welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : المحقّق الكركي *
تألیف :العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني*

المحقّق الكركي

صفحه 1
في رحاب العلماء
      4
المحقّق الكركي
رجل العلم والسياسة
تأليف العلاّمة المحقّق
آية الله جعفر السبحاني مد ظله الوارف
منشورات مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 2
فهرس الكتاب

صفحه 3
بسم الله الرحمن الرحيم

صفحه 4

صفحه 5
بسم الله الرحمن الرحيم
تعتزّ الأُمم ـ جميع الأُمم ـ بالعظماء من علمائها ومفكريها وقادتها، الّذين كرّسوا حياتهم للنهوض بالأُمّة في ميادين العلم والعمل والكفاح والجهاد، تلبيةً لدواعيى الوفاء لهم، وتثميناً لجهودهم، وتعريفاً بمقامهم ومكانتهم، واستلهاماً لعطائهم الثرّ.
وتحقيقاً لهذه الأغراض، آثرنا اليام بتأليف سلسلة (في رحاب نوابغ العلماء)، نُلقي فيها الأضواء على جوانب مهمة من سيرة علمائنا الأفذاذ، ونعرض لأهمّ آرائهم وأفكارهم ونتاجاتهم المتميزة.
ونحن إذ ننشر هذه السلسلة، لا نستهدف من ورائها دعوة الشباب إلى أن يكون عظامياً، يفخر فقط بما أنجزه الماضون من علمائنا الأبرار، وينأى بنفسه عن بناء حاضر مشرق زاخر بالحيوية والنشاط، وإنّما هي دعوة إلى التواصل مع التراث الحي، الّذي يبعث الجيل الحاضر على الفخر والاعتزاز لشعوره بأنّ ثقافة أُمّه وحضارتها ضاربة بجذورها في أعماق التاريخ، ثمّ هو ـ الجيل الحاضر ـ يحاول الإفادة منه، وتطويره بما ينسجم ومتطلبات العصر، وتطلعات الشباب المتوثّب للتقدم والنهوض لخدمة إسلامه العزيز وأُمّته العظيمة.
وهنا نحن نقدّم إلى القراء الأعزاء نماذج من حياة لفيف من علمائنا وقادتنا، لتكون نبراساً يستهدون به في مسيرتهم نحو الخير والكمال. والله المسدّد.
المؤلّف

صفحه 6

صفحه 7

المحقّق الكركي

رجل العلم والسياسة

العلماء حصون الإسلام وقلاعه المنيعة وعزّ الدين، فلم يزل الدين مصوناً ببيانهم وبنانهم من هجمات الأعداء ودسائس الأغيار.
العلماء هم البدور المنيرة، والمصابيح الزاهرة، والأنجم الساطعة في غياهب الدُّجى ومتاهات البيداء.
العلماء هم الذين ينفون عن الدين تأويل المبطلين وتحريف الغالين وانتحال الجاهلين كما ينفي الكير خبث الحديد.
وبالتالي العالم في المجتمع كالشمعة المضيئة، ينير الدرب بإذابة ذاته وشخصه ويعبِّد الطريق للسالكين.
هكذا شأن العلماء ووصفهم. وحياتهم طافحة بالتضيحات وبذل النفس والنفيس في طريق هداية الأُمّة.
وقد زخر تاريخ أُمّتنا المجيدة بعلماء كبار أخذوا على عاتقهم صيانة الشريعة عن الدس والانحراف وهداية المجتمع إلى الحقّ اللباب، وقد بذلوا في سبيل ذلك كلّ ما يملكون حتّى أنّ قسماً منهم خاض غمار

صفحه 8
الشهادة لغاية حفظ الدين.
نعم التاريخ مليء بذكر الحوادث الحلوة والمرة، فالحلوة منها هي حياة العلماء والمصلحين المحنكين الذين تركوا آثاراً ومواقف في بيئتهم وثنايا أُمّتهم.
ولسنا غالين إذا قلنا: إنّ حياة هذه الجماعة هي الّتي تمثل السطور الذهبية للتاريخ، فعلى الناشئة الاهتمام بتراجمهم والوقوف على ما تركوا من بصمات في حياة أُمّتهم.
***
إنّ الزعيم الكبير أُستاذ الفقهاء والمحقّقين الشيخ علي بن عبد العالي الكركي (عليه سحائب الرحمة والرضوان) الّذي نحن بصدد الإشارة إلى جانب من جوانب حياته، أحد هؤلاء الأفذاذ الذين كتبوا صحائف تاريخهم بخدماتهم الجليلة في المجالات المختلفة: العلمية والاجتماعية والسياسية.
وليس هذا من العجب، إذ هو نبغ في أرض خصبة بالعلم والثقافة وعرفت بالصمود والكفاح منذ أمد بعيد، فهو وليد جبل عامل الّذي أطل على العالم بعلمائه ومفكريه وأبطاله ومجاهديه الذين نذروا أنفسهم للحقّ ووقفوا حياتهم على إعلاء كلمة اللّه في الأرض، ولهم في كلّ زمان زعيم يُقتدى به.

صفحه 9
لو افترضنا انّ جبل عامل كان جبلاً من ذهب أو فضة أو سائر الأحجار الكريمة لما كان له تلك القيمة الّتي يثمنها التاريخ، وذلك لأنّ الذهب والفضة زهرتا الحياة الدنيا (وَالْبَاقِياتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلا).
وقد شهد غير واحد من المؤرّخين بدوره في ضخّ الأُمّة بالعلماء والفقهاء الأعلام، وهذا هو القاضي الشهيد التستري يقول في «مجالس المؤمنين»:
ما من قرية هناك إلاّ وقد خرج منها جماعة من علماء الإمامية وفقهائهم.1
وقد نقل الشيخ الحر العاملي أنّه سمع من بعض مشايخه:
اجتمع في جنازة في قرية من قرى جبل عامل سبعون مجتهداً في عصر الشهيد وما قاربه.
ثمّ يقول: إنّ عدد علمائهم يقارب خمس عدد علماء المتأخّرين، وكذا مؤلفاتهم بالنسبة إلى مؤلفات الآخرين مع أنّ بلادهم بالنسبة إلى باقي البلدان أقلّ من عُشر العشر، أعني: جزءاً من مائة جزء من البلدان.2
وما عساني أقول في بلاد ذكرها الإمام الصادق(عليه السلام) حيث إنّه سئل

1 . مجالس المؤمنين:31.
2 . أمل الآمل، القسم الأوّل:15.

صفحه 10
كيف يكون حال الناس في حال قيام القائم(عليه السلام)، وفي حال غيبته، ومَن أولياؤه وشيعته المصابين منهم، المتمثلين أمر أئمّتهم والمقتفين لآثارهم والآخذين بأقوالهم؟
قال(عليه السلام): «بلدة بالشام».
قيل: يابن رسول اللّه إنّ أعمال الشام متسعة؟ قال: «بلدة بأعمال الشقيف أو تون و بيوت و ربوع تعرف بسواحل البحار وأوطئة الجبال».
قيل يابن رسول اللّه هؤلاء شيعتكم؟ قال(عليه السلام): «هؤلاء شيعتنا حقاً، وهم أنصارنا وإخواننا والمواسون لغريبنا والحافظون لسرنا، واللينة قلوبهم لنا والقاسية قلوبهم على أعدائنا، وهم كسكان السفينة في حال غيبتنا، تمحل البلاد دون بلادهم، ولا يصابون بالصواعق، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويعرفون حقوق اللّه ويساوون بين إخوانهم، أُولئك المرحومون المغفور لحيهم وميتهم وذكرهم وأنثاهم، ولأسودهم وأبيضهم وحرّهم وعبدهم وانّ فيهم رجالاً ينتظرون، واللّه يحبّ المنتظرين».
ثمّ يقول شيخنا الحرّ العاملي بعد نقل هذا الحديث:
وإن لم أجده في كتاب معتمد لكنّه لم يتضمن حكماً شرعياً وهناك قرائن على ثبوت مضمونه والصفات المذكورة صفات أكثرهم وأغلبهم.1

1 . أمل الآمل:1/16.

صفحه 11

العامليون في إيران

حمل لواء الدولة الشيعية في إبّان ظهورها لفيف من علماء جبل عامل الذين لم يدّخروا جهداً في تعزيز كيانها وتقويمها وتثقيفها بالثقافة الشيعية ولولاهم لما كان لها حظّ من الرقي والتقدّم في مجال الدين والثقافة، فأوّل من هاجر إليها الشيخ المحقّق الكركي الذي أُقيم لتكريمه هذا المؤتمر الكبير.
وهو بهذه الهجرة قد فتح الباب للآخرين، فاقتفوا أثره ويمّموا وجهوهم شطر إيران، وإليك أسماء بعض المهاجرين الذين كان لهم دور في تطوير الدولة وتثقيف الشعب الإيراني ونشر الولاء بينهم:
1. الشيخ حسين بن عبد الصمد الجباعي (918ـ 984هـ) والد الشيخ البهائي، هاجر إلى إيران بعد شهادة أُستاذه الشهيد الثاني عام (966هـ)، وعيّن شيخاً للإسلام في قزوين ونُقل إلى مشهد ثمّ إلى هراة ثمّ غادر إيران عام 983هـ إلى البحرين وتوفّي هناك بعد سنة.
2. الشيخ محمد بن الحسين بن عبد الصمد(953ـ 1030هـ) المشتهر ببهاء الدين العاملي، وهو أحد نوابغ العالم فقد عُين شيخاً للإسلام في اصفهان أيّام حكم الشاه عباس الكبير أعظم ملوك الصفوية فأقام فيها منشآت ومساجد ومدارس.
ويشهد على علو كعبه، آثاره ومصنفاته، كما تشهد على تبحره في

صفحه 12
العرفان، منظومته الّتي يصف فيها الحب الإلهي بقوله:
عشاق جمالك قد غرقوا *** في بحر صفاتك احترقوا
في باب نوالك قد وقفوا *** وبغير صفاتك ما عرفوا1
3. الشيخ لطف اللّه بن عبد الكريم الميسي(المتوفّى عام 1032هـ).
حيث بنى له الشاه عباس الكبير المسجد المعروف بمسجد الشيخ لطف اللّه. وهو يعدّ من آثار اصفهان الجميلة.
4. الحرّ العاملي محمد بن الحسن(1030ـ 1104هـ).
المحدّث الإمامي الشهير صاحب وسائل الشيعة، وأحد كبار علماء الإمامية. ولم يزل كتابه «وسائل الشيعـة» مرجعاً للعلماء والفقهاء إلى يومنا هذا.
إلى غير ذلك من فطاحل العلماء الذين كان لهم مواقف مشهودة في تسيير الدولة الصفوية في طريق الكمال.
ولا يظنّ القارئ الكريم انّ عدد المهاجرين يقف على ما ذكرنا، بل انّ عددهم أكثر من ذلك وهذا هو الشيخ جعفر المهاجر«حفظه

1 . بهاء الدين، شير و شكر:13.

صفحه 13
اللّه» قد ذكر في كتابه «الهجرة العاملية إلى إيران في العصر الصفوي» أسماء سبع وتسعين عالماً هاجروا إلى إيران وغذّوا بعلومهم الشعب الإيراني.
وبحقّ أنّ الأُمّة الإيرانية بعامة طبقاتها مرهونة في ولائها وثقافتها الدينيّة لهؤلاء المهاجرين الذين تركوا بلادهم وأوطانهم حبّاً للمبادئ ورغبة في إقامة دولة الحق.

البلاء للولاء

وبما أنّ «البلاء للولاء» فقد شهدت تلك المنطقة ـ منطقة جبل عامل ـ الموالية لأئمّة أهل البيت(عليهم السلام)اضطهاداً وسياسةً دموية في العهدين: العثماني والفرنسي وقد أُريقت فيها دماءٌ طاهرة وهتكت حرمات كثيرة وقد سبب ذلك مهاجرة لفيف منهم إلى ديار بعيدة.
وهذا هو العالم الشاعر إبراهيم يحيى يصف مظالم «الجزار» وفظائعه على الشيعة في جبل عامل تلك المنطقة الخصبة بالعلم والفضل، وجمال الطبيعة وكانت ولم تزل داراً للشيعة منذ عصور، تلمع كشقيقتها «حلب» في خريطة الشامات، وقد صوّر الشاعر ما جرى عليهم في قصيدته على وجه يدمي الأفئدة والقلوب، وقد هاجر من موطنه إلى دمشق ونظم فيها القصيدة الميميّة نقتطف منها ما يلي:

صفحه 14
يعزّ علينا أن نروحَ ومصرنا *** لفرعونَ مغنى يصطفيه ومغنم
منازلُ أهل العدل منهم خليّة *** وفيها لأهل الجور جيش عرمرم
وعاثت يدُ الأيام فينا ومجدنا *** وبالرغم مني أن أقول مهدَّم
ولستَ ترى إلاّ قتيلاً وهارباً *** سليباً ومكبوباً يُغَلّ ويُرغم
وكم علم في عامل طُوّحت به *** طوائح خطب جرحها ليس يلأم
وأصبح في قيد الهوان مكبّلاً *** وأعظمُ شيء عالم، لا يعظّم
وكم من عزيز ناله الضيم فاغتدى *** وفي جيده حبل من الذلّ محكم
وكم هائم في الأرض تهفوا بلبّه *** قوادم أفكار تغور وتتهم
ولما رأيتُ الظلم طال ظلامه *** وانّ صباح العدل لا يتبسم
ترحلتْ عن دار الهوان وقلّما *** يَطيب الثوى في الدار والجار، أرقم

صفحه 15
تملّكها ـ والملك للّه ـ فاجر *** سواء لديه ما يحلّ ويحرم
عتلّ زنيم، يُظهر الدين كاذباً *** وهيهات أن يخفى على اللّه مجرم1
ومع ذلك كلّه نرى الصمود والكفاح مكتوباً على جباه العامليين حيث إنّ سيطرة أمثال الجزّار وأشباهه لم يثن عزمهم عن الاستمرار في الدفاع عن مبدئهم وشرفهم وكيانهم. كما أنّهم لم يغترّوا أخيراً بوعود الأعداء، وتلقوها في كلّ عصر وزمان وعوداً جوفاء وخدعاً فارغة، وهذا هو علاّمة العلماء وسيّد المؤرخين السيّد محسن الأمين(قدس سره) يصف خداعهم ووعودهم في هذين البيتين:
قالوا الشعوب نَفُكّها من رقِّها *** كلاّ بل استِعْبادَها قد راموا
باسم الحماية والوِصايةِ يُجْترى *** حقٌّ لكم وتدوسُكُم أقدامُ
هكذا كان الأجداد في الدفاع عن العز والشرف وقد ورثه الأبناء كابراً عن كابر.

1 . الشيعة والحاكمون:196.

صفحه 16
وكفانا في البرهنة على ذلك مشاهدة المقاومة الإسلامية الّتي يقودها أبناء هذه التربة الطيبة، وما يبثّه منارها من روح الجهاد وعزم الكفاح.
نعم هذا العطاء الثرّ للعامليين في كلّ عصر وزمان، إنّما هو ثمرة اقتفائهم لفقهائهم وعلمائهم الواعين بالظروف والعارفين بمسؤولياتهم الملقاة على عاتقهم في كلّ زمان، قال الإمام الصادق(عليه السلام):«العالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس».
وعلى رأس هؤلاء ومقدّمهم زعيم الإمامية و محقّقها ومروّج مذهبها في زمانه علي بن الحسين بن علي بن محمد بن عبد العالي الكركي العاملي المعروف بالمحقّق الكركي وبالمحقّق الثاني، ويقال له علي بن عبد العالي اختصاراً، المولود عام 868هـ والمتوفّى 940هـ.
وتدلّ آثاره وتآليفه ومواقفه السياسية والاجتماعية على أنّه كعبة العلم ومناره، ولجّة الفضل وتيّاره، عالم محقّق، وفاضل مضطلع، حاز قصب السبق في حلبات مختلفة، وما من علم من علوم الشريعة إلاّ وقد شرب من عذبه، وما من فن إلاّ خاض في أعماقه، فهو ذو همة قعساء تناطح السماء.
ففي مجال الكلام متكلم بارع له أفكاره وآراءه، وفي مجال الفقه متخصص قليل النظير بل مبتكر في قواعده وأُصوله، وفي مجال الدراية والرجال فارس حلبتهما ومرتكز لوائهما، وفي دور السياسة وقيادة الأُمّة

صفحه 17
قائد محنّك عارفٌ بزمانه وظروفه، فلا غرو إذا وصفناه بقول الشاعر:
هو البحر من أي النواحي أتيته *** فلجّته المعروف والجـود ساحله
كما لا عتب على اليراع إذا وقف عن تعريف شخصيته وتبيين مواقفه وتقييم آثاره.
إنّ الإلمام بحياة الشيخ الكركي بكافة جوانبها رهن كتاب مفرد، غير أنّا
نشير في هذا المقال إلى زوايا خاصة من حياته العلمية والسياسية ليقف القارئ عن كثب على ما للشيخ من فضائل ومناقب وآثار ومؤلفات فتأتي ترجمته الإجمالية ضمن فصول:
الفصل الأوّل: في حياته الشخصية منذ ولادته إلى وفاته.
الفصل الثاني: كلمات الثناء في حقّ المحقّق.
الفصل الثالث: تصانيفه ومؤلفاته.
الفصل الرابع: آراؤه الفقهية.
الفصل الخامس: تلاميذه والمستجيزون منه.
الفصل السادس: حياته السياسية والخدمات الّتي قدّمها للمجتمع.

صفحه 18

الفصل الأوّل

حياته الشخصيّة

منذ

ولادته إلى وفاته

هو علي بن الحسين بن علي بن محمد بن عبد العالي العاملي، زعيم الإماميّة ومفتيها ومروّج مذهبها في عصره، المعروف بالمحقّق الكركي، وبالمحقّق الثاني، ويقال له علي بن عبد العالي اختصاراً، وربما يشتبه بعلي بن عبد العالي بن محمد بن أحمد بن علي بن مفلح الميسي العاملي الشهير بابن مفلح(المتوفّى 938هـ) أحد كبار فقهاء الإمامية وعلمائها الربانيّين وهو والد زوجة الشهيد الثاني.

مولده، وتجواله في البلاد طلباً للعلم والحديث

ولد في «كرك نوح» سنة 868هـ، وبعد ما درس في مسقط رأسه الفقه الشيعي على يد كبار علمائها آنذاك، لم تقتنع نفسه الطموحة بما

صفحه 19
أخذ فشدّ الرحال إلى سائر البلدان الإسلاميّة، يقول الأفندي التبريزي: قد سافر إلى بلاد الشام ثمّ إلى بلاد مصر وأخذ عن علمائها.1
وقد صرح في بعض إجازاته لتلاميذه بذلك، يقول في إجازته المفصّلة للشيخ إبراهيم الخانيساريّ: وأمّا كتب أهل السنّة في الفقه، فأنّي أروي الكثير منها عن مشايخنا ـ رضوان اللّه عليهم ـ وعن مشايخ أهل السنّة، خصوصاً «الصحاح الستّة» و خصوصاً «الجامع الصحيح» للبخاريّ، و«صحيح أبي الحسن بن الحجّاج القشيريّ النيسابوريّ».
فأمّا روايتي لذلك عن أصحابنا فإنّما هي بالإجازة، وأمّا عن مشايخ أهل السنّة فبالقراءة لبعض المكمّلة بالمناولة، وبالسماع لبعض، وبالإجارة لبعض، فقرأت بعض «صحيح البخاري» على عدّة:
منهم: الشيخ الأجلّ العلاّمة، أبو يحيى زكريا الأنصاريّ، وناولني مجموعة مناولة مقرونة بالإجازة، وأخبرني أنّه يرويه عن جمع من العلماء، منهم: قدوة الحفّاظ ومحقّق الوقت أبو الفضل أحمد بن عليّ بن حجر، قال:
أنبأنا به العفيف أبو محمّد عبد اللّه بن محمّد بن محمّد بن سليمان النيسابوريّ، سماعاً لمعظمه، وإجازة لسائره، قال:
أنبأنا به الرضي أبو إبراهيم بن محمّد الطبريّ، أنبأنا به أبو القاسم عبد الرحمن بن أبي حرقي، سماعاً إلاّ شيئاً يسيراً، قال:

1 . رياض العلماء:6/441.

صفحه 20
أنبأنا به أبو الحسن عليّ بن حميد بن عمّار الطرابلسيّ، أنبأنا به أبو مكتوم عيسى بن الحافظ أبي ذرّ عبد بن أحمد الهرويّ، قال:
أنبأنا به أبي، قال: أنبأنا به أبو العبّاس أحمد بن أبي طالب ابن أبي النعم نعمة بن حسن بن عليّ بن بيان الصالحيّ الحجّار، عرف بابن الشحنة، سماعاً لجميعه، قال أيضاً:
وأنبأتنا به أُمّ محمّد ستّ الوزراء، وزيرة ابنة عمر بن أسعد بن المنجا التنوخيّة، سماعاً لجميعه إلاّ يسيراً مجبوراً بالإجازة، قالت:
أنبأنا به أبو عبد اللّه الحسين بن أبي بكر المبارك بن محمّد بن يحيى الزبيديّ، سماعاً، قال:
أنبأنا به أبو الوقت عبد الأوّل بن عيسى بن شعبة الشجريّ الهرويّ، سماعاً عليه لجميعه، قال:
أخبرنا به أبو الحسن عبد الرحمن بن محمّد بن المظفّر بن داود الداوديّ، قال:
أنبأنا به أبو محمّد عبد اللّه بن حمويه، أنبأنا أبو عبد اللّه محمّد بن يوسف بن مطر بن صالح بن بشر الغريريّ، قال:
أنبأنا به مؤلّفه الحافظ الناقد أبو عبد اللّه محمّد بن إسماعيل البخاريّ.
وأمّا «صحيح مسلم» فإنّي قرأت بعضه على الشيخ العلاّمة

صفحه 21
الرحلة عبد الرحمن بن الإبانة الأنصاريّ، بمصر في ثاني عشري من شعبان من سنة خمس وتسعمائة، وناولني باقيه مناولة مقرونة بالإجازة. وله إسناد عال مشهور بالصحيح المذكور، وسمعته إلاّ مواضع بدمشق بالجامع الأمويّ على العلاّمة الشيخ علاء الدين البصرويّ، وأجازني روايته ورواية جميع مروياته، وكذا سمعت عليه معظم مسند الفقيه الرئيس الأعظم محمّد بن إدريس الشافعيّ المطّلبيّ.
وأمّا موطأ الإمام العالم مالك بن أنس، نزيل دار الهجرة المقدّسة، فإنّي أرويه بعدّة طرق عن أشياخ علماء الخاصّة والعامّة، وكذا «مسند الإمام المحدّث الجليل أحمد بن حنبل» و «مسند أبي يعلى» و «سنن البيهقي» و «سنن الدار قطنيّ» و غير ذلك من المصنّفات الكثيرة الشهيرة، وقد اشتمل عليها مواضع ومظانّ هي معادنها، فليرجع إليها عند الحاجة.1
كما صرح بذلك أيضاً في إجازته للشيخ أحمد بن محمد خاتون العاملي قال: وقد أخذتُ عن علماء العامّة كثيراً من مشاهير كتبهم.
ففي الفقه مثل «المنهاج» للشيخ الإمام محيي الدين النواويّ، ومثل «الحاوي الصغير» للإمام عبد الغفّار القزوينيّ، ومثل «الشرحين الكبير والصغير على الوجيز» للشيخ المحقّق الإمام عبد الكريم القزوينيّ،

1 . كشف الغمّة، مخطوط، نسخة مدرسة النمازيّ في خوي، رقم 161. كما في حياة المحقّق الكركي وآثاره:2/268.

صفحه 22
وغير ذلك.
وفي الحديث مثل «الصحيحين» للإمامين الحافظين الناقدين البخاريّ ومسلم، وغيرهما من الصحاح، ومثل «المصابيح» للبغويّ، و «مسند الشافعي» و«مسند أحمد بن حنبل».
وفي التفسير مثل «معالم التنزيل» للبغوي أيضاً، و«تفسير العلاّمة القرطبيّ» و «تفسير القاضي البيضاويّ»، و غير ذلك.
فبعض هذه بالقراءة، وبعضها بالسماع، وبعضها بالإجازة، وربّما كان في بعض مع الإجازة مناولة.
وأسانيد هذه موجودة في متون الإجازات الّتي لي من أشياخ أهل السنّة، وبعضها مكتوبة بخطّي وعليها تصحيح من أخذتُ عنه، منهم بخطّه.1
كلّ ذلك يدلّ على أنّ المحقّق الكركي قد تحمل مشاق السفر إلى البلدان لتحمّل الحديث وغيره عن أساتذة الوقت.

عودته إلى كرك

ثمّ إنّه بعدما طاف البلاد وأخذ ما احتاج إليه من العلوم عاد إلى كرك وبقي فيها فترة قصيرة، وقد شهد على اجتهاده وتوسّعه في العلوم عالمان كبيران من أعيان العصر، هما:

1 . أعيان الشيعة:6/137.

صفحه 23
1. علي بن أحمد بن محمد هلال الكركي العاملي الشهير بعلي بن هلال الجزائري(المتوفّى نحو عام 910هـ)، أجازه عام 909هـ قبل هجرته إلى العراق. وسيوافيك نصّ الإجازة في الفصل القادم.
2. إبراهيم بن الحسن الدراق الّذي هو أوثق مشايخ الشيخ إبراهيم بن سليمان القطيفي ـ أحد المعارضين للمحقّق الكركي في بعض المسائل الفقهية الّتي لها طابع سياسي، كالخراج وصلاة الجمعة ـ ، و أمّا اجازة الدرّاق للمحقّق الكركي فقد ذكر صاحب «الروضات» أنّه رأى هذه الإجازة، وتاريخها شهر رمضان سنة (909هـ).1
ولم يكتفِ صاحبنا بذلك، بل قرّر الذهاب إلى النجف الأشرف المدرسة الكبرى للشيعة، فسار إليها وهو يحمل الإجازتين اللّتين تشهدان على علوّ كعبه ومكانته.
ولكن لم نجد في مصادر ترجمته ما يدلّ على حضوره أبحاث أحد من مشايخ النجف الأشرف، بل لعلّه غادر كرك لأجل نشر ما أخذه على طلاب تلك المدرسة.
نزل المحقّق الكركي على النجف الأشرف مدينة العلم وهو يدرِّس، ويفيض و يربي إلى أن احتلت جيوش الدولة الصفوية العراق، ودخل سلطانها بغداد في الخامس والعشرين من شهر جمادى الآخرة(عام 914هـ)، وزار العتبات المقدّسة في كربلاء والنجف

1 . لاحظ: الذريعة:10/133.

صفحه 24
الأشرف ثمّ عاد إلى إيران.
وطبع الحال يقتضي انّه تعرّف في تلك الفترة على المحقّق الكركي، لأنّه الفقيه البارز المشار إليه بالبنان.
فلما عاد الملك إلى إيران أمر بإرسال الهدايا والصلات إلى المحقّق الكركي حتّى أنّ المصادر تؤكد على أنّه كان يصل إليه في كلّ سنة سبعون ألف دينار شرعي لينفقها على الطلاب والمشتغلين.1
كان المحقّق الكركي يدرّس و يؤلف إلى أن وصلت إليه الدعوة من ملك الدولة الصفوية للتوجّه إلى إيران، فلبى دعوته لنوايا دينية، وبقصد تغيير مسيرة الدولة والسعي إلى إقامتها على أساس الموازين الشرعية، وبجعل الحوار الديني بديلاً عن منطق القوة والتسلّط، فأعدّ العدّة للهجرة إلى إيران في أواخر عام (916هـ).
دخل المحقّق الكركي على الشاه إسماعيل بعد فتحه مدينة «هراة»، ثمّ استقر في مدينة مشهد المقدسة فألّف فيها الرسالة الجعفرية الّتي أتمّها في العاشر من جمادى الآخرة، كما انتهى من تأليف «نفحات اللاهوت» في السادس عشر من شهر ذي الحجّة سنة (917هـ).
وظل يرافق الملك في تجواله في البلاد، وتدلّ المصادر على وجوده في منطقة «سلطانية» التابعة لزنجان عام 918هـ. ومع ذلك كلّه لم يكن

1 . روضات الجنات:4/360; أعيان الشيعة:8/209.

صفحه 25
النجاح حليفاً للمحقّق في جميع خطواته، ولم تحقّق له رحلته هذه ما كان ينشده من أهداف، لأنّ النوازع النفسية للملك وأخلاقه الخاصة عاقته عن التطوير الّذي كان يتوخّاه في ركائز الدولة، فلم يجد بدّاً من الرجوع إلى العراق في أواخر عام (919هـ) أو عام (920هـ).

الهجرة الثانية إلى إيران

عاد المحقّق إلى العراق بقلب موجَع ونفس حزينة، ومع ذلك كلّه كان يشعر بالارتياح، لأنّه أدى وظيفته الشرعية، فاستقر في النجف الأشرف مشتغلاً بالتدريس والتأليف وتربية الجيل كما يظهر من الإجازات الّتي أصدرها في تلك المرحلة لكثير من العلماء.
وقد توفّي الملك إسماعيل عام (930هـ) وفُوِّض الأمر إلى ولده طهماسب الّذي كان صغيراً عند وفاة والده ولما بلغ استلم الحكم عام (936هـ). وأوّل ما كان يحلم به الملك الجديد هو إعادة العراق لسيطرة الدولة الصفوية بعدما انتزعه منها العثمانيون، فاحتل بغداد في الرابع والعشرين من شهر جمادى الأُولى سنة 936هـ.1
ثمّ زار العتبات المقدسة في مدينة كربلاء والنجف وطلب من المحقّق الكركي صحبته، فهاجر إلى إيران في نفس السنة، وبقي فيها ثلاث سنوات وقد وصل الكركي في هذه المرحلة إلى قمة الهرم وحقّق ما

1 . أحسن التواريخ:153.

صفحه 26
كان يطلبه.
وكان الملك طهماسب على خلاف والده ذا صدر رحب، يحترم آراء وتوجيهات المحقّق الكركي، وفي ضوء ذلك أصدر الملك عام (936هـ) بلاغاً أمر فيه كافة الأمراء والقادة بامتثال أوامره، وتطبيق إرشاداته.
وفي هذا الجو الهادئ والقدرة غير المنازع عليها وجد الكركي أُمنيته فأخذ يوجه إلى حكّام الولايات رسائل مباشرة تتضمّن قوانين العدل وكيفيّة سلوك العمّال مع الرعيّة في أخذ الخراج وكميّته ومدّته، وأخذ يتجول في أنحاء المدن الإيرانية الواسعة، فيعزل من الولاة من لا يراه صالحاً لذلك، ويولي من يراه صالحاً للولاية.
وأمر بإنشاء المدارس وتقوية الحوزات العلميّة، وعيّن في كلّ مدرسة معلّماً يعلّمهم أحكام دينهم، كما أخذ هو على نفسه تعليم كبار رجال الدولة من الأمراء والقادة.
وتشهد الإجازات الّتي منحها لكثير من العلماء على أنّه كان يتجول في البلاد، حيث نرى أنّه أجاز للسيد محمد مهدي ابن السيد محسن الرضوي المشهدي في مدينة قم، كما أنّه أجاز لكمال الدين درويش محمد بن الحسن العاملي في مدينة أصفهان.
ومع أنّه أحرز نجاحاً باهراً في هذه المرّة، إلاّ أنّه ـ و بسبب بعض القلاقل ـ عاد إلى العراق عام (939هـ)، قائماً بوظائفه إلى أن وافته

صفحه 27
المنية في مدينة النجف بعد سنة ونصف من عودته، وذلك في عام (940هـ). وأرخ عام وفاته بمادة «مقتداى شيعة» المساوية لعام 940هـ.
يقول السيد حسين البروجردي في منظومته الرجالية:
ثمّ علي بن عبد العالي *** محقّق ثان وذو المعالي
بالحق امحى السنة الشنيعة *** لفوته قد قيل «مقتداى شيعه»
ما ذكرناه، ترجمة موجزة لحياة فقيه كبير، كرّس نفسه للعلم وأهله، وتحمل مشاق الأسفار لإقامة لواء العدل وبسط القسط.
فسلام اللّه عليه يوم ولد، ويوم مات، ويوم يبعث حيّاً.

صفحه 28

الفصل الثاني

كلمات الثناء في حقّ المحقّق

اعتقد انّ المحقّق الكركي غني عن نقل أي مدح وثناء في حقّه من غير فرق بين ما صدر عن أساتذته أو معاصريه أو المتأخّرين عنه.
غير أنّ إيقاف القارئ على مكانته العلمية والاجتماعية عن كثب، يقتضي ذكر بعض ما قيل في حقّه من المدح والثناء، وقد جمع الفاضل المعاصر الشيخ محمد الحسون كلمات العلماء في حقّه فبلغت أربعين كلمة لأربعين شخصاً، نقتطف منها ما يلي:

1. ثناء أُستاذه محمد بن علي العاملي

يُعتبر الشيخ محمد بن علي بن خاتون العاملي من أعلام أواخر القرن التاسع وأوائل القرن العاشر وقد أجاز للمحقّق الكركي وممّا جاء في إجازته:
أمّا بعد فإنّ العلم لا يخفى شرفه وسموّه ومقداره، ولمّا كانت الرواية هي أكبر الوصلة إليه والسبيل إليه. وكان ممّن يشمّ أعلى ذراه،

صفحه 29
وأحاط بصريحه وفحواه، وهو أهل أن يؤخذ منه، وينقل عنه، ذلك الشيخ الفاضل، والعالم العامل، والرئيس الكامل، زين الإسلام، الشيخ زين الدين علي ولد الشيخ الورع التقي النقي الزاهد العابد عزّ الدين حسين بن عبد العالي، أعلى اللّه شأنه وصانه عمّا شانه.1

2. ثناء أُستاذه علي بن هلال الجزائري

لما استجاز المحقّق أُستاذه عليّ بن هلال الجزائري، أجازه بالتكريم والاجلال، وقال:
وكان بتوفيق اللّه العظيم، وفضل منحه الجسيم، من طلاب هذه الإفادة، والراغبين في نيل هذه السعادة، الشيخ العالم العامل، الفاضل الكامل، المؤيد بالنفس الزكية، والأخلاق المرضية، من منحه اللّه العظيم، بالعقل السليم، والنظر الصائب، والحدس الثاقب، المولى الشيخ زين الدين علي ـ أعلى اللّه مجده ـ ، ابن الشيخ عزّ الدين حسين بن الشيخ زين الدين علي بن عبد العالي، التمس من المملوك إجازة، ولم أكن لذلك أهلاً، لولا خلوّ الزمان من أهل الفضل والكمال، لقلّة البضاعة، وقصور باعي في هذه الصناعة، فأنشدت عند ذلك ما قاله المعلّى وقد مدحه بعض الفضلاء:

1 . بحار الأنوار:105/20، ط بيروت.

صفحه 30
لعمر أبيك ما نسب المعلّى *** إلى كرم وفي الدنيا كريم
ولكن البلاد إذا اقشعرّت *** وصوّح نبتها رعي الهشيم
ولكنّي لم أجد المنع جميلاً، ولا إلى ترك الإجابة سبيلاً لتحريم منع العلم عن الطالبين ووجوب بذله لأهله المستحقّين، فأجبت ما التمس بالسمع والطاعة، مع قصور باعي في الصناعة، وقلّة ما معي من البضاعة، وأجزت له أدام اللّه أيّامه وفضائله وأسبغ عليه نعمه وفواضله، ومدّ له في العمر السعيد
ومتّعه بالعيش الرغيد، ورفع ذكره في الخافقين، وبلّغه اللّه بمنّه سعادة الدارين، إنّه خير موفّق ومعين، أن يروي عنّي عن شيخي المولى الشيخ الأعظم العالم العامل الفاضل الكامل الشيخ عزّ الدين حسن بن يوسف الشهير بابن العشرة، وعن شيخي المولى الإمام الأعظم البارز على أقرانه في زمانه ذي النفس القدسيّة، والأخلاق المرضية الشيخ عز الدّين حسن بن الشيخ عزّ الدين حسين الشهير بابن مطر، وعن شيخي المولى الإمام الأجل الأعظم الأفضل

صفحه 31
الأكمل الأعلم علاّمة علماء الإسلام وخلاصة فضلاء الزمان في زمانه المبرّز على أقرانه أبي العباس جمال الملّة والحقّ والدّنيا والدين، أحمد بن فهد تغمّده اللّه بسوابغ رحمته وأسكنه بأعلى منازل جنّته كتاب قواعد الأحكام في معرفة الحلال والحرام من تصانيف الشيخ المولى الإمام الأعظم الأفضل الأكمل الأعلم الشيخ جمال الملّة والحقّ والدّنيا والدين الشيخ الإمام سديد الدين يوسف ابن المطهّر عن والده عن ولده الشيخ فخر الدين.1
وفي آخر الإجازة وكتب العبد الفقير إلى رحمة ربّه الغني عليّ بن هلال الجزائري مولداً العراقي أصلاً ومحتداً يوم الثلاثاء منتصف شهر رمضان من شهور سنة تسع وتسعمائة والحمد للّه وحده، وصلّى اللّه على سيّدنا محمّد المصطفى وآله الطاهرين.2
وتعبّر الإجازة عن مكانته السامية عند أُستاذه وعن إحرازه مرتبة الاجتهاد.

3. ثناء الشهيد الثاني (المتوفّى 965هـ)

قال الشهيد الثاني ـ الغني عن التعريف ـ في إجازته للشيخ حسين بن عبد الصمد الحارثي الجبعي الصادرة له في ليلة الخميس الثالث من جمادى الآخر سنة 941هـ: وعن الشيخ جمال الدين أحمد وجماعة من الأصحاب الأخيار، عن الشيخ الإمام المحقّق نادرة الزمان ويتيمة الأوان، الشيخ نور الدين علي بن عبد العالي(قدس سره).
وفي مكان آخر من الإجازة قال: ومنها عن شيخنا الجليل المتقن الفاضل جمال الدين أحمد... عن الشيخ الإمام ملك العلماء والمحقّقين

1 . بحار الأنوار:105/28 و 34.
2 . بحار الأنوار:105/28 و 34.

صفحه 32
نور الدين علي بن عبد العالي الكركي المولد الغروي الخاتمة.1
الشيخ الإمام ملك العلماء والمحقّقين.2

4. ثناء المجلسي الثاني (المتوفّى 1110هـ)

وصف محمد باقر المجلسي المحقّق الكركي في أوّل كتابه «بحار الأنوار» ـ بعد ذكر مؤلفاته ـ و بقوله:
أفضل المحقّقين، مروّج مذهب الأئمّة الطاهرين نور الدين علي بن عبد العالي الكركي أجزل اللّه تشريفه.
وقال في موضع آخر منه: والشيخ مروّج المذهب نور الدين ـ حشره اللّه مع الأئمّة الطاهرين ـ حقوقه على الإيمان وأهله أكثر من أن تُشكر على أقله وتصانيفه في نهاية الرزانة والمتانة.3

5. ثناء الأفندي التبريزي(المتوفّى 1134هـ)

وقال الميرزا عبد اللّه أفندي التبريزي حجة التاريخ في عصره في كتابه «رياض العلماء»:
الفقيه المجتهد الكبير العالم العلاّمة شيخ المذهب ومدمّر دين أهل النصب والنواصب.4

1 . بحار الأنوار:105/156.
2 . بحار الأنوار:105/151 و 156.
3 . بحار الأنوار:1/21و 41.
4 . رياض العلماء:3/441.

صفحه 33

6. ثناء المحدِّث البحراني(المتوفّى 1186هـ)

أمّا الشيخ يوسف البحراني فقيه الأخباريّين في عصره، فقد وصفه في كتابه «لؤلؤة البحرين» بقوله:
هو في الفضل والتحقيق وجودة التحبير والتدقيق أشهر من أن يكن وكفاك اشتهاره بالمحقّق الثاني وكان مجتهداً صرفاً أُصولياً بحتاً.1

7. ثناء شيخ الشريعة الاصفهاني (المتوفّى 1339هـ)

يعدّ شيخ الشريعة الاصفهاني أحد النوابغ القلائل في القرن الرابع عشر2 وقد جمع من العلوم ما سارت به الركبان وانتشر ذكره في البلدان، وقد تخرّج عليه أكثر من تأخّر عنه ممّن تسنّم منصة المرجعية للشيعة.
حكى الوالد(قدس سره) وهو ممّن عكف على دروس الشيخ عشر سنين وكتب شيئاً كثيراً من محاضراته الّتي كان يلقيها على تلاميذه في مسجد الطوسي أحد المساجد المعروفة في النجف الأشرف.
حكى عن أُستاذه أنّه قال و هو على منبر التدريس: إنّ لعلمين جليلين، حقاً عظيماً في بيان مذهب الشيعة في حقلي العقيدة والشريعة ألا و هما: الشيخ المفيد (336ـ 413هـ)، و المحقّق الكركي.

1 . لؤلؤة البحرين:151.
2 . أفرد ترجمته في موسوعة طبقات الفقهاء: القرن الرابع عشر:14/483.

صفحه 34
أمّا الأوّل فقد بذل جهوده في تنقيح عقائد الشيعة، وتهذيبها ممّا ألصقه بها الغلاة عبر الزمان، حيث قام بتصحيح عقائد الصدوق وناقش بعض أُصوله، فبجهوده ازدهر المذهب في حقل العقيدة وعنه صدر من تأخّر عنه.
وأمّا الثاني، فهو برسائله الّتي ألّفها حول مسائل فقهية مختلفة، وبشرحه على القواعد، المسمّى بجامع المقاصد قدأكمل الأُسس والمباني الّتي يرتكز عليها قسم من المسائل الفقهية. فهو و الشيخ المفيد، صنوان على أصل واحد تكاملت بهما مباني المذهب في كلا المجالين.1
إلى غير ذلك من كلمات الثناء والتقدير والتبجيل في حقّ شيخنا المحقّق على نحو يتبين للقارئ انّ العلماء على اختلاف مسالكهم ومشاربهم في الفقه اتّفقوا على جلالة قدره وعلوّ كعبه في الفقه وأُصوله، وخدماته الصادقة على الدين وأهله.

1 . سمعته عن الوالد الشيخ محمد حسين السبحاني(قدس سره).

صفحه 35

الفصل الثالث

جولة في آثاره وتصانيفه

حقيقة الإنسان هي آراؤه وأفكاره فهي التي تمثِّل شخصيته وثقافته، فالآثار الّتي يتركها العلماء والمحقّقون خير دليل على مدى ما يتمتعون به من اطّلاع ووعي.
إنّ علماءنا الماضين ـ رضوان اللّه عليهم ـ على أصناف:
فمنهم من بلغ القمة في التفكير والمعرفة ولكن قل أثره ونَدَر تأليفه، فهؤلاء هم المتوغلون في المطالعة والدراسة، الحائدون عن الكتابة والضبط.
ومنهم من توغل في التصنيف والتآليف دون تحقيق وتحليل وكان همّه جمع الكلمات من هنا و هناك، فلا يوجد فيها شيء يعد من منتجاته الفكرية، وهذا كأكثر من كتب في التاريخ والتراجم.
ومنهم من جمع بين المنقبتين وصار ذا رئاستين فجمع بين الفكر والقلم فأودع أفكاره في قوالب تآليف تنير الدرب للجيل الآتي، وهم اللامعون بين العلماء لمعان النجوم في الليالي المظلمة كالشيخ المفيد

صفحه 36
والمرتضى والرضي (الكوكبان في سماء العلم والأدب) والشيخ الطوسي و الطبرسي إلى غير ذلك من الشهب الثاقبة.
إنّ شيخنا المحقّق الكركي في الرعيل الأوّل من الصنف الثالث، فألّف وحقّق فبلغ في التحقيق إلى درجة عالية حتّى سمّي بالمحقّق الثاني، فلم يترك ما جاد به ذهنه الوقّاد للضياع، بل أودعه في قالب التأليف وإن كان أكثر تآليفه يدور حول الفقه والأُصول.
والحقّ أنّ الشيخ الكركي هو الرجل الأمثل في سماء التحقيق، قلّما يسمح الدهر بمثله إلاّ في فترات يسيرة، فهلمّ معي نقف على بعض أسماء كتبه، ممّا له دور في فتاوى الفقهاء المتأخرين ونقدّم الأهم على المهم في الذكر:

1. جامع المقاصد

هذا الكتاب هو بيت القصيد بين مؤلفاته، ألفه في النجف الأشرف أيّام الدولة الصفوية كما أشار إليه في مقدمة الكتاب، وهو شرح لكتاب قواعد الأحكام للعلاّمة الحلّي(المتوفّى سنة 726هـ).
وقد وصل فيه إلى بحث تفويض البضع من كتاب النكاح. وفرغ من هذا الجزء عام 935هـ. ولم يحالفه التوفيق لإكماله، ولعلّ من أحد أسبابه هو مغادرة العراق متوجهاً إلى إيران لإصلاح دفّة الحكم وتطبيقه على صعيد الشريعة.

صفحه 37
والكتاب غني عن كلّ تعريف وعن كلّ إطراء وثناء، فهو من أوثق المراجع الفقهية للفقهاء العظام حيث جمع بين العمق والوضوح في التعبير، وقد حكي عن الشيخ محمد حسن النجفي صاحب الجواهر أنّه قال: من كان عنده «جامع المقاصد» و «الوسائل» و «الجواهر» فلا يحتاج إلى كتاب آخر للخروج عن عهدة الفحص الواجب على الفقيه في آحاد المسائل الفرعيّة».1
وكفى في فضله أنّ شيخنا الشهيد الثاني الّذي يضرب به المثل في الفقه والأُصول، صدّر في كتابه «المسالك» عن هذا الكتاب كثيراً.
وبما أنّ «جامع المقاصد» لم يتجاوز عن كتاب النكاح، فقد قام الفاضل الاصفهاني(1136هـ) بإتمامه بتأليف كتاب أسماه «كشف اللثام والإبهام عن قواعد الأحكام»، فابتدأ فيه من حيث انتهى إليه الكركي وأنهاه إلى آخر«القواعد» ثمّ ابتدأ من أوّله، فخرج منه الطهارة والصلاة والحجّ.

2. قاطعة اللجاج في حلّ الخراج

وقد نسبها إليه غير واحد ممّن ترجم للشيخ المحقّق 2 ، وهي وإن كانت رسالة صغيرة في حجمها لكنّها كبيرة في محتواها، تعرّض فيها

1 . جواهر الكلام(المقدّمة): 1/14.
2 . أمل الآمل:1/121; رياض العلماء:2/444 إلى غير ذلك.

صفحه 38
مصنّفها لمسألة مهمة جدّاً وهي مسألة الخراج وحليّة أخذه من السلطان الجائر، وتعيين الأراضي الخراجية عن غيرها.
انتهى من تأليفه سنة 916هـ، ولعلّ شيخنا المحقّق أوّل فقيه تكلّم عن الخراج على وجه مبسوط، ولما ثقل حكمه بالحليّة على بعض معاصريه ـ أعني: الشيخ إبراهيم القطيفي المتوفّى عام (945هـ) ـ قام بنقضه بشكل عنيف وأسمى كتابه «السراج الوهّاج لدفع قاطعة اللجاج»، فرغ منه عام 924هـ، و أسلوبه لا يناسب أسلوب التحقيق، البعيد عن التعصب، وسيوافيك التفصيل عن الكتاب في الفصل الخاص بالإشارة إلى آراء المحقّق وأفكاره.

3. صلاة الجمعة

وهي رسالة لطيفة تتّسم بالعمق والشمولية تبحث عن صلاة الجمعة في ثلاث أبواب وخاتمة، وقد انتهى من تأليفها عام 921هـ.
وقد نال الكتاب مكانة عالية بين الفقهاء وقد قام بترجمته من العربية إلى الفارسية الأُستاذ محمد صادق سركاني الّذي كان حيّاً عام 1033هـ.
ثمّ إنّ لشيخنا المحقّق ألواناً من التآليف يتخذها خطوة لما يتبنّاه، فتارة يؤلّف رسائل في مجال الإجابة عن الأسئلة، وأُخرى يُعلِّق على الكتب، وثالثة يفرّد بعض المسائل المهمة بالتأليف فنذكر من

صفحه 39
كلّ قسم بعضه.
أمّا الأجوبة فكالتالي:
1. جواب السؤال عن إثبات المعدوم.
2. جواب السؤال عن أبي مسلم الخراساني.
3. جواب الشيخ حسين الصيمري.
4. جوابات الشيخ يوسف المازندراني
5. جوابات المسائل الفقهية الأُولى.
6. جوابات المسائل الفقهية الثانية.
وأمّا القسم الثاني فهذه حواشيه وتعاليقه على الكتب الفقهية نكتفي بذكر أسمائها:
7. حاشية الألفية، 8. حاشية تحرير الأحكام، 9. حاشية الجعفرية، 10. حاشية شرائع الإسلام، 11. حاشية قواعد الأحكام، 12. حاشية اللمعة الدمشقية، 13. حاشية المختصر النافع، 14. حاشية مختلف الشيعة، 15.
حاشية ميراث المختصر النافع.
وأمّا اللون الثالث ـ أعني: إفراد بعض المسائل بالتأليف ـ فكالتالي:
16. السجود على التربة المشوية، 17. شروط النكاح، 18. ملاقي الشبهة المحصورة.

صفحه 40
إلى غير ذلك من التآليف الّتي أنهاها المحقّق الشيخ محمد الحسون إلى 82 تأليفاً.1

ثمرة ناضجة لحوزة الشهيد الأوّل

إنّ المحقّق الكركي ثمرة ناضجة للحوزة العلمية التي أرساها الشهيد الأوّل محمد مكي العاملي(734ـ 786هـ) وخرّجت جيلاً كبيراً من الفقهاء والمحقّقين وفي طليعتهم:
1. السيد أبو طالب أحمد بن قاسم بن زهرة الحسيني.
2. الشيخ جمال الدين أحمد بن النجار صاحب التعليقة على قواعد العلاّمة الحلّي.
3. الشيخ جمال الدين أبو منصور حسن بن محمد المكي، وهو ابنه والمجاز منه.
4. الشيخ ضياء الدين أبو القاسم علي بن الشهيد (الأوسط).
5. الشيخ رضي الدين أبو طالب محمد (وهو أكبر أولاده).
6. ولم يقتصر على تربية الرجال بل ربّى ابنته فاطمة التي اشتهرت فيما بعد بلقب ست المشايخ ولما توفيت شارك في تشييع جثمانها سبعون مجتهداً.

1 . آثار المحقّق الكركي:2/525.

صفحه 41
7. وأخيرهم لا آخرهم شرف الدين أبو عبد اللّه مقداد بن عبد اللّه (المتوفّى سنة 826 هـ) ، صاحب المؤلّفات الممتعة.
إلى غير ذلك من عباقرة العصر وأساطين الفقه، وقد أنهاهم محمد رضا شمس الدين في كتابه إلى 32 عالماً كبيراً، ويدلّ هذا العدد على كثرة التلاميذ الكبار الذين تربّوا على يديه.
كانت الحوزة العلمية التي أسّسها الشهيد كشجرة مثمرة تؤتي أُكلها كلّ حين ومن ثمراتها الشيخ المحقّق الكركي.
فقد صار في فقهه وأُصوله على ضوء ما تلقّاه من مشايخه الكبار الذين تربّوا في أحضان تلك الحوزة.
وقد كانت الحوزة تتسع وتفيض قرناً بعد قرن إلى أن قضى عليها (الجزار) في أواخر القرن الثاني عشر، الذي قام بأعمال يندى لها الجبين، وهو أخو الحجاج في السفك والقتل.
يحكي الشيخ محمد جواد مغنية تلك الحالة المأساوية التي حلّت بجبل عامل و علمائها وآثارها فيقول:
«وفعل الجزار والي عكا بجبل عامل فعل الحجاج في العراق، فبعد أن قتل الشيخ ناصيف النصار رئيس البلاد العاملية قبض الجزار على عدد من العلماء والرؤساء، وقتل جماعة، منهم العالم السيد هبة الدين الموسى، والسيد محمد آل شكر، والشيخ محمد العسيلي، ومنهم الشيخ علي خاتون الفقيه الطبيب، قال صاحب «أعيان الشيعة» ج41:

صفحه 42
«كان عالماً فاضلاً فقيهاً جليلاً متبحراً في علم الطب، وهو من علماء عصر الشيخ ناصيف النصار الوائلي، شيخ مشايخ جبل عامل، قبض عليه أحمد باشا الجزار فيمن قبض من علماء ووجوه جبل عامل، وحبسه في عكا، وعذبه، ثمّ قتله، وكان يحمي له الساج حتى يحمر، ثمّ يضعه على رأسه».
وانتهب الجزار أموال العامليين، ومكتباتهم، وكان في مكتبة آل خاتون خمسة آلاف مجلد، وبقيت أفران عكا توقد اسبوعاً كاملاً من كتب العامليين، ولم يسلم من ظلم الجزار إلاّ من استطاع الفرار، وفي عهده هاجر علماء جبل عامل مشردين في الأقطار، ومن هؤلاء العالم الشاعر الشيخ إبراهيم يحيى هرب من الجزار إلى دمشق، وفي نفسه لوعة وحسرة، وذكر فظائع الجزار لا تفارقه بحال، وقد صورها، وهو شاهد عيان، في قصائد تدمي الأفئدة والقلوب».1

1 . الشيعة والحاكمون:195ـ 196.

صفحه 43

الفصل الرابع

تلاميذه والمستجيزون منه

إنّ تربية جيل كبير في مجال من المجالات العلمية، دليل على أنّ المربي ذو كفاءة عالية ومواهب فذة تتجلّى في مقدرته على النهوض بهذه المهمة وتخريج الجمّاء الغفير في حقل من الحقول.
ولا أنسى قول الشيخ المصلح محمد حسين كاشف الغطاء (1295ـ 1373هـ) حينما سُئل عن الأعلم بعد رحيل السيّد الاصفهاني في النجف الأشرف قال: إنّ الموفق في مجال التعليم والتأليف في مجال الفقه والأُصول هو الأعلم.
ولعلّ القارئ يتصوّر واهماً أنّ بيان الشيخ بيان خطابي، والحقّ أنّه بيان موضوعي مطابق للقوانين العلمية نعم ليست القاعدة هي ضابطة كلية بل غالبية.
وممّا حباه اللّه سبحانه للمحقّق الكركي انّ التوفيق حالفه في كلا المجالين: مجال التأليف والتصنيف ومجال التعليم والتربية، فقد تخرّج من مدرسته جمع كبير، يعدون من الرعيل الأوّل من فقهاء القرن العاشر وممّن

صفحه 44
يشار إليهم بالبنان.
وانبرى هؤلاء التلامذة لنقل آراء شيخهم وأُستاذهم إلى الآخرين، وقد تصدّى الفاضل المحقّق محمد الحسون في موسوعته لاستخراج أسماء تلاميذ شيخنا، فأحصى56 شخصية علمية انتهلت من معين علمه، ونحن نذكر بعض مشاهيرهم، ولعلّ هناك شخصيات أُخرى تتلمذت عليه ولكن أهمل التاريخ أسماءهم.

1. الشيخ عبد اللّه اليزدي(المتوفّى 981هـ)

هو عبد اللّه بن حسين اليزدي نزيل النجف الأشرف العالم الإمامي المنطقي صاحب الحاشية على تهذيب المنطق المعروفة بحاشية ملاّ عبد اللّه، ويلقب بـ«نجم الدين».
وصفه المحبّي في «خلاصة الأثر» بعلاّمة زمانه وقال: كان منهمكاً على المطالعة والاشتغال بالعلم ومنحه لمستحقيه، وكان مبارك التدريس ما اشتغل عليه أحد إلاّ انتفع به.
وقال الأفندي التبريزي: العلاّمة المتكلّم الفقيه المنطقي. و كانت له مدرسة دينية في النجف الأشرف.1

1 . انظر ترجمته في موسوعة طبقات الفقهاء:10/133.

صفحه 45

2. عبد العلي بن علي الاسترآبادي(كان حياً 929هـ)

ضياء الدين عبد العلي بن نور الدين علي الاسترآبادي. صحب المحقّق الكركي ـ لما ورد عليهم أستراباد ـ مدّة من الزمان.
ثمّ ارتحل إلى النجف الأشرف، وجاور بها مدّة، عاكفاً على الخوض في علوم الشريعة، فلازم الكركي المذكور، وقرأ عليه بعض الكتب الفقهية، وسمع بقراءة غيره جملة كثيرة، فممّا سمعه كتاب «إرشاد الأذهان إلى أحكام الإيمان» للعلاّمة الحلّي، وحواشي أُستاذه على الكتاب المذكور، والجزء الأوّل من كتاب شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام للمحقّق الحلّي وغير ذلك.
ثمّ أجاز له في شهر رمضان سنة (929هـ) بالتدريس والإفادة ورواية جميع ما للرواية فيه مدخل من معقول ومنقول وفروع وأُصول وفقه وحديث وتفسير، واصفاً إياه بالشيخ الأجل... قدوة الفضلاء، زبدة العلماء.1

3. أسد اللّه التستري(المتوفّى 966هـ)

هو أسد اللّه بن زين الدين المرعشي التستري الفقيه الإمامي المعروف بشاه مير. أخذ عن المحقّق علي بن عبد العالي الكركي وبرز

1 . انظر ترجمته في موسوعة طبقات الفقهاء: 10/129.

صفحه 46
في العلوم، ثمّ تقلد منصب الصدارة في البلاد الإيرانية في عهد طهماسب الصفوي في حدود سنة 946هـ.
وكان فقيهاً متكلّماً محدثاً زاهداً، شاعراً.
كتب حواشي على عدة كتب منها: قواعد الأحكام للعلاّمة الحلّي، وشرائع الإسلام للمحقّق الحلّي، الكافي للكليني، شرح تجريد الاعتقاد وشرح الجغميني في الهيئة.1

4. ابن خاتون(كان حيّاً عام 934هـ)

أحمد بن محمد بن خاتون العاملي العيناثي، وصفه الشهيد الثاني بالإمام الحافظ المتقن، خلاصة الأتقياء والفضلاء والنبلاء.2
قرأ على المحقّق الكركي وأجاز له ولولديه نعمة اللّه علي، وزين الدين جعفر في الخامس عشر من شهر جمادى الأُولى سنة (931هـ).
نذكر من الإجازة ما يلي: وبعد: فإنّ الأخ في اللّه المرتضى للأُخوّة الشيخ العالم الفاضل الكامل بقية العلماء ومرجع الفضلاء جامع الكمالات، حاوي محاسن الصفات، بركة المسلمين، عمدة المحصّلين، ملاذ الطالبين، جمال الملّة والدين أبي عبد اللّه أحمد بن محمّد، الشهير بابن أبي خاتون العاملي، أدام اللّه تعالى أيّام الخلف الكريم،

1 . موسوعة طبقات الفقهاء:10/65.
2 . بحار الأنوار:105/151 ضمن الإجازة 53.

صفحه 47
وتغمّد بمراحمه السلف البرّ الرحيم.
التمس من هذا الضعيف، كاتب هذه الأحرف بيده الجانية، علي بن عبد العالي ـ تجاوز اللّه عن ذنوبه، وأسبل ستره الضافي على سيّئاته وعيوبه ـ أن أُجيزه مع ولديه السعيدين النجيبين، المؤيّدين من اللّه سبحانه بكمال عنايته: الشيخ نعمة اللّه علي، والشيخ زين الدين جعفر ـ أبقاهما اللّه بقاء جميلاً في ظل والدهما، لا زال ظلّه ظليلاً ـ برواية جميع ما يجوز لي و عنّي روايته، ممّا للرواية فيه مدخل، من معقول ومنقول، خصوصاً ما أملاه خاطري الفاتر على قلم العجز والتقصير من مؤلّف اقتفيت به أثر مَن تقدّمني، ومصنّف، حاولت فيه سلوك من سبقني، على ما أنا فيه من قصور الهمّة، وسكون الفكرة، وفتور العزيمة، وتباعد الرواية، وكثرة الشواغل، ومضادة الزمان.
فلم أجد بدّاً من مقابلة التماسه بالإجابة; لأُمور عديدة توجب عليّ ذلك وإن كنت حريّاً بأن لا أفعل.1

5. علي بن عبد الصمد(كان حيّاً 935هـ)

ابن محمد بن علي الحارثي الهمداني، نور الدين أبو القاسم الجبعي العاملي، عمّ العالم الشهير بهاء الدين العاملي.
قرأ على المحقّق الكركي بالنجف الأشرف جملة من رسالته

1 . موسوعة طبقات الفقهاء:10/52; أعيان الشيعة:3/137.

صفحه 48
«الجعفرية» في فقه الصلاة وسمع معظمها، فأجاز له في سنة (935هـ) روايتها ورخّصه بالعمل بما تضمنته من الفتاوى.
وأخذ أيضاً عن الشهيد الثاني زين الدين بن علي العاملي (المتوفّى966هـ).
وكان فقيهاً محدثاً شاعراً، من جلّة علماء الإمامية.
صنّف كتاب الدرة الصفية في نظم «الألفية» في فقه الصلاة للشهيد الأوّل.
ولم نظفر بتاريخ وفاته.
وهو أكبر من أخيه الحسين (المتوفّى 984هـ) والد بهاء الدين، لكنّه أقلّ شهرة منه.
وقد أجاز له المحقّق الكركي وإليك نصّ الإجازة:
بسم اللّه الرحمن الرحيم
وبعد، فقد قرأ عليّ جملة من الرسالة الموسومة بـ«الجعفريّة» في فقه الصلاة وسمع معظمها، الصالح الفاضل الشيخ نور الدين ابن الشيخ الفاضل عمدة الأخيار ضياء الدين عبد الصمد، ابن المرحوم المقدّس، قدوة الأجلاّء في العالمين، شمس الدين محمّد الجبعيّ، أدام اللّه تعالى له التوفيق وسلك به الطريق.
وقد أجزتُ له روايتها عنّي، ورخّصته بالعمل بما تضمّنته من

صفحه 49
الفتاوى الّتي استقرّ عليها رأيي وقوي عليها اعتمادي، فليروها كما شاء وأحبّ موفّقاً.
وكَتَبَ هذه الأحرف بيده الفانية، مؤلّفها الفقير إلى اللّه، عليّ بن عبد العالي، بالمشهد المقدّس الغرويّ، في خامس شهر رجب سنة خمس وثلاثين وتسعمائة.1
هذه نماذج من تلاميذ شيخنا المحقّق الكركي ومن أراد التوسع فليرجع إلى موسوعة طبقات الفقهاء في القرن العاشر ليرى أنّ قسماً كبيراً من فقهاء الشيعة تتلمذوا عليه، وتخرّجوا من مدرسته.
ونحن إكمالاً للموضوع نستخرج أسماء من تخرج عليه:
1. إبراهيم الميسي، 2. إبراهيم الخوانساري (الخانيساري)، 3. أبوالبركات، 4. أبو المعالي الاسترابادي، 5. أسد اللّه التُّستري، 6. أحمد الجامعي، 7. أحمد بن خاتون، 8. أحمد الخوانساري(الخانيساري)، 9. بابا شيخ علي، 10. باختيار، 11.جابر العاملي، 12. جعفر بن خاتون، 13. حسن العزيزي، 14. حسن الاسترابادي الجرجاني، 15. حسن الموسوي الكركي، 16. حسن الجامعي، 17. حسين الموسوي الكركي، 18. حسين بن عدار، 19. حسين الهجري، 20.حسين الحرّ، 21. درويش محمّد العاملي، 22. رحمة الفتّال، 23. زين الدّين الفقعاني، 24. عبد الحيّ الاسترابادي، 25. عبد العالي الكركي، 26. عبد العباس

1 . رياض العلماء:4/115.

صفحه 50
الجزائري، 27. عبد العلي بن أحمد الاسترابادي، 28. عبد اللّه اليزدي، 29. عطاء اللّه الآملي، 30. علي بن خاتون، 31. علي الجزائري، 32. علي الزواري، 33. علي الاسترابادي، 34. علي الجبعي، 35. علي الميسي، 36. علي البسطامي، 37. علي بن هلال الكركي، 38. القاضي صفي الدين عيسى، 39. فخر الدّين
الاسترابادي، 40. قاسم عذافة، 41. محمّد الاسترابادي، 42. محمّد الأبهري الحموي، 43. محمّد الحسيني الاسترابادي، 44. محمّد الجزائري، 45. محمّد الكاشاني، 46. محمّد الرلاس، 47. محمّد بن خاتون، 48. محمّد الاسترابادي، 49. محمّد الحافظ الزواري، 50. محمّد علي بن مقصود علي، 51. محمّد مهدي الرضوي، 52. محمود الجاپلقي، 53. محمود الميبدي، 54. نعمة اللّه الحلّي، 55. يحيى البحراني المفتي.
(أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ).1

1 . الأنعام:90.

صفحه 51

الفصل الخامس

آراؤه الكلامية والأُصولية والفقهية

إنّ شيخنا الكركي(قدس سره) وإن كان من أكابر الفقهاء وأعاظم المجتهدين، ولكنّه في شبابه ومقتبل عمره طوى مسافات شاسعة لتحصيل شتى العلوم العقلية والنقلية، وجدّ حتّى ضرب في كلّ علم بسهم وافر. فلا عجب ـ إذن ـ أن نجد له آراء في الكلام والأُصول والرجال، وفي الأدب العربي أيضاً، إلاّ أنّنا نقتصر هنا على بيان بعض آرائه في الحقول التالية:
1. الكلام.
2. أُصول الفقه.
3. الفقه.
وإليك البيان:

صفحه 52

آراؤه الكلامية

1. موضوع علم الكلام

اختلفت كلمة المتكلّمين في تحديد موضوع علم الكلام وبالتالي في تعريفه. تجد كلماتهم في بداية كتبهم، وقد عرّف المحقّق الكركي علم الكلام وأوضح في ثناياه موضوعه وقال: علم الكلام هو الباحث عن وجوب وجود اللّه تعالى وصفاته وعدله والنبوة والإمامة والمعاد على قانون الإسلام.
وبعبارة1 أُخرى: هو العلم الباحث عن وجوب وجود اللّه سبحانه وصفاته وأفعاله.
فالبحث عن وجود الواجب وصفاته وأفعاله هو موضوع علم الكلام، والنبوة والإمامة وإن ذكرتا مستقلتين لكنّهما من شعب أفعاله، حيث إنّ النبوة عبارة عن بعث الأنبياء للتبشير والإنذار، والإمامة عبارة عن نصب الإمام من جانبه تعالى أو تنفيذ ما نصبته الأُمّة في مجال رئاسة الدين والدنيا.

1 . حاشية الألفية:25.

صفحه 53
كما أنّ المعاد شعبة من شعب أفعاله وهو إحياء الموتى يوم الحشر والنشر لأجل الحساب والجزاء، فاللّه سبحانه بما له من الصفات والأفعال موضوع الفقه الأكبر.
وقد جاء بهذا التعريف في مكان آخر وقال: علم الكلام هو العلم الباحث عن الذات الإلهية وصفاتها وأفعالها والنبوة والإمامة والمعاد على قانون الإسلام1، ومن سبر الكتب الكلامية واختلاف المتكلّمين في تبيين 2 الموضوع في ذلك المجال يقف على أنّ المحقّق الكركي أتى بالتعبير الواضح مع الإدلاء بموضوع العلم.
وأمّا البحث في الطبيعيات أو الأُمور العامّة فهما خارجان عن علم الكلام وإنّما يبحث عنهما المتكلّم استطراداً، أو لغرض المجاراة مع الحكماء، حيث إنّ الحكمة تنقسم إلى أقسام ثلاثة:
1. الأُمور العامة: وهي نعوت كلّيّة تعرض الموجود من حيث هو موجود، ككونه واجباً أو ممكناً، أو علّة أو معلولاً، وهكذا.
2. الطبيعيات والفلكيات.
3. الإلهيات.
فهذا القسم الأخير، يشكّل علم الكلام.

1 . شرح الألفية:26.
2 . لاحظ شرح المواقف للسيد الشريف الجرجاني، وشرح المقاصد للتفتازاني.

صفحه 54

2. كونه سبحانه عادلاً مع الإلماع إلى دليله

العدلية من المتكلّمين كالإمامية والمعتزلة يصفونه سبحانه بالعدل، كما يصفون أفعاله بالحكمة، وغيرهم كالسلفية والأشاعرة يقولون: إنّ كلّ ما يصدر منه عدل وحكمة وإن كان عند العقل ظلماً وعبثاً، فلو عذّب البريء فهو عدل وحكمة، ولو أثاب الجاني وأدخله الجنة فهو أيضاً عدل وحكمة، وليس للإنسان أن يحكم على اللّه بشيء.
ولكنّهم لا يفرّقون بين الحكم على اللّه وبين استكشاف حال أفعاله من التدبّر في صفاته; والعدلية لا يحكمون على اللّه سبحانه بشيء، إذ (لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ) ولكن يستكشفون حال أعماله من خلال صفاته، فهو بما أنّه حكيم لا يصدر منه العبث، وبما أنّه غني لا يصدر منه الظلم.
وقد عرّف المحقّق الثاني العدلَ بأوضح الوجوه مع الإشارة إلى دليله، قال: العدل هو العلم بكونه لا يفعل القبيح، ولا يرضى به، ولا يأمر بالقبائح، ولا يُخلّ بواجب تقتضيه حكمته، ولا يكلّف بما ليس بمقدور، لأنّ فاعل القبيح: إمّا جاهل بقبحه، أو محتاج إليه، واللّه سبحانه منزّه عن الجهل والحاجة.
وبأنّ الطاعات والمعاصي الصادرة عن العباد باختيارهم، ولهذا

صفحه 55
استحقّ المطيع الثواب والعاصي العقاب.1
فقوله:«لأنّ فاعل القبيح...» برهان كونه عادلاً، فلاحظ.

3. الغرض للفعل لا للفاعل

اختلف المتكلّمون في أنّ أفعاله سبحانه معلّلة بالأغراض أو لا؟ فالأشاعرة على الثاني قائلين بأنّ إثبات الغرض لفعله سبحانه آية الحاجة، وهو الغني المطلق، وفعله غنيّ عن الغرض.
وقد غاب عنهم أنّ نفي الغرض عن فعله سبحانه على الإطلاق، يستلزم أن يكون فعله عبثاً، وسدى، مع أنّه سبحانه حكيم وفعله نزيه من العبث، يقول سبحانه: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ).2
إنّ الغرض الّذي تثبته العدلية هو الغرض المترتّب على الفعل لا الغرض العائد إلى الفاعل. وكم هو الفارق بين أن نقول: للفاعل غرض يطلبه من خلال إيجاد الفعل وأن نقول: للفعل غاية، تترتّب عليه، دون أن يطلبها الفاعل لنفسه وإذا أردنا أن نصبّ الفكرة في صورة المثال، نقول:
الإنسان الثريّ يقوم بتأسيس مستشفى لعلاج الفقراء والمساكين،

1 . الرسالة النجمية:7.
2 . المؤمنون:115.

صفحه 56
فالفاعل غنيّ عن هذا العمل، لأنّه ثريّ يقوم الأطباء بعلاجه كلّما مرض، ولا يدخل ذلك المستشفى طيلة عمره، ومع ذلك كلّه فليس لنا أن نشبّه عمله بعمل الصبيان الفارغ عن الغرض والهدف، بل لفعله غرض عقلائي يترتّب عليه، وإنّما الفارق أنّ النفع في العمل لا يعود إليه شخصياً، بل يعود إلى غيره.
وقد أشار إلى تفسير ما ذكرنا شيخنا المحقّق بقوله: العقل يحكم بأنّ المختار لابدّ من فعله للغرض1، وإن لم يكن لفاعله غرض.

4. الإمامة من الأُصول

اختلفت كلمة المتكلّمين في أنّ الإمامة هل هي من الأُصول أو من الفروع؟
ذهب أهل السنّة إلى أنّها من الفروع، لأنّها من أقسام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حيث يجب على الأُمّة القيام بهذين الواجبين، ولا يتم إلاّ بنصب الإمام; وذهبت الشيعة إلى أنّها من الأُصول، وذلك لأنّ الإمامة عبارة عن استمرار وظائف النبوة(لا استمرار النبوّة) فيقوم الإمام مقام النبي في أداء ما كان يجب على النبيّ في مجال تبيين الشريعة وهداية الأُمّة وتأمين البلاد وسدّ ثغورها، سوى الوحي فإنّه ينقطع بموته (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإذا كان واجب الإمام نفس واجب

1 . اثنتا عشرة مسألة:60.

صفحه 57
النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فليكن البدل بحكم المبدل.
قال المحقّق:«إنّها خلافة عن النبوة الّتي هي من الأُصول فتكون الإمامة كالنبوّة».1
ثمّ استدلّ على أنّها من الأُصول بوجه آخر ـ أعني الحديث المعروف : من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية» ـ حيث قال: إنّه صريح في الدلالة على أنّ الإمامة من الأُصول، لأنّ الجاهل بشيء من فروع الدين ـ وإن كان واجباً ـ لا تكون ميتته ميتة جاهلية، إذ لا يقدح ذلك في إسلامه وإيمانه.2

5. عدالة الصحابة بين العاطفة والبرهان

ذهب أهل السنّة إلى عدالة الصحابة كلّهم أجمعين، وذهبت الإمامية إلى أنّ حكم الصحابة حكم التابعين، ففيهم الصالح والطالح والعادل والفاسق. فلو كان أخذ الدين عن الصحابة دليلاً على عدالتهم فليكن أخذه عن التابعين دليلاً على عدالتهم.
وقد استدلّ شيخنا المحقّق على إبطال القضيّة الكلّية (عدالة الصحابة كلّهم بلا استثناء) بالعلم الإجمالي بوجود المنافقين المندسّين بين الصحابة ولم يكن عددهم قليلاً كما أنّهم لم يكونوا معروفين ولا

1 . نفحات اللاهوت:46ـ 50.
2 . نفس المصدر.

صفحه 58
متميّزين، لقوله تعالى: (وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ).1
وقوله سبحانه: (وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ).2
ومع تواجد المنافقين بينهم بكثرة، يمتنع الحكم بعدالة كلّ مَن يُدْعى صحابيّاً إلاّ أن يقوم عليها دليل من الخارج.
فإن قيل: كان النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) عارفاً بهم، لقوله تعالى:(فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ).3
قلنا: ليس كلامنا في معرفته، بل في معرفة باقي الخلق.
وقد استدلّ أهل السنّة ب آيات الترضّي على السابقين الأوّلين من المهاجرين والأنصار، وقد أجاب عنها المحقّق بأنّه لو افترضنا دلالتها على ثبوت العدالة، لكنّها إذا ثبتت في زمان لا يمتنع زوالها، بل لا يمتنع زوال الإسلام، كما في صاحب موسى. قال اللّه تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آياتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ *وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ).4
وكان قد أُوتي علم بعض كتب اللّه، وقيل: كان يعرف اسم اللّه

1 . محمد:30.
2 . التوبة:101.
3 . محمّد:30.
4 . الأعراف:175ـ 176.

صفحه 59
الأعظم، ثمّ كفر ب آيات اللّه، وإذا كان كذلك فلابدّ من تتبع أحوال الصحابة في حياة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وبعد موته ليعلم من مات منهم على العدالة، ولا طريق لذلك إلاّ ما ورد في السير والتواريخ.
ثمّ إنّه(قدس سره) أيّد كلامه بما أخرجه البخاري من حديث الزهري عن سعيد بن المسيّب أنّه كان يحدّث عن بعض أصحاب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال:
«يرد عليّ الحوض رجال من أُمّتي فيحلّؤون عنه فأقول: يا ربّ أصحابي!! فيقول: إنّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى».
قال: وأخرجه أيضاً تعليقاً من حديث ابن شهاب مثله.1
قلت: قال في الصحاح: حلأت الإبل عن الماء تحلئة وتحليئاً: إذا طرحتها عنه ومنعتها أن تروى. قال الشاعر:
محلأ عن سبيل الماء مطرود.2

1 . صحيح مسلم:4/2194ـ 2195/58.
2 . الصحاح:1/45، مادة حلأ.

صفحه 60

آراؤه الأُصولية

لشيخنا المحقّق آراء أُصولية، نذكر منها ما يلي:

6. من علامات الوضع، حسن الاستفهام

ذكر الأُصوليون علامات للوضع وبالتالي لكون اللفظ حقيقة في المعنى المستعمل فيه، وتلك العلائم عبارة عن:
1. التبادر، 2. صحة الحمل، 3. الاطراد.
وقد بسطوا الكلام في تبيين هذه العلامات.
وقد أضاف شيخنا المحقّق علامة أُخرى وهو حسن الاستفهام، وإن شئت قلت: حسن التقسيم.
وقال في توضيحه: حسن الاستفهام عن كلّ من الأمرين آية كون اللفظ حقيقة في كلّ منهما، مثلاً إذا قال القائل: هذه تربة فإنّه يحسن أن يقال: هي تربة مشوية أو غير مشوية؟! وحسن الاستفهام دليل الحقيقة.1

1 . السجود على التربة المشوية:19.

صفحه 61
ولك أن تقول: إنّ حسن التقسيم آية الحقيقة، وكلا التعبيرين يهدفان إلى أمر واحد.
وقد طبّق شيخنا المحقّق تلك القاعدة على كون صيغة الأمر حقيقة في الواجب العيني والكفائي والتعييني والتخييري وقال: ويؤيّده أنّه يقبل القسمة إلى الأقسام كلّها، ومورد القسمة يجب اشتراكه بين الأقسام.

7. الأصل يقدّم على الظاهر

إذا كان مقتضى الأصل مخالفاً لمقتضى الظاهر فالضابطة عند شيخنا المحقّق هو تقديم الأصل على الظاهر وإنّما يعدل عنها في مواضع نادرة كغسالة الحمام ـ على القول بنجاستها ـ و نظيرها حيث إنّ مقتضى الأصل هو الطهارة ومقتضى الظاهر هو النجاسة، وأمّا في غير هذا المورد فالأمر على العكس.
يقول شيخنا المحقّق في تبيين تلك الضابطة: إنّ العمل بالظاهر في الحقيقة رجوع إلى قرائن الأحوال وما استفيد من العادات المتكررة فينبغي لذلك أن يكون بينه و بين جنس الحكم ـ الذي يطلب جعله دليلاً عليه ـ ملائمة....
مثلاً: لمّا لم يعتبر الشارع الظاهر بالنسبة إلى النجاسات في غالب الأحوال حكم بطهارة ثياب مدمني الخمر، وطهارة سؤر الحائض المتّهمة،

صفحه 62
وطهارة أواني المشركين وما بأيديهم، وطين الطريق واستحباب إزالته بعد ثلاثة أيام من انقطاع المطر، والحكم بنجاسة البئر بالجيفة حين الوجدان لا قبله، وطهارة ما تناله أيدي الناس على اختلاف فرقهم وتباين آرائهم في الطهارات والنجاسات، وطهارة ما لا يكاد ينفك من النجاسات كحافّات البئر، والرِّشا وحافات العين، وغير ذلك من الأُمور التي تقتضي الظاهر، بل يكاد يحصل اليقين عادةً بعدم انفكاكها من النجاسة.
وقد بلغ عمله بالأصل إلى درجة أخذ به أمام الظاهر في المثالين التاليين:
أ. لو وجدنا حيواناً غير مأكول اللحم قد بال في ماء كثير، ووجدنا متغيّراً ولم نقطع باسناد التغيّر إلى هذه النجاسة، يُحكم بالطهارة ولا يلتفت إلى الظاهر.
ب. لو وجدنا كلباً خارجاً من مكان فيه إناء ماء وهو يضطرب ورشراش الماء حوله، لا نحكم بالنجاسة، ولا نلتفت إلى الظاهر.
وعلى ضوء ذلك حمل فتوى الأصحاب في زوجة المفقود إذا انقطع خبره فإنّها إذا رفعت أمرها إلى الحاكم أجلها أربع سنين للبحث عنه، وظاهره عدم الفرق بين من شهدت القرائن بموته أو غيره، ويكون إجماعاً، بل الرواية الواردة في ذلك ـ و هي رواية بُريد بن معاوية العجليّ في الصحيح عن الصادق(عليه السلام)، وقد سأله عن المفقود كيف تصنع

صفحه 63
امرأته؟ قال: «ما سكتت عنه وصبرت يخلّى عنها، فإن رفعت أمرها إلى الحاكم أجلها أربع سنين» الحديث1 ـ دالّة بعمومها على عدم الفرق في الحكم المذكور بين وجود الظاهر الدالّ على موته وعدمه، لأنّ ترك الاستفصال في حكاية الحال عن الاحتمال، فإنّ ما حكاه السائل ـ و هو فقدان الزوج وطلب الحكم فيه ـ يحتمل هذا الفرد، فإذا أجاب ولم يستفصل كان ذلك دلى2ل العموم.

8. الفرق بين الحكم والإفتاء

قد ذكر المحقّق الكركي الفرق بين الحكم والإفتاء بأنّ الثاني حكم كلّي والأوّل حكم جزئيّ مستمد من حكم كلّي ويقول في توضيح ذلك:
إنّ الحكم إنشاء قول في حكم شرعيّ يتعلّق بواقعة شخصية، كالحكم على زيد بثبوت دين عمرو في ذمّته.3
هذا ونزيد بياناً ونقول: إنّ الفتوى إخبار عن الحكم الكلي، وليس لها أثر إلاّ تنجّز الواقع، وأمّا القضاء فهو إنشاء حكم جزئي مطابق للحكم الكلّي الصادر من اللّه.
وإن شئت قلت: إنّه حكم جزئي في مورد شخصيّ ويفترق حكم

1 . الكافي:6/147 ح2; الفقيه:3/354، الحديث 1696; التهذيب:7/479، الحديث 1922.
2 . جوابات الشيخ حسين الصيمري:11.والمراد من الأصل في المقام، هو الأصل اللفظي الذي هو دليل اجتهاديّ، بخلاف الأُصول في المسائل السابقة.
3 . طريق استنباط الأحكام: 14ـ17.

صفحه 64
القاضي عن حكم الحاكم باشتراط سبق النزاع في حكم الأوّل دون حكم الحاكم في الأُمور العامّة.
والحكم الصادر من القاضي له أحكام مثل عدم جواز نقضه إلاّ في موارد جزئية، ووجوب تنفيذ حكمه على الآخرين، وإن خالف اجتهاده ما لم يخالف دليلاً قطعياً، وعدم ضمانه إذا لم يكن مقصّراً، وكون الضرر على بيت المال، وله ولاية على كلّ مولّى عليه إذا لم يكن له وليّ إلى غير ذلك من الشؤون.1

9. تأسيس قاعدة الترتّب

إنّ قاعدة الترتّب من القواعد الّتي اكتشفها شيخنا المحقّق وهي بين آرائه كبيت القصيد، وقد أشار إليها في كتاب الدين الّذي هو جزء من موسوعته الفقهية المسمّـاة بـ«جامع المقاصد في شرح القواعد»، والّتي قيل في حقّها: لم يؤلف مثلها.
والكتاب دليل بارز على جودة ذهنه ونبوغ فكره وأنّه من المؤسّسين والمحقّقين لا الناقلين والشارحين، وقد فرض الكتاب نفسه منذ برز إلى الساحة في أوساط الدراسات العليا في كافة الحوزات الفقهية، ألّفه في مدينة النجف الأشرف في العقد الثالث من القرن العاشر وقد فرغ من بعض أبوابه عام 935هـ.

1 . نظام القضاء والشهادة، للمؤلف: 1/14.

صفحه 65
وفي وسع القارئ أن يسأل عن ماهية قاعدة الترتب، وهي كالتالي:

ما هي قاعدة الترتّب؟

لو افترضنا واجباً فورياً وواجباً موسعاً كالأمر بإزالة النجاسة عن المسجد إذا صادف دخول الوقت لصلاة الظهر. فالأمر الأوّل فوريّ والثاني موسع، فعندئذ يقع الكلام في أنّ الأمر بالواجب المضيق هل يقتضي النهي عن الواجب الموسّع (الصلاة) لكي تكون منهياً عنها أو لا؟
هنا قولان فمنهم من ذهب إلى الاقتضاء ومنهم من نفاه.
وتظهر ثمرة البحث في بطلان الصلاة على القول بالاقتضاء، وصحّتها على القول بعدم الاقتضاء.
هذا ما كان عليه العلماء منذ قرون، وربما يقال بأنّ النزاع عديم الثمرة، وأنّ الصلاة باطلة سواء أقلنا بالاقتضاء أم لا.
أمّا إذا قلنا بالاقتضاء فواضح، لأنّ النهيّ عن العبادة يقتضي فسادها.
وأمّا إذا قلنا بعدم الاقتضاء، فغايته عدم تعلّق النهي بالصلاة، غير أنّ عدم تعلّقه بها لا يكفي في الصحة، بل الصحة رهن الأمر بها، والمفروض عدمه، إذ لا يمكن الأمر بواجبين في وقت لا يسع إلاّ

صفحه 66
لأحدهما، فظهر بطلان الصلاة إمّا لأجل النهي أو لعدم تعلّق الأمر.
لكن شيخنا المحقّق قام في وجه هذا الإشكال وأحيا الثمرة المذكرة قائلاً: لو لم نقل بالاقتضاء جاز لنا القول بتوجّه الأمر إلى الصلاة ولكن مترتّباً على عصيان الأمر الأوّل، كما إذا قال: أزل النجاسة وإن عصيتَ فصلِّ، وعلى ذلك فالصلاة يتعلّق بها الأمر الترتّبي وإنّما سمّي به لترتّب الأمر بالصلاة على عصيان الأمر الأوّل.
وإلى هذه القاعدة يشير المحقّق الكركي في العبارة التالية:
قلنا: لا نسلم لزوم تكليف ما لا يطاق، إذ لا يمتنع أن يقول الشارع: أوجبت عليك كلاً من الأمرين، لكن أحدهما مضيق، والآخر موسع، فإن قدّمت المضيق فقد امتثلت وسلمت من الإثم، وإن قدّمت الموسع فقد امتثلت وأثمت بالمخالفة في التقديم.1
ثمّ إنّ المتأخرين من الأُصوليين بسطوا الكلام في قاعدة الترتب بين مثبت وناف. وقد ألفت في هذا المضمار رسائل ومقالات، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى كتاب «إرشاد العقول إلى مباحث الأُصول»2 الّذي هو محاضراتنا في أُصول الفقه، وقد قام بتقريره ولدنا الروحاني الشيخ محمد حسين الحاج العاملي ـ حفظه اللّه ـ.

1 . جامع المقاصد:5/14.
2 . الجزء الثاني: فصل الترتّب.

صفحه 67

10. لا يُنسخ الكتاب بخبر الواحد

إنّ للكتاب العزيز مكانة خاصة عند المسلمين، لا يعدلُ عنه إلى غيره إلاّ بدليل قطعيّ وعلى ضوء ذلك، ذهب المحقّق الكركي إلى عدم جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد، لأنّه دليل ظنّي، لا تُرفع به اليد، عن الكتاب القطعي، ولنأت بمثال:
قال سبحانه: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالأَقْرَبينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقينَ).1
ويدلّ لحن الآية على أنّ الوصية أمر قطعي لا تزول عبر الزمان، بشهادة قوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ) الحاكي عن الثبوت واللزوم، كما أنّ تذييل الآية بقوله: (حَقّاً عَلَى الْمُتَّقين)دليل على أنّه حقّ ثابت على خصوص المتَّقين.
ومع ذلك فقد ذهب أكثر فقهاء السنّة إلى أنّه منسوخ بخبر الواحد، أي ما روي عنه(صلى الله عليه وآله وسلم):«لاوصية لوارث»، وقد أوضحنا حال الرواية سنداً ودلالة في محاضراتنا الفقهية.2

1 . البقرة:180.
2 . الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف:2/157ـ 180.

صفحه 68

آراؤه الفقهية

إنّ شيخنا المحقّق، أحد أئمّة الفقه، وفارس حلبته لا يسمح به الزمان إلاّ في فترات خاصة، وها نحن نذكر بعض آرائه الفقهية ليكون نموذجاً لما لم نذكر.

11. لا يجوز تقليد الميّت

إنّ ازدهار فقه الشيعة عبر العصور و استعداده في كلّ زمان للإجابة عن الحوادث المستجدّة، رهن أُمور منها: تحريم تقليد الميت، وإيجاب الرجوع إلى المجتهد الحيّ، فأوجد ذلك رغبة ملحّة لدى طلاب العلوم الدينية في تحصيل ملكة الاجتهاد، ووضع ربقة التقليد عن الأعناق وبذلك حفظوا للفقه نضارته، وأضفوا على الشريعة استعداداً للبقاء، وأصبح العلماء في غنى عن التطفّل على موائد الآخرين.
وممّن خاض غمار هذا البحث شيخنا المحقّق، فقد حقّق الموضوع في غير واحدة من رسائله، ونحن نذكر موجز ما ذكره في بعض رسائله، قال:
لا يجوز العمل بقول المجتهد بعد موته لوجوه:

صفحه 69
1. إنّ المجتهد إذا مات سقط بموته اعتبار قوله شرعاً بحيث لا يُعتد به، وما هذا شأنه لا يجوز الاستناد إليه شرعاً.
أمّا الأُولى فللإجماع على أنّ خلاف الفقيه الواحد لسائر أهل عصره يمنع من انعقاد الإجماع، اعتداداً بقوله واعتباراً لخلافه إذا مات وانحصر أهل العصر في المخالفين له انعقد الإجماع، وصار قوله غير منظور إليه شرعاً ولا يُعتدّ به.
وأمّا الثانية فظاهرة.
2. لو جاز العمل بقول الفقيه بعد موته امتنع في زماننا هذا للإجماع على وجوب تقليد الأعلم والأورع من المجتهدين والوقوف لأهل هذا العصر على الأعلم والأورع بالنسبة إلى الأعصار السابقة كاد يكون ممتنعاً.
ثمّ إنّه إذا وجد للفقيه في مسألة قولان، إنّما يجوز تقليده والرجوع إليه في القول الأخير; لوجوب رجوعه هو عن الأوّل إليه، ووجوب إعلامه لمن كان قد قلّده في الأوّل برجوعه عنه. وأكثر المسائل يختلف قول الفقيه الواحد فيها، ولا يكاد يفرّق بين القول الأوّل والأخير إلاّ نادراً، فيتعذّر الرجوع من هذا الوجه أيضاً.
ولنقتصر على هذين الوجهين، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى رسائله.1

1 . شرح الألفية:29; جامع المقاصد: 3/491.

صفحه 70

12. وجوب تقليد الأعلم

من العوامل الّتي سبّبت تطور الفقه الإمامي ونضوجه هو إيجاب تقليد الأعلم، فإن مثل هذا الإلزام يثير همّة الآخرين لحيازة ذلك المقام بالبحث والدراسة المضنية.
وممّن ركّز على لزوم تقليد الأعلم شيخنا المحقّق الكركي قال في رسالته الجعفرية: «وطريقة معرفة أحكام الصلاة لمن كان بعيداً عن الإمام، الأخذ بالأدلّة التفصيلية في أعيان المسائل إن كان مجتهداً، والرجوع إلى المجتهد ولو بواسطة وإن تعددت، إن كان مقلداً، واشترط الأكثر كونه حياً ومع التعدّد يرجع إلى الأعلم ثمّ الأورع».1
وقال في حاشية الشرائع: «وقد صرح جمع من الأُصوليين والفقهاء باشتراط كون المجتهد حياً، ليجوز العمل بفتياه... ولو جاز العمل بقول الفقيه بعد موته، امتنع في زماننا هذا; للإجماع على وجوب الأعلم والأورع من المجتهدين، والوقوف لأهل هذا العصر على الأعلم والأورع بالنسبة إلى الأعصار السابقة كاد يكون ممتنعاً».2

1 . الرسالة الجعفرية:17.
2 . حاشية الشرائع:11/113.

صفحه 71

13. المعاطاة مفيدة للملكية المتزلزلة

المعاطاة مفاعلة من الإعطاء، وتتمحض في إعطاء الثمن وأخذ المثمن من دون أن يكون هناك إيجاب وقبول، وقد اختلفت كلمة الفقهاء في حكمها، إلى أقوال ستة:
1. اللزوم مطلقاً و هو ظاهر المفيد.
2. اللزوم بشرط وجود اللفظ الدالّ على التراضي.
3. الملك غير اللازم.
4. عدم الملك مع إباحة جميع التصرفات حتّى المتوقفة على الملك.
5. إباحة مالا يتوقف على الملك.
6. عدم إباحة التصرف مطلقاً.
وقد كان الحكم السائد عند فقهائنا إلى زمان المحقّق الثاني عدم إفادة المعاطاة الملكية وأوّل من أفتى بكونها مفيدة للملكية هو شيخنا المحقّق الكركي، لكنّها ملكية متزلزلة، كالبيع مع الخيار. وهناك نكتة نذكرها:
إنّ فقهاءنا جعلوا البيع بالصيغة أصلاً والمعاطاة فرعاً فاتّفقوا على أنّ البيع بالصيغة مفيد للملكية اللازمة، واختلفوا في البيع بالمعاطاة إلى أقوال مختلفة مرّ ذكرها.
ولكن دراسة الحضارة البشرية ومعرفة أنّ الإنسان بلغ إلى هذا

صفحه 72
المبلغ شيئاً فشيئاً ـ بعد أن كانت حياته بسيطة جدّاً وهو لا يعرف من القانون شيئاً ـ تقضي أنّ الحقّ هو العكس يعني: إنّ البيع بالمعاطاة أصل والبيع بالصيغة فرع، لما عرفت من أنّ مقتضى بساطة الحياة هو اكتفاء الإنسان في مقام المبادلة ورفع الحاجة بالمعاطاة، ولمّا تقدّم في معترك الحياة تمسك بالقانون، واقتصر على البيع بالصيغة دون العمل الكثير وهو المعاطاة فقامت الصيغة مكان المعاطاة.
فإذا كان الفرع مفيداً للزوم فكيف يقصر عنه الأصل؟
والقول بأنّ المعاطاة مفيدة للملكية اللازمة كان قولاً شاذاً منسوباً إلى المفيد، وكان الرأي السائد هو إفادة المعاطاة الإباحة، وأوّل من أخرج القول بالملكية عن الشذوذ هو شيخنا المحقّق فأفتى بإفادتها الملكية غير أنّ الإجماع على عدم اللزوم صدّه عن الإفتاء بالملكية اللازمة.
قال: إنّ المعروف بين الأصحاب أنّها بيع وإن لم تكن كالعقد في اللزوم خلافاً لظاهر المفيد ولا يقول أحدٌ من الأصحاب بأنّها بيع فاسد سوى العلاّمة في نهايته وقد رجع عنه.
ثمّ استدلّ على إفادة الملكية بأنّ قوله تعالى: (أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ)1 يتناولها لأنّها بيع بالاتفاق كما أنّ قوله: (إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَراض)2 يتناولها.

1 . البقرة:275.
2 . النساء:29.

صفحه 73
ثمّ إنّه أوّل قول القائلين بالإباحة إلى ما ذهب إليه من الملكية غير اللازمة، قال: وما يوجد في عبارة جمع من متأخري الأصحاب: من أنّها تفيد الإباحة وتلزم بذهاب إحدى العينين، يريدون به عدم اللزوم في أوّل الأمر وبالذهاب يتحقّق اللزوم.1
وفي ظل إظهار المحقّق الكركي القول بالملكية خرج القول بها عن الشذوذ، بل صار ذلك سبباً لإفتاء بعض المتأخرين عنه بالملكية اللازمة.
هذا هو الشهيد الثاني يقول: انعقاد البيع بكلّ ما دلّ على التراضي وعدّه الناس بيعاً فهو قريب من قول المفيد، وما أحسنه وأمتن دليله إن لم ينعقد الإجماع على خلافه.2
وأنت خبير بأنّ مثل هذا الإجماع لا ينبغي أن يصدّ الفقيه عن الإفتاء بما استنبطه من الكتاب، لأنّه إجماع مدركي يعتمد على الأدلّة. والإجماع المستند إلى الأدلّة الشرعية لا يكون دليلاً برأسه، بل يكون هو تعبير آخرعمّا استند إليه المجمعون، فإذا تبيّن لنا فساد استنباطهم، لا يعتد بإجماعهم.

14. نقد عموم المنزلة في الرضاع

اتّفق الفقهاء ـ تبعاً للنصوص ـ على أنّه يحرم من الرضاع ما يحرم

1 . جامع المقاصد:4/58.
2 . المسالك:3/152.

صفحه 74
من النسب.
ثمّ إنّ ما يحرم من النسب عبارة عن العناوين السبعة الواردة في الآية الكريمة، أعني قوله سبحانه: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمّهاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ).1
والمستفاد من عمومات الرضاع هو نشر الحرمة بتحقق أحد العناوين المذكورة ـ في الكتاب العزيز ـ بالرضاع مثلاً.
البنت في الرضاع كلّ أُنثى رضعت من لبنك أو لبن من ولدته أو أرضعتها امرأة ولدتها، وكذا بناتها من النسب والرضاع.
والعمات والخالات أخوات الفحل والمرضعة وهكذا، فلو تحقّق بالرضاع أحد هذه العناوين السبعة يحكم بالحرمة.
وأمّا إذا لم يحصل هو بنفسه بل حصل عنوان ملازم له، بحيث لو حصل في النسب لنشر الحرمة، لما كان محرّماً، لأنّ المتيقن من التنزيل هو ما عرفت، وغيره يحتاج إلى دليل.
ويظهر من الرسالة الرضاعية للمحقّق الكركي انّه شاع في عصره على ألسنة الطلبة، القول بالتعميم وانّ الملازمات النسبية كالعناوين تنشر الحرمة فقال:
اعلم وفّقك اللّه، أنّه قد اشتهر على ألسنة الطلبة في هذا العصر

1 . النساء:23.

صفحه 75
تحريم المرأة على بعلها بإرضاع بعض ما سنذكره، ولا نعرف لهم في ذلك أصلاً يرجعون إليه من كتاب، أو سنّة، أو إجماع، أو قول لأحد من المعتبرين، أو عبارة يُعتدّ بها تُشعر بذلك، أو دليل مستنبط في الجملة يعوّل على مثله بين الفقهاء.
وإنّما الّذين شاهدناهم من الطلبة وجدناهم يزعمون أنّه من فتاوى شيخنا الشهيد(قدس سره)، ونحن لأجل مباينة هذه الفتوى لأُصول المذهب، استبعدنا كونها مقالة لمثل شيخنا على غزارة علمه وثقوب فهمه، لا سيّما ولا نجد لهؤلاء المدّعين لذلك إسناداً يتّصل بشيخنا في هذه الفتوى يُعتدّ به، ولا مرجعاً يركن إليه.
ولسنا نافين لهذه النسبة عنه(قدس سره); استعانة على القول بفساد هذه الفتوى، فإنّ الأدلّة على ما هو الحقّ اليقين واختيارنا المبين بحمد اللّه كثيرة جدّاً، لا يستوحش معها من قلّة الرفيق.
ثمّ إنّه(قدس سره) أبطل القاعدة المسمّاة بعموم المنزلة في هذه الرسالة بذكر ثلاث عشرة صورة، وها نحن نذكر بعض الصور ليكون كالنموذج لما لم نذكره.

الصورة الأُولى

إذا أرضعت المرضعة أخاها وأُختها، تحرم على فحلها، لأنّها عندئذ صارت أُخت الولد وهو محرم في النسب، لأنّ أُخت الولد بنت.

صفحه 76
أمّا كونها أُختاً، فلفرض انّها أرضعت أُختها; وأمّا كون المرتضع ولداً، فلافتراض انّه ارتضع بلبن الفحل، فالمرتضع يُعد ولداً لأجل الرضاع، والمرتضعة أُخت بالنسب، فبإرضاعها إيّاه تصير أُخت الولد، ومن المعلوم أنّ أُخت الولد حرام للإنسان لأنّها بنته.
يلاحظ عليه: بأنّ أُخت الولد في النسب لا تخلو من حالتين:
أ. أمّا أنّها بنت حقيقة، ولكن المرضعة في المقام ليست بنتاً للفحل، لا تكويناً ولا اعتباراً.
ب. ربيبة ولكن تحرم الربيبة على الزوج إذا دخل بأُمّها فيحتاج إلى المصاهرة والمفروض انتفاؤها.

الصورة الثانية

إذا أرضعت المرضعة ولد أخيها فتحرم على فحلها، لأنّها تصير عندئذ عمّة الولد.
أمّا كونها عمّة فهو حاصل بالنسب وإنّما حصل بالرضاع كونه ولداً للفحل.
يلاحظ عليه: أنّ المحرّم إنّما هو أُخت الرجل نسباً أو رضاعاً وليست المرضعة أحدهما، وهكذا سائر الصور.
ومع أنّه ألّف رسالة في الموضوع، طرح المسألة أيضاً في «جامع المقاصد» نقتطف منه ما يلي:

صفحه 77
قال(قدس سره): وقد شاهدنا بعض من عاصرناه يروي عن بعض الأصحاب: أنّ المرأة إذا أرضعت ابن أخيها تحرم على زوجها صاحب اللبن، لأنّها عمة ابنه، وهي بمنزلة أُخته، ونحو ذلك.
وهذا من الأوهام الفاسدة قطعاً، لأنّ هذه ليست بينها و بين زوجها بسبب الرضاع علاقة نسب ولا علاقة مصاهرة، لأنّ المحرّم صيرورتها أُختاً ونحو ذلك، أمّا صيرورتها كالأُخت فلا دليل يدلّ عليه.
ولو تخيّل متخيّل أنّ التعليل في الروايات لتحريم أولاد الفحل على أب المرتضع: بأنّهم بمنزلة أولاده، يشعر بأنّ من كان بمنزلة إحدى المحرمات نسباً يحرم، فتحرم المرأة إذا صارت بمنزلة الأُخت والعمة والخالة.
لقلنا: إنّ هذا من الخيالات الفاسدة والأوهام الباطلة،لأنّ الّذي يعتبر العلّة المنصوصة ويحكم بتعديتها، إنّما يعتبر نفس المعلّل به، فيرتب عليه الحكم إن وجد، لا على ما شابهه.
ولا شكّ أنّ هذا من المجازفات في الدين، والعدول عن صريح الكتاب والسنّة والدلائل القاطعة عند أهل الشرع، مثل الاستصحاب، إلى القول بالرأي من غير دليل ولا إثارة علم.
وقد أفردنا لهذه المسألة رسالة حسنة تسمّى «الرضاعية»، من أراد تحقيقها فليطالع تلك الرسالة.1

1 . جامع المقاصد:12/244ـ 245.

صفحه 78

15. حلية الخراج

هذه المسألة التي طرحها شيخنا المحقّق على صعيد البحث، من المسائل التي أثارت نزالاً و جدالاً كثيراً بينه و بين معاصره الشيخ إبراهيم القطيفي ولم يقف الجدال بموت الشيخ المحقّق بل دام بعده عن طريق غيرهم.
هكذا كانت سيرة علمائنا في البحث والتنقيب، فيؤلف الشيخ الكركي رسالة في حل الخراج في عصر الغيبة يسميها «قاطعة اللجاج في تحقيق حل الخراج» عام 916هـ، ويأتي بعده الفاضل القطيفي فيؤلف في ردها رسالة أسماها«السراج الوهّاج لدفع عجاج قاطعة اللجاج»، ثمّ إنّ البحث دام بعد وفاة المتعاصرين ـ الكركي والقطيفي ـ فقام المحقّق الأردبيلي بتأليف رسالة في الخراج أيّد فيها موقف الشيخ القطيفي، ثمّ ألّف الفاضل الشيباني رسالة انتصر فيها للشيخ الكركي ورد مناقشات القطيفي وناصره الأردبيلي.
اتّفق العلماء على حل الخراج في عصر ظهور الإمام، لأنّ إدارتها جزء من شؤون الولاية والحكومة التي يتحمّلها الإمام المعصوم في عصره، وإنّما الكلام في حكم الخراج في زمان الغيبة وأنّه هل يحلّ للفقيه الجامع للشرائط أخذ الخراج أو المقاسمة من هذه الأراضي وصرفها في الموارد الّتي كان الإمام يصرفه فيها، أو أنّها تترك سدى وليس للفقيه فيها شأن؟

صفحه 79
فالمحقّق الكركي على الرأي الأوّل ومخالفوه على الرأي الثاني، ولا بأس أن نتحدث عن رسالة المحقّق الكركي الخراجية على وجه الإجمال:
يقول في المقدّمة الأُولى إنّ الأراضي على قسمين:
أحدهما: أرض بلاد الإسلام وهي على قسمين أيضاً: عامر، و موات.
فالعامر ملك لأهله، لا يجوز التصرّف فيه إلاّ بإذن مُلاّكه.
والموات إن لم يجر عليه ملك مسلم فهو لإمام المسلمين يفعل به ما يشاء، وليس هذا القسم من محلّ البحث المقصود.
القسم الثاني: ما ليس كذلك، وهو أربعة أقسام:
أحدها: ما يملك بالاستغنام ويؤخذ قهراً بالسيف، وهو المسمّى بالمفتوح عنوة.
وهذه الأراضي للمسلمين قاطبة، لا يختصّ بها المقاتلة عند أصحابنا كافة، ويقبلها الإمام لمن يقوم بعمارتها بما يراه
من النصف أو الثلث أو غير ذلك.
ثانيها: أرض من أسلم أهلها عليها طوعاً من غير قتال وحكمها أن تترك في أيديهم ملكاً لهم يتصرفون فيها بالبيع والشراء والوقف وسائر أنواع التصرّف إذا قاموا بعمارتها ويؤخذ منهم العشر أو نصفه زكاةً بالشرائط، نعم لو تركوا عمارتها وتركوها خراباً كانت للمسلمين قاطبة،

صفحه 80
وجاز للإمام أن يقبلها ممّن يعمرها بما يراه من النصف أو الثلث أو الربع.
ثالثها: أرض الصلح وهي كل أرض صالح أهلها عليها وهي أرض الجزية، فيلزمهم ما يصالحهم الإمام عليه من نصف أو ثلث أو ربع.
رابعها: أرض الأنفال وهي كلّ أرض انجلى أهلها عنها وتركوها أو كانت مواتاً لغير ذلك فأُحييت أو كانت آجاماً أو غيرها ممّا لا يزرع فاستحدثت مزارع فإنّها كلّها للإمام خاصة.
والفرق بين المقاسمة والخراج هو:
ما يؤخذ من هذه الأراضي إمّا مقاسمة بالحصة أو ضريبة تسمّى الخراج.
فلو أُخذ من نفس الحاصل يسمّى مقاسمة، وإن أخذ القيمة مكان العين فهو خراج، وربما يطلق الخراج ويراد المعنى الأعمّ من القيمة وغيرها.
فالخراج هو المأخوذ من أحد الأراضي الثلاثة:
أ. المأخوذ عنوة.
ب. الأرض الّتي أسلم أهلها عليها من غير قتال ثمّ تركوها فقبلها الإمام لغيرهم بالثلث ونحوه.

صفحه 81
ج. أرض الصلح وهي كلّ أرض صالح أهلها عليها بالجزية، من نصف أو ثلث أو ربع.
ثمّ إنّ الشيخ أفاض في آخر الرسالة في حكم الخراج في زمان الغيبة وقال: وأمّا في حال الغيبة فهو موضوع الكلام ومطرح النظر ولو تأمل المنصف لوجد الأمر فيه أيضاً بيّناً جلياً، فإنّ هذا النوع من المال مصرفه ما ذكر وليس للإمام(عليه السلام)قليل ولا كثير، وهذه المصارف1 الّتي عدّدنا لم تتعطل كلّها في حال الغيبة وإن تعطل بعضها.
وكون ضرب الخراج وتقبيل الأرضين وأخذه وصرفه موكولاً إلى نظره (عليه السلام) لا يقتضي تحريمه حال الغيبة; لبقاء الحقّ ووجود المستحق. مع تضافر الأخبار عن الأئمّة الأطهار، وتطابق كلام أجلّة الأصحاب، ومتقدّمي السلف ومتأخّريهم، بالترخيص لشيعة أهل البيت(عليهم السلام)في تناول ذلك حال الغيبة بأمر الجائر.
ثمّ إنّه استدلّ على ما رامه من حلّ الخراج بروايات كثيرة:
1. رواية الشيخ الطوسي عن أبي بكر الحضرمي.
2. ما رواه أيضاً عن عبد الرحمن بن الحجاج.
3. ما رواه الشيخ أيضاً عن أبي المعزى.
إلى غير ذلك من الروايات المتعدّدة.

1 . ذكر أصحابنا مصرف الخراج انّ الإمام يجعل منه أرزاق الغزاة والولاة والحكام وسائر وجوه الولايات. لاحظ المبسوط:2/75.

صفحه 82
ثمّ استدلّ بفتاوى الأصحاب كشيخ الطائفة في النهاية(ص:358)، والمحقّق في الشرائع(ج2، ص 13)، والعلاّمة في المنتهى:(ج2، ص 1027)، ثمّ استدل أيضاً بسيرة العلماءفي أدوار مختلفة كالشريفين في عصر البويهيين، ونصير الدين الطوسي أيام التتر.
ثمّ قال(قدس سره) : ثمّ انظر إلى ما اشتهر من أحوال آية اللّه في المتأخّرين، بحر العلوم، مفتي الفرق، جمال الملّة والدين أبي منصور الحسن المطهّر(قدس سره)، وكيف كان ملازمته للسلطان المقدّس المبرور محمّد خدابنده، وأنّه كان له عدّة قُرى، وكانت نفقات السلطان وجوائزه واصلة إليه، وغير ذلك ممّا لو عدّد لطال.
ولو شئت أن أحكي من أحوال عبد اللّه بن عباس، وعبد اللّه بن جعفر، وكيف كانت أحوالهما في دول زمانهما، لحكيت شيئاً عظيماً.
بل لو تأمّل الخالي من المرض قلبه، لوَجَدَ المربّي للعلماء والمروّج لأحوالهم إنّما هم الملوك وأركان دولهم.
ولهذا لمّا قلّت العناية بهم، وانقطع توجّههم بالتربية إليهم، ضعفت أحوالهم، وتضعضعت أركانهم، وخلت أندية العلم ومحافله في جميع الأرض.1
ويظهر من صدر الرسالة، أنّ المحقّق الكركي صار في حرج

1 . قاطعة ا للجاج في تحقيق حل الخراج التي طبعت ضمن مجموع مؤلفاته:4/490ـ 493.

صفحه 83
وقلق شديد عندما أفتى بحل الخراج بحيث صار غرضاً للمخالف، يقول(قدس سره):
فإنّي لما توالى على سمعي تصدّي جماعة من المتسمّين بسمة الصلاح، ولُمّة من غوغاء الهمج الرُّعاع،أتباع كلّ ناعق، الذين أخذوا من الجهالة بحظّ وافر، واستولى عليهم الشيطان، فحلّ منهم في سويداء الخاطر، لتقريض العرض وتمزيق الأديم، والقدح بمخالفة الشرع الكريم، والخروج عن سواء المنهج القويم.1

فتوى الكركي في قفص الاتّهام

ولعلّ هناك من يتوهم أنّ الحافز لهذه الفتيا والدفاع عن حلية الخراج هو تولّيه شيخوخة الإسلام في الدولة الصفوية ولم يكن له بُدّ إلاّ الإفتاء بحلّيته، لأنّ الخراج كان يوم ذاك من أهمّ المنابع المالية للدولة الصفوية.
لكنّه توهّم باطل، لأنّ الشيخ فرغ من تأليف هذه الرسالة في الحادي عشر من شهر ربيع الثاني من شهور عام 916هـ و هو بعد في العراق لم يهاجر إلى إيران، وإنّما هاجر إليها في أواخر هذه السنة. والشاهد على هذا أنّه يقول في بدء الرسالة:
حيث إنّنا ألزمنا الإقامة ببلاد العراق، وتعذّر علينا الانتشار في

1 . المصدر السابق:447ـ 448.

صفحه 84
الآفاق، لأسباب ليس هذا محلّ ذكرها،...1. نعم تصل إليه من الحاكم الصفوي صلات وأموال يصرفها في حاجات الحوزة ولعلّها كانت من الخراج.

16. الإفتاء بوجوب صلاة الجمعة التخييري

عند إطلالة القرن العاشر سادت الربوع الإسلامية دولتان عظيمتان وهما: الدولة الصفوية والدولة العثمانية.
وقد حكمت الأُولى أصقاعاً من الشرق الإسلامي من عام 950ـ 1135هـ، كما حكمت الثانية رقعة كبيرة من الغرب الإسلامي وغالب البلاد العربية.
وقد اهتمت الدولتان بإضفاء الشرعية على حكمهما لكسب قلوب الناس.
وكانت الدولة الصفوية تتبنّى المذهب الشيعي، كما أنّ العثمانيين كانوا يتبنّون المذهب السنّي. ومع ذلك فالدولتان كانتا واقفتين على أنّ إقامة الدولة الشرعية رهن سيادة العلماء عليها. وأن لا تصدر الدولة الإسلامية في الأُمور السياسية والاجتماعية إلاّ عن رأيهم وإفتائهم، ولذلك ازدهر الفقه والفتيا بل العلوم الإسلامية في عهد الدولتين إلى حدّ بعيد.

1 . الرسالة الخراجية:448، ضمن مجموعة آثار المحقّق.

صفحه 85
ولما كانت الأُمور السياسية والاجتماعية ـ الّتي كان الإمام المعصوم يتولاّها في عصر الحضور ـ فوّضت في عصر الغيبة إلى الفقيه الجامع للشرائط، وكانت إقامة صلاة الجمعة في عامة العصور داخلة في هذا الإطار، لم يكن بدّ للدولة الشيعية من إقامتها بإذن فقيه جامع للشرائط، ومن سوء الحظ اختلاف كلمة فقهاء الشيعة في عصر الغيبة في إقامتها إلى حدّ بعيد.
فمنهم من ذهب إلى حرمتها ورأى أنّ إقامتها منوط بإذن الإمام المعصوم من غير فرق بين العصرين: عصر الظهور، وعصر الغيبة.
وفي قبال ذلك ذهب بعضهم إلى وجوبها العيني وانّه لا فرق بين الزمانين، انّها تقام بإذن الفقيه الجامع للشرائط.
لكن شيخنا المحقّق اختار المذهب الوسط فأفتى بوجوبها التخييري، وألف في هذا المضمار رسالة عام 921هـ، بعد رجوعه من الهجرة الأُولى من بلاد فارس، وإقامته في النجف الأشرف.
وقد كان لهذه الرسالة تأثير في رجوع المسألة إلى ساحة الدراسة والتأليف، فقد قام لفيف من الفقهاء بتأليف رسائل حول الموضوع في القرون الثلاثة: العاشر والحادي عشر والثاني عشر، ربما تناهز الثلاثين.1
وبما انّ الرسالة من أهمّ رسائله، وتقع في عداد رسالته حول

1 . ذكر أسماءها الشيخ محمد الحسون في موسوعته حياة المحقّق الكركي وآثاره:2/62ـ 70.

صفحه 86
الخراج حيث أثارت حفيظة الآخرين عليه، فإنّنا نودّ أن نذكر خلاصتها، وكان قد رتّبها على مقدمات.
الأُولى: إذا رفع الوجوب في عصر الغيبة، فالمرفوع هو اللزوم، وأمّا الجنس ـ أعني: الجواز ـ فهو باق بحاله.
الثانية: انّ الفقيه الجامع للشرائط يمارس ما كان الإمام المعصوم يمارسه إلاّ ما خرج بالدليل كما تدلّ عليه مقبولة عمر بن حنظلة.
الثالثة: يشترط في إقامة صلاة الجمعة وجود الإمام المعصوم أو نائبه، ثمّ ذكر كلمات العلماء.
وتعرّض في آخر الرسالة لصفات الفقه الجامع للشرائط، فذكر ثلاث عشرة صفة، أعني:
الإيمان، العدالة، العلم بالكتاب، والسنّة، والإجماع، والقواعد الكلاميّة، وشرائط الحدود والبرهان، واللغة والنحو والصرف، والناسخ والمنسوخ وأحكامهما، والتعارض والترجيح، والجرح والتعديل وأحوال الرواة، وأنّ له نفساً قدسيّة وملكة نفسانية يقتدر معها على اقتناص الفروع من الأُصول، وأن يكون حافظاً بحيث لا يغلب عليه النسيان.
ولا يتوهّم القارئ: «انّ المحقّق الكركي في إفتائه بالوجوب التخييري والدعوة إلى إقامتها في البلاد والقرى، نزل على رغبة الدولة الفتية التي أقامتها الصفوية في إيران وحواليها، ولولا توليه لشيخوخة الإسلام، لما قام بهذا الأمر».

صفحه 87
كلا هذا توهّم فاسد ، وإنّما صدرت الفتوى، عن صميم رغبته، ببيان ما أدّى إليه اجتهاده.
ويشهد على ذلك أنّه ألّف الرسالة، بعد رجوعه من إيران، بقلب مكمد وحزن كبير لمّا واجه تيارات في البلاط الصفوية معادية لما يتبنّاه من التطوير في الدولة.
فرجع من إيران أوائل 920هـ، ثمّ ألف الرسالة.
والمحقّق الكركي عالم رباني لا يصدر إلاّ عن الكتاب والسنّة ولا يفتي إلاّ بما استنبطه من المصادر، سواء أوافق رأي الحكام أم خالفه.
وعلى هذا الخط، مشى عامة فقهاء الشيعة حتّى أنّ الشهيد الثاني، هو ممّن رفض دعوة الصفوية إلى إيران، ومع ذلك ألّف رسالة في صلاة الجمعة قائلاً بوجوبها العيني.

17. ولاية الفقيه في مدرسة المحقّق الكركي

إنّ البحث في ولاية الفقيه وتوضيح حقيقتها وأدلّتها رهن تأليف مفرد لا يسعه المقام وإنّما نشير إليها على وجه الإيجاز، ثمّ نذكر نظرية المحقّق حول هذا الأصل في الحكومة الإسلامية. والّذي أدهش الغربيّين وتلقوه عنصراً جديداً في الحقوق السياسية.
ممّا يجدر ذكره أنّه زارني في بدايات الثورة الإسلامية في إيران في مكتبي شابّ من فرنسا كان يدرس الحقوق السياسية في إحدى

صفحه 88
جامعاتها، وقال ما هذا خلاصته:
بعثني أساتذة الجامعة لدراسة «ولاية الفقيه» دراسة معمّقة مع أدلّتها، وما ذلك لأنّ هذا الأصل أدهش أساتذتنا، إذ لم يقرع سمعهم إلى الآن.
وكان الشابّ ملّماً باللغة العربية وأظن أنّه كان وليد لبنان أو من أُسرة لبنانية. ثمّ إنّي شرحت له ماهية ولاية الفقيه، وانّها زعامة الفقيه وفق القوانين الإسلامية. وبعبارة أُخرى: يشترط في الحاكم الأعلى أن يكون فقيهاً عارفاً بالأحكام مستنبطاً إيّاها من الكتاب والسنّة إلى غير ذلك من الشروط، وأمّا كيفية ممارسة الحكم فهو لا يمتّ إلى الاستبداد بصلة أبداً، كما لا يمتّ إلى القيمومة على الأُمّة بصلة.
إنّ للفقيه الجامع للشرائط في عصر الغيبة مناصب ثلاثة:
الأوّل: منصب الإفتاء: فإنّ الأحكام الشرعية لما كانت أمراً نظرياً لا يتمكن كلّ أحد من معرفتها، عمد الإسلام إلى إرجاع نظام الإفتاء إلى فقيه عالم بشرائع دينه، وهذا هو الّذي يطلق عليه في اصطلاح المتشرعة بـ«المفتي» ليكون مرجعاً لأخذ الأحكام.
الثاني: القضاء: فإنّ من مقتضى القوى والغرائز النفسانيّة والطبيعيّة التوجّه إلى المنافع، والتباعد عن المضارّ، وهو بدوره يوجب نزاعاً على المنافع الّذي قد ينجرّ إلى الحروب، فلدفع هذه المفسدة ترك أمر القضاء إلى الفقيه الجامع للشرائط.

صفحه 89
الثالث: الحكومة: فإنّ من أهمّ ما يحتاج إليه البشر في حفظ نواميسه، ونفوسه واجتماع أمره; وجود قائد بينهم يجب على الجميع إطاعة قوله واتّباع فعله، وهو الّذي يعبّر عنه في لسان الشرع والمتشرعة بالحاكم والسائس.
فالأوّلان من هذه المناصب الثلاثة ثابتان للفقيه باتّفاق الكلمة، وأمّا الولاية والحكومة ـ أعني القيام بنظم البلاد والدعوة إلى الجهاد والدفاع وسدّ الثغور وإجراء الحدود وجباية الزكاة وإقامة الجمعة إلى غير ذلك ـ فهي في نظر مشاهير الفقهاء ثابتة للفقيه الجامع للشرائط، غير أنّه ينهض بممارسة ذلك المنصب بأحد وجهين:
أ. تارة يقوم بتشكيل الحكومة فيجب على الناس إطاعته.
ب. إذا نهض الناس بتشكيل الحكومة تحت الضوابط الإسلامية فللفقيه العادل أن يراقب سلوك الحكومة وتصرفاتها فيصحّح سيرتها إذا انحرفت ويُعدِّل سلوكها إذا شذ.
إنّ الفقيه بحكم مسؤوليّته تجاه الإسلام والمسلمين يتحرّى في جميع الظروف مصالح الأُمّة، فإذا كانت الحكومة الّتي أقامتها الأُمّة الإسلامية موافقةً للمعايير الإسلامية، و مطابقةً للمصلحة الاجتماعية العليا وجب عليه إمضاؤها، وإقرارها، وليس له أن يردّها، ولأجل ذلك لا يترتّب على (ولاية الفقيه) إلاّ استقرار الحكومة الإسلامية الصالحة، ولا يتغير بولايته أيّ من الأركان والمؤسسات الحكوميّة، ولا تتعارض مع حريّة الأُمّة

صفحه 90
واختيارها.
ذلك هو مجمل حقيقة ولاية الفقيه، وهذه هي كيفيّة ممارستها.

ولاية الفقيه في كلمات المحقّق الكركي

إنّ استنباط رأي المحقّق الكركي في ولاية الفقيه رهن دراسة أمرين:
الأوّل: إنّ المحقّق هاجر إلى إيران وتعاون مع الدولة الصفوية، على وجه سيوافيك بيانه.
الثاني: دراسة آرائه في غير موضع من كتبه، ومن حاول أن يقف على رأيه فليلاحظ بحوثه في الجهاد والقضاء وإقامة الحدود والتعزيرات وتولّي أموال القُصّر إلى غير ذلك، وها نحن نذكر موجزاً من كلماته ليقف القارئ على أنّه ممّن جهر بولاية الفقيه مستنداً إلى الأدلّة.

1. كلامه في صلاة الجمعة

قال: «اتّفق أصحابنا ـ رضوان اللّه عليهم ـ على أنّ الفقيه العدل الإمامي الجامع لشرائط الفتوى، المعبّر عنه بالمجتهد في الأحكام الشرعية، نائب من قبل أئمّة الهدى صلوات اللّه وسلامه عليهم في حال الغيبة، في جميع ما للنيابة فيه مدخل، وربّما استثنى الأصحاب القتلَ والحدود مطلقاً.

صفحه 91
فيجب التحاكم إليه، والانقياد إلى حكمه، وله أن يبيع مال الممتنع من أداء الحقّ إن احتيج إليه، ويلي أموال الغيّاب والأطفال والسُّفهاء والمفلسين، ويتصرّف على المحجور عليهم، إلى آخر ما يثبت للحاكم المنصوب من قبل الإمام(عليه السلام).
والأصل فيه ما رواه الشيخ في «التهذيب» باسناد إلى عمر بن حنظلة عن مولانا الصادق جعفر بن محمد(عليه السلام) أنّه قال: «انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فارضوا به حكماً، فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً. فإذا حكم بحكمنا ولم يقبله منه، فإنّما بحكم اللّه استخفّ، وعلينا ردّ والرادّ علينا رادّ على اللّه، وهو على حدّ الشرك باللّه».
وفي معناه أحاديث كثيرة.
والمقصود من هذا الحديث هنا: أنّ الفقيه الموصوف بالأوصاف المعيّنة، منصوب من قبل أئمّتنا(عليهم السلام)، نائب عنهم في جميع ما للنيابة فيه مدخل بمقتضى قوله: «فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً»، وهذه استنابة على وجه كلّي.
ولا يقدح كون ذلك في زمن الصادق(عليه السلام); لأنّ حكمهم وأمرهم(عليهم السلام) واحد، كما دلّت عليه أخبار أُخرى.
ولا كون الخطاب لأهل ذلك العصر; لأنّ حكم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) والإمام (عليه السلام) على الواحد حكم على الجماعة بغير تفاوت، كما ورد في

صفحه 92
حديث آخر».1

2. قال في الرسالة الخراجية:

«فإن قلت:» فهل يجوز أن يتولى من له النيابة حال الغيبة ذلك، أعني الفقيه الجامع للشرائط؟
قلنا: لا نعرف للأصحاب في ذلك تصريحاً، ولكن من جوّز للفقهاء حال الغيبة تولّي استيفاء الحدود، وغير ذلك من توابع منصب الإمامة، ينبغي تجويزه لهذا بالطريق الأولى; لأنّ هذا أقلّ منه خطراً، لاسيّما والمستحقون لذلك موجودون في كلّ عصر، إذ ليس هذا الحقّ مقصوراً على الغزاة والمجاهدين كما يأتي.
ومن تأمّل في كثير من أحوال كبراء علمائنا السالفين، مثل السيّد الشريف المرتضى علم الهدى، وأعلم المحقّقين من المتقدّمين والمتأخّرين نصير الحقّ والدين الطوسي، وبحر العلوم مفتي الفرق جمال الملة والدين الحسن بن مطهر وغيرهم رضوان اللّه عليهم، نظر متأمّل منصف لم يعترضه الشكّ في أنّهم كانوا يسلكون هذا المنهج ويبيحون هذا السبيل، وما كانوا ليودعوا بطون كتبهم إلاّ ما يعتقدون صحته.2

1 . صلاة الجمعة المطبوع في ضمن رسائله:4/263ـ 264.
2 . آثار المحقّق الكركي:4/489ـ 490، قسم الرسائل.

صفحه 93
وما زلنا نسمع خلال المذاكرة في مجالس التحصيل من أخبار علمائنا الماضين وسلفنا الصالحين، ما هو من جملة الشواهد على ما ندّعيه، والدلائل الدالّة على حقيقة ما ننتحيه.
فمن ذلك ما تكرّر سماعنا له من أحوال الشريف المرتضى علم الهدى ذي المجدين، أعظم العلماء في زمانه، الفائز بعلوّ المرتبتين في أوانه، علي بن الحسين الموسوي(قدس سره)، فإنّه مع ما اشتهر من جلالة قدره في العلوم، وأنّه في المرتبة الّتي تنقطع أنفاس العلماء على أثرها، وقد اقتدى به كلّ من تأخّر عنه من علماء أصحابنا، بلغنا أنّه كان في بعض دول الجور ذا حشمة عظيمة وثروة جسيمة وصورة معجبة، وأنّه قد كان له ثمانون قرية، وقد وجدنا في بعض كتب الآثار ذكر بعضها.
وهذا أخوه ذو الفضل الشهير، والعلم الغزير، والعفّة الهاشميّة، والنخوة القرشيّة، السيّد الشريف الرضيّ المرضيّ روّح اللّه روحه، كان له ثلاث ولايات.
ولم يبلغنا عن أحد من صلحاء ذلك العصر الإنكار عليهما، ولا الغض منهما، ولا نسبتهما إلى فعل حرام أو مكروه أو خلاف الأولى، مع أنّ الّذين في هذا العصر ممّن يزاحم بدعواه الصلحاء، لا يبلغون درجات أتباع أُولئك والمقتدين بهم.
ومتى خفي شيء، فلا يخفى حال أُستاذ العلماء والمحقّقين، والسابق في الفضل على المتقدّمين والمتأخّرين، العلاّمة نصير الملّة والحقّ

صفحه 94
والدين، محمّد بن محمّد بن الحسن الطوسي قدّس اللّه نفسه وطهّر رمسه، وأنّه كان المتولّي لأحوال الملك والقائم بأعباء السلطنة، وهذا وأمثاله إنّما يصدر عن أوامره ونواهيه.
ثمّ انظر إلى ما اشتهر من أحوال آية اللّه في المتأخّرين، بحر العلوم، مفتي الفرق، جمال الملّة والدين أبي منصور الحسن بن المطهّر(قدس سره)، وكيف كانت ملازمته للسلطان المقدّس المبرور محمّد خدابنده، وأنّه كان له عدّة قُرى، وكانت نفقات السلطان وجوائزه واصلة إليه، وغير ذلك ممّا لو عدّد لطال.
ولو شئتُ أن أحكي من أحوال عبد اللّه بن عباس، وعبد اللّه بن جعفر، وكيف كانت أحوالهما في دول زمانهما، لحكيت شيئاً عظيماً.1

3. ولاية الفقيه في جامع المقاصد

قال: الفقيه المأمون الجامع لشرائط الفتوى منصوب من قبل الإمام، ولهذا تمضي أحكامه وتجب مساعدته على إقامة الحدود والقضاء.
لا يقال: الفقيه منصوب للحكم والإفتاء، والصلاة أمر خارج عنهما.
لأنّا نقول: هذا في غاية السقوط; لأنّ الفقيه منصوب من

1 . آثار المحقّق الكركي:4/503ـ504، قسم الرسائل.

صفحه 95
قبلهم(عليهم السلام) حاكماً كما نطقت به الأخبار، وقريباً من هذا أجاب المصنّف وغيره.1
أقول: ما ذكره هنا هو قريب ممّا نقلناه عنه في رسالة صلاة الجمعة، وعلى الجملة فكونه معتقداً بولاية الفقيه ومفتياً وممارساً لها في إقامته في النجف الأشرف وفي رحلته إلى إيران وتعاونه مع الدولة، من الأُمور الواضحة، وسيوافيك بعض الكلام عند البحث عن آرائه السياسية.

1 . جامع المقاصد:2/374.

صفحه 96

الفصل السادس

حياته السياسية والخدمات الّتي قدمها للمجتمع

أسّس النبي الأعظم(صلى الله عليه وآله وسلم) أوّل حكومة إسلامية وأقامها في المدينة المنورة، وهي و إن لم تكن من حيث التنظيمات الإدارية على النحو المتعارف الآن إلاّ أنّها كانت تمثِّل ـ آنذاك ـ حكومة كاملة الأركان، واضحة السمات والملامح، وهذا يُعلم من دراسة حياة النبي من هذا المنظار.
إنّ الإسلام ليس مجرّد طقوس ومراسيم فردية يقوم بها كلّ فرد في بيته ومعبده، بل هو نظام اجتماعي، حقوقي، اقتصادي، وسياسي. فما سنّه في هذه الحقول رهن سلطة تنفيذية تتعهد بإجرائها.
ولقد بلغت أهمية الدولة والحكومة في نظر نبي الإسلام حداً، أن جُعلت هي السبب الأساس في فساد أو صلاح الأُمّة، حيث قال: «صنفان من أُمّتي إذا صلحا صلحت الأُمّة، وإذا فسدا فسدت الأُمّة».
قيل يا رسول اللّه: ومن هم؟ قال:

صفحه 97
«الفقهاء والأُمراء».1
إنّ دراسة فقه الإسلام من بدايته إلى نهايته تكشف للدارس الحقيقة التالية، وهي أنّ تنفيذ هذه الأحكام يتطلّب بنفسه حكومة متكاملة الجوانب من حيث التقنين والتشريع أوّلاً، والقضاء وفصل الخصومات ثانياً، والإجراء والتنفيذ ثالثاً.
وقد ذكر سبحانه القوة التنفيذية وملامحها في قوله: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقامُوا الصَّلوةَ وَآتُوا الزَّكاة وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللّهِ عاقِبَةُ الأُمورِ).2

الحكومة حق للّه سبحانه

إنّ من مراتب التوحيد تخصيص الحكومة للّه سبحانه وأنّه لا حكم إلاّ للّه ولا حاكم سواه، يقول سبحانه:(إِنِ الْحُكْمُ إِلا للّهِ يَقُصُّ الحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلينَ).3
وذلك لأنّ الحكومة تستدعي التصرّف في النفوس والأموال وغيرها وليس لأحد حقّ على أحد إلاّ اللّه سبحانه الّذي هو خالق النفوس.
وبما أنّه سبحانه لا يحكم في الأرض مباشرة فقد اقتضى الحال أن

1 . علل الشرائع:253.
2 . الحج:41.
3 . الأنعام:57.

صفحه 98
يعيّن الحاكم من البشر إمّا بالاسم والشخص أو من خلال توفّر الصفات والشروط اللازمة فيه.
أمّا التصريح بالاسم والشخص فهذا كالنبي وأئمّة أهل البيت الاثني عشر(عليهم السلام)، وأمّا الثاني فهذا فيما إذا لم يكن هناك تصريح بالاسم فيؤخذ بالمواصفات أينما وجدت، وهذا يختص بعصر الغيبة فإنّ الحاكم منصوب من جانبه سبحانه لكن لا بالاسم، بل من جانب المواصفات فعلى الأُمّة الإسلامية إطاعة من وجدت فيه مواصفات الحاكم الأعلى.
أمّا صفات الحاكم الإسلامي فهي إجمالاً عبارة عن:
1. الإيمان.
2. حسن الولاية والقدرة على الإدارة.
3. التفوّق في الإدارة السياسية.
4. العدالة.
5. الرجولة.
6. أن يكون فقيهاً في الدين عالماً بالشريعة عن اجتهاد.
هذه هي عمدة الصفات اللازمة في الفقيه وهي توجد في الفقيه المجتهد الجامع للشرائط، فللفقيه مناصب ثلاثة:
1. منصب الإفتاء.
2. منصب القضاء.
3. منصب الحكومة.

صفحه 99
نعم ليست حكومة الفقيه وولايتها بمعنى استصغار الأُمّة ولا الاستبداد بمقدراتها، وإنّما هي ممارسة الحكم على ضوء ما أقره الإسلام للناس من الحقوق، وذلك بالبيان التالي:
إذا نهض الفقيه بتشكيل الحكومة وجب على الناس أن يسمعوا له ويطيعوه، إذ كلّ ما يشترط من المواصفات في الحاكم الّتي مرّ بيانها; موجود في الفقيه العادل.
كما أنّه إذا نهض الناس بتشكيل الحكومة تحت الضوابط الإسلامية ، فللفقيه العادل حينئذ أن يراقب سلوك الحكومة وتصرّفاتها; فيصحّح سيرتها إذا انحرفت ويعدّل سلوكها إذا شذّ... وعندئذ تكون ولاية الفقيه ضمانة لاستقامة الدولة ومانعاً عن عدولها عن جادّة الحقّ وسنن الدين، فهو بما انّه متخصص في الشريعة، أعرف بالأحكام والحدود، وبما أنّه ورع يتّقي اللّه ويخشاه أكثر من سواه، كما يقول اللّه سبحانه: (إِنّما يَخْشَى اللّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ)1، فولايته تمنع الحكومة عن الخروج عن المعايير الإسلامية. وارتكاب ما يخالف مصالح الإسلام والمسلمين دون أن ينحرف هو عن صراط الحقّ المستقيم.
***
لقد أُقصي أهل البيت(عليهم السلام) عن الحكم يوم السقيفة وبعده، حيث تولى الحكم بعد خلافة الخلفاء، الأمويون والعباسيون، يتلقّفونه كالكرة،

1 . فاطر:28.

صفحه 100
ويتوارثه الأبناء عن الآباء، ومع ذلك كلّه أقام الشيعة لهم كيانات سياسية خلال هذه الحكومات لا بصورة الخلافة بل بصورة الملوكية، وربما اتخذ بعضها لنفسه طابع الخلافة، وأبرز هذه الكيانات:

1. الحمدانيون

بنو حمدان أُمراء حلب والموصل والعواصم، منهم: سيف الدولة علي بن حمدان وابنه سعد الدولة وأخوه ناصر الدولة وابن عمّه أبو فراس الشاعر الطائر الصيت.

2. بنو مزيد

أُمراء الحلة منهم: الأمير سيف الدولة(صدقة بن دبيس الأسدي) صاحب الحلة السيفية، المنسوبة له، وابنه دبيس، وأخوه بدران بن صدقة.

3. أئمّة الزيدية ودولتهم في اليمن

أسّس يحيى بن الحسين بن القاسم الرسي بن إبراهيم طباطبا حكومة شيعية زيدية في اليمن، استمرت قائمة حوالي 12قرناً وآخر أئمتهم هو بدر بن الإمام يحيى، وقد انقرضت هذه الدولة بقيام ثورة داخلية ساندتها دول خارجية.

صفحه 101

4. الدولة الزيدية في المغرب

أسّس إدريس بن محمد بن عبد اللّه الحسني، دولة في المغرب عرفت بدولة الأدارسة حكمها نحو (18) شخصاً، ودام ملكهم نحو (70) سنة.

5. الدولة الزيدية في طبرستان

أسّسها الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب المتوفّى سنة (270هـ). ودام حكمها إلى سنة (360هـ).

6. الفاطميّون

أسّسها الإمام عبيد اللّه الملقّب بالمهدي، بويع بالخلافة سنة (296هـ)، وتوفّي عام (322هـ)ودامت خلافة الفاطميين إلى أن قضى عليهم صلاح الدين سنة (567هـ).

7. دولة البويهيين

آل بويه أُسرة إيرانية خرجت من الديلم، وحكمت إيران والعراق من عام 320ـ 448هـ، ومؤسسها علي(عماد الدولة)، وحسن (ركن الدولة) وأحمد(عز الدولة) وهم أبناء بويه الديلمي، وقد شمل حكمهم

صفحه 102
فارس والعراق والأهواز وكرمان والري وهمدان وأصفهان.
إلى غير ذلك من الحكومات التي أسّسها الشيعة في أكثر من قطر، للتخلّص من ظلم الحكام الذين كانوا يحكمون باسم الإسلام ولا يحترمون لشيعة أهل البيت دماءهم ولا نفوسهم وأعراضهم.
ومن تلك الحكومات حكومة (السربدارية) وهي حكومة شيعية استولت على الحكم في خراسان بعد وفاة (محمد خدابنده) في سنة(716هـ) وهو من ملوك المغول ، واستقرت حكومتهم بعد معارك دامية سنة 738هـ . واستمرت إلى سنة 783هـ، واندمجت في حكومة التتر الّتي كانت تغطي سلطتهم أكثر الرقعة الإسلامية.
وممّن تولى الحكم من السربداريين علي بن محمد بن المؤيد، المعروف بالعدل والإحسان إلى الضعفاء والاهتمام بنشر التشيّع وولاء أهل البيت، وذلك عام 766هـ، إلى أن وافته المنيّة سنة 795هـ.
وكان لأخبار حكومته دويٌ في ربوع جبل عامل، وكان الملك المذكور يُكنّ احتراماً كبيراً للشهيد الأوّل وكانت العلاقات بينهم قائمة عن طريق الرسائل والرسل.
كان الملك يرغب في أن يغادر الشهيد الأوّل موطنه إلى خراسان ليكون مرجعاً فقهياً للفقهاء في تلك المنطقة، وقد كتب في ذلك الموضوع رسالة إلى الشهيد الأوّل.

صفحه 103
وبما أنّ تلك الرسالة تعتبر من الوثائق التاريخية الّتي تعرب عن مكانة الشهيد الأوّل وعمّا بلغت إليه منطقة جبل عامل من الشهرة في الفقه والفقاهة، نورد هنا نصّ الرسالة:
بسم اللّه الرحمن الرحيم
سلامٌ كنشر العنبر المتضوعِ *** يخلِّف ريح المسك في كلّ موضع
سلام يباهي البدر في كلّ منزل *** سلام يضاهي الشمس في كلّ مطلعِ
على شمس دين الحق دامت ظلاله *** بجدّ سعيد في نعيم ممتِّع
أدام اللّه تعالى مجلس المولى الهمام العالم العامل الفاضل الكامل السالك الناسك، رضيّ الأخلاق، وفيّ الأعراق، علامة العالم، مرشد الأُمم، قدوة العلماء الراسخين، أُسوة الفضلاء والمحقّقين، مفتي الفرق، الفارق بالحق، حاوي الفضائل والمعالي، حائز قصب السبق في حلبة الأعاظم والأعالي، وارث علوم الأنبياء والمرسلين، محيي مراسم الأئمّة الطاهرين، سرّ اللّه في الأرضين، مولانا شمس الملة والدين، مدّ اللّه أطناب ظلاله بمحمد وآله من دولة راسية الأوتاد ونعمة متصلة الأمداد إلى يوم التناد.

صفحه 104
وبعد: فالمحب المشتاق، مشتاق إلى كريم لقائه غاية الاشتياق وأن يمنَّ بعد البُعد بقرب التلاق:
حرم الطرف من محياك لكن *** حظي القلب من محياك ريّا
ينهي إلى ذلك الجناب ـ لا زال مرجعاً لأُولي الألباب ـ انّ (شيعة خراسان) صانها اللّه عن الحدثان متعطشون إلى زلال وصاله، والاغتراف من بحر فضائله وأفضاله، وأفاضل هذه الديار قد مزقت شملهم أيدي الأدوار، وفرَّقت جلهم أو كلّهم صنوف صروف الليل والنهار، قال أمير المؤمنين عليه سلام ربّ العالمين: «ثلمة الدين موت العلماء» وإنّا لا نجد فينا من يوثق بعلمه في فتياه، ويهتدي الناس برشده وهداه، فهم يسألون اللّه تعالى شرف حضوره، والاستضاءة بأشعة نوره، والاقتداء بعلومه الشريفة، والاهتداء برسومه المنيفة، واليقين بكرمه العميم وفضله الجسيم أن لا يخيب رجاءهم، ولا يرد دعاءهم، بل يُسعف مسؤولهم، وينجح مأمولهم، قال اللّه تعالى: (وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا ا َمَرَ اللّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ).
ولا شكّ أنّ أُولي الأرحام أولى بصلة الرحم الإسلامية الروحانية، و أحرى القرابات بالرعاية القرابة الإيمانية. ثمّ الجسمانية، فهما عُقدتان لا تحلهما الأدوار والأطوار، بل شعبتان لا يهدمهما إعصار الأعصار.
ونحن نخاف غضب اللّه على هذه البلاد لفقدان الرشد وعدم

صفحه 105
الإرشاد والمأمول من انعامه العام وإكرامه التام أن يتفضّل علينا ويتوجّه إلينا متوكلاً على اللّه القدير، غير متعلل بنوع من المعاذير إن شاء اللّه تعالى.
والمتوقع من مكارم صفاته ومحاسن ذاته إسبال ذيل العفو على هذا الهفو، والسلام على أهل الإسلام.
المحب المشتاق
علي بن مؤيّد1
إنّ الشهيد الأوّل وإن لم يجب دعوة الملك لكنّه زود الرسول بكتاب اللمعة الدمشقية ليكون مرجعاً لفقهاء المنطقة فيما يعرض لهم من مسائل الفقه.
هكذا يجب أن يكون العلماء مهتمين بأُمور الأُمّة فإن سنحت الفرصة شاركوا في تأسيس الحكومة وإدارتها وإلاّ دعموها بقدر المستطاع، ولذلك نرى أنّ الشهيد أجاب دعوة الملك بتأليف رسالة فقهية كاملة أرسلها إليه لتكون مبنى لعمل المفتين والقضاة.
وهذه هي الضابطة الكلية والسيرة المتعارفة لفقهاء الشيعة، و من هذا المنطلق نرى أنّ المحقّق الكركي أجاب دعوة الملك إسماعيل عندما قام بتأسيس الحكومة العلوية في إيران، وإليك شرح هذا المقطع من تاريخ حياة المحقّق.

1 . روضات الجنات:3/2، الطبعة الحجرية نقلاً عن الدروس:1/61ـ 62، المقدمة.

صفحه 106

المحقّق الكركي والتدخل في شؤون الحكم

إنّ المحقّق الكركي لما رأى أنّ أُمّة كبيرة نهضت بتشكيل حكومة إسلامية، واتخذت منهج التشيع الإمامي طابعاً لها، أحسّ بمسؤوليته تجاه هذه الدولة الفتية الّتي رفعت راية التشيع بعدما غابت عن مسرح الحياة (منذ شهادة الوصيّ في محرابه) قرابة تسعة قرون.
وهذه الدولة قامت على يد إسماعيل الصفوي الّذي ولد عام 892هـ، وبدأ بالتحرك في شهر محرم الحرام سنة 905هـ من آذربايجان، معتمداً على سبع قبائل تركية وهي: (استاجلو، وشاملو، وروملو، وتوكلو، وذو القدر، وأفشار، وقاجار)، وفي سنة 906هـ احتلّ باكو كما أنّه في سنة 907هـ استولى على تبريز وجعلها عاصمه له، وفي سنة 910هـ استولى على أصفهان و يزد وكرمان وجنوبي خراسان، و في سنة 914هـ في اليوم الخامس والعشرين من شهر جمادى الآخرة احتل بغداد وقضى على حكم أُسرة (آق قيون لو) قضاءً نهائياً، وذهب في أوائل رجب لزيارة العتبات المقدّسة في مدينتي النجف وكربلاء المقدّستين. وهناك تعرّف على المحقّق الكركي، وأدرك أنّه هو الرجل الوحيد الّذي يمكن أن يساعده في تطبيق الشريعة في مملكته.
وفي ضوء ذلك استقدمه الشاه إسماعيل إلى إيران في أواخر 916هـ، وقد دخل عليه في مدينة (هراة) ولكنه لم تطل اقامته في إيران أزيد من ثلاث سنين. لأنّه لم يجد بغيته لدى الشاه، لأنّ لكلّ ثقافته

صفحه 107
الخاصة، فالصفوي كان رجلاً عسكرياً لا يعرف إلاّ منطق القوة فلا يفكر إلاّ في الفتح ونشر القدرة، ولكن المحقّق الكركي ولد في عائلة علمية في أحضان العلم والمعرفة وكان والده عالماً فاضلاً و نشأ نشأة هادئة محباً للسلام داعياً لمذهب أهل البيت(عليهم السلام) بالحكمةوالموعظة الحسنة، ولا يُفكر بشيء سوى مرضاة اللّه تعالى. والدعوة بأخذ الطرق الثلاثة: 1. الحكمة، 2. الموعظة الحسنة، 3. المجادلة بالتي هي أحسن.
وبما انّ طريق الحاكم الّذي كان بيده القوة والقدرة كان غير ذلك. لم يجد بداً من العودة إلى العراق.
نعم كان هنا عامل أو عوامل أُخرى لمغادرة إيران يأتي تفصيلها في الهجرة الثانية.

الهجرة الثانية إلى إيران

لقد غادر المحقّق الكركي إيران ـ لبعض ما ذكرنا ـ متوجّهاً إلى النجف الأشرف وعاش فيها إلى عام 936هـ وقد توفّي في أثناء هذه الفترة أيّ سنة 930هـ شاه إسماعيل وتغلّب العثمانيون على الصفويين في العراق.
مات الملك الأوّل واستلم الحكم ولده الصغير طهماسب فلما بلغ وأخذ بزمام الحكم، وكان أوّل شيء حَلُم به هو تحرير العراق من سلطة العثمانيين واستردادها منهم، فأعدّ العدّة لذلك عام 936هـ. فتحقّق

صفحه 108
حلمه في ذلك العام وطرد العثمانيين عن أرض العراق وصفا بلاد ما بين النهرين لحكمه، وقد زار في سفره هذا الأعتاب المقدسة، واجتمع مع المحقّق الكركي في النجف الأشرف ورأى أنّ آماله معقودة بناصية المحقّق فدعاه إلى مغادرة العراق والتوجّه إلى إيران بصحبته.
وقد أحسّ المحقّق أنّه يتمكّن من إجراء إصلاحات في السياسة والحكم، فلبّى دعوة الملك وقد أصدر الملك مرسوماً في نفس النجف الأشرف تعضيداً له وهذه هي ترجمة نص المرسوم من الفارسية إلى العربية.

المرسوم الملكي الأوّل:

بسم اللّه الرحمن الرحيم
حيث يبدو و يتّضح من الحديث صحيح النسبة إلى الإمام الصادق(عليه السلام) :«انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فارضوا به حكماً، فإنّي قدجعلته حاكماً. فإذا حكم بحكم فمَن لم يقبله منه فإنّما بحكم اللّه استخفّ، وعلينا ردّ، وهو رادّ على اللّه، وهو على حدّ الشرك».
وواضح أنّ مخالفة حكم المجتهدين، الحافظين لشرع سيّد المرسلين، هو والشرك في درجة واحدة. لذلك فإنّ كلّ من يخالف حكم خاتم المجتهدين، ووارث علوم سيّد المرسلين، ونائب الأئمّة

صفحه 109
المعصومين(عليهم السلام)، لا يزال كاسمه العلي عليّاً عالياً، ومن لا يتابعه، فإنّه لا محالة مردود، وعن مهبط الملائكة مطرود، وسيؤاخذ بالتأديبات البليغة والتدبيرات العظيمة.
كتبه طهماسب ابن شاه إسماعيل الصفويّ الموسويّ1
ويلاحظ أنّ التعابير الواردة في المرسوم هي تعابير فقهية وليست بسياسية، وهذا يعرب عن أنّ الكاتب هو أحد الفقهاء البارزين في الفقه.
وهذا المرسوم الملكي يفقد التاريخ ولعل النسّاخ تصرفوا فيه ولكن يظهر من المرسوم الملكي الثاني أنّ الأوّل كان مؤرّخاً عام 936هـ.2
نزل المحقّق الكركي إيران ومعه المرسوم السلطاني الّذي أمر به السلطان أتباعه بإطاعته وأنّ من خالفه فهو مردود وعن مهبط الملائكة مطرود وسيؤاخذ بالتأديبات البليغة... فاستغل المحقّق هذا المرسوم وأجرى ما كان يتوخّاه في السلطة الصفوية من الإصلاحات، وصار المناخ صالحاً لأن يلقّب بواضع الأُسس الدستورية للدولة الصفوية.
وإليك ما قدّم من الخدمات في هذه العودة الّتي طالت حوالي ثلاث سنين:
الأُولى: نشر الأحكام الشرعية وترويجها على مذهب أهل البيت(عليهم السلام) وذلك بواسطة مجموعة من العلماء، حيث عيّن في كلّ مدينة

1 . رياض العلماء:3/455; و روضات الجنات:4/364.
2 . لاحظ رياض العلماء:3/459، ذيل المرسوم الثاني.

صفحه 110
رجل دين يعلّمهم مسائل الشرع الحنيف، ويقوم بكافة ما يتعلّق بالأُمور الشرعية كصلاة الجمعة والجماعة، والنظر في مشاكلهم الاجتماعية، والفصل في خلافاتهم الدنيويّة.
الثانية: تأسيس حوزات علمية مبنية على أُسس وقواعد مذهب أهل البيت، فقد أسّس عدّة حوزات أهمّها كانت في كاشان واصفهان، وعين رواتب للدارسين فيها ليتفرغوا لطلب العلم.
الثالثة: العناية بالحكام والمسؤولين بتثقيفهم بأحكام الشرع وعدم الخروج عنها عند المعاملة مع الناس.
الرابعة: عزل المتخلّفين عن العمل بالأحكام الشرعية عن مناصبهم فعزل الأمير غياث الدين منصور الدشتكي الشيرازي (المتوفّى 946هـ) من منصب
الصدارة، ونصب بدله تلميذه الأمير معز الدين الأصفهاني (المتوفّى 952هـ)، ثمّ عزل هذا أيضاً ونصب بدله الأمير أسد اللّه الشوشتري (المتوفّى 963هـ).
الخامسة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أوساط الناس، فقد كان الغناء مباحاً عند الصوفية وأماكن القمار واللهو منتشرة. فقد وضع المحقّق الكركي خطةً لمحاربة الفساد وقد حظى بدعم الملك الّذي كان يُعد أكثر تديّناً بين الصفويين، فأمر بإغلاق أماكن اللهو والفساد، وكسر آلات الغناء والموسيقى. وفي ذلك أصدر الملك مرسومين (الثاني والثالث) نأتي بنصيهما.

صفحه 111

المرسوم الثاني:

بسم اللّه الرحمن الرحيم
الحمد للّه الذي أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ، والصلاة والسّلام على سيّد البشر، والأئمّة الاثني عشر، المبعوثين لترويج الشرع الأطهر إلى يوم الحشر.
وبعد، لا يخفى على الضمير الأنور، ذي الجوهرة الكبريائية، بأنّ الجميع... لا يزال اعتناء الملك باسط الفيض، حاكم أهل الإيمان ـ المهنّا ـ و ماحي معالم الفسق والعصيان، المؤيّد أسعد السعداء، حاكم الربع المسكون، بتأييد اللّه الملك المنّان أبو المظفر السلطان شاه طهماسب بهادر خان ـ خلّد اللّه ملكه وسلطانه وأفاض على العالمين برّه وعدله وإحسانه ـ الّذي لا تزال شجرة إقباله ورفعته تروى من منهل شريعة سيّد المرسلين(صلى الله عليه وآله وسلم) ومنهج الأئمّة المعصومين(عليهم السلام) من غير توان، لا زال منصباً على ترويج الدين المبين والشرع المستبين.
وفي هذا البلد، وبميامن توفيقات اللّه الأزليّة، وبركات تقبيل العتبة الرضيّة الرضويّة ـ على صاحبها آلاف التحيّة والثناء ـ وبما تقتضيه دعوة مبشّر الهداية رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) ذات العنايات اللامتناهية والّتي تُفرح القلوب وهي(تُوبُوا إِلى اللّه تَوْبَةً نَصُوحاً)1، والآية الكريمة: (كُنْتُمْ

1 . التحريم:8.

صفحه 112
خَيْرَ أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَونَ عَنِ الْمُنْكَرِ)1 ، فقد طرقت المسامع المعزّزة، وأصغى إليها بكلّ إخلاص، حيث أدّى هذا الأمر إلى ترك المناهي والمنكرات وإلى التوبة النصوحة.
فقد صدر حكم واجب الاتّباع في كافّة الممالك المحروسة بغلق أماكن شرب الخمر والترياق، ومحلّ اجتماع القصاصين، ودور الدعارة، وأماكن اللعب بالطيور.
والجباة المكرّمون يأخذون رواتبهم الشهريّة من ديوان الجباية، والأُمور المذكورة ـ المنهيّات ـ لابدّ أن تُلغى في جميع البلاد لا سيّما دار الإيمان كاشان، وأن لا يسمح للناس بارتكاب هذه المناهي من هذا الوقت، وكذلك سائر اللامشروعات مثل حلق اللحية، والعزف على الطنبور وغير ذلك من آلات اللهو.
ومن مارس هذه الأعمال يُزجر ويؤدّب بزجر وتأديب بليغين حسب ما قرّره الشرع الشريف.
وأيضاً يُمنع استخدام النقّارة في البقاع المتبرّكة، وتُمنع مراودة الغلمان، وأيضاً يُمنع عمل المُرد في الحمامات.
وعلى الغزاة العظام والعساكر ـ ختم اللّه مآلهم بالظفر ـ وعامّة السكان، وعموم الرعايا في تلك البلاد، أن يعتبروا كلّ من قام بالأعمال

1 . آل عمران:110.

صفحه 113
المذكورة من المطرودين والمرجومين ومن عليه لعنة اللّه وسخطه (فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ)1 عليه لعنة اللّه ولعنة اللاعنين من الإنس والجنّ أجمعين.
فإذا انصبت جهود القوة التنفيذية والقوة التشريعية على نشر الأمر بالمعروف ومكافحة الفساد، لأصبح المجتمع كمدينة فاضلة يسوده الأمن والسلام، ويصل كلّ فرد إلى كماله الّذي خُلق له، بخلاف ما إذا ساد بينهما التناحر، انعكس ذلك المجتمع بالفوضى والفساد.
ولأجل تلك النتائج الباهرة الملموسة، عزز الملك المرسوم، بثالث، وهذا نصه:

المرسوم الثالث:

بسم اللّه الرحمن الرحيم
لمّا منحنا اللّه الحكم حسب الآيات (إِنّي جاعِلٌ فِي الأَرضِ خَليفَةً)2(وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرضِ)3(لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذينَ مِنْ قَبْلِهِمْ).4 صدر هذا المرسوم عن دار

1 . البقرة:181.
2 . البقرة:30.
3 . الأنعام:165.
4 . النور:55.

صفحه 114
الخلافة الرفيعة المختوم بختم السلطان، الموشّح باسم دار الخلافة الساميّة.
وأداءً لشكر هذه الموهبة العليّة السنيّة ألزمنا ذمّتنا أن ننصب في جميع الأقطار وكلاء ملتزمين بالدين والشريعة، متوسّمين بوسام (أُخرجت لِلنّاسِ
تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَونَ عَنِ الْمُنْكَرِ)1 (وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّه)2، ـ إلى أن قال:ـ
وأنّ السلطان قد كلّف كلّ من يريد الولاية بدوام ذكر اللّه، وإحياء الليالي الشريفة، والترغيب في الصلاة، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتنسيق أُمور المساجد والمدارس والتكايا والزوايات وبقاع الخير، وكسر الآلات المحرّمة، ومنع الفسقة والفجرة وأهل البدع وزجرهم، وكسر الأواني والآلات المحرّمة، وتحريض الناس على ذلك، والتمسّك بالطاعات والعبادات، ومنع الأجانب من رؤية النساء، وهدم الدور الّتي تُعمل فيها المعاصي، وأن لا يتهاون لحظة في السعي في الأُمور المذكورة.

لماذا ترك إيران؟

هذا هو السؤال المهم في حياة المحقّق الكركي حيث إنّه عاد إلى

1 . آل عمران:110.
2 . التوبة:112.

صفحه 115
العراق عام 939هـ، مع أنّه كان قد احتل موقعاً مهماً عند الملك حتّى صار الملك بيده أداة طيّعة.
والّذي يستفاد من التاريخ انّه لم يترك إيران مختاراً وهو يرى بأُمّ عينيه ثمرة جهاده ودؤوب عمله.
والّذي صار سبباً لمغادرته إيران ظهور معارضة له في داخل البلاط وخارجه كانوا يحسدونه لخضوع البلاط له بعامّة وجوده، وهؤلاء شكّلوا جبهة قوية ضد الكركي، فلم يجد الشيخ بداً من ترك إيران.
وتتلخص القوى المعادية للمحقّق في ما يلي:1

1. رجال الفرقة الصوفية المعروفة بـ«القزلباش»

كان لرجال الفرقة الصوفية المعروفة بـ«قزلباش» دور مهم في إنجاح ثورة الشاه إسماعيل وإيصال العائلة الصفويّة إلى الحكم، حيث خاضوا معارك ضارية ضدّ أعدائهم، وقدّموا أعداداً كبيرة من الضحايا، وضربوا أروع آيات الفداء والتضحية والإخلاص لقائدهم الشاه إسماعيل، وقد كان المحقّق يعارض الصوفية ويكافحهم.

1 . وقد استفدنا في هذا البحث ممّا كتبه محقّق آثار الكركي الشيخ محمد الحسون التبريزي، حفظه اللّه وإليه يرجع الفضل.

صفحه 116

2. أتباع مدرسة الخلفاء الذين أظهروا التشيّع

قد وقف بعض رجا ل الدين (الذين كانوا من أتباع مدرسة الخلفاء وعند إعلان الشاه إسماعيل الصفوي رسميّة مذهب أهل البيت(عليهم السلام)في البلاد، استجابوا لدعوته وأعلنوا تأييدهم للشاه والمذهب الجديد).
ووقف بعض هؤلاء موقف المعادي والمعاند للكركي، حيث يعتبرون أنفسهم أصحاب البلاد، وأحقّ بمناصبها السياسية والدينية من الأجانب الذين جاءوا من وراء الحدود، كالمحقّق الكركي الرجل العربي الغريب الّذي جاء من قرية صغيرة من لبنان واحتلّ أعلى المناصب في الدولة الصفوية واستطاع الحصول على صلاحيات كبيرة من الشاه طهماسب.
لذلك نُشاهدهم يحاولون الوقوف أمام إصلاحات الكركيّ الاجتماعية كتغيير القبلة حيث أعلن الأمير غياث الدين منصور الدشتكي ـ الّذي كان يحتل منصب الصدارة في زمن الشاه طهماسب ـ معارضته للكركي في هذا التغيير، وأدّى الأمر إلى إجراء المناقشات الحادّة بينه و بين الكركي بحضور الشاه، والّتي كانت الغلبة فيها للكركيّ، إلاّ أنّ الدشتكي أصرّ على رأيه وعناده، ممّا أدّى إلى قيام الشاه طهماسب بعزله من منصب الصدارة.1

1 . آثار المحقّق الكركي:1/463.

صفحه 117
يقول الأفندي التبريزي ما هذا مثاله: إنّ الأمير غياث الدين منصور الدشتكي ممّن يجادله في بعض الإصلاحات الّتي كان الشيخ يجريها على المجتمع ومنها تغيير قبلة البلاد، حيث أراد الشيخ علي أن يصلح قبلة بلاد إيران و كان الأمير يسكن شيراز حيث اغتاظ من أن يقوم غيره ويتدخل في الأُمور الدينية بالبلد الّذي يسكن فيه خصوصاً أنّ في تغيير القبلة تجهيلاً للأمير غياث الدين منصور، ولذلك خالف إصلاحه ولم يمكنه ممّا أراد، واحتج بأنّ تعيين القبلة منوط بالدائرة الهندية الّتي لا يقوم باعمالها إلاّ الرياضيون لا الفقهاء.
ولمّا وقف الشيخ على معارضته كتب إليه الآية التالية:(سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الّتي كانُوا عَلَيْها قُل للّهِ الْمَشْرُقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراط مُسْتَقيم).1
ولمّا وصل الكتاب إلى الأمير أجابه بالآية التالية:(وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَة مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِع قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِع قِبْلَةَ بَعْض وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمينَ).2
وكان هذا هو أحد الأسباب لمغادرة المحقّق إيران في المرة الأُولى عام 919هـ.

1 . البقرة:142.
2 . البقرة:145.

صفحه 118
ولما جاء للمرة الثانية إيران عام 936هـ ثار عليه الأمير غياث الدين منصور ثانية، وقد كانت رواسب الكدورة باقية في زوايا نفسه. وقد صارت في الهجرة الثانية رقعة الشيخ أوسع حيث عيّن كثيراً من العلماء العامليين لقطع الأُمور الشرعية وفصلها دون أن يتوقفوا في ذلك على تأييد ديوان الصدارة والّذي كان الأمير يرأسه صار ذلك سبباً لنشوب العداء بينهما حتّى آل الأمر إلى المناقشة في مجلس السلطان وظهرت أمارات الغلبة العلمية للمحقّق على الأمير، فعزله السلطان عن الصدارة ومع ذلك لم ينكر السلطان جهود غياث الدين، فلمّا توجّه الأمير إلى شيراز كتب إليه أحكاماً مشتملة على الشفقة والعناية وأرسلها مع الحُلل النادرة وقلّده حكومة الشرعيات في رقعة فارس، كما فوّض إليه عزل القضاة والمتصدّين للشرعيات في تلك البلاد.1

3. مخالفة رجال الدين الشيعة

وقد اختلف مع المحقّق بعض رجال الدين الشيعة في بعض المسائل الفقهية، كصلاة الجمعة وأخذ الخراج حال غيبة الإمام(عليه السلام)والتعامل مع السلاطين وقبول جوائزهم وهداياهم.
هؤلاء شكّلوا جبهة علمائية قوّية ضدّ الكركي وبدأوا بردّ مبانيه وآرائه في مجالس البحث، وألفوا رسائل ناقشوا فيها أقواله في تلك

1 . رياض العلماء:3/454ـ455.

صفحه 119
المسائل الّتي يعتبر بعضها جديداً على الحوزة العلمية، وفي مقدّمتهم الشيخ إبراهيم القطيفي (المتوفّى 945هـ)، والشيخ نعمة اللّه الحلّي (المتوفّى 940هـ) ومع أنّه كان من تلاميذ المحقّق الكركي إلاّ أنّه اتّصل أخيراً بالشيخ القطيفي وصار من أعوانه.

4. بعض رجال البلاط

هذه القوى المعادية أوجدت جرأةً لبعض أهل البلاط لحياكة مؤامرات تستهدف حياة المحقّق، وهناك نصوص تاريخية تؤيد ذلك.
يقول حسن بك روملو: وكان من جملة الكرامات الّتي ظهرت في شأن الشيخ علي، أنّ محمود بيك «مهردار»1 كان من ألدّ الخصام وأشدّ الأعداء للشيخ علي، فكان يوماً بتبريز في ميدان صاحب آباد يلعب بالصولجان بحضرة ذلك السلطان يوم الجمعة وقت العصر.
وكان الشيخ علي في ذلك العصر ـ حيث إنّ الدعاء فيه مستجاب ـ يشتغل لدفع شرّه وفتنته وفساده بالدعاء السيفي ودعاء الانتصاف للمظلوم من الظالم المنسوب إلى الحسين(عليه السلام)، ولم يتمّ الدعاء الثاني بعد، وكان على لسانه قوله(عليه السلام): «قرّب أجله وأيتم ولده» حتّى وقع محمود بيك المذكور عن فرسه في أثناء ملاعبته بالصولجان واضحمل رأسه بعون اللّه تعالى.

1 . أي من بيده خاتم الملك وهو كان مقاماً سامياً يطلب لنفسه أمانة الحامل وثقة الملك به.

صفحه 120
وقال ميرزا عبد اللّه الأفندي التبريزي بعد نقل هذا الكلام:
قد رأيت في بعض التواريخ الفارسيّة المؤلفة في ذلك العصر أيضاً، أنّ محمود بيك المخذول المذكور كان قد خمر في خاطره المشؤوم في عصر ذلك اليوم أن يذهب إلى بيت الشيخ علي بعد ما فرغ السلطان من لعب الصولجان ويقتل الشيخ علي بسيفه في ذلك الوقت بعينه، وواضع في ذلك مع جماعة من الأُمراء المعادين للشيخ علي، فاتّفق بكرامة الشيخ علي أن ذهب يد فرس محمود بيك في بئر كانت في عرض الطريق بعد الفراغ من تلك الملاعبة والتوجّه إلى جانب بيت الشيخ علي، فطاح هو مع فرسه في تلك البئر وانكسر رأسه وعنقه ومات في ساعته.1
هذه القوى المعادية شكلت سبباً تاماً لمغادرة إيران متوجّهاً إلى العراق عام 939هـ وظل فيها قرابة سنة ونصف حتّى لبى دعوة ربّه عام 940هـ،، وصحيفة أعماله مكتظة بالحسنات والخدمات الجليلة للمذهب والمجتمع الّتي شملت كافة الجوانب المهمة في حياة الناس وإدارة المجتمع.
فسلام اللّه عليه يوم ولد ويوم مات ويوم يبعث حيّاً

1 . رياض العلماء:3/453.

صفحه 121

فهرس الكتاب

المحقّق الكركي رجل العلم والسياسة   …7
   العامليون في إيران   …11
   البلاء للولاء   …13
   الفصل الأوّل: حياته الشخصيّة منذ ولادته إلى وفاته   …18
   مولده، وتجواله في البلاد طلباً للعلم والحديث   …18
   عودته إلى كرك   …22
   الهجرة الثانية إلى إيران   …25
   الفصل الثاني: كلمات الثناء في حقّ المحقّق   …28
   1. ثناء أُستاذه محمد بن علي العاملي   …28
   2. ثناء أُستاذه علي بن هلال الجزائري   …29
   3. ثناء الشهيد الثاني (المتوفّى 965هـ)   …31
   4. ثناء المجلسي الثاني (المتوفّى 1110هـ)   …32
   5. ثناء الأفندي التبريزي(المتوفّى 1134هـ)   …32
   6. ثناء المحدِّث البحراني(المتوفّى 1186هـ)   …33
   7. ثناء شيخ الشريعة الاصفهاني (المتوفّى 1339هـ)   …33
   الفصل الثالث: جولة في آثاره وتصانيفه   …35
   1. جامع المقاصد   …36
   2. قاطعة اللجاج في حلّ الخراج   …37
   3. صلاة الجمعة   …38
   ثمرة ناضجة لحوزة الشهيد الأوّل   …40
   الفصل الرابع: تلاميذه والمستجيزون منه   …43
   1. الشيخ عبد اللّه اليزدي(المتوفّى 981هـ)   …44
   2. عبد العلي بن علي الاسترآبادي(كان حياً 929هـ)   …45
   3. أسد اللّه التستري(المتوفّى 966هـ)   …45
   4. ابن خاتون(كان حيّاً عام 934هـ)   …46
   5. علي بن عبد الصمد(كان حيّاً 935هـ)   …47
   الفصل الخامس: آراؤه الكلامية والأُصولية والفقهية   …51
آراؤه الكلامية   …52
   1. موضوع علم الكلام   …52
   2. كونه سبحانه عادلاً مع الإلماع إلى دليله   …54
   3. الغرض للفعل لا للفاعل   …55

صفحه 122
   4. الإمامة من الأُصول   …56
   5. عدالة الصحابة بين العاطفة والبرهان   …57
آراؤه الأُصولية   …60
   6. من علامات الوضع، حسن الاستفهام   …60
   7. الأصل يقدّم على الظاهر   …61
   8. الفرق بين الحكم والإفتاء   …63
   9. تأسيس قاعدة الترتّب   …64
   ما هي قاعدة الترتّب؟   …65
   10. لا يُنسخ الكتاب بخبر الواحد   …67
آراؤه الفقهية   …68
   11. لا يجوز تقليد الميّت   …68
   12. وجوب تقليد الأعلم   …70
   13. المعاطاة مفيدة للملكية المتزلزلة   …71
   14. نقد عموم المنزلة في الرضاع   …73
   الصورة الأُولى   …75
   الصورة الثانية   …76
   15. حلية الخراج   …78
   فتوى الكركي في قفص الاتّهام   …83
   16. الإفتاء بوجوب صلاة الجمعة التخييري   …84
   17. ولاية الفقيه في مدرسة المحقّق الكركي   …87
   ولاية الفقيه في كلمات المحقّق الكركي   …90
   1. كلامه في صلاة الجمعة   …90
   2. قال في الرسالة الخراجية:   …92
   3. ولاية الفقيه في جامع المقاصد   …94
   الفصل السادس: حياته السياسية والخدمات الّتي قدمها للمجتمع   …96
   الحكومة حق للّه سبحانه   …97
   1. الحمدانيون   …100
   2. بنو مزيد   …100
   3. أئمّة الزيدية ودولتهم في اليمن   …100
   4. الدولة الزيدية في المغرب   …101
   5. الدولة الزيدية في طبرستان   …101
   6. الفاطميّون   …101
   7. دولة البويهيين   …101
   المحقّق الكركي والتدخل في شؤون الحكم   …106

صفحه 123
   الهجرة الثانية إلى إيران   …107
   المرسوم الملكي الأوّل:   …108
   المرسوم الثاني:   …111
   المرسوم الثالث:   …113
   لماذا ترك إيران؟   …114
   1. رجال الفرقة الصوفية المعروفة بـ«القزلباش»   …115
   2. أتباع مدرسة الخلفاء الذين أظهروا التشيّع   …116
   3. مخالفة رجال الدين الشيعة   …118
   4. بعض رجال البلاط    …119
فهرس الكتاب   …121
Website Security Test