welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : الإمام شرف الدين باحثاً ومجاهداً وداعية للإصلاح والوفاق *
تألیف :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الإمام شرف الدين باحثاً ومجاهداً وداعية للإصلاح والوفاق

صفحه 1
بسم الله الرحمن الرحيم

صفحه 2

صفحه 3
الإمام شرف الدين
باحثاً ومجاهداً وداعية للإصلاح والوفاق

صفحه 4

صفحه 5
في رحاب نوابغ العلماء
      5
الإمام شرف الدين
باحثاً ومجاهداً وداعية للإصلاح والوفاق
تأليف
العلامة المحقّق
جعفر السبحاني
تأليف
العلامة المحقّق
جعفر السبحاني

صفحه 6

صفحه 7
بسم الله الرحمن الرحيم
تعتزّ الأُمم ـ جميع الأُمم ـ بالعظماء من علمائها ومفكّريها وقادتها، الّذين كرّسوا حياتهم للنهوض بالأُمّة في ميادين العلم والعمل والكفاح والجهاد، تلبيةً لدواعي الوفاء لهم، وتثميناً لجهودهم، وتعريفاً بمقامهم ومكانتهم، واستلهاماً لعطائهم الثرّ.
وتحقيقاً لهذه الأغراض، آثرنا القيام بتأليف سلسلة (في رحاب نوابغ العلماء)، نُلقي فيها الأضواء على جوانب مهمة من سيرة علمائنا الأفذاذ، ونعرض لأهمّ آرائهم وأفكارهم ونتاجاتهم المتميزة.
ونحن إذ ننشر هذه السلسلة، لا نستهدف من ورائها دعوة الشباب إلى أن يكون عظامياً، يفخر فقط بما أنجزه الماضون من علمائنا الأبرار، ويناى بنفسه عن بناء حاضر مشرق زاخر بالحيوية والنشاط، وإنّما هي دعوة إلى التواصل مع التراث الحي، الذي يبعث الجيل الحاضر على الفخر والاعتزاز لشعوره بأنّ ثقافة أُمّته وحضارتها

صفحه 8
ضاربة بجذورها في أعماق التاريخ، ثمّ هو ـ الجيل الحاضر ـ يحاول الإفادة منه، وتطويره بما ينسجم ومتطلّبات العصر، وتطلّعات الشباب المتوثّب للتقدم والنهوض لخدمة إسلامه العزيز وأُمّته العظيمة.
وهنا نحن نقدّم إلى القراء الأعزاء نماذج من حياة لفيف من علمائنا وقادتنا، لتكون نبراساً يستهدون به في مسيرتهم نحو الخير والكمال. كما نقدّمه إلى المؤتمر الّذي أُقيم تكريماً للسيد الإمام الراحل السيد شرف الدين في عاصمة العلم والفقه والدين، قم المقدسة في الثالث والرابع من صفر المظفر عام 1426 هـ . والله المسدّد ومن وراء القصد.
المؤلف
الحادي عشر من شعبان المعظّم
1426 هـ

صفحه 9

تمهيد

الإمام شرف الدين

باحثاً ومجاهداً وداعية للإصلاح والوفاق

الحمد للّه ربّ العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمّد وآله الطاهرين.
قال اللّه تعالى: (يَرْفَعِ اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجات).(1)
أمّا بعدُ، فإنّي أتقدّم بالشكر والتقدير إلى الإخوة المسؤولين في مكتب الاعلام الإسلامي لما بذلوه من جهود في عقد هذا المؤتمر الدولي المخصَّص لتكريم العلاّمة السيّد شرف الدين العاملي (قدس سره) .
إنّها ـ واللّه ـ لفرصة طيبة وجميلة أن نلتقي في رحاب العلاّمة السيد شرف الدين لنُحيي م آثره الخالدة في حقول الدين والمذهب والأُمّة، ونقتطف منها أزاهير نُعطِّر بأريجها الزاكي، هذا الحفل المبارك الّذي يجتمع فيه العلماء الأعلام والأساتذة والأُدباء والفضلاء، فأهلاً بكم جميعاً

1 . المجادلة:11.

صفحه 10
ومرحباً.
ونَوَدُّ في هذا الوقت الّذي تهبّ فيه أعاصير الشرّ والطغيان لتستأصل المبادئ والقيم الرفيعة، وتسلب حقّ الشعوب في تحقيق كرامتها وحريتها واستقلالها...نودّ في هذا الوقت العصيب أن نحيّي بألسنتنا وقلوبنا وعواطفنا الصادقة الوفدَ الكريم الّذي حلّ علينا ضيفاً من ربوع العلم والفكر والجهاد والتضحية والفداء، تلك الربوع التي أنبتت فطاحل العلماء والفقهاء والمفكرين والأُدباء. كما نحيّي الإخوة الأفاضل الأماجد الوافدين من العراق، فشكراً للجميع.
لا شكّ في أنّ الأُمّة الّتي تتسلّح بالعلم والإيمان واليقْظة والوحدة، لا يمكن أن تضعُف أو تُستَفَلّ مهما كانت الخطوب والمحن الّتي تداهمها.
وفي هذا العصر أثبت علماء لبنان المجاهدون وأحرارُه وصناديده أنّهم أعزّ وأمنع من أن تتطاولَ عليهم الذئاب، أو تنطليَ عليهم أحابيل الأفاعي مهما لان مسُّها، أو تخدعهم شعارات الديمقراطية المزيفة الّتي رأينا صوراً منها في مُدن العراق المُستباحة، وسجونه الحافلة بكلّ ما يبعث على التقزّز والاشمئزاز.
لقد اتضح تماماً أنّ أحرار لبنان ومجاهديه على مستوى المسؤولية في شتى الظروف والأحداث، فبالأمس وثبَ رجاله الأشاوس لتحرير أرضهم من دنس العدو الصهيوني الّذي ردّد الكثيرون ـ جهلاً وجبناً

صفحه 11
وطمعاً ـ مقولة أُسطورة جيشه الّذي لا يُقهر، ولكن لم يمضِ وقت طويل حتّى رأى العالم فرارَ جنوده من الميدان فرار الحُمُر من بطشة الليث الهصور.
لقد كان لهذا الانتصار والمظاهرات الحاشدة صدى واسع ووقع مؤثر في نفوس الجماهير الّتي بدأت تقترب من الإيمان بأن جولة الباطل لابدّ أن تنتهي بصولة الحق والإيمان والوحدة والإقدام، وأخذت تدنو من الاعتقاد بواقعية قول الشاعر:
إذا الشعب يوماً أراد الحياة *** فلابدّ أن يستجيبَ القَدَر
ولابدّ للّيل أن ينجلي *** ولابدّ للقيد أن ينكسر
واليوم، وثأراً للهزيمة الّتي مُني بها الصهاينة، وتنفيذاً لسياسة إخضاع الشعوب وإذلالها ومسخ هويتها ونهب ثرواتها، تمّت حياكة مؤامرة خبيثة في مصانع الكيان الصهيوني ودوائره العالمية وبتأييد بعض الفئات المخدوعة ببريق الديمقراطية الخادع أو المتاجرة بضمائرها للالتفاف على الإنجازات الكبيرة للشعب اللبناني وسوقِه إلى دائرة الشرق الأوسط الكبير الّذي تسعى أمريكا خاسئة لتحقيقه.
وهنا أيضاً، انطلقت الجموع لصنع ملحمة جديدة لإحباط هذه المؤامرة وإخماد الفتنة، والكشف عن زيف الادّعاءات والشعارات الكاذبة الّتي راحت تنزوي وتختفي أمام الحضور الجماهيري الحاشد الّذي

صفحه 12
أجبر الأعداء على الاعتراف بمرارة بحقيقة قوة ووعي وتلاحم الشعب، وعلى التفكير بأساليب جديدة تمهّد الطريق لأغراضهم الشريرة، ولكن اللّه تعالى والمؤمنين والأحرار لهم دائماً بالمرصاد«وما النصر إلاّ من عند اللّه العزيز الحكيم».
***
برز في تاريخ الأُمّة الإسلامية عامة والشيعة الإمامية خاصة في كلّ قرن وعصر علماء كبار وعباقرة عظام، بذلوا جهودهم في ترسيخ العقيدة الإسلامية في قلوب الناس وكشف حجب الريب والشكّ عن وجه الحقيقة، فكأنّهم هم المعنيون في حديث رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، إذ يقول:
«يحمل هذا الدين في كلّ قرن عدول ينفون عنه تأويل المبطلين وتحريف الغالين، وانتحال الجاهلين كما ينفي الكير خبث الحديد».(1)
وفي القرن الرابع عشر نجد رجالاً أحيوا الدين وأماتوا البدع وصدوا سهام الأعداء المرشوقة، تشهد على جهادهم العلمي المتواصل كتب التراجم، ومعاجم الرجال.
ومن هؤلاء; الأجلاء الأربعة الذين عاشوا في عصر واحد وبيئة واحدة وتخرجوا من مدرسة واحدة ولمسوا حلوا الحياة ومرّها في العراق والشام، أعني:
1. آية اللّه الشيخ محمد جواد البلاغي(1284ـ 1352هـ).

1 . رجال الكشي:10.

صفحه 13
2 . آية السيد محسن الأمين العاملي (1284ـ 1373هـ).
3. آية اللّه الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء (1294ـ 1373هـ).
4. آية اللّه السيد عبد الحسين شرف الدين العاملي (1290ـ 1377هـ).
فهؤلاء الأجلّة هم حجج الإسلام بحق، ورافعو ألوية الجهاد العلمي ببيانهم وبنانهم بلا شك، فقد ثابروا في عملهم لأجل هداية الأُمّة، وصبروا على مضض الحياة من غير اكتراث بما يصيبهم في طريق هذا الهدف.
وحيث إنّ هذا المؤتمر ينعقد إجلالاً لأحد هؤلاء العباقرة الأربعة، أعني: العلاّمة الحجّة آية اللّه العظمى السيد عبد الحسين شرف الدين العاملي، فنود أن نلقي أضواءً على جوانب من حياته.

صفحه 14

1

خصائصه ومنجزاته

العالِم الإسلامي تارة تتعلق رغبته ببلد خاص أو بأقليم معيّن، يبذل جهده في إنارة الطريق لأهله فقط، ولكن هناك قليل من المصلحين يحملون هموم المسلمين جميعاً فيحررون أفكارهم عن قيد الإقليمية ويعطفون رغبتهم إلى العالم الإسلامي كلّه، فيكتبون للمسلمين عامة ويحاورونهم كذلك، فالمسلمون لديهم كأسنان المشط، من غير ميز بين أقليم دون أقليم أو فئة دون فئة.

1. كان رجلاً عالمياً

وفي طليعة هؤلاء سيدنا الجليل عبد الحسين شرف الدين العاملي (قدس سره) الذي يهدف في كلّ أثر حبّره يراعه إلى تماسك المسلمين وتعاونهم وتمسكهم بالكتاب والسنّة، فترى أنّه يؤلف كتاباً باسم: «الفصول المهمة في تأليف الأُمّة» وهو من أجل الكتب الكلامية، تناول

صفحه 15
فيه مسائل الخلاف بين الطائفتين على ضوء العقل والاستنتاج والتحليل، وقد ألفه في أيام شبابه وتم في عام 1327هـ.
ومن دلائل كونه رجلاً عالمياً لا إقليمياً أنّه ركب البحر عندما لم تكن أي طائرة في المنطقة، وتحمّل جهد هذا النوع من السفر، فتوجّه من لبنان إلى مصر عام 1329هـ، والتقى فيها بأفذاذ الحياة العقلية في مصر وعلى رأسهم الشيخ سليم البشري المالكي شيخ الجامع الأزهر ، ودارت بينه و بين رئيس الأزهر مساجلات ومراجعات سوف نتحدّث عنها فيما بعد.
ولم تكن هذه الرحلة فريدة في حياته وإن كان لها آثار جميلة، فقد زار عام 1338هـ دمشق ومصر وفلسطين مرّة أُخرى، وألقى خلالها محاضرات قيّمة واجتمع هناك مع مشايخ العلم وعباقرته.
كما أنّه زار عام 1340هـ الأراضي المقدسة في عهد الملك حسين وكان الموسم في ذلك العام من أحفل مواسم الحج، وكان للسيد بين جموع الحجاج مكانة شامخة بشهادة أنّه أمّ المسلمين في المسجدالحرام، وكان المسجد مكتظاً بألوان المسلمين، وصلّى من غير تقية.
وقد كان لهذه الرحلات أثر بارز في تعريف الأُمّة وتعريف الشيعة لأخوانهم، وتبيان أنّ الشيعة هم أخوانهم الّذين افتقدوهم منذ قرون.

2. الاهتمام بتوعية الشيعة

إنّ الإمام شرف الدين لمّا أكمل دروسه عند أعلام العصر وجهابذة

صفحه 16
الوقت، كالمحقّق الخراساني (1255ـ 1329هـ)، والسيد كاظم اليزدي(1247ـ 1337هـ)، وشيخ الشريعة (1266ـ 1339هـ)، وغيرهم من أعلام النجف ومراجعها، غادر العراق ونزل بلاده فوجد أنّ الأُمّية متفشية بين المسلمين عامّة، وعند الشيعة خاصّة، ولاحظ أيضاً أنّ المناصب العليا بيد المسيحيّين، والمهن الّتي لا يرغب فيها المثقفون تركت للشيعة، فهم يمارسون المهن والحرف البسيطة.
فأحسّ السيد (قدس سره) بواجبه فجعل توعيتهم وتثقيفهم نصب عينيه، فقام بتأسيس المدرسة الجعفرية في صور وجعلها نواة لفتح مدارس أُخرى في هذا المضمار، وقال عند مراسم الافتتاح كلمة قيّمة دارت على الألسنة منذ أن قيلت إلى يومنا هذا، وهي: «لا ينتشر الهدى إلاّ من حيث ينتشر الضلال».
وقد رسم بذلك الخط الّذي يجب أن يسير عليه قادة المسلمين، فإن التأثّر بالمسيحية أو المادية الّتي راجت في ذلك الزمان أو بعده انّما حدث في أوساط المسلمين عن طريق المراكز الثقافية كالمدارس والجامعات، فأخذ أساتذة العلوم يبشرون بالمسيحية تارة وبالمادية أُخرى في ثنايا دروسهم ومحاضراتهم. فإذا دخل الخصم في تحقيق م آربه عن هذا الطريق، فعلينا أن نسلك نفس هذا المنهج لتحقيق أهدافنا، لأنّه طريق معبّد ومنتج...
وإذا كان في ناموس الخلقة أن يرث الأبناء ما للآباء من الفضائل

صفحه 17
والمناقب فإنّ كلمة السيد هذه، هي أشبه ما تكون بكلمات جدّه الإمام علي(عليه السلام)، فلو وجدناها مكتوبة في ثنايا قصار الكلم للإمام في «نهج البلاغة» لما شككنا في صدورها عنه(عليه السلام)، وهذه فضيلة رابية للإمام الراحل شرف الدين.

3. فتح باب الحوار بين الطائفتين

سادت على المسلمين بعد رحيل الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) فكرتان مختلفتان:
إحداهما: انّ المرجعية السياسية الدينية منصب إلهي يضعه سبحانه أين يشاء، وقد شاء أن تكون مختصة بأئمّة أهل البيت(عليهم السلام) ، فهم الذين لهم الحق في تولّي أُمور المسلمين في شتى الحقول والمجالات.
ثانيهما: أنّ هذه المرجعية منصب بشري يمارسها من يختاره الصحابة من المهاجرين والأنصار، وقد قاموا بدورهم هذا في سقيفة بني ساعدة.
هاتان الفكرتان سادتا على المسلمين إلى يومنا هذا، ولهم في هذا المجال; رسائل وكتب وموسوعات لا يمكن إحصاؤها.
إنّ أتباع هاتين الفكرتين يشتركون في أُصول وفروع كثيرة تسهّل لهم التمسك بعرى الوحدة الوثيقة، ولكنّهم ـ و للأسف ـ تناسوا المشتركات ، وضخّموا الأمر الّذي يفرّق بينهم، فأسفر ذلك عن عدم اطّلاع طائفة على ما عند الطائفة الأُخرى، ولذا نادى سيدنا شرف

صفحه 18
الدين (قدس سره) بفتح باب الحوار لأجل تقريب الخطى بين الطائفتين، قائلاً: بأنّ ما يجمعنا أكثر ممّا يفرقنا.
إنّ باب الحوار، كان مفتوحاً إلى أواخر القرن الرابع وأوائل القرن الخامس، فهذا هو الشيخ المفيد(336ـ 413هـ) قد ملأ كتبه وأماليه بالحوارات العلمية، وتبعه في ذلك تلميذاه الشريف المرتضى (355ـ 436هـ) والشيخ الطوسي (385ـ 460هـ)، ولكن بعد هذه الفترة انسد باب الحوار بين أعلام المسلمين ولم يفتح إلاّ في موارد يسيرة لا تكاد تذكر، فنهض السيد الراحل إلى فتحه من جديد عن طريق المكاتبة مع أحد أعلام أهل السنة، أعني الشيخ سليم البشري(1284ـ 1335هـ) شيخ الأزهر في عصره، وذلك بعدما هبط مصر أواخر عام 1329هـ مؤملاً في ذلك تحقيق الأُمنية الّتي أمّلها. فوجد تربة مصر تربة خصبة بالعلم والذكاء، وقد جمع الحظ السعيد بينه و بين أحد أعلامها المبرزين المتميزين: «بعقل واسع، وخلق وادع ،وفؤاد حيّ، وعلم عيلم، ومنزل رفيع» كما عبر(رحمه الله) في مقدمة مراجعاته وهو يصف لقاءه معه بقوله: «شكوت إليه وجدي، وشكا إليّ مثل ذلك وجداً وضيقاً، وكانت ساعة موفقة أوحت إلينا التفكير فيما يجمع اللّه به الكلمة، ويلمّ به شعثَ الأُمّة، فكان ممّا اتفقنا عليه أنّ الطائفتين ـ الشيعة والسنّة ـ مسلمون يدينون حقاً بدين الإسلام الحنيف، فهم فيما جاء الرسول به سواء، ولا اختلاف بينهم في أصل أساسي يفسد التلبّس بالمبدأ الإسلامي الشريف... ».

صفحه 19
فترتب على ذلك اللقاء الجميل مكاتبات ومراجعات بلغ عددها 65 مراجعة، أي أنّ السيد قد تلقّى خمساً وستين سؤالاً من شيخ الأزهر ليجيب عليها، وقد أجاب بعدد الأسئلة، فصار المجموع كتاباً علمياً تاريخياً حديثياً كلامياً كان له صدى واسع عندما طبع عام 1355هـ.
يُشار إلى أنّ المتحاورين لم يخرجا عن أدب الإسلام وأدب المناظرة قيد شعرة، بل انّهما تبادلا عبارات التقدير والاحترام، وهذا ما نلمسه في ثنايا كلامهما، فهذا شيخ الأزهر يبدأ مراجعته الأُولى بقوله: «سلام على الشريف العلاّمة الشيخ عبد الحسين الموسوي ورحمة اللّه وبركاته» ثمّ إنّه يكتب في ثنايا تلك المراجعة: وإنّي لواقف على ساحل بحرك اللجي، استأذنك في خوض عبابه والغوص على درره، فإن أذنت غصنا على دقائق وغوامض تحوك في صدري منذ أمد بعيد، وإلاّ فالأمر إليك، وما أنا فيما أرفعه بباحث عن عثرة، أو متبع عورة، ولا بمفند أو مندد، وإنّما أنا نشّاد ضالة، وبحّاث عن حقيقة، فإن تبيّن الحقّ فإنّ الحق أحق أن يتّبع، وإلاّ فأنا كما قال القائل:
نحن بما عندنا وأنت بما عنـ *** ـدك راض والرأي مختلف
فبادله السيد(رحمه الله) الجواب الجميل وقال: «رميتني بآمالك ونزعت إليّ برجائك، وأنت قبلة الراجي، وعصمة اللاجي، وقد ركبت من سوريا إليك ظهور الآمال، وحططت بفنائك ما شددت من الرحال، منتجعاً علمك، مستمطراً فضلك، وسأنقلب عنك حي الرجاء، قوي الأمل، ـ ثمّ يقول له ـ : فسل عما أردت، وقل ما شئت، ولك الفضل، بقولك

صفحه 20
الفصل، وحكمك العدل».(1)
هكذا كان العلمان في سماء الأدب، وهذا هو تقديرهما لحقوق كلا الطرفين.

4. اهتمامه بالفقه الأكبر

اهتم سيدنا الراحل بالفقه الأكبر نظير اهتمامه بالفقه الأصغر، فإن قائمة أسماء مؤلّفاته تشير إلى أنّ اهتمامه بعلم الكلام والعقائد ومسائل البنية التحتيّة للدين الإسلامي كان بنفس مستوى اهتمامه بمسائل الفقه الإسلامي، ويشهد على ذلك كتبه ومحاضراته في العقائد والكلام.
وهو (قدس سره) يذكر في إجازته لآية اللّه السيد شهاب الدين المرعشي النجفي(رحمه الله) أنّ من شيوخ إجازته الإمام الفقيه المحدث محمد المعروف بالشيخ بدر الدين الدمشقي شيخ الإسلام في دمشق وأعلم أعلامها، قال: فقد لقيته في شعبان سنة1338هـ بدمشق وحضرت درسه ليالي رمضان من تلك السنة وجرت بيننا مذاكرة تتعلق بمباحث الحسن والقبح العقليين وبإمكان رؤية اللّه تعالى وامتناعها وبقدم القرآن وحدوثه، فآل البحث إلى ميله التام إلى رأينا في كلّ من المسائل الثلاث....(2)

1 . المراجعات: الأُولى والثانية.
2 . مجلة آيينه پژوهش« مرآة التحقيق»:206.

صفحه 21
نعم قد بذل(رحمه الله) جهوده الكثيرة في مسألة الإمامة والخلافة الّتي هي من الأُصول عندنا ومن الفروع عند أهل السنّة، حيث إنّ تنصيب الإمام عندهم من فروع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

5. تبيين المسائل الخلافية

نحن نعتقد بأنّ الخط الفاصل بين الطائفتين السنَّة والشيعة أمر واحد لا غير، وهو أنّ الشيعي يرى أنّ المرجعية السياسية والعلمية بعد رحلة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)تعود إلى أئمّة أهل البيت من سلالته، وترى الطائفة الأُخرى خلاف ذلك، هذا هو الفارق الأصيل بين الطائفتين.
وأمّا سائر المسائل فلا تمتّ إلى الخلاف الجوهري بين الطائفتين، فهي إمّا مسائل كلامية أو مسائل فقهية.
مثلاً: المسائل الثلاث الّتي خاض فيها الإمام شرف الدين في دمشق وأقنع المخالف بما يراه الإمامية ليس شيئاً ممّا يختص بالإمامية، فإنّ المعتزلة أيضاً شاركت الإمامية بالتحسين والتقبيح العقليين، وامتناع رؤية اللّه تعالى في الآخرة، وحدوث القرآن وعدم قدمه، ونظير ذلك المسائل الفقهية فإنّ الشيعي يرى عدم نسخ نكاح المتعة أو بطلان العول والتعصيب، كلّ ذلك خلافات فقهية لا تمت إلى أُصول الدين بصلة.
فكلّ من يريد أن يعمّق الخلاف أو الشقاق فإنّما يتمسّك بالمسائل الكلامية أو الفقهية، أو يتهّم الطائفة بما هم براء عنه براءة يوسف من الذنب الّذي أُلصق به.

صفحه 22
وعلى ضوء ذلك بحث السيد شرف الدين بعض المسائل الفقهية الخلافية تبعاً للقدماء من كلتا الطائفتين، فهذا هو أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (المتوفّـى سنة 310هـ) يؤلّف كتاباً باسم اختلاف الفقهاء، كما أنّ أبا جعفر أحمد ابن محمد الطحاوي (المتوفّى 321هـ) ألف كتاباً باسم اختلاف العلماء، هذا ما عند السنّة.
وعند الشيعة نرى أنّ السيد المرتضى (355ـ 436هـ) ألف كتاباً باسم «مسائل الخلاف في الفقه»، وتبعه تلميذه أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي(385ـ 460هـ) فألف كتاب «الخلاف في الأحكام»، ذكر فيه آراء الموافق والمخالف بسعة صدره وطول باعه.
إنّ هذه الكتب الّتي قام بتأليفها فطاحل العلماء من الطرفين كانت أداة التقريب بينهما، إذ ما من مسألة إلاّ وللشيعة الإمامية موافق من أحد الطوائف الأربعة أو أحد المذاهب البائدة، ولم يكن لهذه الكتب أي أثر سيِّئ.
كما ألّف محمد بن حسن الشيباني (المتوفّى 298هـ) كتاباً باسم «الحجة على أهل المدينة» وقد طبع في أربعة أجزاء طرح فيه المسائل الخلافية بين مدرسة الرأي الّذي هو من أعاظم أتباعها ومدرسة أهل الحديث الّتي كان عليها المحدثون في المدينة كمالك واتباعه، ولم توصف هذه الكتب بشق العصا أو توسيع نطاق الخلاف، لأنّها كانت بحوثاً علمية فكرية توجب تقدم عجلة الفقه إلى الأمام.

صفحه 23
وفي القرن السابع قام أحد الفطاحل من علماء الشيعة الّذي قلّما يتّفق في الزمان أن يسمح بمثله وهو الإمام العلاّمة الشيخ الحسن بن يوسف المطهر الحلّي (648ـ 726هـ)، قام بتأليف كتابين قيّمين ، وهما:
1. تذكرة الفقهاء.
2. منتهى المطلب في تحقيق المذهب.
أورد فيهما آراء الصحابة والتابعين والفقهاء، بصدر رحب، ونقلَ دليل كلّ طائفة على رأيه وذكر مذهبه مع دليله.
فنحن نتلقى هذه الكتب تحقيقاً للفقه وإنارة للمذهب.
فتبعاً لسيرة هؤلاء الأعاظم قام سيدنا شرف الدين بالبحث حول المسائل الفقهية الخلافية، وهو وإن لم يستقصها جميعاً ولكنّه أدلى بمهمات المسائل الخلافية، وألف في ذلك كتاباً طبع باسم: المسائل الفقهية.
وعلى ضوئه سرنا في كتابنا «الانصاف في مسائل دام فيها الخلاف» فاستقصينا المسائل الخلافية الّتي اشتهرت بها الشيعة الإمامية كالمنع عن مسح الخفين، وغسل الأرجل والّتي لم تتجاوز عن 26مسألة.
إنّ اختلاف الفقهاء في المسائل العملية نابع عن الاختلاف في المدارك الّتي يعتمدونها في استنباط الأحكام، وكلّ منهم يطلب الوصول إلى الحكم الواقعي بنية خالصة. فرحم اللّه علماءنا الماضين وحفظ اللّه الباقين.
ولعلّ اختلافهم كان مثل اختلاف نبي اللّه داود وسليمان في قصة

صفحه 24
الحرث الّتي ذكرها اللّه سبحانه في كتابه الكريم، إذ يقول عنها: (وَدَاوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدينَ * فَفَهَّمْناهَا سُلَيْمانَ وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنّا فَاعِلينَ).(1)
وقد ذكر المفسرون حكمهما على وجه لا يصادم عصمتهما، فمن أراد تفصيل ذلك فليرجع إلى التفاسير.

6. تأسيس منهج لتمييز الصحيح من الأحاديث

إنّ حديث الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) كالقرآن الكريم حجتان عند الأُمّة الإسلامية، غير أنّ القرآن وحي بلفظه ومعناه، وأمّا حديث الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)فوحي بالمعنى دون اللفظ، وقد ارتحل الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)وترك في الأُمّة وديعتين ثمينتين، وهما: كتاب اللّه وعترته الذين هم حفظة سنّته ومبلّغو أحاديثه.
غير أنّ تحريم كتابة السنّة والتحدّث بها في عصر الخلفاء الثلاثة (خاصّة الثاني منهم) أفرز مشكلةً كبيرة هي ذهاب كثير من حفظَة الحديث مع أحاديثهم دون أن يكتب أو ينقل، فحلّ محلهم مستسلمة أهل الكتاب، فروّجوا الإسرائيليات والمسيحيات والمجوسيات، فتلقّتها الأُمّة علماً ناجعاً ملأوا به كتبهم.

1 . الأنبياء:78ـ 79.

صفحه 25
وفي نهاية القرن الأوّل تنبّه عمر بن عبد العزيز إلى الخسارة الفادحة المتوجهة إلى التراث النبوي من ترك كتابة الحديث والتحدّث به، فكتب إلى عامله في المدينة المنورة أبي بكر بن حزم قائلاً: أُنظر ما كان من حديث رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)فاكتبه، فإنّي خفتُ دروس العلم وذهاب العلماء، ولا تقبل إلاّ حديث النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولتفشوا العلم ولتجلسوا حتّى يعلم من لا يعلم، فإنّ العلم لا يهلك حتّى يكون سرّاً.(1)
ومع الحثّ الأكيد من جانب الخليفة الأموي لم تكن هناك حركة سريعة بالنسبة إلى هذا الموضوع، إلى أن دالت دولة الأمويين وقامت محلّها دولة العباسيين وأخذ أبو جعفر المنصور بمقاليد الحكم، فعندئذ قام المحدّثون بتدوين الحديث عام 143هـ.(2)
وفي خلال الفترة الّتي أُهملت فيها (باستثناء شيء يسير) السنّة النبوية كتابة وتحديثاً، دخلت الإسرائيليات والمسيحيات والمجوسيات والمكذوبات على لسان رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) عن طريق تجار الحديث والمستأكلين به، فاحتاج المحقّقون إلى تمييز الصحيح عن غيره، و الصادق عن الكاذب بعلم الرجال الباحث عن صفات الراوي ضبطاً وثقةً.
فمن ذلك العصر صار المحور في نقد السنّة في ألسن الرواة

1 . صحيح البخاري:1/27، باب كيف يقبض العلم، من كتاب العلم.
2 . تاريخ الخلفاء للسيوطي:261.

صفحه 26
وتمحيص الأحاديث النبوية هو صفات الراوي، من حيث كونه عادلاً حافظاً ضابطاً مسنداً إلى غير ذلك من الصفات.
ولكن القوم غفلوا عن أنّ هناك طريقاً آخر في جنب الطريق الأوّل وهو نقد مضمون الحديث بأُصول علمية وهي:
1. عرض الحديث على الكتاب.
2. عرض الحديث على السنة القطعية المتواترة.
3. عرض الحديث على العقل الحصيف الّذي به يخاطبنا سبحانه في كتابه، ويحتج به علينا.
4. عرض الحديث على التاريخ المتواتر المتضافر.
5. عرض الحديث على ما اتّفق عليه المسلمون.
فإذا كان الحديث مخالفاً لأحد هذه الأُسس القطعية فإنّنا نعلم ضعف الحديث وعدم صدقه وتسرب الوضع إليه من إحدى النواحي دون أن يُتَّهم الصحابي أو التابعي أو مؤلّف الكتاب به.
نعم الشرط هو عدم مخالفته، لا موافقته لأحد هذه الموازين، لوجود موضوعات مختلفة حفلت بها الأحاديث الكثيرة، دون أن يرد في القرآن الكريم ـ حسب أفهامنا ـ منها شيء.
فهذا النوع من دراسة الحديث ممّا رسمه سيدنا الراحل في كتابه «أبو هريرة» الّذي نُسب إليه أكثر من خمسة آلاف حديث، مع أنّه لم يدرك من حياة النبي أكثر من ثلاث سنوات.

صفحه 27
وهذا النوع من التحقيق بِكر في بابه، وقد سار عليه أحد أعلام مصر ألا وهو محمد الغزالي ، حيث ألّف كتابه «الحديث النبوي بين أهل النقل والفهم» الذي أثار ضجة عند بعض المتحجّرين، وقام أئمة الجمعة والجماعة في بعض المساجد بالتنديد والتشهير بهذا الكتاب، وما ذلك إلاّ لأنّهم ألِفوا وأنِسوا بصحّة عامّة ما في الصحاح والسنن على وجه لا يقبل النقاش.
رحم اللّه سيدنا الراحل الّذي شق لنا هذا الطريق الّذي سرنا على ضوئه في كتابنا «الحديث النبوي بين الرواية والدراية» فقمنا بدراسة أحاديث ثلة من الصحابة تربو على الأربعين بعد ذكر نبذة مختصرة عن سيرتهم ونماذج من روائع حديثهم، ثمّ أخذنا بالأحاديث الزائفة المخالفة لأحد هذه الأُسس دون أن نتّهم الصحابي أو التابعي بشيء، وانّما اتّهمنا مضمون الحديث بالوضع والدس، وممّا ذكرناه في هذا الكتاب انموذج لما لم نذكر، وإلاّ فهذا النوع من التحقيق يحتاج إلى دراسة مبسطة منهجية في ضوء سعي لجنة عالمة بأُصول التحديث وقواعده.

صفحه 28

2

رسائل متبادلة بين العلمين:

عبد المتعال الصعيدي و السيد شرف الدين

حول كتاب «أبو هريرة»

لما صدر كتاب «أبو هريرة» للإمام شرف الدين إلى الأسواق، والذي سلك فيه مسلكاً جديداً في تقييم الأحاديث النبوية كما عـرفت; أثار اهتماماً كبيراً لدى المحدّثين والباحثين، لأنّ هذا النوع من الدراسة كان يُعـدّ شيئاً غير مألوف في وقته باعتباره يمثّل خطوة جريئة في مجال إزاحة الستار عن وجه الحقيقة، إذ أثبت بوضوح انّ قسماً كبيراً ممّا روي عن أبي هريرة موضوع لا تصحّ نسبته إلى رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم).
وقد قام عبد المتعال الصعيدي بنقد الكتاب في مقالات ثلاث نشرت في مجلة «الرسالة» الصادرة في القاهرة، وقد أجاب السيد شرف الدين عن نقد الكاتب بالترتيب، و كان ردّه صارماً وواضحاً لكلّ من طالع النقد والرد.

صفحه 29
ونحن بدورنا ننشر نصوص النقد والرد وردودهما كما وردت بدون تغيير .

«أبوهريرة» (1)

تأليف: الأُستاذعبد الحسين الموسوي العاملي
بقلم:الأُستاذ عبدالمتعال الصعيدي
اسم كتاب ألفه الأُستاذ الفاضل عبد الحسين الموسوي العاملي، وهو من الشيعة المقيمين بالشام، وقد أراد أن يدرس أبا هريرة درساً علمياً بريئاً من التعصب المذهبي، ولكنّه لم يكد يفتتح كتابه حتى وقع فيما فرّ منه، وابتدأ من أوّل صفحة كتاباً لا ينظر إلى أبي هريرة في ذاته، وإنّما ينظر إليه كشخص يقدسه أهل السنّة المخالفون له في الغلو في التشيع، لأنّا معشر أهل السنّة نتشيع لعلي وأهل بيته رضي اللّه عنهم، ونسلك في ذلك مذهباً وسطاً بين المغالين في التشيع لهم، والذين يكرهونهم من الخوارج ونحوهم، وقد قال علي رضي اللّه عنه: خير هذه الأُمّة النمط الأوسط، يلحق بهم التالي، ويرجع إليهم الغالي.
فقد ذكر المؤلّف أنّ الذي أوقع أهل السنّة في الرضا عن أبي

1 . مجلة الرسالة، العدد715، السنة 15، المؤرخة17/3/1947م، الصفحة323.

صفحه 30
هريرة إنّما هو مذهبهم في تعديل كلّ صحابي، واعتقاد أنّ الصحبة عصمة لا يمسّ صاحبها بجرح وإن فعل ما فعل، ثمّ ذكر انّ الصحبة فضيلة جليلة ولكنّها غير عاصمة، وأنّ الصحابة كان فيهم العدول والأولياء والأصفياء والصديقون، وكان فيهم مجهول الحال، وكان فيهم المنافقون من أهل الجرائم والعظائم، كما قال تعالى:(وَمِنْ أَهْلِ الْمَدينَةِ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ لا تعْلمهم نَحْن نَعْلمهُم) فعدولهم حجة، ومجهول الحال نتبين أمره، وأهل الجرائم لا وزن لهم ولا لحديثهم، وقد درس المؤلف أبا هريرة على هذا الأساس ليثبت أنّه كان منافقاً كذاباً مجرماً، فيكون عنده من الفريق الثالث الذي عدّه من الصحابة، ولا يكون هناك وزن له ولا لحديثه.
ونحن معشر أهل السنّة لا نعتقد أنّ الصحبة عصمة، لأنّه لا عصمة عندنا إلاّ مع وحي ونبوة، والشيعة هم الذين يقولون بوجود العصمة بعد النبوة، فالمؤلف فيما رمانا به من هذا على حدّ قولهم في أمثالهم: رمتني بدائها وانسلَّت.
فالصحابة عندنا رجال كسائر الرجال، يصيبون كما يصيبون، ويخطئون كما يخطئون، ولهذا كان مذهب الصحابي ليس حجة عند جمهور أهل السنة، وكان الشافعي فيما أظن إذا خالف مذهبه مذهب الصحابي يقول: هم رجال ونحن رجال فالصحابي قد يخطئ في رأيه، وقد يخونه سمعه فيخطئ فيما يرويه عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأهل السنّة يجيزون

صفحه 31
تخطئة الصحابي فيما يقع فيه من الخطأ، لا فرق في ذلك بين أبي هريرة وغيره من أصحاب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولكنّهم لا يجيزون تجاوز ذلك إلى الطعن في دينهم، ورميهم بما رمى به المؤلف أبا هريرة من أنّه كان منافقاً مجرماً كذاباً، لأنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) مات وهو راض عن أصحابه، ونحن نكرمه برضانا عمن رضى عنه، وبالتأدّب في حقّه وعدم الطعن عليه في دينه، وقد كان أبو هريرة من ألصق الأصحاب بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فيهمنا أن يكون رضاه عنه في موضعه، وألا يكون رضاه عن منافق كان يخدعه في دينه، ولنخطئ أبا هريرة بعد ذلك فيما يثبت عليه أنّه أخطأ فيه، مع صون اللسان عن السب والشتم والطعن في الدين، فليس هذا السب من النقد الصحيح في شيء، ولا من أدب الجدال في الدين والعلم، وقد نهانا اللّه عن ذلك في جدالنا مع من يخالفنا في الدين، فقال تعالى في الآية، 108 من سورة الأنعام:(وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّوا اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْم)(1)، و قال تعالى في الآية 46 من سورة العنكبوت:(وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الكِتابِ إِلاّ بِالّتي هِي أَحْسَن)، والمسلم أحقّ بذلك مع المسلم.
وقد ثبت أنّه كان هناك رواة يضعون الحديث على أبي هريرة، ومنهم إسحاق بن نجيح الملطي، وعثمان بن خالد العثماني، وابنه

1 . دراسة أحاديث الصحابي وعرضها على الكتاب والسنّة المتواترة والمتضافرة وإجماع المسلمين والتاريخ الصحيح لا يمتّ إلى السبّ بصلة، فاتهام السيد شرف الدين (قدس سره) بالسب صدر غفلة عن معنى السب.

صفحه 32
محمد، وهو الذي روى عن أبي هريرة أنّه دخل على رقية بنت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) امرأة عثمان بن عفان وبيدها مشط، فقالت خرج رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) من عندي آنفاً رجّلت شعره، فقال لي: كيف تجدين أبا عبد اللّه ـ يعني عثمان ـ قلت: بخير، قال: أكرميه، فإنّه من أشبه أصحابي بي خلقاً. وهذا حديث باطل، لأنّ رقية ماتت في غزوة بدر، وأبو هريرة إنّما أسلم بعد فتح خيبر، فلنحمل مثل هذا على أُولئك الرواة، ولا داعي إلى الطعن في أبي هريرة.
***
ولمّا قرأ الإمام السيد شرف الدين النقد المذكور كتب رداً عليه وإليك نصّه:

كتاب «أبو هريرة»(1)

نشرت مجلتكم الغراء «الرسالة» ـ في عددها 715 ـ كلمة للأُستاذ الفاضل الشيخ عبد المتعال الصعيدي حول كتابي «أبوهريرة» فأبرأته ممّا نال مني ولم أتعقبه فيما أفرط فيه من التمويه والمغالطة.
ولكن البحث العلمي فرض عليّ أن أمعن في قوله: «وقد ثبت أنّ هناك رواة يضعون الحديث على أبي هريرة ومنهم إسحاق بن نجيح الملطي وعثمان بن خالد العثماني وابنه محمد وهو الذي روى عن أبي

1 . مجلة الرسالة، العدد718، السنة 15، المؤرخة7/4/1947م، الصفحة409.

صفحه 33
هريرة أنّه دخل على رقية بنت رسول اللّه امرأة عثمان بن عفان وبيدها مشط فقالت خرج رسول اللّه من عندي آنفاً رجلت شعره. فقال لي: كيف تجدين أبا عبد اللّه ـ يعني عثمان ـ قلت: بخير. قال: أكرميه فإنّه من أشبه أصحابي بي خلقاً.]قال: [وهذا حديث باطل، لأنّ رقية ماتت في غزوة بدر وأبو هريرة إنّما أسلم بعد فتح خيبر ]قال[: فلنحمل هذا على أُولئك الرواة ولا داعي إلى الطعن في أبي هريرة».
قلت: لا يمكن حمله على أُولئك الرواة من وجهين:
1. ثبوته عن أبي هريرة بالسند المتصل الصحيح وقد أخرجه وصححه الحافظ الكبير إمام المحدثين أبو عبد اللّه محمد بن عبد اللّه الحاكم النيسابوري في كتاب معرفة الصحابة أثناء ذكر وفاة رقية ودفنها في ص 48 من الجزء 4 من المستدرك وأورده الذهبي في تلخيصه معترفاً بصحة سنده وإنكار متنه.
2. أمعنا في البحث عن سند هذا الحديث فلم نجد أحداً قبل اليوم زعم أنّه يروى من طريق محمد بن عثمان بن خالد. وإنّما روي بسندين لا ثالث لهما أوردهما الحاكم، وليس في واحد منهما إسحاق بن نجيح الملطي ولا عثمان بن خالد ولا ابنه محمد فكيف نحمله عليهم والحال هذه يا منصفون؟!
وليت الشيخ يدلنا على مأخذه فيما حمله على محمد بن عثمان بن خالد العثماني إذ قال: وهو الذي روى عن أبي هريرة أنّه دخل على رقية وبيدها مشط الخ، ومتى فعله كنا له شاكرين وسدد اللّه من أمعن

صفحه 34
في نقد كتابي بنصح فنبهني إلى أخطائي محرراً للحق مجرداً من سواه.
عبد الحسين شرف الدين
***
هذا وقد حاول عبد المتعال الصعيدي تصحيح ما أخطأ فيه فكتب مقالاً موجزاً جواباً للسيد، هذا نصّه:

حول أبي هريرة (1)

كتبت كلمة نقد لكتاب أبي هريرة سلكت فيها جادة الإنصاف، ووضعت توجيهاً جديداً لدراسة أبي هريرة دراسة عادلة، ولكن هذا لم يعجب صاحب الكتاب، ولم يعجب بعض إخواننا من الشيعة، فحملوا عليّ في بعض جرائدهم حملة ظالمة، وقد ردّ عليّ صاحب الكتاب بكلمة في «الرسالة» لم يأت فيها بشيء نحو ذلك التوجيه الجديد في دراسة أبي هريرة، ولم يجد فيما يأخذه عليّ إلاّ إسناد حديث دخول أبي هريرة على رقية إلى محمد بن خالد بن عثمان، وقد كنت ذكرت معه بعض أسماء من كان يضع الأحاديث على أبي هريرة، فسقط في الطبع بعض هذه الأسماء(2)، وترتّب على هذا إسناد ذلك

1 . مجلة الرسالة، العدد721، السنة 15، ص 492.
2 . نظن بالكاتب حسناً، لما ورد: ضع أمر أخيك على أحسنه.

صفحه 35
الحديث إلى محمد بن خالد.والحقيقة أنّه من وضع غيره لا من وضعه، وقد ورد هذا الحديث بروايتين في مستدرك الحاكم، جاء في إحداهما محمد بن أحمد بن سعيد الرازي، وهو من الضعفاء، والمطلب بن عبد اللّه، وهو من الضعفاء أيضاً، ومحمد بن عبد اللّه بن عمرو بن عثمان بن عفان، وقد ضعفه النسائي والبخاري.
وجاء في الرواية الثانية عبد المنعم بن إدريس عن وهب بن منبه، وهو قصاص لا يعتمد عليه، وقد ذكر أحمد بن حنبل أنّه كان يكذب على وهب بن منبه، وذكر البخاري أنّه ذاهب الحديث.
فلم يبق إلاّ تصحيح الحاكم لسند هذا الحديث، ولا شكّ أنّ تصحيحه له يشمل أبا هريرة أيضاً، فلا يصحّ لصاحب كتاب أبي هريرة أن يعتمد عليه في رأيه فيه، وقد قال الحاكم عقب هذا الحديث: ولا أشك أنّ أبا هريرة (رحمه الله) تعالى روى هذا الحديث عن متقدم من الصحابة أنّه دخل على رقية رضي اللّه عنها، لكنّي قد طلبته جهدي فلم أجده في الوقت، وهذا هو الإنصاف الذي يجب أن يدرس به أبو هريرة وغيره.
وقد جاءني من حضرة الفاضل الشيخ عبد الرحمن الجمجوني أنّه وجد هذا الحديث في كتاب التاريخ الصغير للبخاري (ص 100) وأنّه ذكر إسناده إلى المطلب بن عبد اللّه عن أبي هريرة، ثم قال: ولا يعرف للمطلب سماع من أبي هريرة، ولا تقوم به الحجة، فأعلّه بالانقطاع. وقد ذكر هذا الأُستاذ الفاضل أنّ الحاكم يروي في كتبه ما لا

صفحه 36
يعقل، وقد طعن في بعض أحاديثه الإمام السيوطي في كتابه (اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة) وكذلك طعن فيه صاحب كتاب (الصارم المنكي). وذكر الشيخ عبد العزيز الخولي في كتابه (مفتاح السنة) أنّ في المستدرك للحاكم كثيراً من الموضوعات، وطعن فيه صاحب المنار في المجلد السادس منها، والشيخ طاهر الجزائري في كتابه (توجيه النظر إلى أُصول الأثر).
وما كان أحرى صاحب كتاب أبي هريرة أن يتناول دراسته بهذا التوسّع الذي يجده في دراسة هذا الحديث، ويثبت منه أنّه موضوع على أبي هريرة، لا أنّ أبا هريرة هو الذي وضعه على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم).
عبد المتعال الصعيدي
***
وقد أجاب السيد على هذا التصحيح بمقال أكثر تفصيلاً وهذا نصّه:

أبو هريرة والصعيدي(1)

كان الأُستاذ عبد المتعال الصعيدي نشر ـ في العدد 715 من الرسالة الغراء ـ كلمة حول كتابنا «أبو هريرة» فأجبناه بما نشرته الرسالة ـ في عددها 718 ـ جنحنا في جوابه إلى الدعة لا نسأله عن شيء ممّا غالط

1 . مجلة الرسالة، العدد724، السنة 15، المؤرخة19/4/1947م، الصفحة575.

صفحه 37
به أو غلط فيه كالعصمة التي حمل بها حملته على غير روية، فإنّ العصمة من الذنوب ـ التي تثبتها الإمامية للأنبياء وأوصيائهم ـ شيء، والعصمة من الجرح المسقط لعدالة المجروح ـ التي يثبتها أهل السنة لكلّ صحابي ـ شيء آخر.
واليوم وافانا العدد 721 من الرسالة فإذا به يعترف بالغلط في نسبة وضع الحديث إلى محمد العثماني المذكور فقال: والحقيقة أنّه من وضع غيره لا من وضعه.
ثمّ ضعف سنده بما لا تتنزّه عن مثله أسانيد كثير من الصحاح، على أنّه لم يستند في تضعيفه إلى أئمة الجرح والتعديل وإنّما أرسل تضعيفه كسائر مرسلاته.
ونحن نستند في تصحيحه إلى إمامين مسلّمي الإمامة في الجرح والتعديل عند أهل السنّة، حجّتين عندهم في السنن لا يدافعان، الحاكم في المستدرك، والذهبي في تلخيصه (ص 48 من الجزء الرابع).
والأُستاذ لا يجهل دأب الذهبي في تعقّب الحاكم وإفراطه بتضعيف كثير من صحاح المستدرك وإسقاط بعضها بأقل شبهة، لكنّه مع ذلك لم يتعقبه في هذا الحديث بل صرح بصحّته عن أبي هريرة. فقال: صحيح منكر المتن، فإنّ رقية ماتت وقت بدر وأبو هريرة أسلم وقت خيبر.
وما كان الذهبي ولا الحاكم مع حسن ظنهما بأبي هريرة ليثبتا عنه هذا الباطل لو وجدا إلى حمله على غيره سبيلاً، لكنّها الأمانة لا

صفحه 38
يحمل وزرها إلاّ من (كان ظلوماً جهولاً).
وقد حاول الحاكم صرف الباطل عن أبي هريرة ـ كما جاء في كلمة الأُستاذ ـ لكنّه لم يفلح.
نقل الأُستاذ أنّ كلاً من الإمام السيوطي و الشيخ الخولي وصاحب المنار والشيخ الجزائري طعنوا في بعض أحاديث المستدرك ونحن نقول : إنّهم طعنوا في البعض من حديثه، لكنّهم لم يذكروا هذا الحديث بسوء، ولو كان ضعيفاً لنبّهوا إلى ضعفه، ولو كان من الأحاديث الموضوعة لنظمه السيوطي وغيره في سلك الموضوعات، ما علمنا أحداً من أئمّة الحديث فعل ذلك.
أمّا ما نقله الأُستاذ عن الفاضل الجمجوني ـ من انقطاع الحديث،لأنّ المطلب بن عبد اللّه لا يعرف له سماع عن أبي هريرة ـ ففيه نظر، وقد قيل: إنّ الذي لم يدرك أبا هريرة إنّما هو المطلب بن عبد اللّه بن المطلب بن حنطب، وراوي الحديث إنّما هو المطلب بن عبد اللّه بن حنطب، فهما ـ على الأصحّ ـ اثنان يروي الأوّل منهما عن أنس وجابر وابن عمر وعائشة وأبي هريرة، وروى عنه الأوزاعي وعمرو بن أبي عمر، وقد وثقه أبو زرعة والدارقطني وحديثه ثابت في السنن الأربعة وغيرها.
وهب أنا صرفنا النظر عن هذا الحديث ولوازمه الباطلة فما رأي الأُستاذ وسائر المنصفين فيما يلزم أبا هريرة من أحاديثه الثابتة عنه في الصحيحين؟ وحسبهم منها ما اشتمل عليه كتابنا «أبو هريرة» في

صفحه 39
جميع فصوله فليمعن به الأُستاذ، وليدع توجيهه الجديد جانباً وليسلك جادة العلماء المنصفين (الّذينَ يَسْتَمِعُون القَولَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَه) والذي دعانا إلى هذا إنّما هو الذود عن السنّة المقدّسة والغيرة على الإسلام والمسلمين بتمحيص الحق المتصل بحياتنا العلمية والعقلية اتصالاً مباشراً، إن أُريد إلاّ الإصلاح ما استطعت.
صور ـ لبنان
عبد الحسين شرف الدين
***
وبذلك تمت النقود والردود الأربعة ولكن الأُستاذ الصعيدي حاول أن يحرز الفوز في هذه المساجلة، فكتب رسالة مختصرة هذا نصّها:

كلمة أخيرة في أبي هريرة (1)

قرأت ما كتبه الأُستاذ عبد الحسين شرف الدين في العدد 724 من مجلة الرسالة، فوجدته يدّعي أنّا معشر أهل السنّة نذهب إلى عصمة الصحابة من الجرح المسقط لعدالة المجروح، وهذا ليس بصحيح، لأنّ العصمة خاصة عندنا بالأنبياء، وعدالة الصحابة عندنا لا ترجع إلى عصمتهم، لأنّه يجوز عليهم ما يجوز على غيرهم، وإنّما ترجع إلى ما كان

1 . مجلة الرسالة، العدد 725، السنة 15، المؤرخة 16/5/1947م، ص 600.

صفحه 40
من تحرزهم في دينهم، وما يأخذه أخواننا من الشيعة عليهم يرجع إلى رأيهم في الخلافة، ومثل هذا لا تسقط به عدالة.
ثمّ وجدته يعود إلى حديث دخول أبي هريرة على رقية، وإلى تصحيح الحاكم لسنده، مع أنّ البخاري أعله بالانقطاع، ومع أنّي أثبت له ضعف هذا السند في روايتي الحاكم، واعتمدت في هذا على كتاب ميزان الاعتدال للذهبي، وقد ذكر الأُستاذ أنّي ضعفت هذا السند بما لا يتنزّه عن مثله أسانيد كثير من الصحاح، وفاته أنّه يكفر أبا هريرة بهذا الحديث ويتهمه بوضعه، ولا يصحّ تكفير مثل أبي هريرة إلاّ إذا لم يكن مطعن ما على غيره، فإذا كان هناك مطعن ما على غيره لم يصحّ تكفيره، لأنّ التكفير لا يثبت إلاّ بقاطع فيه.
على أنّ تصحيح الحاكم لسند ذلك الحديث لا يفيد الأُستاذ فيما يريده من إثبات وضعه، ومن أنّ واضعه أبو هريرة، لأنّ الحديث الذي يصحّ سنده دون متنه لا يكون موضوعاً، وإنّما يكون في متنه غلط أو نحوه، كما تقرر هذا في علم مصطلح الحديث، أمّا طلب الأُستاذ أن ينظر في غير هذا الحديث من كتابه فيمنع منه أنّ مجلة الرسالة لا تتسع له.
عبد المتعال الصعيدي
***
وقد قمت بوظيفة الأمانة في نقل المقالات نقداً ورداً ولكن بما أنّ

صفحه 41
الحقيقة بنت البحث نعلّق على المقال الأخير للأُستاذ عبد المتعال الصعيدي حتى يتضح انّ ما أنكره من عصمة الصحابة من الجرح المسقط لعدالة المجروح من الأُصول الثابتة عند غير واحد من رجال الجرح والتعديل.
1. انّ إنكار عصمة الصحابة من الجرح المسقط لعدالة المجروح، في غير محلّه، وهذا هو ابن الأثير يقول:«والصحابة يشاركون سائر الرواة في جميع ذلك إلاّ في الجرح والتعديل، فإنّهم كلّهم عدول لا يتطرّق إليهم الجرح».(1)
وقال الحافظ ابن حجر في الفصل السادس من الإصابة، نقلاً عن زرعة: إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول اللّه فاعلم أنّه زنديق وذلك أنّ الرسول حقّ، والقرآن حقّ، وما جاء به حقّ، وإنّما أدّى إلينا ذلك كلّه الصحابة وهؤلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنّة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة.(2)
2. إن جرح الراوي سواء أكان صحابياً أم لا ، لا يمت إلى تكفيره بصلة، فإنّ التكفير يتعلق بإنكار التوحيد ورسالة النبي الخاتم واليوم الآخر، وأمّا القول بأنّ (فلان) الصحابي، كذب على رسول اللّه، فلو كان صادقاً وكان الجرح بنية سليمة كان مأجوراً، لأنّه عرّف

1 . أُسد الغابة:2/3.
2 . الإصابة:1/17.

صفحه 42
للأوساط العلمية من يجب التحرز عنه في أخذ معالم الدين وفروعه وأُصوله. وإن كان كاذباً في جرحه يُعدّ مأثوماً ويعاقب على كذبه .
فالتركيز على أنّ السيد شرف الدين بصدد تكفير أبي هريرة أمر خاطئ وبعيد عن الصواب. وقد روي عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)انّه قال:«كثرت الكذابة عليّ»(1) ووصف عدة ممّن كان حوله بالكذابة فهل كفّرهم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)؟

دفاع عن الحقّ والحقيقة

انتقل العلمان الجليلان: الأُستاذ عبد المتعال الصعيدي، والإمام شرف الدين إلى رحمة اللّه الواسعة ولا نظن بهما إلاّ خيراً، ولا نقول فيما تبادلاه من المساجلات، إلاّ انّه محاولة لنصرة الحقّ، وكشف لوجه الحقيقة، فللمصيب منهما أجران وللمخطئ أجر واحد.
وانطلاقاً من هذا المبدأ، ـ وشهيدي اللّه ـ نذكر وثائق قيّمة تُثبتُ بوضوح، انّ الحقّ مع الإمام شرف الدين وانّ أبا هريرة لم يكن راوياً متثبّتاً، متحرزاً عن القول بغير علم، ولا مكترثاً عن نسبة قول إلى النبي الأعظم مع عدم سماعه منه، أو سماعه من غيره، وربما كان يعتذر عن بعض زلاته وغفلاته بأنّه من كيس أبي هريرة لا من النبي الأعظم، غفر اللّه لنا وله. وإليك تلك الوثائق:

1 . الإفصاح للشيخ المفيد:60; الاستنصار للكراجكي:11; الصراط المستقيم للعاملي: 3/258.

صفحه 43
1. أخرج غير واحد من المؤرّخين والمحدّثين، عن السائب بن يزيد انّه سمع عمر يقول لأبي هريرة: لتتركنّ الحديث عن رسول اللّه وإلاّ لألحقنّك بأرض الدوس.(1)
وقال لكعب: لتتركنّ الحديث أو لألحقنَّك بأرض القردة.(2)
لم يكن الخليفة مانعاً عن التحديث بقلة، ولذلك كان يقول: «أقلّوا الرواية عن رسول اللّه »وإنّما خالف أبا هريرة في تكثيره.
2. روى ابن عجلان أنّ أبا هريرة، كان يقول: إنّي لأحدِّث أحاديث لو تكلّمت بها في زمن عمر، لشجّ رأسي.
3. روى الشعبي قال: حدث أبو هريرة فسرد عليه سعد حديثاً، فوقع بينهما كلام حتى ارتجَّت الأبواب.
4. روى إسحاق بن سعيد، عن أبيه قال: دخل أبو هريرة على عائشة، فقالت له: أكثرت يا أبا هريرة عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: أي واللّه يا أُمّاه، ما كانت تشغلني عنه المرآة، ولا المِكْحَلةُ، ولا الدهن، قالت: لعلّه.
5. لما أرادوا أن يدفنوا الحسن في الحجرة النبوية وقع خصام.
قال الوليد بن رباح: سمعت أبا هريرة يقول لمروان: واللّه ما أنت وال، وانّ الوالي لغيرك، فدعه ـ يعني حين أرادوا دفن الحسن (عليه السلام) مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ ولكنّك تدخل فيما لا يعنيك، إنّما تريد إرضاء من هو

1 . سير أعلام النبلاء: 2/601.
2 . سير أعلام النبلاء: 2/601.

صفحه 44
غائب عنك ـ يعني معاويةـ.
فأقبل عليه مروان مغضباً، وقال: يا أبا هريرة، إنّ الناس قد قالوا أكثر أبو هريرة الحديث عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)وإنّما قدم قبل وفاته بيسير.(1)
6.أخرج البخاري عن أبي صالح، قال: حدّثني أبو هريرة، قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أفضل الصدقة ماترك غنىً، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، تقول المرأة: إمّا أن تطعمني وإمّا أن تطلقني.
ويقول العبد: اطعمني واستعملني.
ويقول الابن: اطعمني إلى من تدعني؟
فقالوا: يا أبا هريرة، سمعت هذا من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)؟!
قال: لا، هذا من كيس أبي هريرة.(2)
ورواه الإمام أحمد في مسنده باختلاف طفيف في اللفظ.(3)
انظر إلى الرجل ينسب في صدر الحديث الـرواية إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بضـرس قاطع، ولكنّـه عندما سُئل عـن سمـاع الحديث من رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) عدل عمّـا ذكره أولاً، وصرح بأنّه من كيسه الخاص أي من موضوعاته.
وبعد هذا فهل يصحّ توثيقه؟!

1 . سير أعلام النبلاء: 2/605.
2 . صحيح البخاري:7/62، 63، باب وجوب النفقة على الأهل والعيال من كتاب النفقات.
3 . مسند أحمد: 2/252.

صفحه 45
هذه النصوص تعرب عن أنّ الرجل كان متهماً في عصره، وإن كان هو يبرّر عمله بأنّ الآخرين كانوا منشغلين بالصفق في الأسواق أو بالمرآة والمكحلة والدهن، ولكن كان في القوم من لم يكن له ذلك الشأن، كعلي بن أبي طالب(عليه السلام) وأبي ذر الغفاري وسلمان الفارسي وأُبيّ بن كعب وأبي أيوب الأنصاري وعبد اللّه بن عمر وعبد اللّه بن عمرو، إلى غير ذلك من أقطاب الحديث، الذين كان لهم شغف بنقل الحديث وضبطه وتحديثه، ومع ذلك لم يبلغ حديث أكثرهم معشار ما نقله أبو هريرة.
كان أبو هريرة يجلس إلى حجرة عائشة فيحدِّث، ثمّ يقول: يا صاحبة الحجرة، أتنكرين مما أقول شيئاً؟
فلما قضت صلاتها، لم تُنكر ما رواه، لكن قالت: لم يكن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) يسرد الحديث سردكم.
وكذلك قيل لابن عمر: هل تنكر مما يحدِّث به أبو هريرة شيئاً؟ فقال: لا، ولكنّه اجترأ، وجبُنّا.
فقال أبو هريرة: فما ذنبي إن كنت حفظت ونسوا.(1)
قال ابن عساكر: إنّ رجلين من بني عامر دخلا على عائشة، فقالا لها: إنّ أبا هريرة يقول: إنّ الطيرة في الدار والمرأة والفرس، فقالت: كذب والذي أنزل الفرقان على أبي القاسم (صلى الله عليه وآله وسلم) ما قاله إنّما قال: كان أهل الجاهلية يتطيرون من ذلك.

1 . سير أعلام النبلاء: 2/607.

صفحه 46
وعن عائشة انّها قالت لأبي هريرة: إنّك تحدّث عن رسول اللّه أشياء ما سمعتها منه؟! فقال لها مجيباً: إنّه كان يشغلك عن تلك الأحاديث، المرآة والمكْحلة.(1)
هذه النصوص توقفك على حقيقة الحال وانّ الرجل كان متّهماً في روايته في عصره، ولكن القول بعدالة الصحابة وترفّعهم عن الجرح والتعديل حال بين المحقّقين والتحقيق في رواياته ومروياته، ولولا ذلك لما أخذوا بكثير ممّا عزاه إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

التحديث بنصف ما حفظه

يظهر ممّا رواه أبو هريرة انّه إنّما حدَّث بنصف ما وعاه عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وحبس النصف الآخر لأنّ الظروف لم تساعد لبثّه.
روى البخاري، عن المقبُري، عن أبي هريرة، قال: حفظت من رسول اللّه وعاءين، فأمّا أحدهما فبثثته وأمّا الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم.(2) فلو أسعفته الظروف وحدّث بالنصف الآخر، لبلغت أحاديثه عشرة آلاف.

التدليس في الحديث

قال يزيد بن هارون: سمعت شعبة، يقول: كان أبو هريرة يدلّس.

1 . مختصر تاريخ ابن عساكر:29/195ـ 196.
2 . صحيح البخاري: 1/31، باب حفظ العلم من كتاب الايمان.

صفحه 47
وذكره ابن عساكر في تاريخه والحافظ ابن كثير في البداية.(1)
ولما كانت شهادة شعبة تحطُّ من مكانة أبي هريرة عاد الذهبي ناقضاً للقاعدة، فقال:
قلت: تدليس الصحابة كثير ولا عيب فيه، فإنّ تدليسهم عن صاحب أكبر منهم، والصحابة كلّهم عدول.
وأنت خبير بأنّ التدليس من أسباب الضعف، فكيف صار هناك من أسباب الفخر، حيث قال: إنّ تدليسهم عن صاحب أكبر منهم.
وقد أشار الحافظ ابن كثير في البداية إلى تفسير كلام شعبة، بقوله: وكان شعبة يشير بهذا إلى حديث: «من أصبح جنباً فلا صيام له» فإنّه لما عوتب عليه، قال: أخبرنيه مخبر ولم أسمعه من رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم).
وأيّ تدليس كان أعظم من ذلك؟ بل كان ينسب ما سمعه من كعب الأحبار إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو من أسوأ التدليسات، وها نحن نوقفك على نموذج من هذا النوع من التدليس الذي كان يرتكبه أبو هريرة.
روى الطبري عن أبي نعيم، عن مقاتل بن حيان، عن عكرمة، قال: بينا ابن عباس ذات يوم جالس إذ جاءه رجل، فقال: يا ابن عباس سمعت العجب من كعب الحبر يذكر في الشمس والقمر.
قال: وكان متكئاً فاحتفز، ثمّ قال: وما ذاك؟ قال: زعم انّه يُجاء بالشمس والقمر يوم القيامة كأنّهما ثوران عقيران فيُقذفان في جهنم.

1 . انظر سير أعلام النبلاء:2/608، قسم التعليقة.

صفحه 48
قال عكرمة: فطارت من ابن عباس شفة ووضعت أُخرى غضباً ، ثمّ قال: كذب كعب، كذب كعب، كذب كعب، ثلاث مرات، بل هذه يهودية يريد إدخالها في الإسلام، اللّه أجل وأكرم من أن يعذِّب على طاعته، ألم تسمع قول اللّه تبارك و تعالى (وَسخّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دائبَيْن)إنّما يعني دؤوبهما في الطاعة، فكيف يعذِّب عبدين يُثني عليهما انّهما دائبان في طاعته؟! قاتل اللّه هذا الحبر وقبّح حبريته، ما أجرأه على اللّه وأعظم فريته على هذين العبدين المطيعين للّه.
قال: ثمّ استرجع مراراً وأخذ عُوَيداً من الأرض فجعل ينكته في الأرض، فظلّ كذلك ما شاء اللّه، ثمّ إنّه رفع رأسه ورمى بالعويد، فقال: ألا أحدثكم بما سمعت من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول في الشمس والقمر وبدء خلقهما ومصير أمرهما فقلنا: بلى رحمك اللّه....(1)
وهذا النسج الخرافي للقصة التي حاكتها مخيّلة كعب وأضرابه، رواها أبو هريرة مباشرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .
روى ابن كثير في تفسير سورة التكوير:
حدثنا إبراهيم بن زياد البغدادي، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا عبد العزيز بن المختار، عن عبد اللّه الداناج، قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمان بن خالد بن عبد اللّه القسري في هذا المسجد، مسجد الكوفة، وجاء الحسن فجلس إليه، فحدث، قال: حدثنا أبو هريرة: إنّ

1 . تاريخ الطبري: 1/44.

صفحه 49
رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: إنّ الشمس والقمر ثوران في النار عقيران يوم القيامة، فقال الحسن: وما ذنبهما؟
فقال: أُحدّثك عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وتقول أحسبه، قال: وما ذنبهما.(1)
ترى أنّ حديثاً واحداً يرويه رجل عن كعب، وفي الوقت نفسه يرويه أبو هريرة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فبما انّ كعباً لم يدرك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يستطع أن ينسبه إليه، وبما انّ أبا هريرة أدرك عصر الرسالة أخذ بالتدليس فنسب ما سمعه عن كعب إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). وأيّ تدليس أسوأ من ذلك؟ وليس هذا إلاّ من مقولة الكذب المنافي للعدالة.
وممّا يقضى منه العجب ما ذكره أبو جعفر الطحاوي لتصحيح هذا الأثر حيث قال: إنّ الشمس والقمر كالملائكة الموكّلين لأهل النار، معذِّبان لأهل النار لا معذَبان فيها، إذ لا ذنوب لهما .(2)
يلاحظ عليه: أنّ التفسير خلاف ما فهمه المخاطبون بهذا الحديث، مضافاً إلى أنّه لا يناسب قوله: «عقيران» وما العقر إلاّ لتعذيبهما.
وحيث إنّ أهل السنّة ذهبوا إلى عدالة الصحابة بأجمعهم أخذوا بروايات أبي هريرة وأمثاله دون أدنى تحقيق، و إذا فتشوا عن اسناد

1 . تفسير ابن كثير: 7/221، تفسير سورة التكوير.
2 . مشكل الآثار: 1/48.

صفحه 50
الرواية فإنّما يفتشون عمّن ورد اسمه قبل الصحابة، فإذا وصل الكلام إليهـم يكسر القلم ويُضبط اللسان فلا كلام فيهم و إن صدر عنهـم ما صدر.
وفي الختام، ندعو كلّ من يكتب حول فرقة أو فئة من المسلمين، أو في موضوع من المواضيع الإسلامية، أن يفكر في نتائج ما يكتب وينشر، وهل هو في صالح المسلمين أو لا؟! ومع ذلك فتمحيص الحديث النبوي من أفرض الفرائض، وقد وقع ذريعة بأيدي المستشرقين للطعن بالنبي الخاتم(صلى الله عليه وآله وسلم) وشريعته وسننه.
وقد قام السيد(رحمه الله) بهذا العبء الثقيل في إطار خاص، وهو بذلك قد فتح الطريق للآخرين.
نسأل اللّه سبحانه أن يرزق المسلمين توحيد الكلمة، كما رزقهم كلمة التوحيد.

وشهد شاهد من أهلها

قد عثرت أخيراً على كتاب بعنوان:«نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث» للكاتب السوري: إسماعيل الكردي والذي طرح بعض ما روي عن أبي هريرة على طاولة البحث، وأدّى حق المقال ونحن نذكره برمّته، ليكون حجّة لمن يتهم الشيعة، بالحقد وهل له أن يتهم كلّ من كتب حول روايات أبي هريرة من تمحيص ونقد، بالحقد؟ قال:

صفحه 51

أ. أبو هريرة وروايته عن كعب الأحبار وتدليسه عنه

لقد مرّ معنا ما ذكره بعض المحدّثين، ومنهم الإمام البيهقي والإمام البخاري، في ردِّهم لحديث «خلق اللّه التربة يوم السبت» الذي أخرجه مسلم، بسنده عن أبي هريرة مرفوعاً، حيث قالوا: إنّ الصحيح أنّه موقوف على كعب(1) وأنّه غلط، ليس ممّا رواه أبو هريرة عن النبي، وأنّه ممّا أنكر الحذاق على مسلم إخراجه إياه(2). فيبدو أنّ مثل هذا حدث كثيراً عمّن رووا عن أبي هريرة، أي أنّه روى قصصاً وأحاديث سمعها من بعض مسلمة أهل الكتاب ككعب الأحبار ووهب بن منبه وغيرهما، فظن السامع منه والراوي عنه أنّه سمعها عن رسو ل اللّه!
وقد ذكر الحافظ الذهبي (748هـ) في موسوعته الرجالية الضخمة «سير أعلام النبلاء» في ترجمته لأبي هريرة ما نصّه: «وقال بكير ابن الأشج عن بسر بن سعيد قال: اتقوا اللّه، وتحفّظوا في الحديث، فواللّه لقد رأيتُنا نجالس أبا هريرة، فيحدِّث عن رسول اللّه، ويحدِّثنا عن كعب

1 . أي كعب الأحبار الذي كان من أحبار اليهود في اليمن، ثمّ دخل في الإسلام بعد وفاة النبي، وقدم المدينة من اليمن في أيام عمر، فجالس أصحاب محمد فكان يحدثهم عن الكتب الإسرائيلية، ويحفظ عجائب ، وممّن تتلمذ عليه، وأخذ عنه أخبار أهل الكتاب: أبو هريرة وابن عباس، (سير أعلام النبلاء، ج3، ص 489ـ 490). وكان عمر ينهاه عن التحديث، ويهدده بإرجاعه لأرض القردة (أي اليمن التي جاء منها)!
2 . راجع الفصل الخامس (أحاديث انتقد محدثون حفاظ متونها): الحديث الثاني: خلق اللّه التربة يوم السبت.

صفحه 52
(أي اليهودي المسلم كعب الأحبار)، ثم يقوم، فأسمع بعض من كان معنا، يجعل حديث رسول اللّه عن كعب، ويجعل حديث كعب عن رسول اللّه!».(1)
وقال محقّق «سير أعلام النبلاء» الأُستاذ شعيب الأرناؤوط معلِّقاً على هذا الخبر في الحاشية: «أورده ابن كثير في البداية والنهاية: ج8/ص 109(2)، من طريق مسلم بن الحجاج، عن عبد اللّه بن عبد الرحمن الدارمي، عن مروان بن محمد بن حسان الدمشقي عن الليث بن سعد عن بكير بن الأشج. وهذا سند صحيح. وهو في تاريخ ابن عساكر: 19/121/2.» اهـ.
وبعد أن روى ابن كثير تلك الرواية أتبعها بقوله:«وقال يزيد بن هارون: سمعت شعبة يقول: أبو هريرة كان يدلِّس، أي يروي ما سمعه من كعب وما سمعه من رسول اللّه ولا يميِّز هذا من هذا، ذكره ابن عساكر».(3)
إنّ وصم شُعْبَة لأبي هريرة بالتدليس، أخرجه عنه مسنداً: «ابن عدي الجرجاني»(المتوفّى 365هـ) في كتابه:«الكامل في ضعفاء الرجال» في أثناء ترجمته للإمام الحافظ شعبة، فقال: أخبرنا الحسن بن عثمان

1 . سير أعلام النبلاء:ج 2، ترجمة أبي هريرة، ص 606.
2 . وهو في الطبعة التي أرجع إليها من البداية والنهاية: 8/112.]بيروت: دار الكتب العلمية[.
3 . البداية والنهاية لابن كثير:8/112.

صفحه 53
التستري، أخبرنا سلمة بن شبيب قال: سمعت شعبة يقول: أبوهريرة كان يدلِّس».(1)
والمشهور والمتعارف عليه عرفاً وتقليداً أنّ تدليس الصحابي لا إشكال فيه، لأنّه لا يدلِّسُ إلاّ عن صحابي مثله، ولكن لا يخفى ما في تعميم هذه القاعدة من إشكال، لا سيما هنا، فقد رأينا كيف ذكر ابن كثير ـ في البداية والنهاية ـ أنّ تدليس أبي هريرة كان روايته للأحاديث وسرده للأخبار دون تمييزه لما سمعه من كعب الأحبار عما يرويه عن رسول اللّه! فينقل عنه الرواة أحاديث يظنونها عن النبي هي من حديث كعب!!
***
ومن الأمثلة على ذلك، ما أخرجه الترمذي وابن ماجة في سننهما والإمام أحمد في مسنده، بسندهم عن أبي هريرة عن رسول اللّه قال ـ و اللفظ لأحمد في مسنده ـ : «إنّ يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كلّ يوم، حتّى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا، فستحفرونه غداً، فيعودون إليه كأشد ما كان، حتى إذا بلغت مدتهم، وأراد اللّه أن يبعثهم على الناس، حفروا، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس، قال الذي عليهم: ارجعوا، فستحفرونه غداً إن شاء اللّه، فيستثني، فيعودون إليه، وهو كهيئته حين تركوه، فيحفرونه، ويخرجون على الناس، فينشفون المياه، ويتحصن الناس منهم في حصونهم...

1 . الكـامـل في ضعفـاء الـرجـال:1/68. (ط3 ، بيـروت، دارالفكر، 1409هـ ، 1988م).

صفحه 54
الحديث».(1)
ذكر الحافظ ابن كثير هذه الرواية عن أبي هريرة بطرقها المختلفة عند تفسيره لقوله تعالى: (فَمَا اسطَعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا استَطَعُوا لَهُ نَقْباً قَالَ هذا رَحْمَةٌ مِن ْرَبِّي فَإِذَا جاءَ وَعْدُ رَبّي جَعَلَهُ دَكّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبّي حَقّاً)(الكهف:97ـ 98)، في تفسيره المعروف، وبعد نقله قول الترمذي عن الحديث بأنّه غريب لا يعرف إلاّ من هذا الوجه، قال(ابن كثير): «وإسناده جيد قوي، ولكن متنه في رفعه (أي إلى النبي) نكارة، لأنّ ظاهر الآية يقتضي أنّهم لم يتمكنوا من ارتقائه، ولا من نقبه لإحكام بنائه وصلابته وشدته، ولكن هذا قد رُوي عن كعب الأحبار أنّهم قبل خروجهم يأتونه، فيلحسونه حتى لا يبقى منه إلاّ القليل، فيقولون غداً نفتحه. فيأتون من الغد، وقد عاد كما كان يلحسونه حتى لا يبقى منه إلاّ القليل. إلخ، (ثمّ قال ابن كثير): وهذا متجه، ولعلّ أبا هريرة تلقاه من كعب، فإنّه كان كثيراً ما كان يجالسه، ويحدثه، فحدث به أبو هريرة، فتوهم بعض الرواة عنه أنّه مرفوع (أي عن النبي) فرفعه، واللّه أعلم».(2)
***
ومثال آخر، ما أخرجه الإمام ابن جرير الطبري في تفسيره، وابن أبي حاتم في تفسيره، وذكره ابن كثير في تفسيره بقوله: «وقد أورد ابن أبي

1 . مسند أحمد:2/510ـ 511.
2 . تفسير القرآن العظيم، لابن كثير:3/102، (طبع الرياض، دار عالم الكتب).

صفحه 55
حاتم (أي في تفسيره) هاهنا حديثاً غريباً منكراً» فذكروا حديثاً بسند متصل عن أبي هريرة قال: سمعت رسول اللّه يحكي عن موسى على المنبر قال:«وقع في نفس موسى هل ينام اللّه عزّ وجلّ؟ فأرسل اللّه تعالى إليه ملكاً، فأرَّقه ثلاثاً، وأعطاه قارورتين، في كلّ يد قارورة، وأمره أن يحتفظ بهما. فجعل ينام، وتكاد يداه تلتقيان، ثمّ يستيقظ، فيحبس إحداهما عن الأُخرى، حتى نام نومةً، فاصطفقت يداه، فانكسرت القارورتان!».(1)
قال الحافظ ابن كثير بعد روايته هذا الحديث: «والظاهر أنّ هذا الحديث ليس بمرفوع، بل من الإسرائيليات المنكرة. فإنّ موسى عليه الصلاة والسلام أجل من أن يجوِّز على اللّه سبحانه وتعالى النوم، وقد أخبر اللّه عزّ وجلّ في كتابه العزيز بأنّه (الحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ)...».(2)
***
ومثال ثالث، ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده بسنده عن أبي هريرة أنّ رسول اللّه قال: «يخرج من خراسان رايات سود، لا يردها شيء

1 . كلهم عند تفسيرهم لقوله تعالى: (إِنَّ اللّهَ يُمْسِكُ السَّمواتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولاَ) الآية41 من سورة فاطر، فانظر تفسير ابن كثير:3/538ـ 539، وقد ذكره ابن كثير أيضاً ذيل تفسيره لقوله تعالى: (لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ) من آية الكرسي(أي الآية 255) من سورة البقرة كذلك.
2 . المصدر السابق:3/539.

صفحه 56
حتى تنصب بإيلياء».(1) فقد ذكر ابن كثير في تاريخه «البداية والنهاية» هذا الحديث، عند ذكره لما جاء من أحاديث أو أخبار مأثورة عن سقوط دولة بني أمية وقيام دولة بني العباس، نقلاً عن مسند أحمد، ثم قال:«وقد رواه البيهقي في الدلائل (أي دلائل النبوة) من حديث راشد بن سعد المصري. وهو ضعيف. ثمّ قال: قد رُوي قريباً من هذا عن كعب الأحبار وهو أشبه. ثمّ رواه عن كعب أيضاً، قال: تظهر رايات سود لبني العباس حتى ينزلوا بالشام، ويقتل اللّه على أيديهم كلّ جبار وعدو لهم!».(2)
***
ب. م آخذ عدد من الصحابة على كثرة رواية أبي هريرة لما يوقعه ذلك في أوهام وأخطاء في بعض ما يرويه
ثبت في الصحيح أنّ عدداً من الصحابة ردُّوا على أبي هريرة بعض ما رواه، ووهَّمُوه في روايته، أو خطَّؤوه في فهمه في أكثر من موضع:
1. من ذلك ما جاء في صحيح مسلم أنّ عائشة وأُمّ سلمة غلَّطتا أبا هريرة في حديث كان يرويه عن رسول اللّه، فلما واجهه بعض التابعين بذلك صرَّح بأنّه لم يكن سمع ذلك الأمر من رسول اللّه حقيقة، بل

1 . مسند أحمد:2/365.
2 . البداية والنهاية لابن كثير:10/67.(طبعة دار أبي حيان بالقاهرة، على نفقة الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم). وفي طبعة بيروت:10/51.

صفحه 57
سمعه من الفضل بن العباس! وهذه هي الرواية:
أخرج مسلم في صحيحه بسنده عن أبي بكر بن عبد الرحمن قال:]سمعت أبا هريرة يقص، يقول في قصصه:من أدركه الفجر جنباً فلا يصم.(1) فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن الحارث (لأبيه) فأنكر ذلك. فانطلق عبد الرحمن، وانطلقت معه. حتى إذا دخلنا على عائشة وأُمّ سلمة، فسألهما عبد الرحمن عن ذلك. قال: فكلتاهما قالت:«كان النبي يصبح جنباً من غير حلم ثمّ يصوم». قال فانطلقنا حتى دخلنا على مروان. فذكر ذلك له عبد الرحمن. فقال مروان: عزمت عليك إلاّ ما ذهبت إلى أبي هريرة، فرددتَ عليه ما يقول. قال: فجئنا أبا هريرة، وأبو بكر حاضر ذلك كلّه، قال فذكر له عبد الرحمن، فقال أبو هريرة: أهما قالتاه لك؟ قال: نعم. قال: هما أعلم!
ثمّ رَدَّ أبو هريرة ما كان يقول في ذلك إلى الفضل بن العباس. فقال أبو هريرة: سمعت ذلك من الفضل، ولم أسمعه من النبي. قال: فرجع أبو هريرة عمّا كان يقول في ذلك.(ثمّ قال الراوي أبو بكر) قلت لعبد الملك: أقالتا: في رمضان؟ قال: كذلك. كان يصبح جنباً من غير

1 . وأورد البخاري في صحيحه ـ في رواية معلَّقة عن همام وعبد اللّه بن عمر ـ كلام أبي هريرة هذا بصيغة صريحة في رفعها للرسول فقال:]وقال همام وابن عبداللّه بن عمر عن أبي هريرة:«كان النبي يأمر بالفطر»[: صحيح البخاري،: 30، كتاب الصوم، 22، باب الصائم يصبح جنباً، ح1926.

صفحه 58
حلم ثم يصوم[.(1)
2. ومن ذلك ما مرّ منّا من إقلاع أبي هريرة عن رواية حديث «لا عدوى» وروايته لما يخالفه، ويثبت العدوى!، فلما استغرب بعض سامعيه من ذلك، وقالوا له ألم تكن تروي أنت نفسك أن لا عدوى؟! أنكر ذلك، ورطن بالحبشية، فاستغربوا منه إنكاره روايته رغم أنّهم سمعوها منه، وقالوا: إنّها أوّل مرة نجده فيها نسي!!(2)
3. ومنه ما مرّ منّا من ردّ السيدة عائشة حديث تعذيب الميت المسلم ببكاء أهله عليه ومن رواته أبو هريرة فضلاً عن عمر و ابنه عبد اللّه.
4. ومنه أيضاً ما مرّ منّا من ردّ عائشة بشدة لحديث أبي هريرة مرفوعاً: «يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب» وقولها:«قد شبهتمونا بالحمير والكلاب!!» وفي رواية للبخاري: «قد جعلتمونا كلاباً!!».(3)
5. و منه ما مرّ من ردِّ عائشة رواية أبي هريرة التي نقل فيها عن النبي ذمّه للشعر مطلقاً وقوله: «لئن يمتلئ جوف رجل قيحاً حتى يَرِيه

1 . صحيح مسلم، 13، كتاب الصيام، 13، باب صحة صيام من طلع عليه الفجر وهو جنب، ح75; صحيح البخاري، 30، كتاب الصوم، 22، باب الصائم يصبح جنباً، ح 1926.
2 . راجع الفصل الرابع: (مختلف الحديث ومتعارضه في الصحيحين): فقرة هل نفى رسول اللّه العدوى أم أثبتها؟ من هذا الكتاب.
3 . راجع الفصل الرابع: (مختلف الحديث ومتعارضه في الصحيحين): فقرة8.

صفحه 59
خيرٌ من أن يمتلئ شعراً!».
6. وقد روي عن السيدة عائشة أيضاً أنّها ردَّت رواية أبي هريرة عن رسول اللّه عن أنّ الشؤم في المرأة والدابة والدار!(1)
فقد أخرج الإمام أحمد في مسنده (ج6، ص 246) بسنده عن قتادة عن أبي حسان الأعرج، أنّ رجلين دخلا على عائشة فقالا: إنّ أبا هريرة يحدث أنّ نبي اللّه كان يقول: «إنّما الطيرة في المرأة والدابة والدار» قال: فطارت شقة منها في السماء، وشقة في الأرض، فقالت: والذي أنزل القرآن على أبي القاسم ما كان هكذا يقول، ولكن نبي اللّه كان يقول: «كان أهل الجاهلية يقولون الطيرة في المرأة والدار والدابة» ثمّ قرأت عائشة:(مَا أَصَابَ مِنْ مُصيبَة فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ في كِتاب مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللّه يَسِيرٌ)(الحديد:22).
7. وروي كذلك عن عائشة أنّها رَدَّت ما رواه أبو هريرة عن رسول اللّه بشأن ولد الزنا وأنّه هو شرُّ الثلاثة، أي: شرٌّ من أبويه!! فقد أخرج الحاكم في مستدركه (كتاب الأحكام، ج4، ص 100) بسنده: حديثين عن أبي هريرة قال: «سئل النبي عن ولد الزنا؟ فقال: هو شر الثلاثة!».

1 . هذا الحديث أخرجه الشيخان وأصحاب السنن عن عبد اللّه بن عمر، كما في صحيح البخاري:76، كتاب الطب، 44، باب الفأل، الحديث رقم 5755 و 54 باب لا عدوى، الحديث 5772; صحيح مسلم، 39، كتاب السلام، 34، باب الطيرة والفأل، الحديث115ـ 116.

صفحه 60
فخطَّأت عائشة روايته هذه، كما ذكر ذلك الزركشي في الإجابة(1) (ص 108ـ 109) وكما أخرجه الحاكم في مستدركه في الباب نفسه (ج4، ص 100) بسنده عنها قالت: قال رسول اللّه: «ليس على ولد الزنا من وِزْرِ أبويه شيء:(وَلاَ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى)». وقال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الحافظ الذهبي على ذلك في التلخيص، ذيل المستدرك.
وقد أخرج الحاكم في مستدركه بسند صحيح عن عروة بن الزبير عن (خالته) عائشة رواية أشمل في ذلك توضح منبع وهم أبي هريرة فقال:
]بلغ عائشة أنّ أبا هريرة يقول: إنّ رسول اللّه قال: لئن أمتع بسوط في سبيل اللّه أحبّ إليّ من أن أعتق ولد الزنا، وأنّ رسول اللّه قال: ولد الزنا شر الثلاثة، وإنّ الميت يُعذَّب ببكاء الحي.
فقالت عائشة: رحم اللّه أبا هريرة: أساء سمعاً، فأساء إصابة.
أمّا قوله: لئن أُمَتع بسوط في سبيل اللّه أحبّ إليّ من أن أعتق ولد الزنا: إنّها لما نزلت: (فَلاَ اقْتَحْمَ الْعَقَبَةَ* وَمَا أَدْرَيكَ مَا الْعَقَبَةُ *فَكُّ رَقَبَة) قيل: يا رسول اللّه: ما عندنا ما نعتق، إلاّ أنّ أحدنا له جارية سوداء تخدمه، وتسعى عليه ، فلو أمرناهن فزنَيْن ، فجِئن بالأولاد،

1 . الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة: ص 108ـ 109، عني بتحقيقه سعيد الأفغاني، بيروت، المكتب الإسلامي، ط 1، 1405هـ/1985.

صفحه 61
فأعتقناهن؟ فقال رسول اللّه: «لئن أُمَتَّع بسوط في سبيل اللّه أحبّ إليّ من أن آمر بالزنا، ثمّ أعتق الولد».
وأمّا قوله: ولد الزنا شرّ الثلاثة، فلم يكن الحديث على هذا إنّما كان رجل من المنافقين يؤذي رسول اللّه فقال: «مَن يعذرني من فلان؟ » قيل: يا رسول اللّه:(إنّه) مع ما به ولد زنا!، فقال: «هو شر الثلاثة!»( أي لأنّه منافق، لا لأنّه ولد زنا)، واللّه عزّ وجلّ يقول: (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى).(1)
8. وأنكر عليه ابن مسعود قوله : «من غسل ميتاً فليغتسل، ومن حمله فليتوضّأ» وقال فيه قولاً شديداً، وقال: يا أيّها الناس! لا تنجسوا من موتاكم.(2)
ولعل أوهام أبي هريرة الكثيرة هذه هي التي تفسر كلام الزبير بن العوام عن روايات أبي هريرة الذي رواه عنه ابن كثير في تاريخه:«البداية والنهاية» فقال: «وقال ابن خيثمة: حدثنا هارون بن معروف، ثنا محمد بن سلمة، ثنا محمد بن إسحاق عن عمر أو عثمان بن عروة عن أبيه ـ يعني عروة بن الزبير بن العوام ـ قال: قال لي أبي الزبير: ادنني من هذا اليماني ـ يعني أبا هريرة ـ فإنّه يكثر الحديث عن رسول اللّه، قال: فأدنيته منه، فجعل أبو هريرة يحدث، وجعل الزبير يقول: صدق، كذب،

1 . مستدرك الحاكم:5/215، بسند صحيح، وأقره على تصحيحه الذهبي في التلخيص.
2 . كتاب جامع بيان العلم وفضله للحافظ ابن عبد البر القرطبي:2/105، (بيروت: دار الفكر).

صفحه 62
صدق، كذب. قال: قلت: يا أبي ما قولك: صدق، كذب؟ قال: يا بُنيّ أمّا أن يكون سمع هذه الأحاديث من رسول اللّه فلا أشك، ولكن منها ما يضعه على مواضعه، ومنها ما وضعه على غير مواضعه».(1)
ويبدو أنّ هذا هو ما كان عمر يخشاه عندما كان ينهى أبا هريرة عن الرواية عن رسول اللّه كما أخرج ذلك عنه أبو زرعة الدمشقي في «تاريخه(1475)، وأورده الذهبي في سير أعلام نبلائه، من طريق محمد بن زرعة الرعيني، حدثنا مروان بن محمد، حدثنا سعيد بن عبد العزيز، عن إسماعيل بن عبيد اللّه، عن السائب بن يزيد، سمعت عمر بن الخطاب يقول لأبي هريرة:«لتتركن الحديث عن رسول اللّه أو لألحقنك بأرض دوس!، وقال لكعب (أي كعب الأحبار): لتتركن الأحاديث، أو لألحقنك بأرض القردة!».(2)
وقال ابن كثير في «البداية والنهاية» بعد أن أورد هذا الخبر: «وهذا

1 . البداية والنهاية:8/112.
2 . قال الأُستاذ شعيب الأرناؤوط في حاشية تعليقاته على «سير أعلام النبلاء» للذهبي(ج2، ص 601) بعد ذكره هذه الرواية: «وهذا إسناد صحيح، محمد بن زرعة قال أبو زرعة في تاريخه:1/286: ثقة حافظ من أصحاب الوليد بن مسلم مات سنة ست عشرة ومائتين، ومروان بن محمد هو الطاطري: ثقة كما في التقريب، وباقي السند من رجال الصحيح. وروى ذلك عن عمر الذهبي في «سير أعلام النبلاء» في ترجمته لأبي هريرة (ج2، ص 601) وكذلك ابن كثير في «البداية والنهاية» (ج8، ص 110) وفي طبعة أُخرى في (ج8، ص 106) وتصحّف في سنده إسماعيل بن عبيد اللّه إلى عبد اللّه، وهو في تاريخ دمشق لابن عساكر(19/117/2) (أفاده الأُستاذ أرناؤوط).

صفحه 63
محمول من عمر على أنّه خشي من الأحاديث التي قد تضعها الناس على غير مواضعها، وأنّهم يتكلمون على ما فيها من أحاديث الرخص، وأنّ الرجل إذا أكثر من الحديث ربما وقع في أحاديثه بعض الغلط أو الخطأ، فيحملها الناس عنه، أو نحو ذلك.(1)
ثمّ ذكر الذهبي]في سير أعلام النبلاء:2/601[: عن يحيى بن أيوب، عن ابن عجلان: أنّ أبا هريرة كان يقول:«إنّي لأحدِّث بأحاديث، لو تكلمتُ بها في زمن عمر لشجَّ رأسي».(2)
قال العلاّمة محمد رشيد رضا معلقاً على ذلك:«أقول: فلو طال عمر عمَر حتى مات أبو هريرة في عصره لما وصلت إلينا تلك الأحاديث الكثيرة عنه ومنها 446 حديثاً في البخاري، ماعدا المكرر».(3)
وقال ابن قتيبة الدينوري (276هـ) راداً على طعن النظّام المعتزلي بأبي هريرة:«وأمّا طعنه على أبي هريرة بتكذيب عمر وعثمان وعلي وعائشة

1 . البداية والنهاية:8/110(بيروت: دار الكتب العلمية).
2 . وأورده ابن كثير في «البداية والنهاية» عن ابن وهب عن يحيى بن أيوب، ورجاله ثقات، إلاّ أنّه منقطع، لأنّ ابن عجلان لم يسمع من أبي هريرة، وفي المصنف لابن عبد الرزاق الصنعاني (20496): أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: قال أبو هريرة لما ولي عمر، قال: أقلوا الرواية عن رسول اللّه إلاّ فيما يعمل به، قال: ثمّ يقول أبو هريرة:«أفإن كنت محدثكم بهذه الأحاديث وعمر حي؟ أما واللّه إذاً لألفيت المخفقة ستباشر ظهري!» ]أفاده الأُستاذ الأرناؤوط في تعليقه على سير الأعلام[.
3 . مجلة المنار، الجزء 9 من المجلد العاشر، مقالة: نهي الصحابة ورغبتهم عن الرواية، ص 851.

صفحه 64
له فإنّ أبا هريرة صحب رسول اللّه نحواً من ثلاث سنين، وأكثر الرواية عنه، وعمّر نحواً من خمسين سنة....
فلما أتى من الرواية عنه، ما لم يأت بمثله من صحبه من جلة أصحابه والسابقين الأوّلين إليه، اتّهموه، وأنكروا عليه، وقالوا: كيف سمعت هذا وحدك؟ ومَن سمعه معك؟ وكانت عائشة أيضاً أشدهم إنكاراً عليه لتطاول الأيام بها وبه. وكان عمر أيضاً شديداً على من أكثر الرواية... إلخ».(1)
هذا، ومن الجدير بالذكر، أن نقدَ أبي هريرة على كثرة روايته أو تكذيبه في بعضها، لما يقع فيها من وهم منه أو نقل خاطئ، لم يقتصر على عُمَر أو عائشة أو الزبير، بل كان عاماً بين عديد من الصحابة، كما يبدو من هذا الحديث التالي الذي أخرجه مسلم في صحيحه: قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب(واللفظ لأبي كريب) قال: حدثنا ابن إدريس عن الأعمش، عن أبي زرين. قال: خرج إلينا أبو هريرة فضرب بيده على جبهته، فقال: ألا إنّكم تحدثون أني أكذب على رسول اللّه لتهتدوا وأضل؟! ألا وإنّي أشهد لسمعت رسول اللّه يقول:«إذا انقطع شسع نعل أحدكم ، فلا يمشي في الأُخرى حتى يصلحها»!!(2)

1 . تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة الدينوري: 41، (ط 1، بيروت، دار الكتب العلمية).
2 . صحيح مسلم:37، كتاب اللباس والزينة، 19، باب استحباب لبس النعل في اليمنى...، ح 69.

صفحه 65

ج. علماء الكوفة وتركهم بعض ما يروى عن أبي هريرة

ويبدو أنّ كلّ ما تقدم، كان سبباً في ترك طائفة من علماء الكوفة وعلى رأسهم الإمام «إبراهيم النخعي» شيخ الإمام أبي حنيفة لبعض أحاديث أبي هريرة وعدم أخذه بكلّ ما رواه أو ما رووه عنه. وإليك ما جاء في ذلك بأسانيده:
روى عبد اللّه بن الإمام أحمد بن حنبل قال: «حدثني أبي، قال: حدثنا أبو أسامة، عن الأعمش، قال: كان إبراهيم (أي النخعي) صيرفياً في الحديث، أجيؤه بالحديث. قال: فكتب مما أخذته عن أبي صالح عن أبي هريرة، قال: كانوا يتركون أشياء من أحاديث أبي هريرة».(1)
وقد رويت هذه الرواية عن النخعي بلفظ أشد، ذكره ابن أبي الحديد المعتزلي في شرحه على نهج البلاغة، نقلاً عن الشيخ أبي جعفر الإسكافي المعتزلي (240هـ) قال: «وروى أبو أسامة عن الأعمش، قال: كان إبراهيم (أي النخعي) صحيح الحديث، فكنتُ إذا سمعت الحديث أتيته، فعرضته عليه، فأتيته يوماً بأحاديث من حديث أبي صالح عن أبي هريرة، فقال: دعني من أبي هريرة، إنّهم كانوا يتركون كثيراً من

1 . كتاب العلل ومعرفة الرجال للإمام أحمد: 140. وأبو أسامة هو حماد بن أسامة، ثقة جليل المكانة، من رجال الصحيحين.(أفاده عبد المنعم صالح العلي في كتابه: دفاع عن أبي هريرة: 237).

صفحه 66
حديثه».(1)
ونسب الفقيه الحنفي الكبير، شارح كتاب الشيباني، شمس الأئمة السرخسي(490هـ) في كتابه المعروف بأُصول السرخسي، بصراحة، للإمام النخعي إخباره عمن سبقه أنّهم: «كانوا يأخذون من حديث أبي هريرة، ويدعون».(2)
وجاء في كتاب «مختصر المؤمل في الردِّ إلى الأمر الأوّل» لأبي شامة المقدسي (665هـ) قال: «وروى محمد بن الحسن (أي الشيباني تلميذ أبي حنيفة) عن أبي حنيفة أنّه قال: «أقلد مَن كان من القضاة من الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، والعبادلة الثلاثة، ولا أستجيز خلافهم برأيي إلاّ ثلاثة نفر». وفي رواية: «أقلد جميع الصحابة ، ولا أستجيز خلافهم برأي، إلاّ ثلاثة نفر: أنس بن مالك، وأبو هريرة، وسمرة بن جندب».
فقيل له في ذلك، فقال: «أمّا أنس، فاختلط في آخر عمره، وكان يفتي من عقله، وأنا لا أقلد عقله. وأمّا أبو هريرة، فكان يروي كلّ ما سمع، من غير أن يتأمّل في المعنى، ومن غير أن يعرف «الناسخ

1 . شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد:1/360(من الطبعة القديمة) أو ج4/67ـ 69، من الطبعة التي حققها محمد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة، دار إحياء الكتب العربية، ط 2، 1385هـ/1965م.
2 . أُصول السرخسي:1/341.

صفحه 67
والمنسوخ».(1)
وقال ابن كثير في تاريخه:«البداية والنهاية»: «...وقال شريك عن مغيرة عن إبراهيم (النخعي)، قال:]كان أصحابنا يَدَعون من حديث أبي هريرة[. وروى الأعمش عن إبراهيم (النخعي) قال: ]ما كانوا يأخذون بكلّ حديث أبي هريرة[ . وقال الثوري: ]عن منصور عن إبراهيم (النخعي) قال: «كانوا يرون في حديث أبي هريرة شيئاً، وما كانوا يأخذون بكلّ حديث أبي هريرة، إلاّ ما كان من حديث صفة جنة أو نار، أو حثّ على عمل صالح، أو نهي عن شرّ جاء القرآن به»[.
وقد انتصر ابن عساكر لأبي هريرة وردَّ هذا الذي قاله إبراهيم النخعي. وقد قال ما قاله إبراهيم (أي النخعي) طائفة من الكوفيين، والجمهور على خلافهم».(2)
***

د. ارتياب عدد من أعلام المعتزلة القدماء في أحاديث أبي هريرة وتكذيب كثير من رواياته

رغم أنّ ما نقلته كان كافياً لإثبات وجود الشبهة وضرورة التثبت في المرويات الغريبة والإسرائيلية والمستنكرة والمخالفة لظاهر القرآن أو

1 . مختصر المؤمل في الرد إلى الأمر الأوّل، لأبي شامة المقدسي، تحت عنوان:]نصوص الإمام أبي حنيفة في اتّباع السنّة وتأسيس مذهبه[ : 62ـ 63، (قدّم له، وخرّج أحاديثه، وعلّق عليه: صلاح الدين مقبول أحمد، طبع الكويت، مكتبة الصحوة الإسلامية).
2 . البداية والنهاية لابن كثير:8/113.(وفي الطبعة الأُخرى، ج8/109).

صفحه 68
لمدلولات الأحاديث المشتهرة الأُخرى (وبتعبير الحنفية: المخالفة للقياس) المسندة عن طريق أبي هريرة، ووجوب التوقف في نسبتها إلى رسول اللّه; إلاّ أنّ الصورة لا تكتمل إلاّ إذا ذكرنا أقوال العلماء والمجتهدين جميعهم من سلف الأُمة وقرونها الأُولى حول أبي هريرة وغرائب مروياته.
ولا شكّ أنّ المعتزلة يمثلون جزءاً لا يُجتزأ من سلف الأُمة ومجتهديها الأعلام، ولا يمكن لمنصف أن ينكر فضلهم وعلمهم وجهادهم باللسان والقلم في الدفاع عن الإسلام في وجه خصومه ومهاجميه من الملاحدة وأهل الملل والأديان المخالفة، وهذا ما قرره لفيف من علماء الإسلام ومفكّريه في هذا القرن، ومنهم عدد من أعلام علماء الأزهر الشريف، أذكر على سبيل المثال لا الحصر فضيلة الشيخ عبد الجليل عيسى أبو النصر شيخ كلّيتيّ أُصول الدين واللغة العربية بالأزهر الشريف سابقاً وعضو مجمع البحوث الإسلامية فيه في كتابه: «ما لا يجوز الخلاف فيه بين المسلمين».
وقد أحسن العلاّمة محمد رشيد رضا، قبل ذلك، الدفاع عنهم في مجلته المنار مبيّناً أنّهم من المجتهدين المثابين على اجتهادهم إمّا بأجر واحد إن أخطؤوا، أو بأجرين إن أصابوا، مثلهم مثل سائر المجتهدين من أُمّة محمد(1)، كما بين أنّه من الخطأ تصور أنّ مذهبهم اندثر، فالزيدية

1 . راجع دفاعه عنهم وإنصافه بحقهم في الجزء12 من المجلد16 من مجلته المنار: الصفحات:839ـ 848، و 913ـ 928.

صفحه 69
والإباضية ثمّ الإمامية، الذين يشكلون مئات الملايين من المسلمين، هم في أغلب آرائهم الكلامية ـ خاصة في التوحيد والصفات والعدل الإلهي ـ مع المعتزلة.
كما أنّ لمنهج المعتزلة العقلاني عديداً من المؤيدين في أوساط أعلام أهل الفكر المعاصرين من أهل السنة في مصر و الأُردن والشام وغيرها من بلاد الإسلام، استحسنوا في كتاباتهم آراء المعتزلة، وأبدوا إعجابهم بعقلانيتهم في التفكير، وصرحوا برجحان كثير من عقائدهم ومواقفهم، انكب بعضهم على تحقيق تراثهم ونشره: أذكر منهم، على سبيل المثال لا الحصر، بعض الأسماء اللامعة: فمنهم الأُستاذ أحمد أمين، والأُستاذ فؤاد السيد (رئيس قسم إرشاد وباحثي المخطوطات بدار الكتب المصرية) والدكتور عبد الكريم عثمان، والدكتور أحمد محمود صبحي (أُستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة الإسكندرية) والدكتور محمد عمارة، صاحب المؤلفات العديدة والذي كان عنوان رسالته للماجستير: «المعتزلة ومشكلة الحرية الإنسانية» ....(1)
( فَبِـأَيِّ حَـديـث بَعْـده يُـؤْمِنُـون).(2)

1 . نحو تفعيل قواعد نقد متن الحديث لإسماعيل الكردي:243ـ 260، ولكلامه صلة فمن أراد فليرجع إليه.
2 . الأعراف:185.

صفحه 70

3

مواجهة المستعمرين

لم يقتصر جهاد السيد (رحمه الله) على الجانب العلمي والفكري فقط، بل ضمّ إليه نضاله ضد الاستعمار، وذلك عندما انسحبت قوات الخلافة العثمانية من البلاد العربية بعد الحرب العالمية الأُولى عام 1917م، وحلّت مكانها قوات الحُلفاء وتقسّم العالم الإسلامي إلى دويلات صغيـرة تقاسمها الحلفاء بينهم، وصارت بلاد الشام تحت الانتداب الفرنسي.
فعند ذلك أحسّ السيد شرف الدين(رحمه الله) بأنّ الأخطار محدقة بالإسلام والمسلمين، فنهض بعزم صارم إلى محاربة الاستعمار ودعوة الجماهير(السنّة منهم والشيعة) إلى طرد الحكام ورفض حكومة الانتداب فلاقى في هذا الطريق ما لاقى ممّا لا يمكن تبيينه في هذا المقال.
يقول المحقّق الخبير بحياة السيد (الشيخ مرتضى آل ياسين): إنّ خدماته العظيمة في العهد التركي، ثمّ في العهد الفرنسي، ثمّ في أيام

صفحه 71
الاستقلال، كانت امتداداً لحركات التحرير، وارتقاء بها نحو كلّ ما يحقّق العدل ويوطد الأمن،... ولعلّ المحن التي كابدها هذا الإمام الجليل في سبيل إسعاد قومه، لم يكابد نارها إلاّ أفذاذ من زعماء العرب وقادتهم، ممّن أبلوا بلاءه وعانوا عناءه.
وناهيك بما فاجأته به سلطة الاحتلال الفرنسي حين ضاقت به ذرعاً، إذ أوعزت إلى بعض جفاتها الغلاظ باغتياله. واقتحم ابن الحلاج عليه الدار في غرة، وهو بين أهله وعياله، دون أن يكون لديه أحد من أعوانه ورجاله، ولكن اللّه سبحانه وتعالى أراد له غير ما أرادوا، فكفّ أيديهم عنه، ثمّ تراجعوا عنه صاغرين يتعثرون بأذيال الفشل والهوان، وما كاد يذيع نبأ هذه المباغتة الغادرة في عاملة، حتى خفت جماهيرهم إلى صور، تزحف إليها من كلّ صوب وحدب، لتأتمر مع سيدها فيما يجب اتخاذه من التدابير إزاء هذا الحادث، غير أنّ السيد صرفهم بعد أن شكرهم، وأجزل شكرهم، وارتأى لهم أن يمروا بالحادث كراما.
ثمّ تلا هذا الحادث أحداث وأحداث اتّسع فيها الخرق، وانفجرت فيها شقّة الخلاف، حتى أدّت إلى تشريد السيد بأهله ومن إليه من زعماء عاملة إلى دمشق، وقد وصل إليها برغم الجيش الفرنسي الذي كان يرصد عليه الطريق، إذ كانت السلطة الغاشمة تتعقّبه بقوة من قواتها المسلحة لتحول بينه و بين الوصول إلى دمشق، وحين يئست من القبض عليه، عادت فسلّطت النار على داره في (شحور)

صفحه 72
فتركتها هشيماً تذروه الرياح، ثمّ احتلت داره الكبرى الواقعة في (صور) بعد أن أباحتها للأيدي الاثيمة، تعيث بها سلباً ونهباً، حتى لم تترك فيها غالياً ولا رخيصاً، وكان أوجع ما في هذه النكبة تحريقهم مكتبة السيد بكلّ ما فيها من نفائس الكتب واعلاقها، ومنها تسعة عشر مؤلفاً من مؤلفاته، كانت لا تزال خطية إلى ذلك التاريخ.

في دمشق

وظل في دمشق تجيش نفسه بالعظائم، وتحيط به المكرمات، في أُبّهة من نفسه، ومن جهاده، ومن إيمانه، وكان في دمشق يومئذ مداولات ملكية، واجتماعات سياسية، وحفلات وطنية، تتبعها اتّصالات بطبقات مختلفة من الحكومة والشعب، كان السيد في جميعها زعيماً من زعماء الفكر، وقائداً من قادة الرأي، ومعقداً من معاقد الأمل في النجاح.
وله في هذه الميادين مواقف مذكورة، وخطابات محفوظة، سجلها له التاريخ بكثير من الفخر والإعجاب.
ولم يكن بد من اصطدام العرب بجيش الاحتلال، فقد كانت الأسباب كلّها مهيّأة لهذا الاصطدام; حتى إذا التقى الجمعان في «ميسلون» واشتبكا في حرب لم يطل أمدها ودارت الدائرة على العرب لأسباب نعرض عنها، غادر السيد دمشق إلى فلسطين ومنها إلى مصر بنفر من أهله، بعد أن وزع أُسرته في فلسطين بين الشام; و بين أنحاء

صفحه 73
من جبل عامل، في مأساة تضيف أدلة إلى الأدلة على لؤم، فقد ظل ثقل من أهله الذين ذهبوا إلى «عاملة» يجوبون الفلوات والوديان في «عاملة» ليالي وأياماً لا يجدون بلغة من العيش يحشون بها معد صغارهم الفارغة على أنّهم يبذلون من المال أضعاف القيمة، ويبسطون أكفّهم بسخاء نادر، وأخيراً لم يجدوا حلاً بغير توزيع قافلتهم في الأطراف المتباعدة، بين من بقي من أوليائهم وأصدقائهم على شيء من الوفاء أو الشجاعة.

في مصر

وحين وصل مصر احتفلت به، وعرفته بالرغم من تنكره وراء كوفية وعقال، في طراز من الهندام على نسق المألوف من الملابس الصحراوية اليوم; وكانت له مواقف في مصر وجهت إليه نظر الخاصة من شيوخ العلم، وأقطاب الأدب، ورجال السياسة، على نحو ما تقتضيه شخصيته الكريمة.
ولم يكن هذا أوّل عهده بمصر فقد عرفته مصر قبل ذلك بثمان سنين، حين زارها في أواخر سنة تسع وعشرين، ودخلت عليه فيها سنة ثلاثين وثلاثمائة وألف هجرية، في رحلة علمية جمعته بأهل البحث، وجمعت به قادة الرأي من علماء مصر، وعقدت فيها بينه و بين شيخ الأزهر يومئذ ـ الشيخ سليم البشري ـ اجتماعات متوالية

صفحه 74
تجاذبا فيها أطراف الحديث، و تداولا جوانب النظر في أُمّهات المسائل الكلامية والأُصولية، ثمّ كان من نتاج تلك الاجتماعات الكريمة هذه «المراجعات» التي نحن بصددها.

في فلسطين

وحدثت ظروف دعته إلى أن يكون قريباً من عاملة، فغادر مصر في أواخر سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة وألف هجرية إلى قرية من فلسطين تسمى (علما) تقع على حدود جبل عامل، وفي هذه القرية هوى إليه أهله وعشيرته، ولحق به أولياؤه المشردون في هذا الجهاد الديني الوطني، فكانوا حوله في القرى المجاورة. وكان في (علما) كما يكون في جبل عامل من غير فرق، كأنّه غير مبعد عن داره وبلده، يتوافد إليه الناس من قريب ومن بعيد، ولا يكاد يخلو منزله من أفواج الناس، فيهم الضيوف، وفيهم طلاب الحاجات، وفيهم رواد القضاء، والفقه، وفيهم من تستدعه الحياة السياسية أن يعرف ما عند السيد من وجه الرأي.
وانسلخت شهور في (علما) تصرفت فيها الأمور تصرفاً يرضي السيد بعض الرضا، وأُبيح للسيد أن يعود إلى عاملة بعد مفاوضات أدّت إلى العفو عن المجاهدين عفواً عامّاً، وإلى وعد من السلطة بإنصاف جبل عامل، وإنهاضه، وإعطائه حقوقه كاملة.

صفحه 75

العودة

وحين اطمأنّت نفسه بما وعدته به السلطة، عاد إلى جبل عامل، ولم تسمح نفسه بأن يعود والمجاهدون مبعدون، لذلك جعل بيروت طريق عودته ـ وطريقه بعيدة عنها ـ ليستنجز العفو العام عن المجاهدين، وكذلك كان، فإنّه لم يخرج من بيروت حتى كان المجاهدون في حل من الرجوع إلى وطنهم وأهليهم.(1)

1 . مقدمة كتاب «المرجعات» بقلم آية اللّه الشيخ مرتضى آل ياسين.

صفحه 76

4

كلمات الأعاظم في حقّ السيد

الحق أنّ شخصية شرف الدين ومكانته العلمية وشخصيته الجليلة ونضاله ضد المستعمرين والملحدين أظهر من أن تخفى على من له إلمام بتاريخ العلم والعلماء.
ونقتصر في المقام ـ إكمالاً للبحث ـ ببعض كلمات الثناء والتقدير الّتي ذكرها العلماء في حقّه.
هذا هو آية اللّه المحقّق الخراساني (1255ـ 1329هـ) صاحب المدرسة الأُصولية، المعروف بكثرة الإنتاج والتخريج، يعرّف تلميذه الجليل شرف الدين في إجازة خاصّة له، بما يلي:

كلمة المحقّق الخراساني في حقّه

«وإنّ سيادة السيد السند، والثقة الفقيه المجتهد المنزّه من كلّ شين، سيد عبد الحسين شرف الدين الموسوي ـ شد اللّه أركانه وأعطاه يوم

صفحه 77
القيامة أمانه ـ مجتهد مطلق، وعدل موثّق قد أصبح من أهل الذكر الذين ترجع إليهم العباد، وترقّى من حضيض التقليد إلى أوج الاجتهاد، فخفقت ألوية النيابة عليه، وألقت بأزمّتها إليه، وحرم عليه التقليد، ووجب عليه العمل برأيه السديد، فليمتثل المؤمنون أمره ونهيه، وليرجعوا إليه في أموالهم، ويفزعوا إليه في سائر أفعالهم، فإنّه حجّة عليهم، ماضية فيهم حكومته ونافذ قضاؤه، ويحرم الردّ عليه فإنّ الرادّ عليه رادّ على اللّه، وهو على حدّ الشرك باللّه; والمأمول منه أن يسلك جادّة الاحتياط فإنّها سبيل النجاة، واللّه الموفق وهو حسبنا ونعم الوكيل».

كلمة الحجّة الطهراني

يقول الشيخ آقا بزرگ الطهراني في ترجمته: لقد كان المترجم له مأثرة من م آثر الوقت، وآية كبرى ازدهر بها العصر الحاضر، وحسْب هذا القرن مفخرة أن ينبغ فيه مثل هذا العبقري الفذّ، وحسْب «عاملة» أن تقل باحتها علَماً خفاقاً للدين وسيفاً مشهوراً للهدى مثله من بقايا العترة الطاهرة(عليهم السلام).
فلقد فاق أقرانه بثروة علمية طائلة، وقوة في العارضة، وفلج في الحجة، ورصانة في الاسلوب، وجودة في السرد، واهتداء إلى المغازي الشريفة والدقائق البعيدة المرمى، و الغايات الكريمة، فماذا يقول الواصف فيه، أهو مجتهد فاضل، أم متكلم بارع، أم فيلسوف بحر محقّق،

صفحه 78
أم أُصولي ضليع، أم مفسر كبير، أم محدث صدوق، أم مؤرخ ثبت، أم خطيب مصقع، أم باحث ناقد، أم أديب كبير؟ نعم هو كلّ ذلك أضف إليه:أنّه ذلك المجاهد الدائب على المناضلة دون الدين والمكافح المتواصل دفاعه عن المذهب الحق، تشهد له بذلك كلّه المحابر والمزابر، والكتب والدفاتر، والخطب والمنابر، وأعماله الناجعة، ومحاضراته البديعة، وحجاجه الدامغ.(1)
ولعلّ في هذه الكلمة من معاصره الخبير بالرجال، الغنى والكفاية.
وقد ترجم في «موسوعة طبقات الفقهاء» ووصف فيها بالنحو التالي:
كان فقيهاً مجتهداً محدثاً خطيباً مفوهاً أديباً بارعاً من كبار الدعاة إلى الوفاق بين المسلمين.(2)

الإمام الخميني والسيد شرف الدين

قضى السيد الراحل حياته بجلائل أعماله وعظيم مواقفه إلى أن لبّى دعوة ربه عاشر جمادى الآخرة سنة 1377هـ، فخسره المسلمون زعيماً كبيراً من رجالات الأُمّة وبطلاً من أشهر أبطالها، وقد أحدثت

1 . نقباء البشر:3/1083.
2 . موسوعة طبقات الفقهاء: 14/318.

صفحه 79
وفاته، ثلمة في الدين، وأُقيمت له الفواتح في مختلف البلاد، ومنها مجلس الفاتحة الذي أقامه السيد البروجردي في مسجد الحرم الشريف لكريمة أهل البيت (عليهم السلام) في قم المقدسة، ولم يطّلع السيد الإمام الخميني(قدس سره) على إقامة الفاتحة ذلك اليوم، فجاء بنية إلقاء درسه اليومي في أحد المساجد المعروفة في قم (مسجد السلماسي)والذي يلقي فيه دروسه يومياً، فأخبرناه بمجلس الفاتحة، فقال: نحن نجمع بين الحقّين: الدراسة والحضور في الفاتحة، فألقى شيئاً من محاضرته، ثمّ تحدّث عن خدمات السيد شرف الدين، وممّا ذكره: «أنّه كان سيفاً مسلولاً على أعداء اللّه»، ثمّ توجّه بعد ذلك هو وطلاب درسه إلى مجلس الفاتحة لأجل المشاركة فيه.
وعند وصولنا إلى المجلس نُبِّئنا أنّ الفاتحة كانت في وقتها الأخير، فلمّا ورد السيد الإمام المجلس والتلاميذ من ورائه فكأنّه قد انعقد مجلس الفاتحة من جديد للسيد الراحل.

صفحه 80

5

مؤلفاته وآثاره

امتازت مؤلفات السيد بالعمق والاستيعاب والمتانة والأدب الرفيع، نذكر منها ما هو الأهم:
1. شرح تبصرة المتعلّمين في الفقه للعلاّمة الحلي في ثلاثة أجزاء.
2. المسائل الفقهية.
3. تحفة الأصحاب في طهارة أهل الكتاب.
4. رسالة في منجزات المريض.
5. رسالة في المواريث.
6. تعليقة على مبحث الاستصحاب من فرائد الأُصول للشيخ الأنصاري.
7. المراجعات.
8. تعليقة على صحيح البخاري في مجلد واحد.
9. تعليقة على صحيح مسلم في مجلد واحد.

صفحه 81
10. أبو هريرة.
11. النص والاجتهاد.
12. الفصول المهمة في تأليف الأُمّة.
13. المجالس الفاخرة في م آتم العترة الطاهرة، في أربعة أجزاء.
14. رسالة حول الرؤية.
15. رسالة فلسفة الميثاق والولاية.
16. رسالة الكلمة الغراء في تفضيل الزهراء.
17. بغية الراغبين في سلسلة آل شرف الدين.
18. أجوبة مسائل موسى جار اللّه.
19. تحفة المحدّثين في من أخرج عنه السنّة من المضعّفين.
20. سبيل المؤمنين في الإمامة في ثلاث مجلدات.
ومن رغب الاطلاع على كافة مؤلفاته فليرجع إلى كتاب «نقباء البشر» ج3، ص 1086ـ 1087.

السيد البروجردي وكتاب المراجعات

صدر كتاب المراجعات إلى الأسواق عام 1355هـ، ثمّ تلت الطبعة الأُولى طبعات أُخرى بعد مضي عقد من السنين، ولم يكن السيد البروجردي مطّلعاً عليه، وقد قدّم الكتاب إليه أحد أساتذة الحوزة العلمية وهو آية اللّه السلطاني، فأخذه السيد (قدس سره)بإجلال وإكبار، فلمّـا جلس لمطالعته ليلاً أسرته جاذبيته وأخذت بمجامع قلبه، فاستغرق في

صفحه 82
مطالعته إلى أن بلغ الصفحة الأخيرة من الكتاب وقد مضى هزيعاً من الليل.
ولما التقى صبيحة تلك الليلة بالسيد السلطاني أعرب له عن إعجابه بالكتاب، وتقريره الهادئ وفي الوقت نفسه الصارم والقاطع لحجة المناظر.
ثمّ إنّ السيد السلطاني أخبر السيد البروجردي أنّ للسيد شرف الدين كتاباً آخر وهو كتاب «النص والاجتهاد»، أثبت فيه أنّ المسلمين الأُول خصوصاً المُنتمين منهم لمدرسة الخلفاء كانوا يقدّمون المصالح على النصوص، وانّ السيد(رحمه الله) قد استقصى موارد هذا النوع من الاجتهاد بمعنى العمل بالسلائق في مقابل الكتاب والسنة، فسعد السيد البروجردي بهذا الكتاب وتحمّل نفقة طبعه وصدر إلى الأسواق مرات عديدة.

صفحه 83

6

نماذج من رشحات قلمه الفياض

إنّ للإمام شرف الدين وراء ما ألّف وصنّف في موضوعات مختلفة، رسائل إخوانية إلى أعلام عصره وفطاحل زمانه، لو جمعت في مكان واحد لشكّلت كتاباً مفرداً.
ونحن نعرض في هذا الفصل نماذج من رشحات قلمه الفياض التي تعلوها بلاغة علوية، وكلمات عذبة وجميلة موجزة تحتوي أرقى المعاني، كما أنّ مكاتباته مع علماء مختلف البلدان تعرب عن أنّه كان قطباً تدور عليه رحى الفضل والأدب، وأنّه كان مفزعاً لحل المشاكل العلمية، غير أنّ المجال لا يتسع لعرض جميع هذه الرسائل، لذا نقتصر على رسائل ثلاث:
الأُولى: رسالته التأبينية إلى آية اللّه صدر الدين الصدر المقيم بمدينة قم.
الثانية: رسالته إلى الخطيب المصقع الحاج عباس قلي الواعظ

صفحه 84
الچرندابي التبريزي حول نشر كتاب «أوائل المقالات» ، و«تصحيح الاعتقاد » للشيخ المفيد.
الثالثة: تقريظه لكتاب «الغدير» للعلاّمة الأميني.
وهذه الرسائل تعرب عن أدبه الجمّ وقدرته الفائقة على صبّ المعاني والأفكار في قوالب رصينة. وإليك نصوص تلك الرسائل:

صفحه 85

1

رسالته التأبينية إلى آية اللّه

السيد صدر الدين الصدر في وفاة أحد أقربائه:

بسم اللّه تعالى
سندي وكهلي والبقيّة من أهلي، لك البقاء وبك العزاء، وأنت الأُسوة وبك القدوة، ولا حول ولا قوّة إلاّ باللّه العليّ العظيم.
ألا أيّها الموت الّذي ليس تاركي *** أرحـني فقـد أفنيت كلّ خليـل
أراك بصـيراً بـالّـذيـن أُحبّهـم *** كأنّك تنحــو نحـوهم بـدليـل
لا غـرو أن سئمت الحياة الدّنيا، وعزفت نفسي عنها، فإنّ فقدان الأحبة، وثكلان الأعزة، يوجب ذلك بحكم الفطرة والجبلّة، وما عليّ من معرّة إذا ما مللت عمري، وسئمت حياتي، وتفطرت حرقاً، وتفجرت علقاً، فمن لي بالجلد، وأين لا أين يوجد، وأحبابي سَفر، وأترابي ظعن، والدار قفر، والجناب صفر.
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا *** أنيس ولـم يسمـر بمكـة سـامـر
فآه وأُوّاه على إخواني مصابيح دجى العالم، ومقابيس هدى بني

صفحه 86
آدم، أعلام الدين من آل الصدر وياسين.
سبقوا هواي وأعنقوا لهواهم *** فتُخِرِّموا ولكلّ جنب مصرع
فللعين القذى، وللحلق بعدهم الشجى، واللّيل مسهد، والحزن سرمد، أو يختار اللّه لي دارهم التي ظعنوا إليها.
أيجيب مني القلب داعـي سلـوة *** وهو الأصم الوقـر عـن نغماتـها
أيقـاد سلس القـود نحـو نـديّها *** فبعـوج شامسـه على أبيــاتـها
هيهــات يقعــده السلو وغـدوة *** عنـه الأحبة هجهجت جسراتها
هيهات هيهات، وقد أومض برق العراق، بصاعقة اقشعرت لهولها الآفاق، فاضطربت الحواس، وانخلعت بها قلوب الناس فإنّا للّه وإنّا إليه راجعون.
قضى إمام الأُمة، ومفزعها في كلّ ملمة، وطريقها الفاصل، بين الحقّ والباطل، قضى واللّه فصل خطابها، ومَفصل صوابها، قضى شخص العلم والعمل، ومناط الرجاء والأمل.
مصاب عظيـم هـو لـه بلـغ السّمـا *** وخطب جسيم صير الدّهر في عمى
اندك الطود الذي يُمسك اللّه به الأرض أن تميد، وبه يُغيث الناس فيمطرهم رحمةً وفضلاً، فإذا صبري قتيل، وأمري عويل، وحياتي

صفحه 87
شقاء، وكلّ ما حولي ثكل وبكاء.
ويا لهف أرضي وسمائي على بقية سلفنا الهاشمي، وتليّة شرفنا الفاطمي المفداة، تأخذها القارعة تلو القارعة وقد بلغت من الكبر عتيا، رحماك اللّهم ربّنا وحنانيك في أُمتك هذه الضعيفة وابنة عبديك وأنت أعلم بها وارحم ولك عليها
سوابق النعم، أشبلتها الضراغم لتكون بينهم أعزّ من جبهة الأسد، اللّهم فافرغ عليها من الصبر ما تستوجب به أعظم الأجر، وأورف عليها من ظلال علميها ما تتقلب فيه على مهاد الدّعة، وتستظل فيه تحت سماء العز على ما لها من الباقيات الصالحات فإنّها خير عندك ثواباً وخير أملاً.
أمتع ربّنا عبادك بآيتك فيهم وحجتك عليهم «صدر الدين» و إمام المسلمين، واجعله ثمال الباقين كما جعلته مثال الماضين، إنّك ذو الفضل العظيم والمن الجسيم وأنت أرحم الراحمين.
صور ـ 15شعبان المعظم سنة 1370
عبد الحسين شرف الدين الموسوي
وفي هامش الرسالة:
إلى الآن لم تصل هديتكم المشكورة ـ كتاب المهدي عجّل اللّه فرجه ـ ومتى وصلت سنأثر بها جماعة (حول حلب) قد استبصروا ولاية وبراءة فهم بهذه الهدية أولى.
أمّا «بغية الراغبين» فربما نطبعها في إيران حين التشرف بزيارة المشهد المقدس وبخدمتكم، ولعلّ ذلك يكون قريباً إن شاء اللّه تعالى.

صفحه 88

2

رسالته إلى الشيخ الواعظ الچرندابي

حول نشر كتاب أوائل المقالات للشيخ المفيد(1)

بسم الله الرحمن الرحيم
أخي في اللّه عزّ وجلّ الحاج الشيخ عباس قلي الواعظ الچرندابي
شكر اللّه سعيك الدائب في نصر الحقّ، وعزمك المرهف في نشره، وسلام عليك فاضلاً باسلاً مناضلاً عن الحقيقة، جادّاً فيما يوجب السعادة، مجتهداً في الوعظ نصحاً وإرشاداً وإفادة ورحمة اللّه وبركاته.
فزنا اليوم بكتابك المستطاب مؤرخاً 9 ربيع الثاني سنة 1364 وقبله بأُسبوع كانت لنا الحظوة بالهدية السنية ـ أوائل المقالات في المذاهب والمختارات، و تصحيح الاعتقاد ـ لمؤلفهما إمام الأُمّة وممثل أهل العصمة شيخنا ومولانا أبي عبد اللّه محمد بن محمد بن

1 . أوائل المقالات; الطبعة الثانية، مكتبة حقيقة في تبريز.

صفحه 89
النعمان الحارثي المعروف بالشيخ المفيد أعلى اللّه مقامه، ولعمري إنّك اجملت الصنع إذ بعثت هذين المصحفين من مرقدهما المجهول فأوليت الأُمّة بذلك علماً جماً، وازدرعت في الدنيا الإسلامية خيراً كثيراً وخولتها نعمة عظيمة.
تصفحت «أوائل المقالات» أنعم فيها النظر سبراً لغورها، وقلبتها ظهراً لبطن عجماً لعودها، فإذا هي فرقان محكم الوضع، غزير المادة، معتدل الأساليب، متناسق التبويب، جزيل المباحث، جليل العوائد، داني القطوف، عذب المورد، ناصع البيان، تدرك مقاصده على غير مؤنة ولا إرهاق خاطر، تؤيده الحجج الملزمة والبينات المسلمة، وقد طوى على نحو تسعين مقالة هي موضوع البحث ومحل النزاع بين الشيعة الإمامية وغيرهم من سائر الفرق المسلمة، ظهر فيها مقطع الحق، وبان بها مشعب السداد، وقد استظهر مؤلفها ـ شيخ الأُمّة ومفيدها ـ على خصومه فيها بحكم العقل والنقل، فإذا مقالاته مفصل الصواب وفصل الخطاب، وإذا هي الحد الفاصل بين الحقّ والباطل، وإذا خصمه فيها صاغر قميء قد خصم فخطم والحمد للّه ربّ العالمين.
ثمّ استقرأت «تصحيح الاعتقاد أو شرح عقائد الصدوق» فإذا هو كسابقه لا شبهة فيه لمعتدل، ولا مطعن به لمنصف، ولا سبيل عليه لفاضل فاصل، يستسلم للبيّنات والدلائل من مؤالف أو مخالف، ولا غرو فيما يخرجه قلم شيخنا المفيد أن يكون الغاية ليس وراؤها مذهب

صفحه 90
لطالب ولا مراغ لمستفيد، فقد كان أعلى اللّه مقامه أقضى قضاة محاكم المعقول والمنقول، وأمضى فياصل الحق من أولياء آل الرسول، ولو وجبت العصمة لغير الأنبياء وأوصيائهم لكان أوّل من وجبت له بعدهم(عليهم السلام)، فكتبه كلّها هدى ونور وشفاء لما في الصدور، ونحن نشكر لك نشر الرسالتين، ونقدر إتحافك إيانا بهما، ونكبر جزيل فوائدك، ولا ننسى جميل عوائدك، وفقك اللّه لتأييد الحقّ ونصره وسهل لك أسباب إذاعته ونشره.
صور ـ لبنان
في 5 جمادى الآخرة سنة 1364
عبد الحسين شرف الدين الموسوي

صفحه 91

3

تقريظه لموسوعة الغدير(1)

بسم الله الرحمن الرحيم
حجّة الإسلام العلاّمة الثبت المجاهد (الأميني) أعزَّه اللّه وأعزَّ به
تحيّة طيّبة وسلاماً كريماً.
أشعر أنّ لك عليَّ واجباً يتجاوز حدود القول في تقريظ (الغدير) موسوعتك النادرة، والثناء عليها بوصفها مجهوداً ثقافيّاً منقطع النظير.
فالقول في هذا ونحوه أدنى ما يُستقبل به جهادك، وأقلّ ما يوزن به تتبّعك واستيعابك، أمّا الذي يعطيك كفاء حقّك في هذه الموسوعة الفاضلة فتقديرٌ يبلّغ الأُمّة انّك من أبطالها الأقلّين، ويدعوها من أجل هذا إلى شدِّ أزرك وإرهافك في سبيلك النيّر الخيِّر هذا، إنصافاً للقيم التي توشك أن تضيع فتُضيع; ومتى ضاعت وأضاعت فقد خسرت الحياة «مثلها الأعلى» وعادت بعده تافهة، لأنّها تخلو آنذاك من حقّ وخير

1 . نشر هذا التقريظ في مقدّمة الطبعة الثالثة (لموسوعة الغدير) المطبوعة في دار الكتاب العربي، بيروت، 1387هـ ـ 1967م.

صفحه 92
وجمال، أي تخلو ممّا يحبِّب الحياة ويرفعها، ويدلّ على أقدارها.
موسوعتك (الغدير) في ميزان النقد وحكم الأدب عملٌ ضخمٌ دون ريب، فهي موسوعةٌ لو اصطلح على إبداعها عدّة من العلماء وتوافروا على إتقانها بمثل هذه الإجادة لكان عملهم مجتمعين فيها كبيراً حقّاً.
ولكنّي ما سقت كلمتي لأقول هذا، وإنّما سقتها لأُشير إلى هذه الناحية الخطيـرة مـن حياتنـا المفكّكة داعياً إلى التشدُّد، والالتفات حول الحفنة الباقية من رجال الفكر الإسلامي ممّن يجيلون أقلامهم في علومنا وآثارنا بفقه وحبّ.
فليس شيء عندي أخطر على هذا الفكر الولود من التفرُّق عن رجاله، لأنّ التفرُّق عنهم نذير بعقم نتاجه، وقطع حلقاته، فالتفرُّق عنهم بمعناه تفريق للحواضر والبواعث التي تتَّصل بها حياة الحقّ في طبائع الأشياء وظواهر السنن.
وليس أفجع لحضارة الشرق بل لحضارة الإنسان من عقم هذا النتاج وقطع هذه الحلقات.
فإذا دعـونا إلى مؤازرتـك والـوقوف إلـى جـانبك في شقّ الطريق بين يدي (غـديرك) فإنّنـا ندعوا في واقع الأمر إلى خدمة فكرة كلّية ترتفع بها شخصيّة الأُمّة كاملة، آملين أن يرى المفكّرون بك مثلاً يشجعهم بحياة الأُمّة حولك، وحسن تقديرها لك، أن يخدموا الحقّ الذي خدمته لوجه

صفحه 93
الحقّ خالص النيّة.
أقف هنا لأقول: إنّ قمَّة (الهرم) في عملك الجاهد القيِّم إنّما هي حبُّك له حبّاً يدفعك فيه إلى الأمام في زحمة من العوائق والمثبِّطات، وهي خصلةٌ في هذا العمل الكبير تُعيد إلى الذهن دأب أبطالنا من خدّام أهل البيت وناشري علومهم وآثارهم، ذلك الدأب الذي أمتع الحياة بأفضل مبادئ الإنسانيّة من معارفهم النيِّرة.
أمّا الجوانب الفنيّة فقد نسجتها نسج صناع، وهيّأت لقلمك القويّ فيها عناصر التجويد والإبداع في مادّة الكتاب وصورته، وفي أدواتهما المتوفّرة على سعة باع، وكثرة اطّلاع، وسلامة ذوق، وقوّة محاكمة، أمامك، حفظك اللّه وأعانك.
14 ذو الحجّة 1368
عبد الحسين شرف الدين الموسوي

صفحه 94

7

السيد شرف الدين والتقريب بين المسلمين

إنّ التقريب بين المسلمين من الآمال الّتي يطمح إليها كلّ مسلم مخلص عارف بالقضايا الراهنة، وممّا يحز بالنفس أن نرى أبناء أُمّة واحدة تجمعها روابط كثيرة، متشتّتين مختلفين لا يتعاونون تعاون الإخوة، وقد خاطبهم اللّه سبحانه وتعالى بقوله: (إِنَّ هـذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُون).(1) وجعلهم الكتاب إخوة متعاطفين وقال: (إِنّما المُؤْمُنُونَ إِخْوَة)(2)، ومع ذلك نرى التشتت والتمزق متفشّيْن فيهم.
ولدرء هذا الخطر قام في أواسط القرن الرابع عشر جماعة ـ إحساساً منهم بخطورة الموقف ـ بتأسيس دار التقريب بين المذاهب الإسلامية في القاهرة، وعلى رأسهم الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر من أهل السنّة والسيد شرف الدين من الشيعة.

1 . الأنبياء:92.
2 . الحجرات:10.

صفحه 95
وقد نشرا مقالات حول التقريب وتبيين المشتركات، وأنّ المسائل الخلافية لا تضر بوحدة الكلمة وتوحيد الأُمّة.
وهذا ما يظهر من مقالاته المنتشرة في مجلة رسالة الإسلام.
ومع ذلك كلّه ليس التقريب عنده بمعنى تذويب السنّة في الشيعة أو بالعكس، فإنّ التقريب شيء والتذويب شيء آخر، فالسيد من دعاة التقريب لا من دعاة التذويب، فإنّ الثاني أمر مستحيل في الظروف الحاضرة والأوّل أمر ممكن.
ولذا نراه ـ مع أنّه يكتب مقالات في التقريب وألّف كتاب: «الفصول المهمة في تأليف الأُمّة» الّذي طبع في صيدا عام 1330هـ ـ يرد على موسى جار اللّه الّذي افترى على الشيعة برسالة خاصّة أسماها: «أجوبة مسائل موسى جار اللّه» الّتي طبعت في صيدا عام 1355هـ، كما أنّه ألّف رسالة باسم: «رسالة إلى المجمع العلمي العربي بدمشق» والّتي طبعت في صيدا سنة 1370هـ، وقد ردّ بها على الأُستاذ محمد كرد علي رئيس المجمع عندما تعرض لآل البيت(عليهم السلام) في مقال نشره في مجلة المجمع.
هذا بعض ما تيسّر لنا كتابته تقديماً للمؤتمر الّذي أُقيم إجلالاً له في اليومين الثالث و الرابع من صفر المظفر عام 1426هـ في قم المشرفة في قاعة مدرسة الإمام الخميني(رحمه الله).

صفحه 96
ونحن نعترف بتقصيرنا أو قصورنا عن بيان ما للسيد الراحل من فضائل ومناقب وخدمات وبطولات.
فسلام اللّه عليه يوم ولد ويوم مات ويوم يبعث حياً.
جعفر السبحاني
قم المشرفة
صفر المظفر 1426هـ

صفحه 97

فهرس المحتويات

الإمام شرف الدين   …5
باحثاً ومجاهداً وداعية للإصلاح والوفاق   …5
   تمهيد   …9
الإمام شرف الدين   …9
باحثاً ومجاهداً وداعية للإصلاح والوفاق   …9
1. خصائصه ومنجزاته   …14
   1. كان رجلاً عالمياً   …14
   2. الاهتمام بتوعية الشيعة   …15
   3. فتح باب الحوار بين الطائفتين   …17
   4. اهتمامه بالفقه الأكبر   …20
   5. تبيين المسائل الخلافية   …21
   6. تأسيس منهج لتمييز الصحيح من الأحاديث   …24
2. رسائل متبادلة بين العلمين:   …28
عبد المتعال الصعيدي و السيد شرف الدين   …28
حول كتاب «أبو هريرة»   …28
«أبوهريرة»   …29
كتاب «أبو هريرة»   …32
حول أبي هريرة   …34
أبو هريرة والصعيدي   …36
كلمة أخيرة في أبي هريرة   …39
   دفاع عن الحقّ والحقيقة   …42
   التحديث بنصف ما حفظه   …46
   التدليس في الحديث   …46
   وشهد شاهد من أهلها   …50
   أ. أبو هريرة وروايته عن كعب الأحبار وتدليسه عنه   …51
   ج. علماء الكوفة وتركهم بعض ما يروى عن أبي هريرة   …65
   د. ارتياب عدد من أعلام المعتزلة القدماء في أحاديث أبي هريرة وتكذيب كثير من رواياته   …67
3. مواجهة المستعمرين   …70
   في دمشق   …72
   في مصر   …73
   في فلسطين   …74
   العودة   …75
4. كلمات الأعاظم في حقّ السيد   …76

صفحه 98
   كلمة المحقّق الخراساني في حقّه   …76
   كلمة الحجّة الطهراني   …77
   الإمام الخميني والسيد شرف الدين   …78
5. مؤلفاته وآثاره   …80
   السيد البروجردي وكتاب المراجعات   …81
6. نماذج من رشحات قلمه الفياض   …83
1. رسالته التأبينية إلى آية اللّه   …85
السيد صدر الدين الصدر في وفاة أحد أقربائه:   …85
2. رسالته إلى الشيخ الواعظ الچرندابي   …88
حول نشر كتاب أوائل المقالات للشيخ المفيد   …88
3. تقريظه لموسوعة الغدير   …91
7. السيد شرف الدين والتقريب بين المسلمين   …94
فهرس المحتويات   …97
Website Security Test