welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : حوارات علمية بين العلمين*
تألیف :السيّد محسن الأمين العاملي والسيّد محمد رشيد رضا*

حوارات علمية بين العلمين

صفحه 1
   
    حوارات علمية بين العلمين
حوارات
علمية بين العلمين
«السيّد محسن الأمين العاملي
والسيّد محمد رشيد رضا»

صفحه 2

صفحه 3
إشراف وتقديم آية الله العظمى جعفر السبحاني
حوارات
علمية بين العلمين
السيد محسن الأمين العاملي والسيد محمد رشيد رضا
(1900 ـ 1930 م)
تحقيق و إعداد
اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
 
نشر
مؤسّسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 4
4
      حوارات علمية بين العلمين السيد محسن الأمين العاملي والسيد محمد رشيد رضا (1900 ـ 1930 م) / تحقيق واعداد اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، إشراف وتقديم جعفر السبحاني. ـ قم : مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، 1396 .
      247 ص.    ISBN: 978 - 964 - 357 - 603 - 5
      فهرست نويسى بر اساس اطلاعات فيپا.
كتابنامه به صورت زيرنويس.
1. شيعه دفاعيه ها ورديه ها. 2. كلام شيعه اماميه. 3. اهل سنت ـ ـ دفاعيه ها و روديه ها. 4. امين عاملى، سيد محسن، 1284 ـ 1371 ق. 5. رضا، محمد رشيد، 1282 ـ 1354 ق. الف. سبحانى تبريزى، جعفر، 1308 ـ مشرف ومقدمه نويس. ب. مؤسسه امام صادق (عليه السلام). ج. عنوان.
9ح / 5/212 BP    417 / 297
1396
اسم الكتاب:   … حوارات علمية بين العلمين السيد محسن الأمين العاملي والسيد محمد رشيد رضا
تحقيق:   … اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
المشرف:   … الفقيه المحقّق جعفر السبحاني
الطبعة:   … الأُولى
تاريخ الطبع:   … 1396 هـ ش / 1439 هـ . ق / 2017 م
المطبعة:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
القطع وعدد الصفحات:   … وزيري 247 صفحة
تنضيد الحروف والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
تسلسل النشر: 976   تسلسل الطبعة الأُولى: 465
حقوق الطبع محفوظة للمؤسسة، فلا يجوز شرعاً استنساخ أو نشر اصدارات
المؤسسة إلاّ بعد التنسيق مع المؤسسة واستحصال الموافقة الرسمية
مركز التوزيع
قم المقدسة: ساحة الشهداء
مكتبة التوحيد
?37745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org

صفحه 5

صفحه 6

صفحه 7
مقدمة المشرف   

مقدّمة المشرف

آية الله الشيخ جعفر السبحاني
الحمد لله الّذي أمرنا بالاعتصام بحبله المتين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وآله الطيبين الطاهرين الهداة المعصومين.
أمّا بعد:
فمن تدبّر في الآيات الكريمة يقف على أنّ الذكر الحكيم يمدح التماسك وتوطيد الوحدة، ويقول: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَة مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ).1
كما يقول أيضاً: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)2 إلى غير ذلك من الآيات الّتي تدعو إلى الوحدة والتماسك .

1 . آل عمران: 103 .
2 . الحجرات: 10 .

صفحه 8
وفي الوقت نفسه يذمّ التفرّق والتشرذم، كما في قوله: (وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ).1
إنّ القرآن الكريم يعدّ التفرّق واختلاف الكلمة في عداد العقوبات الّتي تنزل من السماء، ويقول: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضِ اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ).2
وقد أصبحت الدعوة إلى التقريب، بل التوحّد في الأوضاع الراهنة أمراً ضرورياً، فكلّ عالم يعتصر قلبه ألماً للحوادث المؤلمة الطارئة على المجتمع الإسلامي، يجده أمراً ضرورياً، كيف وقد يرى أنّه بلغ الجهل إلى حدّ صار قتل المسلم بيد المسلم جهاداً في سبيل الله، وخطوة في إعادة الخلافة الإسلامية، والمجد الديني وصار هدم المنشآت الحيوية وإحلال الخراب بدل العمران، وتهجير المدنيّين وسلب الأمان من حياتهم، ـ صار كلّ ذلك ـ من الأعمال الّتي يتقرّب بها إلى الله (حسب زعمهم).
هذا من جانب ومن جانب آخر نرى أنّ الحقيقة بنت البحث، وأنّ رفع الفوارق الموهومة بين الطائفتين رهن دراستها في أجواء علمية، فهذا النوع من الدراسة يوحّد الصفوف ويُظهر للعالم الإسلامي وجه الحقيقة ويرفع حجب الجهل والتعصّب، إذا كان هادفاً، لا جارحاً، ليّناً لا خشناً كما أمر الله سبحانه به أوليائه المرسلين.

1 . الأنفال: 46 .
2 . الأنعام: 65 .

صفحه 9

حوارات بين العلمين

وقفنا على مراجعات ومكاتبات دارت بين علمين، مضى على بعضها قرابة قرن من السنين، وهي بقلم علمين جليلين غنيين عن التعريف، ألا وهما:
1. السيد محمد رشيد رضا (1282 ـ 1354 هـ).
2. السيد محسن الأمين العاملي (1284 ـ 1371 هـ).
ولأجل التعرّف على المكانة العلمية للعلمين عندنا، سنذكر ـ بعد هذه المقدّمة ـ شيئاً من ترجمتهما فيما كتبناه قبل عشرين سنة، في موسوعة طبقات الفقهاء 1 حتّى يُعلم أنّا رغم نقدنا لبعض ما صدر عن صاحب المنار لا نبخس حقّه في سائر المجالات.
وهذان العلمان كلاهما من بلد واحد (لبنان)، فالأوّل ولد في (قلمون) إحدى قرى لبنان القريبة من طرابلس، والثاني ولد في شقراء التابعة لناحية هونين من أعمال مرجعيون. وهما متقاربان في السن، يختلف الأوّل عن الثاني بسنتين، والأوّل كاتب سنّي والآخر كاتب شيعي، وكان اللازم على صاحب المنار ـ الّذي يسعى ـ كما يدّعي ـ في مجلّته (المنار) الصادرة في مصر المحمية، إلى الدعوة الإسلامية، بأفضل البراهين وأجمل الصور ـ أن يرد على اليهود والنصارى سهامهم المرشوقة ببيان رائق، ويدعو إلى الوحدة بين الشيعة والسنّة، فإنّهما اختلفا في أمر الإمامة الّتي هي عند السنّة من فروع الدين، لا من الأُصول الّتي يناط بها الإيمان

1 . لاحظ : موسوعة طبقات الفقهاء: مج 14، القسم 1 ص 503، ومج 14 (القسم 2 ص 703) .

صفحه 10
والكفر، لكنّه ياللأسف ـ مع التكريم والتقدير لسائر خدماته ـ لم يقم بذلك بل نشر في مناره مقالاً بعد مقال، بما يفرّق الصفوف ويضرّ بالوحدة، ولذلك لم يجد معاصره السيد محسن الأمين بُدّاً إلاّ نقد كلامه وردّ شبهاته عملاً بقول جدّه أحد الصادقين (عليهما السلام): «إذا ظهرت البدع فعلى العالم أن يظهر علمه».1
وها نحن نشير إلى حياة العلمين المشرقة أوّلاً، ثم نقدّم مقالتين تمثّل بعض ما كتبه صاحب المنار حول الشيعة في مجلّة المنار؟ ثم نتبعه بكلام السيد محسن الأمين (قدس سره)الّذي نشره في مجلّة العرفان، ونحن لا نتصرّف في المقالات إلاّ ببعض الهوامش الموضحة للمراد، والله من وراء القصد.
***

حياة العلاّمة رشيد رضا 2 (1282ـ1354هـ)

محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين الحسيني، البغدادي الأصل، القلموني الشامي ثم المصري، أحد العلماء البارزين في عصره.
ولد في القلمون (إحدى قرى لبنان القريبة من طرابلس) سنة اثنتين وثمانين ومائتين وألف.

1 . وسائل الشيعة: 11، الباب 40 من أبواب كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الحديث 9. هذا كلام الإمام الصادق (عليه السلام)الّذي ينتهي إليه نسب صاحب المنار عفا الله عنه وعنّا.
2 . معجم المطبوعات العربية: 1/934; الأعلام 6/126; معجم المؤلفين: 9/310; الأزهر في ألف عام: 2/34; المجدّدون في الإسلام: 406; معجم المفسرين: 2/529.

صفحه 11
وتعلّم في قريته وفي طرابلس، وأخذ عن حسين الجسر، ونظم الشعر في صباه، وكتب في بعض الصحف.
وقصد مصر عام (1315)، فلازم الشيخ محمد عبده، وتلمذ له، وتأثّر بآرائه الإصلاحية.
وأصدر مجلة (المنار)1، ثم أنشأ مدرسة (الدعوة والإرشاد).
وقد أكبّ على تفسير القرآن الكريم، وتحرير الفتاوى في المسائل المختلفة، وبثّ آرائه في الإصلاح الديني والاجتماعي في مجلّته، وأصبح من أبرز الدعاة إلى التأليف بين الشريعة والأُوضاع العصرية الجديدة، مع أنّه ـ على خلاف أُستاذه ـ يجنح كثيراً إلى مدرسة ابن تيمية.2
توجّه السيّد المترجم ـ في أيام الملك فيصل بن الحسين ـ إلى سوريا، وانتُخب رئيساً للمؤتمر السوري فيها، وغادرها على أثر الاحتلال الفرنسي عام (1338 هـ ، 1920م)، فأقام في مصر مدّة.
ثم رحل إلى الهند والحجاز وأُوربا.
وعاد، فاستقرّ بمصر إلى أن توفّي سنة أربع وخمسين وثلاثمائة وألف.
وقد ترك من الآثار: تفسير القرآن الكريم3 (مطبوع) في اثني عشراً مجلداً ولم يُكمله، الوحي المحمّدي (مطبوع)، يسر الإمام وأُصول التشريع

1 . أصدر منها (34) مجلداً.
2 . انظر المجدّدون في الإسلام.
3 . قرّر فيه كثيراً من محاضرات أُستاذه محمد عبده في التفسير.

صفحه 12
العام (مطبوع)، الخلافة (مطبوع)، محاورات المصلح والمقلد (مطبوع)، ذكرى المولد النبوي (مطبوع)، شبهات النصارى وحجج الإسلام (مطبوع)، الوهابيون والحجاز (مطبوع)، تاريخ الأُستاذ الإمام الشيخ محمد عبده (مطبوع)، نداء للجنس اللطيف (مطبوع)، ورسالة السنة والشيعة (مطبوعة).
أقول: كنّا نتمنّى أن يكون بحثه عن الشيعة في رسالته الأخيرة نابعاً من منهج إصلاحي شامل، يعالج هذا الجانب الهامّ والخطير كما يعالج سائر الجوانب، انطلاقاً من رؤية إسلامية نقيّة، وروح كبيرة متفتحة، وصولاً إلى الأغراض السامية المتمثلة في توحيد كلمة المسلمين، وتوطيد أواصر الأخوّة بينهم، ولكنّه ـ غفر اللّه لنا وله ـ خاض أُموراً وقضايا لاتثير إلا التفرقة والخلاف، وهي قبل ذلك بعيدة كلّ البعد عن الحقيقة والواقع، ولو أُتيح للسيد المترجم الاطّلاع أكثر على مؤلّفات الشيعة وآراء كبار علمائهم، لما جرى قلمه في مثل هذه الأُمور، هذا وقد ردّ العلاّمة الأميني على جملة ممّا ورد في الرسالة المذكورة.1
***

1 . انظر : الغدير: 3/216.

صفحه 13

حياة العلاّمة السيد محسن الأمين العاملي1 (1284ـ1371هـ)

محسن بن عبد الكريم بن علي بن محمد (الأمين) بن أبي الحسن موسى الحسيني، العاملي الشقرائي، الدمشقي، صاحب «أعيان الشيعة».
كان من مشاهير علماء عصره، فقيهاً إمامياً، أديباً، شاعراً، مؤلّفاً قديراً، ذا ثقافة واسعة وعقلية متفتحة.
ولد في شقراء (التابعة لناحية هونين من أعمال مرجعيون) سنة أربع وثمانين ومائتين وألف.
وطوى بعض المراحل الدراسية في بلاده، متتلمذاً على: السيد محمد حسين بن عبد اللّه الأمين العاملي، والسيد جواد مرتضى، والسيد نجيب آل فضل اللّه الحسني العيناثي.
وقصد النجف الأشرف سنة (1308هـ)، فواصل دراسته على السيد علي بن محمود الأمين العاملي، والسيد أحمد الكربلائي، ومحمد باقر النجم آبادي، وفتح اللّه المعروف بشيخ الشريعة الأصفهاني.
ثم حضر الأبحاث العالية في الفقه على: محمد طه آل نجف، وآقا رضا الهمداني، وفي الأُصول على محمد كاظم الخراساني.
وبارح النجف سنة (1319هـ)، فقطن دمشق، وتصدى بها للتدريس

1 . معجم المطبوعات العربية: 1/775; تكملة أمل الآمل: 328; معارف الرجال: 2/184، برقم 301; علماء معاصرين: 235، برقم 15; أعيان الشيعة: 10/333; ريحانة الأدب: 1/183; مصفى المقال: 385; الذريعة: 1/274، برقم 1439; أحسن الوديعة: 2/134; الأعلام: 5/287; أدب الطف: 10/33; شعراء الغري: 7/255; معجم المؤلفين: 8/183; معجم رجال الفكر والأدب: 173; علماء ثغور الإسلام: 2/168; فرهنگ بزرگان: 447.

صفحه 14
والإفتاء وفصل النزاعات وإلقاء المواعظ في المجالس والمجتمعات.
وانطلاقاً من تفهّمه لحاجات العصر ونظرته التجديدية، فقد أنشأ مدارس عديدة للجنسين، ووضع لها بنفسه كتباً حديثة سهلة التناول.
وهتف إلى إصلاح المنبر الحسيني، وتهذيب الشعائر، ولم يكتفِ في دعوته الإصلاحية بالوعظ والإرشاد، بل أنشأ جيلاً جديداً من الخطباء متأثراً بفكره ومنهجه، وأصدر كتباً خاصة بتاريخ سيرة الحسين (عليه السلام) وعرضها عرضاً مجرّداً عن الشوائب لاتّخاذها مصدراً لخطباء المنابر الحسينية.
أمّا في الميدان الاجتماعي، فقد كان في طليعة المنـادين إلى التضامن مع مختلف الطوائف والمذاهب، وإلى التسامح والاتّحاد ونبذ الضغائن والأحقاد.
وكان يناوئ الاستعمار، ويحثّ على الجهاد في سبيل اللّه والوطن والدفاع عن كرامة المسلمين.
وقد امتاز السيد المترجم بتحرّره من العصبية والجمود، وهمّته العالية، وصبره وجلده على البحث العلمي.
ألّف كتباً ورسائل كثيرة، منها: الدر الثمين (مطبوع) في الفقه، إرشاد الجهّال إلى مسائل الحرام والحلال، المسائل الدمشقية في الفروع الفقهية، أساس الشريعة في الفقه، مناسك الحجّ (مطبوع)، رسالة تحفة الأحباب في آداب الطعام والشراب (مطبوعة)، منظومة في النكاح، سفينة الخائض في بحر الفرائض، منظومة جناح الناهض إلى تعلّم الفرائض، الدر المنظّم في حكم تقليد الأعلم، حذف الفضول عن علم الأُصول في أُصول الفقه، حاشية على «القوانين» في أُصول الفقه لأبو القاسم القمّي، البحر الزخار في

صفحه 15
شرح أحاديث الأئمة الأطهار، أعيان الشيعة (مطبوع في عشر مجلدات ضخام)، المجالس السنية في مناقب ومصائب العترة النبوية (مطبوع في خمسة أجزاء)، لواعج الأشجان (مطبوع) في مقتل الحسين (عليه السلام) ومراثيه، الدر النضيد في مراثي السبط الشهيد (مطبوع)، كشف الارتياب في أتباع محمد بن عبد الوهاب (مطبوع)، نقض «الوشيعة في عقائد الشيعة» لموسى جار اللّه (مطبوع)، رسالة حق اليقين في التأليف بين المسلمين (مطبوعة)، معادن الجواهر (مطبوع في ثلاثة أجزاء) في مباحث مختلفة، رسالة الحصون المنيعة (مطبوع) في الرد على صاحب المنار، أبو فراس الحمداني (مطبوع)، دعبل الخزاعي (مطبوع)، ديوان شعر سمّاه الرحيق المختوم (مطبوع في جزأين)، وسلسلة مدرسية سمّاها الدرر المنتقاة (مطبوعة في ستة أجزاء صغيرة)، وغير ذلك.
توفّي في بيروت سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة وألف.
ومن شعره:
قالوا بأنّ الحُرَّ ليس مقيّداً *** أولى به التحطيم للأقيادِ
كذبوا فقد أمسوا عبيد هواهمُ *** وغدوا من الشهوات في استعباد
إنّ الجواد إذا خلا عن رائض *** عند السباق يكون غير جواد
عجباً لقوم نابذوا الإسلام عن *** جهل وفرط تعصّب وعناد

صفحه 16
أسدى لكم من فضله مدنيّةً *** أمست لكم كالعقد في الأجياد
وأخوّةً ما بينكم تُمحى بها *** منكم سخائم هذه الأحقاد
***
إلى هنا تمّت الإشارة إلى حياة العلمين وقد تقدّم منا أن صاحب المنار نشر مقالتين في مجلة المنار وهذا ما أثار السيد الأمين في الرد عليه، وها نحن نذكر تلك المقالتين إحداهما بقلم صاحب المنار، والآخرى بقلم عالم... من أهل السنة، وإليك نصيّهما:

صفحه 17
انتشار التشيّع في العراق   
 
المقالة الأُولى:   بقلم صاحب المنار

[ انتشار التشيّع في العراق ]

قرأنا في بعض الجرائد أنّ الدولة العلية قد عزمت على إرسال بعض العلماء إلى سناجق1 البصرة و «المنتفك» و «كربلاء» لإرشاد القبائل الرحّالة هناك، وقرأنا في بعضها أنّه قد صدرت الإرادة السنية بذلك فعلاً. ونحمد الله تعالى أنّ الدولة العليّة قد تنبّهت لهذا الأمر قبل أن يخرج من يدها بالمرة، فقد سبقها إليه الشيعة وبثّوا الوعّاظ والمرشدين في هذه القبائل وغيرها من العربان الضاربين على ضفاف الدجلة والفرات، فأدخلوا معظمهم في مذهب الشيعة، يذهب الملاّ الشيعي إلى القبيلة ليمتزج بشيخها امتزاج الماء بالراح2 بما يسهل عليه من أمر التكاليف الشرعية ويحمله على هواه فيها كإباحة التمتّع بالعدد الكثير من النساء الّذي له الشأن الأكبر عند أُولئك الشيوخ، وغير ذلك حتّى يكون وليجته وعيبة سره ومستشاره في أمره، فيتمكّن الملأ بذلك من بثّ مذهبه في القبيلة بأقرب وقت، ويكتفي من السياسة غالباً بإفهام القوم أنّ رئيس طائفة الشيعة

1 . جمع: سنجق: اللواء.
2 . أي الخمر وقد ذكر الخليل قول القائل:
         راح إلى الراح فلما انتشى         راح به الراح إلى الراح
(كتاب العين: 3 / 293).

صفحه 18
المحقّة شاه العجم ورئيس الطائفة الأُخرى المسمّاة بالسنّية السلطان عبدالحميد.
ولاشكّ أنّ هؤلاء العربان يكونون عوناً لرئيس مذهبهم إذا وقع خلاف ونزاع (لا قدر الله) بينه وبين رئيس المذهب الآخر وإن كانوا في بلاد الآخر، ويمكن للدولة العلية أن تتدارك الأمر بعض التدارك إذا كان الّذين تختارهم للإرشاد والتعليم أهل حكمة وغيرة حقيقية يهمّهم الإصلاح والإرشاد بحيث يقدّمونه على منافعهم الشخصية، على أن الّذي يدعو بالحكمة والموعظة الحسنة لا يحرم من أجر الدنيا، بل ربّما كان نجاحه أتمّ وقد استغنى جميع دعاة الشيعة في تلك القبائل مع حصولهم على غرضهم في نشر المذهب، وليبدأ دعاة الدولة العليّة بمن على شط الفرات فإنّ فيهم عدداً كبيراً لم يزل على مذهب أهل السنّة، والله الموفق.1

1 . مجلة المنار: 2 / 687 ـ 688، العدد 43، السنة الثانية، 5 رمضان ، 1317 هـ الموافق لـ 6 كانون الثاني ، 1900 م .

صفحه 19
كلمات عن العراق وأهله   
 
 
 
المقالة الثانية:

كلمات عن العراق وأهله

(لعالم غيور على الدولة، ومذهب أهل السنّة)1
العراق ولا أزيدك به علماً من أفضل الأقطار تربة وطيب هواء وعذوبة ماء، وبه أنهار عظيمة كدجلة والفرات ورياله وقارون تنساب فيه انسياب الافعوان، وتخترق منه كلّ مكان، غير أنّ أكثره خراب، ينعق فيه البوم والغراب، لعسر المواصلات وفقد الأمن وحرمانه من نور المعارف والمدنية، والحكومة فيه كما هي في غيره: عبارة عن شركة سلب ونهب وفساد، تعمل في خراب البلاد وهلاك العباد، وهم في غمرتهم ساهون، وعن الدسائس الأجنبية عمون، حتّى أصبح بر العراق كلّه متسلّحاً بالسلاح المارتين، ممّا ترسل به إنجلترا كلّ حين، بوسائل متوفّرة لديها ووسائط سهلة عليها.
ومن البلاء العظيم انتشار مذهب الشيعة في العراق كلّه حتّى أصبح ثلاثة أرباع أهله شيعيّين، وذلك بفضل جدّ مجتهدي الشيعة وطلبة العلوم منهم، ومؤازرة الحكومة لهم، بأخذها على يد أهل السنّة عن مقاومة سعيهم، وخفض كلمتهم، وفي النجف مجتمع مجتهدي الشيعة وفيه من طلبة العلوم ستة عشر ألفاً، ودأبهم أنّهم ينتشرون في البلاد، ويجدّون في إضلال العباد، ولذلك يحسب عقلاء العراق أنّ القطر قد انسلخ من الدولة،

1 . نقلها صاحب المنار.

صفحه 20
ولم يبق لها فيه من الرسم إلاّ الاسم، ولقد استحكمت النفرة منها في قلوب الجميع، فلا يذكرونها بلسانهم، وقلّما يراجعونها في شؤونهم، ولقد استطلعت وأنّا أتقلّب في البلاد طوايا النفوس من أمير ومأمور، وعالم وجاهل، فوجدت الكلّ في ضجر وسخط، وملل وهم من صلاحها يائسون، وبسوء إدارتها ساخرون، وذوو العقول والفضل منهم في كمد، قد أُرهق منهم الجسد، وهم شاعرون بضرورة الإصلاح، وأن لا حياة للإسلام بدونه ولا نجاح، وقد أعدتهم الحوادث والعبر لتحسّس هذه الروح، وتلمس المخرج ممّا هم فيه، وتراهم مع غلبة اليأس منه لا تزال تتناجى به نفوسهم، وتحنّ إليه أرواحهم، وتلهج به ألسنتهم. ولكنّهم في محيط مظلم، وضغط مؤلم، لا يهتدون الطريق، ولا يجدون الرفيق، ولا يصل إليهم من آثار دعاة الإصلاح إلاّ النزر القليل، لشدّة المراقبة على هذا الأمر الجليل، ولقد تطلّبت المنار، فلم أجد له أثراً في تلك الديار.
ولقد اجتمعتُ بكثير من علماء بغداد وعقلائها وأشرافها، ولم أر فيهم أجمع لفنون الفضل وصفات الكمال كشكري أفندي الآلوسي وابن عمه الحاج علي أفندي، فلقد رأيت من سعة اطّلاعهما، وقوّة دينهما، وسلامة عقيدتهما السلفية، واستنارة عقولهما، ووقوفهما على حكمة الدين وأسراره، واطّلاعهما على أمراض الإسلام، والتهابهما غيرة وحمية على الدين، ومجاهدتهما في سبيله فريقاً من الجامدين من المقلّدة وعبّاد القبور، ما بهرني وعشقني فيهما. ولقد أُوذوا في هذا السبيل وامتحنوا فما ضعفوا وما استكانوا، ولا يزالان يصدعان بالحقّ، ويهتفان بضرورة

صفحه 21
الإصلاح مع منازعة اليأس لهما، وأعداؤهما من عبدة القبور1 والأوهام وأنصار التقليد والخرافات ينبنذونهم باسم الوهابية لينفروا
منهم، ويحرّضوا الحكومة على اضطهادهم، غير أنّ حزبهم من
ذوي العقول النيّرة وطلاب الإصلاح أخذ ينمو عدده ويكثر عضده، وكلّهم أو جلّهم من الأعيان، وذوي المكانة ورفعة الشان، ولم أر أحداً يقدر مؤلّفات ابن تيمية وابن القيم2 قدرها مثلهما، ولهما تعشّق غريب فيها وقد سعيا في طبع الكثير منها، وهمّتهما مصروفة وراء تتبعها والسعي
في طبعها، لا طمع لهما في ذلك سوى خدمة العلم والدين، فلله درّهما، وعلى الله أجرهما...
ولشكري أفندي قوة على التأليف عجيبة، وقد ألفّ في رمضان ردّاً على الشيخ يوسف النبهاني في سبعين كراساً بياضاً من دون تسويد، وقد تكفّل بطبعه أحد تجّار جدّة، فأرسله إليه وهو كتاب نفيس يقضي على النبهاني قضاء لا يسمع له صوت من بعده. والسبب في ذلك أنّه ألّف رسالة في تضليل ابن تيمية وابن القيم وانتقصهما ما شاء، ثمّ عدّ من مصائب الدين انتداب بعض الزائغين في زعمه لنشر مؤلّفاتهما وتمثيلها للطبع، وندّد بالشيخ نعمان أفندي الآلوسي (رحمه الله)لتأليفه كتاب «جلاء العينين في محاكمة الأحمدين» وذمّه وذمّ عائلته، وذكر أنّهم أُصيبوا بالمحن، فلم يعتبروا ولا اتّعظوا، ويزعم أنّه من مجدّدي الدين في هذا العصر، وهكذا بلغ به الغرور

1 . يصف الكاتب جمهرة المسلمين بـ « عبدة القبور» الّتي هي شعار كلّ وهابي، لا يهّمه سوى هدم الآثار الإسلامية باسم التوحيد ونبذ الشرك.
2 . دليل ثان على أنّ الكاتب يتبع منهج محمد بن عبدالوهاب .

صفحه 22
إلى هذا المبلغ، والجنون فنون». ا هـ . ما أردنا نشره من هذه الرسالة ويليه كلام حسن في الأُستاذ الإمام والمنار وصاحبه يتعلّق بالإصلاح، أضر بنا عن ذكره مع حمد كاتبه وشكره».1
ونقول قد ذكرتنا هذه الرسالة بما كنّا كتبناه في المجلد الثاني من المنار (في رمضان سنة 1317 هـ) من نشر مذهب الشيعة في العراق وهذا نصّه :
قرأنا في بعض الجرائد أنّ الدولة العلية قد عزمت على إرسال بعض العلماء إلى سناجق البصرة والمنتفك وكربلاء، لإرشاد القبائل الرحّالة هناك، وقرأنا في بعضها أنّه قد صدرت الإرادة السنية بذلك فعلا، ونحمد الله تعالى أنّ الدولة العليّة قد تنبّهت لهذا الأمر قبل أن يخرج من يدها بالمرة، فقد سبقها الشيعة وبثّوا الوعّاظ والمرشدين في هذه القبائل وغيرها من العربان الضاربين على ضفاف الدجلة والفرات، فأدخلوا معظمهم في مذهب الشيعة، يذهب الملاّ الشيعي إلى القبيلة، فيمتزج بشيخها امتزاج الماء بالراح بما يسهل عليه من أمر التكاليف الشرعية ويحمله على هواه فيها، كإباحة التمتّع بالعدد الكثير من النساء الّذي له الشأن الأكبر عند أُولئك الشيوخ، وغير ذلك حتّى يكون وليجته وعيبة سره ومستشاره في أمره، فيتمكّن الملاّ بذلك من بثّ مذهبه في القبيلة بأقرب وقت، ويكتفي من السياسة غالباً بإفهام القوم أنّ رئيس طائفة الشيعة المحقّة شاه العجم، ورئيس الطائفة الأُخرى المسمّاة بالسنّية السلطان عبد الحميد.

1 . إلى هنا تم كلام الكاتب (الغيور) وما يأتي بعده فهو بقلم صاحب المنار.

صفحه 23
ولاشكّ أنّ هؤلاء يكونون عوناً لرئيس مذهبهم إذا وقع نزاع (لا قدّر الله) بينه وبين رئيس المذهب الآخر، وإن كانوا في بلاد الآخر،
ويمكن للدولة العليّة أن تتدارك الأمر بعض التدارك إذا كان الّذين
تختارهم للإرشاد والتعليم أهل حكمة وغيرة حقيقية يهمّهم الإصلاح والإرشاد بحيث يقدّمونه على منافعهم الشخصية على أنّ الّذي
يدعو بالحكمة والموعظة الحسنة لا يحرم من أجر الدنيا، بل ربّما
كان نجاحه أتمّ، وقد استغنى جميع دعاة الشيعة في تلك القبائل مع حصولهم على غرضهم في نشر المذهب. وليبدأ دعاة الدولة العليّة بمن على الفرات فإنّ فيهم عدداً كبيراً لم يزل على مذهب أهل السنة، والله الموفق . ا هـ (من ص 687 م 2).
هذا ما كتبناه من نحو تسع سنين. ونقول الآن: إنّ أكثر مَن أجابوا دعوة علماء الشيعة هناك لم يكونوا على شيء من مذهب أهل السنّة، فإذا كان أُولئك الدعاة يبثّون فيهم الوعّاظ يعلّمونهم الفرائض وأحكام الحلال والحرام، فإنّ ذلك يكون خيراً لهم في دينهم من الحالة الّتي كانوا عليها، فنحن لا نعدّ الأمر من الجهة الدينية بلاءً نازلاً كما عدّه الأُستاذ كاتب الرسالة، ولكن الأمر مهم من الجهة السياسية، فإنّ السياسة هي الّتي كانت ولا تزال مثار الخلاف بين أهل السنّة والشيعة ولولاها لما كان خلاف، وما أضاع الدين والدنيا علينا إلاّ الخلاف. وقد كان طلاّب الإصلاح بالوحدة الإسلامية مغتبطين بما حصل في هذه السنين الأخيرة من التآلف والتعارف بين الفريقين حتّى وقع أخيراً ما وقع من التعدّي على الحدود فباتوا يخشون أن تهدم السياسة السوءى في سنة واحدة ما بناه دعاة الإصلاح في

صفحه 24
عشرات من السنين. فنسأل الله أن يقي الإسلام شرّها ويكفي المسلمين فتنتها وضرّها.1
***

تعليق على المقالتين

نحن لا نعلّق على ما ورد في المقالتين من النسب غير الصحيحة إلى الشيعة وإنّما نعلّق على أمر واحد وهو الّذي أثار غضب صاحب المنار على انتشار الشيعة ـ حسب ما مرّ ـ ونقول:
إنّ الشيعة أقرب بكثير إلى السنّة من المسيحية، فإنّ الطائفتين تشتركان في الأُصول وكثير من الفروع وإنّما يختلفون في مسألة الإمامة الّتي هي من فروع الدين عند أهل السنّة، ومن أقسام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فنسأل السيد رشيد رضا عن انزعاجه، لماذا ينزعج من انتشار التشيّع في العراق انتشاراً طبيعياً كانتشار سائر المذاهب في البلاد المختلفة ولكنّه لا ينزعج من انتشار المسيحية في البلد الّذي يسكنه، ففي السنوات الّتي كان يصبّ فيها جام غضبه على الشيعة كان التبشير إلى المسيحية ينتشر بسرعة في مصر العزيزة؟! وها نحن نذكر ما كتبه المصلح الكبير الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (1294 ـ 1373 هـ) عندما نزل مصر (عام1332 هـ ق) للدراسة عند مشايخ الأزهر، وهو يصف ذلك الحال ويقول:

1 . مجلة المنار: 11 / 45 ـ 49، الجزء الأوّل، سلخ المحرّم، 1326 هـ ، الموافق: 3 / آذار / 1908 م. وقد مرّ نشر المقالة في ص 17 ـ 18.

صفحه 25
«نحن معشر المسلمين في مصر العزيزة قد بُلينا بجماعة من جالية النزلاء والأجانب، الّذين قطنوا أوطاننا المحبوبة، ونزلوا علينا فأحسنّا نُزُلهم، وأكرمنا جوارهم، وأرفقنا صحابتهم، وألطفنا مجاملتهم، فكان جزاؤنا منهم على حسن الجوار، جزاء سنمّار، أو مجير أُمّ عامر.
ومن يصنع المعروف مع غير أهله *** يُلاقي الّذي لاقى مجير أُمّ عامر
حتّى فشا طغيانهم، واشتدّ عدوانهم، فعادوا في هذه السنين يسبُّون ديننا جهرة، ويشتمون نبيّنا علانية، وقد فتحوا مدارس التعليم، ونوادي التبشير، ومحافل الدعوة، ومحاضر المستشفيات، يستميلون صبياننا، ويستغوون ولداننا، ويحاربوننا في بلادنا، ويختلسون ذرارينا نصب عيوننا من أيدينا، وما من يوم وليلة إلاّ ويقوم خطباؤهم في نوادي تبشيرهم يسبّون دين الإسلام ، ويطعنون في القرآن الكريم، ويشتمون النبيّ العربيّ، بكلّ شتيمة، ويهضمون الحق بكلّ هضيمة، يقولون والقائل أحقُّ بما يقول إنّه (حاشا كرامته المقدّسة) غدر وفجر وكفر وسكر وزنى وظلم وهضم إلى آخر ما هم أولى به وأحرى.
وما من يوم إلاّ ولهم في ذلك نشرات ومؤلّفات توزع في الأسواق والشوارع والترامويات والسكك، والحكومة المصريّة لا تمنع ولا تدفع،
أو لا تقدر على المنع والدفع، والحكومة المحتلّة ترقص لذلك طرباً، وتلقي على النار حطباً، وتأخذ المظلوم بجناية الظالم، والبريء
بخطيئة المعتدي.
وكان علماء المسلمين على مرور الدهور والأعصار يجاملونهم ولا يناضلونهم، ويحاسنونهم ولا يخاشنونهم، ويعترفون لهم أنّ المسيح الّذي يعبدونه هو الّذي مجّده القرآن الكريم، وعظّمه النبيّ العظيم، وقدّسه كتاب

صفحه 26
الوحي العربي، وعرّف مقامه إلى الشرقيّ والغربي، وهذا هو الّذي أمدّهم في طغيانهم يعمهون، وأطغاهم فصاروا يشتمون ويسبّون، على حدّ قوله:
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته *** وإن أنت أكرمت اللئيم تمرّدا»1
***
قد تبيّن ممّا ذكرنا أنّه كان من اللازم على صاحب المنار أن يصبّ جهوده للوقوف بوجه موجة التبشير إلى المسيحية بين المسلمين، بدل إثارة الفرقة والاختلاف بين الشيعة والسنّة.
ولأجل إيقاف القارئ على مواقف صاحب المنار نذكر أُموراً تحدّد شخصيته ومواقفه المتناقضة، حتّى يتبيّن أنّ السيد الأمين العاملي قد قام بمسوؤليته، ولولا أنّ صاحب المنار لم يكن بادئاً لذكر الشيعة بالسوء، لم يتعرّض له أحد بالذكر. وإليك هذه الأُمور.

الأوّل: الأُستاذ رشيد رضا صاحب آراء سياسية متقلّبة

من الأُمور الّتي يؤاخذ عليها صاحب المنار أنّه لم يكن يمشي على خط سياسي واحد، بل تختلف نزعاته السياسية حسب اختلاف البيئات والظروف، وإليك ما يدلّ على ذلك .
لمّا قام شريف مكّة ضدّ الدولة العثمانية وخرج الحجاز من يدها وأُقيم الشريف ملكاً عليه، كان صاحب المنار من جملة أتباع الشريف وأعوانه في مكّة المكرمة ومن أعظم المسبّحين بحمده والّذي يحرقون له

1 . التوضيح في بيان ماهو الإنجيل ومَن هو المسيح؟ للشيخ محمد حسين كاشف الغطاء: 5 ـ 6 .

صفحه 27
بخور الثناء، ثم أتى سورية وكان في رحاب الأمير فيصل ومن أعظم المقرّبين لديه حتّى جعله رئيساً للمؤتمر السوري المعقود بدمشق، ولم يزل على ذلك حتّى أُقيم الأمير فيصل ملكاً على سورية.
ولمّا اقتضت السياسة البريطانية خروج الملك فيصل من سورية وانتهت سلطته عليها، انفصل عنه صاحب المنار، وأخذ يكتب في الأهرام والمنار وكوكب الشرق مقالات في ذم الملك حسين وأهله وأنّه ليس أهلاً للخلافة.
ثم لمّا دخل الوهابية مكّة صار يدعو إلى السلطان عبدالعزيز بن سعود بما عنده من قوة جنان وفصاحة لسان، وذهب إلى مكة المكرّمة بعد أخذ الوهابيّين لها، ثم قرأنا في الجرائد السورية أنّ السلطان ابن سعود أمره بمغادرة الحجاز، ثم انخرط في سلك الحزب السوري بمصر ثم تحالف مع أعضاء الحزب وصار يشنّع عليهم ويشنّعون عليه، كلّ ذلك يوضح ما طبع عليه الأُستاذ من التقلّب والتلوّن.1

الثاني: صاحب المنار كان متأثّراً بآراء المادّيين

لاشكّ أنّ صاحب المنار ذو لباقة خاصّة وذلاقة لسان وفصاحة
بيان وغيرة على الدين الإسلامي كما يحكي عنه بعض آثاره، ومع ذلك
كلّه نرى أنّه ربّما يتأثر بآراء الماديين الّذين لا يرون لما بعد الطبيعة وزناً
ولا قيمة وينكرون المعاجز كلّها والعلل الغيبية جميعاً، ولذلك نرى
أنّه يفسّر الآيات حسب مذاقهم على خلاف كثير من المفسّرين،

1 . كشف الارتياب: 402 .

صفحه 28
وها نحن نذكر نماذج من ذلك :

النموذج الأوّل: تفسير البعث بكثرة النسل

قال سبحانه: (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).1
لا شكّ أنّ المتبادر من الآية هو إحياؤهم بعد الموت، والخطاب لليهود المعاصرين للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)باعتبار أحوال أسلافهم، ولا يفهم أيّ عربي صميم من لفظة: (ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ)غير هذا، إلاّ أنّ صاحب المنار ذهب إلى أنّ المراد من البعث هو كثرة النسل، أي أنّه بعدما وقع فيهم الموت بالصاعقة وغيرها وظن أنّهم سينقرضون، بارك الله في نسلهم ليعد الشعب بالبلاء السابق للقيام بحقّ الشكر على النعم الّتي تمتّع بها الآباء الّذين حلّ بهم العذاب بكفرهم لها.2
ولم يكن هذا التفسير من الأُستاذ إلاّ لأجل أنّ الاعتراف بالإحياء بعد الموت في الظروف المادية ممّا لا يصدقه العلم الحسّي والتجربة، فلأجل ذلك التجأ إلى تفسيره بما ترى.

النموذج الثاني: تفسير الخسوء بالطرد

لقد كتب الأُستاذ في تفسير قوله سبحانه: (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا

1 . البقرة: 55 ـ 56 .
2 . تفسير المنار: 1 / 322 .

صفحه 29
مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ * فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ).1
إنّ السلف من المفسّرين ـ إلاّ مَن شذّ ـ ذهب إلى أنّ معنى قوله: (كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) أنّ صورهم مسخت فكانوا قردة حقيقيّين. وحيث كان هذا المعنى يصطدم مع الاتجاه المادّي ولا يصدقه أنصار الحضارة المادية الّذين ينكرون إمكان صيرورة الإنسان قرداً حقيقياً دفعة واحدة، عمد الأُستاذ إلى تأويل هذه الآية، وتفسيرها على النحو والنهج الجامع بين الاتجاهين المادي والديني وقال: المراد بالخسوء هو الطرد والصغار، والأمر للتكوين، أي فكانوا بحسب سنّة الله في طبع الإنسان وأخلاقه كالقردة المستذلة المطرودة من حضرة الناس.2

النموذج الثالث: تفسير الحياة بالبراءة من القتل

لقد قصّ الله سبحانه في سورة البقرة قصة البقرة الّتي أمر بنو إسرائيل بذبحها إذ قال: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ)3 إلى أن قال (وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ * فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ).4

1 . البقرة: 65 ـ 66 .
2 . تفسير المنار: 1 / 343 ـ 345 .
3 . البقرة: 67 .
4 . البقرة: 67 ـ 73 .

صفحه 30
فقد فسّر الجمهور قوله سبحانه: (فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ الْمَوْتَى )بضرب بعض المقتول ببعض البقرة ليحيا ويخبر عن قاتله، وأمّا الأُستاذ فقد فسّره بوجه آخر أخذه من التوراة وقال: ورد فيها أنّه إذا قتل قتيل ولم يعرف قاتله، فالواجب أن تذبح بقرة في واد دائم السيلان ويغسل جميع أفراد القبيلة أيديهم على البقرة المكسورة العنق في الوادي، ويقولون: إنّ أيدينا لم تسفك هذا الدم. اغفر لشعبك إسرائيل، ويتمون دعوات يبرأ بها من يدخل في هذا العمل من دم القتيل، ومن لم يفعل يتبين أنّه القاتل، ويراد بذلك حقن الدماء.1
ونحن لا نعلّق على هذه التفاسير إذ يكفي فيه التدبّر في الآيات أنّ ما ذكره الأُستاذ تفسير بالرأي خضوعاً للاتجاهات المادّية الرائجة آنذاك، وقد اقتصرنا على هذه الآيات الثلاث، ولو أراد القارئ تتبع تأويلاته فليرجع إلى تفسير الآيات أدناه .2
والجميع من مصاديق التفسير بالرأي الناشئ من التأثر بهيمنة العلم المادّي على الآراء والأفكار.

الثالث: خط صاحب المنار على خلاف التقريب

إنّ صاحب المنار يعدّ نفسه من المصلحين بين المسلمين وأنّه يعيش على خط السيد جمال الدين الأسدآبادي وأُستاذه الإمام عبده، حتّى أنّه في مقدّمة كتابه «السنّة والشيعة» جمع الآيات الّتي تذم التفرّق فقال

1 . تفسير المنار: 1 / 345 ـ 350 .
2 . البقرة: الآيات 243، و 259 و 260.

صفحه 31
مبتدئاً (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْء )1 إلى غير ذلك من الآيات، إلاّ أن عمله في تفسير المنار وأجزاء مجلة المنار يخالف هذه الخطة .
أمّا التفسير فكثيراً ما يتحامل على جمهرة المسلمين الّذين يزورون قبور الأنبياء والأولياء ويحترمون مقابرهم، يتحامل عليهم ويصفهم بالقبوريين، فأين هذا من أدب القرآن الكريم الّذي يأمرنا بقوله: (وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الإِسْمُ الْفُسُوقُ).2
وأمّا أجزاء مجلة المنار فسوف تأتي نصوصه من سيدنا الأمين الّذي يذكرها شيئاً فشيئاً ويرد عليها، وكأنّه لم يكن لصاحب المنار في العقد الخامس والسادس من القرن الرابع عشر أيّ معضلة سوى الشيعة.
وأمّا غير هذين فقد ألّف رسالتين حول الشيعة والسنّة سمّى إحداهما السنّة والشيعة، والثانية الوهابية والرافضة، ولذلك نرى أنّ المحقّق العلاّمة الأميني يصف الرسالة الأُولى بقوله:
لم يقصد صاحب هذه الرسالة نقداً نزيهاً أو حجاجاً صحيحاً،
وإن كان قد صبغها بصبغة الرد على العلاّمة الحجّة في علويّة الشيعة
السيد محسن الأمين العاملي ـ حيّاه الله وبيّاه ـ لكنّه يتهجم على حصونه المنيعة إلاّ بسباب مقذع، أو إهانة قبيحة، أو تنابز بالألقاب، أو
هتك شائن، ومعظم قصده إغراء الدول الثلاث العربية: العراقية والحجازية واليمانية بالشيعة، بأكاذيب وتمويهات، وعليه فليس من خطة الباحث

1 . الأنعام: 159 .
2 . الحجرات: 11 .

صفحه 32
نقد أمثالها، غير أنّه لم نجد منتدحاً من الإيعاز إلى شيء من
الأكاذيب والمخاريق المودعة فيها من وليدة فكرته أو ما نقله من غيره متطلّباً من علماء الشيعة تخطئة ما يرونه فيها خطأ، وهو يعلم أنّ
الإعراض عنها هو الحزم، لما فيه من السياسة الدولية الخارجة عن
محيط العلم والعلماء.1
ثم إنّ صاحب المنار بعد هذه الرسائل والدعايات على الشيعة يترقّب منهم السكوت أمام هذه الدعايات الفارغة، وربّما يتبادر إلى ذهن القارئ أنّ سيدنا الأمين العاملي ربّما خرج من حدّ الجدال الأحسن، ولكنّه عندما يرجع إلى هاتين الرسالتين، يذعن بأنّ السيد جاء فوق الجدال بالأحسن; لأنّ الشتائم والألقاب السيئة في هاتين الرسالتين أكثر من أن تُحصى أسهلها أنّه بذل جهوده لأن يثبت بأنّ التشيع من مختلقات رجل يهودي يُسمّى عبدالله بن سبأ، وهذا الرجل أكل عليه الدهر وشرب وهو رجل موهوم طرحه كلّ مَن له عداء لآل البيت وشيعتهم، وأين التشيّع بمعارفه وأُصوله وفروعه من هذا الرجل، وكفانا في إثبات ذلك ما دبجه قلم الأُستاذ العلاّمة العسكري (رحمه الله)في كتابه الموسوم بـ «عبدالله بن سبأ».
وفي الختام أتقدّم بالشكر والتقدير للمحقّقَيْن الفاضلَيْن:
1. محمد عبد الكريم بيت الشيخ
2. سيد عبد الكريم الموسوي
اللّذين بذلا جهودهما في تحقيق الكتاب وتصحيحه وتنقيحه،

1 . الغدير: 3 / 370 ـ 371 .

صفحه 33
واستخراج الروايات والأقوال من مصادرها الأوّلية وكتابة عناوين استنتاجية تنظيماً لمطالب الكتاب ومحتوياته ليظهر بهذا الشكل اللائق، فشكر الله سعيهما.
أمّا منهج التحقيق فأتركه لقلم المحقّقين.

منهج التحقيق

1. استخرجنا هذه المقالات من مجلة العرفان الصادرة في بيروت آنذاك وبعد تنظيمها وترتيبها قمنا بتقويم النص وضبطه وتنقيحه.
2. إعراب الآيات القرآنية وتخريجها.
3. تخريج الأحاديث والروايات والأقوال وإرجاعها إلى مصادرها الرئيسية.
4. لخلو المقالات من العناوين قمنا بكتابة عنوان لكلّ مقال وعناوين فرعية لما تحويه هذه المقالات ووضعها بين معقوفتين تنظيماً لمطالب الكتاب ومحتوياته وتسهيلاً للقارئ الكريم.
5. كتبنا فهرساً مختصراً في بداية كلّ مقال ليطّلع القارئ الكريم على مطالبه ومحتوياته.
6. كلّ ما بين المعقوفتين[   ] فهو إضافة منّا لضرورة يقتضيها سياق العبارة.
7. تعليقات السيد محسن الأمين وضعناها في الهامش مع عبارة(منه قدّس سرّه) لتمييزها عن بقية الهوامش.
8. قام العلاّمة المحقّق جعفر السبحاني(المشرف على هذا الكتاب)

صفحه 34
بكتابة بعض التعليقات الهامة والتوضيحات الضرورية وضعناها في الهامش بإضافة كلمة (المشرف) لتمييزها عن بقية الهوامش.
***
هذا نصّ المحقّقين الكرام حول منهج التحقيق، ولنعطف نظرنا
نحو الرسائل الّتي وجهها السيد الأمين على ما أورده صاحب المنار
على الشيعة.
جعفر السبحاني
مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
قم المقدسة
محرم الحرام 1439 هـ

صفحه 35
دعاة التفريق وإثارة الفتن والفساد بين المسلمين   

المقال الأوّل

[دعاة التفريق وإثارة الفتن والفساد بين المسلمين1]

ـ الفرق بين طريقة السيد، وخطّة صاحب المنار ـ عدّه انتشار التشيع بلاء عظيماً ـ نشره رسالتين في الردّ على الشيعة ـ رد السيد الأمين برسائل ثلاث ـ رسالة الآلوسي جواباً عن سؤال جمال الدين القاسمي حول كتاب الحصون المنيعة ـ تبيين الخطوط العريضة لرشيد رضا في مجلته ـ التناقض بين قوله: السعي في الوحدة، وفعله التحريش بين أهل السنة والشيعة ـ اتهام علماء الشيعة بتحليل المتعة للدعوة إلى التشيّع ـ تقسيم الشيعة إلى أقسام منهم الباطنية والشيعة بُرآء منهم ـ اعتذار صاحب المنار عن الإمساك عن الرد على السيّد ـ نقد اعتذاره.

تمهيد

لم يبق في العالم مَن يجهل خطّة الشيخ رشيد رضا صاحب مجلة المنار، وتقلّبه مع مقتضيات الزمان، ومشيه مع ميوله الخاصّة ولو أدّت إلى تفريق كلمة المسلمين، وكانت في أحرج أوقاتهم، وعند تفاقم المصائب

1 . يلاحظ أنّ المقالات الثمان للسيد محسن الأمين والتي نشرها في مجلة(العرفان) كانت بعنوان «مَنْ المفرّق بين المسلمين» ولكنّا ارتأينا تغيير عناوينها بما يتناسب وما تشتمل عليه المقالة تقريباً(المشرف).

صفحه 36
عليهم، ويدّعي مع ذلك أنّه يسعى للتأليف بينهم وللإصلاح وللوحدة الإسلامية!!
لم تجر لنا عادة بالتعرّض لأحد في أقواله ومعتقداته ودعايته، سواء هذا الرجل وغيره، ما لم يتعرّض لنا; لأنّ السكوت في مثل هذه الحال يعدّ جبناً وعجزاً وإقراراً بموجب القدح وسكوتاً من إنكار المنكر، وإذا تعرّض أحد لذلك رددنا عليه وأبنّا له الصواب بالحجّة والبرهان، وبالتي هي أحسن متجنّبين سوء القول ما أمكن إلاّ أن تضطرنا الحال أن يكون الجواب كما قال بديع الزمان الهمداني عن البصل ثوماً وعن البخل لوماً.
هذه خطّتنا وطريقتنا لا نحيد عنها، ولكنّه أصلحه الله لا يعجبه ذلك يريد منّا أن نكون جماداً صامتاً، فإذا أورد ما يقدح به في ديننا وقومنا وعلمائنا، يريد أن نصوّب قوله، ونحسّن فعله، ونعترف له أنّ ما قاله حقّ وصدق (وهو زور وباطل)، أو نسكت على الأقل; أمّا إذا رددنا عليه شيئاً من ذلك بالحجج والبراهين، أثار ذلك غضبه، وبسط لسانه بالذم والشتم والنبز بالألقاب وسوء القول وقبيح الألفاظ، ولم يقف عند حد، ونشر في مجلّته بحقّ طائفتنا ما يعترف بأنّه لا يليق نشره من أقبح الذم وأفضح القدح الّذي هو أعظم عامل في التفريق بين المسلمين وبَذَرَ بذور الشقاق بينهم كما قال القائل: (يساء إلينا ثم نؤمر بالشكر) هذا نموذج من إنصافه وتأليفه بين المسلمين اللّذين لا يزال يتغنى بهما، وإليك بعض الشرح لهذا الاجمال:
نشر في سنة 1326 في ج 1 م 11 ص 45 من مجلّته المسمّاة بالمنار رسالة أتته من العراق وقال: إنّها لعالم غيور على الدولة ومذهب أهل السنّة

صفحه 37
جاء فيها ما لفظه:1
ومن البلاء العظيم انتشار مذهب الشيعة في العراق كلّه حتّى أصبح ثلاثة أرباع أهله شيعيين، وذلك بفضل جدّ مجتهدي الشيعة وطلبة العلوم منهم ومؤازرة الحكومة لهم بأخذها على يد أهل السنّة عن مقاومة سعيهم وخفض كلمتهم، وفي النجف مجمع مجتهدي الشيعة وفيه من طلبة العلوم ستة عشر ألفاً ودأبهم أنّهم ينتشرون في البلاد ويجدّون في إضلال العباد. ا هـ .
وذيّل هو هذه الرسالة بقوله: إنّها ذكّرته بما كتبه (في م 2 من المنار في رمضان سنة 1317 ص 687) من نشر مذهب الشيعة في العراق وهو أنّه قد قرأ في بعض الجرائد عزم الدولة العلية على إرسال بعض العلماء إلى سناجق البصرة والمنتفق وكربلاء لإرشاد القبائل الرحّالة هناك وحمد الله على تنبّهها لهذا الأمر قبل أن يخرج من يدها قال:
فقد سبقها الشيعة وبثّوا الوعّاظ والمرشدين في هذه القبائل... يذهب الملاّ الشيعي إلى القبيلة فيمتزج بشيخها امتزاج الماء بالراح بما يسهل عليه من التكاليف الشرعية ويحمله على هواه فيها، كإباحة التمتّع بالعدد الكثير من النساء الّذي له الشأن الأكبر عند أُولئك الشيوخ، وغير ذلك حتّى يكون وليجته وعيبة سره ومستشاره في أمره فيتمكن الملاّ بذلك من بثّ مذهبه في القبيلة بأقرب وقت، ويكتفي من السياسة غالباً بإفهام القوم أنّ رئيس طائفة الشيعة المحقّة شاه العجم ورئيس الطائفة الأُخرى المسمّاة بالسنّية السلطان عبد الحميد، ولا شكّ أنّ هؤلاء يكونون عوناً لرئيس مذهبهم إذا وقع نزاع لا قدّر الله بينه وبين رئيس المذهب

1 . تقدّم نشر متن هذه الرسالة في الصفحة: 19 .

صفحه 38
الآخر. قال: هذا ما كتبناه من نحو تسع سنين.
(وأمّا) ما كتبه بعد ذلك فهو قوله:
إنّ أكثر من أجابوا دعوة علماء الشيعة هناك لم يكونوا على شيء من مذهب أهل السنّة، فإذا كان أُولئك الدعاة يبثّون فيهم الوعّاظ يعلمونهم الفرائض وأحكام الحلال والحرام فإنّ ذلك يكون خيراً لهم في دينهم من الحالة الّتي كانوا عليها، فنحن لا نعد الأمر من الجهة الدينية بلاء نازلاً كما عدّه الأُستاذ كاتب الرسالة، ولكن الأمر مهم من الجهة السياسية، إلى آخر ما قال.1
ولمّا انتشرت هذه الرسالة وذيّلها في مجلّته كان استياء الشيعة منها عظيماً (وحق لهم ذلك) وطلب إلينا جماعة من إخواننا الردّ عليها فأجبنا طلبهم وألّفنا رسالة سمّيناها «الّحصون المنيعة في رد ما كتبه صاحب المنار بحقّ الشيعة» وأجبناه فيها بالتي هي أحسن معتمدين على واضح البراهين الّتي لا يمكن لأحد إنكارها.
فلمّا وصلت إليه تلك الرسالة قام على عادته يصخب ويغضب ويشتم ويقذف وعدل عن طريقة أهل العلم والإنصاف من مقابلة الحجّة بالحجّة وإبطال الدليل بالدليل، فلم يفه من ذلك بشيء وإنّما قال: إنّه نظر في «الحصون المنيعة» نظرة إجمالية فإذا جدل بتمحل ومراء ظاهر وخطأ في الاستدلال وقال: إنّ ذلك ممّا يُجعل مثاراً للخلاف والتنازع بين المسلمين، ونسبنا إلى تحريف الآية وتفسيرها بالهوى والرأي والتحكّم في الأحاديث وإلى الغلو والتعصّب وقال: إنّه جاءته رسالة من البحرين لم ينشرها ; بل لم

1 . تقدّم كلامه هذا في ص: 22ـ 23.

صفحه 39
يقرأها لأنّه خشي أن تكون مخالفة لمشربه، ثم رأى الآن نشرها لما جاءته «الحصون المنيعة» فنشرها بعنوان: (البدع والخرافات عند الشيعة) وفيها من الأكاذيب والافتراءات على الشيعة وعلمائهم والوقيعة فيهم بحسب ما اقتضاه هوى ذلك المراسل الّذي تستر باسم (سائح في البحرين)، وتعصّبه وتعصّب من نشر له تلك الرسالة.
فرددنا عليه بالتي هي أحسن في رسالة سمّيناها: «الشيعة والمنار»1وأوردنا كثيراً ممّا نقله عن رسالة البحرين مقتصرين على الدليل والبرهان، وقد طبعت تلك الرسالة وانتشرت، ولا نعلم ماذا قاله بعد اطّلاعه عليها، هذه كانت حجّته وهذه ردوده، وهذا إنصافه وتأليفه بين المسلمين!!
ولمّا فعل الوهابية ما فعلوا بعد استيلائهم على الحرمين الشريفين من هدم قبور أئمة المسلمين وعظماء الدين وتسوية قبورهم الشريفة بالأرض، وجعلها معرضاً لوطء الأقدام وروث الكلاب والدواب، ومنعهم الحرية الشخصية في الأُمور الأجتهادية ممّا هو شائع معلوم، وحملهم الناس على معتقدهم بالسيف ومتابعتهم الغزو على بلاد المسلمين، وسفكهم الدماء ونهبهم الأموال، وعدّهم ذلك جهاداً في سبيل الله، وقام هو بالدعاية إلى مذهبهم وطريقتهم الّتي لا تتميّز عن طريقة الخوارج بشيء من تكفيرهم كلّ مَنْ ليس على مذهبهم من المسلمين واستحلال ماله ودمه وبنشر كتبهم المتضمّنة لذلك والطعن في الشيعة بالخصوص

1 . ألّف (قدس سره) كتابه «الشيعة والمنار» بعد كتابه «الحصون المنيعة» وطبع الأوّل في بيروت عام 1328 هـ ، ثم إنّ المؤلّف يقول في هامش كتابه «كشف الارتياب»: ثم عزّزناهما بثالثة وهي: «القول الصادق في ردّ ما جاء في مجلة الحقائق». لاحظ : كشف الارتياب: 401 .

صفحه 40
بأقبح الألفاظ بثاً للدعوة الوهابية، ألّفنا في رد شبهاتهم كتاباً سمّيناه «كشف الإرتياب في اتباع محمد بن عبدالوهاب» ذكرنا فيه تاريخهم وأعمالهم من مبدأ ظهور مذهبهم إلى اليوم، وأوردنا جميع شبهاتهم ورددناها بالحجّة والبرهان، ولمّا طبع الكتاب ووصل إليه قام على عادته يزبد ويرعد ويهوّل ويطلق لسانه علينا بسيّئ القول، ويصفنا بالتعصّب والجمود والغلو وأمثال هذه الألفاظ ممّا هو بضاعته وسلاحه، فذكر في ج 6 م 29 من مجلته من هذا القبيل شيئاً كثيراً وأطلق عنان قلمه، فجرى في ميدان سوء القول ما شاء وشاء له الهوى، وأظهر من العصبية الممقوتة، وما كمن في نفسه من الغيظ والحقد وحب الانتقام ما يفوت الوصف ولا يصدر من ذي علم ونفس طيبة ونية حسنة، وتناول عموم الشيعة بسيّئ أقواله، وقدح في علمائهم ومذهبهم، وأطال لسانه عليهم وجعل ينفخ في نار الخلاف بينهم وبين أهل السنّة الّذين يبرأ من جمهورهم ويبرأون منه ويحرش بينهم وينبش الدفائن ويثير الضغائن، ونفث جميع سمومه، وأظهر كلّ ما كمن في نفسه، وتشبّث بكلّ ما أمكنه التشبّث به للقدح والقذف من هاهنا وهاهنا، كما فعل لمّا وصلته «الحصون المنيعة»، ولكنّه «والحمد لله» لم يستطع أن يردّ شيئاً من حججنا وأدلّتنا في ذينك الكتابين، واقتصر على مجرد التهويل والشتم والسباب والخروج عن موضع الكلام، فكان كلامه كما وصفه المنفلوطي ونقلته مجلة «المنتقد» فقال: «كلام صاحب المنار هيكل عظمي لا لحم ولا دم ».
وكما فعل لمّا جاءته «الحصون» فقال: إنّ رسالة البحرين جاءته فلم ينشرها، بل لم يقرأها لخشيته أن تخالف طريقته، لكن لمّا جاءته «الحصون»

صفحه 41
نشرها وخالف طريقته، كما مر.1
كذلك فعل لمّا جاءه «كشف الارتياب»، فقال في الجزء المذكور من مجلّته: إنّ علاّمة الشام المستقلّ الشيخ جمال الدين القاسمي أرسل «الحصون المنيعة» إلى علاّمة العراق المستقّل محمود شكري الآلوسي وسأله عن رأيه فيها؟ فأجابه برسالة تتضمّن الردّ الشديد عليها وتجهيل مؤلّفها(2)، ولمّا اطلع هو على الرد لم يشأ أن ينشره لأنّه يخالف طريقته المثلى وقاعدته الذهبية في التأليف بين المسلمين، فلمّا اطّلع على «كشف الإرتياب»، نشر تلك الرسالة الفظيعة مخالفاً طريقته وقاعدته، ممّا دل أنّه يمشي مع هواه، وما شاء له حبّ الانتقام ومصالحه الخاصّة غير مبال بالمصلحة العامّة، وأنّ طريقته المثلى وقاعدته الذهبية الّتي افتخر بها ولا يزال يتغنّى بها دعوى مجرّدة لا تتجاوز القول، وعمله مخالف لها وانّه يأخذ البريء بالمذنب مخالفاً قوله تعالى (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى)2فيقدح في ستين مليوناً من المسلمين الشيعة يذمّهم بأقبح الذم، وينسبهم إلى ما تقشعر منه الجلود زوراً وبهتاناً انتقاماً من شخص واحد، وكفى ذلك مترجماً عن نفسيّته وإنصافه وسعيه للتأليف بين المسلمين!!
إن كان نشر الرسالتين مفيداً نافعاً مؤلّفاً بين المسلمين كان عليه أن ينشرهما من أوّل الأمر، وإن كان مضرّاً مفرّقاً بين المسلمين (وهو كذلك)

1 و2. لاحظ: السنّة والشيعة أو الوهابية والرافضة:34 و36، الرسالة الأُولى، الطبعة الثانية 1366هـ ـ 1947م، القاهرة.وننوّه هنا إلى أنّ العلاّمة الأميني قد ردّ على هذه الرسالة في موسوعة الغدير:3/370ـ 397.
2 . الأنعام: 164 .

صفحه 42
فانتشار «الحصون المنيعة» و «كشف الارتياب» لا يبرر نشرهما .

[تبيين الخطوط العريضة لرشيد رضا في مجلّته]

تأمّلنا في مجلّته في الجزء الآنف الذكر وما يتلوه فوجدناه يدور على أُمور:
1. أنّه بلغ من إنصافه وعدم تعصّبه وحبه للتأليف بين المسلمين أنّه لا ينتقد غير المذهب الّذي ينسب إليه ويدعو غيره إلى ذلك لئلاّ ينسب إلى التعصّب، وليكون كلامه أقرب إلى القبول ولكن فعله يخالف قوله كما ستعرف، فهو يقدح في أهل غير المذهب المنسوب إليه بأعظم القدح بدون سبق إساءة إليه، كما أنّه يرى أنّ مجرّد الردّ عليه كافياً في نقض هذه القاعدة والخروج عنها والتكلّم بأشنع وأبشع ما يتصوّر.
2. أنّه مجتهد مستقّل في أخذ الأحكام من الكتاب والسنّة ولا يتمذهب بمذهب معيّن من المذاهب المشهورة، ولكن فعله يخالف قوله فهو مقلّد للوهابية فيما يقولون زاعماً أنّه مذهب السلف.
3. أنّه مقدّس وكلامه وحي منزل ليس لأحد معارضته ولا الردّ عليه، وكلّ من ردّ عليه فهو جامد مقلّد متعصّب مغال داع إلى الخرافات، مستحق لأعظم الشتم فيه وفي جميع أهل نحلته ومذهبه الأحياء والأموات في جميع أقطار الأرض، وكلّ من ردّ عليه فهو مفرّق لكلمة المسلمين.
أمّا هو فمؤلّف بينهم ولو طعن فيهم أشدّ الطعن وذمّهم بأقبح الذم!!
4. أنّنا بردّنا عليه وعلى الوهابية في «الحصون المنيعة» و «كشف الارتياب» نريد الدعاية إلى مذهب الشيعة ونشره بين أهل السنّة!!

صفحه 43
5. أنّه لا يحتاج في ردّ خصمه إلى دليل ولا برهان، بل يكفي قول هذا جدل بتمحّل ومراء ظاهر وعدم أمانة في النقل وبدع وخرافات، ونحو ذلك من أمثال هذه الألفاظ بدون بيان السبب!!
6. عدم الالتزام بموضوع الكلام، بل ينتقل غالباً إلى أُمور لا علقة لها به ويقدح ويذمّ بها!!
7. أنّه يجرح بيد ويأسو بأُخرى ويحفظ لنفسه خط الرجعة!!
8 . أنّه يجعل المسلمين الّذين يكفّرهم سادته الوهابية درعاً ومجناً يتّقي به طوارئ الأُمور!!
9. أنّه يعمد دائماً إلى التحريش بين أهل السنّة والشيعة ويوقد نار الخلاف بينهم مع ادّعائه أنّه يسعى في التأليف والوحدة الإسلامية، فكلّ مَن يرد عليه أو على الوهابية من الشيعة يجعل ردّه ردّاً على أهل السنّة ليثير الخلاف بين الفريقين!!
***

خطّة الشيخ رشيد في التأليف بين المسلمين

ذكر في الجزء الآنف الذكر من مجلّته تحت عنوان: دعاية الرفض والخرافات والتفريق بين المسلمين (وموقد نارها الشيخ محسن الأمين العاملي).
إنّ خطّته في التأليف بين المسلمين وفي نهضته الإصلاحية الّتي قام بها منذ ثلاثين سنة على أساس الوحدة الإسلامية وسيرته في مجاهدة البدع والتمثيل لما بما فشا منها بين أهل السنّة دون الشيعة وغيرهم لئلاّ يتّهمه

صفحه 44
المتعصّبون منهم بالتعصّب وأنّ دعايته مبنية على أساس الكتاب والسنّة وإجماع السلف وعدم التقيّد بمذهب من المذاهب، وأنّ التعصّب لأي مذهب مناف للوحدة الإسلامية ونصّ القرآن.
وإنّ قاعدته الذهبية أن نتعاون فيما نتّفق عليه ويعذر بعضنا بعضاً فيما نختلف فيه، ويقاوم علماء كلّ طائفة البدع الفاشية فيهم، لتكون دعوتهم أقرب إلى القبول ; ولا يزال يكرّر أمثال هذه الأقوال في مجلّته.
هذه أقواله، أمّا افعاله فتخالف ذلك على خط مستقيم يقول هذا وينشر في مجلّته بدون سبب وبدون سبق إساءة إليه من أحد من الشيعة، الرسالة السابقة الّتي أُرسلت إليه من بغداد الّتي جعل صاحبها من البلاء العظيم انتشار مذهب الشيعة في العراق، وحرّض الحكومة فيها على مقاومتهم وخفض كلتمهم وقال: «إنّ علماءهم ينتشرون في البلاد ويجدون في إضلال العباد» وعلّق هو عليها بأنّ علماء الشيعة يسهّلون التكاليف الشرعية على مشائخ الأعراب ويحملونهم فيها على هواهم، ثم صبغ المسألة بصبغة سياسية ليزيد في تحريش الحكومة العثمانية على شيعة العراق، فزعم أنّ العالم الشيعي يكتفي من السياسة بإفهامهم أنّ رئيس الشيعة شاه العجم ورئيس أهل السنّة السلطان عبد الحميد ليكونوا عوناً للأوّل على الثاني عند نشوب حرب بين الدولتين، وكذلك لمّا أراد أن يأسو جرحه الأوّل بيد أُخرى على عادته فجعل تعليم الأعراب الجاهلين الفرائض وأحكام الحلال والحرام على مذهب الشيعة خيراً لهم في دينهم من الحالة الّتي كانوا عليها، عاد فجرح جرحاً أنكى من الأوّل وأعاد الصبغة السياسية وحصر الأمر فيها فقال: لكن الأمر مهم من الجهة السياسية ـ كما

صفحه 45
عرفت ذلك كلّه عند نقل الرسالة ـ هذه خطته في التأليف بين المسلمين، وهذه قاعدته الذهبية الّتي بنى عليها!!
وقد صدق تنبّؤه وخوفه فكان الّذي أزال الدولة العثمانية من العراق هي دولة إيران لا دولة بريطانيا العظمى ولا غيرها.
وهذه أقواله الافترائية في حقّ الشيعة وعلمائهم بدون سبق إساءة منهم إليه، فهل سمع في الكون أفظع وأشنع وأبشع منها، وهو مع ذلك يدّعي أنّه لا يتعرّض للبدع الفاشية بزعمه عند الشيعة خوفاً من اتّهامه بالتعصّب ويعذر غيره في مسائل الخلاف ويتبجّح بقاعدته الذهبية، ولمّا رددنا عليه في ذلك بالتي هي أحسن جعل يصخب ويغضب ويزمجر ويقول فينا أسوأ القول وينسبنا إلى التعصّب والجمود، وغير ذلك، ولم نسلم من شرّه إلى اليوم، وإذا كانت قاعدته الذهبية وخطته القويمة الّتي مشى عليها منذ ثلاثين سنة عدم تعرّض أحد لغير البدع الفاشية في أهل مذهبه، فما باله خالف خطّته وقاعدته لمجرّد ردّنا عليه فيما قاله في حقّ الشيعة؟! فنشر رسالة البحرين بعنوان (البدع والخرافات عند الشيعة)، ونشر اليوم رسالة محمود الآلوسي الّتي هي مجموعة افتراءات تقشعر منها الجلود ـ كما ستعرف ـ وعنون مقالة نفسه بدعاية الرفض والخرافات والتفريق بين المسلمين وغير ذلك من العناوين القبيحة والألفاظ الّتي لا تصدر عن نفس متّصفة بما وصف به نفسه، يُحكى أنّ رجلاً زنى بامرأة فأحبلها فجيء به إلى القاضي فقال له: هلاّ إذ ابتليت بالزنا عزلت، فقال: بلغني أنّ العزل مكروه، فقال: يا مائق بلغك أنّ العزل مكروه ولم يبلغك أنّ الزنا حرام؟!
كان على هذا الرجل لو كان ما يصف به نفسه حقّاً من أنّه يريد

صفحه 46
الإصلاح والتأليف بين المسلمين وأنّه لا يتعرّض لغير أهل المذهب المنسوب إليه لئلاّ يتّهم بالتعصّب أن يقتصر على إيراد الحجج والبراهين ويقابل الدليل بالدليل، لكنّنا نرى أفعاله تخالف أقواله، فإذا ردّ عليه راد غضب واحرنبي وأزبد وأرعد وأخذته العزة بالإثم وتناول خصمه بسيّئ القول غير تارك من جهده شيئاً ولا يقتصر على خصمه وحده، بل يتناول جميع طائفته وأُمّته بسوء القول، ويستقصي جميع ما يمكنه في ذمّها بالباطل، وهو مع ذلك يصف نفسه بالمنصف غير المتعصّب المؤلّف بين المسلمين (كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ)1، وممّا ذكرناه تعلم أنّ موقفنا معه كان موقف دفاع، وأنّنا كعادتنا لم نبدأ أحداً بجدال ولا نزاع.
قال: إنّه لم ير أحداً من علماء الشيعة نصره على دعوته بالكتابة، وإنّما استحسنها بعض المنصفين مشافهة، قال: على أنّنا لم نسلم من شر متعصّبيهم.
كلّ مَن يعارضه متعصّب، وكلّ من يدافع عن نفسه وقومه ودينه مقابل قدحه وطعنه متعصّب جامد مغال ; لأنّ الإنصاف والتصرّف والاعتدال والخير كلّها تجسّمت فيه، فهو الكلّ في الكلّ في هذا العصر.
قال: فقد نشرنا مرّة في المنار2 رسالة لصديقنا العلاّمة المرحوم الشيخ محمد كامل الرافعي من بغداد كتبها أثناء سياحته يذكر فيها قيام علماء الشيعة بدعوة الأعراب إلى التشيّع، واستعانتهم على ذلك بإحلال متعة النكاح لمشائخ قبائلهم الّذين يرغبون في الاستمتاع بكثير من النساء في كلّ وقت.

1 . الصف: 3 .
2 . مجلة المنار:مج16، سنة 1326هـ . لاحظ: السنة والشيعة:31ـ 32، الرسالة الأُولى.

صفحه 47
انظر كيف هوّن أمر تلك الرسالة وسهّله فاقتصر على دعوة الأعراب إلى التشيع والاستعانة بإحلال المتعة، وتغافل عمّا في الرسالة من الفظائع من القدح في مذهب الشيعة وعلمائها وطلاّبهم الّذين في النجف، وهي المدرسة الوحيدة الدينية للشيعة، وعلماؤها قدوتهم في أقطار المعمور، ووصفهم بأقبح الصفات، وذمّهم بأشنع الذم.
وقد ذكرنا في «الحصون المنيعة» أنّ جعل إحلال المتعة لمشائخ الأعراب سبباً لتقرّب العلماء منهم زور وبهتان خلقته مخيلة صاحب تلك الرسالة، فالأعراب ومشائخهم يرون المتعة عيباً وعاراً ولا يفعلونها ولو كانت حلالاً، فليس كلّ حلال يفعل، ولكنّ الغرض مرض .
من كان يخلق ما يقو *** ل فحيلتي فيه قليلة
قال: ولما نشرنا الرسالة في المنار علّقنا عليها تعليقاً رجونا أن يحول دون تعصّب الشيعة[واحتمائهم علينا] ورمينا بضد ما نقوم به من التأليف، فقلنا: تعليم الأعراب الجاهلين مذهب الشيعة في العبادة[ العبادات] والحلال والحرام خير من بقائهم على جهلهم[ المعهود]، وحصرنا[توجيه انتقاد الكاتب] الانتقاد في وجهته السياسية .
وتناسى ما علّقه عليها من أنّ الملاّ الشيعي يتقرّب إلى شيخ القبيلة بما يسهّل عليه من التكاليف الشرعية ويحمله على هواه فيها، وصبغه المسألة بصبغة سياسية ليثير غضب الدولة العثمانية في ذلك الوقت على شيعة العراق بأنّه إذا حصلت حرب بين العثمانيين والإيرانيّين يكون شيعة العراق عوناً للإيرانيين، فيعظم الخطر على الدولة العثمانية منهم.
هذه هي خطته في التأليف بين المسلمين الّتي يفتخر بها، وهذه هي

صفحه 48
قاعدته الذهبية الّتي اشتهرت، وهذه هي سيرته في التعرّض للبدع عند الشيعة بزعمهم لئلاّ يتّهم بالتعصّب.
يقول هذا وينشر في مجلته لصديقه وشريكه في نحلته ما تقدّم لأن ذلك بنظره من أعظم وسائل التأليف بين المسلمين وإخماد نائرة التعصّب وقمع الأضغان من القلوب، أليس كذلك أيّها الشيخ المنصف غير المتعصّب.
قال: نشرنا هذا في المنار فلم نجد أحداً من الشيعة هاجه واحتمى عليه إلاّ هذا المتعصّب الجامد على الرفض الشيخ محسن الأمين العاملي على خلاف ما نقل لنا عنه من إظهار الإنصاف في مجالسه مع علماء السنّة من باب التقية فألّف (الحصون المنيعة في رد ما أورده صاحب المنار في حقّ الشيعة) لم يكن في تأليفها (محسناً) في الردّ ولا (أميناً) في النقل.1
أمّا قوله: إنّه لم يجد أحداً من الشيعة هاجه ما نشره غيرنا، فلبئس ما ظنه وصورته له مخيلته من أن ذلك لم يهج أحداً من الشيعة، وهل بلغت البلاهة بهم إلى حدّ أن يكون نشره في مجلة عنهم أن من البلاء العظيم انتشار مذهبهم في العراق، وأنّ علماءهم يجدّون في إضلال العباد ويسبّهم أقبح السب ويحرّض الحكومة عليهم، لا يغضبهم، ولكنّهم اكتفوا في الردّ عليه بالحصون المنيعة الّتي لما وصلته لم يزد على قوله: «جدل بتمحّل ومراء ظاهر» وأمثال ذلك من عباراته الّتي تعودها!!
وعاد اليوم إلى نغمته الأُولى فجعل يرمينا بسيّئ القول الّذي سمعته.

1 . السنة والشيعة:33، الرسالة الأُولى.

صفحه 49
هو مقدّس له أن يذمّ الناس ويقدح في مذاهبهم وعلمائهم بما شاء من الباطل ; لأنّه يريد بذلك التأليف بين القلوب، وله أن يفعل ما شاء وكيف شاء، فإذا ردّ عليه أحد وقام يدافع عن قومه ومذهبه، كان جامداً متعصّباً غالياً مفرّقاً لكلمة المسلمين .
وهلاّ أيّها المتحكّم قد خلق الله الناس أحراراً في الدفاع عن أنفسهم ورد افتراء من يفتري عليهم، تنسب في مجلتك ـ الّتي تدّعي أنّ من مقاصدها التأليف بين المسلمين والدعاء إلى الوحدة الإسلامية ـ إلى فرقة عظيمة من المسلمين أعظم القبائح زوراً وبهتاناً، وإذا قام واحد منهم ينفي عنهم تلك التهم الباطلة تغضب وتصخب وتنسبه إلى الجمود والتعصّب والغلو وأنت مع ذلك تدّعي لنفسك الإنصاف والاعتدال وعدم التعصّب، (ما هكذا تورد يا سعد الابل).
يرمينا الشيخ رشيد رضا المتعصّب الجامد على النصب والتوهّب، بالتعصّب والرفض ويقول في الحاشية: الرفض يراد به الغلو في التشيّع. ويقسّم الشيعة إلى: المعتدلين، والغلاة، والباطنية الملاحدة أعداء الإسلام كالعبيديين، ويقول: الشيخ العاملي متعصّب للجميع.
ونقول: أمّا التعصّب فهو بنظر الشيخ رشيد مدافعة المرء عن حقّه بالبرهان، فجميع الناس بنظره متعصّبون، وكلّ مَن عارضه في شيء فهو متعصّب، وهو وحده المنصف المتساهل ; لأنّه لا يدافع حيث يحوجه الأمر إلاّ بالسب والشتم وسيّئ القول، والنسبة إلى الجمود والرفض والغلو والتعصّب وأمثال ذلك، ومنه يعلم أنّه لم يكن «رشيداً» في خطّته ولا «رضا» في أقواله وأفعاله.

صفحه 50
وأمّا نسبته لنا إلى الرفض فإنّنا نفتخر بولاء أجدادنا وأهل بيت نبينا وتفضيلهم على غيرهم، وأخذ معالم ديننا عنهم، ودخول مدينة العلم النبوي من بابها سواء سمّاه رفضاً أو لا، وننشد قول الإمام الشافعي:
إن كان رفضاً حب آل محمد *** فليشهد الثقلان أنّي رافضي
وقول العبدي شاعر آل محمد(عليهم السلام):
لقبت بالرفض لما أن منحتهم *** ودّي وأحسن ما أُدّعى به لقبي
وقد ظهر بهذا مقدار تعصّب هذا الرجل على أتباع أهل البيت الطاهر وأبنائهم الّذي هو دليل واضح على نصبه.
(أمّا) تقسيمه الشيعة إلى الأقسام الثلاثة فهو جري على عادة المتعصّبين على الشيعة في خلطهم مع طوائف الغلاة والملاحدة قصداً للتشنيع، والشيعة الإمامية الاثنا عشرية والزيدية وبعض الإسماعيلية يبرأون من كلّ غال رافع للمخلوق عن درجة العبودية الخالصة، ومن كلّ ملحد ومخالف لشريعة الإسلام.
(وأمّا زعمه) أنّنا نتعصّب للجميع حتّى الغلاة والملاحدة فزور وبهتان، والله تعالى ورسوله وعباده يعلمون أنّنا لا نتعصّب لغير الحق ولغير مذهب الحق، ولكنّنا رددنا في «كشف الإرتياب» على سلفه محمد بن عبدالوهاب قوله: (إنّ المسلمين حكموا بكفر العبيديين خلفاء مصر وحاربوهم حتّى انتزعوا ما بأيديهم من بلاد المسلمين) بقولنا: إنّ المسلمين لم يحاربوهم وإنّما استولى صلاح الدين على ملكهم بدون حرب على قاعدة المتغلّبين، فرتّب هو عليه أنّنا نتعصّب للجميع.

صفحه 51
وبعد فما ربط هذه الأُمور بردّنا على الوهابية أهل نحلته والّذين يريد الدفاع عنهم ولكنّه تعوّد (والخير والشر عادة) أن يعمد في دفاعه إلى الشتم والقذف والقدح وسوء القول والمخادعة دون الدليل والبرهان.
وأمّا قوله: «على خلاف ما نقل لنا عنه من إظهاره الإنصاف في مجالسه مع علماء السنّة من باب التقية» فقد عرف جميع إخواننا من علماء أهل السنّة أنّ طريقتنا معهم الإنصاف ظاهراً وباطنا .
أمّا قوله: «من باب التقية»، فطريف، فهل تكون التقية باللسان، والحرية بالقلم، وليس في هذا الزمن ما يوجب التقية، وسواء كان إظهارنا الانصاف حقيقياً أو تقية فلا علاقة له به وبقومه الّذين يكفّرون جميع المسلمين من سنيّين وشيعيّين، فليترك ذكر أهل السنّة وعلماء السنّة، ولا يجعلهم مجناً، وليقتصر على ذكر مَن قام بدعوتهم ونصرة مذهبهم.
أمّا قوله: «لم يكن محسناً في الرد ولا أميناً في النقل» فما أهون الدعاوى بلا برهان، ولو كان صادقاً في هذه الدعاوى لذكر مستنده فيها، ولئن نسبنا إلى ذلك فقد نسبت الأنبياء إلى السحر والكذب!!
وقال: ولكنّها فرصة اغتنمها لبثّ أمرين :
(أحدهما): صد نابتة الشيعة في جبل عامل وغيره عن المنار، إذ كانت قد أثّرت فيهم خطّته الإصلاحية ودعوته إلى الاستقلال في فهم الدين من الكتاب والسنّة وترك التقليد وعصبية المذاهب فيه .
(الثاني) : بثّ مذهب الشيعة بين أهل السنّة وترجيحه على مذهب السنّة وجعل مسألة متعة النكاح حجّة على هذا الترجيح فأطال فيها بغير طائل ونقول: كلّ كلاّمه هذا كغيره خروج عن الموضوع وإطالة بغير طائل

صفحه 52
وتمويه وتضليل انظر أيّها المنصف إلى دعاويه واحكم فيها بإنصافك هل ترى لها نصيباً من الصدق والصحة؟!
قام هذا الرجل يقدح في مذهب الشيعة وعلمائها بأفحش القدح، ويحرّض الحكومة عليها بدون سبق سبب ولا إساءة كما مرّ، فدافعنا عن أهل ملّتنا ومذهبنا بالتي هي أحسن وبالحّجة والبرهان، فكان هذا عنده تعصّباً وجموداً وغلوّاً، وصدّاً النابتة الشيعة عن مجلّته الإصلاحية المفرّقة لكلمة المسلمين، والرامية لهم بالكفر، وبثّاً لمذهب الشيعة بين أهل السنّة، وترجيحه على مذهبهم، وغير ذلك مقدّمات عقيمة لا تنتج المقصود ولا ترتبط به، فما ربط ردّنا قدحه في مذهبنا وقومنا في مجلّته بصدّ نابتة الشيعة عن مجلّته الّذي كفى فيه قدحه في مذهبهم وعلمائهم؟! وهم والحمد لله بمكانة من الذكاء والفطنة؟! وما ربط ذلك بنشر مذهب الشيعة بين أهل السنّة وترجحيه على مذهبهم الّذي لا يراد به إلاّ التحريش بينهم وتهييج الضغائن ممّن يدّعي التأليف؟!
أمّا المتعة فلو لم يتعرّض لها ويندّد بها لم نتعرّض لها، وهو يقول: إنّنا جعلناها حجّة على هذا الترجيح، وإنّما اقتصرنا على ردّ زعم المندّد بها ولم نجعلها حجّة على شيء.
وبعد فإن يكن ذلك كذلك فليست الجناية عليه حتّى يكون العذر إليه، هو رجل مستقل لا يتقيّد بمذهب معيّن من المذاهب، ناصر لمن يكفّرون أهل السنّة والشيعة، وأهل السنّة والشيعة متقيّدون بمذاهب معيّنة، متفّقون على تخطئة الوهابية الّذين يدعو إلى مذهبهم، ولا نخاله ينسى واقعته مع أهل السنّة في الجامع الأموي بدمشق الّتي لولا (المرحوم عثمان

صفحه 53
بك العظم) الّذي خلّصه من أيدي الناس وحماه في داره وأرسله ليلاً إلى بيروت، لأصبح في خبر كان .
قال: والشيعة أشدّ الفرق تقليداً وعصبية في المذهب حتّى الّذين يُسّمّونهم المجتهدين منهم، ويفتخرون على أهل السنّة بأنّهم هم الّذين يأخذون بالاجتهاد الّذي أقفل بابه أهل السنّة، ومن المعلوم ببداهة العقل أنّ الاجتهاد الحقيقي الّذي هو الاستقلال بأخذ الدين من ينابيعه ينافي التمذهب بمذهب معيّن.
(ونقول) : مع أنّ هذا كسائر ما ذكره لا ربط له بالموضوع الّذي ألف «كشف الارتياب» لأجله، فالشيعة يأخذون معالم دينهم من الكتاب والسنّة والإجماع وأقوال أهل البيت الطاهر الّذين أُمروا بالتمسّك بهم وجعلوا شركاء للقرآن في أنّ المتمسّك بهما لن يضل أبداً، ويدخلون مدينة العلم النبوي من بابها، وهذا هو أخذ الدين من ينابيعه. وأدلّتهم على ذلك مبسوطة في كتب الأُصول المؤلّفة من أهل السنّة والشيعة، فسواء كان هذا تقليداً وعصبية في المذهب أو اجتهاداً واستقلالاً، فهم لم يأخذوا به جزافاً ومن غير دليل. وأمّا أنّهم افتخروا على أهل السنّة فهو رجل مستقل لا يتمذهب بمذهب معيّن، لا من مذاهب أهل السنّة، ولا من مذاهب الشيعة، ويفتخر بذلك على الفريقين، فلا عليه من ذلك.

[ما هو السبب لعدم ردّ صاحب المنار على كتاب «الحصون المنيعة»؟]

قال: أرسلت إليه «الحصون المنيعة» فلم يشأ أن يرد على أباطيلها لسببين:
(أحدهما) مخالفة ذلك لخطته في التأليف بين فرق المسلمين ; لأَنّ المجادلات في الانتصار للمذاهب تذكي نار التعصّب والشقاق بين أهلها.

صفحه 54
(ونقول) : لم يشأ أن يرد على «الحصون» بالحجّة والبرهان وبالتي هي أحسن ; لأنّ ذلك مخالف لخطّته في التأليف بين المسلمين، والردّ بالحجّة والبرهان والّتي هي أحسن، يفرّق كلمة المسلمين، وإنّما الّذي يؤلّف بينهم أن يقول لمّا جاءته «الحصون المنيعة»: إنّها كانت قد جاءته رسالة من سائح في البحرين في ذم الشيعة وكان عازماً على عدم نشرها، فلمّا جاءته «الحصون المنيعة» نشرها بطولها بعنوان: (البدع والخرافات عند الشيعة)، ممّا دعانا أن نؤلّف رسالة: (الشيعة والمنار) يومئذ كما مرّ.
وما نشرها إلاّ بقصد التأليف بين فرق المسلمين، لقد صدق في قوله: إنّه لم يشأ أن يرد على «الحصون» ; لأنّ ذلك مخالفة لخطّته، فإنّ خطّته ليست هي الردّ بالحجّة والبرهان وبالتي هي أحسن، بل بالمواربة والخروج عن الموضوع والشتم والسب والدعاوى المجرّدة عن البرهان ; كقوله: جدل بتمحّل، مراء ظاهر، ليس محسناً في الرد ولا أميناً في النقل، وأمثال ذلك ممّا يوغر الصدور ويفرّق بين المسلمين.
(السبب الثاني) لعدم رده على الحصون زعمه: أنّ صاحبها لا يستحق أن يرد على مثله ; لأنّه لا يطلب الحقّ في المناظرة، كما هو شأن المقلّدين ولا سيّما المتعصّبين الغلاة مثله.
ونقول: إنّ هذا الرجل مجسّم من التقليد والتعصّب والغلو الّذي رمانا به، وقد بان ممّا ذكرناه في الرد على السبب الأوّل وغيره، أنّه لا يطلب الحقّ في مناظراته، وما كان أولاه بعدم استحقاق الرد على مثله ; لأنّه لا يطلب الحقّ في المناظرة كما هو شأن المقلّدين المدّعين للاستقلال المتعصّبين مثله، ولكن الضرورة دعتنا إلى ذلك.

صفحه 55

[إشكال صاحب المنار على استدلال الأمين في صحة زواج المتعة]

قال: وكيف يرد مثلنا من المستقلّين ودعاة التأليف على مَن يستدلّ على صحّة المتعة بقوله تعالى: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ )1فزعم أنّ لفظ الأُجور لم يرد في القرآن بمعنى المهور، وإنّما سمّاها الصدقات. وهذا يدلّ على أحد أمرين: إمّا الجهل بالقرآن ولغته، أو تعمّد تحريفه، وقد يجتمعان ; فقد قال الله تعالى: (وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ )2، وقوله (إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ).3
(ونقول) أمّا تبجّحه الفارغ وتعظيمه نفسه بقوله: «وكيف يرد مثلنا من المستقلّين» فيبطله أنّه لو كان له ردّ علينا بحجّة أو برهان لأتى به، فإنّه لا عطر بعد عروس، ولم يعدل إلى الشتم والسباب وبذاءة اللسان علينا وعلى عموم الشيعة، وإلى ذكر أُمور لا ربط لها بالموضوع.
وأمّا قوله: «ودعاة التأليف» فقد بان أنّه أعظم داعية إلى تفريق كلمة المسلمين حتّى في أحرج الأوقات عليهم وعند تفاقم المصائب.4
شقراء
محسن الأمين5

1 . النساء: 24 .
2 . الممتحنة: 10 .
3 . المائدة: 5. سيأتي جواب السيد عن هذا الإشكال في المقالة التالية.
4 . وسيأتي في المقال التالي نقد ما نسب إليه في مورد الأُجور.
5 . مجلّة العرفان: المجلد 18 ج 1 و 2 / 203 ـ 212، بيروت ; ربيع الأوّل وربيع الثاني من سنة 1348 هـ والموافق لشهر آب وأيلول من سنة 1929 م .

صفحه 56
اتّهام الشيعة بالخرافات ونقده   

المقال الثاني

[اتّهام الشيعة بالخرافات ونقده]

تحريف كلام السيد الأمين في الاستدلال بالآية ـ كلام للرازي حول دلالة الآية على جواز المتعة ـ وصف صاحب المنار كتاب «كشف الارتياب في أتباع محمد بن عبدالوهاب» بالدعاية الرافضية ـ الكتاب لا صلة له بما وصفه بل هو ردّ على شبهات الوهابية ـ رد أحد الإيرانيين المقيمين في مصر على صاحب المنار حول الفجائع التي ارتكبها الوهابيون ـ الشيعة والوحدة الإسلامية ـ اتهام الشيعة بالقول بتحريف القرآن ـ نصوص علماء الشيعة على صيانة القرآن من التحريف ـ الاعتقاد بالمهدي عقيدة إسلامية لا شيعية.
وأمّا قوله1: إنّنا استدللنا على صحّة المتعة بالآية المذكورة، وحصر وجه استدلالنا بأنّ الأُجور لم تستعمل في القرآن بمعنى المهور، فخيانة في النقل فعلها ورمانا بها، فنحن جعلنا الدليل على ذلك ظهور لفظ الاستمتاع، وقول ابن عباس: إنّها محكمة، وقول الحكم بن عيينة: إنّها لم تنسخ، وقراءة

1 . تتمة الجواب عن إشكال صاحب المنار حول زواج المتعة في آخر المقال الأوّل.

صفحه 57
ابن عباس وأُبي بن كعب وابن مسعود: فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمّى، ولم نقل أنّ لفظ الأُجور لم يرد في القرآن بمعنى المهور كما نسبه إلينا وخان في النقل، بل قلنا كما في صفحة 38 من «الحصون المنيعة»: واحتمال أن يراد بالآية النكاح الدائم مدفوع بأنّه خلاف ظاهر لفظ الاستمتاع ; لشيوعه في الشرع في المتعة ولفظ الأُجور، لأنّ المستمتع بها أشبه بالمستأجرة، والمتعارف في الدائم للصداق كآية (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدَقَاتِهِنَّ )1. انتهى.
ولم نخصّ التعارف بالقرآن، بل بالشرع هذا هو الّذي تبجّح به وافتخر وعنونه باستنكاف المنار من الرد على العاملي، ورمانا بالجهل بلغة القرآن أو تعمّد تحريفه وهو أولى بذلك!!
هذا ما كنّا كتبناه في «الحصون المنيعة» ونزيد الآن أنّ الفخر الرازي استدلّ في تفسيره على أنّ الآية واردة في المتعة بأنّه تعالى أوجب الأُجور بمجرّد الاستمتاع وهو التلذّذ والانتفاع، والأُجور في الدائم لا تجب على الاستمتاع، بل على النكاح، ولذا لزم نصف المهر بمجرد العقد.
وبأنّا لو حملناها على الدائم، لزم تكرار بيان حكم النكاح في السورة الواحدة ; لأنّه تعالى قال في أوّل هذه السورة: (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ)الخ ثم قال (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدَقَاتِهِنَّ نِحْلَةً)بخلاف ما لو حملناها على المتعة فإنّه يكون حكما جديداً. انتهى.2

1 . النساء: 4 .
2 . لاحظ : تفسير الرازي: 10 / 52. توضيح ما ذكره: أنّه سبحانه علّق دفع الأجر على الاستمتاع، ومن المعلوم أنّ المهر في النكاح الدائم ـ وهكذا المؤقت ـ لا يتوقف على الاستمتاع بمعنى التلذذ، فلابدّ أن يحمل الاستمتاع على عقد الاستمتاع، فيكون ظاهراً في العقد المؤقت. لأنّ لفظ «الاستمتاع» يراد عقده. وفي رواية جابر:«كنّا نستمتع في عهد رسول الله بقبضة من التمر» أراد عقده.(المشرف)

صفحه 58
فأنت ترى أنّ الإمام الرازي لمّح إلى ما قلناه من ظهور لفظ الأُجور في المتعة بمقابلته بالصدقات في صدر الآية الظاهر في الدائم .
(وفي الجواهر) قد يؤيّد بظهور لفظ الأجر في العوض للمؤجل فإنّه يُسمّى في النكاح الدائم صداقاً ونحلاً وفرضاً، وإطلاقه عليه في مطلق النكاح في قوله تعالى: (وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ)1، وقوله: (فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ)لا ينافي الظهور الكافي في المطلوب. انتهى.2
ثم أراد أن يبيّن إنصافه وعدم تعصّبه على عادته في أن يجرح بيد ويأسو بأُخرى فذكر كلاماً قال: إنّه كتبه بعد تأليف الحصون المنيعة (ممّا دلّ على أنّها لم تهج تعصّبه) وهو أنّه لمّا حرّر الدلائل في مسألة المتعة في تفسيره وتعرّض لخلاف الشيعة فيها قال في آخر البحث: إنّه يخشى أن يكون خرج عن منهاجه من الإعراض عن الترجيح بين المذاهب الّذي هو مثار تفرّق المسلمين وتعاديهم، وأنّه يبرأ من التعصّب والتحيّز، وأنّه إذا اطّلع بعد ذلك على روايات أُخرى للشيعة مسندة ربّما يكتب في ذلك مقالاً .
يعرض الشيخ رشيد عن الترجيح بين المذاهب عند تحريره الدلائل;

1 . الممتحنة: 10 .
2 . جواهر الكلام: 3 / 148 .

صفحه 59
لأنّه مثار تفرّق المسلمين وتعاديهم بزعمه، ولكنّه يشتم أهل المذاهب ويسبّهم ويقول فيهم أقبح القول، ولا يراه مثيراً لتفرّق المسلمين وتعاديهم، بل موجباً للتأليف بينهم الّذي يسعى إليه جهده (كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ)1، والشيعة غنيّون عن مقالاته الّتي يعدهم بأنّه قد يكتبها إذا...

[ صاحب المنار وكتاب «كشف الارتياب» ]

قال: ولكن العاملي الرافضي المتعصّب عاد في هذه الأيام إلى ما هو شر ممّا كتبه في تلك الرسالة (الحصون المنيعة) لأنّ حرية الطعن والتفريق في ظل الحكومة الفرنسية أوسع ممّا كان في عهد دستور الدولة العثمانية، فألّف كتاباً كبيراً استغرق خمسمائة صفحة في هذا الموضوع جعل عنوانه «الرد على الوهابية»، ودسّ فيه ما يبغي من الدعاية الرافضية وإثبات الخرافات القبورية.2
ونقول: قد ظهر للملأ أنّ الشيخ رشيد القلموني الوهابي المملوء تعصّباً ونصباً لم يأت في رد «الحصون المنيعة» و «كشف الارتياب» بدليل ولا شبه دليل ولم يسلك في ذلك طريقة أهل العلم من دحض الحجّة بالحجّة، واقتصر على الشتم والسباب والنبز بالألقاب، والمواربة والمخادعة وقلب الحقائق، وعاد في هذه الأيام إلى ما هو شر ممّا كتبه سابقاً في مجلّته، لأنّ حرية الطعن والتفريق كانت ولم تزل واسعة له في ظل الدولة البريطانية الّتي لولاها ما عاشت مجلته إلى اليوم، فنشر رسالة صديقه وقرينه محمود شكري الآلوسي المشتملة من الأكاذيب والأباطيل على

1 . الصف: 3 .
2 . لاحظ: السنة والشيعة:37، الرسالة الأُولى.

صفحه 60
الشيعة على ما لا تبرك عليه الإبل، لأنّنا رددنا على الوهابية الّذين هدموا قبور أئمتنا وعظماء المسلمين، وعارضوا حرية المذاهب في الأُمور الاجتهادية، وذمّونا بأقبح الذم في كتبهم الّتي طبعها ونشرها لهم كما نقلناه في «كشف الإرتياب» ولم نسلم من شر تعصبه هذه المرة كما لم نسلم من ذلك في المرة الأُولى فكتبنا عنده كتب طعن وتفريق في ظل الدولة الفرنسية، وكتاباته المشار اليها مدح وتأليف، فاحكموا وانصفوا أيّها المنصفون ولا شيء أعجب من إرادته، المخادعة بقوله: «جعل عنوانه الرد على الوهابية ودسّ فيه ما يبغي من الدعاية الرافضية»، وقد علم كلّ مَن رأى كتابنا أنّه ليس فيه شيء ممّا زعم، وأنّه خالص محض للرد على الوهابية، وهذا نظير زعمه في «الحصون المنيعة» كما مرّ (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ).1
وأمّا قوله: «وإثبات الخرافات القبورية» فكشف الارتياب كاف في كشف الريب عنها.
قال: والطعن في صاحب المنار لا فيما نشره ممّا يخالف مذهبه وتقاليده فقط، بل طعن في شخصه ونقل ما كتبه شاب ايراني فرمسوني متعصّب للدولة الإيرانية ولمذهبها ; لأنّه مذهبها! في بعض الجرائد من الطعن الشخصي فيه والافتراء عليه(بضد الواقع)، لا سيّما في مسألة الشريف حسين وأولاده بأنّنا كنّا نمدح الشريف ثم ذممناه، وهذا كذب كما يعلمه المطّلعون على المنار كزعمه أنّ فيصلاً عيّن صاحبه رئيساً للمؤتمر السوري، والحال أنّ المؤتمر انتخبه انتخاباً، وما

1 . الأنفال: 30 .

صفحه 61
كان لفيصل أن يعيّنه تعييناً.1
أمّا قوله: «مذهبه وتقاليده» فليس عندنا تقاليد والحمد لله، بل مذهبنا مذهب أهل البيت الّذين قولهم وحديثهم: (روى جدنا عن جبرئيل عن الباري).
وأمّا دعواه الطعن في شخصه بنقل ما كتبه شاب إيراني الخ، فالشاب الإيراني لم يبتدئه بطعن، وإنّما طعن هو في الدولة الإيرانية والأُمّة الإيرانية ومذهبها، فقام هذا الشاب يدافع عن دولته وأُمّته ومذهبه، وأمّا أنّه فرمسوني فحسابه على ربه لا عليه، ولا يزيد استشهادنا بكلام ذلك الإيراني على استشهاده واستدلاله بكلام أمين الريحاني في آخر مقالاته (الوهابيون والحجاز) .
أمّا تعصّبه للدولة الإيرانية فلا يلام عليه كتعصّبه هو للدولة الوهابية وأمّا تعصبه لمذهبها لأنّه مذهبها فالله أعلم بسريرته، كما أنّه هو متعصّب لمذهب الوهابية لأنّه مذهبه، لالأنّه مذهبها والله أعلم بسريرته والمطلع على نيته .
وأمّا أنّه افترى عليه في أنّه كان يمدح الشريف ثم ذمّه فقد أجابه الشاب الإيراني عن ذلك فيما نقلناه في «كشف الارتياب»2 وعيّن له

1 . لاحظ: السنة والشيعة:37، الرسالة الأُولى.
2 . قال السيد في هامش كتابه «كشف الارتياب»: لا بأس بذكر بعض ما كتبه أحد الأفاضل الإيرانيّين في مصر في جريدة «المقطم» في عددها الصادر في 22 شوال سنة 1344 هـ ، جواباً لصاحب المنار على كلامه هذا بعنوان: «إثارة الفتن بين المسلمين من هم موقدو نارها»،... وقد أورد في مقاله هذا الكثير من الفجائع الّتي قام بها الوهابيون.
وعاد الشيخ رشيد رضا فكتب في مجلة: «كوكب الشرق» في عددها الصادر في 23 ذي القعدة سنة 1344 هـ ، مقالاً طويلاً رداً على هذا الأديب الفاضل بعنوان: «الفتنة بين المسلمين، إيقاظ حزب الشريف حسين والشيعة لها». ثم أجابه الفاضل الإيراني مرّة أُخرى وتحت نفس العنوان في جريدة «المقطم» في عددها الصادر في 9 ذي الحجة سنة 1344 هـ .
وللاطّلاع على هذه الرسائل يراجع: «كشف الارتياب: 57 ـ 61».

صفحه 62
مجلدات المنار وأجزاءه وصفحاته الّتي وقع المدح فيها فما تفيد إعادة تكذيبه له وقد برهن له على صدقه.
أمّا قوله: «انّ فيصلاً لم يعيّنه رئيساً للمؤتمر السوري ولم يكن له أن يعيّنه ولكنّه انتخب انتخاباً» فليس ذلك من الأُمور الجوهرية الّتي توجب أن يهتم لها كلّ هذا الاهتمام، سواء عيّنه الملك فيصل أو انتخبه المؤتمر الّذي لا يصدر إلاّ عن رأيه والّذي كان كما قال الشنفري:
تجمعن من شتى إليه وضمّها *** كما ضمّ ازواد الأضاميم منهل
فلم تطل مدّة الأُستاذ في تلك الرئاسة الوهمية ولم تحصل الأُمّة منها على طائل غير قبضه الراتب .
مات المداوي والمداوى والذي *** وصف الدواء وباعه ومن اشترى

[ أهل السنّة يطالبون صاحب المنار بالردّ على كتاب «ردّ على الوهابية» ]

قال: طالبني بعض أهل السنّة بالردّ على هذا الكتاب، وقد تصفّحت أهم مسائل أبوابه في زهاء ثلاث ساعات فرأيت فيها من الكذب في النقل والاقتصار منه على ما يوافق هوى مؤلفه، ومن الدعاوي الباطلة والكلم المحرّف عن مواضعه وتأويل النصوص القطعية، ما يبخل الحريص على وقته أن يقرأه كلّه، فكيف يضيّعه

صفحه 63
في الردّ على كلّ ما فيه من الباطل .1
أقول: وحيث اقتصر على مجرّد التهويل والشتم والسباب ولم يأت بما يدلّ على مدّعياته فلا كلام لنا معه ونصون لساننا وقلمنا عن مقابلته بمثل كلامه، ولقد كنّا نبخل بوقتنا النفيس أن نضيّعه في الكلام على إباطيله لولا الضرورة. والّذي طالبه بذلك هو بعض الوهابية لا بعض أهل السنّة كما لا يخفى، ولكن عنده أنّ أهل السنّة منحصرون في الوهابية .
قال: ولكن في نشر هذا الكتاب ضرراً عظيماً وإفساداً كبيراً لعقائد المسلمين كافّة وعقائد أهل السنّة خاصة، لما فيه من الشبهات الكثيرة الصادرة في صورة الأدّلة على عبادة موتى الصالحين بالدعاء وغيره وتحريف نصوص القرآن في ذلك، كقوله تعالى: (فَلاَ تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ)2، وقوله تعالى:(إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ)3، وقوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ)4، أي الّذين يدعونهم يبتغي الوسيلة أقربهم إلى الله كعيسى والملائكة فكيف من دونهم .
وهنا أيضاً اقتصر على مجرد التهويل ودعوى التأويل ولم يأت على ذلك بدليل :
والدعاوي ما لم تقيموا عليها *** بينات أبناؤها أدعياء

1 . السنة والشيعة:38، الرسالة الأُولى.
2 . الشعراء: 213.
3 . الأعراف: 194.
4 . الإسراء: 57 .

صفحه 64

[ صاحب المنار يتهم الأمين بردّ الأحاديث الصحيحة ]

قال: كما أنّه يرد بعض الأحاديث الصحيحة الواردة في ذلك لأنّها من رواية أهل السنّة أو يحرّفها بالتأويل.
وهذا كذب منه وافتراء فلم نستدل في «كشف الارتياب» بغير روايات أهل السنّة ولم نرد حديثاً لأنّه من رواية أهل السنّة، بل لأنّ حفّاظ أهل السنّة طعنوا في سنده، ونعتمد في ذلك غالباً على «تهذيب التهذيب» للحافظ ابن حجر فليذكر لنا أي حديث رددناه لأنّه من رواية أهل السنّة إن كان من الصادقين؟! أو أي حديث حرّفناه بالتأويل؟! وما مراده إلاّ مجرد التهويل؟!

[ صاحب المنار يتّهم الشيعة بالبدع الخرافية والاتّكال على الموتى ]

قال: وما أضعف المسلمين في دينهم ودنياهم كالإتّكال على الميتين، وادّعى توافق أئمة أهل البيت وأئمة المذاهب الأربعة والروايات على منع ما سمّاه البدع الخرافية قال: كما يعلم من مناظرة العالمين الشيعي والسلفي المستقل المنشور في م 28 من المنار .
ونقول: لولا الاتّكال على الميتين وطلب شفاعتهم الّذي يجعله الوهابية شركاً وكفراً ما شرب المسلمون الخمر، ولا فعلوا المعاصي، ولا أقدم الكماليون على إبدال الحروف العربية باللاتينية، ولا دعا ملوك الإسلام إلى تقليد الأوربيين في كلّ شيء، ولا غلبت الدولة العثمانية الإسلامية، وستعود المياه إلى مجاريها بفضل منع الوهابية والشيخ رشيد الاتكال على الميتين.

صفحه 65
(أمّا) المناظرة المشار إليها فلم نطّلع عليها لنبدي رأينا فيها.

[ الشيعة والوحدة الإسلامية ]

قال: ومثال ما يضرّ أهل السنّة وحدهم ما صوّره الرافضي المتعصّب في رسالته وكتابه لهم من أنّ أُصول الدين والفقه عند الشيعة وأهل السنّة واحدة، وإنّما يمتاز الشيعة بموالاة أهل البيت واتّباعهم وهم مسلمون يقرّون لله بالوحدانية ولنبيه بالرسالة ويلتزمون بجميع ما جاء به من عند ربه ممّا اتفق عليه جميع المسلمين، ويرجعون فيما اختلفوا فيه إلى أقوال الأئمة الّذين إن لم يكونوا فوق الأئمة الأربعة وفوق ابن عبدالوهاب في العلم فليسوا دونهم.
(وقال) في الحاشية معلّقاً على قولنا ممّا اتّفق عليه جميع المسلمين ما لفظه: يستثنى المؤلف بهذا القيد ما انفرد بروايته عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) حفّاظ السنّة كمالك وأحمد والبخاري ومسلم وأصحاب السنن وهل لسنته (صلى الله عليه وآله وسلم) حفّاظ غيرهم. انتهى.
ونقول: إنّ ما صوّره هذا الرجل الّذي أعمى التعصّب قلبه وأراد به إيقاد نار الفتنة لا يجديه شيئاً، نحن نقول ما اتّفق عليه المسلمون فنحن وإخواننا أهل السنّة فيه سواء، وما اختلفوا فيه من الفروع النادرة نحن نرجع فيه إلى أئمة أهل البيت وهم يرجعون إلى الأئمة الأربعة، وكلّ منّا معذور، وغير خفي أنّ ما خالف أقوال الأئمة الأربعة كلّهم من أقوال أئمة أهل البيت أندر من النادر، وإلاّ فأقوالهم غالباً إن لم توافق واحداً من أئمة المذاهب وافقت الآخر، وليس كلامنا في الرواية بل في أقوال الأئمة الأربعة، وهو يفسّر كلامنا بما لم نقصده ولا يدلّ عليه وهو أنّنا نستثني بذلك ما انفرد بروايته حفّاظ السنّة وليس في كلامنا ذكر للرواية أو مناسبة حتّى يحمل

صفحه 66
عليها، ولكنّه لما لم يجد في كلامنا مغمزاً لدسائسه عمد إلى حمله على ما لا يدلّ عليه ; وبعد فإنا نقول له. أنت تقول عن نفسك إنّك مستقل، أي مجتهد، لا تتقيّد بمذهب من المذاهب، وتفتخر بذلك وتقول: إنّك تأخذ الأحكام من الكتاب والسنّة، ولو خالفت جميع المذاهب فكيف تشنّع علينا بأخذ ما خالف المذاهب الأربعة من أئمتنا.
لا تنه عن خلق وتأتي مثله *** عار عليك إذا فعلت عظيم
ثم إذا نسألك: هل قال أحد من علماء أهل السنّة إنّ جميع ما في الصحاح الأربعة وكتب السنن صحيح يجب العمل به؟! إذاً فلماذا وضعت كتب الرجال؟! ولماذا يرد العلماء جملة من الأحاديث بضعف السند؟! وماذا تفعل بالأحاديث المتعارضة؟!
ثم ذكر أنّنا ذكرنا في «الحصون المنيعة» أنّ المسلمين كانوا في أوّل الإسلام فرقة واحدة فلمّا قتل الخليفة الثالث وبويع الخليفة الرابع لم يجد أعداؤه وسيلة إلى هدم خلافته أقوى من نسبة قتل الخليفة الثالث إليه، وتهيّأ لهم بما دبّروه من الحيلة أن يقسموا المسلمين إلى علوية وعثمانية، وأنّ أهل البيت كانوا يخفون علومهم ثم أظهروها في آخر ملك بني أُمية وأوّل ملك بني العباس لقلّة الضغط، ثم صار المنتسبون إلى أهل البيت يعرفون بالشيعة وغيرهم بالسنّة، ونسخ اسم العلوية والعثمانية.
وهنا وجد مجالاً للطعن فقال: إنّ هذا التفصيل هو غير الحق وهو صريح في أن أعداء أهل البيت الّذين كانوا يُسمّون العثمانية هم الّذين صاروا يُسمّون أهل السنّة، وزعم أنّنا طعنّا بهذا القول في أهل السنّة، وكلا فإنّنا لم نقل إنّ العثمانية هم الّذين صاروا يُسمّون أهل السنّة والعلوية هم

صفحه 67
الّذين صاروا يُسمّون الشيعة، بل مرادنا أنّ اسم العلوية والعثمانية بطل ونسخ، ولم يعد له وجود لارتفاع مسمّاه بذهاب دولة بني أُمية وحدث في المسلمين فرقتان غيرهما هما أهل السنّة والشيعة، ولا يمكن أن يتوهّم أحد غير ذلك، كيف والمسلمون جميعاً بعد عصر بني أُمية اتّفقوا على حب علي بن أبي طالب عدا الخوارج .
وزعم أنّنا نريد بذلك أن نخدع مسلمي هذا العصر بجذبهم إلى التشيّع لعلمنا بأنّهم يحبون أهل البيت جميعهم الحب الصحيح المعتدل وبعضهم يغلو فيهم كلّهم كما يغلو الشيعة في بعضهم.

[ الشيعة والغلوّ في حبّ أهل البيت(عليهم السلام) ]

قال: كما دافع هو والشاب الإيراني عمّن انتقدنا عليهم بثّ نزعة التشيّع من الحضارمة وجعلهم من الروافض مثله بأنّهم لا يدعون إلى مذهب الإمامية ولا الزيدية، بل يقولون إنّهم شافعية سنّية، وإنّما يدعون إلى الغلو في تعظيم العلويّين والخرافات، ونحن إنّما انتقدناهم غيرة عليهم وعلى الدين الصحيح .
(ونقول): قد ترك الخداع من كشف القناع، نحن لا نريد أن نخدع أحداً، ولا جرت لنا عادة بذلك كما يفعل هو ويريد خدع المسلمين بجذبهم إلى النصب والتوهّب .
(وأمّا زعمه) غلو الشيعة وبعض أهل السنّة في حب أهل البيت جميعهم أو بعضهم واعتدال البعض (فكلّ يدّعي وصلاً بليلى) والمقام لا يتسع لبيان أنّ الشيعة الإمامية والزيدية وأمثالهم لا يغلو أحد منهم في حب أهل البيت الّذين جعل الله مودتهم أجر الرسالة، وجعلهم أحد الثقلين

صفحه 68
اللّذين لا يضل من تمسّك بهما أبداً، وإنّ ما يُسمّيه اعتدالاً في حّبهم ربّما يكون تقصيراً وما نُسمّيه غلوّاً هو اعتدال .
وأمّا مدافعتنا نحن والشاب الإيراني عن السادة الحضارمة 1 الّذين قال عنهم الشيخ رشيد في جريدة كوكب الشرق كما نقلناه في «كشف الارتياب» إنّهم دعاة التشيّع، وأنّهم فرّقوا كلمة المسلمين، وأنّهم يسعون في صد الناس عن سبيل الله بالامتناع من أداء فريضة الحج، وأعاد شتمهم اليوم بأنّهم يبثّون نزعة التشيع بين الحضارمة ليجعلوهم روافض مثلنا، وأنّهم يدعون إلى الغلو في تعظيم العلويّين والخرافات، وعن أهل جزائر الهند الشرقية الملاوية الّذين وصفهم بأنّهم دعاة الرفض والشقاق فقد كانت مدافعة بالحقّ ونصرة للحقّ.
أمّا ذمّه لهم بالصدّ عن سبيل الله وعن أداء فريضة الحج وغيره ممّا سبق فلم يكن المراد منه إلاّ ما هو معلوم من فوات المنافع المالية المستفادة من الحجاج عليه وعلى الوهابية باسم الغيرة على ترك فريضة الحج، وكيف انتقد عليهم بثّ ما سمّاه نزغة التشيع بين الحضارمة والدعوة إلى موالاة أجدادهم أهل البيت الطاهر الّذي سمّاه رفضاً واجتهد هو في بث نزغة التوهّب بين المسلمين، ولم يكن لأحد أن ينتقده في ذلك، وإذا كان السادة الحضارمة يقولون إنّهم شافعية سنّية فكيف استحقّوا عنده كلّ هذا الذم؟!
أمّا دعواه أنّهم يدعون إلى الغلو في تعظيم العلويّين والخرافات فدعوى مجردة عن الدليل؟!

1 . يعني أهل حضرموت في اليمن، ومفردها: الحضرمي.

صفحه 69
(وأمّا) دعواه أنّه إنّما انتقدهم غيرة عليهم وعلى الدين الصحيح، فلو كان صادقاً فيها لانتقدهم بالتي هي أحسن وبإقامة الدليل لا بسوء القول، ولعلّهم يرون أنّه أولى بالانتقاد منهم وأمّا الدين الصحيح :
فكلّ يدّعي وصلاً بليلى

[ الشيعة وصيانة القرآن من التحريف ]

قال: ثم ذكر هذا الداعية أُصول فقه أهل السنّة والشيعة إجمالا، وكثيراً من علماء الشيعة ومصنّفاتهم بما لا يخلو من بحث ونظر ووضّح أُصول الأحكام الدينية ومآخذ الأدلّة في كتابه الجديد فنشير إلى بعض الدسائس في كلامه لا للرد عليه فإن مثله لا يناظر ولكن ليعرف أهل السنّة دسائسه ولا يغتر غير الواقف على أُصول الدين منهم بكلامه الموهم.
ثم نقل قولنا في ص 82 من «كشف الارتياب»: الكتاب كلام الله المنزل على نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو قطعي لاتّفاق المسلمين كافّة على أنّ ما بين الدفّتين منزل منه تعالى قال: لكن رافضة الشيعة يزعمون أنّ ما بين الدفّتين ليس كلّ كلام الله تعالى، بل حذف منه الصحابة بعض الآيات وسورة الولاية، وينقلون عن أئمة أهل البيت أكاذيب في القرآن وتحريف الصحابة (رض) له لعلّها ممّا قال العاملي. إنّهم كانوا يكتمونه عن الناس، ويخصّون به الثقات من محبّيهم، ولبعض علماء القرن الماضي كتاب سمّاه «فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب» ينقل عن كتبهم وأئمتهم الأباطيل في ذلك ويقولون: إنّ القائم المنتظر، وهو عندهم محمد المهدي بن الحسن العسكري المختبئ منذ ألف ونيف في السرداب من بلدة سامرّاء سيظهر القرآن الصحيح التام، وقد ذكر في الكلام على السنّة أنّ البابية يحتجّون على

صفحه 70
ضلالتهم بخبر أنّ المهدي يأتي بأمر جديد، وقرآن جديد وهذا الخبر لا يوجد في كتب أحاديث أهل السنّة، فلابد أن يكون من أخبارهم وهو إنّما يخطّئ البابية في الاستدلال به على أنّ المهدي هو الباب لا في رواية الخبر نفسه ; لأنّه ذكر ذلك في سياق استدلال كلّ طائفة من الأخبار كالآيات على نحلتها لاحتمال الألفاظ لذلك بالتأويل الّذي هم فرسان ميدانه. انتهى.
(ونقول): أمّا إطلاقه علينا لفظ الداعية. فإنّنا نفتخر بالدعوة إلى مذهب أئمتنا وأهل بيت نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم)الّذي أمرنا بالتمسّك بهم وأعلمنا نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّهم مثل باب حطّة وسفينة نوح 1 كما يفتخر هو بأنّه داعية الوهابية .
أمّا دعواه الدسائس في كلامنا فليس فيه والحمد لله دسائس، والدسائس محور كلامه وسلاحه الوحيد فقد سمعت وتسمع أنّه في مقام الدفاع عن الوهابية يخلط معهم باقي أهل السنّة ويعرض عن الخلاف بين الوهابيّين وسائر المسلمين ويحصر كلامه في بعض النزاعات بين أهل السنّة والشيعة الّتي أكل الدهر عليها وشرب ولم يعد لها تأثير في هذا العصر، وشعر المسلمون كافة بوجوب طرحها ونبذها فأمامهم اليوم ما هو أحقّ منه بإلقاء النظر من فتح بلادهم والسعي المتواصل في هدم أساس دينهم من الطرق الّتي لا حاجة بنا إلى بيانها وليس يجهلها أحد.
أمّا قوله: «لا للرد عليه فإن مثله لا يناظر» الخ، فلا نقابله إلاّ بالتبسّم،

1 . عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: «إنّما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح مَن ركبها نجا، ومَن تخلّف عنها غرق، وإنّما مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطّة في بني إسرائيل من دخله غفر له». (لاحظ : مستدرك الحاكم: 2 / 343 و 473 ; مجمع الزوائد: 9 / 168; المعجم الأوسط للطبراني: 4 / 10 و 6 / 85 ; كنز العمال: 12 / 98 برقم 34170).

صفحه 71
فقد علم كلّ عارف ما هي قيمة هذه التهويلات والتبجّحات الفارغة، وأنّ الأولى أن لا يناظر من عدل عن طريقة أهل العلم من بيان الحجج والدلائل ورد خصمه بالدليل وبالتي هي أحسن إلى الشتم والسباب وسوء القول والنبز بالألقاب وبذاءة اللسان.
أمّا زعمه أنّ الشيعة يزعمون تحريف القرآن بالنقصان فنغمة قديمة كان قد ادّعاها صاحب رسالة البحرين الّتي نشرها له الشيخ رشيد في مجلّته بعد ما رأى «الحصون المنيعة» وعاد اليوم إليها وقد بيّنا في رسالة (الشيعة والمنار) ونبيّن الآن أنّ المحقّقين من علماء الشيعة والّذين يعتمد على أقوالهم متّفقون على أنّ القرآن الكريم هو ما بين الدفّتين بدون زيادة ولا نقصان .
قال الشيخ أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمّيّ المعروف بالصدوق في رسالته في اعتقادات الإمامية: باب الاعتقاد في القرآن: اعتقادنا في القرآن أنّه كلام الله ووحيه وتنزيله وقوله وكتابه، وأنّه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد .1
(ثم قال) باب الاعتقاد في مبلّغ القرآن: اعتقادنا أنّ القرآن الّذي أنزله الله تعالى على نبيه محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)هو ما بين الدفّتين، وهو ما في أيدي الناس، ليس بأكثر من ذلك... ومَن نسب إلينا أنّنا نقول إنّه أكثر من ذلك فهو كاذب، وما روي من ثواب قراءة كلّ سورة من القرآن، وثواب من ختم القرآن كله، وجواز قراءة سورتين في ركعة، والنهي عن القرآن بين سورتين في ركعة

1 . الاعتقادات في دين الإمامية: 83 .

صفحه 72
فريضة، تصديق لما قلناه في أمر القرآن وأنّ مبلغه ما في أيدي الناس. انتهى.1
ومراده بقوله: اعتقادنا ـ أي معشر الإمامية ـ وفي أوّل الرسالة: باب في صفة اعتقاد الإمامية في التوحيد: اعلم أنّ اعتقادنا في التوحيد الخ.2
وأمّا سورة الولاية فلم نسمع بها ولا رأينا لها ذكراً في غير كلامه، ولا عبرة بشاذ يروي خلاف ذلك، كصاحب فصل الخطاب مع إمكان أن يكون ذلك النقص المزعوم من قبيل التفسير، كما لا عبرة بكتاب طه حسين وكتاب الشيخ علي عبدالرزاق أحد قضاة مصر في هذا العصر وسلامة موسى وغيرهم على أنّ الآمدي الحنبلي ثم الشافعي العالم الأُصولي الفقيه المشهور ذكر في كتابه «الإحكام في أُصول الأحكام» أنّ في القرآن الكريم المنقول متواتراً والمنقول آحاداً وأنّ أبا حنيفة يحتجّ بالآحاد والشافعي لا يحتج به قال 3:
اتّفقوا على أنّ ما نقل إلينا من القرآن نقلاً متواتراً، وعلمنا أنّه من القرآن أنّه حجّة، واختلفوا فيما نقل إلينا منه آحاداً، كمصحف ابن مسعود وغيره، أنّه هل يكون حجّة أم لا؟! فنفاه الشافعي، وأثبته أبو حنيفة وبنى عليه وجوب التتابع في صوم اليمين بما نقله ابن مسعود في مصحفه من قوله: فصيام ثلاثة أيام متتابعات .

1 . الاعتقادات في دين الإمامية: 84 .
2 . الاعتقادات في دين الإمامية: 21 .
3 . الإحكام: 229 طبعة مصر، 1332هـ ; وفي الطبعة المحقّقة: 1 / 160، تحقيق عبدالرزاق عفيفي، المكتب الإسلامي ـ 1402 هـ .

صفحه 73
ثم ذكر 1 أنّ مصاحف الصحابة اختلفت، وأنّ ابن مسعود أنكر كون الفاتحة والمعوذتين من القرآن.
ثم أجاب 2 عن اختلاف المصاحف بأنّ ما كان من الآحاد فليس من القرآن، وما كان متواتراً فهو منه، وعن إنكار ابن مسعود بهذه السور بأنّه لم يكن لإنزالها على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بل لإجرائها مجرى القرآن في حكمه، وحكى أيضاً الاختلاف في كون البسملة آية من السور أو لا. انتهى .3

[ عقيدة الشيعة في المهدي المنتظر (عجل الله تعالى فرجه) ]

أمّا المهدي المنتظر فاتّفق المسلمون كافّة على أنّه لابدّ منه، ولكنّه هو أنكر في بعض أجزاء مجلّته الّتي كانت تصدر قبل الدستور العثماني ظهور المهدي الموعود به، وخالف إجماع المسلمين، وادّعى أنّ الروايات الواردة في ذلك في كتب أهل السنّة رجالها من الشيعة، وضعّف أسانيدها، ولست أتذكر الآن الجزء الّذي فيه هذا الكلام، وإنّما اختلف المسلمون في أنّه ولد أو سيولد، فقالت طائفة منهم: إنّه ولد وإنّه حيّ موجود في الأمصار غائب عن الأبصار لحكمة آلهية اقتضت ذلك، وإنّه يخرج في آخر الزمان

1 . الإحكام: 230 ; وفي الطبعة المحقّقة: 1 / 161، تحقيق عبدالرزاق عفيفي، المكتب الإسلامي ـ 1402 هـ .
2 . الإحكام:1/162، تحقيق عبدالرزاق عفيفي، طبعة المكتب الإسلامي ـ 1402 هـ .
3 . ذكر مؤلف كتاب: «النصّ الخالد، لم ولن يُحرّف أبداً» أقوال علماء الشيعة في مختلف القرون حول صيانة القرآن من التحريف وبلغ عدد ما ذكر 114 نصاً من المتقدمين والمتأخرين والمعاصرين. كما أنّه ذكر ما صدر من علماء السنّة دفاعاً عن الشيعة في القول بنفي تحريف القرآن، فبلغ 21 نصّاً: (لاحظ : النص الخالد لم ولن يُحرف أبداً للسيد علي الموسوي الدارابي، طبع مجمع البحوث الإسلامية في العتبة الرضوية المقدسة، مشهد، 1433 هـ).

صفحه 74
فيملأها قسطاً وعدلا كما ملئت ظلماً وجوراً، وإنّه لا امتناع ولا استبعاد في طول حياته لوجود نظيره في عيسى والخضر وإلياس وأهل الكهف من الصالحين، والدجّال من الطالحين، وقد أبقى الله تعالى بقدرته طعام عزير مائة سنة لم يتسنّه ولم يتغيّر .
والقائلون بهذا القول هم الإمامية الاثنا عشرية، وجملة من علماء أهل السنّة، كالشيخ محيي الدين ابن العربي في «الفتوحات المكية» والشيخ عبدالوهاب الشعراني في «اليواقيت والجواهر»، ومحمد بن طلحة الشافعي في «مطالب السؤول»، ومحمد بن يوسف الكنجي الشافعي في كتاب «البيان في أخبار صاحب الزمان»، وابن الصبّاغ المالكي في «الفصول المهمة»، وسبط ابن الجوزي الحنفي في «تذكرة الخواص»، وعبدالرحمن الجامي الحنفي شارح الكافية في «شواهد النبوة»، والسيد جمال الدين في «روضة الأحباب»، والحافظ محمد بن محمد بن محمود البخاري المعروف بخواجه پارسه في «فصل الخطاب»، والعارف عبدالرحمن من مشائخ الصوفية في «مرآة الأسرار»، والشيخ حسن العراقي والبلاذري في الحديث المسلسل، وابن الخشاب في «تواريخ الأئمة»، وغيرهم كما فصّلناه في أواخر الجزء الخامس من (المجالس السنية)، وفي رسالة (البرهان على وجود صاحب الزمان).1
محسن الأمين2

1 . لاحظ : المجالس السنية: 5 / 512، المجلس الرابع من مجالس أحوال المهدي صاحب الزمان (عجل الله تعالى فرجه).
2 . مجلة العرفان: المجلد 18 ج 3 / 371 ـ 379، بيروت، جمادى الأُولى 1348 هـ الموافق لـ : تشرين الأوّل 1929 م .

صفحه 75
 
دعايات فارغة حول عقائد الشيعة   

المقال الثالث

[ دعايات فارغة حول عقائد الشيعة ]

المهدي المنتظر وعد الله به الأُمم ـ المهدي يعيش عيشة طبيعية طيبة وليس بمختبئ في السرداب ـ السرداب مكان عبادته هو وآبائه ـ تنزيه علماء الشيعة عن الاحتجاج بالتأويل ـ الشيعة يحتجون بالسيرة العملية للمسلمين ـ اتهام الشيعة بالقول بارتداد الصحابة ـ مجاراة الإمام(عليه السلام) مع أصحاب الخلافة كان من أجل مصلحة عامّة لا عن خوف منهم حتى يقال: إنّه كان أشجع الناس... ـ عدم ترضي الشيعة عن عامة الصحابة لدليل قرآني ـ الإمامية ونظرية الشورى ـ الشيعة ومخالفتهم لمؤسس الدولة الوهابية هادم الآثار الإسلامية ـ صاحب المنار يجرح بيد ويداوي بالأُخرى ـ كتاب الآلوسي إلى صاحب كتاب «النصائح الكافية لمن يتولى معاوية».
وقال أكثر علماء أهل السنّة بأنّه لم يولد بعد وأنّه سيولد.
(أمّا زعمه) أنّ الشيعة يقولون بأنّه مختبئ في السرداب من بلدة

صفحه 76
سامراء، فزعم باطل وتوهّم فاسد، فالشيعة لا تقول بوجوده في السرداب، وإنّما يتبرّكون بالسرداب الّذي كان في دار أبيه وجده، فسكنه ثلاثة من أئمة أهل البيت الطاهر تبرّكاً بآثار أهل بيت النبوة، ويصلّون لربّهم فيه ويدعونه .
وأمّا أنّه يظهر القرآن التام، فقد عرفت أنّ المحقّقين ومن يعتد بأقوالهم من علماء الشيعة متّفقون على أنّ القرآن هو ما بين الدفّتين بدون زيادة ولا نقصان، وإنّما المهدي يلزم الناس بالعمل بما فيه .
(وأمّا) استنباطه من قولنا: «إنّ البابية يحتجّون على ضلالتهم بخبر أنّ المهدي يأتي بأمر جديد وقرآن جديد، إنّنا نصحّح ذلك الخبر وإنّنا نخطّئهم في الاستدلال به لا في روايته»، فاستنباط غريب، فإذا كنّا لم نتعرّض لتخطئتهم في روايته; لأنّه لا يتعلّق لنا غرض بذلك، ولسنا بصدد البحث عن أسانيد الأخبار، أفيدل هذا على أنّنا نصوّبهم فيها؟! ما هو وجه الدلالة وما هي الملازمة؟!
(وأمّا قوله) بالتأويل الّذي هم فرسان ميدانه فحاش لله أن يحتجّ علماء الشيعة بغير النص والظاهر ويستندوا إلى المأوّل، كما تنادي به كتبهم في أُصول الفقه وفروعه، وكمّا أوضحناه في مقدّمات «كشف الارتياب» ولكن هذا الرجل أبى له التعصّب الّذي هو فارس ميدانه إلاّ أن يرمي العلماء بما هم منه براء.

[ الشيعة وعصمة أهل البيت(عليهم السلام) ]

قال: إنّنا عرّفنا السنّة بأنّها قول المعصوم أو فعله (وتقريره) (ثم قال): ويتوهّم مَن لا يعرف عقائدهم إنّ هذا التعريف موافق لما عليه علماء أُصول الفقه من أهل

صفحه 77
السنّة أنّها أقوال سيدنا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وأفعاله وتقريراته بناء على اعتقادهم أنّه هو المعصوم في هذه الأُمّة، ولكنّ الشيعة يقولون بعصمة أهل البيت، ويقولون بأنّ العصر لا يخلو من معصوم.
ونقول: إنّ هذه فائدة عظيمة أفادها صاحب المنار في بيان عقائد الشيعة وضحّ بها الواضحات، وزعم عدم موافقة التعريف لما عليه من أهل السنّة، والحال أنّه لا نزاع بين الأُصوليين من أهل السنّة والشيعة في أنّ هذا تعريف السنّة إنّما الشيعة لقولهم بعصمة الأئمة الاثني عشر أحد الثقلين يجعلون أقوالهم من جملة السنّة، فسواء أخطأوا في ذلك أو أصابوا لا يكون هذا خلافاً في تعريف السنّة، وأدلّتهم وحججهم على عصمة أئمتهم معروفة مشهورة.

[ الشيعة والسيرة العملية للمسلمين ]

قال: وليعلم القرّاء أنّ السنّة المرادة بقول العلماء (أهل السنّة والجماعة) في مقابلة أهل البدع كالروافض والجهمية هي السيرة العملية الّتي كان عليها المسلمون في عصر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وصدر الإسلام قبل ظهور البدع، ومنه قول علي كرم الله وجهه لابن عباس رضي الله عنهم حين أرسله لمحاجة الخوارج: إحملهم على السنّة فإنّ القرآن ذو وجوه، يعني: أنّهم يتأوّلونه بغير المراد منه، وأمّا السنّة بمعنى السيرة العملية فلا يمكن تأويلها ولكن الشيعة لا يحتجّون بها.
ونقول: عدّه شيعة أهل البيت الطاهر المقتدين بأهل بيت نبيّهم أحد الثقلين والّذين قولهم وحديثهم (روى جدّنا عن جبرائيل عن الباري) من أهل البدع ونبزهم بالرافضة من جملة بدعه وتعصّباته وقذفه بالباطل، وما

صفحه 78
أحسن ما قاله الصاحب بن عباد كما أورده في «معاهد التنصيص» :
حب علي بن أبي طالب *** هو الّذي يفضي إلى الجنة
إن كان تفضيلي له بدعة *** فليت شعري ما هي السّنة؟
وأمّا قوله: «قبل ظهور البدع» فهو إشارة إلى ما يعتقده قومه الوهابية من أنّ المسلمين من عهد بعيد وبعضهم يقول: إنّه من القرن الخامس إلى اليوم صاروا مبدعين في الدين، بل مشركين فأهل البدع عنده لا يختصّون بالروافض والجهمية بل يعمُّون جميع المسلمين عدا الوهابية فهم اليوم أهل السنّة والجماعة دون غيرهم .
(وأمّا قوله): «إنّ الشيعة لا يحتجّون بالسيرة العملية» فباطل لما بيّناه في «كشف الارتياب» من أنّها عندهم حجّة وأنّها أقوى من الإجماع، بل الّذين لا يعملون بها هم الوهابية فإنّهم حرّموا البناء على القبور وتعظيمها والتبرّك بها وجعلوه كفراً وشركاً مع دفن الصحابة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)في حجرة مبنية وتتابعهم في بنائها وتعظيمها والتبرّك بها وبقبره الشريف وتعظيمه من عهد الصحابة إلى اليوم، وقد قال الصنعاني أحد أئمتهم فيما نقلناه في «كشف الارتياب» عن رسالته «تطهير الاعتقاد»: إنّ الحق ما قام عليه الدليل لا ما تتابع فيه الناس جيلا بعد جيل. انتهى.1

[ الشيعة ومسألة الإمامة والتقيّة ]

قال: من أُصول الدين المهمّة عند الشيعة مسألة الإمامة العظمى، ويزعمون

1 . كشف الارتياب: 289، تحقيق حسن الأمين، مكتبة الحرمين.

صفحه 79
أنّ ثبوتها بالنصّ، وأنّ جمهور الصحابة عصوا نبيّهم فجعلوها باختيار أهل الحلّ والعقد، بل صرّح بعض علمائهم بأنّ جمهورهم ارتدّوا عن الإسلام، وأنّ علياً لم يبايع إلاّ تقية. (قال:) وحاشا بطل الإسلام أشجع الشجعان وأزهد الزهاد من هذا النفاق المسمّى بالتقية.
ونقول: هذه المباحث وجلّ ما في كلامه لا ترتبط بالموضوع الّذي ألّف لأجله «كشف الارتياب» من دفع شبهات الوهابية وإنّما ذكرها لضيق الخناق إثارة للفتن وإيغاراً للصدور، وهو يدّعي أنّ من أهم مقاصده التأليف بين المسلمين!!
سواء كانت الإمامة العظمى ثابتة بالنص أو باختيار الأُمّة، فليس عند المسلمين اليوم الإمامة العظمى ولاالخلافة الكبرى، قد فتحت بلادهم، وملكت ديارهم، وجاء الوهابيون يهدمون قبور أنبيائهم وأوليائهم ويمنعونهم الحرية الشخصية في الأُمور الاجتهادية، وقام هذا الرجل يثير الضغائن وينبش الدفائن، ويوقد نار الفتنة بينهم، ويعيد ذكرى أُمور أكل الدهر عليها وشرب ويتقضبها اقتضاباً لغير مناسبة، بل لمجرّد التشفّي، ويدّعي مع ذلك الإصلاح والتأليف بين المسلمين.
الشيعة يقولون: إنّ الإمامة بالنصّ، ولهم على ذلك حجج ودلائل مذكورة في محالّها قد عرفها الخاص والعام.
ولا يتحاشون في تفضيل علي وأهل البيت بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)على غيرهم، وأنّه أحقّ بالخلافة والإمامة، وأدلّتهم وحججهم على ذلك مشهورة معروفة، وسواء أصابوا في ذلك أو أخطأوا، لايلصق ذلك بهم ذمّاً ولا عيباً كما يرومه.

صفحه 80
(أمّا) ما لا يزال يفزع إليه هو وأمثاله عند كلّ نازلة من الموضة القديمة، وهي نسبة الشيعة إلى تخطئة الصحابة في تأخيرهم عليّاً في الخلافة ومغالاة بعضهم بنسبة بعض الشيعة إلى القول بارتداد الصحابة، فالخطأ لا يقول أحد بعصمة الصحابي منه، وهو قريباً قد نعى على الشيعة قولهم بعصمة أهل البيت وقال: إنّه لا عصمة عند أهل السنّة لغير الأنبياء، وأمّا الارتداد فحاش لله أن يتوهّم أحد من الشيعة ذلك فضلاً عن أن يقول به والحال انّه مخالف للحسّ والوجدان.
(أمّا قوله): «وحاشا بطل الإسلام الخ»، فهو من الكلام الشعري الّذي لا يزال أمثاله يموّهون به مع اعتقادهم أنّه غير صحيح.
فإنّه كما قال بعض أعاظم العلماء: لم يكن أشجع من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا مساوياً له في الشجاعة، وقد خرج من بيته واختفى في الغار ثلاثاً خوفاً من قريش، وقبل بصلح الحديبية المجحف مكرهاً، ولا من باقي الأنبياء ـ صلوات الله عليهم أجمعين ـ :
لا من نوح وقد قال: (فَدَعَا رَبَّهُ إنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ).1
ولا من إبراهيم الّذي قال: (وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَأَدْعُوا رَبِّي).2
ولا من لوط الّذي قال : ( لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْن
شَدِيد
).3

1 . القمر: 10 .
2 . مريم: 48 .
3 . هود: 80 .

صفحه 81
ولا من يوسف الّذي قال: (رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ).1
ولا من موسى الّذي أخبر الله عنه بقوله: (فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةَ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ )2، (فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ )3، (رَبِّ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي).4
ولا من هارون حيث يقول: (قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي).5
(وإذا) أخبر الله تعالى عن موسى أنّه أصبح في المدينة خائفاً يترقّب لقتل رجل قبطي وهاب العود إليهم بعد طول المدة فقال: (وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونَ)6، أفلا يجوز أن يخاف علي ممّن قتل آباءهم وأبناءهم وإخوانهم وأقرباءهم، والعهد قريب والجرح لما يندمل .
حقّاً أنّ بقاء علي (عليه السلام)حيّاً بين ظهرانيهم لم تقتله الجن، ولم يأكل أعداؤه لحمه نهشاً بأسنانهم من أكبر معجزات أخيه (صلى الله عليه وآله وسلم). انتهى ملخصّاً.7
وأمّا تسميته التقية نفاقاً فهو يرد بذلك على الله تعالى الّذي يقول:

1 . يوسف: 33 .
2 . القصص: 18 .
3 . الشعراء: 21 .
4 . المائدة: 25 .
5 . الأعراف: 50 .
6 . الشعراء: 14 .
7 . لاحظ تقوية الإيمان للسيد محمد بن عقيل العلوي (المتوفّى 1350 هـ): 66 .

صفحه 82
(إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً).1
(إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ).2
(وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ). 3 إلى غير ذلك.

[ الشيعة والترضّي على الصحابة ]

قال: وأنت ترى هذا الرافضي وأمثاله من غلاة الشيعة لا يطلقون الترضّي عن الصحابة، بل يقيّدونه بمثل قوله في أوّل كتابه وصلى الله على سيدنا محمد وآله وخيار أصحابه وسلم، ويعني بخيار أصحابه شيعة علي كسلمان وعمار والمقداد .
[ أقول] وأنت ترى هذا الناصبي وأمثاله من غلاة الناصبة لا يفتأون ينصبون العداء لأتباع أهل البيت الطاهر، ويتوسّلون إلى القدح فيهم بكلّ وسيلة، وعند سنوح كلّ فرصة ليثيروا الفتن ويوقعوا الفساد بين المسلمين.
إنّنا لا نطلق الترضّي عمّن كان يسبّ خيار الصحابة كأخي رسول الله ووصيه وابن عمه وصهره ووارث علمه وسبطيه الحسنين وحبر الأُمة ابن عباس كمروان بن الحكم وأبيه طريد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وأمثالهم ولا نقول: إنّ مجرّد الولادة في عصره (صلى الله عليه وآله وسلم)ورؤيته الّتي جعلوها مداراً لصدق اسم الصحبة كافية في الصلاح والعدالة، والله تعالى يقول لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم): (وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ).4

1 . آل عمران: 28 .
2 . النحل: 106 .
3 . غافر: 28 .
4 . التوبة: 101 .

صفحه 83
فليقل هذا الإنسان ما شاء، وليشنع ما شاء، وليكد كيده وليفسد جهده، فإنّ الله لا يصلح عمل المفسدين.
أمّا قوله: ويعني بخيار أصحابه شيعة علي كفلان وفلان فتخرّص على الغيب وقول بغير علم، ولا يطّلع على ما في الضمائر غير الله تعالى.

[ الشيعة ونظرية الشورى ]

قال: من المعلوم لجمهور 1 المتعلّمين في هذا الزمان أنّ للبشر من جميع الأُمم نظريتين في الولاية العامّة والملك (أحداهما) انّ الحقّ فيها لاختيار الأُمّة الّذي يعبّر عنه في هذا العصر بالديمقراطية، وهي المرجّحة عند جميع الأُمم المدنية وقد سبقهم إليها المسلمون بإرشاد القرآن في قوله عزّوجلّ (وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ )2 وإنّما خالف فيها الشيعة ذاهبين إلى النظرية الثانية وهي أنّ الحقّ فيها لشرفاء الأُمّة ذوي الأنساب والأحساب، ولكنّهم يزعمون أنّهم يتمسّكون فيها بنصّ نبويّ، بل يزعم المجازفون منهم أنّها كانت منصوصة في القرآن فأسقط جمهور الصحابة ذلك النصّ كما تقدّم.
ونقول: نسبته إلى الشيعة أنّهم يقولون الحقّ في الإمامة الّتي هي

1 . ذكر هنا حاشية بدون ربط وبلا مناسبة بل لمجرد التشنيع الّذي التزمه على نفسه وهي قوله: المراد بالجمهور هنا العارفون بالشؤون العامّة من جميع الطوائف، والشيعة يطلقون هذا اللفظ ولفظ العامّة على أهل السنّة ويسمّون شيعتهم الخاصّة. ا هـ .
ونقول: الشيعة فرقة خاصة من المسلمين فلا غرو إن أُطلق على الشيعة لفظ الخاصّة وعلى غيرهم لفظ الجمهور والعامّة لأنّهم جمهور الأُمة وعمومهم، وبذلك تعرف مبلغ تعصّب هذا الرجل ونصبه!!(منه قدّس سرّه)
2 . الشورى: 38 .

صفحه 84
الولاية العامّة عند المسلمين لشرفاء الأُمّة وذوي الأنساب والأحساب، افتراء منه على الشيعة فهم يقولون إنّ الإمامة لا تكون إلاّ بالنصّ، وغيرهم يقولون: تكون باختيار الأُمّة، وقد عرف ذلك كلّ مَن له أدنى إلمام بعلم الكلام، ولم يقل أحد من الشيعة: إنّ الحقّ في الولاية العامّة بمجرّد الشرف والحسب والنسب. نعم روى المسلمون كافّة ومنهم الإمام البخاري في صحيحه قول النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): «الأئمة من قريش»1، «يكون بعدي اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش»2 وبه احتج المهاجرون على الأنصار في دفعهم عن الخلافة. ومن المعلوم أنّ قريشاً أشرف قبائل العرب، فالذين قالوا إنّ الحقّ فيها لشرفاء الأُمّة هم عموم المسلمين لا خصوص الشيعة، وللشيعة حجج وبراهين على أنّ الإمامة لا تكون إلاّ بالنصّ مذكورة في محالها، وليس هذا موضع ذكرها، وقد ناقض نفسه هنا فجعلهم يقولون إنّ الحقّ فيها لشرفاء الأُمّة. ثم قال: إنّهم يزعمون التمسّك فيها بالنص، فإنّ كان الحقّ لشرفاء الأُمّة فلا حاجة إلى النصّ، وإن وجد النصّ فهو المتّبع، سواء كان في شرفاء الأُمّة أو غيرهم .
(أمّا) زعمه أنّ بعض الشيعة يقول بإسقاط نصّ الخلافة من القرآن فتقدّم الكلام على فساده عند ذكر عدم تحريف القرآن.

1 . مسند أحمد: 3 / 129 و 183 ; مستدرك الحاكم: 4 / 76 .
2 . صحيح ابن حبّان: 15 / 43 ; مسند أحمد: 5 / 92. وجاء نحوه في صحيح البخاري: 8 / 127، كتاب الأحكام: باسناده عن جابر بن سمرة قال: سمعت النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)يقول: يكون اثنا عشر أميراً، فقال كلمة لم أسمعها: فقال أبي أنّه قال: كلّهم من قريش. وكذلك جاء هذا الحديث وغيره في صحيح مسلم: 6 / 3، باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش، فلاحظ .

صفحه 85
(أمّا) خلطه الملك مع الخلافة فخروج عن الموضوع لا كلام لنا فيه .
(أمّا) استشهاده بأنّ الديمقراطية هي المرجّحة عند جميع الأُمم المدنية وقوله: إنّ المسلمين سبقوهم إليها بإرشاد القرآن وخطابه لجمهور المتعلّمين في هذا الزمان مستنجداً بهم فنقول له: إنّ المرجّح عند جميع الأُمم المدنية وجمهور المتعلّمين في هذا الزمان فصل الدين عن الحكم والملك، وجلّهم يرى أنّ الدين حجر عثرة في سبيل التقدّم والرقي والمدنية، ويدعو إلى كشف الحجاب والاقتداء بالأُمم الغربية بكلّ معنى الكلمة، فهل الأُستاذ المصلح المستقل يرى رأيهم ويستدلّ بموافقتهم على خطأ الشيعة في نظريتها؟!

[ الشيعة وعداؤهم لعبد العزيز ابن سعود ]

قال: وبناء على هذه النظرية يقاوم الروافض الإمام عبدالعزيز بن السعود1ملك الحجاز ونجد تعصّباً لمذهبهم على مذهب أهل السنّة الّذي يقيمه ابن السعود

1 . ترى أن صاحب المنار يقدّس سلطان نجد عبدالعزيز بن سعود ويُسمّيه الإمام ويثني عليه كثيراً، وهذا هو أحد المحاور للخلاف بينه وبين السيد محسن الأمين العاملي، ولأجل إعطاء القارئ الصورة الحقيقية لعبد العزيز هذا، نذكر ما يلي:
دخل الوهابيون الطائف وأعملوا في أهلها السيف فقتلوا الرجال والنساء والأطفال، حتّى قتلوا منها ما يقرب من ألفين، بينهم العلماء والصلحاء، وكانت الفجائع إلى حدٍّ أن اعتذر عبدالعزيز بن سعود، لما سُئل عنها، واتخذ من كلام النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)في حقّ خالد بن الوليد واجهة لأعمال عُمّاله وقال: اعتذر بما وقع من خالد بن وليد يوم فتح مكّة، حيث قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «اللهم إني اعتذر إليك ممّا صنع خالد»، وهذه صورة مصغرة من فجائع الوهابيين في عهد عبدالعزيز عام 1350 هـ. واعطف عليها هجومهم على شرقي الأردن في عام 1343هـ ، والتاريخ يذكر فجائعهم الكثيرة.(لاحظ : كشف الارتياب: 50).(المشرف)

صفحه 86
إقامة لم يسبق لها نظير بعدالخلفاء الراشدين رضى الله عنهم، ولكنّ العاملي يطعن فيه وفي قومه ملقباً إيّاهم بالوهابية ومدّعياً أنّهم مخالفون لجميع المسلمين لا فرق بين سنّيهم وشيعيّهم بزعمه إلاّ حب آل بيت الرسول والاهتداء بعلمهم، ومراده بذلك التوسّل للطعن في عقائد سلف الأُمّة وفي مذهب إمام أئمتها وأُستاذ أعظم حفّاظها أحمد بن حنبل ، فهو يقول (مثلا): الوهابية يكفّرون تارك الصلاة، ويرد عليهم وهذا مذهب الإمام أحمد .
(ونقول): خلط القلموني في هذا المقام وخبطه كغيره من المقامات ظاهر لكلّ أحد، فهو يقول: إنّ مقاومة الشيعة للإمام ابن السعود ملك الحجاز ونجد مبني على نظريتهم في أنّ الحقّ في الإمامة لشرفاء الأُمّة ذوي الأنساب والأحساب، ليرتّب على ذلك أنّهم يرجّحون شرفاء مكة على الإمام ابن السعود، وقد عرفت أنّه لا يوجد في الشيعة من يقول: إنّ الإمامة بالشرف والنسب والحسب، والشيعة لم تقاوم الإمام ابن السعود ولا غيره، وإنّما ساءها تعدّي الوهابية على قبور أئمتهم وأئمة المسلمين كافّة، وإلحاق الإهانة بأهلها بجعلها معرضاً لدوس الأقدام وروث الدواب والكلاب، ومنعهم الحرية المذهبية في زيارتها وغيرها من الأُمور الاجتهادية، كما ساء ذلك جميع المسلمين، وأين الإمامة العظمى الّتي نالها السلطان ابن سعود باستيلائه على الحجاز ونجد حتّى يقاومها الشيعة وغيرهم. وهو يجعل ردّنا على الوهابية في تكفيرهم جميع المسلمين سنّيهم وشيعيّهم تعصّباً لمذهب الشيعة على مذهب أهل السنّة وتوسّلاً إلى الطعن في عقائد سلف الأُمة ومذهب الإمام أحمد مع عدم ارتباط ذلك بما يزعمه بوجه من الوجوه، ويحصر مذهب أهل السنّة في المذهب الوهابي،

صفحه 87
وجمهور أهل السنّة لا يرضون بذلك.
(أمّا) استشهاده بقولنا: إنّ الوهابية يكفّرون تارك الصلاة وردّنا
عليهم وهو مذهب الإمام أحمد (فنقول): مسألة تكفير تارك الصلاة مسألة اجتهادية قد خالف فيها الأئمة أبو حنيفة والشافعي في أحد
قوليه ومالك، كما اعترف به الوهابية في كلامهم الّذي نقلناه في
«كشف الارتياب» فهل كان خلاف هؤلاء الأئمة طعناً في عقائد سلف
الأُمّة وفي مذهب الإمام أحمد الّذي يكفّر تارك الصلاة؟! ونحن
لم نرد عليهم في ذلك كما زعم، وإنّما رددنا عليهم تهجّمهم على
الدماء وعلى تكفير المسلمين بقول فلان وفلان ودعواهم الإجماع مع مخالفة هؤلاء الأئمة فليرجع إلى «كشف الارتياب» مَن أراد، وما باله
يزعم ان ردّنا الموهوم على الوهابية في تكفير تارك الصلاة الّذي هو مذهب الإمام أحمد طعناً في عقائد سلف الأُمّة وفي مذهب الإمام أحمد، وهو وهم لا يتقيّدون بمذهب الإمام أحمد ولا غيره من المذاهب ويعدّون ذلك جموداً ويُسمّي هو نفسه مستقلاًّ ويتبجّح بذلك، ولا يراه طعناً في عقائد سلف الأُمّة ومذاهب الأئمة.
قال: وقد ظهر لجميع العالم بطلان استدلاله على جواز منع إيران للحج بأنّ فيه خطراً على حياتهم وحريتهم من ملك الحجاز.
ونقول: هذه الأقوال الفارغة الّتي لا يزال يردّدها تبعاً لمنافعه وأطماعه الدنيوية قد ظهر لجميع العالم مقاصده فيها، ولم تكن إيران وحدها الّتي منعت رعاياها من الحج خوفاً عليهم من الوهابية الّذين يرون جميع المسلمين كفرة مشركين، ويضايقون الناس في حريتهم الشخصية

صفحه 88
لامن ملك الحجاز كما زعم، بل شاركتها مصر وسائر الأقطار الإسلامية، فلمّا ظهر عدم الخطر رخّصت إيران وغيرها لرعاياها في الحج.
قال: ألا تراه على افترائه الكذب في طعنه بالوهابيين راضياً بأعمال الشريف حسين وأولاده ومدافعاً عنهم.
ونقول: ألا ترى هذا الرجل كيف أخذ على نفسه افتراء الكذب
في طعنه بكلّ مَن يعارضه في مفترياته وفي كلّ مَن يرد على الوهابية تكفيرهم وتشريكهم للمسلمين بأنواع الطعن والقذف والافتراء لاسلاح عنده غير ذلك، وأي ربط للمدافعة عن الشريف وأولاده بالرد
على الوهابية؟!
قال: فالشريف عبدالله بن حسين الّذي اقتطع بخداع أخيه الشريف علي
أهم منطقة حربية غنية من أرض الحجاز وجعلها تحت سلطة الإنجليز (يعني العقبة).
(ونقول:) هذا خداع منه وتمويه ليس مثله خداع، فمتى كان الشريف علي أو أخوه الأمير عبدالله يملكان من أمر العقبة مع الإنجليز شيئاً حتّى يجعلاها تحت سلطة الإنجليز، وهلاّ رفع سلطان نجد وملك الحجاز سلطة الإنجليز عنها بتركه للمخادعة (كلّنا في الهوا سوى) أيّها الشيخ المخادع.
قال: وهو يجبر أهل البلاد الّتي تولّى إمارتها على إقرار المعاهدة المخزية الّتي عقدها معهم.
ونقول: هو لم يجبر أهل البلاد الّتي تولّى إمارتها على إقرار تلك المعاهدة، بل أجبرتهم الطيارات والمدافع والأساطيل كما هو ليس بخاف

صفحه 89
عنك، كما أجبرت أهل مصر على ما هم فيه اليوم وأمس، وكما أجبرت أهل العراق وسائر بلاد الإسلام المحتلّة على ما هم فيه.
قال: وكذلك السيد تاج الدين الحسني رئيس حكومة سورية الحاضر هما أفضل وأحقّ بنسبهما بالحكم من جميع الوطنيّين الّذين اشتهروا بخدمة أُمّتهم ووطنهم وجاهدوا في سبيلها بأموالهم وأنفسهم .
(ونقول:) هذا من جملة أقوال هذا الرجل الّتي لا محلّ لها من الفائدة، فلا السيد تاج الدين ولا غيره ولا الوطنيّون يملكون لأنفسهم مع السلطة المحتلة شيئاً، سواء كانوا بينهم أفضل وأحقّ أو لم يكونوا.
فما فائدة هذا الكلام الفارغ الّذي هو تطويل بلا طائل كفانا تمويهاً ومخادعة لأنفسنا وغيرنا وإثارة للضغائن والأحقاد والفتنة والفساد فوق ما نحن فيه من المصائب والمحن المحيطة بنا .
قال: نكتفي الآن بهذا التنبيه العام للمسلمين في مقابلة الدعاية الخرافية الّتي نشط لبثّها فيهم الملا محسن العاملي.
ونقول: ليست الدعاية الخرافية إلاّ الّتي نشط لبثّها بين المسلمين الخوجة رشيد القلموني وقومه الّذين يكفّرون المسلمين كافّة ويشركونهم.

[ صاحب المنار ينشر رسالة الآلوسي إلى الشيخ جمال الدين القاسمي ]

قال: ونقفي عليها بالرسالة الوجيزة الّتي كتبها علاّمة العراق المرحوم السيد محمود شكري الآلوسي إلى علاّمة الشام المرحوم الشيخ جمال الدين القاسمي مع حذف بعض العبارات القاسية الّتي فيها ننشرها الآن للضرورة الّتي أشرنا إليها

صفحه 90
وليعلم بعض ما عندنا أُولئك الّذين يتوخّون الاعتدال في الدعاية الشيعية والرد على مخالفيها، كزميلنا الفاضل صاحب مجلة العرفان المفيدة في بثّ العلم والأدب الّذي عرض بالانتقاد علينا مراراً، ونطلب من علماء الشيعة المنصفين أن يبيّنوا لنا ما يرونه فيها وفيما كتبناه من خطأ بالدليل والبرهان لنعترف لهم به.
(فنقول) هذا من جملة ما أشرنا إليه من مخادعة هذا الرجل وإنّه يجرح بيد ويأسو بأُخرى يزعم أنّ الضرورة دعته إلى نشر رسالة الآلوسي في حقّ الشيعة المشتملة على ما لا تبرك عليه الإبل من الأكاذيب والأباطيل كما ستسمع، وما هي تلك الضرورة الّتي اعتذر بها عذراً أقبح من
الذنب، هي أنّ بعض الشيعة ردّ على الوهابية شبههم في تكفير المسلمين وتشريكهم، فدعته الضرورة إلى أن ينشر رسالة افترائية على عموم
الشيعة مشتملة على أعظم المذام لهم، ويقول: إنّه حذف منها بعض العبارات القاسية، وإذا كان ما ذكره هو اللين منها فما ظنك بالقاسي
الّذي حذفه؟!
ويقول: «وليعلم بعض ما عندنا أُولئك الّذين يتوخّون الاعتدال في الدعاية الشيعية» وهم يعلمون جميع ما عنده لهم قبل اليوم من يوم نشره في مجلّته أنّ من البلاء العظيم انتشار مذهب الشيعة في العراق، وأنّ طلاّبهم وعلماءهم يجدّون في إضلال العباد وأنّهم يحملون شيوخ الأعراب على هواهم في الأُمور الشرعية، ولم يزدهم بما نشره علماً بمالهم في نفسه ويريد مع ذلك أن يخدع صاحب العرفان وعلماء الشيعة ببعض المدح المشوب بالذم، ويطلب من علماء الشيعة المنصفين أن يبيّنوا له ما يرونه في تلك الرسالة وفيما كتبه بالدليل والبرهان ليعترف لهم به، ومتى

صفحه 91
كان يجنح إلى دليل وبرهان ويعتمد غير الشتم والقذف والقدح والبهتان؟! وهل بلغت البلاهة بعلماء الشيعة إلى حد أن تروج عليهم هذه المخادعة والتمويه؟!

[ الآلوسي يرد على كتاب النصائح الكافية ]

ثم نشر رسالة الآلوسي إلى الشيخ جمال الدين القاسمي وقد جاء فيها:
وصل إليّ كتاب (النصائح الكافية) فرأيت مصنّفه ممّن اتّبع هواه ولم يراقب مولاه.
(ونقول): كان صاحب النصائح الكافية جاء إلى العراق واجتمع بمحمود شكري الآلوسي ثم جاء إلى الشام وذلك بعد ورود تلك
الرسالة من الآلوسي للقاسمي واطّلاعي عليها، ولمّا اجتمعت بصاحب النصائح وجدته يثني على الآلوسي كثيراً ويقول: إنّه مدح كتاب
النصائح وأثنى على مؤلّفه كثيراً، فتعجبت من ذلك وقلت له: كيف يثني عليكم ويمدح كتابكم وهو قد كتب إلى القاسمي أنّ مصنّف النصائح ممّن اتّبع هواه ولم يراقب مولاه ؟! فقال: نعم إنّني ممّن اتبع هواه ولم يراقب مولاه، لكن لا في تصنيف هذا الكتاب، فعرفت من جوابه هذا مبلغ حلمه وعقله وعلمه وكماله، وكنت أترقّب أن يجيبني بجواب غضب، ثم قال لي: الّذي ظهر لي من الآلوسي خلاف هذا فإنّه كان يثني على كتاب النصائح ثناء بليغاً.
فقلت له: الّذي كتبه إلى الشيخ جمال هو الّذي انطوت عليه نفسه،

صفحه 92
وأمّا ثناؤه على النصائح فالذي يظهر أنّه لغرض مداهنة له عندك، ثم زار المرحوم الشيخ جمال القاسمي وكنت معه فأعطاه الشيخ جمال كتاباً ورد إليه من العراق من الآلوسي، فلمّا رجع إلى منزله قرأ الكتاب وأرسله إلي ليبرهن لي عن إخلاص الآلوسي في حبه فقرأته وهذه صورته .

[ رسالة أُولى للآلوسي إلى صاحب النصائح الكافية ]

بسم الله الرحمن الرحيم إلى حضرة نور حدقة عين العترة النبوية، ونور رياض الحديقة الحيدرية، الشريف ابن الشريف، إلى ان ينتهي إلى سيد الشرفاء ومن اصطفاه الله من خلقه من أبناء آدم وحواء أكمل اصطفاه سيدي الجليل ناصر الدين الشيخ محمد بن عقيل مد الله تعالى في حياته ومتّعنا سبحانه بإفاداته آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ; أمّا بعد فقد تشرّفت بكتابكم الكريم، فملأ قلبي سروراً بما حواه من الدر النظيم، وقد بشّرني
بدوام صحّة ذلك الجناب الّذي أُوتي الحكمة وفصل الخطاب، وبما وفقكم الله من حج بيته الحرام والعزم على زيارة مرقد سيد الأنام ومصباح الظلام عليه من الله أفضل الصلاة والسلام، فأسأل الله أن يتقبل حجّكم المبرور ويثيبكم على عملكم المشكور موفقاً على الدوام للذب عن
دين الإسلام وكسر النواصب وأعداء الإمام ابن أبي طالب والتشمير في ميدان الحرب ومقاومة الباغين من آل حرب، ولله من قال ممّن وقف على حقيقة الحال.
واحزبا يا آل حرب منكم *** يا آل حرب منكم واحربا

صفحه 93
لقد سبقتم ما مضى من أُمم *** بكل ما يولي النوى والعطبا
لا عبد شمسكم يسامي هاشماً *** كلاّ ولا أمية المطلبا
يهينكم أنّ رهان السبق قد *** احرزتموا للسبق منه القصبا
وما الهنا منكم بمشف نقبا *** وربّما أشفى الهناء النقبا
لكم ومنكم وعليكم وبكم *** ما لو شرحناه فضحنا الكتبا
كم وزغ منكم وكم قرد نزا *** وكم حمار لم يعقب تولبا1
ولم يخلف خلفه من ذنب *** فكان للملك العضوض الذنبا
دب على آل النبيّ منهم *** رجل كما دبّ على الزرع الدبا
وقد أخبرتمونا أنّكم بصدد المرور على دمشق الشام ثم على مصر وبلاد اليمن ثم العود إلى المقام، نسأله تعالى أن يذلّل لكم طرق الخير، ويسهّل كلّ مرام، ولم يردنا منذ فارقت بغداد غير كتابين، ولم تقر بسواهما العين أحدهما من البصرة والآخر من محل آخر، وعند ورودهما حرّرنا الجواب لذلك الجناب ولم نتأخّر فمن العجب عدم الوصول إليك وبريد الإنجليز يوصل كلّ كتاب إلى محلّه، كما هو من المعلوم لديك، حتّى أنّ قبل ورود كتابكم من مكة المكرمة تذاكرت مع ابن العم من جهة عدم ورود أخباركم، فلم نعلم المانع، ودعونا الله أن يكون خيراً، والنسخ الّتي تفضّلتم بها من النصائح وصلت ولله الحمد، وتفرّقت على مستحقّيها، ولهم بها ولهٌ وهيام، ولم يبق عندي منها سوى نسخة واحدة، والطالبون لها كثير، والمورد العذب كثير الزحام، وأبناء العم يهدون إليكم أشواقهم الوافرة

1 . التولب: ولد الحمار.

صفحه 94
وتحياتهم الزاكية، وكذلك جميع الأحبّة، وأرجوكم إبلاغ تحيتي صاحبكم المحترم ولكافّة من ينتمي إليكم من العترة والخدم والأمر بما يلزم من الخدم وتوالي بشائركم أينما حللتم، والسلام عليكم أهل البيت النبوي ورحمة الله وبركاته.
في 27 ذي الحجّة سنة 1331
المخلص في مودته
محمود شكري عفي عنه
***
محسن الأمين1

1 . مجلّة العرفان: المجلد 18 ج 4 / 497 ـ 505، بيروت، جمادى الثانية 1348 هـ الموافق لـ : تشرين الثاني 1929 م .

صفحه 95
 
ردّ السيد على رسالة الآلوسي وإنصاف صاحب المنار!   

المقال الرابع

[ رد السيد على رسالة الآلوسي وإنصاف صاحب المنار! ]

رسالة أُخرى للآلوسي إلى صاحب النصائح الكافية ـ تضاد الرسالتين من حيث المضمون مع ما كتبه إلى جمال الدين القاسمي ـ الآلوسي وكتاب الحصون المنيعة ـ الآلوسي يهاجم الشيعة في العراق ـ اتّهام الشيعة بالتمرّد على الدولة العثمانية ونسيان تمرّد أهل السنّة عليها ـ دفاع العشائر الشيعية عن الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأُولى ـ اتّهام الشيعة بأنّهم لا يثبتون نسب بعض العترة ـ الرد على اتّهام بغض الشيعة لزيد بن علي ـ زيد الشهيد في مؤلّفات الشيعة ـ يحيى بن زيد ومكانته عند الشيعة ـ الحسنيون في الكتب الرجالية للشيعة.
وفي هذه الأيام اطّلعنا على كتاب آخر من محمود شكري الآلوسي لصاحب «النصائح الكافية» أرسله إليه بعد هذا الكتاب، ونحن مستعدون لنشر الكتابين بالصورة الشمسية إذا اقتضى الحال، وهذا نص الكتاب الثاني:
إلى حضرة ركن الشرف الراسخ، وعلم العلم الرفيع الشامخ، قطب

صفحه 96
رحى الإسلام، وملاذ العلماء الأعلام، السيد الجليل المولى النبيل، جناب الأخ في الله السيد محمد بن عقيل لازال رفيع الشأن عالي القدر على الأقران، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ; أمّا بعد فقد شرّفني كتابكم، وسرّني وشرح صدري لما حواه من بشائر سلامتكم، وقرّ عيني، فالحمد لله الّذي تتمّ بنعمته الصالحات، والشكر له سبحانه حيث أعادكم إلى محلّ الإقامة مشمولاً بالمسرّات، كما أنّا نحمده على مثل ذلك، والنجاة من المهالك، وما تفضل به السيد أدام الله تعالى مجده من نسخ الكتاب وصل وله سبحانه الحمد، وسلّم إلى الراغبين فيه من الطلاب، ودعوا لكم بنيل الأجر والثواب، ولابد أن السيد أيّده الله طرق سمعه الشريف وفاة صاحبنا السيد جمال الدين عليه رحمة رب العالمين، فالله المسؤول أن يديم حياتكم للمسلمين، وفي هذه الأيام انتقل إلى رحمة الله السيد جواد خادم تربة أسد الله تعالى الغالب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وقد عمّر نحو التسعين، وصرف شطراً من عمره في خدمة حضرة جده إمام المتقين، وكان قد خمّس هذه الأبيات كما قد خمّسها جملة من أكابر أُدباء هذه النواحي والجهات وهي:
بنو المصطفى سفن النجاة لأُمّة *** رأتهم لنهج الحقّ خير أئمة
وهل غيرهم أرجو لكلّ ملّمة *** إذا أعوزتني شيعة في مهمة
وقيل إلى أي المذاهب تذهب
فإنّهم أركان عز منيعة *** تريع الرزايا والرزايا مريعة

صفحه 97
لئن أعوزت مَن ضل عنهم ذريعة *** فما لي إلاّ آل أحمد شيعة
ومالي إلاّ مذهب الحقّ مذهب
على الحق كم لاحت دلائل جمة *** لهم فانمحت عن غيهب الغي ظلمة
بهم قد تولّت مذهب الحقّ أُمّة *** وما الحق إلاّ ما عليه أئمة
لهم كلّ فضل في الحقيقة ينسب
عن المصطفى قد صحّ عن كلّ مخبر *** بأنّهم الساقون سلسال كوثر
أُولئك مأوى كلّ مجد ومفخر *** أخص بهم آل البتول وحيدر
فياحبذا الأُمّ الكريمة والأب
تزيد اتّقادا بين جنبي لوعتي *** لهم ما استهلّت فوق خدّيّ دمعتي
وقد نتجت عن بضعة الطهر بضعتي *** وإنّي الّذي من ذلك الأصل نبعتي
فحاشاي أنّي عن حمى القوم أهرب
غطارفة يثري بجودهم المقل *** وفي ظلّهم يلقى الغنى كلّ مستظل

صفحه 98
إذا قلت لا أهوى سواهم ولم أمل *** يصدقني في ذاك زاكي الخلائق الـ
ـتي لم يعبها في الخلائق طيب
وقد تأخّر الجواب فأرجو العفو عمّا كان من القصور في هذا الباب بتبليغ دعواتي الخيرية إلى مَن بحضرة ناديكم من الكرام والعلماء الأعلام والإخوان وأبناء العم يهدون إليكم التحية وأزكى السلام، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
بغداد 22 من رجب الفرد سنة 1332
العبد المفتقر إلى الله تعالى
محمود شكري عفي عنه
***
ومن المقابلة بين هذين الكتابين وبين رسالته إلى الشيخ جمال
الّتي نحن بصدد نقلها وردّها تظهر لك نفسية الآلوسي ومبلغ ما
انطوى عليه من المداهنة، وما كان السبب الحامل له على المداهنة
في هذين الكتابين إلاّ غرض له عند صاحب النصائح، وهو أنّه كلّفه
بطبع كتاب له في بلاده وقال: إنّه سيرسله إليه في البريد الإنجليزي
خوفاً من الدولة العثمانية، فانظر وتعجّب، ولمّا أخبرني صاحب النصائح بذلك، قلت له: قد صدق حدسي في أنّ للآلوسي عندكم غرضاً كلّفكم به فهو يداهنكم لأجله .

صفحه 99

[ الآلوسي وكتاب الحصون المنيعة ]

ثم قال الآلوسي في رسالته إلى القاسمي: وفي هذه الأيام وردني كتاب (الحصون المنيعة) فلمّا طالعته وجدته أيضاً كتاباً دلّ دلالة صريحة على أنّ مصنّفه من المتعصّبين في الرفض، المغالين في البغضاء للسنّة النبوية، ورأيت الإعراض عن كلا الكتابين هو الحزم، فإنّا لو رمينا...1 وأظن المقالة الّتي نشرت في المنار حرّرها الشيخ كامل الرافعي، فقد مر عند ذلك التاريخ على العراق واجتمعنا به، وسررنا بملاقاته حيث كان سلفي العقيدة ومنوّر الفكر، فكتب ما كتب عمّا رأى من أحوال رافضة العراق.
ونقول كلام الآلوسي هذا دلّ دلالة صريحة على أنّه من المتعصّبين في النصب والتوهّب، المغالين في البغضاء للحقّ وللسنّة النبوية كزميليه: الرافعي والقلموني اللّذين يُسمّون أنفسهم السلفيّين في العقيدة، وأنّه لا سلاح عنده غير السبّ والشتم والنبز بالألقاب والبذاءة وسوء القول، وأنّه لو كان قادراً على شيء غير ذلك لأتى به، فإنّه (لا عطر بعد عروس) وكنّا قد اطّلعنا على رسالته هذه عقيب ورودها إلى القاسمي، فلم نشأ أن نرد على مفترياتها قبل نشره لها في مجلّته، ولقد أساء إلى زميله المذكور بنشره هذه الرسالة، فإنّه أظهر للملأ قبائح ما انطوت عليه نفسه، وأبان لهم مبلغ تعصّبه وتحامله وقلّة إنصافه، وفضح من عيوبه ما كان يوجب مقتضى الصداقة ستره، فسجّل عليه العار في الدنيا، وسوء الجزاء في الآخرة.

1 . ذكر هنا كلاما بذيئاً، وهو الّذي حذفه صاحب المنار، وقائله أولى به (وكلّ إناء بالذي فيه ينضح).(منه قدّس سرّه)

صفحه 100

[ الآلوسي يهاجم الشيعة في العراق ]

قال الآلوسي: ومن العجب أنّ الرافضي ادّعى أنّ فرقته أطوع الناس للحكومة مع أنّ سيفها لم يزل على رقابهم، ولم يمض يوم إلاّ والحرب معهم قائمة على ساقها، فكم ألجأوا الحكومة إلى خسائر أموال ونفوس، وجميع القبائل الّذين ترفّضوا هم أعدى الناس لدولة الإسلام، وفي هذا الاسبوع ورد تلغراف بهجوم جمع منهم على شطرة المنتفق وقتلهم جمعاً من الضباط وكثيراً من الأفراد، وحروبهم في العمارة شهيرة، وكذلك قبائل الديوانية والنجف والسماوة وكربلاء لم يزالوا قائمين على ساق الحرب مع الحكومة، واختلال العراق دائماً إنّما هو من الأرفاض، فقد تهرّى أديمهم من سمّ ضلالتهم، ولم يزالوا يفرحون بنكبات المسلمين حتّى أنّهم اتّخذوا يوم انتصار الروس على المسلمين عيداً سعيداً، وأهل ايران زيّنوا بلادهم يومئذ فرحاً وسروراً، ولو بسطنا القول في هذا الباب وذكرنا حروبهم ومخازيهم لاستوجب إفراد مجلد، والمنكر لذلك كالمنكر للشمس أو الضحى .
وأراد الشيخ رشيد هنا أن يظهر إنصافه المعروف ويأسو بيد غير الّتي جرح بها على عادته فقال في الحاشية: الإنصاف أنّ الدولة العثمانية هي الّتي أثارت عصبية الشيعة عليها بحروبها لدولة إيران، وما زالت السياسة تستخدم الدين لأهواء أهلها. ا هـ .
أقول: ومن العجب أنّ هذا الناصبي لم يملك من نفسه كتم ما فيها من النصب والغيظ والحقد على أتباع أهل البيت الطاهر وشيعتهم ومحبيهم، انظر إلى قوله: «مع أنّ سيفها لم يزل على رقابهم» وما فيه من سمّ عداوته الناقع وتشفّيه وشماتته وسروره بفتك الحكومة بالشيعة، انظر إلى قوله:

صفحه 101
«فقد تهرّى أديمهم من سمّ ضلالتهم» تجده دالاًّ على أنّه قد تهرّى أديمه من سمّ ضلالته ونصبه وحقده وعداوته، وهو يرمي بذلك شيعة العراق إلى غير ذلك من عباراته البذيئة الكاشفة عن مبلغ تهرّي أديمه من سم ضلالته وحقده.
إذا قلنا الشيعة في العراق كانت أطوع الناس للدولة العثمانية لا نريد به أنّها لم تكن تقاوم ظلم حكامها وعسفهم بوجه من الوجوه، وفيها أهل العدد والعدة والبأس والنجدة وإباء الضيم، بل نريد أنّها أطوع من باقي الفرق، أمّا أهل المدن من شيعة العراق فكانوا أطوع من الّذين كانوا يتربّعون على كراسي الحكم ويعيشون بأموال الأُمّة والشيعة مبعدة مقصاة، وسيف الحكومة على رقابها كما تبجّح به الآلوسي.
وأمّا أهل البوادي فكانوا أطوع من سائر القبائل المنسوبة إلى أهل السنّة، كالدليم وعنزة وزبيد وشمّر وغيرهم.
وما بال الآلوسي نسي أو تناس ما فعلته فرقته الوهابية مع متصرّفية نجد من إبادتها وإبادة متصرّفها وضباطها وجندها عن بكرة أبيهم،
وما فعلته إمارة الكويت وأهلها من تمرّدهم على الدولة العثمانية
دولة الإسلام ورفعهم الراية البريطانية، وتسليمهم إحدى موانئ العراق لدولة بريطانيا، وما كانت تفعله قبائل الدليم المنسوبة إلى أهل السنّة
من السلب والنهب والتمرّد على الدولة العثمانية، كلّ هذا لم يكن سبباً
في اختلال العراق في نظره، ولا لعداوة دولة الإسلام، وما كان سببه إلاّ مقاومة بعض قبائل الشيعة في بعض الأحيان لظلم حكام الدولة العثمانية وعسفهم الّذي لم يكن يجهله أحد، فكانوا بذلك أعدى الناس لدولة

صفحه 102
الإسلام واختلال العراق دائماً منهم.
ولمّا كانت الحرب العامّة وهاجمت الدولة البريطانية العراق أعلن علماء الشيعة في العراق وجوب الجهاد، واجتمع تحت رايتهم جيش عرمرم انضم إلى الجيش النظامي، ولكنّه ياللأسف حرم النصر بتقصير الدولة العثمانية في إعداد المعدات الحربية ووسائل الدفاع، حتّى مات بعض أُولئك العلماء غمّاً في ساحة القتال، وكانت مهمة صاحبنا الآلوسي أن انتدبته حكومة دمشق هو أو ابن عمه لنصح الأعراب من الوهابيّين وغيرهم ودفع غائلتهم عن دولة الإسلام إبّان الحرب العامة، وأغدقت له الأموال، فذهب وعاد كما ذهب بدون جدوى غير قبض أموال الأُمّة، هذه حال شيعة العراق الّذين زعم أنّهم أعدى الناس لدولة الإسلام، وأنّ اختلال العراق منهم، وأنّهم مازالوا يفرحون بنكبات المسلمين.
وهذه حال قومه الّذين هم أشدّ الناس صداقة لدولة الإسلام وانتظام العراق كان منهم وكانوا يحزنون لنكبات المسلمين!!
وما أشدّ جرأته على البهتان حيث يزعم أنّهم اتّخذوا يوم انتصار الروس على المسلمين عيداً سعيداً (سبحانك اللّهم هذا بهتان عظيم) كيف يتوهّم عاقل ذلك، ومن قواعد دينهم وجوب حفظ بيضة الإسلام، لندع ذكر كتبهم الفقهية المصرّحة بذلك والمطبوع منها ما يبلغ الملايين، ولنرجع إلى أمر محسوس وهو إعلانهم الجهاد ضد أعظم دولة كما مر نقله، ألا يكون في ذلك تكذيب لافترائه الّذي حمله عليه تهرّي أديمه من سمّ ضلاله، وأعطف على ذلك افتراءه أنّ أهل إيران زيّنوا بلادهم يومئذ فرحاً وسروراً، فأهل إيران وإن لاقوا ما لاقوا من الدولة العثمانية من

صفحه 103
الحروب الّتي كان يهيجها علماء السوء أمثاله باسم الدين من التعدّيات على رعاياها، حتّى أنّ السلطان سليم قتل سبعين ألفاً من اتباعها في الأناضول، إلاّ أنّ شدة تمسّكهم بالدين الإسلامي تمنعهم عن أن يفرحوا بانتصار الروس على المسلمين، وأن يمشوا مع الهوى والعصبية كما مشى الآلوسي ومن على شاكلته، وأعظم برهان على ذلك تطوّع قسم كبير من الشيعة الإيرانيّين لنصرة الدولة العثمانية إبّان الحرب العامّة مع إعلان دولتهم الحياد رسمياً .
أمّا قول الشيخ رشيد في الحاشية: «الإنصاف أنّ الدولة العثمانية هي الّتي أثارت عصبية الشيعة عليها بحروبها لدولة إيران الخ» فمخادعة يراد بها إثبات عصبية الشيعة على الدولة العثمانية، وحاشا الشيعة من العصبية لغير الحقّ.
أمّا قوله: وما زالت السياسة تستخدم الدين لأهواء أهلها!! (فاسأل مجرباً ولا تسأل حكيماً).
وقد جاءنا من بعض العارفين أنّه حدّثه ثقة، وهو شاهد عيان لم يزل حياً يرزق أنّ صاحب المنار قبض مبلغاً من المال من الإنجليز عند نشوب الحرب العمومية ودخل في نصرتها وأرسل بعض الجواسيس من قبله إلى البصرة، فقبض عليه وسجن .

[ اتّهام الشيعة بأنّهم لا يثبتون نسب بعض العترة! ]

قال: وأعجب من ذلك دعوى الرافضي حب أهل البيت والعمل بعلومهم والأخذ بالكتاب والسنّة ان الروافض كاليهود يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض ; لأنّ

صفحه 104
العترة بإجماع أهل اللغة تقال لأقارب الرجل، وهم ينكرون نسب العترة كرقية وأُمّ كلثوم ابنتي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا يعدّون بعضهم داخلاً فيها كالعباس عمّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وجميع أولاده، وكالزبير بن صفية عمّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .
(أقول) وأعجب من كلّ شيء دعوى الناصبي الّذي هو شر من اليهود بنصبه العداوة لأتباع أهل البيت ومحبيهم تساوي العترة في كلّ شيء جهلاً أو تجاهلاً، فللعترة أحكام كثيرة:
(منها): وجوب مودّتها واحترامها، وهذا مشروط بالإيمان فلا تجب بل تحرم مودة أبي لهب عمّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)الّذي نزل القرآن بذمّه لكفره مع قربه من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)في النسب وتجب مودة أقرباء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)واحترامهم وإن كانوا عصاة لقرابتهم منه (صلى الله عليه وآله وسلم); لأنّ ذلك مودة واحترام له (صلى الله عليه وآله وسلم)وتحرم مودتهم واحترامهم لأجل معصيتهم، لكن النصّاب وقدوتهم ابن تيمية بذلوا غاية وسعهم في إنكار دلالة آية المودة على ذلك وخالفا النصوص الصحيحة الصريحة في ذلك .
«ومنها»: وجوب الأخذ بأقوال العترة والاقتداء بها في أُمور الدين لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي» 1 وهذا لا يعمّ جميع العترة قطعاً، فلا يعم مَن ثبتت معصيته وخطأه، أو جاز عليه المعصية والخطأ ; لأنّ المتمسّك به لا يؤمن عليه الضلال، وهو مناقض لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي» فيكون خاصّاً ببعض العترة، وهو من اتّفقت الأُمّة على نزاهته

1 . حديث متواتر رواه الفريقان.

صفحه 105
وعلمه وفضله ودينه، مثل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وولديه الإمامين الحسنين ومن كان مثلهم من ذريتهم، ولا يدخل فيه من اتّفقت الأُمّة على عدم عصمته، كالعباس وذريته، وكالزبير ابن صفية وأمثالهم، وإلى ذلك أشار الأمير أبو فراس الحمداني(المتوفّى 357هـ) بقوله في ميميّته المشهورة1 مخاطباً بني العباس:
أأنتم آله فيما ترون وفي *** أظفاركم من بنيه الطاهرين دم
هيهات لا قرَّبت قربى ولا رحم *** يوماً إذا اقصت الأخلاق والشّيَمُ
كانت مودة سلمان لهم رحماً *** ولم يكن بين نوح وابنه رحم
وأمّا أنّهم لا يثبتون نسب بعض العترة، فسواء صحّ ذلك أو لم يصحّ، وسواء أخطأوا فيه أو أصابوا فأي ذمّ فيه مع أن نسب رقية وأُمّ كلثوم عندهم ثابت، وهو الحقّ.
قال: ويبغضون كثيراً من أولاد فاطمة رضي الله عنها، بل يسبّونهم، كزيد بن علي بن الحسين، وقد كان في العلم والزهد على جانب عظيم.

[ الرد على تهمة بغض الشيعة لزيد بن علي ]

(أقول): إن كان مراده أنّهم يبغضون كثيراً من أولاد فاطمة الصلحاء، فهو كذب وافتراء ; وان كان مراده أنّهم يبغضون غير الصلحاء منهم، فهو مدح لا ذمّ فإنّ أولاد فاطمة كان فيهم الصالح والطالح في كلّ عصر وزمان،

1 . وتعرف هذه القصيدة بالشافية ومطلعها:
الحق مهتضم والدين مخترم *** وفيء آل رسول الله مقتسم

صفحه 106
كما هو مشاهد محسوس، وشرف النسب ليس سبباً في الصلاح، وإلاّ لم يكن أبو لهب مع شرف نسبه وكونه عمّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)كافراً مذموماً في القرآن، وللشيعة الفخر في موالاة من والى الله ورسوله ولو اتّضع نسبه، ومعاداة من عاداهما ولو شرف نسبه، لا كغيرهم ممّن يخالف الحس والوجدان فيوثّقون الأُلوف المؤلّفة من الرجال لأُمور واهية، ولم يقل أحد من المسلمين بأن جميع من انتسب إلى فاطمة أخيار أبرار.
(أمّا قوله): «كزيد بن علي» فقد كذب وأفك وافترى في ذلك، فليس في الشيعة مَن يبغض زيد بن علي بن الحسين أو يسبّه «والعياذ بالله» بل كلّهم يحبّونه ويقدّسونه ويعظّمونه، حتّى بلغ من حب شيعة العراق له أنّهم يُسمّون أولادهم «عبدزيد».

[ زيد الشهيد في مؤلّفات الشيعة ]

قال شيخ الشيعة وفقيهها وقدوتها الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان في كتابه المُسمّى بالإرشاد الموضوع لتراجم الأئمة الاثني عشر عند ذكر أولاد الإمام الرابع علي بن الحسين زين العابدين:
كان زيد بن علي بن الحسين عين إخوته بعد أبي جعفر وأفضلهم، وكان عابداً ورعاً فقيهاً سخياً شجاعاً، وظهر بالسيف يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويطلب بثارات الحسين: «ثم روى» بالاسناد عن أبي الجارود من رجال الشيعة قال: قدمت المدينة فجعلت كلّما سألت عن زيد بن علي قيل لي: ذاك حليف القرآن.
«وروى» عن خالد بن صفوان من رجال الشيعة أيضاً أنّه سئل

صفحه 107
عن زيد بن علي أي رجل كان؟ فقال: كان ـ كما علمت ـ يبكي من خشية الله حتّى تختلط دموعه بمخاطه .
«قال المفيد»: واعتقد كثير من الشيعة فيه الإمامة لخروجه بالسيف يدعو إلى الرضا من آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).
«قال»: وكان سبب خروج أبي الحسين زيد رضي الله عنه بعد ـ الّذي ذكرناه من غرضه في الطلب بدم الحسين (عليه السلام)ـ أنّه دخل على هشام بن عبدالملك، وقد جمع له هشام أهل الشام، وأمر أن يتضايقوا في المجلس حتّى لا يتمكّن من الوصول إلى قربه، فقال له زيد: إنّه ليس من عباد الله أحد فوق أن يوصى بتقوى الله، ولا من عباده أحد دون أن يوصي بتقوى الله، وأنا أُوصيك بتقوى الله يا أمير المؤمنين فاتقه ; فقال له هشام: أنت المؤهِّل نفسك للخلافة الراجي لها؟! وما أنت وذاك لا أُمّ لك وإنّما أنت ابن أُمة!! فقال له زيد: إنّي لا أعلم أحد أعظم منزلة عند الله من نبي بعثه وهو ابن أُمة، فلو كان ذلك يقصر عن منتهى غاية لم يبعث، وهو إسماعيل بن إبراهيم (عليه السلام)، فالنبوة أعظم منزلة عند الله أم الخلافة يا هشام؟! وبعد فما يقصر برجل أبوه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وهو ابن علي بن أبي طالب». فوثب هشام عن مجلسه ودعا قهرمانه وقال: لا يبيتنّ هذا في عسكري، فخرج زيد وهو يقول: «إنّه لم يكره قوم قط حد السيوف إلاّ ذلّوا» فلمّا وصل إلى الكوفة اجتمع إليه أهلها فلم يزالوا به حتّى بايعوه على الحرب، ثم نقضوا بيعته وأسلموه، فقتل رحمه الله وصلب بينهم أربع سنين، لا ينكر أحد منهم، ولا يغير بيد ولا بلسان. ولمّا قتل بلغ ذلك من أبي عبدالله الصادق كلّ مبلغ، وحزن له حزناً عظيماً حتّى بان عليه وفرّق من ماله في عيال من

صفحه 108
أُصيب معه ألف دينار ; روى ذلك أبو خالد الواسطي قال: سلم إليّ أبو عبدالله ألف دينار وأمرني أن أُقسمها في عيال من أُصيب مع زيد، فاصـاب عيال عبدالله بن الزبير أخي فضيل الرسان أربعة دنانير. انتهى ما ذكره المفيد في الإرشاد.1
وروت الشيعة في كتبها أحاديث كثيرة عن أئمة أهل البيت في فضل زيد ومدحه وجلالة قدره يطول الكلام بنقلها هذا والناصبي يقول: إنّهم يبغضونه ويسبّونه!!2
قال: وكذا يحيى ابنه فإنّهم أيضاً يبغضونه.

[ الردّ على تهمة بغض الشيعة ليحيى بن زيد ]

«أقول»: وهذا أيضاً كذب منه وافتراء، فإنّ يحيى بن زيد الشهيد بأرض الجوزجان قد ذكره الشيخ أبو جعفر الطوسي في رجال الصادق جعفر بن محمد وولده الكاظم،3 وذكره العلاّمة الحلّي في «الخلاصة» في رجال الكاظم موسى بن جعفر(عليهم السلام)4، وهو الراوي للصحيفة الكاملة من

1 . إرشاد المفيد: 2 / 171 ـ 173.
2 . للتعرف على شخصية وحياة الإمام الثائر زيد بن علي، راجع الجزء السابع من موسوعتنا «بحوث في الملل والنحل».(المشرف)
3 . رجال الطوسي: 330 برقم 4784، وص 346 برقم 5169 .
4 . الموجود في الخلاصة (يحيى بن الحسين بن زيد بن علي) لاحظ: خلاصة الأقوال: 416 برقم 2. من أصحاب الكاظم(عليه السلام)، وأمّا يحيى بن زيد فهو من رجال الصادق(عليه السلام). لاحظ: الملل والنحل: 7/340.

صفحه 109
أدعية الإمام زين العابدين (عليه السلام)1 والمذكور في شعر دعبل الخزاعي من شعراء الشيعة بقوله:
قبور بكوفان وأُخرى بطيبة *** وأُخرى بفخ نالها صلواتي
وأُخرى بأرض الجوزجان محلها *** وقبر بباخمرى لدى الغربات2
قال: وكذا إبراهيم وجعفر ابنا موسى الكاظم رضي الله عنهم، وقد لقّبوا الثاني بالكذّاب مع أنّه كان من أكابر الأولياء، وعنه أخذ أبو يزيد البسطامي .

[ الرد على تهمة بغض الشيعة لإبراهيم وجعفر ابني الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) ]

أقول: وهذا أيضاً كذب وافتراء، قال المفيد في «الإرشاد» بعد ما عدّ من أولاد موسى بن جعفر إبراهيم وجعفر :
وكان إبراهيم بن موسى شجاعاً كريماً، وتقلّد الإمرة على اليمن في أيام المأمون من قبل محمد بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب(عليهم السلام)الّذي بايعه أبو السرايا بالكوفة، ومضى إليها ففتحها، وأقام بها مدة إلى أن كان من أمر أبي السرايا ما كان فأخذ له الأمان من المأمون، ولكلّ واحد من ولد أبي الحسن موسى فضل ومنقبة مشهورة. انتهى .3
ومن ذلك تعلم أنّه كذاب في قوله: وقد لقّبوا الثاني بالكذاب .
قال: ولقّبوا بالكذّاب أيضاً جعفر بن علي أخا الإمام الحسن العسكري.
[ جعفر الكذّاب ]
وهذا كما مر للشيعة فيه الفخر فقد لقّبوا بالصادق مَن عرف بالصدق

1 . لاحظ: الصحيفة السجادية: 617، تحقيق الأبطحي.
2 . بحار الأنوار : 49 / 248 .
3 . إرشاد المفيد: 2 / 245 .

صفحه 110
والأمانة والفضل، ولقّبوا بالكذّاب مَن عرف بغير ذلك، كجعفر هذا الّذي انتصر له بغضاً بالشيعة لا حبّاً با لعترة الّذين جاهر ببغض محبّيهم وأوليائهم، فقد روى الثقات أنّ أحمد بن عبيدالله بن خاقان عامل السلطان على الخراج والضياع بكورة قم، وكان من النصّاب شديد العداوة لآل أبي طالب وأبوه، من وزراة المعتمد الخليفة العباسي قال: ما سألت أحداً من بني هاشم والقوّاد والكتّاب والقضاة والفقهاء وسائر الناس عن الحسن بن علي المعروف بابن الرضا «وهو الحسن العسكري» إلاّ وجدته عندهم في غاية الإجلال والإعظام والمحل الرفيع والقول الجميل والتقديم له على جميع أهل بيته، ولم أر له ولياً ولا عدواً إلاّ وهو يحسن القول فيه والثناء عليه ; فقال له بعض من حضر مجلسه: فما حال أخيه جعفر؟ فقال: ومَن جعفر فيسأل عن خبره أو يقرن به؟! إنّ جعفراً معلن بالفسق، ما جن، شرّيب للخمور، أقل من رأيت من الرجال وأهتكهم لنفسه، خفيف قليل في نفسه. ا هـ .1
هذه بعض أحوال جعفر الّذي يعيب الناصبي على الشيعة تلقيبه بالكذّاب.
قال: ويعتقدون أنّ الحسن بن الحسن المثنى وابنه عبدالله المحض وابنه محمد الملقّب بالنفس الزكية ارتدّوا ـ حاشاهم ـ من دين الإسلام .
[ الرد على تهمة قول الشيعة بارتداد الحسن المثنى والمحض والنفس الزكية ]
وهذا كذب منه وافتراء. قال المفيد في «الإرشاد» عند تعداده أولاد

1 . إرشاد المفيد: 2 / 323 .

صفحه 111
الحسن بن علي: وأمّا الحسن بن الحسن فكان جليلاً رئيساً فاضلاً ورعاً، وكان يلي صدقات أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في وقته «إلى أن قال» وكان حضر مع عمه الحسين يوم الطف فأُسر، ويقال: إنّه أُسر وكان به جراح قد أُشفي منها، وروي أنّه خطب إلى عمه الحسين إحدى ابنتيه فقال له الحسين: اختر يابني أحبهما إليك فاستحيى ولم يحر جواباً فقال له الحسين: فإنّي قد اخترت لك ابنتي فاطمة فهي أكثرهما شبهاً بأُمّي فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)ا هـ .1
وروى السيد علي بن طاووس في «الإقبال» بإسناده أن أبا عبدالله جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)كتب إلى عبدالله بن الحسن (رضي الله عنه)حين حمل هو وأهل بيته يعزّيه عمّا صار إليه .
بسم الله الرحمن الرحيم إلى الخلف الصالح والذرية الطيبة من ولد أخيه وابن عمه ; أمّا بعد فلئن كنت قد تفرّدت أنت وأهل بيتك ممّن حمل معك بما أصابكم فما انفردت بالحزن والغيظ والكآبة وأليم وجع القلب دوني، فلقد نالني من ذلك من الجزع والقلق وحر المصيبة مثل ما نالك، ولكن رجعت إلى ما أمر الله جل جلاله به المتّقين من الصبر وحسن العزاء حين يقول لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم): (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا)2 ثم ذكر آيات كثيرة في الصبر .
ثم قال: وأعلم أي عم أنّ الله جل جلاله لم يبال بضر الدنيا لوليه ساعة قط، وإنّه لم يبال بنعيم الدنيا لعدوه ساعة قط، ولولا ذلك ما كان أعداؤه

1 . إرشاد المفيد: 2 / 24 ـ 25 .
2 . الطور: 48 .

صفحه 112
يقتلون أولياءه، ولما قتل زكريا ويحيى ظلماً وعدواناً في بغي من البغايا ; وذكر أشياء كثيرة من هذا القبيل.
«إلى أن قال» فعليكم يا عم وابن عم وبني عمومتي وإخوتي بالصبر والرضا أفرغ الله علينا وعليكم الصبر، وختم لنا ولكم بالأجر والسعادة إنّه سميع قريب. وهو كتاب طويل ذكرنا منه موضع الحاجة.1
«وروى» رجال الشيعة في كتبهم أنّ الحسن بن زيد بن علي بن الحسين صلوات الله عليهم قال: غدوت إلى المسجد فرأيت بني حسن يخرج بهم من دار مروان ليسار بهم إلى الربذة «وذلك لمّا قبض عليهم المنصور وحبسهم» فأرسل إلي جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)فجئته فقال: ما وراك؟ قلت: رأيت بني حسن يخرج بهم في محامل، قال: اجلس، فجلست فدعا غلاماً له فقال: إذا حملوا فأخبرني، فأتاه الرسول فقال: قد أقبل بهم، فقام جعفر فوقف وراء ستر رقيق يبصره من خلفه ولا يبصر، فطلع بعبدالله بن حسن في محمل يعادله مسود وجميع أهل بيته كذلك، فلمّا نظر إليهم جعفر (عليه السلام)هملت عيناه حتّى جرى دمعه على لحيته، ثم أقبل علي فقال يا أبا عبدالله والله لا تحفظ لله حرمة بعد هؤلاء. ا هـ .2
محسن الأمين 3

1 . إقبال الأعمال: 3 / 82 ـ 85 .
2 . تاريخ الطبري: 6 / 174 .
3 . مجلّة العرفان: المجلد 18 ج 5 / 616 ـ 623. بيروت، رجب 1348 هـ الموافق لـ : كانون الأوّل 1929 م .

صفحه 113
 
الشيعة ورجالهم في قفص الاتّهام   

المقال الخامس

[ الشيعة ورجالهم في قفص الاتّهام1 ]

احترام الشيعة للحسنيين عامّة ـ الردّ على تهمة: بغض الشيعة عدد من أهل البيت ـ قول صاحب المنار: ذكر قتل الحسين في كلّ سنة هتك لسادة الأُمّة ـ ذكر مقتل الحسين وأولاده هتك لمن فعل تلك الفضائع وهؤلاء ليسوا من سادة الأُمّة ـ اتّهام الشيعة بعدم الاهتمام بالقرآن ـ زعمه بأنّ العمل بأخبار الكتب الأربعة واجب عند الشيعة ـ العمل بخبر الثقة واجب عند الشيعة من غير فرق بين الكتب الأربعة وغيرها ـ صاحب المنار يكيل التهم لأصحاب الإمامين الباقر والصادق(عليهما السلام) كزرارة بن أعين ومحمد بن مسلم والهشامين: ابن الحكم وابن سالم وغيرهم.
(ومحمد بن عبدالله بن الحسن) من جملة من روى عن الصادق جعفر بن محمد، وعدّه الشيعة من أصحاب الصادق (عليه السلام)في كتبهم الرجالية.
(قال) الشيخ أبو جعفر الطوسي في «الفهرست»: محمد بن عبدالله بن

1 . تابع للفصول الأربعة الّتي نشرت في المجلد الثامن عشر وكنا نود ان لا ننشر بحثاً له صلة في مجلد آخر لكن البحث طويل، وللضرورة أحكام. (منه قدّس سرّه)

صفحه 114
الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، أبو عبدالله المدني، قتل سنة خمس وأربعين ومائة بالمدينة من أصحاب الصادق. ا هـ .1
وذكر مثله ابن داود في رجاله وزاد الملقّب بالنفس الزكيّة بعد المدني.2
فهؤلاء الّذين يزعم الناصبي بلا خجل ولا استحياء أنّ الشيعة يعتقدون أنّهم ارتدّوا عن دين الإسلام .
قال: وهكذا اعتقدوا في إبراهيم بن عبدالله، وزكريا بن محمد الباقر، ومحمد بن عبدالله بن الحسين بن الحسن، ومحمد بن القاسم بن الحسن، ويحيى بن عمر الّذي كان من أحفاد زيد بن علي بن الحسين، وكذلك في جماعة حسنيّين وحسينيّين كانوا قائلين بإمامة زيد بن علي بن الحسين. إلى غير ذلك ممّا لا يسعه المقام.

[ الردّ على تهمة بغض الشيعة لجماعة من الحسنيين والحسينيّين ]

ونقول: هذا أيضاً افتراء منه (أمّا إبراهيم بن عبدالله) فمعدود
عندهم من رجال الصادق جعفر بن محمد الّذين رووا عنه كأخيه محمد المتقدّم .
قال الشيخ أبو جعفر الطوسي في فهرسته: إبراهيم بن عبدالله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب الهاشمي المدني، قتل
سنة خمس وأربعين ومائة لخمس بقين من ذي القعدة من

1 . رجال الطوسي: 275 برقم 3977.
2 . رجال ابن داود: 175 برقم 1420 .

صفحه 115
أصحاب الصادق. ا هـ .1
(وأمّا زكريا) بن محمد الباقر فلا وجود له، فقد اتفق كلّ من صنف في تواريخ الأئمة الاثني عشر من علماء أهل السنّة والشيعة. أنّه لم يكن في أولاد الإمام محمد الباقر (عليه السلام)مَن اسمه زكريا.2
(قال) سبط ابن الجوزي الحنفي في كتابه «تذكرة خواص الأُمّة في معرفة الأئمة» ما لفظه: أولاد محمد الباقر كان له (جعفر وعبدالله) أُمّهما أُمّ فروة بنت القاسم بن محمد ابن أبي بكر الصديق (وإبراهيم) وأُمّه أُمّ حكيم بنت أسد بن المغيرة بن الأخنس بن شريق (وعلي وزينب) وأُمّهما أُمّ ولد، (وأُمّ سلمة) لأُمّ ولد أيضاً، والنسل لجعفر. ا هـ .3
وقال الشيخ المفيد في «الإرشاد»: باب ذكر ولد أبي جعفر (عليه السلام)وهم سبعة نفر (أبو عبدالله جعفر بن محمد (عليه السلام)) وكان به يكنّى (وعبدالله بن محمد) أُمّهما أُمّ فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر (وإبراهيم وعبيد الله) درجا أُمّهما أُمّ حكيم بنت أسد بن المغيرة الثقفية (وعلي وزينب)
لأُمّ ولد (وأُمّ سلمة) لأُم ولد. ا هـ .4
(وقال ابن الصبّاغ المالكي في «الفصول المهمة في معرفة الأئمة»5

1 . رجال الطوسي: 156 برقم 1717 .
2 . قال العلاّمة الأميني: وأما زكريا بن محمد الباقر(عليه السلام)، فإنّه لم يولد بعدُ، وهو من مخلوقات عالم أوهام الآلوسي، إذ مجموع أولاد أبي جعفر محمد الباقر (عليه السلام)الذكور ستة باتفاق الفريقين... الخ) (لاحظ : الغدير: 3 / 379 ).
3 . تذكرة الخواص:2/441، ذكر أولاد محمد الباقر(عليه السلام).
4 . إرشاد المفيد: 2 / 176 .
5 . الفصول المهمة: 2 / 905 .

صفحه 116
أولاد الباقر (عليه السلام)) ستة، وقيل: سبعة، وعدّهم كما في «الإرشاد» سوى أُمّ سلمة .
(وقال) محمد بن طلحة الشافعي في «مطالب السؤول في مناقب آل الرسول»: وأمّا أولاده (أي الباقر (عليه السلام)) فكان له ثلاثة من الذكور وبنت واحدة، وهم: جعفر وهو الصادق، وعبدالله، وإبراهيم، وأُمّ سلمة، وقيل: كان أولاده أكثر من ذلك. ا هـ .1
فانظر إلى افتراءت هذا الرجل وأعجب!!
وأمّا محمد بن عبدالله بن الحسين بن الحسن فلم نجد له ذكراً بعد التفتيش في مظانّه، ولعلّه من مختلقاته كزكريا بن محمد الباقر، وكذلك محمد بن القاسم بن الحسن، وإنّما يوجد محمد بن القاسم بن الحسين بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب المدني عدّه الشيخ الطوسي في «الفهرست» في أصحاب الصادق (عليه السلام).2
وأمّا يحيى بن عمر بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب فقد قال أبو الفرج الأصفهاني في «مقاتل الطالبيين»: إنّه خرج إلى الكوفة في أيام المستعين فدعا إلى الرضا من آل محمد، وأظهر العدل وحسن السيرة بها إلى أن قتل رضوان الله عليه، ولمّا أراد الخروج بدأ فزار قبر الحسين (عليه السلام)إلى آخر ما ذكره .3
ومثله لا يمكن أن يعتقد أحد من الشيعة ارتداده إلاّ بناء على ما

1 . مطالب السؤول: 432 .
2 . رجال الطوسي: 293 برقم 4275 .
3 . مقاتل الطالبيين: 420 .

صفحه 117
خلقته مخيلة هذا الرجل من أنّهم يعتقدون ارتداد كلّ مَن قال بإمامة زيد من حسينيّين وحسنيّين.
قال: وهم حصروا حبّهم بعدد منهم قليل كلّ فرقة منهم تخصّ عدداً وتلعن الباقين، هذا حبّهم لأهل البيت والمودة في القربى المسؤول عنها على أنّ الحب ليس عبارة عن لطم الخدود وشقّ الجيوب وهتك سادة الأُمّة في كلّ عام وما أحسن ما قال الأخرس في ذلك:
هتكوا الحسين بكلّ عام مرّة *** وتمثّلوا بعداوة وتصوّروا
ويلاه من تلك الفضيحة إنّها *** تطوى وفي أيدي الروافض تنشر
(قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ)1 وأين أهل الابتداع من الاتّباع؟!

[ الردّ على تهمة حب الشيعة لعدد قليل من أهل البيت وحزنهم على الحسين (عليه السلام) ]

(أقول) أمّا حصر حبّهم بعدد قليل من أهل البيت فقد عرفت كذبه وافتراءه فيه ممّا قدمناه، وأنّهم لم يحبّوا إلاّ من أمر الله بحبه ولم يبغضوا إلاّ من أمر الله ببغضه، وكفاه بغضاً لأهل البيت تظاهره بعداوة شيعتهم ومحبّيهم، وافتراؤه عليهم الأباطيل، ومن تمام المودة في القربى المسؤول عنها حبّ محبّيها وعداوة معاديها.
ومن تمام المحبة الحزن لحزنهم والفرح لفرحهم ومواساة عقائل بيت النبوة الّذين لطموا الخدود وشقّوا الجيوب يوم مصيبتهم العظمى بقتل

1 . آل عمران: 31 .

صفحه 118
سيد شباب أهل الجنة وريحانة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)بالحالة الّتي ملأ صداها الخافقين، لا اتّخاذ ذلك اليوم يوم عيد وفرح وسرور،1 ومن أشدّ البغض لوم المحبّين على ذلك وعيبهم وتهجينهم مع ادّعاء الحب للعترة!!
«أما قوله»: «وهتك سادة الأُمّة في كلّ عام» فهو والله ليس هتكاً لسادة الأُمّة، بل رفعاً لشأنهم، وإظهاراً لجليل مقامهم بتحمّلهم أعظم المصائب في سبيل نصرة الدين وإظهار الحقّ ومقاومة الباطل بأقصى الطاقة، وإنّما هو هتك لمَن فعل معهم هذه الفظائع ومَن مهد له ومكّنه من رقاب المسلمين، ولو كان ذكر ما جرى على سادات الأُمّة من القتل والظلم هتكاً لهم، لكان ذكر ما جرى على الأنبياء والمرسلين والصالحين من الظلم والسب والشتم هتكاً لهم، وقد حكى الله تعالى في القرآن الكريم الّذي يُتلى بكرة وعشياً من ذلك شيئاً كثيرا حتّى قول من قال: (يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ )2، ولكان ذكر المؤرّخين وأهل السير من علماء المسلمين لذلك في كتبهم هتكاً لسادة الأُمة، وما ذكرها المؤرّخون إلاّ لتقرأ، ويعرفها الخاصّ والعام، وأمّا استشهاده ببيتي الأخرس واستحسانه لهما فهو استشهاد بالباطل

1 . اشارة إلى عمل جماعة من أهل النصب كما يقول المقريزي: إنّ ملوك بني أيوب الّذين
أزالوا الفاطميين عن منصّة الخلافة، كانوا يتخذون يوم عاشوراء يوم سرور، يوسّعون فيه
على عيالهم ويتبسطون في المطاعم ويصنعون الحلاوات ويتخذون الأواني الجديدة ويكتحلون، ويدخلون الحمّام، جرياً على عادة أهل الشام الّتي سنّها لهم الحجّاج في أيام عبدالملك بن مروان، يرغموا بذلك آناف شيعة علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه) الّذين يتخذون يوم عاشوراء يوم عزاء وحزن فيه على الحسين بن عليّ لأنّه قتل فيه. (لاحظ : الخطط المقريزية: 1/490).
2 . المائدة: 64 .

صفحه 119
واستحسان للقبيح، وقد قلنا في جوابهما :
قتل الحسين مصيبة كادت لها *** حزناً جلاميد الصخور تفطر
عابوا علينا حزننا من أجلها *** (وتمثّلوا بعداوة وتصوّروا)
ما ذكرها هتك الحسين وإنّما *** هتك الأُولى باءوا بها لو أبصروا
قد جاء في القرآن ذكر قبائح *** فعلت مع الأبرار ليست تنكر
ويلاه من تلك الفضيحة أنّها *** وإن ابتغوا ستراً لها لا تستر
أمّا استشهاده بآية: (إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي )1 وقوله: «أين أهل الابتداع من الاتّباع» فإنّنا قد اتّبعناه في حزنه وبكائه لقتل ولده قبل وقوعه، وبكاء آله وعترته وتجديدهم الحزن لذلك كلّ عام، وعملنا بما توجبه المحبة الصادقة من الحزن لحزنه (صلى الله عليه وآله وسلم)والفرح لفرحه، وبذلك يظهر مَن هو المتّبع ومَن هو المبتدع؟!
قال: ادّعوا أنّهم أخذوا دينهم من الكتاب والسنّة وأقوال العترة، كذبوا والله في ذلك فإنّ الكتاب الكريم محرّف بزعمهم، قد أسقطوا منه نحو ثلثه كما صرّحت بذلك كتبهم، فلا يعبأون به، ولا يعرّجون عليه، ولا يقيمون له وزناً، وأنّه مخلوق لا ينزّهونه، هذا شأن الكتاب لديهم ; وأمّا السنّة فعندهم أنّ الصحابة ارتدّوا جميعاً عن دين الإسلام إلاّ سلمان وعدداً يسيراً معه لا يبلغون العشرة بسبب عدم قيامهم بنصّ الغدير على زعمهم .
ونقول: أمّا زعمه قولهم بتحريف القرآن فقد مر فساده، وأنّ كتبهم مصرّحة بأنّه ما بين الدفّتين بغير زيادة ولا نقصان.

1 . آل عمران: 31 .

صفحه 120

[ في الردّ على تهمة عدم اهتمام الشيعة بالقرآن الكريم ]

(وأمّا) قوله: «فلا يعبأون به ولا يعرجون عليه ولا يقيمون له وزناً»1فيكذّبه أنّ كتبهم مشحونة بالاستدلال بآياته الكريمة، وقد سبقوا الناس كلّهم إلى تفسيره وصنّفوا في التفسير الكتب النفيسة الجليلة، وكثير منها مطبوع مشهور، كـ «التبيان» للشيخ أبي جعفر الطوسي، و «مجمع البيان» للطبرسي، وقد طبع غير مرة وكان صاحبه معاصراً لصاحب الكشّاف فصنّفه قبل أن يطّلع على الكشّاف، فلمّا اطّلع عليه صنّف «جوامع الجامع»، وأضاف إليه ما انفرد به صاحب الكشّاف، وهو مطبوع أيضاً، إلى غير ذلك من كتبهم الكثيرة في التفسير الّتي يطول الكلام باستقصاء أسمائها، وأفردوا آيات الأحكام بالتأليف، فألّفوا فيها الكتب النفيسة، وذكروا كلّ ما يستفاد منها من الأحكام الشرعية مرتّبة على أبواب الفقه، مثل: «كنز العرفان» للمقداد السيوري، وكتاب «آيات الأحكام» للأردبيلي، وغيرهما وكلّها مطبوعة مشهورة، أفهؤلاء يقال عنهم إنّهم لا يعبأون بالكتاب ولا يعرّجون

1 . ولأجل ايقاف القارئ على الخدمات الّتي قدمها علماء الشيعة في مجال تفسير القرآن الكريم، خصصنا(في كتابنا مفاهيم القرآن) فصلاً لبيان مشاهير المفسّرين الشيعة في القرون السابقة، فأما القرن الأوّل فأعلامهم:
1. عبدالله بن عباس (المتوفّى 68 هـ) .
2. سعيد بن جبير (المستشهد على يد الحجاج 95 هـ) .
3. عطية العوفي (وهو غير العوفي المعروف بالبكالي)، هو المتوفّى 114 هـ ثم ذكرنا أعلام التفسير في القرنين الثاني والثالث، وهكذا إلى القرن الرابع عشر. فبلغ عدد المفسّرين ـ المشاهير منهم ـ إلى 120 مفسّراً، مع أنّ عدد غير المشاهير منهم أكثر من ذلك. (لاحظ : مفاهيم القرآن: 10 / 383 ـ 431).(المشرف)

صفحه 121
عليه ولا يقيمون له وزنا (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ)!!1
(أمّا قوله): «إنّه مخلوق لا ينزّهونه» فهو جهل منه أو تجاهل، فإنّ كونه مخلوقاً لا يستلزم عدم تنزيهه، ولا يخرجه ذلك عن كونه كلام الله المنزّه، والخلاف في أنّه مخلوق أو قديم خلاف قديم بين الأشاعرة والشيعة والمعتزلة، والكلّ متّفقون على تنزيهه، مع أنّ كونه قديماً يوجب تعدّد القدماء، وهو باطل كما بيّن في محلّه، وقد التجأ القائلون به إلى القول بالكلام النفسي الّذي لم يستطيعوا تعريفه وتحديده.
(والحاصل) أنّه سواء كان القرآن قديماً أو حادثاً فلا مدخل لذلك في تنزيهه .
أمّا زعمه أنّهم يقولون بارتداد الصحابة إلاّ قليلاً منهم فقد بيّنا بطلانه فيما سبق فلا نعيده .
قال: وأمّا العترة فاعلم أنّ الروافض زعموا أنّ أصحّ كتبهم أربعة: الكافي، وفقه من لا يحضره الفقيه، والتهذيب، والاستبصار ; وقالوا: إنّ العمل في الكتب الأربعة من الأخبار واجب، وكذا بما رواه الإمامي ودوَّنه أصحاب الأخبار منهم، نصّ عليه المرتضى وأبو جعفر الطوسي وفخر الدين الملقّب عندهم بالمحقّق الحلّيّ، وهو باطل، لأنّها أخبار آحاد وأصحّها الكافي، ومنهم من قال: أصحّها فقه من لا يحضره الفقيه، وقال بعض المتأخّرين منهم الناقد لكلام المتقدّمين: أحسن ما جمع من الأُصول كتاب الكافي للكليني والتهذيب والاستبصار وكتاب من لا يحضره الفقيه حسن .

1 . الكهف: 5.

صفحه 122

[ الكتب الأربعة عند الشيعة والعمل بأخبار الآحاد ]

(وأقول): إن أراد أنّهم أوجبوا العمل بجميع ما في الكتب الأربعة فهو باطل ; لأنّهم كثيراً ما يردّون بعض ما في الكتب الأربعة بضعف السند .
نعم أوجبوا العمل بالخبر الثقة، وهو جلّ ما في الكتب الأربعة لا كلّه، والمرتضى لا يرى العمل بالخبر الواحد، والتهذيب والاستبصار أُلّفا بعد زمانه، والمحقّق الحلّيّ يحيى بن سعيد يلقّب بنجم الدين لا بفخر الدين، وهو يرى العمل بما قبله الأصحاب من الأخبار لحصول الوثوق بصدوره ويرد على مَن يعمل بكلّ خبر، والشيخ أبو جعفر الطوسي يرى العمل بما صحّ سنده من أحاديث الكتب الأربعة لا بجميع ما فيها، فقوله: «وهو باطل لأنّها اخبار آحاد» ظاهر البطلان; لأنّ أخبار الآحاد الّتي روتها الثقات العدول ومَن لا يُتّهم بكذب قد ثبت وجوب العمل بها، وعلماء الأُصول من أهل السنّة يوجبون العمل بأخبار الآحاد الّتي روتها الثقات .
قال الآمدي في «الإحكام»: مذهب الأكثرين جواز التعبّد بخبر الواحد العدل عقلاً، خلافاً للجبائي وجماعة من المتكلّمين (ثم قال): الّذين قالوا بجواز التعبد به عقلاً اختلفوا في وجوب العمل به، فمنهم مَن نفاه كالقاساني والرافضة وابن داود، ومنهم من أثبته. ا هـ .1
وذلك لمّا رأى من ردّ السيد المرتضى لأخبار الآحاد، ومن ذلك تعلم خبط هذا الرجل في هذا المقام في النقل عن المرتضى، وفي قوله: وهو باطل لأنها اخبار آحاد!!

1 . الإحكام: 2 / 45 و 51 .

صفحه 123

[ صاحب المنار يكيل التهم لرجال الشيعة ومحدّثيهم ]

قال: وقد طالعت في بعضها (أي الكتب الأربعة) وما زعموه من الصحّة باطل من وجوه; لأنّ في أسانيدها من هو من المجسمة، كالهشامين وشيطان الطاق المعبّر عنه لديهم بمؤمنه، وأمثال هؤلاء ممّن اعترف الرافضة أنفسهم باتّصافهم بما ذكرنا .
وأقول: الهشامان: هشام بن الحكم، وهشام بن سالم.

[ هشام بن الحكم في المصادر الرجالية ]

(أمّا هشام بن الحكم) فقد قال علماء الرجال في حقّه إنّه كان ثقة في الرواية، رويت له مدائح جليلة عن الإمامين الصادق والكاظم (عليهما السلام)، وكان حاذقاً بصناعة الكلام، حاضر الجواب، وترحّم عليه الرضا (عليه السلام).
وقال العلاّمة الحلّي في «الخلاصة»: هذا الرجل عندي عظيم الشأن، رفيع المنزلة. ا هـ .1
له من المؤلّفات نحو من ثمانية وعشرين كتاباً، وجلالة قدره عند أئمة أهل البيت مشهورة، وكفى توثيق الإمامين الصادق والكاظم له .2
أمّا ما ينسب إليه من التجسيم فمكذوب عليه، أو عبارته لا تفيده، والمنقول عنه في ذلك أنّه يقول: إنّ الله شيء لا كالأشياء، وإنّ الأشياء بائنة منه وهو بائن منها، وإنّ إثبات الشيء أن يقال جسم، فهو جسم لا

1 . الخلاصة: 289، باب هشام .
2 . لاحظ: رجال النجاشي: 433 برقم 1164 ; فهرست الطوسي: 258 برقم 783 ; معجم رجال الحديث: 20 / 297 برقم 13358 .

صفحه 124
كالأجسام، شيء لا كالأشياء، ثابت موجود غير مفقود ولا معدوم، خارج من الحدين: حدّ الأبطال وحدّ التشبيه.
(قال المرتضى) رضي الله عنه في «الشافي»: فأمّا ما رمي به هشام بن الحكم (رحمه الله) من القول بالتجسيم، فالظاهر من الحكاية عنه القول: بجسم لا كالأجسام، ولا خلاف في أنّ هذا القول ليس بتشبيه، ولا ناقض لأصل، ولا معترض على فرع، وأنّه غلط في عبارة يرجع في إثباتها ونفيها إلى اللغة، وأكثر أصحابنا يقولون: إنّه أورد ذلك على سبيل المعارضة للمعتزلة فقال لهم: إذا قلتم إنّ القديم تعالى شيء لا كالأشياء فقولوا: إنّه جسم لا كالأجسام، وليس كلّ مَن عارض بشيء وسأل عنه يكون معتقداً له، وقد يجوز أن يكون قصد به إلى استخراج جوابهم عن هذه المسألة ومعرفة ما عندهم فيها، أو إلى أن يتبيّن قصورهم عن إيراد المرضي في جوابها. ثم ذكر عدّة روايات تتضمّن ثناء الصادق (عليه السلام)عليه ثم قال: وما قدمناه من الأخبار المروية عن الصادق (عليه السلام)وما كان يظهر من اختصاصه به وتقريبه له واجتبائه إيّاه من بين صحابته يبطل كلّ ذلك ويزيف حكاية راويه. انتهى.1

[ هشام بن سالم ثقة مقرّب من الإمامين الصادق والكاظم (عليهما السلام) ]

أمّا هشام بن سالم فقد قال علماء الرجال في حقّه: إنّه ثقة، ثقة مكرّراً، له: كتاب الحج وكتاب التفسير وكتاب المعراج وكتاب آخر، كان من أصحاب الصادق والكاظم (عليهما السلام)مقرّباً عندهما، أمّا ما ينسب إليه فهو أنّه زعم

1 . الشافي في الإمامة: 1 / 83 ـ 87 .

صفحه 125
أنّ الله عزوجل صورة وأنّ آدم خلق على مثال الرب، وهذا لا يعارض ما ثبت من وثاقته وكونه مقرّباً عند الإمامين الصادق والكاظم (عليهما السلام)فيكون مكذوباً عليه، أو حصل اشتباه من الناقل بأن يكون هشام روى الحديث المشهور بأنّ الله تعالى خلق آدم على صورته أو ما يقرب من ذلك فتوهّم السامع رجوع الضمير في صورته1 إليه تعالى، وأنّ هشاماً قائل بذلك مع أنّ الضمير راجع إلى آدم.2
(والحاصل): أنّه لا يجوز رفع اليد عن المعلوم بالموهوم والمحتمل.

[ مؤمن الطاق ومنزلته المتميّزة عند أئمة أهل البيت(عليهم السلام) ]

أمّا مؤمن الطاق فهو أبو جعفر محمد بن علي بن النعمان، يلقّب بالأحول وبمؤمن الطاق.
روى عن السجاد والباقر والصادق والكاظم(عليهم السلام)، وكان مقرّباً عند أئمة أهل البيت، ووثّقه علماء الرجال وقالوا: كان كثير العلم حسن الخاطر، وكان صيرفياً، ودكانه في طاق المحامل بالكوفة يرجع إليه في النقد فيخرج كما ينقد، فيقال شيطان الطاق وشكّوا مرة في درهم فعرضوه عليه، فقال لهم ستون (أي زيف) فقالوا: ما هو إلاّ شيطان الطاق. وقال الصادق (عليه السلام):

1 . قال الحسين بن خالد: قلت للرضا(عليه السلام):يابن رسول الله إنّ الناس يروون أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)
قال: «إنّ الله خلق آدم على صورته». فقال: قاتلهم الله لقد حذفوا أوّل الحديث، إنّ رسول الله
مرّ برجلين يتسابّان، فسمع أحدهما يقول لصاحبه: «قبحّ الله وجهك ووجه مَن يشبهك»
فقال له (صلى الله عليه وآله وسلم): يا عبدالله لا تقل هذا لأخيك فإنّ الله عزّ وجلّ خلق آدم على صورته».
الاحتجاج:2/385 .
2 . لاحظ : معجم رجال الحديث: 2 / 308 برقم 13361 .

صفحه 126
«زرارة بن أعين وبريد بن معاوية ومحمد بن مسلم وأبو جعفر الأحول أحبّ الناس إليّ أحياء وأمواتا».
ورآه أبو خالد الكابلي في الروضة وهو دائب يجيب أهل المدينة ويسألونه، فقال له إنّ أبا عبدالله (يعني الصادق (عليه السلام)) نهانا عن الكلام، فقال: وأمرك أن تقول لي؟ فقال: لا ولكنّه أمرني أن لا أُكلّم أحداً، قال: فأطعه فيما أمرك، فأخبر الصادق (عليه السلام)بذلك فتبسّم وقال: يا أبا خالد أنّ صاحب الطاق يكلّم الناس فيطير وينقض وأنت إن قصّوك لن تطير .
(وقال) له رجل: تقول بالرجعة، قال: نعم، قال: أقرضني خمسمائة درهم وأردّها عليك إذا رجعت خمسمائة دينار، قال: أُريد ضامناً يضمن لي إنّك تعود إنسان لا قرداً.
(ولما) مات الصادق (عليه السلام)قال له: مات إمامك، فقال: لكن إمامك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم .
(وكانا) يمشيان فسمعا منادياً ينادي مَن رأى صبياً ضالاً، فقال له: أمّا الصبي الضال فلم نره، ولكن إن أردت شيخاً ضالاً فخذ هذا .
(وقال) له: بلغني عنكم معشر الشيعة أنّ الميت إذا مات كسرتم يده اليسرى ليعطى كتابه بيمينه، فقال: مكذوب علينا، ولكن بلغني عنكم معشر المرجئة انّ الميت منكم إذا مات قمعتم في دبره قمعاً فصببتم فيه جرّة من ماء لئلاّ يعطش يوم القيامة، فقال: مكذوب علينا وعليكم .1
«أمّا ما زعمه» من نسبته إلى التجسيم ففرية محضة ليس لها في

1 . لاحظ : معجم رجال الحديث: 18 / 34 ـ 43 برقم 11387 .

صفحه 127
كتب الرجال عين ولا أثر!!
قال: ومنهم من أثبت الجهل لله في الأزل، كزرارة بن أعين والأحولين وسليمان الجعفري ومحمد بن مسلم وغيرهم.
ونقول: هذه فرية منه كسائر ما افتراه ليس لها في كتب الرجال عين ولا أثر.

[ زرارة بن أعين نجمٌ زاهر في سماء التشيّع ]

أمّا زرارة بن أعين فقد قال علماء الرجال في حقّه: إنّه شيخ أصحابنا في زمانه ومتقدّمهم، وكان قارئاً فقيهاً متكلّماً شاعراً أديباً، قد اجتمعت فيه خلال الفضل والدين، ثقة صادق فيما يرويه، صاحب مصنفات، روى عن الباقر والصادق والكاظم(عليهم السلام)، وشهد له الصادق (عليه السلام)بالجنّة وقال: إنّ ما رواه عن أبيه الباقر لا يجوز ردّه. وقال جميل بن دراج من أجلاّء أصحاب الصادق (عليه السلام)وقد قيل له: ما أحسن محضرك وأزين مجلسك: والله ما كنّا حول زرارة بن أعين إلاّ بمنزلة الصبيان في الكتاب حول المعلم، وقد مر في مؤمن الطاق أنّه من الّذين قال الصادق (عليه السلام)إنّهم أحبّ الناس إليه أحياءً وأمواتاً. وقال الصادق (عليه السلام): رحم الله زرارة بن أعين لولا زرارة ونظراؤه لاندرست أحاديث أبي .
وقال (عليه السلام): ما أحد أحيا ذكرنا وأحاديث أبي إلاّ زرارة وأبا بصير ليث المرادي ومحمد بن مسلم وبريد بن معاوية العجلي، لولا هؤلاء ما كان أحد يستنبط هذا، هؤلاء حفّاظ الدين وأُمناء أبي على حلال الله وحرامه، وهم السابقون إلينا في الدنيا والسابقون إلينا في الآخرة.

صفحه 128
«وقال (عليه السلام)» في بريد العجلي وزرارة وأبي بصير ومحمد بن مسلم: كان أبي ائتمنهم على حلال الله وحرامه، وكانوا عيبة علمه، وكذلك اليوم، هم عندي هم مستودع سرّي وأصحابي وأصحاب أبي حقّاً، إذا أراد الله بأهل الأرض سوءاً صرف بهم عنهم السوء، هم نجوم شيعتي أحياء وأمواتاً. يحيون ذكر أبي، بهم يكشف الله كلّ بدعة، ينفون عن هذا الدين انتحال المبطلين وتأويل الغالين صلوات الله عليهم ورحمته أحياءً وأمواتاً. إلى غير ذلك من المدائح العظيمة الواردة فيه رحمه الله عن إمام أهل البيت الصادق (عليه السلام)ممّا يطول الكلام بنقله، 1 وهذا الرجل يقول: «إنّه أثبت الجهل لله في الأزل» عداوة وبغضاً لأتباع أهل البيت الطاهر وثقاتهم ومحبّيهم وليس لما افتراه في كتب الرجال عين ولا أثر!!

[ الأحولان والجعفري في كتب الرجال ]

أمّا قوله: «والأحولين» فليس في أصحاب الأئمة ورجال الشيعة من يلقّب بالأحول غير مؤمن الطاق الّذي مرّ توثيقه وجلالة قدره ونزاهته عمّا افتراه عليه .
أمّا سليمان الجعفري فهو سليمان بن جعفر بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبدالله بن جعفر الطيار أبو محمد الطالبي الجعفري، كان من أصحاب الرضا (عليه السلام)وروى عنه، وله كتاب فضل الدعاء، وقد اتّفق علماء الرجال على توثيقه كالعلاّمة في «الخلاصة»، والنجاشي في رجاله، والشيخ

1 . لاحظ : معجم رجال الحديث: 8 / 225 برقم 4671 .

صفحه 129
الطوسي في «الفهرست» 1 وليس لفرية هذا الرجل عليه في كتب الرجال عين ولا أثر، وكأنّه أراد بذلك أداء أجر الرسالة بالمودة في القربى!!

[ محمد بن مسلم كان من أوثق الناس  ]

أمّا محمد بن مسلم فقال في حقّه علماء الرجال: وجه أصحابنا بالكوفة، فقيه ورع، صاحب أبا جعفر الباقر وأبا عبدالله الصادق (عليهما السلام)وروى عنهما، وكان من أوثق الناس، وكان من العبّاد في زمانه، وأرجع إليه الصادق (عليه السلام)في الفتيا وقال: إنّه سمع من أبي وكان عنده وجيهاً، وقال الكاظم (عليه السلام): إنّه من حواري أبي جعفر محمد بن علي، ابنه جعفر بن محمد الصادق(عليهم السلام).
وقال الكشي: إنّه ممّن أجمعت العصابة على تصديقه والانقياد له بالفقه، له كتاب الأربعمائة مسألة في أبواب الحلال والحرام. ومرّ في زرارة مدح الصادق العظيم له، وسأل محمد بن مسلم الباقر (عليه السلام)عن ثلاثين ألف حديث، وسأل الصادق (عليه السلام)عن ستة عشر ألف حديث (وشهد) عند ابن أبي ليلى القاضي فردّ شهادته، فأرسل إليه الصادق (عليه السلام): ما حملك على أن رددت شهادة رجل أعرف منك بأحكام الله وسنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال للرسول: والله إنّ جعفر بن محمد قال لك هذا، فقال: والله إنّ جعفر قال لي هذا، فأرسل إليه فأجاز شهادته .
(وكان) الباقر (عليه السلام)حين يدخل عليه محمد بن مسلم يقول: بشّر المخبتين .

1 . الخلاصة: 154 برقم 3 ; رجال النجاشي: 182 برقم 483 ; رجال الطوسي: 358 برقم 5298 .

صفحه 130
(قال شريك القاضي في حقّه: لقد كان مأموناً على الحديث. ومرّ في زرارة مدحه العظيم.
وجاء في خبر ضعيف عن الصادق (عليه السلام)لعن الله محمد بن مسلم كان يقول إنّ الله لا يعلم الشيء حتّى يكون. وهذا الخبر مع ضعف سنده لا يعارض الأخبار الصحيحة المستفيضة في مدحه والثناء العظيم عليه، ويمكن كونه من باب خرق السفينة خوفاً عليه كما صرّح به الصادق (عليه السلام)في حقّ بعض أصحابه .1
قال: ومنهم فاسد المذهب كابن مهران وابن بكير وجماعة أُخرى.

[ ابن مهران وابن بكير متّفق على وثاقتهما ]

أمّا ابن مهران فهو سماعة بن مهران اتّفق أهل الرجال على توثيقه فقالوا فيه: ثقة ثقة مكرّراً، وكان واقفياً روى عن الصادق والكاظم (عليهما السلام)،
له كتاب وله بالكوفة مسجد، وما يضرّه وقفه بعد الاتّفاق على
وثاقته.2
وأمّا عبدالله بن بكير فاتّفقوا أيضاً على توثيقه وعلى تصحيح ما يصحّ عنه وأقرّوا له بالفقه، له كتاب وهو كثير الرواة، لكنّه كان فطحياً ولا يضرّ ذلك في قبول روايته مع وثاقته.3
قال: ومنهم الوضاع كجعفر القزاز وابن عياش .

1 . لاحظ : معجم رجال الحديث: 18 / 260 برقم 11807 .
2 . لاحظ : رجال النجاشي: 193 برقم 517 ; معجم رجال الحديث: 9 / 312 برقم 5556 .
3 . لاحظ : معجم رجال الحديث: 11 / 129 برقم 6745 .

صفحه 131

[ جعفر القزّاز لا وجود له في رجال الشيعة ]

ونقول (أمّا جعفر القزاز) فلا وجود له في رجال الشيعة فذكره له كذكر زكريا بن محمد الباقر على ما مرّ .

[ ابن عيّاش عين من عيون الطائفة وكبيرها ]

(وأمّا ابن عياش) فهو محمد بن مسعود بن محمد بن عياش السمرقندي.1
(قال) في حقّه علماء الرجال: ثقة صدوق عين من عيون هذه الطائفة وكبيرها، جليل القدر، واسع الرواية، بصير بالرواية، مضطلع بها، أكثر أهل المشرق علماً وأدباً وفضلاً وفهماً ونبلاً في زمانه، له كتب تزيد على مائتي مصنّف أنفق على العلم والحديث تركة أبيه، وكانت ثلاثمائة ألف دينار، وكانت داره كالمسجد بين ناسخ أو مقابل، أو قار أو معلّق مملوء من الناس.2
فهذا هو الّذي قذفه الآلوسي بأنّه وضّاع فانظر وتعجب!!
قال: ومنهم الكذّاب كمحمد بن عيسى .

[ محمد بن عيسى في كتب الرجال ]

(أقول) محمد بن عيسى مختلف فيه .

1 . المعروف بالعياشي المتوفّى حدود 320 هـ .
2 . لاحظ : معجم رجال الحديث: 8 / 237 برقم 11795 .

صفحه 132
فضعّفه الشيخ الطوسي في «الفهرست» وقال: إنّه استثناه أبو جعفر بن بابويه من رجال نوادر الحكمة وقال: لا أرى ما يختصّ بروايته. وذكر الصدوق عن شيخه محمد بن الحسن بن الوليد أنّ ما تفرّد به من كتب يونس لا يعتمد عليه .
وقال النجاشي: رأيت أصحابنا ينكرون هذا القول ويقولون مَن مثل محمد بن عيسى.
وقال العلاّمة الحلّي والنجاشي: جليل في أصحابنا، ثقة عين، كثير الرواية، حسن التصانيف، روى عن أبي جعفر الثاني، وكان الفضل بن شاذ ان يحبّه ويثني عليه ويمدحه ويميل إليه، له كتب كثيرة، والأصحّ عند محقّقي علماء الرجال توثيقه. 1 ومن ذلك تعلم أنّه كذّاب في وصفه محمد بن عيسى بالكذّاب.
قال: ومنهم الضعفاء وهم كثيرون، ومنهم المجاهيل وهم أكثر، كابن عمّار وابن سكرة، ومنهم المستور حاله، كالبلقسي وقاسم الخزاز وابن فرقد وغيرهم، وهؤلاء رواة أصحّ كتبهم.

[ إسحاق بن عمّار ثقة من أصحاب الإمامين الصادق والكاظم (عليهما السلام) ]

(ونقول) أمّا ابن عمار فهو إسحاق بن عمار، روى عن الصادق والكاظم (عليه السلام)، له كتاب، ووثّقه علماء الرجال وقالوا: كان شيخاً من أصحابنا ثقة، وهو في بيت كبير من الشيعة وكتابه معتمد عليه، وكان الصادق (عليه السلام)إذا

1 . لاحظ : معجم رجال الحديث: 18 / 119 برقم 11536 .

صفحه 133
رآه قال: وقد يجمعها لأقوام، يعني: الدنيا والآخرة 1 فهذا الّذي قال عنه أنّه مجهول، فانظر وأعجب!!
امّا ابن سكرة والبلقسي وقاسم الخزاز فلا وجود لهم في كتب الرجال ولا ندري من أين أتى بهذه الأسماء.2

[ داود بن فرقد ثقة ثقة ]

(أمّا داود بن فرقد) فقد وثّقه أهل الرجال وبعضهم قال: ثقة ثقة مكرراً، روى عن الصادق والكاظم (عليهما السلام)وله كتاب رواه جماعات كثيرة من أصحابنا.3

[ الشيعة وعلم الرجال ]

(قوله): «وهؤلاء رواة أصحّ كتبهم» إن كان يزعم أنّ جميع ما في أسانيد كتب الشيعة من المجسّمة وفاسدي المذهب والكذّابين

1 . لاحظ : معجم رجال الحديث: 3 / 212 برقم 1163 .
2 . أمّا البلقسي فنحن بعد الفحص لم نعثر عليه في أسانيد الروايات .
وأمّا قاسم بن خزاز (أو القاسم الخزاز) فله رواية واحدة في الكافي (3 / 70، برقم 6)، والتهذيب (1 / 53، برقم 2): قال الوحيد (رحمه الله): هو متحد مع القاسم بن يحيى بن الحسن بن راشد، المختلف فيه (لاحظ: منتهى المقال: 5 / 219). ومن له في الفقه والأُصول والمعارف رواية واحدة، هل يكون سنداً ومعتمداً في الدين؟!
وأمّا ابن سكرة، فهو: الفضيل بن سُكرة الكوفي، فهو من رواة الشيعة ومن رجال الصادق (عليه السلام)روى عنه في الكتب الأربعة ست روايات، روى عنه البزنطي بسند صحيح في الكافي (1 / 796 برقم 7). (المشرف).
3 . لاحظ : معجم رجال الحديث: 8 / 119 برقم 4427 .

صفحه 134
والوضّاعين والضعفاء والمجاهيل ونحو ذلك ممّا اشتملت عليه عبارته فيكذبه أنّ الشيعة كغيرها من فرق المسلمين بحثت عن أحوال الرجال وميّزت بين الثقات والضعفاء والمجهولين وفاسدي المذهب، وصنّفت في ذلك المصنّفات الكثيرة في كلّ عصر وزمان، وأنّ أكثر رواة أحاديثها الثقات وهم الّذين اعتمدت على أحاديثهم وطرحت الباقي فلم تذكره إلاّ مؤيداً، أو لنحو ذلك، لا كمن أخذ بروايات أُلوف مؤلّفة ولم يبحث عن أحد منهم بمدح ولا قدح، وهل هذا الرجل بتعرّضه لذكر مَن سمعت من رجالهم وهم نفر يسير حرّف بعض أسمائهم، واختلق بعضها، واختلق القدح في الباقي قد استقصى جميع أحوال رجالهم وأثبت أنّهم لا تقبل روايتهم، وهم يعدّون بالأُلوف، وقد اشتملت على أسمائهم كتب الرجال، وميّزت ثقاتهم من ضعافهم.
ثم يقول: «وهؤلاء رواة أصحّ كتبهم» أفإلى هذا الحد تبلغ العصبية واتّباع الهوى بالإنسان؟! وهل عرف هو رجال روايتهم إلاّ من قبلهم؟!
محسن الأمين1

1 . مجلة العرفان: المجلد 19 ج 1 / 81 ـ 88 ، بيروت، شعبان 1348 هـ الموافق لـ : كانون الثاني 1930 م .

صفحه 135
 
استعانة صاحب المنار بالآلوسي واتّهاماته الباطلة   

المقال السادس

[استعانة صاحب المنار بالآلوسي واتّهاماته الباطلة1]

اتّهام الشيعة بالعمل بالخبر الضعيف ـ اتّهام الكليني بالرواية عن الكذّابين وهم عيون وثقاة ـ الآلوسي يهاجم الشيخ المفيد ـ الشيخ المفيد في كتب رجال السنّة ـ الآلوسي يتّهم الشيعة بأنّهم يعملون بالرقاع المزوّرة ـ الكتب الأربعة التي عليها مدار العمل خالية من هذه الرقاع ـ توضيحات حول هذه الرقاع التي وصفها زوراً بالمزوّرة ـ الآلوسي يرى البناء على القبور بدعة، والنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) دفن في حجرته المبنية ـ زيارة القبور منصوصة في الكتاب والسنّة ـ تحامل الآلوسي على طلبة العلوم الدينية في النجف الأشرف ـ الآلوسي تحرض الحكومة على الشيعة ـ الآلوسي يتّهم الشيعة بأنّهم ينكرون ضروريات الدين.
(وإن أراد) أنّه يوجد في أسانيد بعض روايتهم ما هذه حاله، فإنّنا نسأله أي ذم وقدح في ذلك إذا كانوا لا يعملون إلاّ بما صحّ منها؟ وهل

1 . تابع للفصول الأربعة الّتي نشرت في المجلد الثامن عشر وكنّا نود أن لا ننشر بحثاً له صلة في مجلد آخر لكن البحث طويل وللضرورة أحكام. (منه قدّس سرّه)

صفحه 136
جميع أسانيد كتبه هو ليس فيها وضّاع ولا كذّاب ولا مجهول؟ إذاً فلماذا وضعت كتب الرجال وبحث العلماء في الأسانيد وردّوا بعض الأحاديث بضعف السند حتّى في بعض أحاديث البخاري. وعدد أحاديث الكافي ستة عشر ألف حديث ومائة وتسعة وتسعون حديثاً، وهي تزيد على ما في مجموع الصحاح الستة، فكيف جاز لهذا الرجل الحكم على جميع رجالها بما حكم به زوراً وبهتاناً بمجرد قدحه بالباطل في عدد يسير من الرجال؟!

[ الطوسي ينفي وجوب العمل بالخبر الضعيف ]

قال: وقد اعترف الطوسي بنفي وجوب العمل بكثير من أحاديثهم الّتي صرّحوا بصحّتها.
ونقول: أمّا اعتراف الطوسي بنفي وجوب العمل بالخبر الضعيف، فهو مدح لا قدح، وأمّا أنّهم صرّحوا بصحّتها فهو كذب وافتراء، وكيف يصرّحون بصحّتها وشيخهم وإمامهم الشيخ الطوسي الّذي خرجت تلك الأحاديث من تحت يده وهو صاحب كتابي التهذيب والاستبصار أحد جوامع كتبهم العظام يصرّح بضعفها؟ وهل الحكم بالصحّة والضعف يكون جزافاً وكتب الرجال نصب أعينهم وعليها معولهم؟ وليس الحكم بصحّة تلك الكتب إلاّ كتسمية الكتب الستة بالصحاح لا يراد به إلاّ أنّها صحاح في مجموعها لا جميعها.

[ الكليني والرواية عن الكذّابين!! ]

قال: والكليني يروي عن ابن عياش وهو كذّاب .

صفحه 137
ونقول: بل هو كذّاب في كلا الدعويين، فالكليني لا يروي عن ابن عياش، ولا هو من مشائخه، وابن عياش ثقة متّفق على وثاقته كما مر، ولكنّه يريد نصرة أهوائه بالكذب والافتراء.
قال: والطوسي يروي عمّن يدعي الرواية عن إمام مع أنّ غيره يكذّبه، كابن مسكان فإنّه يدّعي الرواية عن الصادق، وقد كذّبه غيره.

[ عبدالله بن مسكان ثقة عين ]

(ونقول) عبدالله بن مسكان قال أهل الرجال فيه: إنّه ثقة عين، روى عن الكاظم (عليه السلام)، واختلفوا في روايته عن الصادق (عليه السلام)، فقال بعضهم: إنّه لم يثبت، وبعضهم قال: إنّه لم يسمع من الصادق (عليه السلام)إلاّ حديث: «من أدرك المشعر فقد أدرك الحج» وبعضهم قال: إنّ رواية عدم سماعه من الصادق إلاّ حديث: «من أدرك المشعر» محل تأمّل لوجود روايات له كثيرة في الكافي والتهذيب عن الصادق (عليه السلام).1 هذه هي القضية الّتي طبّل لها هذا الرجل وزمّر وجعلها قدحاً في روايات الكليني، فمَن قال: إنّه لم يرو عن الصادق أصلاً، أو إلاّ حديث: «مَن أدرك المشعر» لم يطّلع على روايته عنه وغيره اطّلع عليها، فأي قدح وذم في هذا لولا العصبية واتّباع الهوى؟!

[ الآلوسي يهاجم كبار علماء الشيعة ]

قال: ويروي عن ابن المعلم، وهو يروي عن ابن بابويه الكذوب صاحب الرقعة المزوّرة، ويروي عن المرتضى أيضاً، وقد طلبا العلم معاً وقرآ على شيخهما

1 . لاحظ : معجم رجال الحديث: 11 / 347 برقم 7173 .

صفحه 138
محمد بن النعمان وهو أكذب من مسيلمة، وقد جوّز الكذب لنصرة المذهب والكلام على أكاذيبهم وفاسد رواياتهم يطول والمقصود تكذيب قول الرافضي إنّهم تلقّوا علوم العترة .
ونقول: ابن المعلم هو الشيخ المفيد وهو بعينه محمد بن النعمان، والشيخ الطوسي يروي عن الشيخ المفيد، وهو عن ابن بابويه الملقّب بالصدوق، ولقّبه هو بالكذوب كذباً وعناداً وقلّة مبالاة بسخطه تعالى.
(أمّا قوله) صاحب الرقعة المزوّرة فستعرف تزويره فيه، والكذب والصدق لا دخل لهما بالمذهب، فالكاذب كاذب ولو كان على مذهب حقّ، والصادق صادق ولو كان على مذهب باطل، والشيعة أعرف بعلمائها وقادة مذهبها منه، وقد وصفوا ابن بابويه بالصدوق لما عرفوه بالصدق والأمانة، ولا يتيسّر لهذا الرجل معرفة حاله إلاّ من قبلهم، فما الّذي دلّه على أنّه كذوب لولا العصبية واتّباع الهوى!!

[ الشيخ المفيد في كتب رجال السنّة ]

(أمّا قوله): «عن الشيخ المفيد أنّه أكذب من مسيلمة وأنّه جوّز الكذب لنصرة المذهب» فيكذبه ما ذكره علماء الرجال في حقّه حيث قالوا: إنّه من أجل مشائخ الشيعة ورئيسهم وأُستاذهم، وكلّ مَن تأخر عنه استفاد منه، وفضله أشهر من أن يوصف بالفقه والكلام والرواية، أوثق أهل زمانه وأعلمهم، انتهت رياسة الإمامية في وقته في العلم إليه، وكان حسن الخاطر، دقيق الفطنة، حاضر الجواب، جليل ثقة، من أجلّة متكلّمي الإمامية، مقدّم في صناعة الكلام، فقيه متقدّم في الفقه، وفضله أشهر من أن يوصف في

صفحه 139
الفقه والكلام والرواية والثقة والعلم، وكان يوم وفاته يوماً لم ير أعظم منه من كثرة الناس للصلاة عليه، وكثرة البكاء له من المخالف والموالف، وصلّى عليه الشريف المرتضى بميدان الاشنان، وضاق على الناس مع كبره.1
وقال اليافعي في تاريخه المسمّى «مرآة الجنان» في حوادث سنة 413 هـ : وفيها توفّي عالم الشيعة وإمام الرافضة صاحب التصانيف الكثيرة، شيخهم المعروف بالمفيد وبابن المعلم، البارع في الكلام والفقه والجدل، وكان يناظر أهل كلّ عقيدة مع الجلالة والعظمة في الدولة البويهية. وقال ابن طي: وكان كثير الصدقات، عظيم الخشوع، كثير الصلاة والصوم، خشن اللباس (إلى إن قال) وكانت جنازته مشهودة شيّعه ثمانون ألفاً من الرافضة والشيعة وأراح الله منه. ا هـ .2
انظر إلى قوله: «كان كثير الصدقات، عظيم الخشوع، كثير الصلاة والصوم، خشن اللباس» (والفضل ما شهدت به الأعداء) .
وذكره ابن كثير الشامي في تاريخه: فقال شيخ الروافض والمصنّف لهم، والمحامي عنهم، كان يحضر مجلسه خلق عظيم من جميع الطوائف.ا هـ .3
وجرت له مناظرة مع القاضي أبي بكر الباقلاني فأفحمه الشيخ المفيد فقال له القاضي: ألك أيها الشيخ في كلّ قدر مغرفة؟ فقال: نعم ما

1 . لاحظ : الفهرست للطوسي: 238 برقم 711 ; الخلاصة: 248 برقم 46 .
2 . مرآة الجنان: 3 / 22 .
3 . البداية والنهاية: 12 / 15. ولاحظ خاتمة المستدرك: 3 / 221 ـ 223 .

صفحه 140
تمثلت به أيّها القاضي من أداة أبيك. فضحك الحاضرون وخجل القاضي.1
أمّا تجرّؤه على مقام هذا الإمام العظيم بقوله: «إنّه جوّز الكذب لنصرة المذهب» فقد علم كذبه فيه من شهادة أهل نحلته للمفيد بكثرة الخشوع والزهد والتقوى والبراعة في صنعة الكلام والجدل، وحاش لله أن يستحل مَن له هذا المقام السامي في الدين الكذب لنصرة المذهب، وما أغناه عن ذلك ببراعته في صناعة الكلام والجدل، ولا حاجة له إلى الكذب، وهو يناظر أهل كلّ عقيدة بواضح برهانه، ولكن هذا الرجل قد ظهر أنّه يستحلّ الكذب لنصرة هواه، أو لا يبالي بحرمة الكذب وقد ظهر منهم أهل الأكاذيب والروايات الفاسدة، وظهر تكذيب قول الناصبي في حقّ من تلقوا علوم العترة ونهجوا على نهجها.

[ الآلوسي يتهم الشيعة بأنّ غالب مذهبهم من الرقاع المزوّرة!! ]

قال: نعم أنّهم أخذوا غالب مذهبهم كما اعترفوا من الرقاع المزوّرة الّتي لا يشك عاقل أنّها افتراء على الله، والعجب من الروافض أنّهم سمّوا صاحب الرقاع بالصدوق وهو الكذوب، بل أنّه عن الدين المبين بمعزل، كان يزعم أنّه يكتب مسألة في رقعة فيضعها في ثقب شجرة ليلاً فيكتب الجواب عنها المهدي صاحب الزمان بزعمهم، فهذه الرقاع عند الرافضة من أقوى دلائلهم وأوثق حججهم فتبّاً....
ونقول: قوله: «إنّهم أخذوا غالب مذهبهم كما اعترفوا من الرقاع المزوّرة» زور وبهتان وقد بلغ النصب بهذا الرجل إلى حد لم يبال معه

1 . مجالس المؤمنين: 1 / 467 ; أعيان الشيعة: 9 / 423 .

صفحه 141
باختلاق الكذب شفاء لغيظه من الشيعة وانتصاراً لهوى نفسه، الشيعة لم تأخذ مذهبها إلاّ من كتاب ربها الّذي عنيت بتفسيره وألّفت في التفسير وفي آيات الأحكام وعلوم القرآن المؤلّفات الجمّة الّتي يعز نظيرها كما فصّلناه سابقاً ، وشرطت في الاجتهاد معرفة عام الكتاب وخاصّه، وظاهره ونصّه، وناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، كما فصلته كتب الأُصول عندها، ومن سنّة نبيّها المأخوذة بالأسانيد الصحيحة المتّصلة، وعنيت بعلم الدراية وسائر علوم الحديث ; وصنّفت في الدراية الكتب الكثيرة، كرسالة الشيخ حسين بن عبد الصمد والد الشيخ البهائي، ورسالة الشيخ زين الدين المعروف بالشهيد الثاني وشرحها له العزيزة النظير الغزيرة الفوائد وغيرها، وكلّها منشورة مطبوعة، وذلك يكذب افتراء هذا الرجل عليها بأنّها أخذت غالب مذهبها من الرقاع المزوّرة، وإنّها أقوى دلائلها وأوثق حججها فتبّاً لمن جعل حجّته الكذب والافتراء، والعبارة الّتي أبدلها صاحب المنار بالنقط هي قول الآلوسي كما في الأصل المخطوط: فتبّاً لقوم استندوا في دينهم إلى مثل هذه الخرافات.

[ تحامل الآلوسي على الشيخ الصدوق  ]

أمّا الصدوق الّذي وصفه بالكذوب ـ والواصف أحقّ بأن يوصف بالكذوب، كما ظهر ممّا سلف ويأتي ـ فهو محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي، وقد قال في حقّه علماء الرجال الّذين هم أعرف به من هذا الرجل المختلق للكذب: إنّه شيخنا وفقيهنا ووجه الطائفة بخراسان، ورد بغداد سنة 355، وسمع من شيوخ الطائفة وهو حديث السن، وكان جليلاً

صفحه 142
حافظاً للأحاديث، بصيراً بالرجال، ناقداً للأخبار، لم يوجد في القميّين مثله في حفظه وكثرة علمه، له نحو من ثلاثمائة مصنّف في التوحيد والفقه وعلل الشرائع ومعاني الأخبار وثواب الأعمال وعقاب الأعمال والأوائل والأواخر والأوامر والنواهي وأركان الإسلام والشعر والفضائل والتاريخ والآداب والمواعظ الشرعية والزهد والرجال وأجوبة المسائل والاحتجاج، ومَن روى عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)من الرجال، ومَن روى عنه من النساء، ومن روى عن الزهراء والأئمة الاثني عشر، ومعجزات النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، وغريب الحديث، والخصال العددية، وتفسير القرآن وغير ذلك.1
أفمثل هذا الرجل العظيم يفترى عليه بأنّه كان يضع الرقعة المزوّرة في ثقب شجرة ليلاً؟!
قال: واعلم أنّ الرقاع كثيرة، منها: رقعة علي بن موسى بن بابويه القمي فإنّه كان يظهر رقعة بخط الصاحب في جواب سؤاله ويزعم انّه كاتب أبا القاسم ابن أبي الحسين (كذا) بن روح أحد السفرة على يد علي بن جعفر بن الأسود أن يوصل له رقعته إلى الصاحب فأوصلها إليه، فزعم أبو القاسم أنّه أوصل رقعته إلى الصاحب (أي المهدي) وأرسل إليه رقعة زعم أنّها جواب صاحب الأمر له .
(ونقول): الشيعة تعتقد بوجود المهدي ولها على ذلك أدلّة وحجج مبيّنة في كتب الكلام والعقائد، وتعتقد أنّ أقوال الأئمة الاثني عشر حجّة كما يعتقد غيرها أنّ أقوال الأئمة الأربعة حجة، والمكاتبة أحد طرق الرواية، وذلك كلّه في فروع نادرة اجتهادية وفي غير ضروريات الدين،

1 . لاحظ : رجال النجاشي: 389 برقم 1049 ; الخلاصة: 248 برقم 45 ; معجم رجال الحديث: 17 / 340 برقم 11319 .

صفحه 143
فالعمل فيها بما روته الثقات عن أحد الأئمة مكاتبة لا يوجب فتقاً في الدين، ولا يزيد عن العمل باجتهادات الأئمة الأربعة المحتملة للخطأ والصواب، ولا يوجب كلّ هذا التهويل والتزمير والتطبيل.
قال: ومنها رقاع محمد بن عبدالله بن جعفر بن حسين بن جامع بن مالك الحريري (كذا)1 القمي كاتب صاحب الأمر سأله 2 مسائل في أبواب الشريعة قال: قال لنا أحمد بن الحسين وقفت على هذه المسائل من أصلها والتوقيعات بين السطور، ذكر تلك الأجوبة محمد بن الحسن الطوسي في كتاب الغيبة وكتاب الاحتجاج .
ونقول: يعلم جواب هذا من جواب ما سبقه قال والتوقيعات خطوط الأئمة بزعمهم في جواب مسائل الشيعة، وقد رجّحوا التوقيع على المروي بالاسناد الصحيح لدى التعارض قال ابن بابويه في الفقه 3 بعد ذكر التوقيعات الواردة من الناحية المقدّسة في (باب الرجل يوصي إلى رجلين) هذا التوقيع عندي بخط أبي محمد بن الحسن 4 بن علي، وفي الكافي للكليني رواية بخلاف ذلك التوقيع عن الصادق، ثم قال: لا أُفتي بهذا الحديث، بل أُفتي بما عندي من خط الحسن بن علي.5
ونقول: إذا جاءنا كتاب من رجل بخطّه الّذي نعرفه وجاءنا من أخبرنا

1 . صوابه: الحميري.(منه قدّس سرّه)
2 . صوابه: وسأله .(منه قدّس سرّه)
3 . صوابه: الفقيه.(منه قدّس سرّه)
4 . صوابه: أبي محمد الحسن .(منه قدّس سرّه)
5 . لاحظ : وسائل الشيعة: 20 / 108، الفائدة العاشرة.

صفحه 144
عنه بخلاف ذلك الكتاب، فهل يجد الآلوسي من نفسه أنّه يرجّح خبر ذلك الرجل على ما كتبه المرسل بخط يده؟! وإذا كان مقلداً للإمام أبي حنيفة القريب من عصره عنده فتواه بخطّه الّذي يعرفه أو أخبره الثقات بأنّه خطّه، هل يلام في ترجيحه ذلك على الفتوى المنقولة واحداً عن واحد المخالفة لذلك؟! فابن بابويه رجّح ما عنده من خط الإمام أبي محمد الحسن بن علي العسكري (عليه السلام)على الرواية عن الصادق (عليه السلام)في مقام التعارض.
قال: ومنها رقاع أبي العباس جعفر بن عبدالله بن جعفر الحميري القمي، ومنها رقاع أخيه الحسين، ورقاع أخيه أحمد، فهؤلاء كلّهم كانوا يزعمون
أنّهم يكاتبون صاحب الأمر المهدي المنتظر ويسألونه مسائل في أحكام
الشرع، وأنّه يكتب جواب أسئلتهم كما ذكره النجاشي وغيره من علمائهم،
وأبو العباس هذا قد جمع كتاباً في الأخبار المروية عنه وسمّاه: قرب الاسناد إلى صاحب الأمر.
ونقول: قد خبط هنا في النقل فجعفر المذكور لا يكنى بأبي العباس، وليس هو صاحب قرب الإسناد، وإنّما المكنّى به عبدالله بن جعفر الحميري وهو صاحب قرب الإسناد ويعلم ممّا تقدم أنّه ليس فيما عاب به عيب ولا منقصة.
قال: ومنها رقاع علي بن سليمان بن الحسين بن الجهم بن بكير بن أعين أبو الحسن الرازي فإنّه كان يدّعي المكاتبة أيضاً ويظهر الرقاع، قال النجاشي: كان له اتّصال بصاحب الأمر وخرجت له التوقيعات .
ونقول: مرَّ جوابه فلا نعيده.
قال: هذه نبذة ممّا بنوا عليه أحكامهم ودانوا به وهي نغبة من دأماء (أي

صفحه 145
كحسوة طائر من بحر) وقد تبيّن بها حال دعوى الرافضية في تلقّي دينهم عن العترة.
(ونقول): لو اتّسع لنا المجال لبيّنا نبذاً ممّا بنى عليه الناصبي أحكامه ودان به، لكنّنا لا نريد إثارة الضغائن ونبش الدفائن وفي (الحصون المنيعة) نغبة من دأماء من ذلك فنكتفي بها، وقد بان ممّا بيّناه أنّ الشيعة لم تتلق أحكام دينها عن غير العترة.
قال: والعبد كتب عليهم عدّة ردود قبل نحو عشرين سنة، وشكوا عليّ إلى شاه العجم ناصر الدين (وهو خاذله) وكتب عليّ إلى السلطان المخلوع، فصادرت الحكومة ما وجدوه من كتبي المطبوعة في الهند، وهذا الرافضي له علم بما جرى، فلا لوم عليه إن نبذني بما نبذني (كذا).1
(ونقول) كون الشيعة شكت عليه إلى شاه العجم، وهو كتب
إلى السلطان عبدالحميد فأمر بمصادرة كتبه المطبوعة الّتي يرد بها
على الشيعة بزعمه، فرية منه فلم تكن الدولة الإيرانية عند الدولة العثمانية مسموعة الكلمة في الأُمور الدينية إلى هذا الحد بحيث تصادر كتبه الّتي يرد بها على الشيعة، بل كان الأمر بالعكس بسبب ما كان يغرسه علماء السوء من العداوة بين الطائفتين، فكانت الدولة العثمانية قبل الدستور تصادر كتب الشيعة ومن يستشم منه الانتصار للشيعة، والّذي يظهر أنّها صادرت كتبه لأمر سياسي، كما كانت تصادر مجلة زميله الشيخ رشيد كما يدلّ عليه آخر كلامه، ولا علم لنا يشهد الله بشيء من ذلك، ولكن في المثل

1 . السنة والشيعة:63، الرسالة الأُولى.

صفحه 146
العامي (الّذي تحت إبطه عنز يمعمع).1

1 . قال العلاّمة الأميني: قد اتّهم الرجل علماء الشيعة بأنّهم يصدرون في الفقه عن الرقاع، والحال هو أنّ الشيعة لا تعمل بالرقاع أبداً في فقهها وأنّ عدم ذكر مؤلِّفي الكتب الأربعة ـ التي هي عمدة مراجع الشيعة الإماميّة ـ في تلكم التآليف شيئاً من الرقاع والتوقيعات الصادرة من الناحية المقدّسة، يوقظ شعور الباحث إلى أنَّ مشايخ الإماميّة الثلاثة كانوا عارفين بما يؤول إليه أمر الأُمّة من البهرجة وإنكار وجود الحجّة، فكأنَّهم كانوا منهيِّين عن ذكر تلك الآثار الصادرة من الناحية الشريفة في تآليفهم مع أنَّهم هم رواتها وحملتها إلى الأُمّة، وذلك لئلاّ يخرج مذهب العترة عن الجعفرية الصادقة إلى المهدوية، حتّى لا يبقى لرجال العصبيّة العمياء مجال للقول بأنَّ مذهب الإماميّة مأخوذ من الإمام الغائب الّذي لا وجود له في مزعمتهم، وأنَّهم يتعبّدون بالرقاع المزوَّرة في حسبانهم، وهذا سرٌّ من أسرار الإمامة يؤكِّد الثقة بالكتب الأربعة والاعتماد عليها.
هذا ثقة الإسلام الكليني، مع أنَّ بيئته بغداد تجمع بينه وبين سفراء الحجّة المنتظر الأربعة، ويجمعهم عصرٌ واحدٌ، وقد توفِّي في الغَيبة الصغرى سنة (329هـ)، وألّف كتابه خلال عشرين سنة، تراه لم يذكر قطُّ شيئاً من توقيعات الإمام المنتظر في كتابه «الكافي» الحافل المشتمل على ستّة عشر ألف حديث ومائة وتسعة وتسعين حديثاً، مع أنَّ غير واحد من تلك التوقيعات يروى من طرقه، وهو يذكر في كتابه كثيراً من توقيعات بقيّة الأئمّة من أهل بيت العصمة ـ سلام الله عليهم ـ .
وهذا أبو جعفر بن بابويه الصدوق، مع روايته عدّة من تلك الرقاع الكريمة في تأليفه «إكمال الدين» وعقده لها باباً فيه، لم يذكر شيئاً منها في كتابه الحافل «من لا يحضره الفقيه».
نعم، في موضع واحد منه ـ على ما وقفت ـ يذكر حديثاً في مقام الاعتضاد من دون ذكر وتسمية للإمام (عليه السلام)، قال: الخبر الّذي رُوي فيمن أفطر يوماً من شهر رمضان متعمِّداً أنَّ عليه ثلاث كفارات، فإنّي أُفتي به فيمن أفطر بجماع محرَّم عليه أو بطعام محرَّم عليه، لوجود ذلك في روايات أبي الحسين الأسدي(رضي الله عنه) فيما ورد عليه من الشيخ أبي جعفر محمد بن عثمان العمري(قدس سره) .
وبعدهما شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي، فإنّه مع روايته توقيعات الأحكام الصادرة من الناحية المقدّسة إلى محمد بن عبدالله بن جعفر الحميري في كتاب «الغَيبة»، لم يورد شيئاً منها في كتابيه «التهذيب» و«الاستبصار» اللذين يُعدّان من الكتب الأربعة عُمُد مصادر الأحكام.(لاحظ: الغدير:3/388ـ 389، طبعة مركز الغدير ـ قم).

صفحه 147

[ الآلوسي والبناء على القبور وثواب زيارتها ]

قال: كما أنّ كلّ أحد يعلم أنّ ما كتبه ممّا يعتقد الوهابية لا حقيقة له عندهم، بل دلّ على جهله على أنّ زخرفة القبور حرام لدى كافّة المسلمين وهم أوّل مَن ابتدع ذلك وسرى إلى غيرهم، والرافضة يصرّحون في كتبهم وقد رأيته بعيني أنّ زيارة قبور الأئمة أفضل من سبعين حجّة، ولذا تراهم يطوفون عليها ويطلبون جميع حوائجهم منها، وبنوا عليها القباب من الذهب وعلّقوا عليها كلّ ما يستظرف، ويقدون عليها كلّ ليلة ما يكفي لتنوير مدينة عظيمة (وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا)1.2
ونقول: لا شيء أدلّ على جهله من هذا الكلام الّذي لم يأت عليه بحجّة ولا برهان غير سوء القول، ومَن كان سلاحه السب والشتم وهو معدود من أهل العلم كفى ذلك مترجماً عن طويته.
(أمّا) ما يتعلّق بالقبور فقد استوفينا الكلام عليه في «كشف الارتياب» فليرجع إليه من أراد، وقد بيّنا فيه أنّ أوّل مَن بنى على القبور هم الصحابة الذين دفنوا النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)في حجرته الشريفة وتتابعوا في بنائها، وتعظيمها وتعظيم قبره الشريف، وزيارته والتبرّك به، وتبعهم المسلمون على ذلك إلى اليوم سنّيهم وشيعيّهم .
أمّا قوله: «إنّ الشيعة يصرّحون بأنّ زيارة قبور الأئمة أفضل

1 . الكهف: 104 .
2 . السنة والشيعة:64، الرسالة الأُولى.

صفحه 148
من سبعين حجّة» فلا لوم عليهم في ذلك إذا روته لهم الثقات عن
أئمتهم وأهل بيت نبيهم الّذين أخذوا علومهم عن جدهم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)واقتدوا بسنّته، وهل في ذلك مخالفة لعقل أو نقل؟! وما المانع من أن
يعطي الله تعالى الثواب العظيم لزائر قبور أوليائه وأحبّائه الّذين بذلوا
كلّ ما في جهدهم لنصرة دينه وإعلاء كلمته، فهو تعالى أكرم الأكرمين،
وهم أهل لكلّ كرامة، فما باله يبخله (ويداه تعالى مبسوطتان ينفق
كيف يشاء)؟!
وقد نقلنا في «كشف الارتياب» الروايات الدالّة على فضل زيارة جدهم (صلى الله عليه وآله وسلم)وهم من طينته وفرع من جرثومته، ولا لوم عليهم إذا طافوا بقبورهم عند زيارتها متبّركين بها، وقد جعلها الله طيبة مباركة .
(أمّا قوله): «ويطلبون جميع حوائجهم منها» فهو كذب وافتراء، وإنّما يطلبون حوائجهم منه تعالى عندها لبركتها، ويستشفعون إليه بأصحابها الّذين هم أحياء عند ربهم يرزقون، ويسألونهم الشفاعة لما لهم عنده تعالى من المكانة، ولما وعد به من قبول شفاعتهم، كما أنّ بناء القباب عليها من الذهب أو غيره وتعليق ما يستطرف عليها هو نوع من تعظيمها وتعظيم أصحابها الّذين أمر الله بتعظيمهم أحياءً وأمواتاً، كما فصّلنا ذلك كلّه وأوضحناه في «كشف الارتياب».
أمّا إنارتها لاستضاءة الزائرين وقراءتهم القرآن والأدعية وعبادة ربّهم فأمر راجح وصنع حسن لا لوم فيه ولا ذم، فإذا ذهب الزائرون أُطفئت تلك الأنوار.

صفحه 149

[ تحامل الآلوسي على طلبة العلوم الدينية في النجف ]

قال: واجتماع رجالهم في النجف وغيره (لا لطلب علم وتعلّم دين) بل للطم الخدود وقراءة القصص المكذوبة وأكل النذور وإضلالهم لجهلة الأعراب أيضاً لهذه العلّة ودينهم الّذي يدينون به سبّ الصحابة وتكفيرهم وإضلالهم الأعراب بذلك، وإلاّ فهم أجهل الناس بكلّ علم، وكم بحثت مع مَن ادّعى الاجتهاد منهم فألقمتهم ولله الحمد بحجر السكوت واعترفوا بجهلهم لدى خاصّتهم.
(ونقول) اجتماع طلبتهم في النجف ليس إلاّ لتعلّم العلوم العربية والعقلية والدينية من الأُصول والفروع وغيرها كما يجتمع طلاب أهل السنّة في الجامع الأزهر بمصر لهذه الغاية.
أمّا قوله): «بل للطم الخدود الخ» فعناد منه وتعصّب للباطل أظهره غيظه وحنقه وعداوته لشيعة أهل البيت الطاهر وأتباعهم أمّا عيبه لإقامة شعائر الحزن لمصائب أهل البيت والحزن لحزنهم فقد سبق لنا الكلام على مثله فلا نعيده .
(أمّا قوله) وقراءة القصص المكذوبة، فما هي إلاّ أخبار مقتل الحسين (عليه السلام)سبط الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) الّتي تكفّلت بها كتب التواريخ ; كالكامل لابن الأثير1، وتاريخ الطبري2، وكتب المقاتل والأخبار، إلاّ بعض ما يصدر ممّن لا علم لهم ولا تخلو عنه طائفة من الطوائف، ولا نريد كشف الستار عمّا عند غير الشيعة من ذلك.

1 . لاحظ: الكامل في التاريخ:4/46ـ94، حوادث سنة 61هـ .
2 . لاحظ: تاريخ الطبري:4/286ـ360، حوادث سنة 61هـ .

صفحه 150
(وأمّا النذور) فمَن نذر للمجاورين أو طلاب العلم أو الفقراء فلا ذمّ على من أكل منها.
(وأمّا) زعمه إضلال جهلة الأعراب لهذه العلّة فزعم فاسد، فهم لا يضلّون جهلة الأعراب، بل يهدونهم نهج الصواب، طلباً للأجر والثواب لا لهذه العلّة ولا لغيرها، وما باله قد غاظته هداية جهلة الأعراب وسمّاها إضلالاً ولم يغظه إضلال المبشّرين المنتشرين في أنحاء بلاد الإسلام لو كان صادق الغيرة على دين الإسلام.
أمّا سبّ الصحابة والفزع إلى الاستشهاد به في كلّ مقام لإثارة الفتن فقد سبق أنّ الشيعة لا تستحل غيبة مسلم فضلاً عن صحابي ولكنّها لا تتحاشى عن تفضيل علي (عليه السلام)على جميع الصحابة، وأنّه أحقّ بمقام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)من كلّ أحد وأدلّتهم وحججهم على ذلك معروفة مشهورة مذكورة في محالّها.
(أمّا) زعمه أنّهم أجهل الناس بكلّ علم فيكذبه أنّهم سبقوا الناس كلّهم إلى كلّ علم وألّفوا المؤلّفات الكثيرة في كلّ علم وفي كلّ عصر قبل أن يخلقه الله تعالى.
أمّا أنّه بحث مع مجتهديهم وألقمهم بحجر السكوت واعترفوا بجهلهم أمام خاصّتهم فدعوى مجردة عن البرهان كجميع دعاويه، ولو بحث مع مجتهديهم لما كان إلاّ ملقماً بحجر السكوت، معترفاً بالجهل أمام الخاصّة والعامة، ولكنّه كالذي مر على المقابر فقال: (كلّ هؤلاء كانوا عبيداً لأبي).
قال: وهؤلاء الدجالون أضرّ على المسلمين من جميع المخالفين، فإنّ اليهود

صفحه 151
والنصارى وعبّاد الأوثان لا يتمكّنون من إغواء أحد من الأعراب، ولا يمكنهم التقرّب إليهم، ولا تسمع منهم كلمة لديهم، فالأعراب آمنون من شر هؤلاء، أمّا هؤلاء الدجالّون والضالّون المضلون فقد تزيّوا بزيّ المسلمين وشاركوهم في كثير من الشعائر، فربّما نفقت خزعبلاتهم على عوام الأعراب لنيل شهواتهم والتوصّل إلى مقاصدهم من جمع النذور وأخذ الخمس وأُجرة قصص التعازي ونحو ذلك.
ونقول: هذا الدجال الضالّ المضلّ المفرّق لكلمة المسلمين والمثير الضغائن بينهم أضرّ على المسلمين من جميع من ذكر ومن غيرهم لتزييه بزي أهل العلم وزيّ المسلمين فربّما نفقت خزعبلاته على بعض الجاهلين وإذا كان هو وأمثاله ليسوا من الدجالين بل هادين مهديين ومسلمين حقيقيّين، فلماذا لم يذهبوا إلى الأعراب ويرشدوهم إلى طريق الدين لتنفق عليهم حقائقهم وهدايتهم المنزهة عن الخزعبلات إن كانوا من الصادقين؟!

[ الآلوسي يحرّض الحكومة(العثمانية) على الشيعة ]

قال: مع حثّهم ووعظهم على عدم طاعة الحكومة ولا إعانتها في شيء
حتّى حصل مقصودهم وأصبح العراق نيراناً تتسعّر فكم أسالوا دماء المسلمين وأضرّوا الحكومة ضرراً عظيماً والحكومة لم تتنبه لذلك إلاّ بعد أن اتّسع
الخرق على الراقع.
ونقول: دعواه حثّهم ووعظهم على عدم طاعة الحكومة دعوى باطلة، ولكن الّذي كان يحثّ على عدم طاعة الحكومة ويحرض عليها هو وزملاؤه ولذلك صادرت كتبه المطبوعة مع انتسابه إلى مذهبها، ولا ينسى

صفحه 152
أحد ما كتبه زميله الشيخ كامل الرافعي الّذي كان ضيفه من بغداد إلى المنار ونشر فيها من أنّ حكومة العراق شركة سلب ونهب، وأنّها غافلة عن الدسائس الأجنبية حتّى أصبح سواد العراق مسلّحاً بالمارتين ممّا تبعثه إنجلترا، وهل كان قتل جنود الحكومة العثمانية ومأموريها في متصرّفية نجد، وخروج ابن صباح عليها وتسليمه إمارة الكويت لدولة إنجلترا، واستيلاء الوهابيّين على متصرّفية القطيف في عهد الدولة العثمانية بوعظ علماء الشيعة؟! ولماذا لم يقم هو وزملاؤه المخلصون للدولة العثمانية بالحثّ والوعظ لقبائل الأعراب على طاعتها؟! ولماذا لم يشاركوا الشيعة وعلماءها في نصر الدولة العثمانية عند مهاجمة الإنجليز للعراق كما مرّ بيانه؟!
قال: والرافضي يقول إنّ العراق كان ولم يزل دار الروافض مع أنّي أعلم أنّ أقواماً من القبائل كانوا على مذهب أهل السنّة، وفي هذا العصر ترفّضوا، منهم: قبائل زبيد وهم عمدة قبائل العراق قوة وشجاعة وكثرة عدد، وهكذا قسم عظيم من شمّر، وقسم من بني تميم، فضلاً عن العصور الّتي لم أدركها.

[ العراق قلعة التشيّع ومنبته ]

ونقول: العراق كان ولم يزل مقرّ الشيعة ومنبتها من عهد بني أُمية إلى اليوم، قال أبو تمام الطائي:
وكوَّفَني ديني على أنّ مذهبي *** شآم ونَجْري أيّةً ذُكرَ النَّجْرُ1

1 . لاحظ: ديوان أبي تمّام:146، شرح وتعليق د. شاهين عطيّة. وفيه: (منصبي) بدل (مذهبي).

صفحه 153
وصنف بعض العلماء1 من أهل الكوفة ـ غاب عنّي الآن اسمه ـ كتاباً في الفضائل، فنهاه أصحابه عن إظهاره خوفاً عليه من النواصب، فسألهم: أي البلاد أبعد عن حب أهل البيت؟ فقالوا: اصفهان، فحلف أن لا يرويه إلاّ بها، ثقة بصحّة ما رواه فرواه بها.
(أمّا) أنّ بعض قبائل العراق كانوا على مذهب أهل السنّة وتشيّعوا في زمانه، فلا ينفي كون العراق كان ولم يزل دار التشيّع، وأنّ الأكثرية فيه للشيعة.

[ اتّهام الآلوسي للشيعة بأنّهم ينكرون الكثير من ضروريات الدين  ]

قال: ومَن العجب من هذا الرافضي أنّه عدّ فرقته من المتّبعين وجعل أهل السنّة كالوهابية وأضرابهم من المبتدعين، مع أنّ الروافض يبيحون شتم جمهور الصحابة، بل يحكمون بارتدادهم إلاّ عدداً يسيراً، ويفضّلون الأئمة الاثني عشر على أُولي العزم من المرسلين، ويقولون إنّ الأئمة يوحى إليهم، ويقولون: إنّ موتهم باختيارهم، ويقولون بالرجعة، أي بأنّ الأئمة سيرجعون إلى الدنيا وينتصفون من أعدائهم، وإنّ إمام الوقت هو محمد المهدي الّذي غاب في سرداب سر مَن رأى، وأنّه حي يرزق، ويزعمون أنّه إذا ذكر في مجلس حضر فيقومون له، واعتقدوا بتحريف القرآن ونقصانه، وأنّ الله لا يرى في الآخرة، وأنكروا كثيراً من ضروريات الدين، ومع ذلك يقولون إنّهم على الحق وغيرهم المتّبعون لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)

1 . وهو إبراهيم بن محمد الثقفي (المتوفّى 283 هـ) صاحب كتاب «الغارات» أصله من الكوفة وكان يرى رأي الزيدية ثم انتقل إلى مذهب الإمامية وصنّف كتاب «المعرفة» وفيه المناقب المشهورة لأهل البيت(عليهم السلام) ورحل به إلى اصفهان لنشر مواهبهم وفضائلهم. موسوعة طبقات الفقهاء: 3 / 49 ـ 50 .

صفحه 154
المحافظون على ما جاء به من الهدى ودين الحق هم المبتدعون.
وما أحسن ما قال فيهم القائل:
ليس التقى هذي التقية إنّما *** هذا النفاق وما سواه المنكر1
ونقول: العجب من هذا الناصبي وأمثاله وتكريره ذكر سبّ الصحابة، وجعله مفزعاً عند كلّ نازلة إثارة للفتن ونبشاً للضغائن بين المسلمين في هذه الأوقات الحرجة الّتي فتحت فيها بلاد الإسلام واستعمرت، وتفاقمت عليهم المصائب، وفشا الإلحاد وقامت ملوك بلاد الإسلام للسعي في هدم أساسه قبل غيرهم مع أنّهم يوالون مَن شتم أجلاّء الصحابة على المنابر في الأعياد والجمعات وسائر الأوقات، وجعله كفرض من فروض الدين.
(أمّا قوله): ويقولون إنّ الأئمة يوحى إليهم، وموتهم باختيارهم» فكسائر مفترياته وكلّ أحد يعلم أنّ ذلك ليس من واجب معتقدات الشيعة وأُصول مذهبهم، وجلّهم لم يسمع به فضلاً عن أن يعتقده، مع أنّه قد روي من طرقه ما هو نظير ذلك قال القسطلاني في «إرشاد الساري شرح صحيح

1 . وقال صاحب المنار في الحاشية نكتفي بالأوّل من الأبيات الّتي ذكرها هنا، لأنّ ما بعده طعن شديد لا نستحسن نشره ا هـ . والبيتان اللّذان أسقطهما هما هذان البيتان كما في الأصل المخطوط :
لو لم يكن... دينهم *** لتهوّدوا من دينهم وتنصروا
لا خير في دين يتاقون الورى *** عنه من الإسلام أو يتستروا
وأنت ترى أنّه نشر ما هو أفظع من ذلك أو مثله من أنّهم أضرّ على المسلمين من اليهود والنصارى وعبّاد الأوثان كما مرّ، وهو يزعم هنا أنّه ترك البيتين لأنّ فيهما طعناً شديداً لا يستحسن نشره، ولعلّه إنّما ترك البيتين لأن الثاني منهما ملحون. (منه قدّس سرّه)

صفحه 155
البخاري»1 : وفي حديث عمران بن حصين عند مسلم أنّه قال: كان يسلم على حتّى اكتويت فتركت الكي فعاد .
وعند مسلم أيضاً: إنّ الّذي كان انقطع عنّي رجع اليّ، يعني تسليم الملائكة. انتهى .
وفي «تهذيب التهذيب» .2 للحافظ ابن حجر العسقلاني قال ضمرة عن السري بن يحيى، عن رباح بن عبيدة قال: خرج عمر بن عبدالعزيز إلى الصلاة وشيخ يتوكّأ على يده فسألته عنه فقال: رأيته؟ قلت: نعم، قال: ما أحسبك إلاّ رجلاً صالحاً ذاك أخي الخضر أتاني فأعلمني أنّي سألي أمر هذه الأُمّة وإنّي ساعدك فيها. انتهى.
ولكن إذا روى أحد مثل ذلك أو قريباً منه في حقّ أحد من أئمة أهل البيت الطاهر أنكروه أشدّ الإنكار وقالوا: هذه مغالاة .
(أمّا الرجعة) فليست ممّا يجب اعتقاده عند الشيعة، ولكن إذا ورد بها حديث صحيح لم يجز ردّه بمجرّد الاستبعاد; لأنّه إنكار لقدرة الله تعالى. وقد ورد نظيره في الكتاب العزيز في حقّ عزيز الّذي أماته الله مائة عام ثم بعثه .3

1 . ج 8 ص 355 طبع مصر. (منه قدّس سرّه)
2 . ج 7 ص 477 طبع الهند. (منه قدّس سرّه)
3 . قال تعالى: (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَة وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنّى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللهُ مِائَةَ عَام ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْم قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَام فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ)(البقرة: 259) .

صفحه 156
(وكذلك) الاعتقاد بوجود المهدي وحياته غائباً عن أبصار الناس يرونه ولا يعرفونه، فليس من الأُمور المستحيلة الّتي يوجب اعتقادها ذمّاً ومنقصة، وللشيعة عليه أدلّة وبراهين مذكورة في محلّها، وقد شاركهم في ذلك الاعتقاد جماعة من علماء أهل السنّة ذكرنا أسماءهم في بعض ما سلف، وقد قيل بمثله في الخضر كما مر نقله آنفاً عن ابن حجر، ولم نر أحداً يستنكره ويهجن معتقده .
أمّا غيبته في سرداب (سر مَن رأى) فتوهّم غير صحيح، فليس أحد من الشيعة يعتقد غيبته في السرداب، وإنّما يتبرّكون بالسرداب الّذي كان يسكنهُ هو وأبوه وجدّه أعواماً عديدة، ويصلّون لله فيه ويدعونه تبرّكاً بآثار الصالحين كما مرّ.
محسن الأمين1

1 . مجلة العرفان: المجلد 19 ج 2 / 229 ـ 237 ; بيروت، شهر رمضان 1348 هـ الموافق لـ : شهر شباط 1930 م .

صفحه 157
 
معارف الشيعة وعقائدهم   

المقال السابع

[ معارف الشيعة وعقائدهم ]

قيام الشيعة عند ذكر الإمام المهدي احتراماً له كخضوعهم عند ذكر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) ـ رؤية الله في الآخرة أمر محال يدفعه العقل والنقل ـ كثرة الردود على الشيعة لا يدل على ضعف عقيدتهم نظير كثرة الردود على الإسلام ـ إيقاد نار الفتنة تحت غطاء إبطال البدعة ـ تضعيف كثير من علماء السنة ابن تيمية ـ هجوم عنيف للآلوسي على السيد الأمين ـ دفاع الآلوسي عن ابن تيمية والوهابية ـ تكفير الوهابيين عامّة الفرق الإسلامية ـ الاعتقاد الجازم بالصفات الخبرية الواردة في القرآن الكريم ـ تفسيرها بالظهور التصديقي لا بالظهور التصوري.
(أمّا قوله) ويزعمون أنّه إذا ذكر في مجلس حضر فيقومون له فتوهّم فاسد، فلا يعتقد أحد منهم أنّه إذا ذكر في مجلس حضر، وإنّما يقومون عند ذكره تعظيماً له، كما يقام عند ذكر ولادة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)تعظيما له، وهذا النوع من التعظيم راجح لا مانع منه ولا دليل ينفيه، وإن توهّم الوهابية أنّه بدعة

صفحه 158
لكنّه توهّم فاسد، كما بيناه في «كشف الارتياب».

(أمّا تحريف القرآن) فقد كرّرنا بيان فساد نسبته إلى الشيعة فيما مر فلا نعيده.

[ استحالة رؤية الله تعالى في الآخرة ]

(أمّا) رؤية الله تعالى في الآخرة فممّا قام البرهان على استحالتها كرؤيته في الدنيا ; لأنّ الرؤية بالبصر تستلزم الوجود في جهة خاصة، وتستلزم الكيف من اللون والطول والقصر وغيرها، وذلك من خواص الأجسام، والله تعالى ليس بجسم ولا عرض، فسيتحيل كونه في جهة، وإلاّ لكان حادثاً، والقول بأنّه يرى بالعين الباصرة بلا كيف قول بالمحال ومكابرة للوجدان، والأخبار الواردة في ذلك إن فرض صحّتها يجب تأويلها، كما هو الحال عند تعارض النقل والعقل، وإلى ذلك أشار القائل أورده في الكشّاف :
قد شبهوّه بخلقه وتخوّفوا *** شنع الورى فتستروا بالبلكفة
(أمّا قوله): «وأنكروا كثيراً من ضروريات الدين» فحاش لله أن ينكروا شيئاً من ذلك، أو يخالفوا شيئاً ممّا قام عليه إجماع المسلمين فضلاً عن ضروريات الدين، ولكنّه وأضرابه أنكروا كثيراً من الضروريات، كزيارة القبور وشدّ الرحال إليها والتشفّع بمن جعل الله له الشفاعة، وتعظيم قبور الصالحين والتبرّك بها، وغير ذلك وأثبتوا ما أحالته بداهة العقول.
وقد بان بما ذكرناه من هو المتّبع ومن هو المبتدع (فَسَتُبْصِرُ

صفحه 159
وَيُبْصِرُونَ * بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ).1
وقد قلنا في جواب الأبيات الّتي استشهد بها :
إنّ التقى هذي التقية جاءنا *** نص الكتاب بها بما لا ينكر
أنكرتموها والكتاب بها أتى *** من غير برهان فهذا المنكر

[ المتعة الدورية اتّهام سافر وكذب فاضح ]

قال: وما تكلم به في المتعة يكفي لإثبات ضلالهم، وعندهم متعة أُخرى يسمّونها الدورية. 2 ويروون في فضلها ما يروون وهي أن يتمتع جماعة بامرأة واحدة من الصبح إلى الضحى في متعة هذا، ومن الضحى إلى الظهر في متعة هذا، فلا بدع ممّن جوز مثل هذا النكاح أن يتكلّم به ويُسمّيه (الحصون المنيعة) وينبز أهل الإيمان والتوحيد بما نبزهم به.
(وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ).3
(ونقول) قد أصبحت الكتب بانتشار صناعة الطبع لا يعسر على أحد الاطّلاع عليها، وذلك كاف في ردّ كذبه وافترائه على الشيعة بما سمّاه المتعة الدورية، ومَن كان سلاحه الكذب والافتراء لابدع أن يتكلّم بما تكلّم به وينبز أهل الإيمان وأتباع أهل البيت الطاهر بما نبزهم به (وَلَتَسْمَعُنَّ

1 . القلم: 5 ـ 6 .
2 . وقال صاحب المنار هنا في الحاشية: إنّ لديه رسالة منه في هذه المتعة الّتي هي أقبح الزنا وأضرّه. ا هـ . وهو من أقبح الافتراءت كما بيّناه في المتن. (منه قدّس سرّه)
3 . آل عمران: 186 .

صفحه 160
مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ) .
قال: وقد ردّوا على الرافضة قولهم بالمتعة في كتب مفردة، وقد ردّها عليهم الجد في تفسيره، والردود العامّة عليهم لا تحصى، فالعلاّمة محمد أمين السويدي رد عليهم بأربع مجلدات سمّاه «الصارم الجديد» و «الصواعق» لأحد علماء الهند مجلد ضخم رد عليهم، و«التحفة»، وللجد ثلاثة ردود مختصرة، والفقير ردّ عليهم بنحو ألف ورقة فاغتصبته الحكومة، وذلك بثلاث مصنّفات.1

[ الحق لا يثبت بكثرة الردود ]

(ونقول) الردود كثيرة على كتاب الله العزيز وعلى دين الإسلام، والحقّ لا يثبت بكثرة الردود وأُلوف الأوراق وردود الشيعة على مَن خالفهم في ذلك وأدلّتهم وحججهم كثيرة لا تحصى، كردودهم على التحفة الاثني عشرية وكيف اغتصبت الحكومة العثمانية ردّه على الشيعة بنحو ألف ورقة، وهي لم تكن دولة شيعية فلابد أن يكون ذلك لطعنه في الدولة العثمانية وتدخله في سياستها وهو يزعم كما سبق انّه كان ناصراً لها وشيعة العراق وعلماؤهم كانوا يخذلونها ويحرّضون عليها والله تعالى نعم الحكم العدل.
ثم عاد إلى ما تعوده فذكر في ج 7 م 29 ص 531 من مجلّته من السباب والشتم والافتراء والنبز بالألقاب ما هو سلاحه الوحيد من نسبته إلينا الكذب في النقل والطعن في السنّة النبوية والاكتفاء من النقل من

1 . السنة والشيعة:67، الرسالة الأُولى.

صفحه 161
الكتب بما يؤيد دعوانا وكتمان غيره من كلام من ننقل عنهم وكلام غيرهم في الموضوع، وقوله عند ذكرنا الشيخ أو السيد أو الملاّ محسن الأمين العاملي، وأنّه كان يريد أن يكتفي بما نشره في الجزء الماضي، لكنّه أجاب دعوة من دعاه إلى التوسّع بما تدعو إليه الحاجة ويوجبه درء الفتنة وإبطال البدعة.
ونقول: دعواه علينا الكذب في النقل لم يأت عليها بشاهد، فكان أحقّ بنسبته إليه، ونحن عند نقلنا من الكتب عيّنا الجزء والصفحة كما يعلمه مطالعو كتابنا .
وأمّا اكتفاؤنا بنقل ما يؤيّد دعوانا، فلسنا ندري أي ذم فيه، ولا يلزم على من نقل كلاماً من كتاب أن ينقل جميع ما في الكتاب، أو جميع ما في الكتب، سواء كان في الموضوع أو غيره، إلاّ أن يكون في الكلام قرينة صارفة فيجب ذكرها .
وأمّا تعبيره عنّا بالشيخ أو السيد أو الملاّ فقد كشف عن بعده عن صفات أهل العلم وهل هذا من جملة حججه وبراهينه؟ وهل يليق بمن يصف نفسه بما وصفها به أن يشتغل بمثل هذا اللغو.
أمّا قوله: إنّه يريد درء الفتنة وإبطال البدعة فكلاّ، بل هو بما ينفثه من السموم ويعتمده من السبّ والقذف موقد نار الفتنة ونافخ ضرامها في أحرج الأوقات على المسلمين.
(أمّا البدعة) فكلّ يدّعي وصلاً بليلى
ثم نقل قولنا: إنّ الوهابية ومؤسّس دعوتهم ابن عبدالوهاب وباذر بذورها ابن تيمية ادّعوا أنّهم موحّدون وأنّهم باعتقاداتهم الّتي خالفوا بها

صفحه 162
المسلمين حموا جناب التوحيد من تطرّق الشرك، وإنّ الوهابيّين ادّعوا أنّهم هم الموحّدون وغيرهم من المسلمين مشركون، ولكن الحقيقة أنّ ابن تيمية وابن عبدالوهاب وأتباعهما قد أباحوا حمى التوحيد، وهتكوا ستوره وخرقوا حجابه ونسبوا إلى الله تعالى ما لا يليق بقدس جلاله.
فأثبتوا لله تعالى جهة الفوق والاستواء على العرش الّذي هو فوق السماوات والأرض والنزول إلى سماء الدنيا، والمجيء والقرب، وغير ذلك بمعانيها الحقيقية، وأثبتوا لله تعالى الوجه واليدين، واليد اليمنى واليد الشمال، والاصابع والكف والعينين كلّها بمعانيها الحقيقة من دون تأويل، وهو تجسيم صريح.
وحملوا ألفاظ الصفات على معانيها الحقيقية فأثبتوا لله تعالى المحبة والرحمة والرضا والغضب، وغير ذلك بمعانيها الحقيقية من غير تأويل، وأنّه تعالى يتكلّم بحرف وصوت فجعلوا لله محلاًّ للحوادث، وهو يستلزم الحدوث.
وإنّ ابن تيمية قال بالجهة والتجسيم والاستواء على العرش حقيقة، والتكلّم بحرف وصوت، وهو أوّل من زقا بهذا القول وصنّف فيه رسائل مستقلة، كالعقيدة الحموية والواسطية وغيرهما.
ثم نقل استشهادنا بقول ابن حجر في «الجوهر المنظم» أنّ ابن تيمية تجاوز إلى الجناب المقدس وخرق سياج عظمته بما أظهره للعامّة على المنابر من دعوى الجهة والتجسيم.
وبقوله في «الدرر الكامنة»: إنّ الناس افترقت في ابن تيمية، فمنهم مَن نسبه إلى التجسيم لما ذكره في العقدية الحموية والواسطية وغيرهما

صفحه 163
من ذلك بقوله: إنّ اليد والقدم والساق والوجه حقيقية لله، وإنّه مستو على العرش بذاته، فقيل له: يلزم من ذلك التحيز والانقسام؟! فقال: أنا لا أُسلّم أنّ التحيز والانقسام من خواص الأجسام، فأُلزم بأنّه يقول بالتحيز في ذات الله.1

[ هجوم عنيف للآلوسي على السيد محسن الأمين ]

وعقب ذلك بقوله: حسبي هذه الجملة من نقول الرافضي نموذجاً على كذبه في نقوله ومزاعمه واقتصاره في النقل على ما يوافق هواه كما يفعل دعاة النصرانية فيما ينقلونه من القرآن العظيم وكتب الحديث وغيرها من كتب المسلمين لتشكيكهم في الدين، ثم تحويلهم عنه إن لم يكن إلى النصرانية فإلى الإلحاد والزندقة ; لأنّهم يفضّلونها على الإسلام الّذي جاء بتوحيد الله وتنزيهه، وبكون المسيح (عليه السلام) نبيه جعله وأُمّه آية للناس بحملها به من نفخ روح الله جبرئيل (عليه السلام) الخ ; كما فعل أمثالهم أعداء الإسلام من يهود الحجاز عندما سألهم مشركو مكّة عن دينهم ودين محمد أيّهما الحقّ؟ فشهدوا لهم بأنّ دين الوثنية وعبادة الأصنام هو الحقّ، وبأنّ دين محمد وهو التوحيد والبعث والشهادة بالرسالة لموسى (عليه السلام) وغيره من رسل الله هو الباطل، كذلك يفضّل هذا الرافضي البدعة على السنّة وعلى ظاهر القرآن أيضاً .2
(ونقول) حسبنا نقل هذا الكلام من هذا الناصبي المفتري نموذجاً على كذبه وافترائه في نقوله ومزاعمه ونسبته الكذب إلينا، فهل استطاع أن

1 . لاحظ : كشف الارتياب: 12 .
2 . السنة والشيعة:71ـ 72، الرسالة الأُولى.

صفحه 164
يكذب ما نقلناه بغير الدعوى المجردة؟! وهل استطاع أن يقول: إنّ ما حكيناه عن العقيدة الحموية والواسطية ليس فيهما أو ما حكيناه عن عن ابن حجر في كتابيه ليس فيهما، أمّا اقتصارنا في النقل على ما وافق مدّعانا فهل يلزمنا على رأيه وتحكمه إذا نقلنا شيئاً من كتاب أن ننقل جميع ما فيه إذا لم يكن المتروك قرينة على المنقول أو متمماً لمعناه كما مرّ؟!
وهل يستطيع القول بأنّا تركنا شيئاً من هذا القبيل كلاّ وما باله لم يذكر جميع ما نقلناه عن ابن حجر في حق ابن تيمية وعن غيره وهو عدّة أوراق إذا كان ذلك واجباً على الناقل، وإن كان يزعم أنّنا تركنا ما ذكره البعض الشاذ من أشباه ابن تيمية من الثناء على ابن تيمية، فذلك شيء لا يلزمنا ذكره لا سيّما مع اعتقادنا بطلانه.
أمّا تشبيهه بدعاة النصرانية ويهود الحجاز فأولى أن يشبّه بهم وبالخوارج المارقين من الدين مَن يجعل الله تعالى جسماً فيثبت له جهة الفوق والاستواء على العرش الّذي هو فوق السماوات والنزول إلى سماء الدنيا والمجيء والقرب والوجه واليدين والأصابع والعينين كلّها بمعانيها الحقيقية من دون تأويل، ومَن يجعل تنزيه الباري تعالى عن ذلك بدعة ومخالفة للقرآن واعتقاده سنة!!
ومَن يستحل دماء المسلمين وأموالهم ويعتقد كفرهم وشركهم ويوجب جهادهم وغزوهم ويجعله جهاداً في سبيل الله!!
وقد حكى (في ج 9 م 29 ص 708) من مجلّته مطالبة الإخوان لجلالة الملك ابن سعود بالجهاد في مؤتمر نجد بقولهم: وهناك مسألة في خواطرنا نحب أن نبديها لك ذلك هو منع الناس من الجهاد وعدم السماح

صفحه 165
به لتكون كلمة الله هي العليا ودينه هو الظاهر الخ، فمن يريد الإخوان أن يجاهدوا يا ترى؟! هل غير أهل العراق واليمن والشام وشرق الأردن ولم ينقل جواب جلالة الملك لهم عن هذه المسألة، بل نقل الجواب عن مسألة (الأتيال) الّتي استشكلوا فيها حيث بلغهم أنّها سحر وقالوا: لا يخفى حال السحر والسحرة في الإسلام وعن مسائل أُخرى.

[ دفاع الآلوسي عن الوهابية وابن تيمية ]

قال: زعم الرافضي العاملي المتعصّب أنّ أوّل من زقا بهذه العقائد ابن تيمية، ولذلك حكم علماء عصره بضلاله وكفره وألزموا السلطان بقتله أو حبسه الخ .
وأقول: أوّلاً: إنّ الوهابية يدّعون بحقّ أنّهم موحّدون وحامون لحمى التوحيد من تطرّق الشرك، وكان يدّعي هذه الدعوى بحقّ من قبلهم شيخ الإسلام (أي ابن تيمية) وعلم أهل السنّة الأعلام وهادم أركان بدع الروافض وغيرهم من المبتدعة أرباب الخرافات والأوهام، وما حق شبهات الفلاسفة وضلالات الكفرة.1
(ونقول): قد ظهر والحمد لله لكلّ أحد مبلغ تعصّب الناصبي القلموني، وإنّه لم يأت بشيء غير التسجيع والتهويل والتزمير والتطبيل والدعاوى المجرّدة عن الدليل، فهو يصف ابن تيمية بشيخ الإسلام وبعض علماء أهل السنّة يبالغ ويقول بكفر مَن يُسمّيه شيخ الإسلام كما حكيناه في «كشف الارتياب» وهو يقول: «إنّه هادم أو كان البدع وماحق الضلالات» وأهل نحلته يقولون: إنّه أعظم المدّعين الضالّين المضلّين، وليس من شاهد على أحدى الدعويين أصدق من تصريحه بالتجسيم.

1 . السنة والشيعة:70 و 73، الرسالة الأُولى.

صفحه 166
(قال): ثانياً: إنّ الوهابية لم يدّعوا أنّهم هم الموحّدون وحدهم وأنّ غيرهم من جميع المسلمين مشركون، كما افترى عليهم هذا الرافضي المتعصّب وغيره، بل لم يدّعوا أنّهم فرقة أو أهل مذهب مستقل حتّى يصفوا أنفسهم بوصف من دون سائر المسلمين، وإنّما يقولون كما يقول غيرهم من العلماء بتوحيد الله الّذي دعت إليه جميع رسله إنّ المسلمين قد صدق في بعضهم حديث نبيهم من اتّباعهم سنن من قبلهم من أهل الكتاب في البدع ومخالفة هداية دينهم كما يصدق في بعض آخر منهم قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) بانّه لا تزال طائفة من أُمّته ظاهرة على الحقّ لا يضرّهم من خالفهم حتّى يأتي أمر الله، ويقولون: إنّ الذين اتّبعوا سنن من قبلهم هم أهل البدع من الجهمية والروافض وغيرهم، وأنّ القائمين بأمر الله هم المحافظون على الاهتداء بكتاب الله وسنّة رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)على الهدي الّذي كان عليه السلف الصالح من قبل ظهور البدع، ومَن قاوم البدع بعد ظهورها من علماء الأمصار، وفي مقدّمتهم الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنهم اجمعين.1

[ الوهابية يكفّرون جميع فرق المسلمين ]

(ونقول): تكفير الوهابية وتشريكهم لمن عداهم من فرق المسلمين من غير فرق بين أهل السنّة والشيعة وجميع فرق الإسلام أمر لا يقبل الإنكار ولا الاعتذار، قد صرّحوا به في جميع كتبهم الّتي طبعها لهم،2

1 . السنة والشيعة:73ـ 74، الرسالة الأُولى.
2 . وفي «كشف الشبهات» ما يدلّ على أنّ قائدهم كان يكفّر عامة المسلمين حيث قال: إنّ شرك الأوّلين أخفّ من شرك أهل زماننا بأمرين:
1. إنّ الأوّلين لا يُشركون إلاّ في الرخاء، وأمّا في الشدّة فيخلصون لله الدعاء، وبذلك تبيّن الفرق بين شرك زماننا، وشرك الأوّلين .
2. إنّ الأوّلين يدعون مع الله أُناساً مقربين عند الله، وأمّا أهل زماننا يدعون مع الله أُناساً من أفسق الناس. (لاحظ: كشف الشبهات: 12) (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ). (الكهف: 5).(المشرف)

صفحه 167
وصرّحوا به في أقوالهم مع المسلمين، بل هو محور مذهبهم وأساسه، وقد بيّنا في «كشف الارتياب» المواضع الّتي صرّحوا فيها بكفر جميع المسلمين ممّا ينبو عن الإحصاء، وأشرنا إلى الصفحة من كلّ كتاب، ومع ذلك يكابر هذا الناصبي المتعصّب للباطل ويعاند ويموّه ويصادم الحس والضرورة، وكيف ينطلي تمويهه على أحد وهذه كتبهم الّتي طبعها هو ونشرها تنادي وتعلن ببطلان تمويهه، بل هو نفسه قد صرّح بذلك كما نقلناه في «كشف الارتياب»، قوله: «إنّهم لم يدعوا أنّهم فرقة أو أهل مذهب مستقل» الخ. نعم لم يدعوا ذلك لأنّهم لا يرون غيرهم مسلماً ويرون أنفسهم هم المسلمين وحدهم لا غير، ومَن يرى ذلك كيف يعتقد أنّه من بعض فرق المسلمين وهو كلّهم!!
قوله: إنّهم يقولون إنّ المسلمين قد صدق في بعضهم حديث نبيّهم من اتّباعهم سنن من قبلهم من أهل الكتاب في البدع» هذا من جملة تمويهاته، فالتقييد بالبدع لا يوجد في كلامهم ، بل هو عام مؤكّد بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «حذو القذة بالقذة حتّى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه» 1وقد صرّح الوهابية في كتابهم إلى شيخ الركب المغربي بمرادهم حيث قالوا بعد نقل الحديث: إذا عرف هذا فمعلوم ما قد عمت به البلوى من حوادث الأُمور الّتي أعظمها الإشراك بالله الخ، كما نقلناه في «كشف الارتياب» .

1 . لاحظ : مستدرك الحاكم: 1 / 37 ; بحار الأنوار : 21 / 257 .

صفحه 168
قوله: «كما يصدق في بعض آخر منهم قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): لا تزال طائفة من أُمّتي الخ»، لاشك أنّ هذه الطائفة باعتقادهم هي الوهابية.
(قوله): «من الجهمية والروافض وغيرهم» فغيرهم هم أهل السنّة باعتقاد الوهابية.
(قوله): «وفي مقدّمتهم الإمام أحمد بن حنبل»، سواء كان
في مقدّمتهم أو في القلب أو الجناحين فدعوى انتساب الوهابية إليه
باطل ; لأنّه لم يكن مجسماً ولا مكفّراً للمسلمين مستحلاًّ دماءهم وأموالهم.
(قال: ثالثاً): إنّ ما ذكره من العقائد الّتي زعم أنّ ابن تيمية وابن عبدالوهاب وأمثالهم أباحوا حمى التوحيد وهتكوا ستوره بإثباتهم لله تعالى صفة العلو والاستواء على العرش الخ، إنّما أثبتوا بها ما أثبته الله تعالى في كتابه المعصوم وفي سنّة خاتم أنبيائه المعصوم المبيّنة له ذلك الكتاب العزيز الّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه خلافاً لغلاة الرافضة المارقين من الإسلام بزعمهم أنّ كتاب الله لم يكتبه كما نزل إلاّ عليّ وإنّه كتمه عن المسلمين إلاّ الأئمة أهل بيته وانّه انتهى أخيراً إلى مهدي السرداب وأنّه سيظهر في آخر الزمان، وزعم الكثيرون منهم أنّ القرآن حرّفه الصحابة وكتموا بعضه، وأنّ أئمة أهل البيت المعصومين عندهم قد وافقوهم من باب التقية الّتي لا تنافي العصمة عندهم، بل يباح بها الكذب وكذا الكفر.
ومنهم من بيّن الحقيقة سراً لبعض أتباعهم إلى أن أذاعها بعضهم
وجمع نصوصها عنهم صاحب كتاب «فصل الخطاب» برّأ الله كتابه وأهل بيت


صفحه 169
نبيه من هذا الكفر والضلال.1
(ونقول): «أمّا قوله أنّهم أثبتوا ما أثبته الله في كتابه وسنّة نبيه» فإن أراد أنّها ثابتة في الكتاب والسنّة بمعانيها الحقيقية الموجبة للتجسيم، فهو كذب على الله تعالى الّذي نزّه نفسه عن الجسمية وعن مشابهة المخلوقين بقوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)2 وبما ثبت عن نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم)ممّا يوجب تنزيهه تعالى عن ذلك، وبما وهبه لعباده من العقول السليمة الحاكمة بأنّ الجسمية وسائر ما أثبتوه بمعانيه الحقيقية لا تليق بذات الله تعالى، وإنّها من لوازم الحدوث وصفات المخلوقين والحاكمة بأنّه لا يمكن أن يراد بها معانيها الحقيقية، بل هي مصروفة إلى معان مجازية بقرينة العقل، وقرائن المجاز كما تكون لفظية تكون عقلية برأ الله تعالى كتابه وسنّة نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم)من هذا الكفر والضلال. وإن أراد أنّها ثابتة بمعانيها المجازية كما هو الحقّ فلم يكونوا أثبتوا ما أثبت الله .
(أمّا قوله) غلاة الرافضة المارقين من الإسلام» فأولى بالمروق من الإسلام من حذا حذو الّذين مرقوا من الدين كما يمرق السهم من الرميّة كما أخبر عنهم (صلى الله عليه وآله وسلم)وأشبههم في كلّ حالاته وأقواله وأفعاله كما بيّناه في «كشف الارتياب» وأولى بالثبات على الإسلام مَن اقتدى بأهل نبيّه وسلك طريقتهم ونهج منهاجهم ممّن يُسمّيهم الناصبي غلاة الرافضة .
وأمّا افتراؤه عليهم في اعتقادهم في القرآن الكريم فقد بيّنا فيما سلف عند تعرضه لمثل ذلك أنّه زور وافتراء، كما بيّنا خطأه في أمر المهدي الّذي

1 . السنة والشيعة:74ـ 75، الرسالة الأُولى.
2 . الشورى: 11 .

صفحه 170
اتّفق جميع المسلمين على أنّه سيظهر في آخر الزمان، بل اتّفق عليه جميع أهل الأديان وإن اختلفوا في شخصه، وخطأه في مسألة السرداب فلا نعيده. كما بيّنا أيضاً أنّ رده على التقية وتهجينه أمرها رد على الله تعالى في كتابه العزيز وأي كفر وضلال أعظم من ذلك .
قال: «وأمّا كونهم يثبتون تلك النصوص بمعانيها الحقيقية بدون تأويل ولكن مع أثبات التنزيه فهم متبعون في ذلك لسلف الأُمّة الصالح غير مبتدعين له، وإنّما ابتدع التأويل الجهمية والمعتزلة وأتباعهم من الروافض بشبهة تنزيه الله تعالى عن التجسيم والتشبيه».
ونقول: إثبات تلك النصوص بمعانيها الحقيقية بدون تأويل ولكن مع إثبات التنزيه هو كقول القائل: فلان كوسج عريض اللحية، فمعانيها الحقيقية تقتضي الحدوث والتجسيم وتنافي التنزيه وأمّا أنّهم اتّبعوا في ذلك سلف الأُمّة الصالح، فدعوى عارية عن الدليل وتشنيع على السلف الصالح يجب تنزيههم عنه .
قال: وأمّا شبهة المبتدعة المتأوّلين في تنزيه الله تعالى عن مشابهة خلقه الّتي يعبرون عنها بالتجسيم والتحيّز وغيرهما من لوازم الأجسام فبهذه الشبهة عطلوا أكثر صفات الله تعالى، والسلف الصالح أعلم منهم بمعاني النصوص وبما يجب الإيمان به، وأشدّ منهم تنزيهاً له تعالى.
ونقول: بعد ما حكم العقل بأنّ تلك الصفات لا يجوز أن يوصف بها الله تعالى لاستلزام ذلك التجسيم والحدوث لا تكون صفات له حتّى يقال إنّه يلزم تعطيل أكثر الصفات مع أنّ لزوم تعطيل الصفات كلام شعري لا يرجع إلى دليل.

صفحه 171
(وأمّا دعواه) على السلف الصالح الاعتقاد بذلك، فقد عرفت أنّه تشنيع عليهم يجب تنزيههم عنه مع أنّ العقائد لا يجوز فيها تقليد أحد.
ثم قال ما مختصره: إنّه كاد يخفى ذلك على أهل القرون الوسطى... حتّى ظهر شيخ الإسلام ابن تيمية... فأثبت صحّة مذهب السلف من طريق النقل والعقل.1
ونقول: قد عرفت فساد نسبة ذلك إلى السلف لأنّه تجسيم محض والعقل ينفيه، والنقل لا يخالف العقل، وليس في استطاعة ابن تيمية ولا غيره إثبات صحّة ذلك بالعقل ولا بالنقل.
محسن الأمين2

1 . لاحظ: السنة الشيعة:75ـ 77، الرسالة الأُولى، مع وجود اختلاف يسير.
2 . مجلة العرفان: المجلد 19ج3 / 346 ـ 352; بيروت، شوال ـ 1348 هـ الموافق لـ : آذار ـ 1930 م .

صفحه 172
 
محاكمة صاحب المنار في مواضع مختلفة   

المقال الثامن

[ محاكمة صاحب المنار في مواضع مختلفة ]

حمل الصفات الخبرية كاليد ونحوها على معانيها اللغوية يناقض تنزيهه سبحانه ـ القول بأنّ استواءه سبحانه ليس كاستواء الملوك على عروشها إخراج للفظ عن معناه اللغوي الذي يصر عليه صاحب المنار ـ لو صح هذا لصحّ أن يقال إنّه سبحانه جسم لا كسائر الأجسام ـ قوله: الألفاظ العربية ليس لها إلاّ وضع واحد، لا يكون دليلاً على تفسيرها بالمعنى اللغوي ـ ابن تيمية وإثبات العلو الحسّي لله سبحانه ـ تحقير صاحب المنار لعلم الكلام المأخوذ من الكتاب والسنّة والعقل، تكلّمه سبحانه ـ عند ابن تيمية ـ بخروج الصوت عن ذاته ـ اتّهام الشيعة بتبعيتهم للمعتزلة ـ اتّهام الشيعة بإيجاد التفرقة بين الأُمّة ـ نسبة نشوء الشيعة إلى عبد الله بن سبأ ـ نهضة الأُمّة الإسلامية للقضاء على خلافة الأمويين ـ عصمة الأئمّة مستفادة من الكتاب العزيز ـ تقسيم الشيعة إلى غلاة ومعتدلة تقسيم باطل ـ تهجّم صاحب المنار على السيد الأمين وعارف الزين ـ ادّعاء صاحب المنار السعي في التأليف بين الأُمّة يناقض ما نشره في مجلته ورسالته ـ القول الحاسم في الصفات الخبرية (للمشرف).
قال: والقاعدة في ذلك أنّ تنزيه الله تعالى عن مشابهة خلقه قد ثبت بدليل

صفحه 173
العقل والنصوص القطعية من النقل، كقوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) وأنّ السلف يجمعون بين الأمرين تنزيه الرب سبحانه ووصفه بما وصف به نفسه من الرحمة والمحبة والرضا والغضب وغير ذلك، وعدم التحكّم في التفرقة بين هذه الصفات وصفات العلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام فيقولون رحمته تعالى رحمة حقيقية ليست كرحمة البشر، كما أنّ علمه وسمعه وبصره ليس كعلم البشر وسمعه وبصره وغيرهما، وكذا يقول السلف في استوائه تعالى على عرشه أنّه استواء يليق بجلاله وتنزّهه عن مشابهة خلقه ليس كاستواء الملوك على عروشها ولا نتحكّم بعقولنا بتأويل ذلك كزعم أنّ الاستواء بمعنى الاستيلاء مثلاً.1

[ تناقض الوهابية بين تنزيه الله سبحانه ووصفه بما وصف به نفسه ]

ونقول: الجمع بين تنزيه الله سبحانه عن مشابهة خلقه وبين وصفه بهذه الصفات بمعانيها الحقيقية جمع بين المتناقضين، فإنّها بمعانيها الحقيقية من رقة القلب وميل النفس والتأثّر وغير ذلك من صفات الحادث المخلوق والله تعالى منزّه عن الحدوث وعن صفات المخلوقين بالعقل والنقل كما اعترف به. وقوله: «بما وصف به نفسه» فيه: أنّه من أين لنا أنّه وصف بها نفسه بمعانيها الحقيقية. قوله: «وعدم التحكم في التفرقة الخ» فيه: أنّ العقل لا يتردّد في عدم جواز وصفه تعالى بهذه الصفات بمعانيها الحقيقية والنقل يوافقه، فالواجب اتّباعه أمّا صفات العلم والإرادة الخ فقد

1. لاحظ: السنة والشيعة:77ـ 78، الرسالة الأُولى. أقول: لقد أطال صاحب المنار الكلام في الصفات الخبرية على وجه يمل القارئ، ولذلك جئنا بالقول الحاسم في تفسير هذه الصفات في آخر الكتاب، فلاحظ(ص230)، فهو يغنيك عن التطويل.(المشرف).

صفحه 174
اختلفت فيها أنظار العلماء من قديم الزمان فقالت الأشاعرة: إنّ صفات الله تعالى الّتي هي من صفات الذات لا من صفات الأفعال غير ذاته، وإنّها قديمة بقدم الذات. وقالت المعتزلة والشيعة: إنّها ليست غير ذاته لئلاّ يلزم تعدّد القدماء، ولذلك قال بعض الأشاعرة بأنّ صفاته تعالى ليست عين ذاته ولا غيرها، فوقعوا في التناقض وغاية ما يمكننا التصديق به ويلزمنا اعتقاده أنّه تعالى لا يصحّ نسبة الجهل إليه بشيء من المدركات والمسموعات والمرئيّات ولا العجز عن شيء تتعلّق به القدرة وأنّه لا يكره الخير ولا يريد الشر، وأنّه يوجد الأصوات والحروف على لسان جبرائيل أو في مثل الشجرة، فإن كان المعنى الحقيقي للعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام يشمل هذا، صحّ لنا أن نقول: إنّ هذه الصفات ثابتة له تعالى بمعانيها الحقيقية. وإن كان المعنى الحقيقي للعلم هو انطباع صورة المعلوم في ذهن العالم وللإرادة ميل النفس وللكراهة نفرتها وللقدرة وجود قوة في ذات القادر مغايرة لها، وللسمع وللبصر الإدراك بحاستيهما، وللكلام النطق باللسان والفم فلا تكون ثابتة بمعانيها الحقيقية ولا محذور في ذلك، والأشاعرة أثبتوا لله الكلام النفسي الّذي عجزوا عن تفسيره كما مر الكلام عليه فيما سبق .
(أمّا دعوى): أنّ الرحمة وغيرها حقيقية ولكنّها ليست كرحمة البشر كما أنّ العلم والسمع والبصر حقيقية لكنّها ليست كعلم البشر وسمعهم وبصرهم، فهي إحالة على مجهول، فإذا كنّا لا نعلم حقيقة تلك الرحمة وغيرها فمن أين علمنا أنّها حقيقية مع أنّ واضع لغة العرب وضع الرحمة لمعنى معروف معلوم هو رحمة البشر وما ماثلها فغيره لا يكون معنى

صفحه 175
حقيقياً، وكذا السمع والبصر والكلام وغيرها، وما أشبه هذه الدعوى بدعوى القائلين أنّ الأب والابن وروح القدس إله واحد، فإذا سئلوا كيف تكون الثلاثة واحداً؟ قالوا: هذا شيء فوق العقل.
(أمّا دعواه): أنّ السلف يقولون باستوائه تعالى على عرشه استواء يليق بجلاله وتنزّهه لا كاستواء الملوك على عروشها، فهو رجوع إلى التناقض والتهافت، فابن تيمية وأتباعه يقولون باستوائه تعالى على العرش الّذي هو فوق السماء والأرض استواء بمعناه الحقيقي، والاستواء بمعناه الحقيقي هو كاستواء الملوك على عروشها، وهو لا يليق بجلاله تعالى وتنزّهه وحمل الاستواء على غير ذلك من المعاني ـ مع أنّه إحالة على مجهول ـ رجوع التأويل والمجاز مع أنّه لو فرض محالاً إمكان ذلك في مثل الاستواء والرحمة والسمع والبصر لا يمكن فيما أثبته لله تعالى عمّا يقول الظالمون علواً كبيراً من الوجه والعينين واليدين اليمنى والشمال فهل يقول: إنّ لله تعالى وجهاً حقيقياً ليس كوجه البشر وعينين ثنتين حقيقيتين ليستا كأعين البشر، ويداً يمنى ويداً يسرى حقيقيتين ليستا كأيدي البشر، إذاً فليقل إنّه تعالى جسم حقيقي ليس كأجسام البشر، اللّهم إنّا نبرأ إليك من هذا الكفر والضلال، على أنّ ابن تيمية لم يبق لهذا العذر مجالاً فصرح بأنّ استواء الله تعالى على عرشه كاستوائه هو على المنبر كما نقلناه في «كشف الارتياب».
قال: ذلك بأنّ مبتدعة التأويل يقيسون الخالق على المخلوق فيزعمون أنّ المعاني الحقيقية لتلك الصفات الإلهية تستلزم التشبيه الممنوع عقلاً ونقلاً فوجب إخراج الألفاظ الدالّة عليها عن مدلولها وحملها على معاني مجازية ليتّفق العقل مع

صفحه 176
النقل وفاتهم أنّ تلك المعاني المجازية مستعملة في المخلوقات كالمعاني الحقيقية فالذين أوّلوا رحمة الله بإحسانه إلى خلقه فاتهم أنّ الإحسان المستعمل في اللغة تعبيراً عن صفات المخلوقين وأعمالهم محال على الله تعالى أيضاً إذ هو عبارة عن بسط يد بعطاء وإنقاذ غريق من البحر مثلاً وهذا لا يكون إلاّ بحركات الأعضاء فهو يستلزم التشبيه أيضاً .
ونقول بمعانيها: ليس المبتدع إلاّ من يصف الله تعالى بصفات المخلوقين ويجعله جسماً ويثبت له الأعضاء والجوارح بمعانيها الحقيقية ويكفّر المسلمين بما لا يوجب كفراً، ويعارض الناس في الأُمور الاجتهادية، ويجعل السنّة بدعة والبدعة سنّة.
والّذين يقيسون الخالق على المخلوق مَن أثبتوا للخالق تعالى يدين وعينين ووجهاً وذهاباً ومجيئاً وجلوساً على العرش الّذي فوق السماوات كما ثبت ذلك للمخلوق .
(وأمّا زعمه) أنّ الإحسان المستعمل في اللغة محال على الله لاستلزامه التشبيه فزعم فاسد، فإنّ الإحسان عبارة عن إسداء الخير إلى الغير وكونه في المخلوقين لا يحصل إلاّ بحركات الأعضاء لا يوجب دخول حركات الأعضاء في معناه، فالله تعالى إذا أنقذ الغريق بقدرته وأغنى الفقير، فقد أحسن إليهما حقيقة وإن كان المخلوق لا يمكنه ذلك إلاّ بحركة الأعضاء.
قال: كما يلزم ذلك متكلّمي الأشعرية الّذين وافقوا المعتزلة والجهمية والرافضة في تأويل ما عدا الصفات الثمانية الّتي يسمّونها صفات المعاني فإنّ العلم الّذي هو أبعد هذه الصفات عن الحاجة إلى التأويل عندهم هو عبارة في اللغة

صفحه 177
المستعملة في البشر عن انطباع صور المعلومات في ذهن العالم بها والله تعالى منزّه عن ذلك وعلمه أزلي ليس صورة ذهنية للمعلومات الّتي ثبت الحدوث لما عدا ذاته وصفاته الذاتية سبحانه وتعالى منها وفي صفات الأفعال خلاف معروف فوصفه تعالى بالعلم بمعناه الحقيقي المعروف في لغة البشر يستلزم تشبيهه بالبشر أيضاً ولذلك أنكر أئمة النار من المبتدعة جميع صفات الله تعالى وعطّلوها من معانيها ومنهم هذا الرافضي وأمثاله، ومذهب سلف الأُمّة يهدم هذه البدعة وشبهتها من أساسها بما بيّنه شيخ الإسلام ابن تيمية أوضح بيان، كما نقلناه عنه وعن غيره مراراً وخلاصته: أنّا نثبت لله تعالى ما أثبته لنفسه، وأثبته له رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) من صفاته وأفعاله بمعانيها الصحيحة المتبادرة من اللغة مع القول بالتنزيه ككون محبة الله لأنبيائه وأوليائه ورحمته بعباده ليستا كمحبة المخلوقين ورحمتهم فيما بينهم كما أنّ علمه تعالى ليس كعلمهم، فهذا هو اعتقاد المسلمين المؤمنين الّذين يتلقّون دينهم من كتاب ربهم وممّا صحّ عن رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) إليهم إثباتاً ونفياً من غير تحكيم للأهواء والبدع بشبهة قياس الخالق على المخلوق والرب على العبد.1
ونقول: قد عرفت أنّ المعنى الحقيقي للعلم ـ بحسب وضع اللغة ـ إن كان خاصّاً بانطباع صور المعلومات في ذهن العالم بها فلا مناص عن كون استعمال لفظ العلم فيه تعالى مجازاً، وإن كان أعم من ذلك كان استعماله فيه تعالى حقيقة، فقوله: «في اللغة المستعملة في البشر»، عار عن الفائدة ; لأنّه ليس هنا لغتان لغة مستعملة في البشر ولغة مستعملة فيه تعالى، فالألفاظ العربية ليس فيها إلاّ لغة واحدة ووضع واحد ولم توضع في حقّ البشر بوضع وفي حقّه تعالى بوضع آخر، وكيفما كان لا يصحّ قياس

1 . السنة والشيعة:78ـ 80، الرسالة الأُولى.

صفحه 178
الاستواء على العرش الّذي في جهة مخصوصة فوق السماوات والأرض وقياس الوجه واليدين والعينين على ذلك، إذ لو أمكن في العلم أن يقال: إنّه أعمّ من ارتسام صورة المعلوم في ذهن العالم به، لا يمكن ذلك في الاستواء على العرش بالوجه المذكور وفي الوجه واليدين والعينين، إذ لا شبهة في أن معنى الاستواء الحقيقي في لغة العرب حصول جسم فوق جسم، وفي أن المعاني الحقيقية للوجه والعينين واليدين هي الجوارح المخصوصة، لا معاني لها سواها، فإذا كانوا يقولون إنّها ثابتة له تعالى بمعانيها الحقيقية، كان ذلك تجسيماً صريحاً، فإنكار أئمة النار من المبتدعة والناصبة ومنهم هذا الناصبي، استلزام ذلك للتجسيم مكابرة وعناد.
أمّا زعمه أنّ ذلك مذهب سلف الأُمّة، فهو قدح منه في سلف الأُمّة يجب تنزيهها عنه كما مرّ، نعم هومذهب سلفه ابن تيمية والوهابية. وقد بيّنا أنّ هذه مسألة اعتقادية يجب الاعتقاد فيها بالبرهان والعقل لا بقول أحد.
(أمّا زعمه) ـ تقليداً لابن تيمية ـ إنّه يثبت له تعالى ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)من صفاته وأفعاله بمعانيها الصحيحة المتبادرة من اللغة مع التنزيه، فقد عرفت أنّه تناقض محض، وأنّه كقولنا: فلان كوسج عريض اللحية، وأنّه إذا فرض محالاً جواز أن نقول: إنّ محبته تعالى ورحمته لخلقه وعلمه ليس كمحبتهم ورحمتهم وعلمهم، وأنّ ذلك معنى حقيقي أيضاً لهذه الألفاظ، فلا يجوز أن نقول: إنّ له تعالى وجهاً ويدين وعينين بمعانيها الحقيقية لكنّها ليست كأوجه العباد وأيديهم وأعينهم، وبذلك تعلم أنّ هذا الاعتقاد الّذي ذكرهُ مباين لاعتقاد المسلمين المؤمنين

صفحه 179
الّذين يتلقّون دينهم من كتاب ربهم القائل: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)1 وممّا صحّ عن نبيهم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنّ القول به محض تحكيم للأهواء والبدع بشبهة قياس الخالق على المخلوق والرب على العبد وتشبيهه به ووصفه بصفاته، والله تعالى منزّه عن ذلك .

[ ابن تيمية وإثبات العلو لله سبحانه بمعناه الحقيقي ]

قال: ومثل ذلك إثبات صفة العلوّ والفوقية له تعالى، فقد سمّى الله تعالى نفسه (العليّ الكبير) فيقول سلف الأُمّة الصالح إنّ علوّه تعالى على جميع خلقه ليس كعلوّ رأس الإنسان على جثته ولا علو مَن في الغرفة على مَن في أسفل الدار، كما يقولون مثل ذلك في اسمه الكبير والعظيم، أي أنّه ليس بمعنى كبر الأجسام وعظمتها ككون الجبل أكبر من الصخرة مثلاً وقد شرحنا هذه المسألة من طريق العقل والنقل والعلم الكوني مراراً وأثبتنا أنّ العلوّ الجسمي بين الأجسام أمر نسبي ليس له حقيقة ثابتة، فكيف نستنبط من لوازمه ما نبطل به صفة الله الّتي وصف بها نفسه في الآيات والأحاديث الصحيحة الّتي أخذها السلف الصالح بالتسليم من غير جدل ولا تعطيل ولا تأويل، وقد سبق إلى ذلك شيخ الإسلام في كتابه «العرش» وغيره فبيّن أنّ العلوّ الحقيقي المطلق لا يثبت إلاّ لله العليّ الكبير القاهر فوق عباده، وما عداه فعلوّ نسبي ولاسيّما على القول بكروية العالم.
(ونقول): إذا كان علوّه تعالى ليس كعلوّ رأس الإنسان على جثته وكبره وعظمه ليس بمعنى كبر الأجسام وعظمها، والحال أن المعاني الحقيقية المتبادرة من اللغة والعرف للعلوّ والكبر والعظم تلك المعاني الّتي

1 . الشورى: 11 .

صفحه 180
نفاها، فلابدّ أن تكون مستعملة في معان مجازية، وإذا كان العلوّ الحسّي بين الأجسام هو المعنى الحقيقي للعلوّ لغة وعرفاً بحكم التبادر، وكان العلوّ المستعمل فيه تعالى هو بمعناه الحقيقي، فلازمه التجسيم والوجود في جهة دون جهة، فكيف لا نستنبط من لوازمه ما نبطل به إرادة ذلك المعنى ونعين إرادة غيره ممّا يليق به تعالى؟
(وأمّا أنّه) وصف بها نفسه في الآيات والأحاديث فقد عرفت أنّه إن أُريد أنّه وصف بها نفسه بمعانيها الحقيقية، فالعقل حاكم ببطلان ذلك، لاستلزامه وصفه تعالى بما لا يليق بجلاله وإنّه يحكم بإرادة معان مجازية تليق به تعالى .
وأمّا تكريره لكون السلف قال بذلك، فقد عرفت أنّه قدح في السلف الصالح يجب تنزيهه عنه.
(أمّا) ما نقله عن ابن تيمية من أنّ العلو الحقيقي المطلق لا يثبت إلاّ لله تعالى، فإن أراد به العلوّ الحسّي، فالله تعالى منزّه عنه، لأنّه من صفات الأجسام، وإن أراد غيره فهو ليس المعنى الحقيقي للفظ العلو المتبادر منه لغة وعرفاً ولا تعلّق لذلك بكروية العالم وعدمه.

[ اختلاف أهل السنّة في الصفات الذاتية لله سبحانه ]

قال: وقد اشتهر في كتب العقائد وعلم الكلام القديمة والحديثة للأشاعرة أنّ أهل السنّة انقسموا فيما عدا صفات المعاني الذاتية إلى سلف يفوّضون حقيقة تلك الصفات إلى الله تعالى ويمرّونها كما جاءت في الكتاب والسنّة مع تنزيه الرب تعالى عن الشبه والمثل، وخلف يؤوّلونها تأويلاً يوافق قواعد اللغة الّتي وردت

صفحه 181
بها، وقال بعضهم: إنّ مذهب السلف أسلم ومذهب الخلف أعلم، ولكنّ المحقّقين المنصفين منهم قالوا: إنّ مذهب السلف هو الأسلم والأعلم والأحكم، بل قال أبو حامد الغزالي: إنّ علم الكلام ليس من علوم الدين الأصلية وإنما هو ضرورة ألجأ العلماء إليها الرد على المبتدعة والفلاسفة فيما خالفوا فيه ما جاء من نصوص الدين القطعية، فهو كحرس الحجيج الّذي يحرسهم من قطاع الطريق إنّما يجب ما وجد المعتدون على الحجيج، فإذا لم يوجد من يعتدي عليهم يستغني عن الحرس لانّه ليس من أركان الحجّ ولا من واجباته ولا من سننه.1
(ونقول): إن صحّ ما نسبه إلى السلف كان معناه أنّا نعتقد بتلك الصفات كما أراد الله تعالى منها، وإن كنّا لا نعلم حقيقتها تفصيلاً وهذا معنى إيكال حقيقتها إليه تعالى وإمرارها كما جاءت في الكتاب والسنّة مع تنزيهه تعالى عن الشبه والمِثل أي نعتقد بأنّه لم يرد بها معنى يقتضي الشبه والمثل; وإن صحّ ما نسبه إلى الخلف كان معناه أنّنا نؤوّلها بتأويل يوافق قواعد اللغة بحملها على معان مجازية تناسب المعاني الحقيقية الّتي لا يمكن الحمل عليها لاقتضائها تشبيه الله تعالى بخلقه، فإنّ الحمل على المجاز مع القرينة ممّا تقتضيه قواعد اللغة، وبذلك يظهر أنّ من حملها على معانيها الحقيقية بدون تأويل ممّا يقتضي التجسيم وإثبات الشبه والمِثل قد خالف السلف والخلف.
وقال في ج 8 م 29 من مجلته تحت عنوان : السنّة والشيعة أو الوهابية والرافضة: زعم الرافضي العاملي أنّ ابن تيمية أوّل من أثبت ما ذكر من صفات الله تعالى بدون تأويل وتبعه بعض تلاميذه ثم الوهابية وأنّهم خالفوا في

1 . السنة والشيعة:80ـ 82، الرسالة الأُولى.

صفحه 182
ذلك جميع المسلمين، وهذا كذب وافتراء وتضليل لعوام أهل السنّة وتمهيد إلى جذبهم إلى الرفض الّذي من أُصوله تعطيل صفات الله تعالى بالتأويل وجعله عزوجل كالعدم تعالى الله عمّا يقول المبتدعون (عُلُوًّا كَبِيرًا )1، فما من صفة من تلك الصفات إلاّ وهي منصوصة في القرآن أو في الأحاديث الصحيحة (يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ )2، (لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ)3 وزعم الرافضي ان ابن تيمية يثبت لله تعالى يمينا وشمالا ونصوصه تدلّ على أنّه يتبع نصوص الكتاب والسنّة وإنّما ثبت فيهما لفظ اليدين ولفظ اليمين .
وثبت في حديث مسلم والنسائي «وكلتا يديه يمين»4 والحديث في إثبات الشمال لا يصحّ كما بيّنه الحافظ ابن حجر في الفتح والبيهقي قبله في «الأسماء والصفات» وكأنّ الرافضي لم يره .
وسمع قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)5، (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ )6، (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا)7، (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ )8 وما عزاه إلى ابن تيمية وتلاميذه والوهابية ممّا ليس في القرآن فهو في الأحاديث الصحيحة كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم)في حديث البخاري ومسلم وغيرهما «ينزل ربنا

1 . الإسراء: 4 .
2 . الفتح: 10 .
3 . ص: 75 .
4 . صحيح مسلم: 6 / 7، كتاب الأمارة، باب فضيلة الإمام العادل; سنن النسائي: 8 / 222 .
5 . طه: 5 .
6 . النحل: 50 .
7 . الفجر: 22 .
8 . البقرة: 186 .

صفحه 183
تبارك وتعالى كلّ ليلة إلى سماء الدنيا» الخ.1

[ التجسيم في عقيدة ابن تيمية والوهابية ]

(ونقول): زعم الناصبي أنّ هذه الأشياء ثابتة له تعالى بمعانيها الحقيقية، وأسند ذلك إلى الكتاب والسنّة وهو كذب وتضليل للعوام وافتراء على الله تعالى وعلى رسوله لأن ذلك تجسيم محض ووصف لله تعالى بما يوجب النقص والحدوث تعالى الله عمّا يقول المبتدعون علواً كبيراً وماذا يفيد ذكر هذه الأشياء في الكتاب والأحاديث والعقل حاكم بأنّه لا يجوز أن يراد بها معانيها الحقيقية لما ذكرناه، وزعم الناصبي أنّ نصوص ابن تيمية تدلّ على أنّه يتبع نصوص الكتاب والسنّة والثابت فيهما لفظ اليدين ولفظ اليمين، وأنّ كلتا يديه يمين، وأنّ الحديث في إثبات الشمال لا يصحّ
(ونقول): له كلّ أحد يقول أنا أتّبع نصوص الكتاب والسنّة ولكن إذا كان فيهما الحقيقة والمجاز وكانت إرادة المعنى الحقيقي غير ممكنة كما بيّنّا، كان الحمل عليه مخالفة لصريح العقل وللكتاب والسنّة، وغاية ما أورده أنّ ابن تيمية لا يقول باليد الشمال، لأنّ حديثه لم يصحّ ولكنه يقول: كلتا يديه يمين، فبخ بخ أثبت لله يدين بمعناهما الحقيقي ولكن كلّ منهما يمين، فلم يزد على ما أثبته بعض الشعراء لممدوحه بقوله: (كلتا يديه يمين عم نفعهما).
وأمّا زعمه أنّ عدم وصف الله تعالى بهذه الصفات بمعانيها الحقيقية

1 . السنة والشيعة:83ـ 84، الرسالة الأُولى.

صفحه 184
تعطيل لها وجعله عز وجل كالعدم، فهو تضليل محض، فالشيعة لم تعطل شيئاً ممّا يصحّ في العقل أن يوصف به الله تعالى ولم تجعله كالعدم ولكنها تنزّهه عمّا لا يصحّ عند العقل وصفه به ويجعله كالمخلوقات الحادثة المسبوقة والملحوقة بالعدم. (ونزوله تعالى) كلّ ليلة إلى سماء الدنيا بمعناه الحقيقي ممّا لا يليق بقدسه تعالى وإن وجد في الأحاديث، وهل كان في غير سماء الدنيا حتّى ينزل إليها؟ وهل وجد في مكان دون مكان أو اختص به مكان؟ تعالى الله عمّا يقول المبدعون علوّاً كبيراً.
قال: وأمّا الصوت فقد ذكر فيه البخاري عن ابن مسعود (رضي الله عنه): إذا تكلّم الله بالوحي سمع أهل السماوات شيئاً، فإذا فزع عن قلوبهم وسكن الصوت عرفوا
أنّه الحق من ربهم ونادوا: ماذا قال ربكم قالوا: الحق.1 قال البخاري

ويذكر عن جابر بن عبدالله، عن عبدالله بن أنيس: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب أنا الملك
أنا الديّان.
2
(إلى أن قال): وروى البخاري بعده بسنده المتصل إلى أبي سعيد الخدري (رضي الله عنه) قال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): يقول الله يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك، فينادي بصوت: إنّ الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار.3 وذكر الحافظ في شرحه له: أن (ينادي) وقع مضبوطاً للأكثر بكسر الدال، وفي رواية أبي ذر بفتحها،

1 . صحيح البخاري: 8 / 194، كتاب التوحيد، باب قوله تعالى: (لاَ تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً). (طه: 109).
2 . نفس المصدر.
3 . صحيح البخاري: 8 / 195 .

صفحه 185
والثانية تحتمل من التأويل ما لا تحتمل الأُولى .1
وذكر الحافظ في شرح الحديث الأوّل تأويل من أوّله من الأشعرية ثم قال: وهذا حاصل كلام من ينفي الصوت من الأئمة، ويلزم منه أنّ الله تعالى لم يسمع أحداً من ملائكته ورسله كلامه بل ألهمهم إيّاه، وحاصل الاحتجاج للنفي الرجوع إلى القياس على أصوات المخلوقين لأنّها الّتي عهد أنّها ذات مخارج، ولا يخفى ما فيه، إذ الصوت قد يكون من غير مخارج.2
(إلى أن قال) نقلاً عن الحافظ ابن حجر: وإذا ثبت الصوت بهذه الأحاديث الصحيحة وجب الإيمان بها، ثم إمّا التفويض وإمّا التأويل، وبالله التوفيق ا هـ . وظاهر كلامه أنّه يختار التفويض اتّباعاً للسلف.
ونقول: قد أنطقه الله بالحقّ من حيث لا يشعر بنقله أنّ الرواية الثانية تحتمل من التأويل مالا تحتمل الأُولى، ونقله عن ابن حجر تأويل مَن أوّله من الأشعرية ونقله عنه أنّه يقول إمّا بالتفويض أي إيكال علم ذلك إليه تعالى، أو التأويل، ودعواه أنّ ظاهر كلامه اختيار التأويل لا شاهد عليها، وبذلك تعلم أنّ التأويل ليس مختصّاً بالشيعة .
(أمّا) ما أطال به من نقل الحديثين فلا ينفعه شيئاً في تصحيح ما
أثبته ابن تيمية من الوجه واليدين والعينين وغيرها بمعانيها الحقيقية،
إذ غاية ما فيهما سماع صوت فيه الكلام وهو تعالى قادر على إيجاد
ذلك إمّا بإلهامه ملكاً، أو بدونه من دون لسان ولا حنجرة، كما أشار إليه
ابن حجر.

1 . فتح الباري: 13 / 386 .
2 . فتح الباري: 13 / 383 .

صفحه 186

[ اختلاف المتكلّمين في كلام الله تعالى ]

قال: ثم قال الحافظ في شرح حديث أبي سعيد: اختلف أهل الكلام في أنّ كلام الله تعالى هل هو بحرف وصوت أو لا؟ فقالت المعتزلة: لا يكون الكلام إلاّ بحرف وصوت، والكلام المنسوب إلى الله تعالى قائم بالشجرة. وقالت الأشاعرة: كلام الله ليس بحرف ولا صوت، وأثبتت الكلام النفسي وحقيقته معنى قائم بنفسه وإن اختلفت عنه العبارة كالعربية والعجمية، واختلافها لا يدلّ على اختلاف المعبَّر عنه، والكلام النفسي هو ذلك المعبر عنه. وأثبتت الحنابلة أنّ الله تعالى متكلّم بحرف وصوت، أمّا الحروف فللتصريح بها في ظاهر القرآن، وأمّا الصوت فمن منع قال: إنّ الصوت هو الهواء المتقطع المسموع من الحنجرة، وأجاب من أثبته بأنّ الصوت الموصوف بذلك هو المعهود من الآدميّين كالسمع والبصر، وصفات الرب بخلاف ذلك، فلا يلزم المحذور مع اعتقاد التنزيه وعدم التشبيه وأنّه يجوز أن يكون من غير الحنجرة فلا يلزم التشبيه، وقد قال عبدالله ابن أحمد بن حنبل: سألت أبي عن قوم يقولون: لمّا كلّم الله موسى لم يتكلّم بصوت؟ فقال لي أبي: بل تكلّم بصوت، هذه الأحاديث تروى كما جاءت وذكر حديث ابن مسعود وغيره. ا هـ . 1فهذه النقول من أحفظ الحفّاظ صريحة في أنّ إثبات هذا الصوت لكلام الله المنزّه عن مشابهة أصوات الخلق هو مذهب الإمام أحمد بن حنبل وأتباعه، وإن دعوى الرافضي العاملي أنّ أوّل من زقا به ابن تيمية وخالف فيه جميع المسلمين إلاّ الوهابية، كذب وافتراء .
(إلى أن قال:) وأي فرق بين إثبات الكلام وإثبات الصوت وكلّ منهما ثابت

1 . فتح الباري: 13 / 386 .

صفحه 187
للبشر، وكذلك السمع والبصر وسائر الصفات، وهل على المؤمن الّذي لا يحكّم هواه ولا شبهاته النظرية ولا يقلّد رجال مذهبه في عقيدته إلاّ أن يثبت لله تعالى جميع ما أثبته له كتابه ورسوله من تنزيه وصفات لم يكن من وسيلة لتبليغها للبشر إلاّ لغاتهم الّتي وضعوها لصفاتهم مع نفي التشبيه والتمثيل، على أنّنا لسنا بصدد ترجيح مذهب الحنابلة وسائر أئمة السلف، بل في صدد تكذيب الرافضي المتعصّب في زعمه أنّ هذا شيء افتجره ابن تيمية فحكم علماء المسلمين بكفره، وقلّده فيه بعض تلاميذه، ثم الوهابية وخالفهم سائر المسلمين، ولا يبعد أن يعني الرافضي بالمسلمين الشيعة وحدهم أو مع مَن سبقهم في التأويل من مبتدعة الجهمية والمعتزلة الّذين صارت الشيعة عيالاً عليهم في مخالفة النصوص في التأويل كما تقدّم من بعض متعصّبيهم في تفسير حديث افتراق هذه الأُمّة إلى 73 فرقة، إذ حاول جعل هذه الفرق كلّها من الشيعة ليخرج أهل السنّة من عداد أُمّة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).1
ونقول: ما أطال به هنا كالذي أطال به فيما سبق لا ينفعه شيئاً في تصحيح ما أثبته ابن تيمية من الوجه واليدين وغيرها بمعانيها الحقيقية، ولا في إثبات أنّ ذلك مذهب السلف فنقل خلاف المعتزلة والأشاعرة والحنابلة في كلام الله تعالى أنّه بحرف وصوت أو لا، لا يفيد شيئاً من ذلك; فالأشاعرة تنفي الحرف والصوت وتثبت الكلام النفسي الّذي هو معنى قائم بنفسه مغاير للعلم والإرادة والكراهة وذلك ليثبتوا انّه قديم بقدم الذات، فورد عليهم أنّه لا يعقل شيء وراء الحروف والأصوات قائم

1 . السنة والشيعة:84ـ 88، الرسالة الأُولى.

صفحه 188
بالذات غير العلم والإرادة والكراهة،1 وسواء صحّ ذلك أو فسد فالمعنى الحقيقي للكلام الموضوع له اللفظ في لغة العرب غير هذا. والمعتزلة تثبت الكلام لله تعالى بحرف وصوت يوجده في الشجرة أو بدونها أو يلهمه ملكاً، وهذا لا محذور فيه، وسواء كان معنى حقيقياً للكلام أو لا، لا يثبت الوجه واليدين والعينين والنزول إلى سماء الدنيا وغيرها لله تعالى بمعانيها الحقيقية المستحيلة عليه تعالى. والحنابلة تثبت الحرف والصوت بدون أن يكون خارجاً من الجوارح، وهذا أيضاً لا محذور فيه ولا يخرح عن قول المعتزلة، وكذلك ما نقله عبدالله بن أحمد بن حنبل عن أبيه لا يزيد عن ذلك .
فدعوى الناصبي أنّ هذه النقول تدلّ على أنّ مذهب الإمام أحمد بن حنبل هو مذهب ابن تيمية والوهابية كذب وافتراء، فالإمام أحمد لم يزد على القول بوجود الصوت عند تكليمه تعالى لموسى (عليه السلام)، وأين هذا من إثبات الوجه واليدين والعينين والقرب والبعد والنزول بمعانيها الحقيقية، كما أنّ تقييده الصوت بالمنزّه عن مشابهة أصوات الخلق ليس في كلام الإمام أحمد، ومن أين لنا أنّ الصوت الّذي سمعه موسى (عليه السلام)من الشجرة لا يشابه أصوات المخلوقين في جوهره وإن ورد أنّه سمعه من جميع جهاته؟
[ ما هو الفرق بين إثبات الكلام وإثبات الصوت ؟ ]
(أمّا قوله): «وأي فرق بين إثبات الكلام وإثبات الصوت... والسمع

1 . وعندئذ يرجع وصف التكلّم إلى وصف العلم. مع أنّ المدّعى تغايرهما.

صفحه 189
والبصر وسائر الصفات»، فالفرق بينهما واضح فالكلام والصوت يمكن أن يوجدهما الله تعالى في الشجرة أو بدونها أو يلهم الكلام لملك، أمّا الوجه واليدان والعينان والنزول إلى سماء الدنيا والمجيء وغير ذلك فلا يمكن أن توجد بمعانيها الحقيقية فيه تعالى بدون التجسيم، وعلى المؤمن الّذي لا يتبع هواه ولا يحكّمه ولا يعزل عقله جانباً ولا يهمل النظر والاستدلال ويُسمّي ذلك شبهات نظرية ولا يقلّد رجال مذهبه في عقيدته إلاّ أن يثبت لله تعالى ما أثبته له كتابه ورسوله من تنزيه وصفات لم يكن من وسيلة لتبيلغها للبشر إلاّ لغاتهم الّتي فيها الحقيقة والمجاز، ومعها القرائن العقلية والحالية والمقالية مع نفي التشبيه والتمثيل الّذي لا يتم ببقاء تلك الألفاظ على معانيها الحقيقية الّذي هو عين التشبيه والتمثيل.
وقد ظهر بذلك كذب الناصبي في زعمه أنّ إثبات الوجه واليدين والعينين والنزول والمجيء والقرب وغيرها لله تعالى بمعانيها الحقيقية مذهب السلف ومذهب الإمام أحمد ; ولسنا نعني بالمسلمين خصوص الشيعة لأنّ الّذين كفّروا ابن تيمية هم علماء السنّة. نعم الناصبي وأهل نحلته الوهابية لا يريدون بالمسلمين سوى الوهابية ; لأنّ ما سواهم عندهم كفرة مشركون، لأنّ ذلك محور مذهبهم وأساسه.
(وأمّا التأويل) فليس خاصّاً بالشيعة ولا بالمعتزلة، إذ قد سمعت اعترافه آنفاً بصدوره من الأشاعرة في ما نقله عن الحافظ ابن حجر.1
(وأمّا زعمه) أنّ الشيعة صارت عيالاً على المعتزلة في مخالفة

1 . وقد تقدّم أن هذا النوع من التفسير للصفات الخبرية، ليس تأويلاً بل أخذاً بالظهور الجملي، لا الفردي، وأخذاً بالظهور التصديقي لا التصوّري.(المشرف).

صفحه 190
النصوص بالتأويل، فزعم فاسد فالشيعة لم تكن في وقت من الأوقات عيالاً على أحد، ففيها من أهل النظر والاستدلال والتبحّر في العلوم في كلّ عصر ما لا ينكره إلاّ حاسد أو معاند، وكم لها مع علماء المعتزلة والمقدمين فيهم من المباحثات والردود والمحاجّات، ما ملأ بطون الدفاتر، وحسبك بكتاب «الشافي» للإمام الشريف المرتضى علم الهدى الّذي يردّ به على كتاب المغني في الإمامة للقاضي الباقلاني عالم المعتزلة ومقدمهم، وقد أورد منه ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح النهج المطبوع بمصر من ذلك شيئاً كثيراً .
وأمّا أنّ بعض الشيعة حاول جعل الثلاثة وسبعين فرقة كلّها من الشيعة الّتي كرّرها في كلامه هنا وفيما يأتي، فمن جملة افتراءاته واختلاقاته الّتي أخذ على نفسه أن لا يحول عنها، بل الأمر بالعكس فإنّ بعض علماء أهل السنّة قال: إنّ الاثنتين والسبعين فرقة كلّها من الشيعة، أمّا أنّ الثلاث والسبعين كلّها منهم فلم يقله أحد من الشيعة!! وكيف يتوهّم متوهّم خروج أهل السنّة والجماعة من أُمّة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)لكنّه قاله قصداً للتشنيع الّذي يتوخّاه ولو بالباطل .
ثم أخذ في نقل أقوال مَن زعم أنّهم موافقون لابن تيمية من السابقين في إثبات الوجه والعينين واليدين والاستواء على العرش والنزول إلى سماء الدنيا والمجيء وغير ذلك لله تعالى بمعانيها الحقيقية من غير تأويل ممّا لا نطيل بنقله، ناقلاً أكثر ذلك عن الحافظ ابن حجر في شرحه للبخاري، وقال في آخر كلامه: وحسبنا الخلاصة الّتي نقلناها عن شرح البخاري للحافظ ابن حجر فهي تلقم الرافضي الحجر، وتبّين لأهل السنّة

صفحه 191
ولذي العقل والإخلاص من الشيعة كذبه وافتراءه. وجلّ تلك الأقوال الّتي نقلها إن لم يكن كلّها ترجع إمّا إلى القول بالإيمان بتلك الصفات مع إيكال علمها إليه تعالى بدون بحث عن التأويل ; وإمّا إلى التأويل (مثل) قول ابن الأعرابي: هو على العرش كما أخبر، وقول الأوزاعي: هو كما وصف نفسه، وقول بعضهم: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول وعلى الله الرسالة وعلى رسوله البلاغ وعلينا التسليم، وأقوال أُخر قريبة من هذا (ومثل) قول جماعة في أحاديث الصفات: أمرّوها كما جاءت بلا كيف. (وقول) بعضهم: نؤمن بهذا الحديث من غير تفسير. (وقول) إمام الحرمين: اختلفت مسالك العلماء في هذه الظواهر، فرأى بعضهم تأويلها والتزم ذاك في آي الكتاب وما يصحّ من السنن، وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل وإجراء الظواهر على مواردها وتفويض معانيها إلى الله، وقوله: إنّ الثاني هو الّذي يرتضيه ويدين الله به، إلخ.1 ومعنى إيكال علمها إليه تعالى الاعتراف بعدم العلم بمعانيها لا القول بأنّه أُريد بها معانيها الحقيقية، ومع ذلك فالمتبع لاسيما في العقائد ما يقتضيه الدليل لا قول فلان وفلان على أنّ ما صرح به ابن تيمية في ذلك من قوله وهو على المنبر: إنّ الله ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا ونزل درجة من درج المنبر، وقوله بالقدم النوعي في العرش يقطع عذر كلّ معتذر عنه .
[ ابن بطوطة يروي ما شاهده من أفكار ابن تيمية الشاذّة ]
قال ابن بطوطة المالكي المغربي في رحلته 2 ما لفظه: كان بدمشق

1 . لاحظ : فتح الباري: 13 / 343 .
2 . رحلة ابن بطوطة: 1 / 57 .

صفحه 192
من كبار الفقهاء الحنابلة تقي الدين ابن تيمية كبير الشام يتكلّم في الفنون إلاّ أنّ في عقله شيئاً، وكان أهل دمشق يعظمونه أشد التعظيم ويعظهم على المنبر، وتكلّم مرة بأمر أنكره الفقهاء ورفعوه إلى الملك الناصر، فأمر بإشخاصه إلى القاهرة وجمع القضاة والفقهاء بمجلس الملك الناصر وتكلّم شرف الدين الزواوي المالكي وقال: إنّ هذا الرجل قال كذا وكذا، وعدّد ما أنكر على ابن تيمية وأحضر العقود بذلك ووضعها بين يدي قاضي القضاة، وقال قاضي القضاة لابن تيمية: ما تقول، قال: لا إله إلاّ الله، فأعاد عليه فأجاب بمثل قوله، فأمر الملك الناصر بسجنه، فسجن أعواماً، ثمّ إنّ أُمّه تعرّضت للملك الناصر وشكت إليه فأمر بإطلاقه، إلى أن وقع منه مثل ذلك ثانية وكنت إذ ذاك بدمشق فحضرته يوم الجمعة وهو يعظ الناس على منبر الجامع، فكان من جملة كلامه أن قال: إنّ الله ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا، ونزل درجة من درج المنبر، فعارضه فقيه مالكي يعرف بابن الزهراء وأنكر ما تكلّم به، فقامت العامّة إلى هذا الفقيه وضربوه بالأيدي والنعال ضرباً كثيراً حتّى سقطت عمامته، وظهر على رأسه شاشية حرير، فأنكروا عليه لباسها واحتملوه إلى دار عز الدين بن مسلم قاضي الحنابلة، فأمر بسجنه وعزّره بعد ذلك، فأنكر فقهاء المالكية والشافعية تعزيره ودفعوا الأمر إلى ملك الأمراء سيف الدين تنكيز وكان من خيار الأمراء وصلحائهم، فكتب إلى الملك الناصر بذلك وكتب عقداً شرعياً على ابن تيمية بأُمور منكرة، منها: أنّ المطلّق بالثلاث في كلمة واحدة ما تلزمه إلاّ طلقة واحدة، ومنها: المسافر الّذي ينوي بسفره زيارة القبر الشريف ـ زاده الله طيباً ـ لا يقصر الصلاة وسوى ذلك، وبعث العقد إلى الملك الناصر،

صفحه 193
فأمر بسجن ابن تيمية بالقلعة، فسجن بها حتّى مات في السجن. انتهى.

[ رد محمد عبده على رأي ابن تيمية بالقدم النوعي في العرش ]

وهذا شاهد عيان لا يُكذّب ولا يُتّهم في حقّ ابن تيمية، وقد ذكرنا في «كشف الارتياب»1 قول جلال الدين الدواني2 أنّه رأى في بعض تصانيف ابن تيمية القول بالقدم النوعي في العرش، وقول الشيخ محمد عبده فيما علّقه على ذلك أنّ ابن تيمية كان من الحنابلة القائلين بأنّ الله استوى على العرش جلوساً، فلمّا أُورد عليه أنّه يلزم كون العرش أزلياً قال: إنّه قديم بالنوع، أي لا يزال الله يعدم عرشاً ويحدث آخر من الأزل إلى الأبد حتّى يكون له الاستواء أزلاً وأبداً (قال الشيخ محمد عبده): ولننظر أين يكون الله بين الإعدام والإيجاد هل يزول عن الاستواء فليقل به أزلاً؟! فسبحان الله ما أجهل الإنسان وما أشنع ما يرضى به لنفسه!! انتهى.
وحسبنا ذلك فهو يلقم الناصبي الحجر ويبين لأهل السنّة وغيرهم أنّه لا سلاح عنده إلاّ الكذب والافتراء.
وذكر في (ج 9 م 29) من مجلّته بعنوان (مقدّمة رسائل السنّة والشيعة) آيات من القرآن فيها لفظ الشيع مثل (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْء)3، (وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْب بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ).4

1 . كشف الارتياب: 387 .
2 . في شرحه على العقائد العضدية.
3 . الأنعام: 159 .
4 . الروم: 31 ـ 32. لاحظ: «السنة والشيعة: 3، الرسالة الأُولى.

صفحه 194
ثم أعقب ذلك بقوله: كان التشيّع للخليفة الرابع علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)مبدأ تفرّق هذه الأُمّة المحمدية في دينها وسياستها، وكان مبتدع أُصوله يهودي اسمه عبدالله بن سبأ أظهر الإسلام خداعاً للمسلمين، ودعا إلى الغلو في علي كرّم الله وجهه; لأجل تفريق هذه الأُمة وإفساد دينها ودنياها عليها كما فعل أمثاله في النصرانية قديماً وحديثاً، وسبب ذلك العداوة والقتال بين قومه اليهود وبين النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، ابتدع هذا اليهودي بدعته وأعانه عليها آخرون من أهل ملّته أظهروا الإسلام نفاقاً ليقبل المسلمون أقوالهم الخادعة، ومنها وضع الأحاديث وغش رواة التفسير بالخرافات الإسرائيلية وغير ذلك.1

[ لفظ الشيعة في القرآن الكريم ]

(ونقول): أمّا تصديره مقدّمته بالآيات الّتي فيها لفظ الشيع ليطبقها على الشيعة، فلو صحّ ذلك لانطبقت (والعياذ بالله): «على إبراهيم الخليل (عليه السلام)لقوله تعالى: (وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ)2 وقد جاء في الحديث الشريف: «علي وشيعته هم الفائزون» أو ما هذا معناه3 (وقال علي (عليه السلام): «ان خليلي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: يا عليّ إنّك ستقدم على الله وشيعتك راضين مرضييّن، ويقدم عليه عدوك غضاباً مقمحين»، ثم جمع علي يده إلى عنقه يريهم الإقماح) ذكره ابن حجر في صواعقه عن الطبراني.4 وهذه الآيات أولى

1 . السنة والشيعة:4 و5، الرسالة الأُولى.
2 . الصافات: 83 .
3 . كشف الغمة للأربلي: 1 / 53 ; ينابيع المودّة للقندوزي: 2 / 78 و 245 و 312 ; بحار الأنوار : 40 / 76 .
4 . الصواعق المحرقة: 154 ; المعجم الأوسط للطبراني: 4 / 187 .

صفحه 195
بأن تنطبق على غير الشيعة لو أنصف.

[ تهمة دور التشيّع في تفرقة الأُمّة الإسلامية وردّها ]

أمّا ما رتّبه بزعمه على هذه المقدّمة الفاسدة مِنْ أنّ التشيّع للإمام الرابع كان مبدأ تفرّق هذه الأُمة المحمدية في دينها وسياستها، فباطل ; لأن التشيّع لعلي (عليه السلام)مرتكز على أساس وجوب التمسّك بالثقلين: الكتاب والعترة وجعله أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأنّه مع الحق والحق معه، وإلى ماجاء من فضائله ومناقبه الكثيرة الّتي لا يشاركه فيها أحد فلا يكون ذلك منشأ للتفرّق، بل للإلفة والاتّحاد لو مشى عليه المسلمون، وإنّما مبدأ تفرّق هذه الأُمّة في دينها وسياستها قتل الخليفة الثالث وأسبابه ونتائجه ممّا لا يجهله أحد حتّى ولا هو يجهله، ولا يدخل في شيء من ذلك التشيّع للخليفة الرابع، وأولى بأن يكون مبدأ تفرّق هذه الأُمّة المحمدية في دينها وسياستها العداء للخليفة الرابع والحسد له الّذي لم يزل شرره متطايراً إلى اليوم وينفخ هذا الرجل في ضرمه لا التشيع له.
أمّا أنّ مبتدع أُصوله عبدالله بن سبأ ففاسد، بل كانت مشايعة علي (عليه السلام)موجودة من الصدر الأوّل، كما أثبته التاريخ ونقلة الآثار وعرفه كلّ أحد، ولا يراد بذلك ممّا تناقله الخلف عن السلف إلاّ تهجين أمر التشيع لعلي (عليه السلام)والتنفير منه .

[ عبدالله بن سبأ ونشوء التشيّع ]

(أمّا عبدالله بن سبأ) فغلا هو وجماعة في علي (عليه السلام)وادّعوا فيه الإلهية،

صفحه 196
وأين دعوى الإلهية من التشيّع، فتفسير أحدهما بالآخر خبط وخلط أو تمويه وتضليل، وقد قتل علي (عليه السلام)عبدالله بن سبأ وأصحابه وأحرقهم بالنار على أكثر الروايات 1، ولم يبق لهم بعد ذلك كبير أثر إلى اليوم. وأمّا أنّ داعيه إلى ذلك عداوة اليهود للمسلمين فيكذبه أنّ المنقول عن ابن سبأ أنّه كان يقول وهو على يهوديته في يوشع بالغلو، فداعيه لذلك خبث ذاته واستعدادها للشر لا عداوة المسلمين، والمنقول أنّه جاهر هو وأصحابه بقولهم لعلي (عليه السلام): أنت الله، وأفطروا في شهر رمضان غير معتذرين ولا متسترين، فأين ذلك من الخداع وإرادة تفريق الأُمّة ووضع الأحاديث وغش رواة التفسير بالخرافات الإسرائيلية؟!
قال: بيد أنّ العداوة بين المسلمين واليهود لم يطل عليها الأمد... ثم قال: ولكن بدعة التشيع كانت قد سرت وانتشرت في المسلمين بالدعاية السرية، وكانت أقوى الأسباب في العداوة السياسية بين بعض كبراء الصحابة رضي الله عنهم بما كان ممّا يُسمّى في عرف هذا العصر بسوء التفاهم وحسن النية.2

[ التشيّع لم ينتشر بالدعاية السرية ]

ونقول: من البدع تسميته التشيع لعلي (عليه السلام)بدعة بعدما عرفت أنّه مرتكز على أساس الكتاب والسنّة ولم يكن انتشاره بين المسلمين بالدعاية السرية كما زعم، بل بالآيات القرآنية الّتي تتلى في المسلمين بكرة

1 . لاحظ : رجال الكشي: 1 / 323 ; خلاصة الأقوال: 372، برقم 19 ; معجـم رجـال الحـديث: 11/207 برقم 6892 .
2 . السنة والشيعة:5ـ6، الرسالة الأُولى.

صفحه 197
وعشيّاً، كآية المودة وآية المباهلة وآية الزكاة وآية التطهير وآية يطعمون الطعام على حبه وغيرها، وبالأحاديث النبوية الّتي ملأت الخافقين في فضله ومناقبه وبالصفات الحميدة الّتي ظهرت ظهور الشمس، وبالجهاد الّذي بُني عليه أساس الإسلام بقتله أركان الكفر ورؤساء النفاق وصناديد العرب، وبالمعجزات الّتي امتلأت بها بطون الكتب من رد الشمس والإخبار بالمغيّبات وغيرها، ولم يستطع أعداؤه من بني أُمية محو شيء من فضائله على شدّة عداوتهم له وبذلهم الأموال في سبيل ذلك وسفكهم دماء محبيه وإحسانهم إلى معاوية في الأعوام الكثيرة الّتي كان لهم فيها السلطان، فهل يحتاج التشيّع له مع ذلك إلى الدعاية السرية أو الجهرية؟

[ التشيع ليس سبباً للعداوة السياسية بين الصحابة ]

أمّا جعله التشيّع له أقوى أسباب العداوة السياسية بين بعض كبراء الصحابة وتسميته له بسوء التفاهم مع حسن النية، فيكذبه أنّ أقوال أُمّ المؤمنين رضي الله عنها في الخليفة الثالث1 لم يكن سببها التشيّع لعلي; وخذلان بعض أكابر الصحابة وغير الأكابر للخليفة الثالث لم يكن سببه التشيع لعلي (عليه السلام); ورمي مروان بن الحكم وهو من الصحابة طلحة وهو من أكابرهم بسهم يوم الجمل لم يكن سببه التشيّع لعلي (عليه السلام)، وقول طلحة لمّا أصابه السهم: (اللّهم خذ لعثمان منّي حتّى ترضى) 2 لم يكن سببه التشيّع لعلي (عليه السلام)، وحرب الجمل وصفين والنهروان الّتي سفكت فيها دماء مئات

1 . اقتلوا نعثلاً... الخ .
2 . راجع صفحة 112 ج 3 تاريخ ابن الأثير طبع عام 1301. (منه قدّس سرّه)

صفحه 198
الألوف من المسلمين لم يكن سببها التشيّع لعلي، فأين هي العداوة السياسية الّتي سبّبها التشيع لعلي .
نعم لو قال قائل: إنّ العداوة لعلي وحسده كانت أقوى أسباب العداوة السياسية من بعض كبراء الصحابة، لم يكن بعيداً من الصواب كما مرّت إليه الإشارة، أمّا أنّ ذلك كان بسبب سوء التفاهم أو بغيره فلا غرض لنا يتعلّق ببيانه فلنطوه على غرة.
قال: ومَن راجع أخبار واقعة الجمل في تاريخ ابن الأثير مثلاً يرى مبلغ
تأثير إفساد السبئيّين لذات البين وحيلولتهم بالمكر والفساد دون ما كاد يقع
من الصلح.

[ العوامل الأساسية في حرب الجمل ]

ونقول: تمسّك هنا بما ذكره ابن الأثير من أنّ السبئيّة يوم الجمل وضعوا رجلاً قريباً من علي يخبره بما يريد، وقوله: «والسبئية لا تفتر [ انشاباً]»، وقوله: «والسبئية امامهم» ممّا يدلّ على أنّهم ساعدوا على إفساد ما كاد يتم من الصلح على ما زعمه من أنّ أقوى أسباب العداوة السياسية بين الصحابة هو التشيّع لعلي، ونسي أو تناسى ما كان أقوى أسباب العداوة من قتل الآباء والأبناء في الحروب، وتشدّد عليّ في العدل والمساواة حتّى مع أخيه عقيل، وغير ذلك ممّا لا يجهله أحد وحصر أقوى أسبابها في التشيّع وأعمال السبئية، ونسي أو تناسى ما كان أقوى أسباب الحيلولة دون ما كاد يقع من الصلح لمّا دعا عليٌّ الزبيرَ وذكّره أقوال الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)له في حقّ علي واحتجّ عليه ببيعته طائعاً، فهمَّ بالرجوع عن حربه، فنسبه أصحاب

صفحه 199
الجمل إلى الجبن ليحفظوه، فكرّ على عسكر علي ليبرّئ نفسه من الجبن، إلى غير ذلك ممّا جرى في تلك الوقعة وجعل التأثير العظيم لعمل السبئيين.
قال: ولولا أنّ خلف زنادقة الفرس السبئيّين في إدارة دعاية التفريق بين المسلمين بالتشيّع والغلو في علي وأولاده وأحفاده الطاهرين لزال خطرها بعد ترك اليهود لزعامتها السرية لكن الخليفتين الجليلين (رض) حاربا الفرس، وتمّ للثاني فتح جبل بلادهم وشلّ عرش كسرى والقضاء على ديانتهم المجوسية فاحفظ ذلك قلوب أُمرائهم وزعمائهم من رجال الدين والدنيا وليس لذي العجز عن الثأر بالقوة الحربية إلاّ المكائد السرية، فتولى مهرة رجال الفرس أمرها وكانوا أجدر بها وأهلها، فمنهم مَن تولّى السعي لإفساد دين العرب الّذي انتصروا بتعاليمه على الفرس وغيرهم، ومنهم مَن تولّى السعي للإفساد السياسي بتحويل الخلافة إلى العلوّيين، ولمّا لم يجدوا منهم لزهدهم في الدنيا من يواتيهم على كلّ عمل ولو غير مشروع في الدين، حوّلوها إلى العباسيّين، ثم صاروا يكيدون للعباسيّين بما كان أغرب طرقهم فيه ما قام به البرامكة من جعل جميع إدارة ملك الرشيد في أيديهم حتّى تنبه لذلك فبطش بهم وكان أذكى مَن فطن لدسائس البرامكة وإلحاد الشيعة الباطنية.1

[ التشيّع لعلي (عليه السلام)ليس سبباً لتفرّق المسلمين ]

(ونقول): التفريق بين المسلمين لم يكن بالتشيّع لعلي وذريته كما زعم، وإنّما كان بهضمهم حقوقهم وقتلهم وظلمهم حتّى أدّى الحال إلى

1 . السنة والشيعة:6ـ 7، الرسالة الأُولى.

صفحه 200
تلك الحروب المحزنة في تاريخ الإسلام، وإلى قتل سبطي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)وريحانتيه: أحدهما بالسم والآخر بالسيف على أفظع صورة عرفها التاريخ مع ما لهما من المكانة عند المسلمين بإيصاء جدهما بهما والتنويه بفضلهما وإمامتهما وبفضائلهما ومزاياهما الشريفة الّتي عرفت عند جمهور المسلمين، ولم يكن يشاركهما فيها أحد، هذا الّذي فرّق بين المسلمين لا التشيّع لعلي وولده .
(أمّا الغلو) فيهم فكان من شذّاذ قتلهم علي (عليه السلام)وأحرقهم بالنار وبقي بعدهم شذاذ ليس لهم أثر في أحوال المسلمين الدينية والسياسية .
أمّا تفضيلهم وعصمتهم الّتي دلّت عليها الأدلّة القاطعة ممّا ليس هذا محلّ بيانه، وكفتنا الكتب الكلامية مؤنته، فإن كان يزعم أنّه غلو فأولى بأن يكون غيره تقصيراً. ووصفهم بالطاهرين ليرفع عن نفسه وصمة النصب وأنّى وهو يعادي أولياءهم وأتباعهم؟!

[ الفرس لم يفرّقوا المسلمين بتشيّعهم ]

وأمّا زعمه أنّ زنادقة الفرس خلفوا السبئيّين في إدارة دعاية التفريق بين المسلمين بالتشيّع والغلو في علي وولده، وأنّه لولا ذلك لزال خطرها بعد ترك اليهود لزعامتها السرّية، فيكذبه ما عرفت من أنّ التشيّع لعلي وولده كان من الصدر الأوّل ولم يكن بالدعاية السرية اليهودية ولا بغيرها كما اختلقه بعض مَن ينصب العداء لشيعة أهل البيت الطاهر وتبعه هو عليه، وأنّ التفريق بين المسلمين لم يكن من زنادقة الفرس، فإنّ أعظم تفريق بين المسلمين كان في زمن الخليفة الثالث وكان مديره الوحيد مروان بن

صفحه 201
الحكم بما كان يصدره من حركات الفساد، فهل كان مروان في نظره من زنادقة الفرس غالياً في حبّ علي وولده متشيّعاً لهم أو عدوّاً ألد، أو من خيار العرب، أو من ملاحدتهم؟! وأي تفريق بين المسلمين أحدثه ذلك الفساد؟! وأي حروب وفتن ترتبت عليه؟! وكم دماء أُريقت وحرمات انتهكت بسببه؟! وهل سبب حرب الجمل وصفين والنهروان وما سفكه بسر بن أرطاة من دماء المسلمين وما سفك يوم كربلاء والحرّة وفتنة ابن الزبير وغيرها من الدماء، إدارة زنادقة الفرس دعاية التفريق بين المسلمين بالتشيّع والغلو في عليّ وولده؟! أو سبّبتها دعاية التفريق بينهم بالعداوة لعليّ وولده وهضمهم حقوقهم ولعنهم على المنابر وقتلهم سراً وعلانية بدس السموم وحدود السيوف من فسّاق العرب أو من خيارهم وصلحائهم .
(وهل) خلف مروان في إدارة دعاية التفريق بين المسلمين زنادقة الفرس الغالين في التشيّع لعليّ وولده، أو قومه بنو أُمية الغالون في النصب والعداوة لعليّ وولده؟! نعم لو لم يخلفوه لزال خطر تلك الدعاية، وعلى ذكر الفرس نقول: إنّ أكثر علماء الإسلام وعظمائهم كانوا من الفرس كما لا يجهله أحد .
أمّا تعليله تولّي مهرة رجال الفرس أمر تلك الدعاية بمحاربة الخليفتين الجليلين لهم وفتح الثاني بلادهم والقضاء على ديانتهم الخ، فخلط وخبط وتضليل وتمويه.
(أمّا) ما يزعمه من الإفساد الديني بالتشيّع لعليّ وولده، فلم يكن من الفرس لا من زنادقتهم ولا من متديّنيهم، بل التشيّع لعليّ وولده من الصدر

صفحه 202
الأوّل إلى عصر التابعين وتابعي التابعين ومن بعدهم كان فاشياً في المسلمين من العرب لا دخل للفرس فيه، وإن وجد فيهم مَن يتشيّع لهم فحاله كحال سائر المسلمين .1

[ الفرس لم يكونوا سبباً في القضاء على خلافة بني أُمية ]

(وأمّا) إرادة تحويل الخلافة من بني أُمية إلى غيرهم الّذي سمّاه إفساداً سياسياً فكان مبدؤه من بني هاشم، فقد ذكر أبو الفرج الأصبهاني في «مقاتل الطالبيين» 2 أنّهم اجتمعوا بالأبواء من العباسيّين والعلويّين وبايعوا محمد بن عبدالله بن الحسن، وأنّ جعفر بن محمد الصادق أخبر بعدم تمام هذا الأمر وأنّ صاحبهم صاحب القباء الأصفر أحد بني العباس، وبلغ ذلك بني العباس فتفرّق القوم ولم يجتمعوا بعدها، ثم قتل المنصور محمد بن عبدالله بن الحسن وكان ممّن بايعه.
(وذكر) ابن الأثير في تاريخه أنّ ابتداء الدعوة العباسية كان في خلافة عمر بن عبدالعزيز سنة مائة من الهجرة (فقال): في هذه السنة وجّه محمد بن علي بن عبدالله بن العباس الدعاة في الآفاق، وكان سببه أنّ محمداً كان ينزل أرض الشراة من أعمال البلقاء بالشام، فسار أبو هاشم عبدالله بن محمد بن الحنفية إلى الشام إلى سليمان بن عبدالملك، فاجتمع به محمد بن علي فأحسن صحبته، واجتمع أبو هاشم بسليمان فأكرمه ورأى من

1 . إنّ كثيراً من الفرس كانوا من السنّة فإنّ قسماً كبيراً من أصحاب السنن والمسانيد هم من الفرس.(المشرف).
2 . لاحظ : مقاتل الطالبيين: 158 .

صفحه 203
علمه وفصاحته ما حسده عليه وخافه، فدسّ إليه من سمّه في لبن فلمّا أحسّ بالشر قصد الحميمة من أرض الشراة وبها محمد فأعلمه أنّ هذا الأمر صائر إلى ولده، وكان أبو هاشم أعلم شيعته من أهل خراسان والعراق أنّ الأمر صائر إلى ولد محمد بن علي وأمرهم بقصده بعده، فلمّا مات أبو هاشم قصدوا محمداً وبايعوه ودعوا الناس إليه فأجابوهم، ثم ذكر أسماء جماعة ممّن سيّرهم إلى الآفاق، منهم: الخزاعي والتميمي والطائي والشيباني وغيرهم من العرب.1
(ثم ذكر) أنّه في سنة أربع ومائة ولد السفّاح ووصل إلى أبيه جماعة من خراسان ممّن كان أرسلهم إلى الآفاق فأخرجه إليهم في خرقة وقال: هذا صاحبكم الّذي يتم الأمر على يده.2 ثم ذكر أحوال دعاة بني العباس الّذين وجّهوهم إلى الآفاق، فممّا ذكره أنّ أوّل من قدم خراسان من دعاتهم زياد مولى همدان بعثه محمد بن علي بن عبدالله بن عباس وقال له.. أنزل في اليمن وألطف بمضر، إلى أنّ ذكر أن العامل قتله مع عشرة من أهل الكوفة، وكلّ ذلك يدلّ على أنّ جمهور الدعاة كانوا من العرب .
ثم ذكر أنّه في سنة سبع عشرة ومائة قتل عامل خراسان جماعة من العرب من دعاة بني العباس،3 وهكذا إلى أن تمّ لهم الأمر ; فمَن هم زنادقة الفرس الذين قصدوا تحويل الأمر إلى العلويين لقصد الإفساد السياسي انتقاماً لدينهم من المسلمين، ثم إلى بني العباس لمّا لم يقبل منهم

1 . الكامل في التاريخ: 5 / 53 .
2 . الكامل في التاريخ: 5 / 114 .
3 . الكامل في التاريخ: 5 / 189 .

صفحه 204
العلويون، فهذه التواريخ شاهدة بكذب هذه الدعوى الملفّقة، وأنّ الّذين بثّوا الدعوة العباسية هم بنو العباس أنفسهم، والّذين قاموا بها كلّهم أو جلّهم من العرب لا من الفرس، وأنّ ذلك جار على سنّة الكون لا بقصد انتقام الفرس من أهل الإسلام، ومَن هم الّذين كادوا للعباسيّين من زنادقة الفرس؟!
(أمّا أبو مسلم الخراساني) فلم يذكر أحد أنّه كان من الزنادقة، ولا أنّه كاد لبني العباس، وإنّما قتله المنصور كما قتل غيرُه من الملوك الجمَّ الكثير خوفاً على ملكهم لا للزندقة، كما قتل العبيديون صاحب دعوتهم ومؤسّس دولتهم أبا عبدالله الشيعي.
(وأمّا البرامكة) فالمؤرّخون مختلفون في سبب قتل الرشيد لهم والكثير منهم يقول سببه قصة العبّاسة المشهورة، والقصة مفصّلة في «أعلام النساء» وغيره من كتب التواريخ .1
(قوله): «وكان أذكى من فطن لدسائس البرامكة والحاد الشيعة الباطنية» أمّا البرامكة فقد عرفت حالهم، وأمّا الباطنية فلم يقتصر عليهم الرشيد، بل قتل كلّ من خاف منه على ملكه فقتل الإمام موسى بن جعفر بالسمّ بعد حبس سبع سنين، وبنى على العلويين الحيطان والأساطين وخلّدهم في السجون وفعل بهم الأفاعيل، لا لأنّهم من زنادقة الفرس ولا من الشيعة الباطنية كما زعم!!
قال: كان من تعليم غلاة الشيعة بدعة عصمة الأئمة الّذين استخدموا

1 . لاحظ : مروج الذهب: 3 / 375 .

صفحه 205
أسماءهم وشهرتهم لترويج سياستهم، وبدعة تحريف القرآن والنقص منه بفريتهم، ثم البدع المتعلّقة بالقائم المنتظر محمد المهدّي وكونه هو الّذي يظهر القرآن التام الصحيح الّذي يزعمون أنّ علياً كتبه بيده، وفتحهم أبواب التأويل لنصوصه بما لا يتّفق مع شيء من قواعد اللغة، فكان قدوة سيئة لجميع المبتدعة، دع قول بعضهم بإلوهية بعض أئمة أهل البيت الموروثة عند الإسماعيلية وغير الموروثة عند غيرهم من الباطنية، ثم دع كون غايتهم بعد الوصول إلى آخر درجات الدعوة الكفر الصريح كما تراه مبسوطاً في خطط المقريزي وغيره.1

[ أدلّة الشيعة على عصمة الأئمة(عليهم السلام) ]

ونقول: أمّا عصمة الأئمة(عليهم السلام)فأدلّة الشيعة عليها من العقل والنقل مبسوطة في كتبهم الكلامية، ولا مناص لمنصف عن التسليم بها ولا تتّسع هذه العجالة لذكرها، فعدّ ذلك بدعة وغلوّاً من جملة البدع والغلو في النصب، وكفى فيها آية التطهير وحديث الثقلين الآمر بالتمسّك بهم كالتمسّك بالقرآن، وعدم مفارقتهم له إلى ورود الحوض، ولم يستخدموا اسماءهم وشهرتهم لترويج سياستهم كما زعم، بل والوهم واتّبعوهم وتمسّكوا بأقوالهم وأفعالهم طبقاً لما أمر به نبيهم أمّا هو فقد ناصب العداوة من والاهم.
(أمّا تحريف القرآن) الّذي تكرّر ذكره في كلامه كثيراً، فقد بيّنا أنّه فرية محضة فلا نعيد.
(وأمّا القائم) محمّد المهديّ الّذي كرّر ذكره أيضاً كثيراً فقد عرفت أنّ

1 . السنة والشيعة:8، الرسالة الأُولى.

صفحه 206
المسلمين جميعاً اتّفقوا على أنّه لابدّ منه وإنّما اختلفوا في تقدّم ولادته وتأخّرها، وأنّه لا استبعاد ولا محالية في طول حياته فلا نطيل بالإعادة .
وأمّا فتح أبواب التأويل لنصوص القرآن ففرية منه، وقد بيّنا فيما سلف أنّ الشيعة الإثنا عشرية لا تأخذ إلاّ بنصوص القرآن وظواهر المطابقة لقواعد اللغة دون المأوّل وتفاسيرهم وكتب آيات الأحكام عندهم الّتي مرّت الإشارة إليها شاهدة بذلك، وهي والحمد لله مطبوعة مشهورة، وبذلك كانوا قدوة حسنة لغيرهم.

[ الشيعة الإمامية تتبّرأ من كلّ غال مجسّم ]

أمّا قوله: «دع قول بعضهم بإلوهية بعض أئمة أهل البيت إلخ» فإنّا نبرأ إلى الله تعالى من كلّ مَن غالى في مخلوق وأخرجه عن درجة العبودية، وأنّنا معشر الشيعة الإمامية لا نؤلّه أحداً، فسواء صحّ قوله في الإسماعيلية والباطنية وما أسنده إلى خطط المقريزي أو لم يصحّ، لا يضرنا، وممّا يؤسف له أنّ أكثر المتكلّمين عن الشيعة يغيّرون الحقائق ويصوّرونهم للسامع بالصورة المنفّرة جهلاً بالحقيقة أو تعصّباً وميلاً إلى الهوى والغرض، ومن جملة ذلك خلطهم الشيعة الإمامية بالغلاة والمجسّمة، كما وقع للشهرستاني وغيره ممّن كتب في الملل والنحل وغيرهم كهذا الرجل، فالشيعة الإمامية تبرأ إلى الله تعالى من كلّ غال ومجسّم وواصف للمخلوق بصفة الخالق، ومَن افترى عليها خلاف ذلك لابدّ أن يلاقي جزاءه يوم حسابه.1

1 . كان الإمام الرضا (عليه السلام)يقول في دعائه: «اللّهم إنّي بريء من الحول والقوّة ولا حول ولا قوّة   2
إلاّ بك، اللّهم إنّي أعوذ بك وأبرأ إليك من الّذين ادّعوا لنا ما ليس لنا بحقّ، اللّهم إنّي أبرأ إليك
من الّذين قالوا فينا ما لم نقله في أنفسنا، اللّهم لك الخلق ومنك الرزق وإيّاك نعبد وإيّاك نستعين، اللّهم أنت خالقنا وخالق آبائنا الأوّلين وآبائنا الآخرين، اللّهم لا تليق الربوبيّة إلاّ بك
ولا تصلح الإلهية إلاّ لك، فالعن النصارى الّذين صغّروا عظمتك والعن المضاهئين لقولهم
من بريّتك.
اللّهم إنّا عبيدك وأبناء عبيدك لا نملك لأنفسنا نفعاً ولا ضرّاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً، اللّهم من زعم أنّا أرباب فنحن منه براء، ومن زعم أنّ إلينا الخلق وعلينا الرزق فنحن براء منه كبراءة عيسى بن مريم (عليه السلام)من النصارى، اللّهم إنّا لم ندعهم إلى ما يزعمون، فلا تؤاخذنا بما يقولون، واغفر لنا ما يدّعون، ولا تدع على الأرض منهم ديّاراً إنّك إن تذرهم يضلّوا عبادك ولا يلدوا إلاّ فاجراً كفّاراً». (بحار الأنوار: 25 / 343) .

صفحه 207
ثم قال ما ملخصّه: إنّ أهم ما يجب بيانه في هذه المقدّمة أنّ بين مَن يطلق عليهم اسم الشيعة أُناساً من أهل السنّة يرون أنّ عليّاً أحقّ بالخلافة من غيره،
أو أنّه أفضل من سائر الصحابة كما يطلق على كثير من المبتدعة الّذين حافظوا
على أركان الإسلام الخمسة، وعلى فرق الزنادقة الباطنية حتّى أنّ بعض
كبراء علماء الإمامية حاول جعل فرق الشيعة 73 فرقة وفسّر بذلك حديث
افتراق هذه الأُمّة إليها ليخرج أهل السنّة والجماعة الّتي هي السواد الأعظم من
أُمة محمد
(صلى الله عليه وآله وسلم).1
ونقول: ما كرّره في كلامه من قصد إخراج أهل السنّة عن أُمّة محمّد، قد عرفت كذبه فيه فلا نعيده .
(وأمّا) السواد الأعظم فسواء كان أمارة على حقّ أو لم يكن، فلا علاقة له به ; لأنّه ومَن يقتدي بهم يكفّرون السواد الأعظم.

1 . السنة والشيعة:9، الرسالة الأُولى.

صفحه 208

[ صاحب المنار يقسّم الشيعة إلى غلاة ومعتدلين!! ]

قال: وقد انقسم الشيعة الّذين يحافظون على أركان الإسلام إلى غلاة أُطلق عليهم اسم الرافضة، وإلى معتدلين خصّ أكثرهم باسم الزيدية، ويوجد معتدلون في غيرهم.
ونقول: جعله ما عدا الزيدية من الشيعة المحافظين على أركان الإسلام غلاة عدا مَن سمّاهم معتدلين، غلوّ منه في النصب، فالشيعة الّذين يحافظون على أركان الإسلام من الزيدية والإمامية الاثني عشرية والإسماعيلية غير الباطنية، وهم لا يخرجون أحداً من أهل البيت عن درجة البشرية إنّما فيهم مَن يعتقد العصمة، وهذا غلو في نظره، وقد بيّنا فساده ولكنّ الناصبة الّذين يخافون على أركان الإسلام انقسموا: إلى مَن نصب العداوة لأهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإلى مَن نصب العداوة لشيعتهم ومحبّيهم وأتباعهم وتستّر بحب أهل البيت وقلبه منطوٍّ على بغضهم وعداوتهم لكنّه لا يستطيع التصريح به، فعدل إلى إظهار بغض محبيهم وأتباعهم ونصب لهم العداوة كهذا الرجل .
قال: والشيعة الإمامية منهم معتدلون قريبون من الزيدية ومنهم غلاة قريبون من الباطنية وهم الّذين لقحوا ببعض تعاليمهم الإلحادية كالقول بتحريف القرآن، وأغربها في زعمهم سورة خاصّة بأهل البيت يتناقلونها بينهم حتّى كتب إلينا سائح سنّي مرة أنّه سمع بعض خطبائهم في إيران يقرأونها يوم الجمعة على المنبر، وقد نقلها عنهم بعض دعاة النصرانية (المبشرين) .1

1 . السنة والشيعة:11ـ 12، الرسالة الأُولى.

صفحه 209
ونقول: هذه التقسيمات الّتي اختلقها قد عرفت حالها، وإنّه ليس في الشيعة المحافظين على أركان الإسلام غلاة ومنهم الإمامية الإثنا عشرية فقوله: «إنّ منهم غلاة قريبون من الباطنية الخ» كذب منه وافتراء كزعمه أنّهم لقحوا ببعض تعاليم الباطنية الإلحادية، فهم لم يلقحوا إلاّ بتعاليم أئمتهم وأهل بيت نبيهم والّذين أُمروا بالتمسّك بهم، والّذين أخذوا تعاليمهم عن جدهم عن جبرائيل عن الله تعالى، واستناده في ذلك إلى القول بتحريف القرآن فاسد كما أوضحناه فيما سبق فلا نعيده.
وأغرب شيء زعمه أنّ عندهم سورة خاصّة بأهل البيت يتناقلونها، فقد مرّ أنّ اعتقادهم أنّ القرآن هو ما بين الدفّتين بدون زيادة ولا نقصان، وهذه السورة المزعومة لا يعتقد بها أحد منهم، بل لم يسمع بها أكثرهم فضلاً عن اعتقاد أنّها من القرآن، فلو ورد في خبر شاذ أو ضعيف شيء من هذا القبيل فحاله حال الآيات الواردة بخبر الواحد الّتي قال الآمدي في «الإحكام» إنّ أبا حنيفة يحتجّ بها والشافعي لا يحتجّ بها، وإنّ القرآن فيه المتواتر والآحاد، والثاني كالذي في مصحف ابن مسعود، وإنّ مصاحف الصحابة اختلفت إلى غير ذلك ممّا مر نقله فراجع. فإذا كان قد ورد شيء من القرآن بخبر الواحد الصحيح لكنّه غير متواتر، فلا يمكن الحكم بكونه قرآناً; لأنّ القرآن متواتر ومع ذلك احتج به أبو حنيفة ولم يوجب القول بتحريف القرآن بالنقص، أفلا يجوز أن يرد في خبر ضعيف شاذ في شيء أنّه من القرآن ولا يكون عليه معوّل ولا يوجب الاعتقاد بنقص القرآن وتحريفه؟!
(وأمّا) ما كتبه إليه السائح السنّي أنّه سمع من يقرؤها على المنبر يوم

صفحه 210
الجمعة فهو فرية أو اشتباه، فإنّا لم نسمع أنّ أحداً اعتقد بصحّتها أو دوَّنها في كتاب فضلاً عن أن يقرأها يوم الجمعة على المنبر. ويمكن أن يكون جرى له كما جرى لابن جبير حيث ذكر في رحلته أنّه رأى رجلاً يتوضّأ بقرب صور فغسل رجليه ثم مسح على رأسه ثم غسل يديه ثم وجهه، فاعترض ابن جبير على هذا الوضوء بأنّه عكس الوضوء المفروض، فأجابه الرجل بأنّ البناء إنّما يبنى من الأسفل، فإنّ الظاهر أنّ هذا الرجل غسل رجليه قبل الوضوء لإزالة الوسخ، فتوهّم ابن جبير أنّه ابتدأ الوضوء بغسل الرجلين، وجواب الرجل له من باب المزاح، وهذا السائح سمع رجلاً على المنبر يقرأ دعاء من الأدعية المأثورة عن أئمة أهل البيت أو خطبة من خطبهم فصوّرت له مخيلته وسوء ظنّه بالشيعة أنّه يقرأ سورة من القرآن غير معروفة .
(أمّا قوله): «وقد نقلها عنهم بعض دعاة النصرانية المبشرين» ففيه: أنّ نقلهم لها مع عدم اعتقاد أحد صحّتها كاعتراضهم على المسلمين بإحراق عثمان المصاحف على ما ذكره صاحب «ميزان الحقّ»، ونقله عنه صاحب «لسان الصدق» المطبوع بمصر.
قال: فهؤلاء الإمامية الإثنا عشرية ويلقبّون بالجعفرية درجات، وينقسم جمهورهم إلى أُصوليين وأخباريين، فالأُصوليون هم الّذين يعرضون ما يروى من أخبار الأئمة على أُصول وضعها المتقدّمون فيقبلون منها ما وافقها ويردّون ما خالفها، والأخباريون هم الّذين يتلقّون جميع تلك الأخبار بالقبول وإن خالفت المعقول وما عند أهل السنّة والجماعة من المنقول، وهدمت الفروع مع الأُصول وحدث في المتأخّرين منهم مذاهب أُخرى كالكشفية، ولهم في الدين فلسفة

صفحه 211
غريبة، ويرد عليهم الشهاب الآلوسي في تفسيره «روح المعاني».1

[ تفسير خاطئ للأُصوليّين والأخباريّين ]

ونقول: قد أخطأ في كلا تفسيريه للأُصوليين والأخباريّين .
(فالأُصوليون) منسوبون إلى علم أُصول الفقه المعروف بين أهل السنّة والشيعة، الباحث عن أدلّة الأحكام الأربعة: الكتاب والسنّة والإجماع والعقل، فقوله: «إنّهم يعرضون الأخبار على أُصول وضعها المتقدّمون فيقبلون ما وافقها ويردّون ما خالفها» غير صحيح; بل البحث عن الخبر أحد مباحث علم الأُصول المعروف عند السنّة والشيعة فيبحثون عمّا هو الحجّة منه وعن علاج الأخبار المتعارضة وغير ذلك، ولا يعرضون الأخبار على تلك الأُصول الّتي زعمها، وقال: «إنّ المتقدّمين وضعوها» ولم يبين مراده بتلك الأُصول ولا مَن هم الّذين وضعوها، ولا يقبلون إلاّ ما ثبتت حجّيته بالأدلّة القاطعة، ولا يردّون إلاّ ما لم تثبت حجّيته، وكلّ ذلك لا يختص بالشيعة، بل هو مقتضى البحث عن علم الأُصول المعروف عند السنّة والشيعة كما عرفت.
(والأخباريون) منسوبون إلى الأخبار، لا لأنّهم يتلقّون تلك الأخبار بالقبول وإن خالفت المعقول والمنقول كما زعم، بل لوقوع الخلاف بينهم وبين الأُصوليّين في بعض المسائل الّتي أهمها التوسّع في حجّية الأخبار ولذلك نسبوا إليها، والكلّ متّفقون على أخذ دينهم من كتاب ربهم وسنّة نبيهم (صلى الله عليه وآله وسلم)وأقوال أئمة أهل البيت الثابتة عنهم، وعدم التمسّك في دينهم

1 . السنة والشيعة:12ـ 13، الرسالة الأُولى.

صفحه 212
بالقياس والاستحسان والمصالح المرسلة، ودرجة الخلاف بينهم في بعض المسائل لا تبلغ درجة الخلاف بين الفقهاء الأربعة .
أمّا زعمه أنّهم «يتلقّون جميع تلك الأخبار بالقبول» فزعم فاسد، فهم لا يتلقّون بالقبول إلاّ ما محّص منها ودوّن في الكتب المعتبرة المعتمدة، كما يتلقّى غيرهم بالقبول ما دوّن في كتبهم المعتبرة المعتمدة عندهم، وعند تعارض الأخبار يرجعون إلى ما سنّه لهم أئمتهم وأهل بيت نبيّهم من العرض على الكتاب والسنّة، والأخذ بما وافق وطرح ما خالف، والأخذ برواية الأوثق والأورع، وغير ذلك من وجوه الترجيح المبيّنة في علم الأُصول، ولا يأخذون بما خالف المعقول من أخبار الجبر والتشبيه وغيرها، وأولى منهم بالأخذ بما خالف المعقول والمنقول وهدم الفروع مع الأُصول مَن يأخذ بأخبار الجبر والتشبيه ورؤية الله تعالى بالبصر والنزول إلى سماء الدنيا وغير ذلك .
(أمّا قوله): «وما عند أهل السنّة والجماعة من المنقول» فكيف يلامون على تقديم ما ثبت عن أئمتهم وأهل بيت نبيهم (صلى الله عليه وآله وسلم)على غيره وقد شهد لهم بالتقدّم في العلم والفضل والصدق والأمانة المخالف قبل المؤالف ولا يلام غيرهم على هجر أقوال أئمة أهل البيت ورواياتهم مع قبول روايات الخوارج وأشباههم .
(وأمّا تعرّضه) لذكر الكشفية فمهما قيل عنهم لا يصل إلى درجة ما يقال عن الشاذلية والصوفية وأمثالهم ممّا لا حاجة بنا إلى بيانه .
قال: ولهذا الاستعداد في الإمامية للغلو وقرب الكثيرين منهم من زندقة الباطنية ظهرت منهم وراجت فيهم بدعة البابية ثم البهائية الّذين يقولون بإلوهية

صفحه 213
البهاء ونسخه لدين الإسلام وإبطاله لجميع مذاهبه.

[ تهمة الاستعداد في الإمامية للغلو وردّها ]

ونقول: الإمامية بعيدون عن الغلو متبرّئون من كلّ غال وزنديق، وإن صحّ له أن يستدلّ على استعدادهم للغلو والقرب من زندقة الباطنية بظهور البابية منهم، صحّ لأعداء الإسلام أن يطعنوا فيه بظهور الخوارج في المسلمين، وبافتراق الأُمة المحمدية إلى 73 فرقة واحدة منها ناجية فقط، بل صحّ لأعداء الأديان أن يطعنوا فيها بافتراق الأُمّة الموسوية إلى 71 فرقة والعيسوية إلى 72، ولكان قول الوهابية بعبادة الأُمّة المحمدية للأوثان دليلاً على وجود الاستعداد في الدين الإسلامي لذلك، ولكان قول الوهابية بوجود البدع والخرافات عند أهل السنّة دليلاً على وجود الاستعداد في مذهبهم لذلك، وما من دين من الأديان أو مذهب من المذاهب حقّ أو باطل إلاّ وقد ظهر فيه مَن يخالف ذلك سنّة الله في خلقه، ولا يكون ذلك دليلاً على وجود الاستعداد فيه لذلك.
ثم ذكر نقل المقبلي عن بعض العلماء قوله: ائتني بزيدي صغير أُخرج لك منه رافضياً كبيراً، وائتني برافضي صغير أُخرج لك منه زنديقاً كبيراً.
ونقول: الحقّ لا يثبت بأمثال هذه السفاهات والشتائم والافتراءات، سواء كانت من المقبلي أو المدبري، وكلّ يستطيع أن يجيء بأمثالها ويقول: ائتني بكذا صغيراً أُخرج لك منه ناصبياً كبيراً، وائتني بناصبي صغير أُخرج لك منه خارجياً كبيراً.

صفحه 214
ثم ذكر أنّه: كان من قواعد الإصلاح الّتي وضعها حكيم الإسلام السيد جمال الدين الأفغاني وجوب السعي لجمع كلمة المسلمين والتأليف بين فرقهم، وأنّه لا يعرف أحداً عني بذلك بعد السيد المصلح كما عني به هو في أسفاره ومقامه، وأنّه يسعى للتأليف بين أهل السنّة والشيعة، ثم استشهد على ذلك بتقريظ أحد علماء الشيعة في سورية لمجلّته، وكتم اسمه للخوف من الدولة، وذكر ذلك التقريظ الّذي لا حاجة بنا إلى نقله، وأنّه لمّا أعلن الشاه مظفر الدين حكومة الشورى النيابية في ايران نوّه بعمله في مجلّته وفضّله بها على سائر ملوك المسلمين، لأنّ الشورى هي حكومة القرآن، وأنّه نشر في مجلته رسالة أتته من طهران فيما كان من تأثير مقالته (الشورى في بلاد إيران) الّتي ترجمتها الجرائد الفارسية، وأنّه اعترض عليها سفير الدولة العثمانية عند وزير خارجية إيران، فأجابه الوزير بأنّ كاتبها ليس من رعيتهم، وأنّ صاحب جريدة (تربيت) أثنى عليه ثناء بليغاً ووصفه بحكيم الإسلام وفيلسوفه.
(ثم قال) : هذا مثال ممّا كنّا ندعو إليه من جمع كلمة المسلمين وتأييد المحسنين منهم وتفنيد المسيئين، ولا نزال كذلك حتّى يأتينا اليقين، ولكن هذا الّذي أرضى عنّا جماعة المسلمين المنصفين أغضب علينا المتعصّبين المفرّقين، وإنّما اشتدّ غضبهم علينا في هذه السنين بعد أن أظهر الله تعالى دولة السنّة باستيلاء إمامها عبدالعزيز آل السعود على مهد الإسلام وقيامه بإحياء السنن وهدم مباني البدع، فأيّدناه كما يجب علينا شرعاً، وكما شرعنا من قبل في تأييد دولة الشاه مظفر الدين الشيعية فكان خصومنا في تأييد دولة السنّة فريقين: دعاة الإلحاد وغلاة الروافض .1

1. لاحظ: السنة والشيعة:14ـ 20، الرسالة الأُولى.

صفحه 215

[ السيد جمال الدين إيراني لا أفغاني ]

ونقول: أمّا حكيم الإسلام السيد جمال الدين فهو إيراني لا أفغاني، ومن علماء الشيعة لا من علماء السنّة، ولولا تستّره بالأفغاني لما سمّي حكيم الإسلام، ولكان حظّه عنده حظّ سائر علماء الشيعة من الذمّ، ونسبة العظائم إليه، والرجل نفاه ناصر الدين شاه إلى بغداد، ثم تنقّلت به الأحوال حتّى استقرّ في مصر الحرّة كما يُسمّيها، ولو كان أفغانياً لما كان لناصر الدين شاه عليه سلطان وجاء منه أيام نفيه إلى بغداد كتاب 1 بالعربية إلى رئيس علماء الشيعة في عصره الإمام الميرزا السيد محمد حسن الشيرازي نزيل سامرا يشكو فيه من السلطان ناصر الدين ويقول: إنّه أخرجه مسحوباً على الثلج وادّعى عليه أنّه غير مختون، ويقول بعد هذه العبارة: وا إسلاماه، ويخاطب الميرزا في الكتاب بقوله: أيّها الحبر أيّها الحبر، وكنّا يومئذ في النجف ورأينا الكتاب وقرأناه وتداولته الأيدي، وهو كتاب طويل بليغ العبارة فصيح الألفاظ .
ومن الغريب مع ذلك ما رأيناه في ترجمة السيد جمال الدين الموجودة في صدر رسالته «الرد على الدهريّين» المطبوعة بمصر من أنّه أفغاني المنشأ والمولد، وأنّه دخل في سلك رجال حكومة الأفغان، وأمّا

1 . أورد السيد محسن الأمين العاملي نصّ هذه الرسالة في كتابه القيّم «أعيان الشيعة». وبدأ السيد خطابه للميرزا الشيرازي بالنحو التالي: حبر الأُمّة، وبارقة أنوار الأئمة، ودعامة عرش الدين، واللسان الناطق عن الشرع المبين، الحاج الميرزا حسن الشيرازي صان الله به حوزة الإسلام، وردّ به كيد الزنادقة اللئام. وقد كتب الرسالة عام 1308 هـ . (لاحظ : أعيان الشيعة: 4 / 213).(المشرف)

صفحه 216
سبب خروجه منها إلى الحجاز وموالاته لبعض أمرائها بعد أن تغلّب عليه خصمه إلى غير ذلك، وكأنّ هذا كان منه تعمية للأمر وإلاّ فهو همداني إيراني شيعي بلا ريب، ولعلّه لم يرَ بلاد الأفغان ولم يعرفها .

[ صاحب المنار يدّعي سعيه للتأليف بين السنّة والشيعة زوراً وبهتاناً ]

(وأمّا دعواه) أنّه لم يعرف أحداً يسعى للتأليف بين أهل السنّة والشيعة بعد السيد جمال مثله، فتكذّبها أفعاله كما عرفت في صدر هذه العجالة وفي تضاعيفها من نشره بدون سبق إساءة إليه ولا سبب: أنّ من البلاء العظيم انتشار مذهب الشيعة في العراق وأنّ علماءهم يجدّون في الفساد وإضلال العباد وإنّهم يسهّلون التكاليف على أمراء الأعراب تبعاً لشهوات أنفسهم، إلى غير ذلك1 دع عنك ما نشره وما لا يزال ينشره في حقّهم وما يبثّه من المقالات الشنيعة، وما ينفثه من السموم ويرميه من السهام الّتي تصيب كبد الوفاق والوئام .
(وأمّا استشهاده بتقريظ من قرّظ مجلّته وأثنى عليه) فهو كاشف عن مبلغ إساءته لمن أحسن إليه، وإنّ الشيعة على خلاف ما وصفهم به من التعصّب وما حال ثنائهم عليه في ذلك الزمان إلاّ كقول أمير المؤمنين علي (عليه السلام): «ما زال الزبير منّا أهل البيت حتّى نشأ ابنه عبدالله».2
( وأمّا ) قوله : « إنّ الّذي أرضى عنه المنصفين أغضب عليه
المتعصّبين المفرّقين» فباطل; لأنّه لم يغضب عليه أحد إلاّ عند

1 . مرّت هذه العبارات في رسالته الّتي أوردناها في ص19 وما بعدها.
2 . بحار الأنوار : 34 / 289 .

صفحه 217
سعيه بالتفريق كما سمعت آنفا .
(وأمّا) زعمه أنّ الّذي أغضبهم عليه اليوم تأييده لدولة السنّة وإمامها عبدالعزيز آل سعود، فأهل السنّة لا يعترفون له بالإمامة عليهم، وإنّما هو إمام الوهابية وليس غضبهم عليه لتأييده له (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ )1والشيعة أشدّ غيرة على دول الإسلام وتأييداً لها منه، سواء كانت سنّية أو شيعية، وتطّوع علمائها وعامّتها في العراق مع الدولة العثمانية الإسلامية السنّية على ظلمها واستبدادها ضد أعظم دولة غربية، وقبض غيرهم الرواتب من تلك الدولة أصدق شاهد على ذلك.
أمّا إقامة السنن (فكلّ يدّعي وصلاً) وأمّا هدم مباني البدع فقد بيّنا في «كشف الارتياب» ما تعرف به أنّ عدّها مباني بدع، من البدع، بعد ما بيّنا حال الحجرة النبوية الشريفة من عهد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)والصحابة إلى اليوم .
(وأمّا تأييده) لدولة مظفر الدين شاه الشيعية الّذي جعله دليلاً على عدم تعصّبه، فإنّا لا نطلب أثراً بعد عين والله اعلم بمقاصده في ذلك، وهو ما زال مؤيّد دول وملوك ومؤسس ممالك وخاذل دول وملوك ومخرب ممالك وملقياً للفتن بما يُسمّيه الإصلاح ومفرقاً للكلمة بما يُسمّيه التأليف بين المسلمين.

[ صاحب المنار يهاجم مجلة العرفان ]

ثم استطرد الكلام إلى ذكر صاحب مجلة العرفان الّتي وصفها بأنّها على عصبيّتها مفيدة في بثّ العلم والأدب ; لأنّه أدرج في مجلته مقالاً

1 . الإسراء: 84 .

صفحه 218
لبعض الفضلاء يبيّن فيه افتراءه على «كشف الارتياب» فكان ذلك موجباً لسخطه كأنّه يرى أنّ مجلّته القرآن الثاني ليس لأحد أن يردّ عليها بشيء، وكلّ مَن يرد عليها فهو متعصّب مستحق لكلّ ذم، وهو وحده المنصف المقدّس!! فقال: إنه كان يعدّ صاحب العرفان من المعتدلين ومن أعوانه على جمع كلمة المسلمين، ولمّا كان جمع كلمة المسلمين عنده بسبّهم وشتمهم وتفريق كلمتهم وحصر الإسلام في الوهابية، كان كلّ من يعارضه في ذلك مفرقاً لكلمتهم ومتعصّباً بالطبع، قال: على ما نرى من احتذائه في تأييد مذهبه وأهل فرقته الإمامية حذو مجلة المشرق اليسوعية في تأييد الكاثوليكية .
وما يكون من هذا فهو كاحتذائه في تأييد مذهبه وأهل فرقته الوهابية حذو الخوارج!!
ثم ذكر أنّه كتب إليه رسالة ينكر فيها بعض ما افتراه على الشيعة من إباحة الجمع بين تسع نسوة، وبعض ما كان نشره في حق الشيعة وغير ذلك (إلى أن قال): ثم اشتدت حماسة الرجل وغلا في الرفض فصار يطعن فينا كلّما سنحت له فرصة، ولاسيّما بعد ظهور دولة السنّة الّتي يلقبها هو وأمثاله بالوهابية ويجعلون الوهابية (أي السنّة) ممّا لا يتّفق مع الإسلام في عقائده ولا في أحكامه.1
ونقول: أمّا ما يُسمّيه الغلو في الرفض من ولاء أهل البيت الطاهر وتقديمهم وتفضيلهم والاقتداء بأقوالهم وأفعالهم، فهو الّذي أمر به

1 . السنة والشيعة:22ـ 23، الرسالة الأُولى.

صفحه 219
الرسول ونصّ عليه الكتاب المبين، وما يدعوه إلى تسمية ذلك غلواً في الرفض إلاّ غلوّه في النصب .
أمّا حصره السنّة في الوهابية جرياً على قاعدتهم في تكفير جميع من عداهم من المسلمين فقد بيّنا في «كشف الارتياب» فساده وأنّهم أحقّ بنسبة ذلك إليهم من سائر المسلمين.
(وأمّا قوله): «ولا سيما بعد ظهور إلى آخره» فيكذّبه ما قاله صاحب العرفان في مجلّته بعد استيلاء الوهابيين على الحجاز: ونحن مع إخلاصنا للبيت الهاشمي نتمنّى للملك الجديد كلّ خير، أو ما هذا معناه.
قال: ثم انتهى أمره بالتنويه بالكتاب الجديد «كشف الارتياب» الّذي لفّقه أشدّ علماء الروافض في هذا العصر تعصّباً وطعناً في عقائد أهل السنّة وخداع عوامهم بما يبثّه من الدعوة إلى الرفض وما فيه من الخرافات والبدع.
وأنت ترى أنّ بضاعة هذا الرجل والحمد لله مقصورة على قول: هذا تلفيق، تعصّب، خداع، بدع، خرافات، دعوة إلى الرفض، وأمثال ذلك، وما باله يرى التنويه بكشف الارتياب ذنباً ولا يرى تنويهه بكتب الوهابية الّتي يكفّرون بها المسلمين ويستحلون دماءهم وأموالهم وطبعه ونشره لها ذنباً (قُلِ اللهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَل مُبِين).1
(أمّا قوله): وطعناً في عقائد أهل السنّة» فقد بيّنا مراراً أنّ حصره أهل السنّة في الوهابية وجعله الطعن في عقائدهم طعناً في عقائد أهل السنّة ليس بصحيح .

1 . سبأ: 24 .

صفحه 220

[ صاحب المنار يهاجم بشدّة السيد الأمين والشيخ عارف الزين ]

قال: أظهر ملاحدة الترك معاداة الإسلام والبراءة منه والطعن فيه وإجبار قومهم على الارتداد عنه، فلم يُظهر هذا الشيخ العاملي أدنى غيرة عليه ولا أقل دفاع عنه، وظهر من ملاحدة إيران الشيعية وملاحدة الأفغان السنية بوادر الاقتداء بملاحدة الترك فلم نسمع عنه ولم نقرأ له كلمة ولا نصيحة لهؤلاء المغرورين الأغرار بأن يدعوا لهذه الشعوب حريتها في دينها، وكذلك صاحب المجلة الّتي تنشر له دعوته وتنوّه بكتابه: (الشيخ عارف الزين).
(ونقول) حسب المسلمين في نصح الملوك والدول به، فقد رجع ملاحدة الترك عن إلحادهم، وملاحدة إيران والأفغان عمّا همّوا به بفضل نصائحه وإرشاداته ودفاعه، فهو كان ولم يزل ناصح ملوك ومرشد دول، وما باله لم ينصح قومه الوهابية المغرورين الأغرار بأن يدعوا لهذه الشعوب حرّيتها في دينها ومذهبها ولا يحجروا عليها الحرية في الأُمور الاجتهادية، وصاحب مجلة العرفان لم يفتأ عن النصح لإيران والأفغان وللترك في أعداد مجلّته وليسوا سواء مَن يجاهر بالإلحاد ومن يكفّر المسلمين ويدّعي أنّه هو وحده المسلم، فلاشك أنّ ضرر الثاني أشد .
قال: بل فشا الكفر البواح والفسق الصراح وتهتك النساء وذهاب الأعراض أدراج الرياح وكثر دعاتهما في سائر الأقطار الإسلامية إلاّ نجد والحجاز واليمن، ولم نر منهما غيرة على الدين ولا على أعراض المسلمين وإنّما ظهرت غيرتهما على الدين بل الرفض المبين لمّا أيد الله إمام السنّة في هذا العصر عبدالعزيز آل سعود ورأيا أنّ السنّة تنفذ بالفعل وهياكلّ البدعة تهدم في مهد الإسلام، فإنّ أكثر البدع والخرافات إنّما جاءت من غلاة الشيعة وهم حماتها ودعاتها وهي مرتزق

صفحه 221
زعمائها وعليها مدار جاههم العريض، ومنهم سرت عدواها إلى طرق الصوفية الّذين ينتسبون كلّهم إلى آل البيت بالباطل إلاّ طريقتين: المولوية الّتي أيدّها الترك مباراة للروافض، والنقشبندية الخفيّة الّتي ليس لها تقاليد ولا مظاهر بدعية، وإنّما ينكر عليها المعتصمون بهدي السلف مسألة الرابطة والتزام الذكر غير المأثور.1
ونقول: سواء ظهرت منهما غيرة على الدين وأعراض المسلمين أو لم تظهر فليس حسابهما عليه، ولا غيرتهما منوطة به ; أمّا هو فمع وجود كلّ هذه المصائب على المسلمين ما زال يقدح في أعراضهم ويفرّق كلمتهم، وينالهم بسوء القول وأقبح الشتم ما استطاع كلّ ذلك لغيرته على الدين وأعراض المسلمين! وأمّا تكريره لقوله: (إمام السنّة) فقد قدمنا الكلام فيه فلا نعيده .
(وأمّا قوله): «وهياكلّ البدعة تهدم في مهد الإسلام» فمن هياكلّ البدعة بزعمه وزعم قومه الوهابية الحجرة الشريفة النبوية فلم لم يهدمها إمام السنّة.
(وأمّا قوله): «أكثر البدع والخرافات إنّما جاءت من غلاة الشيعة» فالشيعة تبرأ إلى الله تعالى من كلّ غال وناصب، وأمّا تكريره لألفاظ البدع والخرافات فلا يلام عليه شيء، إذ لا بضاعة له إلاّ تكرير هذه الألفاظ، ولسنا بحاجة إلى بيان البدع والخرافات الّتي عند غير الشيعة وكثرتها .
(أمّا) قوله: «وهم حماتها ودعاتها» فكذب منه فلم يحموا غير سنّة نبيهم وطريقة أهل بيته ولم يدعوا إلى غيرها.

1 . السنة والشيعة:23ـ 25، الرسالة الأُولى.

صفحه 222
(أمّا قوله): «وهي مرتزق زعمائها وعليها مدار جاههم العريض» فهو كذب منه أيضاً فزعماؤها في الدنيا مرتزقهم ومدار جاههم أسباب زعامتهم وزعماؤها في الدين مدار جاههم علمهم وفضلهم ورازقهم الله وحده .
(أمّا قوله): «ومنهم سرت عدواها إلى طرق الصوفية» ففاسد فإنّهم يبرأون من تلك الطرق وينفرون عنها وليس عندهم طرق حتّى تسري عدواها إلى غيرهم. وأمّا تعليله ذلك بأنّهم كلّهم ينتسبون إلى آل البيت فأفسد، فإذا كانت الصوفية تنتسب إلى آل البيت لفضلهم الّذي أوجب حب الانتساب إليهم بحق أو بباطل، فما ذنب أتباعهم الشيعة؟! بل الذنب في ذلك (على مقتضى قوله) على كتاب ربهم وسنّة نبيّهم اللّذين نوّها بفضلهم فأوجب ذلك حب انتساب أهل الطرق إليهم .
وأمّا قوله: «إنّ المولوية أيدها الترك مباراة للروافض» فإذا كان خصوم الشيعة المنتسبين إلى ولاء علي (عليه السلام)أيّدوا طريقة نسبوها إلى غيره فما ذنب الشيعة؟!

[ صاحب المنار ومحاولة التأليف بين الشيعة والوهابية ]

قال: أما والله إنّني لم أكن أرى في طريق الدعوة إلى التأليف بين المسلمين عقبة يعسر اقتحامها إلاّ التقريب بين الشيعة ولاسيّما غلاة الإمامية وأهل السنّة السلفيّين الملقّبين بالوهابية وقد جرى بيني وبين (جلالة الملك فيصل) حديث طويل في هذه المسألة لمّا كنّا في دمشق، وكان أهم غرض لي في مقابلته المعروفة بمصر سؤاله عن مبلغ خبرته في ذلك، وأمّا البحث في هذا بيني وبين أصحابي من

صفحه 223
عقلاء الشيعة والسنّة في مصر وسورية وغيرهما فكثير، ومن ذلك لمّا سافر سفير دولة إيران إلى مكة المكرمة للقاء ابن السعود وقد زوّدته بكتاب إليه في ذلك وحمل إلي من ابن السعود كتاباً بل كتباً تتعلّق بالمؤتمر الإسلامي العام، لكن هذا السعي لم يثمر الثمرة المرجوّة كما أثمر قبله السعي إلى التأليف بين الإمامين الجليلين يحيى وعبدالعزيز أحياهما الله وأعزّ بهما الإسلام والعرب، ذلك بأنّه ليس بين مذهب الزيدية ومذهب السنّة من البعد كما بين الروافض وأهل السنّة، وقد كتبت إلى كلّ من الإمامين أدعوه إلى الاتّفاق مع الآخر قبل فتح الحجاز بسنين فأجابا إلى ذلك بالارتياح والقبول.1
[ ونقول: ] الشيخ رشيد مدئب نفسه للسعي في التأليف بين الوهابية والشيعة، مفكّر ليله ونهاره في تذليل العقبات في هذا الطريق يفاوض الملوك في ذلك ويتحدّث معهم أحاديث طويلة لمعرفة مبلغ خبرتهم فيه، ويفاوض أصحابه من عقلاء الشيعة والسنّة، ويزوّد السفراء بالكتب إلى الملوك في هذا السبيل، ويسعى لعقد المؤتمرات، فكانت نتيجة بحثه وطول اختباره أن أنجح طريق للتأليف بين الشيعة والوهابية هو سبّ الشيعة وتلقيبهم بالرافضة والغلاة ونسبتهم إلى الابتداع والخرافات، وأنّ عدواها سرت إلى الصوفية منهم والقدح في علمائهم وزعمائهم!! وغير ذلك، فسلك هذا الطريق الناجح في تأليف القلوب ورفع النزاع واعتمد عليه وجعله نصب عينيه، ولم يفتر عنه كلّما سنحت له فرصة (كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ).2 ما زال يسعى للتأليف بين المسلمين ويكاتب

1 . السنة والشيعة:25ـ 26، الرسالة الأُولى.
2 . الصف: 3 .

صفحه 224
الإمامين الجليلين يدعوهما إلى الوفاق!! ولولا كتبه لكانت جزيرة العرب اليوم شعلة نار بالحروب!! وأن المسلمين لا يتوقعون منه أن يؤلّف بينهم ولكن يتوقعون من مكارمه وعطفه أن يكف لسانه وقلمه عن إيقاع الفساد والفتنة بينهم والسعي لتفريق كلمتهم لأجل مآربه الخاصّة في هذه الأيام العصيبة الّتي ملكت فيها بلادهم وأخذ المستعمرون بمخنقهم، (قيل:) للثعالب نريد أن نعمل لكم فراء، فقالوا: دعوا جلودنا علينا.
(قوله): «ليس بين مذهب الزيدية ومذهب السنّة من البعد كما بين الروافض وأهل السنّة» هذا نموذج من عباراته المسمومة التى يبثّها للتفريق بين المسلمين عقيب دعواه الكاذبة المقرونة بالحلف بالله أنّه يسعى للتأليف بينهم ويهتم لتذليل العقبات في سبيل ذلك، والحقيقة أنّ زعمه البعد بين مذهب أهل السنّة والشيعة زور وبهتان دعاه إلى اختلاقه حب الانتقام من الشيعة، وأي بعد بين فرق الإسلام الّتي تعترف كلّها لله بالوحدانية ولرسوله بالنبوّة وتؤمن بكتابه وبكل ما جاء به من عند ربه وتصلي الفرائض الخمس وتصوم رمضان وتؤدّي الزكاة وتحج البيت، وتحرّم كلّ ما حرّمه الله في كتابه وعلى لسان نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا ترفع المخلوق إلى درجة الخالق، فهذه كلها يعتقدها الفريقان من الشيعة الإمامية الإثني عشرية والزيدية وأهل السنّة، وهي أُصول الإسلام الّتي عليها مداره، ولم يبق إلاّ مسألة الأحقية في الخلافة، الّتي لا يخرج من أخطأ فيها عن حمى الإسلام، وبعض فروع اجتهادية ليست من أركان الدين ولا ضرورياته، فهل يسوغ بعد هذا لمن يدعي لنفسه خطة التأليف بين المسلمين أن يقول بالبعد الشاسع بين مذهب الشيعة وأهل السنّة ليزيد في النفرة والتفريق!!

صفحه 225

[ صاحب المنار يهاجم الشيعة دفاعاً عن آل سعود ]

قال: ولما رأيت ما رأيت من سوء أمر مؤتمر النجف لشيعة العراق ومن إمارات نشر الإلحاد في إيران والأفغان ومن تجديد الشيخ العاملي في تواليفه والشيخ عارف الزين في مجلّته الطعن في السنّة وتنفير المسلمين من دولتها الوحيدة في إقامتها ونصرها ومن بث الرفض والخرافات بين المسلمين، رأيت من الواجب عليّ أن أظهر للمسلمين ما يخفى على جمهورهم من الحقائق الّتي لم يكن العاملي ولا الزين يعلمان بوقوفي عليها لعلّهما يفيئان إلى أمر الله، فكتبت الفصول التالية بهذه النيّة، وإنّما الأعمال بالنيّات، ولكل امرئ مانوى.1
ونقول: الحقيقة غير ما زعم، فشيعة العراق لم تعقد مؤتمرات في النجف ولا في غيره، وإن كان وقع شيء ممّا يشبه ذلك فليس الغاية منه إلاّ رد عادية من والى الغزو والسلب والنهب والقتل على بلادها الآمنة ظلماً وبغياً وفساداً في الأرض، وتعدّى على قبور سادات المسلمين ومنع من زيارتهم، وتعدّى على الحرية المذهبية في الأُمور الاجتهادية، وعقد المؤتمرات ودبّر المؤامرات لسفك دماء المسلمين ونهبهم واستباحة بلادهم وغزوهم في عقر ديارهم.
(وأمّا) نشر الإلحاد في إيران والأفغان فأي ربط له بحملاته الشنيعة على طائفة الشيعة وتحامله وتعصّبه القبيح على اتباع أهل البيت، وجدّه في تفريق كلمة المسلمين وإثارة الضغائن بينهم، والسعي بالفساد وهو يدّعي لنفسه التأليف بين المسلمين والإصلاح!! فهل كانت أعماله هذه مانعة من

1 . السنة والشيعة:26ـ 27، الرسالة الأُولى.

صفحه 226
نشر الإلحاد في إيران والافغان لو كان؟!
(وأمّا) زعمه طعننا وطعن مجلة العرفان في السنّة، فزعم فاسد، فإنّنا لم نطعن ولا نطعن ولن نطعن في أحد لا يطعن في ديننا ومذهبنا بالباطل .
(وأمّا) زعمه حصر السنّة في الوهابية الّذي لا يزال يكرّره فما أهون الدعاوي على مدّعيها.
(وأمّا) بث ما يسميه الرفض والخرافات بين المسلمين، فالرفض عنده ولاء أهل البيت(عليهم السلام)وتفضيلهم وتقديمهم والاقتداء بأقوالهم وأفعالهم، وهذا قد بثه الله تعالى في كتابه العزيز وعلى لسان نبيه الكريم وبثّه علماء المسلمين في كتبهم خلفاً عن سلف، فلا يستطيع بنصبه محوه.
(وأمّا الخرافات) فهي عنده التبرّك بآثار الأنبياء والصالحين وزيارتهم والتشفّع والتوسّل بهم إلى الله الّذي جعل لهم الشفاعة والوسيلة، تقليداً للوهابية، فأجدر بأن يكون منعه من ذلك من الخرافات .
(وأمّا زعمه): أنّه رأى من الواجب عليه أن يظهر للمسلمين ما يخفى على جمهورهم من الحقائق الّتي لم نكن نعلم بوقوفه عليها، فما عساه أن يظهر للمسلمين أو يقف على شيء غير ما أظهره أسلافه ممّا بعضه بهتان وافتراء، وبعضه شتم وسباب، وبعضه للشيعة فيه الحجج القاطعة.
(ونقول) له ما قالته عمّتنا الصديقة1 (سلام الله عليها) لسلفه: «فكد كيدك وناصب جهدك فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، وهل رأيك إلاّ فند، وجمعك إلاّ بدد».

1 . زينب الكبرى بنت الإمام علي (عليه السلام)في خطاب لها ليزيد بن معاوية، لاحظ : بحار الأنوار : 45 / 135 ; مثير الأحزان لابن نما الحلّي: 81 .

صفحه 227
(وأمّا نواياه) فقد ظهرت على صفحات مجلّته ونفثات لسانه وقلمه، ولو كان ينوي خيراً لأورد المباحث العلمية واقتصر عليها ولم يكن كلامه مقصوراً على الشتم والسباب والكلام البذيء وما لا طائل تحته .
قال: وكنت عقيب اطّلاعي على كتاب العاملي الجديد وما فيه من الطعن الباطل في السنّة باسم الوهابية وفي شيخ الإسلام المصلح الكبير ابن تيمية، ومن تشريفي بطعنه فيّ وبهتانه عليّ عازماً على الاختصار ثم جاءتني مجلة العرفان فإذا هي قد أسرفت في البهتان والبغي والعدوان والشتم والسب والكذب والإفك، فرأيت من الواجب في نصر السنّة ودفع البدعة أن أتوسّع في الكتابة.
فهذا نموذج من حججه وبراهينه ومباحثه العلمية ونحن لم نطعن في ابن تيمية وإنّما نقلنا طعن علماء السنّة فيه الّذين يتترس هو بهم دائماً.
وأمّا زعمه أنا طعنا في السنّة باسم الوهابية فلا يفهم له معنى، فأهل السنّة قد سبقوا إلى الطعن في الوهابية وبيّنوا فساد شبهاتهم!! فكيف يكون بياننا لفساد شبهاتهم طعناً في السنّة؟! ونحن لم يلحقنا نقص بمذمّته لنا وطعنه فينا وبهتانه علينا.
قال: وإنّني اعتقد اعتقاد جازماً بما تيسر لي من الاختبار الطويل بأنّ هذه الخرافات والبدع الّتي كان التشيّع مثارها الأعظم ستقضي على الإسلام إن لم يقض المصلحون عليها.
ونقول: التشيع الّذي هو ولاء أهل بيت النبوة وحبهم وتفضيلهم والاقتداء بأقوالهم وأفعالهم قد أمر الله تعالى به في كتابه وعلى لسان نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلا يمكن أن يكون مثاراً للبدع والخرافات، بل لم يكن أعظم مثاراً للبدع والخرافات إلاّ الإعراض عنهم وإنكار فضلهم.

صفحه 228
قال: وإنّ سيرة ملاحدة الترك في الصدّ عنها برهان على ذلك، فإنّهم يصوّرون لعامّة بلادهم الخرافات الفاشية في الأولياء والصالحين بأقبح الصور المنفّرة، ومن ذلك أنّهم نبشوا بعض قبورهم وأروا الناس رميم عظامهم وعجزهم عن الدفاع عن أنفسهم .
ونقول: قد بيّنا في «كشف الارتياب» أنّ من البدع والخرافات عدَّ التشفّع بالأولياء والصالحين وما يجري مجراه من البدع والخرافات بعد ما جعل الله لهم الشفاعة، وأمّا ملاحدة هذا العصر من الترك وغيرهم فهم يصوّرون وجود الخالق لعامّة الناس بأقبح الصور المنفّرة فيمد أحدهم يده في الهواء ويقول مجترئاً على الله تعالى إن كان الله موجوداً فليرد يدي، مغتر بإمهال الله تعالى له، فكذلك فعلهم بقبور الصالحين ونبشها.
قال: وطالما صرح المنار بإثبات فنائهم وأكل الأرض لأجسادهم وشرك الّذين يدعونهم كما يدعون الله تعالى لجلب النفع لهم ورفع الضرّ عنهم .1
ونقول: كلام الله تعالى ورسوله أصدق من كلام المنار حيث يقول الله تعالى: (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ).2
(وقال (صلى الله عليه وآله وسلم)): «حياتي خير لكم، ووفاتي خير لكم، تعرض عليّ أعمالكم فما رأيت من خير حمدت الله عليه، وما رأيت من شر استغفرت لكم».3

1 . السنة والشيعة:27ـ 29، الرسالة الأُولى.
2 . آل عمران: 169 .
3 . مجمع الزوائد للهيثمي: 9 / 24 .

صفحه 229
(وقالت الوهابية): نعتقد أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) حي في قبره حياة برزخية أبلغ من حياة الشهداء المنصوص عليها في التنزيل، إذ هو أفضل منهم بلا ريب، وأنّه يسمع سلام المسلّم عليه، وليس في المسلمين من يدعوهم كدعاء الله تعالى، وإنّما هو طلب الدعاء والشفاعة، كما بينا ذلك كلّه في «كشف الارتياب».
قال: وإنّني أدعو عقلاء المسلمين والمخلصين في إسلامهم من عقلاء الشيعة المعتدلين أن ينهضوا معنا نهضة جريئة لإحياء عقيدة التوحيد الخالص والقضاء على عبادة الميتين من أئمة أهل البيت الطاهرين ومن سائر الأولياء والصالحين.
وقد علم بما بيّناه في «كشف الارتياب» أنّ إحياء عقيدة التوحيد الخالص لا تكون بتكفير المسلمين واتّباع طريقة الوهابيين، والاعتقاد في الله تعالى بما يوجب التجسيم، وأنّ تعظيم من هو أهل للتعظيم حيّاً وميّتاً، والتشفّع والتوسّل به إليه تعالى ليس عبادة له .
قال: وعن التمسّك بما يدّعيه فقهاء الشيعة الجامدين من تلقي الدين والفتوى من سرداب سامرا حيث اختبأ المهدي المنتظر، فإنّ هذا التشريع لا يقبله أحد من عقلاء البشر، ومن بيّن لي أنّني على خطأ فيما دعوت إليه بالدليل فإنّني أرجع إلى قوله من قريب (إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ)1.2
ونقول: فقهاء الشيعة أسمى مقاماً وأعلى شأناً وأوسع علماً من أن ينسبوا إلى الجمود أو إلى تلقّي الدين والفتوى ممّا زعم، كيف وهم قد

1 . هود: 88 .
2 . السنة والشيعة:29، الرسالة الأُولى.

صفحه 230
سبقوا الناس طرّاً إلى البحث والنظر والاستدلال في كلّ علم وفي كلّ عصر، وهم لا يتعدّون في فتاواهم وأقوالهم كتاب ربهم وسنّة نبيهم (صلى الله عليه وآله وسلم)وأقوال أئمة أهل البيت الطاهر وإجماع المسلمين، ولا يتلقّون الدين والفتوى من القياس والاستحسان والمصالح المرسلة، ولا يقولون عن أنفسهم أنّهم مستقلّون لا يتمذهبون بمذهب معيّن كما يقول هو عن نفسه، فإن كان يُسمّي ذلك جموداً فحبّذا هذا الجمود، وأولى بالجمود من يعتقد اعتقاد الوهابية الجامدين .
أمّا افتراؤه بأنّهم يتلقّون الدين والفتوى من سرداب سامرا فلا يضرهم، فقبله قد افترى الناس على الأنبياء والمرسلين فلم يضرهم ذلك شيئاً.
أمّا زعمه أنّهم يعتقدون اختباء المهدي المنتظر في سرداب سامرا الّذي كرّره في كلامه، فقد بيّنا فيما مرّ كذب الناسب إليهم اعتقاد ذلك، وإنّما يتبرّكون بسرداب الدار الّتي سكنها ثلاثة من أئمة أهل البيت الطاهر تبركاً بآثار الصالحين ويعبدون الله تعالى فيه،1 والوهابية بجمودهم يعدّون كلّ

1 . لقد أذن الله تعالى في ترفيع البيوت الّتي يذكر فيها إسمه فقال سبحانه: (فِي بُيُوت أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لاَ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ)(النور: 36 ـ 37); ومن المعلوم أن البيوت غير المساجد، فهناك بيت وهناك مسجد، والبيت هو البناء الّذي يتشكّل من جدران أربعة وعليها سقف قائم، ولأجل ذلك يقال للكعبة بيت الله، وللساحة المحيطة به (المسجد الحرام)، وأيضاً يستحب أن تكون المساجد غير مسقّفة، وترى المسجد الحرام مكشوفاً تحت السماء من دون سقف يظّله، دون البيت فالسقف من مقوّماته.
فالرفع الوارد في الآية سواء أفُسّر بالرفع الحسّي بإرساء القواعد وإقامة الجدران، أم فُسّر بالرفع المعنوي، فلو فُسّر بالرفع الحسّي يكون دليلاً على جواز تشييد بيوت الأنبياء والأولياء، وتعميرها في حياتهم وبعد وفاتهم حسب إطلاق الآية، وقد كانت بيوت كثير من الأئمة الصالحين هي مقابرهم، فتشييد هذه البيوت عمل جائز بنص الآية، وأمّا لو فسّر بالرفع المعنوي، وأنّ من وظائف المسلمين تكريم هذه البيوت ـ كما هو المتبادر ـ فتعمير بيوتهم من مظاهر ذلك التعظيم المعنوي، كما أنّ تدميرها وجعلها معرضة لما لا يناسب ساحتهم، تجاهل لهذه الآية وتولٍّ عنها.
ومن لطيف ما روي في المقام ما رواه الحافظ السيوطي عن أنس بن مالك، وبريدة، أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)قرأ قوله تعالى: (فِي بُيُوت أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ) فقام إليه رجل وقال: يا رسول الله وهذا البيت منها؟ ـ مشيراً إلى بيت عليّ وفاطمة ـ فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): «نعم من أفاضلها». (لاحظ : تفسير الدر المنثور: 5 / 50).(المشرف دام ظله).

صفحه 231
تبرّك بآثار الصالحين عبادة لهم وشركاً، وهذا هو التشريع الّذي لا يقبله أحد من عقلاء البشر، وقد بيّنا له خطأه فيما يدعو إليه من الاعتقاد بمذهب الوهابية بالأدلّة والبراهين فلم يكن منه إلاّ الشتم والسباب والنبز بالألقاب.
(وأمّا) استشهاده بالآية الكريمة على أنّه يريد الإصلاح فلا ينفع مع مخالفة القول للفعل.
محسن الأمين1
***
تمّ الكتاب والحمد لله ربّ العالمين

1 . مجلة العرفان: 19 / 537 ـ 564. الجزء الرابع والخامس، ذي القعدة وذي الحجة، 1348هـ ،نيسان وأيار، 1930م.

صفحه 232
 

ملحق1

القول الحاسم في الصفات الخبرية

القول الحاسم في الصفات الخبرية   
إلى هنا تمّ الحوار بين السيد الأمين وصاحب المنار، لكنّك قد عرفت أنّ رشيد رضا أطال الكلام في الصفات الخبرية وحاصل ما ذكره هو الحمل على المعاني الحقيقة لكن بلا كيف، إلاّ أنّ بيان ما هو الحق في مورد تفسير الصفات رهن التنويه بالآراء المختلفة فيها، فنقول:
تنقسم الصفات إلى صفات ثبوتية، وسلبية، ويراد بالأُولى الصفات الّتي أثبتها العقل للباري عزوجل، مضافاً إلى أنّ الكتاب العزيز والسنّة المطهّرة، يتّفقان مع حكم العقل.
ثم إنّهم اختلفوا في أنّ الصفات الثبوتية هل هي متّحدة مع الذات أو زائدة؟ فالإمامية على الأوّل، والمعتزلة والأشاعرة على الثاني، ومرجع اتّحاد الصفات مع الذات، هو تعالي الذات إلى حدٍّ صار كلّه علماً وقدرة

1 . لقد ذكرنا في بداية المقال الثامن أنّ صاحب المنار أطال الكلام في الصفات الخبرية على وجه مملّ، وقد أتينا بهذا الملحق لتوضيح الصفات الخبرية بشكل مختصر ومفيد يغني عن الإطالة المملّة.(المشرف)

صفحه 233
وحياة، دون أن يكون ذاتاً وعلماً أو ذاتاً وقدرة حتّى تكون الذات خالية عن العلم.
وهذا القسم من الصفات ليس محطّ البحث مع السلفية وفي مقدّمتهم ابن تيمية ومن لفّ لفه، فإنّ اختلافهم مع الآخرين في قسم آخر من الصفات، وهو ما يعبر عنه بالصفات الخبرية، أي الصفات الّتي لم يثبتها العقل، وإنّما أخبر عنها الكتاب العزيز والسنّة الشريفة، وقد أثبت الذكر الحكيم لله سبحانه الصفات التالية:
1. اليد، قال تعالى: (يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ).1
2. اليدان، قال تعالى: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ).2
3. الوجه، قال تعالى: (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ).3
4. الاستواء على العرش، كما في قوله تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى). 4
إلى غير ذلك من الصفات الخبرية.
ففي تفسير هذه الصفات أقوال:

القول الأوّل:

إجراؤها على الله سبحانه بنفس المعاني المرتكزة في أذهان الناس

1 . الفتح: 10 .
2 . المائدة: 64 .
3 . الرحمن: 27 .
4 . طه: 5 .

صفحه 234
من دون أيّ تصرّف فيها، وهو قول المشبّهة، فقد زعموا أنّ لله سبحانه عينين ويدين ورجلين مثل الإنسان .
قال الشهرستاني: أمّا مشبّهة الحشوية فقد أجازوا على ربّهم الملامسة والمصافحة، وأنّ المسلمين المخلصين يعانقونه في الدنيا والآخرة إذا بلغوا في الرياضة والاجتهاد إلى حدّ الإخلاص والاتحاد المحض.
وحكى الكعبي عن بعضهم أنّه كان يجوّز الرؤية في دار الدنيا، وأنّهم يزورونه ويزورهم .1
أقول: تفسير الصفات الخبرية بهذا المعنى لا يليق أن ينسب إلى أحد من الموحّدين.

القول الثاني: 

ما عليه أهل الحديث وتبعهم شيخ الأشاعرة، فهم يجرونها على الله سبحانه بالمعنى المتبادر في العرف، لكن مع التنزيه عن التشبيه والتجنّب عن التكييف، يقولون: لله وجه بلا كيف، وله يدان بلا كيف، وأنّه استوى على عرشه بما يليق به.
وهؤلاء من أهل الإثبات كالمشبّهة والمجسّمة، والفرق أنّ الطائفة الأُولى تجري الصفات على الله بلا تصرّف فيها، وهؤلاء يجرونها عليه مع التصرّف أعني قولهم: (بلا كيف) .

1 . لاحظ : الملل والنحل: 1 / 105 .

صفحه 235
والظاهر أنّ المحدّثين القدماء أيضاً على هذا الرأي.
قال ابن كثير: وأمّا قوله تعالى: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ )1 فللناس في هذا المقام مقالات كثيرة جدّاً، وإنّما نسلك مذهب السلف الصالح: مالك والأوزاعي والثوري والليث بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه، وغيرهم من أئمة المسلمين قديماً وحديثاً، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل، والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبّهين منفي عن الله، فإنّ الله لا يشبهه شيء من خلقه، وليس كمثله شيء .2
وهذا هو الّذي يركز عليه صاحب «المنار»، والمؤسف أنّ هذا القول دائر بين التشبيه والتعقيد، وذلك لأنّ هذه الكلمات وضعت لمعاني قوامها الكيف، فالعضو الخاص من الإنسان يُطلق عليه اليد بما له من الكيفية وهكذا سائر الكلمات فلو أُطلق على الله سبحانه مع حفظ الكيف يلزم التشبيه، وهم يفرّون عنه، وإن أطلقت بحذف الكيف فتكون معقّدةً ومجهولةً لأنّ واقعية اليد قائمة بكيفها وكيف يوصف باليد بالمعنى الحقيقي ولا كيف لها مع أن العقيدة الإسلامية المستقاة من الكتاب والسنّة تتّسم بالدقّة والرصانة والسلامة من التعقيد والألغاز.
وبعبارة أُخرى: واقع اليد هو كيفها، ومع حذف الكيف يلازم حذف الواقع، ونظيره الوجه والاستواء.
وحاصل الكلام: أنّ إثبات الصفات له سبحانه لو انتهى إلى التكييف

1 . الأعراف: 54 .
2 . لاحظ: علاقة الإثبات والتفويض: 46 ـ 49، طبع السعودية. نقلاً عن ابن كثير.

صفحه 236
والتشبيه فهو كفر وزندقة، وإثباتها بلا كيف ينتهي إلى الألغاز والتعقيد ويتّسم بعدم المفهومية، وكلا الأمرين مردودان .
وان شئت قلت: إنّ إثبات الصفات الخبرية لله سبحانه وإمرارها عليه بين أهل الحديث والأشاعرة لا يخرج عن أحد هذين الإطارين، فالكلّ إمّا يتكلّمون عنها في إطار التشبيه والتكييف، ويسترسلون في هذا المضمار، أو يفسّرونها في إطار من التعقيد والغموض إذا احترزوا عن البحث والتفصيل، والكلّ مردود مرفوض.
وبعد هذا لا تعجب ممّا ذكره الزمخشري في كشّافه من هؤلاء القوم، حيث قال: ثمّ تعجب من المتسمّين بالإسلام، المتسمّين بأهل السنّة والجماعة، كيف اتّخذوا هذه العظيمة مذهباً، ولا يغرّنّك تستّرهم بالبلكفة (أي قولهم: بلا كيف) فإنّه من منصوبات أشياخهم، والقول ما قال بعض العدلية فيهم:
قد شبّههوه بخلقه وتخوّفوا *** شنع الورى فتستّروا بالبلكفة 1
إلى هنا تمّ الكلام في القول الثاني.

القول الثالث: التفويض 

وحاصله الإيمان بكلّ ما جاء في القرآن والسنّة من الصفات الّتي وصف الله سبحانه نفسه بها، وتفويض ما يُراد منها إليه .
إنّ التفويض أقلّ خطراً من القول الثاني، ومع ذلك فهو ليس

1 . لاحظ : تفسير الكشاف: 1 / 576 .

صفحه 237
بمطلوب، لأنّ القرآن نزل للتدبّر والتفكّر، والتفويض تعطيل العقل عن التفكير، يقول سبحانه: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوب أَقْفَالُهَا).1

[ القول الرابع: التأويل ]

إنّ جماعة من المفسّرين يؤوّلون الصفات الخبرية ويفسّرون اليد بالنعمة والقدرة، والاستواء على العرش بإظهار القدرة.
أقول: إنّ تأويل الآيات الّتي وردت فيها الصفات الخبرية، ليس بأقلّ خطراً من الجمود والتفويض .
ومعنى ذلك أنّ ظاهر القرآن يخالف العقل الحصيف ولذلك نترك الظاهر بصريح العقل. ولا أظن أنّ مسلماً واعياً يتفوّه بذلك. فمن أوّل القرآن لأجل أن الأخذ بظواهره لا ينسجم مع التوحيد، فقد وصف القرآن بأنّه يحتوي ما يناقض العقل والبرهان. وهذا هو مذهب مفسّري العهدين حيث يؤوّلون ما لا يوافق العقل، والعلم القطعي.

[ القول الخامس: الأخذ بالظهور الجُمْلي ]

ما نذكره مذهب أئمة أهل البيت(عليهم السلام)ويعلم المقصود بتقسيم الظاهر إلى ظاهر تصوّري وظاهر تصديقي، وبعبارة أُخرى: ظهور إفرادي وظهور جملي، فالذي لا ينسجم مع التوحيد في مورد الصفات الخبرية، هو الظهور الإفرادي والتصوّري، وأما الظهور التصديقي والجملي فهو نفس التوحيد ولا يخالف العقل قيد شعرة.

1 . محمد: 24 .

صفحه 238
توضيح ذلك أنّ لقوله سبحانه: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) ظهوران:
الأوّل: الظهور البدوي أو الإفرادي أو التصوّري، وهو أن لله سبحانه يدان كيدي الإنسان، وهما مبسوطتان لا مغلولتان. ومن المعلوم أنّ هذا النوع من الظهور ليس حجّة عند العقلاء، وإنّما الحجّة هو الظهور الجملي التصديقي، وهو عبارة عن التدبّر في نفس الآية وما تقدّم عليها أو تأخّر، فعندئذ يتجلّى للآية ظهور ثان ومعنى آخر، يكون هو المراد التصديقي الجملي، وهو أنّ اليهود وصفوا سبحانه بالعجز عن العطاء، فالله سبحانه يرد عليهم بأنّه ذو قدرة واسعة وكما يقول: (يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا).1
فلو قمنا بتفسير الصفات الخبرية عن هذا الطريق فالمفسّر ليس من المجسّمة ولا من يوصف مذهبهم بين التشبيه والتعقيد ولا من المفوّضة الّذين يوصفون بالمعطلة، ولا من المؤوّلة، بل ممّن يتبع ظاهر القرآن لكن يتبع الظهور التصديقي لا التصوّري.
وفي نهاية المقام نوضح هذا المذهب الّذي عليه الإمامية بمثال:
إذا قلت: زيد كثير الرماد، في مقام مدحه ووصفه بالسخاء وكثرة العطاء، فلو فسّرت الفقرة، بالظهور التصوري تنقلب العبارة ذمّاً، وذلك لأنّ بيته مليء بالرماد ونفايات النار، ومن المعلوم أنّ هذا خلاف المقصود، وأمّا إذا تدبّرنا في القرائن الحالية والمقالية ننتقل إلى المراد الحقيقي وهو السخاء والعطاء، وذلك لأنّ كثرة الرماد يدلّ على كثرة النار وهو يلازم في

1 . المائدة: 64 .

صفحه 239
الظروف الّتي يضرب بها المثل بكثرة الطبخ، وهو يلازم كثرة الضيوف فيكون الرجل مشهوراً بالسخاء والعطاء والكرم.
وهذا النوع من التفسير ليس تأويلاً، بل أخذاً بالظهور العرفي بعد التدبّر في القرائن الحالية والمقالية، وبما ذكرنا يظهر معنى قوله سبحانه: (يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ )1، أو قوله: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى)2 ومن أراد التفصيل فليرجع إلى كتابنا «بحوث في الملل والنحل».3
***

1 . الفتح: 10 .
2 . طه: 5 .
3 . لاحظ: بحوث في الملل والنحل:2/123ـ 146.

صفحه 240

صفحه 241
فهرس المحتويات   
فهرس المحتويات
الموضوع     الصفحة
مقدّمة المشرف   7
   حوارات بين العلمين   9
   حياة العلاّمة رشيد رضا (1282ـ1354هـ)   10
   حياة العلاّمة السيد محسن الأمين العاملي (1284ـ1371هـ)   13
مقالتان ضد الشيعة نشرهما صاحب المنار في مجلّته    17
المقالة الأُولى: انتشار التشيّع في العراق   17
المقالة الثانية: كلمات عن العراق وأهله   19
تعليق على المقالتين   24
أُمور تحدّد شخصية صاحب المنار ومواقفه المتناقضة   26
   الأوّل: الأُستاذ رشيد رضا صاحب آراء سياسية متقلّبة   26
   الثاني: صاحب المنار كان متأثّراً بآراء المادّيين، وفيه نماذج   27
      النموذج الأوّل: تفسير البعث بكثرة النسل   28
      النموذج الثاني: تفسير الخسوء بالطرد   28
      النموذج الثالث: تفسير الحياة بالبراءة من القتل   29
   الثالث: خط صاحب المنار على خلاف التقريب   30
منهج التحقيق   33

صفحه 242
الموضوع     الصفحة
مقالات السيد محسن الأمين في الرد على صاحب المنار   35
المقال الأوّل: دعاة التفريق وإثارة الفتن والفساد بين المسلمين   35
   تمهيد   35
   تبيين الخطوط العريضة لرشيد رضا في مجلّته   42
   خطّة الشيخ رشيد في التأليف بين المسلمين   43
   ما هو السبب لعدم ردّ صاحب المنار على كتاب «الحصون المنيعة»؟   53
   إشكال صاحب المنار على استدلال الأمين في صحة زواج المتعة   55
المقال الثاني: اتّهام الشيعة بالخرافات ونقده   56
   صاحب المنار وكتاب «كشف الارتياب»   59
   أهل السنّة يطالبون صاحب المنار بالردّ على كتاب «ردّ على الوهابية»   62
   صاحب المنار يتهم الأمين بردّ الأحاديث الصحيحة   64
   صاحب المنار يتّهم الشيعة بالبدع الخرافية والاتّكال على الموتى   64
   الشيعة والوحدة الإسلامية    65
   الشيعة والغلوّ في حبّ أهل البيت(عليهم السلام)   67
   الشيعة وصيانة القرآن من التحريف    69
   عقيدة الشيعة في المهدي المنتظر (عجل الله تعالى فرجه)   73
المقال الثالث: دعايات فارغة حول عقائد الشيعة   75
الشيعة وعصمة أهل البيت(عليهم السلام)   76
الشيعة والسيرة العملية للمسلمين   77
الشيعة ومسألة الإمامة والتقيّة   78
الموضوع     الصفحة
الشيعة والترضّي على الصحابة   82
الشيعة ونظرية الشورى   83
الشيعة وعداؤهم لعبد العزيز ابن سعود   85
صاحب المنار ينشر رسالة الآلوسي إلى الشيخ جمال الدين القاسمي   89
الآلوسي يرد على كتاب النصائح الكافية   91
رسالة أُولى للآلوسي إلى صاحب النصائح الكافية   92
المقال الرابع: رد السيد على رسالة الآلوسي وإنصاف صاحب المنار!   95
الآلوسي وكتاب الحصون المنيعة   99
   الآلوسي يهاجم الشيعة في العراق   100
   اتّهام الشيعة بأنّهم لا يثبتون نسب بعض العترة!   103
   الرد على تهمة بغض الشيعة لزيد بن علي   105
   زيد الشهيد في مؤلّفات الشيعة   106
   الردّ على تهمة بغض الشيعة ليحيى بن زيد   108
الرد على تهمة بغض الشيعة لإبراهيم وجعفر ابني الإمام موسى
            الكاظم
(عليه السلام)   109
جعفر الكذّاب   109
الرد على تهمة قول الشيعة بارتداد الحسن المثنى وعبدالله المحض
            والنفس الزكية   110
المقال الخامس:الشيعة ورجالهم في قفص الاتّهام   113
الموضوع     الصفحة
الردّ على تهمة بغض الشيعة لجماعة من الحسنيين والحسينيّين   114
الردّ على تهمة حب الشيعة لعدد قليل من أهل البيت وحزنهم
            على الحسين
(عليه السلام)   117
في الردّ على تهمة عدم اهتمام الشيعة بالقرآن الكريم    120
الكتب الأربعة عند الشيعة والعمل بأخبار الآحاد   122
صاحب المنار يكيل التهم لرجال الشيعة ومحدّثيهم   123
هشام بن الحكم في المصادر الرجالية   123
هشام بن سالم ثقة مقرّب من الإمامين الصادق والكاظم (عليهما السلام)   124
مؤمن الطاق ومنزلته المتميّزة عند أئمة أهل البيت(عليهم السلام)   125
زرارة بن أعين نجمٌ زاهر في سماء التشيّع   127
الأحولان والجعفري في كتب الرجال   128
محمد بن مسلم كان من أوثق الناس    129
ابن مهران وابن بكير متّفق على وثاقتهما   130
جعفر القزّاز لا وجود له في رجال الشيعة   131
ابن عيّاش عين من عيون الطائفة وكبيرها   131
محمد بن عيسى في كتب الرجال   131
إسحاق بن عمّار ثقة من أصحاب الإمامين الصادق والكاظم(عليهما السلام)   132
داود بن فرقد ثقة ثقة   133
الشيعة وعلم الرجال   133
الموضوع     الصفحة
المقال السادس: استعانة صاحب المنار بالآلوسي واتّهاماته الباطلة   135
الطوسي ينفي وجوب العمل بالخبر الضعيف   136
الكليني والرواية عن الكذّابين!!   136
عبدالله بن مسكان ثقة عين   137
الآلوسي يهاجم كبار علماء الشيعة   137
الشيخ المفيد في كتب رجال السنّة   138
الآلوسي يتهم الشيعة بأنّ غالب مذهبهم من الرقاع المزوّرة!!   140
تحامل الآلوسي على الشيخ الصدوق    141
الآلوسي والبناء على القبور وثواب زيارتها   147
تحامل الآلوسي على طلبة العلوم الدينية في النجف   149
الآلوسي يحرّض الحكومة(العثمانية) على الشيعة   151
العراق قلعة التشيّع ومنبته   152
اتّهام الآلوسي للشيعة بأنّهم ينكرون الكثير من ضروريات الدين    153
المقال السابع:معارف الشيعة وعقائدهم   157
استحالة رؤية الله تعالى في الآخرة   158
المتعة الدورية اتّهام سافر وكذب فاضح   159
الحق لا يثبت بكثرة الردود   160
هجوم عنيف للآلوسي على السيد محسن الأمين   163
دفاع الآلوسي عن الوهابية وابن تيمية   165
الموضوع     الصفحة
الوهابية يكفّرون جميع فرق المسلمين   166
المقال الثامن: محاكمة صاحب المنار في مواضع مختلفة   172
تناقض الوهابية بين تنزيه الله سبحانه ووصفه بما وصف به نفسه   173
ابن تيمية وإثبات العلو لله سبحانه بمعناه الحقيقي   179
اختلاف أهل السنّة في الصفات الذاتية لله سبحانه   180
التجسيم في عقيدة ابن تيمية والوهابية   183
اختلاف المتكلّمين في كلام الله تعالى   186
ما هو الفرق بين إثبات الكلام وإثبات الصوت ؟   188
ابن بطوطة يروي ما شاهده من أفكار ابن تيمية الشاذّة   191
رد محمد عبده على رأي ابن تيمية بالقدم النوعي في العرش   193
لفظ الشيعة في القرآن الكريم   194
تهمة دور التشيّع في تفرقة الأُمّة الإسلامية وردّها   195
عبدالله بن سبأ ونشوء التشيّع   195
التشيّع لم ينتشر بالدعاية السرية   196
التشيع ليس سبباً للعداوة السياسية بين الصحابة   197
العوامل الأساسية في حرب الجمل   198
التشيّع لعلي (عليه السلام) ليس سبباً لتفرّق المسلمين   199
الفرس لم يفرّقوا المسلمين بتشيّعهم   200
الفرس لم يكونوا سبباً في القضاء على خلافة بني أُمية   202
الموضوع     الصفحة
أدلّة الشيعة على عصمة الأئمة(عليهم السلام)   205
الشيعة الإمامية تتبّرأ من كلّ غال مجسّم   206
صاحب المنار يقسّم الشيعة إلى غلاة ومعتدلين!!   208
تفسير خاطئ للأُصوليّين والأخباريّين   211
تهمة الاستعداد في الإمامية للغلو وردّها   213
السيد جمال الدين إيراني لا أفغاني   215
صاحب المنار يدّعي سعيه للتأليف بين السنّة والشيعة زوراً وبهتاناً   216
صاحب المنار يهاجم مجلة العرفان   217
صاحب المنار يهاجم بشدّة السيد الأمين والشيخ عارف الزين   220
صاحب المنار ومحاولة التأليف بين الشيعة والوهابية   222
صاحب المنار يهاجم الشيعة دفاعاً عن آل سعود   225
ملحق: القول الحاسم في الصفات الخبرية   232
تفسير الصفات الخبرية، وفيه أقوال    231
   القول الأوّل: اجراؤها على الله بنفس المعاني اللغوية   233
   القول الثاني: اجراؤها على الله بنفس المعاني اللغوية مع التنزيه
            بلا كيف   234
   القول الثالث: التفويض   236
   القول الرابع: التأويل   237
   القول الخامس: الأخذ بالظهور الجُمْلي   237
فهرس المحتويات   241
Website Security Test