welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : الحجّ في الشريعة الإسلامية الغرّاء / ج 2*
تألیف :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الحجّ في الشريعة الإسلامية الغرّاء / ج 2

صفحه 1
بسم الله الرحمن الرحيم

صفحه 2

صفحه 3
الحجّ
في الشريعة الإسلامية الغرّاء

صفحه 4
هوية الكتاب
اسم الكتاب:   الحجّ في الشريعة الإسلامية الغرّاء
المؤلف:    آية الله جعفر السبحاني
الجزء:   الثاني
الطبعة:    الأُولى
المطبعة:    مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
التاريخ:   1426 هـ . ق / 1384 هـ . ش
الكمية:   2000 نسخة
الناشر:   مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الإخراج الفني في صفحة web   مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)ـ السيد محسن البطاط

صفحه 5
الحجّ
في
الشريعة الإسلامية الغرّاء
الجزء الثاني
تأليف
الفقيه المحقّق
آية الله الشيخ جعفر السبحاني
نشر مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 6
(فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ )   سورة التوبة-122

صفحه 7
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد للّه الذي أكمل دينه وأتمّ نعمته، والصلاة والسلام و التحية والرضوان على سيد المرسلين وخاتم النبّيين محمد وآله الطيّبين الطاهرين، الذين هم عيبة علمه وحفظة آثاره وسننه، صلاة دائمة.
أمّا بعد: فإنّه سبحانه تبارك و تعالى جعل الحجّ موسماً للعبادة، وفرصة لالتقاء المسلمين، الوافدين إلى الأراضي المقدّسة من كلّ فج عميق، ليتعلّموا معالم دينهم، ويتعارفوا بينهم، كما يقول سبحانه: (ليشْهَدُوا منافعَ لَهم). (1)
ومن هذه المنافع التقاء الإخوة في اللّه تعالى على صعيد واحد بعيداً عن جميع الاعتبارات الشخصية والاجتماعية والحواجز القومية والإقليمية والعرقية، تغمرهم مشاعر المحبة، وتجمعهم روح الأُخوة الصادقة الصافية.
و في هذا المشهد العظيم ( الذي يحتشد فيه ألوف المسلمين على اختلاف ثقافاتهم وألوانهم ولغاتهم) يتجسّد قوله سبحانه: ( إِنَّ هذهِ أُمّتكُمْ أُمّةً واحدةً وَأَنَا ربّكُم فاعبُدُون)(2) حيث يتفيّأون جميعاً ظلال الدين الواحد، وهو توحيده سبحانه، و الاعتراف بنبوة نبيه الخاتم، وكتابه المنزل، ورسالته الخالدة.
ولأجل هذه الآثار الهامّة في هذا الاجتماع العظيم يقول الإمام عليّ (عليه السلام) في

1 . الحج:28.
2 . الأنبياء:92.

صفحه 8
وصيّته للحسن والحسين(عليهما السلام): «أُوصيكما بتقوى اللّه ـ إلى أن قال: ـ واللّهَ اللّهَ في بيت ربّكم، لا تخلّوه ما بقيتم، فإنّه إن ترك لم تناظروا».(1)
ويقول الإمام الصادق(عليه السلام): «لا يَزال الدينُ قائماً ما قامت الكعبة» .(2)
وقد قام العلماء في كلّ عصر و قرن بدراسة أحكام الحجّ وتخريجاته على ضوء الكتاب والسنّة، وألّفوا كتباً ورسائل كثيرة لو رصفت على الرفوف لشكّلت مكتبة ضخمة.
وقد قمنا في الحوزة العلمية بقم المشرّفة بإلقاء محاضرات حول الحجّ على جمّ غفير من فضلاء الحوزة العلمية، على ضوء كتاب «العروة الوثقى» للفقيه الأكبر: السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزديّ ـ رضوان اللّه عليه ـ وقد خرج الجزء الأوّل من هذه الدروس فتناولته أيدي الفضلاء في داخل الحوزة وخارجها.
وانطلاقاً من مبدأ التقريب بين فقهاء المذاهب بعثنا نسخة من هذا الجزء إلى رئاسة شؤون الحرمين الشريفين في مكة المكرمة مرفقة برسالة إليك نصّها:

1 . نهج البلاغة، قسم الرسائل، الرسالة برقم 47.
2 . الوسائل:8، الباب 4من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث5.

صفحه 9
بسم اللّه الرحمن الرحيم
سماحة العالم الجليل الشيخ صالح بن عبد الرحمن الحصين المحترم ـ دامت معاليه ـ
رئاسة شؤون الحرمين الشريفين
السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
أرجو من اللّه سبحانه أن يوفّقكم لما فيه مرضاته، ويسدِّد خُطاكم، على طريق تحقيق الوحدة الإسلامية إنّه على ذلك قدير.
تقديراً لأخلاقكم السامية وعزيمتكم الصادقة في تقريب الخطى بين المسلمين أُهدي إليكم الجزء الأوّل من كتاب الحج، و هو جزء من محاضراتي في الفقه المقارن في الحوزة العلمية، والنظرة الثاقبة في المسائل المعنونة في هذا الجزء تكشف عن أنّ المشتركات بين الفريقين أكثر من غيرها، وما أصدق قول القائل: «ما يجمعنا أكثر ممّا يفرقنا».
أرجو من اللّه سبحانه لفضيلتكم الصحّة والعافية والسعي وراء الصالح العام للمسلمين.
ودمتم سالمين للإسلام وأهله.
والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
جعفر السبحاني
قم المقدسة: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الحادي عشر من جمادى الآخرة 1425هـ.

صفحه 10
وقد وقع الكتاب موقع اهتمام صاحب الفضيلة الشيخ صالح بن عبد الرحمن فبعث إلينا برسالة هذا نصّها:
بسم اللّه الرحمن الرحيم
سماحة العلاّمة النحرير الفقيه المحقّق الشيخ جعفر السبحاني دام علاه
السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته
وأدعو اللّه أن يديم عليكم نعمة الصحة والعافية، وقد تلقّيت رسالتكم اللطيفة بتاريخ 11جمادى الثانية 1425هـ ومعها هديتكم القيمة(الحجّ في الشريعة الإسلامية الغراء ) ولا شكّ كما تفضّلتم بأنّ عبادة الحجّ تتميز بكثرة مسائلها وتشعّب فروعها وأكثر مسائلها غير مأنوس ولا متكرر، كما لا أشك انّ هذا الكتاب القيّم وإن لم تتح لي قراءته بعد، فإنّه ينطبق عليه الوصف «وافر المقاصد جمّ المطالب»، كيف لا وهو تحرير عالم واسع الاطّلاع، عميق التفكير، صبور على مكابدة البحث، حريص على ما يجمع ولا يفرّق.
وكما دعا السيد المحقّق البروجردي فإنّي أدعو اللّه أن يؤلّف بين قلوب المسلمين ويجعلهم يداً على من سواهم ويوجّههم إلى أن يعملوا بقوله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّه جَميعاً وَلا تَفَرَّقُوا)وأن يجزيكم على ما قدمتم عظيم الأجر والثواب.
أُكرر شكري لكم وتقبّلوا لائق التحية والسلام من أخيكم
في 6/7/1425
صالح بن عبد الرحمن الحصين

صفحه 11
أشكره سبحانه على هذا العطف الذي ينم عن روح التقارب بين المسلمين، و أسأله سبحانه أن يجعل ذلك بادرة خير لاتّخاذ خطوات عملية في هذا الاتجاه، وأن يتفضّل عليهم بتوحيد الكلمة كما تفضّل بكلمة التوحيد، إنّه سبحانه قريب مجيب.
جعفر السبحاني
قم المقدسة

صفحه 12

صفحه 13
الفصل الرابع
في النيابة

صفحه 14

صفحه 15

في النيابة

لا إشكال في صحّة النيابة عن الميّت في الحجّ الواجب والمندوب، وعن الحيّ في المندوب مطلقاً وفي الواجب في بعض الصور.*
* قسم المصنّف الحجّ النيابي، إلى :الواجب والمندوب، وقسّم المنوب عنه إلى: الحيّ والميت، ثمّ رتّب عليه فروعاً ثلاثة:
1. تجوز الاستنابة في الحجّ المندوب عن الميت والحيّ.
2. تجوز الاستنابة في الحجّ الواجب عن الميت مطلقاً.
3. تجوز الاستنابة في الحجّ الواجب عن الحيّ في بعض الصور.
أمّا الأوّل: أي جواز الاستنابة في الحجّ المندوب، عن الميت والحيّ، فقد عقد صاحب الوسائل باباً بعنوان «باب استحباب التطوع بالحجّ والعمرة والعتق عن المؤمنين وخصوصاً الأقارب أحياءً وأمواتاً».(1) نقتصر بالقليل:
1. صحيحة موسى بن القاسم البجلي قال: قلت لأبي جعفر الثاني(عليه السلام): إنّي أرجو أن أصوم بالمدينة شهر رمضان، فقال: «تصوم بها إن شاء اللّه تعالى»، قلت: وأرجو أن يكون خروجنا في عشر من شوّال وقد عوّد اللّه زيارة رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)

1 . المصدر نفسه، الحديث1.

صفحه 16
وزيارتك، فربّما حججت عن أبيك، وربّما حججت عن أبي، وربّما حججت عن الرّجل من إخواني، وربّما حججت عن نفسي، فكيف أصنع؟ فقال: «تمتع»، فقلت: إنّي مقيم بمكّة منذ عشر سنين، فقال: «تمتّع».(1)
2. روى الكليني بسند صحيح عن إسحاق بن عمّار، عن أبي إبراهيم(عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يحجّ فيجعل حجّّته وعمرته أو بعض طوافه لبعض أهله وهو عنه غائب ببلد آخر، قال: فقلت: فينقص ذلك من أجره؟ قال: «لا، هي له ولصاحبه، وله أجر سوى ذلك بما وصل»، قلت: وهو ميّت هل يدخل ذلك عليه؟ قال: «نعم، حتّى يكون مسخوطاً عليه فيغفر له، أو يكون مضيّقاً عليه فيوسّع عليه».(2)
والحديث يعمّ الحيّ والميت. أمّا الحي فلقوله: «وهو عنه غائب ببلد آخر» ، وأمّا الميت فقوله: «وهو ميت». والحديث ظاهر في النيابة عن الحجّ المندوب.
3. صحيحة محمد بن عيسى اليقطيني قال: بعث إليّ أبو الحسن الرضا(عليه السلام)رِزَم(3) ثياب وغلماناً وحجّة لي وحجّة لأخي موسى بن عبيد وحجّة ليونس بن عبد الرحمن، وأمرنا أن نحجّ عنه، فكانت بيننا مائة دينار أثلاثاً فيما بيننا.(4)
والرواية صريحة في النيابة عن الحيّ في الحجّ المندوب.
وأمّا الأمر الثاني، أعني: النيابة عن الميت في الحجّ الواجب، فقد عقد صاحب الوسائل باباً باسم«من مات ولم يحجّ حجة الإسلام وكان مستطيعاً

1 . المصدر نفسه، الحديث 1 .
2 . الوسائل:8/137، الباب25 من أبواب النيابة في الحجّ ، الحديث5.
3 . جمع الرزمة وهي ما جمع وشدّ من الثياب.
4 . الوسائل:8/147، الباب34 من أبواب النيابة، الحديث1.

صفحه 17
وجب أن تُقضى عنه من أصل المال وإن لم يوص بها» نقتصر على رواية واحدة، وهي صحيحة معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن رجل يموت ولم يحجّ حجة الإسلام ويترك مالاً، قال: «عليه أن يحجّ من ماله رجلاً صرورة لا مال له».(1)
والمسألة من القطعيات التي اتّفقت عليها الفتاوى والنصوص، وقد مضى في المسألة 73 من الفصل الثاني ما يدلّ عليها.(2)
أمّا الأمر الثالث وهو جواز الاستنابة في الحجّ الواجب عن الحيّ في بعض الصور، أعني: إذا لم يستطع الحجّ مباشرة، فقد عقد صاحب الوسائل باباً باسم «وجوب استنابة الموسر في الحجّ إذا منعه مرض أو كبر أو عدو أو غير ذلك»، ونقل فيه روايات نذكر منها ما يلي:
روى الشيخ في «التهذيب» بسند صحيح عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في حديث قال: «وإن كان موسراً وحال بينه و بين الحجّ: مرض أو حصر أو أمر يعذّره اللّه فيه، فإنّ عليه أن يحجّ عنه من ماله صرورة لا مال له».(3)
والمسألة من مسلّمات الفقه، وقد تقدّم في المسألة72 من الفصل الثاني ما يفيدك حولها.(4)
إنّما الكلام في جواز الاستنابة عن الحيّ في الحجّ الواجب مع استطاعته الحجّ مباشرة .

1 . الوسائل:8، الباب28 من أبواب وجوب الحجّ، الحديث1.
2 . لاحظ الجزء الأوّل، ص 364.
3 . الوسائل:8، الباب24 من أبواب وجوب الحجّ، الحديث2.
4 . لاحظ الجزء الأوّل، ص 332.

صفحه 18
المسألة1: يشترط في النائب أُمور: أحدها: البلوغ على المشهور، فلا يصحّ نيابة الصبيّ عندهم، وإن كان مميّزاً، وهو الأحوط، لا لما قيل من عدم صحّة عباداته لكونها تمرينيّة، لأنّ الأقوى كونها شرعيّة، ولا لعدم الوثوق به لعدم الرادع له من جهة عدم تكليفه، لأنّه أخصّ من المدّعى، بل لأصالة عدم فراغ ذمّة المنوب عنه بعد دعوى انصراف الأدلّة خصوصاً مع اشتمال جملة من الأخبار على لفظ الرجل، ولا فرق بين أن يكون حجّه بالإجارة أو بالتبرّع بإذن الوليّ أو عدمه، وإن كان لا يبعد دعوى صحّة نيابته في الحجّ المندوب بإذن الوليّ.*
وأمّا النيابة عن الحيّ، مع تمكّنه من أداء الواجب، فهي على خلاف القاعدة أوّلاً، وخلاف مقتضى الروايات ثانياً.
أمّا الأوّل، فلأنّ ظاهر الدليل أنّ المطلوب هو قيام المكلّف بالواجب مباشرة، وسقوطه بفعل الغير يحتاج إلى دليل، ولو شكّ فالأصل عدم سقوطه وبقاء اشتغال ذمّته.
وأمّا الثاني، فلأنّ ما ورد من الأمر بتجهيز رجل، يحجّ مكان مَن وجب عليه الحجّ، مقيد بعدم تمكّنه مباشرة فلاحظ ما ورد في الباب24 من أبواب وجوب الحجّ، وقد تقدّم الكلام فيه في المسألة 72 من شرائط وجوب الحجّ(1)، فلاحظ.
* أقول: النيابة من مقولة ذات الإضافة، لها إضافة إلى النائب وإضافة إلى المنوب عنه وإلى نفس العمل. ولكلّ منهما شرائط، فقد ذكر المصنّف للنائب

1 . لاحظ الجزء الأوّل، ص 332.

صفحه 19
شروطاً ستة كالتالي:
1. البلوغ، 2. العقل، 3. الإيمان، 4. العدالة، 5. معرفته بأفعال الحجّ، 6. عدم اشتغال ذمّته بحجّ واجب عليه.
ثمّ إنّ بعضها شرط للنائب كالشروط الأربعة الأُول، والبعض الباقي شرط لصحّة الاستنابة، كما لا يخفى، فلنأخذ كلّ واحد من هذه الشروط بالدراسة وفق ترتيب المصنّف.

الشرط الأوّل: البلوغ

اختلفت كلمات الفقهاء في اعتبار البلوغ وعدم كفاية التمييز، فإليك بعضها:
اقتصر المحقّق في «الشرائع» على نقل وجهين من دون ترجيح وقال: وهل تصحّ نيابة المميّز؟ قيل: لا، لاتّصافه بما يوجب رفع القلم; وقيل: نعم، لأنّه قادر على الاستقلال بالحجّ ندباً]عن جانب نفسه[.(1)
ولكنّه رجّح في «المعتبر» عدم صحّتها وقال: «في الصبي المميز تردّد، لأنّه لا يصحّ منه الاستقلال بالحجّ، والأشبه أنّه لا يصحّ نيايةً، لأنّ حجّه إنّما هو تمرين والحكم بصحّته بالنسبة إلى ما يراد من تمرينه، لا(2) لأنّه يقع مؤثراً في الثواب له. ويدلّ على ذلك قوله (عليه السلام):« رفع القلم عن ثلاثة...» ذكر منهم الصبي حتّى يبلغ.(3)

1 . الشرائع:1/232.
2 . كذا في النسخة المطبوعة، والظاهر زيادة «لا» كما تدلّ عليه عبارة المنتهى فلاحظ.
3 . المعتبر:2/766.

صفحه 20
وقال العلاّمة في «المنتهى»: أمّا المميّز فالوجه انّه لا يصحّ نيابته أيضاً، لأنّ حجّه من نفسه وإن كان صحيحاً لكنّه شرع للتمرين والاعتياد بفعل الطاعات، فصحّ بالنسبة إلى ما يراد من تمرينه له إلاّ انّه مندوب يستحق به الثواب كما يستحقّ المكلّف بفعل المندوبات، لأنّه غير مكلّف لقوله(عليه السلام): «رفع القلم عن ثلاثة: الصبي حتّى يبلغ...» والثواب منوط بالتكليف.(1) وهو قريب ممّا ذكره المحقّق في «المعتبر».
وقال في «التذكرة»: فلا تصحّ نيابة المجنون ولا الصبي غير المميّز لارتفاع تحقّق القصد منهما.
ولو كان الصبي مميّزاً قيل: لا يصحّ أن يكون نائباً، لأنّه ليس بمكلّف فلا تصحّ منه العبادة ولا نيّة القربة، ولأنّه يعلم من نفسه أنّه غير مكلّف ولا مؤاخذ بما يصدر عنه، فلا تحصل الثقة بأفعاله.
وقيل: يصحّ، لأنّ حجّه عن نفسه صحيح فكذا عن غيره. ويحتمل الفرق، لأنّ الصحة لا تقتضي الإجزاء، فجاز أن تكون النيابة غير مجزئة .(2)
وقال الشهيد الأوّل في« الدروس»: وفي صحّة نيابة المميّز وجه للمحقّق ]في الشرائع [رجع عنه في المعتبر.(3)
ونقل في «المدارك» عن بعض مشايخه المعاصرين جواز نيابته مع الوثوق بأخباره ثمّ قال: «وليس ببعيد من الصواب»، ومع ذلك عدّ عدم الجواز من مذهب الأصحاب قائلاً: المعروف من مذهب الأصحاب القول بالمنع، واختاره

1 . المنتهى:2/861.
2 . التذكرة:7/110، المسألة79.
3 . الدروس:1/320، الدرس 84.

صفحه 21
المصنّف في «المعتبر» نظراً إلى أنّ حجّ الصبيّ إنّما هو تمرين....(1)
كما صرّح بذلك ـ عدم الجواز مذهب الأصحاب ـ جماعة، منهم الفاضل الاصبهاني في كشفه(2)، و السبزواري في ذخيرته.(3)
وتوقّف المحدّث البحراني وقال: وفيه توقّف.(4)
ومع ذلك ذهب المحقّق الأردبيلي في مجمعه(5)، والفيض في المفاتيح(6) إلى جواز النيابة. وعلى أيّ حال فليس في المسألة إلاّ الشهرة المستندة إلى الأدلّة العامة الواردة حول الصبي.
ثمّ إنّ القول بعدم الجواز تارة يعتمد على القواعد، وأُخرى على النصوص الواردة في مورد النيابة، وإليك بيانهما:

الأوّل: مقتضى القواعد

استدلّ على عدم جواز نيابة غير البالغ المميّز بوجوه:
1. انّ عبادات الصبي، كلّها تمرينية، وليست بشرعية.
وأُجيب عنه: بأنّ عباداته شرعية، غاية الأمر ليست بواجبة.
وقال في «المدارك»: الأظهر أنّ عبادات الصبي شرعيّة يستحقّ عليها الثواب، لأنّها مرادة للشارع وإن لم يكن مكلّفاً بالواجب والحرام، لرفع القلم

1 . المدارك:7/112ـ113.
2 . كشف اللثام:1/296.
3 . الذخيرة:568 .
4 . الحدائق:14/239.
5 . مجمع الفائدة والبرهان:6/128.
6 . المفاتيح:1/302.

صفحه 22
عنه.(1)
يلاحظ عليه: بأنّ الصغرى مسلّمة، وهي أنّ عباداته شرعية، وإن كانت الغاية من تشريعها إيجاد ملكة الاعتياد فيه بأداء الواجبات وترك المحرمات، لكن الكلام في الكبرى وهي أنّ كلّ عبادة شرعية تصلح للاستئجار والنيابة، ضرورة انّ عبادة المرأة شرعية ولكن يحتمل ان تمنع صلاحيتها للنيابة عن الرجل، ولولا النصّ بالجواز، لكان للمنع مجال، لاحتمال شرطية وحدة الجنس في النائب والمنوب عنه، وفي المقام احتمال كون المسقط هو عبادة المكلّف، لا غير.
2. انّ علمه بعدم المؤاخذة بأفعاله موجب لعدم الركون إلى أخباره، واحتمال أن يأتي ببعض المناسك على غير ما هو عليه.
يلاحظ عليه: بأنّ هذا الاحتمال موجود في البالغ أيضاً، ولا محيص من شرطية وجود الثقة والاطمئنان عند استئجاره، كما هو الحال في البالغ ولذلك قال المصنّف إنّه أخصّ من المدعى.
3. إذا لم يكن دليل اجتهادي في البين فالمرجع هو الأصل، ومقتضاه عدم الجواز للشكّ في فراغ ذمّة المنوب عنه، بنيابة الصبي المميز، والأصل بقاؤه، وهذا هو الدليل الوحيد في المقام، لكنّه مشروط بعدم وجود دليل اجتهادي من إطلاق وغيره على أحد القولين.

2. مقتضى النصوص

قد عرفت مقتضى الأصل في المسألة وهو عدم كفاية نيابة الصبي في الحجّ، بقي الكلام في مقتضى الأدلّة اللفظية فربّما يستظهر من بعض الروايات شرطية

1 . المدارك:7/113.

صفحه 23
البلوغ وعدم كفاية التمييز.
1. روى الصدوق بإسناده عن بشير النبال قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): إنّ والدتي توفّيت ولم تحجّ، قال: «يحجّ عنها رجل أو امرأة»، قال: قلت: أيّهما أحب إليك؟ قال: «رجلٌ أحب إليّ».(1)
وجه الاستدلال: انّ الإمام خصّ الرجل والمرأة بالنيابة والمميز ليس رجلاً ولا امرأة، فيخرج من الحصر.
2. ما استفاض في الموسر الذي منعه مرض أو كبر أو عدو أنّه يجهز رجلاً.(2)
وأورد النراقي على الاستدلال بهما بأنّ الأوّل إنّما يتم عند مَن يقول بإفادة الجملة الخبرية للوجوب، كما أنّ الثاني إنّما يتمّ عند من يقول بوجوب التجهيز.(3)
يلاحظ عليه: مضافاً إلى أنّ إفادة الجملة الخبرية للوجوب أبلغ من الأمر، ولقد ثبت في محلّه أنّ قول القائل :«ولدي يصلّّي» أبلغ في إفادة الطلب الأكيد من قوله: «ولدي صلّ». انّ شرطية البلوغ لا تتوقّف على كونها مفيدة للوجوب، إذ لو كان دالاً على الطلب المطلق أيضاً لدلّ على المقصود، لدلالته على شرطية البلوغ، سواء أكانت نيابة واجبة أم لا، وبه يظهر الجواب عن الإشكال الثاني. فان كون تجهيز الرجل مطلوباً كاف في انتزاع شرطية البلوغ.
والأولى في الإجابة أن يقال: إنّ الرواية الأُولى بصدد بيان أرجحية الذكر على الأُنثى من دون نظر إلى بلوغ الرجل، كما أنّ الأمر بتجهيز الرجل فاقدٌ للمفهوم

1 . الوسائل:8، الباب8 من أبواب النيابة في الحجّ، الحديث8.
2 . الوسائل:8، الباب24من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه.
3 . مستند الشيعة:11/111.

صفحه 24
بشهادة أنّه تجوز نيابة المرأة.
مضافاً إلى ذلك أنّ نيابة الصبي المميّز لمّا كانت نادرة، فيبعد أن تكون الأخبار لنفي الفرد النادر.
3. ما رواه ابن طاووس في كتاب «غياث سلطان الورى لسُكّان الثرى» عن الشيخ الطوسي بإسناده إلى عمّار بن موسى من «كتاب أصله» المروي عن الصادق (عليه السلام) في الرجل يكون عليه صلاة أو صوم، هل يجوز له أن يقضيه غير عارف؟ قال: «لا يقضيه إلاّ مسلم عارف».(1) والحجّ ملحق بباب الصلاة، لأنّ الطواف على البيت صلاة.
وربّما يناقش في السند بأنّ السيد لم يروها عن عمّار ابتداءً، لينظر في سندها وإنّما رواها عن كتب الشيخ، وسند السيد إلى كتب الشيخ صحيح، كما أنّ سند الشيخ إلى عمار مثله، لكن بما أنّ هذه الرواية غير مذكورة في كتب الشيخ، فطريقه إلى الشيخ في خصوص هذه الرواية غير معلوم، فتصبح الرواية ضعيفة لذلك.(2)
أقول: إنّ ظاهر قوله: «من كتاب أصله» انّ الشيخ الطوسي نقلها من أصل عمّار بن موسى، ووجدها ابن طاووس بخط الشيخ مذعناً بأنّه خطه، فنقلها، وقد فات الشيخ نقلها في التهذيبين، كيف وهو من أسباط الشيخ الطوسي، لأنّ أُمّ والدة موسى، بنت ابنة الشيخ، ولذا يعبّر عنه بالجدّ وعن ابنه أبي علي بالخال. (3)
والأولى أن يناقش في الدلالة وانّ الرواية بصدد نفي صلاحية غير العارف،

1 . الوسائل:5/366، الباب12 من أبواب قضاء الصلوات، الحديث5; البحار:88/310، نقله عن الذكرى: 73ـ 75.
2 . معتمد العروة:2/16ـ 17 بتصرف.
3 . لاحظ طبقات أعلام الشيعة:3/117.

صفحه 25
لا بصدد كونه رجلاً أو مكلّفاً وبالغاً.
فظهر ممّا ذكرنا أنّ هذه الروايات لا تصلح للاستدلال على شرطية التكليف في النائب، فالمرجع هو الأصل الذي أصّلناه.وانّ المقام من قبيل الشكّ في السقوط، فالمرجع فيه هو الاشتغال.
وبعبارة أُخرى: انّ مرجع الشكّ إلى الشكّ في القابلية شرعاً، نظير الشكّ في قابلية الحيوان للتذكية وغير ذلك.
وأمّا البحث في عبادات الصبي في مورد الواجبات أو المستحبات، فهل هي شرعية أو تمرينية؟ فخارج عن نطاق البحث.
ثمّ إنّ المصنّف قال:
1. «ولا فرق بين أن يكون حجّه بالإجارة أو بالتبرّع بإذن الولي أو عدمه».
2. «وإن كان لا يبعد دعوى صحّة نيابته في الحجّ المندوب بإذن الوليّ».
والعبارة الأُولى ناظرة إلى الحجّ الواجب، ووجه عدم الصحة ما عرفت من أنّ مرجع الشكّ إلى الشكّ في السقوط، فلا فرق بين الإجارة والتبرّع، مع إذن الولي وعدمه، لأنّ إذنه ليس بمشرّع.
والعبارة الثانية ناظرة إلى الحجّ المندوب. وجهه: أمّا عدم جريان الأصل الذي أصّلناه من الشك في سقوط الواجب عن ذمّة الميت في مورد الحجّ المندوب، فلأنّه إذا جاز الحج المندوب عن نفسه، جازت النيابة فيه عن غيره.
يلاحظ عليه: ليس لنا كبرى كلّية من أنّ كلّ عمل جاز عن نفسه يجوز له عن غيره.
وقد سبق أنّ مرجع الشك في المقام إلى القابلية وتحمّل المسؤولية. نعم لا

صفحه 26
الثاني: العقل فلا تصحّ نيابة المجنون الذي لا يتحقّق منه القصد، مطبقاً كان جنونه أو أدواريّاً في دور جنونه، ولا بأس بنيابة السفيه.*
بأس بأن يحجّ ويهدي ثوابه إلى الغير.
ثمّ إنّ المصنّف لم يذكر الإسلام من الشروط، ولعلّه استغنى به بما يذكر من شرط الإيمان، وعلى أيّ حال فالكافر لا ينوب، ولا يناب عنه.
أمّا الأوّل فلعدم تمشّي القربة التي هي شرط في صحّة العمل المستأجر عليه.
فإن قلت: هذا إذا لم يكن من فرق المسلمين، كاليهود والنصارى، وأمّا إذا كان منهم كالمجسمة والمجبرة والقائل بوحدة الوجود ـ على النحو الباطل ـ فربّما يتأتّى منهم قصد القربة.
قلت: مضافاً إلى أنّهم محكومون بالنجاسة والعذاب فكيف ترفع أعمالهم؟! إنّ مرجع المسألة إلى الشكّ في تحقّق النيابة، والشكّ في فراغ ذمّة المنوب عنه، ومعه يكون المرجع هو الاشتغال.
وأمّا الثاني فسيأتي الكلام فيه.
* وهذا الشرط غني عن البيان، لأنّ الحجّ يحتاج إلى القصد والاختيار والمجنون يفقدهما. نعم المجنون الأدواري تصحّ نيابته في غير وقت جنونه ،لأنّ المفروض أنّه قاصد مختار.
وأمّا السفيه فهو محجور عن التصرّف في أمواله، وهو لا يمنع من استئجاره، لإطلاق الأدلّة.

صفحه 27
الثالث: الإيمان لعدم صحّة عمل غير المؤمن وإن كان معتقداً بوجوبه وحصل منه نيّة القربة، ودعوى(1) أنّ ذلك في العمل لنفسه دون غيره كما ترى.*

* هل الإيمان شرط الصحّة أو شرط القبول؟

لا شكّ أنّ الإسلام شرط الصحّة، إنّما الكلام في شرطية الإيمان فهل هو شرط الصحّة، كما عليه المصنّف؟ أو شرط القبول، كما هو اللائح من المحقّق في «الشرائع» حيث عنون نيابة المؤمن عن المسلم المخالف ولم يذكر شيئاً حول نيابة المخالف عن المؤمن.(2) وتبعه العلاّمة في «المنتهى» ، فعدّ من الشروط الإسلام والعقل والبلوغ ولم يذكر الإيمان منها ، و مع ذلك ذكر نيابة المؤمن عن المخالف في الاعتقاد ولم يذكر خلافه.(3)
بل صرّح العلاّمة في «التذكرة» (4) بجواز نيابته وقال: أمّا المخالف فيجوز أن ينوب عن المؤمن ويجزي عن المنوب إذا لم يخلّ بركن، لأنّها تجزئ عنه، ولا تجب عليه الإعادة ولو استبصر، فدلّ ذلك على أنّ عبادته معتبرة في نظر الشرع، يستحقّ بها الثواب إذا رجع إلى الإيمان إلاّ الزكاة، لأنّه دفعها إلى غير مستحقها، ويدلّ على ذلك كلّه ـ كونه مأجوراً ـ ما رواه بريد بن معاوية العجلي عن الصادق(عليه السلام) قال: سألته عن رجل حجّ وهو لا يعرف هذا الأمر، ثمّ منّ اللّه عليه بمعرفته والدينونة

1 . المدّعي هو النراقي في المستند:11/112.
2 . الشرائع:1/231ـ 232.
3 . المنتهى:2/861ـ 862.
4 . التذكرة:7/111ـ112 .

صفحه 28
به، عليه حجة الإسلام، أو قد قضى فريضته؟ فقال: «قد قضى فريضته، ولو حجّ لكان أحبّ إلي».
قال: وسألته عن رجل حجّ وهو في بعض هذه الأصناف من أهل القبلة ناصب متديّن ثمّ منّ اللّه عليه بمعرفة هذا الأمر، يقضي حجة الإسلام؟ فقال: «يقضي أحبّ إلي».(1)
وقال: «كلّ عمل عمله وهو في حال نصبه وضلالته ثمّ منّ اللّه عليه وعرّفه الولاية، فإنّه يؤجر عليه، إلاّ الزكاة فإنّه يعيدها، لأنّه قد وضعها في غير مواضعها».(2)
وقال في «الدروس»: ولو حجّ المخالف عن مثله أجزأ، قيل: وعن المؤمن لصحة حجّه.(3) والقائل هو العلاّمة في «التذكرة» كما عرفت .
وأمّا النراقي فاستظهر عدم الشرطية قائلاً بأنّ المستفاد من الروايات هو أنّ الإيمان شرط في عبادات نفسه، وأمّا ما ينوب فيه لغيره فلا دليل على عدم صحّته.(4) ثمّ استظهر عدم الصحة برواية عمّار الماضية في شرط البلوغ.
هذه هي الأقوال في المسألة، والحقّ عدم صحّة نيابة غيرالمؤمن لوجوه:
الأوّل: ما اعتمد عليه المحقّق الخوئي وقال: إذا كان عمل غير المؤمن فاقداً لجزء أو شرط من الأجزاء والشرائط المعتبرة عندنا، فلا كلام في عدم الإجزاء، لأنّ

1 . الوسائل:8، الباب23 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث1 .
2 . والمجموع رواية واحدة، ذكر ذيله ـ هذا ـ في الوسائل:1، الباب31 من أبواب مقدمات العبادات، الحديث1.
3 . الدروس:1/319، الدرس 84.
4 . المستند:11/112.

صفحه 29
العمل الباطل في حكم العدم، وإنّما يقال بإجزاء النائب عن المنوب عنه فيما إذا كان العمل في نفسه صحيحاً ، وإلاّ فلا ريب في عدم الاجتزاء (به) وإن كان النائب مؤمناً فضلاً عمّا إذا كان غير مؤمن.(1)
]فإن قلت: إنّ الميزان في صحّة النيابة، كون العمل صحيحاً عند النائب، لا عند المنوب عنه، ولا عند المستأجر، اللّهمّ إلاّ إذا اشترط عليه كيفية العمل، إذ النائب مكلّف بإتيان الصحيح عنده اجتهاداً أو تقليداً، وكون العمل باطلاً عند المستأجر، لا يضرّ ما لم يشترط.
قلت: إذا كان المستأجر واقفاً على بطلان عمل النائب كيف يُقدم على استئجاره ويكتفي بعمله في فراغ ذمّة الميت؟ وما ربّما يقال من أنّ الميزان هو صحّة العمل عند النائب فيما إذا كان الاختلاف في الحكم الظاهري كأن يؤدّي اجتهاد أحدهما إلى شيء واجتهاد الآخر إلى شيء آخر، لا مثل المقام الذي كُشِفَ الواقعُ كالصبح المتبلّج.[(2)
وأمّا إذا فرضنا أنّه أتى بعمل صحيح في نفسه، واجد لجميع الشرائط والأجزاء المعتبرة عندنا وتمشّى منه قصد القربة، كما إذا رأى المخالف صحّة العمل بمذهب الحق فلا تصحّ نيابته أيضاً، للأخبار الكثيرة الدالّة على اعتبار الإيمان والولاية في قبول الأعمال وصحّتها وبطلان العبادة بدون الولاية.(3)
فحاصل كلامه بطلان عمل المخالف إمّا لبطلان العمل مباشرة، أو لبطلانه بسبب فقد إيمان العامل.

1 . المعتمد:2/15.
2 . الإشكال والجواب منّا .
3 . المعتمد:2/15ـ16.

صفحه 30
الرابع: العدالة أو الوثوق بصحّة عمله، وهذا الشرط إنّما يعتبر في جواز الاستنابة لا في صحّة عمله.*
الثاني: ما اعتمدنا عليه في شرطية البلوغ وهو أنّ التركيز على صحّة عمل المخالف وبطلانه، من قبيل «لزوم ما لا يلزم»، لأنّ صحّة عمله لا تلازم صحة نيابته، فما دلّ على صحة عمله في نفسه ـ كعدم إعادة أعماله إلاّ الزكاة ـ إنّما يدلّ على صحّة عمله من جانب نفسه، وأمّا صحّة عمله عن الغير فهو قيد دليل آخر، وليس هنا قاعدة كلّيّة من أنّه كلّما صحّ العمل عن الشخص، يصحّ عن الغير كما مرّ في نيابة الصبي.
فالأولى مكان التركيز على الصغرى ـ صحّة عمل المخالف أو بطلانه أو عدم مقبوليته ـ التركيز على الكبرى، وأنّ صحّة العمل عن النفس لا يعدّ دليلاً على صحّة العمل عن الغير إلاّ إذا قام عليه الدليل.
الثالث: ما مرّ، أعني: موثّقة عمّار«لا يقضيه إلاّ رجل مسلم عارف» و قد مرّ تصحيح السند، فلاحظ.

* شرطية العدالة في الاستنابة

اعلم أنّ الشروط المذكورة في المقام ـ كما صرّح به المصنّف ـ على قسمين: قسم منها شرط لصحّة عمل النائب، كالعقل والبلوغ والإيمان; وقسم آخر شرط لصحّة الاستنابة وجواز الإجارة، ككونه عادلاً وعارفاً بأفعال الحجّ وأحكامه وفارغة ذمّته من الاشتغال بالحجّ، فهذه الشروط الثلاثة الأخيرة شرط لصحّة النيابة، وإلاّ فعمل الفاسق ـ مثلاً ـ صحيح في حدّ ذاته. ولو حجّ تبرّعاً عن الميّت

صفحه 31
لصحّ حجّه وبرئت ذمّة المنوب عنه، ولكن لا يمكن الركون إلى قوله، إلاّ إذا كان عادلاً أو حصل الوثوق من الأمارات بصحّة عمله.
وقد صرّح بما ذكرنا الشهيد في «الدروس»، والعاملي في «المدارك».
قال الأوّل: والعدالة شرط في الاستنابة عن الميت، وليست شرطاً في صحّة النيابة، فلو حجّ الفاسق عن غيره أجزأ.(1)
وقال الثاني: ولم يذكر المصنف (المحقّق) من الشرائط عدالة الأجير، وقد اعتبرها المتأخّرون في الحجّ الواجب، لا لأنّ عبادة الفاسق تقع فاسدة، بل لأنّ الإتيان بالحجّ الصحيح إنّما يعلم بخبره، والفاسق لا يقبل إخباره بذلك، واكتفى بعض الأصحاب فيه بكونه ممّن يظن صدقه، ويحصل الوثوق بإخباره، وهو حسن.(2)
أقول: الظاهر أنّ الميزان إحراز صحّة عمله، وذلك بأحد الطرق الثلاثة:
أ. عدالة النائب.
ب. الوثوق بإخباره بإتيان الحجّ.
ج. إجراء أصالة الصحّة في عمله بشرط إحراز أصل العمل بالوجدان أو بالبيّنة.
فبفضل أحد هذه الأُمور تصحّ الاستنابة.
نعم لا يثبت أصل العمل بقوله، ولكن الظاهر من السيد الحكيم(قدس سره) كفايته تمسّكاً بجريان السيرة على قبول خبر المستناب على عمل في أداء عمله، نظير

1 . الدروس:1/320، الدرس84.
2 . المدارك:7/109.

صفحه 32
الخامس: معرفته لأفعال الحجّ وأحكامه، وإن كان بإرشاد معلّم حال كلّ عمل.*
إخبار ذي اليد عمّا في يده، ونظير قاعدة: «من ملك شيئاً ملك الإقرار به»، ولا يعتبر في جميع ذلك العدالة، بل لا يبعد عدم اعتبار الوثوق بالصدق، نعم يعتبر أن لا تكون قرينة على اتّهامه.(1)
يلاحظ عليه: أنّ قبول قول الفاسق في الموضوعات على خلاف الأصل وخلاف صريح قوله سبحانه:(يا أَيُّها الَّذينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبأ فَتَبَيَّنُوا)(2) خرج منه ذو اليد، إمّا لأنّ اليد أمارة الملكية عند العقلاء، أو أنّه لولا اعتبارها لما قام للمسلمين سوق; وأمّا اعتبار قوله في العمل المستأجر عليه، وإن لم يحصل الوثوق فغير معلوم.
وأمّا قاعدة: «من ملك شيئاً ملك الإقرار به» فهو ناظر إلى التصرّفات التي يدّعيها مالك الأمر بعد ثبوت أصل الموضوع، كما لو قال: طلّقت زوجتي أو أعتقت عبدي، وأمّا اعتبار قوله في أصل الموضوع(العمل) فالقاعدة منصرفة عنه.
* هذا الشرط كما هو ظاهر شرط صحّة الإجارة، لا صحّة عمل النائب، لأنّ المستأجر إذا كان جاهلاً بخصوصيات الأعمال(وإن كان يعرف أصل العمل وحدوده الكلّية) وأتى بالحجّ بإرشاد عارف بالأحكام تدريجاً، يصحّ حجّه عن نفسه وعن غيره.
هذا كلّه حول صحّة العمل والحجّ الواقع منه، وأمّا الإجارة فربّما يقال ببطلانه للجهل بالمستأجر عليه، فتكون الإجارة غرريّة.

1 . المستمسك:11/7و8.
2 . الحجرات:6.

صفحه 33
السادس: عدم اشتغال ذمّته بحجّ واجب عليه في ذلك العام، فلا تصحّ نيابة من وجب عليه حجّة الإسلام، أو النذر المضيّق مع تمكّنه من إتيانه، وأمّا مع عدم تمكّنه لعدم المال فلا بأس، فلو حجّ عن غيره مع تمكّنه من الحجّ لنفسه بطل على المشهور، لكن الأقوى أنّ هذا الشرط إنّما هو لصحّة الاستنابة والإجارة، وإلاّ فالحجّ صحيح وإن لم يستحقّ الأُجرة، وتبرأ ذمّة المنوب عنه على ما هو الأقوى من عدم كون الأمر بالشيء نهياً عن ضدّه، مع أنّ ذلك على القول به وإيجابه للبطلان إنّما يتمّ مع العلم والعمد، وأمّا مع الجهل أو الغفلة فلا، بل الظاهر صحّة الإجارة أيضاً على هذا التقدير، لأنّ البطلان إنّما هو من جهة عدم القدرة الشرعيّة على العمل المستأجر عليه، حيث إنّ المانع الشرعيّ كالمانع العقليّ، ومع الجهل أو الغفلة لا مانع، لأنّه قادر شرعاً.*
يلاحظ عليه: أنّه قلّما يتّفق لمسلم أن لا يعرف الحجّ بالنحو الكلّي، وإنّما يتعلّق الجهل بالخصوصيات وهو غير مضرّ.
* إنّ هذا الشرط كما ذكرنا يرجع إلى صحّة الاستنابة والإجارة وليس شرطاً لصحّة عمل النائب وفيها صور.
اتّفقت كلمة علمائنا على جواز استنابة من لا يجب عليه الحجّ أو أدّى حجة الإسلام(1) إنّما الكلام في الصور التالية:
1. إذا كانت ذمّته مشغولة بحجّ واجب عليه في ذلك العام من حجّة

1 . المنتهى:2/860.

صفحه 34
الإسلام أو النذر المضيّق، ولكنّه لا يتمكّن من امتثاله لطروء فقر أو غيره، فهل يصحّ حجّه عن الغير واستنابته؟
2. تلك الصورة ولكنّه متمكّن من إتيان ما وجب عليه قبل الإجارة من حجّ واجب بالأصالة أو النذر المضيّق وقته، وواقف بأنّ ذمّته مشغولة بالحجّ.
3. تلك الصورة لكن كان جاهلاً باشتغال ذمّته بحجّ واجب عليه بالأصل أو بالعنوان الثانوي.
وعلى أيّ حال ففي كلّ صورة من الصور الثلاث يقع البحث عن صحّة النيابة أوّلاً، والاستنابة وعقد الإجارة ثانياً. وإليك دراسة الصور واحدة تلو الأُخرى:
الصورة الأُولى: إذا كانت ذمّته مشغولة بحجّ واجب، وكان غير متمكّن من الأداء، يصحّ الحجّ والإجارة، لأنّ الأمر بحجّ الإسلام يكون غير منجّز ويُعدُّ الجهل عذراً، فلا مانع من الأمر بالضدّ الآخر، أعني: الحجّ عن الغير، لأنّ مجرّد اشتغال الذمّة عندئذ غير مانع من الضدّ الآخر، وذلك كما إذا ابتلى في وقت الصلاة بوجوب الإزالة ولكن كان غير متمكّن منها لعدم الماء أو لاحتياج الإزالة إلى المعين ولم يكن معه أحد، فالأمر بالصلاة يكون فعلياً غير مزاحم بأمر الإزالة.
الصورة الثانية: إذا كانت ذمّته مشغولة بحجّ واجب وكان متمكّناً من أدائه، فهل يصحّ إذا حجّ عن غيره أو لا ؟ وهل تصحّ الإجارة أو لا؟
أمّا صحّة أصل العمل فهي مبنيّة على صحّة الترتّب، بأن يجوز الأمر بالحجّ عن الغير مشروطاً بعصيان الأمر الأوّل على نحو الشرط المتأخّر، وقد قلنا في محلّه: إنّ الترتّب وإن كان يقتضي الأمر بالضدّين، لأنّ المفروض أنّ الأمر بالأهم بعدُ لم يسقط، لأنّ الشرط هو نيّة العصيان وتصوّره، لا العصيان الخارجي وإلاّ لخرج

صفحه 35
المورد عن مسألة الترتّب، إلاّ أنّه لا يقتضي الأمر بالجمع بين الضدّين، والمحال هو الثاني دون الأوّل، لأنّ المولى يطلب المهم في ظرف تكون ساحة العمل فارغة عن إنجاز الأهمّ.
وأمّا صحّة الإجارة فقد أورد عليها بأنّ متعلّق الإجارة مطلق غير مقيّد بترك الحجّ الواجب، فلو وجب الوفاء بها كذلك يلزم الأمر بالضدّين، لإطلاق كلّ من الأمرين: الأمر بالحجّ عن نفسه والأمر بالوفاء بعقد الإجارة الذي مفاده الأمر بالحجّ عن الغير، ولو وجب الوفاء معلّقاً على ترك الحجّ عن نفسه يلزم التعليق في العقد وهو غير منشأ، فالممضى غير منشأ والمنشأ غير قابل للإمضاء.
نعم لو حجّ والحال كذلك يستحقّ أُجرة المثل لا أُجرة المسمّى، لقاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده.
يلاحظعليه: بأنّا نختار الوجه الثاني، ولكن نقول: ماذا يريد من قوله:«فالممضى غير منشأ»، فإن أراد أنّ الممضى يباين المنشأ تماماً، فهو غير صحيح، لأنّ الممضى وإن لم يكن نفس المنشأ، لأنّ الأوّل مقيّد والثاني مطلق، لكنّه قسم منه بداهة انّ الرقبة المؤمنة قسم من مطلق الرقبة .
و إن أراد أنّ الممضى يختلف مع المنشأ في الإطلاق والتقييد، فهو صحيح، لكنّه لا يُسبِّب كونه غير منشئ. بل هو داخل فيه، دخول البعض تحت الكلّ، فلو وجب الوفاء بالعقد مطلقاً، فقد وجب الوفاء به في صورة العصيان بالأمر بالحج أيضاً.
الصورة الثالثة: إذا تمكّن من الحجّ عن نفسه ولكن كان جاهلاً بوجوب الحجّ أو غافلاً عنه فصار أجيراً للحجّ عن الغير، فيكون معذوراً في ترك الواجب، وبالتالي يكون الأمر غير منجّز في حقّه، فتخلو ساحة العمل للأمر الإجاري،

صفحه 36
المسألة2: لا يشترط في النائب الحريّة، فتصحّ نيابة المملوك بإذن مولاه، ولا تصحّ استنابته بدونه، ولو حجّ بدون إذنه بطل.*
فيصحّ حجّه كما تصحّ نيابته، لأنّه قادر عقلاً فيكون قادراً شرعاً، لأنّ الجهل عذر لترك الواجب فيكون قادراً وتتبعه القدرة الشرعيّة، وهذا هو المراد من قول المصنّف: إنّ المانع الشرعي (وجوب الحجّ عن نفسه) كالمانع العقلي، ومع الجهل أو الغفلة لا مانع منه، لأنّه قادر شرعاً.
هذا وقد مرّ الكلام في هذه المسألة في الفصل الثاني.(1)
*مقتضى إطلاق أدلّة النيابة جواز نيابة العبد عن الحر خلافاً للشافعي. قال الشيخ: يجوز للعبد أن يحجّ عن غيره من الأحرار إذا أذن مولاه، و قال الشافعي: لا يجوز له ذلك. دليلنا :انّه لا مانع يمنع عنه في الشرع فيجب جوازه، وأيضاً الأخبار المروية في جواز حجّ الرجل عن الرجل تتناول الحر والعبد، فوجب حملها على العموم.(2)
قال العلاّمة: وأمّا العبد المأذون له فإنّه تجوز نيابته عن الحر خلافاً لبعض الجمهور، كما أنّ الحج غير واجب عليه فجاز أن ينوب غيره كمن حج حجّة الإسلام وكالصرورة العاجز.
احتجّ المخالف بأنّه لما لم يسقط فرض الحج عن نفسه، فلم يجز أن ينوب غيره كالحرّ.
والجواب: انّ الحج غير واجب عليه، ولا إسقاط إلاّ بعد الثبوت، فلا

1 . لاحظ الجزء الأوّل، ص 511، المسألة 110.
2 . الخلاف2/257، المسألة21 من كتاب الحج.

صفحه 37
المسألة3: يشترط في المنوب عنه الإسلام فلا تصحّ النيابة عن الكافر، لا لعدم انتفاعه بالعمل عنه، لمنعه وإمكان دعوى انتفاعه بالتخفيف في عقابه، بل لانصراف الأدلّة فلو مات مستطيعاً وإن كان الوارث مسلماً لا يجب عليه استيجاره عنه، ويشترط فيه أيضاً كونه ميتاً أو حيّاً عاجزاً في الحجّ الواجب، فلا تصحّ النيابة عن الحيّ في الحجّ الواجب إلاّ إذا كان عاجزاً، وأمّا في الحجّ الندبيّ فيجوز عن الحيّ والميت تبرّعاً أو بالإجارة.*
ملازمة بين عدم إسقاط فرض الحج عن نفسه(لعدم وجوبه) وعدم إسقاطه عن غيره
وأمّا قوله سبحانه في العبد المملوك ( لا يَقْدِرُ عَلى شَيْء وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ)(1) فهو ناظر إلى غير المأذون بقرينة قوله:(وهو كلّ على مولاه)، ولذلك لو حجّ مع إذنه صحّ.(2)
* ذكر المصنّف شرطية الإسلام في المنوب عنه وخصّص الكافر بالبحث، غير أنّ الشيخ في «النهاية» و«المبسوط» جعل الموضوع: المخالف، فيعمّ غير المؤمن حيث قال: لا يجوز لأحد أن يحجّ عن غيره إذا كان مخالفاً له في الاعتقاد اللّهم إلاّ أن يكون أباه.(3)
وقال ابن إدريس: لا يجوز ذلك وإن كان أباه، وما ذكره شيخنا في نهايته رواية شاذة أوردها في هذا الكتاب.(4)

1 . النحل:76.
2 . المنتهى:2/862;و التذكرة:7/116.
3 . النهاية:280 ; المبسوط:1/ 326.
4 . السرائر:1/632.

صفحه 38
وقال ابن البراج: ومن كان مخالفاً في الاعتقاد فلا يجوز الحجّ عنه، قريباً كان في النسب أو بعيداً، إلاّ الأب خاصة فقد ذكر جواز ذلك (الحجّ) عنه وإن كان مخالفاً ، وذلك عندي لا يصحّ.(1)
وعلى ذلك فاللازم هو البحث في موضعين:

الأوّل: النيابة عن الكافر

المشهور هو اشتراط الإسلام في المنوب عنه، فعلى ذلك لاتصحّ النيابة عن الكافر، واستدلّ عليه بوجوه:
1. ما في «المدارك» قال: وأمّا المنوب فلاستحقاقه في الآخرة الخزي والعقاب لا الأجر والثواب، وهما من لوازم صحّة الفعل، فيلزم من انتفائهما انتفاء الملزوم، ويؤيّده ظاهر قوله تعالى: ( ما كانَ لِلنَّبيّ والَّذينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفروا لِلْمُشركين وَلَو كانُوا أُولي قُربى)(2)، وقوله عزّ وجلّ:(وَ أَنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إِلاّ ما سَعى)(3) خرج منه القضاء عن المؤمن بالنص والإجماع فيبقى الباقي.(4)
وضعف الاستدلال ظاهر، إذ لا ملازمة بين استحقاق الخزي وعدم جواز النيابة، لأنّ الكافر إذا كان مكلّفاً بالفروع يكون مستحقاً للخزي الأشد وبالنيابة يتخفّف استحقاقه للخزي.
ثمّ إنّ النيابة ليس بمعنى الاستغفار وإنّما هو أشبه بأداء دينه، وبعبارة أُخرى: الاستغفار عمل الغير في حقّه فهو ممنوع، وأمّا النيابة، فالنائب يقوم مقام

1 . المهذب:1/269.
2 . التوبة:113.
3 . النجم:39.
4 . المدارك:7/110.

صفحه 39
المنوب عنه في العمل الذي كتب اللّه عليه، فلا يقاس أداء ما على المنوب عنه من الواجب، بالعمل الجانبيّ.
وأمّا الآية الثانية فلا تنافي جواز النيابة، لأنّ نيابة الغير عن الإنسان ليس شيئاً منفصلاً عن سعي الإنسان، بل يرجع إلى سعيه حيث إنّه يترك مالاً وولداً صالحاً يستأجر مسلماً للنيابة عن أبيه، كلّ ذلك يعود إلى جهده وسعيه.وإلاّ يلزم أن لا تصحّ النيابة عن المسلم، لأنّ عمل النائب ليس من سعي المنوب عنه، ولسان الآية آب عن التخصيص بإخراج القضاء عن المؤمن.
2. ما في «كشف اللثام» قال: ولأنّ فعل النائب تابع لفعل المنوب في الصحّة، لقيامه مقامه، فكما لا يصحّ منه لا يصحّ من نائبه.(1)
يلاحظ عليه: أنّه لا ملازمة بين عدم صحّته من النائب وعدم صحّته من المنوب، فإنّ المنوب قد يفقد الشرط اللازم دون النائب، وهذا كالنيابة عن المرأة الحائض في الطواف.
3. ما استدلّ به المصنّف من انصراف الأدلّة، لأنّ الظاهر من الأسئلة الواردة في روايات النيابة هو السؤال «عمّن يتوقّع منه الحجّ وهو لم يحجّ» نحو قول السائل سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن الرجل يموت ولم يحجّ حجة الإسلام ويترك مالاً.(2)
والكلّ صريح في أنّ السؤال عن الحجّ عمّن كان يتوقّع منه الحجّ ولم يحج.
أضف إلى ذلك جريان السيرة على عدم النيابة عن الكافر في عصر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وما بعده مع أنّ آباء الصحابة وبعض التابعين كانوا كافرين، ومن

1 . كشف اللثام:5/150.
2 . الوسائل:8، الباب28 من أبواب وجوب الحجّ، الحديث1.

صفحه 40
البعيد ألاّ يكون بينهم من مات وهو غير مستطيع.
هذا كلّه حول الكافر.

الثاني: النيابة عن المخالف

فقد عرفت كلام الشيخ في «النهاية» (1) و «المبسوط»(2) بأنّه لا يجوز أن يحجّ عن المخالف، ونظيره كلام صاحب السرائر، وعليه المحقّق في الشرائع(3) والنافع.(4) فقال: ولا عن المسلم المخالف، إلاّ أن يكون أب النائب.
وقال في «المعتبر»: وربّما كان التفاتهم إلى تكفير من خالف الحقّ فلا يصحّ النيابة عمّن اتّصف بذلك.
ثمّ قال: ونحن نقول: ليس كلّ مخالف للحق لا تصحّ منه العبادة، ونطالبهم بالدليل عليه، ونقول: اتّفقوا انّه لا يعيد عباداته التي فعلها مع استقامته سوى الزكاة، والأقرب أن يقال: لا تصحّ النيابة عن «الناصب» و يعني به من يظهر العداوة والشن آن لأهل البيت(عليهم السلام)،وينسبهم إلى ما يقدح في العدالة، كالخوارج، ومن ماثلهم.(5)
وحاصل كلامه: جواز النيابة عن المخالف إلاّ الناصب لما رواه الشيخ بسند صحيح عن وهب بن عبد ربّه قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام)أيحج الرجل عن

1 . النهاية:280.
2 . المبسوط:1/326.
3 . الشرائع:1/232.
4 . المختصر النافع:77.
5 . المعتبر:2/766.

صفحه 41
الناصب؟ قال:«لا» قلت: فإن كان أبي، قال: «إن كان أباك فنعم».(1) فهذه الرواية المفصّلة بين الناصب وغيره أقوى دليل على جواز النيابة عن المسلم المخالف مضافاً إلى ما ذكره المحقّق في «المعتبر» والعلاّمة في «المختلف» بأنّ عباداته تقع صحيحة، ولهذا لا يجب عليه إعادتها إلاّ الزكاة.
فإن قلت: إنّ الناصب إنّما ورد في السؤال لا في كلام الإمام، فلا يكون له مفهوم، أي لا يدلّ على جوازه في غيره.
قلت: إنّ السائل في الرواية الثانية هو علي بن مهزيار وهو أحد فقهاء الإمامية في القرن الثالث، وقد خصّ الناصب بالسؤال، وهذا يعرب عن أنّ جواز النيابة عن غيره كان أمراً مسلّماً عند الأصحاب، وإلاّ فلا وجه لتخصيصه به.
وربّما يحتمل أنّ المراد من الناصب مطلق المخالف(2)، وهو بعيد جدّاً، لأنّ مصطلح الناصب ليس مصطلحاً حديثاً، بل كان موجوداً في عصر أئمّة أهل البيت، والمراد من ينصب العداء لأهل البيت خاصة لا مطلق المخالفين.
فإن قلت: إذا كانت أعمال المخالف صحيحة ولكن غير مقبولة، فلا ينتفع بحجّ النائب الصحيح، لكونه غير مقبول.
قلت: كفى في صحّتها كونها مخفّفة للعقاب وإن لم تكن مفيدة في الثواب، أي المقبولية.
ثمّ إنّ المصنّف أشار إلى أنّه يشترط في المنوب عنه كونه ميتاً أو حياً عاجزاً عن الحجّ الواجب، فلا تصح النيابة عن الحي في الحجّ الواجب إلاّ إذا كان عاجزاً، وقد فرغنا من هذه المسألة في صدر الفصل كما فرغنا عن جواز الحجّ

1 . الوسائل:8/135، الباب20 من أبواب النيابة في الحج، الحديث1.ولاحظ الحديث الثاني.
2 . الحدائق:14/245.

صفحه 42
المسألة4: تجوز النيابة عن الصبي المميّز والمجنون، بل يجب الاستئجار عن المجنون إذا استقر عليه حال إفاقته ثمّ مات مجنوناً.*
المسألة5: لا تشترط المماثلة بين النائب والمنوب عنه في الذكورة والأُنوثة، فتصح نيابة المرأة عن الرجل كالعكس، نعم الأولى المماثلة.*
الندبي عن الحي والميت تبرعاً وإجارة.
* في المسألة فرعان:
1. النيابة عن الصبي المميز والمجنون.
2. الاستئجار عن المجنون إذا استقرّ عليه حال إفاقته.
أمّا الأوّل ـ أي النيابة عن الصبي المميّز ـ فهو رهن شرعية عباداته وإطلاق أدلّة النيابة، والأُولى ثابتة والثانية قابلة للتأمّل، ومثل ذلك النيابة عن المجنون مع أنّه أشبه بالحيوان، لأنّ الإنسانية قائمة بالعقل، وهو يفقده.
وأمّا الفرع الثاني فواضح، لأنّ الحج صار ديناً عليه، يجب أداؤه، والجنون ليس من المسقطات، غاية الأمر يسقط وجوب المباشرة بنفسه، مثل الدين المالي إذا كان في ذمّته.
* اتّفق فقهاء الشيعة على عدم وجوب المماثلة على وجه الإجمال، فالرجل ينوب عن المرأة مطلقاً والمرأة عن الرجل إذا لم تكن صرورة. وأمّا إذا كانت صرورة فسيظهر الحال فيها في المسألة التالية، ولننقل بعض كلمات الفقهاء.
قال الصدوق: ولا بأس أن تحج المرأة عن المرأة، والمرأة عن الرجل، والرجل عن المرأة، والرجل عن الرجل.(1)

1 . المختلف:4/318 نقلاً عن من لا يحضره الفقيه:2/426 ذيل الحديث 2878.

صفحه 43
وقال ابن الجنيد: ويحج الرجل عن الرجل والمرأة عن المرأة.(1)
وقال المحقّق:ويجوز أن تحجّ المرأة عن الرجل، وعن المرأة.(2)
قال المحدّث البحراني: المشهور بين الأصحاب(رضوان اللّه عليهم) جواز حج المرأة عن الرجل وعن المرأة، صرورة كانت أو قد حجّت.(3)
وقال النراقي: تجوز نيابة كلّ من الرجل والمرأة عن الآخر بالإجماع مطلقاً في الأوّل، وفي غير الصرورة من الثاني.(4)
وبالجملة نيابة كلّ من الرجل والمرأة عن الآخر موضع اتّفاق في الجملة ، وإنّما الاختلاف في نيابة المرأة الصرورة عن الرجل بل المرأة أيضاً، وسيوافيك تفصيل الاختلاف فيها في المسألة التالية، ويدلّ على الجواز إجمالاً الروايات المتضافرة، منها:
1. روى الكليني بسند صحيح عن أبي أيوب قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): امرأة من أهلنا مات أخوها فأوصى بحجّة وقد حجّت المرأة، فقالت : إن كان يصلح حججت أنا عن أخي، وكنت أنا أحقّ بها من غيري، فقال أبو عبداللّه: «لا بأس بأن تحج عن أخيها، وإن كان لها مال فلتحج من مالها، فإنّه أعظم لأجرها».(5)
قوله: «فلتحجّ من مالها» فيه وجهان:1. تحجّ من مالها عن نفسها، 2. تحجّ من مالها عن أخيها.

1 . نفس المصدر.
2 . الشرائع:1/232.
3 . الحدائق:14/251.
4 . مستند الشيعة:11/121.
5 . الوسائل:8، الباب8 من أبواب النيابة في الحج، الحديث 1.

صفحه 44
المسألة 6: لا بأس باستنابة الصرورة، رجلاً كان أو امرأة، عن رجل أو امرأة. والقول بعدم جواز استنابة المرأة الصرورة مطلقاً، أو مع كون المنوب عنه رجلاً ضعيف. نعم يكره ذلك خصوصاً مع كون المنوب عنه رجلاً، بل لا يبعد كراهة استئجار الصرورة ولو كان رجلاً عن رجل.*
2. وروى الكليني بسند صحيح عن معاوية بن عمار قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): الرجل يحجّ عن المرأة والمرأة تحجّ عن الرجل، قال: «لا بأس».(1)
3. ويؤيّده ما رواه الفضل بن العباس قال: أتت امرأة من خثعم رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)فقالت: يا رسول اللّه إنّ أبي أدركته فريضة الحج وهو شيخ كبير لا يستطيع أن يثبت على دابته، فقال لها رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): «فحجّي عن أبيك».(2)

* في استنابة المرأة الصرورة

هذه المسألة هي التي أشرنا إليها في المسألة السابقة بأنّها محلّ خلاف، وهي عدم جواز استنابة المرأة الصرورة إمّا مطلقاً، سواء كان المنوب عنه رجلاً أو امرأة، أو في خصوص ما إذا كان المنوب عنه رجلاً.
فذهب جمع من الفقهاء إلى عدم جوازها، منهم الشيخ في «النهاية» و«الاستبصار» و«المبسوط».
قال: لا بأس أن تحج المرأة عن الرجل إذا كانت قد حجّت حجة الإسلام وكانت عارفة، وإذا لم تكن قد حجّت حجة الإسلام وكانت صرورة، لم يجز لها أن

1 . الوسائل:8، الباب8 من أبواب النيابة في الحج، الحديث 2. ولاحظ سائر روايات الباب.
2 . السرائر:1/630.

صفحه 45
تحجّ عن غيرها على حال.(1)
وقال ابن البراج في «المهذب» قريباً من ذلك.(2)
نعم خالفه جمع كثير منهم المحقّق في «الشرائع» وقال: وتصحّ نيابة من لم يستكمل الشرائط(أي لم يستكمل شرائط وجوب الحجّ عليه مع استكماله لشرائط النيابة) وإن كان حجّه صرورة.(3) وإطلاق العبارة يعمّ الرجل والمرأة .
ثمّ إنّ الشيخ يعتمد في منعه على روايات خاصة تمنع عن نيابة المرأة الصرورة، عن الرجل الصرورة، أو مطلقاً صرورة كان أو لا، وإليك ما يمكن أن يستدلّ به على مختاره:
1. خبر مصادف، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في المرأة تحجّ عن الرجل الصرورة، فقال: «إن كانت قد حجّت وكانت مسلمة فقيهة، فربّ امرأة أفقه من رجل».(4)
وخبره الآخر قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) : أتحج المرأة عن الرجل؟ قال: «نعم، إذا كانت فقيهة مسلمة، وكانت قد حجّت، رُبّ امرأة خير من رجل».(5)
والظاهر وحدة الروايتين لوحدة الراوي عن الإمام(عليه السلام)واشتراكهما في الألفاظ، ولكن الرواية ضعيفة لمصادف، لأنّه لم يوثّق، قال ابن الغضائري: مصادف مولى أبي عبداللّه(عليه السلام)، روى عنه، ضعيف.
وروى عنه الكشّي، وللصدوق إليه طريق صحيح في المشيخة .
وعلى كلّ تقدير فمفاد الأوّل خاص بالنيابة عن الرجل الصرورة، والآخر مطلق الرجل.

1 . النهاية: 279ـ 280.
2 . المهذب:1/269.
3 . الشرائع:1/232.
4 . الوسائل:8/124، الباب8 من أبواب النيابة في الحج، الحديث 4، 7 .
5 . الوسائل:8/124، الباب8 من أبواب النيابة في الحج، الحديث 4، 7 .

صفحه 46
2. رواية المفضّل، عن زيد الشحّام، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سمعته يقول: «يحجّ الرجل الصرورة عن الرجل الصرورة، ولا تحج المرأة الصرورة عن الرجل الصرورة».(1) وهي كخبر مصادف الأوّل تخصّ النهي بالصورة الأُولى.
والمفضّل مشترك بين عدّة، لكن المراد منه المفضل بن صالح بقرينة روايته عن زيد الشحّام.
قال الطوسي في «الفهرست»: يكنّى أبا جميلة، له كتاب، وكان نخّاساً يبيع الرقيق، ويقال: أنّه كان حدّاداً .
وقال في رجال الصادق(عليه السلام): مولى بني أسد، مات في حياة الرضا.
وقال النجاشي في ترجمة جابر بن يزيد: روى عنه جماعة غُمِز فيهم وضعّفوا، منهم المفضّل بن صالح.
وقال ابن الغضائري: ضعيف، كذّاب يضع الحديث. إلى غير ذلك من الكلمات.
ولو صحّ الاعتماد على هذه الروايات الثلاث لكان مقتضى القاعدة تخصيص ما دلّ على جواز نيابة المرأة عن الرجل ـ كما مرّ في المسألة السابقة ـ بها فلا تجوز خصوص الصرورة منها عن الرجل مطلقاً أو عن الصرورة منه وإنّما تجوز نيابة غير الصرورة منها. وقد عرفت عدم صحّة الأسانيد.
هذا هو مقتضى القاعدة.
لكن صاحب المدارك عمل بالروايات وحملها على الكراهة، ويشهد لما ذكره أحاديث:
ألف. رواية سليمان بن جعفر قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن امرأة صرورة

1 . الوسائل:8/125، الباب9 من أبواب النيابة في الحج، الحديث1.

صفحه 47
حجت عن امرأة صرورة؟ قال: «لا ينبغي». و لفظ «لا ينبغي» صريح في الكراهة.(1)
ب. حديث عبيد بن زرارة قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): الرجل الصرورة يوصي أن يحجّ عنه، هل تجزي عنه امرأة؟ قال: «لا، كيف تجزي امرأة وشهادته شهادتان؟ قال: إنما ينبغي أن تحجّ المرأة عن المرأة، والرجل عن الرجل»، وقال: «لا بأس أن يحجّ الرجل عن المرأة».(2) وذيل الحديث شاهد على أنّ النهي في قوله: «لا» محمول على الكراهة.
وقد تردّد المحدّث البحراني في الاستشهاد على هذا الجمع و قال في «الحدائق»: وقد نبّهنا في ما سبق على أنّ هذا اللفظ«لا ينبغي» بالنسبة إلى وروده في الأخبار من الألفاظ المتشابهة، لوروده فيها بالمعنى العرفي تارة وبمعنى التحريم أُخرى، ومثله لفظ (ينبغي) في الوجوب أو بمعنى الأولى، وظاهر موثّقة عبيد بن زرارة هو استعمال لفظ «ينبغي» فيها في الوجوب، فإنّه منع أوّلاً من إجزاء حجّ المرأة عن الرجل الصرورة، ثم قال: «انما ينبغي ان تحج المرأة عن المرأة... إلى آخره» فإنّ ما تقدّم قرينة على ذلك.(3)
ج. حسنة بشير النبّال قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) :إنّ والدتي توفّيت ولم تحج، قال: «يحجّ عنها رجل أو امرأة، قال: قلت: أيّهما أحبّ إليك؟ قال: «رجل أحب إليّ».(4)

1 . المدارك:7/117.
2 . الوسائل:8/126، الباب9 من أبواب النيابة في الحج، الحديث2.
3 . الحدائق:14/253ـ 254.
4 . الوسائل:8، الباب8 من أبواب النيابة في الحجّ، الحديث8.

صفحه 48
ودلالته على جواز نيابة المرأة الصرورة بالإطلاق، وهو قابل للتقييد بالروايات الثلاث الماضية، ومقتضى صناعة الفقه هو تقييد المطلق بالمقيّد إذا صحّت الأسانيد.
والأولى أن يجاب بعدم تمامية ما دلّ على المنع، لما عرفت من أنّ مصادفاً لم يوثّق، والمفضّل بن صالح ضعيف، ولو قيل بالتسامح فأقصى ما يستفاد هو الكراهة.

بيان أحكام الفروع الثلاثة

ثمّ إنّ المصنّف قال بالكراهة في موردين:
1. نيابة المرأة الصرورة مطلقاً، سواء أكان المنوب عنه رجلاً أو امرأة، أو خصوص ما إذا كان المنوب عنه رجلاً.
2. نيابة مطلق الصرورة امرأة كانت أو رجلاً.
المورد الأوّل وصوره أربعة:
فأمّا أن يكون المنوب عنه رجلاً أو امرأة، وعلى أي تقدير، فالمنوب عنه إمّا صرورة أو غير صرورة، فتكون الأقسام أربعة، وإليك بيان أحكامها:
1. إذا كان المنوب عنه رجلاً صرورة، فيدلّ عليه خبر مصادف الأوّل وفيه: في المرأة تحج ّعن الرجل الصرورة، فقال: «إن كانت قد حجّت» ومفهومه انّها إذا لم تحجّ، فلا تنوب. وخبر زيد الشحام، وفيه : «لا تحج المرأة الصرورة عن الرجل الصرورة».
2. إذا كان المنوب عنه رجلاً مطلقاً، فيدلّ عليه إطلاق خبر مصادف الثاني وفيه: أتحج المرأة عن الرجل؟ قال: «نعم، إذا كانت فقيهة مسلمة، وكانت

صفحه 49
قد حجّت» وإطلاقه يعمّ كون المنوب عنه صرورة أو غير صرورة.
3. إذا كان المنوب عنه امرأة صرورة، فيدلّ على المنع خبر سليمان بن جعفر قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن امرأة صرورة حجّت عن امرأة صرورة؟ فقال: «لا ينبغي».(1) بناء على حمله على الكراهة، خلافاً لصاحب الحدائق والسيد الخوئي حيث استظهرا الحرمة.
4. إذا كان المنوب عنه امرأة غير صرورة فلم نجد دليلاً على الكراهة.
وبذلك ظهر عدم صحّة الإطلاق في كلام المصنّف، أعني: كراهة استنابة المرأة الصرورة مطلقاً، سواء كان المنوب عنه رجلاً أو امرأة، فالإطلاق صحيح في قسمي الأوّل(الرجل) دون الثاني(أعني: المرأة)، إذ الدليل على الكراهة قائم فيما إذا كان المنوب عنه صرورة، لا غير صرورة.

المورد الثاني: كراهة نيابة مطلق الصرورة

إنّ كراهة استئجار مطلق الصرورة ولو كان رجلاً عن رجل ، ممّا اختاره صاحب الجواهر و قال: ولعلّ نيابة الرجل الصرورة لا تخلو منها ]الكراهة[ وإن كانت الامرأة أشد، ثمّ استدلّ على مرامه بمكاتبتين:
1. مكاتبة بكر بن صالح، قال: كتبت إلى أبي جعفر(عليه السلام) : إنّ ابني معي وقد أمرته أن يحجّ عن أُمّي أيجزي عنها حجّة الإسلام؟ فكتب: «لا، وكان ابنه صرورة وكانت أُمّه صرورة».(2)

1 . الوسائل:8، الباب 9 من أبواب النيابة في الحجّ، الحديث3
2 . الوسائل:8، الباب 6 من أبواب النيابة في الحجّ، الحديث4.

صفحه 50
والسند إلى بكر بن صالح لا غبار عليه، إلاّ أنّ بكر بن صالح لم يوثّق، وهو مردّد بين: بكر بن صالح الذي يروي عن عمرو بن هشام، ـ كما في «كامل الزيارات» ـ و بكر بن صالح الجعفري الذي ورد في أسانيد العلل، وبكر بن صالح الرازي الذي قال النجاشي في حقّه: مولى بني ضبّة، روى عن أبي الحسن (عليه السلام) ،ضعيف، له كتاب النوادر يرويه عدّة من أصحابنا. والظاهر انّ مراده من أبي الحسن، هو الثاني منهما، ولا ينافي مكاتبته أبا جعفر الثاني أيضاً. وعلى كلّ تقدير فالرواية لا يحتج بها.
2. مكاتبة إبراهيم بن عقبة، قال: كتبت إليه(أبو عبد اللّه (عليه السلام)) أسأله عن رجل صرورة لم يحجّ قط حجّ عن صرورة لم يحج قط، أيجزي كلّ واحد منهما تلك الحجة عن حجة الإسلام أو لا؟ بيّن لي ذلك يا سيدي إن شاء اللّه. فكتب : «لا يجزي».(1)
والسند نقي إلاّ الراوي الأخير ، فهو من رجال الإمام الهادي(عليه السلام) ولكنّه لم يوثق والكشّي روى كتابه إليه(عليه السلام) ، مضافاً إلى أنّ المتبادر من قوله: «أيجزي كلّ واحد منهما تلك الحجة عن حجة الإسلام» هو عدم إجزاء حجّته عن كليهما معاً حتّى ولو أيسر النائب فيما بعد دون أن يدلّ على عدم الإجزاء عن المنوب عنه، ودون أن يكون لها دلالة على كراهة نيابة الصرورة عن صرورة مثلها.
فظهر أنّه لا دليل صالح على الكراهة، وانّ الروايتين إمّا لا يحتجّ بها، أو لا صلة لها بالموضوع.
بل ربّما ورد الأمر باستنابة الصرورة عن مثلها: في صحيحين:

1 . الوسائل:8، الباب 6 من أبواب النيابة في الحجّ، الحديث3.

صفحه 51
المسألة 7: يشترط في صحّة النيابة قصد النيابة وتعيين المنوب عنه في النية ولو بالإجمال، ولا يشترط ذكر اسمه وإن كان يستحبّ ذلك في جميع المواطن والمواقف.*
1. صحيح معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل صرورة مات ولم يحجّ حجّة الإسلام وله مال، قال: «يحجّ عنه صرورة لا مال له».(1)
والرواية صحيحة، محمولة على الاستحباب بقرينة الصحيح الآتي، أوّلاً، وعدم الإفتاء بالوجوب من الأصحاب ثانياً.
2. صحيح أبي أيّوب الخزاز قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): امرأة من أهلنا مات أخوها فأوصى بحجة وقد حجّت المرأة فقالت: إن كان يصلح حججت أنا عن أخي، وكنت أنا أحق بها من غيري، فقال أبو عبد اللّه(عليه السلام): «لا بأس بأن تحجّ عن أخيها، وإن كان لها مال فلتحجّ من مالها، فإنّه أعظم لأجرها».(2)
والرواية ظاهرة في جواز النيابة وعدم البأس.
* إنّ النيابة من الأُمور ذات الإضافة، لها ثلاثة أضلاع إضافة إلى النائب، وإضافة إلى المنوب عنه، وإضافة إلى نفس العمل. ولا تتحقّق تلك الإضافات إلاّ بالنيّة، قال المحقّق: ولابدّ من نيّة النيابة وتعيين المنوب عنه. وتبعه المصنّف فقال: ويشترط في صحّة النيابة قصد النيابة وتعيين المنوب عنه في النيّة.

1 . الوسائل:8،الباب5 من أبواب النيابة في الحج، الحديث2.
2 . الوسائل:8، الباب8 من أبواب النيابة في الحجّ، الحديث1.

صفحه 52

ما هي حقيقة النيابة؟

عرّف المصنّف النيابة في فصل الصلاة الاستئجاريّة بوجهين:
1. جعل النائب نفسه نازلاً منزلة المنوب عنه.
2. إتيان ما عليه، له، ولو لم ينزل نفسه منزلته.
أقول: إنّ النيابة من الأُمور العرفية وليست من الحقائق الشرعية، فيكفي في تعريفها، الإمعان في الأعمال التي يقوم بها بعض الناس نيابة عن بعض، وعلى ضوء هذا، فلا يدور في خلد أحد انّه ينزّل نفسه منزلة نفسه، أو فعلَه منزلة فعله. وعلى هذا فالتعريف الثاني أولى بالتصديق، لكنّه ليس بجامع فإنّ للنيابة مصاديق مختلفة لا يصدق على الجميع، إتيان ماعليه، له.
1. أداء دين الغير للدائن، أو الحجّ عن جانب الغير إذا مات وعليه حجّة الإسلام أو غير ذلك، فينطبق عليه التعريف المذكور.
2. إتيان الفعل عن جانبه، دون أن تكون ذمّته مشغولة كالحجّ عن الميت غير المستطيع.
3. الإتيان له، كما في النيابة في حيازة المباحات، فيكون ما حازه النائب للمنوب عنه والأُجرة للنائب.
وبجمع الكل، لزوم قصد النيابة.
وبذلك اتّضح أمران:
1. وجه تعيين المنوب عنه، لأنّ الفعل لا ينسب إليه إلاّ بنيّته.
2. الاستغناء عن قصد النيابة بتعيين المنوب عنه وإتيان الفعل عنه أو له.
ثمّ إنّه ذكر المصنّف أنّه لا يشترط ذكر اسمه، بل يكفي قصد المنوب عنه إجمالاً، نعم ورد في بعض الروايات ذكر اسمه، ففي صحيحة محمد بن مسلم، عن

صفحه 53
المسألة8: كما تصحّ النيابة بالتبرّع والإجارة كذا تصحّ بالجعالة ولا تفرغ ذمّة المنوب عنه إلاّ بإتيان النائب صحيحاً ولا تفرغ بمجرّد الإجارة وما دلّ من الأخبار على كون الأجير ضامناً وكفاية الإجارة في فراغها منزّلة على أنّ اللّه تعالى يعطيه ثواب الحجّ إذا قصّر النائب في الإتيان، أو مطروحة لعدم عمل العلماء بها بظاهرها.*
أبي جعفر(عليه السلام) قال: قلت له: ما يجب على الذي يحجّ عن الرجل؟ قال: «يسمّيه في المواطن والمواقف».(1) ولكنّه محمول على الاستحباب بقرينة صحيحة البزنطي أنّه قال: سأل رجل أبا الحسن الأوّل (عليه السلام) عن الرجل يحجّ عن الرجل، يسمّيه باسمه؟ قال: «اللّه لا يخفى عليه خافية».(2)
* هنا فروع أربعة:
1. صحّة النيابة بالتبرّع.
2. صحّة النيابة بالإجارة.
3. صحّة النيابة بالجعالة.
4. عدم فراغ ذمّة المنوب عنه إلاّ بإتيان النائب صحيحاً.
وإليك دراسة الفروع واحداً تلو الآخر.

الفرع الأوّل: صحّة النيابة بالتبرّع

الظاهر انّه لا إشكال في صحّة النيابة بالتبرّع وبراءة ذمّة المنوب عنه في

1 . الوسائل:8، الباب16 من أبواب النيابة في الحج، الحديث1، 5.
2 . الوسائل:8، الباب16 من أبواب النيابة في الحج، الحديث1، 5.

صفحه 54
الحجّ، قال المحقّق: ولو تبرع إنسان بالحجّ عن غيره بعد موته، برئت ذمّته.(1)
وقال صاحب الجواهر في شرح عبارة المحقّق: بلا خلاف أجده في شيء من ذلك، بل الإجماع بقسميه عليه، بل النصوص مستفيضة أو متواترة فيه.(2)
فالعمدة في جواز النيابة في التبرّع هو أنّ الملاك في فراغ ذمّة المنوب عنه إتيان العمل عنه، وهو حاصل بالتبرع. بل التبرّع أفضل طريق لتحصيل المطلوب لخلوص القربة عن أي شائبة بخلاف القسمين الآخرين.
أضف إلى ذلك وجود النصوص، نظير: صحيحة معاوية بن عمّار قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن رجل مات ولم يكن له مال و لم يحج حجة الإسلام، فحجّ عنه بعض إخوانه، هل يجزي ذلك عنه؟ أو هل هي ناقصة؟ قال: «بل هي حجة تامّة».(3)
ويظهر من خبر عامر بن عميرة وجود الخلاف يومذاك حيث قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): بلغني عنك أنّك قلت: لو أنّ رجلاً مات ولم يحجّ حجّة الإسلام فحجّ عنه بعض أهله أجزأ ذلك عنه؟ فقال: «نعم، أشهد بها على أبي أنّه حدّثني أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)أتاه رجل فقال: يا رسول اللّه إنّ أبي مات ولم يحجّ، فقال له رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): حجّ عنه، فإنّ ذلك يجزي عنه».(4)
وأمّا الثاني أعني: جواز النيابة بالإجارة فقد اتّفقت عليه كلمات الفقهاء، كما في غير باب من الأبواب، كوجوب إخراج مصارف الحجّ من صلب المال لمن

1 . الشرائع:1/233.
2 . الجواهر:17/387.
3 . الوسائل:8، الباب31 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث 1.
4 . الوسائل:8، الباب31 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث 2.

صفحه 55
استطاع ولم يحج إلى غير ذلك من الأبواب.
وأمّا الثالث أعني: جواز النيابة بالجعالة، فلإطلاق أدلّة الجعالة ونفوذها.
وأمّا التمسّك بالملاك المذكور في التبرّع، فهو يثبت صحّة النيابة وأمّا كون الواجب هو الجُعل أو أُجرة المثل فهو موقوف على عاتق صحّة الجعالة وإلاّ فلا يثبت الجعل بل تجب أُجرة المثل.
قال العلاّمة في «القواعد»: ولو عقد بصيغة الجعالة كـ«من حجّ عني فله كذا» صحّ وليس للأجير زيادة.(1)
وحكاه في «كشف اللثام» عن الخلاف(2)، والمبسوط(3) ، وجواهر القاضي(4).
وأمّا الفرع الرابع أعني: كون فراغ الذمة رهن إتيان العمل، فهذا هو المهم في المسألة، والموضوع في المقام هو النائب الذي لم يبدأ بالعمل، فالمشهور على عدم الإجزاء، لأنّ المبرئ للذمّة هو إتيان العمل عن المنوب عنه لا مجرّد الاستئجار على الإتيان بالعمل.(5)
وأمّا إذا مات بعد البدء بالعمل فسيوافيك حكمه في المسألة العاشرة.
وهناك قول شاذٌ لصاحب الحدائق وحاصله: أنّه لو مات في الطريق قبل الإحرام فإن أمكن استعادة الأُجرة وجب الاستئجار بها ثانياً عملاً برواية إسحاق ابن عمار.(6) وإن لم يمكن فإنّها تجزي عن الميت، وعليه يحمل الإجزاء بالموت في

1 . القواعد:1/413 .
2 . الخلاف:2/393، المسألة251.
3 . المبسوط:1/325 .
4 . جواهر الفقه:46، المسألة165.
5 . الجواهر:17/369.
6 . الوسائل:8، الباب15 من أبواب النيابة في الحج، الحديث1.

صفحه 56
الطريق في الأخبار المتقدّمة]ستوافيك هذه الأخبار[. ولعلّ الوجه فيه هو أنّه لمّا أوصى الميت بما في ذمّته من الحج انتقل الخطاب إلى الوصي، والوصي لما نفّذ الوصية و استأجر فقد قضى ما عليه وبقي الخطاب على المستأجر، وحيث إنّه لا مال لـه سقط الاستئجـار مـرّة أُخرى.(1)
أقول: ما تمسّك به من الروايات قاصرة الدلالة وإن كان بعضها معتبراً سنداً، وإليك دراسة ما تمسّك به.
1. صحيح إسحاق بن عمار قال: سألته عن الرجل يموت فيوصي بحجّة فيُعطي رجلٌ دراهمَ يُحجّ بها عنه فيموت قبل أن يحجّ، ثمّ أعطى الدراهم غيره، فقال: «إن مات في الطريق أو بمكة قبل أن يقضي مناسكه فإنّه يجزي عن الأوّل».
قلت: فإن ابتلي بشيء يفسد عليه حجّه حتّى يصير عليه الحجّ من قابل أيجزي عن الأوّل؟ قال: «نعم». قلت: لأنّ الأجير ضامن للحجّ؟ قال: «نعم».(2)
وموضع الاستشهاد قوله: «لأنّ الأجير ضامن للحجّ» حيث إنّ الإمام صدّقه بقوله:«نعم».
أقول: إنّ الرواية متشكلة من أمرين:
أ: موت النائب قبل أن يقضي مناسكه فإنّه يجزي عن المنوب كما سيوافيك بيانه في المسألة العاشرة من هذا الفصل.
ب: إذا أفسد الأجير حجّه بالجماع مثلاً، فهو ضامن للحجّ، فيجب عليه الإتيان ثانياً من قابل، ويظهر من قوله: «أيجزي عن الأول قال: نعم» أنّ الحجّ

1 . الحدائق:14/257ـ 258.
2 . الوسائل:8، الباب15 من أبواب النيابة في الحجّ، الحديث1.

صفحه 57
الأوّل، للمنوب عنه، والثاني نوع تصليح لما أفسد وكفّارة لعمله.
فأين هو من انتقال الواجب إلى ذمّته وبراءة ذمّة المنوب على نحو لو علم الوصي أو الولي، بموت النائب قبل الإتيان وأمكنه الاستئجار ثانياً من ماله لم يجب عليه.
وبعبارة أُخرى: المراد من قوله: « لأنّ الأجير ضامن للحجّ» انّه يجب عليه القيام بما استأجر كسائر الأُجراء في الموارد الأُخر، وأمّا أنّه لو قصّر، أو قصر، فلا يجب على الولي الاستئجار ثانياً فلا يدلّ عليه.
2. مرسلة ابن أبي عمير، عن بعض رجاله، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)في رجل أخذ من رجل مالاً ولم يحجّ عنه ومات ولم يخلف شيئاً، فقال: «إن كان حجّ الأجير أُخِذتْ حجّتُه ودُفعَت إلى صاحب المال، وإن لم يكن حجّ كتب لصاحب المال ثواب الحجّ».(1)
يلاحظ عليه: بأنّ الرواية بصدد بيان حال الأجير وأنّه لا يخلو من حالتين، ففي إحدى الحالتين تُدفع حجّته إلى المنوب عنه، وفي أُخرى يكتب ثواب الحجّ له. وأمّا وظيفة الوصي أو الولي إذا كان عندهم مال للتأجير ثانياً فالرواية ساكتة عنها.
3. مرسلة الصدوق قال: قيل لأبي عبد اللّه(عليه السلام) : الرجل يأخذ الحجّة من الرجل فيموت فلا يترك شيئاً، فقال: «أجزأت عن الميت، وإن كان له عند اللّه حجّة أثبتت لصاحبه».(2)
يلاحظ عليه: أنّ الرواية مرسلة لا يحتجّ بها، مضافاً إلى أنّها ساكتة عن وظيفة

1 . الوسائل:8/137، الباب23 من أبواب النيابة في الحج، الحديث1، 2.
2 . الوسائل:8/137، الباب23 من أبواب النيابة في الحج، الحديث1، 2.

صفحه 58
المسألة9: لا يجوز استئجار المعذور في ترك بعض الأعمال، بل لو تبرّع المعذور يشكل الاكتفاء به.*
الوصي والولي.
4. موثّقة عمار بن موسى، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)عن رجل أخذ دراهم رجل ليحجّ عنه فأنفقها فلمّا حضر أو ان الحجّ لم يقدر الرجل على شيء، قال: «يحتال ويحجّ عن صاحبه كما ضمن»، سئل إن لم يقدر قال: «إن كانت له عند اللّه حجّة أخذها منه فجعلها للّذي أخذ منه الحجّة».(1)
والراوي عن الإمام في «التهذيب» و«الوسائل» هو عمار بن موسى الساباطي، وقد ورد في «المعتمد» ـ تقرير السيد الخوئي ـ: موسى بن عمار.(2)
والجواب هو ما ذكرنا من سكوت الرواية عن بيان وظيفة الولي والوصي إذا كان للرجل مال، وإنّما الروايات بصدد بيان حال الأجير، مضافاً إلى إعراض الأصحاب عنها.
* في المسألة فرعان وحكمهما واحد، وهما:
1. عدم جواز استئجار المعذور في ترك بعض الأعمال.
2. حكم تبرّع المعذور عن الميت.
الفرع الأوّل: لا شكّ أنّ الواجب على المكلّف (المنوب عنه) هو العمل التام، ومقتضى ذلك أن ينوب منـابه مَن يستطيع على النيابة عنه في ما فرض عليه. وقد مرّ أنّ عمل النائب هو عمل المنوب سوى قيد المباشرة، فإذا كان

1 . الوسائل:8/137، الباب23 من أبواب النيابة في الحج، الحديث 3.
2 . لاحظ التهذيب:5/511 رقم 1607; المعتمد:1/24.

صفحه 59
المسألة10: إذا مات النائب قبل الإتيان بالمناسك فإن كان قبل الإحرام لم يجزئ عن المنوب عنه، لما مرّ من كون الأصل عدم فراغ ذمّته إلاّ بالإتيان بعد حمل الأخبار الدالّة على ضمان الأجير على ما أشرنا إليه، وإن مات بعد الإحرام ودخول الحرم أجزأ عنه. لا لكون الحكم كذلك في الحاج عنه نفسه لاختصاص ما دلّ عليه به، وكون فعل النائب فعل المنوب عنه لا يقتضي الإلحاق، بل لموثّقة إسحاق بن عمّار المؤيّدة بمرسلتي الحسين بن عثمان والحسين بن يحيى الدالّة على أنّ النائب إذا مات في الطريق أجزأ عن المنوب عنه المقيّدة بمرسلة المقنعة: «من خرج حاجاً فمات في الطريق فإنّه إن كان مات في الحرم فقد سقطت عنه الحجة» الشاملة للحاج عن غيره أيضاً.*
الواجب عليه هو العمل التام فكيف ينوب عنه العاجز؟
أضف إلى ذلك أنّ المتلقّى في غير واحد من أبواب الفقه هو عدم الاكتفاء بالناقص مع التمكّن من الكامل، والواجب على الولي هو الاستنابة على الوجه الكلّي فلا يعدل عن الكامل إلى الناقص.
ومنه يظهر حكم الفرع الثاني، أعني: كفاية تبرّع الناقص عن الكامل.
* في المسألة فرعان:
1. إذا مات النائب بعد الإحرام وبعد دخول الحرم.
2. إذا مات النائب بعد الإحرام وقبل دخول الحرم.
هذان الفرعان ذكرهما المصنّف في المتن، وهناك فرع ثالث وهو:

صفحه 60
إذا مات النائب في الطريق قبل الإحرام.
ورابع وهو إذا مات النائب قبل أن يبدأ بالسفر.
وقد ترك المصنّف ذكر الفرع الرابع، وابتدأ بذكر الفرع الثالث أوّلاً، ثمّ الفرع الأوّل، ثمّ الفرع الثاني، وإليك دراسة الفروع وفق المتن.
أمّا الفرع الثالث وأولى منه الفرع الرابع، فقد مرّ وجه عدم الإجزاء، في المسألة الثامنة وقلنا: إنّ الأصل عدم فراغ ذمّة المنوب عنه إلاّ بالإتيان، لكن يبقى الكلام في الفرع الثالث لأجل وجود بعض الإطلاقات في الروايات الحاكية عن الإجزاء إذا مات في الطريق، كموثّقة إسحاق بن عمار، وسيوافيك الكلام فيها.
إلى هنا تمّ الكلام في الفرعين: الثالث والرابع. وإليك الكلام في الفرعين الأوّلين.

1. إذا مات بعد الإحرام ودخول الحرم

إذا مات النائب بعد الإحرام ودخول الحرم، فلتبيين حكمه طريقان:
ألف: دراسة مقتضى القاعدة.
ب. دراسة النصوص.
أمّا الأُولى فبيانها: انّ الحاج عن نفسه إذا مات بعد الإحرام والدخول في الحرم يُجزي عن حجة الإسلام، فإذا كان هذا حكم المنوب عنه فليكن كذلك حكم النائب، وذلك لأنّ النائب يأتي بنفس فعل المنوب عنه غاية الأمر تسقط المباشرة، ففعل النائب هو نفس عمل المنوب عنه فيكون حكمُه حكمَه .
أمّا حكم المنوب عنه فقد مرّ بيانه في المسألة الثالثة والسبعين من الفصل

صفحه 61
الثاني(1) المنعقد لبيان شرائط وجوب حجّة الإسلام وفي صحيح ضريس، عن أبي جعفر(عليه السلام)قال: في رجل خرج حاجّاً حجة الإسلام فمات في الطريق، فقال: «إن مات في الحرم فقد أجزأت عن حجة الإسلام، وإن مات دون الحرم فليقض عنه وليّه حجة الإسلام».(2)
وأمّا كونه أيضاً حكم النائب فقد قوّاه صاحب المدارك بعد أن نقل رواية ضريس وبريد وقال: لا يقال إنّ الروايتين مختصّتان بمن حجّ عن نفسه فلاتتناولان حج النائب.لأنّه ]يقال:[ إذا ثبت ذلك في حقّ الحاج ]عن نفسه [ثبت في نائبه، لأنّ فعله كفعل المنوب.(3)
يقول صاحب الجواهر مجيباً عن المناقشة الواردة في قوله: «لا يقال»: إنّ مورد الخبرين وإن كان الحجّ عن نفسه، إلاّ أنّ الظاهر ولو بمعونة فهم الأصحاب كون ذلك كيفية خاصة في الحجّ نفسه، سواء كان عن نفسه أو عن الغير، وسواء كان واجباً بالنذر أو غيره، فالمناقشة في ذلك عن بعض متأخّري المتأخّرين في غير محلّها.(4)
وممّن ركّز على القاعدة السيد الحكيم(قدس سره) قال: أمّا انّ فعل النائب هو فعل المنوب عنه فمن القطعيّات التي لا تحتاج إلى الإثبات بدليل، لأنّ النيابة إنّما هي في فعل المنوب عنه، فالنائب يأتي بفعل المنوب عنه لابغيره، والاختلاف في باب النيابة إنّما هو بالمباشرة لا غير.

1 . لاحظ الجزء الأوّل، ص 363.
2 . الوسائل:8، الباب26 من أبواب وجوب الحجّ، الحديث1، ولاحظ حديث بريد برقم 2.
3 . المدارك:7/118.
4 . الجواهر:17/367.

صفحه 62
فلو قلنا بهذا الدليل يكون حكم النائب حكم المنوب عنه، فيكون مجزئاً في هذه الصورة، وهي ما إذا أحرم ودخل الحرم ثمّ مات.
هذا مقتضى القاعدة، وأمّا مقتضى النصوص فيدلّ على الإجزاء في هذه الصورة موثّقة إسحاق بن عمّار حيث جاء فيها: «إن مات في الطريق أو بمكة قبل أن يقضي مناسكه فإنّه يجزي عن الأوّل».(1)
ومحل الاستشهاد هو قوله:«أو بمكة قبل أن يقضي مناسكه» فإنّه يلازم الموت بعد الإحرام والدخول في الحرم. وأمّا قوله: «وإن مات في الطريق» فسيوافيك الكلام فيه، في القسم الثالث، فانتظر.
وممّا يدلّ على الإجزاء في المقام أيضاً هو مرسلة «المفيد» حيث قال ـ جازماً ـ : قال الصادق(عليه السلام) : «من خرج حاجاً فمات في الطريق فإنّه إن كان مات في الحرم فقد سقطت عنه الحجة، وإن مات قبل دخول الحرم لم يسقط عنه الحجّ، وليقض عنه وليّه».(2)
فإن قلت: إنّ المرسل في مورد الإجزاء وعدمه مختصّ بالحاج عن نفسه بقرينة ذيله«وليقض عنه وليه».
قلت: مضافاً إلى إمكان كون الإجزاء وعدمه من آثار نفس الحج، لا الحجّ عن نفسه . اللّهم إلاّ أن يقال هذا عدول عن الاستدلال بالنص، إلى الاستدلال بالقاعدة ، وعلى أيّ تقدير فالإجزاء في هذا القسم ممّا لا إشكال فيه.

1 . الوسائل:8، الباب15 من أبواب النيابة في الحج، الحديث1.
2 . الوسائل:8، الباب26 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث4.

صفحه 63

2. إذا مات النائب بعد الإحرام وقبل دخول الحرم

إذا مات بعد الإحرام وقبل دخول الحرم فهل يجزي أو لا؟ مقتضى القاعدة عدم الإجزاء، لأنّ الحاج عن نفسه إذا مات قبل الدخول في الحرم،لا يجزي كما مرّ في الفصل الثاني، المسألة الثالثة والسبعين(1)، فيكون في الحجّ عن غيره كذلك إنّما الكلام في مقتضى النصوص.
أقول: إنّ هنا روايات مطلقة، تدلّ على الإجزاء إذا مات في الطريق، وهي عبارة عن الروايات التالية:
1. روى إسحاق بن عمّار قال: سألته عن الرجل يموت فيوصي بحجّة فيعطي رجل دراهم يحجّ بها عنه فيموت قبل أن يحجّ، ثم أعطى الدراهم غيره؟ فقال (عليه السلام): «إن مات في الطريق أو بمكة قبل أن يقضي مناسكه فإنّه يجزي عن الأوّل».(2)
أقول: إنّ قوله «قبل أن يقضي مناسكه» قيد لقوله: «أو بمكة» وليس قيداً لقوله: «إن مات في الطريق» لوضوح أنّ مَن يموت في الطريق، يموت قبل أن يقضي مناسكه، وعلى هذا فالحديث يدلّ على الإجزاء في صورتين:
أ. إن مات في الطريق.
ب. إن مات في مكة قبل أن يقضي مناسكه.
أمّا الشقّ الثاني فقد تقدّم الكلام فيه، إنّما الكلام في الشقّ الأوّل.
فلو أخذنا بإطلاقه يلزم كون الموت في الطريق مجزئاً وإن لم يحرم أو أحرم ولم

1 . لاحظ الجزء الأوّل، ص 363.
2 . الوسائل:8/130، الباب15 من أبواب النيابة في الحج، الحديث1.

صفحه 64
يدخل الحرم فتكون النتيجة هو الإجزاء في صورة الموت في الطريق مطلقاً كما عرفت.
وتدعم الإطلاق روايتان مرسلتان، ألا وهما:
2. عن حسين بن عثمان، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في رجل أعطى رجلاً ما يحجّه، فحدث بالرجل حدث، فقال: «إن كان خرج فأصابه في بعض الطريق فقد أجزأت عن الأوّل، وإلاّ فلا».(1)
3. روى حسين بن يحيى، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في رجل أعطى رجلاً مالاً يحجّ عنه فمات، قال(عليه السلام): «فإن مات في منزله قبل أن يخرج فلا يجزي عنه، وإن مات في الطريق فقد أجزأ عنه».(2)
فتلخّص ممّا ذكرنا أنّ الرواية ظاهرة في الإجزاء في عامّة الصور، إلاّ إذا مات قبل أن يبدأ بالسفر، ولمّا كان الإجزاء على وجه الإطلاق ممّا أعرض عنه المشهور، التجأ المصنّف إلى تقييد الرواية بمرسلة المقنعة، وهي:
روى في «الوسائل» قال: قال الصادق(عليه السلام): «من خرج حاجّاً فمات في الطريق فانّه إن كان مات في الحرم فقد سقطت عنه الحجة، فإن مات قبل دخول الحرم لم يسقط عنه الحج، وليقض عنه وليّه».(3)
وظاهر العبارة أنّ المفيد كان على ثقة بصحة الحديث حيث قال: «قال الصادق(عليه السلام)»ولم يقل«روي عن الصادق (عليه السلام)»، وبهذا يمكن رفع اليد عن الإطلاق السائد على الروايات السابقة.

1 . الوسائل:8/130، الباب15من أبواب النيابة في الحج، الحديث 3و4.
2 . الوسائل:8/130، الباب15من أبواب النيابة في الحج، الحديث 3و4.
3 . الوسائل:8/48، الباب26 من أبواب وجوب الحج وشرائطه، الحديث4.

صفحه 65
نعم يمكن أن يقال: أنّ المراد من قوله: «إن مات في الطريق» ليس مطلق الموت بالطريق، سواء أحرم أو لا، وإلاّ لزم لغوية قوله:«أو بمكة قبل أن يقضي مناسكه» ،لأنّه إذا كان الموت في الطريق مجزياً فيسبقه سبب الإجزاء دون حاجة إلى دخول مكة والاشتغال بقضاء المناسك، فهذا يجرّنا إلى القول: إنّ المراد من قوله إذا مات في الطريق هو ما إذا مات وكان متلبّساً بعمل من أعمال الحجّ، ولو بأوّل الأعمال، كالإحرام، فعندئذ تكون النتيجة: انّه إذا مات بعد ما أحرم وقبل الدخول في الحرم يكون مجزئاً، فيكون الإجزاء في النائب أوسع من المنوب عنه، لما عرفت من أنّه لا يجزي في المنوب عنه إلاّ إذا أحرم ودخل الحرم، إلاّ أن يقيد الإطلاق بمرسلة المفيد، كما عليه المصنّف.
نعم بقيت هنا رواية أُخرى وهي موثقة عمّار الساباطي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في رجل حجّ عن آخر ومات في الطريق، قال: «قد وقع أجره على اللّه، ولكن يوصي فإن قدر على رجل يركب في رحله ويأكل زاده فعل».(1)
فإنّ المتبادر منه أنّ النائب إذا مات في الطريق يوصي، لرجل أن يركب رحله ويأكل زاده ويحجّ عن المنوب عنه من غير فرق بين الموت قبل الإحرام أو بعد الإحرام، فيقع التعارض بين هذه الموثّقة وما مر من معتبرة إسحاق بن عمّار حيث دلّ على الإجزاء في صورة أو صورتين، وبما انّ موثّقة عمّار معرض عنها، فيكون المرجع هو موثّقة إسحاق بن عمّار.
ثمّ إنّ الطريق الذي سلكناه هو الذي شق طريقه المصنّف، لكنه لمّا كان غير مرضي عند المحقق الخوئي سلك مسلكاً آخر وإن كانت النتيجة واحدة، وحاصل ما أفاد:

1 . الوسائل:8/131، الباب15 من أبواب النيابة في الحج، الحديث5.

صفحه 66
المسألة11: إذا مات الأجير بعد الإحرام ودخول الحرم يستحقّ تمام الأُجرة إذا كان أجيراً على تفريغ الذمّة.*
1. إنكار إطلاق موثّقة إسحاق بن عمّار فقال: إنّ القدر المتيقّن منه هو موت النائب بعد الإحرام ودخول الحرم، فلا إطلاق حتّى يقيّد بالمرسلة.
2. ضعف مرسلة المفيد، سنداً ـ كما هو واضح ـ و دلالة لاختصاصها، بالحاج عن نفسه بشهادة ذيلها «وليقض عنه وليه».(1)
يلاحظ عليه: أنّ إنكار الإطلاق في الشق الأوّل من الموثّقة، غير صحيح، لما مرّ.
و أمّا ضعف المرسلة فمنجبر بعمل المشهور.
* هنا فروع:
1. إذا مات الأجير بعد الإحرام ودخول الحرم وكان أجيراً على تفريغ الذمّة. وإليه أشار بقوله: «إذا كان أجيراً على تفريغ الذمّة».
2. إذا مات ـ كذلك ـ وكان أجيراً على الإتيان بالحجّ بمعنى الأعمال المخصوصة. وإليه أشار بقوله:«وبالنسبة ...».
3. إذا مات قبل الدخول في الحرم محرماً (من غير فرق بين موته قبل البدء بالسفر، أو بعده وموته قبل الإحرام أو بعده وقبل الدخول في الحرم) وكان المستأجر عليه نفس الأعمال أو مع المقدّمات من المشي ونحوه بوصف المقدّميّة. وإليه أشار بقوله: «وإن مات قبل ذلك...».
4. إذا مات قبل الدخول في الحرم محرماً، ولكن كان المشي داخلاً في

1 . المعتمد:2/39.

صفحه 67
الإجارة على نحو الجزئية. وإليه أشار بقوله: «نعم لو كان المشي...».
واعلم أنّ الجهة الجامعة بين الفرعين الأوّلين هي كون الحجّ الناقص مبرئاً للذمّة، كما أنّ الجهة الجامعة بين الأخيرين عدم كونه مبرئاً لذمّة المنوب عنه، ولأجله اختلفت أحكامهما كما سيوافيك.
وإليك دراسة الفروع واحداً بعد الآخر:
الأوّل: إذا مات بعد الدخول في الحرم محرماً وكان أجيراً على تفريغ الذمّة.
كان الكلام في المسألة السابقة في إجزاء عمل النائب عن المنوب عنه: إذا مات قبل العمل أو إكماله، والكلام في المقام في استحقاق النائب الأُجرة إذا مات قبل العمل أو إكماله.
أقول: لا شكّ في صحّة الإجارة على تفريغ الذمّة لتمكّن الأجير منه لأجل التمكّن من سببه، فإنّ إتيان الحجّ تام الأركان والأجزاء والشرائط، سبب لإفراغ ذمّته، نعم في بعض التعاليق«وأمّا الإجارة على التفريغ فلا معنى له، بل متعلّق الإجارة في الحجّ البلدي المشي إلى بيت اللّه الحرام والإتيان بالمناسك المخصوصة نيابة عن المنوب عنه على ما هو المرتكز عرفاً».
وما أفاده في ذيل كلامه فهو صحيح، لأنّه خلاف المرتكز، بشهادة تقييد الإجارة بالحجّ البلدي، وأمّا أنّه لا معنى له، فهو غير تام، إذ لا مانع من تعلّق الإجارة على المسبب إذا كان متمكّناً من السبب.
وعلى أيّ تقدير لو افترضنا كون المستأجر عليه ، هو التفريغ فيستحق تمام الأُجرة إذا مات بعد الدخول في الحرم، محرماً لحصول المستأجر عليه.

صفحه 68
وبالنسبة إلى ما أتى به من الأعمال إذا كان أجيراً على الإتيان بالحجّ، بمعنى الأعمال المخصوصة.*
* الثاني: إذا مات بعد الدخول في الحرم محرماً و كان أجيراً على الإتيان بالأعمال المخصوصة فهل يستحقّ كلّ الأُجرة، أو يستحقّها بالنسبة إلى ما أتى من الأعمال؟ فالمسألة غير منصوصة، ولذلك بنوا الكلام على قواعد الإجارة، فهنا قولان:

ألف: يستحقّ تمام الأُجرة

1. ذهب الشيخ في «الخلاف» إلى أنّه يستحقّ جميع الأُجرة، قال : إذا مات أو أُحصر بعد الإحرام، سقطت عنه عهدة الحجّ، ولا يلزمه ردّ شيء من الأُُجرة. وبه قال أصحاب الشافعي إن كان بعد الفراغ من الأركان، كأن تحلّل بالطواف، ولم يقو على المبيت بمنى والرمي.(1)فإذا كان هذا حكم الموت بعد الإحرام عند الشيخ، فيكون الموت بعد الفراغ من الأركان مثله بطريق أولى.
2. وقال في «المبسوط»: إذا مات الأجير فإن كان قبل الإحرام، وجب على ورثته أن يردّوا جميع ما أخذ ولا يستحق شيئاً من الأُجرة، لأنّه لم يفعل شيئاًمن أفعال الحجّ; وإن كان بعد الإحرام لا يلزمه شيء، وأجزت عن المستأجر ـ إلى أن قال: ـ هذا إذا استأجره على أن يحجّ عنه وأطلق .(2)
3. وقال ابن إدريس: إذا مات الأجير بعد الإحرام لا يلزمه شيء، واجزأت

1 . الخلاف:2/390، المسألة244 من كتاب الحجّ .
2 . المبسوط:1/323.

صفحه 69
عن المستأجر، وسواء كان ذلك قبل استيفاء الأركان أو بعدها، قبل التحلّل أو بعده.(1)
4. ويظهر من المحقّق أيضاً استحقاقه لجميع الأُجرة ،لأنّه خصّ الإعادة بما إذا مات قبل الدخول في الحرم محرماً، قال: ومن استؤجر فمات في الطريق، فإن أحرم ودخل الحرم، فقد أجزأت عمّن حجّ عنه. ولو مات قبل ذلك لم يُجز، وعليه أن يعيد من الأُجرة ما قابل المتخلّف من الطريق، ذاهباً وعائداً.(2)
5. وقال العلاّمة: لو مات بعد الإحرام ودخول الحرم فقد قلنا: إنّه يجزئ عن المنوب عنه فيخرج عن العهدة، فلا يجب على الورثة ردّ شيء من الأُجرة، لأنّه قد فعل ما أبرأ ذمّة المنوب عنه فكان كما لو أكمل الحجّ.(3)

ب. يستحقّ بنسبة ما فعل إلى المجموع

يظهر من «المدارك» أنّه اختار التقسيط وانّه يستحقّ بنسبة ما أتى إلى الجملة، فقال معترضاً على المحقّق : لأنّه إنّما يتمّ إذا تعلّق الاستئجار بالحجّ المبرئ للذمّة، أمّا لو تعلّق بالأفعال المخصوصة لم يتوجّه استحقاقه لجميع الأُجرة، وإن كان ما أتى به مبرئاً للذمة، لعدم الإتيان بالفعل المستأجر عليه ـ إلى أن قال:ـ فمتى أتى الأجير ببعض ما استؤجر عليه، استحقّ من الأُجرة بتلك النسبة إلى المجموع... ولو مات بعد الإحرام استحقّ بنسبة ما فعل إلى الجملة.(4)

1 . السرائر:1/628.
2 . الشرائع:1/232.
3 . المنتهى:2/863.
4 . المدارك:7/119ـ120.

صفحه 70
وما ذكره هو خيرة المصنّف حيث قال: وبالنسبة إلى ما أتى به من الأعمال إذا كان أجيراً على الإتيان بالحجّ، يعني: الأعمال المخصوصة. وهو مطابق للقاعدة، لولا شبهة الإجماع على استحقاق الكلّ.
قال الشهيد في «المسالك»: ولو مات في أثناء الفعل فإن كان قد أحرم ودخل الحرم فمقتضى الأصل أن لا يستحق إلاّ بالنسبة، لكن وردت النصوص بإجزاء الحجّ عن المنوب وبراءة ذمّة الأجير، واتّفق الأصحاب على استحقاقه جميع الأُجرة، فهذا الحكم ثبت على خلاف الأصل، فلا مجال للطعن فيه بعد الاتفاق عليه.(1)
أقول: إنّ النصوص دلّت على الإجزاء وبراءة ذمّة الأجير من الإعادة، وأمّا استحقاقه جميع الأُجرة فالنصوص خالية منه ولم يبق إلاّ ادّعاء الاتّفاق، والظاهر أنّهم بنوا استحقاق الجميع على ما إذا كان المستأجر عليه إفراغ الذمّة، لا الأعمال المستأجرة.
ربّما يقال: أنّه كما يستحقّ ما أتى به من الأفعال المخصوصة يستحق أيضاً للمقدّمات كالمشي وغيره، لاحترام عمل المسلم، نظير استحقاق أُجرة المثل في الإجارة الفاسدة.
يلاحظ عليه: أنّه خلف الفرض، وذلك لأنّ المفروض أنّ الإجارة وقعت على الأعمال المخصوصة دون المقدّمات، فلو أتى هو بها فإنّما بحكم العقل للوصول إلى ذيها من دون أن يكون هناك أمر من الموجر بالنسبة إلى تلك المقدّمات، ونظير هذا الإجارة الفاسدة فإنّها تستحقّ أُجرة المثل بالنسبة إلى ما وقع عليه العقد، سواء أكان مقدّمة أو ذيها، وأمّا ما لا يقع عليه العقد فليس عليه أيّة أُجرة.

1 . المسالك:2/169.

صفحه 71
وإن مات قبل ذلك لا يستحقّ شيئاً، سواء مات قبل الشروع في المشي أو بعده، وقبل الإحرام أو بعده، وقبل الدخول في الحرم، لأنّه لم يأت بالعمل المستأجر عليه لا كلاً ولا بعضاً بعد فرض عدم إجزائه، من غير فرق بين أن يكون المستأجر عليه نفس الأعمال أو مع المقدّمات من المشي ونحوه.
نعم لو كان المشي داخلاً في الإجارة على وجه الجزئيّة بأن يكون مطلوباً في الإجارة نفساً استحقّ مقدار ما يقابله من الأُجرة، بخلاف ما إذا لم يكن داخلاً أصلاً، أو كان داخلاً فيها لا نفساً بل بوصف المقدّميّة.*
وبالجملة ما أتى من المقدّمات بما أنّها لم تكن بأمر الموجر لا تتعلّق بها الأُجرة، نظير ما إذا استوجر للصلاة بما هي هي فتوضّأ الأجير أو اغتسل ثمّ عجز عن أداء الصلاة، فإنّه لا يستحقّ أُجرة المثل لوضوئه أو غسله.
*الثالـث: إذا مات النائب قبل الدخول في الحرم محرماً وكان المستأجر عليه هو الأفعال المخصوصة وكان الذهاب داخلاً من باب المقدّمة، فهنا قولان:
الأوّل: للشيخ الطوسي حيث ذهب إلى ردّ الجميع إلى الورثة، حيث قال: إذا مات الأجير فإن كان قبل الإحرام وجب على ورثته أن يردّوا جميع ما أخذ ولا يستحق شيئاً من الأُجرة ، لأنّه لم يفعل شيئاً من أفعال الحجّ.(1)
الثاني: للمحقّق حيث ذهب إلى ردّ ما قابل المتخلَّف فقال: ولو مات قبل ذلك (قبل الدخول في الحرم محرماً) لم يُجزِ، وعليه أن يعيد من الأُجرة ما قابل

1 . المبسوط:1/323.

صفحه 72
المتخلَّف من الطريق، ذاهباً وعائداً.(1) أي دون الجميع.
وذهب المصنّف إلى القول الأوّل، لأنّ المفروض وقوع العقد على الأعمال دون الأعمال مع المقدّمات.
والفرق بين الصورة الثانية والثالثة، هو انتفاع المنوب عنه ببعض الأعمال ـ كالإحرام والدخول في الحرم ـ فيقسط الأُجرة بالنسبة إليه دون المقام حيث مات قبل الإحرام ولم يكن الذهاب متعلّقاً بالإجارة.
والذي يمكن أن يقال: إنّ هذه الصورة مجرّد افتراض لا وجود لها في الخارج، لأنّ المفروض وقوع الإجارة على الحجّ البلدي دون الميقاتي، فطيّ الطريق جزء في الإجارة في الحجّ البلدي، فعدم انتفاع المستأجر أو عدم الإجزاء ونحوه لا يضر بما هو المراد من التقسيط نظير عدم حصول الغرض من الإجارة.
نعم لو صحّ الفرض فالحكم ما أفاده المصنّف في المتن.
الرابع: إذا مات قبل الدخول في الحرم محرماً وكان المشي وسائر المقدّمات داخلاً في الإجارة على نحو الجزئية، وعندئذ يستحقّ مقدار ما يقابل خصوص المشي، لا الإحرام وسائر أعمال الإحرام كالغسل والصلاة والتلبية ، لما ذكره المصنّف من أنّه نظير ما إذا استوجر للصلاة فأتى بركعة أو أزيد ثمّ أبطلت صلاته.
والمتحقّق في الخارج هو هذه الصورة ولذلك يشترط الموجر مبدأ الشروع في السفر، وهذا يعرب عن أنّ متعلّق الإجارة هو المقدّمات مع ذيها.

1 . الشرائع:1/232.

صفحه 73
فما ذهب إليه بعضهم من توزيع الأُجرة عليه أيضاً مطلقاً لا وجه له كما أنّه لا وجه لما ذكره بعضهم من التوزيع على ما أتى به من الأعمال بعد الإحرام، إذ هو نظير ما إذا استوجر للصلاة فأتى بركعة أو أزيد ثمّ أبطلت صلاته، فإنّه لا إشكال في أنّه لا يستحقّ الأُجرة على ما أتى به، ودعوى أنّه وإن كان لا يستحقّ من المسمّى بالنسبة لكن يستحقّ أُجرة المثل لما أتى به، حيث إنّ عمله محترم. مدفوعة بأنّه لا وجه له بعد عدم نفع للمستأجر فيه. والمفروض أنّه لم يكن مغروراً من قبله، وحينئذ فتنفسخ الإجارة إذا كانت للحجّ في سنة معيّنة، ويجب عليه الإتيان به إذا كانت مطلقة من غير استحقاق لشيء على التقديرين.*
* ثمّ إنّ قول المصنّف: «فما ذهب إليه بعضهم من توزيع الأُجرة عليه أيضاً مطلقاً» ناظر إلى قول المحقّق في «الشرائع» حيث قال: ولو مات قبل ذلك لم يُجزِ، وعليه أن يعيد من الأُجرة ما قابل المتخلَّف من الطريق، ذاهباً وعائداً.(1) ومراد المصنّف هو التفصيل بين ما أُخذ المشي جزءاً داخلاً في الإجارة على وجه الجزئية ـ كما في الصورة الرابعة ـ وبين ما لم يكن كذلك كما في الصورة الثالثة، فيقسط في الأُولى دون الأخيرة.
وأمّا قوله: كما أنّه لا وجه لما ذكره بعضهم من التوزيع على ما أتى به من الأعمال بعد الإحرام، ناظر لكلتا الصورتين، حيث إنّ الأُجرة تقسط على المشي في الرابعة، دون الثالثة، و لا تقسط على الإحرام وسائر الأعمال المقارنة له في كلتا

1 . الشرائع:1/232.

صفحه 74
الصورتين، لعدم انتفاع المنوب عنه، وعدم كونها متعلّقاً بالإجارة مستقلاً كما عرفت.
بقي هنا شيء و هو أنّه إذا لم يكن ما أتى به مجزئاً كما في الصورتين الأخيرتين فما هو حكم الإجارة؟ وهذا ما أشار إليه المصنّف بقوله:«فتنفسخ الإجارة إذا كانت للحج في سنة معينة، ويجب عليه الإتيان به إذا كانت مطلقة من غير استحقاق لشيء على التقديرين» والعبارة لا تخلو من تشويش، لأنّه فرّق بين كون الحجّ في سنة معيّنة وبين كونها مطلقة، فحكم في الأوّل بانفساخ الإجارة، وفي الثاني بوجوب الإتيان بما بقي في يده من الأُجرة، مع أنّ المفروض أنّه مات فكيف يجب الإتيان عليه.
والتحقيق أن يقال: أنّ الإجارة إذا كانت مقيدة بالمباشرة فهي تنفسخ بالموت، من غير فرق بين كونها في سنة معيّنة أو مطلقة، فتعود الأُجرة ملكاً للورثة.
وأمّا إذا لم تكن الإجارة مقيّدة بالمباشرة يستأجر من تركة الأجير من غير فرق بين السنة المعينة وغيرها.

صفحه 75
المسألة12: يجب في الإجارة تعيين نوع الحجّ من تمتّع أو قران أو إفراد، ولا يجوز للموجر العدول عمّا عيّن له، وإن كان إلى الأفضل، كالعدول من أحد الأخيرين إلى الأوّل، إلاّ إذا رضي المستأجر بذلك فيما إذا كان مخيّراً بين النوعين أو الأنواع ـ كما في الحجّ المستحبّي والمنذور المطلق ـ أو كان ذا منزلين متساويين في مكّة وخارجها. وأمّا إذا كان ما عليه من نوع خاصّ فلا ينفع رضاه أيضاً بالعدول إلى غيره.
وفي صورة جواز الرضا يكون رضاه من باب إسقاط حقّ الشرط إن كان التعيين بعنوان الشرطيّة، ومن باب الرضا بالوفاء بغير الجنس إن كان بعنوان القيديّة. وعلى أيّ تقدير يستحقّ الأُجرة المسمّـاة، وإن لم يأت بالعمل المستأجر عليه على التقدير الثاني، لأنّ المستأجّر إذا رضي بغير النوع الّذي عيّنه فقد وصل إليه ماله على الموجر، كما في الوفاء بغير الجنس في سائر الديون، فكأنّه قد أتى بالعمل المستأجر عليه، ولا فرق فيما ذكرنا بين العدول إلى الأفضل أو إلى المفضول، هذا.*
*في المسألة فروع:
1.يجب في الإجارة تعيين نوع الحجّ من تمتع أو قران أو إفراد.
2. لا يجوز للموجر (الأجير) العدول عمّا عُيّن له، وإن كان المعدول إليه أفضل.
3. يجوز الرجوع مع العلم برضا المستأجر في موردين.
4. لا يجوز العدول إذا كان ما عليه من نوع خاص.

صفحه 76
5. إذا عدل برضاه يستحقّ الأُجرة المسمّاة إمّا لإسقاط الشرط أو الوفاء بغير الجنس.

الفرع الأوّل: في وجوب تعيين نوع الحج

ذكر المصنّف أنه يجب في الإجارة تعيين نوع الحجّ من تمتع أو قران أو إفراد.
قال العلاّمة في «التذكرة»: فإذا استأجره ليحج عنه، وجب تعيين أحد الأنواع.(1)
وقال في «المدارك»: إنّ أنواع الحج ثلاثة :تمتع، وقران،وإفراد، ومقتضى قواعد الإجارة أنّه يعتبر في صحّة الإجارة على الحج تعيين النوع الذي يريده المستأجر لاختلافها في الكيفية والأحكام....(2)
وقال في «الجواهر»: إنّه يجب في الإجارة تعيين أحدها، لاختلافها في الكيفية والأحكام، وإلاّ لزم الغرر، كما اعترف به في المدارك.(3)
وأورد عليه في «المستمسك» بأنّ المذكور في محلّه أنّ صفات المبيع ـ التي يجب العلم بها لئلاّ يلزم الغرر ـ هي الصفات التي تختلف بها المالية، أمّا ما لا تختلف به المالية فلا تجب معرفته، لعدم لزوم الغرر مع الجهل بها. وحينئذ فاختلاف أنواع الحج في الكيفية والأحكام إذا لم توجب اختلاف المالية لم تجب معرفتها، فيجوز أن يستأجره على أن يحج أي نوع شاء، نعم إذا كان المنوب عنه مما يتعيّن نوع منها عليه لزم التعيين من الوصي أو غيره. لكنّه لا يرتبط بصحّة

1 . التذكرة:7/147.
2 . المدارك:7/120ـ121.
3 . الجواهر:17/373.

صفحه 77
الإجارة.(1)
يلاحظ عليه: أنّ المورد ممّا تختلف فيه المصارف والنفقة حسب الصفات والقيود، في عقد الإجارة مثلاً فإنّ المتمتع ـ غالباً ـ يجب أن يحرم من المواقيت التي عيّنها رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)حسب اختلاف البلدان، ولكن القارن والمفرد يحرم من دويرة أهله، وهذا يسبّب قلّة الأُجرة وكثرتها.
أضف إلى ذلك: أنّ المتمتّع يقدم العمرة على الحج، والقارن يؤخّرها إلى بعد الحج، وربّما يكون أحد العملين أسهل في بعض الظروف من الآخر، فكيف يمكن ادّعاء المساواة في المالية في الأقسام الثلاثة. مضافاً إلى أنّه يجب في التمتع والقران الهدي دون الإفراد.
ثم إنّ المحقّق الخوئي فرّق بين استئجار العمل المبهم المردّد بين فردين وما إذا وقع عقد الإجارة على الطبيعي الجامع بين الأفراد، فالأوّل مستلزم للغرر، بخلاف الثاني، فلو تعلّق عقد الإجارة بالمبهم المردّد بين فردين بحيث لم يعلم أنّ مورد الإجارة هل هو هذا الفرد أو الفرد الآخر، فقد يكون الأجير يختار فرداً والمستأجر يختار فرداً آخر تبطل الإجارة عندئذ للضرر، بخلاف ما إذا وقعت الإجارة على الطبيعي الجامع، نظير استئجار شخص لصيام شهر من شهور السنة مع أنّ الصوم في الشتاء تختلف قيمته مع الصيام في الصيف.(2)
يلاحظ عليه: أنّ ما جوّزه خارج عن محطّ البحث، فإذا كان الجامع محطّاً للإجارة كان الخيار بيد الأجير دون المستأجر، فليس له الاعتراض أو التعيين.

1 . المستمسك:11/34.
2 . المعتمد:2/48ـ 49بتصرّف.

صفحه 78

الفرع الثاني: ليس للأجير العدول عمّا عيّن له

إذا عيّن المستأجر نوعاً من الحجّ فهل يجوز للأجير العدول إلى غيره أو لا؟ المشهور هو عدم الجواز، خلافاً للشيخ حيث جوّز العدول إلى الأفضل.
مقتضى القاعدة هو عدم جواز العدول، إذ الواجب على الأجير تسليم ما استوجر عليه، إلى المستأجر، والمعدول إليه خارج عن المعقود عليه وإن كان أفضل، كما إذا استأجره لزيارة إمام من أئمّة البقيع (عليهم السلام) فعدل إلى زيارة النبي وإن كان الثاني أفضل.
يقول المحقّق: ويأتي النائب بالنوع الذي وقعت الإجارة عليه، مثل أن يستأجر للحج متمتعاً أو قارناً أو مفرداً فلا يعدل إلى غيره وهو المحكي عن علي ابن رئاب; وقال الشيخ: إذا استأجره للقران فأفرد لم يصح، وكذا لو استأجره للتمتع فقرن أو أفرد. ولو استأجره للإفراد فتمتع جاز، لأنّه عدل إلى الأفضل.(1)
وسيوافيك الكلام في استثناء الشيخ العدول إلى الأفضل، ويشير إليه المصنّف في آخر المسألة.

الفرع الثالث: جواز العدول في صورتين

إنّ المصنّف استثنى من عدم جواز العدول الصورتين التاليتين:
1. يجوز العدول برضا المستأجر فيما إذا كان مخيّراً بين النوعين، كما إذا كان ذا منزلين متساويين في مكة وخارجها.
2. إذا كان مخيّراً بين الأنواع، كما في الحج المستحب والمنذور المطلق.

1 . المعتبر:2/ 769، كتاب الحج.

صفحه 79

الفرع الرابع: عدم جواز العدول إذا كان ما عليه نوعاً خاصاً

إذا كان على المنوب عنه نوع خاص من الحج، فلا ينفع رضا المستأجر بالعدول إلى غيره، لأنّ الرضا لا يغير موضوع التكليف، كما إذا كان التمتع على ذمّته فرضي المستأجر بالإفراد والقران.
نعم لو رضي المستأجر بنيّة الحج الندبي فأتى به فهو لا ينفع في براءة ذمّة المنوب عنه لكنّه ينفع في استحقاق أُجرة المسمّى ،لأنّه أتى بالحج الندبي بأمره.
وبذلك يظهر معنى عبارة المصنّف حيث قال: «وأمّا إذا كان ما عليه من نوع خاص فلا ينفع رضاه أيضاً بالعدول إلى غيره» فالمراد لا ينفع في براءة ذمّة المنوب عنه لكنّه ربّما ينفع في استحقاق أُجرة المسمّى، إذ لا مانع من اجتماع الوجوب والندب، فالمنوب عنه يجب أن يُحجّ عنه حج التمتّع بالأمر الوجوبي ويُستحب عنه حج الافراد بالأمر الندبي ـ مطلقاً أو إذا كان حجّ حجّة الإسلام ـ فلو عدل إلى الحج عنه بالأمر الندبي لا ينفع في براءة ذمّة المنوب عنه ولكنّه يفيد في تملك أُجرة المسمّى.

الفرع الخامس: استحقاق أُجرة المسمّى إمّا إسقاطاً للشرط أو الوفاء بغير الجنس

إنّ القيود المأخوذة في المبيع أو مورد الإجارة على قسمين: تارة يُعد من صفات الصحّة أو الكمال دون أن تكون منوّعة أو مصنّفة كما إذا باع عبداً سالماً أو كاتباً فبان مريضاً أو أُمّياً، ففي هذه الموارد يكون للمشتري خيـار تخلّف الشرط أو الوصف.
وأُخرى تكون من الصفات المنوّعة أو المصنّفة بحيث يُعدّ الفاقد مبايناً

صفحه 80
للواجد، كما هو الحال في الذهب والفضة والحنطة والشعير، فتسليم أحدها مكان الآخر من قبيل الوفاء بغير الجنس.
وعلى ضوء ذلك فقد فرّق المصنّف بين كون عنوان التمتّع مثلاً من قبيل الصفات غير المنوعّة، فإذا عدل عمّا عيّن له إلى غيره بإذن المستأجر، يكون من باب إسقاط حق الشرط، بخلاف ما إذا قلنا : إنّها من الصفات المنوّعة، كالذهب والفضة والفرس والحمار، فلو عدل من أحدهما إلى الآخر برضاه يكون من باب الوفاء بغير الجنس بإذن المستأجر.
وعلى كلّ تقدير يستحقّ الأجرة المسمّاة حتّى على القول بالقيديّة، لأنّ الأجير أتى بالمعدول إليه بأمر المستأجر كما في كل مورد رضي أحد الطرفين بالوفاء بغير الجنس في سائر الموارد.
والظاهر انّ كلاً من قيود التمتّع ، والقران والإفراد، من القيود المنوِّعة، من غير فرق بين أن يقع كلّ وصفاً للحجّ، أو قيداً، فلو قال: آجرتك لئن تحجّ عن والدي شريطة أن يكون حجّك تمتّعاً، فإنّه مثلما إذا قال: آجرتك لحج التمتّع عن والدي، فليس المعيار في تمييز الشرط عن القيد هو التعبير، بل المعيار هو قضاء العرف بأنّ ما سلّم هو نفس المعقود عليه ولا يختلف إلاّ في الأوصاف، أو هو مبائنه ومغايره.
وظاهر المصنّف تبعاً للشيخ الأنصاري انّ الميزان في الشرطية والقيدية ، هو تعبير العاقد، فلو أُخذ كلّ من قيود التمتع وعدليه، شرطاً في العبارة يعامل معه معاملة تخلّف الشرط، ولو أخذ قيداً، يعامل معه معاملة تخلّف أصل المعقود عليه، فلو باع فرساً عربياً وقال: بعت هذا الفرس العربي، فسلّم غيره، فهو من قبيل الوفاء بغير الجنس; ولو قال: بعتك الفرس، بشرط أن يكون عربياً، فسلّم غيره،

صفحه 81
يكون من قبيل تخلّف الشرط.
ولكن الظاهر انّ الميزان هو قضاء العرف بأنّ المورد هل هو من قبيل تسليم المبيع، غاية الأمر فاقداً للشرط، أو هو من قبيل تسليم المبائن، سواء كان التعبير بلفظ الوصف و الشرط أو القيد؟ وعلى ضوء ذلك، فالمقام من قبيل الوفاء بغير الجنس، لأنّ العرف يتلقّى الأقسام الثلاثة أنواعاً. وأمّا استحقاق الأُجرة المسمّاة فهو صحيح على كلا الفرضين إمّا لإسقاط الشرط أو الوفاء بغير الجنس.

صفحه 82
ويظهر من جماعة جواز العدول إلى الأفضل، كالعدول إلى التمتّع تعبّداً من الشارع، لخبر أبي بصير عن أحدهما (عليهما السلام) في رجل أعطى رجلاً دراهم يحجّ بها مفردة أيجوز له أن يتمتّع بالعمرة إلى الحجّ؟ قال (عليه السلام): «نعم إنّما خالف إلى الأفضل». والأقوى ما ذكرناه. والخبر منزّل على صورة العلم برضا المستأجر بذلك مع كونه مخيّراً بين النوعين، جمعاً بينه و بين خبر آخر في رجل أعطى رجلاً دراهم يحجّ بها حجّة مفردة، قال(عليه السلام): «ليس له أن يتمتّع بالعمرة إلى الحجّ، لا يخالف صاحب الدراهم». وعلى ما ذكرنا من عدم جواز العدول إلاّ مع العلم بالرضا إذا عدل بدون ذلك لا يستحقّ الأُجرة في صورة التعيين على وجه القيديّة، وإن كان حجّه صحيحاً عن المنوب عنه، ومفرِّغاً لذمّته، إذا لم يكن ما في ذمّته متعيّناً فيما عيّن، وأمّا إذا كان على وجه الشرطية فيستحقّ إلاّ إذا فسخ المستأجر الإجارة من جهة تخلّف الشرط، إذ حينئذ لا يستحقّ المسمّى بل أُجرة المثل.*
* هنا فرعان:
1. لا يجوز العدول من المفضول إلى الأفضل بلا رضا المستأجر.
2. لو عدل إلى الأفضل وكان النوع قيداً أو شرطاً يقع الكلام في صحّة الحجّ، واستحقاق الأُجرة.

الفرع الأوّل: هل يجوز العدول إلى الأفضل؟

قد عرفت أنّ مقتضى القاعدة عدم جواز العدول حتى إلى الأفضل فضلاً عن المفضول إلاّ برضا المستأجر، غير أنّ الشيخ استثنى صورة وهي جواز العدول

صفحه 83
إذا كان المعدول إليه أفضل.
فقال في «المبسوط»: وإن استأجره ليفرّد فتمتّع أو قرن أجزأه، لأنّه عدل إلى الأفضل وأتى بما استوجر فيه وزيادة.(1)
وقال في «النهاية»: وإن أمره أن يحجّ عنه مفرداً أو قارناً، جاز له أن يحج عنه متمتعاً، لأنّه يعدل إلى ما هو الأفضل.(2)
وقال ابن الجنيد: وإذا خالف الأجير المستأجر في ما شرطه عليه إلى ما هو أفضل في الفعل والسنّة جاز، وإن كان غير ذلك لم يجز.(3)
وقال ابن البرّاج : ومن أمر غيره بأن يحجّ عنه متمتّعاً، وكان هذا المأمور نائباً بأُجرة، لم يجز له أن يحجّ عنه إلاّ كذلك، فإن حجّ عنه قارناً أو مفرداً لم يجز له ذلك وكان عليه الحجّ عنه متمتعاً، فإن أمره أن يحجّ عنه قارناً أو مفرداً فحجّ عنه متمتّعاً، كان ذلك جائزاً ولم يكن عليه شيء .(4)وكلامهم مطلق غير مقيّد بالعلم بالرضا.
ولكن الظاهر من المحقّق والعلاّمة جواز العدول في قسم خاص وهو لو عُلم تعلق غرض المستأجر بالأفضل لا بالنوع الخاص .
قال المحقّق: وهذا ]جوازالعدول[ يصحّ إذا كان الحجّ مندوباً، أو قصد المستأجر الإتيان بالأفضل، لا مع تعلّق الفرض بالقران أو الإفراد.(5)
وقال العلاّمة في «القواعد»: ولو عدل النائب إلى التمتع عن قسميه وعلم

1 . المبسوط:1/324.
2 . النهاية:278.
3 . المختلف:4/322.
4 . المهذب:1/268.
5 . الشرائع:1/232.

صفحه 84
أنّه تعلّق الغرض، أي غرض المستنيب بالأفضل بأن يكون مندوباً أو منذوراً مطلقاً، أو كان المنوب ذا منزلين متساويين فيتخيّر، أي عُلم أنّ الأفضل مطلوب له أيضاً.(1)
ولا يخفى أنّه لم يظهر وجه استثناء الحج المنذور فإنّه مثل الحج الواجب، لا يجوز العدول بلا رضا المستأجر، وأمّا جواز الرجوع إذا علم تعلّق غرض المستأجر بالأفضل فهو خارج عن البحث على القول بكفاية العلم بالرضا بدون حاجة إلى الإذن اللفظي، إنّما الكلام في جواز العدول مطلقاً، فقد استند الشيخ ومن قبله ـ كابن الجنيد ـ ومن بعده ـ كابن البراج ـ إلى رواية أبي بصير عن أحدهما (عليهما السلام) في رجل أعطى رجلاً دراهم يحجّ بها عنه حجّة مفردة، فيجوز له أن يتمتّع بالعمرة إلى الحج؟ قال: «نعم إنّما خالف إلى الفضل».(2)
والحديث خاضع للدراسة سنداً ودلالة.
أمّا السند فالمذكور في «التهذيب» قوله «عن أبي بصير عن أحدهما» ولكن في الوسائل :«عن أبي بصير » يعني: «المرادي» ولم يعلم مصدر قول صاحب الوسائل، ولعلّ نسخة «التهذيب» عنده كانت مشتملة على قوله: (يعني المرادي). فلو كان المراد من أبي بصير هو الليث بن البختري المرادي، فالرواية في غاية الصحة، وأمّا لو كان المراد هو (يحيى بن قاسم الأسدي) فهو ثقة على الأصحّ، خلافاً لصاحب المدارك في المقام.(3)
وعلى كلّ تقدير فالرواية معتبرة.

1 . كشف اللثام عن قواعد الأحكام:5/166، والعبارة ممزوجة مع شرح الأصفهاني.
2 . الوسائل:8/128، الباب12 من أبواب النيابة في الحج، الحديث1.
3 . المدارك:7/121.

صفحه 85
وأمّا الدلالة، أعني قوله: «إنّما خالف إلى الفضل» فما هو المعلول لهذا التعليل الارتكازي؟ فهنا احتمالان:
الأوّل: أنّه تعليل لجواز العدول مع عدم العلم بالرضا. وحاصل التعليل: إنّ العدول إحسان إلى المستأجر، فيجوز و إن لم يُحرز رضاؤه.
الثاني: بما أن التمتّع أفضل فيكون أرضى للمستأجر وإن لم يُظهره.
والظاهر هو الأوّل، وعلى ذلك فتكون الرواية دليلاً على جواز العدول من دون اكتساب رضا المستأجر.
وأمّا الاحتمال الثاني فبعيد، لأنّه لو اكتشف رضا المستأجر ولو لأجل أنّ التمتع أفضل، لما كان للسؤال وجه.
وبذلك يعلم أنّ ما أفاده السيد الخوئي وغيره من حمل الرواية على صورة العلم برضا المستأجر بذلك مع كونه مخيّراً بين النوعين بعيد عن مضمون الرواية.
نعم يخالفه خبر آخر وهو ما رواه الشيخ عن الحسن بن محبوب، عن علي(عليه السلام)في رجل أعطى رجلاً دراهم يحجّ بها عنه حجّة مفردة، قال: «ليس له أن يتمتّع بالعمرة عن الحج، لا يخالف صاحب الدراهم».(1)
وفي «الوسائل» عن علي(عليه السلام) ، والظاهر أن النسخة مغلوطة، بشهادة أنّه ليس في «التهذيب» ذكر (عليه السلام) بعد علي حيث قال بعد نقل الحديث: فأوّل ما فيه أنّه حديث موقوف غير مسند إلى أحد من الأئمة (عليهم السلام) ، وما هذا حكمه من الأخبار لا يترك لأجله الأخبار المسندة، والحديث الأوّل مسند فالأخذ به أولى.(2)
والظاهر أنّ المراد من (علي) هو علي بن رئاب لكثرة رواية ابن محبوب عنه،

1 . الوسائل:8/128، الباب12 من أبواب النيابة في الحج، الحديث2.
2 . التهذيب:5/416برقم 1447.

صفحه 86
والتي تبلغ 287 مورداً. وقد روى النجاشي كتب ابن رئاب بطريق ينتهي إلى الحسن بن محبوب عنه(علي بن رئاب).(1)
ويشهد على ذلك فهم المحقّق حيث قال: فلا يُعدل إلى غيره، وهو المحكي عن علي بن رئاب.(2)
والشيخ وغيره طرحوا الرواية الثانية لإرسالها، ولكن يبعد أن يروي علي بن رئاب عن غير الإمام المعصوم، ولفظ الحديث حاك عن كونه من أحاديثهم. والرواية الأُولى(رواية أبي بصير) مخالفة للقاعدة القطعية، فالتعبّد يحتاج إلى دليل سالم عن المعارض....

الفرع الثاني: إذا عدل وكان النوع قيداً أو شرطاً

قد سبق أنّه يجوز للمستأجر العدول عمّا عيّن مع العلم بالرضا، وانّه يستحقّ الأُجرة المسمّاة مطلقاً، سواء أكانت نوعية الحجّ قيداً أم شرطاً، غاية الأمر يستحق الأُجرة في الأوّل من باب الوفاء بغير الجنس مع رضا المستأجر، وفي الثاني لأجل إسقاط حقّ الشرط.
إنّما الكلام فيما إذا عدل، بدون العلم بالرضا فقد فرق المصنّف بين أخذ النوعية قيداً وكونها شرطاً.
فعلى الأوّل، لا يستحقّ الأُجرة، لعدم الإتيان بالمستأجر عليه ، بل أتى بشيء مباين، كما إذا اشترى شيئاً بما أنّه قطن فبان أنّه حديد.
وعلى الثاني يستحقّ الأُجرة لتسليمه المستأجر عليه بلا نقص، غاية الأمر

1 . رجال النجاشي، رقم 655.
2 . المعتبر:2/769.

صفحه 87
سلّمه مع تخلّف الشرط.
نعم إذا فسخ لأجل تخلّف الشرط، يستحقّ أُجرة المثل .
والحقّ فيما إذا كانت نوعية الحج قيداً هو التفصيل بين الإمضاء فيستحقّ أُجرة المثل وعلى احتمال قويّ الأُجرة المسمّاة وإلاّ فلا يستحقّ شيئاً.
وكان على المصنّف أن يفرّق ـ فيما إذا كانت نوعية الحجّ، قيداً ـ بين إمضاء العقد وعدمه; فعلى الأوّل يستحقّ أُجرة المثل أو الأُجرة المسمّاة مثل ما إذا رضي بالعدول قبل العمل، وعلى الثاني لا يستحقّ شيئاً.
هذا كلّه حول الأُجرة.
وأمّا براءة ذمّة المنوب عنه، فهو رهن كيفية ما في الذمّة، فإن كانت ذمّته مشغولة بحجّ الافراد، كما إذا نذر أن يحجّ حجّة الإسلام فمات وأراد الولي القضاء عنه، فلا تحصل البراءة بالعدول إلى التمتع، وأمّا إذا كانت ذمّته مشغولة بمطلق الحجّ وإنّما عيّنه الولي في فرد خاص، فتحصل البراءة كما هو واضح.

صفحه 88
المسألة13: لا يشترط في الإجارة تعيين الطريق وإن كان في الحج البلديّ، لعدم تعلّق الغرض بالطريق نوعاً، ولكن لو عيّن تعيّن، ولا يجوز العدول عنه إلى غيره، إلاّ إذا علم أنّه لا غرض للمستأجر في خصوصيّته وإنّما ذكره على المتعارف، فهو راض بأيّ طريق كان، فحينئذ لو عدل صحّ، واستحقّ تمام الأُجرة، وكذا إذا أسقط بعد العقد حقّ تعيينه، فالقول بجواز العدول مطلقاً، أو مع عدم العلم بغرض في الخصوصيّة ضعيف، كالاستدلال له بصحيحة حريز: عن رجل أعطى رجلاً حجّة يحجّ عنه من الكوفة، فحجّ عنه من البصرة، فقال: «لا بأس إذا قضى جميع المناسك فقد تمّ حجّه». إذ هي محمولة على صورة العلم بعدم الغرض كما هو الغالب، مع أنّـها إنّما دلّت على صحّة الحجّ من حيث هو، لا من حيث كونه عملاً مستأجراً عليه كما هو المدّعى، وربّما تحمل على محامل أُخر. وكيف كان لا إشكال في صحّة حجّه وبراءة ذمّة المنوب عنه إذا لم يكن ما عليه مقيّداً بخصوصيّة الطريق المعيّن.*
* في المسألة ستة فروع :
1. صحّة الإجارة مع عدم تعيين الطريق.
2. حكم العدول ـ جوازاً و منعاً ـ إذا عيّن.
3. استحقاق تمام الأُجرة إذا جاز العدول، كما إذا علم رضاه أو أسقط بعد العقد حق تعيينه.
4. صحّة الحجّ وبراءة ذمّة المنوب، سواء أجاز العدول أم لا، إلاّ إذا كان ما

صفحه 89
عليه مقيّداً بالخصوصية.
5. لو عدل فيما لا يجوز العدول يسقط من المسمّى بمقدار المخالفة إذا اعتبر الطريق جزءاً، ولا يستحق شيئاً إذا اعتبر قيداً، ويستحقّ تمامها إذا اعتبر شرطاً.
6. إذا فسخ المستأجر في الصورة الأخيرة يرجع إلى أُجرة المثل.
وإليك دراسة الفروع واحداً بعد الآخر.
الفرع الأوّل: لا يعتبر في صحّة الإجارة تعيين الطريق في الحج البلدي، لحصوله مع طي أيّ طريق شاء، سواء أكان برياً أم بحريّاً أم جويّاً، إنّما الكلام في جواز العدول إذا عيّن، وهذا هو الفرع الثاني.
الفرع الثاني: إذا عيّن الطريق فهل يجوز العدول مطلقاً، أو يجوز إلاّ مع العلم بتعلّق غرض بذلك المعيّن، أو لا يجوز إلاّ مع العلم بانتفاء الغرض؟ ففيه أقوال ثلاثة:
أمّا الأوّل، فهو خيرة النهاية والمهذب والجامع للشرائع، والإرشاد.
قال الشيخ : ومن أمر غيره أن يحج عنه على طريق بعينها، جاز له أن يعدل عن ذلك الطريق إلى طريق غيره.(1)
قال ابن البراج: فإن أمره أن يحج عنه من طريق بعينه، جاز له المسير في غيرها.(2)
وقال ابن سعيد: وإذا استوجر ليحج على طريق فحج على غيرها، فلا

1 . النهاية:278.
2 . المهذب:1/268.

صفحه 90
بأس.(1)
وقال العلاّمة: ويجب أن يأتي بالمشترط إلاّ في الطريق.(2)
وأمّا الثاني، فهو خيرة المحقّق في «الشرائع» قال: ولو شرط الحج على طريق معيّن، لم يجز العدول إن تعلّق بذلك غرض.(3)أي إذا علم تعلّق غرض بذلك الطريق.
وأمّا الثالث، فهو خيرة المدارك قال في شرح عبارة المحقّق المذكورة: والأصحّ ما ذهب إليه المصنّفرحمه اللّه من عدم جواز العدول مع تعلّق الغرض بذلك الطريق المعيّن، بل الأظهر عدم جواز العدول إلاّ مع العلم بانتفاء الغرض في ذلك الطريق، وانّه هو وغيره سواء عند المستأجر، ومع ذلك فالأولى وجوب الوفاء بالشرط مطلقاً.(4) وهو خيرة المصنّف.
والفرق بين الأخيرين واضح فإنّ الأصل على القول الثاني هو جواز العدول إلاّ إذا أحرز تعلّق الغرض بالطريق المعين، ولكن الأصل على القول الثالث هو عدم جواز العدول إلاّ إذا علم عدم تعلّق الغرض به.
والثالث هو الموافق للقاعدة لوجوب الوفاء بما عقد، وليس للأجير العدول عنه إلاّ إذا أحرز عدم الخصوصية.
نعم استدلّ للقول الأوّل بصحيحة حريز قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أعطى رجلاً حجّة يحجّ بها عنه من الكوفة فحجّ عنه من البصرة فقال: «لا بأس إذا قضى جميع المناسك فقد تمّ حجّه».(5)

1 . الجامع للشرائع:226.
2 . لإرشاد:313.
3 . الشرائع:1/233.
4 . المدارك:7/123.
5 . الوسائل:8/127، الباب11 من أبواب النيابة في الحجّ، الحديث1.

صفحه 91
والرواية ناظرة إلى صحّة الحج من دون نظر إلى عمل الأجير، من حيث الجواز وعدمه.
قال في «الجواهر»: لا ظهور في الصحيح المزبور في جواز المخالفة حتى مع الغرض، وإنّما دلّ على صحّة الحجّ، وأنّ هذه المخالفة لا تفسده، وهو المراد بنفي البأس، وذلك غير محل البحث.(1)
وأجاب عن الاستدلال بها في «كشف اللثام» بأنّ ظاهره عدم تعلّق الغرض بالطريق.(2)
وفي «التذكرة» أنّ الرواية تضمّنت مساواة الطرفين إذا كان الإحرام من ميقات واحد، وأمّا مع اختلاف الميقاتين فالأقرب المنع، لاختلافهما قرباً وبعداً، واختلاف الأغراض، وتفاوت الأجر بسبب تفاوتهما.(3)
وما ذكره صاحب الجواهر هو المتبادر من الرواية دون ما ذكره صاحب «كشف اللثام».
الفرع الثالث: إذا جاز العدول إمّا للعلم برضاه به لعدم تعلّق الغرض بالطريق نوعاً، أو لإسقاطه بعد العقد، يستحق الأجير تمامَ الأُجرة إمّا لعدم مدخلية الطريق في المعقود عليه، أو لإسقاط الموجر حقّه، فلا وجه لعدم الاستحقاق.
الفرع الرابع: يصحّ حج الأجير وتحصل البراءة، سواء أجاز العدول أم لا، إذا لم يكن ما في ذمّته مقيداً بخصوصية الطريق المعيّن، لما مرّ في المسألة 88، من

1 . الجواهر:17/374.
2 . كشف اللثام:5/162.
3 . التذكرة:7/140.

صفحه 92
إنّما الكلام في استحقاقه الأُجرة المسمّاة على تقدير العدول وعدمه. والأقوى أنّه يستحقّ من المسمّى بالنسبة، ويسقط منه بمقدار المخالفة إذا كان الطريق معتبراً في الإجارة على وجه الجزئيّة، ولا يستحقّ شيئاً على تقدير اعتباره على وجه القيديّة، لعدم إتيانه بالعمل المستأجر عليه حينئذ وإن برئت ذمّة المنوب عنه بما أتى به، لأنّه حينئذ متبرّع بعمله. ودعوى أنّه يعدّ في العرف أنّه أتى ببعض ما استؤجر عليه فيستحقّ بالنسبة، وقصد التقييد بالخصوصيّة لا يخرجه عرفاً عن العمل ذي الأجزاء، كما ذهب إليه في الجواهر لا وجه لها. ويستحقّ تمام الأُجرة إن كان اعتباره على وجه الشرطيّة الفقهيّة، بمعنى الالتزام في الالتزام. نعم للمستأجر خيار الفسخ لتخلّف الشرط، فيرجع إلى أُجرة المثل.*
الفصل الثاني(1) من أنّ الواجب عند القضاء، هو الحج الميقاتي لا البلدي، و انّ طي الطريق ليس جزءاً من الحج ولا شرطاً له، والثابت في ذمّته نفس الحج والمفروض أنّه أتى به، فلا موجب لبقاء الاشتغال فإنّ عمله ليس بأقلّ من تبرّع المتبرّع الذي سبق انّه مبرئ للذمّة، غاية الأمر أنّه بالتخلّف فيما لا يجوز العدول فيه، عصى ولم يف بالعقد، وهو لا يلازم بطلان العمل، اللّهم إلاّ إذا كان ما في ذمّة المنيب، هو الحج مقيداً بخصوصية الطريق، كما إذا كان المنذور هو هذا، فعندئذ لا تحصل البراءة، لعدم تطابق المأتي به مع ما هو الواجب .
* الفرع الخامس: قد مرّ أنّه يستحقّ تمام الأُجرة فيما إذا جاز العدول، إنّما

1 . لاحظ الجزء الأوّل، ص 473.

صفحه 93
الكلام في مقدار استحقاقها إذا عدل فيما لا يجوز العدول، فقد ذكر المصنّف انّ فيه صوراً ثلاثاً:
الأُولى: إذا كان الطريق معتبراً في الإجارة على نحو الجزئية.
الثانية: إذا كان الطريق مأخوذاً على نحو الشرطية.
الثالثة: ما إذا أُخذ الطريق على وجه القيدية.
أمّا إذا كان مأخوذاً على وجه الجزئية، فقد قوّى المصنّف بأنّه يستحقّ من المسمّى بالنسبة ويسقط منه بمقدار المخالفة، لأنّ الثمن يُقسط على ما أتى به من أجزاء العمل دون ما لم يأت وذلك كتبعض الصفقة في المبيع. وعند ذلك لا يبعد تسلّط المستأجر على الخيار فله الفسخ حينئذ ودفع أُجرة المثل عمّا وقع منه. فالأولى أن يقال: أنّ المستأجر مخيّر بين تقسيط الثمن على ما أتى، و بين فسخ العقد ودفع أُجرة المثل، لأصالة احترام عمل المسلم الذي كان مقابلاً بمقتضى عقد الإجارة بشيء من الأُجرة فمع الفسخ يرجع إلى أُجرة المثل.
وأمّا إذا كان مأخوذاً على وجه الشرط الفقهي فقد أفتى المصنّف بأنّه يستحق تمام الأُجرة، لأنّ الثمن لا يقسّط على الشروط والصفات، لأنّ الشرط التزام في التزام. نعم للمستأجر خيار الفسخ لتخلّف الشرط فيرجع إلى أُجرة المثل.وعلى ذلك فالمستأجر مخيّر بين عدم الفسخ و دفع أجرة المسمّى، و الفسخ و دفع أجرة المثل.
ولكن الحقّ جواز تقسيط الثمن على الأجزاء والأوصاف والشروط، بل ربّما يكون بذل الثمن في مقابل الوصف والشرط أكثر من بذله في مقابل العين كالعبد الكاتب. فعلى ذلك فهو مخيّر بين التقسيط كما في تخلّف الجزء، والفسخ بدفع أُجرة المثل.

صفحه 94
وأمّا إذا كان على وجه القيدية بأن يكون المستأجَر، الحجُ المقيّد بكون مبدأ السفر بلداً أو ميقاتاً كذا، على نحو لولا هذا القيد لم يكن هناك أيّ اتّفاق بينه و بين الأجير، فقد ذهب المصنّف في هذه الصورة إلى أنّه لا يستحقّ شيئاً من الثمن لعدم إتيانه بالعمل المستأجر عليه حينئذ، وإن برأت ذمّة المنوب عنه بما أتى ]إذا لم يكن ما عليه الحج مقيّداً[ وقد تبع المصنّف في ذلك صاحب المدارك، حيث قال: بأنّ المستأجر عليه، الحج المخصوص، وهو الواقع عقيب قطع المسافة المعينة، ولم يحصل الإتيان به، نعم لو تعلّق الاستئجار بمجموع الأمرين ]الجزئية[ من غير ارتباط لأحدهما بالآخر اتّجه ما ذكروه (التقسيط).(1)
وذهب العلاّمة في «التذكرة» إلى فساد المسمّى والرجوع إلى أُجرة المثل.(2)
ولم يعلم وجهه، لأنّه إذا كان المستأجر عليه أمراً مركّباً من أجزاء بحيث يكون كلّ جزء متعلّقاً بالإجارة على نحو الوحدة في التعبير، فالحقّ هو ما عرفت كون المستأجر مخيراً بين التقسيط، والفسخ بدفع أُجرة المثل، لاخصوص الثاني وإن كان على وجه القيدية بحيث يكون «المستأجر عليه» أمراً بسيطاً أو مركباً ملحوظاً كشيء واحد فلا يستحق شيئاً.
ثمّ إنّ صاحب الجواهر ممّن ذهب إلى التقسيط في صورة القيدية قائلاً: إن أُريد بالشرطية في كلامهم، الجزئية على معنى أنّه ذكر الطريق على وجه الجزئية لما وقع عليه عقد الإجارة ، اتّجه التقسيط; وإن كان المراد، الجزئية، من العمل المستأجر عليه على وجه التشخيص به، فقد يتخيّل في بادئ النظر عدم استحقاق

1 . المدارك:7/123.
2 . التذكرة:7/140.

صفحه 95
شيء كما سمعته من سيد المدارك، لعدم الإتيان بالعمل المستأجر عليه، فهو متبرع به حينئذ، لكن الأصحّ خلافه، ضرورة صدق كونه بعضَ العمل المستأجر عليه وليس هو صنفاً آخر، وليس الاستئجار على خياطة تمام الثوب فخاط بعضه مثلاً، بأولى منه بذلك، بناء على عدم الفرق بين التخلّف لعذر وغيره في ذلك وإن اختلفا في الإثم وعدمه، لأصالة احترام مال المسلم.(1)
يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره هو خلاف المفروض، لأنّه إذا كان سلوك الطريق الخاص قيداً للحج، يكون المعقود عليه أشبه بالأمر البسيط الذي أمره يدور بين الوجود والعدم، فلا يصدق على العاري عن القيد أنّه عين المستأجر عليه، وهذا نظير ما إذا آجره على الصلاة في المسجد أو يوم الجمعة فصلّى في بيته يوم السبت فلا يستحق شيئاً، وبذلك يظهر الفرق بين المقام وخياطة الثوب، فإذا خاط بعضه يصدق عليه بعض المعقود عليه ، اللّهم إلاّ أن يكون المستأجر عليه عنوان القميص كعنوان منتزع من عدة قطعات خيط بعضها ببعض.
اللّهمّ إلاّ أن يقال ـ كما أشرنا إليه سابقاً ـ : إنّ الميزان في تمييز القيد عن الجزء، هو فهم العرف، لا التعبير اللفظي، فلو قال: بعتك الفرس العربي، فالعربية قيد، مثلما إذا قال: بعتك الفرس شريطة أن يكون عربياً، فهو بظاهره وإن كان شرطاً لكن المتلقى لدى العرف في كلا التعبيرين واحد، حيث إنّ العربية من القيود المصنّفة، فلو سلم غير العربي مكانه وقبل المشتري فهو من باب الوفاء بغير الجنس.
وعلى ذلك فطيّ الطريق الخاص لدى العرف جزء من المعقود عليه وليس قيداً، وإن كان التعبير بظاهره قيداً وكأنّ القيدية والجزئية تابعان لفهم العرف، لا

1 . الجواهر:17/376.

صفحه 96
المسألة 14: إذا آجر نفسه للحج عن شخص مباشرة في سنة معينة، ثمّ آجر عن شخص آخر في تلك السنة مباشرة أيضاً، بطلت الإجارة الثانية، لعدم القدرة على العمل بها بعد وجوب العمل بالأُولى، ومع عدم اشتراط المباشرة فيهما أو في إحداهما صحّتا معاً، ودعوى بطلان الثانية وإن لم يشترط فيها المباشرة مع اعتبارها في الأُولى ـ لأنّه يعتبر في صحّة الإجارة تمكّن الأجير من العمل بنفسه، فلا يجوز إجارة الأعمى على قراءة القرآن، وكذا لا يجوز إجارة الحائض لكنس المسجد وإن لم يشترط المباشرة ـ ممنوعة، فالأقوى الصحّة، هذا إذا آجر نفسه ثانياً للحجّ بلا اشتراط المباشرة، وأمّا إذا آجر نفسه لتحصيله فلا إشكال فيه، وكذا تصحّ الثانية مع اختلاف السنتين، أو مع توسعة الإجارتين، أو توسعة إحداهما، بل وكذا مع إطلاقهما، أو إطلاق إحداهما إذا لم يكن انصراف إلى التعجيل.*
تعبير البائع والمستأجر فتأمّل.(1)
* في المسألة فروع نشير إليها:
1. إذا آجر نفسه للحج عن شخص مباشرة في سنة معينة وآجر أيضاً عن شخص آخر في تلك السنة مباشرة.
2. تلك الصورة ولكن مع عدم المباشرة فيهما أو في أحدهما.
3. إذا آجر نفسه لتحصيل الحج.

1 . وجه التأمّل أنّه خروج عن موضوع المسألة، فإنّ الكلام فيما إذا أثبت كون طي الطريق المعني قيداً على نحو وحدة المطلوب، فلاحظ.

صفحه 97
4. إذا آجر نفسه عن شخصين للحج ولكن مع اختلاف السنتين، أو كون أحدهما المباشرة دون الآخر، أو عدم اشتراط المباشرة في كليهما، بل مع إطلاقهما أو إطلاق أحدهما.
5. إذا آجر نفسه من شخص وآجره وكيله من آخر في سنة واحدة وكان وقوع الإجارتين في وقت واحد.
6. لو آجره فضوليان من شخصين مع اقتران الإجارتين في وقت واحد، فللمجيز إجازة إحداهما كما يجوز إجازة كليهما إذا لم يكن اقتران بين الإجارتين.
7. لو آجر نفسه من شخص ثمّ علم أنّه آجره فضوليّ من شخص آخر سابقاً على عقد نفسه.
إنّ تبيين أحكام الفروع رهن الوقوف على الضابطة الكلية في صحّة الإجارة وفسادها، وهي عبارة عن تمكّن الأجير من تسليم موردها وعدمه، فإذا كان العقد ظاهراً في المباشرة الشخصية، فاللازم هو تمكّنه منها ولو كان غير ظاهر فيها ولا منصرفاً إليها، يكفي مطلق التمكّن الأعمّ من المباشرة والتسبيب. وعلى ضوء ذلك، تستطيع تمييز الصحيح من الفاسد في الفروع المذكورة.
أمّا الأوّل: فلا شكّ في صحّة الإجارة الأُولى لوجود شرط الصحة فيها، دون الإجارة الثانية لعدم تمكّنه منها شرعاً، بعد صيرورته أجيراً قبلها ، لأنّ المفروض ظهور الإجارتين في المباشرة الشخصية دون الأعمّ منها و من التسبيب.
ومنه يظهر حكم الفرع الثاني، لعدم شرطية المباشرة الشخصية فيهما أو في أحدهما، فيكفي أن يستأجر شخصين لحجّين أو ينوب في أحدهما بنفسه ويستنيب في الآخر .
نعم من قال بأنّه يشترط في صحّة الإجارة تمكّن الأجير من العمل بنفسه،

صفحه 98
ولو اقترنت الإجارتان كما إذا آجر نفسه من شخص وآجره وكيله من آخر في سنة واحدة، وكان وقوع الإجارتين في وقت واحد بطلتا معاً مع اشتراط المباشرة فيهما، ولو آجره فضوليّان من شخصين مع اقتران الإجارتين يجوز له إجازة إحداهما كما في صورة عدم الاقتران، ولو آجر نفسه من شخص ثمّ علم أنّه آجره فضوليّ من شخص آخر سابقاً على عقد نفسه ليس له إجازة ذلك العقد، وإن قلنا بكون الاجازة كاشفة، بدعوى أنّها حينئذ تكشف عن بطلان إجارة نفسه، لكون إجارته نفسه مانعاً عن صحّة الإجازة حتّى تكون كاشفة، وانصراف أدلّة صحّة الفضوليّ عن مثل ذلك.*
ورتّب على ذلك عدم جواز إجارة الأعمى على قراءة القرآن، والحائض لكنس المسجد وإن لم يشترط المباشرة، منع الصحة في المقام، ولكنّه ممنوع، لأنّ الشرط في صحّتها هو التمكّن، فإن اشترط المباشرة تبطل الإجارة، وإلاّ لكفى مطلق التمكّن ولو بالتسبيب.
*كما لا إشكال في صحّة الحجّين في الفرع الثالث، لأنّ مورد الإجارة ليس هو الحج بنفسه حتّى لا يصحّ عن شخصين في سنة واحدة، بل موردها، تحصيل الحج بمعنى إفراغ الذمّة أعمّ من أن يكون بالمباشرة أو بالتسبيب. وبعبارة أُخرى: مورد الإجارة هو اسم المصدر، لا المصدر.
وأمّا الفرع الرابع فالمجوز لصحّة الإجارتين أحد الأُمور التالية:
أ. اختلاف زمانهما، كسنتين.
ب. التصريح بالتوسعة في الزمان في الإجارتين أو أحدهما بأن يكون مجازاً في إتيانهما ضمن سنتين أو أكثر.

صفحه 99
فحال الإطلاق من حيث التوسعة في الوقت، كحال التصريح بالتوسعة.
ج. إطلاق الإجارتين أو أحدهما . إذا لم يكن الإطلاق منصرفاً إلى التعجيل لاستلزامه عندئذ وحدة الزمان.
ويظهر من المحقّق عدم كفاية الإطلاق في الجمع بين الإجارتين لاقتضائه التعجيل، قال: وإذا أطلق الإجارة، اقتضى التعجيل ما لم يشترط الأجل.(1) وعلى ضوء ذلك تبطل الإجارة فيما إذا كانتا مطلقتين ، أو أحدهما مشروطة بالمباشرة والأُخرى مطلقة منصرفة إلى التعجيل.
ومع ذلك فقد أفتى في «المعتبر» بالجواز، واكتفى بالإطلاق وجعله بمنزلة التصريح بعام آخر، قال: لا يجوز للأجير أن يؤجر نفسه للنيابة عن آخر في السنة التي استوجر فيها، لأنّ فعله صار مستحقّاً للأوّل فلا يجوز صرفه إلى غيره، ويجوز لو استأجره]ثانياً [مطلقاً أو في عام آخر.(2)
وما اختاره في «الشرائع» هو الأظهر، لما ذكرنا سابقاً من أنّ مقتضى التكليف هو الفورية، إلاّ إذا كان هناك دليل على جواز التأخير، ولذلك ذهب بعض الأعلام في تعليقته إلى أنّ صحة الإجارة بمجرّد عدم الانصراف مشكل، فلا يترك الاحتياط إلاّ في ظهورهما أو ظهور أحدهما في جواز التأخير.
وأمّا الفرع الخامس، أعني: اقتران الإجارتين كما إذا آجر نفسه من شخص و في الوقت نفسه آجره وكيله من شخص آخر في وقت واحد، وفي سنة واحدة فالإجارتان محكومتان بالبطلان، لعدم القدرة على الوفاء بهما، وتقديم إحداهما على الأُخرى يحتاج إلى الدليل.

1 . الشرائع:1/233ـ234.
2 . المعتبر:2/770.

صفحه 100
كما علم حكم الفرع السادس، أعني: ما إذا آجر نفسه من شخص، ثمّ علم أنّ الفضولي آجره سابقاً على عقد نفسه، فليس له أن يجيز عقد الفضولي، من غير فرق بين كون الإجازة ناقلة أو كاشفة. أمّا على الوجه الأوّل إذ يكون عقد الفضولي المتقدّم، حكمَ الفضولي المتأخّر عن عقد نفسه. وأمّا إذا قلنا بأنّها كاشفة فهل له أن يجزه أو لا؟، نظير ما إذا باع الفضولي ملك غيره، وباع هو بعده من شخص آخر، فهل للمالك إجارة العقد الأوّل ويكون نتيجته بطلان إجارة نفسه؟ ربّما يحتمل ذلك بدعوى انّ تنفيذ عقد الفضولي يكشف عن بطلان عقد نفسه .
والظاهر خلافه وهذا هو الذي اختاره المصنّف لوجهين:
1. انّ إجارة نفسه مانعة عن صحّة الإجازة حتّى تكون كاشفة.
2. انصراف أدلّة صحّة الفضولي عن مثل ذلك.
والأولى أن يقال: انّ تأثير الإجارة رهن بقاء سلطان المالك وسلطنته للرد والقبول، فإذا آجر نفسه، أو باع ملكه فقد انقطعت سلطنته عن المورد، فكيف يجيز، عقد الفضولي؟ بل صار المالك والأجنبي بالنسبة إلى مورد العقد سيان، والنقل والكشف فرع بقاء سلطانه والمفروض انقطاعه.

صفحه 101
المسألة 15: إذا آجر نفسه للحجّ في سنة معيّنة لا يجوز له التأخير، بل ولا التقديم إلاّ مع رضى المستأجر، ولو أخّر لا لعذر أثم، وتنفسخ الإجارة إن كان التعيين على وجه التقييد، ويكون للمستأجر خيار الفسخ لو كان على وجه الشرطية. وإن أتى به مؤخّراً لا يستحقّ الأُجرة على الأوّل، وإن برئت ذمّة المنوب عنه به. ويستحقّ المسمّاة على الثاني، إلاّ إذا فسخ المستأجر فيرجع إلى أُجرة المثل. وإذا أطلق الإجارة وقلنا بوجوب التعجيل لا تبطل مع الإهمال، وفي ثبوت الخيار للمستأجر حينئذ وعدمه وجهان، من أنّ الفوريّة ليست توقيتاً، ومن كونها بمنزلة الاشتراط.*
* في المسألة فروع:
1. إذا آجر نفسه في سنة معينة لا يجوز التقديم والتأخير ولو أخّر أثم.
2. تنفسخ الإجارة على القيدية.
3. و يكون للمستأجر خيار الفسخ على الشرطية.
4. ولو أتى به مؤخّراً لا يستحقّ الأُجرة على القيدية لكن تبرأ ذمّة المنوب عنه.
ولو أتى به مؤخّراً على القول بالشرطية، فلو لم يفسخ استحق الأجير أُجرة المسمّى، وإن فسخ يسترجع أُجرة المسمّى ويستحق النائب أُجرة المثل ـ بشرط أن يكون عمله بأمره ـ.
5. إذا أُطلقت الإجارة وقلنا بوجوب التعجيل مع الإهمال لا تبطل الإجارة، وفي ثبوت الخيار للمستأجر وعدمه وجهان.
وإليك دراسة الفروع واحداً بعد الآخر.

صفحه 102
الفرع الأوّل: إذا آجر نفسه في سنة معينة لا يجوز التقديم والتأخير.
التعيين للزمان تارة يكون في مقابل التأخير، أي عدم جواز التأخير عنه، وأُخرى: في مقابل التقديم بمعنى عدم جواز التقديم عليه، وثالثة: في مقابلهما معاً; ففي الصورة الأُولى لا يجوز التأخير ويجوز التقديم، وفي الثانية تكون بالعكس، وفي الثالثة لا يجوز كلّ منهما والمتبادر من التقييد بعدمهما هو الثالثة وعليه إذا أخّر أثم.(1)
نعم لو قدّم لا يأثم، ولكن لا يجب على المستأجر إعطاء شيء وإن برئت ذمّة المنوب، إذا لم يكن ما عليه مقيّداً بالزمان الخاص.
الفرع الثاني: لو كان الزمان قيداً وأخّر، تنفسخ الإجارة عند المصنّف. ومراده من التأخير هو عدم إتيانه في زمانه فقط، وأمّا إتيانه بعد ذلك الزمان متأخّراً فسيأتي البحث عنه في الفرع الرابع.
وجه الانفساخ هو امتناع الوفاء بما عُقد عليه، لأنّ المفروض أنّ المستأجر عليه كان هو الحج المقيّد في زمن معيّن، فإذا انقضى الزمان يستحيل الوفاء بالعقد.
أقول: استحالة الوفاء بالعقد لا يصير سبباً للانفساخ، كما هو الحال في باب الضمانات والغرامات فإذا ضمن العين بسبب من الأسباب ولم يتمكّن من تسليمها، لا ينفسخ عقد الضمان، بل ينتقل إلى البدل; فهكذا المقام فإنّ الأجير حسب عقد الإجارة تعهّد أن يأتي بالحج عن المنوب عنه في سنة معينة وهو قد فوّت ما تعهد به، فعندئذ يثبت للمستأجر الخيار، فإن فسخ يطالب الأجير بالأُجرة، و إن لم يفسخ بقيت الأجرة في ملك الأجير و يبقى العمل في ذمّة الأجير،

1 . المستمسك:11/47ـ 48.

صفحه 103
وبما أنّه غير متمكّن من تسليمه بعينه ينتقل إلى البدل، وهو قيمته التي يعبّر عنها بأُجرة المثل.
الفرع الثالث: تلك الصورة ويكون الزمان شرطاً.
الكلام في هذه الصورة كالكلام في الصورة السابقة، وهو أنّ التأخير بمعنى عدم إتيانه في ظرفه المحدد لاإتيانه مؤخّراً، لأنّه فرع آخر سيوافيك الكلام فيه في رابع الفروع. وعلى ضوء ذلك يكون للمستأجر خيار تخلّف الشرط، فإن فسخ يرجع إلى أُجرة المسمّى، وإن أسقط المستأجرُ الشرطَ ورضي بالتأخير فسيوافيك حكمه.
الفرع الرابع: ولو أتى به مؤخّراً، فلا يخلو من أن يكون الزمان قيداً أو شرطاً.
فإن كان قيداً فلا يستحقّ شيئاً، لعدم الإتيان بالمعقود عليه ،غاية الأمر تبرأ ذمّة المنوب عنه بعمل النائب، لأنّه ليس بأقل من تبرّع المتبرّع.
وإن كان شرطاً يكون للمستأجر الخيار، فإن لم يفسخ وأسقط الشرط يستحقّ الأجير تمام الأُجرة، لأنّ المفروض أنّ المأتي به هو نفس المعقود عليه بعد إسقاط الشرط.
وإن فسخ يرجع إلى أُجرة المسمّى ويرجع الأجير إلى أُجرة المثل إذا أتى بأمره ويُستكشف أمره بعدم فسخه إلى الزمان الثاني الذي أتى فيه بالحج.
الفرع الخامس: إذا أطلق الإجارة ولم يقيّدها بزمان خاص، فقد قلنا بأنّ المتبادر منه التعجيل، إلاّ إذا قامت قرينة على جواز التأخير، فحينئذ إذا أخّر فقد ذكر المصنّف أنّ في ثبوت الخيار وعدمه للمستأجر وجهان: من أنّ الفورية ليست توقيتاً، و من كونها بمنزلة الاشتراط.

صفحه 104
المسألة16: قد عرفت عدم صحّة الإجارة الثانية فيما إذا آجر نفسه من شخص في سنة معيّنة، ثمّ آجر من آخر في تلك السنة، فهل يمكن تصحيح الثانية بإجازة المستأجر الأوّل أو لا؟ فيه تفصيل، وهو أنّه إن كانت الأُولى واقعة على العمل في الذمّة لا تصحّ الثانية بالإجازة، لأنّه لا دخل للمستأجر بها إذا لم تقع على ماله حتّى تصحّ له إجازتها، وإن كانت واقعة على منفعة الأجير في تلك السنة ـ بأن تكون منفعته من حيث الحجّ، أو جميع منافعه له ـ جاز له إجازة الثانية، لوقوعها على ماله. وكذا الحال في نظائر المقام، فلو آجر نفسه ليخيط لزيد في يوم معيّن ثمّ آجر نفسه ليخيط أو ليكتب لعمرو في ذلك اليوم، ليس لزيد إجازة العقد الثاني، وأمّا إذا ملّكه منفعته الخياطيّ فآجر نفسه للخياطة أو للكتابة لعمرو، جاز له إجازة هذا العقد، لأنّه تصرف في متعلّق حقّه وإذا أجاز يكون مال الإجارة له، لا للمؤجر. نعم لو ملك منفعة خاصّة ـ كخياطة ثوب معيّن ، أو الحجّ عن ميّت معيّن على وجه التقييد ـ يكون كالأوّل في عدم إمكان إجازته.*
يلاحظ عليه: بأنّه إذا كان العقد ظاهراً في التعجيل أو منصرفاً إليه يدخل التعجيل في الدلالات اللفظية، فيكون حجة كما إذا صرّح به ، فلا وجه لعدم الخيار.
* وقبل تحقيق الحال نبيّن أُموراً:
1. قد تقدّم في المسألة الرابعة عشرة أنّه إذا آجر نفسه للحجّ عن شخص في سنة معينة ثمّ آجر عن شخص آخر في تلك السنة، تبطل الإجارة الثانية إذا

صفحه 105
اعتبرت فيهما المباشرة، وأمّا إذا لم تعتبر فيهما أو في أحدهما فيصحّ كلاهما، وذلك لوجود التنافي عند شرطية المباشرة، دون عدمها.
2. إنّ الإجارة الأُولى تقع تارة على العمل في الذمّة، كما إذا استأجر شخصاً أن يحجّ عن والده; وأُخرى تقع على الأجير وعمله، كما لو استأجر شخصاً بجميع منافعه أو منفعته الخاصة كالخياطة.
والفرق بينهما هو أنّ ما في الذمّة كلّي قابل للتعدّد بخلاف المنفعة الخارجية المتشخّصة بالزمان فلا تقبل التعدّد.
وبعبارة أُخرى: أنّ ما في الذمّة أمر اعتباري لا يأبى عن اعتبار تعدّده، بخلاف المنفعة الخارجية فإنّها أمر تكويني لا تقبل التعدّد والاثنينية.
3. إنّ البحث في المقام مركّز على إمكان تصحيح الإجارة الثانية بإجازة المستأجر الأوّل وعدمه، وقد فصّل المصنّف بين متعلّقي الإجارة الأُولى فإن كانت الأُولى واقعة على العمل في الذمّة فلا تصحّ الثانية بالإجازة، وإن كانت واقعة على منفعة الأجير في تلك السنة بأن تكون منفعة الأجير من حيث الحجّ له، جازت إجازة الإجارة الثانية.
ثمّ إنّه (قدس سره) علّل عدم صحّة الصورة الأُولى بعدم وقوعها على ماله، وصحّة الصورة الثانية بوقوعها على ماله.
أقول: الظاهر من المصنّف، كفاية وقوع الإجارة الأُولى على المنفعة الخارجية في تصحيح الإجازة الإجارةَ الثانية، مع أنّه بمجرّده غير كاف، بل لابدّ من ملاحظة متعلّق الإجارة الثانية، وانّها هل وقعت على المنفعة الخارجية أو لا؟ مع أنّ المصنّف لم يذكر عنها شيئاً.
فنقول: إمّا أن تكون الإجارة في كلّ من الإجارتين واقعة على العمل في

صفحه 106
الذمّة، أو واقعة على منفعة الأجير مع فرض وقوعهما في سنة واحدة. وعلى ذلك تصير الصور أربعة:
1. أن تكون الإجارتان واقعتين على العمل في الذمّة في سنة واحدة.
2. أن تكون الإجارتان واقعتين على منفعة الأجير في سنة واحدة.
3. أن تكون الإجارة الأُولى واقعة على العمل في الذمّة بخلاف الإجارة في الثانية فتكون واقعة على منفعة الأجير .
4. عكس الثالثة.
أمّا الصورة الأُُولى، فلا تصحّ الإجارة الثانية بإجازة المستأجر الأوّل، وذلك لأنّ مفاد العقدين اشتغال ذمّة زيد بالحج عن عمرو تارة وبالحج عن بكر أُخرى في سنة واحدة، فليس للمستأجر الأوّل إجازة العقد الثاني، لأنّه لا سبيل له على ما في ذمّة الأجير حتّى يجيزه أو يردّه وقد اشتغلت ذمّته بعمل حجّين يغاير كلّ الآخر، وليس للمستأجر الأوّل تجويز ما اشتغلت ذمّته به للشخص الثاني.
أمّا الصورة الثانية، فتصحّ، لأنّ المستأجر يملك منفعة الأجير الخارجية في سنة واحدة والمفروض وقوع الإجارة الثانية على نفس العمل الذي يملكه المستأجر، فله أن يجيز وله أن يرد وليست المنفعة الخارجية قابلة للتكثّر لوحدة الظرف.
وأمّا الصورة الثالثة، أعني: إذا كانت الإجارة الأُولى واقعة على العمل في ذمّة الأجير دون الثانية، بل وقعت هي على منفعة الأجير، فلا تصحّح الإجازةُ العقدَ الثاني، لأنّه لا يملك منفعة الأجير حتّى يجيزها.
أمّا الصورة الرابعة، أعني: إذا كان متعلق الإجارة الأُولى منفعة الأجير ومتعلّق الإجارة الثانية هو العمل في الذمّة فلا يصحّ العقد الثاني بالإجازة، وذلك

صفحه 107
لأنّه إنّما يملك المنفعة والمفروض أنّ العقد كان على العمل في الذمّة، فما يملكه غير معقود عليه وما عقد فهو غير مملوك.
وعلى ضوء ما ذكره المصنّف لاتصحّح الإجازةُ العقدَ الثاني إلاّ إذا اتّحدت الإجارتان في المتعلّق ويكون متعلّقهما المنفعة الخارجية، هذا إذا مشينا على ضوء كلام المصنّف. ويمكن تصحيح جميع الصور ببيان آخر، يتوقّف إيضاحه على ذكر أُمور:
1. إنّ العقد الثاني لا يصحّ بدون إجازة المستأجر الأوّل، لأنّ صحّة الثاني تنتهي إلى ضياع حقّ الأوّل وتنافي حقّه ـ سواء أكان المتعلّقان متّحدين أم مختلفين ـ فلابدّ من رفع التنافي.
2. ما ذكره المصنّف مبني على أنّه يعتبر في تصحيح العقد بالإجازة، أن يكون المجيز مالكاً لموضوع العقد، ولذلك لا تُصحِّح الإجازةُ العقدَ الثاني إذا كان هناك اختلاف في المتعلّق كأن تتعلّق الأُولى بالمنفعة والثانية بالعمل في الذمّة أو على العكس، بل فيما إذا كان المتعلّقان متحدين ولكن لم يكن المجيز مالكاً لمتعلّق العقد الثاني، كما إذا كان كلٌ من المتعلقين هو العمل في الذمّة فإنّ المستأجر الأوّل لا يملك ما تعهد به الأجير في ذمّته للمستأجر الثاني.
3. الحقّ أنّه يكفي كون المجيز ذا حق على نحو لولا الإجازة لانتهى الأمر إلى ضياع حقّه، فإذا أجاز ذو الحق لم يكن مانع من نفوذ العقد، ولذا صحّ بيع العين المرهونة بإجازة المرتهن وإن لم يكن مالكاً لموضوع الحقّ، ويصحّ بيع أموال المفلّس بإجازة الغرماء، إلى غير ذلك من موارد الإجازة ممّن له الحق، فنقول:

صفحه 108

دور الإجازة في الصور الأربع

إذا كانت الإجارة الثانية واردة على نفس موضوع الإجارة الأُولى، وكان المتعلّق ملكاً للمستأجر، كما إذا ورد العقدان على المنفعة الخارجية للأجير فإذا أجاز المستأجر الأوّل العقدَ الثاني، تكون الإجارة الثانية واقعة على نفس ما ملكه المستأجر الأوّل، فإذا أجازها ملك المستأجرُ الأُجرةَ المسمّاة في الإجارة الثانية وكان للأجير أُجرته المسمّاة في الإجارة الأُولى كما إذا لم يكن للأجير إلاّ عمل واحد وهو الحجّ عن المستأجر الثاني.
فكأنّ المستأجر الأوّل بإجازته أجاز انتقال المنفعة الخارجية التي كان يملكها، إلى المستأجر الثاني، فيملك الأُجرة الثانية كما يملك الأجير الأُجرة الأُولى وليس على الأجير إلاّ تعهد واحد.
هذا كلّه إذا كان متعلّق الإجارة الأُولى ملكاً للمستأجر فبإجازته العقد الثاني ينتقل ما ملكه إلى المستأجر الثاني ويملك الأُجرة.
وأمّا إذا لم يكن للمتعلّق هذا الشأن كما إذا كان المتعلّق في كلتا الإجارتين هو العمل في الذمّة، فإنّ المستأجر الأوّل لا يملك ما في ذمّة الأجير، لأنّ ما في الذمّة لا يتعيّن كونه للمستأجر الأوّل إلاّ بالإيجاد، أو كان أحد المتعلّقين المنفعة الخارجية والآخر العمل في الذمّة، ففي هذه الموارد الثلاثة لا يمكن للمستأجر الأوّل نقل ما يملكه إلى المستأجر الثاني، ومع ذلك كلّه فالإجارة الثانية منافية لحقّه فلا محيص إلاّ من رفع التنافي، وله طرق ثلاثة:
الأوّل: إنّه بإجازة العقد الثاني يستقيل العقد الأوّل، برضى الطرفين، فتكون الساحة خاصة للإجارة الثانية، وبالاستقالة لا يملك الأجير شيئاً في ذمّة

صفحه 109
المستأجر ولا على العكس، ولو تسلّم الأجير الأُجرة من ذي قبل وجب عليه ردّها إلى المالك.
الثاني: أن يكون معنى الإجازة إسقاطاً لشرط المباشرة من المستأجر الأوّل، فيجب على الأجير الوفاء بالعقد الأوّل تسبيباً في نفس السنة أو مباشرة في السنة الثانية، ويتملّك الأُجرتين لرفع المنافاة.
الثالث: هذا إذا كانت المباشرة شرطاً لا قيداً، وأمّا إذا كانت قيداً فلابدّ من سلوك الطريق الثالث، وهو التوسعة في الوفاء والرضا بالتبديل بجنس آخر، وهو الحج عن المستأجر الأوّل في نفس السنة بالتسبيب أو في السنة الآتية بالمباشرة.
والفرق بين كون المباشرة شرطاً أو قيداً، هو أنّ إسقاط الشرط لا يتوقّف على رضى الأجير، بخلاف ما لو كان قيداً فإسقاط القيد متوقّف على رضى الأجير، لأنّ الحجّ يتبدّل إلى حج آخر.
نعم هذه الصور فروض علمية لا تجد لها أثراً في الخارج فلابدّ من العمل بما هو المتفاهم من إجازة المستأجر العقد الثاني، وهو ظاهر في الفسخ لا في بقاء العقدين على التفصيل الذي سمعت.

صفحه 110
المسألة 17: إذا صُدّ الأجير أو أُحصر كان حكمه كالحاج عن نفسه فيما عليه من الأعمال، وتنفسخ الإجارة مع كونها مقيّدة بتلك السنة، ويبقى الحجّ في ذمّته مع الإطلاق. وللمستأجر خيار التخلّف إذا كان اعتبار تلك السنة على وجه الشرط في ضمن العقد، ولا يجزي عن المنوب عنه وإن كان بعد الإحرام ودخول الحرم، لأنّ ذلك كان في خصوص الموت من جهة الأخبار،والقياس عليه لا وجه له.*
* في المسألة فروع:
1. إذا صار النائب محصوراً أو مصدوداً بعد التلبّس بالإحرام، فهل حكمه حكم الحاج عن نفسه في أحكام الحصر والصد أو لا؟
2. إذا صار النائب محصوراً أو مصدوداً تنفسخ الإجارة إذا كانت مقيّدة بالسنة المعيّنة، وتكون متزلزلة إذا كانت مشروطة بها، وعندئذ فللمستأجر خيار التخلّف.
3. الحصر والصد بعد الإحرام ودخول الحرم هل يجزي عن حج المنوب عنه أو لا؟
4. لو ضمن الأجير أن يأتي بالحج في سنة أُخرى، فهل تجب على المستأجر إجابته أو لا؟
5. وهل الأجير يستحق الأُجرة بالنسبة لما أتى به من الأعمال أو لا؟
وإليك دراسة الفروع واحداً تلو الآخر.

صفحه 111

الأوّل: حكم النائب المحصور والمصدود

المحصور هو الذي يلحقه المرض في الطريق فلا يقدر على النفوذ إلى مكة، والمصدود هو الذي يصدّه العدو عن الدخول إلى مكة كما صدّوا رسول اللّه. ولكلّ من المحصور والمصدود تكليف خاص يأتي في محلّه. (1)
والغرض في المقام اشتراك النائب المحصور أو المصدود مع الحاج عن نفسه في كيفية الإحلال.
وذلك لعموم الأدلّة المثبتة لتلك الأحكام، فإطلاقها شامل للحاج عن نفسه والحاج عن غيره.
وإن شئت قلت: ما ذكر هناك من الأحكام هو للصد والحصر من دون ملاحظة خصوصية في الحاج، سواء أكان نائباً أم كان حاجاً عن نفسه، وسيوافيك بيان تلك الأحكام في الباب المختص بالمحصور والمصدود.

1 . سيوافيك: انّ المصدود ـ بعد الإحرام ـ يذبح في مكانه بقصد التحلل ويقصّر فيحل له كلّ شيء حتى النساء. والمحصور ـ بعد الإحرام ـ لأجل المرض يرسل الهدي أو ثمنه بواسطة أمين ويواعده أن يذبحه في ساعة معيّنة، فإذا بلغ الميعاد، يقصر و يتحلل. هذا حكم الحاج عن نفسه والحاج عن غيره.

صفحه 112
ولو ضمن المؤجر الحجّ في المستقبل ـ في صورة التقييد ـ لم يجب إجابته. والقول بوجوبه ضعيف.
وظاهرهم استحقاق الأُجرة بالنسبة إلى ما أتى به من الأعمال، وهو مشكل، لأنّ المفروض عدم إتيانه للعمل المستأجر عليه، وعدم فائدة فيما أتى به، فهو نظير الانفساخ في الأثناء لعذر غير الصدّ والحصر، وكالانفساخ في أثناء سائر الأعمال المرتبطة لعذر في إتمامها وقاعدة احترام عمل المسلم لا تجري، لعدم الاستناد إلى المستأجر، فلا يستحقّ أُجرة المثل أيضاً.*

* الثاني: حكم الإجارة عند الصد والحصر

إذا صدّ النائب أو حصر فهنا حالات ثلاث:
1. إذا كانت الإجارة مقيّدة بالسنة المعيّنة على نحو وحدة المطلوب، فتنفسخ الإجارة، وذلك لتعذّر عمل المستأجر عليه الكاشف عن عدم صحة الإجارة هذا .
2. إذا كان تعيين السنة من باب الشرط وتعدّد المطلوب، فيجري فيه حكم الشرط المتخلف، فللمستأجر خيار الفسخ، فإن فسخ فهو وإلاّ فيأتي بالحج في السنة التالية.
3. إذا كان العقد من حيث السنة مطلقاً، تبقى الإجارة في ذمّته.
الثالث: قيام الصد والحصر مقام الموت
قد تقدّم منّا أنّه إذا مات النائب في الحج وكان موته بعد الإحرام ودخول

صفحه 113
الحرم فقد سقطت عنه عهدة الحج وأجزأ عمّن حجّ عنه، وإن مات قبل الإحرام ودخول الحرم لم يُجزئ عن المنوب عنه. إلاّ أنّ الكلام في المقام في المصدود والمحصور فهل يجري عليه حكم الموت بأن يكون الصد والحصر بعد الإحرام ودخول الحرم حكم الموت أو لا ؟
ذهب الشيخ في «الخلاف» إلى الإجزاء وادّعى كون المسألة منصوصة قال: إذا مات أو أُحصر بعد الإحرام سقطت عنه عهدة الحجّ، ولا يلزم ردّ شيء من الأُجرة. وبه قال أصحاب الشافعي إن كان بعد الفراغ من الأركان، كأن تحلّل بالطواف ولم يقو على المبيت بمنى والرمي.
ومنهم من قال: يردّ، قولاً واحداً، ومنهم من قال على قولين:
وإن مات بعد أن فعل بعض الأركان وبقي البعض، قال في الأُم: له من الأُجرة بقدر ما عمل، وعليه أصحابه، وقد قيل لا يستحق شيئاً، فالمسألة على قولين.
دليلنا: إجماع الفرقة ، فانّ هذه المسألة منصوصة لهم، لا يختلفون فيها.(1)
ومقتضى القاعدة عدم الإجزاء، خرج موت النائب بالنص، أضف إلى ذلك أنّهم اتّفقوا على عدم الإجزاء في الصد والإحصار إذا حجّ عن نفسه فكيف يجزئ عن غيره، قال الفاضل الاصفهاني حول كلام الشيخ: واختصاص نصّ الإجزاء بالموت وحمله عليه قياس مخالف للإجماع، ولكنّهرحمه اللّه نظمه مع الموت في سلك. واستدلّ بإجماع الفرقة على أنّ هذه المسألة منصوص لهم لا يختلفون فيه ، فظنّي أنّ ذكر الإحصار من سهو قلمه أو قلم غيره.(2)

1 . الخلاف:2/390، المسألة 244.
2 . كشف اللثام:5/159.

صفحه 114
الرابع: لو ضمن الأجير الحج في المستقبل هل تجب إجابته؟
قال المحقّق: لم يلزم إجابته، وقيل: يلزم .(1)
وقد أشار بقوله (قيل) إلى ما عليه المفيد في «المقنعة» والطوسي في «النهاية» وابن البراج في «المهذب».
قال في الأوّل: وإذا حج الإنسان عن غيره ، فصدّ في بعض الطر يق عن الحجّ، كان عليه ممّا أخذه بمقدار نفقة ما بقي عليه من الطريق والأيام التي تؤدّى فيها الحجّ، إلاّ أن يضمن العود لأداء ما وجب عليه.(2)
وقال في الثاني: وإذا حجّ عن غيره فصُدّ عن بعض الطريق، كان عليه ممّا أخذه بمقدار ما بقي من الطريق، اللّهمّ إلاّ أن يضمن الحج في ما يستأنف ويتولاّه بنفسه.(3)
وقال في الثالث: ومَن كان نائباً عن غيره فصدّ عن بعض الطريق، فعليه أن يرد من أُجرة النيابة بقدر ما بقي عليه، إلاّ أن يضمن الحج في المستقبل.(4)
هذا والظاهر عدم وجوب الإجابة، لأنّ الحجّ لو كان مقيّداً بتلك السنة تنفسخ الإجارة لعدم القدرة على التسليم بعد الصد والحصر، ولو كان مشروطاً بها يكون للمستأجر الخيار بين تنفيذ العقد وفسخه، فلا موضوع لوجوب الإجابة. ولعلّ كلام الأعلام الثلاثة فيما إذا كانت الإجارة مطلقة غير مقيّدة ولا مشروطة بالسنة.

1 . الشرائع:1/233.
2 . المقنعة:443.
3 . النهاية:278.
4 . المهذب:1/268.

صفحه 115
الخامس: أعني استحقاق الأُجرة بالنسبة إلى ما أتى به من الأعمال، فقد تقدّم الكلام فيه في المسألة الحادية عشرة وأنّ هنا صوراً:
1. إذا مات الأجير بعد الإحرام و دخول الحرم يستحقّ تمام الأُجرة إذا كان أجيراً على تفريغ الذمّة.
2. إذا مات كذلك وكان أجيراً على الإتيان بالأعمال المخصوصة، يستحقّ حسب ما أتى به من الأعمال.
3. وإن مات الأجير قبل الدخول في الحرم والإحرام فقد سبق أنّه لا يستحق شيئاً بالنسبة إلى الأعمال التي أتى بها، وقد علّله المصنّف بأنّه لم يأت بالعمل المستأجر عليه ـ لا كلاً ولا بعضاً ـ بعد فرض عدم إجزائه.
هذا حكم الموت وأمّا حكم المقام، أي إذا صدّ أو حصر، فحكمه في عامّة الصور مثل الصورة الثالثة، لعدم الفائدة فيما أتى، لما مرّ من عدم ترتّب أثر الإجزاء على الصد والحصر، خلافاً للموت، فلا يستحقّ شيئاً في المقام مطلقاً. نعم كان عليه استثناء صورة، وهي ما إذا كان المشي داخلاً في الإجارة على وجه الجزئية بأن يكون مطلوباً في الإجارة نفساً، استحقّ مقدار ما يقابله من الأُجرة.
ومنه يظهر النظر في إطلاق نفي الاستحقاق في كلام المصنّف حيث قال: وهو مشكل، لأنّ المفروض عدم إتيانه للعمل المستأجر عليه وعدم فائدته فيما أتى به، فلاحظ.

صفحه 116
المسألة18: إذا أتى النائب بما يوجب الكفّارة فهو من ماله.*
المسألة 19: إطلاق الإجارة يقتضي التعجيل ـ بمعنى : الحلول في مقابل الأجل ـ لا بمعنى الفورية، إذ لا دليل عليها. والقول بوجوب التعجيل إذا لم يشترط الأجل ضعيف فحالها حال البيع، في أنّ إطلاقه يقتضي الحلول، بمعنى : جواز المطالبة، ووجوب المبادرة معها.*
* قال العلاّمة: إذا فعل الأجير شيئاً تلزمه الكفّارة به من محظورات الإحرام، كانت الكفّارة عليه في ماله من الصيد واللباس والطيب وغير ذلك; لأنّها عقوبة على جناية صدرت عنه، أو ضمان في مقابلة إتلاف وقع منه، فاختصّت بالجاني، وجرى مجرى الأجير إذا جنى على إنسان، فخرق ثوبه أو جرحه، يجب الأرش عليه لا على المستأجر، كذلك هاهنا.(1)
وفيما ذكره كفاية.
* حاصل ما أفاده أنّ إطلاق الإجارة يقتضي أن تكون حالّة مقابل كونها مؤجّلة، ومعنى ذلك أنّه كلّما طالب المستأجر يجب عليه المبادرة دون ما لم يطالبها، وهذا بخلاف القول بأنّ مقتضى الإطلاق هو الفورية، إذ عليه التعجيل مطلقاً، طولب أم لم يطالب.
وذهب السيد الحكيم إلى الثاني قائلاً: بأنّ التعجيل مقتضى قاعدة السلطنة على المال، سواء أكان في الذمّة أم في الخارج. وكما أنّ إبقاء المال في اليد بلا إذن المالك حرام كذلك إبقاؤه في الذمّة.وليس ذلك مبنياً على ظهور الكلام في التعجيل، كي

1 . التذكرة:7/159، المسألة117.

صفحه 117
المسألة20: إذا قصرت الأُجرة لا يجب على المستأجر إتمامها. كما أنّها لو زادت ليس له استرداد الزائد. نعم يستحبّ الإتمام كما قيل. بل قيل يستحب على الأجير أيضاً ردّ الزائد. ولا دليل بالخصوص على شيء من القولين. نعم يستدلّ على الأوّل: بأنّه معاونة على البر والتقوى، وعلى الثاني:بكونه موجباً للإخلاص في العبادة.*
يدّعي أنّه خلاف الإطلاق. أو على أنّ الأمر يقتضي الفور، كي يدّعى أنّه خلاف التحقيق.(1)
وأورد عليه السيد الخوئي بالفرق بين الأعيان الخارجية والأموال في الذمّة، فإنّ إبقاء الأُولى بعدم ردّها إلى أصحابها يُعدّ تصرفاً فيها، بخلاف الثانية فإنّ إبقاءها في الذمّة لا يُعدّ تصرّفاً في مال الغير ليتوقّف على رضاه وإذنه.(2)
أقول: إنّ مبنى التعجيل ليس كون التأخير تصرفاً في مال الغير حتى يرد عليه ما ذكر، بل هو مقتضى كون الشيء حقّاً للغير فإنّ طبع الحق يقتضي أن يعطى إلى أهله بلا تريّث وتأخير، وإنّ التأخير رهن الدليل، والذي يمكن أن يقال: انّ صيغة الإجارة ظاهر في الفورية لكن لا بمعنى أخذها في المنشأ، على نحو يورث التأخير، خيار الفسخ للمستأجر، كما إذا قيدت الإجارة بسنة خاصة فتخلّف الأجير عنها، بل الفورية في المقام نحو فورية الحجّ فيجب فوراً ففوراً، فلا ينفسخ العقد بالتأخير.
اللّهمّ إلاّ إذا كان هناك انصراف إلى حدّ معيّن.
* تشتمل المسألة على فروع أربعة:

1 . المستمسك:11/56.
2 . المعتمد:2/82.

صفحه 118
1. إذا قصرت الأُجرة لا يجب على المستأجر إتمام الأُجرة.
2. إذا زادت الأُجرة ليس له استرداد الزائد.
3. يستحب للمستأجر عند قصور الأُجرة، إتمامها.
4. يستحبّ للأجير ردّ الزائد إذا زادت.
أمّا الأوّل، فلأنّ مقتضى إطلاق الإجارة كون الأُجرة هي المذكورة في العقد، سواء أكانت مساوية للمؤونة الواقعية أم زادت أم نقصت.
وأمّا الثاني، فلأنّ عقد الإجارة سبب لتملّك الأُجرة مع الإتيان بما وقع عليه الإجارة، وقد وجد السبب فيجب المسبب.
ويدلّ على ما ذكرناه روايتان:
1. ما رواه مسمع، قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): أعطيت الرجل دراهم يحجّ بها عنّي، ففضل منها شيء، فلم يردّه عليّ، فقال(عليه السلام):« هو له، ولعلّه ضيّق على نفسه».(1)
2. ما رواه محمد بن عبد اللّه القمي قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن الرجل يعطى الحجّة يُحجّ بها ويوسّع على نفسه فيفضل منها أيردها عليه؟ قال: «لا، هي له».(2)
والتعليل بقوله(عليه السلام) «لعله ضيق على نفسه» لأجل تقريب الحكم إلى ذهن السائل، وإلاّ فهو يملك الأُجرة سواء أضيّق على نفسه أم لا.
أمّا الثالث والرابع، أعني: استحباب الإكمال أو استحباب الرد فقد ذكرهما غير واحد من الأصحاب.

1 . الوسائل:8، الباب10 من أبواب النيابة في الحج، الحديث 1و2.
2 . الوسائل:8، الباب10 من أبواب النيابة في الحج، الحديث 1و2.

صفحه 119
أمّا الأوّل فقد ذكره الشيخ في «النهاية» قائلاً: وإذا أخذ حجّة فأنفق ما أخذه في الطريق من غير إسراف، واحتاج إلى زيادة، كان على صاحب الحجة أن يتمِّمه استحباباً، فإن فضل من النفقة شيء، كان له وليس لصاحب الحجة الرجوع عليه بالفضل.(1)
وأمّا الثاني فقد ذكره المحقّق في «المعتبر» قائلاً: ويستحب للنائب أن يعيد ما يفضل معه من الأُجرة عن مؤونته، ليكون قصده بالنيابة، القربة، لا العوض.(2)
وفيما ذكره المحقّق من وجه الاستحباب (كون قصده بالنيابة هو القربة لا العوض)ضعيف، لأنّ المفروض أنّ الأُجرة زادت بعد الفراغ عن العمل.
وقد استدلّ على استحباب التتميم بأنّ فيه معاونة على البر والتقوى، فيرد عليه ما أوردناه على صورة الردّ، لأنّ المفروض أنّ الأجير قد انتهى من العمل فلا برّ ولا تقوى حتّى يُعان عليهما.
نعم يمكن الاستدلال على استحباب التتميم بعنوان الإحسان لا بعنوان آخر كالمعاونة على البرّ.

1 . النهاية:279.
2 . المعتبر:2/773.

صفحه 120
المسألة 21: لو أفسد الأجير حجّه بالجماع قبل المشعر فكالحاجّ عن نفسه يجب عليه إتمامه، والحجّ من قابل، وكفّارة بدنة، وهل يستحق الأُجرة على الأوّل أو لا؟ قولان مبنيّان على أنّ الواجب هو الأوّل، وأنّ الثاني عقوبة، أو هو الثاني وأنّ الأوّل عقوبة، قد يقال بالثاني للتعبير في الأخبار بالفساد الظاهر في البطلان. وحمله على إرادة النقصان وعدم الكمال مجاز لا داعي إليه، وحينئذ فتنفسخ الإجارة إذا كانت معيّنة ولا يستحقّ الأُجرة، ويجب عليه الإتيان في القابل بلا أُجرة، ومع إطلاق الإجارة تبقى ذمّته مشغولة، ويستحقّ الأُجرة على ما يأتي به في القابل، والأقوى صحّة الأوّل، وكون الثاني عقوبة لبعض الأخبار الصريحة في ذلك في الحاجّ عن نفسه، ولا فرق بينه و بين الأجير. ولخصوص خبرين في خصوص الأجير عن إسحاق بن عمّار عن أحدهما(عليهما السلام)قال: قلت: فإن ابتلي بشيء يفسد عليه حجّه حتّى يصير عليه الحجّ من قابل، أيجزئ عن الأوّل؟ قال: نعم، قلت: فإنّ الأجير ضامن للحجّ؟ قال: «نعم». وفي الثاني سئل الصادق(عليه السلام) عن رجل حجّ عن رجل فاجترح في حجّه شيئاً، يلزم فيه الحجّ من قابل أو كفّارة؟ قال(عليه السلام):« هي للأوّل تامّة، وعلى هذا ما اجترح». فالأقوى استحقاق الأُجرة على الأوّل، وإن ترك الإتيان من قابل، عصياناً أو لعذر، ولا فرق بين كون الإجارة مطلقة أو معيّنة.*
* في المسألة فروع وذكر أقوال:
1. لو أفسد الأجير الحجّ بالجماع قبل المشعر، فكالحاجّ عن نفسه في الإتمام

صفحه 121
والإعادة والكفّارة.
2. هل يستحقّ الأُجرة على الأوّل أو لا؟
3. هل الواجب إتيان الثاني بالعنوان الذي أتى به الأوّل، أو هو واجب عليه تعبّداً؟
4. ما ذكر من الأحكام يأتي فيما إذا حجّ عن الغير تبرّعاً وأفسده قبل المشعر.
الفرع الأوّل: لو أفسد الأجير حجّه بالجماع قبل المشعر، فكالحاج عن نفسه يجب عليه إتمامه والحجّ من قابل وكفّارة بدنة.
ووصفه بالجواهر بقوله: بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل يمكن تحصيل الإجماع عليه.(1)
والظاهر أنّ مصدر الإفتاء هو إطلاق الروايات.
ففي موثّقة معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا وقع الرجل بامرأته دون مزدلفة أو قبل أن يأتي مزدلفة، فعليه الحجّ من قابل».(2)
وفي صحيحة أُخرى قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل محرم وقع على أهله؟ فقال:« إن كان جاهلاً فليس عليه شيء، وإن لم يكن جاهلاً فانّ عليه أن يسوق بدنة».(3)
والموضوع هو الرجل المحرم، سواء أحجّ عن نفسه أم عن غيره.

1 . الجواهر:17/389.
2 . الوسائل:11، الباب3 من أبواب كفارات الاستمتاع، الحديث1و2.
3 . الوسائل:11، الباب3 من أبواب كفارات الاستمتاع، الحديث1و2.

صفحه 122

الفرع الثاني: هل يستحق الأُجرة على الحجّ الأوّل أو لا؟

قال المصنّف: «قولان مبنيّان على أنّ الواجب هو الأول وأنّ الثاني عقوبة، أو هو الثاني وأنّ الأوّل عقوبة».
فلو قلنا بأنّ الحجة الأُولى فرضه والثانية عقوبة استحق الأجير الأُجرة، على الأوّل، بخلاف القول الثاني فلا يستحقّ على الأوّل لفساده وكونه كالعدم، وأمّا استحقاقه للثاني ففيه تفصيل يأتي في كلام القائل، وإليك البيان.
قال المحقّق:ولو أفسده، حجّ من قابل، وهل يعاد بالأُجرة عليه؟ يبنى على القولين.(1)
قال في «المدارك»: أشار بالقولين إلى القولين المشهورين في أنّ المفسد للحجّ إذا قضاه، فهل تكون الأُولى فرضه وتسميتها فاسدة مجاز والثانية عقوبة، أو بالعكس؟
فإن قلنا: إنّ الأُولى فرضه والثانية عقوبة كما اختاره الشيخ(2)، ودلّت عليه حسنة زرارة فقد برئت ذمّة المستأجر بإتمامه، واستحق الأجير الأُجرة; وإن قلنا: إنّ الأُولى فاسدة والإتمام عقوبة، والثانية فرضه كان الجميع لازماً للنائب وتستعاد منه الأُجرة إن كانت الإجارة متعلقة بزمان معين]لبطلان الاجارة وإتيانه ثانياً حكم شرعي لا صلة له بالمنوب عنه[وإن كانت مطلقة لم تنفسخ الاجارة وكان على الأجير الحجّ عن المستأجر بعد ذلك]وتستحق الأُجرة عندئذ[.(3)

1 . الشرائع:1/233.
2 . النهاية:230.
3 . المدارك:7/133ـ134.

صفحه 123
وقد اختار صاحب الجواهر القول الثاني، أي أنّ الفرض هو الثاني وانّ الأوّل فاسد، لا يفيد أصلاً، وقال ـ على ما لخّصه المصنّف في المتن ـ : إنّ التعبير بالفساد في الاخبار، ظاهر في بطلان الحجّ الأوّل، وحمله على إرادة النقصان وعدم الكمال ممّا لا داعي إليه، وحينئذ (كان الفرض هو الثاني) فتنفسخ الإجارة إذا كانت معيّنة ولا يستحق الأُجرة ويجب عليه الإتيان في القابل ومع إطلاق الإجارة تبقى ذمّته مشغولة ويستحق الأُجرة على ما يأتي به في القابل.(1)
ثمّ إنّ المصنّف اختار القول الأوّل، لأنّ فرضه هو الأوّل وأفتى باستحقاقه الأُجرة عليه، واستدلّ على مختاره بروايات ثلاث:
1. صحيحة زرارة ـ وقد وردت في الحجّ عن نفسه ـ قال: سألته عن محرم غشي امرأته وهي محرمة؟ قال: «جاهلين أو عالمين؟» قلت: أجبني عن الوجهين جميعاً.
قال: «إن كانا جاهلين استغفرا ربهما ومضيا على حجهما وليس عليهما شيء، و إن كانا عالمين فرّق بينهما من المكان الذي أحدثا فيه...» قلت: فأي الحجتين لهما؟ قال: «الأُولى التي أحدثا فيها ما أحدثا، والأُخرى عليهما عقوبة».(2)
فإذا كان الحال في مَن حجّ عن نفسه كذلك فيكون الحال في من حجّ عن غيره مثله، لظهور انّ الحكم لطبيعة الحج الذي أُفسد قبل المشعر لا لكون الحجّ عن نفسه.
2. موثّقة إسحاق بن عمار قال: سألته عن الرجل يموت فيوصي بحجّة

1 . العروة الوثقى:2/516، المسألة21; الجواهر:17/390.
2 . الوسائل:9، الباب3 من أبواب كفّارات الاستمتاع، الحديث9.

صفحه 124
فيُعطى(1) رجـل دراهم يَحجّ بها عنه فيموت قبل أن يحـجّ ثمّ أعطى الدراهم غيره؟ فقـال: «إن مات فـي الطـريق أو بمكـة قبـل أن يقضـي مناسكـه فإنّه يجـزي عـن الأوّل».
قلت: فإن ابتلي]النائب الثاني[ بشيء يفسد عليه حجّه حتى يصير عليه الحج من قابل، أيجزي]الحج الفاسد [عن الأوّل]الشخص الأوّل[ قال: «نعم».(2)
3. موثّقته الأُخرى عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في الرجل يحج عن آخر فاجترح في حجّه شيئاً يلزمه فيه الحج من قابل أو كفّارة، قال:« هي للأوّل تامّة، وعلى هذا ما اجترح».(3)
والروايتان صريحتان في أنّ العقد لا ينفسخ لكون النائب خرج عن العهدة والثانية عقوبة، وذلك يستحق الأُجرة على كلتا الصورتين: مقيّدة كانت الإجارة أو مطلقة.
والتصرف في لفظة: «أفسد» بحملها على النقصان وعدم الكمال أهون من التصرّف في هذه الروايات.
أضف إلى ذلك كيف يتصوّر أن تكون الأُولى عقوبة، مع أنّه لم يجترح شيئاً بعد، إلاّ أن يقال بانقلابها إلى العقوبة بعدما لم تكن كذلك، وهو كما ترى ومعناه انقلاب الشيء في الواقع عمّا هو عليه.

1 . على زنة الفعل المجهول، والمعطي هو الوصي، وأمّا قوله: «ثم أعطى» على زنه الفعل المعلوم والفاعل هو الرجل النائب الذي توفي قبل أن يحجّ، فلاحظ.
2 . الوسائل:8، الباب15 من أبواب النيابة، الحديث1.
3 . المصدر نفسه:الحديث2.

صفحه 125
وهل الواجب إتيان الثاني بالعنوان الّذي أتى به الأوّل، فيجب فيه قصد النيابة عن المنوب عنه وبذلك العنوان، أو هو واجب عليه تعبّداً ويكون لنفسه؟ وجهان، لا يبعد الظهور في الأوّل، ولا ينافي كونه عقوبة، فإنّه يكون الإعادة عقوبة، ولكن الأظهر الثاني، والأحوط أن يأتي به بقصد ما في الذمّة.*
*الفرع الثالث: هل الواجب إتيان الثاني بالعنوان الذي أُتي به الأوّل، فيجب فيه قصد النيابة عن المنوب عنه وبذلك العنوان، أو هو واجب عليه تعبّداً ويكون لنفسه؟ وجهان:
الظاهر هو الأوّل، لأنّ المتبادر من قوله: «ويحجّ من قابل» هو أنّه يعيد الحج الذي أفسده فيكون نظير القضاء، فإذا كان نائباً في الأوّل فيه كان الثاني كذلك، ولا ينافي كونه عقوبة، فانّ إعادته عقوبة كما في المتن.
والعجب أنّ المصنّف مع أنّه جعل الأوّل هو الظاهر، ولكنّه عَدَل عنه، وقال: لكن الأظهر هو الثاني، والأحوط أن يأتي به بقصد ما في الذمة.
أقول: الأظهر هو الوجه الأوّل، لأنّ المتبادر من الروايات أنّ الحجّ الثاني لغاية جبر نقصان ما أتى به أوّلاً، فإذا كان الأوّل للمنوب عنه فهكذا الثاني.

صفحه 126
ثمّ لا يخفى عدم تماميّة ما ذكره ذلك القائل من عدم استحقاق الأُجرة في صورة كون الإجارة معينة، ولو على ما يأتي به في القابل، لانفساخها، وكون وجوب الثاني تعبّداً، لكونه خارجاً عن متعلّق الإجارة، وإن كان مبرئاً لذمّة المنوب عنه، وذلك لأنّ الإجارة وإن كانت منفسخة بالنسبة إلى الأوّل، ولكنّها باقية بالنسبة إلى الثاني تعبّداً ]شرعاً[ لكونه عوضاً شرعيّاً تعبديّاً عمّا وقع عليه العقد، فلا وجه لعدم استحقاق الأُجرة على الثاني.*

* العود إلى المسألة من جديد

ثمّ إنّ المصنّف بعدما أنهى الكلام في الفرع الثالث، عاد إلى نفس المسألة، فذكر أقوالاً ثلاثة، وراء ما اختاره من صحّة الحجّ الأوّل مطلقاً واستحقاق الأُجرة ووجوب الثاني عقوبة:

1. عدم استحقاق الأُجرة في المعينة

قد مرّ إجمال هذا القول في كلام المصنّف، وهو لصاحب الجواهر حيث قال:
«والتحقيق: انّ الفرض، هو الثاني لا الأوّل الذي أُطلق عليه اسم الفاسد في النص والفتوى... ـ إلى أن قال:ـ كما لا محيص حينئذ بناءً على ذلك،عن القول بانفساخ الإجارة إذا فرض كونها معينة، وعود الأُجرة إلى صاحبها، وأنّه يجب على النائب الإعادة للحجّ من قابل بنية النيابة من غير عوض، لأنّه هو الحجّ الذي

صفحه 127
أفسده وخوطب بإعادته، فيجزي حينئذ عن المنوب مع فرض وقوعه منه، وإلاّ استأجر الولي من يحجّ عنه.
بخلاف الإجارة المطلقة فإنّ الظاهر عدم انفساخها، كما أنّ الظاهر الاجتزاء بالحجّ من قابل عن الحجّ ثانياً ويستحقّ به الأُجرة.(1)
ويتلخّص هذا القول في أُمور:
1. إذا كانت الإجارة معينة تنفسخ و تعود الأُجرة إلى المستأجر.
2. يجب على الأجير الحجّ الثاني عن المنوب عنه بلا أُجرة، فإن أتى به كذلك تجزي عن المنوب عنه وإلاّ يجب على الوليّ استئجار من يحجّ عن المنوب عنه.
3. إذا كانت الإجارة مطلقة، لا تنفسخ ويأتي بالحجّ من قابل ويستحقّ الأُجرة.
أقول: نحن نوافقه في أصل استحقاق الأُجرة في المطلقة وإن قلنا إنّه يستحقها في مقابل الحجّ الأوّل، خلافاً له حيث اختار انّه يستحقها في مقابل الثاني، ولكن الكلام في المعيّنة حيث إنّ إيجاب حجّين عليه بلا أُجرة ممّا لا يقبله الذوق السليم، وذلك لأنّ الإجارة وإن فسخت بالنسبة إلى الأوّل ولكنّها باقية بالنسبة إلى الثاني تعبداً، لكونه عوضاً شرعياً تعبديّاً عمّا وقع عليه العقد، فلا وجه لعدم استحقاق أُجرة الحجّ على القول الثاني.
وبعبارة أُخرى: انّ الثاني عوض من الأوّل شرعاً ومقتضى البدلية هو الاستحقاق، فإنّ التبديل من قبل المولى الحقيقي، والإجارة وإن كانت منفسخة

1 . الجواهر:17/389ـ390.

صفحه 128
بالنسبة إلى الأوّل لكنّها باقية بالنسبة إلى الثاني تعبّداً لكونها هنا شرعية. هذا إيضاح ما ذكره المصنّف.
وأورد عليه المحقّق الخوئي بأنّه لم يذكر في الروايات شيء يدلّ على كونه بدلاً وعوضاً من الأوّل وإنّما ورد فيها الحجّ من قابل، وأمّا كونه بدلاً وعوضاً من الأوّل أو واجباً مستقلاً فالروايات ساكتة عنه، بل مقتضى إطلاقها لزوم الإتيان به ثانياً ]حتّى[وإن كان الأوّل ندباً فلا ملازمة بين الوجوب في القابل وبين كونه عوضاً.(1)
يلاحظ عليه: أنّه وإن لم يرد في الروايات كون الثاني بدلاً وعوضاً عن الأوّل وإنّما ورد فيها الحجّ من قابل، إلاّ أنّ البدلية أمر مفهوم من الروايات من غير فرق بين ما ورد في الحجّ عن نفسه أو عن الغير، حيث ورد في الحجّ عن نفسه في صحيح زرارة: سألته عن محرم غشى امرأته وهي محرمة، إلى أن قال: «وإن كانا عالمين فرّق بينهما من المكان الذي أحدثا فيه وعليهما بدنة وعليهما الحجّ من قابل».(2) فإنّ ظاهر الحديث وما ورد في حجّ النائب أنّه جابر للنقص الموجود في الحجّ الأوّل وقضاء له وبدل عنه، لا انّه شيء لاصلة له بالأوّل .

1 . المعتمد:2/68.
2 . الوسائل:9، الباب3 من أبواب كفارات الاستمتاع، الحديث9.

صفحه 129
وقد يقال بعدم كفاية الحجّ الثاني أيضاً في تفريغ ذمّة المنوب عنه، بل لابدّ للمستأجر أن يستأجر مرّة أُخرى في صورة التعيين، وللأجير أن يحجّ ثالثاً في صورة الإطلاق، لأنّ الحجّ الأوّل فاسد، والثاني إنّما وجب للإفساد عقوبة، فيجب ثالث، إذ التداخل خلاف الأصل.
وفيه :أنّ هذا إنّما يتمّ إذا لم يكن الحجّ في القابل بالعنوان الأوّل، والظاهر من الأخبار ـ على القول بعدم صحّة الأوّل ـ وجوب إعادة الأوّل، وبذلك العنوان، فيكفي في التفريغ، ولا يكون من باب التداخل، فليس الإفساد عنواناً مستقلاً، نعم إنّما يلزم ذلك إذا قلنا: إنّ الإفساد موجب لحجّ مستقل لا على نحو الأوّل، وهو خلاف ظاهر الأخبار.*

* 2. إيجاب حِجج ثلاث في المعينة والمطلقة

قد تعرّفت على قول صاحب الجواهر وقد اتّفقنا معه في وجوب حجّين فقط في المعيّنة والمطلقة وإن اختلفنا في وجوب الأُجرة في المعيّنة، وهاهنا قول ثالث، وهو خيرة الشيخ في «المبسوط»(1)، والعلاّمة في «القواعد»(2)، ونقله المحقّق في «المعتبر»(3) قولاً، وإليه أشار صاحب الجواهر بقوله:الثاني انفساخها مع التعيين دون الإطلاق ووجوب حجة ثالثة نيابة كما هو خيرة الفاضل في «القواعد» والمحكي عن الشيخ وابن إدريس وحاصله وجوب حجج ثلاث .

1 . المبسوط:1/322.
2 . القواعد:1/414.
3 . المعتبر:2/776.

صفحه 130
إنّ هذا القول يشارك قول الجواهر في انفساخ العقد في المعيّنة دون المطلقة، ويفارقه في إيجاب حجج ثلاث في المعيّنة والمطلقة.
غاية الأمر أنّ الحجّين في المعيّنة على عاتق النائب والثالث على عاتق المستأجر، ولكنّها في المطلقة كلّها على الأجير.
أمّا المعيّنة فإذا كانت الإجارة منفسخة ينقطع عمل النائب في الأوّل والثاني عن المنوب عنه، فيجب على المستأجر تجديد الإجارة.
وأمّا في المطلقة فبما أنّ الإجارة باقية فوجه الحجج الثلاث أنّ الحج الأوّل فاسد والثاني إنّما وجب للإفساد عقوبة، فيجب الثالث للوفاء بالإجارة، والتداخل خلاف الأصل.
وأورد عليه المصنّف بأنّ إيجاب الحجج الثلاث إنّما يتمّ إذا لم يكن الحجّ من قابل بعنوان إعادة الأوّل، والظاهر من الأخبار على القول بعدم صحّة الأوّل هو وجوب إعادة الأوّل، وبذلك العنوان فيكفي في التفريغ ولا يكون من باب التداخل، إذ ليس الإفساد عنواناً مستقلاً، نعم إنمّا يلزم ذلك إذا قلنا: إنّ الإفساد موجب لحجّ مستقل لا على نحو الأوّل، وهو خلاف ظاهر الأخبار.
وحاصل كلام المصنف: أنّه يكفي الحجّان مطلقاً، سواء أقلنا بأنّ الفرض هو الأوّل والثاني عقوبة كما هو مختار المصنّف، أم أنّ الحجة الأُولى فاسدة والثانية فرض وعقوبة.
أضف إلى ذلك: أنّه لو كان هناك حج ثالث لأُشير إليه في الحجّ عن شخص آخر، والسابر في الروايات ـ سواء فيما ورد عن الحج عن نفسه، أو عن الحج عن الغير(1) ـ يقف على أنّ الموضوعين من باب واحد وأنّه ليس هنا إلاّ حجّان.

1 . وسائل الشيعة:9، الباب3 من أبواب كفارات الاستمتاع، أحاديث الباب.

صفحه 131
وقد يقال في صورة التعيين: إنّ الحجّ الأوّل إذا كان فاسداً وانفسخت الإجارة يكون لنفسه، فقضاؤه في العام القابل أيضاً يكون لنفسه، ولا يكون مبرئاً لذمّة المنوب عنه، فيجب على المستأجر استيجار حجّ آخر. وفيه أيضاً: ما عرفت من أنّ الثاني واجب بعنوان إعادة الأوّل. وكون الأوّل ـ بعد انفساخ الإجارة بالنسبة إليه ـ لنفسه ،لا يقتضي كون الثاني له، وإن كان بدلاً عنه، لأنّه بدل عنه بالعنوان المنويّ، لا بما صار إليه بعد الفسخ، هذا.
والظاهر عدم الفرق ـ في الأحكام المذكورة ـ بين كون الحجّ الأوّل المستأجر عليه واجباً أو مندوباً، بل الظاهر جريان حكم وجوب الإتمام والإعادة في النيابة تبرّعاً أيضاً، وإن كان لا يستحقّ الأُجرة أصلاً.*

* 3 . إيجاب حجج ثلاث في صورة التعيين فقط

وهذا القول حسب ما نقله المصنّف يوجب حججاً ثلاث فيما إذا كانت معيّنة، و ذكره صاحب الجواهر بقوله: ودعوى أنّ الحج بإفساده له انقلب لنفسه، لأنّه غير المستأجر عليه، فهو كما إذا اشترى الوكيل في شراء شيء بصفة ما هو على خلاف الصفة، فيكون القضاء عن نفسه.
وأجاب عنها بقوله: يدفعها: منع انقلابه إليه لنفسه كمنع ذلك في المشبه به.(1)
ثمّ إنّ المصنّف أورد على هذا القول بما أورد على القول الثاني من أنّ الثاني

1 . الجواهر:17/391،وأنت ترى أنّه ليس في عبارة الجواهر ما يدلّ على أنّ الانقلاب في صورة التعيين، بل منصرفة إلى صورة الإطلاق.

صفحه 132
واجب بعنوان إعادة الأوّل وكون الأوّل، بعد انفساخ الإجارة بالنسبة إليه لنفسه، لا يقتضي كون الثاني له وإن كان بدلاً عنه، لأنّه بدلٌ عنه بالعنوان المنويّ لا بما صار إليه بعد الفسخ.
واعلم أنّ صاحب الجواهر ذكر في المسألة أقوالاً أو وجوهاً ثمانية، واختار المصنّف منها أقوالاً أربعة: أوّلها مختاره، والثاني لصاحب الجواهر الذي جعله في الجواهر ثامن الأقوال،والثالث لصاحب القواعد، والرابع ما ذكره بقوله: «دعوى» و لم يعلم القائل.(1)
الفرع الرابع: عدم الفرق في الأحكام المذكورة بين كون الحجّ المستأجر عليه واجباً أو مندوباً، وذلك لإطلاق النصوص، بل الظاهر جريان حكم وجوب الإتمام والإعادة في النيابة تبرّعاً أيضاً، وذلك لأنّ المتبادر من النصوص أنّ إيجاب الإعادة أثر إفساد الحجّ بما هوهو، سواء أكان الحجّ واجباً أم مندوباً، كان النائب أجيراً أو متبرّعاً.

1 . لاحظ الجواهر:17/391ـ 392

صفحه 133
المسألة 22: يملك الأجير الأُجرة بمجرد العقد، لكن لا يجب تسليمها إلاّ بعد العمل، إذا لم يشترط التعجيل، ولم تكن قرينة على إرادته، من انصراف أو غيره. ولا فرق في عدم وجوب التسليم بين أن تكون عيناً أو ديناً، لكن إذا كانت عيناً ونمت كان النماء للأجير، وعلى ما ذكر ـ من عدم وجوب التسليم قبل العمل ـ إذا كان المستأجر وصيّاً أو وكيلاً، وسلّمها قبله كان ضامناً لها على تقدير عدم العمل من المؤجر، أو كان عمله باطلاً. ولا يجوز لهما اشتراط التعجيل من دون إذن الموكّل أو الوارث. ولو لم يقدر الأجير على العمل مع عدم تسليم الأُجرة كان له الفسخ، وكذا للمستأجر، لكن لمّا كان المتعارف تسليمها أو نصفها قبل المشي يستحقّ الأجير المطالبة في صورة الإطلاق، ويجوز للوكيل والوصيّ دفعها من غير ضمان.*
* في المسألة فروع:
1. الأجير يملك الأُجرة بالعقد.
2. لا يجب تسليمها إلاّ بعد العمل إذا لم تكن هناك قرينة على التعجيل.
3. لا فرق في عدم وجوب التسليم بين أن تكون عيناً أو ديناً.
4. إذا كان المستأجر وصياً أو وكيلاً ليس لهما]قبول[ اشتراط التعجيل من دون إذن الموكل أو الوارث.
5. إذا لم يقدر الأجير على العمل مع عدم تسليم الأُجرة كان للأجير والمستأجر، الفسخ.
6. إذا كان المتعارف التسليم قبل الذهاب يستحق الأجير المطالبة وللوكيل

صفحه 134
والوصي الدفع من غير ضمان.
أقول: هذه الفروع مذكورة في الجواهر(1) فإليك دراستها واحداً تلو الآخر:
الأوّل: يستحقّ الأجير الأُجرة بالعقد بمعنى أنّه يملكها، لأنّه مقتضى العقد. وبعبارة أُخرى: إنّ مقتضى العقد تملُّك كلّ من المتعاقدين ما في يد الآخر كما هو الحال في البيع، وأمّا وجوب التسليم فهو أمر آخر كما سيأتي.
الثاني: لا يجب تسليمها إلاّ بعد تسليم العمل، لأنّ مبنى المعاوضة على التسليم والتسلم فما لم يكن من جانب الأجير استعداد للتسليم فلا يجب على الآخر تسليم الأُجرة. نعم لو كان هناك انصراف أو قرينة على لزوم وجوب تسليم الأُجرة قبل العمل يكون متبعاً .وربّما يكون المتعارف دفع شيء من الأُجرة لا كلّها.
الثالث: لا فرق في عدم وجوب التسليم بين أن تكون عيناً أو ديناً لما عرفت من أنّ مبنى المعاوضات على التسليم والتسلم.
والمراد من الدين، أي كون الأُجرة في ذمّة المستأجر لا الدين بمعنى القرض، والأولى أن يقول: سواء أكانت الأُجرة عيناً أو نقداً أو في الذمّة.
وعلى كلّ تقدير فإذا كان للعين طول المدة نماء، فهو للأجير ضرورة تبعية الفرع للأصل.
الرابع: لا يجوز للوكيل والوصي]قبول [اشتراط التعجيل من دون إذن الموكل أو الوارث.
المراد من اشتراط التعجيل هو اشتراط دفع الأُجرة قبل العمل، وعبارة الجواهر أوضح من عبارة المصنّف حيث قال: بل لو فرض كون المستأجر وصياً أو

1 . الجواهر:17/397 .

صفحه 135
وكيلاً ودفع الأُجرة مع فرض عدم القرينة على الإذن له في ذلك كان ضامناً لكونه تفريطاً.
أقول: أمّا الوكيل فليس له دفع الأُجرة قبل العمل، لأنّه على خلاف مقتضى الوكالة، إذ مقتضاها على التسليم والتسلم معاً لا تسليم الأُجرة قبل العمل.
وأمّا الوصيّ فلأنّ التعجيل في الأُجرة يستلزم التصرف في مال الورثة فيما إذا كان المال مشاعاً غير مقسم، سواء أكان الحجّ مستحباً مخرجاً من الثلث أم واجباً كحجة الإسلام التي تخرج مؤونتها من الأصل.
الخامس: إذا لم يكن اشتراط التعجيل في العقد وكان الأخير غير قادر للوفاء بالعقد، قال المصنّف: إنّ لكلّ من الأجير والمستأجر حق الفسخ.
أقول: إنّ عدم القدرة يكشف عن بطلان العقد دون أن يكون هناك لواحد منهما حقّ الفسخ. نعم لو اشترط الأجير التعجيل في الأُجرة ولو كان ذلك لأجل انصراف العقد إليه، كان له الفسخ مع التخلّف ولو كان الأجير قادراً أيضاً.
وحاصل الكلام: إذا لم يكن الأجير قادراً على الوفاء بالعقد ينفسخ دون حاجة للفسخ من جانب الأجير والمستأجر.
وأمّا إذا اشترط التعجيل وتخلّف المستأجر عن العمل بالشرط فللأجير خاصة حق الفسخ ـ سواء أكان قادراً على الحج أم عاجزاً ـ بلا أُجرة.
السادس: إذا كان المتعارف تسليمها أو نصفها قبل المشي يستحق الأجير المطالبة في صورة الإطلاق لأجل الانصراف ويجوز للوكيل والوصي دفعها من غير ضمان، وذلك لانصراف العقد، إلى التعجيل المسوّغ للتصرّف ودفع الأُجرة قبل العمل.

صفحه 136
المسألة23: إطلاق الإجارة يقتضي المباشرة فلا يجوز للأجير أن يستأجر غيره، إلاّ مع الإذن صريحاً أو ظاهراً، والرواية الدالة على الجواز محمولة على صورة العلم بالرضا من المستأجر.*
* لا شكّ أنّ المستأجر إذا نصّ على المباشرة، لا يجوز للأجير أن يستأجر غيره، إنّما الكلام إذا أطلق، فكلام العلاّمة وغيره صريح في عدم جواز الاستنابة، إلاّ إذا فوّض الأمر إليه، قال في «القواعد»:
لو نصّ المستأجر على المباشرة أو أطلق لم يجز للنائب الاستنابة، ولو فوّض إليه جازت.(1)
أمّا التصريح فكما إذا قال: آجرتك نفسي للحج، أو قال: استأجرتك أنت لتَحجَّ.
وأمّا إذا أطلق كما إذا قال: استأجرتك للحجة.
أمّا التصريح بالمباشرة فحكمه واضح، وأمّا إذا أطلق فالمتبادر هو مباشرة النائب حيث إنّ الظاهر أنّ الأُجرة المسماة في مقابلة أفعاله لا الاستنابة لها.
أضف إلى ذلك: أنّ باب الحجّ يفارق سائر الأبواب من حيث إنّ تعيين شخص للحجّ رهن الثقة بأمانته وعلمه بأحكام الحجّ إلى غير ذلك من الشرائط التي تتوقّف عليها صحّة الحج، وقد وجد المستأجر الأجير واجداً لها فاستأجره فليس له أن يستنيب لعدم علم المستأجر بأهلية الأجير الثاني.
نعم لو أذن صريحاً أو كان الكلام ظاهراً في جواز الاستنابة، فلا مانع، كما

1 . قواعد الأحكام:1/414.

صفحه 137
هو الحال غالباً في سائر أبواب الإجارة; وأمّا الحجّ فإنّما يجوز الاستنابة فيه إذا صرح بذلك، كما إذا قال الأجير: آجرتك نفسي لأُوقع الحج عنك بنفسي أو بغيري، أو قال المستأجر: استأجرتك لتوقع الحج عني بنفسك أو بغيرك.(1)
بقي الكلام في الرواية التي ربّما توهم خلاف ما ذكرنا، وهو ما رواه صاحب الوسائل عن «التهذيب» بالإسناد التالي: محمد بن أحمد بن يحيى، عن أبي سعيد، عن يعقوب بن يزيد،عن أبي جعفر الأحول، عن عثمان بن عيسى قال: قلت لأبي الحسن الرضا(عليه السلام): ما تقول في الرجل يعطى الحجّة فيدفعها إلى غيره؟ قال: «لا بأس».(2)

دراسة السند

1. المراد من أبي سعيد هو سهل بن زياد الآدمي المتوفّى سنة 255هـ، كما يظهر ممّا رواه الكافي .
2. يعقوب بن يزيد بن حمّاد: روى عن أبي جعفر الثاني والهادي(عليهما السلام) ، وانتقل إلى بغداد، وكان ثقة، صدوقاً، له كتب.
3. أبو جعفر الأحول الطاقي المعروف بـ«مؤمن الطاق»، روى عن أبي عبد اللّه(عليه السلام).
وعندئذ يظهر الإشكال في السند، كيف يروي يعقوب بن يزيد الذي هو من أصحاب الجوادين عن أبي جعفر الأحول، الذي توفّي حوالي 150هـ؟
4. عثمان بن عيسى: ثقة، من أصحاب الكاظم والرضا(عليهما السلام)،وهو من

1 . كشف اللثام:5/193.
2 . الوسائل:8، الباب14 من أبواب النيابة في الحج، الحديث1.

صفحه 138
أصحاب الإجماع.
وعندئذ يظهر إشكال ثان، وهو: كيف يروي أبو جعفر الأحول الذي هو من أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام) عن أصحاب الإمام الرضا (عليه السلام)؟
فالسند مخدوش في موضعين: رواية يعقوب بن يزيد عن أبي جعفر الأحول، ورواية أبي جعفر الأحول عن عثمان بن عيسى.
هذا في «الوسائل» وأمّا المصادر:
فقد رواه الكليني بسند آخر: عن عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن يعقوب بن يزيد، عن جعفر الأحول، عن عثمان بن عيسى.(1)
ولو صحّ السند، فالمراد من جعفر الأحول، هو جعفر بن محمد بن يونس الأحول الصيرفي الذي عدّه الطوسي من رجال الجواد(عليه السلام)ووثّقه.
والسند صحيح، غير منقطع.
أمّا «التهذيب» فقد رواه في موضعين:
ففي موضع بالسند التالي:
محمد بن أحمد بن يحيى، عن أبي سعيد، عن يعقوب بن يزيد، عن جعفر، عن الأحول، عن عثمان بن عيسى.(2)
وفي موضع آخر: محمد بن الحسين، عن جعفر بن بشير، عن الأحول، عن عثمان بن عيسى.(3)
والنسختان تشتركان في أنّ جعفراً غير الأحول، وتصرح الثانية بأنّ المراد من

1 . الكافي:4/309، باب الرجل يأخذ الحجة فلا تكفيه، الحديث2.
2 . التهذيب:5/460، الحديث 1449.
3 . التهذيب:5/510، الحديث1609.

صفحه 139
جعفر، هو جعفر بن بشير الثقة المعروف الذي يروي عن الثقات ويروون عنه.
وعلى هذا يصبح السند صحيحاً، ووجه اضطراب النسخ هو اشتراك الراويين في الاسم، أعني: جعفر بن بشير، والآخر جعفر بن محمد بن يونس.
وعلى فرض ثبوت السند فقد حملها المصنّف على العلم بالرضا من المستأجر. وحملها السيد الحكيم على أنّه دفع إليه قيمة الحجّة وأوكل الأمر إليه في القيام بنفسه أو بغيره.
ويرد على الحمل الثاني: أنّه إذا أوكل الأمر إليه فلا وجه للسؤال.
وقد التفت إليه السيد الحكيم وحاول التصحيح وقال: والوجه في السؤال عن جواز الدفع إلى الغير عدم اليقين بقيامه به ـ إمّا لعدم النيّة أو لترك بعض الأفعال ـ فيتوهم أنّ ذلك مانع من الدفع إلى غيره.(1)
يلاحظ عليه: أنّه لو كان مورد السؤال ما إذا احتمل عدم قيام الغير بالحجّ إمّا لعدم النية أو لترك بعض الأفعال لأجاب الإمام بعدم الجواز، لأنّ طبع الحال انّه لم يوكل الأمر إليه إلاّ إذا كان الدافع على ثقة بالنائب، ومن البعيد جداً أن يوكل الأمر إليه على كلّ الأحوال، والظاهر أنّ حمل المصنّف لا بأس به.
قال المحقّق في «المعتبر»: إنّ الرواية شاذّة، وعثمان بن عيسى واقفي ضعيف، لا يعمل بما ينفرد به خصوصاً عن الرضا(عليه السلام) لتغيّره في زمان الرضا(عليه السلام) ، ويمكن أن تحمل على ما إذا علم من قصد المستأجر الأوّل الإذن أو يحصّل النيابة مطلقاً من دون القصد إلى حجّه بنفسه.(2)

1 . المستمسك:11/69.
2 . المعتبر:2/770.

صفحه 140
المسألة 24:لا يجوز استئجار من ضاق وقته عن إتمام الحجّ تمتعاًـ وكانت وظيفته العدول إلى حجّ الإفراد ـ عمّن عليه حجّ التمتع ولو استأجره مع سعة الوقت فنوى التمتع ثمّ اتّفق ضيق الوقت، فهل يجوز له العدول ويجزي عن المنوب عنه أو لا؟ وجهان: من إطلاق أخبار العدول، ومن انصرافها إلى الحاج عن نفسه. والأقوى عدمه. وعلى تقديره فالأقوى عدم إجزائه عن الميت وعدم استحقاق الأُجرة عليه، لأنّه غير ما على الميت، ولأنّه غير العمل المستأجر عليه.*
* في المسألة فرعان:
1. من ضاق وقته عن إتمام الحجّ تمتعاً لا يجوز استئجاره له.
2. لو استأجره مع سعة الوقت فنوى التمتع ثمّ اتّفق ضيق الوقت، فهل يجوز العدول؟ وعلى فرض الجواز أيجزي عن المنوب عنه أو لا؟
وإليك دراسة الفرعين:
أمّا الفرع الأوّل: إذا استأجر من ضاق وقته عن إتمام الحج تمتعاً وكانت وظيفته العدول إلى حج الإفراد، فهل يجوز استئجاره عمّن عليه حجّ التمتع؟ فالجواب: لا !! لاشتراط القدرة في متعلّق الإجارة، ومن ضاق وقته عن إتمام الحجّ تمتّعاً بمعنى أنّا نعلم أنّه لا يتمكّن من الإتيان بالعمرة أوّلاً ثمّ الإتيان بأعمال الحج، فهو غير قادر على متعلّقها، فكيف يُستأجر لما هو عاجز عنه؟!
وما ورد بأنّ من ضاق وقته عن إتمام الحجّ تمتعاً يعدل إلى حجّ الإفراد، فهو للمضطر ـ كالحائض ـ ومن ضاق وقته وهو خاص بالمضطر، ولا اضطرار في المقام لعدم انحصار النائب بالمضطرّ.

صفحه 141
الفرع الثاني: لو استأجر شخصاً في سعة الوقت لحج التمتع ثمّ اتّفق ضيق الوقت فهل يجوز له العدول أوّلاً، ويجزي عن المنوب عنه ثانياً؟ فقد قوّى المصنّف عدم جواز العدول وعدم الإجزاء على فرض جوازه.
أمّا جواز العدول فهو رهن وجود الإطلاق في الروايات التي تأمر المضطر إلى العدول من التمتع إلى الإفراد بمعنى شمولها للحاج عن نفسه وعن غيره.
والظاهر وجود الإطلاق في بعضها، نظير:
1. عن زكريا بن آدم قال: سألت أبا الحسن(عليه السلام)عن المتمتع إذا دخل]مكة[ يوم عرفة؟ قال: «لا متعة له، يجعلها عمرة مفردة».(1)
2. عن إسحاق بن عبد اللّه، عن أبي الحسن(عليه السلام)قال: «المتمتّع إذا قدم ليلة عرفة فليس له متعة، يجعلها حجة مفردة وإنّما المتعة إلى يوم التروية».(2) إلى غير ذلك من الروايات الظاهرة في أنّ الحكم للمتمتع بما هو متمتع، سواء أكان حجه عن نفسه أم عن غيره.وسيوافيك الكلام في المسألة بوجه مفصّل في الفصل التاسع المسألة 3، ويعالج التضارب بين الروايات في حدّ الضيق، و هل انّه يوم عرفة أو ليلة التروية أو غيرها؟ فإنّ الروايات في المسألة مختلفة جدّاً.
فلو قلنا بالإطلاق وشمول الروايات فالأقوى هو الإجزاء وتملك الأُجرة، لما ذكرنا غير مرّة من أنّ أمر الشارع يلازم الإجزاء. ومعنى ذلك أنّ الشارع جعل ما أتى به النائب بدلاً عمّا في ذمّة المنوب عنه.
وأمّا الأُجرة فهل تقسّط على ما أتى وعلى ما لم يأت، أو يدفع الجميع؟ وجهان، ويمكن القول بالتفصيل بين ما استؤجر على الأعمال الخارجية فتقسّط

1 . الوسائل:8، الباب21 من أبواب اقسام الحج، الحديث8و9.
2 . الوسائل:8، الباب21 من أبواب اقسام الحج، الحديث8و9.

صفحه 142
المسألة25: يجوز التبرّع عن الميّت في الحجّ الواجب أيّ واجب كان والمندوب، بل يجوز التبرّع عنه بالمندوب، وإن كانت ذمّته مشغولة بالواجب، ولو قبل الاستيجار عنه للواجب، وكذا يجوز الاستيجار عنه في المندوب كذلك، وأمّا الحيّ فلا يجوز التبرّع عنه في الواجب إلاّ إذا كان معذوراً في المباشرة ـ لمرض أو هرم ـ، فإنّه يجوز التبرّع عنه، ويسقط عنه وجوب الاستنابة على الأقوى، كما مرّ سابقاً. وأمّا الحجّ المندوب فيجوز التبرّع عنه، كما يجوز له أن يستأجر له حتّى إذا كان عليه حجّ واجب لا يتمكّن من أدائه فعلاً، وأمّا إن تمكّن منه فالاستيجار للمندوب قبل أدائه مشكل، بل التبرّع عنه حينئذ أيضاً لا يخلو عن إشكال في الحجّ الواجب.*
الأُجرة، وبين ما لو استؤجر لإفراغ الذمّة فيملك الجميع.
* في المسألة فروع:
1. التبرّع عن الميّت في الحج الواجب أي واجب كان.
2. التبرّع عن الميت في الحجّ المندوب.
3. التبرّع عن الميّت بالمندوب وإن كانت ذمّته مشغولة بالحج الواجب وقبل الاستئجار عنه للواجب.
4. الاستئجار عن الميت في المندوب وإن كانت ذمّته مشغولة بالواجب وقبل الاستئجار عنه للواجب.
5. التبرّع عن الحيّ في الواجب إذا كان معذوراً في المباشرة وحكم إجزائه.

صفحه 143
6. التبرّع عن الحيّ في الحجّ المندوب.
7. الاستئجار للحيّ العاجز عن أداء الحجّ الواجب، في الحجّ المندوب.
8. الاستئجار للحيّ القادر على الحجّ الواجب، في الحجّ المندوب.
9. التبرّع عن القادر على الحجّ الواجب.
وإليك دراسة الفروع واحداً بعد الآخر.

التبرّع عن الميت بوجوه ثلاثة

ذكر المصنّف للتبرّع عن الميت أقساماً ثلاثة، لأنّ التبرّع عنه إمّا في الحجّ الواجب، أو في المندوب، وعلى الثاني إمّا أن تكون ذمّته مشغولة بالحجّ الواجب أو لا، وأمّا الفرع الرابع فهو الاستئجار عن الميت في الحجّ المندوب مع اشتغال ذمّته بالحجّ الواجب.
ثمّ إنّ المراد من التبرّع عن الميت هو الحجّ عنه بماله لا بمال الميت، سواء أكان له مال أو لا، بخلاف التبرّع عن الحي فالمراد به هو الحجّ عنه بلا إذن ولا أُجرة.
الفرع الأوّل: يجوز التبرّع عن الميت في الحجّ الواجب ـ أيَّ واجب كان ـ بلا خلاف. خلافاً لأبي حنيفة فخصّ الحجّ عن الميت بصورة إيصائه به كما سيأتي.
1. قال المحقّق: ولو تبرّع إنسان بالحجّ عن غيره بعد موته، برئت ذمّته.(1)
2. وقال العلاّمة في «التذكرة»: لو خلّف مالاً وتبرّع بعض الورثة أو أجنبي

1 . شرائع الإسلام:1/233.

صفحه 144
بقضائها برئت ذمّة الميت.(1)
3. وقال في «القواعد»: وتبرّع الحيّ يُبرئ الميّت.(2)
4. قال المحدّث البحراني: الظاهر أنّه لا خلاف بين الأصحاب في أنّه لو تبرّع إنسان بالحجّ عن غيره بعد موته فإنّه يكون مجزئاً عنه وتبرأ ذمّته به. وظاهرهم أنّه لا فرق في ذلك بين أن يخلف الميت ما يحجّ به عنه أم لا، ولا في المتبرّع بين أن يكون ولياً أو غيره.(3)
5. وقال النراقي: لوحجّ أحد ـ عن ميّت وجب عليه الحجّ ـ تبرّعاً برئت ذمّته وصحّ، سواء ترك الميت مالاً أو لا، وسواء كان المتبرّع وليّاً أم لا، بالإجماع المحقّق والمحكيّ مستفيضاً، والمستفيضة من الصحاح وغيرها الخالية عن المعارض بالمرّة.(4) إلى غير ذلك من الكلمات.
وقد خالف في ذلك أبو حنيفة ومالك وخصّا الجواز بصورة الإيصاء]ويخرج من الثلث[ ، وإلاّ فيسقط فرضه في الموت.(5)
هذا ويظهر من العلاّمة في «المنتهى» و«التذكرة» انّ التبرّع عن الميت، هو الحجّ عنه بلا إذن منه.
قال في «المنتهى»: يجوز عن الميت مطلقاً، لأنّ الإذن في طرفه ممتنع، فلو وقف مطلق النيابة على الإذن لبطل الحجّ عن الميّت لكن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أمر الخثعمية

1 . التذكرة:8/430.
2 . القواعد:1/411.
3 . الحدائق الناضرة:14/287.
4 . مستند الشيعة:11/137.
5 . التذكرة:7/127.

صفحه 145
بالحجّ عن والدها الميت وإن كان في حجة الإسلام كان في النفل أولى، لأنّ ما جاز فعله في طرف الميت في فرض، جاز في نفل كالصدقة، فحينئذ كلّما يفعله النائب عن المنوب ما لم يؤمر به فإنّه يصحّ في طرف الميت دون الحي.(1)
وقال في «التذكرة»: يجوز أن يحجّ النائب عن غيره إذا كان المنوب ميتاً من غير إذن، سواء كان واجباً أو تطوعاً، ولا نعلم فيه خلافاً، لأنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أمر بالحجّ عن الميت، ومعلوم استحالة الإذن في حقّه وما جاز فرضه جاز نفله كالصدقة.(2)
ولكن مقصود المصنّف من التبرّع في المقام، هو الحجّ عن الميت بلا أُجرة.
واستدلّ عليه في «المعتبر» بأنّ الحجّ ممّا تصح فيه النيابة ولا تفتقر صحته إلى المسألة ولا إلى العوض فأجزأ المتبرّع.(3)
ولا يخفى أنّ الدليل أشبه بإعادة المدّعى، فإنّ المخالف كأبي حنيفة يدّعي أنّه لا تصحّ النيابة إلاّ في صورة الإيصاء وبذل شيء من مال المنوب عنه(العوض)، فالقول بصحة النيابة بلا مسألة ولا عوض ادّعاء كإدّعاء الخصم.
والأولى الاستدلال ـ بعد الإجماع ـ بالروايات.
1. صحيح محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل مات ولم يحجّ حجّة الإسلام ولم يوص بها، أيُقضى عنه؟ قال: «نعم».(4)
2. صحيح رفاعة قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن الرجل والمرأة يموتان ولم يحجّا، أيُقضى عنهما حجّة الإسلام؟ قال: «نعم».(5)

1 . المنتهى:2/863.
2 . التذكرة:7/120، المسألة92.
3 . المعتبر:2/772.
4 . الوسائل:8، الباب28 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث5.
5 . الوسائل:8، الباب28 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث7.

صفحه 146
يلاحظ على الاستدلال بما ذكرنا في محله: وهو انّه كما أنّ للآيات شأن نزول، فهكذا للروايات شأن صدور، والسبب لصدورها هو فتوى أبي حنيفة و أضرابه من أنّ حجة الإسلام لا تقضى إلاّ بالإيصاء، فإذا أوصى فإنّما يخرج من الثلث.
ولكن الحكم الشرعي عند أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، هو عدم سقوط الحجّ عن ذمّة الميت بعدم إيصائه، وانّه يجب أن يقضى عنه، سواء أوصى أم لم يوص ويخرج من صلب المال لا من الثلث.
والسؤال والجواب في هذين الصحيحين مركّزان على إخراجه من صلب المال لا على التبرّع.
ويشهد على ذلك روايتان:
ألف. رواية الحلبي التي ذكر صدرها في الباب 6 من أبواب وجوب الحجّ، والذيل في الباب 28 وإليك نقل الجميع:
إذا قدر الرجل على ما يحجّ به ثمّ دفع ذلك وليس له شغل يعذره به،فقد ترك شريعة من شرائع الإسلام، يقضى عن الرجل حجة الإسلام من جميع ماله.(1)
ب. موثّقة سماعة: قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن الرجل يموت ولم يحج حجّة الإسلام، ولم يوص بها وهو موسر؟ فقال: «يحجّ عنه من صلب ماله، لا يجوز غير ذلك».(2)

1 . الوسائل:8، الباب6 من أبواب وجوب الحجّ، الحديث3 والباب 25 من تلك الأبواب، الحديث3.
2 . الوسائل:8، الباب28 من أبواب وجوب الحج، الحديث4.

صفحه 147
نعم يمكن الاستدلال في المقام بخبرين:
3. خبر عامر بن عميرة: قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): بلغني عنك أنّك قلت: لو أنّ رجلاً مات ولم يحجّ حجّة الإسلام فحجّ عنه بعض أهله أجزأ ذلك عنه؟ فقال: «نعم، أشهد بها على أبي أنّه حدّثني أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) أتاه رجل فقال: يا رسول اللّه إنّ أبي مات ولم يحجّ، فقال له رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): حجّ عنه فإنّ ذلك يجزي عنه».(1)
غير أنّ عامر بن عميرة لم يوثّق في الرجال، والاعتماد عليه لكونه من رجال كامل الزيارات فقد أوضحنا حاله في بحوثنا الرجاليّة.(2)
4. صحيح حكم بن حكيم: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):إنسان هلك ولم يحج ولم يوص بالحج، فأحجّ عنه بعض أهله رجلاً أو امرأة، هل يجزي ذلك ويكون قضاء عنه؟ ويكون الحجّ لمن حج، ويؤجر من أحجّ عنه؟ فقال: «إن كان الحاج غير صرورة أجزأ عنهما جميعاً وأُجر الذي أحجّه».(3)
فمورد الرواية: الميت الذي له مال ولم يحج من ماله واحج عنه بعض أهله، فحكم الإمام بالإجزاء.
أضف إلى ذلك أنّ الجواز اتّفاقي.
أضف إلى ذلك أنّه إحسان بالنسبة إلى الميّت و (ماعلى المُحْسِنينَ مِنْ سَبِيل).(4)

1 . الوسائل:8، الباب 31 من أبواب وجوب الحج، الحديث2.
2 . كليات في علم الرجال:299ـ 306.
3 . الوسائل:8، الباب28 من أبواب وجوب الحج، الحديث8.
4 . التوبة:91.

صفحه 148
وقد تضافرت الروايات عن طريق أهل السنّة على الجواز أيضاً.
1. روى أحمد أنّ امرأة أتت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فقالت: إنّ أُمّي ماتت ولم تحج أفأحج عنها؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «حجّي عن أُمّك».
2. وروى أيضاً عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: إنّ أُختي نذرت أن تحجّ وقد ماتت قال:«أرأيت لو كان عليها دين أكنت تقضيه؟»، قال: نعم. قال: «فاللّه تبارك وتعالى أحق بالوفاء».(1)
الفرع الثاني: يجوز التبرّع عن الميت في الحجّ المندوب، وقد مرّ تنصيص العلاّمة في «المنتهى» و«التذكرة» على الجواز.
وقد عقد صاحب الوسائل باباً خاصاً باستحباب التطوّع بالحج والعمرة والعتق عن المؤمنين وخصوصاً الأقارب أحياءً و أمواتاً وعن المعصومين أحياءً وأمواتاً نقتصر في ذلك بما يلي:
1.روى جابر، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم):«من وصل قريباً بحجّة أو عمرة كتب اللّه له حجّتين وعمرتين،وكذلك من حمل عن حميم يضاعف اللّه له الأجر ضعفين».(2)
2. روى أبو بصير قال: قال أبو عبد اللّه(عليه السلام): «من حجّ فجعل حجّته عن ذي قرابته يصله بها كانت حجّته كاملة، وكان للّذي حجّ عنه مثل أجره، إنّ اللّه عزّ وجلّ واسع لذلك».(3)
ولاحظ سائر الروايات. مضافاً إلى الضابطة الكلية: أنّ ما جاز فرضه جاز

1 . مسند أحمد:5/359; مسند الشافعي:109.
2 . الوسائل:8، الباب25 من أبواب النيابة في الحجّ، الحديث6.
3 . الوسائل:8،الباب25 من أبواب النيابة في الحجّ، الحديث4.

صفحه 149
نفله كالصدقة.
الفرع الثالث: يجوز التبرّع عن الميت بالمندوب وإن كانت ذمّته مشغولة بالحج الواجب وقبل الاستئجار عنه للواجب، لإطلاق النصوص.
الفرع الرابع: يجوز الاستئجار عن الميت في المندوب وإن كانت ذمّته مشغولة بالواجب، لما ذكرنا في الفرع السابق من إطلاق النصوص.(1)
هذا كلّه في التبرّع أو الاستئجار عن الميت وقد عرفت صورها الأربعة، بقي الكلام في التبرّع عن الحيّ بصوره المختلفة، وهي كالتالي:
الفرع الخامس: هل يجوز التبرّع عن الحي في الواجب إذا كان معذوراً في المباشرة وتبرأ ذمّته أو لا؟
ذهب العلاّمة في «القواعد» و«المنتهى» إلى عدم الجواز; وتبعه من المتأخّرين: الفاضل في «كشف اللثام»، والنراقي في مستنده، والنجفي في جواهره، وأخيراً السيد الخوئي في محاضراته. وإليك كلماتهم:
1. قال العلاّمة: ولا يجوز الحجّ عن المعضوب بغير إذنه.(2)
2. وسيوافيك نصّه في «المنتهى» في الفرع السادس.
3. وقال الفاضل الاصفهاني في شرح قول العلاّمة: «ولا يجوز الحجّ عن المعضوب بغير إذنه» ما هذا لفظه:«لأنّه عبادة يفتقر إلى نيّة النيابة عنه، كالزكاة، فلا تصحّ بلا استنابة، ولما في «قرب الاسناد» للحميري عن عبد اللّه بن الحسن، عن جدّه علي بن جعفر من أنّه سأل أخاه(عليه السلام) عن رجل جعل ثلث حجته لميّت،

1 . لاحظ الباب 25 من أبواب النيابة في الحجّ.
2 . القواعد:1/412.

صفحه 150
وثلثيها لحيّ؟ فقال: «للميت وأمّا للحيّ فلا».(1)
ولوجوب الواجب منه عليه أصالة وعدم العلم ببراءة ذمّته إلاّ بالاستنابة، لأصل بقاء اشتغال الذمّة به، ولوجوب الاستنابة عليه، وعدم الدليل على سقوطها عنه.(2)
4. وقال النراقي: وفي التبرّع عن الحي بالحجّ الواجب فيما إذا كان له العذر المسوّغ للاستنابة وكفايته عنه، وجهان، أجودهما: العدم، إذ الأخبار المتضمّنة لاستنابته صريحة في أمره بالتجهيز من ماله، فلعلّ هذا العمل واجب عليه]قائم [مقام الحجّ بنفسه، وكفاية فعل الغير موقوفة على الدليل، وهو في المقام مفقود. وأمّا مع عدم العذر المسوّغ فلا يجوز التبرّع عنه قطعاً.(3)
5. وقال في «الجواهر»: إنّما الكلام في جواز التبرّع عن الحيّ في الواجب في حال جواز النيابة عنه لعضب ونحوه، للأصل السالم عن معارضة ما دلّ على مشروعيتها عنه بإذنه، ضرورة أعمّية ذلك من جواز التبرّع ، فيبقى حينئذ أصل بقاء شغل ذمّته وأصل وجوب الاستنابة عليه سالماً عن المعارض بعد حرمة القياس على الميت، وعدم ثبوت كونه في هذا الحال كالدين الذي يقضى عن صاحبه مع نهيه، وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «دين اللّه أحق أن يُقضى» إنّما هو في الميت، فالأحوط حينئذ إن لم يكن الأقوى الاقتصار في النيابة عنه حينئذ على الإذن.(4)
6. وقال السيد الخوئي رحمه اللّه: المستفاد من النصوص لزوم الإحجاج والإرسال

1 . الوسائل:8، الباب25 من أبواب النيابة في الحج، الحديث9.
2 . كشف اللثام:5/182.
3 . مستند الشيعة:11/138.
4 . جواهر الكلام:17/389.

صفحه 151
إلى الحجّ والتجهيز إليه، ونشك في سقوط ذلك بفعل الغير تبرّعاً ومقتضى الأصل عدمه، بل مقتضى الإطلاق المستفاد من الروايات وجوب الاستنابة، وان يكون حج الغير مستنداً إليه بالتسبيب، فإنّ الواجب عليه إتيان الحج مباشرة أو تسبيباً وشيء منهما لا يصدق على الحجّ التبرّّعيّ، فإنّ الظاهر من قوله(عليه السلام): «ليجهّز رجلاً» كما في روايات الشيخ الكبير، أن يكون الحج الصادر من الغير بأمره وتسبيبه ولا دليل على سقوطه بفعل الغير تبرّّعاً. وقد ذكرنا نظير ذلك في باب الخمس من عدم سقوطه بتبرّع الغير.(1)
أقول: إنّ المصنف طرح المسألة في موضعين:
الأوّل: في المسألة الثانية والسبعين من الفصل الثاني في شرائط وجوب حجّة الإسلام حيث قال هناك: والظاهر كفاية حج المتبرّع عنه في صورة وجوب الاستنابة. (2)
والثاني في المقام، فقد أفتى أيضاً بجواز التبرّع وسقوط وجوب الاستنابة.
والظاهر صحّة ما اختاره المصنف في المقامين، وذلك لأنّ الاستنابة قائمة بأمرين:
1. تأجير الأجير لغاية العمل عن جانب المنوب عنه.
2. نيّة النائب في مقام العمل حيث ينزل فعله مكان فعل المنوب عنه. وينوي العمل عن جانبه.
والظاهر أنّ ملاك الإجزاء هو الأمر الثاني، وأمّا الأمر الأوّل فإنّما هو طريق

1 . معتمد العروة الوثقى:1/251.
2 . لاحظ الجزء الأوّل، ص 361.

صفحه 152
عقلائي لتحصيل النائب ليقوم بالعمل عنه وليس له موضوعيّة.
هذا وبذلك يُعلم حال ما استدلّ الأعاظم به على عدم الإجزاء، فإنّ حاصل كلامهم يرجع إلى أُمور ثلاثة:
1. ظهور النصوص في الاستنابة والتجهيز بالمال، كما في كلام النراقي وصاحب الجواهر والخوئي (قدس سره)م.
2. كون العمل مستنداً إليه وهو فرع الإذن، كما في كلام الفاضل الهندي.
3. كون الأصل عدم الإجزاء حتى يدلّ دليل على خلافه.
أقول: أمّا الأوّل فإنّه وإن ورد الأمر بالتجهيز، لكن ليس له موضوعية، بل هو طريق عقلائي لتحصيل النائب حتى يقوم بالعمل عن جانبه لغاية إفراغ ذمّته، إذ قلّما يتّفق أن يتبرّع أحد عن أحد إلاّ إذا كان هناك وشيجة رحم أو صلة صداقة، فليس للتجهيز دور إلاّ الطريقية لإفراغ الذمة.
وأمّا الثاني فهو فرع اعتبار شرطية التجهيز وموضوعيته، وقد عرفت أنّ المتبادر هو الطريقية وروح النيابة قائم بنية النائب، وهي موجودة في كلا المقامين، من دون خصوصية للتسبيب، بل تكفي نيّة النائب عند إتيان العمل وإلاّ يلزم عدم الإجزاء في الميت، إذ ليس هناك استناد بالتسبيب والقول بالتفريق بين الميت والحي كما ترى.
وبذلك يعلم ضعف التمسك بالأصل بعد فهم العرف الطريقية من الدليل.
الفرع السادس: التبرّع عن الحي في الحج المندوب.
ذهب العلاّمة إلى المنع حيث قال: لا يجوز الحج والعمرة عن حيّ إلاّ بإذنه، فرضاً كان الحج أو تطوّعاً ،لأنّها عبادة تدخلها النيابة، فلم تجز عن البالغ العاقل

صفحه 153
إلاّ بإذنه كالزكاة.(1)
وقال الشهيد: ولو كان النسك مندوباً لم يشترط إذن الحيّ على الأشبه.(2)
والحقّ هو الجواز وفاقاً للشهيد لإطلاق النصوص.
روى الكليني بسنده عن أبي بصير (وفي السند ابن أبي حمزة) قال قال أبو عبد اللّه(عليه السلام) ـ في حديث ـ: «من حجّ فجعل حجّته عن ذي قرابته يصله بها كانت حجّته كاملة، وكان للذي حجّ عنه مثل أجره، إنّ اللّه عزّوجلّ واسع لذلك».(3)
ومفروض البحث إذا كانت ذمّته فارغة وأمّا إذا كانت مشغولة فهو الفرع التاسع فلا تغفل.
الفرع السابع: الاستئجار للحجّ المندوب عمّن عليه حج واجب لا يتمكّن من أدائه فعلاً، وذلك لإطلاق الدليل.
قال في «الدروس»: وتجوز النيابة في نسك لمن لم يجب عليه وإن وجب عليه النسك الآخر.(4)
الفرع الثامن: الاستئجار للحج المندوب عمّن يتمكّن من الحج الواجب قبل أدائه.
فقد ذكر المصنّف أنّه مشكل.
وجه الإشكال: أنّه مأمور بالواجب وهو متمكّن منه على الفرض، فكيف

1 . التذكرة:7/120.
2 . الدروس:1/324، الدرس85.
3 . الوسائل:8، الباب25 من أبواب النيابة في الحجّ، الحديث4و لاحظ الحديث 6 وغيرهما.
4 . الدروس:1/324، الدرس85، لاحظ ما ورد في الباب 25 من أبواب النيابة من استحباب التطوع بالحجّ والعمرة عن المؤمنين وخصوصاً الأقارب أحياءً وأمواتاً.

صفحه 154
يصحّ الحجّ المندوب عنه؟
يلاحظ عليه: أنّ الجواز مقتضى إطلاق النصوص(1)، سواء كان المنوب عنه قادراً على المباشرة أم لا.
أضف إلى ذلك: أنّه لم يدلّ دليل على كلّ مورد لا تصحّ فيه المباشرة (الحج المندوب لمن عليه الحج الواجب) لاتصحّ فيه النيابة والتسبيب، ولذا تصحّ النيابة عن الحائض مع أنّها غير قادرة على المباشرة، نظير الميّت تصحّ النيابة عنه ولا تعقل المباشرة فيه.(2)
الفرع التاسع: التبرّع للحجّ المندوب عمّن عليه الحج الواجب المتمكّن من أدائه، فقد استشكل فيه المصنّف أيضاً، لما عرفت في الفرع السابق، والظاهر ضعف الإشكال.والأنسب ذكره بعد السادس، لأنّهما شقّان لمقسم واحد، فالإتيان بالحجّ المندوب عن الميت تبرّعاً تارة تكون ذمّته فارغة وهو الفرع السادس، وأُخرى مشغولة وهو التاسع.
ثمّ إنّ عبارة المتن في الفرع التاسع هي بالصورة التالية: «بل التبرّع عنه حينئذ أيضاً لا يخلو عن إشكال(في الحج الواجب)». و الظاهر أنّ ما بين الهلالين راجع إلى المسألة التالية، و ما ذكره في المسألة التالية أعني:«وإن كان الأقوى فيه الصحة» هو من تتمّات هذه المسألة، فالناسخ بدّل أحد الكلامين بالآخر، فالعبارة الصحيحة في المقام: «لا يخلو عن إشكال، وإن كان الأقوى فيه الصحة».

1 . لاحظ الباب25 من أبواب النيابة.
2 . المعتمد:2/103.

صفحه 155
المسألة26: لا يجوز أن ينوب واحد عن اثنين أو أزيد في عام واحد(وإن كان الأقوى فيه الصحة) (1) ]في الحج الواجب(2)[ إلاّ إذا كان وجوبه عليهما على نحو الشركة، كما إذا نذر كلّ منهما أن يشترك مع الآخر في تحصيل الحج.
وأمّا في الحجّ المندوب فيجوز حج واحد عن جماعة بعنوان النيابة،ـ كما يجوز بعنوان إهداء الثواب ـ لجملة من الأخبار الظاهرة في جواز النيابة أيضاً، فلا داعي لحملها على خصوص إهداء الثواب.*
* في المسألة فروع:
1. نيابة واحد عن اثنين في الحج الواجب.
2. إذا كان وجوب الحجّ على نحو التشريك.
3. نيابة شخص عن اثنين في الحج المندوب.
أمّا الأوّل، فقد قال الشيخ فيه: إذا استأجر رجلان رجلاً ليحجّ عنهما، لم يصحّ عنهما، ولا عن واحد منهما بلا خلاف. ولا يصحّ عندنا إحرامه عن نفسه ولا ينقلب إليه. وقال الشافعي: ينقلب الإحرام إليه. دليلنا: انّ انقلاب ذلك إليه يحتاج إلى دليل، وأيضاً فإنّ من شروط الإحرام، النيّة، فإذا لم ينو عن نفسه فقد تجرّد عن نيّته، فإذا تجرّد عن نيّته فلا يجزيه.(3) ونقله العلاّمة في «التذكرة».(4)
أقول: المسألة من الوضوح بمكان، لأنّ المفروض انّ الحجّ واجب على كلّ منهما مستقلاً، فعمله يقع عن واحد منهما، لا عن كلّ منهما إلاّ أن يتّحد الكثير، أو

1 . قد مرّ انّه من تتمة المسألة السابقة ووقع هنا، لاشتباه الناسخ.
2 . قد مرّ أنّ ما بين المعقوفتين يأتي في هذه المسألة، ووقع في المسألة السابقة لاشتباه الناسخ.
3 . الخلاف:2/388، المسألة 260.
4 . التذكرة:7/163.

صفحه 156
يتكثّر الواحد، وكلّ منهما خلف.
أمّا الثاني، أعني: إذا كان الحجّ عليهما واجباً بالتشريك لا بالاستقلال، كما إذا نذر كلّ واحد، أن يشارك الآخر في إحجاج شخص واحد، فيجوز عملاً بمفاد النذر.
وأمّا الثالث: فالفارق في المقام هو النصّ المسوّغ لنيابة شخص عن شخصين أو أكثر، قال العلاّمة: إن كانت الحجة مندوبة، صحّ أن تقع عن واحد وأكثر، لأنّها طاعة تصحّ النيابة فيها عن واحد، فتصحّ عن أكثر. ثمّ استدلّ بحديث علي بن أبي حمزة.(1)
قال في «الجواهر»: لا بأس بتشريك الكثيرين بحجة واحدة، كما دلّ عليه صحيحا هشام و محمد بن إسماعيل وغيرهما.(2)
وإليك ما أشار إليه في الروايات:
1. صحيح محمد بن إسماعيل قال: سألت أبا الحسن(عليه السلام) : كم أُشرك في حجّتي؟ قال: «كم شئت».(3)
2. صحيح هشام بن الحكم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يُشرك أباه أو أخاه أو قرابته في حجّه، فقال: «إذاً يُكتب لك حجّاً مثل حجّهم، وتزداد أجراً بما وصلت».(4)
3. خبر محمد بن الحسن، عن أبي الحسن(عليه السلام)قال: قال أبو عبد اللّه(عليه السلام): «لو أشركت ألفاً في حجّتك لكان لكلّ واحد حجّة من غير أن تنقص حَجّتُك شيئاً».(5)

1 . التذكرة:7/163ـ164 .
2 . الجواهر:17/388.
3 . الوسائل:8، الباب28 من أبواب النيابة في الحج، الحديث 1، 3و 4.
4 . الوسائل:8، الباب28 من أبواب النيابة في الحج، الحديث 1، 3و 4.
5 . الوسائل:8، الباب28 من أبواب النيابة في الحج، الحديث 1، 3و 4.

صفحه 157
المسألة27: يجوز أن ينوب جماعة عن الميت أو الحيّ في عام واحد في الحجّ المندوب، تبرّعاً أو بالإجارة. بل يجوز ذلك في الواجب أيضاً، كما إذا كان على الميّت ـ أوالحيّ الذي لا يتمكّن من المباشرة لعذر ـ حجّان مختلفان نوعاً ـ كحجّة الإسلام والنذر ـ أو متّحدان من حيث النوع ـ كحجّتين للنذر ـ فيجوز أن يستأجر أجيرين لهما في عام واحد. وكذا يجوز إذا كان أحدهما واجباً، والآخر مستحبّاً، بل يجوز أن يستأجر أجيرين لحجّ واجب واحد ـ كحجّة الإسلام في عام واحد احتياطاً ـ لاحتمال بطلان حجّ أحدهما، بل وكذا مع العلم بصحّة الحجّ بكلّ منهما، وكلاهما آت بالحجّ الواجب، وإن كان إحرام أحدهما قبل إحرام الآخر، فهو مثل ما إذا صلّـى جماعة على الميّت في وقت واحد. ولا يضرُّ سبق أحدهما بوجوب الآخر، فإنّ الذمّة مشغولة ما لم يتمّ العمل، فيصحّ قصد الوجوب من كلّ منهما ولو كان أحدهما أسبق شروعاً.*
وظاهر هذه الروايات هو جواز تشريك الكثير في حجّة واحدة.
فإن قلت: إنّ المتبادر من قوله: «في حجّتي» أو «في حجّة» أو «في حجّتك» هو كون الحجّ عن نفسه لا عنهم، غاية الأمر يُشركهم في ثواب العمل فكأنّه يحجّ عن نفسه وعنهم، وهذا غير ما ذكرنا من الحجّ عنهم دون الحج عن نفسه.
قلنا: الظاهر هو إتيان الحجّ نيابةً عنهم، وأمّا إضافة الحجّ إلى نفسه فإنّما هو لأجل كونه مباشراً للحجّ وآتياً به، لا أنّه يأتي الحجّ عن نفسه.
* أقول : في المسألة فروع:

صفحه 158
1. نيابة جماعة عن واحد ـ ميّت أو حي ـ في الحجّ المندوب تبرّعاً أو إجارة.
2. نيابة جماعة عن واحد ـ ميّت أو حيّ ـ في الحج الواجب إذا كان عليه حجّان مختلفان نوعاً أو متّحدان، في عام واحد.
3. نيابة جماعة عن واحد ـ ميّت أو حيّ ـ في حجّين أحدهما واجب والآخر مستحب، في عام واحد.
4. استئجار أجيرين لحجّ واجب واحدمع احتمال بطلان أحدهما أو مع العلم بصحّة كليهما، في عام واحد.
أقول: إنّ هذه المسألة عكس المسألة السابقة فالموضوع هناك كان في نيابة الواحد عن الكثير، وأمّا المقام فالموضوع هو نيابة الكثير عن الواحد.
قال المحقّق في «الشرائع»: ومن وجب عليه حجّان مختلفان كحجة الإسلام والنذر فمنعه عارض، جاز أن يستأجر أجيرين لهما في عام واحد.(1)
وقال العلاّمة: لو استناب رجلين في حجّة الإسلام ومنذورة أو تطوّع في عام، فأيّهما سبق بالإحرام وقعت حجّته عن حجّة الإسلام وتقع الأُخرى تطوّعاً أو عن النذر ـ قاله أحمد ـ لأنّه لا يقع الإحرام عن غير حجّة الإسلام ممّن هي عليه، فكذا من نائبه، وفيه إشكال.
والأقرب: أنّه إذا اتّفق الزمان، صحّ العقد، فإذا حجّا في ذلك العام، أجزأ حجّهما، ولا اعتبار بتقديم إحرام أحدهما على إحرام الآخر، بل إن كان السابق إحرام الواجب، فلا بحث، وإن كان إحرام المنذورة أو التطوّع، أجزأ أيضاً، لأنّ الحجّتين تقعان في ذلك العام.(2)

1 . الشرائع:1/234.
2 . التذكرة:7/117ـ 118.

صفحه 159
وقال صاحب المدارك في شرح كلام المحقّق : هذا هو المعروف من مذهب الأصحاب، بل ظاهر العلاّمة في «التذكرة» أنّه موضع وفاق بين علمائنا، ووجهه واضح، فإنّ غاية ما يستفاد من الأخبار وجوب الاستنابة في الحجين المختلفين مع العذر، لا وجوب تقديم أحدهما على الآخر.(1)
نيابة الكثير عن الواحد في حجّين
والدليل على جواز نيابة الكثير عن الواحد في الحجّ بالصور المختلفة المذكورة في المتن ـ مضافاً إلى ما ذكره صاحب المدارك من أنّ الواجب هو الاستنابة مع العذر، وأمّا تقديم أحدهما على الآخر، فلا دليل عليه ـ هو إطلاق النصوص.
روى الشيخ عن محمد بن عيسى اليقطيني قال: بعث إليّ أبو الحسن الرضا(عليه السلام)رزم ثياب(2)وغلماناً وحجّة لي وحجة لأخي موسى بن عبيد وحجّة ليونس بن عبد الرحمن، وأمرنا أن نحجّ عنه، فكانت بيننا مائة دينار أثلاثاً فيما بيننا».(3)
هذا من غير فرق بين كون المنوب عنه ميتاً أو حياً بشرط عدم تمكّنه من المباشرة، ولا في الحج بين كونه مندوباً أو واجباً، ولا في الواجب بين كونه واحداً ـ كحجة الإسلام ـ أو متعدّداً مختلفاً نوعاً كما إذا كان عليه حجّة الإسلام والنذر، أو متّحداً نوعاً ـ كما إذا كان عليه حجّتان للنذر ـ أو كان أحدهما واجباً والآخرمستحباً، فيجوز أن يستأجر أجيرين في عام واحد،كما أنّه لا فرق بين سبق

1 . المدارك:7/137.
2 . الرِّزمة من الثياب وغيرها ما جمع وشدّ معاً، والجمع رِزَم
3 . الوسائل:8، الباب34 من أبواب النيابة في الحجّ، الحديث1.

صفحه 160
أحدهما في الوجوب وعدمه، إذ لا اعتبار بسبق الوجوب.

نيابة الجماعة عن واحد في حجّ واحد

إذا استأجر أجيرين لحج واجب واحد كحجة الإسلام في عام واحد، وله صورتان:
1. يستأجر أجيرين مع احتمال بطلان حجّ أحدهما.
2. يستأجر أجيرين مع العلم بصحّة حجّ كليهما.
أمّا الأوّل فهو عمل موافق للاحتياط، وأمّا الثاني فلا إشكال في تأجير الكثير عن الحج الواحد الواجب، لأنّ المفروض أنّ ذمّة المنوب عنه مشغولة به بعدُ، فمادام لم تبرأ ذمّته جاز تأجير الكثير.
ولكن الكلام فيما إذا أتمّ أحدهما العمل قبل الآخر، فلا يصحّ للآخر نيّة الوجوب، بل يُكمل الحجّ تطوعاً حسب ما ذكره العلاّمة، نظير ذلك الصلاة على الميت فإذا أتمّ أحد المصلّين قبل الآخرين يُشكل على البقية نية الوجوب.

صفحه 161
الفصل الخامس
في الوصيّة بالحجّ

صفحه 162

صفحه 163
المسألة 1: إذا أوصى بالحجّ، فإن علم أنّه واجب أخرج من أصل التركة وإن كان بعنوان الوصية، فلا يقال: مقتضى كونه بعنوانها خروجه من الثلث، نعم لو صرح بإخراجه من الثلث أخرج منه فإن وفى به وإلاّ يكون الزائد من الأصل. ولا فرق ـ في الخروج من الأصل ـ بين حجة الإسلام والحجّ النذري والإفسادي ،لأنّه ـ بأقسامه ـ واجب مالي، وإجماعهم قائم على خروج كلّ واجب مالي من الأصل، مع أنّ في بعض الأخبار: أنّ الحجّ بمنزلة الدين، ومن المعلوم خروجه من الأصل، بل الأقوى خروج كلّ واجب من الأصل وإن كان بدنياً، كما مرّ سابقاً .وإن علم أنّه ندبي فلا إشكال في خروجه من الثلث.*
* في المسألة فروع:
1. إذا أوصى بحجة الإسلام فيخرج من الأصل لا من الثلث.
2. لو صرّح بإخراجه من الثلث يخرج منه فإن وفى به و إلاّ يكون الزائد من الأصل.
3. لافرق في الإخراج من الأصل بين حجّة الإسلام والحج النذري والإفسادي.

صفحه 164
4. إن أوصى بالحجّ ولم يُعلم أنّه حجٌ واجب أو مندوب فهل يُخرج من الأصل أو من الثلث؟
وإليك دراسة الفروع والمهم منها هو الفرع الأخير:
أمّا الأوّلان: فقد تقدّم في المسألة الثالثة والثمانين من الفصل الثاني(1) انّ حجّة الإسلام تقضى من الأصل، سواء أوصى بها أم لم يوص، إذ لا تأثير للوصيّة المطلقة(دون تقييد بالثلث) في وجوب الإخراج ولا في كيفيته، نعم إنّما يؤثر إذا صرّح بالإخراج عن الثلث فيخرج منه، فإن وفى وإلاّ يكون الزائد من الأصل، وذلك لأنّ تصريحه بإخراجه من الثلث لا يكون مشرّعاً، بل يكون سبباً لصرف الثلث فيها، فإذا لم يكن وافياً بالمؤونة يكون المرجع ما دلّ على أنّ حجة الإسلام تخرج من الأصل، فلو كان له وصايا أُخرى يقع التزاحم بينها.
الفرع الثالث: قد أفتى المصنّف بأنّه لا فرق في الإخراج من الأصل بين كون الواجب حجّة الإسلام أو النذري أو الإفساديّ.
أمّا الواجب بالذات فلا كلام فيه، وأمّا الحجّ الواجب بالفرض كالنذري فقد مرّ الكلام فيه في المسألة الثامنة من الفصل الثالث(2)، وقلنا: إنّ الأقوى أنّه من الثلث، خلافاً للمصنّف فقد قوّى هناك و في المقام أنّه من الأصل.
وأمّا الواجب بالإفساد فلو قلنا بأنّ الواجب هو الحجّ الأوّل والثاني عقوبة، فلا وجه لإخراجه من الأصل، وقد مرّ أنّ ما يخرج من الأصل هو ما يُشكّل سداه ولحمته المال، كالديون والأخماس والزكوات، لا كلّ واجب بدني يتوقّف إيجاده على صرف المال كما في المقام.

1 . لاحظ الجزء الأوّل، ص 435.
2 . راجع الجزء الأوّل، ص 608.

صفحه 165
وإن لم يعلم أحد الأمرين، ففي خروجه من الأصل أو الثلث وجهان. يظهر من سيد الرياض(قدس سره) خروجه من الأصل حيث إنّه وجه كلام الصدوق ـ الظاهر في كون جميع الوصايا من الأصل ـ : بأنّ مراده ما إذا لم يعلم كون الموصى به واجباً أو لا، فإنّ مقتضى عمومات وجوب العمل بالوصية خروجها من الأصل، خرج عنها صورة العلم بكونها ندبياً وحمل الخبر الدال بظاهره على ما عن الصدوق أيضاً على ذلك. لكنّه مشكل، فإنّ العمومات مخصصة بما دلّ على أنّ الوصية بأزيد من الثلث ترد إليه، إلاّ مع إجازة الورثة، هذا مع أنّ الشبهة مصداقية، والتمسّك بالعمومات فيها محل إشكال، وأمّا الخبر المشار إليه ـ وهو قوله(عليه السلام): «الرجل أحقّ بماله مادام فيه الروح إن أوصى به كلّه فهو جائز» ـ فهو موهون بإعراض العلماء عن العمل بظاهره، ويمكن أن يكون المراد بماله هو الثلث الذي أمره بيده.*
نعم ورد وصف الحجّ بالدين كما في صحيح ضريس الكناسي وحارث بياع الأنماط(1) لكن موردهما هو حجة الإسلام أوّلاً وأنّ استعمال الدين فيه من باب الاستعارة، لأنّ الدَيْن لغة واصطلاحاً وكتاباً عبارة عن دين الإنسان لإنسان مالاً أو أمراً مالياً، لا كون شيء مطلوباً للّه سبحانه ووصف عامّة الواجبات بالدين ـ كما تقدّم عن المصنّف ـ غير تام.
*الفرع الرابع: إذا أوصى بالحج ولم يعلم أنّه من القسم الواجب أو المندوب، فهل يخرج من الأصل أو من الثلث؟ قال المصنف: فيه وجهان، نقل

1 . الوسائل:8، الباب29 من أبواب وجوب الحج، الحديث1، 2.

صفحه 166
عن والد الصدوق أنّه اختار الإخراج من الأصل، نقله صاحب الرياض عنه وحاول تصحيحه. وبما أنّ كلام المصنّف في المقام مبسوط فنحن نوضح ما ذكره المصنف أوّلاً، ثمّ نعقبه بما هو المختار.
أقول: إنّ صاحب الرياض ذكر بعد قول المحقّق: «ويجوز أن يوصي بالثلث فما نقص» ما هذا عبارته: خلافاً لوالد الصدوق فتجوز الوصية بالمال كلّه، للرضوي: فإن أوصى بماله كلّه فهو أعلم بما فعله ويلزم الوصي إنفاذ وصيته على ما أوصى به.(1)
ثمّ إنّه (قدس سره) قال: وهو كمستنده شاذ وإن تؤيد بالإطلاق(2)، وبعض الروايات الضعيفة الأسانيد.
منها: ]رواية عمّار بن موسى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال[: الرجل أحق بماله مادام فيه الروح، وإن أوصى به كلّه فهو جائز.
ثمّ إنّ صاحب الرياض ضعّف الإطلاقات بالإجمال أوّلاً، وبعدم مكافئتها لما مضى من الأدلة ثانياً، وذكر لرواية عمّار محامل:
منها: أنّ غايتها الجواز، ولا كلام فيه إنّما الكلام في اللزوم وعدمه.
ومنها: احتمال أن يراد بالمال الثلث كما صرّح به الصدوق في «المقنع» بعد أن روى فيه ما يقرب من هذه الرواية، قال بعد نقله: ماله هو الثلث، لأنّه لامال للميت أكثر من الثلث.
ومنها: احتمال تقييدها بصورة فقد الوارث الخاص.
إلى أن ذكر توجيهاً رابعاً وحاصله: أنّه يجب على الوصي إنفاذ الوصية مطلقاً

1 . المستدرك:14، الباب9 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث6.
2 . نظير ما ورد: «الوصية حقّ على كلّ مسلم». الوسائل:13، الباب1 من أبواب الوصية.

صفحه 167
ولو زادت على الثلث، لاحتمال وجوبها عليه في ماله، إلاّ أن يُعلم بكون الوصية تبرّعاً فلا يمضي منها إلاّ الثلث كما عليه العلماء.(1)
فالعام ـ عند صاحب الرياض ـ هو العمل بالوصية مطلقاً حتّى ولو زادت على الثلث لاحتمال وجوبها في ماله وأخرج ما علم كونه تبرّعياً.
وأورد عليه المصنّف بوجهين:
1. انّ إطلاقات العمل بالوصية، مخصّصة بما دلّ على أنّ التصرف في التركة بما زاد عن الثلث رهن إجازة الوارث، فلا يصحّ التمسّك بالإطلاق من دون إحراز الإجازة، وإليه أشار بقوله: «بأنّ العمومات مخصّصة بما دلّ على أنّ الوصية بأزيد من الثلث ترد إليه إلاّ مع إجازة الوارث».
2. انّ الشبهة في المقام مصداقية والتمسّك بالعمومات فيها محلّ إشكـال.
توضيحه: انّه دلّ الدليل على أنّ نفقة الحجّ غير المندوب تخرج من الأصل، والمورد شبهة مصداقية لهذا العام،لعدم إحراز عنوان «غير المندوب».
بقي الكلام في الأحاديث التي استدلّ بها للإخراج من الأصل.
أمّا الإطلاقات، فقد مرّ الجواب عنه، وأمّا الرضوي فليس حجة شرعية. بقي الكلام في رواية عمّار بن موسى فقد رواه الشيخ في «التهذيب» بالسند التالي(الذي فيه مجهول و ملعون) قال: أحمد بن محمد، عن علي بن الحسن، عن علي بن أسباط، عن ثعلبة، عن أبي الحسن عُمر بن شدّاد الأزديّ، والسّري جميعاً، عن عمّار بن موسى عن أبي عبد اللّه(عليه السلام).(2)

1 . رياض المسائل:10/352.
2 . التهذيب:9/220، كتاب الوصايا، الحديث 96( 6).

صفحه 168
وأمّا صاحب الوسائل فقد نقله تارة في الباب الحادي عشر، الحديث19 وأُخرى في الباب السابع عشر، الحديث4و5 من كتاب الوصايا .
أمّا الأوّل فقد رواه بالسند التالي: عنه]الحسن بن علي[، عن علي بن أسباط، عن ثعلبة، عن عمرو بن شدّاد والسّري جميعاً عن عمّار بن موسى.
وهذا يطابق «التهذيب» ولا يختلفان إلاّ في «عَمرو» فالموجود في «التهذيب» هو عُمَر. وعلى كلّ تقدير فابن شدّاد مجهول، والسّري ملعون.
وأمّا الثاني فقد رواه صاحب الوسائل عن الكافي بالسند التالي: عن عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن علي، عن ثعلبة بن ميمون، عن أبي الحسين الساباطي، عن عمّار بن موسى«والموجود في الكافي هو أبو الحسن الساباطي».(1) والأخير لم يوّثق، وهو الصحيح، لأنّ المراد به، هو عمرو بن شدّاد وأبوالحسن كنيته.
نعم رواه في الوسائل عن التهذيب ففيها: «عن الحسين بن عمر بن شدّاد الأزدي» ولعلّه مصحّف أبي الحسين كما هو مصحف أبو الحسن، فلاحظ.
ومثل هذا الحديث الذي لم يصح سنده وأعرض عنه الأصحاب لا يحتج به ويُرد علمه إلى أهله.

1 . الكافي:7/7، الحديث2.

صفحه 169
نعم يمكن أن يقال ـ في مثل هذه الأزمنة بالنسبة إلى هذه الأمكنة البعيدة عن مكة ـ: الظاهر من قول الموصي: «حجّوا عنّي» هو حجة الإسلام الواجبة، لعدم تعارف الحج المستحبي في هذه الأزمنة والأمكنة، فيحمل على أنّه واجب من جهة هذا الظهور والانصراف، كما أنّه إذا قال: «أدّوا كذا مقداراً خمساً أو زكاة» ينصرف إلى الواجب عليه.*
* ثمّ إنّ المصنّف ـ بعد ما بنى على لزوم الإخراج من الثلث ـ استثنى موردين نشير إليهما:

الأوّل: إذا أوصى وهو من سكّان البلاد البعيدة

إذا أوصى مَن هو من سكّان البلاد والأماكن البعيدة عن مكة المكرّمة، ففي هذه الظروف إذا أوصى الرجل وقال: حجّوا عنّي، يتبادر منه حجّة الإسلام الواجبة، لعدم تعارف الحج المستحب في هذه الأزمنة والأمكنة، فيحمل على أنّه واجب من جهة هذا الظهور والانصراف.
وما ذكره صادق في زماننا هذا أيضاً بالنسبة لبعض الأمكنة البعيدة.
ثمّ عطف المصنّف على هذا، قوله:« أدّوا كذا مقداراً خمساً أو زكاة، فإنّه ينصرف إلى الواجب عليه».
والظاهر أنّ مراده من الانصراف، هو التبادر والظهور العرفي، فيكون حجّة، فلا يرد عليه ما ذكره السيد الخوئي رحمه اللّه من أنّ مجرّد الانصراف إلى الواجب غير مفيد، لإمكان أن يكون الإيصاء من باب الاحتياط وكون الواجب واجباً احتياطياً لا واجباً أصلياً، والذي يخرج من الأصل هو الواجب الأصلي لا

صفحه 170
فتحصّل أنّ ـ في صورة الشك في كون الموصى به واجباً حتّى يخرج من أصل التركة، أو لا حتّى يكون من الثلث ـ مقتضى الأصل الخروج من الثلث، لأنّ الخروج من الأصل موقوف على كونه واجباً، وهو غير معلوم، بل الأصل عدمه، إلاّ إذا كان هناك انصراف، كما في مثل الوصيّة بالخمس أو الزكاة أو الحجّ ونحوها. نعم لو كانت الحالة السابقة فيه هو الوجوب ـ كما إذا علم وجوب الحجّ عليه سابقاً ولم يعلم أنّه أتى به أو لا ـ فالظاهر جريان الاستصحاب والإخراج من الأصل. ودعوى أنّ ذلك موقوف على ثبوت الوجوب عليه وهو فرع شكّه، لا شكّ الوصيّ أو الوارث، ولا يعلم أنّه كان شاكاً حين موته أو عالماً بأحد الأمرين، مدفوعة: بمنع اعتبار شكّه، بل يكفي شكّ الوصيّ أو الوارث أيضاً، ولا فرق في ذلك بين ما إذا أوصى أو لم يوص، فإنّ مقتضى أصالة بقاء اشتغال ذمّته بذلك الواجب عدم انتقال ما يقابله من التركة إلى الوارث.*
الاحتياطي.(1)
يلاحظ عليه: أنّ مثل هذا الكلام ـ في الظروف التي لايتعارف فيها الحج الاستحبابي ـ ينعقد له الظهور حسب القرائن الحالية في الوجوب الأصلي لا الوجوب الاحتياطي. ومثله الإيصاء بالزكاة والخمس.
* الثاني: لو كانت الحالة السابقة فيه هو الوجوب، كما إذا علم وجوب الحجّ عليه سابقاً ولم يعلم أنّه أتى به أو لا، فالظاهر جريان الاستصحاب

1 . المعتمد:2/116.

صفحه 171
ولكنّه يشكل على ذلك الأمر في كثير من الموارد، لحصول العلم ـ غالباً ـ بأنّ الميت كان مشغول الذمة بدين، أو خمس، أو زكاة، أو حج، أو نحو ذلك. إلاّ أن يدفع بالحمل على الصحة، فإنّ ظاهر حال المسلم الإتيان بما وجب عليه. لكنّه مشكل في الواجبات الموسعة، بل في غيرها أيضاً في غير الموقتة. فالأحوط ـ في هذه الصورة ـ الإخراج من الأصل.*
والإخراج من الأصل.
ودعوى أنّ ذلك موقوف على ثبوت الوجوب عليه وهو فرع شكّه، لا شك الوصي أو الوارث ولا يعلم أنّه كان شاكّاً حين موته أو عالماً بأحد الأمرين مدفوعة بمنع اعتبار شكّه، بل يكفي شك الوصي أو الوارث أيضاً، ولا فرق في ذلك بين ما إذا أوصى أو لم يوص، فإنّ مقتضى أصالة بقاء اشتغال ذمّته بذلك الواجب عدم انتقال ما يقابل من التركة إلى الوارث.(1)
* ثمّ إنّه (قدس سره) أطال الكلام بالنقض والإبرام حول إيجاب الزكاة والخمس

1 . أقول: ما ذكره(قدس سره) في المقام من أنّ الملاك شكّ الوصيّ أو الوارث يتنافى مع ما ذكره في كتاب الزكاة في مبحث «ختام فيه مسائل متفرقة، المسألة الخامسة» حيث قال فيها: إذا علم أنّ مورثه كان مكلفاً بإخراج الزكاة وشك في أنّه أدّاها أم لا...إلى أن قال: واستصحاب بقاء تكليف الميّت لا ينفع في تكليف الوارث، لأنّ تكليف الوارث بالإخراج فرع تكليف الميّت حتّى يتعلّق الحق بتركته، وثبوته فرع شك الميّت وإجرائه الاستصحاب، لا شكّ الوارث. وحال الميّت غير معلوم.
كما أنّه يتنافى مع ما ذكره في الفصل الثاني من كتاب الحجّ المسألة 101(لاحظ الجزء الأوّل، ص 499)حيث قال: إذا اختلف تقليد الميت والوارث في اعتبار البلدية أو الميقاتية، فالمدار على تقليد الميت.
وعلى كلّ تقدير فما ذكره هنا هو الصحيح، وقد أوضحنا حاله في كتابنا«الزكاة في الشريعة الإسلامية الغراء» في المسألة الخامسة من خاتمته.(لاحظ كتاب الزكاة:2/295).

صفحه 172
عند الشك، وإليك خلاصته:
1. إنّ القول بوجوب إخراج الخمس والزكاة من الأصل يوجب الإشكال في كثير من الموارد لحصول العلم غالباً بأنّ الميت كان مشغول الذمّة بدين أو خمس أو زكاة أو حج أو نحو ذلك من الحقوق المالية. فلو قلنا بجريان الاستصحاب فيها يلزم ألا يُتصرف في التركة إلاّ بعد إخراجها.
2. ثمّ إنّه (قدس سره) دفع الإشكال بالحمل على الصحة بأنّ ظاهر حال المسلم الإتيان بما وجب عليه.
3. ثمّ أورد على نفسه بأنّ أصالة الصحة تجري في الواجبات المضيّقة لا في الواجبات الموسّعة، بل في غيرها ممّا لم يكن على نحو التوقيت كالواجبات التي يجب الإتيان بها فوراً وإن لم تكن مؤقتة كصلاة الزلزلة، ولذلك احتاط في هاتين الصورتين بالإخراج من الأصل.هذا خلاصة ما أفاده المصنّف في المتن.
أقول: إنّ ما ذكره في الأمر الأوّل من أنّ لازم الاستصحاب اشتغال ذمّة الميت في أكثر الموارد بالخمس أو الزكاة أو الحج، فقد أوضحنا حال هذا الفرع في كتاب الزكاة .(1)
ولا بأس بالإشارة إليها على وجه الإيجاز مع بيان موقف أصالة الصحة منها.
الأُولى: إذا كانت العين الزكوية موجودة وشُك في

1 . الزكاة في الشريعة الإسلامية الغراء:2/493ـ 496.

صفحه 173
إخراج الميّت الحقَّ من نفس العين أو من مال آخر فيجب الإخراج وتكفي الإشارة إلى العين والقول بأنّ هذا المال كان متعلّقاً بحق الفقراء أو السادة، كما إذا كانت العين ممّا يجب فيها الخمس وشُكّ في بقاء الحقّ وعدمه فيحكم بالبقاء، كما لو كان الميت حيّاً وشكّ في الإخراج.
وأمّا أصالة الصحّة فلا موضوع لها، لأنّ موضوعها، عبارة عن صدور فعل من المكلّف مردّد بين الصحّة والفساد، كما إذا صلّى على الميت وشك في صحّتها وفسادها، أو باع داره وشك في كون البيع فاسداً لأجل الغرر، و أمّا المقام فلم يصدر من المكلّف شيء مردّد بين الصحيح والفاسد، بل نحتمل صدوره، وهو غير كاف في جريانها.
فإن قلت: لو كان مخرجاً للحق في حياته لعدّ مطيعاً بخلاف ما إذا لم يكن مؤدّياً له فيكون عاصياً، ومقتضى أصالة الصحة في حال المسلم هو عدم كونه كذلك.
قلت: إنّ افتراض عدم كونه عاصياً لا يلازم أداء الحق، لاحتمال عدم تمكّنه من الأداء واقترانه بالمانع.
الثانية: إذا كانت العين تالفة ولم يعلم أنّ التلف كان عن ضمان لاحتمال أداء الزكاة ـ حين كونها موجودة ـ من العين أو من مال آخر، فلا يجري الاستصحاب حتّى يكون محكوماً بأصالة الصحة، لأنّ المستصحب بين قطعيّ الانتفاء ومشكوك الحدوث، لأنّه لو أُريد من الاستصحاب، إثبات بقاء التكليف في العين ـ مادامت موجودة ـ فهو قطعي الانتفاء ،لأنّ المفروض عدم بقائها; وإن أُريد به إثبات انّ العين تلفت مضمونة فهو مشكوك الحدوث، لاحتمال أنّ المالك أدّى حق الفقراء أو السادة من مال آخر.
فإن قلت: استصحاب بقاء الحقّ في العين الزكوية إلى زمان التلف يثبت أنّ العين تلفت مضمونة فينتقل الحق إلى البدل.
قلت: صحيح لو قلنا بالأصل المثبت، لأنّ الضمان لازم بقاء الحق إلى زمان

صفحه 174
التلف للملازمة العقلية بين بقاء الحقّ في المعيّـن إلى زمان التلف، وضمان المالك له، فلا يجري حتّى يصير محكوماً بأصالة الصحة.
الثالثة: إذا كانت العين الزكوية تالفة مع الضمان بأن نعلم بأنّه تصرف فيها بلا أداء من العين أو من مال آخر وتعلّق الحق بذمّته، لكن نحتمل انّه ـ بعد التعلّق بالذمّة ـ أفرغ ذمّته بأدائه بالبدل، فلا شك في جريان الاستصحاب ولا تعارضه أصالة الصحّة، لما عرفت من أنّه لاموضوع لها، إذ لم يصدر من المالك فعل مردّد بين الصحّة والفساد، وأمّا إتلاف العين، فجريان أصالة الصحّة فيه لا ينافي بقاء التكليف،واستمرار اشتغال ذمّته، لاحتمال أنّه باع العين بإذن الحاكم ناقلاً زكاته إلى الذمّة فلا ملازمة بين الصحّة ـ بإذن الحاكم ـ و فراغ ذمّته.
فإن قلت: إنّ استصحاب الدين، ادّعاء على الميت، وهو لايثبت بالاستصحاب، بل بالبيّنة مع ضم اليمين.
قلت: إنّ مصب تلك الأدلّة هو الدعاوي الشخصية، التي تكون الدعوى لصالح الشخص، لا مثل المقام الذي يكون الدعوى لصالح العام، ولا أقلّ أنّها منصرفة عن مثل هذا المورد.
وبما ذكرنا تظهر الحال فيما ذكره المصنّف من أنّ جريان الاستصحاب يوجب الإشكال في كثير من الموارد، لحصول العلم غالباً بأنّ الميت كان مشغول الذمّة بدين أو حج.... لما عرفت من أنّه يجري في الأوّل والثالث دون الثاني، والغالب المبتلى به هو الثاني، فلا يلزم ترك التصرّف في التركة إلاّ بعد الإخراج إلاّ في موارد قليلة.
ثمّ إنّ المصنّف لماّ بنى على أنّ أصالة الصحة تثبت الإتيان بما وجب ـ خلافاً لما اخترناه ـ استدرك على إطلاق كلامه بأنّ الأصل المذكور لا يجري في موردين:

صفحه 175
المسألة2: يكفي الميقاتية، سواء كان الحجّ الموصى به واجباً أو مندوباً، ويخرج الأوّل من الأصل، والثاني من الثلث، إلاّ إذا أوصى بالبلدية، وحينئذ فالزائد عن أُجرة الميقاتية ـ في الأوّل ـ من الثلث، كما أنّ تمام الأُجرة ـ في الثاني ـ منه.*
1. الواجبات الموسّعة كالكفّارات والنذور والدين غير المطالَب ـ بناء على إخراجها من الأصل كما عليه المصنّف ـ إذ ليس حال المسلم تقتضي إتيانها فوراً بعد كونها موسعة ولعلّه مات وهي على ذمّته.
2. الواجبات التي تجب المبادرة إليها وإن لم يكن على نحو التوقيت، لما عرفت من أنّ التأخير، لا ينافي ظاهر حال المسلم.
فقد احتاط المصنّف في الموردين بالإخراج من الأصل، مع أنّ لازم جريان الاستصحاب وعدم جريان أصالة الصحّة هو الإفتاء بالخروج من الأصل.
وأمّا الواجبات المؤقّتة ـ كالصلاة ـ فيمكن التمسّك فيها بقاعدة الشك بعد خروج الوقت بناء على عموم الحكم لكلّ شكّ في المؤقت بعد خروج وقته.
* في المسألة فروع:
1. كفاية الحجة الميقاتية، سواء أكان الحجّ الموصى به واجباً أم مندوباً.
2. يخرج الحجّ الواجب الموصى به من الأصل والموصى به المندوب من الثلث.
3. إذا أوصى بالبلدية، وكان الموصى به حجاً واجباً، فالزائد على أُجرة الميقاتية يخرج من الثلث، وإن كان حجاً مندوباً يخرج الجميع من الثلث.
أمّا الأوّل، فقد أشبعنا الكلام فيه، في المسألة 88 من مسائل الشرط الثالث:

صفحه 176
المسألة3: إذا لم يعيّن الأُجرة، فاللازم الاقتصار على أُجرة المثل، للانصراف إليها. ولكن إذا كان هناك من يرضى بالأقلّ منها وجب استئجاره، إذ الانصراف إلى أُجرة المثل إنّما هو نفي الأزيد فقط. وهل يجب الفحص عنه لو احتمل وجوده؟ الأحوط ذلك توفيراً على الورثة، خصوصاً مع الظنّ بوجوده، وإن كان في وجوبه إشكال، خصوصاً مع الظنّ بالعدم.*
الاستطاعة من حيث المال.(1)
وأمّا الثاني فقد مرّ فيه الكلام في المسألة الأُولى من هذا الفصل حيث قال المصنّف: إذا أوصى بالحج فإن علم أنّه واجب، أخرج من أصل التركة ـ إلى أن قال: ـ وإن علم أنّه ندبي، فلا إشكال في خروجه من الثلث.
وأمّا الثالث ـ أعني: إذا أوصى بالحجّ الواجب البلدي ـ فبما أنّ اللازم إخراج مؤونة الحج الميقاتي من الأصل يخرج الزائد عن أُجرة الحجة الميقاتية من الثلث، لئلاّ تتضرّر الورثة، وإذا أوصى بالمندوب البلدي فالجميع يخرج من الثلث.
* في المسألة فروع:
1. إذا لم يُعين الموصي الأُجرة فاللازم الاقتصار على أُجرة المثل.
2. إذا كان هناك مَن يرضى بالأقل وجب استئجاره.
3. إذا احتمل أنّ هناك من يرضى بالأقل هل يجب الفحص عنه؟

1 . لاحظ الجزء الأوّل، ص473.

صفحه 177
4. إذا وجد من يتبرّع فهل يتعيّن الاكتفاء بالتبرّع؟
5. إذا لم يرض بأُجرة المثل هل يجب دفع الأزيد أو يجب الصبر؟
6. إذا عيّن الموصي مقداراً للأُجرة فهل يتعيّن إذا لم يزد على أُجرة المثل؟
وإليك دراسة الفروع على ضوء المتن.
الفرع الأوّل: إذا لم يُعيّن الموصي الأُجرة، فاللازم الاقتصار على أُجرة المثل.
قال المحقّق: إذا أوصى أن يُحجّ عنه ولم يُعيّن الأُجرة، انصرف ذلك إلى أُجرة المثل. وتخرج من الأصل إذا كانت واجبة، ومن الثلث إذا كانت ندباً.(1)
وقال العلاّمة في «القواعد»: إذا أوصى بحجّ واجب أُخرج من الأصل، فإن لم يُعيّن القدر أُخرج أقلُّ ما يُستأجر به من أقرب الأماكن، وإن كان ندباً فكذلك من الثلث.(2)
والظاهر عدم المنافاة بين كلامهما، لأنّ نظر العلاّمة إلى ما إذا وجد من يرضى بالأقلّ من أُجرة المثل، وسيوافيك فيه الكلام في الفرع الثاني.
و استدلّ عليه صاحب الرياض بالانصراف تبعاً للمحقّق وقال في توضيحه: إنّ الواجب العمل بالوصية مع الاحتياط للوارث فيكون ما جرت به العادة كالمنطوق به وهو المراد من أُجرة المثل.(3)
واستدلّ في «مستند الشيعة» بوجه آخر: قال: ثمّ لو لم يعيّن القدر تؤخذ أُجرة المثل، لتوقّف الحج عليه ووجوب ما يتوقّف عليه الواجب.(4)

1 . شرائع الإسلام:1/234 .
2 . القواعد :1/412.
3 . رياض المسائل:6/94.
4 . مستند الشيعة:11/142.

صفحه 178
سيوافيك وجه عدوله عن الاستدلال بالانصراف إلى عنوان المقدّمية في الفرع التالي.
أقول: إنّ مقتضى قوله سبحانه: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّة يُوصى بِها أَوْ دَيْن)(1) هو انتقال التركة إلى الورثة ما عدا مقدار الوصية والدين.
وأمّا ما هو مقدار الوصية فيرجع فيه إلى العرف، والمتعارف هو أُجرة المثل، وكلام الموصي أيضاً منصرف إلى ما جرت عليه العادة، وبذلك يُستغنى عن الاستدلال عليه بما سمعت من المستند من كون أُجرة المثل ممّا يتوقّف عليه الواجب، لأنّه مبني على وجوب المقدّمة شرعاً مع أنّه غير ثابت.
الفرع الثاني: إذا وجد هناك من يرضى بالأقل من أُجرة المثل، فهل اللازم الاقتصار عليه؟
يظهر من صاحب الرياض وجوبه قائلاً بأنّ فيه احتياطاً للوارث ولكن صاحب المستند استدلّ عليه بعدم التوقّف في هذه الصورة قال: فلو وجد من يأخذ بأقلّ من أُجرة المثل وجب الاقتصار عليه إذا لم يرض الوارث بالزائد، لعدم التوقّف حينئذ.
ثمّ إنّ صاحب المستند اعترض على صاحب الرياض بأنّ ما في كلام بعضهم ـ من الاستدلال للفرع الأوّل بأنّ أُجرة المثل كالمنطوق به، والحكم بوجوب الاقتصار على الأقل لو وجد من يأخذه ـ لا يخلو عن تدافع.(2)
وحاصل الاعتراض: أنّه إذا كان تعيّن أُجرة المثل كنطق الموصي به، فلا يصحّ العدول عنها لا في جانب الأكثر ولا في جانب الأقل، فإذا كان الأقلّ

1 . النساء:11.
2 . مستند الشيعة:11/142.

صفحه 179
كالأكثر بحكم المنطوق، لا يجوز عن كليهما مع أنّ صاحب الرياض قال بعدم جواز العدول في جانب الأكثر دون جانب الأقل.
وأجاب عنه المصنّف: بأنّ الانصراف إلى أُجرة المثل إنّما هو في ناحية نفي الأزيد فقط.
وعلى كلّ تقدير فنقول: إنّ الحجّ الموصى به لا يخلو: إمّا أن يكون حجّاً واجباً، أو مندوباً. ففي كلتا الصورتين يتعيّن الأخذ بالأقلّ.
أمّا الأوّل فلأنّ فيه رعاية للوارث، لأنّه يخرج من الأصل، فلو استوجر بالأقل ينتفع الوارث بمازاد عليه، ولو استوجر بأُجرة المثل لتضرّرت الورثة.
وإن شئت قلت: إنّ الواجب على الوصي العمل بالوصية، فإذا دار الأمر بين الأقل والأكثر، فليس له الأخذ بالثاني، لأنّ فيه تجاوزاً على حقوق الآخرين.
وأمّا الثاني فلأنّ فيه صلاح الميّت ، لأنّ الوصي بمنزلة الوكيل، وإطلاق التوكيل يقتضي الانصراف إلى ما تقتضيه مصلحة الموكل، ومن المعلوم أنّ مصلحة الموكل تقتضي الاستئجار بالأقل مع إمكانه.
والحاصل: أنّ في الاقتصار على الأقل في الحجّ الواجب احتياطاً للورثة وحفظاً لحقوقهم، وفي الحج المندوب رعاية لمصلحة الميّت.
الفرع الثالث: هل يجب الفحص عمّن يرضى بالأقل من أُجرة المثل؟
قال في «المسالك»: والظاهر أنّه لا يجب تكلّف تحصيل ذلك.(1)
ولقد احتاط المصنّف مستدلاً بأنّ فيه توفيراً على الورثة خصوصاً مع الظن بوجوده، وإن كان في وجوبه إشكال خصوصاً مع الظن بالعدم.

1 . المسالك:2/183.

صفحه 180
ولو وجد من يريد أن يتبرّع فالظاهر جواز الاكتفاء به، بمعنى عدم وجوب المبادرة إلى الاستئجار ـ بل هو المتعيّن ـ توفيراً على الورثة، فإن أتى به صحيحاً كفى، وإلاّ وجب الاستئجار. *
وقال النراقي: ويلزم الفحص عنه لو احتمل وجدانه، لما ذكر(عدم التوقّف على الأكثر).(1)
وقال السيد الخوئي: الظاهر عدم وجوبه لأصالة عدم وجدانه خارجاً، ولا يستلزم ذلك تفويتاً ولا تزاحماً بالنسبة إلى حق الورثة، إذ لم ينتقل هذا لمقدار من المال إلى الورثة ليتحقّق التزاحم فله الاستئجار بالمثل ولو احتمل وجود الأقل، بل حتى ولو ظن، لعدم العبرة بالظن فإنّه كالشك.(2)
الظاهر وجوب الفحص، سواء أكان هناك ظن بالوجدان أم بالعدم ، لعدم حجّية هذا القسم من الظنون، ومع ذلك يجب الفحص بالمقدار الميسور الذي لا يستلزم الحرج ولا تعطيل الحج، وذلك لأنّ الوصيّ يعلم إجمالاً بوجوب تطبيق الموصى به على أحد الأمرين إمّا الأقل بشرط لا، أو الأكثر بشرط شيء، وهما متبائنان، فالمكلّف به يدور بين المتباينين، فيجب الاحتياط بالفحص.
أضف إلى ذلك: أنّ في الأخذ بالأكثر احتمال الحيف على الورثة، وهو محط الاحتياط حتّى في الشبهات البدوية، فيما إذا كان الحج واجباً، وخلاف مصلحة الموصي فيما إذا كان الحجّ مندوباً.
* الفرع الرابع: لو وجد مَن يتبرّع، فقد أفتى المصنّف بتعيّـن الاكتفاء به،

1 . مستند الشيعة:11/142.
2 . معتمد العروة الوثقى:2/120.

صفحه 181
وعلّله بأنّ فيه توفيراً على الورثة، لكنّه إذا أتى به صحيحاً كفى وإلاّ وجب الاستئجار.
أقول: الحجّ الموصى به إمّا حج واجب أو مندوب.
أمّا الأوّل فلا يخلو من حالتين:
الأُولى: إذا حجّ عن الميت تبرّعاً وأخبر الوصي وعُلم صدقه، ففي هذه الصورة لا موضوع للاستئجار، لأنّ الغاية من العمل بالوصيّة هي إفراغ ذمّة الميت والمفروض فراغ ذمّته بحج المتبرّع، نظير الدين إذا تبرّع به المتبرّع فلا يجب على الوصي إعطاء المال للدائن، لأنّ ما بأزاء الدين انتقل إلى الورثة.
الثانية: إذا لم يتبرّع به، بل كان هو بصدد التبرّع، ففي هذه الصورة لا يجب على الوصي الصبر حتى يأتي به المتبرّع، لأنّ ذمّة الميت مشغولة بالحجّ وإفراغها واجب على الوصي، فيستأجر وإن كان المتبرّع على أُهبَة التبرّع.
وأمّا الثاني: أعني: إذا كان الحج الموصى به مندوباً فيجب الاستئجار مطلقاً، سواء تبرّع المتبرّع أو كان على أُهبة التبرّع.
والفرق بين الحج الواجب والمندوب (حيث إنّ تبرّع المتبرّع مسقط للاستئجار في الأوّل دون الثاني)، هو أنّ الملاك في جواز الاستئجار أو وجوبه، اشتغال الذمّة لا العمل بالوصية والمفروض فراغ ذمّته بتبرّع المتبرّع، بخلاف الحجّ المندوب فإنّ الملاك هو العمل بالوصية، فتبرّع المتبرّع لا يقوم مكان العمل بالوصية.فالوصي مخاطب بالعمل بها، سواء أتبرّع متبرّع أم لا.

صفحه 182
ولو لم يوجد من يرضى بأُجرة المثل، فالظاهر وجوب دفع الأزيد إذا كان الحجّ واجباً، بل وإن كان مندوباً أيضاً مع وفاء الثلث، ولا يجب الصبر إلى العام القابل ولو مع العلم بوجود من يرضى بأُجرة المثل أو أقلّ ، بل لا يجوز ، لوجوب المبادرة إلى تفريغ ذمّة الميّت في الواجب،والعمل بمقتضى الوصيّة في المندوب، وإن عيّن الموصي مقداراً للأُجرة تعيّن و خرج من الأصل في الواجب إن لم يزد على أُجرة المثل، وإلاّ فالزيادة من الثلث، كما أنّ في المندوب كلّه من الثلث.*
* الفرع الخامس: إذا لم يوجد مَن يرضى بأُجرة المثل فلا يخلو إمّا أن يكون الحجّ واجباً أو يكون مندوباً.
أمّا الأوّل فقال المصنّف: لا يجوز الصبر إلى العام القابل ولو مع العلم بوجود مَن يرضى بأُجرة المثل أو أقلّ لوجوب المبادرة إلى تفريغ ذمّة الميت أوّلاً، ولأنّ التأخير نوع تصرّف في مال الميت بلا إذنه ثانياً.
ويمكن تقريب ذلك بوجه آخر، وهو انّ القضاء يتبع الأداء، في وجوب المبادرة وعدمه، فبما انّ الأداء تجب فيه المبادرة، فهكذا القضاء إلاّ إذا دلّ الدليل على الخلاف.
وأمّا الثاني فلأنّ المبادرة مقتضى الوصية حيث إنّ العمل بالوصية أداء حق، والأصل فيه المبادرة ما لم تكن قرينة على جواز التأخير، وقد تقدّم الكلام فيه.
الفرع السادس: إذا عيّن الموصي مقداراً للأُجرة، قال المصنف: تعيّن وخرج من الأصل إن لم يزد على أُجرة المثل وإلاّ فالزيادة من الثلث، كما أنّ المندوب كلّه من الثلث.

صفحه 183
المسألة4: هل اللازم في تعيين أُجرة المثل الاقتصار على أقلّ الناس أُجرة، أو يلاحظ من يناسب شأن الميّت في شرفه وضعته؟ لا يبعد الثاني، والأحوط الأظهر الأوّل، ومثل هذا الكلام يجري أيضاً في الكفن الخارج من الأصل أيضاً.*
أقول: لا تأثير لتعيين المقدار من جانب الموصي إذا وجب الإخراج من الأصل، بل يجب الاقتصار على الأقلّ ممّا عيّن ـ خلافاً للمصنّف ـ ، لأنّ الواجب إخراج الحج الواجب من الأصل، فلو عيّن مقداراً أكثر من أُجرة المثل، اقتصر عليها، لأنّ الظاهر انّ الدافع إلى تعيين المقدار، هو زعمه انّ الأقل منه لا يكفي، فإذا كان أُجرة المثل أقلّ ممّا عيّن يكون الأوّل هو المتعيّن، وقد مرّ أنّ الميزان في الواجب هو إفراغ الذمّة لا العمل بالوصية، اللّهمّ إلاّ إذا احتمل وجود العناية في الميت بصرف المقدار المعلوم في مورد الحجّ فيجمع بين إفراغ الذمّة والعمل بالوصية، ولو عيّن أقل منها، يجب الاستئجار بأُجرة المثل ويخرج الجميع من الأصل.
نعم لو عيّن مقداراً في الحج المندوب يكون التعيين متّبعاً حتّى ولو زاد على أُجرة المثل، بشرط أن يكون الثلث وافياً بها.
* بما انّ أُجرة الحجّ الواجب تخرج من صلب المال، فالأمر يدور بين رعاية حقّ الورثة بالاقتصار على أقل الناس أُجرة، ورعاية شأن الميت، لأنّ تأجير أقلّ الناس أُجرة ربّما لا يناسب شأن الميت في الشرف والضعة، حيث إنّ الراضي بأقلّ الأُجرة ربّما يكون من السوقة ولا يناسب تأجيرُه للحج عمّن له شخصية بارزة في المجتمع. وعلى ضوء ذلك قال المصنف: بأنّ الأوّل أحوط وأظهر. أمّا الأوّل

صفحه 184
المسألة5: لو أوصى بالحجّ وعيّن المرّة أو التكرار بعدد معيّـن تعيّـن، وإن لم يعيّـن كفى حجّ واحد ، إلاّ أن يعلم أنّه أراد التكرار. وعليه يحمل ما ورد في الأخبار: من أنّه يحجّ عنه مادام له مال ـ كما في خبرين ـ أو ما بقي من ثلثه شيء ـ كما في ثالث ـ بعد حمل الأوّلين على الأخير من إرادة الثلث من لفظ المال، فما عن الشيخ وجماعة من وجوب التكرار مادام الثلث باقياً ضعيف، مع أنّه يمكن أن يكون المراد من الأخبار: أنّه يجب الحجّ مادام يمكن الإتيان به ببقاء شيء من الثلث بعد العمل بوصايا أُخر، وعلى فرض ظهورها في إرادة التكرار ـ ولو مع عدم العلم بإرادته ـ لابدّ من طرحها لإعراض المشهور عنها، فلا ينبغي الإشكال في كفاية حجّ واحد مع عدم العلم بإرادة التكرار.*
فواضح، إذ فيه رعاية لحال الوارث، وأمّا كونه أظهر فغير واضح فيما إذا كان في تأجيره وهن للميت، فالأولى التفصيل بين كونه سبباً للوهن وعدمه لا بين كونه مناسباً شأن الميّت، فالإطلاق محكم، إلاّ إذا كان فيه وهن، ومثله الكفن المخرَج من الأصل.
* في المسألة فروع:
1. لو أوصى بالحجّ وعيّن المرة أو المرّتين أو الثلاث تعيّن العدد المعيّن.
2. لو أوصى بالحجّ ولم يُعيّن أحدهما، كفى واحد.
3. لو أوصى أن يحجّ عنه مكرراً.
وإليك دراسة الفروع واحداً بعد الآخر.

صفحه 185
الأوّل: لو أوصى بالحجّ المندوب وعيّن الكمية، فيكون ما عيّنه متَّبعاً بلا إشكال.
الثاني: إذا أوصى ولم يعيِّـن الكمية، فهل يكفي الواحد أو لا؟ فيه قولان، ذهب المحقّق والشهيد إلى كفاية الواحد، وذهب الشيخ إلى التكرار مادام الثلث باقياً مستنداً إلى روايات.
قال المحقّق: من أوصى أن يُحجّ عنه ولم يعين المرّات، فإن لم يعلم منه إرادة التكرار، اقتصر على المرة، وإن علم إرادة التكرار، حُجّ عنه حتّى يستوفي الثلث من تركته.(1)
قال الشهيد: ولو أطلق الموصي الحجّ، حمل على الندب إذا لم يعلم الوجوب، ولا يجب التكرار إلاّ أن يعلم منه ذلك فيحجّ عنه بثلث ماله(2)، وعليه تحمل رواية ابن أبي خالد.(3)
والظاهر من الشيخ في «النهاية» و«التهذيب» وتبعه البحراني في حدائقه(4) والنراقي في مستنده(5)وجوب التكرار مادام الثلث باقياً ووافياً. من دون إشارة إلى التفصيل الموجود في كلام المحقّق والشهيد.
قال في «النهاية»: ومن أوصى أن يحجّ عنه، ولم يذكر كم مرّة ولا بكم من

1 . الشرائع:1/234.
2 . ولا يخفى أنّ العلم بإرادة التكرار على قسمين: تارة يعلم أنّه أراد التكرار فقط دون تحديده بحدّ، وأُخرى يُعلم أنّه أراد التكرار مع تحديده بحدّ ولكن لا يُعلم الحدّ، وعبارة العلمين تنطبق على الصورة الأُولى دون الثانية.
3 . الدروس:1/326، الدرس 85.
4 . الحدائق:14/299.
5 . المستند:11/143.

صفحه 186
ماله، وجب عليه أن يحج عنه ما بقي من ثلثه شيء يمكن أن يحجّ به.(1)
وقال في «التهذيب»(والعبارة للشيخ لا للمفيد): ومن أوصى أن يحجّ عنه مبهماً فانّه يحجّ عنه مادام بقي من ثلثه شيء.(2) مستدلاً بالروايات التالية:
1. ما رواه الشيخ في «التهذيب» باسناده عن موسى بن القاسم، عن عبد الرحمن بن أبي نجران، عن محمد بن الحسن أنّه قال: قلت لأبي جعفر(عليه السلام): جعلت فداك انّي قد اضطررت إلى مسألتك، فقال: «هات» فقلت: سعد بن سعد قد أوصى «حجّوا عني» مبهماً و لم يسم شيئاً، ولا ندري كيف ذلك؟ فقال: «يحجّ عنه مادام له مال».(3)
والظاهر انّ المراد من سعد بن سعد، هو الأشعري القمي الثقة الجليل الذي روى عن الرضا وأبي جعفر الثاني (عليهما السلام) كما في رجال النجاشي(4)، كما أنّ المراد من محمد بن الحسن هو ابن أبي خالد شنبولة الأشعري القمي كما في طريق الشيخ في فهرسته إلى كتاب سعد.(5)
2. ما رواه في «الاستبصار» عن علي بن الحسن بن فضال، عن محمد بن أورمة، عن محمد بن الحسن الأشعري مثله، إلاّ أنّه قال: «مادام له مال يحمله».(6)
3. ما رواه في «التهذيب» عن محمد بن علي بن محبوب، عن العباس، عن محمد بن الحسين بن أبي خالد قال: سألت أبا جعفر(عليه السلام)عن رجل أوصى أن يحجّ

1 . النهاية:284.
2 . التهذيب:5/451.
3 . التهذيب:5/451برقم 1419.
4 . رجال النجاشي: رقم 468.
5 . الفهرست، برقم317، تحقيق الطباطبائي.
6 . الاستبصار:4/137، رقم 513.

صفحه 187
عنه مبهماً؟ فقال: «يحجّ عنه ما بقي من ثلثه شيء».(1)
والظاهر انّ «الحسين» محرّف الحسن، والمراد هو «محمد بن الحسن بن أبي خالد شنبولة» وعلى هذا فالرواية واحدة نقلت بأسانيد ثلاثة تنتهي إلى شخص واحد وهو محمد بن الحسن الأشعري، كما أنّ المتن الوارد في الثالثة قرينة على أنّ المراد من قوله: «مادام له مال...»في الخبرين الأوّلين هو ثلث التركة لا كلّها، فيرفع الإبهام عن الأوّلين بالثالث.
أقول: يقع الكلام في موردين:
الأوّل: في سند الحديث.
الثاني: في دلالته.
أمّا الأوّل: فالسند خصوصاً ما رواه باسناده عن القاسم بن موسى، لا غبار عليه، سوى أنّ الراوي عن الإمام ـ أعني: محمد بن الحسن الأشعري ـ لم يوثّق في كتب الرجال، ويمكن استفادة وثاقته من أمرين:
1. كونه وصياً لسعد بن سعد، والراوي لكتابه ـ حسب ما في فهرست الشيخ كما مرّ ـ قال الوحيد (قدس سره) : يظهر من غير واحد من الأخبار كونه وصي سعد ابن سعد، وهو دليل الاعتماد، وحسن الحال، وظاهر العدالة.
وفي «معجم رجال الحديث»: إنّ الوصاية لاتكشف عن العدالة ولا تدلّ على الاعتماد والوثوق به بما هو راو، وإنّما يدلّ على الوثوق بأمانته وعدم خيانته، وبين الأمرين عموم من وجه، فالرجل مجهول الحال.(2)

1 . التهذيب:5/452برقم 1420; ولاحظ في الوقوف على هذه الروايات أيضاً الوسائل:8، الباب4من أبواب النيابة، الحديث1و2.
2 . معجم رجال الحديث:16/216.

صفحه 188
أقول: صحيح إنّ بين الأمرين عموماً من وجه، لكن خصوصية المورد تلحقه بمجمع العنوانين: كونه ثقة غير خائن، لأنّ سعد بن سعد، الفقيه الجليل لا يعتمد إلاّ على من يثق بدينه.
2. يظهر ممّا رواه الكليني بسنده عنه، أنّ الرجل كان ممارساً للحديث قال: قلت لأبي جعفر الثاني (عليه السلام)، جعلت فداك انّ مشايخنا رووا عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه (عليهما السلام)وكانت التقية شديدة، فكتموا كتبهم، فلم ترو عنهم، فلمّا ماتوا صارت الكتب إلينا؟ فقال(عليه السلام): «حدّثوا بها فإنّها حق».(1)
ولعلّ هذا المقدار كاف في الاعتماد عليه. هذا كلّه حول السند.
أمّا الثـاني: أعني: الدلالة وما هـو مضمون الحـديث ففيها وجوه مـن الاحتمال:

الوجوه التي حملت عليها الرواية

وقد حملت الرواية على محامل:
1. ما حملها عليه الشيخ و تبعه صاحب الحدائق والنراقي ـ كما مرّ ـ من أنّ مصب السؤال: مجرد الإيصاء بالقول المحتمل لأن يراد منه حجة واحدة أو اثنتان أو عشر، فيجب الحج عنه حتى يُفنى ثلثه.
وأضاف في «الحدائق»: ولأنّ يقين البراءة من تنفيذ الوصية لا يحصل إلاّ بذلك، وهذا هو الأنسب بقول السائل ـ في الروايةـ: «مبهماً»وحينئذ فلا معنى لقولهم: فإن لم يعلم منه إرادة التكرار اقتصر على المرّة، بل الأظهر أن يقال: فإن

1 . الكافي:1/17، باب رواية الكتب والحديث، الحديث15.

صفحه 189
نعم لو أوصى بإخراج الثلث ولم يذكر إلاّ الحجّ يمكن أن يقال: بوجوب صرف تمامه في الحجّ، وكذا لو لم يذكر إلاّ المظالم، أو إلاّ الزكاة، أو إلاّ الخمس.*
علم منه عدم إرادة التكرار اقتصر على المرّة.(1)
وفي «المستند»: فالوجه متابعة قصده (الموصي) إن كان مفهوماً، والتكرار إلى تمام الثلث إن كان مبهماً.(2)
2. حملها على ما إذا لم يعين لفظاً، ولكن علم التكرار من الخارج.
يلاحظ عليه: بأنّه لا يناسب قوله:«مبهماً» مع العلم بالتكرار خارجاً، مضافاً إلى أنّ مثل هذا الفرض معلوم الحكم لا يخفى على مثل وصيّ سعد بن سعد.
3. ما ذكره الفاضل في «كشف اللثام» من أنّه يمكن أن يكون الخبران بمعنى أنّه يحج عنه ان بقي من ثلثه شيء بعد وصية مقدّمة عليه، بمعنى أنّه يخرج من الثلث، فلا يفهم التكرار أصلاً.(3)
يلاحظ عليه: أنّه بعيد، لأنّه لو كانت له وصايا أُخرى ومع ذلك أوصى بالحجّ مبهماً، يكون هذا قرينة على تكرار الحج بعد العمل بها، ومثل هذا ليس ممّا يخفى على أصحاب الأئمّة حتّى يظهروا العجز عن الجواب كما حكاه الراوي.
* 4. انّ المراد ما لو أوصى بإخراج الثلث ولم يذكر إلاّ الحجّ، فيصرف تمامه

1 . الحدائق:14/299ـ 300.
2 . المستند:11/144.
3 . كشف اللثام:5/178.

صفحه 190
ولو أوصى أن يحجّ عنه مكرّراً كفى مرّتان، لصدق التكرار معه.*
المسألة6: لو أوصى بصرف مقدار معيّن في الحجّ سنين معيّنة، وعيّن لكلّ سنة مقداراً معيّناً، واتّفق عدم كفاية ذلك المقدار لكلّ سنة، صرف نصيب سنتين في سنة، أو ثلاث سنين في سنتين مثلاً، وهكذا... لا لقاعدة الميسور، لعدم جريانها في غير مجعولات الشارع، بل لأنّ الظاهر من حال الموصي إرادة صرف ذلك المقدار في الحجّ، وكون تعيين مقدار كلّ سنة بتخيّل كفايته، ويدلّ عليه أيضاً خبر عليّ بن محمّد الحضيني، وخبر إبراهيم بن مهزيار، ففي الأوّل تجعل حجّتين في حجّة، وفي الثاني تجعل ثلاث حجج في حجّتين، وكلاهما من باب المثال كما لا يخفى.*
في الحجّ. وهذا هو خيرة« الجواهر» قال: بل قد يدعى ظهور الاقتصار في الوصية بالحج عنه في إرادة الوصية بالثلث، وأنّه يصرف في ذلك وإن لم يوص بالثلث بغير اللفظ المزبور، نحو ما لو قال: اخرجوا رد المظالم أو تصدقوا عني ونحو ذلك.(1) ولعلّ هذا الوجه أوضح.
*الفرع الثالث: لو علم أنّه أوصى أن يحجّ عنه مكرراً، فقد أفتى المصنّف بأنّه يكفي مرتان لصدق التكرار معه، وما ذكره صحيح بشرط أن لا يكون للوصية ظهور في إرادة التكرار مادام المال موجوداً.
* في المسألة فروع:
1. لو أوصى بصرف مقدار معيّـن في الحج سنين معينة، وعيّن لكلّ سنة

1 . الجواهر:17/399.

صفحه 191
مقداراً معيّناً واتفق عدم كفاية ذلك لكلّ سنة.
2. لو فضل عن السنين فضلة لا تفي لحجة، فهل ترجع ميراثاً، أو يصرف في وجوه البرّ، أو تزاد على أُجرة بعض السنين؟
3. لو كان الموصى به الحجَ من البلد ودار الأمر بين جعل أُجرة سنين ـ مثلاًـ لسنة واحدة، و بين الاستئجار بذلك المقدار من الميقات لكلّ سنة.
4. إذا عُلم من الموصي إرادة الحج بذلك المقدار على وجه التقييد، واتّفق عدم الكفاية لا بلدياً ولا ميقاتياً، بطلت الوصية بشرطين:
أ. لم يُرجَ إمكان ذلك بالتأخير.
ب. كانت الوصية مقيّدة بسنين معيّنة، وكان ذلك المقدار غير واف للحجّ فيها.
وإليك دراسة الفروع واحداً بعد الآخر.
الأوّل: إذا أوصى بصرف مقدار معيّن في الحج سنين معيّنة، وعيّن لكلّ سنة مقداراً معيناً واتفق عدم كفاية ذلك المقدار لكلّ سنة، فالمشهور صرف نصيب سنتين في سنة أو ثلاث سنوات في سنتين، وهكذا.
قال المحقّق: إذا أوصى الميّت أن يُحجّ عنه في كلّ سنة بقدر معيّن فقَصَر، جُمِعَ نصيبُ سنتين واستؤجر به لسنة، وكذا لو قصر ذلك أُضيف إليه من نصيب الثالثة.(1)
وقال العلاّمة: لو أوصى أن يحجّ عنه في كلّ سنة بمال معيّن فلم يسع ذلك القدر للحجّة، جُعِلَ مالُ سنتين لسنة، ولو قصرا جعل نصيب ثلاث سنين

1 . الشرائع:1/234.

صفحه 192
وهكذا.(1)
وقال في «المدارك» بعد عنوان المسألة: هذا الحكم مقطوع به في كلام الأصحاب.(2)
وقال في «الحدائق»: فظاهر الأصحاب من غير خلاف يعرف أنّه يجمع مازاد على سنة بما تُكمل به الأُجرة التي يحجّ بها ثمّ يحج عنه لسنة، وهكذا.(3)
إلى غير ذلك من الكلمات الحاكية عن اتّفاق الأصحاب على الحكم.
واستدلّ عليه بوجهين:
الأوّل: ما في «كشف اللثام» من خروج الأقدار عن الميراث، ووجوب صرفها في الحج بالوصية، ووجوب العمل بالوصية بقدر الإمكان، وكأنّ الوصية وصية بأمرين: الحج، وصرف القدر المخصوص فيه، فإذا تعذّر الثاني لم يسقط الأوّل.(4)
وقد تبعه في ذلك الاستدلال صاحب الحدائق(5) ، وإن لم يرتض به، وكذلك صاحب الرياض وقد طبّق الاستدلال على قاعدة الميسور.(6)
واعترض المصنّف على الاستدلال بقوله: بعدم جريان قاعدة الميسور في غير مجعولات الشارع،ولعل نظر المصنّف في عدم جريانها في غير مجعولات الشارع هو أنّ القاعدة ناظرة إلى الأمور المجعولة من قِبَل الشارع لا الأُمور المجعولة من قبل الموصي ونحوه.

1 . التذكرة:7/105.
2 . المدارك:7/144.
3 . الحدائق:14/296.
4 . كشف اللثام:5/179.
5 . الحدائق:14/296.
6 . الرياض:5/95.

صفحه 193
أقول: يلاحظ على ما ذكره هو أنّ قاعدة الميسور قاعدة عقلائية والشارع أمضاها، والملاك في جريانها صدق الميسور على المعسور، وعندئذ لا فرق بين مجعولات الشارع ومجعولات الوصي.
نعم أفاد السيد الحكيم في بيان عدم جريانها في غير مجعولات الشارع، ما يلي:
فقال: أمّا الطلب الصادر من غير الشارع فلا يمكن فيه الكشف المذكور (تعدد المطلوب). ووجوب العمل بالوصية وإن كان شرعياً، لكنّه يتوقّف على صدق الوصية على البعض، فإذا فرض انتفاؤه ـ لانتفاء القيد ـ انتفى صدق الميسور، ضرورة أنّه لا يصدق مع انتفاء الوصية.(1)
يلاحظ عليه: أنّ ما هو الملاك في جريان القاعدة في مجعولات الشارع هو نفسه في جريانها في مجعولات غيره، وهو صدق الميسور على المعسور، كصدق الصلاة على من لا يقدر على الصلاة قائماً، وقد تقدّم في كلام الفاضل الاصفهاني من أنّ الوصية تنحل إلى أمرين: الحجّ، وصرف القدر المخصوص في الحجّ. فإذا تعذر الثاني، يتعين الأوّل، لإمكان تحصيل أحد المطلوبين دون الآخر.
نعم ربّما يتصوّر باختصاص قاعدة «الميسور» بشيء ذي أجزاء، قد تعذّر بعض أجزائه، كالصلاة، والمقام ليس كذلك.
يلاحظ عليه : أنّ المناط وجود الميسور والمعسور، سواء كانا مركّبين، أو كانا أمرين بينهما صلة كما في العام من الحج، وإتيانه بالعدد المعيّن.
نعم الأولى الاستدلال بما ورد في المكاتبتين:
الأُولى: ما رواه الشيخ عن محمد بن علي بن محبوب، عن إبراهيم بن مهزيار

1 . المستمسك:11/91.

صفحه 194
قال: كتب إليه علي بن محمد الحصيني: أنّ ابن عمّي أوصى أن يحجّ عنه بخمسة عشر ديناراً في كلّ سنة، وليس يكفي، ما تأمرني في ذلك؟ فكتب (عليه السلام): «يجعل حجّتين في حجّة، فإنّ اللّه تعالى عالم بذلك».(1) فالموصّـي فيها هو ابن عمّ علي الحصيني والوصي هو الحصيني.
الثانية: ما رواه الكليني عن محمد بن يحيى، عمّن حدثه عن إبراهيم بن مهزيار قال: وكتبت إلى أبي محمّد: أنّ مولاك علي بن مهزيار أوصى أن يحجّ عنه من ضيعة صيّـر ربعها لك في كلّ سنة حجّة إلى عشرين ديناراً وإنّه قد انقطع طريق البصرة، فتضاعف المؤن على الناس، فليس يكتفون بعشرين ديناراً، وكذلك أوصى عدّة من مواليك في حجّهم، فكتب(عليه السلام): «يجعل ثلاث حجج حجتين إن شاء اللّه».(2)فالموصّي هو علي بن مهزيار، والوصي هو أخوه، إبراهيم بن مهزيار.
وقال في «المدارك»: وفي الروايتين ضعف من حيث السند.(3)
وأجاب عنه في «الحدائق»: بأنّ الخبرين وإن كانا ضعيفين بناءً على نقله لهما من «الكافي» إلاّ أنّهما في «من لا يحضره الفقيه» صحيحان، فإنّه رواهما فيه عن إبراهيم بن مهزيار وطريقه إليه في المشيخة: أبوه، عن الحميري، عنه. وهو في أعلى مراتب الصحّة.(4)
أقول: في سند « الكافي» إرسال حيث قال: عن محمد بن يحيى، عمّن حدّثه، عن إبراهيم بن مهزيار، بخلاف سند الشيخ أو سند الفقيه; إلاّ أنّ الكلام في سند الأخيرين: فإبراهيم بن مهزيار لم يوثّق، وعدّه العلاّمة من المعتمدين، وذكر الكشّي روايات في مدحه لكنّها ضعاف.

1 . الوسائل:8، الباب3 من أبواب النيابة في الحج، الحديث 1و2.
2 . الوسائل:8، الباب3 من أبواب النيابة في الحج، الحديث 1و2.
3 . المدارك:7/144.
4 . الحدائق:14/297.

صفحه 195
هذا ولو فضل من السنين فضلة لا تفي بحجّة فهل ترجع ميراثاً، أو في وجوه البر، أو تزاد على أُجرة بعض السنين؟ وجوه.*
وعلي بن محمد الحصيني وإن لم يوثّق لكن العبرة بخط الإمام الذي شاهده إبراهيم بن مهزيار. فسند «الكافي» مشكل من وجهين، بخلاف سند الشيخ فهو من وجه واحد.
وعلى كلّ تقدير فالمكاتبتان ممّا عمل بهما الأصحاب.
قال في «الحدائق» ـ معترضاً على صاحب المدارك ـ: وهذا الحكم مقطوع به في كلام الأصحاب. وهو (صاحب المدارك) في غير موضع من شرحه قد وافقهم على جبر الخبر الضعيف بالاتّفاق على العمل بمضمونه.(1)
وأمّا تصحيح السند بكون إبراهيم بن مهزيار من رجال «كامل الزيارات» فقد ذكرنا عدم صحّته غير مرّة.
* الفرع الثاني: لو فضل من السنين فضلة لا تفي بحجّة، فهنا وجوه:
أ. ترجع ميراثاً.
ب. تصرف في وجوه البر.
ج. تزاد على أُجرة بعض السنين.
والأقوى هو الوجه الثاني، لأنّ رجوع الفضلة إلى الميراث بعد خروجها عنه يحتاج إلى دليل، كما إذا امتنع العمل بالوصية، والمفروض إمكان العمل باحتمال تعدّد المطلوب فيها، ومع هذا الاحتمال لا يُرجع إلى الورثة.
وأمّا الثالث فلا موجب له، فتعيّن الوجه الثاني، وعلى ذلك سيرة المتشرعة.

1 . الحدائق:14/297.

صفحه 196
ولو كان الموصى به الحجّ من البلد، ودار الأمر بين جعل أُجرة سنتين ـ مثلاً ـ لسنة، وبين الاستئجار بذلك المقدار من الميقات لكلّ سنة، ففي تعيين الأوّل أو الثاني وجهان، ولا يبعد التخيير، بل أولوية الثاني، إلاّ أنّ مقتضى إطلاق الخبرين الأوّل.*
*الفرع الثالث: لو كان الموصى به الحج من البلد وفرضنا عدم كفاية المقدار المعيّن لتعدّده، ودار الأمر بين تعدّد الحج الميقاتي، والاستئجار لحجّ بلديّ واحد، تعيّن تقديم الحج البلدي.
وبعبارة أُخرى: إذا دار الأمر بين إلغاء خصوصية البلد أو إلغاء التعدّد، يتعيّن الثاني، لوجهين:
1. إطلاق المكاتبتين فإنّهما تعمّان الحجّ البلدي والميقاتي.
2. المكاتبة الثانية فإنّ موردها الوصية بالحجّ البلدي حيث قال: قد انقطع طريق البصرة فتضاعف المؤن، وقد جعل الإمام(عليه السلام) حجّتين مكان ثلاث حجج، فتعمّ ما إذا تضاعف المؤن ولم يكف ما أوصى به إلاّ لحجّ واحد.
فإن قلت: عقد صاحب الوسائل باباً(1) لهذا الفرع نقل روايات دالة على أنّه إذا تبلغ التركة للبلدي فيحجّ من حيث تبلغ ولو من الميقات .
قلت: لا صلة لها بالمقام، لأنّ المفروض هنا عدم التمكّن من البلدي أساساً بخلاف المقام، فلاحظ.

1 . الوسائل:8، الباب2 من أبواب النيابة في الحج.

صفحه 197
هذا كلّه إذا لم يعلم من الموصي إرادة الحجّ بذلك المقدار على وجه التقييد، وإلاّ فتبطل الوصيّة إذا لم يرج إمكان ذلك بالتأخير، أو كانت الوصيّة مقيّدة بسنين معيّنة.*
المسألة7: إذا أوصى بالحجّ وعيّن الأُجرة في مقدار فإن كان الحجّ واجباً، ولم يزد ذلك المقدار عن أُجرة المثل، أو زاد وخرجت الزيادة من الثلث تعيّن، وإن زاد ولم تخرج الزيادة من الثلث بطلت الوصيّة، ويرجع إلى أُجرة المثل، وإن كان الحجّ مندوباً فكذلك تعيّن ـ أيضاً ـ مع وفاء الثلث بذلك المقدار، وإلاّ فبقدر وفاء الثلث، مع عدم كون التعيين على وجه التقييد، وإن لم يف الثلث بالحجّ أو كان التعيين على وجه التقييد بطلت الوصيّة، وسقط وجوب الحجّ.*
*الفرع الرابع: إذا كانت الوصية بتعدّد الحجّ بالمقدار المعيّن على نحو التقييد تبطل الوصية ولم يُرجَ إمكان ذلك بالتأخير، لأنّها صارت غير مقدورة كما أنّها إذا كانت مقيّدة بالسنين المعيّنة على نحو لا يُريد في غير تلك السنين يكون حكمه حكم التعذر من حيث المال.
* في المسألة فروع:
1. إذا أوصى بالحج الواجب وعيّن الأُجرة في مقدار ولم يزد عن أُجرة المثل.
2. تلك الصورة ولكن زادت عن أُجرة المثل وكان الثلث وافياً بالزيادة.
3. تلك الصورة أيضاً ولكن لم يكن الثلث وافياً بها.

صفحه 198
4. إذا أوصى بالحجّ المندوب وعيّن الأُجرة في مقدار وكان الثلث وافياً بها.
5. تلك الصورة ولم يكن الثلث وافياً بالمقدار الذي عينه ولكنّ الثلث ـ و إن كان أقل ممّا عين ـ يفي بالحجّ.
6. إذا لم يف الثلث بالحجّ أو يفي ولكن كان التعيين بالمقدار على وجه التقييد.
وإليك دراسة الفروع وإن كان حكم الجميع معلوماً ممّا سبق.
أمّا الأوّل: فبما أنّ الأُجرة المعيّنة لا تزيد عن أُجرة المثل تعينت.
وأمّا الثاني: فبما أنّ الأُجرة المحدّدة تزيد عن أُجرة المثل والثلث يفي بالزيادة، تعينت الأُجرة المعيّنة.
وأمّا الثالث: فبما أنّ الثلث غير واف بالزيادة، بطلت الوصية ويرجع إلى أُجرة المثل فيخرج من الأصل، ولا معنى لاحتمال التقييد بالأُجرة المحددة، لأنّ المفروض أنّ الحجّ واجب لا محيص عن إتيانه استئجاراً.
هذا كلّه حول الحجّ الواجب، وأمّا الحجّ المندوب ففيه الصور التالية:
وأمّا الرابع: فبما أنّ الحجّ الموصى به مندوب يخرج من الثلث والمفروض انّه واف بالأُجرة المحدّدة، تعيّنت الأُجرة.
وأمّا الخامس: فبما أنّ الحجّ الموصى به مندوب والثلث غير واف بالأُجرة المعينة، والثلث واف بالحجّ، يستأجر بقدر وفاء الثلث مع افتراض عدم كون التعيين في المقدار المحدد، على وجه التقييد.
وأمّا السادس: فبما أنّ الثلث غير واف بالحج أو هو واف ولكن دلّت القرائن على التقييد بالأُجرة المعينة وانّ الموصي لا يريد الحج إلاّ بالمقدار المحدد، بطلت الوصية إمّا لتعذر الحجّ، أو لتعذّر القيد.

صفحه 199
المسألة 8: إذا أوصى بالحجّ وعيّن أجيراً معيّناً تعيّن استئجاره بأُجرة المثل، وإن لم يقبل إلاّ بالأزيد، فإن خرجت الزيادة من الثلث تعيّن أيضاً، وإلاّ بطلت الوصيّة، واستؤجر غيره بأُجرة المثل في الواجب مطلقاً، وكذا في المندوب إذا وفى به الثلث ولم يكن على وجه التقييد، وكذا إذا لم يقبل أصلاً.*
* في المسألة فروع يعلم حكمها ممّا مضى، ولذلك نذكر فهرسها مع الإشارة إلى الدليل:
1. لو أوصى بالحجّ الواجب وعيّن أجيراً معيّناً، تعيّن استئجاره بأُجرة المثل، لأنّ الأُجرة تخرج من صلب المال فلا يجوز الاستئجار بأكثر منها، ولذلك لو قبل الأجير المعين الاستئجار بالأقل لتعيّن.
2. إن لم يقبل الأجير المعين إلاّ بالأزيد فإن خرجت الزيادة من الثلث تعيّن أيضاً وإلاّ بطلت الوصيّة، لأنّه عيّن أجيراً معيناً وهو يردّ الاستئجار بأُجرة المثل ويطلب الزيادة والورثة غير مسؤولين عنها والمفروض عدم وفاء الثلث بالزيادة فتعذّر العمل بالوصية الخاصة، لكن يستأجر غيره بأُجرة المثل، لأنّ المفروض أنّ الحجّ واجب لا يُترك.
3. ولو أوصى بالحجّ المندوب، وعيّن أجيراً يجب الاستئجار بأُجرة المثل من الثلث ـ إذا كان وافياً ـ فلو لم يقبل الأجير المعيّن، الاستئجار بأُجرة المثل، استؤجر غيره بها بشرط أن لا يكون تعيين الأجير على وجه التقييد، بحيث لولا قبوله، لما أوصى بالحجّ، إذ عندئذ بطلت الوصية من رأس.
وهذا بخلاف الوصية بالحجّ الواجب، إذ لا يتصور فيه التقييد بالأجير

صفحه 200
المسألة9: إذا عيّن للحجّ أُجرة لا يرغب فيها أحد وكان الحجّ مستحبّاً بطلت الوصيّة إذا لم يرج وجود راغب فيها، وحينئذ فهل ترجع ميراثاً، أو تصرف في وجوه البرّ، أو يفصّل بين ما إذا كان كذلك من الأوّل فترجع ميراثاً أو كان الراغب موجوداً ثمّ طرأ التعذّر؟ وجوه، والأقوى هو الصرف في وجوه البرّ، لا لقاعدة الميسور، بدعوى أنّ الفصل إذا تعذّر يبقى الجنس، لأنّها قاعدة شرعيّة، وإنّما تجري في الأحكام الشرعيّة المجعولة للشارع، ولا مسرح لها في مجعولات الناس، كما أشرنا إليه سابقاً، مع أنّ الجنس لا يعدّ ميسوراً للنوع، فمحلّها المركّبات الخارجيّة إذا تعذّر بعض أجزائها، ولو كانت ارتباطيّة، بل لأنّ الظاهر من حال الموصي ـ في أمثال المقام ـ إرادة عمل ينفعه، وإنّما عيّن عملاً خاصّاً لكونه أنفع في نظره من غيره، فيكون تعيينه لمثل الحجّ على وجه تعدّد المطلوب وإن لم يكن متذكّراً لذلك حين الوصيّة.*
المعيّن، فلو امتنع يستأجر غيره لكونه واجباً مفروضاً.
4. إذا لم يقبل الأجير المعيّن في الحجّ المندوب ما يقابل الثلث ولم يقبله غيره أيضاً، بطلت الوصيّة، لتعذّر العمل بها.
* في المسألة فرعان:
1. إذا أوصى بالحج المستحب وعيّن أُجرة لا يرغب فيها أحد، بطلت الوصية، إنّما الكلام في حكم الأُجرة.
2. إذا عُلم أنّ الإيصاء بالأُجرة المعيّنة من باب التقييد فما هو حكم الأُجرة؟ وإليك دراسة الفرعين:

صفحه 201
الفرع الأوّل: إذا عيّن للحج المستحب أُجرة لا يرغب فيها أحد، بطلت الوصية، لامتناع العمل بها، لكن إذا لم يرج وجود راغب فيها، وإلاّ يجب الصبر. وفي صورة البطلان ما هو حكم الأُجرة؟! ففيه أقوال:
أ. ترجع ميراثاً. نقله المحقّق عن بعضهم.
ب. تصرف في وجوه البر. وهذا هو المشهور.
ج. يفصل بين ما إذا كان كذلك (لا يرغب فيها أحد) من الأوّل فترجع ميراثاً، أو كان الراغب موجوداً ثمّ طرأ التعذر فتصرف في وجوه البرّ، وهو خيرة المحقّق الثاني.
قال المحقّق: وإن قصر عن الحج حتى لا يرغب فيه أجير، صرف في وجوه البرّ، وقيل: يعود ميراثاً.(1)
وذكر الشهيد الثاني وجههما بقوله: وجه الأوّل خروجه عن ملك الوارث بالوصية، لأنّ الإرث بعد الوصية، فإذا تعذر المصرف الخاص بقي العام الداخل ضمناً، وهو مطلق ما يتقرب به، فيصرف في وجوه البر.
ووجه الثاني كون العام غير مقصود، وإنّما أخرجه عن الورثة بشرط صرفه في الوجه المعيّن، فإذا تعذر عاد ميراثاً، بل كشف عن سبق الميراث له من حين الموت، وإنّما عاد ظاهراً.(2)
واختار المحقّق الثاني الاحتمال الثالث في عبارة المصنّف .وقال في «جامع المقاصد» معلّقاً على قول العلاّمة في «القواعد»: «ولو قصر عن الأقل عاد ميراثاً على رأي» ما هذا لفظه: هذا هو الأصح لعدم صحّة وصيته، لكن هذا إذا لم

1 . الشرائع:1/235.
2 . المسالك:2/189.

صفحه 202
يتمكّن الوصي من إخراج الوصية ثمّ طرأ القصور بعد ذلك بحدوث زيادة الأُجرة فإنّه يبعد القول بعوده ميراثاً.(1)
واختاره في «المسالك» فقال: إن كان قصوره حصل ابتداءً بحيث لم يمكن صرفه في الحجّ في وقت ما فكونه ميراثاً أقوى لما ذكر، وإن كان ممكناً ثمّ طرأ القصور بعد ذلك لطروء زيادة الأُجرة ونحوه فانّه لا يعود ميراثاً، لصحّة الوصية ابتداءً فخرج بالموت عن الوارث فلا يعود إليه إلاّ بدليل، فإذا تعذّر المصرف المعين، صرف في البرّ.(2)
ثمّ إنّ الشهيد احتمل وجهاً رابعاً فقال: لو أمكن استنماؤه بالتجارة وصرفه في الحج بعد مدّة، فالظاهر وجوبه وكذا لو رجا إخراجه في وقت آخر.(3)
والأقوى من هذه الوجوه هو ما اختاره المصنّف، أعني: الصرف في وجوه البرّ، لأنّ الظاهر من حال الموصي في أمثال المقام إرادة عمل ينفعه وإنّما عيّن عملاً خاصاً لكونه أنفع في نظره من غيره، فيكون تعيينه لمثل الحج على وجه تعدّد المطلوب وإن لم يكن متذكّراً لذلك حين الوصية. ويؤيّده ما ورد في نظائر المقام كما ستوافيك.
وأمّا التفصيل الذي عليه المحقّق الثاني فغير تام، لأنّ كون الوصية غير مرغوب فيها من أوّل الأمر لا يستلزم بقاؤها في ملك الوارث، إلاّ إذا لم يمكن العمل بالوصية، وهو فرع عدم احتمال تعدّد المطلوب والمفروض وجود ذلك الاحتمال، فيكون حكم الصورتين واحداً.
ثمّ إنّ للمسألة نظائر في الأخبار، وقد عولجت المشكلة فيها بنحو تعدّد

1 . جامع المقاصد:3/148 .
2 . المسالك:2/189.
3 . المسالك:2/189.

صفحه 203
المطلوب وصرف ما أوصى به في صالح الميت مهما أمكن:
1. المكاتبتان لإبراهيم بن مهزيار المذكورتان في المسألة السادسة، حيث إنّ الإمام أجاز التصرّف في الوصية بجعل حجّتين حجاً واحداً، لأنّه الأقرب إلى مقصود الموصي. فيعلم أنّ الملاك ـ عند التعذّر ـ ما هو أقرب إلى مقصود الموصي.
2. خبر محمد بن الريّان قال: كتبت إلى أبي الحسن(عليه السلام) أسأله عن إنسان أوصى بوصية فلم يحفظ الوصيّ إلاّ باباً واحداً منها، كيف يصنع بالباقي؟ فوقّع (عليه السلام): «الأبواب الباقية اجعلها في البر».(1)
3. موثّقة سماعة قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل أوصى أن يعتق عن نسمة من ثلثه بخمسمائة درهم، فاشترى الوصي بأقلّ من خمسمائة درهم وفضلت فضلة فما ترى في الفضلة؟ فقال: «تدفع إلى النسمة من قبل أن تعتق ثمّ تعتق عن الميت».(2)
4. ما ورد في من نذر الحجّ ماشياً، حافياً وطرأ العجز فورد أنّه يحجّ راكباً، روى ذريح المحاربي، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن رجل حلف ليحجّن ماشياً، فعجز عن ذلك فلم يطقه؟ قال: «فليركب وليسق الهدي».(3)
5. خبر علي بن مزيد الذي نقله المصنف في المتن، فقد أجاز الإمام التصدق إذا لم تبلغ أن يحج بها من مكة.(4)

1 . الوسائل:13، الباب61 من أبواب الوصايا، الحديث1.
2 . الوسائل:13، الباب77 من أبواب الوصايا، الحديث1.
3 . الوسائل:8، الباب34 من أبواب وجوب الحجّ وشرائطه، الحديث2. ولاحظ عامة روايات الباب.
4 . الوسائل:13، الباب37 من أبواب كتاب الوصايا، الحديث2; والباب87 منه، الحديث1.

صفحه 204
نعم لو علم في مقام كونه على وجه التقييد في عالم اللبّ أيضاً يكون الحكم فيه الرجوع إلى الورثة.*
ولا فرق في الصورتين بين كون التعذّر طارئاً أو من الأوّل.*
ويؤيّد ما ذكرنا ما ورد من الأخبار في نظائر المقام، بل يدلّ عليه خبر عليّ بن سويد عن الصادق(عليه السلام) قال: قلت: مات رجل فأوصى بتركته أن أحجّ بها عنه، فنظرت في ذلك فلم تكف للحجّ، فسألت من عندنا من الفقهاء، فقالوا: تصدّق بها، فقال(عليه السلام): «ما صنعت؟»قلت: تصدّقت بها فقال(عليه السلام): «ضمنت إلاّ أن لا تكون تبلغ أن يحجّ بها من مكّة، فإن كانت تبلغ أن يحجّ بها من مكّة فأنت ضامن». *
وهناك احتمال رابع: وهو إكمال الأُجرة من ثلث الميت لو كان له ثلث بأن يقال :انّ تعيين الأُجرة غير الوافية بالحجّ كان من قبيل الخطأ في التطبيق، فمراده الجدّي هو الحج عنه، بأيّ نحو كان، لكنّه تخيّل أنّ الأُجرة التي عيّنها تفي بالحجّ، فعيّنها، فلو كان واقفاً بعدم وفائها، لزاد على الأُجرة على نحو تفي بالحجّ.
* لأنّ مفاد التقييد انّ له وصية واحدة لا غير، وهو الحجّ بالمقدار المعيّن والمفروض تعذّره، فتكون إيصاءً بأمر متعذر فتبطل، فيرجع إلى الورثة.
*. إشارة إلى قول المحقّق الثاني على ما مرّ. وقد مرّ نقد دليله وانّه مبني على تعدّد المطلوب، وإلاّ فالوصية ليست غير مقدورة، فالدرجة الأُولى وإن كانت غير مقدورة ولكن الدرجة الثانية مقدورة.
*اعلم أنّ المصنّف نقله عن علي بن سويد، ونقله في «الوسائل» في كلا

صفحه 205
ويظهر ممّا ذكرنا حال سائر الموارد الّتي تبطل الوصيّة لجهة من الجهات، هذا في غير ما إذا أوصى بالثلث وعيّن له مصارف وتعذّر بعضها، وأمّا فيه فالأمر أوضح، لأنّه بتعيينه الثلث لنفسه أخرجه عن ملك الوارث بذلك فلا يعود إليه.*
البابين عن علي بن مزيد الموافق لما في الفقيه(1) والتهذيب(2)، ونقله في «الكافي» عن علي بن فرقد(3)، ولم يعلم مستند المصنّف، والرواية على ما ذكرنا ضعيفة، لأنّ علي ابن فرقد أو علي بن مزيد لم يوثّقا، ولكن إتقان المضمون دالّ على صحّته.
* أشار المصنف إلى أمرين:
1. انّ هذا الحكم جار في كلّ مورد أوصى لجهة واحدة وتعذّر العمل بالوصية فيها، فيصرف في وجوه البرّ.
2. إذا وصى بالثلث أوّلاً ثمّ عيّن له مصارف كالحجّ والصلاة ونحوهما وتعذّر العمل بها في بعضها، فيصرف في وجوه البرّ قطعاً، واحتمال رجوعه إلى الوارث منفي، لأنّه بتعيينه الثلث لنفسه أوّلاً أخرجه عن ملك الوارث ثمّ عين موارده.

1 . الفقيه:4/154، برقم 534.
2 . التهذيب:9/228 برقم 896.
3 . الكافي:7/21 الحديث1.

صفحه 206
المسألة10: إذا صالحه على داره مثلاً وشرط عليه أن يحجّ عنه بعد موته صحّ ولزم،وخرج من أصل التركة وإن كان الحج ندبياً، ولا يلحقه حكم الوصية. ويظهر من المحقّق القمي(قدس سره)في نظير المقام إجراء حكم الوصية عليه، بدعوى أنّه بهذا الشرط ملك عليه الحجّ، وهو عمل له أُجرة، فيحسب مقدار أُجرة المثل لهذا العمل، فإن كانت زائدة عن الثلث توقف على إمضاء الورثة، وفيه: أنّه لم يملك عليه الحجّ مطلقاً في ذمّته ثمّ أوصى أن يجعله عنه، بل إنّما ملك بالشرط الحج عنه،وهذا ليس مالاً تملكه الورثة، فليس تمليكاً ووصية، وإنّما هو تمليك على نحو خاص لا ينتقل إلى الورثة.*
* وفي المسألة فرعان:
1. إذا صالحه على داره مثلاً وشرط عليه أن يحجّ عنه بعد موته، فهل هو تمليك في حال حياته فلا يدخل في التركة، أو وصية لا تجوز إلاّ في مقدار الثلث؟
2. لو تخلّف المُصالَح ولم يحج فإلى مَن الخيار؟!
الفرع الأوّل: قد ابتكره المحقّق القمي(قدس سره)، وتابعه المصنّف ولكن خالفه في الفتوى، وقد أوجدت فتوى المصنّف في هذه المسألة مجالاً واسعاً للنقاش والمناظرة في زمانه مع معاصريه، وإليك البيان:
إذا صالحه على داره مثلاً وشرط عليه أن يحجّ عنه، صحّ الصلح، لعموم أدلّة الصلح وشموله للمقام، فالدار تصير ملكاً للمصالَح ـ بلا إشكال ـ إنّما الكلام في الحجّ الذي ملكه المصالِح في ذمّة المتصالَح، فهل هو بما أنّه عمل له أُجرة

صفحه 207
وقيمة ينتقل ـ كسائر ما يملكه المصالِح ـ إلى الورثة، إذ لا فرق في الانتقال بين الأعيان والأعمال التي يملكها الميت، كما إذا ملك خياطة قميص على ذمة خياط، فهو بما انّه عمل له قيمة ينتقل إلى الورثة، أو هو يبقى في ملك المورِّث المصالِح دون أن ينتقل إلى الورثة، وانّ هنا فرقاً واضحاً بين تملّك الحجّ في ذمّة المتصالَح، والخياطة في ذمّة الخياط كما سيظهر.
ذهب المحقّق القمي إلى الوجه الأوّل قائلاً بأنّ عمل الحج له أُجرة، ملكها الميت فينتقل بموته إلى الورثة، وبما أنّ الميت شرط عليه صرف العمل في حقّه يجري عليه أحكام الوصية، فإن كان واجباً فلا كلام حيث إنّه يحسب أُجرة الحج من الأصل، وإن كان مندوباً يحسب من الثلث، فيجب العمل به إذا كان الثلث وافياً وإلاّ يتوقف على إذن الورثة، فإن لم يأذن الورثة بطلت الوصية .
وإلى ذلك أشار المحقّق القمي بقوله: إنّه بهذا الشرط ملك عليه الحجّ، وهو عمل له أُجرة فيحسبُ مقدارُ أُجرة المثل لهذا العمل، فإن كان زائداً على الثلث، توقّف على إمضاء الورثة.
فكان المحقّق القمي يفسر قول القائل:«صالحتك على داري بشرط أن تحجّ عنّي»، أي ملِكتُ الحجَّ على ذمّتك، فأُوصيك أن تحج عنّي، وقول القائل يتضمن معنى الإيصاء، إذ ليس الإيصاء إلاّ التصرف في الملك والحقوق، والرجل تصرّف في ملكه، وجعل الحجّ المملوك لنفسه.
وذهب المصنّف إلى الوجه الثاني وانّه ملك للميت غير قابل للانتقال إلى الورثة، وذلك ببيانين وإن لم يُميّزا في كلام المصنّف.
الأوّل: إذا ملك الإنسان شيئاً ثمّ جعله موضوعاً للتصرّف بعد وفاته، فهذا يدخل في باب الوصيّة، فتكون الوصية في طول الملك، كما إذا أوصى أن يصرف

صفحه 208
داره في الحجّ عنه، فقد ملك الدار ثمّ أوصى.
وأمّا إذا ملك شيئاً دون أن يكون موضوعاً للتصرف فيه، فهذا لا يدخل في باب الوصية، كما في المقام حيث ملك الرجل في حال حياته ـ بالشرط ـ الحجّ عنه، فقط دون أن يجعله موضوعاً للإيصاء والتصرف الزائد، فهذا يُعدّ خارجاً عن بابها.
والمقام من قبيل القسم الثاني: «انّه لم يملك عليه الحج مطلقاً ثمّ أوصى أن يجعله عنه (القسم الأوّل)، بل إنّما ملك ـ بالشرط ـ الحج عنه» فليس تمليكاً ووصية ، وإنّما هو تمليك على نحو خاص لا ينتقل إلى الورثة.
وهذا البيان يركّز على أنّ باب الوصية يتميّز عن غيره بوجود الملك أوّلاً ثمّ تترتب الوصية عليه، وليس المقام كذلك، بل ليس هناك إلاّ مملوك خاص وهو «الحجّ عنه» وقد ملكه عن طريق الشرط.
الثاني: ما أشار إليه بقوله:«وهذا ليس مالاً تملكه الورثة» وهو كلام مجمل.
توضيحه: إنّ الحجّ على ذمّة المتصالَح وإن كان عملاً يبذل بإزائه الثمن، لكنّه إنّما يبذل بإزائه الثمن إذا كان قابلاً للإتيان عن الميت وغيره; وأمّا إذا لم يكن هناك وجه سوى الإتيان عن الميت، فلا يُعدّ هذا العمل ملكاً منتقلاً إلى الورثة.
والحاصل: أنّ الحجّ المطلق مال قابل للانتقال، وأمّا الحجّ المقيّد بكونه عن الموصي غير قابل للانتقال إلى الوارث فلا يُعدّ مثله من الأموال أو الحقوق المتروكة، فلا يبذل بإزائه الثمن.
وأورد عليه السيد الحكيم(قدس سره) بقوله: كيف لا يكون مالاً وقد جُعل عوضاً عن مال؟ كما لو استأجره للحج عنه بعد وفاته، أو في حياته، أو يحج عن ميت له مع أنّ الانتقال إلى الوارث لا يتوقف على المال، مثل حبّة الحنطة فإنّها تنتقل إلى

صفحه 209
الوارث إذا كانت مملوكة للمورّث، لعموم ما دلّ على انتقال «ما ترك الميّت إلى وارثه».(1)
يلاحظ عليه: أنّ المصنّف ليس بصدد نفي المالية على وجه الإطلاق، بل بصدد نفي «مال تملكه الورثة» ،ومثل هذا لا يعدّ مالاً مطلق العنان قابلاً للتصرّف للورثة، بل هو مال على نحو خاص غير قابل للانتقال إلى الورثة، وذلك لأنّه لو كان المال المتروك هو مطلق الحجّ الذي هو قابل لأن يأتي به المصالَح عن الميّت وغيره يكون قابلاً للانتقال، وأمّا لو كان المال المتروك، هو الحجَّ المقيّد بكونه عن الميّت فهو ليس قابلاً للانتقال، لأنّ القابل للانتقال ما يكون للوارث فيه حقّ التحكّم والتصرّف، ومثل هذا غير قابل له.
ولعلّه إلى ما ذكرنا يشير السيد الحكيم في ذيل كلامه ويقول: اللّهمّ إلاّ أن يدّعى انصراف دليل عموم الانتقال إلى الوارث إلى ما لم يكن له تعيّن في التصرف ويكون التصرف فيه مردداً بين الوارث وغيره، مثل الأعيان والحقوق التي لا تعيّـن لها في الصرف واعمال السلطنة، فدليل الانتقال يوجب انتقالها إلى الوارث فلا يشمل المقام، فإنّ الحجّ المشروط أو المملوك بالإجارة يتعيّن صرفه للميت بمقتضى العقد والشرط، فلا يدخل في عموم الانتقال.
والسبب في هذا الانصراف قصور:«ما ترك الميت...» عن شمول مثل ذلك لاختصاصه بالسائب الذي لا تعيّن له.(2)
كان الهدف ـ إلى هنا ـ تبيين مقاصد المصنّف ،لأنّ العلمين الجليلين الشارحين لم يخوضا في تبيينه، ومع ذلك فكلّ من البيانين لا يخلو من مناقشة.
أمّا الأوّل فلأنّ كون الوصية في طول الملك أمر غالبي لم يدلّ على أنّه من

1 . المستمسك:11/101.
2 . المستمسك:11/101.

صفحه 210
وكذا الحال إذا ملكه داره بمائة تومان ـ مثلاً ـ بشرط أن يصرفها في الحجّ عنه أو عن غيره، أو ملكه إيّاها بشرط أن يبيعها ويصرف ثمنها في الحجّ أونحوه. فجميع ذلك صحيح لازم من الأصل وإن كان العمل المشروط عليه ندبياً.*
أركان الوصية، حتى يخرج عنه ما ليس كذلك، بل يكفي في ذلك تقارنهما زماناً، كما في المقام حيث إنّ الرجل بقوله: «صالحتك على داري على أن تحج عنّي» ، ينشئ الملكية والوصية معاً، ولذلك يتلقّاه العرف وصية ولا يلتفت إلى الدقّة التي بذلها المصنّف حوله. نظير ذلك: لو صالح على داره على أن يتصدّق كلّ يوم ديناراً للفقير إلى خمسة أعوام، فيتلقّاه العرف إيصاء، فلو مات وكان ما أوصى بإعطائه الفقير أزيد من ثلثه يتوقّف على إجازة الورثة.
وأمّا الثاني فلو كان الحجّ في كلامه، القسم الواجب فليس للوارث التصرف فيه، وأمّا إذا كان مندوباً وكان أُجرة الحجّ المملوك يوم تُوفّي، أزيد من الثلث يتوقّف على إذن الوارث.ولا يتوقّف على جواز بيعه من غيره، بل يكفي أن يجوز للوارث التصرف فيه بمنع نفوذه إذا كانت أُجرة الحجّ زائدة على الثلث.
ومع ذلك كلّه فلعلّ الأقوى قول المصنّف، فإنّ الغاية من تعليق النفوذ على إجازة الوارث إذا كانت أُجرة الحجّ زائدة على ثلثه، ما لم ينفذه الوارث، هو انقلاب العقد اللازم ـ أي انتقال الدار إلى المتصالِح له ـ إلى الجائز، وهو رهن دليل، ومقتضى إطلاق أُوفوا بالعقود هو لزوم الوفاء به، سواء أذن الوارث أم لم يأذن.
* إنّ المصنّف أوضح مقصوده بمثالين:

صفحه 211
الأوّل: إذا ملّكه داره بمائة تومان ـ مثلاً ـ بشرط أن يصرفها في الحجّ عنه أو عن غيره.
الثاني: إذا ملّكه إيّاها بشرط أن يبيعها ويصرف ثمنها في الحجّ عنه.
والفرق بين المثالين هو انّ المتصالِح يملك الثمن(مائة تومان) في المثال الأوّل ثمّ يشترط صرفها في الحج، بخلاف المثال الثاني إذ لا يملك شيئاً سوى الشرط على المتصالَح فيكون مشترِطاً وذلك مشترَطاً عليه.
يلاحظ على المثال الأوّل بأنّه إذا صحّ التملّك تنتقل الدار إلى المتصالَح والمائة دينار إلى المصالِح فتصير ملكاً له فينتقل إلى الورثة، وقد أشار إلى ما ذكرنا غير واحد من المعلّقين على الكتاب، منهم السيّد المحقّق البروجردي فقال: الأقوى في هذا هو ما ذكره المحقّق القمّي فإن شرطه عهدٌ منه إلى المتصالح بأن يصرف المائة تومان التي هي ملكه في ذمّته في الحجّ عنه بعد موته، وليس هذا شيئاً غير الوصية.وبعبارة أُخرى: المثال لا يطابق الممثّل.
وأمّا المثال الثاني وهو أن يملّكه العين بشرط بيعها وصرف ثمنها في الحجّ عنه، فهو ليس من مقولة الوصية، لأنّ الدار تنتقل إلى المصالح بإزاء الشرط، فليس هناك إلاّ وجوب الوفاء، والفرق بين الأوّل والثالث هو انّ المصالح يملك الحج عليه فيأتي هنا انّه أمر مملوك تركه الميت فهو لوارثه، بخلاف المقام إذ لا يملك شيئاً، سوى الشرط وهو ليس أمراً مملوكاً، غاية الأمر عليه الوفاء، فلو تخلّف فللوارث أو الوصي أو الحاكم على ما يأتي خيار الفسخ.

صفحه 212
نعم له الخيار عند تخلّف الشرط. وهذا ينتقل إلى الوارث، بمعنى: أنّ حق الشرط ينتقل إلى الوارث، فلو لم يعمل المشروط عليه بما شرط عليه يجوز للوارث أن يفسخ المعاملة.*
* الفرع الثاني : لو تخلّف المُتصالَح وترك الحجّ يثبت الخيار لتخلّف الشرط، إنّما الكلام في صاحب الخيار هل هو الوارث، أم الحاكم، أم الوارث بإذن الحاكم؟
فذهب المصنّف إلى أنّ حقّ الشرط ينتقل إلى الوارث، فلو لم يعمل المتصالَح بما شُرط عليه يجوز للوارث الفسخ.
يلاحظ عليه :بأنّه إذا كان الوارث أجنبياً عن متعلّق الخيار ـ كما هو مقتضى مختاره ـ فكيف ينتقل إليه الخيار؟!
وبعبارة أُخرى: أنّ الخيار الذي ينتقل إلى الورثة هو الخيار الذي ينتفع به الوارث إعمالاً وإسقاطاً دون المقام الذي ليس للوارث أي نفع فيه، نعم ما ذكره صحيح على مختارنا وانّه حسب العرف من مصاديق الإيصاء.
ربما يحتمل أنّ الحاكم أو الوصيّ يقوم بإعمال الخيار إذا تخلّف المشروط عليه، ولعلّ الوصي مقدّم على الحاكم، لأنّ الحاكم ولي من لا ولي له، والوصي له الولاية، والأولى: أن يرفع الوارث الشكوى إلى الحاكم ثمّ يقوم الوارث بإعمال الخيار بأمر الحاكم.

صفحه 213
المسألة11: لو أوصى بأن يحجّ عنه]بلديّاً[ ماشياً أو حافياً صحّ، واعتبر خروجه من الثلث إن كان ندبيّاً، وخروج الزائد عن أُجرة الميقاتيّة منه إن كان واجباً، ولو نذر في حال حياته أن يحجّ ماشياً أو حافياً، ولم يأت به حتّى مات، وأوصى به أو لم يوص، وجب الاستئجار عنه من أصل التركة كذلك. نعم لو كان نذره مقيّداً بالمشي ببدنه أمكن أن يقال: بعدم وجوب الاستئجار عنه، لأنّ المنذور هو مشيه ببدنه، فيسقط بموته، لأنّ مشي الأجير ليس ببدنه، ففرق بين كون المباشرة قيداً في المأمور به أو مورداً.*
* في المسألة فروع:
1. لو أوصى بأن يحجّ عنه ماشياً أو حافياً، فهل تخرج الأُجرة من الثلث، أو من الأصل، أو فيه التفصيل؟
2. ولو نذر في حال حياته أن يَحجَّ ماشياً أو حافياً ولم يأت به حتّى مات أوصى، أو لم يوص، فعلى القول بوجوب القضاء فهل الأُجرة تخرج من الأصل أو من الثلث؟
والفرق بين الفرعين انّ الحجّ الموصى به في الفرع الأوّل إمّا واجب أو مندوب، بخلاف المنذور به فهو واجب لا مندوب، غاية الأمر واجب بالعرض.
3. لو كان نذره مقيّداً بالمشي ببدنه ومات، فهل يسقط بموته؟ وإليك التفصيل.
الأوّل: لا شكّ في صحّة الوصية، فلو كان الحجّ الموصى به ندباً يخرج جميع مصارفه من الثلث، سواء أكانت أُجرة الحجّ ماشياً أم حافياً أزيد من

صفحه 214
الحجّ راكباً، أو مساوياً، أو أقلّ; وأمّا لو كان الحجّ واجباً بالذات أو بالعرض كالمنذور بناء على أنّه ملحق بالأوّل، أخرجت أُجرة الحجّ من الميقات من الأصل والزائد من الثلث.
ولو افترضنا انّ أُجرة الحجّ من الميقات ماشياً أو حافياً، أكثر من الحجّ الميقاتي راكباً، يحسب الزائد من الثلث. وكان على المصنّف التنبيه على ذلك.
الثاني: لو نذر في حال حياته أن يحجّ ماشياً أو حافياً ولم يأت به حتى مات وأوصى به أو لم يوص، وجب الاستئجار عنه من أصل التركة كذلك، أي على النحو المذكور في الفرع المتقدّم، فالزائد عن أُجرة الحجة الميقاتية من الثلث، كلّ ذلك بناء على وجوب قضاء الحجّ المنذور الفائت وكونه من الأصل، ولكنّك عرفت أنّ القضاء واجب ولكن يخرج من الثلث لما مر.
الثالث: لو كان نذره مقيداً بالمشي ببدنه، أمكن أن يقال بعدم وجوب الاستئجار عنه، لأنّ المنذور هو المشي ببدنه، والمفروض تعذره لموته، فيسقط.
والفرق بين الفرعين الثاني والثالث: حيث يجب القضاء في الثاني دون الثالث مع أنّ الناذر نذر في كلا القسمين الحجّ ماشياً أو حافياً، يكمن في كيفية أخذهما قيداً عند النذر، فلو أخذا قيداً بما هو حاج، يجب القضاء فيكون القيد حاصلاً لتنزيل النائب منزلة المنوب عنه، ولو أخذا قيداً له بما هو ناذر، فيتعذر القضاء، لأنّ النائب وإن كان حاجاً، لكنّه ليس بناذر، وهذا هو المراد من قوله: قيداً في المأمور به أو مورداً.
ثمّ إنّ السيد الحكيم فسّر كونهما قيداً أو مورداً تارة حسب ما ذكرناه، كما في ذيل كلامه، وأُخرى عكس ذلك ـ كما في صدر كلامه ـ فجعل كونهما قيداً للناذر ملاك القضاء، وكونهما قيداً للحاج ملاك عدمه.
والصحيح ما ذكره في الذيل، فلاحظ.

صفحه 215
المسألة12: إذا أوصى بحجّتين أو أزيد، وقال: إنّها واجبة عليه، صُدِّق، وتخرج من أصل التركة. نعم لو كان إقراره بالوجوب عليه في مرض الموت، وكان متّهماً في إقراره، فالظاهر أنّه كالإقرار بالدين فيه، في خروجه من الثلث إذا كان متهماً، على ما هو الأقوى.*
* في المسألة فرعان:
1. إذا أوصى بحجّتين أو أزيد وهو سالم.
2. لو أقرّ بحجتين أو أزيد وهو في مرض الموت.
وإليك دراسة الفرعين واحداً تلو الآخر.
الأوّل: إذا أوصى بحجّتين أو أزيد وهو سالم وقال: إنّها واجبة عليه، يُصدَّق، وتخرج الأُجرة من أصل التركة، لسماع الإقرار على النفس، من غير فرق بين الإقرار على العين أو العمل، إذ الإقرار بالعمل وإن لم يكن إقراراً بالدين مباشرة ولكنّه إقرار بالدين نتيجة، لأنّ الحجّ الاستئجاري رهن صرف المال، وقد اشتهر في الألسن «إقرار العقلاء على أنفسهم جائز» فهي قاعدة عقلائية يؤيدها الكثير من الروايات الواردة في غير واحد من أبواب الفقه كالرقّية والزوجية وغيرهما.
ولا فرق عند المصنّف بين أن يكون الحجّ الواجب حجة الإسلام أو الحج النذري، فالجميع يُخرج من الأصل لكن المختار عندنا التفريق بينهما، فأُجرة حجّة الإسلام تُخرج من الأصل حسب النصوص دون الحجّ النذري.
نعم ذهب السيد الخوئي إلى عدم وجوب قضاء الحجّ النذري، ومع ذلك فقد صار في هذه المسألة إلى وجوب القضاء ولكن قال بالخروج من الثلث،

صفحه 216
المسألة 13: لو مات الوصي بعدما قبض من التركة أُجرة الاستئجار، وشكّ في أنّه استأجر الحجّ قبل موته أو لا. فإن مضت مدّة يمكن الاستئجار فيها فالظاهر حمل أمره على الصحّة مع كون الوجوب فورياً منه، ومع كونه موسعاً إشكال. وإن لم تمض مدة يمكن الاستئجار فيها، وجب الاستئجار من بقية التركة إذا كان الحجّ واجباً، و من بقية الثلث إذا كان مندوباً. وفي ضمانه لما قبض وعدمه ـ لاحتمال تلفه عنده بلا ضمان ـ وجهان.*
وإليك نصّ عبارته: وأمّا إذا كان واجباً نذرياً، فخروجه من الأصل أو الثلث يبتني على الخلاف بيننا و بين المصنّف.(1) فإنّ ظاهر العبارة تسليم وجوب القضاء ودوران الأمر بين الخروج من الأصل أو الثلث مع أنّه نفى وجوب القضاء من رأس في محله.
الفرع الثاني: لو أقرّ بوجوب الحج عليه وهو في مرض الموت، فقد ذهب المصنّف إلى التفصيل الموجود في الإقرار بالدين في باب الوصية، وهو التفريق بين كون الموصي متّهماً في إقراره فيخرج من الثلث، أو غير متّهم فيخرج من الأصل، وتحقيق الحق موكول إلى كتاب الوصية.
* يدور الكلام في المسألة حول أمرين:
لو مات الوصي بعدما قبض من التركة أُجرة الاستئجار وشكّ في أنّه استأجر الحجّ قبل موته أو لا، فعند ذلك يقع الكلام في موضعين:
الأوّل: في وجوب الاستئجار من تركة الموصي إذا كان الحجّ واجباً، ومن

1 . المعتمد:2/146.

صفحه 217
بقية الثلث إذا كان مندوباً ، و ذلك لما مرّ من أنّ الاستئجار فضلاً عن مجرّد إخراج الأُجرة لا يسقط التكليف ما لم يأت الأجير بالحجّ، وذلك لأنّ الحجّ دين يتعلّق بالتركة من باب الكلّي في المعيّن، فمادامت التركة موجودة يتعلّق بها الدين وإن تلف ما تلف كحال عامّة الديون.
وعندئذ فلو ثبت ـ ولو بأصالة الصحّة في حقّ الوصيّ ـ الإتيان بالحجّ يسقط الاستئجار المجدد، وإلاّ يجب، أخذاً بحكم الدين ويكشف عن بطلان التقسيم.
وأمّا الإيصاء بالمندوب في المقام فإن ثبت الإتيان به ـ و لو بأصالة الصحة ـ فهو، وإلاّ يشترط في وجوب الاستئجار المجدد وفاء الثلث الباقي، للاستئجار المجدّد، لأنّ تعلّق الثلث بالمال من باب الإشاعة، فيحسب التلف أُجرة الحجّ التالفة على الورثة والثلث.
الثاني: ضمان الوصي لما قبض من الأُجرة.
وإليك الكلام في كلا الموضعين:
الموضع الأوّل: لو مات الوصي بعد ما قَبَض من التركة أُجرةَ الاستئجار وشُك في أنّه استأجر للحج قبل موته أو لا، فله حالتان:
الأُولى: مضي مدة يمكن الاستئجار فيها.
الثانية: عدم مضي مدة يمكن الاستئجار فيها.
أمّا الحالة الأُولى ـ أعني: مضي مدّة يمكن الاستئجار فيها ـ فقد فصّل المصنّف في لزوم الاستئجار من التركة أصلاً أو ثلثاً، بين ما إذا كان الحجّ واجباً فورياً مقيّداً بسنة، وما إذا كان واجباً موسّعاً غير مقيّد بسنة خاصة.
فذهب في الأوّل إلى جريان أصالة الصحّة وحمل أمر الوصي ـ الذي مات ـ

صفحه 218
نعم لو كان المال المقبوض موجوداً أخذ حتى في الصورة الأُولى، وإن احتمل أن يكون استأجر من مال نفسه إذا كان ممّا يحتاج إلى بيعه وصرفه في الأُجرة، وتملك ذلك المال بدلاً عمّا جعله أُجرة، لأصالة بقاء ذلك المال على ملك الميت.*
على الصحّة ،لأنّ عدم استئجاره مع كون الواجب فورياً ينافي تورّعه فتفرغ ذمّة الميت، بخلاف الثاني فقد استشكل فيه في حمل أمره وفعله على الصحة، لأنّ ترك استئجاره لا ينافي تورعه وتقواه.
وأمّا الحالة الثانية ـ أعني: عدم مضي زمان يمكن الاستئجار فيها ـ وجب الاستئجار من بقية التركة إذا كان الحجّ واجباً ومن بقية الثلث إذا كان مندوباً.
أقول: الظاهر وجوب الاستئجار مطلقاً، أمّا الحالة الثانية فواضحة، وأمّا الحالة الأُولى فالظاهر عدم جريان أصالة الصحة في المقام، سواء أكان الواجب فورياً أم موسعاً، وذلك لأنّ غاية ما تثبته أصالة الصحة هو أنّ الرجل لم يرتكب حراماً وهو لا يلازم استئجاره للحج، لأنّ عدم ارتكاب الحرام لا يلازم الاستئجار.
وبعبارة أُخرى: أنّ أصالة الصحة إنّما تجري في عمل مردّد بين الصحيح والفاسد فيحمل عليه ولم يُحرز في المقام صدور عمل منه. نعم لو أحرز انّه استأجر شخصاً وعلم أنّ الأجير أتى بالحجّ وشكّ في صحّة العمل المأتي به وعدمه، تجري أصالة الصحة.

* الموضع الثاني في ضمان الوصي لما قبض وعدمه

هل يحكم بضمان الوصي ـ و إن مات ـ لما قبض من الأُجرة أو لا؟ هنا

صفحه 219
صورتان:
الأُولى: إذا لم يكن ما قبض عنده موجوداً، وقد تردّّد المصنّف هنا مع أنّه جزم بعدم الضمان في المسألة الآتية، والفرق بين المقامين أنّ التلف في المقام مشكوك، وهناك معلوم مردد بين التقصير وعدمه.
والحقّ عدم الضمان، لأنّه فرع ثبوت كون التلف عن ضمان، وأمّا التمسّك بقاعدة اليد في إثبات الضمان فليس بتام، لأنّها مختصّة باليد العادية وهي ليست بمحرزة، فيكون من قبيل التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية .
وعلى كلّ تقدير لا أثر للقول بالضمان، ولا يُلزم ورثة الوصيّ بالتدارك، لأنّه دعوى على الميت، ولا يثبت إلاّ بالبيّنة وحلف المدّعي، وأنّى للمدّعي هذا الحلف والواقع مجهول؟!
الثانية: إذا كان المال موجوداً عنده، فقد ذهب المصنّف إلى أخذ المال في كلتا الصورتين، سواء أكان الواجب فورياً أم موسعاً، حتّى وإن احتمل انّه استأجر من مال نفسه وكان المال عيناً وتملك ذلك المال بدلاً عمّا جعله أُجرة، وذلك لأصالة بقاء ذلك المال على ملك الميّت.
وأورد السيد الحكيم(قدس سره) على المصنّف في حكمه بأخذ المال الموجود، حتى في الصورة الأُولى(كونه واجباً فورياً مع مضي مدة يمكن الاستئجار)، لأنّ فيها شبهة المخالفة العملية للتكليف المعلوم حيث قال: وصي الميت إن عمل بالوصية فقد خرج المال عن ملك الميت، وإن بقي على ملك الميت لم يعمل بالوصية، فالبناء على العمل بالوصية وبقاء المال على ملك الميت يعلم بمخالفته للواقع.(1)
ويمكن أن يقال: بأنّ غاية ما تثبته أصالة الصحّة، هو الحكم ظاهراً بفراغ

1 . المستمسك:11/107.

صفحه 220
المسألة14: إذا قبض الوصي الأُجرة وتلف في يده بلا تقصير لم يكن ضامناً، ووجب الاستئجار من بقية التركة أو بقية الثلث، وإن اقتسمت على الورثة استرجع منهم. وإن شكّ في كون التلف عن تقصير أو لا فالظاهر عدم الضمان أيضاً. وكذا الحال إن استأجر ومات الأجير ولم يكن له تركة، أو لم يمكن الأخذ من ورثته.*
ذمّة الميّت، وعدم الاستئجار عنه مجدّداً، وأمّا خروج المال الموجود عن ملكه فهو لازم عقلي لا يثبته الأصل المذكور، فليس هنا إلاّ أصل واحد وهو أصالة بقاء المال على ملك الميت.
* الفرق بين هذه المسألة، والمسألة الماضية هو انّ التلف في المقام قطعي دون السابقة، وعلى هذا تتفرع الفروع التالية:
1. إذا قبض الوصي الأُجرة وتلفت في يده بلا تقصير.
2. إذا تلفت الأُجرة في يده بعدما قسّمت التركة على الورثة.
3. إذا شكّ في كون التلف عن تقصير وعدمه.
4. إذا استؤجر ومات الأجير قبل أن يأتي بالحجّ ولم يكن له تركة أو لا يمكن الأخذ من ورثته.
وإليك دراسة الفروع واحداً تلو الآخر:
الفرع الأوّل: إذا قبض الوصي الأُجرة وتلفت في يده بلا تقصير، لا يضمن، لأنّه أمين والمفروض أنّ التلف بلا تقصير.
الفرع الثاني: إذا تلفت الأُجرة بعدما اقتسمت التركة على الورثة، وجب الاستئجار في الحجّ الواجب من بقية التركة وفي الحج المندوب من بقية الثلث.

صفحه 221
المسألة15: إذا أوصى بما عنده من المال للحج ندباً، ولم يعلم أنّه يخرج من الثلث]يفي به [أو لا، لم يجز صرف جميعه. نعم لو ادّعى أنّ عند الورثة ضعف هذا، أو أنّه أوصى سابقاً بذلك والورثة أجازوا وصيّته، ففي سماع دعواه وعدمه وجهان.*
أمّا الحجّ الواجب فهو يخرج من الأصل، وهو كالدين فلايحسب التلف عليهما، لو تلف من التركة شيء.
وإن شئت قلت : إنّ ثبوت الدين وأُجرة الحج الواجب بالنسبة إلى المال من باب الكلّي في المعيّن، فلو تلف شيء من التركة قبلهما لا ينقص منه شيء كما مرّ في المسألة السابقة.
وأمّا الحجّ المندوب فبما انّه يخرج من الثلث، فتعلّقه به من باب الإشاعة، فلو تلف شيء من التركة قبل التقسيم يحسب على سهام الورّاث وثلث الميت، وإن تلف بعده يحسب من الثلث، فلو كانت بقية الثلث وافية يحج عنه، وإلاّ بطلت الوصية.
الفرع الثالث: لو شك في كون التلف عن تقصير وعدمه، فالظاهر عدم الضمان، لأنّه من آثار التلف المستند إلى التفريط والتفويت وهو بعد مشكوك.
الفرع الرابع: إذا استؤجر ودفع الأجير لتهيئة أسباب السفر ومات الأجير، فلو لم يكن له تركة أو لم يمكن الأخذ من تركته، يكون حكمه حكم الفرع الأوّل .
* في المسألة فرعان:
1. إذا أوصى بما عنده من المال للحج ندباً، وشك في أنّ هذا المال بمقدار الثلث أو أزيد.

صفحه 222
2. لو ادّعى أنّ عند الورثة ضعف هذا، أو ادّعى أنّه أوصى سابقاً بذلك والورثة أجازوا وصيته.
وإليك دراسة الفرعين:
الفرع الأوّل: لو كان عنده مقدار من المال وأوصى أن يصرف خصوص هذا المال في الحج المندوب، وشك في أنّ هذا المال بمقدار الثلث أو أزيد، فهل تنفذ الوصية حينئذ أو لا؟
الظاهر من السيد الحكيم(قدس سره) هو تنفيذ الوصية، لأنّ حمل التصرف على الصحّة يقتضي أنّه تصرف في الثلث لاأزيد ، أو أنّه تصرف في الأكثر لكن بإجازة الورثة، وهذا الأصل حاكم على الاستصحاب، أعني: أصالة عدم مال غير هذا.(1)
وربّما يورد عليه بأنّ القدر المتيقّن من أصالة الصحة التي هي أصل عقلائي هو ما إذا أحرزت ولاية العامل على الفعل وشك في أنّه أوقعه على الوجه الصحيح أم لا، فيحمل فعله حينئذ على الصحة، وأمّا إذا شكّ في أصل ثبوت الولاية فلا يمكن إثبات الصحة بالأصل كما إذا تصدّى أحد لبيع دار زيد. وكذا إذا كانت عين موقوفة في يده وأراد بيعها وشكّ في أنّه هل له الولاية على ذلك أم لا.(2)
وحاصله: أنّه اشترط في التمسّك بأصالة الصحّة هو إحراز الموضوع وهو الولاية على المال، وهي بعدُ غير محرزة.
يلاحظ عليه: بالفرق بين الممثل والمثالين، فإنّه ليس للأجنبي أو للمتولّي ولاية على البيع إلا في ظروف خاصة، كما إذا كان الأجنبيّ وكيلاً، أو طرأ إحدى

1 . المستمسك:11/108.
2 . المعتمد:2/152.

صفحه 223
المسألة 16: من المعلوم أنّ الطواف مستحب مستقلاً من غير أن يكون في ضمن الحجّ، ويجوز النيابة فيه عن الميت، وكذا عن الحي إذا كان غائباً عن مكة، أو حاضراً وكان معذوراً في الطواف بنفسه، وأمّا مع كونه حاضراً وغير معذور فلا تصح النيابة عنه. وأمّا سائر أفعال الحجّ فاستحبابها مستقلاً غير معلوم، حتّى مثل السعي بين الصفا والمروة.*
المسوغات لبيع الوقف عند المتولّي، فمع الشكّ في الموضوع لا وجه لجريان أصالة الصحة.
وهذا بخلاف المقام فإنّ للرجل الولاية على تمام أمواله التي تحت يده بأن يبيعها أو يهبها أو يوصي فيها، فإذا شككنا في أنّ تصرفه هذا صحيح أو لا، فمقتضى أصالة الصحة هو تنفيذ الوصيّة.
الفرع الثاني: لو ادّعى (الموصي) أنّ عند الورثة ضعف هذا أو أنّه أوصى سابقاً بذلك والورثة أجازوا وصيته، ففي سماع دعواه وعدمه وجهان:
الأوّل: عدم السماع، لأنّه لم يثبت حجية إخبار ذي اليد عمّا في يده بجميع ما يرجع إلى ما تحت يده،إلاّ إذا كان إقراراً على نفسه.
والأظهر هو الأوّل، لأنّه من الأُمور التي لا تُعلم إلاّمن قبله. أضف إلى ذلك: كون المورد من مصاديق «من ملك شيئاً، ملك الإقرار به».
نعم سماع إخباره ، ليس بمعنى تنفيذ الوصية على وجه الإطلاق، سواء كان هناك معارضة من الورثة أو لا، بل تنفذ الوصية ما لم تكن هناك معارضة، وإلاّ فالأمر يرجع إلى القضاء.
* في المسألة فروع:

صفحه 224
1. الطواف بما هوهو مستحب.
2. تجوز النيابة فيه عن الميت.
3. تجوز النيابة عن الحي إذا كان غائباً عن مكة.
4. تجوز النيابة إذا كان حاضراً و كان معذوراً بالطواف بنفسه.
5. الطواف عن الحاضر غير المعذور.
6. حكم السعي المجرد عن الحجّ مطلقاً أصالة ونيابة.
وإليك دراسة الفروع والجميع منصوص عليه:
أمّا الأوّل: أعني: كون الطواف وإن لم يكن في ضمن الحج مستحب، فيدلّ عليه روايات كثيرة نقلها الحر العاملي في الباب الرابع من أبواب الطواف منها:
صحيح أبان بن تغلب، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) ـ في حديث ـ أنّه قال: «يا أبان هل تدري ما ثواب من طاف بهذا البيت أُسبوعاً؟» فقلت : لا، واللّه ما أدري، قال: «يكتب له ستة آلاف حسنة، ويمحى عنه ستة آلاف سيئة، ويرفع ستة آلاف درجة».(1) ، ولفظة «أُسبوعاً» قرينة على أنّ المراد هو الطواف المجرّد عن الحجّ.
وأمّا الفرع الثاني: وهو جواز النيابة عن الميت، فللنصوص الواردة في الطواف عن المعصومين أحياءً وأمواتاً.(2) وقد مرّ بعضها في المباحث السابقة.
وأمّا الفرع الثالث: أعني جواز النيابة عن الحيّ الغائب عن مكة : ففي صحيح معاوية بن عمار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ـ في حديث ـ قال: قلت له: فأطوف عن الرجل والمرأة وهي بالكوفة؟ فقال: «نعم، يقول حين يفتتح الطواف: اللّهم

1 . الوسائل:9، الباب4 من أبواب الطواف، الحديث1.
2 . الوسائل:8، الباب26 من أبواب النيابة في الحجّ.

صفحه 225
تقبّل من فلان».(1)
وأمّا الفرع الرابع: أي الحاضر المعذور، فقد استدل عليه السيد الحكيم بما ورد من الروايات الكثيرة في الطواف عن المريض، ففي صحيح حريز بن عبد اللّه،عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: «المريض المغلوب والمغمى عليه يُرمى عنه ويطاف عنه».(2)
يلاحظ عليه: أنّ الكلام في استحباب الطواف عن الحاضر المعذور مجرداً، لا في ضمن أعمال الحجّ، وما استدلّ به وارد في الطواف عنه في ضمن الحجّ، فالظاهر عدم جواز النيابة في هذه الصورة كالتالية.
وأمّا الفرع الخامس: أعني: الطواف عن الحاضر في مكة غير المعذور، فقد ورد المنع عنه، ففي صحيح إسماعيل بن عبد الخالق قال: كنت إلى جنب أبي عبد اللّه(عليه السلام) وعنده ابنه عبد اللّه، أو ابنه الذي يليه، فقال له رجل: أصلحك اللّه يطوف الرجل عن الرجل وهو مقيم بمكّة ليس به علّة؟ فقال: لا، لو كان ذلك يجوز، لأمرت ابني فلاناً فطاف عنّي» .(3)
وأمّا الفرع السادس: استحباب سائر أفعال الحجّ مستقلاً ، كالرمي والسعي بين الصفا والمروة، فهو غير ثابت.
نعم استدلّ السيد الحكيم باستحباب السعي بصحيح محمد بن قيس عن أبي جعفر(عليه السلام)قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): لرجل من الأنصار: إذا سعيت بين الصفا والمروة كان لك عند اللّه أجر من حجّ ماشياً من بلاده، ومثل أجر من أعتق سبعين

1 . الوسائل:8، الباب18 من أبواب النيابة في الحج، الحديث 1.
2 . الوسائل:9، الباب49 من أبواب الطواف، الحديث1. ولاحظ سائر أحاديث الباب.
3 . الوسائل:9، الباب51 من أبواب الطواف، الحديث1.

صفحه 226
رقبة مؤمنة.(1)
يلاحظ عليه: أنّ صاحب الوسائل قطع الحديث، فقد ذكر صدره دون ذيله، والذيل شاهد على أنّ السعي المذكور هو ضمن الحجّ، فالحديث بصدد بيان الثواب لأعمال الحج ومناسكه وليس بصدد بيان الثواب لكلّ واحد من أفعال الحجّ.(2)
وأمّا الاستدلال بخبر أبي بصير قال: سمعت أبا عبد اللّه(عليه السلام)يقول: «ما من بقعة أحبّ إلى اللّه عزّ وجلّ من المسعى، لأنّه يذل فيها كلّ جبار».(3) فليس له إطلاق يعمّ السعي المجرّد عن الحجّ.

1 . الوسائل:9، الباب1 من أبواب السعي ، الحديث15.
2 . لاحظ التهذيب:5/20.
3 . الوسائل:9، الباب1 من أبواب السعي، الحديث2.

صفحه 227
المسألة17: لو كان عند شخص وديعة، ومات صاحبها وكان عليه حجّة الإسلام، وعلم أو ظن أنّ الورثة لا يؤدّون عنه إن ردّها إليهم، جاز ـ بل وجب عليه ـ أن يحجّ بها عنه، وإن زادت عن أُجرة الحجّ ردّ الزيادة إليهم. لصحيحة بريد عن رجل استودعني مالاً فهلك، وليس لوارثه شيء ولم يحجّ حجّة الإسلام؟ قال(عليه السلام): «حج عنه وما فضل فأعطهم». وهي وإن كانت مطلقة إلاّ أنّ الأصحاب قيدوها بما إذا علم أو ظنّ بعدم تأديتهم لو دفعها إليهم، ومقتضى إطلاقها عدم الحاجة إلى الاستئذان من الحاكم الشرعي، ودعوى أنّ ذلك للإذن من الإمام(عليه السلام)كما ترى، لأنّ الظاهر من كلام الإمام(عليه السلام)بيان الحكم الشرعي، ففي مورد الصحيحة لاحاجة إلى الإذن من الحاكم.*
* فيما نقلناه من المتن، فروع:
1. لو كان عند شخص وديعة ومات صاحبها وعليه حجّة الإسلام، يجب عليه أن يحجّ بها عنه.
2. اختصاص الحكم بما إذا علم أو ظنّ بعدم تأدية الورثة ـ لو دفع الوديعة إليهم ـ الحجّ .
3. هل حج المستودع عن المودع في هذه الحالة يتوقف على إذن الحاكم الشرعي؟
الفـرع الأوّل : إذا علم المستـودع بعد مـوت المودِع أنّ عليه حجّة واجبة، يحجُّ عنه أو يَستأجر مَن يحجّ عنه، بما لديه من الوديعة، ولو زاد دفع الزيادة إلى الورثة، وبما أنّ الحكم منصوص عليه، اتّفقت عليه كلمات

صفحه 228
الأصحاب.
قال الشيخ: ومن كان عنده وديعة فمات صاحبها وله ورثة ولم يكن قد حج حجّة الإسلام، جاز له أن يأخذ منها بقدر ما يحجّ عنه، ويردّ الباقي على ورثته إذا غلب على ظنه أنّ ورثته لا يقضون عنه حجّة الإسلام; فإن غلب على ظنه أنّهم يتولّون القضاء عنه، فلا يجوز له أن يأخذ منها شيئاً إلاّ بأمرهم.(1)
وقال في «المبسوط»: ومن كان عنده وديعة ومات صاحبها وله ورثة... إلى آخر ما نقلناه عنه عن النهاية.(2)
وقال المحقّق: لو كان عند إنسان وديعة ومات صاحبها وعليه حجّة الإسلام وعلم أنّ الورثة لا يؤدون ذلك، جاز أن يقتطع قدر أُجرة الحج فيستأجر به، لأنّه خارج عن ملك الورثة.(3)
وقال العلاّمة: لو كان عنده وديعة ومات صاحبها وعليه حجّة الإسلام وعرف أنّ الورثة لا يؤدّون الحجّة عنه، فليستأجر مَن يحجّ عنه، وليدفع الوديعة في الإجارة بأُجرة المثل، لأنّه مال خارج عن الورثة، ويجب صرفه في الحجّ، فليصرف فيه.(4)
وقال في «القواعد»: للمستودع ـ بعد موت المودع المشغول بحجة واجبة ـ اقتطاع الأُجرة، ويستأجر مع علمه بمنع الوارث.(5)

1 . النهاية:279.
2 . المبسوط:1/326.
3 . الشرائع:1/234.
4 . التذكرة:7/105.
5 . القواعد:1/412.

صفحه 229
إلى غير ذلك من الكلمات الحاكية عن اتّفاق الأصحاب عليه.(1)
ويدلّ عليه صحيحة بُريد العجلي عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سألته عن رجل استودعني مالاً و هلك وليس لولده شيء ، ولم يحجّ حجّة الإسلام، قال: «حجّ عنه وما فضل فأعطهم».(2)
وقد رواها المشايخ الثلاثة بأسانيد أكثرها صحيحة، كما هو الحال في سند الكليني والصدوق، فإنّ سويد القَلاّ في السند هو نفس سويد بن مسلم القلاّ الذي وثقه النجاشي.
ورواه الشيخ بسندين: ورد في واحد منهما علي بن يعقوب الهاشمي وهو لم يوثّق،وفي الثاني إرسال حيث ينقل محمد بن الحسين بن أبي الخطاب (المتوفّى عام 262هـ) الذي هو من أصحاب الجوادين (عليهما السلام)عن أيوب الحرّ الذي هو من أصحاب الإمام الصادق والكاظم(عليهما السلام)، وعلى كلّ حال فالرواية صحيحة معتبرة.
ودلالة الرواية على المقصود واضحة، فلنتعرض للفرعين الباقيين.
الفرع الثاني: هل هذا الحكم مطلق يعمّ كافة الحالات حتّى لو علم أنّه لو دفعها إليهم لحجّوا عنه، أو يختص بصورة العلم بعدم تأديتهم عنه، كما عليه المحقّق في «الشرائع» والعلامة في «القواعد» في العبارات المتقدّمة في الفرع السابق; أو بإضافة غلبة الظن بعدم التأدية، كما عليه الشيخ في «النهاية» و«المبسوط»؟، وجوه:
لا دليل للثاني، لأنّ الأصل عدم حجّية الظن، إلاّ أن يراد به، الاطمئنان الذي هو علم عرفي، فيكون المحصل أنّ صرفه في الحجّ مشروط بالعلم أو

1 . انظر على سبيل المثال: المهذب للقاضي:1/269، السرائر:1/630، الجامع للشرائع:226.
2 . الوسائل:8، الباب13 من أبواب النيابة في الحج، الحديث1.

صفحه 230
الاطمئنان بأنّه لو دفع المال إلى الورثة لما حجّوا، والذي يصلح أن يكون دليلاً على هذا القيد، هو كونه القدر المتيقّن من الرواية.
ويمكن أن يكون قوله: «وليس لولده شيء» شاهداً على هذا القيد، لأنّ فقرهم ربّما يكون سبباً لصرف المال في حاجاتهم.
الفرع الثالث: هل يجب على المستودع الاستئذان من الحاكم الشرعي أو لا؟ وجهان.
ذهب العلاّمة إلى لزوم الاستئذان، قال: من شروط ذلك: أن لايتمكّن من الحاكم، فإن تمكّن منه بأن يشهد له عدلان عنده بذلك أو بغير ذلك من الأسباب بثبوت الحجّ في ذمّته وامتناع الورثة من الاستئجار، لم يجز له الاستقلال به، ولو عجز عن إثبات ذلك عند الحاكم، جاز له الاستبداد بالاستئجار.(1)
وفي «كشف اللثام» بعد ذكر عبارة «التذكرة» قال: وهو حسن.(2)
ولكن إطلاق النص يقتضي عدم لزوم الاستئذان، وربّما يتخيّل أنّ حكم الإمام بصرف المال في الحجّ إذن من الإمام، للسائل، فيجب الاستئذان في سائر الموارد.
ولكنّه مدفوع بأنّ الإمام بصدد بيان الحكم الشرعي، وأنّ للمستودع الولاية على ذلك، ومعها لا حاجة إلى الاستئذان وليس بصدد بيان وظيفة الراوي عندما صار مأذوناً من جانبه(عليه السلام).
ويُتأكد ثبوت الولاية للمستودع في ما لو خاف على نفسه أو ماله إذا رفع الأمر إلى الحاكم وأحضر هو الورثة لاستظهار الحال وأنّهم هل يؤدّون عنه الحج

1 . التذكرة:7/106 .
2 . كشف اللثام:5/181.

صفحه 231
والظاهر عدم الاختصاص بما إذا لم يكن للورثة شيء، وكذا عدم الاختصاص بحجّ الودعي بنفسه، لانفهام الأعمّ من ذلك منها.*
أو لا؟ وفي «كشف اللثام»: وإن امتنع بعض الورثة دون بعض، استأذن غيرَ الممتنع، ولو تعدّد الودعي، وعلموا بالحقّ، وعلم بعضهم ببعض، توازعوا أو وجب القضاء عليهم كفاية، ولو قضوا جميعاً قدّم السابق وغرم الباقون».(1)
* فيما ذكر في المتن فرعان:
1. اختصاص الحكم بما إذا لم يكن للورثة شيء، وعدمه.
2. جواز استئجار الودعي شخصاً آخر للحجّ عن المودع.
لما كان مورد الرواية: المودِع الذي هلك وليس لوارثه شيء و لم يحجّ حجة الإسلام، وقد أمر الإمام بحج المستودع نفسه، صار ذلك سبباً لطرح بعض الفروع كالتالي :
الأوّل: عدم اختصاص الحكم بما إذا لم يكن للورثة شيء، والقيد ورد في كلام الراوي ، وإنّما ذكره لاستظهار الظن بأنّه لو دفعها إليهم ربما صرفوها في حوائجهم، فالمعيار العلم أو الاطمئنان بعدم صرفه في واجب الميت، سواء أكان لهم مال أو لا، وهذا هو المفهوم عرفاً من الرواية.
الثاني: هل يجب على الودعي الحجّ بنفسه، أو يجوز له الاستئجار؟ المفهوم عرفاً هو الثاني، لأنّ الهدف من إمساك المال، هو إفراغ ذمّة الميت وهو حاصل بحجّ المودع نفسه أو أجيره.
والحاصل: انّ العرف يتلقّى فقر الوارث أو حج الودعي مثالاً، غير دخيل

1 . كشف اللثام:5/181 .

صفحه 232
وهل يلحق بحجة الإسلام غيرها من أقسام الحج الواجب؟ أو غير الحج من سائر ما يجب عليه مثل: الخمس والزكاة، والمظالم والكفارات والدين، أو لا؟ وكذا هل يلحق بالوديعة غيرها مثل: العارية والعين المستأجرة والمغصوبة والدين في ذمته، أو لا ؟وجهان.*
في الحكم إنّما الكلام في الفروع الثلاثة التالية:
* هنا فروع:
1. تعميم الحكم إلى الحجّ النذري الواجب ونحوه.
2. تعميم الحكم إلى عامّة الواجبات التي تتوقّف على المال.
3. تعميم الحكم إلى غير الوديعة كالعين المستأجرة.
أقول: تعميم الحكم إلى هذه الصور الثلاث مبني على أنّ ذكر حجّة الإسلام، أو خصوص الحج، أو خصوص الوديعة في كلام الراوي من باب المثال ـ ككون الوارث فقيراً أو حج المستودع بنفسه ـ فيعمّ غير حجّة الإسلام من أقسام الحج الواجب والإفسادي.
وبعبارة أُخرى: يقع الكلام في إلغاء الخصوصية أو تنقيح المناط في ناحيتين:
الأُولى: في جانب الموضوع (المال) وانّ الوديعة ذكرت من باب المثال، فلو كان عنده غيرها من الأوّل يجب صرفه في الحجّ الواجب.
أقول: يمكن المساعدة معه، وذلك لأنّه إذا جاز التصرف في الوديعة التي يعد حفظها شارة الإيمان كما قال سبحانه: (الَّذينَ هُمْ لأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُون)(1) جاز التصرف في غيرها كالعارية والعين المستأجرة، والمغصوبة، والدين

1 . المؤمنون:8.

صفحه 233
في الذمّة. ويكون حاصل الرواية انّه إذا كان عند الشخص شيء من أموال الميت الذي مات وعليه حجة الإسلام، فيجوز له التصرّف فيه لأدائها.
وكون الحكم على خلاف القاعدة وفي مثله يقتصر على القدر المتيقن، مدفوع بمساعدة العرف لإلغاء الخصوصية، ولأجل الأولوية فإذا جاز صرف الوديعة في حجة الإسلام، جاز صرف غيرها بطريق أولى.
الثانية: في جانب المصرف، فالتعميم فيه على وجهين:
1. التعميم إلى الحجّ النذري، أو الإفسادي فقط،وهو الظاهر من «المسالك» قال: فالظاهر طرده في غير حجة الإسلام كالنذر والعمرة.(1)
وهو قريب بشرط أن لا يتجاوز الأُجرة عن ثلث المال، لما عرفت من أنّ أُجرة الحجّ النذري من الثلث لا من الأصل.
2. التعميم إلى كلّ واجب مالي وإن لم يكن حجّاً وإن لم يوص به، كالزكاة والخمس وقضاء الدين، والمسألة ذات قولين:
1. الجواز. وهو خيرة الشهيد الثاني وسبطه في «المدارك» والنراقي في «المستند» وتبعهم المصنّف.
2. عدم الجواز .
وقال سبطه في «المدارك»:وهل يتعدّى الحكم إلى غير حجة الإسلام من الحقوق المالية كالدين والزكاة والخمس؟ قيل: نعم، لاشتراك الجميع في المعنى المجوز. وقيل لا، قصراً للرواية المخالفة للأصل على موردها. والجواز بشرط العلم بامتناع الوارث من الأداء في الجميع حسن إن شاء اللّه.(2)

1 . المسالك:2/186.
2 . المدارك:7/146.ولاحظ المسالك:2/187.

صفحه 234
قد يقال بالثاني، لأنّ الحكم على خلاف القاعدة إذا قلنا إنّ التركة مع الدين تنتقل إلى الوارث وإن كانوا مكلّفين بأداء الدين ومحجورين عن التصرف قبله، بل وكذا على القول ببقائها معه على حكم مال الميت، لأنّ أمر الوفاء إليهم، فلعلّهم أرادوا الوفاء من غير هذا المال، أو أرادوا أن يباشروا العمل الذي على الميت بأنفسهم، والأقوى مع العلم بأنّ الورثة لا يؤدون ـ بل مع الظن القوي أيضاً ـ جواز الصرف فيما عليه، لا لما ذكره في المستند، من أنّ وفاء ما على الميت ـ من الدين أو نحوه ـ واجب كفائي على كلّ من قدر على ذلك، وأولوية الورثة بالتركة إنّما هي مادامت موجودة، وأمّا إذا بادر أحد إلى صرف المال فيما عليه لا يبقى مال حتى تكون الورثة أولى به، إذ هذه الدعوى فاسدة جدّاً.*

* دليل المانع

استدلّ القائل بعدم الجواز بما ذكره المصنّف في المتن وحاصله:
إنّ للأصحاب في انتقال التركة إلى الورثة فيما إذا كان على المورّث دين، قولين:
الأوّل: ينتقل جميع التركة إلى الورثة حتّى مقدار الدين أيضاً، غير أنّهم مكلّفون بأداء الدين ومحجورون من التصرف قبل الأداء، كسائر المحجورين.
الثاني: لا ينتقل من التركة ما يقابل الدين إليهم، بل يبقى على ملك الميت.
فلو قلنا بالأوّل فعدم جواز التصرف في غير الوديعة ـ التي ورد فيها النص ـ واضح ،لأنّ التركة ملك للورثة، فلا يجوز لمن عنده مال الميت التصرف فيه بلا إذنهم، خرجت الوديعة بالدليل.

صفحه 235
ولو قلنا بالثاني فالتركة فيما يقابل الدين وإن لم ينتقل إلى الورثة، لكنّه ملك مشاع بينهم وبين الميت لكن لهم الولاية في صرف المال في الدين لا لغيرهم فلعلّهم يؤدّون الدين من غير هذا المال، أو يباشرون العمل الذي على الميت بأنفسهم.
والحقّ أنّ دليل المانع قوي في حدّ نفسه، لولا ما يذكره المصنّف فيما يأتي دليلاً على الجواز فانتظر.

دليل المجوز

قد عرفت أنّ الشهيد وسبطه والنراقي من المجوّزين، واستدل الأخير بما هذا نصّه: إذا علم المستودَع ـ أو ظنّ ظنّاً مقبولاً شرعاً ـ أنّ الورثة قد أدّوه، ليس له ذلك...، وأمّا قبل أدائهم فلا شكّ أنّ مقدار الأُجرة لم ينتقل إليهم، لأنّ الإرث بعد الدين الذي منه الحجّ، كما صرّح به في النصوص، و نسبة الوارث وغيره في وجوب صرف ذلك في الحجّ وجوباً كفائياً مشروطاً بعدم العلم ببراءة ذمة الميت من طريق آخر بتبرّع أو مال غيره أو أقلّ من أُجرة، على السواء، فمادام عدم العلم بالبراءة وتحقّق الشرط، يكون الاقتطاع واجباً كفائياً على المستودع، وما لم يعلم أداءهم لا يجوز له تركه،بل يجب عليه عيناً، كما هو شأن الواجبات الكفائية ووجوب استئذان الوارث فيه يحتاج إلى دليل، وكونه مخيّراً في جهات القضاء لا يدلّ عليه، لأنّ المسلّم منه أنّ مادام بقاء المال وعدم صرفه في الاستئجار يتميز هو في الجهات ـ إلى أن قال: ـ فتخييره أيضاً مشروط بالبقاء .(1)
وقد وصفه المصنّف بكونه دعوى فاسدة جدّاً.

1 . مستند الشيعة:11/146ـ 147.

صفحه 236
بل لإمكان فهم المثال من الصحيحة، أو دعوى تنقيح المناط. أو أنّ المال إذا كان بحكم مال الميت فيجب صرفه عليه، ولا يجوز دفعه إلى من لا يصرفه عليه، بل وكذا على القول بالانتقال إلى الورثة، حيث إنّه يجب صرفه في دينه، فمن باب الحسبة يجب على من عنده صرفه عليه، ويضمن لو دفعه إلى الوارث، لتفويته على الميت.*
وجه الفساد أوّلاً : ما ذكره المانع من الوجهين من أنّ لازمه جواز تصرّف الأجنبي في الميراث، سواء كان ملكاً للوارث أم للميت.
وثانياً: أنّ ما ذكره من «أنّ وفاء ما على الميت واجب كفائي» غير ثابت، والثابت في الواجب الكفائي هو تغسيل الميت والصلاة عليه ودفنه كما هو واضح، وأمّا سائر شؤونه فأولى الناس بالميت أولاهم بميراثه.

* دليل المصنّف على الجواز

ثم إنّ المصنّف بعدما وصف دعوى المستند بالفساد، لكنّه أيّد الجواز بعد ذلك بوجوه أُخرى أشار إليها في المتن بقوله:
1. إمكان فهم المثال من الصحيح، أي كون حجة الإسلام من مقولة المثال.
2. دعوى تنقيح المناط وأنّ الملاك إفراغ ذمّة الميّت ممّا عليه.
3. إنّ المال إذا كان بحكم مال الميت(1) ، فيجب صرفه عليه ولا يجوز دفعه إلى من لا يصرفه عليه.

1 . إشارة إلى المبنى الأوّل في انتقال التركة.

صفحه 237
بل وكذا على القول بالانتقال إلى الورثة (1) حيث يجب صرفه في دينه، فمن باب الحسبة يجب على من عنده صرفه عليه ويضمن لو دفعه إلى الوارث لتفويته عليه.
أقول: إنّ بعض ما ذكر من الوجوه قد سبقه غيره كما عرفت من «المسالك» وغيره، والجميع قابل للتأمّل.
إذ يرد على الأوّلين: انّ حمل ذكر الحجّ على المثال أو تنقيح المناط، إنّما يصحّ لو كان سائر الأمثلة في الأهمية على حدّ الحجّ وهو غير معلوم، وذلك لأنّ حجّة الإسلام تحظى من الأهمية بما لا يحظاه غيرها كما مرّ في صدر الكتاب.
والعمدة هو الوجه الثالث:
ويرد على الشقّ الأوّل منه(بقاء ما قابل الدين في ملك الميت) بأنّ المستودَع أمام محذورين فكما لا يجوز دفعه إلى الوارث، إذ عندئذ يكون مفوِّتاً لحقّ الميت، هكذا لا يجوز صرفه في إفراغ ذمّة الميت لعدم الولاية للعامّي.
ويرد على الشق الثاني منه (انتقال ما قابل الدين إلى الورثة) انّ العين عندئذ صارت متعلّقة بحق الغير، فكما لا يجوز دفعها إلى الورثة، لأنّه مفوت لحق المورّث، فهكذا لا يجوز له التصرف في إفراغ ذمّة الميت، لعدم الولاية وما ذكره من أنّه يجب عليه صرفه في دينه من باب الحسبة ـ كما ترى ـ لأنّه فرع الولاية .
نعم ما أفاده أخيراً من وجوب الاستئذان هو الحاسم للإشكال على كلا المبنيين، الجامع بين الحقّين .

1 . إشارة إلى المبنى الثاني في انتقال التركة.

صفحه 238
نعم يجب الاستئذان من الحاكم، لأنّه وليّ من لا وليّ له، ويكفي الإذن الإجمالي، فلا يحتاج إلى إثبات وجوب ذلك الواجب عليه، كما قد يتخيّل.
نعم لو لم يعلم ولم يظنّ عدم تأدية الوارث يجب الدفع إليه، بل لو كان الوارث منكراً أو ممتنعاً وأمكن إثبات ذلك عند الحاكم، أو أمكن إجباره عليه، لم يجز لمن عنده أن يصرفه بنفسه.*
* قد أشار في كلامه هذا إلى أُمور ثلاثة:
1. يكفي الإذن الإجمالي فلا يحتاج إلى إثبات وجوب ذلك الواجب على الميت خلافاً لصاحب المسالك حيث قال خرّج بعضهم وجوب استئذان الحاكم مع إمكانه، وهو حسن مع القدرة وعلى إثبات الحق عنده.(1) وظاهره انّه إذا لم يقدر على إثبات الحق لا يجب الاستئذان ـ و هو كما ترى ـ بل يكفي أن يستأذنه وإن لم يتمكّن من إثبات الحق على الميّت.
2. قد تقدم أنّ القدر المتيقّن من الرواية ما إذا علم أو اطمأنّ بعدم تأديتهم، ولو شك يجب الدفع إليهم.
3. إنّما يصرف المال بنفسه إذا لم يمكن إثبات ذلك عند الحاكم أو لم يمكن إجبار الوارث عليه فيجوز لمن عنده أن يصرفه بنفسه وإلاّ لم يجز أن يصرفه بنفسه، وذلك لأنّ القدر المتيقّن من الرواية، هو الوارث الممتنع مطلقاً، و إلاّ فلو أمكن صرفه في صالح الميت عن طريقهم وجب الدفع إليهم، لعدم الولاية له حينئذ.

1 . المسالك:2/187.

صفحه 239
المسألة18: يجوز للنائب ـ بعد الفراغ عن الأعمال للمنوب عنه ـ أن يطوف عن نفسه و عن غيره، وكذا يجوز له أن يأتي بالعمرة المفردة عن نفسه وعن غيره.*
* هنا فرعان:
1. إذا فرغ النائب عن الأعمال، يجوز أن يطوف عن نفسه وغيره.
2. يجوز له أن يأتي بالعمرة المفردة.
أمّا الأوّل فهو منصوص، وقد عقد له في «الوسائل» باباً و قال: باب جواز الطواف عن نفسه وعن غيره بعد الفراغ من الحج الذي استنيب فيه.
ويكفي في ذلك صحيح صفوان بن يحيى، عن يحيى الأزرق قال: قلت لأبي الحسن(عليه السلام): الرجل يحجّ عن الرجل يصلح له أن يطوف عن أقاربه؟ فقال: «إذا قضى مناسك الحج فليصنع ما شاء».(1)
ويمكن إحراز وثاقة يحيى الأزرق برواية صفوان عنه على ما قلنا في محلّه من أنّه لا يروي إلاّ عن ثقة.
ومقتضى ظاهر العبارة عدم الجواز بين عمرة التمتّع ومناسك الحج، وربّما يحتمل اختصاص عدم الجواز بصورة المزاحمة، وإلاّ فيجوز في أثناء العمل مستظهراً بأنّ النهي تعبّداً عن الطواف غير المزاحم يحتاج إلى دليل واضح.
وأمّا الثاني فإنّ ما دلّ على اعتبار الفصل بين العمرتين، فإنّما يختص بعمرتين مفردتين عن نفسه لا العمرة المفردة، وعمرة حجّ التمتع كما في المقام، وسيوافيك

1 . الوسائل:8، الباب21 من أبواب النيابة في الحج، الحديث1.

صفحه 240
المسألة19: يجوز لمن أعطاه رجل مالاً لاستئجار الحج أن يحجّ بنفسه، ما لم يعلم أنّه أراد الاستئجار من الغير ، والأحوط عدم مباشرته، إلاّ مع العلم بأنّ مراد المعطي حصول الحجّ في الخارج. وإذا عيّن شخصاً تعيّن، إلاّ إذا علم عدم أهليّته، وأنّ المعطي مشتبه في تعيينه، أو أنّ ذكره من باب أحد الأفراد.*
تفصيله في الفصل السابع، فصل أقسام العمرة ، المسألة الثالثة، فانتظر.
* في المسألة فرعان:
1. إذا أعطاه رجل مالاً لاستئجار الحج عنه، فهل له أن يحجّ عنه؟
2. إذا عيّن شخصاً هل يتعيّن؟
وإليك دراسة الفرعين:
الفرع الأوّل: إذا أعطاه مالاً لاستئجار الحج فهل له أن يحج عنه؟
أقول : إنّ للمسألة نظائر في غير واحد من أبواب الفقه:
أ. إذا وكّل رجلاً لإخراج زكاته وصرفها في المستحقين لها، فهل يجوز له أن يصرفها في مصالحه إذا كان من المستحقّين لها؟
ب. إذا وصّى رجلاً لاستئجار الحجّ عنه، فهل يجوز أن يحجّ عنه بنفسه؟
ج. إذا وكّله لبيع ماله، فهل يجوز أن يشتريه لنفسه؟
د. إذا وكَّلت امرأة رجلاً لتزويجها، فهل يجوز أن يزوّجها لنفسه ؟إلى غير ذلك من المسائل المتشاكلة.
وعلى أي تقدير فللمسألة صور:

صفحه 241
1. أن يعلم أنّ المطلوب هو وقوع الحج عنه من دون أن يكون له نظر إلى شخص خاص.
2. أن يعلم خلاف ذلك والمطلوب هو حج شخص آخر، غير من دفع إليه الأُجرة.
3. عدم العلم بأحد الأمرين.
أمّا الأوّل فيجوز الحج مطلقاً، كما لا يجوز على الثاني، وأمّا الثالث فمقتضى القاعدة هو عدم الجواز، لأنّ التصرف في مال الغير يحتاج إلى إحراز الرضاء، وهو بعدُ لم يُحرز. غير أنّ الظاهر من رواية عمر بن سعيد الساباطي هو الجواز.
روي أنّه كتب إلى أبي جعفر يسأله عن رجل أوصى إليه رجل أن يحجّ عنه ثلاثة رجال، فيحلّّ له أن يأخذ لنفسه حجة منها، فوقّع بخطه وقرأته: «حجّ عنه إن شاء اللّه، فإن لك مثل أجره، ولا ينقص من أجره شيء».(1)
والمصنف اختار الجواز في هذه الصورة إمّا أخذاً بإطلاق الرواية وشموله للصورة الثالثة، أو لأنّها القدر المتيقّن من السؤال، لأنّ حكم الأوليين واضح غير محتاج إلى السؤال، والمحتاج إليه صورة عدم العلم بأحد الطرفين.
وعلى كلّ تقدير فالرواية موثقة، لأنّ عمرو بن سعيد فطحي ثقة.
الفرع الثاني: إذا عيّن شخصاً تعيّن، إلاّ إذا علم عدم أهليته وانّ المُعطي مشتبه في تعيينه، أو أنّ ذكره من باب أحد الأفراد.
أقول: لو كان ذكره من باب أحد الأفراد، يدخل في الصورة الأُولى، و أمّا إذا علم التعيّن وعدم العدول عنه فتبطل الوصية، لتعذرها.

1 . الوسائل:8، الباب36 من أبواب النيابة في الحج، الحديث1.

صفحه 242

صفحه 243
الفصل السادس
في الحجّ المندوب

صفحه 244

صفحه 245

في الحج المندوب*

المسألة1: يستحبّ لفاقد الشرائط ـ من البلوغ، والاستطاعة، وغيرهماـ أن يحجّ مهما أمكن. بل و كذا من أتى بوظيفته من الحجّ الواجب. ويستحبّ تكرار الحجّ. بل يستحبّ تكراره في كلّ سنة، بل يكره تركه خمس سنين متوالية. وفي بعض الأخبار: «من حجّ ثلاث حجات لم يصبه فقر أبداً».
المسألة2: يستحبّ نية العود إلى الحجّ عند الخروج من مكة. وفي الخبر: إنّها توجب الزيادة في العمر. وتكره نية عدم العود. وفيه: أنّها توجب النقص في العمر.
المسألة3: يستحبّ التبرّع بالحجّ عن الأقارب وغيرهم أحياءً وأمواتاً، وكذا عن المعصومين(عليهم السلام) أحياءً وأمواتاً.
وكذا يستحبّ الطواف عن الغير، وعن المعصومين(عليهم السلام) أمواتاً وأحياءً، مع عدم حضورهم في مكة، أو كونهم معذورين.
* ذكر المصنّف في هذا الفصل ثلاث عشرة مسألة أكثرها منصوصة ولا

صفحه 246
المسألة4: يستحبّ لمن ليس له زاد وراحلة أن يستقرض ويحجّ إذا كان واثقاً بالوفاء بعد ذلك.
المسألة 5: يستحبّ إحجاج من لا استطاعة له.
المسألة6: يجوز إعطاء الزكاة لمن لا يستطيع الحجّ ليحجّ بها.*
المسألة7: الحجّ أفضل من الصدقة بنفقته.
المسألة8: يستحبّ كثرة الإنفاق في الحجّ، وفي بعض الأخبار: إنّ اللّه يبغض الإسراف، إلاّ بالحجّ والعمرة.*
المسألة9: يجوز الحجّ بالمال المشتبه ـ كجوائز الظلمة ـ مع عدم العلم بحرمتها.
تحتاج إلى التبيين والتفسير، ومرّ بعضها في الفصل السابق، غير أنّ هناك مواضع للنظر نذكرها.
* الأفضل صرف الزكاة في المستحقّين، فإذا كان هناك فضلٌ من الزكاة يصرفه في سبيل الحجّ.
* استدلّ له برواية ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) أنّه قال: قال رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم): «ما من نفقة أحبّ إلى اللّه عزّ وجلّ من نفقة قصد، ويبغض الإسراف إلاّ في الحجّ والعمرة».(1)
والظاهر أنّ المراد من الإسراف ما يقابل الاقتصاد، فالاقتصاد محبوب مطلقاً إلاّ في الحجّ لا الإسراف المحرّم.

1 . الوسائل:8، الباب55 من أبواب وجوب الحجّ، الحديث1.

صفحه 247
المسألة10: لا يجوز الحجّ بالمال الحرام. لكن لا يبطل الحج إذا كان لباس إحرامه، وطوافه، وثمن هديه من حلال.*
المسألة11: يشترط في الحجّ الندبي: إذن الزوج والمولى، بل والأبوين في بعض الصور. ويشترط أيضاً: أن لا يكون عليه حجّ واجب مضيق. لكن لو عصى وحجّ صحّ.*
المسألة12: يجوز إهداء ثواب الحج إلى الغير بعد الفراغ عنه. كما يجوز أن يكون ذلك من نيته قبل الشروع فيه.
المسألة 13: يستحبّ لمن لا مال له يحج به أن يأتي به ولو بإجارة نفسه عن غيره. وفي بعض الأخبار: أنّ للأجير من الثواب تسعاً وللمنوب عنه واحد.
* تقدّم ذلك في المسألة 70 من الفصل الثاني(1)، ويضاف إلى ما ذكره المصنّف بشرط أن يكون محل وقوفه بالموقفين بناءً و فراشاً حلالاً، وكذا الحصاة التي يرمي بها، وحتى النعال والمركب إذا سعى به.
* أقول: مرّ الكلام في المسألة 110 من الفصل الثاني.(2)

1 . لاحظ الجزء الأوّل، ص 330.
2 . لاحظ الجزء الأوّل، ص 511.

صفحه 248

صفحه 249
الفصل السابع
في أقسام العمرة

صفحه 250

صفحه 251
المسألة1: تنقسم العمرة ـ كالحج الواجب ـ إلى واجب أصلي، وعرضي، ومندوب. فتجب بأصل الشرع على كلّ مكلّف ـ بالشرائط المعتبرة في الحجّ ـ في العمر مرّة بالكتاب، وا لسنّة، والإجماع. ففي صحيحة زرارة: العمرة واجبة على الخلق بمنزلة الحجّ، فإنّ اللّه تعالى يقول: (وأَتِمُّوا الحَجَّ وَالْعُمْرَة للّه). وفي صحيحة الفضيل في قول اللّه تعالى: (وأَتِمُّوا الحَجَّ وَالْعُمْرَة ) قال (عليه السلام): هما مفروضان. ووجوبها ـ بعد تحقّق الشرائط ـ فوريّ كالحجّ.*
* سياق الكلام وإن كان في مطلق العمرة، سواء أكانت عمرة مفردة، كما في القارن والمفرد، أم غيرهما كالعمرة المتمتع بها، لكن ذيل المسألة يشهد على أنّ مركز البحث هو العمرة المفردة، حيث قال فيه: «ولا يشترط في وجوب العمرة استطاعة الحج، بل تكفي استطاعتها في وجوبها وإن لم تتحقّق استطاعة الحج» فإنّه ناظر إلى العمرة المفردة، لا العمرة المتمتع بها بشهادة ما يأتي في المسألة الثانية من قوله:«وهل تجب على من وظيفته حجّ التمتع إذا استطاع لها ولم يكن مستطيعاً للحجّ، المشهور عدمه».
وقد سارالمصنّف في المقام على ضوء المستند فهو قد خصّ العمرة المفردة

صفحه 252
بالذكر أوّلاً، وقال: الحقّ المشهور وجوب العمرة عند تحقّق استطاعتها، وعدم توقّفه على تحقّق الاستطاعة للحجّ.
ثمّ قال: هذا في العمرة المفردة، وأمّا عمرة التمتع الخ.(1)
وعلى هذا فمراده من العمرة المفردة، هي العمرة المبتولة عن الحج لا عمرة التمتع، لما عرفت من أنّه يأتي البحث فيها في المسألة الآتية.
وعلى كلّ تقدير ففي المسألة فروع:
1. أقسام العمرة.
2. وجوب العمرة بأصل الشرع على كلّ مكلّف بالشرائط المعتبرة في الحجّ.
3. وجوبها فوريّ.
4. لا يشترط في وجوبها استطاعة الحجّ.
وإليك دراستها واحداً بعد الآخر.
الفرع الأوّل: العمرة بمعنى الزيارة، وفي الشرع عبارة عن زيارة البيت الحرام لأداء مناسك مخصوصة عنده، ولا يختص بزمان خاص، ففارقت الحج هذا إذا كانت مبتولة.(2)
تنقسم العمرة إلى: واجب أصلي كالحج، وواجب عرضي كالواجب بالنذر أو بإجارة، ومندوبة كالعمرة الثانية في من أتى الواجب الأصلي، وبدعيّة كالعمرة المفردة بين عمرة الحجّ المتمتع بها والحج.
الفرع الثاني: تجب العمرة كالحجّ على كلّ مكلّف مستطيع مرّة واحدة بالشرائط المعتبرة في الحجّ .

1 . المستند:11/160.
2 . المنتهى:10/9، الطبعة الحديثة.

صفحه 253
قال الشيخ في «الخلاف»: العمرة فريضة مثل الحجّ. وبه قال الشافعي في «الأُم» وبه قال: ابن عمر، وابن عباس، وسائر الصحابة; ومن التابعين: سعيد بن جبير، وابن المسيب، وعطاء; وفي الفقهاء: الثوري، وأحمد، وإسحاق.
قال ]الشافعي[ في القديم: سنّة مؤكّدة، وما علمت أحداً رخّص في تركها، وإليه أومى في أحكام القرآن، وأمالي حرملة، و به قال في الصحابة: ابن مسعود، وهو قول: الشعبي، ومالك وأبي حنيفة وأصحابه. ثمّ أخذ بالاستدلال بالآيات والروايات.(1)
وقال العلاّمة في «المنتهى»: العمرة فريضة مثل الحجّ، ذهب إليه علماؤنا أجمع. وبه قال علي(عليه السلام)، وعمر وابن عباس وزيد بن ثابت وابن عمر و سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب وعطاء، وطاووس ومجاهد والحسن وابن سيرين والشعبي والثوري وإسحاق، وقال مالك وأبو ثور، وأصحاب الرأي: إنّها نفل وليست فرضاً. وللشافعي قولان، وعن أحمد روايتان.(2)
فقد استدلّوا على وجوبها بالكتاب والسنّة.
أمّا الكتاب فاستدلّوا على وجوبها ب آيتين:
1. قوله سبحانه:(وَللّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبيلاً)(3) فحجّ البيت قصده لإتيان الأعمال المركّبة من العمرة والحج في التمتع، والحج والعمرة في غيره، ويدلّ على ما ذكرنا من التفسير صحيحة عمر بن أذينة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قول اللّه عزّ وجلّ: (وَللّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ

1 . الخلاف:2/262، المسألة28.
2 . المنتهى:10/17، الطبعة الحديثة.
3 . آل عمران:97.

صفحه 254
اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبيلاً) يعني به الحج دون العمرة؟ قال: «لا ولكنّه يعني الحج والعمرة جميعاً، لأنّهما مفروضان». رواها الصدوق في «العلل»، كما رواها العياشي في تفسيره مرسلاً عن عمر بن أذينة.(1)
2. قوله سبحانه: (وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للّهِ)(2) بأنّ الأمر للوجوب، ولأنّ العطف بالواو يقتضي التسوية، وقال ابن عباس: إنّها لقرينة الحج في كتاب اللّه.(3)
وقال الشيخ بعد ذكر الآية: والإتمام لا يتم إلاّ بالدخول، فوجب الدخول أيضاً.(4)
يلاحظ على الاستدلال: بأنّ الآية تدلّ على وجوب الإتمام ـ إن دخل ـ لا مطلقاً وإن لم يدخل.
وبعبارة أُخرى: الإتمام واجب مشروط بالدخول، وليس واجباً مطلقاً حتى تجب مقدّمته، فليس الدخول مقدّمة، بل شرط للوجوب.
نعم يظهر من الروايات صحّة الاستدلال به على وجوب العمرة عن أئمّة أهل البيت.
روى البيهقي في سننه عن علي (عليه السلام) قال: إتمامه أن تحرم بها من دويرة أهلك.(5)
وروى الفضل أبو العباس ]البقباق[، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في قول اللّه عزّ وجلّ:(وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه)قال: «هما مفروضان».

1 . الوسائل:10، الباب1 من أبواب العمرة، الحديث7و 9.
2 . البقرة:196.
3 . المنتهى:2/643.
4 . الخلاف:2/263، المسألة28.
5 . سنن البيهقي:4/341و 5/30.

صفحه 255
وروى زرارة، عن أبي جعفر قال: «العمرة واجبة على الخلق بمنزلة الحج، لأنّ اللّه تعالى يقول:(وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه) وانّما نزلت العمرة بالمدينة».(1)
وعلى هذا فالمراد من الإتمام هو إقامتها على ما هما عليه لا إكمالهما، ولذلك فسّره في المجمع بقوله: أقيموهما إلى ما فيها، وهو المروي عن: أمير المؤمنين، وعلي ابن الحسين، وعن سعيد بن جبير، ومسروق، والسدي.(2)
وقال في «لسان العرب» قوله عزّ وجلّ:(وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه) قيل إتمامهما :تأدية كلّ ما فيهما من الوقوف والطواف وغير ذلك.(3)
نعم ذيل الآية أعني قوله:
(فإنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي وَلاَ تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَديُ مَحِلَّه)يناسب تفسير الإتمام بضم أجزائه الأخيرة بما أتى لا بمعنى إتيان الشيء. واللّه العالم.
وأمّا السنّة فقد عقد في «الوسائل» باباً وقال: «باب وجوبها على المستطيع» أورد فيه اثني عشر حديثاً، مع اتّحاد بعضها ببعض. فعن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال:« العمرة مفروضة مثل الحجّ».(4)
والحاصل: أنّه لا شبهة في وجوبها حسب الكتاب والسنّة، وعرفت قول الشافعي إنّه سنّة لم يرخّص أحد تركها. ولا يعتدّ بمخالفة أصحاب الرأي كأبي حنيفة، لقلّة اعتدادهم بالسنّة.
الفرع الثالث: وجوب العمرة فوريّ، قال العلاّمة في «التذكرة»: ووجوب

1 . الوسائل:10، الباب1 من أبواب العمرة، الحديث1، 2.
2 . مجمع البيان:1/290.
3 . لسان العرب:2/53، مادة تمم.
4 . الوسائل:10، الباب1 من أبواب العمرة، الحديث5.

صفحه 256
الحجّ والعمرة على الفور لا يحل للمكلّف تأخيره عند علمائنا أجمع. وبه قال: علي(عليه السلام)، ومالك وأحمد والمزني وأبو يوسف، وليس لأبي حنيفة فيه نصّ، و من أصحابه من قال: هو قياس مذهبه.(1)
وقال في« الجواهر»: تجب الفورية التي ليست بتوقيت عندنا.(2)
لا يخفى أنّ تفسير الفورية لا بنحو التوقيت إنّما ينطبق على العمرة المبتولة التي ليس معها حجّ، والعمرة المستمتع بها إلى الحجّ.
أمّا الأُولى فلو قلنا بوجوبها ـ كما مرّ ـ فيجب فوراً ففوراً، ولا يسقط وجوبها بتأخيرها من شهر إلى شهر آخر.
أمّا الثانية فبما أنّها ـ مع الحج ـ عمل واحد حيث دخلت العمرة إلى الحجّ، فالفورية فيها هو نفس الفورية في الحجّ بمعنى حرمة التسويف لكن مع عدم سقوط وجوبها بالتأخير من سنة إلى سنة.
وأمّا العمرة المفردة التي معها الحج فيظهر من صحيحة معاوية بن عمار أنّ وقتها هو بعد مضي أيام التشريق ، قال: قلت لأبي عبد اللّه: رجل جاء حاجاً ففاته الحج ولم يكن طاف، قال: «يقيم مع الناس حراماً أيام التشريق ولا عمرة فيها، فإذا انقضت طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة وأحلّ، وعليه الحجّ من قابل يحرم من حيث أحرم».(3)
و جوّز الشهيد تأخيرها إلى استقبال المحرم.(4)
وأورد عليه في «المسالك» بقوله: ويشكل بوجوب إيقاع الحج والعمرة

1 . التذكرة:7/17ـ 18، المسألة8.
2 . الجواهر:20/447.
3 . الوسائل:10، الباب27 من أبواب الوقوف بالمشعر، الحديث3.
4 . الدروس:1/ 337، الدرس88.

صفحه 257
ولا يشترط في وجوبها استطاعة الحجّ، بل تكفي استطاعتها في وجوبها، وإن لم تتحقّق استطاعة الحجّ، كما أنّ العكس كذلك، فلو استطاع للحجّ دونها وجب دونها، والقول باعتبار الاستطاعتين في وجوب كلّ منهما وأنّهما مرتبطان ضعيف، كالقول باستقلال الحجّ في الوجوب دون العمرة.*
المفردة في عام واحد، إلاّ أن يريد بالعام اثني عشر شهراً، ومبدؤها زمان التلبّس بالحج.(1) وعلى أيّ تقدير فالفورية فيها بمعنى التوقيت.
وعلى كلّ تقدير فالذي يدلّ على فورية العمرة هو ما مرّ غير مرّة، من أنّ مقتضى التكليف هو الفورية، وأنّ التأخير يحتاج إلى البيان.
وبعبارة أُخرى: تكليف المولى لا يترك بلا عذر، فلو صرّح بجواز التأخير فهو عذر وإلاّ فلا مسوّغ لتأخيره.
* انّ مقتضى عطف العمرة على الحج، في الآيات والروايات هو كون كلّ منهما واجباً مستقلاً، يكون وجوب كلّ رهن الاستطاعة إليه، فلو استطاع للعمرة المفردة دون الحج يجب، وهكذا العكس، كما هو الحال في الحجّ المفرد.
وهناك قولان آخران:
1. انّ كلاً منهما لا يجب إلاّ عند الاستطاعة للآخر. حكاه النراقي ولم يذكر القائل.(2)
وفي «الجواهر»: أرسله غير واحد لكن لم أعرف القائل به.(3)

1 . المسالك:2/501.
2 . المستند:11/160.
3 . جواهر الكلام:20/444.

صفحه 258
المسألة 2: تجزي العمرة المتمتع بها عن العمرة المفردة بالإجماع والأخبار.*
2. وجوب العمرة رهن الاستطاعتين دون الحج، وهو خيرة الشهيد قال: ولو استطاع لها خاصة لم يجب، ولو استطاع للحج مفرداً دونها فالأقرب الوجوب.(1)
والحقّ هو القول الأوّل، ويعلم وجهه ممّا تقدّم من أنّهما مفروضان مستقلاّن.فظهر من ذلك: أنّ من استطاع العمرة المفردة يجب الإتيان بها.
* في المسألة فرعان:
1. إجزاء العمرة المتمتّع بها عن العمرة المفردة.
2. إذا كانت وظيفتُه حجَّ التمتّع فاستطاع لعمرة التمتّع دون الحج، هل تجب العمرة المفردة؟
وإليك دراسة الفرعين.
الأوّل: العمرة المتمتّع بها تجزي عن العمرة المفردة المفروضة، قال النراقي: إجماعاً فتوىً محقّقاً ومنقولاً ونصّاً.(2)
قال العلاّمة: تجزي عمرة التمتّع عن العمرة المفردة، وهو قول علمائنا كافّة.(3)
وقال المحقّق: «ولا تصح]عمرة المتمتّع بها[ إلاّ في أشهر الحج(شوال وذوالقعدة وذوالحجة). وتسقط المفردة معها.(4)

1 . الدروس:1/338، الدرس88.
2 . مستند الشيعة:11/160.
3 . المنتهى:2/876.
4 . الشرائع:1/302 تحت عنوان «الرابع: في أقسام العمرة».

صفحه 259
وقال في «الحدائق»: ويجب أن يعلم أنّ من تمتّع بالعمرة إلى الحج سقط عنه فرض وجوبها.(1)
وقال في «الجواهر»: لا خلاف في إجزاء العمرة المتمتّع بها عن العمرة المفردة.(2)
وقد عقد في «الوسائل»: باباً وقال: باب «من تمتّع بالعمرة إلى الحج سقط عنه فرض العمرة» وأورد فيه ثماني روايات، نقتصر على واحدة.
صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «إذا استمتع الرجل بالعمرة فقد قضى ما عليه من فريضة العمرة».(3)
وتظهر الثمرة في موردين:
1. إذا تمتع النائي، فيسقط وجوب العمرة المفردة عنه، وقد عرفت وجوبها عليه وأنّ العمرة والحجّ واجبان مستقلان.
2. إذا قلنا بوجوب العمرة المفردة للنائي ـ كما سيأتي في الفرع الآتي ـ يسقط وجوبها بعمرة التمتع، وعلى هذا تكون الثمرة الثانية متوقّفة على وجوب العمرة المفردة للنائي الذي يأتي فيه الكلام في الفرع الثاني.

1 . الحدائق:16/331.
2 . الجواهر:20/448.
3 . الوسائل:10، الباب5 من أبواب العمرة، الحديث1. ولاحظ سائر الأحاديث.

صفحه 260
وهل تجب على مَن وظيفته حجّ التمتع إذا استطاع لها ولم يكن مستطيعاً للحج؟ المشهور عدمه. بل أرسله بعضهم إرسال المسلّمات. وهو الأقوى. وعلى هذا فلا تجب على الأجير بعد فراغه عن عمل النيابة، وإن كان مستطيعاً لها وهو في مكة. وكذا لا تجب على مَن تمكّن منها ولم يتمكّن من الحجّ لمانع. ولكن الأحوط الإتيان بها.*
* الفرع الثاني: إذا استطاع من وظيفته حجّ التمتّع على العمرة المفردة، ولم يكن مستطيعاً للحج، فهل تجب عليه العمرة مثلاً كما إذا فرغ الأجير عن عمل النيابة وتمكن من العمرة المفردة فقط، أو إذا تمكّن منها في شهر رجب فهل تجب عليه أو لا؟ ذكر المصنّف انّ عدم الوجوب هو المشهور، وانّ بعضهم أرسله إرسال المسلّمات.
ما ادّعاه من الشهرة لم أقف عليها. وقولهم: يجزي عمرة التمتع عن العمرة المفردة،(1) أو قول المحقّق: وتسقط]العمرة [المفردة معها ]عمرة التمتع[، (2) دالّ على خلاف ذلك حيث إنّ المستفاد من هذه التعابير أنّ الأصل هو العمرة المفردة غاية الأمر تقوم عمرة التمتع مكانها، وعلى ذلك لو استطاع على الأصل، دون الفرع فيجب الإتيان به.
قال العلاّمة في «المنتهى»: تُجزي عمرة التمتع عن العمرة المفردة وهو قول العلماء كافّة.
روى الشيخ في الحسن عن الحلبي عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:«إذا تمتّع الرجل

1 . المنتهى:2/876.
2 . الشرائع:1/302.

صفحه 261
بالعمرة فقد قضى ما عليه من فريضة العمرة».(1)
وفي الصحيح عن يعقوب بن شعيب قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : قول اللّه عزّوجلّ(وأتموا الحجّ والعمرة للّه) يكفي الرجل إذا تمتّع بالعمرة إلى الحجّ مكان تلك العمرة المفردة؟ قال: «كذلك أمر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)أصحابه»(2) ولأنّه أتى بالعمرة متقدّمة فتكون مجزية عن المفردة.
ويؤكد ذلك أيضاً ما رواه الشيخ عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: سألت أبا الحسن(عليه السلام) عن العمرة أواجبة هي؟ قال: «نعم» ، قلت: فمن تمتع يجزئ عنه؟ قال: «نعم»(3).(4)
وهذه الروايات الصحيحة مع ما ورد من الإطلاقات في باب وجوب العمرة التي نقلها صاحب الوسائل في الباب الأوّل من أبواب العمرة تشهد على خلاف ما نسب إلى المشهور.
نعم يظهر ممّن خصّ المفردة بحاضري المسجد الحرام، كما في «الشرائع» حيث قال: والمفردة تلزم حاضري المسجد الحرام، وتصحّ في جميع أيام السنة.(5) اختصاص المفردة بالقريب وليست وظيفة النائي إلاّ عمرة التمتّع.
وبذلك يعلم وجود التنافي بين عبارتي المحقّق في «الشرائع» حيث قال:
1. «وتسقط المفردة معها» الحاكي عن وجوبها للنائي غاية الأمر تسقط بعمرة التمتع.
2.«والمفردة تلزم حاضري المسجد الحرام»، الحاكي عن اختصاص العمرة

1 . الوسائل:10، الباب5 من أبواب العمرة، الحديث1، 4 و3.
2 . الوسائل:10، الباب5 من أبواب العمرة، الحديث1، 4 و3.
3 . الوسائل:10، الباب5 من أبواب العمرة، الحديث1، 4 و3.
4 . المنتهى:2/876.
5 . الشرائع:1/303.

صفحه 262
بالحاضر دون النائي، فلا معنى لإجزاء العمرة المتمتّع بها عن المفردة لعدم وجوبها للنائي بتاتاً; ولذلك قال في «المسالك»: «وبين المفهومين تدافع ظاهراً».(1)
ويظهر من صاحب الجواهر اشتهار الفتوى بالوجوب في عصره حيث قال: وحينئذ يظهر لك ما في المعروف الآن في عصرنا من العلماء وغيرهم من وجوب عمرة مفردة على النائين عن غيرهم مع فرض استطاعتهم المالية، معلّلين بأنّ العمرة واجبة على كلّ أحد والفرض استطاعتهم لها فتجب وإن وجب عليهم الحجّ بعد ذلك مع حصول شرائط وجوبه.(2)

ما هو الحقّ في المقام؟

لا شك انّ مقتضى إطلاق ما ورد في وجوب العمرة المفردة وجوبها على كلّ مستطيع إليها من غير فرق بين الحاضر والنائي، نظير:
ما رواه الفضل بن أبي العباس، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قول اللّه عزّ وجلّ: (وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه) قال: «هما مفروضان».(3)
وما رواه أبو بصير عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «العمرة مفروضة مثل الحج».(4)
وما رواه معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال:« العمرة واجبة على الخلق بمنزلة الحج على مَن استطاع إليه سبيلاً».(5)
وملاحظة هذه النصوص ونظائرها تقوّي وجوب العمرة المفردة مطلقاً على

1 . المسالك:2/497.
2 . الجواهر:20/450.
3 . الوسائل:10، الباب 1 من أبواب وجوب العمرة، الحديث 1، 5و 8.
4 . الوسائل:10، الباب 1 من أبواب وجوب العمرة، الحديث 1، 5و 8.
5 . الوسائل:10، الباب 1 من أبواب وجوب العمرة، الحديث 1، 5و 8.

صفحه 263
عامّة الناس، غاية الأمر أنّ عمرة التمتّع تجزي عنها، وهذا لا يعني عدم وجوبها في حقّ من لا يستطيع حج التمتّع.
ولكن الذي يصدّ الفقيه عن الإفتاء بالوجوب والأخذ بالإطلاق الأُمور التالية:

1. تقسيم العمرة إلى قسمين

ما اشتهر بين الفقهاء من تقسيم العمرة الى متمتّع بها ومفردة.(1)

2. تقسيم الحج إلى ثلاثة

يقسّم الحج إلى: تمتّع وقران وإفراد.
ففي صحيح معاوية بن عمار قال: سمعت أبا عبد اللّه(عليه السلام)يقول:«الحج ثلاثة أصناف: حج مفرد، وقران، وتمتّع بالعمرة إلى الحج، وبها أمر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، والفضل فيها، ولا نأمر الناس إلاّ بها».(2)
وقد تكرر ذلك التقسيم في كلماتهم(عليهم السلام)كقول الإمام الصادق (عليه السلام) : «الحج عندنا على ثلاثة أوجه: حاج متمتّع، وحاج مفرد سائق للهدي، وحاج مفرد للحج».(3)
أو قول الإمام الباقر(عليه السلام): «الحاج على ثلاثة وجوه: رجل أفرد الحج وساق الهدي، ورجل أفرد الحج ولم يسق الهدي، ورجل تمتّع بالعمرة إلى الحج».(4)

1 . الشرائع:1/302.
2 . الوسائل: الباب1 من أبواب أقسام الحج، الحديث1.
3 . المصدر نفسه، الحديث 2و3.
4 . المصدر نفسه، الحديث 2و3.

صفحه 264

3. وجوب الإفراد والقران لحاضري المسجد الحرام

دلّت الروايات على أنّ الإفراد والقران وظيفة مَن كان أهله دون ثمانية وأربعين ميلاً.
روى زرارة قال: قلت لأبي جعفر(عليه السلام) قول اللّه عزّ وجلّ في كتابه: (ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِري الْمَسْجِدِ الْحَرامِ)(1) قال: «يعني أهل مكة ليس عليهم متعة، كلّ مَن كان أهله دون ثمانية وأربعين ميلاً» .(2)

4. التمتّع وظيفة النائي أو الآفاقي

إنّ مَن يكون أهله وراء ثمانية وأربعين ميلاً، ويعبّر عنه بالنائي والآفاقي ووظيفته التمتّع، ولم يخالف في ذلك إلاّ عمر، وخالفه الصحابة وعلى رأسهم علي(عليه السلام) إلى أن ترك قوله.
روى الحلبي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال:«دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة، لأنّ اللّه يقول: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلى الْحَجِّ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي)(3) فليس لأحد إلاّ أن يتمتّع».(4)

5. السيرة المستمرة بين المسلمين

السيرة المستمرة بين المسلمين على عدم استقرار عمرة على من استطاع من النائين فمات أو ذهبت استطاعته قبل أشهر الحج وعدم الحكم بفسقه لو أخّر

1 . البقرة:196.
2 . الوسائل:8، الباب6 من أبواب أقسام الحج، الحديث3، وغيره.
3 . البقرة:196.
4 . الوسائل:8، الباب3 من أبواب أقسام الحج، الحديث2 وغيره.

صفحه 265
الاعتمار إلى أشهر الحج.
كلّ هذه الأُمور تشهد على أنّ العمرة وظيفة الحاضر دون النائي، وأنّ العمرة الواجبة على الآفاقي هي العمرة التي دخلت في الحج في السنة العاشرة من الهجرة، ويكون هذا قرينة على أنّ المراد من كونها فريضة، أي في موردها ومحلّها . والحاضر يأتي بها بعد الحج، والآفاقي في ضمن الحج.
وبعبارة واضحة: ما ورد في الباب1 من أبواب العمرة من الروايات الحاثّة على إتيان العمرة من قوله (عليه السلام) :«هما مفروضان»، وقوله(عليه السلام) : «العمرة واجبة على الخلق بمنزلة الحجّ» أو قوله(عليه السلام) في تفسير قوله سبحانه:(وَللّهِ عَلى النّاسِ حجّ البَيت):« الحجّ والعمرة جميعاً لأنّهما مفروضان» (1) ، ناظر إلى ردّ الفكر الخاطئ من لزوم تفكيك العمرة عن الحجّ الذي تبنّاه الخليفة بقوله: متعتان كانتا في عصر رسول اللّه حلالاً وأنا أُحرمهما وأُعاقب عليهما:متعة الحج، ومتعة النساء.(2)
وكان عذره أمرين:
1. إنّي أخشى أن يعرّسوا بهنّ في الأراك ثمّ يروحوا بهنّ حجّاجا.
2. إنّ أهل هذا البيت ليس لهم ضرع ولا زرع وإنّما ربيعهم في مَن يطرأ عليهم.(3)
فتضافرت الروايات على الردّ لهذه الفكرة، ولذلك قال الإمام (عليه السلام): «دخلت العمرة إلى الحجّ إلى يوم القيامة» فالروايات الحاثّة على وجوب العمرة ناظرة إلى لزوم الإتيان بها مع الحجّ لا وجوبها مستقلاً وإن لم يكن مستطيعاً للحجّ.

1 . الوسائل:10، الباب1 من أبواب العمرة، الحديث 1، 2، 7.
2 . البيان والتبيين:2/193، أحكام القرآن:1/290ـ 293، الجامع لأحكام القرآن:2/261.
3 . لاحظ: الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف:1/463.

صفحه 266
المسألة3: قد تجب العمرة بالنذر، والحلف، والعهد، والشرط في ضمن العقد، والإجارة، والإفساد. وتجب أيضاً لدخول مكة، بمعنى حرمته بدونها، فإنّه لايجوز دخولها إلاّ محرماً.*
* ذكر المصنّف أسباباً لوجوب العمرة وهي:
1. النذر، 2. الحلف، 3. العهد، 4. الشرط في ضمن العقد، 5. الإجارة، 6. الإفساد، 7. دخول مكة.
وأضاف المحقّق سبباً ثامناً وهو الفوات قال: قد تجب ]العمرة[: بالنذر، وما في معناه(العهد والحلف)، والاستئجار، والإفساد، والفوات.(1)
أمّا وجوب العمرة بالأسباب الخمسة فواضح، لعموم صحّة النذر واليمين، والعهد والشرط، والإجارة، إنّما الكلام في الثلاثة الباقية، أعني: الإفساد، والفوات، ودخول مكة.
أمّا الأوّل فالمراد هو إفساد العمرة قال: النراقي: وبالإفساد، أي إذا أفسد عمرة يجب عليه فعلها ثانياً وإن كانت مندوبة كالحج على ما قطع به الأصحاب.(2)وأمّا إذا أفسد حجّه فالتحلّل بالدم، وسيوافيك الكلام في محله.
وأمّا الثاني، أعني: الفوات: فالمراد إذا أحرم وفات منه الحج، فلم يدرك المواقف لا اختياريّها ولا اضطراريّها فلا محيص من الإحلال بعمرة مفردة .
قال المحقّق: من فاته الحج تحلّل بعمرة مفردة. (3) وسيوافيك الكلام في

1 . الشرائع:1/301.
2 . مستند الشيعة:11/161.
3 . الشرائع:1/257.

صفحه 267
مسائل الحج.
وأمّا الثالث، فقال الشيخ : من دخل مكة لحاجة لا تتكرر كالتجارة والرسالة وزيارة الأهل، أو كان مكّيّاً فخرج لتجارة ثمّ عاد إلى وطنه، أو دخلها للمقام بها، فلا يجوز أن يدخلها إلاّ بإحرام. وبه قال ابن عباس وأبو حنيفة، وهو قول الشافعي في «الأُمّ». ولأبي حنيفة تفصيل فقال: هذا لمن كانت داره قبل المواقيت، وأمّا إن كانت داره في المواقيت أو دونها فله دخولها بعد إحرام . والقول الآخر للشافعي: إنّ ذلك مستحب غير واجب قاله في عامة كتبه. وبه قال ابن عمر ومالك.(1)
وقال في «النهاية»: ولا يجوز لأحد أن يدخل مكة إلاّ محرماً أيّ وقت كان، وقد رُخّص للمريض والحطّابة دخولها من غير إحرام.(2)
وقال في «المبسوط»: ولا يجوز لأحد أن يدخل مكّة إلاّ محرماً إمّا بحجّ أو عمرة، وقد روى جواز دخولها بغير إحرام للحطّابة والمرضى.(3)
وقال المحقّق: كلّ من دخل مكة وجب أن يكون محرما. (4) إلى غير ذلك من الكلمات الحاكية عن اتّفاق الأصحاب على وجوب الإحرام.
ثمّ إنّ المصنّف وصف العمرة بالوجوب في مَن يدخل مكة وقال: «وتجب أيضاً لدخول مكة» وهل المراد الوجوب العقلي المقدمي أو الوجوب الشرعي؟
أمّا الأوّل فليس الدخول واجباً، حتّى تكون العمرة واجبة لأجل المقدّمية، وعلى فرض وجوبه فليست العمرة مقدّمة له.

1 . الخلاف:2/376، المسألة222.
2 . النهاية:247.
3 . المبسوط:1/355.
4 . الشرائع:1/252.

صفحه 268
إلاّ بالنسبة إلى من يتكرر دخوله وخروجه كالحطاب والحشاش وما عدا ما ذكر مندوب ويستحب تكرارها كالحجّ.*
فإن قلت: إنّ الإحرام واجب لمن يريد الدخول، فإذا وجب الإحرام تجب العمرة، لعدم إمكان الإحلال بدونها.
قلت: إنّما يحرم الدخول بلا إحرام، وهو رافع للحرمة، كما أنّ مسّ المصحف حرام والوضوء رافع له، ولأجل ما ذكرنا صار المصنّف يفسّر الجملة على وجه يرفع الإشكال وقال: بمعنى حرمته بدونها فإنّه لا يجوز دخولها إلاّ محرماً.
وعلى كلّ تقدير فقد تضافرت الروايات على عدم جواز الدخول إلاّ بإحرام، وقد عقد في «الوسائل» باباً ونقل فيه اثني عشر حديثاً، منها:
صحيح محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) هل يدخل الرجل مكة بغير إحرام؟ قال: «لا، إلاّ مريضاً أو مَن به بطِن» ونحوه غيره.(1)
* قد ظهر ممّا ذكر أنّه لا يجوز دخول مكة إلاّ محرماً، وقد استثنى طوائف خاصة وردت في الروايات وكلمات الأصحاب.
فاستثنى الشيخ في «النهاية»: المريض، والحطّابة، نظير «المبسوط» كما مرّ.
واستثنى المحقّق صنفين:
1. مَن يكون دخوله بعد إحرامه قبل مضي شهر.
2. مَن يتكرر دخوله كالحطاب والحشاش. ولم يذكر المريض، ثمّ قال: وقيل من دخلها لقتال، جاز أن يدخل محلاً ، كما دخل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عام الفتح وعليه

1 . الوسائل:9، الباب50 من أبواب الإحرام، الحديث4.

صفحه 269
المِغْفَر.(1)
واقتصر المصنّف بمن يتكرّر دخوله وخروجه كالحطّاب والحشّاش.
والمذكور في الروايات وكلمات الفقهاء عدّة عناوين:
1. الحطّاب والحشّاش والمجتلبين.
2. المرضى، خصوصاً المبطون.
3. الخارج في الشهر الذي دخل فيه بإحرام.
4. من دخل لقتال. وإليك التفصيل:

الأوّل: الحطاب والحشاش والمجتلب

فقد اتّفقت كلمتهم على أنّه يجوز لهم الدخول بلا إحرام، وقد تقدّم في كلام الشيخ في «المبسوط»، وقال في «الجواهر»: بلا خلاف أجده.(2) والعمدة في ذلك هو النص.
ففي صحيح رفاعة بن موسى في حديث قال: وقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): إنّ الحطّابة والمجتلبة أتوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فسألوه فأذن لهم أن يدخلوا حلالاً.(3)
والمراد من المجتلبة من يجلب حوائج الناس من خارج البلد إليه، فيعمّ الجصّاص والحجّار ونقلة الميرة والرعاة. فيمكن أن يقال: انّ جواز الدخول بلا إحرام حكم كلّ من له ذلك الشأن، سواء أكان داخلاً في العناوين السابقة أم لا.
وإن شئت قلت: من اتّخذ مهنة لازمها الخروج والدخول في كلّ يوم أو أُسبوع أو شهر.
ولكن جعل الفاضل الاصفهاني هذه العناوين كناية عمّن يتكرر دخوله في

1 . الشرائع:1/252.
2 . الجواهر:18/448.
3 . الوسائل:9، الباب51 من أبواب الإحرام، الحديث2.

صفحه 270
كلّ شهر، قال: «إلاّ المتكرر» دخوله كلّ شهر بحيث يدخل في الشهر الذي خرج، «كالحطّاب» والحشاش والراعي وناقل الميرة، ومَن له ضيعة يتكرّر لها دخوله وخروجه إليها، للحرج. (ثمّ نقل صحيح رفاعة على ما نقلناه).(1)
ولكن المساعدة معه مشكلة، لابتنائه على تخريج المناط الممنوع في الشرع، فأقصى ما يمكن أن يقال: من كان مهنته مقتضية للخروج والدخول يومياً أو أُسبوعياً أو شهرياً.
وبذلك يعلم أنّ من يتردد بين مكة وجدّة أحياناً لأجل عيادة المرضى في جدّة، لا يدخل إلاّ بإحرام إذا كان في غير الشهر الذي أحرم فيه، ومثله المدرّس الذي يخرج من مكة إلى خارج الحرم لأجل التدريس، فالجميع لا يدخلون إلاّ بإحرام، وليس هذا أمراً حرجياً، إذ غاية ما يجب عليه الإحرام في كلّ شهر وإتيان العمرة معه وليس هذا أمراً شاقاً في كلّ شهر.

الثاني: المرضى، خصوصاً المبطون

فقد روى الشيخ في الصحيح عن محمد بن مسلم، قال: سألت أبا جعفر(عليه السلام): هل يدخل الرجل مكة بغير إحرام؟ قال: «لا، إلاّ أن يكون مريضاً أو به بطن».(2)
وفي الصحيح عن عاصم بن حميد قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): يدخل الحرم أحد إلاّ محرماً؟ قال: «لا إلاّ مريض أو مبطون».(3)
ومقتضى الروايتين سقوط الإحرام عن المريض، وقد أفتى به الشيخ في «النهاية».(4)

1 . كشف اللثام:5/304.
2 . الوسائل:9، الباب50 من أبواب الإحرام، الحديث 2و1.
3 . الوسائل:9، الباب50 من أبواب الإحرام، الحديث 2و1.
4 . النهاية: 247.

صفحه 271
والمحقّق في «المختصر النافع».(1)
ولكن يعارضها صحيحة رفاعة بن موسى، قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل به بطن ووجع شديد يدخل مكة حلالاً، قال: «لايدخلها إلاّ محرماً».(2)
والجمع بحمل النهي على الكراهة.

الثالث: الخارج في الشهر الذي دخل فيه بإحرام

مَن خرج في الشهر الذي أحرم فيه ودخل مكة واعتمر، يسقط عنه الإحرام، وهذا ما ترك المصنّف ذكره في المقام، وسيوافيك الكلام فيه في الفصل التاسع، أي فصل صورة حجّة التمتع، المسألة الثانية.
ثمّ إنّ الفرق بين هذه الطائفة والمتقدمة هو أنّ سقوط وجوب الإحرام عن الطائفة الثالثة مسبوق بإحرامهم في الشهر الذي دخلوا فيه بإحرام، غير أنّ الحطّاب والحشّاش أو المريض ربّما يكون خروجهم غير مسبوق بإحرام الحج.

الرابع: مَن دخل لقتال

واستدلّ القائل بدخول النبي مكة المكرمة في السنة الثامنة بلا إحرام وهكذا أصحابه، ولعلّه من خصائص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).
روى الطبرسي في «إعلام الورى» نقلاً عن كتاب أبان بن عثمان، عن بشير النبّال، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ـ في حديث فتح مكة ـ أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «ألا إنّ مكّة محرمة بتحريم اللّه لم تحلّ لأحد كان قبلي، ولم تحلّ لي إلاّ من ساعة من نهار إلى أن

1 . المختصر النافع: 85.
2 . الوسائل:9، الباب50 من أبواب الإحرام، ح3و 8.

صفحه 272
واختلفوا في مقدار الفصل بين العمرتين، فقيل: يعتبر شهر، وقيل: عشرة أيام. والأقوى عدم اعتبار الفصل، فيجوز إتيانها كلّ يوم، وتفصيل المطلب موكول إلى محلّه.*
تقوم الساعة».(1)
واعلم أنّه يجب الإحرام لدخول مكة إذا كان الدخول إليها من خارج الحرم، فلو خرج أحد من مكة ولم يخرج من الحرم، عاد إليها بغير إحرام. ووجهه واضح، لأنّ الدخول محرماً فرع الخروج عن الحرم حتى يحرم من إحدى المواقيت، والمواقيت كلّها خارج الحرم.
* اختلفت كلمة الفقهاء في توالي العمرتين ومقدار الفصل بينهما، فلهم فيه أقوال ـ من السنّة والشيعة ـ.
أمّا السنّة فقد ذكر الشيخ في «الخلاف» آراءهم على النحو التالي:
1. قال أبو حنيفة والشافعي: له أن يعتمر ما شاء، أي لا يعتبر الفصل بين العمرتين.
2. وقال مالك: لا يجوز ] في كلّ عام[ إلاّ مرّة واحدة. وبه قال: سعيد بن جبير، والنخعي، وابن سيرين.
3. حكى عن ابن عمر أنّه اعتمر أعواماً في كلّ عام عمرتين في أيّام ابن الزبير.
4. واعتمرت عائشة في شهر واحد عمرتين.(2)

1 . الوسائل: 9، الباب50 من أبواب الإحرام، الحديث12.
2 . الخلاف:2/260، المسألة26.

صفحه 273
لا تجد في هذه الأقوال أثراً من الفصل بعشرة أو شهر.
ومع ذلك فقد نقل العلاّمة في «المنتهى» استحبابها في كلّ شهر، أو في عشرة أيام عن جماعة وقال: ويستحبّ أن يقيم (يعتمر) الإنسان في كلّ شهر وبه قال علي وابن عمر وابن عباس وأنس وعائشة وعطاء وطاووس وعكرمة والشافعي وأحمد، وكره العمرة في السنة مرتين الحسن البصري وابن سيرين ومالك والنخعي.
وقال في المسألة التالية: ويستحب في كلّ عشرة أيّام عمرة مع التمكّن. وبه قال عطاء وأحمد بن حنبل، لأنّها زيارة للبيت فاستحب تكرارها في الشهر الواحد ـ إلى أن قال: ـ فقد قيل إنّه يحرم أن يكون بين العمرتين أقل من عشرة أيام، وقيل: يكره، وهو الأقرب.(1) وعلى ما ذكره يكون لعطاء ـ و هو من التابعين ـ قولان، فصل بشهر، وفصل بعشر.
وأمّا الشيعة فلهم في ذلك أقوال:

1. جواز توالي العمرتين

ذهب السيد المرتضى إلى أنّ العمرة جائزة في سائر أيّام السنة.(2)
وهو خيرة ابن إدريس حيث قال: وقال بعضهم لا أُوقت وقتاً، ولا أجعل بينهما مدّة، وتصحّ في كلّ يوم عمرة، وهذا القول يقوى في نفسي، و به أُفتي، وإليه ذهب السيد المرتضى في« الناصريات»... وما روي في مقدار ما يكون بين العمرتين، فأخبار آحاد، لا توجب علماً ولا عملاً.(3)

1 . المنتهى:2/877.
2 . الناصريات، المسألة139.
3 . السرائر:1/540ـ541.

صفحه 274

2. لزوم الفصل بعشرة أيام

ذهب جماعة من الأصحاب إلى لزوم الفصل بين العمرتين بعشرة أيام.
ومنهم ابن الجنيد حيث قال: لا يكون بين العمرتين أقلّ من عشرة أيّام.(1)
ومنهم الشيخ فقد اختار ذلك القول في كتابيه.
قال في «الخلاف»: يجوز أن يعتمر في كلّ شهر، بل في كلّ عشرة أيّام.(2)
وقال في «المبسوط»: أقلّ ما يكون بين عمرتين عشرة أيّام.(3)
و منهم ابن البراج حيث قال: يستحبّ للإنسان أن يعتمر في كلّ شهر، أو في كلّ عشرة أيام.(4)
ومنهم ابن حمزة لكن جعله أحد المرويين وقال: العمرة ضربان: مرتبطة بالحجّ، وغير مرتبطة... فالمتقدمة هي العمرة المتمتع بها إلى الحجّ، و متأخّرة وهي عمرة القران والإفراد. وغير المرتبطة بالحجّ ضربان: واجبة بالنذر، أو مندوب إليها. فالواجبة يلزمها الإتيان بها على ما نذر، والمندوب إليها يصحّ الإتيان بها في كلّ شهر، وروي في كلّ عشرة أيام.(5)

3. لزوم الفصل بشهر

ذهب أبو الصلاح إلى لزوم الفصل بين العمرتين بشهر حيث قال: وكلّ منهم مرغّب بعد تأدية الواجب عليه إلى الاعتمار في كلّ شهر مرّة أو في كلّ سنة مرة.(6)

1 . المختلف:4/359.
2 . الخلاف:2/260، المسألة 26.
3 . المبسوط:1/309.
4 . المهذب:1/211.
5 . الوسيلة: 195ـ 196.
6 . الكافي: 221.

صفحه 275

4. لزوم الفصل بسنة

وربّما يقال لزوم الفصل بسنة، وهو المحكي عن ابن أبي عقيل قال: لا تجوز عمرتان في عام واحد، وقد تأوّل بعض الشيعة هذا الخبر على معنى الخصوص فزعمت أنّها في المتمتع خاصة، فأمّا غيره فله أن يعتمر في أي الشهور شاء وكم شاء من العمرة، فإن يكن ما تأوّلوه موجوداً في التوقيف عن السادة آل الرسول(عليهم السلام) فمأخوذ به، وإن كان غير ذلك من جهة الاجتهاد والظن فذلك مردود عليهم، وراجع في ذلك كلّه إلى ما قالته الأئمّة(عليهم السلام).(1)
هذه أقوال الشيعة واختلافها رهن الاختلاف في الروايات، أمّا خيرة السيد المرتضى فقد استدلّ عليها بقول النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): العمرة إلى العمرة كفّارة ما بينهما، ولم يفصّل بين ذلك في سنة أو سنتين أو شهر أو شهرين.
رواه السنّة عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم).(2) والشيعة عن الرضا(عليه السلام)كما في «الفقيه»(3) والوسائل.(4)
يلاحظ عليه: بأنّه في مقام بيان فضل العمرة، ولا إطلاق لها بالنسبة إلى ما بين الفصل بين العمرتين، وهو نظير قوله(صلى الله عليه وآله وسلم):« الحجّة ثوابها الجنة، والعمرة كفّارة لكلّ ذنب، وأفضل العمرة عمرة رجب».(5)
وقد استدلّ للقول الثاني(لزوم الفصل بعشرة أيّام) بما جاء في «الوسائل»: بما

1 . مختلف الشيعة:4/359.
2 . كنز العمال:3/22.
3 . الفقيه:2/142، رقم الحديث619.
4 . الوسائل:10، الباب3 من أبواب العمرة، الحديث6.
5 . الفقيه:2/142، رقم الحديث620.

صفحه 276
رواه الكليني بسند صحيح عن علي بن أبي حمزة في حديث عن أبي الحسن(عليه السلام)قال:
سألت أبا الحسن(عليه السلام) عن رجل يدخل مكة في السنة المرة والمرتين والأربعة كيف يصنع قال: «إذا دخل فليدخل ملبّياً، و إذا خرج فليخرج محلاً». وقال:«ولكلّ شهر عمرة»، فقلت: يكون أقلّ؟ فقال: «في كلّ عشرة أيام عمرة»، ثمّ قال: وحقّك لقد كان في عامي هذه السنة ستّ عمر، قلت: ولم ذاك؟ قال: كنت مع محمد بن إبراهيم بالطائف، فكان كلّما دخل دخلت معه.(1)والرواية وإن كانت ضعيفة بعلي بن أبي حمزة، لكن الأصحاب عملوا بروايته، قائلين بأنّه أخذها ونقلها حين استقامته، على أنّ انحرافه عن الإمام الرضا (عليه السلام) موضوع نقاش بين المحقّقين.
و في «الوسائل» رواه الصدوق بإسناده عن القاسم بن محمد، عن علي بن أبي حمزة مثله.(2)
وظاهر العبارة أنّ الصدوق نقل الحديث كلّه في مكان واحد، وليس الأمر كذلك، فنقل الفقرة الأُولى ـ أي من قوله «عن الرجل يدخل مكة» إلى قوله «فليخرج محلاً» ـ و لم ينقل الفقرة الثانية التي هي موضع الاستشهاد.(3)
وروى الصدوق في موضع آخر باسناده عن علي بن أبي حمزة، عن أبي الحسن موسى قال: «لكلّ شهر عمرة». قال: قلت له: يكون أقلّ من ذلك؟ قال: «لكلّ عشرة أيام عمرة».(4) وهذا نفس ما نقله الكليني.

1 . الوسائل:10، الباب6 من أبواب العمرة، الحديث3.
2 . الوسائل:10، الباب6 من أبواب العمرة، الحديث3.
3 . الفقيه:2/239، برقم 1141، طبعة النجف الأشرف.
4 . الوسائل:10، الباب6 من أبواب العمرة، الحديث10; الفقيه:2/278، رقم الحديث 1362.

صفحه 277
وعلى كلّ تقدير فرواية العشر تصل إلى علي بن أبي حمزة من غير فرق بين ما رواه الكليني أو الصدوق، واحتمال كونه علي بن أبي حمزة الثمالي، لا البطائني ـ غير صحيح بشهادة أنّ الصدوق يرويه عن القاسم بن محمد الذي يروي عن البطائني كثيراً على أنّ علي بن أبي حمزة في الأسانيد ينصرف إلى البطائني لا الثمالي، مضافاً إلى أنّه ليس للثمالي رواية فقهية إلاّ النادر.
فقد تبين انّه ليس للقول بالعشرة دليل سوى رواية واحدة، وهي رواية ابن أبي حمزة.

الفصل بشهر بين العمرتين

إنّ القول بلزوم فصل شهر بين العمرتين ممّا تضافرت الروايات عليه، ونقتصر بما يلي :
1. صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)، قال: في كتاب علي(عليه السلام): «في كلّ شهر عمرة».(1)
2. موثّقة يونس بن يعقوب قال: سمعت أبا عبد اللّه(عليه السلام)يقول:«إنّ عليّاً(عليه السلام) كان يقول في كلّ شهر عمرة».(2)
3. صحيحة معاوية بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «كان علي(عليه السلام) يقول: لكلّ شهر عمرة».(3)
والإمام يحتج بكتاب علي ليكون أقنع.
4. موثقة إسحاق قال: قال أبو عبد اللّه: «السنة اثني عشر شهراً يعتمر لكلّ شهر عمرة».(4)

1 . الوسائل:10، الباب6 من أبواب العمرة، الحديث1، 2، 4 و 5.
2 . الوسائل:10، الباب6 من أبواب العمرة، الحديث1، 2، 4 و 5.
3 . الوسائل:10، الباب6 من أبواب العمرة، الحديث1، 2، 4 و 5.
4 . الوسائل:10، الباب6 من أبواب العمرة، الحديث1، 2، 4 و 5.

صفحه 278
5. خبر علي بن جعفر في كتابه عن أخيه قال: سألته عن العمرة متى هي؟ قال: «يعتمر فيما أحب من الشهور».(1)
6. خبر أحمد بن محمد بن أبي نصر عن الرضا (عليه السلام) قال: قال: «لكلّ شهر عمرة».(2)
ويؤيد ذلك أمران:
1. ما دلّ من الروايات على أنّ من أفسد عمرته فعليه أن يقيم إلى الشهر الآخر فيخرج إلى بعض المواقيت فيحرم بعمرة.(3)
2. ما دلّ على أنّ الخارج من مكة يدخلها محرماً إذا كان في غير الشهر الذي أحرم فيه، معللاً بأنّ لكلّ شهر عمرة(4) ، كلّ ذلك يعرب عن أنّ للشهر خصوصية عمل العمرة.

الفصل بالسنة بين العمرتين

قد تقدّم القول بالسنة، ويدلّ عليه صحيحتان:
1. صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)، قال:«العمرة في كلّ سنة مرّة».(5)
2. صحيحة زرارة بن أعين، عن أبي جعفر(عليه السلام)، قال: «لا تكون عمرتان في سنة».(6)
وحملهما الشيخ على عمرة التمتع وليس ببعيد، لجريان السيرة العملية على

1 . الوسائل:10، الباب6 من أبواب العمرة، الحديث 10 و 11.
2 . الوسائل:10، الباب6 من أبواب العمرة، الحديث 10 و 11.
3 . الوسائل:9، الباب12 من كفّارات الاستمتاع، الحديث1، 2، 3و 4.
4 . تقدّمت روايات الباب.
5 . الوسائل:10، الباب6 من أبواب العمرة، الحديث 6و7.
6 . الوسائل:10، الباب6 من أبواب العمرة، الحديث 6و7.

صفحه 279
العمرة طول السنة.
وعلى كلّ تقدير قد مرّ تضافر الروايات على الجواز في كلّ شهر، فدار الأمر بين الأخذ برواية العشر وهي رواية واحدة، أو روايات الشهر المتضافرة، ولا شكّ انّ صناعة الفقه تقتضي الأخذ بالثانية.
ومع ذلك يمكن القول بأنّ اختلاف النصوص(بينما لا يحدّ، أو يحدّ بعشرة أيام، أو شهر، أو بسنة) محمولة على مراتب الاستحباب، فهو في كلّ يوم مستحب، وبعد تخلل عشرة أيام مؤكّد، وبعد تخلّل شهر آكد، وهكذا، وما دلّ على من أفسد عمرته يقضيها في الشهر الآتي، أو أنّ من دخل مكة غير الشهر الذي أحرم فيه، لا يدخلها إلاّ محرماً، أحكام خاصة لموارد خاصة فلا ينافي استحباب العمرة في كلّ زمان فالإتيان بها فيما دون العشر رجاءً قويّ.

ما هو المراد من الفصل بالشهر؟

قد عرفت تضافر الروايات على الفصل بين العمرتين، بشهر لزوماً أو استحباباً، وعندئذ يقع الكلام فيما هو المراد منه؟ فهل أريد به الفصل بثلاثين فلو اعتمر في منتصف شهر رجب فليس له الاعتمار في عاشر شعبان لعدم الفصل بين العمرتين بثلاثين يوماً، أو أُريد به ما بين الهلالين، أي من أوّل رؤية الهلال السابق إلى رؤية الهلال الثاني، وعليه يجوز الاعتمار في المورد السابق، بل أقلّ بكثير، كما إذا اعتمر في اليوم التاسع والعشرين من شهر رجب، يجوز الإحرام للعمرة بعد هلال شعبان في يومه الأوّل؟
المتبادر من الشهر في الكتاب هو ثلاثون يوماً، قال سبحانه: (للَّذِينَ

صفحه 280
يُؤلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّص أَربعَةِ أَشْهُر )(1)، وقال تعالى: (فَسيحُوا فِي الأَرْض أَربَعة أَشْهُر )(2) ، وقوله: (إِن ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتهُنَّ ثَلاثة أَشْهُر)(3) .إلى غير ذلك من الآيات.
وأمّا المقام فبما أنّ الشهر فيه جاء في مقابل عشرة أيام، أو السنة يكون قرينة على أنّ المراد به هو ثلاثون يوماً أو الشهر الكامل الهلالي، لا بين الهلالين على نحو لو اعتمر في آخر شعبان لجاز له الاعتمار في أوّل رمضان، بحكم أنّ لكلّ شهر عمرة وانّ الأُولى وقعت في شعبان و الأُخرى في رمضان.
نعم قد ذهب السيد الخوئي إلى أنّ المراد هو ما بين الهلالين، مستظهراً ما اختاره ببعض الروايات، وليست الروايات ظاهرة فيما ادّعى، بل غاية ما في الباب فيها إشعار بما اختاره.
نعم لا يبعد أن يكون المراد من الشهر في قوله:«خرج في الشهر الذي اعتمر فيه ودخل فيه» :ما بين الهلالين، فانتظر.

جواز التوالي في بعض الموارد:

1. الظاهر من النصوص، هو الفصل بين العمرتين إذا كانتا عن نفسه، وأمّا إذا كانت إحداهما عن نفسه والأُخرى عن الغير، أو كانت العمرتان عن شخصين مختلفين، فتجوز لدخولهما تحت الإطلاقات وخروجهمـا عمّا دلّ من الفصل بشهر، فيجوز لشخص واحد النيابة عن شخص أو أكثر في يوم

1 . البقرة:226.
2 . التوبة:2.
3 . الطلاق:4.

صفحه 281
واحد.
2. انّ الظاهر عدم لزوم الفصل بين العمرة المفردة إذا تقدّمت، وعمرة التمتّع إذا تأخّرت، كما إذا اعتمر في العشر الأواخر من رمضان للعمرة المفردة، فيجوز له أن يعتمر، عمرة التمتع في شهر شوال.
3. تجوز العمرة بعد الفراغ عن أعمال الحجّ، بلا مرور شهر، نعم لا تجوز العمرة المفردة بين عمرة التمتع والحجّ وإن كان الفصل أزيد من شهرين، لما سيوافيك في محله.

صفحه 282

صفحه 283
الفصل الثامن
في أقسام الحجّ

صفحه 284

صفحه 285
وهي ثلاثة بالإجماع والأخبار: تمتّع وقران وإفراد. والأوّل فرض من كان بعيداً عن مكّة، والآخران فرض من كان حاضراً، أي غير بعيد.*
* هنا أُمور:
1. تقسيم الحجّ إلى أقسام ثلاثة.
2.تفسير الأقسام الثلاثة على ضوء روايات أهل البيت(عليهم السلام).
3. الإفراد والقران وظيفة الحاضر، والتمتع وظيفة النائي.
4. ما هو المراد من الحاضر والنائي؟
وإليك دراسة الفروع واحداً تلو الآخر.

الأوّل: تقسيم الحجّ إلى أقسام ثلاثة

اتّفق المسلمون إلاّ من شذّ على أنّ الحجّ على ثلاثة أقسام: تمتع، وقران، وإفراد. فالأوّل فرض من لم يكن من حاضري المسجد الحرام ـ وسوف يوافيك تفسيره ـ والقران والإفراد فرض من كان من حاضري المسجد الحرام، فهؤلاء لا يجب عليهم التمتع.(1)
وقال الشيخ في «النهاية»: الحجّ على ثلاثة أضرب، تمتع بالعمرة إلى الحج، وقران، وإفراد. فأمّا التمتع ، فهو فرض اللّه تعالى على جميع المكلّفين

1 . المبسوط:1/306.

صفحه 286
ممّن ليس هو من أهل مكّة وحاضريها، وأمّا الإفراد والقران فهو فرض أهل مكة وحاضريها.(1)
وقال في «الخلاف»: فرض المكي ومن كان من حاضري المسجد الحرام القران والافراد. ومَن ليس من حاضري المسجد الحرام فرضه التمتّع.(2)
والملاك في هذا التقسيم وطن المكلّف باعتبار بعده أو قربه من مكة، فالبعيد وظيفته التمتّع، والقريب باعتبار سوق الهدي مع الإحرام وعدمه ينقسم إلى قران وإفراد.
إلى غير ذلك من الكلمات المتماثلة لأصحابنا الحاكية عن عدم الخلاف بين العلماء.(3)
روى الشيخ بسند صحيح عن معاوية بن عمّار قال: سمعت أبا عبد اللّه(عليه السلام)يقول: «الحجّ ثلاثة أصناف: حجّ مفرد، وقران، وتمتع بالعمرة إلى الحجّ، وبها أمر رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، والفضل فيها، ولا نأمر الناس إلاّ بها» .(4)

1 . النهاية:206 بتلخيص.
2 . الخلاف:2/272، المسألة 42، 43.
3 . الحدائق:14/311.
4 . الوسائل:8، الباب1 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث1.

صفحه 287
وحدّ البعد الموجب للأوّل ثمانية وأربعون ميلاً من كلّ جانب، على المشهور الأقوى. لصحيحة زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام)قلت له: قول اللّه عزّ وجلّ في كتابه (ذلك لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أهله حاضري المَسجِدِ الحرام)فقال (عليه السلام): «يعني أهل مكّة ليس عليهم متعة، كلّ من كان أهله دون ثمانية وأربعين ميلاً ذات عرق وعسفان كما يدور حول مكّة فهو ممّن دخل في هذه الآية، وكلّ من كان أهله وراء ذلك فعليه المتعة».
وخبره عنه (عليه السلام) سألته عن قول اللّه عزّ وجلّ (ذلك ...)؟ قال: «لأهل مكة ليس لهم متعة ولا عليهم عمرة». قلت: فما حدّ ذلك؟ قال: «ثمانية وأربعون ميلاً من جميع نواحي مكّة، دون عسفان وذات عرق». ويستفاد أيضاً من جملة من أخبار أُخر.*

* الثاني: تفسير الأقسام على ضوء روايات أهل البيت

كان على المصنّف أن يشرح لنا صور الأقسام الثلاثة حتّى يتميز كلّ عن الآخر، ولكنّه(قدس سره) ترك ذلك لما يأتي منه صورة حجّ التمتّع بعامة خصوصياته في الفصل التاسع، وأمّا صورة حجّ الافراد والقران فلم يذكرها في الكتاب، لعدم إكماله مباحث الحجّ وإن ألمع إليها في الفصل العاشر في الميقات السابع: دويرة أهله.
ونحن نذكر صورتها على وجه الإيجاز.
أمّا التمتّع فهو ما يحرم فيه للعمرة المتمتّع بها إلى الحجّ فيقصد مكة فإذا أتى بالعمرة، فيحل ثمّ يحرم للحج، فالعمرة فيه داخلة في الحج بمعنى إتيانهما معاً بشرط التحلّل بهما، وأمّا الإفراد والقران فهما وظيفة الحاضر، فالكلّ يهلّ بالحج من

صفحه 288
دويرة أهله ويقصد عرفات، فإذا فرغ من الحجّ، أحلّ، ثمّ يحرم للعمرة من أدنى الحلّ ـ كما سيأتي ـ و يأتي بالعمرة المفردة، ثمّ إنّه لو ساق الهدي من دويرة أهله إلى المشاعر فهو قارن وإلاّ فهو مفرد.
هذا ما لدى أئمّة أهل البيت(عليهم السلام)، وأمّا الآخرون فعندهم تفسير آخر وهو انّّ الحجّ له ثلاث كيفيات، وهي:
أ. الإفراد: وهو أن يهلّ الحاج ـ أي ينوي الحج فقط عند إحرامه ـ ثمّ يأتي بأعمال الحجّ وحده.
ب. القران : وهو أن يهلّ بالعمرة والحج جميعاً، فيأتي بهما في نسك واحد.
ج. التمتع: وهو أن يهلّ بالعمرة فقط في أشهر الحج، ويأتي مكة فيؤدّي مناسك العمرة، ويتحلّل. ويمكث بمكة حلالاً، ثمّ يحرم بالحجّ ويأتي بأعماله. ويجب عليه أن ينحر هدياً بالإجماع.(1)
وقال ابن رشد: والمحرمون، إمّا محرم بعمرة مفردة، أو محرم بحجّ مفرد، أو جامع بين الحجّ والعمرة، وهذان ضربان: إمّا متمتع وإمّا قارن.(2)
فالقارن عند السنّة هو النائي غاية الأمر إن أحل بين العمرة والتمتّع فهو متمتع، وإلاّ فهو قارن، ووصفه بالقران لجمعه بين العمرة والحجّ في إحرام واحد.
وهذا بخلاف القران عندنا فهو وظيفة الحاضر، فلو ساق الهدي يكون قارناً وإلاّ مفرداً.
وبعبارة أُخرى: المفرِد والقارن عندنا وظيفة الحاضر دون النائي، يقدّمان الحجّ على العمرة ويفرّقان بينهما، غير أنّ القارن يسوق إلى إحرامه الهدي، وشذّ

1 . الموسوعة الفقهية الكويتية:17/42ـ 43.
2 . بداية المجتهد:3/293.

صفحه 289
ابن عقيل من الشيعة في تفسير القران ففسّر القارن بنفس ما فسّر به أهل السّنة وقال: القارن يلزمه اقران الحجّ مع العمرة، لا يحل من عمرته حتّى يحلّ من حجّه، ولا يجوز قران العمرة مع الحجّ إلاّ لمن ساق الهدي.(1)
وإليك بعض النصوص:
1. روى الكليني عن منصور الصيقل قال: قال أبو عبد اللّه(عليه السلام):«الحجّ عندنا على ثلاثة أوجه: حاج متمتّع، وحاج مفرد سائق للهدي، وحاج مفرد للحج».(2)
2. روى الصدوق عن أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير وزرارة بن أعين، عن أبي جعفر(عليه السلام)قال:«الحاج على ثلاثة وجوه: رجل أفرد الحج وساق الهدي، ورجل أفرد الحج ولم يسق الهدي، ورجل تمتّع بالعمرة إلى الحج».(3)
ترى أنّ الروايات تؤكّد على أنّ القارن هو المفرد، غاية الأمر يقارن إحرامه سوق الهدي لا أنّه يقارن العمرة بالحج، كما هو المعروف عند أهل السنّة.

الثالث: ما هو المراد من الحاضر وا لنائي؟

قال سبحانه: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَديِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّام فِي الحَجِّ وَسَبْعَة إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَاتَّقُوا اللّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ العِقاب).(4)

1 . مختلف الشيعة:4/24.
2 . الوسائل:8، الباب1 من أبواب أقسام الحج، الحديث 2ـ3.
3 . الوسائل:8، الباب1 من أبواب أقسام الحج، الحديث 2ـ3.
4 . البقرة:196.

صفحه 290
فقوله سبحانه: (ذلك ) بحكم كونه إشارة للبعيد،يرجع إلى قوله: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلى الْحَجِّ )، فهو واجب من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، وأمّا الحاضر فواجبه غير التمتّع، أي الإفراد والقران.
واختلفت كلمة الفقهاء في تفسير الحاضر، فلنذكر قول أهل السنة.
قال الجصّاص: اختلف النّاس في ذلك على أربعة أوجه:
فقال عطاء ومكحول: من دون المواقيت إلى مكّة، وهو قول أصحابنا، إلاّ أنّ أصحابنا يقولون: أهل المواقيت بمنزلته من دونها.
وقال ابن عبّاس ومجاهد: هم أهل الحرم.
وقال الحسن وطاووس ونافع وعبد الرحمن الأعرج: هم أهل مكّة، وهو قول مالك بن أنس.
وقال الشّافعي: هم من كان أهله دون ليلتين، وهو حينئذ أقرب المواقيت، و ما كان وراؤه فعليهم المتعة.(1)
وقال القرطبي: اختلف النّاس في حاضر المسجد الحرام بعد الإجماع على أنّ أهل مكّة وما اتّصل بها من حاضريه. قال الطّبري: بعد الإجماع على أهل الحرم. قال ابن عطيّة: وليس كما قال بعض العلماء: من كان يجب عليه الجمعة فهو حضري، ومن كان أبعد من ذلك فهو بَدَوي، فجعل اللّفظة من الحضارة والبَداوة. وقال مالك وأصحابه: هم أهل مكّة وما اتّصل بها خاصة، وعند أبي حنيفة وأصحابه: هم أهل المواقيت ومن وراءها من كلّ ناحية، فمن كان من أهل المواقيت أو من أهل ماوراءها فهم من حاضري المسجد الحرام. وقال الشافعي وأصحابه: هم من لا يلزمه تقصير الصلاة من موضعه إلى مكّة، وذلك أقرب

1 . أحكام القران:1/289.

صفحه 291
المواقيت.(1)
وأمّا أصحابنا فقد اختلفوا على قولين:
1. الحاضر: كلّ من كان بينه و بين المسجد الحرام اثنا عشر ميلاً من أربع جهات.
2. الحاضر: من يكون بمكة، أو يكون بينه و بينها ثمانية وأربعون ميلاً; والنائي: من كان خارج هذا .
والأوّل خيرة الشيخ في «المبسوط»(2)، و «الاقتصاد»(3)، و «الجمل».(4)، وأبي الصلاح في «الكافي».(5)، وابن ادريس في «السرائر».(6)
واختاره من المتأخّرين المحقّق والعلاّمة.
قال المحقّق: الإفراد والقران فرض أهل مكة وما بينه و بينها دون اثني عشر ميلاً من كلّ جانب.(7)
وقال العلاّمة في «القواعد»: وأمّا القران والإفراد فهما فرض أهل مكة وحاضريها وهو من كان بينه و بين مكة دون اثني عشر ميلاً من كلّ جانب.(8)
هذا كلّه حول القول الأوّل.

1 . الجامع لأحكام القرآن:2/404.
2 . المبسوط:1/306.
3 . الاقتصاد:278.
4 . الجمل والعقود: 129.
5 . الكافي في الفقه: 191.
6 . السرائر:1/520.
7 . الشرائع:1/239.
8 . القواعد:1/399.

صفحه 292
وأمّا الثاني فاختاره من القدماء، ابنا بابويه(1) ; ومن المتأخّرين: العلاّمة في «المختلف» و«التذكرة»، والشهيد في «الدروس»، والشهيد الثاني في «المسالك»، والنراقي في «المستند». وإليك كلمات المتأخرين.
1.قال العلاّمة بعد نقل القولين : الأقرب هو ثمانية وأربعون ميلاً.(2)
2. وقـال في «التـذكـرة»: وأمّا أهل مكة وحاضريها ـ و هو من كان بينه و بيـن مكة دون ثمانية وأربعين ميلاً ـ فإنّ فرضهم القران أو الإفراد دون التمتع.(3)
3. قال الشهيد: التمتع عزيمة في النائي عن مكة بثمانية وأربعين ميلاً من كلّ جانب، وأمّا قسيماه فلمن يقصر عنها. ثمّ نقل عن المبسوط والحلبي وابن إدريس اثنا عشر ميلاً وقال: ولا نعلم مستنده.(4)
4. وقال الشهيد الثاني: الأصح اعتبار ثمانية وأربعين ميلاً. والتقدير ـ على التقديرين ـ من منتهى عمارة مكة إلى منزله.(5)
5.وقال في «المستند»: حدّ البُعد الموجب للتمتع ثمانية وأربعون ميلاً من كلّ جانب، وفاقاً للمحكيّ عن عليّ بن إبراهيم في تفسيره والصدوقين والشيخ في التهذيب والنهاية، والنافع والمعتبر والمختلف والتذكرة والمنتهى والتحرير والمسالك والدروس واللمعة والروضة والمدارك والذخيرة، وغيرهم من المتأخّرين، بل عند أكثر الأصحاب كما في الأخيرين وفي شرح المفاتيح: أنّه المشهور، وفي

1 . المقنع:67.
2 . مختلف الشيعة:4/26.
3 . التذكرة:7/169.
4 . الدروس:1/330.
5 . المسالك:2/202.

صفحه 293
المعتبر: أنّ القول الآخر شاذ نادر.(1)
والعجب أنّ المحقّق اختار في «المعتبر» ثمانية وأربعين ميلاً مع أنّه أفتى في «الشرائع» بالأقل، أي اثني عشر ميلاً.(2)
فظهر ممّا ذكرنا أنّ الأصحاب لم يتّفقوا على كلمة واحدة وليس أحد القولين على وجه يجعل القول الآخر شاذاً أو مهجوراً، فالعمدة دراسة أدلّة المسألة.
ومع ذلك فقد قال المحدّث البحراني في حق القول الأوّل و لم نقف للقائلين بهذا القول على دليل وقد اعترف بذلك ـ جملة من الأصحاب منهم: ـ المحقّق في المعتبر، والشهيد في الدروس.
وقال في المختلف: وكأنّ الشيخ نظر إلى توزيع الثمانية والأربعين من الأربع جوانب فكان قسط كلّ جانب ما ذكرناه.وقال في المدارك(3): ليس بجيد، لأنّ دخول ذات «عرق» و «عسفان» في حاضري مكة ينافي ذلك.(4) وإليك دراسة الروايات، ونسرد ما ورد في المقام تحت عناوين:

الطائفة الأُولى: من كان بينه و بين مكة ثمانية وأربعون ميلاً

يدلّ بعض الروايات على أنّ من كان أهله في مسافة لا تتجاوز ثمانية وأربعين ميلاً، فهو يفرد، وإلاّ فيتمتّع، وقد جاء التصريح بذلك في روايتين :
1.صحيحة زرارة، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: قلت لأبي جعفر(عليه السلام): قول اللّه عزّ وجلّ في كتابه:(ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) قال:

1 . مستند الشيعة:11/218.
2 . المعتبر:2/784.
3 . المدارك:7/162.
4 . الحدائق:14/322.

صفحه 294
يعني أهل مكة ليس عليهم متعة، كلّ من كان أهله دون ثمانية وأربعين ميلاً، ذات عرق وعسفان كما يدور حول مكة فهو ممن دخل هذه الآية، وكلّ من كان أهله وراء ذلك فعليهم المتعة».(1)
أمّا السند فلا غبار عليه، وأمّا المتن فقد تشكّل من مقاطع:
الف: دون ثمانية وأربعين ميلاً.
ب: ذات عرق وعسفان.
ج: كما يدور حول مكة...
د: وكلّ من كان أهله وراء ذلك.
وهل لفظة«دون» بمعنى الأقل كما يقال: هذا دون هذا، أو بمعنى «وراء» كما يقال: هذا أمير على دون جيحون. الظاهر هو الأوّل، فإنّ الإمام اتّخذ مكة، موضوعاً للحكم، فكلّ موضع كانت المسافة بينه و بين مكة أقل من 48 ميلاً، فوظيفة ساكنيه الإفراد والقران.
وأمّا من كان أهله وراء ذلك الحدّ، فعليه المتعة كما في ذيل الحديث.
ثمّ الظاهر: انّ قوله: «ذات عرق وعُسْفان» بدل من قوله: «دون ثمانية وأربعين ميلاً» فالمنطقتان واقعتان في أقل من الثمانية وأربعين ميلاً، فليس عليهم متعة.
ويدلّ على ذلك أمران:
1. خبر أبي بصير، قال: قلت لأهل مكة متعة؟ قال: «لا، ولا لأهل بستان، ولا لأهل ذات عرق، ولا لأهل عُسفان متعة».(2)

1 . الوسائل:8، الباب6 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث3.
2 . الوسائل:8، الباب6 من أبواب أقسام الحج، الحديث12.

صفحه 295
2. ما ذكره ياقوت في «معجم البلدان» قال: عسفان: بضم أوّله، وسكون ثانيه ثمّ فاء، وآخره نون...، قرية جامعة بها منبر ونخيل ومزارع على ستة وثلاثين ميلاً من مكة، وهي حد تهامة.(1)
لكن الظاهر من الفيروز آبادي في «القاموس»، انّهما واقعان على رأس مرحلتين حيث قال: إنّ عسفان على مرحلتين وهي تساوي ستة عشر فرسخاً المعادل لثمانية وأربعين ميلاً.
وأمّا اللوحة الإرشادية المنصوبة في الطريق فتشير إلى أنّها تقع على رأس خمسين كيلومتراً.
وقال في «القاموس»:
والذي يسهل الخطب أنّه لم يثبت أنّ ما يقطعه المسافر في كلّ يوم هو ثمانية فراسخ، لأنّ قطع الطريق قلة وكثرة، تابع لكون الطريق مذلّلاً وعدمه وبما يقع في بعض الأيام أقل من ثمانية لصعوبة الطريق، أو للورود على الماء والعشب المقتضي لإلقاء الرحل والاستراحة أو غير ذلك.
وعلى فرض كون المرحلة مساوية لثمانية فراسخ، لم تكن أدوات التحديد يوم ذاك دقيقة لا تخطئ، فعُسفان عند صاحب «معجم البلدان» ستة وثلاثين ميلاً، وعند صاحب« القاموس» على مرحلتين أي ثمانية وأربعين ميلاً.
فالرواية حجة، وليس هنا شيء يصدنا عن الأخذ بها.
2. خبر زرارة، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: سألته عن قول اللّه عز ّوجلّ :(ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ) قال: ذلك أهل مكة، ليس لهم متعة، ولا عليهم عمرة. قال: قلت: فما حدّ ذلك؟

1 . معجم البلدان:4/122.

صفحه 296
]الف[: قال: «ثمانية وأربعين ميلاً من جميع نواحي مكة.
]ب[: دون عسفان ، ودون ذات عرق».(1)
والظاهر وحدة الحديثين، لوحدة الراوي والمروي عنه; والحديث الأوّل رواه عبد الرحمن، عن حمّاد بن عيسى ، عن حريز، عن زرارة; وهذا الحديث رواه علي ابن السندي، عن حمّاد إلى آخر السند.
وأمّا الاختلاف في المتن ففي موارد ثلاثة:
1. ففي الأوّل: دون ثمانية وأربعين ميلاً.
وفي الثاني: ثمانية وأربعين ميلاً.
2. في الأوّل: ذات عرق وعسفان.
وفي الثاني: دون ذات عرق وعسفان.
3. ذُيِّل الأوّل: وكل من كان أهله وراء ذلك.
وقد سقط في الثاني: هذه الجملة .
والاختلاف في المتن يورث الاختلاف في الأُمور التالية:
1. فالميزان على الصحيحة، هو دون الثمانية والأربعين، وعلى الخبر، نفس الثمانية والأربعين; فمن سكن الحد، له المتعة على الأُولى، دون الثاني.
2. انّ واجب أهل«ذات عرق» أو «عسفان» هو الإفراد على الصحيحة، والمتعة على الخبر حيث ورد فيه: «دون عُسفان» و «دون ذات عرق».
ولكن الترجيح مع الصحيحة لصحة سندها، دون الخبر، إذ في سنده علي ابن السندي الذي لم يوثّقه إلاّ الكشي ناقلاً عن نصر بن الصباح.

1 . الوسائل:8، الباب6 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث7.

صفحه 297
مضافاً إلى اشتمال الصحيحة على ما لا يشتمل عليه الخبر، فيكشف عن أنّ الراوي لم يكن ضابطاً.

الطائفة الثانية: التصريح ببعض الأمكنة

هناك روايات تصرح بأنّه ليس لأهل بعض الأمكنة متعة، وهي كالآتي:

أ. ليس لأهل مكّة متعة

تضافرت الروايات على أنّه ليس لأهل مكة متعة، وفي بعضها عطف «وحاضريها» عليها، نظير:
1. روى علي بن جعفر قال: قلت لأخي موسى بن جعفر(عليه السلام):لأهل مكة أن يتمتّعوا بالعمرة إلى الحجّ؟ فقال: لا يصلح أن يتمتّعوا، لقول اللّه عزّ وجل:(ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام)».(1)
نعم ورد في روايات أُخرى حكم أهل مكة، منضماً إلى سائر المناطق، ونذكرها في العنوان الثالث.

ب. ليس لأهل السرف ومرّ، متعة

2. روى الحلبي وسليمان بن خالد وأبو بصير كلّهم، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: «ليس لأهل مكة، ولا لأهل مرّ، ولا لأهل سَرِف متعة، وذلك لقول اللّه عزّ وجلّ: (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام)».(2)
قال في «الوافي»: «السرف» ككتف، موضع قرب التنعيم; «والمرّ» ويقال له:

1 . الوسائل:8، الباب6 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث2. لاحظ أيضاً الحديث8، 9، 10.
2 . الوسائل:8، الباب6 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث1.

صفحه 298
«مرّ الظهران» موضع على مرحلة من مكة.(1) والمرحلة عبارة عمّا يقطعها المسافر طول يومه، والمعروف أنّه ثمانية فراسخ تعادل أربعة وعشرين ميلاً، ولو افترضنا وجود التسامح في بيان المرحلة، إذ ربّما يقطع المسافر في بعض الأيام أقل من ذلك لصعوبة الطريق أو طلب المزيد من الاستراحة، فلا يكون التسامح أكثر من أربعة أو ستة أميال، وعلى كلّ تقدير فهذه الأمثلة ترد القول الآخر.
3. صحيح سعيد الأعرج قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «ليس لأهل سرف، ولا لأهل مرّ، ولا لأهل مكة، متعة، يقول اللّه تعالى: (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام)».(2) والحديث يقرب لفظه ومضمونه من الحديث الثاني.

ج. ليس لأهل بستان، وذات عرق وعسفان متعة

هناك روايات جاء فيها ذكر نفس الأمكنة أو أهاليها وهي خبر أبي بصير(3) ،عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: قلت: لأهل مكة متعة؟ قال: «لا، ولا لأهل بستان، ولا لأهل ذات عرق، ولا لأهل عسفان ونحوها».(4)
في الوافي: «البستان» بستان أبي عامر قرب مكة مجتمع النخلتين اليمامة والشامية... وقد مرّ توضيح «ذات عرق» و«عسفان»
ثمّ إنّ كلّ ثمانية وأربعين ميلاً يساوي 400،86 كم وذلك بالبيان التالي:
إنّ كلّ ميل يساوي 4000 ذراع، وكلّ ذراع يساوي 45سنتيمتراً فيكون كلّ ميل يساوي 800،1 كم، فإذا ضربنا 800،1×48 ميلاً تكون النتيجة

1 . الوافي:12/447.
2 . الوسائل:8، الباب6 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث6.
3 . لوقوع علي بن أبي حمزة في الطريق.
4 . الوسائل:8، الباب6 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث12.

صفحه 299
400،86 كم. وإليك صورة المسألة رياضياً.
4000×45سم =000،180سم =800،1 كم
800،1×48ميل=400،86كم.

الطائفة الثالثة: من كان منزله دون الميقات

وهناك روايات تدلّ على أنّ الميزان حضوره بعد الميقات:
أ. ما رواه الحلبي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) ، في«حاضري المسجد الحرام» قال: «ما دون المواقيت إلى مكة، فهو من حاضري المسجد الحرام، وليس لهم متعة».(1)
وقد أخذ الشيخ الحديث عن كتاب أبي الحسن النخعي وهو علي بن النعمان الأعلم النخعي. وثقه النجاشي، وقال الشيخ : له كتاب وله أكثر من ثلاثمائة وثلاث وسبعين رواية في الكتب الأربعة.
ب. صحيح حمّاد بن عثمان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في «حاضري المسجد الحرام» قال: «ما دون الأوقات إلى مكة».(2)
ويمكن تفسير الروايتين بأنّ المقصود دون كلّ المواقيت فأقربها إلى مكة ذات عرق، وهو على المشهور حوالي 48 ميلاً، وإلاّ فلو أُريد كلّ واحد من المواقيت فأين الجحفة من ذات عرق؟ فإنّ الأُولى تبعد عن مكة حوالي 190كيلومتراً.
ويحتمل حملها على التقية، لما عرفت من القول به في فتاوى العامّة .

1 . الوسائل:8، الباب6 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث4.
2 . المصدر نفسه، الحديث5.

صفحه 300
والقول بأنّ حدّه اثنا عشر ميلاً من كلّ جانب ـ كما عليه جماعة ـ ضعيف، لا دليل عليه إلاّ الأصل، فإنّ مقتضى جملة من الأخبار: وجوب التمتّع على كلّ أحد، والقدر المتيقّن الخارج منها من كان دون الحدّ المذكور. وهو مقطوع بما مرّ، أو دعوى: أنّ الحاضر مقابل للمسافر، والسفر أربعة فراسخ، وهو كما ترى. أو دعوى أنّ الحاضر ـ المعلّق عليه وجوب غير التمتّع ـ أمر عرفيّ، والعرف لا يساعد على أزيد من اثني عشر ميلاً، وهذا أيضاً كما ترى، كما أنّ دعوى: أنّ المراد من ثمانية وأربعين للتوزيع على الجهات الأربع، فيكون من كلّ جهة اثنا عشر ميلاً منافية لظاهر تلك الأخبار، وأمّا صحيحة حريز ـ الدالّة على أنّ حدّ البعد ثمانية عشر ميلاً ـ فلا عامل بها، كما لا عامل بصحيحتي حمّاد بن عثمان والحلبيّ الدالّتين على أنّ الحاضر من كان دون المواقيت إلى مكّة.*

* الطائفة الرابعة: كفاية البُعد باثني عشر ميلاً

قد عرفت أنّ الشيخ وعدّة من القدماء والمحقّق في «المعتبر» ذهبوا إلى اعتبار الاثني عشر ميلاً، مع أنّه ليس لهم دليل في الروايات، وكأنّ الشيخ نظر إلى توزيع الثمانية والأربعين من الأربع جوانب فكان قسط كلّ جانب ما ذكرناه.
ويشهد على ذلك قول ابن إدريس في «السرائر»، قال: فالتمتع هو فرض من نأى عن الحرم، وحدّه ، من كان بينه وبين المسجد الحرام، ثمانية وأربعون ميلاً، من أربعة جوانب البيت، من كلّ جانب اثنا عشر ميلاً.(1)

1 . السرائر:1/519.

صفحه 301
وقال في «الجواهر»: ولعلّه استشعره ممّا في محكيّ «المبسوط»، وهو كلّ من كان بينه و بين المسجد الحرام اثنا عشر ميلاً من جوانب البيت، و«الاقتصاد» من كان بينه وبين المسجد من كلّ جانب اثنا عشر ميلاً، وما عن الحلبي«وأمّا القران و الإفراد ففرض أهل مكة وحاضريها ومن كان داره اثني عشر ميلاً من أي جهاتها كان»، وأصرح من ذلك ما عن التبيان «ففرض التمتع عندنا هو اللازم لكلّ من لم يكن من حاضري المسجد الحرام،وهو من كان على اثني عشر ميلاً من كلّ جانب إلى مكة ثمانية وأربعين ميلاً».(1)

دعم صاحب الجواهر هذا القول

ثمّ إنّ صاحب الجواهر دعم كون الحد هو اثنا عشر ميلاً بوجوه، ذكرها المصنّف في المتن ونحن نذكرها بتحليل:
1. انّ مقتضى جملة من الأخبار وجوب التمتع على كلّ أحد، والقدر المتيقّن الخارج منها من كان دون الحد المذكور (الاثنا عشر ميلاً) وإلى هذا الوجه أشار في «الجواهر» بقوله: يؤيد ما قلناه من الرجوع إلى إطلاق ما دلّ على وجوب التمتع مع الاقتصار على الفرد المتيقّن من الملحق بالحضور، وهو في الاثني عشر ميلاً فمادون.(2)
وقد أجاب عنه المصنّف بأنّ الأصل مقطوع بما دلّ على الحدّ بثمانية وأربعين ميلاً، فلا يبقى مجال للتمسّك بالإطلاق أو الأخذ بالقدر المتيقّن.
2. انّ الحاضر ـ المعلّق عليه وجوب غير المتمتع ـ أمر عرفي والعرف لا يساعد على أزيد من اثني عشر ميلاً.

1 . الجواهر:18/9.
2 . الجواهر:18/9.

صفحه 302
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ مقتضى الجمود على ظاهر «حاضري المسجد الحرام» هو اختصاصه بمن سكن مكة المكرّمة دون الخارج عنها، وإذا قام الدليل على التوسعة، فلا فرق بين الحدين، فلو صحّ إطلاق الحضور على من بَعُدَ عنها باثني عشر ميلاً، لصحّ على الأكثر.
وثانياً: ما دلّ على من كان بين مكة والميقات وظيفته الإفراد ، حاكم على الآية حيث يفسّرها بذلك الحد وإن كان اللفظ بنفسه لا يساعدها.
3. المراد من ثمانية وأربعين، التوزيع على الجهات الأربع، فيكون في كلّ جهة اثنا عشر مِيلاً ، كما مرّ نقله عن جملة من الأعلام، منهم ابن إدريس.
يلاحظ عليه: أنّ أخبار الطائفة الأُولى آبية عن هذا الحمل خصوصاً بعد التمثّل بـ «عسفان، وذات عرق» الواقعتين في مسافة أكثر من اثني عشر ميلاً.
4. انّ التمتّع فرض من لم يكن حاضري المسجد الحرام، ومقابل الحاضر، المسافر، وحدّه أربعة فراسخ التي تساوي اثني عشر ميلاً.
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ حدّ المسافر هو ثمانية فراسخ لا أربعة.
وثانياً: منع كون الحاضر مقابل المسافر، وإنّما هو اصطلاح طارئ، بعد نزول الآية.
وثالثاً: أنّ النصوص المتضافرة، فسرت الحضور ومعه لا يبقى لهذا الاحتمال وجه.

الطائفة الخامسة: كفاية ثمانية عشر ميلاً عن جهاتها الأربع

هناك ما يدلّ على أنّ حدّ البعد ثمانية عشر ميلاً عن جهاتها الأربع وهي صحيحة حريز، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)في قول اللّه عزّ وجلّ:(ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهلُهُ

صفحه 303
وهل يعتبر الحدّ المذكور من مكّة أو من المسجد؟ وجهان، أقربهما الأوّل. ومن كان على نفس الحدّ فالظاهر أنّ وظيفته التمتع، لتعليق حكم الإفراد والقران على ما دون الحدّ.*
حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرام) قال: «مَن كان منزله على ثمانية عشر ميلاً من بين يديها، وثمانية عشر ميلاً من خلفها، وثمانية عشر ميلاً عن يمينها، وثمانية عشر ميلاً عن يسارها، فلا متعة له، مثل «مرّ» وأشباهه».(1)
والظاهر أنّ الحديث بصدد التحديد ولكن صاحب الوسائل حمله على غيره وقال: هذا غير صريح في حكم مازاد عن ثمانية عشر ميلاً، فهو موافق لغيره فيها وفيما دونها، فيبقى تصريح حدث زرارة وغيره بالتفصيل، سالماً عن المعارض.
ويحتمل تطرق التحريف إلى الحديث، بتبديل الأربعين إلى عشر، وكان الأصل ثمانية وأربعين، واللّه العالم.
وعلى كلّ تقدير فالرواية معرض عنها، والعمل بالطائفة الأُولى هو المتعيّن.
* هنا فروع أربعة هي:
1. في مبدأ حساب المسافة، فهل هو المسجد الحرام أو مكة؟
2. من كان على نفس الحدّ ـ أي الثمانية والأربعين ميلاً ـ فهل وظيفته التمتع أو لا؟
3. ما هو الميزان في منتهى المسافة، فهل هو الدار التي يسكنها المكلّف أم البلدة التي يكون فيها منزلة؟

1 . الوسائل:8، الباب6 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث10.

صفحه 304
وقد سقط هذا الفرع من قلم المصنّف، وكان عليه ذكره في المقام.
4. لو شكّ في كون منزله في الحدّ أو خارجه، فهل يجب الفحص؟
وإليك دراسة هذه الفروع واحداً بعد الآخر.
أمّا الفرع الأوّل: فربّما يقال بأنّ مبدأ المسافة هو المسجد الحرام، وهذا هو الظاهر من المفيد في المقنعة(1) وذلك بوجهين:
الأوّل: ما ورد في صحيح زرارة قال: قلت لأبي جعفر(عليه السلام): قول اللّه عزّ وجلّ في كتابه: (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام)؟ قال: يعني: أهل مكة ليس عليهم متعة، كل من كان أهله دون ثمانية وأربعين ميلاً، ذات عرق وعسفان».(2)
وجه الدلالة: أنّ الآية مشتملة على ذكر المسجد الحرام فالتحديد بثمانية وأربعين ميلاً ـ بعد ذكر الآية و بيان المراد منها ـ ظاهر في كون التحديد بالنسبة إلى المسجد، ولو احتمل كون التحديد بالنسبة إلى البلد باعتبار وجود المسجد الحرام فيه تكون الآية مجملة، لعدم ظهورها في كون التحديد بالنسبة للبلد أو المسجد.(3)
يلاحظ عليه: بأنّ قوله: (حاضري المسجد الحرام) كناية عن السكن فيه، ومن المعلوم أنّ المكيّ لا يسكن المسجد لا هو ولا أهله وإنّما يسكن البلد، ولذلك فسّر الإمام الآية بقوله: «أهل مكة ليس عليهم متعة» وعند ذلك يتبادر إلى الذهن أنّ المبدأ هو البلد.لأنّه إذا كانت الجملة (حاضري المسجد الحرام) كناية عن ساكني مكة، فلا وجه لاتّخاذ المسجد مبدأً، لأنّ العناية في الكناية بالمكنّى عنه لا

1 . المقنعة:389.
2 . الوسائل:8، الباب 6من أبواب أقسام الحج، الحديث3.
3 . المعتمد:2/ 193.

صفحه 305
المكنّى به.
وبذلك يعلم دفع الإشكال الثاني، وهو صيرورة الآية مجملة بالنسبة إلى البلد أو المسجد، وذلك لما ذكرنا من أنّ حضور المسجد الحرام كناية عمّن يسكن مكة ،وإنّما عُبّر عن ساكني مكة، بساكني المسجد الحرام لشرف الجزء، وكأنّ مكّة كلها، مسجد الحرام.
وممّا يؤيد ذلك أنّ أمين الإسلام الطبرسي فسر الآية بنحو يكون المبدأ هو مكة، قال:
إنّما هو لمن يكن من حاضري مكة وهو من يكون بينه و بينها أكثر من اثني عشر ميلاً من كلّ جانب.(1)وعلى ضوء ذلك فمن بعد عن المسجد الحرام بأكثر من ثمانية وأربعين ميلاً ولكن كان الفصل بينه و بين مكة أقلّ من هذا الحدّ، لوجب عليه الإفراد أخذاً بظهور الآية في كون المبدأ هو البلد فيكون محكوماً بالافراد .
الثاني: إذا كان الشك عالقاً بالذهن في أنّ المبدأ هو المسجد الحرام أو نهاية البلد على نحو لو كان المبدأ في بعض الأمكنة هو البلد يكون داخل المسافة، وأمّا لو كان المبدأ هو المسجد، يكون خارجها، فمقتضى القاعدة، هو التمتع أخذاً بإطلاق العام عند إجمال المخصص وتردّده بين الأقل والأكثر، كما إذا قال: أكرم العلماء، ثمّ قال: لا تكرم الفسّاق منهم، وتردّد الفاسق بين كونه مرتكب الكبيرة أو الأعمّ منها ومن الصغيرة، ففي مورد الصغيرة يتمسّك بإطلاق العام، أعني: «أكرم العلماء».
فيقال في المقام بأنّ مقتضى قوله في صحيحة الحلبي:«فليس لأحد إلاّ أن

1 . مجمع البيان:1/291.

صفحه 306
يتمتّع»(1) هو وجوب التمتّع على كلّ الناس، خرج عنه من كان دون المسافة، كما إذا كان بيته على كلا التقديرين في داخل المسافة، وأمّا من كان بيته في داخلها إذا كان المبدأ هو مكة، وخارجها إذا كان المبدأ هو المسجد الحرام ففي شمول المخصّص لمثل هذا الفرض إبهام وشك لإجماله من حيث المفهوم فيرجع إلى عموم قوله في صحيحة الحلبي: «فليس لأحد إلاّ أن يتمتع».
يلاحظ عليه: بأنّ الكلام في مفاد الدليل الاجتهادي لا في حكم صورة الشك وربما لا تصل النوبة إلى هذا الفرض بعد ظهور الآية في سكان مكة وأنّ المبدأ هو البلد.
بقي الكلام في أنّ الميزان ـ على القول بأنّ المبدأ هو مكة ـ هو مكة القديمة، أو الحديثة، وجهان: مقتضى إطلاق الروايات هو انّ من وقع بين مكة وبين ثمانية وأربعين، فوظيفته الافراد، ومعلوم انّ البلاد تتوسع، عبر الأزمنة، والميزان صدق كونه بينها وبين الحد المذكور، ولهذا يختلف حكم بعض الأمكنة، حيث كان خارجاً في عصر الرسول والأئمّة(عليهم السلام)عن هذا الحد، وداخلاً بعد التوسع ولا مانع منه، حيث إنّ الأحكام تابعة لصدق الأسماء والحدود.
ويؤيد ذلك،عدم ورود السؤال عنه مع توسع مكة في عصر الإمام الصادق(عليه السلام)، كما في بعض الروايات.(2)
ومع ذلك كلّه فالجزم بذلك أمر مشكل، ولابدّ من الاحتياط، وسيوافيك بيانه في الفرع الرابع.
الفرع الثاني: من كان منزله على نفس الحد ـ أي على رأس الثمانية والأربعين

1 . الوسائل:8، الباب3 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث2.
2 . الوسائل:9، الباب43 من أبواب الإحرام، الحديث1.

صفحه 307
ولو شكّ في كون منزله في الحدّ أو خارجه وجب عليه الفحص، ومع عدم تمكّنه يراعي الاحتياط، وإن كان لا يبعد القول بأنّه يجري عليه حكم الخارج، فيجب عليه التمتّع، لأنّ غيره معلّق على عنوان الحاضر، وهو مشكوك. فيكون كما لو شكّ في أنّ المسافة ثمانية فراسخ أو لا، فإنّه يصلّي تماماً، لأنّ القصر معلّق على السفر، وهو مشكوك.*
ـ فهل يجب عليه التمتع أو الإفراد؟ الظاهر هو الأوّل، لأنّ الموضوع هو الأقلّ من ثمانية وأربعين ميلاً، فلا يعمّ نفس الحدّ
الفرع الثالث: هل العبرة بالتحديد بمنزله وبيته الذي يسكنه أو بمبدأ بلده؟ الظاهر هو الثاني، وإلاّ ربّما يختلف حكم سكان بلدة واحدة باعتبار اختلاف منازلهم قرباً وبُعداً. وهذا قرينة أُخرى على أنّ المبدأ هو بلد مكة، لا المسجد الحرام، فالميزان هو البعد الخاص بين البلدين، فلو كان البعد أقل من 48ميلاً فيُفرد وإن كان البعد بين البلد ومنزله أكثر لأنّه لا يضرّ.
*الفرع الرابع: لو شكّ في كون منزله داخل المسافة أو خارجها، فهل يجب عليه الفحص أو لا؟ هنا أُمور:
1. لو شكّ في كون منزله في الحدّ أو خارجه، يجب الفحص.
2. إذا لم يتمكّن من الفحص يحتاط.
3. يمكن القول بوجوب التمتّع حين الشكّ في كون المنزل في الحد أو خارجه.
وإليك دراسة الأُمور المذكورة:
الأوّل: وجوب الفحص عند الشكّ في كون منزله في الحد أو خارجه، وذلك

صفحه 308
لما قلنا من أنّ الواجب على المولى هو بيان الكبرى، وأمّا الموضوع أو الصغرى فهو على ذمّة المكلّف ولا تقوم الحجة على المولى بصرف الشكّ فيه، بل بعد الفحص المتناسب للموضوع وعدم وجدانه، ولذلك قالوا بوجوب الفحص في بلوغ المال، حدّ النصاب، أو الاستطاعة، أو غير ذلك من الأُمور التي يسهل العلم بحال الموضوع; وأمّا النجاسة، فلا يجب الفحص عنها، لأنّ الحكم بالطهارة معلّق على الشكّ، وهو كاف في الحكم بالطهارة.
الثاني: مع عدم تمكّنه يحتاط بين حجّ التمتع والإفراد، وبما أنّهما من المتباينين يشكل الاحتياط التام بينهما، وقد ذكر للاحتياط طرق أسهلها ما يلي:
أن يحرم من الميقات قاصداً للجامع بين العمرة والحجّ فيدخل مكة ويأتي بأعمال العمرة ثمّ يحرم للحج، فإن كان الواجب عليه التمتع فقد أتى بأعماله، وإن كان حجّة الإفراد فقد أحرم له من الميقات ويكون الإحرام الثاني للحجّ ملغى، و ـ بعد الفراغ عن الحجّ ـ يأتي بعمرة مفردة، فعلى كلّ من التقديرين تفرغ ذمّته.
نعم يبقى الكلام في التقصير، فأمره دائر بين الوجوب والحرمة، لكن مقتضى الجمع بين العملين يقصر لأجل التمتع، ويكفّر لأجل احتمال الإفراد.
الثالث: يمكن القول بأنّه يجب عليه في حال الشكّ حج التمتّع، كما أشار إليه المصنّف وحاصله: إنّ هنا عاماً، وخاصاً.
أمّا العام ففي صحيح الحلبي في تفسير قوله تعالى: (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي) «فليس لأحد إلاّ أن يتمتع، لأنّ اللّه أنزل ذلك في كتابه وجرت به السنّة من رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)».(1)

1 . الوسائل:8، الباب 3 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث2.

صفحه 309
وأمّا الخاص، فقد خرج عن تحته حاضرو المسجد الحرام لقوله(عليه السلام) : لا يصلح]لأهل مكة[ أن يتمتعوا، لقول اللّه عزّ وجلّ: (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام)فالإفراد معلّق على عنوان الحاضر، وهو مشكوك، نظير الشكّ في السفر الشرعي، لأنّ الحكم العام هو التمام و القصر معلّق على السفر ومع الشكّ فيه يرجع إلى حكم العام. كما بيّنه المصنّف في المتن.
يلاحظ عليه: أنّ التقرير أشبه بالشكّ بالعام في الشبهة المصداقية، وقد قرر في محلّه عدم جوازه، وذلك لأنّ العام وإن كان ظاهراً فيه لكنّه حجّة في غير عنوان المسافر، وفي غير عنوان الحاضر، وهما غير محرزين فلم يحرز عنوان العام في كلا الموردين بما هو حجّة فيه.
فإن قلت: أي فرق بين المقام وبين المقام السابق، أعني: إذا شكّ في أنّ المبدأ هو المسجد أو مكة، فقد مرّ أنّه يتمسّك بالعام عند الشك.
قلت: الفرق واضح بأنّ الشبهة في الفرع السابق كانت حكمية نابعةً من إجمال المخصص، ففيه يرجع إلى العام إذا كان المخصص منفصلاً بخلاف المقام فأنّ الشبهة مصداقية، فالحجّة قد تمّت على المكلّف فلابدّ من إحراز كلا الجزءين: عنوان العام، وعدم عنوان الخاصّ.
فإن قلت: لا مانع من إحراز عدم عنوان المخصص بالاستصحاب الأزلي، كاستصحاب عدم القرشية، فيقال: لم يكن قبل أن يتولد حاضراً فيشكّ في انقلابه إلى الوجود فيستصحب عدمه.
قلت: قد ثبت في محله أنّ الأصل مثبت، لأنّ العدم المحمولي الجامع مع عدم الموضوع لا يثبت العدم النعتي الذي لا يصدق إلاّ مع وجود الموضوع.
نعم لو قيل بعدم تحقّق الحضور بمجرد التولّد، بل يحتاج إلى قصد التوطّن

صفحه 310
ثمّ ما ذكر إنّما هو بالنسبة إلى حجّة الإسلام ، حيث لا يجزي للبعيد إلاّ التمتّع، ولا للحاضر إلاّ الإفراد أو القران وأمّا بالنسبة إلى الحجّ الندبيّ فيجوز لكلّ من البعيد والحاضر كلّ من الأقسام الثلاثة بلا إشكال، وإن كان الأفضل اختيار التمتّع، وكذا بالنسبة إلى الواجب غير حجّة الإسلام، كالحجّ النذريّ وغيره.*
فيصح الاستصحاب على نحو العدم النعتي، لم يكن عندما تولد حاضراً فيشك في بقائه فالأصل هو بقاؤه.
* هنا فرعان:
1. الإفراد فرض الحاضر والتمتّع فرض النائي إنّما هو بالنسبة إلى حجة الإسلام، وأمّا بالنسبة إلى الحجّ الندبي، فيجوز لكلّ من البعيد والقريب الأقسام الثلاثة، لكن الأفضل اختيار التمتّع.
2. حكم الواجب بالنذر كالحجّ المندوب.
وإليك دراستهما:
الفرع الأوّل: اختصاص الحاضر بالإفراد والنائي بالتمتع إنّما هو بالنسبة إلى حجّة الإسلام، وأمّا بالنسبة إلى غيرها فيجوز لكلّ منهما اختيار كلّ من الأقسام الثلاثة. فيجوز للنائي الإفراد، وللحاضر التمتّع .
قال الشهيد: ثمّ التمتّع عزيمة في النائي عن مكة...ويتخيّر المكّي بين القسمين والقران أفضل، ويتخيّر الحاج ندباً في الثلاثة، وكذا الناذر وشبهه.(1)
قال المحقّق: ومن أحرم بالمفردة ودخل مكة، جاز أن ينوي التمتع، ويلزمه

1 . الدروس:1/330، الدرس 86.

صفحه 311
دم.(1) وعبارته إن كانت مطلقة يعم الفرض والندب لكن القدر المتيقن هو الثاني، ولذلك قال الشهيد الثاني في شرح العبارة: «إنّما يجوز ذلك إذا لم تكن المفردة متعينة عليه بسبب من أسباب التعيين، وإلاّ لم يصحّ».(2)
فإذا جاز العدول بعد الإحرام والدخول في مكة لجاز من بدء الأمر، ومع ذلك الأفضل هو التمتّع.
هذا وقد ورد النصّ على الجواز في كلا الطرفين وكون الأفضل هو التمتع، نقتصر بالقليل من الكثير.

جواز التمتع للحاضر

يدلّ على جواز التمتع للحاضر صحيح موسى بن القاسم البجلي قال: قلت لأبي جعفر(عليه السلام): «ربّما حججت عن أبيك، وربّما حججت عن أبي، وربّما حججت عن الرجل من إخواني، وربّما حججت عن نفسي، فكيف أصنع؟ فقال: «تمتّع» فقلت: إنّي مقيم بمكة منذ عشر سنين، فقال: «تمتّع».(3)
وجه الدلالة: انّ المقيم بمكة عشر سنين، من مصاديق الحاضر وواجبه هو الإفراد، لكن لمّا أتى به سابقاً بشهادة قوله:«ربّما حججت عن نفسي» أمر بالتمتع.

جواز الإفراد للنائي

ويدلّ على جواز الإفراد ـ إذ أتى بحجة الإسلام ـ روايات:
1. صحيحة معاوية بن عمار قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام) ونحن بالمدينة إنّي

1 . الشرائع: 1/303، كتاب العمرة.
2 . المسالك: 2/498.
3 . الوسائل:8، الباب4 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث3.

صفحه 312
المسألة 1: من كان له وطنان، أحدهما في الحدّ، والآخر في خارجه لزمه فرض أغلبهما. لصحيحة زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام):«من أقام بمكّة سنتين فهو من أهل مكّة ولا متعة له»، فقلت لأبي جعفر(عليه السلام): أرأيت إن كان له أهل بالعراق وأهل بمكّة، فقال(عليه السلام): «فلينظر أيّهما الغالب»، فإن تساويا فإن كان مستطيعاً من كلّ منهما تخيّر بين الوظيفتين، وإن كان الأفضل اختيار التمتّع. وإن كان مستطيعاً من أحدهما دون الآخر لزمه فرض وطن الاستطاعة.*
اعتمرت في رجب وأنا أُريد الحجّ فأسوق الهدي، أو افرد الحج، أو أتمتّع؟ قال: «في كل فضل، وكلّ حسن».(1)
2.صحيحة ابن سنان قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّي قرنت العام وسقت الهدي، قال: «ولم فعلت ذلك؟ فالتمتع واللّه أفضل، لا تعودنّ».(2)

الفرع الثاني: في جواز الثلاثة للناذر

إذا نذر أن يحجّ، دون أن يقيده بقسم من الأقسام، فيجوز له الامتثال بواحد من الأقسام الثلاثة، لأنّ فرض النائي هو التمتع، لكن في الفرض بالذات، لا بالعرض، بل يجب في الثاني الوفاء بما نذر، والمفروض أنّه مطلق، نعم لو كان المنذور مقيداً وجب الوفاء به بشرط أن يكون مشروعاً.
* في المسألة فروع ثلاثة:

1 . الوسائل:8، الباب4 من أبواب أقسام الحج، الحديث18.
2 . الوسائل:8، الباب4 من أبواب أقسام الحج، الحديث4و17.

صفحه 313
1. لو كان للرجل وطنان أحدهما في الحد والآخر في خارجه، لزمه فرض أغلبهما.
2. لو تساويا وكان مستطيعاً من كل منهما يتخيّر بين الوظيفتين.
3. إذا كان مستطيعاً من أحدهما دون الآخر، يلزم عليه فرض وطن الاستطاعة.
وإليك دراسة الفروع:
الفرع الأوّل:قال المحقّق في «الشرائع»: «ولو كان له منزلان بمكةوغيرها من البلاد، لزمه فرض أغلبهما عليه».(1) وهو منصوص، حيث روى زرارة، عن أبي جعفر(عليه السلام)قال: «من أقام بمكة سنتين فهو من أهل مكة، لا متعة له»، قلت لأبي جعفر(عليه السلام): أرأيت إن كان له أهل بالعراق وأهل بمكة، قال: «فلينظر أيُّهما الغالب عليه فهو من أهله».(2)، و السند مثل الدلالة لا غبار عليه.
الفرع الثاني: إذا تساويا وافترضا أنّه صار مستطيعاً من كلّ منهما، فهنا قولان:
1. ما اختاره المصنّف بأنّه يتخير بين الوظيفتين. كما عليه المحقّق حيث قال: ولو تساويا كان له الحجّ بأي الأنواع شاء.(3)
ووصفه في «الجواهر» بقوله: «بلا خلاف أجده فيه أيضاً، سواء كان ـ حصلت الاستطاعة ـ في أحدهما أو في غيرهما».(4) ولكن صار مستطيعاً من كلّ منهما كما في كلام المصنّف.

1 . الشرائع:1/240.
2 . الوسائل:8، الباب9 من أبواب أقسام الحج، الحديث1.
3 . الشرائع:1/240.
4 . الجواهر:18/94.

صفحه 314
2. ما اختاره السيد الخوئي حيث قال: الأحوط الإتيان بالإفراد أو القران فيه وفي مابعده(الفرع الثالث) وسيأتي كلامه عند البحث في هذا الفرع.
يستدلّ على القول الأوّل بوجوه:
أ. عدم المرجّح لأحد النوعين على الآخر.
ب. ما دلّ على لزوم نوع واحد فهو ظاهر في من له منزل واحد، لا في من له منزلان.
ج. لو سُلِّم اندراجه في النوعين كان المتجّه التخيير أيضاً، بعد العلم بانتفاء وجوب الجمع عليه بعد سنتين، كالعلم بعدم سقوط الحجّ عنه.
قال المحدّث البحراني: وأمّا التخيير بالنسبة إلى متساوي الإقامة فالظاهر أنّه لا إشكال فيه، لأنّه لا جائز أن يأخذ أحدهما بخصوصه بغير دليل ولا مرجح، ولا يجوز إلغاؤهما معاً الموجب لسقوط الغرضين، فلم يبق إلاّ الأخذ بهما معاً على جهة التخيير.(1)
وعلى أي تقدير فالأقوى هو التخيير سواء أكان حال حصول الاستطاعة في أحدهما أم في الخارج منهما.
وعلى ضوء ذلك فلو كان له منزل في العراق وآخر بمكة واستطاع من كلا المنزلين، وهو في العراق يجوز له الإفراد، وكذلك العكس ، فلو حصلت له الاستطاعة من كلا المنزلين وهو في داخل الحد ـ الثمانية والأربعين ـ يجوز له التمتع، وذلك لانطباق عنواني الحاضر والنائي عليه وإن كان في حال حصول الاستطاعة في واحد منهما.
ومع ذلك فقد اختار المصنّف تبعاً لصاحب الجواهر أنّ الأفضل اختيار

1 . الحدائق:14/430.

صفحه 315
التمتّع لاستفاضة النصوص، بل تواترها في الأمر به على وجه يقتضي رجحانه على غيره.(1)
الفرع الثالث: إذا كان مستطيعاً من أحدهما دون الآخر، لزمه فرض وطن الاستطاعة، لأنّ أمره يدور بين أحد العنوانين، فهو إمّا آفاقي مستطيع وحاضر غير مستطيع، أو بالعكس فيعمل في كلّ مورد بحكمه.
إلى هنا تمّ بيان أحكام الفروع الثلاثة ولكن للسيد المحقّق الخوئي كلام وهو أنّ الأحوط الإتيان بالإفراد في الفرعين الأخيرين، أي فيما إذا تساويا، سواء أكان مستطيعاً من كلّ منهما أم من أحدهما، وذلك بالبيان التالي:
يقول: إنّ مقتضى الأدلّة هو وجوب التمتّع على من لم يكن حاضر المسجد ولم يكن من أهالي مكة، ووجوب الإفراد والقران على من كان حاضراً، وكان من أهالي مكة، فموضوع أحد الواجبين إيجابي وموضوع الآخر سلبي ولا يمكن التخيير في مثل ذلك.
نعم إذا كان موضوع كلّ واحد منهما إيجابياً وكان المورد مجمعاً بين العنوانين لأمكن التخيير بينهما بخلاف ما إذا كان موضوع أحدهما سلبيّاً وموضوع الآخر إيجابياً، فحينئذ لا يمكن الجمع بينهما، فلا مورد للتخيير بين الأمرين.
والمفروض أنّ موضوع حجّ التمتع من لم يكن حاضراً وهو العنوان السلبي وموضوع الإفراد من كان حاضراً وهو العنوان الإيجابي، وكلّ من الدليلين مطلق من حيث اتّخاذ وطن آخر أم لا.
فمن كان من أهالي مكة وصدق عليه الحاضر لا يصدق عليه العنوان السلبي لاستحالة الجمع بين النقيضين فلا يتحقّق موضوع حجّ التمتّع، وحيث

1 . لاحظ الوسائل:8، الباب4 من أبواب أقسام الحجّ.

صفحه 316
المسألة2: من كان من أهل مكّة وخرج إلى بعض الأمصار ثمّ رجع إليها، فالمشهور جواز حجّ التمتّع له، وكونه مخيّراً بين الوظيفتين، واستدلّوا بصحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)عن رجل من أهل مكّة يخرج إلى بعض الأمصار، ثمّ يرجع إلى مكّة فيمرّ ببعض المواقيت. أله أن يتمتّع؟ قال(عليه السلام): «ما أزعم أنّ ذلك ليس له لو فعل، وكان الإهلال أحبّ إلي». *
يصدق عليه العنوان الإيجابي وهو الحضور يتعيّن عليه القران أو الإفراد، ولا أقلّ من أنّ الإتيان بالإفراد أو القران بالنسبة إليه أحوط.(1)
يلاحظ عليه بأمرين:
الأوّل: أنّ موضوع أحد الحكمين وإن كان إيجابياً والآخر سلبياً وهما لا يجتمعان فيما إذا أُخذا على وجه الإطلاق، وأمّا إذا أُخذا نسبيين فيصدق عليه حضري وآفاقي بالنسبة إلى المحلّين اللّذين يسكنهما، ولذلك قلنا بالتخيير.
الثاني: إنّ ما أفاده من أنّ الحكم بوجوب الإفراد أو القران بحجة أنّ موضوعه إيجابي فإذا صدق عليه أنّه من أهالي مكة وصدق عليه الحاضر لا يصدق عليه العنوان السلبي مقلوب عليه، حيث يقال إنّ موضوع التمتع هو العنوان السلبي، فإذا صدق عليه أنّه ليس بحاضر لا يصدق عليه أنّه حضري. وبعبارة أُخرى: إنّ إثبات أحد العنوانين يلازم سلب عنوان الآخر، فما هو الوجه في الأخذ بأحدهما دون الآخر؟ ولابدّ من مزيد تأمّل في كلامه حتّى يعلم ما هو مراده.
* قد تقدّم أنّ الإفراد والقران فرض أهل مكة وحاضريها وأنّه لا يجوز لهم

1 . المعتمد:2/199.

صفحه 317
التمتّع، إلاّ أنّ بعض الأصحاب ذهب إلى أنّ من وظيفته الإفراد، إذا خرج إلى بعض الأمصار ثمّ رجع يجوز له التمتّع، وأنّه في الحجّ الواجب مخيّر بين الوظيفتين; وممّن أفتى به الشيخ في نهايته ومبسوطه.
قال في الأوّل: ومن كان من أهل مكة أو حاضريها، ثمّ نأى عن منزله إلى مثل المدينة أو غيرها من البلاد، ثمّ أراد الرجوع إلى مكة وأراد أن يحجّ متمتعاً، جاز له ذلك.(1)
وقال في «المبسوط»: ومن كان من أهل مكة وحاضريها، ثمّ نأى عن منزله إلى مثل المدينة أو غيره من البلاد، ثمّ أراد الرجوع إلى مكة وأراد أن يحجّ متمتعاً، جاز له ذلك.(2)
وقال المحقّق: وأمّا جواز التمتع للمكّي فيدل عليه: انّه إذا خرج عن مكة إلى مصر من الأمصار، ومرّ على ميقات، صار ميقاتاً له ولحقه أحكام ذلك الميقات. ويدلّ على ذلك ما رواه عبد الرحمان بن الحجاج. (3) وهو خيرة العلاّمة في «المنتهى».(4)
وخالف ابن أبي عقيل مستدلاً بأنّه ليس لأهل مكة متعة، وذلك أنّ اللّه عزّ وجلّ يقول: (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام).(5)
لا شكّ انّ مقتضى القواعد، هو الإفراد لا التمتّع، إلاّ أنّ الشيخ اعتمد على صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في حديث قال: سألته عن

1 . النهاية:206.
2 . المبسوط:1/308.
3 . المعتبر:2/798.
4 . المنتهى:10/147، الطبعة الحديثة، تحقيق قسم الفقه في مجمع البحوث الإسلامية، مشهد ـ 1424هـ.
5 . المختلف:4/33.

صفحه 318
رجل من أهل مكة يخرج إلى بعض الأمصار ثمّ يرجع إلى مكة، فيمرّ ببعض المواقيت إله أن يتمتع؟ قال: «ما أزعم انّ ذلك ليس له ، لو فعل، وكان الإهلال أحبّ إلي».(1)
ورواه الشيخ عن موسى بن القاسم، عن صفوان بن يحيى، عن عبد الرحمن ابن الحجاج وعبد الرحمان بن أعين قالا: سألنا أبا الحسن موسى(عليه السلام) عن رجل من أهل مكّة خرج إلى بعض الأمصار، ثمّ رجع فمرّ ببعض المواقيت التي وقت رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)هل له أن يتمتّع؟ فقال: «ما أزعم أنّ ذلك ليس له، والإهلال بالحجّ أحبّ إليّ».
ورأيت من سأل أبا جعفر(عليه السلام) وذلك أوّل ليلة من شهر رمضان فقال له: جعلت فداك، إنّي قد نويت أن أصوم بالمدينة، قال: «تصوم، إن شاء اللّه تعالى»، قال له: وأرجو أن يكون خروجي في عشر من شوال، فقال: «تخرج إن شاء اللّه»، فقال له: قد نويت أن أحجّ عنك أو عن أبيك، فكيف أصنع؟ فقال له: تمتّع، فقال له: إنّ اللّه ربّما منّ عليّ بزيارة رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وزيارتك، والسلام عليك، وربّما حججت عنك، وربما حججت عن أبيك، وربّما حججت عن بعض إخواني أو عن نفسي، فكيف أصنع؟ فقال له: «تمتّع»، فرد عليه القول ثلاث مرّات، يقول: إنّي مقيم بمكّة وأهلي بها، فيقول: «تمتّع».
فسأله بعد ذلك رجل من أصحابنا فقال: إنّي أُريد أن أفرد عمرة هذا الشهر ـ يعني: شوال ـ ، فقال له: «أنت مرتهن بالحجّ»، فقال له الرجل: إنّ أهلي ومنزلي بالمدينة، ولي بمكّة أهل ومنزل، وبينهما أهل ومنازل، فقال له: «أنت مرتهن بالحجّ»، فقال له الرجل: فإنّ لي ضياعاً حول مكّة، وأُريد أن أخرج حلالاً، فإذا كان إبّان الحجّ حججت.(2)

1 . الوسائل:8، الباب7 من أبواب أقسام الحج، الحديث2و1.
2 . الوسائل:8، الباب7 من أبواب أقسام الحج، الحديث2و1.

صفحه 319
وقبل الخوض في الاستدلال بالصحيحين، نذكر شيئاً ممّا يرجع إلى الحديث الثاني:
1. قد أخذ الشيخ الحديث عن كتاب موسى بن القاسم، الذي هو حفيد معاوية بن عمار، وهو ثقة، وطريق الشيخ إلى كتابه في «التهذيب» صحيح.
2. انّ الحديث الثاني مؤلّف من أحاديث ثلاثة جمعها «موسى بن القاسم» فالأوّل منها، عن أبي الحسن الأوّل (عليه السلام)، والثاني والثالث عن أبي جعفر الجواد(عليه السلام)، وتصوّر أنّ المراد هو أبو جعفر الباقر ـ كما في تقريرات السيد الخوئي ـ غير صحيح.
3. أشير إلى الثاني بقوله:«ورأيت من سأل أبا جعفر وذلك أوّل ليلة من شهر رمضان»، وقد رواه الكليني عنه في باب الطواف والحجّ عن الأئمّة، ومرّ الحديث عند البحث عن الحجّ عن الأحياء والأموات.(1)، وفيه: قلت لأبي جعفر الثاني(عليه السلام): إنّي أرجو أن أصوم بالمدينة شهر رمضان» وهو ظاهر أنّ السائل هو نفسه، بخلاف المنقول في المقام فهو ظاهر أنّ السائل غيره حيث قال: «ورأيت من سأل أبا جعفر وذلك أوّل شهر رمضان...» وتعدّد الواقعة بعيد.
4. انّ الحديث الثالث الذي أُشير إليه بقوله:فسأله بعد ذلك رجل من أصحابنا، نقله الشيخ في «التهذيب» في باب الزيادات في فقه الحجّ.(2) وفيه: «أخبرني بعض أصحابنا أنّه سأل أبا جعفر(عليه السلام) في عشر شوال»و هو ظاهر في أنّه لم يكن حاضراً في مجلس السؤال ، بخلاف المنقول في المقام.
5. انّ الحديث الأوّل في كلا النقلين: نقل الكليني والشيخ ظاهر في أنّ

1 . الوسائل:8، الباب25 من أبواب النيابة في الحج، الحديث1.
2 . التهذيب:5/482،برقم 164.

صفحه 320
مورد السؤال هو الحجّ الواجب لوجهين:
ألف: انّ جواز التمتّع للمفرد في الحجّ المندوب أمر معروف بين الأصحاب، فلو كان مورد السؤال هو الحجّ المندوب، لكان الأنسب أن يصرح الإمام بالجواز، دون أن يقول:«ما أزعم انّ ذلك ليس له»، فإنّ هذا التعبير لا يناسب الحج المندوب المعروف بين الأصحاب جواز التمتّع فيه.
ب: انّ استدراك الإمام الجملة السابقة، بقوله: «نعم الإهلال بالحجّ أحبّ إليّ» شاهد على أنّ مورد السؤال هو الحجّ الواجب، ومعناه أنّ الحاضر إذا خرج «يجوز له التمتع» لكن الأولى الإهلال بالحجّ ـ أي حج الإفراد ـ مكان الإهلال بالعمرة، والاستدراك يصح في الواجب دون المستحب، لأنّ أفضلية التمتّع في الحجّ المندوب للنائي والحاضر أمر مفروغ عنه.
6. انّ الحديث الثاني وإن كان ظاهراً في الحجّ المندوب، لكنّه لا يصلح أن يكون قرينة على التصرف في الحديث الأوّل، لعدم اتّصاله به حين الصدور وإنّما هو من قبيل جمع الراوي.
7. قد حمل صاحب الرياض الحديث الأوّل على الحج المندوب، وقد مرّ أنّه يجوز لكلّ من الحاضر والنائي في الحجّ المندوب، العمل بوظيفة الآخر والشاهد على هذا الجمع ذيل الحديث الثاني.
قال في «الرياض»:وليس نصّاً في حجة الإسلام، فيحتمل الحمل على التطوع، سيما مع بُعد بقاء المكي بغيرها ـ إلى أن يخرج من مكّة ويرجع إليها ـ عادة، مع أنّ له تتمة ربّما تشعر بوروده في التطوع دون الفرض كما أشار إليه بعض.(1)

1 . رياض المسائل:6/121.

صفحه 321
ونحوها صحيحة أُخرى عنه وعن عبد الرحمن بن أعين عن أبي الحسن(عليه السلام). وعن ابن أبي عقيل: عدم جواز ذلك، وأنّه يتعيّن عليه فرض المكي إذا كان الحجّ واجباً عليه، وتبعه جماعة. لما دلّ من الأخبار على أنّه لا متعة لأهل مكة، وحملوا الخبرين على الحجّ الندبي، بقرينة ذيل الخبر الثاني. ولا يبعد قوّة هذا القول، مع أنّه أحوط، لأنّ الأمر دائر بين التخيير والتعيين ومقتضى الاشتغال هو الثاني، خصوصاً إذا كان مستطيعاً حال كونه في مكّة فخرج قبل الإتيان بالحجّ، بل يمكن أن يقال: إنّ محلّ كلامهم صورة حصول الاستطاعة بعد الخروج عنها، وأمّا إذا كان مستطيعاً فيها قبل خروجه منها فيتعيّن عليه فرض أهلها.*
* وحاصل كلامه: أنّ في الحديث قرينتين على حمله على الندب:
1. بُعْد بقاء المكي في بلده مع عدم الإتيان بالفريضة.
2. إنّ ذيل الحديث يُشعر بكون الحجّ مندوباً، حيث جاء في ذيله :ربّما حججت عنك، وربّما حججت عن أبيك، وربّما حججت عن بعض إخواني أو عن نفسي، فكيف أصنع؟ فقال له: «تمتع» فإنّ الحجّ عن الغير لا يصحّ إلاّ بعد فراغ الذمّة عن الحجّ الواجب.
أقول: أمّا الثانية فغير صحيحة، لأنّه رواية أُخرى جاء في ذيل الرواية الأُولى، كما عرفت، وأمّا الأُولى فهي استبعاد محض لا يعتمد عليه.
فلو عملنا بالرواية، يخصص أو يقيّد بها قوله سبحانه:(ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) وقوله(عليه السلام): «ليس لأهل مكة متعة».
هذا ما تقتضيه صناعة الفقه، لكنّ هنا أمراً وراء الفقه وهو أنّ تخصيص

صفحه 322
الكتاب بخبر الواحد أو تقييده أمر مشكل، ولذلك توقّف في جوازه لفيف من الأُصوليين، كالمحقّق الحلّي في معارجه(1)، وهذا يقتضي الأخذ بالكتاب دون الرواية، وبالتالي الإفتاء بالإفراد احتياطاً.
ولو لم نجزم بأحد الأمرين: تخصيص الكتاب بالرواية أو الأخذ بإطلاق الكتاب، تصل النوبة إلى الأصل، وهو أصالة بقاء الاشتغال لو تمتّع، لأنّ الأمر دائر بين التخيير والتعيين، ومقتضى الاشتغال هو الثاني، خصوصاً إذا كان مستطيعاً حال كونه في مكة، فخرج قبل الإتيان بالحج، فإنّ مقتضى الاستصحاب في حقّه هو الإفراد.
بل احتمل المصنّف بأنّ محلّ كلامهم صورة حصول الاستطاعة بعد الخروج عنها، وأمّا إذا كان مستطيعاً فيها قبل خروجه منها فيتعين عليه فرض أهلها.
نعم استشكل السيد المحقّق الخوئي في كون الأصل هو الاشتغال فيما إذا دار الأمر بين التعيين والتخيير، فقال: إنّ الشك في التعيين والتخيير إنّما يقتضي الاشتغال في مورد التزاحم، وفي موارد الشكّ في الحجّية، وأمّا في موارد الشك في التكليف كالقصر والإتمام التي يدور أمر الواجب بين التعيين والتخيير فمقتضى الأصل هو البراءة عن التعيين، لأنّ المورد من صغريات دوران الأمر بين الأقل والأكثر، فإنّ الطبيعي الجامع معلوم الوجوب، وتقييده بخصوص أحدهما مشكوك فيه وهو أمر زائد والأصل يقتضي البراءة عنه، فما ذكروه من أنّ الشكّ في التعيين والتخيير يقتضي الاشتغال، لا أساس له.(2)
وإن شئت قلت: إنّ الشكّ في بقاء الاشتغال بعد الإتيان بحجّ التمتّع ناش

1 . نقله صاحب المعالم في باب العام والخاص: جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد.
2 . المعتمد:2/204.

صفحه 323
عن احتمال أخذ إحدى الخصوصيتين من التمتّع والإفراد، في ناحية الواجب وبجريان البراءة عن وجوب إحداهما بالخصوص يرتفع الشك عن ناحية المسبب.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره من جريان البراءة عن الخصوصية، مبني على أنّ متعلّق الوجوب في الواجب التخييري هو الجامع فيكون هو القدر المتيقّن، والخصوصية مشكوكة، وأمّا لو قلنا بأنّ خصال التخيير بخصوصياتها متعلّقة للوجوب كالواجب العيني، لكن على نحو لو أتى بواحد منها، يحصل الغرض ويسقط الوجوب، ففي صورة الشكّ ـ كما في المقام ـ يدور الأمر بين التعيين والتخيير، فيكون المرجع هو الاشتغال.

صفحه 324
المسألة 3: الآفاقي إذا صار مقيماً في مكّة ، فإن كان ذلك بعد استطاعته ووجوب التمتّع عليه فلا إشكال في بقاء حكمه، سواء كانت إقامته بقصد التوطّن أو المجاورة ولو بأزيد من سنتين، وأمّا إذا لم يكن مستطيعاً ثمّ استطاع بعد إقامته في مكّة فلا إشكال في انقلاب فرضه إلى فرض المكّي في الجملة، كما لا إشكال في عدم الانقلاب بمجرّد الإقامة، وإنّما الكلام في الحدّ الذي به يتحقّق الانقلاب، فالأقوى ما هو المشهور من أنّه بعد الدخول في السنة الثالثة. لصحيحة زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام) :«من أقام بمكّة سنتين فهو من أهل مكّة ولا متعة له ...». وصحيحة عمر ابن يزيد عن الصادق(عليه السلام):«المجاور بمكّة يتمتّع بالعمرة إلى الحجّ إلى سنتين، فإذا جاور سنتين كان قاطناً، وليس له أن يتمتّع». وقيل: بأنّه بعد الدخول في الثانية، لجملة من الأخبار وهو ضعيف، لضعفها بإعراض المشهور عنها، مع أنّ القول الأوّل موافق للأصل. وأمّا القول بأنّه بعد تمام ثلاث سنين، فلا دليل عليه إلاّ الأصل المقطوع بما ذكر. مع أنّ القول به غير محقّق لاحتمال إرجاعه إلى القول المشهور، بإرادة الدخول في السنة الثالثة. وأمّا الأخبار الدالّة على أنّه بعد ستّة أشهر، أو بعد خمسة أشهر، فلا عامل بها. مع احتمال صدورها تقيّة، وإمكان حملها على محامل أُخر.*
* للمسألة صور ثلاث:
1. إذا استطاع في بلده ثمّ أقام في مكة أو توطّن بها، فالاستطاعة المتقدّمة تحسب صورة واحدة من غير فرق بين قصد الإقامة أو التوطّن، بخلاف

صفحه 325
الاستطاعة المتأخّرة، فإنّ حكم الإقامة يفارق حكم التوطّن كما سيوافيك.
2. إذا أقام في مكة ثمّ استطاع.
3. إذا توطّن في مكة ثم استطاع.
والفرق بين الإقامة ـ التي يعبّر عنها بالمجاورة أيضاً ـ والتوطّن واضح، فالمقيم يريد الرجوع إلى وطنه بعد مدّة بخلاف الثاني، فإنّه يعرض عنه ويتوطّن في المكان الثاني.
وإليك دراسة الصور الثلاث:

الصورة الأُولى:

إذا كان مستطيعاً ثمّ أقام وجاور أو توطّن بمكة، فاتّفقت كلمتهم على وجوب التمتع عليه وعدم انقلاب فريضته، من غير فرق بين التوطّن والمجاورة، ومن غير فرق بين الإقامة بسنتين أو أزيد.
والمسألة مبنية على عدم شمول الأخبار الآتية الدالّة على انتقال الفرض بعد سنتين لهذه الصورة أو شمولها، فلو قلنا بالإطلاق فينتقل فرضه إلى القسمين وإن خصصناها بما إذا استطاع بعد الإقامة أو التوطّن، فيكون المرجع هو الاستصحاب، فإنّه قبل الإقامة أو التوطّن كان محكوماً بالتمتّع، والأصل بقاؤه وإن جاور أزيد من سنتين.
و ذهب الشهيد الثاني في «المسالك» إلى عدم الانتقال حيث قال: وهذا كلّه إذا تجدّدت الاستطاعة في زمن الإقامة، فلو كانت سابقة في النائي لم ينتقل الفرض وإن طالت الإقامة لاستقرار الأوّل.(1)

1 . المسالك:2/208.

صفحه 326
وقال سبطه في «المدارك»: ذكر الشارح(يريد جدّه ـ من والدته ـ الشهيد الثاني، مؤلف مسالك الأفهام في شرح شرائع الإسلام) وغيره أنّ انتقال الفرض إنّما يتحقّق إذا تجدّدت الاستطاعة بعد الإقامة المقتضية للانتقال، فلو كانت سابقة لم ينتقل الفرض وإن طالت المدة، لاستقرار الأوّل .
وقد قطع الأصحاب بأنّ من هذا شأنه إذا أراد حج الإسلام يخرج إلى الميقات مع الإمكان فيُحرم منه بعمرة التمتع، فإن تعذّر خرج إلى أدنى الحل، فإن تعذّر أحرم من مكة. ثمّ قال: وفي استفادة ذلك من الأخبار نظر.(1)
وقال في «الحدائق» بعد ذكر كلام «المدارك»: وهو جيّد، فإنّ المفهوم من الأخبار المتقدّمة هو انتقال حكمه من التمتّع إلى قسيميه بعد السنتين مطلقاً، سواء تجددت الاستطاعة أو كانت سابقة.(2)
ومع ذلك فقد ذهب صاحب الجواهر إلى عدم الانتقال فقال: فما في المدارك من التأمل فيه، في غير محله.(3)
والقضاء الحاسم في هذه الصورة رهن دراسة الروايات الدالّة على انتقال فرض الآفاقي، فهل تختص بمن طرأ عليه الاستطاعة بعد الإقامة بمكة، أو يعمّ الاستطاعة المتقدّمة على الإقامة أيضاً؟ فانتظر.

الصورة الثانية:

إذا أقام في مكة ثمّ استطاع، فاتّفقوا على انقلاب وظيفته إلى الإفراد والقران إذا مضت مدّة معيّنة، واختلفوا في حدّها إلى أقوال:

1 . المدارك:7/210.
2 . الحدائق:14/429.
3 . الجواهر:18/82.

صفحه 327
1. إذا مضت سنتان، فإذا جاور سنتين كان قاطناً وليس له أن يتمتع. وهو المشهور المنصور.
2. إذا مضت سنة كاملة ودخل في الثانية. حكي عن ظاهر الدروس. وستوافيك عبارته.
3. إذا مضت تمام ثلاث سنين. وهو خيرة الشيخ في النهاية والمبسوط، وابن إدريس في السرائر.
4. إذا مضت ستة أشهر أو خمسة أشهر. وبهذا المضمون روايات لم يعلم القائل بها.
وإليك دراسة الأقوال واحداً بعد الآخر.

الأوّل: إقامة سنتين

إذا مضت سنتان تنقلب وظيفته إلى الإفراد والقران ،وليس له أن يتمتع بعد ذاك.
وهذا هو مختار الشيخ في كتابي التهذيب(1) والاستبصار.(2)
وخيرة المحقّق في «الشرائع » قال: فإن دخل في الثالثة مقيماً ثمّ حج، انتقل فرضه إلى القران والإفراد.(3)
واستقواه العلاّمة في «المختلف».(4) والشهيد الثاني في «المسالك» وقال: هذا هو المشهور بين الأصحاب، وعليه دلّت النصوص.(5)

1 . التهذيب:5/34، ذيل الحديث 100.
2 . الاستبصار:2/159، ذيل الحديث 518.
3 . الشرائع:1/240.
4 . المختلف:4/31.
5 . المسالك:2/207.

صفحه 328
وقال في «الجواهر» بعد عبارة المحقّق: كما صرح به جماعة، بل نسبه غير واحد إلى المشهور، بل ربما عُزِيَ إلى علمائنا عدا الشيخ.(1)
ويدلّ عليه صحيحتان:
1. صحيحة زرارة، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «من أقام بمكة سنتين فهو من أهل مكّة لا متعة له». فقلت لأبي جعفر (عليه السلام): أرأيت إن كان له أهل بالعراق وأهل بمكة؟ قال: «فلينظر أيّهما الغالب عليه فهو أهله».(2)
2. صحيحة عمر بن يزيد قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «المجاور بمكة يتمتع بالعمرة إلى الحجّ إلى سنتين، فإذا جاوز سنتين كان قاطناً وليس له أن يتمتع».(3)
فقوله:«يتمتع إلى سنتين»أي يجوز له التمتّع في امتثال ما يجب بعنوان حجّة الإسلام، وإن لم يتمتّع ينقلب فرضه من التمتع إلى الإفراد.
و السند مثل الدلالة في الإتقان. نعم احتمل الفاضل الاصبهاني في «كشف اللثام» أنّ المراد انتقال الفرض في السنة الثانية جمعاً بينهما وبين ما دلّ على كفاية السنة .(4) وهو تأويل بعيد جداً وإن وافقه في الجواهر.(5)

الثاني: كفاية السنة الواحدة

كفاية إقامة سنة واحدة استظهرها الشهيد في «الدروس» من أكثر الروايات من دون أن ينسبها إلى قائل، قال:ولو أقام النائي بمكة سنتين، انتقل فرضه إليها

1 . الجواهر:18/87ـ 88.
2 . الوسائل:8، الباب9 من أقسام الحجّ، الحديث 1و2.
3 . الوسائل:8، الباب9 من أقسام الحجّ، الحديث 1و2.
4 . كشف اللثام:5/64.
5 . الجواهر:18/89.

صفحه 329
في الثالثة، كما في «المبسوط» و«النهاية»، ويظهر من أكثر الروايات أنّه في الثانية.(1)
ويدلّ عليه الروايات التالية:
1. صحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام):لأهل مكة أن يتمتعوا؟ فقال: «لا، ليس لأهل مكة أن يتمتعوا»، قال: قلت: فالقاطنين بها، قال: «إذا أقاموا سنة أو سنتين، صنعوا كما يصنع أهل مكة، فإذا أقاموا شهراً فإنّ لهم أن يتمتعوا»، قلت: من أين؟ قال: «يخرجون» من الحرم، قلت: من أين يهلّون بالحج؟ فقال: «من مكة نحواً ممّا يقول الناس».(2)
2. صحيحة حمّاد قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن أهل مكة ، أيتمتعون؟ قال: «ليس لهم متعة»، قلت: فالقاطن بها، قال: «إذا أقام بها سنة أو سنتين صنع صنع أهل مكّة»، قلت: فإن مكث الشهر قال: «يتمتّع»، قلت: من أين؟ قال: «يخرج من الحرم»، قلت: من أين يهل بالحجّ؟ قال: «من مكة نحواً ممّا يقول الناس».(3)
وفي «ملاذ العباد» في شرح التهذيب: انّ الصحيح نحو ما يفعل الناس.
3. خبر عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: «المجاور بمكة سنة يعمل عمل أهل مكة ـ يعني: يُفرد الحجّ مع أهل مكة ـ و ما كان دون السنة فله أن يتمتّع».(4)
4. مرسل حريز، عمّن أخبره، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «من دخل مكّة بحجّة عن غيره ثمّ أقام سنة فهو مكّي، فإذا أراد أن يحجّ عن نفسه أو أراد أن

1 . الدروس:1/331.
2 . الوسائل:8، الباب9 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث 3، 7، 8.
3 . الوسائل:8، الباب9 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث 3، 7، 8.
4 . الوسائل:8، الباب9 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث 3، 7، 8.

صفحه 330
يعتمر بعدما انصرف من عرفة فليس له أن يحرم من مكة، ولكن يخرج إلى الوقت وكلّما حُوِّل رجع إلى الوقت». (1) المراد: كلّ ما أتى عليه الحول، نظير قوله:«كلما أحال عليه الحول» رجع إلى الوقت.
والروايات ضعيفة لإعراض المشهور عنها، ولم يعمل بها أحد حتّى الشهيد في «الدروس»، نعم حاول صاحبا: «كشف اللثام» و«الجواهر» الجمع بينها، وما دلّ على مرور سنتين بأنّ المراد من سنتين هو الدخول في الثانية فيرتفع الخلاف بينها، وقد عرفت بُعْد هذا الجمع.
ثمّ إنّ المصنّف أيّد القول الأوّل في مقابل هذا القول بالاستصحاب (أي استصحاب وجوب التمتّع عليه).

الثالث: إقامة ثلاث سنين

كفاية إقامة ثلاث سنين. هو خيرة الشيخ في النهاية والمبسوط.
قال في «النهاية»: ومن جاور بمكة سنة واحدة أو سنتين، جاز له أن يتمتّع فيخرج إلى الميقات ويحرم بالحج متمتّعاً .فإن جاور بها ثلاث سنين لم يجز له التمتّع، وكان حكمه حكم أهل مكة وحاضريها.(2)
وقريب منها عبارة «المبسوط».(3)
واختاره ابن إدريس وقال: من جاور بمكة سنة واحدة أو سنتين كان فرضه التمتع، فيرجع إلى ميقات بلده ويحرم بالحج متمتعاً، فإن جاور بها ثلاث سنين، لم يجز له التمتع، وكان حكمه حكم أهل مكة وحاضريها على ما جاءت به الأخبار المتواترة.(4)

1 . الوسائل:8، الباب9 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث 9.
2 . النهاية:206.
3 . المبسوط:1/308.
4 . السرائر:1/522.

صفحه 331
وأورد عليه المصنّف أوّلاً : أنّه لا دليل عليه إلاّ الاستصحاب، وهو مقطوع بالدليل الاجتهادي على كفاية السنتين.
وثانياً: إمكان حمل ثلاث سنين على القول المشهور بأنّ المراد من ثلاث هو اكتمال السنتين والدخول في السنة الثالثة، فيرجع إلى القول الأوّل. لكن الحمل المذكور خلاف ظاهر عباراتهم.

الرابع: إقامة ستة أو خمسة أشهر

هناك روايات تدلّ على كفاية إقامة خمسة أو ستة أشهر، ولم يعمل بها أحد، ويدلّ عليه :
1. صحيح حفص بن البختري، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في المجاور بمكّة يخرج إلى أهله ثمّ يرجع إلى مكّة بأيّ شيء يدخل؟ فقال: «إن كان مقامه بمكّة أكثر من ستة أشهر فلا يتمتّع، وإن كان أقلّ من ستة أشهر فله أن يتمتّع».(1)
2. رواية الحسين بن عثمان وغيره، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: من أقام بمكة خمسة أشهر فليس له أن يتمتّع».(2)
وبما أنّ الشهرة أحد المرجّحات فالقول الأوّل هو المختار، وما روي على خلافها إمّا مؤوّل أو يرجع علمها إلى قائليها.
وقد تحيّر المحدّث البحراني في توجيه هذه الروايات وقال: ولا يحضرني الآن وجه وجيه تحمل عليه هذه الأخبار إلاّ التقية وإن لم ينقل ذلك عن العامة، لما حقّقناه في مقدّمات الكتاب وأشرنا إليه في مطاوي الأبحاث المتقدّمة، وكفى

1 . الوسائل:8، الباب8 من أبواب اقسام الحج، الحديث3و5.
2 . الوسائل:8، الباب8 من أبواب اقسام الحج، الحديث3و5.

صفحه 332
والظاهر من الصحيحين: اختصاص الحكم بما إذا كانت الإقامة بقصد المجاورة، فلو كانت بقصد التوطّن فينقلب بعد قصده من الأوّل. فما يظهر من بعضهم من كونها أعمّ لا وجه له. ومن الغريب ما عن آخر من الاختصاص بما إذا كانت بقصد التوطّن.*
بإعراض الأصحاب قديماً وحديثاً عنها ضعفاً لها.(1)
والظاهر تعارض الروايات، فالمرجع ما دلّ على أنّ وظيفة النائي هو التمتّع ولم يثبت العدول إلاّ في سنتين كاملتين.

* الصورة الثالثة: الإقامة بقصد التوطّن

ما مرّ من لزوم إقامة سنتين في انقلاب الفرض إلى الإفراد والقران من أحكام المقيم غير المتوطّن، وأمّا إذا أقام بقصد التوطّن، فالظاهر أنّه خارج عن مفاد الصحيحين(صحيحة زرارة وعمر بن يزيد)، فلو أقام مدّة صَدَق عليه أنّه متوطّن فهو يعد من أهل مكة وأنّ أهله من حضّار المسجد الحرام فيحكم عليه بما يحكم للمكي من عدم المتعة لأهل مكة بعد إقامة مدّة يصدق عليه انّه متوطّن كما هو الحال في غير هذا المورد، لأنّ الإقامة يوماً أو يومين لا تصحّح صدق التوطّن.
فالقول بدخول هذه الصورة تحت الصحيحتين غريب كما أنّ القول باختصاصها بهذه الصورة أغرب، ويشير المصنّف إلى الغرابة الأُولى بقوله: «فما يظهر من بعضهم من كونها أعم لا وجه له» وإلى الغرابة الثانية بقوله«ومن

1 . الحدائق :14/428.

صفحه 333
ثمّ الظاهر أنّ في صورة الانقلاب يلحقه حكم المكّي بالنسبة إلى الاستطاعة أيضاً، فيكفي في وجوب الحجّ الاستطاعة من مكّة، ولا يشترط فيه حصول الاستطاعة من بلده. فلا وجه لما يظهر من صاحب الجواهر من اعتبار استطاعة النائي في وجوبه. لعموم أدلّتها. وأنّ الانقلاب إنّما أوجب تغيير نوع الحجّ، وأمّا الشرط فعلى ما عليه فيعتبر بالنسبة إلى التمتّع، هذا.*
الغريب ما عن آخر من الاختصاص بما إذا كانت بقصد التوطّن». والقول الأخير حكاه في «الجواهر» عن بعض الحواشي. (1)

* اختصاص الانقلاب بالفرض أو عمومه للشرط

هل يختص الانقلاب بفرض الحجّ فتنقلب وظيفته من التمتّع إلى الإفراد فقط أو يعم الشروط، فلا يشترط الاستطاعة من بلد النائي، بل يكفي من مكة المكرّمة؟
هذا ما طرحه صاحب الجواهر واستظهر اختصاص الانقلاب بالفرض. قال:أمّا بالنسبة إلى غير ذلك(انقلاب الفرض) من أحكام الحج فقد احتمله بعضهم، فلا يشترط في وجوب الحج عليه الاستطاعة المشروطة له ولو إلى الرجوع إلى بلده، بل يكفي فيه استطاعة أهل مكة، لإطلاق الآية وكثير من الأخبار.
ثمّ أورد عليه بأنّ المنساق من الروايات إرادة نوع الحج، فيبقى عموم أدلّة استطاعة النائي بحاله، وكذا استصحابها بل وأصل البراءة ، ودعوى أنّ تلك الاستطاعة شرط للتمتع ولا تمتع هنا، يدفعها انّها شرط وجوب الحج على النائي

1 . الجواهر:18/90.

صفحه 334
مطلقاً وتعيّن المتعة أمر آخر.
ثمّ إنّه استثنى صورة التوطن وانّ الانقلاب يعم الفرض والشرط قال: نعم الظاهر أنّه كذلك مع قصد التوطّن، لصدق كونه حينئذ من أهلها وإن وجب عليه التمتع قبل السنة أو السنتين للأدلة الشرعية.(1)
والظاهر عمومية الانقلاب إلى الفرض والشرط لما تقرر في الأُصول من أنّ الدليل الحاكم ربّما يوسّع موضوع الدليل المحكوم كما في قوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«التراب أحد الطهورين»، فإنّ مقتضى الجمع بينه و بين قوله(صلى الله عليه وآله وسلم) : «لا صلاة إلاّ بطهور» هو تعميم الطهور إلى المائي والترابي. وهكذا المقام فإنّ مقتضى قوله(عليه السلام) في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج: «وأهل مكة لا متعة لهم»(2)، هو اختصاص الحكم بالمتوطّن ومن يُعدّ من أهل مكّة بالذات; وأمّا المقيم فيها سنتين فلا يُعدّ من أهلها، إلاّ أنّ قوله(عليه السلام): «من أقام بمكة سنتين فهو من أهل مكة» يُوسِّع موضوع الحكم ويعمِّمه إلى المتوطّن والمقيم سنتين تماماً وإن كان ربّما يترك مكة ويعود إلى وطنه.
فتنزيل المقيم منزلة أهل مكة ظاهر في عموم المنزلة لا في خصوص تبدّل الفرض، وحاصله: أنّ المقيم محكوم بنفس ما حكم به على أهل مكة فرضاً وشرطاً، والتفكيك بينهما والقول بالانقلاب بالفرض دون الشروط خلاف إطلاق التنزيل، وعلى ضوء ذلك تكفي الاستطاعة من مكة المكرمة وإن لم يستطع من بلده، كما أنّه لا يُعتبر مؤونة العودة إلى بلده إذا حاول مغادرة مكة إلى وطنه بعد إقامة الفريضة.
هذا هو الحقّ القراح، ويمكن التفصيل بين المبدأ والمنتهى، أمّا المبدأ

1 . الجواهر:18/90ـ91.
2 . الوسائل:8، الباب6 من أبواب أقسام الحج، الحديث9.

صفحه 335
ولو حصلت الاستطاعة بعد الإقامة في مكّة لكن قبل مضيّ السنتين، فالظاهر أنّه كما لو حصلت في بلده، فيجب عليه التمتّع، ولو بقيت إلى السنة الثالثة أو أزيد، فالمدار على حصولها بعد الانقلاب.*
فيكفي فيه الاستطاعة من مكة وإن لم يكن مستطيعاً من بلده، و ذلك لأنّه لا يعتبر في الآفاقي الاستطاعة من بلد خاص، بل المعتبر حصولها من أي بلد كان، فلو سافر العراقي إلى المدينة واستطاع فيها، وجب عليه الحجّ وإن لم يكن مستطيعاً في بلده.
وأمّا المنتهى فلو حاول أن يغادر مكة بعد مضي سنتين وإنجاز فريضة الحج على نحو لو صرف المال في المناسك لم يتمكّن من العود إلى بلده، ففي هذه الصورة لا يجب عليه الحجّ مطلقاً من غير فرق بين التمتع والإفراد لافتراض أنّه لو حاول صرف ماله في حج الإفراد لما تمكّن من العود، والتمكّن من العود أشبه بالرجوع إلى الكفاية من تجارة أو زراعة.

* الاستطاعة بعد الإقامة وقبل السنتين

ثمّ إنّ المصنّف أشار إلى فرع آخر وهو إذا حصلت الاستطاعة بعد الإقامة في مكة، ولكن قبل مضيّ السنتين، فقال بأنّ حكمه حكم الصورة الأُولى، أعني: ما إذا حصلت في بلده ثمّ أقام في مكة فيجب عليه التمتع ولو بقيت إلى السنة الثالثة أو أزيد فالمدار في الاستطاعة، على حصولها قبل انقلاب الفرض وبعده، ففي الأُولى يتمتع ولو أقام أزيد من سنتين، بخلاف ما إذا حصلت بعد الانقلاب.
والدليل على عدم دخول هذه الصورة، والصورة الأُولى تحت الروايات، هو

صفحه 336
وأمّا المكّي إذا خرج إلى سائر الأمصار مقيماً بها، فلا يلحقه حكمها في تعين التمتّع عليه. لعدم الدليل، وبطلان القياس. إلاّ إذا كانت الإقامة فيها بقصد التوطّن، وحصلت الاستطاعة بعده، فإنّه يتعيّن عليه التمتّع بمقتضى القاعدة ولو في السنة الأُولى. وأمّا إذا كانت بقصد المجاورة، أو كانت الاستطاعة حاصلة في مكّة فلا. نعم الظاهر دخوله حينئذ في المسألة السابقة، فعلى القول بالتخيير فيها ـ كما عن المشهور ـ يتخيّر، وعلى قول ابن أبي عقيل يتعيّن عليه وظيفة المكّي.*
انصرافها عنهما أوّلاً، وكون التمتّع مقتضى الاستصحاب ثانياً.

* خروج المكي إلى الأمصار

إذا خرج المكي إلى الأمصار فإن توطّن فيها فينقلب فرضه إلى التمتّع، لأجل انقلاب الموضوع وخروجه عن كونه متوطّناً في مكة، فيكون حكمه، حكم النائي في وجوب الإحرام من ميقات أهله; وأمّا إذا أراد الإقامة فلا دليل لانقلاب فرضه إلى فرض النائي، فحكمه حكم المكي، ما لم يتوطّن، فلو أحرم لحجة الإسلام فاللازم عليه هو الإفراد أو القران. نعم يجوز للمكّي إذا خرج إلى بعض البلدان ورجع إلى مكة، التمتّع إذا كان الحجّ ندباً، وإن كان الأفضل هو الإفراد.(1)

1 . راجع الوسائل:8، الباب7 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث 1و2.

صفحه 337
المسألة 4: المقيم في مكّة إذا وجب عليه التمتع ـ كما إذا كانت استطاعته في بلده أو استطاع في مكّة قبل انقلاب فرضه ـ فالواجب عليه الخروج إلى الميقات لإحرام عمرة التمتّع. واختلفوا في تعيين ميقاته على أقوال: أحدها: أنّه مهلُّ أرضه، ذهب إليه جماعة، بل ربما يسند إلى المشهور ـ كما في الحدائق ـ لخبر سماعة عن أبي الحسن(عليه السلام):سألته عن المجاور أله أن يتمتّع بالعمرة إلى الحجّ؟ قال(عليه السلام): «نعم، يخرج إلى مهلّ أرضه فليلبّ إن شاء». المعتضد بجملة من الأخبار الواردة في الجاهل والناسي الدالّة على ذلك، بدعوى: عدم خصوصيّة للجهل والنسيان، وأنّ ذلك لكونه مقتضى حكم التمتّع، وبالأخبار الواردة في توقيت المواقيت، وتخصيص كلّ قطر بواحد منها أو من مرّ عليها، بعد دعوى: أنّ الرجوع إلى الميقات غير المرور عليه. *
* قد تقدّم أنّ المستطيع في بلده إذا أقام في مكة أو المقيم فيها إذا استطاع قبل سنتين كاملتين يجب عليه التمتع ولا يجوز له الإفراد، فإذا أراد أن يحجّ حجّة التمتّع(حجة الإسلام) فمن أين يحرم؟ فهناك أقوال ثلاثة:

الأوّل: الإحرام من ميقات أهله

أنّه يخرج من مكة إلى ميقات أهله ومهلِّ أرضه، ذهب إليه جماعة وربما يُسند إلى المشهور، نقله المصنّف عن «الحدائق»، ولا أقلّ انّه أشهر من القول الثاني، ونقله في الجواهر عن الشيخ وأبي الصلاح ويحيى بن سعيد والمحقّق في النافع والفاضل في جملة من كتبه.(1) والذي وقفنا عليه كالتالي:

1 . الجواهر:18/82.

صفحه 338
1. قال المفيد: والمجاور بمكة إذا أراد الحجّ والعمرة خرج منها إلى ميقات أهله فأحْرم منه، فإن لم يتمكّن من ذلك أحرم من خارج الحرم.(1)
2. قال الشيخ: المجاور بمكة إذا أراد الحجّ أو العمرة خرج إلى ميقات أهله إن أمكنه، وإن لم يمكنه فمن خارج الحرم.(2)
3. وقال أبو الصلاح: وميقات المجاور ميقات بلده، ويجوز له أن يحرم من الجعرّانة(الذي هو أدنى الحلّ).(3)
4. قال ابن سعيد: ومن جاور بمكة سنتين فبحكمهم، وإن جاور دونها تمتع من ميقات أهله.(4)
5. وقال المحقّق: والمجاور بمكة إذا أراد حجة الإسلام خرج إلى ميقاته فأحرم منه، ولو تعذر خرج إلى أدنى الحل.(5)وقريب منه في «المعتبر».(6)
6. وقال العلاّمة في «المنتهى»: ومن كان من أهل الأمصار فجاور بمكة ثمّ أراد حجة الإسلام، خرج إلى ميقات أهله فأحرم منه، فإن تعذّر خرج إلى أدنى الحل، ولو تعذّر أحرم من مكة.(7)
وقريب منه في «التحرير»(8) ، و«التذكرة»(9).

1 . المقنعة: 396.
2 . الخلاف:2/285، المسألة60.
3 . الكافي: 202.
4 . الجامع للشرائع:178.
5 . المختصر النافع:1/80.
6 . المعتبر:2/799.
7 . المنتهى:10/148، الطبعة الحديثة.
8 . التحرير:1/559، المسألة 1918.
9 . التذكرة:7/282، المسألة 135.

صفحه 339
7. وقد بالغ صاحب الحدائق في تشييد هذا القول فقال: إنّ اتّفاق الأصحاب ـ ولا سيّما أصحاب الصدر الأوّل ـ ممّا يؤذن بكون ذلك مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ،فإنّ مذهب كلّ إمام إنّما يعلم بنقل شيعته وأتباعه، وأقوال أصحاب الصدر الأوّل وإن لم تصل إلينا سوى عبارة الشيخ المفيد في «المقنعة» إلاّ أنّ من تقدّمنا من الأصحاب الذين وصلت إليهم الأقوال ممّن تقدّمهم ووقعت بأيديهم مصنّفاتهم ـ ولا سيّما من تصدّى منهم لضبط الأقوال والخلاف في المسائل ـ لو اطّلعوا على ما خالف هذا القول الذي اتّفقت كلمتهم عليه لنقلوه، كما هي العادة الجارية والطريقة المستمرة في نقل الأقوال والتنبيه على الخلاف والوفاق في كلّ مسألة.(1)
هذا ما وقفنا عليه من القائلين بلزوم الإحرام من ميقات أهله إلى عصر العلاّمة الحلّي(648ـ 726هـ).
استدلّ على لزوم الخروج إلى ميقات أهله بوجوه:
الأوّل: الأخبار العامّة الدالّة على تقسيم المواقيت وتخصيص كلّ أُفق بميقات على حدة.(2) فإنّه يجب بمقتضى ذلك على أهل كلّ أرض، الإحرام من الميقات الذي عين لهم في الروايات، سواء كان بالمرور، أو الرجوع إليه، خرج منه طائفتان:
1. المتوطّن بمكة مدة توجب انتقال فرضه إلى فرض المكي.
2. من مرّ على غير ميقاته.
وبقي الباقي تحتها.

1 . الحدائق:14/418ـ 419.
2 . الوسائل:8، الباب1 من أبواب المواقيت.

صفحه 340
يلاحظ عليه: أنّ مورد الروايات هو من أراد الحجّ من خارج مكة، لا من داخلها ، فاستفادة حكم الثاني من الأوّل أشبه بالقياس.
أضف إلى ذلك: انّ الروايات ليست بصدد إعمال التعبّد، وانّه ليس للعراقي إلاّ هذا الميقات لا غير، بل هي بصدد بيان أسهل المواقيت لأهل كلّ قطر وأقربها إليهم، كما سيوافيك. فإنّ أقرب المواقيت لأهل اليمن هو «يلملم»، ولأهل طائف هو «قرن المنازل»، وهكذا، وبذلك يعلم أنّ إجزاء الإحرام من غير ميقات أهله، عند المرور عليه ليس تخصيصاً، بل لسان الروايات لسان التسهيل لا الحصر.
الثاني: الأخبار الدالة على أنّ من دخل مكة ناسياً للإحرام أو جاهلاً به فإنّه يجب عليه الخروج إلى ميقات أهل أرضه.(1)
يلاحظ عليه: بأنّ موردها هو الحجّ من خارج مكة غير أنّه نسي الإحرام أو جهل به، ومورد البحث هو الحجّ من داخلها، أضف إلى ذلك: انّ قوله في هذه الروايات: «يرجع إلى ميقات أهل بلاده» أو «ميقات أهل أرضه » ففي صحيحي الحلبي، إرشاد للناسي والجاهل إلى أسهل المواقيت التي يمكن أن يرجع إليها، فتراه تارة يقيد الميقات بما ذكر، وأُخرى يطلق كما في صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «فترجع إلى الوقت فلتحرم منه».(2)
وهذان الدليلان اعتمد عليهما صاحب الحدائق(3) وذكرهما المصنّف، وقد عرفت ضعفهما.

1 . الوسائل:8، الباب14 من أبواب المواقيت، الحديث1و7.
2 . المصدر نفسه، الحديث4.
3 . الحدائق:14/413ـ 414.

صفحه 341
الثالث: موثّقة سماعة، عن أبي الحسن(عليه السلام) قال: سألته عن المجاور أله أن يتمتع بالعمرة إلى الحج؟ قال: «نعم يخرج إلى مهلِّ أرضه فيلبّي، إن شاء».(1)
وليس في السند من يُغمض عليه إلاّ معلّى بن محمد البصري، فقد وصفه النجاشي بأنّه مضطرب الحديث، وقال ابن الغضائري: «ويجوز أن يخرج شاهداً»، ولكن كثرة رواياته البالغ عددها 712 حديثاً، يشهد على أنّه كان رجلاً ممارساً للحديث.
وقد أورد على الاستدلال بأنّ الإمام علّق الخروج إلى مهلّ أرضه بالمشيئة وقال: إن شاء .
يلاحظ عليه: أنّ الشرط يحتمل أن يتعلّق بأحد الأفعال الثلاثة:
1.أله أن يتمتع؟
2. يخرج إلى مهل أرضه.
3. يلبّي.
أمّا الثالث فلا وجه له، لأنّ التلبية واجبة مطلقاً، غير مقيدة بالمشيئة.
وأمّا الثاني فبما أنّ الخروج على جميع الأقوال واجب، فلا وجه لتعليقه على المشيئة، فتعيّن الأوّل، وذلك لأنّ السائل سأل: أله أن يتمتع؟ فأجاب: «نعم...، إن شاء» .
نعم يرد على الاستدلال بأنّ جواب الإمام لبيان أسهل الطرق إلى الإحرام للسائل، فإنّه أعرف بميقات أهله من غيره لمروره عليه، لا انّه يخرج إليه ولا يخرج إلى غيره.

1 . الوسائل:8، الباب8 من أبواب أقسام الحج، الحديث1.

صفحه 342
ثانيها: أنّه أحد المواقيت المخصوصة مخيّراً بينها. وإليه ذهب جماعة أُخرى، لجملة أُخرى من الأخبار مؤيدة بأخبار المواقيت، بدعوى عدم استفادة خصوصيّة كلّ بقطر معيّن.*
فتلخّص أنّه يدلّ الدليل بوجه قاطع على لزوم الخروج إلى مهلّ أرضه.

* الثاني: كفاية الإحرام من مطلق المواقيت

و القول الثاني ـ كفاية الإحرام من مطلق المواقيت التي عيّنها رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ فقد ذهب إلى ذلك القول جماعة، منهم:
1. الشيخ في «النهاية» حيث قال: ومن جاور بمكة سنة واحدة أو سنتين، جاز له أن يتمتّع فيخرج إلى الميقات ويُحرم بالحج متمتّعاً.(1)
2. المحقق قال: ولو أقام من فرضه التمتع بمكة سنة أو سنتين لم ينتقل فرضه، وكان عليه الخروج إلى الميقات إذا أراد حجة الإسلام. ولو لم يتمكّن من ذلك، خرج إلى خارج الحرم، فإن تعذّر أحرم من موضعه.(2)
3. وقال العلاّمة: وينتقل فرض المقيم ثلاث سنين إلى المكي ودونها يتمتع فيخرج إلى الميقات إن يمكن وإلاّ فخارج الحرم، ولو تعذر أحرم من موضعه .(3)
وقد استدلّ لهذا القول بوجوه:
1. ما دلّ على أنّ كلّ واحد من المواقيت، ميقات لمن أتى عليه ومن مرّ به

1 . النهاية:206.
2 . الشرائع:1/240.
3 . الإرشاد:1/309.

صفحه 343
للنص الصريح(1) ، والإجماع، فعند وصول المجاور إلى الميقات يصدق عليه أنّه أتى عليه فيكون ميقاتاً له بالعموم.
وهذا الوجه هو الذي اعتمد عليه السيد الخوئي وبالغ في توضيحه وقال: إنّ المرور على المكان هو الاجتياز عليه، وهذا المعنى يصدق على من يقصد التمتع من مكة فيجوز له الخروج إلى أي ميقات شاء، فإنّه عندما يصل ذلك المكان ويجتازه يصدق عليه أنّه مرّ عليه من غير فرق بين أن يريد التمتع من مكة أو من خارجها.(2)
يلاحظ عليه: ـ مضافاً إلى أنّ مورد الروايات هو من يريد الحجّ من خارج مكة، لا من داخلها ـ انّ محل البحث هو تعيين وظيفة من تهيّأ للخروج ليُحرم للتمتع، فهل واجبه الخروج إلى ميقات أهله، أو مطلق المواقيت، أو أدنى الحل؟ فلابدّ من إقامة الدليل على كفاية الخروج إلى أحد المواقيت في هذه الحالة، لا بعد خروجه من مكة، وتجاوزه الميقات، متوجهاً إلى مكّة، إذ لا شكّ عندئذ أنّه يجب عليه الإحرام قطعاً لحرمة الدخول في الحرم بلا إحرام.
2. موثّق سماعة عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في حديث... وإن اعتمر في شهر رمضان أو قبله وأقام إلى الحج فليس بمتمتّع، وإنّما هو مجاور أفرد العمرة، فإن هو أحبّ أن يتمتّع في أشهر الحج بالعمرة إلى الحجّ، فليخرج منها حتّى يجاوز ذات عرق، أو يجاوز عسفان، فيدخل متمتّعاً بالعمرة إلى الحجّ».(3)
وجه الدلالة: انّ الإمام خيّر السائل في الخروج إلى أحد هذين الميقاتين، فإنّ

1 . الوسائل:8،الباب15 من أبواب المواقيت، الحديث1و2.
2 . المعتمد:2/218.
3 . الوسائل:8، الباب10 من أبواب أقسام الحج، الحديث2.

صفحه 344
الظاهر انّ ذكر هذين الميقاتين إنّما خرج مخرج التمثيل.
إنّما الإشكال في أنّ الخبر تضمن أنّه يتجاوز عسفان وليس ثمة ميقات من المواقيت المخصوصة. ويحتمل أن يكون المراد من التجاوز من عسفان إلى جانب الجحفة، ففي «معجم البلدان» عسفان: منهلة من مناهل الطريق بين الجحفة ومكة.(1) وفرض إجمال «عسفان» لا يسبب رفع اليد عن دلالة الحديث بكفاية أحد المواقيت وعدم كفاية الخروج إلى أدنى الحلّ.
3. مرسلة حريز، عمّن أخبره، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «من دخل مكة بحجّة عن غيره ثمّ أقام سنة فهو مكي، فإذا أراد أن يحج عن نفسه أو أراد أن يعتمر بعد ما انصرف من عرفة فليس له أن يحرم من مكة، ولكن يخرج إلى الوقت وكلّما حول رجع إلى الوقت».(2)
وقد مرّ أنّ الخبر من الروايات الدالّة على كفاية مضي السنة في انتقال الفرض إلى الإفراد، وعليه لا مساس له بالمقام، لأنّ البحث في المقيم الذي لم ينقلب فرضه من التمتّع إلى غيره، والوارد في الرواية، من انقلب فرضه من التمتّع إلى الإفراد، فلا يستدلّ بما ورد في من صار مكياً على من ليس بمكّي، اللّهمّ إلاّ أن يستدلّ بالأولوية.
4. خبر إسحاق بن عبد اللّه قال: سألت أبا الحسن(عليه السلام) عن المقيم بمكة، يجرّد الحجّ أو يتمتع مرّة أُخرى، فقال (عليه السلام): «يتمتع أحب إليّ، وليكن إحرامه من مسيرة ليلة أو ليلتين» .(3)

1 . معجم البلدان:4/107.
2 . الوسائل:8، الباب9 من أبواب أقسام الحج، الحديث9.
3 . الوسائل:8، الباب 4 من أبواب أقسام الحجّ، الحديث20.

صفحه 345
ثالثها: أنّه أدنى الحلّ، نقل عن الحلبيّ، وتبعه بعض متأخّري المتأخّرين لجملة ثالثة من الأخبار، والأحوط الأوّل وإن كان الأقوى الثاني، لعدم فهم الخصوصيّة من خبر سماعة، وأخبار الجاهل والناسي، وأنّ ذكر المهلّ من باب أحد الأفراد، ومنع خصوصيّة للمرور في الأخبار العامّة الدالّة على المواقيت وأمّا أخبار القول الثالث ـ فمع ندرة العامل بها ـ مقيّدة بأخبار المواقيت، أو محمولة على صورة التعذّر.*
ولا يصح شاهداً لهذا القول، إذ ليس في المواقيت ما هو مسيرة ليلة واحدة . فإنّ أقرب المواقيت بينها و بين مكة ليلتان قاصدتان.(1)
فتلخّص انّ الصالح للدلالة على هذا القول هو رواية سماعة، وأمّا الثاني والثالث فمضافاً إلى الإشكال في المضمون، هما خبران لا يحتجّ بهما، نعم ربما يصلحان للتأييد.
وعلى كلّ تقدير فهذا القول أقوى، و إن كان الأوّل أحوط.

* الثالث: الخروج إلى أدنى الحلّ

هذا هو القول الثالث، وعدّه في «المدارك» أقوى المحتملات وقال: ويحتمل قويّاً، الاكتفاء بالخروج إلى أدنى الحل مطلقاً.(2)
واستدلّ له بروايات، منها:
1. صحيح الحلبي، قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام):لأهل مكة أن يتمتّعوا؟

1 . لاحظ الفصل العاشر، المسألة 5 ، الميقات العاشر.
2 . المدارك:7/206.

صفحه 346
قال(عليه السلام): «لا، ليس لأهل مكة أن يتمتّعوا» قلت: فالقاطنون بها، قال: «إذا أقاموا سنة أو سنتين صنعوا كما يصنع أهل مكة، فإذا أقاموا شهراً فإنّ لهم أن يتمتعوا» قلت: من أين؟ قال: «يخرجون من الحرم» قلت: من أين يهلّون بالحج؟ فقال: «من مكة نحواً ممّا يقول الناس».(1)
2. صحيح حمّاد: قال سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن أهل مكة أيتمتّعون؟ قال: «ليس لهم متعة»، قلت: فالقاطن بها، قال:« إذا أقام بها سنة أو سنتين صنع صُنع أهل مكة».
قلت: فإن مكث الشهر، قال: «يتمتع». قلت: من أين؟ قال: «يخرج من الحرم». قلت: من أين يهل بالحج؟ قال: «من مكة نحواً ممّا يقول الناس».(2)
ويمكن الجمع بين الصحيحين وما مرّ من ميقات أهله أو مطلق الميقات بوجوه:
1. التصرّف في ما دلّ على القول الثالث بتقييد قوله: «يخرجون من الحرم» أو قوله:«يخرج من الحرم » أعني: ما استدلّ به على كفاية الخروج لأدنى الحلّ بأخبار المواقيت متعيّناً أو مخيّراً كما هو الأقوى، وقد جعله المصنّف الوجه الأوّل.
2. التصرّف فيها أيضاً بالحمل على صورة التعذّر، وهو الوجه الثاني عنده وخيرة الحدائق.(3)
وهذا جمع تبرعي. نعم مر في كلمات الأصحاب، الإحرام من أدنى الحل عند تعذر الإحرام من الميقات.
3. التصرف في أخبار القول الأوّل والثاني بحملها على الاستحباب بشرط

1 . الوسائل:8، الباب9، من أبواب أقسام الحج، الحديث3.
2 . الوسائل:8، الباب9 من أبواب أقسام الحج، الحديث7.
3 . الحدائق:14/415.

صفحه 347
ثمّ الظاهر أنّ ما ذكرنا حكم كلّ من كان في مكّة وأراد الإتيان بالتمتّع ولو مستحبّاً.*
هذا كلّه مع إمكان الرجوع إلى المواقيت، وأمّا إذا تعذّر فيكفي الرجوع إلى أدنى الحلّ، بل الأحوط الرجوع إلى ما يتمكّن من خارج الحرم ممّا هو دون الميقات. وإن لم يتمكّن من الخروج إلى أدنى الحلّ أحرم من موضعه، والأحوط الخروج إلى ما يتمكّن.*
عدم إعراض الأصحاب عن العمل بإطلاق الصحيحين. وهذا خيرة المحقّق الخوئي.(1)
* قد تقدّم أنّه يجوز لأهل مكة، التمتّع ـ بعد أداء حجة الإسلام ـ مستحباً أو وجوباً بنذر وغيره إنّما الكلام في ميقاتهم من هذه الصورة.
إنّ أهل مكة يحرمون لحج الإفراد والقران، من مكة، ومن كان في خارجها، يحرم من منزله الواقع بينها وبين الميقات.
إنّما الكلام في إحرامهم لحجّ التمتع ـ عندما يجوز لهم التمتّع ـ فهل يحرمون من مكة أو من منزلهم؟
أو أنّ ميقاتهم، ميقات المقيم قبل إكمال سنتين، فيخرجون إلى الميقات وإلاّ فإلى أدنى الحلّ؟
والمسألة مبنية على أنّ الخروج إلى الميقات من أحكام التمتّع من غير فرق بين المقيم والمكي والمتوطّن، أو هو من أحكام المقيم، والمسألة لا تخلو من إبهام، وسيأتي الكلام أيضاً في المسألة 6 من الفصل العاشر(فصل المواقيت).
*قد عاد المصنّف إلى الفرع السابق، أعني: إذا أراد المقيم حجّ التمتع

1 . المعتمد:2/175.

صفحه 348
قبل سنتين، فبما أنّه اختار الخروج إلى أحد المواقيت قال بأنّ الخروج إلى الميقات عند التمكّن منه، وأمّا إذا لم يتمكّن فيخرج إلى أدنى الحل عملاً بصحيحي الحلبي وحمّاد الماضيين، والأحوط منه الرجوع إلى ما يتمكّن من خارج الحرم ممّا هو دون الميقات وتجديد التلبية في أدنى الحل.
وإن لم يتمكّن من الخروج إلى أدنى الحلّ أحرم من موضعه كالناسي والجاهل، والأحوط الخروج من موضعه بمقدار ما يتمكّن وتجديد التلبية عند الوصول إلى موضعه، كلّ ذلك عملاً بالاحتياط.
تمّ الكلام في الفصل الثامن

صفحه 349
الفصل التاسع
صورة حجّ التمتّع

صفحه 350

صفحه 351
صورة حجّ التمتّع على الإجمال: أن يحرم ـ في أشهر الحجّ ـ من الميقات، بالعمرة المتمتّع بها إلى الحجّ، ثمّ يدخل مكة فيطوف فيها بالبيت سبعاً، ويصلّي ركعتين في المقام، ثمّ يسعى لها بين الصفا والمروة سبعاً، ثمّ يطوف للنساء احتياطاً ـ وإن كان الأصح عدم وجوبه ـ ويقصّر.*
* واعلم أنّ المصنّف ذكر في صدر هذا الفصل، صورة حجّ التمتّع من العمرة إلى الفراغ من الحجّ، ثمّ ذكر شرائطه بقوله: ويشترط في حجّ التمتّع أُمور أحدها: النية....
وبما أنّ ما أجمله هنا سيأتي تفصيله في ثنايا كتاب الحجّ، فلا حاجة إلى البحث عن أجزاء حجّ التمتّع في المقام.
نعم هنا فروع يناسب البحث عنها في هذا المقام أهمّها دراسة عدم وجوب طواف النساء في عمرة التمتّع مع وجوبه في حجه والعمرة المفردة، فبعد الفراغ منه نأخذ الشرائط بالبحث.

1. طواف النساء في عمرة التمتّع

المشهور عدم وجوب طواف النساء في عمرة التمتع. وإليك بعض الكلمات:
قال الشيخ: أفعال العمرة خمسة: الإحرام، والتلبية، والطواف، والسعي بين

صفحه 352
الصفا والمروة، والتقصير وإن حلق جاز، والتقصير أفضل، وبعد الحجّ، الحلق أفضل.(1)
فقد حصر الشيخ أعمال العمرة في خمسة، وأمّا غيره أو هو في سائر كتبه فقد ذكروا رؤوس الأعمال دون أن يذكروا طواف النساء منها.
قال المفيدرحمه اللّه :وإذا طاف بالبيت سبعاً وسعى بين الصفا والمروة سبع مرات قصّر من شعر رأسه من جوانبه،...وقد حلّ من كلّ شيء أحرم منه.(2)
قال المحقّق: طواف النساء واجب في الحجّ والعمرة المفردة دون المتمتع بها.(3)
وقال العلاّمة في «المنتهى»: كلّ إحرام يجب فيه طواف النساء إلاّ إحرام العمرة، المتمتع بها إلى الحجّ.(4)
وقال الشهيد في اللمعة: ويزيد في عمرة الإفراد بعد التقصير طواف النساء.(5)
وقال في «الجواهر» بعد عبارة المحقّق«دون المتمتّع بها»: فإنّه لا يجب فيها بلا خلاف محقّق أجده فيه، وإن حكاه في اللمعة عن بعض الأصحاب، وأسنده في «الدروس» إل