة، فهل له خلطه مع مال آخر على نحو يكون غير متميّز موجباً للشركة أو لا ؟
والكلام في أُمور:
1 ـ ما هو حكم الخلط تكليفاً؟
2 ـ هل يضمن إذا خلط وتلف؟
3 ـ هل تصحّ المضاربة إذا اتّجر بمال مختلط؟
أمّا الأوّل: فالمحقق ومن تبعه على عدم الجواز وعليه السيد الطباطبائي في العروة الوثقى(1) وعامة المحشين، وعلّله في الشرائع بأنّه تصرّف غير مشروع له، وأوضحه في الجواهر بقوله: ضرورة كونه أمانة في يده فلا يجوز خلطها كالوديعة على أنّ الشركة عيب(2).
الظاهر أنّ الفرع كان مطروحاً في الأعصار السابقة حيث إنّ الأثمان كانت نقوداً يحتفظ بها في المخازن الخاصة كالصندوق، وبما أنّ منصرف عقد المضاربة إلى صيانة المال عن الخلط بمال آخر موجب للشركة، يصير الخلط أمراً محرّماً إلاّ إذا أذن عموماً كما إذا قال: إعمل حسب ماتراه، أو خصوصاً.
وأمّا اليوم فلا موضوع للمسألة غالباً، فإنّ الأثمان توضع في البنوك في حساب خاص بحيث يتمكن العامل من الإيداع والأخذ، وعندئذ لاتتفاوت الحال بين كونه حساباً لمال خاص أو لمال آخر معه لأنّ الأثمان مختلطة قهراً كان الحساب مختصاً لمال، أو مشتركاً.

1 . العروة الوثقى: كتاب المضاربة: المسألة 6.
2 . الجواهر: 26/364.

صفحه 180
وأمّا الثاني: فلو تحقق الموضوع وخلطه بمال آخر، فقد ارتكب أمراً غير مأذون فتخرج يده عن كونها أمانية، فيصير الاستيلاء عدوانياً موجباً للضمان، أضف إلى ذلك ما تضافرت من الروايات، من أنّ المخالفة لأمر صاحب المال موجبة للضمان(1) إذا كان العقد منصرفاً إلى عدم المضاربة بخلط مال الغير مع مال المالك.
ومع ذلك كلّه فالظاهر اختصاص الضمان بما إذا كان لعمله تأثير في التلف، والمقدار المتيقّن من الروايات الواردة في ضمان العامل عند مخالفة أمر المالك، هو ذلك، كما إذا سافر مع رأس المال فتلف بحيث لولا السفر لكان المال مصوناً منه. وأمّا إذا كان التلف أمراً محتوماً على المال كان مزيجاً مع مال الغير أم لا، كما في التلف بسيل أو زلزال، أو حريق، فالقول بالضمان مشكل. نعم لا يقاس بالغاصب والسارق إذا استوليا على المغصوب والمسروق، ثم تلف بسبب سماوي، بحيث لو كان المال في حرز المالك، لكان محكوماً بالتلف أيضاً، فإنّهما محكومان بالضمان لعدم إذن المالك حدوثاً وبقاءً، ومحكومان عند العرف بالضمان مطلقاً، وهذا بخلاف ما إذا كان مأخوذاً بالإذن. غير أنّه أحدث فيه شيئاً غير مرضيّ للمالك فإنّه لايوجب ارتفاع الإذن معه ولأجل ذلك يكون العقد به صحيحاً والربح بينهما كما سيوافيك.
وأمّا الثالث: فالمشاركة في الربح إذا ضارب، والحال كذلك للروايات المتضافرة في المقام الدالة على أنّ مخالفة العامل لأمر المالك، لاتبطل المضاربة، بل توجب الضمان ويكون الربح بينهما(2).
نعم هناك إشكال وهو أنّ الجمع بين الضمان والمشاركة في الربح جمع بين

1 . الوسائل: 13 الباب 1 من أبواب المضاربة، الحديث 3، 4، 5، 7و8.
2 . المصدر نفسه، الحديث 1، 2، 5، 6، 9، 10، 11.

صفحه 181
أمرين مختلفين، فإنّ الحكم بالضمان يكشف عن كون المعاملة فضولية وعندئذ تتوقف صحتها على إجازة المالك، فإن أجاز يكون الربح كلّه للمالك وإن ردّ بطلت، ولكن الحكم بالمشاركة في الربح يعرب عن صحة المعاملة فلا وجه للضمان.
ويدفع الإشكال، بما مرّ من أنّ القيود المأخوذة في المضاربة أو مطلق العقود على قسمين: قسم يكون قيداً لها، بحيث يكون الإذن منوطاً على وجوده، ويرتفع مع ارتفاعه. وقسم يكون الغرض منه صيانة رأس المال عن التلف وتحفّظه، فلو خالف وكان المال مصوناً عن التلف لا يكون كاشفاً عن عدم الإذن في الاتّجار، وعليه فلو اتّجر ـ مع المخالفة ـ تصحّ المضاربة لبقاء الإذن ويكون الربح بينهما.

من شروط المضاربة التنجيز :

قد عدّ التنجيز من شروط صحة العقود عند الأصحاب، يذكرونه في بعض العقود ويهملونه في ا لبعض الآخر، فأهمله المحقق في الشرائع، والعلامة في القواعد في هذا المقام، وذكره في التذكرة وقال: «يجب التنجيز في العقد، فلا يجوز تعليقه على شرط أو صفة مثل: إذا دخلت الدار أو جاء رأس الشهر فقد قارضتك، وكذا لا يجوز تعليق البيع ونحوه لأنّ الأصل عصمة مال الغير»(1).
وبما أنّ المسألة غير منصوصة لا جدوى للتتبّع في الأقوال لأنّها مستنبطة من الأدلة فلابد من دراستها خصوصاً ما عليه العقلاء فنقول: إنّ التعليق على أقسام:
1 ـ تعليق العقد على شيء يكون العقد متوقفاً عليه واقعاً سواء علّق عليه أو لا، كتعليق الطّلاق على النكاح، أو البيع على الملك، وهكذا.
2 ـ تعليق العقد على شيء، متحقق في علم المتعاقدين حين العقد كما إذا

1 . التذكرة: 2/229.

صفحه 182
قال: قارضتك إن كان اليوم جمعة وكان الشرط متحققاً.
3 ـ إذا علّق على أمر حاصل ـ كيوم الجمعة ـ ولكن لم يعلم بحصوله.
4 ـ إذا علّق على أمر مستقبل قطعيِّ الحصول كطلوع الشمس وغروبها، أو مشكوكه كقدوم زيد.
5 ـ إذا كان العقد منجزاً، غير أنّه علّق التصرّف على أمر مشكوك الحصول، أو مشكوك التحقق في المستقبل.
أمّا أحكام الصور، فلا شك في أنّ التعليق في الأوّل غير مضرّ، لكونه معلَّقاً عليه في الواقع، علّق أم لم يعلّق، ومثله الثاني، لأنّ التعليق صوريّ، مع العلم بحصوله.
إنّما الكلام في الثالث والرابع، فقد تسالم أكثر الأصحاب على شرطية التنجيز مع اضطراب كلامهم في بيان وجه الاشتراط، فنذكر ما هو الأهم:
الف: إنّ الإنشاء في عالم الاعتبار، كالإيجاد في عالم التكوين والأمر فيهما دائر بين الوجود والعدم، فإمّا أن يكون هناك إنشاء أو لا، ولا معنى للإنشاء المعلّق، كالإيجاد المعلّق.
يلاحظ عليه: أنّ الإنشاء أمر متحقق بالفعل، ولا تعليق فيه، إذ ليس هو إلاّ استعمال اللفظ لغرض إيجاد المعنى، وهو ليس بمعلّق، والإنشاء الفعلي لاينفك عن منشأ فعليّ، لكن المنشأ الفعلي على قسمين لأنّ المصلحة تارة تترتب على منشأ فعلي منجز كوجوب إكرام زيد مطلقاً، وأُخرى على منشأ فعلي معلّق كوجوب إكرامه، عند حصول شرط أو وصف، ففي كلتا الصورتين يكون المنشأ أي الوجوب أمراً فعلياً غير أنّه في الأوّل منجز يبعث المكلّف إلى متعلّقه، وفي الثاني فعليّ معلّق يبعثه إليه على تقدير تحقّقه، وأمّا فائدة هذا النوع من الإنشاء فهو الاستغناء عن الإنشاء الجديد عند حصول القيد.

صفحه 183
وبالجملة: هناك إنشاء وجوب إكرام زيد على وجه الإطلاق، وإنشاء وجوب إكرامه على تقدير، ليس أمراً موهوماً، بشهادة أنّه يقابل عدم الانشاء على وجه الإطلاق.
وإن شئت قلت: إنّ المولى ينظر إلى صفحة الوجود، فتارة يتصوّر وجوب الإكرام بلا قيد وشرط، وأُخرى يتصوّر وجوبه مع الشرط، فبالإنشاء المطلق، يوجد الأوّل، وبالثاني يوجد الثاني.
ب ـ إنّ أثر العقد يجب أن يكون حاصلاً من حين صدوره وهذا غير متحقق في الإنشاء المعلق.
يلاحظ عليه: أنّ العقد ـ بحكم أنّه من الأُمور الاعتبارية العقلائية ـ يجب أن لا يكون عارياً عن الأثر، وأمّا ترتّبه عليه بلا فصل، فلم يدل عليه دليل وإنّما هو يتبع كيفية الإنشاء، فلو كان المنشأ مطلقاً، يتبعه بلا فصل، بخلاف ما إذا كان معلّقاً وكأنَّ التوهّم نشأ عن قياس الأُمور الاعتبارية بالعلل التكوينية حيث إنّ النار يترتّب عليه الأثر بلا حالة انتظارية.
ج ـ ماذكره السيد المحقق البروجردي في تعليقته من منافاة التعليق لتحقّق المعاقدة بينهما حسب اعتبار العقلاء.
يلاحظ عليه: أنّه ادّعاء محض وقد عرفت أنّ المصالح تختلف إطلاقاً واشتراطاً، فيتبعه الإنشاء وهي تقتضي قبول كلتا الصورتين.
د ـ إنّ العقود أمور توقيفية، ولم يثبت إلاّ المنجز.
يلاحظ عليه: أنّ مقتضى الإطلاقات عدم إشتراط التنجيز إلاّ فيما تقتضي طبيعة الموضوع التنجز، كالنكاح والطلاق، فإنّهما يعدّان أساساً للأُسرة عقداً وانحلالاً، وهما لا يقبلان التعليق عند العقلاء فالمرأة إمّا زوجة أو لا. ولا يقبل التعليق قـال سبحانـه: (ولاتَذَرُوها كَالمُعلَّقَةِ) (النســاء/ 129). أي لا زوجة

صفحه 184
ولا أيّم. على أنّه حكي عن كثير جواز التعليق في الوكالة وغيرها. والتعليق أمر متحقّق في التدبير والمكاتب المشروط والوصية، فلا وجه للوسوسة في الصحة إلاّ ما إذا كان أمراً غير متعارف.
وأمّا الأمر الخامس فلا وجه للإشكال لأنّه من قبيل تحديد التصرّف وهو أمر ذائع، مثل ما إذا نهى عن السفر أو شراء الجنس المعيّن وغير ذلك، وتضييق دائر ة التصرف، لا صلة له بتعليق الإنشاء أو المنشأ.
ولو افترضنا بطلان المضاربة عند التعليق، فالاتّجار صحيح لوجود الإذن من المالك على كل تقدير سواء صحت المضاربة أو لا، غاية الأمر لا يستحقّ العامل إلاّ أُجرة المثل بشرط أن لا تزيد على ماتراضيا عليه في عقد المضاربة الباطلة، لأنّ رضاءه به حاك عن كونه مهدراً للزائد عليه وإن كان مستحقّاً.
***
إذا تبيّن كون رأس المال لغير الدافع:
إذا تبيّن كون رأس المال لغير الدافع، سواء أكان غاصباً أم جاهلاً بكونه ليس له. فللمسألة صور:
1 ـ إذا تلف في يد العامل.
2 ـ إذا حصل خسران، أي إذا صار الموجود من رأس المال أقلَّ ممّا أخذ، مع قطع النظر عن إجازة المالك وعدمها.
3 ـ إن حصل ربح بلا تلف ولا خسران.
4 ـ إذا لم يحصل الربح وكان رأس المال موجوداً.
وإليك الكلام في أحكامها.
أمّا الصورة الأُولى: فلا شك في ضمان كل منهما، لاستيلاء الكل على مال

صفحه 185
الغير علماً أو جهلاً فيشمله النبوي «على اليد ما أخذت حتى تؤدّي» فيكون الكل ضامناً على نحو الواجب الكفائي.
ثم إنّ هنا شقوقاً.
أـ إذا رجع المالك على الدافع، لا يرجع الدافع على العامل، لأنّه لم يتعهّد له بالضمان في غير صورة التعدّي والتفريط، وهو دفع إليه المال بلا أخذ ضمان منه في غيرهما ومعه كيف يكون ضامناً.
ب ـ إذا رجع على العامل وكان الدافع عالماً والعامل جاهلاً رجع على الدافع، لأنّه غرّه بدفع مال الغير إليه بعنوان أنّه ماله وأنّه لا يضمنه في صورة التلف، وبذلك تستغني عن كثير من التعليلات التي نقلها في المستمسك.
ج ـ إذا كان الدافع جاهلاً مثل العامل، فقد حكم في العروة بضمانه وعلّله بأنّه مغرور من قبله، ولكن في صدق الغرور غموض وإشكال، لفرض جهل الدافع كالعامل فهما أمام ضمان المال سيّان. وهذا هو المهم في المقام، وإمّا ما ربما يقال من عدم ثبوت القاعدة، لضعف سند «المغرور يرجع على من غرّه» فغير تام إذ يكفي كون القاعدة ممّا أطبق عليها العقلاء في الأعصار ويعدُّ من أسباب الضمان عندهم.
ومع ذلك يمكن تصحيح استقرار الضمان على الدافع بالبيان التالي: إنّ الغرور وإن كان منتفياً لجهل الدافع، لكن السببية محفوظة وإن كانت عارية عن الغرور وذلك، لأنّ الضمان وإن كان وليد الاستيلاء سواء تلف أم يتلف، لكنّه بما هو هو لا يوجب تضرّر العامل لتمكّنه من دفع المال إذا علم أنّه مال الغير، وإنّما يوجب الضرر إذا تلف وأُلزم بدفع العوض لكونه ضامناً في عرض ضمان الدافع، ولكن الذي أوقعه في هذا الضرر هو الدافع حيث دفع إليه مال الغير بعنوان أنّه مال نفسه وليس عليه ضمان عند التلف وقد أخذه معتمداً على قوله. فإذا بان

صفحه 186
الخلاف وتبيّن أنّه مال الغير يستقرّ الضمان عليه، لكونه الموجب والسبب الأقوى في تضررّه لأجل لزوم خروجه عن درك المال وهذا كاف في جواز رجوع العامل إلى الدافع.
د ـ إذا انعكست الصـورة وكان الدافع جاهلاً والعامل عالماً ورجع إلى العامل، فلا يرجع إلى الدافع، لوضوح أنّ الدفع ليس سبباً تامّاً لضمانه وتضرّره، لتمكّنه من ردّ المغصوب إلى صاحبه فتماديه في الاستيلاء يكون سبباً لاستقرار الضمان عليه.
بقي هنا شقّان لم يذكرهما السيد الطباطبائي في العروة الوثقى وهما:
1 ـ إذا كان الدافع جاهلاً والعامل عالماً ورجع المالك إلى الدافع فهل له أن يرجع على العامل أو لا ؟
2 ـ إذا كانا عالمين، ورجع إلى واحد منهما، فهل الرجوع إلى الآخر بالنصف أو لا ؟
***
أما الصورة الثانية: وهي حصول الخسران، فقد أشكل عليه المحقق البروجردي وتبعه المحشّون بأنّه لا يمكن فرض الخسران إلاّ في ظرف صحّة المعاملة، والصحة حينئذ لاتكون إلاّ بإجازة المالك وحينئذ لا وجه لرجوع المالك على أحد(1)، قال المحقق البروجردي: «ليس الخسران كالتلف فإنّه إن أجاز المعاملات التي حصل بها الخسران لم يرجع على أحد بشيء، وإن ردّها رجع إلى أصل ماله لا ب(2)الخسران» وحاصل الإشكال، أنّ الخسران يلازم الصحة ولايجتمع مع الضمان.

1 . المستمسك: 12/438.
2 . العروة الوثقى: المسألة 6 في خاتمة الكتاب قسم التعليقة.

صفحه 187
يلاحظ عليه: أنّ المراد من الخسران، هو نقصان رأس المال ممّا أُخذ، في حدّ نفسه سواء أجاز المالك أم لا، وعلى ذلك يمكن تصويره وإن لم يجز المالك. نعم لو أجاز ليس له الرجوع بالخسران وإن لم يُجز، رجع إلى أصل المال.
وأمّا الصورة الثالثة: فحكمه حكم الاتّجار بمال الغير فضولة فيعلم حكمها مما مرّ في ثنايا الكتاب.
وأمّا الصورة الرابعة: أعني ما إذا لم يربح، فلا يستحق أُجرة المثل سواء كان جاهلاً أو عالماً، أمّا الأوّل فلدخوله تحت قاعدة «ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده»، فلو كانت المضاربة صحيحة، لما كان المضارب ضامناً له بشيء ـ عند عدم الربح ـ فهكذا إذا كانت فاسدة مع عدمه، وأمّا الثاني فلأنّه باستعماله مال الغير، قد هتك حرمة عمله. وما ذكرناه أولى من تعليل السيد بأنّه متبرّع لعمله حينئذ، لوضوح كونه غير متبرع جداً.
***

اشتراط المضاربة في ضمن العقد :

لمّا كان عقد المضاربة عقداً جائزاً عند المشهور ومعدوداً من العقود الإذنية، وجائز الفسخ لكل من الطرفين، حاول السيد الطباطبائي ليضفي عليه حكم اللزوم في بعض الأحيان وذلك بوجهين:
1 ـ أن يشترط عقد المعاوضة في ضمن عقد لازم ويقول: بعتك الدار بشرط إنشاء عقد المضاربة معي في مال كذا. وفسره السيد الطباطبائي: بأنّه يجب على المشروط عليه إيقاع عقدها مع الشارط ولكن لكل منهما فسخه بعده. ومعنى هذا الشرط أنّه يلزم على كل واحد من الطرفين إجراء الصيغة فقط. وإن جاز لكل واحد فسخه بعده وتلك المحاولة لا تنتج شيئاً ولا يترتّب عليها الغرض المطلوب، ولأجل ذلك عدل عن ذلك التفسير السيد الخوئي وقال: «إنّ المتبادر منه ليس

صفحه 188
إجراء الصيغة فقط بل المراد الجريان عليه والاستمرار على مقتضاه، نظير اشتراط الهبة في عقد لازم حيث إنّ المتفاهم العرفي منه هو الالتزام بها وإتمامها دون مجرّد إنشائها بحيث يكون له حق الرجوع بعد إجراء العقد ولو بلحظة».
وكلامه هذا في غاية الإتقان لكنّه أفاد بعد ذلك: «وعليه فإذا فسخ المشروط عليه العقد (عقد المضاربة) صحّ فسخه إلاّ أنّه موجب لثبوت الخيار للطرف الآخر نظراً لتخلّف الشرط»(1).
يلاحظ عليه: أنّ عقد المضاربة وإن كان جائزاً في حدّ ذاته عند المشهور، لكن العمل به لازم الوفاء لأجل الشرط في ضمن العقد اللازم، فليس له فسخه لأنّه خلاف الوفاء وهذا نظير اشتراط سائر المباحات كالخياطة، وغيرها فهي مباحة بالذات لكن يجب القيام بها لأجل الوفاء بالشرط، وعلى هذا لا يتمّ قوله: « فإذا فسخ المشروط عليه العقد (عقد المضاربة) صح فسخه» إذ ليس له فسخه، نعم لو لم يَفِ بالشرط عقداً أو إيجاداً في الخارج وعصى كان للآخر الخيار لأجل تخلّف الشرط.
2 ـ اشتراط عمل المضاربة على العامل بأن يشترط عليه أن يتّجر بمقدار كذا من ماله، إلى زمان كذا على أن يكون الربح بينهما. نظير كونه وكيلاً في كذا في عقد كذا.
الظاهر من العبارة كون الاشتراط بنحو شرط النتيجة ولأجل ذلك قال السيد الخوئي «على نحو شرط النتيجة» واستشكل السيد الحكيم كونه على هذا النحو، قائلاً بأنّ الشرط هو الاتّجار بمقدار كذا من ماله، وهو شرط الفعل فكيف يكون شرط النتيجة.
يلاحظ عليه: أنّ الشرط وإن كان هو الاتّجار وهو شرط الفعل، إلاّ أنّ كونه

1 . مستند العروة الوثقى 3/209.

صفحه 189
شرط النتيجة بلحاظ آخر وهو أنّ صيرورة الشارط مضارباً، والمشروط عليه عاملاً وكون المال، مال المضاربة، والربح بينهما، إنّما بنفس الشرط لا بعقد جديد، ولأجله صار من قبيل شرط النتيجة، ويظهر الحال من تشبيهه، بالوكالة. فاشتراط عمل المضاربة «عبارة أُخرى عن قوله: «بعتك الدار بشرط أن يكون ثمنها عندك مال المضاربة، تتّجر به، والربح بيننا بالمناصفة» وبما أنّه تحقّق بنفس الشرط لا بالعقد صار الشرط، شرط النتيجة ولايجوز للمشروط عليه فسخها، وذلك لأنّه صار أمراً لازم الوفاء عليه بنفس العقد اللازم وفي ضمنه، وكأنّه جزء منها فلا يجوز رفع اليد عنها وفسخها.
ولم يشترط عليه صرف الإنشاء حتى يتحقق الوفاء بإجراء العقد، وإن فسخه بعده.

إيقاع المضاربة بعنوان الجعالة :

المضاربة من العقود، والجعالة من الإيقاعات ومن قال: من ردّ ضالتي فله كذا، فقد أنشأ الجعالة وإن لم يكن هناك قبول لفظاً، نعم لو قام بردها يستحق الجعل، وفي المقام لو قال: «إذا اتّجرت بهذا المال، وحصل ربح فلك نصفه» يكون جعالة تفيد فائدة المضاربة، والداعي إلى هذا النوع من الجعالة، أنّه يغتفر ما لا يغتفر في غيرها فلا يلزم أن تكون جامعة لشروط المضاربة، فلا تضر جهالة الجعل حسب الكمية ما لم ينجرّ إلى الغرور.
غير أنّ الذي صدّ البعض عن تصحيح إيقاع المضاربة بعنوان الجعالة، هو أنّ المضاربة على خلاف القاعدة، لأنّ تمليك المعدوم (الربح) أمر على خلافها وليس للإنسان أن يملّك غيره ما لا يملكه، خرج منها باب المزارعة والمساقاة لدليل شرعي وبقي الباقي تحت القاعدة(1).

1 . مستمسك العروة: 12/445، مباني العروة الوثقى: 3/210.

صفحه 190
يلاحظ عليه: لو كان الميزان في كون العقد على وفاق القاعدة أو خلافها، هو حكم العقلاء، فهم مطبقون على الصحة في العقود الثلاثة من دون أن يخطر ببالهم أنّه من قبيل تمليك المعدوم الذي أطبقوا على عدم صحّته ولكن غير المعقول عندهم هو غير الموجود فعلاً ولا قوة، وأمّا المضاربة وأخواتها فهي من قبيل تمليك مايراه العرف موجوداً في ظرفه لوجود المقتضى وهو المال، والأرض والشجر، وتخلّفه في بعض الموارد، لايضر بالأحكام العقلائية المبنية على الاطمئنان، والحاصل أنّ وجود المقتضي للشيء يكفي في تمليكه بينهم، وعلى ضوء ذلك تصحّ المضاربة بالجعالة، على أنّ التمليك في هذه الموارد من قبيل التمليك المشروط لبّاً. وإن كان مطلقاً لفظاً.
***

اتّجار الأب والجد بمال المولّى عليه:

يجوز للأب والجد، الاتّجار بمال المولّى عليه ومن أنواعه، المضاربة، سواء كان العامل هو الأب والجد، أو الغير. من غير فرق في الأوّل بين كونها بالعقد أو بالمعاطاة وإلى القسمين أشار السيد الطباطبائي بقوله: «بإيقاع عقدها بل مع عدمه أيضاً بأن يكون بمجرّد الإذن منهما»(1) أي بمجرد القصد، ولعلّ المقصود من الإذن هو القصد ولو عبر به لكان أحسن ووجوه الصحّة هو عموم ولايتهما على مال المولّى عليه والمسألة مورد اتّفاق.
وكما يجوز للأب والجد المضاربة بمال المولّى عليه إمّا بنفسه، أو بغيره، يجوز ذلك للوصي إمّا بنفسه بأن يكون هو العامل أو بغيره بأن يتّخذ عاملاً ويجري العقد معه إذا كانت فيه غبطة المولى عليه.
***

1 . العروة الوثقى: كتاب المضاربة: قسم الخاتمة. المسألة التاسعة.

صفحه 191

في إيصاء الأب والجد بالمضاربة بمال المولّى عليه :

الفرق بين المسألتين واضح جدّاً فإنّ القائم بالمضاربة في السابقة إمّا الأب والجد لأجل الولاية، أو الوصي لأجل الوصاية التوأمة مع المصلحة والغبطة، وأمّا المقام فالولي يوصي بالمضاربة بالمال. وله صور نذكرها إجمالاً لتحصل الإحاطة بها(1).
وإليك صور المسألة:

1 ـ الإيصاء بمال المولّى عليه الموجود أو مايرثه :

إنّ الإيصاء في مورد المولّى عليه تارة يتعلّق بالمال الموجود له، كما إذا ورثه من أُمّه أو وهبه شخص أو غير ذلك، أو بالمال الذي يرثه من جانب الوليّ، وعلى كلا التقديرين فتارة ينتهي أمد الوصاية ببلوغ المولّـى عليه، أو يعم ما بعد البلوغ وعلى جميع التقادير، تارة يتعلّق الإيصاء بإجراء عقد المضاربة، وأُخرى بالاتّجار بماله، الذي يعبّر عن الأوّل بشرط الفعل وعن الآخر، بشرط النتيجة.
ثم المضارب على جميع التقادير إمّا أن يكون نفس الموصي أو غيره، والإيصاء تارة يكون مع تعيين الحصة من الربح، وأُخرى مع إيكاله إلى غيره، هذه هي الصور المتصورة في الإيصاء بمال المولّى عليه وإذا ضربنا بعضها في بعض، ربّما تبلغ اثنتين وثلاثين صورة.

2 ـ الإيصاء بالمال الذي يرثه الكبير :

إنّ الايصاء بمال الكبير الذي يرثه منه، تارة يكون بشكل الإيصاء بعقد المضاربة، وأُخرى بالاتّجار والفرق بينهما عند السيد الطباطبائي وغيره، أنّ

1 . والمسألة معنونة في الجواهر في كتاب الوصية: 28/294 ـ 298.

صفحه 192
الموصيبه في الأوّل هو إنشاء عقد المضاربة وحده أو تطبيق العمل عليه كما هو الحق، من عدم الفائدة في صرف الإنشاء، وعلى كلّ حال يجوز للكبير فسخه، كلّما أراد، ولكن الموصى به في الثاني شرط النتيجة أي كون حصة الكبير، مال المضاربة بنفس الوصية وهو غير قابل للفسخ إذ ليس من قبيل العقود والإنشاءات.

3 ـ الإيصاء بالنسبة إلى الثلث المعزول :

إنّ الإيصاء يتعلّق ثالثة بالثلث المعزول لنفسه بأن يتّجر الوصي به أو يدفعه إلى غيره مضاربة وتصرف حصة الميت في المضارب المعينة للثلث.
هذه هي صور المسألة الثلاث وشقوقها المختلفة، ولنأخذ بالبحث عن الصورة الأُولى ثم الباقية.
أمّا الصورة الأُولى: فيقع الكلام في مقامين:
الأوّل: الإيصاء بالمال الموجود للمولّى عليه فهل تنفذ الوصاية أو لا ؟ وقد ذكر المحقق الخوئي في وجه نفوذها وجهين:
الوجه الأوّل: شمول دليل الولاية له بدعوى أنّه غير مختص بتصرفاته في حياته وعمومه لما يكون متأخراً عن وفاته أيضاً.
الوجه الثاني: إطلاقات أدلّة نفوذ الوصاية ودعوى شمولها لإيصائهما بالاتّجار بمال الصبي بعد موتهما فإنّ مقتضاها صحّة مثل هذه الوصية ونفوذها.
ثم رجّح أنّ مستنده عند السيد الطباطبائي هو الثاني بشهادة أنّه لم يخص الحكم بالصغار بل عمّمه للكبار أيضاً.
أقول: سواء أصح الاستظهار أم لا، إنّ مستند نفوذ الوصية هما الأمران لا واحد منهما إذ لولا الولاية للمال، واعمالها من طريق الوصاية، لما كان للوصية معنى محصل فالوصاية المعتمدة على الولاية، هو السبب لنفوذها وصحّتها في مال الغير.

صفحه 193
لاشك أنّه لهما الولاية في حال الحياة، ولا ولاية لهما بعد الموت ومع الاعتراف بهذين الأمرين، نقول: إنّ الولاية في حال الحياة، هي المسوّغة، لأن يوصيا في المال الذي فوّض أمره إليه فإنّ له التقلّب فيه في حال الحياة، بأنواعه ومنها التقلّب فيه بالوصاية، وإن كان أثرها ظاهراً بعد الحياة.
وبالجملة: أنّ الولاية في برهة من الزمن تصحح جميع التصرفات الشرعية في المال ومنها الوصية بالمضاربة بعده، فقد صدرت من أهلها ووقع في محلها، وبذلك يظهر ضعف ما يقال، من أنّ الولاية تنقطع بالموت فإنّ انقطاعها بالموت، غير نفوذ الوصاية النابعة من الولاية في حال الحياة. وإن امتدّ النفوذ إلى ما بعد الحياة وهذا نظير، عقد الولي للصغير أو الصغيرة لأجل الولاية، فيصح وإن مات العاقد الولي.
ثم إنّ المحقق الخوئي استشكل في صحّة الوصية قائلاً بأنّه لا يوجد في أدلّة الوصية إطلاق يشمل الوصية التي لا ترجع إلى الميت وأمواله، فإنّها وبأجمعها واردة في الوصايا الراجعة إلى الميت نفسه وأمواله، ومن هنا لاتنفذ إلاّ في الثلث مما يملك، وأمّا الزائد عنه فهو وصية في مال الغير ـ على ما دلت عليه النصوص ـ(1).
يلاحظ عليه: أنّ الوصاية أمر عرفي، وليس بأمر تعبّدي، ومصححها عندهم أن يتعلّق بنفسه أو بماله، أو ما له الولاية عليه عند الإيصاء، لأجل تفويض أمر تدبيره إليه. ويكفي هذا في صحتها عند العقلاء، ولأجل كونه أمراً عرفياً، نرى أنّ عبد المطلب أوصى عند الوفاة بما يرجع إلى ولده محمد الأمين (صلى الله عليه وآله وسلم) وما هذا إلاّ لأنّ الوصية تطلب لنفسها مسوغاً عرفياً، بأن لا يكون موردها أمراً أجنبياً عن الموصي حتى أنّ الإمام (عليه السلام) اعتمد في تصحيح المضاربة على إذن الولي وإيصائه. كما سيوافيك بيانه بعد الفراغ من المقام الثاني.

1 . مستند العروة: 3/213.

صفحه 194
وأمّا المقام الثاني: أي الإيصاء في المال الذي يرثه الصغير عن الوصي، فيوصى فيه بالمضاربة مع تعيّن الحصة أو عدمها، يتولاها الوصي أو غيره، فقد أورد عليه بوجهين:
1 ـ ما ذكره السيد الطباطبائي في المتن من أنّ الصغير لا مال له حينه وإنّما ينتقل إليه بعد الموت، مع أنّه يشترط في المضاربة وجود المال فلا تصحّ المضاربة على مال لايملكه.
يلاحظ عليه: أنّ توقّف المضاربة على وجود المال، غير توقف صحّة الوصية على المال، ويكفي في الثانية، وجود المقتضي وعدم كون الوصية أمراً لغواً، والمفروض أنّ المال موجود عند القيام بالمضاربة.
2 ـ ما ذكره السيد الحكيم: من أنّ تعليق المنشأ بالموت يصح في موردين:
أ ـ الوصية التمليكية: كإيصائه بأنّه ملك لزيد بعد وفاتي.
ب ـ الوصية التعهدية: كالإيصاء بصرف الثلث في كذا.
وأمّا غيرهما، فلا تصح لبطلان تعليق المنشأ على الموت فلا يصح في باب الوقف والبيع، والإبراء فلايصح أن يقول: هذا وقف بعد وفاتي، أو بعتك بعد مماتي، أو أنت بريء عمّا لي عليك بعد وفاتي، وعلى هذا لا يصح أن يقول: أوصيك بالمضاربة بهذا المال بعد وفاتي.
يلاحظ عليه: أنّ المنشأ المعلّق على الموت، غير منحصر بما ذكره، فإنّ التدبير من قبيل تحرير الملك المعلق على الموت حيث يقول: «أنت حرّ بعد وفاتي» ومثله ما لو أوصى بعتق مملوكه وكان لا يستوعب ثلث ماله، ومثله الوصية بالولاية على كل مَنْ للموصي، عليه ولاية شرعية، بحيث يصحّ الإيصاء لها كالولد وإن نزلوا بشرط الصغر أو البلوغ مع عدم الكمال. نعم لا يصحّ الإيصاء بالولاية على أولاده

صفحه 195
الكبار العقلاء(1).
فالمنشأ المعلّق على فوت المنشئ لا ينحصر بما ذكره وما ذكرناه. وأمّا عدم الصحة في ما ذكر من الأمثلة الثلاثة فأنّها ليست متعارفة عند العرف وإلاّ لم يكن مانع عن صحتها.
إلى هنا تبيّن أنّ الإيصاء في كلا المقامين ليس على خلاف القاعدة وتكون الروايتان: الموثقة والصحيحة، واردتين على وفاقها. كما لا يخفى.
نعم من زعم أنّ الصحة على خلافها، صحّح الإيصاء بالأثر الوارد وإليك نصّ الروايتين:
1 ـ معتبرة محمد بن مسلم التي رواها الكليني، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحسن بن الفضال الفطحي الثقة، عن الحسن بن علي بن يوسف الثقة، عن مثنى بن الوليد الممدوح، عن محمد بن مسلم عن أبي عبداللّه (عليه السلام) أنّه سئل عن رجل أوصى إلى رجل بولده وبمال لهم، وأذن له عند الوصية أن يعمل بالمال وأن يكون الربح بينه وبينهم؟ فقال: «لابأس به من أجل أنّ أباه قد أذن له في ذلك وهو حيّ»(2).
وأمّا الحسن بن عليّ بن يوسف، فهو الذي عنونه النجاشي في رجاله بـ «الحسن بن علي بن بقاح: كوفيّ ثقة مشهور صحيح الحديث، روى عن أصحاب أبي عبداللّه، له كتاب نوادر»(3) وترجمه الشيخ في فهرسته بـ «الحسن بن علي بن يوسف المعروف بابن بقاح»(4) ووصفه النجاشي بـ «ابن يوسف» في ترجمة الحسن

1 . الجواهر: 28/438.
2 . الوسائل: 13، الباب 92 من أحكام الوصايا، الحديث1.
3 . رجال النجاشي: برقم 81.
4 . فهرست الشيخ برقم 756.

صفحه 196
ابن على(1) بن يقطين.
ومن هنا يعلم، ما في نسخ الوسائل من جعل كلمة يونس مكان «يوسف» نسخة البدل، في غير محلّه، لعدم عنوان لعليّ بن الحسن بن يونس في كتب الرجال.
وأمّا مثنى بن الوليد فقد ذكره الكشي في رجاله وقال: «لا بأس به»(2). وبهذا يظهر أنّ الرواية ليست موثقة لعدم ورود توثيق في حق المثنى، حتى تصير الرواية موثقة لأجل وجود فطحي في الرواية ولأجل ذلك عبرنا عنه بالمعتبرة، وقد أوعزنا سابقاً أنّ الإمام صحّح الوصية من باب أنّ الأب قد أذن له في ذلك وهو حيّ، والمراد أوصى بذلك كما لا يخفى.
2 ـ خبر خالد بن بكير الطويل، قال: دعاني أبي حين حضرته الوفاة فقال: يابني اقبض مال إخوتك الصغار واعمل به، وخذ نصف الربح وأعطهم النصف، وليس عليك ضمان، فقدّمتني أمُّ ولد أبي بعد وفاة أبي إلى ابن أبي ليلى، فقالت: إن هذا يأكل أموال ولدي، قال: فاقتصصت عليه ما أمرني به أبي، فقال لي ابن أبي ليلى: إن كان أبوك أمرك بالباطل لم أُجِزهُ، ثم أشهد عليّ ابن أبي ليلى إن أنا حرّكته فأنا له ضامن، فدخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقصصت عليه قصّتي، ثم قلت له: ماترى؟ فقال: «أمّا قول ابن أبي ليلى فلا أستطيع ردّه، وأمّا فيما بينك وبين اللّه عزّ وجلّ فليس عليك ضمان»(3).
وأمّا خالد، فقد ورد في الفقيه: «خالد الطويل» كما ورد في نوادر وصية الكافي وزيادات وصية التهذيب خالد بن بكر الطويل(4)وفي الوسائل «بكير»

1 . رجال النجاشي برقم 90.
2 . رجال الكشي: 287.
3 . الوسائل: 13، الباب 92 من أبواب كتاب الوصايا، الحديث1.
4 . قاموس الرجال: 4/130، برقم 2568.

صفحه 197
مكان «بكر». ولعلّه تصحيف، وعلى كل تقدير فقد حكم العلامة المامقاني أنّه متّحد مع خالد بن أبي إسماعيل الثقة ولم يذكر دليلاً على الوحدة. ولأجل ذلك أصبحت الرواية خبراً، لكن يلوح عليه أثر الصدق وكلّ يؤيد الآخر.
ولا ظهور لهما في أحد القسمين، أي تعلّق الوصية بالمال الموجود، أو بما يرثه وإن كان ربّما يستظهر من خبر خالد، تعلّقها بما يرثه من أموال الميت ولعلّ إطلاقهما لاينكر ولو ثبت ظهوره فيما يرث لثبت الحكم في الوصية بالمال الموجود بوجه أولى.
ثم إن كانت الوصية مغياة بالبلوغ فلا إشكال وإن كانت تشمل مابعد البلوغ ففي صحتها وجوه:
من قول بالجواز، إلى آخر بالمنع إلى ثالث بالتفصيل بين كون الموصى به إيقاع عقد المضاربة، على نحو شرط الفعل فيجوز، أو كونه الاتّجار بالمال على نحو شرط النتيجة على نحو يكون المال بنفس هذا الشرط مال المضاربة، والوصيّ مضارباً وعاملاً فلا يجوز وجوه، والأخير للسيد الطباطبائي قال: كما أنّ الحال كذلك (يجوز الإيصاء بالمضاربة) بالنسبة إلى ما بعد البلوغ في القصير فإنّ له أن يفسخ أو يجيز، وكذا يجوز لها الإيصاء بالاتجار بمال القصير على نحو المضاربة بأن يكون هو الموصى به لا إيقاع عقد المضاربة لكن إلى زمان البلوغ أو أقلّ، وأمّا إذا جعلت المدة أزيد فيحتاج إلى الإجازة بالنسبة إلى الزائد.
يلاحظ عليه: أنّه لا فرق بين الصورتين (الإيصاء بالعقد، والإيصاء بالتجارة) في الصحة قبل البلوغ والفضولية بعده والحاجة إلى الإجازة، لا «أنّ الأوّل صحيح مطلقاً، اختصّ بما قبل البلوغ أو عمّ بعده أيضاً، والثاني صحيح إذا اختص بما قبله وفضولي إذا عمّ بعده».

صفحه 198
وذلك لأنّ الإيصاء إذا كان غير ضرري وموافقاً للغبطة، فالإيصاء بكلا شقّيه بالنسبة إلى ما قبله وما بعده صحيح لا فضولي، وإن كان ضررياً بالنسبة إلى ما بعده فهو فضولي، في الإيصاء بالعقد، والإيصاء بالتجارة.
وكون الخيار بيد الصغير بعد البلوغ، لا يخرج العقد عن الفضولية إذا كان ضررياً فإنّ ولاية الأب والجد، محدّدة بما فيه المصلحة أو عدم المفسدة ففي مورد الضرر لا مقتضى للصحة، حتى يعالج الضرر بالتمكّن.
والحق، صحّة الإيصاء بالعقد والتجارة، لما قبل البلوغ وما بعده، غاية الأمر إذا لم يكن ضررياً ومع الضرر يكون للوارث فسخه و ردّه بلا فرق بين الإيصاءين.

الصورة الثانية:

الإيصاء بحصة الكبار، فقد جوّزه السيد وقال: ولا يضرّ كونه ضرراً عليهم من حيث تعطيل مالهم إلى مدّة لأنّه منجبر بكون الاختيار لهم في فسخ المضاربة وإجازتها.
ولكن الحق عدم صحة الإيصاء، لما عرفت من أنّ الوصية أمر عرفي يتعلّق بالإنسان وأمواله وما له عليهم ولاية، وأمّا البالغون الكبار، الذين ليس لهم أيةولاية، فالإيصاء في حصتهم، إيصاء في مال الأجنبي، وهو بفقد المقتضي أشبه.
وأمّا الإيصاء بالثلث المعزول فلا شك في صحته ونفوذه وهو واضح.
ولا يخفى أنّ المسألة معنونة في كتاب الوصية والتفصيل موكول إلى ذلك الكتاب.

صفحه 199

اشتراط عدم كون الربح جابراً :

هل للعامل أن يشترط على المالك عدم كون الربح جابراً للخسران مطلقاً فإذا حصل الربح فهو بينهما وإن حصل خسران بعده، أو قبله؟ وبعبارة أُخرى أن لايكون له الربح اللاحق جابراً للخسران السابق أو بالعكس فمن زعم أنّه على خلاف مقتضى المضاربة، جعله باطلاً، وببطلانه تبطل أصل المضاربة لأنّ الربح لايصدق، مع تقدّم الخسران، أو تأخرها. وأمّا على ما اخترناه من أنّ قوام المضاربة، هو اشتراط كون رأس المال من المالك والربح بينهما، وأمّا ماعداه فهو من مقتضيات إطلاق المضاربة، دون نفسها، فيصح الشرط.
أضف إلى ذلك أنّه إنّما يتمّ إذا جعل مجموع المعاملات، مضاربة واحدة وأمّا على فرض استقلال كلّ معاملة بالمضاربة، فالشرط لا غبار عليه.
***

مخالفة العامل مع ما رسمه المالك :

لو خالف العامل، مع ما رسمه المالك جهلاً أو نسياناً أو اشتباهاً كما لو قال: لاتشتر الجنس الفلاني أو لا تشتر من الشخص الفلاني، وهو خالفه جهلاً أو نسياناً، فهل المعاملة فضولية موقوفة على إجازة المالك أو لا ؟
الظاهر لا، لما عرفت من أنّ الشروط على قسمين: قسم يكون مقوّماً للمضاربة بحيث لو خالف لارتفع الإذن، وقسم يكون لأجل صيانة رأس المال، فمخالفة ذلك لا يجعل المعاملة فضولية، لبقاء الإذن وقد تضافرت الروايات بذلك. والعجب عن السيد الطباطبائي، أنّه أفتى بوقوع المعاملة فضولية، ومنه

صفحه 200
يظهر ما إذا خالف منصرف الإطلاق فإنّه لا يزيد عن النهي.
كما يظهر الحال إذا كان مخطئاً في طريقة التجارة، خصوصاً إذا كان الخطأ أمراً متعارفاً حتى ولو لم يكن فإنّه لا يزيد عن النهي.
نعم ليس له اشتراء ما لا منفعة فيه عمداً أو ما فيه المضرّة، كاشتراء من ينعتق عليه، فإنّه باطل لعدم وجود الإذن من أصل.

إذا اشترى نسيئة فهلك المال :

إذا أذن المالك للعامل في البيع والشراء، فاشترى نسيئة وباع كذلك، فهلك المال؟ فقال السيد الطباطبائي: «الدين في ذمّة المالك وللديّان إذا علم بالحال أو تبيّن له بعد ذلك، الرجوع على كل منهما»(1).
يلاحظ عليه: أنّ المضاربة من قبيل شركة المال والعمل، فالشراء والبيع يقع للجهة. والمسؤول عنها ظاهراً أمام الناس هو العامل والناس يتعاملون معه وربما لا يعرفون المضارب فليس لهم إلاّ الرجوع إلى العامل، غير أنّ المالك حسب عقد المضاربة، والرضا بالنسيئة تقبّل الخسارة والوضيعة المتعلقة بالمال، فيجب عليهالخروج عن عهدة ماخسرته التجارة بهلاك المال وغيره فيرجع العامل إلى المالك.
وما ذكره السيد وأمضاه المعلّقون مبني على كون العامل وكيلاً عن الموكل في الشراء والبيع له ولو صح ذلك، لما كان هناك معنى للرجوع إلى الوكيل الذي يعمل بأمر الموكل، وجهل الناس بحقيقة الحال، لا يوجب كونه ضامناً فالحق أنّ الضامن أمام الناس هو العامل وهو يرجع إلى المالك حسب عقد المضاربة مضافاً إلى أنّ للشركة شخصية حقوقية كما قلنا سابقاً.

1 . العروة الوثقى: المسألة 17 من المسائل الختامية.

صفحه 201

كراهية المضاربة مع الذّمي :

يكره المضاربة مع الذمّي، بمعنى اتّخاذه عاملاً وورد النصّ (1) به ولعلّه لأجل عدم احترازه عن الحرام، وبما أنّ النهي إرشادي وليس بمولوي، تصح المعاملة مع الذمي قطعاً خصوصاً إذا علمنا احترازه عن الحرام، ولأجل كونه إرشادياً يصح التعدّي منه إلى كل من لا يؤمن منه في معاملاته من الاحتراز عن الحرام.

إذا جعل رأس المال كلّياً ثم عيّنه في فرد :

قد عرفت أنّ من شرائط رأس المال أن يكون عيناً، فهل المراد منه كونه مشخّصاً قبل المضاربة أو يكفي إيقاع العقد على كلّـي ثم تعيينه في فرد؟ فالسيد الطباطبائي على الجواز، وعدّة من المحشّين على المنع، ولكن الظاهر هو ما أفاده السيد، لما عرفت من أنّه لا دليل على هذا الشرط سوى الإجماع المنقول، ولأجل ذلك قال الأردبيلي: «فلولا الإجماع في اشتراط كونه غير دين لأمكن القول بعدمه»(2)والقدر المتيقن من كلماته هو الدين ويؤيده موثقة السكوني(3) لو عملنا بها.
وأمّا الإيقاع على الوجه الكلّـي ثم دفع الصك إليه ليأخذ من البنك، فلا يشمله الإجماع ولا الموثقة.
وأمّا التمسّك بعدم صدق عنوان إعطاء المال له، عليه(4) فهو كما ترى.

1 . الوسائل: 13، الباب 2 من أبواب أحكام الشركة الحديث 1و 2.
2 . مجمع الفائدة: 10/235.
3 . الوسائل: 13، الباب 5 من أحكام المضاربة الحديث1.
4 . مستند العروة: 3/228، ولاحظ الحديث11 من الباب 1 من أبواب المضاربة.

صفحه 202
وأمّا الموثقة فالمظنون أنّها ناظرة إلى وجود الفصل الطويل بين العقد، والاقباض لأجل أنّ الدائن ربّما لا يستطيع على قضاء الدين وجعله رأس المال للمضاربة. ولأجل ذلك أمره الإمام بالقبض ثم الدفع إليه وهذا بخلاف المقام، حيث إنّ الاقباض يتلو العقد بلا فصل.
ومنه يظهر الحال في الكلي المعيّن لأنّ العرف يراه عيناً في الخارج وإن كان حسب الدقة العقلية غير متعيّن فيه لتردّده وعدم تخصّصه بعد.
***

لو دفع النصف ثم دفع النصف الآخر :

لو ضاربه على ألف فدفع إليه نصفه فعامل به ثم دفع النصف الآخر فالظاهر جبران خسارة أحدهما بربح الآخر لأنّه مضاربة واحدة.
إنّما الكلام فيما لو ضاربه على خمسمائة فدفعها إليه وعامل بها وفي أثناء التجارة زاده ودفع خمسمائة أُخرى ففيه التفصيل، فإن دفعه بعنوان توسيع رأس المال وزيادته فحكمه حكم الصورة الأُولى، يشتركان في الربح والجبر وإن دفع بعنوان مضاربة مستقلة، فلكل ربحه وخسرانه.
تم الكلام إلى هنا بيد مؤلّفه الفقير إلى اللّه، جعفر ابن الفقيه محمد حسين السبحاني التبريزي، في شهر ذي العقدة الحرام من شهور عام 1414 هـ ق.
والحمد للّه أوّلاً وآخراً

صفحه 203
فهرس الموضوعات

صفحه 204

صفحه 205

فهرس الموضوعات

فهرس الموضوعات
المضاربة تجارة طيبة    3
تعريف المضاربة    5
الفرق بين المضاربة والربا   7
الفصل الأوّل
في عقد المضاربة وأحكامه   11
المضاربة عقد جائز أو لازم؟   12
هل المضاربة المؤجلة لازمة أو جائزة؟   15
إذا شرط عدم الفسخ في المدة المضروبة    16
معنى كون الشرط في العقد الجائز جائز    18
تصحيح اشتراط عدم الفسخ في المدة    20
المضاربة على الانتفاع من نماء البيع    23
تحديد عمل العامل في المضاربة    25
حكم البيع نسيئة    30
حكم البيع بغير الثمن أو غير نقد البلد    32
هل الاشتراء بعين المال لازم    34
إذا اشترى في الذمة، وفيه صور    35
إذا اختلف البائع والعامل في كون الشراء لمن؟    41
تعدي المضارب عمّـا رسمه المالك    42
انفساخ العقد بموت المالك أو العامل    47
دليل بطلان المضاربة بالموت    49

صفحه 206
هل يمكن إبقاء المضاربة    50
الاستدلال على عدم صحة الإبقاء    52
تحليل ما استشكل به على تصحيح المضاربة عند الموت    56
الفصل الثاني
في شرائط المتعاقدين   59
الفصل الثالث
في مال القراض   61
الشرط الأوّل: أن يكون عيناً فلا يكفي الدين ولا المنفعة    61
الشرط الثانـي: أن يكون من النقد    64
الشرط الثالث: أن يكون معلوم القدر    73
الشرط الرابـع: أن يكون متعيّناً    76
الشرط الخامس: أن يكون بمقدار لا يعجز العامل عن التجارة به    78
لو ضارب بما في يد الغاصب معه    83
لو اختلفا في قدر رأس المال    84
الفصل الرابع
في الربح   87
الأمر الأوّل: للعامل حصّة من الربح لا أُجرة المثل    87
الأمر الثاني: تعيين حصة العامل والمالك    89
إذا جعل لأحدهما شيئاً معيناً والباقي بينهما    90
إذا جعل جزءاً من الربح لأجنبي    92
الأمر الثالث: شرطية كون المال بيد العامل    94
تعدد العامل مع وحدة المالك    95
تعدد المالك ووحدة العامل    96

صفحه 207
الميزان في الشرط المخالف والموافق    100
القراض في مرض الموت    103
الإقرار بالربح ثم الرجوع عنه    104
هل يملك العامل بالظهور أو بالإنضاض؟    107
ثمرة القول بالملكية المتزلزلة    112
الربح وقاية لرأس المال    113
بماذا تستقر الملكية المتزلزلة    115
الفصل الخامس
في اللواحق   117
العامل أمين    117
إذا ادّعى العامل تلف المال    121
إذا ادّعى العامل الرد وأنكره المالك    122
في فسخ المالك أو العامل أو انفساخ العقد    123
إذا قارض العامل غيره: له صورتان:    135
الصورة الأُولى: أن يقارض الغير بإذن المالك    135
الصورة الثانية: إذا ضارب الغير بلا إذن    139
لو اختلفا في أصل المضاربة    144
في الخسارة الواردة على مال المضاربة    146
في طلب قسمة الربح عند الانضاض    149
في اشتراء ربّ المال من العامل    151
اشتراط القراض بالبضاعة    154
في جبر خسارة الجزء المسترد بربح الباقي    157
جبر الخسران اللاحق بربح الجزء المسترد    162
إذا مات وفي يده مال المضاربة، وفيه صور    163

صفحه 208
الأُولى: إذا علم المال بعينه    163
الثانية: إذا علم بوجوده في التركة من غير تعيين    163
الثالثة: إذا علم عدم وجوده في تركته ولا في يده    167
الرابعة: إذا علم ببقائه في يده إلى ما بعد الموت    169
الخامسة: إذا علم ببقائه في يده وعلم بعدم وجوده في التركة    169
السادسة: إذا شك في أصل بقائه في يده إلى ما بعد الموت    170
اشتراط الضمان على العامل    173
اشتراط ضمان الوضيعة    175
في خلط رأس المال مع مال آخر    179
من شروط المضاربة التنجيز    181
إذا تبيّـن كون رأس المال لغير الدافع    184
اشتراط المضاربة في ضمن العقد    187
إيقاع المضاربة بعنوان الجعالة    189
اتّجار الأب والجد بمال المولّـى عليه    190
في إيصاء الأب والجد بالمضاربة بمال المولّـى عليه    191
1ـ الإيصاء بمال المولّـى عليه الموجود أو ما يرثه    191
2ـ الإيصاء بالمال الذي يرثه الكبير    191
3ـ الإيصاء بالنسبة إلى الثلث المعزول    192
اشتراط عدم كون الربح جابراً    199
مخالفة العامل مع ما رسمه المالك    199
إذا اشترى نسيئة فهلك المال    200
كراهية المضاربة مع الذمّي    201
إذا جعل رأس المال كلّياً ثم عيّنه في فرد    201
لو دفع النصف ثم دفع النصف الآخر    202
فهرس موضوعات الكتاب    203
Website Security Test