welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : أحكام الوقف*
تألیف :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

أحكام الوقف

صفحه 1
كتاب الوقف وأخواته   
    أحكام الوقف في الشريعة الإسلامية الغراء
أحكام الوقف
في
الشريعة الإسلاميّة الغرّاء

صفحه 2

صفحه 3
أحكام الوقف
فى
الشريعة الإسلاميّة الغرّاء
تأليف
الفقيه المحقّق
الشيخ جعفر السبحاني
نشر
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
سبحانى تبريزى، جعفر ، 1347 ـ
      أحكام الوقف في الشريعة الإسلامية الغرّاء / تأليف جعفر السبحاني . ـ قم: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1396 .
      336 ص.    ISBN: 978 - 964 - 357 - 582 - 3
فهرستنويسى بر اساس اطلاعات فيپا .
كتابنامه به صورت زيرنويس.
      1 . خمينى، روح ا...، رهبر انقلاب وبنيا نگذار جمهورى اسلامى، 1279 ـ 1368، تحرير الوسيله ـ ـ نقد وتفسير 2. فقه جعفرى ـ ـ رساله عمليه. 3. وقف (فقه). الف. خمينى، روح ا...، رهبر انقلاب وبنيانگذار جمهورى اسلامى، 1279 ـ 1368. تحرير الوسيله. برگزيده. شرح. ب. موسسه امام صادق (عليه السلام). ج. عنوان. د. عنوان: تحرير الوسيله، برگزيده. شرح .
3 ت 8خ9/ 183 BP    3423 / 297
1396
اسم الكتاب:    …أحكام الوقف في الشريعة الإسلامية الغراء
تأليف:    …الفقيه المحقّق الشيخ جعفر السبحاني
الطبعة:    …الأُولى
تاريخ الطبع:   …1438 هـ
المطبعة:   …مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشر:   …مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الإخراج الفني:    …مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر: 944   تسلسل الطبعة الأُولى: 457
حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة، فلا يجوز شرعاً استنساخ أو نشر اصدارات
المؤسسة إلاّ بعد التنسيق مع المؤسسة واستحصال الموافقة الرسمية
مركز التوزيع
قم المقدسة: ساحة الشهداء: مكتبة التوحيد
?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
http://www.Tohid.ir

صفحه 5

صفحه 6

صفحه 7
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وآله الطاهرين.
أمّا بعد:
فلمّا فرغنا من تحرير القواعد الفقهية البالغ عددها (86) قاعدة، عزمنا على دراسة أحكام الوقوف والصدقات التي كثر الابتلاء بها والسؤال عنها في هذه الازمنة، على غرار كتاب الوقف من «تحرير الوسيلة» للسيد الأُستاذ الإمام الخميني(قدس سره).
نعم هنا نكتة نحب التنبيه عليها وهي: أنّ فقهاءنا العظام قدّس الله أسرارهم تعاملوا مع الوقف معاملة الأُمور العبادية وشدّدوا على أنفسهم في بيان أحكامه في غير مورد، ومن ثمّ صار الأمر مشكلاً على متولّي الأوقاف، غير أنا آثرنا أن نُقدّم حلولاً شرعيةً مطابقةً للقواعد في بعض المسائل الّتي أوجبت العسر والحرج، ويُعلم ذلك من مطالعة مسائل الكتاب. والله الهادي إلى سواء السبيل.
المؤلّف

صفحه 8

صفحه 9
كتاب الوقف وأخواته*
وهو تحبيس العين وتسبيل المنفعة. وفيه فضل كثير وثواب جزيل; ففي الصحيح عن أبي عبد الله(عليه السلام)قال:«ليس يتبع الرجل بعد موته من الأجر إلاّ ثلاث خصال: صدقة أجراها في حياته فهي تجري بعد موته، وسُنّة هدىً سَنّها فهي يعمل بها بعد موته، وولد صالح يدعو له». وبمضمونه روايات.**
* أراد بأخوات الوقف، الحبس والسكنى والرقبى والعُمرى، كما ستأتي في محلّها.
في تعريف الوقف وفضله   
** عرّف المصنّف الوقف بقوله: «تحبيس العين وتسبيل المنفعة». وقد ورد التعريف به في النبوي:«حبّس الأصل وسبّل الثمرة».(1)
وما عرّف به المصنّف تبعاً للنبوي هو الذي عرّفه غيره به أيضاً، قال الشيخ الطوسي: الوقف تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة.(2)
وقال المحقّق: الوقف عقد ثمرته تحبيس الأصل وإطلاق المنفعة.(3)
ولازم تعريفه بالعقد اعتبار القبول من الموقوف عليه، وسيأتي الكلام فيه.   

1 . فتح الباري:5/302; السنن الكبرى للبيهقي:6/162.
2 . المبسوط:3/286.
3 . شرائع الإسلام: 2/211.

صفحه 10
وقال ابن سعيد: الوقف تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة،(1) من غير فرق بين الأوقاف العامّة والخاصّة، إلى غير ذلك من التعاريف المتقاربة أو المتّحدة لفظاً.
أقول: إنّ ما ورد في النبوي وتعاريف العلماء إنّما هو تعريف بالآثار، دون التعريف بالحقيقة; وذلك لأنّ حقيقة الوقف إيقاف العين للموقوف عليه حتى لا تباع ولا ترهن ولا... ويترتّب عليه ما جاء في التعريف. والأولى تعريفه: إيقاف الشيء على جهة أو شخص لتدرّ المنافع منه عليها.
ثمّ إنّ تعريفه بالتسبيل إشارة إلى قصد القربة، ولذلك نرى أنّ ابن حمزة عرّفه بقوله:تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة على وجه من سبل البر.(2)
وفي «الصحاح»: سبّل فلان ضيعته أي جعلها في سبيل الله تعالى.(3)
يقول الشهيد في «الدروس»: هو الصدقة الجارية .(4)
نعم اعتبار القربة في حقيقة الوقف غير ثابت، حتى أنّ الوقف على الأولاد أيضاً يكون خالياً عن القربة، نعم ربّما يكون مقروناً بالقربة كما في الوقف على المساجد والمشاهد وغيرها.
ثمّ إنّه ربّما يطلق على الوقف الصدقة الجارية كما في   

1 . الجامع للشرائع:369.
2 . الوسيلة:369.
3 . صحاح الجوهري:28/2، مادة «سبل».
4 . الدروس الشرعية:2/263.

صفحه 11
تعريف الشهيد، فإنّ الوقف من أقسام الصدقة بالمعنى الأعمّ، أي ما ينتفع به الناس وهو على صنفين:
1. صنف ينتفع بعينه ومنفعته وهو الصدقة بالمعنى الأخصّ، وهي الصدقة التمليكية.
2. صنف ينتفع بمنفعته دون عينه، وهو الصدقة بالمعنى الأعمّ، وتتميز بالجارية أي المستمرة.
نعم ربّما تُطلق الصدقة ويراد بها الزكاة، قال تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ...)(1).
ثمّ إنّه ليس المراد من المنفعة ما يقابل العين، فإنّ مياه القنوات أعيان ومع ذلك تُعدّ من المنافع، فلا محيص من القول بأنّ منفعة كلّ شيء بحسبه، وسيأتي بيانه في المسألة 33.

فضل الوقف

قد وردت في فضل الوقف روايات كثيرة، منها ما ذكره في المتن، حيث رواه تارة عن هشام بن سالم، وأُخرى عن الحلبي.(2)
وفي صحيحة معاوية بن عمّار، قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام):ما يلحق بالرجل بعد موته؟ فقال: «سُنّة يُعمل بها بعد موته فيكون له مثل أجر مَن عمـل بهـا مـن غير أن ينقص من أُجورهم شيء، والصدقة الجارية   

1 . التوبة:60.
2 . لاحظ: الوسائل:13، الباب1 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث1 و2.

صفحه 12
اعتبار الصيغة في الوقف   
المسألة1: يعتبر في الوقف الصيغة، وهي كلّ ما دلّ على إنشاء المعنى المذكور، مثل: «وقفتُ» و «حبّست» و«سبّلت»، بل و «تصدّقت» إذا اقترن به ما يدلّ على إرادته، كقوله:«صدقة مؤبّدة، لاتُباع ولا توهب» ونحو ذلك، وكذا مثل: «جعلتُ أرضي موقوفة أو محبّسة أو مسبّلة على كذا». ولا يعتبر فيه العربية ولا الماضوية، بل يكفي الجملة الاسمية، مثل: «هذا وقف» أو «هذه محبّسة أو مسبّلة».*
تجري من بعده، والولد الطيب يدعو لوالديه بعد موتهما، ويحجّ ويتصدّق ويعتق عنهما ويصلّي ويصوم عنهما»، فقلت: أُشركهما في حجّتي؟ قال: «نعم».(1) إلى غيرها من الروايات التي رواها الفريقان.(2)
* في المسألة فروع ثلاثة:
1. اعتبار الصيغة في الوقف.
2. الاكتفاء بكلّ ما يدلّ على إنشاء المعنى المذكور.
3. عدم اعتبار العربية والماضوية.
وإليك دراسة الفروع:

الفرع الأوّل: اعتبار الصيغة في الوقف

ذكر المصنّف أنّه يعتبر في الوقف الصيغة، ويمكن الاستدلال عليه بالوجوه التالية:   

1 . الوسائل:13، الباب1 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث4.
2 . لاحظ: سنن النسائي:6/233، باب وقف المساجد.

صفحه 13
1. أنّ الوقف من العقود المعتبر فيها المعنى الارتباطي بين اثنين.(1)
توضيحه: أنّ الوقف من الأُمور الإضافية وله نسبة إلى الواقف، وأُخرى إلى الموقوف عليه، وثالثة إلى الموقوف، وتصوير أنّ هذا النوع من الارتباط رهن الإنشاء في عالم الاعتبار.
2. أنّ الوقف عبارة عن حبس العين للموقوف عليه، ولازم ذلك منع المالك عن المبادلة بالبيع والرهن أو الوراثة، منعاً تشريعياً وقانونياً في مقابل منعه تكويناً، فلا محيص من إنشائه اعتباراً كما في عامّة المقامات حتى يترتّب عليه منع التداول بالنقل على أنحائه.
3. أنّ الوقف ليس إلاّ كمثل البيع والتجارة حيث إنّ الجميع رهن العقد الذي يتضمّن إنشاء المعنى الاعتباري.
فإن قلت: ظاهر كلام المصنّف من اعتبار الصيغة في الوقف ينافي ما يأتي منه كفاية المعاطاة في الأوقاف العامّة.
قلت: يمكن توجيهه بأحد وجهين:
1. بما أنّ المصنّف اكتفى في الأوقاف العامّة بالوقف المعاطاتي، فلابدّ أن يُحمل كلامه:«تعتبر في الوقف الصيغة» على العقد الأعمّ من القولي والفعلي، كما أنّ قول المحقّق في الشرائع: الوقف عقد ثمرته تحبيس الأصل،(2) محمول على الأعمّ من اللفظيّ وغيره، أو على   

1 . جواهر الكلام: 28/7.
2 . شرائع الإسلام: 2/211.

صفحه 14
الغالب.
2. أنّ الوقف باللفظ يعتبر فيه الصيغة على النحو المذكور دون غيره فيكفي فيه الإنشاء الفعلي.

الفرع الثاني: الاكتفاء بكلّ ما يدلّ على إنشاء المعنى المذكور

إنّ أبواب المعاملات تفترق عن العبادات، فالقسم الثاني أُمور تعبّدية يحتاج كلّ ما يرجع إليها إلى بيان الشرع، وأمّا المعاملات بالمعنى الأعمّ فهي أُمور عقلائية سبق العقلاء على الشرع في اعتبارها، ولم يكن من الشرع إلاّ التصويب والتصرّف في بعض الأجزاء والشرائط، فعلى ذلك فكلّ لفظ يكون ظاهراً في إنشاء المعنى المذكور، يكون كافياً.
ثمّ إنّ الألفاظ على قسمين:
1. قسم يدلّ عليه بلا قرينة، كما إذا قال:«وقفت» و «سبّلت».
2. قسم آخر يحتاج إلى قرينة، كما إذا قال: «تصدّقت»، فإنّه مشترك بين الصدقة التمليكية والصدقة الوقفية، فلو ضم إليه قوله: «صدقة مؤبّدة لاتباع ولا توهب» وغير ذلك، يكون ظاهراً في الوقف، من غير فرق بين الجمل الفعلية أو الجمل الاسمية، مثل: هذا وقف، وهذه محبّسة أو مسبّلة، لما عرفت من أنّ الميزان كون اللفظ ظاهراً في المعنى المقصود.
عدم اعتبار العربية والماضوية في الوقف   
ولكن في تعليقة الأُستاذ السيد الحجّة(قدس سره): كفاية الجملة الاسمية مورد تأمّل ومنع، ولعلّه لعدم كونها ظاهرة في إنشاء الوقف، بل ظاهرة في الإخبار.   

صفحه 15
يلاحظ عليه: أنّ بعض الجمل الاسمية أظهر في الإنشاء من الأمر، مثلاً: قول الوالد ـ على مسمع جمع من الناس ـ : ولدي يصلّي، آكد من قوله: صلّ يا ولدي، وقد مرّ منّا أنّه فُوّض أمر باب المعاملات إلى العرف فهو المتّبع فيؤخذ به، إلاّ ما ورد البيان من الشارع على تعيين صيغة خاصّة في بعض الموارد، كقوله في باب الطلاق: إنّما الطلاق أن يقول: «أنتِ طالق».(1) فقد ألغى الشارع سائر الألفاظ التي كانت دارجة يومذاك، لأهمية المورد ولقطع النزاع عند الاختلاف.
فعن محمد بن مسلم أنّه سأل أبا جعفر(عليه السلام) عن رجل قال لامرأته: أنت عليّ حرام، أو بائنة، أو بتة، أو بريّة، أو خليّة؟ قال:«هذا كلّه ليس بشيء».(2)
مضافاً إلى ما سيأتي في وقف الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)من قوله:«هي صدقة» فانتظر.

الفرع الثالث: عدم اعتبار العربية والماضوية

أمّا الأوّل: فلأنّ الشريعة الإسلامية شريعة عالمية لا تختصّ بقوم دون قوم، ولكلّ قوم أُمور اعتبارية تدور عليها رحى حياتهم، كالبيع والإجارة وغير ذلك، فإلزامهم في إنشائها بلغة خاصّة رهن الدليل; والسيرة على خلاف ذلك، فلم تعتبر العربية إلاّ في الفرائض والنوافل.
وأمّا الثاني: فقد عرفت أنّ الميزان كون اللفظ ظاهراً في إنشاء   

1. لاحظ: الوسائل:15، الباب16 من أبواب مقدّمات الطلاق وشرائطه، الحديث 1 و4.
2 . الوسائل:15، الباب15 من أبواب مقدّمات الطلاق وشرائطه، الحديث5.

صفحه 16
في وقف المسجد يجب قصد عنوان المسجدية   
المسألة 2: لابدّ في وقف المسجد من قصد عنوان المسجدية، فلو وقف مكاناً على صلاة المصلّين، وعبادة المسلمين، صحّ لكن لم يصر به مسجداً ما لم يكن المقصود عنوانه. والظاهر كفاية قوله:«جعلته مسجداً» وإن لم يذكر ما يدلّ على وقفه وحبسه، والأحوط أن يقول: وقفته مسجداً، أو... على أن يكون مسجداً.*
المعنى المذكور، ولا تعتبر الماضوية; مضافاً إلى ما رواه أيوب بن عطيّة قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام) يقول: «قسّم رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) الفيء فأصاب عليّاً(عليه السلام)أرض، فاحتفر فيها عيناً فخرج منها ماء ينبع في السماء كهيئة عنق البعير، فسمّاها عين ينبع، فجاء البشير يبشّره، فقال: بشّر الوارث، بشّر الوارث، هي صدقة بتّاً بتلاً في حجيج بيت الله، وعابر سبيله، لاتباع ولا توهب ولا تورث، فمن باعها أو وهبها فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً».(1)
وقوله(عليه السلام): «بتاً بتلاً».البت: هو القطع، يقال: بته بتاً أي قطعه قطعاً. وأمّا بتلاً: فالظاهر أنّه تأكيد للسابق «بتاً»، أُضيف إليه اللام حيث يقال: صدقة بتة بتلة، أي مقطوعة عن صاحبها لا رجعة له فيها، فقوله: «هي صدقة» جملة اسمية.
* لمّا تقدّم أنّه يكفي في صيغة الوقف كلّ ما دلّ على إنشاء المعنى المذكور، يقع الكلام في أنّه هل يكفي في وقف الأرض مسجداً،   

1 . الوسائل:13، الباب6 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث2.

صفحه 17
قول القائل: وقفت هذا المكان على صلاة المصلّين وعبادة المتعبّدين؟
أقول: لا شكّ أنّ الأرض بذلك القول تصير وقفاً للصلاة والعبادة، إنّما الكلام في أنّها هل تصير وراء ذلك وقفاً للمسجد حتى تترتّب عليه آثار المسجديّة، من حرمة التنجيس، ولزوم إزالة النجاسة، وعدم مكث الحائض والجنب فيه، إلى غير ذلك من الأحكام؟
ظاهر المصنّف: عدم الكفاية، إذ ليس اللفظ ظاهراً في الوقف للمسجديّة، بل هو ظاهر في الوقف للعبادة والصلاة، وهو أعمّ من كونه مسجداً. نظير ذلك ما نشاهده في المجمّعات السكنية حيث يخصّص مكان لإقامة الصلاة والفرائض والعبادات، فالمقيمون هناك يأمّون هذا المكان لإقامة الصلاة فقط لا لكونه مسجداً.
وبذلك يظهر حكم الأراضي المختصّة لإقامة صلاة الجمعة باسم المصلّى، فالأرض وقف لإقامة صلاة الجمعة ـ لا تباع ولا ترهن ـ ، لا لكونها مسجداً فلا تترتّب عليها أحكام المسجد.
اللّهم إلاّ إذا كان اللفظ في متلقّى العرف ظاهراً في أنّ المتكلّم بصدد إنشاء كونه مسجداً، وأنّه نوى ذلك، فعندئذ لا يبعد الاكتفاء به، فالمتَّبع هو ما تفاهم عليه العرف، ولعلّه يختلف حسب اختلاف البيئات والأعراف.
وهل يكفي أن يقول: جعلته مسجداً؟ الظاهر كفايته عند العرف وإن لم يذكر ما يدلّ على وقفه أو حبسه. نعم الأولى استحباباً كما في المتن أن يقول: وقفته مسجداً أو على أن يكون مسجداً.

صفحه 18
كفاية المعاطاة في الأوقاف العامّة   
المسألة 3: الظاهر كفاية المعاطاة في مثل: المساجد، والمقابر، والطرق، والشوارع، والقناطر، والرباطات المعدّة لنزول المسافرين، والأشجار المغروسة لانتفاع المارّة بظلّها أو ثمرها، بل ومثل البواري للمساجد، والقناديل للمشاهد، وأشباه ذلك.
وبالجملة: ما كان محبّساً على مصلحة عامّة، فلو بنى بناءً بعنوان المسجدية، وأذن في الصلاة فيه للعموم، وصلّى فيه بعض الناس، كفى في وقفه وصيرورته مسجداً. وكذا لو عيّن قطعة من الأرض لأن تكون مقبرة للمسلمين، وخلّى بينها وبينهم وأذن إذناً عامّاً للدفن فيها، فدفنوا فيها بعض الأموات، أو بنى قنطرة وخلّى بينها وبين العابرين فشرعوا في العبور عليها، وهكذا.*

* كفاية المعاطاة في الأوقاف العامّة

في المقام موضوعات تعرّض لها المصنّف ضمن مسائل:
1. هل تكفي المعاطاة في الوقف، أو هو رهن العقد اللفظي؟ وهذه هي مسألتنا.
2. هل يعتبر فيه قصد القربة أو لا؟
3. هل يشترط فيه القبول أو لا؟
4. هل يشترط في صحّة الوقف القبض أو لا؟   

صفحه 19
وهذه المسائل تأتي في كلام المصنّف تباعاً ضمن مسائل:
أمّا المسألة الأُولى ـ وهي مسألتنا هذه ـ فهي أنّ ظاهر مَن عرّف الوقف بأنّه عقد ثمرته تحبيس الأصل وإطلاق المنفعة، هو عدم كفاية المعاطاة، والمصنّف مع مَن اعتبر في الوقف الصيغة، قال في المقام بكفاية المعاطاة في الأوقاف العامّة، مثل المساجد والمقابر والطرق، والشوارع والقناطر، والرباطات المعدّة لنزول المسافرين والأشجار المغروسة، وبالجملة كلّ ما كان محبساً على مصلحة عامّة، حتى المنقول كالقناديل والبواري والسجّاد والمفروشات.
هذا وقد اتّفق الفقهاء على صحّة المعاطاة في مورد البيع، إلاّ العلاّمة في «نهاية الأحكام»(1)، فحكم بفسادها. نعم اختلفوا في نتيجتها في البيع، هل هي إباحة للتصرّف، أو تمليك متزلزل، أو تمليك لازم، إلى غير ذلك من الأقوال الناهضة إلى ثمانية؟
وأمّا المقام فمقتضى اعتبار الصيغة عدم كفاية المعاطاة في الموارد المذكورة، وقد صرّح الشيخ في «المبسوط» (2)، والعلاّمة في «القواعد»(2)، والشهيد الثاني في «المسالك»(4)، بأنّه لا يصير وقفاً ولا يخرج عن الملكيّة;
ومع ذلك فقد خالفهم ابن إدريس في «السرائر»(3)، والشهيد في «الذكرى»(6)، والظاهر كفايته ، وذلك من وجهين:   

1 . نهاية الأحكام: 2/449.                        2. المبسوط: 3/292.
2 . قواعد الأحكام: 2/387.                        4. مسالك الأفهام: 5/310.
3 . السرائر: 3/155.                              6. ذكرى الشيعة: 158 .

صفحه 20
1. ما تقدّم منّا من أنّ الأُمور غير العبادية فوّض أمرها إلى العقلاء، وقد تدّخل الشارع فيها بإضافة جزء أو شرط أو إلغاء شيء منهما. نعم ربّما ألغى ما اعتبره العقلاء من رأس، كبيع الخمر والخنزير، والرائج بين العقلاء هو ذلك، أي وقف المصالح العامّة عملاً من دون إجراء صيغة.
2. السيرة المستمرة بين المسلمين لأنّ معظم المساجد وغيرها ممّا ذكر في المتن جعلت وقفاً بالمعاطاة، فعلى هذا: لو بنى مسجداً وصلّى فيه بعض الناس، يكون وقفاً عند العقلاء، أو فيما لو عيّن قطعة من الأرض كمقبرة للمسلمين وأذن للناس أن يدفنوا فيها موتاهم، ودفن فيها بعض الأموات، تكون الأرض وقفاً; وذلك لأنّ السبب الفعلي يقوم مقام السبب القولي، وربّما يكون السبب الفعلي مقروناً بترتيب بعض الآثار أظهر في الدلالة على الوقف.
التفصيل بين الأوقاف العامّة والخاصة   

التفصيل بين الأوقاف العامّة والخاصّة

ثمّ إنّ الظاهر من المصنّف كفاية المعاطاة في الأوقاف العامّة فقط، دون الأوقاف الخاصّة، كالوقف على الذرية.
ووجه التفصيل: أنّ ظهور الفعل في الوقف في الأوقاف العامّة أظهر من الفعل في الوقف على الذرية، كما إذا وقف بستاناً على الذرية معاطاة من دون لفظ، فربّما يتبادر إلى الأذهان أنّه أباح الانتفاع من ثمراته مع حفظ ملكية الرقبة لنفسه فله أن يبيع ويرهن ويورّث، ولذلك فالأقوى اعتبار اللفظ في الوقف الخاص حتى يرتفع الإبهام.   

صفحه 21
المسألة 4: ما ذكرنا من كفاية المعاطاة في المسجد إنّما هو فيما إذا كان أصل البناء بقصد المسجديّة، بأن نوى ببنائه وتعميره أن يكون مسجداً، خصوصاً إذا حاز أرضاً مباحة لأجل المسجد، وبنى فيها بتلك النيّة. وأمّا إذا كان له بناء مملوك ـ كدار أو خان ـ فنوى أن يكون مسجداً وصرف الناس بالصلاة فيه من دون إجراء الصيغة عليه، يشكل الاكتفاء به. وكذا الحال في مثل الرباط والقنطرة.*
ثمّ إنّ اعتبار إقامة الصلاة أو دفن الميت فيها لأجل الإقباض بناءً على اعتباره في الأوقاف العامّة، فكأنّ إقامة الصلاة فيه نوع إقباض الموقوف، للموقوف عليه .
فإن قلت: إنّ جواز إقامة الصلاة متوقّف على ثبوت الوقفية، فلو توقّف عنوانها على إقامة الصلاة، يلزم الدور.
قلت: إنّ جواز إقامة الصلاة يتوقّف على إذن المالك، فإنّ البناء بعد باق في ملكه، لا على ثبوت الوقفية، وثبوتها موقوف على إقامة الصلاة فيهما صحيحة.
* في المسألة أمران:
1. إذا نوى من أوّل الأمر كون البناء والعمارة مسجداً، فهذا تكفي فيه المعاطاة. ومثله ما إذا بنى رباطاً في ملكه أو في أرض مباحة للمارّة والمسافرين، ثم خلّى بينه وبينهم ونزل به بعض القوافل، وهذا تكفي فيه المعاطاة أيضاً.   

صفحه 22
2. لو لم ينو من أوّل الأمر كون البناء مسجداً أو رباطاً وإنّما عرض له القصد أن يجعل البناء مسجداً وصرف الناس بالصلاة فيه، أو رباطاً وخلّى بينه وبين الناس من دون إجراء الصيغة، فحكم بأنّه يشكل الاكتفاء به.
وجه التفصيل هو وضوح الفعل في الوقف في الصورة الأُولى
حيث إنّ خصوصية البناء تدل على أنّ البناء للمسجد دون الثانية.
ويمكن أن يقال: عدم الفرق بين الصورتين إذا نوى الوقف وحصل الإقباض بإقامة الصلاة فيه ليل نهار، من غير فرق بين كون البناء من أوّل الأمر للمسجد، أو طروء النيّة بعدما تمّ البناء إذا كان العمل ظاهراً في
الوقف عند الناس.
وإن شئت قلت: قوام كون الشيء وقفاً بأمرين: النية والإقباض، والمفروض حصولهما. وكون خصوصية البناء دالّة على كونه وقفاً للمسجد لا مدخلية فيه، فقوام كون البناء وقفاً له أمران، والمفروض وجودهما.
نعم الكلام في مقام الثبوت، أي بين الله وبين الواقف. نعم لو أنكر بعد مضيّ زمان كونه ناوياً للوقف للمسجد يُسمع قوله; لأنّه من الأُمور التي لا تُعلم إلاّ من قبله، فتدبّر.
جواز التوكيل في الوقف، جريان العقد الفضولي في الوقف   

صفحه 23
المسألة5: لا إشكال في جواز التوكيل في الوقف، وفي جريان الفضولية فيه خلاف وإشكال لا يبعد جريانها فيه، لكن الأحوط خلافه.*
* في المسألة فرعان:
1. كون الوقف خاضعاً للوكالة.
2. جريان العقد الفضولي في الوقف.
الفرع الأوّل: كون الوقف خاضعاً للوكالة
فلعموم أدلّة الوكالة، إذ لا فرق بينه وبين التوكيل في الطلاق والنكاح والبيع والإجارة، ولو قلنا بقصد القربة يكفي قصد الموكل، فيما يقوم به الوكيل عنه.ثمّ إنّه لا فرق بين كونه وكيلاً في جميع الأُمور من البناء وإجراء الصيغة ليكون وقفاً بالعقد بالصيغة، أو دعوة الناس ليكون وقفاً بالمعاطاة بالصلاة فيه، أو في خصوص الأمر الأخير، إذ ليس الوقف من الأُمور التي يعتبر فيها المباشرة.
الفرع الثاني: جريان العقد الفضولي في الوقف
قال المحقّق: ولو وقف ما لا يملكه لم يصحّ وقفه، ولو أجاز المالك قيل يصحّ لأنّه كالوقف المستأنف، وهو حسن.(1)
أقول: بما أنّ المشهور بعد الشيخ الأنصاري، أنّ عقد الفضولي عقد مطابق للقاعدة، جامع للشرائط إلاّ شرطاً واحداً، وهو استناده إلى المالك، وهذا يتحقّق بالإجازة، لم يستبعد المصنّف جريانها في الوقف تبعاً للمحقّق، وإن قال: إنّ الأحوط خلافه.
توضيحه: أنّ العقد الفضولي ـ قبل لحوق الإجازة ـ عند الشيخ   

1 . شرائع الإسلام : 2/213.

صفحه 24
الأنصاري وتلاميذه ومن بعدهم عقد كامل ينقصه شيء طفيف ضعيف وهو إسناده إلى المالك، وهو يحصل بالإجازة، وقد كان سيد مشايخنا السيد الحجّة يقرّر هذا المطلب ويقول قريباً ممّا أذكر:«العقد الفضولي يفقد النسبة في قوله: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) فإنّ اللام قائمة مقام المضاف إليه أي عقودكم، فالذي ينقصه هو الإسناد إلى المالك، وكأنّ بناء العقد قد تمّت أركانه وأجزاؤه وشروطه ولم يبق إلاّ جزء طفيف منه، ولذلك ترى أنّ البيع الفضولي شغل صفحات كثيرة من «المكاسب» ربّما تستغرق دراسته شهوراً، فلو صحّ هذا ـ فرضاً ـ فلا مانع من الوقف الفضولي، إذا تعقبته الإجازة من المالك.
وأمّا نحن فعلى جانب مخالف من هذه النظرية مع احترام القائلين بها، وذلك لأنّ العقود والبيع من المفاهيم العرفية، فالذي وقع تحت دائرة الحكم هو البيع المعروف والعقود الرائجة، وأمّا بيع أجنبي مال أجنبي من شخص ثالث، فهو أمر عبث ولغو عند العقلاء، وهو أشبه بتنظيم سند لملك أحد في مكاتب العقار لشخص آخر من دون إطلاعه، فهل يكون مثل هذا داخلاً في العمومات والمطلقات.
نعم ربّما يكون بين البائع والمالك صلة نسبية أو سببية كالأُخوّة، فيبيع الأخ مال أخيه من شخص آخر من دون اطّلاعه بناء على يقينه بقبول هذا البيع، أو الاطمئنان به. ومثله ما ربّما يزوج الأخ الأكبر بنت أخيه الأصغر من شاب صالح بظن أنّ الأخ سوف يرضى به، فمثل هذا لا مانع من دخوله تحت العمومات.
اعتبار القبول في الوقف   
وممّا يدلّ على ما ذكرنا من ضيق الموضوع أنّ الروايات التي   

صفحه 25
المسألة 6: الأقوى عدم اعتبار القبول في الوقف على الجهات العامّة، كالمساجد والمقابر والقناطر ونحوها. وكذا الوقف على العناوين الكلّية، كالوقف على الفقراء والفقهاء ونحوهما. وأمّا الوقف الخاص ـ كالوقف على الذريّة ـ فالأحوط اعتباره فيه، فيقبله الموقوف عليهم، ويكفي قبول الموجودين، ولا يحتاج إلى قبول من سيوجد منهم بعد وجوده، وإن كان الموجودون صغاراً أو فيهم صغار قام بهم وليّهم. لكن الأقوى عدم اعتبار القبول في الوقف الخاصّ أيضاً، كما أنّ الأحوط رعاية القبول في الوقف العامّ أيضاً، والقائم به الحاكم أو المنصوب من قبله.*
استدلّ بها على صحّة بيع الفضولي إذا تعقّبته الإجازة، واردة في مثل هذه الموارد، مثلاً لو باع الولد أمة الوالد من دون اطّلاع حتى استولدها المشتري فجاء الوالد وكان غير راض بالبيع، فأخذ الأمة مع ولدها، فأرشده الإمام (عليه السلام) إلى أن يأخذ المشتري ولد الوالد حتى ينفذ البيع.(1)
وعلى كلّ تقدير فلو صحّ عقد الفضولي فإنّما يصحّ في مورد البيع والنكاح دون الوقف، أي لم يُعهد أي عقد فضولي فيه.

* اعتبار القبول في الوقف

هنا أمران:   

1 . لاحظ: الوسائل:14، الباب 88 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث1; تهذيب الأحكام:7/74، الحديث33(319)، باب ابتياع الحيوان.

صفحه 26
1. اعتبار القبول في الوقف وعدمه.
2. اعتبار القبض في الوقف وعدمه.
والكلام في الأمر الأوّل، وسيأتي الكلام في الأمر الثاني في المسألة الثامنة فانتظر.
يظهر من غير واحد من الفقهاء أنّه يشترط في صحّة الوقف القبول من الموقوف عليه، وقد تقدّم أنّ المحقّق وصفه بأنّه عقد، فلازم ذلك شرطية القبول، ومع ذلك لم يذكره المحقّق، ولعلّه تركه لوضوحه، كما تركه في بعض العقود الجائزة المعلوم اعتباره فيها.
ويشهد على اعتباره عنده تصريحه بعدم اعتباره في خصوص ما إذا كان على جهة عامّة وقال: لو كان الوقف على مصلحة، كفى إيقاع الوقف عن اشتراط القبول.(1)
عدم اعتبار القبول في الوقف   
يقول المحقّق الثاني: والأصحّ اشتراط القبول، فيعتبر فيه وفي الإيجاب ما يعتبر في سائر العقود اللازمة.(2)
ويظهر من صاحب «المسالك» أنّ للأصحاب فيه أقوالاً ثلاثة:
1. عدم اعتباره قائلاً: إنّه ليس في النصوص ما يدلّ عليه; ولأنّه
فكّ ملك فيكفي فيه الإيجاب، كالعتق واستحقاق الموقوف عليه المنفعة.   

1 . شرائع الإسلام: 2/217.
2 . جامع المقاصد:9/121.

صفحه 27
2. اعتباره مطلقاً لإطباقهم على أنّه عقد، فيعتبر فيه الإيجاب والقبول كسائر العقود; ولأنّ إدخال شيء في ملك الغير بدون رضاه بعيد، ولأصالة بقاء الملك على مالكه بدونه.
3. اعتباره فيما إذا كان الوقف على جهة خاصّة، كشخص معيّن أو جماعة معيّنين لما ذكر ولإمكان القبول; وإن كان على جهة عامّة كالفقراء والمسجد لم يعتبر لأنّه حينئذ فكّ ملك، ولأنّ الملك فيه ينتقل إلى الله، بخلاف الأوّل فإنّه ينتقل إلى الموقوف عليه، ثم إنّه استقواه.(1)
واختار المصنّف القول الأوّل من غير فرق بين الوقف العام والوقف الخاص، ومع ذلك ذكر أنّ الأحوط قبول الموقوف عليه في الوقف الخاصّ، ويكفي قبول الموجودين عن قبول البطون اللاحقة، وإن كان الموجودون صغاراً أو فيهم صغار قام بهم وليّهم، وأمّا الوقف العام فيقوم به الحاكم أو القائم أو المنصوب من جانبه.

عدم اعتبار القبول في الوقف

والظاهر عدم اعتبار القبول، أمّا في الأوقاف العامّة فللوجوه التالية:
1. أنّ مثل هذا الوقف فكّ ملك وتحرير كعتق العبد على القول المشهور، فلا يحتاج إلى القبول. نعم عندنا تمليك للعناوين، وسيوافيك شرحه. فالأولى على القول المختار الاستدلال بالوجهين التاليين:
2. جريان السيرة على عدم اعتبار القبول في مثل وقف   

1 . لاحظ: مسالك الأفهام: 5/313.

صفحه 28
المساجد والقناطير، حتى مع وجود الحاكم.
3. عدم ورود القبول في صدقات الإمام(عليه السلام)، كما في قوله في عين ينبع: «إنّها صدقة بتة بتلاً في حجيج بيت الله وعابري سبيل الله لاتباع ولا ترهن».(1)
هذا كلّه في الوقف العام.
وأمّا الوقف الخاص فيمكن القول بعدم اعتباره فإنّ حقيقة الوقف فيه إيقاف الموقوف لانتفاع الموقوف عليه.
غاية الأمر أنّ للموقوف عليه أن ينتفع به أو لا ينتفع، وهذا من غير فرق بين الوقف العام كالوقف على الفقراء أو الوقف الخاص كالوقف على الذرية المعيّنة، ويكفي في صحّة الوقف عدم الردّ. نعم لو كان وقفاً على شخص، وردّ بطل كما حكى عن «القواعد».(2)
اعتبار قصد القربة في الوقف   
نعم لازم مَن فصّل بين الوقف العام والوقف الخاص، بعدم اعتباره في الأوّل واعتباره في الثاني، أن يكون للوقف معنيان: أحدهما: إيقاعي كما في العام، والثاني: عقديّ كما في الخاص.(3)
ثمّ لو قلنا بشرطية القبول فالظاهر كفاية القبض عنه، فإنّ القبض والإقباض نوع قبول في المعاطاة لقبول الإيجاب. من غير فرق بين الوقف العام والخاص، إلاّ إذا كان القبض قبل إيجاب الواقف. فظهر ممّا ذكرنا عدم اعتبار قبول الموقوف عليه، وهذا غير شرطية القبض، كما سيوافيك.

1 . الوسائل:13، الباب6 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث2.
2 . قواعد الأحكام:2/388.
3 . لاحظ: جواهر الكلام:28/8.

صفحه 29
المسألة 7: الأقوى عدم اعتبار قصد القربة حتّى في الوقف العامّ، وإن كان الأحوط اعتباره مطلقاً.*

* اعتبار قصد القربة

هل يشترط في الوقف قصد القربة أو لا؟
والأوّل هو خيرة العلاّمة في «القواعد»، قال: ويشترط تنجيزه ودوامه وإقباضه وإخراجه عن نفسه، ونية التقرّب.(1)
وفي «جامع المقاصد»: وظاهر العبارة (عبارة القواعد) اشتراطها لصحّة الوقف، ويشكل بانتفاء دليل الاشتراط.(2)
وقال الشهيد في «الدروس»: وفي اشتراط نية التقرّب وجه فيترتّب وقف الكافر، والأقرب صحّته.(3)
والظاهر عدم اشتراطه، لأنّ الوقف ليس من مخترعات الشارع، فهو أمر كان موجوداً بين عامّة أصحاب الشرائع، بل وعند غيرهم، فربّما كانت الغاية هي التقرّب إلى الله، كوقف المساجد والبيع والكنائس، وربّما تكون الغاية هي التودّد والتحبّب كالوقف على الذرية، والقول بالاشتراط يخالف هذه السيرة.
فإن قلت: روى حمّاد بن عثمان عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «لا    

1 . قواعد الأحكام:2/388.
2 . جامع المقاصد:9/140.
3 . الدروس الشرعية:2/264، لعلّ قوله: «فيترتب» مصحّف: فيمنع وقف الكافر.

صفحه 30
صدقة ولا عتق إلاّ ما أُريد به وجه الله».(1)
هذا من جانب، ومن جانب آخر لم يرد فيما أوقفوا(عليهم السلام) إلاّ بلفظ الصدقة، ومن المعلوم اعتبار القربة فيها.
روى الحلبي ومحمد بن مسلم عن أبي عبد الله(عليه السلام) قالا: سألناه عن صدقة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)وصدقة فاطمة(عليها السلام)؟ فقال: «صدقتهما لبني هاشم ولبني المطلب».(2)
وفي حديث عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله(عليه السلام)قال: «لا يرجع في الصدقة إذا تصدّق بها ابتغاء وجه الله».(3)
قلت: إنّ لازم ذلك أنّ الوقف على قسمين:
قسم صدقة إذا أُريد به وجه الله. وقسم ليس بصدقة إذا كانت الغاية غير ذلك. فلا يكون دليلاً على شرطيته مطلقاً غاية الأمر، لا يترتّب الثواب إلاّ إذا قصد به القربة، بل الظاهر ترتّبه وإن لم ينو القربة، كما هو ظاهر الحديث النبوي المعروف الذي في صدر الكتاب.
حيث عُدّ الولد الصالح صدقة جارية، فقد صار صدقة دون أن يكون للوالد فيه نيّة القربة، اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ الكلام في الصدقة الرائجة بين الناس بدفع مال أو إعطاء حقّ أو غير ذلك،وأمّا كون الولد صدقة جارية فهو إمّا من باب المجاز أو التغليب.   

1 . الوسائل:13، الباب13 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث 2 و3.
2 . الوسائل:13، الباب1 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث 6.
3 . الوسائل:13، الباب4 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث5.

صفحه 31
المسألة 8 : يشترط في صحّة الوقف القبض، ويعتبر فيه أن يكون بإذن الواقف، ففي الوقف الخاصّ يعتبر قبض الموقوف عليهم، ويكفي قبض الطبقة الأُولى عن بقيّة الطبقات، بل يكفي قبض الموجودين من الطبقة الأُولى عمّن سيوجد، ولو كان فيهم قاصر قام وليّه مقامه، ولو قبض بعض الموجودين دون بعض صحّ بالنسبة إلى من قبض دون غيره. وأمّا الوقف على الجهات العامّة والمصالح كالمساجد وما وقف عليها، فإن جعل الواقف له قيّماً ومتولّياً اعتبر قبضه أو قبض الحاكم، والأحوط عدم الاكتفاء بالثاني مع وجود الأوّل، ومع عدم القيّم تعيّن الحاكم. وكذا الحال في الوقف على العناوين الكلّية كالفقراء والطلبة، وهل يكفي قبض بعض أفراد ذلك العنوان; بأن يقبض فقير في الوقف على الفقراء مثلاً؟ لعلّ الأقوى ذلك فيما إذا سلّم الوقف إلى المستحقّ لاستيفاء ما يستحقّ، كما إذا سلّم الدار الموقوفة على الفقراء للسكنى إلى فقير فسكنها، أو الدابّة الموقوفة على الزوّار والحجّاج للركوب إلى زائر   
وفي نهاية الكلام: ورد في وقف الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) قوله: «وإنّي إنّما جعلت الذي جعلت لابني فاطمة ابتغاء وجه الله وتكريم حرمة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وتعظيمها وتشريفها ورضاهما بهما».(1) ولعلّه يدلّ على أنّ الوقف على قسمين: صدقة، وغير صدقة، ولا يدلّ على حصره فيها.

1 . الوسائل:13، الباب10، من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث4.

صفحه 32
وحاجّ فركبها. نعم، لا يكفي مجرّد استيفاء المنفعة والثمرة من دون استيلاء على العين، فإذا وقف بستاناً على الفقراء، لا يكفي في القبض إعطاء شيء من ثمرته لبعض الفقراء مع كون البستان تحت يده، بل لا يكفي ذلك في الإعطاء لوليّ العامّ أو الخاصّ أيضاً.*
* في المسألة فروع:
1. شرطية القبض في صحّة الوقف أو لزومه.
2. شرطية كون القبض بإذن الواقف.
3. كيفية القبض في الوقف الخاص والعام.
4. عدم كفاية استيفاء المنفعة من دون الاستيلاء على العين.
وإليك دراسة الفروع واحداً بعد الآخر:
شرطية القبض في صحّة الوقف أو لزومه   

الفرع الأوّل: شرطية القبض في صحّة الوقف أو لزومه

اتّفقت كلمتهم على شرطية القبض، وإن اختلفوا بين كونه شرطاً لصحّة الوقف أو شرطاً للزومه.
أمّا ما يدلّ على أصل الشرط، فيقول المحقّق: ولا يلزم إلاّ بالإقباض وإذا تمّ كان لازماً لا يجوز الرجوع فيه إذا وقع في زمان الصحّة.(1)
وقال العلاّمة: الوقف يلزم بالعقد والقبض عند علمائنا أجمع، وبه قال أحمد في إحدى الروايتين، ومحمد بن الحسن، لأنّه تبرّع بمال    

1 . شرائع الإسلام:2/212.

صفحه 33
فلا يلزم بمجرّده كالهبة والوصية; ولأنّ الأصل بقاء الملك على مالكه، خرج عنه المقبوض فيبقى الباقي على أصله.(1)
وقال في «القواعد»: ويشترط تنجيزه ودوامه وإقباضه وإخراجه عن نفسه ونيّة التقرّب.(2)
وفي «جامع المقاصد» (في بيان الشروط): الثالث: الإقباض وهو غير القبض الذي تقدّم اشتراطه; لأنّ القبض لا يعتدّ به من دون إقباض الواقف وتسليطه عليه.(3)
وقد أشار في عبارته إلى كلا الفرعين اللّذين نحن في أوّلهما.
وفي «المسالك»: لا خلاف بين أصحابنا في أنّ القبض شرط لصحّة الوقف، فلا ينعقد بدونه، كما لا ينعقد بالإيجاب مجرّداً عن القبول، أو بالعكس، فيكون القبض جزء السبب الناقل للملك.(4)
إلى غير ذلك من الكلمات.
أمّا ما يدلّ على شرطية القبض فكالتالي:
1. صحيح صفوان بن يحيى، عن أبي الحسن(عليه السلام)قال: سألته عن الرجل يقف الضيعة ثمّ يبدو له أن يحدث في ذلك شيئاً؟ فقال:   

1 . تذكرة الفقهاء:2/427، الطبعة الحجرية.
2 . قواعد الأحكام:2/388.
3 . جامع المقاصد:9/15.
4 . مسالك الأفهام: 5 / 314.

صفحه 34
«إن كان وقفها لولده ولغيرهم ثمّ جعل لها قيّماً، لم يكن له أن يرجع فيها.
وإن كانوا صغاراً وقد شرط ولايتها لهم حتى بلغوا فيحوزها لهم، لم يكن له أن يرجع فيها.
وإن كانوا كباراً ولم يسلّمها إليهم ولم يخاصموا حتى يحوزوها عنه، فله أن يرجع فيها، لأنّهم لا يحوزونها عنه وقد بلغوا».(1)
أمّا الفقرة الأُولى فهي محمولة على الإقباض بشهادة الفقرة الثالثة حيث قال:«وإن كانوا كباراً ولم يسلّمها إليهم» فدلّ على وجود التسليم فيها، وأمّا الفقرة الثانية فموضع الدلالة قوله فيها: «وإن كانوا صغاراً وقد شرط ولايتها لهم حتى يبلغوا فيحوزها لهم، لم يكن له أن يرجع فيها» حيث إنّ قبض الولي كقبض الموّلى عليه، وبذلك صار الوقف لازماً.
2. ما رواه الصدوق في «كمال الدين» عن أبي الحسين محمد بن أبي جعفر الأسدي فيما ورد عليه من جواب مسائله، عن محمد بن عثمان العمري، عن صاحب الزمان(عليه السلام): «وأمّا ما سألت عنه من الوقف على ناحيتنا وما يجعل لنا ثم يحتاج إليه صاحبه، فكلّ ما لم يسلّم فصاحبه فيه بالخيار; وكلّ ما سلّم فلا خيار فيه لصاحبه، احتاج أو لم يحتج، افتقر إليه أو استغنى عنه».(2) والشاهد في قوله: «فكلّ ما لم يُسلّم فصاحبه فيه بالخيار».
نعم الروايتان غير ظاهرتين في أحد القولين وأنّ القبض هل   

1 . الوسائل:13، الباب4 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث4.
2 . الوسائل:13، الباب4 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث8.

صفحه 35
هو شرط الصحّة أو شرط اللزوم؟ فإنّ جواز الرجوع قبل القبض يجتمع مع كلا القولين، وحقيقة القولين هو أنّ القبض على القول بأنّه شرط الصحّة من أركان العقد، فلولاه كان العقد ناقصاً غير مؤثر أصلاً، والعين بعدُ لم تخرج من ملك الواقف; بخلافه على القول باللزوم قد تمّت أركان العقد وخرجت العين عن ملكه غير أنّ للواقف أن يرجع عن إنشائه، وتظهر الثمرة في النماء المتخلّل بين العقد والقبض، فعلى الأوّل فالنماء للواقف، إذ لم يخرج الموقوف عن ملكه فالفرع تابع للأصل، بخلافه على الثاني فهو للموقوف عليه.
ولا دليل اجتهادي يعيّن أحد الطرفين، نعم الأصل مع القول الأوّل، إذ الأصل بقاء العين في ملك الواقف أو الأصل عدم ترتّب الأثر قبل القبض. نعم ما يلي من الروايات يدل على أنّه شرط الصحّة.
3. النصوص الدالّة على بطلان الصدقة بالموت قبل القبض. كصحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر(عليه السلام) أنّه قال في الرجل يتصدّق على ولده وقد أدركوا: «إذا لم يقبضوا حتى يموت فهو ميراث، فإن تصدّق على مَن لم يدرك من ولده فهو جائز، لأنّ والده هو الذي يلي أمره».(1) والشاهد في قوله: «فهو ميراث» إذ هو ظاهر في البطلان من أوّل الأمر وأنّه لم يخرج عن تركة الميت، لأجل عدم الاقباض.
وخبر عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله(عليه السلام) أنّه قال في رجل تصدّق على ولد له قد أدركوا، قال: «إذا لم يقبضوا حتى يموت فهو ميراث،   

1 . الوسائل:13، الباب4 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث1.

صفحه 36
فإن تصدّق على مَن لم يدرك من ولده فهو جائز، لأنّ الوالد هو الذي يلي أمره، وقال: لا يرجع في الصدقة إذا تصدّق بها ابتغاء وجه الله».(1)
بناء على أنّ المراد من الصدقة: الوقف منها أو ما يشمله، وجه الاستدلال كما سبق، وعندئذ نستغني عن الاستدلال بالأصل. ويمكن أن يستأنس أيضاً بسائر الموارد التي يشترط فيها القبض، كالهبة والرهن وبيع النقدين، فانّ القبض في الجميع شرط الصحّة عند الفقهاء.
فإن تمّ الاستدلال بالروايات وما يستأنس فهو، وإلاّ فالمرجع هو الأصل وهو عدم ترتّب الأثر قبل القبض.
فإن قلت: إنّ العمومات نظير: حبّس الأصل وسبّل المنفعة، أو أنّ الوقوف حسب ما يقفها أهلها، خالية عن ذكر القبض، فيدل إطلاقها على عدم الشرطية للصحّة.
قلت: ليس العمومات في مقام بيان هذه الجهة، وإنّما هي بصدد بيان أصل التشريع.
هذا كلّه حول الفرع الأوّل.
شرطية كون القبض بإذن الواقف   

الفرع الثاني: شرطية كون القبض بإذن الواقف

وهو ما أشار إليه المصنّف بقوله:«ويعتبر فيه أن يكون بإذن الواقف».
وادّعى السيد الطباطبائي في ملحقات العروة أنّ المشهور على أنّه يشترط أن يكون القبض بإذن الواقف، والشرط هو الإقباض، فلو   

1 . الوسائل:13، الباب4 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث5.

صفحه 37
قبض الموقوف عليه بدون الإذن لم يكف.(1)
ومع ذلك فقد توقّف المحقّق السبزواري في «كفاية الأحكام» لعدم الدليل.(2)
أقول: استدلّ على شرطية إذن الواقف في القبض بأمرين:
1. ما في الخبر السابق، «فكلّ ما لم يسلّم فصاحبه بالخيار» حيث إنّ المناط تسليم الواقف، وهو كماترى، لأنّ القيد وارد مورد الغالب. والمقصود أنّه ما لم يكن في البين قبض فصاحبه بالخيار، وأمّا كونه بإذن الواقف فليس مقصوداً.
2. أنّ القبض بدون إذن الواقف تصرّف في مال الغير وهو منهي عنه.
يلاحظ عليه: أنّ ظاهر الاستدلال التسليم بأنّ الشرط هو مجرّد استيلاء الموقوف عليه على الوقف، والمفروض أنّه حاصل، وأمّا كون السبب منهيّاً عنه فهو لا يورث فساد المسبب، أي الاستيلاء، لما حُرّر في الأُصول من أنّ النهي عن المسبّب يسبّب الفساد، كالنهي عن أكل الثمن أو المثمن، لا النهي عن السبب، فلو وزن المبيع بميزان الغير فالبيع صحيح والتسليم مثله، وإن كان السبب منهياً عنه.
ويستدلّ على عدم الشرطية بقوله في صحيحة صفوان:«ولم يخاصموا حتى يحوزوها» فإنّ ظاهر جواز المخاصمة مع الواقف،   

1 . ملحقات العروة:286.
2 . كفاية الأحكام:140.

صفحه 38
كيفية القبض في الوقف الخاص والعام   
للقبض، ثبوت حقّ للموقوف عليه حتى جاز لهم المخاصمة.
يلاحظ عليه: أنّه يكفي في جواز المخاصمة وجود المقتضي، وهو العقد، وهو لا ينافي كون تمامية العقد بالقبض بإذن الواقف.
وبذلك ظهر عدم الدليل الاجتهادي على الجانبين فتصل النوبة إلى الأصل وهو عدم ترتّب الأثر بلا إذن الواقف. وهذا هو الدليل على شرطية الإذن.

الفرع الثالث: كيفية القبض في الوقف الخاص والعام

يقع الكلام تارة في الوقف الخاص، وأُخرى في الوقف العام.
أمّا الأوّل: فنقول: إذا وقف شيئاً على ذريته نسلاً بعد نسل، فيكفي قبض الطبقة الأُولى عن قبض الطائفتين التاليتين:
1. الطبقة اللاحقة.
2. مَن سيوجد من تلك الطبقة في المستقبل.
وجه الكفاية: عدم إمكان القبض عند العقد لا بالنسبة إلى الطبقة اللاحقة ولا إلى من سيوجد منهم في المستقبل، ويترتّب على ذلك أنّه لو قبض بعض الموجودين من الطبقة الأُولى، دون الآخرين، صحّ بالنسبة إلى مَن قبض وبطل بالنسبة إلى غيره، ممّن كان موجوداً حال القبض، وذلك لتمامية الشرط في حقّ مَن قبض وعدمها في حقّ مَن لم يقبض.
وأمّا الثاني فنقول: إنّ الوقف العام على قسمين: تارة يكون الموقوف عليه العناوين العامّة كالفقراء والفقهاء، وأُخرى يكون الوقف من قبيل   

صفحه 39
المصالح كوقف الأرض والبناء لكونها مسجداً. ونظيره وقف القنطرة، فهنا أقوال:
1. قول المحقّق: اشترط(قدس سره) في الأوّل نصب قيّم للقبض دون الآخر، وقال: ولو وقف على الفقراء أو على الفقهاء، فلابدّ من نصب قيّم لقبض الوقف. ولو كان الوقف على مصلحة، كفى إيقاع الوقف عن اشتراط القبول، وكان القبض إلى الناظر في تلك المصلحة.(1)والظاهر أنّه أراد من «قيِّم» هو المتولّي للوقف.
2. قول المصنّف: وقد فصّل بين ما إذا جعل الواقف له قيّماً ومتوليّاً اعتبر قبضه، ومع عدم القيّم تعيّن الحاكم من غير فرق بين الوقف على العناوين الكلّية كالفقراء والطلبة، والمصالح كالمساجد والقناطر.
أمّا تقدّم المتولّي على الحاكم; لأنّه يتصدّى للأُمور التي ليس لها مسؤول شرعاً أو عرفاً، والمفروض وجوده.
ثمّ إنّ المصنف ذهب في ذيل كلامه إلى كفاية قبض أفراد العنوان كتسليم الدار الموقوفة على الفقراء للسكنى إلى فقير فسكنها، أو الدابة الموقوفة على الزوار والحجاج للركوب، إلى زائر وحاج فركبها، إلى غير ذلك من الأمثلة التي جاءت في المتن.
وظاهر كلامه كفاية هذا النوع من القبض حتى مع وجود المتولّي أو الحاكم. وهذا هو أيضاً الظاهر من المحقّق لا في الوقف على العناوين   

1 . شرائع الإسلام:2/217.

صفحه 40
الذي فيه كلام المصنّف، بل في الوقف على الجهات والمصالح قال: ولو وقف مسجداً صحّ الوقف، ولو صلّى فيه واحد. وكذا لو وقف مقبرة تصير وقفاً بالدفن فيها ولو واحداً.(1) لكن بشرط أن يكون بإذن الواقف ليتحقّق الإقباض الذي هو شرط صحّـة القبض ـ على ما مـرّ ـ وقيّـده العلاّمة في «القواعد»(2)، والمحقّق الكركي في «جامع المقاصد»(3)، بإيقاع الصلاة والدفن بنيّة القبض أيضاً، فلو أوقعا ذلك لا بنيّته، كما لو وقع قبل العلم بالوقف، أو بعده قبل الإذن بالصلاة والدفن، لم يلزم.
وفي «الجواهر»: نعم ذكره غير واحد من الأصحاب ذكر المسلّمات، فإن تمّ إجماعاً، وإلاّ فلا يخفى ما فيه من الإشكال، ضرورة أنّه لا ولاية للفاعل (المصلّي أو الدافن) على جميع الموقوف عليهم، حتى يكون القبض منه بالفعل المزبور قبضاً عنهم.(4)
التفريق بين الوقف على الجنس والوقف على العموم   
يلاحظ على ما ذكر في ذيل كلام المصنّف بأنّه لا ولاية للفقير الواحد حتى يقوم قبضه قبضاً للوقف، ولذا لا يكفي في الزكاة قبض بعض المستحقين عن غيره، وعلى هذا فلابدّ من قبض الحاكم في هذين الموردين، فإنّه يكفي قبضه عن الجميع.(5)   

1 . شرائع الإسلام:2/217.
2 . قواعد الأحكام:2/389.
3 . جامع المقاصد:9/24.
4 . جواهر الكلام:28/85.
5 . لاحظ: جواهر الكلام:28/83.

صفحه 41

التفريق بين الوقف على الجنس والوقف على العموم

ويمكن أن يقال: إنّ اللازم التفريق بين الوقف على الجنس. والوقف على العموم.
ففي الأوّل يكفي قبض البعض فلو سلم الواقف إلى المستحق لاستيفاء ما يستحق، كما إذا سلّم الدار الموقوفة على الفقراء للسكنى إلى فقير فسكنها، أو الدابة الموقوفة على الزوّار والحجّاج للركوب إلى زائر أو حاج فركبها.
وأمّا الثاني كما إذا وقف بستاناً على الفقراء، أو أرضاً لدفن الموتى، فلا يكفي فيه تسلّط واحد من الفقراء على البستان أو دفن واحد منهم، إذ لا ولاية له على الباقين، فلا محيص هنا إلاّ بقبض المتولّي الذي يعد قبضه قبضاً للمولّى عليه، أو للحاكم الذي قبضه قبض الكلّ، وبذلك يظهر حال النقض بالزكاة فإن أخذ فقير لا يكفي، لأنّه من قبيل الوقف على العموم.

الفرع الرابع: عدم كفاية استيفاء المنفعة من دون الاستيلاء على العين

إذا وقف بستاناً على الفقراء، وقسّم ثمرته بينهم دون أن يكون لهم استيلاء على العين، فلا يصدق القبض عرفاً مادام لم يكن لهم أو للمتولّي استيلاء على العين.

صفحه 42
لو كانت العين الموقوفة بيد الموقوف عليه قبل الوقف   
المسألة 9: لو وقف مسجداً أو مقبرة كفى في القبض صلاة واحدة فيه، أو دفن ميّت واحد فيها بإذن الواقف، وبعنوان التسليم والقبض.*
المسألة 10: لو وقف الأب على أولاده الصغار ما كان تحت يده، ـ وكذا كلّ وليّ إذا وقف على المولّى عليه ما كان تحت يده ـ لم يحتج إلى قبض حادث جديد، لكن الأحوط أن يقصد كون قبضه عنه، بل لا يخلو من وجه.**
* ما ذكره مبني على ما مرّ من كفاية تسليم الموقوف إلى المستحقّ لاستيفاء ما استحقّ مع وجود المتولّي أو الحاكم. وقد عرفت أنّه يصلح في الوقف على الجنس لا الوقف على العموم، فالأمثلة المذكورة في كلامه من قبيل الثاني ولابدّ من قبض المتولّي أو الحاكم.
** لو وقف الأب على أولاده الصغار، أو وقف كلّ ولي على المولّى عليه، لم يحتج إلى قبض جديد، لكونه تحت يده، ولا معنى لتحصيل الحاصل.
ويدلّ عليه ما يأتي في المسألة الآتية من صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر(عليه السلام) أنّه قال، في الرجل يتصدّق على ولده وقد أدركوا:«إذا لم يقبضوا حتى يموت فهو ميراث، وإن تصدّق على مَن لم يُدرك من ولده فهو جائز، لأنّ والده هو الذي يلي أمره».(1)   

1 . الوسائل:13، الباب4 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث1.

صفحه 43
المسألة 11: لو كانت العين الموقوف بيد الموقوف عليه قبل الوقف، بعنوان الوديعة أو العارية ـ مثلاً ـ لم يحتج إلى قبض جديد، بأن يستردها ثم يقبضها. نعم لا بدّ أن يكون بقاؤها في يده بإذن الواقف، والأحوط بل الأوجه أن يكون بعنوان الوقفية.*
فالتعليل (لأنّ والده هو الذي يلي أمره) في ذيل الرواية دليل على عدم الحاجة إلى القبض، لأنّ قبض الولي كقبض المولّى عليه.
ثمّ إنّ المصنّف احتاط في آخر كلامه وقال:«لكن الأحوط أن يقصد كون قبضه عنه» ويريد بهذا أن يغيّر نيّته. بأن ينوي بأنّ استيلاءه على العين نيابة عن المولّى عليه. ولكن ليس في الرواية ولا في سائر الروايات عين ولا أثر عمّا ذكر في الذيل. ويحتمل عدم الحاجة له لحصوله قهراً إذا كان الواقف متشرّعاً، ولا يمكن له غير هذه النية. وسيأتي نظيره في المسألة التالية فانتظر.
* لو كانت العين الموقوفة بيد الموقوف عليه قبل الوقف، كما إذا استعارها أو أخذها بعنوان الوديعة، ثم وقف الواقف العين عليه، لم يحتج إلى قبض جديد بأن يستردها ثم يقبضها، ويدلّ على ذلك انصراف ما دلّ على اشتراط القبض عن هذه الصورة، أي فيما إذا كانت العين الموقوفة بيد الموقوف عليه; لأنّ الغاية من القبض هو استيلاء الموقوف عليه على العين الموقوفة، والمفروض حصوله، ولزوم الاسترداد والقبض بعده يحتاج إلى دليل.   

صفحه 44
عدم اشتراط الفورية في القبض   
المسألة 12: فيما يعتبر أو يكفي قبض المتولّي ـ كالوقف على الجهات العامّة ـ لو جعل الواقف التولية لنفسه لا يحتاج إلى قبض آخر، ويكفي ما هو حاصل، والأحوط بل الأوجه أن يقصد قبضه بما أنّه متولّي الوقف.*
وعلى هذا فنفس استيلاء الموقوف عليه على العين كاف في تحقّق القبض.
ثمّ إنّ المصنّف ذكر في المتن أمرين:
1. «نعم لابدّ أن يكون بقاؤها في يده بإذن الواقف».
يلاحظ عليه: أنّه مستدرك لافتراض أنّ العين بيد الموقوف عليه بعنوان الوديعة أو العارية. نعم لو كان غاصباً لابدّ من إذنه.
2. «الأحوط بل الأوجه أن يكون بعنوان الوقفية» لأنّ القبض السابق كان بعنوان العارية أو الوديعة، والقبض اللاحق يجب أن يكون بعنوان الوقفية، ولا يغني الأوّل عن الثاني.
يلاحظ عليه: بأنّه إذا علم بأنّ العين التي في يده قد وقفها الواقف عليه، يلازم كون استيلائه عليها بعنوان الوقفية ثبوتاً أي في الواقع، وإثباتاً أي في ذهنه وفكره، ولا يمكن له غير ذلك.
* قد تبيّن وجهه ممّا ذكرنا، أمّا عدم الحاجة إلى قبض آخر، فواضح لحصول الغاية، وأمّا لزوم أن يقصد أنّ قبضه بما أنّه متولّي الوقف بأن يغيّر نيّته فقد كان مستولياً بما أنّه مالك وبعد الوقف يكون مستولياً بما أنّه   

صفحه 45
المسألة 13:لا يشترط في القبض الفورية، فلو وقف عيناً في زمان ثمّ أقبضها في زمان متأخّر كفى، وتمّ الوقف من حين القبض.*
متولٍّ، فعليه تغيير نيّته.
يلاحظ عليه بما مرّ من أنّه بعد العلم بالوقف وأنّ التولية لنفسه يحصل له العلم بأنّ قبضه استمراراً بعنوان كونه متولياً، وطلب تغيير النية كأنّه تحصيل للحاصل.
والحاصل: أنّ ما احتاط به(قدس سره) في المسائل الثلاث: من قصد الولي كون قبضه، إنّما هو عن المولّى عليه، أو قصد الموقوف عليه أنّ بقاء العين عنده بعنوان الوقفية، أو قصد متولّي الوقف ـ إذا جعل التولية لنفسه ـ أنّ قبضه بما هو متولّي الوقف ـ أنّ ما احتاط به ـ غير لازم لحصول هذه القصود عند التوجّه إلى الموضوع، ولا يمكن مع العلم به أن يقصد خلافه، خصوصاً إذا كان متشرّعاً.

* عدم اشتراط الفورية في القبض

وفي «الجواهر»: ثمّ إنّ الظاهر عدم اعتبار الفورية لظهور ما دلّ على اعتباره من خبري عبيد ومحمد بن مسلم في ذلك (عـدم الفـورية) مـؤيّداً بعدم الخلاف فيه فما أجد.(1) وأراد بالخبرين رواية عبيد بن زرارة وصحيحة محمد بن مسلم وسيأتيان في المسألة التالية.

1 . جواهر الكلام:28/64.

صفحه 46
المسألة 14: لو مات الواقف قبل القبض، بطل الوقف وكان ميراثاً.*
لو مات الواقف قبل القبض، اشتراط الدوام في الوقف   

* لو مات الواقف قبل القبض

قال المحقّق: ولو وقف ولم يُقبض ثم مات كان ميراثاً.(1)
وفي «جامع المقاصد»:لبطلان الوقف بانتفاء شرطه، وقد ورد التصريح به في رواية عبيد بن زرارة عن الصادق(عليه السلام).(2)
والمسألة منصوصة ففي صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر(عليه السلام)أنّه قال في الرجل يتصدّق على ولده وقد أدركوا: «إذا لم يقبضوا حتى يموت فهو ميراث».(2)
ونظيرها خبر عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله(عليه السلام)أنّه قال: في رجل تصدّق على ولد له قد أدركوا، قال: «إذا لم يقبضوا حتى يموت فهو ميراث، فإن تصدّق على مَن لم يدرك من ولده فهو جائز، لأنّ الوالد هو الذي يلي أمره، وقال: لا يرجع في الصدقة إذا تصدّق بها ابتغاء وجه الله».(3)
والروايتان كما تدلاّن على أنّه لو مات الواقف قبل القبض يكون ميراثاً، تدلاّن أيضاً على المسألة السابقة من عدم اشتراط الفورية كما تقدّم. حيث إنّ ظاهر قوله:«إذا لم يقبضوا حتى يموت» جواز تأخير القبض إلى قبل الموت، ولو وجب القبض فوراً لما كان للذيل معنى صحيح.
واحتمل الشهيد الثاني في «المسالك» اختصاص الحديث   

1 . شرائع الإسلام: 2/217.   2 . جامع المقاصد: 9/22.
2 . الوسائل:13، الباب4 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث1.
3 . الوسائل:13، الباب4 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث5.

صفحه 47
المسألة 15: يشترط في الوقف الدوام بمعنى عدم توقيته بمدّة، فلو قال: وقفت هذا البستان على الفقراء إلى سنة بطل وقفاً، وفي صحّته حبساً أو بطلانه كذلك أيضاً وجهان. نعم لو قصد به الحبس صحّ.*
بالصدقة بالمعنى الأخصّ، أي الصدقة التمليكية، قال: وقد فهم الأصحاب من الحديث أنّ المراد بالصدقة الوقف، مع احتمال أن يريد بالصدقة معناه الخاص، فلا يكون دليلاً; ويؤيّده قوله في آخر الحديث، وقال:«لا يرجع في الصدقة إذا تصدّق بها ابتغاء وجه الله».(1)
يلاحظ عليه: أنّ الذيل لا يصحّ أن يكون قرينة على تخصيص الصدر بالصدقة بالمعنى الأخص، لأنّ التعبير عن الوقف بالصدقة كثير في كلماتهم. فلو كان الصدر ناظراً إلى الأعمّ، يكون التعليل ناظراً إلى قسم واحد منهم، أي الصدقة التمليكية.
وعلى كلّ تقدير فالبطلان ـ وراء النصّ ـ موافق للقاعدة، ولا فرق بين القول بأنّ القبض شرط للصحّة أو شرط للزوم، فالسبب التام لم يتحقّق، فالمسبّب مثله إمّا لفقدان شرط الصحّة، أو لفقدان شرط اللزوم بسبب موت الواقف .نعم لو قلنا بأنّ القبض شرط الصحّة فالمنشأ لم يتحقّق حتى يبطل، بخلاف ما لو قلنا بأنّه شرط اللزوم، إذ عندئذ ينفسخ العقد بموت الواقف.
* في المسألة فروع:
1. اشتراط الدوام في الوقف بمعنى عدم توقيته.   

1 . مسالك الأفهام:5/359.

صفحه 48
2. لو وقف مقيّداً بمدّة، فجمع بين صيغة الوقف والمدّة وقال: قد وقفت هذا البستان على الفقراء إلى سنة، فهل يصحّ حبساً أو يبطل؟
3. لو قلنا بالبطلان في الفرع الثاني فهل يصحّ حبساً إذا قصده؟

الفرع الأوّل: اشتراط الدوام في الوقف

قال الشيخ في «الخلاف»: إذا قال: وقفت على فلان سنة، بطل الوقف، واستدلّ بأنّ من شرط صحّة الوقف التأبيد، فإذا وقف سنة لم يجعله مؤبّداً، فوجب أن يبطل. ثم قال: وعلى المسألة إجماع الفرقة وأخبارهم.(1)
وقال في «السرائر»: ومنها أن يكون الوقف مؤبّداً غير منقطع، فلو قال: وقفت هذا سنة، لم يصحّ.(2)
وفي «إصباح الشيعة»: وأن يكون الوقف مؤبّداً غير منقطع فلو قال: وقفت كذا سنة، لم يصحّ.(3)
في تصحيح الوقف المؤقّت   
قال المحقّق: القسم الرابع في شرائط الوقف وهي أربعة: الدوام.(4)
وقال صاحب الجواهر: الإجماع محصّله ومحكيّه ـ في الغنية وعن الخلاف والسرائر ـ عليه، وبذلك يخصّ عموم (أَوفُوا بِالعُقُودِ)بناء   

1 . الخلاف:3/548، المسألة 16.
2 . السرائر:3/156.
3 . إصباح الشيعة:346، طبعة مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام).
4 . شرائع الإسلام:2/217.

صفحه 49
على أنّ الوقف منها، بل وعمومات الوقف أيضاً، إن لم نقل باعتبار ذلك في مفهومه، كما هو ظاهر تعبيره عنه بالشرطية.(1)

تصحيح الوقف المؤقّت

هذا ـ أي بطلان الوقف المحدّد بمدّة ـ إن تمّ إجماعاً فهو، وإلاّ فيمكن القول بالصحّة; وذلك لأنّ حقيقة الوقف هو إيقاف الموقوف للموقوف عليه حتى لا يتصرّف بالنقل والرهن والمبادلة فلا مانع من أن يكون غير محدّد بمدّة أو محدّداً بمدّة، غاية الأمر أنّه إن أطلق أو قيّده بالتأبيد مثل قوله: «إلى أن يرث الله سبحانه الأرض ومن عليها»، يستفاد منه خروج الموقوف عن ملكه، وأمّا لو حدّد بمدّة يبقى في ملكه لكن يكون ممنوعاً من عامّة التصرّفات إلى أن تنقضي المدّة.
وعلى هذا فلا مانع من الوقف المحدّد بمدّة، إن لم يتمّ الإجماع.
ثمّ إنّ السيد الطباطبائي استدلّ على صحّة الوقف المؤقّت بصحيح ابن مهزيار، قال: قلت له(لأبي جعفر الجواد(عليه السلام)): روى بعض مواليك عن آبائك(عليهم السلام): أنّ كلّ وقف إلى وقت معلوم فهو واجب على الورثة، وكلّ وقف إلى غير وقت جهل مجهول فهو باطل على الورثة، وأنت أعلم بقول آبائك(عليهم السلام)، فكتب(عليه السلام): «هكذا هو عندي».(2)
يلاحظ عليه: بما ذكره الشيخ بأنّ الظاهر من الوقت المعلوم في   

1 . جواهر الكلام:28/51.
2 . الوسائل:13، الباب7 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث1.

صفحه 50
مقابل الوقت المجهول هو ذكر الموقوف عليه وعدم ذكره، فيصحّ في الأوّل دون الثاني.
قال الشيخ: معنى هذا إذا كان الموقوف عليه مذكوراً لأنّه إذا لم يذكر في الوقف، موقوف عليه بطل الوقف ولم يرد بالوقت الأجل، وكان هذا متعارفاً بينهم كما يأتي.(1)
والشاهد على أنّ المراد من الوقت المعلوم ذكر الموقوف عليه ومن المجهول تركه; ما رواه محمد بن الحسن الصفّار، قال: كتبت إلى أبي محمد(عليه السلام)أسأله عن الوقف الذي يصحّ كيف هو؟ فقد روي أنّ الوقف إذا كان غير مؤقَّت فهو باطل مردود على الورثة، وإذا كان مؤقّتاً فهو صحيح ممضي.
قال قوم: إنّ الموقف هو الذي يذكر فيه أنّه وقف على فلان وعقبه، فإذا انقرضوا فهو للفقراء والمساكين إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها.
وقال آخرون: هذا مؤقّت إذا ذكر أنّه لفلان وعقبه مابقوا، ولم يذكر في آخره للفقراء والمساكين إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها، والذي هو غير مؤقّت أن يقول: هذا وقف، ولم يذكر أحداً، فما الذي يصحّ من ذلك؟ وما الذي يبطل؟
فوقّع(عليه السلام):«الوقوف بحسب ما يوقفها إن شاء الله».(2)
لو جمع بين صيغة الوقف والمدّة   
وجه الاستدلال: أنّه بعد ما نقل الضابطة الكلّية بأنّ الوقف   

1 . تهذيب الأحكام:9/132، برقم 561.
2 . الوسائل:13، الباب9 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث2.

صفحه 51
المؤقّت صحيح وغيره باطل، نقل في تفسيره ما يدلّ على أنّ المؤقّت ما يذكر فيه الموقوف عليه تارة بصورة مصغّرة أنّه لفلان وعقبه ما بقوا، وأُخرى بصورة موسّعة، إذا انضم إليه، فإذا انقرضوا فهو للفقراء والمساكين. ثم فسّر غير المؤقّت بما إذا لم يذكر الموقوف عليه، بأن يقول: هذا وقف.وهذا دليل على أنّ المراد من المؤقّت غير ما هو المتفاهم اليوم، بل ما إذا كان الوقف مقروناً بذكر الموقوف عليه ويقابله غيره. فالرواية قاصرة عن الدلالة على مقصود السيد الطباطبائي من جواز الوقف المؤقّت.
ثمّ إنّ الظاهر من جواب الإمام(عليه السلام) هو تصحيح الوجهين الأوّلين:
1. المؤقّت مضيّقاً وموسّعاً.
2. عدم الصحّة إذا لم يذكر الموقوف عليه.
وبما ذكرنا ظهر أنّه لو تمّ الإجماع فهو، وإلاّ فالوقف المؤقت لا دليل على بطلانه.

الفرع الثاني: لو جمع بين صيغة الوقف والمدّة

لو قال: وقفت هذا البستان على الفقراء إلى سنة، فعلى ما قويناه: صحّ، وأمّا لو قلنا بمقالة المشهور من بطلان الوقف المؤقّت، فللمسألة صور ثلاث:
الأُولى: أراد بقوله:«وقفت إلى عشرين سنة»، الوقف إلى تلك المدّة.
الثانية: أراد الحبس إلى مدّة معيّنة.
الثالثة: إذا جهل قصده.
أمّا الصورة الأُولى: فيحكم بالبطلان على القول المشهور،   

صفحه 52
والصحّة عندنا.
وأمّا الصورة الثانية: فيحكم بالصحّة، ولا مانع من استعمال الوقف في الحبس مجازاً إذا صار مقروناً بالقرينة.
وأمّا الصورة الثالثة ـ أعني: إذا لم يعلم ما قصد ـ فهل يحكم عليه بالصحّة حملاً على الحبس، أو لا؟
والأوّل خيرة الشهيد في «المسالك»، قال: لوجود المقتضي وهو الصيغة الصالحة للحبس، لاشتراك الوقف والحبس في المعنى، فيمكن إقامة كلّ واحد مقام الآخر، فإذا قرن الوقف بعدم التأبيد كان قرينة على إرادة الحبس، كما لو اقترن الحبس بالتأبيد فإنّه يكون وقفاًكما مرّ، وهذا هو الأقوى.(1)
والثاني خيرة الجواهر قائلاً بعدم صلاحية ذلك صارفاً عن المعنى الحقيقي، ولو بملاحظة أصالة الصحّة التي لا مدخلية لها في الدلالة على المقصود الشامل للصحيح والفاسد، بعد ظهور اللفظ في الحقيقة المقتضية للفساد.(2)
في الوقف على مَن ينقرض   
يلاحظ عليه: بأنّا لو سلّمنا أنّ صيغة: «وقفت» حقيقة في الوقف المؤبّد، لكن التقييد بالمدّة تكون قرينة صارفة له عن المعنى الحقيقي، وينصرف إلى الحبس ويحكم بالصحّة.
فإن قلت: أي فرق بين كون قوله:«وقفت إلى عشرين سنة»، وقفاً مؤقّتاً، أو حبساً مؤقّتاً، فالمالك في كلتا الصورتين ممنوع من التصرّف.   

1 . مسالك الأفهام: 5/353   2 . جواهر الكلام: 28/53.

صفحه 53
المسألة 16: لو وقف على مَن ينقرض ـ كما إذا وقف على أولاده ـ واقتصر على بطن أو بطون ممّن ينقرض غالباً، ولم يذكر المصرف بعد انقراضهم، ففي صحّته وقفاً أو حبساً أو بطلانه رأساً، أقوال، والأقوى هو الأوّل، فيصحّ الوقف المنقطع الآخر، بأن يكون وقفاً حقيقة إلى زمان الانقراض والانقطاع، وينقضي بعد ذلك ويرجع إلى الواقف أو ورثته، بل خروجه عن ملكه في بعض الصور، محلّ منع.*
قلت: الفرق بينهما ما مرّ، وما سيوافيك من أنّه لا يجوز في الوقف أي تصرّف في الموقوف عليه، سواء أكانت منافية لاستيفاء الموقوف عليه المنفعة أم لا، بخلاف الحبس فإنّه يجوز إلاّ ما كان منافياً لاستيفاء المحبّس عليه المنفعة كالبيع والرهن. وسيأتي التصريح بذلك من المصنّف في المسألة 16 فلاحظ.
الفرع الثالث: لو قلنا بالبطلان في الفرع الثاني فهل يصحّ حبساً لو قصد به؟ الظاهر أنّه يصحّ كما في المتن حيث قال: نعم لو قصد به الحبس صحّ.

* في الوقف على مَن ينقرض

إذا وقف على مَن ينقرض غالباً، ولم يذكر المصرف بعده، كما إذا وقف على شخص واقتصر أو على بطون من غير أولاده تنقرض غالباً ولم يذكر المصرف بعد انقراضهم، ففي المسألة أقوال ثلاثة:
1. أنّه يصحّ وقفاً.   

صفحه 54
2. أنّه يصحّ حبساً.
3. أنّه باطل من رأس.
ثمّ إنّ هنا مسألة أُخرى وهي: أنّه لو قلنا بالقول الأوّل أي بصحّته وقفاً فإذا انقرضوا، فما هو مصير الموقوف؟ وهنا أقوال تتعلّق بما يلي:
1. ورثة الواقف. 2. ورثة الموقوف عليهم. 3. يصرف في وجوه البر.
والمسألتان في كلام المصنّف وردتا تحت عنوان واحد.
إذا علمت هذا فلندخل في الأقوال:

القول الأوّل:إنّه يصحّ وقفاً

وهو خيرة المفيد في «المقنعة»، قال: لو وقف إنسان شيئاً على ولده وولد ولده ولم يذكر شرطاً فيه بعد انقراضهم] يصحّ وقفاً[، كان متى انقرضوا ولم يبق منهم أحد، راجعاً ميراثاً على أقرب الناس من آخر المنقرضين من أرباب الوقف.(1)
في الوقف على مَن ينقرض   
وهو أيضاً خيرة الشيخ في «النهاية»، قال: ومتى وقف الإنسان شيئاً في وجه من الوجوه أو على قوم بأعيانهم، ولم يشترط بعد انقراضهم عودَه على شيء بعينه فمتى انقرض أرباب الوقف، رجع الوقف إلى ورثة الواقف.(2)   

1 . المقنعة:655. وما جعلناه بين المعقوفتين يقتضيه سياق العبارة، وقوله:«كان متى انقرضوا...إلخ» مشير إلى المسألة الثانية.
2 . النهاية: 599. وكلامه مثل كلام المفيد يشتمل على مسألتين. واختار رجوع الموقوف بعد انقضاء الموقوف عليه إلى وارثه خلافاً لما هو المشهور، كما سيوافيك.

صفحه 55
قال المحقّق: لو جعله لمن ينقرض غالباً... قيل: يبطل الوقف، وقيل: يجب إجراؤه حتى ينقرض المسمّون، وهو الأشبه.(1) وهو خيرة القاضي في المهذب(2)، وابن إدريس في السرائر.(3)
وجه الصحّة ما تقدّم أنّ الوقف عبارة عن إيقاف الموقوف للموقوف عليه لينتفع بمنافعه، وأمّا التأبيد فليس داخلاً في مفهومه وليس مقوّماً له، غاية الأمر أنّه لو قيّده بالتأبيد كما في صدقات أهل البيت(عليهم السلام)، أو أطلق كان للموقوف عليه استمرار عبر الزمان يستفاد منه التأبيد.
وإلاّ يكون المنع محدّداً به مادام الموقوف عليه موجوداً، ويؤيّده قوله(عليه السلام):«الوقوف تكون على حسب ما يوقفها أهلها إن شاء الله تعالى»(4)، فإن وقف على وجه يستمر عبر الزمان فهو وإلاّ فيقتصر مادام الموقوف عليه موجوداً، وقد مرّ أنّ الوقف إلى مدّة صحيح، فأولى أن يكون صحيحاً إذا كان منقطع الآخر.
وبما ذكرنا تستغني عمّا يستدلّ به على الصحّة بوجوه غير ناهضة.
الاستدلال على الصحّة بوجوه:
1. ما ذكره العلاّمة من أنّ الوقف نوع تمليك وصدقة، فيتبع اختيار المالك في التخصيص وغيره.(5)   

1 . شرائع الإسلام:2/216.
2 . لاحظ: المهذب:2/91.
3 . لاحظ: السرائر:3/165.
4 . الوسائل:13، الباب2 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث1.
5 . مختلف الشيعة:6/303.

صفحه 56
يلاحظ عليه: أنّه لو كان التأبيد شرطاً مقوّماً للوقف فليس للمالك إلاّ تبعيته، وكونه مسلّطاً على ماله لا يكون مشرّعاً.
2. الخبر الوارد في وصية فاطمة(عليها السلام) حيث جعلت أمر صدقاتها إلى أولادها مع احتمال الانقراض.(1)
يلاحظ عليه: أنّ السيدة فاطمة الزهراء(عليها السلام) كانت تعلم ببقاء نسلها; لأنّ الله تعالى أعطى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) الكوثر، وهو يتجلّى في كثرة نسلها وبقائها إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها.
3. ما استدلّ به السيد الطباطبائي في ملحقات العروة بما مرّ من صحيحي علي بن مهزيار ومحمد بن الحسن الصفّار، حيث قال(عليه السلام):«كلّ وقف إلى وقت معلوم فهو واجب على الورثة، وكلّ وقف إلى وقت جهل مجهول فهو باطل».(2)
في الوقف على مَن ينقرض   
يلاحظ عليه: بما عرفت من أنّ المراد بالوقت المعلوم والوقت المجهول ذكر الموقوف عليه وتركه، وأنّ هذين اللفظين (مؤقّت وغير مؤقّت) كانا مصطلحين عن بيان الموقوف عليه وعدمه. وقد تقدّم الكلام فيه.   

1 . لاحظ: مختلف الشيعة:6/303، ولاحظ: الوسائل:13، الباب10 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث1.
2 . الوسائل:13، الباب7 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث1 و2.

صفحه 57

القول الثاني: إنّه يصحّ حبساً

وهو خيرة العلاّمة في التحرير،(1) والشهيد في الدروس.(2)مستدلّين بوجود المقتضي وهو الصيغة الصالحة للحبس، لأنّ الوقف والحبس اشتركا في المعنى، فإذا اقترن الوقف بما يقتضي عدم التأبيد كان حبساً كما لو اقترن الحبس بما يقتضي التأبيد، فيكون وقفاً.
يلاحظ عليه: بأنّ المقتضي للوقف موجود والمانع مفقود، أمّا المقتضي فهو ظهور اللفظ في الوقف، وأمّا عدم المانع فلما عرفت من أنّ التأبيد والتوقيت خارجان عن ماهية الوقف وإنّما يتبع ما هوالتعبير عن المقصود، والمفروض أنّه عبّر بالوقف فلا وجه لجعله حبساً.

القول الثالث: إنّه يبطل

نقله الشيخ عن بعض الأصحاب واحتج له بأنّ الوقف شرطه التأبيد، فإذا لم يُرده إلى ما يدوم، لم يتحقّق الشرط.
ولأنّه يكون منقطعاً فيصير الوقف على مجهول، لعدم العلم بمقدار حياة الموقوف عليه.
يلاحظ على الوجه الأوّل: بعدم صحّة المبنى، أي دخول وجود الدوام في ماهية الوقف. وأمّا الوجه الثاني فمدفوع بأنّه لو كان هذا النوع من الجهالة مضرّاً لبطلت العُمرى، كما سيوافيك.   

1 . تحرير الأحكام: 3/299، المسألة 4680.
2 . الدروس الشرعية:2/264.

صفحه 58
إلى هنا تمّت أدلّة الأقوال الثلاثة في المسألة الأُولى.
فعلم أنّ الأظهر هو القول بكونه وقفاً، وعندئذ يأتي الكلام في المسألة التالية.

حكم الموقوف عليه بعد الانقراض

قد تقدّم أنّ هذه المسألة متفرّعة على القول بالوقف في المسألة الأُولى، وإلاّ فعلى القول بالحبس ترجع إلى الحابس قطعاً أو ورثته، وعلى القول بالبطلان، فهو لم يخرج من ملكه حتى يعود، إنّما الكلام فيما لو قلنا بصحّته وقفاً، فهناك أقوال ثلاثة:
1. رجوعه إلى ورثة الواقف.
2. رجوعه إلى ورثة الموقوف عليه.
3. صرفه في وجوه البر.
أمّا القول الأوّل: فهو قول الأكثر كما نقله في المسالك.(1) فيدلّ عليه:
أوّلاً: أنّ المفروض أنّه لم يخرج عن ملكه بالكلّية، وإنّما تناول أشخاصاً فلا يتعدّى إلى غيرهم. فالعود إلى الملك بانتهاء سبب النقل كالعود بسبب الفسخ بالإقالة والخيار للذين ليسا سبب ملك جديد للمال.
وثانياً: ما مرّ من الضابطة الكلّية أنّ الوقوف تكون على حسب ما يقفها أهلها إن شاء الله تعالى. والمفروض أنّه منع من التصرف مادام الموقوف عليه موجوداً، فإذا انقرض يرتفع المنع.   

1 . لاحظ : مسالك الأفهام: 5/356.

صفحه 59
وأمّا القول الثاني: أي انتقاله إلى ورثة الموقوف عليه، وهو خيرة المفيد، قال: كان متى انقرضوا ولم يبق منهم أحد، راجعاً ميراثاً على أقرب الناس من آخر المنقرضين من أرباب الوقف.(1)
واختاره ابن إدريس في السرائر(2) مستدلاًّ بانتقال الملك إلى الموقوف عليه قبل الانقراض، فيستصحب.
يلاحظ عليه: أنّ الموّرث إنّما ملكه على الوجه المزبور(مادام الشخص موجوداً) فلا يدخل في تركة الموقوف عليه حتى تشمله أدلّة الإرث.
وبعبارة أُخرى: أنّ المورد ممّا يرجع فيه إلى عموم الدليل لا إلى استصحاب حكم المخصّص، فلاحظ.
وأمّا القول الثالث ـ أعني صرفه في وجوه البر ـ: فهو خيرة ابن زهرة في الغنية(3)، قائلاً بخروج الملك عن الواقف فلا يعود إليه، وعدم تعلّق العقد بورثة الموقوف عليه فلا ينتقل إليهم، وأقرب شيء إلى مقصوده وجوه البر.
يلاحظ عليه: بما عرفت من منع خروجه عن ملك الواقف فعوده إليه ليس بحاجة إلى سبب جديد. فلا وجه للثاني ـ كما مرّ ـ ولا موضوع للثالث لوجود المالك.   

1 . المقنعة:655.
2 . السرائر:2/165.
3 . غنية النزوع:1/299.

صفحه 60
المسألة 17: الظاهر أنّ الوقف المؤبّد يوجب زوال ملك الواقف، وأمّا الوقف المنقطع الآخر فكونه كذلك محلّ تأمّل بخلاف الحبس، فإنّه باق معه على ملك الحابس ويورّث، ويجوز له التصرّفات غير المنافية لاستيفاء المُحبَس عليه المنفعة إلاّ التصرفات الناقلة، فإنّها لا تجوز، بل الظاهر عدم جواز رهنه أيضاً، لكن بقاء الملك على ملك الحابس في بعض الصور محلّ منع.*
بقي هنا كلام، وهو أنّ المصنّف منع خروج الموقوف عن ملك الواقف في بعض الصور، وسيوافيك أنّ الحقّ معه فيما إذا كان الوقف على معيّن يموت بعد مدّة، فالقول ببقاء الموقوف في ملك الواقف أقرب إلى الاعتبار، وسيأتي التصريح منه(قدس سره) به في المسألة التالية حيث يقول: وأمّا الوقف المنقطع الآخر فكونه كذلك(زوال الملك)محلّ تأمّل.
ثمّ إنّ لهذه المسألة تتمّة وهي أنّه على القول برجوع العين إلى الواقف أو ورثته عند الموت، فهل يرجع إلى ورثته حين الموت أو حين الانقراض؟ وسيأتي الكلام فيه في المسألة 18.
في الفرق بين الوقف والحبس   

* في الفرق بين الوقف والحبس

المسألة تشتمل على فروع:
1. الوقف المؤبّد يلازم زوال ملك الواقف.
2. الحبس لا يوجب زوال ملك الحابس.   

صفحه 61
3. هل الوقف المنقطع الآخر يوجب زوال الملك كالوقف المؤبّد، أو لا كالحبس؟
وإليك دراسة الفروع:

الفرع الأوّل: خروج الوقف المؤبّد عن ملك الواقف

استظهر المصنّف أنّ الوقف المؤبّد يلازم زوال ملك الواقف، ويمكن بيان ذلك بالوجوه التالية:
1. الملكية أمر اعتباري تطلب لنفسها الأثر العقلائي أو الشرعي، إذ لولا الأثر لصار الاعتبار لغواً وأمراً غير عقلائي، وأي أثر يترتّب على اعتبار ملكية الواقف بعد كونه ممنوع التصرّف مؤبّداً بيعاً وهبة وميراثاً بالنسبة إلى الأصل والفرع، وحتى التصرّفات غير المنافية لاستيفاء الموقوف عليه المنفعة.
2. ما ذكره السيد الطباطبائي قائلاً: ويمكن أن يستفاد ذلك من أخبار صدقة الأئمّة(عليهم السلام)المشتملة على مثل قوله(عليه السلام):«صدقة بتلاً بتّاً»،(1) أي منقطعة عن صاحبها الأوّل ومبانة عنه، فإنّ البت والبتل بمعنى القطع، بل الظاهر من تلك الأخبار كون الواقف كالأجنبي.(2)
3. إنّ زوال الملك مدلول إلتزامي للوقف عرفاً وإن لم يكن مدلولاً مطابقياً; لأنّ حقيقة الوقف إيقاف الموقوف للموقوف عليه، ومعلوم أنّ هذا النوع من الإيقاف المؤبّد يلازم خروجه عن ملك الواقف.   

1 . الوسائل:13، الباب10 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث5.
2 . ملحقات العروة الوثقى: 347.

صفحه 62
حكم الوقف المنقطع الآخر   
ثمّ إنّ البحث في المقام مركّز على زوال الملك عن الواقف، وأمّا ما هو مصير العين بعد الزوال فيأتي الكلام فيه في المسألة 67.

الفرع الثاني: الحبس لا يوجب زوال ملك الحابس

لو قال: لك سُكنى هذه الدار ما بقيت أو حييت، فله حقّ الانتفاع مع بقائها على ملك الحابس، فإنّ معنى الفقرة المذكورة أنّه مالك للعين لكن للمحبوس عليه الانتفاع بثمرته، وعلى هذا فالحبس أشبه بالإجارة فالعين للمالك والمنفعة للمستأجر، غاية الأمر وجود الأُجرة في الإجارة دون الحبس.

ما هي الثمرة للقول ببقاء العين في ملك الحابس؟

إنّ الثمرة واضحة إذ عندئذ يجوز للحابس التصرّفات غير المنافية لاستيفاء المحبوس عليه المنفعة، لأنّه بعد في ملكه، بخلاف الوقف فبما أنّ العين خرجت عن ملك الواقف لا يجوز له أي تصرّف فيها، لأنّه صار كالأجنبيّ.
نعم ذكر المصنّف أنّه لا تجوز له التصرّفات الناقلة، ولا يجوز رهن العين أيضاً; لأنّ لازم ذلك استيلاء المنقول إليه على المنافع، مع أنّها للمحبوس عليه.
يلاحظ عليه: أنّه إنّما يصحّ إذا نقل العين مع المنافع، وأمّا إذا نقلها مسلوبة المنافع فما دامت العين في حبس المحبوس عليه لا يجوز للمشتري التصرّف فيها، ولعلّ نظر المصنّف إلى غير هذه الصورة.   

صفحه 63

الفرع الثالث: حكم الوقف المنقطع الآخر

قال المصنّف:«الوقف المنقطع الآخر كونه كالوقف المؤبّد(في زوال الملك) محل تأمّل». ظاهر كلامه أنّ حكمه حكم الحبس، فإنّ العين باقية على ملك الواقف بشهادة أنّه وقف العين على المنقطع الآخر، ومعنى كون الوقف محدّداً ببقاء الموقوف عليه أنّه باق في ملكه مع تسبيل المنفعة. وعلى ما ذكره يكون الترديد في المسألة السادسة عشرة بين كونه وقفاً أو حبساً، غير تامّ; لأنّ الوقف على المنقرض حبس عنده فتكون الأقوال فيهما ثنائية لا ثلاثية.
إلى هنا تمّت دراسة حكم المسائل الثلاث مع الإشارة إلى الثمرة، بقي الكلام عمّا في ذيل المسألة حيث قال(رحمه الله):«لكن بقاء الملك على ملك الحابس في بعض الصور، محلّ منع».
أقول: أشار(قدس سره) إلى بعض أقسام الحبس كالحبس على الكعبة والمشاهد المشرّفة والمساجد على وجه الإطلاق، فبما أنّ وجود المحبوس عليه مستمر لا يزال، فيشارك الحبسُ في هذه الصورة مع الوقف في الأثر، فيلازم خروج العين عن ملك الحابس، وعلى هذا فالحبس على قسمين: قسم يكون المحبوس عليه فانياً زائلاً، وقسم كتب له الاستمرار والبقاء كالكعبة، ففي الأوّل لا يلازم خروج الملك عن ملك الحابس بخلاف القسم الثاني، فقد كتب له البقاء.
فخرج المصنّف بالنتيجة التالية:أنّ الوقف المنقطع الآخر كالحبس، وبعض أقسام الحبس، بحكم الوقف.

صفحه 64
المسألة 18: لو انقرض الموقوف عليه ورجع إلى ورثة الواقف، فهل يرجع إلى ورثته حين الموت أو حين الإنقراض؟ قولان، أظهرهما الأوّل، وتظهر الثمرة فيما لو وقف على من ينقرض كزيد وأولاده، ثمّ مات الواقف عن ولدين، ومات بعده أحد الولدين عن ولد قبل الانقراض ثم انقرض، فعلى الثاني يرجع إلى الولد الباقي، وعلى الأوّل يشاركه ابن أخيه.*
ما يلحق بالوقف المنقطع   

* في رجوع الموقوف إلى ورثة الواقف

هذه المسألة ترجع إلى المسألة 16، وكان الأنسب أن يذكرها المصنّف بعدها، دون أن تتوسط بينهما المسألة 17، وقد تقدّم أنّ مَن وقف على من ينقرض، كما لو اقتصر على بطن ينقرض غالباً، ولم يذكر المصرف بعد انقراضهم، فقد قيل فيه أقوال ثلاثة، اختار المصنّف كونه وقفاً منقطع الآخر، وعلى هذا فإذا انقرض الموقوف عليه يرجع إلى الواقف إن كان موجوداً وإلى وارثه إذا مات.
ثمّ إنّه يقع الكلام في أنّه هل يرجع إلى ورثته حين الموت أو حين الانقراض، مثلاً: لو وقف على مَن ينقرض كزيد ثم مات الواقف عن ولدين، ثم مات أحدهما عن ولد قبل الانقراض ثم انقرض، فعلى الثاني يرجع إلى الولد الباقي خاصّة، وعلى الأوّل يشترك هو وابن أخيه لتلقيه من أبيه كما لو كان حيّاً، واستظهر المصنّف أنّه يرجع إلى ورثته حين الموت، فيرث الموقوف ولداه ويقوم ولد الولد مقام الأب.   

صفحه 65
المسألة 19: من الوقف المنقطع الآخر ما كان الوقف مبنياً على الدوام، لكن كان على مَن يصحّ الوقف عليه في أوّله دون آخره، كما إذا وقف على زيد وأولاده وبعد انقراضهم على الكنائس والبيع مثلاً، فلا يصحّ بالنسبة إلى من يصحّ الوقف عليه دون غيره.*
ووجهه ما تقدّم من أنّ هذا النوع من الوقف أشبه ما يكون بالحبس، فالموقوف لم يخرج عن ملك الواقف، فقد مات عن عين يملكها، غاية الأمر ليس للورثة منع الموقوف عليه مادام حياً، فإذا كانت الحال كذلك فيرثه ولداه; لأنّه مات عن عين يملكها فيرثه من كان حيّاً، والمفروض حياتهما وإن مات أحدهما قبل انقراض الموقوف عليه.

* ما يلحق بالوقف المنقطع

قد سبق الكلام في الوقف على المنقطع الآخر، ومثّل المصنّف وغيره بما إذا وقف على مَن ينقرض غالباً، ولم يذكر المصرف بعد انقراضهم، وقد قلنا: إنّ الصحيح إنّه وقف، ويلحق بهذا القسم (الوقف المنقطع الآخر) ما إذا ذكر المصرف ولكن لا يصحّ الوقف عليه، وهذا كما لو وقف على زيد وأولاده وبعد انقراضهم على الكنائس والبِيَع، فالوقف صحيح ابتداء، وباطل انتهاء فيشبّه بالمنقطع الآخر بمعنى عدم ذكر المصرف، فإن ذكر المصرف الباطل كلا ذكره، فيأتي هنا ما تقدّم في المسألة 16، حيث يصحّ بالنسبة إلى مَن يصحّ الوقف عليه دون غيره لا حبساً ولا باطلاً، وبعد الانقراض يرجع إلى ورثة الواقف. وهذا نظير ما   

صفحه 66
المسألة 20: الوقف المنقطع الأوّل إن كان بجعل الواقف، كما إذا وقف إذا جاء رأس الشهر الكذائي، فالأحوط بطلانه، فإذا جاء رأس الشهر المزبور فالأحوط تجديد الصيغة، ولا يترك هذا الاحتياط، وإن كان بحكم الشرع، بأن وقف أوّلاً على ما لا يصحّ الوقف عليه، ثمّ على غيره، فالظاهر صحّته بالنسبة إلى مَن يصحّ، وكذا في المنقطع الوسط، كما إذا كان الموقوف عليه في الوسط غير صالح للوقف عليه، بخلافه في الأوّل والآخر، فيصحّ على الظاهر في الطرفين، والأحوط تجديده عند انقراض الأوّل في الأوّل، والوسط في الثاني.*
إذا باع ما يُملك كالغنم وما لا يُملك كالخنزير، صحّ فيما يُملك ويبطل فيما لا يُملك، أو باع ما يَمْلك وما لا يَمْلِك كالمغصوب، فلو باعهما معاً فالقول على التفصيل كما مرّ.
نعم إنّما يصحّ ما ذكر إذا لم يكن الوقف على ما يصحّ، مقيّداً بصحّته على ما لا يصحّ، وإلاّ فالأظهر بطلان الوقف رأساً.

* أقسام الوقف المنقطع

إنّ انقطاع الوقف يتصوّر على أقسام ثلاثة:
1. الوقف المنقطع الأوّل.
2. الوقف المنقطع الوسط.
في أقسام الوقف المنقطع   
3. الوقف المنقطع الآخر.   

صفحه 67
وقد تقدّم الكلام في القسم الثالث في المسألة 16، بقي الكلام في القسمين الأوّلين.
أمّا الأوّل: ـ أي الوقف المنقطع الأوّل ـ فهو يتصوّر على صورتين:
الأُولى: أن يكون الانقطاع بجعل الواقف، كما إذا كان في وسط الشهر وقال: وقفت هذا البستان على العلماء إذا جاء رأس الشهر الكذائي، فعلى القول بأنّ التنجيز شرط في صحّة الوقف، يكون الوقف باطلاً، رأساً إمّا قطعاً كما عليه السيد الاصفهاني في الوسيلة،(1) أو على الأحوط كما عليه المصنّف، حيث قال: «إذا وقف إذا جاء رأس الشهر الكذائي فالأحوط بطلانه، فإذا جاء رأس الشهر المزبور فالأحوط تجديد الصيغة ولا يترك هذا الاحتياط».
وجهه: أنّ التعليق موجب لبطلان العقد عند المشهور، ولذلك يلزم تجديد الصيغة احتياطاً لازماً.
أقول: سيوافيك في المسألة 22 أنّه ليس لنا دليل صالح لشرطية التنجيز في صحّة الوقف، خصوصاً فيما إذا كان الشرط المعلّق عليه قطعي الحصول في المستقبل، فعلى هذا فيصحّ الوقف على الأقوى، ولا يحتاج إلى تجديد الصيغة على الأقوى.
الصورة الثانية: ما إذا كان الانقطاع بحكم الشرع، بأن وقف على ما لا يصحّ الوقف عليه كالكنائس ثم على ما يصحّ، واستظهر المصنّف الصحّة بالنسبة إلى ما يصحّ، والبطلان فيما لا يصحّ وعدم الحاجة إلى تجديد   

1 . لاحظ: وسيلة النجاة:المسألة 20.

صفحه 68
الصيغة، واحتاط الماتن في ذيل المسألة بتجديد الصيغة ولكنّه احتياط غير واجب. والفرق بين الصورتين هو وجود الشهرة بين الفقهاء على بطلان العقد المعلّق وهو موجود في القسم الأوّل من منقطع الأوّل دون الثاني منه.
ولكن الأقوى هو الصحّة في كلا القسمين وأنّه لا دليل على كون التعليق مبطلاً للعقد فيما إذا كان المعلّق عليه قطعيّ الوجود كشهر محرّم، والقدر المتيقّن ما إذا كان مشكوك الوجود، وسيأتي التفصيل في المسألة 22.
وأما القسم الثاني ـ أعني: المنقطع الوسط ـ : كما إذا كان الموقوف عليه في الوسط غير صالح للوقف عليه، بخلاف المبدأ والمنتهى، فيصحّ في الطرفين.
كلّ ذلك لأجل عدم تقيّد وقف كلّ من الموارد الثلاثة بالآخر، فلو بطل الوقف في قسم فلا يضرّ بالقسم الآخر.
ثمّ إنّ المصنّف احتاط كما مرّ في المنقطع الوسط بعد القول بالصحّة فيه وقال: «والأحوط تجديد الصيغة عند انقراض الأوّل في الأوّل، والوسط في الثاني» ومراده من «الأوّل في الأوّل» هو المنقطع الأوّل لكن بجعل الشارع، كما أنّ مراده من «الوسط» في الثاني هو هذا القسم، فالاحتياط لأجل وجود الفاصل بين الصحيح والباطل، ولا دليل على البطلان إلاّ عدم اتّصال الصحيح بزمان العقد وهو كما ترى.
لو وقف على جهة وشرط عوده إليه عند حاجته   
الصورة الثالثة: المنقطع الآخر، كما إذا صحّ الوقف على الأوّل   

صفحه 69
المسألة 21: لو وقف على جهة أو غيرها وشرط عوده إليه عند حاجته، صحّ على الأقوى، ومرجعه إلى كونه وقفاً مادام لم يحتج إليه، ويدخل في منقطع الآخر، وإذا مات الواقف فإن كان بعد طروّ الحاجة كان ميراثاً، وإلاّ بقي على وقفيته.*
والثاني، ولم يصحّ على الثالث، كما إذا وقف على زيد، وبعده على عمرو، ثم على الكنائس والبيع، صحّ في الأوّلين دون الثالث، وبعد انقضاء الأوّلين يكون ميراثاً للواقف.

* لو وقف على جهة وشرط عوده إليه عند حاجته

إذا وقف وشرط عوده إليه عند حاجته، اختلفت فيه كلمة الأصحاب على أقوال:
الأوّل: صحّة الشرط وكونه وقفاً. وعليه السيد المرتضى في «الانتصار»،(1) مدعيّاً عليه الإجماع، والعلاّمة في «القواعد»، (2) والشهيد في
«المسالك» قال: هو خيرة المعظم.(2) فلو احتاج يرجع إليه وإلاّ يبقى على وقفيّته.
الثاني: بطلانه من الأصل، وعليه ابن إدريس مدّعياً عليه الإجماع.(3)
الثالث: صحّته حبساً، وعليه المحقّق في «الشرائع»، قال: ولو    

1 . لاحظ: الانتصار:468.   2 . لاحظ: قواعد الأحكام:2/390.
2 . مسالك الأفهام:5/364.
3 . لاحظ: السرائر:3/155ـ157.

صفحه 70
شرط عوده إليه عند حاجته، صحّ الشرط، وبطل الوقف وصار حبساً يعود إليه مع الحاجة ويورث.(1) والفرق بين القول الثالث والأوّل قليل. فعلى الأوّل يصحّ شرطاً ووقفاً، وعلى الثالث يصحّ شرطاً لا وقفاً بل حبساً. وإلاّ فلو مات بلا طروء الحاجة بقي وقفاً على الأوّل وحبساً على الثاني.

القول الأوّل: صحّة الوقف والشرط

ويمكن أن يحتجّ على القول الأوّل ـ أي كونه وقفاً صحيحاً ـ بأنّ المورد أشبه بالوقف المنقطع الآخر، فإنّ مرجع قوله:«عوده إليه عند حاجته» إلى قوله: «وقفت مادمتُ غنياً» فهو وقف إلى غاية محتملة الحصول، فإذا احتاج انتهى حدّ الوقف، وقد عرفت عدم الدليل على التأبيد في صحّة الوقف، ولذلك لا مانع من قوله: وقفت على أولادي ما داموا عدولاً أو إلى أن يفسقوا، أو ما داموا فقراء، فلو تغيّرت أوصافهم ينتهي حد الوقف عليهم، فلا فرق بين جعل الغاية وصفاً من أوصاف الموقوف عليه كما في هذه الأمثلة، أو وصفاً من أوصاف الواقف كما في المقام.(2)
والحاصل: أنّ الواقف يجعل للوقف حدّاً في جانب من الجوانب، تارة في جانب الواقف، وأُخرى في جانب الموقوف عليه.
إلى هنا تمّ ما يدلّ على القول الأوّل من صحّة الشرط والوقف على غرار الوقف المنقطع الآخر.   

1 . شرائع الإسلام:2/217.
2 . لاحظ: جواهر الكلام: 28 / 73 ; ملحقات العروة الوثقى: 350.

صفحه 71

القول الثاني: بطلان الشرط والوقف

استدلّ على بطلان الشرط والوقف وكون الموقوف باقياً على ملك المالك بوجوه غير ناهضة:
1. أنّ الشرط المذكور مناف لمقتضى الوقف الذي هو البقاء أبداً.
يلاحظ عليه: أنّ التأبيد مدلول أحد الأمرين، وليس مقوّماً للوقف،وهما:
أ. التقييد به.
ب. الإطلاق.
ومع وجود الشرط ينتفي الإطلاق، والمفروض عدم التقييد.
2. أنّه يوجب التعليق، فإنّه حينئذ علّقه على عدم الحاجة.
يلاحظ عليه: أنّه لم يعلّق أصل الوقف على الشرط وإنّما علّق بقاءه على الشرط، أي كونه غير محتاج; مضافاً إلى ما يأتي من جواز التعليق.
3. أنّه مناف لما دلّ على عدم جواز الرجوع في الصدقة، ففي الحديث:«إذا جعلها لله فهي للمساكين وابن السبيل، فليس له أن يرجع فيها».(1)
يلاحظ عليه: أنّ الرجوع إنّما يصدق إذا وقف أبداً أو على وجه الإطلاق، وأمّا إذا كان الوقف محدّداً من أوّل الأمر فلا يصدق عليه   

1 . الوسائل:13، الباب5 من أبواب كتاب الهبات، الحديث5.

صفحه 72
الرجوع. على أنّ مرجع هذه الروايات هو الصدقة بالمعنى الأخصّ.
4. أنّه يرجع إلى شرط الخيار، ولا يجري في الوقف خيار الشرط.
يلاحظ عليه: أنّ المورد جعل الوقف محدّداً من أوّل الأمر، لا جعله مطلقاً راجعاً إليه بشرط الفسخ، والمورد من قبيل: ضيّق فم الركية.
5. ما رواه إسماعيل بن الفضل، قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن الرجل يتصدّق ببعض ماله في حياته في كلّ وجه من وجوه الخير، قال: إن احتجت إلى شيء من المال فأنا أحقّ به،ترى ذلك له وقد جعله لله يكون له في حياته، فإذا هلك الرجل يرجع ميراثاً أو يمضي صدقة؟ قال: «يرجع ميراثاً على أهله».(1)
ورواه الشيخ في «التهذيب» عنه، بعبارة أُخرى:«مَن أوقف أرضاً ثمّ قال:إن احتجت إليها فأنا أحقّ بها ثم مات الرجل فإنّها ترجع إلى الميراث».(2) والفرق بين الخبرين: أنّ الأوّل جاء الجواب بعد السؤال، وأمّا الثاني فقد جاء الجواب من غير سبق سؤال.
وجه الاستدلال: أنّ حكمه بالرجوع إلى الميراث بعد السؤال عن صحّة هذا الشرط وعدمها، وعن رجوعه ميراثاً وعدمه إذا شرط هذا الشرط كما في الخبر الأوّل وبالرجوع إليه بقول مطلق من غير سبق سؤال كما في الخبر الثاني، ظاهر في بطلان الوقف من الأصل وأنّه لم يخرج عن   

1 . الوسائل:13، الباب3 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث3.
2 . تهذيب الأحكام:9/150، برقم 612.

صفحه 73
ملكه، فإذا مات يرجع إلى الوارث.
يلاحظ عليه: أنّ قوله: «يرجع ميراثاً إلى أهله» ليس ظاهراً في بطلان الوقف من أصله، بل هو ظاهر في أنّ الوقف صحيح مادام الواقف غنياً، فإذا احتاج ينتهي أمد الوقف ويرجع إلى أهله ميراثاً. ومفروض الراوي أنّه احتاج في حال حياته فحكم الإمام بأنّه يرجع ميراثاً، وإلى ما ذكرنا يشير صاحب الجواهر بقوله: بمعنى أنّ الشرط صحيح وإذا حصلت الحاجة إليه رجع المال إليه، وبعد رجوعه لا يعود إلى الوقف بل هو ميراث.(1)
ويؤيده التعبير بالرجوع فإنّه ظاهر في أنّه قبل ذلك كان وقفاً، وإلاّ فعلى القول بالبطلان يكون باطلاً من أوّل الأمر غير خارج عن ملكه حتى يرجع إليه عند الحاجة، فالخبران إمّا ظاهران فيما ذكرنا أو مجملان لا يحتجّ بهما.
وربّما يستأنس بما استظهرنا من الخبرين من صحّة الوقف مادام غنيّاً ورجوعه إليه إذا احتاج، بما في صدقة أمير المؤمنين(عليه السلام) حيث قال: «وإنّه يقوم على ذلك الحسن بن علي يأكل منه بالمعروف وينفقه حيث يريد الله تعالى في حلّ محلّل لا حرج عليه فيه; فإن أراد أن يبيع نصيباً من المال فيقضي به الدين فليفعل إن شاء لا حرج عليه فيه، وإن شاء جعله شروى الملك».(2)
يلاحظ عليه: بأنّ الظاهر بيع نصيب من الثمرة، فيقضي به الدين،   

1 . جواهر الكلام:28/73.
2 . الوسائل:13، الباب10 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث3. قوله: «شروى» بمعنى مثل.

صفحه 74
وهو غير ما نحن فيه، وحمله على بيع نصيب من الموقوف لا خصوص الثمرة، بعيد.
إلى هنا تمّ بيان القولين: الصحّة مطلقاً والبطلان كذلك، وهناك قول ثالث نُشير إليه.

القول الثالث: رجوع الوقف حبساً

وهذا هو الظاهر من المحقّق في المقام حيث قال: صحّ الشرط وبطل الوقف وصار حبساً يعود إليه مع الحاجة ويورث.(1)
وليس لهذا القول دليل صالح سوى اعتبار الدوام في الوقف، وقد عرفت عدم صحّته وأنّ الدوام لازم صورتين: التقييد بالتأبيد أو الإطلاق.

القول الرابع: رجوعه ميراثاً

ما يظهر من المحقّق القمّي في أجوبة مسائله بعد اختيار كونه حبساً أنّه يرجع بالموت إلى الورثة، وإن لم تتحقّق الحاجة.(2)
اشتراط التنجيز في العقود في صحّة الوقف   
يلاحظ عليه: كيف يرجع ميراثاً مطلقاً مع عدم الحاجة مع أنّه قيّد الرجوع ميراثاً بطروء الحاجة؟ وإلى ما ذكرنا يشير المصنّف بقوله:«وإذا مات الواقف فإن كان بعد طروء الحاجة كان ميراثاً وإلاّ بقي على وقفيته» بناء على صحّة الشرط والوقف، وأمّا على القول بصحّة الشرط وكونه حبساً، فإن مات قبل طروء الحاجة يرجع ميراثاً، وإلاّ يبقى حبساً.

1 . شرائع الإسلام:2/217.
2 . جامع الشتات:1/329.

صفحه 75
المسألة 22: يشترط في صحّة الوقف التنجيز على الأحوط، فلو علّقه على شرط متوقّع الحصول ـ كمجيء زيد ـ أو على غير حاصل يقيني الحصول فيما بعد، كما إذا قال:«وقفت إذا جاء رأس الشهر» بطل على الأحوط. نعم، لا بأس بالتعليق على شيء حاصل سواء علم بحصوله أم لا، كما إذا قال:«وقفت إن كان اليوم جمعة» وكان كذلك.*

* اشتراط التنجيز في العقود في صحّة الوقف

اشتراط التنجيز في العقود لا يختصّ بباب الوقف، بل القائلون به يقولون باشتراطه في عامّة العقود، ولذلك أخذ الموضوع دراسة موسّعة في كتابي البيع والإجارة.
قال المحقّق في شرائط الوقف: وهي أربعة: الدوام، والتنجيز...، فلو قرنه بمدّة بطل، وكذا لو علّقه بصفة متوقّعة.(1)
وفي «الجواهر» في شرح قول المحقّق: قد سمعت غير مرّة اعتبار التنجيز في كلّ سبب شرعي إلاّ ما خرج(2)، وأنّه يبطل لو علّق شيئاً بصفة متوقّعة الحصول فيما يأتي، بل أو متيقّنة، بلا خلاف ولا إشكال(3).
وحاصل كلامه التفصيل بين الشرط غير الحاصل فيبطل سواء كان متيقّن الحصول في المستقبل أو لا، والشرط الحاصل فيصحّ; وعليه المصنّف، ولذلك قال: نعم لا بأس بالتعليق على شيء حاصل سواء   

1 . شرائع الإسلام:2/216.
2 . لعلّه يريد ما كان داخلاً في مفهوم العقد أو صحّته كما سيأتي.
3 . جواهر الكلام:28/54.

صفحه 76
علم بحصوله أم لا، كما إذا قال: «وقفت إن كان اليوم جمعة» وكان كذلك.
أقول: إنّ الشرط المعلّق عليه على أصناف:
1. أن يكون دخيلاً في مفهوم العقد، كما إذا قال: إن كانت هذه زوجتي فهي طالق.
أدلّة القائلين ببطلان العقد المعلّق   
2. ما يكون الشرط دخيلاً في صحّة العقد، كما إذا قال البائع: إن كان هذا ملكي فقد بعته لك بكذا.
3. ما إذا لم يكن الشرط دخيلاً لا في مفهوم العقد ولا في صحّته، وهذا هو المبحوث عنه في المقام، وأمّا الصورتان الماضيتان فهما خارجتان عن محطّ البحث; لأنّ القيد سواء أنطق به أم لا مأخوذ في ماهيّة العقد أو صحّته، فلو تكلّم فقد تكلّم بشيء مأخوذ في العقد أو لازم صحّته، والشاهد على خروج القسمين الأوّلين أنّهم اتّفقوا على صحّة التعليق في الصور التالية:
1. في الوصية التمليكية، كما لو قال: هذا لفلان إن متّ.
2. في التدبير، كما إذا قال: أنت حُرٌّ إن متّ.
3. في السبق، كما إذا قال: هذه الجائزة لك إن كنت سابقاً، أو يخاطب الجماعة (الفريق الرياضي) ويقول: هذه الجائزة لكم إن فزتم على الفريق الآخر في المباراة.
4. الجعالة، كما إذا قال: مَن وجد ضالتي فله كذا.   

صفحه 77
إلى غير ذلك من الموارد.
والعجب أنّهم اتّفقواعلى صحّة التوكيل إذا قال: أنت وكيلي ولكن لا تبع مالي إلاّ يوم الجمعة، ولكن اختلفوا إذا قال: أنت وكيلي في أن تبيع ما لي يوم الجمعة، مع أنّ الاختلاف بينهما في اللفظ دون المعنى، ومن البعيد أن تكون إحدى الصيغتين نافذة دون الأُخرى عند الشرع.
إنّما الكلام في القسم الثالث، أي ما لا يكون داخلاً في مفهوم العقد أو صحّته، وهي على أقسام أربعة، وذلك لأنّ المعلّق عليه إمّا حالي أو استقبالي، وكلّ منهما إمّا معلوم التحقّق أو مجهوله. والاستقبالي موجب للبطلان مطلقاً، وأمّا الحالي فيصحّ إذا كان حاصلاً سواء علم العاقد بحصوله أم لا.

أدلّة القائلين ببطلان العقد المعلّق

الأول: الإجماع على البطلان

اُستدلّ على لزوم التنجيز في العقد وبطلان التعليق بالإجماع. قال الشيخ في «الخلاف»: إن قدم الحاج أو جاء رأس الشهر فقد وكلتك، فإنّ ذلك لا يصحّ. وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة يصحّ. دليلنا: أنّه لا دليل على صحّة هذا العقد، وعقد الوكالة يحتاج إلى دليل.(1)
وقد حكى العاملي لزوم التنجيز عن الكتب التالية:   

1 . الخلاف:3/355، كتاب الوكالة، المسألة:23.

صفحه 78
الخلاف والمبسوط والسرائر والشرائع والنافع والتحرير والإرشاد واللمعة والتنقيح وجامع المقاصد والمسالك والروضة.(1) نعم سكت قوم عن هذا الشرط، كما ستأتي الإشارة إليه.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّه لو كان في المسألة إجماع لاستند إليه الشيخ في «الخلاف» في مسألة التوكيل حيث إنّه يستدلّ في أكثر المسائل به، ولكنّه في هذه المسألة (الوكالة) اقتصر بقوله:لا دليل على صحّة هذا العقد.
وثانياً: أنّه لو كان التنجيز شرطاً في الصحّة، والتعليق مبطلاً لها; لأشار إليه: المفيد في المقنعة، والطوسي في النهاية، وابن الصلاح في الكافي، والديلمي في المراسم، وابن حمزة في الوسيلة، والراوندي في فقه القرآن، وابن سعيد في الجامع.(2)
وثالثاً: لو افترضنا وجود الإجماع فالإجماع مدركي اعتمده القائلون بشرطية التنجيز بالأدلّة العقلية التي نتلوها عليك، ومثله لا يكشف عن وجود نصّ وصل إليهم ولم يصل إلينا...
ولذلك يقول صاحب الحدائق: لم أقف عليه في جملة من كتب المتقدّمين، منها: كتاب النهاية للشيخ والمبسوط، وكتاب السرائر لابن إدريس، وكذا المقنعة للشيخ المفيد.(3)   

1 . مفتاح الكرامة:7/526.
2 . مفتاح الكرامة:7/526.
3 . الحدائق الناضرة:22/142.

صفحه 79

الدليل الثاني: العقد المعلّق يستلزم التعليق في الإنشاء

ما اعتمد عليه المتأخّرون باستلزامه التعليقَ في الإنشاء، نقله الشيخ الأنصاري في المتاجر بقوله: وربّما يتوهّم أنّ الوجه في اعتبار التنجيز هو عدم قابلية الإنشاء للتعليق.(1)
يلاحظ عليه: أنّه خلط بين تعليق الإنشاء وتعليق المنشأ، فإذا قال: بعتك هذا المال إن جاء زيد غداً، فالشرط لا يرجع إلى الإنشاء بل إلى المنشأ.
أمّا الإنشاء بمعنى استعمال اللفظ في معناه فهو يدور بين أمرين: الوجود والعدم، إذ أنّه إمّا أنشأ أو لم ينشئ، ولا يتصوّر أن يقال: أنشأ على وجه ولم يُنشئ على وجه. وهذا نظير قولنا: استعمل على وجه ولم يستعمل على وجه.
وأمّا المنشأ فهو الملكية فلا مانع من تصويرها على وجهين: فتارة يكون المنشأ ملكية مطلقة كما إذا قال: هذا لك، وأُخرى يقول: هذا لك إذا جاء ابني يوم الجمعة، فما لم يتحقّق الشرط فالملكية تقديرية لا تحقيقية، وللملكية التقديرية واقعية في حدّ نفسها، ولذلك يستغني البائع عن الإنشاء الجديد إذا حصل الشرط.
وأمّا المقام فالمنشأ الوقفية حين المجيء، فالإنشاء فعلي والمنشأ مقيّد، وعلى هذا لا يجوز للواقف التصرّف في الموقوف لو علم   

1 . كتاب المكاسب:3/170.

صفحه 80
بمجيئه; لأنّه أنشأ وقفيته في ذلك الوقت الذي يتحقّق فيه الشرط.
فإن قلت: إنّ الملكية المنشأة، من مراتب الوجود، وهي إمّا موجودة أو معدومة، وليست بينهما أية واسطة، والقول بأنّها موجودة على تقدير التعليق، ومعدومة على تقدير التنجيز، أشبه بالقول بالواسطة بين الوجود والعدم.
قلت: ماذكرته صحيح في عالم التكوين، فالأشياء فيها بين ما هي موجودة أو معدومة، وأمّا عالم الاعتبار، فالأمر فيه سهل، فلا مانع من اعتبار الملكية على وجهين: ملكية فعلية منجّزة غير متوقّفة على شيء، وملكية منشأة معلّقة على تحقّق شيء في مقابل ما ليست كذلك، كما إذا لم يكن هناك أي إنشاء بالنسبة إليها.
فإن قلت: ما هو الأثر لهذه الملكية ـ بعد عدم ترتّب لها ـ قبل تحقّق المعلّق عليه.
قلت: أمّا أثر هذا الإنشاء، فعدم الحاجة إلى الإنشاء الجديد عند حصول المعلّق عليه.
بقي الكلام في التفصيل بين الشرط الحاصل وغيره كما مرّ القول به عن صاحب الجواهر وعليه أيضاً المتن، فلعلّ وجهه أنّه ليس تعليقاً في الحقيقة، بل صورة تعليق، لافتراض أنّه موجود متحقّق، لكن المتن عمّم الصحّة بالتعليق على شيء حاصل] في الواقع[ سواء علم بحصوله أم لا، مع أنّه في الفرض الثاني (عدم العلم بالحصول) تعليق في الإرادة   

صفحه 81
الجدّيّة للواقف لعدم علمه، وإن لم يكن تعليقاً في الواقع.

الدليل الثالث: منافاة التعليق الجزم حال الإنشاء

اعتمد العلاّمة في «التذكرة» على هذا الدليل وقال: الخامس من الشروط:(الجزم); فلو علّق العقد على شرط، لم يصحّ، وإن كان الشرط المشيئة (إن شاء الله) للجهل بثبوتها حال العقد وبقائها مدته.(1)
يلاحظ عليه: أنّ الدليل أخصّ من المدّعى، فإنّما يتم فيما إذا كان الشرط مجهول الحصول لا محقّقه كما في بعض الأقسام.
أضف إلى ذلك: أنّه لم يُذكر لهذا الشرط دليلٌ، إذ ليس هناك دليل قاطع على لزوم الجزم في العقود، بل يكفي في صحّة العقود كونها أمراً متعارفاً، وهو كذلك كما إذا شكّ في زوجية امرأة، فلا محيص من الطلاق بالتعليق ويقول: إن كنت زوجتي فأنت طالق.
ثمّ إنّ المنع عن التعليق بوجه مطلق ينافي المصلحة الاجتماعية، لأنّ كثيراً من الناس يعقدون الوكالة لشخص ولكن لا يريدون أن يكون مطلق العنان في الوكالة، بل يقيّدون الوكالة بقيد أو شرط.

الدليل الرابع: عدم ترتّب الأثر حال العقد

ما ذكره صاحب الجواهر وهو أنّ ظاهر أدلّة سببية العقد هو ترتّب مسببه عليه حال وقوعه، فتعليق أثره بشرط من المتعاقدين دون   

1 . تذكرة الفقهاء:10/9 ـ10، كتاب البيع.

صفحه 82
المسألة 23: لو قال: «هو وقف بعد موتي» فإن فهم منه أنّه وصيّة بالوقف صحّ، وإلاّ بطل.*
لو قال: هو وقف بعد موتي   
الشارع معارض لذلك، بل هو شبه إثبات حكم شرعي من غير
أهله.(1)
وأجاب عنه الشيخ بقوله: إنّ العقد سبب لوقوع مدلوله فيجب الوفاء به على طبق مدلوله، فليس مفاد (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) إلاّ مفاد:(وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ)(2)، في أنّ العقد كالعهد إذا وقع على وجه التعليق، فترقّب تحقّق المعلّق عليه في تحقّق المعلّق لا يوجب عدم الوفاء بالعهد.(3)
توضيحه: أنّ الأثر الشرعي يترتّب على كيفية المنشأ، فإن كان المنشأ ملكية فعلية فالأثر ـ أعني: جواز التصرّف ـ يترتّب عليه بالفعل، وإن كان المنشأ هو الملكية المعلّقة فيترتّب عليه الأثر الشرعي على وجه التعليق، أي إذا وجد المعلّق عليه يصحّ للمشتري التصرّف فيه.

* لو قال هو وقف بعد موتي

لو قال:«هو وقف بعد موتي» فيه احتمالان:
1. أنّه وقف، لا وصية بالوقف، فلو قلنا بشرطية التنجيز في الوقف يكون باطلاً، وقد عرفت ما هو الحقّ، وأنّ الوقف المعلّق كالمنجّز في الصحّة.   

1 . جواهر الكلام:22/253.
2 . الإسراء:34.
3 . كتاب المكاسب:3/171.

صفحه 83
فإن قلت: العقد باطل في المورد وإن قلنا بصحّة الوقف المعلّق; وذلك لأنّه لا وقف إلاّ في ملك، وهو غير مالك بعد الموت.(1)
قلنا: إنّه يكفي في صحّة الوقف كونه مالكاً حين العقد وإن كان غير مالك حين ترتّب الأثر، وقد تقدّم أنّ الأثر يترتّب على العقد المعلّق حين تحقّق المعلّق عليه، من دون حاجة إلى الإنشاء الجديد.
2. إذا فهم منه في متفاهم العرف أنّه وصية بالوقف، صحّ فيجب على الورثة وقفه إن كان بمقدار الثلث، أو أزيد بشرط رضاهم بالزيادة.
وبما أنّ قوله:«وقف بعد وفاتي» ظاهر في شرط النتيجة، قلنا: لو كان من مقولة الوصية، لا فرق بين كونه من قبيل شرط الفعل، أي ما يقوم الوصي بوقفه عقداً أو معاطاة، أو شرط النتيجة بأن يصير بعد الموت وقفاً بلا سبب يجريه الوصي.
أمّا على الأوّل: فيجب على الوارث أو الوصي القيام بالفعل بجعله وقفاً بالعقد أو بالمعاطاة.
وأمّا على الثاني: فالإيصاء بالنتيجة أي كون الموقوف موقوفاً بلا سبب وإن كان باطلاً، لكن إيصاءه بالنتيجة من قبيل الخطأ في التطبيق، إذ الموصي يريد أمراً مشروعاً حتى يثاب بعد موته ويتصوّر أنّه يحصل بالإيصاء بالنتيجة، فلو أوقفه أحد على الواقع وأنّ الإيصاء بالنتيجة باطل، لعدل عن الإيصاء بالنتيجة إلى الإيصاء بالفعل.

1 . طرح السؤال أحد حضّار البحث.

صفحه 84
الوقف على النفس   
المسألة 24: من شرائط صحّة الوقف إخراج نفسه عنه، فلو وقف على نفسه لم يصحّ، ولو وقف على نفسه وغيره فإن كان بنحو التشريك بطل بالنسبة إلى نفسه دون غيره، وإن كان بنحو الترتيب فإن وقف على نفسه ثمّ على غيره فمن منقطع الأوّل، وإن كان بالعكس فمنقطع الآخر، وإن كان على غيره ثمّ نفسه ثمّ غيره فمنقطع الوسط، وقد مرّ حكم الصور.*

* الوقف على النفس

المعروف بطلان الوقف على النفس، قال المحقّق: ولو وقف على نفسه لم يصحّ.(1)
وقال ابن إدريس في «السرائر»: ومنها أن يكون الموقوف عليه غير الواقف، فلو وقف على نفسه لم يصحّ.(2)
وقال العلاّمة في «التذكرة»: لا يصحّ أن يقف الشخص على نفسه، ولو وقف على نفسه ثمّ على الفقراء والمساكين لم يصحّ وقفه على نفسه عند علمائنا. وهو أصحّ قولي الشافعي، وبه قال مالك، ومحمد بن الحسن.
ثمّ استدلّ بوجهين:
1. أنّ الوقف إزالة الملك فلم يجز اشتراط نفعه لنفسه كالبيع والهبة.   

1 . شرائع الإسلام:2/217.
2 . السرائر:3/155.

صفحه 85
2. أنّ الوقف تمليك من الواقف وإدخال ملك على الموقوف عليه والملك هنا متحقّق ثابت لا يُعقل إدخاله وتجديده مع ثبوته لعدم قبوله للشدّة والضعف وعدم تعقّل زواله قبله عنه.(1)
يلاحظ على كلا الوجهين من أنّ «الوقف إزالة للملك»أو أنّ «الوقف تمليك من الواقف، وإدخال ملك على الموقوف عليه»، بما عرفت من أنّ حقيقة الوقف، إيقاف الملك للموقوف عليه لأن ينتفع به، لا إزالة الملك كما في الوجه الأوّل، ولا تمليكه للموقوف عليه.
نعم ربّما يلازم الزوال إذا كان الوقف على وجه التأبيد، فعندئذ يزول الملك من الواقف وتملكه العناوين الكلّية كالفقراء.
وربّما يستدلّ على المنع بروايتين:
1. خبر طلحة بن زيد عن أبي عبد الله(عليه السلام) عن أبيه(عليه السلام): أنّ رجلاً تصدّق بدار له وهو ساكن فيها، فقال(عليه السلام):«الحين أخرج منها».(2)
يلاحظ عليه: أنّ الأمر بالإخراج لعلّه لأجل أنّه وقفها على الغير ولم يدخل نفسه في الوقف، والكلام فيما لو أدخل نفسه فيها.
2. ما رواه علي بن سليمان بن رشيد قال: كتبت إليه (يعني أبا الحسن(عليه السلام)): جعلت فداك ليس لي ولد، ولي ضياع ورثتها عن أبي،   

1 . تذكرة الفقهاء:20/126، المسألة 62.
2 . الوسائل:13، الباب3 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث4. والظاهر أنّ قوله:«أخرج» صيغة أمر.

صفحه 86
وبعضها استفدتها ولا آمن الحدثان فإن لم يكن لي ولد وحدث بي حدث فما ترى جعلت فداك، لي أن أقف بعضها على فقراء إخواني والمستضعفين، أو أبيعها وأتصدّق بثمنها عليهم في حياتي؟ فإنّي أتخوّف أن لا ينفذ الوقف بعد موتي، فإن وقفتها في حياتي فلي أن آكل منها أيام حياتي أم لا؟ فكتب(عليه السلام):«فهمت كتابك في أمر ضياعك فليس لك أن تأكل منها من الصدقة، فإن أنت أكلت منها لم تنفذ، إن كان لك ورثة، فبع وتصدّق ببعض ثمنها في حياتك، وإن تصدّقت أمسكت لنفسك ما يقوتك مثل ما صنع أمير المؤمنين(عليه السلام)».(1)
يلاحظ عليه: أنّ المنع عن الأكل لأجل أنّه لم يدخل نفسه في الوقف، ولا ينطبق عليه عنوان الموقوف عليه، فلا يدلّ على عدم الصحّة إذا أضاف نفسه إليهم.
إلى هنا تبيّن أنّه ليس هنا دليل صالح لبطلان الوقف على نفسه، وبما أنّك عرفت أنّ الإجماع أشبه بالإجماع المدركي، فالأولى أن يستدلّ بما في ارتكاز العقلاء، فإنّ الواقف يقطع صلته بالموقوف، خدمة للموقوف عليهم، وجعل الوقف كلّه لنفسه أو شيئاً منه لنفسه لا ينسجم مع ما عليه ارتكاز العقلاء، غير أنّ القدر المتيقّن من الوقف على النفس هو الوقف عليها تماماً، أو مع تشريك الغير، وأمّا الوقف على العناوين الكلّية كالعلماء والواقف منهم أو صار منهم فانتفاعه من الوقف لا يعدّ وقفاً على النفس لانصراف الدليل لو كان، وعدم شمول الإجماع له كما سيوافيك.   

1 . الوسائل:13، الباب3 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث1.

صفحه 87
وإن شئت قلت: الوقف على النفس في متبادر العرف ما كان الوقف عليها أمراً بيّناً واضحاً، بحيث يتعجّب منه على نحو صار مظهراً للمثل الدائر: يُخرج من الجيب الأيمن ويدخله في الأيسر.
وأمّا إن لم يكن أمراً بيّناً وإنّما وقف على عناوين كلّية لها مئات المصاديق، وهو ممّن ينطبق عليه العنوان، فهذا ممّا لا يطلق عليه أنّه وقف على النفس.
***
ثمّ إنّ العلاّمة نقل في «التذكرة»: عن أنّ صحّة الوقف والشرط قول ثان للشافعي، وبه قال أحمد وابن أبي ليلى وابن شبرمة وأبو يوسف وأبو عبد الله الزبيري، مستدلّين بوجهين:
1. قد يقصد إنسان حبسه ومنع نفسه من التصرّف المزيل للملك.(فلا يشمل التصرّف غيرالمزيل كالانتفاع من الثمرة).
يلاحظ عليه: بأنّه خلف الفرض، فإنّ محور البحث هو الوقف لا الحبس. وما ذكره حبس العين من البيع فقط.
2. أنّ استحقاق الشيء وقفاً غير ا ستحقاقه ملكاً. وكأنّه جواب عن استدلال القائل بالبطلان بأنّ الوقف تمليك والواقف مالك فكيف يدخل في ملكه إن هو إلاّ تحصيل للحاصل؟ فأجاب: بأنّ استحقاقه الأوّل قد زال وإنّما يستحقّ بعنوان آخر، أعني: الوقف.(1)
أقول: هذا الدليل لا بأس به لولا أنّه على خلاف الارتكاز. إذ يعدّ   

1 . تذكرة الفقهاء:20/126.

صفحه 88
الوقف على النفس لدى العقلاء أمراً غير وجيه، إذ الغاية من الوقف هو تسبيل المنفعة، والوقف على النفس تخصيص لها.
إلى هنا خرجنا ببطلان الوقف على النفس لكونه مخالفاً لما عليه ارتكاز العقلاء.
ثمّ إنّ المصنّف رتّب على المنع فروعاً:
1. لو وقف على نفسه وغيره بنحو التشريك بطل بالنسبة إلى نفسه دون غيره، لانحلال الوقف بالنسبة إلى الموردين، فيكون نصفه موقوفاً لا تمامه. وقد مرّ نظير ذلك فيما سبق.
ويمكن القول بصحّة الوقف تماماً إذا كان إدخال نفسه من باب بيان المصرف لا كونه موقوفاً عليه، فإذا امتنع التوزيع في جانب(نفسه)، ينحصر توزيع الموقوف في الجانب الآخر كما أفاده السيد في ملحقاته.(1)
إذ على هذا يكون الموقوف عليه مَن يصحّ الوقف عليه، وهو ليس إلاّ الفقراء، وعطف نفسه عليه كان من باب الخطأ في التطبيق.
2. لو وقف على نفسه وغيره بنحو الترتيب، بطل في الأوّل دون الثاني، ويكون من قبيل الوقف منقطع الأوّل.
لو وقف على غيره وشرط على الموقوف عليه أن يقضي ديونه   
3. وإن عكس بأن وقف على غيره وعلى نفسه، صحّ في الأوّل وبطل في الثاني، ويكون كالوقف منقطع الآخر.
4. وإن وقف على غيره ثم نفسه ثم غيره، صحّ في الأوّل والآخر   

1 . ملحقات العروة الوثقى:2/198.

صفحه 89
المسألة 25: لو وقف على غيره ـ كأولاده أو الفقراء مثلاً ـ وشرط أن يقضي ديونه، أو يؤدّي ما عليه من الحقوق المالية، كالزكاة والخمس، أو ينفق عليه من غلّة الوقف، لم يصحّ، وبطل الوقف من غير فرق بين ما لو أطلق الدين أو عيّن، وكذا بين أن يكون الشرط الإنفاق عليه وإدرار مؤونته إلى آخر عمره، أو إلى مدّة معيّنة، وكذا بين تعيين المؤونة وعدمه.
هذا كلّه إن رجع الشرط إلى الوقف لنفسه.
وأمّا إن رجع إلى الشرط على الموقوف عليهم بأن يؤدّوا ما عليه أو ينفقوا عليه من منافع الوقف التي صارت ملكاً لهم، فالأقوى صحّته، كما أنّ الأقوى صحّة استثناء مقدار ما عليه]من الديون[ من منافع الوقف.*
دون الوسط، فيكون منقطع الوسط، كلّ ذلك لأجل انحلال الوقف حسب تعدّد الموقوف عليهم، فلا يكون بطلانه في مورد سبباً لبطلانه في المورد الآخر.
* في المسألة فروع تترتّب على القول ببطلان الوقف على النفس:
الأوّل: لو وقف على غيره كأولاده أو الفقراء وشرط أن يقضي الموقوف عليه ديونه من غلّة الوقف أو ينفق عليه بحيث يرجع إلى الوقف على النفس مشاركاً مع الغير، لم يصحّ وبطل الوقف، من غير فرق بين ما لو أطلق الدين أو عيّن، ومن غير فرق بين الإنفاق عليه إلى آخر عمره أو إلى مدّة معيّنة، ومن غير فرق بين تعيين المؤونة وعدمه; لأنّ الجميع من   

صفحه 90
مصاديق الوقف على النفس، لأنّه يشترط على الموقوف عليه أن ينفق عليه من الثمرة الموقوفة ويشترط تملّكها.
الفرع الثاني: أن يشترط عليهم أداء الديون أو الإنفاق من غلّة الوقف بعدما ملكوا، فقد استقوى المصنّف صحّته، لأنّه ليس من قبيل الوقف على النفس وإنّما هو اشتراط على الموقوف عليه بأن يردّوا شيئاً بعدما تملّكوا، وصار ملكاً شخصياً لهم. وعليه أيضاً أُستاذنا السيد الحجّة الكوهكمري(قدس سره)في تعليقته على الوسيلة حيث قال: «بل ولو منافع الوقف على وجه وجيه». وأراد من الوجه الأداء بعد تملّكهم.
الفرق بين الصورتين واضح ففي الأُولى يكون مقدار الديون من المنافع ملكاً للواقف ويكون وقفاً على النفس، بخلاف الثانية فالمنافع تكون تماماً للموقوف عليه، وهم ينفقون على الواقف من ممتلكاتهم مقدار ديونه; ومرجع الشرط في الصورة الأُولى إلى الشرط لنفسه، وفي الثانية إلى الشرط على الموقوف عليه. ومثل الصورة الثانية، الفرع التالي الذي لم يذكره المصنّف.
الفرع الثالث:أن يرجع الشرط على الموقوف عليه أيضاً بأداء ديونه أو الإنفاق عليه من سائر ما يتملكون. وهذا صحيح لأنّه شرط على الموقوف عليه، فله أن يقبل وله أن يرد الأصل والشرط. وهذا ما لم يذكره المصنّف في المتن.
لو اشترط أكلّ ضيوفه ومن يمر عليه من ثمرة الوقف   
الفرع الرابع: أنّ للواقف أن يستثني مقدار ما عليه، من الديون والنفقات من منافع الوقف بأن يقف تسعة أعشار ثمرة البستان إلاّ   

صفحه 91
ثمّ إنّ في صورة بطلان الشرط تختلف الصور، ففي بعضها يمكن أن يقال بالصحّة بالنسبة إلى ما يصحّ، كما لو شرّك نفسه مع غيره، وفي بعضها يصير من قبيل منقطع الأوّل، فيصحّ على الظاهر فيما بعده، لكن الاحتياط بإجراء الصيغة في مواردها لا ينبغي تركه.*
المسألة 26. لو شرط أكل أضيافه ومن يمرّ عليه من ثمرة الوقف جاز، وكذا لو شرط إدرار مؤونة أهله وعياله وإن كان ممّن يجب نفقته عليه حتّى الزوجة الدائمة إذا لم يكن بعنوان النفقة الواجبة عليه حتّى تسقط عنه، وإلاّ رجع إلى الوقف على النفس.**
العُشر، إذ ليس هذا وقفاً على النفس بل منعاً من دخول العشر في الوقف. وإلى هذا الفرع أشار المصنّف بقوله كما أنّ الأقوى صحّة استثناء ما عليه ]من الديون والنفقات [من منافع الوقف.
إلى هنا تمّ تبيين كلام المتن.
* إنّ المصنّف(قدس سره) ذيل هذه المسألة بمثل ماذيّل به المسألة السابقة، وما ذكره من الصور هناك يأتي هنا أيضاً، إذ تختلف الصور بجعل أداء ديونه في أوّل العقد أو وسطه أو آخره، ففي الأوّل يكون منقطعه، وفي الثانية منقطع الوسط، وفي الثالثة منقطع الآخِر.
** ذكر المصنّف في المسألة فروعاً ثلاثة:
1. لو شرط أكل أضيافه ومَن يمرّ عليه من ثمرة الوقف، جاز الشرط، إذ ليس وقفاً على النفس، وإنّما شرط على الموقوف عليه أن لا يزاحم    

صفحه 92
في وقف العين بعد الإجارة   
المسألة 27. لو آجر عيناً ثمّ وقفها صحّ الوقف، وبقيت الإجارة على حالها، وكان الوقف مسلوب المنفعة في مدّة الإجارة، فإن انفسخت بالفسخ أو الإقالة بعد تمامية الوقف، رجعت المنفعة إلى الواقف المؤجر، دون الموقوف عليهم.*
أكل أضيافه ومَن يمرّ عليه من ثمرات الموقوف عليه.
2. لو شرط عليهم إدرار مؤونة أهله وعياله، لا نيابة عنه، بل أوجب الإنفاق عليهم بمقدار مؤونتهم، ودون أن يسقط عن ذمّته مؤونتهم، فذمّته مشغولة بأداء نفقة الزوجة بعدئذ أيضاً، صحّ الشرط والوقف، إذ ليس وقفاً على النفس. وهذا ما أشار إليه بقوله:«إذا لم يكن بعنوان النفقة الواجبة عليه».
3. لو شرط إدرار مؤونة أهله وعياله نيابة عنه حتى تسقط نفقتهم عنه، بطل الشرط والوقف، لأنّه وقف على النفس. وهذا ما أشار إليه بقوله: «وإلاّ رجع إلى الوقف على نفسه».
4. إنّ للواقف استثناء شيء من منافع الوقف مقدار مؤونته مادام حيّاً، إذ يكون عندئذ خارجاً عن الوقف، فهو نظير ما لو وقف شاة واستثنى صوفها الموجود عليها حال إجراء الصيغة، أو ما لو وقف بستاناً واستثنى الثمر الموجود أو ثمرة سنة واحدة ونحو ذلك.
* في وقف العين بعد الإجارة
أمّا صحّة الإجارة قبل الوقف فواضحة; لأنّه يملك المنفعة   

صفحه 93
بملكية العين، وأمّا صحّة الوقف إذ لا يشترط وجود المنفعة عقيب العقد، بل يكفي وجودها ولو بعد حين، حتى لا يكون الوقف أمراً لغواً، فالالتزام بكلا العقدين جمع بين الحقّين.
ثمّ إنّ السيد الاصفهاني ذيّل المسألة بفرع آخر أشار إليه المصنّف بقوله: فإن انفسخت بالفسخ أو الإقالة بعد تمامية الوقف رجعت المنفعة إلى الواقف المؤجر. وذكره السيد الطباطبائي بصورة مسألة مستقلة وقال:«الأولى لمن أراد أن ينتفع بالوقف مادام حياً كلاًّ أو بعضاً، أن يؤجر العين التي يريد وقفها مدّة معيّنة كعشر سنين ويجعل لنفسه خيار الفسخ، ثمّ بعد إجراء صيغة الوقف والإقباض يفسخ الإجارة، فعندئذ ترجع المنافع إليه في تلك المدّة ويكون الوقف مسلوب المنفعة إلى تلك المدّة.(1)
وقد تركها المصنّف، لأنّه احتيال كما عبّر به السيد الاصفهاني حيث قال: «يمكنه الاحتيال» ومن المعلوم أنّ المؤجر إذا آجر بنية الفسخ يكون فاقداً للإرادة الجدّية لها فلا يترتّب على مثلها الأثر ولا يكون داخلاً تحت قوله سبحانه:(أوْفَوا بِالعُقُودِ).
والأولى ما ذكرناه في ذيل المسألة، 26، من استثناء مؤونته مادام حيّاً فلاحظ.

1 . ملحقات العروة الوثقى: 303.

صفحه 94
في انتفاع الواقف بالأوقاف العامّة   
المسألة28. لا إشكال في جواز انتفاع الواقف بالأوقاف على الجهات العامّة، كالمساجد والمدارس والقناطر والخانات المعدّة لنزول المسافرين ونحوها. وأمّا الوقف على العناوين العامّة ـ كفقراء المحلّ مثلاً ـ إذا كان الواقف داخلاً في العنوان حين الوقف، أو صار داخلاً فيه فيما بعد، فإن كان المراد التوزيع عليهم، فلا إشكال في عدم جواز أخذ حصّته من المنافع، بل يلزم أن يقصد من العنوان المذكور حين الوقف من عدا نفسه، ويقصد خروجه عنه، ومن ذلك ما لو وقف شيئاً على ذرّية أبيه أو جدّه إن كان المقصود البسط والتوزيع، كما هو الشائع المتعارف فيه. وإن كان المراد بيان المصرف ـ كما هو الغالب المتعارف في الوقف على الفقراء والزوّار والحجّاج ونحوهم ـ فلا إشكال في خروجه وعدم جواز الانتفاع به إذا قصد خروجه. وأمّا لو قصد الإطلاق والعموم بحيث يشمل نفسه فالأقوى جواز الانتفاع، والأحوط خلافه، بل يكفي في جوازه عدم قصد الخروج، وهو أولى به ممّن قصد الدخول.*
* قال العلاّمة في «التذكرة»: إذا وقف على الفقراء، وصار فقيراً كان له المشاركة لهم في النفع، أو وقف على الفقهاء وصار منهم، وهو أحد وجهي الشافعية، والوجه الثاني المنع; لأنّ مطلق الوقف ينصرف إلى غير الواقف، وأورد عليه بأنّ مطلق الوقف على الفقراء ينصرف إلى غير الغني، مع أنّ الغني حالة الوقف لا يدخل فيه، فإن افتقر دخل .(1)   

1 . تذكرة الفقهاء:20/128، المسألة 62.

صفحه 95
ولا يخفى أنّه خصّ المسألة بما إذا كان غير داخل في العنوان حال الوقف، ثم صار منهم، ولكن البحث في المتن أعمّ منه وما إذا كان داخلاً حين الوقف.
إنّ حكم هذه المسألة مبني على شرطية عدم الوقف على النفس، فيقع الكلام في انتفاع الواقف بالأوقاف على الجهات العامّة تارة، وانتفاعه بالأوقاف على العناوين.
أمّا الأوّل فقد أرسل المصنّف كغيره جواز انتفاع الواقف بالأوقاف على الجهات العامّة كالمساجد والمدارس والقناطر والخانات المعدّة لنزول المسافرين، وعلّله السيد الطباطبائي بأنّ الموقوف عليه هو الجهة فلا يصدق الوقف على نفسه.
يلاحظ عليه: بأنّه لا فرق بين هذا القسم والقسم الآخر، إذ الموقوف عليهم في المساجد، هم المؤمنون، وفي المدارس الدارسون، وهذا الوجه أولى من أن يقال بأنّ المساجد وقف للصلاة، والمدارس للدراسة، وهكذا. والأولى أن يعلل الجواز بانصراف ما دلّ على شرطية عدم الوقف على النفس عن مثل هذه الموارد فلا يصدق الوقف على النفس حتى ولو قصد دخوله لما عرفت من الانصراف.
أضف إلى ذلك من جريان السيرة على الانتفاع من غير فرق بين الواقف وغيره، بل يُعد منع الواقف عن الانتفاع أمراً منكراً، وقد مرّ منّا أنّه ليس لنا دليل في منع الوقف على النفس إلاّ الإجماع، وهو دليل لبّي يؤخذ بالقدر المتيقّن منه، والمقام ليس منه.   

صفحه 96
حكم الوقف على العناوين   
نعم لو قصد خروج نفسه أشكل جواز تصرّفه، لأنّه حينئذ كالمستثنى.

حكم الوقف على العناوين

هذا كلّه في الوقف على الجهات وأمّا الوقف على العناوين مثل الفقراء والفقهاء والطلاب وكان الواقف منهم أو صار داخلاً فيهم بعد ذلك.
فإن قلنا بانصراف ما دلّ على بطلان الوقف على النفس عن هذه الصور التي يكون العنوان أمراً كليّاً كالفقراء، فلا تحتاج إلى التفصيل الوارد في المتن، وإلاّ ففيه التفصيل الآتي.
الأوّل: إذا كان الوقف على وجه التوزيع بحيث يكون له قسط من المنافع فلا إشكال في عدم جواز أخذ حصّته من المنافع; لأنّه من مقولة الوقف على النفس، ومنه ما إذا وقف على ذرية أبيه أو جدّه وهو منهم. وقصد التوزيع عليهم وهو منهم أيضاً حتى أنّ المصنّف شدّد الأمر وألزم أن يقصد العنوان المذكور حين الوقف عدا نفسه ويقصد خروجه عنه، ولكن الظاهر كفاية عدم قصد دخوله فيه.
في وقف الصبي   
الثاني: الوقف بنحو بيان المصرف بلا حاجة إلى التوزيع، بل يكفي صرف غلة الموقوف في شخص واحد، فيكون نظير الأصناف الثمانية في الزكاة حيث يكفي صرفها في صنف واحد ولعلّ المصرف هو الغالب في الوقف فله صور:
1. إذا قصد خروجه منهم فلا شكّ في عدم جواز انتفاعه، لأنّه   

صفحه 97
المسألة29. يعتبر في الواقف: البلوغ والعقل والاختيار وعدم الحجر لفلس أو سفه، فلا يصحّ وقف الصبيّ وإن بلغ عشراً على الأقوى. نعم، حيث إنّ الأقوى صحّة وصيّة من بلغه ـ كما يأتي ـ فإن أوصى به صحّ وقف الوصيّ عنه.*
من قبيل تخصيص العنوان وتقيّده بغيرها.
2. أن يقصد الإطلاق والعموم بحيث يشمل لسان الصيغة للواقف أيضاً، ولم يقصد خروجه، فقد استقرب في المتن جواز الانتفاع وإن كان الأحوط خلافه .
أقول: للجواز وجه وجيه، لانصراف الوقف على النفس عمّا إذا كان الوقف على وجه الإطلاق والعموم.
3. إذا قصد الدخول فهو مثل الصورة الثانية للانصراف، لكن القول بالاحتياط فيه أولى ممّا تقدّم; لأنّ قصد دخوله أقرب إلى الوقف على النفس، بخلاف الصورة الثانية، لأنّه سكت عن دخوله وعدمه. وأمّا عبارة المصنّف فقوله:«وهو» أي عدم قصد الخروج «أولى به» أي إلى جواز الانتفاع ممّن قصد الدخول; لأنّ الأوّل أبعد من الوقف على النفس بخلاف الثاني

* في وقف الصبيّ

قال المحقّق: ويعتبر فيه: البلوغ، وكمال العقل، وجواز التصرّف.(1)   

1 . شرائع الإسلام:2/213.

صفحه 98
وأخرج بالبلوغ الصبي، وبكمال العقل السفيه، وبجواز التصرّف، المحجور عليه لفلس، أو كون العين مرهونة.
وفي الجواهر: أنّ القيد الأخير أعني جواز التصرّف مغن عن الأوّلين، والأمر سهل.(1)
والدليل على هذه الشرائط: أنّ الوقف تصرّف في الأموال، فلابدّ من وجود الشرائط الثلاثة، فالصبي لا يجوز له التصرّف في ماله كما أنّ السفيه والمفلس محجور من التصرّف، والعين المرهونة متعلّقة بحقّ الغير لا يجوز للراهن التصرّف فيها بالوقف; لأنّه يزاحم حقّ المرتهن.
إنّما الكلام في مورد آخر وهو وقف مَن بلغ عشراً، قال المحقّق: وفي وقف مَن بلغ عشراً تردّد، والمرويّ جواز صدقته(2)، والأولى المنع لتوقّف رفع الحجر على البلوغ والرشد.(2)
مقتضى القاعدة عدم جواز وقفه; لأنّه تصرّف مالي، والصبي ممنوع التصرّف، نعم ربّما يحتمل تجويز وقفه لما ورد في جواز صدقة الصبي.
1. روى زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام) قال:«إذا أتى على الغلام عشر سنين فإنّه يجوز في ماله ما أعتق أو تصدّق أو أوصى على حدّ معروف وحق، فهو جائز».(3)
2. ما رواه جميل بن دراج عن أحدهما(عليهما السلام):«يجوز طلاق الغلام   

1 . جواهر الكلام: 28/21.   2 . وقد ورد في صحيحة محمد بن مسلم، كما سيأتي.
2 . شرائع الإسلام:2/213.
3 . الوسائل:13، الباب15 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث1.

صفحه 99
إذا كان قد عقل، وصدقته ووصيته وإن لم يحتلم».(1)
3. ما رواه محمد بن مسلم عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: سُئل صدقة الغلام ما لم يحتلم، قال: «نعم إذا وضعها في موضع الصدقة».(2)
أقول: الذي يمكن الاعتماد عليه هو الحديث الثالث المختصّ بالصدقة، ولكن جواز صدقة الغلام التي تكون شيئاً طفيفاً لا يكون دليلاً على جواز الوقف بشيء فوق شأنه، ولذلك نرى أنّ المحقّق قال: الأولى المنع.
وأمّا سائر الروايات فلا يمكن الاعتماد عليها; لأنّها مخالفة للقواعد المسلّمة في الفقه.
يقول الشهيد الثاني: مثل هذه الأخبار الشاذّة المخالفة لأُصول المذهب ولإجماع المسلمين لا تصلح لتأسيس هذا الحكم.(3)
وفي «جامع المقاصد»: ومثل هذه الأخبار لا تتحقّق معارضاً للتواتر.(4) وذلك لأنّ الرواية الأُولى تتضمّن جواز عتقه، والثانية جواز طلاقه، فكيف يمكن الاعتماد عليهما؟!
بقي هنا شيء وهو أنّه تضافرت الأخبار على جواز وصية الصبي، وقد أفتى به المشهور، روى محمد بن مسلم قال:سمعت أبا عبدالله(عليه السلام)يقول:«إنّ الغلام إذا حضره الموت فأوصى ولم يدرك، جازت وصيته   

1 . الوسائل: 13، الباب15 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث2.
2 . الوسائل:13، الباب15 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث3.
3 . مسالك الأفهام: 5/323.   4 . جامع المقاصد: 9/26.

صفحه 100
في وقف الكافر   
المسألة30. لا يعتبر في الواقف أن يكون مسلماً، فيصحّ وقف الكافر فيما يصحّ من المسلم على الأقوى، وفيما يصحّ منه على مذهبه إقراراً له على مذهبه.*
لذوي الأرحام، ولم تجز للغرباء».(1)
وروى أبو بصير المرادي عن أبي عبد الله(عليه السلام) أنّه قال: «إذا بلغ الغلام عشر سنين فأوصى بثلث ماله في حقّ، جازت وصيّته».(2)
ولأجل ذلك أفتى المصنّف وغيره بأنّه إن أوصى به صحّ وقف الوصي عنه. ومن المعلوم أنّ مجرد الإيصاء لا يكفي في الوقف، بل على الوصي إجراء الصيغة. وسيوافيك الكلام في وصية الصبي في نهاية مبحث الحبس عند دراسة صدقة الصبي، فانتظر.
وبما ذكرنا ظهر أنّ ما يمكن أن يستدلّ به على جواز وقف الصبي أمران: أحدهما جواز صدقته، وقد عرفت عدم الملازمة; والآخر: جواز وصيته، ولا مانع منه.

* في وقف الكافر

إنّ وقف الكافر يتصوّر على صورتين:
1. أن تكون جهة الوقف أمراً مشروعاً كما إذا وقف على أولاده أو على الفقراء، أو على فقراء المسلمين، لما عرفت من أنّ الوقف أمر   

1 . الوسائل:13، الباب44 من أبواب كتاب الوصايا، الحديث1.
2 . الوسائل:13، الباب44 من أبواب كتاب الوصايا، الحديث2.

صفحه 101
عقلائي كان موجوداً في عصر الرسالة، والمفروض أنّ الإسلام أقرّهم على دينهم.
وما ربّما يقال من اعتبار القربة في الوقف فهو أمر لا دليل عليه، حتى أنّ كثيراً من المسلمين غافلون عن نية القربة في الوقف على الأولاد، وعلى فرض اعتباره يمكن حصوله، ممّن يعترف بالله تعالى، ولا يلزم حصول القرب بل يكفي قصده.
ويمكن الاستدلال بوجه آخر وهو: أنّ الكفّار محكومون بالفروع كما أنّهم محكومون بالأُصول، فإطلاقات الوقف تشملهم كما تشملهم سائر الإطلاقات.
وأمّا تصحيح وقفهم بقاعدة الإلزام، فبعيد لاختصاصها بالمخالف.
2. إذا وقف على ما يصحّ منه على مذهبه دون مذهبنا، كما إذا وقف على الكنائس والبيع، التي هي معابدهم. وهذا ما صحّحه المصنّف: «إقراراً له على مذهبه» وعليه الشهيد الثاني قال في «المسالك»: وجه الجواز حينئذ اعتقادهم شرعيته وإقرارهم على دينهم، وهو يتمّ إن لم يشترط في الوقف القربة كما هو ظاهر كلام المصنّف حيث لم يتعرّض لاشتراطها، وإلاّ أشكل من حيث إنّ ذلك معصية في الواقع، فلا يتحقّق معنى القربة فيها إلاّ أن يُراد قصدها في الجملة وإن لم يحصل أو قصدها ممّن يعتقد حصولها، وهذا هو الظاهر.(1)
يلاحظ عليه: بما مرّ كراراً من أنّ الوقف أمر عرفي دارج بين   

1 . مسالك الأفهام:5/336.

صفحه 102
في شرائط الموقوف   
المسألة31. يعتبر في الموقوف: أن يكون عيناً مملوكة، يصحّ الانتفاع به منفعة محلّلة، مع بقاء عينه بقاءً معتدّاً به، غير متعلّق لحقّ الغير المانع من التصرّف، ويمكن قبضه. فلا يصحّ وقف المنافع، ولا الديون، ولا ما لا يملك مطلقاً كالحرّ، أو لا يملكه المسلم كالخنزير، ولا ما لا انتفاع به إلاّ بإتلافه كالأطعمة والفواكه، ولا ما انحصر انتفاعه المقصود في المحرّم كآلات اللهو والقمار، ويلحق به ما كانت المنفعة المقصودة من الوقف محرّمة، كما إذا وقف الدابّة لحمل الخمر، أو الدكّان لحرزها أو بيعها، وكذا لا يصحّ وقف ريحانة للشمّ على الأصحّ; لعدم الاعتداد ببقائها، ولا العين المرهونة، ولا ما لا يمكن قبضه كالدابّة الشاردة.
ويصحّ وقف كلّ ما صحّ الانتفاع به مع بقاء عينه بالشرائط، كالأراضي، والدور، والعقار، والثياب، والسلاح، والآلات المباحة، والأشجار، والمصاحف، والكتب، والحُلي، وصنوف الحيوان; حتّى الكلب المملوك والسنّور ونحوها.*
العقلاء الذين يعتقدون بالله سبحانه ويوم المعاد. فكما أنّ المسلم يوقف على المساجد، فهؤلاء أيضاً يوقفون على معابدهم، والمفروض أنّ الإسلام أقرّ لهم على دينهم، والوقف على المعابد من الأُمور الدينية، وأمّا قصد القربة فقد عرفت أنّه لا دليل عليه، وعلى فرض قصده يكفي تمشيه وإن لم يكن مقرّباً في الواقع من الواقف.

* في شرائط الموقوف

المسألة ناظرة إلى شرائط الموقوف، وذكر المصنّف له شرائط   

صفحه 103
خمسة:
1. أن يكون عيناً.
2. أن تكون مملوكة.
3. ينتفع بها مع بقائها.
4. غير متعلّق لحقّ الغير المانع من التصرّف.
5. ويصحّ إقباضها.
وقال العلاّمة في «التذكرة»: يشترط في العين الموقوفة، أُمور خمسة: أن تكون عيناً، معيّنة، مملوكة، ينتفع بها انتفاعاً محلّلاً، مع بقائها، ويصحّ إقباضها، ثم رتّب عليه ما لا يصحّ.(1) فالاختلاف بين العبارتين في «معيّنة» في كلام العلاّمة، «غير متعلّق لحقّ الغير» في كلام المصنّف فلو أردنا الجمع تكون الشروط ستة، وسيوافيك أنّه يمكن الاستغناء عن القيد الأوّل بلفظ العين.
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى بيان الشروط الخمسة التي جاء ذكرها في متن المسألة:

1. أن يكون عيناً

تطلق العين على ما يقابل الدين، فيقال: المال إمّا عين أو دين، وعلى ما يقابل المبهم، وعلى ما يقابل المنفعة، والظاهر أنّه أراد الاحتراز   

1 . تذكرة الفقهاء:20/149.

صفحه 104
بالعين عن كلّ واحد من الثلاثة. وبذلك استغنى عن ذكر قيد «المعيّن».

2. أن تكون مملوكة

خرج به ما ليس بمملوك كالخنزير وكلب الهراش، ويمكن أن يضاف إلى ما ذكر وقف الحر نفسه; لأنّ رقبته غير مملوكة.

3. يصحّ الانتفاع به منفعة محلّلة مع بقاء العين بقاءً معتدّاً به

فخرجت أُمور:
1. ما لا ينتفع به إلاّ بإتلافه كالأطعمة والفواكه، كما خرج ما ينحصر انتفاعه المقصود في المحرّم كآلات اللهو والقمار.
2. ما كانت المنفعة المقصودة من الوقف محرّمة، كما إذا وقف الدابة لحمل الخمر، أو الدكان لحرزها وبيعها.
3. ما لا يعتد ببقائه، كما إذا وقف ريحانة للشمّ، على الأصحّ، لعدم الاعتداد ببقائها.
في وقف الكلّي وأقسامه   

4. غير متعلّق بحقّ الغير المانع من التصرّف

خرجت العين المرهونة.

5. يمكن قبضها

فخرج ما لا يمكن قبضه كالدابة الشاردة.   
***

صفحه 105
فعلى ضوء هذه الشروط يصحّ وقف كلّ ما صحّ الانتفاع به مع بقاء عينه إذا جمعت الشروط الخمسة، كالأراضي والدور والعقار، والثياب والسلاح والآلات المباحة (لعلّه أراد ما يستخدم في الصنائع) والأشجار والمصاحف والكتب والحلي وصنوف الحيوان، حتى الكلب المملوك والسنّور ونحوها.
هذا ما يرجع إلى تبيين المتن، وبقي هنا أمران نذكرهما إتماماً للكلام.

1. وقف الكلّي وأقسامه

تقدّمت شرطية كون الموقوف عيناً فخرج منه وقف المبهم، كما إذا وقف بعض أملاكه فلا يصحّ لانصراف الأدلّة عن مثله، وخرج به أيضاً وقف الكلّي، غير أنّ وقف الكلّي على أقسام.
الأوّل: ما إذا وقف عشر شياه في الذمّة، فالظاهر عدم الصحّة، فإنّ وقف ما بالذمم، أمر غير رائج، فلا يصدق عليه الحبس والتسبيل .
فإن قلت: ما الفرق بين البيع والصلح والهبة والوقف؟
قلت: هو وجود السيرة في المذكورات دون المقام، إذ ليس عند العقلاء وقف كلّي موصوف في الذمّة، بخلاف البيع في الذمّة وغيرها.
الثاني: إذا كان على نحو الكلّي في المعيّن، كما إذا ملك كتابين فوقف أحدهما بلا تعيين عازماً على تعيينه بالقرعة، وهذا أيضاً بعيد عن تعريف الوقف، وما هو المتعارف عند العقلاء. وسيوافيك في المسألة 37 جواز الوقف على أحد المسجدين أو الشخصين، وعلى هذا فيصحّ الوقف    

صفحه 106
على نحو الكلّي في المعيّن، وللواقف الخيار في تعيين الموقوف، نظير بيع صاع من صيرة حيث إنّ البائع مخيّر في تعيين المبيع.
الثالث: إذا ملك من كتاب واحد نسخاً كثيرة ولكلّ واحدة منها مواصفات مختلفة، غير أنّه وقف كتاباً غير مشخّص إلاّ بوصف لا ينطبق إلاّ على نسخة معيّنة، فالظاهر صحّته; لأنّه من قبيل وقف العين المعيّنة، وإن كان عند إجراء العقد غير معيّن حسب الظاهر.

2. في وقف الحُلِيّ والأثمان

ذكر المصنّف وقف الحليّ وترك ذكر وقف الأثمان، لكنّه معنوَن في كتب أصحابنا، ونحن ندرس كلتا الصورتين، فنقول:
يقع الكلام في وقف الذهب والفضة تارة فيما إذا كانا بهيئة الحُلِيّ، وأُخرى فيما إذا كانا مسكوكين.
في وقف الحلي والأثمان   
أمّا الأوّل: فالظاهر من العلاّمة في «التذكرة» عدم الخلاف في جواز وقفهما بين الأصحاب وغيرهم، وإنّما خالف أحمد في إحدى الروايتين عنه. قال: يصح وقف الذهب والفضة إذا كان لفائدة اللُّبس، والإجارة، والإعارة، ولأنّه عين يمكن الانتفاع بها مع بقائها دائماً، فصحّ وقفها كالعقار، وبهذا قال الشافعي، وهو إحدى الروايتين عن أحمد.(1)
أقول: إذا كان حدّ الوقف ـ أعني: تحبيس العين وتسبيل المنفعة ـ   

1 . تذكرة الفقهاء:20/156.

صفحه 107
منطبقاً على الموقوف وعُدّ التحلّي منفعة رائجة له مضافاً إلى إجارته وإعارته، لما كان وجه للتردّد في صحّته، مثلاً: ربّما يتصوّر الواقف فيما يترك من بنات وحفيدات وأسباط، بأنّ بعضاً منهنّ ربّما لا يتمكّنّ من التحلّي في الضيافة، فيعطف على هذه الطبقة الفقيرة، فيقف الخاتم والسوار والأقراط والقلادة والخلخال عليهنّ تقرّباً إلى الله سبحانه، لأنّه بذلك يحفظ كرامتهنّ بين الناس، وليس وقف الحليّ عندئذ إلاّ كوقف الثياب والأواني والفرش والكتب والسلاح حيث يُنتفع بها كما ينتفع بالحليّ، بل ربّما إذا كانت الحليّ كثيرة تنتفع بها العائلة كما تنتفع بالأراضي الموقوفة، وذلك بإجارتها وغير ذلك من الطرق التي تدرّ نفعاً.
***
أمّا الثاني: أي وقف المسكوك منها، وهذا هو المهم، فهل يجوز وقفه بصورة الدرهم والدينار أو لا؟ ففيه وجوه بل أقوال:

1. عدم جواز الوقف

ذهب أكثر علمائنا إلى عدم جواز وقف المسكوك لعدم انطباق حدّ الوقف عليه ـ أعني: حبس العين وتسبيل المنفعة ـ إذ لا يُنتفع بالمسكوك مع بقاء عينه. وإليك بعض الكلمات :
قال ابن زهرة: ولا يصحّ وقف الدراهم والدنانير بلا خلاف يعتدّ به، لأنّ الموقوف عليه لا ينتفع بهما مع بقاء عينهما في يده .(1)   

1 . غنية النزوع: 1 / 298 .

صفحه 108
وهذا هو الظاهر من ابن إدريس (1)، والكيدري (2) معلّلين عدم الجواز بنفس ما ورد في الغنية.
وقال العلاّمة في «القواعد»: منع الشيخ وابن إدريس وابن البرّاج وأكثر علمائنا من وقف الدراهم والدنانير، لأنّه لا نفع يفرض لهما إلاّ مع إتلافها فأشبهت المأكول والمشروب، وجوّز بعض علمائنا وقفها لإمكان فرض نفع مع بقاء العين ولهذا صحّت إعارتها.(3)

2. جواز الوقف

نقل العلاّمة في «القواعد» جواز وقفهما ولم يسمّ القائل، ويظهر من الشهيد جواز وقفهما إن كان لهما منفعة حكمية، قال: ويصحّ وقف الدراهم والدنانير إن كان لهما منفعة حكمية مع بقاء عينهما كالتحلّي بهما، ونقل في المبسوط الإجماع على المنع من وقفهما إلاّ ممّن شذّ.(4)
وقال المحقّق الثاني: والحقّ أنّه إن كان لهما منفعة مقصودة عرفاً سوى الإنفاق صحّ وقفهما، وإلاّ فلا .(5)
وقال الشهيد الثاني: والأقوى الجواز، لأنّ هذه المنافع (التحلّي وتزيين المجلس والضرب على سكّتها ونحو ذلك) مقصودة ولا تمنع   

1 . السرائر: 2 / 480 .
2 . إصباح الشيعة بمصباح الشريعة: 346 .
3 . قواعد الأحكام: 2 / 394.
4 . الدروس الشرعية: 2 / 27.
5 . جامع المقاصد: 9 / 58.

صفحه 109
قوة غيرها عليها. نعم لو انتفت هذه المنافع عادة في بعض الأزمان والأمكنة اتّجه القول بالمنع.(1)

3. التردّد وعدم الجزم بشيء

يظهر من العلاّمة في «القواعد» التردّد، قال: وفي الدراهم والدنانير إشكال .
قال الفخر في شرح العبارة: منشؤه أنّه هل يصح أن يكون لها منفعة حكمية معتبرة في نظر الشارع مع بقاء عينها، أو لا؟(2)
إلى غير ذلك من الكلمات التي لا تخرج عن حدود هذه الأقوال الثلاثة(3) .
أقول: المانع عن القول بالجواز هو دوران الأمر بين حبس العين وتسبيل المنفعة، فحبس العين يستلزم عدم المنفعة أو قلّتها، فإنّ إعارة الدراهم والدنانير للعارية والإجارة قليل، وتسبيل المنفعة يستلزم البيع والشراء بهما، وهو يتنافى مع حبس العين. وبما أنّ حبس العين أمر مسلّم في ماهيّة الوقف، والتحلّي فائدة نادرة، كان الأظهر عدم جواز وقفها. إذ هنا فرق واضح بين الذهب والفضة غير المسكوكين والمسكوك منهما،   

1 . مسالك الأفهام: 5 /321 .
2 . إيضاح الفوائد في مشكلات القواعد: 2 / 190 .
3 . انظر: مفاتيح الشرائع: 3 / 209 ; الأنوار اللوامع في شرح مفاتيح الشرائع: 3 / 281 ; مفتاح الكرامة: 9 / 75 ; المناهل: 495 ; جواهر الكلام: 28 / 90 ; تكملة العروة الوثقى: 1 / 206 ; تحرير المجلة:2/79، القسم الثالث.

صفحه 110
فإنّ الأوّل له منافع بالتحلّي والإجارة وغير ذلك، بخلاف المسكوك إذ ليس له فائدة بارزة، بل تبقى العين صامتة ساكتة لا ينتفع بها إلاّ منفعة نادرة.

تصحيح وقف الأثمان مع التجارة بها

قد عرفت أنّ المانع المهم هو لزوم حفظ العين وإبقائها في الوقف، وهذا غير ميسّر في المسكوكين إذا أُريد الانتفاع بهما بالمنفعة الرائجة كالتجارة بهما، ومع ذلك يمكن أن يقال: إنّ الضابطة المذكورة وإن وردت في كلام النبي (صلى الله عليه وآله)لكن يُحتمل كونها ناظرة إلى ما هو الأغلب آنذاك، حيث إنّ الوقف يوم ذاك كان يدور حول الأراضي والبساتين والآبار والعيون الجارية إلى غير ذلك من الأُمور التي تدرّ نفعاً مع بقاء عينها، والحديث ناظر إلى الغالب.
وأمّا إذا أمكن الانتفاع بالتصرّف بالعين مع الحفاظ على ماليتها فلا وجه لعدم صحّة الوقف حينئذ، مثلاً إذا وقف سجادة على مسجد وشرط أنّها إذا صارت قديمة تباع ويشترى بثمنها سجادة أُخرى، فالمنع عن هذا النوع من الوقف بحاجة إلى دليل.
وعلى هذا فلو وقف الأثمان على عائلة فقيرة ولكن أجاز لهم التصرّف في أشخاص الأثمان لغاية التجارة بها، حتّى يعود نفعها للموقوف عليهم بشرط الحفاظ على المالية في عامّة المبادلات والمعاملات والبيع والشراء.
أموال الشخصيات الحقوقية من قبيل وقف المالية   
وعلى ضوء ماذكرنا يكون الموقوف هو المالية السيّالة بين المتبدّلات دون الأعيان، وعلى هذا لا يختص الجواز بالذهب والفضة    

صفحه 111
المسكوكين، بل يعمّ الأوراق النقدية الرائجة حالياً، فلا مانع من أن
يقف الواقف مبلغاً مالياً على عائلة فقيرة ولكن رخّص للمتولّي البيع والشراء بها طول الزمان حتّى تدر نفعاً للموقوف عليهم وتبقى المالية محفوظة.

أموال الشخصيات الحقوقية من قبيل وقف المالية

ومن حسن الحظ أنّه صار هذا (وقف المالية دون العين) من الأُمور الشائعة في عصرنا الحاضر، فالجمعيات الخيرية تقوم بالمساهمة وجمع الأموال لأهداف إنسانية لا تورث ولا توهب ويشترون بها الأراضي والبنايات والمدارس والمراكز الثقافية وغيرها، فالأموال تخرج عن ملكية المتبرّعين وتنتقل إلى العنوان الّذي اختاره أعضاء هذه الجمعيات لأنفسهم، فالعنوان يملك مالية الأعيان وعينها فلهم أن يتصرّفوا في الأعيان بالبيع والشراء، وليس لهم التصرّف في ماليتها بإتلافها وهبتها وتوريثها، بل تبقى المالية ما دامت الظروف تساعد على بقائها، وإلاّ فيعمل على وفق ما اتّفقوا عليه في وقف الأعيان.
وربّما يتصوّر أنّ في وقف الأثمان فائدة أُخرى، وهي جعلها رهناً عند البنوك لدى الاستقراض.
يلاحظ عليه: أنّ من شأن الوقف أنّه لا يباع ولا يرهن، لأنّه عندئذ في معرض التلف وهو على خلاف غرض الواقف.
وقد أوضحنا في بحوثنا في مقدّمات البيع أنّ المعاملات الحديثة   

صفحه 112
إذا لم تكن مخالفة للأُصول، تكون ممضاة من قبل الشارع، لقوله سبحانه: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)، أو قوله (صلى الله عليه وآله): «المؤمنون عند شروطهم».(1)
فالمفروض أنّ هذا النوع من الوقف أمر عقلائي له منافع بالنسبة للطبقة الموقوف عليهم، وليس مخالفاً للأُصول التي بُني عليها الفقه الإسلامي فلا يحرّم حلالاً ولا يحلّ حراماً، ولايناقض كلام الله وسنّة نبيه. فالقول بجواز هذا الوقف مطابق للأُصول ورائج بين العقلاء، ولا مانع منه ظاهراً في الشرع، والله العالم.

بيان آخر لتصحيح هذا النوع من العقد

لا يعتبر فعلية النفع في الوقف    
فلو قلنا بأنّ هذا النوع من تجميد الأموال بماليتها لا بأعيانها،
داخل تحت عمومات الوقف فيكون محكوماً بحكمه وإلاّ يكون عقداً أو إيقاعاً مستقلاً، رائجاً بين العقلاء، وليس فيه ما يخالف الأُصول المسلّمة في باب المعاملات، فيكون نافذاً ولازماً يجب العمل على وفق ما اتّفقوا عليه عند إيجاد الجمعيات الخيرية، والمراكز الثقافية أو غير ذلك; وإذا عجزت الجمعية عن إدارة الأموال، فإن كانت قد حسبت لهذه الحالة الحرجة حساباً في قانونهم فيعمل بما اتّفقوا عليه، وإلاّ فيرجع إلى الحاكم الشرعي فيضعها في الأقرب فالأقرب من مقاصد الجمعية وأغراضها. والله العالم.

1 . لاحظ: أحكام البيع في الشريعة الإسلامية الغرّاء:1/79، الجهة العاشرة.

صفحه 113
المسألة32. لا يعتبر في العين الموقوفة كونها ممّا ينتفع بها فعلاً، بل يكفي كونها معرضاً للانتفاع ولو بعد مدّة فيصحّ وقف الدابة الصغيرة، والأُصول المغروسة التي لا تثمر إلاّ بعد سنين.*
المسألة33. المنفعة المقصودة في الوقف أعمّ من المنفعة المقصودة في العارية والإجارة فتشمل النماءات والثمرات، فيصحّ وقف الأشجار لثمرها، والشاة لصوفها ولبنها ونتاجها.**
* في الجواهر: لا يعتبر فعلية النفع، بل يكفي تأهّله.(1) لجريان السيرة على وقف البساتين والدواب وهي بعد لا ينتفع بها حين الوقف، لحداثتها وقلّة عمر أشجارها.
** قد تطلق المنفعة ويراد بها ما يقابل العين، وهذا هو المتبادر
في الإجارة والعارية، مع بقاء العين بحالها، وأُخرى مايقصد من الشيء ويكون هو الغرض النهائي، وهذا كما في الانتفاع من النماءات والثمرات وصوف الشاة ولبنها ونِتاجها، وهذا هو المراد في المقام فالشاة بنفسها
عين وما يدرّ من الصوف واللبن منفعة، وقد مرّ في صدر الكتاب أنّه يصحّ وقف القنوات مع زوال العين(الماء الجاري) وبقاء المادّة في صلب الأرض. فهي تحبيس حسب المادّة، وتسبيل حسب ما يجري في الأرض من الماء.

1 . جواهر الكلام:28/17.

صفحه 114
   المسألة 34. ينقسم الوقف باعتبار الموقوف عليه على قسمين: الوقف الخاصّ، وهو ما كان وقفاً على شخص أو أشخاص، كالوقف على أولاده وذرّيته أو على زيد وذرّيته. والوقف العامّ، وهو ما كان على جهة ومصلحة عامّة، كالمساجد والقناطر والخانات، أو على عنوان عامّ كالفقراء والأيتام ونحوهما.*
في الوقف الخاص    

* في أقسام الوقف

يُقسّم الوقف باعتبار الموقوف عليه إلى الخاصّ والعام، وأُريد من الخاصّ الوقف على شخص أو أشخاص كالوقف على الذرية، وأمّا العام فقد قسّمه المصنّف إلى قسمين:
1. ما يكون وقفاً على جهة ومصلحة عامّة كالمساجد والقناطر.
2. ما يكون وقفاً على عنوان عام كالفقراء والأيتام.
لكن قد تقدّم منّا أنّ الوقف العام وهو الوقف على جهة ومصلحة عامّة لا يختلف عن الوقف على عنوان عام; لأنّ الموقوف عليه في الوقف العام في كلا الموردين ما هو المتناسب له كالمصلّين في المسجد والدارسين في المدارس، فصار حكم الوقف العام حكم الوقف على عنوان عام في أنّ الموقوف عليه ليس الجهة، بل العنوان المناسب بكلّ مقام.

صفحه 115
المسألة 35. يعتبر في الوقف الخاصّ وجود الموقوف عليه حين الوقف، فلا يصحّ الوقف ابتداء على المعدوم، ومن سيوجد بعد، وكذا الحمل قبل أن يولد. والمراد بكونه ابتداءً: أن يكون هو الطبقة الأُولى من دون مشاركة موجود في تلك الطبقة، فلو وقف على المعدوم أو الحمل تبعاً للموجود بأن يجعل طبقة ثانية، أو مساوياً للموجود في الطبقة بحيث شاركه عند وجوده، صحّ بلا إشكال، كما إذا وقف على أولاده الموجودين ومن سيولد له على التشريك أو الترتيب، بل لا يلزم أن يكون في كلّ زمان وجود الموقوف عليه وولادته، فلو وقف على ولده الموجود وعلى ولد ولده بعد، ومات الولد قبل ولادة ولده، فالظاهر صحّته، ويكون الموقوف عليه بعد موته الحمل، فما لا يصحّ الوقف عليه هو المعدوم أو الحمل ابتداءً بنحو الاستقلال لا التبعية.*
* لمّا قسّم المصنّف في المسألة السابقة الوقف باعتبار الموقوف عليه على قسمين: وقف خاصّ، ووقف عام; خصّ هذه المسألة ببيان الوقف الخاصّ، كما أنّه خصّ المسألة التالية ببيان الوقف العام. وقد أحسن(قدس سره) في تفكيك الوقف الخاصّ عن الوقف العام، على خلاف السيد الطباطبائي في «ملحقات العروة» فلم يميّز أحدهما عن الآخر، فأوجد إبهاماً في الاستدلال.
وحاصل كلام الماتن في المسألة هو: أنّ الموقوف عليه في الوقف الخاصّ على أقسام:   

صفحه 116
الوقف على المعدوم ابتداء، الوقف على الحمل ابتداءً قبل أن يولد   
1. الوقف على المعدوم ابتداء ومن سيوجد بعد، كما إذا وقف أرضاً على أولاده وهو بعد لم يتزوّج، أو تزوّج ولكن زوجته لم تحمل بعدُ.
2. الوقف على الحمل ابتداء وهو بعدُ لم يُولَد.
وخصيصة هذين القسمين أنّ الوقف من أوّل الأمر مركّز على المعدوم أو غير المتولّد دون أن يضم إلى الموجود، وحسب تعبير المتن أن يكون كلّ من المعدوم والحمل هو الطبقة الأُولى من دون مشاركة موجود في تلك الطبقة.
3. لو وقف على المعدوم تبعاً للموجود.
4. لو وقف على الحمل تبعاً للموجود.
من غير فرق بين هذين القسمين أن يجعل المعدوم في طبقة الموجود بحيث شاركه عند وجوده، أو يجعله طبقة ثانية ينتفع من الوقف بعد انقضاء الطبقة الأُولى.
5. لا يلزم أن يكون في كلّ زمان وجود الموقوف عليه وولادته، كما لو وقف على ولده الموجود وعلى ولد ولده بعد ومات الولد قبل ولادة ولده، فيكون الموقوف عليه بعد موته هو الحمل، فالمقام أشبه بالوقف منقطع الوسط، هذا هو توضيح ما في المتن، فلنرجع إلى دراسة المسألة على ضوء الأدلّة.

1. الوقف على المعدوم ابتداء

لا شكّ أنّه لا يصحّ الوقف على مثله وجعله في الطبقة الأُولى;   

صفحه 117
لانصراف الأدلّة عنه وعدم كونه متعارفاً عند العقلاء، وهذا هو الدليل الواضح. ثمّ إنّه ربّما يستدلّ على بطلانه: بأنّ الوقف تمليك ولا يعقل تمليك المعدوم، فإنّ الملكية صفة وجودية تستدعي محلاًّ موجوداً، ولهذا لا تصحّ الوصية للمعدوم.
وإلى هذا الدليل أشار في «الجواهر» بقوله: لعدم قابليته للملك.(1)
وأُريد من عدم القابلية عدم اعتباره عند العقلاء، فإنّ الملكية وإن كانت أمراً اعتبارياً، وليست من الأعراض كالسواد والبياض، حتى تحتاج إلى محلّ خارجي، لكن اعتبارها عند العقلاء يختصّ بما إذا كان المحلّ موجوداً أو كان هناك مقتضياً للوجود، على نحو يصحّح اعتبار الملكية.

2. الوقف على الحمل ابتداءً قبل أن يولد

أُريد جعل الحمل في الطبقة الأُولى من دون أن يشاركه شيء موجود، وهذا هو الذي لم يصحّحه الماتن تبعاً للأكثر. واستدلّ عليه بوجهين:
1. الوقف تمليك، ولا يعقل تمليك المعدوم.
2. الملكية صفة وجودية تستدعي محلاًّ، ولذا لا تصحّ الوصية للمعدوم.
يلاحظ عليه: بالفرق بينه وبين المعدوم المطلق وأنّه يكفي وجود   

1 . جواهر الكلام:28/26.

صفحه 118
لو وقف على الولد وولد الولد ومات الولد قبل تولّد الولد   
المقتضي، وأنّ الوقف على الحمل ابتداء يختلف مع الوقف على المعدوم المطلق، كما إذا وقف على مَن يوجد في عمود الزمان.
ثمّ إنّ الملكية ليست من الأُمور الخارجية بل من الأُمور الاعتبارية، والأمر فيها سهل. على أنّ الوقف ليس تمليكاً، بل إيقافاً ـ كما مرّ ـ عن البيع والإرث. والذي يؤيّد ما ذكرنا أمران:
1. اتّفاق الفقهاء على لزوم عزل الإرث للحمل.
2. اتّفاقهم على جواز الوصية له.
فكيف لا يجوز الوقف عليه؟

3 و4. لو وقف على المعدوم تبعاً للموجود أو الحمل كذلك

قوله في العنوان: «تبعاً للموجود»، «أو الحمل» بمعنى عدم جعله في الطبقة الأُولى حيث يشكِّلها الأمر المعدوم، بل يشكِّلها الأمر الموجود ويكون المعدوم تبعاً له على أحد الوجهين، بمعنى أنّ الوقف عليهما تارة على نحو التشريك وجعلهما في درجة واحدة مع الموجود إذا وُجد، أو على وجه الترتيب بحيث لا ينتفع إلاّ بعد فقد الموجود، فالصحّة في هاتين الصورتين واضحة لوجود المقتضي، وليس أمراً خارجاً عمّا هو المتعارف عند العقلاء.
وذكر صاحب الجواهر في صحّة الأمرين ما هذا نصّه: وما ثبت في الوقف من صحّته على المعدوم تبعاً للموجود، إنّما هو بمعنى جعل الشارع عقد الوقف سبباً لملك المعدوم بعد وجوده، فالوجود حينئذ   

صفحه 119
المسألة 36. لا يعتبر في الوقف على العنوان العامّ وجود مصداقه في كلّ زمان، بل يكفي إمكان وجوده مع وجوده فعلاً في بعض الأزمان، فلو وقف بُستاناً ـ مثلاً ـ على فقراء البلد ولم يكن في زمان الوقف فقير فيه، لكن سيوجد، صحّ الوقف، ولم يكن من منقطع الأوّل، كما أنّه مع فقده بعد وجوده لم يكن منقطع الوسط، بل هو باق على وقفيته، فيحفظ غلّته إلى أن يوجد.*
كالقبض أحد أجزاء العلّة التامّة في ثبوت الملك له، لا أنّه مالك حال عدمه، وإلاّ كان وجوده كاشفاً عن تحقّق شركته مع الموجود من أوّل الأمر، وهو معلوم البطلان.(1)

5. لو وقف على الولد وولد الولد ومات الولد قبل تولّد الولد

قال المصنّف: «لا يلزم أن يكون في كلّ زمان وجود الموقوف عليه» ومثّل بما في العنوان والجواز فيه أوضح من الصور السابقة لوجود المقتضي، ويكفي هذا في صحّة الوقف وكونه أشبه بالوقف المنقطع الوسط.
* لمّا تقدّمت شرطية الوجود في الموقوف عليه وبطلان الوقف على المعدوم ابتداء، صار ذلك مظنة توهّم بطلان الوقف على العنوان العام إذا لم يكن له مصداق حين الوقف، فأُجيب بوجود الفرق بين الوقف على المعدوم في الوقف الخاصّ، فالأوّل أمر غير متعارف بين العقلاء،   

1 . جواهر الكلام:28/363.

صفحه 120
المسألة 37. يشترط في الموقوف عليه التعيين، فلو وقف على أحد الشخصين أو أحد المسجدين لم يصحّ.*
في تعيين الموقوف عليه، وقف المسلم على الذمّي   
وانصراف الأدلّة فيه، بخلاف الوقف على العنوان العام فإنّ المقتضي فيه موجود، فلووقف بستاناً على الفقراء ولم يكن آنذاك أي فقير في البلد يكفي وجود المقتضي، إذ قلّما يتّفق أن يكون أهل البلد أغنياء عبر الزمان، ومثله وقف المدارس ولو لم يكن يوم الوقف أي دارس، وأظهر منهما الوقف على الزوّار، مع افتراض عدم وجود زائر لمنع الظالم عن الزيارة.
ثمّ إنّ المصنّف رتّب على ذلك قوله: «بأنّه لو لم يكن عند الوقف أي فقير وإنّما وجد بعد حين، لا يُعد ذلك من منقطع الأوّل، كما أنّه إذا كان الفقير موجوداً ثم فقد بعد وجوده لم يكن منقطع الوسط، بل هو باق على وقفيته فتحفظ غلّته إلى أن يوجد».
وجهه: أنّ الموقوف عليه هو العناوين الكلّية لا المصاديق، والمصداق إنّما ينتفع به بما أنّه ينطبق عليه العنوان فعدم المصداق ابتداء أو في الوسط لا يجعل الوقف من أقسام المنقطع، إذ لا دور للمصاديق عند الوقف على العناوين، وهذا نظير قوله سبحانه:(إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ) فإنّ المالك هو عنوان الفقراء لا الفقير الخارجي، ولذلك لا يجوز له أن يأخذ حصّته من دون إجازة صاحب الغلّة.

* في تعيين الموقوف عليه

قد مرّ أنّه يشترط في الموقوف، التعيين، فخرج أمران:   

صفحه 121
المسألة 38. الظاهر صحّة الوقف على الذميّ والمرتدّ لا عن فطرة، سيّما إذا كان رحماً، وأمّا الكافر الحربي والمرتدّ عن فطرة، فمحلّ تأمّل.*
1. المبهم.      2. الكلّي في الذمّة.
هذا في الموقوف، ويشترط نظير ذلك في الموقوف عليه، فلو وقف على أحد الشخصين أو أحد المسجدين، لم يصحّ لانصراف الأدلّة عن مثله. وربّما يعلّل بعدم معقولية تمليك أحد الشخصين على سبيل الإبهام والترديد.
يلاحظ عليه: أنّ التمليك ليس مفاداً مطابقياً للوقف، إنّما مفاده إيقاف الملك عن التصرّف.
ثمّ إنّ الوقف على أحد المسجدين على وجهين:
1. أن يكون الموقوف عليه عنوان أحد المسجدين على وجه الإبهام، وهذا ما قلنا بانصراف الأدلّة عنه.
2. أن يكون من قبيل الكلّي في المعيّن كبيع صاع من صبرة، فالظاهر صحّته، فالواقف مختار في انتخاب أحد الفردين للانتفاع بمنفعة العين. نظير ما إذا أوصى بأحد الشيئين المتساويين، أو على أحد الشخصين، فإنّ الوصي مختار في تعيين أحدهما.

* وقف المسلم على الذميّ

اختلفت كلمة الفقهاء في صحّة وقف المسلم على الذمّي على   

صفحه 122
وقف المسلم على الذمّي   
أقوال:
الأوّل: جوازه مطلقاً; كما عليه المحقّق في «الشرائع» حيث قال:ولا يقف المسلم على الحربي ولو كان رحماً، ويقف على الذمّي ولو كان أجنبياً.(1)
القول الثاني: عدم جوازه مطلقاً; كما عليه سلاّر(2)، وابن البرّاج.(3)
والقول الثالث: هو الجواز إذا كانوا أقارب للواقف، كما عليه الشيخ الطوسي في «الخلاف».(4)
والقول الرابع: تخصيص الجواز بأحد الأبوين; كما عليه ابن إدريس(5)، مستدلاًّ بقوله تعالى:(وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا)(6).
القول الخامس: تجويزه على الذمّي والمرتدّ لا عن فطرة، دون الكافر الحربي والمرتد عن فطرة، فالوقف فيهما محل تأمّل، وهذا هو خيرة المصنّف.
أقول: أمّا الكافر الحربي فالمنع فيه واضح; لقوله سبحانه:(لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاْخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ   

1 . شرائع الإسلام:2/214.
2 . لاحظ: المراسم:198.
3 . لاحظ: المهذب:2/88.
4 . لاحظ: الخلاف:3/545، المسألة 13.
5 . السرائر:3/159.
6 . لقمان:15.

صفحه 123
أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ)(1)، فإنّ الوقف عليهم من مظاهر الودّ.
نعم ردّ السيد الطباطبائي على الاستدلال قائلاً بأنّ المنع المستفاد منه إنّما هو عن الموادّة من حيث كونها محادّة لا مطلقاً، ولهذا لا إشكال في عدم حرمة مجالستهم ومحادثتهم والإحسان إليهم والتعارف معهم.(2)
أقول: الظاهر صحّة الاستدلال وعدم ورود الإشكال عليه; وذلك لأنّ الخطاب موجّه للمؤمنين، فهل يتصوّر أن يحب أحد المؤمنين أحد الكافرين بما أنّه محادة لله ورسوله، حتى يتعلّق به النهي، فإذا لم يكن هذا معقولاً فالنهي عن مودّتهم مطلق.
فإن قلت: فما هو دور المحادّة في الآية إذا لم يكن لها دخل في جانب الحبّ؟
قلت: إنّها عنوان مشير إلى تلك الفئة وإنّهم كفّار محاربون.
وبعبارة أُخرى: إنّ محادّتهم صارت علّة تامّة لعدم حبّهم مطلقاً. وأمّا الذمّي فالظاهر فيه الجواز، خصوصاً إذا كان من الأرحام، والأفضل أن يكون أحد العمودين، ويكفي في ذلك قوله سبحانه:(لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ).(3)

1 . المجادلة:22.
2 . ملحقات العروة الوثقى:321.
3 . الممتحنة: 8 .

صفحه 124
المسألة 39. لا يصحّ الوقف على الجهات المحرّمة وما فيه إعانة على المعصية، كمعونة الزنا وقطع الطريق وكتابة كتب الضلال، وكالوقف على البيع والكنائس وبيوت النيران، لجهة عمارتها وخدمتها وفرشها ومعلّقاتها وغيرها. نعم، يصحّ وقف الكافر عليها.*
ومن المعلوم أنّ الوقف عليهم من أظهر مصاديق قوله سبحانه:(أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ)، فظهر ممّا ذكرنا الفرق بين الحربي والذمّي.
نعم تأمّل المصنّف في الوقف على المرتد عن فطرة، ولعلّ وجه عدم الصحّة عدم صلاحيته للملكية، لأنّ أمواله تنتقل إلى ورثته.(1)
يلاحظ عليه بوجهين:
1. أنّ الوقف ليس تمليكاً; بل هو إيقاف للعين عن البيع والرهن، نتيجته اختصاص الثمرة به.
لا يصحّ الوقف على الجهات المحرّمة وما فيه إعانة على المعصية   
2. أنّ المنتقل هو الأموال التي اكتسبها قبل الارتداد لا بعده. وأمّا الاستدلال بوجوب قتله فلا يكون مانعاً من الوقف مادام لم يقتل.
ولعلّ الدليل لعدم الجواز شمول قوله سبحانه:(لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاْخِرِ) للمرتدّ الفطري حيث إنّه بردّته يطعن بالإسلام ويزدري به دون الملّي.
* قد تقدّم أنّه يعتبر في الموقوف عليه شروط ثلاثة:
1. أن يكون موجوداً.(2)   

1 . مسالك الأفهام: 5/332.   2. لاحظ: المسألة 36.

صفحه 125
2. أن يكون معيّناً.(1)
3. وذكر المحقق شرطاً ثالثاً، وهو أن لا يكون الوقف عليه محرّماً.
ورتّب المحقّق على الشرط الأخير قوله: ولو وقف على معونة الزناة أو قطّاع الطريق أو شاربي الخمر، لم يصحّ.(2) وهذا ما عبّر عنه المصنّف، بالوقف على الجهات المحرّمة وما فيه إعانة على المعصية كمعونة الزنا وقطع الطريق وكتابة كتب الضلال، إلى آخر ما ذكره.
ويدلّ عليه قوله سبحانه:(وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ)(3)، خصوصاً على القول بأنّ الوقف أمر مالي عبادي تعتبر فيه القربة، فلا يتمشى به قصد التقرّب.
والأولى أن يستدلّ بانصراف الأدلّة عن مثل هذا الوقف، وأنّه على خلاف سيرة المسلمين، فالوقف بذاته عون للصلاح والفلاح، لا للفساد والضلال.
ثمّ إنّ المصنّف عطف على الأمثلة السابقة قوله:وكالوقف على البيع والكنائس وبيوت النيران لجهة عمارتها وخدمتها وفرشها ومعلّقاتها وغيرها.
وأمّا ما هو الوجه في ذكرها هنا; لأنّه لمّا حكم بجواز الوقف على أهل الذمّة، ربّما يتبادر منه جواز الوقف على الكنائس والبيع بحجّة   

1 . لاحظ: المسألة 37.
2 . شرائع الإسلام:2/214.
3 . المائدة:2.

صفحه 126
المسألة 40. لو وقف مسلم على الفقراء أو فقراء البلد، انصرف إلى فقراء المسلمين، بل الظاهر أنّه لو كان الواقف شيعياً انصرف إلى فقراء الشيعة، ولو وقف كافر على الفقراء انصرف إلى فقراء نحلته،   
أنّ الوقف عليها وقف على أهل الذمّة، وإن اختصّ ببعض مصالحهم، فنبّه المصنّف بالفرق بين الجهتين، وهو أنّ الوقف على أهل الذمّة أنفسهم إنّما هو من حيث إنّهم عباد الله، ومن جملة بني آدم المكرّمين، ومن حيث يجوز أن يتولّد منهم المسلمون، لا معصية فيه; وهذا بخلاف الوقف على تلك الأُمور ففيه إعانة على الضلال.
فإن قلت: ربّما يترتّب على الوقف على الذمّي إعانتهم على المحرّم، كشرب الخمر، وأكل لحم الخنزير، والذهاب إلى الأماكن المحرّمة .
لو وقف المسلم أو الكافر على الفقراء انصرف إلى فقراء نحلته   
قلت: ما ذكرت ليس مقصوداً للواقف، حتى لو فرض قصده حكمنا ببطلانه. ومثله الوقف عليهم لكونهم كفّاراً، بل على فسقة المسلمين من تلك الحيثية، بخلاف ما لو وقف على المسلم فصرفه في المعصية، فإنّه لا يقدح نظراً إلى القصد الأصلي، فكذا هنا; وهذا بخلاف وقف المسلم على الكنائس ونحوها، فإنّه وقف على جهة خاصّة من مصالح أهل الذمّة لكنّها معصية محضة، لأنّه إعانة لهم على الاجتماع إليها للعبادات المنسوخة والمحرّمة والكفر، فالمعصية حاصلة له ابتداءً وبالذات، فلم يقع الوقف صحيحاً.(1) نعم يصحّ وقف الكافر عليها كما مرّ.

1 . مسالك الأفهام:5/334.

صفحه 127
فاليهود إلى اليهود، والنصارى إلى النصارى وهكذا، بل الظاهر أنّه لو كان الواقف مخالفاً انصرف إلى فقراء أهل السنّة. نعم، الظاهر أنّه لا يختصّ بمن يوافقه في المذهب، فلا انصراف لو وقف الحنفي إلى الحنفي، والشافعي إلى الشافعي وهكذا.*

* تبيين معنى الألفاظ الواردة في كلام الواقف

هذه المسألة والمسائل التالية ـ إلى المسألة58 ـ تدور حول تبيين العناوين الواردة في كلام الواقف، فيجب بيان ضوابط كلّية لتبيين معانيها حسب اللغة والعرف العام والخاص، والقرائن الموجودة في عبارة الواقف.
وما نذكره من الضابطة لا يختصّ بباب الوقف، بل يشمل أبواب الوصية والإقرار والحلف والنذر، فنقول، هنا صور:
1. إذا علّق الواقف الحكم على عنوان أو موصوف بوصف أو بقيد، يكون المتّبع من حيث العموم والخصوص وغيرهما من الكيفيات ما قصده المتكلّم في هاتيك الأبواب، فإن علم مراده، أُتبع.
2. إذا لم يعلم مراده، فما هو المتّبع في تفسير كلامه؟ فهل هو اللغة أو العرف العام أو العرف الخاص، أو القرائن الموجودة في كلامه أو الانصراف. فالذي يمكن أن يقال: إنّ القرائن الموجودة في كلام المتكلّم المفيدة للاطمئنان مقدّمة على العرف الخاصّ، فإن لم تكن موجودة فالمرجع هو العرف الخاصّ، فيقدّم على العرف العام، كما أنّ العرف العام مقدّم على اللغة.   

صفحه 128
3. لو وقف على عنوان وأراد منه مفاده واقعاً لكن تخيّل خلافه من حيث العموم والخصوص ـ كما إذا وقف على الفقراء واقعاً لكن تخيّل أنّ الفقير خصوص مَن لا يملك قوت يومه وليلته أو قوت شهره ـ يكون المتّبع هو الواقع لا ما تخيّله، بشهادة أنّه لو وقف على عدم صحّة ما زعمه، لرجع.
4. لو كان للّفظ مراد شرعي يغاير ما هو عند العرف، فإن أراد ما
هو المراد منه شرعاً اتّبع، وإلاّ قدّم العرف، وذلك نظير ما لو وقف على أولاده، فالعنوان يشمل الأولاد بلا واسطة ومعها، كما هو الحال في باب الإرث والنكاح، ولكنّه في العرف مختصّ بالولد بلا واسطة، فعندئذ يكون المتّبع هو العرف، وإن كان عرف الشرع يخالفه، لأنّ الناس مسلّطون على أموالهم.
5. قد ورد في باب الوصية تفسير الجزء بعشر الأموال، فلو أوصى بجزء من ماله، يُعطى العشر، كما ورد أنّه لو أوصى بشيء يعطى السدس، وإذا أوصى بسهم يُعطى الثمن.(1) لكن كلّ ذلك من باب التعبّد، يختصّ بمورده فالمرجع هو العرف.
وقف المسلم على الفقراء   
هذه هي الضوابط العامّة في تفسير الألفاظ والعناوين الواردة في الموقوف عليه، ذكرها السيد الطباطبائي في بدء الفصل الخامس، وعلى ضوء هذه الضوابط نشرح هاتيك المسائل إلى المسألة رقم 58.   

1 . لاحظ: الوسائل:13، الباب54 والباب55، والباب56 من أبواب كتاب الوصايا.

صفحه 129

وقف المسلم على الفقراء

ذكر المصنّف في هذه المسألة الفروع التالية:
1. لو وقف مسلم على الفقراء أو فقراء البلد، انصرف إلى فقراء المسلمين، أخذاً بشهادة الحال، ولو كان الواقف مسلماً شيعياً ينصرف إلى فقراء الشيعة، بنفس الدليل.
2. لو وقف كافر على الفقراء انصرف إلى فقراء نحلته، فاليهودي إلى اليهود، والنصراني إلى النصارى، وهكذا.
3. لو كان الواقف مسلماً سنّياً، ينصرف إلى فقراء أهل السنّة، من غير فرق بين الحنفي والشافعي والمالكي والحنبلي. كلّ ذلك لأجل القرينة الحالية عند إجراء الصيغة، وهي ميوله إلى أهل نحلته وانتسابه إليهم.
نعم ربّما يشمل الحكم لغير أهل نحلته أيضاً، كما إذا كان الشيعي أو السنّي من رجال التقريب ودعاته الذين صرفوا أعمارهم لتقريب المسلمين ولمّ شملهم وجمعهم تحت خيمة واحدة، وإرجاع الفوارق الموجودة في العقائد والأحكام إلى قاعات الدرس والتحقيق، فيعم كلّ مسلم يشهد بالله سبحانه ورسالة رسوله، والمعاد يوم القيامة وما أتى به الرسول.
وممّن نبّه على ذلك سيدنا الأُستاذ السيد الحجّة الكوهكمري(قدس سره)، حيث قال: الانصراف في هذه الموارد لا كلّية له، بل يختلف حسب اختلاف الأشخاص والأزمان، بل الأمكنة أيضاً، فلابدّ من ملاحظة كلّ زمان ومكان بخصوصه وشخص الواقف.

صفحه 130
المسألة 41. لو كان أفراد عنوان الموقوف عليه منحصرة في أفراد محصورة معدودة ـ كما لو وقف على فقراء محلّة أو قرية صغيرة ـ توزّع منافع الوقف على الجميع، وإن كانوا غير محصورين لم يجب الاستيعاب، لكن لا يترك الاحتياط بمراعاة الاستيعاب العرفي مع كثرة المنفعة، فتوزّع على جماعة معتدّ بها بحسب مقدار المنفعة.*

* إذا وقف على فقراء محلّة أو قرية صغيرة

فله صورتان:
1. إذا كان الأفراد محصورين، وجب استيعابهم في منافع الوقف، أخذاً بمقتضى اللغة والعرف.
2. إذا كانوا غير محصورين، لم يجب الاستيعاب، لأنّ الوقف على الأفراد حينئذ أمر لغو، إذ لا يمكن العمل به، فيكون ذلك قرينة على
أنّ الموقوف عليه هو الجهة ومن باب بيان المصرف، فيكون المراد
جنس الجمع فلذلك لا يجب الاستيعاب. نعم يستثنى من هذه الصورة
(إذا كان أفراد غير محصورين) ما إذا كانت المنافع كثيرة، وعُدّ
صرف المنافع بتمامها على واحد أو اثنين، أمراً بعيداً، فيكون قرينة على
أنّ المراد الاستيعاب العرفي، فتوزع على جماعة معتدٌ بها بحسب مقدار المنفعة.
الوقف على عنوان فقراء قبيلة معيّنة   
وعلى كلّ تقدير اللازم التقسيم بالمساواة، إلاّ أن يبيّن الواقف    

صفحه 131
المسألة 42. لو وقف على فقراء قبيلة ـ كبني فلان ـ وكانوا ]محصورين [متفرّقين لم يقتصر على الحاضرين، بل يجب تتبّع الغائبين وحفظ حصّتهم للإيصال إليهم، ولو صعب إحصاؤهم يجب الاستقصاء بمقدار الإمكان وعدم الحرج على الأحوط. نعم، لو كان عدد فقراء القبيلة غير محصور ـ كبني هاشم ـ جاز الاقتصار على الحاضرين. كما أنّ الوقف لو كان على الجهة جاز اختصاص الحاضرين به، ولا يجب الاستقصاء.*
تفضيل طبقة على طبقة.

* الوقف على عنوان فقراء قبيلة معيّنة

الفرق بين هذه المسألة وما تقدّمها هو أنّ المحور في المسألة السابقة هو فقراء مكان معيّن، أي القاطنون فيه، وقد مرّ أنّهم بين محصورين وغير محصورين، وعُلم حكم كلّ منهما; وأمّا هذه المسألة فالموضوع الوقف على عنوان فقراء قبيلة معيّنة، سواء أكانوا قاطنين في مكان واحد أو لا، فالموضوع هو الانتساب إلى القبيلة، ولذلك لم يذكر المصنّف تواجدهم في مكان واحد، بل ركّز على صورة واحدة، وقال: «لو وقف على فقراء قبيلة ـ كبني فلان ـ وكانوا محصورين متفرّقين، لم يقتصر على الحاضرين ]في البلد[، بل يجب تتبّع الغائبين»، لما عرفت من أنّ المحور الانتساب إلى القبيلة وليس للمكان دور فيه.
وبما أنّ تتبع الغائبين يوجب الحرج، أضاف المصنّف وقال:   

صفحه 132
«ولو صعب إحصاؤهم، يجب الاستقصاء بمقدار الإمكان وعدم الحرج على الأحوط».
هذا ما يرجع إلى الحكم التكليفي وأمّا الحكم الوضعي فإن أمكن إيصال حصصهم إليهم فهو، وإلاّ يعامل معها معاملة أموال الغُيّب.
قلنا: إنّهم إذا كانوا متفرّقين لايجوز الاقتصار على الحاضرين في البلد، بل يجب تتبّع الغائبين، لكن الظاهر من مكاتبة علي بن محمد بن سليمان النوفلي جواز الاقتصار على الحاضرين.
الوقف على عنوان فقراء قبيلة معيّنة   
روى الكليني بسنده عن النوفلي قال: كتبت إلى أبي جعفر الثاني(عليه السلام)أسأله عن أرض وقفها جدّي على المحتاجين من ولد فلان بن فلان، وهم كثير متفرّقون في البلاد، فأجاب:«ذكرت الأرض التي وقفها جدّك على فقراء ولد فلان، وهي لمن حضر البلد الذي فيه الوقف، وليس لك أن تتبّع من كان غائباً».(1)
وأجاب السيد الطباطبائي عن الاستدلال بأنّها محمولة على صورة كون الوقف على جهة، وكون أولاد فلان مصرفاً له، ومن المعلوم أنّه لا يجب الاستيعاب في المصرف كما هو الحال في آية الزكاة.(2) لكن ما ذكر خلاف ظاهر الرواية، والأولى حمل الرواية على ما إذا صعب تتبّعهم بشهادة قوله: «وهم كثيرون متفرّقون في البلاد». فيدخل في الصورة
الثانية.   

1 . الوسائل:13، الباب8 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث1.
2 . ملحقات العروة الوثقى: 325.

صفحه 133
المسألة 43. لو وقف على المسلمين، كان لمن أقرّ بالشهادتين; إذا كان الواقف ممّن يرى أنّ غير أهل مذهبه أيضاً من المسلمين. ولو    
وحصيلة الكلام: يجب التتبّع حسب الإمكان العرفي إذا لم يستلزم الحرج.
ثمّ إنّ المصنّف استثنى من الاستيعاب صورتين:
1. لو كان عدد فقراء القبيلة غير محصور، كبني هاشم، جاز الاقتصار على الحاضرين.
لعدم إمكان الاستيفاء إمّا قصوراً في الموقوف وقلّة الغلّة، أو قصوراً في المتولّى لتفرّقهم في الشرق والغرب.
2. لو كان الوقف على الجهة وكان الأفراد مصارف للانتفاع بالوقف، جاز اختصاص الحاضرين به ولا يجب الاستقصاء. وقد اتّفق الفقهاء على أنّه لا يجب الاستيعاب للأصناف الثمانية الواردة في الذكر الحكيم:(إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)(1)، وذلك لأنّ الآية بصدد بيان مصرفها.
فظهر الفرق بين كون الوقف على العنوان فلابدّ من الاستيعاب العرفي إلاّ إذا كان عددهم غير محصور، وبين كونه وقفاً على الجهة وفرض الافراد مصرفاً فلا يجب الاستيعاب.

1 . التوبة:60.

صفحه 134
وقف الإمامي على المؤمنين اختصّ بالاثني عشرية، وكذا لو وقف على الشيعة.*
* في المسألة فروع ثلاثة:
1. لو وقف على المسلمين، فهل يختص بالمسلم الواقعي أو يعمّه وغيره؟
2. لو وقف الإمامي على المؤمنين.
3. لو وقف على الشيعة. وإليك دراسة الفروع.

الفرع الأوّل: لو وقف على المسلمين

إذا وقف على المسلمين، فقال الشيخ في نهايته: وإذا وقف المسلم شيئاً على المسلمين كان ذلك لجميع مَن أقرّ بالشهادتين، وأركان الشريعة من الصلاة والزكاة والصوم والحجّ والجهاد وإن اختلفوا في الآراء والديانات.(1) وإلى هذا أشار في المتن بشرط أن يكون الواقف ممّن يرى أنّ غير مذهبه أيضاً من المسلمين.
وخالفه ابن إدريس وقال: وهذا خبر واحد أورده الشيخ إيراداً لا اعتقاداً، لأنّا وإيّاه نراعي في صحّة الوقف التقرّب به إلى الله، وبعض هؤلاء لا يتقرّب الإنسان المحق بوقفه عليه.(2)
والحقّ أنّ في المقام صوراً ثلاثة:
1. لو قصد الواقف المسلم الواقعي، فلا يشمل مَن حكم بكفره   

1 . النهاية:597.
2 . السرائر:3/161.

صفحه 135
من الخوارج والنواصب والغلاة والمجسّمة والمرتدّ وكلّ مَن أنكر ضرورياً من ضروريات الدين، من غير فرق بين الرجال والنساء، والأطفال والمستضعفين.
2. لو قصد المسلم على مذهبه فيتبع مذهبه.
3. إذا لم يعلم أحد الأمرين، وأنّه هل أراد المسلم الواقعي أو المسلم الذي يكون مذهبه موافقاً لمذهب الواقف؟ فيُحمل على الثاني لكونه قرينة على المراد، وقد مرّ نظيره من أنّه إذا وقف على الفقراء، يحمل على الفقير الذي على مذهبه، فلو كان الواقف شيعياً يحمل على الشيعة، ولو كان سنّياً يحمل عليه. (1)
نعم استشكل السيد الطباطبائي على ما ذكرنا من تنظير المقام على ما لو وقف على الفقراء فيحمل على المسلم حسب عقيدته قائلاً بأنّه لا يلزم من ثبوته في لفظ الفقراء ثبوته في لفظ المسلمين، فإنّ إرادة الواقف، الوقف على جميع الفقراء على كثرتهم واختلاف مذاهبهم ومعتقداتهم وتشتّت آرائهم بعيد، فلا محالة ينصرف على الفقير الذي يكون مذهبه نفس مذهب الواقف، وهذا بخلاف الوقف على المسلمين فإنّ إرادة العموم لجميع فرقهم غير بعيد.(2) لأنّ عدد الفرق ليس في الكثرة مثل عدد المسلمين.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره في الوقف على المسلمين من إمكان   

1 . لاحظ: المسألة 40.
2 . ملحقات العروة الوثقى:326.

صفحه 136
إرادة العموم يجري في الوقف على الفقراء أيضاً، فإنّهم وإن كانوا كثيرين من حيث العدد لكن عدد فرقهم ونحلهم ومذاهبهم أقل بكثير من عددهم، فيكون الوقف على الفقراء والمسلمين على وزان واحد، فتكون عقيدة الواقف في كلا الموردين قرينة على التخصيص.
لو وقف الإمامي على المسلمين أو على الشيعة   

الفرع الثاني: لو وقف الإمامي على المسلمين

لو وقف الإمامي على المؤمنين اختصّ بالاثنى عشرية.
هذا هو المشهور من غير فرق بين الرجال والنساء والأطفال والمستضعفين منهم، ومن غير فرق بين العدول والفسّاق.وجهه، القرينة الداخلية، أعني: عقيدة الواقف.
قال في «الجواهر»: بل استقرّ المذهب الآن على ذلك، بل هو المحكي عن «التبيان» للشيخ قائلاً: إنّه كذلك عندنا، مشعراً بالاتّفاق عليه.(1)
وفي «الشرائع»: وقيل انصرف إلى مجتنبي الكبائر. والأوّل أشبه.(2)وفي «الجواهر»: القائل بالقول الثاني الشيخ.(3)
أقول: بما أنّ الواقف إمامي يكون قرينة على أنّ الموقوف عليه هو الشيعي الاثنا عشري عادلاً أم فاسقاً. ومذهب الواقف يُعدّ شهادة على تخصيص الموقوف عليه بجمع خاص.   

1 . جواهر الكلام:28/39.
2 . شرائع الإسلام:2/215.
3 . جواهر الكلام:28/39.

صفحه 137
هذا إذا كان الواقف إمامياً كما في فرض المصنّف، وإن كان من غيرهم فإن وقف على المؤمن الواقعي اختصّ بالاثنى عشرية، ولا يعتبر تخيّله أنّ المؤمن مطلق مَن كان مقرّاً باللسان ومصدّقاً بالجنان. ولو علم من حاله أنّه قصد من هو مؤمن باعتقاده اختصّ به.
الفرع الثالث: لو وقف الإمامي على الشيعة ينصرف إلى الاثنى عشرية، أقول: للشيعة إطلاقات في مصطلح الرجاليّين من السنّة:
1. تطلق ويراد به مَن يحب عليّاً(عليه السلام) في مقابل مَن يبغضه من الخوارج والنواصب. فالتشيّع بهذا المعنى أمر مشترك بين كافّة الطوائف إلاّ من عرفت.
2. تطلق على مَن يفضل عليّاً على عثمان مع القول بخلافة الأوّلين. فمن قدّمه يقال له: شيعي ومن أخّره يقال له عثماني، وهذا هو كثير الاستعمال في لسان الرجاليّين كالذهبي وغيره، يقول: فيه تشيّع، ويعد ذلك نوع حرج.
3. يطلق على مَن يعتقد بخلافة علي عن النبي بعد رحيله بلا فصل. والشيعي بهذا المعنى يفترق إلى زيدي وإسماعيلي واثنى عشري. خرج منهم الجارودية من الزيدية لأنّهم يعتقدون بخلافة الشيخين أيضاً. وفي مصطلح أهل السنّة يطلق على مثله الرافضي، فلا يختلط عليك الاصطلاح، وبما أنّ الواقف إمامي ينصرف إلى الاثنى عشرية.

صفحه 138
المسألة 44. لو وقف في سبيل الله يصرف في كلّ ما يكون وصلة إلى الثواب، وكذلك لو وقف في وجوه البرّ.*
الوقف على الأرحام والأقارب بلا ترتيب أو معه   

* الوقف في سبيل الله

إذا وقف في سبيل الله انصرف إلى كلّ ما يكون وصلة بحسب رضاه ونيل الثواب. وهنا قولان آخران:
الأوّل: ما عن ابن حمزة حيث قال: لو وقف على سبيل الله، ينصرف إلى المجاهدين، ولو وقف على سبيل البر ينصرف إلى الحجّ والعمرة والغزو ومصالح المسلمين ومعونة الضعفاء.(1)
الثاني: ما عليه الشيخ في «الخلاف»: إذا وقف وقفاً، وشرط أن يصرف منفعته في سبيل الله، جعل بعضه للغزاة المطوعة دون العسكر المقاتل على باب السلطان، وبعضه في الحج والعمرة لأنّهما من سبيل الله.(2)
أقول: لا إشكال أنّ لفظة «سبيل الله» ربما تستعمل في الجهاد، كما في قوله سبحانه:(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)(3)، وقوله سبحانه: (وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ)(4)، ومع ذلك يستعمل في المعنى الأعمّ أيضاً،   

1 . الوسيلة:37.
2 . الخلاف:3/545، المسألة 12.
3 . البقرة:218.
4 . البقرة:154.

صفحه 139
المسألة 45. لو وقف على أرحامه أو أقاربه فالمرجع العرف، ولو وقف على الأقرب فالأقرب كان ترتيبياً على كيفية طبقات الإرث.*
نظير قوله سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ)(1). ومع ذلك فالمتبادر في الأذهان في زماننا هذا كلّ عمل يُعد سبيلاً إلى كسب رضاه ونيل ثوابه، ومنه يظهر لو وقف في سبيل البر.

* الوقف على الأرحام والأقارب بلا ترتيب أو معه

فى المسألة فرعان:
1. إذا وقف على الأرحام والأقارب فالمرجع هو العرف الخاص، إذا كان موجوداً، أو العام إذا لم يكن فيكون قرينة على مراد الواقف. وتخصيصه بمن تجب صلته شرعاً أو يحرم قطعها كذلك لا يكون دليلاً على كونه مراد الواقف، إلاّ أن ينوي ذلك.
ثمّ إنّ تفسير الأرحام والأقارب بمَن تجب صلته، يزيد إبهاماً في الموضوع.
2. إذا وقف على الأقرب فالأقرب فالمرجع عند المصنّف وغيره طبقات الإرث، لكنّه موضع نظر وتأمّل; لأنّ الواقف كثيراً ما يكون غير واقف على طبقات الإرث حتى يكون قرينة على الحمل، وربّما يكون الأقرب فالأقرب عرفاً مخالفاً لما في طبقات الإرث، حيث إنّ ابن العم الأبويني مقدّم على العم الأبي في الإرث، ولكنّ العرف يقدّم العمّ،   

1 . الأنفال:36.

صفحه 140
المسألة 46. لو وقف على أولاده اشترك الذكر والأُنثى والخُنثى، ويُقسّم بينهم على السواء. ولو وقف على أولاد أولاده عمّ أولاد البنين والبنات، ذكورهم وإناثهم بالسوية.*
على ابن العمّ، فلو قلنا إنّ المرجع هو العرف، فهو الأقرب.

* لو وقف على أولاده

لو وقف على أولاده، يشترك فيه الذكر والأُنثى، لصدق الولد على الجميع، ومثله لو وقف على أولاد أولاده عمّ أولاد البنين والبنات، لنفس الدليل. وأمّا انتفاعهم بالسوية فهو مقتضى الإطلاق.
ما ذكره (قدس سره) وغيره مطابق لمقتضى اللغة، وأمّا العرف فيختلف، ففي بعض البلاد العربية اصطلاح خاص في موردين:
1. يطلق الولد ويراد به جنس الذكور لا الأُنثى.
2. يعدّون الأحفاد أولاداً لأنفسهم دون الأسباط ذكوراً كانوا أو إناثاً. وعليه قول القائل:
بنونا بنو أبنائنا وبناتنا(1) *** بنوهن أبناء الرجال الأباعد
وحصيلة الكلام: تارة في مفهوم الولد لغة وقرآناً، وأُخرى ما هو المفهوم من كلام الواقف؟
لو قال: وقفت على ذريتي   
أمّا الأوّل: فلا شكّ أنّ الولد لغة وقرآناً يستعمل في الأعمّ، فأولاد البنات، أولاد الرجل أيضاً، والشاهد على ذلك قوله سبحانه:(يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ)(2)، وهو يشمل كلتا الطائفتين، وقد   

1 . أي بنو بناتنا.   2 . النساء:11.

صفحه 141
المسألة 47. لو قال:«وقفت على ذرّيتي» عمّ البنين والبنات وأولادهم بلا واسطة ومعها ذكوراً وإناثاً، وتشارك الطبقات اللاحقة مع السابقة، ويكون على الرؤوس بالسويّة. وكذا لو قال:«وقفت على أولادي وأولاد أولادي» فإنّ الظاهر منهما التعميم لجميع الطبقات أيضاً. نعم لو قال:«وقفت على أولادي، ثم على الفقراء»، أو قال:«وقفت على أولادي وأولاد أولادي، ثمّ على الفقراء» فلا يبعد أن يختصّ بالبطن الأوّل في الأوّل، وبالبطنين في الثاني، خصوصاً في الصورة الأُولى.*
عدّ سبحانه المسيح من ذرية إبراهيم(1)، والحسنان من أولاد الرسول.
أمّا الثاني فيُتبع العرف الحاكم في عرف الواقف فربّما يكون أعمّ، وأُخرى أخص.
* في المسألة فروع خمسة:
1. لو قال: وقفت على ذرّيتي.
2. لو قال: وقفت على أولادي (وهذا لم يذكره المصنّف وهو موجود في الأصل).(2)
3. لو قال: وقفت على أولادي وأولاد أولادي.
4. لو قال: وقفت على أولادي ثمّ على الفقراء.   

1 . لاحظ: الأنعام:85.
2 . وسيلة النجاة للسيد أبي الحسن الإصفهاني(قدس سره)(1273ـ 1365هـ).

صفحه 142
لو قال: وقفت على أولادي ثم على الفقراء   
5. لو قال: وقفت على أولاد أولادي ثمّ على الفقراء.
أمّا الفرع الأوّل: إذا قال: وقفت على ذرّيتي، فلا شكّ أنّه يعمّ البنين والبنات وأولادهم بلا واسطة بينهما، ومعها ذكوراً وإناثاً، وتشارك الطبقات اللاحقة مع السابقة، أخذاً بعموم اللفظ(الذرية)، كما أنّ المنفعة تقسّم على الرؤوس بالسوية.
كلّ ذلك لظهور لفظ الذرية في عامّة الطبقات وفي عامّة الأجناس.
كما أنّ الإطلاق مقتضى التسوية.
إنّما الكلام في الفرعين الآتيين:
الفرع الثاني: لو قال: وقفت على أولادي.
الفرع الثالث: لو قال: وقفت على أولادي وأولاد أولادي
أقول: إنّ في الفرعين قولين:
1. أنّ الأوّل ينصرف إلى الصلبي، فلا يشمل أولاد الأولاد إلاّ مع القرينة، كما أنّ الثاني يشمل الصلبي وغير الصلبي لكن يختصّ بالبطنين ولا يتعدّى إلى المرتبة الثالثة، وهكذا إلاّ مع القرينة. هذا هو المشهور، ودليلهم هو سكوت الواقف وعدم ذكر شيء من الطبقة اللاحقة.
2. شموله لعامّة الطبقات. وهو خيرة المفيد قال: وإذا وقف الإنسان ملكاً على ولده كان لولده الذكور والإناث وولد ولدهم(1). وتبعه ابن   

1 . المقنعة:653.

صفحه 143
البراج في «المهذب»(1)، والحلّي في «السرائر»(2)، وهذا هو الظاهر كما عليه المصنّف حيث قال: فإنّ الظاهر منهما التعميم لجميع الطبقات أيضاً. ويشهد على ذلك أنّ الغالب في الوقف على الأولاد إرادة الدوام، فليس الوقف على الأولاد إلاّ كالوقف على الذرية. اللّهمّ إلاّ إذا كان الواقف ممّن يرى أنّ ولد الولد ليس بولد حقيقة، فيشكّل قرينة على اختصاص الوقف بالولد الصلبي.
ما ذكرناه من القولين وإن كانا وجيهين إلاّ أنّ الأظهر هو القول الثالث وهو عدم وجود ضابطة في المقام، بل ربّما يختلف حسب اختلاف البلاد والأقوام، ولذلك نرى أنّ الفقيه الشيخ محمد رضا آل ياسين يرجّح القول الأوّل ويقول: هذا هو الذي عليه العرف العام اليوم في بلادنا ونحوها. ولكن السيد الحجّة يقول في هذا الصدد: تختلف موارد الاستعمال والظهور في ذلك.
الفرع الرابع والخامس: لو قال: وقفت على أولادي ثم على الفقراء، أو قال: وقفت على أولادي وأولاد أولادي ثم على الفقراء، فلعلّ تحديد الوقف الأوّل بذكر الفقراء بعده يشكّل قرينة على اختصاص الوقف بالبطن الأوّل في الأوّل، وبالبطنين في الثاني بعد انقراض الأوّل.

1 . المهذب:2/89.
2 . السرائر:3/157.

صفحه 144
الوقف على الأولاد الذكور   
المسألة 48. لو قال:«وقفت على أولادي نسلاً بعد نسل وبطناً بعد بطن»، فالظاهر المتبادر منه عرفاً أنّه وقف ترتيب، فلا يشارك الولد أباه ولا ابن الأخ عمّه.*
المسألة 49. لو علم من الخارج وقفية شيء على الذرية، ولم يعلم أنّه وقف تشريك أو ترتيب، فالظاهر فيما عدا قسمة الطبقة الأُولى الرجوع إلى القرعة.*
* ذكر المصنّف أنّ هذا النوع من الوقف وقف ترتيب فلعلّ لفظة «بعد» شاهد على ذلك، ومع ذلك فيمكن أن يقال: إنّ لفظة «بعد» كما تصلح لبيان الترتيب تصلح لبيان التأبيد فلا ظهور في الترتيب، ولذلك نرى أنّ سيدنا الأُستاذ السيد الحجّة يقول: ليس لهذا الظهور كلّية بل تختلف الموارد.

* لو شكّ في كيفية الوقف

لو شكّ في أنّ الوقف هل هو وقف ترتيب أو وقف تشريك، وأنّ غلّة الوقف للطبقة الأُولى كالآباء فقط، أو تشملهم والأبناء. فلا شكّ أنّ نصف الغلّة للطبقة الأُولى، إنّما الكلام في النصف الآخر فهل هو لها أو للطبقة اللاحقة؟ فعندئذ يقرع بالنسبة إلى السهم المشكوك؟ وهذا هو مراد المصنّف من قوله: «فيما عدا قسمة الطبقة الأُولى الرجوع إلى القرعة»، أمّا الرجوع إلى القرعة فإنّ القدر المتيقّن من مورد أخبار القرعة هو وجود التشاحّ والتنازع كما هو الحال في المقام، فيعمّه قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «ليس من    

صفحه 145
المسألة 50. لو قال: «وقفت على أولادي الذكور نسلاً بعد نسل» يختصّ بالذكور من الذكور في جميع الطبقات، ولا يشمل الذكور من الإناث.*
قوم تنازعوا ثم فوّضوا أمرهم إلى الله إلاّ خرج سهم المحق».(1) والرواية متضافرة.

* الوقف على الأولاد الذكور

ما استظهره المصنّف من اختصاصه بالذكور من الذكور، مبنيّ على أنّ تقدّم «الذكور» في العبارة قرينة على أنّ اختصاص اتّصالهم بالواقف من هذه الناحية فلا يشمل أولاد البنات حتى الذكور منهم، إذ ليس اتّصالهم منها.
لكنّه دقّة عقلية، ولعلّ بين بعض الناس من يعدّ ولد البنت الذكر من أولاد أبيها، فيقول: فلان مـن جانب الأُمّ من نسل فلان يُسمّى أبا أمّه،
ومن جانب الأب من نسل فلان آخر ويُسمّى أبا أبيه.
وممّا ذكرنا يظهر عدم تمامية ما ذكره المحقّق في «الشرائع»، حيث فرّق بين الوقف على الأولاد والوقف على مَن انتسب إلى الواقف، قال: إذا وقف على أولاد أولاده اشترك أولاد البنين والبنات، ذكورهم وأُناثهم من غير تفضيل، وأمّا لو قال: مَن انتسب إليّ منهم لم يدخل أولاد البنات.(2)ففرّق بين لفظ الأولاد ولفظ الأنساب، فالأوّل يعمّ الجميع بداهة أنّ   

1 . الوسائل:18، الباب13 من أبواب كيفية الحكم، الحديث5.
2 . شرائع الإسلام:2/219.

صفحه 146
المسألة 51. لو كان الوقف ترتيبياً كانت الكيفية تابعة لجعل الواقف، فتارة: جعل الترتيب بين الطبقة السابقة واللاحقة، ويراعى الأقرب فالأقرب إلى الواقف، فلا يشارك الولد أباه، ولا ابن الأخ عمّه وعمّته، ولا ابن الأُخت خاله وخالته. وأُخرى: جعل الترتيب بين خصوص الآباء من كلّ طبقة وأبنائهم، فإذا كانت إخوة ولبعضهم أولاد لم يكن للأولاد شيء مادام حياة الآباء، فإذا توفّي الآباء شارك الأولاد أعمامهم، وله أن يجعل الترتيب على أيّ نحو شاء، ويتّبع.*
الأئمّة الأحد عشر(عليهم السلام) من أولاد الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم). وأمّا النسبة فقد منع ولعلّه لعرف بين العشائر حيث لا يعدّون أولاد البنت ممّن ينتسب إليهم، بل ينتسب إلى عشيرة زوج البنت.
وبالجملة فالمتّبع هو الأعراف الموجودة في عرف الواقف.
* لو كان الوقف على وجه الترتيب كانت الكيفية تابعة لجعل الواقف.
الترتيب بين الطبقات   

الترتيب بين الطبقات

فتارة: يجعل الترتيب بين الطبقة السابقة والطبقة اللاحقة، ويكون معنى ذلك أنّه لو وجد نفر واحد من الطبقة السابقة لا تصل النوبة إلى اللاحقة، وهذا ما يعبّر عنه الأقرب فالأقرب إلى الواقف، ويترتّب على ذلك الفروع التالية:   

صفحه 147
1. لا يشارك الولد أباه، لأنّ الأب من الطبقة السابقة والولد من اللاحقة، والأوّل أقرب إلى الواقف.
2. لا يشارك ابنُ الأخ عمَّه وعمَّته، لأنّهما من السابقة وهو من اللاحقة، وهما أقرب إلى الواقف.
3. لا يشارك ابن الأُخت خاله وخالته، لأنّ الخال والخالة من الطبقة السابقة وهو من الطبقة اللاحقة، وهما أقرب إلى الواقف.

ترتيب من جهة وتشريك من أُخرى

وأُخرى: يجعل الترتيب بين خصوص الترتيب بين الآباء من كلّ طبقة وأبنائهم، بمعنى أنّه مادام الأب موجوداً لا يرث الابن، وأمّا أنّ ابنه لا يشارك الآخرين الذين هم في طبقة الأب فلا يدلّ عليه، بل الترتيب بين الأب والولد فقط، ويترتّب عليه الفرع التالي:
إذا كانت إخوة ولبعضهم أولاد لم يكن للأولاد شيء مادام الآباء على قيد الحياة، فإذا فرضنا أنّ الآباء توفّوا، شارك الأولادُ أعمامَهم لما مرّ من أنّ الترتيب أي التقدّم والتأخّر بين الأب والولد، لا بين الولد وغيرهم ممّن كانوا في طبقة الأب.... فهو من جانب وقف ترتيبي(بين الوالد والولد) ومن جانب آخر وقف مشاركة بين ولد الولد وعمّه.
والحاصل: أنّ لحاظ الترتيب بين الطبقة السابقة واللاحقة يمنع مشاركة ما هو في اللاحقة مع مَن في السابقة، وإن بقي منهم شخص واحد، وأمّا لحاظ الترتيب لا بين الطبقات، بل بين الأب والولد، وهذا يمنع    

صفحه 148
المسألة 52. لو قال:«وقفت على أولادي طبقة بعد طبقة، وإذا مات أحدهم وكان له ولد فنصيبه لولده»، فلو مات أحدهم وله ولد يكون نصيبه له، ولو تعدّد الولد يقسّم نصيبه بينهم على الرؤوس، وإذا مات من لا ولد له فنصيبه لمن كان في طبقته، ولا يشاركهم الولد الذي أخذ نصيب والده.*
مخالفة طبقات الإرث   
مشاركة الولد مع الأب فقط لا مشاركته مع غيره.

مخالفة طبقات الإرث

ومنه يعلم: أنّ المتَّبع ما ورد في لسان الواقف، سواء أوافق مع طبقات الإرث أو لا، ولذلك يمكن أن يقف على أولاده الذكور ولو انقرضوا فهو للإناث من أولاده، وله أن يفضّل بعض أولاده على بعض آخر، فالوقوف حسب ما يقفها أهلها.
* إيضاح المسألة رهن الإشارة إلى أمرين:
1. عنوان المسألة في كلام الماتن وهو:«وقفت على أولادي طبقة بعد طبقة، وإذا مات أحدهم وكان له ولد فنصيبه لولده».
2. الفروع المتفرّعة على المتن:
أ. فلو مات أحدهم وله ولدٌ، يكون نصيبه له.
لا يخفى أنّه تكرار لما في عنوان المسألة، لأنّه تقدّم بلفظه فيه، لكنّه(رحمه الله)أتى به ليرتّب عليه الفرع التالي.   

صفحه 149
ب. ولد تعدّد الولد يقسّم نصيبه بينهم على الرؤوس.
ج. وإذا مات مَن لا ولد له فنصيبه لمَن كان في طبقته، ولا يشاركهم الولد الذي أخذ نصيب والده.
إذا تبيّن ذلك فلندخل في بيان الفروع المذكورة:
1. لو مات أحدهم وله ولد يكون نصيبه له، لما عرفت من أنّ الترتيب بينهما، والمفروض توفّي الوالد، فتصل النوبة إلى الولد.
2. لو تعدد الولد يقسّم نصيب الوالد بينهم على الرؤوس لا كالميراث لأنّه ليس تركة وإنّما هو تمليك من الواقف على الأولاد.
3. إذا مات من لا ولد له ومات قبله من له ولد فنصيبه لمن كان في طبقته، ولا يشاركهم الولد الذي أخذ نصيب والده، حتى ولو كانوا متعدّدين، ويكون نصيب المتوفّى لمن هو في طبقته(الوالد) أخذاً بقوله: وقفت على أولادي طبقة بعد طبقة، فمع وجود نفر واحد من الطبقة السابقة، لا يشاركه من ليس في طبقته، وإنّما يشاركه من في طبقته.
وبما ذكرنا من التفصيل ظهر الفرق بين هذه المسألة وما تقدّم في المسألة 48، حيث إنّ الولد لا يشارك أباه، ولو توفّي الأب لا يشارك عمّه الذي هو أخ الميت; لأنّ التعبير هنا كان بالنحو التالي: وقفت على أولادي نسلاً بعد نسل وبطناً بعد بطن، فالمتبادر من العبارة كما مرّ أنّه وقف ترتيب لا مشاركة; بخلاف المقام فقد صرّح بأنّه إذا مات أحدهم وكان له ولد فنصيبه لولده، فعندئذ يشارك الولد الأعمام للتصريح بذلك.

صفحه 150
المسألة 53. لو وقف على العلماء انصرف إلى علماء الشريعة، فلا يشمل غيرهم كعلماء الطبّ والنجوم والحكمة.*
المسألة 54. لو وقف على أهل مشهد ـ كالنجف مثلاً ـ اختصّ بالمتوطّنين والمجاورين، ولا يشمل الزوّار والمتردّدين.**
لو وقف على المشتغلين بالعلوم الدينية في النجف   

* لو وقف على العلماء

لانصرافه إلى عالم الشريعة، أي مَن عرف الشريعة من غير فرق بين كونه مجتهداً مطلقاً أو متجزّئاً في اجتهاده، أو إمام مسجد يُعلّم الناس الشريعة. نعم لو كان طبيباً وعالماً بالشريعة يشمله عنوان الوقف.

** لو وقف على أهل مشهد

لو وقف على أهل مشهد كالنجف، ذكر المصنّف ـ تبعاً للأصل ـ أنّه يختصّ بالمتوطّنين والمجاورين ولا يشمل الزوّار والمتردّدين، لعدم صدق العنوان على الأخيرين، إنّما الكلام في صدق الكلام على المجاورين، فهو موضع تأمّل. إذ لا يقال للمجاور أنّه نجفيّ، اللّهمّ إلاّ إذا أطال السكن فيها بحيث يُعدّ من أهلها. ثمّ إنّ المراد من كون النجف وطناً له أعمّ من الوطن الأصلي أو الوطن المستجدّ، كما إذا أعرض عن وطنه وقصد الإقامة فيه، ولا يعمّ مَن أقام فيه قاصداً الرجوع إلى وطنه وإن طالت إقامته.

صفحه 151
المسألة 55. لو وقف على المشتغلين في النجف ـ مثلاً ـ من أهل بلد كطهران أو غيره، اختصّ بمَن هاجر من بلده إليه للاشتغال، ولا يشمل مَن جعله وطناً له معرضاً عن بلده.*
المسألة 56. لو وقف على مسجد، فمع الإطلاق صرفت منافعه في تعميره وضوئه وفرشه وخادمه، ولو زاد شيء يُعطى لإمامه.**

* لو وقف على المشتغلين بالعلوم الدينية في النجف

لو وقف على المشتغلين في النجف بالعلوم الدينية، قال المصنّف بأنّه اختصّ بمَن هاجر من بلده إليه للاشتغال، وهو بصدد الرجوع إلى وطنه، ولا يشمل مَن جعله وطناً له معرضاً عن بلده. وفيه تأمّل، لأنّ مَن هاجر من إيران للدراسة واشتغل بها في السنوات الأُولى ثم قصد التوطّن مع الاشتغال بها تعلّماً أو تعليماً، يصدق عليه المشتغل بالنجف فيعمّه الوقف وإن كان متوطّناً بها. بل لا يبعد شموله للمتوطن إذا كان مشتغلاً بالتحصيل.

** لو وقف على مسجد

لو وقف شيئاً على مسجد، صرفت منافعه في الأُمور الأربعة المذكورة في المتن، ويضاف إليه مؤذن المسجد إذا كان معيّناً للتأذين ليل نهار، فإنّ أخذ الأُجرة على الأذان حرام، ولكن الوقف على المؤذّن لا إشكال فيه. ولو زاد شيء يُعطى لإمام المسجد، أخذاً بنيّة الواقف، إذ   

صفحه 152
المسألة 57. لو وقف على مشهد، يصرف في تعميره وضوئه وخدّامه المواظبين لبعض الأشغال اللازمة المتعلّقة به.*
المسألة 58. لو وقف على سيّد الشهداء(عليه السلام) يُصرف في إقامة تعزيته; من أُجرة القارئ وما يُتعارف صرفه في المجلس للمستمعين وغيرهم.**
تغيير الوقف بعد تمامية العقد   
هو الأقرب لها. بل يمكن أن يقال: إنّه منهم لأنّ عمارة المسجد المعنوية به.

* لو وقف على مشهد

لو وقف على مشهد، يصرف في تعميره وضوئه وغير ذلك ممّا ذكر في المتن، غير أنّ الوضع السائد يستدعي أُموراً أُخرى كوسائل التدفئة والتبريد، والمرافق الصحية إلى غير ذلك ممّا يحتاج إليه المشهد، والمحل لحفظ أمواله.
هذا كلّه إذا وقف على المشاهد وأمّا إذا وقف على أصحابها كأئمّة أهل البيت(عليهم السلام) فيصرف في رفع حاجات الفقراء بنية النيابة عنهم حتى يصل ثوابه لأصحابها، إذ لا طريق لإيصال الموقوف إليهم إلاّ هذا.

** لو وقف على سيد الشهداء(عليه السلام)

المتبادر ما هو الموجود في المتن من إقامة التعزية وما تتوقّف عليه الإقامة من أُجرة القارئ وما يتوقّف صرفه في المجلس للمستمعين،    

صفحه 153
المسألة 59. لا إشكال في أنّه بعد تمامية الوقف، ليس للواقف التغيير في الموقوف عليه; بإخراج بعض مَن كان داخلاً أو إدخال مَن كان خارجاً; إذا لم يشترط ذلك في ضمن عقد الوقف. وهل يصحّ ذلك إذا شرطه؟ لا يبعد عدم الجواز مطلقاً; لا إدخالاً ولا إخراجاً، فلو شرط ذلك بطل شرطه، بل الوقف على إشكال، ومثل ذلك لو شرط نقل الوقف من الموقوف عليهم إلى من سيوجد. نعم، لو وقف على جماعة إلى أن يوجد من سيوجد، وبعد ذلك كان الوقف على من سيوجد، صحّ بلا إشكال.*
بشرط أن لا يتجاوز عن المتعارف.
* المسألة تشتمل على فروع أربعة:
الأوّل: هل للواقف إخراج بعض مَن كان داخلاً أو إدخال من كان خارجاً بلا شرط في صيغة الوقف؟
الثاني: إذا اشترط أنّ له إخراج مَن يريد.
الثالث: إذا اشترط أنّ له إدخال مَن يريد.
الرابع: إذا اشترط نقل الوقف من الموقوف عليه إلى مَن سيوجد؟
فلنبدأ بدراسة الفروع:

الفرع الأوّل: تغيير الوقف بعد تمامية العقد

لا يجوز تغيير الوقف بالإخراج أو الإدخال أو التشريك أو غير ذلك بدون الشرط في ضمن العقد; لأنّ المفروض أنّ الوقف تمّ بعامّة   

صفحه 154
أجزائه وصار العمل به لازماً، فالإخراج والإدخال أو التشريك إلغاء للعمل بالوقف، ولكن الشيخ قال في «النهاية»: فإن وقف على ولده الموجودين وكانوا صغاراً ثم رُزق بعد ذلك أولاداً جاز أن يدخلهم معهم فيه، ولا يجوز له أن ينقله عنهم بالكلّية إليهم.(1)
وعن القاضي تقييده بشرط عدم قصره ابتداء على الموجودين.(2)
أقول: الظاهر أنّ العبارة الموجودة في «النهاية» قابلة للتأويل، وهو أنّه وقف على الأصاغر بصورة عنوان كلّي وطبّقه على الموجودين، فأشار إلى جواز إشراك مَن يولد من الأولاد، وبهذا أوّل القاضي.
وعلى كلّ تقدير ليس للواقف أن يتدخّل في التشريع بعد ما تمّ. نعم ربّما يستدلّ بالجواز بجملة من الأخبار، وهي روايات يناهز عددها الخمس.
1. صحيح علي بن يقطين، قال: سألت أبا الحسن(عليه السلام) عن الرجل يتصدّق على بعض ولده بطرف من ماله ثمّ يبدو له بعد ذلك أن يدخل معه غيره من ولده؟ قال: «لا بأس بذلك».(2)
2. صحيح عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد الله(عليه السلام) في الرجل يجعل لولده شيئاً وهم صغار ثم يبدو له أن يجعل معهم غيرهم من ولده؟ قال:«لا بأس».(3)   

1 . النهاية: 556.   2 . المهذب: 2 / 89 .
2 . الوسائل:13، الباب5 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث1.
3 . الوسائل:13، الباب5 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث3.

صفحه 155
3. خبر محمد بن سهل عن أبيه قال: سألت أبا الحسن الرضا(عليه السلام)عن الرجل أن يتصدّق على بعض ولده، بطرف من ماله، ثم يبدو له بعد ذلك أن يدخل معه غيره من ولده؟ قال:«لا بأس».(1)
4. ما رواه عبد الله بن جعفر في «قرب الإسناد» عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى(عليه السلام)قال: سألته عن رجل تصدّق على ولده بصدقة ثم بدا له أن يدخل غيره فيه مع ولده، أيصلح ذلك؟ قال: «نعم يصنع الوالد بمال ولده ما أحبّ، الهبة من الولد بمنزلة الصدقة من غيره».(2)
يلاحظ على الأوّل: بأنّه معارض بما في ذيل الرواية، قال: وعن الرجل يتصدّق ببعض ماله على بعض ولده ويبيّنه لهم، أله أن يدخل معهم من ولده غيرهم بعد أن أبانهم بصدقة؟ قال: «ليس له ذلك إلاّ أن يشترط أنّه من ولد له فهو مثل مَن تصدّق عليه فذلك له».
ويمكن الجمع بين الروايتين بحمل الأُولى بما إذا لم يقبض الوقف، والثانية على صورة الإقباض بشهادة قوله:«ويبيّنه لهم»، وقوله:«بعد أن أبانهم بصدقة». وربّما يكون هذا قرينة على حمل كلّ ما دلّ على الجواز على صورة عدم القبض.
ويلاحظ على الثاني: بأنّه ليس ظاهراً في الوقف حيث قال: «جعل لولده شيئاً» وهو أعمّ من الوقف.
ويلاحظ على الثالث: أنّه خبر لا يحتجّ به في مقابل القواعد،   

1 . الوسائل:13، الباب5 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث2.
2 . الوسائل:13، الباب5 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث5. ولاحظ: قرب الإسناد:285.

صفحه 156
وعلى فرض الصحّة يحمل على ما إذا لم يقبض ولم يتم الوقف.
ويلاحظ على الرابع: بمثل ذلك. وعلى كلّ تقدير فلا يحتجّ بهذه الروايات في مقابل القواعد الشرعية، فالعمل على القول المشهور.

الفرع الثاني: لو شرط إخراج مَن يُريد

قال المحقّق: لو شرط إخراج مَن يُريد بطل الوقف.(1)
وفي «المسالك»: هذا عندنا موضع وفاق.(2) ثم استدلّ عليه بما يلي:
1. أنّ وضع الوقف على اللزوم، وإذا شرط إخراج مَن يريد من الموقوف عليه كان منافياً لمقتضى الوقف.
2. أنّه بمنزلة اشتراط الخيار، والوقف لا يقبل الخيار.
أقول: أمّا الوجه الأوّل فيلاحظ عليه بأنّ مقتضى الوقف، اللزوم حسب ما وقفه الواقف، فإذا احتفظ لشخصه إخراج مَن يريد يكون لازماً بهذا الوصف، فلو لم يُخرج أحداً لبقي على لزومه.
لو شرط إدخال من يريد   
وأمّا الوجه الثاني فيلاحظ عليه: أنّ شرط الخيار بعيد عن لفظ الواقف، إذ لا يريد إبطال الوقف بل يحفظه، غاية الأمر يخرج مَن يريد من الأفراد، كما أنّ التمسّك بعموم قوله: «الوقوف حسب ما يوقفها أهلها» على الصحّة غير مفيد من قبيل التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية، فإنّ الشكّ إنّما هو في صحّة هذا النوع من الوقف حتى يشمله العموم.
إذا عرفت ذلك: فالحقّ التفصيل بين الإخراج والخروج الطبيعي.   

1 . شرائع الإسلام: 2 / 217.   2 . مسالك الأفهام: 5 / 368.

صفحه 157
أمّا الأوّل فبأن يشترط في متن العقد بأنّ بيده إخراج مَن دخل في عنوان الموقوف عليهم، إذ معناه أنّ بيده سلطنة الإخراج، فإنّه أمر مخالف للسيرة وبحاجة إلى دليل حتى يشمله قوله:«الوقوف حسب ما يقفها أهلها».
وأمّا الثاني بأن يأخذ في العقد عنواناً يسبّب خروج بعض الأفراد طبعاً، كما إذا قال: وقفت على أولادي إلى أن يصيروا أغنياء، أو ما داموا فقراء. فإذا صار مثل هذا صحيحاً فيخرج الغني، وهذا من مقولة الخروج الطبيعي لعدم شمول عنوان الأولاد الفقراء على الأغنياء منهم. وأمّا الأوّل فهو من قبيل الإخراج، أي إعطاء السلطة للواقف أن يخرج مَن كان داخلاً، فهو مع كونه بعيداً ومخالفاً للسيرة، يحتاج إلى دليل.

الفرع الثالث: إدخال مَن يريد

هذا هو الفرع الثالث من المسألة، مقابل إخراج مَن يريد، قال المحقّق: ولو شرط إدخال مَن سيولد مع الموقوف عليه جاز، سواء وقف على أولاده أو على غيرهم.(1)
وممّا ذكرنا في الفرع الثاني يظهر حال هذا الفرع، فإنّهما يرتضعان من ثدي واحد. فإن أراد من الشرط سلطنة الإدخال إليه، فلا شكّ أنّ الشرط باطل لما عرفت من كونه على خلاف السيرة والشكّ في دخول مثل هذا تحت العام، وأمّا إذا أراد الدخول من دون حاجة إلى إدخاله كما إذا   

1 . شرائع الإسلام:2/217.

صفحه 158
وقف على أولاده الحاضرين ومَن سيولد فإنّه دخول بلا حاجة إلى إدخال، ومنه يظهر النظر في كلام المحقّق، فإنّه منع الإخراج على وجه الإطلاق، ولكن جوّز الإدخال كذلك، مع أنّ الفرعين من باب واحد، فإن أراد أنّ سلطنة الإخراج والإدخال بيده فالمتجه البطلان فيهما، وإن أراد إنشاء الوقف على نحو يتحقّق الخروج والدخول بنفسهما، من دون حاجة إلى عمل الواقف، فهذا صحيح، وقد مرّت صحّة قول الواقف: وقفت على أولادي ما داموا فقراء، فيخرج الولد الغني، ويبقى الفقير، هذا في الإخراج; وأمّا في الإدخال فيصحّ أن يقول: وقفت هذه الدار على أولادي الحاضرين مَن سيوجد أو سيولد مع الموجود.
وممّا ذكرنا يظهر ضعف ما أُورد على الفرع الثالث قائلاً: بأنّ مقتضى ذلك نقصان حصة الموقوف عليه، فيكون إبطالاً للوقف في ذلك البعض.
يلاحظ عليه: بأنّ سهمه من الوقف من أوّل يومه لم يكن محدّداً بكمٍّ خاص حتى يسبّب وجود مَن سيولد في المستقبل، طروء النقص عليه، بل سهمه يتغيّر حسب كثرة الأفراد وقلّتهم.
لو شرط النقل عن الموقوف عليهم   
ولقد أحسن صاحب الجواهر في تنقيح الفرعين فقال: فالأصحّ الصحّة مع جعل الإرادة وصفاً للدخول والخروج، فيدخل ويخرج مَن اتّصف بها من غير إدخال وإخراج منه، كما أنّ المتّجه عدمها مع اشتراط الإدخال والإخراج بمعنى جعل السلطنة إليه في الإدخال والإخراج.(1)
وعلى ما ذكرنا من التفصيل لابدّ من تنزيل ما رواه الصدوق في   

1 . جواهر الكلام:28/79.

صفحه 159
«كمال الدين» عن الحسين بن إسماعيل الكندي، عن أبي ظاهر البلالي قال: كتب جعفر بن حمدان: استحللت بجارية ـ إلى أن قال ـ : ولي ضيعة قد كنت قبل أن تصير إليّ هذه المرأة سبّلتها على وصاياي وعلى سائر ولدي على أنّ الأمر في الزيادة والنقصان منه إليّ أيام حياتي، وقد أتت بهذا الولد فلم ألحقه في الوقف المتقدّم المؤبّد، وأوصيت إن حدث بي حدثُ الموت أن يجري عليه مادام صغيراً، فإن كبر أُعطي من هذه الضيعة حمله (جملة ن) مائتي دينار غير مؤبّد، ولا تكون له ولا لعقبه بعد إعطائه ذلك في الوقف شيء، فرأيك أعزّك الله؟ فورد جوابها ـ يعني من صاحب الزمان(عليه السلام) ـ : أمّا الرجل الذي استحلّ بالجارية ـ إلى أن قال: ـ وأمّا إعطاؤه المائتي دينار وإخراجه من الوقف، فالمال ماله فعل فيه ما أراد».(1) فلابدّ من حمله على ما إذا لم يقبض ولم يتمّ الوقف بعد.

الفرع الرابع: لو شرط النقل عن الموقوف عليهم

قال المحقّق: لو شرط نقله عن الموقوف عليهم إلى مَن سيولد، لم يجز وبطل الوقف.(2)
والفرق بين هذا الفرع وما تقدّم واضح، ففي الفرع الثالث إدخال وتشريك، وأمّا المقام ففيه نقل وحرمان للموقوف عليهم سابقاً، فالأولى أن يمثّل بقوله: هذا وقف على أولادي سنة، ثم على المساكين، أو قوله:    

1 . الوسائل:13، الباب5 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث4.
2 . شرائع الإسلام:2/217.

صفحه 160
المسألة 60. لو علم وقفية شيء ولم يعلم مصرفه ـ ولو من جهة نسيانه ـ فإن كانت المحتملات متصادقة غير متباينة يُصرف في المتيقّن، كما إذا لم يدرِ أنّه وقف على الفقراء أو الفقهاء، فيقتصر على مورد تصادق العنوانين. وإن كانت متباينة، فإن كان الاحتمال بين أُمور محصورة، كما إذا لم يدر أنّه وقف على المسجد الفلاني أو المشهد الفلاني، أو فقراء هذا البلد أو ذاك، يقرع ويعمل بها. وإن كان بين أُمور غير محصورة، فإن كان بين عناوين وأشخاص غير محصورة، كما علم أنّه وقف على ذرّية أحد أفراد المملكة الفلانية، ولا طريق إلى معرفته، كانت منافعه بحكم مجهول المالك، فيتصدّق بها بإذن الحاكم على الأحوط، والأولى أن لا يخرج التصدّق عن المحتملات مع كونها مورداً له. وإن كان مردّداً بين الجهات غير المحصورة، كما إذا علم أنّه وقف على جهة من الجهات; ولم يعلم أنّها مسجد أو مشهد أو قنطرة أو تعزية سيّد   
إذا تعذّر صرف منافع الموقوف   
وقفت على أولادي مدّة حياتي، ثمّ بعد مماتي للمساكين، والتحقيق فيه ما سبق في الفرعين السابقين.
فإن أراد النقل بنفسه فلا يصحّ إذ ليس التشريع بيده، وإن أراد الانتقال حسب مرور الزمان وظهور العنوانات وتواليها بحيث يكون الانتقال أمراً قهرياً، فالظاهر الصحّة.
وما ذكرناه من التفصيل هو خيرة الماتن أيضاً، فلاحظ.

صفحه 161
الشهداء(عليه السلام) أو إعانة الزوّار وهكذا، تصرف المنافع في وجوه البرّ بشرط عدم الخروج عن مورد المحتملات.*

* إذا تعذّر صرف منافع الموقوف

في المسألة فروع:
1. لو عُلمت وقفية شيء، ولم يُعلم مصرفه من جهة الجهل به أو نسيانه من الأوّل أو في الأثناء، لم يحكم ببطلانه بلا إشكال لإفتراض أنّ الوقف كان جامعاً للشرائط، ولكن طرأ الجهل بالمصرف.
2. إذا كانت المحتملات متصادقة غير متباينة قابلة للاجتماع يصرف في المتيقّن، كما إذا دار أمر الوقف بين كونه وقفاً على الفقراء أو الفقهاء، فيصرف في المجمع بين العنوانين، أخذاً بأنّ الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية، والمفروض أنّها أمر ممكن.

إذا كانت المحتملات محصورة

3. إذا كانت المحتملات متباينة ولا يوجد بينها مورد متيقّن لتباين المحتملات، ولكن دار الأمر بين أُمور محصورة، كما إذا لم يدر أنّه وقف على المسجد الفلاني أو المشهد الفلاني، أو فقراء هذه القرية أو قرية أُخرى، فذهب المصنّف إلى أنّه يُقرع ويعمل بها، لأنّ المتيقّن من أخبار القرعة هو وجود التشاح والمنازعة في المال والحق، والمفروض وجود أرضية النزاع بين فقراء القريتين إذا كانوا عالمين بالموضوع.   

صفحه 162
حكم المنافع المتجدّدة   
وهناك احتمال آخر وهو التوزيع بينهما عملاً بقاعدة العدل والإنصاف، ولما ورد في مَن ودّع دينارين وآخر ديناراً واحداً فسُرق أحدها بلا تفريط من الودعيّ، من أنّ أحد الدينارين لمن له ديناران وأمّا الدينار الآخر فيوزع بينهما.
ولكن الأفضل هو الأوّل; لأنّ ما ورد في مورد الودعي على خلاف القاعدة.
وهناك احتمال ثالث وهو التصالح والتراضي إذا أمكن، كما إذا دار كونه وقفاً على فقراء إحدى القريتين ومع عدمه ـ كما هو الحال إذا دار بين المسجدين ـ فالقرعة .

إذا كانت المحتملات بين عناوين أو أشخاص غير محصورة

4. إذا كانت المحتملات مردّدة بين عناوين وأشخاص غير محصورين، كما إذا لم يدر أنّه وقف على فقراء البلد الفلاني أو فقهاء البلد الفلاني الآخر أو سادة البلد الفلاني الثالث وهكذا...، أو ذرية زيد أو ذرية عمرو، أو ذرية خالد، وهكذا...، كانت منافعه بحكم مجهول المالك فيتصدّق بها بإذن الحاكم على الأحوط.
ويدل عليه خبر أبي علي بن راشد، قال: سألت أبا الحسن(عليه السلام)، قلت: جعلت فداك اشتريت أرضاً إلى جنب ضيعتي بألفي درهم، فلمّا وفرت المال خبرت أنّ الأرض وقف، فقال: «لا يجوز شراء الوقوف ولا تدخل الغلّة في ملكك، إدفعها إلى من أُوقفت عليه»، قلت: لا أعرف لها   

صفحه 163
المسألة 61. لو كان للعين الموقوفة منافع متجدّدة وثمرات متنوّعة، يملك الموقوف عليهم جميعها مع إطلاق الوقف، ففي الشاة الموقوفة يملكون صوفها المتجدّدة ولبنها ونتاجها وغيرها، وفي الشجر والنخل ثمرهما ومنفعة الاستظلال بهما والسعف والأغصان والأوراق اليابسة، بل وغيرها ممّا قطعت للإصلاح، وكذا فروخهما وغير ذلك. وهل يجوز في الوقف التخصيص ببعض المنافع; حتى يكون للموقوف عليهم بعض المنافع دون بعض؟ الأقوى ذلك.*
ربّاً، قال:«تصدّق بغلَّتها».(1)
5. إذا كان الترديد بين جهات غير محصورة، كما إذا لم يعلم أنّه وقف على المسجد أو المشهد أو القناطر أو إعانة الزوار أو تعزية سيد الشهداء(عليه السلام)... وهكذا تصرف المنافع في وجوه البرّ بشرط عدم الخروج عن مورد المحتملات، فلو صرف في إعانة الزوّار أو تعزية سيدالشهداء(عليه السلام)أو واحد منهم، لم يخرج عن مورد المحتملات ويكتفي بالامتثال الاحتمالي بدلاً عن القطعي لعدم إمكانه، ولذلك يقول السيد الطباطبائي في ملحقات العروة: صرف في وجوه البرّ غير الخارج عن أطراف الترديد.(2)

* حكم المنافع المتجدّدة

في المسألة فرعان:   

1 . الوسائل:13، الباب6 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث1.
2 . ملحقات العروة (تكملة العروة الوثقى، ج1 ـ 2، طبعة لبنان): 310.

صفحه 164
المسألة 62. لو وقف على مصلحة فبطل رسمها، كما إذا وقف على مسجد أو مدرسة أو قنطرة فخربت ولم يمكن تعميرها، أو لم تحتج إلى مصرف; لانقطاع مَن يصلّي في المسجد والطلبة والمارّة، ولم يرج العود، صرف الوقف في وجوه البرّ، والأحوط صرفه في مصلحة أُخرى من جنس تلك المصلحة، ومع التعذّر يراعى الأقرب فالأقرب منها.*
1. لو كان للعين الموقوفة منافع متجدّدة(1) وثمرات متنوّعة، يملك الموقوف عليهم جميعها، أخذاً بإطلاق الوقف، ففي الشاة الموقوفة يملكون صوفها المتجدّد ولبنها ونتاجها، وغيرها، وهكذا في الأشجار.
2. هل للواقف تخصيص الوقف ببعض المنافع حتّى يكون للموقوف عليهم بعض المنافع؟ الظاهر أنّ له ذلك; لأنّ الناس مسلّطون على أموالهم في مقدار الوقف وإخراجه عن سلطته. نعم لو أخرج المنفعة المقصودة من الموقوف كالثمرة، في وقف الأشجار المثمرة، فالظاهر عدم الجواز، لأنّ مرجعه عدم الوقف.
إذا تعذّر الصرف في الموقوف عليه   

* إذا تعذّر الصرف في الموقوف عليه

لو وقف على مصلحة فبطل رسمها، كما إذا وقف على مسجد أو مدرسة أو قنطرة فخربت ولم يمكن تعميرها، وهذا ما يعبّر عنه بما إذا تعذّر صرف الموقوف في محلّه، والفرق بينها وبين المسألة السابقة واضح، فهنا أقوال أو احتمالات:   

1 . سيأتي الكلام في غير المتجدّدة في المسألة 65.

صفحه 165
1. ماذ كره السيد الطباطبائي من رجوعه إلى الواقف أو ورثته كما في خروج العين الموقوفة عن الانتفاع بها، إذ لا فرق في عدم الانتفاع بين أن يكون بسبب خروج العين عن الانتفاع بها أو عدم إمكان الصرف على ما يجب الصرف عليه.(1)
2. ما ذكره الشهيد الثاني في «المسالك» من التفصيل بين الرجوع إلى الواقف تارة وبين صرفه في وجوه البر أُخرى، وحاصله: التفصيل بين ما إذا كان الموقوف عليه ممّا ينقرض غالباً كالوقف على مصلحة شجر مخصوص كالتين والعنب فماتت الأشجار فيرجع إلى الواقف أو ورثته إذا تعذّر صرفه ويكون كمنقطع الآخر، وبين ما لو كان الوقف على مصلحة عين من ماء مخصوص ممّا تقتضي العادة بدوامه، فيتفق غوره، فالمتجه ما ذكره الأصحاب من صرفه في وجوه البر.(2) ومع ذلك فلم يرتضه صاحب المسالك .
3. يصرف في مصلحة أُخرى من جنس تلك المصلحة، ومع التعذّر يراعى الأقرب فالأقرب منها. وهذا هو خيرة المصنّف، حيث يصرف في مثال المسجد في مسجد آخر، وإلاّ فالأقرب إلى المسجد، وسيوافيك أنّه الأقوى.
4. ما عليه الأصحاب قديمهم وحديثهم، قال الشيخ في «النهاية»:   

1 . ملحقات العروة:370.
2 . مسالك الأفهام:5/347.

صفحه 166
وإذا وقف المسلم شيئاً على مصلحة فبطل رسمها، جُعل في وجوه البر.(1)
وقال المحقّق: إذا وقف على مصلحة، فبطل رسمها، صرف في وجوه البر.(2)
وقال ابن سعيد: وإذا وقف على مصلحة تبقى غالباً، فبطل رسمها صرف في وجوه البر.(3)
واستدلّ على قول المشهور في «الجواهر»، بقوله: إذ لا دليل على بطلان الوقف بتعذّر المصرف المعيّن، إذ هو ليس مقتضياً لانتفاء الموقوف عليه الذي هو في الفرض المسلمون. كما أنّه ليس فيها ما يقتضي الانتقال إلى ما يشابه تلك المصلحة، فليس حينئذ إلاّ الصرف في وجوه البر التي هي الأصل في كلّ مال خرج عن ملك مالكه لمصرف خاص تعذّر.(4)
الاستدلال على صرف الوقف في وجوه البر   
يلاحظ عليه: أنّه إذا دار الأمر بين الصرف في وجوه البر، وبين صرفه في الأقرب إلى غرض الواقف، فالترجيح مع الثاني.
وكونه وقفاً على المسلمين لا يلازم صرفه في وجوه البر، فإنّ المسلمين كما ينتفعون بصرفه في وجوه البر، فهكذا ينتفعون بصرفه في الأقرب فالأقرب إلى غرضه.

1 . النهاية:600.
2 . شرائع الإسلام:2/215.
3 . الجامع للشرائع:370.
4 . جواهر الكلام:28/44 بتصرّف يسير.

صفحه 167

الاستدلال على صرفه في وجوه البرّ بروايات

وأمّا ما ذكره في ذيل كلامه من أنّ الصرف في وجوه البرّ هو الأصل، في كلّ مال خرج عن ملك مالكه لمصرف خاص تعذّر، فنشير إلى بعض الروايات:
1. خبر محمد بن الريّان قال: كتبت إلى أبي الحسن(عليه السلام) أسأله عن إنسان أوصى بوصية فلم يحفظ الوصي إلاّ باباً واحداً منها، كيف يصنع في الباقي؟ فوقّع(عليه السلام): «الأبواب الباقية اجعلها في البر».(1)
2. خبر صاحب السابري قال: أوصى إلي رجل بتركته وأمرني أن أحجّ بها عنه، فنظرت في ذلك، فإذا شيء يسير لا يكون للحج، فسألت أبا حنيفة وفقهاء أهل الكوفة، فقالوا: تصدّق بها عنه، فلمّا حججت جئت إلى أبي عبد الله(عليه السلام)...(فأخبرته بما فعلت)، فقال(عليه السلام):«..فإن كان لا يبلغ أن يحجّ به من مكّة فليس عليك ضمان، وإن كان يبلغ أن يحجّ به من مكّة فأنت ضامن».(2)
3. ما رواه الصدوق في الفقيه، قال: روي عن الأئمّة(عليهم السلام) «أنّ الكعبة لا تأكل ولا تشرب، وما جعل هدياً لها فهو لزوّارها».(3)
وفي الاستدلال بهذه الروايات على المقام (تعذّر صرف   

1 . الوسائل:13، الباب61 من أبواب كتاب الوصايا، الحديث1.
2 . تهذيب الأحكام:9/228، برقم 896.
3 . الوسائل:9، الباب22 من أبواب مقدّمات الطواف، الحديث11.

صفحه 168
الوقف) إشكال:
أمّا الحديث الأوّل فلأنّ موردها نسيان الوصية، بخلاف المقام، فإنّ مورده تعذّر الصرف.
وأمّا الحديث الثاني فليس فيه أي تصريح بالصرف في وجوه البر.
وأمّا الحديث الثالث فهو في إهداء شيء للكعبة وانّه يصرف في زوّارها على ما مرّ، فلا صلة له بمسألة مجهول المالك; بل المستفاد منها أنّ مرجع الإهداء ونحوه للكعبة هو الصرف على زائريها.
على أنّ هذه الروايات لا تُثبت القاعدة الكليّة حتى تشمل المقام.(1)
وبذلك تظهر قوّة الوجه الرابع الذي عليه صاحب «المسالك» واختاره المصنّف من صرفه في مصلحة أُخرى من جنس تلك المصلحة، ومع التعذّر يراعى الأقرب فالأقرب منها.
إذا خرب المسجد   

إكمال

ذكر السيد الطباطبائي وجهاً خامساً وقال: والأقوى أنّه إن كان يظهر من حال الواقف الإعراض عن المال الذي وقفه أبداً وبالمرّة، بحيث
لو سُئل إذا لم يمكن الصرف في كذا كيف يصنع به؟ يقول: يصرفه في سائر الخيريّات، فالحكم هو الصرف في وجوه البرّ الأقرب إلى ذلك فالأقرب، وإن لم يظهر من حاله ذلك، بطل ورجع الوقف إلى الواقف   

1 . لاحظ: ملحقات العروة الوثقى:373.

صفحه 169
المسألة 63. إذا خرب المسجد لم تخرج عرصته عن المسجدية، فتجري عليها أحكامها إلاّ في بعض الفروض، وكذا لو خربت القرية التي هو فيها بقي المسجد على صفة المسجدية.*
أو إلى وارثه.(1)
ولا يخفى أنّ ما ذكره من التفصيل أمر يتعذّر العلم به، إذ من أين نعلم أنّ قصده كذا وكذا، حتى يصرف في وجوه البر؟
كما أنّ ما ذكره: (وإن لم يظهر من حاله ذلك، بطل ورجع الوقف إلى الواقف) مشكل أيضاً، فإنّ عدم الظهور إثباتاً لا يدلّ على أنّه ليس من القسم الأوّل حتى يرجع إلى الواقف.

* إذا خرب المسجد

قال المحقّق: إذا وقف مسجداً فخرب، أو خربت القرية أو المحلّة، لم يعد إلى ملك الواقف، ولا تخرج العرصة عن الوقف.(2)
ثمّ إنّه(قدس سره) ذكر فرعاً آخر وقال: ولو أخذ السيل ميّتاً، فيئس منه، كان الكفن للورثة.(3)
والفرق بين هذه وما تقدّم واضح، فإنّ خروج الموقوف عليه عن الانتفاع يقع موضوعاً لحكمين:   

1 . نفس المصدر.
2 . شرائع الإسلام:2/220.
3 . نفس المصدر.

صفحه 170
1. حكم صرف الموقوف بعد امتناع صرفه في الموقوف عليه. وقد مرّ الكلام فيه.
2. حكم نفس الموقوف عليه، بعد خرابه، كعرصة المسجد. وهذا هو المقصود في المقام.
وربّما يتعجّب القارئ من ذكر هذا الفرع، إذ لا صلة بين الفرعين، وسيوافيك وجه الصلة بينهما، فانتظر.
واستدلّ عليه في «المسالك» بقوله: لمّا كان الوقف مقتضياً للتأبيد ووقف المسجد فكّاً للملك ـ كما تقدّم ـ كتحرير العبد، لم يكن خرابه ولا خراب القرية التي هو فيها ولا المحلّة موجباً لبطلان وقفه، لعدم منافاة ذلك الوقف استصحاباً لحكم ما ثبت، ولبقاء الغرض المقصود من إعداده للعبادة لرجاء عود القرية وصلاة مَن يمرّ به.(1)
وحاصل الاستدلال: الأصل بقاء الأرض على الوقفية، ويكفي في ذلك إمكان الانتفاع. نعم يستثنى موردان:
إذا خرب المسجد في الأرض المفتوحة عنوة   
1. ما إذا امتنع الانتفاع عرفاً كما إذا صار جزءاً للشارع العام، فمثل هذا يحكم بالتلف، ولعلّه إلى هذا الغرض يشير المصنّف بقوله: إلاّ في بعض الفروض. فالقول بكونه محكوماً بأحكام المسجد بعيد جدّاً. نعم نسب إلى المحقّق النائيني من أنّه أفتى في المسألة بحرمة التنجيس وعدم وجوب إزالة النجاسة إذا نجّسه الآخر، والتفصيل في محلّه.   

1 . مسالك الأفهام:5/397.

صفحه 171

لو خرب المسجد في الأرض المفتوحة عنوة

2. ما أشار إليه في «المسالك»، بقوله: المسجد المبني في الأرض المفتوحة عنوة، حيث يجوز وقفها تبعاً لآثار المتصرّف، فإنّه حينئذ ينبغي بطلان الوقف بزوال الآثار، لزوال المقتضي للاختصاص، وخروجه عن حكم الأصل، ومن المعلوم أنّ الأرض المفتوحة عنوة ملك للمسلمين.(1)
وعلى ما ذكره فالمساجد المبنية في العراق إذا زالت الآثار زالت الوقفية وتعود ملكاً للمسلمين.
إلاّ أن يقال: إنّ ما ذكر مخالف للسيرة القطعية في المساجد المبنية في تلك الأراضي، فقد جرت السيرة على المعاملة معها معاملة الوقفية حتى ولو خربت وزالت آثارها ولم يبق من أُصول الحيطان شيء.
ثمّ إنّ المحقق أردف هذا الفرع بفرع آخر وقال: ولو أخذ السيل ميّتاً فيئس منه، كان الكفن للورثة.
والظاهر أنّه ردّ لما نقل عن بعض العامّة من عود المسجد إلى ملك الواقف قياساً على عود الكفن إلى الورثة، والجامع تعذّر المصرف، في الموضعين.
وضعف الاستدلال واضح، فإنّ الكفن الذي هو من التركة كان ملكاً للورثة بموت الميّت، ولم يخرج عن ملكهم، وإن وجب صرفه في تكفينه فإن زال الموجب عاد إلى ما كان، بخلاف المسجد فإنّ أرض المسجد خرجت عن ملك الواقف، فعودها رهن دليل.

1 . مسالك الأفهام:5/397.

صفحه 172
الوقف على المنفعة والوقف على الانتفاع   
المسألة 64. لو وقف داراً على أولاده أو على المحتاجين منهم، فإن أطلق فهو وقف منفعة، كما إذا وقف عليهم قرية أو مزرعة أو خاناً ونحوها، يملكون منافعها، فلهم استنماؤها، فيقسّمون بينهم ما حصل منها ـ بإجارة وغيرها ـ على حسب ما قرّره الواقف من الكمّية والكيفية، وإن لم يقرّر كيفية في القسمة، يقسّمونه بينهم بالسويّة. وإن وقفها عليهم لسكناهم فهو وقف انتفاع، ويتعيّن لهم ذلك، وليس لهم إجارتها. وحينئذ إن كفت لسكنى الجميع فلهم أن يسكنوها، وليس لبعضهم أن يستقلّ به ويمنع غيره. وإن وقع بينهم تشاحّ في اختيار الحجر، فإن جعل الواقف متولّياً يكون له النظر في تعيين المسكن للساكن، كان نظره وتعيينه هو المتّبع، ومع عدمه كانت القرعة هي المرجع. ولو سكن بعضهم ولم يسكنها بعض، فليس له مطالبة الساكن بأُجرة حصّته إن لم يكن مانعاً عنه، بل هو لم يسكن باختياره أو لمانع خارجي. وإن لم تكف لسكنى الجميع فإن تسالموا على المهاياة أو غيرها فهو، وإلاّ كان المتّبع نظر المتولّي من قبل الواقف لتعيين الساكن، ومع فقده فالمرجع القرعة، فمن خرج اسمه يسكن، وليس لمن لم يسكن مطالبته بأُجرة حصّته.*

* الوقف على المنفعة والوقف على الانتفاع

الوقف ينقسم إلى الوقف على المنفعة، والوقف على الانتفاع.
أمّا الأوّل فكما إذا وقف داره الكبيرة على المحتاجين من أولاده   

صفحه 173
أو للأيتام، وأطلق، فهم عندئذ يملكون المنافع، فإن اختاروا السكنى فهو، وإن اختاروا الإيجار يقسّمون قيمة الإجارة بينهم حسب ما قرّره الواقف من الكمية والكيفية، وإن لم يقرر كيفية في القسمة يقسّمونها بينهم بالسوية لأنّها الأصل، والاختلاف بحاجة إلى دليل.
وأمّا الثاني فكما إذا وقف داره لسكناهم، والمدرسة لدراستهم، فهو وقف انتفاع، ويتفرّع عليه أمران:
1. ليس لهم إجارتها، لأنّ الواقف وقف انتفاعهم بأنفسهم بها، وتعلّق غرضه بانتفاعهم بأعيانهم شخصياً.
2. لا يجوز تبديل عنوان الدار والمدرسة إلى عنوان آخر; لأنّ الغرض، هو الانتفاع بالعنوانين، ولو سقطتا عن الانتفاع فسيأتي حكمه في المسألة 68، فانتظر.
والفرق بين القسمين هو الفرق بين الإجارة والعارية، فالمستأجر يملك المنفعة، والمستعير لا يملكها; بل له حقّ الانتفاع.
ثمّ على الفرع الثاني تأتي فروع أشار إليها المصنّف:
1. إن كفت الدار سكنى الجميع فلهم أن يسكنونها; لكون الجميع ذوي حقّ في الوقف.
2. ليس لبعضهم أن يستقلّ به ويمنع غيره، لنفس الدليل المذكور.
3. إن وقع بينهم تشاح في اختيار الحجر، فالمرجع هو نظر المتولّي، إذا جعل الواقف متولياً يكون له النظر في تعيين الساكن، فإنّ نظره   

صفحه 174
في تعيين المسكن للساكن متّبع; لأنّ الوقوف حسب ما يقفها أهلها، ومع عدمه كانت القرعة هي المرجع، لما مرّ من أنّ القدر المتيقّن في روايات القرعة وجود التشاح والتنازع.
4. ولو سكن بعضهم ولم يسكنها بعض، فليس له مطالبة الساكن بأُجرة حصّته، إذا لم يسكن باختياره أو لمانع خارجي، نعم لو منعه الساكن يكون غاصباً لحقّه، فعليه أُجرة المثل.
5. وإن لم تكف لسكنى الجميع، فإن تسالموا على المهاياة أو غيرها بمعنى الاتّفاق على تقديم البعض على سكن البعض الآخر، على عوض أو بدون عوض فهو.
6. وإن لم يتسالموا فالمتّبع نظر المتولّي من قبل الواقف لتعيين الساكن، لأنّ الوقوف حسب ما يوقفها أهلها، كما مرّ.
7. إذا لم يكن فيه متول من جانب الواقف وكان التنازع باقياً، فالمرجع القرعة، فمن خرجت باسمه، يسكن ويكون الآخر محروماً. ويحتمل أن يكون المرجع قاعدة العدل والإنصاف التي مقتضاها هو التناوب في السكنى، فلاحظ.
في الثمر الموجود حال الوقف على النخل والشجر   

صفحه 175
المسألة 65. الثمر الموجود حال الوقف على النخل والشجر لا يكون للموقوف عليهم، بل هو باق على ملك الواقف، وكذلك الحمل الموجود حال وقف الحامل. نعم، في الصوف على الشاة واللبن في ضرعها إشكال، فلا يترك الاحتياط.*

* في الثمر الموجود حال الوقف على النخل والشجر

قد تقدّم في المسألة 61 أنّه لو كان للعين الموقوفة منافع متجدّدة يملكها الموقوف عليهم جميعاً. وأمّا هذه المسألة فهي ناظرة إلى الثمر الموجود حال الوقف على النخل والشجر، حيث وقف الواقف البستان والأشجار التي تحمل الثمرة، فهل يملكه الموقوف عليه أو لا؟
قد اتّفقت كلمتهم أنّها باقية على ملك الواقف، حتى الحمل الموجود حال وقف الحامل.
ووجهه: أنّ الوقف هو تحبيس العين وتسبيل المنفعة أو الثمرة المتولّدة بعد العقد لا الموجودة قبله، فلا تشمل صيغة الوقف للمنفعة الموجودة حينها، إلاّ إذا كانت الثمرة والنخل في أوائل انعقادهما فيمكن القول بكونهما للموقوف عليه.
نعم استشكلوا في الصوف على الشاة واللبن في ضرعها، فقالوا بعدم ترك الاحتياط، ولعلّ وجهه أنّ الصوف جزء للموقوف لا ثمرة ولا منفعة وإن كان للموقوف عليه جزّه بعد حين. وهكذا اللبن في الضرع فإنّه لخفائه يُعدّ جزءاً من الموقوف، فيعدّان تابعين للموقوف.

صفحه 176
لو قال: وقفت على أولادي ثم على أولاد أولادي   
المسألة 66. لو قال: «وقفت على أولادي وأولاد أولادي» شمل جميع البطون كما مرّ، فمع اشتراط الترتيب أو التشريك أو المساواة أو التفضيل أو الذكورة أو الأُنوثة أو غير ذلك، يكون هو المتّبع; ولو أطلق فمقتضاه التشريك والشمول للذكور والإناث والمساواة وعدم التفضيل. ولو قال: «وقفت على أولادي، ثمّ على أولاد أولادي»، أفاد الترتيب بين الأولاد وأولاد الأولاد قطعاً، وأمّا بالنسبة إلى البطون اللاحقة فالظاهر عدم الدلالة على الترتيب، فيشترك أولاد الأولاد مع أولادهم، إلاّ إذا قامت القرينة على أنّ حكمهم كحكمهم مع الأولاد; وأنّ ذكر الترتيب بين الأولاد وأولاد الأولاد من باب المثال، والمقصود الترتيب في سلسلة الأولاد; وأنّ الوقف للأقرب فالأقرب إلى الواقف .*
* في المسألة فرعان:
الفرع الأوّل: لو قال: وقفت على أولادي وأولاد أولادي، بحيث عطف أولاد الأولاد على الأولاد بالواو، فهو ظاهر في أنّه يشمل جميع البطون اللاحقة بلا تحديد. وأمّا الخصوصيات فإن اشترط الترتيب بين البطون أو اشترط التشريك بينها، أو اشترط المساواة بين الذكور والإناث، أو اشترط تفضيل أحد الجنسين على الآخر، أو خصّ الوقف بالذكور دون الإناث إلى غير ذلك من القيود فالمتبع هو عبارة الواقف. هذا إذا قيّد، وأمّا إذا أطلق فمقتضاه التشريك والشمول للذكور والإناث والمساواة وعدم التفضيل أخذاً بالإطلاق.   

صفحه 177
وحصيلة الكلام: أنّه لو عطف أولاد الأولاد على الأولاد فالوقف يشمل جميع البطون في عامّة الأزمان، وأمّا الخصوصية فإن كان في الكلام قيد فيتبع، وإلاّ فيؤخذ بمقتضى الإطلاق الذي نتيجته المساواة بين أفراد البطون.
الفرع الثاني: لو قال: وقفت على أولادي ثم على أولاد أولادي، أفاد الترتيب بين الأولاد وأولاد الأولاد، فلو كان أحدٌ منهم باقياً، لا تصل النوبة إلى الأحفاد والأسباط، إنّما الكلام: في أنّ الترتيب هل يختصّ بين الأولاد وأولاد الأولاد، أو يعم حتى الطبقة الثالثة، فلو بقي من الطبقة الثانية أحد، فلا تصل النوبة إلى الطبقة الثالثة؟ والظاهر عدم الدلالة لتوسّط «ثم» بين الأولاد وأولاد الأولاد، فيدلّ على اختصاص الترتيب بالطبقة الأُولى دون سائر الطبقات.
نعم لو دلّت القرائن على أن حكمهم كحكمهم مع الأولاد فيتبع، بمعنى أن تشهد القرائن أنّ ذكر الترتيب بين الأولاد وأولاد الأولاد من باب المثال، وأنّ نظر الواقف الترتيب في سلسلة الأولاد، وأنّ الوقف للأقرب فالأقرب إلى الواقع.
وعلى كلّ تقدير فما ذكرناه من الضوابط لا يمكن أن يكون ضابطة كلّية، فالمدار على الفهم العرفي.

صفحه 178
زوال ملك الواقف عن العين الموقوفة إلاّ في منقطع الآخر   
المسألة 67. لا ينبغي الإشكال في أنّ الوقف بعد تماميته، يوجب زوال ملك الواقف عن العين الموقوفة إلاّ في منقطع الآخر الذي مرّ التأمّل في بعض أقسامه. كما لا ينبغي الريب في أنّ الوقف على الجهات العامّة، كالمساجد والمشاهد والقناطر والخانات والمقابر والمدارس، وكذا أوقاف المساجد والمشاهد وأشباه ذلك، لا يملكها أحد، بل هو فكّ الملك وتسبيل المنافع على جهات معيّنة.
وأمّا الوقف الخاصّ كالوقف على الأولاد، والوقف العامّ على العناوين العامّة كالفقراء والعلماء ونحوهما، فهل يكون كالوقف على الجهات العامّة لا يملك الرقبة أحد; سواء كان وقف منفعة; بأن وقف ليكون منافع الوقف لهم، فيستوفونها بأنفسهم أو بالإجارة أو ببيع الثمرة وغير ذلك، أو وقف انتفاع كما إذا وقف الدار لسكنى ذرّيته أو الخان لسكنى الفقراء.
أو يملك الموقوف عليهم رقبته ملكاً غير طلق مطلقاً.
أو تفصيل بين وقف المنفعة ووقف الانتفاع، فالثاني كالوقف على الجهات العامّة دون الأوّل.
أو بين الوقف الخاصّ فيملك الموقوف عليه ملكاً غير طلق، والوقف العامّ فكالوقف على الجهات؟ وجوه. لا يبعد أن يكون اعتبار الوقف ـ في جميع أقسامه ـ إيقاف العين لدرّ المنفعة على الموقوف    

صفحه 179
عليه، فلا تصير العين ملكاً لهم، وتخرج عن ملك الواقف إلاّ في بعض صور المنقطع الآخر، كما مرّ.*
* ذكر المصنّف في أوّل هذه المسألة ما تقدّم الكلام فيه وهو زوال ملك الواقف عن العين الموقوفة، وقد مرّ تحقيق ذلك إلاّ أنّه استثنى الوقف على منقطع الآخر، فقد تقدّم أنّ الأقوى بقاؤه على ملك الواقف فيكون كالحبس، ثمّ إنّه (قدس سره) دخل في ما هو المقصود من هذه المسألة ـ أعني: كيفية زوال الملك ـ فهل الزوال على وجه التحرير وفكّ الملك أو على نحو دخوله في ملك الموقوف عليه على تفصيل تعرّض له في المتن، فقسّم الوقف إلى قسمين:
الأوّل: الوقف على الجهات العامّة، كالمساجد والمشاهد والقناطر والخانات والمقابر، فذهب فيها إلى أنّه لا يملكها أحد، بل هي فك الملك وتسبيل المنافع على جهات معيّنة.
الثاني: الوقف على العناوين العامّة، كالفقراء والعلماء ونحوهما، وعطف عليه الوقف الخاص كالوقف على الأولاد، وذكر فيه من حيث التمليك احتمالات:
1. لا يملك الرقبة أحد، سواء كان وقف منفعة أو وقف انتفاع.
2. يملك الموقوف عليهم رقبته ملكاً غير طلق، مطلقاً.
3. التفصيل بين وقف المنفعة ووقف الانتفاع، فالثاني كالوقف على الجهات العامّة، فلا يملك دون الأوّل.

صفحه 180
4. التفصيل بين الوقف الخاص فيملك الموقوف عليه ملكاً غير طلق، والوقف العام كالوقف على الجهات.
ثمّ احتمل أخيراً أنّ حقيقة الوقف: إيقاف العين لدرّ المنفعة على الموقوف عليه، فلا تصير العين ملكاً لهم، وإن خرجت عن ملك الواقف، إلاّ في بعض الصور.
هذه خلاصة ما جاء في المتن، ونحن ندرس المسألة ـ أي كيفية زوال الملك ـ في مقامات ثلاثة وردت في كلام الماتن، ولا نحوم حول هذه الأقوال أو الاحتمالات. والمقامات هي:
1. الوقف على الجهة، أي المصالح العامّة كالمساجد والمشاهد والمدارس والمقابر.
2. الوقف على العناوين كالعلماء والفقراء والطلاب.
3. الوقف على الأولاد الذي يعبّر عنه بالوقف الخاص.
الوقف على الجهات والمصالح   

المقام الأوّل: الوقف على الجهات والمصالح

إنّ القول بأنّه لا يملكها أحد هو مختار المحقّق الأنصاري في المكاسب، والمحقّق النائيني في تقريراته(1)، والسيد الاصفهاني في الوسيلة، والسيد الأُستاذ في تحريره، وإليك كلام هؤلاء الأعلام.
قال الشيخ الأنصاري: إنّ الوقف على قسمين:    

1 . لاحظ: منية الطالب:1/348.

صفحه 181
أحدهما: ما يكون ملكاً للموقوف عليهم، فيملكون منفعته، فلهم إجارته وأخذ أُجرته ممّن انتفع به بغير حقّ.
الثاني: ما لا يكون ملكاً لأحد، بل يكون فك ملك، نظير التحرير:«أنت حرّ لوجه الله» كما في المساجد والمدارس والربط، بناء على القول بعدم دخولها في ملك المسلمين كما هو مذهب جماعة...، وحينئذ فلو خرب المسجد وخربت القرية وانقطعت المارّة عن الطريق الذي فيه المسجد، لم يجز بيعه وصرف ثمنه في إحداث مسجد آخر أو تعميره...(لأنّ البيع فرع الملك والمفروض أنّ الجميع تحرير كعتق الرقبة في سبيل الله) ثم قال: والظاهر عدم الخلاف في ذلك كما اعترف به غير واحد.(1)
ثمّ إنّ الشيخ الأنصاري أَلحق بالمساجد، المشاهد والمقابر والخانات والمدارس، والقناطر الموقوفة على الطريقة المعروفة، والكتب الموقوفة على المشتغلين، والعبد المحبوس في خدمة الكعبة ونحوها، والأشجار الموقوفة لانتفاع المارّة، والبواري الموضوعة لصلاة المصلين...، لأنّ جميع ذلك صار بالوقف كالمباحات بالأصل، اللازم إبقاؤها على الإباحة كالطرق العامّة والأسواق.(2)
ثمّ إنّ المحقق النائيني وافق الشيخ الأنصاري ومنع البيع في القسمين الواردين في كلام الشيخ الأنصاري، نشير إليهما:   

1 . كتاب المكاسب:4/53 ـ54.
2 . كتاب المكاسب:4/60.

صفحه 182
الأوّل: وقف المشاعر، كالمسجد أو المشهد ـ قال ـ : ولا يبعد إلحاق الحسينية بهما، وهذا هو الذي يقال له تحرير وفك ملك، أي إبطال للملكية، وليس تمليكاً للمسلمين فهو بمنزلة عتق العبد.
الثاني: ما ألحقه الشيخ بالأوّل كوقف الخانات والقناطر وما يشبه ذلك ممّا يوقف لانتفاع كلّ من سبق إليه، فإنّه أيضاً تحرير.
وعلى هذا فما في المتن فهو نظرية المحقّق الأنصاري وتبعه المحقّق النائيني والسيد الاصفهاني في الوسيلة والسيد الأُستاذ(قدّس الله أسرارهم) فقد اتّفقوا على أنّ الوقف في هذه الموارد تحرير وفك ملك.
يلاحظ عليه أوّلاً: نفترض أنّ المساجد والمشاهد والحسينيات وكذا الخانات والقناطر من مقولة التحرير وفك الملك، لكن كونها محرّرة، لا يمنع من جواز البيع لأنّها في حدّ ذاتها أموال يُبذل بإزائها الثمن، والبيع رابطة بين المالين لا بين الملكين، فلماذا لا يجوز بيعها لتحقيق غرض الواقف من استمرار الثمرة واستدامتها، إذا توقّف الغرض عليه، والتفكيك بين الملكية والمالية فيها ليس أمراً بديعاً، إذ له نظائر في الفقه، كما في بيع الكلّي في الذمّة فإنّه مال باعتبار إضافته إلى الذمّة وليس بملك، وبيع الزكاة إذا كانت مصلحة في بيعها وأداء ثمنها إلى أصحابها، فإنّها أموال وليست ملكاً لشخص.
وثانياً: لا معنى لتحرير هذه الأملاك وجعلها كالأنعام السائبة، لا مالك لها ولا راعي ولا ينتفع بها أبداً، إذ يلزم من ذلك ترك الانتفاع بأراضي كثيرة من عصر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى يومنا هذا التي كانت على شكل مساجد   

صفحه 183
ومشاهد قد خربت وجرت عليها الرياح، مع أنّ الإنسان خلق لعمارة الأرض، قال سبحانه: (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ)(1). فقوله: (وَاسْتَعْمَرَكُمْ): أي جعلكم عمّار الأرض بأن مكّنكم من عمارتها. وقيل: أمركم من عمارتها.(2)
وهذا أمر بعيد عن روح الإسلام، والنظام، قال الإمام علي(عليه السلام):«اتَّقُوا اللهَ فِي عِبَادِهِ وَ بِلاَدِهِ،فَإِنَّكُمْ مَسْؤُولُونَ حَتَّى عَنِ الْبِقَاعِ وَالْبَهَائِمِ».(3)
وثالثاً: أنّه يمكن تصوير الملكية في الوقف على الجهات والمصالح بأحد وجهين:
1. ما تقدّم منّا من أنّ الموقوف عليه يختلف حسب اختلاف الموقوف، فالمساجد وقف للمؤمنين والقنوات وقف لأهل القرية، والمدارس وقف للدارسين إلى غير ذلك من العناوين التي يمكن أن تكون مالكة لكلّ شيء على المصلحة.
2. أنّ المساجد والمشاهد وسائر الأُمور من العناوين الدينية والاجتماعية لها صلاحية تملك الرقبة أيضاً كصلاحيتها لتملّك ما يتعلّق بها من أثاث ووسائل، وعندئذ يضرب الكلّ بسهم واحد، فالمالك للأراضي هو الجهة والعنوان، فالعناوين التالية:(المسجد، المشهد، القنطرة، المقبرة) يتملّكون بالوقف نفس الأراضي كما يتملّكون الأثاث والوسائل التي    

1 . هود:61.
2 . مجمع البيان:5/330، ط. مصر.
3 . نهج البلاغة: الخطبة 167.

صفحه 184
توقف عليها، وسيوافيك أنّ هذا هو الحقّ في الوقف على العناوين والأولاد.
ورابعاً: أنّ الصيغة الواحدة ـ أعني قول الواقف:«وقفت» ـ له معنى واحد، فكيف تكون نتيجته مختلفة، ففي المساجد والحسينيات والمقابر والقناطر، تكون تحريراً; وفي الوقف على العناوين ـ كما سيأتي ـ كالعلماء والطلاب تمليكاً، كما عليه بعضهم؟!
وخامساً: أنّ بيع هذه الأراضي وابتياع أراض أُخرى لتلك الغايات أقرب إلى غرض الواقف، ومعنى ذلك أنّ اللازم أوّلاً وبالذات هو صيانة الوقف بشخصه إذا أمكن وإلاّ فبماليته، ويترتّب عليه شراء أرض ووقفها لما وقف له الأصل.
الوقف على العناوين العامّة   

المقام الثاني: الوقف على العناوين العامّة

الوقف على العناوين الكلّية كالعلماء والفقراء والطلاب إلى غير ذلك، فالحقّ أنّه تمليك للعنوان .
توضيح ذلك: أنّ الوقف عمل صالح يقوم به رجال صالحون لأغراض علمية أو اجتماعية أو دينيّة، وبذلك تختلف غايات الوقف، حسب اختلاف الدواعي المحرّكة لهذا العمل المثالي.
ولمّا كان الواقف عالماً بأنّه لو كان الموقوف باقياً في ملكه أو ملك شخص آخر ـ بتمليكه إيّاه ـ لانتفى غرضه وذهب سدى، لأنّ الأشخاص في معرض الموت والفناء، إذ لم يُكتب البقاء لفرد حتّى الأنبياء    

صفحه 185
العظام، فلو ماتوا لصار الملك تركة تورث، فيبتكر في تأمين غرضه طريقاً وهو تمليك الموقوف لعنوان يكون له استمرار وبقاء مادامت المصاديق موجودة فالعنوان باق، لا يتطرق إليه الفناء، ومن هذه العناوين الّتي يمكن أن تكون هي الموقوف عليه:
1. الموحّدون. 2. حجاج بيت الله الحرام. 3. المسلمون. 4. العلماء. 5. الأطباء. 6. المحقّقون في قسم من العلوم. 7. الفقراء. 8. المساكين. 9. المرضى على وجه الإطلاق أو القسم الخاص بهم. 10. الدولة. 11. الدولة الإسلامية. 12. محبّو أهل البيت(عليهم السلام). إلى غير ذلك من العناوين المتوفّرة حسب توفّر الدواعي للوقف.
وهذا البيان يبعثنا إلى القول بأنّه تمليك للعناوين بما لها من مصاديق عبر الزمان فالمالك هو العنوان، وأمّا الفرد فإنّما يتمتّع بالوقف بما أنّه من مصاديق المالك لا نفسه، وبذلك تندرج الأوقاف العامّة ـ من غير فرق بين الوقف على الجهة والمصلحة والوقف على العناوين ـ تحت ضابطة واحدة، وهي تمليك الجهة والعنوان بما أنّ لها مصاديق عبر الزمان ينتفعون بمنافع الوقف ويستدرّون بها، مادام الوقف موجوداً من غير فرق بين وقف دون وقف.
وسيأتي من المصنّف(قدس سره) في المسألة 72 ما ينافي ما ذكره في المقام، حيث أفتى بضمان الغاصب إذا غصب المدارس والخانات والحمّامات، مع أنّ إلزام الغاصب بأُجرة المثل من شؤون الملك، والمفروض في المقام هو التحرير.   

صفحه 186
المسألة 68. لا يجوز تغيير الوقف وإبطال رسمه وإزالة عنوانه ولو إلى عنوان آخر، كجعل الدار خاناً أو دكّاناً أو بالعكس. نعم، لو كان الوقف وقف منفعة، وصار بعنوانه الفعلي مسلوب المنفعة أو قليلها في الغاية، لا يبعد جواز تبديله إلى عنوان آخر ذي منفعة، كما إذا صار البستان، من جهة انقطاع الماء عنه أو لعارض آخر، لم ينتفع به، بخلاف ما إذا جعل داراً أو خاناً.*
في بيان الضابطة في جواز تبديل عنوان الوقف وعدمه   

المقام الثالث: الوقف على الأولاد

الوقف على الأولاد على قسمين:
الأوّل: يكون الوقف على عنوان الأولاد مستمراً في عمود الزمان، فحكمه حكم الوقف على العناوين، فيملكه عنوان الأولاد ويستمر التملّك.
الثاني: يكون الوقف على فرد واحد من أولاده، فالمتبادر من الثاني بقاء الموقوف في ملك الواقف لقصر مدّة الوقف، فإنّ مثل هذا النوع من الوقف أشبه بالحبس، وإن كان يفارقه في بعض الأحكام.
فخرجنا بالنتيجة التالية، وهي: أنّ الوقف بعامّة أقسامه يوجب زوال الملك عن الواقف، إلاّ في الوقف على فرد معيّن له عمر قصير، ثمّ يكون تمليكاً للجهات والعناوين الكلّية من غير فرق بين الوقف على الجهة أو الوقف على العناوين الكلّية أو الأولاد، والله العالم. وبما ذكر تستغني عن البحوث المفصّلة حول الموضوع.
* في المسألة فرعان:   

صفحه 187
1. لا يجوز تغيير عنوان الوقف إذا كان وقف انتفاع.
2. إذا كان الوقف وقف منفعة، يجوز تغيير عنوانه في صورتين:
أ. إذا كان مسلوب المنفعة               ب. قليلها.

الفرع الأوّل: في بيان الضابطة في جواز تبديل عنوان الوقف وعدمه

ذكر المصنّف أنّه لا يجوز تغيير عنوان الوقف وإبطال اسمه، ومثّل له بجعل الدار خاناً أو دكاناً أو بالعكس، ثمّ إنّ الضابطة في عدم جواز التبديل وجوازه هي كون الوقف وقف انتفاع فلا يجوز، أووقف منفعة فيجوز; وذلك لأنّه قد يعلم من حال الواقف أنّ غرضه من وقف داره على أولاده، بقاء شخص الدار بيد ذريته لكونها دار آبائه ولها خصوصية.
وبعبارة أُخرى: علم من حاله انّه وقف انتفاع بالعين بما لها من الهيئة والصورة فلا يجوز تبديله.
وقد يعلم من فحوى كلامه أو صريحه أو من الخارج أن ليس له في مثل وقف البستان غرض في شخصه، وإنّما قصده وغرضه متعلّق بمنافعه وماليته وإصلاح حال ذريته، وإدرار معاشهم.
ففي الفرض الأوّل كما قال المصنّف: لا يجوز تغيير الوقف وإبطال رسمه وإزالة عنوانه... إلخ. ولذلك لا يجوز تبديل الدار خاناً أو دكاناً أو بالعكس، لتعلّق غرض الواقف على الانتفاع بالدار بما هي دار أجداده وآثارهم، ولكن يجوز في الفرض الثاني. نعم إذا لم يعلم عنوان الوقف، وشكّ فيه يكون استصحاب المنع محكّماً.   

صفحه 188
المسألة 69. لو خرب الوقف وانهدم وزال عنوانه، كالبستان انقلعت أو يبست أشجاره، والدار تهدّمت حيطانها و عفت آثارها، فإن أمكن تعميره وإعادة عنوانه ولو بصرف حاصله الحاصل بالإجارة ونحوها لزم، وتعيّن على الأحوط، وإلاّ ففي خروج العرصة عن   

الفرع الثاني: ما هو الشرط لجواز التبديل إذا كان الوقف وقف منفعة؟

إذا كان الوقفُ، وقف منفعة، يجوز تغيير عنوانه إذا كان الوقف بعنوانه الفعلي مسلوب المنفعة أو قليلها في الغاية. هذا ما عليه المصنّف وغيره. ولذلك جرى التبديل في بلادنا من الموقوفات التي قلّ الانتفاع بها بعنوانه الأوّلي لعلل مختلفة غير ما ذكر في المتن كعدم التمكن من حفظ الموقوف بعنوانه كالبساتين الواقعة في داخل المدينة وغيرها.
بل الظاهر أنّه يجوز إذا كان التبديل أعود وإن لم يكن مسلوب المنفعة أو قليلها، لانّ المفروض أنّ غرض الواقف تعلّق بإصلاح حال الذرية أو الموقوف عليهم على وجه الإطلاق، ولم يتعلق غرضه بحفظ الموقوف بعنوانه; وعلى هذا فالحق جواز التبديل مطلقاً إذا كان الوقف وقف منفعة، وبهذا يسهل الأمر في كثير من الموقوفات إذا كان التبديل أعود وأفضل.
في بيان حكم العرصة لو خرب الوقف   
اللّهمّ إلاّ إذا كان تغيير العنوان مظنّة استيلاء غير الموقوف عليهم على الوقف وإزالة عنوانه، ففي هذه الصورة لا يجوز تغيير عنوانه حسب الحكم الظاهري.

صفحه 189
الوقفية وعدمه، فيُستنمى منها بوجه آخر ـ ولو بزرع ونحوه ـ وجهان بل قولان، أقواهما الثاني. والأحوط أن تجعل وقفاً ويجعل مصرفه وكيفياته على حسب الوقف الأوّل .*

* في بيان حكم العرصة لو خرب الوقف

الغاية من عقد هذه المسألة هو بيان حكم العرصة إذا خربت الدار وانهدمت، فهل تخرج العرصة عن الوقفية أو تبقى عليها؟
قال المحقّق: لو انهدمت الدار لم تخرج العرصة عن الوقف.(1)
ويدلّ عليه أنّ العرصة من جملة الموقوف وهي باقية.
وفي «الجواهر»: لم يحك الخلاف في ذلك إلاّ عن بعض العامّة فجوّز بيع العرصة إذا انهدمت الدار.(2)
أقول: إنّ للمسألة صورتين:
الأُولى: إذا أمكن حفظ العرصة على الوقفية بصرف حاصلها عن طريق الإجارة ونحوها في إعادة البناء حفظاً للعرصة على الوقفية، وهذا ما أفتى به المصنّف بالتعيّن على الأحوط، لأنّه إذا دار زوال العرصة عن الوقفية من رأس وبين حفظها وصرف منافعها ولو بالإجارة فالثاني هو الأقرب لغرض الواقف.
الثانية: لو لم يمكن حفظ العرصة على الوقفية عن هذا الطريق بمعنى إجارتها وصرف حاصلها لإعادة البناء، ولكن يمكن حفظها على   

1 . شرائع الإسلام:2/220.
2 . جواهر الكلام:28/110.

صفحه 190
المسألة 70. إذا احتاجت الأملاك الموقوفة إلى تعمير وترميم وإصلاح لبقائها والاستنماء منها، فإن عيّن الواقف لها ما يصرف فيها فهو، وإلاّ يصرف فيها من نمائها على الأحوط مقدّماً على حقّ الموقوف عليهم، والأحوط لهم الرضا بذلك، ولو توقّف بقاؤها على بيع بعضها،
جاز.*
الوقفية بالاستنماء منها بوجه آخر، ولو بزرع كما هو الحال في البستان، والإجارة في الدار إذا كانت العرصة وسيعة لائقة للإجارة لحفظ الأمتعة أو محلاً لتوقّف السيارات ونحوه، تعيّن ذلك أيضاً، ويجعل مصرفه وكيفياته على حسب الوقف الأوّل.
فصار حاصل الصورتين التأكيد على حفظ العرصة على الوقفية وعدم بطلانها إمّا على الوجه الأوّل لو أمكن، أو الوجه الثاني إذا لم
يمكن.
لو احتاجت الأملاك الموقوفة إلى تعمير وترميم   
وهناك احتمال ثالث وهو بقاء العرصة على وقفيتها لكن لا بشخصها بل بماليتها، فيجوز بيع العرصة وشراء شيء ما بثمنها، ثم وقفه، خصوصاً إذا عُلم أنّ غرض الواقف عدم وقوع الذرية في ذلّ الفقر والحاجة والاضطرار، على نحو لو كان حين الوقف ملتفتاً إلى هذا النوع من الطوارئ لجوّز لهم بيعه وإقامة مال آخر مكانه. وعلى هذا لا يشترط فيه كون البدل مماثلاً للمبدل. ويكون الوقف هو مالية الموقوف لا شخصه.
* في المسألة صورتان:   

صفحه 191
1. ما إذا احتاجت الأملاك الموقوفة في بقائها إلى عمارة(1)وترميم وأمكن الإصلاح بصرف نمائها فيه.
2. لو خرب بعض الوقف ولم يمكن إصلاحه إلاّ ببيع البعض، وهذا ما يأتي في المسألة 75.
وإليك الكلام في الصورة الأُولى، فإن عيّن الواقف لها ما يصرف فيها، بأن يشترط في صيغة الوقف أنّه يصرف من حاصل الموقوف في ترميمه وإصلاح حاله، ففي مثل هذا لا تزاحم في البين; لأنّ المنفعة مخصّصة بغير هذه الصورة، إنّما الكلام إذا لم يعيّن الواقف ما يصرف فيها، فهناك يقع التزاحم بين حقّ الموقوف عليهم، فلهم أن يمنعوا ذلك، متمسّكين بأنّ الثمرة لهم، وبين حقوق البطون الآتية فإنّ انتفاعهم رهن صرف شيء من الثمرة في بقاء العين الموقوفة. ومن المعلوم أنّ الأقرب إلى غرض الواقف هو بقاء الموقوف إلى البطون اللاحقة، والأحوط كسب رضا الموقوف عليهم أيضاً. وأمّا ما أشار إليه المصنّف في آخر المسألة بقوله: ولو توقّف بقاؤها على بيع بعضها، جاز، فسيأتي الكلام فيه في المسألة 75.

1 . ما جاء في المتن من كلمة «التعمير» غير صحيح لأنّه مصدر عمّر يعمّر تعميراً، والمعمّر من عاش أزيد من العمر المتعارف، والصحيح: العمارة، قال سبحانه:(أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاْخِرِ)(التوبة:19).

صفحه 192
حكم ما يتعلّق بالوقف من الأثاث والآلات   
المسألة 71. الأوقاف على الجهات العامّة التي مرّ أنّها لا يملكها أحد، كالمساجد والمشاهد والمدارس والمقابر والقناطر ونحوها، لا يجوز بيعها بلا إشكال في مثل الأوّلين، وعلى الأحوط في غيره وإن آل إلى ما آل; حتّى عند خرابها واندراسها بحيث لا يرجى الانتفاع بها في الجهة المقصودة أصلاً، بل تبقى على حالها، هذا بالنسبة إلى أعيانها. وأمّا ما يتعلّق بها من الآلات والفرش وثياب الضرائح وأشباه ذلك، فما دام يمكن الانتفاع بها باقية على حالها، لا يجوز بيعها، وإن أمكن الانتفاع بها في المحلّ الذي أُعدّت له بغير ذلك الانتفاع الذي أُعدّت له، بقيت على حالها أيضاً، فالفرش المتعلّقة بمسجد أو مشهد إذا أمكن الافتراش بها في ذلك المحلّ، بقيت على حالها فيه، ولو فُرض استغناؤه عن الافتراش بالمرّة، لكن يحتاج إلى ستر يقي أهله من الحرّ أو البرد ـ مثلاً ـ تجعل ستراً لذلك المحلّ، ولو فرض استغناء المحلّ عنها بالمرّة; بحيث لا يترتّب على إمساكها وإبقائها فيه إلاّ الضياع والضرر والتلف، تجعل في محلّ آخر مماثل له; بأن تجعل ما للمسجد لمسجد آخر، وما للمشهد لمشهد آخر، فإن لم يكن المماثل، أو استغنى عنها بالمرّة، جعلت في المصالح العامّة. هذا إذا أمكن الانتفاع بها باقيةً على حالها. وأمّا لو فرض أنّه لا يمكن الانتفاع بها إلاّ ببيعها ـ وكانت بحيث لو بقيت على حالها ضاعت وتلفت ـ بيعت، وصرف ثمنها في ذلك المحلّ إن احتاج   

صفحه 193
إليه، وإلاّ ففي المماثل، ثمّ المصالح حسب ما مرّ.*

* حكم ما يتعلّق بالوقف من الأثاث والآلات

بدأ المصنّف من هذه المسألة في بيان مسوّغات بيع الموقوف، فقسّمه إلى أقسام ثلاثة:
1. الوقف على الجهات العامّة، وربّما يعبّر عنها الوقف على المصالح، كالمساجد، والمشاهد، والمدارس، والمقابر، والقناطر.
2. الأوقاف العامّة، وأُريد بها الوقف على العناوين، كالفقراء والزوّار، وسيأتي الكلام فيها في المسألة 73.
3. ما يتعلّق بها من الآلات والأثاث.
أمّا الأوّل فقد أصرّ المصنّف على عدم جواز البيع وإن آل إلى ما آل إليه، بل تبقى على حالها، ووجهه ما اختاره في المسألة 67 من أنّ الجميع فك ملك وتسبيل منفعة، والبيع من شؤون الملك، لكنّك قد عرفت منّا هناك أنّ الحقّ هو خروج الموقوف عن ملك الواقف ودخوله في العناوين المناسبة لكلّ مورد، كالمصلّين في المسجد، والدارسين في المدارس، وهكذا. فإذا كان الأمر كذلك فإذا خربت فالمسؤول هو الحاكم الشرعي لكلّ ما لم يكن له مسؤول خاص، فإذا أمكن يعمرها وإلاّ فيستنمي منها بأي وجه ممكن كإجارتها وبيعها وشراء ما يقرب من مقاصد الواقف، وإلاّ فترك هذه المراكز من المساجد والمدارس على حالها إلى عصر الظهور أو يوم القيامة بحجّة أنّه لا مالك لها، لا يوافق روح الإسلام.   

صفحه 194

حكم ما يتعلّق بالآلات

هذا كلّه حول أعيانها وأمّا ما يتعلّق بها من الآلات فقد ذكر المصنّف لها صوراً أصرّ على حفظها بأي صورة ممكنة، فإن أمكن بشخصه وإلاّ فبماليته وتبديله إلى ما يماثله، كلّ ذلك لأجل أمرين:
1. أخذاً بالاستصحاب، أي بقاء هذه التوابع على الوقفية.
2. لزوم رعاية غرض الواقف مهما أمكن، أي الأقرب فالأقرب.
إذا عرفت ذلك فإليك تفصيل ما في المتن من الصور معتمداً على الأمرين الماضيين:
1. ما لو أمكن الانتفاع بها على حالها، فلا يجوز بيعها، لحرمة بيع الوقف.
2. لو أمكن الانتفاع بها في المحل الذي أُعدّت له، لكن بغير ذلك الانتفاع الذي أُعدّت له، كالفُرش المتعلّقة بالمسجد إذا استغنى المسجد عنها لكن أمكن الانتفاع بها بالستر، يقي أهله من الحرّ والبرد، فلا يجوز بيعها أيضاً.
3. إذا استغنى المحل من الانتفاع بالفرش مطلقاً، ولا يترتّب على إمساكها إلاّ الضرر، تجعل في محلّ آخر مماثل له، بأن يجعل ما للمسجد لمسجد آخر، وما لمشهد لمشهد آخر.
الانتفاع بالوقف العام أو على العام بغير وجهه   
4. إذا لم يوجد المماثل أو استغنى عنها بالمرّة، جعلت في المصالح العامّة. كلّ هذه التفاصيل إذا أمكن الانتفاع بها بأعيانها.   

صفحه 195
المسألة 72. كما لا يجوز بيع تلك الأوقاف، الظاهر أنّه لا يجوز إجارتها، ولو غصبها غاصب واستوفى منها غير تلك المنافع المقصودة منها ـ كما إذا جعل المسجد أو المدرسة بيت المسكن ـ فلا يبعد أن تكون عليه أُجرة المثل في مثل المدارس والخانات والحمّامات، دون المساجد والمشاهد والمقابر والقناطر ونحوها. ولو أتلف أعيانها متلف فالظاهر ضمانه، فيؤخذ منه القيمة، وتصرف في بدل التالف ومثله.*
وأمّا لو فرض عدم الانتفاع بها إلاّ ببيعها، بيعت وصرفت في ذلك المحل إن احتاج إليه، وإلاّ فبالمماثل، وإلاّ فبالمصالح.

* الانتفاع بالوقف العام أو على العام بغير وجهه

لمّا اختار المصنّف في المسألة السابقة أنّ الوقف على الجهات العامّة لا يملكها أحد، رتّب عليه أُموراً:
الأوّل: عدم جواز بيعها، ولا إجارتها; وذلك لأنّ الإجارة من شؤون الملك، والمفروض أنّ الجميع تحرير وفكّ ملك.
الثاني: لو غصبها غاصب واستوفى منها غير تلك المنافع المقصودة، كما إذا جعل المسجد أو المدرسة مسكناً، فقال بالتفصيل:
أ. عدم أُجرة المثل في المساجد والمشاهد والمقابر والقناطر ونحوها.
ب. عليه أُجرة المثل في مثل المدارس والخانات والحمّامات.   

صفحه 196
المسألة 73. الأوقاف الخاصّة كالوقف على الأولاد، والأوقاف العامّة التي كانت على العناوين العامّة كالفقراء، لا يجوز بيعها ونقلها بأحد النواقل إلاّ لعروض بعض العوارض وطروّ بعض الطوارئ، وهي أُمور:   
أمّا الأوّل: أي عدم أخذ أُجرة المثل في القسم الأوّل، فهو الموافق لما اختاره من أنّه تحرير وفكّ ملك، فليس لهذه الأماكن أي مالك شخصي لا لأعيانها ولا لمنافعها.
وأمّا الثاني: فمقتضى القول بأنّ وقف المدارس والخانات والحمامات فكّ ملك كما عليه المصنّف في المسألة 67، عدم ضمانها، لأنّ الضمان من آثار الملك والمفروض أنّه تحرير لا ملك وهذا قرينة على ضعف مختاره، في المسألة السابقة، فالحق ما اختاره هنا، لا في خصوص المدارس والخانات والحمّامات، بل يعم المساجد والمشاهد والمقابر والقناطر، فيؤخذ منه أُجرة المثل ويصرف فيما هو أقرب إلى مقصود الواقف.
مسوّغات بيع الوقف   
وأمّا الثالث: لو أتلف أعيانها متلف فالظاهر ضمانه، فيؤخذ منه القيمة وتصرف في بدل التالف ومثله. والظاهر من عبارة المصنّف أنّ الضمير في قوله:«أعيانها» يرجع إلى الجميع، فيعم الوقف على المصالح والعناوين، وعندئذ يتوجّه إليه الإشكال: كيف حكم بضمان المتلف في الوقف على الجهات، مع أنّها ليس ملكاً لأحد، وإنّما هو تحرير.   

صفحه 197
الأوّل: ما إذا خربت بحيث لا يمكن إعادتها إلى حالها الأُولى، ولا الانتفاع بها إلاّ ببيعها والانتفاع بثمنها، كالحيوان المذبوح والجذع البالي والحصير الخلق، فتباع ويشترى بثمنها ما ينتفع به الموقوف عليهم، والأحوط لو لم يكن الأقوى مراعاة الأقرب فالأقرب إلى العين الموقوفة.*
كلّ ذلك يبعث الفقيه إلى القول بالتمليك في عامّة المراتب، ولذلك يضمن الغاصب ما استغل من المنافع، كما أنّه يضمن المتلف فيما أتلفه.

* مسوغات بيع الوقف

لمّا تقدّم من المصنّف في المسألة 67و 71 أنّ الوقف على الجهات العامّة كالقناطر ونحوها لا يملكه أحد ولذلك ترك جواز بيعها في المقام، وقد صرّح فيما سبق بعدم الجواز، وخصّ جواز بيع الوقف بالموردين التاليين:
1. الأوقاف العامّة على العناوين كالفقراء.
2. الأوقاف الخاصّة كالوقف على الأولاد.
فالأصل في الجميع عدم جواز الوقف والنقل بأحد النواقل، كالبيع والصلح، إلاّ في موارد خاصّة ذكر منها أربعة موارد، وندرسها واحداً تلو الآخر.
المسوّغ الأوّل: ما إذا خربت ولم يمكن الانتفاع بها إلاّ ببيعها   

صفحه 198
كالحيوان المذبوح (ولعلّ المراد أنّه كان وقفاً حال حياته فذبح لضرورة، وإلاّ فوقف الحيوان المذبوح غير صحيح إذ لا يمكن فيه تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة)، والجذع البالي، والحصير الخلق، فتباع ويُشترى بثمنها ما ينتفع به الموقوف عليهم، بجعله وقفاً مثمراً في المستقبل، والأحوط لو لم يكن الأقوى مراعاة المماثلة بين البدل والمبدل.
أمّا جواز البيع في هذه الصورة فيمكن تقريبه بوجوه:
التقريب الأوّل: ما يستفاد من كلام الشيخ الأنصاري بتحرير منّا، وحاصله: وجود المقتضي للبيع وعدم المانع. أمّا المقتضي فإنّ الأمر دائر بين تعطيله بنفسه وبين انتفاع البطن الموجود به بالإتلاف وبين تبديله بما يبقى وينتفع به الكل. أمّا الأوّل ففيه تضييع مناف لحقّ الله وحقّ الواقف وحقّ الموقوف عليه، وأمّا الثاني فمع منافاته لحقّ سائر البطون يستلزم جواز بيع البطن الأوّل، إذ لا فرق بين إتلافه ونقله، والثالث هو المطلوب.
إلى هنا تمّ بيان المقتضي، وأمّا المانع فيمكن أن يكون أحد الأُمور الثلاثة:
1. الإجماع، ولكنّه ليس بمانع; لأنّه دليل لبيّ فاقد للإطلاق، ولا يشمل مورد عدم الانتفاع بالوقف.
تقريب ثان منّا لجواز البيع   
2. الحكم الشرعي من عدم جواز شراء الوقف وبيعه، وهو منصرف إلى الحالة التي ينتفع فيها بالوقف.
3. قوله: «الوقوف على حسب ما يقفها أهلها»(1)، ولكنّه أيضاً   

1 . الوسائل:13، الباب2 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث1 و2.

صفحه 199
ليس بمانع; لأنّه ناظر إلى لزوم مراعاة الكيفية الواردة في إنشاء الوقف، وليس حرمة البيع من الكيفيات، وإنّما هو حكم شرعي يكتب في سجلات الوقف، وليس الواقف مشرّعاً.
إلى هنا تمّ بيان المقتضي وعدم المانع، وبقي هنا شيء وهو التمسّك بالاستصحاب قائلاً بأنّ الموقوف كان ممنوع البيع والأصل بقاؤه على ما كان عليه.
يلاحظ عليه: بأنّ منع البيع كان في ضمن الانتفاع بالعين الموقوفة، وهو مرتفع، والشكّ في بقاء المنع في ضمن فرد آخر وهو إذا كان مسلوب الفائدة، فالاستصحاب في مثله لا يجري; لأنّه أشبه باستصحاب الكلّي على نحو القسم الثالث.(1)

تقريب ثان منّا لجواز البيع

إنّ حقيقة الوقف هي تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة، فكأنّ وجود الثمرة هي العلّة المبقية لبقاء الأصل وحبسه، فإذا امتنع التسبيل والانتفاع لعدم الثمرة، فلا يكون لبقاء الأصل سبب، وهذا يدلّ على أنّ إبقاء الأصل وعدمه يدور مدار إمكان تسبيل الثمرة وعدمه.
وإن شئت قلت: إنّ الأحكام تتضيّق أو تتّسع بضيق غاياتها وسعتها، فهي وإن كانت متأخّرة وجوداً، ولكنّها متقدّمة تصوّراً، فإذا كان الداعي لإنشاء حبس العين، هو تثميرها ودرّها، فالحكم ببقاء المنشأ، أعني:   

1 . المكاسب:168، بتحرير وإيضاح منّا.

صفحه 200
حبس العين، مع عدم الغاية، يكون أمراً جزافياً، وهذا ما يطلق عليه اليوم في ألسن الأُصوليّين بمقاصد الشريعة وأهدافها، وفي المقام مقاصد الواقف وأهدافه. وإن شئت فعبّر عن هذا بتعدّد المطلوب.
فإن قلت: ما ذكرته يثبت جواز البيع، لا وجوبه، والكلام في الثاني.
قلت: إذا كانت الغاية هي تسبيل الثمرة، وفرض إمكان تحقّقها بالتبديل، يكون بيعه فرضاً لا مباحاً، إبقاء للانتفاع الواجب من غير فرق بين الأصل والبدل.

تقريب ثالث للمحقّق الاصفهاني

إنّ العين وإن سقطت عن الوقفية بنفسها وبشخصها لكنّها بما هي مال محبوسة، والانتفاع بها بما لها من ماليّة، يتوقّف على تبديلها وحفظ المالية الموقوفة في ضمن البدل.(1)
وحاصله: أنّ الساقط عن الوقفية هو العين، وأمّا المالية فهي غير ساقطة بل باقية ولو في ضمن عين أُخرى.
تقريب رابع للمحقّق الخوئي   
يلاحظ عليه: أنّ هنا إنشاء واحداً متعلّقاً بالعين الشخصية بما لها مالية: فإذا صارت العين، غير مثمرة، وامتنع التسبيل، بطلت وقفية العين. والقول ببقاء ماليّتها على الوقفية وانتقالها إلى البدل عند تعذّر تسبيل العين يحتاج إلى إنشاء جديد لم يصدر من المالك.   

1 . هذا التقريب نقله سيدنا الأُستاذ عن تعليقة المحقّق الاصفهاني على مكاسب الشيخ، ونحن لخّصناه.

صفحه 201
اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ وقف العين ليس بما هي هي; بل بما أنّها مال يدرّ مالاً، فوقف العين وقف لها بماليتها، فلا يحتاج إلى إنشاء آخر، وهذا نظير العين التالفة التي يضمنها المتلف، فهو مسؤول عنها بما لها من مالية، فإن أمكن الخروج عن المسؤولية بردّ العين فهو، وإلاّ فالمثل أو القيمة.
ولعلّه إلى ماذ كرنا يشير المحقّق الخراساني أيضاً حيث يقول: إنّه وإن أُخذ في حقيقة الوقف بقاء العين الموقوفة، إلاّ أنّه فيما إذا لم يؤد إلى إنعدامها أصلاً، وأمّا فيما يؤدّي إليه فإن كان البقاء ممّا لابدّ منه في الوقف، فلا محيص عن أن يكون بماليتها لا بنفسها، كما لا يخفى، غاية الأمر لابدّ من بقائها بنفسها مادام يمكن ولا يؤدي إلى التلف، و ]ومن بقائها[ بماليتها وبدلها فيما يؤدي.(1)

تقريب رابع للمحقّق الخوئي

قال: إنّ العبارة المقترنة بكلمة الواقف: حتّى يرث الله الأرض ومن فيها، مع كون العين الموقوفة ممّا لا بقاء لها إلى الأبد قطعاً، تدلّ على أنّ الخصوصية غير دخيلة في العين الموقوفة، وأنّ الملحوظ فيها إنّما هو طبيعي المالية في ضمن أي شخص كان فمادام يمكن الانتفاع بعينها فبها، وإلاّ فيُبدّل بعين أُخرى من جنسها أو من غير جنسها فينتفع بها، فلووقف ما لا دوام فيه حتّى يرث الله الأرض ومن عليها، فلابدّ وأن يكون نظر الواقف إلى طبيعي المال، وإلاّ فلا معنى لتبديل كلامه بهذه العبارة.(2)   

1 . تعليقة المحقّق الخراساني:61، الطبعة الأُولى.
2 . مصباح الفقاهة:3/384.

صفحه 202
يلاحظ عليه: أنّ التقريب يختصّ بما إذا كانت صيغة الوقف مقرونة بما ذكر، ولا يشمل ما إذا كانت خالية عنه. اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّه مركوز ارتكاز الواقف، قارن أو لا.
إلى هنا تمّ ما يرجع إلى الفرع الأوّل، إنّما الكلام في الفرع الثاني.

الفرع الثاني: شراء المماثل للموقوف

اختلفت كلمتهم في وجوب شراء المماثل فذهبت جماعة إلى وجوبه مع الإمكان، لكون المثل أقرب إلى مقصود الواقف، قائلاً بأنّ للعين حالات ثلاث:
1. العين بخصوصياتها الشخصية.
2. العين بخصوصياتها النوعية.
3. العين بخصوصياتها المالية.
فإذا انتفت الحالة الأُولى تبقى الحالتان الأُخريان.
دليل القائل بعدم وجوب شراء المماثل   

دليل القائل بعدم وجوب شراء المماثل

استدلّ الشيخ الأنصاري على عدم وجوب شراء المماثل بعدم انضباط غرض الواقف، إذ قد يتعلّق غرضه بكون الموقوف عيناً خاصّة(1)، وقد يتعلّق بكون منفعة الوقف مقداراً معيّناً من دون تعلّق غرض بالعين، وقد يكون الغرض خصوص الانتفاع بثمرته، كما لو وقف بُستاناً   

1 . فعلى هذا الفرض يبطل الوقف عند عدم إمكان الانتفاع بالعين، وهو خلاف الفرض، فلم يبق إلاّ الاحتمالان الباقيان، فافهم.

صفحه 203
لينتفعوا بثمرته فبيع، فدار الأمر بين أن يُشترى بثمنه بُستان في موضع لا يصل إليهم إلاّ قيمة الثمرة، وبين أن يُشترى ملك آخر يصل إليهم أُجرة منفعته; فإنّ الأوّل(1) وإن كان مماثلاً إلاّ أنّه ليس أقرب إلى غرض الواقف.(2)
أقول: الضابطة في شراء المماثل وعدمه هو التفريق بين كون الوقف وقف منفعة مطلقة بلا قيد، فيُشترى ما هو أنفع بحال الموقوف عليهم، سواء أكان البدل مماثلاً للأصل أم لا، فإنّ الغرض تعلّق بدرّ المنفعة، من دون خصوصية للسبب، وبين كونه وقف الانتفاع بالموقوف ـ كالسكن في المدرسة ـ فلابدّ من اشتراء ما يؤمّن تلك الغاية، فإنّ غرض الواقف هو سكن الطلاب أو الزوّار في المدرسة أو الدار، فلا يصحّ تبديلها بمحل تجاري أكثر درّاً على الطلاب أو الزوّار.
هذا إذا عُلم غرض الواقف، وإذا لم يُعلم فالأحوط هو شراء المماثل. ثمّ إنّ لهذا الفرع ذيل يأتي منه(قدس سره) في المسألة 75، فانتظر.
***
ثمّ إنّ هناك أُموراً أُخرى لم يتعرّض لها المصنّف، وقد ذكرها الشيخ الأنصاري في ذيل الصورة الأُولى من مسوّغات بيع الوقف، ونحن نذكرها بإيجاز:   

1 . أراد الانتفاع بثمرته.
2 . كتاب المكاسب:4/67ـ68، الطبعة المحقّقة.

صفحه 204

1. عدم اختصاص الثمن بالبطن الموجود

يقول الشيخ: إنّ المبيع إذا كان ملكاً للموجودين بالفعل وللمعدومين بالقوّة، كان الثمن كذلك، فكما أنّ الموجود مالك له فعلاً، مادام موجوداً، بتمليك الواقف، فكذلك المعدوم مالك له شأناً بمقتضى تمليك الواقف، وعدم تعقّل تمليك المعدوم إنّما هو في التمليك الفعلي لا الشأني.
يلاحظ عليه: أنّ الملكية علقة اعتبارية بين المالك والمملوك، واعتبار العلقة بين المعدوم والموجود أمر غير مأنوس، لا يحوم حوله العقلاء.
وقد مرّ أنّ ملاك تحوّل الوقف للبطن المتأخّر، كون المالك هو العنوان المنطبق على الموجود فعلاً والموجود عبر الزمان لا أنّ المعدوم مالك بالقوّة، كما هو ظاهر كلام الشيخ.
والأولى أن يقال: إنّ السبب لتبديل العين، بعين أُخرى هو تحقّق غرض الواقف ومقصده، وهذا بنفسه يقتضي عدم اختصاص العين بالبطن الموجود، بل شموله للبطون التالية على النحو المذكور.

2. عدم الحاجة إلى إجراء صيغة الوقف في البدل

جواز التصرّف في البدل لمصلحة   
لو قلنا بأنّ مجرّد جواز البيع يُخرج العين عن الوقف ـ كما عليه صاحب الجواهر(1) ـ لما صار البدل وقفاً بمجرّد الشراء; لأنّ المخلوف عنه زال عنه وصف الوقفية بمجرد جواز بيعه، فكيف يوصف الخلف   

1 . لاحظ: جواهر الكلام:22/358.

صفحه 205
بوصفه فهو بحاجة إلى إجراء صيغة الوقف.
وأمّا لو قلنا بأنّ الوقف يبطل بالبيع لا بجوازه، فالظاهر أنّ البدل يصير وقفاً بالشراء، من دون حاجة إلى إجراء صيغة الوقف; وذلك لأنّ البدل يخلف مكان المبدل في عامّة الشؤون، وبما أنّ المبدل وقف، يصير البدل وقفاً بلا حاجة إلى إجراء الصيغة.
وإن شئت قلت: إنّه لو لم يكن وقفاً فإمّا أن يكون ملك الواقف أو ملك الموقوف عليهم، والأوّل باطل فيتعيّن الثاني. وهو عبارة أُخرى عن عدم الحاجة إلى تجديد صيغة الوقف.
فإن قلت: المبدل هو العين المنفكّة عنها الوقفية، فالمبدل نفس العين لا العين الموقوفة، ومقتضى البدلية انتقال العوض بلا وقف،(1) أي انتقال العوض إلى الموقوف عليهم بلا وصف وقف فيحتاج إلى إجراء صيغة الوقف.
قلت: ما ذكره(قدس سره) مبني على أنّ البدلية متأخّرة عن البيع، وأنّ البيع يتمّ ثم تأتي البدلية، ولكن الظاهر تحقّقهما معاً، لأنّ البيع مبادلة مال بمال، فما لم يتمّ العقد فالمبيع على وصف الوقفية، ولا تنفكّ عنه، وإنّما يزول عنه ذلك الوصف إذا تمّ العقد، وإذا تمّ تحقّق البيع والبدلية معاً.

3. جواز التصرّف في البدل لمصلحة

هل يجوز للمتولّي أو الناظر أو الحاكم أن يتصرّف في البدل   

1 . كتاب البيع:3/210، للسيد الأُستاذ.

صفحه 206
حسب مصلحة البطون، ولو بالإبدال بعين أُخرى، أصلح لهم؟
ذهب الشيخ الأنصاري إلى الجواز، قال: ربّما قد يجب إذا كان تركه يُعدّ تضييعاً للحقوق، وليس مثل الأصل ممنوعاً عن بيعه إلاّ لعذر، لأنّ ذلك كان حكماً من أحكام الوقف الابتدائي، وبدل الوقف إنّما هو بدل له في كونه ملكاً للبطون لا في جميع الأحكام.(1)
أقول: اللازم هو التفصيل فإذا كان البدل الذي بيع به المبيع درهماً أو ديناراً أو عملة رائجة فلا شكّ في وجوب تبديله بالمماثل، لقلّة الانتفاع بهما حينئذ. وأمّا إذا كان البدل عيناً من الأعيان واقتضت المصلحة تبديل البدل إلى شيء ثالث، فتجويز البيع يحتاج إلى مسوّغ، لأنّ البدلية تقتضي أن يكون البدل مثل المبدل في عامّة الشؤون، فما لم يكن هناك مسوّغ لبيع البدل لا يجوز بيعه، والقول بأنّ منع البيع مختصّ بالمبدل، كماترى.
مَن هو المتولّي لبيع الوقف؟   

4. مَن هو المتولّي للبيع؟

إذا افترضنا وجود المسوّغ لبيع الموقوف، يقع الكلام في القائم بذلك الأمر، فهنا صور:
1. إذا عيّن الواقف القائمَ بالبيع عند وجود المسوّغ، فعليه القيام بذلك، لأنّ الوقوف على حسب ما يقفها أهلها، وقد وقفها الواقف على النحو المذكور، سواء أكان القائم بذلك في لسان الواقف هو المتولّي أو الناظر أو البطن الموجود أو الحاكم الشرعي.   

1 . المكاسب:4/66.

صفحه 207
2. إذا لم يتعرّض الواقف لمتولّي البيع عند وجود المسوّغ، فالمتولّي عند السيد الأُستاذ(قدس سره)هو الحاكم الشرعي، قال: إنّ الأوقاف العامّة من المصالح العامّة للمسلمين أو لطائفة منهم، وحفظ مصالحهم من وظائف الوالي، فكما أنّه لو لم يكن لها متولّ تكون ولاية حفظها وحفظ منافعها وصرفها في المصالح من وظائفه، كذلك حفظها عند الخراب بتبديلها وشراء بدلها وإيصاله عيناً أو منفعة إلى الموقوف عليهم من وظائفه; لأنّ ذلك من أوضح شؤون الوالي والحاكم.(1)
والظاهر أنّه إذا لم يتعرّض الواقف لمتولّي الوقف، أنّ القائم به هو المتولّي كسائر شؤون الوقف، فإنّ المتيقّن من أدلّة ولاية الفقيه أنّه يتولّى فعل ما لم يكن له مسؤول خاصّ، وكان القيام بالفعل واجباً، وأمّا إذا كان هناك مسؤول شرعي أو عرفي، فلا يصل الدور إلى ولاية الفقيه، ومنه المقام فإنّ الغاية من تعيين المتولّي هي حفظ الوقف وصيانته من الضياع، وإبقاؤه مهما أمكن، فيكون هو المسؤول عرفاً وشرعاً وإن لم يتعرّض له الواقف في صيغة الوقف.
3. إذا لم يكن للوقف متولٍّ ولا ناظر، فهل يكون أمر الوقف بيد الموقوف عليهم أو بيد الحاكم؟ الظاهر الثاني لأنّه ولي الأجيال الآتية، ومع ذلك الأولى الجمع بين حقّ الموجودين وحقّ الأجيال الآتية بصدور الحاكم عن رضا الموجودين.   

1 . كتاب البيع:3/216.

صفحه 208

5. لو لم يمكن شراء البدل

إذا لم يمكن شراء بدله، ولم يكن الثمن ممّا ينتفع به مع بقاء عينه كالنقدين، فهنا احتمالان:
أ. وضع البدل أمانة عند البطن الموجود.
ب. وضعه عند أمين بحجّة أنّ البدل كالأصل مشترك بين جميع البطون فيوضع عند أمين حتى يتمكّن من شراء ما ينتفع به.
والثاني هو المتعيّن; لأنّ المالية مشتركة بين عامّة البطون، فيجب حفظها مهما أمكن، اللّهمّ إلاّ أن يكون البطن الموجود أميناً معروفاً بالأمانة.

6. جواز بيع الوقف بالنقدين

حكم الربح الحاصل من التجارة   
ربّما يقال عدم جواز بيع الوقف بالنقدين، لأنّ الانتفاع به إنّما هو بإعدام موضوعه، فكيف يكون وقفاً؟(1)
أقول: إنّ الغرض من الوقف هو تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة، والمفروض أنّه لا يتحقّق إلاّ ببيعه بأحد النقدين، أو بالعملة الورقية، ثم اشتراء البدل بها، فإنّ بيع الوقف بالعين نادر جدّاً، وعلى ذلك فالثمن (سواء كان نقداً أو ورقاً) عندئذ ليس وقفاً، بل مقدّمة لتحصيل الوقف.

7. الاتّجار بالبدل

ذكر الشيخ أنّه لو رضي الموجود بالاتّجار بالبدل وكانت   

1 . تعليقة الايرواني على المكاسب:175.

صفحه 209
المصلحة في التجارة، جاز مع المصلحة إلى أن يوجد البدل.(1)
أقول: الظاهر التفصيل بين ما كان الغرض هو وقف المنفعة، وإعانة الموقوف عليهم بالمال، أووقف الانتفاع، فعلى الأوّل يجوز الاتّجار، بل ربّما يجب لصيانة الوقف عن انخفاض قيمته إذا كان نقداً، كما هو المفروض.
وأمّا إذا كان الغرض هو وقف الانتفاع لا الإعانة للموقوف عليهم فلا يجوز الاتّجار، بل يجب حفظه إلى أن يشترى المماثل، إلاّ إذا دعت الضرورة لذلك بحيث لو لم يتّجر به لانخفضت قيمة الوقف عن القيمة الواقعية.

8. حكم الربح الحاصل من التجارة

إذا جاز الاتّجار وكانت المصلحة في الاتّجار به، فربما يقال: إنّ الربح جزء من الوقف، قائلاً بأنّه غير الثمرة، فإنّ الثمرة عبارة عمّا يتولّد من العين، مع بقائها كثمرة البستان، وأُجرة الدار، وأمّا الربح الحاصل من الاتّجار فهو وإن كان ثمرة عند العرف لكنّه ينصرف عنه قول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«حبّس الأصل وسبّل المنفعة» لعدم بقاء العين.
يلاحظ عليه: بالتفصيل بين كون الوقف وقف المنفعة وإعانة الموقوف عليهم بالمال، مع حفظ الأصل، فالمنافع التجارية تُعدّ ثمرة لرأس المال، فيلزم صرفه في حقّ الموجودين; وبين كون الوقف   

1 . المكاسب:4/70، الطبعة المحققة.

صفحه 210
الثاني: أن يسقط بسبب الخراب أو غيره عن الانتفاع المعتدّ به; بحيث كان الانتفاع به بحكم العدم بالنسبة إلى أمثال العين الموقوفة، بشرط أن لا يرجى العود كما مرّ، كما إذا انهدمت الدار واندرس البستان، فصار عرصة لا يمكن الانتفاع بها إلاّ بمقدار جزئي جدّاً يكون بحكم العدم بالنسبة إليهما، لكن لو بيعت يمكن أن يشترى بثمنها دار أو بستان آخر أو ملك آخر; تساوي منفعته منفعة الدار أو البستان، أو تقرب   
وقف الانتفاع كالسكن في المدارس، ومدّ الجسور لتمكين الأشخاص من العبور، فلا تُعدّ المنفعة ثمرة، وعندئذ يكون الاتّجار بالوقف لأجل حفظ المالية عند الاضطرار إلى أن يشتري البدل ويعدّ جزء الوقف.
المسوّغ الثاني من مسوّغات بيع الوقف: لو سقط الموقوف بسبب الخراب عن الانتفاع   

9. لو خرب بعض الوقف ولم يكن له مصرف

لو خرب بعض الوقف وبيع المخروب ولم يكن الثمن كافياً لإحداث وقف آخر ولم يكن الباقي محتاجاً إلى إعمار، ولم يكن للموقوف عليهم وقف آخر حتى يُصرف فيه، فيتعيّن حينئذ صرف الثمن في الموجودين، إذ لا مصرف أقرب له منه.

10. لو خرب بعض الوقف وبيع بماله مصرف

وهذا ما سيأتي في كلام المصنّف في المسألة 75، فانتظر.
إلى هنا تمّ الكلام في المسوِّغ الأوّل مع ما يتعلّق به من الفروع، وإليك الكلام في الثاني منه.

صفحه 211
منها، أو تكون مُعتدّاً بها. ولو فرض أنّه على تقدير بيعها لا يشترى بثمنها إلاّ ما يكون منفعتها كمنفعتها باقيةً على حالها أو قريب منها، لم يجز بيعها، وتبقى على حالها.*

* المسوّغ الثاني: لو سقط الموقوف عن الانتفاع بسبب الخراب

إذا سقط الموقوف بسبب الخراب عن الانتفاع المعتدّ به، ويصدق عرفاً أنّه لا منفعة فيه، إلاّ بمقدار جزئي يكون بحكم العدم بالنسبة إليهما، كما إذا انهدمت الدار واندرس البستان، فله صورتان:
الأولى: لو بيعت وأمكن أن يشترى بثمنه دار أو بستان أو ملك آخر تساوي منفعتُه منفعةَ الدار أو البستان، أو تقرب منها، أو تكون معتدّاً بها.
الثانية: لو بيعت لا يشترى بثمنها إلاّ ما تكون منفعتها كمنفعتها وهي باقية على حالها أو قريب منها، فلا يجوز بيعها، وتبقى على حالها.
وإليك دراسة الصورتين:
الأُولى: إذا أمكن اشتراء دار أو ملك آخر ينتفع بها منفعة تقرُب من منفعة الأصل. قال الشيخ الأنصاري: ففي جواز البيع وجهان:
1. عدم الجواز، وهو ظاهر المشهور حيث قيّدوا الخراب المسوّغ للبيع بكونه لا يجدي نفعاً.
2. الجواز لأنّ النفع المنفي في كلام المشهور محمول على النفع المعتدّ به بحسب حال العين، فإذا خربت الدار ذات الطوابق انحصرت منفعتها بإيجار العرصة، وأين غلّتها من غلّة الدار ودخلها؟   

صفحه 212
ثمّ إنّ الشيخ استظهر دخول هذه الصورة في إطلاق كلام من سوّغ البيع عند خرابه بحيث لا يجدي نفعاً.(1)
والحقّ التفصيل بين كون الوقف وقف المنفعة وكونه وقف الانتفاع، أمّا الأوّل فبما أنّ الغرض من إبقاء الأصل هو تسبيل الثمرة وإيصال المنفعة إلى الموقوف عليهم حسب حال العين الموقوفة، وكانت الثمرة غير لائقة بحفظ العين، فيخرج المفروض عن مورد الإنشاء. وما وقع تحت الإنشاء عبارة عن تحبيس الأصل لغاية تسبيل المنفعة اللائقة بحال الوقف لا ما هو الخارج عن شأنه.
وبما أنّ العرصة أيضاً لا يجوز تركها بحالها ولا بيعها وتقسيم ثمنها بين الموقوف عليهم، لكونهما على خلاف غرض الواقف، فلا محيص ـ لغاية تحقيق غرض الواقف ـ من بيعها واشتراء دار أو بستان أو ملك آخر تساوي منفعته منفعة الدار التي خربت ولا يشترط فيه المماثلة بين المبدل والبدل. ولذلك قال في المتن«أو ملك آخر» مشيراً إلى عدم اشتراط المماثلة.
وأمّا الثاني فبما أنّ الوقف وقف انتفاع، فقد تعلّق غرض الواقف بحفظ العنوان، كما لو وقف الدار لسكن الطلاّب والزوّار، فلابدّ من تبديلها إلى ما يماثل المبدل تحقيقاً لغرض الواقف، فلو أمكن تبديلها إلى ما يؤمن غرض الواقف ولو بنسبة نازلة كاشتراء دار للسكنى فهو، وإلاّ فالقول ببطلان الوقف ـ كما هو خيرة الجواهر ـ هو الأقرب.   

1 . المكاسب:4/71، الطبعة المحقّقة.

صفحه 213
وبعبارة أُخرى: إنّ الغرض الأقصى في القسم الأوّل إيصال النفع إلى الموقوف عليه فيتبع ذلك الغرض ولو ببيع الموقوف إلى ما يغاير الأوّل، ولكن الغرض الأقصى في القسم الثاني هو انتفاع الموقوف عليه من شخص الموقوف وعنوانه لكون الدار دار آبائه وأجداده، فلو بيع بعد الانهدام واشتري ما يؤمن غرضه كالانتفاع بالدار فهو، وإلاّ فيحكم ببطلان الوقف.
وبما أنّ المصنّف فرض المسألة في الوقف على المنفعة، لم يفصّل ما ذكرنا من الفرق بين وقف المنفعة أو وقف الانتفاع، بل فرض في الوقف على المنفعة بأنّه لو بيعت العرصة وأمكن أن يشترى بثمنها دار أو بستان آخر أو ملك آخر تساوي منفعته منفعة الأصل أو تقرب منها أو يكون معتدّاً بها، فأفتى بجواز بيعها، حتى ولو اشتري به ملك آخر لا يماثل الأصل.
فنحن مع المصنّف فيما إذا كان الوقف وقف المنفعة، فيجوز بيعها بغير المماثل أيضاً، دونما إذا كان الوقف وقف الانتفاع، فلا يجوز إلاّ إذا كان العدل مماثلاً، وإلاّ فيبطل الوقف.
الصورة الثانية:لو فرض أنّه على تقدير بيعها لا يشتري بثمنها إلاّ ما تكون منفعتها كمنفعتها باقية على حالها أو قريب منها، لم يجز بيعها وتبقى على حالها.
أقول: ما ذكره في القسم الثاني من أنّه لا يجوز بيعها صحيح، إنّما الكلام في بقاء العين على الوقفية، فما ذكره من بقاء العين على الوقفية إنّما يصحّ في الوقف على المنفعة، وأمّا في الوقف على الانتفاع بعنوان   

صفحه 214
الدار فلا وجه لبقاء العين ـ أي العرصة ـ على وقفيتها، مع أنّها خارجة عن إنشاء الواقف بل يبطل الوقف، لعدم إمكان الانتفاع بها حسب غرض الواقف، كالسكن مثلاً.
المسوّغ الثالث: لو اشترط الواقف بيعه عند حدوث أمر   
وما ذكرنا من التفصيل من بقاء العين على الوقفية في الوقف على المنفعة وبطلانها في الوقف على الانتفاع، هو خيرة صاحب الجواهر، وقد نقله الشيخ أيضاً عنه، قال: قد يقال بالبطلان أيضاً في انعدام عنوان الوقف فيما لو وقف بستاناً أيضاً ملاحظاً في عنوان وقفه البستانية، فخربت حتّى خرجت عن قابلية ذلك، فإنّه وإن لم تبطل منفعتها أصلاً لإمكان الانتفاع بها ـ داراً مثلاً ـ لكن ليس من عنوان الوقف... إلى أن قال: وربّما يؤيد ذلك في الجملة بما ذكروه في باب الوصية من أنّه لو أوصى بدار فانهدمت قبل موت الموصي، بطلت الوصية لانتفاء موضوعها، نعم لو لم تكن الدارية والبستانية ـ مثلاً ـ عنواناً للوقف وإن قاربت وقفه بل كان المراد الانتفاع به في كلّ وقت على حسب ما يقبله، لم يبطل الوقف بتغيّر أحواله.(1)
وأورد عليه الشيخ بالنقض بأنّ جعل البستان عنواناً للوقف ليس إلاّ كجعله عنواناً للمبيع، فكما أنّ البيع لا يبطل(2) بخروجه عن البستانية،
فهكذا إذا وقف بهذا العنوان، فالعرصة لا تخرج عن الوقفية مع ذهاب العنوان.(2)
يلاحظ عليه: بأنّ في كلامه(قدس سره) خلطاً بين كون البستان مورداً للبيع   

1 . جواهر الكلام:22/358ـ 359.   2 . فيما إذا اشترى بستاناً ثم خرب في ملك المشتري.
2 . المكاسب:4/74.

صفحه 215
الثالث: ما إذا اشترط الواقف في وقفه أن يباع عند حدوث أمر مثل قلّة المنفعة، أو كثرة الخراج أو المخارج، أو وقوع الخلاف بين أربابه، أو حصول ضرورة أو حاجة لهم، أو غير ذلك، فلا مانع من بيعه عند حدوث ذلك الأمر على الأقوى.*
لا عنواناً له، وبين كونه عنواناً في الوقف; ففي الأوّل لا يبطل البيع بخروجه عن البستانية، لأنّها مورد للبيع، نظير ما لو باعه حنطة وجعلها المشتري خبزاً، أو صوفاً فنسجه ثوباً; وهذا بخلاف كون البستان عنواناً للوقف بحيث أنشأ الوقف عليه بما هو هو، لغاية الانتفاع بهذا العنوان، فلو بطل العنوان بطل الوقف لكونه خارج الإنشاء.
والأقرب ما ذكرناه في خصوص الوقف على الانتفاع بأنّه لو أمكن تبديل الوقف بما يؤمّن غرض الواقف، ولو بنسبة نازلة فهو، وإلاّ فالأقرب بطلان الوقف ويباع ويصرف ثمنه في الموقوف عليه لعدم التمكّن من العمل بما أنشأه الواقف.
فخرجنا بالنتيجة التالية: وهي أنّ ما ذكره من جواز التبديل بغير المماثل أيضاً صحيح في الوقف على المنفعة، وأمّا في الوقف على الانتفاع ففي القسم الأوّل لا يجوز البيع إلاّ بالمماثل دون غيره، وأما القسم الثاني فيبطل الوقف.
* المسوّغ الثالث(1): لو اشترط الواقف بيعه عند حدوث أمر
إذا اشترط الواقف بيعه عند حدوث أمر من قلّة المنفعة أو كثرة   

1 . هذا هو المسوّغ الخامس في مكاسب الشيخ الأنصاري، لاحظ:4/84.

صفحه 216
الخراج أو كون بيعه أعود، أو لأجل الاختلاف بين الموقوف عليهم، أو لضرورة، أو حاجة للموقوف عليه ونحو ذلك، فهل يجوز اشتراطه وبالتالي بيعه أو لا؟ يظهر الجواز من العلاّمة في إرشاده حيث يقول: ويجري الوقف على السبل المشترطة السائغة .(1)
وفي دلالته على جواز البيع في المورد محلّ تأمّل، إذ لم يثبت كون شرط البيع من السبل المشترطة السائغة.
نعم يظهر من الشهيد الجواز، قال: ولو شرط الواقف بيعه عند حاجتهم أو وقوع الفتنة بينهم فأولى بالجواز.(2)
ثمّ إنّ المسألة مبنيّة على أنّ شرط البيع مخالف لمقتضى عقد الوقف، نظير البيع بلا ثمن والإجارة بلا أُجرة، فإنّ مثل هذا الشرط مخالف لمقتضى عقد البيع، أو أنّه مناف لإطلاقه، فيجوز تقييده بالشرط.
ظاهر الشيخ الأنصاري أنّ الشرط مخالف لإطلاق الوقف، وأنّ التأبيد من مقتضيات الإطلاق، فلا بأس بتقييده ببعض الأحيان...
المسوّغ الثالث: لو اشترط الواقف بيعه عند حدوث أمر   
وظاهر المحقّق النائيني التفصيل وأنّ الشرط مخالف لمقتضى العقد فيما إذا اشترط إتلاف ثمنه وإبطال الوقف بالنسبة إلى البطون اللاحقة دونما إذا شرط بيعه وشراء غيره بثمنه.
وقد أشار الشيخ أيضاً إلى هذا التفصيل وقال: ثم لو سلّمنا   

1 . إرشاد الأذهان:1/455.
2 . الدروس الشرعية:2/279.

صفحه 217
المنافاة فإنّما هي في شرط بيعه للبطن الموجود(أي لانتفاع البطن الموجود) وأكل ثمنه، وأمّا تبديله بوقف آخر فلا تنافي بينه وبين مفهوم الوقف.(1)
وجه التفصيل: المتبادر من الوقف هو التأبيد إمّا شخصياً ومالياً كما إذا لم يشترط شيئاً، أو ماليّاً فقط لا شخصياً، كما إذا اشترط بيعه وتبديله إلى وقف آخر، فالمنافي للتأبيد هو هدم الوقف من الأساس شخصياً ومالياً دون هدمه شخصياً فقط مع حفظ المالية، إذا تعلّق الغرض به.
والظاهر أنّ الحقّ مع الشيخ وأنّه يجوز الشرط مطلقاً، إذ لا تتجاوز الصورة التي لم يجوزها المحقّق النائيني عن كونها نظير الوقف منقطع الآخر، وهو جائز بالاتّفاق. إذ لا فرق بين الوقف على منقطع الآخر ابتداء وما يصير مثله في نهاية الأمر .
هذا وربّما يستدلّ على الصحّة بالوجوه التالية:
1. عموم أدلّة الشرط أي: «المؤمنون عند شروطهم».
يلاحظ عليه: بما ذكرنا غير مرّة من أنّ قوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«المؤمنون عند شروطهم» ليس مشرّعاً وإنّما يستدلّ به إذا ثبتت مشروعية الشرط، فعندئذ يُلزم المؤمن بالوفاء، وأمّا إذا صارت مشروعية الشرط مشكوكة فلا يتمسّك بالعام عند الشكّ في مصداقه.
2. قوله(عليه السلام): «الوقوف حسب ما يقفها أهلها».   

1 . المكاسب:4/86.

صفحه 218
يلاحظ عليه: أنّ الواقف ليس مشرّعاً حتى يكون محور الصحّة كيفية وقفه، وإنّما يُتبع وقفه وشرطه فيما إذا ثبتت مشروعية الشرط; وأمّا إذا شكّ بها، فلا يمكن إثبات مشروعيته باشتراط الواقف.
3. ما في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: بعث إليّ بهذه الوصية أبو إبراهيم(عليه السلام)(والرواية في بيان كيفية وقف أمير المؤمنين(عليه السلام) ماله في عين ينبع وجاء فيها قوله):«وأنّه يقوم على ذلك الحسن بن علي يأكل منه بالمعروف وينفقه حيث يُريد الله، في حل محلّل لا حرج عليه فيه، فإن أراد أن يبيع نصيباً من المال فيقضي به الدين فليفعل إن شاء لا حرج عليه فيه، وإن شاء جعله شروى(1) الملك، وإنّ ولد علي وأموالهم إلى الحسن بن علي، وإن كان دار الحسن غير دار الصدقة فبدا له أن يبيعها، فليبعها إن شاء لا حرج عليه فيه، وإن باع فإنّه يقسّمها ثلاثة أثلاث فيجعل ثلثاً في سبيل الله، ويجعل ثلثاً في بني هاشم وبني المطلب، ويجعل ثلثاً في آل أبي طالب».(2)
وقد عمل السيد الطباطبائي بمضمون الرواية وأفتى بجواز شرط البيع في الوقف المؤبّد، وقال: الظاهر جواز اشتراط بيعه وأكل ثمنه، أو صرفه في مصرف آخر من دون أن يشتري بعوضه ملكاً آخر، وتمسّك في ذلك بالرواية الشريفة المذكورة.(3)   

1 . قوله: «شروى» أي المثل.
2 . الوسائل:13، الباب10 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث3.
3 . ملحقات العروة الوثقى:1/255.

صفحه 219
وربّما يؤيد بما رواه الكليني عن علي بن رئاب عن جعفر بن حنان(1) قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام)عن رجل وقف غلّة له على قرابته من أبيه وقرابته من أُمّه،... إلى أن قال ـ بعد عدة أسئلة ـ : قلت: فللورثة من قرابة الميّت أن يبيعوا الأرض إن احتاجوا ولم يكفهم ما يخرج من الغلّة؟ قال: «نعم، إذا رضوا كلّهم وكان البيع خيراً لهم، باعوا».(2)
يلاحظ عليه: بأنّ مضمون الحديث معرض عنه حيث يدلّ على أنّ للموقوف عليه بيع الوقف عند الحاجة، وإن لم يذكر في صيغة الوقف، وهذا ما لا يقول به فقيه، ولا محيص من حمل الحديث على صورة الشرط.
وقال السيد في موضع آخر: ولعمري أنّ العلماء بالغوا في تضييق أمر الوقف مع أنّه ليس بهذا الضيق، إذ لا يستفاد من الأخبار الدالّة على عدم جواز بيعه إلاّ عدم جواز ذلك بمثل سائر الأملاك، والقدر المتيقّن من الإجماع أيضاً هو ذلك، وغرض الواقف إيصال النفع إلى جميع الموقوف عليهم.(3)
بقي هنا شيء: وهو أنّ شرط البيع ينافي قوله:«لا تباع ولا توهب».
والجواب: أنّ المراد أنّه لا تباع ولا توهب كسائر الأملاك، حيث يتصرّف فيها المالك بلا شرط ولا قيد، وهذا غير المقام حيث يبيع   

1 . في نسخة الكافي جعفر بن حيّان.
2 . الوسائل:13، الباب6 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث8.
3 . ملحقات العروة الوثقى:2/264.

صفحه 220
الرابع: ما إذا وقع بين أرباب الوقف اختلاف شديد; لا يؤمن معه من تلف الأموال والنفوس، ولا ينحسم ذلك إلاّ ببيعه، فيباع ويقسّم ثمنه بينهم. نعم، لو فُرض أنّه يرتفع الاختلاف ببيعه وصرف الثمن في شراء عين أُخرى، أو تبديل العين الموقوفة بالأُخرى، تعيّن ذلك، فتُشترى بالثمن عين أُخرى أو يبدّل بآخر، فيجعل وقفاً ويبقى لسائر البطون، والمتولّي للبيع في الصور المذكورة وللتبديل ولشراء عين أُخرى، هو الحاكم أو المنصوب من قبله إن لم يكن متولّ منصوب من قبل الواقف.*
مع الشرط.
المسوّغ الرابع: وجود اختلاف لا يؤمن معه من تلف الأموال   
وإن شئت قلت: قوله:«لا تباع ولا توهب» وصف لنوع الصدقة لا لشخصها التي ورد فيه اشتراط البيع لدى الحاجة.
وعلى كلّ تقدير، فجواز البيع إنّما يتصوّر فيما إذا كان هناك تمليك للجهة أو للعنوان ـ حسب ما قلنا ـ أو للأفراد، وأمّا الموارد التي ذهب البعض إلى أنّها تحرير عن الملكية، فعدم جواز بيعها واضح، إذا لا بيع إلاّ في ملك.

* المسوّغ الرابع: وجود اختلاف لا يؤمن معه من تلف الأموال

إذا وقع بين أرباب الوقف اختلاف شديد لا يؤمن معه من تلف الأموال والنفوس، فله صورتان:   

صفحه 221
1. إذا انحصر رفع الاختلاف بالبيع وتقسيم ثمنه بينهم.
2. إذا أمكن دفع الاختلاف ببيعه وصرف الثمن في شراء عين أُخرى أو تبديل العين الموقوفة بالأُخرى.
أمّا الصورة الأُولى فيمكن الاستدلال عليها بوجهين:
1. وجود المقتضي وعدم المانع، أمّا وجود المقتضي فلأنّ الغرض الأسمى من الوقف هو إبقاء الأصل وتسبيل الثمرة وانتفاع الموقوف عليهم بها. فإذا كان بقاء الوقف مؤدّياً إلى نقض الغرض(تلف الموقوف) فالبيع وتقسيم ثمنه بين الموقوف عليهم أقرب إلى مقاصد الواقف.
وإن شئت قلت:إنّ غرض الواقف بما أنّه علّة غائية يورث ضيقاً في إرادة الواقف، وبالتالي يكون إنشاء الوقف منصرفاً عن هذه الصورة التي هي على طرف النقيض من غرضه.
وأمّا عدم المانع فلانصراف أدلّة المنع عن هذه الصورة، مثل قوله:«لا يجوز شراء الوقف ولا تُدخل الغلّة في ملكك» والإجماع المُدّعى في المقام، فيعم إطلاق أدلّة البيع ووجوب الوفاء بالعقد، هذه الصور.
2. الاستدلال بمكاتبة علي بن مهزيار قال:
1. كتبت إلى أبي جعفر الثاني(عليه السلام):إنّ فلاناً ابتاع ضيعة فأوقفها وجعل لك في(من) الوقف الخمس، ويسأل عن رأيك في بيع حصّتك من الأرض أو تقويمها على نفسه بما أشتراها أو يدعها موقوفة، فكتب إليّ:«أعلِم فلاناً أنّي آمره أن يبيع حقّي من الضيعة، وإيصال ثمن ذلك   

صفحه 222
إليّ، وإنّ ذلك رأيي إن شاء الله، أو يقوّمها على نفسه إن كان ذلك أوفق له».(1)
2. وكتبت إليه: إنّ الرجل ذكر أنّ بين مَن وقف عليهم هذه الضيعة اختلافاً شديداً، وأنّه ليس يأمن أن يتفاقم ذلك بينهم بعده، فإن كان ترى أن يبيع هذا الوقف ويدفع إلى كلّ إنسان منهم ما وقف له من ذلك أمرته، فكتب إليه بخطه: «وأعلمه أنّ رأيي له إن كان قد علم الاختلاف ما بين أصحاب الوقف أن بيع الوقف أمثل، فإنّه ربّما جاء في الاختلاف تلف الأموال والنفوس».(2)
فإن قلت: ليس في المكاتبة الأُولى أثر من وجود الاختلاف بين الموقوف عليهم فكيف يستدلّ بها على المورد؟
قلت: إنّ المكاتبة الثانية دليل عليه، إذ المتبادر أنّ مورد السؤال فيها واحد.
نعم يبقى هنا سؤال وهو أنّ احتمال جواز بيع سهم الإمام لعدم تحقّق بعض شروطه التي منها الإقباض، والشاهد على ذلك أنّه وقف خمس الأرض للإمام(عليه السلام)وهو بعد لم يقبضه، فلذلك وكّله الإمام في البيع قبل القبض.
وأمّا المكاتبة الثانية فالظاهر أنّ الاختلاف كان بين أصحاب الوقف في نفس الوقف، وعلى هذا يحمل قوله:«فإنّه ربّما جاء في الاختلاف   

1 . الوسائل:13، الباب6 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث5.
2 . الوسائل:13، الباب6 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث6.

صفحه 223
تلف الأموال والنفوس» على تلف مال الوقف، وكون الوقف مالاً واحداً لا ينافي كونه أموالاً في لسان الإمام(عليه السلام)، إذ لعلّ الجمع باعتبار أطراف الاختلاف، ففي كلّ طرف احتمال تلف المال.
وعلى هذا يصحّ الاستدلال بالرواية في صورة واحدة، أي فيما إذا كان الاختلاف مؤدياً إلى تلف مال الوقف. وأمّا إذا كان الاختلاف مؤدّياً إلى تلف الأموال الخطيرة غير الموقوفة، فالصحيحة ساكتة عنها، اللّهمّ إلاّ إذا قلنا بمساعدة العرف على إلغاء الخصوصية، بين كون التالف هو الموقوف أو غيره.
الصورة الثانية: إذا أمكن في رفع الفساد بتبديل العين الموقوفة بالأُخرى، يتعيّن; لأنّ فيه جمعاً بين غرض الواقف وحقوق البطون الآتية.
ثمّ إنّ المتولّي للبيع هو ناظر الوقف أو المتولّي له، وعند عدمهما فالحاكم أو المنصوب من قبله، لما عرفت من أنّ المتيقّن من ولاية الحاكم التصدّي للأُمور التي لم يُخوّل أمرها إلى شخص خاصّ شرعاً أو عرفاً.
***
إلى هنا تمّ الكلام في المسوّغات الأربعة للبيع، فالمسوّغ في الأوّل والثاني والرابع وجود خصوصيات في الموقوف والموقوف عليه الذي يؤدّي إلى صحّة البيع، وأمّا الثالث فالمسوّغ شرط الواقف.
ثمّ إنّ المصنّف اقتصر في بيان مسوّغات بيع الوقف على الأُمور الأربعة وترك ما ذكره الشيخ أو الآخرون، من أُمور ربّما تنتهي إلى   

صفحه 224
العشرة، ولعلّه تركها لأنّ بينها ما لا يسوغ معها البيع، أو داخل في ما ذكر من الأُمور الأربعة.
ومع ذلك نحن نذكر صورة خامسة لها شيء من الأهميّة.

فيما لو خاف خراب الوقف

إذا كان بقاء الوقف يؤدّي إلى خرابه علماً أو ظنّاً، وهو المعبّر عنه بخوف الخراب في كثير من عبارات العلماء، هل يجوز بيعه وشراء شيء بثمنه وجعله وقفاً للموقوف عليهم، أو لا؟
وهذه هي الصورة السابعة من الصور العشر في المكاسب ولها ذيل في الصورة العاشرة، فلاحظ.(1)
أقول: فإذا كان العلم بتأديته إلى الخراب أو الظن به المعبّر عنه بخوف الخراب أُخذا طريقيّين، فتعود هذه الصورة إلى الصورة الأُولى، غير أنّ الخراب في الصورة الأُولى محقّق فعلاً وفي هذه الصورة على وشك التحقّق.
وعندئذ يقع الكلام في أمرين:
فيما لو خاف خراب الوقف   
1. وجود المقتضي للبيع.
2. عدم المانع عنه.
أمّا الأوّل: فالدليل على جواز البيع في الصورة الأُولى هو نفس الدليل في المقام; وذلك لأنّ الغرض من عدم البيع عدم انقطاع شخصه،   

1 . المكاسب:4/88ـ89.

صفحه 225
فإذا فرض العلم أو الظنّ بانقطاع شخصه فيدور الأمر بين انقطاع شخصه ونوعه (إذا لم يُبع) وبين انقطاع شخصه لا نوعه إذا بِيعَ، يكون الثاني أولى إذ ليس فيه منافاة لغرض الواقف.
وبعبارة أُخرى: إنّ الغرض الأقصى من الوقف هو تحبيس الأصل لغاية تسبيل الثمرة والمنفعة.
والمفروض أنّه متوقّف على بيع الأصل، بحذف الشخصية وحفظ المالية كي يتحقّق استمرار الثمرة، والمناط في هذه الصورة والصورة الأُولى واحد غير أنّ الأصل في الأُولى خربَ وخرج عن الانتفاع رأساً، وفي هذه الصورة كونه على وشك الخراب والخروج عن الانتفاع.
وأمّا الثاني: فلأنّ الأدلّة الدالّة على عدم جواز البيع غير ناهضة على المنع ـ في هذه الصورة ـ كالإجماع المدّعى في المقام أو قوله (عليه السلام): «لا يجوز شراء الوقف»، لانصرافه عنها. هذا ومن جهة أُخرى أنّ المفروض رضا الموقوف عليهم وقيام الناظر العام أو الخاص مقام البطن اللاحق.
هذا كلّه إذا أمكن الاستبدال من دون أن تفوت منفعة البطن الموجود، وأمّا لو فرض تضرّر البطن الموجود من بيعه للزوم تعطيل الانتفاع إلى زمن وجدان البدل أو وصوله إلى حدّ ينفع. فهل يجوز بيعه؟ قال الشيخ: وفي تقديم البيع إشكال.(1)
والظاهر عدم الإشكال; لأنّ الغاية من تحبيس الأصل هو تسبيل الثمرة، والمفروض أنّ التأخير في البيع وإن كان ينتفع منه البطن   

1 . كتاب المكاسب:4/90.

صفحه 226
الموجود، إلاّ أنّه يستلزم انتفاء الغرض حيث إنّ خراب الوقف عند ترك البيع يساوق انتفاء التسبيل .
وبعبارة أُخرى: الأمر دائر بين تضرّر البطن الموجود سنة أو سنتين وبين تضرّر البطون اللاحقة على وجه الإطلاق.
فيقدّم الأوّل في مقام التزاحم.
فإن قلت: إنّ الدواعي والأغراض ليست من قيود الموضوع في باب الإنشاء عقديّاً أو إيقاعياً (1).
قلت: مرّ الكلام في ذلك وأنّ المقاصد علل غائية، فهي تضيّق الإرادة الإنسانية لبّاً، وإن لم تضيّقها لفظاً، وعندئذ تكون سبباً لانصراف الإنشاء عن صور تخلّف المقاصد والدواعي.
في جواز إجارة وقف المنفعة   
وبعبارة أُخرى: فرق بين الحِكَم والعلل. فالأُولى منهما، لا تكون قيداً للموضوع كاستبراء الرحم من الولد في المطلقة فإنّه من قبيل الحكم فلا يكون قيداً للمعتدّة، فالمرأة المدخول بها تعتدّ وإن حصل العلم باستبراء رحمها من الولد لكونها عاقراً. والثانية منهما تكون قيداً للحكم كما هو الحال في المقام حيث إنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) حدّد الوقف به وقال: «حبّس الأصل وسبّل المنفعة»(2)، وهذا يعرب عن أنّ تسبيلها من مقوّمات الوقف وقيوده المؤثّرة فيه.

1 . كتاب البيع: 3 / 256 .
2 . سنن البيهقي:6/162.

صفحه 227
المسألة 74. لا إشكال في جواز إجارة ما وقف وقف منفعة ـ سواء كان وقفاً خاصّاً أو عامّاً ـ على العناوين أو على الجهات والمصالح العامّة، كالدكاكين والمزارع الموقوفة على الأولاد أو الفقراء أو الجهات العامّة; حيث إنّ المقصود استنماؤها بإجارة ونحوها ووصول نفعها إلى الموقوف عليهم، بخلاف ما كان وقف انتفاع، كالدار الموقوفة على سُكنى الذرّية وكالمدرسة والمقبرة والقنطرة والخانات الموقوفة لنزول المارّة، فإنّ الظاهر عدم جواز إجارتها في حال من الأحوال.*

* في جواز إجارة وقف المنفعة

قد عرفت أنّ الوقف على قسمين: وقف منفعة، ووقف انتفاع. فالغرض الأقصى في الصورة الأُولى إيصال النفع إلى الموقوف عليه، ودرّه إليه، ففي هذه الصورة، يجوز له إجارة الموقوف، وإن لم يباشر الانتفاع بنفسه حيث إنّ الغرض هو استنماؤها وهو حاصل بالإجارة بشرط بقاء العين وتسبيل المنفعة.
وأمّا الغرض الأقصى في الصورة الثانية أي وقف الانتفاع فهو مباشرة الموقوف عليه للانتفاع، كوقف المدرسة للدراسة، فلا يجوز إجارتها في حال من الأحوال; لأنّ المنشأ هو الانتفاع بالدراسة، وإجارتها للسكن أو لسائر المصالح يخالف غرض الواقف بل يخالف إنشاءَه. وقد مرّ أنّ الفرق بين القسمين هو الفرق بين الإجارة والعارية، فلاحظ المسألة 64.
وممّا ذكرنا يظهر حكم المقابر والقناطر والخانات الموقوفة لنزول المارّة، فلا يصحّ إجارة شيء منها.

صفحه 228
المسألة 75. لو خرب بعض الوقف بحيث جاز بيعه، واحتاج بعضه الآخر إلى التعمير لحصول المنفعة، فإن أمكن تعمير ذلك البعض المحتاج من منافعه، فالأحوط تعميره منها، وصرف ثمن البعض الآخر في اشتراء مثل الموقوفة، وإن لم يمكن لا يبعد أن يكون الأولى بل الأحوط أن يُصرف الثمن في التعمير المحتاج إليه. وأمّا جواز صرفه لتعميره الموجب لتوفير المنفعة فبعيد. نعم، لو لم يكن الثمن بمقدار شراء مثل الموقوفة يصرف في التعمير ولو للتوفير.*
* في المسألة فروع
لو خرب بعض الوقف واحتاج بعضه الآخر إلى الترميم    
قد مرّ ـ عند الكلام في مسوّغات بيع الموقوف التي منها سقوطه بسبب الخراب عن الانتفاع ـ أنّ لهذا الفرع ذيلاً يأتي في المسألة 75، وهذه هي الفروع ـ التي يذكرها المصنّف تباعاً ـ كلّها ذيل للمسألة السابقة.
1. لو خرب بعض الوقف بحيث جاز بيعه واحتاج بعضه الآخر إلى العمارة (التعمير) لحصول المنفعة، فاجتمع جواز البيع مع عمارة البعض الآخر، فحينئذ لو أمكنت عمارة ذلك البعض من منافعه فالأحوط عمارته منها، وأمّا ثمن البعض الآخر الذي بيع فيصرف في اشتراء مثل الموقوف.
وبعبارة أُخرى: يعمّر البعض الآخر من منافعه، ويباع البعض المخروب فيشتري بثمنه مثل المخروب.
2. لو لم تمكن عمارة ذلك البعض من منافعه، فيجوز أن يصرف ثمن ما بيع لإعماره.   

صفحه 229
3. إذا أمكن عمارة البعض الآخر من منافعه، فلا يجوز صرف ثمن ما بيع في توفير المنفعة.
نعم لو لم يمكن شراء المثل، فلا إشكال في صرف الثمن في توفير المنفعة مع صرف منافعه في عمارته معاً.
هذا توضيح ما في عبارة المصنّف، وإليك الاستدلال عليها.
أمّا الفرع الأوّل: وهو لزوم شراء مثل الموقوف من البعض الذي بيع، وعمارة البعض الآخر من منفعته فإنّه الأقرب لغرض الواقف، أضف إلى ذلك: أنّ الضرورات تتقدّر بقدرها، فإذا أمكن جبر البعض الباقي بمنفعته فلا ملزم لصرف الثمن في استنمائه وإعماره، بل يجب صرفه في شراء موقوف مثله.
نعم جوّز الشيخ الأنصاري صرف ثمنه في البعض الباقي مشروطاً برضا الكلّ، قائلاً بأنّ الثمن ملك للبطون، فلهم التصرّف فيه على ظن المصلحة.
يلاحظ عليه: بأنّه إذا دار الأمر بين شراء مثل للموقوف أو صرفه في إعمار البعض الباقي، فالأوّل أقرب لغرض الواقف من عمارة البعض الباقي.
ثم إنّه يجب أن يكون البدل مماثلاً لما باع، إذا كان الوقف وقف الانتفاع لا وقف المنفعة، لأنّ الغرض في الثاني هو رفع حاجات الموقوف عليهم من دون نظر إلى هيئة الموقوف وصورته.   

صفحه 230
المسألة 76. لا إشكال في جواز إفراز الوقف عن الملك الطلق; فيما إذا كانت العين المشتركة بينهما، فيتصدّاه مالك الطلق مع متولّي الوقف أو الموقوف عليهم. بل الظاهر جواز قسمة الوقف أيضاً لو تعدّد الواقف والموقوف عليه، كما إذا كانت دار مشتركة بين شخصين، فوقف كلّ منهما حصّته المشاعة على أولاده. بل لا يبعد الجواز فيما إذا تعدّد الوقف والموقوف عليه مع اتّحاد الواقف، كما إذا وقف نصف داره مشاعاً على مسجد والنصف الآخر على مشهد. ولا يجوز قسمته بين   
في وقف المشاع   
وأمّا الفرع الثاني: فإذا يمكن إعماره من منافعه فيصرف ثمن المبيع من الوقف في استنماءالبعض الباقي، لأنّه الطريق الوحيد للاستفادة من الوقف، إذ المفروض أنّه لو لم يصرف ثمن ما بيع في إعماره لبطل الوقف أساساً.
وأمّا الفرع الثالث: فإذا دار الأمر بين شراء مثل للموقوف أو صرفه لتوفير منفعة البعض الموجود فالأوّل هو الأقرب لغرض الواقف، مضافاً إلى عدم الضرورة إلى توفير المنفعة بل يكفي وجود المنفعة مثلها عند الوقف.
نعم إذا لم يمكن صرف الثمن في شراء المثل انحصر صرفه في العمارة يصرف فيها; لأنّه أقرب إلى غرض الواقف، وأمّا صرفه في حوائج الموجودين من الموقوف عليهم، فبعيد عن الوقف وتصرّف في حقّ البطون اللاحقة.

صفحه 231
أربابه إذا اتّحد الوقف والواقف; مع كون الموقوف عليهم بطوناً متلاحقة أيضاً. ولو وقع النزاع بين أربابه بما جاز معه بيع الوقف ولا ينحسم إلاّ بالقسمة، جازت، لكن لا تكون نافذة بالنسبة إلى البطون اللاحقة، ولعلّها ترجع إلى قسمة المنافع، والظاهر جوازها مطلقاً. وأمّا قسمة العين بحيث تكون نافذة بالنسبة إلى البطون اللاحقة، فالأقوى عدم جوازها مطلقاً.*

* في وقف المشاع

يقع الكلام في موردين:
الأوّل: جواز وقف الملك المشاع.
الثاني: كيفية الإفراز.
أمّا الأوّل: فلا إشكال في وقف الملك المشاع، غاية الأمر إذا مسّت الحاجة إلى إفرازه عن الملك الطلق فيفرز عنه، وفي «الجواهر»: بلا خلاف أجده فيه عندنا، بل الإجماع بقسميه عليه، بل نصوص التصدّق به مستفيضة أو متواترة فيدخل فيه الوقف، أو يُراد منه، والمخالف هو الشيباني تلميذ أبي حنيفة من عدم الجواز لعدم إمكان قبضه، ولذلك يقول المحقّق: ويصحّ وقف المشاع، وقبضه كقبضه في البيع.(1)
وقوله: «وقبضه كقبضه في البيع»، ردّ على الشيباني، وأمّا ما ذكره   

1 . شرائع الإسلام:2/213.

صفحه 232
في «الجواهر» من استفاضة النصوص وتواترها فيشير إلى ما عقده صاحب الوسائل تحت عنوان: باب وقف المشاع والصدقة به قبل القسمة وقبل القبض، وأورد فيه سبع روايات مضافاً إلى ما أشار إليه فيما تقدّم وفيما يأتي، وإليك بعض النصوص.
1. صحيحة الحلبي قال: سألت أباعبد الله(عليه السلام) عن دار لم تقسّم، فتصدّق بعض أهل الدار بنصيبه من الدار؟ فقال:«يجوز».
قلت: أرأيت إن كان هبة؟ قال:«يجوز».(1)
2. صحيحة أبي بصير، قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن صدقة ما لم يقسّم ولم يقبض؟ فقال: «جائزة إنّما أراد الناس النحل فأخطأوا».(2)
وفي الوسائل: لعلّ المراد بعدم القبض هنا أنّ الواقف لم يقبضها قبل الوقف كالميراث والمبيع ونحوهما، والرواية دليل على صحّة وقف المشاع.
بقي الكلام في تفسير قوله:«جائزة إنّما أراد الناس النحلة فأخطأوا» فالظاهر أنّ المراد من النحلة: العطية، فتكون الفقرة: أنّ الصدقة قبل القبض جائزة، أي لازمة لا يجوز الرجوع فيها، بخلاف الهبة فإنّها غير لازمة يجوز للواهب الرجوع إذا وهب قبل القبض.
هذا مفاد الرواية بقي هنا إشكال: وهو أنّه قد تقدّم أنّ إقباض   

1 . الوسائل:13، الباب9 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث1.
2 . الوسائل:13، الباب9 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث2، ولاحظ بقية أحاديث الباب.

صفحه 233
الوقف شرط إمّا للصحّة أو للزوم، فكيف يكون الوقف هنا لازماً قبل أن يقبض الواقف وبالتالي قبل أن يقبض الموقوف عليه، وهذا ما لم يقل به أحد؟ فلا محيص من حمل الحديث على الكراهة، بمعنى أنّ الرجوع مكروه، وهو لا ينافي لزوم أمرين: 1. قبض الواقف.   2.إقباض الموقوف.
هذا كلّه حول وقف المشاع وقد عرفت جوازه.
وأمّا الثاني: فنقول هنا صور:
1. يجوز الإفراز فيما لو تعدّد الواقف والموقوف عليه، كما إذا كانت دار مشتركة بين شخصين فوقف كلّ منهما حصّته المشاعة على أولاده.
وجه الجواز: إنّ الإفراز هو الجمع بين الحقّين من دون أن يتوجّه أي ضرر على الموقوف عليه.
2. يجوز الإفراز أيضاً فيما إذا تعدّد الوقف والموقوف عليه مع اتّحاد الواقف، كما إذا وقف نصف داره مشاعاً على مسجد والنصف الآخر على مشهد، ووجه الجواز هو ما سبق، ففيه الجمع بين الحقّين وعدم توجّه ضرر على الموقوف عليه.
3. إذا اتّحد الوقف والواقف مع كون الموقوف عليهم بطوناً لاحقة أيضاً، فلا يجوز فيه الإفراز بأن يقسّم البستان إلى أقسام حسب عدد الموجودين. ويستقل كلّ بما أفرز له، ولكونه خلاف وضع الوقف، وإن رضي الواقف، فإنّ القسمة الحقيقية بحيث تلزم على البطون، خلاف حقيقة الوقف; لأنّ المفروض أنّ البطون اللاحقة يملكون ملكاً   

صفحه 234
المسألة 77. لو آجر الوقف البطن الأوّل، وانقرضوا قبل انقضاء مدّة الإجارة، بطلت بالنسبة إلى بقيّة المدّة إلاّ أن يجيز البطن اللاحق، فتصحّ على الأقوى. ولو آجره المتولّي فإن لاحظ فيه مصلحة الوقف، صحّت ونفذت بالنسبة إلى البطون اللاحقة، بل الأقوى نفوذها بالنسبة إليهم لو كانت لأجل مراعاتهم، دون أصل الوقف، ولا تحتاج إلى إجازتهم.*
مشاعاً، فتقسيم الموقوف حسب عدد الموجودين يلازم اختصاص أولادهم بما ترك لهم آباؤهم من دون اشتراك أولاد الآخرين فيما بأيديهم، وهو خلاف الوقف... .
نعم يجوز التقسيم الظاهري واختصاص كلّ بمنفعة ما بيده ماداموا موجودين، ثمّ إبطال التقسيم بالنسبة إلى البطون اللاحقة، وهذا ممّا لا مانع له، بشرط أن يقوم المتولّي أو الحاكم الشرعي بإبطال التقسيم.
4. لو وقع النزاع بين أرباب الوقف بما جاز معه بيعه، ولا ينحسم إلاّ بالقسمة، جاز لدفع الفتنة بحفظ الوقف مهما أمكن ويكون التقسيم ظاهرياً غير نافذ إلى البطون اللاحقة. وحقيقته ترجع إلى تقسيم المنافع مؤقّتاً.
لو آجر الوقف البطن الأوّل وانقرضوا قبل انتهاء مدة الإجارة   
* وقبل البدء بشرح المسألة نذكر أمرين:
1. لا تجوز إجارة الوقف مدّة طويلة تكون في معرض ضياع الوقف، وادّعاء الملكية، والمسألة قياساتها معها; لأنّه على خلاف غرض الواقف وإنشائه، إذ تعلّق غرضه بحفظ العين وتسبيل المنفعة، وفيها ضياع للعين.

صفحه 235
2. كما لا تجوز الإجارة من القاهر الذي يظن ضياع الوقف بغصبه وقهره، بنفس الدليل المذكور، وعلى هذا ففرض المصنّف في غير هاتين الصورتين. ولنذكر الفرعين الواردين في المسألة:
الفرع الأوّل: لو آجر البطن الأوّل الوقف وانقرضوا قبل انقضاء مدّة الإجارة، أفتى المصنّف بأنّه تبطل الإجارة بالنسبة إلى بقية المدّة، لأنّ المفروض أنّهم لا يملكون حقّ التصرّف في الموقوف إلاّ في مدّة حياتهم، فالتصرّف بعد حياتهم يكون فضولياً محتاج إلى إجازة البطون اللاحقة.
وإن شئت قلت: لمّا كانت العين ملكاً لهم غير طلق، فلا يجوز لهم التصرّف الخارج عن هذا الحدّ.
فإن قلت: إذا آجر المالك داره إلى سنين ثم مات قبل انقضاء الأجل يحكم بصحّة الإجارة إلى انقضاء الأجل فأي فرق بين إجارة المالك أو إجارة البطن الأوّل؟
قلت: الفرق واضح لأنّ الأوّل يملك ملكاً طلقاً، غير منازع في ملكه بخلاف الثاني.
الفرع الثاني: لو آجر المتولّي ملاحظاً فيه مصلحة الوقف صحّت ونفذت بالنسبة إلى البطون اللاحقة، والفرق بين إجارة البطن الأوّل وإجارة المتولّي واضح، فإنّ المسوّغ لإجارة البطن الأوّل كونه مالكاً، وقد عرفت قصور ملكه بالنسبة إلى البطون اللاحقة، وأمّا إجارة المتولّي فمن باب الولاية وهي غير محدّدة بالبطن الأوّل، بل له الولاية مادامت الحياة، وإن انقرض البطن الأوّل ووصلت النوبة إلى البطن الثاني، ولذلك قال    

صفحه 236
المسألة 78. يجوز للواقف أن يجعل تولية الوقف ونظارته لنفسه; دائماً أو إلى مدّة، مستقلاً ومشتركاً مع غيره، وكذا يجوز جعلها للغير كذلك، بل يجوز أن يجعل أمر جعل التولية بيد شخص، فيكون المتولّي من يعيّنه ذلك الشخص، بل يجوز جعل التولية لشخص، ويجعل أمر تعيين المتولّي بعده بيده، وهكذا يقرّر أنّ كلّ متولّ يعيّن المتولّي بعده.*
المصنّف بصحّة إجارة الولي في ثلاث صور:
1. لو آجره المتولّي ولاحظ فيه مصلحة الوقف، صحّت ونفذت، بالنسبة إلى البطون اللاحقة أيضاً، ولذلك لا تحتاج إلى إجازتهم، والصحّة مقتضى ولايته التامّة بالنسبة إلى الوقف على وجه الإطلاق.
2. لو آجره لمصلحة الموقوف عليهم من غير فرق بين البطنين صحّ أيضاً لولايته التامة.
3. لو آجره لمصلحة البطون اللاحقة دون مصلحة البطن الأوّل، فالظاهر عدم نفوذ الإجارة في حقّهم لافتراض أنّ الإجارة على خلاف مصالح البطن الموجود، وإن كان ذا مصلحة بالنسبة إلى البطون اللاحقة. فعموم ولايته لهذه الصورة محلّ منع.
يجوز للواقف أن يجعل تولية الوقف لنفسه    
ثمّ إنّ المسألة معنونة في كتاب الإجارة، فلاحظ.(1)
* إنّ إقامة الوقف واستمراره عبر الزمان بحاجة إلى متولٍّ يتولّى أُمور الوقف، وإلاّ فالوقف بلا متولٍّ يدير أمره يصبح كالإبل السائبة ينهبه كلّ   

1 . لاحظ: تحرير الوسيلة: كتاب الإجارة، المسألة 11.

صفحه 237
المسألة 79. إنّما يكون للواقف جعل التولية لنفسه أو لغيره; حين إيقاع الوقف وفي ضمن عقده، وأمّا بعد تماميته فهو أجنبيّ عن الوقف، فليس له جعل التولية ولا عزل مَن جعله متولّياً، إلاّ إذا اشترط في   
مَن استولى عليه، فإذا كان كذلك فتعيين المتولّي من حقوق الواقف ومن شؤونه، فإنّه يملك العين وله أن يقفها حسب ما شاء على ضوء الشروط السائغة، وكيف لا يكون كذلك والناس مسلّطون على أموالهم فله أن يسلّط مَن شاء على ملكه; ولأجل ذلك يجوز له جعل التولية بالصور التالية:
1. يجعل تولية الوقف ونظارته لنفسه مادام على قيد الحياة أو إلى مدّة معيّنة، من غير فرق بين أن يكون مستقلاًّ أو يجعل لنفسه شريكاً; وما ذلك إلاّ لأنّ جعل التولية من حقوقه.
2. أن يجعلها للغير مادام على قيد الحياة أو إلى مدّة معيّنة، مستقلاًّ في التولية أو شريكاً مع ثالث، لنفس الدليل.
3. يجوز أن يجعل أمر جعل التولية بيد شخص، فالمتولّي مَن يعيّنه ذلك الشخص، وذلك بجعله وكيلاً في ذلك الأمر.
4. أن يجعل الواقف التولية لشخص، ويجعل أمر تعيين المتولّي بعده، بيده، حتى يعيّن كل متولٍّ المتولّي بعده.
ولم ينقل أي خلاف في المسألة إلاّ عن ابن إدريس.(1)

1 . لاحظ: السرائر:3/156.

صفحه 238
ضمن عقده لنفسه ذلك; بأن جعل التولية لشخص وشرط أنّه متى أراد أن يعزله عزله.*
عدم اعتبار العدالة في الواقف لو جعل التولية لنفسه ولغيره   
* ما مرّ من أنّ للواقف جعل التولية بالصور المذكورة، فهو ثابت له حين إيقاع الوقف، أو عقده، فمادام هو لم يوقع أو لم يعقد فهو يملك الموقوف وله أن يخرجه عن ملكه على النحو الذي رامه وقصده، وأمّا بعدما تمّ العقد وخلا عن ذكر المتولّي، أو عن خصوصياته فهو يصير أجنبيّاً عن الوقف، فلا يصحّ له جعل التولية، كما لا يصحّ له عزل من جعله متولّياً.
وحصيلة الكلام: أنّ الواقف له الخيار في كلّ ما يريد من جعل التولية والشروط السائغة مادامت له صلة بالوقف، وأمّا إذا أزال ملكه عن نفسه فهو والأجنبي بالنسبة إلى التولية وخصوصياتها سيّان.
نعم إذا اشترط في ضمن عقده كلّ ما يريد، بأن يشترط أنّ له جعل التولية لنفسه أو لشخص آخر، حتى لو اشترط أنّه متى أراد أن يعزله عزله، جاز له ذلك لوجوب الوفاء بالعقد والشروط الواردة فيه.
فإذا خلا العقد أو الإيقاع عن ذكر المتولّي، فعلى الحاكم أن يعيّن المتولّي بعد المشاورة مع الواقف والموقوف عليهم ليتّضح ما هو الأصلح لحال الوقف; لأنّه المرجع لكلّ موضوع ليس له مسؤول معيّن.
فإن قلت: لماذا لا يكون أمر التولية بيد الواقف؟
قلت: إنّه بعد تمام العقد أو الإيقاع صار أجنبياً، والمفروض عدم الولاية له مثل الحاكم فإنّه يتصدّى أمرها لولايته العامّة.

صفحه 239
المسألة 80 . لا إشكال في عدم اعتبار العدالة فيما إذا جعل التولية والنظر لنفسه، والأقوى عدم اعتبارها لو جعلها لغيره أيضاً. نعم، يعتبر فيه الأمانة والكفاية، فلا يجوز جعلها ـ خصوصاً في الجهات والمصالح العامّة ـ لمن كان خائناً غير موثوق به، وكذا مَن ليس له الكفاية في تولية أُمور الوقف، ولا يجوز جعل التولية للمجنون ولا الطفل حتّى المميّز إن أُريد عمل التولية من إجارة الوقف وأمثالها مباشرة، وأمّا إذا جعل التولية له حتّى يقوم القيّم بأمرها مادام قاصراً، فالظاهر جوازه ولو كان غير مميّز، بل لا يبعد الجواز في جعلها لمجنون متوقّع برؤه، ويقوم الوليّ مقامه إلى أن يفيق.*

* في عدم اعتبار العدالة للمتولّي

في المسألة فروع:
1. عدم اعتبار العدالة في الواقف إذا جعل التولية لنفسه.
2. عدم اعتبارها لو جعلها لغيره أيضاً.
3. اعتبار الأمانة والكفاية في المتولّي، فلا يجوز جعل التولية للخائن ومَن يفقد الكفاية.
4. بطلان جعل التولية للمجنون والطفل مميّزاً كان أو غير مميّز، إذا أُريد تولية الأخير مباشرة...
5. حكم جعل التولية للطفل حتى يقوم القيّم بأمرها مادام قاصراً.
6. جعل التولية لمجنون يتوقع برؤه.   

صفحه 240
أمّا الفرع الأوّل، وهو عدم اعتبار العدالة في الواقف إذا جعل التولية لنفسه. قال في «الجواهر»: إنّه مقتضى الإطلاق نصّاً وفتوى، بل لم أجد فيه خلافاً.(1)
في اشتراط الكفاية والأمانة للمتولّي   
نعم ورد في «المسالك»: إنّ عدم اشتراط عدالة الواقف ـ إن شرط التولية لنفسه ـ قطع به في التذكرة، مع احتمال اشتراطها مطلقاً، أي سواء جعل التولية لنفسه أو لغيره، لخروجه بالوقف عن الملك ومساواته عن غيره، فلابدّ من اعتبار الثقة في التولية كما تعتبر في غيره.(2)
ولا يخفى بُعده من وجهين:
1. أنّ لازم ذلك، اشتراط العدالة في الواقف عند جعل التولية لنفسه، بطلان الوقف غالباً، لأنّ الوقف في أكثر الموارد لا ينفك عن جعل التولية لنفس الواقف، ثم لأولاده واشتراط العدالة عند في صحّة الوقف، يلازم بطلان قسم كبير من الأوقاف، للعلم بعدم وجود الشرط في الواقف في أغلب الموارد.
2. أنّ ذيل كلامه يدلّ على اعتبار الوثوق في المتولّي لا العدالة، والأوّل أعم من الثاني، إلاّ إذا أراد من الوثوق العدالة. وعندئذ يعود إلى اعتبار الأمانة فيه وهو متّفق عليه.
أمّا الفرع الثاني: أعني: عدم اعتبار العدالة لو جعل التولية لغيره أيضاً، بنفس الدليل، أي مقتضى الإطلاق نصّاً وفتوى.   

1 . جواهر الكلام:28/22.
2 . مسالك الافهام:5/325.

صفحه 241
ثمّ إنّ المسألة ـ أي جعل المتولّي في الأوقاف ـ كثيرة الابتلاء، فلو كانت العدالة شرطاً في صحّة التولّي، كان اللازم الإشارة إلى اعتبارها في الأحاديث.
نعم ورد في وقف الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) قوله:«فإن وجد فيهم مَن يرضى بهداه وإسلامه وأمانته فإنّه يجعله إليه إن شاء».(1) والظاهر أُريد به الموقوف عليه، ولو رجع إلى المتولّي فلا يدلّ على أزيد من كونه أميناً لا خائناً.
وأمّا الفرع الثالث: أعني: اشتراط الكفاية والأمانة فإنّها لازم نفس التولية، فإنّ الغاية من جعل التولية لشخص هي صيانة الوقف عن الضياع ليقع في طريق درّ المنافع إلى الموقوف عليه. ومثل هذا لا يتوقّع من الخائن أو العاجز عن القيام به.
وأمّا الفرع الرابع: فبطلانه واضح لعدم وجود الشرطين في المجنون والطفل، أمّا المجنون الذي لا يتوقّع برؤه لأجل اللغوية، وأمّا الثاني فإنّما لا يصحّ إذا أُريد تولّيه للوقف مباشرة.
وأمّا الفرع الخامس: فقد جوّزه المؤلّف بأن تجعل التولية للطفل، لكن القائم بأمره يقوم بأمر الوقف أيضاً، ومنه يظهر حال الفرع السادس، لكن الصورة الأخيرة بعيدة عن اعتبار العقلاء.

1 . الوسائل:13، الباب10 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث3.

صفحه 242
المسألة 81 . لو جعل التولية لشخص لم يجب عليه القبول; سواء كان حاضراً في مجلس العقد، أو غائباً بلغ إليه الخبر ولو بعد وفاة الواقف، ولو جعل التولية لأشخاص على الترتيب وقبل بعضهم، لم يجب القبول على مَن بعده، ومع عدم القبول كان الوقف بلا متولّ منصوب. ولو قبل التولية فهل يجوز له عزل نفسه كالوكيل أم لا؟ قولان، لا يترك الاحتياط بعدم العزل، ومعه يقوم بوظائفه مع المراجعة إلى الحاكم ونصبه.*
في قبول التولية ورفضها   

* قبول التولية ورفضها

في المسألة فروع:
1. إذا عيّن الواقف أحد الأشخاص متولّياً للوقف، فهل يجب القبول؟
2. إذا جعل التولية لأشخاص على الترتيب وقَبِلَ الأوّل، فهل يجب القبول على من بعده؟
3. إذا قبل التولية فهل له عزل نفسه عنها؟
4. ولو قلنا بالاحتياط في الفرع السابق فلو عزل نفسه، لا يقوم بوظائفه إلاّ مع المراجعة إلى الحاكم.
أمّا الفرع الأوّل: فلا يجب القبول، سواء أكان حاضراً في مجلس إجراء الصيغة أم لا، لأصالة البراءة من الوجوب.
فإن قلت: يحتمل الفرق بين حضوره في مجلس إجراء الصيغة   

صفحه 243
فله أن يردّ القبول، دونما لو كان غائباً فليس له الردّ، والواقف غافل عن ردّه، نظير ما ورد في باب الوصية; فعن منصور بن حازم عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: «إذا أوصى الرجل إلى أخيه وهو غائب فليس له أن يردّ عليه وصيته; لأنّه لو كان شاهداً فأبى أن يقبلها طلب غيره».(1)
قلت: ما ذكرته نوع قياس، أي قياس باب الوقف بباب الوصية، إلاّ أن يقال بأنّ عموم التعليل في باب الوصية يقتضي وحدة الحكم في كلا البابين.
وعلى كلّ تقدير فإنّ قبول التولية نوع كلفة، فيجوز لمَن انتُخب للتولية عدم قبولها، أخذاً بأصل البراءة.
وأمّا الفرع الثاني: فلو جعل التولية لأشخاص على الترتيب فلكلّ حكمه، فلو قبل مَن ورد في أوّل الترتيب فلا يكون دليلاً على قبول الآخرين تمسّكاً بأصالة البراءة.
ثمّ إنّ هنا سؤالاً، وهو أنّه لو ردّ التولية مع عدم علم الواقف بالردّ، أو بعد وفاته، فمَن يقوم بأمر الوقف؟
والجواب: أنّ المورد يدخل تحت الضابطة الكلّية من أنّه إذا لم يكن قائم خاص بالعمل، يقوم مكانه القائم العام وهو الحاكم.
وأمّا الفرع الثالث: فنقول:إذا جعل التولية لشخص خاص وقبلها، فلا يجوز عزل نفسه بعد القبول لكون الموضوع داخلاً تحت قوله   

1 . الوسائل:13، الباب23 من أبواب الوصايا، الحديث3.

صفحه 244
سبحانه:(أَوفُوا بِالعُقُودِ).
لو جعل التولية لاثنين   
نعم لو كان منصوباً من قبل المتولّي، جاز له عزل نفسه متى شاء; لأنّه حينئذ كالوكيل; إذ فرق بين الناظر المعيّن في صيغة الوقف فليس له عزل نفسه بعد قبوله، للأمر (للوفاء بالعقود) وبين نصب أحد من جانب المتولّي لإنجاز الأعمال التي أُلقيت على عاتقه، فيجوز له عزل نفسه، إذ ليس داخلاً في صيغة عقد الوقف، بل هو كالوكيل لإنجاز بعض الأعمال، فله عزل نفسه.
خلافاً لصاحب «المسالك» في عزل المتولّي نفسه، قال: ولو قبل لم يجب عليه الاستمرار; لأنّه غير واجب في الأصل، فيستصحب، فإذا ردّهـا(كان) كما لا ناظر له ابتداءً، فيتولاّه الحاكم.(1)
يلاحظ عليه: بما ذكرنا من أنّ صيغة الوقف بمنزلة الإيجاب، وقبول المتولّي من مقولة القبول، فالمجموع داخل تحت الأمر بالوفاء بالعقود، وليس المورد من قبيل الوكالة; لأنّ الوكيل يقوم بأعمال الموكل، بخلاف المقام فإنّه يقوم بالأعمال التي فرضت عليه في العقد دون أن يكون نائباً عن الواقف.
وأمّا الفرع الرابع: فلو قلنا بعدم جواز عزل نفسه، فلا تصل النوبة إلى هذا الفرع، وأمّا إذا قلنا بأنّ الأحوط عدم جواز عزل نفسه، كما عليه المصنّف، فيرتّب عليه أنّه لو عزل نفسه، فالأحوط أيضاً أن يرجع إلى الحاكم الشرعي لينصبه للتولّي ثم يستمرّ في العمل. وإلى هذا الفرع   

1 . مسالك الأفهام:5/325.

صفحه 245
المسألة 82. لو جعل التولية لاثنين، فإن جعل لكلّ منهما مستقلاً استقلّ، ولا يلزم عليه مراجعة الآخر، وإذا مات أحدهما أو خرج عن الأهلية انفرد الآخر، وإن جعلهما بالاجتماع ليس لأحدهما الاستقلال. وكذا لو أطلق ولم تكن على إرادة الاستقلال قرائن الأحوال، فحينئذ لو مات أحدهما أو خرج عن الأهلية، يضمّ الحاكم إلى الآخر شخصاً آخر على الأحوط لو لم يكن الأقوى.*
أشار المصنّف بقوله: «لا يترك الاحتياط بعدم العزل ومعه يقوم (العازل) بوظائفه مع المراجعة إلى الحاكم ونصبه» وما هذا إلاّ للجمع بين الأمرين، فلو لم يصحّ عزله فهو المتولّي الشرعي، وإن صحّ فالمرجع هو الحاكم فينصبه للتولية.
وأمّا على المختار من بطلان عزله فيقوم بوظائفه من دون مراجعة الحاكم.

* لو جعل التولية لاثنين

قد مرّ أنّ أمر جعل التولية بيد الواقف، فإنّه المالك له وله حقّ التصرّف في ملكه حسب ما يشاء، وعلى هذا فيجوز له جعل التولية بالصور التالية، ويُعلم حكمها ضمن الفروع التالية:
1. جعل التولية لاثنين على الاستقلال، وعلى هذا فكلّ يعمل بلا لزوم مراجعة الآخر.
2. إذا مات أحدهما أو خرج عن الأهلية، يبقى الآخر مستقلاً ولا يجب ضمُّ آخر إليه، وهذا كوكيلين مستقلّين إذا خرج أحدهما عن   

صفحه 246
المسألة 83. لو عيّن الواقف وظيفة المتولّي وشغله فهو المتّبع، ولو أطلق كانت وظيفته ما هو المتعارف، من تعمير الوقف، وإجارته وتحصيل أُجرته، وقسمتها على أربابه، وأداء خراجه، ونحو ذلك، كلّ ذلك على وجه الاحتياط ومراعاة الصلاح، وليس لأحد مزاحمته فيه حتى الموقوف عليهم، ويجوز أن يجعل الواقف تولية بعض الأُمور   
الأهلية يبقى الآخر على عمله.
3. إذا جعل التولية لهما بالاجتماع على نحو ليس لأحدهما الاستقلال، فلا يصدران إلاّ عن رأي متّفق عليه.
4. إذا أطلق ولم تكن على إرادة الاستقلال قرائن، يحمل على الاشتراك.
لو عين الواقف وظيفة المتولّي وشغله   
5. وعلى هذا إذا صرّح بالاشتراك أو حمل عليه إذا أطلق، فلو مات أحدهما أو خرج عن الأهلية ليس للآخر التصدّي لأُمور الوقف، لقصور توليته، فيكون المورد كالوقف بلا متولّ منصوب، فعلى الحاكم ضمّ شخص إليه.
وربّما يحتمل أنّ خروج أحد الشخصين عن الأهلية يؤثّر في عزل الآخر أيضاً، لأنّ تولية كلّ منهما كانت مشروطة بالآخر.
يلاحظ عليه: أنّ مناسبة الحكم والموضوع تقتضي أنّ تولية كلّ منهما مشروطةٌ بضمّ فرد ما، لا خصوص الفرد المعزول، وهو يحصل بضمّ الحاكم. ويؤيّد استصحاب بقاء توليته نسبيّاً لا بطلانه كلّياً.   

صفحه 247
لشخص وبعضها لآخر، فجعل أمر التعمير وتحصيل المنافع ـ مثلاً ـ لأحد، وأمر حفظها وقسمتها على أربابها لآخر، أو جعل لواحد أن يكون الوقف بيده وحفظه وللآخر التصرّفات، ولو فوّض إلى واحد أمراً كالتعمير وتحصيل الفائدة، وأهمل باقي الجهات من الحفظ والقسمة وغيرهما، كان الوقف بالنسبة إلى غير ما فوّض إليه بلا متولّ منصوب، فيجري عليه حكمه الآتي.*
بقيت هنا كلمة وهي أنّه هل يجوز للواقف أن يجعل حقّ التولية الرتبة الأُولى: تسعة أعشار المنافع، وللموقوف عليه عُشراً منها، ويجعله في المراتب المتأخّرة؟
الظاهر لا، وفاقاً للمحقّق القمي حيث إنّه يُعد من الوقف على نفسه، وأنّ الواقف أراد حفظ منافعه في غطاء قداسة الوقف، ولكن العرف الدقيق يحاسبه تلاعباً بالوقف.

* لو عيّن الواقف وظيفة المتولّي وشغله

إنّ الوقف من الأُمور الاعتبارية الإضافية، فله نسبة إلى الواقف، وإضافة إلى الموقوف، ونسبة إلى الموقوف عليه، فهذه الأُمور الثلاثة من أركان الوقف، وأمّا المتولّي فهو خارج عنها، وإنّما يقوم بحفظ الوقف واستنمائه بكلّ أمر يتوقّف عليه صيانته عن الاندراس والخراب، وإيصال النفع إلى الموقوف عليهم، فإذا كانت الغاية من التولّي ما ذكر فهناك   

صفحه 248
صور:
1. أن يكون القائم بأُمور التولية شخصاً واحداً، وعندئذ لو عيّن الواقف وظيفة المتولّي وشغله، فهو المتّبع.
وإن أطلق فالمرجع ما هو المتعارف من عمارة الوقف وإجارته وتحصيل أُجرته أوّلاً، وقسمتها على أربابه ثانياً، وأداء خراجه ثالثـاً، وهكذا.
ويشهد على ما ذكرنا ما ورد عن الناحية المقدّسة:«وأمّا ما سألت عنه من أمر الرجل الذي يجعل لناحيتنا ضيعة ويسلّمها من قيم يقوم فيها ويعمرها ويؤدّي من دخلها خراجها ومؤونتها، ويجعل ما بقي من الدخل لناحيتنا، فإنّ ذلك جائز لمن جعله صاحب الضيعة قيّماً عليها، إنّما لايجوز ذلك لغيره».(1)
نعم يقوم بكلّ الأعمال الماضية مراعياً وجه الاحتياط والصلاح.
وبما أنّه فوّضت إليه هذه الأُمور في صيغة عقد الوقف، ليس لأحد مزاحمته فيه حتى الموقوف عليهم، لأنّه تدخّل في شؤون الغير.
2. إذا تعدّد المتولّي، يجوز للواقف جعل تولّي بعض الأُمور لشخص، والبعض الآخر لشخص آخر، مثلاً جعل العمارة وتحصيل المنافع لأحد، وجعل أمر حفظها وقسمتها على أربابها لآخر.
وله تفويض أمر العمارة وتحصيل الفائدة لشخص، والتصرّفات   

1 . الوسائل:13، الباب4 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث8.

صفحه 249
للآخر.
3. لو كان المتولّي واحداً فوّض إليه أمران: العمارة وتحصيل الفائدة، وسكت الواقف عن بقية الأُمور يصبح الوقف بالنسبة إلى غير ما فوّض إليه كوقف بلا متولٍّ منصوب، وذلك لأنّ أمر التولية لمّا كان قابلاً للتقسيم فإذا عيّن الواقف مَن يقوم ببعض الأُمور وسكت عن البقية يصبح الموقوف بالنسبة إليه كوقف بلا متولٍّ منصوب، لا كلّياً بل نسبياً، فيجري عليه حكمه الآتي.(1)
بقي هنا فرع لم يتعرّض له المصنّف وهو أنّه إذا حصلت المنافع وتعيّن ما للموقوف عليه فهل يشترط تصرّفه بإذن المتولّي؟ الظاهر ذلك أي لزوم إذن المتولّي إلاّ إذا كان الموقوف عليه واحداً فله أن يأخذ ماتعيّن له بغير إذن المتولّي، دونما لو كانوا متعدّدين; لأنّ القسمة من وظائف المتولّي، فلا يجوز لهم التصرّف إلاّ بإذن المتولّي.
نعم لو أُشكل الحال يتوقّف على إذن المتولّي لاحتمال أن يحتاج اختصاص المنافع بالموقوف عليه ببعض الشروط التي هو عارفٌ بها دون غيره.

1 . يأتي حكمه في المسألة 87.

صفحه 250
المسألة 84 . لو عيّن الواقف للمتولّي شيئاً من المنافع تعيّن، وكان ذلك أُجرة عمله; ليس له أزيد منه وإن كان أقلّ من أُجرة مثله، ولو لم يعيّن شيئاً فالأقرب أنّ له أُجرة المثل.*

ليس للمتولّي تفويض التولّي لغيره   

* مقدار أُجرة المتولّي
إذا عيّن الواقف مقداراً من المنافع للمتولّي تعيّن، كثيراً كان أو قليلاً، وافق أُجرة مثل عمله أم لم يوافق، وذلك لحصول التوافق بين الواقف والمتولّي حيث أنشأ الواقف العقد على النحو المذكور وقبله المتولّي، إلاّ إذا كان الأقل على نحو يُعد أمراً غير عقلائي; بل أشبه بمعاملة سفهية.
إنّما الكلام إذا أطلق، استحقّ بمقدار أُجرة عمله وانصراف الإطلاق إليه، كما إذا استعمل أجيراً ولم يعيّن أُجرته ينصرف إلى أُجرة المثل، أو نكح امرأة بلا ذكر مهر في العقد، ينصرف إلى مهر المثل.
فإن قلت: إنّ منافع الوقف انتقلت إلى الموقوف عليه، فلو ذُكرت أُجرته في نفس العقد يكون المنتقل مقيّداً محدّداً، وأمّا إذا أطلق فالظاهر انتقاله بأكمله إلى الموقوف عليه، وإخراج شيء منها يحتاج إلى دليل.
قلت: هذا ما استشكله صاحب الحدائق.(1)
ولكنّه مدفوع بأنّ حقّ التولية من مؤن تحصيل المنافع، وهي تُخرج من الأصل.   

1 . انظر: الحدائق الناظرة:22/186.

صفحه 251
المسألة 85 . ليس للمتولّي تفويض التولية إلى غيره حتّى مع عجزه عن التصدّي، إلاّ إذا جعل الواقف له ذلك عند جعله متولّياً. نعم، يجوز له التوكيل في بعض ما كان تصدّيه وظيفته; إن لم يشترط عليه المباشرة.*
نعم لو لم يعيّن متولّياً خاصّاً وكان هناك مَن يتصدّى تبرّعاً تعيّن تصدّي المتبرّع، ولا يجوز دفع الأُجرة إلى غير المتبرّع، لكي يتصدّى لأمر الوقف.

* ليس للمتولّي تفويض التولّي لغيره

إذا عيّن الواقف شخصاً خاصّاً للتولية، فمعنى ذلك أنّ التولية قائمة بشخصه; لأنّ الجعل مخصّص من أوّل الأمر بالشخص المعيّن، وبما أنّه لم يفوّض إليه تفويض أمر التولية إلى غيره، فليس له تفويض التولية إلى غيره.
نعم إذا أعطى الواقف له ذلك الحقّ في نفس العقد كأن يقول:«لك التخلّي عن التولّي وتفويضه إلى الغير» يجوز له التخلّي عندئذ في التولية وتفويضها إلى شخص آخر حسب ما جاء في العقد عملاً بالشرط السائغ.
نعم الكلام في تفويض التولية، وأمّا اتّخاذ الوكيل في بعض الوظائف، فهذا لا إشكال فيه بشرط أن لا تشترط عليه المباشرة في كلّ الأُمور.

صفحه 252
المسألة 86. يجوز للواقف أن يجعل ناظراً على المتولّي، فإن أحرز أنّ المقصود مجرّد اطّلاعه على أعماله لأجل الاستيثاق، فهو مستقلّ في تصرّفاته; ولا يعتبر إذن الناظر في صحّتها ونفوذها، وإنّما اللازم عليه اطّلاعه، وإن كان المقصود إعمال نظره وتصويبه لم يجز له التصرّف إلاّ بإذنه وتصويبه، ولو لم يحرز مراده فاللازم مراعاة الأمرين.*

* الناظر المشرف والمصوّب

قد يتخذ الواقف للوقف وراء المتولّي، ناظراً خاصّاً على أعمال المتولّي، فله صورتان:
1. إذا كان المقصود اشرافه على أعمال المتولّي وتصرّفاته حتى إذا صدرت منه زلّة فيذكّره، ويكون المتولّي على ثقة من أعماله، ففي هذه الصورة يكون المتولّي مبسوط اليد يعمل حسب نظره ولايجب عليه أن يصدر عن رأي الناظر، فيكون مستقلاًّ في أعماله، سواء أذن الناظر أم لا، وعندئذ لا يصدر إلاّ عن اطّلاعه.
لو خلا العقدعن المتولّي    
2. إذاكان المقصود أن لا يصدر المتولّي إلاّ عن نظر الناظر وتصويبه فلا يكون مبسوط اليد في التصرّف إلاّ بإذنه وتصويبه. وعلى ذلك فعلى المتولّي الاستشارة والاستئذان في الأُمور الكلّية التي تختلف فيها الأنظار. وأمّا الأُمور الجزئية فلا، لانصراف صيغة عقد الوقف عن هذه الصورة.
والحاصل أنّ المتولّي يصدر في الأوّل عن اطّلاع الناظر، وفي الثاني عن تصويبه، فولايته في الأوّل موسّعة بخلافها في الثاني.   

صفحه 253
المسألة 87 . لو لم يعيّن الواقف متولّياً أصلاً، ففي الأوقاف العامّة يكون الحاكم أو المنصوب من قبله متولّياً على الأقوى. وكذا في الخاصّة فيما يرجع إلى مصلحة الوقف ومراعاة البطون; من تعميره وحفظ الأُصول وإجارته للبطون اللاحقة. وأمّا بالنسبة إلى تنميته وإصلاحاته الجزئية المتوقّف عليها حصول النماء الفعلي ـ كتنقية أنهاره وكريه وحرثه وجمع حاصله وتقسيمه وأمثال ذلك ـ فأمرها راجع إلى الموقوف عليهم الموجودين.*
كلّ ذلك إن علمت إحدى الصورتين، وأمّا إذا جُهل ولم تُحرز كيفية نظارته، لزم العمل بالاحتياط وهو إشرافه على عمل المتولّي، وعدم صدور المتولّي إلاّ عن تصويبه عملاً بما يقتضي البراءة القطعية.

* إذا خلا العقد عن المتولّي

إذا خلا العقد عن ذكر المتولّي وتمّ، فيأتي الكلام في مَن له حقّ تعيين المتولّي، فهاهنا احتمالات:
1. إنّ جعلها للواقف.
2. إنّ جعلها للموقوف عليهم.
3. إنّ جعلها للحاكم.
4. إنّ جعلها للموقوف عليهم في الوقف الخاص، وللحاكم في الوقف العام.   

صفحه 254
ولعلّ مَن يقول بالقول الأوّل يعتقد ببقاء الموقوف على ملك الواقف، ولكن هذا القول بمعزل عن الحقّ، فإنّ الواقف أزال الملك وصار أجنبياً عن الوقف بعد تماميته وإقباضه، فليس له أي شأن من الشؤون من جعل التولية، أو عزل المتولّي الذي نصبه.
وأمّا القول الثاني فهو خيرة المحقّق في «الشرائع»، قال: ويجوز أن يجعل الواقف النظر لنفسه ولغيره، فإن لم يعيّن الناظر كان النظر إلى الموقوف عليه بناء على القول بالملك.(1)
أقول: لو صحّ ما ذكره، فإنّما يتمّ في الوقف الخاص، دون الوقف على المصلحة أو على العناوين; لأنّها عند المشهور تحرير وفكّ ملك وليس تمليكاً، على أنّ مالكية الموقوف عليهم، ليست طلقاً حتى يرتّب عليه جعل التولية ويكون نافذاً على البطون، كما سيوافيك بيانه في القول الرابع.
وأمّا القول الثالث فهو الحقّ، لأنّه من الأُمور المطلوبة التي لم يشخّص القائم بها، من غير فرق بين الوقف العام أو الوقف الخاص، فهو القائم بالأُمور إذا لم يوجد قائم خاص حيث لا يوجد خاص.
نعم لو شرط في ضمن صيغة الوقف بأن جعل التولية بيده فيتبع ما شرط، فهو عندئذ مخيّر بين جعلها لنفسه أو لشخص آخر، كما أنّه لو شرط عزل المتولّي فله ذلك.   

1 . شرائع الإسلام:2/214.

صفحه 255
وأمّا القول الرابع ـ أعني: كون جعل التولية في الوقف الخاص بيد الموقوف عليهم وفي الوقف العام للحاكم ـ : فغير صحيح في الشق الأوّل، إذ ليس لهم الولاية على الوقف على غرار ما يكون للمتولّي المنصوب من قبل الواقف، بحيث تمضي إجارتهم على البطون اللاحقة. نعم لهم التصرّف في تنميته وإصلاحه ونحو ذلك ممّا يرجع إلى انتفاعهم به.
وبعبارة أُخرى: كونهم مالكين للموقوف لا يلازم ولايتهم على نحو ما للمتولّي المنصوب حتى يكون نافذاً على البطون اللاحقة.وبهذا ظهرت قوّة القول الثالث.
وهنا قول خامس أشار إليه المصنّف تبعاً للأصل وهو أنّه فصّل في الأوقاف الخاصّة بين ما يرجع إلى مصلحة الوقف ومراعاة البطون فيكون المرجع فيه هو الحاكم، وبين تنميته وإصلاحات جزئية فأمرها إلى الموقوف عليهم الموجودين. وأمّا وجه ذلك التفصيل فإنّ مصلحة الوقف ومراعاة البطون وحفظ الأُصول وإجارته للبطون اللاحقة رهن وجود الولاية حتى ينفذ عمله على البطون اللاحقة، فلذلك فالمرجع فيه هو الحاكم.
وأمّا ما يرجع إلى تنميته وإصلاحاته الجزئية كتنقية أنهاره وكريها وحرثه وجمع حاصله وتقسيمه، فبما أنّه يجوز للمتبرّع القيام بهذا، فيجوز للموقوف عليهم بوجه أولى فيقومون بها، من دون حاجة إلى ولاية.
وحصيلة الكلام: أنّ الأُمور الكلّية التي تؤثّر في أصل الوقف، وفي البطون اللاحقة، فهي رهن الولاية فلا يقوم به إلاّ الحاكم. وأمّا ما   

صفحه 256
المسألة 88 . في الأوقاف التي توليتها للحاكم ومنصوبه مع فقدهما وعدم الوصول إليهما، توليتها لعدول المؤمنين.*
يتوقّف عليه انتفاع الموجودين من تنقية الانهار وتنقية الأرض من الأعلاف الزائدة، فيقوم به كلّ من أراد الإحسان وعمل الخير فهو في غنى.
تولّي عدول المؤمنين لو لم يكن حاكم أو منصوبه    

* تولّي عدول المؤمنين إذا لم يكن حاكم أو منصوبه

لا خلاف بين الأصحاب في أنّه يجوز لعدول المؤمنين التصدّي في بعض الأُمور الّتي كان الأولياء كالأب والجد، يتصدّيان لها، ولم يخالف فيه إلاّ ابن إدريس. وتردّد فيه المحقّق، ولنذكر كلماتهم في المقام:
1. قال الشيخ: إذا مات إنسان من غير وصية، كان على الناظر في أمر المسلمين أن يقيم له ناظراً ينظر في مصلحة الورثة، ويبيع لهم ويشتري، ويكون ذلك جائزاً; فإن لم يكن السلطان الّذي يتولّى ذلك أو يأمر به، جاز لبعض المؤمنين أن ينظر في ذلك من قبل نفسه، ويستعمل فيه الأمانة ويؤدّيها من غير إضرار بالورثة، ويكون ما يفعله صحيحاً ماضياً.(1)
2. وقال المحقّق: وكذا لو مات إنسان ولا وصيّ له، كان للحاكم النظر في تركته; ولو لم يكن حاكم، جاز أن يتولاّه من المؤمنين من يوثق به، وفي هذا تردّد.(2)
3. وقال الشهيد الثاني: فإن فُقد الجميع فهل يجوز أن يتولّى   

1. النهاية:608.
2 . شرائع الإسلام: 2/257، كتاب الوصية.

صفحه 257
النظر في تركة الميّت من المؤمنين مَن يوثق به؟ قولان: أحدهما: المنع، ذهب إليه ابن إدريس. والثاني ـ وهو مختار الأكثر تبعاً للشيخ ـ : الجواز لما فيه من المعاونة على البر والتقوى المأمور بها، ولقوله تعالى:(وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَولِياءُ بَعْض)(1). خرج منه ما أجمع على عدم ولايتهم فيه فيبقى الباقي داخلاً في العموم.(2)
4. وقال في «الحدائق»: لا خلاف بين الأصحاب في أنّه لو مات ولم يوص إلى أحد وكان له تركة وأموال وأطفال، فإنّ النظر في تركته للحاكم الشرعي، وإنّما الخلاف في أنّه لو لم يكن ثمّة حاكم فهل لعدول المؤمنين تولّي ذلك، أو لا؟ الّذي صرّح به الشيخ وتبعه الأكثر الأوّل، وقال ابن إدريس بالثاني.(3)
وقال ابن إدريس الّذي تفرد بالمنع: والذي يقتضيه المذهب أنّه إذا لم يكن سلطان يتولّى ذلك فالأمر فيه إلى فقهاء شيعته(عليه السلام) من ذوي الرأي والصلاح، فإنّهم(عليهم السلام)قد ولّوهم هذه الأُمور، فلا يجوز لمَن ليس بفقيه تولّي ذلك بحال، فإن تولاّه فإنّه لا يمضي شيء ممّا يفعله.(4)
ولعلّ كلامه فيما إذا كان الرجوع إلى الفقيه متيسّراً، وعليه فلا مخالف في المسألة.   

1. التوبة:71.
2. مسالك الأفهام:6/265، كتاب الوصايا.
3. الحدائق الناضرة:22/589.
4. السرائر:3/194.

صفحه 258
المسألة 89 . لا فرق فيما كان أمره راجعاً إلى الحاكم بين ما إذا لم يعيّن الواقف متولّياً، وبين ما إذا عيّن ولم يكن أهلاً لها أو خرج عن الأهلية، فإذا جعل للعادل من أولاده ولم يكن بينهم عادل أو كان ففسق، كان كأن لم ينصب متولّياً.*
إذا لم يكن المتولّي عادلاً، إذا وصف الموقوف عليه بصفات أو ألزمهم بأعمال   
ثمّ إنّ هنا أُموراً:
1. هل تصدّي المؤمن العادل لبعض الأُمور المطلوبة من باب الحسبة والتكليف الشرعي، أو من باب الولاية أو النيابة من حاكم الشرع؟
2. شرطية العدالة أو كفاية الوثاقة.
3. هل تشترط المصلحة والغبطة في مورد التصرّف؟
4. هل يشترط انتخاب الأصلح مضافاً إلى شرطية المصلحة؟
وتحقيق كلّ ذلك في محلّه.(1)

* إذا لم يكن المتولّي عادلاً

قد تقدّم في المسألة 87 أنّه لو لم يعيّن الواقف متولّياً أصلاً، فأمره إلى الحاكم، هذا فيما إذا لم يعيّن أصلاً، إنّما الكلام فيما لو عيّن ولم يكن من عيّنه أهلاً لها، كما إذا كان خائناً أو غير قادر على الإدارة، أو كان أهلاً في برهة من الزمان لكن خرج بعدها عن الأهلية، فهذا نظير ما لو لم يعيّن المتولّي أصلاً، والفرق بينهما فقدان المتولّي ابتداء أو في الأثناء.   

1 . لاحظ: كتاب البيع:2/213ـ 231.

صفحه 259
وإلى ما ذكرنا يشير المصنّف بقوله: «لو جعل التولية للعادل من أولاده، ولم يكن بينهم عادل، أو كان ففسق كان ذلك نظير ما لو لم يعيّن من بدء الأمر».

إذا وصف الموقوف عليه بصفات أو ألزمهم بأعمال

ثمّ إنّه يأتي هذا البحث في الموقوف عليه، فلو وصفهم بصفات يكون من قبيل التقييد، فإن قال: وقفت على أولادي بشرط كونهم عدولاً أو فقراء، يجب اتّباعه، فلو كانوا فاسقين أو أغنياء من أوّل الأمر أو صاروا ـ كذلك ـ في الأثناء، يبطل الوقف في حقّ هؤلاء. كما تبطل الولاية في حقّ من كان أهلاً ثم خرج عن الأهلية.
وأمّا إذا ألزمهم بأعمال كما إذا قال: وقفت هذه المدرسة على الطلاب، واشترطت أن لا يتركوا صلاة الليل أو الصلاة جماعة، فهنا احتمالان:
1. أنّه مثل العنوان فكأنّه قال: وقفت على المصلّين صلاة الليل، فإذا خالف واحد خرج عن كونه موقوفاً عليه؟
2. أنّه من باب الإلزام، فإن خالف عصى، ولكنّه لم يخرج عن كونه موقوفاً عليه، كلّ ذلك يتبع نظر الواقف(الشارط) فهل شرط العنوان أو شرط الإلزام، ولو شكّ يرجع إلى الأصل، والأصلان متعارضان.

صفحه 260
المسألة 90. لو جعل التولية لعدلين من أولاده ـ مثلاً ـ ولم يكن فيهم إلاّ عدل واحد، ضمّ الحاكم إليه عدلاً آخر، وأمّا لو لم يكن فيهم عدل أصلاً، فهل اللازم عليه نصب عدلين، أو يكفي نصب واحد أمين؟ أحوطهما الأوّل، وأقواهما الثاني.*

* إذا لم يكن في أولاده إلاّ عدل واحد

قد تقدّم منّا أنّ خلو عقد الوقف عن المتولّي يقوم به الحاكم فتترتّب عليه صورتان:
1. أنّه لو جعل التولية لعدلين من أولاده ـ مثلاً ـ ولم يكن فيهم إلاّ عدل واحد، فليس حكمـه حكم خلو العقد عن المتولّي أساساً، بل يكفي ضمّ عدل آخر إليه فيقوم به الحاكم حتى يتمّ غرض الواقف بناء على لزوم إيفاء غرضه. وهنا احتمال آخر وهو لو كان العدل الواحد كافياً في صيانة الوقف و استنمائه اقتصر عليه لحصول غرض الواقف، وهو صيانة الوقف واستنمائه، ولا دليل على لزوم اتّباع عمل الواقف، بل اللازم إيفاء غرض الواقف، وهو حاصل. فمن قال بلزوم ضمّ عادل فقد خلط بين عمل الواقف وغرضه، فافهم.
إذا لم يكن في أولاده أي عدل   

إذا لم يكن في أولاده أي عدل

2. إذا جعل التولية لعدلين من أولاده، ولكن لم يكن فيهم عدل أصلاً، فهل اللازم عليه نصب عدلين، أو يكفي نصب واحد أمين؟ فلكلّ وجه.   

صفحه 261
المسألة 91. لو احتاج الوقف إلى التعمير ولم يكن ما يصرف فيه، يجوز للمتولّي أن يقترض له قاصداً أداء ما في ذمّته بعد ذلك ممّا يرجع إليه، كمنافعه أو منافع موقوفاته، فيقترض متولّي البستان ـ مثلاً ـ لتعميره بقصد أن يؤدّي دينه من عائداته، ومتولّي المسجد أو المشهد أو المقبرة ونحوها بقصد أن يؤدّيه من عائدات موقوفاتها، بل يجوز أن يصرف في ذلك من ماله بقصد الاستيفاء ممّا ذكر. ولو اقترض له وصرفه لا   
أمّا الأوّل فلأنّ الواقف جعل التولية لعدلين، فإذا لم يتحقّق ما رامه يكون من الأُمور المطلوبة للشرع فيقوم به الحاكم، فينصب عدلين بناء على لزوم إيفاء غرض الواقف.
وأمّا الثاني فلأنّ الغاية من جعل التولية هو القيام بالأُمور التي لها قوام بقاء الوقف، ولو كفى في ذلك نصب واحد أمين، اقتصر عليه.
فالأحوط هو الأوّل، والأقوى هو الثاني، لحصول الغاية بالثاني، ولا دليل على لزوم إجراء ما رامه المتولّي ـ كما مرّ ـ بعد حصول غرض الواقف.
ويمكن أن يفصّل بين كون غرض الواقف من نصب عدلين هو استقلال كلّ منهما بالعمل، فالأقوى هو كفاية نصب أمين واحد لحصول الغرض بهذا المقدار; وبين كون غرضه اجتماعهما على العمل، فالأقوى هو نصب عدلين لتوقّف غرض الواقف عليهما، نعم إذا لم يعلم غرضه فالأحوط هو هذا أيضاً.

صفحه 262
بقصد الأداء منه، أو صرف ماله لا بقصد الاستيفاء منه، لم يكن له ذلك بعده.*

* لو احتاج الوقف إلى العمارة

ربّما يحتاج الوقف إلى العمارة ولم يكن عند المتولّي ما يصرفه فيه، فأمامه أحد أمرين:
1. أن يقترض بقصد أداء ما في ذمّته من منافع الوقف، أو من منافع موقوفات الوقف; فإنّ ذلك من وجوه البرّ في حقّ الوقف والموقوف عليهم وإحسان إليهما، ولا سبيل على المحسنين.
2. أن يقترض له لا بقصد الأداء منها، أو صرف ماله لا بقصد الاستيفاء منها، فليس له الاستيفاء من منافع الوقف; لأنّه صرف ماله في سبيل الله، ولا رجوع فيما صرف.
هذا كلّه حول الوقف على الأشخاص أو على العناوين، وأمّا إذا احتاج إلى العمارة ما هو وقف للجهة، كالمساجد والمشاهد والقناطر والمدارس إلى غير ذلك، فهناك طريق ثالث، وهو أن يقترض بقصد الأداء من المنذورات لهما، أو من سهم سبيل الله ، أو ممّا مصرفه وجوه البر; فإنّ ذلك العمل من أفراد البر وفي سبيل الخير ومن مصاديقهما.
طرق ثبوت الوقفية    
وهناك طريق رابع في هذه الموارد وهو أن يقترض لعمارتها على عهدة الموقوفات لا في ذمّة نفسه، لكن لابدّ من إعلام المقرض أنّ القرض على المسجد أو على المدرسة مثلاً لا في ذمّة المقرض.
فإن قلت: كيف يصحّ الاقتراض على عهدة الموقوفات؟   

صفحه 263
المسألة 92. تثبت الوقفية: بالشياع المفيد للعلم أو الاطمئنان، وبإقرار ذي اليد أو ورثته بعد موته، وبكونه في تصرّف الوقف; بأن يعامل المتصرّفون فيه معاملة الوقف بلا معارض، وبالبيّنة الشرعية. *
قلت: قد ثبت في محلّه أن كلّ أمر عقلائي لم يمنع عنه الشارع فهو نافذ، فكما يصحّ عند العقلاء أن يكون المسجد مالكاً للموقوفات أو المنذورات، كذلك يصحّ اعتبار كون شيء على عهدته بشرط أن يكون للمسجد عين ذات منافع موقوفة أو كثرة النذور عليه من الناس. وبالجملة كانت هناك قابلية لتوفّر الأموال لها.

* طرق ثبوت الوقفية

تثبت الوقفية بالأُمور الأربعة التالية:
1. الشياع المفيد للعلم أو الاطمئنان. ويعبّر عنه في لسان الفقهاء بالسماع تارة والاستفاضة أُخرى.
2. إقرار ذي اليد أو ورثته بعد موته بالوقفية.
3. كونه في تصرّف الوقف بأن يعامل المتصرّفون فيه على الوقفية بلا معارض عبر سنين.
4. البيّنة الشرعية.

الأوّل: الشياع المفيد للعلم أو الاطمئنان

تثبت الوقفية بالشياع المفيد للعلم والاطمئنان، لأنّ العلم حجّة عقلية وشرعية، والاطمئنان حجّة عقلائية أمضاها الشارع، وقد قلنا في محلّه:   

صفحه 264
إنّ الحجّة هو الخبر الموثوق صدوره لا خصوص كون المخبر عادلاً، وكأنّ الوثوق بما هو وثوقٌ، حجّة.
قال المحقّق في «الشرائع»: تثبت ولاية القاضي بالاستفاضة، وكذا يثبت بالاستفاضة: النسب والملك المطلق والموت والنكاح والوقف.(1)
وقال في «المختصر النافع»: أمّا السماع فيثبت به النسب والملك والوقف والزوجية.(2)
وقال العلاّمة: ويثبت بالسماع: النسب والملك المطلق والوقف والزوجية.(3)
وقال في «الإرشاد»: العلم شرط في جميع ما يُشهد به، إلاّ النسب والملك المطلق والموت والنكاح والوقف والعتق والولاية، فقد اكتفي في ذلك بالاستفاضة.(4)
وربّما يستدلّ على حجّية الشياع بمرسل يونس:«خمسة أشياء يجب على الناس أن يأخذوا فيها بظاهر الحكم: الولايات، والتناكح، والأنساب، والذبائح، والشهادات».(5) بشرط تفسير الحكم بحكم الناس.   

1 . شرائع الإسلام:2/70.
2 . المختصر النافع:289، طبعة مصر. أُريد بثبوت الملك المطلق عدم ثبوت سببه كالبيع والهبة والإرث، أو غير ذلك، إذ لا يثبت بالشياع سوى كونه ملكاً له، وأمّا سائر العناوين التي لكلّ أثر خاص فلا يثبت به; وذلك لأنّ الشياع دليل لبيّ ليس له لسان حتى يؤخذ به.
3 . تبصرة المتعلمين:191، في الفصل السادس في بقية مسائل الشهادات.
4 . إرشاد الأذهان:2/160.
5 . الوسائل:18، الباب22 من أبواب كيفية الحكم، الحديث1.

صفحه 265
ثمّ إنّ المحقّق علّل ثبوت الوقف بالاستفاضة بما في قوله: إنّ الوقف للتأبيد، فلو لم تسمع فيه الاستفاضة لبطلت الوقوف، مع امتداد الأوقات، وفناء الشهود.(1)
وهذا يدلّ على وجود خصوصية في الوقوف دون سائر الأُمور، وهو أنّه لو لم يسمع لبطلت الوقوف.
وظاهر العبارات كون الاستفاضة بما هي هي حجّة، ولكن القدر المتيقّن كونها مفيدة للإطمئنان كما عليه المتن.

الثاني: إقرار ذي اليد أو ورثته بعد موته

ودليله ظاهر لحجّية قول ذي اليد على ما تحت يده، من غير فرق بين الإقرار بكونه ملك زيد، أو إقراره على أنّه ملك غير طلق لزيد أو لجهة أو لعنوان.

الثالث: كون الملك في تصرّف الوقف مدّة مديدة بلا معارض

بمعنى أنّهم كانوا يعاملون فيه معاملة الوقف، فإنّها شهادة عملية مفيدة للعلم والاطمئنان على أنّ ما تحت أيديهم وقف، وربّما تقترن الشهادة العملية بالشهادة القولية أيضاً فتفيد العلم أو الاطمئنان، وللمسألة ذيل يأتي في المسألة 94.   

1 . شرائع الإسلام:4/134،كتاب الشهادات، في أحكام الشاهد.

صفحه 266

الرابع: البيّنة الشرعية

وقد أجمل المصنّف حدود البيّنة الشرعية، ولم يذكر أنواعها، وإليك البيان:
تثبت البيّنة الشرعية بالشاهدين العدلين، أو عدل واحد مع امرأتين; لأنّ مرجع النزاع في المقام إلى الاختلاف في الملك، وقد نصّ الكتاب على حجّيتهما في المالية، قال سبحانه: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ)(1). حيث إنّ مورد الآية هو التداين، قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْن إِلَى أَجَل مُسَمًّى...)(2)
وتثبت أيضاً بشاهد واحد ويمين من المدّعي، قال العلاّمة: كلّ ما يثبت بشاهد وامرأتين، يثبت بشاهد ويمين، وهو كلّ ما كان مالاً أو المقصود منه المال كالدين والقرض والغصب، ثم عدّ أُموراً، وقال: والوقف يُقبل فيه، لأنّه عندنا ينتقل إلى الموقوف عليه.(3)
وقال في مفتاح الكرامة في شرح قول العلاّمة في القواعد: ظاهره دعوى الإجماع على أنّ الوقف ينتقل إلى الموقوف عليه. وهو خيرة المبسوط والسرائر والأكثر، وقد اُدّعي عليه الإجماع.(4)   

1 . البقرة:282.
2 . البقرة:282.
3 . قواعد الأحكام:3/449، الفصل الخامس في اليمين مع الشاهد.
4 . مفتاح الكرامة:20/249.

صفحه 267
أقول: لا حاجة في القبول إلى القول بأنّ الملك ينتقل إلى الموقوف عليه، حتى يقال بأنّه قيل ببقائه على ملك الواقف، كما عن أبي الصلاح; أو بانتقاله إلى الله تعالى كما عليه الشيخ في «الخلاف»(1); بل يكفي ما ذكره العلاّمة في عبارته السابقة، وقال: «كلّ ما كان مالاً أو المقصود منه المال» وهذا الشرط محقّق في الوقف.
وإلى ما ذكرنا يشير السيد الطباطبائي(قدس سره) في ملحقاته على العروة، ويقول: والأقوى الثبوت ولو قلنا بعدم الانتقال إليه; لأنّه يكفي في كون الدعوى مالية، مالكية الموقوف عليه للمنفعة أو الانتفاع، ولكن إذا كانوا جماعة لابدّ من حلف جميعهم وإلاّ يثبت بمقدار حصة الحالف، كما أنّه لا يكفي حلف الموجودين للطبقة المتأخّرة، بل لابدّ لهم من الحلف أيضاً كما هو المقرّر من عدم ثبوت الحقّ بحلف الغير.(2)
يريد أنّ حلف الحالف على أنّه وقف لجماعة والّتي هو منهم، لا يثبت بحلفه إلاّ سهمه، وأمّا سهام الآخرين فثبوتها رهن حلفهم، وأضاف بأنّ حلف الموجودين من الموقوف عليهم لا يثبت كونه وقفاً للطبقة المتأخّرة، بل لابد لهم من الحلف أيضاً. ويمكن أن يقال:إنّ حلف الطبقة المتقدّمة أمارة على أنّ العين موقوفة مطلقاً، عبر الزمان من غير حاجة إلى حلف الآخرين، ولو علّق بثبوت الوقف على حلفهم ربّما يبطل الوقف بسبب مرور الزمان، إذ ربّما يضلّ سند الوقف عبر الزمان.

1 . مفتاح الكرامة:20/249.
2 . ملحقات العروة الوثقى:397.

صفحه 268
المسألة 93. لو أقرّ بالوقف، ثمّ ادّعى أنّ إقراره كان لمصلحة، يسمع منه، لكن يحتاج إلى الإثبات لو نازعه منازع صالح; بخلاف ما إذا أوقع العقد وحصل القبض، ثمّ ادّعى أنّه لم يكن قاصداً، فإنّه لا يسمع منه أصلاً، كما هو الحال في جميع العقود والإيقاعات. *
* في المسألة فرعان:
1. لو أقرّ بالوقف ثم ادّعى أنّ إقراره كان لمصلحة.
2. لو أوقع العقد وحصل القبض، ثم ادّعى أنّه لم يكن قاصداً.
أمّا الأوّل: فله صورتان:
الأُولى: إذا ادّعى أنّ إقراره كان لمصلحة ولم ينازعه أحد، فيترك بحاله، شأن كلّ إقرار لا ينازعه أحد.
الثانية: تلك الصورة ولكن ينازعه منازع، فيؤخذ بإقراره، لأنّه أقرّ في ظاهر كلامه أنّه أخرجه عن ملكه وملك الموقوف عليه المنفعة والانتفاع، فلا يسمع منه الرجوع، إلاّ إذا دلّت القرائن على أنّ إقراره كان لمصلحة كالفرار عن الخراج أو غير ذلك.
في كيفية عمل المتصرّفين من الترتيب والتشريك والمصرف   
وأمّا الفرع الثاني: فقد أقرّ وقام بعملية القبض والإقباض، فصار صيغة عقد الوقف تامّاً أركاناً وشروطاً، فلا يسمع منه كما هو الحال في جميع العقود والإيقاعات، فلو باع المبيع وأقبضه وقبض الثمن ثم قال: إنّه لم يكن على سبيل الجدّ، بل كان لمصلحة أو من سبيل التورية، فلا يسمع منه.

صفحه 269
المسألة 94. كما أنّ عمل المتصرّفين معاملة الوقفية، دليل على أصل الوقفية ما لم يثبت خلافها، كذلك كيفية عملهم من الترتيب والتشريك والمصرف وغير ذلك دليل على كيفيته، فيتّبع مالم يعلم خلافها.*
المسألة 95. لو كان ملك بيد شخص يتصرّف فيه بعنوان الملكية، لكن علم أنّه قد كان في السابق وقفاً، لم ينتزع من يده بمجرّد ذلك ما لم يثبت وقفيته فعلاً. وكذا لو ادّعى أحد أنّه قد وقف على آبائه نسلاً بعد نسل; وأثبت ذلك من دون أن يثبت كونه وقفاً فعلاً. نعم، لو أقرّ ذو   
* قد مرّ أنّ الوقف يثبت بأُمور منها: أن يعامل المتصرّفون فيه معاملة الوقف.
فكما أنّ عمل المتصرّفين يكون دليلاً على أصل الوقفية، كذلك تكون كيفية عملهم من الترتيب والتشريك والمصرف، دليلاً على كيفية الوقف، فربّما يشاركون الذكور مع الإناث، وربّما يفصّلون فيُتبع عملهم.
نعم قيّد المصنّف دلالة عمل المتصرّفين معاملة الوقف على الوقفية بما إذا لم يقم دليل أقوى على الخلاف مطلقاً من غير فرق بين الأصل ـ أي الوقف ـ وكيفية التقسيم، كما إذا شهدت البيّنة على أنّ المتصرّفين كانوا غاصبين في كلّ شيء حتى في جعل الملك وقفاً على أولادهم، فيقدّم الدليل على دلالة التصرّف، فلا يكون دليلاً على الأصل، ولا على الفرع، أي كيفية التصرّف.

صفحه 270
اليد في مقابل دعوى خصمه: بأنّه كان وقفاً إلاّ أنّه قد حصل مسوّغ البيع وقد اشتراه، سقط حكم يده وينتزع منه، ويلزم بإثبات وجود المسوّغ ووقوع الشراء. *
* في المسألة فرعان:
1. لو كان ملك بيد شخص يتصرّف فيه بعنوان الملكية، لكن عُلم كونه وقفاً سابقاً، ولم يكن في مقابل يده أي منازع، فلا تثبت وقفيته; لأنّ اليد أمارة الملكية، فمن المحتمل أنّ الوقف بيع بأحد المسوّغات، واشتراه ذو اليد أو مَن انتقل منه إليه.
وبعبارة أُخرى: استصحاب الوقف محكوم باليد، وإلاّ لم يستقرّ حجر على حجر، لأنّ كلّ ما يحكم عليه بالملكية على ضوء اليد، كثيراً ما يكون ملكاً لآخر.
2. تلك الصورة، ولكن ادّعى رجل على وقفيته على آبائه نسلاً بعد نسل، وأثبت ذلك لكن لم يثبت كونه وقفاً فعلاً، فلا ينتزع من صاحب اليد، إذ يحتاج إلى إثبات كونه وقفاً عليه فعلاً وأنّه غصب في يد المتصرّف; وذلك لأنّه من قبيل تعارض اليد المتصرّفة مع استصحاب الوقفيّة، واليد حاكمة على الاستصحاب لاحتمال كون ذي اليد مالكاً أو من قبله بإحدى مجوزات بيعه، كما مرّ.
لو ادّعى شخص ملكيّة شيء مكتوب عليه أنّه وقف    
3. لو أقرّ ذو اليد بأنّه كان وقفاً وأنّه اشتراه بعد حصول المسوّغ، فعندئذ تسقط حجّية يده، وتنتزع العين منه ويُلزم بإثبات وجود   

صفحه 271
المسألة 96. لو كان كتاب أو مصحف أو غيرهما بيد شخص وهو يدّعي ملكيّته، وكان مكتوباً عليه أنّه وقف، لم يُحكم بوقفيته بمجرّده، فيجوز الشراء منه. نعم، الظاهر أنّ وجود مثل ذلك عيب ونقص في العين، فلو خفي على المشتري حال البيع كان له الخيار. *
المسوّغ ووقوع الشراء، وذلك لما قرّر في محلّه من أنّ ذا اليد الذي يعد منكراً لادّعاء المدّعي مادام لم يقرّ بشيء، وأمّا إذا أقر بأنّ العين قد انتقلت إليه من المدّعي بسبب من الأسباب، فعندئذ ينقلب العنوان ويصير المنكر مدّعياً، ولا يبقى ليده حكم، مثلاً: لو كانت العين بيد زيد، وادّعى عمرو أنّها له، فقال زيد: أنّه كان له وقد اشتريت منه أو انتقل إلي منه بناقل من النواقل، فتنتزع منه العين ويحكم عليه بإقامة الدليل على النقل، لأنّه أقرّ بملكية عمرو، فعليه أن يُقيم الدليل على الانتقال، والأصل عدم انتقال العين منه إليه. وأمّا المقام فإنّ ذا اليد يكون مدّعياً من جهتين: من جهة وجود المسوّغ، ومن جهة الشراء، المنفيين بالأصل.
4. وهناك فرع آخر لم يذكره المصنّف وقد أشار إليه السيّد في ملحقات العروة، وقال: لو ادّعى ذو اليد أنّ أباه أو جدّه شراه وانتقل إليه بالإرث، فيمكن أن يقال بتقدّم قوله; لأنّ يده وإن سقطت بالإقرار، إلاّ أنّ حكم يد أبيه أو جدّه على فرض ثبوت ذلك يبقى، إذ لم يصر أبوه أو جدّه مقرّاً بإقراره، فيحكم بملكية أبيه وانتقاله إليه بالإرث.(1)
* إذا كان كتاب أو مصحف، بيد شخص مكتوب على ورقته   

1 . ملحقات العروة الوثقى:401.

صفحه 272
المسألة 97. لو ظهر في تركة الميّت ورقة بخطّه: أنّ ملكه الفلاني وقف; وأنّه وقع القبض والإقباض، لم يحكم بوقفيته بمجرّده ما لم يحصل العلم أو الاطمئنان به; لاحتمال أنّه كتب ليجعله وقفاً كما يتّفق ذلك كثيراً.*
الأُولى أو سائر أوراقه أنّه وقف، فلا تثبت به الوقفية، فلو ادّعى أحد ملكيته جاز الشراء منه.
كلّ ذلك لاحتمال أنّه كتب ليجعله وقفاً فبدا له في ذلك شيء، أو نسي أو نحو ذلك.
نعم إذا اشتراه المشتري ثم علم أنّه كتب عليه أنّه وقف، يُعدّ عيباً ونقصاً في العين، فللمشتري خيار الفسخ.
لو كانت العين الموقوفة من الأعيان الزكوية    
* ربّما يوجد في تركة الميّت ورقة بخطّه أنّ ملكه الفلاني وقف وأنّه وقع القبض والإقباض، لم يحكم بوقفيّته بمجرّد ذلك مالم يحصل العلم والاطمئنان به، لاحتمال أنّه كتب ليجعله وقفاً كما يتّفق ذلك كثيراً.
هذا ما عليه السيد الاصفهاني، والسيد الأُستاذ في «التحرير»، ولكن الظاهر السماع، فإنّ احتمال أنّه كتبه ليجعله وقفاً ثم نسي ذلك احتمال بعيد، خصوصاً في مورد المصحف أو الكتاب المشخّص، فإنّ ذلك الاحتمال بعيد فيه، لقلّة مؤونة الوقف فيهما، فاحتمال أنّه أخّر إجراء الصيغة بعيد، ولذلك يحكم بالوقفية، خصوصاً فيما إذا كان أمر القبض فيه خفيفاً وسهلاً.

صفحه 273
المسألة 98. إذا كانت العين الموقوفة من الأعيان الزكوية ـ كالأنعام الثلاثة ـ لم يجب على الموقوف عليهم زكاتها وإن بلغت حصّة كلّ منهم النصاب. وأمّا لو كانت نماؤها منها ـ كالعنب والتمر ـ ففي الوقف الخاصّ، وجبت الزكاة على كلّ مَن بلغت حصّته النصاب من الموقوف عليهم; لأنّها ملك طلق لهم، بخلاف الوقف العامّ حتّى مثل الوقف على الفقراء; لعدم كونه ملكاً لواحد منهم إلاّ بعد قبضه. نعم، لو أُعطي الفقير ـ مثلاً ـ حصّة من الحاصل على الشجر قبل وقت تعلّق الزكاة ـ بتفصيل مرّ في كتاب الزكاة ـ وجبت عليه لو بلغت النصاب. *
* في المسألة فروع:
1. إذا كانت العين الموقوفة من الأجناس الزكوية كالأنعام الثلاثة، فيقع الكلام في وجوب الزكاة في الأعيان تارة، والنتائج أُخرى.
أمّا الأعيان، فلا تجب الزكاة على الموقوف عليهم وإن بلغت حصة كلّ واحد منهم النصاب مع تحقّق سائر الشرائط، حتّى على القول بكونهم مالكين لها; لأنّ الزكاة للملك الطلق، وهؤلاء لا يملكون الأعيان ملكاً طلقاً، لأنّ المفروض تحبيس الأصل للبطون اللاحقة وتسبيل المنفعة.
وأمّا النتائج فلو شرط الواقف كونها وقفاً أيضاً فلا يجب، وإلاّ فتجب الزكاة على كلّ مَن بلغت حصّته النصاب.
هذا كلّه حول الأنعام. ولا يخفى أنّ المصنّف لم يذكر حكم النتائج في الأنعام وإنّما اقتصر على بيان حكم الأعيان، نعم ذكر حكم الثمرات   

صفحه 274
المسألة 99. الوقف المتداول بين بعض الطوائف، يعمدون إلى نعجة أو بقرة، ويتكلّمون بألفاظ متعارفة بينهم، ويكون المقصود أن تبقى وتذبح أولادها الذكور وتبقى الإناث وهكذا، الظاهر بطلانه; لعدم تحقّق شرائط صحّته. *
في غير الأنعام، فيقول:
في بطلان الوقف بنفس البيع أو جوازه    
2. إذا كانت الأجناس الزكوية كالتمر والعنب والحنطة والشعير وكان الوقف وقفاً خاصّاً، فيجب على مَن بلغت حصّته النصاب زكاته، لأنّها ملك طلق لهم. وقد انعقدت الحبة أو احمرّ التمر في ملكهم.
3. إذا كانت الأجناس الزكوية مثل التمر والعنب وكان الوقف وقفاً عامّاً مثل الوقف على الفقراء، فلا تجب الزكاة لعدم كونه ملكاً لواحد منهم إلاّ بعد قبضه، والزكاة تتعلّق بمن كان مالكاً عند انعقاد الحبّة أو عند إحمرار التمر أو اصفراره أو قبل التسمية على اختلاف في زمن التعلّق، والمفروض أنّ الفقراء كانوا بُعداء عن الثمرة غير مالكين لها إلاّ بعد القبض.
4. نعم لو أُعطي الفقير حصّته من الحاصل على الشجر قبل وقت تعلّق الزكاة أي قبل انعقاد الحبة مثلاً، وجبت عليه الزكاة لو بلغت النصاب.
* ما ذكر في المتن كأنّه رائج بين العشائر، فقد حكم المصنّف ببطلان الوقف لعدم توفّر شرائط صحّته، ولكنّه قضاء بلا دليل، فاللازم الرجوع إلى الواقف للوقوف على كيفية الوقف وأنّه جامع لشرائطه أو لا؟ والله العالم.   

صفحه 275
إلى هنا تمّ كلام المصنّف في الوقف، إلاّ أنّه بقيت مسائل فرعية ترجع إلى الاختلاف في كون العين وقفاً أو لا، تعرّض لها المحقّق في الشرائع ضمن مسائل عشر:(1) ومن أراد فليرجع إليها.
ومع ذلك بقيت هنا مسائل أُخرى نبحث عن مسألتين لإكمال البحث:

المسألة الأُولى: بطلان الوقف بنفس البيع أو جوازه

هل الوقف يبطل بنفس البيع ـ إذا كان هناك مسوِّغ له ـ أو بجوازه، وإن لم يتحقّق البيع؟ فيه قولان:
الأوّل: للشيخ الأنصاري. والثاني: لصاحب الجواهر، تبعاً لشيخه كاشف الغطاء على ما قيل.
وجه الأوّل: هو أنّ معنى جواز البيع ـ عند وجود المسوِّغ له ـ هو أنّ الشارع جعل للبطن الموجود حقَّ إبطال الوقف ببيعه لأنفسهم، إذا اقتضت المصلحة بيعه وتقسيم ثمنه بين الموجودين من الموقوف عليهم، فإذا لم يبيعوا لم يبطل الوقف. وكم فرق بين حقّ الإبطال، ونفس الإبطال؟ فالمجعول هو الأوّل.
ويؤيّد ذلك أنّه لو فُرض اندفاع الضرورة بعد الحكم بجواز البيع ولكن لم يُبَع، كان الوقف باقياً على حاله، على كلا القولين.
فإن قلت: إذا كان قوله(عليه السلام): «لا تباع ولا تُوهَبُ» ـ بمعنى لا يجوز   

1 . لاحظ: شرائع الإسلام:2/218ـ221. ولاحظ الجواهر:40/291ـ 301.

صفحه 276
بيعه وهبته ـ وصفاً لنوع الصدقة، ولم يكن شرطاً خارجياً مأخوذاً في الشخص ـ كما مرّ ـ فكيف يبقى الموضوع بحاله مع الحكم بجواز البيع، إذ لازمه تفكيك النوع عن الفصل؟
قلت: لو كان عدم جواز البيع فصلاً منوّعاً للوقف مثلاً بأن يقال: الصدقة على نوعين:
1. صدقة تباع وتوهب.
2. صدقة لا تباع ولا توهب.
فعندئذ كان لما ذُكر وجه، إذ بانتفاء الفصل ينتفي النوع.
وأمّا إذا كان من آثاره وأحكامه فلا إشكال في رفعه بالعناوين الثانوية مع بقاء الموضوع، إذ ليس الموضوع علّة تكوينية بالنسبة إلى الحكم حتّى لا تتعلّق برفعه يد التشريع، فلا مانع من حفظ الموضوع مع رفع بعض الآثار في ظروف خاصّة.
وأمّا وجه الثاني: فما أفاده صاحب الجواهر حيث قال: والّذي يقوى في النظر بعد إمعانه أنّ الوقف ما دام وقفاً لا يجوز بيعه، بل لعلّ جواز بيعه مع كونه وقفاً من المتضادات، نعم إذا بطل الوقف اتّجه حينئذ جواز البيع.(1)
في بطلان الوقف بنفس البيع أو جوازه    
وربّما يقال: إنّه تبع في هذا الرأي شيخه كاشف الغطاء في شرحه على القواعد، حيث قال: إنّ البيع وأضرابه ينافي حقيقة الوقف; لأخذ   

1 . جواهر الكلام: 22 / 358 .

صفحه 277
الدوام فيه، وإنّ نفي المعاوضات مأخوذ فيه ابتداءً .(1)
أقول: لم يظهر من كلام كاشف الغطاء ما رامه صاحب الجواهر، بل الظاهر من كلامه أنّ البيع والمعاوضة الخارجية يبطلان الوقف، لا جوازهما، فيكون نظره نفس نظر الشيخ.
وأمّا ما أفاده صاحب الجواهر فقد أورد عليه الشيخ ما هذه خلاصته: إن أُريد من بطلان الوقف انتفاء بعض آثاره وهو جواز البيع المسبّب عن سقوط حقّ الموقوف عليهم عن شخص العين أو عنها وعن بدلها، فهذا لا يلازم بطلان الوقف (لأنّ رفع بعض الآثار ليس بمعنى رفع الموضوع تشريعاً).
وإن أراد به انتفاء أصل الوقف كما هو ظاهر كلامه حيث جعل المنع من البيع من مقوّمات مفهوم الوقف، فقد عرفت أنّه ليس فصلاً منوِّعاً، وإنّما هو من أحكامه ولوازمه القابلة للرفع التشريعي.(2)
وربّما يؤيّد قول الشيخ بجواز الرجوع في الهبة، مع أنّه لا يوجب البطلان .
يلاحظ عليه: بأنّ جواز الرجوع في الهبة أو جواز الفسخ ليس بمنزلة جواز الرجوع في الوقف، فإنّ تجويز الرجوع في الأُولى لا ينافي ماهيتها، بخلاف جواز الرجوع في الوقف ففيه مظنة التنافي بينه وبين الوقف، فالقياس مع الفارق .   

1 . نقله الشيخ عن كاشف الغطاء، لاحظ : المكاسب:4/36.
2 . كتاب المكاسب: 4/37، بتصرّف.

صفحه 278
هذا ما لدى القوم من الكلمات ومع ذلك فكلام صاحب الجواهر حسب الظاهر لا يخلو من قوّة; ويمكن تقريبه بالبيان التالي:
إنّ الممنوعية من البيع والهبة، بل كلّ نقل، مقوِّم للوقف عرفاً وشرعاً، فإذا جاز بيعه شرعاً كشف عن بطلان الوقف تحكيماً لحكم الشرع على إنشاء الواقف .
وبعبارة أُخرى: أنّ الوقف يتقوّم بممنوعية التصرّف وهي تنافي جواز البيع فلا يجتمعان، فلو ثبت الثاني كشف عن ارتفاع الأُولى.
ثم إنّ سيدنا الأُستاذ أجاب عن الأشكال بأنّ المنع المالكي لايضاد الجواز الشرعي بوجه، فالتحبيس من الواقف لا من الشارع، فالتضاد لو كان إنّما هو بين أمر شخص بشيء مع نهي شخص آخر، فالممنوعية المالكية لا تضاد الجواز الشرعي.(1)
يلاحظ عليه: بأنّ للوقف معنى واحداً لدى العرف والشرع، فإذا كان معنى الوقف هو الممنوعية من البيع فهذا نفسه معنى الوقف شرعاً، وإذا وقف الواقف العين الخارجية وأراد هذا المعنى فقد أمضاه الشارع بنفس هذا المعنى أيضاً، فلو جاز شرعاً بيعه لزم التضاد بين الممضى والحكم الشرعي، فيكون الحكمان صادرين من شخص واحد.
والّذي يمكن أن يقال في دفع الاشكال: إنّ الجواز المتعقّب بالبيع يضاد حقيقة الوقف، وأمّا مجرد جواز البيع من دون تعقّب البيع فلا   

1 . كتاب البيع: 3 / 168 .

صفحه 279
ينافي ماهيّة الوقف كما لا يخفى. فتأمّل.
وعلى كلّ تقدير لا ثمرة لهذا البحث بعد التسالم على حرمة البيع قبل عروض المجوّز، وعلى جواز البيع بعد عروضه، ثم دوامه بدوام المجوّز، وارتفاعه بارتفاع المجوّز، كما أفاده المحقّق الإيرواني.(1)
وبذلك يظهر أنّه لا وجه للفرع التالي:
إذا طرأ على الوقف جواز البيع ولم يُبع في الخارج إلى أن زال المانع، فهل يزول الجواز أو يبقى على حاله.(2)
لما عرفت من التسالم على ارتفاع الجواز بارتفاع المجوّز.
وعلى فرض صحّة الفرع فالمرجع هو فيما إذا جاز بيعه ولم يُبع، عموم العام الدالّ على عدم جواز البيع، لا حكم المخصّص، أعني: جواز البيع كما عليه المحقّق الإيراوني.(3)
لما مرّ غير مرة من أنّ الأُمور التي طبعها المنع والحرمة كالنظر إلى الأجنبية وبيع الصغير يقتصر في تخصيصها بالموارد المعلومة، وأمّا المشكوكة منها، فيرجع إلى الحكم الذاتي للموضوع.
نعم ذكر المحقّق الخوئي وجهاً آخر للتمسّك بالعام دون حكم المخصّص، فلاحظ .(4)   

1 . لاحظ: تعليقة الإيرواني: 171 .
2 . مصباح الفقاهة: 3 / 364 .
3 . لاحظ: تعليقة الإيرواني: 171 .
4 . مصباح الفقاهة: 3 / 364 .

صفحه 280
وقف المالية مجرّردة عن الشخصية    

المسألة الثانية: وقف الماليّة مجرّدة عن الشخصية

إنّ الغالب على الوقوف هو وقف الشيء بماليّته وشخصيّته، بمعنى أنّ العين تكون موقوفة ما دامت الرقبة باقية. هذا هو الغالب وهناك قسم آخر، وهو أن يتعلّق الوقف بماليّة الشيء من دون نظر إلى تشخصه بخصوصية خاصّة. وبعبارة أُخرى: يتعلّق الغرض بحفظ المالية دون الخصوصية.

توضيح كلا القسمين من الأوقاف

ربّما يتعلّق غرض الواقف بحفظ الرقبة مطلقاً، ففي هذه الصورة لا يجوز بيعها; سواء كان أعود أو لا، سواء كان الوقف، وقف منفعة أو وقف انتفاع، غاية الأمر يجوز تغيير عنوان الوقف ورسمه في الأوّل دون الثاني.
وربّما يتعلّق الغرض بحفظ مالية الموقوف وإن كان متخصّصاً بخصوصية، ولكن لا رغبة للواقف إليها وإنّما يطلب بقاء المالية بأيّ خصوصية تحقّقت، مثلاً إذا وقف عمارة لغرض إعمار المسجد أو رفع حاجات الأيتام، سواء أكان ذلك ببقائها داراً وتأجيرها أم جعلها محلاًّ تجارياً يصرف إيجاره في حاجاتهم أو يباع ويشترى بها ملكاً آخر يكون أكثر نفعاً، فيكفي في ذلك حفظ المالية وإن لم تكن الخصوصية الفردية محفوظة.

ثمرات الفرق بين الوقفين

ثمرات الفرق بين وقف المالية دون الخصوصية    
ثمّ إنّ الثمرة المترتّبة لوقف المالية دون الخصوصية تظهر في   

صفحه 281
الموارد التالية:
1. لو كان الموقوف هو المالية دون الخصوصية وإن كانت المالية لا تنفك عن خصوصية ما، فإذا بيع الموقوف فالثمن يكون وقفاً بلا حاجة إلى إجراء صيغة الوقف، لأنّه محفوظ بحاله لم يطرأ عليه شيء; بخلاف ما إذا قلنا بأنّ الموقوف هو المالية المتخصّصة بخصوصية، فإذا بيع بطل الوقف، فلا يصير بدله وقفاً إلاّ بإجراء الصيغة من قبل الحاكم أو غيره.
2. لو كان الموقوف هو المالية صحّ اشتراط الواقف بيعه وجعل بدله وقفاً; لأنّ البدل يصير وقفاً بمجرد التبديل; بخلاف ما لو كان متعلّق الوقف هو المالية المتخصصة بالصفات الفردية، فإنّ شرط البيع يناقض مضمون العقد، فإنّ مضمونه حبس العين بخصوصياتها، ومضمون الشرط على خلافه.
3. أنّهم اختلفوا في جواز بيع الوقف إذا كان البدل أنفع وأعود، فذهب المفيد إلى جوازه حيث جعل أحد المسوّغات كون تغيير الشرط في الموقوف أدرّ عليهم وأنفع لهم من تركه على حاله.(1) وخالفه الآخرون حتى أنّ العلاّمة قال: إنّ قول المفيد متأوّل.(2)
والحقّ أن يقال: إنّه إذا كان متعلّق الوقف مالية الموقوف لا الخصوصية الفردية، يجوز بيعه إذا كان أعود، فإنّ الغرض تعلّق بحفظ المالية دون الخصوصية وإن توالت عليه الخصوصيات عبر الزمان.   

1 . المقنعة:652.
2 . تحرير الأحكام:3/250.

صفحه 282
نعم كلّ ذلك مبني على تشخيص الصغرى وأنّ الموقوف هو المالية، ويستأنس لتصوير وقف المالية بالأُمور التالية وإن لم تكن من مقولة الوقف:
1. إرث الزوجة من أعيان العقار، فإنّها ترث ماليتها لا أعيانها، ويجوز للوارث دفع قيمتها إلى الزوجة دون أعيانها، بل ربّما لا يمكن دفع الأعيان لاستلزامه تخريب البيت وهدمه، فغرض الشارع هو حفظ إرث الزوجة من الأعيان لكن بنحو لا تتضرّر الورثة بدخول الأجنبي عليهم فيما لو تزوجت الزوجة المتوفّى عنها زوجها، برجل، فلو كان الموروث نفس الأعيان ربّما ضاق العيش على الوارث، فجمع بين مصلحتين هما; مصلحة الزوجة من جهة الإرث، ومصلحة الورثة حتّى لا يدخل الأجنبي في حياتهم. فيكفي في المقام دفع القيمة.
2. الخمس والزكاة فإنّ غرض الشارع رفع حاجة السادة والفقراء، وهو حاصل بتعلّقهما بمالية الأعيان، فللمالك أن يؤدِّي الفريضة من نفس الأعيان أو بقيمتها .
وما ذكرناه في الفرائض الماليّة من تعلّق حقّهم بمالية الأعيان، لا بأنفسها، هو المختار عندنا، وله آثار فقهيّة ظاهرة للمتفطّن، ذكرناها في كتاب الخمس.
رأي الإمام الخميني في وقف المالية المجرّدة عن الخصوصية    
3. صحّة الشركات الخيرية والمبرّات العامّة الّتي يُديرها أُمناؤها، فلم تزل أعيان الشركة في حال التبديل، ولكن الجهة المشتركة، أعني: المالية السيّالة المحفوظة مع تبدّل الخصوصيات، لا تبطل وتبقى مدى   

صفحه 283
الدهور والأيّام.
وهذا ما يعبّر عنه بالشخصية الحقوقية المعنويّة، التي هي أمر رائج بين العقلاء.

رأي سيدنا الأُستاذ(قدس سره) في وقف المالية المجرّدة عن الخصوصية

ثم إنّ سيّدنا الأُستاذ (قدس سره)أنكر «وقف المالية» إذا جرّدت عن وقف الخصوصية الخارجية بوجهين:
1. من شرائط الوقف تعلّقه بالأعيان الّتي لها منفعة محلّلة حتّى تدرّ على الموقوف عليهم، والمالية ليست من الأعيان ولا تكون لها منفعة وثمرة، والمنافع كلّها إنّما هي للأعيان.(1)
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره مبني على أنّ المقصود من وقف المالية، هي وقفها بما هي مجردّة عن أيّ تشخّص، حتى التشخّص في ضمن فرد من الأفراد، ومن المعلوم أنّ المالية بهذا المعنى، لا تضرّ ولا تنفع، بل المقصود منها، المالية المتمثّلة في ضمن فرد ما، من دون أن يكون للخصوصية مدخلية في الوقف، على نحو لو أمكن تمثّل الماليّة بنفسها ومجرّدة عن الخصوصية لصحّ وقفها. ولذلك يكفي في الوقف وجود خصوصية ما .
2. لو فرض التعلّق بالمالية لا تنبغي الشبهة في البطلان بالبيع أيضاً، لأنّ نقل العين، نقل بماليتها، ولا يعقل حفظ مالية العين مع بيعها. (2)   

1 . كتاب البيع: 3 / 175 .
2 . كتاب البيع: 3 / 175 .

صفحه 284
يلاحظ عليه : بأنّه مبني على أنّ الموقوف، هي المالية المتمثّلة بالمبيع المشخّص، فإذا بيعت العين، يبطل الوقف إذ لا يعقل حفظ المالية مع البيع; ولكن الموقوف هي المالية السيّالة، غير المقيّدة بخصوصية دون خصوصية، فإذا بودلت العينان، تخلف العين الثانية مكان الأُولى، وليس هذا أمراً بديعاً، فإنّ الأعيان الزكوية أو ما تعلّق به الخمس، إذا بيعتا، ينتقل الفرض إلى بدله، ومن بدله إلى بدله، وما هذا إلاّ لأنّ الواجب أداء مال يبذل بإزائه الثمن إلى الفقير والسيد، وهذا محقّق في البدل الثاني والثالث أيضاً.
أضف إلى ذلك: أنّ المسألة عرفية، وليست عقلية. والعرف العام، يوافق هذا النوع من الوقف كما هو الحال في الشركات والجمعيّات الخيرية والمبرّات العامة الّتي مرّ الإيعاز إليها، فلاحظ.

صفحه 285

خاتمة

تشتمل على أمرين: أحدهما في الحبس وما يلحق به، ثانيهما في الصدقة.

القول: في الحبس وأخواته*

القول في الحبس   
* عنون المصنّف هذا البحث بقوله: «في الحبس وأخواته» وأخوات الحبس عبارة عن السكنى والرقبى والعمرى، وهذا هو المفهوم من عبارة صاحب الحدائق، وعنونه المحقّق بشكل آخر فقال: كتاب السكنى والحبس، والأفضل ما في الحدائق، حيث قال: المقصد الثالث في الحبس والسكنى والرقبى والعمرى. فهناك أُمور أربعة.
ثمّ إنّ الفرق بين الحبس والثلاث الباقية هو أنّ الثلاثة الأخيرة تتعلق بالآدمي، والاختلاف في هذه الألفاظ الثلاثة اعتباري بحسب ما تضاف إليه، والمرجع واحد، فإن قرنت بالإسكان، قيل: سكنى; وإن قرنت بالعمر من المالك أو الساكن، قيل: عُمرى; وإن قرنت بمدّة معيّنة، قيل: رقبى من ارتقاب المدّة وخروجها.
هذا كلّه في الثلاثة، وأمّا الحبس فهو أعمّ من الثلاثة فقد يتعلّق بغير الآدمي، كما اذا حبس شيئاً على سُبُل الخير ومحالّ العبادات، مثل الكعبة المعظّمة والمساجد والمشاهد المشرّفة، ففي هذا المقام يفترق الحبس عن الثلاثة الماضية.   

صفحه 286
نعم قد يتعلّق الحبس بشخص خاصّ ـ كما سيأتي ـ فينطبق على مورد من المواضع الثلاثة.
إذا علمت ذلك فلنقدّم البحث في الحبس، وقد اكتفى المصنّف في بيانه بذكر مسألة واحدة.
ثمّ إنّ الحبس عقد من العقود، يشترط فيه ما يشترط في سائر العقود، غير أنّه اذا كان الحبس على سُبل الخير لا يحتاج إلى القبول، بخلاف ما لو حبسه على آدمي.
إذا عرفت ذلك فلنبدأ بشرح المسائل.

صفحه 287
المسألة 1. يجوز للشخص أن يحبس ملكه على كلّ ما يصحّ الوقف عليه; بأن تصرف منافعه فيما عيّنه على ما عيّنه، فلو حبسه على سبيل من سبل الخير ومحالّ العبادات ـ مثل الكعبة المعظّمة والمساجد والمشاهد المشرّفة ـ فإن كان مطلقاً أو صرّح بالدوام فلا رجوع بعد قبضه، ولا يعود إلى ملك المالك ولا يورث، وإن كان إلى مدّة لا رجوع إلى انقضائها، وبعده يرجع إلى المالك أو وارثه.
ولو حبسه على شخص فإن عيّن مدّة أو مدّة حياته لزم الحبس في تلك المدّة، ولو مات الحابس قبل انقضائها يبقى على حاله إلى أن تنقضي، وإن أطلق ولم يعيّن وقتاً لزم ما دام حياة الحابس، فإن مات كان ميراثاً، وهكذا الحال لو حبس على عنوان عامّ كالفقراء، فإن حدّده بوقت لزم إلى انقضائه، وإن لم يوقّت لزم مادام حياة الحابس.*
* إذا كان الوقف من مقولة إزالة الملك غالباً، فالحبس على خلافه غالباً، فالحابس يحتفظ بملكية العين، وإنّما يسبّل منافعها، فكلّ ما يصحّ وقفه، يصحّ حبسه، كما قال المصنّف.
وفي المسألة صور:
الأُولى: لو حبس ما يصحّ وقفه على سبيل من سُبُل الخير ومحال العبادات مثل الكعبة المعظّمة والمساجد والمشاهد المشرّفة، فإن كان مطلقاً أو صرّح بالدّوام فلا رجوع بعد قبضه، ولا يعود إلى ملك المالك   

صفحه 288
لو حبس ما يصحّ وقفه على سبيل من سبل الخير    
ولا يورّث. ولذلك قلنا في السابق: إنّ العين لا تخرج عن ملك الحابس لكن غالباً، لا دائماً لأجل هذا المورد فالحبس في هذه الصورة على وجه الإطلاق أو الدوام إخراج للملك، إذ لا معنى أن يبقى على ملك الحابس وقد حبسه مادامت العين باقية.
وإلى هذه الصورة يشير المحقّق بقوله: وإذا حبس فرسه في سبيل الله تعالى، أو غلامه في خدمة البيت أو المسجد، لزم ذلك، ولم يجز تغييره مادامت العين باقية.(1) فالمفروض في كلامه هو الإطلاق.
توضيح ما ذكرناه من خروج العين عن ملكية الحابس في الحبس على الكعبة والمشاهد هو: أنّ الملكية أمر اعتباري عقلائي وهو رهن الأثر، فإذا لم يجز له التصرّف عبر عمره وبعده كما هو مقتضى الدوام والإطلاق، فلا معنى لاعتبار الملكية، ولذلك يقول في «الجواهر»: خرج عن ملكه عند أصحابنا بلا خلاف.(2)
أضف إلى ذلك: النصوص الواردة في الصدقة المتضمّنة عدم جواز الرجوع في كلّ ما يعطى لله جلّ وعلا.
روى عبد الله بن سنان قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن الرجل يتصدّق بالصدقة ثم يعود في صدقته؟ فقال:«قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): إنّما مثل الذي يتصدّق بالصدقة ثم يعود فيها مثل الذي يقيء ثم يعود في قيئه».(3)   

1 . شرائع الإسلام: 2/226.
2 . جواهر الكلام: 28/153.
3 . الوسائل:13، الباب11 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث3، ولاحظ: بقية روايات الباب.

صفحه 289
الصورة الثانية: تلك الصورة لكن حبسه إلى مدّة معيّنة، فيكون حكم العين في تلك المدّة كحكمها في الصورة الأُولى في عدم رجوع المالك إليها قبل انقضائها. وأمّا إذا انقضت المدّة ترجع العين إلى المالك أو الوارث بلا حاجة إلى صيغة خاصّة. ووجهه: أنّ الحابس احتفظ بملكية العين، وإنّما سبّل المنفعة في مدّة معيّنة، فإذا انقضت المدّة انقطع حقّ المحبس عليه عن الانتفاع بالمنافع، فترجع العين إلى الحابس.
فخرجنا بالنتيجة التالية: إذا حبس على سبيل الخير، فلو صرّح بالدوام أو أطلق يخرج عن ملكه، وإلاّ فلو حدّد مدّة الحبس يرجع إلى ملك الحابس، بعد انقضائها.
كان موضوع البحث إلى هنا الحبس على غير الآدمي.
وأمّا الحبس على آدمي ففيه ما يلي:
الصورة الثالثة: لو حبس على شخص فإن عيّن مدّة، أو مدّة حياته (الحابس)، لزم الحبس في تلك المدّة، إذا كان هناك عقد جامع للشرائط التي منها القبض، فلو مات الحابس قبل انقضائها تبقى العين على حالها إلى أن تنقضي المدّة، أخذاً بلزوم المعاملة، نظير ما لو آجر المالك الملك مدّة ومات قبل انقضائها، فالإجارة تكون باقية إلى أن تنقضي مدّته.
الصورة الرابعة: تلك الصورة ولكن أطلق ولم يعيّن وقتاً، لزم مادامت حياة الحابس، فإن مات يكون ميراثاً، لأنّ العين تنتقل بموت الحابس إلى الورثة والمنافع تكون تابعة للعين، فمن ملك العين، يملك المنافع.   

صفحه 290
هذا هو مقتضى القاعدة، ويدلّ عليه أيضاً الروايتان التاليتان:
لو حبس ما يصحّ وقفه إلى مدّة معيّنة   
1. ما رواه الصدوق باسناده عن عُمر بن أُذينة، قال: كنت شاهداً عند ابن أبي ليلى وقضى في رجل جعل لبعض قرابته غلّة داره ولم يوقّت وقتاً، فمات الرجل فحضر ورثته ابن أبي ليلى وحضر قرابته الذي جعل له غلّة الدار، فقال: ابن أبي ليلى:أرى أن أدعها على ماتركها صاحبها.
فقال محمد بن مسلم الثقفي: أما أنّ علي بن أبي طالب قد قضى في هذا المسجد بخلاف ما قضيت، فقال: وما علمك؟ فقال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي(عليهما السلام) يقول: قضى علي(عليه السلام)برد الحبيس وإنفاذ المواريث، فقال له ابن أبي ليلى: هذا عندك في كتابك؟ قال: نعم، قال: فأرسل وائتني به، فقال له محمد بن مسلم: على أن لا تنظر من الكتاب إلاّ في ذلك الحديث، قال: لك ذلك، قال: فأحضر الكتاب وأراه الحديث عن أبي جعفر(عليه السلام) في الكتاب، فردّ قضيّته.(1)
والشاهد في قوله:«قضى بردّ الحبيس و انفاذ المواريث».
2. ما رواه عبد الرحمن الجعفي، قال: كنت اختلف إلى ابن أبي ليلى في مواريث لنا يقسّمها وكان فيها حبيس، فكان يدافعني، فلمّا طال شكوته إلى أبي عبد الله(عليه السلام)، فقال: «أو ما علم أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أمر برد الحبيس وإنفاذ المواريث»، قال: فأتيته ففعل كما كان يفعل، فقلت له: إنّي شكوتك إلى جعفر بن محمد(عليهما السلام)، فقال لي: كيت وكيت، قال: فحلّفني ابن أبي   

1 . الوسائل:13، الباب5 من أبواب كتاب السكنى والحبيس، الحديث1.

صفحه 291
المسألة 2. لو جعل لأحد سكنى داره ـ مثلاً ـ بأن سلّطه على إسكانها مع بقائها على ملكه، يقال له: السُكنى; سواء أطلق ولم يعيّن مدّة، كأن يقول: «أسكنتك داري»، أو «لك سكناها»، أو قدّره بعمر أحدهما، كما إذا قال: «لك سُكنى داري مدّة حياتك، أو مدّة حياتي»، أو قدّره بالزمان كسنة وسنتين مثلاً، نعم، لكلّ من الأخيرين اسم يختصّ   
ليلى أنّه قال ذلك، فحلفت له، فقضى لي بذلك.(1)
فإن قلت: ما الفرق بين هذه الصورة حيث إنّ الحبس يبطل بموت الحابس، وما إذا وقفها على سبيل من سُبل الخير، كالكعبة وأطلق ولم يعيّن المدّة، حيث إنّ موت الحابس هناك لا يكون سبباً لبطلان الحبس.
قلت: الفارق هو النصّ في الوقف على سبيل الخير حيث شبّه رسول الله الرد بمن يقيء ثم يعود في قيئه. ووجود النصّ في الآدمي على جواز الرجوع كما مرّ في الروايتين.
الصورة الخامسة:إذا حبس على عنوان كالفقراء ـ لا على شخص كما في الصورة الرابعة ـ، فإن حدّده بوقت لزم إلى انقضائه حتى وإن مات الحابس، للزوم العقد، وإن لم يوقّت لزم مادامت حياة الحابس أخذاً بالروايتين السابقتين. حيث إنّ الموضوع فيهما، عدم التوقيت، فيدلّ بمنطوقه ومفهومه على كلا الحكمين: لزوم الانتظار إذا كان مؤقّتاً حتى ينقضي أجله، وردّه إلى الورثة إذا كان غير مؤقّت.

1 . الوسائل:13، الباب5 من أبواب كتاب السكنى والحبيس، الحديث2.

صفحه 292
به، وهو «العُمرى» في أوّلهما و «الرقبى» في الثاني.*
الكلام في السكنى   

* الكلام في السكنى

سيأتي من المصنّف في المسألة 9 أنّ الرقبى بحكم العمرى، فتصحّ فيما يصحّ الوقف، وأمّا السكنى فتختصّ بالمساكن، ومعنى ذلك أنّ السكنى أخصّ، والآخران أعمّ.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ المصنّف في المقام بصدد أنّه ربّما تجتمع السكنى والعمرى والرقبى في مورد واحد، فإذا قال: أسكنتك داري، أو: لك سكناها، ولم يعيّن مدّة فهذه هي سكنى فقط.
وأمّا إذا قدّره بعمر أحدهما كما إذا قال: لك سكنى داري مدّة حياتك، أو مدّة حياتي، فيكون عُمرى.
وأمّا لو قدّره بالزمان كسنة وسنتين فيكون رقبى، لأنّ الطرفين يترقّبان زمان الانقضاء، وهو من المراقبة; لأنّ كُلاًّ يرقب موت صاحبه.(1)
ففي الموردين الأخيرين اجتمعت السكنى مع العمرى، والرقبى، يقول صاحب الحدائق: وقد يقترن باثنين منها كأن يقول: أسكنتك هذه الدار مدّة عمرك، فيقال: سكنى لاقترانها بالاسكان، وعمرى لاقترانها بالعمر; ولو قال: أسكنتكها مدّة كذا وكذا، قيل: سكنى ورقبى، ولو قال: أرقبتكها تحقّقت الرقبى خاصّة، وتنفرد السكنى فيما لو أسكنه إيّاها مطلقاً، وتنفرد العمرى فيما لو كان للعمر في غير مسكن.(2)   

1 . لاحظ: مجمع البحرين:2/73، مادة «رقب».   2 . الحدائق الناضرة: 22/276.

صفحه 293
المسألة 3. يحتاج كلّ من الثلاثة إلى عقد مشتمل على إيجاب من المالك وقبول من الساكن، فالإيجاب: كلّ ما أفاده التسليط المزبور عرفاً، كأن يقول في السكنى:«أسكنتك هذه الدار» أو «لك سكناها» و ما أفاد معناهما بأيّ لغة كان، وفي العمرى بإضافة مدّة حياتي أو حياتك، وفي الرقبى بإضافة سنة أو سنتين مثلاً، وللعمرى والرقبى لفظان آخران، فللأُولى: «أعمرتك هذه الدار عمرك أو عمري، أو ما بقيتَ أو بقيتُ، أو ما عشتَ أو عشتُ» ونحوها، وللثانية:«أرقبتك مدّة كذا»، والقبول: كلّ ما دلّ على الرضا بالإيجاب.*
وبهذا علم أنّ النسبة بين الرقبى والعمرى وبين السُكنى هي العموم والخصوص المطلق، فبما أنّ السكنى تختصّ بالمسكن فربّما تجتمع فيها العناوين الثلاثة، وهذا بخلاف الآخرين فهما لا يختصّان بالمسكن بل كلّ ما يصحّ فيه الوقف يصحّ فيه الرقبى والعمرى.
* لمّا كان كلّ من الأُمور الثلاثة من العقود فهي رهن شروط ثلاثة: الإيجاب، القبول، والقبض.
قد تعرّض المصنّف في هذه المسألة لبيان الأوّل والثاني فقط.
وأمّا القبض فيأتي بيانه في المسألة التالية.
أمّا الإيجاب فكلّ ما أفاده التسليط المزبور كفى في تحقّقه، كأن يقول في السكنى: «أسكنتك هذه الدار»، أو: «لك سكناها»، وفي العمرى يضيف قوله: «مدّة حياتي أو حياتك» وفي الرقبى: «سنة أو سنتين».   

صفحه 294
المسألة 4. يشترط في كلّ من الثلاثة قبض الساكن، وهل هو شرط الصحّة أو اللزوم؟ وجهان، لا يبعد أوّلهما، فلو لم يقبض حتّى مات المالك، بطلت كالوقف على الأظهر.*
لو حاز العقد الشروط اللازمة يجب العمل بمقتضاه   
نعم للعمرى والرقبى لفظان آخران، مأخوذان من كلمة العمر والرقبة، فيقال: أعمرتك هذه الدار عمرك أو عمري، وفي الرقبة: أرقبتك مدّة كذا.
وأمّا القبول فيحصل بكلّ ما يدلّ على الرضا بالإيجاب، وربّما يقال من أنّه لا حاجة إلى القبول، فإنّ الموجب بإيجابه أحلّ الانتفاع، فللطرف الانتفاع من هذا التحليل وإن لم يقترن إيجابه بالقبول.
يلاحظ عليه: أنّه يكون عندئذ من الإباحات فلا يكون عقداً لازماً، والغرض كونه عقداً لازماً.
* واعلم أنّ القبض في العقود على أقسام ثلاثة:
1. ما يكون العقد صحيحاً ولازماً وإن لم يتحقّق القبض كما هو الحال في البيع والإجارة، فالبيع صحيح ولازم، وإن لم يكن هناك إقباض المبيع، غير أنّ البائع يكون مكلّفاً بالقبض، فإلزامه على القبض من تكاليفه وواجباته، وليس من شرائط صحّتهما أو لزومهما، بل دعوة إلى الوفاء بالعقد.
2. ما يكون القبض شرط الصحّة ولولاه لبطل العقد، كما هو الحال في بيع النقدين، وبيع الكلّي فيجب القبض قبل الافتراق، فلو افترقا   

صفحه 295
المسألة 5. هذه العقود الثلاثة لازمة يجب العمل بمقتضاها، وليس للمالك الرجوع وإخراج الساكن، ففي السكنى المطلقة حيث إنّ الساكن استحقّ مسمّى الإسكان ـ ولو يوماً ـ لزم العقد في هذا المقدار، وليس للمالك منعه عنه، وله الرجوع في الزائد متى شاء، وفي العمرى والرقبى لزم بمقدار التقدير، وليس له إخراجه قبل انقضائه.*
بلا تقابض في بيع الأثمان أو قبض الثمن في بيع الكلّي لبطل، ومنه الهبة والوقف على القول بأنّه شرط الصحّة، كما مرّ.
3. ما يكون العقد في نفسه صحيحاً وإن لم يكن هناك قبض، لكن صيرورته لازماً يتحقّق بعد القبض، فيقع الكلام في المقام: هل قبض الدار في السكنى شرط الصحّة، فلو لم يقبض ومات بطل العقد، أو أنّه شرط اللزوم، فلو مات المُسكّن فللورثة العمل بالعقد لكونه صحيحاً في حدّ ذاته، غير لازم، وإنّما يلزم بعد القبض؟ ففي المقام وجهان:
من قائل بأنّه شرط الصحّة كما هو الظاهر من معقد الإجماع في الرياض، أو أنّه شرط اللزوم كما هو المحكيّ عن البعض الآخر(1)، وكلّ محتمل، والأحوط أنّه شرط الصحّة استصحاباً بعدم ترتّب الأثر قبل القبض، أو استصحاب بقاء منافع الدار في ملك المسكِّن. فلو مات المسكّن وأراد الوارث العمل بعقد الوالد فليجدّد العقد، وهو أيضاً خيرة المصنّف .
* إذا حاز العقد الشروط الثلاثة: الإيجاب والقبول والقبض،   

1 . جواهر الكلام:28/134ـ 135.

صفحه 296
المسألة 6. لو جعل داره سكنى أو عمرى أو رقبى لشخص لم تخرج عن ملكه، وجاز بيعها، ولم تبطل العقود الثلاثة، بل يستحقّ الساكن السكنى على النحو الذي جُعلت له، وكذا ليس للمشتري إبطالها، ولو كان جاهلاً فله الخيار بين فسخ البيع وإمضائه بجميع الثمن. نعم، في السكنى المطلقة بعد مقدار المسمّى، يبطل العقد وينفسخ إذا أُريد بالبيع فسخه وتسليط المشتري على المنافع، فحينئذ ليس للمشتري الخيار.*
البيع لا يبطل السكنى والعمرى والرقبى    
سواء أقلنا: إنّ الأخير شرط الصحّة أو شرط اللزوم، فيجب العمل بمقتضاه، وليس للمالك الرجوع بإخراج الساكن، عملاً بقوله سبحانه:(أَوفُوا بِالعُقُودِ). ويدلّ على ذلك ماسيوافيك من الروايات في المسألة التالية، من أنّ البيع لا ينقض السكنى.
ثمّ إنّ مقتضى العقد يختلف، فلو كانت السكنى مطلقة غير مقيّدة بشيء، فيستحقّ إسكاناً ولو في مدّة قليلة بحيث يُعدّ إسكاناً كشهر، وأمّا إذا كان مقيّداً كما في العمرى والرقبى، لزم بمقدار التقدير، ففي العمرى مادام المسكّن أو الساكن حيّين، وفي الرقبى مادامت المدّة باقية.
* في المسألة فروع:

الأوّل: البيع لا يبطل السكنى والعمرى والرقبى

المشهور بين الأصحاب أنّه لا تبطل السكنى والعمرى والرقبى بالبيع، وقول المصنّف: «لم تبطل العقود الثلاثة» أراد به ما ذكرنا.   

صفحه 297
ويدلّ عليه صحيح حسين بن نعيم عن أبي الحسن موسى(عليه السلام)قال: سألته عن رجل جعل داراً سكنى لرجل أيّام حياته، أو جعلها له ولعقبه من بعده، هل هي له ولعقبه من بعده كما شرط؟ قال: «نعم» قلت له: فإن احتاج يبيعها؟ قال:«نعم» قلت: فينقض بيعه الدار السكنى؟ قال:«لا ينقض البيعُ السكنى كذلك سمعت أبي(عليه السلام) يقول: قال أبو جعفر(عليه السلام):لا ينقض البيع الإجارة ولا السكنى، ولكن تبيعه على أنّ الذي اشتراه لا يملك ما اشترى حتى تنقضي السكنى كما شرط، وكذا الإجارة».(1)
واستشكل في «المسالك»: أوّلاً: بأنّ الغرض المقصود من البيع هو المنفعة، ولهذا لا يجوز بيع ما لا منفعة فيه. وثانياً: زمان استحقاق المنفعة في العمرى مجهول.(2)
يلاحظ على الأوّل: بأنّه فرق بين ما لا منفعة له أصلاً، وبين مسلوب المنفعة في مدّة محدودة لا مطلقاً، والمقام من قبيل الأوّل أي المحدودة.
ويلاحظ على الثاني: بأنّ الجهالة المدّعاة في العمرى مستثناة بالنصّ، كما عرفت.
فإن قلت: إنّ مورد النصّ هو العمرى دون الرقبى، فكيف يمكن الحكم بالصحّة في الثانية أيضاً؟
قلت: إذا صحّ في العمرى مع وجود الجهالة ففي الرقبى التي خلت عن الجهالة بطريق أولى، لأنّها محدّدة بوقت معيّن لا جهالة فيه أصلاً.   

1 . الوسائل:13، الباب24 من أبواب كتاب الإجارة، الحديث3.
2 . مسالك الأفهام:5/429، ولاحظ: الحدائق الناضرة:22/288.

صفحه 298
فما في «المسالك» من أنّ مورد الرواية السكنى والعمرى، دون الرقبى فإنّها لا وجود لها في الأخبار، صحيح، ولكن لا يضرّ بالصحّة في الرقبى لما ذكرنا من الأولوية، والقياس الأولوي حجّة باتّفاق الفريقين.

الفرع الثاني: لو باع داره التي جعلها سكنى مع جهل المشتري

لو باع داره التي جعلها سكنى أو عمرى أو رقبى لشخص، وكان المشتري جاهلاً، صحّ البيع، غاية الأمر يكون للمشتري الخيار بين الفسخ والقبول. وأمّا الأرش فالأصحاب اتّفقوا على ثبوته في موردين:
1. في نقصان المبيع من حيث الكمّية، كما إذا اشترى عشرة أطنان فبانت تسعة
2. في فقد المبيع صفات الصحّة.
ولكن المختار عندنا في محلّه أنّه أمر عرفي يجري في فقد صفات الكمال، كما إذا اشترى عبداً على أن يكون كاتباً، فبان أُميّاً، و نظيره المقام فلو اشترى مبيعاً ذو منفعة فبان أنّه مسلوب المنفعة في مدّة معيّنة، فهو أشبه بمبيع يفقد صفات الكمال.

الفرع الثالث: إبطال البيع السكنى المطلقة

لو باع المالك العين كان فسخاً للسكنى، وذلك فيما لو كانت السكنى مطلقة وقد تسلّط عليها الساكن في مدّة يصدق عليه أنّه سكن في الدار، فيكون البيع فسخاً للسكنى.
لو جعلت المدّة في العمرى طول حياة المالك    
وفي هذه الصورة ليس للمشتري خيار الفسخ إذا لم ينقص من   

صفحه 299
المسألة 7. لو جعلت المدّة في العمرى طول حياة المالك، ومات الساكن قبله، كان لورثته السكنى إلى أن يموت المالك، ولو جعلت طول حياة الساكن ومات المالك قبله، ليس لورثته إخراج الساكن طول حياته، ولو مات الساكن ليس لورثته السكنى، إلاّ إذا جعل له السكنى مدّة حياته ولعقبه بعد وفاته، فلهم ذلك، فإذا انقرضوا رجعت إلى المالك أو ورثته.*
حقّه شيء، فإنّ البيع ملازم للفسخ وفيه تسلّط المشتري على العين ومنافعها.
* في المسألة فروع:
1. لو جعلت المدّة في العمرى طول حياة المالك ومات الساكن قبله.
2. لو جعلت المدّة طول حياة الساكن ومات المالك قبله.
3. لو جعلت المدة طول حياة الساكن ثم مات الساكن، هل لورثته السكنى أو لا؟
أمّا الفرع الأوّل: لو قرنت السكنى بطول عمر المالك، ثم مات الساكن قبل المالك، فإنّه ينتقل الحقّ إلى ورثته مدّة حياة المالك، كغيره من الحقوق والأملاك التي يرثها الورّاث.
وبعبارة أُخرى: أنّ للساكن منفعة سكنى الدار مادام المالك حيّاً، فلو مات الساكن ينتقل هذا الحقّ إلى ورثته، وهذا ممّا لا إشكال فيه.
وأمّا الفرع الثاني: لو جعلت المدّة طول حياة الساكن ومات   

صفحه 300
المالك قبله، فليس لورثته إخراج الساكن طول حياته، لأنّ الأصل في العقد اللزوم، وقد استحقّ بالعقد المنفعة مدّة حياته حيث إنّها قُرنت بعمره، والناس عند شروطهم.
هذا حسب القواعد; ويدلّ عليه ما رواه أبو الصباح الكناني عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال: سُئل عن السكنى و العمرى؟ قال: «إنّ جعل السكنى في حياته، فهو كما شرط، وإن جعلها له ولعقبه من بعده، حتى يفنى عقبه، فليس لهم أن يبيعوا ولا يورّثوا حتى ترجع الدار إلى صاحبها الأوّل».(1)
والضمير في قوله: «في حياته» يرجع إلى الساكن بقرينة قوله بعده: «وإن كان جعلها له ولعقبه» والحديث مطلق، فيشمل حياة المالك وموته.
وعلى كلّ تقدير ففي الفرعين يملك ورثة الساكن منفعة الدار ما لم تنقض المدّة، أو يملك الساكن منفعته هكذا. والمبرر في كلا الموردين كون السكنى متقيّدة بمدّة، فمادامت باقية يملكها الساكن وعقبه; سواء مات الساكن والمدّة باقية كما في الفرع الأوّل، أو مات المالك وبقي الساكن والمدّة غير منقضية.
إطلاق السكنى يقتضي إسكان مَن جعلت له السكنى    
وأمّا الفرع الثالث: إذا جعلت المدّة طول عمر الساكن فلا شكّ أنّه تبطل السكنى بموت الساكن، وليس لورثته أي شيء، لأنّ السكنى كانت محدّدة بحياة الساكن، نعم لو جعلت له السكنى مدّة حياته ولعقبه بعد وفاته، فلهم ذلك، فمادام لم ينقرضوا فلهم حقّ السكنى، فإذا انقرضوا رجعت الدار إلى المالك أو ورثته، وقد مرّ في حديث أبي الصلاح   

1 . الوسائل:13، الباب1 من أبواب السكنى والحبيس، الحديث1.

صفحه 301
المسألة 8 . هل مقتضى العقود الثلاثة تمليك سُكنى الدار، فيرجع إلى تمليك المنفعة الخاصّة، فله استيفاؤها مع الإطلاق بأيّ نحو شاء; من نفسه وغيره مطلقاً ولو أجنبيّاً، وله إجارتها وإعارتها، وتورث لو كانت المدّة عمر المالك ومات الساكن دون المالك، أو مقتضاها الالتزام بسكونة الساكن على أن يكون له الانتفاع والسكنى; من غير أن تنتقل إليه المنافع، ولازمه عند الإطلاق جواز إسكان من جرت العادة بالسكنى معه، كأهله وأولاده وخادمه وخادمته ومرضعة ولده وضيوفه، بل وكذا دوابّه إن كان الموضع معدّاً لمثلها، ولا يجوز أن يسكن غيرهم إلاّ أن يشترط ذلك، أو رضي المالك، ولا يجوز أن يؤجر المسكن ويعيره، ويورث هذا الحقّ بموت الساكن. أو مقتضاها نحو إباحة لازمة، ولازمه كالاحتمال الثاني إلاّ في التوريث، فإنّ لازمه عدمه؟ولعلّ الأوّل أقرب، خصوصاً في مثل: «لك سكنى الدار»، وكذا في العمرى والرقبى. ومع ذلك لا تخلو المسألة من إشكال.*
الكناني قوله: «وإن جعلها له ولعقبه من بعده حتى يفنى عقبه، فليس لهم أن يبيعوا ولا يورّثوا حتى ترجع الدار إلى صاحبها الأوّل».
* قال الشيخ في «النهاية»: إذا أسكن إنسان غيره لم يجز للساكن أن يسكن معه غيره، إلاّ ولده وأهله، ولا يجوز له سواهم، ولا يجوز للساكن أيضاً أن يؤاجره، ولا أن ينتقل عنه فيسكن غيره، إلاّ بإذن صاحب    

صفحه 302
المسكِّن(1)، وعلى هذه المقالة جرى مَن تأخّر عنه.
ويدلّ عليه أنّ ظاهر لفظ المسكِّن ظاهر في إسكان ذلك الرجل وحده.
وقال العلاّمة: أُلحق مَن جرت العادة أيضاً بإسكانه مثل عبدهِ وجاريته ومرضعة ولده، لدلالة العرف على ذلك، وكذا الدابّة والضيف.(2)
وعلى ذلك جرى السيد الاصفهاني في «الوسيلة» وقال: إطلاق السكنى يقتضي أن يسكن من جعلت له السكنى بنفسه وأهله وأولاده، والأقرب جواز إسكان مَن جرت العادة بالسكنى معه كغلامه وجاريته ومرضعة ولده وضيوفه، بل كذا دابته إذا كان الموضع معدّاً لمثلها، ولا يجوز أن يسكن غيرهم إلاّ أن يشترط ذلك أو يرضى المالك، وكذا لا يجوز أن يؤجر المسكن أو يعيره لغيره على الأقوى.(3)
إطلاق السكنى يقتضي إسكان مَن جعلت له السكنى   
نعم خالف ابن إدريس فإنّه بعدما نقل كلام الشيخ في «النهاية» قال: والذي تقتضيه أُصول المذهب أنّ له جميع ذلك، إخلافه وإجارته وانتقاله عنه وإسكان غيره معه سوى ولده وامرأته، سواء أذن له في ذلك أم لم يأذن، إذا كان أوّل ما أسكنه قد أطلق السكنى; لأنّ منفعة هذه الدار استحقّها، وصارت مالاً من أمواله، وحقّاً من حقوقه، فله استيفاؤها كيف شاء بنفسه وبغيره، وما أورده شيخنا أبو جعفر(رحمه الله) في نهايته فلا شكّ    

1 . النهاية:601.
2 . الحدائق الناضرة:22/293، نقلاً عن العلاّمة.
3 . وسيلة النجاة:2/226.

صفحه 303
أنّه خبر واحد قليلاً ما يورده أصحابنا في كتبهم، فشيخنا المفيد(رحمه الله) لم يورده في مقنعته، ولا السيد المرتضى(رضي الله عنه) ولا المحصّلون من أصحابنا.(1)
ثمّ إنّ المصنّف ذكر مبنى الاختلاف وأنّ مقتضى العقد هل هو تمليك المنفعة أو تمليك الانتفاع أو إباحتها؟ ولذلك تارة وافق ابن إدريس وأُخرى قول المشهور، قائلاً بأنّه إذا كان مقتضى العقد تمليك سكنى الدار ومنفعته، فيكون من قبيل تمليك المنفعة، فيكون الساكن مختاراً في حيازة المنفعة بين سكون نفسه وعياله، وبين إجارته وإعارته. حتى أنّ المنفعة توّرث إذا كانت المدّة عمر المالك ومات الساكن دون المالك، وللساكن أن يتقلّب في حيازة المنفعة أي تقلّب شاء.
وأمّا إذا كان مقتضى العقد هو الانتفاع والسكنى من دون أن تنتقل إليه المنافع، ولازم ذلك الانتفاع بنفسه مع مَن جرت عليه العادة كأهله وأولاده وخادمه وخادمته ومرضعة ولده وضيوفه، فهو عندئذ أشبه بالعارية فلا يجوز له إعارتها بل له الانتفاع وحده.
اللّهمّ إلاّ أن يشترط ذلك أو رضي به المالك، ويورّث هذا الحقّ بموت الساكن إذا كان المدّة محدّدة بحياة المالك.
وهناك احتمال ثالث هو أن يكون مقتضى العقد إباحة لازمة، فعندئذ فالساكن ينتفع بالإباحة ويكون حكمه حكم الاحتمال الثاني إلاّ في الميراث.   

1 . الحدائق الناضرة:22/292. نقلاً عن السرائر.

صفحه 304
المسألة 9. كلّ ما صحّ وقفه صحّ إعماره من العقار والحيوان والأثاث وغيرها. والظاهر أنّ الرقبى بحكم العمرى، فتصحّ فيما يصحّ الوقف. وأمّا السكنى فتختصّ بالمساكن.*
ثمّ إنّه(قدس سره) استقرب الوجه الأوّل خصوصاً في مثل سكنى الدار، وأخيراً قال: لا تخلوالمسألة من إشكال. والظاهر أن يقال: إنّه تختلف الحال حسب اختلاف المقامات والقرائن، فتارة تشهد على أنّ غرض صاحب المسكن إيصال المنفعة إليه، وإيجاد التمكّن له، ففي مثل ذلك يكون القول الأوّل هو المتّجه، وأُخرى تشهد القرائن على أنّ غرض صاحب البيت هو انتفاع شخص الساكن لكونه عالماً سيداً متّقياً حتى تتبّرك الدار بسكونه فيها، وفي مثله يتّجه القول الثاني.
وأمّا كون المقام من قبيل أصل إباحة المنافع، فبعيد عن ظاهر اللفظ.
* قد تقدّم أنّ السكنى تختصّ بالمسكن، لدلالة لفظها عليه، وأمّا العمرى فتشمل العقار والحيوان والأثاث وغيرها. فإنّ الغرض تارة يتعلّق بالسكنى، وأُخرى بالانتفاع بسائر الأُمور.
نعم لم يرد في النصوص الرقبى، ولذلك قال المصنّف: الظاهر أنّ الرقبى بحكم العمرى...
***
القول في الصدقة    
تمّ الكلام في الحبس والسكنى وأُختيها

صفحه 305

القول في الصدقة

قد وردت النصوص الكثيرة على ندبها والحثّ عليها، خصوصاً في أوقات مخصوصة، كالجمعة وعرفة وشهر رمضان، وعلى طوائف مخصوصة، كالجيران والأرحام حتّى ورد في الخبر:«لا صدقة وذو رحم محتاج»، وعن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«إن الله لا إله إلاّ هو ليدفع بالصدقة الداء والدبيلة(1) والحرقة والغرق والهدم والجنون، وعدّ سبعين باباً من السوء»، وقد ورد: «أنّ الافتتاح بها في اليوم يدفع نحس يومه، وفي الليلة يدفع نحسها»، و«أنّ صدقة الليل تطفئ غضب الربّ، وتمحو الذنب العظيم، وتهوّن الحساب، وصدقة النهار تثمر المال، وتزيد في العمر»، و«ليس شيء أثقل على الشيطان من الصدقة على المؤمن، وهي تقع في يد الربّ تبارك وتعالى قبل أن تقع في يد العبد». وعن علي بن الحسين(عليهما السلام):«كان يقبّل يده عند الصدقة، فقيل له في ذلك، فقال: إنّها تقع في يد الله قبل أن تقع في يد السائل»، ونحوه عن غيره(عليه السلام). وعن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «كلّ معروف صدقة إلى غنيّ أو فقير، فتصدّقوا ولو بشقّ التمرة، واتّقوا النار ولو بشقّ التمرة، فإنّ الله يربّيها لصاحبها كما يربّي أحدكم فُلُوَّهُ(2) أو فصيله; حتى يوفيه إيّاه يوم القيامة، وحتّى يكون   

1 . الدبيلة مصغرة كجهينة: الطاعون، ودمل يظهر في الجوف ويقتل صاحبه.(مجمع البحرين)
2 . الفلوّ: المُهْر: ولد الفرس كما في «مجمع البحرين»، وإنّما ضرب المثل به لبيان زيادة تربيته فإنّ الإنسان يهتم بتربيته.

صفحه 306
أعظم من الجبل العظيم» إلى غير ذلك.*
فصل المصنّف الصدقة عن الوقف للفرق الجوهري بينهما، فانّ الأوّل من مقولة التمليك أي صدقة تمليكية، بخلاف الوقف فإنّه ليس من مقولة التمليك المطلق على ما مرّ.
* ثمّ أكد سبحانه في كتابه العزيز على الزكاة فقد قرن الصلاة بالزكاة في كثير من الآيات، وأُريد بها أعمّ من الصدقة الواجبة، كما هو واضح لورود كثير من هذه الآيات في الفترة المكية ولم يكن فيها أي صدقة مفروضة كما وردت في قوله سبحانه:(إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).(1) وهذا يدلّ على أنّ الإسلام ينظـم حيـاة الإنسـان على صعيـدين، صلـة بالله سبحانه عن طريق إقامة الفرائض والنوافل والصيام والحجّ، وصلة بالمجتمع خصوصاً الطبقة الضعيفة الفقيرة.
يعتبر في الصدقة قصد القربة    
والروايات في دفع الصدقة وكيفيتها ومواردها كثيرة جدّاً جمعها الشيخ الحرّ العاملي في الجزء السادس من الوسائل، وعقد لها أبواباً بعد كتاب الزكاة، وقد ذكر المصنّف من تلك الروايات قسماً قليلاً، ومَن أراد الاطّلاع على المزيد فليرجع إلى أبواب الصدقة التي يناهز عددها 39 باباً، فما جاء في المتن شيء قليل منها.

1 . التوبة:60.

صفحه 307
المسألة 1. يعتبر في الصدقة قصد القربة، ولا يعتبر فيها العقد المشتمل على الإيجاب والقبول على الأقوى، بل يكفي المعاطاة، فتتحقّق بكلّ لفظ أو فعل ـ من إعطاء أو تسليط ـ قصد به التمليك مجّاناً مع نيّة القربة، ويشترط فيها الإقباض والقبض.*
* في المسألة فرعان:
1. اعتبار قصد القربة في الصدقة.
2. عدم اعتبار الإيجاب والقبول وكفاية المعاطاة.
أمّا الأوّل: فظاهرهم أنّه أمر متّفق عليه كما عليه الشهيد في «المسالك». يقول المحقّق: ومن شرطها نيّة القرب، ويدلّ عليه ما تضافر عليه من أهل البيت(عليهم السلام) أنّهم قالوا:«لا صدقة ولا عتق إلاّ ما أُريد به وجه الله عزّ وجلّ».(1)
نعم ربّما يقال بعدم اعتبار القربة في بعض الصدقات كالإبراء.
يلاحظ عليه: أنّ الكلام في الصدقة الخاصّة، والإبراء صدقة عامّة. والقول باعتبارها فيها أظهر، وبذلك تفترق عن الهبة فإنّها تمليك تكريميّ.
وأمّا الفرع الثاني: فقد قال المحقّق: وهي عقد يفتقر إلى إيجاب وقبول وإقباض، ولو قبضها المُعْطى له من غير رضا المالك لم تنتقل إليه، ومن شرطها نيّة القربة.(2)   

1 . الوسائل:13، الباب13 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث 2و 3.
2 . شرائع الإسلام:2/222، كتاب العطية.

صفحه 308
المسألة 2. لا يجوز الرجوع في الصدقة بعد القبض، وإن كانت على أجنبيّ على الأصحّ.*
ولكن السيرة على خلاف بعض ما ذُكر، فالأقرب كفاية المعاطاة، فيكفي كلّ لفظ أو فعل يقصد فيه التمليك مجّاناً مع نيّة القربة .
وهذه القيود مأخوذة في مفهوم العطية والصدقة. وأمّا الإقباض والقبض، فهو على وجهين:
عدم جواز الرجوع في الصدقة، حكم الصدقة على الهاشمي   
فلو كان هناك إيجاب وقبول فيكون الإقباض والقبض من أحكام العقد، ومن وظائف المتصدّقين نظير باب البيع والإجارة فإنّهما فيهما من باب الوفاء بالعقود. وإن كانا في مورد المعاطاة فهما محقّقان للتصدّق بشرط أن يكون القبض بإذن المصدِّق.

* عدم جواز الرجوع في الصدقة

قال المحقّق: ولا يجوز الرجوع فيها بعد القبض على الأصحّ، لأنّ المقصود بها الأجر وقد حصل، فهي كالمعوّض عنها.(1)
ويدلّ عليه من الروايات ما يلي:
1. صحيح الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«إنّما مثل الذي يرجع في صدقته كالذي يرجع في قيئه».(2)
2. ما رواه جراح المدائني عن أبي عبد الله(عليه السلام) أنّه قال: «في   

1 . شرائع الإسلام:2/222، كتاب العطية.
2 . الوسائل:13، الباب11 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث4.

صفحه 309
المسألة 3. تحلّ صدقة الهاشمي لمثله ولغيره مطلقاً; حتّى الزكاة المفروضة والفطرة. وأمّا صدقة غير الهاشمي للهاشمي فتحلّ في المندوبة، وتحرم في الزكاة المفروضة والفطرة، وأمّا غيرهما من المفروضات كالمظالم والكفّارات ونحوهما فالظاهر أنّها كالمندوبة; وإن كان الأحوط عدم إعطائهم لها وتنزّههم عنها.*
الرجل يرتد في الصدقة، قال: كالذي يرتد في قيئه».(1)
3. صحيح عبد الله بن سنان، قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن الرجل يتصدّق بالصدقة ثم يعود في صدقته؟ قال:«قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):إنّما مثل الذي يتصدّق بالصدقة ثم يعود فيها مثل الذي يقيء ثم يعود في قيئه».(2)
قوله: «وإن كانت على أجنبي» لإطلاق الروايات، سواء أكان التصدّق على الرحم أم على غيره. ومع هذه النصوص تستغني عن الاستدلال بالاستصحاب أي بقاء العين في ملك المتصدّق له. هذا كلّه في الصدقة وأمّا الهبة التكريمية فلا يجوز الرجوع في صورتين:
1. إذا كان المتّهب ذا رحم.
2. إذا تصرّف المتّهب في العين تصرّفاً مغيّراً لها.

* حكم الصدقة على الهاشمي   


1 . الوسائل:13، الباب11 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث5.
2 . الوسائل:13، الباب11 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث2.

صفحه 310
في المسألة فروع:
حكم الصدقة على الهاشمي    
1. تحلّ صدقة الهاشمي لمثله ولغيره مطلقاً، حتى الزكاة والفطرة.
2. تحرم صدقة غير الهاشمي للهاشمي في الزكاة المفروضة والفطرة.
3. تحلّ الصدقة المندوبة لهم من غير الهاشمي.
4. حكم المظالم والكفّارات ونحوهما من غير الهاشمي للهاشمي.
الفرع الأوّل: تحلّ صدقة الهاشمي لمثله ولغيره.
لا خلاف بين الأصحاب في جواز أخذ الهاشمي الزكاة من هاشميّ مثله، وقد تضافرت الروايات على الجواز، نذكر منها ما يلي:
1. صحيح زرارة عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: قلت: صدقات بني هاشم بعضهم على بعض تحلّ لهم؟ فقال:«نعم، صدقة الرسول تحلّ لجميع الناس من بني هاشم وغيرهم، وصدقات بعضهم على بعض تحلّ لهم ولا تحلّ لهم صدقات إنسان غريب».(1)
2. موثّقة جميل بن درّاج قال: سألته: هل تحلّ لبني هاشم الصدقة؟ قال:«لا».(2)
إلى غير ذلك من الروايات التي لا ضرورة بالتطويل في نقلها مع الاتّفاق على الحكم المذكور.   

1 . الوسائل:6، الباب32 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث6.
2 . الوسائل:6،الباب 34 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث4.

صفحه 311
الفرع الثاني: تحرم صدقة غير الهاشمي للهاشمي في الزكاة المفروضة والفطرة
قال المحقّق: والصدقة المفروضة محرّمة على بني هاشم.(1)
أقول: لا خلاف في تحريم الصدقة الواجبة على بني هاشم، وقد بسط الفقهاء الكلام فيها في كتاب الزكاة، وقد عقد في الوسائل باباً تحت عنوان تحريم الزكاة الواجبة على بني هاشم إذا كان الدافع من غيرهم، ونقتصر بذكر بعض ما ورد.
صحيح محمد بن مسلم وأبي بصير وزرارة كلّهم عن أبي جعفر وأبي عبد الله(عليهما السلام)قالا:«قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):إنّ الصدقة أوساخ أيدي الناس، وإنّ الله قد حرّم عليّ منها ومن غيرها ما قد حرّمه، وإنّ الصدقة لا تحلّ لبني عبد المطلب».(2)
وقد مرّ في الفرع الأوّل من الروايات ما يدلّ عليه من قوله: «لا تحل لهم صدقات إنسان غريب».
وبما أنّ المسألة من الواضحات فنقتصر بما ذكرنا.
وأمّا ما دلّ على الجواز كرواية أبي خديجة سالم بن مُكرم الجمّال عن أبي عبد الله(عليه السلام)قال: «اعطوا الزكاة مَن أرادها من بني هاشم فإنّها تحلّ لهم، وإنّما تحرم على النبي وعلى الإمام الذي من بعده وعلى   

1 . شرائع الإسلام:2/222، كتاب العطية.
2 . الوسائل:6، الباب 29 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث2.

صفحه 312
الأئمّة».(1) فهو محمول على الضرورة، أو على الصدقة المندوبة.
الفرع الثالث: حلّية الصدقة المندوبة
حكم المظالم والكفّارات من غير الهاشمي للهاشمي    
قال المحقّق:ولا بأس بالصدقة المندوبة عليهم.(2)
وظاهر كلام جملة من الأصحاب الاتّفاق على جواز أخذ الهاشمي للصدقة المندوبة، ونسبه العلاّمة في «المنتهى» إلى علمائنا وأكثر العامّة.(3)
ويدلّ على ذلك من الأخبار:
1. صحيح عبد الرحمن بن الحجّاج عن أبي عبد الله(عليه السلام)، أنّه قال:«لو حرمت علينا الصدقة لم يحلّ لنا أن نخرج إلى مكة».(4)
2. خبر جعفر بن إبراهيم الهاشمي عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال: قلت له: أتحلّ الصدقة لبني هاشم؟ فقال: «إنّما تلك الصدقة الواجبة على الناس لا تحلّ لنا، فأمّا غير ذلك فليس به بأس، ولو كان كذلك ما استطاعوا أن يخرجوا إلى مكّة، وهذه المياه عامّتها صدقة».(5) إلى غير ذلك من الروايات.
وأمّا ما رواه إبراهيم بن محمد بن عبد الله الجعفري، قال: كنّا نمرّ ونحن صبيان ونشرب من ماء في المسجد من ماء الصدقة، فدعانا   

1 . الوسائل:6، الباب29 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث5.
2 . شرائع الإسلام:2/222.
3 . منتهى المطلب:8/374، باب: هل تحرم على بني هاشم الصدقة المندوبة.
4 . الوسائل:6، الباب31 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث1.
5 . الوسائل:6، الباب31 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث3.

صفحه 313
جعفر بن محمد(عليهما السلام)فقال: يا بَنيَّ لا تشربوا من هذا الماء واشربوا من مائي».(1) فلا يدلّ على عدم الجواز لعدم ذكر وجه المنع في الحديث.

الفرع الرابع: حكم المظالم والكفّارات من غير الهاشمي للهاشمي

ما تقدّم في الفرع الثاني من حرمة صدقة غير الهاشمي للهاشمي كان راجعاً إلى الزكاة المفروضة والفطرة، إنّما الكلام في غيرهما من المفروضات.
يقع الكلام في الصدقة الواجبة بالذات على قسم من الناس، كالهدي والكفّارات والمظالم، فهل تحرم على الهاشمي أو لا؟
مقتضى القاعدة الجواز، ويدلّ على الجواز أمران:
1. صحيحة الفضلاء: «إنّ الصدقة أوساخ أيدي الناس، وأنّ الله قد حرّم عليّ منها ومن غيرها ما قد حرّمه، وإنّ الصدقة لا تحلّ لبني عبد المطلب».(2) وأُريد من «أوساخ الناس» الزكاة.
2. صحيحة جعفر بن إبراهيم الهاشمي عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: قلت له: أتحلّ الصدقة لبني هاشم؟ فقال:«إنّما تلك الصدقة الواجبة على الناس لا تحل لنا».(3) وما وجب على الناس هو الزكاة والفطرة، وأمّا الكفّارات فلم تجب على الناس وإنّما هي جريمة أعمالهم المحرّمة فلولاها لم   

1 . الوسائل:6، الباب31 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث2.
2 . الوسائل:6، الباب29 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث2.
3 . الوسائل:6، الباب31 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث3.

صفحه 314
المسألة 4. يعتبر في المتصدّق: البلوغ، والعقل، وعدم الحجر لفلس أو سفه، فلا تصحّ صدقة الصبيّ حتّى مَن بلغ عشراً.*
تجب عليهم.
صدقة الصبي البالغ عشراً   
فعلى هذا خرجت الكفّارات والمظالم والهدي لعدم وجوبها إلاّ على قسم خاصّ من الناس الذين صدرت عنهم أسبابها ككفّارة اليمين والنذر والإيلاء والظهار وكفّارات الحج والصيام.
واستدلّ على الحرمة بأمرين:
1. في مرفوعة أحمد بن محمد:«لا تحلّ لهم الصدقة ولا الزكاة».(1)بناء على أنّ الصدقة تعمّ الكفّارات والمظالم.
2. ما في «نهج البلاغة» ردّاً على الأشعث بن قيس: «أَصِلَةٌ، أَمْ زَكَاةٌ، أَمْ صَدَقَةٌ؟ فَذلِكَ مُحَرَّمٌ عَلَيْنَا».(2)
الظاهر أنّ المراد من الصدقة فيهما ما يخرج من أجل دفع البلاء والعاهة، فإنّ هذا النوع من الصدقات (لا مطلق الصدقة) لا يناسب مقامهم السامي، فلا يصلح للاستدلال في المقام، والجواز هو الأقوى كما عليه المتن. نعم الأحوط استحباباً تنزّههم عنها.

* شرائط الصدقة

قد تقدّم عن «الشرائع» في مبحث الوقف أنّه قال: ويعتبر فيه:   

1 . الوسائل:6، الباب1 من أبواب قسمة الخمس، الحديث9.
2 . نهج البلاغة:347، الخطبة 224.

صفحه 315
البلوغ، وكمال العقل، وجواز التصرّف; وفي وقف من بلغ عشراً تردّد، والمروي جواز صدقته، والأولى المنع; لتوقّف رفع الحجر على البلوغ والرشد.(1)
وتقدّم عن المصنّف نظير هذا الكلام.(2)
وفي الحدائق: المشهور أنّه يعتبر فيه: البلوغ، والعقل، وجواز التصرّف.(2)
ولا شكّ أنّ الصدقة تصرّف مالي يعتبر فيه عدم الحجر، ولذلك رتّب عليه في المتن قوله: «فلا تصحّ صدقة الصبي حتى مَن بلغ عشراً» ومع ذلك فإنّ المصنّف جوّز ]صحّة[ وصية مَن بلغ عشراً، والفارق هو وجود الروايات في مورد الوصية. وقد مضت روايات الوصية في شرح المسألة 29 من الوقف.

صدقة الصبي البالغ عشراً

إنّما الكلام في صدقته إذا بلغ العشر فالظاهر جوازها للروايات التالية:
1. روى زرارة عن أبي جعفر: «إذا أتى على الغلام عشر سنين فإنّه يجوز له في ماله ما أعتق، وتصدّق، وأوصى على حدّ معروف وحقّ، فهو جائز».(3)
2. وروى جميل بن درّاج عن أحدهما(عليهما السلام):«يجوز طلاق الغلام   

1 . شرائع الإسلام: 2/213.   2 . لاحظ: تحرير الوسيلة: المسألة 29، كتاب الوقف.
2 . الحدائق الناضرة:22/181.
3 . الوسائل:13، الباب15 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث1.

صفحه 316
عدم اعتبار الفقر في الصدقة المندوبة، حكم الصدقة المندوبة للغني   
المسألة 5. لا يعتبر في المتصدَّق عليه في الصدقة المندوبة الفقر ولا الإيمان ولا الإسلام، فتجوز على الغنيّ وعلى الذمّي والمخالف وإن كانا أجنبيّين. نعم، لا تجوز على الناصب ولا على الحربي وإن كانا قريبين.*
إذا كان قد عقل وصدقته ووصيّته وإن لم يحتلم».(1)
3. وروى محمد بن مسلم عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سُئل عن صدقة الغلام ما لم يحتلم؟ قال:«نعم إذا وضعها في موضع الصدقة».(2)
فالظاهر صحّة صدقته إذا كان مناسباً لحاله، ومن منع كالمصنّف يتوجّه عليه سؤال الفرق بين الوصية والصدقة مع أنّ الجميع تصرّف مالي يتوقّف على رفع الحجر، فقد جوّز المصنّف صحّة وصيّته ولكنّه في المقام لم يصحّح صدقته حتى مَن بلغ عشراً، والروايات في كلا الموردين كثيرة، يقول صاحب الحدائق: إنّ ما دلّ على الحجر قبل البلوغ والرشد مخصّص بهذه الأخبار التي ذكرناها ونحوها،... إلاّ أنّك قد عرفت كثرة الأخبار بما يوجب الخروج عن تلك الأُصول المذكورة.(3)
نعم مورد الروايات هو الوصية والصدقة لا الوقف، فقد تقدّم عدم جواز وقفه.
* في المسألة فروع:   

1 . الوسائل:13، الباب15 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث2.
2 . الوسائل:13، الباب15 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث3.
3 . الحدائق الناضرة:22/182.

صفحه 317
1. عدم اعتبار الفقر في المتصدّق عليه.
2. عدم اعتبار الإيمان والإسلام في المتصدّق عليه وجوازها على الذمّي.
3. لا تجوز الصدقة على الناصبي والحربي.

الفرع الأوّل: عدم اعتبار الفقر في الصدقة المندوبة

فقد تضافرت الروايات على أنّ الصدقة لا تحل لغني، وعقد صاحب الوسائل باباً في كتاب الزكاة أورد فيه 11 حديثاً عن النبي وآله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه لا تحلّ الصدقة لغني.(1) لكن هذه الروايات ناظرة إلى الصدقة المفروضة كالزكاة، وأنّ بعضها يختصّ بالغني المطلق. وأمّا مَن هو غني من جهة (كالمعاش) وفقير من جهة أُخرى لكونه مديوناً، فلا تشمله الروايات، ويجوز له أخذ الزكاة لأجل أداء الدين.(2)

حكم الصدقة المندوبة للغني

أمّا الكلام في الصدقة المندوبة للغني فنقول:
الفرق بين الصدقة والهبة اشتراكهما في تمليك العين للطرف، وافتراقهما في أنّ الهبة مجرّدة عن قصد التقرّب بخلاف الصدقة; فعلى هذا فلا مانع من تجويز الصدقة للغني كتجويز الهبة له; غير أنّ الهبة تتضمّن التكريم، والصدقة تتضمّن الرحمة.   

1 . لاحظ: الوسائل:6، الباب9 من أبواب المستحقّين للزكاة.
2 . لاحظ: كتاب الزكاة للشيخ الأنصاري:311.

صفحه 318
ويظهر من كتاب «المبسوط» للسرخسي ـ الذي ألّفه على ضوء الفقه الحنفي ـ جوازه، قال: ومن الأصحاب مَن يقول الصدقة على الغني والهبة سواء، إنّما يقصد به العوض دون الثواب.(1) ثم استدلّ بوجوه غير ناهضة.
لا تجوز الصدقة على الناصبي والحربي    
ولم أجد دليلاً صالحاً لجواز الصدقة على الغني إلاّ السيرة حيث جرت على دعوة الغني والفقير للإطعام في الليالي المتبرّكة وغيرها، فلو قيل بالجواز فإنّما هو في هذا الحدّ، وأمّا إعطاء أحد النقدين للغني، فربّما يتلقّى أنّه إهانة له.

الفرع الثاني: عدم اعتبار الإيمان والإسلام في المتصدّق عليه

عدم اعتبار الإيمان والإسلام، بشهادة أنّه دلّت الروايات على جواز الصدقة على الذمّيّ، وقد مرّ الكلام فيه في وقف المسلم على الذمّيّ، والحكم في البابين واحد، فإذا جاز الوقف على الذمّيّ، فالأولى تجويز الصدقة عليه.
روى الكليني عن سدير الصيرفي قال: قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): أطعم سائلاً لا أعرفه مسلماً؟ قال: «نعم اعط مَن لا تعرفه بولاية ولا عداوة للحقّ، إنّ الله تعالى يقول:(وَقُولُوا لِلنّاسِ حُسناً)(2)، ولا تطعم مَن نصب لشيء من الحقّ أو دعا إلى شيء من الباطل».(2)
وروى عبد الله بن الفضل النوفلي، عن أبيه، عن أبي عبد الله(عليه السلام):
أنّه سُئل عن السائل يسأل ولا يُدرى ما هو؟ فقال: «أعط مَن   

1 . لاحظ المبسوط: المجلد6، ج12، ص 92.   2 . البقرة: 83 .
2 . الوسائل:6، الباب21 من أبواب الصدقة، الحديث3.

صفحه 319
المسألة 6. الصدقة سرّاً أفضل، فقد ورد:«أنّ صدقة السرّ تطفئ غضب الربّ، وتطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وتدفع سبعين باباً من البلاء». نعم، لو اتّهم بترك المواساة فأراد دفع التهمة عن نفسه، أو قصد اقتداء غيره به، لا بأس بالإجهار بها ولم يتأكّد إخفاؤها. هذا في المندوبة. وأمّا الواجبة فالأفضل إظهارها مطلقاً.*
وقعت في قلبك له الرحمة».(1)
وروى عمرو بن أبي نصر، قلت لأبي عبد الله(عليه السلام): إنّ أهل البوادي يقتحمون علينا وفيهم اليهود والنصارى والمجوس، فنتصدق عليهم؟ قال: «نعم».(2)
إلى غير ذلك من الروايات التي جمعها صاحب الوسائل في الباب21 من أبواب الصدقة.

الفرع الثالث: لا تجوز الصدقة على الناصبيّ والحربيّ

إنّ الصدقة على الناصبي والحربي لا تجوز. أمّا الناصبي فقد مرّ في رواية سدير الصيرفي: «أعط مَن لا تعرفه بولاية ولا عداوة للحقّ».
وأمّا الحربي لقوله سبحانه:(لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاْخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ)(3)، فإنّ الصدقة من مظاهر الودّ.
* في المسألة فروع ثلاثة:   

1 . الوسائل:6، الباب 21 من أبواب الصدقة، الحديث4.
2 . الوسائل:6، الباب21 من أبواب الصدقة،الحديث7.   3 . المجادلة:22.

صفحه 320
1. الصدقة المندوبة سرّاً أفضل من الصدقة علانية.
2. لو اتّهم بترك المواساة أو قصد اقتداء الآخرين به، فلا بأس بالإجهار بها.
3. الأفضل في الصدقة الواجبة إظهارها مطلقاً.
أمّا الفرع الأوّل: الأفضل في الصدقة المندوبة أن تكون سرّاً، ويدلّ عليه قوله تعالى:(وإنْ تُخْفُوها وتُعْطوها الفُقَراء فَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ).(1)
ويدلّ عليه أيضاً ما رواه عبد الله بن وليد الوصافي عن أبي جعفر(عليه السلام)قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «صدقة السر تطفئ غضب الرب تبارك وتعالى».(2)
استحباب المساعدة في إيصال الصدقة للمستحقّين   
الفرع الثاني: نعم استثني من أفضلية الإسرار بها أن لا يكون متّهماً بترك المواساة، فإنّ إظهارها أفضل دفعاً للتهمة.
وفي «المسالك» قال: هذا إذا لم يستلزم إخفاؤها اتّهام الناس له بترك المواساة، وإلاّ فإظهارها أفضل; لأنّه لا ينبغي أن يجعل عِرضَهُ عرضةً للتُّهم، فقد تحرّج من ذلك النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) مع بُعده عنه، فغيره أولى. وكذا لو قصد بالإظهار متابعة الناس له في ذلك واقتداءهم به، لما فيه من ترغيب الآخرين إلى مواساة الفقراء.(3)
الفرع الثالث: الأفضل في الصدقة الواجبة إظهارها مطلقاً، قصد به دفع التهمة أو لا.

1 . البقرة:271.   3 . مسالك الأفهام: 5/413.
2 . الوسائل:13، الباب13 من أبواب الصدقة، الحديث1. ولاحظ: الحديث2و3.

صفحه 321
المسألة 7. يستحبّ المساعدة والتوسّط في إيصال الصدقة، فعن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في خطبة له:«ومَن تصدّق بصدقة عن رجل إلى مسكين كان له مثل أجره، ولو تداولها أربعون ألف إنسان، ثمّ وصلت إلى المسكين، كان لهم أجر كامل، وما عند الله خير وأبقى للذين اتّقوا وأحسنوا لو كنتم تعلمون».*
روى أبو بصير في الموثّق عن أبي عبد الله(عليه السلام) في قوله تعالى:(إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ)(1) ـ إلى أن قال ـ : فكلّ ما فرض الله عليك فإعلانه أفضل من إسراره، وكلّ ما كان تطوّعاً فإسراره أفضل من إعلانه، ولو أنّ رجلاً يحمل زكاة ماله على عاتقه فقسّمها علانية كان ذلك حسناً جميلاً».(2)
وروى العياشي في تفسيره عن الحلبي عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سألته عن قول الله:(وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ)؟قال:«ليس ذلك الزكاة، ولكنّه الرجل يتصدّق لنفسه، الزكاة علانية ليس بسرّ».(3)

* استحباب المساعدة في إيصال الصدقة للمستحقّين

لا شكّ أنّه يستحبّ مواساة المؤمن في المال، وقد عقد في الوسائل باباً تحت هذا العنوان ونقل روايات، وأحال بعضها إلى مكان آخر وما   

1 . التوبة:60.
2 . الوسائل:6، الباب54 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث1.
3 . الوسائل:6، الباب54 من أبواب المستحقّين للزكاة، الحديث9.

صفحه 322
المسألة 8 . يكره كراهة شديدة أن يتملّك من الفقير ما تصدّق به بشراء أو اتّهاب أو بسبب آخر، بل قيل بحرمته، نعم، لا بأس بأن يرجع إليه بالميراث.*
أشار إليه المصنّف في المتن هو ما رواه الصدوق في «عقاب الأعمال» عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال في خطبة له:ومن تصدّق بصدقة عن رجل إلى مسكين ... إلى آخر ما ذكره.(1) إلى غير ذلك من الروايات.
هل يجوز شراء ما تصدّق به؟    

* هل يجوز شراء ما تصدّق به؟

قال الشيخ في «النهاية»: ما تصدّق به الإنسان لوجه الله لا يجوز أن يعود إليه بالبيع والشراء، فإن رجع إليه بالميراث كان جائزاً.(2)
وقد رجع عن قوله هذا في «الخلاف» في كتاب الزكاة، فقال: يكره للإنسان أن يشتري ما أخرجه في الصدقة.(3)
وقال في «الحدائق»: ظاهر المشهور بين الأصحاب الجواز على كراهة، وعليه حمل في «المختلف» كلام الشيخ، قال: لأنّه يطلق لفظ «لا يجوز» على المكروه كثيراً.(4)
ثمّ إنّ مقتضى القاعدة هو الجواز، لأنّ الصدقة بانتقالها إلى   

1 . لاحظ: الوسائل:6، الباب26 من أبواب الصدقة، الحديث3.
2 . النهاية:603.
3 . الخلاف:2/116، المسألة 137.
4 . الحدائق الناضرة:22/667.

صفحه 323
ملك المتصدّق عليه تصير كسائر أمواله في بيعه وهبته أو نحو ذلك على المتصدّق أو غيره. غير أنّ ظاهر الروايات الحرمة، وقد عقد في الوسائل باباً تحت عنوان: أنّه يكره تملّك الصدقة بالبيع والهبة ونحوهما ويجوز بالميراث، ونقل فيه روايات ست، منها:
1. ما رواه منصور بن حازم، قال: قال أبو عبد الله(عليه السلام):«إذا تصدّق الرجل بصدقة لم يحلّ له أن يشتريها ولا يستوهبها ولا يستردّها إلاّ في ميراث».(1)
2. ما رواه محمد بن مسلم عن أبي جعفر(عليه السلام) قال:«إذا تصدّق الرجل على ولده بصدقة فإنّه يرثها، فإذا تصدّق بها على وجه يجعله لله فإنّه لا ينبغي له».(2)
3. ما رواه إسماعيل الجعفي قال: قال أبو جعفر(عليه السلام):«مَن تصدّق بصدقة فردّها عليه الميراث فهي له».(3)
4. ما رواه منصور بن حازم أيضاً عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«إذا تصدّقت بصدقة لم ترجع إليك ولم تشترها، إلاّ أن تورث».(4)
غير أنّ اشتهار الفتوى بين الأصحاب بالجواز، يصدّنا عن الأخذ بظاهر هذه الروايات، فالحمل على الكراهة الشديدة أفضل.

1 . الوسائل:13، الباب12 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث1.
2 . الوسائل:13، الباب12 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث3.
3 . الوسائل:13، الباب12 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث4.
4 . الوسائل:13، الباب12 من أبواب الوقوف والصدقات، الحديث5.

صفحه 324
في كراهة السؤال    
المسألة 9. يكره ردّ السائل ولو ظنّ غناه، بل يعطي ولو شيئاً يسيراً.*
فإنّ الشهرة الفتوائية حجّة بنفسها، فإذا حصل التعارض بينها وبين الروايات تكون مانعة عن الأخذ بمضمونها; لاحتمال أنّهم وقفوا على ما يدلّ على الكراهة ولم يصل إلينا.
وأمّا ما أفاده في «الحدائق» في تقريب المنع، بأنّ الصدقة بمنزلة العتق لله سبحانه، فلا يصلح ردّه لمن أعتقه بوجه من الوجوه(1)، غير تامّ جدّاً، إذ لو تمّ لمنع الردّ بالميراث، مع أنّ الروايات على جوازه كما إذا تصدّق الابن على الأب ثم ورثه، على أنّ المعتق بالعتق خرج عن المالية، بخلاف المتصدّق به فإنّه مال على الإطلاق.

* كراهة ردّ السائل

يستحب إجابة السائل، قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«لا تقطعوا على السائل مسألته فلولا أنّ المساكين يكذبون ما أفلح من ردّهم». وقد عقد في الوسائل باباً أسماه باب كراهة ردّ السائل ولو ظن غناه، بل يعطيه شيئاً ولو يسيراً، أو يعده به، فإن لم يجد شيئاً ردّه ردّاً جميلاً، وقد نقل فيه 12 رواية.

1 . الحدائق الناضرة:22/667.

صفحه 325
المسألة 10. يكره كراهة شديدة السؤال من غير احتياج، بل مع الحاجة أيضاً، بل قيل بحرمة الأوّل، ولا ينبغي ترك الاحتياط، وقد ورد فيه الإزعاج الأكيد، ففي الخبر: «من سأل الناس وعنده قوت ثلاثة أيّام، لقي الله يوم القيامة وليس على وجهه لحم».*

* كراهة السؤال

قال العلاّمة في «المنتهى»: ويكره السؤال; لأنّ الله تعالى قرن الرزق بالسعي لقوله تعالى:(فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ)(1)، وفي السؤال مذلّة عظيمة، ومنع عن السعي النافع لنوع الإنسان.
ثم قال: ويتأكّد كراهية السؤال من غير حاجة، لما فيه من المذلّة بغير ضرورة.(2)
وقد عقد الحر العاملي باباً بعنوان: باب تحريم السؤال من غير احتياج، وذكر فيه حوالي عشر روايات، ولسان بعض الروايات هو الحرمة، قال أبو عبد الله(عليه السلام):«ما من عبد يسأل من غير حاجة حتى يحوجه الله إليها ويكتب الله له بها النار».(3)
نعم لسان بعضها الكراهة، كما فيما روى محمد بن مسلم عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«قال أمير المؤمنين(عليه السلام): اتبعوا قول رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فإنّه قال:

1 . الملك:15.
2 . منتهى المطلب:8/507، باب كراهة السؤال.
3 . الوسائل:6، الباب31 من أبواب الصدقة، الحديث1.

صفحه 326
مَن فتح على نفسه باب مسألة فتح الله عليه باب فقر».(1)
ومع ذلك فالأحوط ـ كما عليه المصنّف في المتن ـ ترك السؤال، لأنّه بسؤاله هذا يكذب لأنّ السؤال يدلّ بالدلالة الالتزامية على الفقر والحاجة وهو غني.
***
تمّ الكلام ـ بحمد الله سبحانه ـ
في بيان أحكام الوقوف والصدقات
ولاح بدر تمامه يوم الأحد
خامس شهر شوال المكرّم
من شهور عام 1437هـ

1 . الوسائل:6، الباب31 من أبواب الصدقة، الحديث3.

صفحه 327
فهرس المحتويات   

فهرس المحتويات

الموضوع     الصفحة
مقدّمة المؤلّف    7
كتاب الوقف
في تعريف الوقف   9
   فضل الوقف   11
   اعتبار الصيغة في الوقف   12
   الاكتفاء بكلّ ما يدلّ على إنشاء المعنى المذكور   14
   عدم اعتبار العربية والماضوية   15
    كفاية المعاطاة في الأوقاف العامّة   18
   التفصيل بين الأوقاف العامّة والخاصّة   20
كون الوقف خاضعاً للوكالة   23
جريان العقد الفضولي في الوقف   23
   اعتبار القبول في الوقف   25

صفحه 328
الموضوع    الصفحة
   عدم اعتبار القبول في الوقف   27
   اعتبار قصد القربة   29
   شرطية القبض في صحّة الوقف أو لزومه   32
   شرطية كون القبض بإذن الواقف   36
   كيفية القبض في الوقف الخاص والعام   38
   التفريق بين الوقف على الجنس والوقف على العموم   41
   عدم كفاية استيفاء المنفعة من دون الاستيلاء على العين   41
   عدم اشتراط الفورية في القبض   45
   لو مات الواقف قبل القبض   46
   اشتراط الدوام في الوقف   48
   تصحيح الوقف المؤقّت   49
   لو جمع بين صيغة الوقف والمدّة   51
   في الوقف على مَن ينقرض، وفيه أقوال   53
      القول الأوّل: إنّه يصحّ وقفاً   54
      القول الثاني: إنّه يصحّ حبساً   57
      القول الثالث: إنّه يبطل   57
   حكم الموقوف عليه بعد الانقراض   58
   في الفرق بين الوقف والحبس   60
   خروج الوقف المؤبّد عن ملك الواقف   61
   الحبس لا يوجب زوال ملك الحابس   62

صفحه 329
الموضوع    الصفحة
   ما هي الثمرة للقول ببقاء العين في ملك الحابس؟   62
   حكم الوقف المنقطع الآخر   63
   في رجوع الموقوف إلى ورثة الواقف   64
   ما يلحق بالوقف المنقطع   65
   أقسام الوقف المنقطع   66
   لو وقف على جهة وشرط عوده إليه عند حاجته، وفيه أقوال   69
      القول الأوّل: صحّة الوقف والشرط   70
      القول الثاني: بطلان الشرط والوقف   71
      القول الثالث: رجوع الوقف حبساً   74
      القول الرابع: رجوعه ميراثاً   74
   اشتراط التنجيز في العقود في صحّة الوقف   75
   أدلّة القائلين ببطلان العقد المعلّق   77
      الأول: الإجماع على البطلان   77
      الدليل الثاني: العقد المعلّق يستلزم التعليق في الإنشاء   79
      الدليل الثالث: منافاة التعليق الجزم حال الإنشاء   81
      الدليل الرابع: عدم ترتّب الأثر حال العقد   81
   لو قال هو وقف بعد موتي   82
   الوقف على النفس   84
   في وقف العين بعد الإجارة   92
   حكم الوقف على العناوين   96

صفحه 330
الموضوع    الصفحة
   في وقف الصبيّ   97
   في وقف الكافر   100
   في شرائط الموقوف   102
   1. أن يكون عيناً   103
   2. أن تكون مملوكة   104
   3. يصحّ الانتفاع به منفعة محلّلة مع بقاء العين بقاءً معتدّاً به   104
   4. غير متعلّق بحقّ الغير المانع من التصرّف   104
   5. يمكن قبضها   104
   وقف الكلّي وأقسامه   105
   في وقف الحُلِيّ والأثمان   106
في وقف المسكوك، وفيه أقوال   107
      1. عدم جواز الوقف   107
      2. جواز الوقف   108
      3. التردّد وعدم الجزم بشيء   109
   تصحيح وقف الأثمان مع التجارة بها   110
   أموال الشخصيات الحقوقية من قبيل وقف المالية   111
   بيان آخر لتصحيح هذا النوع من العقد   112
   في أقسام الوقف    114
   الوقف على المعدوم ابتداء   116
   الوقف على الحمل ابتداءً قبل أن يولد   117
   لو وقف على المعدوم تبعاً للموجود أو الحمل كذلك   118

صفحه 331
الموضوع    الصفحة
   لو وقف على الولد وولد الولد ومات الولد قبل تولّد الولد   119
   في تعيين الموقوف عليه   120
   وقف المسلم على الذميّ   121
   تبيين معنى الألفاظ الواردة في كلام الواقف   127
   وقف المسلم على الفقراء   129
   إذا وقف على فقراء محلّة أو قرية صغيرة   130
   الوقف على عنوان فقراء قبيلة معيّنة   131
   لو وقف على المسلمين   134
   لو وقف الإمامي على المسلمين   136
   الوقف في سبيل الله   138
   الوقف على الأرحام والأقارب بلا ترتيب أو معه   139
   لو وقف على أولاده   140
   لو شكّ في كيفية الوقف   144
   الوقف على الأولاد الذكور   145
   الترتيب بين الطبقات   146
   ترتيب من جهة وتشريك من أُخرى   147
   مخالفة طبقات الإرث   148
   لو وقف على العلماء   150
   لو وقف على أهل مشهد   150
   لو وقف على المشتغلين بالعلوم الدينية في النجف   151

صفحه 332
الموضوع    الصفحة
   لو وقف على مسجد   151
   لو وقف على مشهد   152
   لو وقف على سيد الشهداء(عليه السلام)   152
   تغيير الوقف بعد تمامية العقد   153
   لو شرط إخراج مَن يُريد   156
   إدخال مَن يريد   157
   لو شرط النقل عن الموقوف عليهم   159
   إذا تعذّر صرف منافع الموقوف   161
   إذا كانت المحتملات محصورة   161
   إذا كانت المحتملات بين عناوين أو أشخاص غير محصورة   162
   حكم المنافع المتجدّدة   163
   إذا تعذّر الصرف في الموقوف عليه   164
   الاستدلال على صرفه في وجوه البرّ بروايات   167
   إذا خرب المسجد   169
   لو خرب المسجد في الأرض المفتوحة عنوة   171
   الوقف على المنفعة والوقف على الانتفاع   172
   في الثمر الموجود حال الوقف على النخل والشجر   175
   الوقف على الجهات والمصالح   180
   الوقف على العناوين العامّة   184

صفحه 333
الموضوع    الصفحة
   الوقف على الأولاد   186
   في بيان الضابطة في جواز تبديل عنوان الوقف   187
   ما هو الشرط لجواز التبديل إذا كان الوقف وقف منفعة؟   188
   في بيان حكم العرصة لو خرب الوقف   189
   حكم ما يتعلّق بالوقف من الأثاث والآلات   193
   حكم ما يتعلّق بالآلات   194
   الانتفاع بالوقف العام أو على العام بغير وجهه   195
   مسوغات بيع الوقف   197
المسوّغ الأوّل: لو خرب الوقف ولم يمكن الانتفاع به   197
   التقريب الأوّل لجواز البيع   198
   تقريب ثان منّا لجواز البيع   199
   تقريب ثالث للمحقّق الاصفهاني   200
   تقريب رابع للمحقّق الخوئي   201
   شراء المماثل للموقوف   202
   دليل القائل بعدم وجوب شراء المماثل   202
أُمور ذكرها الشيخ الأنصاري   203
   1. عدم اختصاص الثمن بالبطن الموجود   204
   2. عدم الحاجة إلى إجراء صيغة الوقف في البدل   204
   3. جواز التصرّف في البدل لمصلحة   205
   4. مَن هو المتولّي للبيع؟   206

صفحه 334
الموضوع    الصفحة
   5. لو لم يمكن شراء البدل   208
   6. جواز بيع الوقف بالنقدين   208
   7. الاتّجار بالبدل   208
   8. حكم الربح الحاصل من التجارة   209
   9. لو خرب بعض الوقف ولم يكن له مصرف   210
   10. لو خرب بعض الوقف وبيع بما له مصرف   210
   المسوّغ الثاني: لو سقط الموقوف بسبب الخراب   211
   المسوّغ الثالث: لو اشترط الواقف بيعه عند حدوث أمر آخر   215
   المسوّغ الرابع: وجود اختلاف لا يؤمن معه من تلف الأموال   220
   فيما لو خاف خراب الوقف   224
   في جواز إجارة وقف المنفعة   227
   في وقف المشاع   231
   في عدم اعتبار العدالة للمتولّي   239
   قبول التولية ورفضها   242
   لو جعل التولية لاثنين   245
   لو عيّن الواقف وظيفة المتولّي وشغله   247
   مقدار أُجرة المتولّي   250
   ليس للمتولّي تفويض التولّي لغيره   251
   الناظر المشرف والمصوّب   252
   إذا خلا العقد عن المتولّي   253

صفحه 335
الموضوع    الصفحة
   تولّي عدول المؤمنين إذا لم يكن حاكم أو منصوبه   256
   إذا لم يكن المتولّي عادلاً   258
   إذا وصف الموقوف عليه بصفات أو ألزمهم بأعمال   259
   إذا لم يكن في أولاده إلاّ عدل واحد   260
   إذا لم يكن في أولاده أي عدل   260
   لو احتاج الوقف إلى العمارة   262
   طرق ثبوت الوقفية   263
      الأوّل: الشياع المفيد للعلم أو الاطمئنان   263
      الثاني: إقرار ذي اليد أو ورثته بعد موته   265
      الثالث: كون الملك في تصرّف الوقف مدّة مديدة بلا معارض   265
      الرابع: البيّنة الشرعية   266
   بطلان الوقف بنفس البيع أو جوازه   275
   وقف الماليّة مجرّدة عن الشخصية   280
   توضيح كلا القسمين من الأوقاف   280
   ثمرات الفرق بين الوقفين   280
   رأي الإمام الخميني(قدس سره) في المالية المجرّدة عن الخصوصية   283
القول: في الحبس وأخواته   285
   الكلام في السكنى   292
   البيع لا يبطل السكنى والعمرى والرقبى   296
   لو باع داره التي جعلها سكنى مع جهل المشتري   298

صفحه 336
الموضوع    الصفحة
   إبطال البيع السكنى المطلقة   298
القول في الصدقة   305
   عدم جواز الرجوع في الصدقة   308
   حكم الصدقة على الهاشمي   309
تحلّ صدقة الهاشمي لمثله ولغيره    310
تحرم صدقة غير الهاشمي للهاشمي في الزكاة المفروضة والفطرة   311
حلّية الصدقة المندوبة   312
حكم المظالم والكفّارات من غير الهاشمي للهاشمي   313
   شرائط الصدقة   314
   صدقة الصبي البالغ عشراً   315
   عدم اعتبار الفقر في الصدقة المندوبة   317
   حكم الصدقة المندوبة للغني   317
   عدم اعتبار الإيمان والإسلام في المتصدّق عليه   318
   لا تجوز الصدقة على الناصبيّ والحربيّ   319
   استحباب المساعدة في إيصال الصدقة للمستحقّين   321
   هل يجوز شراء ما تصدّق به؟   322
   كراهة ردّ السائل   324
   كراهة السؤال   325
فهرس المحتويات   327

صفحه 337