welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : محاضرات في فقه القرآن الكريم*
تألیف :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

محاضرات في فقه القرآن الكريم

1
   
    محاضرات في فقه القرآن الكريم
محاضرات
في
فقه القرآن الكريم

2

3
محاضرات
في
فقه القرآن الكريم
دراسة حول ثماني عشرة آية من آيات الأحكام
الفقيه المحقّق
جعفر السبحاني
المشهد الرضوي
مدرسة النواب
شوال 1438 هـ

4
4
سبحانى تبريزى، جعفر ، 1308 ـ
      محاضرات في فقه القرآن الكريم: دراسة حول ثماني عشرة آية من آيات الاحكام / جعفر السبحاني. ـ          ، 1396 .
      232 ص.
      فهرست نويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
كتابنامه به صورت زير نويس.
      1 . تفاسير فقهى ـ ـ شيعه. 2. قرآن ـ ـ احكام وقوانين.
3. تفاسير شيعه ـ ـ 14. الف. عنوان: دراسة حول ثماني عشره آية من آيات الاحكام. ب. عنوان.
3م 2س/ 6/99 BP    174 / 297
1396
اسم الكتاب:   … محاضرات في فقه القرآن الكريم
المؤلف:   … الفقيه المحقّق جعفر السبحاني
الطبعة:   … الأُولى
تاريخ الطبع:   … 1396 هـ ش / 1438 هـ . ق / 2017 م
المطبعة:   …
الناشــر:   …
عدد الصفحات:   … 232 صفحة
القطع:    …وزيري
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط

5

6

7
الحمد لله الّذي أنزل القرآن فيه تبيان لكلّ شيء; والصلاة والسلام على مَن بعثه ليبيّن للناس ما أُنزل إليهم، قال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)(1)، وعلى آله الّذين «هُمْ مَوْضِعُ سِرِّهِ، وَلَجَأُ أَمْرِهِ، وَعَيْبَةُ عِلْمِهِ، وَمَوْئِلُ حُكْمِهِ، وَكُهُوفُ كُتُبِهِ، وَجِبَالُ دِينِهِ»،(2)صلاة دائمة متواترة مترادفة.
أمّا بعد ;
فمن فضل الله تبارك وتعالى على هذا العبد، التشرّف بزيارة مرقد الإمام الطاهر علي بن موسى الرضا عليه وعلى آبائه آلاف التحية والثناء، وقد دُعيت في هذه السنة من قبل العتبة الرضوية المقدّسة لإلقاء المحاضرات على فضلاء الحوزة العلمية في مشهد الرضا (عليه السلام)، في مدرسة النواب للعلوم الدينية.
فلبّيت هذه الدعوة واتّفقنا أن يكون عنوان المحاضرات دراسة عدد من آيات الأحكام في القرآن الكريم، الّتي طال فيها النقاش والجدال بيننا وبين سائر المفسّرين.

1 . النحل: 44.
2 . نهج البلاغة: الخطبة 2 .

8
فرتّبت الآيات وفقاً لأبواب الكتب الفقهية، مبتدئاً بالطهارة وخاتماً بالإرث.
ثم إنّ هذه المحاضرات قد استغرقت أُسبوعين، وبذلك صار عدد رحلاتنا لإلقاء المحاضرات حسب السنين عشرة، فمن المناسب أن نختم كلامنا بقوله تعالى: (تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ).(1)
وختاماً نتقدّم بالشكر والتقدير إلى متولّي العتبة الرضوية، ومديرية الحوزة العلمية في خراسان، وإدارة مدرسة النواب والعاملين فيها، حيث أتاحوا لنا الفرصة، وهيئوا الأجواء اللازمة لإلقاء هذه المحاضرات .
نسأل الله لهم التوفيق والسداد والقبول، إنّه نعم المولى ونعم النصير.
جعفر السبحاني
قم المقدّسة
مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
12 ذي القعدة الحرام 1438 هـ

1 . البقرة: 196 .

9

تمهيد

إنّ قسماً من آيات الذكر الحكيم يتكفّل ببيان الأحكام الشرعية العملية، وقد قام العديد من علماء الفريقين بإفراد التأليف في هذا الصدد، فأقدم تأليف للشيعة فيه، كتاب «أحكام القرآن» لأبي النضر محمد بن السائب بن بشر الكلبي من أصحاب أبي جعفر الباقر (عليه السلام)وأبي عبد الله الصادق (عليه السلام)، والّذي توفّي عام 146 هـ ، وقد توالى التأليف من عصره إلى يومنا هذا، فذكر الباحث الكبير الشيخ آقا بزرگ الطهراني في موسوعته ما يناهز 30 كتاباً في هذا المضمار. (1)
وما ذكره من الأرقام يرجع إلى عصر المؤلف، وقد قام بعده غير واحد من العلماء بالتأليف حول آيات الأحكام. شكر الله مساعي الجميع.

كم هو عدد آيات الأحكام ؟

اختلف المؤلّفون في هذا الفن في عدد الآيات الواردة فيه، والمشهور أنّها تبلغ 500 آية، حتّى أنّ الشيخ فخر الدين أحمد بن متوج البحراني تلميذ فخر المحقّقين الّذي توفّي عام 772 هـ ، ألّف كتاباً أسماه «النهاية في تفسير خمسمائة آية»، وشرحه نجله بما أسماه «منهاج الهداية في تفسير خمسمائة آية» .(2)

1 . لاحظ : الذريعة: 2 / 40 ـ 44.
2 . الذريعة: 2 / 42 .

10
هذا هو المشهور غير أنّ بعض الباحثين من المتأخّرين قلّلوا عدد هذه الآيات، قائلين بأنّها لا تتجاوز 340 آية.
قال عبدالوهاب خلاّف ـ من فقهاء السنّة المعاصرين ـ : إنّ في العبادات بأنواعها نحو 140 آية.
وفي الأحوال الشخصية من زواج وطلاق وإرث ووصية وحجر وغيرها نحو سبعين آية.
وفي المجموعة المدنية من بيع وإجارة ورهن وشركة وتجارة ومداينة وغيرها نحو سبعين آية.
وفي المجموعة الجنائية من عقوبات وتحقيق جنايات نحو ثلاثين آية.
تحديد عدد آيات الأحكام غير مفيد   
وفي القضاء والشهادة وما يتعلّق بها نحو عشرين آية .(1)
ولعلّ نظره إلى الآيات الصريحة في الأحكام الّتي لا تحتاج إلى الدقة والتفكير .

تحديد عدد الآيات غير مفيد

والّذي أظن أنّ تحديد عدد آيات الأحكام أمر غير مفيد، لا يصل الباحث فيه إلى نتيجة قطعية; وذلك لأنّ عدد آياتها يختلف حسب ذوق الفقيه ودرايته، فربّ فقيه يلتقط من آية حكماً شرعياً ربّما غفل عنه فقيه آخر، وما ذلك إلاّ لأنّ سعة آفاق دلالته على مقاصده تسبّب ذلك، كيف وقد

1 . خلاصة تاريخ التشريع الإسلامي: 28 ـ 29 .

11
قال سبحانه: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْء وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ) .(1) والذي يدلّ على ما نقول به، الأمرين التاليين:

1. الذمّي الّذي نقض حكم الذمّة

قُدّم إلى المتوكلّ رجل نصراني فجر بامرأة مسلمة فأراد أن يقيم عليه الحدّ، فأسلم، فقال يحيى بن أكثم: الإيمان يمحو ما قبله، وقال بعضهم: «يضرب ثلاثة حدود»، فكتب المتوكلّ إلى الإمام الهادي (عليه السلام)يسأله، فلمّا قرأ الكتاب، كتب: «يضرب حتّى يموت»، فأنكر الفقهاء ذلك، فكتب إليه يسأله عن العلّة؟ فكتب: «بسم الله الرحمن الرحيم: (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللهِ التي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ)»(2) فأمر به المتوكلّ فضرب حتّى مات .(3)
تجد أنّ الإمام الهادي (عليه السلام)استنبط حكم الموضوع من آية مباركة لا يذكرها الفقهاء في عداد آيات الأحكام، لعدم صراحتها في الموضوع، غير أنّ الإمام لوقوفه على سعة دلالة القرآن، استنبط حكم الموضوع من تلك الآية، وكم لها من نظير. ولو أنّ القارئ الكريم جمع الروايات الّتي استشهد بها أئمة أهل البيت على مقاصدهم استشهاداً تعليمياً لا تعبدياً، لوقف على سعة آفاق القرآن.

1 . النحل: 89 .
2 . غافر: 84 ـ 85 .
3 . مناقب آل أبي طالب: 4 / 403 ـ 405 .

12
وقد سمعنا عن بعض مشايخنا أنَّ من العلماء مَن استنبط من سورة المسد أكثر من عشرة أحكام فرعية، كما استنبطوا من قوله سبحانه: (قَالَ إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَي هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَني ثَمَاني حِجَج فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ)(1) عدداً من الأحكام، الّتي منها جعل منفعة الحر مهراً، حيث جعل شعيب (عليه السلام)رعي الغنم مهراً لبنته، يقول صاحب الجواهر في شرح قول المحقّق في الشرائع: (يصحّ العقد على منفعة الحر، كتعليم الصنعة والسورة من القرآن، وكلّ عمل محلّل)، بل يصحّ العقد على إجارة الزوج نفسه وفاقاً للمشهور.(2)
فإن قلت: إنّ الاستدلال بمثل هذه الآية يتوقّف على كون الشرائع السابقة حجّة علينا، إمّا مستقلة أو بمعونة الاستصحاب.
قلت: إنّ القرآن الكريم كتاب هداية، فعامّة ما ورد فيه حجّة علينا، سواء أكان الوارد في الشرائع السابقة أم في شريعتنا، وليس القرآن كتاب قصة يسرد شيئاً دون أن يفيدنا نكتة.
نعم ربّما تستنبط من الآية أحكام أُخرى غير خالية من النظر، نظير عدم لزوم تعيين المعقودة حين العقد، أو جواز جعل المهر مجملاً بين الأقل والأكثر، أو جواز تصرّف الولي في مهر البنت، غير أنّ استنباط هذه الأحكام الثلاثة من الآية مورد تأمّل، كما هو واضح للمتدبّر.
نعم قد ينقل عن بعض الناس شيئاً غير صحيح لكن يستدركه بالإنكار حتّى لا يُتلقّى شيئاً صحيحاً، كما ينقل عن إيمان فرعون في

1 . القصص: 27 .
2 . جواهر الكلام : 31 / 4; شرائع الإسلام: 2 / 323 ـ 324، في المهور.

13
أُخريات حياته وقال: (قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ)(1) .
فربّما يتوهّم القارئ أنّ الإيمان في هذه اللحظات يكون مؤثّراً في سعادة الإنسان، فلرد هذا التوهّم جاء البيان القرآني قائلاً: (آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ)(2) .

2. موضوعات خفيّت عن المؤلّفين

والّذي يدلّ على أنّ تحديد عدد آيات الأحكام أمر غير مفيد، أنّه قد وردت في الذكر الحكيم موضوعات عديدة لها أحكام واضحة، لكن المؤلّفين فيها غفلوا عن عنوانها، وبالتالي تركوا دراسة آياتها، وها نحن نشير إلى بعض هذه العناوين:

1. البدعة

إنّ البدعة من الموضوعات الّتي وردت فيها آيات متعدّدة ولكن لا نجد لها عنواناً فيما أُلّف حول آيات الأحكام، يقول سبحانه: (وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ)(3)، ويقول سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلاَئِدَ).(4)

1 . يونس: 90 .
2 . يونس: 91 .
3 . النحل: 116 .
4 . المائدة: 2 .

14

2. الإسراف والتبذير

إنّ الإسراف والتبذير من الموضوعات الّتي ورد حكمها في القرآن الكريم ولم نقف على من عنونهما فيه، قال سبحانه: (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ )(1)، وقال تعالى: (وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ
السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا)(2)، وقال تعالى: (كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا).(2)

3. التكفير

اختلاف المناهج في تفسير آيات الأحكام   
إنّ التكفير الّذي صار في زماننا هذا مشكلة عظيمة هو من الموضوعات الّتي وردت في القرآن الكريم، قال تعالى: (وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا).(4)

4. التعزير

إنّ التعزير أحد الأساليب الّتي يحكم بها القاضي وهو من الموضوعات الّتي ورد فيها بعض الآيات، قال سبحانه: (وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ)(3)، وقال تعالى: (وَالَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا).(6)
فقوله: (وَالَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا) إشارة إلى الزاني والزانية، فعلى الحاكم

1 . الإسراء: 27 .   2 . الإسراء: 26 .
2 . الأعراف: 31 .   4 . النساء: 94 .
3 . النساء: 34.   6 . النساء: 16 .

15
إيذاؤهما تعزيراً، لا حدّاً، لأنّ حدّ الزاني والزانية مائة جلدة .
ثم إنّ الّذي يدلّ على أنّ عدد آيات الأحكام أكثر ممّا ذكروا هو أنّ الآيات الواردة حول الجهاد كثيرة من حيث العدد، غير أنّ المؤلّفين في آيات الأحكام يبحثون عن أُمّهات الآيات الّتي تكون مبدأً لاستنباط الحكم.

اختلاف المناهج في تفسير آيات الأحكام

إنّ الدارج عند أهل السنّة هو دراسة آيات الأحكام حسب ترتيب السور القرآنية، فما ورد في سورة البقرة يبحث فيها حتّى تتم دراسة آيات السورة، ثم يبدأون بدراسة ما ورد في سورة آل عمران، وعليه درج الجصّاص في كتابه، ومن جاء بعده.
ولكن المنهج عند الشيعة غير ذلك، فهم يدرسون جميع الآيات الورادة في موضوع واحد من السور المختلفة في باب ثم ينتقلون إلى موضوع آخر مثل ما تقدّم، مثلاً يُدرس جميع ما يرجع إلى الوضوء والغسل والتيمم الّتي يجمعها عنوان واحد، مرّة واحدة، وهذا أنسب بالوقوف على مقاصد الآيات .
قال عبد الوهاب خلاّف: وأوّل واجب على مَن يتأهّل للاجتهاد أن يحصي آيات الأحكام في القرآن، و يجمع آيات كلّ نوع منها بحيث يكون بين يديه كلّ آيات القرآن في الطلاق، وكلّ آياته في الإرث، وكلّ آياته في البيع، وكلّ آياته في العقوبات، وهكذا، ثمّ يدرس هذه الآيات دراسة عميقة ويقف على أسباب نزولها، وعلى ما ورد في تفسيرها من السنّة، ومن آثار

16
للصحابة أو التابعين، وعلى ما فسّرها به المفسّرون، ويقف على ما تدلّ عليه نصوصها، وما تدلّ عليه ظواهرها، وعلى المحكم منها، والمنسوخ وما نسخه.(1)
أقول: إنّ ما أوجبه الأُستاذ وهو جعل آيات كلّ باب على حدة ودراستها، قدقام بتحقيقه علماء الشيعة قبل قرون.
الكتب المشهورة المؤلّفة في آيات الأحكام عند الفريقين   

الكتب المشهورة المؤلّفة في آيات الأحكام عند الفريقين

قد تقدّم من الباحث الكبير الشيخ آقا بزرگ الطهراني أنّه قد أُلّف في آيات الأحكام ما يناهز 30 كتاباً، غير أنّا نشير هنا إلى أشهر هذه الكتب :
1. «فقه القرآن» للشيخ الإمام قطب الدين الراوندي (المتوفّى 573هـ) وقد طبع عام 1405هـ .
2. «كنز العرفان» للشيخ جمال الدين أبي عبد اللّه المقداد السيوري (المتوفّى 826هـ) من تلامذة الشهيد الأوّل، طبع في جزأين، عام 1384هـ .
3. «زبدة البيان في أ حكام القرآن» للمولى أحمد بن محمد المعروف بالمحقّق الأردبيلي (المتوفّى 993هـ) ، صاحب «مجمع الفائدة والبرهان»، وقد طبع غير مرّة.
4. «مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام» للشيخ الجواد الكاظمي، المتوفّى أواسط القرن الحادي عشر، وقد فرغ من تأليفه عام1043هـ ، طبع في أربعة أجزاء عام 1387 هـ .
5. «قلائد الدرر في بيان آيات الأحكام بالأثر» تأليف الشيخ

1 . مصادر التشريع الإسلامي: 14.

17
أحمد بن الشيخ إسماعيل بن الشيخ عبد النبي الجزائري النجفي (المتوفّى 1151هـ) ، طبع عام 1327هـ .
وأمّا ما ألّفه أهل السنّة، فهو كالتالي:
1. «أحكام القرآن» لأبي عبد اللّه محمد بن إدريس الشافعي المتوفّى عام (204هـ) بمصر.
2. «أحكام القرآن» تأليف أبي بكر أحمد بن علي الرازي الحنفي المعروف بالجصّاص (المتوفّى 370هـ) . طبع سنة 1325 هـ ، وأُعيد طبعه بالأُوفست عام 1406 هـ ، وهو كتاب قيّم استفاد منه أكثر من تأخّر عنه.
3. «أحكام القرآن» لعماد الدين بن محمد الطبري المعروف بالكياهراسي (المتوفّى 504هـ) طبـع في جزأين، نشرته دار الكتـب العلمية، ببيروت عام 1405هـ .
4. «أحكام القرآن» لأبي بكر محمد بن عبد اللّه المعروف بابن العربي (468ـ543هـ) طبع في دار المعرفة، بيروت عام 1392 هـ ، وقدّم له علي محمد البجاوي.
5. «تفسير آيات الأحكام» للشيخ محمد علي السايس، وقد جمع مادته من أُمّهات كتب التفسير والحديث والفقه، وقد أُعيد طبعه في دار ابن كثير و دار القادر.
هذه نماذج ممّا ألّفه علماء الفريقين حول آيات الأحكام; أمّا كتابنا هذا فقد ركّزنا فيه على دراسة الآيات الّتي وقع فيها خلاف بين الفريقين، ونبدأ بما ورد حول الطهارة بإذن الله تبارك وتعالى.

18
آية الوضوء والغسل والتيمّم   
 
1

آية الوضوء والغسل والتيمّم

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَر أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَج وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).(1)
قبل الدخول في صلب الموضوع نوضح معنى المفردات الّتي بحاجة إلى تفسير فنقول:
قمتم: أردتم القيام إلى الصلاة.
المرافق: جمع مرفق، وهو من الرفق بمعنى اليُسر في الأُمور، والسهولة في التوصل إليها، وخلافه العنف، وإنّما أُطلق على مفصل الذراع بالعضد «المرفق» لأنّ الإنسان يستريح في الاتكاء عليه، فيقال: ارتفق

1 . المائدة: 6 .

19
الرجل إذا اتكأ على مرفقه في جلوسه.(1)
وهنا وجه آخر وهو أنّ المرفق يُريح الأمر بين الذراع والعضد، حيث يسهل الحركة في القبض والانبساط، ولولاه لما أمكنت الحركة بسهولة.
الكعبين: وفيه احتمالات ثلاثة:
1. قبّة القدم.
2. المفصل بين الساق والقدم.
3. العظمان الناتئان عند مفصل الساق من الجانبين، وسيأتي تحقيقه.
الغائط: المكان المنخفض، وأريد به هنا قضاء الحاجة من المخرجين.
الصعيد: المكان المرتفع من وجه الأرض. وسُمّي وجه الأرض صعيداً لأنّه نهاية ما يصعد إليه من باطن الأرض (2)، وسيأتي ما هو المراد عند التفسير.
تتضمّن الآية حكم الطهارات الثلاث: الوضوء، وغسل الجنابة، والتيمّم، كما أنّ آية سورة النساء تتضمّن بيان سبب الغسل والتيمّم دون الوضوء، يقول سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيل حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَر أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا)،(3)

1 . التحقيق في كلمات القرآن الكريم:4/196.
2 . مجمع البيان: 2 / 51 .
3 . النساء: 43.

20
والسورتان مدنيتان والفرق بينهما بالإيجاز والتفصيل، فما في سورة المائدة أوضح بياناً وأوسع مفاداً حيث تعرض لحكم الوضوء أيضاً .
ويرد هنا سؤال وهو أنّ الصلاة فرضت ليلة المعراج والنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بَعدُ لم يهاجر، وهو والمؤمنون يصلّون مع الوضوء في الفترة المكّيّة وقسماً في الفترة المدنية قبل نزول هاتين الآيتين، فمن أين علم المسلمون لزوم تحصيل الطهارة للصلاة؟
والجواب: أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)علّمهم كيفية الصلاة وما تتوقّف عليه، فتعليم الوضوء كان بالسنّة قبل نزول الآيتين.
ثم إنّ الآية تدلّ على وجود الملازمة بين الصلاة والطهارة، بأحد الوجوه الثلاثة، إمّا الوضوء كما في قوله: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ)، وإمّا الغسل، ويدل عليه قوله: (فَاطَّهَّرُوا) المفسّر بالغسل، أو التيمّم عند عدم وجدان الماء كما في قوله: (فَتَيَمَّمُوا).
وعلى ذلك فيجب تبيين دلالة الآية على كلّ واحد من الوجوه الثلاثة.
كيفية الوضوء في الكتاب العزيز   

كيفية الوضوء في الكتاب العزيز

بدأ سبحانه الآية بقوله: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ): أي إذا أردتم الصلاة، نظير قوله سبحانه: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ)(1): أي أردت أنّ تقيم لهم الصلاة، فعبّر بالقيام إلى الفعل عن إرادة نفس الفعل، وربّما يُعكس فتوضع إرادة الفعل مكانه كما في قوله:(وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْج

1 . النساء:102.

21
مَكَانَ زَوْج وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا)(1): أي إذا طلّقتم زوجاً وتزوّجتم بأُخرى. وبذلك ظهر أنّه ربّما يطلق القيام إلى الفعل ويراد به إرادته، وبالعكس.
ثمّ إنّ مقتضى السياق أن يقول:«وكنتم محدثين» لكن تُرك ذكره لافتراض أنّ الناس قبل تشريع الوضوء والغسل محدثون ولا يرتفع الحدث إلاّ بالطهارة التي بدأت الآية ببيانها.
وأمّا حقيقة الوضوء، فتتكون من أُمور أربعة:
1. غسل الوجوه، كما يقول:(فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ).
2. غسل الأيدي، كما يقول: (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ).
3. مسح الرأس، كما يقول: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ).
4. مسح الأرجل إلى الكعبين، كما يقول: (وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ).
فالأعمال الأربعة تشكل حقيقة الوضوء، ونعم ما قال بحر العلوم في منظومته:
إنّ الوضوء غسلتان عندنا *** ومسحتان والكتاب معنا
فلنرجع إلى تفسير الفقرات الأربع التي تتضمّن أحكاماً كذلك.
أمّا الأوّل: وهو غسل الوجوه، في قوله تعالى:(فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) فقد فسّر الراغب الوجه بأوّل ما يستقبلك، وفسّره أبو جعفر الباقر(عليه السلام) عندما سأله زرارة عن حدّ الوجه فقال: «ما دارت عليه الوسطى والإبهام من قصاص شعر الرأس إلى الذقن، وما جرت عليه الإصبعان مستديراً فهو من

1 . النساء:20.

22
الوجه، وما سوى ذلك فليس من الوجه».(1) إلاّ أنّ حدّه عند غير المالكية من شحمة الأُذن إلى شحمة الأُذن.(2)
ويجب الغسل من الأعلى إلى الأسفل ; لأنّه المتعارف والمنصرف إليه الأمر بالغسل، والغسل على غير هذا الوجه خلاف منصرف الآية، فلا يجزي، وإطلاق الآية يقتضي كفاية الغسلة الواحدة. وأمّا حكم الأزيد فيعلم من السنّة.
وأمّا الثاني: أعني: غسل اليدين إلى المرافق كما في قوله تعالى:(وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ)، فذهبت الإمامية إلى وجوب البدء بالمرفقين وأبطلوا النكس، وذلك لأنّ قوله سبحانه: (إلَى المَرافِق) لتحديد المغسول لا لبيان كيفية الغسل; وذلك لأنّ (اليَد) تارة تطلق على مجموع العضو من الزند إلى رؤوس الأصابع، وأُخرى تطلق على الساعد مع الكف، وثالثة على الكف، ورابعة على الأصابع فقط، ولأجل هذه الإطلاقات جاءت الآية لتحديد المغسول لا لبيان كيفية الغسل، لأنّه أمر واضح لا يحتاج إلى بيان .
وذلك أنّ ما يحتاج إلى البيان هو بيان حدّ المغسول، وأمّا كيفية الغسل فكلّ إنسان يعرفها، فإنّه في كلّ يوم في غير حال الصلاة يغتسل ويغسل من الأعلى إلى الأسفل.
ثمّ إنّ القول بوجوب الشروع من أطراف الأصابع والانتهاء إلى المرافق مبني على أنّ قوله:(إِلَى الْمَرَافِقِ) قيد للفعل، أي: فاغسلوا إلى

1 . الوسائل:1، الباب17 من أبواب الوضوء، الحديث1.
2 . الخلاف: 1 / 76، كتاب الطهارة، المسألة 23. قال: وقال جميع الفقهاء: إنّ حدّه من منابت الشعر من رأسه إلى مجمع اللحية والذقن طولاً، ومن الأُذن إلى الأذن عرضاً إلاّ مالكاً.

23
المرافق، ولكن المتبادر من هذه الصيغ أنّه قيد لقوله: (أَيْديكُم)، وإليك بعض الأمثلة، يقال: بعتك الأرض من هنا إلى هنا، أو: قطفت ورد الحديقة من هنا إلى هنا، ويراد تحديد الكمّ والمقدار، لا بيان الكيفية والهيئة.
ربّما يؤيد ما ذكرنا بأنّ (إِلَى) بمعنى «مع» ما جاء في الآيتين التاليتين:
أ. قوله تعالى: (وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ)(1)، أي مع أموالكم.
ب. خطاب المسيح لحواريه، كما ذكره الله تعالى: (مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللهِ)(2) .
نعم في الاستشهاد بالآيتين تأمّل:
أمّا الأُولى فالظاهر أنّ (إِلَى) بمعناها اللغوي غير أنّ الفعل(وَلاَ تَأْكُلُوا)تضمّن معنى الضمّ، أي لا تأكلوا أموالهم منضمّة إلى أموالكم.
وأمّا الآية الثانية فالظاهر أنّه أُريد من (أَنْصَارِي) الذين يتقرب بهم إلى الله، إلى نصر دين الله، فاللفظة مستعملة في نفس معناها، ونحو ذلك.
ثمّ إنّه يقع الكلام في دخول المرفق في الحكم أي وجوب الغسل، أو لا؟ والظاهر الأوّل وهو الدخول، إذ من المعروف ـ كما هو المنقول عن بعض علماء اللغة كسيبويه وغيره ـ أنّ ما بعد «إلى» إن كان من نوع ما قبلها دخل في الحدّ، وإلاّ فلا يدخل، وعلى هذا تدخل المرافق فيما يجب غسله لأنّها من اليد، بخلاف قوله: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ)(3); لأنّ الليل ليس من جنس اليوم(النهار) حتى يجب صومه.

1 . النساء:2.
2 . الصف:14.
3 . البقرة:187.

24
وأمّا الثالث: وهو مسح الرؤوس كما في قوله تعالى:(وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ)، والمسح هو إمرار اليد على الشيء، وسُمّي المسيح مسيحاً لأنّه كان يمسح على الناس ويشفيهم، ويقابله الغسل، إذ يكفي في المسح إمرار اليد بما فيها من النداوة، وأمّا الغَسْل فلا يطلق إلاّ بعد إسالة الماء على الشيء، وبالمقارنة يُعلم أنّ الواجب في الوجه واليدين هو الغسل، أي إسالة الماء عليهما وأمّا المسح فيكفي إمرار اليد، ومن المعلوم بأنّ المتوضّئ بعدما فرغ من غسل اليدين، ففي يده نداوة الماء يمسح بها الرأس، فيكفي مسح جزء من مقدّم الرأس. وعليه الشافعية أيضاً. وسيأتي أنّه المنصوص في روايات أئمّة أهل البيت(عليهم السلام).
ويدلّ على ما ذكرنا أنّ الفعل متعدّ بنفسه، ويستعمل على وجهين تارة يقال: مسحت الشيء، وأُخرى يقول: مسحت به; فالأوّل ظاهر في الاستيعاب دون الثاني. فإقرانه بالباء لابدّ أن يكون لنكتة، فأكثر المفسّرين على أنّ الباء للإلصاق، بمعنى أنّ حركة العضو الماسح ملصقاً بالممسوح مع أنّ الإلصاق مفهوم من تعلّق المسح بالرأس فلا ملزم لذكر «الباء» بمعنى الإلصاق; غير أنّ المرويّ عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) أنّ الباء لبيان كفاية بعض الرجلين، فحينما سأل زرارة أبا جعفر الباقر(عليه السلام)وقال: من أين علمت
أنّ المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين؟ فقال(عليه السلام):«لمكان الباء» وبما
أنّ الرواية لا تخلو من فائدة في تفسير الآية نأت بها على وجه
التفصيل.
روى الشيخ عن زرارة قال: قلت لأبي جعفر(عليه السلام): ألا تخبرني من أين علمت وقلت: إنّ المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين؟ فضحك فقال:

25
«يا زرارة، قاله رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ونزل به الكتاب من الله عزّ وجلّ، لأنّ الله عزّ وجلّ قال: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) فعرفنا أنّ الوجه كلّه ينبغي أن يغسل، ثم قال: (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) فوصل اليدين إلى المرفقين بالوجه، فعرفنا أنّه ينبغي لهما أن يُغسلا إلى المرفقين، ثمّ فصل بين الكلام فقال: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ)فعرفنا حين قال: (بِرُؤُوسِكُمْ) أنّ المسح ببعض الرأس لمكان الباء، ثم وصل الرجلين بالرأس، كما وصل اليدين بالوجه، فقال: (وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) فعرفنا حين وصلهما بالرأس أنّ المسح على بعضهما، ثمّ فسّر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) للناس فضيّعوه».(1)
وعلى ذلك فكفاية المسح ببعض الرأس مقتضى الإطلاق أوّلاً، ومقتضى وجود الباء ثانياً، وأمّا كيفية المسح على الرأس، فالآية ساكتة عنها.
فالمتّبع ما هو المألوف بين الناس، وما في «العروة الوثقى» من قوله: في مسح الرأس: لا فرق بين أن يكون طولاً، أو عرضاً أو منحرفاً،(2) لا يخلو عن بُعد. وأمّا ما هو البعض الذي يجزي مسحه، فقد تضافرت الروايات عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) أنّ المراد به مقدّم الرأس. فقد جاء في كتاب الوسائل، وجوب المسح على مقدّم الرأس، كما في قولهم(عليهم السلام): «يمسح على مقدّم رأسه».(3)
ثمّ إنّ الواجب هو مسح بشرة الرأس أو الشعر غير الخارج عن

1 . الوسائل:1، الباب23 من أبواب الوضوء، الحديث1.
2 . العروة الوثقى: 1 / 384، فصل في أفعال الوضوء، المسألة 24. تحقيق مؤسسة النشر الإسلامي، قم ـ 1417 هـ .
3 . لاحظ: الوسائل: 1، الباب22 من أبواب الوضوء.

26
محاذاة الرأس، وأمّا الخارج عن محاذاتها كالضفيرة، فلا يجزي.
وأمّا الرابع: أعني الرجلين، فقال سبحانه: (وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ)فيقع الكلام في موضعين:
الأوّل: حكم الأرجل من حيث الإعراب، ويتبعه حكمها من حيث المسح، أو الغسل.
الثاني: ما هو المراد من الكعبين؟
وهذا الموضع من أهم البحوث في آية الوضوء قديماً وحديثاً، فلنبدأ بدراستهما تباعاً:
أمّا الأوّل: أي حكم الأرجل من حيث الإعراب، فإنّ هنا قراءتين:
أ. قراءة بالنصب، وهي قراءة نافع، وابن عامر، وحفص، والكسائي، ويعقوب.
ب. قراءة بالجر، وهي قراءة ابن كثير، وحمزة، وأبي عمرو، وعاصم في رواية أبي بكر عنه.
أمّا القراءة الثانية فلا يشكّ أيّ عربي صميم في أنّ أرجلكم عطف على الأقرب إليه، أعني: (بِرُؤُوسِكُمْ). وأمّا القراءة الأُولى ـ بالنصب ـ فالمتبادر أنّها عطف على موضع (بِرُؤُوسِكُمْ) لأنّه منصوب محلاً لكونه مفعولاً لقوله: (وَامْسَحُوا).
وعلى ما ذكرنا تكون الأرجل محكومة بحكم الرؤوس، والعطف على المحل أمر شائع في اللغة العربية، وقد ورد أيضاً في القرآن الكريم، قال سبحانه:(أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ)(1) فقراءة «ورسوله» بالضمّ

1 . التوبة:3.

27
هي القراءة الرائجة، ولا وجه لرفعه إلاّ كونه معطوفاً على اسم أنّ ـ أعني: لفظ الجلالة ـ في قوله: (أَنَّ اللهَ) لكونه مبتدأ، وقد عقد ابن هشام فصلاً خاصّاً للعطف على المحلّ وذكر شروطه.(1)
فعلى ما ذكرنا من القراءتين يُعلم حُكمُ الأرجل من حيث المسح أو الغسل، إذ يتعيّن المسح، كما ذكرنا.
ثمّ إنّ القائلين بغسل الأرجل قد وقعوا في حرج شديد في تطبيق الآية ـ على كلتا القراءتين ـ على الغسل.
أمّا على النصب فقالوا: إنّ (وَأَرْجُلَكُمْ) معطوف على قوله: (وُجُوهَكُمْ)في أوّل الآية، وهذا كماترى، لانقطاع الحكم في قوله: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) بحكم آخر وهو قوله: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ)، فطبع العربي الصميم يأبى ذلك في نظائر الآية، فإذا قال قائل: قبلّت وجه زيد ورأسه ومسحت على كتفه ويده. فهل يرضى أن يكون قوله:«ويده» عطفاً على (وجه زيد) مع انقطاع الكلام الأوّل وصلاحية قوله:«ويده»، معطوفاً على محل المجرور المتّصل به؟!
مثال آخر: إذا قال: ضربت زيداً ومررت ببكر وعمراً، فهل يرضى بعطف «عمراً» على «زيداً» مع صلاحية كونه معطوفاً على محل «بكر»؟!
وقد اعترف بما ذكرنا جمع من علماء السنّة فلنذكر بعض كلماتهم:
1. قال ابن حزم: لا يجوز عطف أرجلكم على وجوهكم، لأنّه لا يجوز أن يحال بين المعطوف والمعطوف عليه بقضية مبتدئة.(2)

1 . انظر: مغني اللبيب: 2 / 473، في أقسام العطف، الثاني: العطف على المحل.
2 . المحلّى:2/56.

28
2. وقال أبو حيّان: ومن ذهب إلى أنّ قراءة النصب في (وَأَرْجُلَكُمْ)عطف على قوله: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ) وفصل بينهما بهذه الجملة التي هي قوله:(وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ) فهو بعيد، لأنّ فيه الفصل بين المتعاطفين بجملة إنشائية.(1)
3. وقال الشيخ إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الحلبي (الحنفي) في تفسير الآية: نصب (وَأَرْجُلَكُمْ) على المحل (أي محل الرؤوس) وجرّها على اللفظ، ولا يجوز أن يكون النصب للعطف على وجوهكم، لامتناع العطف على وجوهكم للفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بجملة أجنبية هي (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ)، والأصل أن لا يفصل بينهما بمفرد فضلاً عن الجملة، ولم يسمع في الفصيح نحو: ضربت زيداً ومررت ببكر وعمراً بعطف عمراً على زيد.(2)
4. وقال الشيخ السندي: وحمل قراءة النصب بالعطف على المحل أقرب لاطراد العطف على المحل، وأيضاً فيه خلوص عن الفصل بالأجنبي بين المعطوف والمعطوف عليه، فصار ظاهر القرآن هو المسح.(3)
وبهذا ظهر أنّه لا محيص على القول بقراءة النصب، هو العطف على المحل لا على الأبعد.
ونقل عن الأخفش في توجيه غسل الأرجل: أنّه قال: هو معطوف على الرؤوس في اللفظ، مقطوع عنه في المعنى، كقول الشاعر:

1 . تفسير النهر المارد:1/558.
2 . غنية المتملي في شرح منية المصلي المعروف بالشرح الحلبي الكبير: 16.
3 . شرح سنن ابن ماجة:1/88.

29
علفتها تبناً وماء بارداً *** ..........................................
أي علفتها تبناً وسقيتها ماء بارداً.(1)
يلاحظ عليه: أنّ في هذا البيت قرينة واضحة على أنّ الماء يُسقى به ولا يعلف، بخلاف المورد.
وذكر الزمخشري وجهاً آخر في توجيه الغسل وقال: إنّ الأرجل من بين الأعضاء الثلاثة المغسولة تغسل بصب الماء عليها، فكانت مظنة للإسراف المذموم المنهي عنه، فعطفت على الثالث الممسوح لا لتمسح ولكن لينبّه على وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها.(2)
ولا تعليق لنا على كلامه بشيء غير أنّه تفلسف لا يدور بخلد أحد من العرب حتى تفسّر الآية به.
وأمّا على قراءة الجرّ، فالأرجل معطوفة على الرؤوس فتكون محكومة بالمسح على كلتا القراءتين، وأمّا أهل السنّة فلم يجدوا وجهاً إلاّ القول بأنّه مجرور على الجوار، أي لوقوعه في جوار (بِرُؤُوسِكُمْ)المجرور، نظير قول القائل: جُحرُ ضبٍّ خرب... فإنّ «خرب» خبر لـ «جُحر» فيجب أن يكون مرفوعاً، لكنّه صار مجروراً لأجل الجوار.
وقد ردّ الزجاج على ذلك بقوله: وهو غير صحيح، لاتّفاق أهل العربية على أنّ الإعراب بالمجاورة شاذّ نادر، وما هذا سبيله لا يجوز حمل

1 . لاحظ مجمع البيان: 3 / 285. وتمام البيت هو: حتّى شتت همالة عيناها
كما في الصحاح للجوهري: 1 / 319 .
2 . تفسير الكشاف:1/336.

30
القرآن عليه من غير ضرورة يلجأ إليها.(1)
أضف إلى ذلك ما ذكره علاء الدين البغدادي في تفسيره المسمّى بـ«الخازن» فقد ردّ قراءة الجرّ لأجل المجاورة بوجهين:
الأوّل: أنّ الكسر على المجاورة إنّما يحمل لأجل الضرورة في الشعر، أو يصار إليه حيث يحصل الأمن من الالتباس كما في المثال المذكور، لأنّ الخرب لا يكون نعتاً للضب، بل للجحر.
الثاني: أنّ الكسر بالجوار إنّما يكون بدون واو العطف، وأمّا معها فلم تتكلّم به العرب.(2)
إلى هنا ظهر أنّه لا مجال في تفسير القراءتين (أعني: النصب والجر) من القول بكون الأرجل معطوفاً على الرؤوس، وتكون النتيجة هي المسح.
وأمّا كونه معطوفاً على الوجوه على النصب أو كونه مجروراً بالجوار على قراءة الجر فكلاهما من الأُمور التي لا يرضى بها الطبع العربي السليم، مع شذوذهما حسب القواعد. فليس للفقيه المتابع للقرآن المجيد إلاّ الإفتاء بالمسح.
ثمّ إن القوم استدلّوا على صحة الجرّ بالجوار بوجهين :
الأوّل: قوله سبحانه: (يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوَاب وَأَبَارِيقَ وَكَأْس مِنْ مَعِين * لاَ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنْزِفُونَ * وَفَاكِهَة مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْر مِمَّا يَشْتَهُونَ * وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ).(3)

1 . معاني القرآن واعرابه: 2/153 .
2 . تفسير الخازن:2/16.
3 . الواقعة: 17 ـ 23.

31
وجه الاستدلال في قوله: (وَحُورٌ عِينٌ) فالقراءة المشهورة هي الرفع معطوفاً على قوله: (وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ): أي يطوف عليهم ولدان مخلدون وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون.
ويحتمل أن يكون مبتدأ محذوف الخبر، أي ولهم حور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون; لأنّه لما تقدّم قوله: (وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ) اقتضى ذلك ذكر الحور العين.
هذا على قراءة المشهور وأمّا على قراءة أبي جعفر وحمزة والكسائي بجر: (وحور عين)، فقيل: إنّه مجرور بالجوار، أي: ولحم طير ممّا يشتهون.
يلاحظ عليه: أنّه لا يحتجّ بغير القراءة المشهورة إذ لم يثبت تواترها عن النبيّ، فعلى فرض الصحّة فيمكن أن يكون معطوفاً على قوله (فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ)والتقدير: أُولئك المقربون في جنات النعيم وفي حور عين، أي في مقاربة الحور العين، أو معاشرة الحور العين.
الثاني: قوله سبحانه: (أَنْ لاَ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ
يَوْم أَلِيم
)(1)، فإنّ قوله: (أَلِيم)وصف لقوله: (عَذَابَ)ولكنّه صار مجروراً للجوار.
أقول: ورد هذا السياق في غير واحد من الآيات كقوله سبحانه: (إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْم عَظِيم)(2)، وقوله سبحانه: (وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْم كَبِير).(3)

1 . هود: 26 .
2 . يونس: 15 .
3 . هود: 2 .

32
والجواب عن الجميع: أنّ الألم وصف حقيقة للعذاب، وبما أنّ اليوم ظرف للعذاب صار هذا مسوغاً لوصف اليوم به، فالأيام في هذه الآيات موصوفة بأنّها مؤلمة باعتبار كونها ظرفاً للألم، وهذا هو المعروف في باب الإسناد المجازي في علم البلاغة.
ومن عجيب القول ما ذكره الآلوسي، قال: لو فرض أنّ حكم
الله تعالى المسح على ما يزعمه الإمامية فالغسل يكفي عنه، ولو كان هو الغسل لا يكفي المسح عنه، فبالغسل يلزم الخروج من العهدة بيقين دون المسح; وذلك لأنّ الغسل محصِّل لمقصود المسح من وصول البلل وزيادة.(1)
يلاحظ عليه: أنّ المسح بالنداوة الموجودة في اليد، كما هو ظاهر الآية، غير الغسل ـ أعني: إسالة الماء ـ فالقول بكفاية الثاني عن الأوّل، تشريع وابتداع في الأحكام. فلو أمر المولى عبده بالمسح وقام هو بالغسل لا يُعدّ ممتثلاً. فلو أراد الآلوسي العمل بالاحتياط فعليه التوضّؤ بوضوءين: تارة بالمسح وأُخرى بالغسل.
ومنه يظهر ضعف كلام آخر له، حيث قال: وأيضاً كان يلزم الشيعة الغسل ; لأنّه الأنسب بالوجه المعقول من الوضوء وهو التنظيف للوقوف بين يدي رب الأرباب سبحانه وتعالى، لأنّه الأحوط أيضاً.(2)
يلاحظ عليه: بأنّ لازمه كفاية الغسل عن المسح في الرؤوس أيضاً،

1 . روح المعاني:6/78.
2 . نفس المصدر.

33
مع أنّه لم يقل به أحد، فإذا رأينا أنّ الشارع يأمر بالمسح تارة وبالغسل أُخرى، نقف على أنّ للشارع غرضين: الغسل في مورد، والمسح في مورد آخر، وتجويز الغسل في مورد المسح تحريف للآية.
ثمّ إنّ لصاحب المنار كلاماً زعم أنّه أقوى الحجج اللفظية لأهل السنّة على الإمامية، وهو أنّ الله جعل غاية طهارة الرجلين، وهذا لا يحصل إلاّ باستيعابهما بالماء، لأنّ الكعبين هما العظمان الناتئان في جانبي الرِّجْل، والإمامية يمسحون ظاهر القدم إلى معقد الشراك عند المفصل بين الساق والقدم، ويقولون: إنّه هو الكعب، ففي الرجل كعب واحد، على رأيهم، ولو صحّ هذا لقال: إلى الكعاب، كما في اليدين (إِلَى الْمَرَافِقِ) لأنّ في كلّ يد مرفقاً واحداً.(1)
يلاحظ عليه: بأنّه لو قلنا بأنّ الكعب عبارة عن العظمين الناتئين في جانبي قدم الإنسان، يكون وجه التعبير بالتثنية كون كلّ رِجل ذات كعبين.
وأمّا لو كان الكعب هو معقد الشراك عند المفصل بين الساق والقدم فيكون وجه التعبير بالتثنية كون كلّ إنسان ذا كعبين. فلكلّ وجه.
هذه هي الحجّة القوّية التي يدّعيها صاحب المنار غفر الله له، فكيف حال الحجج الضعيفة؟!
***

1 . تفسير المنار:6/233.

34
مسح الأرجل في أحاديث النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)   

مسح الأرجل في أحاديث النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)

قد عرفت أنّ القراءتين سواء النصب أو الجر تدلاّن بوضوح على وجوب المسح على الأرجل، وهناك روايات متضافرة عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)تبلغ 15 رواية كلها تدلّ على أنّ النبيّ كان يمسح الأرجل، كما أنّ هناك روايات عن الصحابة والتابعين تناهز أيضاً خمسة عشر أثراً تدلّ على أنّهم كانوا يمسحون على الأرجل، وقد ذكرنا تلك النصوص في كتابنا «الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف»، ولأجل أن لا يخلو كتابنا عن هذه الروايات نأتي ببعض النصوص:
1. عن بسر بن سعيد قال: أتى عثمان المقاعد فدعا بوضوء وتمضمض واستنشق ثم غسل وجهه ثلاثاً، ويديه ثلاثاً ثلاثاً، ثم مسح برأسه ورجليه ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)هكذا يتوضّأ، يا هؤلاء أكذاك؟ قالوا: نعم، لنفر من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)عنده.(1)
2. عن حمران قال: دعا عثمان بماء فتوضّأ ثمّ ضحك، ثمّ قال: ألا تسألوني ممّ أضحك؟ قالوا: يا أمير المؤمنين ما أضحكك؟ قال: رأيت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) توضّأ كما توضّأت، فتمضمض واستنشق وغسل وجهه ثلاثاً ويديه ثلاثاً ومسح برأسه وظهر قدميه.(2)
3. وفي مسند عبداللّه بن زيد المازني أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)توضّأ فغسل وجهه ثلاثاً ويديه مرّتين ومسح رأسه ورجليـه مرّتين.(3)

1 . مسند أحمد: 1 / 109، الحديث 489 .
2 . كنز العمال:9/436، الحديث 26863.
3 . كنز العمال:9/451، الحديث26922.

35
4. عن أبي مطر قال: بينما نحن جلوس مع علي في المسجد، جاء رجل إلى علي وقال: أرني وضوء رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)فدعا قنبر، فقال: ائتني بكوز من ماء، فغسل يديه ووجهه ثلاثاً، فأدخل بعض أصابعه في فيه واستنشق ثلاثاً، وغسل ذراعيه ثلاثاً ومسح رأسه واحدة ورجليه إلى الكعبين، ولحيته تهطل على صدره، ثمّ حسا حسوة بعد الوضوء ثمّ قال: أين السائل عن وضوء رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، كذا كان وضوء رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) .(1)
5. عن عبّاد بن تميم، عن أبيه، قال: رأيت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)توضّأ ومسح بالماء على لحيته ورجليه.(2)
6. عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: كنت أرى أنّ باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما حتى رأيت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)يمسح ظاهرهما.(3)
7. عن رفاعة بن رافع أنّه سمع رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: «إنّها لا تتم صلاة لأحد حتى يسبغ الوضوء كما أمره اللّه تعالى، يغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين».(4)
8. ما روي عن عبد اللّه بن عمرو، قال: تخلّف النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)في سفرة سافرناها، فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة ونحن نتوضّأ فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته:«ويل للأعقاب من النار» مرّتين أو ثلاثاً.(5)

1 . كنز العمال: 9 / 448، الحديث 26908.
2 . كنز العمال: 9 / 429، الحديث 26822.
3 . مسند أحمد: 1/ 95 و 114 و 124.
4 . سنن ابن ماجة:1/156، الحديث 460 .
5 . صحيح البخاري:1/23، باب من رفع صوته بالعلم من كتاب العلم، الحديث1.

36
ثم إنّه ربّما يستدل القائل بالغسل بهذه الرواية بأنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)حذّر الماسحين على الأرجل بقوله: ويل للأعقاب من النار.
يلاحظ عليه: أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)حذر هؤلاء لأنّ أعقابهم كانت نجسة غير صالحة للمسح، فأمرهم بأن يطهّروا الأعقاب أوّلاً ثم يمسحوا على الأرجل، فلم يكن التحذير لأجل المسح على الأرجل، بل لأجل كون الممسوح غير صالح له.
ثم إنّ الرواية على خلاف قول الخصم أدلّ، فإنّها تدلّ على أنّ عبدالله بن عمرو وأمثاله كانوا يمسحون إلى ذلك اليوم .
9. عن أبي مالك الأشعري أنّه قال لقومه: اجتمعوا أُصلّي بكم صلاة رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، فلمّا اجتمعوا قال: هل فيكم أحد غيركم؟ قالوا: لا، إلاّ ابن أُخت لنا، قال: ابن أُخت القوم منهم، فدعا بجفنة فيها ماء، فتوضّأ ومضمض واستنشق، وغسل وجهه ثلاثاً وذراعيه ثلاثاً ثلاثاً، ومسح برأسه وظهر قدميه، ثمّ صلّـى بهم فكبّر بهم ثنتين وعشرين تكبيرة.(1)
ما هو المراد من الكعب ؟   
10. عن عبّاد بن تميم المازني، عن أبيه أنّه قال: رأيت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)يتوضّأ ويمسح الماء على رجليه.(2)
تلك عشرة كاملة نكتفي بها، ومن أراد الوقوف على الجميع فعليه الرجوع إلى كتابنا «الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف».(3)
إلى هنا تمّ الكلام في الموضع الأوّل وهو تبيين وجه القراءتين وما

1 . مسند أحمد:5/342.
2 . صحيح ابن خزيمة: 1 / 101 .
3 . لاحظ : الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف: 1 / 45 .

37
يتبعه من وجوب المسح أو الغسل، إنّما الكلام في الموضع الثاني وهو: ما هو المراد من الكعب؟

ما هو المراد من الكعب ؟

أقول: إنّ الكعب يطلق على معان أربعة:
1. العظم المرتفع في ظهر القدم الواقع فيما بين المفصل والمِشط.
2. المفصل بين الساق والقدم. وهو خيرة صاحب القاموس، قال: الكعب كلّ مفصل للعظام.(1) ويعبّر عنه بمعقد الشراك.
3. العظمان الناتئان في جانبي الرجل.
4. عظم مستدير مثل كعب البقر والغنم موضوع تحت عظم الساق، حيث يكون مفصل الساق والقدم. وهو قول محمد بن الحسن. وكان الأصمعي يختار هذا القول ويقول: الطرفان الناتئان يسمّيان المنجمين. هكذا رواه القفّال في تفسيره.(2)
أمّا الوجه الرابع فبعيد عن الاعتبار ; لأنّ الكعب عبارة عن الارتفاع ومنه: جارية كاعب، إذا نتأ ثدياها. ومنه الكعب لكلّ ما له ارتفاع.
ونظيره القول الثاني إذ ليس فيه أيّ ارتفاع، وبما أنّ الآية تتضمّن تكليفاً لكلّ مسلم، نتيجته التوضّؤ لكلّ صلاة، فيجب أن يكون التعبير واضح الدلالة مبيّن المراد، بحيث لا يحتاج فهم المراد منه إلى دقّة علمية لا يقف عليها إلاّ الأوحدي.

1 . القاموس المحيط: 1 / 124، مادة «الكعب».
2 . تفسير الرازي: 6/162; ولاحظ : جامع المقاصد: 1/220; جواهر الكلام:2/220.

38
فتعيّن أن يكون المراد من الكعب أحد الوجهين:
الأوّل: قبة القدم ; لأنّ الكعب ـ كما مرّ ـ عبارة عن الارتفاع ومنه: جارية كاعب إذا نتأ ثدياها. ومنه الكعب لكلّ ما له ارتفاع. وقد تضافرت الروايات عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) بأنّه قبّة القدم.(1) وقد نقل في الجواهر عن عميد الرؤساء أنّه ألّف كتاباً في الكعب وفسّره بظهر القدم الواقع بين المفصل والمِشط، وهو لغوي بارز.(2) وهذا القول هو المشهور بين أصحابنا. وهو المتعيّن لكونه مروياً عن أحد الثقلين.
الثاني: ما عليه فقهاء السنة وهو: أنّ الكعبان هما العظمان الناتئان في جانبي الساق، ولكن يبعده ما مرّ أنّهما يقال لهما: المنجمان.
ومن أراد الاحتياط فليجمع بين الوجهين.
حكم غير المتمكّن من الماء   
ثمّ إنّ الناس على صنفين: أحدهما من يتمكّن من الوضوء، والثاني لا يتمكّن فقد تمّ الكلام في الأوّل، وبقي الكلام في الصنف الثاني وهذا ما يشير إليه بقوله سبحانـه:(فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا).

حكم غير المتمكّن من الماء

ذكر سبحانه من هذا الصنف أشخاصاً أربعة:
1. المرضى، كما قال: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى).

1 . لاحظ: الوسائل:1، الباب15 من أبواب الوضوء، الحديث9، والباب24 منها، الحديث4، والباب 31 منها، الحديث1.
2 . جواهر الكلام:2/220; جامع المقاصد:1/220. والمِشط : العظام الرقاق المفترشة فوق ظهر القدم، وربّما يطلق على القدم أجمع.

39
2. المسافر، كما قال: (أَوْ عَلَى سَفَر).
3. المحدث، كما قال: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ).
وقد مرّ أنّ الغائط هو الأرض المنخفضة، والمجيء منه كناية عن قضاء الحاجة الملازم للحدث، وقد عبّر به سبحانه حفظاً للأدب.
4. الجماع، وقد عبّر عنه سبحانه: (أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ) كنّى به عنه صوناً للّسان من التصريح بما تأباه الطباع.
فهذه الطوائف الأربع يجب عليهم التيمّم بشرط خاص وهو ما يذكره سبحانه بقوله: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً). فعلى هؤلاء التيمّم، كما يقول: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا): أي اقصدوا تراباً أو مكاناً من وجه الأرض طاهراً (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ): أي فاضربوا بأيديكم عليه فامسحوا بها وجوهكم (وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ). وسيوافيك ما هو المراد من الضمير في (مِنْهُ) الراجع إلى الصعيد الطيّب.
بقيت هنا أُمور ترتبط بتفسير الآية:

الأوّل: ما هو المراد من الصعيد ؟

أمّا الصعيد فقد تقدّم تفسيره في المفردات إجمالاً وقد اختلف اللغويون في معناه:
1. فعن جمهرة لغة العرب: التراب الخالص الّذي لا يخالطه سبخ ولا رمل .
2. وعن الزجّاج: هو وجه الأرض تراباً كان أو غيره حتّى قال: لا أعلم اختلافاً بين أهل اللغة في ذلك فيشمل الحجر والمدر (الطين الخالص

40
الّذي لا يخالطه الرمل) ونحوهما.
3. قال الأزهري: مذهب أكثر العلماء في قوله تعالى: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا)التراب الطاهر الّذي على وجه الأرض أو خرج من باطنها.(1)
ولكن الظاهر هو القول الثاني للروايات التالية الّتي تفسّر الصعيد بالأرض الشاملة للتراب والرمل والطين اليابس :
أ. ما روي: يُحشر الناس يوم القيامة عُراة حفاة على صعيد واحد ـ أي أرض واحدة ـ .(2)
ب. ما روي عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً».(3)
وقوله (عليه السلام): «رب الماء هو رب الأرض» .(4)
حكم المريض والمسافر   
وقوله (عليه السلام): «وإن فاتك الماء لم تفتك الأرض» .(5)
إلى غير ذلك من الأحاديث الّتي تدلّ على جواز التيمم على الأرض الشامل للتراب والرمل والطين اليابس وغيرها، فيكون تفسيراً للصعيد بشرط أن لا يخرج عن كونه أرضاً كالمعادن، والتفصيل في محلّه.

1 . لاحظ : مجمع البحرين: 3 / 85، مادة «صعد».
2 . لم نعثر في المصادر على هذا النص. نعم وجدنا ما يشتمل على موضع الاستشهاد. راجع: مجمع البيان: 9 / 342، تفسير سورة الرحمن الآية 33.
3 . الوسائل: 2، الباب 7 من أبواب التيمم، الحديث 2 و 3.
4 . الوسائل: 2، الباب 3 من أبواب التيمم، الحديث 1 .
5 . الوسائل: 2، الباب 22 من أبواب التيمم، الحديث 1.

41
 
الثاني: حدّ الملامسة
الظاهر أنّ الملامسة كناية عن غشيان النساء والإفضاء إليهن، وعليه المفسّرون، وحَمْلُها على إصابة البشرة للبشرة، بعيد عن سياق الآية، وقد حُكي عن الشافعي نقض الوضوء بلمس بشرة المحارم من النساء، وبه قال الزهري والأوزاعي.
يلاحظ عليه: أنّه سبحانه ذكر حكم الجنب إذا كان واجداً للماء، وقال: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا)ومقتضى التقابل أن يذكر حكم الجنب عند فقدان الماء، فلو فسّر قوله: (أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ) بمسّ البشرة، يلزم ترك بيان حكم الجنب عند فقدان الماء، وهذا خلاف مقتضى التقابل.
وبعبارة أُخرى: إنّه سبحانه ذكر حكم المحدث بالحدث الأصغر والأكبر عند وجدان الماء، فلازم السياق ذكر حكمهما عند فقدان الماء، فذكر حكم الأوّل بقوله: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَر أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ)، فلا محيص من حمل قوله: (أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ) على بيان حكم الحدث الأكبر.
أضف إلى ذلك: أنّ كون مسّ بشرة النساء من المحارم ناقضاً للوضوء، تحقير للنساء التي نزل كثير من الآيات في رفع شأنهن.

الثالث: حكم المريض والمسافر

المتبادر من الآية أنّ قوله سبحانه: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) قيد للأصناف الأربعة: المريض، المسافر، المحدث بالحدث الأصغر، والمحدث

42
بالحدث الأكبر، فعليهم جميعاً التيمّم إذا لم يجدوا ماءً، دونما إذا كانوا متمكّنين منه، وهذا هو المفتى به عند الفقهاء.
حكم المريض والمسافر   
فإذا نسب عدم وجدان الماء إلى الأصناف الثلاثة يُراد به عدم وجدان ماء حقيقة، وإذا نسب إلى المريض يُراد به كون استعمال الماء حرجياً وضررياً، وكُنيّ عن هذا القسم أيضاً بعدم وجدان الماء تغليباً للأكثر على الأقل، فإن كون الاستعمال ضررياً يشبّه بعدم وجود الماء لأنّ وجوده وعدمه في حقّ المريض سيّان.
فإن قلت: إذا كان تيمّم المريض والمسافر مقيّداً بعدم وجدان الماء، كان ذكر كلّ من عنواني المرض والسفر أمراً مستدركاً، إذ لا دخل لهما في لزوم التيمم وإنّما الموضوع هو عدم وجدان الماء، سواء أكان مريضاً أم مصحاً، حاضراً أم مسافراً. أو ليس هذا دليلاً على أنّ المسافر والمريض يتيمّمان مطلقاً، سواء كان الماء موجوداً أم لا؟
قلت: إنّ الموضوع كما ذكر هو فقدان الماء بالمعنى الأعم ـ أعني: فقدانه أو كون استعماله مضرّاً ـ وأمّا تخصيص المسافر والمريض بالذكر لأنّه يغلب عليهما فقدان الماء خصوصاً في الأسفار السابقة التي كان السفر على آباط الإبل في المفاوز والصحارى.
أضف إلى ذلك: أنّه لو كان القيد (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) راجعاً إلى الصنفين الأخيرين ـ أعني: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ) ـ يلزم حمل القيد على الفرد النادر ; لأنّ الصنفين الأخيرين يتمكّنان من الماء في أغلب الموارد، وأمّا غير المتمكّن بالمعنى الأعم فهو في الدرجة الأُولى المسافر وبالتالي المريض.

43
وبذلك ظهر أنّ حكم المريض والمسافر مثل الصنفين الأخيرين فيتيمّمان عند فقد الماء دون وجوده في المسافر وعدم حرجه في المريض.

فتوى شاذّة

إنّ صاحب المنار تبعاً لأُستاذه الشيخ عبده ذهبا إلى أنّ للسفر والمرض تأثيراً مستقلاًّ في العدول إلى التيمّم حتى ولو وجدا الماء ولم يكن استعماله حرجياً. وإليك نصّ كلامهما:
إنّ حكم المريض والمسافر إذا أرادا الصلاة كحكم المحدث حدثاً أصغر أو ملامس النساء ولم يجد الماء، فعلى كلّ هؤلاء التيمّم، وأنّ الآية واضحة المعنى تقتضي أنّ التيمم في السفر جائز ولو مع وجود الماء. ثم استظهرا بأنّه سبحانه رخّص السفر الذي منه قصر الصلاة وجمعها وإباحة الفطر في رمضان، فهل يستنكر مع هذا أن يرخّص للمسافر في ترك الغسل والوضوء وهما دون الصلاة والصيام في نظر الدين.
أو ليس من المجرّب أنّ الوضوء والغسل يشقّان على المسافر الواجد للماء في زماننا هذا، فكيف في الزمان السابق الذي كان السفر على ظهور الإبل في مفاوز الحجاز وجبالها... إلى أن قال: إنّ من عجب العجاب غفلة جماهير الفقهاء عن هذه الرخصة الصريحة في عبارة القرآن، واحتمال ربط قوله تعالى:(فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) بقوله: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَر) بعيد، بل ممنوع كما تقدّم على أنّهم لا يقولون به في المرضى لأنّ اشتراط فقد الماء في حقّهم لا فائدة له، لأنّ الأصحّاء والحاضرين مثلهم

44
فيكون ذكرها لغواً، يتنزّه عنه القرآن.(1)
يلاحظ عليه بوجهين:
الأوّل: أنّ القيد راجع إلى الجميع، وما ذكره من أنّ لازمه كون ذكر كلّ من عنواني السفر والمرض أمراً لغواً، مدفوع، لما عرفت من أنّ تخصيصهما بالذكر لأجل أنّ الغالب على حالتي السفر والمرض فقدان الماء في المسافر والحرج في المريض، بخلاف الحاضر والمصح إذ يتوفر الماء عند الحاضر، و لا يتحرّج المصحّ من استعمال الماء.
الثاني: أنّ تخصيص قوله: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) بالأخيرين، يلازم ـ كما مرّ ـ حمله على الفرد النادر، لأنّ فقدان الماء عند المجيء من الغائط أو الملامس في وطنه(2)، قليل جدّاً، بخلاف إرجاعه إلى الجميع، فقد عرفت أنّ فقدان الماء في الأوّلين أمر غالبي خصوصاً في الأسفار في الأزمان السابقة حيث يسافرون بالإبل ويقطعون الصحارى والمفاوز....
وحاصل الكلام: أنّ الأُستاذ والتلميذ مع ذكائهما خلطا بين أمرين وقالا: إنّ السفر سبب للرخصة كالمرض، والحال أنّهما أمارة لفقد الماء أو كون استعماله حرجياً.
كيفية التيمّم   
ثمّ إنّ صاحب المنار نقل عن أُستاذه أنّه قد راجع خمسة وعشرين تفسيراً رجاء أن يجد فيها قولاً لا تكلّف فيه، لكن صاحب المنار قال: أنا لم أراجع عند كتابة تفسيرها إلاّ روح المعاني وهو آخر التفاسير المتداولة

1 . تفسير المنار:5/120ـ 121.
2 . قلنا: في وطنه، لأجل المقابلة مع السفر الذي مرّ ذكره.

45
تأليفاً وصاحبه واسع الاطلاع، فإذا به يقول: الآية من معضلات القرآن.(1)
أقول: نحن نوافق صاحب المنار في أنّ الآية ليست من معضلات القرآن، لكن فهم الآية واستنباط الأحكام رهن التدبّر في الآية. وأنّ ذكر العنوانين: المريض والمسافر الأوّلين لغلبة فقد الماء عليهما دون المصحّ والحاضر.

الرابع: كيفية التيمّم

هو أن يضرب يديه على الصعيد ثم يمسح الجبهة بهما من قصاص الشعر إلى طرف أنفه، ثم يمسح ظاهر الكفين. وقيل باستيعاب مسح الوجه والذراعين، والأوّل أظهر.(2)
وجه كونه أظهر أنّه تعالى عبّر بالمسح المتعدّي بالباء، فقال: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ) فدلّ ذلك على أنّ المعتمد في التيمّم هو مسح بعض عضوي الغسل في الوضوء، أعني: بعض الوجه وبعض اليد إلى المرفق، فينطبق على ما ورد من طرق أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) من تحديد الممسوح بالوجه ما بين الجبينين والممسوح باليد بما دون الزند منها. وأمّا أنّه هل تكفي ضربة واحدة على الصعيد، أو لا؟ فهذا على عاتق السنّة في الفقه الشريف، وظاهر الكتاب كفاية الواحدة .
ثم الظاهر من قوله سبحانه: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ) لزوم وجود شيء من الصعيد الطيّب في اليد، حتى يمسح به وجهه ويديه.

1 . تفسير المنار:5/120.
2 . شرائع الإسلام:1/48.

46
قال في «الكشّاف» لا يفهم أحد من العرب من قول القائل مسحت برأسه من الدهن ومن الماء ومن التراب إلاّ معنى التبعيض .(1)
وعلى هذا فـ«من» في قوله:(مِنْهُ) تبعيضية لا ابتدائية، فلابدّ للمتيمّم من السعي في بقاء شيء من الصعيد على اليد، حتى يمسح به الوجه واليدين، فما ربّما يقال: ويستحب نفض اليدين بعد ضربهما على الأرض،(2) فهو محمول على نفض اليدين من الحجارة الصغيرة لا من الغبار، فما ربما يقال من جواز التيمم على الحجر الأملس الذي ليس عليه شيء من التراب أو الغبار، فلا يساعد عليه الذكر الحكيم.
ويؤيد ما ذكرنا ما في صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)وقد جاء فيها: (وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ): أي من ذلك التيمّم ; لأنّه علم أنّ ذلك أجمع لم يجر على الوجه لأنّه يعلق من ذلك الصعيد ببعض الكف ولا يعلق ببعضها».(3)
سبب الاختلاف في حكم الأرجل   

الخامس: الغاية من الوضوء

ثمّ إنّ الغاية من الوضوء هي ما يذكره سبحانه: (مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَج): أي لا يريد أن يشقّ عليكم، كيف وقد رخّص ترخيصاً إلزامياً بالتيمّم عندما كان الوضوء والغسل حرجيّين، ولكن يريد أمرين:
1. (لِيُطَهِّرَكُمْ) لأنّ الغسل والوضوء يزيل ما في الجسد من أدران، ويحتمل أن يراد به الطهارة المعنوية; لأنّ الوضوء واجب عبادي يجب أن

1 . تفسير الكشّاف: 1 / 529 .
2 . شرائع الإسلام :1/49.
3 . الوسائل: 2، الباب 13 من أبواب التيمم، الحديث 1 .

47
يأتي به متقرّباً إلى الله سبحانه، ولا مانع من أن يكون الوضوء تطهيراً من الرذائل والأقذار ومزكّياً للنفوس والأرواح، ولعلّ قوله سبحانه: (وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ) إشارة إلى الجمع بين النعمتين: الطهارة الجسمية والروحية.
ويحتمل أن يُراد من النعمة: الدين، حيث إنّ الصلاة والوضوء والغسل جزء من الأحكام الشرعية.
قوله تعالى:(لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) في مقابل إكمال النعمة حيث أتمّ نعمته ظاهرة وباطنة عملاً واعتقاداً.

السادس: سبب الاختلاف في حكم الأرجل

إذا كانت الآية صريحة في مسح الرجلين، فلماذا نرى أنّ قسماً كبيراً من المسلمين يغسلون الأرجل ولا يمسحون عليها، فما هو الوجه في طروء هذا الاختلاف؟
أقول: إنّ قسماً كثيراً من الفقهاء قالوا بأنّ القرآن نزل بالمسح والسنّة بالغسل، ومعنى ذلك أنّ السنّة نسخت القرآن، وهو كماترى، لأنّ سورة المائدة آخر سورة نزلت من القرآن، ولم ينسخ منها شيء.
يقول ابن عاشور: نزل القرآن بالمسح والسنّة بالغسل وهذا تأويل حسن لهذه الآية، فيكون مسح الرجلين منسوخاً بالسنّة.(1)
يلاحظ عليه: أنّ نسخ القرآن بالسنّة أمر مختلف فيه خصوصاً إذا كانت السنّة متعارضة، كيف وقد روي عن ابن عباس: أبى الناس إلاّ الغسل

1 . التحرير والتنوير: 5/52 ; تفسير الدر المنثور: 3/10.

48
ولا أجد في كتاب الله إلاّ المسح.(1)
والذي يمكن أن يقال في التوفيق بين الغسل والمسح: إنّه لا شكّ أنّ النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)توضّأ في المدينة المنوّرة على مرأى من أصحابه وأنصاره وأنّهم رأوا كيفية وضوئه من المسح أو الغسل، فلماذا حصل الاختلاف بعد رحلته؟
والجواب: أنّ الاختلاف رهن أحد أُمور ثلاثة على نحو مانعة الخلوّ:

الأوّل: الاختلاف في القراءة

قد تفرّق الصحابة بعد رحلة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى بلدان قريبة أو بعيدة ولم يكونوا مجمعين على قراءة واحدة لا في هذه الآية ولا في سائر الآيات، وإن كانوا متّفقين على أنّ مابين الدفّتين هو القرآن المنزل لم ينقص منه شيء، ولم يزد عليه، فمَن قرأ بالجر رجّح المسح، ومن قرأ بالنصب رجّح الغسل.

الثاني: النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يغسل رجليه قبل نزول الآية

إشاعة الغسل من قبل السلطة   
إنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) كان في فترة من عمره الشريف قبل نزول آية الوضوء يغسل رجليه ولمّا نزل القرآن الكريم بالمسح نُسخت السنّة بالقرآن، والقرآن ينسخ السنّة، حيث إنّ الصلاة باستقبال البيت المقدّس ثبتت بالسنّة ولكنّها نسخت بآية القبلة، ولعلّ الناس أخذوا بالسنّة التي كان النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)عليها، غافلين عن أنّ القرآن هو الحاكم عليها، ويدلّ عليه ما روي

1 . تفسير الدر المنثور: 2/262.

49
عن ابن عباس أنّه قال: أبى الناس إلاّ الغسل ولا أجد في كتاب الله إلاّ المسح.(1)

الثالث: إشاعة الغسل من قبل السلطة

إنّ القرآن نزل بالمسح ولكن المصلحة المزعومة لدى الحكّام اقتضت إلزام الناس بغسل الأرجل بدل المسح لخبث باطن القدمين، ويدلّ على ذلك بعض ما ورد في النصوص.
روى ابن جرير عن حميد، قال: قال موسى بن أنس ونحن عنده: يا أبا حمزة أنّ الحجّاج خطبنا بالأهواز، ونحن معه وذكر الطهور، فقال: اغسلوا وجوهكم وأيديكم وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم، وإنّه ليس شيء من ابن آدم أقرب من خبثه من قدميه، فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما.
فقال أنس: صدق الله وكذب الحجّاج، قال الله تعالى: (وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ)قال: وكان أنس إذا مسح قدميه بلّها.(2)
وممّا يعرب عن أنّ الدعاية الرسمية كانت تؤيّد الغسل، وتؤاخذ من يقول بالمسح، حتّى إنّ القائلين به كانوا على حذر من إظهار عقيدتهم فلا يصرّحون بها إلاّ خفية، ما رواه أحمد بن حنبل بسنده عن أبي مالك الأشعري أنّه قال لقومه: اجتمعوا أُصلّي بكم صلاة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)فلمّا اجتمعوا، قال: هل فيكم أحد غيركم؟ قالوا: لا، إلاّ ابن أُخت لنا، قال: ابن

1 . الدر المنثور:2/262.
2 . تفسير ابن كثير:2/27; تفسير الطبري:6/82.

50
أُخت القوم منهم، فدعا بجفنه فيها ماء فتوضّأ ومضمض واستنشق، وغسل وجهه ثلاثاً وذراعيه ثلاثاً ثلاثاً، ومسح برأسه وظهر قدميه، ثم صلّى بهم.(1)
هذه هي الوجوه التي يمكن أن يُبرر بها اختلاف المسلمين في الوضوء بعد رحيل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولو أنصفنا لوجب علينا أن نقول: إنّ السبب المهمّ هو إعراضهم عن التمسّك بكلا الثقلين اللّذين أمر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) المسلمين بالتمسّك بهما للنجاة من الضلال.
آية التيمّم   

1 . مسند أحمد بن حنبل:5/342; المعجم الكبير:3/280، برقم 3412.

51
 
2

آية التيمّم

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيل حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَر أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُورًا).(1)
وقبل البدأ في استفادة الحكم الشرعي من هذه الآية، نوضح ما أبهم من معاني بعض مفرداتها.
الصلاة: تطلق ويراد بها تارة العبادة المعروفة، وأُخرى المعبد كما في قوله تعالى:(وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْض لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيرًا).(2)
جُنُباً: بضمتين: مُن أصابته جنابة إمّا من خروج مني أو جماع،
سُمّي جنباً لاجتنابه مواضع الصلاة، وهو يستعمل في المفرد
والجمع. ونصب عطفاً على قوله: (وَأَنْتُمْ سُكَارى)حيث إنّ المعطوف

1 . النساء: 43 .   2 . الحج:40.

52
عليه جملة حالية محلّها النصب .
سكارى: جمع سكران، الذي فيه الحالة التي تحول بينه وبين عقله.
عابري سبيل: يفسّر تارة بالمجتاز وأُخرى بالمسافر.
الغائط: المكان المنخفض المُعدّ لقضاء الحاجّة من المخرجين، وهذا من أدب القرآن الرفيع، حيث يعبر عمّا لا يستحسن ذكره بالكنايات. نعم صارت الكلمة ـ في زماننا ـ حقيقة في نفس الشيء.
لامستم:كناية ـ أيضاً ـ عن المباشرة الجنسية، وهو من أدب القرآن حيث يعبّر عن هذا العمل بالكناية. وما رُوي عن الشافعي: أنّ الآية تدلّ على نقض الوضوء بلمس بشرة النساء إلاّ المحارم منهن، غير تام لاستعماله في غير واحدة من الآيات(1) في المباشرة.
صعيداً: المكان المرتفع من وجه الأرض أو وجه الأرض.
طيّباً: الطيّب: ما كان طاهراً نظيفاً خالياً عن الأذى في النفس والبدن.(2)
وبعد أن اتّضحت معاني المفردات ندخل إلى المقصود، فنقول:
وفي الآية محاور:
1. النهي عن الصلاة في حالة السكر.
2. النهي عن دخول الجنب في الصلاة حتى يغتسل، إلاّ عابر السبيل.
3. حكم المريض والمسافر ومَن جاء من قضاء الحاجة أو لامس النساء إذا فقد الماء، وإليك دراسة كلّ محور على حدة.

1 . لاحظ: سورة البقرة، الآية 236، 237.   2 . مجمع البحرين: 2 / 111، مادة «طيب».

53
أمّا الأوّل: فالله سبحانه يخاطب المؤمنين ألاّ يدخلوا في الصلاة وهم سُكارى حتى يدركوا ما يقولون في الصلاة، يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ): أي لا تدخلوها (وَأَنْتُمْ سُكَارى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ): فإنّ السكران لا يتكلّم عن عقل وشعور، فالمؤمن يواجه مقام العظمة والكبرياء ويخاطب رب العالمين فلا يصلح أن يكون سكراناً يتكلّم بلا شعور ولا عقل.
ثمّ إنّ هنا شبهة أثارها بعض المفسّرين وشرحها الرازي قائلاً: بأنّ ظاهر قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) نهي المؤمنين عن القرب من الصلاة حال صيرورتهم بحيث لا يعلمون ما يقولون، وتوجيه التكليف على مثل هذا الإنسان ممتنع بالعقل والنقل.
أمّا العقل فإنّ تكليف مثل هذا الإنسان يقتضي التكليف بما لا يطاق.
وأمّا النقل فهو قوله(عليه السلام):«رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ»، ولأنّ مثل السكران مثل المجنون، فوجب ارتفاع التكليف عنه.(1)
أقول: عزب عن الرازي أنّ الخطاب للمؤمنين قبل أن يسكروا، فيأمرهم بالاجتناب عن شرب الخمر للحذر عن الابتلاء بهذا الأمر المحرّم.
ثمّ إنّ قوله:(حَتَّى تَعْلَمُوا) ليس غاية للحكم حتى يكون معنى الآية لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى، إلى أن تعلموا ما تقولون، فإذا علمتم ما تقولون فلا بأس بالصلاة، حتى يستشمّ منه جواز القرب إلى الصلاة لدى

1 . تفسير الرازي:10/109ـ 110.

54
وقت العلم بما يقولون، بل هو تعليل للحكم ـ أي الصلاة حال السكر ـ فإنّ شرب الخمر لا ينفك عن وقوع الصلاة في حال السكر.
وأمّا المحور الثاني وهو قوله: (وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيل حَتَّى تَغْتَسِلُوا): أي لا تقربوا الصلاة جنباً إلاّ عابري سبيل، فلو أُريد من الصلاة العبادة المعروفة فلابدّ من تفسير عابري سبيل بالمسافر، أي لا تقربوا الصلاة وأنتم جنب إلاّ إذا كنتم مسافرين فاقدين للماء فيجوز اقترابها حتى تغتسلوا.
روى السيوطي في «الدر المنثور» عن علي(عليه السلام) في قوله:(وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيل)قال:«نزلت هذه الآية في المسافر، تصيبه الجنابة فيتيمّم ويصلّي»، وفي لفظ قال: «لا يقرب الصلاة إلاّ أن يكون مسافراً، تصيبه الجنابة فلا يجد الماء فيتيمم ويصلّي حتى يجد الماء».(1)
فإن قلت: تفسير الفقرة بهذا النحو وإن كان يوجب انسجام الآية ولكنّه يوجب التكرار ; لأنّ حكم المسافر يأتي ـ في قوله سبحانه ـ في آخر الآية: (أَوْ عَلَى سَفَر).
والجواب: أنّ الوارد في صدر الآية هو خصوص الجنب المسافر الّذي لا يجد ماءً فيتيمّم، وأمّا الوارد في ذيل الآية فالمراد مطلق المسافر، سواء كان محدثاً بالأصغر أو الأكبر .
فإن قلت: قد مرّ الحديث عن الجنب في قوله: (وَلاَ جُنُبًا)، فلماذا ذكره ثانياً في قوله: (أَوْ لاَمَسْتُمُ)؟
قلت: الجُنب في صدر الآية أعمّ حيث إنّ سبب الجنابة لا يختصّ

1 . تفسير الدر المنثور: 2/546.

55
بلمس النساء، بل يحصل بالاحتلام، فصدر الآية أعمّ من ذيلها.
وربما يقال: إنّ المراد من الصلاة المعبد، وعندئذ يكون المعنى: أي لا تقربوا المعبد الذي بُني للصلاة حال كونكم سُكارى إلاّ إذا كنتم متجاوزين دخولاً من باب وخروجاً من باب آخر، فللجنب أن يجتاز المسجد ويحرم عليه المكث فيه إلاّ المسجد الحرام ومسجد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إذ يحرم فيهما المكث والاجتياز. وعلى هذا تدور الفقرة في بيان حكم الجنب، عند دخوله المسجد.
وأمّا المحور الثالث: حكم الطوائف الأربع إذا فقدوا الماء، وقال:(وَإِنْ كُنْتُمْ):
1. (مَرْضى).
2. (عَلى سَفَر)
3. (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ).
4. (أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا).
فظاهر الآية أنّ كلاًّ من العناوين الأربعة، إذا كانوا فاقدين للماء يجب عليهم التيمّم. وبعبارة أُخرى: قوله: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) قيد للأربعة جميعاً لا لخصوص الأخيرين.
إنّ كلاًّ من العناوين الأربعة عنوان طريقي إمّا لفقدان الماء كما في العناوين الثلاثة، أو لكون استعماله حرجياً كما في المرضى، وليس للمرض والسفر موضوعية، بمعنى أنّ كلاًّ من المريض والمسافر يجوز لهما التيمّم وإن وجدا الماء أو لم يكن استعماله حرجيّاً، وهذا هو الذي

56
فهمه عامّة المفسّرين إلاّ من شذّ كالشيخ عبده وقد مرّ كلامه في تفسير آية المائدة فلا نعيد.
وبما ذكرنا تبيّن أنّ القيد راجع إلى العناوين الأربعة، وأنّ المسافر إذا كان واجداً للماء أو المريض إذا كان الماء غير مضر له، يجب عليهما الاغتسال.

كيفية التيمّم

ثمّ إنّه سبحانه يذكر كيفية التيمّم ويقول:(فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا): أي تحرّوا واقصدوا أرضاً طيّبة (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ) والمسح بالوجوه والأيدي لا يتحقّق إلاّ بضرب الكفّين على الأرض، وأمّا أنّه هل تكفي ضربة واحدة أو لكلّ من الوجه والكفين ضربة خاصّة، ظاهر الكتاب كفاية الواحدة إلاّ أن تدلّ السنّة على التعدّد.
ثم إنّ الباء في قوله: (بِوُجُوهِكُمْ) للتبعيض فيدلّ على عدم وجوب الاستيعاب في مسح الوجوه والأيدي، وأمّا ما هو الحدّ فالآية ساكتة عنه، فيرجع فيه إلى السنّة.
روى الكليني بسند صحيح عن زرارة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام)عن التيمّم؟ فضرب بيده إلى الأرض ثم رفعها فنفضها، ثم مسح بها جبينه وكفيّه مرّة واحدة.(1)
نعم الآية تدلّ على أنّ صلاة المصلّي بالطهارة الترابية صحيحة لا تحتاج إلى الإعادة ولا القضاء. ثم إنّ الفاضل المقداد قال: وفي الآية أحكام

1 . الوسائل: 1 الباب 11 من أبواب التيمّم، الحديث 3 .

57
كثيرة... أنهاها إلى 27 حكماً.(1) وفي دلالة الآية على قسم منها تأمّل واضح.
ثمّ إنّه سبحانه أتمّ الآية بقوله: (إِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُورًا) فإنّه سبحانه قد رخّص لفاقد الماء عدم الاغتسال حتى يرتفع العذر. لكونه (عَفُوّاً) كثير الصفح والتجاوز، (غَفُورًا): أي كثير الستر على عباده.

عليٌّ إمام المتقين

من درس حياة الإمام علي(عليه السلام) عن وعي وبلا رأي مُسْبق، يقف على أنّه(عليه السلام) ترعرع في أحضان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) منذ صباه إلى أن قبض الله سبحانه نبيّه إليه.
إنّ فاطمة بنت أسد أُمّ أمير المؤمنين(عليه السلام) تقول: فولدت عليّاً ورسول الله ثلاثون سنة فأحبه رسول الله حبّاً شديداً وقال لي: اجعلي مهده بقرب فراشي، وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) يلي أكثر تربيته وكان يطهر عليّاً في وقت غسله، ويوجره اللبن عند شربه ويحرك مهده عند نومه، ويناغيه(2) في يقظته، ويحمله على صدره ورقبته، ويقول: هذا أخي ووصيّي وزوج كريمتي وأميني على وصيتي وخليفتي، وكان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يحمله دائماً ويطوف به جبال مكة وشعابها وأوديتها وفجاجها، صلّى الله على الحامل والمحمول.(3)

1 . لاحظ : كنز العرفان: 1 / 30 ـ 31 .
2 . المناغاة: المحادثة، وقد ناغت الأُمّ صبيّها: لاطفته وشاغلته بالمحادثة والملاعبة. النهاية لابن الأثير: 5 / 88 ، مادة «نغا».
3 . كشف الغمة:1/61ـ 62.

58

عدم مفارقة عليّ رسول الله منذ صباه إلى رحيله

يقول ابن هشام: وممّا أنعم الله به على علي بن أبي طالب(رضي الله عنه) أنّه كان في حجر رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)قبل الإسلام. قال ابن إسحاق: وحدّثني عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد بن جبر أبي الحجّاج، قال: كان من نعمة الله على علي بن أبي طالب، وما صنع الله له، وأراده من الخير، أنّ قريشاً أصابتهم أزمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثير، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) للعبّاس عمّه، وكان من أيسر بني هاشم، يا عبّاس: إنّ أخاك أبا طالب كثير العيال، وقد أصاب الناس ماترى من هذه الأزمة، فانطلق بنا إليه، فنخفّف عنه من عياله، آخذُ من بنيه رجلاً، وتأخذ أنت رجلاً، فنكفلهما عنه. فقال العباس: نعم. فانطلقا حتى أتيا أبا طالب، فقالا له: إنّا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه، فقال لهما أبو طالب: إذا تركتما لي عقيلاً فاصنعا ما شئتما. قال ابن هشام: ويقال: عقيلاً وطالباً. فأخذ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)عليّاً فضمّه إليه، وأخذ العباس جعفراً فضمّه إليه، فلم يزل عليّ مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) حتى بعثه الله تبارك وتعالى نبيّاً، فاتبعه عليّ(رضي الله عنه) وآمن به وصدّقه، ولم يزل جعفر عند العبّاس حتى أسلم واستغنى عنه.(1)
نعم كان أخذ عليّ ذريعة في الواقع لتربيته على يد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وهذا هو الذي يذكره الإمام (عليه السلام) في خطبته ويقول: «وَلَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُهُ اتِّبَاعَ الْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ، يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْم مِنْ أَخْلاَقِهِ عَلَماً، وَيَأْمُرُنِي بِالاِْقْتِدَاءِ بِهِ. وَلَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَة بِحِرَاءَ (حرّاء) فَأَرَاهُ، وَلاَ يَرَاهُ غَيْرِي. وَلَمْ يَجْمَعْ بَيْتٌ

1 . السيرة النبويّة:1/245ـ246.

59
وَاحِدٌ يَوْمَئِذ فِي الاِْسْلاَمِ غَيْرَ رَسُولِ اللهِ(صلى الله عليه وآله وسلم) وَخَدِيجَةَ وَأَنَا ثَالِثُهُمَا. أَرَى نُورَ الْوَحْيِ وَالرِّسَالَةِ، وَأَشُمُّ رِيحَ النُّبُوَّةِ. وَلَقَدْ سَمِعْتُ رَنَّةَ (رَنَة) الشَّيْطَانِ حِينَ نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَيْهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا هذِهِ الرَّنَّةُ؟ فَقَالَ: «هذَا الشَّيْطَانُ قَدْ أَيِسَ مِنْ عِبَادَتِهِ. إِنَّكَ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ، وَتَرَى مَا أَرَى، إِلاَّ أَنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيٍّ، وَلكِنَّكَ لَوَزِيرٌ وَإِنَّكَ لَعَلَى خَيْر».(1)
يقول ابن أبي الحديد: فجاور رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في حراء في شهر رمضان ومعه أهله خديجة، وعلي بن أبي طالب وخادم لهم، فجاءه جبرئيل بالرسالة... إلى آخر ما ذكره.(2)
والروايات في هذا الموضوع كثيرة.
ومعنى هذا أنّ عليّاً لم يكن يفارق النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) منذ صباه إلى أن رحل إلى ربه. وأمّا النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) فالله سبحانه أدّبه فأحسن أدبه لم يعبد وثناً ولم يشرب خمراً، عن أبي النعيم في «الدلائل» عن علي(عليه السلام): قيل للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم): هل عبدت وثناً قط؟ قال(صلى الله عليه وآله وسلم):لا، قالوا: هل شربت خمراً قط؟ قال: لا.(3)
وروى الكليني بسند صحيح عن الإمام الرضا(عليه السلام):«ما بعث الله نبيّاً قط إلاّ بتحريم الخمر».(4)

1 . نهج البلاغة: الخطبة 192، «القاصعة».
2 . شرح نهج البلاغة:13/208.
3 . كنز العمال: 12 / 406، برقم 35439.
4 . الكافي:1/115، برقم 15.

60
وروى الكليني أيضاً عن زرارة عن الإمام الصادق(عليه السلام):«ما بعث الله نبيّاً قط إلاّ وفي علم الله أنّه إذا أكمل دينه كان فيه تحريم الخمر، ولم تزل الخمر حراماً، وإنّما يُنقلون من خصلة إلى خصلة، ولو حُمل ذلك عليهم جُملة لقطع بهم دون الدين».(1)
قال الشيخ البلاغي: معنى هذه الروايات لم تزل حراماً عندالله وفي كلّ دين ولكن قد يستفحل الضلال وحكم الجاهلية في الأُمم إلى أن يروها حلالاً، فإذا بعث الله نبيّاً آخر قد لا يفاجئهم في أوّل نبوّته وتبليغه بتحريمها، لأنّ الحكمة تقتضي أن يتدرّج معهم في بيان المحرّمات ببيان خصلة خصلة، ولو حملهم دفعة على ترك جميع المحرّمات لما انقادوا إلى الدين ولقطع بهم دونه، ويشهد تدرّج القرآن الكريم ببيان أنّ فيها إثماً كبيراً وإثمها أكبر ممّا يزعمه الناس من النفع ، كما مضى في سورة البقرة(الآية:219) وأنّها رجس من عمل الشيطان ليوقع بها العداوة والبغضاء بينهم، كما في سورة المائدة ] الآية 91 [، وما كان كما ذكرناه لابدّ من أن يكون النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)عالماً بتحريمه من أوّل الأمر، ولابدّ في كماله وعصمته وأهليته للنبوّة ودعوتها من أن لا يكون مدّة عمره الشريف قد لوّث قُدسه بشربها قبل النبوّة وبعدها.(2)
هذا هو النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) ومَن ربّاه في حجره، وهما كالفرقدين في سماء الفضيلة والكرامة، أفيمكن لمثل عليّ أن يفارق معلّمه ومربّيه، فيجتمع مع جماعة عبدوا الصنم في عصر الجاهلية وشربوا الخمر

1 . الكافي:6/395، برقم 3.
2 . آلاء الرحمن في تفسير القرآن:2/417ـ 418.

61
واستمروا عليه طالبين البيان الشافي من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فيشرب معهم الخمر، ويكون إماماً لهم فيقرأ قوله تعالى في سورة الكافرون، فيغلط كما رواه القوم.
إنّ لشخينا البلاغي بياناً شافياً في ذلك، حيث يقول: إذن فمن تربّى بتربية رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)ونهج من صغر سنّه نهجه، وتأدّب من طفولته بآدابه، وآمن برسالته من أوّلها، وكان أطوع له(صلى الله عليه وآله وسلم) من ظلّه، كيف يقال في شأنه إنّه كان يشرب الخمر أُمّ الخبائث، والمُوقعة في الفواحش، والسالبة للعقل وشرف الإنسانية، والملحقة للإنسان بمجنون الوحوش.(1)

رواية مجعولة للحطّ من مقام الوصيّ

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ السيوطي نقل الرواية عن جماعة منهم الحاكم، بالنحو التالي: عن عليّ بن أبي طالب قال: صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاماً، فدعانا وسقانا من الخمر، فأخذت الخمر منا، وحضرت الصلاة، فقدّموني فقرأت: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ)، ونحن نعبد ما تعبدون، فأنزل الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ)(2)،(3) ولكن يا للأسف أنّ السيوطي أخطأ في روايته عن الحاكم ولم ينقلها صحيحاً، وإليك نصّ ما رواه الحاكم:
عن علي(رضي الله عنه) قال: دعانا رجل من الأنصار قبل تحريم الخمر

1 . آلاء الرحمن في تفسير القرآن: 2 / 417 ـ 418 .
2 . النساء:43.
3 . تفسير الدر المنثور: 2 / 165 .

62
فحضرت صلاة المغرب فتقدّم رجل فقرأ: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) فالتبس عليه فنزلت: (لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ).
]وقال بعد الرواية[: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرّجاه. وفي هذا الحديث فائدة كثيرة وهي أنّ الخوارج تنسب هذا السكر وهذه القراءة إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام)دون غيره، وقد برأه الله منها فإنّه راوي هذا الحديث، وقال الذهبي: صحيح.(1)
أضف إلى ذلك: أنّ الحاكم يرويها عن عبد الرحمن السُّلمي وهو إنسان منحرف عن علي(عليه السلام)، ففي «تهذيب التهذيب» عن الواقدي من أنّ أبا عبد الرحمن السُّلَمي عبد الله بن حبيب شهد مع عليّ صفين ثم صار عثمانياً! أي معادياً لعلي وموالياً لمعاوية.(2)
فما قيمة رواية يرويها العدو في حقّ مَن يعاديه. هذا كلّه يرجع إلى الرواية الأُولى التي نقلها السيوطي في «الدر المنثور»، وأمّا بقية الروايات فحدّث عنها ولا حرج، ففيها تناقضاً في المتن، ففي الرواية الأُوّلى أنّ المضيّف هو عبد الرحمن بن عوف، وعليّ هو الإمام، وفي الرواية الثانية أنّ الإمام هو عبد الرحمن، فلا يمكن الاعتماد على هذه الروايات، والله الحاكم.
إنّ من نسب هذا الأمر الشنيع إلى عليّ، ممّن لم يعرف عليّاً حقّ معرفته، أو عرفه ولكن عاداه، فأراد أن يقرنه إلى من كانت عادته شرب

1 . المستدرك على الصحيحين:2/307(الطبعة القديمة)، ج3/1198، برقم 3199، طبعة المكتبة العصرية.
2 . تهذيب التهذيب:5/184.

63
الخمر، حتى يهوّن الأمر عليه، ونعم ما قال علي(عليه السلام) في بعض خطبه، حيث قرنه عمر بن الخطاب مع رجال خمسة هم دون مكانته ومنزلته، قال(عليه السلام):«فَيَالَلّهِ وَلِلشُّورَى! مَتَى اعْتَرَضَ الرَّيْبُ فِيَّ مَعَ الاَْوَّلِ مِنْهُمْ، حَتَّى صِرْتُ أُقْرَنُ إلَى هذِهِ النَّظَائِرِ!».(1)
ثمّ إنّ مَن حقّق الموضوع من علمائنا شيخنا البلاغي في تفسيره القيّم (آلاء الرحمن) وقد صدرنا عن بيانه وإفاضاته.

1 . نهج البلاغة: الخطبة3.

64
الإفطار في السفر عزيمة لا رخصة   
 
3

الإفطار في السفر عزيمة لا رخصة

اتّفقت كلمة الفقهاء على مشروعية الإفطار في السفر، تبعاً للذكر الحكيم والسنّة المتواترة، إلاّ أنّهم اختلفوا في كونه عزيمة أو رخصة، نظير الخلاف في كون القصر فيه واجباً أو جائزاً.
ذهبت الإمامية تبعاً لأئمّة أهل البيت(عليهم السلام) والظاهرية إلى كون الإفطار عزيمة لا رخصة، واختاره جمع من الصحابة والتابعين.
وذهب جمهور أهل السنّة وفيهم فقهاء المذاهب الأربعة إلى كون الإفطار رخصة، وإن اختلفوا في أفضلية الإفطار أو الصوم.
وبما أنّ اختلاف الفقهاء في ذلك يعرب عن وجود إجمال في الآية، في نظرهم فإنّا سنقوم بدراسة الآيات الثلاث التالية، ـ مجرّدة عن الروايات ـ لكي يتضح أنّها من الآيات المبيّنات لا من المجملات.
قال سبحانه :
1. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).
2. (أَيَّامًا مَعْدُودَات فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّام أُخَرَ وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِين فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَ أَنْ

65
تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ).
3. (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَ بَيِّنَات مِنَ الْهُدَى وَ الْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَ مَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّام أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَ لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).(1)
تتضمّن هذه الآيات أحكام أصناف المكلّفين الأربعة، وهم:

1. الشخص المصح

إنّ قوله سبحانه: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) ناظر إلى هذا الصنف، ودالّ على لزوم الصوم على المصح الشاهد للشهر، من غير فرق بين كون المراد من شهود الشهر هو الحضور في البلد وعدم السفر، أو المراد رؤية الهلال، فليس للشاهد إلاّ تكليف واحد وهو صوم الشهر كلّه إذا اجتمعت فيه شروط التكليف.

2 و3 و4. المريض والمسافر والمطيق

قد بيّن سبحانه حكم الصنفين الأوّلين في موردين:
أ. (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّام أُخَرَ).(2)
ب. (وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّام أُخَرَ).(3)

1. البقرة: 183 ـ 185.
2. البقرة:184.
3. البقرة:185.

66
والإمعان في الآيتين يثبت أنّ الإفطار عزيمة وذلك بوجوه أربعة:

الأوّل: ترتّب الوجوب على العنوانين

قوله: (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّام أُخَرَ) بمعنى أنّه يترتّب على المريض والمسافر وجوب صيام أيام أُخر، وهذا هو الظاهر من غير واحد من المفسّرين حيث يفسّرونه بقولهم: عليه صوم أيام أُخر.
هذا هو الطبري يقول: فعليه صوم عدّة الأيام التي أفطرها في مرضه أو في سفره من أيام أُخر.(1)
وهذا هو ابن كثير يقول : أي المريض والمسافر لا يصومان في حال المرض والسفر، لما في ذلك من المشقّة عليهما، بل يفطران ويقضيان بعدة ذلك من أيام أُخر.(2)
إنّ هذا الوجوب ـ أي الصوم في أيّام أُخر ـ وجوب تعييني لا تخييري ; لأنّه الأصل في الوجوب دون الآخر لاحتياجه إلى البيان الزائد، فإذا وجب الصيام تعييناً في تلك الأيام يحرم الصوم عليهما في شهر رمضان، إذ لا صوم في الشريعة الإسلامية في كلّ السنة إلاّ صوماً واحداً، ويصير الصيام فيه بدعة.
وإن شئت قلت: إنّ الفاء في قوله: (فعدّة) هي فاء الترتيب التي تدلّ على ترتّب وجوب صيام الأيام الأُخر، على كون المكلّف مريضاً أو على سفر، بحيث يكون كلّ من المرض والسفر موضوعاً مستقلاًّ لوجوب

1. تفسير الطبري:2/77.
2. تفسير ابن كثير:1/376.

67
الصيام في أيام أُخر، وجوباً تعيينياً لا يعدل به إلى غيره، ولازم ذلك حرمة الصيام في شهر رمضان لأنّه بمعنى العدول إلى الغير.

الثاني: التقابل بين الجملتين

إنّ في الآية تقابلاً بين الجملتين، الأُولى تدلّ على الأمر بالصوم، والجملة الثانية تدلّ على النهي عنه، فالأمر ظاهر في الوجوب والنهي في الحرمة.
مثلاً: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) فيكون مفاد قوله: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَر )بمنزلة قوله: فمن لم يشهد الشهر مصحّاً إمّا لكونه مريضاً أو مسافراً فلا يصمه بل يصوم عدّة من أيام أُخر. فكأنّه يقول: تصوم الطائفة الأُولى ولا تصوم الطائفتان الثانية والثالثة، وقد أُشير إلى هذا الاستدلال في رواية زرارة عن الإمام الصادق(عليه السلام)قال: قلت له: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)؟ قال الإمام(عليه السلام): «ما أبينها، من شهد الشهر فليصمه ومن سافر فلا يصمه».(1)

الثالث: ذكر المريض والمسافر في سياق واحد

إنّ الآية ذكرت المريض والمسافر في سياق واحد وحكمت عليهما بحكم واحد، وقال: (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّام أُخَرَ)، فهل الرخصة في حقّ المسافر فقط؟ أو تعمّ المسافر والمريض؟
فالأوّل يستلزم التفكيك، فإنّ ظاهر الآية أنّ الصنفين في الحكم على

1. الوسائل: 7، الباب 1 من أبواب من يصح منه الصوم، الحديث18.

68
غرار واحد لا يختلفان، فالحكم بجواز الإفطار في المسافر دون المريض لا يناسب ظاهر الآية .
وأمّا الثاني فهل يصحّ لفقيه أن يفتي بالترخيص في المريض إذا كان الصوم ضارّاً أو شاقّاً عليه؟ فإنّ الإضرار بالنفس حرام في الشريعة المقدّسة، كما أنّ الإحراج في امتثال الفرائض ليس مكتوباً ولا مجعولاً في الشرع، قال سبحانه: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج).(1)

الرابع: الواجب من أوّل الأمر هو صيام أيام أُخر

إنّ ظاهر قوله سبحانه: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّام أُخَرَ)هو أنّ المكتوب على الصنفين من أوّل الأمر هو الصيام في أيّام أُخر، فإذا كان الصيام واجباً على عامّة المكلّفين وكان المكتوب عليهم من أوّل الأمر هو الصيام في أيام أُخر، فصيامهم في شهر رمضان يكون بدعة وتشريعاً محرّماً، لاتّفاق الأُمّة على عدم وجوب صومين طول السنة.

تقدير «فأفطر» لتطبيق الآية على المذهب

لا شكّ أنّ هذه الوجوه لم تكن خافية على مفسّري أهل السنّة ولذلك نراهم عند تفسير الآية تفسيراً حرفياً أتوا ببعض الجمل التي تدلّ على وجوب الصيام في الأيام الأُخر لا التخيير بين الصيام والإفطار، ومع ذلك ذهب جُلّهم إلى أنّ الإفطار رخصة، وما هذا إلاّ لأنّهم لمّا وقفوا على أنّ مذاهب أئمتهم في الفقه على الرخصة، جنحوا إلى تأويل هذه الفقرات،

1 . الحج: 78.

69
فقدّروا كلمة: (فأفطر) في الآيات، وكأنّه سبحانه قال: «فمن كان منكم مريضاً أو على سفر ـ فأفطر ـ فعدّة من أيام أُخر» ومعنى ذلك أنّه لو لم يفطر لما وجب صيام تلك الأيام، ومن المعلوم أنّ الإفطار يكون رخصة لا عزيمة، لكن الكلام فيما هو دليلهم على ذلك التقدير المفترض.
من المتّفق عليه أنّ القرآن في مقام التشريع يجب أن يكون بيّن المراد واضح المقصود، فلو كان الحكم مفروضاً على هذا التقدير كان عليه أن يشير إليه في واحدة من الآيتين. وهذا هو الذي أشرنا إليه في صدر المقام وهو أنّ الفقيه يجب أن يفهم الآية بعيداً عن آراء مذهبه المسبقة.
والعجب أنّ صاحب تفسير المنار وقف على مفاد الآية لكنّه تأوّلها وقال: اختلف السلف في هذه المسألة فقالت طائفة: لا يجزي الصوم في السفر عن الفرض، بل مَن صام في السفر وجب عليه قضاؤه في الحضر، لظاهر قوله تعالى: (فعدّة من أيّام أُخر)... قالوا: ظاهره فعليه عدّة أو فالواجب عدّة، وتأوّله الجمهور بأنّ التقدير: فأفطر فعدّة.(1)
ولا ينقضي تعجّبي منه، حيث إنّه يصفه بأنّه تأويل ومع ذلك يصرّ على صحّة فتوى الجمهور، ومع أنّه يندّد في ثنايا تفسيره بجملة من المقلّدين لأئمة مذاهبهم حيث يؤوّلون ظواهر الآية تطبيقاً لها لفتوى مذهب إمامهم، ويقول في مسألة الطلاق ثلاثاً ـ التي اختار فيها تبعاً لظاهر القرآن بأنّه لا يقع إلاّ مرّة واحدة ـ : ليس المراد مجادلة المقلّدين أو إرجاع القضاة والمفتين عن مذاهبهم فإنّ أكثرهم يطّلع على هذه النصوص في

1. تفسير المنار:2/153.

70
كتب الحديث وغيرها ولا يبالي بها، لأنّ العمل عندهم على أقوال كتبهم دون كتاب الله وسنّة رسوله.(1)
إلى هنا تمّ ذكر أحكام الأصناف الثلاثة ـ أعني: المصح، والمريض، والمسافر ـ وبقي حكم الصنف الرابع أعني:

المطيق

قوله سبحانه:(وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِين)، والمراد بالمطيق هو مَن لا يستطيع الصوم إلاّ بمشقّة كثيرة، فعليه فدية طعام مسكين عن كلّ يوم يفطر فيه، من أوسط ما يطعم منه أهله في العادة الغالبة.
هذا هو المفهوم من الإطاقة فهي عبارة عن أدنى درجات القدرة على الشيء، يقال: أطاق الشيء إذا كانت قدرته عليه في نهاية الضعف، بحيث يتحمّل به مشقّة شديدة، فيتعيّن له الإفطار والفدية ولو صام لم يصحّ لعدم الأمر، وعلى هذا فيكون المورد من مصاديق قوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج )(2) خلافاً لصاحب الحدائق.(3) حيث ذهب إلى صحّة الصوم أيضاً وعدم الفداء وأنّ الحكم ترخيصي لا إلزامي. والتفصيل في محلّه. وأمّا من لا يقدر على الصوم أصلاً فقد عفي عن الصوم والفدية.
هذه هي أحكام الأصناف الأربعة، بقي هنا شيء ربّما يقع ذريعة للقول بأنّ الإفطار رخصة، أعني قوله سبحانه في آخر الآية الثانية:(وَ أَنْ

1. تفسير المنار:2/386.
2. الحج:78.
3. لاحظ : الحدائق الناضرة: 13/421.

71
تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ).

دليل القائل بالرخصة

قال صاحب المنار: وأمّا من يقول بالرخصة في المريض والمسافر أو بخصوص المسافر يتّخذ ذلك ذريعة للرخصة ويقول: إنّ الخطاب فيها لأهل الرخص وأنّ الصيام في رمضان خير لهم من الترخّص بالإفطار.(1)
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ الآية الثانية تتشكّل من أربع فقرات بعد بيان أنّ الواجب لا يتجاوز عن كونه أياماً معدودات، وهي:
الأُولى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّام أُخَرَ).
الثانية: (وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِين).
الثالثة: (فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ).
الرابعة: (وَ أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ).
وقد جاءت الفقرتان الثانية والثالثة بصيغة الغائب، بخلاف الأخيرة التي جاءت بصيغة الخطاب.
وهذا دليل على أنّه منقطع عن المقاطع الثلاثة، وتأكيد للخطاب الأوّل بعد التفصيل، أعني قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) .
وثانياً: لو كان الخطاب راجعاً لأهل الرخص فلابدّ أن يرجع إلى خصوص المسافر، لا إلى المريض، لافتراض كون الصوم مضرّاً له; ولا إلى

1. تفسير المنار:2/158.

72
المطيق لفرض كونه حرجياً، رفع وجوب الصوم عنه ولم يشرع في حقّه. فإذا اختص رجوعه إلى المسافر كان مقتضى سياق الكلام أن يقول: وأن يصوم المسافر خير من أن يفطر، يعني بصيغة الغائب لا بصيغة الحاضر.
وعلى هذا فالفقرة ناظرة إلى عامّة الحالات على النحو المذكور فيها، فيكون المراد:
1. أنّ الشاهد للشهر يصوم.
2. أنّ المريض والمسافر يفطران ويصومان في أيّام أُخر.
3. أنّ المطيق يفطر ويفدي.
فإن تصوموا على النحو الماضي هو خير لكم، لأنّ فيه جمعاً بين الفريضة وعدم الحرج.

الروايات تؤيّد أنّ الإفطار عزيمة

قد عرفت أنّ الآيات تدلّ بوضوح على أنّ الإفطار عزيمة وليس برخصة، وأنّ المذكورين في الآيات هم أصحاب عزائم لا أصحاب رخصة، ومن حسن الحظ أنّ الروايات الواردة عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)وما رواه أهل السنّة عن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)يدلّ على العزيمة، أمّا القسم الأوّل فالمجال لا يسع لنقله فمن أراد التوسّع فليرجع إلى وسائل الشيعة.(1)
وأمّا القسم الثاني ـ أعني: ما رواه أهل السنّة ـ فنذكر منه شيئاً:

1 . لاحظ : الوسائل : 7، الباب 1 من أبواب من يصحّ منه الصوم، عامّة روايات الباب المناهزة إلى 15 رواية.

73
أخرج مسلم عن جابر بن عبد الله أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) خرج عام الفتح إلى مكّة في رمضان فصام حتى بلغ كراع الغميم فصام الناس، ثمّ دعا
بقدح من ماء فرفعه حتّى نظر الناس إليه ثم شرب، فقيل له بعد ذلك: إنّ بعـض الناس قد صام؟ فقال: «أُولئك العصاة، أُولئك العصاة».(1)
والمراد من العصيان هو مخالفة أمر الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، يقول الله سبحانه: (وَمَن يَعصِ اللهَ وَرسوله فقد ضَلّ ضَلالاً مُبيناً).(2)
والعجب ممّن يريد إحياء مذهب إمامه يحمل الحديث على أنّ أمره(صلى الله عليه وآله وسلم)كان أمراً استحبابياً، لكنّه بمعزل من الواقع، فأين الاستحباب من قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «أُولئك العصاة، أُولئك العصاة».
وأخرج ابن ماجة في سننه عن عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«صائم رمضان في السفر كالمفطر في الحضر».(3)
ودلالة الحديث على كون الإفطار عزيمة، واضحة، فإنّ الإفطار في السفر إذا كان إثماً وحراماً فيكون النازل منزلته ـ أعني: الصيام في نفس هذا الشهر ـ إثماً وحراماً.

1. شرح صحيح مسلم للنووي:7/232.
2. الأحزاب:36.
3. سنن ابن ماجة:1/532، برقم 8666; سنن أبي داود:2/217، برقم 2407.

74
آية الخمس    
 
4

آية الخمس

قال سبحانه: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ ).(1)
قبل الدخول في صلب الموضوع نوضّح بعض المفردات.
غنمتم: الغُنم: الفوز بالشيء، قاله الأزهري.(2)
وقال الراغب: الغَنْم معروف، والغُنم إصابته والظفر به، ثم استعمل في كلّ مظفور به من جهة العدى وغيرهم. وفي مصطلح الفقهاء: ما كان من غير قتال فهو فيءٌ، وإن كان مع القتال فهو غنيمة.
يوم الفرقان: أُريد به يوم بدر، لأنّه اليوم الذي فرّق فيه بين الإيمان وأهله، وبين الكفر وأهله .
الجمعان: جمع المؤمنين وجمع المشركين.

1 . الأنفال: 41 .
2 . لاحظ: تهذيب اللغة، مادة «غنم».

75

المنابع المالية للحكومة الإسلامية

لا شكّ أنّ للإسلام برامج خاصّة في إدارة البلد ورفع حاجاته، إذ لا تقوم الحكومة في بلد ما إلاّ إذا كانت لها منابع مالية تعتمد عليها.
إنّ الإسلام أغلق في وجه حكومته كلّ السبل غير المشروعة التي تعتمد عليها الحكومات الحاضرة، كالضرائب المأخوذة على تجارة الخمور والبغاء والقمار وما شابهها، ولكنّه فتح بدلاً من ذلك منابع أُخرى ذكرنا تفصيلها في موسوعتنا «مفاهيم القرآن»(1)، وإليك ذكر هذه المنابع على وجه الإجمال:

1. الأنفال

وهي كلّ أرض مُلكت بغير قتال، وكلّ أرض موات، ورؤوس الجبال وبطون الأودية، والآجام والغابات والمعادن، وميراث من لا وارث له، وما يغنمه المقاتلون بغير إذن الإمام، وكافة المياه العامّة والأحراش الطبيعية، والمراتع التي ليست حريماً لأحد، وقطائع الملوك وصفاياهم غير المغصوبة.

2. الزكاة

وهي ضريبة تجب في تسعة أشياء: الأنعام وهي: الإبل والبقر والغنم، والنقدين وهما: الذهب والفضة، والغلاّت وهي: الحنطة والشعير والتمر والزبيب، والأدلّة عليها من الكتاب والسنّة لا تحصى، وأمّا مقدار ما يؤخذ

1 . لاحظ: مفاهيم القرآن: 2 / 570 ـ 587.

76
من هذه الأشياء، فيطلب من الكتب الفقهية.

3. الغنائم المأخوذة من أهل الحرب قهراً بالقتال

وسيوافيك تفصيله

4. الخمس

الخمس يجب في الأُمور الستة التالية: المعادن، الكنز، الغوص، المال الحلال المختلط بالحرام، الأرض التي اشتراها الذمّيّ من المسلم، ما يفضل من مؤونة سنة المكتسب ومؤونة عياله من أرباح التجارات والصناعات والمكاسب، وكلّ ذلك من المنابع المالية الّتي يخرج منها الخمس.

5. زكاة الفطرة

وتُسمّى بزكاة الأبدان التي تجب على كلّ مسلم في عيد الفطر.

6. الخراج والمقاسمة

وهما ضريبتان مفروضتان على مَن يعمل في الأراضي التي فتحها المسلمون بالقتال.

7. الجزية

وهي الضريبة العادلة المفروضة على أهل الذمّة، على رؤوسهم وأراضيهم، إذا عملوا بشرائط الذمّة المقرّرة في محلّها، وتقديره تابع لنظر الحاكم.

77

8 . ضرائب أُخرى

هناك ضرائب أُخرى ليس لها حدّ معيّن ولا زمان خاصّ، بل هي موكولة إلى نظر الحاكم الإسلامي يفرضها عند الحاجة إليها من عمران البلاد، أو الجهاد في سبيل الله، أو سدّ عيلة الفقراء، أو غير ذلك ممّا يحتاج إليه قوام البلاد.
هذه صورة إجمالية للمنابع المالية، غير أنّ هناك منابع أُخرى متفرّقة يجوز للدولة الإسلامية التصرّف فيها نظير:

9. المظالم

وهي ما يتعلّق بذمّة الإنسان بتعدٍّ أو إتلاف في مال الغير، ولم يعرف صاحبه، فيجوز للحاكم التصرّف فيها وصرفها في المصارف المقرّرة لها.

10. الكفّارات

مثل كفّارة القتل العمد والخطأ ومخالفة النذر والعهد واليمين فيما يتعلّق بالإطعام والإكساء، فيجوز للحكومة أن تتولّى أمرها بدلاً عن صاحب الكفّارة.

11. اللقطة

وهي الضالّة من الأشياء ولم يعرف لها صاحب، فيجوز للحكومة الإسلامية التصرّف فيها حسب الشروط.

78

12. الأوقاف والوصايا والنذور العامّة

13. الضحايا

التي يذبحها الحجّاج في منى، فيجوز للحكومة الإسلامية التصرّف فيها وصرفها في مصالح المسلمين.

14. توظيف الأموال في المجالات الاقتصادية الكبرى

وذلك من خلال القيام بإنشاء الصناعات الكبرى، والتجارة، والعمل المصرفيّ، والتأمين، والشركات الزراعية، وتوفير الطاقة، وإدارة شبكات الري، والمواصلات الجوية والبرية والبحرية، والخدمات البريدية والهاتفية، وما شابه ذلك... وتأمين قسم كبير من ميزانيّتها في هذه الموارد الضخمة.
ولا يُعنى بذلك جعل الممارسة بهذه الأُمور بيد الدولة الإسلامية وحرمان الشعب عنها، بل المجال مفتوح للشعب والحكومة معاً.
هذه صورة إجمالية للمنابع المالية للحكومة الإسلامية، ذكرناها ردّاً على مَن يتوهّم أنّه ليس للحكومة الإسلامية منابع مالية منظمة لإجراء برامجها العمرانية والعلمية والصحّية.
إذا عرفت ذلك فلندخل في بيان حكم الخمس من خلال تفسير الآية.

79

كيفية تقسيم الغنائم

قال تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ):
إنّ لفظة «ما» في قوله: (أَنَّمَا) اسم موصول وهو اسم «أنّ» التي هي من الحروف المشبهة، ومقتضى رسم الخط أن يكتبا مفصولتين «أنّ ما» ولكن لمّا كتبا في المصاحف الأُولى موصولتين بقيت كتابتهما على الرسم السابق، (غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء) بيان للموصول لئلاّ يتوهّم بأنّ الحكم مخصوص بغنيمة خاصّة، وتلك اللفظة من القرائن الدالّة على أنّه أُريد من الغنيمة مطلق ما يغنمه الإنسان، سواء أكان في الحرب أم غيرها (فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ) لفظة (لله) خبر مقدّم وما بعده مبتدأ مؤخّر، أي فأنّ خمسه لله، واللام في قوله: لله، لام التمليك، فبما أنّ مورد الآية الغنائم التي يفوز بها الإنسان في الحرب، فخمس المغنم لله ولمن يذكر بعده من الطوائف الخمس، وأمّا الأخماس الأربعة الباقية المنقولة فهي للغزاة، فالغنائم تقسّم على خمسة أسهم: سهم للموارد الستة، والأربعة الباقية للغزاة حسب رأي الإمام، وأمّا الموارد الستة فقد مرّ المورد الأوّل منها وهو (لله) سبحانه، وأمّا الموارد الباقية فإليك بيانها:
الثاني: (وَلِلرَّسُولِ)
الثالث: (وَلِذِي الْقُرْبى)، وقد تكرّر حرف الجر في الموارد الثلاثة إشارة إلى أنّ لكلّ سهماً خاصّاً.
وأمّا ما هو المراد من ذي القربى؟ فإنّ ذكر الرسول قبله دليل على أنّ

80
اللام في(لِذِي الْقُرْبى): أي من له قرابة من الرسول، وإفراد «ذي القربى» دليل على أنّه أُريد به الفرد الخاصّ وفسّرته روايات أهل البيت بالإمام بعد الرسول.
روى الكليني بسند صحيح عن الرضا (عليه السلام)قال: سُئل عن قول الله عزوجل: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى)فقيل له: فما كان لله فلمن هو؟ فقال لرسول الله وما كان لرسول الله فهو للإمام.(1)
وفي حديث آخر : «فأمّا الخمس فيقسّم على ستّة أسهم: سهم لله، وسهم للرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، وسهم لذي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل، فالذي لله فلرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فرسول الله أحقّ به فهو له خاصّة، والذي للرسول هو لذي القربى والحجّة في زمانه، فالنصف له خاصّة والنصف لليتامى والمساكين وأبناء السبيل من آل محمد(عليهم السلام)الذين لا تحلّ لهم الصدقة ولا الزكاة عوضهم الله مكان ذلك بالخمس...».(2)
وأمّا الموارد الثلاثة فقد أُوتي بها مجرّدة عن حرف الجر، كما في قوله: (وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) مشعراً بأنّ النصف من الخمس للمجموع فيجوز صرف الجميع في مورد واحد إذا اقتضت المصلحة، ولولا الروايات يمكن أن يقال: مطلق الأيتام والمساكين وأبناء السبيل، لكن الروايات خصّتهم بيتامى أهل البيت(عليهم السلام) ومساكينهم وأبناء سبيلهم، وما هذا إلاّ عوضاً عن الزكاة فإنّها حُرّمت على بني هاشم وأبدلت بالخمس. مضافاً

1 . الوسائل: 7، الباب 1 من أبواب قسمة الخمس، الحديث 6 .
2 . الوسائل : 7، الباب 1 من أبواب قسمة الخمس، الحديث 9.

81
إلى أنّ مجيئهم بعد الرسول قرينة على أنّ المراد يتامى ومساكين ذلك البيت.
قوله تعالى:(إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ) الظاهر أنّ الجملة الشرطية تتعلّق بما تقدّم من قوله:(وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ) والغرض من القيد هو العمل بعد العلم، والمعنى: إن كنتم آمنتم بالله فاعلموا أنّ ما غنمتم فإنّ خمسه لله وللرسول...، إلخ.
قوله تعالى: (وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ) والجملة عطف على لفظ الجلالة (بِاللهِ): أي إن آمنتم بالله وآمنتم بما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان، وأبهم سبحانه ما أنزله يوم الفرقان الذي هو يوم بدر الذي فرّق بين الإيمان والكفر، وهنا احتمالان:
1. قوله سبحانه:(فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّبًا)(1).
2. أُريد به نزول الملائكة لنصرة المؤمنين، وقد تقدّم قوله سبحانه:(إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلاَئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا)(2).
قوله سبحانه: (يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ)المؤمنون والمشركون. قوله: (وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ)يتعلّق ببعض ما سبق في الآية وأنّه سبحانه لو فرّق في ذلك اليوم بين الطائفتين ونصر أحدهما على الأُخرى فهو من شؤون كونه (عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ).
إلى هنا خرجنا عن تفسير الآية بجملها وكلماتها، ولكن يقع البحث في أُمور:

1 . الأنفال:69.
2 . الأنفال:12.

82

الأمر الأوّل: ما هو المراد من الغنيمة في الآية؟

إنّ مفسّري أهل السنّة يقولون هي عبارة عمّا يغنمه المسلمون من الكفّار بقتال، وعلى قولهم هذا تكون مسألة الخمس عبارة عمّا لا واقع له في حياتنا العملية في هذه الأيام، إذ لا دولة إسلامية تقاتل الكفّار والمشركين، وأصبحت الآية عندهم كالآيات التي ذكرت أحكام العبيد والإماء التي لا واقع لها في حياتنا العملية، وليس لديهم دليل على الاختصاص إلاّ كونها واردة في قتال المشركين، مع أنّهم أعرف بأنّ المورد لا يكون مخصّصاً إذا كان اللفظ مطلقاً.
ثمّ إنّ اللغة والكتاب العزيز والسنّة تدلّ على أنّ الغنيمة عبارة عن كلّ ما يفوز به الإنسان، سواء كان عن قتال أو لا؟ وإليك التفصيل:

أوّلاً: الغنيمة في معاجم اللغة

أ. قال الخليل: الغنم: الفوز بالشيء في غير مشقّة، والاغتنام انتهاز الغنم.(1)
ب. قال الأزهري: قال اللبيب: الغنم: الفوز بالشيء، والاغتنام انتهاز الغنم.(2)
ج. قال ابن فارس: غنم أصل صحيح واحد يدلّ على إفادة شيء لم يملك من قبل، ثم يختص بما أخذ من المشركين.(3)

1 . كتاب العين:4/426، مادة «غنم».
2 . تهذيب اللغة، مادة «غنم».
3 . معجم مقاييس اللغة: 4 / 397، مادة «غنم».

83
د. قال ابن منظور: الغنم، الفوز بالشيء من غير مشقّة.(1)
هـ . قال ابن الأثير في تفسير قوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«الرهن لمن رهنه، له غنمه وعليه غرمه» غنمه زيادته ونماؤه، وفاضل قيمته.(2)
و. قال الفيروزآبادي: الغنم: الفوز بالشيء بلا مشقّة، وغنمه كذا تغنيماً نفله إياه، واغتنمه، وتغنّمه: عدّه غنيمة.(3)
ز. قال الزبيدي: الغُنْم: الفوز بالشيء بلا مشقّة، أو هذا الغُنْم والفيء: الغنيمة.(4)
إلى غير ذلك من الكلمات المترادفة والمتشابهة في المعاجم، وهذه النصوص تعرب عن أنّ المادة لم توضع لما يفوز به الإنسان في الحروب فقط، بل معناها أوسع من ذلك، وإن كان يغلب استعمالها في العصور المتأخّرة عن عصر نزول القرآن، في ما يظفر به في ساحة الحرب.

ثانياً: الغنيمة في الكتاب والسنة

أطلق الكتاب المجيد الغنيمة على أجر الآخرة، وهذا يدلّ على أنّ للفظ معنى وسيعاً يشمل كلّ ما يفوز به الإنسان في الدنيا والآخرة، قال سبحانه:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ)(5).

1 . لسان العرب: 12 / 445، مادة «غنم».
2 . النهاية: 3 / 390، مادة «غنم».
3 . القاموس المحيط: 4 / 158 ، مادة «غنم».
4 . تاج العروس: 17 / 527، مادة «غنم».
5 . النساء:94.

84
والمراد بالمغانم الكثيرة: هو أجر الآخرة، بدليل مقابلته لعرض الحياة الدنيا، فيدلّ على أنّ لفظ المغنم لا يختص بالأُمور التي يحصل عليها الإنسان في هذه الدنيا أو في ساحات الحرب فقط، بل هو عام لكلّ مكسب وفائدة وإن كان أُخروياً.
هذا ما في الكتاب، وأمّا السنّة فقد وردت فيها اللفظة وأُريد بها مطلق الفائدة الحاصلة للإنسان، ومن ذلك:
1. روى ابن ماجة في سننه في كتاب الزكاة: أنّه جاء عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «اللّهمّ اجعلها مغنماً ولا تجعلها مغرماً».(1)
2. روى أحمد في مسنده عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«غنيمة مجالس الذكر، الجنّة».(2)
3. وروى في وصف شهر رمضان عنه(صلى الله عليه وآله وسلم):«غنم للمؤمن».(3)
4. روى ابن الأثير في «النهاية»، عنه(صلى الله عليه وآله وسلم): «الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة» ثم قال ابن الأثير: سمّاه غنيمة لما فيه من الأجر والثواب.(4)
5. من له الغنم، عليه الغرم (5) وهذه القاعدة في لسان الفقهاء دليل على أن الغنم في اللغة هو مطلق الفائدة وإلاّ لم يصحّ ترتّب قوله: «عليه الغرم» على ما تقدّم، وذكر ابن الأثير في الحديث: «الرهن لمن رهنه، له غنمه وعليه غرمه».

1 . سنن ابن ماجة: 1 / 573، كتاب الزكاة، باب ما يقال عند إخراج الزكاة، الحديث 1797.
2 . مسند أحمد:2/330، 374 و 524.
3 . مسند أحمد:2/177.
4 . النهاية: 3 / 390، مادة «غنم».
5 . قاعدة فقهيّة.

85
فقد تبيّن ممّا ذكرناه من كلمات أئمة اللغة وموارد استعمال تلك اللفظة ومادّتها في الكتاب والسنّة، أنّ العرب تستعملها في كلّ مورد يفوز به الإنسان، من جهة العدى وغيرهم، وإنّما صار حقيقة متشرّعة في الأعصار المتأخّرة في خصوص ما يفوز به الإنسان في ساحة الحرب، ونزلت الآية في أوّل حرب خاضها المسلمون تحت لواء رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم يكن الاستعمال إلاّ تطبيقاً للمعنى الكلّي على مورد خاصّ.
ومن حسن الحظّ أنّه ورد لفظ الخمس في أرباح المكاسب في الحديث النبوي، وإليك نقل بعض ما وقفنا عليه:
قدم وفد عبد القيس على رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقالوا له: إنّ بيننا وبينك المشركين، وإنّا لا نصل إليك إلاّ في شهر الحرام، فمُرنا بأمر فصل، إن عملنا به دخلنا الجنة وندعو إليه مَن وراءنا، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم):«آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع، آمركم: بالإيمان بالله، وهل تدرون ما الإيمان؟ شهادة أن لا إله إلاّ الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وتعطوا الخمس من المغنم».(1)
وتفسير المغنم، بالنهب، باطل جدّا للنهي عنه في لسان الرسول حيث قال: إنّ النهبة ليس بأحلّ من الميتة، كما لم يطلب منهم غنائم الحرب كيف وهم (وفد عبد القيس) لا يستطيعون الخروج من أحيائهم في غير أشهر الحج خوفاً من المشركين. فكيف يمكن لهم الحرب مع المشركين؟!

1 . صحيح البخاري:4/250، باب «والله خلقكم وماتعلمون» من كتاب التوحيد، و ج1/13 و 19، و ج3/53; صحيح مسلم:1/35ـ 36، باب الأمر بالإيمان ; سنن النسائي:1/333; مسند أحمد:1/318; الأموال: 52، وغيرها.

86
وهناك روايات أُخرى تدلّ على وجوب الخمس في أرباح المكاسب ذكرناها في رسالتنا«الخمس في الكتاب والسنّة»، فراجع.
وممّا يثير العجب أنّ السنّة اتّفقوا على أنّ في الركاز الخمس، وإنّما اختلفوا في المعادن، فالواجب هو الخمس لدى الحنفيّة والمالكية، وربع العُشر عند الشافعية والحنابلة، وقد استدلّت الحنفية على وجوب الخمس في المعادن بقوله سبحانه:(وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ).(1)
ولعلّ هذا المقدار من البحث يكفي في إثبات ما عليه الشيعة الإمامية في كلّ ما يفوز به الإنسان حتى أرباح المكاسب.
***

الأمر الثاني: في قسمة الخمس

إنّه سبحانه ذكر المورد الثالث لتملّك الخمس بصورة الإفراد، وقال: (وَلِذِي الْقُرْبى)وهو ظاهر في أنّه شخص واحد ولا ينطبق إلاّ على أئمة أهل البيت واحداً بعد واحد.
ثم إنّ علماء السنة بما أنّهم خصّوا الآية بغنائم دار الحرب عطّلوا الآية عن العمل بها، فإنّ المسلمين عبر قرون لم يخوضوا حرباً مع غير المسلمين، فصارت الآية كأنّها خاصّة بحرب الرسول، وبعده بمدّة قليلة. وهنا يفترق الشيعة عن السنّة في تفسير الآية.
وبذلك صار الخمس أصلاً مستقلاًّ، عن الجهاد خلافاً، لأهل السنّة حيث جعلوه فرعاً له .

1 . لاحظ : الفقه الإسلامي وأدلته: 2 / 775 ـ 776 .

87
وهنا فرق آخر بين الطائفتين وهو أنّ الخمس عند الإمامية يُقسّم إلى ستة أسهم كما في نفس الآية، وأمّا السنة، فقال الحنفية: إنّ سهم الرسول سقط بموته، وعلى هذا فيقسّم على خمسة أسهم .
وأمّا الإمامية: أمّا ما يرجع إلى الرسول فهو إلى الإمام بعده.
روى أحمد بن محمد بن أبي نصر عن الرضا (عليه السلام)قال: سُئل عن قول الله عزّ وجل: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى...)؟ فقيل له: فما كان لله، فلمن هو؟ فقال: لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وما كان لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فهو للإمام...».(1)
وهنا سؤال آخر وهو: أنّ تقسيم الخمس على ستة أسهم، فمنهم: اليتامى والمساكين وابن السبيل من أهل بيت النبوة، فعندئذ يصبح أصحاب الخمس من أصحاب الثروات الكبيرة، وهذا ما لا تخفى مفاسده. فكيف جعل الله عزَّوجلّ هذه السهام لطوائف ثلاث، مع أنّ مؤونتهم أقل بكثير من هذه السهام.
والجواب: ما جاء في حديث الإمام الكاظم (عليه السلام)، قال: «وله ـ يعني: وللإمام ـ نصف الخمس كملاً، ونصف الخمس الباقي بين أهل بيته، فسهم ليتاماهم، وسهم لمساكينهم، وسهم لأبناء سبيلهم، يقسّم بينهم على الكتاب والسنّة ما يستغنون به في سنتهم، فإن فضل عنهم شيء فهو للوالي، فإن عجز أو نقص عن استغنائهم كان على الوالي أن ينفق من عنده بقدر ما يستغنون به، وإنّما صار عليه أن يموّنهم لأن له ما فضل عنهم».(2)

1 . الوسائل : 6، الباب 1 من أبواب قسمة الخمس، الحديث 6 .
2 . الوسائل: 7، الباب 3 من أبواب قسمة الخمس، الحديث 1 .

88
بل يظهر من حديث أبي علي بن راشد أنّ الجميع إنّما هو لمقام الإمامة وهو يقسّمه حسب ما يراه من المصلحة، قال: قلت لأبي الحسن الثالث (عليه السلام): إنّا نؤتى بالشيء، فيقال: هذا كان لأبي جعفر (عليه السلام)عندنا، فكيف نصنع؟ فقال: «ما كان لأبي (عليه السلام)بسبب الإمامة فهو لي، وما كان غير ذلك فهو ميراث على كتاب الله وسنّة نبيّه».(1)
بقي هنا سؤال آخر وهو: لماذا اهتمّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)بأقاربه وذلك بتأمين حاجاتهم من الخمس؟
والجواب واضح أنّ للسادة من أهل بيت الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)أحكاماً خاصّة في الفقه الإسلامي، ولعلّ الوجه في المقام هو حفظ انتسابهم إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). وله تأثير خاص في اندفاعهم للذبّ عن الإسلام وحمايته، ولذلك نرى أنّ الثورات الكثيرة كانت بقيادة الحسنيين والحسينيين، والله العالم.

الأمر الثالث: إسقاط حق ذي القربى بعد رحيل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)

إنّ الخلفاء بعد النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) اجتهدوا في مقابل النص في موارد عديدة منها: إسقاط سهم ذي القربى من الخمس، وذلك أنّ الله سبحانه وتعالى جعل لهم سهماً وافترض أداءه نصّاً في الذكر الحكيم والقرآن الكريم يتلوه المسلمون آناء الليل وأطراف النهار، وهو قوله عزّ من قائل: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْء فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ

1 . الوسائل: 6، الباب 2 من أبواب الأنفال، الحديث 6 .

89
الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ).(1)
وقد أجمع أهل القبلة كافّة على أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كان يختصّ بسهم من الخمس ويخصّ أقاربه بسهم آخر منه، وأنّه لم يَعهَد بتغيير ذلك إلى أحد حتى وفاته وانتقاله إلى الرفيق الأعلى.
فلمّا ولّى أبوبكر تأوّل الآية فأسقط سهم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وسهم ذي القربى بموت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، ومنع بني هاشم من الخمس، وجعلهم كغيرهم من يتامى المسلمين ومساكينهم وأبناء السبيل منهم.
قال الزمخشري: وعن ابن عباس: الخمس على ستة أسهم: لله ولرسوله، سهمان، وسهم لأقاربه حتى قُبض، فأجرى أبو بكر الخمس على ثلاثة، وكذلك روي عن عمر ومن بعده من الخلفاء، قال: وروي أنّ أبا بكر منع بني هاشم الخمس.(2)
وقد أرسلت فاطمة(عليها السلام) تسأله ميراثها من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ممّا أفاء الله عليه بالمدينة وفدك وما بقي من خمس خيبر، فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة منها شيئاً، فوجدت فاطمة(عليها السلام) على أبي بكر في ذلك، فهجرته فلم تكلّمه حتى توفّيت، وعاشت بعد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ستة أشهر، فلمّا توفّيت دفنها زوجها عليّ ليلاً ولم يؤذن بها أبا بكر، وصلّى عليها، الحديث.(3)

1 . الأنفال:41.
2 . تفسير الكشّاف: 2/126.
3 . صحيح البخاري:3/36، باب غزوة خيبر; وفي صحيح مسلم:5/154:«... وصلّى عليها عليّ».

90

إتمام

قال المراغي في تفسير الآية: وخصّ الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك]يعني ذي القربى[ ببني هاشم وبني أخيه المطلب، المسلمين، دون بني عبد شمس ونوفل، ثم المحتاجين من سائر المسلمين، وهم اليتامى والمساكين وابن السبيل.
روى البخاري عن مُطعم بن جبير(من بني نوفل) قال: مشيت أنا وعثمان بن عفان (من بني عبد شمس) إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فقلنا: يا رسول الله أعطيت بني المطلب وتركتنا، ونحن وهم بمنزلة واحدة. فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد».
وسرُّ هذا أنّ قريشاً لمّا كتبت الصحيفة] يعني صحيفة المقاطعة [وأخرجت بني هاشم من مكّة وحصرتهم في الشِعب لحمايتهم له(صلى الله عليه وآله وسلم)دخل معهم فيه بنو المطلب ولم يدخل بنو عبد شمس ولا بنو نوفل ، إلى ما كان من عداوة بني أُميّة بني عبد شمس لبني هاشم في الجاهلية والإسلام، فقد ظل أبو سفيان يقاتل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ويؤلّب عليه المشركين وأهل الكتاب، إلى أن أظفر الله رسوله ودانت له العرب بفتح مكّة، وكذلك بعد الإسلام خرج معاوية على عليّ وقاتله.(1)
ثمّ إنّ صديقنا المرحوم محمد جواد مغنية بعد ما نقل ما تقدّم من كلام الشيخ المراغي قال: ونعطف نحن على قول الشيخ المراغي:(وكذلك قتل يزيد حفيد أبي سفيان الحسين بن علي(عليهما السلام) سبط الرسول

1 . تفسير المراغي: 4 / 4 ـ 5.

91
الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم))، وقال الشاعر في هذا العدوان الموروث أباً عن جد:
فابن حرب للمصطفى وابن هند *** لعلي وللحسين يزيد(1)
هذا إجمال ما يمكن أن يقال في تفسير الآية.

1 . التفسير الكاشف: 3 / 484.

92
في أحكام الحجّ والعمرة   
 
5

في أحكام الحجّ والعمرة

قال تعالى: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمَرَةَ للهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَام أَوْ صَدَقَة أَوْ نُسُك فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمَرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّام فِي الْحَجِّ وَسَبْعَة إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ).
قبل الدخول في صلب الموضوع نوضّح بعض المفردات.
وأتمّوا: أكملوا الحج والعمرة، وربّما يفسّر بالإفراد أي التفرقة بين الحج والعمرة، غير أنّ الصحيح هو الأوّل، ويدلّ عليه الآيات التالية:
أُطلق الإتمام في القرآن الكريم وأُريد به الإكمال، كقوله سبحانه: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأَتَمَّهُنَّ )(1)، وقوله سبحانه: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ

1 . البقرة: 124.

93
إِلَى اللَّيْلِ )(1)، وقوله سبحانه: (وَيَأْبى اللهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)(2)، وقوله سبحانه: (وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ)(3)، وقوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي).(4)
الحج والعمرة في حج التمتع: العمرة عبارة عن إحرام المكلّف من الميقات بالعمرة المتمتع بها إلى الحج ثم يدخل مكّة فيطوف سبعة أشواط بالبيت، ويصلّي ركعتي الطواف بالمقام، ويسعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط، ثم يقصّر، فإذا فعل ذلك فقد أحلّ من كلّ شيء أحرم منه، فله التمتّع بأي شيء شاء من الأُمور المحلّلة بالذات إلى أن ينشئ إحراماً آخر للحج.
وأمّا الحج: فهو أن ينشئ إحراماً آخر من مكة يوم التروية، ثمّ يمضي إلى عرفات فيقف بها إلى الغروب، ثمّ يفيض إلى المشعر الحرام فيقف به إلى طلوع الشمس، ثمّ يفيض إلى منى ويرمي جمرة العقبة، ثمّ يذبح هديه ثم يحلق رأسه، ثمّ يأتي مكّة ليومه أو من غده، فيطوف للحج ويصلي الركعتين، ثم يسعى سعي الحج، ثم يطوف طواف النساء ويصلي ركعتيه، ثم يعود إلى منى ليرمي ما تخلف عليه من الجمار الثلاث يوم الحادي عشر والثاني عشر.(5)
وأمّا حج الإفراد فهو يقدّم الحج على العمرة، يحرم من الميقات أو

1 . البقرة: 187 .
2 . التوبة: 32.
3 . يوسف: 6 .
4 . المائدة: 3 .
5 . لاحظ : تحرير الاحكام: 1 / 557 .

94
من حيث يصحّ له الإحرام منه بالحج، ثم يمضي إلى عرفات فيقف بها، ثم يقف بالمشعر الحرام، ثمّ يأتي منى فيقضي مناسكه بها، ثمّ يأتي مكّة يطوف بالبيت للحج ويصلي ركعتين ويسعى للحج ويطوف طواف النساء ويصلي ركعتين، فيخرج من الإحرام فتحل له كلّ المحرمات. ثم يأتي بعمرة مفردة من أدنى الحلّ متى شاء.
وأمّا حج القران: فهو نفس حج الإفراد عند الإمامية إلاّ أنّه يضيف إلى إحرامه سياق الهدي، وإنّما يُسمّى بالقران لسوقه الهدي، فيقرن حجّه بسوقه .
فالقران والإفراد أمران لا يفترقان إلاّ في حالة واحدة وهي أن القارن يسوق الهدي عند إحرامه. وأمّا من حجّ حجّة الإفراد فليس عليه هدي، ويشتركان في عدم التداخل بين الحج والعمرة في الإحرام.
نعم القران عند أهل السنّة عبارة عن الجمع بين الحج والعمرة في إحرام واحد. وهذا هو الفارق بين السنّة والإمامية في تفسير القران.
أُحصرتم: أي منعكم حابس قاصر عن إتمام الحج، فالمُحْصَر تارة يُحصر بالعدو، وأُخرى بالمرض. ويعبّر عن الأوّل بالصدّ.
استيسر: تيسّر.
الهدي: من الهدية، وهو ما يهديه الحاج إلى البيت الحرام من النعم ليذبح ويفرّق بين الفقراء.
ولا تحلقوا: من الحلق، وهو حلق الرأس.
أذى: كلّ ما يتأذّى به الإنسان .

95
نسك: جمع النسيكة وهي الذبيحة، ويجمع أيضاً على نسائك، كصحيفة وصحائف وصحف.
تمتع : من التمتع بمعنى الالتذاذ والاستمتاع.
حاضري المسجد الحرام: عبارة عمّن كان على ثماني وأربعين ميلاً من كلّ جانب إلى مكّة، فمن كان خارجاً عن هذا الحد فليس من الحاضرين. وقيل: اثنا عشر ميلاً من كلّ جانب .

أحكام الحج والعمرة الموجودة في الآية

الآية المباركة تتضمّن أحكاماً نشرحها حسب مقاطع الجمل:

1. إتمام الحج والعمرة لله

يقول سبحانه: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمَرَةَ للهِ)وأُريد من الإتمام إنجاز العمل كاملاً لا ناقصاً، وكون الإتمام لله. والّذي يدلّ على ذلك أمران:
أ. كلّما أُطلق الإتمام في القرآن الكريم، فقد أُريد به الإكمال، وقد تلونا عليك الآيات في المفردات.
ب. قوله سبحانه: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ): أي منعكم حابس عن إتمام الحج، فعليكم بما استيسر من الهدي.
وأمّا تفسير الإتمام بإفراد العمرة في حجّ التمتع عن العمرة فممّا لا تدلّ عليه الآية. فمآله إلى إنكار حج التمتّع نعم كان العرب في الجاهلية يفردون كُلاًّ عن الآخر، وكانت سيرتهم على ذلك إلى أن أدخل النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)العمرة في الحج، حتّى أنّ مَن لبّى بالحج في الأشهر الحرم وأحرم له، أمره

96
أن يجعله عمرة ثم يتحلّل ويحرم للحج ثانياً، وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «دخلت العمرة في الحج إلى الأبد» .
ثم إنّه ربّما يستدلّ بقوله: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمَرَةَ)بوجوب العمرة مستقلاًّ فمن استطاع عليها فقط دون الحج يجب عليه الاعتمار ولكنّه ضعيف، لأنّ الفقرة تدلّ على وجوب إكمال العمرة بما لها من الحكم حتّى وإن كان مستحباً كالعمرة المفردة لمن اعتمر وحجّ سابقاً، فهي مع استحبابها، يجب على المعتمر إكمالها، وإن كانت مستحبة.

2. إذا أُحصر بالعدو أو المرض

لمّا أمر سبحانه حجّاج بيته، بإتمام الحج والعمرة، انتقل لبيان وظيفة المحصر الّذي يمنعه المرض أو العدو عن إتمام الحج والعمرة، فقال: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ): أي ما تيسّر منه، والمراد من الهدي ـ كما مرّ ـ ما يهدى إلى بيت الله عزوجل تقرّباً إليه سبحانه، أعلاه بدنة وأوسطه بقرة وأيسره شاة.

3. لا يتحلّل قبل الذبح

إنّ المحصر لا يتحلّل من الإحرام حتّى ينحر أو يذبح، قال سبحانه: (وَلاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ)غير أنّ المحصر بالعدو يذبح في نفس الموضع الّذي أُحصر فيه، ويحلق رأسه ويتحلّل ; لأنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)نحر هديه بالحديبية وأمر أصحابه ففعلوا مثل ذلك ورجعوا إلى المدينة، وليست الحديبية من الحرم.

97
وأمّا المحصر بالمرض فهو يُرسل هديه إلى مكّة مع رفاقه وينتظر إلى أن يذبح في يوم النحر في منى، فإذا اطمأنّ بالذبح فعند ذلك يحلق ويحل.
فدلّت الفقرة على أنّ الحلّ (من بعض المحرّمات) يكون بالحلق بعد الذبح .

4. حكم المريض ومن برأسه أذى

لمّا منع سبحانه عن حلق الرأس قبل بلوغ الهدي محلّه، وأجاز ذلك لفريقين وإن لم يذبحوا:
أوّلهما: المريض الّذي يحتاج إلى الحلق للمداواة.
والثاني: من كان برأسه أذى، وقال: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ)فعليه الفداء كما يدلّ عليه قوله: (فَفِدْيَةٌ)بأحد الأُمور الثلاثة التالية:
أ. (مِنْ صِيَام): أي صوم ثلاثة أيام.
ب. (أَوْ صَدَقَة)فيتصدق على ستة مساكين أو عشرة.
ج. (أَوْ نُسُك)فيذبح شاة. وهو مخيّر بين الأُمور الثلاثة.
مضافاً إلى الهدي الواجب بالأصالة للحجّ.

5 . التمتع بالعمرة إلى الحج

يقول سبحانه: (فَإِذَا أَمِنْتُمْ): أي حصل الأمن وارتفع المانع ولم يكن هناك حصر أو صدّ، (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمَرَةِ إِلَى الْحَجِّ): أي مَن تمتّع

98
بمحظورات الإحرام بسبب أداء العمرة، فيبقى متحلّلاً متمتّعاً إلى أن يحرم للحج، فعندئذ يأتي بأعمال الحج الّتي أشرنا إليها في تفسير المفردات، من الذهاب إلى عرفات ثم المشعر ثم إلى منى فيذبح بعد رمي الجمار. ثم يأتي ببقية أعمال الحج، لكن الآية تشير إلى فريضة واحدة من فرائض الحج وهو الهدي مع أنّه بعد الذهاب إلى عرفات، ثم إلى المشعر، ثم رمي الجمار، ثم الهدي، والحلق. وإنّما ذكر خصوص الهدي فقال : (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ)لاختصاصه بحكم خاص، وهو ما يأتي في الأمر السادس.

6. حكم الفاقد للهدي

يبيّن سبحانه حكم من لم يجد الهدي فيقول: (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّام فِي الْحَجِّ وَسَبْعَة إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ): أي أنّه يصوم بدل الهدي ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى موطنه، على وجه يكون الجميع عشرة كاملة، وأمّا أيّام الصوم فقد ذكرت في الكتب الفقهية، وهي اليوم السابع والثامن والتاسع.

7. التمتع بالعمرة إلى الحجّ وظيفة الآفاقي

إنّه سبحانه أشار بأنّ التمتّع بالعمرة إلى الحجّ فريضة من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، وقال: (ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) قوله: (ذَلِكَ) إشارة إلى ما تقدّم ذكره من التمتّع بالعمرة إلى الحجّ، ليس لأهل مكة و من يجري مجراهم، وإنّما هو لمن لم يكن من حاضري مكة، وأمّا الحاضر فهو من يكون بينه و بينها دون 48 ميلاً، من كلّ جانب على الاختلاف .

99
ثمّ إنّه سبحانه أتمّ الآية بالأمر بالتقوى ، أي تحصيل وقاية في النفس تبعثه إلى العمل بما أمر والانتهاء عمّـا نهى، وذلك لأنّه سبحانه شديد العقاب، فقال:(وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ).
هذا هو تفسير الآية المباركة على وجه الإيجاز، والمهم في المقام هو الفقرتان التاليتان، حيث إنّ الداعي لتفسير الآية هو تفسيرهما (الفقرتان) اللّتان اختلفت فيهما آراء المفسّرين:
1.(وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمَرَةَ للهِ).
2. (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمَرَةِ إِلَى الْحَجِّ).
فالأُولى تدلّ على إكمالهما دون إفرادهما في الزمان، كما أنّ الثانية تدلّ على لزوم التحلّل والتمتّع بين العملين.
***
أمّا الأوّل: فقد عرفت أن المراد بالإتمام هو الإكمال في مقابل المُحصَر بالعدوّ حيث يقتصر بالعمل غير الكامل لوجود العدو كما كانت الحال كذلك في الحديبية مع مشركي مكّة، وهذا ـ أي كون المراد من الإتمام هو الإكمال ـ هو الّذي صرّح به لفيف من المفسّرين، قال الشيخ الطوسي: يجب أن يبلغ آخر أعمالها بعد الدخول فيها،... ثم عزاه إلى مجاهد والمبرّد وأبي علي الجبائي .(1)
وقال الزمخشري: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمَرَةَ للهِ): أي إئتوا بها تامّين كاملين بمناسكهما وشرائطهما لوجه الله من غير توان ولا نقصان، يقع

1 . التبيان في تفسير القرآن: 1 / 154.

100
منكم فيهما، ثم استشهد بالشعر التالي:
تمام الحج أن تقف المطايا *** على خرقاء واضعة اللثام
حيث جعل الوقوف عليها كبعض مناسك الحج الّذي لا يتم إلاّ به .
ثم قال: وقيل أن تفرد لكلّ واحد منها سفراً .(1)
وقال الرازي: إنّ الإتمام يراد به فعل الشيء كاملاً وتامّاً، فالمراد الإتيان به بما جاء في ذيل الآية من حكم المحصر .(2)
وقال القرطبي: أداؤهما والإتيان بهما، كقوله: (فَأَتَمَّهُنَّ)وقوله: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ). ثم نقل عن عمر وقال: إتمامهما أن يفرد كلّ واحد منهما من غير تمتع وقران .(3)
ولا يخفى أنّ لازم ذلك إبطال حجّ التمتّع بدخول العمرة في الحج، وإبطال حج القران على مذهب أهل السنّة من اجتماع العمرة والحج بإحرام واحد، والاكتفاء بحج الإفراد الّذي يفرد كلّ عن الآخر سفراً.
وقال صاحب المنار: والمراد بإتمام الحج والعمرة، الإتيان بهما تامّين ظاهراً وأداء المناسك على وجهها.(4)
أخرج البخاري عن ابن عباس، قال: كانوا يرون أنّ العمرة في أشهر الحجّ من أفجر الفجور، ويجعلون محرم صفراً ويقولون: إذا برأ الدَّبَر، وعفا

1 . تفسير الكشّاف: 1 / 119 .
2 . تفسير الرازي: 5 / 139.
3 . تفسير القرطبي : 1 / 365 ـ 366 .
4 . تفسير المنار: 2 / 217 .

101
الأثر، وانسلخ صفر، حلّت العمرة لمن اعتمر. فالدبر في قولهم: الجرح الّذي يكون في ظهر البعير، وقيل هو أن يقرح خف البعير.
ومعنى «وعفا الأثر» هو زوال آثار المسير .(1)
فالجملتان كنايتان عن مرور زمان معيّن، بشهادة قولهم: وانسلخ صفر.
روى البخاري باسناده عن ابن عباس قال:... قدم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وأصحابه صبيحة رابعة مهلّين بالحج، فأمرهم أن يجعلوها عمرة، فتعاظم ذلك عندهم، فقالوا: يا رسول الله أي الحلّ؟ قال: الحلّ كله.(2)
ثم إن عمر بن الخطاب كان يصرّ على إفراد العمرة عن الحج وتأخير الأُولى عن الثاني، ويحتجّ عليه بقوله: إن أهل البيت ليس لهم ضرع ولا زرع وإنّما ربيعهم في من يطرأ عليهم.(3)
يلاحظ عليه: بأنّه اجتهاد في مقابل النصّ على أنّ الله سبحانه يرد عليه في نظير المسألة بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).(4)

1 . نهاية ابن الأثير: 2 / 97، مادة «دبر».
2 . صحيح البخاري: 2 / 142، برقم 1564، باب التمتّع والقران والإفراد بالحج.
3 . جوامع الجامع: 2 / 32 ; الغدير: 6 / 205 ; كنز العمال: 5 / 164، برقم 12477 .
4 . التوبة: 28 .

102

الثانية: قوله تعالى: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمَرَةِ إِلَى الْحَجِّ).

قال القرطبي في تفسيره: وذلك أن يحرم الرجل بعمرة في أشهر الحج وأن يكون من أهل الآفاق وقدم مكّة ففرغ منها ثم أقام حلالاً بمكة إلى أن أنشأ الحج منها في عامه ذلك قبل رجوعه إلى بلده.(1)
وقال صاحب الكشّاف: وقيل إذا حلّ من عمرته انتفع باستباحة ما كان محرّماً عليه إلى أن يُحرم بالحج.(2)
وقال صاحب المنار: أي فمَن تمتع بمحظورات الإحرام بسبب العمرة، أي أدائها بأن أتّمها وتحلّل وبقي متمتعاً إلى زمن الحج ليحج من مكّة، فعليه ما استيسر من الهدي أي فعليه دم.(3)
ثم إنّ عمر نهى عن متعة الحج بهذا المعنى أي التمتع بين العمرة والحج، وقال: متعتان كانتا على عهد رسول الله وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما: متعة الحجّ ومتعة النساء.. وفي لفظ الجصّاص: لو تقدمت فيهما لرجمت. وفي رواية أُخرى: أن أنهى عنهما وأعاقب عليهما: متعة النساء ومتعة الحج .(4)
روى البخاري عن مروان بن الحكم: شهدت عثمان وعليّاً، وعثمان ينهى عن المتعة وأن يجمع بينهما، فلمّا رأى عليَّ أهلّ بهما، لبّيك بعمرة

1 . تفسير القرطبي : 2 / 291 .
2 . تفسير الكشّاف: 1 / 121 .
3 . تفسير المنار: 1 / 222 .
4 . البيان والتبيين: 2 / 193; أحكام القرآن: 1 / 92 ـ 93 ; تفسير القرطبي: 2 / 261 ; زاد المعاد: 2 / 184، طبعة مصر.

103
وحجة، قال: ما كنت لأدع سنّة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)لقول أحد.(1)
وروى أيضاً عن عمران أنّه قال: تمتعنا على عهد رسول الله ونزل القرآن، قال رجل برأيه ما شاء .(2)
وروى أيضاً عن عمران بن حصين قال: نزلت آية المتعة في كتاب الله ففعلناها مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ولم ينزل قرآن يحرمه ولم ينه عنها حتّى مات، قال رجل برأيه ما شاء، قال محمد: يقال أنّه عمر.(3)
وعلى كلّ تقدير فقد طال النقاش بين الخليفة وحماته، وبين جمع من الصحابة، فاستقر الأمر على جواز حج التمتع، بل على كونه أفضل.
المعروف أنّ الخليفة حرّم متعة الحجّ لاستلزامها التحلّل بين العمرة والحجّ، وهذا ممّا كان يستهجنه الخليفة ويعبّر عنه بقوله: إنّي أخشى أن يعرسّوا بهنّ تحت الأراك ثمّ يروحوا بهنّ حجّاجاً، وقوله: كرهت أن يظلّوا معرسّين بهنّ ثمّ يروحون في الحجّ تقطر رؤوسهم .
يلاحظ عليه: أنّه اجتهاد في مقابل النص، قال سبحانه: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلاَ مُؤْمِنَة إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِينًا). (4)
روى الكليني عن الحلبي عن الإمام الصادق (عليه السلام)قال: «إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)حين حجّ حجّة الإسلام خرج في أربع بقين من ذي القعدة حتّى

1 . صحيح البخاري: 2 / 142، باب التمتع والإقران والإفراد بالحج.
2 . صحيح البخاري: 2 / 153، باب التمتّع ; صحيح مسلم: 4 / 48، باب جواز التمتّع .
3 . صحيح البخاري: 5 / 158، كتاب تفسير القرآن، قوله تعالى: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمَرَةِ إِلَى الْحَجِّ).
4 . الأحزاب: 36 .

104
أتى الشجرة وصلّى بها ثم قاد راحلته حتّى أتى البيداء فأحرم منها وأهلّ بالحجّ وساق مائة بدنة، وأحرم الناس كلّهم بالحج لا ينوون عمرة ولا يدرون ما المتعة، حتّى إذا قدم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)مكّة طاف بالبيت وطاف الناس معه ثم صلّى ركعتين عند المقام واستلم الحجر، ثم قال: أبدأ بما بدأ الله عزَّ وجلَّ به، فأتى الصفا فبدأ بها ثم طاف بين الصفا والمروة سبعاً، فلمّا قضى طوافه عند المروة قام خطيباً وأمرهم أن يحلّوا ويجعلوها عمرة، وهو شيء أمر الله عزَّ وجلَّ به فأحلّ الناس، وقال رسول الله: لو كنت استقبلت من أمري ما استدبرت لفعلت كما أمرتكم، ولم يكن يستطيع من أجل الهدي الّذي معه، إن الله عزَّ وجلَّ يقول: (وَلاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ)، قال: قال سراقة بن جعشم الكناني: علمنا ديننا كأنّا خلقنا اليوم، أرأيت هذا الّذي أمرتنا به لعامنا أو لكلّ عام، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لا بل للأبد، وإن رجلاً قام فقال: يا رسول الله نخرج حجاجاً ورؤوسنا تقطر من نسائنا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّك لن تؤمن بها أبداً» .(1)
وحصيلة الكلام: أنّ عمر بن الخطاب خالف الرأي العام بين الصحابة، وما هو صريح الذكر الحكيم في موردين:
الأوّل: إفراد العمرة وفصلها عن الحج، بأن يحج المسلمون في أشهر الحج، ثم يعتمرون بالعمرة في الأشهر الأُخرى، لئلاّ تتعطل أسواق مكّة، وقد عرفت ما فيه.
الثاني: المنع عن التمتع بين العمرة والحج، حيث كره التمتع بين العبادتين، وقد عرفت ما فيه .

1 . الكافي: 4 / 246 .

105
وقد مرّ أن منشأ الأمر الأوّل هو كون إفراد العمرة عن الحج رسماً من رسوم الجاهلية، ولذلك كان المشركون يحرمون إحرام الحج ابتداءً حتّى أنّ المسلمين الّذين كانوا مع النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)في حجة الوداع أحرموا إحرام الحج ، ودخلوا مكّة فطافوا وصلّوا ناوين بأعمالهم هذه، عمل الحج، إذ ربّما كانوا يقدّمون أعماله قبل الذهاب إلى عرفة، فجاء الوحي الإلهي بدخول العمرة بالحج، وأنّ على هؤلاء أن يجعلوا ما أتوا به بعنوان الحج عمرة، فثقُل ذلك على المسلمين لأنّهم أحرموا إحرام الحج، غير أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)احتجّ عليهم بأنّ هذا جبرئيل يأمرني بذلك .(1)

1 . لاحظ : مناقب ابن شهر آشوب: 1 / 394 ; بحار الأنوار : 30 / 634 و ج 38 / 72 .

106
الزواج المؤقّت في القرآن الكريم   
 
6

الزواج المؤقّت في القرآن الكريم

تمهيد

الزواج المؤقّت عبارة عن تزويج المرأة الحرّة الكاملة، نفسها إذا لم يكن بينها وبين الزوج مانع ـ من نسب أو سبب أو رضاع أو إحصان أو عدّة أو غير ذلك من الموانع الشرعية ـ بمهر مسمّى إلى أجل مسمّى بالرضا والاتّفاق، فإذا انتهى الأجل تبين منه من غير طلاق، ويجب عليها بعد الدخول بها ـ إذا لم تكن يائسة ـ أن تعتد عدّة الطلاق إذا كانت ممّن تحيض وإلاّ فبخمسة وأربعين يوماً.
إنّ الزواج المؤقّت كالزواج الدائم لا يتمّ إلاّ بعقد صحيح دالّ على قصد الزواج، وكلّ مقاربة تحصل بين رجل وامرأة من دون عقد فلا تكون متعة حتى مع التراضي والرغبة، ومتى تمّ العقد كان لازماً يجب الوفاء به.
هذا هو تعريف الزواج المؤقّت وقد اتّفقت المذاهب الفقهية على أنّه كان حلالاً أحلّه رسول الله(صلى الله عليه وآله)بوحي من الله في برهة من الزمن، وإنّما اختلفوا في استمرار حليّته، فالشيعة الإمامية ولفيف من الصحابة والتابعين على بقاء الحليّة، خلافاً للمذاهب الأربعة فهي على التحريم.
وعلى ما ذكرنا من التعريف فهو زواج داخل في المستثنى، أعني

107
قوله سبحانه:(وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ).(1)
والبحث هنا مركّز على استفادة حكمه من الكتاب العزيز، وأنّ الآية التي تضمّنت بيانه ليست مجملة، ونترك البحث عمّا في السنّة الشريفة إلى محلّها.
قال سبحانه:
1. (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَ بَنَاتُكُمْ وَ أَخَوَاتُكُمْ وَ عَمَّاتُكُمْ وَ خَالاَتُكُمْ وَ بَنَاتُ الأَخِ وَ بَنَاتُ الأُخْتِ وَ أُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَ أَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَ أُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَ رَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَ حَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَ أَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا).(2)
2. (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَ أُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيًما حَكِيمًا).(3)
3. (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ).(4)

1. المؤمنون: 5 ـ 6.
2 . النساء: 23.
3 . النساء: 24 .
4. النساء: 25.

108
إنّ الآية الأُولى وشيئاً من صدر الآية الثانية تتضمّنان بيان ما هو الحرام من نكاح النساء، ولو قرأنا الآيتين بدقّة نقف على أنّ الله سبحانه حرّم الزواج من أربعة عشر صنفاً من النساء، وهي:
1. الأُمّهات. 2. البنات. 3. الأخوات. 4. العمّات. 5. الخالات. 6. بنات الأخ. 7.بنات الأُخت. 8. الأُمّهات المرضعات. 9. الأخوات من الرضاعة. 10. أُمّهات النساء. 11. الربائب التي دُخل بأُمّهاتهن. 12. حلائل الأبناء. 13. الجمع بين الأُختين. 14. النساء المتزوّجات.
وأُشير إلى الأخير بقوله تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ).
إلى هنا تمّ بيان ما هو الحرام من نكاح النساء، وبه يتمّ تفسير الآية الأُولى وصدر الآية الثانية، أعني قوله: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ).
وأمّا بقيّة الآية الثانية فقد بدأت بقوله تعالى: (وَ أُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ). فلنأخذ بتفسيرها، فإنّها مركّبة من مقاطع أربعة:
1. (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ)المراد من الموصول«مَا» هو النساء، وهو نائب فاعل لقوله:(أُحِلَّ)، وقوله: (ذلكم) مركّب من «ذا» و «كم» فالأوّل إشارة إلى النساء المذكورات، ولعلّ تذكير «ذا» باعتبار الموصول أعني: «ماوراء»، والثاني خطاب للمؤمنين. والمعنى: أحلّ لكم أيّها المؤمنون وراء ما مرّ ذكره من النساء.
2.(أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ) عطف بيان لقوله:(مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) وقد حذف

109
مفعوله أي: أن تبتغوا بأموالكم نكاح النساء.
وبعبارة أُخرى: أحلّ للمؤمنين نكاح النساء ببذل الأموال وصرفها.
وتنحصر مصاديق قوله:(أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ) ـ في بادئ النظر ـ في ثلاثة موارد:
أ. النكاح بأُجرة دائماً أو مؤقّتاً.
ب. نكاح الأمة.
ج. السفاح وهو الزنا.
وسيتعيّن ما هو المراد، بدراسة ما يأتي من الفقرات.
3. (مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ): أي تطلبوا بأموالكم نكاح النساء في حال أنّكم تريدون العفّة لا السفاح والزنا، ومعنى الجملة: متعفّفين لا زانين، وبهذا القيد خرج المورد الثالث من الموارد الثلاثة المذكورة، أعني: السفاح والزنا.
وعندئذ تنحصر الحليّة في القسمين الأوّلين:
أ. نكاح الحرّة بقسميه.
ب. نكاح الأمة.
4. (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً) فالظاهر أنّ لفظة «ما» في (مَا اسْتَمْتَعْتُمْ)موصولة، والفعل بعدها صلتها، والضمير بعده عائد للصلة، ويحتمل أن تكون «ما» شرطية والفعل بعدها فعل الشرط، وعلى كلا التقديرين فقوله: (فَآتُوهُنَّ)إمّا خبر على القول بكون «ما» موصولة، أو جزاء على القول بأنّها شرطية، و (فَرِيضَةً) حال من أُجورهن، وإذا تبيّن

110
ذلك فلنرجع إلى فهم الآية، فنقول: وبما أنّ حكم الزواج من الأَمة قد تعرّضت له الآية الثالثة ـ أعني قوله:(وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ) ـ خرج المورد الثاني وانحصر قوله: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ...) بالزواج من الحرّة بنكاح دائم أو مؤقّت.
فلو دلّت القرائن القطعية على اختصاص هذا المقطع بالنكاح المؤقّت، تكون الآية دليلاً قرآنياً على حلّيته. وإليك القرائن التي تدلّ على اختصاصه بالزواج المؤقّت.

القرينة الأُولى: ترتيب وجوب الأجر على الاستمتاع

أقول: الاستمتاع يطلق ويُراد به أحد المعنيين:
أ. (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ): أي تلذّذتم بالنساء بالنكاح (فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ).
ب. المراد به عقد الاستمتاع، والنكاح المنعقد بمهر معيّن إلى أجل معلوم.
والمعنى الثاني هو المتعيّن لأنّ الله علّق وجوب إعطاء المهر بالاستمتاع، وذلك يقتضي أن يكون معنى هذا العقد المخصوص دون الجماع والالتذاذ ، لأنّ الأجر يجب بالعقد، لا بالالتذاذ والجماع.
وإن شئت قلت: إنّ ترتّب دفع الأُجرة على الاستمتاع ترتّب الجزاء على الشرط، فلو أُريد بالاستمتاع العقد لصحّ الترتّب لأنّ المهر كلّه يجب بمجرد العقد، غاية الأمر يرجع النصف بالطلاق قبل الدخول إلى الزوج في العقد الدائم، وبانقضاء المدّة قبله في المؤقّت.

111
وأمّا لو أُريد من الاستمتاع هو التلذّذ والانتفاع فلا يصحّ الترتّب; لأنّ الأُجرة تلزم على الزوج قبل الاستمتاع، فالزوج يكون مكلّفاً بدفع المهر كلّه، سواء أحصل تلذّذ أم لم يحصل، وبهذا البيان ثبت أنّ المراد من الاستمتاع هنا هو العقد.
فإذا ثبت أنّ المراد هو العقد فيكون معنى:(فَما اسْتَمْتَعْتُم): أي مهما عقدتم عقد التمتع أو عقد الاستمتاع، وهو حقيقة في الزواج المؤقّت فقط .
ويؤيّد ما ذكرنا: من أنّ المراد من قوله سبحانه:(فَما اسْتَمْتَعْتُم بِهِ)عقد الاستمتاع لا التلذّذ الجنسي، تعبير الصحابة عن نكاح المتعة بلفظ «الاستمتاع» ; فقد أخرج مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله قال: كنّا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق على عهد رسول الله وأبي بكر حتى ـ ثمة ـ نهى عنه عمر.(1)

القرينة الثانية: الحمل على النكاح الدائم أو الصداق يستلزم التكرار

يجب علينا إمعان النظر فيما تهدف إليه جملة: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ)، فهنا احتمالات:
أ. تحليل النكاح الدائم.
ب. التأكيد على دفع المهر بعد الاستمتاع.
ج. نكاح المتعة.
أمّا الأول فالحمل عليه يستلزم التكرار بلا وجه; لأنّه سبحانه بيّن

1. صحيح مسلم:4/131، باب نكاح المتعة من كتاب النكاح.

112
حكمه في الآية الثالثة من تلك السورة، أعني قوله سبحانه: (وَ إِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً).(1)
وأمّـا الثـاني فهـو كالأوّل بيّنـه عـزّ وجل في الآية الرابعة من هذه السورة، أعني قوله تعـالى: (وَ آتُـوا النِّسَـاءَ صَـدَقَـاتِهِـنَّ نِحْلَـةً)(2)، بل بيّنه في آيتين أُخريين، أعني قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلاَ تَعْضُلُـوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ)(3)، وقوله سبحانه: ( وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْج مَكَانَ زَوْج وَ آتَيْتُـمْ إِحْدَاهُـنَّ قِنْطَارًا فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَ إِثْمًا مُبِينًا)(4) فلم يبق من الوجوه المحتملة التي تهدف إليها هذه الفقرة من الآية، إلاّ نكاح المتعة.

القرينة الثالثة: الجملتان المتقدّمتان على قوله: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ)

إنّ في الجملتين المتقدّمتين على قوله: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ) أعني:
1. (أَنْ تَبْتَغُـوا بِـأَمْـوَالِكُـمْ) 2. (مُحْصِنِيـنَ غَيْـرَ مُسَـافِحِيـنَ)، دليلاً إلى أنّ المراد هو الزواج المؤقّت، وأنّ المراد من الاستمتاع هو نكاح المتعة والعقـد علـى المـتمتع بها.
أمّا الجملة الأُولى فتدلّ على أنّها بصدد بيان النكاح الذي للمال فيه

1. النساء:3.
2. النساء:4.
3. النساء:19.
4. النساء:20.

113
دور، بحيث لولاه لبطل، وليس هو إلاّ نكاح المتعة الذي عُرّف بقوله: أجل مسمّى وأُجرة مسمّاة، فالأُجرة في نكاح المتعة ركن وإلاّ لبطل، بخلاف النكاح الدائم إذ لا يجب ذكرها في العقد، يقول سبحانه: ( لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً)(1)، فقوله: (أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً): أي قبل أن تفرضوا لهنّ فريضة، وهذا يدلّ على جواز النكاح مع عدم فرض المهر.
وأمّا الجملة الثانية أي: (مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ)فالله سبحانه يؤكّد قبل الأمر بعقد الاستمتاع على كون الزوجين محصنين غير مسافحين، بأن يكون اللقاء بنيّة التعفّف لا الزنا، وبما أنّ عقد المتعة ربّما ينحرف عن مجراه فيتّخذ لنفسه لون السفاح لا الزواج، أمر سبحانه بأن يكون الهدف هو الزواج لا السفاح.
وبعبارة أُخرى: أنّ النكاح الدائم لا يتصوّر فيه السفاح، والذي يحتمل فيه قصد السفاح هو النكاح المؤقّت فنهى الله سبحانه أن يكون العقد بتلك النيّة، بل بنيّة التعفّف والزوجية.
ومن حسن الحظ أنّ هذا القيد جاء في نكاح الإماء، في قوله تعالى: (مُحْصَنَات غَيْرَ مُسَافِحَات وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَان) فتقدّم هاتين الجملتين على قوله: (فَما اسْتَمْتَعْتُم) دليل على أنّ هذه الفقرة ناظرة إلى النكاح المؤقّت لا الدائم.
وبهذا يعلم وجه دخول الفاء في قوله:(فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ)لأنّ فاء

1. البقرة:236.

114
التفريع لا تستعمل إلاّ إذا سيق الكلام فيه ولو إجمالاً، ولمّا كانت في الجملتين المتقدّمتين إشارة إلى هذا النحو من الزواج صحّ دخول الفاء على الفقرة.
إلى هنا ثبت أنّ الآية ليست مجملة، وإنّما هي صريحة في العقد المؤقت. نعم ادّعى مَن قال بتحريم المتعة بأنّ الآية منسوخة وهو بحث آخر، لا نحوم حوله.
ولنعم ما قاله السيد المرتضى في المقام رداً على مَن زعم أنّ العقد المؤقّت حرام :
إنّ التمتّع سنّة مفروضة *** ورد الكتاب بها وسنّة أحمد
وروى الرواةُ بأنّ ذلك قد جرى *** من غير شكٍّ في زمان محمد
ثمّ استمرّ الحالُ في تحليلها *** قد صحّ ذلك في الحديث المسند
عن جابر وعن ابن مسعود التقيّ *** وعن ابن عباس كريم المولد
حتى نهى عمرُ بغير دلالة *** عنها فكدّر صفوَ ذاك المورد
لا بل مواليد النواصب جدّدت *** دينَ المجوس فأين دين محمّد(1)
من الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ؟   
وبما أنّ الغرض هو تبيين مفهوم الآية ورفع الإجمال المتصوّر فيها دون تحقيق المسألة من سائر الجوانب، تركنا نقل الروايات الدالّة على بقاء جواز عقد النكاح المؤقت وعدم نسخه.(2)

1. الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف:1/499.
2. لاحظ : الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف: 1 / 475 ـ 551.

115
 
7

من الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ؟

قال تعالى: (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَ قَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلاَ تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ).(1)
الآية تبيّن حكم الطلاق قبل المس وبعد الفرض، فقال:(وَ إِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَ قَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ): أي إن طلّقتم أيّها الرجال النساء قبل أن تجامعوهنّ، وقد قدّرتم مهراً، فعليكم دفع نصف ما قدّرتم، أي نصف المهر المسمّى.
ثمّ إنّ الآية تستثني طائفتين، قال:
1. (إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ).
توضيحه: أنّه وجب على الزوج دفع نصف المهر إلى الزوجة المطلّقة إذا طلّقها قبل المسّ، ولكن ربّما تقتضي المصلحة أن تتنازل المرأة عن ذلك النصف، وتترك بيت الزوجية بدون أن تأخذ شيئاً، وهذا إن دلّ

1. البقرة:237.

116
على شيء فإنّما يدلّ على كرامة الزوجة واحترام إرادتها حيث تترك أخذ ما هو الواجب.
2. (أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ) وقد اختلف فيه، أي من هو المراد به؟ وهنا نظران:
الأوّل: ولي الزوجة من الأب والجد، إذا اقتضت المصلحة العفو، فيترك النصف المفروض في الآية.
وعلى هذا فالفقرتان ناظرتان إلى عفو الزوجة إمّا بنفسها أو بوليّها، وكون الأب والجد من مصاديق مَن بيده عقدة النكاح، لأنّه لا نكاح إلاّ بولي.
الثاني: أنّ المراد به الزوج وعندئذ يرجع عفو الزوج إلى عدم أخذ النصف إذا أقبضها تمام المهر قبل الطلاق، وعندئذ يقع الكلام في رفع إجمال الآية، فهل المراد ممّن بيده عقدة النكاح هو وليّ الزوجة، أو هو الزوج؟
أقول: إنّ سياق الآية يدلّ على صحّة القول الأوّل دون الثاني، وذلك بوجوه :
الأوّل: أنّ الله سبحانه كلّما وجّه الكلام إلى الزوج استعمل صيغة الخطاب، وإليك الخطابات الموجودة في الآية الموجّهة إلى الزوج، وهي:
1. (وإن طلقتموهن).                     2. (من قبل أن تمسوهن).
3.(وقد فرضتم لهنّ فريضة).            4. (فنصف ما فرضتم).
5. (وأن تعفوا أقرب للتقوى).            6.(ولا تنسوا الفضل بينكم).

117
ولكن حين أراد الكلام عن العفو عدل عن الخطاب إلى الغيبة وقال: (إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ)، فلو أُريد من الثاني هو الزوج فما هو الوجه للعدول من الخطاب الوارد في صدر الآية أعني قوله سبحانه: (وَ إِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ)إلى الغيبة، إذ السياق يقتضي أن يقول: «أو تعفون»؟... وهذا دليل على أنّ المراد به غير الزوج.
الثاني: أنّه سبحانه يخاطب الزوج في الفقرة التالية بالعفو حينما دفع كلّ المهر قبل الطلاق، ويقول: (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)فلو أُريد من قوله: (أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ)نفس الزوج، يلزم التكرار .
هذا هو مقتضى تحليل الآية، ويؤيّده ما روي عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام):
1. ما رواه الشيخ بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:«(الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ)هو ولي أمرها».(1)
2. وعنه باسناده عن فضالة، عن رفاعة، قال: سألت أبا عبد الله(عليه السلام) عن الذي بيده عقدة النكاح؟ قال: «الوليّ الذي يأخذ بعضاً ويترك بعضاً، وليس له أن يدع كلّه».(2) ولو صحّ الحديث يدلّ على أنّ الوليّ، لا يعفو عن كلّ النصف بل يترك بعضه.

1. الوسائل: 14، الباب 8 من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد، الحديث 2 ; تفسير البرهان:1/229، برقم7.
2 . الوسائل: 14، الباب 8 من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد، الحديث 3 ; تفسير البرهان: 1/ 229، برقم 8.

118
3. وعنه باسناده عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن البرقي، أو غيره، عن صفوان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: سألته عن الذي بيده عقدة النكاح؟ قال:«هو: الأب و الأخ والرجل يوصى إليه، والذي يجوز أمره في مال المرأة فيبتاع لها ويشتري، فأي هؤلاء عفا فقد جاز».(1)
فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّ الفقرة بصدد بيان عفو الزوجة عن أخذ النصف إما مباشرة أو بواسطة وليّها.
لزوم الإشهاد في الطلاق أو في الرجعة   

1. الوسائل: 14، الباب 8 من أبواب عقد النكاح وأولياء العقد، الحديث 4 ; تفسير البرهان:1/229، برقم9.

119
 
8

لزوم الإشهاد في الطلاق أو في الرجعة

قال تعالى: (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * يَا أَيُّهَا النَّبيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَ اتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَة مُبَيِّنَة وَ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَ مَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لاَ تَدْري لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا) .
(فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوف أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوف وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْل مِنْكُمْ وَ أَقِيمُوا الشَّهَادَةَ للهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَ مَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا).(1)
(وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُر وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَ مَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا).(2)
اختلفت كلمات المفسّرين في قوله سبحانه:(وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْل

1. الطلاق: 1 و2 .   2 . الطلاق: 4 .

120
مِنْكُمْ)، في أنّه هل يرجع إلى قوله:(فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوف أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوف) فيكون الإشهاد شرطاً في صحّة الرجعة المستفاد من قوله: (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوف).
أو أنّه يرجع إلى قوله في صدر السورة:(فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) فيكون حضور العدلين شرطاً لصحّة الطلاق؟
والشيعة الإمامية على الثاني وجمهور السنّة على الأوّل، ومنهم مَن يقول برجوعه إلى الأمرين كما سيأتي نصّه. وها نحن ندرس الآيات مجرّدة عن الروايات الواردة حول الآية; لأنّ البحث مركّز على عدم الإجمال في الآية.
لا شكّ أنّ قوله: (وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْل مِنْكُمْ) ظاهر في الوجوب كسائر الأوامر الواردة في الشرع، إنّما الكلام في متعلّقه، فهناك احتمالات ثلاثة:
1. أن يكون شرطاً لقوله: (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ).
2. أن يكون شرطاً لقوله: (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوف).
3. أن يكون شرطاً لقوله:(أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوف).
ولم يقل أحد برجوع القيد إلى الأخير، فالأمر يدور بين رجوعه إلى الأوّل أو إلى الثاني، والظاهر رجوعه إلى الأوّل; وذلك لأنّ السورة بصدد بيان أحكام الطلاق وقد افتتحت بقوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّبيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ)فذكرت للطلاق عدّة أحكام:

121
1. أن يكون الطلاق لعدّتهن.
2. إحصاء العدّة.
3. عدم خروجهن من بيوتهن.
4. خيار الزوج بين الإمساك والمفارقة عند اقتراب عدّتهنّ من الانتهاء.
5. إشهاد ذوي عدل منكم.
6. عدّة المسترابة التي لا تحيض فلا يُعلم لكبر ارتفع حيضهنّ أم لعارض، تعتد ثلاثة أشهر.
7. عدّة مَن لا تحيض وهي في سنّ مَن تحيض، فعدّتهنّ ثلاثة أشهر أيضاً.
8 . عدّة أُولات الأحمال أن يضعن حملهنّ.
وإذا لاحظت مجموع آيات السورة من أوّلها إلى الآية السابقة تجد أنّها بصدد بيان أحكام الطلاق، لأنّه المقصود الأصلي، لا الرجوع المستفاد من قوله: (فَأَمْسِكُوهُنَّ) وقد ذكر تبعاً وعَدْلاً لقوله: (أَوْ فَارِقُوهُنَّ)وليس مقصوداً بالأصالة.
ثمّ إنّ أبا زهرة من فقهاء السنّة المعاصرين ممّن وافق رأيه رأي الشيعة الإمامية وقال بأنّ شرط الإشهاد يرجع إلى الطلاق، وقد ذكر دليلاً خاصّاً نذكر نصّه: يقول: قال تعالى: (وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْل مِنْكُمْ وَ أَقِيمُوا الشَّهَادَةَ للهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ)، قال: فهذا الأمر بالشهادة جاء بعد ذكر إنشاء الطلاق وجواز الرجعة، فكان المناسب أن

122
يكون راجعاً إلى إنشاء الطلاق; وذلك لأنّ تعليل الإشهاد (1) بأنّه يوعظ به مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، يقوّي ذلك الاحتمال، لأنّ حضور الشهود العدول لا يخلو من موعظة حسنة يزجونها إلى الزوجين فيكون لهما مخرج من الطلاق الذي هو أبغض الحلال إلى الله سبحانه... إلى أن قال: إنّه لو كان لنا أن نختار للمعمول به في مصر لاخترنا هذا الرأي فيشترط لوقوع الطلاق حضور شاهدين عدلين.(2)
وحاصل استدلاله: أنّ قوله: (أَقِيمُوا الشَّهَادَةَ للهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ)دليل على أنّ وجه حضور الشاهدين هو الوعظ والنصيحة للزوجين، والنصيحة تناسب مقام الطلاق، حتى يصدّا الزوجين عن الافتراق، ولا تناسب الرجعة فإنّ المفروض أنّ الزوجين قد توافقا على الرجوع وإعادة العلقة.
وبذلك يظهر أنّه لا وجه لرجوعه إلى خصوص الرجعة كما عليه جمهور فقهاء السنّة، ولا إلى إليهما كما هو خيرة الشيخ أحمد محمد شاكر القاضي الشرعي بمصر، حيث اختار أنّ القيد يرجع إلى كلا الأمرين وقال في رسالة له إلى الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء: إنّني ذهبت إلى اشتراط حضور شاهدين حين الطلاق، وإنّه إذا حصل الطلاق في
غير حضرة الشاهدين لم يكن طلاقاً ولم يعتدّ به، وهذا القول وإن
كان مخالفاً للمذاهب الأربعة المعروفة، إلاّ أنّه يؤيّده الدليل ويوافق مذهب

1 . والأَولى أن يقول: تعليل إقامة الشهادة وأدائها لله ; لأنّ اسم الإشارة يرجع إلى إقامة الشهادة وأدائها متقرّباً إلى الله.
2. الأحوال الشخصية: 365، كما في الفقه على المذاهب الخمسة: 131.

123
أئمة أهل البيت والشيعة الإمامية.
وذهبت أيضاً إلى اشتراط حضور شاهدين حين المراجعة، وهو يوافق أحد قولين للإمام الشافعي ويخالف مذهب أهل البيت والشيعة واستغربت من قولهم أن يفرّقوا بينهما والدليل له: (وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْل مِنْكُمْ) واحد فيهما.
أقول: إنّ استغرابه في غير محلّه والدليل على التفريق واضح:
أمّا أوّلاً: فلما عرفت من أنّ مجموع آيات السورة من أوّلها إلى الآية السابقة بصدد بيان أحكام الطلاق ; لأنّه المقصود الأصلي لا الرجوع المستفاد من قوله: (فَأَمْسِكُوهُنَّ) وقد ذكر تبعاً.
ثانياً: ما ذكره أبو زهرة من أنّ فلسفة حضور الشاهدين، إسداء النصيحة للزوجين، ومن المعلوم أنّهما بحاجة إليها قبل الطلاق، لا بعد اتّفاقهما على الرجعة.
ثالثاً: من المعلوم أنّ الطلاق أبغض الحلال إلى الله فالشارع بحكمته العالية يريد تقليل وقوع الطلاق والفرقة، فكثّر قيوده وشروطه على القاعدة المعروفة من أنّ الشيء إذا كثرت قيوده، عزّ أو قلّ وجوده، فاعتبر الشاهدين العدلين للضبط أوّلاً، وللتأخير والأناة ثانياً، وعسى إلى أن يحضر الشاهدان أو يحضر الزوجان أو أحدهما، عندهما يحصل الندم ويعودان إلى الإلفة، كما أُشير إليه بقوله تعالى: (لاَ تَدْري لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا)وهذه حكمة عميقة في اعتبار الشاهدين، لا شكّ أنّها ملحوظة للشارع الحكيم، مضافاً إلى الفوائد الأُخر، وهذا كلّه بعكس قضية الرجوع
فإنّ الشارع يريد التعجيل به، ولعلّ للتأخير آفات فلم يوجب في

124
الرجعة أيّ شرط من الشروط.
وتصحّ عندنا معشر الإمامية ـ بكلّ ما دلّ عليها من قول أو فعل أو إشارة ـ و لا يشترط فيها صيغة خاصّة كما يشترط في الطلاق، كلّ ذلك تسهيلاً لوقوع هذا الأمر المحبوب للشارع الرحيم بعباده والرغبة الأكيدة في إلفتهم وعدم تفرّقهم، وكيف لا يكفي في الرجعة حتى الإشارة ولمسها ووضع يده عليها بقصد الرجوع وهي ـ أي المطلّقة الرجعية ـ عندنا معشر الإمامية لاتزال زوجة إلى أن تخرج من العدّة، ولذا ترثه ويرثها، وتغسّله ويغسّلها، وتجب عليه نفقتها، ولا يجوز أن يتزوّج بأُختها، وبالخامسة، إلى غير ذلك من أحكام الزوجية.(1)

وضع الشروط في الطلاق صار سبباً للاستبصار

الأُستاذ الدمرداش عالم مصري اشتغل فترة بالمحاماة ثم عُيّن قاضياً في وزارة العدل المصرية فدرج في سلك القضاء إلى أن بلغ درجة مستشار محكمة الاستئناف في القاهرة. وفي عام 1986 م صدر قرار من قبل رئيس جمهورية مصر العربية بتعيينه عضواً في مجلس الشورى المصري، إلى غير ذلك من المناصب الّتي شغلها طول حياته.
ثم إنّه من المصريين المستبصرين يذكر لنا قصة استبصاره الّتي لها صلة بتوفّر الشروط في الطلاق عند الإمامية، يقول:
لقد مرّ عليّ زمن استغرق عقدين من السنين حاولت خلالها أن أتعرّف على وجه الحقّ في الاعتقاد بمذهب أهل البيت(عليهم السلام)، وكان منطلقي

1. أصل الشيعة وأُصولها:163ـ 165، الطبعة الثانية.

125
في بداية البحث ريفيٌ حيث جُبلت على حب أهل البيت(عليهم السلام)وإعطائهم الولاء القلبي الكامل.
ثم اتّفق لي لمّا شغلت منصب القضاء في مصر أن وُكِل إليّ في الأعوام 65 ـ 1967 م الفصل في قضايا الأحوال الشخصية للمسلمين والمسيحيين في إحدى مدن الصعيد، وهي مدينة «كومومبو» في محافظة «إسوان» حيث يتعايش المسلمون والمسيحيون في سلام اجتماعي واحترام متبادل.
فاتّفق لي أن عرضت عليّ قضية تطليق بين مسيحي ومسيحية، وكان مبنى الدعوة الّتي أقامها الزوج على الزوجة هو الزنا، وهو السبب الوحيد لفصل العروة الزوجية عند الأقباط الأرثوذكس.
وكان القانون ينصّ على أنّ القاضي عند نظره الدعاوى بين المسيحيّين يحضر معه رجل الدين المسيحي، وكان القسيس الّذي حضر معي الجلسة يبدو عليه التوتر والإزعاج ممّا يرمي به المدّعي الزوج زوجته المدّعى عليها، فأشفقت عليه ممّا يعانيه وأردت أن أُداعبه، فقلت له: هلاّ استطعتم أن تبحثوا عن طريق لتخفيف الانفلاق في مسألة الطلاق بحيث يستطيع الزوج عندكم أن يطلق من غير حاجة إلى اتّهام زوجته بالزنا؟!
فجاء رد الرجل سريعاً منفعلاً قائلاً: أتريد أن تجعل الطلاق عندنا مثل ما عند المسلمين حيث تطلَّق المرأة من غير ضوابط؟!
فتركت هذه العبارة أثرها العميق في نفس الدمرداش وأورثته صدمة لم يكن متوقعاً لها.

126
ذهب المستشار الدمرداش بعد تلقّيه هذه الصدمة إلى فضيلة المرحوم الشيخ أبو زهرة وكان أُستاذاً له في كلية الحقوق وشكا إليه قواعد الطلاق في مذهب أبي حنيفة، فكان جواب الشيخ أبو زهرة: يا ولدي لو كان الأمر بيدي ما جاوزت في القضاء والفتيا مذهب الإمام الصادق (عليه السلام)، ثم وجهه إلى أن يعود إلى أحكام الطلاق عند مذهب أهل البيت(عليهم السلام).
فراجع الدمرداش مصادر المذهب الإمامي الجعفري فتبيّن له أنّ الطلاق عندهم لا يقع إلاّ بشروط وضوابط، فقال في نفسه: «سبحان الله كيف غاب هذا عن فقهاء خلفوا مذاهب يدين بها الناس وتتأثر بها العلاقات ويصبح بها الحلال حراماً والحرام حلالاً».
فكانت هذه أوّل محطة جادّة وضعته مع نفسه، ثم اتّفق له أن قرأ كتاباً مطبوعاً على نفقة وزارة الأوقاف المصرية في عهد وزيرها الشيخ أحمد حسن الباقوري عام 1955 م عن الفقه الإمامي الشيعي عنوانه «المختصر النافع في فقه الإمامية» للمحقّق الحلي، فأيقن بمقولة الشيخ الباقوري بأنّ الأهواء هي الّتي باعدتنا أهل السنّة عن فقه الإمامية رغم ما فيه من العلاج الأمثل لكثير من العلل الاجتماعية.
يقول المستشار الدمرداش: «كانت قراءتي لهذا الكتاب متعاصرة مع قراءتي لفتوى أصدرها فضيلة الشيخ محمود شلتوت ـ شيخ الأزهر الأسبق ـ حيث أفتى: «إنّ مذهب الجعفرية المعروف بمذهب الشيعة الإمامية الاثنا عشرية، مذهب يجوز التعّبد به شرعاً» فلهذا من يومها بدأتْ رحلتي في التعّبد بمذهب الإمامية مؤملاً أن يزيدني الله اطّلاعاً واستبصاراً على كتب أُخرى».

127
ثم إنّه (مدّ عمره) يذكر المدارج الّتي مرّ بها إلى أن تشيّع فصار يُشار عليه في مصر بالبنان، وله نشاطات في مصر المحمية، فمن أراد الوقوف على تمام القصة فليراجع كتاب «موسوعة من حياة المستبصرين» الجزء الثاني ص 318 ـ 323 .

128
حكم الطلاق في الحيض   
 
9

حكم الطلاق في الحيض

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَة مُبَيِّنَة وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لاَ تَدْري لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا).(1)
اتّفقت الإمامية على بطلان الطلاق في الحيض وأنّه لا يصحّ إلاّ في حال الطهر من الحيض، وذهب فقهاء السنّة إلى أنّ الطلاق في الحيض إثم ويُسمّى عندهم طلاقاً بدعياً، ولكنّهم قالوا بصحّته، ومع ذلك لا تحسب هذه الحيضة من عدّة المطلقة فتنتظر حتّى تطهر من حيضتها وتتم مدّة طهرها ثم تبدأ العدّة من الحيضة التالية.(2)
أقول: إنّ المستفاد من الآية بطلان الطلاق في الحيض، فإنّ ظاهر قوله سبحانه: ( إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ)أنّ الزوج إذا أراد أن يطلّق زوجته فعليه أن ينتظر الوقت المناسب للدخول في العدّة، بحيث

1 . الطلاق: 1 .
2 . نظام الطلاق في الإسلام: 27 .

129
يكون الوقت الّذي تطلّق فيه جزءاً من العدّة، والمفروض أنّها لو طلقت في حالة الحيض لا تحسب منها بالاتّفاق.
قال القرطبي: معنى: (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ): أي في الزمان الّذي يصلح لعدّتهن وقد حصل الإجماع على أنّ الطلاق في الحيض ممنوع وفي الطهر مأذون فيه .(1) هذا إذا كانت اللام بمعنى «في» .
وإن شئت قلت: إنّ ظاهر قوله: (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ): أي لغاية أن يعتددن، على نحو يترتّب الاعتداد على الطلاق بلا فصل ولا تريّث، والمفروض أنّ الحيض فاصل بين الطلاق والاعتداد. هذا إذا كانت اللام بمعنى الغاية.

1 . تفسير القرطبي: 18 / 153 .

130
حكم الطلاق في طهر المواقعة   
 
10

حكم الطلاق في طهر المواقعة

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَة مُبَيِّنَة وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لاَ تَدْري لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا).(1)
اتّفقت الإمامية على بطلان الطلاق في طهر المواقعة، وإنّ الطلاق فيه كالطلاق في الحيض والنفاس في بطلانه، فلو جامع الزوج زوجته وهي طاهرة وأراد طلاقها فلابدّ أن يصبر حتّى تحيض ثم تطهر فيطلّقها. ولكن الطلاق في طهر المواقعة عند الحنفية والمالكية حرام، ومكروه عند غيرهما ولكنّه صحيح عندهم، ومع ذلك لا يحسب ذلك الطهر من الأطهار الثلاثة إذا فسّرت القروء في قوله سبحانه: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوء)(2)، بالأطهار، كما أنّ الحيضة الّتي بعدها لا تحسب من الحيضات الثلاث إذا فسّرت القروء بالحيضات، كما هو مذهب أهل السنة.

1 . الطلاق: 1 .
2 . البقرة: 228 .

131
قال أبو زهرة: إذا طلّق زوجته في الحيض والنفاس فلا تحسب تلك الحيضة من الأقراء الثلاثة عند القائلين بصحّة الطلاق، بل تحسب الحيضة الثانية بعد انقضاء الأُولى بالدخول في طهرها. وعلى هذا الأصل ذهب بعض الباحثين بأنّ الحكمة في المنع من الطلاق في الحيض هو أن ذلك يُطيل على المرأة العدّة، فإنّها إن كانت حائضاً لم تحتسب الحيضة من عدّتها، فتنتظر حتّى تطهر من حيضها وتتمّ مدّة طهرها، ثم تبدأ العدّة من الحيضة التالية.(1)
هذا هو مذهبهم فلنعرض المسألة على الآية، فالآية كما دلّت على بطلان الطلاق في الحيض، دلّت أيضاً على بطلان الطلاق في طهر المواقعة; وذلك لأنّ اللام في قوله سبحانه: (فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ)إمّا بمعنى (في)، فيكون المراد إيقاع الطلاق في الزمان الّذي يصلح للاعتداد، والمفروض أنّ المرأة في طهر المواقعة لا يصحّ منهما الاعتداد كما هو مذهبهم، فإنّهم قالوا بصحّة الطلاق ولكن اتّفقوا على أنّ ذلك الطهر والحيضة الّتي بعده لا تحسبان من القروء الثلاثة، سواء أفسرت بالأطهار أو بالحيضات الثلاث.
وإمّا بمعنى الغاية ، فيكون المعنى: طلّقوهن لغاية اعتدادهن، والمفروض أنّ تلك الحالة لا تصلح لتحقّق هذه الغاية في جميع المذاهب.

1 . نظام الطلاق في الإسلام: 27 .

132
تطليق الزوجة ثلاثاً دفعة واحدة   
 
11

تطليق الزوجة ثلاثاً دفعة واحدة

من المسائل التي أوجبت انغلاقاً وتعسفاً في الحياة الاجتماعية وأدّت إلى تمزيق الأُسر وتقطيع صلة الأرحام في كثير من البلاد، مسألة تصحيح الطلاق ثلاثاً، دفعة واحدة، بأن يقول: أنت طالق ثلاثاً، أو يكرّره ثلاث دفعات ويقول في مجلس واحد: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، حيث تحسب ثلاث تطليقات حقيقية، وتحرم المطلّقة على زوجها حتى تنكح زوجاً غيره.
فربّما يتغلّب الغضب على الزوج فيطلق الزوجة ثلاثاً في مجلس واحد، ثم يندم على عمله ندماً شديداً، ويحاول إيجاد مخرج لمشكلته فلا يجد عند أئمّة المذاهب الأربعة ولا الدعاة إليها مخرجاً فيقعد ملوماً محسوراً، ولو رجع الرجل إلى فقه الإمامية المأخوذة من الكتاب والسنّة وأحاديث أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) لوجد مخرجاً وهو بطلان الطلاق الثلاث في مجلس واحد.
ولندرس الآيات الثلاث الواردة في الموضوع:
1. قال سبحانه: (الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوف أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَان وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيَما حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيَما حُدُودَ اللهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِي مَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ

133
تَعْتَدُوهَا وَ مَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).(1) هذه الآية تتضمّن حكم بعد طلاقهن، فإنّ الرجل بعدها مخيّر بين الرجوع والإمساك بالمعروف أو تركها وتسريحها لحالها حتّى تنقضي عدتها، كما هو مفاد قوله: (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوف)بمعنى الرجوع بعد الطلاق الثاني. قوله: (أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَان)بمعنى ترك المطلقة مرّتين حتّى تبين بانقضاء العدّة.
لمّا لم يكن للعرب في الجاهليّة في الطلاق عدد معيّن فربّما طلّق الرجل امرأته مرّات عديدة وراجعها، وكانت المرأة بذلك أُلعوبة بيد الرجل يضارّها بالطلاق والرجوع متى شاء، فأنزل الله سبحانه: (الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ...): أي أنّ الطلاق الذي شرع فيه الرجوع هو الطلاق الأوّل والثاني، وأمّا الثالث فقد ذكر حكمه في الآية التالية:
2. قال سبحانه: (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيَما حُدُودَ اللهِ وَ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْم يَعْلَمُونَ).(2)
قوله: (فَإِنْ طَلَّقَهَا)ناظر إلى قوله: (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوف): أي فلو رجع بعد التطليقتين وطلقها ثالثة، فلا تحلّ له من بعد .
فدلّ قوله:(حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ...) على الحرمة الأبدية، نعم لو طلّقها الزوج الثاني لا بأس أن يتراجعا بعقد جديد كما قال: ( فَإِنْ طَلَّقَهَا): أي الزوج الثاني (فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا ).
3. قال سبحانه: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوف

1. البقرة:229.
2. البقرة:230.

134
أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوف وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ...).(1)
وسنرجع إلى تفسير هذه الآية عند الاستدلال على بطلان الطلاق الثلاث.
إذا عرفت ذلك فنقول: دلّ الكتاب العزيز على بطلان الطلاق الثلاث بوجوه أربعة:

الأوّل: دلالة الآية على كون كلّ طلاق مرّة بعد أُخرى

قوله سبحانه: (الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ)، اللام للجنس لا للعهد، فإذا كانت للجنس يعمّ مطلق الطلاق.
ثمّ إنّ قوله: (مَرَّتَانِ) ظاهر في لزوم وقوعه مرّة بعد أُخرى لا دفعة واحدة، وإلاّ يصير مرّة ودفعة، ولأجل ذلك عبّر سبحانه بلفظ «المرّة» ليدلّ على كيفية الفعل وأنّه عبارة عن الواحد منه، والدفعة والكرّة والمنزلة، مثل المرّة وزناً ومعنىً واعتباراً.
وعلى ما ذكرنا فلو قال المطلّق: «أنتِ طالق ثلاثاً» لم يطلّق زوجته مرّة بعد أُخرى، ولم يطلّق مرّتين، فإنّ قوله: (ثلاثاً) لا يصير سبباً لتكرّره، ويشهد على ذلك أُمور:
1. أنّه اعتبر في اللعان شهادات أربع فلا تجزي عنها شهادة واحدة مشفوعة بقوله: أربعاً.

1. البقرة:231.

135
2. لا يكفي في فصول الأذان إذا قال: الله أكبر وأردفه بقوله: اثنان.
3. لا يكفي في القسامة عندما يجب أن يحلف خمسين مرّة أن يقول: «أُقسم بالله خمسين يميناً».
4. يعتبر في رمي الجمرات، الرمي بعد الرمي إلى سبع مرّات، فلا يجزي رمي الحصيّات السبع مرّة واحدة.
5. في تكبيرات الصلاة سبعاً أو خمساً لا يجزي أن يقول: الله أكبر سبع مرّات.
وعلى هذا فالقول بوقوع الطلاق الثلاث بلفظ واحد يضادّ صريح الآيات، حتى أنّ الجصّاص الحنفي اعترف بذلك وقال: إنّ قوله:(الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ) يقتضي التفريق لا محالة; لأنّه لو طلّق اثنتين معاً لما جاز أن يقال: طلّقها مرّتين. وكذلك لو دفع رجل إلى آخر درهمين، لم يجز أن يقال: أعطاه مرّتين.(1)
فإن قلت: إنّ ما ذكر إنّما يأتي إذا عبّر عن التطليق ثلاثاً بصيغة واحدة، وأمّا لو كرّر الصيغة كما إذا قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، فهناك طلاق بعد طلاق.
قلت: إنّ الصيغة الثانية والثالثة تقعان باطلتين لعدم الموضوع للطلاق، فإنّ الطلاق إنّما هو لقطع العلقة الزوجية، فلا زوجية مستقرّة بعد الصيغة الأُولى حتى تقطع، ولا رابطة قانونيّة حتى تصرم.
وحصيلة الكلام: أنّ الطلاق يُحلّ عقدة الزواج فكيف يمكن أن

1. أحكام القرآن:1/378.

136
يتعدّد دون أن يتخلّل بينهما عقدة الزواج، فقولك: «أنت طالق» بمعنى حلّ العقدة وقطع الربط، ومثله لا يمكن أن يتكرّر إذ هو أشبه بتحصيل الحاصل.
***

الوجه الثاني: دلالة الآية على لزوم أحد الأمرين بعد كلّ تطليقة

قوله سبحانه في الآية الثالثة:( وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوف أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوف).
إنّ هذه الآية وإن وقعت بعد التطليقة الثالثة، لكن كثيراً من المفسّرين قالوا بأنّها ترجع إلى الآية الأُولى، أي قوله سبحانه: (الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ)، فإنّه سبحانه يأمر بأنّ المطلّق إذا قرب أجل المرأة ولم يبق من العدّة إلاّ زمن قليل فليختر أحد الأمرين في كلّ طلاق:
1. إمّا أن تمسك بمعروف، أي يرجع عن الطلاق ويأخذها بعنوان أنّها زوجته.
2. أو تترك حتى تخرج من العدّة كما يقول:(أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوف)فعندئذ فالآية تكون دليلاً على بطلان الطلاق الثلاث مرّة واحدة; وذلك لأنّ معناها أنّ كلّ مرّة من المرّتين يجب أن يتبعها أحد أمرين: إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان، والطلاق الثلاث مرّة واحدة فاقد لهذا.
قال ابن كثير: أي إذا طلّقتها واحدة أو اثنتين، فأنت مخيّر فيها مادامت عدّتها باقية، بين أن تردّها إليك ناوياً الإصلاح بها والإحسان إليها، وبين أن تتركها حتى تنقضي عدّتها، فتبين منك، وتطلق سراحها محسناً إليها، لا

137
تظلمها من حقّها شيئاً ولا تضارّ بها.(1)
وأين هذا من الطلاق ثلاثاً بلا تخلّل واحد من الأمرين: الإمساك أو تركها حتى ينقضي أجلها، سواء طلّقها بلفظ: أنت طالق ثلاثاً; أو: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق.
***

الوجه الثالث: دلالة الآية على لزوم الاعتداد بعد كلّ تطليقة

ظاهر قوله سبحانه:(يَا أَيُّهَا النَّبيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ)(2)، أنّ الطلاق يجب أن يكون لغاية الاعتداد أو مشرفاً على الاعتداد، وهو لا يتحقّق إلاّ بفصل الأوّل عن الثاني وإلاّ يكون الطلاق الأوّل بلا عدّة ولا إحصاء لها إذا طلّق اثنتين مرّة واحدة، ولو طلّق ثلاثاً يكون الأوّل والثاني كذلك. وقد استدلّ بعض أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)بهذه الآية على بطلان الطلاق الثلاث.
روى صفوان الجمّال عن أبي عبد الله(عليه السلام): أنّ رجلاً قال له: إنّي طلّقت امرأتي ثلاثاً في مجلس واحد؟ قال: «ليس بشيء، ثم قال: أما تقرأ كتاب الله(يَا أَيُّهَا النَّبيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ)ـ إلى قوله سبحانه: ـ (لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا) ثم قال: كلّما خالف كتاب الله والسنّة فهو يرد إلى كتاب الله والسنّة».(3)

1. تفسير ابن كثير:1/53.
2. الطلاق:1.
3. قرب الإسناد: 30; الوسائل: 15، الباب 29 من أبواب مقدّمات الطلاق، الحديث25.

138

الوجه الرابع: دلالة الآية على رجاء حدوث أمر بعد كلّ تطليقة

ومعنى قوله سبحانه : (لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا)(1) هو: ولعلّ الزوج يندم من طلاقها ويرجع إلى زوجته، وهذا إمّا يتصوّر إذا كان بعد الطلاق الأوّل عدة، وإلاّ فلو أوقع الطلاق الثلاث مرّة واحدة فليس هناك أمر يترقّب لأنّها صارت محرّمة إلى أن تنكح زوجاً غيره.
هذا كلّه في الاستدلال بالكتاب وأمّا السنّة فهي خارجة عن موضوع بحثنا، فقد تضافرت السنّة من الفريقين على البطلان ومع ذلك فأئمّة المذاهب الأربعة على القول بالصحّة! ولأجل أن يقف القارئ على تاريخ تصحيح هذا النوع من الطلاق نشير إلى شيء منه:
1. روى مسلم عن طاووس عن ابن عباس، قال: كان الطلاق على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر: طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إنّ الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم.(2)
2. وروى مسلم عن ابن طاووس عن أبيه: أنّ أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم إنّما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبي بكر وثلاثاً من (خلافة) عمر؟ فقال: نعم. (3)
3. وروى مسلم عن طاووس أيضاً: أنّ أبا الصهباء قال لابن عباس: هات من هناتك، ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله وأبي بكر

1. الطلاق:1.
2 . صحيح مسلم: 4/184 باب الطلاق الثلاث، الحديث 1.
3 . صحيح مسلم: 4/184 باب الطلاق الثلاث، الحديث 2.

139
واحدة؟ قال: قد كان ذلك فلمّـا كان في عهد عمر تتايع الناس في الطلاق فأجازه عليهم. (1)
4. روى البيهقي، قال: كان أبو الصهباء كثير السؤال لابن عباس، قال: أما علمت أنّ الرجل كان إذا طلّق امرأته ثلاثاً قبل أن يدخل بها، جعلوها واحدة على عهد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وأبي بكر (رضي الله عنه) وصدراً من إمارة عمر (رضي الله عنه) فلمّـا رأى الناس قد تتابعوا فيها، قال: أجيزوهن عليهم. (2)
5. أخرج الطحاوي من طريق ابن عباس أنّه قال: لمّا كان زمن عمر(رضي الله عنه)قال: يا أيّها الناس قد كان لكم في الطلاق أناة وإنّه مَن تعجّل أناة الله في الطلاق ألزمناه إيّاه. (3)
6. عن طاووس قال: قال عمر بن الخطاب: قد كان لكم في الطلاق أناة فاستعجلتم أناتكم، وقد أجزنا عليكم ما استعجلتم من ذلك.(4)
7. عن الحسن: أنّ عمر بن الخطاب كتب إلى أبي موسى الأشعري: لقد هممت أن أجعل إذا طلّق الرجل امرأته ثلاثاً في مجلس أن أجعلها واحدة، ولكنّ أقواماً جعلوا على أنفسهم، فألزِمُ كلّ نفس ما ألزَمَ نفسه؟ من قال لامرأته: أنت عليَّ حرام، فهي حرام; ومن قال لامرأته: أنت بائنة، فهي بائنة; ومن قال: أنت طالق ثلاثاً، فهي ثلاث. (5)

1 . صحيح مسلم: 4/184 باب الطلاق الثلاث، الحديث 3. التتايع: بمعنى التتابع في الشر.
2 . سنن البيهقي: 7/339; تفسير الدر المنثور: 1/279.
3 . عمدة القارئ: 9/537، وقال: اسناده صحيح.
4 . كنز العمال: 9/676، برقم 27943.
5 . كنز العمال: 9/676، برقم 27944.

140
هذه النصوص تدلّ على أنّ عمل الخليفة لم يكن من الاجتهاد فيما لا نصّ فيه، ولا أخذاً بروح القانون الذي يعبّـر عنه بتنقيح المناط وإسراء الحكم الشرعي إلى المواضع التي تشارك النصوص في المسألة، كما إذا قال: الخمر حرام، فيسري حكمه إلى كلّ مسكر أخذاً بروح القانون، وهو أنّ علّة التحريم هي الإسكار الموجود في المنصوص وغير المنصوص، وانّما كان عمله من نوع ثالث وهو الاجتهاد مقابل النص ونبذ الدليل الشرعي، والسير وراء رأيه وفكره وتشخيصه، وقد ذكروا هنا تبريرات لحكم الخليفة ذكرناها في كتابنا «الانصاف في مسائل دام فيها الخلاف» فلاحظ .(1)
هل الاعتداد بثلاثة أطهار أو ثلاث حيضات؟   

1 . لاحظ : الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف: 2 / 61 .

141
 
12

هل الاعتداد بثلاثة أطهار أو ثلاث حيضات؟

قال تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوء وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاَحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ).
اتّفقت الإمامية على أنّ الاعتداد بثلاثة أطهار وأنّها المراد من قوله سبحانه : (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوء).
توضيح ذلك أنّ لفظة قروء: جمع القُرء، وتجمع أيضاً على أقراء، كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «دعي الصلاة أيام أقرائك» .(1)
وعُدّ من الأضداد، فيقع على الطهر والحيض، قال النيسابوري: والمشهور أنّه حقيقة فيهما، وقيل حقيقة في الحيض، مجاز في الطهر، وقيل بالعكس.(2)
وقال ابن فارس: أصل صحيح يدلّ على جمع واجتماع، فإذا همز يقولون: ما قرأت هذه الناقة سلىً، كأنّه يُراد أنّها ما حملت قطّ، قالوا: ومنه

1 . سنن الدارقطني: 1 / 22، برقم 811 ; الوسائل : 2، الباب 8 من أبواب الحيض، الحديث 2.
2 . غرائب القرآن ورغائب الفرقان: 2 / 457 .

142
القرآن، كأنّه سمّي بذلك لجمعه ما فيه من الأحكام والقصص، وغير ذلك، فأمّا أقرأت المرأة فكأنّها قد جمعت دمها في جوفها، ويقولون: إنّما إقراؤها خروجها من طهر إلى حيض أو حيض إلى طهر.(1)
وممّا يدلّ على استعمال القروء في الطهر، قول الأعشى:
وفي كُلّ عام أنتَ جاشِمُ غَزوة *** تَشُدُّ لأقصاها عَزيمَ عزائِكَا
مُوَرِّثَة مالاً وفي الأرضِ رِفْعَةً *** لِما ضاعَ فيها من قروءِ نِسائِكَا(2)
أراد أنّه يخرج في كلّ سنة إلى الغزو ولا يغشى نساءه، فتضيع أقراؤهن.
وعلى كلّ تقدير فالفقهاء أجمعوا على أنّ الثلاثة يجب أن تكون من جنس واحد (الأطهار الثلاثة أو الحيضات الثلاث)، ثم اختلفوا فذهب الشافعي إلى أنّها الأطهار، ويُروى ذلك عن ابن عمر وزيد وعائشة، ومالك وربيعة وأحمد في رواية، وقال عمر، وعلي، وابن مسعود: هي الحيض، وهو قول أبي حنيفة والثوري والأوزاعي وابن أبي ليلى.(3)
وتظهر فائدة الاختلاف في أنّ مدّة العدّة على القول بأنّها ثلاثة أطهار أقصر من القول بأنّها حيضات ثلاث، لأنّه تكفي الطهارات الثلاث مع حيضتين اثنتين وذلك فيما لو طلّقها في طهر ـ لم يواقع فيه ـ ثم حاضت ثم

1 . معجم مقاييس اللغة: 5 / 78 ـ 79، مادة «قرى».
2 . مجمع البيان: 2 / 131 .
3 . غرائب القرآن ورغائب الفرقان: 2 / 457 .

143
طهرت ثم حاضت ثم طهرت، ففي ظهور الطهر الثالث تخرج من العدّة، مع وقوع حيضتين في الوسط، بخلاف ما إذا قلنا بأنّ الميزان الحيضات الثلاث، ففي مثل ذلك لا يكفي الطهر الثالث بل يجب أن تحيض مرّة ثالثة.
وأمّا أنّ هذه الثلاثة من أي جنس فهي بحاجة إلى التدبّر في الآيات الّتي تأمر المرأة بالاعتداد، وما روي من الروايات عن أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، ويمكن تقريب كون المراد هو الطهر بوجوه:
الأوّل: قوله سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّبيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ)، ظاهر في أنّ الطلاق لغاية اعتدادهن، ومعنى ذلك عدم وجود الفاصل الزماني بين الطلاق والاعتداد، فعلى هذا إذا طلق في طهر لم يواقع زوجته فيه، الّذي هو طلاق صحيح في جميع المذاهب الفقهية تكون الزوجة مأمورة بالاعتداد، فيدلّ بالملازمة على أنّ هذا الطهر من إحدى الثلاثة، فيكون الثاني والثالث مثله. بخلاف القول الثاني إذ عندئذ يجب عليها التربّص حتّى تحيض وتعتد، وهذا على خلاف سياق الآية، الظاهر في عدم الفاصل الزماني بين التطليق والاعتداد.
ثمّ إنّ صاحب الكشّاف لما وقف على أنّ ذلك لا ينطبق على المذهب الرائج بينهم أوّل الآية، وقال: فطلّقوهن مستقبلات لعدّتهن(1)، فيكون الطهر الّذي وقع فيه الطلاق خارجاً من الثلاثة، بل المعدود منها ما يأتي بعده من الحيض.
وأنت ترى أنّه تأويل للآية، لغاية التطبيق على المذهب.
ونظير الآية، آيتنا هذه حيث إنّ المتبادر منه أنّ المطلّقات يتربصن

1 . تفسير الكشّاف: 1 / 137 .

144
بأنفسهن ثلاثة قروء، أنّ التربّص يقع بعد الطلاق، فلو طلّقها في طهر فيكون أحد القروء. فلو قلنا بأنّ القرء هو الحيض فلازم ذلك التربّص حتّى تحيض.
الثاني: أنّه لو كان المراد من القروء هي الحيضات الثلاث، كان الأنسب أو اللازم أن يقول: ثلاث قروء ; لأنّ الحيض مؤنّث، وإذا كان المعدود مؤنثاً يعبّر عنه بالعدد المذكّر، بخلاف ما إذا قلنا بأنّ المراد هو الطهر، فهو مذكّر يعبر عنه بالعدد المؤنّث.
الثالث: أنّه سبحانه عبّر هنا على جمع الكثرة، وقال: ثلاثة قروء دون جمع القلّة، الّتي هي الإقراء، مع أنّ الوارد في كلام النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)هو الأقراء حيث قال: «دعي الصلاة أيام أقرائك»، وهذا يؤيّد كون المراد هو الطهر وإلاّ لم يعدل عن جمع القلّة الّتي هي الأنسب في المقام إلى جمع الكثرة.
الرابع: اتّفاق أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)على أنّ المراد من القرء هو الطهر، كما في الروايتين التاليتين:
أ. روى زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: قلت له: إنّي سمعت ربيعة الرأي يقول: إذا رأت الدم من الحيضة الثالثة بانت منه، وإنّما القرء ما بين الحيضتين، وزعم أنّه أخذ ذلك برأيه، فقال أبو جعفر(عليه السلام): «أخذه من علي (عليه السلام)قال: قلت له: وما قال فيها عليّ (عليه السلام)؟ قال: «كان يقول: إذا رأت الدم من الحيضة الثالثة فقد انقضت عدّتها، ولا سبيل عليها، وإنّما القرء ما بين الحيضتين».(1)

1 . الوسائل: 15، الباب 15 من أبواب العدد، الحديث 4.

145
2. وروى زرارة، قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): سمعت ربيعة الرأي يقول: من رأيي أنّ الإقراء الّتي سمّى الله عزّوجلّ في القرآن إنّما هو الطهر فيما بين الحيضتين، فقال: «إنّما بلغه عن علي (عليه السلام)» فقلت: أكان عليّ (عليه السلام)يقول ذلك؟ فقال: «نعم، إنّما القرء الطهر الّذي يقرؤ فيه الدم، فيجمعه، فإذا جاء المحيض دفعه».(1)

1 . الوسائل: 15، الباب 14 من أبواب العدد، الحديث 4 .

146
طعام الّذين أُوتوا الكتاب   
 
13

طعام الّذين أُوتوا الكتاب

قال تعالى: (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَان وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ).(1)
دلّت الآية الشريفة على حلّيّة أُمور:
1. حلّيّة الطيّبات: (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ).
2. حلّيّة طعام أهل الكتاب: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ).
3. حلّيّة طعام المسلمين لأهل الكتاب: (وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ).
4. حلّيّة العفائف من المؤمنات: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ).
5. حلّيّة العفائف من أهل الكتاب: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ).

1 . المائدة: 5 .

147
والّذي يهمّنا دراسته هو الأمر الثاني هنا والخامس في الآية التالية برقم 14، وأمّا الأُمور الأُخرى فيطلب تفسيرها من محالّها.
***
اتّفقت كلمة علماء أهل السنّة على أنّه لا يشترط في الذابح الإسلام بل يكفي أحد الأمرين: أن يكون مسلماً أو كتابياً . حيث قالوا: إنّه يشترط لصحّة الذبح في الجملة شرائط راجعة إلى الذابح، وهي: أن يكون عاقلاً، وأن يكون مسلماً أو كتابياً... إلى آخر ما ذكروه».(1)
وأمّا المشهور بين فقهاء الشيعة، فهو اشتراط الإسلام في الذابح.
قال الشيخ الطوسي: لا تجوز ذبائح أهل الكتاب ـ اليهود والنصارى ـ عند المحصّلين من أصحابنا، وقال شُذّاذ منهم إنّه يجوز أكله، وخالف جميع الفقهاء في ذلك .(2)
وأراد من الشُّذّاذ ابن أبي عقيل وابن الجنيد.
ثم إنّ البحث مركّز على مقدار دلالة لفظ الطعام في الآية حيث قال: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ)، فإن فُسّر بالمأكول فيعم الحبوب واللحوم، وأمّا لو فُسّر بالبُرّ والشعير فيختصّ بغير اللحوم.

الطعام في لغة أهل الحجاز هو البرّ

وبما أنّ القرآن نزل بلغة أهل الحجاز فالطعام عندهم عند الإطلاق يستعمل في البُرّ، وقد نصّ عليه أهل اللغة:

1 . لاحظ : الموسوعة الفقهية الكويتية: 21 / 136، مادة «ذبح».
2 . الخلاف: 6 / 23، المسألة 23.

148
1. قال الخليل: والعالي في كلام العرب: أنّ الطعام هو البُرّ خاصّة، ويقال له وللخبز المخبوز، ثم يُسمّى بالطعام ما قرب منه، وصار في حدّه، وكلّ ما يسد جوعاً فهو طعام.(1)
2. يقول ابن فارس: طعم: أصل مطّرد منقاس في تذوّق الشيء، يقال: طعمت الشيء طعاماً. والطعام هو المأكول، وكان بعض أهل اللغة يقول: الطعام هو البُرّ خاصّة .(2)
3. وقال الفيّومي ناقلاً عن التهذيب: الطُعم: الحب الّذي يُلقى للطير، وإذا أطلق أهل الحجاز لفظ الطعام عنوا به البُر خاصّة.(3)
4. وقال ابن منظور: وأهل الحجاز إذا أطلقوا اللفظ بالطعام عنوا به البُر خاصّة، وفي حديث أبي سعيد: كنّا نخرج صدقة الفطر على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)صاعاً من طعام أو صاعاً من شعير. وأُريد من الطعام البُرّ بقرينة مقابلته بالشعير.(4)
5. وقال ابن الأثير في «النهاية»: وفي حديث أبي سعيد: «كنّا نخرج زكاة الفطر صاعاً من طعام، أو صاعاً من شعير» قيل: أراد به البر، وقيل: التمر، وهو أشبه; لأنّ البُرّ كان عندهم قليلاً لا يتّسع لإخراج الزكاة.(5)
ويؤيّد قول أهل اللغة من أنّ الطعام في مصطلح أهل الحجاز هو البُر،

1 . كتاب العين: 2 / 25، مادة «طعم».
2 . معجم مقاييس اللغة: 3 / 410، مادة «طعم».
3 . مصباح اللغة: 2 / 373، مادة «طعم».
4 . لسان العرب: 12 / 364، مادة «طعم».
5 . النهاية: 3 / 137، مادة «طعم».

149
ما ورد في الذكر الحكيم، قوله تعالى:
1. (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِين).(1)
2. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْل مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ).(2)
وقد اتّفقت كلمة الفقهاء على أنّ الطعام هو البُرّ أو طحينه، وقال سبحانه: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيًما وَأَسِيرًا)، (3) وكان طعامهم الخبز.
هذا مضافاً إلى ما تضافر عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)من أنّ المراد من الطعام هو الحبوب.
روى الكليني عن قتيبة الأعشى في حديث أنّ الله تعالى قال: (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ)فقال له أبو عبدالله (عليه السلام): وكان أبي (عليه السلام)يقول: «إنّما هو الحبوب وأشباهها».(4)
وإنّما نسب الإمام (عليه السلام)التفسير إلى أبيه (عليه السلام)للمصلحة ; لأنّ الرأي العام عند ذاك هو حلّيّة ذبيحة الكتابي، ولأجل حفظ الوئام نسب التفسير إلى أبيه. وفي نفس الباب وأبواب أُخر روايات تدلّ على أنّ المراد بالطعام الحبوب.

1 . البقرة: 184 .
2 . المائدة: 95 .
3 . الإنسان: 8 .
4 . الوسائل: 16، الباب 26 من أبواب الذبائح، الحديث 1 .

150
ثم إنّ حلّيّة البُرّ أو مطلق الحبوب يشمل ما هو المطبوخ كالهريسة وغيرها من أنواع الطعام من الخبز وغيره. فمَن فسّر الآية بما ذكرنا فقد قال بشرطية الإسلام في الذابح، وأمّا مَن فسّره بكلّ مأكول فقد عمّم الحليّة لذبائح أهل الكتاب.
بقيت هنا إشكالات وجّهها صاحب المنار (1) إلى هذا القول، نأت بها تباعاً:

1. استعمال الطعام في القرآن في مطلق المأكول

إنّ لفظ الطعام استعمل في مطلق المأكول في الذكر الحكيم أيضاً :
1. قال سبحانه: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ) (2)، ولا يقول أحد: إن الطعام من صيد البحر هو البُرّ أو الحبوب.
2. قال سبحانه: (كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ).(3) والمحرّم هو اللحوم لا البرّ أو الحبوب.
3. قال سبحانه: (فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا)(4): أي أكلتم.
4. قال سبحانه: (قُلْ لاَ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِم يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا).(5)

1 . لاحظ : تفسير المنار: 6 / 677 .
2 . المائدة: 96 .
3 . آل عمران: 93 .
4 . الأحزاب: 53 .
5 . الأنعام 145 .

151
كلّ ذلك قرينة على أنّ المراد من الطعام هو اللحوم.
أقول: أمّا عن الاستدلال بالآيتين الأُولتين على أنّ المراد هو اللحوم، فلوجود القرينة في صيد البحر، وتحريم إسرائيل على نفسه، ولا إشكال أنّه يُعدل عن الأصل بالقرينة.
وأمّا الآيتان الثالثة والرابعة، فلأنّ المنصرف إلى البُر هو لفظ (الطَّعَامِ)لا كُلّ ما يُشتق منه كقوله: (طَعِمْتُمْ) أو (يَطْعَمُهُ).
ونحن نضيف آية أُخرى، وهي قوله سبحانه حاكياً عن طالوت: (فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي).(1) ففيها قرينة واضحة على أنّ المراد هو شرب الماء.
وحصيلة الكلام: أنّ انصراف الطعام إلى البُرّ مختص، بلفظ (الطَّعَامِ)لا بما يشتق منه، وبالمجرد عن القرينة.

2. أنّ اللحم مظنّة التحريم

إنّ الحبّ ليس مظنّة التحليل والتحريم، بل اللحم هو الّذي يعرض له ذلك لوصف حسيّ كموت الحيوان حتف أنفه.
يلاحظ عليه: بأنّ موضوع التحليل والتحريم هو أفعال المكلّفين لا الأعيان الخارجية حتّى في مثل قوله سبحانه: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَ بَنَاتُكُمْ وَ أَخَوَاتُكُمْ وَ عَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَ بَنَاتُ الأُخْتِ وَ أُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَ أَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَ أُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَ رَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي

1 . البقرة: 249 .

152
حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَ أَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا).(1) وعليه لا فرق بين اللحوم والحبوب فالكلّ صالح لعروض الحكم الشرعي باعتبار الأكلّ .

3. الإضافة تدلّ على أنّ لأهل الكتاب دخلاً في التحريم

إنّ إضافة الطعام إلى قوله: (الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ)دليل على أنّ لهم دخلاً في صنع الطعام ومباشرة، والحبوب والبر المجرّدان من كلّ شيء لا يطلق عليه الطعام المضاف.
يلاحظ عليه: أنّه يكفي في صدق الإضافة مجرّد النسبة، مضافاً إلى أنّ الحلّية ليست مختصّة بالمجرد بل تعمّ صنع الهريسة والخبز وألوان الأغذية المصنوعة من البُرّ وبقية الحبوب.

ما هو الوجه لحلّية البُرّ في اليوم الخاصّ؟

يظهر من قوله سبحانه: (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ) أنّ طعام أهل الكتاب صار حلالاً في يوم خاصّ وهو في السنة العاشرة من الهجرة الّتي نزلت فيها سورة المائدة.
والجواب: هو أنّ المسلمين في بدايات الدعوة الإسلامية كانوا مأمورين بالابتعاد عن المشركين والكافرين لئلاّ يتأثّروا بما عندهم من العقائد الفاسدة، ولكن عندما سيطرت الدول الإسلامية على الحجاز

1 . النساء: 23.

153
وصارت القوّة والقدرة حليفهم أُجيز لهم أمران:
1. تزويج نسائهم كما في قوله: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ).
2. حلية طعامهم من بيع وشراء وأكل، وأكل ما يعمل منه، كما في قوله تعالى: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ).
والشاهد على ما ذكرنا تصدر الآية بقوله: (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ)مشعراً بأنّ الحليّة أمر طارئ.
وقد روي عن قتادة أنّه قال: ذُكر لنا أنّ رجالاً قالوا: كيف نتزوّج نساءهم وهم على دين ونحن على دين، فأنزل الله: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ).(1) ومثله المقام فقد كان في أذهانهم هذا السؤال: كيف نعاشرهم بالبيع والشراء والمؤاكلة وهم على دين ونحن على دين فانزل الله قوله سبحانه: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ).
والّذي يُبعد كون الموضوع هو اللحوم، أنّ الآية في سورة المائدة وهي آخر سورة نزلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في أُخريات حياته، أعني: السنة العاشرة، مع أنّ أحكام اللحوم قد سبق بيانها في سورتي البقرة والأنعام، قال تعالى: (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغ وَلاَ عَاد فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).(2)
وقال سبحانه: (وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَ حَرْثٌ حِجْرٌ لاَ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَنْ نَشَاءُ

1 . تفسير الدر المنثور: 2 / 261 .
2 . البقرة: 173 .

154
بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لاَ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ).(1)

القول بعموم دلالة الآية

لو قلنا بعموم دلالة الآية على حلّيّة كلّ طعام يطعمه أهل الكتاب من غير فرق بين اللحوم وغيرها، فلا محيص لنا إلاّ إلغاء شرط واحد، وهو كون الذابح مسلماً فقط، وأمّا سائر الشروط فهي غير ملغاة، مثلاً :
أ. أن يكون حلالاً إذا ذبح صيد البُر، لا خنزيراً ولا كلباً ولا غير ذلك.
ب. أن يُسمّي الله تعالى على الذبيحة.
ج. أن لا يهلّ بالذبح لغير الله تعالى.
د. أن يقطع من مقدّم العنق.
إلى غير ذلك من الشروط الّتي تكفّلت ببيانها آيات الذكر الحكيم والسنّة الطاهرة... فلو ذبح الكتابي دون أن يُسمّي فهو بحكم الذكر الحكيم فسق، بقوله سبحانه: (وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ).(2)
أو لو ذبح الكتابي وأهلّ لغير الله، يقول سبحانه: (قُلْ لاَ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِم يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِير فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ)،(3) فلا يحلّ ; لأنّ ما هو موصوف بالفسق يستحيل أن يكون حلالاً للمسلمين. كما أنّه إذا ذبح كلّ ذي ظفر

1 . الأنعام: 138 .
2 . الأنعام : 121 .
3 . الأنعام: 145 .

155
ممّا حرّمه الله تعالى، فلا يجوز أكله، فلا معنى أن يكون حلالاً على المسلمين، وأمّا إذا ذبحه المسلم يكون حراماً وإذا ذبحه الكتابي يكون حلالاً.
وبعبارة أُخرى: فليست الآية بصدد إلغاء عامّة الشرائط اللازمة في حليّة اللحوم من غير فرق بين كونها في المذبوح أو في الذابح على وجه يكون كلّ طعام أهل الكتاب وإن كان اللحم من المحرّمات أو فقد شرائط الذبح حلالاً، فإنّ هذا ممّا لا يتفوّه به أيُّ فقيه، فغاية ما يمكن أن يقال: إنّ حليّة طعام أهل الكتاب إذا كانت من اللحوم حلال إذا اجتمعت عامّة الشرائط، إلاّ إسلام الذابح.
فعلى ما ذكرنا: لو قلنا بعموم الآية أنّها تختصّ الحلّيّة بما إذا قام الكتابي بذبح الحيوان مستقبلاً ومسمّياً وقاطعاً الأوداج الأربعة مع استقرار الحياة في الحيوان قبل الذبح، فعندئذ يكون النزاع قليل الفائدة، إذ قلّما يتّفق لكتابي يقوم بالذبح مع مراعاته لهذه الشروط .
وبذلك يُعلم أنّ اللحوم المستوردة من بلاد الكفر حتّى ولو كان المذبوح غنماً أو بقراً، لا يحكم عليها بالحليّة، فإنّه لا تُراعى فيها الشروط الواجبة عند المسلمين.
وبكلمة قصيرة: إنّ سياق الآية إلغاء شرط واحد، وهو كون الذابح مسلماً، لا عامّة الشروط كالتسمية والاستقبال، وكون المذبوح حيّاً قبل الذبح، وفري الأوداج الأربعة، وإلاّ فلو قلنا بعموم الآية وإطلاقها تلزم حلّيّة كلّ ما يستحلّه أهل الكتاب من الحشرات والسباع حتّى الخنزير، والتبعيض بين الشروط دون البعض على خلاف الإطلاق.

156
وما خرجنا به من النتيجة هو المصرّح به في كلام السيد الطباطبائي، قال: وقد تبيّن من جميع ما تقدّم عدم دلالة الآية ولا أي دليل آخر على حلّيّة ذبائح أهل الكتاب إذا ذبحت بغير التذكية الإسلامية، فإن قلنا بحلّيّة ذبائحهم للآية ـ كما نقل عن بعض أصحابنا ـ فلنقيّدها بما إذا علم وقوع الذبح على تذكية شرعية كما يظهر من قول الصادق (عليه السلام)في خبر الكافي والتهذيب المتقدّم: «فإنّما هي الاسم ولا يؤمن عليها إلاّ مسلم» الحديث.(1)
وفي بعض الروايات إشعار إلى ما ذكرنا، روى الكليني بسند صحيح عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه، قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن ذبيحة أهل الكتاب؟ فقال: «والله ما يأكلون ذبائحكم، فكيف تستحلّون أن تأكلوا ذبائحهم، إنّما هو الاسم ولا يؤمن عليه إلاّ مسلم».(2)
ويدلّ الحديث على الحرمة العرضية ; لأنّ النصارى إمّا لا يُسمّون أو يُسمّون ما لا نرضى به.
روى الكليني عن حنان بن سدير، قال: دخلنا على أبي عبدالله (عليه السلام)أنا وأبي، فقلنا له: جعلنا فداك، إنّ لنا خلطاء من النصارى، وإنّا نأتيهم فيذبحون لنا الدجاج والفراخ والجداء، أفنأكلها؟
في نكاح غير المسلمات   
قال: «لا تأكلوها، ولا تقربوها، فإنّهم يقولون على ذبائحهم ما لا أُحب لكم أكلها».
إلى أن قال: فقالوا: صدق ] والله [، إنّا لنقول: بسم المسيح.(3)

1 . الميزان في تفسير القرآن: 5 / 216 .
2 . الوسائل: 16، الباب 27 من أبواب الذبائح، الحديث 4.
3 . الوسائل: 16، الباب 27 من أبواب الذبائح، الحديث 3 .

157
 
14

في نكاح غير المسلمات

قال تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَان وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ).(1)
قد درسنا قوله سبحانه: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ)بقيت دراسة الفقرة التالية: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ)، وأُريد من المحصنات العفائف فإن الإحصان قد يطلق ويراد به الحرائر، وأُخرى المتزوّجات، وثالثة العفائف .(2)
فيقع الكلام في جواز نكاح الكتابية.

1 . المائدة: 5 .
2 . لاحظ قوله سبحانه: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَ أُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا)(آل عمران: 24) وقوله: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ) (آل عمران: 26)، وفي آيتنا هذه تجد استعمال المحصنات بالمعاني الثلاثة.

158
قال الشيخ الطوسي: المحصّلون من أصحابنا يقولون لا يحلّ نكاح مَن خالف الإسلام، لا اليهود ولا النصارى ولا غيرهم. وقال قوم من أصحاب الحديث من أصحابنا: يجوز ذلك. وأجاز جميع الفقهاء التزويج بالكتابيات، وهو المروي عن عمر وعثمان وطلحة وحذيفة وجابر. وروي أنّ عمّاراً نكح نصرانية، ونكح طلحة نصرانية، ونكح حذيفة يهودية. وروي عن عمر كراهية ذلك، وإليه ذهب الشافعي.(1)
ثم استدلّ على الحرمة ببعض الآيات سندرسها في آخر المقام.
قال المحقّق: لا يجوز للمسلم نكاح غير الكتابية إجماعاً، وفي تحريم الكتابية من اليهود والنصارى روايتان، أشهرهما المنع في النكاح الدائم، والجواز في المؤجّل. وكذا حكم المجوس على أشبه الروايتين.(2)
فعلى هذا ففي المسألة قولان:
1. التحريم مطلقاً.
2. التفصيل بين الدائم والمؤقّت.
وهناك قول ثالث هو خيرة صاحب الجواهر قال: التحقيق هو الجواز مطلقاً على كراهية متفاوتة في الشدّة والضعف بالنسبة إلى الدائم والمنقطع، وبالنسبة إلى مَن يستطيع نكاح المسلمة وغيره، وبالنسبة إلى مَن يكون عنده المسلمة وغيره، وبالنسبة إلى البله منهن إلى غيرها، مستدلاًّ على الجواز بقوله سبحانه: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) وهي آية محكمة لا نسخ فيها، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ سورة المائدة آخر القرآن

1 . الخلاف: 4 / 311، المسألة 84 .
2 . شرائع الإسلام: 2 / 294 .

159
نزولاً، فأحلّوا حلالها وحرّموا حرامها». ثم استدلّ بالروايات الّتي تدلّ على أنّ سورة المائدة آخر ما نزل على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ولم ينسخ منها شيء.(1)
ثم إنّ إطلاق الآية يدلّ على عدم الفرق بين الدائم والمؤقّت، غير أنّ في الآية قرائن تؤيّد القول بالتفصيل، وهذه القرائن عبارة عن الأُمور التالية:
1. التعبير عن المهر بالأجر، فإنّ الأجر وإن كان يطلق على المهر أيضاً، لكن انتخاب لفظ الأجر على المهر في الآية يصلح أن يكون قرينة على أن المراد هو النكاح المؤقّت.
2. أن يكون النكاح لغاية الإحصان أي العفة لا السفاح كما يقول: (مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ)، فإنّ الفساد قد يتطرّق إلى العقد المؤقّت لا في الدائم.
3. (وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَان)فإنّ اتّخاذ الخدن أكثر احتمالاً في المؤقّت دون الدائم. ولأجل ما ذكر فالقول بالتفصيل أفضل. بقي الكلام فيما استدلّ بحرمة نكاحهن:

1. النهي عن نكاح المشركات

إنّ الآيات الناهية عن نكاح المشركات ناسخة لآيتنا كقوله سبحانه:(وَلاَ تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَة وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ).(2)

1 . جواهر الكلام: 30 / 31 ـ 34.
2 . البقرة:221.

160
يلاحظ عليه: أنّ الكتابية ليست مشركة حسب تعبير القرآن الكريم; لأنّه سبحانه يعدّهم في مقابل المشركين، كما في قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَ النَّصَارى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)(1)، وعلى غرار هذه الآية ومفهومها آيات عديدة كقوله تعالى: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ)(2).

2. النهي عن نكاح الكوافر

دلّ قوله سبحانه: (وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ)(3) على عدم إبقاء العلاقة بين المسلم والكافرة، فإنّ إطلاقها يشمل المشركة والذمّية.
يلاحظ عليه:الظاهر أنّ المراد من الكوافر هنّ المشركات ; وذلك لأنّه لمّا نهى سبحانه عن إبقاء العلاقة بين المسلمة والكافر كان ثمّة رجال من قريش قد أسلموا فهاجروا إلى المدينة، بينما بقيت نساؤهم على الكفر في مكّة، فجاءت الآية لبيان تكليف هؤلاء الأزواج، فقال سبحانه:(وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ): أي لا تمسكوا بنكاح الكافرات المشركات.
ويشهد على ذلك أنّ الآية نزلت في كفّار قريش ونسائهم، ولم تكن يوم ذاك أي كافرة كتابية أسلم زوجها وبقيت هي على الكفر. ومَن قرأ سورة الممتحنة يذعن بذلك.

1 . الحج:17.
2 . البيّنة:1.
3 . الممتحنة:11.

161

3. عموم التعليل في مورد نكاح المشركة

ذكر سبحانه وجه المنع عن نكاح المشركة، فإنّ أُولئك يدعون إلى النار، وهذا الوجه موجود في نكاح الكتابية أيضاً.
أقول: وهذا الوجه وجيه لولا أنّ قوله: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ)أظهر في الجواز، فيكشف عن ضيق التعليل واختصاصه بالمشركة. فظهر أنّ دلالة الآية على نكاح الكتابية بالعقد المؤقّت دلالة تامّة.

162
الوصية للوالدين والأقربين   
 
15

الوصيّة للوالدين والأقربين

اتّفقت المذاهب الخمسة على أنّ الوصية التبرّعيّة تنفذ في مقدار الثلث فقط، مع وجود الوارث، سواء أصدرت في المرض أم في الصحّة، وما زاد عن الثلث يفتقر إلى إجازة الورثة. وإن كان الأفضل في بعض المذاهب أن لا يستوعب الثلث بالوصية.(1)
وأمّا في مقدار الثلث فتنفذ وصيته عند الإمامية في الأقرب والأجنبي، ومن غير فرق في الأقرب، بين الوارث وغيره. وأمّا المذاهب الأربعة فأجازت الوصية للأقرب بشرط أن لا يكون وارثاً، وأمّا الوارث فلا تجوز الوصية له، سواء أكان بمقدار الثلث أم أقل أم أكثر ، إلاّ بإجازة الورثة.
قال السيد المرتضى: وممّا ظنّ انفراد الإمامية به، ما ذهبوا إليه من أنّ الوصية للوارث جائزة، وليس للوارث (غير الموصى له) ردّها. وقد وافقهم في هذا المذهب بعض الفقهاء (2) وإن كان الجمهور والغالب، على خلافه.(3)
وقال الشيخ الطوسي: تصحّ الوصية للوارث مثل الابن والأبوين.

1 . المغني لابن قدامة: 6/78.
2 . سيوافيك التصريح به من صاحب المنار أيضاً.
3 . الانتصار: 308.

163
وخالف جميع الفقهاء في ذلك وقالوا: لا وصية للوارث.(1)
وقال الخرقي في متن المغني: «ولا وصية لوارث إلاّ أن يجيز الورثة ذلك». وقال ابن قدامة في شرحه: إنّ الإنسان إذا أوصى لوارثه بوصية فلم يُجزها سائر الورثة، لم تصحّ، بغير خلاف بين العلماء. قال ابن المنذر وابن عبد البرّ : أجمع أهل العلم على هذا، وجاءت الأخبار عن رسول الله بذلك، فروى أبو أُمامة قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: «إنّ الله قد أعطى كلّ ذي حقّ حقّه فلا وصية لوارث». رواه أبو داود وابن ماجة والترمذي.(2)
ومع أنّ الكتب الفقهية للمذاهب الأربعة تنفي جواز الوصية للوارث، إلاّ إذا أجاز الورثة، حتى أنّ بعضهم يقول بأنّ الوصية باطلة وإن أجازها سائر الورثة إلاّ أن يعطوه عطية مبتدأة (3) ـ ومع هذا التصريح ـ ينقل الشيخ محمد جواد مغنية: كان عمل المحاكم في مصر على المذاهب الأربعة، ثمّ عدلت عنها إلى مذهب الإمامية، وما زال عمل المحاكم الشرعية السنّيّة في لبنان على عدم صحّة الوصية للوارث، ومنذ سنوات قدّم قضاتها مشروعاً إلى الحكومة يجيز الوصية للوارث ورغبوا إليها في تبنّيه (4).
والأولى عرض المسألة على الكتاب والسنّة، أمّا الكتاب فيكفي في جواز الوصية قوله سبحانه: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذا حَضَـرَ أحَدَكُمُ المَوتُ إنْ تَرَكَ خيراً الوَصِيَّةُ لِلوالِدَينِ والأقْرَبِينَ بِالمَعروفِ حَقّاً عَلَـى المُتَّقِينَ).(5)

1 . الخلاف : 4 / 135، المسألة 1، كتاب الوصايا .
2 . المغني: 6/79ـ80.
3 . المصدر نفسه.
4 . الفقه على المذاهب الخمسة: 465.
5 . البقرة: 180.

164
المراد من حضور الموت: ظهور أماراته من المرض والهرم وغيره، ولم يرد إذا عاين ملك الموت، لأنّ تلك الحالة تشغل الإنسان عن الوصيّة، وأيضاً يجب أن يراعى جانب المعروف في مقدار الوصية والموصى له، فمن يملك المال الكثير إذا أوصى بدرهم فلم يوص بالمعروف، كما أنّ الإيصاء للغني دون الفقير خارج عن المعروف، فإنّ المعروف هو العدل الذي لا ينكر، ولا حيف فيه ولا جور.
والآية صريحة في الوصية للوالدين، ولا وارث أقرب للإنسان من والديه، وقد خصّهما بالذكر لأولويتهما بالوصيّة ثم عمّم الموضوع وقال: (والأقربين)ليعمّ كل قريب، وارثاً كان أم لا.
وهذا صريح الكتاب ولا يصحّ رفع اليد عنه إلاّ بدليل قاطع مثله. وقد أجاب القائلون بعدم الجواز عن الاستدلال بالآية بوجهين:

1. الآية منسوخة بآية المواريث

إنّها منسوخة بآية المواريث، فعن ابن عباس والحسن: نُسِختْ الوصيةُ للوالدين بالفرض في سورة النساء، وتثبت للأقربين الذين لا يرثون، وهو مذهب الشافعي وأكثر المالكيين وجماعة من أهل العلم.

2. المراد الوالدان الكافران اللّذين لا يرثان

إنّ الآية محكمة ظاهرها العموم ومعناها الخصوص في الوالدين اللّذين لا يرثان كالكافرين والعبدين، وفي القرابة غير الورثة.(1)

1 . تفسير القرطبي: 2/ 262 ـ 263 .

165
والفرق بين القولين واضح إذ مرجع الأوّل إلى نسخ جواز الإيصاء للوالدين وأنّه لا يوصى لهما مطلقاً وارثين كانا أو ممنوعين من الإرث لأجل الكفر والرقّ، وتقييد جواز الإيصاء للأقربين بما إذا كانوا غير وارثين.
ومرجع الثاني إلى إنكار النسخ لكن تقييد جواز الإيصاء للوالدين بما إذا كانا ممنوعين من الإرث.
ويشارك هذا القول الوجه الأوّل في تقييد الأقربين بغير الورثة.
يلاحظ على الأوّل: بوجوه ثلاثة :
1. لسان الآية آب عن النسخ حيث عبّر عن الحكم بأنّه حكم مُحكم مستحكم، لا يزول وأتمّ الآية بقوله: (حَقّاً عَلَـى المُتَّقِينَ) .
2. يشترط في النسخ تقدّم المنسوخ على الناسخ أوّلاً، وكون النسبة بينهما هو الإثبات والنفي، وكلا الشرطين غير محرزين، أو غير موجودين أمّا الأوّل فإنّه لم يثبت تقدّم الإيصاء للوالدين على آية المواريث حتى يكون الثاني ناسخاً للأوّل، وأمّا الثاني فإنّ النسبة بين الآيتين نسبة الإثبات دون أن تكون إحداهما مثبتة والأُخرى نافية.
وقد عرفت أنّه لا منافاة أن يكتب سبحانه على الإنسان وراء الإرث، الإيصاء للوالدين والأقربين، بما لا يتجاوز الثلث.
3. أنّ الإرث بعد الإيصاء، فالميراث في طول الوصية، ولا يصحّ للمتأخّر أن يعارض المتقدّم، وأنّ الورّاث يرثون بعد إخراج الدين
والوصية، قوله سبحانه: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْن)(1)، وقوله تعالى:

1 . النساء:11.

166
(مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْن وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الّثُمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْن وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِد مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْن)(1)، فلا موضوع للنسخ ولا للتخصيص.
وممّن اعترف بما ذكرنا الشيخ محمد عبده، كما حكى عنه تلميذه، قال: إنّه لا دليل على أنّ آية المواريث نزلت بعد آية الوصية هنا، وبأنّ السياق ينافي النسخ، فإنّ الله تعالى إذا شرّع للناس حكماً، وعلم أنّه مؤقّت، وأنّه ينسخه بعد زمن قريب، فإنّه لا يؤكّده ويوثقه بمثل ما أكّد به أمر الوصيّة هنا من كونه حقّاً على المتقين، ومن وعيد لمن بدّله.(2)

نقد القول بتخصيص الآية بالكافرين

هذا كلّه حول القول الأوّل من ادّعاء النسخ، وأمّا القول الثاني وهو تخصيص الوالدين بالممنوعين من الإرث من كفر أو رقّ، فهو أيضاً كالقول بالنسخ ; لأنّه إذا كان المراد الممنوعين من الوراثة فما معنى هذا التأكيد والاهتمام في الآية مع ندرة المصداق أو قلّته بالنسبة إلى غير الممنوعين، إذ عندئذ تكون الآية بمنزلة قولنا: «الوصية للوالدين، إلاّ المسلمين»، فيكون الباقي تحت العام قليلاً جداً ويكون من قبل التخصّص المستهجن، فلا محيص عن القول بعموم الآية، لكلّ والد ووالدة،

1 . النساء:12.
2 . تفسير المنار:2/136.

167
والأقربين ممنوعين كانوا أم غيرهم.

آية الوصيّة منسوخة بالسنّة

قد علمت أنّ آية الوصيّة محكمة لم تنسخ بالكتاب ولم يقيّد إطلاقها، بل هي آية محكمة مطلقة يجب الأخذ بها، إلاّ أنّه ربما يقال: إنّ آية الوصيّة نسخت بالسّنّة التي رواها أصحاب السنن ولم يروها الشيخان: البخاري ومسلم في صحيحيهما، وإليك نقل الرواية سنداً ومتناً عن سنن الترمذي. حيث روى في باب: «ما جاء لا وصية لوارث» هذين الحديثين:
1. حدّثنا علي بن حجر وهنّاد قالا: حدّثنا إسماعيل بن عيّاش، حدّثنا شرحبيل بن مسلم الخولاني، عن أبي أُمامة الباهلي، قال: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول في خطبته عام حجّة الوداع:«إنّ الله قد أعطى لكلّ ذي حقّ حقّه فلا وصية لوارث، الولد للفراش وللعاهر الحجر».
2. حدّثنا قتيبة، حدّثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن عمرو بن خارجة: أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) خطب على ناقته وأنا تحت جِرانها وهي تقصع بجرّتها، وإن لعابها يسيل بين كتفي، فسمعته يقول: «إنّ الله أعطى كلّ ذي حقّ حقّه، ولا وصية لوارث، والولد للفراش وللعاهر الحجر».(1)

ملاحظات على نسخ الآية بالسنّة

يلاحظ على هذا القول بوجوه:

1 . سنن الترمذي: 4/ 293، باب ما جاء «لا وصية لوارث»، الحديثين: 2203 و 2204 .

168
1. الكتاب العزيز، قطعيّ السند، وصريح الدلالة في المقام، وظاهر الآية كون الحكم أمراً بدوياً وأنّه مكتوب على المؤمنين، وهو حقّ على المتّقين، أفيصحّ نسخه أو تخصيصه برواية واحدة، لم تخلو أسانيدها من خلل ونقاش، فرواتها من مخلّط، إلى أروى الناس عن الكذّابين، إلى من لا يرى ما يخرج من رأسه، إلى ضعيف أُختتن في كبر سنّه، إلى بائع دينه بخريطة، إلى مسنِد ولم ير المسند إليه، إلى محدود أُجري عليه الحد في مكة، إلى خارجي يضرب به المثل، إلى...، إلى...، إلى....(1)
ولو قلنا بجواز نسخ الكتاب فإنّما نقول به إذا كان الناسخ، دلالة قرآنية أو سنّة قاطعة.
2. كيف يمكن الاعتماد على رواية تدّعي أنّ النبيّ الأكرم خطب في محتشد كبير لم ينقل لنا التاريخ له مثيلاً في حياة النبي إلاّ في وقعة الغدير، وقال: إنّه لا وصية لوارث، ولم يسمعه أحد من الصحابة إلاّ أعرابي مثل عمرو بن خارجة الذي ليس له رواية عن رسول الله سوى هذه(2)، أو شخص آخر كأبي أُمامة الباهلي، وهذا ما يورث الاطمئنان على وجود الخلل فيها سنداً أو دلالة.
3. لو سلم أنّ الحديث قابل للاحتجاج، لكنّه لا يعادل ولا يقاوم ما تواتر عن أئمّة أهل البيت من جواز الوصية للوارث. فهذا هو محمد بن مسلم أحد فقهاء القرن الثاني، من تلاميذ أبي جعفر الباقر(عليه السلام)يقول: سألت

1 . لاحظ : الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف:2/166ـ177،ترى أنّ في عامة الأسانيد ضعفاً. وأنّ بعض رواتها موصوفون بما ذكرنا وفقاً لقول أهل الجرح والتعديل.
2 . الإصابة :2/527; تهذيب الكمال:21/599; الثقات:3/271.

169
أبا جعفر عن الوصيّة للوارث؟ فقال:«تجوز»، ثم تلا هذه الآية:(إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ).
وهذا أبو بصير المرادي شيخ الشيعة في عصر الصادق(عليه السلام) يروي عنه أنّه سأله عن الوصية للوارث؟ فقال: «تجوز».(1)
4. أنّ التعارض فرع عدم وجود الجمع الدلالي بين نصّ الكتاب والحديث، إذ من المحتمل جدّاً أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ذكر قيداً لكلامه، ولم يسمعه الراوي أو سمعه، وغفل عن نقله، أو نقله ولم يصل إلينا، وهو أنّه مثلاً قال: «ولا تجوز وصية للوارث» إذا زاد عن الثلث أو بأكثر منه. ومن حسن الحظ أنّ الدارقطني نقل الحديث بهذا القيد، قال: خطبنا رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بمنى فقال: «إنّ الله عزّ وجلّ قد قسّم لكلّ إنسان نصيبه من الميراث فلا يجوز لوارث وصية إلاّ من الثلث».(2)
وقد ورد من طرقنا عن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال في خطبة الوداع:«أيّها الناس إنّ الله قد قسّم لكلّ وارث نصيبه من الميراث، ولا تجوز وصية لوارث بأكثر من الثلث».(3)
وبعد هذه الملاحظات الأربع لا يبقى أيّ وثوق بالرواية المنقولة بالصورة الموجودة في كتب السنن.
أضف إلى ذلك: أنّ الإسلام دين الفطرة، ورسالته خاتمة الرسالات،

1 . الوسائل: 13، الباب15 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث2 و 3، وفيه ثلاثة عشر حديثاً تصرِّح بجواز الوصية للوارث.
2 . سنن الدارقطني: 4 / 154، الوصايا، الحديث 12 و 13.
3 . تحف العقول:34.

170
فكيف يصحّ أن يسد باب الإيصاء للوارث، مع أنّه ربّما تمسّ الحاجة إلى الإيصاء للوارث، بعيداً عن الجور والحيف، من دون أن يثير عداء الباقين وحسد الآخرين كما إذا كان طفلاً، أو مريضاً، أو معوّقاً، أو طالب علم، لا تتسنّى له الدراسة إلاّ بمساعدة الآخرين.
كلّ ذلك يدعو فقهاء المذاهب في الأمصار، إلى دراسة المسألة من الأصل، عسى أن يتبدّل المختلف إلى المؤتلف، والخلاف إلى الوفاق، بفضله وكرمه سبحانه.
ميراث الأنبياء   

171
 
16

ميراث الأنبياء

قال تعالى: (وَوَرِثَ سُلَيْمانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْء إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ)(1):
ذكر سبحانه في سورة النمل لسليمان أُموراً:
1. وراثته المال والمُلك عن أبيه داود.
2. العلم بمنطق الطير.
3. أنّ الله أعطاه وأباه من كلّ شيء.
4. تسخير الجنّ والإنس والطير لخدمته.
5. عبوره وادي النمل وسماع كلام النملة.
6. قصته مع الهدهد وملكة سبأ.
نعم جاءت في غير هذه السورة أُمور أُخرى، كتسخير الريح وغير ذلك، فالجميع خارج عمّا هو المقصود في المقام سوى وراثته من داود (عليهما السلام).

1 . النمل: 16 .

172

وراثة سليمان أباه داود

أمّا الأمر الأوّل ـ أعني: وراثة سليمان لداود ـ فقد أشار إليه سبحانه بقوله:(وَوَرِثَ سُلَيْمانُ دَاوُدَ)، وقد كان داود يتمتّع بأُمور أربعة:
1. العلم.
2. النبوّة.
3. المُلك.
4. المال.
أمّا الأوّل : فلم يرثه سليمان من داود ; وذلك لأنّ العلم غير قابل للإيراث، مضافاً إلى أنّ الآية المتقدّمة: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْمًا وَقَالاَ الْحَمْدُ للهِ الذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِير مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ)(1)، صرّحت بأنّه سبحانه أفاض عليهما العلم من دون أن يرث أحدهما الآخر.
وأمّا الثاني ـ أعني: النبوّة ـ فهي أيضاً غير قابلة للإيراث ; لأنّها رهن ملَكات وقابليات خاصّة حتّى يختاره الله سبحانه للنبوّة، فلو كان فاقداً لها يمتنع أن يكون نبيّاً، ولو كان واجداً لاختاره الله للنبوّة من دون حاجة إلى أن يرثها عن الآخر.
وأمّا الثالث ـ أعني: الملك ـ فإن أُريد به الإمامة ـ كما هو الظاهر ـ المتمثّلة في تدبير أمر الأُمّة دنيوياً وأُخروياً، فهو أيضاً مقام تنصيصي يفاض من الله سبحانه، قال تعالى:(وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ )(2)،

1 . النمل: 15 .
2 . البقرة:124.

173
فليست هي قابلة للإيراث لما ذكر في أمر النبوّة.
ولو فرضنا أنّ المراد بالمُلك هو التدبير بلا تنصيب من الله سبحانه فهو قابل للوراثة.
وأمّا الرابع ـ أعني: المال ـ فهو من أظهر مصاديق الوراثة، فكلّما أُطلقت الوراثة ينصرف إليه، ولو استعمل في غيره فإنّما هو نوع من التشبيه كما في قوله تعالى:(وَتِلْكَ الْجَنَّةُ التي أُورِثْتُمُوهَا)(1)، وعلى هذا فمقتضى إطلاق الآية أنّ سليمان ورث من داود المال، أو هو مضافاً إلى مقام الملك، ولا وجه لتخصيصه بالملك.
قال السيد الطباطبائي: وأمّا قول بعضهم: المراد به وراثة النبوّة والعلم، ففيه: أنّ النبوّة لا تقبل الوراثة لعدم قبولها الانتقال، والعلم الذي يختصّ به الأنبياء والرسل كرامة من الله لهم، والنبيّ لا يرث علمه من نبيّ آخر ولا من غير نبيّ.(2)
ثمّ إنّ كثيراً من مفسّري مدرسة الخلفاء لمّا تلقّوا ما نُسب إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) من قوله: «لا نُورَث، ما تركنا صدقة»(2)، حديثاً صحيحاً عمدوا إلى تأويل الآية، فيقول الراغب الإصفهاني، مثلاً، في تفسير قوله تعالى: (وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ )(3) فإنّه يعني: وِراثة النبوّة والعلم والفضيلة دون المال، فالمال لا قَدْر له عند الأنبياء حتى يتنافسوا فيه، بل قلّما يقتنون المال ويملكونه.(5)

1 . الزخرف:72.   2 . الميزان في تفسير القرآن:15/349.
2 . صحيح البخاري:4/264، برقم 6727، كتاب الفرائض; سنن أبي داود:568 برقم 2976، كتاب الخراج والإمارة والفيء.
3 . مريم: 6.   5 . المفردات للراغب: 519، مادة «ورث».

174
وتبعه ابن عاشور ففسّر الآية بقوله: فخلفه سليمان فهو وارث ملكه والقائم مقامه في سياسة الأُمّة وظهور الحكمة ونبوءة بني إسرائيل والسمعة العظيمة بينهم، فالإرث هنا مستعمل في معناه المجازي.(1)
ونسأل هؤلاء ومن تبعهم: هل النبوّة أو العلم ممّا يورثان؟ فكيف تقولون: قام سليمان مقام داود في الحكمة والنبوّة؟!
إنّ الأمر يدور بين تفسير الوراثة بوراثة المُلك وسياسة الأُمّة أو هو مع المال، والوراثة في الثاني أظهر، والقول بالجمع هو المتّبع، فلا دليل على خروج المال من تحت الوراثة.
وأمّا قول الراغب: أنّ المال لا قدر له عند الأنبياء، فهو يناقض قوله سبحانه، الذي يصف فيه المال بالخير: (إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ).(2) نعم إنّ المال يوصف بالخير إذا كان بيد الصالحين وأنفقوه في وجوه البِرّ والإحسان والمعروف، وبالشرّ إذا كان بيد الطالحين وعملوا به في المعاصي والآثام.
أضف إلى ذلك: أنّ قول سليمان في ذيل آيتنا: (وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْء)أفضل دليل على وراثة ما كان يملكه داود، وإلاّ لكان معدماً غير غنيّ، ومعه كيف يقول:(وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْء)؟
ثم إنّ مقتضى إطلاقات الكتاب أنّ الأنبياء يورثون قال تعالى: (يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ)(3) فإنّ إطلاقه حجّة ما لم

1 . التحرير والتنوير: 19 / 234.
2 . البقرة:180.
3 . النساء:11.

175
يدلّ دليل قاطع على إخراج الأنبياء من الإطلاق، وليس هناك دليل صالح، فالخبر المذكور خبر واحد لا يخصّص به العموم القرآني.
نعم ربّما يتصوّر أنّ الآيات منسوخة بما نسب إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال بصور ثلاثة:
1. إنّ الأنبياء لا يورثون.
2. إنّ النبي لا يورث.
3. لا نورث، ما تركناه صدقة.
والجواب عنه بوجهين:
1. لو صحّت الرواية، فالمراد هو أنّ شأن الأنبياء هو إيراث الإيمان والحكمة والعلم والسنّة لا المال، وهذا غير أنّه إذا ترك حصيراً أو إناء أو سجادة فهو ينتقل إلى الأُمّة لا إلى الأولاد، فإنّ موقف هذه الرواية هو تفكيك شأن الأنبياء عن سائر الملوك وطلاّب الدنيا فهم يتركون الأموال المكدّسة والكنوز الممتلئة، ويدلّ على ذلك ما روي عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «نحن معاشر الأنبياء لا نورث ذهباً ولا فضة ولا أرضاً ولا عقاراً ولا داراً ولكنّا نورث الإيمان والحكمة والعلم والسنّة».(1)
ويؤيّد هذا المضمون ما رواه الكليني عن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام): «إنّ العلماء ورثة الأنبياء، وذاك أنّ الأنبياء لم يورّثوا درهماً ولا ديناراً وإنّما أَورثوا أحاديث من أحاديثهم...».(2)

1 . شرح نهج البلاغة:16/213.
2 . الكافي:1/32، برقم 2، كتاب فضل العلم.

176
كلّ ذلك يرشدنا إلى أنّ مصبّ الروايات هو مصبّ السلب النسبي، وهو تبيين شأن الأنبياء عن غيرهم من أصحاب الدنيا، لا أنّه لا يورث مطلقاً حتى ما ملكه من الحوائج الأوّلية التي لا مناص للإنسان منها.
ثمّ إنّ هنا تأمُّلاً واضحاً في صحّة صدور الحديث عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، إذ لو كان النبيّ بصدد الإخبار عن أنّ الأنبياء لا يورّثون المال، لأخبر(صلى الله عليه وآله وسلم)بذلك من يرثه، أعني: ابنته فاطمة(عليها السلام)،ولَما تركها تبتلى بما ابتليت به في قصة ميراثها من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وانصرافها من مجلس أبي بكر مغضبة متظلِّمة، فعدم إخبار بضعته الطاهرة بذلك، وإخبار غيرها، أمر لا ينسجم مع شأن النبوّة.
نقل ابن أبي الحديد عن كتاب السقيفة لأبي بكر الجوهري: أنّ فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله، وهما حينئذ يطلبان أرضه بفدك وسهمه بخيبر، فقال لهما أبو بكر: إنّي سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: «لا نورث، ما تركنا صدقة»، إنّما يأكل آل محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) من هذا المال، وإنّي والله لا أُغيّر أمراً رأيتُ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يَصنعه إلاّ صنعته. قال: فهجرته فاطمة فلم تكلّمه حتى ماتت.(1)

فدك صودرت وبيوت الأزواج لم تصادر

ثمّ لا شكّ أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ترك بيوتاً لأزواجه وهي ملك له ولكن بقيت في يد أزواجه دون أن تُصادَر، كما كان عند عليّ سيف رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)

1 . شرح نهج البلاغة:16/218. ورواه البخاري بإسناده عن عروة عن عائشة:4/264، برقم 6725 و 6726.

177
وخاتمه وبعض ما يختص به، فلم يُطلب ولم يُصادَر، وهذا دليل على أنّ مصادرة فدك كانت ترتبط بقضية سياسية، ولذلك اختلفت سيرة الخلفاء بين ردّها إلى أولاد فاطمة وبين أخذها، يقول ابن أبي الحديد: ولمّا ولي الأمر معاوية بن أبي سفيان أقطع مروان بن الحكم ثلثها، وأقطع عمرو بن عثمان بن عفان ثلثها، وأقطع يزيد بن معاوية ثلثها، وذلك بعد موت الحسن بن علي(عليهما السلام)، فلم يزالوا يتداولونها حتّى خلصت كلّها لمروان بن الحكم أيام خلافته، فوهبها لعبد العزيز ابنه، فوهبها عبد العزيز لابنه عمر بن عبد العزيز.
فلمّا ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة كانت أوّل ظُلامة ردّها، دعا الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب(عليهم السلام) ـ وقيل: دعا علي بن الحسين(عليهما السلام) ـ فردّها إليه، وكانت بيد أولاد فاطمة(عليها السلام) مدّة ولاية عمر بن عبد العزيز، فلمّا ولي يزيد بن عاتكة قبضها منهم، وكان الأمر على هذا النحو إلى أيام العباسيّين.
وكان الأمر في عهد العباسيّين مثله أيام الأمويّين، فتارة كانت بيد الحاكم وأُخرى بيد أبناء فاطمة(عليها السلام) إلى أن جاء عصر المأمون فكتب إلى عامله على المدينة قثم بن جعفر الرسالة التالية:
أمّا بعد; فإنّ أمير المؤمنين بمكانه من دين الله، وخلافة رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)والقرابة به أولى من استنّ سنّته، ونفّذ أمره وسلّم لمن منحه منحة وتصدّق عليه بصدقة، منحته وصدقته، وبالله توفيق أمير المؤمنين وعصمته، وإليه في العمل بما يقرّبه إليه رغبته، وقد كان رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أعطى فاطمة بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) فدك وتصدّق بها عليها، وكان ذلك أمراً ظاهراً معروفاً لا

178
اختلاف فيه بين آل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم تزل تدعى منه ما هو أولى به من صدق عليه، فرأى أمير المؤمنين أن يردّها إلى ورثتها ويسلّمها إليهم تقرّباً إلى الله تعالى بإقامة حقّه وعدله وإلى رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بتنفيذ أمره وصدقته، فأمر بإثبات ذلك في دواوينه والكتاب به إلى عمّاله، فلأن كان ينادى في كلّ موسم بعد أن قبض الله نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم)أن يذكر كلّ من كانت له صدقة أو هبة أو عدة ذلك فيقبل قوله وينفذ عِدته، أنّ فاطمة رضي الله عنها لأولى بأن يصدَّق قولها فيما جعل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لها، وقد كتب أمير المؤمنين  إلى المبارك الطبري مولى أمير المؤمنين يأمره بردّ فدك على ورثة فاطمة بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بحدودها وجميع حقوقها المنسوبة إليها وما فيها من الرقيق والغَلاّت وغير ذلك وتسليمها إلى محمد بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ومحمد بن عبد الله بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب لتولية أمير المؤمنين إيّاهما القيام بها لأهلها، فاعلم ذلك من رأي أمير المؤمنين وما ألهمه الله من طاعته ووفقه له من التقرب إليه وإلى رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم) واعلمه من قبلك، وعامل محمد بن يحيى ومحمد بن عبد الله بما كنت تعامل به المبارك الطبري، وأعنهما على ما فيه عمارتها ومصلحتها ووفور غلاّتها إن شاء الله والسلام. وكتب يوم الأربعاء لليلتين خلتا من ذي القعدة سنة عشر ومائتين، فلمّا استخلف المتوكّل على الله أمر بردّها إلى ما كانت عليه قبل المأمون.(1)
وبذلك تقف على صحّة ما في خطبة الزهراء(عليها السلام) حيث كانت تقول: «يا ابن أبي قحافة أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث أبي؟ لقد جئت شيئاً

1 . فتوح البلدان للبلاذري:46ـ 47.

179
فريّاً. أفعلى عمد تركتم كتاب الله فنبذتموه وراء ظهوركم و... وزعمتم أن لا حظوة لي ولا إرث من أبي ولا رحم بيننا؟ أفخصّكم الله بآية أخرج أبي منها؟ أم هل تقولون: إنّ أهل ملَّتين لا يتوارثان؟ أو لست أنا وأبي من أهل ملّة واحدة، أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمّي؟ فدونكهما مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك، فنعمَ الحكم الله، والزعيم محمد، والموعد القيامة، وعند الساعة يخسر المبطلون».(1)
وللعالم المصري الشيخ محمود أبوريّة كلمة قيّمة في هذا الموضوع، يقول فيها:
بقي أمر لابدّ من أن نقول فيه كلمة صريحة، ذلك هو موقف أبي بكر من فاطمة بنت الرسول رضي الله عنها، وما فعل معها في ميراث أبيها، لأنّنا إذا سلّمنا بأنّ خبر الآحاد الظنّي يخصّص الكتاب القطعيّ، وأنّه قد ثبت أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قد قال إنّه لا يورث، وإنّه لا تخصيص في عموم هذا الخبر، فإنّ أبا بكر كان يسعه أن يعطي فاطمة رضي الله عنها بعض تركة أبيها كأن يخصّها بفدك، وهذا من حقّه الذي لا يعارضه فيه أحد، إذ يجوز للخليفة أن يخصّ مَن شاء بما شاء، وقد خصّ هو نفسه الزبير بن العوام ومحمد بن مسلمة وغيرهما ببعض متروكات النبيّ ، على أنّ فدك التي منعها أبو بكر من فاطمة لم تلبث أن أقطعها الخليفة عثمان لمروان.(2)

1 . شرح نهج البلاغة:16/251; الاحتجاج للطبرسي:1/138.
2 . مجلة الرسالة المصرية، العدد518، السنة 11، ص 457.

180
إرث يحيى عن زكريا   
 
17

إرث يحيى عن زكريا

قال تعالى: (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا).(1)
ممّا فطر الله سبحانه النوع الإنساني سواء في ذلك الصالح والطالح والنبيّ وغيره إذا لم ينحرف طبعه انسياقَه إلى طلب الولد ويرى أنّ وجود الولد بعده بقاء لنفسه. والشرائع الإلهية لم تبطل هذا الحكم الفطري، ولا ذمّت هذا الدافع الغريزي، بل مدحته وكفى في ذلك قول إبراهيم الخليل (عليه السلام): (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ)(2) وقوله تعالى عن المؤمنين: (هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُن)(3).
ثم إنّ الرغبة القوية لدى عامّة الناس في أن تنتقل ممتلكاتهم بعد موتهم إلى أولادهم. وبما أنّ الشريعة الإسلامية شريعة الفطرة جعلت الفرائض المالية حسب ما تطلبه الفطرة، وجعل متملكات الوالدين لأولادهما، قال: (يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ )(4)، وقال

1 . مريم: 5 و 6 .
2 . الصافات: 100 .
3 . الفرقان: 74 .
4 . النساء: 11.

181
سبحانه: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا).(1)
إنّ في قصة زكريا إشارة إلى ذلك كما نقله سبحانه عنه، وقال: (قَالَ رَبِّ إنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَ لَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا * وَإنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا).(2)

ما هو المراد من الوراثة في قصة زكريا؟

وفي هذه الآيات الواردة في قصة زكريا دليلان واضحان على أنّ المراد من الوراثة هي الوراثة المالية لا وراثة النبوّة، ولا وراثة العلم أو ما يشبههما، وأنّه طلب الولد من الله لئن يرثه ما يترك من الأُموال، وإليك الدليلين:
الدليل الأوّل: أنّ قوله: (وَإنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ) ظاهر في أنّه كان هناك أمر يخاف منه، فلو رزق الولد لارتفع خوف زكريا، ولو مات بلا عقب لبقي الخوف على حاله.
فلو أُريد من الخوف خوف الوراثة، فهذا هو الّذي يرتفع مع وجود الولد، إذ أنّ الموالي حينئذ لا يرثونه مع وجود الولد; وهذا بخلاف ما لو أُريد من الوراثة وراثة النبوّة أو العلم أو ما يشبهه، فإنّه عندئذ لا يخاف لو مات بلا عقب; لأنّ النبوّة والعلم ليسا من الأُمور الوراثية، فسواء أكان له ولد

1 . النساء: 7 .
2 . مريم: 4 ـ 6 .

182
أم لا؟ أو صار ذا ولد أم لا؟ فهذا ليس ممّا يخاف منه; لأن الله سبحانه أعلم حيث يجعل رسالته.
وبعبارة أُخرى: يجب أن نحدّد خوف زكريا بأنّه يرتفع مع وجود الولد ويبقى مع عدمه، وهو ليس إلاّ الوراثة المالية حيث لو رزق الولد لورث المال وحرم الموالي، ولو لم يرزق ورثه الموالي وهم غير مرضيين.
وأمّا وراثة النبوّة والعلم فلا خوف عندئذ سواء أنجب أم لا؟ لأن الله يضع رسالته فيمن له أهلية.
الدليل الثاني: إنّ في كلتا السورتين (آل عمران ومريم) اللّتين تحدّثتا عن الموضوع جاء وصف الولد الموهوب بكونه (رَضيّاً) كما في المقام أو (ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً) كما في سورة آل عمران، فلو كان طلب الولد لوراثة النبوّة والقيادة الدينية لَكان هذا القيد في الطلب أمراً لغواً، لأنّ الأنبياء كلّهم راضون مرضيّون طاهرون مطهَّرون. وتوهُّم كون التقييد لأجل التأكيد، في غير مورده، إذ لا شكّ في النبيّ أنّه يكون مرضيّاً قطعاً.

كلام للسيد الآلوسي في أنّ الوراثة، هي وراثة العلم

إنّ السيد الآلوسي من المصرّين على أنّ الوراثة ليست وراثة ماليّة، وذكر لتأييد رأيه ثلاثة وجوه:
الأوّل: ممّا يؤيّد حمل الوراثة هنا على وراثة العلم ونحوه دون المال، أنّه ليس في الأنظار العالية والهمم العلياء للنفوس القدسية التي انقطعت من تعلّقات هذا العالم المتغيّر الفاني واتّصلت بالعالم الباقي، ميل للمتاع الدنيوي قدر جناح بعوضة، لا سيما جناب زكريا(عليه السلام) فإنّه كان مشهوراً

183
بكمال الانقطاع والتجرّد، فيستحيل عادة أن يخاف من وراثة المال والمتاع الذي ليس له في نظره العالي أدنى قدر، أو يظهر من أجله الكلَف والحزن والخوف، ويستدعي من حضرة الحقّ سبحانه وتعالى ذلك النحو من الاستدعاء، وهو يدلّ على كمال المحبّة وتعلّق القلب بالدنيا.(1)
يلاحظ عليه: بأنّ خوف زكريا من وراثة الأغيار لم يكن لأجل تعلّق نفسه بالمال حتى يقال إنّ الهمم العليا للنفوس القدسية انقطعت من تعلّقات هذا العالم، وإنّما خوفه أن تقع هذه الأموال التي تأتي يوماً بعد يوم، بيد أشرار الناس فتُصرف في غير محلّها، ولذلك ورد في سيرة النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه كان يصرف ما يقع تحت يده من الغنائم بأسرع وقت. وليس هذا النوع من الخوف دليلاً على التعلّق بالدنيا ومتاعها، بل دليلاً على ورعه وتقواه، وخشيته من أن تُصرف الأموال في غير جهتها الشرعية.
الثاني: أنّ ذلك لا يُخاف منه، إذ الرجل إذا مات وانتقل ماله بالوراثة إلى آخر صار المال مال ذلك الآخر، فصرفه على ذمّته صواباً أو خطأ ولا مؤاخذة على الميّت من ذلك الصرف، بل لا عتاب أيضاً.(2)
يلاحظ عليه: بأنّ الإنسان المؤمن شديد الحسّاسيّة من أي شرّ أو ظلم أو فساد يظهر في الناس، ويستشعر المسؤولية بتطهير جوّ الحياة منه، فيعمل على استئصاله من جذوره، أو على تجفيف المنابع التي تمدّه بأسباب القوّة والبقاء والانتشار. وزكريا(عليه السلام) إذ خاف من وقوع الأموال، بعد رحيله عن الدنيا، بأيدي الأشرار، فرضَ عليه إيمانه وتقواه واشمئزازه من

1 . روح المعاني:16/64.
2 . روح المعاني:16/65.

184
المنكر وأصحابه، أن يفكّر في أمر المستقبل، وأن يدبّر له بما يحول بين هؤلاء وبين الأموال التي سوف ينفقونها في السُّبُل البعيدة عن مرضاة الله تعالى. وعلى هذا فالقول بأنّ المال مالهم والوزر عليهم، قول مَن لم يقف على خصائص النبيّ وعلى ما يحسّه من مسؤولية تجاه ما سوف يملكه الأشرار من الأموال التي بيده.
الثالث: بأنّه كان في إمكان زكريا أن يصرف ما يملك قبل موته ويتصدّق به كلّه في سبيل الله، ويترك بني عمّه الأشرار خائبين.(1)
أقول: هذا الكلام أغرب من سابقَيه، وهو بمعنى أنّ زكريا كان يعلم بأجله متى يموت، فيتصدّق بماله قبل ذلك بسنة، مثلاً، وقد مرّ أنّ الأموال كانت تجبى إليه وقتاً بعد وقت.
ولعمري إنّ الداعي لنسج هذه الوجوه وصرف الآية عن ظاهرها هو تصحيح ما رواه أبو بكر في هذا المقام: (نحن معاشر الأنبياء لا نُورّث) ولولا هذا لما خطر في بال أحد واحدٌ من هذه الوجوه!!
وبما أنّ ابن عاشور وقف على الحقّ وقوفاً نسبياً، فقد أنصف في المقام وقال: فقوله: (يَرِثُني)يعني به وراثة ماله. ويؤيّده ما أخرجه عبد الرزاق عن قتادة عن الحسن]البصريّ[ أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «يرحم الله زكريا ما كان عليه من وراثة ماله». والظواهر تؤذن بأنّ الأنبياء كانوا يورَثون، قال تعالى: (وَوَرِثَ سُلَيْمانُ دَاوُدَ)(2)، وأمّا قول النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم):«نحن معشر الأنبياء لا نورّث ما تركنا صدقة» فإنّما يريد به رسول الله نفسه، كما حمله عمر في

1 . روح المعاني:16/65.   2 . النمل:16.

185
حديثه مع العباس وعلي في «صحيح البخاري» إذ قال عمر: «يريد رسول الله بذلك نفسه» فيكون ذلك من خصوصيات محمد(صلى الله عليه وآله وسلم).(1)
أقول: إنّ ابن عاشور وإن اعترف بظهور الآية في الوراثة المالية، لكنّه احتمل أن يكون ما في الرواية من خصائص النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولكن غفل عن أنّ الرواية ـ على فرض صحّتها ـ تعدّ وراثة المال من خصائص الأنبياء، لقوله فيها: «نحن معشر الأنبياء».
فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّ زكريا طلب الولد للوراثة وأنّ الأنبياء يورثون كسائر الناس، وإن إطلاقات القرآن الّتي تقدّم بيانها محكمة غير مخصصة ، فإنّ الوارث يرث مطلقاً إلاّ في موارد ثلاثة:
1. الكفر، فإنّ الكافر لا يرث من المسلم في مذاهب الإمامية دون غيرهم.
2. القتل، فإنّ القاتل لا يرث من المقتول.
3. الرقّيّة، فهي مانعة عن الإرث في الوارث والموروث، فإنّه لا يرث الرقّ من الحر، ولا بالعكس، والتفصيل في المصادر الفقهية.
فإذا كان أحد المعايير في تمييز الحديث الصحيح عن الزائف هو موافقة الكتاب ومخالفته، فهذه الآية الدالّة على أنّ زكريا الّذي هو أحد الأنبياء طلب من الله أن يرزقه ولداً حتّى يرثه، فعندئذ فما نسب إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «لا نورّث ما تركناه صدقة»(2) مخالف للقرآن الكريم .

1 . التحرير والتنوير:16/11ـ 12.
2 . صحيح البخاري: 4 / 264، برقم 6727، كتاب الفرائض; سنن أبي داود: 568، برقم 2976، كتاب الخراج .

186
ثمّ إنّ السيد الآلوسي استدلّ على ما تبنّاه برواية الشيخ الكليني، قال: روى الكليني في «الكافي» عن أبي البختري، عن أبي عبد الله جعفر الصادق رضي الله عنه أنّه قال: «إنّ العلماء ورثة الأنبياء، وذلك أنّ الأنبياء لم يورّثوا درهماً ولا ديناراً وإنّما ورثوا أحاديث من أحاديثهم، فمَن أخذ بشيء منها فقد أخذ بحظّ وافر».(1)
أقول: إنّ الآلوسي غفل عن مرمى الحديث ومفاده، فالحديث كما مرّ في تفسير الآية السابقة بصدد بيان أنّه ليس من شأن الأنبياء إيراث ورثتهم أموالاً طائلة وكنوزاً مكتنزة، وإنّما شأنهم التبليغ ومسؤوليتهم الإرشاد والتعليم وقد قاموا بها من خلال أحاديثهم.
وأمّا لو فرض أنّ نبيّاً ما، مات وعنده سجّادة أو إبريق أو عنده عباءة وقباء، فهذا لا يورَث؟ فالرواية غير ناظرة إليه.
إرث المسلم من الكافر   
لو فرضنا أنّ الأنبياء لا يورَثون من غير استثناء، أفليس من واجب النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) أن يذكر ذلك على رؤوس الأشهاد أو لا أقلّ من أن يذكره لأولاده وورثته قبل أن يذكره لأبي بكر، حتى لا يحصل نزاع بينهم بعد وفاته(صلى الله عليه وآله وسلم)؟ ولذلك نرى أنّ سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء(عليها السلام) تحتجّ على أبي بكر في حرمانها من الإرث وتخاطبه بقولها: «يا ابن أبي قحافة أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث أبي؟ لقد جئت شيئاً فرياً؟ أفعلى عَمْد تركتم كتابَ الله ونبذتموه وراء ظهوركم، إذ يقول فيما اقتصّ من خبر يحيى بن زكريا(عليه السلام): (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُني وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ)».(2)

1 . روح المعاني:16/64.   2 . تفسير نور الثقلين:3/324.

187
 
18

إرث المسلم من الكافر

قال تعالى: (يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ).(1)
اتّفقت الإمامية على أنّ المسلم يرث الكافر مطلقاً، ولم يختلف فيه اثنان.
قال الشيخ الطوسي: والكافر لا يرث المسلم بلا خلاف، والمسلم يرث الكافر عندنا، حربياً كان أو ذمّيّاً، أو كافر أصل أو مرتدّاً عن الإسلام.(2)
ترى مثل هذه الكلمة في عامّة الكتب الفقهية للإمامية، وتضافرت روايات أئمة أهل البيت(عليهم السلام)على الإرث، ونقتصر بذكر روايتين منها:
1. أخرج الصدوق عن الحسن بن صالح، عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «المسلم يحجب الكافر ويرثه، والكافر لا يحجب المسلم ولا يرثه».(3)
2. وأخرج أيضاً بسند معتبر عن محمد بن قيس، عن أبي جعفر (عليه السلام)

1 . النساء: 11.
2 . المبسوط: 4 / 79 .
3 . الوسائل: 17، الباب 1 من أبواب موانع الإرث، الحديث 2.

188
قال: «سمعته يقول: لا يرث اليهودي والنصراني المسلمين، ويرث المسلمون اليهود والنصارى» .(1) إلى غير ذلك من الروايات.
ونحن نعرض المسألة على الكتاب العزيز، فإن إطلاقاته دليل على إرث المسلم من الكافر، خرج منه إرث الكافر من المسلم دون العكس، وأمّا إطلاق الآيات فقد مرّ قوله سبحانه: (يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ)وإليك غيرها.
1. قال سبحانه: (وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْن). (2)
2. قال سبحانه: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ).(3)
فإنّ مقتضى إطلاق الآيات عدم الفرق بين كون المورّث مسلماً أو كافراً، ومثله الوارث، خرجت منه صورة واحدة وهي عدم إرث الكافر من المسلم وبقي الباقي تحت الإطلاق، فلا يعدل عنه إلاّ بدليل قطعي.
ويؤيّد ذلك أنّ حرمان المسلم من الإرث خلاف الامتنان، فإنّ الحرمان من الإرث في بعض الموارد إمّا للإرغام، أو لضعف الوارث; فالأوّل كما في القاتل، فلا يرث المقتول، وذلك لأنّه حاول بقتله أن يرثه معجّلاً، فانعكس الأمر وصار محروماً بتاتاً، والثاني كما في الرقّ حيث لا يرث الحر لضعف مرتبته ودرجته، فعلى ضوء ما ذكرنا يجب أن يرث المسلم الكافر، وإلاّ يلزم أن يكون حرمان المسلم من إرث الكافر إمّا إرغاماً

1 . الوسائل: 17، الباب 1 من أبواب موانع الإرث، الحديث 4.
2 . النساء: 12.   3 . النساء: 176 .

189
له أو آية ضعفه، وكلاهما مردودان في الشرع.
وإن شئت قلت: إنّ التشريع الإسلامي قائم على الترغيب والترهيب، ففي الموضع الّذي يكون المورِّث كافراً والوارث على وشك اعتناق الإسلام، فلو قيل له: أنت لو أسلمت يكون جزاء إسلامك هو حرمانك
من عطايا والدك وأُمّك ، فهو يرجع إلى الوراء ويتعجّب من هذا التشريع الّذي يُرهّب مكان أن يُرغّب، ويُبعِّد بدل التقريب إلى الإسلام، ويعدّه على طرف النقيض من الترغيب.
وقد ورد بعض ما ذكرنا في روايات أئمة أهل البيت(عليهم السلام):
1. روى عبدالرحمن بن أعين قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): «لا نزداد بالإسلام إلاّ عزّاً، فنحن نرثهم ولا يرثوننا» .(1)
وأمّا غير الإمامية فقد قال الشيخ الطوسي: قال الشافعي: لا يرث المسلم الكافر، وحكوا ذلك عن علي (عليه السلام)، وعمر، وعبدالله بن مسعود، وعبدالله بن العباس، وزيد بن ثابت، والفقهاء كلّهم.(2)
وقال ابن رشد: ذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار إلى أنّه لا يرث المسلم الكافر.(3)
وأمّا ما هو الدليل فقد استدلّوا بطائفتين من الروايات :

الطائفة الأُولى: ما يدلّ على عدم التوارث

وردت روايات على عدم التوارث، منها ما أخرجه أبو داود بسنده

1 . الوسائل: 17، الباب 1 من أبواب موانع الإرث، الحديث 19 .
2 . الخلاف: 4 / 23، المسألة 16.   3 . بداية المجتهد: 5 / 430 .

190
عن عمرو بن شعيب، عن ابيه، عن جدّه عبدالله بن عمرو، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا يتوارث أهل ملّتين شتّى» .(1)
يلاحظ عليه: أنّ الحديث بصدد نفي التوارث لا الإرث من كلّ جانب، فلو قيل ما تضارب زيد وعمرو، كفى في صدقه عدم الضرب من جانب واحد، ولذلك يقال: لم يكن هناك تضارب، بل ضرب من جانب واحد، فالنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بصدد نفي التوارث وهو لا ينافي الإرث من جانب واحد، وبذلك فسّر الإمام الصادق (عليه السلام)الحديث، فقد أخرج الكليني عن جميل وهشام عن أبي عبدالله (عليه السلام)أنّه قال: «فيما روى الناس عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: لا يتوارث أهل ملّتين، قال: نرثهم ولا يرثونا، إن الإسلام لم يزده في حقّه إلاّ شدّة» .(2)

الطائفة الثانية: ما يصرّح على عدم إرث المسلم

أخرج البخاري عن أُسامة بن زيد أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم».(3)
يلاحظ عليه: أنّه خبر واحد لا يُقيّد به الكتاب العزيز، فتفرّد أُسامة بنقل هذا الحديث مع كثرة الابتلاء به في عصر بدء الرسالة، أمر بعيد.
وربّما يُستدلّ بوجه ثالث، قال ابن حجر: إنّ التوارث يتعلّق بالولاية ولا ولاية بين المسلم والكافر، لقوله تعالى: (لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارى

1 . سنن أبي داود: 3 / 126، برقم 2911 .
2 . الوسائل: 17، الباب 1 من أبواب موانع الإرث، الحديث 14.
3 . صحيح البخاري: 8 / 11، باب لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم.

191
أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض).(1)
يلاحظ عليه بوجهين:
أوّلاً: أنّ الإرث من آثار الولاية في العتق وضمان الجريرة، وأمّا الوراثة في غير هذين الموردين فهو من آثار النسب والسبب، ولذلك أنّ الفقهاء يذكرون عند بيان أسباب الإرث السبب والنسب، مقابل الولاء.
أسباب ميراث الورى ثلاثة *** كلّ يفيد ربّه الوراثة
وهي نكاح وولاء ونسب *** ما بعدهن من مواريث سبب(2)
وثانياً: أنّ كون الولاية هي السبب للميراث يخالف ما عليه الحنفية ومن تبعهم من أنّ المسلم يرث المرتدّ مع انقطاع الولاية بين المسلم والمرتدّ.
قال النووي في شرح المهذّب: قال أبو حنيفة والثوري: ما اكتسبه قبل الردّة ورث عنه، وما اكتسب بعد الردّة يكون فيها.(3)
تمت الرسالة بفضل الله تعالى في اليوم الحادي عشر
من شهر ذي القعدة الحرام من عام 1438 هـ
يوم ميلاد الإمام الطاهر
علي بن موسى الرضا المرتضى
عليه وعلى آبائه الآف التحية والثناء

1 . المائدة: 51 .
2 . المجموع: 17 / 48 .
3 . المجموع: 17 / 57 .

192
كيف نفسّر القرآن الكريم ؟   

ختامه مسك

كيف نفسّر القرآن الكريم ؟

إنّ تفسير آيات القرآن الكريم سواء أكانت راجعة إلى الأحكام الشرعية أو إلى غيرها رهن مؤهلات في المفسّر حتّى يكون تفسيره كاشفاً عن مراده سبحانه، ولأجل ذلك زيّنا هذا الكتاب بخاتمة تحت عنوان: كيف نفسّر القرآن الكريم ؟
فتح علماء التفسير باباً باسم «معرفة شروط المفسِّر وآدابه» وذكروا كلّ ما يحتاج إليه المفسّر في تفسير كلام اللّه العزيز، فمنهم من اختصر كالراغب الاصفهاني في «مقدّمة جامع التفاسير»، ومنهم من أسهب كالزركشي في كتابه «البرهان في علوم القرآن » و السيوطي في «الإتقان»، ونحن نسلك طريقاً وسطاً في هذا المضمار. وبما أنّ ما ذكره الراغب أساس لكلّ من جاء بعده، نأتي هنا بملخص ما ذكره، ثمّ ندخل في صلب الموضوع ، فنقول:
ذكر الراغب الاصفهاني في «مقدّمة جامع التفاسير» الشروط التالية:
الأوّل: معرفة الألفاظ، وهو علم اللغة.
الثاني: مناسبة بعض الألفاظ إلى بعض، وهو الاشتقاق.
الثالث: معرفة أحكام ما يعرض الألفاظ من الأبنية والتعاريف والإعراب، وهو النحو.
الرابع: ما يتعلّق بذات التنزيل، وهو معرفة القراءات.

193
الخامس: ما يتعلّق بالأسباب التي نزلت عندها الآيات، وشرح الأقاصيص التي تنطوي عليها السور من ذكر الأنبياء (عليهم السلام)والقرون الماضية، وهو علم الآثار والأخبار.
السادس: ذكر السنن المنقولة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وعمّن شهد الوحي ممّن اتّفقوا عليه وما اختلفوا فيه ممّا هو بيان لمجمل أو تفسير لمبهم، المنبأ عنه بقوله تعالى: (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكر لِتُبَيِّنَ لِلنّاس ما نزل إِليهم)(1)، وبقوله تعالى: (أُولئِكَ الَّذِينَ هَدى اللّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِه)(2) ، وذلك علم السنن.
السابع: معرفة الناسخ والمنسوخ، والعموم والخصوص، والإجماع والاختلاف، والمجمل والمفصّل، والقياسات الشرعية، والمواضع التي يصحّ فيها القياس والتي لا يصحّ، وهو علم أُصول الفقه.
الثامن: أحكام الدين وآدابه، وآداب السياسات الثلاث الّتي هي سياسة النفس والأقارب والرعية مع التمسك بالعدالة فيها، وهو علم الفقه والزهد.
التاسع: معرفة الأدلّة العقلية والبراهين الحقيقية والتقسيم والتحديد، والفرق بين المعقولات والمظنونات، وغير ذلك، وهو علم الكلام.
العاشر: علم الموهبة، وذلك علم يورثه اللّه مَنْ عَمِلَ بما علم، وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «قالت الحكمة: من أرادني فليعمل بأحسن ما علم» ثمّ تلا: (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَولَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَه) (3).

1 . النحل:44.
2 . الأنعام:90.
3 . الزمر:18.

194
وما روي عنه حين سئل: هل عندك علم عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لم يقع إلى غيرك؟ قال: لا، إلاّ كتاب اللّه و ما في صحيفتي(1)، وفهم يؤتيه اللّه من يشاء وهذا هو التذكّر الذي رجّانا تعالى إدراكه بفعل الصالحات، حيث قال: (إِنّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَالإِحْسانِ وَإِيتاءِذي القُربى) (2) إلى قوله: (لعلّكُمْ تَذَكَّرُون) ، وهو الهداية المزيدة للمهتدي في قوله: (وَالَّذينَ اهتَدَوْا زادَهُمْ هُدى)(3)، وهو الطيب من القول المذكور في قوله: (وَهُدُوا إِلى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَولِ وَهُدُوا إِلى صِراطِ الحَمِيد)(4).
فجملة العلوم التي هي كالآلة للمفسّر، ولا تتم صناعة إلاّ بها، هي هذه العشرة: علم اللغة، والاشتقاق، والنحو،والقراءات، والسير، والحديث، وأُصول الفقه، وعلم الأحكام، وعلم الكلام، وعلم الموهبة. فمن تكاملت فيه هذه العشرة واستعملها خرج عن كونه مفسراً للقرآن برأيه.(5)
هذا نصّ كلام الراغب الاصفهاني، وقد ذكر أُمّهات الشرائط التي ينبغي على المفسّر التحلّي بها، وبيت القصيد في كلامه هو ما ذكره في الشرط العاشر وهو علم الموهبة.
والحقّ أنّ تفسير القرآن الكريم يحتاج إلى ذوق خاص على حدّ يخالط القرآن روحه وقلبه ويتجرد في تفسيره عن كلّ نزعة وتحيز، وهو

1 . الثابت عندنا غير هذا، وكتاب علي(عليه السلام)بإملاء الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)المخزون عند الأئمة الطاهرة (عليهم السلام)، لا يلائمه.
2 . النحل:90.
3 . محمد:17.
4 . الحج:24.
5 . مقدمة جامع التفاسير: 94 ـ 96، نشر دار الدعوة.

195
عزيز المنال والوجود بين المفسّرين.
ولكن الذي يؤخذ على الراغب الإصفهاني هو أنّ بعض ما عدّه من شروط التفسير يعدّ من كمال علم التفسير، كالعلم بأُصول الفقه وعلم الكلام، فإنّ تفسير الكتاب العزيز لا يتوقف على ذينك العلمين على ما فيها من المباحث التي لاتمتُّ إلى الكتاب بصلة.نعم معرفة الناسخ والمنسوخ، والمطلق والمقيد وكيفية العلاج، أو معرفة العموم والخصوص وكيفية التخصيص، والإجماع والاختلاف وأُسلوب الجمع بينهما، والمجمل والمبيّن، التي هي من مباحث علم الأُصول ممّا يتوقف عليه تفسير الكتاب، كما أنّ الآيات التي تتضمن المعارف الغيبية كالاستدلال على توحيد ذاته وفعله وعبادته لا تفسر إلاّ من خلال الوقوف على ما فيها من المباحث العقلية التي حقّقها علماء الكلام والعقائد، وهذا واضح لمن له أدنى إلمام بالقرآن.
وما ربما يقال من أنّ السلف الصالح من الصحابة والتابعين كانوا مفسّرين للقرآن على الرغم من عدم اطّلاعهم على أغلب هذه المباحث، غير تام; فإنّ المعلّم الأوّل ـ بعد النبيّ ـ للتفسير و المصدر الأوّل للعلوم الإسلامية هو الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وقد روي عنه في علم الكلام ما جعله مرجعاً في ذينك العلمين حتّى فيما يرجع إلى أُصول الفقه من معرفة الناسخ والمنسوخ والعام والخاص، قال (عليه السلام):
«إنّ في أيدي الناس حقّاً وباطلاً، وصدقاً وكذباً، وناسخاً ومنسوخاً، وعامّاً وخاصّاً، ومحكماً ومتشابهاً، وحفظاً ووهماً، ولقد كُذب على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)على عهده حتى قام خطيباً وقال : «من كذب عليَّ متعمداً فليتبوّأ

196
مقعده من النار».
إلى أن قال بعد تقسيم الناس إلى أربعة أقسام:
«وآخر رابع لم يكذب على اللّه، ولا على رسوله، مبغض للكذب خوفاً من اللّه، وتعظيماً لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)لم يهم، بل حفظ ما سمع على وجهه، فجاء به على ما سمعه، لم يزد فيه ولم ينقص منه، فهو حفظ الناسخ فعمل به، وحفظ المنسوخ فجنَّب عنه، وعرف الخاص والعام، والمحكم والمتشابه، فوضع كلّ شيء موضعه».(1)
هذا بعض كلامه (عليه السلام)حول ما يمت إلى أُصول الفقه، وأمّا كلامه فيما له صلة بالعقائد والمباحث الكلامية فحدث عنه ولا حرج، فهذه خُطَبه (عليه السلام)فيها وقد أخذ عنه علماء الكلام ما أخذوا.(2)
وأمّا من لا خبرة له بهذين العلمين من الأقدمين فقد اقتصروا بالتفسير بالمأثور وتركوا البحث فيما لم يرد فيه نص، ولذا عاد تفسيرهم تفسيراً نقلياً محضاً، وسيوافيك البحث في هذا النوع من التفسير.
إلى هنا تمّ ما أردنا نقله من كلام الراغب،وبما أنّ لجلال الدين السيوطي كلاماً في شروط التفسير نذكره لما فيه من اللطافة وإن كان ذيله لا يخلو من الشذوذ، قال:
قال العلماء: من أراد تفسير الكتاب العزيز، طلبه أوّلاً من القرآن، فما أُجملَ منه في مكان، فقد فُسّر في موضع آخر; وما اختصر في مكان، فقد

1 . نهج البلاغة، الخطبة 210.
2 . لاحظ كتاب بحوث في الملل والنحل:3/187ـ192.

197
بُسط في موضع آخر منه.
وقد ألّف ابن الجوزي كتاباً فيما أجمل في القرآن في موضع وفسّر في موضع آخر منه، وأشرت إلى أمثلة منه في نوع المجمل.
فإن أعياه ذلك طلبه من السنّة، فإنّها شارحة للقرآن وموضحة له،وقد قال الشافعي: كلّ ما حكم به رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)فهو ممّا فهمه من القرآن، قال تعالى: (إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أَراكَ اللّه)(1) في آيات أُخر وقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «ألا إنّي أُوتيت القرآن ومثله معه»، يعني السنّة.
فإن لم يجده في السنّة رجع إلى أقوال الصحابة، فإنّهم أدرى بذلك، لما شاهدوه من القرائن والأحوال عند نزوله، ولما اختصّوا به من الفهم التام والعلم الصحيح والعمل الصالح.(2)
فما ألطف كلامه في المقطعين الأوّلين دون المقطع الثالث فقد بخس فيه حقوق أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، فإنّ السنّة النبوية ليست منحصرة بما رواها الصحابة والتابعون، فإنّ أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)عيبة علم النبي ووعاة سننه، فقد رووا عن آبائهم عن علي أمير المؤمنين (عليه السلام)عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)روايات في تفسير القرآن الكريم، كيف وهم أحد الثقلين اللّذين تركهما رسول اللّه وقال: «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه، وعترتي».
ولعمر اللّه إنّ الإعراض عن أحاديث أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)لخسارة فادحة على الإسلام والمسلمين .

1 . النساء:105.
2 . الإتقان في علوم القرآن:2/1197.

198
ثمّ إنّ الرجوع إلى أقوال الصحابة لا ينجع مالم ترفع أقوالهم إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فمجرد أنّهم شاهدوا الوحي والتنزيل لا يثبت حجّية أقوالهم ما لم يسند إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، والقول بحجّية قول الصحابي بمجرّد نقله وإن لم يسند قوله إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قول فارغ عن الدليل، فإنّه سبحانه لم يبعث إلاّ نبيّاً واحداً لا أنبياء حسب عدد الصحابة إلاّ أن يرجع قولهم إلى قول النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم).
إذا عرفت كلام هذين العلمين فلنذكر شروط التفسير حسب ما نراها.
شروط التفسير وآدابه   

شروط التفسير وآدابه

لا محيص للمفسّر من تبنِّي علوم يتوقّف عليها فهم الآية وتبيينها، وهذه الشروط تأتي تحت عناوين خاصة، مع تفاصيلها:

1. معرفة قواعد اللغة العربية

إنّ القرآن الكريم نزل باللغة العربية، قال سبحانه: (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمينُ * عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرين * بِلسان عَربىّ مُبِين)(1)، ومعرفة اللغة العربية فرع معرفة علم النحو والاشتقاق والصرف.
فبعلم النحو يميز الفاعل عن المفعول، والمفعول عن التمييز، إلى غير ذلك من القواعد التي يتوقّف عليها فهم معرفة اللغة.
وأمّا الاشتقاق فهو الذي يُبين لنا مادة الكلمة وأصلها حتى نرجع في

1 . الشعراء:193ـ195.

199
تبيين معناها إلى جذورها، وهذا أمر مهم زلّت فيه أقدام كثير من الباحثين، وهذا هو المستشرق «فوجل» مؤلف «نجوم الفرقان في أطراف القرآن» الذي جعله كالمعجم لألفاظ القرآن الكريم وطبع لأوّل مرة عام 1842م، فقد التبس عليه جذور الكلمات في موارد كثيرة، ذكر فهرسها محمد فؤاد عبدالباقي مؤلف «المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم» في أوّل معجمه.
حيث زعم أنّ قوله: «وقرن» في قوله سبحانه مخاطباً لنساء النبيّ: (وَقرن في بُيوتِكُنَّ)(1) مأخوذ من قَرَن مع أنّه مأخوذ من «قرَّ» فأين القَرْن من القرّ والاستقرار؟! كما زعم أنّ المرضى في قوله سبحانه: (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَ لاَ عَلَى الْمَرْضَى)(2) مأخوذ من رضي مع أنّه مأخوذ من مرض، فأين الرضا من المرض؟! و قس على ذلك غيره.
وأمّا علم الصرف فبه يعرف الماضي عن المضارع وكلاهما عن الأمر والنهي إلى غير ذلك، وما ذكرنا من الشرط ليس تفسيراً لخصوص القرآن الكريم، بل هو شرط لتفسير كلّ أثر عربي وصل إلينا.

2. معاني المفردات

إنّ الجملة تتركّب من مفردات عديدة يحصل من اجتماعها جملة مفيدة للمخاطب، فالعلم بالمفردات شرط لازم للتفسير، فلولا العلم بمعنى «الصعيد» كيف يمكن أن يُفسّر قوله سبحانه: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً)(3).

1 . الأحزاب:33.
2 . التوبة:91.
3 . المائدة:6.

200
وقد قام ثلّة من الباحثين بتفسير مفردات القرآن، و في طليعتهم أبو القاسم حسين بن محمد المعروف بالراغب الاصفهاني (المتوفّى عام 502هـ) فألّف كتابه المعروف بـ «المفردات»و هو كتاب قيّم،وأعقبه في التأليف مجد الدين أبو السعادات مبارك بن محمد الجزري المعروف بابن الأثير (544 ـ 606 هـ ) فألّف كتابه «النهاية في غريب الحديث والأثر» وهو و إن كان يفسر غريب الحديث لكن ربما يستفيد منه المفسر في بعض المواد.
نعم ما ألّفه المحقّق فخر الدين بن محمد بن علي الطريحي (المتوفّى عام 1085هـ) باسم «مجمع البحرين ومطلع النيرين» يعمّ غريب القرآن والحديث معاً، و هذا لا يعني عدم الحاجة إلى الرجوع إلى سائر المعاجم، كالصحاح للجوهري (المتوفّى 393هـ)، ولسان العرب لابن منظور الافريقي (المتوفّى عام 707هـ)، والقاموس للفيروز آبادي (المتوفّى عام 834هـ) .
وفي المقام أمر مهمّ، وهو أن يهتمّ المفسِّر بأُصول المعاني التي يشتق منها معان أُخرى، فإنّ كلام العرب مشحون بالمجاز والكنايات، فربما يستعمل اللفظ لمناسبة خاصة في معنى قريب من المعنى الأوّل فيبدو للمبتدئ أنّ المعنى الثاني هو المعنى الأصلي للكلمة يفسر بها الآية مع أنّها معنى فرعيّ اشتق منه لمناسبة من المناسبات.
وأفضل كتاب أُلّف في هذا الموضوع أي إرجاع المعاني المتفرعة إلى أُصولها، كتابان:
أ: «المقاييس» لأحمد بن فارس بن زكريا (المتوفّى عام 395هـ) و قد

201
طبع في ستة أجزاء.
ب: «أساس البلاغة» لمحمود الزمخشري (المتوفّى عام 538هـ). فبالمراجعة إلى ذينك المرجعين يعرف المفسِّر المعنى الأصلي الذي يجب أن يفسر به الكلمة في القرآن الكريم مالم تقم القرينة على خلافه، ولنأت بمثال:
قال سبحانه في قصة آدم: (وَعَصى آدمُ رَبَّهُ فَغَوى) (1)، فإنّ كثيراً من المتعاطين لعلم التفسير يتخذون الكلمتين ذريعة لعدم عصمة آدم بذريعة انّ لفظة «عصى» عبارة عن المعصية المصطلحة، و«الغواية» ترادف الضلالة، لكن الرجوع إلى أُصول المعاني يعطي انطباعاً غير ذلك، فلا لفظة «عصى» ترادف العصيان المصطلح ولا الغواية ترادف الضلالة.
أمّا العصيان فهو بمعنى خلاف الطاعة.
يقول ابن منظور: العصيان خلاف الطاعة، والعاصي الفصيل إذا لم يتبع أُمّه.(2)
فمن خالف أمر مولاه، أو نصح الناصح، يقال: عصى، وعلى ذلك فليس كلمة «عصى» إلاّ موضوعة لمطلق المخالفة، سواء أكانت معصية كما إذا خالف أمر مولاه، أو لم تكن كما إذا خالف نصح الناصح.
ولا يمكن أن يستدل بإطلاق اللفظ على أنّ المورد من قبيل مخالفة أمر المولى.

1 . طه:121.
2 . لسان العرب: 15/67، مادة «عصى».

202
وأمّا الغيّ فهو ـ كما في لسان العرب ـ يستعمل في الخيبة والفساد والضلال(1)، ومن الواضح أنّ هذه المعاني أعمّ من المعصية الاصطلاحية، ومن مخالفة نصح الناصح.

3. تفسير القرآن بالقرآن

إنّ القرآن الكريم يصف نفسه بأنّه تبيان لكلّ شيء و يقول: (وَنَزّلنا عَلَيْكَ الكِتاب تِبْياناً لِكُلِّ شَيْء)(2) فهل يصحّ أن يكون مبيّناً لكلّ شيء ولا يكون تبياناً لنفسه إذا كان فيه إجمال؟
هذا من جانب ، ومن جانب آخر أنّ القرآن تناول موضوعات مهمّة في سور متعدّدة لغايات مختلفة، فربما يذكر الموضوع على وجه الإجمال في موضع ويفسّره في موضع آخر، فما أجمله في مكان فقد فصّله في موضع آخر، وما اختصر في مكان فإنّه قد بسط في آخر، و بذلك يمكن رفع إجمال الآية الأُولى بالآية الثانية، كيف وقد وصفه سبحانه بقوله: (اللّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَديثِ كِتاباً مُتشابهاً مَثَانِيَ)(3)، فإنّ المراد من المتشابه هو تشابه معاني الآيات بعضها مع بعض وتسانخها وتكرر مضامينها بقرينة قوله «مثاني»، و بذلك يظهر أنّ رفع إجمال الآية بنظيرتها شيء دعا إليه القرآن الكريم لكن بعد الإمعان والدقة فيه. ولنضرب لذلك مثالاً:
يقول سبحانه في وصف تعذيب قوم لوط: (وَأَمْطرنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ

1 . لسان العرب: 14/140، مادة «غوى».
2 . النحل:89.
3 . الزمر:23.

203
مَطَرُ الْمُنْذَرِين)(1) ربما يتصوّر القارئ أنّهم عذبوا بالمطر الغزير الذي يستعقب السيل الجارف فغُرِقوا فيه، ولكن في آية أُخرى أتى سبحانه ما يرفع إبهام الآية فقال:
(وَأَمطرنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيل)(2) فصرّح بأنّهم أُمطروا مطر الحجارة فهلكوا بها، كما أهلك أصحاب الفيل بها كما قال سبحانه: (تَرْمِيهِمْ بِحِجارَة مِنْ سِجِّيل)(3) . ولنأت بمثال آخر:
يقول سبحانه في حقّ اليهود: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَل مِنَ الْغَمامِ وَالمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الأُمُور)(4) فظاهر الآية أنّهم كانوا ينتظرون مجيء اللّه تبارك وتعالى في ظلل من الغمام ولكن الآية الأُخرى ترفع الإبهام وانّ المراد مجيء أمره سبحانه يقول:(هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللّهُ وَلكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُون).(5)

4. الحفاظ على سياق الآيات

إنّ من أهمّ وظائف المفسر الحفاظ على سياق الآيات الواردة في موضوع واحد; فتقطيع الآية بعضها عن بعض، والنظر إلى الجزء دون الكل لا يعطي للآية حقّها في التفسير، فالآيات الواردة في موضوع واحد على

1 . الشعراء:173.
2 . الحجر:74.
3 . الفيل:4.
4 . البقرة:210.
5 . النحل:33.

204
وجه التسلسل كباقة من الزهور تكمن نظارتها وجمالها في كونها مجموعة واحدة، وأمّا النظر التجزيئي إليها فيسلب ذلك الجمال والنظارة منها، حتى أنّ بعض الملاحدة دخل من ذلك الباب فحرّف الآية من مكانها وفسّرها بغير واقعها، ولنأت بمثال:
إنّه سبحانه تبارك و تعالى يخاطب بني آدم بخطابات ثلاثة أو أكثر في بدء الخلقة، أي بعد هبوط آدم إلى الأرض، فخاطب أولاده في تلك الفترة بالخطابات التالية، وقال:
1. (يَا بَني آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُواري سَوْءاتِكُمْ وَريشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللّه لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ). (1)
2. (يا بَني آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُريَهُما سَوْءاتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنّا جَعَلْنا الشَّياطينَ أَوْلياءَلِلَّذينَ لا يُؤْمِنُونَ)(2).
3. (يا بَنِي آدَمَ إِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)(3).
فقد احتجّ من ينكر الخاتمية بالآية الأخيرة على أنّه سبحانه يرسل الرسول بعد رحيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بشهادة هذه الآية التي نزلت على النبي، أعني: (يا بني آدم إمّا يأتينّكم رسل منكم...) .

1 . الأعراف:26.
2 . الأعراف:27.
3 . الأعراف:35.

205
والمسكين فسّر القرآن بالرأي وبرأي مسبق، حيث فَصَلَ هذه الآية عمّا تقدّمها من الآيات التي تحكي خطاب اللّه سبحانه في بدء الخليقة وأنّه سبحانه في تلك الفترة خاطب بني آدم بهذه الآية، فلو كان النبي يتلو هذه الآية، فإنّما يحكي خطاب اللّه سبحانه في ذلك الأوان لا في عصر رسالته وحياته، ويكفي في ذلك مراجعة المجموعة التي هذه الآية جزء منها في سورة الأعراف من الآية 19 إلى الآية 36، فالجميع بسياق واحد ونظم فارد يحكي خطاب اللّه في بدء الخليقة لا خطابه سبحانه في عهد الرسول، وهذا ما دعانا إلى التركيز بأنّ حفظ السياق أصل من أُصول التفسير.
وما ذكرنا من لزوم الحفاظ على سياق الآيات لا يعني أنّ القرآن الكريم كتاب بشري يأخذ بالبحث في الموضوع فإذا فرغ عنه يبتدئ بموضوع آخر دائماً، وإنّما المراد أنّ الحفاظ على سياق الآيات إذا كان رافعاً للإبهام وكاشفاً عن المراد لا محيص للمفسِّر من الرجوع إليه، ومع ذلك فإنّ القرآن الكريم ليس كتاباً بشرياً ربما يطرح في ثنايا موضوع واحد موضوعاً آخر له صلة بالموضوع الأصلي ثمّ يرجع إلى الموضوع الأوّل، وإليك شاهدين:
إنّ القرآن يبحث في سورة البقرة عن أحكام النساء، مثل المحيض والعدّة والإيلاء وأقسام الطلاق من الآية 222 إلى 240، ومع ذلك فقد طرح موضوع الصلاة في ثنايا هذه الآيات، يعني من آية 237 إلى 238، ثمّ أخذ بالبحث في الموضوع السابق، وإليك صورة إجمالية ممّا ذكرنا، يقول سبحانه:

206
(وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالمَعْرُوف). (1)
ويستمر في البحث في الموضوع بشقوقه المختلفة ويقول:
(وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْفَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَريضَة...) .
وقبل أن يُنهي الكلام في الموضوع شرع بالأمر بالصلاة والحفاظ عليها وبالخصوص الصلاة الوسطى ويقول:
(حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الوُسْطى وَقُومُوا للّهِ قانِتين). (2)
(فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالاً أَوْ رُكباناً فَإِذا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللّهَ كَماعلَّمَكُمْ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُون).(3)
ترى أنّه انتقل من الموضوع الأوّل إلى موضوع آخر، وهو الحفاظ على الصلوات وتعليم كيفية صلاة الخوف، ثمّ بعد ذلك نرى أنّه رجع إلى الموضوع الأوّل وقال:
(وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيةً لأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلى الحَوْل...) .
وأمّا ما هو الحافز إلى بيان حكم الصلاة، قبل إنهاء أحكام المرأة فهو موكول إلى علم التفسير.

1 . البقرة:232.
2 . البقرة:238.
3 . البقرة:239.

207

نموذج آخر

أخذ الوحي في تبيين مكانة نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والمهمات الثقيلة الملقاة على عاتقهن، وابتدأ به في سورة الأحزاب من الآية 28 وختمها بالآية 35 ، ومع ذلك طرح في ثنايا هذا الموضوع موضوعاً آخر باسم طهارة أهل البيت من الرجس.
يقول سبحانه:
(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنيا وَزِينَتها...).(1)
ويقول:
(وَقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِليةِ الأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللّهَ وَرَسُولَه).(2)
وقبل أن يُنهي البحث حول أزواج النبي حتى قبل أن يكمل تلك الآية، أخذ بالبحث حول أهل البيت على نحو يكون صريحاً أنّ المراد منهم غير أزواج النبي وقال:
(إِنَّما يُريدُ اللّهُ لِيُذهِبَ عَنْكُمُ الرِّجسَ أَهْلَ البَيتِ وَيُطهِّركُمْ تَطهِيراً) .
ثمّ رجع إلى الموضوع الأوّل و قال:
(واذكُرْنَ ما يُتلى في بُيُوتِكُنَّ من آياتِ اللّهِ والْحِكْمَةِ) .
وأمّا الدليل على أنّه لا صلة لآية التطهير بنساء النبي هو لفظ الآية، أي

1 . الأحزاب:28.
2 . الأحزاب:33.

208
تذكير ضمائرها «عنكم» ، «يطهركم» وغير ذلك من القرائن المتصلة والمنفصلة التي تقرأها على وجه التفصيل في موسوعتنا«مفاهيم القرآن» الجزء الخامس.
على أنّ لحن الآيات في نساء النبي هو لحن التنديد والتخويف بخلاف هذه الآية فإنّ لحنها لحن التمجيد والثناء.
فأين قوله سبحانه: (يا نِساء النَّبيّ مَن يَأْتي مِنْكُنَّ بِفاحِشة مُبيّنة) من قوله سبحانه: (إِنّما يُريد اللّه لِيذهِبَ عَنْكُمُ الرِّجس أَهل البَيت)؟!
وأمّا الصلة بين الموضوعين فإليك بيانه:
إنّه سبحانه خاطب نساء النبي بالخطابات التالية، وقال:
1. (يا نِساءَ النَّبِىِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَة مُبَيِّنَة يُضاعَفْ لَها الْعَذابُ ضِعْفَيْن) .
2. (يا نِساءَ النَّبِيّ لَسْتُنَّ كَأَحَد مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ ...) .
3. (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِليَةِ الأُولى) .
فعند ذلك صحّ أن ينتقل إلى الكلام عن أهل البيت الذين أذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، وذلك لوجهين:
1. تعريفهنّ على جماعة بلغوا في الورع والتقوى، الذروةَ العليا; وفي الطهارة عن الرذائل والمساوئ، القمةَ. وبذلك استحقوا أن يكونوا أُسوة في الحياة وقدوة في مجال العمل، فيلزم عليهن أن يقتدينّ بهم ويستضيئنّ بضوئهم.
2. التنبيه على أنّ حياتهنّ مقرونة بحياة أُمّة طاهرة من الرجس

209
ومطهّرة من الدنس، ولهنّ معهم لحمة القرابة ووصلة الحسب، واللازم عليهنّ الحفاظ على شؤون هذه القرابة بالابتعاد عن المعاصي والمساوئ، والتحلّي بما يرضيه سبحانه، ولأجل ذلك يقول سبحانه : (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء)، وما هذا إلاّ لقرابتهنّ منه (صلى الله عليه وآله وسلم)وصلتهنّ بأهل بيته. وهي لا تنفك عن المسؤولية الخاصة، فالانتساب للنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)ولبيته الرفيع، سبب المسؤولية ومنشؤها، وفي ضوء هذين الوجهين صحّ أن يطرح طهارة أهل البيت في أثناء المحاورة مع نساء النبي والكلام حول شؤونهن.
ولقد قام محقّقو الإمامية ببيان مناسبة العدول في الآية ، نأتي ببعض تحقيقاتهم، قال السيد القاضي التستري: لا يبعد أن يكون اختلاف آية التطهير مع ما قبلها على طريق الالتفات من الأزواج إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وأهل بيته (عليهم السلام)على معنى أنّ تأديب الأزواج وترغيبهن إلى الصلاح والسداد، من توابع إذهاب الرجس والدنس عن أهل البيت(عليهم السلام).(1)

5. الرجوع إلى الأحاديث الصحيحة وإجماع المسلمين

إنّ كثيراً من الآيات المتعرّضة لأحكام الأفعال والموضوعات مجملة ورد تفسيرها في السنّة القطعية وإجماع المسلمين وأحاديث أئمّة أهل البيت كالصلاة والزكاة والحجّ وغير ذلك ممّا لا محيص للمفسِّر من الرجوع إليها في رفع الإجمال وتبيين المبهم، وهو أمر واضح.
وهناك سبب ثان للرجوع إليه، وهو أنّه ورد في القرآن مطلقات ولكن

1 . إحقاق الحق: 2 / 570.

210
أُريد منها المقيد، كما ورد عموم أُريد منه الخصوص; وذلك وفقاً لتشريع القوانين في المجالس التشريعية، فإنّهم يذكرون المطلقات والعموم في فصل كما يذكرون قيودها ومخصصاتها في فصل آخر باسم الملحق، وقد حذا القرآن في تشريعه هذا الحذو فجاءت المطلقات والعموم في القرآن الكريم والمقيد والمخصص في نفس السنّة، ولنأت بمثال:
يقول سبحانه: (وَأَحَلَّ اللّهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا)(1) وجاء في السنّة مخصصها، وأنّه لا ربا بين الزوج والزوجة والولد والوالد، فقد رخص الإسلام الربا هنا.
قال الإمام الصادق(عليه السلام): قال أميرالمؤمنين(عليه السلام): «ليس بين الرجل وولده رباء، وليس بين السيد و عبده ربا».(2)
وروى زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): «ليس بين الرجل وولده، وبينه و بين عبده، ولا بين أهله ربا، إنّما الربا فيما بينك و بين ما لا تملك».(3)
ولعلّ قوله سبحانه: (وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)(4) يوحي إلى هذا المعنى.
غير أنّ المهم صحّة الأحاديث الواردة في تفسير القرآن الكريم، أمّا ما يرجع إلى السنن وتبيين الحلال والحرام بالتخصيص والتقييد فقد وردت فيه روايات صحاح وحسان، إنّما الكلام فيما يرجع إلى المعارف والعقائد

1 . البقرة:275.
2 . الوسائل: 12، الباب 7 من أبواب الربا، الحديث 1 .
3 . الوسائل: 12، الباب 7 من أبواب الربا، الحديث 3. وقد ذكر الإمام نكتة التشريع في كلامه.
4 . الحشر:7.

211
والقصص والتاريخ فالحديث الصحيح في ذلك المورد في كتب أهل السنّة قليل جداً، يقول الميموني: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ثلاث كتب ليس لها أُصول: المغازي، والملاحم، والتفسير. قال المحقّقون من أصحابه: مراده أنّ الغالب أنّها ليس لها أسانيد صحاح متصلة.(1)
ومن عجيب الأمر أنّه لم يرد عن طرق الصحابة والتابعين ما يرجع إلى تفسير ما ورد من الآيات حول العقائد والمعارف، وكأنّهم اكتفوا بقراءتها والمرور عليها كما عليه جملة من السلفيين.
إنّه من المعلوم أنّ الإحاطة بمعاني الألفاظ والجمل لا يكفي في تفسير قوله سبحانه: (وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكنَّ اللّهَ رَمى)(2)، حيث إنّه يثبت الرمي للرسول وفي الوقت نفسه ينفي عنه وهما متضادان.
كما أنّه لا يكفي الإحاطة بالأدب العربي ومعاني المفردات فهم قوله
سبحانه: (شَهِدَ اللّهُ أنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَالمَلائِكَةُ وَأُولُوا العِلْمِ قائِماً بِالقِسْطِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْعَزيزُ الحَكيم)(3) ، حيث اتّحد الشاهد والمشهود ومع ذلك كيف يشهد على وحدانيته؟!
ففي هذه الآيات لا محيص للمفسِّر من أن يرجع إلى أحد الثقلين، أي بما أُثر عن أئمة أهل البيت، أو إلى العقل الصريح، وإلاّ تبقى الآية على إجمالها، ويكون تفسيرها المرور عليها، وبالتالي تصبح الآية ـ نعوذ باللّه ـ لقلقة في اللسان.

1 . البرهان في علوم القرآن:2/156.
2 . الأنفال:17.
3 . آل عمران:18.

212

النبيّ هو المفسّر الأوّل

إنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)حسب القرآن الكريم هو المفسِّر الأوّل، وأنّه لا تقتصر وظيفته في القراءة والتلاوة، بل يتعيّن عليه بعد القراءة تبيان ما أجمل وتفسير ما أُبهم يقول سبحانه: (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون) (1).
ترى أنّه سبحانه يجعل غاية النزول بيان الرسول حقائق القرآن للناس مضافاً إلى أنّه سبحانه يشير في بعض الآيات إلى أنّ عليه وراء البيان ، القراءة والجمع، يقول: (لا تُحَرِّك بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنّ عَلَينا جَمْعَهُ وَقُرآنَهُ * فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِع قُرآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَينا بَيانَهُ)(2).
فالآية ترشد إلى الوظائف الثلاث: (القراءة، والجمع، والبيان) التي على عاتق النبي بأمر من اللّه سبحانه.
أمّا التلاوة يقول سبحانه: (هُوَ الَّذي بَعَثَ فِي الأُمِيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ) .(3)
وأمّا الجمع فالحقّ أنّه قد جمع القرآن في حياته ولم يترك القرآن متشتتاً هنا وهناك.
وأمّا البيان فقد كان يبيّن آيات الذكر الحكيم بالتدريج; قال أبو عبد الرحمن السلمي: حدّثنا الذين كانوا يقرأون القرآن كعثمان بن عفان، و عبد

1 . النحل:44.
2 . القيامة:16ـ19.
3 . الجمعة:2.

213
الله بن مسعود وغيرهما أنّهما كانوا إذا تعلّموا من النبي عشر آيات، لم يتجاوزوها حتى يعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعاً، ولهذا كانوا يبقون مدّة في حفظ السورة.(1)
لكنَّ جميع ما ورد عن النبي من التفسير ـ غير ما ورد من أسباب النزول ـ لا يتجاوز المائتين وعشرين حديثاً تقريباً، وقد أتعب جلال الدين السيوطي نفسه فجمعها من مطاوي الكتب في آخر كتابه «الإتقان» فرتّبها على ترتيب السور من الفاتحة إلى الناس.(2)
ومن المعلوم أنّ هذا المقدار لا يفي بتفسير القرآن الكريم ولا يمكن لنا التقوّل بأنّه(صلى الله عليه وآله وسلم)تقاعس عن مهمته، وليس الحل إلاّ أن نقول بأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)أودع علم الكتاب في أحد الثقلين الذين طهرهم اللّه من الرجس تطهيراً، فقاموا بتفسير القرآن بالمأثور عن النبي المودَع في مجاميع كثيرة يقف عليها المتتبع في أحاديث الشيعة.(3)
وبما ذكرنا علم أنّ الاقتصار في التفسير بالمأثور على ما روي في كتب القوم لا يرفع الحاجة، وليس للمفسِّر الواعي محيص من الرجوع إلى ما روي عن علي وأولاده المعصومين (عليهم السلام)في مجال التفسير وهي كثيرة. ولعلّه إليهم يشير قوله سبحانه: (ثُمَّ أَورَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا)(4) فالمصطفون من عباده هم الوارثون علم الكتاب.

1 . الإتقان:4/175ـ 176، ط مصر.
2 . الإتقان:4/170، ط مصر.
3 . كتفسير البرهان للسيد البحراني ; نور الثقلين للحويزي، وقبلهما تفسير علي بن إبراهيم وغيرها.
4 . فاطر:32.

214
ولنذكر نموذجاً من تفسير النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)لمّا نزل قوله سبحانه: (وَكُلُوا وَاشرَبُوا حَتّى يَتَبيَّنَ لَكُمُ الخَيطُ الأَبيَضُ مِنَ الخَيطِ الأَسودِ منَ الفَجْر) (1) قال عدي بن حاتم: إنّي وضعت خيطين من شعر أبيض وأسود، فكنت أنظر فيهما، فلا يتبيّن لي، فضحك رسول اللّه حتى رؤيت نواجذه، ثمّ قال: «ذلك بياض النهار، وسواد الليل».(2)

6. معرفة أسباب النزول

إنّ لمعرفة أسباب النزول دوراً هاماً في رفع الإبهام عن الآيات التي وردت في شأن خاص; لأنّ القرآن الكريم نزل نجوماً عبر ثلاثة وعشرين عاماً إجابة لسؤال، أو تنديداً لحادثة، أو تمجيداً لعمل جماعة، إلى غير ذلك من الأسباب التي دعت إلى نزول الآيات; فالوقوف على تلك الأسباب لها دور في فهم الآية بحدها ورفع الإبهام عنها، فلنأت بأمثلة ثلاثة يكون لسبب النزول فيها دور فعال بالنسبة إلى رفع إبهام الآية.
1.إنّه سبحانه يندّد بأشخاص ثلاثة تخلّفوا عن الجهاد في سبيل اللّه حتّى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وظن هؤلاء بأنّه لا محيص من اللجوء إلى اللّه سبحانه، فتابوا فقبلت توبتهم، لأنّه سبحانه تواب رحيم، يقول:
(وَعَلى الثَّلاثَة الّذِينَ خُلِّفُوا حتّى إِذا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلجأ مِنَ اللّهِ إِلاّ إِليهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ

1 . البقرة:187.
2 . مجمع البيان:1/281، ط صيدا.

215
اللّه هُوَ التَّوّابُ الرَّحيم) .(1)
فلا شكّ أنّ في الآية عدّة إبهامات:
أ: مَن هؤلاء الثلاثة الذين تخلّفوا؟
ب: ما هي الدواعي التي حدت بهم إلى التخلّف؟
ج: كيف ضاقت عليهم الأرض؟
د: كيف ضاقت عليهم أنفسهم؟
هـ: بأي دليل أدركوا بأنّه لا ملجأ من اللّه إلاّ إليه؟
و: ما هو المراد من قوله:(ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ)؟
إنّ الاجابة على هذه الأسئلة تكمن في الوقوف على أسباب النزول، فمن رجع إليها يسهل له الإجابة.(2)
2. يقول سبحانه: (إِنّ الصَّفا وَالْمَرْوَة مِنْ شَعائِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعتَمَرَ فَلا جُناحَ عَليهِ أَنْ يَطَوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيراً فَإِنّ اللّهَ شاكِرٌ عَليم).(3)
فظهور الآية يوحي إلى عدم وجوب السعي بين الصفا والمروة وإنّما هو جائز بشهادة قوله:«لا جناح»، وأمّا إذا رجع إلى سبب النزول، يعرف أنّ قوله «لا حرج» لا يزاحم كونه واجباً.
قال الإمام الصادق (عليه السلام): كان المسلمون يرون أنّ الصفا والمروة ممّا ابتدع أهل الجاهلية، فأنزل اللّه هذه الآية وإنّما قال: (فَلا جُناحَ عَليه أَنْ يَطَوَّفَ بِهِما)وهو واجب أو طاعة على الخلاف فيه، لأنّه كان على الصفا صنم يقال

1 . التوبة:118.
2 . مجمع البيان: 3 / 78.
3 . البقرة:158.

216
له: إساف وعلى المروة صنم يقال له نائلة، وكان المشركون إذا طافوا بهما مسحوهما، فتحرّج المسلمون عن الطواف بهما لأجل الصنمين، فأنزل اللّه هذه الآية.(1)
وبالوقوف على ذلك يعلم أنّ قوله: «لا جناح» لا ينافي كون السعي فريضة، لأنّ نفي الجناح نسبي متوجه إلى ما زعمه بعض المسلمين مانعاً من السعي، فقال سبحانه لا يضر هذا وعليكم السعي بين الصفا والمروة وإحياء شعائر اللّه.
3. قال سبحانه: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّة قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنّاسِ وَالْحَجّ وَلَيْسَ البِرّ بِأَنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ البِرّ مَنِ اتّقى وَأْتوا البُيُوت مِنْ أَبْوابِها وَاتَّقُوا اللّه لَعَلَّكُمْ تَعْلَمُون)(2).
فالإنسان في بدو الأمر يتعجّب من قوله سبحانه:(وَلَيْسَ البِرّ بِأَنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ البِرّ مَنِ اتّقى وَأْتوا البُيُوت مِنْ أَبْوابِها)ولكن بعد ما يقف على سبب النزول يزول تعجبه.
كان المحرِم عند بعض الطوائف لا يدخل بيته من بابه، بل كان ينقب في ظهر بيته نقباً يدخل ويخرج منه، فنزلت الآية بالنهي عن التديّن بذلك.(3)
وفي الختام نضيف: انّه لا يمكن الاعتماد على كلّ ما ورد في الكتب باسم أسباب النزول، بل لابدّ من التحقيق حول سنده والكتاب الذي ورد

1 . مجمع البيان:1/240.
2 . البقرة: 189 .
3 . مجمع البيان:1/284.

217
فيه، فإنّ أكثر المفسّرين في القرون الأُولى أخذوا علم التفسير من مستسلمة أهل الكتاب، خصوصاً فيما يرجع إلى قصص الأنبياء وسيرة أقوامهم، فلا يمكن الاعتماد على كلام هؤلاء.
يقول المحقّق الشيخ محمد جواد البلاغي:
وأمّا الرجوع في التفسير وأسباب النزول إلى أمثال عكرمة ومجاهد وعطاء وضحاك كما ملئت كتب التفسير بأقوالهم المرسلة، فهو ممّا لا يعذر فيه المسلم في أمر دينه فيما بينه وبين اللّه ولا تقوم به الحجّة، لأنّ تلك الأقوال إن كانت روايات فهي مراسيل مقطوعة، ولا يكون حجّة من المسانيد إلاّ ما ابتنى على قواعد العلم الديني الرصينة، ولو لم يكن من الصوارف عنهم إلاّ ما ذكر في كتب الرجال لأهل السنّة لكفى.(1)
ثمّ ذكر (قدس سره)ما ذكره علماء الرجال في كتبهم في حقّ عكرمة ومجاهد وعطاء والضحاك وقتادة ومقاتل الذين هم المراجع في نقل كثير من الإسرائيليات والمسيحيات في تفسير الآيات.

7. الإحاطة بتاريخ صدر الإسلام

بعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)من بين أُمّة أُميّة لها ثقافتها الخاصة وتقاليدها وعاداتها، فالقرآن الكريم يشير في كثير من الآيات إلى تلك العادات الجاهلية المتوارثة، إنّ الاطّلاع على تاريخ العرب قبل الإسلام وبعده يوضح مفاد كثير من الآيات ويكشف النقاب عنها، فلنذكر نماذج لذلك:
أ: أنّه سبحانه يذكر في سورة الأنعام تقاليد العرب وعاداتهم ويقول:

1 . آلاء الرحمن:45.

218
(وَجعَلُوا للّهِ مِمّا ذَرأ مِنَ الحَرْثِ والأَنعامِ نَصِيباً فَقَالُوا هذا للّهِ بِزَعْمِهِمْ وهذا لِشُركائِنا فَماكانَ لِشُركائِهِمْ فَلا يَصِلُ إلى اللّهِ وما كانَ للّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُون * وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثير مِنَ المُشْرِكينَ قَتْلَ أَولادِهِمْ شُركاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دينَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللّهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ * وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَ يَطْعَمُها إِلاَّ مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسمَ اللّهِ عَلَيْهَا افْتراءً عَليهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ).(1)
إنّ هذه الآيات يسودها كثير من الغموض والإبهام، ولكن إذا رجعنا إلى ما رواه المؤرّخون في ذلك المضمار من تقاليدهم حينها يزاح الغموض الذي يكتنفها.
ولا يقتصر المفسِّر على هذا المقدار من التاريخ، فإنّ الآيات النازلة في الغزوات والحروب، وفي بعث السرايا لها دور في رفع الإبهام وانكشاف الحقيقة على ماهي عليه.
وفي وسع المفسِّر أن يرجع إلى الكتب المعدّة لبيان تاريخ الإسلام، وأخصّ بالذكر: «السيرة النبوية» لابن هشام (المتوفّى عام 218هـ)، وتاريخ اليعقوبي (المتوفّى 290هـ)، وتاريخ الطبري (المتوفّى 310هـ) وتفسيره، و «مروج الذهب» للمسعودي (المتوفّى 345هـ)، و«الإمتاع» للمقريزي (المتوفّى 845هـ) إلى غير ذلك من الكتب المعدّة.
قال الشيخ عبده: أنا لا أعقل كيف يعقل لأحد أن يفسّر قوله تعالى:

1 . الأنعام: 136 ـ 138.

219
(كانَ الناسُ أُمّةً واحدةً فَبَعَثَ اللّهُ النّبيينَ مُبَشِّرِينَ ومُنذِرين)(1) الآية، وهو لا يعرف أحوال البشر، وكيف اتّحدوا؟ وكيف تفرّقوا؟ وما معنى تلك الوحدة التي كانوا عليها؟ وهل كانت نافعة أو ضارة؟ وماذا كان من آثار بعثة الأنبياء فيهم؟(2)
والحقّ أنّ تفسير الآيات الواردة في الأُمم الغابرة ابتداءً من آدم وانتهاءً إلى نبيّنا خاتم الأنبياء والرسل رهن الوقوف على تاريخهم وسيرتهم وأعرافهم.

8 . تمييز الآيات المكّية عن المدنية

عرف المكي بما نزل قبل الهجرة، والمدني بما نزل بعدها، سواء نزل بمكة أم بالمدينة، عام الفتح أو عام حجّة الوداع أو بسفر من الأسفار.(3)
ثمّ إنّ الوقوف على الآيات المدنية وتمييزها عن المكية يحصل من خلال أُسلوبين:
الأوّل: الأخذ بأقوال المفسِّرين ومؤلّفي علوم القرآن، فقد ميّزوا السور المكية عن السور المدنية، كما ميّزوا الآيات المدنية التي جعلت في ثنايا السور المكية وبالعكس.
الثاني: دراسة مضمون الآية وأنّها هل كانت تناسب البيئة المكية أو المدنية؟ حيث إنّ الطابعَ السائد على أكثر الآيات المكية هو مكافحة الشرك

1 . البقرة:213.
2 . تفسير المنار: تفسير الآية 213 من سورة البقرة.
3 . الإتقان: 1/26.

220
والوثنية، ونقد العادات والتقاليد الجاهلية، والدعوة إلى الإيمان بالمعاد، والتنديد بالكافرين والمشركين; في حين أنّ الطابَع السائد على أكثر الآيات المدنية هو تشريع الأحكام في مختلف المجالات، والجدال مع أهل الكتاب في إخفاء الحقائق، والتنديد بالمنافقين الذين أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، إلى غير ذلك من العلائم والملامح التي يمكن أن يتميّز بها المكي عن المدني.
وقد ذكر السيوطي بسند خاص عن ابن عباس أسماء السور المدنيّة بعدما أنهى ذكر السور المكّية، وإليك أسماء السور المدنية، وبالوقوف عليها تعلم السور المكّية:
سورة البقرة، ثمّ الأنفال، ثمّ آل عمران، ثمّ الأحزاب، ثمّ الممتحنة، ثمّ النساء، ثمّ إذا زلزلت، ثمّ الحديد، ثمّ القتال، ثمّ الرعد، ثمّ الإنسان، ثمّ الطلاق، ثمّ لم يكن، ثمّ الحشر، ثمّ إذا جاء نصر اللّه، ثمّ النور، ثمّ الحج، ثمّ المنافقون، ثمّ المجادلة، ثمّ الحجرات، ثمّ التحريم، ثمّ الجمعة، ثمّ التغابن، ثمّ الصف، ثمّ الفتح، ثمّ المائدة، ثمّ براءة.(1)
وأمّا الحاجة لتمييز المكي عن المدني فلأنّه يرفع الإبهام العالق ببعض الآيات، مثلاً: أنّ سورة الشورى التي ورد فيها قوله سبحانه: (قُلْ لا أَسأَلُكُمْ عَليه أَجراً إِلاّ المَوَدَّة فِي القُربى)(2) سورة مكية مع أنّ هذه الآية حسب المأثور المتواتر نزلت في أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ أعني: علياً و فاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) ـ فربما يستبعد نزولها في حقّ أهل البيت بحجة أنّ السورة مكية ولم يكن يومذاك في مكة الحسن والحسين، ولكنّه لو وقف

1 . الإتقان:1/31.    2 . الشورى:23.

221
على أنّ مكية السورة لا تلازم مكية عامة آياتها، لما استبعد نزولها في حقّهم، فكم من سورة مكية وقعت في ثناياها آيات مدنية وبالعكس، وهذه السورة من القسم الأوّل وإن كانت مكية لكن بعض آياتها مدنية ومنها هذه الآية، وقد صرح به علماء التفسير في كتبهم(1)، حتى أنّك تجد في المصاحف المصرية المطبوعة تحت إشراف مشيخة الأزهر، التصريح بأنّ سورة الشورى مكية إلاّ الآيات 23، 24، 25، 27 فمدنية.

9. الوقوف على الآراء المطروحة حول الآية

إنّ الآراء الموروثة من الصحابة والتابعين ثمّ علماء التفسير إلى يومنا هذا ثروة علمية ورثناها من الأقدمين، وهم قد بذلوا في تفسير الذكر الحكيم جهوداً كبيرة، فألّفوا مختصرات ومفصّلات وموسوعات حول القرآن الكريم، فالإحاطة بآرائهم والإمعان فيها وترجيح بعضها على بعض بالدليل والبرهان من أُصول التفسير شريطة أن يبحث فيها بحثاً موضوعياً بعيداً عن كلّ رأي مسبق.

10. الاجتناب عن التفسير بالرأي(2)

المرادمن التفسير بالرأي هو أنّ المفسِّر يتخذ رأياً خاصّاً في موضوع بسبب من الأسباب ثمّ يعود فيرجع إلى القرآن حتى يجد له دليلاً من
الذكر الحكيم يعضده، فهو في هذا المقام ليس بصدد فهم الآية وإنّما هو

1 . لاحظ كتاب «نظم الدرر و تناسق الآيات والسور»: تأليف إبراهيم بن عمر البقاعي الشافعي من علماء القرن التاسع، وقد ذكر في كتابه أنّ الآية مدنية.
2 . وفي الحقيقة، التفسير بالرأي من موانع التفسير الصحيح لا من شرائطه.

222
بصدد إخضاع الآية لرأيه وفكره، وبذلك يبتعد عن التفسير الصحيح للقرآن.
وقد حذّر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كافة المسلمين من التفسير بالرأي أو التفسير بغير علم، فقال: «مَن قال في القرآن بغير علم فليتبوّأ مقعده من النار».(1)
وقال: «مَن تكلّم في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ».(2)
وليس النهي عن التفسير بالرأي منحصراً بالأحاديث النبوية، بل القرآن الكريم يندّد بالتقوّل على اللّه بما لا يعلم ويقول: (وَأَن تَقُولُوا عَلى اللّهِ مَا لا تَعْلَمُون).(3)
ويقول:(ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْم).(4)
فمن يفسِّر القرآن برأيه، فقد قضى بما ليس له به علم وتقوّل على اللّه بما لا يعلم .
وقد راج التفسير بالرأي بطابَع علمي في العصور المتأخّرة بعد الثورة الصناعية التي اجتاحت الغرب، فإنّ الفروض العلمية التي طرحت من قبل علماء الطبيعة والفلك هي فروض غير مستقرة لا يمكن الركون إليها في تفسير الذكر الحكيم، ولذلك سرعان ماتتبدّل النظريات العلمية إلى أُخرى; فمن حاول أن يخضع القرآن الكريم للاكتشافات العلمية الحديثة، فقد فسّر القرآن برأيه، وإن صدق في نيته وأراد إبراز جانب من جوانب الإعجاز القرآني، ولنذكر نموذجاً:

1 . أخرجه البيهقي من حديث ابن عباس كما في البرهان في علوم القرآن:2/161.
2 . أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي على ما في الإتقان: 2 / 474 .
3 . البقرة:169.   4 . الإسراء: 36.

223
نشر جارلز داروين كتابه «تحوّل الأنواع» عام 1908م فأثبت فيه وفق تحقيقاته أنّ الإنسان هو النوع الأخير من سلسلة تطور الأنواع، وأنّ سلسلته تنتهي إلى حيوان شبيه بالقردة، فذكر آباءه وأجداده بصورة شجرة خاصة مترنماً قول الشاعر:
أُولئك آبائي فجئني بمثلهم...
كان لنشر هذه النظرية ردّ فعل سيّئ في الأوساط الدينية دون فرق بين الأوساط المسيحية والمسلمة واليهودية الذين اتّفقوا على أنّ الإنسان كائن إبداعي وأنّ سلسلته تنتهي إلى آدم أبي البشر الذي خُلق بهذه الصورة من دون أن يكون له صلة بسائر الحيوانات.
ثمّ إنّ بعض السُّذَّج من الناس اتّخذوا تلك الفرضية ذريعة لتعارض العلم والدين وفصله عن الآخر، فزعموا أنّ منهج الدين غير منهج العلم، فربما يجتمعان وربما يفترقان.
وهناك من لم يؤمن بفصل العلم عن الدين فحاول إخضاع القرآن الكريم للفرضية، فأخذ يفسِّر ما يرجع إلى خلقة الإنسان في سور مختلفة على وجه ينطبق على تلك الفرضية.
هذا و كان السجال حادّاً بين المتعبّدين بالنص والمتأوّلين له إلى أن أثبت الزمان زيف الفرضية والفروض التي جاءت بعده حول خلقة الإنسان.
وليست خلقة الإنسان موضوعاً فريداً في هذا الباب، بل لم يزل أصحاب البدع والنحل في دأب مستمر لإخضاع القرآن لآرائهم وعقائدهم، فهذه النحل الكثيرة السائدة بين المسلمين اتّخذوا القرآن ذريعة لعقائدهم،

224
فما من منتحل إلاّ ويستدلّ بالقرآن على صحّة عقيدته مع أنّ الحقّ واحد وهؤلاء متكثّرون.
وكلّ يدّعي وصلاً بليلى *** وليلى لا تقرّ لهم بذاكا
ولقد كان لتفسير القرآن بالرأي دور في ظهور النحل والبدع بين المسلمين، وكأنّ القرآن نزل لدعم آرائهم ومعتقداتهم!! أعاذنا اللّه وإيّاكم من التفسير بالرأي.
هذه شرائط عشرة ينبغي للمفسِّر أن يتحلّى بها، وهناك آداب أُخرى ذكرها العلماء في كتبهم لم نتعرض إليها خشية الإطالة.
وثمة كلمة قيمة للعلاّمة الشيخ محمد جواد مغنية جاء فيها:
ولابدّ لهذا العلم من معدّات ومؤهّلات، منها العلوم العربية بشتى أقسامها، وعلم الفقه وأُصوله، ومنها الحديث وعلم الكلام، ليكون المفسّر على بيّنة ممّا يجوز على اللّه وأنبيائه، وما يستحيل عليه وعليهم، ومنها كما يرى البعض علم التجويد والقراءات.
وهنا شيء آخر يحتاج إليه المفسّر، وهو أهم وأعظم من كلّ ما ذكره المفسّرون في مقدمة تفاسيرهم، لأنّه الأساس والركيزة الأُولى لتفهّم كلامه جلّ وعلا. ولم أر من أشار إليه، وقد اكتشفته بعد أن مضيت قليلاً في التفسير، وهو أنّ معاني القرآن لا يدركها، ولن يدركها على حقيقتها، ويعرف عظمتها إلاّ من يحسّها من أعماقه، وينسجم معها بقلبه وعقله، ويختلط إيمانه بها بدمه ولحمه، وهنا يكمن السر في قول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): «ذاك القرآن الصامت، وأنا القرآن الناطق».(1)

1 . الكاشف:1/9ـ10.

225
فهرس المحتويات   
فهرس المحتويات
الموضوع     الصفحة
مقدّمة المؤلّف   7
تمهيد   9
كم هو عدد آيات الأحكام ؟   9
تحديد عدد الآيات غير مفيد وفيه أمران   10
   1. الذمّي الّذي نقض حكم الذمّة   11
   2. موضوعات خفيّت عن المؤلّفين   13
      1. البدعة   13
      2. الإسراف والتبذير   14
      3. التكفير   14
      4. التعزير   14
اختلاف المناهج في تفسير آيات الأحكام   15
الكتب المشهورة المؤلّفة في آيات الأحكام عند الفريقين   16
1. آية الوضوء والغسل والتيمّم   18
كيفية الوضوء في الكتاب العزيز   20
مسح الأرجل في أحاديث النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)   34
ما هو المراد من الكعب ؟   37
حكم غير المتمكّن من الماء   38

226
الموضوع     الصفحة
أُمور ترتبط بتفسير الآية   39
   الأوّل: ما هو المراد من الصعيد ؟   39
   الثاني: حدّ الملامسة   41
   الثالث: حكم المريض والمسافر   41
      فتوى شاذّة   43
   الرابع: كيفية التيمّم   45
   الخامس: الغاية من الوضوء   46
   السادس: سبب الاختلاف في حكم الأرجل، وفيه أُمور   47
      الأوّل: الاختلاف في القراءة   48
      الثاني: النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يغسل رجليه قبل نزول الآية   48
      الثالث: إشاعة الغسل من قبل السلطة   49
2. آية التيمّم   51
كيفية التيمّم   56
عليٌّ إمام المتقين   57
عدم مفارقة عليّ رسول الله منذ صباه إلى رحيله   58
رواية مجعولة للحطّ من مقام الوصيّ   61
3. الإفطار في السفر عزيمة لا رخصة   64
في أصناف المكلّفين    65
   1. الشخص المصح   65
   2 و3 و4. المريض والمسافر والمطيق   65

227
الموضوع     الصفحة
الوجوه الدالّة على أنّ الإفطار عزيمة   66
   الأوّل: ترتّب الوجوب على العنوانين   66
   الثاني: التقابل بين الجملتين   67
   الثالث: ذكر المريض والمسافر في سياق واحد   67
   الرابع: الواجب من أوّل الأمر هو صيام أيام أُخر   68
تقدير «فأفطر» لتطبيق الآية على المذهب   68
المطيق   70
دليل القائل بالرخصة   71
الروايات تؤيّد أنّ الإفطار عزيمة   72
4. آية الخمس   74
المنابع المالية للحكومة الإسلامية   75
   1. الأنفال   75
   2. الزكاة   75
   3. الغنائم المأخوذة من أهل الحرب قهراً بالقتال   76
   4. الخمس   76
   5. زكاة الفطرة   76
   6. الخراج والمقاسمة   76
   7. الجزية   76
   8 . ضرائب أُخرى   77
   9. المظالم   77

228
الموضوع     الصفحة
   10. الكفّارات   77
   11. اللقطة   77
   12. الأوقاف والوصايا والنذور العامّة   78
   13. الضحايا   78
   14. توظيف الأموال في المجالات الاقتصادية الكبرى   78
كيفية تقسيم الغنائم   79
ما هو المراد من الغنيمة في الآية؟   82
الغنيمة في معاجم اللغة   82
الغنيمة في الكتاب والسنة   83
في قسمة الخمس   86
إسقاط حق ذي القربى بعد رحيل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)   88
5. في أحكام الحجّ والعمرة   92
أحكام الحج والعمرة الموجودة في الآية   95
   1. إتمام الحج والعمرة لله   95
   2. إذا أُحصر بالعدو أو المرض   96
   3. لا يتحلّل قبل الذبح   96
   4. حكم المريض ومن برأسه أذى   97
   5 . التمتع بالعمرة إلى الحج   97
   6. حكم الفاقد للهدي   98
   7. التمتع بالعمرة إلى الحج وظيفة الآفاقي   98

229
الموضوع     الصفحة
6. الزواج المؤقّت في القرآن الكريم   106
تمهيد   106
القرائن الدالّة على اختصاص قوله (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ) بالنكاح المؤقت   110
   القرينة الأُولى: ترتيب وجوب الأجر على الاستمتاع   110
   القرينة الثانية: الحمل على النكاح الدائم أو الصداق يستلزم التكرار   111
   القرينة الثالثة: الجملتان المتقدّمتان على قوله: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ)   112
7. من الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ؟   115
حكم الطلاق قبل المس   115
مَن هو المراد بالذي بيده عقدة النكاح ؟   116
8 . لزوم الإشهاد في الطلاق أو في الرجعة   119
وضع الشروط في الطلاق صار سبباً للاستبصار   124
9. حكم الطلاق في الحيض   128
اتّفاق الإمامية على بطلان الطلاق في الحيض   128
فقهاء السنّة يذهبون إلى صحة الطلاق في الحيض وإن كان المطلّق آثماً   128
10. حكم الطلاق في طهر المواقعة   130
اتّفاق الإمامية على بطلان الطلاق في طهر المواقعة   130
11. تطليق الزوجة ثلاثاً دفعة واحدة   132
الوجوه الدالّة على بطلان الطلاق الثلاث   134
   الأوّل: دلالة الآية على كون كلّ طلاق مرّة بعد أُخرى   134
   الوجه الثاني: دلالة الآية على لزوم أحد الأمرين بعد كلّ تطليقة   136

230
الموضوع     الصفحة
   الوجه الثالث: دلالة الآية على لزوم الاعتداد بعد كلّ تطليقة   137
   الوجه الرابع: دلالة الآية على رجاء حدوث أمر بعد كلّ تطليقة   138
12. هل الاعتداد بثلاثة أطهار أو ثلاث حيضات؟   141
اتّفاق الإمامية على الاعتداد بثلاث أطهار في الطلاق   141
في معنى القرء   141
13. طعام الّذين أُوتوا الكتاب   146
الطعام في لغة أهل الحجاز هو البرّ   147
إشكالات صاحب المنار   150
   1. استعمال الطعام في القرآن في مطلق المأكول   150
   2. أنّ اللحم مظنّة التحريم   151
   3. الإضافة تدلّ على أنّ لأهل الكتاب دخلاً في التحريم   152
ما هو الوجه لحلّية البُرّ في اليوم الخاصّ؟   152
القول بعموم دلالة الآية   154
14. في نكاح غير المسلمات   157
في نكاح الكتابية   157
النهي عن نكاح المشركات   159
النهي عن نكاح الكوافر   160
عموم التعليل في مورد نكاح المشركة   161
15. الوصيّة للوالدين والأقربين   162
اتّفاق الفريقين على أنّ الوصية التبرّعية تنفذ في الثلث   162

231
الموضوع     الصفحة
الآية منسوخة بآية المواريث   164
المراد الوالدان الكافران اللّذين لا يرثان   164
نقد القول بتخصيص الآية بالكافرين   166
آية الوصيّة منسوخة بالسنّة   167
ملاحظات على نسخ الآية بالسنّة   167
16. ميراث الأنبياء   171
وراثة سليمان أباه داود   172
فدك صودرت وبيوت الأزواج لم تصادر   176
17. إرث يحيى عن زكريا   180
ما هو المراد من الوراثة في قصة زكريا؟   181
كلام للسيد الآلوسي في أنّ الوراثة، هي وراثة العلم   182
18. إرث المسلم من الكافر   187
إرث المسلم من الكافر والكافر من المسلم في كلمات الفريقين   187
الطائفة الأُولى: ما يدلّ على عدم التوارث   189
الطائفة الثانية: ما يصرّح على عدم إرث المسلم   190
***
ختامه مسك: كيف نفسّر القرآن الكريم ؟   192
شروط التفسير وآدابه   198
   1. معرفة قواعد اللغة العربية   198
   2. معاني المفردات   199

232
الموضوع     الصفحة
   3. تفسير القرآن بالقرآن   202
   4. الحفاظ على سياق الآيات   203
      نموذج آخر   207
   5. الرجوع إلى الأحاديث الصحيحة وإجماع المسلمين   209
      النبيّ هو المفسّر الأوّل   212
   6. معرفة أسباب النزول   214
   7. الإحاطة بتاريخ صدر الإسلام   217
   8. تمييز الآيات المكّية عن المدنية   219
   9. الوقوف على الآراء المطروحة حول الآية   221
   10. الاجتناب عن التفسير بالرأي   221
فهرس المحتويات   225