welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : النفاق والمنافقون في القرآن الكريم*
تألیف :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

النفاق والمنافقون في القرآن الكريم

صفحه 1
   
    النفاق والمنافقون في القرآن الكريم

صفحه 2

صفحه 3
النفاق والمنافقون
في
القرآن الكريم
ويليه
تفسير سورة الزمر

صفحه 4

صفحه 5
النفاق والمنافقون
في
القرآن الكريم
 
ويليه
تفسير سورة الزمر
تأليف
الفقيه المحقّق
جعفر السبحاني
نشر مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 6
سبحاني تبريزي، جعفر، 1347 ـ
      النفاق والمنافقون في القرآن الكريم ويليه تفسير سورة الزمر / تأليف جعفر السبحاني . ـ قم : مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، 1433 ق . = 1390 .
      368 ص.    ISBN: 978 - 964 - 357 - 495 - 6
      أُنجزت الفهرسة طبقاً لمعلومات فيبا.
      1 . المنافقون ـ ـ بحوث قرآنية 2. تفاسير الشيعة ـ ـ القرن 15. الف. مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام). ب. عنوان: تفسير سورة الزمر.
7ن 2س/ 104 BP    159 / 297
1390
اسم الكتاب:   … النفاق والمنافقون في القرآن الكريم ويليه تفسير سورة الزمر
المؤلف:   … الفقيه المحقّق جعفر السبحاني
الطبعة:   … الأُولى ـ 1433 هـ . ق
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
القطع:    …وزيري
عدد الصفحات:   … 368 صفحة
عدد النسخ :   … 1000 نسخة
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة
تسلسل النشر: 675   تسلسل الطبعة الأُولى: 383
مركز التوزيع
قم المقدسة / ساحة الشهداء
مكتبة التوحيد ?7745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org
www.tohid.ir

صفحه 7
مقدّمة المؤلف   
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم أنبيائه وأشرف رسله محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً..
أمّا بعد:
فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن، فإنّه شافع مشفّع، وماحل مصدَّق، مَنْ جعله أمامه، قاده إلى الجنّة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، وهو الدليل يدل على خير سبيل، وهو كتاب فيه تفصيل وبيان وتحصيل، وهو الفصل ليس بالهزل، وله ظهر وبطن، فظاهره حكم، وباطنه علم، ظاهره أنيق، وباطنه عميق، له تخوم، وعلى تخومه تخوم،1 لا تحصى عجائبه، ولا تبلى غرائبه، فيه مصابيح الهدى ومنار الحكمة، ودليل على المعرفة لمن عرف الصفة، فليجل جال بصره، وليبلغ الصفة نظره، ينج من عطب، ويتخلّص من نشب، فإنّ التفكّر حياة قلب البصير، كما يمشي المستنير في الظلمات بالنور» 2.

1 . في بعض النسخ: (له نجوم، وعلى نجومه نجوم) ولعلّ الأصحّ ما اثبتناه.
2 . الكافي: 2 / 599، كتاب فضل القرآن.

صفحه 8
وفي هذه الأيام الّتي لم تزل فيها وسائل الإعلام المعادية تشوّه سمعة الإسلام وتخطّط للإطاحة بعقيدة المسلمين، يجب على المسلمين التمسّك التام بالقرآن الكريم والاهتداء بنوره، ليتدرّعوا به عن السهام المسمومة الّتي ترشق عليهم يوماً بعد يوم، ويصونوا أنفسهم عن الشبهات الّتي تهدف إلى تشويش أفكارهم وعزلهم عن عقيدتهم وأحكام دينهم.
ولأجل مساعدة الشباب في التدبّر بآيات القرآن المجيد، وفهم فحواها، خصصنا جزءاً من وقتنا لتفسير سور مختارة من سور القرآن الكريم، فقمنا بتفسير السور المسبحات الخمس (أي: الحديد، الحشر، الصّف، التغابن، وتلوناها بتفسير سورة الممتحنة) ، فلمّا فرغنا من ذلك عقدنا الهمّة على تفسير سورتي «المنافقون»، و «الزمر» وذلك لورود الكثير من الإشارات حول دور المنافقين في عصر صدر الإسلام في هاتين السورتين.
وغير خفي عن القارئ النابه أنّنا قد ابتلينا في أيّامنا هذه بالكثير من المنافقين الذين يتظاهرون بالإسلام ولكنّهم يبطنون الكفر والإلحاد، فصار ضررهم على الاسلام والمسلمين أكثر من ضرر مَنْ يتظاهر بالكفر، لذلك رأى أمير البيان علي (عليه السلام) أنّ ضرر المنافقين والنفاق أكثر من ضرر غيرهم.
وذيلنا تفسير السورتين بفصلين:
1. تدوين تاريخ النفاق ودور المنافقين في عصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)مستمدين مادتنا من القرآن الكريم والروايات.

صفحه 9
2. بحث موضوعي حول التوسل بدعاء الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)الّذي أمر به الله سبحانه وأعرض عنه أرباب النفاق في أيّامنا هذه.
وقد بيّنا فيه الإجابة عن كلّ ما يثار حول هذا الموضوع من شبهات وأسئلة، تطرح بين الفينة والفينة، ويدّعي مثيروها أنّهم يدافعون عن التوحيد ويكافحوا الشرك، وما هذا إلاّ خلط للأوراق ولبس للحق بالباطل.
وسيطّلع القارئ الكريم على بطلان ادّعائهم، وجواز بل استحباب التوسّل بدعاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وزيارته وطلب الشفاعة منه (صلى الله عليه وآله وسلم)في حياته (صلى الله عليه وآله وسلم)وبعد رحيله.
ندعو الله عزوجل أن ينفع المسلمين بما سطرناه، وأن يجعله لنا ذخراً يوم لا ينفع مال ولا بنون.
والحمد لله رب العالمين
 
جعفر السبحاني
قم ـ الحوزة العلمية
25 ذي الحجة الحرام 1432 هـ

صفحه 10

صفحه 11
الفصل الأوّل
تفسير سورة «المنافقون»

صفحه 12

صفحه 13

تمهيد

نذكر ـ قبل الدخول في تفسير السورة ـ شيئاً من تاريخ النفاق ودوره السلبي في حياة المسلمين، وما تركه من آثار هدّامة على المجتمع الإسلامي الذي عانى وقاسى الأمرّين من سلوك هذه الفئة الضالّة الّتي كانت تتربّص بالمسلمين الدوائر.
بُعث النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)في مكة المكرمة وأمضى فيها قرابة ثلاثة عشر عاماً داعياً إلى توحيد الله سبحانه وإلى رسالته والإيمان بيوم الجزاء، وكان يتلو على الناس آيات الله لغاية التزكية والتعليم.
وقد دخلت فئة من قريش في الإسلام وقبلوا دعوته، وهم بين مجاهر في إسلامه، ومَن هو مستتر غير مجاهر به، ولم يكن يومذاك في مهبط الوحي إلاّ صنفان: مؤمن وكافر.
وبعد ما هاجر (صلى الله عليه وآله وسلم)ـ تحت ضغط المشركين ـ إلى المدينة المنورة بعد أن لبّت الطائفتان المعروفتان باسم الأوس والخزرج دعوته على نحو غلب الإسلام الشرك، بقي المشركون في ضعف على نحو لم يجدوا بدّاً إلاّ التظاهر في الإسلام وإن كانوا غير مؤمنين به في الباطن، عند ذاك نشأت ظاهرة النفاق أي من يظهر الإسلام ويبطن الكفر. فعندما صار أغلب الناس

صفحه 14
هم من الذين يؤمنون بالإسلام ويؤيّدونه ويبلّغونه إلى سائر الطوائف، وأصبحت المدينة المنوّرة أُمّ القرى للإسلام وعاصمة دولته، عند ذلك لم يجد المشرك إلاّ الالتجاء إلى ظاهرة النفاق حتّى يحتفظ بعقيدته باطناً، ويسلم على شأنه وشؤونه بالتظاهر بالإسلام .
فالمنافق في لغة القرآن الكريم ليس مطلق مَن خالف قولُه عقيدتَه أو خالف ظاهرُه باطنَه، بل أخصّ من ذلك، وهو: مَن يبطن الكفر ويظهر الإسلام، كما يظهر ذلك من غير واحدة من الآيات.
إنّ ظاهرة النفاق رهن وجود أقلّية ضعيفة ـ في مقابل أكثرية ساحقة ـ لا تستطيع الجهر بعقيدتها وفكرها خوفاً من أن يصيبها ضرر من الطائفة المتغلّبة، فالنفاق بهذا المعنى وإن كان يعمّ كلّ مَن لم يوافق لسانه قلبه حتّى أنّ المؤمن إذا عاش بين الكافرين الحاقدين على الإسلام فأظهر الكفر وستر الإسلام يوصف بالنفاق لغة، ولكنّ مصطلح القرآن في المنافق ليس بهذه السعة، بل يختصّ بمَن ستر كفره بالتظاهر بالإسلام فقط، وأمّا إذا ستر إيمانه بالتظاهر بالكفر فهو من مقولة التقيّة .
   
وعلى ضوء هذا فمؤمن آل فرعون الّذي كتم إيمانه وأظهر الموافقة للملأ، لم يكن عمله من شعب النفاق في مصطلح القرآن، كما أنّ عمل عمّار بن ياسر حين تبرّأ من الإسلام لساناً وقلبه مطمئن بالإيمان، لا يُعدّ نفاقاً بل هو تقية، ولا مانع من أن يكون للقرآن المجيد مصطلح خاصٌّ في معنى النفاق وإن كان أخصّ من المعنى اللغوي، قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ

صفحه 15
تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ)1 .
وقال سبحانه: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَ اللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَ اللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ)2 .
فقد وصفهم سبحانه بالكذب، لا لأجل كون قولهم: (إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ)مخالفاً للواقع، بل هو مطابق له تماماً، وإنّما وصفهم بالكذب لتظاهرهم بأنّ ما يقولونه في ألسنتهم مطابق لما في قلوبهم مع أنّه مخالف له مائة بالمائة حيث أبطنوا الكفر وأظهروا الإسلام .
وحصيلة الكلام: أنّ في القرآن الكريم أمرين:
1. النفاق.
2. التقية.
فالقرآن يخصّ الأمر الأوّل بمَن أبطن الكفر وأظهر الإسلام، والثاني بمَن أبطن الحق سواء أكان في المعارف أو في الفروع وأظهر الموافقة للباطل، خوفاً من ضغط الأكثرية الحاكمة، فمَن زعم أنّ التقية من شعب النفاق فإنّما أخذ بالمعنى اللغوي المتروك (للنفاق).

النفاق لغة واصطلاحاً

إنّ استعمال لفظ المنافق في مَن لم يطابق قوله عقيدته، أو في مَن أبطن الكفر وأظهر الإسلام، إنّما هو مصطلح إسلامي لم يكن له استعمال

1 . المائدة: 41 .
2 . المنافقون: 1 .

صفحه 16
سابق بين العرب، وذلك لأنّ النفق في اللغة هو سرب في الأرض مشتق إلى موضع آخر، وفي التهذيب له مخلص إلى مكان آخر.
والنفقة والنافقاء جحر الضب واليربوع، سُمّي به لأنّه إذا أُتي من قبل القاصعاء ضرب النافقاء برأسه فخرج، فتكون النافقاء مستورة غير معلومة، وإنّما تعلم بخروج اليربوع، يقال: نفق اليربوع خرج منه. وسمّي المنافق منافقاً لأنّه يدخل في الإسلام من وجه ثم يخرج من غير الوجه الّذي دخل فيه.
وقد تكرر في الحديث ذكر النفاق وما تصرف منه اسماً وفعلاً وهو اسم إسلامي لم تعرفه العرب بالمعنى المخصوص به وهو الّذي يستر كفره ويظهر إيمانه 1
وحصيلة الكلام: أنّ المنافق في اللغة هو مَن يدخل من باب ويخرج من باب آخر، واستعير هذا في مصطلح القرآن لمَن يكتم الكفر ويظهر الإيمان كأنّه يدخل من باب ـ أي لسان ـ ويخرج من باب آخر; أو أنّ له وجهين: وجه ظاهر وهو لسانه، ووجه مستور وهو قلبه ; كجحر اليربوع حيث إنّ له بابين: ظاهر يدخل منه، ومستور يخرج منه.

نشأة النفاق في المدينة

قلنا: إنّ بيئة مكة كانت خالية من ظاهرة النفاق، وإنّما هي ظهرت في المدينة المنورة بواسطة رجلين:

1 . لسان العرب: 10 / 359، مادة «نفق».

صفحه 17

1. عبد الله بن أُبيّ

إنّ أوّل من تلبّس بهذه الظاهرة هو عبدالله بن أُبيّ بن سلول العوفي، فقد كان قومه قد نظموا له الخرز ليتوّجوه ثم يملّكونه عليهم، فجاءهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، والأوس على تلك الفكرة، فلمّا انصرف قومه عنه إلى الإسلام أظهر العداوة لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)حيث رأى أنّه قد استلبه ملكاً، فلمّا رأى قومه قد أبوا إلاّ الإسلام دخل فيه كارهاً، مصرّاً على نفاق وضغن.1
ولذلك ربما تبدر منه كلمات تدلّ على عدائه وعناده وحقده لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)حيث زعم أنّ ورود الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)المدينة قد سلبه كلّ ما كان يتوخّاه.
ويشهد على ذلك ما رواه ابن إسحاق عن أُسامة بن زيد بن حارثة، قال: ركب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى سعد بن عبادة يعوده من شكو أصابه، على حمار، وأردفني خلفه، فمرّ بعبدالله بن أُبي وهو في ظل مزَاحم وحوله رجال من قومه، فلمّا رآه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)استنكف رسول الله من أن يجاوزه حتّى ينزل، فنزل فسلّم ثم جلس قليلاً فتلا القرآن، ودعا إلى الله عزوجل وذكّر بالله وحذّر، وبشّر وأنذر، وعبدالله بن أُبي ساكت لا يتكلّم، حتّى إذا فرغ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)من مقالته قال: يا هذا إنّه لا أحسن من حديثك هذا، إن كان حقّاً فأجلس في بيتك فمَن جاءك له فحدّثه إيّاه، ومَن لم يأتك فلا تغُتَّه به، ولا تأته في مجلسه بما يكره منه.

1 . السيرة النبوية لابن هشام: 1 / 585.

صفحه 18
ولمّا كان هذا الكلام إهانة من الرجل بالنسبة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم); وذلك لأنّ نزول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)من مركبه كان تكريماً واحتراماً له ولمن عنده، ولكنّ المنزل عليه قابله بهذه الكلمات القاسية، وكان في المجلس عبدالله بن رواحة مع رجال من المسلمين، فخاطب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بكلام جميل أزال به غبار الغم الّذي كان على وجه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال: يا رسول الله فاغشنا به وآتنا في مجالسنا ودورنا وبيوتنا، فهو والله ممّا نحب وممّا أكرمنا الله به وهدانا له.
فقام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)من مجلسهم ودخل على سَعد بن عبادة، وفي وجهه ما قال عدوّ الله ابن أُبيّ، فقال: والله يا رسول الله إنّي لأرى في وجهك شيئاً لكأنّك سمعت شيئاً تكرهه، قال: أجل، ثم أخبره بما قال ابن أُبي، فقال سعد: يا رسول الله، أرفق به، فوالله لقد جاءنا الله بك، وإنا لننظِمُ له الخرز لنتوِّجه، فو الله إنّه ليرى أن قد سلبته ملكاً .1

2. أبو عامر الراهب

الرجل الثاني الّذي تلبّس بالنفاق ولم يكتف حتّى أسّس عصابة من المنافقين بعد فراره من المدينة، هو أبو عامر الراهب، قال ابن هشام: وأمّا أبو عامر فأبى إلاّ الكفر والفراق لقومه حين اجتمعوا على الإسلام، فأتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)حين قَدِم المدينة، قبل أن يخرج إلى مكة، فقال: ما هذا الدين الّذي جئت به؟ فقال: جئت بالحنيفية دين إبراهيم، قال: فأنا عليها; قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّك لست عليها، قال: بلى قال: إنّك أدخلت يا محمد في الحنيفية

1 . السيرة النبوية لابن هشام: 1 / 588 .

صفحه 19
ما ليس منها، قال: ما فعلت، ولكنّي جئت بها بيضاء نقية، قال: الكاذب أماته الله طريداً غريباً وحيداً ـ يعرّض برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ـ أي إنكّ جئت بها كذلك. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أجل، فمن كذب فعل الله تعالى ذلك به.
فكان هو ذلك عدوّ الله، خرج إلى مكة ، ببضعة عشر رجلاً مفارقاً للإسلام ولرسوله، فلمّا افتتح رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)مكة خرج إلى الطائف. فلمّا أسلم أهل الطائف لحق بالشام. فمات طريداً غريباً وحيداً 1.
وروي في الجوامع أنّ بني عمرو بن عوف لمّا بنوا مسجد قباء وصلّى فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)حسدتهم إخوتهم بنو غنم بن عوف وقالوا: نبني مسجداً نصلِّي فيه ولا نحضر جماعة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، فبنوا مسجداً إلى جنب مسجد قباء وقالوا لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وهو يتجهّز إلى تبوك: إنّا نحبّ أن تأتينا فتصلّي لنا فيه، فقال: إنّي على جناح سفر؟ ولمّا انصرف من تبوك نزل قوله تعالى: (وَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا... )2، فأرسل مَن يهدم المسجد ويحرقه وأمر أن يتّخذ مكانه كناسة يُلقى فيه الجيف والقمامة.
ويظهر من الآية التالية أنّهم بنوه على قصد أن يؤمّهم فيه أبو عامر إذا قدم من دمشق، وأبو عامر هو المعنيّ بقوله تعالى: (وَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَ كُفْرًا وَ تَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ إِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللهَ وَ رَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ)يعني أبا عامر الراهب .3

1 . السيرة النبوية لابن هشام: 1 / 585 ـ 586 .
2 . التوبة: 107 .
3 . تفسير الصافي: 2 / 374 ـ 375 .

صفحه 20
وهكذا ما سيوافيك بيانه في ذكر بناء مسجد ضرار وردّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عليه في موضعه إن شاء الله .

يُخرج الحيّ من الميّت

ومن عجيب الأمر أنّ حنظلة بن أبي عامر التحق بالنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)وفارق أباه فصار من سادات المسلمين وفضلائهم، وهو المعروف بغسيل الملائكة، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)لقومه: «إنّ صاحبكم لتغسّله الملائكة» فسألوا أهله ما شأنه فسُئلت صاحبتُه، فقالت: خرج وهو جنب حين سمع الهايعة، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)لذلك: غسّلته الملائكة، وكفى بذلك شرفاً ومنزلة عند الله.
ولمّا كان حنظلة يقاتل يوم أُحد التقى هو وأبو سفيان بن حرب، فاستعلى عليه حنظلة وكاد يقتله، فأتاه الشدّاد ابن أسود فأعانه على حنظلة فخلّص أبا سفيان وقتل حنظلة، ولذلك اشتهر حنظلة بغسيل الملائكة .1
تغلغل المنافقين في صحابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)   
ويظهر من كتب السير أنّه تزوّج ببنت عبدالله بن أُبيّ بن سلول، ودخل بها في الليلة الّتي كانت صبيحتها حرب أُحد، واستأذن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يقيم عندها، فأذن له رسول الله فدخل حنظلة بأهله ووقع عليها، فأصبح وخرج وهو جنب فحضر القتال، فبعثت امرأته إلى أربعة نفر من الأنصار لمّا أراد حنظلة أن يخرج من عندها وأشهدت عليه أنّه قد واقعها. فقيل لها: لم فعلتِ ذلك ؟

1 . أُسد الغابة: 2 / 59 ـ 60 .

صفحه 21
قالت: رأيت في هذه الليلة في نومي بأنّ السماء قد انفرجت، فوقع فيها حنظلة ثم انضمّت، فعلمت أنّها الشهادة، فكرهت أن لا أشهد عليه ; فحملت منه.1
فالمورد من مظاهر اسمه سبحانه (مخرج الحيّ من الميّت) فالأبوان ـ أي أبو عامر وعبدالله بن أُبي ـ من رؤوس النفاق والوَلّدان ـ أي حنظلة وعبدالله ـ من سادات المسلمين وسيداتهم.

تغلغل المنافقين في صحابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

لقد اهتم القرآن الكريم بأمر المنافقين في كثير من السور، فقد جاء ذكرهم في السور التالية: البقرة، آل عمران، النساء، المائدة، الأنفال، التوبة، الحج، العنكبوت، الأحزاب، الفتح، الحديد، المجادلة، الحشر، المنافقون، والتحريم.
فلو كان حزب النفاق وأعضاؤه أقلّية غير مؤثرة لم يهتم القرآن بأمرهم في هذا العدد من السور، وهذا دليل على كثرتهم وعظم خطرهم واختراقهم صفوف المجتمع الإسلامي، على وجه يقول سبحانه: (وَ مِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ )2 .
ومن العجيب أنّ حزب النفاق كان له دور في تضعيف معنويات

1 . بحار الأنوار: 20 / 57 .
2 . التوبة: 101 .

صفحه 22
المسلمين في الغزوات والحروب، وكانوا يقومون بالتجسس وأيصال أسرار المسلمين إلى أعدائهم إلى نهاية حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم).

المثلث المشؤوم

ومن أبرز ظواهر تحرّكهم ضد الإسلام هو تأسيسهم مثلثاً مشؤوماً يشكل أحد أضلاعه حزب النفاق في المدينة.
والضلع الثاني يهود المدينة وخيبر، إذ كانت المدينة موطناً لطوائف ثلاث من اليهود، أعني: يهود بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة، مضافاً إلى يهود خيبر.
والضلع الثالث هم مشركو قريش، فقد كان المنافقون يتآمرون لأجل القضاء على الإسلام وذلك بالتجسس ونقل أخبار تحرّكات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وجيشه إلى المشركين. ويظهر ذلك لمن قرأ أحداث غزوتي أُحد والأحزاب وفتح مكّة.
ثم إنّ حزب النفاق قد مات اسماً وحركة بعد رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وجلوس الخلفاء على منصّة الخلافة، فلا يذكر لنا التاريخ حركة منهم ضدّ الخلافة الإسلامية، وكأنّهم ذابوا في المجتمع لغرض تأمين مصالحهم بأُسلوب جديد وثوب جديد، وهذا ما تؤكّده الأحداث المتلاطمة الّتي عصفت بالمسلمين بعد وفاة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم).
ويظهر من العلاّمة الطباطبائي أنّ اختفاء ظاهرة النفاق بعد رحيل النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)يحتمل أن يكون لأحد وجوه ثلاثة:

صفحه 23
1. أنّ المنافقين شملهم التوفيق الإلهي فأسلموا وأخلصوا الإيمان عن آخرهم وتأثّرت قلوبهم من موت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ما لم تتأثر بحياته.
2. أنّهم صالحوا أولياء الحكومة الإسلامية على ترك المزاحمة بأن يسمح لهم ما فيه (تحقيق) أُمنيتهم، مصالحة سرّية.
3. أنّه وقع هنالك تصالح اتفاقي بينهم وبين المسلمين فوردوا جميعاً في مشرعة سواء، فارتفع التصاكّ والتصادم .1
وهناك احتمال رابع وهو أنّ موت زعيم النفاق ـ أعني: عبدالله بن أُبيّ ـ شتّت شملهم وفرّق جماعتهم، فلم يستطيعوا إدارة الحزب، فتفرّقوا تفرّق أيادي سبأ .
ثم إنّه يظهر منه (قدس سره) أنّه كانت لظاهرة النفاق جذور في مكّة المكرّمة ولكن بلون آخر، أي لا لغرض التخريب بل لغاية أُخرى حيث يقول: فمن الجائز عقلاً أن يكون بعض من آمن به يتبعه في ظاهر دينه طمعاً في البلوغ بذلك إلى أُمنيته وهي التقدّم والرئاسة والاستعلاء، والأثر المترتّب على هذا النوع من النفاق ليس هو تقليب الأُمور وتربّص الدوائر على الإسلام والمسلمين وإفساد المجتمع الديني، بل تقويته بما أمكن وتفديته بالمال والجاه لتنتظم بذلك الأُمور ويتهيّأ لاستفادته منه واستدراره لصالح شخصه. نعم يمكر مثل هذا المنافق بالمخالفة والمضادّة فيما إذا لاح من الدين مثلاً ما يخالف أُمنية تقدّمه وتسلّطه إرجاعاً للأمر إلى سبيل ينتهي إلى غرضه الفاسد.(2)

1 . تفسير الميزان: 19 / 290 .   2 . تفسير الميزان: 19 / 289 .

صفحه 24

الفرق بين النفاق والتقية

قد علمت أنّ النفاق مصطلح إسلامي ليس له سبق في اللغة، وهو يختصّ بمن أبطن الكفر وأظهر الإسلام، ولا يطلق على كلّ مَن يخالف عمله معتقده وإن لم يمتّ للدين بصلة، وبهذا يظهر وجود الفرق بين النفاق والتقيّة، فإنّ الأوّل ـ كما مرّ ـ استبطان الكفر وإظهار الإسلام، ولكنّ التقيّة على العكس، فهي من مقولة استبطان الإيمان وإظهار الكفر، فمؤمن آل فرعون اتّقى من قومه وأظهر الكفر وأبطن الإيمان، وفي ظل تلك الواجهة نصحهم وأنذرهم وقال للملأ الذين اتّفقوا على قتل موسى: (أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللهُ وَ قَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَ إِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَ إِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الذِي يَعِدُكُمْ )1 .
كما أنّ عمّار بن ياسر لما أُخذ وعذّب وأشرف على الموت، أظهر الكفر وأبطن الإيمان، وفي حقّه نزل قوله سبحانه: (مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ )(2)، فعلى هذا ففي البيئات الّتي صودرت فيها الحريات، ولم يسمح للناس إلاّ العمل بفقه الإمام أحمد أو نظيره ، فمعتنق مذهب أهل البيت(عليهم السلام)لا محيص له إلاّ التقيّة أي التظاهر في مقام العمل بفقه أحمد، ولكن يبقى اعتقاده على ما عليه مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، وهؤلاء أيضاً يبطنون ما هو الحق عندهم، وفي الوقت نفسه يتظاهرون بغيره.
في اسم السورة وعدد آياتها وشأن نزولها   
***

1 . غافر: 28 .   2 . النحل: 106 .

صفحه 25
بعد هذه المقدّمة التمهيدية نبدأ ـ على بركة الله ـ بتفسير السورة :

اسم السورة وعدد آياتها وشأن نزولها

اسم السورة «المنافقون» وإضافة السورة إليه مع المحافظة على رفع «المنافقون»، من باب حكاية اللفظ الواقع في أوّله، أعني: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ)، وربما يقال: «سورة المنافقين» إعمالاً للإضافة.
وعدد آياتها أحد عشر آية نظير سورة الجمعة، وقد نزلت بعد غزوة بني المصطلق الّتي وقعت في السنة الخامسة بعد الهجرة، بشهادة قول عبدالله بن أُبي: (لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ)1 الّذي قاله في تلك الغزوة، وقد كان للمنافقين إلى هذه السنة قدرة وشوكة، وسيوافيك تفصيل قوله في محلّه.

أغراض السورة

من أهم أغراض السورة أمران:
أحدهما: كشف حقيقة المنافقين، وفضح أمرهم .
الثاني: الأمر بالإنفاق قبل الموت.
***

1 . المنافقون: 8 .

صفحه 26
الآية الأُولى   

الآية الأُولى:

(إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَ اللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَ اللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ )1.

التفسير

هذه الآية مؤلفة من فقرات ثلاث:
1. كلام المنافقين.
2. كلامه سبحانه.
3. تكذيب من الله سبحانه لقول المنافقين.
أمّا الفقرة الأُولى فقد كان المنافقون يتظاهرون بها في غير واحد من المجالس حتّى يستروا بها كفرهم ويتّخذونها جُنّة، كما سيأتي.
والفقرة الثانية ـ أعني قوله: (وَ اللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ)ـ وقعت جملة معترضة بين الفقرتين، فما وجه ذلك ؟
وأي حاجة إلى إقحام هذه الشهادة في المقام؟ فالله سبحانه شهد على رسالته في غير واحدة من الآيات في سور أُخرى.
ولعلّ وجه ذلك هو أنّه سبحانه أكذبهم في الفقرة الثالثة وقال: (وَ اللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ).
ولأجل أن لا يتوهم إنسان أنّهم كاذبون في قولهم: (إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ)بمعنى كون قولهم غير مطابق للواقع، ركّز على رسالة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لدفع هذا

1 . المنافقون: 1 .

صفحه 27
التوهّم، وهو أنّهم غير كاذبين في مفاد الخبر، بل هم كاذبون من حيث المخبرية.
توضيح ذلك : أنّ الكذب تارة يقع وصفاً للخبر، فيكون الخبر كاذباً، كما إذا قال: السماء تحتنا، وهذا كذب خبري .
وأُخرى يكون وصفاً للمخبِر بمعنى أنّ ذات الخبر صحيح ولكن القائل يكذب حيث إنّه يتظاهر بشيء غير معتقد به قلباً، فهم في قولهم: (إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ)كاذبون لا من حيث الخبر، بل من حيث المخبرية، حيث إنّهم كانوا منكرين رسالته من الله.
وبذلك يُعلم أنّ الميزان في الصدق والكذب هو كون الخبر مطابقاً للواقع، فقولهم: (إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ) من هذه الناحية صادق لمطابقته للواقع، وإنّما وصف بالكذب من ناحية أُخرى وهو ادّعاؤهم أنّ ما يقولونه بألسنتهم نفس ما في قلوبهم، والله يؤكد أنّهم: (يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَ اللهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ)1.
وفي آية أُخرى يقول: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواآمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ)(2).
وممّا ذكرنا يظهر بطلان ما نسب إلى النظّام حيث جعل ملاك الصدق والكذب مطابقة الخبر لما في النفس دون الواقع واستشهد، بالفقرة الثالثة، أعني قوله: (وَ اللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ)، فمع كون قولهم مطابق

1 . آل عمران: 167.   2 . المائدة: 41 .

صفحه 28
للواقع وصفه بالكذب لوجود المخالفة بين القول والمعتقد.
وجه الضعف: أنّك عرفت أنّ الكذب تارة يقع وصفاً للخبر وأُخرى وصفاً للمخبر. فالميزان في الأوّل هو مطابقة الكلام للواقع، وعدمها; وفي الثاني فالميزان هو مطابقة الكلام لما هو المعتقد، وقد خلط النظّام بين الوجهين.1
***
   

الآيات: الثانية والثالثة والرابعة

(اِتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ * وَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَ إِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَة عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنى يُؤْفَكُونَ).

اللغة:

الجُنّة: قال الراغب: الجَّن بمعنى ستر الشيء عن الحاسّة، يقال: جنّه الليل أي ستره، والجنان: القلب لكونه مستوراً عن الحاسّة، والمجنّ: التُّرس الّذي يجنّ صاحبه، والجنّة: كلّ بستان ذي شجر يستر بأشجاره الأرض. 2

1 . المطوّل: 32، الطبعة الحجرية قال: صدق الخبر مطابقته لاعتقاد المخبر ولو كان ذلك الاعتقاد خطأ، وكذب الخبر عدمها.
2 . مفردات الراغب: 98، مادة «جن» .

صفحه 29
والمراد بها هنا «الترس» والدرع الّذي يحمي الإنسان من ضربات العدوّ.
الطبع: هو الختم، (وَ طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ)1 أي: ختم عليها، والطبع أيسر من الإقفال، كما في قوله تعالى: (أَمْ عَلَى قُلُوب أَقْفَالُهَا)(2). ومعنى الآية: (وَ طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ) أي ختم عليها وغشّاها حتّى لا يدخل فيها شيء ولا يخرج منها شيء.
المسندة: المعتمدة .
يؤفكون: من الإفك وهو كلّ مصروف عن وجهه الّذي يحق أن يكون عليه.

التفسير

قوله تعالى: (اِتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً)الأيمان: جمع اليمين، بمعنى القسم، ولربما قُرئ إيمانهم بكسر الألف، ولكنّ المشهور هو الأوّل. يحكي سبحانه أنّ المنافقين اتّخذوا أيمانهم المتكرّرة جُنّة عن لحوق أي أذى بهم من جانب المؤمنين .
فإنّ الأقلّيات الّتي تختلف عن الأكثرية في العقيدة خصوصاً إذا كانوا يتآمرون على الأكثرية، يخافون من أن تنكشف نواياهم وأعمالهم الإجرامية، فلذلك يلتجئون إلى الأيمان المغلّظة أنّهم منهم وأنّهم لا يحيكون أي مؤامرة ضد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

1 . التوبة: 93.    2 . محمد: 24 .

صفحه 30
فالظاهر أنّهم كانوا يأتون ويقسمون عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)على عدم ارتكاب أي جريمة أو عمل على خلاف مصالح المسلمين، ولذلك كانوا يذبّون عن أنفسهم آثار التهم، فعبّر سبحانه عن ذلك بقوله: (اِتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً).
ولكن الظاهر من «الكشّاف» أنّه حمل الأيمان على شهادتهم برسالة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وقال: يجوز أن يُراد أن قولهم: (نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ) يمين من أيمانهم الكاذبة ; لأنّ الشهادة تجري مجرى الحلف في ما يراد به من التوكيد .1
ولكن الظاهر هو الأوّل; لأنّ المسلمين كشفوا في غير مورد من الموارد عن مؤامراتهم وأخبروا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بذلك فطلبهم، فجعلوا يقسمون بأنّهم ما فعلوا ذلك، كما سيأتي تفسير ذلك في قوله سبحانه في نفس السورة: (لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ)(2) .
وقد ذكر المفسّرون في تفسير قوله سبحانه: (وَ مِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَ يَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْر لَكُمْ...)(3) ما يؤيد ما ذكرنا، فلاحظ.
قوله: (فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ): أي أعرضوا عن سبيل الله، ويحتمل صدّوا الناس عن سبيل الله، وفي هذا التعبير إشارة إلى عظم عملهم الإجرامي حيث يمنعون الناس عن الإيمان خفاءً ويظلمونهم مضافاً إلى ضلالهم.
قوله: (إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ): أي أسوأ الناس أعمالاً حيث ضلّوا وأضلّوا.

1 . تفسير الكشاف: 4 / 100 .   2 . المنافقون: 8 .   3 . التوبة: 61 .

صفحه 31
قوله: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا)، تعليل لقوله: (سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) ولفظة: (ذَلِكَ)إشارة إلى ما سبق من كونهم أسوأ الناس أعمالاً، ثم علّل ذلك بقوله: (بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ)أي مرّوا بمراحل:
1. آمنوا برسول الله يوم دخل المدينة وقد استقبلوه استقبالاً حافلاً.
2. كفروا، وهذا يدل على وجود فاصل زماني بين إيمانهم وكفرهم، وهذا قرينة على أنّ إيمانهم كان إيماناً حقيقياً لا صورياً، وهذا ينطبق على غير رؤوساء النفاق كعبد الله بن أُبي وأبي عامر الراهب.
وأمّا أنّهم لماذا كفروا فيمكن أن يكون السبب هو العصبية الداعية إلى الاقتداء بالآباء، كما يمكن أن يكون السبب هو تأثير المشركين في أفكارهم وما عُقد بينهم من الوعود والمعاهدات، إلى غير ذلك من أسباب العدول إلى الكفر، غير أنّ أكثر المفسّرين حملوا العبارة على الإيمان الصوري، قالوا: آمنوا ظاهراً عند النبي والمسلمين، ثم كفروا إذا خلوا بالمشركين 1 .
وقال الشيخ مغنية: المراد بآمنوا أنّهم عرفوا بين الناس بالإيمان... وإلاّ فإنّ المنافقين لم يؤمنوا بالله طرفة عين، وقوله تعالى: (ثُمَّ كَفَرُوا)أي ثم عرفهم الناس بأنّهم كانوا يظهرون الإيمان ويضمرون الكفر.(2)
فصارت نتيجة ذلك قوله تعالى: (فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ)والطبع على القلوب، كناية عن غلق أي نافذة في قلوبهم فلا يمكن دخول شيء فيها أو

1 . مجمع البيان: 5 / 529 .   2 . تفسير الكاشف: 7 / 331 .

صفحه 32
الخروج، تشبيهاً بقناني المشروبات الغازية الّتي أُغلق رأسها بإحكام ليمنع تسرّب الغاز منها، وهذا يعرب عن سدّ كلّ منفذ فيها.
فالقلب المطبوع، المختوم عليه غير قابل للهداية ، لأنّ المفروض صيرورته مغلقاً لا ينفذ منه شيء، نعم لم يكن الطبع على قلوبهم من الله أمراً ابتدائياً غير مسبوق بسبب، وإنّما هو نتيجة جرائمهم، قال سبحانه: (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّر جَبَّار )1 .
فتوصيفهم بالوصفين دليل على أنّ الطبع على القلب نتيجة اتّصافهم بهذين الأمرين، ولولاهما لما كان هناك طبع وختم .
وبعبارة أُخرى: أنّ التكبّر يورث التعالي على الغير، فيرى المتكبّر نفسه متعالياً وغيره ذليلاً، فعندئذ يستحيل في هذه الحالة أن يتأثر بكلام غيره فيصبح ممّن (لاَ يَفْقَهُونَ)أي لا يميزون الحق من الباطل، وذلك لوجود الساتر بينهم وبين الحق .
قوله: (وَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ...).
لما كان المنافقون مستترون بأيمانهم لا يتميزون عن المؤمنين في بداية الأمر، أراد سبحانه أن يذكر علائمهم ومميزاتهم الّتي يعرفون بها، فذكر أُموراً خمسة:
1. (وَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ) بحسن منظرهم وتمام خلقتهم وجمال بزتهم، نقل أنّ عبدالله بن أُبيّ كان رجلاً جسيماً، صبيحاً، فصيحاً،

1 . غافر: 35 .

صفحه 33
ذلق اللسان; وقوم من المنافقين في مثل صفته وهم رؤوساء المدينة، وكانوا يحضرون مجلس رسول الله فيستندون فيه ولهم جاهرة المناظر وفصاحة الألسن، فكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ومن حضر يُعجبون بهياكلهم ويسمعون إلى كلامهم1، ولعلّ هذه الخصيصة تختصّ بمنافقي عصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، إذ ليس كل منافق هو ممّن يعجب الإنسان منظره، نعم يمكن أن يكون الباقي وصفاً لعامّة المنافقين.
2. (وَ إِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ)لفصاحة لسانهم وذلاقة ألسنتهم، فإنّ حزب النفاق يجند أُناساً لإضلال الناس ويعلمهم كيفية الدخول في الموضوع والخروج منه، ولأجل هذه الممارسة يصبحون ذلقي اللسان فصيحي الكلام.
3. (كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ)والخُشُب جمع خشبة، والمسنّدة عبارة عن الخشبة المعتمدة على حائط ونحوه، فتكون في الظاهر غليظة طويلة قوية لكنّها في الباطن نخرة متآكلة لا ينتفع بها، فكذلك المنافق ظاهره سليم وباطنه لئيم لا خير فيه .
ويمكن أن يكون المراد أنّهم إذا احتجّ عليهم ببعض الآيات والدلائل ينظرون في وجه الإنسان دون أن يبدو على وجوههم أي تأثر وردّة فعل، ولذلك شبّهوا بالخشب المسنّدة.
4. (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَة عَلَيْهِمْ)بما أنّ الخائن خائف فهؤلاء

1 . تفسير الكشاف: 4 / 110 .

صفحه 34
يعيشون في خوف ووجل حذراً من أن تكشف نواياهم وأحوالهم الإجرامية، فكلّ ما سمعوا صوتاً وإن لم يكن لهم علاقة به، يحسبونه موجّهاً لهم، مثلاً: إذا نادى مناد في العسكر للرحيل أو للنزول أو أنشد إنسان ضالّته، يتصوّرون في بادئ الأمر أنّ ذلك موجّه إليهم، فالغش والخيانة في صدورهم جعلهم مصداقاً للقول المعروف: المريب خائف.
5. (هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ) العدو يطلق على الواحد والجمع، وقدّم الضمير لإفادة الحصر، وكأنّ العداء منحصر فيهم دون غيرهم، ووجه ذلك أنّ العدو على قسمين:
1. عدو معروف ومشخّص .
2. عدو ولكنّه متظاهر بالمحبّة فهو صديق في الظاهر وعدو في الباطن.
فالإنسان بما أنّه يعرف الصنف الأول من الأعداء يكون على حذر منه في كلّ الأوقات.
وأمّا الصنف الثاني فبما أنّه يبدو كالصديق الحميم لذا يتعامل معه الإنسان معاملة الصديق، غافلاً عن أنّه يتربص به الدوائر، فيكون ضرره أشد من الصنف الأوّل ولذلك قال سبحانه: (هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ)، فكأنّ المنافق هو العدو الوحيد.
وللإمام علي (عليه السلام)كلام حول النفاق قال فيه: «فَلَو عَلِمَ النَّاسُ اَنَّهُ منافقٌ كاذِبٌ لَمْ يَقْبَلوا مِنْهُ ولَمْ يُصَدِّقوا قَوْلَهُ ولكِنَّهُمْ قالُوا: صاحِبُ رَسُولِ اللّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)

صفحه 35
رَآهُ، وَسَمِعَ مِنْهُ، وَلَقِفَ عَنْهُ، فَيَأْخُذُونَ بِقَوْلِهِ...»1 .
وقد أصابت الإسلام خسارات فادحة من قبل المنافقين لم يصب مثلها من غيرهم، فهؤلاء الأُمويون وعلى رأسهم أبو سفيان، آمنوا ظاهراً وأبطنوا الكفر، وبتظاهرهم بالإسلام تسنّموا منصّة الخلافة قرابة ثمانين عاماً نال فيها الإسلام والمسلمون خسارة لا تجبر وويلات لا تُحصى، وها نحن نذكر هنا ما يدلّ على عدم إيمانهم بالإسلام، وكذبهم على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
فهذا ابن أبي الحديد المعتزلي يقول:
قال أبو جعفر: وقد روي أنّ معاوية بذل لسمرة بن جندب مائة ألف درهم حتّى يروي أنّ هذه الآية نزلت في علي بن أبي طالب: (وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَ يُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَ هُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَ إِذَا تَوَلَّى سَعىَ فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَ يُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَ اللهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ)2، وأنّ الآية الثانية نزلت في ابن ملجم، وهي قوله تعالى: (وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ)3، فلم يقبل، فبذل له مائتي ألف درهم فلم يقبل، فبذل له ثلاثمائة ألف درهم فلم يقبل، فبذل له أربعمائة ألف فقبل، وروى ذلك .
وقال (أبو جعفر): وقد صحّ أنّ بني أُمية منعوا من إظهار فضائل علي (عليه السلام)وعاقبوا على ذلك الراوي له، حتّى إنّ الرجل إذا روى عنه حديثاً لا

1 . نهج البلاغة: الخطبة 205 .
2 . البقرة: 204 ـ 205 .
3 . البقرة: 207 .

صفحه 36
يتعلّق بفضله بل بشرائع الدين لا يتجاسر على ذكر اسمه، فيقول: عن أبي زينب.
وروى عطاء عن عبدالله في شدّاد بن الهاد، قال: وددت أن أُترك فأُحدِّث بفضائل علي بن أبي طالب (عليه السلام)يوماً إلى الليل، وأنّ عنقي هذه ضربت بالسيف.
قال: فالأحاديث الواردة في فضله لو لم تكن في الشهرة والاستفاضة وكثرة النقل إلى غاية بعيدة، لانقطع نقلها للخوف والتقية من بني مروان مع طول المدّة، وشدّة العداوة.
ولو أنّ لله تعالى في هذا الرجل سرّاً يعلمه من يعلمه، لم يرو في فضله حديث، ولا عرفت له منقبة، ألاترى أنّ رئيس قرية لو سخط على واحد من أهلها، ومنع الناس أن يذكروه بخير وصلاح لخَمل ذكره ونسي اسمه، وصار وهو موجود معدوماً، وهو حي ميّتاً!
هذه خلاصة ما ذكره شيخنا أبو جعفر في هذا المعنى في كتاب التفضيل .1
وهكذا نرى أنّ بني أُمية قد استمالوا بأموالهم سماسرة الأهواء ليكذبوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ويسندوا له ما لم يقله، وهذا ما أشار إليه بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا تكذبوا عليّ، فإنّ من كذب عليّ فليلج في النار ».2
وهاك شاهداً آخر وهو ما ذكره ابن أبي الحديد المعتزلي ـ أيضاً ـ في

1 . شرح نهج البلاغة: 4 / 63 ـ 73 .
2 . صحيح البخاري: 1 / 35; ولاحظ: فتح الباري: 1 / 199، برقم 38 .

صفحه 37
تولية عثمان، قال: قال الشعبي: فلمّا دخل عثمان رحله دخل إليه بنو أُمية حتّى امتلأت بهم الدار، ثم أغلقوها عليهم، فقال أبو سفيان بن حرب: أعندكم أحد من غيركم؟ قالوا: لا، قال: يا بني أُمّية، تلقّفوها تلقّف الكرة، فوالّذي يحلف به أبوسفيان، ما من عذاب ولا حساب، ولا جنة ولا نار، ولا بعث ولا قيامة! قال: فانتهره عثمان، وساءه بما قال، وأمر بإخراجه .
وقال ابن أبي الحديد في موضع آخر: وهذا كفر صراح يلحقه اللعنة1، قال تعالى: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَ كَانُوا يَعْتَدُونَ )2 .
قوله تعالى: (قَاتَلَهُمُ اللهُ): أي أخزاهم ولعنهم، وقيل: إنّه دعاء عليهم بالهلاك. (أَنّى يُؤْفَكُونَ) و «أنّى» هنا اسم استفهام عن المكان، ويكون كناية عن: كيف، مثل قوله: (أَنّى لَهُمُ الذِّكْرى) 3، أي: كيف يعدلون عن الحق، لأجل جهلهم وضلالتهم.
***

1 . شرح نهج البلاغة: 9 / 54 .
2 . المائدة: 78 .
3 . الدخان: 13 .

صفحه 38

الآيتان: الخامسة والسادسة

(وَ إِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَ رَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ * سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ).

اللغة:

لَوَّوْا: من اللي: فتل الحبل، يقال: لويته ليّاً، ولوى يده ولوى رأسه، وبرأسه: أماله، ويقال: لوى لسانه بكذا: كناية عن الكذب.

سبب النزول

ذكروا في شأن نزول الآية: إنّه لمّا بان كذب عبدالله بن أُبّي ـ كما سيأتي بيانه في الآية الثامنة ـ قيل له: قد نزلت فيك آيٌ شِداد، فاذهب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يستغفر لك، فلوى رأسه، ثم قال: أمرتموني أن أُومن، فآمنت، أمرتموني أن أزكي مالي، فزكّيت، فما بقي إلاّ أن أسجد لمحمد، فنزلت: (وَ إِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ)1.

التفسير

وحاصل الآية: أنّ من علامات المنافقين ـ بما أنّهم لا يؤمنون بالله ورسوله ـ إذا قيل لهم: (تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ)

1 . تفسير الكشاف: 4 / 102. ولاحظ : مجمع البيان: 5 / 444 .

صفحه 39
وهزّوها ساخرين متكبّرين، لاعتقادهم بعدم البعث والعذاب.
(وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ): أي متكبّرين على الله ورسوله.
ثم إنّه سبحانه أخبر نبيّه بأنّ استغفاره لهم لا يفيدهم حتّى وإن استغفر لهم سبعين مرّة، لأنّ الاستغفار ينفع الإنسان فيما لو لم تنقطع صلته بالله وبرسوله إيماناً وعملاً، وأمّا مَن أدبر عن كتاب الله ورسوله واستكبر عليهما فلا ينفعه دعاء الداعين، ولذلك قال سبحانه: (سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ)، ثم علّله بقوله: (إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)، فإنّ الفاسق ما دام كان مصرّاً على الفسق ـ أي الخروج عن الطاعة ـ تستحيل هدايته .
وقد تكرّر مضمون الآية في آيات أُخر، كقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ)1 .
وقد بلغ وضوح الأمر حتّى فهمه الفاسق، يحكي سبحانه عن قول بعضهم: (قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ )2، فالفاسق هو الّذي غضب الله عليه فكيف يمكن شمول رحمته له، ولو بدعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)؟! فالقصور ليس في الفاعل ـ فإنّ دعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)مستجاب ـ بل القصور في القابل.
***

1 . البقرة: 6 .
2 . الشعراء: 136 .

صفحه 40

التوسّل والوسيلة في القرآن الكريم

حثّ القرآن الكريم على التوسّل بأُمور منها: التوسّل بدعاء الأنبياء والتوسّل بدعاء النبي الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم يختلف في هذا أحدٌ من المسلمين، وقد عرفت أنّ القرآن الكريم يندّد بالمشركين لأنّهم إذا دُعوا إلى التوسّل بدعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)واستغفاره لهم لووا رؤوسهم استهزاءً وأعرضوا عنه، وهذا يدلّ على أنّ التوسّل بدعائه أمر مطلوب والإعراض عنه استهزاءً، كفر بواح.
وقد نقل سبحانه توسّل أولاد يعقوب بدعاء أبيهم فقالوا: (قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ)، وقد استجاب لهم أبوهم يعقوب، و (قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)1 .
ثم إنّه سبحانه يحثّ في آية ثالثة المسلمين قاطبة فيما إذا ظلموا أنفسهم فعليهم أن يتوسّلوا بدعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال سبحانه: (وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيًما)(2) .
فلو حثّ سبحانه على ابتغاء الوسيلة في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَ ابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَ جَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(3)، فالتوسّل بدعاء الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)هو إحدى الوسائل الّتي أُمر المسلمون بابتغائها أي: طلبها، والابتغاء كما يقول الراغب هو الاجتهاد في الطلب .
فمن حصر الوسيلة الوارد ذكرها في الآية بالتوسّل بدعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

1 . يوسف: 97 ـ 98 .   2 . النساء: 64 .   3. المائدة: 35 .

صفحه 41
فقط، فقد أخطأ، ومن جعلها أعمّ فقد أصاب.
ولقائل أن يقول: إنّ الوسيلة هي عبارة عن الإيمان بالله وبرسوله، والجهاد في سبيله وسائر الأعمال الصالحة، وهذا ما يظهر من كلام الإمام علي (عليه السلام)حيث قال: «إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَوَسَّلَ بِهِ الْمُتَوَسِّلُونَ إِلَى اللهِ سُبْحانَهُ وَتَعَالى، الاِْيمَانُ بِهِ وَبِرَسُولِهِ، وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ، فَإِنَّهُ ذِرْوَةُ الاِْسْلاَمِ;
وَكَلِمَةُ الاِْخْلاَصِ فَإِنَّهَا الْفِطْرَةُ; وَإِقَامُ الصَّلاَةِ فَإِنَّهَا الْمِلَّةُ; وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ
فَإِنَّهَا فَرِيضَةٌ وَاجِبَةٌ; وَصَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ جُنَّةٌ مِنَ الْعِقَابِ; وَحَجُّ الْبَيْتِ وَاعْتَِمارُهُ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَيَرْحَضَانِ الذَّنْبَ. وَصِلَةُ الرَّحِمِ فَإِنَّهَا مَثْرَاةٌ فِي الْمَالِ، وَمَنْسَأَةٌ فِي الاَْجَلِ; وَصَدَقَةُ السِّرِّ فَإِنَّهَا تُكَفِّرُ الْخَطِيئَةَ; وَصَدَقَةُ الْعَلاَنِيَةِ فَإِنَّهَا تَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ; وَصَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ فَإِنَّهَا تَقِي مَصَارِعَ الْهَوَانِ».1
قلت: ولكن الظاهر أنّ الإمام (عليه السلام)لا يحصر الوسيلة بما ذكر، وإنّما يصف ما ذكره من أفضل ما يتوسّل به المتوسّلون، فللوسيلة درجات أفضلها الوسيلة القائمة بنفس المتوسّل كالإيمان بالله وبرسوله وما يقوم به من الفرائض والنوافل .
وهناك وسائل أُخرى خارجة عن نفس المتوسّل، أعني: دعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، بل دعاء المؤمن بحقّ المؤمن الآخر، وهناك وسائل سنذكرها في فصل التوسّل، فانتظر.

1 . نهج البلاغة: الخطبة رقم 110 .

صفحه 42
هل تختص الآية بحياة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟   

هل تختص الآية بحياة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)؟

نعم يبقى الكلام فيما يتوهّم من اختصاص الآية بحياة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)دون ما بعدها، لكنّه توهّم باطل ; لأنّ التوسّل رهن أمرين:
1. كون المتوسّل به حيّاً يرزق عند ربه.
2. وجود الصلة بينه وبين المتوسّل.
وكُلٌّ من الأمرين ثابت للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم); أمّا حياته (صلى الله عليه وآله وسلم)فتعلم بالأولوية، فإذا كان الشهداء أحياءٌ عند ربهم كرامة لهم، فنبي الشهداء أولى بتلك الكرامة.
أضف إلى ذلك: أنّ الحياة البرزخية تعمّ المؤمن والكافر، كيف والقرآن الكريم يحكي عن حياة رجل جاء من أقصى المدينة مصدّقاً برسل
المسيح (عليه السلام)وقال: (وَ جَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لاَ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَ هُمْ مُهْتَدُونَ * وَ مَالِي لاَ أَعْبُدُ الذِي فَطَرَني وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرّ لاَ تُغْنِ عَني شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَ لاَ يُنْقِذُونَ * إنِّي إِذًا لَفِي ضَلاَل مُبِين * إنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ)1.
فعند ذلك هجم قومه المشركون عليه بالحجارة فقتلوه، وبعدها خوطب بقوله تعالى: (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ)(2) فلمّا دخل الجنة البرزخية،

1 . يس: 20 ـ 25 .   2 . يس: 26 .

صفحه 43
أرسل رسالة إلى قومه وقال: (قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَ جَعَلَني مِنَ الْمُكْرَمِينَ )1، فأي دليل أوضح من حياة إنسان قتل في سبيل الله، فلمّا ارتحل من هذه الدنيا ودخل في الحياة البرزخية يرسل رسالة إلى قومه ويقول فيها أنّ الله سبحانه فعل به كذا وكذا.
فإذا كان هذا حال هذا المؤمن، أي أنّه كان حيّاً بعد ارتحاله عن الدنيا، فنبي المؤمنين أولى بأن يكون كذلك.
ولأجل حياته البرزخية أمر سبحانه المصلّين أن يسلّموا عليه مخاطبين له بأن يقولوا: السلام عليك أيّها النبي ورحمة الله وبركاته، فلولا حياته (صلى الله عليه وآله وسلم)في عالم البرزخ لكان هذا الخطاب أمراً لغواً.
هذا حول الأمر الأوّل، وأمّا الثاني أي وجود الصلة بينه وبين المتوسِّل، فيكفي في ذلك أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)تكلّم مع صناديد قريش إذ طرحت أبدانهم في القليب فقام النبي على شفة الركي، فجعل يناديهم بأسمائهم
وأسماء آبائهم يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، أيسرّكم أنّكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنّا قد وجدنا ما وعدنا ربُّنا حقاً، فهل وجدتم ما وعدكم ربُّكم حقّاً؟ قال: فقال عمر: يا رسول الله، ما تُكلم من أجساد لا أرواح لها؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «والّذي نفس محمد بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول
منهم»2.

1 . يس: 26 ـ 27 .
2 . صحيح البخاري: 971، كتاب المغازي، برقم 3976 .

صفحه 44
   

الأدلّة الدالّة على وجود الصلة بين الأحياء والأموات

ثم إنّ الأدلّة على وجود الصلة بين الأحياء والأموات كثيرة سنذكر بعضها في فصل التوسّل.
وهذا هو الوصي عندما ولي غُسل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)خاطبه بقوله: «بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ! لَقَدِ انْقَطَعَ بِمَوْتِكَ مَا لَمْ يَنْقَطِعْ بِمَوْتِ غَيْرِكَ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالاِْنْبَاءِ وَأَخْبَارِ السَّمَاءِ.... إلى أن قال: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي! اذْكُرْنَا عِنْدَ رَبِّكَ، وَاجْعَلْنَا مِنْ بَالِكَ!»1.
ولم يزل العلماء منذ رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى زماننا هذا على التوسّل بالرسول وذكروا أنّ من أدب الزائر أن يتوسّل به 2 .
وقد ذكر القاضي عياض بن موسى الأندلسي في كتابه «الشفا بتعريف حقوق المصطفى» ذكر مناظرة أبي جعفر المنصور مع إمام دار الهجرة مالك، يقول: ناظر أبو جعفر مالكاً في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال له مالك: يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد فإنّ الله تعالى أدّب قوماً فقال: (لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبي )3، وذمّ قوماً فقال: (إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ )4، وإنّ حرمته ميّتاً كحرمته حيّاً. فاستكان لها أبو جعفر وقال: يا أبا عبدالله، أستقبل القبلة وأدعو، أم استقبل رسول الله؟

1 . نهج البلاغة: الخطبة 235 .
2 . شفاء السقام: 181 ـ 183 .
3 . الحجرات: 2 .
4 . الحجرات: 4 .

صفحه 45
فقال: ولم تصرف بوجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم (عليه السلام)إلى الله تعالى إلى يوم القيامة، بل استقبله واستشفع به، فيشفّعه الله، قال الله تعالى: (وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيماً )1 .2
ثم إنّ المانعين من التوسّل قد أثاروا شبهاً حول التوسّل، سنأتي بها في فصل التوسّل في غير واحد من كتبنا، فراجع.
***

الآيتان: السابعة والثامنة

(هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَ للهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَ الأَرْضِ وَ لَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ * يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ وَ للهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ).

التفسير

ذكر سبحانه صفات المنافقين في الآية الثالثة وهي ـ على ما عرفت ـ خمسة، وذكر في الآية الخامسة وصفاً آخر لهم وهو عدم اعتدادهم باستغفار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وكلّما دُعوا إليه لوّوا رؤوسهم، وبذلك صارت صفاتهم ستة،

1 . النساء: 64 .
2 . الشفا بتعريف حقوق المصطفى: 2 / 92 ـ 93 .

صفحه 46
ولكنّه سبحانه ذكر في هاتين الآيتين وصفين آخرين فصار عدد صفاتهم بهما ثمانية، وهما:
1. منع المنافقين عن الإنفاق على أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)لغاية أنفضاضهم عنه.
2. الاتّفاق على أنّهم لو رجعوا من أرض بني المصطلق إلى المدينة ليُخرجن المدنيون المكييّن، وحسب تعبيرهم: الأعزُّ الأذلَّ .
أمّا الأوّل فقد حكاه سبحانه عنهم بقوله: (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا).
وردّ عليه بكلمة الوحي بقوله: (وَ للهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَ الأَرْضِ وَ لَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ)، فالله سبحانه هو الخالق المدبّر وهو الّذي يرسل الرياح مبشّرات بين يديه، فالشمس والريح والغيث وغير ذلك من العوامل الّتي توجب خصب المرعى وكثرة النتاج وإثمار الأشجار كلّها من سنن الله سبحانه وجنوده فيرزق من يشاء ويقدر على من يشاء.
وهنا نكتة لابدّ من ذكرها، وهي: أنّ هذه الفكرة ـ أي: فرض الحصار الاقتصادي على المؤمنين ـ استخدمت على مرّ العصور، وحتّى في وقتنا الحاضر، فالاستكبار العالمي لأجل ضرب الإسلام والمسلمين واستعبادهم يتوسّل بالحصار الاقتصادي على الدول الإسلامية الّتي لا تستجيب لمطالبه، بصور مختلفة فتارة يحرّمون البيع والشراء خصوصاً السلع الضرورية كقطع الغيار ومصادر الوقود، وأُخرى بمنع التبادل التجاري والمالي بين المصارف في الدول الإسلامية والعالمية، وأُخرى بحرمانهم من التقنية العلمية

صفحه 47
والتكنولوجية، إلى غير ذلك من صور الحصار.
وأمّا الوصف الثاني فقد حكاه سبحانه عنهم بقوله: (يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ) فأرادوا بالأعزّ رئيس النفاق ومن حوله، ومن الأذلّ المهاجرون المستوطنون في المدينة.
فادّعى زعيم النفاق أنّهم هم الأُصلاء في المنطقة ولهم العزّة، وأمّا المهاجرين فهم الدخلاء والأذلاّء.
فردّ عليه سبحانه بقوله: (وَ للهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ لَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ).
وقد أكد على ذلك في غير واحدة من الآيات ، قال تعالى: (الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ للهِ جَمِيعًا)1.
فإذا كانت العزة لله ولرسوله وللمؤمنين فلا يبقى لغيرهم إلاّ الذلّة (وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ).
فالتعبير في الردّ الأوّل بقوله: لا يفقهون، وفي الثاني بما لا يعلمون إمّا من باب التفنن في العبارة، أو لأجل أنّ التصديق بأنّ خزائن العالم بيد الله سبحانه أصعب فهماً من التصديق بكون العزة لله وللرسول وللمؤمنين، ولذلك عبّر عن الأوّل بعدم الفهم والفقه، الّذي يساوق الغباوة، وعن الثاني بعدم العلم الّذي يساوق الجهل .

1 . النساء: 139 .

صفحه 48
ثم إنّ كون العزة لله ولرسوله وللمؤمنين كان أمراً واضحاً لمن عاش مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)من يوم بدر إلى غزوة بني المصطلق الّتي أُتيح فيها للمنافق أن يتكلم بهذه العبارة، فكان الناس يدخلون في دين الله أفواجاً وكان النصر حليف المسلمين ولو أصابتهم نكسة في أُحد فقد تلتها انتصارات كثيرة.
روى الكليني باسناده إلى الحسن الأحمصي عن أبي عبدالله (عليه السلام)قال: «إنّ الله تعالى فوّض إلى المؤمن أُمورهُ كلها ولم يفوض إليه أن يكون ذليلاً، أما تسمع قوله تعالى: (وَ للهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ )1، فالمؤمن يكون عزيزاً ولا يكون ذليلاً، ثم قال: «المؤمن أعزّ من الجبل، إنّ الجبل يُستفل منه بالمعاول والمؤمن لا يُستفل من دينه شيء»2.

في شأن نزول الآيتين

هذا كلّه يرجع إلى توضيح الآيتين، وإليك شأن نزولهما حسب ما تذكره كتب السير، فقد ذكر ابن هشام في الحوادث الواقعة في السنة السادسة ما هذا نصّه:
أقام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في المدينة بعد جمادى الآخر ورجباً ثم غزا بني المصطلق من خزاعة في شعبان سنة ست، فخرج من المدينة حتّى لقيهم على ماء لهم فتزاحف الناس واقتتلوا، فهزم الله بني المصطلق وقتل من قتل منهم ونفلّ رسول الله أبناءهم ونساءهم وأموالهم فأفاءهم عليه.

1 . المنافقون: 8 .
2 . الكافي: 5 / 63، ح 1، باب التعرّض لما لا يطيق ; نور الثقلين: 5 / 335 .

صفحه 49
فبينا رسول الله على ذلك الماء تزاحم المسلمون على ورد الماء، ومع عمر بن الخطاب أجير له من بني غفار يقال له: جحجاح يقود فرسه، فازدحم جحجاح وسنان الجهني على الماء فاقتتلا، فصرخ الجهني: يا معشر الأنصار، وصرخ جحجاح: يا معشر المهاجرين، فغضب عبدالله بن أُبي بن سلول وعنده رهط من قومه وفيهم: زيد بن أرقم (غلام حدث) فقال: أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزُّ منها الأذلَّ.
ثم أقبل على مَن حضره من قومه فقال لهم: هذا ما فعلتم بأنفسكم أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحوّلوا إلى غير داركم. فسمع ذلك زيد بن أرقم، فمشى به إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وذلك عند فراغ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)من عدوّه، فأخبره الخبر، وعنده عمرُ بن الخطاب، فقال: مُر به عبَّاد بن بشر فليقتله; فقال له رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلم): فكيفَ يا عمر إذا تحدّث الناس أنّ محمداً يقتل أصحابه! لا ولكن أذّن بالرَّحيل، وذلك في ساعة لم يكن رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يرتحل فيها، فارتحل الناسُ.

اعتذار ابن أُبيّ للرسول

وقد مشى عبدالله بن أُبيّ بن سلول إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، حين بلغه أنّ زيد بن أرقم قد بلَّغه ما سمع منه، فحلف بالله: ما قلت ما قال، ولا تكلّمت به ـ وكان في قومه شريفاً عظيماً ـ فقال مَنْ حضر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)من الأنصار من أصحابه: يا رسول الله، عسى أن يكون الغلام قد أوْهم في حديثه، ولم

صفحه 50
يحفظ ما قال الرجل، حَدَباً على ابن أُبيّ بن سلول، ودفعاً عنه .

الرسول وأُسيد ومقالة ابن أُبي

قال ابن إسحاق: فلمّا استقلّ رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، لقيّه أُسيد بن حُضير، فحيَّاه بتحيَّة النبوّة وسلَّم عليه، ثم قال: يا نبيّ الله، والله لقد رُحتَ في ساعة مُنكرة، ما كنتَ تروح في مثلها; فقال له رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أو ما بلغَك ما قال صاحبُكم»؟ قال: وأيّ صاحب يا رسول الله؟ قال: «عبدالله بن أُبي»; قال: وما قال؟ قال: «زعم أنّه إن رجع إلى المدينة ليُخرجن الأعزّ منها الأذل»، قال: فأنت يا رسول الله والله تُخرجه منها إن شئت، هو والله الذليل وأنت العزيز; ثم قال: يا رسول الله، أرفق به، فوالله لقد جاءنا الله بك، وإنّ قومه ليَنظمون له الخرز ليتوّجوه، فإنّه ليرى أنّك قد استلبته مُلكاً.

سير الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)بالناس ليشغلهم عن الفتنة

ثم مشى رسولُ الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بالناس يومهم ذلك حتّى أمسى، وليلتهم حتّى أصبح، وصدر يومهم ذلك حتّى آذتهم الشمس، ثم نزل بالناس،
فلم يلبثوا أن وجدوا مسّ الأرض فوقعوا نياماً، وإنّما فعل ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ليشغل الناس عن الحديث الّذي كان بالأمس، من حديث عبدالله بن أُبي .1

1 . سيرة ابن هشام: 2 / 291 ـ 292 .

صفحه 51

الآيات التاسعة ـ الحادية عشرة

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلاَ أَخَّرْتَني إِلَى أَجَل قَرِيب فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).

التفسير

لمّا كان من أهم الأُمور عند المنافقين المنكرين للبعث والحياة الأُخروية هو الاشتغال بالحياة الدنيوية وعلى رأسها حب الأموال والأولاد حباً مفرطاً ملهياً عن ذكر الله، إذ كان المهم عندهم ابتغاء النتاج والاستمتاع بمنافعها والنزوع إلى الأولاد والسرور بهم، فمن كثرت أمواله وتعدّد أولاده فهو العزيز عند قومه، ولذلك كانوا يعترضون على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بقولهم: (لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُل مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيم )1 يريدون به الوليد بن المغيرة المشهور بكثرة النتاج والأولاد.
ولمّا كان ذلك من سمات المنافقين حذّر سبحانه المؤمنين من الاشتغال بالأموال والأولاد إلى حدّ يلهيهم عن ذكر الله وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَ لاَ أَوْلاَدُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ)، ترى أنّه سبحانه ينهى عن إلهاء الأموال والأولاد عن ذكر الله دون الاشتغال بهما على وجه يُعدّ وسيلة للحياة الأُخروية وسبباً لعدم التكدّي وسؤال الغير.

1 . الزخرف: 31 .

صفحه 52
قوله: (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ) اسم الاشارة يشير إلى الإلهاء (فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) حيث باعوا الحياة الأُخروية الدائمة بالحياة المؤقتة.

موقف الإسلام من حب الأولاد والأموال

هذا ما يرجع إلى تفسير الآية، ومنه يظهر موقف الإسلام من حب الأولاد والأموال، فإنّ أصل الحب أمر فطري يمتنع النهي عنه ; لأنّه سبحانه خلق الإنسان على حبهما حباً فطرياً فكيف يمكنه النهي عنه؟! ولولا الحبّ لتوقّفت عجلة الاقتصاد وانقطع نسل الإنسان غير أنّه يجب على المؤمن تعديل ذلك الميل الفطري، وأن يعيش حالة وسطاً بين الإفراط والتفريط، هذا وللإمام علي (عليه السلام)كلام في هذا الصدد، قال: للمؤمن ثلاث ساعات: «فَسَاعَةٌ يُنَاجِي فِيهَا رَبَّهُ، وَسَاعَةٌ يَرُمُّ مَعَاشَهُ، وَسَاعَةٌ يُخَلِّي بَيْنَ نَفْسِهِ وَبَيْنَ لَذَّتِهَا فِيَما يَحِلُّ وَيَجْمُلُ. وَلَيْسَ لِلْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ شَاخِصاً إِلاَّ فِي ثَلاَث: مَرَمَّة لِمَعَاش، أَوْ خُطْوَة فِي مَعَاد، أَوْ لَذَّة فِي غَيْرِ مُحَرَّم».1
وقال الإمام الباقر (عليه السلام): «ما ذئبان ضاريان في غنم ليس لها راع، هذا في أوّلها وهذا في آخرها بأسرع (بأفسد) فيها من حبّ المال والشرف في دين المؤمن».2 والمراد من الشرف هو نيل المقام والمنصب.
قال علي (عليه السلام)في شأن الدنيا وما يجب على المؤمن أمامها: «مَا أَصِفُ مِنْ دَار أَوَّلُهَا عَنَاءٌ، وَآخِرُهَا فَنَاءٌ! فِي حَلاَلِهَا حِسَابٌ، وَفِي حَرَامِهَا عِقَابٌ. مَنِ

1 . نهج البلاغة، قصار الكلم، برقم 290 .
2 . الكافي: 2 / 315 ، باب حب الدنيا، الحديث 3 .

صفحه 53
اسْتَغْنَى فِيهَا فُتِنَ، وَمَنِ افْتَقَرَ فِيهَا حَزِنَ، وَمَنْ سَاعَاهَا فَاتَتْهُ، وَمَنْ قَعَدَ عَنْهَا وَاتَتْهُ، وَمَنْ أَبْصَرَ بِهَا بَصَّرَتْهُ، وَمَنْ أَبْصَرَ إِلَيْهَا أَعْمَتْهُ».1
قال الشريف الرضي (رحمه الله): وإذا تأمّل المتأمّل قوله (عليه السلام): «وَمَنْ أَبْصَرَ بِهَا بَصَّرَتْهُ» وجد تحته من المعنى العجيب، والغرض البعيد، ما لا تبلغ غايته ولا يدرك غوره، لاسيما إذا قرن إليه قوله: «وَمَنْ أَبْصَرَ إِلَيْهَا أَعْمَتْهُ» فإنّه يجد الفرق بين «أبصر بها» و «أبصر إليها» واضحاً نيّراً، وعجيباً باهراً صلوات الله وسلامه عليه .2 والفرق بينهما أن الإبصار إلى الدنيا على نمط الوسيلة فهذا هو الّذي يبصر الإنسان، وأمّا الإبصار إليها فهو على نمط الهدف، بحيث يكون جمع المال في الدنيا هو الهدف الأقصى من دون أن يكون وسيلة لطاعة الله ونيل رضوانه.

أمر الله المؤمنين بالإنفاق لإبطال كيد المنافقين

قوله تعالى: (وَأَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ):
لمّا وضع رأس المنافقين خطة لتفريق المؤمنين عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقال: (لاَ تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا) وأراد بهم المهاجرين الملتفين حول الرسول، أبطل سبحانه كيد المنافقين بالأمر بالإنفاق قبل الموت وقال: (وَأَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ).

1 . نهج البلاغة، الخطبة 82 .
2 . نهج البلاغة بعد ذكره الخطبة 82 .

صفحه 54
ولم يأمر بإنفاق جميع المال، بل بعضه، حيث إنّ «من» في قوله: (مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ)للتبعيض، ثم أشار إلى جهة وجوب الإنفاق بأنّ ما ينفقون ليس إلاّ شيئاً رزقهم الله أيّاه وأنعم به عليهم، فيليق أن ينفقوا منه.

ما هو المراد من الإنفاق ؟

والمراد من الإنفاق أعمّ من الواجب والمستحب; فإنّ قسماً من الإنفاق واجب، كالإنفاق على العيال وما يُعدّ من الضرائب كالزكاة والخمس; وقسم آخر وهو المندوب موكول إلى رغبة الإنسان من حيث الكثرة والقلّة.
ثم إنّه سبحانه يحكي حسرة مَن بخل واستغنى ولم ينفق، فإذا شاهد أمارات الموت يتمنّى (فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلاَ أَخَّرْتَني إِلَى أَجَل قَرِيب ) أي تأخيراً يسيراً حتّى أتوفّق للتصدّق وبالتالي أكون من الصالحين، فيقول: (فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ) .
قوله: (فَأَصَّدَّقَ) أصله فأتصدّق، قلبت التاء صاداً مع حذف الناصب، فصارت (فَأَصَّدَّقَ).
قوله: (وَأَكُنْ) مقتضى القاعدة أن يقرأ (فأكون) عطفاً على ظاهر «أتصدق» ولكنّه قرأ بالجزم وحذفت النون لأجل التقاء الساكنين عطفاً على محل (فَأَصَّدَّقَ) ; لأنّ محلّه مجزوم، لأنّه جواب لأمر مقدّر، أي: إن أخّرتني أصدّق وأكن من الصالحين.
ويحتمل أن يكون الجزم لكونه في معنى جزاء الشرط، والتقدير: إن اتصدق أكن من الصالحين.

صفحه 55

ما هو المقصود من الأجل في الآية؟

والله سبحانه ردّ على تمنّيهم بأنّه على خلاف السنّة السائدة في موت الإنسان فإنّ لكل إنسان أجلاً معيّناً لا يتقدّم ولا يتأخّر، فلا تمنّي الموت يقدّمه ولا تمنّي الحياة يؤخّره، وقد قضى سبحانه على أنّه (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَ لاَ يَسْتَقْدِمُونَ)1، وبالتالي ردّ سبحانه تمنّيهم وقال: (وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا)2 وتنكير (نَفْسًا) يدلّ على العموم من غير فرق بين المؤمنين وغيرهم .
والمراد من النفس هو الذات وشخص الإنسان، كقوله تعالى: (إنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ )3 .
والمعنى تأخير أجل الإنسان المحتوم، وهذا يوجب أن يكون الإنسان على أُهبة الموت في كلّ وقت ; لأنّه لا يعلم في أي زمان من الأزمنة يأتيه ، فربما يأخذه ملك الموت وهو في النوم، وغير ذلك .
وتمّم سبحانه الآية بقوله: (وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) أي خبير بمن ينفق وبمن لا ينفق وبمن يعمل الصالحات، ومن يعمل الطالحات .
ولعلّ الإتيان بالخبير دون العليم هو للإشارة بأنّه يعلم صالح الأعمال الّتي تتقوّم بالنيّات الصالحة، فهو يعلم من ينفق لله ومن ينفق رآء الناس،

1 . الأعراف: 34 .
2 . المنافقون: 11 .
3 . المائدة: 45 .

صفحه 56
ولذا قال: (خَبِيرٌ) ولم يقل (عليم)، لأنّ الخبرة هي العلم بظاهر الأُمور وباطنها.
تمّ تفسير سورة «المنافقون» في
الثامن والعشرين من شهر
رمضان المبارك عام 1432 هـ
 

صفحه 57
الفصل الثاني
في دور المنافقين في عصر
الرسول وخططهم وصفاتهم
في القرآن الكريم

صفحه 58

صفحه 59
قد فرغنا ـ بحمد الله ـ عن تفسير سورة «المنافقون»، وقد ذكرنا في أثناء التفسير شيئاً عن دورهم في زعزعة معنويات المسلمين، وتخطيطهم لانفضاض المؤمنين عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
وكان للمنافقين دور كبير في عصر الرسالة منذ قدوم الرسول أرض يثرب إلى أن لقى ربه (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد ضبطه التاريخ في غضونه; وبما أنّا ذكرنا شيئاً من سلوكياتهم، في مقدّمة التفسير ; رأينا من الضروري أن نفصّل الكلام في حياة المنافقين، حسب ما يرشد إليه الذكر الحكيم، في غير واحدة من سوره. ويأتي جميع ما ذكرناه في الأُمور التالية:
1. بيان خطط المنافقين في الغزوات الّتي خاضها النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)طيلة حياته في مهجره، ابتداءً من غزوة بدر، وانتهاءً بغزوة تبوك. كلّ ذلك ضمن فصول عشرة.
2. بيان صفات المنافقين ومميزاتهم الّتي يمتازون بها عن غيرهم، وهي ـ كما تأتي ـ أوصاف ثلاثة.
3. كيفية ممارستهم للواجبات العبادية، ثم للفرائض المالية.
4. تنصّلهم من أقضية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وعدم التسليم أمامها في المرافعات والمخاصمات.

صفحه 60
5. قلّة حضورهم في ميادين الجهاد، والتسلّل في المواقف الشديدة.
6. ما هو السلاح الّذي يتّقون به ضرر الآخرين؟
7. الإجابة عن الأسئلة المطروحة حول النفاق والمنافقين منذ نشوئهم إلى زمن اختفائهم بين الأُمّة بعد رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).
وقد سبقنا علمان جليلان في الكتابة حول النفاق والمنافقين، وهما:
1. العلاّمة الحجّة عبد الأمير قبلان مفتي الشيعة في لبنان أسماه «المنافقون في القرآن الكريم» وقد طبع في ستة وتسعين صفحة في عام 1380 هـ .
2. الأُستاذ إبراهيم علي سالم المصري وقد أسمى كتابه بـ «النفاق والمنافقون في عهد رسول (صلى الله عليه وآله وسلم)» وقد طبع في مصر المحمية في 350 صفحة عام 1968 م .
والمؤلّف الأوّل ركّز على جمع الآيات وتنظيمها، ولكن الثاني ركّز على تحليلها، ونحن استفدنا من كلا الكتابين، فشكر الله مساعيهما.
وإليك دراسة هذه الأُمور.
المؤلّف
   

صفحه 61
 
1

دور المنافقين في غزوة بدر

خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في ليال مضت من شهر رمضان في أصحابه واستعمل ابن أُمّ مكتوم على المدينة، قاصداً عير قريش الّتي كان يقودها أبوسفيان عائداً من الشام على شفير المدينة إلى مكّة المكرمة... وقد كان للمنافقين دور سلبي يمكن تلخيصه بالأُمور التالية:

1. تضعيف معنويات المجاهدين

وخرج مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قرابة 313 رجلاً، ولمّا انتشر خبر استعداد رسول الله للخروج، قام المنافقون بتضعيف معنويات المسلمين، وهذا هو الّذي يحكيه سبحانه عنهم ويقول: (إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاَءِ دِينُهُمْ وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)1.
أخرج السيوطي أنّ هؤلاء قوم لم يشهدوا القتال يوم بدر فسمّوا منافقين .2
وقد كان تضعيف المعنويات شيمة المنافقين، في سائر المواقف أيضاً

1 . الأنفال: 49 .
2 . الدر المنثور: 4 / 79 .

صفحه 62
حيث يحكي عنهم سبحانه: (وَ إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللهُ وَ رَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا * وَ إِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَ يَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبيَ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَ مَا هِيَ بِعَوْرَة إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا )1، وقد نزلت الآية في غزوة الأحزاب.

2. نشر الإشاعات المغرضة

من خططهم الخبيثة نشر الإشاعات الّتي لا أصل لها أبداً، إمّا لتضعيف روحيات المسلمين، أو لتفريقهم عن غزوة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).
ويشهد على ذلك: أنّه لمّا فتح الله عزوجل على رسوله وعلى المسلمين يوم بدر بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)زيد بن حارثة وعبدالله بن رواحة بشيرين إلى أهل المدينة ليبشرّوهم بقتل صناديد قريش، كأبي جهل ابن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وزمعة بن الأسود، وأبي البختري العاصُ بن هشام، وأُميّة بن خلف، ونبيه ومنبه ابني الحجاج .2
وجاء في السيرة الحلبية، أنّه قال رجل من المنافقين لأبي لبابة (رضي الله عنه): قد تفرّق أصحابكم تفرّقاً لا يجتمعون بعده أبداً، قد قتل محمد وغالب أصحابه وهذه ناقته عليها زيد بن حارثة لا يدري ما يقول من الرعب; قال أُسامة: فجئت حتّى خلوت بأبي لبابة وسألته عمّا أسرّه له الرجل، فأخبرني بما

1 . الأحزاب: 12 ـ 13 .
2 . السيرة النبوية لابن هشام: 1 / 643 .

صفحه 63
أخبره به، فقلت: أحقّ ما تقول؟ فقال: أي والله حقّ ما أقول يا بني، فقويت نفسي ورجعت إلى ذلك المنافق، فقلت: أنت المرجف برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، لنقدّمنك إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إذا قدم، فيضرب عنقك، فقال: إنّما هو شيء سمعته من الناس يقولونه .1

3. التحبّب إلى المسلمين ببعض الأعمال الجزئية

كان العباس بن عبدالمطلب ضمن جيش قريش الّذي تحرّك إلى حرب الرسول في معركة بدر، فلمّا أُسر أُوتي به إلى رسول الله وقد سلب لباسه، فلم يجدوا له قميصاً ـ وكان رجلاً طويلاً ـ عند ذلك نرى عبد الله بن أُبيّ قد استغل هذا الموقف ليلفت نظر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)ويتحبّب إليه ويتظاهر بفعل الخيرات، فقام بإرسال قميصه إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ليكسي به عمّه .
فهكذا يعمل المنافقون في كلّ عصر فهم يتظاهرون بفعل الخيرات لا لوجه الله تعالى، بل لأجل أن يكسبوا بهذه الأعمال منافع ومكاسب مضاعفة عمّا قدّموه.

1 . السيرة الحلبية: 2 / 194 .

صفحه 64
 
2

دور المنافقين عند إجلاء بني قينقاع

إنّ بني قينقاع أحد القبائل اليهودية المستوطنة في المدينة المنوّرة، وقد عقد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)معهم اتفاقية أعطاهم بموجبها الأمان ما داموا لم يتآمروا ضد الإسلام والمسلمين.
وبعدما انتصر المسلمون في غزوة بدر هزّ اليهود هذا الانتصار ; لأنّهم شعروا بقوة الإسلام والمسلمين، وعلموا أنّهم سيسيطرون على المنطقة عمّا قريب.
وعندما أحسّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّهم ينوون الشر بالمسلمين من خلال نشر الأكاذيب والإشاعات، جمعهم في سوقهم وقال لهم: يا معشر يهود، إحذروا من الله مثلَ ما نزل بقريش من النقمة، وأسلموا، فإنّكم قد عرفتم أنّي نبي مرسل، تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم .
قالوا: يا محمد، إنك ترى أنّا قومك، لا يغُرَّنك أنّك لقيت قوماً لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فُرصةً، إنَّا والله لئن حاربناك لتعلمن أنَّا نحن الناس .1
وبما أنّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)كان على خُلق عظيم ورحمة للعالمين، سمع

1 . السيرة النبوية لابن هشام: 2 / 47 .

صفحه 65
هذه الكلمة الجافية منهم وسكت عنهم وتحمّلها بحلمه عليهم، ولكنّهم بعد أن نقضوا العهد نقضاً واضحاً لا يتحمّله أي قائد، أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بمحاصرة قلاعهم، وذلك بعد حادثة حدثت، وهي أنّ امرأة من العرب قدمت بجَلَب لها ،1 فباعته بسوق بني قينقاع، وجلست إلى صائغ بها فجعلوا يريدونها على كشف وجهها، فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلمّا قامت انكشفت سوأتها، فضحكوا بها، فصاحت. فوثب رجلٌ من المسلمين على الصائغ فقتله، وكان يهودياً، وشدَّت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فغضب المسلمون، فوقع الشرّ بينهم وبين بني قينقاع .2
ولمّا حاصر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بني قينقاع نزلوا على حكم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بأن يكتّفوا فكتّفوا، وكان مصيرهم القتل لأنّهم خانوا الله والرسول وأعراض المسلمين.
ولمّا وقف رئيس النفاق على نيّة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)جاء إليه وقال: أرسل فيّ مواليّ ـ وكانوا حلفاء الخزرج ـ قال: فأبطأ عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال: يا محمد، أحسن فيّ مواليّ. قال: فأعرض عنه، فأدخل يده في جيب درع رسول الله. فقال له رسول الله: أرسلني، وغضب رسول الله حتّى رأوا لوجهه ظُللاً3، ثم قال: ويحك أرسلني، قال: لا والله لا أُرسلك حتّى تحسن فيّ

1 . الجلب بتحريك اللام: كل ما يُجلَب إلى الأسواق فيباع فيها .
2 . السيرة النبوية لابن هشام: 2 / 48 .
3 . الظُلل: جمع ظَلّة وهي السحابة في الأصل، وقد استعارها هنا لتغيّر الوجه إلى السواد إذا اشتدّ غضبه.

صفحه 66
مواليّ أربعمائة حاسر، وثلاثمائة دارع، قد منعوني من الأحمر والأسود، تحصدهم في غداة واحدة، إنّي والله امرؤ أخشى الدوائر; فلمّا أحسّ رسول الله إصراره الأكيد، انصرف عن قتلهم وقال: هم لك، وتركهم من القتل.
وقيل: قال له: خذهم لا بارك الله لك فيهم، ثم أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يجلوا من المدينة، ووكل بإجلائهم عبادة بن الصامت وأمهلهم ثلاثة أيام، فجلوا منها بعد ثلاثة أيام. ثم سألوا عبادة بن الصامت أن يمهلهم فوق الثلاث، فقال: لا، ولا ساعة واحدةً، وتولّى إخراجهم، وذهبوا إلى اذرعات (بلدة في الشام) ولم يدر الحول عليهم حتّى هلكوا أجمعون بدعوته.
مع أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كان عازماً على قتلهم ثم انصرف عن ذلك بإصرار عبدالله بن أُبيّ، ولكن رئيس النفاق لم يقتنع بذلك بل أراد أن يسأل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)إقرارهم بالمدينة، فدخل منزل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)ولكن منع من اللقاء به، فدفعه بعض الصحابة فصدم وجهه الحائط فشجّه، فانصرف مغضباً.
ولمّا سمع ذلك بنو قينقاع أظهروا ولاءهم لابن أُبيّ، فقالوا: لا نمكث في بلد يفعل به بأبي الحباب هذا، ولا ننتصر له، وتأهبّوا للجلاء .1
فالإنسان إذا أمعن في هذه القصة يرى وجود العلاقة الوطيدة بين المنافقين واليهود، وأنّ النفاق يقع عتبة وجسراً لليهود في آمالهم، فتارة يصلون إلى بغيتهم وأُخرى يخيبون، كما في المقام.
هذا وقد كان بين عبادة بن الصامت وبين بني قينقاع ولاء أيام الجاهلية

1 . السيرة الحلبية: 2 / 220 ـ 222 .

صفحه 67
فجاء إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)وتبرّأ إلى الله ورسوله من حلفهم، فقال: يا رسول الله أتولّى الله ورسوله والمؤمنين من حلف هؤلاء الكفّار وولايتهم .
وفي عبدالله بن أُبيّ نزلت هذه الآيات من سورة المائدة، ذاكرة هذه القصة:
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَ النَّصَارى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْض وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * فَتَرى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْر مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ * وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاَءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ )1.

السخرية في ثوب التظاهر بالإيمان

بما أنّ المنافق يتظاهر بالحب ويكمن العداء في باطنه، فإنّه يظهر عداءه بصورة التظاهر بالإيمان، حتّى يلفت نظر المؤمن إلى إيمانه الكاذب ويتمكّن من تفسير تظاهره بالإيمان بالاستهزاء عند الدخلاء.
أخرج الواحدي والثعلبي بسنده عن ابن عباس قال: نزلت الآيتان التاليتان في هذه القصة: أنّ عبدالله بن أُبيّ وأصحابه خرجوا ذات يوم فاستقبلهم نفر من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال عبدالله بن أُبي: انظروا كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم.

1 . المائدة: 51 ـ 53 .

صفحه 68
فأخذ يرحب بكلّ من أبي بكر وعمر وعلي، ويثني عليهم، ولم يردّ عليه من هؤلاء إلاّ عليٌّ فقال له: اتق الله يا عبدالله ولا تنافق، فإنّ المنافقين شرّ خليقة الله.
فقال له عبدالله: مهلاً يا أبا الحسن أتقول لي هذا، والله إنّ إيماننا كإيمانكم وتصديقنا كتصديقكم. ثم افترقوا .
فقال عبدالله لأصحابه: كيف رأيتموني فعلت؟ فإذا رأيتموهم فافعلوا كما فعلت، فأثنوا عليه خيراً. فرجع المسلمون إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فأخبروه بذلك، فنزل قوله تعالى: (وَ إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَ إِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ * اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَ يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ)1 .

1 . البقرة: 14 ـ 15، لاحظ : النفاق والمنافقون في عهد رسول الله، لإبراهيم علي سالم المصري: 58 ـ 59 ; والدر المنثور: 1 / 31.

صفحه 69
 
3

دور المنافقين في غزوة أُحد

حينما يهدّد الخطر الخارجي البلد ويتوجّه القائد بجيشه لصدّ هذا الخطر، تخلو الساحة الداخلية من المراقبة، فيستغل المنافقون هذه الفرصة ويقومون بأعمالهم الشيطانية لضرب الإسلام والمسلمين من الظهر.
وقد كان المنافقون يعيشون بين المسلمين وهم ذوو وجهين وذوو لسانين، متظاهرون بالاسلام ومعاندون له من الداخل.
ولمّا تحرّكت قريش لحرب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)واستعانت بالقبائل العربية المحيطة بمكّة للقضاء على الإسلام، توهّم المنافقون أنّ الفرصة قد سنحت لهم لينفصلوا عن الإسلام والمسلمين ويتركوا جبهات الحرب وينسحبوا منها ويتركوا فيها المؤمنين فقط، ليسهل القضاء عليهم.
قال ابن هشام: وعندما سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّ قريشاً قد خرجت بجدّها، وجدّها، وحديدها، وأحابيشها ومن تابعها من بني كنانة وأهل تهامة حتّى نزلوا قريباً من المدينة في أرض أُحد.
فأخذ يشاور أصحابه في الخروج عن المدينة أو البقاء فيها والدفاع من الارتفاعات، وكان عبدالله بن أُبي يرى عدم الخروج، فقال رجال من المسلمين: يا رسول الله اخرج بنا إلى أعدائنا، لا يرون أنّا جبنّا عنهم وضعفنا.

صفحه 70
وقد نزل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)على رغبة الأكثرين، فلبس لامّته في ألف من أصحابه، فلمّا كان الرسول بالشوط بين المدينة وأُحد، انخزل (أي: انسلّ) عنه عبدالله بن أُبي بثلث الناس، وقال: أطاعهم وعصاني، ما ندري علام نقتل أنفسنا هاهنا أيها الناس؟ فرجع بمن اتبعه من قومه، من أهل النفاق والريب.1
وهذا يدلّ على أنّ قريباً من ثلث جيش المسلمين كانوا من حزب النفاق. فلو كان الخارج مع رسول الله ألفاً فنسبة الثلث الذين رجعوا عن أرض القتال يعد قريباً من الثلاثمائة. ولذلك يقول ابن هشام في موضع آخر: وبعد انخزال عبدالله بن أُبي ومن تبعه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: وتعبّأ رسول الله للقتال وهو في سبعمائة رجل، وأمّر على الرماة عبدالله بن جبير، والرماة خمسون رجلاً .2
وبذلك ميّز سبحانه الخبيث من الطيب وجسّد قوله: (مَا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَ مَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَ لَكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَ رُسُلِهِ وَ إِنْ تُؤْمِنُوا وَ تَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ)3.
لا شكّ أنّ نظرية عبدالله بن أُبي في الدفاع عن المدينة وأهلها نظرية خاطئة، إذ هي إنّما تتمّ إذا كان الجميع على وتيرة واحدة في الدفاع لا ما

1 . السيرة النبوية لابن هشام: 2 / 63 ـ 64 .
2 . السيرة النبوية لابن هشام: 2 / 65 ; تاريخ الخميس: 1 / 423.
3 . آل عمران: 179 .

صفحه 71
يكون ثلث المجاهدين خونة يتربّصون الدوائر ولربما يفتحوا الثغرات لدخول العدو إلى المدينة.
ولذلك نرى أنّ علياً (عليه السلام)قال: «فوالله ما غُزي قوم في عقر دارهم إلاّ ذلّوا» .
لمّا انخزل عبدالله بن أُبي مع جماعته ، قال لهم عبدالله بن عمرو بن حزام الأنصاري (والد جابر بن عبدالله): تعالوا قاتلوا في سبيل الله واتقوا الله ولا تخذلوا نبيكم، أو ادفعوا عن حريمكم وأنفسكم إن لم تقاتلوا في سبيل الله.
أجاب المنافقون: لو علمنا قتالاً لقاتلناهم. قالوا ذلك إبلاء لعذرهم في ترك القتال والرجوع إلى المدينة.
فقال عبدالله بن عمرو: أبعدكم الله، الله يغني عنكم، وإلى ذلك أشار سبحانه بقوله: (وَ مَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللهِ وَ لِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَ اللهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ)1.
وتفسير الآيتين: وما أصابكم أيها المؤمنون يوم التقى جمع المسلمين وجمع المشركين يوم أُحد، من النكبة فقتل من قتل منكم فبإذن الله وعلمه، ويترتّب على ذلك قوله: (وَ لِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ * وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا)أي

1 . آل عمران: 166 ـ 167 .

صفحه 72
يميز المؤمنين عن المنافقين، إلاّ أنّه سبحانه عالم بالأشياء قبل كونها، فالفقرة فيها إشراب، أي ليظهر المعلوم من المؤمنين والمنافقين .
(وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ)أي إن كان لكم دين أو ادفعوا عن حريمكم إن لم يكن لكم دين، (قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَتَّبَعْنَاكُمْ) ذكروا ذلكو (هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ)، إذ كانوا قبل ذلك في ظاهر أحوالهم أقرب إلى الإيمان. وبكلامهم هذا صاروا على العكس، فصار ظاهر كلامهم أقرب إلى الكفر (يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَ اللهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ)1.
وقد كان لرجوع عبدالله بن أُبي ومن معه من وسط الطريق إلى المدينة أثر سيِّىء في طائفتين من المسلمين، حيث همّت طائفتان منهم وهم قبيلتا بني سلمة وبني حارثة ـ من الأنصار ـ الرجوع ولكنّهم ثبتوا مع سائر المسلمين، وإلى هذا يشير سبحانه بقوله: (إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلاَ وَاللهُ وَلِيُّهُمَا وَ عَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ )2 ; ومعنى الآية: (إِذْ هَمَّتْ): أي قصدت وعزمت (طَائِفَتَانِ): أي فرقتان (مِنْكُمْ): أي من المسلمين (أَنْ تَفْشَلاَ): أي: تجبنا، (وَ اللهُ وَلِيُّهُمَا): أي ناصرهما، (وَ عَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ).

1 . مجمع البيان: 2 / 877 ـ 878 .
2 . آل عمران: 122.

صفحه 73

المنافقون ونكبة غزوة أُحد

روى المؤرّخون أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)نزل الشعب من أُحد فجعل ظهره وعسكره إلى أُحد واستقبل المدينة، فجعل على كلّ من الميمنة والميسرة والمقدّمة قائداً من أصحابه، وجعل عينين ـ وهو جبل على شفير قناة قبلي مشهد حمزة ـ على يساره، وكان فيه ثغرة فأقام عليها خمسين رجلاً من الرماة، وأمّر عليهم عبدالله بن جبير، وهو معلّم بثياب بيض، فقال: أنضح الخيل عنّا لا يأتونا من خلفنا إن كانت لنا أو علينا، فأثبت في مكانك لا نؤتين من قبلك.
وفي رواية قال لهم: إن رأيتمونا تتخطفنا الطير فلا تبرحوا من مكانكم هذا حتّى أُرسل إليكم، وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم، فلا تبرحوا حتّى أُرسل إليكم.
وقد كان النصر في بداية الأمر حليف المسلمين وكانت الهزيمة على المشركين، حيث انسحبوا عن أرض المعركة.
فلمّا نظر الرماة إلى المشركين قد انكشفوا ورأوا أصحابهم ينتهبون ويأخذون الغنائم قالوا: الغنيمة يا قوم الغنيمة، قد ظهر أصحابكم فما تنتظرون؟
فقال عبدالله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
قالوا: إنّا والله لنأتينهم فلنصيبن من الغنيمة، فلمّا أتوهم صرفت وجوههم وأقبلوا منهزمين.

صفحه 74
وفي «الكشاف»: اختلف الرماة حين انهزم المشركون قال بعضهم: قد انهزم القوم فما موقفنا وأقبلوا على الغنيمة، وقال بعضهم: لا نخالف أمر رسول الله .
فلمّا رأى خالد بن الوليد قلّة الرماة وخلاء الجبل واشتغال المسلمين بالغنيمة ورأى ظهورهم خالية، صاح في خيله من المشركين، فكرّ بهم وتبعه عكرمة بن أبي جهل في جماعة من المشركين فحملوا على من بقي من الرماة فقتلوهم وقُتل أميرهم عبدالله بن جبير، ثم حملوا على المسلمين من خلفهم، وحالت الريح دبوراً بعدما كانت صبا 1.
وأظن ـ وظن الألمعي صواب ـ وجود المنافقين بين الرماة المستقرّين في هذا الموقع الحسّاس، فإنّ انفصال عبدالله بن أُبي مع ثلاثمائة رجل لم يكن بمعنى تطهير الجيش من وجود منافقين آخرين، بل كان فيه من المنافقين من توهّمه المسلمون مؤمناً، والشاهد على ذلك قوله تعالى: (ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَي طَائِفَةً مِنْكُمْ وَ طَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْء قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ للهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لاَ يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْء مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَ لِيَبْتَلِيَ اللهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَ لُِيمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَ اللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)2 .

1 . تاريخ الخميس: 1 / 428 .
2 . آل عمران: 154 .

صفحه 75
وتفسير الآية هو أنّه لما حلّت النكبة بالمسلمين وتوعّد المشركون بالرجوع إلى القتال، فقعد المسلمون تحت الجحف متهيئين للحرب، فأنزل الله الأمنة على المؤمنين فناموا، دون المنافقين الذين أزعجهم الخوف بأن يرجع الكفّار عليهم، أو يغيروا على المدينة لسوء الظن، فاطيّر عنهم النوم، وإلى هؤلاء يشير سبحانه بقوله: (وَ طَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ
بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ
)وأنّ الله لا ينصر محمداً وأصحابه، كظنهم
في الجاهلية، (يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْء)أي يقول بعضهم لبعض: هل لنا من النصر والفتح والظفر نصيب، فأُجيبوا بقوله: (إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ للهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لاَ يُبْدُونَ لَكَ)، أي يخفون الشكّ والنفاق ما لا يبدون لك.
كلّ ذلك يدلّ على أنّ المقاتلين في غزوة أُحد لم يكونوا مجرّدين عن النفاق والمنافقين، فلأنّ النازلين من جبل عينين هم المنافقون الذين صاروا يجترّون هذا الكلام ويظنون بالله ظن الجاهلية بعد النزول عن الجبل.
والفقرات الأخيرة من الآية تدلّ على أنّه سبحانه أراد عندئذ تمحيص ما في قلوبهم أي ظهوره للمسلمين وإن كان عليماً (بِذَاتِ الصُّدُورِ) .
وممّا يدل على عدم تطهير الجيش الإسلامي من وجود المنافقين ما جاء في معالم التنزيل: (حين) تركوا (الرماة) المركز للغنيمة، قالوا: نخشى أن يقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)من أخذ شيئاً فهو له، وأن لا يقسّم الغنائم كما لم يقسمها يوم بدر، فتركوا المركز ووقعوا في الغنائم، ثمّ قال لهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ألم أعهد

صفحه 76
إليكم أن لا تتركوا المركز حتّى يأتيكم أمري. قالوا: تركنا بقية إخواننا وقوفاً1.

نشر الأكاذيب لإضعاف معنويات المقاتلين

قد مرّ أنّ من خططهم تضعيف معنويات المجاهدين بأساليب متنوّعة، فعندما حمي الوطيس رمى عبدالله بن قمية الحارثي رسول الله بحجر وكسر أنفه ورباعيته وشجّ في وجهه فأثقله، وتفرّق عنه أصحابه، وأقبل يُريد قتله، فذبّ مصعب بن عمير ـ وهو صاحب راية رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يوم بدر ويوم أُحد وكان اسم رايته العقاب ـ عن رسول الله حتّى قُتل مصعب بن عمير، قتله ابن قمية، فرجع وهو يرى أنه قتل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ـ مكان قتل مصعب بن عمير ـ وقال: إني قتلت محمداً، وعندئذ صاح صائح: ألا إنّ محمداً قد قتل، فانكف الناس وجعل رسول الله يدعو الناس ويقول: إليّ عباد الله، فاجتمع إليه ثلاثون رجلاً فحموه حتّى كشفوا عنه المشركين، ولمّا فشا في الناس أن رسول الله قد قتل قال بعض المسلمين: ليت لنا رسولاً إلى عبدالله بن أُبي فيأخذ لنا أماناً من أبي سفيان، وبعضهم جلسوا وألقوا بأيديهم، وقال أُناس من أهل النفاق: إن كان محمد قد قتل فالحقوا بدينكم الأوّل، فقال أنس بن نضر عم أنس بن مالك: يا قوم إن كان قد قتل محمد، فربّ محمد لم يقتل، وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله، فقاتلوا على ما قاتل عليه رسول الله وموتوا على ما مات عليه، ثم قال: اللهم إنّي

1 . تاريخ الخميس: 1 / 428 .

صفحه 77
اعتذر إليك ممّا يقول هؤلاء ـ يعني المسلمين ـ وأبرأ إليك ممّا جاء به هؤلاء ـ يعني المنافقين ـ ثم شدّ بسيفه فقاتل حتّى قتل .1
وإلى هذه الواقعة يشير الله سبحانه بقوله: (وَ مَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَ مَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَ سَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ )2 .
كلّ هذه الحوادث تدلّ على تغلغل النفاق في صفوف المجاهدين وقد اندسّوا بينهم لغايات خاصّة أكثرها كانت تدور حول تضعيف المعنويات وإشاعة الأكاذيب، ومع ذلك كلّه فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عاملهم بالرفق والرحمة، قال تعالى: (فَبِما رَحْمَة مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَ شَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)3.

وقاحة المنافقين وصلفهم

من شيمّ المنافقين: الوقاحة والصَلف، ولولاها لما تمكّنوا من العيش في أوساط المؤمنين. ويدلّ على ذلك أنّه بعدما انتصر المسلمون في معركة بدر وانسحب المشركون إلى مكّة في هزيمة نكراء، شارك عبدالله بن أُبي في صلاة الجمعة، وكان له مقام يقوم فيه كلّ جمعة، قام مخاطباً للمشاركين

1 . مجمع البيان: 2 / 849.
2 . آل عمران: 144 .
3 . آل عمران: 159 .

صفحه 78
في صلاة الجمعة، وقال: أيّها الناس، هذا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بين أظهركم، أكرمكم الله وأعزّكم به، فانصروه وعزّروه، واسمعوا له وأطيعوا، ثم جلس. حتّى إذا صنع يوم أُحد ما صنع، ورجع بالناس، قام يفعل ذلك كما كان يفعله، فأخذ المسلمون بثيابه من نواحيه، وقالوا: اجلس، أي عدو الله، لست لذلك بأهل، وقد صنعت ما صنعت، فخرج يتخطّى رقاب الناس وهو يقول: والله لكأنّما قلت بجراً (أمراً عظيماً)، أن قمت أشدّد أمره، فلقيه رجلٌ من الأنصار بباب المسجد، فقال: مالك؟ ويلك! قال: قمت أُشدّد أمره، فوثب عليّ رجال من أصحابه يجذبونني ويعنفونني، لكأنّما قلت بجراً أن قمت أشدّد أمره، قال: ويلك! ارجع يستغفر لك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال: والله ما ابتغي أن يستغفر لي.1

1 . السيرة النبوية لابن هشام: 2 / 105 .

صفحه 79
 
4

دور المنافقين في إجلاء بني النضير

قدم أبو براء، عامر بن مالك على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فعرض عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)الإسلام ودعاه إليه، فلم يُسلم ولم يبعد من الإسلام، وقال: يا محمد لو بعثت رجالاً من أصحابك إلى نجد فدعوهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك. فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّي أخشى عليهم أهل نجد. قال أبو براء: أنا لهم جار، فابعثهم فليدعوا الناس إلى أمرك.
فبعث رسول الله أربعين رجلاً من خيار المسلمين ـ على رأس أربعة عشر شهراً من أُحد ـ فلمّا نزلوا أرض نجد، بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى عدو الله عامر بن الطفيل، فلمّا أتاه لم ينظر في كتابه حتّى عدا على الرجل وقتله، ثم استصرخ عليهم بني عامر فأبوا أن يجيبوه إلى ما دعاهم إليه ، وقالوا: لن نخفر (أي لا ننقض عهد) أبا براء، وقد عقد لهم عقداً وجواراً; فاستصرخ عليهم قبائل من بني سُليم، فقتلوهم من عند آخرهم، إلاّ كعب بن زيد فإنّهم تركوه وبه رمق .1
هذه هي قصة بئر معونة.
ثم إنّ عمرو بن أُمية حاول أن ينتقم لشهداء بئر معونة، فخرج وقتل

1 . السيرة النبوية لابن هشام: 2 / 185 .

صفحه 80
رجلين من بني عامر غيلة، بزعم أنّ تلك القبيلة هم الذين قتلوا القرّاء في بئر معونة، مع أنّهم قُتلوا بيد بني سُليم، دون بني عامر، بل كان بنو عامر يحترمون جوار رئيسهم أبي براء.1
فلمّا علم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّ عمرو بن أُمية قتل رجلين من بني عامر غدراً وغيلة، خرج إلى بني النضير يستعينهم في دية ذينك القتيلين من بني عامر حيث كان بين بني النضير وبني عامر عقد وحلف، فلمّا أتاهم رسول الله يستعينهم في دية ذينك القتيلين قالوا: نعم، يا أبا القاسم، نُعينك على ما أحببت، ممّا استعنت بنا عليه. ثم خلا بعضهم ببعض، فقالوا: إنّكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه ـ ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى جنب جدار من بيوتهم قاعد ـ فمَنْ رجلٌ يعلو على هذا البيت فيلقي عليه صخرة، فيريحنا منه؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب، أحدُهم، فقال: أنا لذلك، فصَعد ليُلْقي عليه صخرة كما قال.
فأتى رسولَ الله (صلى الله عليه وآله وسلم)الخبرُ من السماء بما أراد القوم، فقام وخرج راجعاً إلى المدينة. فلمّا استلبث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أصحابه، قاموا في طلبه، فلقوا رجلاً مُقبلاً من المدينة، فسألوه عنه، فقال: رأيته داخلاً المدينة. فأقبل أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)حتّى انتهوا إليه (صلى الله عليه وآله وسلم)فأخبرهم الخبر، بما كانت اليهود أرادت من الغدر به، وأمرَ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بالتهيّؤ لحربهم والسير إليهم.2

1 . السيرة النبوية لابن هشام: 2 / 186 .
2 . السيرة النبوية لابن هشام: 2 / 190 .

صفحه 81
فخرج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)حتّى نزل عند قلعتهم فحاصرهم ست ليال.
ثم إنّ رئيس النفاق وأتباعه قد بعثوا إلى بني النضير أن اثبتوا وتمنعوا فإنّا لن نسلمكم، إن قوتلتم قاتلنا معكم وإن أُخرجتم خرجنا معكم، فتلبثوا ذلك من نصرهم فلم يفعلوا، وقذف الله في قلوبهم الرعب وسألوا رسول الله: أن يجليهم ويكفّ عن دمائهم على أنّ لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلاّ الحلقة (أي السلاح)، فاحتملوا من أموالهم ما استقلّت الإبل فخرجوا إلى خيبر، ومنهم من سار إلى الشام، وقد أشار سبحانه إلى دور المنافقين وذكر وعودهم الكاذبة الفارغة، لهم فقال: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ)1 وقد وعدوهم بالوعود الخاوية وهي:
1. (لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَ لاَ نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا)2 .
2. (وَ إِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ).3
والله سبحانه يقول: (وَ اللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) وقد صدّق الخُبرُ الخبرَ، فلم يفعلوا شيئاً من وعودهم الكاذبة، فحكى سبحانه وعودهم الكاذبة وقال: (لَئِنْ أُخْرِجُوا لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ).
3. (وَ لَئِنْ قُوتِلُوا لاَ يَنْصُرُونَهُمْ)4.

1 . الحشر: 11.
2 . الحشر: 11 .
3 . الحشر: 12.
4 . الحشر: 12.

صفحه 82
4. (وَ لَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنْصَرُونَ).1
انظر إلى الصلافة الوقاحة فتارة يقوم في منبره الخاص ويثني على رسول الله ويدعو الناس إلى اقتفائه، وأُخرى يتآمر ضده ويتّفق مع أعدائه عليه .
روى الحلبي في سيرته: أنّ عبدالله بن أُبي بن سلول أرسل لهم: لا تخرجوا من دياركم وأقيموا في حصونكم فإنّ معي ألفين من قومي وغيرهم من العرب يدخلون حصونكم ويموتون عن آخرهم قبل أن يوصل إليكم وتمدّكم قريظة وحلفاؤكم من غطفان، فطمع بنو النضير فيما قال ابن أُبي، فأرسلوا لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّا لا نخرج من ديارنا فاصنع ما بدا لك، فأظهر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)التكبير وكبّر المسلمون لتكبيره، وقال أحد رؤساءهم لحييّ بن أخطب: إنّ قول ابن أُبيّ ليس بشيء وإنّما يُريد أن يورطك في الهلكة حتّى تحارب محمداً فيجلس في بيته ويتركك، وأيضاً قد وعد حلفاء من بني قينقاع مثل ما وعدك حتّى حاربوا ونقضوا العهد وحصروا أنفسهم في صياصيهم ـ أي حصونهم ـ وانتظروا ابن أُبي فجلس في بيته وسار إليهم محمد حتّى نزلوا على حكمه.(2)
وقد بلغ نفاق الرجل حتّى مع حلفائه إلى حدّ قد علم الأصم والأبكم حتّى يهود بني النضير بأنّ الرجل يعد ولا يفي، وهذه شيمة المنافق يطلب صلاحه وفلاحه دون صلاح الغير وفلاحه وإن كان حليفاً له .
***

1 . الحشر: 12.   2 . السيرة الحلبية: 2 / 278 ـ 279 .

صفحه 83
ثم إنّه سبحانه يشبّه حال المنافقين في وعودهم الكاذبة الخاوية بالشيطان، فقال مثلهم: (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إنِّي بَريءٌ مِنْكَ إنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ * فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَ ذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ)1.
وهذه هي شيمة المنافقين ـ أيضاً ـ فهم يعدون ولا يوفون.

1 . الحشر: 16 ـ 17 .

صفحه 84
 
5

دور المنافقين في معركة الأحزاب (الخندق)

الجهود التي بذلها حزب النفاق لإبقاء قبيلتي بني قينقاع وبني النضير في المدينة المنورة ذهبت سُدى، فأخرجهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فالأُولى منهما نفروا إلى الشام، والثانية انقسمت إلى قسمين فقسم سكن خيبر والقسم الآخر هاجر إلى الشام. وقد ثقل ذلك على رؤوساء بني النضير حيث تركوا أراضيهم وقلاعهم إلى المسلمين من دون أن يأخذوا شيئاً، فلأجل ذلك أنّ نفراً من يهود بني النضير خرجوا حتّى قدموا على قريش مكّة فدعوهم إلى حرب رسول الله وقالوا: إنّا سنكون معكم عليه حتّى نستأصله، فقالت لهم قريش: يا معشر يهود، إنّكم أهل الكتاب الأوّل، والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، أفدينُنا خير أم دينه؟ قالوا: بل دينكم خيرٌ من دينه، وأنتم أولى بالحق منه.1
فلمّا قالوا ذلك لقريش، سرّهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فاجتمعوا لذلك واستعدوا له، ثم خرج أُولئك النفر من يهود

1 . وهذا من الصلافة على حدّ كبير، حيث إنّ مَن يدّعي التوحيد يصف الوثنية أنّها خير من التوحيد الّذي كان يدعو إليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد أشار سبحانه إلى قولهم هذا بقوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَ الطَّاغُوتِ وَ يَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاَءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً) النساء: 51 .

صفحه 85
حتّى جاءوا غطفان فدعوهم إلى حرب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وأخبروهم أنّهم سيكونون معهم عليه وأنّ قريشاً قد تابعوهم على ذلك، فاجتمعوا معهم في هذا الأمر.
وقد قام الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)بالاستعداد لهذه المعركة وتهيئة أصحابه لذلك، أمّا عمل المنافقين فيمكن تلخيصه بالأُمور التالية:

1. تباطؤ المنافقين في حفر الخندق

بعد أن سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بما أجمع اليهود والمشركون عليه، ضرب خندقاً حول المدينة فعمل فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ترغيباً للمسلمين في الأجر وعمل معه المسلمون فيه، فدأب فيه ودأبوا، فأبطأ عن رسول الله وعن المسلمين في عملهم ذلك رجالٌ من المنافقين وجعلوا يورون (يستترون) بالضعيف من العمل، ويتسلّلون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ولا إذن، وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة الّتي لا بد له منها يذكر ذلك لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ويستأذنه في اللحوق بحاجته فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله رغبة في الخير واحتساباً له .1
وحصيلة الكلام: أنّ المنافقين إمّا يعملون في حفر الخندق بتكاسل كما قال ابن هشام: يورون بالضعيف من العمل، وإما يتركون العمل ويذهبون إلى بيوتهم بغير علم من رسول الله.
ولكنّ المسلمين الخُلصّ يعملون معه (صلى الله عليه وآله وسلم)ولا يتركون العمل إلاّ

1 . السيرة النبوية لابن هشام: 2 / 215 ـ 216 .

صفحه 86
بالاستئذان منه. وإلى ذلك يشير قوله سبحانه: (لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)1 .

2. استهزاء المنافقين بوعود رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)

حدّث سلمان الفارسي أنّه قال: ضربت في ناحية من الخندق فغلظت عليّ صخرة ورسول الله قريباً منّي، فلمّا رآني أضرب ورأى شدّة المكان عليَّ نزل فأخذ المعول من يدي فضرب ] الصخرة [ ثلاث ضربات، فلمعت مع كلّ ضربة تحت المعول لمعة، فقلت: يا رسول الله : ما هذا الّذي لمع تحت المعول، وأنت تضرب؟ قال: «أمّا الأولى: فإنّ الله فتح عليّ اليمن، وأمّا الثانية فإنّ الله فتح عليّ بها الشام والمغرب، وأمّا الثالثة فإنّ الله فتح عليّ بها المشرق» .2
ولمّا تحشّدت جيوش الأحزاب واشتدّ الأمر على المسلمين حيث أتاهم العدو من فوقهم ومن أسفل منهم حتّى ظنّ المؤمنون كلّ ظن، نجم النفاق من بعض المنافقين، فقال: معتب بن قُشير: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط.3

1 . النور: 63 .
2 . السيرة النبوية لابن هشام: 2 / 219 .
3 . السيرة النبوية لابن هشام: 2 / 222 .

صفحه 87
وقد روى الطبرسي في تفسيره هذه القصة باختلاف حيث قال:
لمّا أخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)المعول من يد سلمان فضرب بها الصخرة ضربة برق منها برق أضاء ما بين لابتيها حتّى كان لكأنّ مصباحاً في جوف بيت مظلم، ثم ضربها رسول الله من الثانية فكسرها وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها، ثم ضربها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)الثالثة فكسرها فبرق منها برق أضاء منها ما بين لابتيها، ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «ضربت ضربتي الأُولى فبرق الّذي رأيتم أضاءت لي منها قصور الحيرة ومدائن كسرى، وفي الضربة الثانية أضاءت لي منها قصور الحمُر من أرض الروم، وفي ضربتي الثالثة أضاءت لي منها قصور صنعاء، وعندئذ استبشر المسلمون وقالوا: الحمد لله موعد صدق وعدنا النصر بعد الحصر».
وقال المنافقون: ألا تعجبون يمنّيكم ويعدكم الباطل ويخبركم أنّه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وأنّها تفتح لكم وأنتم إنّما تحفرون الخندق من الفَرَق ولا تستطيعون أن تبرزوا فنزل قوله سبحانه: (قُل اللهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَ تَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَ تُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَ تُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيء قَدِيرٌ)1.2
إنّ مثل هذا الكلام في الوقت الذي تقابل فيه الطرفان وبدأوا بالتراشق وبينهما الخندق، ممّا يؤثر سلباً على موقف الجيش الإسلامي ويضعف معنوياته، وإلى هذا ربما يشير قوله سبحانه: (وَ إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَ الَّذِينَ

1 . آل عمران: 26.
2 . مجمع البيان: 2 / 736.

صفحه 88
فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللهُ وَ رَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا )1 .

3. أعذار المنافقين في انسحابهم من القتال

كان الخندق حائلاً بين المسلمين وبين أن يدخل الأحزاب إلى داخل المدينة حيث إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)نصب في نقاط مختلفة حول الخندق رجالاً يرمون بالنبل كلّ مَن حاول العبور، ولذلك لم يتيسر للأحزاب ـ مع كثرتهم وبطولتهم ـ اختراق الخندق والدخول باتجاه المدينة .
وقد طال حصار العدو على المدينة ولبثوا حول الخندق حوالي الشهر، فالمسلمون يتناوبون ليل نهار على حراسة هذه النقاط المهمة، ولكنّ المنافقين كانوا يعتذرون بأعذار واهية للتقليل من روح المقاومة الّتي يتمتع بها المسلمون حتّى ربما جاءوا إلى رسول الله وقالوا: إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ فأذن لنا بالرجوع إلى دورنا!! فأقام رسول الله وأقام عليه المشركون بضعاً وعشرين ليلة قريباً من شهر لم تكن بينهم حرب إلاّ المراماة بالنبل والحصار، ويشير إلى اعتذار المنافقين هذا قوله سبحانه: (وَ إِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَ يَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبي يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَ مَا هِيَ بِعَوْرَة إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا)2 .
ثم إنّ الوحي الإلهي يكشف عن أمرين:
1. أنّهم عاهدوا الله أن لا يولّوا الأدبار إذا قابلوا العدو، وأن يكونوا مع

1 . الأحزاب: 12.
2 . الأحزاب: 13.

صفحه 89
المسلمين جنباً إلى جنب، ولكنّهم نقضوا عهدهم في معركة الأحزاب، قال سبحانه: ( وَ لَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَ كَانَ عَهْدُ اللهِ مَسْئُولاً)1 .
2. أخبر سبحانه عن استعداد المنافقين ـ إذا انتصر المشركون ودخلوا المدينة ـ بالتظاهر بالشرك والاتحاد معهم، قال سبحانه: (وَ لَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لآتَوْهَا وَ مَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلاَّ يَسِيرًا)(2).
ومعنى الآية: ولو دخل الأحزاب على الذين يقولون: (إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ)من نواحي المدينة ثم دعوا هؤلاء إلى الشرك لأشركوا، وما احتبسوا عن الإجابة إلى الكفر إلاّ قليلاً، فإذا فعلوا ذلك فعندئذ لا يمهلهم الله حتّى يعاجلهم بالعذاب.
ومن عجيب الأمر أنّا لم نسمع شيئاً عن عبدالله بن أُبي في معركة الأحزاب، وربما كان يدير أُمور حزبه من وراء الأستار، لأنّه كان رجلاً هرماً لا يستطيع الظهور على مشارف الخندق، ولكن كفى منه تحريكه أعضاء حزبه، فهم بين مَنْ يترك الخندق بعد الاستئذان من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومنهم من يتحيّن الفرصة فيعود إلى بيته بلا إذن من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
وأمّا مصير الأحزاب فإنّهم بعد ما قتل بطلهم عمرو بن عبد ود العامري بسيف علي (عليه السلام)، ضعفت معنوياتهم وقلّ زادهم، وأصابهم الطوفان فقلع خيامهم وقلّب قدورهم، فلم يجدوا بدّاً إلاّ العودة بالخيبة والخسران.
***

1 . الأحزاب: 15 .   2 . الأحزاب: 14.

صفحه 90
 
6

دور المنافقين في غزوة بني المصطلق

غادرت الأحزاب مشارف المدينة بالذلّ والخيبة والهوان، ولم يكن في المدينة من قبائل اليهود إلاّ بني قريظة الذين نكثوا أيمانهم وحاولوا أن يتّحدوا مع الأحزاب، بجعل قلعتهم منفذاً للدخول إلى المدينة، ولكن خاب سعيهم ; ولأجل ذلك حاصرهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فقتل من قتل وأُسر من أُسر وصارت المدينة المنوّرة خالصة للمسلمين دون أن يوجد فيها أثر من قبائل اليهود الثلاث.
ولمّا بلغ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)على أنّ قبيلة بني المصطلق بصدد إعداد العدّة وشراء السلاح لمحاربة المسلمين في المدينة، حاول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يكتشف صدق الخبر، فلمّا جاء الخبر بصدق المخبر: عزم على إطفاء الفتنة في قعر دارها، فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)واستعمل على المدينة أبا ذر الغفاري حتّى لقيهم على ماء لهم يقال له (المريسيع)، فتزاحف الناس واقتتلوا فهزم الله بني المصطلق وقتل من قتل منهم، ونفل رسول الله أبناءهم ونساءهم وأموالهم فأفاء عليهم، فبينما رسول الله على ذلك الماء وكان النصر حليف المسلمين، حدثت حادثة مرّة ذهبت بحلاوة النصر، وذلك إنّ أحد المهاجرين اقتتل مع رجل من الأنصار بسبب تزاحمهما على ورد الماء،

صفحه 91
فصرخ المهاجري: يا معشر المهاجرين، وصاح الآخر: يا معشر الأنصار.
ومن المعلوم أنّ طروء الاختلاف بين المقاتلين في أرض المعركة يعتبر من المهلكات المؤدّية إلى انهيار الجيش وتداعي قواه.
ولمّا وصل الخبر إلى رئيس النفاق استغلّه وغضب، وكان عنده رهط من قومه، فيهم زيد بن أرقم ـ غلام حدث ـ فقال: أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم، وهذا هو الّذي يحكيه الله في القرآن الكريم ضمن آيتين:
1. (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا)وأجاب عنه سبحانه بقوله: (وَ للهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَ الأَرْضِ وَ لَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ).
2. (يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ)وأجابهم سبحانه بقوله: (وَ للهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ)1.
وبما أنا قد فصلنا الكلام في هذه الحادثة عند تفسير سورة «المنافقون» اقتصرنا بهذا المقدار، كما أشرنا إلى صفاتهم وأنّهم:(إِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَ رَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَ هُمْ مُسْتَكْبِرُونَ)(2).

1 . المنافقون: 7 و 8 .   2 . المنافقون: 5 .

صفحه 92
 
7

المنافقون وقضية الإفك

شاء الله سبحانه أن يكون رئيس النفاق سيّئ السمعة غير معروف بالعفاف، والشاهد على ذلك أنّه كان لعبدالله بن أُبيّ، ست جوار يكرههن على الكسب بالزنا، فلمّا نزل تحريم الزنا أتين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فشكونَه، فنزلت الآية: (وَ لاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ)1.
فاذا كان هذا شأن الرجل فلا يبعد أن يقوم باتّهام المحصنات من نساء المسلمين، كما سيوافيك شأنه، خصوصاً بعد ما صغر في أعين الناس نتيجة ما فعله ابنه معه، بعد رجوعهم من غزوة بني المصطلق، حيث منعه من دخول المدينة وقال له : وراءك، قال: ما لك ويلك؟ قال: لا والله لاتدخلها حتّى يأذن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وتعلم اليوم من الأعزّ ومن الأذلّ، فقال له: أنت من بين الناس، فقال: نعم، أنا من بين الناس، فانصرف عبدالله بن أُبي حتّى لقي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فشكا إليه ما صنع به ابنه، فأرسل (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى ابنه أن خلّي عنه، فدخل المدينة .2

1 . النور: 33; مجمع البيان: 7 / 221 ; الدر المنثور: 5 / 46.
2 . تاريخ الخميس: 1 / 472 .

صفحه 93
وأمّا قصة الإفك فإجمالها أنّ رئيس النفاق وعصبة معه، قد اتّهموا امرأة صالحة محصنة بلا دليل، فنزل الوحي على براءتها من التهمة الّتي أُلصقت بها، وأمّا من هي هذه المرأة؟ فأكثر المفسّرين على أنّها عائشة، وعدّةٌ منهم على أنّها مارية.
وفي سبب النزول في كلا النقلين أُمور يمكن التصديق بها، وفي الوقت نفسه مشتمل على أُمور تخالف القرآن الكريم، ونحن نذكر ما يمكن أن يكون صحيحاً في المقام، على القول بنزول الآيات في حقّ عائشة.
روى ابن هشام في سيرته عن عائشة قالت: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه، فأيّهنّ خرج سهمها خرج بها معه، فلمّا كانت غزوة بني المصطلق أقرع بين نسائه كما كان يصنع فخرج سهمي عليهنّ معه، فخرج بي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فلمّا فرغ رسول الله من سفره ذلك، توجّه قافلاً، حتّى إذا كان قريباً من المدينة نزل منزلاً، فبات به بعض الليل ثم أذّن في الناس بالرحيل فارتحل الناس وخرجت لبعض حاجتي، وفي عنقي عقد لي، فلمّا فرغت انسلّ من عنقي ولا أدري، فلمّا رجعت إلى الرحل، ذهبت ألتمسه في عنقي، فلم أجده وقد أخذ الناس في الرحيل فرجعت إلى مكاني الّذي ذهبت إليه فالتمسته حتّى وجدته، وجاء القوم خلافي الذين كانوا يرحّلون لي البعير وقد فرغوا من رحلته، فأخذوا الهودج وهم يظنون أنّي فيه كما كنت أصنع، فاحتملوه فشدّوه على البعير ولم يشكّوا أنيّ فيه، ثم أخذوا برأس البعير فانطلقوا به.
فرجعت إلى العسكر وما فيه من داع ولا مجيب، قد انطلق الناس.

صفحه 94
قالت: فتلففت بجلبابي، فأضطجعت في مكاني، وعرفت أن لو قد افتقدت لرُجع إليّ. قالت: فوالله إنّي لمضطجعة إذ مرّ بي صفوان بن المعطّل السلمي، وقد كان تخلّف عن العسكر لبعض حاجته، فلم يبت مع الناس، فرأى سوادي، فأقبل حتّى وقف عليّ، وقد كان يراني قبل أن يُضرب علينا الحجاب، فلما رآني قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ظعينة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)! وأنا متلفِّفة في ثيابي; قال: ما خلّفك يرحمك الله؟ قالت: فما كلّمته، ثم قرّب البعير، فقال: إركبي، واستأخر عنّي. قالت: فركبت، وأخذ برأس البعير، فانطلق سريعاً، يطلب الناس، فوالله ما أدركنا الناس، وما افتقدت حتّى أصبحتُ، ونزل الناس، فلمّا أطمأنوا طلع الرجل يقود بي، فقال أهل الإفك ما قالوا. فارتعج1 العسكر، ووالله ما أعلم بشيء من ذلك .2
ونقل الطبرسي في «مجمع البيان» عن عائشة وهي تصف صفوان بن معطل السلمي، قالت: ما كلّمني بكلمة حتّى أناخ راحلته فركبتها وانطلق يقود الراحلة، حتّى أتينا الجيش بعدما نزل موغرين 3 في حرّ الظهيرة، فهلك من هلك فيّ، وكان الّذي تولى كبره منهم عبدالله بن أُبي بن سلول.4
والظاهر أنّ عبدالله بن أُبيّ كان في باب المدينة ممنوعاً من الدخول من جانب ابنه فهو الّذي رأى عائشة على بعير صفوان وهو يقود بعيرها، فصار ذلك منطلقاً للإفك.

1 . إرتعج العسكر: تحرك واضطرب .
2 . السيرة النبوية لابن هشام: 2 / 297 ـ 298 .
3 . الوغر: شدّة توقد الحرّ.
4 . مجمع البيان: 7 / 205.

صفحه 95
ثم إنّ الله سبحانه برّأ المتهمة بالإفك بأفضل بيان وأنزل في براءتها الآيات التالية، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَ الذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ * لَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَ قَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ * لَوْلاَ جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ * وَ لَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَ الآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَ تَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَ تَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَ هُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ * وَ لَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ)1.
يستفاد من هذه الآيات الأُمور التالية:
1. أنّ الذي حاك هذه المؤامرة هو عبدالله بن أُبي ، حيث قال: (وَ الذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ)واتّفق المفسّرون على أنّ المراد به هو عبدالله بن أُبيّ.
2. أنّ صدر الآية يدلّ على أنّه لم يكن هو وحده بل كانت معه عصبة تشيع هذه التهمة، حيث قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ)، وهذا يكشف عن وجود مؤامرة جماعية ضد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
3. أنّ قوله سبحانه: (لاَ تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ)يدلّ على

1 . النور: 11 ـ 16 .

صفحه 96
أنّ قصة الإفك انقلبت إلى صالح المؤمنين حيث بانت طهارة المرأة وكذب التهمة.
وعلى ضوء هذه الآيات نقف على أنّ ما نقل عن عائشة ذيلاً للقصة لا ينطبق مع هذه الآيات، ففي صحيح البخاري: أنّ عائشة اشتكت حين قدمت المدينة شهراً وهي لا تعلم قصة الإفك حتّى أخبرتها أم مسطح، فقالت: فازددتُ مرضاً على مرضي. قالت: فلمّا رجعت إلى بيتي ودخل عليّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)تعني سلّم ثم قال: «كيفَ تيكم»! فقلت: أتأذن لي أن آتي أبويّ، قالت: وأنا حينئذ أُريد أن استيقن الخبر من قبلهما، قالت: فأذن لي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فجئت أبوي، فقلت لأُمّي: يا أُمّتاه ما يتحدث الناس؟ قالت: يا بُنيّة هوّني عليك، فوالله لقلّما كانت امرأةٌ قط وضيئة عند رجل يُحبّها ولها ضرائرٌ إلاّ كثّرن عليها. قالت: فقلت: سبحان الله، ولقد تحدّث الناس بهذا؟ قالت: فبكيت تلك الليلة حتّى أصبحت لا يرقأ لي دمعٌ، لا أكتحل بنوم حتّى أصبحت أبكي.
فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)عليَّ بن أبي طالب وأُسامة بن زيد (رضي الله عنهما) حين استلبث الوحي يستأمرهما في فراق أهله. وقالت: فأمّا أُسامة بن زيد فأشار على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بالذي يعلمُ من براءة أهله، وبالذي يعلم لهم في نفسه من الود، فقال: يا رسول الله، أهلك، وما نعلم إلاّ خيراً، وأما عليّ بن أبي طالب فقال: يا رسول الله، لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك.
قالت: فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بريرة، فقال: «أي بريرة هل رأيت من

صفحه 97
شيء يريبك» قالت بريرة: لا والّذي بعثك بالحق، إن رأيت عليها أمراً أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السنّ تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله .1
إنّ هذا الذيل من القصة يضاد القرآن الكريم :
أوّلاً: لو صحّ ما ذُكر يكون معناه أنّ النبي الأكرم قد تأثر بموجة التهمة الّتي ألصقها رئيس النفاق وعصبته، مع أنّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)معصوم عن الذنب فكيف يتأثر بما سمع، مع أنّه لم يقم أي دليل على صحّته؟!
ثانياً: أنّه سبحانه في قوله: (لَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ)، يندد بمن احتمل صدق التهمة ويبين أنّه كان واجب على المؤمنين أن يواجهوا تلك الإشاعة بأنّ: (هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ)، أفيصح بعد هذا أن يشكّ النبي بالتهمة حتّى يستشير أُسامة بن زيد وعلي بن أبي طالب، وكلّ يشير إلى شيء يخالف ما يشير به الآخر، فأُسامة برّأها وعلي تردّد في الأمر؟!
ثالثاً: ولو صحّ هذا الذيل يلزم أن يكون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وعلي (عليه السلام)ومن معهما من المؤمنين داخلين ـ نعوذ بالله ـ في العتاب الّذي ذكره سبحانه في قوله: (وَ لَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَ الآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ* إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَ تَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَ تَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَ هُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ * وَ لَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ

1 . صحيح البخاري (كتاب تفسير القرآن ـ سورة النور): 1192 برقم 7450 .

صفحه 98
قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ)، هذه الآيات وما قبلها وما بعدها تصبّ العتاب على كلّ من شكّ وتردّد في الأمر مكان أن يقول: (هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ) أو (بُهْتَانٌ عَظِيمٌ) .
ولو صحّ هذا الذيل يدخل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والوصي (عليه السلام)ومن حولهما تحت هذا الخطاب والعتاب، وهذا يدلّ على أنّ الذيل قد حيك مثل أصل القصة.
وليس هذا شيئاً بديعاً في قصة الإفك، بل له نظير فيها أيضاً، وهو ما رواه البخاري أيضاً بعد ما ذكر آنفاً:
روي عن عائشة أنّها قالت: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال وهو على المنبر: «يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي؟ فوالله ما علمت على أهلي إلاّ خيراً، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلاّ خيراً، وما كان يدخل على أهلي إلاّ معي».
فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: يا رسول الله، أنا أُعذرك منه، إن كان من الأوس ضربت عنقه... الخ».
ونحن نضع هذا المقطع من الرواية جنباً إلى جنب التاريخ الصحيح، فالمعروف أنّ غزوة بني المصطلق قد وقعت في السنة السادسة من الهجرة وفي شهر شعبان المعظّم 1، فطبع الحال يقتضي أن تقع قصة الإفك في آخر هذا الشهر أو بعده.
وأمّا غزوة الخندق فقد وقعت في شهر شوال في السنة الخامسة

1 . السيرة النبوية لابن هشام: 2 / 289 .

صفحه 99
للهجرة، وأعقبتها غزوة بني قريظة الّتي توفّي فيها سعد بن معاذ حسب ما صرّح به البخاري في كتاب المغازي فقال: قد أُصيب سعد يوم الخندق، رماه رجلٌ من قريش يقال له: حبّان بن العرقة، فضرب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)خيمة في المسجد ليعوده من قريب... إلى أن قال: لمّا سال الدم من الخيمة قالوا: يا أهل الخيمة ما هذا الذي يأتيكم من قبلكم، فإذا سعد يغدو جرحه دماً فمات منها (رضي الله تعالى عنه) 1 .
فسعد بن معاذ الّذي مات في السنة الخامسة من الهجرة، كيف يحضر قصة الإفك الّتي حدثت في السنة السادسة وبين الحادثتين بون بعيد؟!
كلّ ذلك يدلّ على أنّ القول (بأنّ كلّ ما في صحيح البخاري صحيح)، ليس بصحيح.
***
هذا كلّه حول السبب الأوّل لنزول الآيات، وهناك سبب آخر لنزول الآيات في حق مارية زوجة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، نذكره إجمالاً.
روى علي بن إبراهيم عن زرارة قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام)يقول: لمّا هلك إبراهيم بن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)حزن عليه حزناً شديداً، فقالت عائشة: ما الّذي يحزنك عليه؟ ما هو إلاّ ابن جريح، فبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)علياً صلوات الله عليه وأمره بقتله، فذهب علي صلوات الله عليه ومعه السيف وكان جريح القبطي في حائط، فضرب علي باب البستان فأقبل جريح له ليفتح الباب،

1 . صحيح البخاري: كتاب المغازي برقم 4121، وانظر أيضاً رقم 463 .

صفحه 100
فلمّا رأى علياً صلوات الله عليه عرف في وجهه الغضب فأدبر راجعاً ولم يفتح باب البستان، فوثب علي (عليه السلام)على الحائط ونزل إلى البستان واتّبعه وولّى جريح مدبراً، فلمّا خشى أن يرهقه صعد في نخلة وصعد عليّ في أثره، فلمّا دنا منه رمى بنفسه من فوق النخلة فبدت عورته، فإذا ليس له ما للرجال ولا له ما للنساء، فانصرف علي (عليه السلام)إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال له: يا رسول الله إذا بعثتني في الأمر أكون كالمسمار المحميّ في الوبر أم أثبت؟
قال (صلى الله عليه وآله وسلم): لا بل تثبت. قال (عليه السلام): «والّذي بعثك بالحق ماله ما للرجال وما له ما للنساء».
فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «الحمد لله الّذي صرف عنّا السوء أهل البيت» 1 .
قلت: حاشا رسول العظمة أن يحكم بقتل إنسان بمجرد أنّ زوجته اتهمته، وحاشا عليّاً أن يحاول قتل إنسان لم يقم على ارتكابه الذنب دليل.
وقد قلنا في محلّه: إنّ تفسير علي بن إبراهيم ليس من تأليفه، بل هو ملفق من قسمين قسم منه منسوب له، إلى أواسط سورة آل عمران، وقسم كبير منه منسوب إلى أبي الجارود.
كما أنّ مضمون القصة يكشف عن كونها اسطورة مختلقة.

1 . نور الثقلين: 3 / 581، عن تفسير علي بن إبراهيم .

صفحه 101
 
8

المنافقون في الحديبية وبيعة الرضوان

أقام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)سنة ست للهجرة، شهر رمضان وشوّالاً في المدينة، وخرج في ذي القعدة منها معتمراً لا يريد حرباً.
وساق معه الهدي سبعين بدنة، وقد رافقه سبعمائة رجل، فكانت كلّ بدنة عن عشرة نفر، فلمّا وصل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى ثنيّة المُرار بركت ناقته، ثم قال للناس: انزلوا.
قيل له: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما بالوادي ماء ننزل عليه. فأخرج سهماً من كنانته فأعطاه رجلاً من أصحابه، فنزل به في قليب فغرزه في جوفه، فجاش بالرواء، حتّى ضرب الناس عنه بعطن 1 .
هذا وقد كان على البئر نفر من المنافقين منهم عبدالله بن أُبيّ، فقال له أوس بن خولي (رضي الله عنه): ويحك يا أبا الحباب، ما آن لك تبصر ما أنت عليه، أبعد هذا شيء؟
فقال: إنّي رأيت مثل هذا، فقال له أوس (رضي الله عنه): قبّحك الله وقبّح
رأيك .
ثم أقبل عبدالله إلى رسول الله فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يا أبا الحباب

1 . وهو مبرك الإبل حول الماء.

صفحه 102
أنّى رأيت (أي كيف رأيت) مثل ما رأيت اليوم؟ قال: ما رأيت مثله قط، قال: فلم قلت ما قلت؟ فقال يا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): استغفر لي.
وقال ابنه عبدالله: يا رسول الله استغفر له .1
ترى كيف أعمت العصبية بصيرة هذا الرجل، حيث يشاهد كرامة كبرى للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فلا يهتز لها قلبه، ويقول: رأيت مثل هذا.
وبعد أن يحاكمه النبي على قوله هذا: يعترف بخطئه ويطلب الاستغفار .
هذا وقد ظهر ما أبطنه من الكفر في صلح الحديبية مرّة أُخرى.
فلمّا اشتدّ الأمر على المسلمين لأجل قلّة الماء أصابهم مطرٌ في الحديبية فنادى منادي رسول الله : صلّوا في رحالكم. وقال (صلى الله عليه وآله وسلم)صبيحة ليلة الحديبية لمّا صلّى بهم: أتدرون ما قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: قال الله عزوجل: صبّح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأمّا من قال: مطرنا برحمة الله وفضله فهو مؤمن بالله وكافر بالكواكب، ومن قال: مطرنا بنجم كذا، فهو مؤمن بالكواكب كافر بي.
ثم قال: وكان ابن أُبيّ قال: هذا نوء الخريف مطرنا بالشعرى .2

امتناع المنافقين من بيعة الرضوان

لمّا انتشر في الحديبية أنّ عثمان قد قُتل، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لا نبرح حتّى نناجز القوم، فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)الناس إلى البيعة فكانت بيعة

1. السيرة النبوية لابن هشام: 2 / 310 ; السيرة الحلبية: 3 / 14 .
2 . السيرة الحلبية: 3 / 29.

صفحه 103
الرضوان تحت الشجرة، يقول الديار بكري: لم يتخلّف عنه أحد من المسلمين ممّن حضرها إلاّ الجدّ بن قيس الأنصاري اختفى تحت إبط بعيره.
قال جابر: كأنّي أنظر إليه لاصقاً بإبط ناقته، مستتراً بها عن الناس .1
والعجب أنّ رئيس النفاق ممّن بايع بيعة الرضوان الّتي نزل فيها قوله سبحانه: (لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَ أَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا)2، ولكنّ الآية لا تشمله; لأنّه لم يكن مؤمناً. وأمّا باقي المؤمنين فرضاه سبحانه محدّد بزمان البيعة، فلا يستدلّ به على الفترات التالية الّتي عاشوا فيها، فإنّ الأعمال بخواتيمها، كما نقل البخاري في صحيحه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)3، فلو ثبت عن طريق السنّة أو التاريخ الصحيح أنّه صدر عن بعضهم ما لا تحمد عاقبته، فحينئذ لا مندوحة لنا إلاّ الحكم بذلك، ولا يعد معارضاً للقرآن الكريم; لأنّه ناظر إلى أحوالهم في زمان خاص لا في جميع فصول حياتهم. وقد بحثنا هذا الموضوع مفصّلاً في العديد من كتبنا ورسائلنا عند الحديث عن عدالة الصحابة، فمن أراد المزيد فليراجعها.4

1 . تاريخ الخميس: 2 / 20 .
2 . الفتح: 18 .
3 . صحيح البخاري: 7 / 118، باب الأعمال بالخواتيم من كتاب الرقاق .
4 . راجع: أضواء على عقائد الشيعة: 513; بحوث في الملل والنحل: 6 / 419; حوار مع الشيخ صالح الدرويش حول الصحبة والصحابة: 2 / 158 .

صفحه 104
 
9

دور المنافقين في غزوة خيبر

التجسّس لصالح يهود خيبر

لمّا قدم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)من الحديبية في ذي الحجّة مكث في المدينة إلى نهاية هذا الشهر وأياماً من شهر محرّم، ثمّ خرج في بقية منه إلى خيبر غازياً، وكان معه ألف وأربعمائة راجل ومائة فارس، وقد اطّلع حزب النفاق على أنّ المسلمين بصدد الذهاب إلى خيبر واستئصال اليهود عن آخرهم في المنطقة، فأرسل عبدالله بن أُبيّ إلى يهود خيبر يخبرهم بأنّ محمداً توجّه إليكم فخذوا حذركم وأدخلوا أموالكم في الحصون واخرجوا إلى قتاله ولا تخافوا منه، فإنّ عددكم كثير وقوم محمد شرذمة قليلون، عزّل لا سلاح فيهم إلاّ قليل.
فلمّا سمع أهل خيبر أرسلوا كنانة بن أبي الحقيق وهوذة بن قيس الوائلي إلى غطفان يستمدونهم، لأنّهم كانوا حلفاء يهود خيبر وشرطوا لهم نصف ثمار خيبر إن غلبوا على المسلمين، ولكن لم تقبل غطفان خوفاً من أهل الإسلام.
وفي رواية أُخرى لمّا نزل المسلمون منزل الرجيع1 وكان بينهم وبين

1 . الرجيع هو مفرق الطريقين من ناحية إلى عطفان ومن أُخرى إلى خيبر.

صفحه 105
غطفان مسيرة يوم وليلة وتوجّهوا إلى خيبر لإمداد اليهود، ولمّا كانوا ببعض الطريق سمعوا من خلفهم حسّاً ولغطاً فظنّوا أنّ المسلمين أغاروا على أهليهم وأموالهم فرجعوا وتركوا أهل خيبر مخذولين وخلّوا بين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وبين يهود خيبر.
وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قد قدّم عبّاد بن بشر في جماعة من الركبان أمامه طليعة فأصابوا عيناً ليهود خيبر فأخذوه، فسأله عبّاد: من أنت؟ قال: جمال، قال: ما الخبر من أهل خيبر ثم ذكر شيئاً غير صحيح، فقال له عبّاد: كأنّك عينهم، فأنكر، وخوّفوه بالقتل، فقال: إذا أدخلتني في جوارك أصدقتك، ففعل فقال: اعلموا أنّ أهل خيبر خائفون منكم خوفاً شديداً واستولى على قلوبهم خوف عظيم ممّا فعلتم بيهود بني قريظة والنضير، ومنافقو المدينة بعثوا إلى أهل خيبر يخبرونهم: إنّ محمداً يقصدكم فلا تخافوهم فإنّهم قليلون، فأرسلوني لأتجسّس أخباركم، وأحرز أعدادكم ومقداركم، فجاء به عبّاد إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فأخبره بما سمع منه، فقال عمر: ينبغي أن يضرب عنقه، فقال عبّاد: هو في جواري. فأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عبّاد بحفظه حتّى يتبين الأمر، وقد أسلم العين بعد فتح القلاع .1
هكذا كان المنافقون يتحالفون مع اليهود لضرب الإسلام ويتجسّسون لهم، ولعلّ في حياتنا المعاصرة من الحكّام من يقوم بمثل هذا الدور وهو أمير الإسلام وملكه، لكنّه في الحقيقة من حماة الصهاينة في المنطقة. والعاقل تكفيه الإشارة.

1 . تاريخ الخميس: 2 / 43 ـ 44 .

صفحه 106
 
10

غزوة تبوك ومؤامرات المنافقين

وصل الخبر ـ عن طريق القوافل التجارية ـ أنّ قيصر ملك الروم بصدد إعداد العدّة لمهاجمة المسلمين في المدينة المنوّرة، وقد كان لإمبراطور الروم يومذاك قوّة وشوكة من حيث العسكر والسلاح.
فكان الأمر مردّداً بين البقاء في المدينة والدفاع عنها من الداخل أو الذهاب باتجاه العدو وملاقاته خارج حدود الدولة الإسلامية لأجل إطفاء الفتنة في مكانها.
وفي آخر المطاف اختار رسول الله الأمر الثاني، فأعلن في شهر رجب النفير وحدّد أنّ المقصد هو تبوك الّتي بينها وبين المدينة حوالي خمسمائة كيلومتر أو أزيد، فلأجل أنّ العدو كان على استعداد عال، استعان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بالقبائل المحيطة بالمدينة حتّى يشاركوا في هذا الزحف، فاجتمع حوالي ثلاثين ألف مقاتل للذهاب إلى جهاد العدو، وقد شاء الله أن يفضح حزب النفاق ويخزيهم في هذا النفر، وقد نزلت سورة التوبة وهي تفضح وتخزي حزب النفاق والمنافقين.1
كان النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)يستخدم سلاح الاستتار والكتمان في عامّة

1 . ذُكر أنّ من أسماء سورة التوبة: الفاضحة، والمخزية.

صفحه 107
غزواته، فكان يعلن النفر دون أن يعيّن المكان الّذي يقصده، إلاّ أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)في هذه الغزوة عكس الأمر، فعيّن المقصد، وأخبر بأنّ الطريق طويل وشاقّ، فعلى المسلمين أن يُعينوا المجاهدين بأموالهم وسلاحهم حتّى يكون النصر حليفهم.

ماذا ظهر من المنافقين في هذا النفر؟

يظهر من مراجعة سورة التوبة وأسباب نزولها أنّهم قد رموا بآخر سهم في كنانتهم خلال هذا الزحف، وإليك ذكر مؤامراتهم على نحو الإجمال:

1. التخلّف عن الذهاب خوفاً من الفتنة

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ذات يوم للجدّ بن قيس أحد بني سلمة: «ياجدّ هل لك العام في جلاد (يعني: الحرب) بني الأصفر» 1، فقال: يا رسول الله، أو تأذنُ لي ولا تفتني؟ فوالله لقد عرف قومي أنّه مامن رجل بأشدّ عجباً بالنساء منّي، وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر; فأعرض عنه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقال: قد أذنت لك، وفي الجدّ بن قيس نزل قوله تعالى: (وَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَ لاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَُمحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ)2 .3
ومعنى قوله تعالى: (أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا)هو سقوطه في فتنة

1 . يريد الروم .
2 . التوبة: 49 .
3 . السيرة النبوية لابن هشام: 2 / 516.

صفحه 108
العصيان والكفر، حيث خالف النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في الخروج والجهاد، ويشهد على هذا التفسير ذيل الآية، أعني قوله تعالى: (وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَُمحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ) .
وفي «السيرة الحلبية» أنّ ولده لمّا سمع ما قاله للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال له: والله ما يمنعك إلاّ النفاق، وسينزل الله فيك قرآناً، فأخذ نعله وضرب به وجه ولده، فلمّا نزلت الآية، قال: ألم أقل لك؟ فقال له: اسكت يالكع، فوالله لأنت أشدّ عليّ من محمد.
وروي أيضاً أنّ الجدّ بن قيس لمّا امتنع واعتذر بما تقدّم قال للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ولكن أُعينك بمالي، فأنزل الله تعالى: (قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ )1 .2

2. التعلّل بحرارة الجو

صادف شهر رجب الّذي أعلن فيه النفر في تلك السنة فصل الصيف، وهو فصل الحصاد وجني الأثمار، ولذلك ثقُل على غير المؤمن ، ترك مصالحه المادّية والذهاب في ذلك الجو الحار إلى الجهاد والقتال، وكان هذا هو العذر الواهي لتنصّل المنافقين عن الاستجابة لدعوة النبي للنفر: واعتذروا بحرارة الجوّ، لكنّه كان عذراً ظاهرياً لا واقعياً، وقد حكاه سبحانه في بعض الآيات عنهم، قال: (لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَ سَفَرًا قَاصِدًا لاَتَّبَعُوكَ وَ لَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَ سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ

1 . التوبة: 53.
2 . السيرة الحلبية: 3 / 150 .

صفحه 109
يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَ اللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ)1 .
وفي الحقيقة أنّ بُعد الشُّقة كان عائقاً بينهم وبين الحصاد والجني، بخلاف ما لو كانت المسافة قصيرة فكانوا يتمكّنون من الجمع بين المشاركة في الجهاد وقيامهم بأعمالهم الدنيوية.
قال سبحانه: (وَ قَالُوا لاَ تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ)(2).
ثم إنّ أعذار المنافقين هذه قد تكرّر التذرع بها في جيش الإمام علي (عليه السلام)، كما يبدو ذلك واضحاً في قوله (عليه السلام): «فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّيْرِ إِلَيْهِمْ فِي أَيَّامِ الْحَرِّ (الصّيف) قُلْتُمْ: هـذِهِ حَمَارَّةُ الْقَيْظِ، أَمْهِلْنَا يُسَبَّخُ عَنَّا الْحَرُّ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالسَّيْرِ إِلَيْهِمْ فِي الشِّتَاءِ قُلْتُمْ: هـذِهِ صَبَارَّةُ الْقُرِّ، أمْهِلْنا يَنْسَلِخْ عَنّا الْبَرْدُ; كُلُّ هذَا فِرَارَاً مِنَ الحَرِّ وَالْقُرِّ; فَإِذَا كُنْتُمْ مِنَ الْحَرِّ وَالْقُرِّ تَفِرُّونَ; فَأَنْتُمْ وَاللهِ مِنَ السَّيْفِ أَفَرُّ!»2.
وفي الحقيقة أنّ الحر والبرد كانا واجهتين للتخلّف عن الجهاد والقتال في سبيل الله، ولولم يكن الحر والبرد لتمسّكوا بذرائع أُخرى لغاية الاستراحة من عناء الجهاد، فالقرآن الكريم لا يعدُّ هذه الطائفة من المؤمنين حقّاً ويقول: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ)3.

1 . التوبة: 42.   2 . التوبة: 81.
2 . نهج البلاغة، الخطبة: 27.
3 . الحجرات: 15 .

صفحه 110

3. اجتماع سرّي للمنافقين في بيت يهودي

كان لدعوة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)تأثيرٌ باهرٌ في إنهاض المسلمين للجهاد، وقد ثقل ذلك على حزب النفاق الذين رأوا اجتماع ثلاثين ألف مقاتل مع العُدَّة والعتاد للنهوض وجهاد الروم، فعزموا على تضعيف معنويات المسلمين وإيقافهم عن الاستجابة لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)والنفر في سبيل الله، فاجتمعوا في بيت يهودي من بقايا يهود المدينة للتخطيط لأجل تثبيط المسلمين عن الخروج .
قال ابن هشام: بلغ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّ ناساً من المنافقين يجتمعون في بيت سويلم اليهودي، وكان بيته عند جاسوم (اسم موضع) يثبطون الناس عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في غزوة تبوك، فبعث إليهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)طلحة بن عبيد الله في نفر من أصحابه، وأمره أن يُحرّق عليهم بيت سويلم، ففعل طلحة. فاقتحم الضحّاك بن خليفة من ظهر البيت، فانكسرت رجله، واقتحم أصحابه، فافلتوا .1

4. تفضيل الأعراب على المنافقين

يظهر من القرآن الكريم أنّ قسماً من الأعراب جاءوا إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)واعتذروا عن المشاركة في الزحف، وكانوا في إعتذارهم صادقين، وهؤلاء كانوا أفضل من الذين تخلّفوا من المنافقين، قال سبحانه: (وَ جَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَ قَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللهَ وَ رَسُولَهُ

1 . السيرة النبوية لابن هشام: 2 / 517.

صفحه 111
سَيُصيِبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)1.
يظهر من الآية: أنّ القاعدين على قسمين:
1. المعتذرون وهم الذين لهم عذر حقيقي واقعي، وهم نفر من أعراب بني غفار.
2. المنافقون وهم الذين كذبوا الله ورسوله.
وبما أنّ ذيل الآية يندد بالقسم الثاني، ويقول: (سَيُصيِبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)يستشكف منه أنّ القسم الأوّل كانوا معذروين واقعاً. وقد فسّرت الآية بغير هذا الوجه أيضاً .2

5. التاريخ يعيد نفسه

قد مرّ في فصل «دور المنافقين في غزوة أُحد» أنّ النبي قد خرج بألف من المقاتلين باتجاه أُحد، ولكن عبدالله بن أُبي انخزل عنه في وسط الطريق، واعتذر بأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أطاع الآخرين (أي رجّح لقاء العدوّ خارج المدينة) وعصاني، ورجع ومعه قرابة ثلث الناس.
وفي غزوة تبوك تكررت هذه الخيانة، قال ابن هشام: خرج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)واستعمل على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاري، وضرب عبدالله بن أُبيّ مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)على حدة، عسكره أسفل منه نحو ذُباب 3، فلمّا سار رسول

1 . التوبة: 90 .
2 . مجمع البيان: 5 / 90 .
3 . جبل في المدينة.

صفحه 112
الله (صلى الله عليه وآله وسلم)تخلّف عنه عبدالله بن أُبيّ في مَن تخلّف من المنافقين وأهل الريب.
لكن تخلّف القوم لم يؤثر في تثبيط المجاهدين عن الجهاد.
ولعلّ قوله سبحانه: (وَ لَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَ لَكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَ قِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ* لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً وَ لأَوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَ فِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَ اللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ)1.
قوله تعالى: (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً)أي لو خرج هؤلاء المنافقون معكم إلى الجهاد، ما زادوكم بخروجهم إلاّ شرّاً وفساداً (وَ لأَوْضَعُوا خِلاَلَكُمْ)أي أسرعوا في الدخول بينكم بالتخريب والإفساد والنميمة، وسعوا فيما بينكم بالتفريق بين المسلمين (يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ)أي يطلبون لكم المحنة باختلاف الكلمة والفرقة: (وَ فِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ)أي عيون للمنافقين ينقلون إليهم ما يسمعون .2
إنّ رجوع رأس النفاق مع أعضاء الحزب وإن كان حسب الظاهر أمراً موجباً لتسرب الريب والشكّ بين المسلمين، ولكنّه سرعان ما تلاشى الشكّ والريبة عن قلوب المؤمنين وصمّموا على مواجهة العدو وجهاده، لكن في تنصّل المنافقين هذا حصل نفع واضح للمسلمين، وهو تنقية جيش المسلمين عن لوث المنافقين ووجودهم.

1 . التوبة: 46 ـ 47 .
2 . مجمع البيان: 5 / 55.

صفحه 113

6. نشر الإشاعات في المدينة

قد عرفت أنّ حزب النفاق قد تراجع وهو في طريقه إلى تبوك وكان هذا أمراً قد دُبّر في ليل، والنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)كان واقفاً على مؤامراتهم، ولمّا كان الطريق بعيداً، وحزب النفاق قويّاً في المدينة، خشيّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أن تكون لهم مؤامرة خبيثة يدبّرونها في غيابه ضد المسلمين، فلذلك أقام عليّاً مقامه، حتّى يحمي الإسلام والمسلمين من شرّ الأعداء.
ثمّ إنّ حزب النفاق، استغل هذه الحادثة لأجل تشويه سمعة عليّ (عليه السلام)حتّى يجبره على ترك المدينة والالتحاق بالنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، حيث أشاعوا قائلين: ما خلّفه إلاّ استثقالاً له، وتخفّفاً منه، ولمّا أشاع المنافقون ذلك أخذ علي بن أبي طالب رضوان الله عليه سلاحه، ثم خرج حتّى أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وهو نازل بالجُرف، 1 فقال: يا نبي الله، زَعَمَ المنافقون أنّك إنّما خلفتني أنّك استثقلتني، وتخففت منّي، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «كذبوا ولكنّي خلفتك لما تركت ورائي، فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك، أفلا ترضى يا عليّ أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى، إلاّ أنّه لا نبي بعدي».
فرجع عليٌ (عليه السلام)إلى المدينة، ومضى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)على سفره .(2)
روى البخاري أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)خرج واستخلف عليّاً فقال: أتخلفني في الصبيان والنساء، قال: «ألا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه ليس نبيٌ بعدي»2.

1 . موضع على ثلاثة أميال من المدينة .   2 . السيرة النبوية لابن هشام: 2 / 519 ـ 520 .
2 . صحيح البخاري: برقم 4416، ولاحظ الرقم 3706 .

صفحه 114

7. نزول المطر بدعاء الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ونظر المنافقين فيه

اشتكى الناس في مسيرهم إلى تبوك من قلّة الماء، فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فأرسل الله تعالى سحابة فأمطرت حتّى ارتوى الناس واحتملوا حاجتهم من الماء، وبذلك قويت همة المسلمين وعزيمتهم على الذهاب إلى القتال، وثقل ذلك على بعض المندسين من حزب النفاق، فقد أقبل أحد المؤمنين على واحد من المنافقين وقال: ويحك هل بعد هذا شيء؟ قال: سحابة مارّة1.
وروى الحلبي في السيرة: أنّ رجلاً من الأنصار قال لآخر متّهم بالنفاق: ويحك قد ترى؟ فقال: مطرنا بنوء كذا وكذا.2
وهكذا يتكرر هذا الأُسلوب من التشكيك في كلّ مرّة تظهر معجزة لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، كما مرّ عليك في واقعة الحديبية.
(وَ الْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَ الَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا )3 .

8. التكذيب بنبوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

إنّ المنافقين لم يؤمنوا بالله ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)طرفة عين، ولو أنّهم آمنوا فترة لكن كفروا بعد ذلك ، ومع ذلك كانوا غير متظاهرين بتكذيب

1 . السيرة النبوية لابن هشام: 2 / 522.
2 . السيرة الحلبية: 3 / 153.
3 . الأعراف: 58 .

صفحه 115
النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)إلاّ أنّه قد ظهر منهم الكفر واضحاً وهم في طريقهم إلى تبوك، روى ابن هشام قال: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)سار حتّى إذا كان ببعض الطريق ضلّت ناقته، فخرج أصحابه في طلبها، وعند رسول الله رجل من أصحابه يُقال له عُمارة بن حزم، وكان عقبيّاً بدرياً، وكان في رحله زيدُ بن اللُّصيت القينقاعي وكان منافقاً.
فقال زيد بن اللُّصيت، وهو في رحل عمارة وعمارة عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أليس محمد يزعم أنّه نبي، ويخبركم عن خبر السماء، وهو لا يدري أين ناقته؟
فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وعمارة عنده: «إنّ رجلاً قال: هذا محمد يخبركم أنّه نبيّ، ويزعم أنّه يخبركم بأمر السماء وهو لايدري أين ناقته، وإنّي والله ما أعلم إلاّ ما علّمني الله وقد دلَّني الله عليها، وهي في هذا الوادي»، فذهبوا فجاءوا بها 1.

9. تخطيط المنافقين لاغتيال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

رجع النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)من أرض تبوك الّتي لم يلق فيها أحداً من العدو غير أنّه أجرى اتفاقيات مع أكابر القبائل الّتي تسكن في تلك الربوع.
وفي حين المغادرة اتّفق مَن بقي من المنافقين في جيش المسلمين، على اغتيال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في مكان معيّن.
روي أنّ اثني عشر رجلاً وقفوا على العقبة ليفتكوا برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)

1 . السيرة النبوية لابن هشام: 2 / 523; ولاحظ : تاريخ الخميس: 3 / 126 .

صفحه 116
عند رجوعه من تبوك فأخبر جبريل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بذلك، وأمره أن يرسل إليهم ويضرب وجوه رواحلهم، وعمّار كان يقود راحلة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وحذيفة يسوقها، فقال لحذيفة: إضرب وجوه رواحلهم، فضربها حتّى نحاهم، فلمّا نزل قال لحذيفة: من عرفت من القوم؟ قال: لم أعرف منهم أحداً. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّه فلان وفلان، حتّى عدَّهم كلّهم.
فقال حذيفة: ألا تبعث إليهم فتقتلهم؟
فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «أكره أن تقول العرب لمّا ظفر بأصحابه أقبل يقتلهم» 1.
روى الدياربكري أنّ اثني عشر رجلاً أو خمسة عشر رجلاً من المنافقين في مقفله (صلى الله عليه وآله وسلم)من تبوك، وقفوا على العقبة في الطريق ليفتكوا برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فجاءه جبريل وأمره أن يرسل إليهم من يضرب وجوه رواحلهم، فأرسل حذيفة لذلك ففعل .(2)
وفي ذلك نزل قوله سبحانه: (يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُوا وَ لَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَ كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَ هَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا)(3).
وفي «أُسد الغابة» و «تاريخ بغداد»، إلماع إلى هذه القصة 2 .

10. الاعتذار عن نشر الأراجيف

إن المنافقين من خريجي مدرسة من قال: الغاية تبرر الوسيلة، فليس عندهم نظام أخلاقي يلتزمون به ويعتمدون عليه، فالكذب عندهم عمل

1 . مجمع البيان: 5 / 70 ـ 71 .   2 . تاريخ الخميس: 2 / 130 .   3 . التوبة: 74 .
2 . لاحظ: تاريخ بغداد: 1 / 162 ; أُسد الغابة: 1 / 391 .

صفحه 117
عادي ثم إنكاره مثل ذلك، وقد ذكر الوحي الإلهي أنهم ينشرون الأراجيف ضد النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)ثم يعتذرون عنها.
وقد دل على ذلك غير واحدة من الآيات :
1. قال سبحانه: (يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لاَ تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَ سَيَرى اللهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَ الشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)1.
2. وقال سبحانه: (سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)2.

11. المنافقون وحديث مسجد الضرار

لمّا قدم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)المدينة قال له أبو عامر الراهب وهو الرجل الثاني في حزب النفاق بعد عبدالله بن أُبي: ما هذا الّذي جئت به، قال: جئت بالحنيفية دين إبراهيم (عليه السلام). قال أبو عامر: فأنا عليها، قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): لست عليها، قال: بلى، ولكنّك أدخلت في الحنيفية ما ليس منها.
فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ما فعلت ولكنّي جئت بها بيضاء نقيّة.
وقد التحق أبو عامر بعد يوم أُحد بمكة، فلمّا انهزمت هوازن نكص وخرج هارباً إلى الشام، وأرسل إلى المنافقين أن استعدوا بما استطعتم من

1 . التوبة: 94.
2 . التوبة: 95.

صفحه 118
قوة وسلاح، فابنوا لي مسجداً فإنّي ذاهب إلى قيصر ملك الروم فآتي بجند من الروم فاخرج محمداً وأصحابه.
فبنوا مسجداً إلى جنب مسجد قباء، وكان الذين بنوه اثني عشر رجلاً، فلمّا فرغوا منه أتوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وهو يتجهّز إلى تبوك فقالوا: يا رسول الله إنّا بنينا مسجداً لذي العلّة والحاجة والليلة الممطرة، والليلة الشتائية، وإنّا نحب أن تأتينا فتصلّي لنا فيه، وتدعو لنا بالبركة، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّي على جناح سفر، ولو قدمنا إن شاء الله أتيناكم فصلّينا لكم فيه .
فلمّا انصرف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)من تبوك ونزل بذي أوان، أتاه المنافقون الذين بنوا مسجد الضرار، فنزل عليه القرآن وأخبره بخبر مسجد الضرار وما همّوا به، فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)عدّة من أصحابه قال: انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فأهدموه وأحرقوه، فخرجوا سراعاً، فأخذوا سعفاً من النخل وأشعلوا فيه ناراً ثم خرجوا يشتدّون حتّى دخلوا المسجد فحرقوه وهدموه فتفرّق أهله عنه، وأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يتخذ ذلك الموضع كُناساً تُلقى فيه الجيف والنتن.1
وقد نزل في حق هذا المسجد الآيات التالية:
(وَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَ كُفْرًا وَ تَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَ إِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللهَ وَ رَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَ لَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَ اللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ

1 . تاريخ الخميس: 2 / 130 ; مجمع البيان: 5 / 110 ; السيرة النبوية لابن هشام: 2 / 529.

صفحه 119
أَوَّلِ يَوْم أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَ اللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ * أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ وَ رِضْوَان خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُف هَار فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَ اللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَ اللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)1.
أقول: في المجتمع الّذي يسود فيه الدين وللناس رغبة شديدة بالنسبة إلى الدين لو حاول المنافق التدليس والإضرار فالوسيلة الناجعة هي أن يتدرّع بالدين ثم ينفذ مخططه، وهؤلاء المنافقون أرادوا أن يبنوا وكراً لأبي عامر الراهب حتّى يجتمعوا فيه ويتشاوروا لتنفيذ مخططاتهم، فلا يكون لهم مكان أكثر أمناً من بناء المسجد، حتّى لا يشكّ فيهم أحد من المؤمنين، ويكتشف أمرهم، فهم يجتمعون فيه في أوقات الصلاة لكن لا لأجل الصلاة بل للتشاور والتخطيط، وتعبئة الأجواء وتهيئتها لقدوم أبي عامر الراهب.
فلذلك أمر الله سبحانه أن يُهدم هذا المسجد حتّى لا يتخذ وكراً للمنافقين، وأمر باتخاذه كُناساً تلقى فيه الجيف حتّى يتبيّن للمجتمع أنّ الوكر وإن سُمّي بالمسجد، ليس له قيمة في الإسلام، بل يليق به أن يكون مركزاً للنفايات .
***
إلى هنا تمّ بيان دور المنافقين في حياة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، إلى أن مات

1 . التوبة: 107 ـ 110 .

صفحه 120
عبدالله بن أُبي قبل رحيل النبي الأكرم، ومن العجيب أنّه طلب من النبي أن يهديه قميصه، ليجعله كفناً له .
فوافقه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وما ذلك إلاّ لأنّه كانت له يدٌ على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في غزوة بدر، حيث لم يوجد لعمّه العباس ـ حين أُسر ـ قميص على طوله إلاّ قميص عبدالله بن أُبي، فأهداه إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ليكسه عمّه.
وإلاّ فقميص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بل استغفاره لا يفيده شيئاً، حتّى أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أُمر بعدم الصلاة على أحد من المنافقين، قال تعالى: (وَ لاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَد مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَ رَسُولِهِ وَ مَاتُوا وَ هُمْ فَاسِقُونَ)1.
إلى هنا تمّت فصول بيان خطط المنافقين في الغزوات الّتي خاضها النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولكن النفاق ظهر بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بشكل آخر أشرنا إليه قبل الخوض في تفسير سورة «المنافقون» .
بقي الكلام في فصول أُخرى أهمها: صفات المنافقين في القرآن الكريم .

1 . التوبة: 84.

صفحه 121
 
11

صفات المنافقين في القرآن الكريم

قد عرفت دور المنافقين في الغزوات وخططهم لتضعيف معنويات المسلمين وتثبيطهم عن الجهاد إلى نهاية السنة التاسعة الّتي هلك فيها رئيس المنافقين عبدالله بن أُبيّ، وبموته أفلت تحرّكاتهم حتّى لحق النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)بالرفيق الأعلى، لكن ذلك لا يعني ذهاب النفاق من بين الصحابة فالمندسون فيهم كانوا على فكرة النفاق والعمل على خلاف مصالح المسلمين، غير أنّ القوم انخرطوا في الحكومات السائدة بعد رحيل النبي على وجه يروا أن أُمنيتهم بدأت تتحقّق شيئاً فشيئاً فيها، ولذلك نرى وجود التشتّت بعد حادثة السقيفة بين المسلمين بالأخصّ في عهد الخلفاء الأمويين، وهذا شيء يحتاج إلى زيادة تحقيق وتبسيط.
وبعبارة أُخرى: لا يمكن القول بأنّ حزب النفاق مع كثرة أعضائه مات بعد رحلة الرسول موتاً طبيعياً واختفى أثره ولم يكن له أي حركة بعده، بل تشير القرائن والشواهد التاريخية إلى تغيير تكتيكهم العملي على ضوء المستجدات الّتي حدثت بعد وفاة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، والّتي شكلت الأرضية المناسبة لتنفيذ مخططاتهم المشؤومة إذا لم نقل بضلوعهم في إثارة الأحداث الّتي حدثت بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).

صفحه 122
والذي نركّز عليه هنا هو تبيين صفات المنافقين الواردة في القرآن الكريم، وإليك بيانها.

1. التحيّر والقلق المستمرّ

إنّه سبحانه تبارك وتعالى يبيّن حال المنافقين في حياتهم ضمن مثلين وتشبيهين، وليست الغاية من التشبيه إلاّ بيان وجود التحيّر والقلق عليهم طول حياتهم، وهذا ما يستفاد من المثل التالي :

التمثيل الأوّل:

(مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَ تَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَات لاَ يُبْصِرُونَ)1.
(صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ)(2).
قد ذكرنا في كتاب «الأمثال في القرآن» بأنّ معنى المثل في القرآن هو التشبيه على نحو الاستعارة، فالله سبحانه يشبّه حال المنافق بمن ضلّ الطريق في ليل دامس، ولمّا أراد أن يقطع طريقه دون أن يتخبّط، أخذ يتوسّل بإيقاد النار ليمشي على ضوئها ونورها ويتجنّب المزالق الخطرة، وما أن أوقد النار حتّى باغتته ريح عاصفة أطفأت ما أوقده فعاد إلى حيرته الأُولى. هذا هو المشبه به، والمشبّه هو حال المنافق فيجب أن يكون فيه حالات ثلاث:

1 . البقرة: 17 .   2 . البقرة: 18 .

صفحه 123
1. التحيّر والقلق .
2. ثم ذهابهما بإيقاد النار .
3. عودة الحالة الأُولى من التحيّر بانطفاء النار .
أمّا الحالة الأُولى: ـ أي التحيّر والقلق ـ فإنّ الكفر لا ينفك عن التحيّر والقلق; لأنّه يعيش في حال الشكّ والريب في وجوده سبحانه، أو لا أقل في حياة الإنسان بعد الموت، وليس له أي دليل على نفي ذلك العالم.
وأمّا الحالة الثانية: فلمّا آمن بالرسول فقد خرج عن التحيّر والقلق إلى نور الإيمان، حيث كانوا يتشرفون بالحضور عند حضرة الرسول ويستمعون إلى كلامه وبيانه ودلائله، فصاروا كمن استوقد ناراً للهداية .
وأمّا الحالة الثالثة: فلمّا أضاءت لهم مناهج الرشد ومعالم الحق، تمرّدوا على الله بنفاقهم، فأخذ النور بالانطفاء ووقعوا في الضلالة والحيرة السابقة.
هذا هو مفاد الآية وأمّا تفسير مفرداتها فبالنحو التالي:
أمّا جواب (لمّا) في قوله: (فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ) فهو محذوف، أي خمدت النار المضاءة. إلى هنا تمّ بيان المشبّه به .
وأمّا قوله: (ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ)فهو لبيان المشبّه والممثل فإنّ الإيمان نور والكفر ظلام، فلمّا تركوا الإيمان عمّهم الظلام، أي ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون، فضمير الجمع يرجع إلى المنافقين.
والدليل على أنّ الفقرة الأُولى (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي)لبيان المشبّه به،

صفحه 124
وقوله (ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ) لبيان المشبّه، هو إفراد الضمير في الفقرة الأُولى وجمعه في الفقرة الثانية .
ثم إنّه سبحانه أكّد على عدم اهتدائهم بالظلمة الّتي أوجدوها بقوله: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ)بمعنى أنّهم عطّلوا أسماعهم وألسنتهم وعيونهم. هذا هو الّذي ظهر لنا من تفسير الآية، وللمفسّرين بيان آخر نتركه إلى محلّه.

التمثيل الثاني:

(أَوْ كَصَيِّب مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَ رَعْدٌ وَ بَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَ اللهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ *
يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَ إِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَ لَوْ شَاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَ أَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيء قَدِيرٌ
)1.
وقبل بيان التمثيل نبيّن معنى مفردات الآية.
الرعد: هو الصوت الّذي يسمع في السحاب أحياناً عند تجمعه.
البرق: هو الضوء الّذي يلمع في السحاب غالباً.
الصاعقة: نار عظيمة تنزل أثناء المطر والرعد والبرق.
الخطف: السلب والأخذ بسرعة.

1 . البقرة: 19 ـ 20 .

صفحه 125
وإذا أظلم: بمعنى إذا خفّ ضوء البرق.
فالآية تشتمل على تمثيل وهو مركّب من المشبّه به والمشبّه ; أمّا الأوّل فلنفترض أنّ قوماً كانوا يسيرون في الفلوات وسط أجواء سادها الظلام الدامس، فإذا بصيّب من السماء يتساقط عليهم بغزارة، فيه رعود قاصفة وبرق لامع يكاد يخطف الأبصار من شدته، وصواعق مخيفة، فتولاّهم الرعب والفزع والهلع، ممّا حدا بهم أن يجعلوا أصابعهم في آذانهم خشية الموت للحيلولة دون سماع الصوت المخيف، فعندئذ وقفوا حيارى لا يدرون أين يولّوا وجوههم، فإذا ببصيص من البرق أضاء لهم الطريق فمشوا فيه هنيئة، فلما استتر ضوء البرق أحاطت بهم الظلمة مرة أُخرى وسكنوا عن المشي.
ويستخلص من هذا المشهد إنّ الفزع والحيرة قد استولى على هؤلاء القوم لا يدرون ما يفعلون، وهذه الحالة برمّتها تصدق على المنافقين، وقد ذكر المفسرون في تطبيق المثل على المنافقين وجهين:
الأوّل: التطبيق المفرّق لكلّ ما جاء من المفردات في المشبّه به كالصيّب والظلمات والرعد والبرق والصاعقة، على المشبّه. وهذا هو الطريق الّذي مشى عليه الشيخ الطبرسي فجعل لكلّ من المفردات المتقدّمة شيئاً في حياة المنافقين، ومن أراد فليرجع إلى تفسيره .1
الثاني: التطبيق المركّب وهو أنّ الغاية من وراء هذا التمثيل يرجع إلى

1 . مجمع البيان: 1 / 57 .

صفحه 126
إحاطة الحيرة والقلق بالمنافقين كإحاطته بالمشبّه به، فكما أنّ السائرين في الصحراء في الليلة الظلماء إذا أصابهم صيّب ومعه رعد وبرق يُصم الأسماع يجعلون أصابعهم خوفاً من أن تهلع قلوبهم من هول أصواتها ثم إذا أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا، فهم في عامة الأحوال يعيشون في حيرة وقلق، فهكذا حال المنافق.
ويمكن بيان ذلك في جانب المنافقين بالوجه التالي: إنّ الرعب والقلق أحاط بالمنافقين إثر انتشار الإسلام في الجزيرة العربية، وبعد دخول القبائل فيه وتنامي شوكته أوجد في قلوب المنافقين رعباً وفزعاً، ويجدون ذلك بلاءً أحاط بهم كالقوم الذين يصيبهم الصيّب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق.
ثم إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عندما يخبرهم عن المستقبل المظلم للكافرين، صار ذلك كالصاعقة النازلة على رؤوسهم فكانوا يهربون من سماع آيات الله ويحذرون من صواعق براهينه الساطعة، مع أنّ هذا هو منتهى الحماقة، لأنّ صمّ الآذان ليس من أسباب الوقاية من أخذ الصاعقة ونزول الموت، وإلى ذلك يشير قوله سبحانه: (يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَ اللهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ).
ثم إنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يدعوهم إلى أصل الدين ويتلوا عليهم الآيات البيّنة ويقيم لهم الحجج البالغة، فعندئذ يظهر لهم الحق، فربّما كانوا يعزمون على اتّباعه والسير وراء أفكاره، ولكن هذه الحالة لم تدم طويلاً، إذ سرعان ما

صفحه 127
يعودون إلى تقليد الآباء، وظلمة الشهوات والشبهات، وإلى ذلك يشير قوله سبحانه: (يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَ إِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا) .
ثم إنّه أعقب التمثيل بقوله: (وَ لَوْ شَاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَ أَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيء قَدِيرٌ): أي أنّه سبحانه قادر على أن يجعلهم صماً وعمياً حتّى لا ينجع فيهم وعظ واعظ، ولا تجدي فيهم هداية هاد.

2. التذبذب والانتهازية

التذبذب واستغلال الفرص الّذي نعبر عنه بالانتهازية من صفات المنافقين البارزة، فتارة يعدّون أنفسهم من صميم الإسلام والمسلمين، وأُخرى يتقرّبون إلى الكفّار والمشركين في السرّ دون العلانية حسب اختلاف الأجواء والظروف.
إنّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)يشبّه المنافق بالشاة العابرة بين القطيعين من الغنم، فتارة تلتحق بهذا وأُخرى بذاك، يقول: «مثل المنافق مثل الشاة العابرة بين الغنمين تعبر إلى هذه مرة وإلى أُخرى مرة»1.
والحق أنّ منافقي عصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)كانوا على هذا الوصف، ففي الوقت الّذي يكون النصر حليفاً للمسلمين يعدّون أنفسهم منهم حتّى يستغلّوا الفرص ويشاركوا في الغنيمة، ولكن في الوقت الّذي يكون

1 . مسند أحمد: 2 / 32.

صفحه 128
للمشركين نصيب يتسلّلون إليهم بإظهار المحبة والمودّة لهم وأنّهم فعلوا لصالحهم أُموراً.
وإلى هذا النوع من التذبذب في حياتهم يشير سبحانه بقوله: (الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَ إِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَ نَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ لَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً)1.
ومعنى الآية: أنّه لو كان للمؤمنين فتح من الله يقولون: (أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ)فاعطونا نصيبنا من الغنيمة.
وأمّا إذا كان للكافرين حظ ونصيب من المسلمين يستغلّون الفرصة ويقولون لهم: (أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَ نَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)، وقد اختلف المفسرون في تفسير هذه الفقرة، فقد فسّرها الطبرسي بالنحو التالي:
ألم نغلب على رأيكم بالموالاة لكم ونمنعكم من الدخول في جملة المؤمنين. يعني إذا حاول مشرك أن يدخل في حظيرة الإسلام يمنعه المنافق محتجّاً بأن دولة هؤلاء آفلة .2
وفسّره ابن عاشور بقوله:
ألم نتول شؤونكم ونحيط بكم إحاطة العنايية (كذا) والنصرة ونمنعكم

1 . النساء: 141.
2 . مجمع البيان: 2 / 196 .

صفحه 129
من المؤمنين، أي من أن ينالكم بأسهم .1
ثم إنّه سبحانه يشير إلى هذا النوع من التذبذب في آية أُخرى ويقول: (وَ إِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا * وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيًما)2.
والآية تخبر بأنّ بعض المنافقين يتأخّر في الخروج مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)حتّى يتبيّن له مستقبل الأمر، فإن انهزم المسلمون يشمت بهم ويقول: (قَدْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا)، أي شاهداً حاضراً في القتال، وهذه قرينة على أنّ القائل من المنافقين .
وأمّا إذا كان للمسلمين في الجهاد نصر وغنيمة يقول: (يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيًما).
وأمّا قوله: (كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُ مَوَدَّةٌ)فهو جملة معترضة بين الحالتين راجع إلى الفقرة الأُولى، فعندما حلّت المصيبة بالمسلمين شكر المنافق اللهَ وقال: (أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا) مع أنّه ربما قتل في الجهاد أبوه أو ابنه أو عمه أو خاله، ومعنى ذلك: كيف تقول: قد أنعم الله عليّ وقد قتل مَن قتل من أهلك وأقاربك وعشيرتك كأن لم تكن بينكم وبينه مودّة.

1 . تفسير ابن عاشور: 4 / 286 .
2 . النساء: 72 ـ 73 .

صفحه 130

3. الحياة في خضمِّ الخوف

يسود على حياة المنافق الخوف من سيطرة المسلمين على المنطقة والقضاء على الشرك والمشركين فيضيق الخناق عليهم، ولذلك كانوا يعيشون في حالة ترقّب وخوف من المستقبل المجهول حتّى أنّهم لو وجدوا ملجأً أو مغارات يلجأون إليها لخرجوا من ديار المسلمين، وإلى ذلك يشير سبحانه في الآيتين التاليتين: (وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَ لَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ * لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَات أَوْ مُدَّخَلاً لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَ هُمْ يَجْمَحُونَ )1.
ثم إنّه سبحانه يبيّن وجود الخوف بينهم لوجود عامل آخر، وهو: إذا آمن خاف مخافة عذاب الناس، فربّما يرجّح العذاب الدائم على العذاب المنقطع فيبقى على شركه باطناً، وإليه يشير سبحانه فيما ذكرنا (فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللهِ)أي في دين الله (جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللهِ)2 فيرجع عن الدين مخافة عذاب الناس; وأمّا إذا جاء نصر من الله للمسلمين فهو ينكر رجوعه عن الدين مدّعياً بأنّه معكم ; فهو يعيش بين خوفين: خوف من عشيرته وقبيلته خارج المدينة، وخوف من المسلمين والله سبحانه (أَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ ).

1 . التوبة: 56 ـ 57 .
2 . العنكبوت: 10 .

صفحه 131
 
12

المنافقون وكيفية أداء الفرائض الدينية

إنّ الصلاة و الزكاة من الفرائض البدنية والماليِّة، فالصلاة فريضة يقوم بها الإنسان بأعضائه وجوارحه فيعبد الله في أوقات خمسة حسب ما أمر به، كما أنّ الزكاة فريضة مالية يخرجها المسلم من الأموال الّتي رُزِق بها بفضل من الله سبحانه.
أمّا الصلاة فكفى لها فضلاً وقيمة أنّها صلة روحية وثيقة بين العبد وربّه على نحو لولاها لانقطعت الصلة بين العبد الفقير ومبدأ الكمال المطلق ; مضافاً إلى أنّ ذكر الله يمنع الإنسان من العزوف إلى الفسق وارتكاب الجرائم. قال سبحانه: (أَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْري)1 .
وقال تعالى: (إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ لَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ وَ اللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)2.
نعم ربما يبرّر مَن يترك الصلاة ـ تساهلاً وتوانياً لا إنكاراً ـ عمله باستغناء الله عن عبادته، وأنّه لا حاجة له إلى تكبّد العبد العناء في الحياة، وهو ليس كالملوك والأُمراء الذين يحتاجون إلى خضوع الناس لهم

1 . طه: 14 .
2 . العنكبوت: 45.

صفحه 132
وتواضعهم لديهم; لكنّه غفل عن أنّ الغاية من تشريع الصلاة هو إيصال العبد إلى الكمال المطلوب، فالعبد إليها أحوج والله عنها غني مطلق .
هذا حال المؤمن وأمّا المنافقون فبما أنّهم يعيشون بين الكفر والإيمان، فليس عندهم أي وازع لإقامة الفرائض البدنية إلاّ حياء من الناس وتغطية على عقيدتهم .
يقول سبحانه: (وَ لاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَ هُمْ كُسَالَى )1 .
وقال سبحانه: (وَ إِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاَةِ قَامُوا كُسَالَى )2، فكم فرق بين مَن يقوم إلى عبادة ربّه عاشقاً لكماله معتقداً بربوبيته، وبين من لا يعتقد بشيء من ذلك فلا يقوم بالصلاة إلاّ عن ضجر وملل وسآمة وكسل. هذا كلّه حول الصلاة .
وأمّا الفرائض الماليّة المتجسّدة في الزكاة فالناس فيها على قسمين:
1. قسم يعتقد بأنّ ما ينفقه في سبيل ربه يضاعفه له يوم القيامة ويجزيه بعشر مرّات، فيعطي ماله في سبيله شوقاً ورغبةً.
2. وقسم يرى أنّ الموت نهاية الحياة وأنّه لا حشر بعده وأن الحياة الدنيا هي المنية العظمى، فعندئذ لا وازع له من إنفاق ماله الّذي صرف فيه نفسه ونفيسه، ولو أنفق فإنّما ينفق كارهاً لغايات سياسية، فلذلك لا تقبل نفقاتهم.

1 . التوبة: 54 .
2 . النساء: 142 .

صفحه 133
قال سبحانه: (وَ مَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَ بِرَسُولِهِ وَ لاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَ هُمْ كُسَالَى وَ لاَ يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَ هُمْ كَارِهُونَ)1.
إنّ شيمة المنافق كونه منّاعاً للخير، فكانوا يقبضون أيديهم عن الإنفاق، ولو أنفقوا شيئاً لأنفقوا قليلاً نكداً لا يعتدّ به، وفي الوقت نفسه كانوا يتّهمون الآخرين بالرياء أو يحقّرون إنفاقهم.
قال تعالى: ( الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَ الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)2.
روى المفسّرون في سبب نزول الآية: أنّ عبدالرحمن بن عوف أتى بصرّة من الدراهم تملأ الكف وأتاه عقبة بن زيد الحارثي بصاع من تمر وقال: يا رسول الله عملت في النخل بصاعين فصاعاً تركته لأهلي وصاعاً أقرضته ربّي. ولمّا عاد المنافقون يعيبون كلا الرجلين، فقالوا: إنّ عبدالرحمن رجل يحب الرياء، وإنّ الله غنيٌّ عن الصاع من التمر، وبذلك ظهر معنى الآية أي: إنّ الذين يعيبون المتطوّعين بالصدقة من المؤمنين ويطعنون عليهم في الصدقات والذين لا يجدون إلاّ جهدهم، فيسخرون من الجميع، فيصفون المكثر بالرياء والمقلّ بالإقلال.3

1 . التوبة: 54 .
2 . التوبة: 79 .
3 . مجمع البيان: 5 / 96 .

صفحه 134
وقد بلغ القوم من الضلال إلى حدّ لا يؤثر فيهم استغفار النبي حتّى لو استغفر لهم سبعين مرّة، يقول سبحانه في حقّهم: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَ رَسُولِهِ وَ اللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)1.
أضف إلى ذلك: أنّهم كانوا يتّهمون النبي بالعصبية وأنّه يقدّم أقرباءه في الغنيمة على غيرهم.
روى أبو سعيد، قال: بينما نحن مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو يقسم قسماً أتاه ذوالخويصرة، وهو رجل من بني تميم فقال: يا رسول الله اعدل! فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «ويلك ومن يعدل إن لم أعدل قد خبتُ وخسرتُ إن لم أعدل». فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله ائذن لي فيه أضرب عنقه. قال: «دعه فإنّ له أصحاباً يحقّر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يقرأون القرآن، لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمِيَّة».2
وإلى هذا يشير قوله سبحانه: (وَ مِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللهُ وَ رَسُولُهُ وَ قَالُوا حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ رَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللهِ رَاغِبُونَ * إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَ الْمَسَاكِينِ وَ الْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَ فِي الرِّقَابِ وَ الْغَارِمِينَ وَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ

1 . التوبة: 80 .
2 . التاج الجامع للأُصول: 5 / 313.

صفحه 135
فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَ اللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)1.
روى الكلبي أنّ رجلاً من المنافقين كان يدعى أبا الجواظ، قال لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): تزعم أنّ الله أمرك أن تضع الصدقات في الفقراء والمساكين ولم تضعها في رعاء الشاء؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا أباً لك أما كان موسى راعياً؟ أما كان داود راعياً. فلما ذهب قال عليه الصلاة والسلام: «احذروا هذا وأصحابه فإنّهم منافقون».2
وروى أبو بكر الأصمّ في تفسيره أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال لرجل من أصحابه: ما علمك بفلان؟ فقال: مالي به علم إلاّ أنّك تدنيه في المجلس وتجزل له العطاء. فقال عليه الصلاة والسلام: إنّه منافق أُداري عن نفاقه وأخاف أن يفسد عليّ غيره، فقال: لو أعطيت فلاناً بعض ما تعطيه. فقال عليه الصلاة والسلام: «إنّه مؤمن أَكِلُهُ إلى إيمانه، وأمّا هذا فمنافق أُداريهِ خوف إفساده».3

1 . التوبة: 58 ـ 60 .
2 . تفسير الرازي: 16 / 97 ; النفاق والمنافقون: 279 .
3 . النفاق والمنافقون: 279 نقلاً عن تفسير أبي بكر الأصمّ.

صفحه 136
 
13

تنصّلهم من أقضية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

إنّ الله سبحانه أرسل نبيّه داعياً وهادياً إليه بكتابه وسنّته، وحباه مقام الإفتاء والقضاء والحكم، فهو في مقام بيان الأحكام الشرعية مُفت بأمر الله سبحانه، وفي المرافعات وفصل الخصومات قاض يجب التسليم له، كما أنّه في إدارة البلد وتدبير الأُمور والدعوة إلى الجهاد في سبيل الله قائد محنّك حاكم من جانب الله سبحانه.
إنّ من سمات المؤمن التسليم أمام قضائه، سواء أكان لصالحه أو لصالح خصمه.
قال سبحانه: (فَلاَ وَ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِي مَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيًما)1.
فالتسليم أمام أقضية النبي شارة الإيمان في قلب المؤمن، وقد أمر الله سبحانه في الذكر الحكيم بعدم التقدّم على الله ورسوله ومن مراتب التسليم قبول قضائه. قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَ رَسُولِهِ وَ اتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)2 .

1 . النساء: 65 .
2 . الحجرات: 1 .

صفحه 137
وفي آية أُخرى يصف المؤمنين بقوله: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَ رَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُواسَمِعْنَا وَ أَطَعْنَا وَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)1.
وفي آية أُخرى أيضاً: (وَ مَنْ يُطِعِ اللهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَخْشَ اللهَ وَ يَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ)2 .
وهذا الموضع من المزالق، فالمؤمن بما أنّه مستمسك بحبل الله سبحانه يتثبّث أمام قضائه ولكن المنافق يُعدّ هذا المقام من مزالقه. إمّا يرجّح قضاء الغير على قضاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أو لا يظهر الرغبة إلى قضائه، ولذلك نماذج في التاريخ:
1. روى الطبرسي: كان بين رجل من المنافقين وبين رجل من اليهود حكومة فدعاه اليهودي إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف .
وحكى البلخيّ أنّه كانت بين عليّ وعثمان منازعة في أرض اشتراها من علي (عليه السلام)فخرجت فيها أحجار وأراد ردّها بالعيب فلم يأخذها، فقال: بيني وبينك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). فقال الحكم بن أبي العاص لعثمان: إن حاكمته إلى ابن عمّه يحكم له فلا تحاكمه إليه، فنزلت الآيات (من سورة النور) وهو المرويّ عن أبي جعفر (عليه السلام)أو قريب منه.3

1 . النور: 51 .
2 . النور: 52.
3 . مجمع البيان: 7 / 236 .

صفحه 138
2. وروى الطبرسي ـ أيضاً ـ وقال: كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة فقال اليهودي: أُحاكم إلى محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)ـ لأنّه علم أنّه لا يقبل الرشوة ولا يجور في الحكم ـ فقال المنافق: لا ، بل بيني وبينك كعب بن الأشرف ـ لأنّه علم أنّه يأخذ الرشوة ـ وفي هذا المقام نزلت الآيتان التاليتان:
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ مَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَ يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللهُ وَ إِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا)1.
هذه نماذج من تنصّل المنافقين من أقضية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وهي حاكية عن عدم صدق إيمانهم بالنبي فلا يقبلون قضائه أو يرجعون إلى الآخرين لأنّهم يقبلون الرشوة ويبيعون آخرتهم بدنياهم.
وقد نقل غير واحد من المفسّرين في تفسير الآيات 105 إلى 117 من سورة النساء، قضايا تشابه ما نقلناه سابقاً .2

1 . النساء: 60 ـ 61 .
2 . مجمع البيان: 3 / 102 .

صفحه 139
 
14

ندرة الحضور في ميادين الجهاد

إنّ الجهاد باب من أبواب الجنة فتحه الله لخاصة أوليائه، ولا يلج هذا الباب إلاّ من عُمِرَ قلبه بالإيمان، وأمّا من آثر الحياة الدنيا ولم يؤمن بالحياة الأُخرى فالجهاد عنده ضرر وخسران; لأنّه يضحّي بنفسه ونفيسه دون أن يعود إليه شيء، والمنافق بما أنّه متظاهر بالإيمان دون أن يؤمن بالله حقيقة، فهو يسعى ـ أوّلاً ـ إلى عدم الحضور في ميادين الحرب، ولو حضر ـ ثانياً ـ ربما يستأذن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)للخروج عن المعسكر بحجّة أنّ بيوتهم عورة مكشوفة ـ ولم تكن مكشوفة ـ بل كانت بيوتهم رفيعة وإنّما أرادوا الهروب من القتال.
ثم إنّهم ربما يسعون في إخراج المجاهدين أيضاً عن صفوف الجهاد بإيجاد الرعب في قلوبهم قائلين: (يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا)1، كلّ هذه الأُمور من نتائج النفاق وفقد الإيمان، وأمّا المؤمن فهو يلج هذا الباب بشوق ورغبة، ولو اشتدّ الأمر لم يذهب حتّى يأذن النبي له، والآيتان التاليتان ترسمان لنا موقف المؤمن والمنافق في جبهات الحرب.
أمّا موقف المؤمن فقول الله سبحانه في حقّه: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ

1 . الأحزاب: 13.

صفحه 140
آمَنُوا بِاللهِ وَ رَسُولِهِ وَ إِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْر جَامِع لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَ رَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَ اسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)1 .
وأمّا المنافق فالآية التالية تصف موقفه وتقول: (لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)2.

1 . النور: 62 .
2 . النور: 63.

صفحه 141
 
15

سلاح المنافقين في حياتهم بين المسلمين

الأكثرية الساحقة كانت تؤمن بالله ورسوله وباليوم الآخر وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتشارك في الجهاد وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر إلى غير ذلك ممّا هو من شؤون الإيمان.
ولكن المنافق بما أنّه ذو وجهين فمن جانب يسعى لأن يُعرف بين الناس بالإيمان وأنّه عضو من أعضاء المجتمع المؤمن، ومن جانب آخر يصدّه الكفر الباطني من القيام بالوظائف الّتي يعملها المؤمنون، فلا محيص له من أن يتّخذ سلاحاً خاصّاً يجمع بين التظاهر بالإيمان وإبطان الكفر. وإليك بيان أنواع الأسلحة الّتي كان المنافق يتّقي بها وجهه، وهي الأُمور التالية:

1. الأيمان الكاذبة

إنّ الإنسان مهما كان فطناً وذكيّاً لا يمكن أن يستر ما يبطنه طيلة عمره خصوصاً إذا اختلفت الظروف، إذ باختلافها ربّما يرتفع الستر عن باطن الأمر ويظهر للناس ما يبطنه، ولأجل إعطاء الثقة للناس في هذه الحالات يستعينون بالأيمان الكاذبة وأنّهم من المسلمين، ولا فرق بينهم، وإليه يشير

صفحه 142
قوله سبحانه: (وَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَ لَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ)1 .
فأظهر الله سبحانه سراً من أسرار القوم وبيّن أنّ هؤلاء المنافقون أنّهم يقسمون بأنّهم لمن جملتكم، والحال بأنّهم ليسوا بمؤمنين ولكنّهم قوم يخافون القتل والأسر إن لم يظهروا الإيمان ; ويشير في آية أُخرى أنّهم أتخذوا أيمانهم جُنّة ودرعاً لئلاّ يتّهموا بالكفر فيؤخذوا ويقتلوا، قال سبحانه: (اِتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)(2).

2. الخدعة والحيلة

المكر والحيلة سلاح الضعيف في مقابل القوي، فبما أنّه لا يتمكّن من مقابلته يتوسّل بالحيلة والمكر بإضلال الطرف الآخر; وقد اتّخذه منافقو عصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)سلاحاً، فمن جانب أنّهم يدّعون بأنّهم مسلمون يشاركون في الغنائم المأخوذة من المشركين، ومن جانب آخر يتجسّسون لصالح أعداء الإسلام ويخبرونهم بما عليه المسلمون من الخوف والقلق، ثم إنّهم يواجهون المسلمين بلسان ذلق وكلام بليغ حتّى يعموا الأمر عليهم، ولعلّ إلى هذه الأُمور يشير سبحانه ويقول: (وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَ يُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَ هُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ)2.

1 . التوبة: 56 .   2 . المنافقون: 2 .
2 . البقرة: 204.

صفحه 143
فأكثر المفسّرين على أنّها نزلت في المنافقين حيث إنّهم يظهرون القول الجميل في النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والمحبة له والرغبة في دينه، ويبطنون خلاف ذلك، فهم يحلفون بالله ويشهدونه على أنّهم آمنوا بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وهم أشد الخصوم.

3. الاجتماعات السرّية

يظهر من بعض الآيات أنّ قسماً من المنافقين يشكلّون اجتماعات سرّية ضد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإذا واجهوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أظهروا الطاعة، وإذا غابوا عنه عادوا إلى ما اتّفقوا عليه في مجالسهم الليلية، ولعل الآيتين التاليتين تشيران إلى هذا النوع من السلاح:
قال سبحانه: (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَ لاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَ هُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَ كَانَ اللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا )1.
وقال سبحانه: (وَ يَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَ اللهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَ تَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلاً)(2).

4. إيجاد التفرقة والخلاف بين المسلمين

الأصل المعروف: «فرّق تسد» كان شعاراً للمنافقين يطبّقونه إذا سنحت الفرصة لهم، كما فعلوا ذلك في غير موضع من الغزوات، وقد مرّ في

1 . النساء: 108 .   2 . النساء: 81 .

صفحه 144
الأمر الثالث عند دراسة دور المنافقين في معركة أُحد أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)خرج مع المسلمين إلى أُحد وخرج معه عبدالله بن أُبي مع جماعته، ولكنّه بحجّة أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قدّم رأي الآخرين على رأيه انخزل مع جماعته، فكان مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)سبعمائة رجل ومعه ثلاثمائة، ولكنّه سبحانه وتعالى نصر المسلمين ولم يكن لرجوعهم إلى المدينة أي أثر سيّئ.
نعم قُتل من المسلمين في غزوة أُحد حوالي سبعين رجلاً وجرح أيضاً نحوه، لكن السبب يرجع إلى تخلّف الرماة ونزولهم عن مواقعهم.
ولم تكن غزوة أُحد هي الموضع الوحيد لإيجاد التفرقة، فقد عمل رأس النفاق على إيجاد الفرقة بين المهاجرين والأنصار في غزوة بني المصطلق وقد تقدّم ذكره في الفصل السادس، وقد كاد أن يقتتل كلّ من الطائفتين إلاّ أنّ نُصح النبي وتحذيره صارا سبباً لفضّ النزاع، ولكنّ رأس النفاق استغلّ هذه الحالة وطلب من الأنصار الأمرين التاليين:
1. ضرب الحصار الاقتصادي وعدم الإنفاق على من عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).
2. إخراج المهاجرين من المدينة.
وبما أنّا شرحنا الموضوع في الأمر السادس فلنكتف بهذا المقدار .

5. التشكيك في التشريع الإسلامي

التشكيك في صحّة ما نزل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في مورد تحويل القبلة أو تزويج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بنت عمته زينب، من الأُمور الّتي كان يركّز عليها حزب

صفحه 145
النفاق ويبث الشكّ بين المسلمين وربما يصفه بالباطل. وإليك دورهم في ذينك الأمرين:

أ. تحويل القبلة إلى الكعبة

كان النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)يصلّي إلى جهة بيت المقدس، فلمّا انتقل إلى المدينة وكان اليهود يتوجّهون إليه أمر الله المسلمون بالتوجّه إلى الكعبة ليتميّزوا عن اليهود، قال سبحانه: (قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَ حَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَ مَا اللهُ بِغَافِل عَمَّا يَعْمَلُونَ)1.
قال المفسّرون: كانت الكعبة أحب القبلتين إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال لجبريل: وددت أن الله صرفني من قبلة اليهود عن غيرها، فقال له جبرئيل: إنّما أنا عبد مثلك وأنت كريم على ربك فادعوا ربك وسله، ثم ارتفع جبرئيل وجعل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يديم النظر إلى السماء رجاء أن يأتيه جبرئيل بالذي سأل ربه، فأنزل الله تعالى هذه الآية.2
وبذلك يعلم أنّ التوجّه إلى بيت المقدس في مكّة المكرّمة كان لأجل تميّز المسلمين من المشركين حيث كانوا يتوجّهون إلى الكعبة، وأمّا التحويل من بيت المقدس إلى الكعبة فلأجل أنّ اليهود فى المدينة يتوجّهون

1 . البقرة: 144 .
2 . مجمع البيان: 1 / 419 .

صفحه 146
إلى بيت المقدس، ولأجل التميّز أمر الله سبحانه النبي والمسلمين بالتوجّه إلى الكعبة. هذه خلاصة قصة تحويل القبلة.
ثم إنّ السفهاء من اليهود والمنافقين استغلّوا هذا الأمر وقالوا: (مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا )1 وأي شيء حوّلهم وصرفهم عن بيت المقدس الّذي كانوا يتوجّهون إليه في صلاتهم، وقد نشروا هذه الفكرة لزعزعة المسلمين وإيجاد البلبلة بينهم، ولكنّه سبحانه أفشل فتنتهم وقال:
(وَ مَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَ إِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ وَ مَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ)2.
وقد وجّه سبحانه أمر تحويل القبلة بقوله: (لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ)، أي ليتميز المؤمن المخلص الّذي يؤمن به ويتبعه في أقواله وأفعاله ممّن ينقلب على عقبيه ومَن يرتد عن الإسلام لأجل تحويل القبلة جهلاً منهم لما فيه من وجوه الحكمة، وإن كان التحوّل من قبلة إلى أُخرى أمراً ثقيلاً، إلاّ على الذين هدى الله مذعنين بأنّ ما أتى به الرسول إنّما هو من الله سبحانه لا من تلقاء نفسه وما يأمر به تعالى فهو رهن مصلحة تستلزم نسخ ما شرّع أوّلاً.

1 . البقرة: 142 .
2 . البقرة: 143 .

صفحه 147

ب. تزويج زينب بعد طلاق زيد

إنّ زينب بنت جحش الأسدية بنت عبدالمطلب بنت عمة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)خطبها لمولاه زيد بن حارثة، ثم إنّه وقعت مشاجرة بين الزوجين انتهت إلى طلاقهما مع أنّ الرسول يوصي مولاه زيد بقوله: أمسك عليك زوجك ولا تطلّقها واتق الله في مفارقتها ومضارتها، ولكن كان المقدّر أنّ زيداً فارق زوجته وطلّقها .
هذا وبما أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)تبنّى زيداً قبل البعثة وكانت العرب ينزلون الأدعياء منزلة الأبناء في الأحكام، فكما أنّ الإنسان يحرم عليه تزوّج حليلة الابن، فهكذا كان كذلك عندهم بالنسبة إلى حليلة المتبنّى.
وبما أنّ هذه السيرة كانت أمراً غير صحيح أراد سبحانه أن يبطل ذلك بالكلية وينسخ سنّة الجاهلية فأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بأن يتزوّج زينب بنت عمّته .
قال سبحانه: (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَ كَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً)1 هذه هي قصة تزويج زينب بعد طلاق زوجها زيد.2
ثم إنّ سماسرة الأهواء قد حاكوا حول القصة ممّا هو بعيد عن المؤمن التقي فضلاً عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)وقالوا: إنّ رسول الله كان شديد الحب لزيد وكان إذا أبطأ عليه زيد أتى منزله فيسأل عنه، فأبطأ عليه يوماً فأتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)منزله فإذا زينب جالسة وسط حجرتها تسحق طيباً بفهر لها، قال:

1 . الأحزاب: 37 .
2 . راجع مجمع البيان: 8 / 564 في تفسير الآية.

صفحه 148
فدفع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)الباب، فلمّا نظر إليها قال: سبحان الله خالق النور تبارك الله أحسن الخالقين. ورجع فجاء زيد وأخبرته زينب بما كان فقال لها: لعلك وقعت في قلب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فهل لك أن أُطلقك حتّى يتزوجك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ فقالت: أخشى أن تطلّقني ولا يتزوّجني، فجاء زيد إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى آخر القصة فنزلت الآية: (وَإِذْ تَقُولُ لِلذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ)الآية.1
كلّ ذلك من مكائد المنافقين الذين كانوا يشكّكون في التشريع السماوي بهذه الاتّهامات الباطلة، فلو كان السبب لتزويج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بعد طلاق زيد هو رغبته فيها لما زوجها إيّاه أصلاً ولتزوّجها وهي بنت بكر ليقطع الطريق على المنافقين ومرضى القلوب .
والعجب أنّ الوحي الإلهي يعلّل تزويج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)لأجل إبطال السنّة الجاهلية في أزواج ادعيائهم، ومع ذلك أثاروا حولها من الأراجيف ما قد علمت. والعجب أنّ قسماً من المفسّرين يذكرون القصة ويمرون عليها دون أن يذكروا شيئاً حولها.

6. الاستهزاء بالمقدّسات الإسلامية

لقد كان حزب النفاق يشاهد بأُمّ عينيه بأنّ الناس يدخلون في دين الله أفواجاً، وأنّ الإسلام سيسيطر على الجزيرة العربية، وأنّ قوة المنطق منضمةً إلى التضحيات بالغالي والنفيس سيقضيان على الوثن والوثنية، فلم يجدوا

1 . مجمع البيان: 7 / 563 .

صفحه 149
محيصاً من التوسّل بالاستهزاء بالمقدّسات الإسلامية لزعزعة عقيدة المؤمنين .
إنّ الذكر الحكيم يصف المؤمنين بقوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَ إِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَ عَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)1.
إنّ قلب المؤمن المخلص العاري من شوائب الشرك والعلائق بغير الله مثل الأرض الطيّبة، إذا احتضنت بذوراً طيبة سوف تنقلب إلى ورود معطرة، ولذلك يقول سبحانه: (وَ إِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا).
ويقابله الكافر فإنّ قلبه كالأرض المالحة لا ينبت فيها شيء إلاّ النبات الخبث، يقول سبحانه: (وَ إِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَ هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَ مَاتُوا وَ هُمْ كَافِرُونَ)2.
فالآيات القرآنية طيّبة مثمرة، ولكنّ القصور إنّما هو في القلوب، فالبصيرة منها تكتسب النور وتتغذى به وتزداد إيماناً، والقلوب الّتي عليها غشاوة لا تستطيع أن تستضيء بنور الآيات.
ثم إنّ المنافقين ربما يحذرون من أن تنزل عليهم سورة تفضحهم وتعرفهم للمسلمين يقول سبحانه: (يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ

1 . الأنفال: 2.
2 . التوبة: 124 ـ 125 .

صفحه 150
تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ)1.

7. الإعلام المغرض

إنّ للإعلام في كلّ عصر وزمان دوراً كبيراً في هداية الناس وإضلالهم، وقد كان المنافقون يستغلونه لأغراضهم الفاسدة الّتي أهمها إضعاف معنويات المسلمين في الحرب والصلح، وبذلك ينشرون أخباراً كاذبة عن وضع المسلمين في الغزوات حتّى يضعفوا بذلك معنويات الآخرين الذين لم يلحقوا بهم، حتّى لو كان هناك ضعف طفيف في أمر الجيش صاروا يكبرونه ويذيعونه بشكل يتوهّم السامع أنّ الإسلام والمسلمين على عتبة الدمار والهلاك، ولذلك يصفهم سبحانه بقوله: (وَ إِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ)(2).

8. الشماتة بالمسلمين

آخر ما في كنانة المنافقين من السهام المسمومة الّتي تستهدف المسلمين هو شماتتهم بهم عند نزول المصيبة والهزيمة، وكانوا يفرحون لهزيمتهم كما أنّهم يحزنون عند انتصار المسلمين وغلبتهم على عدوهم، وهذه هي شيمة المنافق والعدو المستتر بالتظاهر بالإيمان. يقول سبحانه: (إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَ إِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَ إِنْ تَصْبِرُوا

1 . التوبة: 64 .   2 . النساء: 83 .

صفحه 151
وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ)1.
وقد حدث أثناء بناء مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)أن مات نقيب بني النجار أسعد بن زرارة إذ أخذته الذبحة أو الشهقة، فكانت وفاته سبباً لتقوّل اليهود والمنافقين حيث قالوا: لو كان نبياً لم يمت صاحبه، وقد روي أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال عن ذلك: «يقولون: لو كان نبياً لم يمت صاحبه، ولا أملك لنفسي ولا لصاحبي من الله شيئاً».2

1 . آل عمران: 120 .
2 . النفاق والمنافقون في عهد رسول الله: 316.

صفحه 152
 
16

أسئلة حول النفاق والمنافقين

قد يتبادر إلى الأذهان أسئلة حول حزب النفاق، نحاول الإجابة عنها، وإليك الأسئلة مع أجوبتها:

الأوّل: التحذير من المنافق أكثر من التحذير من الكافر

نرى أنّه سبحانه اهتم بالتحذير من المنافقين أكثر من الاهتمام بالمشركين فقد اقتصر في التحذير عن الطائفة الثانية بالآيتين التاليتين:
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَ عَلَى سَمْعِهِمْ وَ عَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)1.
ولكنّه سبحانه حذر عن المنافقين ضمن ثلاث عشرة آية، قال سبحانه: (وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَ مَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ* يُخَادِعُونَ اللهَ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ مَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَ مَا يَشْعُرُونَ * فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا وَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ * وَ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ

1 . البقرة: 6 ـ 7 .

صفحه 153
مُصْلِحُونَ * أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَ لَكِنْ لاَ يَشْعُرُونَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَ لَكِنْ لاَ يَعْلَمُونَ * وَ إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَ إِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ * اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَ يَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَ مَا كَانُوا مُهْتَدِينَ * مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وَ تَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَات لاَ يُبْصِرُونَ * صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ * أَوْ كَصَيِّب مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَ رَعْدٌ وَ بَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَ اللهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ * يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَ إِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَ لَوْ شَاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَ أَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَىء قَدِيرٌ )1 .
فعندئذ يطرح هذا السؤال: ما هو الحافز لهذا التأكيد حتّى ادّعى بعضهم بأنّ ما ورد في القرآن الكريم حول النفاق والمنافقين يقارب عُشر آيات القرآن الكريم ـ أي ما يعادل ثلاثة أجزاء من أجزائه الثلاثين ـ .
والجواب واضح وهو: أنّ الكافر عدو أعلن عداءه، والمؤمن يكون على حذر منه في عامة الأوقات، فهو بالنسبة إليه من مصاديق قوله سبحانه: (خُذُوا حِذْرَكُمْ )2 ; وأمّا المنافق فهو متظاهر بالإيمان والأُخوّة فالمؤمن

1 . البقرة: 8 ـ 20 .
2 . النساء: 71 .

صفحه 154
يطمئن به ولا يتحذّر منه، ولكنّه عدو غاشم يطعن من الخلف من دون أن يشعر به أحد إلاّ بعد قيامه بهذا العمل. وقد مرّ كلام الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)حول ضرر المنافق، في تفسير الآية الرابعة من سورة «المنافقون» .

الثاني: هل كان المنافقون معروفين في عصر الرسالة؟

قد اهتمّ القرآن الكريم ببيان خطط المنافقين وأعمالهم السيّئة في غير واحدة من السور، وقد جاءت قصصهم في السور التالية: البقرة، آل عمران، النساء، المائدة، الأنفال، التوبة، العنكبوت، الأحزاب، محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، الفتح، الحديد، المجادلة، الحشر، والمنافقون.
وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على تغلغل النفاق في المجتمع الإسلامي يومذاك وكثرة تواجدهم بينهم، وقد عمّ النفاق قسماً من المدنيين وقسماً من الأعراب خارج المدينة، وربما أسلم بعض اليهود من القبائل الثلاث ثم صار منافقاً، وعندئذ يطرح هذا السؤال: هل كان الجميع معروفين للمسلمين أو لا؟
والجواب يُطلب من القرآن الكريم فالمستفاد من الآيات أنّ من أهل المدينة تمرّدوا ونافقوا، ولكنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يعرف قسماً منهم لا جميعهم، قال سبحانه: (وَ مِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَاب عَظِيم)1 .

1 . التوبة: 101 .

صفحه 155
والآية تدلّ على عدم عرفان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بجميع المنافقين، فإذا كان هذا حال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فكيف حال غيره؟! ولكن يظهر من آية أُخرى أنّ هناك طريقاً خاصّاً بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)للتعرف عليهم وهو لحن قولهم وكلامهم، فالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بذكائه وتوقّده يعرفهم عن هذا الطريق، قال سبحانه: (وَ لَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيَماهُمْ وَ لَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَ اللهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ)1. وقد مرّ في الأمر العاشر تخطيط المنافقين لاغتيال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)عند رجوعه عن غزوة تبوك وأنّهم كانوا اثني عشر رجلاً وقفوا على العقبة ليفتكوا برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)عند رجوعه، وقد عرفهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بوحي من الله وعرّفهم حذيفة بن اليمان الذي كان يقود راحلته النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكان عمر بن الخطاب لا يصلّي على مَن مات من الصحابة إلاّ بعد شهادة حذيفة على عدم كونه منهم.

الثالث: ما هي علامات النفاق؟

روى الفريقان عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)في باب علامة المنافق أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «ثلاثة من كنّ فيه فهو منافق وإن صام وصلى وزعم أنه مؤمن: إذا حدّث كذب، وإذا وعدَ أخلف، وإذا اؤتمن خان».2
فقد اختلفت كلمة المحدّثين في معنى الحديث، إذ لو أخذ بظاهره لزم عدّ كثير من المسلمين من المنافقين.

1 . محمد: 30 .
2 . سنن النسائي: 7 / 116 ; سفينة البحار: 2 / 5 ـ 6 .

صفحه 156
والذي يمكن أن يقال: إنّ للنفاق درجات مختلفة فالدرجة العالية ما حدّث عنها القرآن الكريم، وهم الذين يبطنون الكفر ويتظاهرون بالإيمان; ثم هنا درجات أُخرى للنفاق وهو أن يكون ظاهر كلامه مخالفاً للواقع، فلو حدّث يكذب فلكلامه ظاهر غير مطابق للواقع، وإذا وعد أخلف فإنّ ظاهر الوعد هو العمل به وقد تخلّف عن الواقع، وهكذا إذا اؤتمن خان فإنّ ظاهر أخذ الشيء أمانة أنّه أمين لا يخون ولكنّه خان.
فعلى هذا يكون للنفاق معنى وسيع يشمل ما في القرآن وغيره .
ويمكن أن يقال: إنّ ما ورد في القرآن يرجع إلى النفاق من حيث العقيدة، وأمّا ما ورد في هذه الرواية فيرجع إلى جانب العمل.

الرابع: ما هو المراد من سلامة القلب ومرضه؟

القرآن الكريم يصف القلب بأوصاف مختلفة فتارة يقول: (إِلاَّ مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْب سَلِيم)1، وبه يصف أيضاً قلب إبراهيم (عليه السلام)ويقول: (وَ إِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ * إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْب سَلِيم)2، ونظيره قوله: (مَنْ خَشِيَ
الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَ جَاءَ بِقَلْب مُنِيب)3.
وفي مقابل هذه الآيات يصف بعض القلوب بالقسوة والمرض ويقول: (لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَ الْقَاسِيَةِ

1 . الشعراء: 89 .
2 . الصافات: 83 ـ 84 .
3 . ق: 33.

صفحه 157
قُلُوبُهُمْ وَ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاق بَعِيد)1، وقال سبحانه: (إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ)2، والمراد من القلوب القاسية هي القلوب الميتة الفاقدة لكل إحساس ديني فأشبه بالحجارة لا يخرج منها شيء ولا يدخل فيها شيء.
ثم إنّ الظاهر من الآية الثانية بحكم عطف مرضى القلوب على المنافقين، أنّ المنافقين غير الذين في قلوبهم مرض، ولكن الظاهر من آية أُخرى أنّ المنافقين هم الذين في قلوبهم مرض حيث قال: (فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا)3.
والجواب: أنّه لا مانع من أن يُعدّ المنافق من مرضى القلوب وفي الوقت نفسه فوقهم، وذلك لأنّ للنفاق درجات دانية ومتوسطة وعالية، فإذا اشتدّ النفاق يكون مقابلاً لمرضى القلوب، وأمّا إذا خفّ يكون من أقسامهم.
***
تم صبحية يوم الإثنين الثاني عشر من شوال المكرّم
من شهور عام 1432 من الهجرة النبوية
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

1 . الحج: 53 .
2 . الأنفال: 49 .
3 . البقرة: 10 .

صفحه 158

صفحه 159
الفصل الثالث
التوسّل
في الكتاب العزيز والسنّة النبوية

صفحه 160

صفحه 161

تمهيد

يظهر ممّا تقدّم من الآيات أنّ المنافقين في عصر الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)كانوا معرضين عن التوسّل بدعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)واستغفاره، وكلّما قيل لهم: (تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَ رَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ)1 .
حتّى أنّه سبحانه يحثّهم، بل يحثّ جميع المسلمين على: (أنهم إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيماً)2 .
فصار ذلك سبباً لدراسة مسألة التوسّل بصورها المختلفة في خاتمة المطاف، خصوصاً أنّنا نرى في هذه الأيام أنّ المتسمّين بالسلفية، يتناغمون مع منافقي صدر الإسلام في المنع عن التوسّل بعامّة صوره، ولأجل إلقاء الضوء على هذه المسألة، نطرحها بصورة مبسّطة حتّى تكون واضحة المعالم.

1 . المنافقون: 5.
2 . النساء: 64 .

صفحه 162

صفحه 163

التوسّل

التوسّل: مأخوذ من مادة «وسل» بمعنى التقرّب من الشخص. و «الوسيلة» ما يتقرّب به إلى الغير، والجمع «الوسائل»، وفي الحديث: «اللهم آت محمداً الوسيلة»، قيل: هي الشفاعة يوم القيامة، وقيل: هي منزلة من منازل الجنة.1
وقد أمر الله سبحانه وتعالى المؤمنين أن يبتغوا إليه الوسيلة، قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَ ابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)2.
والآية تدلّ بوضوح على أنّ تقرّب المؤمن إلى الله سبحانه رهن تحصيل الوسيلة أو الوسائل حتّى يتقرّب بها إليه سبحانه، ويكون في النهاية من المفلحين.
وأمّا ما هي الوسيلة؟ فالآية ساكتة عن ذلك، نعم ذكر الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)ما يتمكن أن يُتقرّب به، فقال: «إِنَّ أَفْضَلَ مَا تَوَسَّلَ بِهِ

1 . انظر: لسان العرب: 11 / 725; النهاية لابن الأثير: 5 / 185 .
2 . المائدة: 35 .

صفحه 164
الْمُتَوَسِّلُونَ إِلَى اللهِ سُبْحانَهُ وَتَعَالى، الاِْيمَانُ بِهِ وَبِرَسُولِهِ، وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ، فَإِنَّهُ ذِرْوَةُ الاِْسْلاَمِ; وَكَلِمَةُ الاِْخْلاَصِ فَإِنَّهَا الْفِطْرَةُ; وَإِقَامُ الصَّلاَةِ فَإِنَّهَا الْمِلَّةُ; وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ فَإِنَّهَا فَرِيضَةٌ وَاجِبَةٌ; وَصَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَإِنَّهُ جُنَّةٌ مِنَ الْعِقَابِ; وَحَجُّ الْبَيْتِ وَاعْتَِمارُهُ فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ، وَيَرْحَضَانِ الذَّنْبَ; وَصِلَةُ الرَّحِمِ فَإِنَّهَا مَثْرَاةٌ فِي الْمَالِ، وَمَنْسَأَةٌ فِي الاَْجَلِ; وَصَدَقَةُ السِّرِّ فَإِنَّهَا تُكَفِّرُ الْخَطِيئَةَ; وَصَدَقَةُ الْعَلاَنِيَةِ فَإِنَّهَا تَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ; وَصَنَائِعُ الْمَعْرُوفِ فَإِنَّهَا تَقِي مَصَارِعَ الْهَوَانِ».1
وفي خطبة أُخرى يقول (عليه السلام)في ذكر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «فَهُوَ أَمِينُكَ الْمَأْمُونُ، وَشَهِيدُكَ يَوْمَ الدِّينِ، وَبَعِيثُكَ نِعْمَةً، وَرَسُولُكَ بِالْحَقِّ رَحْمَةً. اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَهُ مَقْسَماً مِنْ عَدْلِكَ، وَاجْزِهِ مُضَعَّفَاتِ الْخَيْرِ مِنْ فَضْلِكَ. اللَّهُمَّ أَعْلِ عَلَى بِنَاءِ الْبَانِينَ (النّاس) بِنَاءَهُ، وَأَكْرِمْ لَدَيْكَ نُزُلَهُ، وَشَرِّفْ عِنْدَكَ مَنْزِلَهُ، وَآتِهِ الْوَسِيلَةَ، وَأَعْطِهِ السَّنَاءَ وَالْفَضِيلَةَ».2

أنواع الوسائل

التوسّل بأسماء الله وصفاته وبالقرآن الكريم   
قد أشار الإمام علي (عليه السلام)في كلامه إلى بعض الوسائل، ومن أنواع الوسائل الاهتمام بالنوافل، قال الإمام محمد الباقر (عليه السلام): «إنّ الله جل جلاله قال: ما يتقرب إليّ عبد من عبادي بشيء أحبُ إليّ ممّا افترضتُ عليه، وإنّه ليتقرب إليّ بالنافلة حتّى أُحبَّه، فإذا أحببتُه كنتُ سمَعه الّذي يَسمع به،

1 . نهج البلاغة: الخطبة 110 .
2 . نهج البلاغة: الخطبة: 105 .

صفحه 165
وبصرَه الّذي يُبصر به، ولسانَه الّذي يَنطق به، ويده الّتي يبطش بها، إن دعاني أجبته، وإن سألني أعطيته» .1
ومن الواضح أنّه لا يصلح كلّ عمل أن يتقرّب به الإنسان إلى الله سبحانه، وإنّما يصلح بعمل قد ورد في الشريعة الأمر بالتوسّل به والتقرّب به إلى الله، وهذا ما نبحثه تالياً:

الأوّل: التوسّل بأسماء الله وصفاته

إنّه سبحانه وتعالى يأمرنا أن ندعوه بأسمائه فيقول: (وَللهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا)2 .
وقد وردت أسماؤه الحسنى في الذكر الحكيم والسنّة النبوية، وهي بين ما هو وصف للذات كقولنا: عالم وقادر، أو وصف للفعل كقولنا: خالق ورازق، وبين ما هي أوصاف الجمال كقولنا: سميع بصير، أو أوصاف الجلال كقولنا: قدوس، فيصحُ لِمن يريد التقرّب إلى الله أن يقول: ياالله، يا رحمن، يا رحيم، يا خالق السماوات والأرض، يا غافر الذنوب، ويا رازق الطفل الصغير.. فلا شكّ أنّ دعاءه سبحانه بهذه الأوصاف يبعث رحمته ومغفرته إلى الداعين ويوجب قضاء حوائجهم.
أخرج الترمذي عن عبدالله بن بريدة الأسلمي، عن أبيه قال: سمع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)رجلاً يدعو ويقول: اللهم إنّي أسألك بأنّي أشهد أنّك أنت الله لا

1 . الكافي: 2 / 263 ح 8 ; الوسائل: ج 2، الباب 17 من أبواب أعداد الفرائض، الحديث 6 .
2 . الأعراف: 180 .

صفحه 166
إله إلاّ أنت الأحد الصمد الّذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، قال فقال: «والّذي نفسي بيده لقد سأل الله باسمه الأعظم الّذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سُئل أعطى».1
وقد كان الإمامان الباقر والصادق (عليهما السلام)يفتتحان دعاءهما باسمه العظيم الأعظم، على النحو التالي: «اللّهم إنّي أسألك باسمك العظيم الأعظم الأعزّ الأجل الأكرم الّذي إذا دُعيتَ به على مغالق السماء للفتح بالرحمة انفتحت، وإذا دُعيتَ به على مضايق أبواب الأرض للفرج انفرجت، وإذا دُعيت به على العسر لليُسر تيسّرت ».2
***

الثاني: التوسّل بالقرآن الكريم

إنّ للقرآن الكريم منزلة رفيعة عند الله سبحانه، وهو من الوسائل الّتي يمكن للعبد أن يتقرّب بها إليه سبحانه من خلال تلاوته; روى أحمد بن حنبل بسنده عن عمران بن حصين أنّه سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: «اقرأوا القرآن واسألوا الله تبارك وتعالى به، قبل أن يجيء قوم يسألون به الناس»3.
التوسّل بالأعمال الصالحة   
وروى حريز بن عبدالله السجستاني عن الإمام الباقر (عليه السلام): «أنّ من أعمال ليلة القدر أن تأخذ المصحف في ثلاث ليال من شهر رمضان وتنشره

1 . سنن الترمذي (الجامع الصحيح): 5 / 515، الحديث: 3475 .
2 . مصباح المتهجد: 374 .
3 . مسند أحمد: 4 / 445 .

صفحه 167
وتضعه بين يديك وتقول: اللهم إنّي أسألك بكتابك المنزل وما فيه، وفيه اسمك الأكبر وأسماؤك الحسنى وما يخاف ويرجى أن تجعلني من عتقائك من النار».1
***

الثالث: التوسّل بالأعمال الصالحة

قلّما يتّفق لمؤمن أن لا يقوم بعمل صالح بعيد عن الرياء والسمعة عبْر حياته فيمكن أن يتوسّل بعمله الصالح ثم يدعو الله تعالى أن يقضي حاجته به. ولأجل ذلك نرى أنّ نبي الله إبراهيم (عليه السلام)يدعو الله سبحانه حينما يشتغل بعمل صالح كرفع قواعد البيت الحرام كما يحكي عنه سبحانه ويقول: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)2.
فقد طلب (عليه السلام)من الله سبحانه أُموراً أربعة حينما كان يرفع قواعد البيت، كما هو ظاهر لمن تأمّل في تلك الآية الكريمة.
كما أنّه عزّوجلّ يذكر دعاءً آخر للمؤمنين فيقول سبحانه: (الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَ قِنَا عَذَابَ النَّارِ)3، فهاهم قد طلبوا

1 . إقبال الأعمال: 1 / 346 .
2 . البقرة: 127 ـ 128 .
3 . آل عمران: 16 .

صفحه 168
من الله سبحانه غفرانَ ذنوبهم وصيانتهم من العذاب بعدما أظهروا الإيمان وقالوا: (رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا...).
وقد ورد هذا النوع من التوسّل في الأحاديث الشريفة نذكر نموذجاً منه:
أخرج البخاري عن نافع عن ابن عمر أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «بينما ثلاثة نفر ممّن كان قبلكم يمشون إذ أصابهم مطر فأووا إلى غار فانطبق عليهم، فقال بعضهم لبعض: إنّه والله يا هؤلاء لا ينجيكم إلاّ الصدق، فليدع كلّ رجل منكم بما يعلم أنّه قد صدق فيه.
فقال واحد منهم: اللّهم إن كنت تعلم أنّه كان لي أجير يعمل لي على فرق من أرز فذهب وتركه وأنّي عمدت إلى ذلك الفرق فزرعته فصار من أمره أنّي اشتريت منه بقراً وأنّه أتاني يطلب أجره، فقلت له: اعمد إلى تلك البقر فسقها. فقال لي: إنّما لي عندك فرق من أرز. فقلت له: اعمد إلى تلك البقر فإنّها من ذلك الفرق، فساقها. فإن كنت تعلم أنّي فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا، فانساخت عنهم الصخرة.
   $
فقال الآخر: اللّهم إن كنت تعلم أنّه كان لي أبوان شيخان كبيران فكنت آتيهما كلّ ليلة بلبن غنم لي، فأبطأت عليهما ليلة فجئت وقد رقدا، وأهلي وعيالي يتضاغون من الجوع، فكنت لا أسقيهم حتّى يشرب أبواي فكرهت أن أوقظهما وكرهت أن أدعهما فيستكنّا بشربتهما، فلم أزل انتظر حتّى طلع الفجر، فإن كنت تعلم أنّي فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنّا، فانساخت عنهم الصخرة حتّى نظروا إلى السماء.
فقال الآخر: اللّهم إن كنت تعلم أنّه كان لي ابنة عم من أحب الناس إلي

صفحه 169
وإنّي راودتها عن نفسها فأبت إلاّ أن آتيها بمائة دينار، فطلبتها حتّى قدرت فأتيتها بها فدفعتها إليها فأمكنتني من نفسها، فلما قعدت بين رجليها فقالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلاّ بحقه، فقمت وتركت المائة دينار. فإن كنت تعلم أنّي فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنّا، ففرج الله عنهم فخرجوا» 1.
***

الرابع: التوسّل بدعاء الأخ المؤمن

إنّ التوسّل بدعاء الأخ المؤمن من الوسائل الّتي أمر بها الكتاب والسنّة، ويمكن استظهار ذلك من خلال أنّ حملة العرش يستغفرون للمؤمنين، قال سبحانه: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيء رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ)2، فلولا أنّ دعاء الغير مقرون بالاستجابة لما قام حملة العرش بالاستغفار لمن آمن .
وفي ضوء هذا فقد روي أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)طلب من الأُمّة أن يسألوا الله سبحانه أن يرزقه الوسيلة.

1 . صحيح البخاري: كتاب أحاديث الأنبياء، الحديث 3465 ; وكتاب البيوع الحديث 2215 ; مجمع البيان: 3 / 452 في تفسير الآية 9 من سورة الكهف; نور الثقلين: 3 / 249، في تفسير نفس الآية.
2 . غافر: 7 .

صفحه 170
أخرج مسلم في صحيحه عن عبدالله بن عمرو بن العاص أنّه سمع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: «إذا سمعتم المؤذّن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلّوا عليَّ، فإنّه من صلّى عليّ صلاة صلّى الله عليه بها عشراً، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنّها منزلة في الجنة لا تنبغي إلاّ لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلّت له الشفاعة ».1
وفي روايات أئمة أهل البيت(عليهم السلام)إشارات إلى ذلك ، روى الحسين بن سعيد الأهوازي بسنده عن أبي بصير، قال: أمر أبو جعفر(عليه السلام)غلاماً له وقال: «يا بني إذهب إلى قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فصلّ ركعتين ثم قل: اللهم اغفر لعلي بن الحسين خطيئته يوم الدين، ثم قال للغلام: اذهب فأنت حر لوجه الله»2.
التوسّل بدعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حياته   
وروى الإربلي عن علي بن محمد الحجّال قال: كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام): أنا في خدمتك وأصابني علة في رجلي ولا أقدر على النهوض والقيام بما يجب، فإن رأيت أن تدعو الله أن يكشف علّتي ويعينني على القيام بما يجب عليّ وأداء الأمانة في ذلك ويجعلني من تقصيري من غير تعمّد منّي، وتضييع ما لا أتعمده من نسيان يصيبني في حلّ، ويوسّع عليّ وتدعو لي بالثبات على دينه الّذي ارتضاه لنبيه (عليه السلام).
فوقّع: «كشف الله عنك وعن أبيك»، قال: وكان بأبي علّة ولم أكتب فيها فدعا له ابتداء.(3)
***

1 . صحيح مسلم: 2 / 4، كتاب الصلاة، الحديث 384 / 735 .
2 . بحار الأنوار: 46 / 92، الحديث 79 .   3 . كشف الغمة: 3 / 251 .

صفحه 171

الخامس: التوسّل بدعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في حياته

التوسّل بدعاء النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)في حال حياته ممّا اتّفقت عليه كلمات العلماء ولم يختلف فيه أحد. ويظهر من القرآن الكريم وجود هذا النوع من التوسّل في الأُممّ السالفة بشهادة أنّ إخوة يوسف بعدما تبيّن خطأهم طلبوا من أبيهم الاستغفار لهم، فقالوا: (يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ)1، وقد استجاب لهم أبوهم يعقوب وقال: (سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)2. فإذا كان التوسّل بدعاء الأخ المؤمن أمراً راجحاً مرجو الاستجابة، فالتوسّل بدعاء النبي الطاهر أولى بذلك .
ولذلك نرى أنّه سبحانه يحثّ الذين ظلموا أنفسهم (بالعصيان) على أن يتوسّلوا بدعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)واستغفاره، ويقول سبحانه: (وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيًما)3 .
وفي آية أُخرى يندد بالمنافقين بأنّهم إذا خوطبوا بالذهاب إلى النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)ليستغفر لهم أعرضوا عن ذلك وصدّوا تكبّراً، قال سبحانه: (وَ إِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَ رَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَ هُمْ مُسْتَكْبِرُونَ)4.

1 . يوسف: 97 .
2 . يوسف: 98 .
3 . النساء: 64 .
4 . المنافقون: 5 .

صفحه 172
إلى هنا تمّ بيان أنواع التوسّلات الّتي لم يظهر فيها خلاف، وأمّا الأنواع الأُخرى الّتي ظهر فيها الاختلاف من زمان ابن تيمية، فإليك بيانها:
***
التوسّل بدعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد رحيله   

السادس: التوسّل بدعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بعد رحيله

التوسّل بدعاء النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)رهن ثبوت أمرين:
1. كونه حيّاً يُرزق عند ربه.
2. وجود الصلة بينه وبين المتوسّل.
أمّا الأمر الأوّل: فيكفي في ثبوت الحياة البرزخية ما دلّ على حياة الشهداء بعد رحيلهم من الدنيا، فإذا كان الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، فنبي الشهداء أولى بها .
أمّا حياة الشهداء فالذكر الحكيم صريح في ذلك الأمر، قال سبحانه: (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ)1.
وليست هذه هي الآية وحيدة في الموضوع ، بل يدلّ على ذلك غير واحدة من الآيات منها:
1. قال سبحانه: (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا

1 . آل عمران: 169 ـ 170 .

صفحه 173
غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَني مِنَ الْمُكْرَمِينَ)1 .
والخطاب في قوله: (ادْخُلِ) متوجّه لمن جاء من أقصى المدينة وخاطب قومه بقوله: (اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لاَ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَ هُمْ مُهْتَدُونَ)(2)، وبعدما أتمّ كلامه ودعا الناس إلى الإيمان برسل المسيح، قام قومه بضربه ورجمه حتّى مات، فعند ذلك خاطبه سبحانه بقوله: (ادْخُلِ الْجَنَّةَ)فقال الرجل: (يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَني مِنَ الْمُكْرَمِينَ)، فالاستدلال مركّز على تبيين المراد من الجنة؟ هل هي جنة المأوى الّتي يدخل فيها الإنسان المؤمن بعد الحشر والنشر؟ أو المراد منها الجنة البرزخيّة الّتي يتنعم فيها العباد الصالحون بعد موتهم إلى يوم القيامة، فتكون الآية شاهداً لاستمرار الحياة بعد الرحيل عن هذه الدنيا.
وممّا نلفت إليه نظر القارئ هو أنّ الحياة البرزخية تعمّ المؤمن والكافر، غاية الأمر المؤمن منعّم فيها والكافر معذّب، يقول سبحانه في حق الفراعنة: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ)(3) .
إنّ القول بأنّ الموت إبطال للإنسان ولا يبقى بعد الموت منه شيء عقيدة مادّية يصرّ عليها حماة المادة في عصرنا هذا، حيث يعتقدون بأنّ الموت نهاية وجود الإنسان ولا يبقى بعد الموت منه شيء، والقرآن الكريم يرفض تلك العقيدة قائلاً بأنّ الموت فناء للجسم الّذي هو بمنزلة الثوب للروح، وأمّا الروح فهي الّتي يأخذها ملك الموت وتبقى عند الله تبارك

1 . يس: 26 ـ 27 .   2 . يس: 20 ـ 21 .   3 . غافر: 46 .

صفحه 174
وتعالى، وهذه الحقيقة قد أشار إليها سبحانه في جواب نفاة المعاد بقولهم: (أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْق جَدِيد)فأجابهم سبحانه بأمرين:
1. (بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ)1.
2. (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ)(2).
فقوله سبحانه: (يَتَوَفَّاكُمْ) بمعنى: يأخذكم. فالآية الثانية تدلّ على أنّ الباقي في الأرض الّذي اعتمد عليه نفاة المعاد وزعموا امتناعه بحجة تفرقه وتبعثر أجزاء بدنه، غير واقع الإنسان وأنّ هنا واقعاً ثابتاً لا يضل ولا يُنسى، بل يأخذه ملك الموت ويبقى عند الله سبحانه وهو روحه الّتي أشار
إليها سبحانه بعد إتمام خلق الإنسان بقوله: (فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)(3).
وحصيلة الكلام: أنّ الآية لا تصلح جواباً لشبهة المنكرين إلاّ بالقول بأنّ الضالّ في الأرض، غير الباقي عند الله، وأنّ الرميم فيها شيءٌ منفصل عن حقيقة الإنسان، إذ أنّ حقيقته هي الّتي يأخذها ملك الموت الموكل بقبض الأرواح، وهي باقية عند الله إلى رجوعه يوم القيامة. والسنّة النبوية تؤيد ذلك حيث عقد البخاري باباً باسم «باب الميّت يسمع خفق النعال» فروى فيه عن أنس، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «العبد إذا وضع في قبره وتولّى وذهب أصحابه، حتّى إنّه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان فأقعداه... الخ» .2

1 . السجدة: 10 .   2 . السجدة: 11 .   3 . المؤمنون: 14 .
2 . صحيح البخاري: 316، كتاب الجنائز، الحديث رقم 1338 .

صفحه 175
وبما أنّ بحوثنا تدور حول دلالة القرآن الكريم والأحاديث المتضافرة، اقتصرنا في إثبات الأمر الأوّل ـ وهو بقاء الإنسان بعد الموت ـ على هذا المقدار، وقد أقام المحقّقون على تجرّد روح الإنسان وبقائها، براهين علمية متقنة، ومن أراد التفصيل فليرجع إليها.1
وأمّا الأمر الثاني ـ أعني: وجود الصلة بين من يعيش على وجه البسيطة وبين الأرواح ـ فإنّ من أنكر التوسّل بدعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بعد رحيله ربّما يسلّم بالأمر الأوّل وأنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)حيّ بحياة برزخية بعد رحيله، ولكن ربّما ينكر الصلة بيننا وبين عالم الأرواح، ويصرّ على الانقطاع، بينما القرآن الكريم يدلّ بوضوح على وجود الصلة بيننا وبينهم بشهادة أنّ نبيين كريمين ـ أعني: صالحاً وشعيباً ـ قد خاطبا قومهما بعد هلاكهم، فلو كانت الصلة منتفية فما معنى تكلّمهما مع قومهما بعد هلاكهم؟!
أمّا نبي الله صالح (عليه السلام)فقد حكى القرآن تكلّمه مع قومه بعد هلاكهم بقوله سبحانه : (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ)2، فالآية صريحة في هلاك قومه، وموتهم عن آخرهم، وبعد ذلك يحكي تكلّم النبي صالح (عليه السلام)معهم، ويقول: (فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لاَ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ )3.
إنّ «الفاء» في قوله: (فَتَوَلَّى) دالّ على وجود الترتيب بين هلاكهم

1 . لاحظ: شرح الإشارات: 2 / 292; الأسفار لصدر المتألهين: 3 / 445 و 8 / 260 ـ 303 .
2 . الأعراف: 78 .
3 . الأعراف: 79 .

صفحه 176
وتكلّم نبيهم معهم، فلولا وجود الصلة فما معنى قوله: (يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ)، حتّى أنّ قوله: (وَلَكِنْ لاَ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ)1 حاك عن أنّ أرواحهم قد بلغت من الخبث حتّى أنّهم لا يحبون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بعد هلاكهم أيضاً .
ونقل نظير ذلك الخطاب في قصة شعيب (عليه السلام)، قال سبحانه: (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ)(2)، ثم يحكي فعل شعيب بقوله: (فَتَوَلَّى عَنْهُمْ)(3) أي تولّى شعيب عن قومه، ومع ذلك خاطبهم بقوله: (يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَ نَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْم كَافِرِينَ)(4).
تكلّم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مع الهالكين من قريش   

تكلّم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)مع الهالكين من قريش

لمّا قُتل صناديد قريش ورؤساؤهم أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)برميهم في القليب ويبلغ عددهم 24 رجلاً فقذفوا في طوي من أطواء بدر خبيث مخبث، ثم قام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)على شفة الركي، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، أيسرّكم أنّكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنّا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقّاً، فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقّاً؟ قال: فقال عمر: يا رسول الله، ما تُكلم من أجساد لا أرواح لها، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «والّذي نفس محمد بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم». 2

1 . الأعراف: 79 .   2 . الأعراف: 91 .   3 و 4 . الأعراف: 93 .
2 . صحيح البخاري: 971، كتاب المغازي، الحديث رقم 3976 .

صفحه 177
والعجب أنّ الوصي (عليه السلام)أيضاً خاطب الناكثين بعدما قتلوا في الجمل، حيث لمّا انجلت الحرب في البصرة وقتل طلحة والزبير وحملت عائشة إلى قصر بني خلف، ركب أمير المؤمنين (عليه السلام)وتبعه أصحابه، وعمّار (رحمه الله) يمشي مع ركابه حتّى خرج إلى القتلى يطوف عليهم ثم سار حتّى وقف على كعب بن سور القاضي وهو مجدل بين القتلى وفي عنقه المصحف فقال نحّو المصحف وضعوه في مواضع الطهارة ثم قال أجلسوا إليّ كعباً فأُجلس ورأسه ينخفض إلى الأرض فقال: «يا كعب بن سور قد وجدتُ ما وعدني ربي حقّاً، فهل وجدت ما وعدك ربك حقاً؟»، ثم قال: «أضجعوا كعباً»، فتجاوزه.
فمرّ فرأى طلحة صريعاً فقال: أجلسوا طلحة فأُجلس فخاطبه بمثل ما خاطب به كعباً.
فعند ذلك قال رجل لأمير المؤمنين (عليه السلام): ما كلامك، هذه الهام قد صديت لا تسمع لك كلاماً ولا ترد جواباً! فقال (عليه السلام): «والله إنهما ليسمعان كلامي كما سمع أصحاب القليب كلام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ولو أُذن لهما في الجواب لرأيت عجباً ».1
كيف يمكن لنا إنكار الصلة بيننا وبين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والمسلمون ليلاً ونهاراً يسلّمون عليه مخاطبين له بقولهم: السلام عليك أيّها النبي ورحمة الله وبركاته.
حتّى أنّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)عندما زار بقيع الغرقد خاطب أهل القبور

1 . الجمل والنصرة للشيخ المفيد: 392 .

صفحه 178
بقوله: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون غداً ـ مؤجلون ـ وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم أغفر لأهل بقيع الغرقد» .1
سيرة المسلمين بعد رحيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)   

سيرة المسلمين بعد رحيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

من أمعن النظر في ما نُقل عن سيرة المسلمين بعد رحيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)يقف على أنّ التوسّل بدعاء النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)كانت سيرتهم المستمرة، وإليك نماذج من سيرة الصحابة الكرام:
1. روى البخاري: أقبل أبوبكر على فرسه من مسكنه بالسنح، حتّى نزل ودخل المسجد فلم يكلّم الناس حتّى دخل على عائشة، فتيمم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وهو مسجّى ببرد حبرة فكشف عن وجهه، ثم أكبّ عليه، فقبّله ثم بكى. فقال: بأبي أنت يانبي الله! لا يجمع الله عليك موتتين. أمّا الموتة الّتي كتب الله عليك فقد متّها .2
2. وجاء في سيرة ابن هشام: وأقبل أبو بكر حتّى نزل على باب المسجد حين بلغه الخبر، وعمر يكلِّم الناس، فلم يلتفت إلى شيء حتّى دخل على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في بيت عائشة، فأقبل حتّى كشف عن وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). قال: ثم أقبل عليه فقبَّله، ثم قال: بأبي أنت وأُمّي، أمّا الموتة الّتي كتب الله عليك فقد ذقتها، ثم لن تصيبك بعدها موتة أبداً.3
3. وروى الحلبي في سيرته أنّه قال: «بأبي أنت وأُمّي»، وتكلّم كلاماً

1 . صحيح مسلم: 3 / 63، كتاب الجنائز; وأنظر صفحة 441، برقم 2144. ط. دار الفكر.
2 . صحيح البخاري: 294 ، كتاب الجنائز، برقم 1241 ـ 1242 .
3 . سيرة ابن هشام: 4 / 656 ; ولاحظ الروض الأنف: 4 / 260 .

صفحه 179
بليغاً، سكّن به نفوس المسلمين وثبّت جأشهم 1 .
4. وجاء في سيرة زيني دحلان: دخل أبو بكر على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فأكبّ عليه وكشف الثوب عن وجهه، وقال: طبت حيّاً وميتاً، وانقطع لموتك ما لم ينقطع للأنبياء قبلك، فعظمتَ عن الصفة وجللت عن البكاء، ولو أنّ موتك كان اختيارياً لجدنا لموتك بالنفوس، اذكرنا يا محمد عند ربك، ولنكن على بالك 2.
أقول: لو أنّ الصلة بين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)والأحياء كانت مقطوعة، فما معنى مخاطبة أبي بكر للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بالعبارات الّتي مرّت عليك؟!
ولو لم يكن التوسّل بدعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بعد رحيله فما معنى قوله: اذكرنا يا محمد عند ربك، ولنكن على بالك؟!
5. قال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)ـ عندما ولي غسل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ : «بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ، لَقَدِ انْقَطَعَ بِمَوْتِكَ مَا لَمْ يَنْقَطِعْ بِمَوْتِ غَيْرِكَ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالاِْنْبَاءِ وَأَخْبَارِ السَّمَاءِ ـ إلى أن قال: ـ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي! اذْكُرْنَا عِنْدَ رَبِّكَ، وَاجْعَلْنَا مِنْ بَالِكَ!3
6. ذكر غير واحد من المؤرّخين بأسانيدهم إلى محمد بن حرب الهلالي أنّه قال: دخلت المدينة، فأتيت قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فزرته وجلست بحذائه، فجاء أعرابي فزاره، ثم قال: يا خير الرسل إنّ الله أنزل عليك كتاباً

1 . السيرة الحلبية: 3 / 392 .
2 . سيرة زيني دحلان في هامش السيرة الحلبية: 3 / 391 .
3 . نهج البلاغة، الخطبة 235 .

صفحه 180
صادقاً قال فيه: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيًما)1، وإنّي جئتك مستغفراً ربك من ذنوبي، مستشفعاً بك، وفي رواية: وقد جئتك مستغفراً من ذنبي مستشفعاً بك إلى ربي، ثم بكى وأنشأ يقول:
يا خير من دفنت بالقاع أعظمه *** فطاب من طيبهن القاع والأكم
نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه *** فيه العفاف وفيه الجودُ والكرمُ
ثم استغفر وانصرف .
فرقدت فرأيت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في نومي وهو يقول: ألحقِ الرجل فبشّره بأنّ الله قد غفر له بشفاعتي. فاستيقظت فخرجت أطلبه، فلم أجده .2
أقول: إنّ الأعرابي أدرك بسلامة فطرته أنّ الآية الكريمة الّتي تدعو المسلمين إلى المجيء إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)حتّى يطلبوا منه الاستغفار لهم، ليست خاصّة بحياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بل تعمّ الحياة الأُخروية، فلأجل ذلك قام يطلب من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يستغفر له.
وقد ذكر المؤرخون قضايا كثيرة من أنّ المسلمين ـ من الصحابة والتابعين إلى غيرهم ـ كانوا يتوسّلون بدعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بعد رحيله، وقد ذكر السمهودي شيئاً كثيراً من هذه القصص والآثار، فمن أراد التفصيل فليرجع إلى كتابه وفاء الوفا .3

1 . النساء: 64 .
2 . مختصر تاريخ دمشق لابن عساكر: 2 / 408 ; المواهب اللدنية: 4 / 583 ; وفاء الوفا: 4 / 1361 ; شفاء السقام: 151، ط. مصر، 1419 هـ .
3 . وفاء الوفا: 4 / 1354 ـ 1363 .

صفحه 181
ولعل هؤلاء فهموا جواز التوسّل بدعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بعد رحيله من قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيماً).
وقد أوضح السبكي دلالة الآية على جواز التوسّل بدعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في حالتي حياته وبعد رحيله; فقال في الباب الخامس: في تقرير كون الزيارة قربة، وذلك بالكتاب، والسنّة، والإجماع، والقياس: أمّا الكتاب فقوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيماً)، ثم قال ]بعد مقدمة [: فقد ثبت على كل تقدير أنّ الأُمور الثلاثة المذكورة في الآية ] يعني: المجيء، واستغفار المؤمنين، واستغفار الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)لهم [، حاصلة لمن يجيء إليه (صلى الله عليه وآله وسلم)مستغفراً في حياته وبعد مماته.
والآية وإن وردت في أقوام معيّنين في حالة الحياة، فتعمّ بعموم العلّة كلّ من وجِدَ فيه ذلك الوصف في الحياة وبعد الموت.
ولذلك فهم العلماء من الآية العموم في الحالتين، واستحبّوا لمن أتى إلى قبره (صلى الله عليه وآله وسلم)أن يتلوا هذه الآية، ويستغفر الله تعالى .
وحكاية العتبي في ذلك مشهورة، وقد حكاها المصنّفون في المناسك من جميع المذاهب، والمؤرّخون، وكلّهم استحسنوها ورأوها من آداب الزائر، وما ينبغي أن يفعله، وقد ذكرناها في آخر الباب الثالث.1

1 . شفاء السقام: 181 ـ 183، وانظر أيضاً الصفحة: 151 من نفس المصدر.

صفحه 182
ونقل السمهودي عن الحافظ أبي عبدالله محمد بن موسى بن النعمان في كتابه «مصباح الظلام» أنّ الحافظ أبا نصير السمعاني ذكر فيما روينا عنه عن علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)، قال: قدم علينا أعرابي بعدما دفنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)بثلاثة أيام فرمى بنفسه على قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وحثا من ترابه على رأسه وقال: يا رسول الله، قلتَ فسمعنا قولك، ووعيتَ عن الله سبحانه، وما
وعينا عنك، وكان فيما أُنزل عليك: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيماً) وقد ظلمتُ وجئتُك تستغفرْ لي، فنودي من القبر: أنّه قد غُفر لك.
ونقله السمهودي أيضاً بسند آخر عن الإمام علي (عليه السلام).1
ولا منافاة بين النقلين لإمكان التعدّد، وعلى فرض الوحدة فأحد النقلين اقتصر، والآخر أسهب فنقل القصة كاملة.
وهذا هو القاضي عياض بن موسى الأندلسي في كتابه: «الشفا بتعريف حقوق المصطفى» ذكر مناظرة أبي جعفر المنصور مع إمام دار الهجرة مالك، يقول: ناظر أبو جعفر ـ أمير المؤمنين ـ مالكاً في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال له مالك: يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد فإنّ الله تعالى أدّب قوماً فقال: (لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبي )2
وذمّ قوماً فقال: ( إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ )3، وأنّ

1 . وفاء الوفا: 4 / 1361 .
2 . الحجرات: 2 .
3 . الحجرات: 4 .

صفحه 183
حرمته ميتاً كحرمته حيّاً. فاستكان لها أبو جعفر وقال: يا أبا عبدالله، أستقبلُ القبلةَ وأدعو أم أستقبلُ رسول الله؟ فقال: ولم تصرف وجهك عنه
وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم (عليه السلام)إلى الله تعالى إلى يوم القيامة، بل استقبله واستشفع به، فيشفّعه الله، قال الله تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا
أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيماً
)1.
ونحن نجد في هذه المناظرة الّتي نقلت بسند صحيح 2، دلالة واضحة على حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ووجود الصلة بينه وبين الزائر له، وأنّ قوله سبحانه: (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيماً) تختصّ برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في حياته وبعد رحلته.
إلى غير ذلك من قصص الصحابة والتابعين والّتي تثبت شمول الآية لكلتا الحالتين.

1 . الشفا بتعريف حقوق المصطفى: 2 / 92 ـ 93 .
2 . يقول المحقّقون لكتاب الشفا: وفي هذا الحديث ردّ على من قال بأنّ استقبال القبر الشريف في الدعاء عند الزيارة أمر منكر لم يقل به أحد إلاّ في حكاية مفتراة على الإمام مالك ـ يعني هذه القصة ـ وقد أوردها المؤلف له القاضي عياض ـ ولله الحمد ـ بسند صحيح وذكر أنّه تلقاها من عدّة من ثقات مشايخه، فهذا مذهب مالك وأحمد والشافعي رضي الله عنهم في استحباب استقبال القبر الشريف في الدعاء وهو مسطّر في كتبهم .

صفحه 184
من شبهات المخالفين: البرزخ مانع من الاتصال   

شبهات المخالفين

قد ورث المتأخّرون عن ابن تيمية ووارث منهجه (محمد بن عبدالوهاب) شبهات يطرحونها لإغواء السذّج من الناس، وهي شبهات واهية لا تعتمد على دليل رصين، وإليك تحليلها.

الأُولى: البرزخ مانع من الاتصال

قالوا: إنّ الحياة البرزخية حياة لا يعلمها إلاّ الله تعالى، فهي حياة مستقلة نؤمن بها ولا نعلم ماهيتها، وإنّ بين الأحياء والأموات حاجزاً يمنع الاتصال فيما بينهم قطعيّاً، وعلى هذا يستحيل الاتصال لا ذاتاً ولا صفاتاً وأنّه سبحانه يقول: (وَ مِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)1، والبرزخ معناه الحاجز الّذي يحول دون اتصال هؤلاء بهؤلاء .(2)
من شبهات المخالفين: امتناع إسماع الموتى   
أقول: إنّ البرزخ في اللغة هو الحاجز بين الشيئين، لا بمعنى انقطاع الصلة بين أهل الدنيا وأهل الآخرة، ومن فسّره بهذا المعنى فإنّما قام بذلك لدعم مذهبه، فالمراد من البرزخ هو المانع من رجوع الناس إلى حياتهم الدنيوية، ويدل على ذلك أنّه سبحانه ذكر وجود البرزخ بعد ما ذكر تمنّي العصاة الرجوع إلى الدنيا، قال سبحانه: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِي مَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا)2.

1 . المؤمنون: 100 .   2 . التوصل إلى حقيقة التوسل: 267 .
2 . المؤمنون: 99 ـ 100 .

صفحه 185
فقوله: (كَلاَّ) ردع لتمنّي رجوعهم، يعني لا يستجاب دعاؤهم، ثم عاد سبحانه يؤكده بقوله: (وَ مِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) أي حائل مانع من الرجوع إلى الدنيا إلى يوم يبعثون.
وأمّا ما ذكره المانع من أنّ الحياة البرزخية حياة لا يعلمها إلاّ الله، فهو لا صلة له بموضوع البحث، ولكنّه لو أمعن النظر في الآيات الناظرة إلى الحياة البرزخية لوقف على بعض خصوصياتها.

الشبهة الثانية: امتناع إسماع الموتى

قالوا: إنّ الله تعالى يقول: (فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى )1، وقال سبحانه: (إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى)(2)، وقال تعالى: (وَ مَا أَنْتَ بِمُسْمِع مَنْ فِي
الْقُبُورِ
)2.
والرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)بعد أن توفّاه الله هو من الموتى ومن أهل القبور، فثبت أنّه لا يسمع دعاء أحد من أهل الدنيا وإن كان هو والأنبياء، لا يُبْلُون لأن الله قد حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، ولكنّهم أجساد بلا أرواح وهم أموات .3
أقول: من أمعن النظر في هذه الآيات وما جاء بعدها وقبلها من الآيات الكريمة يقف على أنّ المراد نفي الانتفاع لا نفي الاستماع، بشهادة أنّ

1 . الروم: 52 .   2 . النمل: 80 .
2 . فاطر: 22 .
3 . التوصل إلى حقيقة التوسل: 267 .

صفحه 186
المشرك يسمع ولا ينتفع، فالموتى أيضاً يسمعون ولا ينتفعون، وإلاّ لاختل التشبيه، فإنّ أحد طرفيه يسمع ولا ينتفع فيجب أن يكون الطرف الآخر كذلك بمعنى أنّ المشركين والموتى سيّان يسمعون ولاينتفعون.
وقد بلغ مفاد الآية أعلى حدّ من الظهور فقد فسّر ابن قيّم الجوزية تلميذ ابن تيمية الآيات على نحو ما ذكرنا، وإليك نص كلامه: أمّا قوله تعالى: (وَ مَا أَنْتَ بِمُسْمِع مَنْ فِي الْقُبُورِ )فسياق الآية يدلّ على أنّ المراد منها أنّ الكافر الميّت القلب لا تقدر على إسماعه إسماعاً ينتفع به، كما أنّ مَنْ في القبور لا تقدر على إسماعهم إسماعاً ينتفعون به، ولم يرد سبحانه أنّ أصحابَ القبور لا يسمعون شيئاً البتة، كيف وقد أخبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّهم يسمعون خفق نعال المشيعين وأخبر أنّ قتلى بدر سمعوا كلامه وخطابه، وشرّع السلام عليهم بصيغة الخطاب للحاضر الّذي يسمع، وأخبر أنّ من سلم على أخيه المؤمن رد عليه السلام.
هذه الآية نظير قوله: (إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَ لاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ)1 .
من شبهات المخالفين: انقطاع عمل الإنسان    
وقد يقال: نفي إسماع الصم مع نفي إسماع الموتى يدلّ على أنّ المراد عدم أهلية كلّ منهما للسماع، وأنّ قلوب هؤلاء لمّا كانت ميتة صمّاء كان إسماعها ممتنعاً بمنزلة خطاب الميت والأصم، وهذا حق ولكن لا ينفي إسماع الأرواح بعد الموت إسماع توبيخ وتقريع بواسطة تعلّقها بالأبدان في

1 . النمل: 80 .

صفحه 187
وقت ما، فهذا غير الإسماع المنفي، والله أعلم.1

الشبهة الثالثة: انقطاع عمل الإنسان

قالوا: إنّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)قد انقطع عمله بوفاته، فلم يعد يتحرك أبداً فضلاً عن أن يحرك لسانه بالاستغفار أو غيره، فهو على ضجعته من يوم أن دفن إلى يومنا هذا إلى يوم القيامة.
أمّا أن يسمع أو يتكلم أو يصدر عنه أي عمل فلا. وقد انقطع عمله نهائياً كما قال هو عليه أفضل الصلوات وأزكى التسليمات: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاّ من ثلاث: صدقة جارية وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له». ولا شكّ أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)يشمله هذا الحديث. لأنّه من بني آدم، وقد قضى الله عليه بالموت والتحق بالرفيق الأعلى.(2)
وعلى هامش هذه الشبهة نقول: إنّ مَنْ وطّن نفسه على إثبات ما يتبنّاه، سواء أكان حقاً أم باطلاً فهو يتمسّك بكل شيء، سواء أكانت له دلالة على رأيه أم لا.
فأي دلالة لهذا الحديث على انقطاع الصلة، إذ غاية ما يدل عليه أنّ الإنسان لا ينتفع بعمله شخصياً بعد ما انتقل إلى البرزخ إلاّ عن ثلاث، فليس له عمل مباشر ينتفع به إلاّ هذه الثلاث، وأمّا أنّه لايتمكّن من التكلّم والجواب والاستغفار في حق الغير فلا دلالة للحديث عليه.
ثم كيف يقول: إنّ الأموات في الحياة البرزخية غير قادرين على التكلّم

1 . الروح لابن القيّم: 45 ـ 46 .   2 . التوصل إلى حقيقة التوسل: 267 .

صفحه 188
مع أنّه سبحانه ينقل عن الشهداء أنّهم يتكلّمون حيث يقول: (وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَة مِنَ اللهِ وَفَضْل وَأَنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ)1.
وهذا هو ناصر رسل عيسى (عليه السلام)فعندما قتل ودخل الجنة قال: (يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَني مِنَ الْمُكْرَمِينَ)(2).
من شبهات المخالفين: التوسل بدعاء الأنبياء شرك   
 
الشبهة الرابعة: التوسّل بدعاء الأنبياء شرك
هذه الشبهة قرّرها مفتي السعودية (ابن باز)، إذ قال في رسالة له إلى أحد علماء الإمامية: وأمّا دعاء الأنبياء والأولياء والاستغاثة بهم والنذر لهم ونحوذ لك فهو الشرك الأكبر، وهو الّذي كان يفعله كفّار قريش مع أصنامهم وأوثانهم، وهكذا بقية المشركين يقصدون بذلك أنّها تشفع لهم عند الله، وتقرّبهم إليه زلفى، ولم يعتقدوا أنّها هي الّتي تقضي حاجاتهم وتشفي مرضاهم وتنصرهم على عدوهم، كما بيّن سبحانه ذلك عنهم في قوله: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَ لاَ يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ )2، فردّ عليهم سبحانه بقوله: (قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَ لاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ )(4).
ونظير ذلك ما ذكره ابن تيمية في الفتاوى 3 .

1 . آل عمران: 170 ـ 171 .   2 . يس: 26 ـ 27 .
2 . يونس: 18 .   4 . يونس: 18 .
3 . الفتاوى: 1 / 157 .

صفحه 189
وجوابنا عن هذه الشبهة يأتي ضمن أُمور:
1. كيف يمكن أن يكون عملاً واحداً في حال حياة المدعوّ نفس التوحيد، وبعد رحلته يكون الشرك بعينه؟!
فإنّ طلب الدعاء من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بعد رحلته هو نفس طلب الدعاء منه حال حياته، فكيف يمكن أن يكون الثاني موصوفاً بالتوحيد ويكون الأوّل موصوفاً بالشرك، مع أنّ ماهية الطلب في كلتا الحالتين لم تتغير، واعتقاد الطالب بحق النبي في كلا الموضعين سيّان، غاية الأمر لو لم نقل بحياة المدعو أو عدم وجود الصلة يكون الطلب أمراً لغواً لا شركاً وحراماً. وهذه النكتة لو وقف عليها المستدل ومَنْ يقتفي أثره لرجع عن دليله إذا كان إنساناً واعياً ومنصفاً.
2. إنّ عطف عمل المسلمين بعد رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)على عمل المشركين في دعاء الأصنام والأوثان قياس باطل، وذلك أنّ المشركين كانوا يعتقدون بإلوهية الأصنام وأنّها تضرّ وتنفع في غير واحد من المقامات بشهادة قوله سبحانه: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا)1، وقوله تعالى: (وَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ)2، وقوله عزوجل: (وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ)،3 فالعز والنصر في الحروب بيد الأصنام حسب اعتقادهم، وأنّها

1 . مريم: 81 .
2 . يس: 74 .
3 . البقرة: 165 .

صفحه 190
أنداد لله سبحانه في قضاء الحوائج ورفع الملمّات، إلى غير ذلك من صفات الله سبحانه.
فأين هذا من دعاء المسلمين فإنّهم يطلبون من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)الدعاء والشفاعة من دون أن يعتقدوا بأنّ النصر والعزّة بيده (صلى الله عليه وآله وسلم)أو أنّه ند لله سبحانه؟!
فتشبيه عمل المسلمين بعمل المشركين تعسّف واضح، لا يصدر إلاّ عن المتعصّب لما تربّى عليه .
3. ثم إنّه حاول التقريب بين عمل المشركين والمسلمين قائلاً: بأنّ الكفّار لم يقصدوا من آلهتهم أنّهم يشفون مرضاهم أو يقضون حوائجهم،وإنّما أرادوا منهم أن يقربونهم من الله زلفى كما في الآية المباركة.1
يلاحظ عليه: كيف يقول أنّهم لم يقصدوا من آلهتهم شفاء المرضى وقضاء الحوائج، مع أنّه سبحانه ينقل عنهم قولهم بأنّ العز والنصر بيد الآلهة، بل كانوا يتجاوزون هذا الحد ويعتقدون بالأنداد.
نعم كان المشركون في عصر الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)ربّما يخفون عقيدتهم ويتظاهرون بأنّ عبادتهم للأصنام ليست إلاّ وسيلة ليقربوهم إلى الله زلفى فقط، كما حكى عنهم سبحانه: (أَلاَ للهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى).2

1 . التبرك والتوسل والصلح مع العدو الصهيوني: 43.
2 . الزمر: 3 .

صفحه 191
ولكن ما تظاهروا به كان كذباً وفرية فضحها الذكر الحكيم وقال: (إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ)1 .
نعم كانوا كاذبين في حصر وجه عبادتهم للأصنام على تقريبهم إلى الله زلفى، وكانوا يعبدونها باعتقاد أنّ مصيرهم في الحياة وفي الحروب بيد هذه الأصنام والآلهة، ومن أمعن النظر في الآيات النازلة في حق المشركين يقف على أنّهم كانوا يعتقدون فيهم نفس ما يعتقده المسلمون في الله سبحانه.
4. أفيصح أن نجعل الجميع في صف واحد; من يسوّي بين الأصنام ورب العالمين، ويقول: (إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ)(2) ويصورها نداً لله سبحانه، ومَنْ يعبد الله سبحانه ولا يرى له ندّاً ولا مثلاً ويتلو كل يوم وليلة قوله سبحانه: (قُلِ اللهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَ تَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَ تُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَ تُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيء قَدِيرٌ)2.
5. وقد روى ابن هشام في سيرته أنّ عمرو بن لُحيّ كان أوّل من أدخل الوثنية إلى مكة ونواحيها، فقد رأى في سفره إلى البلقاء من أراضي الشام أُناساً يعبدون الأوثان، وعندما سألهم عمّا يفعلون، بقوله: ما هذه الأصنام الّتي أراكم تعبدون؟ قالوا له: هذه أصنام نعبدها، فنستمطرها فتمطرنا،

1 . الزمر: 3 .   2 . الشعراء: 98.
2 . آل عمران: 26 .

صفحه 192
ونستنصرها فتنصرنا. فقال لهم: أفلاتعطوني منها صنماً، فأسير به إلى أرض العرب فيعبدوه؟ فأعطوه صنماً يقال له هُبَل، فقدم به مكَّة، فنصبه وأمرَ الناس بعبادته وتعظيمه.
فمع هذه القصة والآيات الّتي تلوناها عليك كيف يقول الشيخ: بأنّهم لم يعتقدوا بأنّ آلهتهم هي الّتي تقضي حاجاتهم وتشفي مرضاهم وتنصرهم على عدوهم؟!1

الشبهة الخامسة: أنّ دعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بعد رحيله بدعة

قالوا: لو كان طلب الدعاء من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أمراً جائزاً لسبق إليه الصحابة لأنّهم أعلم بحلاله وحرامه.2
يلاحظ عليه: أنّ البدعة عبارة عمّا لم يكن له أصل في الكتاب والسنّة، وقد عرفت دلالته فيها، وقد مرّت سيرة الصحابة والتابعين في ذلك المجال. فكيف يوصف هذا العمل بكونه بدعة؟!
***
توسّل الضرير بشخص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)   

السابع: التوسّل بذات النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)حال حياته

كان القسم السابق هو التوسّل بدعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ومن المعلوم أنّ التوسّل بدعاء النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)في حياته أو بعد رحيله ليس إلاّ لأجل أنّه دعاء روح

1 . التبرّك والتوسل والصلح مع العدوالصهيوني: 150 .
2 . التبرّك والتوسل والصلح مع العدوالصهيوني: 59. وهذا النوع من الدليل عندهم يُستدل به في كلّ مورد يرونه حراماً، أو بدعة أو شركاً، ولا يختصّ بمورد واحد .

صفحه 193
طاهرة ونفس كريمة وشخصية مثالية وهو أفضل الخلائق، ففي الحقيقة ليس الدعاء بما هو دعاء، وسيلة، وإنّما الوسيلة هي الدعاء النابع عن تلك الشخصية الإلهية الّتي كرّمها الله وعظّمها ورفع مقامها وقال عنها: (وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ)،1 وأمر المسلمين بتكريمه وتعزيره حيث قال: (فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصَرُوهُ وَ اتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)2.
فإذا كان رصيد استجابة الدعاء، هو الشخصية الفذة المثالية للداعي، ومنزلته عند الله فأولى أن يتوسّل بها كما يتوسّل بدعائها، فمن اعترف بجواز الثاني ومنع الأوّل فقد فرّق بين أمرين متلازمين.
ونحن نغض النظر عمّا ذكرنا من الدليل، ونذكر ما ورد في السنّة النبوية من التوسّل بذاته وشخصه بطريق صحيح، وقد أقرّ بصحّته الأقطاب من أهل الحديث :

توسّل الضرير بشخص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)

أخرج الترمذي، وابن ماجة، وأحمد بأسانيد صحيحة عن عثمان بن حنيف أنّه قال: إنّ رجلاً ضريراً أتى النبي فقال: أُدعُ الله أنْ يعافيني فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «إن شئتَ دعوتُ وإن شئتَ صبرتَ، وهو خير».
قال: فإدعه، قال: فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءَه ويصلّي ركعتين

1 . الحشر: 4 .
2 . الأعراف: 157 .

صفحه 194
ويدعو بهذا الدعاء: «اللّهم إنّي أسألك وأتوجُه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إنّي أتوجه بك إلى ربّي في حاجتي لتقضى، اللّهم شفّعه فيّ».
قال ابن حنيف: فوالله ما تفرقنا وطال بنا الحديث حتّى دخل علينا كأن لم يكن به ضَر .1
والاستدلال بالحديث رهن صحة السند أوّلاً، وتمامية الدلالة ثانياً. أمّا صحة السند فقد اعترف الأقطاب بصحته :
1. قال الترمذي: هذا حديث حق، حسن، صحيح .
2. وقال ابن ماجة: هذا حديث صحيح.
3. وقال ابن تيمية: قد روى الترمذي حديثاً صحيحاً عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه علّم رجلاً أن يدعو ويقول: اللّهم إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيك، وروى النسائي نحو هذا الدعاء 2 .
4. ورواه الحاكم في المستدرك وقال: هذا صحيح على شرط الشيخين.3
5. وقال الرفاعي: لا شكّ أنّ هذا الحديث صحيح مشهور.(4) وأبو جعفر الوارد في السند هو أبو جعفر الخطمي، كما في بعض الأسانيد. إلى

1 . سنن الترمذي: كتاب الدعوات، الباب 119، برقم 3578 ; سنن ابن ماجة: 1 / 441، برقم 1385 ; مسند أحمد: 4/ 138 إلى غير ذلك من المصادر.
2 . مجمع الرسائل والمسائل: 1 / 13 .
3 . المستدرك: 1 / 313 .   4 . التوصل إلى حقيقة التوسل: 158 .

صفحه 195
هنا تبيّنت صحة سند الحديث فلم يبق لمشكّك شكّ ولا لمريب ريب.
وأمّا الدلالة فإليك بيانها :
إنّ الحديث يدل بوضوح على أنّ الأعمى توسّل بذات النبي بتعليم منه (صلى الله عليه وآله وسلم)، والأعمى وإن طلب الدعاء من النبي الأكرم في بدء الأمر إلاّ أنّ النبي علّمه دعاء تضمّن التوسّل بذات النبي ، وهذا هو المهم في تبيين معنى الحديث .
وبعبارة ثانية: أنّ الذي لا يُنكر عند الإمعان في الحديث، أمران:
الأوّل: أنّ الرجل طلب من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الدعاء ولم يظهر منه توسّل بذات النبي .
الثاني: أنّ الدعاء الذي علّمه النبي ، تضمّن التوسّل بذات النبي بالصراحة التامّة ، فيكون ذلك دليلا على جواز التوسّل بالذات .
وإليك الجمل والعبارات الصريحة في بيان المقصود :

1 . اللّهمّ إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك

إنّ كلمة «بنبيّك» متعلّقة بفعلين هما «أسألك» و «أتوجّه إليك»، والمراد من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)نفسه القدسية وشخصيته الكريمة لا دعاؤه .
وتقدير كلمة «دعاء» قبل لفظ «بنبيّك» حتى يكون المراد هو «أسألك بدعاء نبيّك أو أتوجّه إليك بدعاء نبيّك» تحكّم وتقدير بلا دليل ، وتأويل بدون مبرّر ، ولو أنّ محدّثاً ارتكب مثله في غير هذا الحديث لرموه بالجَهْمية والقدريّة .

صفحه 196

2 . محمد نبي الرحمة

لكي يتّضح أنّ المقصود هو السؤال من الله بواسطة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وشخصيته فقد جاءت بعد كلمة «بنبيّك» جملة «محمد نبي الرحمة» لكي يتّضح نوع التوسّل والمتوسّل به بأكثر ما يمكن .
 
3 . يا محمد إنّي أتوجّه بك إلى ربّي
إنّ هذه الجملة تدلّ على أنّ الرجل الضرير ـ حسب تعليم الرسول ـ اتّخذ النبي نفسَه ، وسيلة في دعائه، أي أنّه توسّل بذات النبي لا بدعائه (صلى الله عليه وآله وسلم) .

4 . وشفّعه فيّ

إنّ قوله «وشفّعه فيّ» معناه: يا ربِّ اجعل النبي شفيعي ، وتقبّل شفاعته في حقّي ، وليس معناه تقبّل دعاءه في حقّي; فإنّه لم يرد في الحديث أنّ النبي دعا بنفسه حتى يكون معنى هذه الجملة: استجب دعاءه في حقّي .
ولو كان هناك دعاء من النبي لذكره الراوي; إذ ليس دعاؤه(صلى الله عليه وآله وسلم) من الأُمور غير المهمّة حتى يتسامح الراوي في نقله.
التوسل بذات النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد رحيله   
وحتى لو فرضنا أنّ معناه «تقبّل دعاءه في حقّي» فلا يضر ذلك بالمقصود أيضاً; إذ يكون على هذا الفرض هناك دعاءان: دعاء الرسول ولم يُنْقَل لفظه ، والدعاء الذي علّمه الرسول للضرير ، وقد جاء فيه التصريح بالتوسّل بذات النبي وشخصه وصفاته ، وليس لنا التصرّف في الدعاء الذي

صفحه 197
علّمه الرسول للضرير ، بحجّة أنّه كان هناك للرسول دعاء .
لقد أورد هذا الحديث النسائي والبيهقي والطبراني والترمذي والحاكم في مستدركه ، ولكن الترمذي والحاكم ذكرا جملة «اللّهمّ شفّعه فيه» بدل «وشفّعه فيّ» .
وهنا كلمة للدكتور عبدالملك السعدي نأتي بنصها: وقد ظهر في الآونة الأخيرة أُناس ينكرون التوسّل بالذات مطلقاً، سواء كان صاحبها حيّاً أو ميتاً، وقد أوّلوا حديث الأعمى وقالوا: إنّ الأعمى لم يتوسّل، ولم يأمره النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)به بل قال له: صلِّ ركعتين ثم اطلب منّي أن أدعو لك، ففعل.
وأنت يا أخي عليك أن تقرأ نص الحديث هل يحتمل هذا التأويل، وهل فيه هذا المدّعى؟ أم أنّه أخذ يطلب من الله مستشفعاً بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)ولم يدع له (صلى الله عليه وآله وسلم). ولو أراد منه ذلك لاستجاب له أوّل مرة حيث طلب منه الدعاء بالكشف عن بصره فأبى إلاّ أن يصلّي ويتولّى الأعمى بنفسه الدعاء.1
***

الثامن: التوسّل بذات النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بعد رحيله

إنّ الصحابي الجليل عثمان بن حنيف فهمَ من الحديث السابق أنّ التوسّل بذات النبي وشخصه يعمّ حياته ومماته، ولذلك علّمه لبعض أصحاب الحاجة، وقد عمل به من تعلّم وكان ناجحاً في قضاء حاجته .
روى الحافظ سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الطبراني (المتوفّى

1 . البدعة في مفهومها الإسلامي: 46، طبعة بغداد.

صفحه 198
360 هـ) عن أبي أُمامة بن سهل بن حنيف عن عمّه عثمان بن حنيف ، أنّ رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفان في حاجة له ، فكان عثمان لا يلتفت إليه ولا ينظر في حاجته ، فلقى ابن حنيف فشكا ذلك إليه فقال له عثمان بن حنيف: ائت الميضأة فتوضّأ ، ثمّ ائت المسجد فصلّ فيه ركعتين ثم قل: «اللّهمّ إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّنا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) نبي الرحمة ، يا محمد إنّي أتوجّه بك إلى ربّي فتقضي لي حاجتي» فتذكر حاجتك ورح إليَّ حتى أروح معك .
فانطلق الرجل فصنع ما قال له ، ثمّ أتى باب عثمان بن عفان، فجاء البوّاب حتى أخذ بيده، فأدخله على عثمان بن عفان، فأجلسه معه على الطنفسة، فقال: ما حاجتك؟ فذكر حاجته، فقضاها له، ثم قال له: ما ذكرتُ حاجتك حتى كانت الساعة، وقال: ما كانت لك من حاجة فاذكرها .
ثمّ إنّ الرجل خرج من عنده فلقي عثمان بن حنيف فقال له: جزاك الله خيراً ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إليّ حتى كلّمتَه فيّ ، فقال عثمان بن حنيف: والله ما كلّمته ، ولكنّي شهدت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وقد أتاه ضرير فشكا إليه ذهاب بصره فقال له النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أفتصبر ؟ فقال : يا رسول الله ليس لي قائد وقد شقّ عليّ .
فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ائت الميضأة فتوضّأ ثمّ صلّ ركعتين ، ثمّ ادع بهذه الدعوات  .
قال ابن حنيف: فوالله ما تفرّقنا وطال بنا الحديث حتى دخل علينا

صفحه 199
الرجل كأنّه لم يكن به ضرّ قط1 .
إنّ الاستدلال بالحديث رهن صحة السند وصحة الدلالة.
أمّا صحة الدلالة فقد تبيّن ممّا ذكرناه في الرواية السابقة، فإن المتن والمضمون في كليهما واحد.
وأمّا السند فقد ناقش فيه مؤلف «التوصل إلى حقيقة التوسل» وقال: إنّ في سند هذا الحديث رجلاً اسمه روح بن صلاح وقد ضعّفه الجمهور، وابن عدي وقال ابن يونس: يروي أحاديث منكرة .2
أقول: لعلّ المناقش لم يرجع إلى مصدر الحديث، وإنّما نقله عن مصدر ثانوي وفيه روح بن صلاح ، وإليك نص الطبراني في معجمه الكبير قال: حدثنا طاهر بن عيسى بن قريش المصري المقري: حدثنا أصبغ بن الفرج: حدثنا ابن وهب عن أبي سعيد المكي، عن روح بن القاسم، عن أبي جعفر الخطمي المدني، عن أبي أُمامة بن سهل بن حنيف، عن عمه عثمان بن حنيف 3.
ورواه البيهقي بالسند التالي:
أخبرنا أبو سعيد عبدالملك بن أبي عثمان الزاهد (رحمه الله): أنبأنا الإمام أبو بكر محمد بن علي بن الشاشي القفّال، قال: أنبأنا أبو عروبة: حدّثنا العباس

1 . المعجم الكبير: 9 / 16 ـ 17 ، باب ما أُسند إلى عثمان بن حنيف ، برقم 8310 ، والمعجم الصغير له أيضاً: 1 / 183 ـ 184 .
2 . التوصل إلى حقيقة التوسل: 237 .
3 . المعجم الكبير: 9 / 17 ; وفي المعجم الصغير له أصبغ بن الفرج مكان أصبغ بن فرح.

صفحه 200
بن الفرج: حدثنا إسماعيل بن شبيب: حدثنا أبي عن روح بن القاسم، عن أبي جعفر المدني... إلى آخر السند .1
   
وأنت ترى أنّه ليس في طريق الرواية روح بن صلاح، بل هو روح بن القاسم، والكاتب صرح بأن الرواية رواها الطبراني والبيهقي، وهذا يعرب عن أنّ الكاتب لم يرجع إلى المصدرين، وإنّما اعتمد على نقول الآخرين .
نحن نفترض أنّه ورد في سند الرواية روح بن صلاح، ولكن ما ذكره من أنّ الجمهور ضعّفوه أمر لا تصدّقه المعاجم التي بين أيدينا، وإنّما ضعفه ابن عدي، وفي الوقت نفسه وثّقه ابن حِبّان والحاكم وقال الذهبي: روح بن صلاح المصري يقال له ابن سيّابة ضعفه ابن عدي، يكنّى أبا الحارث، وقد ذكره ابن حبّان في الثقات، وقال الحاكم: ثقة مأمون.(2)
***

التاسع: التوسّل بحق الصالحين وحرمتهم ومنزلتهم

إنّ من التوسّلات الرائجة بين المسلمين، التوسّل بحق النبي ومن سبقه من الأنبياء، ومن المعلوم أنّه ليس لأحد على الله حق إلاّ ما جعله الله سبحانه حقّاً على ذمته لهم تفضّلاً وتكريماً، قال سبحانه: (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ)2.
روى الطبراني بسنده عن أنس بن مالك أنّه لمّا ماتت فاطمة بنت أسد

1 . دلائل النبوة: 6 / 168 .   2 . ميزان الاعتدال: 2 / 85، ح 2801 .
2 . الروم: 47 .

صفحه 201
أُمّ علي ـ رضي الله عنها ـ دخل عليها رسول الله فجلس عند رأسها فقال: «رحمكِ الله يا أُمّي، كنتِ أُمِّي بعد أُمِّي تجوعين وتشبعيني ، وتعرين وتكسينني ، وتمنعين نفسك طيب الطعام وتطعمينني ، تريدين بذلك وجه الله والدار الآخرة» .
ثم أمر أن تغسّل ثلاثاً ثلاثاً فلمّا بلغ الماء الذي فيه الكافور سكبه رسول الله بيده ، ثم خلع رسول الله قميصه فألبسها إيّاه وكفّنها ببرد فوقها ، ثم دعا رسول الله أُسامة بن زيد وأبا أيوب الأنصاري وعمر بن الخطاب وغلاماً أسود يحفرون فحفروا قبرها ، فلمّا بلغوا اللحد حفره رسول الله بيده وأخرج ترابه بيده، فلمّا فرغ دخل رسول الله فاضطجع فيه وقال: «الله الذي يحيي ويميت وهو حي لا يموت، اغفر لأُمّي فاطمة بنت أسد ولقّنها حجتها ، ووسّع عليها مدخلها بحقّ نبيّك والأنبياء الذين من قبلي، فإنّك أرحم الراحمين» وكبّر عليها أربعاً وأدخلها اللحد والعباس وأبوبكر .
والاستدلال بالرواية يتوقف على تمامية الرواية سنداً ومضموناً .
أمّا المضمون فلا مجال للخدشة فيه ، وأمّا السند فصحيح ، رجاله كلّهم ثقات; لا يغمز في حقّ أحد منهم ، نعم فيه روح بن صلاح وثّقه ابن حبّان والحاكم; وقد عرفت كلام الذهبي فيه1 .
وقد رواه أئمة الحديث وأساتذته ، وإليك أسماء من وقفنا على روايتهم:

1 . للوقوف على حال روح بن صلاح المصري، لاحظ : ميزان الاعتدال: 2 / 85، برقم 2801 .

صفحه 202
1 ـ رواه الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني في المعجم الأوسط ص 356 ـ 357 .
2 ـ رواه أبو نعيم عن طريق الطبراني في حلية الأولياء: 3 / 121 .
3 ـ رواه الحاكم في مستدركه: 3 / 108، وهو لا يروي في هذا الكتاب إلاّ الصحيح على شرط الشيخين البخاري ومسلم .
4 ـ رواه ابن عبد البرّ في الاستيعاب على هامش الإصابة: 4 / 382 .
5 ـ نقله الذهبي في سير أعلام النبلاء: 2 / 118، برقم 7 .
6 ـ رواه الحافظ نور الدين الهيثمي (المتوفّى 708 هـ) في معجم الزوائد ومنبع الفوائد: 9 / 256 ـ 257 ، وقال: ورواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه روح بن صلاح وثّقه ابن حبّان والحاكم .
7 ـ رواه المتّقي الهندي في كنز العمال: 13 / 636، برقم 37608 .
وأمّا التوسّل بحقّ الأولياء والشخصيّات الإلهيّة ففي أدعية أئمة أهل البيت(عليهم السلام)نماذج من أدعية التوسّل ، وهي كثيرة وموزعة في الصحيفة العلوية،1 ودعاء عرفة،2 والصحيفة السجادية،3 وغيرها من كتب الدعاء .
وفيما يلي نذكر نماذج من تلك الأدعية:

1 . وهي المجموعة التي تضم بعض أدعية الإمام علي أمير المؤمنين (عليه السلام) جمعها الشيخ عبد الله السماهيجي .
2 . وهو دعاء الإمام الحسين (عليه السلام) في عرفات ، يوم عرفة .
3 . هي بعض أدعية الإمام زين العابدين (عليه السلام) .

صفحه 203
1 ـ يقول الإمام عليّ أمير المؤمنين (عليه السلام) في دعاء له:
« . . . بحقّ محمّد وآل محمّد عليك ، وبحقّك العظيم عليهم أن تصلّي عليهم كما أنت أهله ، وأن تعطيني أفضل ما أعطيت السائلين من عبادك الماضين من المؤمنين وأفضل ما تعطي الباقين من المؤمنين . . »1 .
2 ـ ويقول الإمام سيد الشهداء الحسين (عليه السلام) في دعاء عرفة:
« . . . اللّهمّ إنّا نتوجّه إليك ـ في هذه العشية التي فرضتها وعظّمتها ـ بمحمد نبيّك ورسولك وخيرتك من خلقك» .
3 ـ ويقول الإمام زين العابدين (عليه السلام) في دعائه بمناسبة حلول شهر رمضان:
« . . . اللّهمّ إنّي أسألك بحقّ هذا الشهر وبحقّ من تعبّد فيه»2 .
إلى هنا تمّت بعض الأدلّة على جواز التوسّل بالشخصيات الطاهرة التي لها منزلة ومكانة ، وهناك روايات أُخرى في هذا الصدد نتركها لئلاّ يطول بنا الكلام; فإنّ الغرض الإيجاز لا الإطناب .
***

العاشر: التوسّل بحقّ السائلين

روى عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «من خرج من بيته إلى الصلاة فقال: «اللّهمّ إنّي أسألك بحقّ السائلين عليك ،

1 . الصحيفة العلوية : 51 .
2 . الصحيفة السجادية: الدعاء رقم 44 .

صفحه 204
وأسألك بحق ممشاي هذا ، فإنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا رياءً ولا سُمعة إنّما خرجت اتّقاء سخطك وابتغاء مرضاتك أن تعيذني من النار وأن تغفر ذنوبي إنّه لا يغفر الذنوب إلاّ أنت» ، إلاّ أقبل الله عليه بوجهه واستغفر له سبعون ألف ملك»1 .
إنّ دلالة الحديث واضحة لا يمكن لأحد التشكيك فيها ، وسند الحديث صحيح ورجاله كلّهم ثقات ، نعم اشتمل السند على عطية العوفي وقد وثّقه لفيف من أهل الجرح والتعديل .
قال أبو حاتم: يكتب حديثه ، وقال ابن معين: صالح ، وقال ابن حجر: عطية بن سعيد بن جنادة العوفي الجدلي الكوفي أبو الحسن، صدوق ، قال ابن عدي: قد روى عن جماعة من الثقات ، توفّي سنة إحدى عشرة ومائة ، قال ابن سعد: خرج عطية مع ابن الأشعث فكتب الحجّاج إلى محمد بن القاسم أن يعرض عليه سبَّ علي ـ إلى أن قال: ـ كان ثقة ، وله أحاديث صالحة ، وكان أبوبكر البزّاز يعدّه في التشيّع ، روى عن جلّة الناس2 .
نعم ، هناك من ضعّفه لا لأنّه غير صدوق ، بل لأنّه كان يتشيّع ، وليس تشيّعه إلاّ ولاؤه لعلي وأهل بيته ، وهل هذا ذنب ؟!
توسّل الأنبياء(عليهم السلام) بالنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)   
إنّ لوضع الحديث دوافع خاصّة توجد أكثرها في أبواب المناقب والمثالب وخصائص البلدان والقبائل ، أو فيما يرجع إلى مجال العقائد ، كالبدع الموروثة من اليهود والنصارى في أبواب التجسيم والجهة

1 . سنن ابن ماجة: 1 / 256، برقم 778; مسند أحمد: 3 / 21 .
2 . تقريب التهذيب: 2 / 24، برقم 216 ، وتهذيب التهذيب: 7 / 227، برقم 413 .

صفحه 205
وصفات الجنة والنار ، وأمّا مثل هذا الحديث الذي يعرب بوضوح عن أنّه كلام إنسان خائف من الله سبحانه ترتعد فرائصه من سماع عذابه فبعيد عن الوضع .

توسّل الأنبياء(عليهم السلام)بالنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)

يظهر ممّا رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة أنّ الأنبياء العظام يتوسّلون يوم القيامة بالنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)عندما يجمع الله تعالى الأوّلين والآخرين في صعيد واحد، وتدنو الشمس ويبلغ الناس من الغمّ والكرب ما لا يطيقون ولايحتملون... إلى أن قال: فيأتي الأنبياء محمداً فيقولون: يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر اشفع لنا إلى ربّك، ألا ترى إلى ما نحن فيه ؟ فأنطلق فآتي تحت العرش فأقَعُ ساجداً لربّي عزّ وجلّ ثم يفتح الله عليَّ من محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه على أحد قبلي، ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك سل تعطه واشفع تشفّع ، فأرفَعُ رأسي فأقولُ: أُمّتي يا ربّ، أُمّتي يا ربّ ، فيقال: يا محمد أدخل من أُمّتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة ، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب ، ثم قال : والذي نفسي بيده إنّ ما بين المصراعين من مصاريع الجنّة كما بين مكة وحميراً وكما بين مكّة وبصرى»1 .
فالحديث يدلّ على جواز التوسّل بالمقام والمنزلة لقولهم: يا محمد

1 . صحيح البخاري: 6 / 84 ـ 85 ; صحيح مسلم: 1 / 127 ـ 130 ; مسند أحمد: 2 / 412 .

صفحه 206
أنت رسول الله وخاتم الأنبياء ...، كما أنّ فيه دلالة على طلب الشفاعة منه لقولهم: اشفع لنا إلى ربّك .
إنّ التوسّل بالأنبياء والأولياء ليس بملاك جسمانيتهم فإنّهم وغيرهم في ذلك المجال سواسية ، وإنّما يتوسّل بهم بروحانيتهم العالية; وهي محفوظة في حال الحياة وبعد الارتحال إلى البرزخ وإلى الآخرة .
فالتفريق في التوسّل بين الحياة والممات ينشأ من نظرة مادية تعطي الأصالة للجسم والمادّة ولا تقيم للمعنى والروحانية وزناً ولا قيمةً .
فالنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)مدار الفضائل والكمالات وهو يتمتع بأروع الكرامات وكلّها ترجع إلى روحانيته ومعنويته القائمة المحفوظة في جميع الحالات .
فما هذا التفريق بين الحياة المادّية والبرزخية والأُخروية ؟
فالّذين اتّخذوا الأنبياء والأولياء وغيرهم ممّن باتوا لربّهم سجّداً وقياماً ، أسباباً حال حياتهم أو بعد مماتهم ، ووسائل لقضاء حوائجهم ووسائط لجلب الخير ودفع الشر ، لم يحيدوا عمّا تهدف إليه الشريعة، ولم يتجاوزوا الخط المشروع، ولم يتعدّوا مقصود الرسالة النبوية وغاياتها .
فالأسباب لا يمكن إنكارها ، ولا يعقل تجاهلها ، ولا يتأتّى جحودها; لأنّه تعالى هو الذي خلق الأسباب والمسبّبات ورتّب النتائج على المقدّمات، فمن تمسّك بالأسباب فقد تمسّك بما أمر الله سبحانه .
سيرة الموحّدين في توسّلهم بالطيبين والطاهرين   

صفحه 207

خاتمة المطاف

سيرة الموحّدين في توسّلهم
بالطيبين والطاهرين

التاريخ الصحيح يشهد على أنّه جرت سيرة الموحّدين على التوسّل بالطيبين والطاهرين عند الشدائد والأزمات، عند الجفاف وقلة الأمطار، وسنوات القحط. وهانحن نذكر هنا نماذج من هذه التوسّلات الّتي أمضاها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وأظهر رضاه على هذا النوع من التوسّل .

1. استسقاء عبدالمطلب بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وهو صغير

استسقى عبدالمطلب بالنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)وهو طفل رضيع حتّى أنّ ابن حجر قال: إنّ أبا طالب يشير بقوله:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه *** ثمال اليتامى عصمة للأرامل
إلى ما وقع في زمن عبدالمطلب حيث استسقى لقريش والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)معه غلام.

2. استسقاء أبي طالب بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وهو غلام

أخرج ابن عساكر عن أبي عرفة ، قال: قدمت مكة وهم في قحط ،

صفحه 208
فقالت قريش: يا أبا طالب أقحط الوادي ، وأجدب العيال ، فهلم فاستسق ، فخرج أبو طالب ومعه غلام ـ يعني: النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ كأنّه شمس دجى تجلّت عن سحابة قتماء ، وحوله أُغيلمه ، فأخذ النبيَّ أبو طالب فألصق ظهره بالكعبة ، ولاذَ إلى الغلام وما في السماء قزعة ، فأقبل السحاب من هاهنا وهاهنا وأغدق واغدودق ، وانفجر له الوادي ، وأخصب النادي والبادي ، وفي ذلك يقول أبو طالب:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه *** ثمال اليتامى عصمةٌ للأرامل1
وقد كان استسقاء أبي طالب بالنبي وهو غلام ـ بل استسقاء عبد المطلب به وهو صبيّ ـ أمراً معروفاً بين العرب ، وكان شعر أبي طالب في هذه الواقعة ممّا يحفظه أكثر الناس .
ويظهر من الروايات أنّ استسقاء أبي طالب بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كان موضع رضاً منه(صلى الله عليه وآله وسلم) فإنّه بعدما بعث للرسالة استسقى للناس فجاء المطر وأخصب الوادي فقال النبي: لو كان أبو طالب حيّاً لقرّت عيناه ، من ينشدنا قوله ؟ فقام علي (عليه السلام) وقال: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كأنّك أردت قوله:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه *** ثمال اليتامى عصمةٌ للأرامل2
إنّ التوسّل بالأطفال في الاستسقاء أمر ندب إليه الشارع ، قال الدكتور عبد الملك السعدي: من السنّة أن نُخرج معنا إلى الصحراء الشيوخ

1 . فتح الباري: 2 / 494 ; السيرة الحلبية: 1 / 116 .
2 . إرشاد الساري: 2 / 338 .

صفحه 209
والصبيان والبهائم لعلَّ الله يسقينا بسببهم1 .
وهذا هو الإمام الشافعي يقول في آداب صلاة الاستسقاء: «وأُحب أن يخرج الصبيان ، ويتنظفوا للاستسقاء ، وكبار النساء ، ومن لا هيئة له منهنّ ، ولا أُحبّ خروج ذات الهيبة ، ولا آمر بإخراج البهائم»2 .
فما الهدف من إخراج الصبيان والنساء الطاعنات في السن ، إلاّ استنزال الرحمة بهم وبقداستهم وطهارتهم ؟ كل ذلك يعرب عن أنّ التوسّل بالأبرياء والصلحاء والمعصومين مفتاح استنزال الرحمة وكأنّ المتوسّل يقول: ربّي وسيّدي !! الصغير معصوم من الذنب ، والكبير الطاعن في السن أسيرك في أرضك ، وكلتا الطائفتين أحقّ بالرحمة والمرحمة . فلأجلهم أنزل رحمتك علينا ، حتى تعمّنا في ظلّهم  .
إنّ الساقي ربّما يسقي مساحة كبيرة لأجل شجرة واحدة ، وفي ظلّها تُسقى الأعشاب وسائر الحشائش غير المفيدة .

3 ـ توسّل الخليفة بعمّ النبي: العباس

روى البخاري في صحيحه قال: كان عمر بن الخطاب إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب (رضي الله عنه) وقال: اللّهمّ إنّا كنّا نتوسّل إليك بنبيّنا فتسقينا ، وإنّا نتوسّل إليك بعمّ نبيّنا فاسقنا ، قال: فيُسقون3 .

1 . البدعة: 49 .
2 . الأُم: 1 / 230 .
3 . صحيح البخاري: 2 / 32، باب صلاة الاستسقاء .

صفحه 210
والحديث صريح في أنّ عمر بن الخطاب توسّل بنفس العباس بما له من وشيجة بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتشهد على ذلك الأُمور التالية:
1. قول عمر عند الدعاء: اللّهم إنّا كنّا نتوسّل إليك بنبينا فتسقينا، وإنّا نتوسّل إليك بعمّ نبينا فاسقنا، ومعنى ذلك أنّ الخليفة قام بالدعاء وتوسّل في أثناء الدعاء بعمّ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)لا بدعاء عمّه .
2. روى ابن الأثير كيفية الاستسقاء فقال: استسقى عمر بن الخطاب بالعباس عام الرمادة لمّا اشتدّ القحط، فسقاهم الله تعالى به، وأخصبت الأرض، فقال عمر: هذا والله الوسيلة إلى الله والمكان منه، وقال حسّان:
سأل الإمام وقد تتابع جدبنا *** فسقى الغمام بغُرّة العباس
عمِّ النبي وصنو والده الذي *** ورث النبي بذاك دون الناس
أحيا الإله به البلاد فأصبحت *** مخضرّة الأجناب بعد الياسِ
ولمّا سَقى الناس طفقوا يتمسّحون بالعباس ويقولون: هنيئاً لك يا ساقي الحرمين 1 .
أيها القارئ: أمعن في قول عمر: «هذا والله الوسيلة».
ويظهر من قول حسّان: «سأل الإمام...»، أنّ المستسقي كان هو عمر، وهو الداعي وكان العباس وسيلته لإجابة الدعاء.
وربّما يقال: لو كان المقصود التوسّل بذات العباس لكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أفضل وأعلم، فلماذا لم يتوسّل بذات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)؟

1 . أُسد الغابة: 3 / 111، طبعة مصر.

صفحه 211
ولكن الإجابة عنه واضحة، وذلك لأنّ الهدف من إخراج عمّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى المصلّى وضمّه إلى الناس هو استنزال الرحمة، فكأنّ المصلّين يقولون: ربّنا إذا لم نكن مستحقّين لنزول الرحمة، فإنّ عمّ النبي مستحقّ لها، فأنزل رحمتك إليه لتريحه من أزمة القحط والغلاء، وعندئذ تعمّ الرحمة غير العباس، ومن المعلوم أنّ هذا لا يتحقق إلاّ بالتوسّل بإنسان حيّ يكون شريكاً مع الجماعة في الصبر وفي هناء العيش ورغده لا مثل النبيّ الراحل الخارج عن الدنيا والنازل في الآخرة، نعم يجوز التوسّل بشخصه أيضاً ولكن لا بهذا الملاك، بل بملاك آخر لم يكن مطروحاً لعمر في هذا المقام.
***
وفي الختام نقول: قد أسفرت الحقيقة عن وجهها وعُلم أنّ التوسّل بأنواعه العشرة أمر مندوب إليه، دعا إليه الكتاب والسنّة، وعمل به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وأصحابه والتابعون لهم بإحسان. واستمرت السيرة على التوسّل بأصنافه الماضية، عند عامّة المسلمين.
ولا يجد المنصف فيها أي رائحة للشرك، بل روح الجميع خضوع لرب الأرباب خالق السماوات والأرض، والمتوسّلون يطلبون استجابة حوائجهم من خالقهم وربّهم ومعبودهم ولكن من خلال التوسّل بوسائل تنزل مغفرته وتثير رحمته.
فعلى الغيارى من علماء الإسلام التصدي للدعايات الفارغة عن

صفحه 212
الدليل، والمفرّقة لوحدة المسلمين، بالنقد والرد حتّى (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَة وَ يَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَة )1، بإذن من الله سبحانه .
نسأل الله تعالى أن ينير أبصارنا ويصلح قلوبنا ويخلص نوايانا، ويجعلنا من أنصار كتابه وسنّة نبيّه، والحمد لله رب العالمين
 
26 ذي الحجة الحرام
من شهور عام 1430 هـ

1 . الأنفال: 42 .

صفحه 213
   
    تفسير سورة الزمر
تفسير
سورة الزمر

صفحه 214

صفحه 215

سورة الزمر

عدد آياتها خمس وسبعون آية عند الكوفيّين، وعند المدنيّين والمكّيين والبصريّين اثنتين وسبعين آية، وعند أهل الشام ثلاثة وسبعين آية.
سمّيت سورة الزمر لورود هذا اللفظ فيها دون غيرها من سور القرآن، وربّما تسمّى بسورة الغرف لورود لفظ الغرف في قوله:(لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ ...)1.
والسورة مكّية بشهادة مضمون الآيات على أنّها نزلت في مكّة عند الدعوة إلى التوحيد، والتنديد بالشرك والتهديد بالعذاب والعقاب، كلّ ذلك يناسب بيئة المشركين لا بيئة المسلمين. وربّما يقال بنزول بعض آيات السورة في المدينة مثل قوله: (قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ ...)(2) إلى آخر الآيات الثلاث فإنّها نزلت بالمدينة في وحشي (قاتل حمزة) وأصحابه2، ومن المعلوم أنّ الفكرة الأموية التي

1 . الزمر: 20 .   2 . الزمر: 53 .
2 . تفسير القرطبي: 15/232. وليس أصحابه إلاّ الطغمة الأموية وعلى رأسهم أبو سفيان وزوجته هند آكلة الأكباد.

صفحه 216
سادت بعد شهادة الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) هي السبب في جعل هذه المخائل والأوهام. حتى يُطهّروا بذلك البيت الأموي وأنصاره من الجرائم الفظيعة التي ارتكبوها عبر عصر الرسالة إلى أن أسلموا وانسلكوا في عداد المنافقين.
في أغراض السورة   

أغراض السورة

الغرض المهم في هذه السورة هو الدعوة إلى التوحيد في العبادة والطاعة والخلق والتدبير، بل إظهار العبودية في جميع شؤون الحياة باتّباع ما شرّعه الله تعالى للعباد بما أنزله في كتابه، فلا يسلك مسلكاً غير ما أمر به في كتابه وسنّة نبيّه.
والشاهد على هذا الأمر بالعبادة لله خالصاً في غير واحدة من الآيات:
1. (فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ).1
2. (أَلاَ للهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ).(2)
3. (قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ).2
4. (قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِيني ).(4)
5. (ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَ رَجُلاً سَلَمًا لِرَجُل هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ).3

1 . الزمر:2.   2 . الزمر:3.
2 . الزمر:11.   4 . الزمر: 14.
3 . الزمر:29.

صفحه 217
إذن هذه الآيات تعرب عن أنّ الغرض الأقصى هو الإخلاص في العبادة والطاعة، ورفض عبادة غيره سبحانه.
ثمّ إنّه لم يطرح الدعوة إلى الإخلاص بلا دليل وبلا برهان، وإنّما قارنها بأتقن البراهين والدلائل، فذكر أنّه سبحانه هو خالق السماوات والأرض، ومكوّر الليل على النهار والنهار على الليل، ومسخّر الشمس والقمر لأجل مسمّى، قال سبحانه:(خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَ الأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَ يُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ كُلٌّ يَجْري لأَجَل مُسَمًّى أَلاَ هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ)1.
كما أخذ من المشركين الاعتراف الصريح بأنّ الله هو خالق السماوات والأرض، وأنّه هو يكشف الضر: (وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرَادَني اللهُ بِضُرّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَني بِرَحْمَة هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبي اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ)2.
هذه الآيات ونظائرها من أقوى البراهين الدامغة لنظرية الشرك بأي شكل ظهرت وبأي صورة بدت، إذ تدلّ على أنّه تعالى هو الغني وأنّ غيره هو الفقر التام، فأيّهما أولى بالعبادة والطاعة؟ هذا وأمّا سائر الأُمور المذكورة في السورة فهي تتفرّع منها.
ومن أبرز الآيات قوله سبحانه في تلك السورة: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ

1 . الزمر: 5 .
2 . الزمر: 38 .

صفحه 218
دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى...)1 فقد فضح سبحانه في هذه الآية قولهم:(مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى)وأثبت أنّهم كاذبون في هذا القول وإنّما يعبدونهم لغايات أُخرى كتموها في أنفسهم، وتظاهروا بالقول بأنّهم لا يعبدونها إلاّ لتقربهم إلى الله زلفى. وسيأتي تفسير ذلك بإذن الله في محلّه.
***
   

الآية الأُولى

(تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ).
قوله:(تَنْزِيلُ) مصدر أُريد به اسم المصدر بمعنى المفعول، والجملة من قبيل إضافة الصفة إلى الموصوف، فالمعنى الكتاب المنزل. وعندئذ هو خبر لمبتدأ محذوف، أي هذا الكتاب المنزل من الله، واللام في قوله: (الْكِتَابَ )للعهد، فقوله:( مِنَ اللهِ) متعلّق بالتنزيل.
قوله:(الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ)هما وصفان من أسماء الله سبحانه. و (الْعَزِيزِ)بمعنى القادر البالغ في قدرته فلا يعجزه شيء. و (الْحَكِيمِ)بمعنى المتقن، وهو سبحانه قادر وحكيم في فعله ومتقن في صنائعه، فلا ترى في خلقه
ولا في كتابه عوجاً، يقول سبحانه: (قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَج لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ).2

1 . الزمر: 3 .
2 . الزمر:28.

صفحه 219
وقال تعالى:(الْحَمْدُ للهِ الذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا).1
ويحتمل أن يكون العزيز الحكيم وصفاً للكتاب، لقوله سبحانه: (وَ إِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ)،2 وقوله تعالى:(الرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ)3، وإن كان التفسير الأوّل أقرب.
ثمّ إنّ التنزيل مصدر من باب التفعيل، وصف به الكتاب العزيز مع أنّه سبحانه في الآية التالية وصفه بالإنزال وقال: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ)فربّما يقال: إنّ كلمة تنزيل تعني نزول الشيء تدريجاً، وأمّا الإنزال فهو يعمّ النزول التدريجي والنزول دفعة واحدة. قال الراغب: وإنّما خصّ لفظ الإنزال دون التنزيل، لما روي من أنّ القرآن نزل دفعة واحدة إلى السماء الدنيا، ثم نزل نجماً فنجماً، فالإنزال أعمّ من التنزيل.4
فلو صحّ هذا فالأولى أن يقال: إنّ للقرآن نزولين: نزول جمعي نزل على قلب سيد المرسلين في ليلة القدر، قال سبحانه: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)5; ونزول تدريجي حسب مقتضيات الأحداث، مضافاً إلى أنّ النزول التدريجي فيه تثبيتاً لفؤاد النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، قال سبحانه: (وَقَالَ الَّذِينَ

1 . الكهف:1.
2 . فصلت:41.
3 . يونس:1.
4 . مفردات الراغب:489، مادة «نزل».
5 . القدر: 1 .

صفحه 220
كَفَرُوا لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَ رَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً)1.
فإن قلت: كيف يصحّ ما ذكره الراغب بأنّ التنزيل يستعمل في النزول التدريجي مع أنّه استعمل في نفس الآية في النزول الدفعي (لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً)؟
قلت: ما ذكره مبني على أنّه يدلّ على النزول التدريجي لولا القرينة الصارفة، والقرينة هي جملةً واحدة.
وهناك سؤال آخر وهو: أنّ نزول القرآن في ليلة القدر من شهر رمضان يتعارض مع كون النبي مبعوثاً في السابع والعشرين من شهر رجب؟
والإجابة عنه واضحة فإنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بعث في شهر رجب وبُشّر بالنبوة والرسالة دون أن ينزل عليه شيء من القرآن، وإنّما نزل القرآن بعد قرابة شهرين في ليلة القدر في شهر رمضان. نعم في رواية البخاري2 أنّ البعثة كانت متزامنة مع نزول القرآن، لكن الرواية ضعيفة; لأنّ الراوي هو زوجة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وقد ولدت بعد البعثة، ولو كان لما ذكره شيء من الصحّة يجب أن تنطق به خديجة الكبرى زوجة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)التي عاشت معه قبل البعثة وعشرة أعوام بعدها.
***

1 . الفرقان:32.
2 . صحيح البخاري:1/3 و ج3، ص 173، في تفسير سورة العلق.

صفحه 221

الآية الثانية

(إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ).
(إِلَيْكَ) في قوله سبحانه: (أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ) تكريم للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)حيث خصّه بالإنزال إليه دون غيره، إذ لا يتحمّل المعارف العليا بما فيها من السنن والقوانين إلاّ الأمثل من الناس.
والباء في قوله: (بِالْحَقِّ) للملابسة، أي أنزلناه متلبّساً بالحق فيما يأمر وينهى، وما يدعو إليه من الأُصول حول الصانع وصفاته والحياة الأُخروية وما يتبعها، فالجميع حقّ لا يشوبه الباطل.
قوله:(فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ): أمر سبحانه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)ـ وبالتالي جميع الناس ـ بعبادة الله المجرّدة عن شوائب الشرك، جليّه وخفيّه، وقال: (مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ). والإخلاص: الإمحاض وعدم الشوب بشيء غير الدين.
أمّا (الدِّينَ) فقال الراغب: الدين: الطاعة والجزاء، واستعير للشريعة، والدين كالملّة لكنّه يقال اعتباراً للطاعة والانقياد والشريعة، قال: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلاَمُ)1.(2)
لكنّ المراد من الدين في المقام العبادة أو الطاعة بقرينة قوله:(فَاعْبُدِ اللهَ ). فلا تقبل عبادة الله إلاّ بالإخلاص ; وذلك لأنّ روح العبادة هو الإخلاص، فالأعمال الجوارحية المجرّدة عن كونها لله فقط، كالجسد بلا روح .
***

1 . آل عمران: 19 .   2 . مفردات الراغب:175، مادة «دين».

صفحه 222

الآية الثالثة

(أَلاَ للهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ).
اللام في قوله: (للّهِ)للملك، (الدِّينُ الْخَالِصُ): أي العبادة الخالصة لله سبحانه دون غيره، عاد سبحانه إلى ذكر الدين مع أنّه تقدّم في الآية السابقة; لأنّه الغرض الأقصى في هذه السورة فيليق التركيز عليه.
روى الإمام الرضا(عليه السلام) أنّ أمير المؤمنين(عليه السلام) كان يقول: «طوبى لمن أخلص لله العبادة والدعاء، ولم يُشغل قلبه بماترى عيناه، ولم ينس ذكر الله بما تسمع أُذناه، ولم يحزن صدره بما أُعطي غيره».1
ويظهر ممّا رواه سفيان بن عيينة، عن أبي عبد الله(عليه السلام)أنّ الإخلاص
أشدّ من العمل، قال ـ في حديث ـ : «الإبقاء على العمل حتى يخلص أشدّ من العمل، والعمل الخالص ]هو [الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحد إلاّ الله».2
نعم الإخلاص أشدّ من العمل، ولكنّه سبحانه وتعالى أرأف بعباده، ويقبل عبادة عبيده إذا كان فيه شيء من الإخلاص، فإنّ الناس ليسوا على وتيرة واحدة في ذلك المضمار، بل هم على أقسام حسب ما روي عن أمير المؤمنين(عليه السلام) أنّه قال:«إنّ قوماً عبدوا الله رغبة (في الجنة) فتلك عبادة التجّار،

1 . الوسائل:ج1، الباب8 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث3.
2 . الوسائل:ج1، الباب8 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث4.

صفحه 223
وإنّ قوماً عبدوا الله رهبة (من عذابه) فتلك عبادة العبيد، وإنّ قوماً عبدوا الله شكراً فتلك عبادة الأحرار».1 فالدين الخالص هو القسم الثالث، وإن كان القسمان الأوّلان لا يخلوان عنه.
قوله: (وَالَّذِينَ) مبتدأ خبره محذوف، والتقدير: يقولون: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى).
قوله: (زُلْفَى) هو بمعنى المنزلة، والمعنى: يقربونا إلى الله منزلة.2فيكون مفعولاً مطلقاً، والمعنى يقرّبونا قرباً شديداً.
عاد سبحانه وتعالى إلى الدعوة للعبادة الخالصة لله عن طريق التنديد بعبادة المشركين حيث يشركون الأصنام في عبادة الله سبحانه فيعبدونها بما لا يليق إلاّ بالله سبحانه.
وفي الآية جهات من البحث:
الأُولى: كيف كان المشركون يعبدون الأصنام المصنوعة من الخشب والنحاس مع أنّها أجسام جامدة لا تقدر على قضاء أية حاجة من حوائج عابديها، وبين المشركين خطباء وشعراء وفهماء، ومن البعيد جداً أن يكون المعبود أوّلاً وبالذات تلك المصنوعات التي عرفت وصفها؟
والجواب: إنّ الوثنية ظهرت على وفق فكر فلسفي أدّى إلى عبادة غير الله، وهو أنّ الله سبحانه أجلّ من أن يحيط به الإدراك الإنساني من عقل أو وهم أو حسّ، فلا يمكن التوجّه إليه في هذه العبادة.

1 . الوسائل:ج1، الباب9 من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث3.
2 . مفردات الراغب:214، مادة «زلف».

صفحه 224
فكان من اللازم التنزّل إلى عبادة غيره الذي يصلح للإدراك بنحو من الأنحاء من المقرّبين والقدّيسين عنده، وهم الملائكة والجن ومن هو في منزلتهما، فكان المعبود الحقيقي عندهم هو تلك الموجودات الذين لهم عند الله منزلة سامية، فلم يزل الأمر على ذلك حتى صوّروا تلك المعبودات الحقيقية عندهم بصور خيالية ظهرت في الأصنام الخشبية والنحاسية، وصارت تلك الهياكل حاكية عن القدّيسين من الجن والملائكة والبشر، غير أنّ الجهلة من الوثنيّين غاب عن فكرهم ما هو السبب للإعراض عن عبادة الله والتوجّه إلى عبادة غيره، فعمدوا إلى عبادة نفس الأصنام غافلين عن كونها حاكيات عن المعبودات الواقعية، وليسوا بأرباب حقيقة، فلم يفرّقوا بين الأرباب الواقعية عندهم والأصنام الحاكية عن صورهم. وهذا ليس أمراً غريباً عن الإنسان الغافل عن دعوة أنبيائه، وها نحن نرى مثل ذلك في الهند واليابان ودول جنوب شرق آسيا كالفلبين وتايلند وسنغافورة وغيرها، فإنّ هذه البلدان مع أنّها خطت خطوات كبيرة في حقل الحضارة الصناعية والتطوّر العلمي لكنّها بقيت على وثنيّتها، فربّما يرى أنّ الرجل قد شقق الذرة ولكنّه يتبرّك بالأصنام في المعابد!!
الثانية: أنّ قسماً من الآيات تدلّ على أنّ الوثنيين في عصر الرسالة كانوا معتقدين بربوبية آلهتهم، وأنّ مصيرهم في الحياة بأيديهم، فكأنّه سبحانه خلق العالم والإنسان وفوّض التدبير إليهم. أمّا الآيات نظير قوله سبحانه: (وَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا).1

1 . مريم: 81.

صفحه 225
وقال سبحانه حاكياً عنهم: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ).1
فالموحّد يرى أنّ العزة بيد الله ويقول:(فَللهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا)(2)، كما يرى أنّ النصر من عند الله قائلاً: (وَ مَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ2الْحَكِيمِ); لكنّ الوثنيين في عصر الرسالة يرون العزة والنصر بيد الأصنام، فبذلك أثبتوا لآلهتهم المزعومة التدبير والتصرّف في مصير الإنسان.
والذي يدلّ على أنّ المشركين كانوا معتقدين بالولاية لهم وكون التدبير بأيديهم ما رواه ابن هشام في سيرته قال: كان عمرو بن لُحيّ أوّل من أدخل الوثنية إلى مكة وضواحيها، فقد رأى في مآبه من أرض البلقاء من بقاع الشام أُناساً يعبدون الأوثان، وعندما سألهم عمّا يفعلون قائلاً: ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدونها؟
قالوا: هذه أصنام نعبدها فنستمطرها فتُمطرنا، ونستنصرها فتُنصرنا، فقال لهم: أفلا تعطونني منها صنماً فآتي به إلى أرض العرب فيعبدوه؟
وهكذا استحسن طريقتهم واصطحب معه إلى مكة صنماً كبيراً يقال له: «هبل» ووضعه على سطح الكعبة المشرّفة، ودعا الناس إلى عبادته.3
الثالثة: أنّ الموحّدين لمّا جادلوا المشركين في عبادة الأصنام بأنّها أجسام جامدة (لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلاَ أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ)4، وبرهنوا

1 . يس:74.    2 . فاطر:10.
2 . آل عمران:126.
3 . انظر: السيرة النبوية:1/76ـ77.
4 . الأعراف:197.

صفحه 226
عليهم بمثل قوله سبحانه: (هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ)1 إلى غير ذلك من البراهين الدامغة على عجز الأصنام عن قضاء حوائجهم، ولم يجدوا محيصاً عن إنكار عقيدتهم وكتمان اعتقادهم بربوبيتهم ومعتذرين بأنّ عبادتهم لهؤلاء الأولياء لغاية أُخرى وهي إنّما نعبدهم لأنّهم من عباد الله المقرّبين عنده سبحانه، حتى يحصل لنا عن طريق عبادتهم التقرّب إلى الله والزلفى لديه، وهذا ما يحكيه عنهم سبحانه بقوله: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى).
الرابعة: أنّه سبحانه يندّد بما يتظاهرون به في كلامهم السابق بأمرين:
الأوّل بقوله:(إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)فهل الحكم بين المشركين فقط، أو بين المشركين والموحدين؟
نرى بعض المفسرّين جنح إلى الثاني قائلاً بأنّه لا يختلف المشركون فيما بينهم على الشرك، فإنّما يختلف المشركون والموحّدون، والله سبحانه يفصل بين الفريقين فينعم على مَن وحّد واتّقى، وينتقم ممّن أشرك وبغى.2
   
ويمكن أن يكون حكمه سبحانه بين المشركين وأوليائهم من القدّيسين حيث إنّ الأولياء يتحاشون عن عبادة هؤلاء، كما هو الحال في المسيح فإنّه لم يأمر أحداً بعبادته، قال سبحانه حاكياً عنه:(مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَ رَبَّكُمْ وَ كُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ

1 . الشعراء:93.
2 . التفسير الكاشف:3/393.

صفحه 227
فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَ أَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيء شَهِيدٌ)1. ويظهر من كثير من الآيات أنّ الأولياء يتبرّأون من المشركين.
الثاني: بقوله: (إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ).
الكفّار: كثير الكفران لنعم الله، أو كثير الستر للحق، وقوله: (مَنْ هُوَ كَاذِبٌ )دليل صريح على أنّ المشركين كاذبون في قولهم:(مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى)، بل كانوا يعبدونهم لأجل كونهم أرباباً بأيديهم الخير والشر، والنصر والهزيمة، والغيث والجدب.

تمسّك الوهابيين بالآية على بطلان التوسّل

وبهذا يتبيّن أنّ تمسّك كثير من الوهابيّين بهذه الآية على بطلان التوسّل، غفلة عن معنى الآية وعن ذيلها، حيث قالوا بأنّ عمل المتوسّلين كعمل المشركين، فالطائفتان غير معتقدين أنّ الخير والشر بأيديهم وإنّما يعبدونهم لغاية التقرّب إلى الله، وقد ملأوا طواميرهم وكتبهم بالاستدلال بهذه الآية على بطلان التوسل، وإليك كلام محمد بن عبد الوهاب رائد المسلك الوهابي في القرن الثاني عشر في هذا الصدد:
فإن قال: الكفّار(2) يريدون منهم (من الصالحين) وأنا أشهد أنّ الله هو النافع الضار المدبّر لا أُريد إلاّ منه، والصالحون ليس لهم من الأمر شيء ولكن أقصدهم أرجو من الله شفاعتهم.
فالجواب: أنّ هذا قول الكفّار سواء بسواء، واقرأ عليه قوله تعالى:

1 . المائدة:117.   2 . يريد من الكفّار عامّة المسلمين إلاّ مَن آمن به من النجديّين.

صفحه 228
(وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى)، وقوله تعالى: (وَ يَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ)1.2 قد اخترنا هذه الفقرة لأنّها أصرح في بيان مرامه، وقد تكلّم قبل هذا في هذا الموضوع على وجه التفصيل.

الرد على شبه الوهابية في التوسّل

أقول: وفي كلامه أوهام غفل عنها القائل وأغفل أتباعه:
الأوّل: أنّ ما نسب إلى المشركين بأنّهم لم يكونوا معتقدين في آلهتهم أي نفع وضر، وقد عرفت أنّه مخالف لصريح الذكر الحكيم والتاريخ المتضافر، فقد كانوا يطلبون العزّة والانتصار منهم، وعرفت أنّهم كانوا يستمطرون بالأصنام، فكيف ينسب إليهم ما ذكر؟!
الثاني: وجود الفرق الواضح بين عمل المشركين وعمل الصالحين، فإنّ المشركين كانوا يعبدون الأصنام لاعتقادهم بربوبيتها على وجه السعة أو على نطاق خاص، كما مرّ بيانه وشهدت به الآيات، فعندئذ توصف توسّلاتهم وتعلّقاتهم بالأصنام، بالعبادة; بخلاف الصالحين فإنّهم لا يعتقدون في النبي وآله وسائر الأنبياء سوى أنّهم عباد الله الصالحين إذا دعوا تستجاب دعوتهم، فأقصى ما يطلبون منهم هو الدعاء في حقّهم وطلب حاجاتهم من الله، ولو قالوا: يا أيّها النبي اشفع لنا عند الله، لا يريدون سوى

1 . يونس: 18 .
2 . كشف الشبهات في التوحيد تأليف محمد بن عبد الوهاب:7، تحقيق محب الدين الخطيب، طبعة 1390هـ .

صفحه 229
طلب الدعاء والمغفرة، وقد كان الصالحون يطلبون الدعاء من النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)في حياته، وقد أمر به سبحانه في كتابه العزيز وقال: (وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيماً)1، وقال سبحانه أيضاً ـ مندّداً بالمنافقين ـ : (وَ إِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَ رَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَ هُمْ مُسْتَكْبِرُونَ)2، أفيمكن أن يكون عمل واحد في حياة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)هو عين التوحيد، وأن يكون نفس العمل في حال رحيله كفراً بواحاً وشركاً واضحاً على حدّ يجب أن يقتل الفاعل، فأين تذهبون؟!
إنّ محمد بن عبد الوهاب لم يفرّق بين التعلّق بغير الله بما أنّ في يده مصير الداعي وسعادته وشقاؤه، وبين التعلّق بغير الله بما أنّه من عباد الله الصالحين تستجاب دعوتهم، وجعل الجميع في عرض واحد، وبذلك أراق دماء المسلمين في الجزيرة وخارجها بحجة أنّهم مشركون في أصل التعلّق بغيره.
الثالث: إنّ استشهاده بقوله تعالى: (وَ يَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا)استشهاد أبتر، فإنّه حذف صدر الآية واكتفى بهذه الفقرة حتى يكون ملاك الشرك، مجرد الاعتقاد بالشفعاء، مع أنّ للآية صدراً يبطل استدلال المستدلّ، قال سبحانه: (وَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَ لاَ يَنْفَعُهُمْ وَ يَقُولُونَ هَؤُلاَءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَ لاَ فِي

1 . النساء:64.
2 . المنافقون:5.

صفحه 230
الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ).1 ترى أنّ الآية تصف المشركين بعملين:
1. عبادتهم للأصنام كما يحكي عنه قوله تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ...).
2. اعتقادهم بأنّهم شفعاء.
وأمّا الصالحون فلا يعبدون إلاّ الله، إذ لا يعتقدون بمدبر إلاّ الله سبحانه بخلاف المشركين، فكيف يمكن الاستدلال بالآية النازلة في حقّ المشركين على بطلان عمل الصالحين، ومجرّد اشتراك الجميع في الاعتقاد بالشفعاء لا يُسبب جعل الجميع في صف واحد، وإلاّ فالوهابيون جميعاً يعتقدون بالشفعاء بلا إشكال، كيف والقول بوجود الشفعاء من ضروريات القرآن وإن كان الشفيع عند الموحّد، غيره عند المشرك.
وفي ختام المقام نلفت نظر داعية الوهابية إلى ذيل الآية التي استدلّ بها أعني: (إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ)، فكما أنّ الآية تكذّب قول القائلين بأنّ الداعي للعبادة هو مجرّد كسب التقرّب إلى الأصنام، لما عرفت من أنّهم كانوا معتقدين بربويتهم، فكذا تكذّب قول محمد بن عبد الوهاب بأنّ قول الصالحين نفس قول المشركين مع أنّ بينهما بعد المشرقين، فأين قول من لا يعتقد إلاّ بربوبية الله تعالى من قول من يطلب الانتصار والعزة والمطر من الأصنام؟!
***

1 . يونس: 18.

صفحه 231

الآية الرابعة

(لَوْ أَرَادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاَصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ).
توضيح معنى الآية يحتاج إلى تقديم أمر، وهو أنّ موضوع كونه سبحانه ذا ولد، طرح في القرآن الكريم على وجهين:
1. أن يكون له ولد حقيقي بمعنى أن يلد حتى يكون له ولد، ولا يتحقّق ذلك إلاّ باشتقاق شيء من شيء وانفصاله منه الذي يقتضي الشركة في حقيقة الذات والخواص والآثار المنبعثة منها، نظير أُبوة إنسان لإنسان المقتضية لشركة الابن لأبيه في الإنسانية ولوازمها، وإلى هذا النوع من التفكير يشير سبحانه بقوله: (وَ تَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا)1، وقد شاعت هذه الفكرة من القول بالتثليث أي: إله الأب، وإله الابن، وروح القدس. قال سبحانه نقداً لهذه الفكرة: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَة وَ مَا مِنْ إِلَه إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَ إِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لََيمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).2
وقال سبحانه: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَ قَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَ رَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَ مَأْوَاهُ النَّارُ وَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَار)3، فالقول

1 . مريم:90 ـ 91.
2 . المائدة:73.
3 . المائدة:72.

صفحه 232
بأنّ لله ولداً حقيقة أخذه النصارى من البوذيّين وغيرهم وهم اليوم أيضاً على تلك العقيدة. قال سبحانه: (وَقَالَتِ النَّصَارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنّى يُؤْفَكُونَ).1 ولعلّ قوله:(يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ)يشير إلى التثليث الموجود بين البراهمة والبوذيين، وقد أوضحنا حال الآية في تفسيرنا لسورة التوبة.
2. التبنّي واتّخاذ الولد تشريفاً، وكأنّ هؤلاء أكثر تعقّلاً من الطائفة الأُولى، إذ لا يعقل بنوّة لله غير التبنّي بمعنى أخذه بمنزلة الولد وإن لم يكن ولداً حقيقة، وهذا القول كان شائعاً بين المشركين في عصر الرسالة. فإنّ المشركين يزعمون أنّ اللاّت والعزّى ومناة، بنات لله تعالى، قال تعالى: (أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَ الْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَ لَهُ الأُنْثَى)2.

تركيز الآية على فرضيّة اتخاذ الولد وبطلانها

إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الآية تركّز على فرض اتّخاذ الولد لا على فرض التولّد. ويدلّ على ذلك أمران:
1. لفظة اتّخاذ الولد، قال سبحانه: (لَوْ أَرَادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا).
2. لفظة الاصطفاء، فإنّ الاصطفاء يناسب التبنّي لا التولد، إذ ليس

1 . التوبة:30.
2 . النجم:19ـ 21.

صفحه 233
الثاني تحت اختيار من يلد.
وبذلك يُعلم أنّ قسماً من الآيات التي تركّز على اتّخاذ الولد إنّما يريد إبطال مزعمة المشركين وليس ناظراً إلى عقيدة النصارى ومن قبلهم، وإليك بعض هذه الآيات:
(وَ قَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا)1.
وقوله: (قَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ).2
وقوله: (وَ يُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا).3
إلى غير ذلك من الآيات التي تركّز على الاتخاذ أي التبنّي لا التولّد خصوصاً إذا ضمّ إليه لفظ الاصطفاء.
إذا وقفت على هذين الأمرين نقول: إنّ الآية مكّية، ولم يكن هناك موضوع لطرح التثليث الرائج بين النصارى المبنيّ على التولّد، لا التبنّي، فصرف الآية إلى محاجّة النصارى غفلة عن تاريخ نزول الآية، بل يجب صرفه إلى عقيدة المشركين الذين كانوا يعتقدون بفكرة التبنّي، وبذلك يعلم وجود الخلط بين المفسّرين في تفسير الآية حيث لا يركّزون على واحد من الوجهين.
بقي الكلام في تفسير الآية فإنّ الله سبحانه يحتجّ على بطلان اتّخاذ الولد قائلاً بأنّه لو أراد ـ على فرض المحال ـ أن يتّخذ ولداً لما اتّخذ اللاّت

1 . البقرة:116.
2 . يونس: 68.
3 . الكهف:4.

صفحه 234
والعزّى ومناة الثالثة الأُخرى من الأجسام الجامدة ولداً وإنّما يتّخذ ما يشاء، أي ما يليق بحاله.
وإن شئت قلت: إنّ الغرض من الآية إبطال تبنّي الله سبحانه للأصنام الثلاثة، وقد أبطله بأنّه ـ على فرض المحال ـ إذا اتخذ ولداً لما اتّخذ هؤلاء الثلاثة التي ليس لها شأن من الكمال والجمال، وإنّما يصطفي بالأحسن والأجمل من المخلوقات.
وبما ذكرنا من أنّ الهدف إبطال تبنّي الأصنام الثلاثة وأنّ الاستدلال مبني على فرض المحال، فلا تدلّ الآية على أنّه اصطفى الأجمل والأحسن من مخلوقاته. نعم لو فرض على وجه المحال أنّه اتّخذ ولداً لاصطفى
ممّا يشاء، وبما أنّه لم يتّخذ ولداً لم يصطف شيئاً من مخلوقاته، نظير قول القائل:
ولو طار ذو حافر قبلها *** لطارت ولكنّه لم يطر
ثمّ إنّه سبحانه أتمّ الآية بذكر اسميه: (الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ)، فالاسم الأوّل يدلّ على نفي التبنّي، لأنّ مَن تبنّى ولداً لا يكون واحداً في الاعتبار وإن كان واحداً حقيقة.
بيان أمير المؤمنين (عليه السلام) في كونه تعالى واحداً   
والاسم الثاني يدلّ على نفي حاجته إلى التبنّي ; لأنّ المتبنّي يريد من هذا الطريق إنجاز حاجته، والله سبحانه قاهر على كلّ شيء لا يغلبه شيء ولا يصرفه عن إرادته، وليس فقيراً حتى يتبنّى وليدفع بذلك فقره.
ثمّ إنّ وصفه سبحانه بالواحدية لا يراد به الوحدة العددية في مقابل

صفحه 235
الاثنين، فالله عزّ اسمه أجلّ من أن يوصف بها، بل المراد منه الوحدة الحقّة الحقيقية، أي ما ليس له نظير ومثيل.
وبعبارة أُخرى، واحد لا يتثنّى ولا يتكثّر ولا يتعدّد ; لأنّه صرف الوجود، وصرف الشيء لا يتثنى لأنّ التعدّد فرض وجود ميز بين الشيئين، والمفروض أنّه صرف الوجود لا ميز فيه إلاّ أن يكون الميز عارضاً من الخارج.
يقول الحكيم السبزواري:
إنّ الوجود ماله من ثان *** ليس قرى وراء عبادان

بيان أمير المؤمنين (عليه السلام) في كونه تعالى واحداً

ثمّ إنّ لعلي(عليه السلام) بيان في كونه سبحانه واحداً نأتي به.
روى الصدوق في «الخصال»، قال: إنّ أعرابياً قام يوم الجمل إلى أمير المؤمنين(عليه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين أتقول: إنّ الله واحد، فحمل الناس عليه وقالوا: يا أعرابي أماترى ما فيه أمير المؤمنين من تقسم القلب، فقال أمير المؤمنين(عليه السلام): «دعوه فإنّ الذي يريد الأعرابي هو الذي نريده من القوم» ثم قال: «يا أعرابي إنّ القول في أنّ الله واحد على أربعة أقسام، فوجهان منها لا يجوزان على الله تعالى، ووجهان يثبتان فيه، فأمّا اللّذان لا يجوزان عليه فقول القائل: «واحد» يقصد به باب الأعداد، فهذا ما لا يجوز، لأنّ ما لا ثان له لا يدخل في باب الأعداد، ألا ترى أنّه كفر من قال ثالث ثلاثة; وقول القائل: هو واحد من الناس» يريد به النوع من الجنس، فهذا ما لا يجوز، لأنّه تشبيه

صفحه 236
وجلّ ربنا عن ذلك. وأمّا الوجهان اللّذان يثبتان فيه فقول القائل: هو واحد ليس له في الأشياء شبه، كذلك ربنا، وقول القائل: إنّه عزّ وجلّ أحديّ المعنى، يعني به أنّه لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم، كذلك ربنا عزّ وجلّ».1
***
الآية الخامسة، في معنى التكوير   

الآية الخامسة

(خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَ الأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَ يُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ كُلٌّ يَجْري لأَجَل مُسَمًّى أَلاَ هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ).

اللغة:

قوله: (يُكَوِّرُ ) من التكوير، قال الراغب: كُور الشيء إدارته وضمُّ بعضه إلى بعض ككور العمامة.2
ويقال: كوّر العمامة على رأسه: إذا لواها ولفّها.
قوله: (بِالْحَقِّ) الباء للملابسة، أي خلقها خلقاً ملابساً بالحق، أي موافقاً للحكمة وضدّ العبث.

1 . خصال الصدوق: 2 ح 1، باب الواحد; نور الثقلين:4/475ـ476.
2 . مفردات الراغب:443، مادة «كور».

صفحه 237

تفسير الآية

إنّه سبحانه تبارك وتعالى وصف نفسه في الآية السابقة بكونه (الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ)، ففرّع على ذينك الوصفين خلق السماوات والأرض وتكوير الليل على النهار والنهار على الليل وتسخير الشمس والقمر إلى أجل مسمّى حتى يكون دليلاً على ذينك الوصفين، أي إنّه واحد في الإيجاد والتدبير، كما أنّه قاهر في كلا المقامين.
أمّا أنّه واحد في الإيجاد فقد كان مورد اعتراف للمشركين كما يحكي عنهم سبحانه: (وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ).1
وأمّا أنّه واحد في التدبير، فلأنّ النظام السائد على العالم بما فيه من الانسجام والاتصال أكبر دليل على وحدة المدبّر، وإلاّ لاختلّ النظام باختلاف المدبّر.
وأمّا كونه دليلاً على قاهريته فإنّ الخلق والتدبير أفضل دليل على ذلك، وأنّ عالم الكون مذلّل أمام إرادته، وبذلك تتّضح صلة الآية بما قبلها. إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى تفسير الآية.

في معنى التكوير

قوله سبحانه: (يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَ يُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ) فيه إشارة دقيقة إلى سرّ من أسرار الكون، فلا عتب علينا إذا قلنا إنّه يفهم من

1 . لقمان:25.

صفحه 238
الآية أنّ الأرض بمنزلة الرأس، فكما أنّ العمامة على طولها تلف على الرأس فهكذا الليل والنهار. وإن شئت قلت: الظلمة والنور يلفّان على الأرض لفاً متعاقباً، ولو دلت الآية على شيء حسب أذهاننا تدل على أمرين: الأوّل: كروية الأرض. الثاني: حركتها الوضعية .
فبما أنّ الأرض تدور على نفسها فلم يزل جزء منها غير مواجه للشمس والجزء الآخر يواجهه، فالجزء غير المواجه تغمره الظلمة والجزء المواجه يغمره الضوء، فهي بحركتها الوضعية لم تزل تغمرها الظلمة والنور غمراً بعد غمر، فالجزء غير المواجه الذي تحيطه الظلمة سوف يواجه بفضل الحركة الوضعية للشمس فيكون مضيئاً بعد ما كان مظلماً، وهذا هو معنى التكوير. نعم إنّ القرآن الكريم ليس كتاباً علمياً ولا فلكياً ولا فيزيائياً ولا طبيعياً، ولكنّه عندما يبسط البراهين على وحدانيته وقهّاريته يبيّن تدبيره للعالم، وقد أثبت العلم الحديث وأوضح الكثير من الأُمور المجهولة والحقائق المكتومة الّتي استدلّ بها القرآن الكريم منذ أكثر من ألف وأربعمائة سنة.
في معنى التكوير   
يقول السيد قطب في تفسير الآية: إنّ التعبير بـ(يكوّر)يقسرني قسراً على النظر في موضوع كروية الأرض.. أنّها تدور حول نفسها في مواجهة الشمس، فالجزء الذي يواجه الشمس من سطحها المكوّر يغمره الضوء ويكون نهاراً، ولكن هذا الجزء لا يثبت لأنّ الأرض تدور، وكلّما تحركت بدأ الليل يغمر سطح الأرض الذي كان عليه النهار. وهذا السطح مكوّر فالنهار عليه يكون مكوّراً، والليل يتبعه مكوراً، وهكذا في حركة دائبة.1

1 . التفسير الكاشف:6/395. نقلاً عن تفسير «في ظلال القرآن» لسيد قطب: 7 / 123.

صفحه 239
ثمّ إنّه سبحانه يعبّر أيضاً عن التكوير بتعبير آخر يقول: (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ).1 يعني استمرار توالي الليل والنهار وظهور هذا على ذاك ثم ذاك على هذا، وفي آية أُخرى يقول:(تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَ تُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ).2 أي يُدخل أحدهما في الآخر وبالعكس.
قوله: (وَ سَخَّرَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَل مُسَمًّى)دليل على تدبيره سبحانه، فتسخير الشمس والقمر هو تذليلهما للعمل على ما جعل الله لهما من السير المنظم لا يختلفان، ثم إنّ جريانهما ليس أبدياً بل مؤقت إلى أجل مسمّى وقد عبر عن الأجل المسمّى في آية أُخرى بقوله: (وَ الشَّمْسُ تَجْري لِمُسْتَقَرّ لَهَا)3، ولعلّ المراد بالأجل هو نهاية عمر الدنيا واقتراب القيامة، يقول سبحانه:(وَ مَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا
قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ
).4
ثمّ إنّه سبحانه ختم الآية بقوله:(هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ)خلافاً للآية السابقة حيث جعل ختامها (الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ )وكلا الوصفين يناسب المقام. أمّا العزيز فلأنّ خلق السماوات والأرض لا يفارق العزة بل يساوقها. وأمّا الثاني ـ أعني: الغفار ـ فلعلّه لأجل إفهام أنّ كونه سبحانه قادراً وعزيزاً ليس كقدرة الآخرين وعزّتهم، فإنّ كثيراً من الناس إذا استولوا على القدرة يظلمون ولا

1 . الأعراف:54.
2 . آل عمران:27.
3 . يس:38.
4 . الزمر:67.

صفحه 240
يرحمون، ولكنّه سبحانه على خلافهم فهو في عزّته غفار لذنوب عباده ورحيم بهم.
***
   

الآية السادسة

(خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس وَاحِدَة ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاج يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْق فِي ظُلُمَات ثَلاَث ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنى تُصْرَفُونَ).
قد مرّ أنّ الغرض الأقصى في هذه السورة هو هداية الناس إلى توحيده سبحانه في العبادة والطاعة والخلق والتدبير، وقد استدلّ عليهما في الآية السابقة بخلق السماوات والأرض وتكوير الليل والنهار وتسخير الشمس والقمر وجريانهما لأجل مسمّى، فالغالب على هذه الموضوعات تعلّقها بالعالم العلوي، والأجرام السماوية ولكنّه سبحانه يستدلّ في هذه الآية على توحيده في الخلق والتدبير بأُمور ثلاثة كلّها تتعلّق بالعالم السفلي والموجودات الأرضية، أعني:
1. خلق الإنسان من نفس واحدة.
2. إنزال الأنعام الثمانية.
3. خلق الإنسان في بطون الأُمّهات خلقاً بعد خلق.
والتدبّر فيها يكشف عن قدرته القاهرة وحكمته الباهرة وأنّه لا صانع إلاّ هو ولا مدبّر إلاّ هو، وأنّه لا ربّ إلاّ هو، ومع ذلك فأين يذهب هؤلاء

صفحه 241
المشركون؟ وإليك التوضيح:
1. (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْس وَاحِدَة).
أراد من نفس واحدة، هو آدم(عليه السلام) الذي تشعّب منه جميع الناس، (ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا)، أي خلق زوج آدم من نفس الشيء الذي خلقه منه، فكما أنّه سبحانه خلق آدم من الطين، وبعد أن مرّ بالمراحل المتعدّدة للخلق ابتداءً من النطفة ثم العلقة ثم المضغة ثم العظام واللحم إلى أن أصبح إنساناً تاماً، فهكذا خلق خلقت زوجته ـ أُمّنا حوّاء ـ ولعلّ النكتة في خلقهما من شيء واحد، هو إيجاد التجاذب بين موجودين متناسبين لا متضادين، فإنّ مقتضى التضادّ التدافع لا التجاذب مع أنّ حياة الزوجين في الأرض فرع وجود الالتحام بينهما، وبهذا يعلم أنّ لفظة «منها» في قوله:(جَعَلَ مِنْهَا )لبيان الجنس، وأمّا ما ربما يقال: إنّ «من» للتبعيض وأنّه سبحانه خلق حوّاء من ضلع من أضلاع آدم، فهو أمر باطل دخل في الروايات عن طريق مستسلمة أهل الكتاب، فإنّ ما جاء في التوراة صريح في أنّه سبحانه خلق حواء من ضلع من أضلاع آدم.1
إنّ لفظة «ثمّ» في قوله: (ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا)للتراخي بحسب رتبة الكلام لا للتراخي في الزمان، والمراد أنّه تعالى خلق هذا النوع وكثّر أفراده من نفس واحدة وزوجها، وعلى هذا فلفظة «ثم» هنا نظير قول القائل: «قد

1 . لاحظ : التوراة، سفر التكوين، الإصحاح الثاني برقم 23022، وقد جاء فيها: فأوقع الرب الإله سباتاً على آدم فنام فأخذ واحدة من أضلاعه وملأ مكانها لحماً وبنى الرب الإله الضلع التي أخذها من آدم امرأة وأحضرها إلى آدم... إلخ.

صفحه 242
رأيت ما كان منك اليوم، ثم ما كان منك أمس» وإن كان ما كان أمس قبل ما يكون اليوم، فالتراخي بحسب رتبة الكلام لا بحسب الزمان، يقول الشاعر:
ولقد ساد ثم ساد أبوه *** ثم قد ساد قبل ذلك جدّه
2. (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاج).
الأنعام الثمانية عبارة عن: الإبل والبقر والضأن والمعز وكلّ منها ينقسم إلى الذكر والأُنثى.
وربما يتوهّم أنّ التمتّع ببعض هذه الأنعام الثمانية قد قضى زمانه بعد حدوث المواصلات السريعة فلا يركب أحد الإبل ويقطع طريقاً طويلاً، ولكن هذا المتوهّم غفل عن أنّ المقصود هو التمتع بهذه الأنعام، سواء أكان ركوباً أو استفادة من لحومها وأشعارها وأوبارها، وهذا النوع من الانتفاع متوفّر للجميع حتّى في زماننا هذا.
وأمّا المراد من قوله:(أَنْزَلَ لَكُمْ) فقد ذكر المفسّرون فيه وجهين:
1. ما عليه السيد الطباطبائي من قوله: «وتسمية خلق الأنعام إنزالاً لها، بسبب أنّه تعالى يسمّي ظهور الأشياء في الكون بعد ما لم تكن، إنزالاً لها من خزائنه التي هي عنده، ومن الغيب إلى الشهادة، قال تعالى:(وَ إِنْ مِنْ شَيء إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَ مَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَر مَعْلُوم).1
2. أنّ الأنعام الأربعة مع أنّها لم تنزل من مكان أعلى إلى الأرض، فإنّ مقدّمات توفير متطلّبات حياتها وتربيتها، والّتي هي قطرات المطر وأشعة

1 . الحجر: 21.

صفحه 243
الشمس، تنزل من الأعلى إلى الأرض.
وهناك احتمال ثالث وهو أن يراد من الإنزال التمكين وتذليل الأمر الصعب، كما يقال: نزل فلان على حكم فلان، أو نزل فلان على رغبة فلان.
3. (يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْق فِي ظُلُمَات ثَلاَث).
هذه الفقرة تخبر عن أمرين:
1. تطوّر الخلق في بطون الأُمّهات خلقاً من بعد خلق.
2. كون هذه التطوّرات في ظلمات ثلاث.
أمّا الأوّل: فقد شرح سبحانه هذه التطورات في آية أُخرى، قال تعالى: (ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَار مَكِين * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ).1 فالنطفة أشبه بالدودة الصغيرة، والعلقة هي التي تتكون بعد مضي أربعين يوماً تقريباً من وقت استقرار النطفة في الرحم.
والمضغة، هي قطعة لحم حمراء ثم تتطور على مراحل إلى أن تصير إنساناً كاملاً.
وأمّا الثاني: أنّ هذه التطورات تتحقّق في ظلمات ثلاث: ظلمة بطن الأُمّ، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة وهي غشاء من جلد يخلق مع الجنين محيطاً به ليقيه. والعجب أنّ هذه التطوّرات تتحقّق في مكان مظلم لا نور

1 . المؤمنون: 13ـ 14.

صفحه 244
فيه، فلو دلّ على شيء لدلّ على عظم القدرة في الخلق والتدبير، وربما يقال بأنّ المراد من الظلمات الثلاث: ظلمة الصلب، والرحم، والمشيمة، وهو خطأ فإنّه سبحانه يحدّد مكان الظلمات في بطن الأُم حيث يقول: (يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ)فلا صلة للآية بالأب، حتى تعدّ الاصلاب جزءاً من هذه الثلاثة.
4. (ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنى تُصْرَفُونَ).
اسم الإشارة في قوله «ذا» إشارة إلى مَن يقوم بعجائب الخلقة في ظلمات ثلاث وهو الله سبحانه، كما أنّ لفظة «كُمْ» بمعنى: أيّها المخاطبون؟ ، فقوله: (اللهُ)خبر عن اسم الإشارة و (رَبُّكُمْ) صفة لاسم الجلالة، والإتيان به لغاية توحيد التدبير، وأنّه لا مدبّر إلاّ هو. أي مَن يقوم بهذه الأفعال هو الله الذي هو ربّكم ومدبّركم لا غيره.
قوله: (لَهُ الْمُلْكُ) خبر ثان عن اسم الإشارة، أي يملك التصرّف على جميع المخلوقات في الدنيا والآخرة.1
وفي ظل ذلك يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممّن يشاء، فإذا كان كذلك، يترتّب عليه قوله:
(لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ ) فقد قلنا: إنّ الإله يساوق لفظ «الله» غير أنّ الأوّل علم والثاني اسم جنس يعمّ الآلهة المزعومة وغيرها.
(فَأَنى تُصْرَفُونَ): أي تصرفون عن طريق الحق بعد هذا البيان وبعد ما

1 . مجمع البيان:4/491.

صفحه 245
علمتم من الدلائل الواضحة على توحيده في الخلق والتدبير، نظير قوله: (فَأَنى تُؤْفَكُونَ)1 فلفظة «أنّى» هنا إمّا بمعنى «أين» أو بمعنى «كيف»، ثمّ إنّ سيد الشهداء (عليه السلام)في دعائه يوم عرفة الّذي حوى على دلائل واضحة في التوحيد يقول عند عدّه نعم الله سبحانه: «وابتدعت خلقي من مني يُمنى، ثم أسكنتني في ظلمات ثلاث بين لحم وجلد ودم، لم تشهر بخلقي ولم تجعل إليّ شيئاً من أمري، ثم أخرجتني إلى الدنيا تامّاً سوياً».2
***

الآية السابعة

(إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنيٌ عَنْكُمْ وَ لاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَ إِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَ لاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ).
قوله تعالى: (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَني عَنْكُمْ وَ لاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَ إِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ): اشتملت الفقرة على جملتين شرطيتين، مع جملة معترضة بينهما.أمّا الشرطيتيان فقوله:
1. (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَني عَنْكُمْ).
2. (وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ).
وأمّا الجملة المعترضة فقوله: (وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ).

1 . الأنعام: 95 .
2 . نور الثقلين: 4 / 477، برقم 12 .

صفحه 246
أمّا الشرطية الأُولى فهي بصدد بيان أنّ كفران أحد من العباد، لا يضرّ الله سبحانه فإنّه غنيّ عن الإنسان وعن غيره.
وأمّا الشرطية الثانية فهي تضادّ الأُولى وتقول (وَإِنْ تَشْكُرُوا): أي انصرفوا عن الكفر واعترفوا لله بالوحدانية والتنزيه، (يَرْضَهُ لَكُمْ )، وحقيقة رضاه غير معلومة لنا ولكن أثرها الإجزاء بالإحسان.
ثمّ إنّ الأصل في (يَرْضَهُ) يرضاه فلمّا صار مجزوماً بكونه جزاء للشرط حذفت الألف وبقيت الهاء لكن بلا إشباع. هذا ما يرجع إلى الجملتين الشرطيتين.

شبهة خروج أفعال العباد عن دائرة إرادته تعالى

وأمّا الجملة المعترضة ـ أعني قوله: (وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ) ـ فهي تنفي رضا الله سبحانه بكفر العباد، فلو قلنا بأنّ رضاه سبحانه هو نفس إرادته يقع الكلام في أنّ لازم ذلك خروج أفعال العباد كالكفر والإيمان عن متعلّق إرادة الله مع أنّ إرادته تتعلّق بكلّ شيء، ومن المستحيل وقوع شيء في العالم الإمكاني من دون إرادته، إذ لازم ذلك وجوب نفس الشيء أو وجوب فاعله وغناهما عن الله سبحانه، والله سبحانه يصرّح في غير واحد من الآيات بسعة إرادته وشمولها لكلّ شيء ويقول: (وَ مَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ).1
فإذا كان الرضا نفس إرادته يلزم تعلّقه أيضاً بكفر الكافر مع أنّه

1 . التكوير:29.

صفحه 247
سبحانه يقول:(وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ )على الإطلاق (الْكُفْرَ).
وحصيلة الإشكال: أنّ الجمع بين القول بسعة إرادته لكلّ الأشياء والقول بضيق نطاق الرضا وعدم تعلّقه بكفر العباد الذي هو جزء من الأشياء ممّا لا يجتمعان.
ولقد أشار إلى هذا الإشكال صدرالمتألّهين بقوله: إنّ الرضا بالكفر والفسق، كفر وفسق، وقد ورد عن الأئمّة(عليهم السلام) أنّ الرضا بالكفر كفر، وقال تعالى: (وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ) .

مسلك الأشاعرة والمعتزلة في حلّ الإشكال

وللقوم في حلّ الإشكال مسالك مختلفة:
1. ذهب الغزالي والإمام الرازي إلى أنّ الكفر مقضي لا قضاء، لأنّه متعلّق القضاء فلا يكون نفس القضاء، فنحن نرضى بالقضاء لا بالمقضيّ.
وقد نقد المحقّق الطوسي هذا الجواب بقوله: إنّ قولهم بأنّ الكفر ليس نفس القضاء وإنّما هو المقضي، ليس بشيء، فإنّ قول القائل: رضيت بقضاء الله، لا يعني به رضاه بصفة من صفات الله، وإنّما يريد قضاء الله بما يقتضي تلك الصفة وهو المقضي.1
2. أنّ المراد من العباد في قوله: (وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ)هم الصالحون من عباده، فهؤلاء هم الذين لا يرضى لهم الكفر، وأمّا غيرهم فلا، فكما تعلّقت إرادته بما يصدر منهم من الكفر، فهكذا تعلّق به رضاه فلم

1 . الأسفار: 8/381.

صفحه 248
يكن فصل بين الإرادة والرضا. والدليل على ذلك هو أنّ الوارد في الآية (لِعِبَادِهِ) المضاف إلى ضمير راجع إلى الله، فيراد منه الصالحون، نظير قوله سبحانه: (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ)1.
وهذا هو الذي نقله صاحب الكشاف بقوله: ولقد تمحّل بعض الغواة ليثبت لله تعالى ما نفاه عن ذاته من الرضا لعباده الكفر، فقال: هذا من العام الذي أُريد به الخاص وما أراد إلاّ عباده الذين عناهم في قوله: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ)2 فيريد المعصومين كقوله تعالى: (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ).3
يلاحظ عليه: أنّ سياق الآيات يردّ هذا الجواب، لأنّ الآية بصدد التنديد بشرك المشركين، ففي هذا الصدد يقول: (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنيٌ عَنْكُمْ وَ لاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ) فالمراد من العباد مطلق عباد الله سبحانه.
3. ما اختاره المعتزلة على مسلكهم من ضيق نطاق إرادة الله سبحانه وأنّ أفعال العباد، خارجة عن تعلّق مشية الله وإرادته حفظاً لعدله وفراراً من الجبر، فالله سبحانه كما لا يرضى لعباده الكفر فلا يريد منهم الكفر أيضاً وبالعكس.
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكروه مبنيّ على خروج أفعال العباد عن مورد مشيّته، فلا يلزم الإشكال لاتحاد الإرادة والرضا في عدم التعلّق. لكن لازم

1 . الإنسان: 6 .
2 . الحجر: 42 .
3 . تفسير الكشاف: 3/25، طبعة مصر.

صفحه 249
ذلك غنى الإنسان أيضاً عن الله سبحانه; لأنّ الغني في فعله غني في ذاته، إذ لا يعقل أن يكون فقيراً في الذات وغنياً في الفعل.
والذي يمكن أن يقال: هو التفريق بين الإرادة التكوينية والتشريعية، فالإرادة والرضا التكوينيان تعلّقا بأفعال العباد الصادرة عن أصحابها عن إرادة واختيار، وأمّا الإرادة التشريعية بأن يأمر بالكفر أو ينهى عن الإيمان فالله سبحانه منزّه عن ذلك وبالتالي لا يرضى لهم الكفر.
قوله تعالى: (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى).
الوزر بمعنى الثقل، وأُطلق على الإثم إذ يُلحق التعب بصاحبه وأمّا (وِزْرَ)فهو بمعنى حمل الوزر، والآية من شؤون عدله سبحانه حيث لا يحمّل يوم القيامة وازرة وزر أُخرى، نظير قوله: (وَاتَّقُوا يَوْمًا لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْس شَيْئًا)1، إنّما الكلام في وجه المناسبة لإيراد هذه الفقرة في ثنايا الآية، إذ يمكن أن يقال: إنّه كان في زمان نزول الآية فكرة خاصة بين القبائل، فإنّه إذا كان بينهم مؤمن وكافر فيتشاركون في الوزر، والله سبحانه يردّ تلك الفكرة.
نعم هنا سؤالان:
1. كيف يقول سبحانه: (وَ لاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى)مع أنّ العاقلة تحمل دية الصبيّ إذا ثبتت الجناية بالبيّنة لا بالإقرار؟
2. كيف يقول سبحانه: (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى)مع أنّ الولد الأكبر

1 . البقرة: 48 .

صفحه 250
يجب عليه قضاء ما فات من أبيه من الصلوات؟
أمّا المورد الأوّل فلا صلة له بتحمّل أحد وزر الآخر، بل هو مبنيّ على نوع من التعاون بين أفراد الأُسرة، فإنّ الدية غرامة فادحة ربما لا يتحمّلها شخص، فلذلك تقسط بين العصبة ليخفّف الأمر. يقول ابن قدامة: قد جعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)دية عمد الخطأ على العاقلة، والمعنى في ذلك: أنّ جنايات الخطأ تكثر ودية الآدمي كثيرة فإيجابها على الجاني في ماله يجحف به، فقضت الحكمة إيجابها على العاقلة على سبيل المواساة للقاتل والإعانة له تخفيفاً عنه إذا كان معذوراً في فعله وينفرد هو بالكفّارة.1
يقول الشهيد الثاني: وربما شبّه إعانة الأقارب بتحمّل الدية بإعانة الأجانب الذين عزموا لإصلاح ذات البين بصرف سهم من الزكاة إليهم، وأُجلت على العاقلة نظراً لهم ليتحمّلوا ما تحمّلوا في مدّة الأجل، فلا يشقّ عليهم أداؤه.(2)
وأمّا المورد الثاني: أي قيام الولد بقضاء ما فات من الوالد من العبادات فليس من قبيل تحمّل الوزر، وإنّما هو أداء شكر من الولد الذي ربّاه الوالد من صغره إلى كبره، فلا يعدّ مثل ذلك تحمّل الوزر.
قوله تعالى: (ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ).
فيه تنبيه للمشركين بأنّهم سوف يحشرون إلى الله سبحانه فيجزي كلّ إنسان بما عمل بعد تنبيهه على ما عمل، ولعلّ الخطاب، يعمّ الناس جميعاً من المشركين والمؤمنين.

1 . المغني لابن قدامة:9/497.   2 . مسالك الأفهام :15/50.

صفحه 251
قوله تعالى: (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ).
هذه الفقرة تعليل للفقرة المتقدّمة، أي كيف ينبئ سبحانه يوم القيامة بما عمل الإنسان، فعلّله بقوله:(إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)، والمراد بالصدور القلوب الّتي ينسب إليها الفهم والإدراك والهداية والغواية في كثير من الآيات. يقول سبحانه: (لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا وَ لَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا) 1، وقال سبحانه: (فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَ لَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ التي فِي الصُّدُورِ).2
وقد أجرى سبحانه في نسبة الأُمور الروحية إلى القلب مجرى ما اعتاد عليه الناس حيث ينسبون كلّ هؤلاء إلى القلب مع أنّها من آثار النفس والروح، لكن لمّا كان القلب بين الأعضاء أوّل عضو يتأثر بالأُمور الروحية ـ فإنّ كلاً من آثار الخوف والوجل والفرح والسرور تظهر في القلوب قبل ظهور آثارهما في سائر الأعضاء ـ فنسب إلى القلب ما هو للنفس والروح، ولذلك يصح أن يقال: «ضاق صدري» وغير ذلك.
***

1 . الأعراف:179.
2 . الحج:46.

صفحه 252

الآية الثامنة

(وَ إِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَ جَعَلَ للهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ).

اللغة

المراد من (ضُرٌّ) كلّ أذىً أو محنة أو ضرر يصيب الجسم أو الروح.
التخويل: الإعطاء والتمليك دون قصد عوض.
النسيان: ذهول الحافظة عن الأمر المعلوم سابقاً.
التمتع: هو الانتفاع المؤقّت. والباء في قوله:(بِكُفْرِكَ )للتعدية، ومتعلّق التمتع محذوف.
الآية الثامنة، التوحيد الفطري   

التوحيد الفطري

لمّا ذكر سبحانه في الآية السابقة كفران المشركين لنعم الله سبحانه معرضين عنه ولاجئين إلى الأصنام، استدرك هنا بأنّ الإنسان ليس كفوراً بالذات، بل هو موحّد في هذه المرتبة بشهادة أنّه إذا مسّه القحط والمرض يرجع إلى الله ويتذلّل إليه ويسأله كشف كربه، وهذا دليل على أنّ الإنسان موحّد بالفطرة وإنّما يعرض له الكفر بسبب البيئة التي يعيش فيها. وقد دلّت التجارب القطعية على أنّ الإنسان عندما يواجه أحد المخاطر يتوجّه من فوره وبصورة تلقائية فطرية إلى الله وتحدث لديه حالة عرفانية قلبية يطلب

صفحه 253
فيها من الله سبحانه الخلاص والنجاة.
ولنأت بمثال يوضح التوحيد الفطري الذي خلق عليه الإنسان: نفترض أنّ جماعة من قوميات وعقائد شتى، استقرّت في طائرة، وقد حلّقت على اليابسة والمحيطات، وبعد برهة ينفتح باب القيادة (قيادة الطائرة) بصورة مفاجئة، وتعلن المضيّفة وبوجهها الشاحب وأعصابها المتشنجة وصوتها المختنق، تعلن عن الخطر المداهم للطائرة بسبب توقّف أحد الأجهزة الحسّاسة للطائرة عن العمل، ومتى لم يُبذل السعي اللازم والمساعدات الكافية من الخارج والداخل، فإنّ سقوط الطائرة وتحطمها أمر قطعي دون تردد.
وفي الوقت ذاته يلاحظ أنّ حجب الغرور والصلافة والتكبرّ قد زالت وحجب الأوهام والجهل قد انجلت عن الفطرة، وترى القلب مضطرباً في ضرباته، ومن أوساط تلك الأوهام والحسرات تتجّه النفس نحو مستقر لها لتطمئن إليه، وتعتقد أنّه يستطيع أن ينقذها من هذه المهلكة والخطر المحدق، وتستغيث به ليخلصها من الموت المحتم، وما هذا المستقر سوى الله عزّ وعلا.
وقد أُشير في غير واحدة من الآيات إلى هذا النوع من التوحيد الفطري نقتصر بذكر واحدة منها: (وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)1.

1 . يونس:12.

صفحه 254
وبهذا تجلّى معنى الآية (وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ ) من مرض أو جوع (دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ)، أي مستغيثاً به (ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ ) وملّكه ووهبه من غير عوض، وظن أنّه خلص ممّا كان يدعو لأجله (نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ)والمراد من «ما» الموصولة في قوله: (مَا كَانَ ) هو الضرّ أي نسي الضرّ الّذي يدعو الله ليكشفه عنه، والشاهد على ذلك قوله سبحانه في الآية السابقة حيث جاء فيها (فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرّ مَسَّهُ). وهذا هو المعنى الظاهر، وقيل في «ما» الموصولة معنى آخر، وما ذكرناه هو الواضح.
(قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ):
أي تمتع أيّها الكافر بالنعم التي فزت بها لكنّه تمتع قليل ووراءه عذاب أليم مستقر كما يقول سبحانه: (إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ)التي لا تدفع ولا تهدأ.
***
   

صفحه 255

الآية التاسعة

(أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَ قَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَ يَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الأَلْبَابِ).

اللغة

(أمَّنْ): مركّب من كلمتين: «أم» و «من»، أُدغمت الميمان فصار (أمّن). والهمزة همزة التسوية متضمّنة معنى الإنكار، وتقدير الآية: أهذا الذي ذكرناه خير أمن هو قانت آناء الليل، فحذفت الجملة المعادلة لمضي مضمونها فيما تقدّم من الآية، أعني قوله: (قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَليلاً إنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النّار)فصار بمنزلة قوله: «أذلك خير أمّن هو قانت آناء الليل»، نظير قوله سبحانه:(أذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنّةُ الْخُلْدِ التَّي وُعِدَ الْمُتَّقُون)1، ولفظة «ذلك» إشارة إلى الجحيم وأهلها الواردة في الآيتين المتقدّمتين وهي قوله سبحانه: (بَل كَذبُوا بِالسّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذب بالسّاعَةِ سَعيراً* إذا رَأتْهُمْ مِنْ مَكان بَعيد سَمِعُوا لَها تَغيُّظاً وَزَفيراً)2، (أذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنّةُ الْخُلْدِ). ونظير الآية مفاداً ومضموناً قوله سبحانه: (أَفَمَنْ يَمْشي مُكِبّاً عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أمْ يَمْشي عَلى صِراط مُسْتَقيم)3.

1 . الفرقان:15.
2 . الفرقان:11ـ12.
3 . الملك:22.

صفحه 256
يقول ابن مالك:
وأم بها اعطف بعد همز التسوية *** أو همزة عن لفظ أيّ مغنية
«القنوت» كما في المفردات للراغب: لزوم الطاعة بعد الخضوع، وفسّر بكلّ واحد منهما في قوله: (وَقُومُوا للهِ قانِتينَ)1، وقوله تعالى: (كُلٌّ لَهُ قانِتُون)(2).
«الآناء»: جمع أنى، كالأمعاء جمع معى، بمعنى الساعات والأوقات.

تفسير الآية

إذا عرفت معنى بعض مفردات الآية فاعلم أنّه سبحانه يصف عباده فيها بصفات:
1. «قانت آناء الليل»: أي يعبده ساعات الليل، وتخصيص الليل بالعبادة يدلّ على أمرين:
أوّلاً: أنّ الليل ظرف للاستراحة والسبات، فالقيام فيه للعبادة يدلّ على إيمانه القوي وإخلاصه الشديد لله سبحانه حيث يبدّل النوم بالتجافي عن المضجع لعبادة الله سبحانه مع الرغبة إلى النوم. قال سبحانه: (تَتَجافى جُنُوبهُمْ عَنِ الْمَضاجِعَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوفاً وَطَمَعاً).(3)
الثاني: أنّ العبادة بالليل أبعد عن الرياء وأقرب إلى الإخلاص، فمهما كان الإنسان مرائياً لا يتمكّن من الرياء أثناء ظلمات الليل.

1 . البقرة: 238.   2 . البقرة: 116; الروم: 26.   3 . السجدة:16.

صفحه 257
2. (سَاجِدًا ) .
3. (قَائِمًا). والصلاة تشتمل على السجود والقيام، بل معظم أجزائها هو السجود والقيام.
4. (يَحْذَرُ الآخِرَةَ)أي عقابها.
5. (يَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ)فهو يعبده رغباً ورهباً، نظير قوله سبحانه: (إنّهم كانُوا يسارِعُونَ في الخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً)1 ولم يقيد الرحمة بالآخرة خلافاً للعقاب والعذاب; لأنّ رحمة ربّه تعمّ الدنيا والآخرة.
والمعنى كما مرّ: أهذا الكافر الذي جعل لله أنداداً وكتب عليه العقاب في الآخرة خير أم من هو قانت لله سبحانه في آناء الليل ساجداً في صلاته تارة، قائماً فيها أُخرى يحذر عذاب الآخرة ويرجو رحمة ربّه، فهذان الرجلان لا يستويان كما لا يستوي العالم والجاهل، يقول سبحانه: (قُلْ هَلْ يَسْتَوي الَّذينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذينَ لا يَعْلَمُونَ إنَّما يَتَذَّكَرُ أُولوا الأَلْباب)والمراد من العلم هو العلم الهادي إلى الله سبحانه وإلى صفاته وأفعاله وأوامره ونواهيه، فالعالم بها يقوم آناء الليل للعبادة راجياً رحمة ربّه، والجاهل بها يكون مكبّاً على جهله ومقيماً عليه.

مكانة العلم والعلماء في الإسلام

وتفسير الآية بمطلق العلم حتى العلوم المادية والطبيعية لا يلائم ظاهر الآية، وإن كان عدم التسوية مطلقاً أمراً واضحاً جلياً.

1 . الأنبياء:90.

صفحه 258
إنّ للعلم والعلماء مكانة خاصّة في الإسلام ويكفي في مكانته ورود مادّة العلم بالصيغ المختلفة في الكتاب العزيز قرابة(779) مرّة. ومن راجع الأحاديث التي جمعها العلاّمة المجلسي في الجزء الأول والثاني من بحار الأنوار يقف على أحاديث كثيرة في تفضيل العلم والعلماء، وقد نقل الطبرسي في كتاب «الاحتجاج» عن الإمام علي بن محمد الهادي شيئاً يدلّ على تفضيل الإمام العالم على العلويين وعامّة بني هاشم.
نُقل أنّ رجلاً من فقهاء الشيعة كلّم بعض النصّاب فأفحمه بحجته حتى أبان فضيحته فدخل على علي بن محمد(عليهما السلام) وفي صدر مجلسه دست عظيم (أي وسادة) منصوب، وهو قاعد خارج الدست وبحضرته خلق من العلويين وبني هاشم فما زال يرفعه حتى أجلسه في ذلك الدست وأقبل عليه، فاشتدّ ذلك على أُولئك الأشراف، فأمّا العلويون فأجلوه عن العتاب، وأمّا الهاشميون فقال له شيخهم: يابن رسول الله هكذا تؤثر عاميّاً على سادات بني هاشم من الطالبيين والعباسيين؟
فقال(عليه السلام): «إياكم وأن تكونوا من الذين قال الله تبارك وتعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَ هُمْ مُعْرِضُونَ)1 أترضون بكتاب الله عزّ وجلّ حكماً؟» قالوا: بلى.
قال: «أو ليس قال الله عزّ وجلّ:(قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ) فكيف تنكرون رفعي لهذا لما رفعه الله إن كسر هذا لفلان

1 . آل عمران: 23 .

صفحه 259
الناصب بحجج الله التي علمه إياها، لأفضل له من كل شرف في النسب». وفي هذا الحديث شيء حذفناه وهو مذكور عند قوله تعالى: (يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَات)1.2
قوله تعالى: (إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الأَلْبَابِ).
(الأَلْبَابِ) واحد اللب وهو العقل، وهو يدلّ على أنّ العلم والعقل يمشيان جنباً إلى جنب في الأُصول والمعارف، فمن أراد فصل العقل عن إدراك المعارف فقد خسر وأخسر من تبعه. وللاحتجاج بالعقل في مجال المعارف شروط مذكورة في محلّها.

أُسلوب المقارنة في القرآن الكريم

إنّ من أساليب القرآن الكريم أُسلوب المقارنة، كما في المقام، فكثيراً ما يستخدمه القرآن لتفهيم الحقائق كما عرفت في الآيات المتقدّمة. نعم ليس كلّ من قام آناء الليل ساجداً وقائماً كتبت له النجاة، بل هو مشروط ببقائه على نيّته الصادقة وإيمانه وعدم انحرافه عن الأُصول، وإلاّ ربّ تال للقرآن والقرآن يلعنه، والميزان في النجاة كون الإنسان على الصراط المستقيم في نهاية حياته.
روى المجلسي عن «إرشاد القلوب» للديلمي أنّه خرج أمير المؤمنين(عليه السلام) ذات ليلة من مسجد الكوفة متوجّهاً إلى داره وقد مضى ربع من

1 . المجادلة: 11.
2 . الاحتجاج: 2 / 259 ; نور الثقلين: 4/479.

صفحه 260
الليل ومعه كميل بن زياد(رحمه الله)وكان من خيار شيعته ومحبّيه فوصل في الطريق إلى باب رجل يتلو القرآن في ذلك الوقت ويقرأ قوله تعالى: (أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيلِ...)1 بصوت شجيّ حزين فاستحسن كميل ذلك في باطنه وأعجبه حال الرجل من غير أن يقول شيئاً، فالتفتَ (صلوات الله عليه) إليه وقال: «يا كميل لا تعجبك طنطنة الرجل أنّه من أهل النار سأُنبئك فيما بعد»، فتحيّر كميل لمكاشفته له على ما في باطنه ولشهادته بدخول ـ هذا الرجل ـ النار مع كونه في هذا الأمر وتلك الحالة الحسنة.
ومضت مدّة متطاولة إلى أن آلَ حال الخوارج إلى ما آل وقاتلهم أمير المؤمنين(عليه السلام)وكانوا يحفظون القرآن كما أنزل، فالتفتَ أمير المؤمنين(عليه السلام)إلى كميل وهو واقف بين يديه والسيف في يده يقطر دماً ورؤوس أُولئك الكفرة الفجرة محلقة على الأرض فوضع رأس السيف على رأس من تلك الرؤوس وقال: «يا كميل: (أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ) »، أي هو ذلك الشخص الذي كان يقرأ القرآن في تلك الليلة فأعجبك حاله، فقبّل كميل قدميه(عليه السلام)واستغفر الله.2
***

1 . الزمر:9.
2 . بحار الأنوار:33/399.

صفحه 261

الآية العاشرة

(قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَاب).
قوله تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِ): الكسرة في آخر الكلمة تدلّ على حذف المضاف إليه وهو الياء، أي: قل يا عبادي، نظير قوله سبحانه في هذه السورة:(قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ)1، فالمضاف إليه فيه غير محذوف ، ولم يعلم وجه الفرق في حذف الياء في هذه الآية وتثبيتها في الآية الأُخرى، وقد جاء الاختلاف من جانب القرّاء، وإلاّ فالقرآن واحد نزل من عند الله الواحد.
قوله تعالى: (الّذينَ آمَنُوا اتَّقُوا ربَّكُمْ).
يخاطب سبحانه عباده المؤمنين ويأمرهم بالتقوى، وهي جُنّة المؤمن الّتي تصدّه عن الذنوب، فالتقوى من الوقاية، ولولا هذا الدرع لما نجى المؤمن من الزيغ والانحراف، فالورع من محارم الله هو الركن الركين في الحياة الأُخروية وهو نتيجة التدرّع بالتقوى.
قوله تعالى: (لِلَّذينَ أَحْسَنُوا في هذِهِ الدُّنْيا حَسَنة).
قوله (في هذِهِ الدُّنْيا)متعلّق بـ(أَحْسَنُوا) وليس متعلّق بـ(حَسَنة)حتى تختصّ حسنة الله سبحانه بالمؤمنين في الدنيا، بل المحسنين في هذه الدنيا تعمّهم الحسنة في الدنيا والآخرة; وأمّا الكافر فهو محروم من تينك

1 . الزمر:53.

صفحه 262
الحسنتين، أمّا الآخرة فواضحة حيث إنّ المحسن في الجنّة والمسيء في النار، وأمّا الدنيا فللمؤمن المحسن في هذه الدنيا طيب النفس، وسلامة الروح، وصون النفوس عمّا يتقلّب فيه الكفّار من تشوّش البال وتقسّم القلب وغلّ الصدر والخضوع للأسباب الظاهرية، وفقد من يرجى في كلّ نائبة ويُنصر عند طروق الطارقة ويطمأن إليه في كلّ نازلة، وفي الآخرة سعادة دائمة ونعيم مقيم.1
قوله تعالى: (وَأَرْضُ الله واسعة).
لمّا وعد سبحانه بأنّ للمؤمن المحسن حسنة في الدنيا صار ذلك سبباً لدعوة المسلمين المقيمين في مكة الممنوعين من القيام بالحسنة خصوصاً في أثناء النهار وفي المسجد الحرام، فأشار سبحانه بأنّ هؤلاء أيضاً يتمكّنون من القيام بالحسنة بالهجرة عن مكّة، ثمّ أتى بقوله: (وَأَرْضُ الله واسِعَة)الذي صار مثلاً معروفاً.
قوله تعالى: (إنّما يوفّى الصّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِساب).
وصلة هذه الفقرة بما قبلها يمكن أن يكون بهذا الوجه، وهو أنّ في ترك الوطن والهجرة مصاعب ومتاعب، وأنّ الله سبحانه يعدهم بالأجر والثواب ويقول:(إنّما يوفّى الصّابِرُونَ أَجْرهُمْ بِغَيرِ حِساب). قوله: (بِغَيْرِ حِسَاب) حال من قوله: (أَجْرهُمْ)وهي كناية عن كثرة الأجر وفي الوقت نفسه وصف للموصول المحذوف، أي إعطاء بغير حساب، أو أجراً بغير حساب، فالصابرون لا يحاسبون على أعمالهم.

1 . تفسير الميزان:17/245.

صفحه 263
وروى الطبرسي في «المجمع» عن أبي عبد الله(عليه السلام)قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إذا نشرت الدواوين ونصبت الموازين، لم ينصب لأهل البلاء ميزان، ولم ينشر لهم ديوان: ثم تلا هذه الآية: (إنّما يُوفى الصابِرونَ أجْرَهُمْ بِغَيرِ حِساب).1
***

الآيات: الحادية عشرة ـ الرابعة عشرة

(قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ).
(وَ أُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ).
(قُلْ إنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْم عَظِيم).
(قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِيني).
في الآيات الأربع رجوع إلى ما ورد في صدر السورة، وهو الأمر بالإخلاص في عبادة لله سبحانه وتنزيهه عن الشرك وعبادة غيره، فقد أمر في هذه الآيات بأُمور أربع وإن كان الأمر الرابع تأكيداً للأوّل:
1. أمره ربّه بالإخلاص في العبادة والطاعة. ثمّ إنّ متعلّق (أُمِرْتُ)في الآية الثانية عشرة محذوف، لدلالة قوله في الآية المتقدّمة(أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ) أي أمرت بالإخلاص في العبادة لأكون أوّل المسلمين.
2. أمره ربّه أن يكون أوّل المسلمين، وفي هذا نوع إبهام فإنّ النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) كان أوّل المسلمين في أُمّته، فأي معنى لكونه أوّل المسلمين. وقد

1 . مجمع البيان:8/492.

صفحه 264
ذكر في الكشاف في معنى ذلك وجوهاً أربعة أوضحها الوجه الثالث، وهو: أن أكون أوّل من دعا نفسه إلى ما دعا غيره لأكون مقتدىً بي في قولي وفعلي جميعاً، ولا تكون صفتي صفة الملوك الذي يأمرون بما لا يفعلون.1
وذكر ابن عاشور وجهاً آخر قائلاً: بأنّ لفظ أوّل هنا مستعمل في مجازه، إذ ليس المقصود من الأوّلية مجرد السبق في الزمان، فإنّ ذلك حصل فلا جدوى للإخبار به، وإنّما المقصود أنّه مأمور بأن يكون أقوى المسلمين إسلاماً، وحيث إنّما يقوم به الرسول من أُمور الإسلام أعظم ممّا يقوم به كلّ مسلم.2
3. أمره أن يقول للناس: إنّه يخاف عصيان ربّه، لأنّ فيه عذاب يوم عظيم. وفي هذه الفقرة دليل على ما نقل عن مقاتل أنّ كفّار قريش قالوا للنبي(صلى الله عليه وآله): ما يحملك على هذا الدين الذي أتيتنا به، ألا تنظر إلى ملة أبيك وجدك وسادات قومك يعبدون اللات والعزّى، فأنزل الله: (قُلْ إنّي أُمِرتُ أَنْ أَعْبُدَ الله مُخْلِصاً لَهُ الدِّين)3، فقد أمر النبي(صلى الله عليه وآله) بردّ اقتراحهم وأن يقول: (قل إنّي أخاف إن عَصَيْتُ رَبّي عَذابَ يَوم عَظيم)، بل يمكن أن تكون الآية المتقدّمة أيضاً ردّاً لاقتراحهم.
4. ثمّ إنّه أُمر مرة رابعة بما هو أساس دينه، بل أساس عامّة الشرائع، أعني قوله: (قُلِ اللهَ أعْبُد مُخْلِصاً لَهُ دِيني)ففيه حصران:

1 . تفسير الكشاف:3/342.
2 . التحرير والتنوير:24/44.
3 . تفسير مقاتل بن سليمان: 3 / 129 .

صفحه 265
1. تقديم المفعول على الفعل: (اللهَ أعْبُد ).
2. تقديم مخلصاً وهو حال:(مُخْلِصًا لَهُ دِيني).
والناظر في هذه الآيات وما تقدّمها يقف على أنّ التوحيد أُسّ الشريعة وأساس عامّة الشرائع لا يمكن لأي نبي أو مصلح أن يعدل عنه إلى غيره، ولذلك لمّا نزل رهط من نصارى نجران، أمر النبي بدعوتهم إلى أصل مشترك بين عامة الشرائع وقال: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَة سَوَاء بَيْنَنَا وَ بَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَ لاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَ لاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ).1
***

الآية الخامسة عشرة

(فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَ أَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلاَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ).
هذه الآية بمنزلة خير ختام لما بُدئ به من صدر السورة إلى هنا فالأمر للتهديد بمعنى أنّه سبحانه قد أتمّ الحجّة على عباده على المؤمن والمشرك، فمن شاء أن يعبد ما شاء، نظير قوله سبحانه: (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)2، أمّا من عبد غير الله فقد خسر نفسه وأهله الذين يتّبعونه بتبعية الأولاد للآباء، فالمشرك ضل وأضل، خسر وأخسر، وليس هذا إلاّ الخسران

1 . آل عمران: 64.
2 . الكهف: 29 .

صفحه 266
المبين; وكونه مبيناً لأنّ خسران الدنيا منقطع بخلاف خسران الآخرة، وهل قرية وراء عبادان؟!
الخسر والخسران: انتقاص رأس المال، وينسب ذلك إلى الإنسان فيقال: خسر فلان، وإلى الفعل فيقال: خسرت تجارته.1 وأي خسران أكبر من صرف العمر الذي هو رأس مال الإنسان دون أن يكتسب به شيئاً يفيده في الحياة الأُخروية، فذهب رأس ماله دون عوض، ولهذا قال سبحانه: (إنّ الإنْسانَ لَفي خُسْر* إلاّ الّذينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحات)2، فلولا الإيمان والعمل الصالح فكلّ إنسان في خسر، ولذلك وصفه الله سبحانه في المقام: (الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ).
***

الآية السادسة عشرة

(لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَ مِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ).

اللغة

ظُلَلٌ: جمع ظلّة كغرفة وغرف، وقربة وقرب، والظلّة كلّ ما غطّى وستر من سحاب أو جبل.3

1 . مفردات الراغب:147، مادة «خسر».
2 . العصر:2ـ3.
3 . مجمع البحرين، مادة «ظل».

صفحه 267
والظاهر أنّ المراد هنا كلّ شيء مرتفع من بناء مثل الصُّفّة التي
يستظل بها الجالس تحتها، ولعلّه استعارة للطبقة التي تعلو أهل النار،
ويشهد على ذلك قوله سبحانه فيما يأتي في وصف أهل الجنّة: (لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَعْدَ اللهِ لاَ يُخْلِفُ اللهُ الْمِيعَادَ).1 فبالمقارنة يعلم أنّ لكلّ من أهل النار والجنّة ساتراً عالياً وساتراً سافلاً، وإطلاق الستر على الطبقة السافلة من باب المشاكلة، كما أنّ إطلاق الظلل على الطبقات السافلة في الجحيم من هذا الباب.

تفسير الآية

إذا وقفت على معنى مفردات الآية فهي بصدد بيان شيء من صور الخسران التي تحيط بالمشرك،وهو أنّه يعيش بين طبقة من طبقات النار، واستعمال الظلّة في المقام لا يخلو من التحكّم حيث إنّ الإنسان يتمنّى من الظلّة الراحة والبرودة، ولكن هناك الأمر على العكس، فظهر معنى قوله:
(لَهُمْ منْ فَوقِهِمْ ظُللٌ مِنَ النّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُللٌ).
وهذه خُلقت لأهل الشرك وعبدة الأصنام، وأمّا (غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ) فهي لأهل التوحيد والإيمان، فيابشرى لمن ربح في حياته ولم يخسر.
(ذلِكَ يُخوِّفُ الله بِهِ عِباده).

1 . الزمر:20.

صفحه 268
اسم الإشارة في صدر الفقرة إشارة إلى ما مرّ من وصف مستقر المشرك.(يُخوِّفُ الله بِهِ عِباده) حتى يتعقّلوا وينسلكوا في عداد الموحّدين، وهذا كقيام الحاكم بذكر العقوبات التي تلحق بمن يخالف القانون ويدوسه، وفي الحقيقة هذا التخويف والتهديد لطف من الله سبحانه بالنسبة إلى عباده لكي لا يكون المصير المشؤوم حليفهم، فالعقوبات المجعولة من جانب الحاكم على ناقض الحقوق والقوانين ـ وإن كانت حسب الظاهر عقوبة ـ لكنّها في الحقيقة رحمة إذا تعقّل وتفكّر وانسحب عن مخالفة التشريع.
ومن القول المبتذل عن بعضهم من أنّ ما ذكره سبحانه وتعالى من العواقب المؤلمة للمشركين إنّما هو من باب التخويف دون أن تلاحقهم تلك العواقب يوم القيامة، نظير ما تخوّف الأُمّ به طفلها الصغير بأنّه لو فعل كذا لقطعت يده وقلعت عينه مع أنّها لا تقوم بذلك لو خالف.
أقول: كيف يتفوّه بذلك والله سبحانه يقول: (إنّ الله لا يُخْلِفُ الميعاد)1، وقوله تعالى: (ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَنْ يُخْلِفَ الله وَعْدَهُ)(2)، وأُريد من الوعد في الآية الوعيد بقرينة قوله: (بِالعذابِ).
قوله تعالى: (يا عِبادِ فَاتَّقُون):
الكسرة في آخر العباد يدلّ على حذف المضاف إليه، أي يا عبادي، وقدّم المنادى على النداء لأنّ المقام مقام التنذير والتحذير.
***

1 . آل عمران:9.   2 . الحج:47.

صفحه 269

الآيتان: السابعة عشرة والثامنة عشرة

(وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللهِ لَهُمُ الْبُشْرى فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ وَ أُولَئِكَ هُمْ أُولُوا الأَلْبَابِ).

اللغة

الطاغوت: مشتق من طغى يقال: طغى طغياناً أي تجاوز الحدّ في العصيان، والطاغوت عبارة عن كلّ متعدٍّ وكلّ معبود من دون الله، ويستعمل في الواحد والجمع.1
وذهب صاحب الكشّاف إلى أنّ الطاغوت على وزن فعلوت من الطغيان كالملكوت والرحموت، ثمّ قدّم لام الفعل ـ أعني: الواو ـ على عين الفعل ـ أي الغين ـ فأصبحت طوغوت ثم قلب الواو ألفاً فصارت طاغوت.2 وليس ذلك ببعيد فإنّ لفظة الجاه مشتقة من الوجه فيقال: الوجيه بين الناس فقدم عين الفعل ـ أعني: الجيم ـ على فاء الفعل ـ أعني: الواو ـ فصار جوه فقلبت الواو ألفاً.

تفسير الآيتين

قوله تعالى: (وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا):

1 . مفردات الراغب:305، مادة «طغى».
2 . تفسير الكشاف:4/343 بتوضيح منّا.

صفحه 270
المراد بالطاغوت هنا هو الأصنام المعبودة بقرينة سياق الآيات، وقد اتّخذ القرآن في هذه الآية أُسلوب المقارنة حيث إنّه لمّا أوعد عبدة الطاغوت والأصنام في الآية السابقة بقوله: (لَهُمْ مِنْ فَوقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّار)، نراه يزف البشرى في هذه الآية لمن يعبد الله سبحانه واجتنب عبادة الطاغوت.

ما هو الفرق بين الإنابة والتوبة؟

قوله تعالى: (وَأَنَابُوا إِلَى اللهِ ).
والإنابة غير التوبة، فالتوبة هي الرجوع من العصيان، والإنابة بمعنى التوجّه إلى الله سبحانه والميل الشديد إليه، يقول سبحانه: (وَظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَ خَرَّ رَاكِعًا وَ أَنَابَ)1.
والفقرة تشير إلى أنّ مجرّد ترك عبادة الطاغوت غير كاف في سعادة الإنسان في الآخرة، فإنّ قسماً من المشركين المنكرين لما وراء الطبيعة لا يعبدون الله سبحانه ولا غيره من الأصنام، ومع ذلك فهم والمشركون سواء، فلذلك عطف على ترك عبادة الطاغوت الإنابة إلى الله وبشّرهم بقوله: (لَهُمُ البُشرى)، أي البشارة بالثواب أو البشارة بالجنّة، يقول سبحانه: (وَلَهُمُ الْبُشْرى في الحَياةِ الدُّنيا وَفِي الآخرةِ).2
قوله تعالى: (الَّذينَ يَسْتَمعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ).

1 . ص: 24.
2 . يونس:64.

صفحه 271
الآية تصف المبشرين بالتدقيق فيما يستمعون فيميّزون بين الحسن وغيره، والمراد من الأحسن هو الحسن، واللفظ مجرد عن معنى التفاضل. وفي الآية دعوة لإحياء التفكير والتعقّل ورفض الجمود والتحجّر. والمراد من القول مطلق ما تناط به سعادة الإنسان، وعن بعض المفسّرين أنّ المراد استماع القرآن واتّباع أوامره من باب تطبيق الكلّي على الفرد الكامل.
وحصيلة الكلام: أنّه إذا دار الأمر بين اتّباع الحق والباطل والرشد والغيّ، فيتّبعون الحق والرشد دون غيره.
قوله تعالى: (أُولئِكَ الذِينَ هَداهُمُ الله):
لعلّ هذه الفقرة إشارة إلى أنّ اتّباع الأحسن ورفض الباطل هداية تكوينية جعلها الله في خلقته، فالإنسان بطبعه يميل إلى الحقّ ويرفض الباطل لولا غلبة الأهواء.
قوله تعالى: (أُولَئِكَ هُمْ أُولُوا الأَلْبَابِ ):
أي هؤلاء الذين يتبعون أحسن القول هم ذوو العقول، فإنّ عقولهم ترشد إلى الحق.
***

صفحه 272

الآية التاسعة عشرة

(أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلمةُ العَذابِ أفأَنْتَ تنقذ مَنْ في النّار).
وجه صلة هذه الآية بما سبقها هو أنّ الآية السابقة دلّت على من استمع القول فاتبع أحسنه أُولئك الذين هداهم الله، فلزم من ذلك أنّ من تنكّب عن هذه الطريقة التي هي مقتضى الفطرة ولم يستمع إلى قول الأنبياء أو استمع ولكن لم يتبع فهو الذي حقّت عليه كلمة العذاب التي ذكرها سبحانه في قوله: (لأملأنّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهُم أَجْمَعين)1، ثمَّ إنّ حتمية العذاب على هؤلاء لا تحمل أي طابع إجباري وإنّما هي نتيجة إعراضهم عن استماع الكلام الحق وتبعية الشيطان.
ثمّ إنّ في تفسير الآية وجهان:
الأوّل: القول بحذف الجملة المعادلة لما جاء في الآية، فكأنّه قال: (أفَمَنْ حَقَّ عَليهِ كَلِمَةُ العذابِ) كمن وجبت له الجنة ثم يختم بقوله: (أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ ).2
الآيتان: التاسعة عشرة ـ العشرون   
الثاني: أن يقال: أفمن حقّت عليه كلمة العذاب، ينجو منه (أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ).3
أو يقال: أفمن حقّت عليه كلمة العذاب أفأنت تخلّصه (أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ ) .

1 . ص: 85 .
2 . مجمع البيان:9/494.
3 . تفسير الميزان:17/259.

صفحه 273
وعلى جميع الوجوه «فمن» في قوله: (أفمن)موصولة لا شرطية، وهو مبتدأ خبره أحد الجمل المقدّرة .
ثمّ إنّ قوله: (مَن في النّار) يحكي أنّ النار محيطة به في هذه الدنيا، ويشهد على ذلك قوله: (وإنّ جهنّم لَمُحيطةٌ بِالكافِرين)1، وأمّا كيفية الإحاطة فهي غير معلومة لنا، ويمكن أن تكون من باب أنّها محقّقة الوقوع، كما في قوله سبحانه:(إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ)2.
وعلى كلّ تقدير فإذا بلغ طغيان الإنسان مرحلة سوّدت القلب بعامّة مساحته ولم يترك نقطة بيضاء، فهؤلاء هم الذين حقّ عليهم كلمة العذاب، والذين ورد في حقّهم قوله تعالى: (خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ).3
***

الآية العشرون

(لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَعْدَ اللهِ لاَ يُخْلِفُ اللهُ الْمِيعَادَ ).
لمّا خاطب الله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)في الآية السابقة(أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ)ناسب أن يبشّر النبي بأنّ للذين اتّقوا ربّهم غرف من فوقها غرف، وبذلك

1 . التوبة:49.
2 . الواقعة: 1 .
3 . البقرة:7.

صفحه 274
صار الإنذار مقروناً بالتبشير، وقد مرّ أنّ الآية تعادل قوله تعالى فيما سبق: (لَهُمْ مِنْ فَوقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ).
ثمّ إنّ الآية تدلّ على أنّ من سنن الله تعالى عدم إخلاف وعده وقال: (وَعْدَ اللهِ لاَ يُخْلِفُ اللهُ الْمِيعَادَ).
***
   

الآية الواحدة والعشرون

(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرى لأُولِي الأَلْبَابِ).

اللغة

الينابيع: جمع ينبوع وهو الموضع الذي ينبع منه الماء، يقال: نبع الماء من موضع كذا إذا فار منه.
الزرع: ما ينبت على غير ساق، والشجر ماله ساق وأغصان، والنبات يعمّ الجميع.
يَهيج: من هاج النبت، يهيج هيجاً إذا جفّ وبلغ نهايته في اليبوسة.
الحطام: فتات التبن والحشيش، والحطم: الكسر للشيء اليابس، ومنه سمّيت جهنّم حُطمة، لأنّها تكسر كلّ شيء. 1

1 . مجمع البيان:8/494.

صفحه 275
ومراده من قوله في تفسير الزرع: (ما ينبت على غيرساق) ناظر إلى النباتات التي تنبت على الأرض، وإلاّ فالحنطة والشعير وأمثالهما له ساق نحيف بخلاف الشجر فإنّ له ساقاً قويّاً.

في وحدة التدبير والتنديد بالحياة الدنيوية

أمّا صلة الآية بما قبلها أوّلاً وما يراد من هذا التمثيل ثانياً فيظهر ممّا سيأتي بعد نقل الآيتين اللتين ورد فيهما مضمون الآية، ففي سورة الحديد يقول سبحانه: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ زِينَةٌ وَ تَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَ تَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَ الأَوْلاَدِ كَمَثَلِ غَيْث أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَ مَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَ رِضْوَانٌ وَ مَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ).1
وفي سورة يونس:(إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَ الأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَ ازَّيَّنَتْ وَ ظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ).(2)
والظاهر أنّ موقف الآيات الثلاث موقف واحد يهدف إلى أمرين:
الأوّل: وحدة التدبير وأنّ الخالق هو المدبّر وأنّه هو الذي ينزل المطر من السماء فينبت به النبات على ألوان مختلفة ثم يصير مصفرّاً متكسّراً...

1 . الحديد:20.   2 . يونس:24.

صفحه 276
الخ، ولا يقوم بهذا التدبير إلاّ الله سبحانه لا الأصنام المزعومة.
الثاني: التنديد بالحياة الدنيوية وأنّها ليست متاعاً باقياً، فحياة الإنسان أشبه بحياة النبات، فيوماً يكون طفلاً ثم صبياً ثم شاباً ثمّ كهلاً ثم هرماً نازلاً أرذل العمر لا يعقل شيئاً ثم يموت فيقبر ويصير تراباً.
ولعلّ الأوّل هو الأنسب في المقام، كما أنّ الثاني أنسب بما ورد في سورتي الحديد ويونس، وقد مرّ أنّ الهدف الأقصى في هذه السورة هو تثبيت وحدة المدبّر وأنّ الخالق هو المدبّر.
فعلى هذا فمعنى الآية (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ): أي أدخله ونظمه ينابيع في الأرض عيوناً وآباراً، فالمطر إذا نزل من السماء تمتصّه الطبقة الأُولى من الأرض وينزل إلى نقطة غير قابلة للنفوذ ويجتمع فيها ثم يخرج من داخل الأرض بصورة البئر أو العين، ولو لم تكن للأرض طبقة ثانية غير قابلة للنفوذ لانعدمت العيون والآبار بنفوذ الماء إلى أعماق الأرض التي لا يتمكّن الإنسان من استخراجه.
قوله تعالى: (ثُمَّ يخرج بِهِ زرعاً مُختلفاً ألوانه).
لفظة «ثُمّ» لبيان التراخي بين نزول المطر وخروج الزرع. والألوان جمع لون وهي كيفية على ظاهر الجسم تتبين عند الضوء، وبما أنّ لكلّ زرع لوناً فاختلاف الزرع في الألوان مع وحدة الماء والأرض يدلّ على أنّ هناك قدرة قاهرة تخرج من الماء والأرض المتّحدين ألواناً مختلفة، وقد أشار إليه سبحانه أيضاً في آية أُخرى: (وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَ جَنَّاتٌ مِنْ

صفحه 277
أَعْنَاب وَ زَرْعٌ وَ نَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَ غَيْرُ صِنْوَان يُسْقَى بِمَاء وَاحِد وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْض فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يَعْقِلُونَ)1.
قوله تعالى: (ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا).
والهياج هو ثورة الإنسان أو الحيوان واستعير لشدة الشيء من غيرالحيوان، فكأنّ النبات إذا تمّ جفافه جاز له أن يثور عن مثابته (مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا): أي فتاتاً.
قوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرى لأُولِي الأَلْبَابِ): أي فيه دلالة على أصحاب العقول على التدبير العالي المستند إلى الله سبحانه.

سيد قطب وتوضيح التمثيل الموجود في الآية

وقد ذكر سيد قطب في تفسيره «في ظلال القرآن» في توضيح التمثيل ما هذا لفظه: ورؤية النبتة الصغيرة وهي تشقّ حجاب الأرض عنها; وتزيح أثقال الركام من فوقها; وتتطلّع إلى الفضاء والنور والحرية; وهي تصعد إلى الفضاء رويداً رويداً... هذه الرؤية كفيلة بأن تملأ القلب المفتوح ذكرى; وأن تثير الإحساس بالله الخالق المبدع الذي أعطى كلّ شيء خلقه ثم هدى، والزرع المختلف الألوان في البقعة الواحدة،بل في النبتة الواحدة، بل في الزهرة الواحدة إن هو إلاّ معرض لإبداع القدرة; يُشعر الإنسان بالعجز المطلق عن الإتيان بشيء منه أصلاً.2

1 . الرعد:4.
2 . في ظلال القرآن: 7/135.

صفحه 278

إيضاح التمثيل بوجه آخر

ثمّ إنّ لبعض المفسّرين بياناً آخر لهذا التمثيل وحاصله تشبيه إنزال القرآن باهتداء المؤمنين به بحالة إنزال المطر ونبات الزرع به واكتماله. وهذا التمثيل قابل لتجزئة أجزائه على أجزاء الحالة المشبه بها: فإنزال الماء من السماء تشبيه لإنزال القرآن لإحياء القلوب، وإسلاك الماء ينابيع في الأرض تشبيه لتبليغ القرآن للناس، وإخراج الزرع المختلف الألوان تشبيه لحال اختلاف الناس من طَيِّب وغيره، ونافع وضار، وهياج الزرع تشبيه لتكاثر المؤمنين بين المشركين. وأمّا قوله تعالى: (ثُمَّ يَجْعَلهُ حُطاماً)فهو إدماج للتذكير بحالة الممات واستواء الناس فيها من نافع وضار.1
وقريب من هذا المعنى ما جاء في تفسير «الأمثل»: أنّ القرآن والوحي السماوي هما كقطرات المطر التي تهطل على الأرض، وكما أنّ الأرض التي لها الاستعداد هي التي تستفيد من قطرات المطر، فكذلك القلوب التي هي في ظل لطف الله والمستعدة لبناء ذاتها والمضي بها نحو الكمال، هي ـ فقط ـ التي تستفيد من آيات الله، وذلك طبقاً لقوله تعالى: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ للإسلامِ فَهُوَ عَلى نُور مِنْ رَبِّه).(2)
والأساس لما ذكروه هو ما «في ظلال القرآن» لسيد قطب يقول: إنزال الماء من السماء يشير إلى الكتاب المنزل من السماء كذلك لتحيا به القلوب... .2

1 . التحرير والتنوير: 24/59.   2 . الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل:15/56.
2 . في ظلال القرآن: 7 / 134.

صفحه 279
و ما ذكروه وإن كان يستحسنه الذوق ولكن لا يناسب ذيل الآية، أعني: (ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا )، فإنّ هذا الفقرات لا تناسب الوحي الإلهي، فليس له غاية حتى يصبح مصفرّاً فينزل للحصاد ثم يجعل حطاماً وقد استوفى أجله وأدى دوره. نعم لولا هذا الذيل لكان التمثيل واضحاً.
***

الآية الثانية والعشرون

(أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَى نُور مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ أُولَئِكَ فِي ضَلاَل مُبِين).

اللغة

الشرح: أصله بسط اللحم ونحوه يقال: شرحت اللحم وشرّحته ومنه شرح الصدر: أي بسطه بنور إلهي وسكينة من جهة الله وروح منه، قال تعالى: (رَبِّ اشْرَحْ لي صَدْري)، (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ).1
وفي اختيار كلمة (شرح) دلالة على أنّ المسلم يكتسب ضمن تعاليم الإسلام فرحاً بحاله ومسرة يرضى بها حتى أنّه يستخف المصاعب والكوارث.
القاسية: القسوة غلظة القلب، وأصله من حجر قاس، فكأنّ قلوب الكافرين حجر صلب لا يقبل شيئاً.

1 . مفردات الراغب:258، مادة «شرح».

صفحه 280

تفسير الآية

قوله تعالى: (أَفَمَنْ شَرَحَ الله صَدْرَهُ للإسلامِ).
إنّ الله سبحانه لا يشرح صدر إنسان للإسلام إلاّ بعد أن تتحقّق فيه أرضية صالحة لقبوله بأن يكون ممّن يستمعون القول فيتّبعون أحسنه، فعند ذلك يشرح صدره للإسلام، فمن طلب معرفة الحق للعمل به أخذ الله سبحانه بيده وأرشده إلى بغيته وجعله على بينة من أمره.
قوله تعالى: (فَهُوَ عَلى نُور مِنْ رَبِّهِ).
الضمير راجع إلى الموصول والنور كناية عن الهدى ووضوح الحق. وقوله (عَلى نُور مِنْ رَبِّه ) كناية على أنّهم على نور خاص من الله سبحانه حيث إنّه يهدي من ينيب.
ثمّ إنّ قوله: (أَفَمَنْ شَرَحَ الله صَدْرَهُ) مبتدأ خبره محذوف، أي كمن قسى قلبه، نظير ما سبق من الآيات مثل قوله: (أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمة العَذاب).
الآية الثالثة والعشرون، صفات القرآن الكريم    
ويدلّ على حذف الخبر قوله: (فوَيلٌ للقاسية قُلُوبهم من ذِكر الله) .
حيث إنّ قلوبهم كالحجارة أو أشدّ قسوة ولا تدخل فيه الهداية الإلهية، ولذلك وصفهم بقوله:
(أُولئِكَ في ضَلال مُبين) وأي ضلالة أبين ممّن لا يتأثر بدعوة إلهية ولا يتبع أحسن القول.
***

صفحه 281

الآية الثالثة والعشرون

( اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَاني تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَ قُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَ مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَاد).

اللغة

الحديث: الخبر، ووصف القرآن به لأنّ فيه نبأً عظيماً، يقول سبحانه: (فَليْأْتُوا بِحَدِيث مِثْلِهِ)1 فهو من أحسن الحديث.
متشابهاً: يشبه بعض أجزائه بعضاً.
مثاني: جمع مثنى بمعنى المردّد والمكرّر.
تقشعر: من اقشعرّ بمعنى انقباض الجلود في مقابل لينها.

صفات القرآن الكريم

( اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَاني تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَ قُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ).
إنّه سبحانه تبارك وتعالى يصف القرآن الكريم بصفات:
1. كتاباً. 2. متشابهاً .3. مثاني. 4. تقشعر منه الجلود من خشية الله. 5. ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله.

1 . الطور: 34 .

صفحه 282
وكونه أحسن الحديث واضح; لأنّ ما فيه خال عن الكذب والمين صدر عن خالق السماوات والأرض الذي لا يخفى عليه شيء، فأخباره أفضل الأخبار، وتشريعاته أفضل التشريعات، وألفاظه من أفصح الألفاظ، ومعانيه في القمة من البلاغة، وإليك شرح هذه الصفات.
كونه كتاباً: أي مكتوباً مجموعاً وقد كتب في عصر الرسول قال سبحانه: (إنَّهُ لَقَرآنٌ كَريم* في كتاب مَكْنُون)1، وقال: (لا تُحَرِّك بِهِ لِسانَكَ لِتَعجَلَ بِهِ* إنّ عَلَيْنا جَمْعهُ وَقُرآنَه* فإذا قَرأْناهُ فَاتبَع قُرآنه* ثمَّ إنّ عَلَيْنا بَيانهُ).(2)
صفات القرآن الكريم   
وكونه متشابهاً بمعنى يشبه بعض أجزائه بعضاً، فألفاظه متشابهة في الفصاحة ومعانيه في البلاغة، والنظم السائد على الجميع مشابهة بعضه بعضاً على وجه جعل جميع الكتاب في القمة على نحو يعجز الإنسان أن يباريه.
والمتشابه في هذه الآية غير تقسيم الآيات إلى محكم ومتشابه في قوله سبحانه: (مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَ أُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ)2، فالمقصود منه في الأخير ما اشتبه المقصود النهائي بغيره.
وكونه مثاني بمعنى أنّه متكرّر المضمون، وقد كرّر وعده ووعيده كما تكرّرت قصصه لكن في كلّ تكرار نكتة ليس في الآخر، على أنّ التكرار حسب ما ذكره في «الكشاف» يوجب رسوخ الفكرة في المخاطب حيث يقول: النفوس أنفر شيء عن حديث الوعظ والنصيحة، فما لم يكرر عليها

1 . الواقعة:77ـ78.   2 . القيامة:16ـ 19.
2 . آل عمران:7.

صفحه 283
عوداً عن بدئه لم يرسخ فيها ولم يعمل عمله.1
وكونه تقشعر منه الجلود بمعنى تنقبض من سماع وعيده وتهديده، وبالتالي يرتعش قلبه لكن ذلك يزول بعد فترة. كما يقول:(ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ)إذا ذكروا رحمته ومغفرته، وعندئذ زال عنهم ما كان من ارتعاش القلب وانقباض الجلود.
(وَقُلُوبُهُمْ ـ مطمئنّة ـ إلى ذِكْرِ الله) .
وقد أتى بكلمة إلى مع أنّ الأنسب هو الباء، لإفادة كونه موجباً لسكون قلبهم واطمئنانهم من العذاب.
ثمّ إنّه سبحانه جمع في الليونة بين الجلود والقلوب فقال: (ثُمَّ تَلينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ اللهِ) مع أنّه اكتفى في الاقشعرار بالجلود وحدها وقال: (تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذينَ يَخْشَونَ رَبّهُمْ)، وذلك لأنّ وصف الاقشعرار مختصّ بالجلود ولا توصف به القلوب، وأمّا اللين فتوصف به القلوب والجلود .
قوله تعالى: (ذلِكَ هُدى الله يَهْدي بِهِ مَنْ يَشاء وَمَنْ يُضللِ الله فَما لَهُ مِنْ هاد).
أخبر سبحانه في هذه الفقرة أنّ هدايته سبحانه تصل لمن فيه أرضية الاستنارة بهداية الله سبحانه، ومن فقد تلك الأرضية يفقد هداية الله سبحانه، وعلى ذلك فالمشار إليه بقوله:(ذلك)أعني: ما يأخذ المؤمنين من اقشعرار

1 . تفسير الكشاف:3/395.

صفحه 284
الجلود من سماع القرآن ثم سكون قلوبهم وجلودهم إلى ذكر الله هو(هُدَى الله يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاء) وليست هدايته اعتباطية وإنّما تتبع استحقاق الطرف لها، فلو قال: (يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاء) أي يَهدي من لم يبطل استعداده للاهتداء، كما أنّ قوله: (وَمَنْ يُضللِ الله فَما لَهُ مِنْ هاد)ناظر إلى مَن فقد الاستعداد.
***
الآيتان: الخامسة والعشرون والسادسة والعشرون، عذاب المشركين في الحياة الدنيا    

الآية الرابعة والعشرون

(أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ قِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ).
الآية نظير ما سبقها من الآيات من مقولة المقارنة، فيقارن مَن يتّقي بوجهه سوء العذاب بمن هو آمن من العذاب، فكأنّه سبحانه يقول: أفمن يتّقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة كمن هو في أمان من العذاب أو في نعمة وعزة، وقد تكررت هذه الصيغة في هذه السورة غير مرّة حيث يذكر أحد المتقابلين دون الآخر لكونه معلوماً من القرينة، وقد مرّ نظائره كما في قوله: (أفمَنْ هُو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ...) .

لماذا خصّص الاتّقاء من العذاب بالوجه دون سائر الأعضاء؟

ثمّ إنّ الإنسان في هذه الدنيا يتّقي بيده وسائر أعضائه أن يصيب شيء وجهه، فهو أعز الأعضاء على الإنسان وأشرفها، فهو يفدي كلّ شيء لصيانة

صفحه 285
وجهه، ولكن الخسارة الفادحة في يوم القيامة على نحو صار يتقي بوجهه العذاب عن نفسه، فهي كناية عن شدّة العذاب وفقدان الأمان، وأنّه لا مخلص للظالمين عن العذاب كما قال سبحانه: (وَقيلَ لِلظّالِمينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُون)، فما يصيب الإنسان ليس إلاّ حصاداً لما زرع ونتيجة لما فعل (يَومَئِذ يَتَذَكَّرُ الإنْسان ما سَعى).1
***

الآيتان: الخامسة والعشرون والسادسة والعشرون

(كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ * فَأَذَاقَهُمُ اللهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَ لَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ).

عذاب المشركين في الحياة الدنيا ومجيئه من حيث لا يشعرون

لمّا ذكر في الآية السابقة عذاب المشركين يوم القيامة على وجه يتّقي سوء العذاب بوجهه، استأنف في هذه السورة بيان عذابهم في الحياة الدنيا أيضاً ومجيء العذاب من حيث لا يشعرون. كما قال: (كَذَّبَ الّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)الضمير يرجع إلى مشركي قريش الذي يدلّ عليه الموصول في قوله: (أَفَمَنْ يَتقي)، (فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ) فعذبهم الله سبحانه بألوان العذاب فجأة، قال سبحانه:(فَكلاًّ أخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا

1 . النازعات:35.

صفحه 286
عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أخَذَتْهُ الصيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بهِ الأرضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكن كانوا أَنفسَهُم يَظْلِمُون).1
قوله تعالى: (فأذاقَهُمُ الله الْخِزْيَ فِي الحياةِ الدُّنيا وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانوا يَعْلَمُون).
(فَأذاقَهُمُ الله) سبحانه الإهانة و(الْخِزْيَ فِي الحياةِ الدُّنيا)غير أنّ تعذيبهم في الدنيا أهون من تعذيبهم يوم القيامة(وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُون) فالتعذيب الدنيوي مؤقت لا يستغرق إلاّ بضع دقائق، ولكنّ العذاب الأُخروي مستمر لا نفاد له.
وفي الآيتين إنذار لمشركي عصر الرسالة بأنّهم في مظنّة أن يصيبهم العذاب من حيث لا يشعرون كما أصابهم يوم بدر، فقتل صناديد قريش ورؤساءهم وأُسر سبعون منهم، ورجع الباقون بالخزي والهوان.
***
الآيتان: السابعة والعشرون والثامنة والعشرون، الأمثال في القرآن الكريم   

1 . العنكبوت:40.

صفحه 287

الآيتان: السابعة والعشرون والثامنة والعشرون

(وَ لَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَل لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَج لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)

الأمثال في القرآن الكريم

دلّت غير واحدة من الآيات القرآنية على أنّ القرآن مشتمل على الأمثال، وأنّه سبحانه ضربها للناس للتفكير والعبرة، قال سبحانه: (لَوْ أَنْزَلْنا هذا الْقُرآنَ عَلى جَبل لَرَأيْتَهُ خاشِعاً مُتَصدِّعاً مِنْ خَشْيَة اللهِ وَتِلْكَ الأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفكَرون)1، إلى غير ذلك من الآيات التي تدلّ على وجود الأمثال في القرآن، وأنّ الروح الأمين نزل بها.
هذا هو المستفاد من الآيات.
ومن جانب آخر أنّ المثل عبارة عن كلام أُلقي في واقعة لمناسبة اقتضت إلقاء ذلك الكلام، ثم تداولت عبر الزمان في الوقائع التي هي على غرارها، كما هو الحال في عامّة الأمثال العالمية.
وعلى هذا فالمثل بهذا المعنى غير موجود في القرآن الكريم، لما ذكرنا من أنّ قوام الأمثال هو تداولها على الألسن وسريانها بين الشعوب، وهذه الميزة غير متوفّرة في الآيات القرآنية.
كيف وقد سمّاه سبحانه مثلاً عند النزول قبل أن يعيها النبي(صلى الله عليه وآله)ويقرأها للناس وتدور على الألسن، فلا مناص من تفسير المثل في القرآن

1 . الحشر:21.

صفحه 288
بمعنى آخر، وهو التمثيل القياسي الذي تعرّض إليه علماء البلاغة في علم البيان، وهو قائم بالتشبيه والاستعارة والكناية والمجاز، فعامّة ما ورد في القرآن الكريم من الأمثال فهو من قبيل التمثيل لا المثل المصطلح.
قوله تعالى: (ولَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هذا القُرآنِ من كُلّ مَثَل).
لمّا وصف الله سبحانه القرآن بكونه أحسن الحديث أشار إلى قسم منه وهو التمثيل الذي يتكفّل ناحية عظيمة من بلاغته، وقد تكرر مضمون الآية في آيات أُخرى نظير قوله: (وَلَقَدْ صَرَّفنا لِلنّاسِ في هذا الْقُرآن مِنْ كُلِّ مَثَل فأبى أكثرُ النّاسِ إلاّ كُفُوراً)1، وقوله: (وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هذا القُرآن مِنْ كُلِّ مَثَل).(2)
ثمّ إنّ الغاية من التمثيل ما أشار إليه بقوله: (لَعَلَّهُمْ يَتذَكَّرون): أي يتّعظون بتذكّر ما ضربنا لهم من أنواع التمثيل.
قوله سبحانه: (قُرآناً عَربيّاً): (قرآناً) حال مؤكّد من القرآن من الآية السابقة.
الآية التاسعة والعشرون، تمثيل حالة الكافر والمؤمن في الآية   
و(عربيّاً) حال بعد حال أو صفة للحال المتقدّم (غَيْرَ ذِي عِوَج) صفة ثالثة أي ليس فيه انحراف عن الصراط المستقيم، وتعاليمه وإرشاداته منطبقة مع الفطرة (لَعَلَّهُمْ يَتَّقُون)عن الشرك وألوان العصيان.
وحصيلة الكلام: أنّه سبحانه أتى في القرآن الكريم بتمثيلات مختلفة تشتمل على معاني سامية لو تدبّر فيها المشركون بصورة مجرّدة عن

1 . الإسراء:89 .   2 . الروم:58.

صفحه 289
عقيدتهم السابقة لتركوا الشرك ولجأوا إلى التوحيد، ثم إنّه سبحانه أتى في الآية التالية بمثل من هذه التمثيلات .
***

الآية التاسعة والعشرون

(ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَ رَجُلاً سَلَماً لِرَجُل هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ).

اللغة

الشكس: السيِّئ الخلق، يقال: شركاء متشاكسون، أي متشاجرون لشكاسة خلقهم.
سَلَماً: أي خالصاً لا يملكه إلاّ شخص واحد ولا يخدم إلاّ إيّاه.

تمثيل حالة الكافر والمؤمن في الآية

هذه الآية تمثّل حالة الكافر والمؤمن، فهناك مشبّه ومشبّه به.
قوله تعالى: (ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَ رَجُلاً سَلَمًا لِرَجُل) أي: ضرب الله مثلاً لتبيين حال المشرك والموحّد، فمثّل للأوّل بعبد (فيه شُرَكاء متشاكسون)، أي يملكه شركاء يخاصم بعضهم بعضاً فيه، وهو بينهم موزّع، ولكلّ منهم فيه توجيه، ولكلّ منهم عليه تكليف، وهو بينهم حائر لا يستقر على نهج، ولا يستقيم على طريق، ولا يملك أن

صفحه 290
يرضي أهواءهم المتنازعة المتشاكسة; ومثّل للثاني، بعبد يملكه سيد واحد، وهو يعلم ما يطلبه منه ويكلّفه به، وهو مستريح مستقر على منهج واحد صريح، فهو (سلماً لرجل)، (هَلْ يَسْتَويان (هذان) مثلاً): كلا ولا، فهكذا أيضاً حال المؤمن والمشرك، فالمؤمن لا يعرف إلاّ مصدراً واحداً للحياة والرزق والنفع والضرر فيستمد منه حاجاته، وبالتالي يخدم سيداً واحداً; وهذا بخلاف المشرك فله أسياد حسب تعدّد الأصنام المنصوبة على جدار الكعبة.
ولعلّ هذه الآية تشير إلى قوله سبحانه: (وَلَوْ كانَ فِيهِما آلهَةٌ إلاّ الله لَفَسَدَتا فَسُبحانَ اللهِ رَبّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ)1، وقوله سبحانه: (أرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ القَهّار).2
***

الآيتان: الثلاثون والحادية والثلاثون

(إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ).
المشركون وأُمنية موت الإسلام بموت الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)   

المشركون وأُمنية موت الإسلام بموت الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)

إنّ محور الآيات من صدر السورة إلى هنا هو التنديد بالشرك والدعوة إلى التوحيد بألوان البيانات إلى حد عجز المشركين في مقابل هذه الكلمات

1 . الأنبياء:22.
2 . يوسف:39.

صفحه 291
الباهرات، ويبدو أنّهم لجأوا إلى أمر آخر وهو قولهم: إنّ الدعوة المحمدية تموت بموته، ونحن نتربّص به حوادث الدهر والهلاك، كما يحكي عنهم سبحانه: (أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَربَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُون)1، وكأنّ هذا التمنّي آخر ما لجأوا إليه، ولعلّ سبحانه ردّهم بقوله: (إنّك مَيِّتٌ وَإنَّهُمْ مَيِّتُون) إذ لم يكتب البقاء لأحد في هذه الدنيا إلاّ لله سبحانه، ولكن بموته(صلى الله عليه وآله)وموت المشركين لا تختم حلقة الدعوة بل يتبعه الاختصام يوم القيامة، كما يقول سبحانه: (ثُمَّ إنَّكُمْ يَومَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ).
والاختصام هو النزاع والجدال، وهل الاختصام يقع بين النبي والمشركين أو بين الموحّدين والمشركين؟
ولعلّ الثاني أفضل، بل يمكن أن يقال: إنّ التخاصم بين كلّ محقّ ومبطل وظالم ومظلوم وإن كانا مسلمَيْن.
وفي «المجمع» كان أبو العالية يقول: الاختصام يكون بين أهل القبلة. قال ابن عمر: كنّا نرى أنّ هذه الآية فينا وفي أهل الكتابين، وقلنا: كيف نختصم نحن ونبينا واحد وديننا واحد فما هذه الخصومة؟ فلمّا كان يوم صفين وشدّ بعضنا على بعض بالسيوف قلنا: نعم هو هذا.
وقال ابن عباس: الاختصام: يكون بين المهتدين والضالين، والصادقين والكاذبين.2
***

1 . الطور:30.
2 . مجمع البيان:8/497.

صفحه 292

الآيات: الثانية والثلاثون ـ الخامسة والثلاثون

(فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ وَ كَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكَافِرِينَ * وَ الذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَ صَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ * لَهُمْ مَا يَشَاؤُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الُْمحْسِنِينَ * لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الذِي عَمِلُوا وَ يَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ).
   

في اختصام المشركين المكذّبين والمؤمنين الصادقين

لمّا تقدّم في الآية السابقة أنّ المحقّ والمبطل يختصمان عند الله، خصّ بالذكر طائفتين تختصم كلّ مع الأُخرى.
أمّا الطائفة الأُولى فهم الذين كذبوا على الله بنسبة الشركاء إليه والبنات، وكذّبوا نبيّه المبعوث بالبيّنات، فهؤلاء أظلم الناس، لأنّهم ظلموا خالق السماوات والأرض ورسوله، كما يقول: (فَمَنْ أظْلَمُ مِمّن كَذّب على اللهِ)بنسبة الشركاء، وفي الوقت نفسه كذبوا نبيّه (وَكَذّبَ بِالصِّدْقِ إذْ جاءهُ)ووصف النبي(صلى الله عليه وآله) بالصدق من باب: زيد عدل، فالنبي أو القرآن يجسّمان الصدق.
قوله تعالى: (ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثوىً لِلْكافِرين).
فلا شكّ أنّ من ظلم الله وكذّب رسوله وقرآنه فلا مثوى له إلاّ الجحيم، كما قال: (ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثوىً لِلْكافِرين).
هذه الطائفة الأُولى وتقابلها الطائفة الثانية وهم الذين جاءوا بالصدق، أعني: النبي الأكرم ومن صدّق به، كما قال سبحانه: (وَالَّذي جاءَ بالصِّدقِ

صفحه 293
وَصدّقَ بِهِ)وإفراد الفعل باعتبار الفريق فإنّ المصدّق ليس واحداً بل عامّة المؤمنين، ويدلّ على ذلك ذيل الآية: (أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ).
قوله تعالى: (لَهُمْ ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلكَ جَزاءُ الْمُحْسِنين) هذه الآية تقابل ما تقدّم في مورد المشركين (ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثوىً لِلْكافِرينَ)فإذا كان جزاء الكافرين هو ما ذكر، فجزاء الموحّدين ما ذكره بقوله: (لَهُمْ ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ)، وهو تعبير جامع يشمل كلّ ما يخطر للنفس المؤمنة من رغائب، فكأنّ هذا حقّ لهم بشهادة قوله: (لَهُمْ ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلكَ جَزاءُ الْمُحْسِنين).
ثمَّ إنّه سبحانه يخبر أنّه لا يعاملهم بالعدل، إذ مقتضى العدل حساب الحسنات والسيئات ثم إيفاء الجزاء، بل يعاملهم بالفضل الذي يتجلّى بقوله: (لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الذِي عَمِلُوا)، فإذا كفّر عنهم أسوأ الذي عملوا، وكفّر عنهم ما دونه من سيئّات أعمالهم، فتكون النتيجة: أنّه سبحانه يكفّر عنهم جميع ما عملوا من سيئات، ولذلك يقول:(ويَجزيهِمْ أجرَهُمْ بِأحْسنِ الّذي كانُوا يَعْمَلُونَ)فتزيد حسناتهم وترجّح في الميزان.
***

صفحه 294

الآيتان: السادسة والثلاثون والسابعة والثلاثون

(أَلَيْسَ اللهُ بِكَاف عَبْدَهُ وَ يُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَ مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَاد * وَ مَنْ يَهْدِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلّ أَلَيْسَ اللهُ بِعَزِيز ذِي انْتِقَام).
يظهر من الآيتين أنّ مشركي مكة كانوا يخوّفون النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)بأصنامهم ومعبوداتهم ولم يكن ذلك أمراً بدعاً، بل أنّ عبدة الأصنام ـ في الشرائع السابقة ـ كانوا أيضاً يهدّدون الأنبياء بآلهتهم، فهؤلاء قوم هود قد خوّفوا نبيّهم بقولهم:(إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوء).1
فردّ سبحانه زعمهم بأنّه كاف في صيانة رسوله عن شرّ الآلهة ومَن يعبدونها، فقال:
(أَلَيْسَ اللهُ بِكاف عَبْدَهُ وَيُخَوفُونَكَ بِالذِينَ مِنْ دُونِهِ)والضمير في قوله: (مِنْ دُونِهِ)يرجع إلى الله سبحانه، فقدّم قوله:(أَلَيْسَ اللهُ بِكَاف عَبْدَهُ)مع أنّ سياق الكلام يقتضي تأخيره لتعجيل مسرّة الرسول بأنّ الله يقيه من كلّ شرّ كما يقول في آية أُخرى: (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ)2، ومعنى الآية: ويخوّفونك بالذين مِنْ دونِ الله والله كاف لك.
ومن عجيب القول ما ورد في تفسير البيضاوي أنّ سبب نزول هذه الآية هو خبر توجيه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) خالد بن الوليد إلى هدم العُزّى وأنّ سادن

1 . هود:54.
2 . البقرة:137.

صفحه 295
العُزّى قال لخالد: أُحذركها يا خالد فإنّ لها شدّة لا يقوم لها شيء، فعمد خالد إلى العزى فهشم أنفها حتى كسرها بالفأس، فأنزل الله هذه الآية.1ونقله الطبرسي بصورة (قيل) مشعراً بضعفه.(2) وهو باطل لأنّ السورة مكيّة وخالد بن الوليد أسلم بعد الهجرة ـ حوالي السنة السابعة ـ فكيف تكون الآية نازلة في حقّه؟!

الله ومسألة الهداية والضلالة

ثمّ إنّه سبحانه عطف على ما ذكره بيان حال المشركين والموحّدين وقال: (وَمَنْ يُضلل الله فَما لَهُ من هاد* ومن يَهد الله فَما لَهُ مِنْ مُضِلّ)فالآيتان ضابطتان متعاكستان لا تتخلّفان، وحاصل الفقرتين: أنّ الضلالة والهداية هما من الله سبحانه، من أضلّه فلن يهتد أبداً، ومن هداه فلن يضله أحد.
وظاهر الآية مع قطع النظر عن سائر الآيات يوهم الجبر، وكأنّ العبد مكتوف الأيدي في اختيار الهداية والضلالة، والله سبحانه هو الذي يلبسه ثوب الهداية والضلالة، ولكن الرأي القاطع في موضوع الهداية والضلالة رهن جمع كلّ ما ورد في القرآن الكريم في هذا الصدد حتى يفسّر بعضه بعضاً، ولذلك نأتي هنا بمختصر القول، والتفصيل موكول إلى التفسير الموضوعي.
ويمكن تقسيم الهداية إلى ما يلي:

1 . تفسير البيضاوي: 5 / 68 .   2 . مجمع البيان:8/499.

صفحه 296
الهداية التكوينية والهداية التشريعية   

الأُولى: الهداية التكوينية الأُولى

الهداية التكوينية عبارة عن الفطرة التي خلق الله الناس عليها، بل فطر كلّ ذي حياة عليها، ونخصّ هنا بالذكر فطرة التوحيد التي أودعها الله سبحانه في كلّ إنسان ما لم تمسخها التربية في البيئات المشركة يقول سبحانه: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللهِ التي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَ لَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ).1
روى البخاري أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «ما من مولود إلاّ ويولد على الفطرة ثم أبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه» ثم قال(صلى الله عليه وآله وسلم):(فِطْرَةَ اللهِ التي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا).2
ولذلك كشف علماء التربية عن البعد الرابع للإنسان وهو البعد (أو الشعور) الديني الذي يعبّر عنه بالتوجه إلى ما وراء الطبيعة مقابل سائر الأبعاد الأُخرى، كغريزة حب الاستطلاع، وغريزة حب الخير، وغريزة حب الجمال المتجلّي في الفنون المستظرفة وغيرها.
وهذا النوع من الهداية نعمة كبيرة منحها الله سبحانه لجميع عباده على السواء رغم اختلافهم في الزمان والمكان والمكانة الاجتماعية وحتى الطواغيت والفراعنة والنماردة.
إنّ الهداية التكوينية لا تختص بالإنسان فقط بل أنّ كلّ ذي حياة يعرف مسير حياته من دون أن يتعلم شيئاً من غيره، ولذلك نرى أنّ كلّ

1 . الروم:30.
2 . التاج الجامع للأصول:4/180، تفسير البرهان:3/261، الحديث5.

صفحه 297
حيوان يولد يعرف كيفية تغذيته وتنظيف بدنه من الأوساخ، وقد أشار سبحانه إلى هذا النوع من الهداية في غير الإنسان إذ ذكر عن النحل قائلاً: (وَ أَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَ مِنَ الشَّجَرِ وَ مِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الَّثمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكَ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ).1 فكلّ ما يقوم به النمل والنحل وغيرهما من الدواب والطيور والحشرات كلّها وحي تكويني وهداية إلهية وضعها سبحانه في خلقتها تكويناً، فهي تدبر أُمور حياة صاحبها على طول حياته من دون أن يضل أو ينقطع، فالنحل يخرج من الخليّة ويبتعد عشرات الكيلومترات ثم يرجع إلى خليته من دون خطأ ولا تحيّر. وقد أشبع علماء الحيوان البحث في هذا الموضوع وألفوا كتباً في هدايته وأعماله العجيبة. وللإمام علي(عليه السلام)بيان حول حياة النحلة وأفعالها في إحدى خطبه.

الثانية: الهداية التشريعية

وهي تختصّ بذوي العقول وتتحقّق بإرسال الرسل وإنزال الكتب السماوية ودعوات المصلحين والوعاظ والمبلغين، وهذه أيضاً تعم عامّة المكلّفين من غير فرق بين المؤمن والكافر، ولذلك نرى أنّ الأنبياء يواجهون الثنويين ويستميتون في هدايتهم وإرشادهم، فهذا هو القرآن الكريم يتحدّث عن إرسال موسى إلى فرعون ودعوته إلى التزكية والخشية:

1 . النحل:68ـ 69.

صفحه 298
(اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى)1، وهذا هو الرسول الأعظم يخاطب المجتمع الإنساني ويقول: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا)2، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على عالمية رسالة النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم).
فكلّ من بلغ وكانت فيه أرضية الخطاب والتكليف فقد شملته هذه الهداية التشريعية إذا أراد الانتفاع بها، مضافاً إلى تعزيز دعوة الأنبياء بالعقول الصافية التي تعزز رسالة السماء، وتتماشى مع الوحي جنباً إلى جنب.
   

الثالثة: الهداية الخاصّة

ثمّ إنّ الناس أمام هذه الهداية على صنفين:
الصنف الأوّل: وهم من سمع القول فاتبع أحسنه ولبّى دعوة الأنبياء.
والصنف الثاني: وهم من أعرض عن ذكر الله ولم يستمع أحسن القول الّذي جاء به النبي بل وقف بوجهه وقام بإيذائه واتهامه(صلى الله عليه وآله وسلم).
فالصنف الأوّل تشملهم هداية تكوينية ثالثة، وهي أنّه سبحانه يزيدهم من نفسه هدىً وتوفيقاً للطاعة والإعراض عن المعصية بل صعوداً إلى الدرجات العالية، ولذلك يقيّد في بعض الآيات هذا النوع من الهداية بالإنابة والرجوع إلى الرب طالباً ألطافه الخفية، كما يقول: (وَيَهْدي إليهِ مَنْ أَناب)3، ويصف أهل الكهف بقوله: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ

1 . النازعات: 17 ـ 19.
2 . الأعراف:158.
3 . الرعد:27.

صفحه 299
فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى).1 انظر إلى قوله سبحانه: (آمَنُوا بِرَبِّهِمْ)أي استناروا بالهداية التشريعية، وقوله: (زِدْنَاهُمْ هُدًى )إشارة إلى هداية تكوينية توفّقهم لنيل الدرجات العليا.
ونقرأ في سورة محمد قوله: (وَ الَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَ آتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ).2
وقوله: (وَ الَّذِينَ اهْتَدَوْا) أي تظلّلوا بظلال الهداية التشريعية فوافتهم هداية ثانية، كما في قوله: (زَادَهُمْ هُدًى وَ آتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ).
وأمّا الصنف الثاني من الناس وهم الذين لم ينتفعوا من نداء الأنبياء وأعرضوا عن دعوات المصلحين بل قاموا بتكذيبهم، فهؤلاء هم الذين حُرموا من الهداية التكوينية الثانية، وحرمانهم منها يرجع إلى الأرضية الموجودة في وجودهم وحياتهم التي تستتبع إضلال الله إيّاهم بمعنى قطع الهداية الثانية عنهم.
ويشير إلى ما ذكرنا ـ وهو أنّ حرمانهم رهن عملهم في حياتهم ـ عدّة من الآيات:
1. قال سبحانه: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ).3
والزيغ بمعنى الميل عن الحق، فانحرافهم عن الحق صار سبباً لإزاغة الله سبحانه قلوبهم بمعنى حرمانهم من الهداية الثانية التي يعبّر عنها

1 . الكهف:13.
2 . محمد:17.
3 . الصف:5.

صفحه 300
بالتوفيق، أي رفق الأُمور لكي تصعد إلى الدرجات العليا.
2. قال سبحانه: (ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ).1
3. قال سبحانه: (كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ).(2)
فليس إضلال الله ولا هدايته أمراً اعتباطياً غير مرهونين بشيء، بل الهداية مرهونة بإنابة الإنسان، والضلالة مرهونة بإسرافه وارتيابه.
إذا علمت ذلك فسوف يتجلّى لك معنى الآية: (وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَاد * وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلّ)(3) فالمراد من الهداية والضلالة في هاتين الفقرتين هو الهداية والضلالة الثالثة التكوينية التي قد عرفت أنّ كلاًّ منهما تابع لوجود أرضية في نفس المهديّ أو الضال، فالإنسان المنتفع بهداية الأنبياء والأولياء تشمله هداية كبرى، والمعرض عن ذكر ربّه والمولّي عن أنبيائه تخبط به ضلالة أُخرى وليست الضلالة أمراً وجودياً، بل هي عبارة عن انقطاع الفيض والتوفيق الإلهي.
هذا بعض ما يمكن ذكره في المقام.
قوله تعالى: ( ألَيْسَ اللهُ بِعَزِيز ذِي انْتِقَام) فالظاهر أنّ الفقرة تعليل لقوله: (أَلَيْسَ اللهُ بِكَاف عَبْدَهُ)، ويمكن أن تكون تعليلاً للفقرتين أعني: (وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَاد * وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلّ )، ويمكن أن تكون تعليلاً للجميع.
***

1 . التوبة:127.   2 . غافر:34.   3 . الزمر: 36 ـ 37 .

صفحه 301

الآيات: الثامنة والثلاثون ـ الأربعون

(وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَ الأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرَادَني اللهُ بِضُرّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَني بِرَحْمَة هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبي اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ * قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ* مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَ يَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ).

اللغة

الضُرّ: سوء الحال، إمّا في نفسه لقلّة العلم والفضل والعفّة، وإمّا في بدنه لعدم جارحة ونقص، وإمّا في حالة ظاهرهِ من قلة مال وجاه.
الكشف: الإزالة، وقد ورد في «المفردات»: كشف الثوب عن الوجه وغيره، ويقال: كشف غمّه.1
ممسكات: قال الراغب: يقال: أمسكت عنه كذا أي منعته.2
المكانة: مأخوذة من الكون وهي بمعنى المكان المعروف ولكن تستعار على المنزلة وعلى هذا فالميم ليست أصلية، وفي «لسان العرب» أنّها مأخوذة من تمكّن، أعني: المكنة التي هي بمعنى القدرة والاستطاعة.
فعلى المعنى الأوّل فقد أُريد بالمكانة الطريقة والحالة التي عليها، وعلى المعنى الثاني أُريد بها الطاقة والجهد.

1 . مفردات الراغب:432، مادة «كشف». و مجمع البيان:8/499.
2 . المفردات :468ـ469، مادة «مسك».

صفحه 302

تفسير الآيات

قوله تعالى: (وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَ الأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرَادَني اللهُ بِضُرّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَني بِرَحْمَة هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ).
عاد سبحانه إلى التركيز على الغرض الذي سيقت لأجله الآيات وهو التنديد بالمشركين لشركهم في التدبير مع كونهم موحّدين في الخالقية، فخاطبهم بأنّكم إذا اعترفتم بأنّ الله هو خالق السماوات والأرض فيجب أن تعترفوا بأنّه المدبر، ولا تدبير في الكون ولا في حياة الإنسان إلاّ منه، للملازمة بين الخلقة والتدبير، إذ التدبير لا ينفك عن الخلق والإيجاد فكلّ يوم هو في شأن، واستشهد على التوحيد في التدبير بأنّه سبحانه إن أرادني بضرّ، فهل أنّ الأصنام يستطعن كشف ضرّه، وبالعكس فلو أرادني سبحانه برحمة فهل يستطعن منع رحمته؟
فإذا كانت هذه مكانة الأصنام فكيف تعبدونها بزعم أنّ لها تدبير حياة الإنسان وبيدها مصيره؟!
وبعد أن أتمّ عليهم الحجّة أمره سبحانه أن يقول: (حَسبي الله عَليهِ يَتَوكّل المتوكّلون)، والحسب بمعنى الكاف، وحذف المتعلّق لغاية إفادة العموم، وهذا هو شعار النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وشعار الموحّدين كما في قوله تعالى: (وَقالُوا حَسْبُنا الله وَنِعْمَ الْوَكيل).1

1 . آل عمران:173.

صفحه 303
والمراد من التوكّل إيكال الأمر إليه مع التمسّك بالأسباب التي جعلها الله سبحانه سبباً للوصول إلى الغرض.
ولكن الأسباب أسباباً إعدادية وليست سبباً تامّاً، إذ ربما تتوسّط الموانع وتحول بين الإنسان وأُمنيته، ففي ذلك يوكل الأمر على الله حتى يزيل كلّ ما يكون عائقاً في طريق غرضه.
قوله تعالى: (قُلْ يَا قَوْمِ): لمّا أتمّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)الحجّة عليهم صار بصدد تحدّيهم فقال: ( اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ)أي على الطريقة التي كنتم عليها، أو بالقدرة التي تتمتعون بها (إنِّي عَامِلٌ)بما هداني الله إليه، فأمّا النتيجة (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَ يَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ )1، ومن هو في بحبوحة الرحمة وراحة ودعة وجنّة خالدة، ونظيره قوله سبحانه: (قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَ مَنِ اهْتَدَى).(2)
***

الآية الحادية والأربعون

(إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَ مَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيل).
دلّت الآيات السابقة على أنّ كلاًّ من الموحّد والمشرك يعمل على طريقته وسوف يصل إلى جزائه في الحياة الأُخروية فعاد يركّز على تلك

1 . هود: 37 .   2 . طه:135.

صفحه 304
الفكرة بقوله: (إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ) فقوله: (لِلنَّاسِ)متعلق بالانزال، وأمّا قوله:(بِالْحَقِّ)فيمكن أن يكون متعلقاً به أو يكون متعلقاً بالكتاب، والباء للملابسة أي الكتاب الملابس بالحق في أُصوله ومعارفه، في تشريعاته وأحكامه، في قصصه ومواعظه، ولكن الكلمة القاطعة هي التي مرّت في الآية السابقة وتكررت هنا في قوله: (فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا )، فكأنّ هذه الآية تصريح بضلال المشركين على خلاف الآية السابقة التي خلت عن التصريح.
ثمّ أشار سبحانه بأنّه ليس للنبي إلاّ التبليغ والدعوة، وهو ليس مأموراً بإلزامهم على الاهتداء، وإنّما هو مأمور بالتبليغ كما قال: (وَ مَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيل ).
***

الآية الثانية والأربعون

(اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَ التي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ التي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَ يُرْسِلُ الأُخْرى إِلَى أَجَل مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ).

اللغة

التوفّي: قبض الشيء على الإيفاء والإتمام يقال: توفّيت حقّي من فلان واستوفيته.1

1 . مجمع البيان:8/500.

صفحه 305
وقال الراغب: الوافي: الذي بلغ التمام، قال تعالى: (وَ أَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ)1، والتوفّي ليس بمعنى الموت بشهادة أنّه سبحانه جمع بين التوفّي والتي لم تمت في منامها، فيكون المراد هو الأخذ وقبض الشيء، ومنه يُعلم أنّه لا تنافي بين قوله تعالى: (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَ أَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيء شَهِيدٌ)2 وبين حياة المسيح وعدم موته، لما عرفت من أنّ التوفّي بمعنى قبض الشيء وأخذه، وقد أخذه الله سبحانه حين أرادوا قتله وصلبه، وأمّا أنّه أماته فلا يدلّ عليه.

في التوفّي والإماتة والفرق بينهما

إنّ الآية بصدد التركيز على وحدة التدبير والمدبّر وأنّه سبحانه هو الذي خلق الإنسان ومدّ حياته إلى أجل معلوم ثم هو الذي يميته بأخذ نفسه، فالخالق والمدبّر واحد، قال سبحانه: (اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا )فإنّ الآية تدلّ على أنّ للإنسان نفساً وجسداً، فهو الذي يأخذ الأنفس ويترك الأبدان، فقال: (اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ) والفقرة إشارة إلى الإماتة التي تحصل حين اليقظة. ثم أشار إلى قسمين ممّن يأخذ أنفسهم وأرواحهم في المنام غير أنّ قسماً منهم لا يرد أرواحهم إلى أجسادهم وقسماً يردها، قال: (وَ التي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا)أي التي أخذها لا أخذاً تامّاً منقطعاً عن البدن كما هو الحال في النوم، فهو سبحانه تارة (فَيُمْسِكُ التي قَضَى عَلَيْهَا

1 . الإسراء: 35.
2 . المائدة: 117.

صفحه 306
الْمَوْتَ)قضاءً باتاً وتكون نتيجة النوم هي الموت، وأُخرى لا يمسك ما أخذ بل يرسله إلى أجل مسمّى كما يقول: (وَ يُرْسِلُ الأُخْرى إِلَى أَجَل مُسَمًّى).
فالفرق بين قبض النوم وقبض الموت أنّ قبض النوم يضادّ اليقظة، وقبض الموت يضاد الحياة، وقبض النوم تكون الروح مع البدن، وقبض الموت يخرج الروح من البدن.1
وبعبارة أُخرى: الموت سلب الحياة عن البدن وبقائه كالجماد، وحالة النوم سلب بعض الحياة عن البدن حتى يكون كالميّت وما هو بميّت، ثم منح الحياة أن تعود إليه إلى أن يأتي إبان سلبها.
والله سبحانه هو المتوفّي في جميع الحالات، أي هو القابض من غير فرق بين من قبض روحه في غير حالة النوم فلا يرجع إلى البدن أصلاً، ومن قبض روحه في حالة النوم قبضاً تامّاً لا ترجع إليه الحياة، أو قبضاً لكن لفترة خاصّة ثم إرسالها إلى إبان قبضها قبضاً تامّاً.
وكونه سبحانه هو المتوفّي لا ينافي نسبة التوفّي إلى الملائكة في غير واحدة من الآيات، قال سبحانه: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَ هُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ)(2)، وقال: (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ)2، وقال:(الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلاَمٌ عَلَيْكُمُ).3

1 . مجمع البيان:8/501.   2 . الأنعام:61.
2 . النحل:28.
3 . النحل:32.

صفحه 307
وهذا النوع من النسبة كثير في القرآن الكريم، فهناك فعل واحد وهو أخذ الروح بالمباشرة وهو فعل الملائكة وبما أنّها من جنود الله لا يعصون ربّهم ويفعلون ما يؤمرون، فهو فعله سبحانه بالتسبيب.
روى الشيخ المفيد في الإرشاد، قال: لما عُرض على عبيد الله بن زياد لعنه الله علي بن الحسين(عليهما السلام)، قال له: من أنت؟ فقال: أنا علي بن الحسين، فقال: أليس قد قتل الله علي بن الحسين؟ فقال له علي(عليه السلام): قد كان لي أخ يسمّى علياً قتله الناس، فقال ابن زياد: بل الله قتله، فقال علي بن الحسين(عليه السلام): (اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا)، فغضب ابن زياد لعنه الله.1
وروى علي بن إبراهيم بسنده عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: «إذا قمت بالليل من منامك فقل: الحمد لله الذي ردّ عليّ روحي لأحمده وأعبده».2
***

1 . الإرشاد: 2 / 116، مسير السبايا إلى الكوفة ; نور الثقلين:4/487.
2 . اصول الكافي: 2 / 538 ح 12، باب الدعاء عند النوم والانتباه ; نورالثقلين:4/488.

صفحه 308

الآيات: الثالثة والأربعون ـ الخامسة والأربعون

(أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَ لاَ يَعْقِلُونَ * قُلْ للهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَ الأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَإِذَا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ).

في الشفاعة وشروطها

ركّزت الآيات المتقدّمة على التنديد بعقائد المشركين، وهذه الآيات تركّز على إبطال معاذيرهم ودلائلهم، وذلك لأنّهم كانوا يحتجون على عبادتهم الأصنام بأنّها شفعاؤهم عند الله سبحانه، فقالوا نعبدها حتى تشفع لنا في حوائجنا.
قال: (أَمِ اتَّخذوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفعاء) فردّ عليهم سبحانه بأنّ الشفاعة مشروطة بأمرين:
الأوّل: أن يملك الشفيع شيئاً من الشفاعة، ويسمح له بها، والحال أنّ هذه الأصنام لا تملك شيئاً، قال: (قُل أوَلَو كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً)أي من الشفاعة، بل يمكن أن يقال: لا يملكون شيئاً من الأشياء.
الثاني: أن يكون الشفيع عاقلاً يعرف المشفوع له ويعرف المشفوع لديه، وهذه الأصنام أجسام جامدة ليس لها شيء من التعقّل فقال: (ولا يَعْقِلُون).
وقد مرّ في تفسير قوله سبحانه: (ما نَعْبدهُمْ إلاّ لِيُقربُونا إلى اللهِ زُلْفى)

صفحه 309
تكذيب دليلهم وأنّهم لا يعبدون الأصنام بمجرد أنّها شفعاء، بل يعبدونها بما أنّ بأيديها العزّ والانتصار وإنزال المطر ومصير الإنسان.
ثمّ إنّه سبحانه يستدلّ على بطلان أن يكون لها شيء من الشفاعة قائلاً بأنّ الشفاعة بمعنى الإذن لها لله سبحانه، فقال: (قُلْ لله الشَّفاعَةُ جَميعاً)، ومن المعلوم أنّه سبحانه ليس شفيعاً، فالمراد أنّ بيده حقّ الشفاعة الذي هو حقّ مطلق لله سبحانه.
ثم يذكّر بأنّه سبحانه لا يملك مقام الشفاعة وحده، بل أنّ له كلّ ما في الكون فقال: (لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْض ثُمَّ إِلَيْهِ تُرجَعُون) وأنّ شفاعة الشفعاء تنفع يوم القيامة فقال: وعبدة الأصنام لا يعتقدون بالبعث فلا ينتفعون بالشفاعة أصلاً.
لكن المشركين يناقض فعلهم مع ما اعتذروا به فقد اعتذروا عن عبادتهم للأصنام لأجل كونها شفعاء عند الله، ومعنى ذلك أنّهم يجلّون الله ويعظمونه وأنّ له مكانة كبرى في قلوبهم حتى أنّ الأصنام عندهم شفعاء عند الله، ولكن عندما يسمعون كلمة «الله» وحدها تراهم يشمئزون ويظهرون العداوة والنفور بأجلى مظاهرهما، فقال: (وإذا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشمَأزَّتْ قُلُوبُ الّذينَ لا يُؤْمِنُونَ بالآخرَةِ) وقال أيضاً: (وَ إِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا).1 وهذا هو عين التناقض بين القول والفعل، فإذا كانت كلّ الأُمور منتهية إليه فما معنى هذه النفرة عند سماع «الله» مجرّداً عن آلهتهم، ولكن إذا ذكرت أصنامهم يظهر الفرح والانبساط في

1 . الإسراء:46.

صفحه 310
وجوههم، قال: (وإذا ذُكر الذين مِنْ دُونِهِ إذا هُمْ يَسْتَبْشِرُون) والاستبشار هو إظهار الفرح، كما قال: (وَ جَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ).1

في علامة الموحّد والمشرك

ويستفاد من هذه الآية أمران:
الأوّل: إنّ علامة الموحّد هو أنّه إذا سمع كلمة «الله» يستبشر، وأمّا المشرك فعلامته هو أنّه إذا سمع كلمة «الله» مجردةً عن آلهته يشمئز، فإذا كان هذا هو القياس فما هو سبب تكفير الوهابيين عامّة المسلمين، بمجرد أنّهم يزورون قبور الأنبياء والأولياء، أو يحترمون أضرحتهم ومشاهدهم، مع أنّهم من الذين إذا ذُكر الله يستبشرون ولا يشمئزون؟!
إنّ تكفير المسلمين بحجّة هذه الأعمال الدارجة من عهد الرسالة إلى يومنا هذا، تخطيط من أعداء الإسلام لإيجاد التفرقة بين المسلمين، فإنّ هذه المسائل التي اختلفت فيها الآراء لا يكون سبباً للتكفير.
الثاني: أنّ مفاد الآية ربما يتجسّد في حياتنا الحاضرة، إذ نرى أنّ بعض المتجدّدين إذا دُعوا إلى المناهج الدينية والقوانين الإسلامية وما دعا إليه الإسلام من نظم أخلاقية، تراهم يولون وجوههم عنه.
وأمّا إذا ذكرت المناهج الغربية والقوانين الوضعية التي وضعتها العقول الكافرة، أو ذكرت الآداب والمراسم السائدة في الغرب، فإذا هم يستبشرون بها، فعند ذلك يظهر أثر الإيمان بالوحي السماوي في المؤمن

1 . الحجر:67.

صفحه 311
وخلو القلب عن الإيمان به، بل التوغل في المسالك الغربية عند المنافق.
***

الآية السادسة والأربعون

(قُلِ اللهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَ الأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَ الشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ).

اللغة

الفاطر: الخالق، ( فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَ الأَرْضِ)أي خالقهما وما تحتويان عليه.

تفسير الآية

لما دلّت الآيات السابقة على أنّ المشركين بقوا على ما كانوا عليه من الشرك، ولم يرجعوا إلى حظيرة التوحيد وبقي الاختلاف بينهم وبين النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) على قدم وساق، فأراد سبحانه تسلية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّ ربّه سوف يحاكمهم يوم القيامة، فقال: (قُلِ اللهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَ الأَرْضِ)إشارة إلى قدرته (عَالِمَ الْغَيْبِ وَ الشَّهَادَةِ) وما يفعله عباده من حسنات وسيئات وما عليه الموحّدون من عبادة الله وما يعمله المشركون من عبادة الأصنام(أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) أي لا غيرك; لأنّ القضاء العدل فرع القدرة التامّة وفرع العلم بما اكتسبه الفاعل، وهذان الشرطان لايتوفران إلاّ فيه سبحانه.
***

صفحه 312

الآيتان: السابعة والأربعون والثامنة والأربعون

(وَ لَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَ مِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ بَدَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ * وَ بَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ).

اللغة

الفدي والفداء: حفظ الإنسان عن النائبة بما يبذله عنه يقال: فديته بمال وفديته بنفسي.1
الاحتساب: مبالغة في الحساب، ومعنى يحتسبون أي كانوا يظنون.

تفسير الآيتين

تقدّم في الآية السابقة أنّ الله يحكم بين النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)والمشركين، أو بين الموحّدين والمشركين، ولم يذكر نتيجة حكمه وإلى مَ يصير مصير المشركين؟ وتتضمن هذه الآية نتيجة الحكم وهو شمول الشقاء لعامة المشركين، وأي شقاء أشدّ عليهم من أنّهم لمّا رأوا سوء العذاب يوم القيامة وشاهدوا نتائج ما اكتسبوا من الآثام، تمنّوا أن يكون لهم ما في الأرض ومثله معه حتى يفتدوا به من سوء العذاب، قال: (وَ لَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَ مِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ).

1 . مفردات الراغب:374، مادة «فدي».

صفحه 313

في تجسيم الأعمال ونتائجها

ثمّ إنّه يظهر للمشركين ومن هو على شاكلتهم ما خفي من سوء أعمالهم على نحو لا يظنونه في الحياة الدنيا (وَ بَدَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ )فالآية تدل على وجود نتائج الأعمال قبل يوم القيامة وإنّما يظهر لصاحب الأعمال في يوم الجزاء وفي بعض الآيات إشارة إلى ذلك، قال سبحانه: (لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَة مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ).1
وربما تكون الآية شاهداً لتجسّم الأعمال، فالذي يصدر عن المجرم من الأعمال الإجرامية له وجود مادي ووجود أُخروي، فالإنسان يشاهده بالوجود الدنيوي فإذا قامت القيامة يشاهد نفس العمل بالوجود المناسب ولكنّه لم يكن يحتسبه، ويشهد على ذلك قوله: (وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ وَ لاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَاب أَلِيم * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَ جُنوبُهُم وَ ظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ).(2)
فقوله: (هَذَا) يشير إلى ما تكوى به الأعضاء الثلاثة وليس هو إلاّ النار وأنّها نفس ما كنزوه لأنفسهم، غير أنّه يتجلّى في الدنيا بصورة (صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ)(3) وفي يوم الجزاء بصورة نار تكوى بها الأعضاء الثلاثة.

1 . ق:22.   2 . التوبة: 34 ـ 35.   3 . البقرة: 69 .

صفحه 314
والذي يشير إلى ما ذكرنا في الآية الكريمة لفظ «بدا» أي ظهر لهم من الله ما لم يكونوا يظنون.
وربما يكون مصيرهم السيِّئ أكثر من ذلك، وهو أنّ العذاب يحيط بهم: (وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ).

الآيات: التاسعة والأربعون ـ الثانية والخمسون

(فَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْم بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَ لَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلاَءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَ مَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ * أَوَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَ يَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَات لِقَوْم يُؤْمِنُونَ).

كفران النعمة والامتحان بها

وصف سبحانه المشرك بأنّه المشمئز حيـن يُذكـر «الله» وحـده، ويستبشر حيـن تُذكر آلهته، ولكنّهم حينما واجهوا الضرّ نسوا أصنامهم وتوجّهوا إلى الله سبحانه، وكأنّ الضرّ يرفع الستر عن التوحيد الفطري الذي فُطر عليه كلّ إنسان، قال: (فَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا).
ولكن الإنسان كفور وغير شاكر فإذا أنعم عليه وحباه نعمة كبيرة نسي الله سبحانه وعاد إلى أصنامه، كما يقول: (ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا ) نسي مبدأ

صفحه 315
النعمة ومعطيها وزعم أنّه ملكها بعلمه وقدرته، وهو في تلك الحالة كقارون الذي كان يزعم أنّه إنّما أُوتي من الكنوز فقد أُوتيها بعلمه وأنّه المبدأ لذلك، قال سبحانه حاكياً عنه:(قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْم عِنْدِي).1
فهو قد كفر بالله العظيم الذي وهبه هذه الكنوز، فكأنّ هذه النعم أصبحت يمتحن بها العبد فهل يكون شاكراً لها أم يكون كافراً كما قال سبحانه: (بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ ) بلية واختبار يبتليه الله بها(وَ لَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ) أنّ النعم من الله أو أنّ النعم الدنيوية ممّا يمتحن به العبد.
ثمّ إنّه سبحانه يستنكر تلك الفكرة الخاطئة بوجهين:
1. إنّ هذه الفكرة ليست ظاهرة جديدة بل كانت ـ أيضاً ـ في الأُمم السابقة، فقال: (قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)، أي لم ينفعهم ما كانوا يجمعونه من الأموال، بل صارت وبالاً عليهم (فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا)ولعلّه إشارة إلى ما وقع لقارون وكنوزه حيث قال: (فَخَسَفْنَا بِهِ وَ بِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَة يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَ مَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ)2، ثمّ إنّه سبحانه يتوعّد مشركي مكّة بأنّ مصيرهم سيكون كمصير من سبقهم، قال: (وَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلاَءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَ مَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ ).
أي: أنّ هؤلاء الذين ظلموا من المشركين سبيلهم سبيل من قبلهم سيصيبهم سيئات كسبهم وما هم بمعجزين لله. وبما أنّا لم نعثر في كتب

1 . القصص:78.
2 . القصص:81.

صفحه 316
السير والتاريخ على إصابة المشركين بمثل ما أُصيب به قارون، فيكون المراد بالإصابة: عقابهم في الآخرة، ولذلك فسّر الطبرسي قوله: (فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا )بقوله: أي أصابهم عقاب سيئاتهم، فحذف المضاف لدلالة الكلام عليه.1
2. قوله: ( أَوَ لَمْ يَعْلَمُوا أنّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرْ)كان الجواب الأوّل جواباً نقضياً بأنّ فكرتهم مسبوقة من غيرهم، وأصاب صاحب الفكرة ما أصابه، وسيصيب هؤلاء في الآخرة، وأمّا هذا الجواب فهو جواب من طريق المعارضة وهو أنّه سبحانه هو الذي يبسط رزق الناس أو يضيّق عليهم الرزق، مشيراً إلى أنّ سعي الإنسان وإن بلغ من العلم ما بلغ ومن السعي نهايته، ليس سبباً تامّاً للرزق، فكم من طالب يرجع خائباً وكم من ساع لا يحصل على شيء.
وأنّ توفر الرزق رهن ظروف خاصّة تؤثر في سعة الرزق وضيقه، فقول الإنسان :(إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْم) ناش عن ضيق الفكر وخفة الرأي.
***

1 . مجمع البيان:8/503.

صفحه 317

الآيات: الثالثة والخمسون ـ الخامسة والخمسون

(قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَ أَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَ أَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ ).

اللغة

السرف: تجاوز الحدّ في كلّ فعل يفعله الإنسان، وإن كان ذلك في الإنفاق أشهر، قال تعالى:(وَ الَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَ لَمْ يَقْتُرُوا)1،
وقال:(وَ لاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا)(2).2
القنوط: اليأس من الخير، قال تعالى: (فَلاَ تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ)(4) أي من اليائسين.
الإنابة: النوب: رجوع الشيء مرّة بعد أُخرى، والإنابة إلى الله الرجوع إلى الله بالتوبة وإخلاص العمل، قال: (وَ خَرَّ رَاكِعًا وَ أَنَابَ ) وقال: (وَ إِلَيْكَ أَنَبْنَا)3.
بغتة: البغت: مفاجأة الشيء من حيث لا يحتسب، قال تعالى: (لاَ تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً)(6).

1 . الفرقان: 67 .   2 . النساء: 6 .
2 . مفردات الراغب:230، مادة «سرف».   4 . الحجر: 55 .
3 . الممتحنة: 4 .   6 . الأعراف: 187 .

صفحه 318

في ذكر التوبة وشروطها

بعد أن ذكر سبحانه في الآيات السابقة ما يرجع إلى الوعيد والعذاب الشديد، نظر في هذه الآيات إلى ذكر مغفرته لمعاصي العباد، وإيوائهم في حظيرة الغفران، فالآيات السابقة كانت تمثّل مشهد العذاب والزجر والعقاب، وهنا مشهد الرجاء والغفران، فالله تبارك وتعالى يتجلّى ـ تارة ـ باسم العزيز المنتقم فيوعد عباده ويأخذهم بسيئات أعمالهم، وأُخرى يتجلّى باسم الغفور الرحيم فيخاطب عباده من المشركين وغيرهم بقوله:(قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ).
وتعدية الإسراف بلفظ «على» بدل «في» إشارة إلى أنّ الإسراف في الأعمال وإكثارها تتحمله النفس وتثقل به، كما يقال في مَن كلّم شخصاً مرّة بعد أُخرى يقال له: أكثرت على فلان، والمعنى أكثروا من الذنوب والمعاصي فتحملوها فهؤلاء مع وصفهم هذا ليس لهم القنوط من رحمة الله، وذلك(إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).
إنّ سبب المغفرة أمران:
1. التوبة       2. الشفاعة.
فالأُولى تشمل عامّة الذنوب حتى الشرك.
والثانية لا تشمل الشرك لقوله سبحانه: (إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ).1

1 . النساء:48.

صفحه 319
ولفظ «جميعاً» في الآية دليل على أنّ المراد به هو السبب الأول، فالآية تدعو إلى الرجاء وعدم القنوط، وأمّا ما هي وسيلة غفران الذنوب فهذا هو الذي تكفّلت ببيانه الآية الثانية، قال:(وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَ أَسْلِمُوا لَهُ) حيث أمر بشيئين:
1. الرجوع إلى الله.
2. التسليم بما جاء به نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم).
ويحتمل أن يكون المراد إخلاص الطاعة لله دون غيره.
وقد أمرهم سبحانه بالإنابة والتسليم مخافة أن يأتي يوم لا ينفعهم فيه الندم، قال: (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنْصَرُونَ).
ثمّ إنّه سبحانه أوضح كيفية الإنابة والتسليم إلى الله، وذلك باتباع القرآن الذي وصفه بقوله: (أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ)وصيغة «أفعل» مجردّة عن معنى التفاضل، أي: المنزل الحسن.
ويعني أنّه يجب عليهم اتباع القرآن والعمل بما ورد فيه من الأوامر والنواهي قبل أن يأتيهم العذاب، قال: (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَ أَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ).
فقد ظهر أنّ الدعوة الإلهية دعوة مزيجة من الرهبة والرغبة، فإنّ الرهبة المجردة عن الرغبة تورث اليأس، والرغبة المجردة عن الرهبة تثير الطغيان، فإذا ما انضمت الرهبة إلى الرغبة تكون الدعوة دعوة متكاملة مؤثرة، منسجمة مع فطرة الإنسان.

صفحه 320

شبهة المخالف لتشريع التوبة والإجابة عنها

بقي هنا شيء وهو أنّه ربما يتصوّر بعض من ليس له قدم راسخ في المعارف القرآنية، أنّ تشريع التوبة وقبولها من قبل الله تعالى، يدفع الإنسان إلى العصيان أكثر فأكثر ; لأنّه يرى الله سبحانه قد وعد عباده بقبول التوبة، فقال: (قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ)، فهو في أيام شبابه يعصي الله سبحانه إلى أواخر عمره، وفي أيامه الأخيرة يتوب توبة نصوحاً فيقبل الله منه ويعفو عنه.
وبذلك تكون التوبة كالضوء الأخضر من الله سبحانه يسمح للإنسان بالمعصية.
وأنت خبير بأنّ الشبهة ضعيفة جدّاً.
أمّا أوّلاً: إذ لو لم تشرّع التوبة لزاد العصيان بل لا تجد على أديم الأرض إنساناً مطيعاً إلى آخر عمره إلاّ الأمثل فالأمثل من الناس، وذلك لأنّ من ارتكب جريمة يجد في نفسه ألماً روحياً بعد اقترافه لها، وما هذا إلاّ لأنّ المجرم معتقد بالله واليوم الآخر وبأنّ الله سيحاسب الناس جميعاً وسيحكم بينهم بالعدل، فلو لم تشرّع التوبة لاشتدت العقدة في نفس المذنب على مرّ الزمان لأنّ الإنسان ليس معصوماً عن الخطأ، فتكون العقدة الروحية النابعة من الإحساس بالذنب وما يتبعها من العذاب أشدّ، فتكون حياة المؤمن حياةً مؤلمة غير طيّبة، فتشريع التوبة يزيل العقدة من أصلها ويصير الجو الروحي للمؤمن جوّاً طيباً ثقة من الإنسان بربه.

صفحه 321
وأمّا ثانياً: فلو لم تشرّع التوبة لكثر العصيان واشتدّ، فالشاب إذا أذعن بأنّ ربّه لا يقبل توبته وسوف يعذبه في النار نتيجة عصيانه، وسوف يفكر في نفسه بأنّي إذا كنت إنساناً جهنمياً والجحيم بانتظاري فلماذا أترك المعاصي في بقية عمري، فإنّ ترك المعاصي وعدمه سيّان في مصيري، إذ أنّ مصيره في كلتا الحالتين:(ترك المعاصي في بقية العمر وعدمه) سيّان، وهذا بخلاف مالو قُرئ عليه قوله تعالى:( لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ)ووقف على أنّه غفر ذنوبه ومحاها عن صحيفة أعماله وصارت الصحيفة نقيّة من كلّ شيء يؤذيه في الآخرة، فعندئذ يتخذ قراراً بعدم المعصية وترك الذنوب في آخر عمره.
وبهذا تكون التوبة وسيلة ناجحة لتقليل ارتكاب الذنب.
ثمّ إنّ بعض الناس ذهب إلى أنّ أرجى آية في القرآن الكريم هي قوله سبحانه:(قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ).

رحمة الله أعظم من كلّ ذنب

روى الصدوق في أماليه قصة شاب دخل على النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) باكياً فسأله النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): ما يبكيك يا شاب؟ قال: كيف لا أبكي وقد ركبت ذنوباً إن أخذني الله عزّ وجلّ ببعضها أدخلني نار جهنم، ولا أراني إلاّ سيأخذني بها ولا يغفر لي أبداً... إلى أن قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): ويحك يا شاب ذنوبك أعظم أم ربُّك؟ فخرّ الشاب لوجهه وهو يقول: سبحان ربّي ما شيء أعظم من ربي، ربّي أعظم يا نبي الله من كلّ عظيم، فقال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): فهل يغفر الذنب العظيم

صفحه 322
إلاّ الرب العظيم؟ قال الشاب: لا والله يا رسول الله.
ثم سكت الشاب فقال له النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): ويحك يا شاب ألا تخبرني بذنب واحد من ذنوبك، قال: بلى أخبرك، إنّي كنت انبش القبور سبع سنين، أُخرج الأموات وأنزع الأكفان. فماتت جارية من بعض بنات الأنصار فلما حملت إلى قبرها ودفنت وانصرف عنها أهلها، وجنّ عليهم الليل أتيت قبرها فنبشتُها ثم استخرجتُها ونزعت ما عليها من أكفانها فأتاني الشيطان ولم أملك نفسي حتى جامعتها. وتركتها مكانها. فماترى يا رسول الله؟ فقال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): تنحى عني يا فاسق إنّي أخاف أن احترق بنارك.
فلمّا سمع الشاب هذه الكلمة من النبي أتى بعض جبال المدينة وتعبّد فيها ولبس مسحاً وغلّ يديه جميعاً إلى عنقه.
فأنزل الله تبارك وتعالى على نبيه(صلى الله عليه وآله وسلم):(وَ الَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً)يعني الزنا (أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) يعني بارتكاب ذنب أعظم من الزنا(ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ)1، فلمّا نزلت هذه الآية خرج وهو يتلوها ويتبسّم، فقال لأصحابه: مَن يدلّني على ذلك الشاب التائب؟ فدلّوه فإذا هو قائم بين صخرتين مغلولة يداه إلى عنقه، فدنا رسول الله فأطلق يديه من عنقه ونفض التراب عن رأسه، وقال: يا بهلول أبشر فإنّك عتيق الله، ثم قال(صلى الله عليه وآله وسلم)لأصحابه: هكذا تداركوا الذنوب كما تداركها بهلول، ثم تلا عليه ما أنزل الله عزّ وجل فيه وبشرّه بالجنة.(2)
وهذه الرواية التي يلوح عليها آثار الصدق تشتمل على مقاطع لا تلائم

1 . آل عمران:135.   2 . أمالي الصدوق:26.

صفحه 323
خلق النبي ولا نفس الحديث.
أمّا الأول: فإنّا نرأب بالنبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) من أن يواجه الشاب بالكلام المذكور في الرواية، وأمّا الثاني: فلأنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أدخل الرجاء والأمل على نفس الشاب، فقال له: ذنوبك أكبر أم ربّك. ومعنى ذلك أنّه قد أدخل الأمل في قلبه، بل حمله على أنّ الرب قادر على أن يغفر له ذنبه، لعظمته سبحانه، وصغر الذنب مقابل عظمة الله.
وبعد ذلك فهل يصحّ أن يخاطب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) الشاب بما عرفت، فلربما أنّ هذا المقطع من الرواية قد نقل على وجه غير صحيح.
***

الآيات: السادسة والخمسون ـ التاسعة والخمسون

(أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ وَ إِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللهَ هَدَاني لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الُْمحْسِنِينَ * بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَ اسْتَكْبَرْتَ وَ كُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ).

اللغة

فرّط: الإفراط أن يسرف في التقدّم، والتفريط أن يقصّر في الفرط، يقال: ما فرّطت في كذا، أي: ما قصّرت.1

1 . مفردات الراغب: 377، مادة «فرط» .

صفحه 324
الجنب: الجارحة وجمعه جنوب، ويستعمل في الناحية، والمراد هنا أمره وزجره سبحانه وحدُّه الذي حدَّه.
كرّة: الكرّ: العطف على الشيء، والمراد بها هنا: العودة.

حسرة المشركين يوم القيامة على تفريطهم في جنب الله

أمر الله سبحانه ـ في الآيات السابقة ـ المشركين بالإنابة إلى ربهم والتسليم له، حذراً عن الأُمور الثلاثة التي يتمنّاها العصاة، فقوله: (أَنْ تَقُولَ)بمعنى: لئلاّ تقول، حذفت الـ«لا» النافية بعد «أن»، وذلك شائع في القرآن الكريم، قال سبحانه: (إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ).1
وأمّا الأُمور الثلاثة التي يتقوّل بها المشرك يوم القيامة فهي:
1. أنّه يصف نفسه بالتقصير في إطاعة أمر الله سبحانه، وأنّه كان من أهل السخرية بالنسبة إلى نبيه وكتابه، كما قال: (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ وَ إِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ).
والحسرة هي الندامة الشديدة، والألف في آخرها بدل ياء المتكلّم، أي: يا حسرتي، فكأنّه ينادي ندامته الشديدة.
2. يعلّل سوء مصيره بعدم إرادته سبحانه هدايته، ولو أراد هدايته لكان من المتقين، قال: (أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللهَ هَدَاني لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ)وهذه هي فكرة الجبر التي كانت سائدة على المشركين عامّة كما يظهر من بعض الآيات، قال سبحانه: (وَ قَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ).(2)

1 . هود:46.   2 . الزخرف:20.

صفحه 325
3. أنّه لمّا رأى سيئات أعماله المتجسّدة في نار جهنم يتمنّى الفرار من العذاب والرجوع إلى الدنيا حتى يكون من المحسنين، قال: (أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرى الْعَذَابَ ) أي لئلاّ تقول حين رؤية العذاب(لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الُْمحْسِنِينَ).
ذكر بعض المفسّرين أنّ الأقوال الثلاثة المنقولة عن المجرمين مرتبة على ترتيب صدورها عن المجرم يوم القيامة، فإذا قامت القيامة ورأى المجرمون أنّ اليوم يوم الجزاء بالأعمال وقد فرطوا فيها وفاتهم وقتها، تحسّروا على ما فرّطوا ونادوا بالحسرة على تفريطهم(يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ )قال تعالى:(حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا)،1 ثم حوسبوا وأُمر المتقون بدخول الجنّة وقيل: (امْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الُْمجْرِمُونَ)2 تعلّلوا بقولهم: (لَوْ أَنَّ اللهَ هَدَاني لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ).
ثم إذا أُمروا بدخول النار فأوقفوا عليها ثم أُدخلوا فيها تمنّوا الرجوع إلى الدنيا ليحسنوا فيها فيسعدوا(أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً ) قال تعالى:(وَ لَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَ لاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَ نَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)3، قال حاكياً عنهم: (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ).4

1 . الأنعام: 31 .
2 . يس: 59.
3 . الأنعام:27.
4 . المؤمنون:107.

صفحه 326
ثمّ إنّه سبحانه أجاب عن قولهم الثاني: (لَوْ أَنَّ اللهَ هَدَاني )قائلاً: (بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَ اسْتَكْبَرْتَ وَ كُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ)وأمسك عن الإجابة عن قولهم الأوّل لأنّ فيه حكاية استهزائهم بالحق وأهله أعني قولهم: (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ وَ إِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ) فهذا لا يحتاج إلى جواب.
وكذلك قد أمسك سبحانه عن الجواب عن القول الثالث لوضوح عدم إمكان الرجوع إلى الدنيا بعد يوم القيامة، ويظهر من بعض الآيات أنّ المجرمين بعد أن تفوّهوا بالقول الأوّل والثالث من معاذيرهم يخاطبون بقوله تعالى: (قَالَ اخْسَؤُوا فِيهَا وَ لاَ تُكَلِّمُونِ)، قال سبحانه: (قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَ كُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ)1 (العذر الأوّل) (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ)(العذر الثاني)(قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَ لاَ تُكَلِّمُونِ * إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَ ارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْري وَ كُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ * إنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ).2
***

1 . المؤمنون: 106.
2 . المؤمنون: 108 ـ 111; ولاحظ: تفسير الميزان: 17/283ـ284.

صفحه 327

الآيتان: الستون والحادية والستون

(وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ * وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لاَ يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَ لاَ هُمْ يَحْزَنُونَ).

اللغة

مثوى: الثواء: الإقامة مع الاستقرار، يقال: ثوى، يثوي، ثواءً، قال عزّوجلّ: (وَ مَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ)1 أي مقيماً، والمثوى: المقام.
مفازة: الفوز: النجاة، والظفر بالخير، من قولهم: فاز يفوز فوزاً:إذا ظفر ونجى، والمفازة: المنجاة، وربما تستعمل المفازة في المهلك، تفؤلاً بالسلامة. والجمع: المفاوز، كما يقال لمن عظّته الحيّة: السليم.2

تفسير الآيتين

هاتان الآيتان هما نهاية المطاف في الكلام حول الكاذبين على الله والمتقين.
أمّا الطائفة الأُولى فيحشرون ووجوههم مسودّة، إمّا من الغم والحزن، أو بسبب لفح الجحيم، ويمكن أن يكون السواد علامة للكاذبين على الله الذين نسبوا إلى الله جواز عبادة الأصنام، ومن المعلوم أنّ مثوى هؤلاء الذين

1 . القصص: 45 .
2 . مجمع البحرين، مادة «فوز».

صفحه 328
تكبّروا في الدنيا على الأنبياء، هو الجحيم، قال: (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ)بنسبة جواز عبادة الأصنام(وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ ).
هذا مشهد الكاذبين على الله، المفظع والمروّع.
وأمّا الطائفة الثانية ـ أعني: المتقين ـ فلهم مشهد آخر فهؤلاء بسبب الأعمال الصالحة ينجون من عذاب الله ولا يمسّهم السوء قال: (وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ ) والباء للملابسة أو السببية، فالذي يكون سبباً لإنجاء الله سبحانه هو فوزهم وظفرهم بالأعمال الصالحة ثمّ إنّه سبحانه يفسر نجاتهم بقوله:(لاَ يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَ لاَ هُمْ يَحْزَنُونَ)، وبهذا المضمون جاء قوله سبحانه (إنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ )1.

حكم الكذب على الأنبياء والأئمة حكم الكذب على الله

إنّ الظاهر من بعض الروايات أنّ الكذب على الأنبياء والأئمة المعصومين(عليهم السلام) حكمه حكم الكذب على الله. روى العياشي باسناده عن خيثمة قال: سمعت أبا عبد الله(عليه السلام)يقول: «من حدّث عنا بحديث فنحن سائلوه عنه يوماً، فإن صدق علينا فإنّما يصدق على الله وعلى رسوله، وإن كذب علينا فإنّما يكذب على الله وعلى رسوله، لأنّا إذا حدثنا لا نقول: قال فلان وقال فلان إنّما نقول: قال الله وقال رسوله» ثم تلاهذه الآية: (وَيَومَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ)الآية، ثمّ أشار خيثمة إلى أُذنية فقال: صمّتا إن لم أكن سمعته.(2)

1 . المؤمنون:111.   2 . مجمع البيان:8/505.

صفحه 329
وروى الطبرسي عن سودة بن كليب قال: سألت أباجعفر(عليه السلام) عن هذه الآية]يعني قوله تعالى: (وَيَومَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ)[ فقال: «كلّ إمام انتحل إمامة ]غصباً[ليست له من الله». قلت: وإن كان علوياً؟ قال(عليه السلام): «وإن كان علوياً». قلت: وإن كانت فاطمياً؟ قال(عليه السلام): «وإن كان فاطمياً».1
***

الآيات: الثانية والستون ـ السابعة والستون

(اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيء وَ هُوَ عَلَى كُلِّ شَيء وَكِيلٌ * لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَ الأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُوني أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ * وَ لَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَ إِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ وَ كُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ * وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ السَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ).

اللغة

المقاليد: جمع مقلاد: الخزانة، أو جمع إقليد وهو: المفتاح (في اليونانية).
وقيل: إنّ إقليد معرّب «كليد» في الفارسية بمعنى المفتاح.

1 . نفس المصدر.

صفحه 330
الحبط: هو البطلان، يقال: أحبط الله أعمالهم أي أبطلها ولم يؤجر عليها، لأنّ استحقاق الثواب مشروط بالموافاة.
مطويات: من طوى، قال الراغب: طويت الشيء طيّاً وذلك كطيّ الدرج، وعلى ذلك قوله تعالى:(يَومَ نَطْوي السَّماء كَطَي السِجلّ) ومنه: طويت الفلاة، يقال: طوى الله عمره. وقوله: (وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ)يصحّ أن يكون من الأوّل وأن يكون من الثاني بمعنى: المهلكات.1
القبضة: القبض: تناول الشيء بجميع الكف، يقال: القبضة من الشيء: ملء الكف منه، والقبضة: ما قبضت عليه، قال تعالى: (فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا).2

انحصار التدبير في الله سبحانه

رجع سبحانه في هذه الآيات إلى ما هو الهدف الأقصى في هذه السورة، وهو التوحيد في الربوبية وأنّه لا مدبّر إلاّ هو سبحانه، وقال: (اللهُ خالِقُ كُلّ شَيْء) وهذا ممّا لا ينكره المشركون على ما مرّ، وإنّما ذكره ليرتّب عليه قوله: (وَهُوَ عَلى كُلّ شَيْء وَكيل)فإنّ الوكيل هو المتصرّف، فليس في الكون متصرف على وجه الاستقلال إلاّ هو، ولو كان على وجه البسيطة أو في مجموع الكون مدبرات للأمر كما قال: (فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا)3 فهي بأمره

1 . مفردات الراغب: 313 ، مادة «طوى».
2 . طه:96.
3 . النازعات:5.

صفحه 331
سبحانه، وكجنود لسلطان الكون يفعلون ما يؤمرون، ولا ينافي هذا التوحيد في الربوبية.
ثم أكّد ذلك بقوله: (لَهُ مَقاليدُ السَّمَوَات وَالأرض)أي خزائن السماوات، كما يدلّ عليه قوله سبحانه: (وَإنْ مِنْ شَيْء إلاّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلْهُ إلاّ بِقَدَر مَعْلُوم)1، وقوله: (وللهِ خَزائِنُ السمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلكنّ المنافِقينَ لا يَفْقَهُون).2أو مفاتيح ما في الكون بيده فيكون كناية عن كونه المدبّر ولا موجود في عرضه.
يقال: مفتاح هذا الأمر بيدي أي حلّه وعقده قائم بي.
فعلى هذا: (والّذينَ كَفَروا بِآياتِ اللهِ هُمُ الخاسِرون).

في وجوه الكفر بآيات الله

والكفر بآيات الله يكون على وجهين:
1. إنكار دلالة الصور البديعة للأنواع والبناء العظيم لها، على مصوّرها وبانيها، وعلى هذا تكون الآية ناظرة للملاحدة الذين ينكرون وجود الصانع، والظاهر أنّ الآية سيقت لغير هذا الغرض، لأنّ الخطاب من أوّل السورة إلى هنا موجّه إلى المشركين الذين لا ينكرون وجود الصانع ـ أعني: خالق الصور ومكوّن الأكوان ـ فتعيّن المعنى التالي.
2. الذين يكفرون بتوحيده سبحانه في مقام الربوبية مع مشاهدة هذه

1 . الحجر:21.
2 . المنافقون:7.

صفحه 332
الآيات الدالّة على عظمة المدبّر ووضوح كون الأصنام غير قادرة على أي جزء ضئيل من هذا التدبير، فهؤلاء هم الذين كفروا بآيات الله ولم يذعنوا لها، فنتيجة كفرهم (أُولئك هُمُ الخاسِرون)، وأي خسران أكبر من صرف العمر في هذه الدنيا دون أن يحصل الإنسان على ما ينتفع به في الحياة الأُخروية.
ويظهر من غير واحد من كتب السير أنّ قريشاً حاولت تطميع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)حتى يتنازل عمّا يدعو إليه، فقد وفدوا عليه وقالوا له: لقد شتمت الآباء، وعيّبت الدين، وسببت الآلهة، وسفّهت الأحلام، وفرّقت الجماعة... إلى قولهم: فإن كنت إنّما جئت بهذا الحديث تطلب مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت إنّما تطلب الشرف فينا فنحن نسودك ونشرفك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك تابعاً من الجن قد غلب عليك بذلنا أموالنا في طبّك .
فقال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لعمّه أبي طالب ليكلّمهم بأنّه يريد من قريش كلمة واحدة، فعندئذ فرح القرشيون لكلمته وقوله، فقالوا له: نعم وأبيك عشراً، فقال لهم: قُولُوا لا إلهَ إلاّ الله.
ففزعوا ينفضون ثيابهم ويقولون: (أجعلَ الآلهةَ إلهاً واحداً إنّ هذا لَشيءٌ عُجابٌ)1.2
ولأجل هذه المفاوضات بين النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وقريش الذين كانوا يدعونه

1 . تاريخ الطبري:2/65ـ 66; السيرة الحلبية:1/303.
2 . ص: 5 .

صفحه 333
لعبادة أصنامهم قال سبحانه:(قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُوني أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ)والآية تبيّن أنّ مبدأ الوثنية هو الجهل بواقع الكون وأنّ الخالق هو المدبر.
ومن عجيب الأمر أنّ الجاهل يصرّ على العالم أن يتبع موقفه...

التوحيد في العبادة

إنّ من لوازم التوحيد في الخالقية والربوبية هو التوحيد في العبادة وأن لا يعبد إلاّ إيّاه، ولذلك صار التوحيد في العبادة هو الأصل المشترك بين عامّة الشرائع من غير فرق بين شريعة النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)وسائر الشرائع، فقد أمر سبحانه نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم)بالتوحيد في العبادة كما أمر به سائر الأنبياء، قال سبحانه: (وَلَقَدْ أوحي إليكَ وَإلى الَّذِينَ مِنْ قَبلِكَ)، فالموحى هو التوحيد في العبادة النابع عن التوحيد في الخالقية والربوبية، ولم يقتصر سبحانه بنفس الأمر بالتوحيد بل ذكر نتائج الشرك وقال: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ) أي يترتّب على شركك أمران:
1. (لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ)بمعنى عدم قبول الأعمال وعدم ترتب الثواب ; وذلك لأنّ قلب المشرك كالأراض السبخة لا ينبت فيها شيء.
2. (وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) وأي خسران أدهش من صرف العمر في الدنيا دون أن يتجر به شيئاً ينتفع به في الآخرة.
نعم النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) لا يشرك عبر حياته وكذلك سائر الأنبياء ولكن هذا النوع من الخطاب فيه تهديد للآخرين، فإذا كان هذا حال الأنبياء على فرض المحال فكيف حال الآخرين.

صفحه 334
ويظهر من تفسير علي بن إبراهيم أنّ خطاب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بقوله(لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ)إنّما هو للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ولكنّ المعنى موجّه إلى أُمّته، وهو ما قال الصادق(عليه السلام): إنّ الله عزّ وجلّ بعث نبيّه بإيّاك أعني واسمعي يا جارة، والدليل على ذلك قوله عزّ وجلّ: (بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ وَ كُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ) وقد علم الله أنّ نبيّه(صلى الله عليه وآله وسلم)يعبده ويشكره، ولكن استعبد نبيه بالدعاء إليه تأديباً لأُمّته.1
ومع ذلك يمكن أن يقال: إنّ الآية من باب فرض المحال، ومن المعلوم أنّ فرض المحال ليس بمحال، إذا ترتّب عليه شيء من المعارف، كقوله تعالى: (لَوْ كانَ فِيهِما آلهَةٌ إلاّ الله لَفَسَدَتا).(2)
وعلى هذا فالمراد: لو أشرك النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) على فرض المحال، أو من جاء بعده لا يخلو من العاقبتين: بطلان العمل، والخسران في الآخرة.
ثمّ إنّه سبحانه يؤكد على التوحيد بعد التهديد بقوله: (بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ وَ كُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ)وتقديم لفظ الجلالة لإفادة الحصر، فعلى كلّ مؤمن تجب عبادة الله ثم إقامة الشكر لله حيث وفقّه لصرف النعمة في محلّها، فعبد الله دون الأصنام.

مبدأ الشرك

إنّ هؤلاء الذين يشركون بالله غيره ويعبدون الأصنام ويسجدون لها ويطلبون منها حوائجهم، لا يحملهم إلى هذا العمل إلاّ الجهل بمنزلة الله

1 . تفسير علي بن إبراهيم: 2 / 251 ; نورالثقلين:4/498.   2 . الأنبياء:22.

صفحه 335
سبحانه، فلو عرفوا مكانته وماله من القدرة والعزة والجمال والكمال، وأنّ جمال الغير فرع جماله، لما عدلوا عن عبادته إلى عبادة غيره كما يقول: (وَما قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِهِ) أي ما عرفوه حقّ معرفته.
وهنا سؤال يطرح نفسه وهو أنّ المشرك وحده ليس ممّن لم يعرف الله حق معرفته، بل منطق عباد الله الصالحين ـ أيضاً ـ ذلك ، قال رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم):«ما عرفناك حق معرفتك».
والجواب عن ذلك واضح ; لأنّ للمعرفة درجات مختلفة، فالتي ينفي الأولياء بلوغهم لها هي الدرجة العليا من العبادة اللائقة بحال المعبود، وأمّا الدرجة النازلة فهي حاصلة لعباد الله على اختلاف درجات علمهم ومعرفتهم بالله.
وأمّا المشركون فقد عموا وصمّوا حتى لم يعرفوا أقل درجة من درجات المعرفة ولذلك: (وَإِذَا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ).1
ولمّا ذكرت الآية حرمان المشركين عن معرفة الله ومنزلته وقدرته، فقال: (وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي أنّ الأرض كلّها مع عظمها كالشيء الذي يقبض عليه القابض بكفّه، وهذا تفهيم لنا على عادة التخاطب فيما بيننا لأنا نقول: هذا في قبضة فلان أو في يد فلان، إذا هان عليه التصرّف فيه وإن لم يقبض عليه.

1 . الزمر: 45.

صفحه 336
فكما أنّ الأرض مع عظمها في قبضته أي كالشيء المقبوض، فالسماوات أيضاً (مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ)أي يطويها بقدرته كما يطوي أحدنا الشيء المقدور له طيّه بيمينه، فتحدّث سبحانه عن قدرته بأمرين:
1. الأرض كالشيء المقبوض.
2. السماوات مطويات بيمينه.
وقوله (بيمينه) بمعنى اليد اليمنى، وهي كناية عن القدرة، والجملتان تحكيان عن بطلان الأسباب الأرضية والسماوية، وفشل العلل الطبيعية والمادية ولا يكون في الكون مؤثر إلاّ الله سبحانه.
فإن قلت: إنّ كون الأرض في قبضته سبحانه لا يختصّ بيوم الآخرة، بل يعم الدنيا أيضاً فالله سبحانه في عامّة الأحوال حاكم أي قابض على ما خلق.
قلت: إنّ ظهور هذه القدرة في يوم القيامة أجلى وأوضح، ولذلك خصّه بالذكر، وعلى هذا يجب على الإنسان تنزيهه سبحانه عن الشرك كما قال: (سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ).
***

صفحه 337

الآيات: الثامنة والستون ـ السبعون

(وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَ مَنْ فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ * وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَ هُمْ لاَ يُظْلَمُونَ * وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْس مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ).

اللغة

الصُّور: قال الراغب: الصُّور: مثل قرن ينفخ فيه، فيجعل الله سبحانه ذلك سبباً لعود الصور والأرواح إلى أجسامها.
صعق: قال في الصحاح: صعق الرجل صعقاً وتصاعقاً أي غُشي عليه، وأصعقه غيره.

تفسير الآيات

لمّا ذكر سبحانه في الآيات المتقدّمة عظمة قدرته يوم القيامة، انتقل في هذه الآيات إلى تفصيلها بما فيه من تهويل فقال: (وَنُفِخَ فِي الصُّور)، وقد استعمل صيغة الماضي لأنّه متحقّق الوقوع، (فَصَعِقَ مَنْ فِي السمَوَاتِ وَمَنْ في الأرْضِ)أي فزع من في السماوات ومن في الأرض وغشي، فانتهى إلى موته .

صفحه 338

في موت الملائكة ومَن استثناه

والمراد من قوله: (مَنْ في السمَوَات) هم الملائكة، ولعلّ موتهم هو انفصال أرواحهم عن أبدانهم البرزخية، إلاّ من شاء الله عدم صعقه وموته.
وعلى هذا فأهل السماء وأهل الأرض يموتون (إِلاَّ مَنْ شَاءَ اللهُ) أي من استثناه من الموت.
وهل المستثنى هو عامّة الملائكة، وهذا لا يناسب قوله: (مَن في السمَوَات)الذي يتبادر منه ملائكة الله، ولذلك قيل:إنّ المستثنى هما جبريل وإسرافيل. وقيل: هما مع حملة العرش، والله أعلم بما أراد.
(ثمّ نُفِخَ فيهِ أُخرى فإذا هُمْ قِيام يَنْظُرون) والضمير في قوله:(فيه)يرجع إلى الصُّور، و(أُخرى) صفة لموصوف محذوف أي نفخة أُخرى، و(قِيام)جمع قائم و(يَنْظُرون) إمّا بمعنى الابصار وهذا كناية عن الحياة، أو بمعنى ينتظرون.
هذا ما يرجع إلى تحليل الآية حسب فقراتها ومفرداتها، وأمّا ما هو حاصل الآية ففيها دلالة على أُمور:
الصُّور لغةً واصطلاحاً، عدد النفخات   

الأوّل: الصُّور لغةً واصطلاحاً

إنّ الصور في اللغة كما ذكرنا بوق ينادى به البعيد المتفرّق مثل الجيش، ولكنّ العبارة كناية عن واقعية مستورة علينا وهي انطلاق صيحة تعمّ السماوات والأرض على وجه تدخل الهول والخوف في القلوب والأرواح على نحو ينتهي إلى موت الجميع، وهذا ليس أمراً بعيداً، فإنّ

صفحه 339
الأمواج الصوتية إذا اخترقت حاجز الصوت تولّد صوتاً مرعباً وأمواجاً مدمرة تنتهي إلى تحطّم زجاج النوافذ وهزّ البيوت والعمارات، وهذا ما نشاهده حينما تمرّ الطائرات التي تخترق حاجز الصوت.
فما بالك بالصُّور الذي ينفخ عند نهاية العالم لإماتة من في السماء والأرض فلا يمكن لنا تصوّر قوة هذا الصوت ومقدار ذبذبات أمواجه.
الألفاظ التي ابتكرها الإنسان فهي تتعلّق ببيان غرضه من الأُمور الدنيوية جواهرها وأعراضها،ولكنّها قاصرة عن بيان حقيقة ما يتعلّق بالآخرة من النفخ والصُّور بل كلّ ما يحكيه القرآن الكريم ممّا يتحقّق في يوم القيامة وما بعدها. فالقرآن الكريم يعبّر عن تلك الحقائق العليا بما يقرب فهمه لأذهان الناس، فإذا كانت الأدوات قاصرة عن بيان الحقيقة فالسبب يرجع إلى قصور ألفاظنا وفهمنا، فالله وحده هو الذي يعلم واقع الصور والنفخ وكيفية الإماتة.

الثاني: عدد النفخات في الصور

يظهر من الآية أنّ هناك نفختين، نفخة للصعق والإماتة، ونفخة لأجل الإحياء، فإلى الأُولى أشار بقوله:(فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَ مَنْ فِي الأَرْضِ )، وإلى الثانية أشار بقوله:(ثُمّ نُفخِ فيهِ أُخرى).
وربما يقال: بأنّ النفخ يتكرر ثلاث مرّات:
1. نفخة الفزع الواردة في قوله: (وَيَومَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَفَزعَ مَنْ فِي

صفحه 340
السمَوَاتِ وَمَنْ في الأرضْ إلاّ مَنْ شاءَ الله وكُلٌّ أتوهُ داخرين).1
2. نفخة الصعق والإماتة، وهي ما أشار إليها بقوله: (وَنُفِخَ فِي الصور فصَعِقَ مَن...).
3. نفخة البعث، وإليها أشار تعالى بقوله:(ثُمَّ نُفخَ فيهِ أُخرى فإذا هُمْ قِيامٌ ينظرون).(2)
والظاهر وحدة النفختين الأولتين، أي أنّ نفخة الفزع هي نفخة الصعق والإماتة، فالمعروف من الصعق هو الغشية، قال في الصحاح: صعق الرجل صعقاً وتصاعقاً أي غُشي عليه، فإنّ الغشية نتيجة الفزع، والجميع مقدّمة للموت.
   

الثالث: في علّة استثناء بعض الملائكة من الموت

قد مرّ أنّهم اختلفوا في المستثنى بين تفسيره بالملكين جبريل وإسرافيل، أو تفسيره بأعمّ منهما ومن حمَلة العرش، وهناك احتمال آخر وهو أنّ الاستثناء لبيان قدرة الله تبارك وتعالى وأنّ الأمر بيده، وأنّ نفخ الصور لا يسبب خروج الأُمور عن يده وبإمكانه أن يحفظ حياة من أراد بقاء حياته، وهذا المعنى هو المتبادر من قوله سبحانه عند كلامه عن خلود الكافرين في النار. قال سبحانه: (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَ شَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَ الأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ).2 ونظيرها

1 . النمل:87.   2 . تفسير الكاشف:6/232.
2 . هود:106 ـ 107.

صفحه 341
قوله في (الَّذِينَ سُعِدُوا)فقد جاء في حقّهم:(فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَ الأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذ)1.
فليس المراد من الاستثناء خروج الأشقياء من النار أو خروجهم من الجنة، لأنّ ذلك ينافي قوله: (عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذ)، بل الاستثناء لبيان حكمهم بالخلود لا يعني سلب القدرة عن الله بحيث يعجز عن إخراج الشقي والسعيد عن مقامهما.

الرابع: في انتظار حكم الله بعد النفخة الثانية

إنّ المراد من قوله: (قِيَامٌ يَنْظُرُونَ) هو أنّهم ينتظرون حكم الله فيهم، قال علي(عليه السلام): «وَيُنْفَخُ فِي الصُّورِ، فَتَزْهَقُ كُلُّ مُهْجَة، وَتَبْكَمُ كُلُّ لَهْجَة، وَتَذِلُّ الشُّمُّ الشَّوَامِخُ، وَالصُّمُّ الرَّوَاسِخُ، فَيَصِيرُ صَلْدُهَا سَرَاباً رَقْرَقاً، وَمَعْهَدُهَا قَاعاً سَمْلَقاً، فَلاَ شِفِيعٌ يَشْفَعُ، وَلاَ حَمِيمٌ يَنْفَعُ، وَلاَ مَعْذِرَةٌ تَدْفَعُ».(2)
ويؤيد ما ذكرنا الآية التالية التي تشرح أوضاع القيامة بأُمور ستة، كما سيوافيك.

الخامس: ما هي المدّة الزمنية بين النفختين ؟

إنّ الفصل بين النفختين من حيث الزمان غير معلوم، والذي تدلّ عليه الآية وجود فاصل زماني بين النفختين بحكم كلمة (ثمّ)، والله يعلم ما هو مقدار الفاصل.

1 . هود:108.   2 . نهج البلاغة، الخطبة 195.

صفحه 342
وقد ورد في بعض الروايات تعيين مقداره أربعين عاماً.1 ولكنّه غير معلوم هل أُريد منه السنين الدنيوية أو الأعوام الربوبية؟

في استعراض ما يقع بعد إحياء مَن في السماوات والأرض

قوله تعالى: (وَأشْرَقَتِ الأرضُ بِنُور ربّها) يستعرض ما يقع بعد إحياء من في السماوات والأرض وهي أُمور ستة:
الأوّل: (وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا ) بمعنى أضاءت الأرض يوم القيامة بنور الله سبحانه، قال الزمخشري: المراد (وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ)بما يقيمه فيها من الحق والعدل، ويبسطه من القسط في الحساب ووزن الحسنات والسيئات.
وإضافة النور إلى اسمه استعارة لأنّه هو الحق والعدل، وإضافة اسمه إلى الأرض لأنّه يزينها حيث ينشر فيها عدله وينصب موازين قسطه ويحكم بالحقّ بين أهلها، ولا ترى أزين للبقاع من العدل، ولا أعمر لها منه.2 ولا يخفى أنّه تفسير ذوقي.
ويمكن أن يقال: إنّ السماوات إذا أصبحت مطويات بيمينه، فيطوى القمر والشمس وغيرهما فلا يبقى ما ينوّر أرض المحشر، والله سبحانه يضيئها بالنور الخاص، ولأجل شرافته نسب إلى الرب.
وللسيد الطباطبائي تفسير آخر للآية، يقول: لا يبعد أن يراد ـ و الله

1 . نورالثقلين:4/503، الحديث 119.
2 . تفسير الكشاف:3/357.

صفحه 343
أعلم ـ من إشراق الأرض بنور ربها ما هو خاصة يوم القيامة من انكشاف الغطاء وظهور الأشياء بحقائقها، وبدو الأعمال من خير أو شر أو طاعة أو معصية أو حق أو باطل للناظرين، وإشراق الشيء هو ظهوره بالنور، ولا ريب أنّ مظهرها يومئذ هو الله سبحانه، إذ الأسباب ساقطة دونه، فالأشياء مشرقة بنور مكتسب منه تعالى.
وهذا الإشراق وإن كان عامّاً لكلّ شيء يسعه النور، لكن لمّا كان الغرض بيان ما للأرض وأهلها يومئذ من الشأن خصّها بالبيان، فقال: (وَأشْرَقَتِ الأرضُ بِنُورِ رَبّها)، وذكره تعالى بعنوان ربوبية الأرض تعريضاً للمشركين المنكرين لربوبيته تعالى للأرض وما فيها.1
الثاني:(وَوُضِعَ الْكِتَابُ) والمراد منه: صحائف الأعمال التي لا تغادر (صَغِيرَةً وَ لاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا).(2)
الثالث: (وَجِيءَ بِالنَّبِيينَ ) لغاية السؤال عن أدائهم لمهمة الرسالة، قال سبحانه: (وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ).2
الرابع: (وَالشُّهَدَاءِ )فهل المراد منه شهداء الأعمال الذين يشهدون على أعمال الناس الذين كانوا يعاصرونهم، كما يدل عليه قوله: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرسُولُهُ وَالمُؤْمنونَ وستردّونَ إلى عالِم الغَيْب وَالشهادةِ فَيُنَبّئُكُمَ بما كُنتُمْ تعْمَلُون).3

1 . تفسير الميزان: 17/295ـ296.   2 . الكهف:49.
2 . الأعراف:6.
3 . التوبة:105.

صفحه 344
ويحتمل أن يكون المراد من الشهداء هم النواب عن الأنبياء في تبليغ رسالتهم وسننهم إلى الناس.
فيشهد الأنبياء على نوابهم بأنّهم بلغوا الأُمّة وعلّموها على أكمل وجه، كما يشهد النواب على تبليغ ما أمر بتبليغه، وبذلك تتم الحجّة على الناس.
الخامس: (وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَ هُمْ لاَ يُظْلَمُونَ )بشهادة الأنبياء على حسن فعالهم أو قبحها.
السادس:(وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْس مَا عَمِلَتْ) أي تجزى كلّ نفس حسب عملها، إن خيراً فخير، وإن شرّاً فشر مع أنّ علمه سبحانه محيط بما عمله الإنسان خيره وشرّه من دون حاجة إلى طيّ هذه المراحل، وإنّما هو لأجل إتمام الحجّة على الإنسان، والحال: (وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ)، إذ يعلم دقائق الأعمال وبواطنها.
وحاصل ما ورد في الآية هو: أنّ الله تعالى يمثّل لنا محكمة أشبه ما تكون بالمحاكم المعروفة في الأُمم المتحضّرة، فكلّ محكمة يجب ألا تخلو عن أركان ثلاثة:
1. الإضبارة التي تشتمل على نتيجة تحقيق المحقّق وإقرار المتهم وغيرها من الأدلّة التي لا يمكن القضاء إلاّ بالاستناد إليها.
2. الشهود الذين يشهدون على ارتكاب المتهم للجريمة أو ينفونها عنه.
3. القاضي الذي يصدر الحكم ثم يقرأه على المتهم.

صفحه 345
فمحكمة العدل الإلهي ـ كما تصوّره الآية ـ لا تخلو عن هذه الأركان ففيها:
1. الكتاب وهو ما يكتب فيه من أعمال الإنسان.
2.الشهود وهم الأنبياء ومن بعدهم.
3. القاضي والظاهر أنّه هو سبحانه حيث يقول:(وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَ هُمْ لاَ يُظْلَمُونَ).
نعم ما ذكرنا تمثيل وتنزيل لما يأتي يوم القيامة، والله أعلم بحقيقة هذه المحكمة والكتاب والشهود وصدور الحكم، إذ أنّا لا نفهم ما موجود هناك إلاّ بتشبيهه بما عندنا الآن.
***

الآيتان: الحادية والسبعون والثانية والسبعون

(وَ سِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَ قَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَ لَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ * قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ).

اللغة

السوق: الحثّ على السير، ويستعمل غالباً فيما إذا لم يكن للمسوق رغبة في السير.

صفحه 346
الزمر: جمع زمرة، وهي الجماعة التي لها صوت كصوت المزمار لأنّ اجتماعهم ومحادثتهم تبعث صوتاً كصوت المزمار.
وجواب «إذا» في قوله: (إِذَا جَاءُوهَا ) قوله: (فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا).
الثوى: الإقامة مع الاستقرار، فيكون المثوى بمعنى المأوى.

في كيفية سوق الكافرين إلى جهنّم

لمّا سبق في الآية المتقدمة قوله: (وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ )و قوله: (وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْس مَا عَمِلَتْ)، بدأ في هذه الآية بيان ما قضي عليهم فابتدأ ببيان مصير الكافرين، وقال:(وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَراً)، والظاهر أنّ الملائكة هم الذين يسوقونهم إلى جهنم (زُمَراً ) أي بشكل زرافات وجماعات.
وظاهر الآية أنّ المجرمين يساقون إلى جهنم فوجاً فوجاً، ولعلّ كلّ فوج يتميّز عن الفوج الآخر من حيث نوع الجريمة التي ارتكبوها، فلكلّ فوج باب خاص كما يظهر من كونها ذات أبواب كما في قوله:(حَتّى إذَا جاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوابُها)، والفقرة تشير إلى أنّ أبواب الجحيم كانت مغلقة إلى حين وصول الكافرين إلى أبوابها، وهذا هو نظير أبواب السجون في الدنيا فإنّها مغلقة في وجوه الناس، ولا تفتح إلاّ بمجيء المجرم برفقة السجّان. ولذلك جعل جواب مجيئهم إليها قوله: (فُتِحَتْ أَبْوابُها )، وعند دخول الكافرين من أبواب جهنم يتلقّاهم خزنة جهنم بالتقريع والعتاب بدل الترحيب والتكريم، كما قال:(وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ

صفحه 347
يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا)أي يسألونهم عن مجيء الرسل الذين قاموا بأمرين:
1. تلاوة آيات الله التي فيها تكاليفهم وواجباتهم.
2. إنذارهم بلقاء يومهم هذا وأنّ الحياة الدنيوية كمقدّمة للحياة الأُخروية.
وعند ذلك لم يجد الكفّار محيصاً إلاّ الإقرار بالتقصير والاعتراف بذنبهم(قالُوا بَلى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الكافِرينَ)، ولعلّ المراد من كلمة العذاب هي الوعيد به على ألسنة الرسل، نظير قوله: (فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ).1
ومعنى الآية: وجب العذاب على مَن كفر بالله تعالى، لأنّه أخبر بذلك وأنذر بمصيره، فلمّا كفروا به فيكونون مستحقّين للعذاب، فإنّ الناس مجزيّون بأعمالهم إن خيراً فخير، وإن شرّاً فشرّ.
فلمّا وصلوا إلى أبواب جهنم واستقبلوا بالتقريع والملامة أُمروا بدخول جهنم من أبوابها المختلفة حسب اختلاف جرائمهم، فالظاهر أنّ كلّ باب من أبواب جهنم يختصّ بجماعة خاصّة من المجرمين، كما يقول:(قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرينَ). فالكافرون يخاطبون على وجه التهجين لهم والتوبيخ تارة قبل الدخول وأُخرى حين الدخول، وفي لفظ المتكبرين دلالة على أنّه صار مصيرهم كذلك لأجل كبرهم على الله سبحانه.
***

1 . الصافات:31.

صفحه 348

الآيات: الثالثة والسبعون ـ الخامسة والسبعون

(وَ سِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَ قَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ * وَ قَالُوا الْحَمْدُ للهِ الذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * وَ تَرى الْمَلاَئِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).

اللغة

نتبوّأ: تبوّأ من باء بمعنى رجع، وسُمّي المنزل مباءة لكون صاحبه يرجع إليه إذا خرج منه، قوله تعالى: (لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً)1 أي لنبوّأنّهم نباءة حسنة، وعلى هذا فالتبوّأ أخذ المنزل، وقوله (تُبَوِّأُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ )2 أي تسوي وتهيء لهم، وقوله: (نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ)أي ننزل منازل الجنّة حيث نهوى.
حافّين: جاء في المفردات: قوله تعالى: (وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ) أي مطيفين بحافتيه أي جانبيه. (3) والحفّ هو الاستدارة.

في علّة الاستفادة من كلمة «سيق» للكفّار والمتقين

دلّت الآيات السابقة على أنّ المبعوثين يوم القيامة بين كافر ومؤمن، فقد سبق ذكر مصير الكافرين في الآية السابقة، وبقي الكلام في مصير

1 . النحل: 41 .
2 . آل عمران: 121 .   3 . مفردات الراغب : 123، مادة «حفّ» .

صفحه 349
المتّقين فهم يُساقون إلى الجنّة زمراً كما قال: (وسيقَ الَّذينَ اتَّقوا ربَّهُمْ إلى الجَنَّةِ زُمَراً)، وقد مرّ أنّ السوق يستعمل فيما إذا لم تكن للمسوق فيه رغبة لسوء المسوق إليه، وعلى ذلك فما وجه استعمال اللفظ نفسه في سوق المتقين إلى الجنة زمراً؟ والظاهر أنّ الوجه هو المشاكلة التي هي من المحسّنات البديعية، ومنها قوله تعالى: (وَمَكَرُوا وَ مَكَرَ اللهُ وَ اللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ).1

في كيفية سوق المتقين إلى الجنّة

ثمّ إنّ كيفية سوقهم إلى الجنة تختلف مع كيفية سوق المجرمين إلى الجحيم، بالأمرين التاليين:
1. كانت أبواب جهنم مغلقة إلى زمان مجيء المجرمين، فإذا وصلوها فتحت في وجوههم; بخلاف أبواب الجنة فإنّها كانت مفتوحة من ذي قبل تكريماً وتجليلاً للداخلين، حيث قال: (حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا)، والظاهر أنّ «إذا» ظرفية مجردة عن معنى الشرطية، أي يساقون إلى الجنة إلى زمان مجيئهم إليها والحال أنّ الأبواب مفتوحة.
2. أنّ خزنة جهنم يستقبلون الكافرون بالتقريع واللوم كما مرّ، وأمّا هنا فخزنة الجنة يستقبلون المتقين بالترحيب والتكريم (وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتا سَلامٌ عَلَيْكُمْ) أي أنتم في سلام مطلق لا يلقاكم إلاّ ما ترضون (طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدينَ)فقوله:(طبتم)إنشاء لا إخبار، وهو إنشاء تكريم ودعاء.

1 . آل عمران:54.

صفحه 350
فأين التقريع الذي يستقبل به الكافرون، من هذا الترحيب الذي يستقبل به أهل الجنة؟!
   

نكتة أدبية: في واو الثمانية و «واو الحالية»

ذهب غير واحد من أهل الأدب إلى أنّ «الواو» في قوله: (وفتحت)هي واو الثمانية، وذلك أنّ من عادة قريش أنّهم يعدّون من الواحد فيقولون خمسة ستة سبعة وثمانية، فإذا بلغوا السبعة قالوا وثمانية. قاله أبو بكر بن عياش، قال الله تعالى:(سخَرها عليهم سَبْعَ لَيال وَثَمانية أيّام)وقال: (التائبُونَ العابدون) ثم قال في الثامن: (والناهونَ عن المنكر) وقال: (ويقولون سبعة وثامنهم)وقال: (ثيّبات وأبكاراً).1
ثمّ إنّ لابن هشام بحثاً وافياً حول «واو» الثمانية في «مغني اللبيب» فمن أراد فليرجع إليه، ولكن الذي نريد أن نركّز عليه أنّ «الواو» في قوله: (وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا) ليست من تلك المقولة، وإنّما هي واو حال، على وجه لولاه لما أفادت الغرض المطلوب، فإنّ الغرض من هذه الجملة هو إفادة أنّ أبواب الجنة كانت مفتوحة من ذي قبل قبل أن يصل المتقون إلى أبوابها، ولو قيل: (فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا)مع حذف الواو لما أفادت المعنى المقصود.

في فضل الجهاد والمجاهدين

روى الشيخ الطوسي بسنده عن محمد بن علي الباقر(عليهما السلام)قال: قال

1 . تفسير القرطبي:15/285.

صفحه 351
رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «للجنة باب يقال له باب المجاهدين يمضون إليه، فإذا هو مفتوح وهم متقلدون بسيوفهم والجمع في الموقف، والملائكة تزجر، فمن ترك الجهاد ألبسه الله ذلاً وفقراً في معيشته ومحقاً في دينه، إنّ الله أعزّ أُمّتي بسنابك خيلها ومراكز رماحها».1
وممّا يؤيد هذه الرواية ما ورد في «نهج البلاغة» وهو قول الإمام علي(عليه السلام)، قال: «ألا إنّ الجهاد باب من أبواب الجنة، فتحه الله لخاصّة أوليائه، وهو لباس التقوى، ودرع الله الحصينة، وجُنته الوثيقة، فمن تركه رغبة عنه، ألبسه الله ثوب الذل، وشمله البلاء، ودُيث بالصغار والقماءة».2
ولمّا كان أداء الشكر للنعمة أمراً مطلوباً يحكم به العقل نرى أنّ أهل الجنة عندما دخلوها أظهروا الشكر أداءً لحقه وقالوا: (الْحَمْدُ للهِ الذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ)، والمراد بالوعد ما تكرر في آيات القرآن من وعد المتقين بالجنة قال: (للّذينَ اتقوا عند ربّهم جنّات)(3)، وقال: (إنّ للمتقينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جناتُ النَّعيم).3
ويحتمل أن يكون المراد من الوعد ما وعد الله سبحانه عباده الخاصّين بالجنة حيث قال: (أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ). 4

1 . تهذيب الأحكام: 6 / 123 ح 8، باب فضل الجهاد وفروضه ; نورالثقلين:4/506.
2 . نهج البلاغة، الخطبة 27.   3 . آل عمران:15.
3 . القلم:34.
4 . المؤمنون: 10 ـ 11.

صفحه 352
وعلى هذا يكون قوله: (وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ ) أي أرض الجنة، تفسيراً لقوله: (صَدَقَنَا وَعْدَهُ).
وأمّا كيفية وراثتهم فليس على نحو المشاع حتى يتوقّف تصرّف أحد الورثة على إذن الآخر، بل على وجه المتّسع، كما قال: (نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ).
لكنّ هذه النعمة رُزقوا بها في مقابل كونهم عاملين بأحكام الله في الحياة الدنيا، كما قال: (نعمَ أجرُ العامِلين).
إلى هنا تمّ بيان مصير الكافرين والمتقين وكيفية القضاء عليهم بالكتاب والشهداء.
وكون الناس على صنفين: مسوقاً إلى جهنم ومسوقاً إلى الجنة، فالله سبحانه يشير في الآية التالية إلى عظمته بعد فناء الدنيا، وبعد الفراغ عن حساب الناس، ومصيرهم، يقول:(وَتَرى الْمَلاَئِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ)فعرشه سبحانه هو المقر الذي تصدر منه الأوامر الإلهية التي يدبر بها الوجود، فالملائكة يحفّون العرش مطيفين به مستديرين حوله مستعدّين لسماع أوامره ونواهيه فيما يرجع إلى التدبير، وهم ينزهون الله سبحانه ويحمدونه.
قوله: (وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ) ما هو المراد من القضاء هنا وإلى مَن يرجع الضمير في (بَيْنَهُمْ)؟
فهل المقصود منه القضاء بين الناس الكافر والمتقي، فقد سبق ذكره

صفحه 353
في الآية الخامسة والستون من هذه السورة حيث قال: (وَجِيءَ بِالنَّبِيِينَ وَالشُهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ)فهل الضمير يرجع إلى الملائكة؟ هو بعيد لأنّ القضاء يستعمل في مورد الاختلاف ولا اختلاف بين الملائكة حتى يقضى بينهم.
ولعلّ المراد من القضاء بينهم هو القضاء بين الناس من أوّل ما بدأ سبحانه بذكر الكافر والمتقي، فكأنّه يؤكّد بالنتيجة على أنّ مجموع ما سبق قضاء بالحق لا يشوبه الظلم.
فعلى هذا فالفرق بين الجملتين أنّ القضاء الأوّل راجع إلى بعض القضايا وهذا يرجع إلى الجميع.
(وَقِيلَ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ )، والظاهر أنّ القائل هم المتقون، لقوله تعالى في صفة أهل الجنة:(وَآخر دعواهُم أنِ الحَمدُ للهِ رَبّ العالَمين).1
تمّ تحرير تفسير سورة الزمر
في اليوم العشرين من شهر
رمضان المبارك عام1432هـ

1 . يونس:10.

صفحه 354
   

صفحه 355
    النفاق والمنافقون في القرآن الكريم
فهرس المحتويات
الموضوع     الصفحة
مقدّمة المؤلّف    7
الفصل الأوّل
تفسير سورة «المنافقون»
تمهيد   13
النفاق لغة واصطلاحاً   15
نشأة النفاق في المدينة   16
   1. عبد الله بن أُبيّ   17
   2. أبو عامر الراهب   18
   يُخرج الحيّ من الميّت   20
   تغلغل المنافقين في صحابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)   21
   المثلث المشؤوم   22
   الفرق بين النفاق والتقية   24
   اسم السورة وعدد آياتها وشأن نزولها   25
   أغراض السورة   25

صفحه 356
الموضوع    الصفحة
   الآية الأُولى:   26
      التفسير   26
   الآيات: الثانية والثالثة والرابعة   28
      اللغة   28
      التفسير   29
   الآيتان: الخامسة والسادسة   38
      اللغة   38
      سبب النزول   38
      التفسير   38
      التوسّل والوسيلة في القرآن الكريم   40
      هل تختص الآية بحياة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ؟   42
      الأدلّة الدالّة على وجود الصلة بين الأحياء والأموات   44
   الآيتان: السابعة والثامنة   45
      التفسير   45
      في شأن نزول الآيتين   48
      اعتذار ابن أُبيّ للرسول   49
      الرسول وأُسيد ومقالة ابن أُبي   50
      سير الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بالناس ليشغلهم عن الفتنة   50
   الآيات التاسعة ـ الحادية عشرة   51

صفحه 357
الموضوع    الصفحة
      التفسير   51
      موقف الإسلام من حب الأولاد والأموال   52
      أمر الله المؤمنين بالإنفاق لإبطال كيد المنافقين   53
      ما هو المراد من الإنفاق ؟   54
      ما هو المقصود من الأجل في الآية؟   55
الفصل الثاني
في دور المنافقين في عصر الرسول وخططهم
وصفاتهم في القرآن الكريم
1. دور المنافقين في غزوة بدر   61
   1. تضعيف معنويات المجاهدين   61
   2. نشر الإشاعات المغرضة   62
   3. التحبّب إلى المسلمين ببعض الأعمال الجزئية   63
2. دور المنافقين عند إجلاء بني قينقاع   64
   السخرية في ثوب التظاهر بالإيمان   67
3. دور المنافقين في غزوة أُحد   69
   المنافقون ونكبة غزوة أُحد   73
   نشر الأكاذيب لإضعاف معنويات المقاتلين   76
   وقاحة المنافقين وصلفهم   77
4. دور المنافقين في إجلاء بني النضير   79
5. دور المنافقين في معركة الأحزاب (الخندق)   84

صفحه 358
الموضوع    الصفحة
   1. تباطؤ المنافقين في حفر الخندق   85
   2. استهزاء المنافقين بوعود رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)   86
   3. أعذار المنافقين في انسحابهم من القتال   88
6. دور المنافقين في غزوة بني المصطلق   90
7. المنافقون وقضية الإفك   92
8. المنافقون في الحديبية وبيعة الرضوان   101
   امتناع المنافقين من بيعة الرضوان   102
9. دور المنافقين في غزوة خيبر   104
   التجسّس لصالح يهود خيبر   104
10. غزوة تبوك ومؤامرات المنافقين   106
   ماذا ظهر من المنافقين في هذا النفر؟   107
      1. التخلّف عن الذهاب خوفاً من الفتنة   107
      2. التعلّل بحرارة الجو   108
      3. اجتماع سرّي للمنافقين في بيت يهودي   110
      4. تفضيل الأعراب على المنافقين   110
      5. التاريخ يعيد نفسه   111
      6. نشر الإشاعات في المدينة   113
      7. نزول المطر بدعاء الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ونظر المنافقين فيه   114
      8 . التكذيب بنبوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)   114

صفحه 359
الموضوع    الصفحة
      9. تخطيط المنافقين لاغتيال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)   115
      10. الاعتذار عن نشر الأراجيف   116
      11. المنافقون وحديث مسجد الضرار   117
11. صفات المنافقين في القرآن الكريم   121
   1. التحيّر والقلق المستمرّ   122
   2. التذبذب والانتهازية   127
   3. الحياة في خضمِّ الخوف   130
12. المنافقون وكيفية أداء الفرائض الدينية   131
13. تنصّلهم من أقضية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)   136
14. ندرة الحضور في ميادين الجهاد   139
15. سلاح المنافقين في حياتهم بين المسلمين   141
   1. الأيمان الكاذبة   141
   2. الخدعة والحيلة   142
   3. الاجتماعات السرّية   143
   4. إيجاد التفرقة والخلاف بين المسلمين   143
   5. التشكيك في التشريع الإسلامي   144
      أ. تحويل القبلة إلى الكعبة   145
      ب. تزويج زينب بعد طلاق زيد   147
   6. الاستهزاء بالمقدّسات الإسلامية   148

صفحه 360
الموضوع    الصفحة
   7. الإعلام المغرض   150
   8. الشماتة بالمسلمين   150
16. أسئلة حول النفاق والمنافقين   152
   الأوّل: التحذير من المنافق أكثر من التحذير من الكافر   152
   الثاني: هل كان المنافقون معروفين في عصر الرسالة؟   154
   الثالث: ما هي علامات النفاق؟   155
   الرابع: ما هو المراد من سلامة القلب ومرضه؟   156
الفصل الثالث
التوسّل
في الكتاب العزيز والسنّة النبوية
تمهيد   161
أنواع الوسائل   164
   الأوّل: التوسّل بأسماء الله وصفاته   165
   الثاني: التوسّل بالقرآن الكريم   166
   الثالث: التوسّل بالأعمال الصالحة   167
   الرابع: التوسّل بدعاء الأخ المؤمن   169
   الخامس: التوسّل بدعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حياته   171
   السادس: التوسّل بدعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد رحيله   172
   تكلّم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مع الهالكين من قريش   176

صفحه 361
الموضوع    الصفحة
   سيرة المسلمين بعد رحيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)   178
   شبهات المخالفين   184
      الأُولى: البرزخ مانع من الاتصال   184
      الشبهة الثانية: امتناع إسماع الموتى   185
      الشبهة الثالثة: انقطاع عمل الإنسان   187
      الشبهة الرابعة: التوسّل بدعاء الأنبياء شرك   188
      الشبهة الخامسة: أنّ دعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد رحيله بدعة   192
   السابع: التوسّل بذات النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) حال حياته   192
         توسّل الضرير بشخص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)   193
            1 . اللّهمّ إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّك   195
            2 . محمد نبي الرحمة   196
            3 . يا محمد إنّي أتوجّه بك إلى ربّي   196
            4 . وشفّعه فيّ   196
   الثامن: التوسّل بذات النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد رحيله   197
   التاسع: التوسّل بحق الصالحين وحرمتهم ومنزلتهم   200
   العاشر: التوسّل بحقّ السائلين   203
      توسّل الأنبياء: بالنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)   205
خاتمة المطاف: سيرة الموحّدين في توسّلهم بالطيبين والطاهرين   207
   1. استسقاء عبدالمطلب بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو صغير   207

صفحه 362
الموضوع    الصفحة
   2. استسقاء أبي طالب بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو غلام   207
   3 ـ توسّل الخليفة بعمّ النبي: العباس   209
سورة الزمر
      أغراض السورة   216
   الآية الأُولى   218
   الآية الثانية   221
   الآية الثالثة   222
      تمسّك الوهابيين بالآية على بطلان التوسّل   227
      الرد على شبه الوهابية في التوسّل   228
   الآية الرابعة   231
      تركيز الآية على فرضيّة اتخاذ الولد وبطلانها   232
      بيان أمير المؤمنين (عليه السلام) في كونه تعالى واحداً   235
   الآية الخامسة   236
      اللغة:   236
      تفسير الآية   237
      في معنى التكوير   237
   الآية السادسة   240
   الآية السابعة   245
      شبهة خروج أفعال العباد عن دائرة إرادته تعالى   246

صفحه 363
الموضوع    الصفحة
      مسلك الأشاعرة والمعتزلة في حلّ الإشكال   247
   الآية الثامنة   252
      اللغة   252
      التوحيد الفطري   252
   الآية التاسعة   255
      اللغة   255
      تفسير الآية   256
      مكانة العلم والعلماء في الإسلام   257
      أُسلوب المقارنة في القرآن الكريم   259
   الآية العاشرة   261
   الآيات: الحادية عشرة ـ الرابعة عشرة   263
   الآية الخامسة عشرة   265
   الآية السادسة عشرة   266
      اللغة   266
      تفسير الآية   267
   الآيتان: السابعة عشرة والثامنة عشرة   269
      اللغة   269
      تفسير الآيتين   269
      ما هو الفرق بين الإنابة والتوبة؟   270

صفحه 364
الموضوع    الصفحة
   الآية التاسعة عشرة   272
   الآية العشرون   273
   الآية الواحدة والعشرون   274
      اللغة   274
      في وحدة التدبير والتنديد بالحياة الدنيوية   275
      سيد قطب وتوضيح التمثيل الموجود في الآية   277
      إيضاح التمثيل بوجه آخر   278
   الآية الثانية والعشرون   279
      اللغة   279
      تفسير الآية   280
   الآية الثالثة والعشرون   281
&n