welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : تهذيب الأُصول_الجزءالثالث*
تألیف :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

تهذيب الأُصول_الجزءالثالث

تهذيب الأُصول

الجزء الثالث

تقرير ابحاث الأُستاذ الأعظم والعلامة الأفحم
آية الله العظمى السيد روح الله الموسوي
الإمام الخميني - قدس سره -

تأليف
آية الله الشيخ جعفر السبحاني


(2)

هوية الكتاب

* اسم الكتاب :   تهذيب الاُصول / ج3 *

* المؤلف :   آية الله الشيخ جعفر السبحاني التبريزي *

* تحقيق ونشر :   مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني ـ قدس سره ـ *

* سنة الطبع :   شهريور 1382 ـ رجب المرجّب 1424 *

* الطبعة :   الاُولى *

* المطبعة :   مطبعة مؤسسة العروج *

* الكمية :   3000 نسخة *

* السعر :    21000 ريال *

* سعر الدورة :    55000 ريال *

الإخراج الفني في صفحة wab : السيد محسن البطاط


(3)

بسم الله الرحمن الرحيم


(4)


(5)

المقصد السابع
في
الاُصول العملية


(6)


(7)

القول في البراءة


(8)


(9)

تمهيد

وينبغي تقديم اُمور :

الأمر الأوّل : في بيان حالات المكلّف وذكر مجاري الاُصول

قد اختلفت كلمات الأعاظم في بيان حالات المكلّف وذكر مجاري الاُصول(1) ، وكلّها لا يخلو عن النقض والإبرام .

فإنّ ما أفاده شيخنا العلاّمة وإن كان أحسن واتقن ; فقال : إنّ المكلّف إذا التفت إلى حكم : فإمّا أن يكون قاطعاً به أو لا ، وعلى الثاني : فإمّا أن يكون له طريق منصوب من قبل الشارع أو لا ، وعلى الثاني : إمّا أن يكون له حالة سابقة ملحوظة أو لا، وعلى الثاني : إمّا أن يكون الشكّ في حقيقة التكليف أو في متعلّقه ، وعلى الثاني : إمّا أن يتمكّن من الاحتياط أو لا(2) ، انتهى .

لكن يرد عليه مع ذلك : أنّه لو كان المراد من القطع بالحكم هو القطع التفصيلي به ففيه ـ مضافاً إلى أنّه لا وجه لتخصيصه بالتفصيلي ـ أنّ ذلك لا يناسب مع البحث عن القطع الإجمالي في مبحث القطع .

وإن أراد الأعمّ منه ومن الإجمالي : فيقع التداخل بين مباحثه ومباحث الاشتغال ، وعليه لابدّ أن يبحث عن الشكّ في المتعلّق ـ الاشتغال ـ في أبحاث القطع لا في أبحاث الشكّ ; فإنّ الشكّ في المتعلّق يلازم القطع الإجمالي بالحكم .

ومنه يعلم : أنّه لو أراد من الطريق المنصوب من الشارع الأعمّ ممّا عرضه الإجمال في متعلّقه أو لا ، يقع التداخل بينه وبين الشكّ في المتعلّق .

أضف إلى ذلك : أنّه ليس لنا طريق منصوب من الشارع ، وأنّه ليس هنا أمارة تأسيسية ، بل كلّها إمضائية .


1 ـ راجـع فرائـد الاُصول ، ضمن تـراث الشيخ الأعظم 24 : 25، كفايـة الاُصول : 296 ، فوائـد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 4 .
2 ـ درر الفوائد، المحقّق الحائري: 323.


(10)

وعلى ذلك يصير البحث عن تلك الأمارات الإمضائية بحثاً استطرادياً ، فيكون عامّة مباحث الظنّ أبحاثاً استطرادياً ، إلاّ أن يراد بالطريق المنصوب أعمّ من الطرق الإمضائية . ومع ذلك يرد عليه الظنّ على الانسداد ، بناءً على الحكومة . ولا محيص عن هذه الإشكالات وأشباهها .

والأولى أن يقال : إنّ هذا التقسيم إجمال للمباحث الآتية مفصّلاً ، وبيان لسرّ تنظيم المباحث ; فإنّه لأجل حالات المكلّف بالنسبة إلى الأحكام ; فإنّه لا يخلو بعد الالتفات من القطع بالحكم أو الظنّ أو الشكّ به .

والشكّ لا يخلو : إمّا أن يكون له حالة سابقة أو لا ، والثاني لا يخلو : إمّا أن يكون الشكّ في التكليف أو المكلّف به ، والثاني لا يخلو : إمّا أن يمكـن الاحتياط فيه أو لا . فرتّبت المباحث حسب حالات المكلّف ، مـن غير نظر إلى المختار فيها .

فلا يـرد الإشكال إلاّ التداخـل بين القطـع والشكّ في المتعلّق ; فإنّـه مـن القطع الإجمالي .


(11)

ويمكن أن يذبّ عنه : بأنّ ما ذكر في مبحث القطع هو حيث حجّية القطع وما يرتبط به ، وما ذكر في مبحث الاشتغال جهات اُخر مربوطة بالشكّ ، فلا يتداخلان ; لاختلاف اللحاظ .

وعلى ما ذكرناه لا يحتاج إلى تقييد الحالة السابقة بالملحوظة حتّى يرد عليه : أنّه من قبيل الضرورة بشرط المحمول .

بل الأولى في تنظيم مباحث الاُصول : أن يبحث من القطع بقسميه في مبحث ، واُدرج فيه بعض مباحث الاشتغال ممّا كان الحكم معلوماً إجمالاً بالعلم الوجداني ، كإمكان الترخيص وامتناعه ; ولو في بعض الأطراف .

ثمّ اُردف بمبحث الأمارات ; سواء كانت الأمارة قائمة مفصّلاً أو إجمالاً ، واُدرج فيه سائر مباحث الاشتغال والتخيير ، واُدرج البحث عن التعادل والترجيح في ذيل حجّية خبر الثقة . ثمّ اُردف بمبحث الاستصحاب ، ثمّ مبحث البراءة حتّى يكون الترتيب حسب ترتيب حالات المكلّف ، والأمر سهل .

الأمر الثاني : في وجه تقديم الأمارات على الاُصول

قد عرّف المحقّقون الحكومة بتعاريف(1) ، ولعلّ محصّلها يرجع إلى كون الدليل الحاكم متعرّضاً للمحكوم نحو تعرّض ، ولو بنحو اللزوم العرفي أو العقلي ممّا لا يرجع إلى التصادم في مرحلة الظهور . وإن شئت قلت : كون الدليل متعرّضاً لحيثية من حيثيات دليل المحكوم ممّا لا يتكفّله دليل المحكوم ; توسعة وضيقاً .


1 ـ راجع فرائد الاُصول، ضمن تراث الشيخ الأعظم 27 : 13 ، كفاية الاُصول : 496 ، فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4 : 594 ، 712 ـ 714 .


(12)

وبذلك ـ أي تعرّض الحاكم لما لم يتعرّض به المحكوم ممّا يرجع إلى حيثية من حيثياته ـ يعلم : أنّ الحكومة قائمة بلسان الدليل الحاكم وكيفية تأديته ، فلا يتصوّر بين اللبّية الصرفة كالإجماع أو الأدلّة العقلية ، نعم يتصوّر بينهما الورود أو التخصيص وغيرهما .

إذا عرفت ذلك : المشهور أنّ الأمارات حاكمة على الاُصول العملية ، والظاهر أنّ في هذا التعبير مسامحة ; فإنّ الحكومة إنّما هو بين أدلّة الأمارات وأدلّة الاُصول لا بينهما ، كما لا يخفى .

على أنّ أدلّة الأمارات ليست على نسق واحد حتّى يصير الترجيح على أدلّة الاُصول بمثابة واحدة بل تختلف ، وباختلافها يختلف وجه الترجيح .

فإنّ من الأمارات قول الثقة ; فإن كان المدرك لحجّية قوله آية النبأ(1) ، فالترجيح إنّما هو بالحكومة ; فإنّ لسانها أنّ خبر العدل متبيّن ، وليس العمل على قوله عملاً بجهالة ، فيقدّم على الاُصول ; لكون موضوعاتها الجهالة وعدم العلم أو الشكّ .

وإن كان حجّيتها لأجل بعض الأخبار الواردة فيها فلا يبعد أن يكون التقديم أيضاً على نحو الحكومة ، مثل قوله ـ عليه السلام ـ : «ما أدّيا إليك عنّي فعنّي يؤدّيان»(2) .

وإن كان المستند هو بناء العقلاء على العمل به في اُمورهم : فلا شكّ أنّ التقديم ليس لأجل الحكومة ; لتقوّمها بلسان الدليل ودلالته اللفظية ، ولا لسان للدليل اللبّي . فلابدّ أن يكون التقديم بنحو الورود أو غيره .


1 ـ الحجرات (49) : 6 .
2 ـ الكافي 1 : 329 / 1 ، وسائل الشيعة 27 : 138 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 11 ، الحديث 4 .


(13)

ومن ذلك يعلم : أنّ تقديم دليل أصالة الصحّة في فعل الغير على الاستصحاب ليس بنحو الحكومة ، لكونه لبّياً ، وهو بناء العقلاء .

وأمّا تقديم أدلّة قاعدة التجاوز على دليل الاستصحاب فالظاهر : أنّه على نحو الحكومة ، بناءً على أنّ الاستصحاب أصل ; فإنّ مفاده عدم نقض اليقين بالشكّ ، ولسان الأدلّة في القاعدة هو عدم الشكّ أو عدم شيئيته ، وهذا لسان الحكومة ، بل أيّ حكومة أقوى من قوله : «إنّما الشكّ إذا كنت في شيء لم تجزه»(1) ، أو قوله ـ عليه السلام ـ :«فشكّك ليس بشيء»(2) .

ثمّ إنّ بعض أعاظم العصر نسب إلى الشيخ الأعظم أنّه قال هنا وفي مبحث التعادل والترجيح : إنّ التنافي بين الأمارات والاُصول هو التنافي بين الحكم الواقعي والظاهري وأنّ الجمع هو الجمع .

ثمّ أورد عليه : بأنّ المقامين مختلفان تنافياً وجمعاً ، وأنّ الجمع بين الأمارات والاُصول إنّما هو بالحكومة لا بما أفاده(3) ، انتهى .

وفيه : أنّ الشيخ الأعظم قد صرّح بحكومة الأمارات على الاُصول في كلا المقامين ، وليس في كلامه ما يوهم ما نسبه إليه ، فراجع(4) .


1 ـ تهذيب الأحكام 1 : 101 / 262 ، وسائل الشيعة 1 : 469 ، كتاب الطهارة ، أبواب الوضوء ، الباب 42 ، الحديث 2 .
2 ـ تهذيب الأحكام 2 : 352 / 1459 ، وسائل الشيعة 8 : 237 ، كتاب الصلاة، أبواب الخلل الواقع في الصلاة ، الباب 23 ، الحديث 1 .
3 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 326 .
4 ـ فرائد الاُصول ، ضمن تراث الشيخ الأعظم 25 : 11 و 27 : 11 .


(14)

الأمر الثالث : وحدة مناط البحث في جميع أقسام الشبهات

أنّ الشيخ الأعظم ـ قدس سره ـ قد بحث عن كلّ من الشبهات بحثاً مستقلاًّ ، مع أنّ المناط في الجميع واحد ; سواء كانت الشبهة تحريمية أو وجوبية ، موضوعية كانت أو حكمية ، كانت الشبهة في الحكم لأجل فقدان النصّ أو تعارضه أو إجماله .

ومجرّد اختصاص بعض الأقسام بالخلاف دون بعض ، أو عمومية بعض الأدلّة دون بعض لا يوجب إفراد البحث لكلّ واحدة من الأقسام .

إذا عرفت هذه المقدّمات فنقول :


(15)

حول
استدلال الاُصوليّين على البراءة

استدلّ على البراءة بالأدلّة الأربعة :

الاستدلال بالآيات

فمنها : قوله تعالى : (وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً)(1) .

وجه الاستدلال على وجه يندفع ما اُشكل عليه من الإيراد أن يقال : إنّ المتفاهم عرفاً من الآية ـ لأجل تعليق العذاب على بعث الرسول الذي هو مبلّغ لأحكامه تعالى ، وبمناسبة الحكم والموضوع ـ هو أنّ بعث الرسول ليس له موضوعية في إنزال العقاب ، بل هو طريق لإيصال التكاليف إلى العباد ، وإتمام الحجّة به عليهم .

وليس المراد من بعث الرسول هو بعث نفس الرسول ; وإن لم يبلّغ أحكامه ، فلو فرض أنّه تعالى بعث رسولاً لكن لم يبلّغ الأحكام في شطر من الزمان ـ لمصلحة أو جهة اُخرى ـ لا يصحّ أن يقال : إنّه تعالى يعذّبهم ; لأ نّه بعث الرسول .


1 ـ الإسراء (17) : 15 .


(16)

وكذا لو بلّغ بعض الأحكام دون البعض يكون التعذيب بالنسبة إلى ما لم يبلّغ مخالفاً للوعد في الآية . وكذا لو بلّغ إلى بعض الناس دون بعض لا يصحّ أن يقال : إنّه يعذّب الجميع ; لأ نّه بعث الرسول . وكذا لو بلّغ جميع الأحكام في عصره ثمّ انقطع الوصول إلى الأعصار المتأخّرة .

وهذا أو أشباهه يدلّ على أنّ الغاية لاستحقاق العذاب هو التبليغ الواصل ، وأنّ ذكر بعث الرسول مع انتخاب هذه الكلمة كناية عن إيصال الأحكام وإتمام الحجّة ، وأنّ التبليغ غير الواصل في حكم العدم ، وأنّه لا يصحّح العذاب ، كما أنّ وجود الرسول بين الاُمّة بلا تبليغ كذلك .

وعلى ذلك : فلو بحث المكلّف عن تكليفه ووظيفته بحثاً أكيداً ، فلم يصل إلى ما هو حجّة عليه ـ من علم تفصيلي أو إجمالي وغيرهما من الحجج ـ فلا شكّ أنّه يكون مشمولاً لقوله عزّوجلّ : (وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً) ; لما عرفت من أنّ الغاية للوعيد بحسب اللبّ هو إيصال الأحكام إلى العباد ، وأنّ بعث الرسل ليس له موضوعية فيما رتّب عليه .

وإن شئت قلت : إنّ قوله تعالى : (وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ) تنزيه للحقّ تعالى شأنه ، وهو يريد بهذا البيان أنّ التعذيب قبل البيان مناف لمقامه الربوبي ، وأنّ شأنه تعالى أجلّ من أن يرتكب هذا الأمر ; فلذلك عبّر بقوله : (وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ) ، دون أن يقول : «وما عذّبنا» ، أو «ما أنزلنا العذاب» ، وذلك للإشارة إلى أنّ هذا الأمر مناف لمقامه الأرفع وشأنه الأجلّ .

وبعبارة أوضح : أنّ الآية مسوقة : إمّا لإفادة أنّ التعذيب قبل البيان مناف لعدله وقسطه ، أو مناف لرحمته وعطوفته ولطفه على العباد .

فلو أفاد الأوّل لَدلّ على نفي الاستحقاق وأنّ تعذيب العبد حين ذاك أمـر


(17)

قبيح مستنكر يستحيل صدوره منه ، ولو أفاد الثاني لدلّ على نفي الفعلية ، وأنّ العذاب مرتفع ; وإن لم يدلّ على نفي الاستحقاق . وسيأتي عدم الفرق بين المفادين فيما هو المهمّ .

وقد اُورد على الاستدلال بالآية اُمور :

منها : ما عن بعض أعاظم العصر من أنّ مفاد الآية أجنبي عن البراءة ; فإنّ مفادها الإخبار بنفي التعذيب قبل إتمام الحجّة ، فلا دلالة لها على حكم مشتبه الحكم من حيث إنّه مشتبه(1) .

وفيه : ما عرفت في تقرير الاستدلال من أنّ بعث الرسل كناية عن إيصال الأحكام ، فالمشتبه الحكم داخل في مفاد الآية ; إمّا لما ذكرناه من أنّ بعث الرسل لأجل كونها واسطة في التبليغ ، أو بإلغاء الخصوصية وإلحاق مشتبه الحكم بالموارد التي لم يبلّغها الرسل .

منها : أنّ الآية راجعة إلى نفي التعذيب عن الاُمم السالفة قبل بعث الرسل ، فلا مساس له بالمقام(2) .

وفيه أوّلاً : أنّ التأمّل في الآيات المتقدّمة عليها يعطي خلاف ذلك ، فإليك بمراجعة ما تقدّمها من الآيات تجد صحّة ما ادّعيناه .

وثانياً : لو فرض أنّ مـوردها ما ذكـر ، غير أنّ التعبير بقولـه تعالى : (وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ) حاك عن كونه سنّة جاريـة لله عزّ شأنـه ، مـن دون فـرق بين السالفـة والقادمـة ، وأنّ تلك الطريقة ساريـة في عامّـة الأزمان ، مـن غير فرق بين السلف والخلف .


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 333 ـ 334 .
2 ـ فرائد الاُصول ، ضمن تراث الشيخ الأعظم 25 : 23 .


(18)

ولو لم نقل : إنّ ذلك مفاد الآية حسب المنطوق فلا أقلّ يفهم العرف من الآية ـ ولو بإلغاء الخصوصية ومناسبة الحكم والموضوع ـ أنّ التعذيب قبل البيان لم يقع ولن يقع أبداً .

منها : أنّ الاستدلال بها لما نحن فيه متقوّم بكونها في مقام نفي الاستحقاق لا نفي الفعلية ; لأنّ النزاع في البراءة إنّما هو في استحقاق العقاب على ارتكاب المشتبه وعدمه ، لا في فعلية العقاب(1) .

وفيه : أنّ ذلك أوّل الكلام ; إذ النزاع بين الاُصولي والأخباري إنّما هو في ثبوت المؤمّن وعدمه في ارتكاب الشبهات ، وأنّه هل يلزم الاحتياط أو لا ؟ وهذا هو مصبّ النزاع بين الطائفتين ، وأمّا البحث عن الاستحقاق وعدمه فهو خارج عمّا يهمّ على كلا الفريقين .

وبالجملة : أنّ المرمي للقائل بالبراءة هو تجويز شرب التتن المشتبه الحكم لأجل وجود مؤمّن شرعي أو عقلي حتّى يطمئنّ أنّه ليس في ارتكابه محذور ; سواء كان ذلك لأجل رفع العقوبة الفعلية أو نفي الاستحقاق .

والشاهد على ما ذكرنا : أنّك ترى القوم يستدلّون على البراءة بحديث الرفع الظاهر عندهم في رفع المؤاخذة ، لا نفي الاستحقاق .

وبما ذكرنا يظهر : أنّ الآية أسدّ الأدلّة التي استدلّ بها للبراءة ، وأنّ ما اُورد عليه من الإيرادات غير خال عن الضعف .

نعم ، لا يستفاد من الآية أكثر ممّا يستفاد من حكم العقل الحاكم على قبح العقاب بلا بيان ; فلو دلّ الدليل على لزوم الاحتياط أو التوقّف لصار ذلك نفسه بياناً ، فيكون ذاك الدليل وارداً على العقل وما تضمّنته الآية .


1 ـ الفصول الغروية : 353 / السطر 7 ، كفاية الاُصول : 385 .


(19)

ومنها : قوله تعالى :

(لِيُنْفِقْ ذُو سَعَة مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللهُ لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ ما آتاها سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْر يُسْراً)(1) .

بيان الاستدلال : أنّ المراد من الموصول التكليف ، ومن «الإيتاء» الإيصال والإعلام ، ومعناها : أنّ الله لا يكلّف نفساً إلاّ تكليفاً أوصلها وبلّغها .

ويمكن بيانه بوجه آخر حتّى ينطبق على ما سبقها من الآيات بأن يقال : إنّ المراد من الموصول هو الأعمّ من الأمر الخارجي ونفس التكليف ، وأنّ المراد من «الإيتاء» الأعمّ من نفس الإقدار والإيصال ، ويصير مفادها : أنّ الله لا يكلّف نفساً تكليفاً ولا يكلّفه بشيء ـ كالإنفاق ـ إلاّ بعد الإيصال والإقدار .

وفي كلا التقريرين نظر ، بل منع :

أمّا الأوّل : فلأنّ إرادة خصوص التكليف منه مخالف لمورد الآية وما قبلها وما بعدها .

نعم ، الظاهر أنّ قوله : (لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ ما آتاها) هو الكبرى الكلّية ، وبمنزلة الدليل على ما قبلها ، كما يظهر من استشهاد الإمام ـ عليه السلام ـ بها في رواية عبد الأعلى ; حيث سأل أبا عبدالله ـ عليه السلام ـ : هل كلّف الناس بالمعرفة ؟

قال : «لا ، على الله البيان ، (لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها) ، و(لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ ما آتاها)»(2) .

ولعلّ المراد بالمعرفة هي المعرفة الكاملة التي لا يمكن إلاّ بإقداره تعالى


1 ـ الطلاق (65) : 7 .
2 ـ الكافي 1 : 163 / 5 .


(20)

وتأييده ، لا مطلق العلم بوجود صانع للعالم ، الذي هو فطري .

ثمّ إنّ التعبير بالإيتاء الذي بمعنى الإعطاء لا يبعد أن يكون مشاكلة لقوله : (فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللهُ) .

وأمّا ثاني التقريرين : فالمنع فيه أوضح ; لأنّ إرادة الأعمّ من الموصول مع إسناد فعل واحد إليه غير ممكن في المقام ; إذ لو اُريد من الموصول نفس التكليف ينزّل منزلة المفعول المطلق .

ولو اُريد مع ذلك الأمر الخارجي الذي يقع عليه التكليف يصير مفعولاً به وتعلّق الفعل بالمفعول المطلق ـ سواء كان نوعياً أم غيره ـ يباين نحـو تعلّقـه بالمفعول به ; لعدم الجامع بين التكليف والمكلّف به بنحو يتعلّق التكليف بهما على وزان واحد .

وإن شئت قلت : المفعول المطلق هو المصدر أو ما في معناه المأخوذ من نفس الفعل ، والمفعول به ما يقع عليه الفعل المباين معه ، ولا جامع بين الأمرين حتّى يصحّ الإسناد .

ثمّ إنّ بعض محقّقي العصر ـ قدس سره ـ وجّه إرادة الأعمّ من الموصول والإيتاء ، ما هذا خلاصته : إنّ الإشكال إنّما يرد في فرض إرادة الخصوصيات المزبورة من شخص الموصول ، وإلاّ فبناءً على استعمال الموصول في معناه الكلّي العامّ وإرادة الخصوصيات المزبورة من دوالّ اُخر خارجية فلا يتوجّه محذور ; لا من طرف الموصول ، ولا في لفظ الإيتاء ، ولا من جهة تعلّق الفعل بالموصول :

أمّا من جهة الموصول فلأجل استعماله في معناه الكلّي ، وأنّ إفادة الخصوصيات من دوالّ اُخر .

وأمّـا الإيتاء فهو مستعمل في معنى الإعطاء ، غير أنّـه يختلف مصاديقـه ;


(21)

مـن كونه تارة هو الإعلام عند إضافتـه إلى الحكم ، واُخـرى الملكية عند إضافته إلى المال .

وأمّا تعلّق الفعل بالموصول ; حيث لا يكون له إلاّ نحو تعلّق واحد به ، ومجرّد تعدّده بالتحليل لا يقتضي تعدّده بالنسبة إلى الجامع الذي هو مفاد الموصول ، غاية الأمر يحتاج إلى تعدّد الدالّ والمدلول(1) ، انتهى .

قلت : إنّ كون الشيء مفعولاً مطلقاً ليس معناه إلاّ كونه ملحوظاً عند إضافة الفعل إليه بأنّه من شؤون الفعل وكيفياته على نحو يكون وجوده بعين وجود الفعل ، كما أنّ المفعول به يلاحظ عند إضافة الفعل إليه بأنّه أمر موجود في الخارج وقع الفعل عليه ، ومع ذلك فكيف يمكن إرادتهما باستعمال واحد ؟

وبعبارة اُخرى : أنّ نحو تعلّق الفعل بهما مباين لا جامع بينهما . وتعدّد الدالّ والمدلول أو إقامة القرينة على الخصوصيات فإنّما يصحّ إذا كان في المقام جامع واقعي حتّى يكون الخصوصيات من مصاديقه ، وأمّا مع عدمه وعدم إمكان إرادتهما منها فلا معنى لإقامة القرينة ، كما لا يخفى .

نعم ، لو صحّ ما ذكـره أخيراً ـ مـن إمكان كون المراد مـن التكليف في الآية هـو الكلفة والمشقّة ، لا الحكم الشرعي(2) ـ لرجع النسبتان إلى نسبة واحدة ; إذ يجعل الموصـول ـ حينئذ ـ عبارة عـن المفعول به أو المفعول النشوي المعبّر عنه في كلام بعضهم بالمفعول منه . فيصير مفاد الآية : أنّه سبحانه لا يوقع عباده في كلفـة حكـم إلاّ الحكم الذي أوصلـه إليهم ، وارتفع الإشكال ، لكنّـه غير مفيد للمقام ، كما يأتي الكلام فيه .


1 ـ نهاية الأفكار 3 : 202 ـ 203 .
2 ـ نفس المصدر 3 : 203 .


(22)

ثمّ إنّه ـ قدس سره ـ بعدما استوجه وجود الجامع استشكل في التمسّك بالإطلاق : تارة بوجود القدر المتيقّن ; حيث إنّ القدر المتيقّن ـ حسب سياق الآيات ـ هو المال ، واُخرى بأنّ المستفاد منها عدم الكلفة من قبل التكاليف المجهولة غير الواصلة إلى المكلّف ، لا نفي الكلفة مطلقاً ; ولو من قِبل إيجاب الاحتياط ، فيكون مفادها مساوقاً لحكم العقل ، فلو ثبت ما يدّعيه الأخباري لصار وارداً عليه(1) ، انتهى .

وأنت خبير بما فيه ; إذ وجود القدر المتيقّن غير مضرّ في التمسّك بالإطلاق ، كما أوضحناه في مبحث المطلق والمقيّد(2) .

كما أنّ جعل الاحتياط لأجل التحفّظ على التكاليف الواقعية لا يناسب مع سوق الآية ; لأنّ مساقها مساق المنّة والامتنان ، والإخبار عن لطفه وعنايته ; بأنّه لا يجعل العباد في الكلفة والمشقّة من جهة التكليف إلاّ مع إيصالها .

ومن المعلوم : أنّ جعل الاحتياط تضييق على المكلّف بلا إيصال ; لأنّ المرمي من الاحتياط هو التحفّظ على الواقع ، لا كونه طريقاً موصلاً إلى الواقع ، فإيجاب التحفّظ في الشبهات البدوية كلفة بلا إيصال ولا إعلام .

ثمّ إنّه ـ قدس سره ـ استشكل ثالثاً فـي التمسّك بالإطلاق ما حاصلـه : إنّ مساقها مساق قوله ـ عليه السلام ـ : «إنّ الله سكت عن أشياء لم يسكت عنها نسياناً»(3) فيكون دلالتها ممحّضة في نفي الكلفة عمّا لم يوصل علمه إلى العباد ; لمكان سكوته وعـدم


1 ـ نهاية الأفكار 3 : 203 ـ 204 .
2 ـ تقدّم في الجزء الثاني : 273 .
3 ـ الفقيه 4 : 53 / 193 ، وسائل الشيعة 27 : 175، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 12 ، الحديث 68 .


(23)

بيانـه وإظهاره ، لا نفي الكلفـة مطلقاً عمّـا لم يصل علمـه إلى العباد ; لإخفاء الظالمين(1) ، انتهى .

وفيه : أنّ ذلك بعيد عن مفاد الآية جدّاً ; إذ حينئذ يصير من قبيل توضيح الواضح ; إذ مآلها حسب قول القائل إلى أنّ الله لا يكلّف نفساً بما هو ساكت عنه ، وهو كما ترى .

نعم ، يمكن منع التمسّك بالإطلاق بطريق آخر ، بيانه : أنّ معنى الإطلاق ـ كما مرّ(2) ـ هو كون الطبيعة تمام الموضوع للحكم ، فلو احتملنا دخالة شيء غير مذكور في الحكم فنحكم به على عدم جزئيته وشرطيته .

ولكن الاحتجاج به بعد انعقاد الظهور لما وقع تحت دائرة الحكم حتّى يحتجّ بعدم تعرّضه على قيد آخر على عدم دخالته ، وهذا الشرط منتف في المقام ; إذ لم يثبت أنّ المتكلّم أراد المعنى الجامع الانتزاعي الذي يحتاج في تصوّر إرادته إلى تكلّف ، أو أراد إحدى المعاني الاُخر ، ومع ذلك التردّد لا مجال للإطلاق ; إذ غاية ما ذكرنا من المعاني والوجوه احتمالات وإمكانات ، وهو لا ينفع من دون الظهور .

على أنّ الظاهر حسب السياق هو المعنى الأوّل ; أعني جعل المراد من الموصول الأمر الخارجي ، ومن «الإيتاء» هو الإقدار والإعطاء ، فلاحظ .

وممّا ذكرناه : يظهر النظر فيما أفاده بعض أعاظم العصر في المقام بما هذا حاصله : إنّ المراد من الموصول خصوص المفعول به ، ومع ذلك يكون شاملاً للتكليف وموضوعه ; لأنّ إيتاء كلّ شيء بحسبه .


1 ـ نهاية الأفكار 3 : 204 .
2 ـ تقدّم في الجزء الثاني : 159 .


(24)

أضف إلى ذلك : أنّ المفعول المطلق النوعي والعددي يصحّ جعله مفعولاً به بنحو من العناية ، كما أنّ الوجوب والتحريم يصحّ تعلّق التكليف بهما باعتبار ما لهما من المعنى الاسم المصدري(1) ، انتهى .

وفيه ـ مضافاً إلى عدم إمكان شمول الموصول لهما بما مرّ(2) ـ أوّلاً : أنّ قوله ـ قدس سره ـ إنّ المفعول المطلق يصحّ جعله مفعولاً به بنحو من العناية لا محصّل له ، كقوله : إنّ الوجوب والتحريم يصحّ تعلّق التكليف بهما ; إذ كيف يتصوّر تعلّق البعث بهما على نحو المفعول به ; ولو اعتبرا بنحو الاسم المصدري ؟

وثانياً : أنّ لازم ما أفاد هو الجمع بين الاعتبارين المتنافيين ; فإنّ المفعول به مقدّم في الاعتبار على المصدر ; لأ نّه إضافة قائمة به في الاعتبار ، وأمّا المفعول المطلق فهو عبارة عن حاصل المصدر ، وهو متأخّر رتبةً عن المصدر ، فكيف يجمع بينهما في الاعتبار ؟ فيلزم ممّا ذكره اعتبار المتأخّر في الاعتبار متقدّماً في الاعتبار في حال كونه متأخّراً .

ثمّ إنّه استشكل على دلالة الآية : بأنّ أقصى ما تدلّ عليه الآية هو أنّ المؤاخذة لا تحسن إلاّ بعد بعث الرسل وتبليغ الأحكام ، وهذا لا ربط له بما نحن فيه من الشكّ في التكليف بعد البعث والإنزال وعروض اختفاء التكليف بما لا يرجع إلى الشارع .

فالآية لا تدلّ على البراءة ، بل مفادها مفاد قوله تعالى : (وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً)(3) ، انتهى .


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 332 ـ 333 .
2 ـ تقدّم في الصفحة 20 .
3 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 333 .


(25)

وفيه : ما عرفت(1) في توضيح دلالة الآية المتقدّمة ; بأنّ الميزان هو الإبلاغ والإيصال في استحقاق العقاب ، لا الإبلاغ ولو مع عدم الوصول .

على أنّ دلالة تلك ـ بعد الغضّ عمّا ذكرنا من الإشكال(2) ـ أوضح من المتقدّمة ; لوضوح دلالتها في الإبلاغ والإيصال ، من دون أن نحتاج إلى إلغاء الخصوصية ، كما لا يخفى .

ثمّ إنّ القوم استدلّوا ببعض الآيات ; وحيث إنّ فيما ذكرنا أو ما نذكره من السنّة والأدلّة العقلية غنىً عن الخوض فيه طوينا البيان عنه ، ونذكر ما استدلّوا به من السنّة .


1 ـ تقدّم في الصفحة 15 ـ 16 .
2 ـ تقدّم في الصفحة 19 .


(26)

الاستدلال بالروايات على البراءة

الرواية الاُولى : حديث الرفع

روى الصدوق في «الخصال» بسند صحيح عن حريز عن أبي عبدالله ـ عليه السلام ـ قال : «قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ رفع عن اُمّتي تسعة : الخطأ ، والنسيان ، وما اُكرهوا عليه ، وما لا يعلمون ، وما لا يطيقون ، وما اضطرّوا إليه ، والحسد والطيرة والتفكّر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطقوا بشفة»(1) .

وقد ذكر القوم كيفية دلالتها على المقام ، غير أنّ المهمّ بيان اُمور يتمّ بها ما يستفاد من الحديث الشريف :

الأمر الأوّل : في شمول الحديث للشبهات الحكمية

قد استشكل في الاستدلال به للشبهات الحكمية باُمور :

أوّلها : أنّه لا شكّ أنّ أكثر ما ذكر في الحديث الشريف موجود في الخارج كثير وجوده بين الاُمّة ، مع أنّ ظاهره الإخبار عن نفي وجوده ، فلابدّ من تقدير أمر في الحديث حسب دلالة الاقتضاء ; صوناً لكلام الحكيم عن اللغوية والكذب .

فالظاهر : أنّ المقدّر هو المؤاخذة ، غير أنّه يصحّ في «ما لا يطيقون» و «ما اضطرّوا إليه» و «ما استكرهوا عليه» ، وأمّا «ما لا يعلمون» فإن اُريد منه الشبهة


1 ـ الخصال : 417 / 9 ، التوحيد ، الصدوق : 353 / 24 ، وسائل الشيعة 15 : 369 ، كتاب الجهاد ، أبواب جهاد النفس ، الباب 56 ، الحديث 1 .


(27)

الموضوعية والمجهول من ناحية المصداق فيصحّ التقدير أيضاً ; وإن اُريد منه الأعمّ أو نفس الحكم المجهول فتقدير المؤاخذة يحتاج إلى العناية(1) .

ثمّ إنّ بعض أعاظم العصر أجاب عن الإشكال : بأنّه لا حاجة إلى التقدير ; فإنّ التقدير إنّما يحتاج إليه إذا توقّف تصحيح الكلام عليه ، كما إذا كان الكلام إخباراً عن أمر خارجي ، أو كان الرفع رفعاً تكوينياً ، فلابدّ في تصحيح الكلام من تقدير أمر يخرجه عن الكذب .

وأمّا إذا كان الرفع تشريعياً فالكلام يصحّ بلا تقدير ; فإنّ الرفع التشريعي ـ كالنفي التشريعي ـ ليس إخباراً عن أمر واقع ، بل إنشاء لحكم يكون وجوده التشريعي بنفس الرفع والنفي ، كقوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «لا ضرر ولا ضرار» ، وقوله ـ عليه السلام ـ : «لا شكّ لكثير الشكّ» ونحو ذلك ممّا يكون متلوّ النفي أمراً ثابتاً في الخارج(2) .

وفيه : أنّ الفرق بين الإنشاء والإخبار في احتياج أحدهما إلى التقدير دون الآخر كما ترى ; فإنّ الكلام في مصحّح نسبته إلى المذكورات ، فلو كان هناك مصحّح ; بحيث يخرج الكلام عن الكذب واللغوية تصحّ النسبة مطلقاً ; إخباراً كان أو إنشاءً ، وإن كان غير موجود فلا تصحّ مطلقاً .

والحاصل : أنّ إسناد الشيء إلى غير ما هو له يحتاج إلى مناسبة وادّعاء ، فلو صحّ لوجود المناسبة يصحّ مطلقاً ، بلا فرق بين الإنشاء والإخبار .

أضف إلى ذلك : أنّ النبي والأئمّة من بعده ـ عليهم السلام ـ ليسوا مشرّعين حتّى يكون الحديث المنقول عنه إنشاءً ، بل هو إخبار عن أمر واقع ; وهو رفع الشارع الأقدس .


1 ـ فرائد الاُصول ، ضمن تراث الشيخ الأعظم 25 : 28 .
2 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 342 ـ 343 .


(28)

مضافـاً إلى أنّ الإخبار بـداعي الإنشاء لا يجعلـه إنشاءً ، لا يسلخـه عـن الإخبارية ; فإنّ الإخبار بداعي الإنشاء لا يجعل الشيء مـن قبيل استعمال الإخبار في الإنشاء ، بل هو يبقى على إخباريته ; وإن كان الداعي إليه هو البعث والإنشاء .

كما هو الحال في الاستفهام الإنكاري والتقريري ; فإنّ كلمة الاستفهام مستعملة في معناها حقيقة ; وإن كان الغرض أمراً آخر مخرجاً به عن المحذور .

على أنّ الرفع التشريعي مآله إلى رفع الشيء باعتبار آثاره وأحكامه الشرعية ، وهو عين التقدير .

نعم ما ادّعاه ـ قدس سره ـ من عدم احتياجه إلى التقدير صحيح ، لا لما ذكره بل لأجل كون الرفع ادّعائياً ، وسيأتي توضيحه ، فانتظر(1) .

ثانيها : لا شكّ أنّ المراد من الموصول في «ما لا يطيقون» ، و «ما استكرهوا» و «ما اضطرّوا» هو الموضوع الخارجي لا الحكم الشرعي ; لأنّ هذه العناوين الثلاثة لا تعرض إلاّ للموضوع الخارجي دون الحكم الشرعي .

فليكن وحدة السياق قرينة على المراد من الموصول في «ما لا يعلمون» هو الموضوع المشتبه ، لا الحكم المشتبه المجهول ، فيختصّ الحديث بالشبهات الموضوعية(2) .

ثالثها : أنّ إسناد الرفع إلى الحكم الشرعي المجهول من قبيل الإسناد إلى ما هو له ; لأنّ الموصول الذي تعلّق الجهل به بنفسه قابل للوضع والرفع الشرعي ، وأمّا


1 ـ يأتي في الصفحة 33 ـ 34 .
2 ـ فرائد الاُصول ، ضمن تراث الشيخ الأعظم 25 : 28 .


(29)

الشبهات الموضوعية فالجهل إنّما تعلّق فيها بالموضوع أوّلاً وبالذات ، وبالحكم ثانياً وبالعرض .

فيكون إسناد الرفع إلى الموضوع من قبيل إسناد الشيء إلى غير ما هو له ; لأنّ الموضوع بنفسه غير قابل للرفع ، بل باعتبار حكمه الشرعي ، ولا جامع بين الموضوع والحكم ، فلابدّ أن يراد من الموصول هو الموضوع ; تحفّظاً على وحدة السياق(1) .

وأجاب بعض أعاظم العصر ـ قدس سره ـ ; قائلاً بأنّ المرفوع في جميع التسعة إنّما هو الحكم الشرعي ، وإضافة الرفع في غير «ما لا يعلمون» إلى الأفعال الخارجية لأجل أنّ الإكراه والاضطرار ونحو ذلك إنّما يعرض الأفعال الخارجية لا الأحكام ، وإلاّ فالمرفوع فيها هو الحكم الشرعي .

كما أنّ المرفوع في «ما لا يعلمون» أيضاً هو الحكم الشرعي ، وهو المراد من الموصول ، وهو الجامع بين الشبهات الموضوعية والحكمية .

ومجرّد اختلاف منشأ الشبهة لا يقتضي الاختلاف فيما اُسند الرفع إليه ; فإنّ الرفع قد اُسند إلى عنوان «ما لا يعلم» ، ولمكان أنّ الرفع التشريعي لابدّ أن يرد على ما يكون قابلاً للوضع والرفع الشرعي فالمرفوع إنّما يكون هو الحكم الشرعي ; سواء في ذلك الشبهات الحكمية والموضوعية . فكما أنّ قوله ـ عليه السلام ـ : «لا تنقض اليقين بالشكّ» يعمّ كلا الشبهتين بجامع واحد ، كذلك قوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «رفع عن اُمّتي تسعة أشياء»(2) ، انتهى .


1 ـ درر الفوائد ، المحقّق الخراساني : 190 .
2 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 345 .


(30)

وأنت خبير : بأنّ في المقام إشكالين ، وهو ـ قدس سره ـ يريد الجواب عنهما معاً : أمّا الأوّل فحاصله : أنّ وحدة السياق يقتضي حمل الموصول في «ما لا يعلمون» على الموضوع حتّى يتّحد مع أخواته ، فالقول بأنّ رفع تلك العناوين بلحاظ رفع آثارها وأحكامها لا يفي بدفع الإشكال .

ومنه يعلم ما في جوابه عن ثاني الإشكالين ; لأنّ مناطه إنّما هو في الإسناد بحسب الإرادة الاستعمالية ; فإنّ الإسناد إلى الحكم إسناد إلى ما هو له ، دون الإسناد إلى الموضوع ، فلابدّ أن يراد في جميعها الموضوع حتّى يصحّ الإسناد المجازي في الجميع . فكون المرفوع بحسب الجدّ الحكم الشرعي لا يدفع الإشكال .

فالحقّ في دفع المحذورين : ما أفاده شيخنا العلاّمة ـ أعلى الله مقامه ـ :

أمّا عن الأوّل : فلأنّ عدم تحقّق الاضطرار والإكراه في الأحكام لا يوجب التخصيص في قوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «ما لا يعلمون» ولا يقتضي السياق ذلك ; فإنّ عموم الموصول إنّما يكون بملاحظة سعة متعلّقه وضيقه ، فقوله : «ما اضطرّوا إليه» اُريد منه كلّ ما اضطرّ إليه في الخارج ، غاية الأمر : لم يتحقّق الاضطرار بالنسبة إلى الحكم .

فيقتضي اتّحاد السياق أن يراد من قوله «ما لا يعلمون» أيضاً كلّ فرد من أفراد هذا العنوان ، ألا ترى أنّه إذا قيل : «ما يؤكل وما يرى» في قضية واحدة لا يوجب انحصار أفراد الأوّل في الخارج ببعض الأشياء تخصيص الثاني بذلك البعض .

وبعبارة أوضح : أنّ الإشكال نشأ من الخلط بين المستعمل فيه وما ينطبق عليه ; فإنّ الموصول والصلة في عامّة الفقرات مستعمل في معناهما لا في المصاديق


(31)

الخارجية ، والاختلاف بين المصاديق إنّما يظهر عند تطبيق العناوين على الخارجيات ، وهو بمعزل عن مقام الاستعمال .

وهذا خلط سيّال في أكثر الأبواب ، ومن هذا الباب توهّم أنّ الإطلاق يفيد العموم الشمولي أو البدلي أو غيرهما ، مع أنّ الإطلاق لا يفيد قطّ العموم ، بل هو مقابل العموم ، كما مرّ تحقيقه في مقامه(1) .

وأمّا عن الثاني : فإنّ الأحكام الواقعية إن لم تكن قابلة للرفع ، وتكون باقية بفعليتها في حال الجهل يكون الإسناد في كلّ العناوين إسناداً إلى غير ما هو له ، وإن كانت قابلة للرفع يكون الإسناد إلى «ما لا يعلمون» إسناداً إلى ما هو له ، وإلى غيره إلى غير ما هو له ، ولا يلزم محذور ; لأنّ المتكلّم ادّعى قابلية رفع ما لا يقبل الرفع تكويناً ، ثمّ أسند الرفع إلى جميعها حقيقة .

وبعبارة اُخرى : جعل كلّ العناوين بحسب الادّعاء في رتبة واحدة وصفّ واحد في قبولها الرفع ، وأسند الرفع إليها حقيقة ، فلا يلزم منه محذور(2) .

ثمّ إنّ بعض محقّقي العصر أنكر وحدة السياق في الحديث ; قائلاً بأنّ من الفقرات في الحديث : الطيرة والحسد والوسوسة ، ولا يكون المراد منها الفعل ، ومع هذا الاختلاف كيف يمكن دعوى ظهور السياق في إرادة الموضوع المشتبه ؟ !

على أنّه لو اُريد تلك فهو يقتضي ارتكاب خلاف الظاهر من جهة اُخرى ; فإنّ الظاهر من الموصول في «ما لا يعلمون» هو ما كان بنفسه معروض الوصف ، وهو عدم العلم كما في غيره من العناوين الاُخر ، كالاضطرار والإكراه ونحوهما ;


1 ـ تقدّم في الجزء الثاني : 157 ـ 159 .
2 ـ درر الفوائد ، المحقّق الحائري : 441 ـ 442 .


(32)

حيث كان الموصول فيها معروضاً للأوصاف المزبورة .

فتخصيص الموصول بالشبهات الموضوعية ينافي هذا الظهور ; إذ لا يكون الفعل فيها بنفسه معروضاً للجهل ، وإنّما المعروض له هو عنوانه . وحينئذ يدور الأمر بين حفظ السياق من هذه الجهة بحمل الموصول في «ما لا يعلمون» على الحكم ، وبين حفظه من جهة اُخرى بحمله على إرادة الفعل ، والعرف يرجّح الأوّل(1) ، انتهى .

والجواب عن الأوّل ـ مضافاً إلى أنّ المدّعى وحدة السياق فيما يشتمل على الموصول ، لا في عامّة الفقرات ـ أنّ الفقرات الثلاث أيضاً فعل من الأفعال ، غاية الأمر أنّها من قبيل الأفعال القلبية ، ولأجل ذلك تقع مورداً للتكليف ; فإنّ تمنّي زوال النعمة عن الغير فعل قلبي محرّم . وقس عليه الوسوسة والطيرة ; فإنّها من الأفعال الجوانحية .

وعن الثاني : أنّ المجهول في الشبهات الموضوعية إنّما هو نفس الفعل أيضاً لا عنوانه فقط ، بل الجهل بالعنوان واسطة لثبوت الجهل بالنسبة إلى نفس الفعل ، لا واسطة في العروض . فالشرب في المشكوك خمريته أيضاً مجهول ; وإن كان الجهل لأجل إضافة العنوان إليه .

أضف إلى ذلك : أنّه لو سلّم ما ذكره فلا يختصّ الحديث بالشبهة الحكمية ; لأنّ الرفع ادّعائي ، ويجوز تعلّقه بنفس الموضوع ، فيدّعى رفع الخمر بما لها من الآثار ، فيعمّ الحديث كلتا الشبهتين .

وربّما يدّعى اختصاص الحديث بالشبهة الحكمية ; لأنّ الموضوعات الخارجية غير متعلّقة للأحكام ، وإنّما هي متعلّقة بنفس العناوين . فرفع الحكم عنها


1 ـ نهاية الأفكار 3 : 216 .


(33)

فرع وضعها لها ، وقد عرفت منعه .

وفيه أوّلاً : بالنقض بالاضطرار ونحوه ; فإنّه يتعلّق بالموضوع بلا إشكال ; فأيّ معنىً لرفع الحكم فيه فليكن هو المعنى في «ما لا يعلمون» .

وثانياً : يمكن أن يقال إنّ الرفع في الشبهات الموضوعية راجع إلى رفع الحكم عن العناوين الكلّية ، كما هو الحال في الاضطرار والإكراه ; فإنّ الحكم مرفوع عن البيع المكره والشرب المضطرّ والخمر المجهول حكماً أو موضوعاً .

وإن شئت قلت : إنّ رفع الحكم مآله إلى نفي المؤاخذة أو رفع إيجاب الاحتياط أو رفع الفعلية ، من غير فرق بين الشبهة الحكمية أو الموضوعية .

الأمر الثاني : معنى الرفع في الحديث

هل الرفع في الحديث بمعناه الحقيقي ، أو هو بمعنى الدفع ، استعمل في المقام مجازاً ؟

التحقيق هو الأوّل ; سواء قلنا إنّ المرفوع هو نفس الموضوعات ادّعاءً ـ كما هو المختار ـ أو المرفوع آثارها وأحكامها بالتزام تقدير في الكلام .

أمّا على الأوّل فبيانه : أنّ معنى الرفع الحقيقي هو إزالة الشيء بعد وجوده وتحقّقه ، وقد اُسند إلى نفس هذه العناوين التسعة المتحقّقة في الخارج ، فلابدّ أن يحمل الرفع إلى الرفع الادّعائي ، وهو يحتاج إلى وجود المصحّح لهذا الادّعاء .

ثمّ المصحّح كما يمكن أن يكون رفع الآثار يمكن أن يكون دفع المقتضيات عن التأثير ; لأنّ رفع الموضوع تكويناً كما يوجب رفع الآثار المترتّبة عليه والمتحقّقة فيه ، كذلك يوجب عدم ترتّب الآثار عليه بعد رفعه وإعدامه ، وهذا مصحّح الدعوى ; لاسيّما مع وجود المقتضي .


(34)

فيجوز نسبة الرفع إلى الموضوع ادّعاءً بواسطة رفع آثاره أو دفعها أو دفع المقتضي عن التأثير ، وذلك لا يوجب أن يكون الرفع المنسوب إلى الموضوع بمعنى الدفع ، بل لو بدّل الرفع بالدفع ليخرج الكلام عمّا له من البلاغة إلى الابتذال .

وأمّا على الثاني ـ أعني كون المرفوع هو الآثار بالتزام تقدير ـ فتوضيحه : أنّ إطلاق الرفع إنّما هو لأجل شمول إطلاقات الأدلّة أو عمومها لحالات الاضطرار والإكراه والنسيان والخطأ وعدم الطاقة ، فعمومات الكتاب ـ مثل : (وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما)(1) وأضرابه ـ والسنّة شاملة حسب الإرادة الاستعمالية هذه الحالات .

وإطلاق الرفع إنّما هو حسب تلك الإرادة ; وإن كان حسب الإرادة الجدّية دفعاً ; لعدم شمولها لهذه الحالات من أوّل الأمر ، لكنّ المصحّح لاستعمال الرفع هو الإرادة الاستعمالية التي مآله إلى ضرب القانون عموماً على موضوعات الأحكام ، بلا تقييد وتخصيص . فيستقرّ في ذهن المخاطب بدواً ثبوت الحكم للمضطرّ والناسي وأشباههما .

ثمّ إنّ المتكلّم يخبر برفع الآثار والأحكام عن الموضوعات المضطرّ إليها والمستكره بها ، وإطلاق الرفع لأجل شمول العامّ القانوني لها ، واستقراره في أذهان المخاطبين .

وهذا كلّه بناءً على جواز خطاب الناسي واضح ، وأمّا بناءً على عدم جواز خطابه يكون الرفع في الأحكام التكليفية في حقّه في غير مورده .

وأمّا الطيرة والوسوسة : فالمصحّح لاستعمال الرفع كونهما محكومين


1 ـ المائدة (5) : 38 .


(35)

بالأحكام في الشرائع السابقة ، ولم يكن الشرائع السماوية محدودة ظاهراً ، بل أحكامها حسب الإرادة الاستعمالية كانت ظاهرة في الدوام والبقاء ; ولهذا يقال : إنّها منسوخة .

وإن شئت قلت : كان هناك إطلاق أو عموم يوهم بقاء الحكم في عامّة الأزمنة ، فإطلاق الرفع لأجل رفع تلك الأحكام الظاهرة في البقاء والدوام ، ويشهد على ذلك قوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «عن اُمّتي» ; وإن كان كلّ ذلك دفعاً حسب اللبّ والجدّ ، إلاّ أنّ مناط حسن الاستعمال هو الاستعمالية من الإرادتين لا الجدّية ، بل لو كان الميزان للرفع هو إطلاق الأحكام في الشرائع السماوية يمكن أن يكون وجه استعمال الرفع في عامّة الموضوعات التسعة لأجل ثبوت الحكم فيها في الشرائع السابقة على نحو الدوام والاستمرار .

وأمّا «ما لا يعلمون» : فالرفع فيه لأجل إطلاق الأدلّة وظهورها في شمول الحكم للعالم والجاهل بلا فرق ، كما هو المختار في الباب . نعم لو لم نقل بإطلاق الأدلّة فلا شكّ في قيام الإجماع على الاشتراك في التكاليف .

فالرفع لأجل ثبوت الحكم حسب الإرادة الاستعمالية لكلّ عالم وجاهل ; وإن كان الجاهل خارجاً حسب الإرادة الجدّية ، غير أنّ المناط في حسن الاستعمال هو الاستعمالي من الإرادة .

فتلخّص : كون الرفع بمعناها ; سواء كان الرفع بلحاظ رفع التسعة بما هي هي ، أو كان رفع تلك الاُمور حسب الآثار الشرعية .

ثمّ إنّ بعض أعاظم العصر أفاد : أنّ الرفع بمعنى الدفع ; حيث قال : إنّ استعمال الرفع مكان الدفع ليس مجازاً ، ولا يحتاج إلى عناية أصلاً ; فإنّ الرفع في الحقيقة يمنع ويدفع المقتضي عن التأثير في الزمان اللاحق ; لأنّ بقاء الشيء كحدوثه يحتاج


(36)

إلى علّة البقاء . فالرفع في مرتبة وروده على الشيء إنّما يكون دفعاً حقيقة ، باعتبار علّة البقاء ; وإن كان رفعاً باعتبار الوجود السابق .

فاستعمال الرفع في مقام الدفع لا يحتاج إلى علاقة المجاز ، بل لا يحتاج إلى عناية أصلاً ، بل لا يكون خلاف ما يقتضيه ظاهر اللفظ ; لأنّ غلبة استعمال الرفع فيما يكون له وجود سابق لا يقتضي ظهوره في ذلك(1) ، انتهى .

وفي كلامه مواقع للنظر :

منها : أنّ اللغة والارتكاز قد تطابقا على أنّ معنى الرفع هو إزالة الشيء عن صفة الوجود بعد تحقّقه وتحصّله ، فعلى هذا فلو استعمل بمعنى الدفع فلا مناص عن العناية وما به يتناسب الاستعمال ، وإنكار احتياجه إلى العناية مكابرة ظاهرة .

منها : أنّ ما أفاده ـ قدس سره ـ ; من أنّ بقاء الشيء يحتاج إلى العلّة كحدوثه صحيح لا ريب فيه إلاّ أنّ ما أفاده من أنّ الرفع عبارة عن دفع المقتضي عن التأثير في الزمان اللاحق غير صحيح ; فإنّ دفع المقتضي عن التأثير في الزمان اللاحق لا يطلق عليه الرفع ، بل يطلق عليه الدفع ، وإنّما يستعمل الرفع في هذه الحالة لا بهذه الحيثية ، بل باعتبار إزالة الشيء عن صفحة الوجود بعد تحقّقه .

ومجرّد تواردهما أحياناً على مورد واحد أو حالة واحدة لا يجعلهما مترادفين ، ولا يرفع احتياج الاستعمال إلى العناية .

وإن شئت فاعتبر الحدوث والبقاء ; فإنّ الأوّل عبارة عن وجود الشيء بعد عدمه وجوداً أوّلياً ، والثاني عبارة عن استمرار هذا الوجود ، وتواردهما على المورد لا يجعل الحدوث بقاءً ولا بالعكس .


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 337 .


(37)

منها : أنّ ما اختاره في المقام ينافي مع ما أفاده في الأمر الخامس في بيان عموم النتيجة ; حيث قال : إنّ شأن الرفع تنزيل الموجود منزلة المعدوم ، وأنّ الرفع يتوجّه على الموجود ، فيجعله معدوماً(1) .

وينافي أيضاً مـع ما أفاده فـي التنبيه الأوّل مـن تنبيهات الاشتغال ; حيث قال : إنّ الدفع إنّما يمنع عن تقرّر الشيء خارجاً وتأثير المقتضي في الوجود ، فهو يساوق المانـع ، وأمّـا الرفـع فهو يمنع عـن بقاء الوجـود ويقتضي إعـدام الشيء الموجـود عـن وعائـه .

نعم ، قـد يستعمل الرفـع في مكـان الـدفع وبالعكس ، إلاّ أنّ ذلك بضرب مـن العناية والتجوّز . والذي يقتضيه الحقيقـة هـو استعمال الـدفع في مقـام المنع عـن تأثيـر المقتضي فـي الـوجـود ، واستعمال الرفـع فـي مقام المنع عـن بقـاء الشـيء الموجود(2) ، انتهى .

وبقي في كلامه أنظاراً تركناها مخافة التطويل .

الأمر الثالث : في كيفية حكومة حديث الرفع

لاشكّ في أنّه لا تلاحظ النسبة بين هذه العناوين وما تضمّنه الأدلّة الواقعية ; لحكومتها عليها ، كحكومة أدلّة نفي الضرر والعسر والحرج عليها ، إلاّ أنّ الكلام في كيفية الحكومة وفرقها في هذه الموارد الثلاثة :

فقال بعض أعاظم العصر ـ قدس سره ـ : إنّه لا فرق بين أدلّة نفي الضرر والعسر والحرج


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 353 .
2 ـ نفس المصدر 4 : 222 .


(38)

وبين حديث الرفع ; سوى أنّ الحكومة في أدلّة نفي الضرر والحرج إنّما يكون باعتبار عقد الحمل ; حيث إنّ الضرر والعسر والحرج من العناوين الطارئة على نفس الأحكام ; فإنّ الحكم قد يكون ضررياً أو حرجياً ، وقد لا يكون .

وفي دليل رفع الإكراه ونحوه إنّما يكون باعتبار عقد الوضع ; فإنّه لا يمكن طروّ الإكراه والاضطرار والخطأ والنسيان على نفس الأحكام ، بل إنّما تعرض موضوعاتها ومتعلّقاتها . فحديث الرفع يوجب تضييق دائرة موضوعات الأحكام ، نظير قوله : «لا شكّ لكثير الشكّ» ، و«لا سهو مع حفظ الإمام»(1) ، انتهى .

وفيه أمّا أوّلاً : أنّ معنى قوله تعالى : (مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج)(2) هو نفي جعل نفس الحرج لا الأمر الحرجي . وكذا قوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «لا ضرر ولا ضرار»(3) هو نفي نفس الضرر لا الأمر الضرري .

فعلى ذلك لا يصحّ ما أفاد : أنّ الحكومة في أدلّة نفي الضرر والحرج باعتبار عقد الحمل ; فإنّه إنّما يصحّ لو كان المنفي الأمر الضرري والحرجي ; حتّى يقال : إنّ الحكم قد يكون ضررياً أو حرجياً .

وثانياً : أنّ الحكومة قائمة بلسان الدليل ، كما سيوافيك بيانه في محلّه(4) ، ولسان الدليلين ـ أعني «لا ضرر ولا ضرار» و(وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج) ـ متغايران ; فإنّ الأوّل ينفي نفس الضرر والثاني ينفي جعل الحرج ، وبينهما


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 347 .
2 ـ الحجّ (22) : 78 .
3 ـ الكافي 5 : 292 / 2 ، وسائل الشيعة 25 : 428 ، كتاب إحياء الموات ، الباب 12 ، الحديث 3 .
4 ـ الاستصحاب ، الإمام الخميني ـ قدس سره ـ : 234 ـ 238 .


(39)

فرق في باب الحكومة ، ويأتي الكلام من أقسام الحكومة في بابها .

وثالثاً : أنّ الضرر والحرج من العناوين الطارئة على الموضوعات التي وقعت تحت دائرة الحكم ، كالصوم والوضوء والمعاملة المغبون فيها أحد الطرفين ; فإنّ الموصوف بالضرر والحرج نفس هذه العناوين .

نعم ، قد ينسبان إلى أحكامها بنحو من العناية والمجاز ; فإنّ إلزام الشارع وتكليفه ربّما يصير سبباً لوقوع المكلّف في الضرر والحرج ، وعلى هذا فلا يصحّ قوله : إنّ الضرر والحرج من العناوين الطارئة على نفس الأحكام . اللهمّ إلاّ أن يريد ما قلنا من المسامحة .

ورابعاً : لا شكّ أنّ الخطأ والنسيان قد يعرضان على الموضوع وقد يعرضان على الأحكام .

فمن العجيب ما أفاده ـ رحمه اللّه ـ من أنّ الخطأ والنسيان لا يمكن طروّهما على نفس الأحكام ، ولعلّه سهو من قلم المقرّر ـ رحمه اللّه ـ .

الأمر الرابع : في بيان المصحّح لإسناد الرفع

لا شكّ : أنّ الرفع تعلّق بهذه العناوين في ظاهر الحديث ، مع أنّها غير مرفوع عن صفحة الوجود ، فيحتاج تعلّق الرفع بها إلى عناية ومناسبة . وهل المصحّح للدعوى هي رفع المؤاخذة أو جميع الآثار أو الأثر المناسب ؟ ذهب إلى كلٍّ فريق :

فاختار الأوّل شيخنا العلاّمة ـ أعلى الله مقامه ـ حيث أفاد : مـن أنّ الظاهـر لـو خلّينا وأنفسنا أنّ نسبـة الرفـع إلى المذكـورات إنّما تكون بملاحظة رفع المؤاخذة(1) ، انتهى .


1 ـ درر الفوائد ، المحقّق الحائري : 442 .


(40)

وفيه ـ مضافاً إلى أنّ المؤاخذة أمر تكويني لا يناسب رفعه ولا وضعه مع مقام التشريع ـ أنّ المؤاخذة ليست من أظهر خواصّها ; حتّى يصحّ رفع العناوين لأجل رفعها .

مع أنّ صحيحة البزنطي(1) التي استشهد الإمام ـ عليه السلام ـ فيها بهذا الحديث على رفع الحلف الإكراهي أوضح دليل على عدم اختصاص الحديث برفع المؤاخذة فقط ، والخصم لم يتلقّ حكم الإمام أمراً غريباً ، بل أمراً جارياً مجرى الاُمور العادية .

وأمّا رفع الأثر المناسب : فقد استشكل فيه شيخنا العلاّمة ـ أعلى الله مقامه ـ بأنّه يحتاج لملاحظات عديدة(2) .

والظاهر : أنّ ما ذكره ليس مانعاً عن الذهاب إليه ; إذ لا نتصوّر فيه منعاً إذا ناسب الذوق العرفي ، بل الوجه في بطلانه : أنّ رفع الموضوع برفع بعض آثاره ليس أمراً صحيحاً عند العرف الساذج ، بل يرى العرف رفع الموضوع مع ثبوت بعض آثاره أمراً مناقضاً ، وإنّما يصحّ في نظره رفع الموضوع إذا رفع جميع آثاره تشريعاً حتّى يصحّ ادّعاء رفعه عن صفحة الوجود .

فإن قلت : لو كان الأثر المناسب من أشهر خواصّه وآثاره ; بحيث يعدّ العرف ارتفاعه مساوقاً لارتفاع الموضوع فمنع توافق العرف على هذا الرفع ممنوع .

قلت : رفع الموضوع برفع بعض الآثار الظاهرة إنّما يصحّ لو نزّل غيره منزلة العدم .


1 ـ المحاسن : 339 / 124 ، وسائل الشيعة 23 : 226 ، كتاب الأيمان ، الباب 12 ، الحديث 12 .
2 ـ درر الفوائد ، المحقّق الحائري : 443 .


(41)

وإن شئت قلت : إنّ رفع الموضوع بلحاظ رفع بعض آثاره يتوقّف على تصحيح ادّعائين : الاُولى دعوى أنّ رفع هذا البعض رفع لجميع آثاره وخواصّه ، الثانية دعوى أنّ رفع جميع الآثار وخلوّ الموضوع عن كلّ أثر مساوق لرفع نفس الموضوع .

وهذا بخلاف ما لو قلنا : إنّ المرفوع هو عامّة الآثار ; فإنّه لا يحتاج إلاّ إلى الدعوى الثانية فقط . هذا ، مع أنّ إطلاق الدليل أيضاً يقتضي رفع الموضوع بجميع آثاره .

لا يقال : إنّ الدعوى الاُولى ممّا لا خلاف فيه ولا إشكال ; فإنّ لهذه العناوين آثاراً غير شرعية ، فهي غير مرفوعة جدّاً . فلابدّ من دعوى أنّ الآثار غير الشرعية في حكم العدم ، أو أنّ الآثار الشرعية جميع الآثار ، وأيّ فرق بين أن يقال : إنّ هذا الأثر الشرعي جميع الآثار الشرعية ، أو أنّ الآثار الشرعية تمام الآثار ؟

لأ نّا نقول : لا حاجة إلى هذه الدعوى بعدما كان الرفع في محيط التشريع ; فإنّ وظيفة الشارع رفع أو وضع ما هو بيده ، وأمّا الخارج عن يده فليس له بالنسبة إليهما شأن . فالآثار التكوينية مغفول عنها ، فلا يحتاج إلى الدعوى .

لا يقال : إنّ المرفوع بالحديث عند طروّ الخطأ والنسيان الآثار المترتّبة على ذات المعنونات ، وأمّا الآثار المترتّبة على نفس الخطأ والنسيان فغير مرفوع قطعاً . فعلى هذا يحتاج إلى الدعوى الاُولى .

لأ نّا نقول : إنّ المرفوع إنّما هو آثار الخطأ والنسيان المأخوذين طريقاً إلى متعلّقاتهما ، وعنواناً ومرآة إلى معنونهما ; فإنّه المتبادر من الحديث عند الإلقاء .

فعلى هذا فالآثار المترتّبة على نفس الخطأ والنسيان على نحو الموضوعية مغفولة عنها ، فلا يحتاج إلى الدعوى .


(42)

وإن شئت قلت : إنّ العرف لا يفهم من رفعهما إلاّ رفع آثار ما أخطأ ونسي ، كما هو المتبادر إذا قيل : «جهالاتهم معفوّة» . ويدلّ على ذلك تعبير الإمام في صحيحة البزنطي ; حيث نقل الحديث بلفظ : «ما أخطأوا» .

فظهر : عدم شمول الحديث للآثار المترتّبة على نفس العناوين ، وعدم لزوم التفكيك بين فقرات الحديث ; فإنّ أكثر العناوين المذكورة في الحديث مأخوذ على نحو الطريقية ; خصوصاً فيما نسب فيه الرفع إلى الموصول ، فيكون ذلك قرينة على انتقال الذهن عند استماع إسناد الرفع إليها إلى رفع آثار معنوناتها ، لا غير .

نعم ، العناوين الثلاثة الأخيرة ـ الحسد ، والطيرة والوسوسة ـ عناوين نفسية ، لا مناص فيها إلاّ رفع ما هو آثار لأنفسها ; لعدم قابليتها على الطريقية ; وإن لزم منه التفكيك ، إلاّ أنّ هذا المقدار ممّا لابدّ منه .

وإن أبيت إلاّ عن وحدة السياق يمكن أن يقال : إنّ الرفع قد تعلّق في الجميع بعناوين نفسية حسب الإرادة الجدّية ، إلاّ أنّ ذلك إمّا بذكر نفس تلك العناوين النفسية ، أو بذكر ما هو طريق إليها ; من الخطأ والنسيان ، أو بتوسّط الموصول ، من دون تفكيك أو ارتكاب خلاف ظاهر .

الأمر الخامس : في شمول الحديث للاُمور العدمية

بعدما أثبتنا : أنّ المرفوع في الحديث هو عموم الآثار ، فهل يختصّ بالاُمور الوجودية ـ أي رفع آثار اُمور موجودة في الخارج إذا انطبق عليها إحدى تلك العناوين ـ أو يعمّ ؟

مثلاً : لو نذر أن يشرب مـن ماء الفرات ، فاُكره على الترك أو اضطـرّ إليه أو


(43)

نسي أن يشربـه فهل يجب عليه الكفّارة ـ بناءً على عـدم اختصاصها بصورة التعمّد ـ أو لا ؟

فيظهر عن بعض أعاظم العصر ـ قدس سره ـ اختصاصه بالاُمور الوجودية ; حيث قال : إنّ شأن الرفع تنزيل الموجود منزلة المعدوم ، لا تنزيل المعدوم منزلة الموجود ; لأنّ تنزيل المعدوم منزلة الموجود إنّما يكون وضعاً لا رفعاً ، والمفروض أنّ المكلّف قد ترك الفعل عن إكراه أو نسيان ، فلم يصدر منه أمر وجودي قابل للرفع .

ولا يمكن أن يكون عدم الشرب في المثال مرفوعاً وجعله كالشرب ; حتّى يقال : إنّه لم يتحقّق مخالفة النذر ، فلا حنث ولا كفّارة .

والحاصل : أنّه فرق بين الوضع والرفع ; فإنّ الوضع يتوجّه إلى المعدوم فيجعله موجوداً ويلزمه ترتيب آثار الوجود ، والرفع بعكسه ، فالفعل الصادر من المكلّف عن نسيان أو إكراه يمكن ورود الرفع عليه ، وأمّا الفعل الذي لم يصدر من المكلّف عن نسيان أو إكراه فلا محلّ للرفع فيه ; لأنّ رفع المعدوم لا يمكن إلاّ بالوضع والجعل ، والحديث حديث رفع لا حديث وضع(1) ، انتهى .

وفيه : أنّ ترك الشرب بعد ما تعلّق عليه النذر وصار ذات أثر يكون له ثبوت في عالم الاعتبار ; إذ ما لا ثبوت له ـ ولو بهذا النحو من الثبوت ـ لا يقع تحت دائرة الحكم ، ولا يصير موضوعاً للوفاء والحنث .

كيف ، وقـد فرضنا أنّ الكفّارة قـد تترتّب على ترك ذاك الترك ، وصار مـلاكاً للحنث ، وبعد هـذا الثبوت الاعتباري لا مانع مـن تعلّق الرفـع عليـه بما لـه مـن الآثار .


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 353 .


(44)

وأمّا ما أفاده من أنّ الرفع لا يمكن إلاّ بالوضع غريب جدّاً ; فإنّ الرفع قد تعلّق بحسب الجدّ على أحكام تلك العناوين وآثارها ، فرفع تلك الآثار ـ سواء كانت أثر الفعل أو الترك ـ لا يستلزم الوضع أصلاً .

على أنّ التحقيق : أنّه لا مانع من تعلّق الرفع بالاُمور العدمية ; إذ الرفع رفع ادّعائي لا حقيقي ، والمصحّح له ليس إلاّ آثار ذلك العدم وأحكامها ، كما أنّ المصحّح لرفع الاُمور الوجودية هو آثارها وأحكامها .

أضف إلى ذلك : أنّ مصبّ الرفع وإن كان نفس الأشياء لكن لا بما هي هي ، بل بمعرّفية العناوين المذكورة في الحديث ، فكلّ أمر يتعلّق عليه الاضطرار أو يقع مورد النسيان والإكراه فهو مرفوع الأثر لأجل تلك العناوين ، من غير فرق ; سواء كان المضطرّ إليه أمراً وجودياً أو عدمياً .

وربّما يقال في مقام جواب المستشكل : أنّ الرفع مطلقاً متعلّق بموضوعية الموضوعات للأحكام ; فمعنى رفع «ما اضطرّوا إليه» أنّه رفع موضوعيته للحكم ، وكذا في جانب العدم والترك(1) ، انتهى .

وفيه : أنّه لو رجع إلى ما قلناه فنِعْم الوفاق والاتّفاق ، وإن أراد ظاهره من تقدير موضوعية كلّ واحد لأحكامها فهو ضعيف جدّاً ; لأ نّه يكون أسوأحالاً من تقدير الآثار ، بل لا يصير الرفع ادّعائياً ، مع أنّه قد اعترف القائل في بعض كلماته : أنّ الرفع ادّعائي(2) .


1 ـ نهاية الأفكار 3 : 219 .
2 ـ نفس المصدر 3 : 209 .


(45)

الأمر السادس
في شمول الحديث للأجزاء والشرائط والأسباب والمسبّبات

القول في نسيان الجزء والشرط في العبادات

لو نسي شرطاً أو جزءً من المأمور به فهل يمكن تصحيحها بالحديث ـ بناءً على عموم الآثار ـ أو لا يمكن ; وإن كان المرفوع هو العموم ؟

واختار الثاني بعض أعاظم العصر ـ قدس سره ـ ، وأوضحه بوجوه :

منها : أنّ الحديث لا يشمل الاُمور العدمية ; لأ نّه لا محلّ لورود الرفع على الجزء والشرط المنسيين ; لخلوّ صفحة الوجود عنهما ، فلا يمكن أن يتعلّق الرفع بهما .

ومنها : أنّ الأثرالمترتّب على الجزء والشرط ليس إلاّ الإجزاء وصحّة العبادة ، وهما ليسا من الآثار الشرعية التي تقبل الوضع والرفع ، بل من الآثار العقلية .

ومنها : أنّه لا يمكن أن يكون رفع السورة بلحاظ رفع أثر الإجزاء والصحّة ; فإنّ ذلك يقتضي عدم الإجزاء وفساد العبادة ، وهو ينافي الامتنان وينتج عكس المقصود ; فإنّ المقصود من التمسّك بالحديث تصحيح العبادة لا فسادها . هذا كلّه بالنسبة إلى الأجزاء والشرائط .

وأمّا بالنسبة إلى المركّب الفاقد للجزء أو الشرط المنسي فهو وإن كان أمراً وجودياً قابلاً لتوجّه الرفع إليه إلاّ أنّه :

أوّلاً : ليس هو المنسي أو المكرَه عليه ليتوجّه الرفع إليه .

وثانياً : لا فائدة في رفعه ; لأنّ رفع المركّب الفاقد للجزء أو الشرط لا يثبت


(46)

المركّب الواجد له ; فإنّ ذلك يكون وضعاً لا رفعاً . وليس للمركّب الفاقد للجزء أو الشرط أثر يصحّ رفع المركّب بلحاظه ; فإنّ الصلاة بلا سورة ـ مثلاً ـ لا يترتّب عليها أثر إلاّ الفساد وعدم الإجزاء ، وهو غير قابل للرفع الشرعي .

ولا يمكن أن يقال : إنّ الجزئية والشرطية مرفوعتان ; لأنّ جزئية الجزء لم تكن منسية ، وإلاّ كان من نسيان الحكم ، ومحلّ الكلام إنّما هو نسيان الموضوع . فلم يتعلّق النسيان بالجزئية حتّى يستشكل بأنّ الجزئية غير قابلة للرفع ; فإنّها غير مجعولة ، فيجاب بأنّها مجعولة بجعل منشأ انتزاعها(1) ، انتهى .

وقبل الخوض فيما يرد على كلامه نذكر ما هو المختار :

فنقول : إنّ النسيان قد يتعلّق بالجزئية والشرطية ، فيكون مساوقاً لنسيان الحكم الكلّي ، وقد يتعلّق بنسيان نفس الجزء والشرط مع العلم بحكمهما ، كما هو المبحوث في المقام .

وحينئذ فلا مانع من أن يتعلّق الرفع بنفس ما نسوا حتّى يعمّ الرفع كلا القسمين ; فإنّ المنسي قد يكون الجزئية وقد يكون نفس الجزء والشرط ; فلو تعلّق الرفع بنفس ذات الجزء والشرط بما لهما من الآثار يصير المأمور به ـ عندئذ ـ هو المركّب الفاقد لهما ، ويكون تمام الموضوع للأمر في حقّ الناسي هو ذلك الفاقد ، وهو يوجب الإجزاء على ما مرّ تفصيله في مبحث الإجزاء(2) .

وإن شئت قلت : إنّ الحديث حاكم على أدلّة المركّبات أو على أدلّة الأجزاء والشرائط ، وبعد الحكومة تصير النتيجة اختصاص الأجزاء والشرائط بغير حالة


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 353 ـ 354 .
2 ـ تقدّم في الجزء الأوّل : 277 ـ 278 .


(47)

النسيان ، ويكون تمام المأمور به في حقّ المكلّف عامّة الأجزاء والشرائط ، غير المنسي منها .

والقول بحكومتها في حال نسيان الحكم ـ الجزئية ـ لا في حال نسيان نفس الجزء والشرط تحكّم محض بعد القول بتعلّق الرفع بنفس ما نسوا ; أي المنسي على نحو الإطلاق .

فإن قلت : إنّ النسيان إذا تعلّق بالموضوع ولم يكن الحكم منسياً لا يرتفع جزئية الجزء للمركّب ; لعدم نسيانها ، فلابدّ من تسليم مصداق واجد للجزء ; حتّى ينطبق عليه عنوان المأمور به .

ولا معنى لرفع الجزء والشرط من مصداق المأمور به . ولو فرض رفعه لا يكون مصداقاً للمأمور به ما لم يدلّ دليل على رفع الجزئية .

وبالجملة : لا يعقل صدق الطبيعة المعتبرة فيها الجزء والشرط على المصداق الفاقد لهما ، ولا معنى لحكومة دليل الرفع على الأدلّة الواقعية مع عدم تعلّق النسيان بالنسبة إليها ، كما أنّه لا معنى لحكومته على مصداق المأمور به .

قلت : هذا رجوع عمّا ذكرناه أساساً لهذا البحث ; فإنّ عقد هذا البحث إنّما هو بعد القول برفع الآثار عامّة . وعليه : فمعنى رفع نفس الجزء رفع جميع آثاره الشرعية التي منها الجزئية .

فمرجع رفع الجزء إلى رفع جزئية الجزء للمركّب عند نسيان ذات الجزء ، ويتقيّد دليل إثبات الجزء بغير حالة النسيان ، ومرجع رفع جزئيته إلى كون المركّب الفاقد تمام المأمور به ، و إتيان ما هو تمام المأمور به يوجب الإجزاء وسقوط الأمر ، ويكون بقاء الأمر بعد امتثاله بلا جهة ولا ملاك .

فإن قلت : لو كان مفاد رفع جزئية المنسي مطلقاً ـ حتّى بعد التذكّر


(48)

والالتفات ـ ملازماً لتحديد دائرة المأمور به في حال النسيان بما عدا المنسي لكان لاستفادة الإجزاء وعدم وجوب الإعادة مجال ، ولكن ذلك خارج عن عهدة حديث الرفع ; حيث إنّه ليس من شأنه إثبات التكليف بالفاقد للمنسي ، وإنّما شأنه مجرّد رفع التكليف عن المنسي مادام النسيان(1) .

قلت : قد ذكر ذلك الإشكال بعض محقّقي العصر ، غير أنّه يظهر ضعفه بعد المراجعة بما حرّرناه في مبحث الإجزاء(2) ; فإنّ معنى حكومته على الأدلّة الواقعية ليس إلاّ تقييد الدليل الدالّ على جزئيته بغير حالة النسيان ، أو تخصيصه بغير هذه الحالة ، فلو أتى بالمركّب الفاقد للجزء فقد امتثل الأمر الواقعي ، ولا معنى بعدم الإجزاء بعد امتثاله .

وبعد الوقوف على ما ذكرنا يظهر لك : أنّه لا يحتاج إلى إثبات كون حديث الرفع محدّداً لدائرة التكليف أو متعرّضاً إلى بعد حال النسيان ، أو غير ذلك ممّا هو مذكور في كلامه .

إذا عرفت ذلك : يظهر لك الخلل فيما نقلناه عن بعض الأعاظم ـ قدس سره ـ (3) ; إذ فيما أفاده مواقع للأنظار ، نشير إلى بعضها :

منها : أنّ ما هو متعلّق الرفع إنّما هو نفس الجزء المنسي بما له من الآثار ، وقد مرّ أنّ معنى رفعه إخراجه عن حدود الطبيعة المأمور بها ، وأمّا ترك الجزء فليس متعلّقاً له حتّى يرد عليه ما أفاد من أنّ الرفع لا يتعلّق بالأعدام .

ومنها : أنّ الأثر المترتّب على الجزء والشرط إنّما هو الجزئية والشرطية ،


1 ـ نهاية الأفكار 3 : 218 .
2 ـ تقدّم في الجزء الأوّل : 277 ـ 278 .
3 ـ تقدّم في الصفحة 45 .


(49)

وهما ممّا تنالهما يد الجعل باعتبار منشأ انتزاعهما ، ولا يحتاج في رفعهما إلى أثر آخر ; حتّى يقال : إنّ الإجزاء وصحّة العبادة من الآثار العقلية ، كما لا يخفى .

ومنه يظهر النظر في ثالث الوجوه التي ذكرها ـ قدس سره ـ ، فراجع .

فإن قلت : إنّما يصحّ عبادة الناسي ، ويكون المركّب الفاقد تمام المأمور به في حقّه فيما إذا أمكن تخصيص الناسي بالخطاب ، وأمّا مع عدم إمكانه ـ لأجل كون الخطاب بقيد أنّه ناس يوجب انقلاب الموضوع إلى الذاكر ـ فلا يمكن تصحيح عبادته .

قلت : قد ذكر المشايخ ـ قدّس الله أسرارهم ـ وجوهاً صحّحوا بها تخصيص الناسي بالخطاب(1) ; وإن كان كلّها غير خال عن التكلّف ، إلاّ أنّ التصحيح لا يتوقّف على تخصيصه بالتكليف .

بل الأمر المتعلّق بالصلاة في الكتاب والسنّة كاف في التصحيح ; فإنّ الذاكر والناسي إنّما يقصد بقيامه وقعوده امتثال تلك الخطابات المتعلّقة بالطبيعة التي منها قوله تعالى : (أَقِمِ الصلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَيْلِ)(2) ، والداعي إلى العمل والباعث نحو الفعل في الذاكر والناسي أمر واحد بلا اختلاف في هذه الجهة ، وإنّما الاختلاف في مصداق الطبيعة ، وهو لا يوجب اختلافاً في الأمر .

وبالجملة : أنّ الفرد الكامل والفرد الناقص كلاهما فردان من الطبيعة المأمور بها ، غير أنّه يلزم على الذاكر إيجادها في ضمن ذلك الفرد الكامل ، وعلى الناسي إيجادها في ضمن ذلك الناقص ; لرفع جزئية الجزء في حقّ الناسي لأجل حكومة


1 ـ كفاية الاُصول : 418 ، فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4 : 213 ـ 216 ، نهاية الأفكار 3 : 420 ـ 423 .
2 ـ الإسراء (17) : 78 .


(50)

الحديث ، وإيجاد الفرد إيجاد لنفس الطبيعة المأمور بها ، وإيجادها مسقط للأمر محصّل للغرض موجب للإجزاء .

وإن شئت فنزّل المقام بما دلّ على الاكتفاء بالطهارة الترابية عند فقدان الماء ; فإنّ باعث الواجد والفاقد إنّما هو أمر واحد ; وهو الأوامر المؤكّدة في الكتاب والسنّة ، والمأمور به هو الطبيعة الواحدة ـ أعني طبيعة الصلاة ـ غير أنّه يجب على الواجد إيجادها بالطهارة المائية وعلى غير المتمكّن إيجادها بالطهارة الترابية .

والاختلاف في المصداق لا يوجب تعدّد الأمر والخطاب ، ولا يوجب وقوع طبيعة الصلاة متعلّقاً لأمرين .

وإذا اتّضح الحال فيها : فقس المقام عليه ; فإنّ حديث الرفع يجعل الفاقد مصداق الطبيعة ، ولا يصير الطبيعة متعلّقة لأمرين ، ولا تحتاج إلى خطابين ، ولا إلى توجّهه بحاله ، ولا إلى كون المصداق هو الناقص ; حتّى يبحث عن إمكان اختصاص الناسي بالخطاب .

فقد اتّضح ممّا ذكر صحّة عبادة الناسي بحديث الرفع .

ثمّ إنّ بعض أعاظم العصر ـ قدس سره ـ قد أيّد ما ادّعاه ـ قصور حديث الرفع عن إثبات صحّة عبادة الناسي ـ بأنّ المدرك لصحّة الصلاة الفاقدة للجزء والشرط نسياناً إنّما هو قاعدة لا تعاد . فلو كان المدرك حديث الرفع كان اللازم صحّة الصلاة بمجرّد نسيان الجزء أو الشرط مطلقاً ، من غير فرق بين الأركان وغيرها ; فإنّه لا يمكن استفادة التفصيل من حديث الرفع . ويؤيّد ذلك : أنّه لم يعهد من الفقهاء التمسّك بحديث الرفع لصحّة الصلاة وغيرها من سائر المركّبات(1) ، انتهى .


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 355 .


(51)

وفيه : أنّ استفادة التفصيل بين الأركان وغيرهـا مـن قاعدة لا تعاد لا يوجب عـدم كون حـديث الرفع دليلاً لصحّة عبادة الناسي ، غايـة الأمـر يلزم مـن الجمع بين الدليلين تخصيص أحدهما ـ أعني حديث الرفع ـ بما يقتضيه الآخـر من التفصيل .

وأمّا ما أفاده من عدم معهودية التمسّك به في كلمات القوم فكفاه منعاً تمسّك السيّدين ـ علم الهدى وابن زهرة ـ به عند البحث عن التكلّم في الصلاة نسياناً ، وكلامهما وإن كان في خصوص التكلّم إلاّ أنّه يظهر من الذيل عمومية الحديث لجميع الموارد إلاّ ما قام عليه دليل :

قال الأوّل في «الناصريات» : دليلنا على أنّ كلام الناسي لا يبطل الصلاة ـ بعد الإجماع المتقدّم ـ ما روي عنه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «رفع عن اُمّتي النسيان وما استكرهوا عليه» . ولم يرد رفع الفعل ; لأنّ ذلك لا يرفع ، وإنّما أراد رفع الحكم ، وذلك عامّ في جميع الأحكام إلاّ ما قام عليه دليل(1) .

ويقرب منـه كلام ابن زهـرة في «الغنيـة»(2) وتبعهما العلاّمـة والأردبيلي في مواضع(3) .

وقد نقل الشيخ الأعظم في مسألة ترك غسل موضع النجو عن المحقّق في «المعتبر»(4) أنّه تمسّك بالحديث لنفي الإعادة في مسألة ناسي النجاسة(5) .


1 ـ الناصريات ، ضمن الجوامع الفقهية : 235 / السطر 27 .
2 ـ غنية النزوع 1 : 113 .
3 ـ تذكرة الفقهاء 3 : 278 و 290 ، مجمع الفائدة والبرهان 3 : 55 و 67 و 133 .
4 ـ المعتبر 1 : 441 ـ 442 .
5 ـ الطهارة ، ضمن تراث الشيخ الأعظم 2 : 497 .


(52)

وقد تمسّك(1) الشيخ الأعظم وغيره في مواضع بحديث الرفع لتصحيح الصلاة ، فراجع .

ثمّ إنّ ما ذكرنا من البيان جار في النسيان المستوعب للوقت وغير المستوعب ، بلا فرق بينهما أصلاً ; لأنّ المفروض أنّ الطبيعة كما يتشخّص بالفرد الكامل كذلك يوجد بالناقص منه ، وبعد تحقّق الطبيعة التي تعلّق بها الأمر لا معنى لبقاء الأمر ; لحصول الامتثال بعد إتيانها .

والحاصل : أنّ هنا أمراً واحداً متعلّقاً بنفس الطبيعة التي دلّت الأدلّة الواقعية على جزئية الشيء الفلاني أو شرطيته لها ، والمفروض حكومة الحديث على تلك الأدلّة ، وتخصيصها بحال الذكر أو بغير حال النسيان ، فيبقى إطلاق الأمر المتعلّق بالطبيعة بحالها ، ويصير الإتيان بالفرد الناقص إتياناً بتمام المأمور به في ذلك الحال ، وهو يلازم الإجزاء وسقوط الأمر .

وكون النسيان مستوعباً أو غير مستوعب لا يوجب فرقاً في الحكم ; فإنّ حكومة الحديث في جزء من الوقت كاف في انطباق ما هو عنوان المأمور به عليه ، وبانطباقه يسقط الأمر بلا إشكال .

وممّا ذكرنا يظهر الإشكال فيما أفاده بعض أعاظم العصر ـ قدس سره ـ ; حيث قال : إنّه لا يصدق نسيان المأمور به عند نسيان الجزء في جزء من الوقت مع التذكّر في بقيّته ; لأنّ المأمور به هو الفرد الكلّي الواجد لجميع الأجزاء والشرائط ; ولو في جزء من الوقت . فمع التذكّر في أثناء الوقت يجب الإتيان بالمأمور به ; لبقاء وقته لو كان المدرك حديث الرفع ; لأنّ المأتي به لا ينطبق على المأمور به .


1 ـ لم نعثر عليه .


(53)

فلولا حديث لا تعاد كان اللازم هو إعادة الصلاة الفاقدة للجزء نسياناً مع التذكّر في أثناء الوقت(1) ، انتهى .

وأنت خبير بمواقع النظر فيما أفاده ، فلا نطيل بتكرار ما سبق منّا .

القول في نسيان الأسباب في المعاملات

إنّ ما ذكرنا كلّه في ناحية الجزء والشرط جار في السبب حرفاً بحرف .

غير أنّ بعض أعاظم العصر قد أفاد في المقام : أنّ وقوع النسيان والإكراه والاضطرار في ناحيتها لا يقتضي تأثيرها في المسبّب ولا تندرج في حديث الرفع ; لما تقدّم في باب الأجزاء والشرائط من أنّ حديث الرفع لا يتكفّل تنزيل الفاقد منزلة الواجد . فلو اضطرّ إلى إيقاع العقد بالفارسية أو اُكره عليه أو نسي العربية كان العقد باطلاً ـ بناءً على اشتراط العربية ـ فإنّ رفع العقد الفارسي لا يقتضي وقوع العقد العربي ، وليس للعقد الفارسي أثر يصحّ رفعه بلحاظ رفع أثره ، وشرطية العربية ليست منسية حتّى يكون الرفع بلحاظ رفع الشرطية(2) ، انتهى .

قلت : التحقيق هو التفصيل : فإن تعلّق النسيان بأصل السبب أو بشرط من شرائطه العقلائية الذي به قوام العقد عرفاً ـ كإرادة تحقّق معناه ـ فلا ريب في بطلان المعاملة ; إذ ليس هنا عقد عرفي حتّى يتّصف بالصحّة ظاهراً .

وإن تعلّق بشرط مـن شرائط الشرعيـة ، ككونه عربياً ، أو تقدّم الإيجاب على القبول ونحـو ذلك ; فلا إشكال في تصحيح العقد المذكـور بحـديث الـرفع ;


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 355 .
2 ـ نفس المصدر 3 : 356 ـ 357 .


(54)

فإنّ الموضوع ـ أعني نفس العقد ـ محقّق قطعاً في نظر العرف ، غير أنّه فاقـد للشرط الشرعي .

فلو قلنا بحكومة الحديث على الشرائط ; بمعنى رفع شرطية العربية أو تقدّمه على القبول في هذه الحالة يصير العقد الصادر من العاقد عقداً مؤثّراً في نظر الشارع أيضاً . والنسيان وإن تعلّق بإيجاد الشرط لا بشرطيته لكن لا قصور في شمول الحديث لذلك ; لأنّ معنى رفع الشرط المنسي رفع شرطيته في هذا الحال ، والاكتفاء بالمجرّد منه .

وأمّا ما أفاده من أنّ رفع العقد الفارسي لا يقتضي وقوع العقد العربي فواضح الإشكال ; لأنّ النسيان لم يتعلّق بالفارسي من العقد حتّى يترتّب عليه ما ذكر ، بل إنّما تعلّق بالشرط ـ أعني العربية ـ فرفعه رفع لشرطيته في المقام ، ورفع الشرطية عين القول بكون ما صدر سبباً تامّاً .

وتوهّم : أنّ القول بصحّة العقد المجرّد عن الشرط خلاف المنّة ، بل فيه تكليف المكلّف بوجوب الوفاء بالعقد ، ولا يعدّ مثل ذلك امتناناً أصلاً(1) ، مدفوع بأنّ إنفاذ المعاملة وتصحيحها حسب ما تراضيا عليه امتنان جدّاً ; إذ ليس وجوب الوفاء أمراً على خلاف رضائه ، بل هو ممّا أقدم المتعاقدان عليه بطيب نفسهما .

فإنفاذ ما صدر عن المكلّف بطيب نفسه إحسان له ، فأيّ منّة أعظم من تصحيح النكاح الذي مضى منه عشرون سنة ، وقد رزق الوالدان طيلة هذه المدّة أولاداً ؟ ! فإنّ الحكم ببطلان ما عقده بالفارسية مع كون الحال كذلك من الاُمور الموحشة الغريبة التي يندهش منه المكلّف ، وهذا بخلاف القول بالصحّة .


1 ـ نهاية الأفكار 3 : 221 .


(55)

القول في الإكراه

فإن تعلّق الإكراه على ترك إيجاد السبب أو ما يعدّ أمراً مقوّماً للعقد فهو كالنسيان .

وأمّا المانع : فلو تعلّق الإكراه بإيجاد مانع شرعي : فإن كان العاقد مضطرّاً اضطراراً عادياً أو شرعياً لإيجاد العقد ، والمكرِه يكرهه على إيجاده فالظاهر جواز التمسّك به لرفع مانعية المانع في هذا الظرف ـ على ما سبق تفصيله في مبحث النسيان ـ وإن لم يكن مضطرّاً للعقد فالظاهر عدم صحّة التمسّك ; لعدم صدق الإكراه .

وأمّا إذا تعلّق الإكراه بترك الجزء والشرط فقد بنينا سابقاً على صحّة التمسّك بالحديث على رفع جزئيته أو شرطيته في حال الإكراه إذا كان مضطرّاً في أصل العقد عادة أو شرعاً(1) ، غير أنّه عدلنا عنه أخيراً .

ومحصّل المختار فيه : عدم جريان الحديث لرفعهما في هذه الحالة ; لأنّ الإكراه قد تعلّق بترك الجـزء والشرط ، وليس للترك ـ بما هـو هـو ـ أثر شرعي قابل للرفع غير البطلان ووجـوب الإعادة ، وهـو ليس أثراً شرعياً ، بل مـن الاُمـور العقلية الواضحـة .

فإنّ ما يرجع إلى الشارع ليس إلاّ جعل الجزئية والشرطية تبعاً أو استقلالاً ، بناءً على صحّـة جعلهما أو إسقاطهما ـ كما في مـوارد النسيان ـ وأمّا إيجاب الإعادة والقضاء بعد عدم انطباق المأمور به للمأتي به فإنّما هو أمر عقلي يدركه هـو عند التطبيق .


1 ـ أنوار الهداية 2 : 65 .


(56)

وتوهّم : أنّ مرجع الرفع عند الإكراه على ترك جزء أو شرط إلى رفع جزئيته وشرطيته في هذه الحالة ، كما مرّ توضيحه في رافعية النسيان إذا تعلّق بنفس الجزء والشرط .

مدفوع بأنّ المرفوع لابدّ وأن يكون ما هو متعلّق العنوان ; ولو باعتبار أنّه أثر لما تعلّق به العنوان ، كالجزئية عند تعلّق النسيان بنفس الجزء ، وأمّا المقام فلم يتعلّق الإكراه إلاّ بنفس ترك الجزء والشرط ، والجزئية ليست من آثار نفس الترك . نعم لو كان لنفس الترك أثر شرعي يرتفع أثره الشرعي عند الإكراه .

لا يقال : إنّ وجوب الإعادة مترتّب على بقاء الأمر الأوّل ، كترتّب عدم وجوبها على عدم بقائه ، فإذا كان بقاء الأمر كحدوثه أمراً شرعياً تناله يد الجعل والرفع ، فلا محذور في التمسّك بالحديث لنفي وجوب الإعادة .

لأ نّا نقول : إنّ وجوب الإعادة ليس أثراً شرعياً في حدّ نفسه ، ولا أثراً مجعولاً لبقاء الأمر الأوّل ، بل هو أمر عقلي منتزع ، يحكم به إذا أدرك مناط حكمه .

وما يرى في الأخبار مـن الأمـر بالإعادة فإنّما هـو إرشاد إلى فساد المأتي به وبطلانه .

ويشهد على ذلك : أنّ التارك للإعادة لا يستحقّ إلاّ عقاباً واحداً لأجل عدم الإتيان بالمأمور به ، لا لترك إعادته . واحتمال العقابين كاحتمال انقلاب التكليف إلى وجوب الإعادة باطل بالضرورة .

فتلخّص من جميع ما ذكر : أنّ الإكراه إن تعلّق بإيجاد المانع فيمكن أن يتمسّك بحديث الرفع لتصحيح المأتي به ، وأمّا إذا تعلّق بترك الجزء والشرط فلا ، كما ظهر الفرق بين نسيان الجزء والشرط وبين تركهما لأجل الإكراه ، فلاحظ .


(57)

القول في الاضطرار

فقد ظهر حاله ممّا فصّلناه في حال الإكراه حرفاً بحرف ، وحاصله : أنّه لو تعلّق بما له حكم تكليفي ـ أي بإتيان حرام نفسي أو ترك واجب ـ فلا إشكال في ارتفاع الحرمة بالاضطرار ; أي حرمة فعله في الحرام ، ومبغوضية تركه في الواجب ، بناءً على الملازمة العرفية بين الأمر بالشيء ومبغوضية تركه .

وإن تعلّق بإيجاد مانع في أثناء المعاملة أو العبادة فلا إشكال في صحّة العمل برفع المانعية في ذلك الظرف ، كما مرّ بيانه في النسيان والإكراه .

وإن تعلّق بترك جزء أو شرط فلا يمكن تصحيح العمل به حسب ما أوضحناه في الإكراه ، فلا نعيده .

القول في المسبّبات

فلنذكر ما أفاده بعض أعاظم العصر ، ثمّ نعقّبه بما هو المختار :

قال ـ قدس سره ـ : المسبّبات على قسمين ، فهي :

تارة : تكون من الاُمور الاعتبارية التي ليس بحذائها في وعاء العين شيء ، كالملكية والزوجية ممّا أمضاها الشارع ، فهذا القسم من الأحكام الوضعية يستقلّ بالجعل ; فلو فرض أنّه أمكن أن يقع المسبّب عـن إكراه ونحوه كان للتمسّك بحديث الرفع مجال . فينزّل المسبّب منزلة المعدوم في عدم ترتّب الآثار المترتّبة على المسبّب . لا أقول : إنّ الرفع تعلّق بالآثار ، بل تعلّق بنفس المسبّب ; لأ نّـه بنفسه ممّا تناله يد الجعل .


(58)

واُخرى : ما يكون المسبّب من الاُمور الواقعية التي كشف عنها الشارع ، كالطهارة والنجاسة ; فإنّها غير قابلة للرفع التشريعي ، ولا تناله يد الجعل والرفع . نعم يصحّ أن يتعلّق الرفع التشريعي بها بلحاظ ما رتّب عليها من الآثار الشرعية .

ولا يتوهّم : أنّ لازم ذلك عدم وجوب الغسل على من اُكره على الجنابة ، أو عدم وجوب التطهير على من اُكره على النجاسة ; بدعوى : أنّ الجنابة المكره عليها وإن لم تقبل الرفع التشريعي إلاّ أنّها باعتبار ما لها من الأثر ـ وهو الغسل ـ قابلة للرفع .

فإنّ الغسل والتطهير أمران وجوديان قد أمر بهما الشارع عقيب الجنابة والنجاسة مطلقاً ; من غير فرق بين الجنابة الاختيارية وغيرها(1) ، انتهى كلامه .

قلت : إنّ ما تفصّى به عن الإشكال غير صحيح ; فإنّ كونهما أمرين وجوديين لا يوجب عدم صحّة رفعهما ، كما أنّ إطلاق الدليل في الجنابة الاختيارية وغيرها لا يمنع عن الرفع ; ضرورة أنّ الغرض حكومة الحديث على الإطلاقات الأوّلية ، بل الإطلاق مصحّح للحكومة ، كما لا يخفى .

والأولى أن يقال في التفصّي عن الإشكال : إنّه قد تحقّق في محلّه أنّ الغسل مستحبّ نفسي قد جعل بهذه الحيثية مقدّمة للصلاة(2) .

وعلى ذلك : فالمرفوع بالحديث في الصورة المفروضة لو كان هو الاستحباب النفسي فغير صحيح ; لأنّ الحـديث حديث امتنان ، ولا منّـة في رفـع المستحبّات .


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 357 ـ 359 .
2 ـ الطهارة ، الإمام الخميني ـ قدس سره ـ 2 : 9 ، مناهج الوصول 1 : 385 .


(59)

وإن كان المرفوع شرطيته للصلاة فلا ريب أنّ الإكراه إنّما يتحقّق إذا اُكره على ترك الغسل للصلاة . فحينئذ فلو ضاق الوقت وتمكّن المكلّف من التيمّم فلا إشكال في أنّه يتبدّل تكليفه إلى التيمّم ، وإن لم يتمكّن منه ; بأن اُكره على تركه أيضاً صار كفاقد الطهورين . والمشهور سقوط التكليف عن فاقده . هذا كلّه في الطهارة الحدثية .

وأمّا الخبثية من الطهارة فلو أكرهه المكرِه على ترك غسل البدن والساتر ، إلى أن ضاق الوقت فلا ريب أنّه يجب عليه الصلاة كذلك ، فيرفع شرطية الطهارة بالحديث . ولو أمكن أن يخفّف ثوبه ونزعه فيجب عليه ـ على الأقوى ـ ولو لم يتمكّن فعليه الصلاة به ، ويصير المقام من صغريات الإكراه بإيجاد المانع ، وقد مرّ حكمه(1) .

بحث وتحقيق
في عدم اختصاص رافعية الإكراه بباب المعاملات بالمعنى الأخصّ

إنّ بعض محقّقي العصر ـ قدس سره ـ قد قال باختصاص مجرى الرفع في قوله : «ما استكرهوا عليه» بباب المعاملات بالمعنى الأخصّ ، بعكس الرفع في الاضطرار ، فلا يجري في التكليفيات من الواجبات والمحرّمات ; لأنّ الإكراه على الشيء يصدق بمجرّد عدم الرضا بإيجاده ، ومع التوعيد اليسير أو أخذ مال كذلك ، مع أنّه غير مسوغ لترك الواجب أو الإتيان بالمحرّم . نعم لو بلغ ذلك إلى حدّ الحرج جاز ذلك ، ولكنّه لأجل الحرج لا الإكراه(2) ، انتهى ملخّصاً .


1 ـ تقدّم في الصفحة 55 .
2 ـ نهاية الأفكار 3 : 224 .


(60)

وفيه : ـ مضافاً إلى عدم اختصاصه بالضرورة للمعاملات بالمعنى الأخصّ ; لجريانـه في الطلاق والنكاح والوصيـة وغيرها مـن المعاملات بالمعنى الأعمّ ـ أنّ ما ذكره لا يوجب الاختصاص ، بل يوجب اختصاص رافعية الإكراه لبعض مراتبه دون بعض .

كيف ، وقد ورد في بعض الروايات(1) في تفسير قوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «رفع ما اُكرهوا» أنّه إشارة إلى قوله تعالى : (إِلاّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمانِ)(2) الذي ورد في شأن عمّار(3) ، ومن المعلوم أنّ ما صدر من عمّار من التبرّي عن الله ورسوله كان حراماً تكليفياً قد ارتفع بالإكراه .

أضف إلى ذلك : ما ورد في حقّ الزوجة المكرهة على الجماع في يوم رمضان(4) ، وفي حقّ المكرهة على الزنا(5): أنّه لا شيء عليهما عند الإكراه ، وهذا يدلّ على عمومية رافعية الإكراه للوضعي والتكليفي .

وما أفاده من أنّ الإكراه إن وصل إلى الحرج جاز ذلك ، إلاّ أنّه من جهة الحرج لا الإكراه ، مدفوع بأنّ التدبّر في الروايات والآية يعطي أنّ علّة ارتفاع الحكم لأجل كون المكلّف مكرهاً .


1 ـ تفسير العياشي 2 : 272 / 75 ، الكافي 2 : 462 / 1 ، وسائل الشيعة 16 : 218 ، كتاب الأمر والنهي ، أبواب الأمر والنهي ، الباب 26 ، الحديث 10 .
2 ـ النحل (16) : 106 .
3 ـ تفسير العياشي 2 : 271 / 72 ، مجمع البيان 6 : 597 .
4 ـ الكافي 4 : 103 / 9 ، وسائل الشيعة 10 : 56 ، كتاب الصوم ، أبواب ما يمسك عنه الصائم ، الباب 12 ، الحديث 1 .
5 ـ راجـع وسائـل الشيعـة 28 : 110 ، كتاب الحـدود ، أبواب حـدّ الـزنا ، الباب 18 ، الحـديث 1 و2 و4 و5 .


(61)

أضف إلى ذلك : أنّ الإكراه الشديد لأجل توعيده بأمر لا يتحمّل عادة لا يوجب كون المكرَه فيه ـ أي متعلّق الإكراه ـ حرجياً ، إلاّ مع التكلّف .

فلو أكرهه المكره على شرب الخمر وأوعده بالضرب والجرح فما هو متعلّق الإكراه ليس حرجياً . وكون تركه حرجياً لأجل ما يترتّب عليه عند الترك لا يوجب اتّصاف متعلّق الإكراه بالحرج إلاّ بالتكلّف ، وهذا بخلاف الإكراه ; فإنّ الشرب متعلّق للإكراه بلا ريب . وقصارى ما يمكن أن يقال : إنّ الضرورة قاضية على عدم كفاية الإكراه لارتكاب بعض المحرّمات ، وهو ليس بأمر غريب ، ولها نظائر وشواهد في الفقه ; فإنّ بعض العظائم من المحرّمات لا يمكن رفع حكمه بالحديث بعامّة عناوينها ، ولا بعنوان آخر كالتقيّة .

وقـد ذكرنا تفصيل ذلك في الرسالة(1) التي عملناها لبيان حال التقيّة ، فراجع(2) .

الأمر السابع : تصحيح العبادة بالحديث عند الشكّ في المانعية

قد فصّل شيخنا العلاّمة ـ أعلى الله مقامه ـ فيما إذا شكّ في مانعية شيء للصلاة بين الشبهة الموضوعية والحكمية ، فاستشكل جريان البراءة في الثانية .

وقد أفاد في وجهه : أنّ الصحّة فيها إنّما يكون ما دام شاكّاً ، فإذا قطع بالمانعية يجب عليه الإعادة ، ولا يمكن القول بتخصيص المانع بما علم مانعيته ; فإنّه مستحيل ، بخلاف الشبهة الموضوعية ; لإمكان ذلك فيها(3) .

أقول : إنّ المستحيل إنّما هو جعل المانعية ابتداءً في حقّ العالم بالمانعية ،


1 ـ وهذه الرسالة جاهزة للطبع وعلّقنا عليها بعض التعاليق . [المؤلّف]
2 ـ الرسائل العشرة ، الإمام الخميني ـ قدس سره ـ : 12 .
3 ـ درر الفوائد ، المحقّق الحائري : 445 ـ 446 .


(62)

لاستلزامه الدور ، وأمّا جعلها ابتداءً بنحو الإطلاق ، ثمّ إخراج ما هو مشكوك مانعيته ببركة حديث الرفع ; بأن يرفع فعلية مانعيته في ظرف مخصوص فليس بمستحيل ، بل واقع شائع . وقد مرّ نبذ من الكلام في الإجزاء(1) وفي البحث عن الجمع بين الأحكام الواقعية والظاهرية(2) .

وأمّا الاكتفاء بما أتى به المكلّف وسقوط الإعادة والقضاء فقد مرّ بحثه تفصيلاً(3) ، وخلاصته : أنّ حكومة الحديث على الأدلّة الأوّلية يقتضي قصر المانعية على غير هذه الصور التي يوجد فيها إحدى العناوين المذكورة في الحديث . وعليه : فالآتي بالمأمور به مع المانع آت لما هو تمام المأمور به ، ولازمه سقوط الأمر وانتفاء القضاء . هذا غيض من فيض ، وقليل من كثير ممّا ذكره الأساطين حول الحديث .

الرواية الثانية : حديث الحَجْب

ممّا استدلّ به على البراءة ما رواه الصدوق عن أحمد بن محمّد بن يحيى عن أبيه عن أحمد بن محمّد بن عيسى عن ابن فضّال عن داود بن فرقد عن أبي الحسن زكريّا بن يحيى عن أبي عبدالله ـ عليه السلام ـ ، قال : «ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم»(4) . ورواه الكليني عن محمّد بن يحيى(5) .


1 ـ تقدّم في الجزء الأوّل : 277 ـ 278 .
2 ـ تقدّم في الجزء الثاني : 378 .
3 ـ تقدّم في الصفحة 46 ـ 47 .
4 ـ التوحيد ، الصدوق : 413 / 9 ، وسائل الشيعة 27 : 163 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 12 ، الحديث 33 .
5 ـ الكافي 1 : 164 / 3 .


(63)

وأمّا فقه الحديث : فيحتمل بادئ الأمر وجوهاً :

الأوّل : أن يكون المراد ما حجب الله علمه عن مجموع المكلّفين .

الثاني : أنّ المراد ما حجب الله علمه عن كلّ فرد فرد من أفراد المكلّفين .

الثالث : أنّ المراد كلّ من حجب الله علم شيء عنه فهو مرفوع عنه ; سواء كان معلوماً لغيره أو لا .

والمطابق للذوق السليم هو الثالث ، كما هو المراد من قوله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في حديث الرفع : «رفع عن اُمّتي ما لا يعلمون»(1) ، على أنّ مناسبة الحكم والموضوع يقتضي ذلك ; فإنّ الظاهر : أنّ المناط للرفع هو الحجب عن المكلّف ، وحجبه عن الغير وعدمه لا دخل له لذلك ، كما لا يخفى .

وتقرير الاستدلال : أنّ الظاهر من قوله : «موضوع عنهم» هو رفع ما هو المجعول بحسب الواقع ، كما هو المراد في حديث الرفع ، لا ما لم يجعل وسكت عنه تعالى من أوّل الأمر ; فإنّه ما لم يجعل من بدو الأمر فكيف يرفع .

وأنّ الظاهر من الحجب هو الحجب الخارج من اختيار المكلّف ، لا الحجب المستند إلى تقصيره وعدم فحصه . وعندئذ يعمّ كلّ حجب لم يكن مستنداً لتقصيره ; لأجل ضياع الكتب أو طول الزمان أو قصور البيان أو حدوث حوادث ونزول نوازل وملمّات عائقة بحسب الطبع عن بلوغ الأحكام إلى العباد على ما هي . وعندئذ يكون إسناد الحجب إليه على سبيل المجاز .

ومثله كثير في الكتاب والسنّة ; فإنّ مطلق تلك الأفعال يسند إليه تعالى بكثير ، من دون أن يكون خلاف ظاهر في نظر العرف .


1 ـ تقدّم تخريجه في الصفحة 26 .


(64)

وممّا ذكرنا يظهر : ضعف ما أفاده الشيخ الأعظم(1) من أنّ الظاهر من الحديث ما لم يبيّنه للعباد وتعلّقت عنايته تعالى بمنع اطّلاع العباد عليه ; لعدم أمر رسله بتبليغه حتّى يصحّ إسناد الحجب إليه تعالى ، فالرواية مساوقة لما ورد من : «أنّ الله سكت عن أشياء لم يسكت عنها نسياناً»(2) .

وجه الضعف : أنّ الظاهر المتبادر من قوله : «موضوع عنهم» هو رفع ما هو المجعول ، لا رفع ما لم يبيّن من رأس ولم يبلّغ ، بل لم يأمر الرسل بإظهاره ; فإنّ ما كان كذلك غير موضوع بالضرورة ولا يحتاج إلى البيان . مع أنّه مخالف لظاهر «موضوع عنهم» .

أضف إلى ذلك : أنّه مخالف للمناسبة المغروسة في ذهن أهل المحاورة .

والداعي لهم لاختيار هذا المعنى تصوّر أنّ إسناد الحجب إلى الله تعالى لا يصحّ إلاّ في تلك الصورة ، وأمّا إذا كان علّة الحجب إخفاء الظالمين وضياع الكتب فالحاجب نفس العباد ، لا هو تعالى . وقد عرفت جوابه ، فلا نكرّره .

الرواية الثالثة : حديث السعة

من الأخبار التي استدلّوا بها قوله ـ عليه السلام ـ : «الناس في سعة ما لا يعلمون»(3) .

ودلالته على البراءة وعدم لزوم الاحتياط واضح جدّاً ; فإنّه لو كان الاحتياط


1 ـ فرائد الاُصول ، ضمن تراث الشيخ الأعظم 25 : 41 ، اُنظر كفاية الاُصول : 388 .
2 ـ الفقيه 4 : 53 / 193 ، وسائل الشيعة 27 : 175 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 12 ، الحديث 68 .
3 ـ عوالي اللآلي 1 : 424 / 109 ، مستدرك الوسائل 18 : 20 ، كتاب الحدود ، أبواب مقدّمات الحدود ، الباب 12 ، الحديث 4 ، (مع اختلاف يسير) .


(65)

لازماً عند الجهل بالواقع لما كان الناس في سعة ما لا يعلمون ، بل كان عليهم الاحتياط ، وهو موجب للضيق بلا إشكال .

فإن قلت : بعد العلم بوجوب الاحتياط يرتفع عدم العلم ، وينقلب إلى العلم بالشيء .

قلت : إنّ الظاهر المتبادر هو العلم بالواقع والجهل به ، وليس العلم بوجوب الاحتياط علماً بالواقع ; إذ ليس طريقاً إليه .

وإن شئت قلت : إنّ العلم المستعمل في الروايات وإن كان المراد منه المعنى الأعمّ ـ أي الحجّة لا الاعتقاد الجازم المطابق للواقع ـ ولكن الحجّة عبارة عن الطرق العقلائية والشرعية إلى الواقع التي تكشف كشفاً غير تامّ ، والاحتياط ليس منها بلا إشكال .

والشاهد على ذلك : أنّه لو أفتى أحد على الواقع لقيام الأمارة عليه لما يقال إنّه أفتى بغير علم ، وأمّا إذا أفتى بوجوب شيء لأجل الاحتياط فإنّه أفتى بغير علم .

ومن ذلك يظهر ضعف ما قيل : إنّ وجوب الاحتياط إن كان نفسياً يدفع المعارضة بين الحديث وبين أدلّة الاحتياط ; لحصول الغاية بعد العلم بوجوب الاحتياط(1) .

وجه الضعف : أنّ مفاد الحديث هو الترخيص للناس فيما ليس لهم طريق ولا علم إلى الواقع ، فلو دلّ دليل على لزوم الاحتياط في الموارد التي لم يقف المكلّف على حكم تلك الموارد لعدّ ذلك الـدليل معارضاً للحـديث الشريف ، لا رافعاً لموضوعه .


1 ـ كفاية الاُصول : 389 .


(66)

وإن شئت قلت : إنّ شرب التتن بملاحظة كونه مجهول الحكم مرخّص فيه حسب الحديث ، فلو تمّ أخبار الاحتياط ولزم وجوب الاحتياط لعدّ ذلك منافياً للترخيص ، من غير فرق بين أن يكون لزوم الاحتياط نفسياً أو غيرياً .

نعم ، لو أمكن القول بالسعة من حيث ما لا يعلمون ـ وإن كان الضيق من حيث الاحتياط النفسي لأجل مصلحة في ذلك الحكم النفسي ـ لكان لما ادّعى وجه . لكنّه كما ترى ; فإنّ جعل السعة ـ حينئذ ـ يكون لغواً بعد عدم انفكاك موضوعه عن موضوع الاحتياط .

وأمّا حمل الرواية على الشبهة الموضوعية أو الوجوبية فلا شاهد له . مع أنّه اعتراف على تمامية الدلالة .

الرواية الرابعة : حديث الحلّ

من الروايات التي استدلّ بها للبراءة : قوله ـ عليه السلام ـ : «كلّ شيء لك حلال حتّى تعرف أنّه حرام» .

ويظهر من الشيخ في المقام(1) بل صريحه في الشبهة الموضوعية(2) ، أنّه رواية مستقلّة بهذا اللفظ ، بلا انضمام كلمة «بعينه» ، ولم نجده في مصادر الروايات ، بل الظاهر : أنّه صدر رواية مسعدة بن صدقة(3) .


1 ـ فرائد الاُصول ، ضمن تراث الشيخ الأعظم 25 : 48 .
2 ـ نفس المصدر 25 : 119 ـ 120 .
3 ـ الكافي 5 : 313 / 40 ، وسائل الشيعة 17 : 89 ، كتاب التجارة ، أبواب ما يكتسب به ، الباب 4 ، الحديث 4 .


(67)

وكيف كان : فربّما يستشكل في دلالته على الشبهة الحكمية بأنّ كلمة «بعينه» قرينة على اختصاص الرواية بالشبهات الموضوعية(1) .

ولكن يمكن منع قرينية تلك الكلمة ; فإنّه تأكيد لقوله «تعرف» ، ومفاده كناية عن وقوف المكلّف على الأحكام ; وقوفاً علمياً لا يأتيه ريب .

نعم ، يرد على الرواية : أنّها بصدد الترخيص لارتكاب أطراف المعلوم بالإجمال ، فيكون وزانه وزان قوله ـ عليه السلام ـ : «كلّ شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتّى تعرف الحرام بعينه»(2) ; فإنّ المتبادر منهما هو جواز التصرّف في الحلال المختلط بالحرام ، الذي جمع رواياته السيّد الفقيه الطباطبائي ـ قدس سره ـ في حاشيته على «المكاسب» عند بحثه عن جوائز السلطان(3) .

فوزان الروايتين وزان قوله ـ عليه السلام ـ في موثّقة سماعة : «إن كان خلط الحلال بالحرام فاختلطا جميعاً فلا يعرف الحلال من الحرام فلا بأس»(4) ، وصحيحة الحذّاء : «لا بأس به حتّى يعرف الحرام بعينه»(5) .

وعلى ذلك : فالروايتان راجعتان إلى الحرام المختلط بالحلال ، ولا ترتبطان بالشبهة البدوية .


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 364 .
2 ـ الفقيه 3 : 216 / 1002 ، وسائل الشيعة 17 : 87 ، كتاب التجارة ، أبواب ما يكتسب به ، الباب 4 ، الحديث 1 .
3 ـ حاشية المكاسب ، المحقّق اليزدي 1 : 172 .
4 ـ الكافي 5 : 126 / 9 ، وسائل الشيعة 17 : 88 ، كتاب التجارة ، أبواب ما يكتسب به ، الباب 4 ، الحديث 2 .
5 ـ الكافي 5 : 228 / 2 ، وسائل الشيعة 17 : 219 ، كتاب التجارة ، أبواب ما يكتسب به ، الباب 52 ، الحديث 5 .


(68)

الرواية الخامسة : صحيحة عبدالصمد بن بشير

ومن الروايات : صحيحة عبدالصمد بن بشير التي رواه صاحب «الوسائل» في الباب الخامس والأربعين من تروك الإحرام : إنّ رجلاً عجمياً دخل المسجد يلبّي ، وعليه قميصه ، فقال لأبي عبدالله ـ عليه السلام ـ : إنّي كنت رجلاً أعمل بيدي واجتمعت لي نفقة ، فجئت أحجّ لم أسأل أحداً عن شيء ، وافتوني هؤلاء أن أشقّ قميصي وأنزعه من قبل رجلي ، وأنّ حجّي فاسد ، وأنّ عليّ بدنة .

فقال له : «متى لبست قميصك ، أبعدما لبّيت أم قبل ؟» .

قال : قبل أن أُلبّي .

قال : «فاخرجه من رأسك ; فإنّه ليس عليك بدنة ، وليس عليك الحجّ من قابل ، أيّ رجل ركب أمراً بجهالة فلا شيء عليه»(1) .

فدلّت على أنّ الآتي بشيء عن جهل بحكمه لا بأس به .

وأورد عليه الشيخ الأعظم : بأنّ مورد الرواية وظهورها في الجاهل الغافل ، وتعميمه إلى الجاهل الملتفت يحوج إلى إخراج الجاهل المردّد المقصّر ، ولسانه يأبى عن التخصيص(2) .

وأيّده بعضهم : بأنّ الباء في قوله : «بجهالة» للسببية ، والجهل بالحكم سبب للفعل في الجاهل الغافل دون الملتفت(3) .


1 ـ تهذيب الأحكام 5 : 72 / 239 ، وسائل الشيعة 12 : 488 ، كتاب الحجّ ، أبواب تروك الإحرام ، الباب 45 ، الحديث 3 .
2 ـ فرائد الاُصول ، ضمن تراث الشيخ الأعظم 25 : 42 .
3 ـ بحر الفوائد (الجزء الثاني) : 20 / السطر 18 ، نهاية الأفكار 3 : 229 .


(69)

أقول : قد أمر الشيخ في آخر كلامه بالتأمّل ، وهو دليل على عدم ارتضائه لما ذكر ; فإنّ أمثال هذه التراكيب كثير في الكتاب والسنّة ; فانظر إلى قوله تعالى : (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَة)(1) وقوله تعالى : (أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَة)(2) فهل ترى اختصاصهما بالجاهل الغافل ؟

ومجرّد كون مورد الرواية من هذا القبيل لا يوجب التخصيص ; لا سيّما في أمثال المقام الذي يتراءى أنّ الإمام بصدد إلقاء القواعد الكلّية العالمية .

أضف إلى ذلك : ما ورد في أبواب الصوم(3) والحجّ(4) من روايات تدلّ على معذورية الجاهل ، من غير استفصال .

وأمّا ما ذكره أخيراً من أنّ التعميم يحتاج إلى التخصيص ولسانه آب عنه فيرد عليه ـ مضافاً إلى أنّ التخصيص لازم على أيّ وجه ; فإنّ الجاهل الغافل المقصّر خارج عن مصبّ الرواية ـ أنّ ذلك دعوى مجرّدة ; فإنّ لسانه ليس على وجه يستهجن في نظر العرف ورود التخصيص به ، كما لا يخفى .

وما أيّد به بعضهم مقالة الشيخ فيرد عليه : أنّ الجهل ليس علّة للإتيان بالشيء ; فإنّ وجود الشيء في الخارج معلول لمبادئه . نعم ربّما يكون العلم بالحكم مانعاً ورادعاً عن حصول تلك المبادئ في النفس .

وعليه : فالمناسب جعـل «الباء» بمعنى «عن» . ولو سلّم كونها للسببيـة


1 ـ النساء (4) : 17 .
2 ـ الحجرات (49) : 6 .
3 ـ راجع وسائل الشيعة 10 : 180 ، كتاب الصوم ، أبواب من يصحّ منه الصوم ، الباب 2 ، الحديث 5 و 6 .
4 ـ راجع وسائل الشيعة 13 : 159 ، كتاب الحجّ ، أبواب بقية كفّارات الإحرام ، الباب 10 .


(70)

فليس المراد مـن السببية المعنى المصطلح ـ صدور الفعل عنه ـ بل بمعنى دخالتها في العمل في الجملة ، فيصحّ أن يقال : إنّ الارتكاب يكون لجهالـة ، مع الفحص عـن الحكم وعدم العثور عليه .

الرواية السادسة : حسنة ابن الطيّار

ومن الروايات : ما رواه ثقة الإسلام في باب البيان والتعريف عن أحمد بن محمّد بن عيسى عن الحسين بن سعيد عن ابن أبي عمير عن جميل بن درّاج عن ابن الطيّار عن أبي عبدالله ـ عليه السلام ـ قال : «إنّ الله احتجّ على الناس بما آتاهم وعرّفهم»(1) .

فدلّت على أنّ التكليف فرع التعريف ، وإيتاء القدرة الذي عليه قوله تعالى : (لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ ما آتاها)(2) ، و(لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها)(3) ، وقد استدلّ بهما الإمام في رواية عبد الأعلى كما تقدّم(4) .

والمعنى المتبادر منها حسب مناسبة الحكم والموضوع شرطية التعريف والإيتاء في كلّ التكاليف على كلّ فرد فرد من المكلّفين حتّى يتمّ الحجّة بالنسبـة إلى كلّ واحد منهم ، وأنّ التعريف للبعض لا يكفي في التكليف على الجميع ; لأنّ المقصود إنّما هو إتمام الحجّـة ، وهـو لا يتمّ إلاّ إذا حصل الأمـران عند كلّ واحد واحد منهم .


1 ـ الكافي 1 : 162 / 1 .
2 ـ الطلاق (65) : 7 .
3 ـ البقرة (2) : 286 .
4 ـ تقدّم في الصفحة 19 .


(71)

وعلى ذلك : فلو فحص المكلّف عن تكليفه فحصاً تامّاً ولم يظفر به ; وإن صدر من الشارع حكمه ، غير أنّ الحوادث عاقت بينه وبين تكليفه ، لم يصدق أنّه عرّفه وآتاه .

فإن قلت : قد رواه ثقة الإسلام أيضاً في باب حجج الله ـ عزّوجلّ ـ على خلقه ، وهو مذيّل بجملة ربّما توهم خلاف ما ذكرنا ، وإليك الرواية : عدّة من أصحابنا عن أحمد بن محمّد بن خالد عن علي بن الحكم عن أبان الأحمر عن حمزة بن الطيّار عن أبي عبدالله ـ عليه السلام ـ قال : قال لي : اُكتب فأملى عليّ : «أنّ من قولنا : إنّ الله يحتجّ على العباد بما آتاهم وعرّفهم ، ثمّ أرسل إليهم رسولاً وأنزل عليهم الكتاب فأمر فيه ونهى . . .»(1) إلى آخره .

فإنّ ظاهر الرواية : أنّ التعريف والإيتاء كانا قبل إرسال الرسل وإنزال الكتب . ومن المعلوم أنّ المراد من هذا التعريف ـ عندئذ ـ هو التوحيد الفطري بالله وصفاته ، لا المعرفة بأحكامه ، فيكون أجنبياً عن المقام ، وحينئذ فالتقطيع من ناحية الراوي .

قلت : ما ذكر من الذيل لا يضرّ بما نحن بصدده ; فإنّ ما بعده شاهد على أنّ المقصود هو التكليف بالأحكام الفرعية ، فإليك الذيل : «أمر فيه بالصلاة والصوم ، فنام رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عن الصلاة ، فقال : أنا اُنيمك وأنا اُوقظك ، فإذا قمت فصلّ ليعلموا إذا أصابهم ذلك كيف يصنعون ، ليس كما يقولون إذا نام عنها هلك وكذلك الصيام أنا اُمرضك وأنا اُصحك فإذا شفيتك فاقضه» .

فعلى هذا فلا يمكن الأخذ بظاهر الرواية ; لأنّ ظاهرها : أنّ إرسال الرسل وإنزال الكتب بعد الاحتجاج بما آتاهم وعرّفهم ، فلابدّ أن يقال : إنّ المقصود منه أنّ


1 ـ الكافي 1 : 164 / 4 .


(72)

سنّة الله تعالى هو الاحتجاج على العباد بما آتاهم وعرّفهم ، وهي منشأ لإرسال الرسل والتعريف ، ولأجل ذلك تخلّل لفظة «ثمّ» بين الأمرين .

فإن قلت : ما دلّ من الأخبار على لزوم الاحتياط وارد على هـذه الروايـة ; فإنّ التعريف كما يحصل ببيان نفس الأحكام ، كذلك يحصل بإلزام الاحتياط في موارد الأحكام .

قلت : لو لم نقل بحكومتها على أخبار الاحتياط فلا أقلّ بينهما التعارض ; فإنّ مفاد الرواية : أنّ الاحتجاج لا يتمّ إلاّ ببيان نفس الأحكام وتعريفها ، فلو تمّ الاحتجاج بإيجاب الاحتياط مع أنّه ليس بواجب نفسي ، ولا طريق إلى الواقع لزم إتمام الحجّة بلا تعريف ، وهو يناقض الرواية .

وإن شئت قلت : إنّ المعرفة بالأحكام موجبة للاحتجاج ، وبما أنّه في مقام الامتنان والتحديد تدلّ على أنّه مع عدم المعرفة لا يقع الاحتجاج ، ولا يكون الضيق والكلفة ، كما دلّ عليه ذيل الرواية الثانية .

ولزوم الاحتياط لا يوجب المعرفة بالأحكام ; ضرورة عدم طريقيته للواقع ; لا حكماً ولا موضوعاً ، فلو احتجّ بالاحتياط لزم الاحتجاج بلا تعريف . بل لا يبعد حكومتها على أدلّة الاحتياط ; لتعرّضها لما لم يتعرّض به أدلّة الاحتياط ; لتعرّضها لنفي الاحتجاج ما لم يعرّف ولم يبيّن ، كما لا يخفى .

الرواية السابعة : رواية إبراهيم بن عمر اليماني

ومن الروايات : ما رواه المحدّث الكاشاني عن ثقة الإسلام في باب البيان والتعريف بإسناده عن اليماني ، قال : سمعت أبا عبدالله ـ عليه السلام ـ يقول : «إنّ أمر


(73)

الله عجيب ، إلاّ أنّه قد احتجّ عليكم بما عرّفكم من نفسه»(1) .

وهذه الرواية قريبة ممّا تقدّم . وليس المراد من قوله : «بما عرّفكم من نفسه» هو تعريف ذاته وصفاته ، بل الظاهر هو تعريف أحكامه وأوامره ونواهيه ، فيرجع معنى الحديث إلى أنّ بيان الأحكام عليه تعالى دون غيره .

الرواية الثامنة : حديث الإطلاق

ومن الروايات : ما أرسله الصدوق ورواه الشيخ الحـرّ في كتاب القضاء عـن محمّد بن علي بن الحسين ، قال : قال الصادق ـ عليه السلام ـ : «كلّ شيء مطلق حتّى يرد فيه نهي»(2) .

وإسناد الصدوق متن الحديث إليه ـ عليه السلام ـ بصورة الجزم والقطع شهادة منه على صحّة الرواية وصدورها عنه ـ عليه السلام ـ في نظره ـ قدس سره ـ ، وهذا الإرسال بهذه الصورة ، من دون أن يقول : «وعن الصادق» حاك عن وجود قرائن كاشفة عن صحّة الحديث ومعلومية صدوره عنده ، كما لا يخفى .

وأمّا فقه الحديث : ففيه احتمالات ; فإنّ قوله «مطلق» إمّا أن يراد منه اللا حرج من قبل المولى ، في قبال الحظر العقلي ; لكونه عبداً مملوكاً ينبغي أن يكون صدوره ووروده عن رأي مالكه ، أو يراد الإباحة الشرعية الواقعية ، أو الإباحة الظاهرية المجعولة للشاكّ .


1 ـ الكافي 1 : 86 / 3 ، الوافي 1 : 552 / 456 .
2 ـ الفقيه 1 : 208 / 937 ، وسائل الشيعة 27 : 173 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 12 ، الحديث 67 .


(74)

ثمّ المراد من النهي : إمّا النهي المتعلّق بالعناوين الأوّلية أو الأعمّ منه ومن الظاهري ، كالمستفاد من الاحتياط .

ثمّ المراد من الورود : إمّا الورود المساوق للصدور واقعاً ; سواء وصل إلى المكلّف أم لا ، أو الورود على المكلّف المساوق للوصول إليه .

وتمامية دلالة الحديث إنّما يتمّ لو دلّ على الإباحة الظاهرية المجعولة للشاكّ فيما لم يصل إلى المكلّف نهي ; سواء صدر النهي عن المولى أو لا .

ثمّ إنّ بعض الأعيان المحقّقين : قد اعتقد بامتناع إرادة بعض الاحتمالات ; أعني كون المطلق بمعنى الإباحة الشرعية ; واقعية كانت أو ظاهرية فيما إذا اُريد من الورود هو الصدور من الشارع .

أمّا الأوّل ـ كون المطلق بمعنى الإباحة الواقعية والمراد من الورود هو الصدور ـ فأفاد في وجه امتناعه ما هذا ملخّصه : إنّ الإباحة الواقعية ناشئة من لا اقتضائية الموضوع ; لخلوّه عن المصلحة والمفسدة ، فلا يعقل ورود حرمة في موضوعها ; للزوم الخلف من فرض اقتضائية الموضوع المفروض أنّه لا اقتضاء . وفرض عروض عنوان آخر مقتض للحرمة مخالف لظاهر الرواية الدالّة على أنّ الحرمة وردت على نفس ما وردت عليه الإباحة .

ولو اُريد من ورود النهي تحديد الموضوع وتقييده بأنّ ما لم يرد فيه نهي مباح فهو ـ مع كونه خلاف الظاهر ـ فاسد ; لأ نّه إن كان بنحو المعرّفية فهو كالإخبار بأمر بديهي لا يناسب شأن الإمام ـ عليه السلام ـ ، وإن كان بنحو التقييد والشرطية فهو غير معقول ; لأنّ تقييد موضوع أحد الضدّين بعدم الضدّ حدوثاً أو بقاءً غير معقول ; لأنّ عدم الضدّ ليس شرطاً لوجود ضدّه .

وأمّا الثاني ـ كون المطلق بمعنى الإباحة الظاهرية ، والورود بمعنى الصدور ـ


(75)

فأفاد : أنّه يمتنع لوجوه :

منها : لزوم تخلّف الحكم عن موضوعه التامّ ; فإنّه مع فرض كون الموضوع ـ وهو المشكوك ـ موجوداً يرتفع حكمه بصدور النهي المجامع مع الشكّ واقعاً ، فلا يعقل أن يتقيّد إلاّ بورود النهي على المكلّف ; ليكون مساوقاً للعلم المرتفع به الشكّ .

ومنها : أنّ الإباحة إذا كانت مغيّاة بصدور النهي واقعاً أو محدّدة بعدمه ، والغاية أو القيد مشكوك الحصول فلا محالة يحتاج إلى أصالة عدم صدوره لفعلية الإباحة .

وأمّا الأصل : فإن كان لمجرّد نفي الحرمة فلا مانع منه إلاّ أنّه ليس من الاستدلال بالخبر ، وإن كان للتعبّد بالإباحة الشرعية ـ واقعية أو ظاهرية ـ فقد علم امتناع ذلك مطلقاً ، وإن كان للتعبّد بالإباحة ـ بمعنى اللا حرج ـ فهي ليست من مقولة الحكم ، ولا هي موضوع ذو حكم .

ومنها : أنّ ظاهر الخبر جعل ورود النهي غاية رافعة للإباحة الظاهرية المفروضة ، ومقتضى فرض عدم الحرمة إلاّ بقاءً هو فرض عدم الحرمة حدوثاً ، ومقتضاه عدم الشكّ في الحلّية والحرمة من أوّل الأمر ، فلا معنى لجعل الإباحة الظاهرية .

وليست الغاية غاية للإباحة الإنشائية حتّى يقال : إنّه يحتمل في فرض فعلية الشكّ صدور النهي واقعاً ، بل غاية لحقيقة الإباحة الفعلية بفعلية موضوعها ـ وهو المشكوك ـ وحيث إنّ المفروض صدور النهي بقاءً في مورد هذه الإباحة الفعلية فلذا يرد المحذور المزبور(1) .


1 ـ نهاية الدراية 4 : 72 ـ 75 و 78 ـ 79 .


(76)

أقول : في كلامه مواقع للنظر :

منها : ما أفاده في امتناع الأوّل من أنّ الإباحة الواقعية ناشئة من لا اقتضاء الموضوع ، فلا يعقل ورود النهي على نفس الموضوع ، ففيه : أنّ اللا اقتضاء والاقتضاء لو كانا راجعين إلى نفس الموضوع لكان لما ذكره وجه ، إلاّ أنّ الأحكام الشرعية وإن كانت مجعولة عن مصالح ومفاسد لكن لا يلزم أن يكون تلك المصالح أو المفاسد في نفس الموضوعات حتّى يكون الاقتضاء واللااقتضاء راجعاً إليه ، بل الجهات الخارجية مؤثّرة في جعل الأحكام بلا ريب .

وأوضح شاهد على ذلك هو نجاسة الكفّار والمشركين ; فإنّ جعل النجاسة عليهم ليس لأجل وجود قذارة أو كثافة في أبدانهم ـ كما في سائر الأعيان النجسة ـ بل الملاك لهذا الجعل الجهات السياسية ; فإنّ نظر المشرّع تحفّظ المسلمين عن مخالطة الكفّار والمعاشرة معهم ; حتّى تصون بذلك أخلاقهم وآدابهم ونواميسهم ، فلأجل هذه الأمنية حكم على نجاستهم .

فحينئذ : فمن الممكن أن يكون الموضوع مقتضياً للحرمة لكن الموانع منعت عن جعلها ، أو المصالح السياسية اقتضت جعل الإباحة الواقعية . فلو كان الشارع حاكماً بحلّية الخمر في دور الضعف ـ وإن كان تراها ذات مفسدة مقتضية للتحريم وجعل الحرمة ـ لكان أشبه شيء بالمقام .

ومنها : أنّه يمكن جعل ورود النهي تحديداً للموضوع بكلا الوجهين ; من المعرّفية والشرطية بلا محذور :

أمّا الأوّل : فلأنّ ما هو كالبديهي إنّما هو الإباحة بمعنى اللاحرجي قبال الحظر ، وأمّا الإباحة الواقعية المجعولة الشرعية فليس كذلك ; لأ نّها لا تحصل إلاّ بجعل الجاعل ، بخلاف اللاحرجية .


(77)

فإن قلت : يلزم اللغوية حينئذ ; إذ بعد ما حكم العقل باللاحرجية فلا مجال لجعل الإباحة الواقعية .

قلت : إنّه منقوض أوّلاً بالبراءة الشرعية ، مع استقلال العقل بقبح العقاب بلا بيان ، وثانياً نمنع لغوية الجعل بعد كونها ذات آثار لا تترتّب إلاّ بجعل تلك الإباحة الواقعية ، ولا يغني عنها ما يحكم به العقل ; ضرورة أنّه مع الشكّ في ورود النهي من الشارع يمكن استصحاب الحلّية المجعولة ، بعد الإشكال في جريان أصالة عدم ورود النهي لأجل كونها أصلاً مثبتاً ، وبدونها لا يجوز استصحاب اللاحرجية ; لعدم كونها حكماً شرعياً ، ولا موضوعاً ذا أثر .

على أنّه يمكن منع اللغوية بأنّ جعلها لرفع الشبهة المغروسة في الأذهان من أنّ الأشياء قبل ورود الشرع على الحظر حتّى يرد منه الترخيص .

وأمّا الثاني : أعني أخذ عدم الضدّ شرطاً لوجود الضدّ الآخر ، فالمنع عنه يختصّ بالاُمور التكوينية كما حقّق في محلّه ، وأمّا الاُمور الاعتبارية التي لا يتحمّل أحكام التكويني ـ كالتضادّ وغيره ـ فلا ، وقد أوضحنا في بعض المباحث : أنّه لا تضادّ بين الأحكام(1) ، فلأجل ذلك يمكن أن يجعل عدم أحد الضدّين شرطاً لوجود الضدّ الآخر .

ومنها : ما أفاده من امتناع إرادة الإباحة الظاهرية من المطلق مع كون الورود الواقعي غايةً أو تحديداً للموضوع لأجل تخلّف الحكم من موضوعه التامّ ، ففيه : أنّ الموضوع على التحديد هو المشكوك الذي لم يرد فيه نهي واقعاً ، وهو غير المشكوك الذي ورد فيه نهي .


1 ـ تقدّم في الجزء الثاني : 50 ـ 53 و 373 ـ 376 .


(78)

وبالجملة : لو كان الموضوع للإباحة الظاهرية هو المشكوك بما هو هو ، المجامع مع ورود النهي واقعاً ، يلزم تخلّف الحكم ـ الإباحة الظاهرية ـ عن موضوعه المشكوك . فمع كون الموضوع ـ وهو المشكوك ـ موجوداً ليس معه الحكم ـ أعني الإباحة ـ لأجل ورود النهي واقعاً .

وأمّا لو كان الموضوع هو المشكوك الذي لم يرد فيه نهي واقعاً ، فلو ورد هنا نهي لانتفى ما هو موضوع الإباحة بانتفاء أحد جزئيه ، فليس هنا موضوع حتّى يلزم انفكاك الحكم عن موضوعه .

نعم ، لو كان غاية فالموضوع وإن كان هو المشكوك بما هو هو ـ وهو محفوظ مع ورود النهي ـ لكن لا مانع من تخلّف الحكم عن موضوعه إذا اقتضت المصالح الخارجية لذلك .

وما ذكر من الامتناع ناش من قياس التشريع على التكوين ، بتخيّل أنّ الموضوعات علل تامّة للأحكام ـ كما هو المعروف ـ وهو غير تامّ .

وقد عرفت : أنّ المصالح الخارجية ومفاسدها لها دخالة في تعلّق الأحكام ، كما مرّ(1) في نجاسة الكفّار ، وطهارة العامّة في حال الغيبة لأجل حصول الاتّفاق والاتّحاد ; حتّى دلّت الأخبار على رجحان معاشرتهم والحضور في جماعاتهم إلى غير ذلك(2) .

وعلى ذلك : فالمشكوك يمكن أن يكون حلالاً إلى أمد ; لاقتضاء العصر وحراماً إلى زمان آخر . وإن شئت أخذت الحوادث المقارنة قيداً محدوداً ، وبتغيّرها يتغيّر الحكم .


1 ـ تقدّم في الصفحة 76 .
2 ـ راجع وسائل الشيعة 16 : 219 ، كتاب الأمر والنهي ، أبواب الأمر والنهي ، الباب 26 ، و8 : 299 ، كتاب الصلاة ، أبواب صلاة الجماعة ، الباب 5 .


(79)

وأمّا إجراء الأصل : فنختار أنّه للتعبّد بالإباحة الشرعية واقعية أو ظاهرية . وما أفاد من أنّه قد علم امتناع ذلك مطلقاً قد علمت صحّته ومعقوليته . أضف إلى ذلك : أنّ ما أفاد تحت ذلك العنوان ـ إجراء الأصل ـ ظاهر في كونه دليلاً مستقلاًّ ، مع أنّه في الإباحة الظاهرية مصادرة جدّاً . اللهمّ أن يتشبّث بما أفاده قبله ، فلا يكون ذلك دليلاً مستقلاًّ .

ثمّ إنّ الأصل الجاري في المقام :

إن كان أصالة عدم الحرمة : فسيوافيك الإشكال فيه .

وإن كان أصالة عدم ورود النهي حتّى يثبت الحلّية الواقعية أو الظاهرية : فسيوافيك أنّه من الاُصول المثبتة ; لأنّ تحقّق ذي الغاية مع عدم حصول غايته من الأحكام العقلية ، والشكّ في تحقّق ذيها وإن كان مسبّباً عن تحقّق نفس الغاية وعدمها ، إلاّ أنّه ليس مطلق السببية مناطاً لحكومة السببي على المسبّبي ما لم يكن الترتّب شرعياً .

وإن كان الأصل أصالة بقاء الإباحة الواقعية أو الظاهرية فلا مانع منه .

والقول بأنّ الاستصحاب لا يجري في الأحكام الظاهرية صحيح ، لكن المقام ليس من أفراده ; لأنّ ذلك فيما إذا كان نفس الشكّ كافياً في ترتّب الأحكام ; لأنّ الحكم في المقام ليس مرتّباً على نفس الشكّ ، بل عليه مغيّاً بعدم ورود النهي الواقعي ، وهذا لا يكفي فيه الشكّ أصلاً حتّى لا تحتاج إلى الاستصحاب .

وأمّا ما أفاده في ثالث إشكالاته : فلأ نّا نمنع استلزام عدم الحرمة إلاّ بعد ورود النهي عدمَ تحقّق الشكّ ; فإنّ تحقّقه ضروري مع الشكّ في الورود وعدمه ; فإنّ المكلّف إذا التفت إلى حرمة شرب التتن وعدمها ; محتملاً ورود النهي واقعاً فلا محالة يتحقّق في نفسه الشكّ ، وهو كاف في جعل الحكم الظاهري ; سواء كان


(80)

الحكم الظاهري هو إيجاب الاحتياط حتّى يرد الترخيص ، أو الترخيص حتّى يرد النهي ، وقد أوضحنا عدم لغوية هذا الجعل ، كما تقدّم .

ثمّ هذا كلّه على القول بأنّ موضوع الحلّية الظاهرية هو الشكّ في الحكم الشرعي المجعول .

ويمكن أن يقال : إنّ موضوعها هو الشكّ في كون الأشياء على الحظر وعدمه ، أو الشكّ في الملازمة بين حكم العقل والشرع إذا قلنا بالحظر عقلاً ، فيكون قوله ـ عليه السلام ـ : «كلّ شيء مطلق حتّى يرد فيه نهي» ناظراً لكلا الشكّين . فلو شكّ في أنّ الأصل في الأشياء هو الحظر أو عدمه تفيد الرواية كونها على الإباحة ، وكذا لو قلنا بأنّ الأصل الأوّلي هو الحظر ولكن شككنا في الملازمة .

والحاصل : يكون قوله ـ عليه السلام ـ ناظراً إلى ما إذا شكّ في الحكم الشرعي لأجل الشكّ في أنّ الأصل في الأشياء هو الحظر أو عدمه ، أو لأجل الشكّ في الملازمة . فهذا الشكّ محقّق مطلقاً ; حتّى مع العلم بعدم ورود النهي في الشرع ; لأنّ متعلّق الشكّ كون الأصل في الأشياء قبل الشرع هل هو الحظر أو لا ؟

وهذا لا ينافي العلم بعدم ورود النهي من الشارع ، وهذا نحو آخر من الحكم الظاهري المجعول في حقّ الشاكّ في الحكم الواقعي . وعلى هذا يكون عامّة إشكالاته واضحة الدفع ; خصوصاً الثالث منها ; فإنّه على فرض تسليمه لا يرد في هذا الفرض ، كما لايخفى .

المختار في معنى الرواية

هذا كلّه محتملات الرواية حسب الثبوت ، وأمّا مفادها حسب الإثبات فلا شكّ أنّ معنى قوله ـ عليه السلام ـ : «حتّى يرد فيه نهي» أنّ هذا الإطلاق والإرسال باق إلى


(81)

ورود النهي ، وليس المراد من الورود هو الورود من جانب الشارع ; لانقطاع الوحي في زمان صدور الرواية .

والحمل على النواهي المخزونة عند ولي العصر ـ عليه السلام ـ بعيد جدّاً ; فإنّه على فرض وجود تلك النواهي عنده فتعيّن أن يكون المراد من الورود هو الوصول على المكلّف ، وهذا عرفاً عين الحكم الظاهري المجعول في حقّ الشاكّ إلى أن يظفر على الدليل .

والحاصل : أنّ قوله : «يرد» جملة استقبالية ، والنهي المتوقّع وروده في زمان الصادق ليست من النواهي الأوّلية الواردة على الموضوعات ; لأنّ ذلك بيد الشارع ، وقد فعل ذلك وختم طوماره بموت النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وانقطاع الوحي ، غير أنّ كلّ ما يرد من العترة الطاهرة كلّها حاكيات عن التشريع والورود الأوّلي .

وعلى ذلك : ينحصر المراد من قوله : «يرد» على الورود على المكلّف ـ أي الوصول إليه ـ حتّى يرتفع بذلك الحكم المجعول للشاكّ ، وهذا عين الحكم الظاهري .

وأمّا احتمال كون الإطلاق بمعنى اللاحظر ; حتّى يكون بصدد بيان حكم عقلي ومسألة اُصولية أو كلامية ، أو بمعنى الحلّية الواقعية قبل الشرع المستكشف بحكم العقل الحاكم بكون الأشياء على الإباحة ، وبملازمة حكم العقل والشرع ، ففي غاية البعد ; فإنّ ظواهر هذه الكلمات كون الإمام بصدد بيان الفتوى ورفع حاجة المكلّفين ، لا بيان مسألة اُصولية أو كلامية أو عقلية .

ولو فرض كونها بصدد بيان الحكم العقلي أو بيان التلازم يشكل إثباته بالرواية ; لعدم صحّة التعبّد في الأحكام العقلية أو ملازماتها ، كما لا يخفى .


(82)

الرواية التاسعة : صحيحة عبدالرحمان بن الحجّاج

ومن الروايات : صحيحة عبد الرحمان بن الحجّاج المنقولة في أبواب ما يحرم بالمصاهرة عن أبي إبراهيم ـ عليه السلام ـ قال : سألته عن الرجل يتزوّج المرأة في عدّتها بجهالة ، أهي ممّن لا تحلّ له أبداً ؟

فقال ـ عليه السلام ـ : «لا ، أمّا إذا كان بجهالة فليتزوّجها بعدما تنقضي عدّتها ، فقد يعذر الناس في الجهالة بما هو أعظم من ذلك» .

قلت : بأيّ الجهالتين أعذر ; بجهالة أنّ ذلك محرّم عليه أم بجهالة أنّها في العدّة ؟

قال ـ عليه السلام ـ : «إحدى الجهالتين أهون من الاُخرى ; الجهالة بأنّ الله تعالى حرّم عليه ذلك ; وذلك لأ نّه لا يقدر معها على الاحتياط» .

قلت : فهو في الاُخرى معذور ؟

قال ـ عليه السلام ـ : «نعم ، إذا انقضت عدّتها فهو معذور في أن يتزوّجها»(1) .

وجه الدلالة : أنّ التعبير بالأهونية في جواب الإمام وبالأعذرية لا يناسب الأحكام الوضعية ; فإنّ كون الجهل عذراً وموجباً لعدم التحريم الأبدي لا مراتب له ، فلابدّ من الحمل على الحكم التكليفي ; إذ هو الذي يتفاوت فيه بعض الأعذار ، ويكون بعضها أهون من بعض . فالغافل المرتكب للمحرّم أعذر من الجاهل الملتفت المرتكب له ; وإن كان ارتكابه بحكم أصل البراءة .


1 ـ الكافي 5 : 427 / 3 ، تهذيب الأحكام 7 : 306 / 1274 ، وسائل الشيعة 20 : 450 ، كتاب النكاح ، أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، الباب 17 ، الحديث 4 .


(83)

وعليه : فالرواية دالّة على كون الجهل مطلقاً عذراً في ارتكاب المحرّمات ; وإن كان الأعذار ذات مراتب ، والجهالات ذات درجات .

وأمّا ما عن بعض محقّقي العصر ـ قدس سره ـ من تقريب دلالتها بأنّ قوله ـ عليه السلام ـ : «فقد يعذر الناس بما هو أعظم» دالّ على معذورية الجاهل من حيث العقوبة عند الجهل ، الشامل بإطلاقه للمعذورية عن العقوبة والنكال الاُخروي(1) ، فضعيف جدّاً ; لأنّ قوله : «فقد يعذر» لا يستفاد منه الإطلاق ; لأنّ «قد» فيه للتقليل لا للتحقيق .

وعلى أيّ تقدير : التمسّك بها للمقام محلّ إشكال ; لأنّ التعليل بأنّه كان غير قادر على الاحتياط يجعلها مختصّة بالغافل ، وهو غير محلّ البحث . وإلغاء الخصوصية مع التفاوت الفاحش لا يمكن في المقام .

الرواية العاشرة : رواية «كلّ شيء فيه حلال وحرام . . .»

ومن الروايات : قوله ـ عليه السلام ـ : «كلّ شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتّى تعرف الحرام منه بعينه ، فتدعه» .

أقول : قد صدر هذه الكبرى عنهم ـ عليهم السلام ـ في عدّة روايات :

منها : في صحيحة عبدالله بن سنان المنقولة في أبواب ما يكتسب به ، عن أبي عبدالله ـ عليه السلام ـ : «كلّ شيء يكون فيه حرام وحلال فهو لك حلال حتّى تعرف الحرام منه بعينه ، فتدعه»(2) .


1 ـ نهاية الأفكار 3 : 231 .
2 ـ الفقيه 3 : 216 / 1002 ، وسائل الشيعة 17 : 87 ، كتاب التجارة ، أبواب ما يكتسب به ، الباب 4 ، الحديث 1 .


(84)

ومنها : رواية عبدالله بن سليمان عن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ المنقولة في الأطعمة المباحة ، بعد السؤال عن الجبن : «كلّ ما كان فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتّى تعرف الحرام بعينه ، فتدعه»(1) .

ومنها : ما رواه البرقي بسنده عن معاوية بن عمّار عن رجل من أصحابنا ، قال : كنت عند أبي جعفر فسأله رجل عن الجبن .

فقال أبو جعفر ـ عليه السلام ـ : «إنّه لطعام يعجبني ، وساُخبرك عن الجبن وغيره : كلّ شيء فيه الحلال والحرام فهو لك حلال حتّى تعرف أنّه حرام ، فتدعه بعينه»(2) .

ومنها : رواية عبدالله بن سليمان عن أبي عبدالله ـ عليه السلام ـ في الجبن ، قال : «كلّ شيء لك حلال حتّى يجيئك شاهدان يشهدان أنّ فيه ميتة»(3) .

ومنها : موثّقة مسعدة بن صدقة قال : سمعتـه يقول : «كـلّ شيء هـو لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام بعينه ، فتدعه من قبل نفسك ، وذلك مثل الثوب . . .»(4) إلى آخره .

هذه جملة من الروايات المذكورة فيها هـذه الكبرى مـع اختلاف يسير ،


1 ـ الكافي 6 : 339 / 1 ، وسائل الشيعة 25 : 117 ، كتاب الأطعمة والأشربة ، أبواب الأطعمة المباحة ، الباب 61 ، الحديث 1 .
2 ـ المحاسن : 496 / 601 ، وسائل الشيعة 25 : 119 ، كتاب الأطعمة والأشربة ، أبواب الأطعمة المباحة ، الباب 61 ، الحديث 7 .
3 ـ الكافي 6 : 339 / 2 ، وسائل الشيعة 25 : 118 ، كتاب الأطعمة والأشربة ، أبواب الأطعمة المباحة ، الباب 61 ، الحديث 2 .
4 ـ الكافي 5 : 313 / 40 ، وسائل الشيعة 17 : 89 ، كتاب التجارة ، أبواب ما يكتسب به ، الباب 4 ، الحديث 4 .


(85)

ومـا يظهر من الشيخ الأعظم من كون قوله ـ عليه السلام ـ : «كلّ شيء لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام» رواية مستقلّة غير هذه الروايات(1) فلم نقف عليه .

والظاهر : أنّ الكبرى المذكورة في رواية عبدالله بن سليمان عين ما ذكر في صحيحة ابن سنان ; لوحدة العبارة ; وإن كانت الاُولى مصدّرة بحكم الجبن ، فيكون الاُولى مختصّة بالشبهات الموضوعية ، ولأجل ذلك يشكل تعميم صحيحة ابن سنان على الحكمية .

أضف إلى ذلك قوله : «بعينه» و«منه» و«فيه» ومادّة العرفان المستعملة في الاُمور الجزئية ; فإنّ كلّ واحد من هذه الاُمور وإن كان في حدّ نفسه قابلاً للمناقشة ، إلاّ أنّ ملاحظة المجموع ربّما تصير قرينة على الاختصاص أو سلب الاعتماد بمثل هذا الإطلاق .

ومثل تلك الصحيحة موثّقة مسعدة بن صدقة ; فإنّ الأمثلة المذكورة فيها كلّها من الشبهات الموضوعية ، وفيها إشكالات ذكرها الشيخ الأعظم(2) وإن كان في بعض ما أجاب به تأمّل .


1 ـ فرائد الاُصول ، ضمن تراث الشيخ الأعظم 25 : 48 و 119 .
2 ـ نفس المصدر 25 : 120 .


(86)

الاستدلال بالإجماع والعقل على البراءة

أمّا الإجماع : فلا يفيد في المقام أصلاً ; لكون المسألة ممّا تظافرت به الأدلّة النقلية وحكم به العقل ، فمن القريب جدّاً أن يكون المدرك لإجماعهم هو تلك الأدلّة .

وأمّا دليل العقل : فلا إشكال أنّ العقل يحكم بقبح العقاب بلا بيان ـ أي بلا حجّة ـ وهذا حكم قطعي للعقل ، يرتفع موضوع ذاك الحكم بوصول البيان إلى المكلّف بالعنوان الأوّلي ، أو بإيجاب الاحتياط والتوقّف في الشبهات ، وهذا ممّا لا إشكال فيه .

ثمّ إنّه يظهر عن بعضهم : أنّه لا يحتاج الاُصولي إلى هذه الكبرى ; لأنّ الملاك في استحقاق عقوبة العبد في مخالفة مولاه هو عنوان الظلم ; فإنّ مخالفة ما قامت عليه الحجّة خروج عن رسم العبودية ، وهو ظلم من العبد إلى مولاه ، يستوجب العقوبة . وأمّا مع عدم قيام الحجّة فلا يكون ظالماً ، فلا يستحقّ العقوبة ، وهو كاف في المقام .

وأمّا كون العقاب بلا بيان قبيحاً فغير محتاج إليه فيما يرتأيه الاُصولي ; وإن كان في نفسه صحيحاً(1) .

أقول : إنّ العقل مستقلّ بوجوب إطاعة المنعم وقبح مخالفته واستحقاق المتخلّف للعقوبة ، وهذا الحكم ـ استحقاقه للعقوبة ـ ليس بمناط انطباق عنوان الظلم عليه ، بل العقل يستقلّ بهذا مع الغفلة عن الظلم . على أنّ كون مطلق المخالفة


1 ـ نهاية الدراية 4 : 84 ـ 85 .


(87)

ظلماً للمولى محلّ بحث وإشكال ، هذا أوّلاً .

وأمّا ثانياً : فلأنّ المرمي في المقام هو تحصيل المؤمّن عن العقاب ; حتّى يتسنّى له الارتكاب ، وهو لا يحصل إلاّ بالتمسّك بهذه الكبرى التي مآلها إلى قبح صدور العقاب من المولى الحكيم العادل .

وأمّا مجرّد دفع الاستحقاق بمناط أنّ الارتكاب ليس بظلم فلا يكفي في ذلك ; لأنّ دفع الاستحقاق عن ناحية الظلم وحصول الطمأنينة من تلك الناحية لا يصير مؤمّناً عن عامّة الجهات ما لم ينضمّ إليه الكبرى المذكورة .

وربّما يقال : إنّ مناط حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان واقعي غير مناط حكمه بقبح العقاب حتّى من غير بيان واصل إلى المكلّف ; فإنّه لم يحصل في الأوّل تفويت لمراد المولى ، ولم تتمّ مبادئ الإرادة الآمرية ، فلا مقتضى لاستحقاق العقاب . بخلاف الثاني ; فإنّ ملاك عدم الاستحقاق فيه عدم استناد فوت المطلوب إلى العبد(1) ، انتهى .

وفيه : أنّ ما ذكر من الفرق غير فارق ، ولا يتجاوز عن بيان خصوصية الموردين . وأمّا اختلافهما في المناط فلا يستفاد منه ، بل المناط فيهما واحـد ; وهـو قبح العقاب بلا حجّة ; سواء لم يكن بيان من رأس أو كان ولم يصل إليه .

فالعقاب في كلا القسمين عقاب بلا جهة ولا حجّة ، وكلاهما من مصاديق الظلم ، والمناط في كلا القسمين واحد ، كما لا يخفى .


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 365 ـ 366 .


(88)

جولة حول وجوب دفع الضرر المحتمل

ربّما يتوهّم : ورود حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل على الحكم العقلي المذكور من قبح العقاب بلا بيان ، بتوهّم : أنّ الأوّل بيان بلسانه ، فيصير العقاب مع البيان .

وهذا فاسد ; سواء اُريد من الضرر العقاب الاُخروي أو اُريد غيره :

أمّا الأوّل : فلأنّ من الواضح أنّ الكبرى بما هي هي لا ينتج شيئاً في عامّة الموارد ما لم ينضمّ إليه الصغرى ، فالعلم بوجوب دفع الضرر كالعلم بقبح العقاب بلا بيان لا ينتجان إلاّ إذا انضمّ إلى كلّ واحد صغراه .

فيقال في الاُولى : إنّ العقاب في ارتكاب محتمل الحرمة أو ترك محتمل الوجوب محتمل ، ويجب دفع الضرر المحتمل ; فينتج وجوب الاحتراز عن محتمل التكليف .

ويقال في الثانية : إنّ العقاب على محتمل التكليف بعد الفحص التامّ وعدم العثور عليه عقاب بلا بيان ، والعقاب بلا بيان قبيح ـ أي يمتنع صدوره عن المولى الحكيم العادل ـ فينتج : أنّ العقاب على محتمل التكليف ممتنع .

إذا عرفت ذلك فنقول : إنّ القياس الثاني مركّب من صغرى وجدانية وكبرى برهانية ، فالنتيجة المتحصّلة منهما قطعية بتّية .

وأمّا الأوّل : فالصغرى فيه ليست أمراً وجدانياً فعلية ، بل صحّة صغراه يتوقّف على اُمور ; إمّا تقصير العبد في الفحص عن تكاليفه ، أو كون المولى غير حكيم أو غير عادل ، أو كون العقاب بلا بيان أمراً غير قبيح . فلأجل واحد من هذه الاُمور يصير العقاب محتملاً ، والمفروض عدم تحقّق واحد منها .


(89)

فظهر : أنّ الصغرى في الثاني وجدانية قطعية فعلية ، أمّا الصغرى في الأوّل معلّقة على تحقّق واحد من هذه الاُمور ، والمفروض عدم تحقّقها . فهذا القياس تامّ فعلي غير معلّق على شيء ، وتمامية ذاك مبنية ومعلّقة على بطلان القواعد المسلّمة .

ولا شكّ عندئذ في حكومة القياس المنظّم من المقدّمات الفعلية على المتوقّف على اُمور لم يحصل واحد منها ; بمعنى أنّ القياس الثاني دافع لصغرى القياس الأوّل .

ولعلّه إلى ذلك ينظر كلمات القوم ، وإلاّ فظاهر كلماتهم من ورود إحدى الكبريين على الاُخرى غير صحيح ; فإنّ النزاع ليس بين الكبريين ، بل صحّتهما ممّا لا إشكال فيه ، وصدقهما لا يتوقّف على وجود مصداق لصغراهما ; إذ العقاب بلا بيان قبيح ـ كان بيان في العالم أو لا ـ كما أنّ دفع الضرر المحتمل واجب ـ كان الضرر محتملاً أو لا ـ فاحتمال الضرر في بعض الموضوعات وتحقّق البيان كذلك غير مربوط بحكم الكبريين وموضوعهما ، فلا يكون إحدى الكبريين واردة أو حاكمة على الاُخرى قطّ ، بل أحد القياسين بعد تمامية مقدّماته وجداناً أو برهاناً يدفع صغرى القياس الآخر بالبيان المتقدّم .

وأمّا الثاني ; أعني ما إذا اُريد من الضرر غير العقاب الاُخروي الموعود جـزاءً للأعمال :

فإن اُريد منه اللوازم القهرية للأعمال التي يعبّر عنه بتجسّم الأعمال وتجسّد الأفعال ، بتقريب أنّها ليست من العقوبات السياسية المجعولة ; حتّى يرتفع بحكم العقل ، بل صور غيبية لأفعال الإنسان ، وقد استدلّ أصحاب هذا الرأي بعدّة آيات وأخبار ظاهرة فيما قالوه(1) ، وعليه فلابدّ من دفع هذا الاحتمال :


1 ـ الأربعون حديثاً ، الشيخ البهائي : 401 ـ 402 و 473، الحكمة المتعالية 9 : 175 و290 .


(90)

فنقول : إنّ ما هو المقرّر عند أصحاب هذا القول : أنّ الأعمال التي تبقى آثارها في النفس هي الآثار الحسنة النورانية أو السيئة الظلمانية ، وأمّا مطلق الأعمال ممّا هي متصرّمة في عالم الطبع فلا يمكن تحقّقها في عالم آخر . ولا تكون تلك الأفعال موجبة لخلاّقية النفس صوراً غيبية تناسب تلك الأفعال .

وبالجملة : لوازم الأعمال هي الصور المتجسّدة بتبع فعّالية النفس إذا خرجت عن الجسد في البرازخ أو بعد الرجوع إليه في القيامة الكبرى . فالأفعال الطبيعية التي لم تورث في النفس صورة ، لا يمكن حشرها وتصوّرها في سائر العوالم . ومناط هذه التصوّرات هو الإطاعة والعصيان ، لا إتيان مطلق الأفعال .

وإن اُريد به الضرر الدنيوي ففيه : أنّ احتمال مطلق الضرر ـ ولو كان دنيوياً ـ غير واجبة الدفع ما لم يوجب احتمال العقاب .

فإن قلت : إنّ مع احتمال الضرر يحكم العقل بقبح الارتكاب ، وبالملازمة تثبت الحرمة .

قلت ـ مضافاً إلى أنّ ارتكاب الضرر ليس قبيحاً ، بل هو بلا داع عقلائي سفه ـ إنّ لازم ذلك البيان هو العلم بالتكليف في صورة احتماله ، فتأمّل .

فإن قلت : إنّ احتمال الضرر مستوجب لاحتمال القبح ، وهو مستلزم لاحتمال العقاب ، وقد علم وجوب دفعه .

قلت ـ مضافاً إلى ما أوردنا على الأوّل من أنّ ارتكاب الضرر بلا داع عقلائي سفه لا قبيح ، ومعه لا سفه ولا قبح ـ يرد عليه : أنّ الضرر بوجوده الواقعي لا يؤثّر في القبح ، بل على فرضه لابدّ من العلم به ، فالعلم به موضوع للقبح ، فمع احتمال الضرر لا يكون قبيحاً جزماً .

أضف إلى ذلك : أنّ الشبهة الموضوعية والوجوبية مشتركتان مع الشبهة


(91)

التحريمية في هذه التوالي المدّعـاة ، فلو كانت للأفعال لوازم قهريـة مؤذيـة لصاحبها لكان على الشارع الرؤوف الـرحيم إيجاب الاحتياط ; حتّى يصون صاحبها عن هذه اللوازم القهرية . فالترخيص فيهما إجماعاً بل ضرورة ، دليل على بطلان تلك المزعمة ، وأنّه ليس هاهنا ضرر اُخروي أو دنيوي واجب الدفع ، كما لا يخفى .

وأظنّ : أنّ هذا المقدار من الأدلّة كاف في إثبات البراءة الشرعية ، ولنعطف عنان الكلام إلى مقالة الأخباريين .


(92)


(93)

حول استدلال الأخباريّين على وجوب الاحتياط

قد استدلّوا بوجوه :

الاستدلال بالآيات

منها الآيات ; وهي على طوائف :

منها : ما دلّ على حرمة الإلقاء في التهلكة ، كقوله تعالى : (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)(1) .

وفيه : أنّ ملاحظة سياق الآيات يرشدنا إلى المرمي منه ; فإنّها نازلة في مورد الإنفاق للفقراء وسـدّ عيلتهم وأداء حـوائجهم بإعطاء الـزكاة والصدقات ; حتّى يتحفّظ بذلك نظم الاجتماع ، ويتوازن أعدال المجتمع ، ولا ينفصم عروة المعيشة لأرباب الأموال بالثورة على ذوي الثروة ; فإنّ في منعهم عـن حقّهم إلقاء لنفوسهم إلى التهلكة .

أو في مورد الإنفاق في سبيل الجهاد ; لأنّ في ترك الإنفاق مظنّة غلبة الخصم . إلى غير ذلك من محتملات .


1 ـ البقرة (2) : 195 .


(94)

وأمّا مورد الشبهة : فليس هاهنا أيّة هلكة ; لا اُخروية بمعنى العقاب لقيام الأدلّة على جواز الارتكاب ، ولا دنيوية ; إذ لا يكون في غالب مواردها هلكة دنيوية .

ومنها : ما دلّ على حرمة القول بغير علم ، كقوله تعالى : (وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ)(1) ، وقوله تعالى : (أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ)(2) .

وجه الدلالة : أنّ الحكم بجواز الارتكاب تقوّل بلا علم وافتراء عليه تعالى .

قال الشيخ الأعظم : ولا يرد ذلك على أهل الاحتياط ; لأ نّهم لا يحكمون بالحرمة ، بل يتركون لاحتمالها . وهذا بخلاف الارتكاب ; فإنّه لا يكون إلاّ بعد الحكم بالرخصة والعمل على الإباحة .

والظاهر منه : ارتضاؤه بهذا الفرق ; ولهذا أجاب عن الإشكال بأنّ فعل الشيء المشتبه حكمه ـ اتّكالاً على قبح العقاب بلا بيان ـ ليس من ذلك(3) .

وأنت خبير : بأنّ النزاع بين الأخباري والاُصولي في وجوب الاحتياط وعدمه لا في الترك وعدمه ; فالأخباري يدّعي وجوب الاحتياط ويحكم به ، والاُصـولي ينكر وجوبـه ويقول بالبراءة والإباحـة . فكلّ واحـد يـدّعي أمـراً ويقيم عليه أدلّة .

والجواب عن أصل الاستدلال : أنّه سيوافيك في مباحث الاستصحاب أنّ المراد من العلم واليقين في الكتاب والسنّة ـ إلاّ ما شذّ ـ هو الحجّة لا العلم


1 ـ النور (24) : 15 .
2 ـ الأعراف (7) : 29 .
3 ـ فرائد الاُصول ، ضمن تراث الشيخ الأعظم 25 : 62 ـ 63 .


(95)

الوجداني(1) ، والمنظور من الآيات هو حرمة الفتوى بلا حجّة والتقوّل بلا دليل من الكتاب والسنّة والعقل .

وعليه : فليس الاُصولي في قوله بالبراءة متقوّلاً بغير الدليل ; لما سمعت من الأدلّة المحكمة الواضحة .

ومن الآيات : ما دلّ على وجوب الاتّقاء حسب الاستطاعة والتورّع بمقدار القدرة ، مثل قوله سبحانه : (فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)(2) ، وقوله عزّ اسمه : (وَجاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهادِهِ . . .)(3) الآية ، وقوله عزّ شأنه : (اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ)(4) .

وأجاب عنه شيخنا العلاّمة ـ أعلى الله مقامه ـ بأنّ الاتّقاء يشمل المندوبات وترك المكروهات ، ولا إشكال في عدم وجوبهما . فيدور الأمر بين تقييد المادّة بغيرهما وبين التصرّف في الهيئة بحملها على إرادة مطلق الرجحان ; حتّى لا ينافي فعل المندوب وترك المكروه . ولا إشكال في عدم أولوية الأوّل ، إن لم نقل بأولوية الثاني ; من جهة كثرة استعمالها في غير الوجوب ; حتّى قيل : إنّه صار من المجازاة الراجحة المساوي احتمالها مع الحقيقة(5) ، انتهى .

وفيه أمّا أوّلاً : فإنّ شمول الاتّقاء لفعل المندوب وترك المكروه مورد منع ; فإنّ التقوى عبارة عن الاحتراز عمّا يوجب الضرر ، أو يحتمل في فعله أو تركه


1 ـ الاستصحاب ، الإمام الخميني ـ قدس سره ـ : 81 ـ 82 و 239 .
2 ـ التغابن (64) : 16 .
3 ـ الحجّ (22) : 78 .
4 ـ آل عمران (3) : 102 .
5 ـ درر الفوائد ، المحقّق الحائري : 429 .


(96)

الضرر ، وليس المندوب والمكروه بهذه المثابة . وأمّا شموله لمشتبه الحرمة أو الوجوب فلاحتمال الضرر في فعله أو تركه . ويشهد على المعنى المختار الاستعمالات الرائجة في الكتاب والسنّة .

وأمّا ثانياً : فلو سلّم كون استعمال الهيئة في غير الوجوب كثيراً ، إلاّ أنّ تقييد المادّة أكثر ، بل قلّما تجد إطلاقاً باقياً على إطلاقه ، وهذا بخلاف هيئة الأمر ; فهي مستعملة في الوجوب واللزوم في الكتاب والسنّة إلى ما شاء الله .

أضف إلى ذلك : أنّ ترجيح التصرّف في الهيئة على التصرّف في المادّة يوجب تأسيس فقه جديد ، ولا أظنّ أنّه ـ قدس سره ـ كان عاملاً بهذه الطريقة في الفروع الفقهية ; وإن تكرّر منه القول بترجيح التصرّف في الهيئة على المادّة في مجلس درسه .

نعم ، يتعيّن في المقام التصرّف في الهيئـة دون المادّة ، لا لكون ذلك قاعـدة كلّية ، بل لخصوصيـة في المقام ; لأنّ الآيـة شاملـة للشبهات الموضوعية والوجوبية الحكمية . ولو حملنا الآية على الوجوب بلا تصرّف في مفاد الهيئة يستلزم تقييد الآية وإخراج بعض الأقسام ، مع أنّ لسانها آبية عن التقييد . بل التقييد يعدّ أمراً بشيعاً .

وكيف يقبل الطبع أن يقال : اتّقوا الله حقّ تقاته إلاّ في مورد كذا وكذا ؟ فلا مناص عن التصرّف في مفاد الهيئة بحمل الطلب على مطلق الرجحان حتّى يتمّ إطلاقها ، ولا يرد عليها تقييد أو تخصيص . وليس الاُصولي منكراً لرجحان الاحتياط أبداً .

أضف إلى ذلك : أنّ الآيات شاملة للمحرّمات والواجبات المعلومة ، ولا إشكال في امتناع تعلّق الأمر التعبّدي بوجوب إطاعتهما ، فيجب حمل الأوامر فيها على الإرشاد ، فتصير تابعة للمرشد إليه .


(97)

فلو حكم العقل أو ثبت وجوبه أو حرمته يتعيّن العمل على طبق المرشد إليه ، وإن لم يثبت وجوبه أو حرمته أو ثبت خلافه لابدّ من العمل أيضاً على طبقه .

الاستدلال على وجوب الاحتياط بالسنّة

وهي على طوائف :

الطائفة الاُولى : ما دلّ على حرمة القول أو الإفتاء بغير علم(1) .

وقد أوضحنا المراد من تلك الطائفة عند البحث عن الآيات الدالّة على حرمة القول بغير علم ، فراجع .

الطائفة الثانية : ما دلّت على الردّ على الله ورسوله والأئمّة من بعده ، وإليك نماذج من تلك الطائفة :

منها : رواية حمزة الطيّار : أنّه عرض على أبي عبدالله ـ عليه السلام ـ بعض خطب أبيه ; حتّى إذا بلغ موضعاً ، منها : قال له : «كفّ واسكت» ، ثمّ قال أبو عبدالله ـ عليه السلام ـ : «إنّه لا يسعكم فيما ينزل بكم ممّا لا تعلمون إلاّ الكفّ عنه والتثبّت والردّ إلى أئمّة الهدى حتّى يحملوكم فيه على القصد ، ويجلو عنكم فيه العمى ، ويعرّفوكم فيه الحقّ ، قال الله تعالى (فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)(2) »(3) .

وفيه : أنّ الظاهر من الأمر بالكفّ اشتمال الخطبة على المطالب الاعتقادية ،


1 ـ راجع وسائل الشيعة 27 : 20 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 4 ، الحديث 1 و2 و3 و5 و9 و10 و14 و29 و30 .
2 ـ النحل (16) : 43 .
3 ـ الكافي 1 : 50 / 10 ، وسائل الشيعة 27 : 155 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 12 ، الحديث 3 .


(98)

فإذن النهي راجع إلى التقوّل فيها بلا رجوع إلى أهل الذكر . ولو سلّم كونها أعمّ من الاعتقادية فالنهي حقيقة راجع إلى الإفتاء فيها بلا رجوع إلى أهل الذكر ، فلا ترتبط بالمقام ; فإنّ الاُصولي إنّما أفتى بالبراءة بعد الرجوع إلى الكتاب والسنّة .

ومنها : رواية جميل بن صالح عن الصادق ـ عليه السلام ـ قال : «قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في كلام طويل» إلى أن قال : «وأمر اختلف فيه ، فردّه إلى الله»(1) .

ومنها : رواية الميثمي عن الرضا ـ عليه السلام ـ في اختلاف الأحاديث ، قال : «وما لم تجدوه في شيء من هذه الوجوه فردّوا إلينا علمه فنحن أولى بذلك ، ولا تقولوا فيه بآرائكم ، وعليكم بالكفّ والتثبّت والوقوف ، وأنتم طالبون باحثون حتّى يأتيكم البيان من عندنا»(2) .

ومنها : رواية سليم بن قيس الهلالي في كتابه : أنّ علي بن الحسين ـ عليه السلام ـ قال لأبان بن أبي عيّاش : «يا أخا عبد قيس ، إن وضح لك أمر فاقبله ، وإلاّ فاسكت تسلم ، وردّ علمه إلى الله فإنّك أوسع ممّا بين السماء والأرض»(3) .

ومنها : رواية جابر عن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ في وصية له لأصحابه ، قال : «إذا اشتبه الأمر عليكم فقفوا عنده وردّوه إلينا حتّى نشرح لكم من ذلك ما شرح لنا»(4) .


1 ـ الفقيه 4 : 285 / 854 ، وسائل الشيعة 27 : 162 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 12 ، الحديث 28 .
2 ـ عيون أخبار الرضا ـ عليه السلام ـ 2 : 20 / 45 ، وسائل الشيعة 27 : 115 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 9 ، الحديث 21 .
3 ـ كتاب سليم بن قيس : 67 ، وسائل الشيعة 27 : 166 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 12 ، الحديث 40 .
4 ـ الأمالي ، الشيخ الطوسي : 231 / 2 ، وسائل الشيعة 27 : 168 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 12 ، الحديث 48 .


(99)

ومنها : رواية عبدالله بن جندب عن الرضا ـ عليه السلام ـ في حديث : «إنّ هؤلاء القوم سنح لهم شيطان اغترّهم بالشبهة ، ولبّس عليهم أمر دينهم» إلى أن قال : «والواجب لهم من ذلك الوقوف عند التحيّر ، وردّ ما جهلوه من ذلك إلى عالمه ومستنبطه»(1) .

والجواب عن الكلّ : بأنّ شيئاً منها غير مربوط بالمقام ، بل إمّا مربوط بالتقوّل بلا رجوع إلى أئمّة الدين ، أو مربوط بالفتوى بالآراء والأهواء ، من غير الرجوع إليهم . والاُصولي لا يفتي في أيّة واقعة من دون الرجوع إلى أئمّة الحقّ .

وبالجملة : أدلّة الحلّ مستندة للاُصولي في الفتوى بالحكم الظاهري ، وأدلّة البراءة المؤيّدة بحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان مستند له في الفتوى بعدم وجوب الاحتياط ، فتلك الأدلّة واردة على تلك الروايات .

الطائفة الثالثة : ما دلّ على التوقّف بلا تعليل :

منها : مرسلة موسى بن بكر ، قال أبو جعفر لزيد بن علي : «إنّ الله أحلّ حلالاً وحرّم حراماً» إلى أن قال : «فإن كنت على بيّنة من ربّك ويقين من أمرك وتبيان من شأنك فشأنك ، وإلاّ فلا ترومنّ أمراً»(2) .

ومنها : رواية زرارة عن أبي عبدالله ـ عليه السلام ـ : «لو أنّ العباد إذا جهلوا وقفوا ولم يجحدوا لم يكفروا»(3) .


1 ـ تفسير العياشي 1 : 260 / 206 ، وسائل الشيعة 27 : 171 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 12 ، الحديث 56 .
2 ـ الكافي 1 : 356 / 16 ، وسائل الشيعة 27 : 157 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 12 ، الحديث 10 .
3 ـ الكافي 2 : 388 / 19 ، وسائل الشيعة 27 : 158 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 12 ، الحديث 11 .


(100)

وفيه : أنّ الرواية ناظرة إلى الإنكار بلا دليل وستر الحقّ بلا جهة ، وأين هي من الدلالة على ردّ البراءة المستفادة من الكتاب والسنّة ؟ ! وهذه الرواية مربوطة بالاُصول وشبهات أهل الضلال .

ومنها : كتاب أمير المؤمنين ـ عليه السلام ـ إلى عثمان بن حنيف : «فانظر إلى ما تقضمه من هذا المقضم ، فما اشتبه عليك علمه فالفظه ، وما أيقنت بطيب وجوهه فنل منه»(1) .

وفيه : أنّهاراجعة إلى الشبهة الموضوعية ،كماهوغيرخفي على من لاحظ الكتاب .

ومنها : كتابه إلى مالك الأشتر : «اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ممّن لا تضيق به الاُمور» إلى أن قال «أوقفهم في الشبهات وآخذهم بالحجج وأقلّهم تبرّماً بمراجعة الخصم وأصبرهم على تكشّف الاُمور»(2) .

وفيه : أنّه راجع إلى أدب القاضي في المرافعات التي لا تخرج عن حدود الشبهة الموضوعية ، فكيف يستدلّ على المقام ؟ مع أنّه سوف يوافيك عن الجميع جواباً آخر ، فانتظر .

ومنها : خطبة منه ـ عليه السلام ـ : «فيا عجبا ، وما لي لا أعجب من خطأ هذه الفرق على اختلاف حججها في دينها ، لا يقتفون أثر نبي ، ولا يقتدون بعمل وصي» إلى أن قال : «يعملون في الشبهات»(3) .


1 ـ نهج البلاغة : 416 ـ 417 ، وسائل الشيعة 27 : 159 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 12 ، الحديث 17 .
2 ـ نهج البلاغة : 434 ، وسائل الشيعة 27 : 159 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 12 ، الحديث 18 .
3 ـ نهج البلاغة : 121 ، وسائل الشيعة 27 : 160 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 12 ، الحديث 20 .


(101)

وفيه : أنّها راجعة إلى المارقين أو القاسطين من الطغاة الخارجين عن بيعته ، المحاربين لإمام عصرهم .

ومنها : وصيته ـ عليه السلام ـ لابنه الحسن ـ عليه السلام ـ : «يا بنيّ دع القول فيما لا تعرف»(1) .

ومنها : وصية اُخرى له : «لا تخرج عن حدود الاُولى»(2) .

وملخّص الجواب عن هذه الطائفة ـ مع ما عرفت من المناقشة في أكثرها ـ أنّها ممّا تلوح منها الاستحباب ; فإنّ كلمات الأئمّة ـ لاسيّما أميرالمؤمنين ـ عليه السلام ـ ـ مشحونة بالترغيب إلى الاجتناب عن الشبهات .

وبهذه الطائفة تفسّر الروايات التي يستشمّ منها الوجـوب ، مثل ما رواه الشهيد في «الذكرى» ، قال : قال النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»(3) ، مـع احتمال أن يكـون المراد منـه ردّ ما يريبك ـ أي المشتبـه ـ إلى غيره حتّى يتّضح معناه .

وفي وزان ما تقدّم من تلك الطائفة قوله ـ عليه السلام ـ : «أورع الناس من وقف عند الشبهة»(4) ، وقوله ـ عليه السلام ـ : «لا ورع كالوقوف عند الشبهة»(5) ; فإنّ الروايتين وما


1 ـ نهج البلاغة : 392 ، وسائل الشيعة 27 : 160 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 12 ، الحديث 21 .
2 ـ راجع وسائل الشيعة 27 : 167 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 12 ، الحديث 47 .
3 ـ ذكرى الشيعة 2 : 444 ، وسائل الشيعة 27 : 173 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 12 ، الحديث 63 .
4 ـ الخصال : 16 / 56 ، وسائل الشيعة 27 : 165 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 12 ، الحديث 38 .
5 ـ نهج البلاغة : 488 ، وسائل الشيعة 27 : 161 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 12 ، الحديث 23 .


(102)

قارنهما من الروايات في المعنى أقوى شاهد على الحمل على الاستحباب .

الطائفة الرابعة : أخبار التثليث :

منها : رواية النعمان بـن بشير ، قال : سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ يقول : «إنّ لكلّ ملك حمى ، وإنّ حمى الله حلاله وحرامه ، والمشتبهات بين ذلك ، كما لو أنّ راعياً رعى إلى جانب الحمى لم يثبت غنمه أن تقع في وسطه ، فدعوا المشتبهات»(1) .

ومنها : رواية سلام بن المستنير عن أبي جعفر الباقر ـ عليه السلام ـ قال : «قال جدّي رسول الله : أيّها الناس حلالي حلال إلى يوم القيامة ، وحرامي حرام إلى يوم القيامة» إلى أن قال : «وبينهما شبهات من الشيطان وبدع بعدي ، من تركها صلح له أمر دينه ، وصلحت له مروّته وعرضه ، ومن تلبّس بها وقع فيها واتبعها كان كمن رعى غنمه قرب الحمى ، ومن رعى ماشيته قرب الحمى نازعته نفسه إلى أن يرعاها في الحمى»(2) .

أقول : هذه الروايات صريحة في الاستحباب ; ضرورة أنّ الرعي حول الحمى لم يكن ممنوعاً ، غير أنّ الرعي حوله ربّما تستوجب الرعي في نفس الحمى ، فهكذا الشبهات ; فإنّها ليست محرّمة ، غير أنّ التعوّد بها كالتعوّد بالمكروهات ربّما يوجب تجرّي النفس وجسارته لارتكاب المحرّمات ، بل في هذه الروايات شهادة على التصرّف في غيرها ، لو سلّمت دلالتها .


1 ـ الأمالي ، الشيخ الطوسي : 381 / 69 ، وسائل الشيعة 27 : 167 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 12 ، الحديث 45 .
2 ـ كنز الفوائد 1 : 352 ، وسائل الشيعة 27 : 169 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 12 ، الحديث 52 .


(103)

الطائفة الخامسة : ما دلّ على التوقّف ; معلّلاً بأنّ الوقوف عند الشبهات خيرٌ من الاقتحام في الهلكات ، كما عن السكوني عن جعفر عن أبيه عن علي ـ عليهم السلام ـ قال : «الوقوف في الشبهة خيرٌ من الاقتحام في الهلكة»(1) ، وفي رواية جميل بن درّاج عن أبي عبدالله ـ عليه السلام ـ : «الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة ، إنّ على كلّ حقّ حقيقة وعلى كلّ صواب نوراً ، فما وافق كتاب الله فخذوه ، وما خالف كتاب الله فدعوه»(2) .

ولا يقصر عنها مقبولة عمر بن حنظلة التي سيوافيك بطولها في التعادل والترجيح(3) ، وفيها بعد ذكر المرجّحات : «إذا كان كذلك فارجه حتّى تلقى إمامك ; فإنّ الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات»(4) .

وإليك الجواب : إنّ في تلك الروايات آثار الإرشاد ; ولو كان فيها ما يتوهّم فيه الدلالة على الوجوب يجب التصرّف فيه بالشواهد التي في غيرها ، بل الظاهر عدم استعمال هذا التعليل في شيء من الموارد في الوجوب ; وإن ذهب الشيخ(5) ـ وتبعه غيره(6) ـ إلى استعماله في رواية جميل والمقبولة في الوجوب ، لكنّه غير


1 ـ تفسير العياشي 1 : 8 / 2 ، المحاسن : 215 / 102 ، وسائل الشيعة 27 : 171 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 12 ، الحديث 57 .
2 ـ نقله عن الراوندي في وسائل الشيعة 27 : 119 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 9 ، الحديث 35 .
3 ـ التعادل والترجيح ، الإمام الخميني ـ قدس سره ـ : 169 .
4 ـ الكافي 1 : 67 / 10 ، وسائل الشيعة 27 : 106 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 9 ، الحديث 1 .
5 ـ فرائد الاُصول ، ضمن تراث الشيخ الأعظم 25 : 64 ـ 65 .
6 ـ كفاية الاُصول : 392 .


(104)

تامّ ; فإنّ الكبرى المذكورة في رواية جميل بن درّاج ـ أعني قوله : «الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة» ـ لا تنطبق على ما ذكره بعده ـ أعني قوله : «وما خالف كتاب الله فدعوه» ـ لأنّ مخالف الكتاب ليس ممّا يجب فيه الوقف أو يستحبّ فيه التوقّف ، بل يجب طرحه وسلب إسناده إلى الأئمّة ـ عليهم السلام ـ .

وحينئذ : فلابدّ أن تحمل الكبرى المذكورة على غير هذا المورد ، بل تحمل على الأخبار التي ليس مضامينها في القرآن ; لا على نحو العموم ولا الخصوص . ولو لم تحمل على هذا فلابدّ أن تحمل إمّا على الموافق للقرآن أو مخالفه صريحاً ، وكلاهما خارجان عنها : أمّا الموافق فيجب الأخذ به ، وأمّا المخالف فيجب طرحه لا التوقّف فيه .

فانحصر حمله على الروايات التي لا تخالف القرآن ولا توافقه . وعلى هذا فلو حملنا الأمر بالوقوف على الاستحباب في مورد الشبهة ثبت المطلوب ، وإن حملناه على الوجوب فلا تجد له قائلاً ; فإنّ الأخباري والاُصولي سيّان في العمل بالأخبار التي لا تخالف القرآن ولا توافقه ، ولم يقل أحد بوجوب الوقوف أصلاً ; وإن كان التوقّف والعمل على طبق الاحتياط أولى وأحسن .

وأمّا المقبولة فسيوافيك الكلام في مفادها عند نقل الروايات الواردة في مرجّحات الأخبار عند التعارض(1) ، وما نذكره هنا قليل من كثير ، فنقول : بعدما فرض الراوي تساوي الحكمين في العدالة ، وكونهما مرضيين عند أصحابنا لا يفضل واحد منهما على الآخر قال ـ عليه السلام ـ : «ينظر إلى ما كان من روايتهم عنّا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه بين أصحابك ، فيؤخذ به من حكمهما(2) ، ويترك الشاذّ الذي


1 ـ التعادل والترجيح ، الإمام الخميني ـ قدس سره ـ : 169 .
2 ـ كما في الاحتجاج والمستدرك .


(105)

ليس بمشهور عند أصحابك ; فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه ، وإنّما الاُمور ثلاثة : أمر بيّن رشده فيتّبع ، وأمر بيّن غيّه فيجتنب ، وأمر مشكل يردّ حكمه إلى الله . . .»(1) إلى آخره .

وحاصل الجواب : هو إرجاع الراوي عند تساوي الحكمين إلى النظر في مدرك الحكمين ، فما كان مجمعاً عليه بين الأصحاب يؤخذ به ; لكونه لا ريب فيه ، وما كان شاذّاً متروكاً لا يعمل به ويترك .

وعليه : فليس المراد من الشهرة في المقام هو الشهرة الروائية المجرّدة بين أصحاب الجوامع والحديث وإن لم يكن مورداً للفتوى بينهم ; إذ أيّ ريب ووهن أولى وأقوى من نقل الحديث وعدم الإفتاء بمضمونه ; فإنّ هذا يوجب وهناً في الرواية بما لا يسدّ بشيء .

بل المراد هو الشهرة الفتوائية ; بأن يكون الرواية مورداً للفتوى ، وقد اعتمد عليه أكابر القوم من المحدّثين والفقهاء ; مذعنين بمضمونه . وهذا هو الذي يجعل الرواية ممّا لا ريب فيه ; لأنّ أهل البيت أدرى بما في البيت ، كما تجعل تلك الشهرة ما يقابلها من الرواية الشاذّة ممّا لا ريب في بطلانها .

وبذلك تقف على أنّ الرواية المشهورة بالمعنى المختار داخلة في الاُمور التي هي بيّن الرشد ، كما أنّ الشاذّة ممّا هي بيّن الغيّ ; لكون المشهور ممّا لا ريب فيه ، كما أنّ الشاذّ ممّا لا ريب في بطلانه ، فيدخل كلّ فيما يناسبه .

واحتمال أنّ الشاذّ ممّا فيه ريب لا ممّا لا ريب في بطلانه ، فلا يدخل تحت


1 ـ الكافي 1 : 67 / 10 ، الاحتجاج 2 : 260 / 232 ، وسائل الشيعة 27 : 106 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 9 ، الحديث 1 ، مستدرك الوسائل 17 : 302 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 9 ، الحديث 1 .


(106)

بيّن الغيّ ، بل يكون مثالاً للأمر المشكل الذي يردّ حكمه إلى الله ، مدفوع بأنّ لازم كون إحدى الروايتين المتضادّتين ممّا لا ريب في صحّتها كون الاُخرى ممّا لا ريب في بطلانها ; ضرورة عدم إمكان كون خبرين مخالفين : أحدهما لا ريب فيه ، والآخر ممّا فيه ريب ويعدّ مشتبهاً .

فإنّ وجوب صلاة الجمعة إذا كان ممّا لا ريب فيه فلا يمكن أن يكون عدم وجوبها ممّا فيه ريب ، بل لا ريب في بطلانه وفساده ; لأنّ الحقّ واحد ليس غير .

وعلى ذلك : فلم يذكر الإمام ـ عليه السلام ـ مثالاً للأمر المشكل الذي ذكره عند تثليث الاُمور ، لكن يعلم من التدبّر فيما سبق من المثالين ; فإنّ غير المجمع عليه وغير الشاذّ من الاُمور هو المشكل الذي يردّ حكمه إلى الله ورسوله ، وهذا هو الذي عبّر عنه الإمام ـ عليه السلام ـ في رواية جميل بن صالح بأمر اختلف فيه ; حيث نقل الراوي عن الصادق ـ عليه السلام ـ عن آبائه ـ عليهم السلام ـ أنّه : «قال رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ : الاُمـور ثلاثـة : أمـر تبيّن لك رشده فاتّبعـه ، وأمـر تبيّن لك غيّه فاجتنبه ، وأمـر اختلف فيه فردّه إلى الله عزّوجلّ»(1) .

لا يقال : لو كان المراد من الشهرة هي الفتوائية ـ أعني الفتوى على طبقها ـ فما معنى قول الراوي بعد الفقرات الماضية قال : قلت فإن كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم . قال : «ينظر ما وافق حكمه حكم الكتاب والسنّة . . .» إلى آخـره ; إذ لا معنى لكون كلّ واحـد مـن الخبريـن مشهوراً مجمعاً عليه بحسب الفتوى ; فإنّ كـون أحـدهما مجمعاً عليه يستلزم اتّصاف الآخـر بالشذوذ والندرة .


1 ـ الفقيه 4 : 285 / 854 ، وسائل الشيعة 27 : 162 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 12 ، الحديث 28 .


(107)

وهذا بخلاف ما إذا حملناها على الشهرة الروائية ، فيمكن أن يكون كلّ واحد مشهوراً حسب النقل ، بل نقلهما الثقات وأصحاب الجوامع ; وإن لم يكن الفتوى إلاّ على طبق واحد منهما .

لأ نّا نقول : إنّ المراد من المجمع عليه هو مقابل الشاذّ النادر ممّا يطلق عليه «المجمع عليه» عرفاً .

وبذلك يتّضح معنى قوله : «فإن كان الخبران عنكم مشهورين . . .» إلى آخره ; لإمكان اشتهار فتوائين بين الأصحاب ، لكن لا بمعنى كون أحدهما شاذّاً نادراً ، بل بعد عرفان حكم المشهور والشاذّ ، أنّ إحدى الروايتين ليست نادرة بحسب الفتوى ، بل مساوية مع صاحبها في أنّ كليهما مورد فتوى لجمع كثير منهم ، وأنّ الحكمين معروفان بينهم ، هذا فقه الحديث .

وأمّا عدم دلالته على مدّعى الأخباريين : فلما علم أنّ المراد من الأمر المشكل الذي أمر فيه بالردّ إلى الله ورسوله هو القسم الثالث الذي ليس بمجمع عليه ولا شاذّ ، بل ممّا اختلف فيه الرأي .

ولا أظـنّ أنّ الأخباري ممّن يلتزم فيه بوجـوب التوقّف والـردّ إلى الله تعالى ; فإنّ الأخباري لا يجتنب عـن الرأي والإفتاء في المسائل التي اختلفت فيها كلمـة الأصحاب ، بل نراه ذات رأي ونظر في هـذه المسائل ، مـن دون أن يتوقّف ويردّ حكمها إلى الله ورسوله ; وإن كان الأرجح عقلاً هو التوقّف والاحتياط فيما ليس بيّن الرشد المجمع عليه ، ولا بيّن الغيّ الشاذّ النادر ، وإرجاع الأمر فيه إلى الله .

وبما ذكرنا يظهر : حال التثليث الواقع في كلام رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ; حيث استشهد الإمام به ; حيث قال : «حلال بيّن وحرام بيّن وشبهات بين ذلك ، فمن


(108)

اجتنب الشبهات نجى عن المحرّمات . . .»(1) إلى آخره ; فإنّ الحلال البيّن والحرام البيّن ما اجتمعت الاُمّة على حلّيته وحرمته ، والمشتبه ليس كذلك ، فهي ممّا يترجّح فيه الاحتياط بالاجتناب .

ويشهد على أنّ الاحتياط ممّا هو راجح في المقام تعليله ـ عليه السلام ـ بأنّ الأخذ بالشبهات أخذ بالمحرّمات ; بمعنى أنّ النفس مهما تعوّدت على ارتكاب المشتبه فلا محالة تحصل فيه جرأة الارتكاب بالمحرّمات ، فارتكاب الشبهات مظنّة الوقوع في المحرّمات والهلاك من حيث لا يعلم سرّه .

وما أحسن وأبلغ قوله ـ عليه السلام ـ في بعض الروايات ; حيث شبّه مرتكب الشبهات بالراعي حول الحمى لا يطمئنّ عن هجوم القطيعة على نفس الحمى(2) ، وإلاّ فالرعاية حول الحمى من دون تجاوز إليه ليس أمراً محرّماً بلا إشكال .

وبذلك يظهر : أنّ مفاد قوله ـ عليه السلام ـ في آخر المقبولة : «فارجه حتّى تلقى إمـامك» هـو الرجحان والاستحباب ; لصيرورة الصـدر قـرينة على الـذيل ، كما هـو واضح .

ولو سلّم ظهوره في الوجوب يقع التعارض بينه وبين ما دلّ على التخيير في الخبرين المتعارضين ، كرواية ابن جهم(3) والحارث بن مغيرة(4) ، والجمع العرفي


1 ـ الكافي 1 : 67 / 10 ، وسائل الشيعة 27 : 157 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 12 ، الحديث 9 .
2 ـ وسائل الشيعة 27 : 167 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 12 ، الحديث 45 .
3 ـ الاحتجاج 2 : 264 / 233 ، وسائل الشيعة 27 : 121 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 9 ، الحديث 40 .
4 ـ الاحتجاج 2 : 264 / 234 ، وسائل الشيعة 27 : 122 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 9 ، الحديث 41 .


(109)

يقتضي حمل الأمر على الاستحباب ; تحكيماً للنصّ على الظاهر ، مع ما مرّ من القرائن المتقدّمة وغيرها ممّا سيوافيك بيانه في التعادل والترجيح(1) .

ولو أغمضنا النظر عن كلّ ما ذكر فالأمر دائر بين حمل الأمر على الاستحباب أو تخصيص قوله : «الوقوف عند الشبهات» بالشبهة الموضوعية . ولا إشكال أنّ الأوّل هـو المتعيّن ; لإباء الكبرى المذكورة عـن التخصيص ، كما تقدّم بيانه(2) .

وأمّا ما أفاده شيخنا العلاّمة من ترجيح حمل الأمر على الاستحباب ; معلّلاً بأنّ التصرّف في الهيئة أهون من التصرّف في المادّة فقد مرّ عدم وجاهته(3) .

فتبيّن ممّا ذكرنا : عدم دلالة هذه الطائفة من الأخبار على مقالة الأخباريين .

الطائفة السادسة : ما دلّت على الاحتياط ، وإليك نبذ من تلك الطائفة :

منها : صحيحة عبد الرحمان بن الحجّاج ، قال : سألت أبا الحسن ـ عليه السلام ـ عن رجلين أصابا صيداً ، وهما محرمان ، الجزاء بينهما أو على كلّ واحد منهما جزاء ؟

قال : «لا ، بل عليهما أن يجزي كلّ واحد منهما جزاء الصيد» . فقلت : إنّ بعض أصحابنا سألني من ذلك ، فلم أدر ما عليه . قال : «إذا أصبتم بمثل هذا فلم تدروا فعليكم الاحتياط حتّى تسألوا عنه فتعلموا»(4) .

قلت : الاحتمالات في الرواية كثيرة ; لأنّ قوله : «إذا أصبتم بمثل هذا» إمّا


1 ـ التعادل والترجيح ، الإمام الخميني ـ قدس سره ـ : 135 .
2 ـ تقدّم في الصفحة 96 .
3 ـ تقدّم في الصفحة 96 .
4 ـ الكافي 4 : 391 / 1 ، وسائل الشيعة 27 : 154 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 12 ، الحديث 1 .


(110)

إشارة إلى حكم الواقعة ، أو إلى نفس الواقعة . وعلى كلا الفرضين : فإمّا أن يراد من المثل مطلق المماثلة ، أو المماثل في كون الشبهة وجوبية مطلقاً أو كونها وجوبية دائرة بين الأقلّ والأكثر الاستقلاليين ـ إن قلنا بلزوم القيمة في جزاء الصيد ـ أو الارتباطيين ، بناءً على وجوب البدنة ، فمع هذه الاحتمالات يستدلّ بها على لزوم الاحتياط في خصوص الشبهة التحريمية مع كونها بمراحل عن مورد الرواية ؟ !

ثمّ إنّه لو قلنا بكون المشار إليه هو حكم الواقعة : إمّا أن يراد من قوله : «فعليكم الاحتياط» الاحتياط في الفتوى ، أو الفتوى بالاحتياط ، أو الفتوى بالطرف الذي هو موافق للاحتياط .

ومع ذلك فبما أنّه ـ عليه السلام ـ ذيّل قوله : «فعليكم الاحتياط» بعد قوله : «فلم تدروا» ، بقوله : «حتّى تسألوا عنه فتعلموا» فالمتبادر من الأمر بالاحتياط هو الاحتياط في الفتوى وعدم التقوّل على الله تعالى . ولأجل ذلك يترجّح حمل الرواية على الفتوى قبل الفحص مع إمكان التفحّص عن مورده ، كما هو مفروضها .

ودلالتها على مقالة الأخباري يتوقّف على حملها على مطلق الشبهات ; تحريمية أو وجوبية ، ثمّ إخراج الوجوبية منها لقيام الإجماع على عدم وجوب الاحتياط فيها ، مع أنّه من قبيل إخراج المورد المستهجن ، كما لا يخفى .

ومنها : رواية عبدالله بن وضّاح قال : كتبت إلى العبد الصالح : يتوارى عنّا القرص ويقبل الليل ويزيد الليل ارتفاعاً ويستتر عنّا الشمس ويرتفع فوق الجبل حمرة ويؤذّن عندنا المؤذّنون فاُصلّي حينئذ وأفطر إن كنت صائماً ، أو أنتظر حتّى تذهب الحمرة التي فوق الجبل ؟

فكتب : «أرى لك أن تنتظر حتّى تذهب الحمرة ، وتأخذ بالحائطة لدينك»(1) .


1 ـ تهذيب الأحكام 2 : 295 / 1031 ، وسائل الشيعة 4 : 176 ، كتاب الصلاة ، أبواب المواقيت ، الباب 16 ، الحديث 14 .


(111)

ووصفها الشيخ الأعظم بالموثّقة(1) ، مع اشتمال سنده على سليمان بن داود ، المردّد بين الخفاف والمروزي المجهولين ، والمنقري الذي وثّقه النجاشي(2) ، والمظنون أنّه المنقري .

وعلى أيّ حال : فالظاهر أنّ السؤال عن الحمرة المشرقية ; إذ هي التي ترتفع فوق الجبل ، وأمّا المغربية فلا ترتفع ، بل تنخفض إلى أن ينتهي إلى فوق الجبل .

وعلى ذلك : فالرواية واردة مورد التقيّة ; فإنّ المشهور هو لزوم زوال الحمرة المشرقية فتوى ودليلاً . وعليه : فالأمر بالانتظار والأخذ بالحائط للدين لأجل إفادة الحكم الواقعي بهذه العبارة ، وعلى ذلك : فلا يدلّ على لزوم الاحتياط مطلقاً وفي عامّة الشبهات ، كما لا يخفى .

وبقي في المقام روايات كثيرة تلوح منها الاستحباب ، كقوله ـ عليه السلام ـ : «أخوك دينك فاحتط لدينك»(3) ، وقس عليه كلّ ما مررت عليه ; فإنّ مفادها الاستحباب بلا إشكال .

الاستدلال على وجوب الاحتياط بالدليل العقلي (العلم الإجمالي)

استدلّ الأخباري على لزوم الاحتياط بالعلم الإجمالي(4) ; قائلاً بأنّا نعلم بوجود محرّمات كثيرة في الشريعة الغرّاء ، فيجب علينا الخروج عن تبعاتها ،


1 ـ فرائد الاُصول ، ضمن تراث الشيخ الأعظم 25 : 76 .
2 ـ رجال النجاشي : 184 / 488 .
3 ـ الأمالي ، الشيخ الطوسي : 110 / 22 ، وسائل الشيعة 27 : 167 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 12 ، الحديث 46 .
4 ـ الفوائد الطوسية : 507 ، اُنظر فرائد الاُصول ، ضمن تراث الشيخ الأعظم 25 : 87 .


(112)

ولا يحصل إلاّ بترك كلّ ما علم حرمته أو شكّ فيها ; حتّى يحصل العلم القطعي بالامتثال ، أو يرد من الشارع الترخيص ، ومعه يحصل الأمن من العقاب .

وخلاصة هذا البرهان ادّعاء قطعين : الأوّل القطع بوجود محرّمات كثيرة في الشريعة ، الثاني القطع بعدم رضاء الشارع بارتكابها ; كائنة ما كانت .

ومن المعلوم ـ حينئذ ـ لزوم الاجتناب إلى أن يحصل اليقين بالبراءة ، وهذا اليقين لا يحصل إلاّ بترك معلوم الحرمة ومشكوكها .

قلت : وبما أنّ الأجوبة المذكورة في المقام يدور حول القول بانحلال العلم الإجمالي بالمراجعة إلى الأدلّة فلا بأس من التعرّض لميزان الانحلال وأقسامه ; حتّى يكون كالضابط لعامّة الأجوبة :

فنقول : إنّ ما به ينحلّ العلم الإجمالي : تارة يكون قطعاً واُخرى يكون غيره من الأمارات والاُصول الشرعية كالاستصحاب ، أو العقلية كالاشتغال . وعلى التقادير : تارة يكون العلم الإجمالي مقدّماً لقيام الطريق واُخرى مؤخّراً وثالثة مقارناً ، وعلى التقادير : تارة يكون المؤدّى بالعلم الإجمالي مقدّماً على المؤدّى بالطريق التفصيلي واُخرى مؤخّراً وثالثة مقارناً .

وعلى التقادير أنّ ما به ينحلّ : إمّا أن يكون أمراً تفصيلياً ; سواء كان علماً أو حجّة ، وإمّا يكون أمراً إجمالياً ، كما لو علم إجمالاً بتكاليف بين جميع الشبهات ، وعلم بوجود تكاليف أيضاً بين الطرق والأمارات ، مع إمكان انطباقهما .

ثمّ إنّه لو علم أنّ ما هو المعلوم تفصيلاً عين ما هو المعلوم بالإجمال ، ووقف على انطباق المعلومين انطباقاً قطعياً فلا إشكال في الانحلال . ومثله ما إذا قطع بأنّ ما في دائرة العلم الإجمالي الكبير عين ما هو في دائرة الصغير ; إذ مع هذا ينحلّ العلم في الكبير ويبقى في الصغير فقط .


(113)

وأمّا إذا احتمل الانطباق فهل ينحلّ العلم الإجمالي حينئذ حقيقة أو حكماً ، أو لا ينحلّ مطلقاً ؟

فيظهر من بعضهم : أنّه ينحلّ حقيقة ، وأفاد في وجهه : بأنّ العلم الإجمالي قد تعلّق بأمر غير معنون ولا متعيّن ، والتفصيلي تعلّق بالمعيّن ، وانطباق اللا معيّن على المعيّن قهري ; لأنّ عدم الانطباق إمّا لأجل زيادة الواقعيات المعلومة بالإجمال عن المعلوم بالتفصيل ، أو من جهة تعيّن الواقعيات المعلومة بالإجمال بنحو تأبى عن الانطباق ، أو تنجّز غير الواقعيات بالأمارات ، والكلّ خلف(1) ، انتهى .

قلت : إنّ وجه عدم الانحلال لأجل احتمال انطباق المعلوم بالإجمال على غير المعلوم بالتفصيل .

وما ادّعى ـ قدس سره ـ من أنّ انطباق المعلوم بالإجمال على المعلوم بالتفصيل قهري غير مسموع ; فإنّ المعلوم بالإجمال لمّا كان أمراً غير متعيّن فيحتمل أن يكون عين ما تعيّن بالعلم التفصيلي ، ويمكن أن يكون غيره ، ومع هذا فكيف يمكن أن يقال بالانطباق القهري ؟ ! والحاصل : أنّ لازم الانطباق القهري العلم بأنّ المعلوم بالإجمال هو عين ما علم بالتفصيل ، ولكنّه مفقود ; لقيام الاحتمال بالمغايرة بعد .

والتحقيق أن يقال : إنّ ميزان الانحلال لو كان قائماً باتّحاد المعلومين مقداراً ، مع العلم بأنّ المعلوم بالتفصيل هو عين ما علم بالإجمال لكان لعدم الانحلال وجه ، إلاّ أنّ الميزان هو عدم بقاء العلم الإجمالي في لوح النفس ، وانقلاب القضية المنفصلة الحقيقية أو المانعة الخلوّ إلى قضية بتّية ومشكوكة فيها ، أو إلى قضايا بتّية وقضايا مشكوكة فيها .


1 ـ نهاية الدراية 4 : 114 ـ 115 .


(114)

فلو علم بوجود واجب بين أمرين ; بحيث لا يحتمل الزيادة حتّى يكون القضية منفصلة حقيقية ، أو مع احتمال الزيادة حتّى يكون مانعة الخلوّ فمع العلم التفصيلي بوجوب بعض الأطراف أو واحد من الطرفين ينقلب القضية إلى قضية بتّية ; أي إلى وجوب واحد معيّناً ، وإلى مشكوكة فيها .

فلا يصحّ أن يقال : إمّا هذا واجب أو ذاك ، بل لابدّ أن يقال : هذا واجب بلا كلام ، والآخر مشكوك الوجوب ، وهذا ما ذكرنا من ارتفاع الإجمال الموجود في لوح النفس .

وإن شئت قلت : لا يصحّ عقد قضية منفصلة على نحو الحقيقية ، ولا على نحو المانعة الخلوّ .

ولو قيل : إنّ القضية المنفصلة لا تنافي مع كون أحد الطرفين جزمي الحكم فلا مشاحة في الاصطلاح ، ولكن لا يحكي عن تردّد في النفس وإجمال في الذهن ، بل ينحلّ المعلوم بالإجمال إلى علم تفصيلي وشكّ بدوي لا يعدّ طرفاً للعلم .

واحتمال كون المعلوم بالإجمال عين المشكوك فيه الذي خرج عن الطرفية غير مضرّ ; لأنّ المعلوم بنعت المعلومية الفعلية غير محتمل الانطباق ، وإنّما المحتمل انطباق ما كان معلوماً سابقاً مع زوال وصف العلم بالفعل على الطرف الآخر ; لأنّ المعلومية الإجمالية الفعلية ملازم للعلم الإجمالي ، ومع زوال العلم لا معنى لوجود المعلوم بالفعل ، فتدبّر .

ثمّ إنّ بعـض محقّقـي العصـر ـ قدس سره ـ قـد حكـم ببقاء العلم الإجمالـي وعـدم انحلاله حقيقةً ، وحاصل ما أفاد : أنّ احتمال انطباق المعلوم بالإجمال علـى المعلوم بالتفصيل وعلى الطرف الآخـر كاشف قطعي عـن بقاء العلم الإجمالي ; لكونه مـن لوازمه .


(115)

ودعوى : أنّه يستلزم محذور تعلّق العلمين بشيء واحد بتوسيط العنوانين الإجمالي والتفصيلي ; وهو من قبيل اجتماع المثلين ، مدفوعة بأنّه لا يزيد عن التضادّ الموجود بين الشكّ والعلم . مع أنّه يمكن أن يتعلّق العلم والشكّ بشيء واحد بعنوانين ، كما في أطراف العلم الإجمالي .

وعليه : فلا مجال للإشكال في تعلّق العلمين بشيء بتوسيط عنوانين الإجمالي والتفصيلي(1) ، انتهى .

وفيه : أنّ ما ذكره خلط بين احتمال انطباق المعلوم بالإجمال فعلاً واحتمال انطباق المعلوم بالإجمال سابقاً ، وقد زال عنه العلم فعلاً . والمفيد لما ادّعاه هو الأوّل ، مع أنّه غير واقع ; ضرورة ارتفاع العلم الإجمالي عن مركزه ; فإنّ العلم بكون هذا واجباً أو خمراً لا يجتمع مع التردّد في كونه واجباً أو عدله ، أو كونه خمراً أو الآخر ; فإنّ الإجمال متقوّم بالتردّد ، وهو ينافي العلم التفصيلي ولا يجتمع معه .

وأمّا ما ذبّ به عن الدعوى في قياس اجتماع العلم الإجمالي والتفصيلي باجتماع الشكّ والعلم الإجمالي ففي غاية الضعف ; إذ لا مانع من اجتماع العلم الإجمالي والشكّ ، بل هو متقوّم به أبداً ; إذ لا منافاة بين تعلّق العلم بكون أحدهما خمراً ، وبين الشكّ في كون الآخر معيّناً خمراً .

وهذا بخلاف المقام ; فإنّ تعلّق العلم الإجمالي والتفصيلي بشيء واحد بتوسيط عنوانين معناه كون هذا معيّناً خمراً ، والشكّ في كونه خمراً ، وهما لا يجتمعان أصلاً .

وإن شئت قلت : فرض تعلّق العلم الإجمالي بكون أحدهما خمراً فرض


1 ـ نهاية الأفكار 3 : 250 ـ 251 .


(116)

الترديد في كلّ واحد بعينه ، وفرض العلم التفصيلي بكون واحد منهما بعينه خمراً فرض اللاترديد ، وهذا اجتماع النقيضين .

فتحصّل : أنّ الانحلال إلى علم تفصيلي وشكّ بدوي في الموارد المزبورة هو الحقّ القراح ، غير أنّه يمكن أن يقال : إنّ إطلاق الانحلال في هذه الموارد لا يخلو عن مسامحة ; لأنّ الانحلال فرع مقارنة العلم التفصيلي والإجمالي ، وهما غير مجتمعين . وكيف كان : فالحقّ ما مرّ .

وربّما يقال : بالانحلال الحكمي ; بمعنى بقاء العلم الإجمالي مع وجود العلم التفصيلي ، أو قيام الأمارة أو الأصل على بعض الأطراف بمقدار المعلوم بالإجمال ممّا يحتمل انطباق مؤدّاه على المعلوم بالإجمال .

وقد اُفيد في تقريره وجوه :

منها : ما أشار إليه بعض محقّقي العصر ; حيث أفاد : أنّه مع قيام المنجّز في أحد طرفي العلم الإجمالي ـ علماً كان أو أمارةً أو أصلاً ـ يخرج العلم الإجمالي عن تمام المؤثّرية في هذا الطرف لما هو المعلوم من عدم تحمّل تكليف واحد للتنجيزين .

وبالجملة : معنى منجّزية العلم الإجمالي كونه مؤثّراً مستقلاًّ في المعلوم على الإطلاق ، وهذا المعنى غير معقول بعد خروج أحد الأطراف عن قابلية التأثّر ، فلا يبقى في البين إلاّ تأثيره على تقدير خاصّ ، وهو أيضاً مشكوك من الأوّل .

والحاصل : أنّ الجامـع المطلق القابل للانطباق على كلّ واحـد غير قابل التأثّر مـن قبل العلم الإجمالي ، والجامـع المقيّد بانطباقـه على الطرف الآخـر لا يكون معلوماً من الأوّل(1) .


1 ـ نهاية الأفكار 3 : 251 ـ 252 .


(117)

وفيه : أنّه يظهر النظر فيه ممّا يأتي في الجواب عن المحقّق الخراساني من الخلط بين العلم الوجداني وغيره .

منها : ما أفاده المحقّق الخراساني ـ قدس سره ـ من انحلال العلم الإجمالي بثبوت طرق واُصول معتبرة مثبتة لتكاليف بمقدار المعلوم بالإجمال أو أزيد ، وأنّ حجّية الأمارات شرعاً وإن كانت بتنجيز ما أصابه والعذر عمّا أخطأ عنه ـ كما في الطرق العقلية ـ إلاّ أنّ نهوض الحجّة على ما ينطبق عليه المعلوم بالإجمال في بعض الأطراف يكون عقلاً بحكم الانحلال ، وصرف تنجّزه إلى ما إذا كان في ذاك الطرف والعذر عمّا إذا كان في سائر الأطراف(1) ، انتهى .

وفيه : أنّه خلط بين العلم الوجداني الإجمالي بوجود تكاليف في البين ; بحيث لا يرضى المولى بتركه أصلاً ، والعلم بالخطاب ، أو العلم بقيام الأمارة إجمالاً .

فلو كان من قبيل الأوّل ـ أعني العلم بالتكليف الفعلي ـ فلا يعقل عدم تنجّزه في أيّ طرف كان ، ولا يعقل صرف تنجّزه إلى ما إذا كان في ذاك الطرف والعذر عمّا إذا كان في سائر الأطراف .

كما لا يعقل الترخيص ; فإنّ ترخيص بعض الأطراف المحتمل كونه هو المعلوم بالإجمال أو غيره لا يجتمع مع بقاء العلم بفعليته ، بل لو قامت الأمارة على كون المؤدّى هو المعلوم بالإجمال يجب عقلاً رفع اليد عن الأمارة والعمل بما هو مقتضى العلم الوجداني الفعلي .

وإن شئت قلت : إنّ الترخيص ، بل احتماله مع العلم الوجداني الفعلي


1 ـ كفاية الاُصول : 395 .


(118)

بالتكليف من الاُمور المتنافية ، لا يجتمعان أصلاً ; لأنّ احتمال الترخيص مع احتمال كون التكليف في طرفه مع القطع بالتكليف الفعلي مطلقاً متناقضان .

نعم ، يصحّ ما ذكره وكلّ ما ذكره الشيخ الأعظم ـ قدس سره ـ ، في العلم بالخطاب أو العلم بقيام الأمارة إجمالاً ، كما تقدّم إجمالاً وسيجيء توضيحه في مباحث الاشتغال(1) .

ومنها : ما أفاده بعض الأعيان المحقّقين في تعليقته : من أنّ العلم الإجمالي يتعلّق بوجوب ما لا يخرج عن الطرفين لا بأحدهما المردّد ، فلا ينجّز إلاّ بمقداره ، وتنجّز الخصوصية المردّدة به محال .

ففي كلّ طرف يحتمل الحكم المنجّز ، لا أنّه منجّز ، وذاك الاحتمال هو الحامل على فعل كلّ من المحتملين ; لاحتمال العقاب .

وأمّا الحجّة القائمة على وجوب الظهر بخصوصها فهي منجّزة للخاصّ بما هو خاصّ ، وليس لها في تنجيز الخاصّ مزاحم ، فلا محالة تستقلّ الحجّة في تنجيز الخاصّ .

وتنجيز الخاصّ الذي لا مزاحم له يمنع عن تنجّز الوجوب الواحد المتعلّق بما لا يخرج عن الطرفين ; إذ ليس للواحد إلاّ تنجّز واحد ، وإذا دار الأمر بين منجّزين : أحدهما يزاحم الآخر بتنجيزه ـ ولو بقاءً ـ والآخـر لا يزاحمـه في تنجيزه ـ ولو بقاءً ـ لعدم تعلّقه بالخاصّ حتّى ينجّزه فلا محالة يكون التأثير للأوّل(2) ، انتهى ملخّصاً .


1 ـ يأتي في الصفحة 179 .
2 ـ نهاية الدراية 4 : 120 ـ 121 .


(119)

وفي ما ذكره مواقع للنظر :

أمّا أوّلاً : فلأنّ القول بأنّ العلم قد تعلّق بوجوب ما لا يخرج عن الطرفين لا بأحدهما المردّد خلاف الوجدان ، فإنّ الوجدان أقوى شاهـد على أنّ العلم متعلّق بوجوب أحـدهما ; بمعنى أنّ الشخص واقف على أنّ الواجب هـو الجمعـة بما لها مـن الخصوصية ، أو الظهر كـذلك . وتأويل ذلك العلم إلى أنّـه متعلّق بما لا يخرج عن الطرفين تأويل بعد تعلّق العلم ، ولا يلتفت على ذلك التأويل إلاّ عند التوجّه الثانوي(1) .

وثانياً : أنّ معنى منجّزية الأمارة ليس إلاّ أنّ المؤدّى على فرض كونـه تكليفاً واقعياً وموافقتـه للواقـع يكون تخلّفها موجباً لاستحقاق العقوبـة ، فلا تكون الأمـارة منجّزة للتكليف إلاّ على سبيل الاحتمال ، كما أنّ العلم الإجمالي كـذلك ،


1 ـ فإن قلت : الظاهر أنّ مراده هو الفرق بين طرف العلم ومتعلّقه ; فإنّ ما لا يقبل الإجمال والتردّد إنّما هو الطرف ; ضرورة أنّ العلم ـ سواء كانت داخلة تحت مقولة أو لا ـ من الاُمور العامّة التي لها نحو إضافة إلى المعلوم ، وله نحو تشخّص معه ، فلا يعقل أن يتشخّص بأمر مردّد . والمراد من الطرف هنا هو الوجوب ، وقد تعلّق به العلم وتطرّف بذلك . وأمّا ما يقبل التردّد فإنّما هو متعلّقه وحواشيه ; أعني الظهر والعصر .
   وعلى هـذا فلا بأس بـأن يقال : إنّ العلم ـ مطلقاً ـ يتعلّق بأمـر معيّن ; وهو الوجوب ـ مثلاً ـ المردّد تعلّقـه بالظهـر أو الجمعـة . ولا مانع مـن كون متعلّق الوجـوب أمـراً مـردّداً ; لكونه أمـراً اعتبارياً .
   قلت : نعم ، العلم بما أ نّه متشخّص في النفس لا يعقل تعلّقه وتشخّصه بالمردّد الواقعي وبالحمل الشائع ; ضرورة أ نّه لا تشخّص ولا تحقّق له ; لا خارجاً ولا ذهناً . لكن في العلم الإجمالي تعلّق على عنوان أحد الخاصّين القابل للانطباق على كلّ منهما بخصوصية ، لا على عنوان ما لا يخرج عنهما ، كما هو الموافق للوجدان . [المؤلّف]


(120)

فأيّ فرق بينه وبين الأمارة ؟ !

وما أفاد من أنّ طرف العلم الإجمالي يحتمل وجود الحكم المنجّز فيه لا أنّه منجّز ، بخلاف الأمارة فإنّها منجّزة للخاصّ ، في غير محلّه ; لأنّ التنجيز في كليهما بمعنىً واحد ، وحكم العقل في كليهما على نسق واحد ; وهو لزوم الاتّباع لاحتمال التكليف المنجّز الموجب لاستحقاق العقوبة .

لا يقال : إنّ لسان أدلّة حجّية الأمارات أو لسان نفسها هو أنّ المؤدّى نفس الواقع وأنّه منجّز عليك ، لا أنّ المؤدّى على فرض مطابقته للواقع منجّز وموجب للعقوبة ، وكم فرق بينهما ؟ ! وعليه يحصل الفرق بين تنجيز الأمارة والعلم الإجمالي .

لأ نّا نقول : والأمارة وإن قامت على الخصوصية لكن لم تكن منجّزة على أيّ حال ، بل على فرض المطابقة للواقع . والعلم الإجمالي أيضاً منجّز للتكليف بخصوصيته في أيّ طرف كان ; بمعنى أنّه مع العلم الإجمالي بوجوب الظهر أو الجمعة إذا تركهما المكلّف ، وكان الظهر واجباً بحسب الواقع يستحقّ العقوبة على الظهر بخصوصيته .

وثالثاً : سلّمنا أنّ متعلّق العلم إنّما هو وجوب ما لا يخرج عن الطرفين ، ولكنّه يستلزم تنجيز ما هو المنطبق ـ بالفتح ـ لهذا العنوان ; أعني نفس التكليف الواقعي .

وعلى هذا : فلو فرض صحّة الأمارة وتطابقها للواقع يكون مؤدّاها نفس التكليف الواقعي ، فلا محالة يقع التنجيز على شيء واحد معيّن واقعي ، ويكون التنجيز مستنداً إلى العلم الإجمالي والأمارة ، لا إلى الأمارة فقط ، لو لم نقل باستناده


(121)

إلى العلم الإجمالي فقط ; لسبقه وتقدّمه . وعليه : فما أفاد من أنّ الأمارة في تنجيزها بلا مزاحم غير صحيح .

فظهر : أنّه لا صحّة للقول بالانحلال الحكمي مع حفظ العلم الإجمالي ، كما تقدّم .

التحقيق في الجـواب : ما تقدّم منّا على الوجـه الكلّي(1) مـن أنّ الميزان لانحلال العلم هـو ارتفاع الترديد ، وانقلاب القضيـة المنفصلـة الحقيقيـة أو المانعـة الخلـوّ إلى قضيـة بتّيـة ومشكوكة ، ولا يلزم العلم بكـون المعلوم تفصيلاً هـو المعلوم إجمالاً .

وعلى هذا فما أشار إليه المحقّق الخراساني في بعض كلماته(2) يمكن أن يكون وجهاً للانحلال الحقيقي ، وحاصله : تحقّق العلم الوجداني بوجود تكاليف واقعية في مؤدّى الطرق والأمارات والاُصول المعتبرة بمقدار المعلوم بالإجمال ، ومعه ينحلّ العلم الإجمالي الكبير في دائرة العلم الإجمالي الصغير .

وبعبارة أوضح : أنّ العلم بوجود تكاليف بسبب الأمارات والاُصول يرفع الترديد الموجود في دائرة العلم الإجمالي الكبير .

وإن شئت فأوضح المقام بما يلي : لو علم إجمالاً بكون واحد من الإنائات الثلاثة خمراً ، واحتمل الزيادة ، ثمّ علم جزماً بأنّ واحداً من هذين الإنائين خمرٌ فلا يعقل بقاء العلم الأوّل ; لعدم إمكان الترديد بين أحد الإنائين وبين الآخر ; فإنّه ينافي العلم الإجمالي ، فلا يمكن تعلّق علمين بواحد من الإنائين وواحد من الثلاثة .


1 ـ تقدّم في الصفحة 113 ـ 114 .
2 ـ كفاية الاُصول : 395 .


(122)

نعم ، يمكن تعلّق العلمين بسببين للتكليف أو الوضع ، كما لو علم إجمالاً بوقوع قطرة من الدم في واحـد مـن الإنائين ، وعلم بوقوع قطرة اُخـرى مقارناً لوقوع الأوّل في أحدهما أو إناء آخر ; فإنّ العلمين تعلّقا بالقطرتين والسببين لا بالنجاسة .

وهذا نظير العلم بوقوع قطرة بول أو دم فـي إناء معيّن ; فإنّ العلم تعلّق بوقـوع القطرتين ، فكلّ منهما معلوم ، وأمّا النجاسة المسبّبة فلم تكن معلومة مرّتين ; لعدم تعقّل ذلك .

وهاهنا وجه آخر في ردّ مقالة الأخباري ، وحاصله : منع تعلّق العلم الإجمالي على وجود تكاليف فعلية لا يرضى الشارع بتركها . كيف ، وجعل الحجّية للأمارات والاُصول أو إمضاء حجّيتها مع إمكان مخالفتها للواقع أدلّ دليل على عدم فعليتها مطلقاً ورضاء الشارع بتركها في موارد قيام الأمارة على الخلاف ; إذ فعليتها مطلقاً تستلزم وجوب العمل بالاحتياط حتّى في موارد قيام الأمارات والاُصول .

وعلى هذا : لا معنى لتنجيز ما عدا مؤدّيات الأمارات والاُصول ; لعدم تعلّق العلم بالتكليف الفعلي ، بل إنّما تعلّق بخطابات قابلة للانطباق على مؤدّياتها .

ولهذا لا يلتزم الأخباري بلزوم الاحتياط عند قيام الأمارة على نفي التكليف في مورد . فلو صحّ ما يدّعيه من العلم الفعلي بالتكاليف الفعلية التي لا يرضى الشارع بتركها على أيّ حال لزم عليه الاحتياط في ذلك المورد ، مع أنّه لا يلتزم به .

وهذا ـ أي التعبّد بالأمارات والاُصول ـ أوضح دليل على عدم كون الأحكام بمثابة لا يرضى بتركها ، وأنّ الشارع قد رفع اليد عنها في غير موارد الأمارات والاُصول من الشبهات .


(123)

استدلال عقلي آخر للأخباري (أصالة الحظر)

وهو مسألة كون الأصل في الأشياء الحظر ، وأنّ العالَم كلّه ـ من سمائه وأرضه ـ مملوك لله ، كما أنّ المكلّف عبد له تعالى ، فلابدّ أن يكون عامّة أفعاله ـ من حركة وسكون ـ برضىً منه ودستور صادر عنه . وليس لأحد أن يتصرّف في العالم بغير إذنه ; لكون المتصرّف ـ بالكسر ـ والمتصرَّف مملوكين لله .

وفيه : أنّه إن اُريد من كون المكلّف والعالم مملوكين لله بالملكية الاعتبارية الدائرة في سوق العقلاء فلا نسلّمه ، بل لا وجه لاعتبار ملكية اعتبارية لله عزّوجلّ ; فإنّ اعتبارها لابدّ وأن يكون لأغراض حتّى يقوم به المعيشة الاجتماعية ، وهو سبحانه أعزّ وأعلى منه .

وإن اُريد منه المالكية التكوينية ; بمعنى أنّ الموجودات والكائنات ـ صغيرها وكبيرها ، أثيريها وفلكيها ـ كلّها قائمة بإرادته ، مخلوقة بمشيّته ، واقعة تحت قبضته تكويناً ، فلا يمكن للعبد أن يتصرّف في شيء إلاّ بإذنه التكويني وإرادته ، وأنّ العالم تحت قدرته ; قبضاً وبسطاً تصرّفاً ووجوداً فهو غير مربوط بالمقام ، ولا يفيد الأخباري شيئاً .

على أنّ الآيات والسنّة كاف في ردّ تلك المزعمة ; حيث يدلّ على وجود الإذن من الله بالنسبة إلى تصرّفات عبيده ، قال عزّ من قائل : (خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الأَرْضِ جَمِيعاً)(1) ، (وَالأَرْضَ وَضَعَها لِلأَنامِ)(2) إلى غير ذلك .

هذا آخر ما أردنا إيراده في المقام . وينبغي التنبيه على اُمور :


1 ـ البقرة (2) : 29 .
2 ـ الرحمن (55) : 10 .


(124)


(125)

تنبيهات البراءة :

التنبيه الأوّل
تقديم الأصل الموضوعي على البراءة

من شروط التمسّك بالاُصول الحكمية مطلقاً عدم وجود أصل موضوعي ينقّح حال الموضوع ويرفع الشكّ عنه ، وإلاّ فلو كان في المقام أصل جار في ناحية الموضوع لكان حاكماً على الأصل في ناحية الحكم ; حكومةَ الأصل السببي على المسبّبي ; سواء كان الأصل الحكمي موافقاً أو مخالفاً .

فلو شكّ في حلّية حيوان أو حرمته أو طهارته ونجاسته لأجل الشكّ في قبوله التذكية حكم عليه بالحرمة والنجاسة ، ولا تصل النوبة إلى أصالتي الحلّ والطهارة ; لحكومة الأصل الموضوعي ـ أعني أصالة عدم ورود التذكية بناءً على جريانه ـ عليهما ; فإنّ الشكّ في الحلّية والطهارة ناش عن ورود التذكية عليه ، فإذا حكم بالعدم لما بقي الشكّ تشريعاً في هاتين الناحيتين .

ثمّ إنّه لا بأس برفع النقاب عن حال ذاك الأصل الدائر بين ألسنة الفقهاء المعروف جريانه في اللحوم والجلود ، غير أنّ استيفاء البحث موكول إلى مبحث الاستصحاب(1) ، كما أنّ التصديق الفقهي موكول إلى محلّه(2) .


1 ـ الاستصحاب ، الإمام الخميني ـ قدس سره ـ : 95 .
2 ـ الطهارة ، الإمام الخميني ـ قدس سره ـ 4 : 229 .


(126)

حول أصالة عدم التذكية

فنقول : توضيح المقام يتمّ برسم اُمور :

صور الشكّ في حلّية الحيوان

الأوّل : أنّ الشبهة تارة تكون حكمية واُخرى موضوعية ، أمّا الاُولى : فالشكّ تارة لأجل الشكّ في قابلية الحيوان للتذكية واُخرى لأجل الشكّ في شرطية شيء أو جزئيته لها ، وثالثة لأجل الشكّ في مانعية شيء عنها .

ثمّ الشكّ في القابلية : إمّا من جهة الشبهة المفهومية لإجمال المفهوم الواقع موضوعاً للحكم ، كالشكّ في الكلب البحري هل هو كلب في نظر العرف ، وأنّه هل يعمّه موضوع الدليل أو لا ؟ وإمّا من جهة اُخرى ، كما ربّما يشكّ في الحيوان المتولّد من حيوانين ـ مع عدم دخوله في عنوان أحدهما ـ ممّا يقبل التذكية أو لا ؟

ثمّ الشكّ في المانعية : إمّا لأجل وصف لازم وإمّا لأجل حدوث وصف غير لازم ، كالجلل . هذا كلّه في الشبهة الحكمية .

وأمّا الشبهة الموضوعية :

فتارة : يكون سبب الشكّ كون الحيوان مردّداً بين ما يقبل التذكية وما لا يقبلها ، كتردّده بين الغنم والكلب لأجل الشبهة الخارجية .

واُخرى : يكون سببه تردّد الجزء بين كونه من الغنم أو من الكلب ، أو تردّده بين كونه من معلوم التذكية أو من مشكوكها ، أو تردّده بين كونه جزءً لما علم تذكيته أو ممّا علم عدم تذكيته .

وثالثة : يكون الشكّ لأجل الشكّ في تحقّق التذكية خارجاً مع عدم كونه


(127)

مسبوقاً بيد مسلم أو سوقه أو لم يكن في يده وسوقه بالفعل .

ورابعة : يكون الشكّ لأجل طروّ المانع بعد إحراز المانعية ، كما إذا قلنا بأنّ الجلل مانع وشككنا في حصوله .

الاحتمالات في حقيقة التذكية

الثاني : أنّ التذكية التي تعدّ موجبة للحلّية والطهارة فيها احتمالات : فيحتمل أن يكون أمراً بسيطاً ، أو مركّباً خارجياً ، أو أمراً تقييدياً .

فعلى الأوّل : فيحتمل أحد أمرين : أحدهما أن يكون بسيطاً متحصّلاً ومسبّباً من اُمور ستّة ; أي فري الأوداج بالحديد إلى القبلة مع التسمية وكون الذابح مسلماً والحيوان قابلاً . ثانيهما أن يكون أمراً منتزعاً منها موجوداً بعين وجود منشأ انتزاعها .

وعلى الثاني ـ أعني كونه مركّباً خارجياً ـ فليس هنا إلاّ احتمال واحد ; وهو أن يكون التذكية عبارة عن الاُمور الستّة الماضية ، كما تقدّم .

وعلى الثالث ـ أعني كون التذكية أمراً متقيّداً بأمر آخر ـ فيحتمل أحد اُمور ثلاثة ; لأ نّه : إمّا أن يجعل التذكية نفس الأمر المتحصّل من الاُمور الخمسة متقيّداً بقابلية المحلّ ، أو يجعل أمراً منتزعاً منها متقيّداً بالقابلية ، أو بجعل نفس الاُمور الخارجية الخمسة متقيّداً بها . ففي هذه الصور الثلاث يكون التذكية أمراً تقييدياً ; سواء كانت أمراً متحصّلاً أو منتزعاً أو مركّباً خارجياً .

مقتضى الأصل في الاحتمالات

الثالث : كلّ ما ذكرنا من الوجوه محتملات بادي النظر ، وأمّا التصديق الفقهي فهو يحتاج إلى إمعان النظر في أدلّة الباب ; فلو دلّ دليل على تعيين أحد المحتملات


(128)

ورفع الشبهة من جهة أو جهات فهو ، وإلاّ فالمرجع هو الاُصول الموضوعية أو الحكمية ، على اختلاف الموارد في جريانها . فالأولى : عطف عنان الكلام إلى بيان الأصل في كلّ محتمل . فنقول :

أصالة عدم التذكية في الشبهة الحكمية

لو كان الشكّ في كون الحيوان مذكّى أو لا لأجل الشكّ في كونه قابلاً للتذكية أو لا ـ سواء كانت الشبهة لأجل الشبهة المفهومية أم لا ـ ولم يدلّ دليل على كون كلّ حيوان قابلاً للتذكية ، فعلى ذلك فهل يجري أصالة عدم القابلية أو لا يجري .

كلام المحقّق الحائري في المقام ونقده

ولقد بنى شيخنا العلاّمة ـ أعلى الله مقامه ـ على جريانها(1) ، وكان ـ رحمه اللّه ـ مصرّاً عليه ، وخلاصة مرامه مع توضيح منّا : أنّ المحقّقين قد قسّموا العرض إلى عارض الوجود وعارض الماهية ، وكلّ منهما إلى اللازم والمفارق .

فصارت الأقسام أربعة ، وإليك توضيحها بالمثال ، فنقول : الزوجية عارضة لماهية الأربعة على وجه اللزوم ، كما أنّ عروض الوجود للماهية يعدّ من الأعراض المفارقة لها ، على إشكال فيه .

وأمّا القسمان الآخران ; أعني عارض الوجود اللازم ، كموجودية الوجود بالمعنى المصدري ونورانيته ومنشأيته للآثار ، وعارضه المفارق كالسواد والبياض بالنسبة إلى الجسم .


1 ـ أفاده المحقّق الحائري في مجلس درسه .


(129)

وأمّا القابلية : فلا شكّ أنّها من العوارض اللازمة للوجود أو الموجود ، وليست من العوارض اللازمة للماهية . نعم يمكن أن يقال : إنّها من العوارض المفارقة بالنسبة إلى الماهية لكن بتبع الوجود ; كما هو الشأن في عامّة العوارض الوجودية .

إذا عرفت هذا : فيمكن أن يقرّر الأصل هكذا : أنّ القابلية كالقرشية من عوارض الوجود ; فإنّ القرشية عبارة عن الانتساب في الوجود الخارجي إلى قريش ، كما أنّ القابلية عبارة عن خصوصية في الحيوان ، بها يصلح لورود التذكية عليه ، وبها يترتّب الحلّية والطهارة .

وعليه : فلنا أن نشير إلى ماهية المرأة المشكوك فيها ، ونقول : إنّ ماهية تلك المرأة قبل وجودها لم تكن متّصفة بالقرشية ، ولكن علمنا انتقاض اليقين بعدم وجودها إلى العلم بوجودها ، ولكن نشكّ في انتقاض العدم في ناحية القرشية .

وهكذا يمكن أن يقال في ناحية القابلية ، فنقول : إنّ الحيوان الكذائي ـ مشيراً إلى ماهيته ـ لم يكن قابلاً للتذكية قبل وجوده ، ونشكّ في أنّه حين تلبّس بالوجود هل عرض له القابلية أو لا ، فالأصل عدم عروضها .

نعم ، لو كان الموضوع هو الوجود ، أو كانت القابلية من لوازم الماهية لم يكن وجه لهذا الاستصحاب ; لعدم الحالة السابقة ، لكن الموضوع هو الماهية والقابلية عارضة لها بعد وجودها .

فهذه الماهية قبل تحقّقها لم يكن متّصفة بالقابلية بنحو السالبة المحصّلة ، والأصل بقاؤها على ما هي عليه . ولو صحّ جريانه لأغنانا عن استصحاب عدم التذكية ; لحكومته عليه حكومة الأصل السببي على المسبّبي ، ويكون حاكماً على الاُصول الحكمية عامّة . هذا غاية ما يمكن أن يقال في توضيح مقاله .


(130)

ويمكن الإشكال فيه : بأنّه لو سلّم جريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية ـ على فرض غير صحيح ـ لا يصحّ التمسّك بأصالة عدم القابلية في المقام ; لأنّ ما هو الموضوع للأثر الشرعي هو المذكّى وغير المذكّى ، وأمّا القابلية وعدمها فليس كلّ واحد مصبّاً للحكم .

واستصحاب كونه غير قابل لا يثبت كونه غير مذكّى ; وإن كان الشكّ في أحدهما مسبّباً عن الآخر ، ولا يكفي مجرّد كون الشكّ في أحدهما مسبّباً عن الآخر ، بل يحتاج إلى كون الترتّب شرعياً .

وأمّا المقام فليس الترتّب شرعياً بل عقلي محض ; فإنّ التعبّد بانتفاء الجزء ـ أعني القابلية ـ يلازمه عقلاً انتفاء الكلّ ـ أعني التذكية ـ لأنّ القابلية لها دخالة في التذكية على أحد الوجوه المتقدّمة .

وسيوافيك في مبحث الاستصحاب : أنّ الميزان في حكومة الأصل السببي على المسبّبي كون الأصل في ناحية السبب منقّحاً للموضوع بالنسبة إلى الكبرى الشرعية ، ولا يتمّ ذلك إلاّ إذا كان الترتّب بينهما شرعياً لا عقلياً ، وسيأتي توضيح المقال في الاستصحاب(1) .

فظهر : أنّ الاستصحاب العدم الأزلي لو كان صحيحاً في حدّ نفسه لا يجري في المقام ; لكونه من الاُصول المثبتة .

حول استصحاب العدم الأزلي عند الشكّ في القابلية للتذكية

توضيح هذا الأصل الذي لا أصل له يحتاج إلى بيان اعتبارات القضايا السالبة ، وقد استوفينا الكلام في الدورة السابقة في بيان مطلق القضايا ـ موجبتها


1 ـ الاستصحاب ، الإمام الخميني ـ قدس سره ـ : 244 .


(131)

وسالبتها ـ اهتماماً لتوضيح المقصود(1) ، غير أنّا لا نتعرّض في هذه الدورة إلاّ لبعض أقسامها المتصوّرة في المقام ; روماً للاختصار .

في بيان اعتبارات القضايا السالبة

فنقول : إنّ الوجوه المتصوّرة في مجاري الاُصول الأزلية لا تتجاوز عن أربعة :

الأوّل : السالبة المحصّلة على نحو الهليّة البسيطة ، كقولنا «زيد ليس بموجود» ، فمفادها سلب الموضوع . ففي مثل هذه القضية ليست حكاية حقيقية ولا كشف واقعي عن أمر أصلاً ، وليس لها محكي بوجه ، لكن العقل يدرك بنحو من الإدراك بطلان الموضوع . وقولنا «المعدوم المطلق لا يمكن الإخبار عنه» لا يحكي عن أمر واقعي ، بل ينبّه على بطلان المعدوم وعدم شيئيته أصلاً .

الثاني : القضية السالبة المحصّلة بنحو الهليّة المركّبة ، كقولنا «زيد ليس بقائم» ; ففي مثلها قد يكون الموضوع محقّقاً يسلب عنه المحمول ، وقد يكون السلب بسلب الموضوع .

فلو كان لموضوعه وجوداً فله نحو حكاية لا لمحمولها ، فيحكم العقل أنّ موضوعها غير متّصف بالمحمول ، فيحكم به من دون أن يكون لعدم الاتّصاف حقيقة خارجية . ومناط صدقه عدم اتّصاف الموضوع بالمعنى المقابل للمعنى العدمي .

وأمّا إذا لم يكن لموضوعها تحقّق فليس للقضية حقيقة واقعية أصلاً ; لا موضوعاً ولا محمولاً ولا هيئةً ; وإن كان إدراك هذا الأمر بتبع أمر وجودي ذهني


1 ـ أنوار الهداية 2 : 101 .


(132)

يخترعه العقل ، ولكنّه يعدّ وسيلة لهذا الإدراك ; أي إدراك أنّ الموضوع لم يكن متّصفاً بالمحمول .

الثالث : القضية الموجبة المعدولة ، والميزان في اعتبارها أن يكون للمعنى العدمي المنتسب إلى الموضوع نحو حصول في الموضوع ، كأعدام الملكات ، نحو «زيد لا بصير» المساوق لقولنا : «زيد أعمى» ، فمناط صدقه هو نحو تحقّق للمعنى السلبي في الموضوع وثبوته له بنحو من الثبوت .

وهذا الاعتبار ليس في القضية السالبة المحصّلة ; للفرق الواضح بين سلب شيء عن موضوع وإثبات السلب له ; فإنّ معنى الإثبات هو حصول الأمر العدمي له ، ومعنى السلب سلب هذا الثبوت عنه .

ولأجل ذلك يكون المعتبر من المعدولة ما إذا كان للسلب نحو ثبوت بنحو العدم والملكة ، كما مرّ ; فيخرج قولنا : «زيد لا عمرو» ، أو «الجدار غير بصير» .

الرابع : الموجبة السالبة المحمول ، والميزان في اعتبارها توصيف الموضوع بما يدلّ على سلب الربط ، نحو قوله : «زيد هو الذي ليس بقائم» وهو من القضايا المعتبرة ، كما حقّق في محلّه .

هذه هي الوجوه المتصوّرة في المقام . وهناك وجه آخر سيوافيك بيانه أيضاً(1) .

فعلى ذلك : فما هو الموضوع لحرمة أكله ، أو لـ «ما تراه المرأة بعد خمسين فهو غير حيض» لا يخلو عن هذه الأقسام الماضية ، ولا بأس لبيان حال كـلّ واحـد منهما :


1 ـ يأتي في الصفحة 137 ، الهامش .


(133)

فنقول : بعد ما لا يكون المورد من قبيل الهليّات البسيطة ـ كما هو واضح ـ تنحصر الاحتمالات في الثلاثة الباقية :

فنقول : أمّا الوجه الثاني ـ أعني كون سلب القرشية عن المرأة والقابلية عن الحيوان من قبيل السالبة المحصّلة المركّبة ـ فلابدّ أن يكون الموضوع للحرمة هو الحيوان ; سالباً عنه القابلية على نحو السلب التحصيلي الذي يجتمع مع عدم الحيوان .

وهو غير صحيح جدّاً ، ومقطوع على بطلانه لوجهين :

الأوّل : أنّ من المبرهن في محلّه توقّف صدق الموجبات على وجود موضوعاتها خارجاً أو ذهناً حسب أحكامها ومحمولاتها(1) .

وعليه : فالحكم بالحرمة أو بقوله ـ عليه السلام ـ : «ما تراه المرأة . . .» إلى آخره حكم إيجابي ، يمتنع أن يكون موضوعها شيئاً سلب عنه شيء بنحو قضية سالبة محصّلة مع صدقها أحياناً ، مع عدم موضوع لها .

فقولنا : الحيوان مسلوباً عنه القابلية أو المرأة مسلوباً عنها القرشية بنحو السلب التحصيلي المطلق يمتنع أن يكون موضوعاً لـ «يحرم» أو لـ «ما تراه المرأة» ; لصدق الموضوع مع عدم حيوان أو مرأة ، وعدم صدق المحمول إلاّ مع وجود الحيوان والمرأة ، فكيف يصلح للموضوعية ; إذ كيف يحكم على الحيوان المعدوم بالحرمة أو على المرأة المعدومة بالرؤية .

وبالجملة : أنّ الحيوان الموجود إذا لم يكن قابلاً كما يصدق عليه قولنا : لم يكن الحيوان قابلاً كذلك يصدق هذه القضية على المعدوم من رأس ; فإنّ عدم


1 ـ الحكمة المتعالية 1 : 370 ، شرح المنظومة ، قسم المنطق : 50 .


(134)

القابلية تارة يكون بانتفاء الموضوع واُخرى بانتفاء المحمول ، فالأعمّ صدقاً من حيث وجود الموضوع وعدمه كيف يقع موضوعاً لحكم إيجابي ـ الحرمة والرؤية ـ مع أنّه لا يصدق إلاّ مع بعض حالات الموضوع .

وإن شئت قلت : إنّ سلب شيء عن شيء قبل تحقّق الموضوع ليس له واقع ، وإنّما هو من اختراع العقل لا كاشفية ولا مكشوفية في البين ، فقولنا : هذه المرأة قبل تحقّقها لم تكن قرشية أو أنّ هذا الحيوان قبل تحقّقه لم يكن قابلاً للتذكية والآن كما كان ممّا لا معنى له ; لأنّ هذه المرأة قبل تحقّقها لم تكن هذه ، وهذا الحيوان لم يكن هذا ; لا وجوداً ولا ماهية ، ولا يمكن أن يشار إليهما حسّاً أو عقلاً .

وإنّما يتوهّم الواهمة : أنّ لهذا المشار إليه هذيّة قبل تحقّقها ; فهذه المرأة قبل وجودها لم تكن مشاراً إليها ولا مسلوباً عنها شيء على نعت سلب شيء عن شيء ، فالقضية المشكوك فيها ليست لها حالة سابقة ، وإنّما سابقتها في عالم الاختراع بتبع اُمور وجودية .

فإن قلت : إنّ المرأة الكذائية قبل تحقّقها إمّا قرشية أو ليست بقرشية ، وهكذا الحيوان ; لامتناع ارتفاع النقيضين ، فإذا كذب كونها قرشية أو كونه قابلاً صدق أنّها ليست بقرشية .

قلت : فيه ـ مضافاً إلى أنّ نقيض قولنا : «إنّها قرشية» ليس قولنا : «إنّها ليست بقرشية» على نعت سلب شيء عن شيء له واقعية ، بل نقيضه أعمّ من ذلك ومن بطلان الموضوع ; وهو يلازم بطلان المحمول ومفاد الهيئة ـ أنّ القرشية والقابلية من لوازم الوجود ـ أي يتّصف به الموضوع بعد وجوده ـ فهي قبل وجوده لا قرشية ولا ليست قرشية ، والحيوان لا قابل ولا ليس بقابل على معنى سلب شيء عن شيء ; وإن صدق السلب المحصّل بسلب الموضوع . فسلب القرشية عن المرأة ليس سلباً


(135)

حقيقياً ; بمعنى كونه حاكياً أو كاشفاً عن واقعيته كما تقدّم حتّى يجيء حديث امتناع ارتفاع النقيضين .

الثاني : أنّ أخذ السالبة المحصّلة جزءً للموضوع يستلزم التناقض في نفس جعل الموضوع موضوعاً ; فإنّ قولنا : المرأة مسلوبة عنها القرشية مؤلّف من موضوع ـ المرأة ـ ومن قضية سالبة محصّلة التي يصدق مع عدم الموضوع ، ومع ذلك كيف يمكن أن يقيّد الموضوع بقيد يصدق حتّى مع عدم وجوده ؟ فإنّ عدم القابلية يصدق مع عدم الحيوان كما تقدّم ، وما هذا إلاّ تناقض في ناحية الموضوع .

فإن قلت : إنّ ما هو المنشأ للأثر إنّما هو السالبة المحصّلة ، لكن في حال وجود الموضوع . فاستصحاب عدم القابلية على نحو الأعمّ وإن لم يترتّب عليه الأثر حدوثاً إلاّ أنّه يترتّب عليه الأثر بقاءً . واستصحاب ذلك العدم وإن كان لا يترتّب عليه الأثر حال عدم الحيوان إلاّ أنّه بعد العلم بوجود الحيوان وانتقاض العدم من ناحية ، ترتّب الأثر عليه منضمّاً إلى وجوده .

قلت ـ مضافاً إلى ما عرفت من عدم قضية حاكية عن نفس الأمر قبل وجود الموضوع ، وإنّما يخترع الواهمة قضية كذائية ، وعليه لا يعقل وحدة القضية المتيقّنة مع القضية المشكوك فيها ـ إنّ المستصحب إذا كان عنواناً عامّاً ، وكان أحد الفردين قطعي الارتفاع فاستصحابه وانطباقه على الفرد المحتمل الآخر لا يصحّ إلاّ على القول بالاُصول المثبتة .

فإنّ عدم القابلية كما يتحقّق في ضمن انتفاء الموضوع كذلك يتحقّق مع ارتفاع المحمول . فإذا علمنا انتقاض العدم في ناحية الموضوع فبقاء ذلك العدم بعد ذلك يستلزم عقلاً صدقه مع الفرد الآخر ـ أعني السالبة بانتفاء المحمول ـ وما هذا إلاّ إثبات الفرد الخاصّ باستصحاب العامّ ، وهو من الاُصول المثبتة ، نظير


(136)

استصحاب بقاء الحيوان الجامع بين الفيل والبقّ وإثبات آثار الفيل .

وبالجملة : لو كان موضوع الحكم المرأة الموجودة أو في حال وجودها ، وكانت القضية المتيقّنة المرأة الغير الموجودة أو في حال عدم الوجود مع الغضّ عن بطلان ذلك ـ كما مرّ ـ كان إجراء الأصل لإثبات الحكم لها في حال الوجود مثبتاً .

وأمّا لو كان الموضوع المرأة الموجودة مسلوبة عنها القرشية ; سلباً محصّلاً ـ بمعنى أنّ الموضوع أحد قسمي السالبة المحصّلة ـ واُريد استصحابه فلا حالة سابقة له ; لأنّ القرشية واللا قرشية من لوازم الوجود ولم يكن في زمان وجود المرأة معلوماً مسلوباً عنه القرشية .

وأمّا الوجه الثالث ; أعني أخذ القضية جزءً على نحو الموجبة المعدولة ، كقولنا الحيوان الغير القابل للتذكية ، أو المرأة الغير القرشية على نحو التوصيف ، أو الوجه الرابع ; أعني كون القضية جزءً للموضوع على نحو الموجبة السالبة المحمول ; أعني المرأة التي لم تكن قرشية أو الحيوان الذي ليس قابلاً للتذكية ، وقد تقدّم ملاك اعتبار ذاك القسم ، وحاصله : اعتبار قضية سالبة محصّلة نعتاً لموضوع ; حتّى يصير ما يدلّ على سلب الربط نعتاً له ، ويصير المفاد أخيراً ربط السلب .

فعدم جريان الاستصحاب على هذين الوجهين أوضح ; لعدم الحالة السابقة ; فلأنّ اتّصاف شيء بشيء فرع ثبوته . فاتّصاف الحيوان بغير القابلية أو بأنّه الذي لم يكن قابلاً فرع وجود الموصوف ، والحيوان الذي نشكّ في قابليته لم يكن بقيد الوجود مورداً لليقين السابق ، بل هو من أوّل حدوثه مشكوك القابلية وعدمها .

وبالجملة : فما هو معلوم هو عدم قابليته على نحو السالبة المحصّلة ، وهو ليس موضوعاً للحكم ، وما هو موضوع لم يتعلّق به العلم ; إذ الحيوان الواقع بأيدينا لم يكن في زمان من أزمنة وجوده مورداً للعلم بأنّه غير قابل حتّى نستصحبه .


(137)

أضف إلى ذلك ما تقدّم : أنّ استصحاب العنوان العامّ الذي يلائم مع عدم وجود الموضوع لا يثبت كون هذا الحيوان غير قابل إلاّ على القول بالأصل المثبت ; فإنّ استصحاب العامّ بعد العلم بانتفاء أحد فرديه لا يثبت به بقاؤه في ضمن الفرد الآخـر ، فلا يمكن إثبات الأثر المترتّب على الفرد . نعم لو كان لنفس العامّ أثر يترتّب به ، كما لا يخفى .

فظهر : أنّ أصالة عدم القابلية في الحيوان كأصالة عدم القرشية في المرأة ليس لها أساس ، من غير فرق بين كون الشكّ في القابلية لأجل الشبهة المفهومية أو غيرها ، كما تقدّم . ومع عدم جريانها يكون المرجع هو أصالة عدم التذكية(1).

التحقيق في جريان أصالة عدم التذكية في المحتملات

إنّ التذكية إن كانت أمراً مركّباً خارجياً ـ ككونها نفس الاُمور الستّة الخارجية ـ فأصالة عدمها غير جارية ، بعد وقوع الاُمور الخمسة على حيوان شكّ في قابليته ; لسقوط أصالة عدم القابلية وعدم كون التذكية أمراً مسبوقاً بالعدم ; لكونها عبارة عن الاُمور الخارجية ، والمفروض حصول خمسة وعدم جريان الأصل في السادس منها . فحينئذ يكون المرجع أصالة الحلّ والطهارة .

هذا كلّه إذا كانت أمراً مركّباً .

وأمّا إذا كانت أمراً بسيطاً محضاً متحصّلاً من ذلك الاُمور أو اعتباراً قائماً بها


1 ـ وهاهنا وجه آخر ، وإن شئت فاجعله خامس الوجوه ; وهو أخذ السالبة المحصّلة جزءً للموضوع مع تقييدها بوجود الموضوع ، ويعلم حكمه عمّا أوضحه الاُستاذ دام ظلّه في الوجوه السابقة . [المؤلّف]


(138)

أو بسيطاً مقيّداً أو مركّباً تقييدياً فأصالة عدم التذكية جارية ، مع الغضّ عن الإشكال المشترك .

أمّا إذا كانت أمراً بسيطاً متحصّلاً من الاُمور الخارجية فواضح ; لأ نّه مسبوق بالعدم قبل تحقّق الاُمور الخارجية ، والآن كما كان . واختلاف منشأ الشكّ واليقين لا يضرّ به .

وكذلك إذا كانت أمراً بسيطاً منتزعاً ; لأنّ هذا الأمر الانتزاعي الموضوع للحكم وإن كان على فرض وجوده يتحقّق بعين منشأ انتزاعه ، لكنّه مسبوق بالعدم .

وأمّا إذا كانت أمراً مركّباً تقييدياً ـ سواء كانت بسيطة متحصّلة مقيّدة ، أو منتزعة من الاُمور الخمسة متقيّدة بقابلية المحلّ ، أو مركّبة منها ومتقيّدة بالقابلية ـ فجريان أصالة عدم التذكية لا مانع لها ; لأنّ المتقيّد بما أنّه متقيّد مسبوق بالعدم ومشكوك تحقّقه ، والفرض أنّ موضوع الحكم متقيّد .

وبذلك يظهر : ضعف ما عن بعض أعاظم العصر ـ قدس سره ـ من أنّ التذكية إذا كانت نفس الاُمور الخمسة ، وكانت قابلية المحلّ شرطاً للتأثير ولها دخالة في تأثير الخمسة لا تجري أصالة عدم التذكية ، بل المرجع هي أصالة الحلّ والطهارة(1) .

وجه الضعف : أنّ دخالة القابلية في التأثير عبارة اُخرى عن تقييد موضوع الحكم به . فالموضوع للحلّية والطهارة الواقعيتين هو الاُمور الخمسة المشترط بالقابلية ، وهذا المعنى المتقيّد المشترط مسبوق بالعدم ، واختلاف منشأ الشكّ واليقين ممّا لا يمنع عن جريان الاستصحاب .

وهـذا ممّا لا إشكال فيه ، إنّما الإشكال في جـريان أصالة عـدم التذكية


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 382 .


(139)

مطلقاً ـ بسيطة كانت أو لا ـ وهو أنّ حقيقة التذكية التي هـي فعل المذكّي عبارة عـن إزهاق الروح بكيفية خاصّة وشرائط مقرّرة ; وهي فري الأوداج الأربعة مع كون الذابح مسلماً ، وكون الذبح عن تسمية وإلى القبلة مع آلة خاصّة ، وكون المذبوح قابلاً للتذكية(1) . وعدم هذه الحقيقة بعدم الإزهاق بالكيفية الخاصّة والشرائط المقرّرة .

ولا إشكال في أنّ هذا الأمر العدمي على نحو «ليس» التامّ ليس موضوعاً للحكم الشرعي ; فإنّ هذا المعنى العدمي متحقّق قبل تحقّق الحيوان وفي زمان حياته ، ولم يكن موضوعاً للحكم .

وما هو الموضوع عبارة عن الميتة ; وهي الحيوان الذي زهق روحه بغير الكيفية الخاصّة بنحو الإيجاب العدولي ، أو زهوقاً لم يكن بكيفية خاصّة ، على نحو «ليس» الناقص أو الموجبة السالبة المحمول ، وهما غير مسبوقين بالعدم ; فإنّ زهوق الروح لم يكن في زمان محقّقاً بلا كيفية خاصّة ، أو مسلوباً عنه الكيفية الخاصّة .

فما هو موضوع غير مسبوق بالعدم ، وما هو مسبوق به ليس موضوعاً له . واستصحاب النفي التامّ لا يثبت زهوق الروح بالكيفية الخاصّة إلاّ على الأصل المثبت .

هذا ، مضافاً إلى الإشكال في مثل تلك القضايا السالبة .


1 ـ ثمّ إنّ سيّدنا الاُستاذ ذكر احتمالات عديدة للتذكية ومقابلها ، وأوضح ما هو الموضوع للحلّ والطهارة ومقابليهما ، ولمّا كان التصديق الفقهي محتاجاً إلى تنقيح هذه الوجوه بالمراجعة إلى مصادرها أسقطنا كلّ ما أفاده عند طبع هذه الأوراق ; روماً للاختصار . [المؤلّف]


(140)

تفصيل المحقّق الهمداني في المقام

ثمّ إنّ المحقّق صاحب «المصباح» فصّل في «تعليقته» و«مصباحه» بين الأحكام في المقام ، فقال : إنّ مقتضى القاعدة هو التفكيك بين الآثار ; فما كان منها مترتّباً على عدم كون اللحم مذكّى ـ كعدم الحلّية وعدم جواز الصلاة فيه ، وعدم طهارته وغير ذلك من الأحكام العدمية التي تنتزع من الأحكام الوجودية التي تكون التذكية شرطاً في ثبوتها ـ فيترتّب عليه ، فيقال : الأصل عدم تعلّق التذكية بهذا اللحم الذي زهق روحه ، فلا يحلّ أكله ولا الصلاة فيه ولا استعماله فيما يشترط بالطهارة .

وأمّا الآثار المترتّبة على كونه غير مذكّى ، كالأحكام الوجودية الملازمة لهذه العدميات ـ كحرمة أكله أو نجاسته أو تنجيس ملاقيه أو حرمة الانتفاع ببيعه أو استعماله في سائر الأشياء الغير المشروطة بالطهارة ، كسقي البساتين وغير ذلك من الأحكام المتعلّقة بعنوان الميتة أو كونه غير مذكّى ـ فلا(1) ، انتهى .

ولا يخفى ما فيه ; لأنّ موضوع جواز الصلاة والحلّية وغيرهما هو المذكّى ; أي الحيوان الذي زهق روحه بالأسباب المقرّرة الشرعية .

فحينئذ إن أراد بالأصل المذكور استصحاب نفي تعلّق التذكية على نحو السلب التحصيلي الأعمّ من وجود الموضوع فهو غير مفيد ; لأ نّه بهذا المعنى العامّ ليس موضوعاً لحكم من الأحكام .

وإن أراد به أصالة عدم تعلّقها على الحيوان الموجود الذي زهق روحه بنحو


1 ـ مصباح الفقيه ، الطهارة 8 : 378 ، حاشية فرائد الاُصول ، المحقّق الهمداني : 388 .


(141)

السلب التحصيلي عن الموضوع المحقّق ، فيقال : إنّ الأصل في الحيوان الذي زهق روحه أن يكون بلا تعلّق أسباب شرعية فلا حالة سابقة له .

وإن أراد استصحاب عدم تحقّق التذكية بنحو السلب الأعمّ التحصيلي لنفي الأحكام المذكورة بعد زهوق روحه فيرد عليه : أنّ استصحاب العنوان العامّ الذي يتحقّق في ضمن أفراد طولية أو عرضية لا يوجب إلاّ ترتيب آثار ذلك العنوان ، دون آثار الفرد الذي من مصاديق ذلك العنوان ; فإنّه بالنسبة إلى آثار الفرد من الاُصول المثبتة .

ألا ترى أنّ استصحاب بقاء الحيوان المردّد بين البقّ والفيل بعد سنة لا يثبت إلاّ آثار ذلك العنوان ، لا ما هو أثر للفرد الطويل العمر من الحيوان ، ومثله المقام ; فإنّ عدم تحقّق التذكية يصدق تارة مع ما إذا لم يكن حيوان في البين ، واُخرى ما إذا كان ولكنّه بعد حيّ يأكل ويمشي ، وثالثة إذا زهق روحه ولكن لا بالأسباب المعيّنة المقرّرة في شريعة الإسلام ، فهو صادق مع عدم الحيوان ، ومع وجوده بوصف الحياة ، ومع زهوق روحه لا بالأسباب المقرّرة .

فحينئذ : فما هو الموضوع لتلك الأحكام الوجودية التي نريد رفعها برفع أسبابها ليس مطلق عدم التذكية بقول مطلق ; حتّى مع عدم وجوده أو كونه حيّاً ; لعدم الموضوع في الأوّل ، وكونه طاهراً في زمن الحياة ، وعدم الدليل على عدم الحلّية في حالها ، بل الموضوع هو الفرد الثالث .

فما هو الموجب لعدم الحلّية والطهارة إنّما هو زهوق الروح لا بالآلات والشرائط المقرّرة ، كما أنّ الموجب لهما هو وجود التذكية بالنحو المذكور .

فحينئذ : فانطباق ذلك المستصحب على الفرد الثالث عقلي محض ; للعلم بوجوده وزهوقه ، فيتعيّن الثالث ، وهذا هو المراد بالمثبتية .


(142)

وإن شئت قلت : جرّ العدم المحمولي الذي يجتمع مع عدم الموضوع إلى زمان حياته لا يثبت العدم الرابط ; أعني كون هذا الحيوان لم يتعلّق به التذكية مع شرائطها .

وتوهّم : أنّ العدم المحمولي وإن لم يكن ذا أثر حدوثاً ; أي فيما إذا تحقّق فـي ضمن الفـردين الأوّلين ، إلاّ أنّـه ذو أثر بقاءً ; أي فيما إذا تحقّق فـي ضمن الفرد الثالث .

مدفوع ; بأنّه خلط بين أثر نفس العامّ وأثر الفرد ; فإنّ الحلّية والطهارة من آثار الحيوان الذي وردت عليه التذكية بشرائطها ، والغرض من الاستصحاب هو رفع تلك الآثار برفع أسبابها .

والعدم المحمولي إن اُريد منه رفع الآثار ـ ولو مع عدم موضوعه أو لعدم زهوق روحه ـ فليس بمفيد ; لما تقدّم . وإن اُريد رفعها باعتبار الفرد الثالث فانطباقه عليه بعد العلم بانتفاء الأوّلين عقلي محض .

هذا كلّه فيما إذا كان منشأ الشكّ الشكّ في قابلية الحيوان للتذكية ; سواء كانت الشبهة من جهة الاشتباه المفهومي أو لا .

ولنختم البحث ببيان الشبهة الموضوعية .

أصالة عدم التذكية في الشبهة الموضوعية

أمّا الشبهة الموضوعية ; سواء كان مصبّ الشكّ نفس الحيوان ; بأن يشكّ في أنّ هذا الحيوان هل ذكي أو لا ، أو كان أجزاؤه كما لو شكّ في أنّ الجزء الفلاني ـ كالجلد ـ هل هو مأخوذ من المذكّى أو غيره ، أو من مشكوكه ممّا هو محلّ الابتلاء ـ على القول بشرطية الابتلاء في تأثير العلم الإجمالي ـ ففي جريان أصالة عدم


(143)

التذكية مطلقاً ، أو التفصيل بين الصور إشكال ، وما نذكره من النقض والإبرام مع قطع النظر عن الإشكال السيّال الذي يعمّ عامّة الصور ـ حكمية كانت أو موضوعية ـ ولا بأس أن نشير إلى صورها :

الاُولى : لو ذبح الحيوان وشككنا في وقوع التذكية عليه ، أو اللحم المطروح في الطريق المأخوذ من حيوان شكّ في تذكيته ، وهذا ما تسالم فيه القوم على جريان الأصل ، والحقّ معهم إذا أغمضنا النظر عن الإشكال السيّال .

الثانية : الجزء المأخوذ من أحد حيوانين نعلم أنّ أحدهما المعيّن مذكّى والآخر غير مذكّى ، ولكن نشكّ في أنّ هذا الجزء هل هو مأخوذ من هذا أو ذاك ؟

فإن قلنا : إنّ التذكية من أوصاف الحيوان وعوارضه ، وإنّ الموصوف بها وبعدمها إنّما هو نفس الحيوان ، وإنّما تنسب إلى الأجزاء بتبع الحيوان فالجزء بما هو هو لا مذكّى ولا غير مذكّى ، فلا شكّ في خروج الجزء من مصبّ الأصل ، فيسقط أصالة عدم التذكية في الجلود واللحوم المتّخذة من أحد حيوانين نعلم حالهما تعيّناً ، ويرجع إلى أصالتي الحلّية والطهارة .

وإن قلنا : باتّصاف الجزء بالتذكية حقيقة ، وأنّ التذكية يرد على الجزء والكلّ عرضاً لا تبعاً فأصالة عدم التذكية محكّمة في الجزء ، مع الغضّ عن الإشكال السيّال .

الثالثة : تلك الصورة ، ولكن اشتبه المذكّى بغيره ، ولم يكن في المقام طريق إلى تشخيصهما ، ويتصوّر ذلك على وجوه :

فإنّ الحيوانين إمّا أن يكونا في مورد الابتلاء ، أو كان كـلّ واحـد خارجاً عـن محلّ الابتلاء ، أو كان المتّخذ منه داخلاً والآخـر خارجاً ، أو بالعكس ; فهنا وجوه أربعة :


(144)

الأوّل : إذا كان الحيوانان في محلّ الابتلاء ; فإن قلنا بأنّ المانع من جريان الأصل في أطراف العلم الإجمالي هو المخالفة العملية ، وأ نّه لولا المخالفة لما كان مانع من جريانه فيجري الأصل في الحيوانين ، ويحكم للجزء أيضاً بعدم التذكية ; لعدم لزوم مخالفة عملية في المقام من اجتناب كلا الحيوانين .

وأمّا لو قلنا بعدم جريان الأصل في أطراف العلم الإجمالي ; لانصراف الأدلّة ، أو لأجل تناقض الصدر مع الذيل ، أو قلنا بأنّه يجري ولكنّه يسقط بالتعارض فحينئذ لو اخترنا أنّ الشكّ في تذكية الجزء ناش ومسبّب عن تذكية الكلّ ; بحيث يكون الأصل الجاري في ناحية الجزء في طول الأصل الجاري في جانب الكلّ ، كالملاقي ـ بالكسر ـ بالنسبة إلى الملاقى ، فلا شكّ أنّ حكم الجزء هنا كحكم الملاقي ـ بالكسر ـ فيخرج السبب عن مصبّ الأصل ـ سواء كان الأصل عدم التذكية ، أو الطهارة والحلّية ـ إمّا لعدم جريانه أو لسقوطه بالتعارض ، فيصل النوبة إلى الأصل الجاري في ناحية المسبّب .

وبما أنّ التذكية وعدمها وصفان للحيوان لا لأجزائه فما هو غير المذكّى ـ زهق روحه بلا كيفية خاصّة ـ عبارة عن الحيوان ، كما أنّ المذكّى عبارة عن الحيوان المذبوح بالشرائط الشرعية .

وأمّا الحكم بنجاسة الأجزاء وحرمتها أو طهارتها وحلّيتها إنّما هو من جهة أنّها أجزاء للمذكّى أو لغير المذكّى . فحينئذ يسقط أصالة عدم التذكية في ناحية المسبّب ـ الجزء ـ فيصل النوبة إلى اُصول حكمية ; من أصالتي الطهارة والحلّية ; لولا منجّزية العلم الإجمالي ، ومعها لابدّ من الاجتناب .

الثاني : إذا كان الحيوانان خارجين من محلّ الابتلاء : فإن قلنا إنّ الخروج عن محلّ الابتلاء يوجب عدم فعلية الحكم وعدم صحّة جريان الأصل فيه ـ كما هو


(145)

المشهور بين المتأخّرين ، وسيوافيك في محلّه كونه خلاف التحقيق(1) ـ فالأصل وإن كان غير جار في الحيوان الذي لم يتّخذ منه ; لعدم ترتّب أثر عليه إلاّ أنّ الحيوان المتّخذ منه هذا الجزء وإن كان خارجاً عن محلّ الابتلاء إلاّ أنّه يجري الأصل فيه ; لأ نّه غير خال عن الأثر ، باعتبار جزئه الداخل في محلّ الابتلاء .

الثالث : ما لو كان المأخوذ منه خارجاً وغير المأخوذ منه داخلاً في محلّ الابتلاء ; فيجري الأصل في غير المأخوذ منه بلا إشكال ; لوقوعه في محلّ الابتلاء ، وكذا في المأخوذ منه الخارج عن الابتلاء ; لوقوع جزئه مورداً للتكليف والابتلاء ، فالأصل الجاري في ناحية الكلّ غير خال عن الأثر .

وإن شئت قلت : إنّ التفصيل الجاري في الشقّ المتقدّم حسب اختلاف المباني في جريان الأصل في أطراف العلم الإجمالي جار في المقام ; لأنّ خروج المأخوذ منه عن محلّ الابتلاء غير مؤثّر ، بل خروجه كلا خروجه ; لكون جزئه واقعاً مورداً للابتلاء ، فيتصوّر فيه التفصيل المتقدّم بين المباني ، فتذكّر .

الرابع : عكس الشقّ المتقدّم ; بأن كان المأخوذ منه داخلاً في محلّ الابتلاء وغير المأخوذ منه خارجاً ، فحكمه واضح ; لما مرّ ، بل لا علم إجمالي بالتكليف الفعلي أصلاً ; لخروج أحد الطرفين عن محلّ الابتلاء ، فصار الداخل كالشبهة البدوية ، فيجري فيه الأصل ، ويحكم في الجزء بالحرمة والنجاسة .

هذا كلّه مع الغضّ عن الإشكال السيّال .

هذه هي الأقسام الأربعة التي كلّها من شقوق الصورة الثالثة ، فبقي في المقام صورة رابعة ; لا بأس بالإشارة إليها ; تكميلاً للغرض :


1 ـ يأتي في الصفحة 225 .


(146)

الصورة الرابعة : الشكّ في جزء من الحيوان بأنّه مأخوذ من الحيوان المشكوك تذكيته أو من المعلوم تذكيته أو المعلوم عدم تذكيته ، كالجلود التي صنعت في بلاد الكفر ممّا هي مشتبهة بين الجلود التي نقلت من بلاد المسلمين إليهم ، فصنعوا ما صنعوا ، ثمّ ردّت إليهم بضاعتهم ، وبين غيرها ممّا هو من جلود ذبائحهم أو ممّا هو مشكوك تذكيته .

ففي هذه الصورة لا تجري أصالة عدم التذكية ، على القول بأنّ التذكية واللاتذكية إنّما تعرضان الحيوان لا أجزائه ، فلا يجري الأصل بالنسبة إليها .

وأمّا بالنسبة إلى الحيوان المأخوذ منه بعنوانه المبهم ; بأن يقال : الأصل عدم تذكية ما اُخذ الجزء منه فلا يجري أيضاً ; لكونه من قبيل الشبهة المصداقية ; لدليل الأصل ، فإنّ المأخوذ منه أمره دائر بين المعلوم والمشكوك ; فإن اُخذ من المعلوم تذكيته فيكون من قبيل نقض اليقين باليقين ، وإلاّ فيكون من نقض اليقين بالشكّ .

مضافاً إلى أنّ جريان الأصل فيه لا يثبت كون الجزء منه .

هذا تمام الكلام في توضيح هذا الأصل .

وقـد عرفت : أنّ المهمّ في المقام رفـع غائلة الإشكال السيّال ، وهـو بعـد باق بحاله .

ثمّ إنّا قد ذيّلنا البحث في الدورة السابقة بالبحث عن التفصيل الظاهر من بعض الأساطين بين الطهارة والحلّية ، وأردفناه بنقل بعض التوجيهات المنقولة عن شارح «الروضة» وعن بعض الأعاظم ـ قدس سره ـ وما فيه(1) ، ولكن الأولى عطف عنان البحث إلى بقية التنبيهات :


1 ـ راجع أنوار الهداية 2 : 116 .


(147)

التنبيه الثاني
في حسن الاحتياط

لا إشكال في حسن الاحتياط ومحبوبيته عند العقل المُدرِك لحسن الأشياء وقبحها ، من غير فرق بين العبادات وغيرها ; ضرورة اتّحاد الملاك فيهما .

تقرير إشكال الاحتياط في العبادات

نعم ، ربّما يقال : بعدم إمكان الاحتياط في العبادات بوجهين :

الأوّل : ما أفاده الشيخ ـ رحمه اللّه ـ من أنّ العبادة لابدّ فيها من نيّة القربة المتوقّفة على العلم بأمر الشارع ; تفصيلاً أو إجمالاً ، مع أنّه لا علم في الشبهات البدوية ، فلا يمكن الاحتياط(1) .

وإن شئت قلت : إنّه يشترط في صدور الشيء عن الشخص على وجه العبادة إتيانها متقرّباً إلى الله على وجه القطع واليقين ; فإنّ قصد الأمر والانبعاث عن بعث المولى وإن لم نقل بشرطيته إلاّ أنّه لا مناص عن القول بأنّ عبادية الشيء يتقوّم


1 ـ فرائد الاُصول ، ضمن تراث الشيخ الأعظم 25 : 150 ـ 151 .


(148)

بإتيانه متقرّباً إليه تعالى ، وهو لا يحصل إلاّ بالجزم بأنّه عبادة .

وبعبارة أوضح : أنّ العبادة متقوّمة بقصد التقرّب ، وفي الشبهات البدوية : إمّا أن يقصد ذات الشيء بلا قصد التقرّب ، أو ذات الشيء مع قصد التقرّب ، أو ذات الشيء مع احتمال التقرّب . والأوّل خلف ، والثاني ممتنع ; لأنّ القصد الحقيقي لا يتعلّق بالأمر المجهول المشكوك فيه ، والثالث غير مفيد ; لأنّ الإتيان باحتمال التقرّب غير الإتيان بقصده ، والذي يعتبر فيها قصده لا احتماله .

والجواب : أنّ ذلك يرجع إلى اعتبار الجزم في النيّة ، ولا دليل على اعتباره ; لا من العقل ولا من النقل :

أمّا الأوّل : فلأ نّه لا يعقل أن يتجاوز الأمر عمّا تعلّق به ويبعث إلى غير ما تعلّق به ، والمفروض أنّ ما وقع تحت دائرة الطلب ليس إلاّ ذات العمل ونفس الفعل ، فشرطية أمر آخر يحتاج إلى دليل .

وأمّا الثاني : فالدليل الوحيد هو الإجماع على أنّه يشترط في العبادات الإتيان بالعمل لله تعالى ، وأمّا العلم بأنّه عبادة والجزم في النيّة فليسا مصبّاً للإجماع .

والحاصل : أنّ ما دلّ عليه ضرورة الفقه والمسلمين أنّه يشترط أن يأتي المكلّف بأعماله لوجه الله ، وهو حاصل عند إتيانه بعنوان الاحتياط ; ضرورة أنّ داعي المحتاط في أعماله كلّها هو طلب رضاء الله ومرضاته .

الثاني : أنّ المطلوب في باب العبادات هو تحصيل عنوان الإطاعـة والامتثال والانبعاث عن بعث المولى ; إذ لو أتاه بدواع اُخر لما أطاع وامتثل ; وإن أتى بمتعلّق الأمر . وعليه : فصدق هذا العنوان يتوقّف على العلم بالأمر حتّى ينبعث بأمـره . وأمّا إذا احتمل وجـود الأمـر فهو غير منبعث عـن بعث المولى ، بل


(149)

عـن احتمال البعث ، وهو غير كاف في صدق الإطاعة .

ويرشدك إلى أنّ الباعث حينئذ هو الاحتمال الموجود في الذهن لا الأمر الواقعي ، أنّ الاحتمال قد يطابق الواقع وقد يخالفه والرجل المحتاط يأتي بالمحتمل في كلتا الصورتين ، فليس الباعث سوى الاحتمال ; لعدم الأمر فيما إذا لم يطابق الاحتمال .

فإن قلت : إنّ الباعث دائماً إنّما هو الصورة المتصوّرة في الذهن لا نفس الأمر الواقعي ; ضرورة أنّ انبعاث القاطع ليس عن نفس البعث ، بل عن القطع بالأمر ، بدليل أنّه ربّما يخالف قطعه الواقع ، مع أنّه يأتي بالمقطوع ، فلو كان علّة الانبعاث هو الوجود الواقعي للأمر لكان لازمه عدم الانبعاث عند كون القطع جهلاً مركّباً .

قلت : فيه خلط واضح ; ضرورة أنّ القطع مرآة للواقع وطريق إليه ، فلو طابق الواقع يصير الواقع معلوماً بالعرض ، ويناله المكلّف نيلاً بالعرض . وبذلك يصحّ انتزاع الإطاعة والامتثال للأمر الواقعي .

وهذا بخلاف ما إذا خالف ، فبما أنّه تخيّل يكون الانبعاث عن نفس القطع ، ولا يعدّ عمله عند العقلاء عملاً إطاعياً ، والإطاعة والعصيان أمران عقلائيان ، ونحن نرى أنّهم يفرّقون بين تطابق القطع وتخالفه .

أمّا صورة الاحتمال : فليس فيها انكشاف ولا دلالة ولا هداية ، فلا يمكن انتزاع الإطاعة عن الانبعاث الناشئ من الاحتمال ، ولا يقال : إنّه أطاع أمر المولى وامتثله وانبعث عنه مع جهله بأصل وجوده وثبوته(1) .

هذا غاية تقرير منّا لهذا الوجه . ومع ذلك فغير وجيه ; إذ لم يدلّ دليل على


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 73 .


(150)

لزوم الانبعاث عن البعث ولا لزوم قصد الأمر المتعلّق به ; سوى الإجماع المحكي عن بعض المتكلّمين(1) ، مع عدم حجّية الإجماع ـ محصّله ومنقوله ـ في هذه المسائل العقلية .

وإن شئت قلت : إنّ الإطاعة أمر عقلائي ، ولا إشكال عند العقلاء في أنّ العبد إذا أتى بالمحتمل يكون مطيعاً للمولى إذا طابق الواقع ، ويعدّ ذلك نحو إطاعة وامتثال .

أضف إلى ذلك : أنّ الانبعاث مطلقاً ليس من البعث ، بل البعث التشريعي له دعوة تشريعية وبعث إيقاعي إلى العمل .

وأمّا الانبعاث بها والتحرّك حسب تحريكه فلا يحصل إلاّ بعد تحقّق اُمور في النفس ، كحبّ المولى أو معرفته أو الخوف من عقابه أو الطمع في ثوابه ، إلى غير ذلك من المبادئ حسب اختلاف العباد .

تصحيح عبادية الشيء بأوامر الاحتياط

لو قلنا بعـدم إمكان الاحتياط مـع احتمال الأمـر فهل يمكن تصحيح عباديـة الشيء لأجل أوامر الاحتياط ، فيقصد المكلّف الأمر الاحتياطي المتعلّق بالعبادة أو لا ؟

التحقيق هو الثاني ; لأنّ احتمال شمول أدلّة الاحتياط للشبهات الوجوبية فرع إمكان الاحتياط فيها ، وقد فرضنا امتناع الاحتياط فيها ، ومع ذلك فكيف يحتمل إطلاق أدلّة الاحتياط لها ولغيرها ؟ !

والحاصل : أنّ قصد الأمر الاحتياطي جزماً عند الإتيان بالشبهات الوجوبية


1 ـ راجع ما يأتي في الصفحة 421 .


(151)

فرع صدق الاحتياط فيها قبل الأمر ، مع أنّ إمكان الاحتياط فيها موقوف على قصد أمره ; بحيث لولا هذا القصد لما صحّ أن يقال : إنّ هذا العمل احتياط في العبادة . وبعبارة أوضح : تعلّق أوامر الاحتياط بالعبادات المحتملة يتوقّف على إمكانه فيها ، ولو توقّف إمكانه عليه يلزم توقّف الشيء على نفسه .

فإن قلت : إنّما يتعلّق أوامر الاحتياط بذات العمل مع قطع النظر عن قصد التقرّب أو مع قطع النظر عن الإتيان بداعي احتمال الأمر(1) .

قلت : إنّ انطباق عنوان الاحتياط على ذات العمل لا يوجب كون ذات العمل متعلّقاً للأمر ; لما مرّ مراراً من أنّ انطباق عنوان على شيء لا يوجب تعدّي الأمر عن متعلّقه إلى عنوان آخر يعدّ منطبقاً ـ بالفتح ـ له(2) ، وتجد تفصيل هذا الموضوع في مبحث اجتماع الأمر والنهي(3) .

وعليه : فلا يعقل تعلّق الأمر الاحتياطي المفروض تعلّقه في لسان الدليل بعنوان الاحتياط بنفس الفعل المشكوك وجوبه ، وإلاّ لزم تجافي الأمر عن متعلّقه بلا ملاك ، وتخلّف الإرادة عن المراد .

ويشهد لما ذكرنا : اختلافات كيفية الاحتياط في الواجبات والمحرّمات ، فالاحتياط في الأوّل بالإتيان وفي الثاني بالترك ، فلو تعلّق الأمر المتعلّق بعنوان الاحتياط بذات العمل لزم أن يكون قوله : «فاحتط لدينك»(4) تارة بعثاً إلى الفعل


1 ـ فرائد الاُصول ، ضمن تراث الشيخ الأعظم 25 : 153 .
2 ـ تقدّم في الجزء الأوّل : 122 ، وفي الجزء الثاني : 80 و 84 ـ 85 .
3 ـ تقدّم في الجزء الثاني : 45 و 56 ـ 57 .
4 ـ الأمالي ، الشيخ الطوسي : 110 / 22 ، وسائل الشيعة 27 : 167 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 12 ، الحديث 46 .


(152)

واُخرى زجراً عنه ; لأنّ المفروض وقوع نفس هذه الأفعال محطّاً للخطاب دون عنوان الاحتياط .

وهذا بخلاف القول بأنّ الأمر متعلّق بنفس عنوان الاحتياط . غاية الأمر : أنّ امتثال الأمر الاحتياطي يختلف عند العقل في الواجبات والمحرّمات .

مع أنّ تعلّق الأمر بالاحتياط بذات العمل خروج عن الاحتياط ; فإنّ الاحتياط في التعبّديات إتيانها بعنوان احتمال التعبّدية .

ثمّ إنّه تصدّى بعض أعاظم العصر ـ قدس سره ـ للجواب عمّن تصدّى لتصحيح العبادات بأوامر الاحتياط(1) ، ونحن قد أوردنا مثل هذا البيان عنه ـ قدس سره ـ عند البحث عن اجتماع الأمر والنهي ، وعليه فلا ملزم لذكره مع ما فيه ، فراجع(2) .

الاستدلال لإمكان الاحتياط بأخبار من بلغ(3)

وممّا يؤيّد إمكان الاحتياط في التعبّديات ـ بل من أدلّته ـ أخبار هذا الباب ; فإنّ تلك الأخبار تدلّ على أنّ تمام الموضوع للثواب هو البلوغ ، كما في صحيحة هشام(4) أو السماع ، كما في بعض آخر منها(5) . وعليه فمهما بلغه أو سمعه وعمل


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 403 .
2 ـ تقدّم في الجزء الثاني : 55 ـ 56 .
3 ـ قد جمع الشيخ المحدّث الأكبر عامّة روايات الباب في مقدّمات «الوسائل» . [المؤلّف]
4 ـ المحاسن : 25 / 2 ، وسائل الشيعة 1 : 81 ، كتاب الطهارة ، أبواب مقدّمات العبادات ، الباب 18 ، الحديث 3 .
5 ـ الكافي 2 : 87 / 1 ، وسائل الشيعة 1 : 81 ، كتاب الطهارة ، أبواب مقدّمات العبادات ، الباب 18 ، الحديث 6 .


(153)

على وزانه ; رجاء أنّ رسول الله قد قاله ، فيثاب ; وإن كان رسول الله لم يقله .

فهذه الأخبار أقوى شاهد على أنّه لا يشترط في تحقّق الإطاعة الجزم بالنيّة ولا قصد الأمر في تحقّق الإطاعة ; إذ الثواب الذي يصل إليه عند المطابقة ليس إلاّ نفس الثواب المقرّر على العمل ، كما هو ظاهر الصحيحة .

وبالجملة : أنّ الظاهر منها أنّ العمل المأتي به رجاء إدراك الواقع والتوصّل إلى الثواب إذا صادف الواقع يكون عين ما هو الواقع ، ويستوفى المكلّف نفس الثواب الواقعي ، وإن لم يصادف الواقع يعطى له مثل ثواب الواقع تفضّلاً . ولو كان الإتيان باحتمال الأمر لغواً أو تشريعاً لما كان له وجه .

والحاصل : أنّ مقتضى إطلاق البلوغ والسماع إمكان الاحتياط وعدم لزوم الجزم واليقين بالصدور أو الحجّية ، وإلاّ فلو كان شرطاً لما كان جهة لإعطاء ثواب نفسي ; لعدم الإتيان بالعمل الصحيح .

القول في مفاد أخبار من بلغ

ومجمل القول فيه : أنّ الظاهر من أخباره أنّ وزانها وزان الجعالة ; بمعنى وضع الحكم على العنوان العامّ ليتعقّبه كلّ من أراد ، فكما أنّ تلك جعل معلّق على ردّ الضالّة فهذا أيضاً جعل متعلّق على الإتيان بالعمل بعد البلوغ برجاء الثواب .

توضيحه : أنّ غرض الشارع لمّا تعلّق على التحفّظ بعامّة السنن والمستحبّات ، ويرى أنّ الاكتفاء في طريق تحصيلها على الطرق المألوفة ربّما يوجب تفويت بعضها ، فلأجل ذلك توصّل إلى مراده بالحثّ والترغيب إلى إتيان كلّ ما سمع عن الغير ، الذي يحتمل كونه ممّا أمر به رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ .

وأردف حثّه باستحقاق الثواب وترتّب المثوبة على نفس العمل حتّى يحدث


(154)

في نفس المكلّف شوقاً إلى الإتيان ; لعلمه بأنّه يثاب بعمله ; طابق الواقع أو خالف .

فهذا الخطاب والترغيب وجعل الثواب على مطلق العمل ـ خالف أو وافق ـ ليس إلاّ لأجل التحفّظ على المستحبّات الواقعية ، كما أنّ الغرض في باب الجعالة متعلّق بردّ الضالّة ، لكن يرى المولى أنّ الخطاب الشخصي والخطاب الخصوصي بين فرد وفردين ربّما لا يحصّل الهدف ، فلأجله يخاطب العموم ; تحفّظاً على الواقع .

وإن شئت فعبّر : كما أنّ قول القائل «مَن ردّ ضالّتي فله كذا» جعل معلّق على ردّ الضالّة فهذا جعل معلّق على إتيان العمل بعد البلوغ أو السماع برجاء الثواب ، وإنّما جعل الثواب على ذلك حثّاً على إتيان كلّية مؤدّيات الأخبار الدالّة على السنن ; لعلم الشارع بأنّ فيها كثيراً من السنن الواقعية ، فلأجل التحفّظ عليها جعل الثواب على مطلق ما بلغ عنه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ ، نظير قوله تعالى : (مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها)(1) ; حيث جعل تضاعف الأجر للحثّ على الإتيان بالحسنات ، فلأدلّة الباب إطلاق بالنسبة إلى كلّ ما بلغ بسند معتبر أو غيره .

استفادة الاستحباب الشرعي من أخبار من بلغ

وممّا ذكرنا يظهر : أنّ استفادة الاستحباب الشرعي منها مشكل غايته ; للفرق الواضح بين ترتّب الثواب على عمل له خصوصية وفيه رجحان ذاتي كما في المستحبّات ، وبين ترتّب الثواب على الشيء لأجل إدراك المكلّف ما هو الواقع المجهول كما في المقام .


1 ـ الأنعام (6) : 160 .


(155)

كما أنّ جعل الثواب على المقدّمات العلمية لأجل إدراك الواقع لا يلازم كونها اُموراً استحبابية . وكما أنّ جعل الثواب على المشي في طريق الوفود إلى الله أو إلى زيارة الإمام الطاهر ، الحسين بن علي ـ عليهما السلام ـ لأجل الحثّ إلى زيارة بيته أو إمامه لا يلازم كون المشي مستحبّاً نفسياً . وقس عليه كلّ ما يقع في ذهنك من أمثال ذلك .

نعم ، يمكن المناقشة في المثالين بأنّ في المشي خصوصية زيادة التخشّع والتواضع لله تعالى ; زائدة على المقدّمية .

وأظنّك إذا لاحظت روايات الباب من أوّلها إلى آخرها تقف على أنّ الهدف منها هو التحفّظ على الواقع بجعل الثواب على كلّ ما بلغ أو سمع : من دون أن يصير مستحبّاً نفسياً إذا لم يكن في الواقع كذلك حتّى لو قلنا بأنّ مفادها التفضّل على العامل ; لئلاّ يضيّع عمله وتعبّده ، لَما دلّت على الاستحباب ، كما لايخفى .

وأمّا ما أفاده المحقّق الخراساني ـ قدس سره ـ : من أنّه لا يبعد دلالة بعض تلك الأخبار على استحباب ما بلغ عليه الثواب ; لظهوره في أنّ الأجر كان مترتّباً على نفس العمل الذي بلغ عن النبي ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أنّه ذو ثواب(1) .

فغير تامّ ; لأنّ ترتّب الثواب على الشيء : تارة لأجل كونه محبوباً نفسياً ، واُخرى لأجل التحفّظ على ما هو محبوب واقعاً ، وفي مثله لا يصير العمل مستحبّاً بذاته ، ولا يسمّى مستحبّاً اصطلاحاً .

ويليه في الضعف ـ بل أضعف منه ـ ما أفاده بعض أعاظم العصر ـ رحمه اللّه ـ ; فإنّه بعد ما ذكر الاحتمالات الموجودة في مفاد الأخبار اختار ثانيها ، فقال : إنّ الجملة الخبرية بمعنى الإنشاء وفي مقام بيان استحباب العمل ، ويمكن أن يكون ذلك على


1 ـ كفاية الاُصول : 401 .


(156)

أحد وجهين : أحدهما أن تكون القضية مسوقة لبيان اعتبار قول المبلّغ وحجّيته ; سواء كان واجداً لشرائط الحجّية أو لا ـ كما هو الظاهر ـ فيكون مفاد الأخبار مسألة اُصولية ; هي حجّية الخبر الضعيف ، ومخصّصة لما دلّ على اعتبار الوثاقة والعدالة في الراوي .

إن قلت : إنّ النسبة بينهما عموم من وجه ; حيث إنّ ما دلّ على اعتبار الشرائط يعمّ القائم على الوجوب والاستحباب ، وأخبار من بلغ تعمّ الواجد للشرائط وغيره وتختصّ بالمستحبّات ، فيقع التعارض بينهما .

قلت ـ مع إمكان أن يقال : إنّ أخبار من بلغ ناظرة إلى إلغاء الشرائط ; فتكون حاكمة على ما دلّ على اعتبارها ـ إنّ الترجيح لها بعمل المشهور بها ، مع أنّه لو قدّم ما دلّ على اعتبار الشرائط عليها لم يبق لها مورد ، بخلاف تقديمها عليها ; فإنّ الواجبات والمحرّمات تبقى مشمولة لها .

بل يظهر من الشيخ اختصاص ما دلّ على اعتبار الشرائط بالواجبات والمحرّمات(1) . ولكن الإنصاف خلافه .

إلى أن قال : ولا يبعد أن يكون هذا أقرب ، كما عليه المشهور(2) ، انتهى كلامه .

وفي كلامه مواقع للنظر :

أمّا أوّلاً : فلأنّ مساق الأخبار ـ كما هو غير خفي على من لاحظه ـ ليس إعطاء الحجّية ; فإنّ لسان الحجّية إنّما هو إلغاء احتمال الخلاف وأنّ المؤدّى هو


1 ـ رسائل فقهية ، ضمن تراث الشيخ الأعظم (رسالة في التسامح في أدلّة السنن) 23 : 152 .
2 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 412 ـ 415 .


(157)

الواقع ، وهو ينافي مع فرض عدم صدور الحديث ، كما هو صريح قوله ـ عليه السلام ـ : «وإن كان رسول الله لم يقله»(1) .

وإن شئت أن تعرف التنافي فعليك بالجمع بين لسان الأخبار ولسان الحجّية ; فتراه أمراً بارداً غير متناسب ، فلو قال القائل : «ما أدّى عنّي فعنّي يؤدّي ، وإن لم يكن المؤدّى عنّي ولم يصدر عنّي» كان كلاماً مستهجناً متناقضاً . وهذا شاهد على عدم كون الحديث في هذه المقامات .

وثانياً : أنّ ما أفاده من أنّ أخبار الباب معارضة أو مخصّصة لما دلّ على حجّية قول الثقة في غير محلّه جدّاً ; لعدم التنافي بينهما حتّى ينجرّ الأمر إلى التعارض أو التخصيص ; إذ لا منافاة بين أن يكون خبر الثقة حجّة ومطلق الخبر حجّـة في المستحبّات . ومـا دلّ على حجّية قـول الثقة ـ سوى آيـة النبأ(2) ـ غير دالّ على عدم حجّية قول غيره . وإن شئت فلاحظ آية النفر(3) والسؤال(4) والأخبار الواردة في المقام(5) . وما دلّ على عدم اعتبار خبر الفاسق أو غير الثقة قابل للمناقشة .

وبالجملة : فالنسبة وإن كانت عموماً وخصوصاً من وجه إلاّ أنّهما متوافقان .

وثالثاً : أنّ ما ادّعى من حكومة أخبار الباب على غيرها فيه ما لا يخفى ;


1 ـ المحاسن : 25 / 2 ، وسائل الشيعة 1 : 81 ، كتاب الطهارة ، أبواب مقدّمات العبادات ، الباب 18 ، الحديث 3 .
2 ـ الحجرات (49) : 6 .
3 ـ التوبة (9) : 122 .
4 ـ النحل (16) : 43 .
5 ـ راجع وسائل الشيعة 27 : 77 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 8 و11 .


(158)

لفقدان مناط الحكومة . نعم لو صحّ ما أفاد من كون أخبار الباب ناظرة إلى إلغاء الشرائط لكان له وجه صحيح ، ولكنّه بعد غير تامّ .

وبالجملة : مفاد أخبار المقام حجّية قول المخبر مطلقاً في المستحبّات ، ومفاد أدلّة اعتبار قول الثقة حجّية قول الثقة مطلقاً ، وليس لإحـدى الطائفتين تعرّض لحال الدليل الآخر ; من تفسير أو توضيح أو تصرّف في جهة من جهاتها ممّا به قوام الحكومة .

ورابعاً : أنّ جعـل عمل المشهور مـرجّحاً لتقديم أخبار الباب على غيرها غير تامّ ; لأنّ وجه عملهم بها غير معلوم ; إذ من المحتمل أنّهم فهموا منها معنى لا ينافي مع غيرها ـ على ما فسّرناه ـ أو فهموا أنّ نفس البلوغ ـ من أيّ مخبر ـ موضوع للاستحباب وموجب لحدوث المصلحة فيه ، إلى غير ذلك من الوجوه التي يجتمع مع غيرها .

وما اشتهر بينهم من التسامح في أدلّة السنن لا يدلّ على أنّ مفاد الأخبار عندهم هو إلغاء شرائط الحجّية في المستحبّات ; فإنّ التسامح كما يمكن أن يكون لأجل إلغائها كذلك يمكن أن يكون لأجل المعنى الذي ذكرناه .

وبالجملة : الترجيح بعملهم فرع انقداح التعارض بينهما عندهم ، وهو غير معلوم .

وخامساً : أنّ ما أفاد من أنّه لو قدّم ما دلّ على اعتبار الشرائط لم يبق لتلك الأخبار مورد بخلاف العكس ممنوع صغرىً وكبرىً :

أمّا الصغرى : فلأنّ أخبار الباب لا تختصّ بخبر غير الثقة ، بل لها إطلاق يعمّ الثقة وغيرها ، فلو خرج مورد التعارض بقي الفرد الآخر تحته ، ولا يلزم أن يكون المورد الباقي مختصّاً بها .


(159)

نعم ، لو كان مضمونها إلغاء اعتبار الشرائط أو حجّية الخبر الضعيف بالخصوص لكان لما ذكره وجه ، وأمّا لو كان مفاده حجّية قول المخبر في المستحبّات وكان لها إطلاق يعمّ الثقة وغيرها فلو خرج مورد التعارض عن الإطلاق لكان مفادها حجّية قول الثقة في المستحبّات .

وأمّا الكبرى : فلأنّ عدم بقاء المورد ليس من المرجّحات بعد فرض التعارض ، كما لا يخفى .

وأمّا ما أورده على الشيخ الأعظم : فبما أنّه لم يحضرني رسالة الشيخ ـ وإن أوردها صاحب «الأوثق» بتمامه في تعليقته(1) ـ فلأجل ذلك نكتفي بما ذكرنا من الملاحظات(2) .


1 ـ أوثق الوسائل في شرح الرسائل : 299 ـ 307 .
2 ـ ثمّ إنّ سيّدنا الاُستاذ ـ دام ظله ـ بحث في الدورة السابقة في المقام عن عدّة مسائل ; منها : مفـاد النهي وجريان الأصل فيما إذا تركـه مرّة ، منها : دوران الأمـر بين التعيين والتخيير ، وأنّ الأصل مع أيّهما ، منها : دوران الأمـر بين الواجب العيني أو الكفائي ، وأنّ مقتضى الأصـل ما هو .
   ولكنّه ـ دام ظلّه ـ أسقط في هذه الدورة كلّها ; روماً للاختصار ، ولما حقّقه في الجزء الأوّل حول هذه المسائل الثلاثة . [المؤلّف]


(160)


(161)

التنبيه الثالث
في دوران الأمر بين المحذورين

إذا دار الأمر بين وجوب شيء وحرمته ففي جريان البراءة عقلاً وشرعاً خلاف .

وقبل الخوض في المقصود نذكر الصور المتصوّرة ، فنقول : إنّ الدوران قد يتحقّق في واقعة واحدة واُخرى في وقائع . وعلى كلّ تقدير : فقد يمكن المخالفة القطعية وقد لا يمكن ، وعلى جميع الوجوه : قد يكونان متساويين من جهة الأهمّية وقد يحتمل أهمّية واحد منهما وثالثة يعلم أهمّية واحد منهما ، كما إذا تردّد الشخص بين كونه نبياً أو سابّ النبي ، ومن المعلوم أنّ حفظ وجود النبي أهمّ من قتل سابّه .

ثمّ إنّه لا إشكال في امتناع الموافقة القطعية إلاّ في الجملة ، وأمّا المخالفة القطعية فلا يتحقّق إذا كانت الواقعة واحدة . اللهمّ إذا كان أحد الحكمين أمراً تعبّدياً ، كما إذا علمت الحائض بحرمة الصلاة أو وجوبها وجوباً تعبّدياً ; فصلّت بلا قصد التقرّب ، فإنّه يتحقّق ـ حينئذ ـ العلم بالمخالفة القطعية .

وأمّا إذا تعدّدت الوقائع وكان الشخص فاعلاً في واقعة وتاركاً في اُخرى فكما أنّ عمله يعدّ مخالفة قطعية كذلك يعدّ موافقة قطعية .

هذه هي الوجوه المتصوّرة ، وإليك تفصيلها في ضمن اُمور :


(162)

مقتضى الأصل
في تساوي المحذورين من حيث الأهمية مع وحدة الواقعة

الأوّل : إذا كان كلّ من الحكمين متساويين ، ولم يقم دليل على ترجيح واحد منهما فهل يجري أصالة التخيير أو البراءة العقلية أو الشرعية ، أو لا ؟

في جريان الأصل العقلي

أمّا التخيير العقلي : فلا شكّ أنّ العقل يحكم بالتخيير ; لأ نّه بعدما أدرك أنّ العلم الإجمالي غير مـؤثّر في المقام ، وأنّ الموافقـة القطعيـة غير ممكنـة حتّى يحكم بالاحتياط ، كما أنّ المخالفة القطعية غير ممكنة حتّى يمنع عنها العلم الإجمالي ، وأدرك أيضاً عدم مرجّح لواحد منهما حتّى يحكم بالأخذ به ، بل يرى الأخذ بأحدهما معيّناً ترجيحاً بلا مرجّح ، وعندئذ يحكم بلا تأمّل على التخيير ، وأنّ زمام الواقعة في الارتكاب وعدمه بيد المكلّف ، وليس حكمه بالتخيير سوى إدراكه هذه المعاني ، لا أنّه شيء آخر حتّى يستبعد وجوده . هذا حكم العقل في المقام .

وإن شئت قلت : إذا كان طرفا الفعل والترك مساوياً في نظر العقل يحكم بالتخيير بقبح الترجيح بلا مرجّح ، فلا يبقى متردّداً .

وبالجملة : إدراك قبح الترجيح بلا مرجّح ملازم لإدراك التخيير ، وهذا هو حكمه بالتخيير . ومجرّد عدم خلوّ الإنسان من إحدى النقيضين لا يوجب عدم حكم العقل بعدم التعيين الذي هو إدراك التخيير .


(163)

ثمّ إنّ بعض أعاظم العصر منع جريان الأصل العقلي ; قائلاً بأنّه إنّما يجري فيما إذا كان في طرفي التخيير ملاك يلزم استيفاؤه ، ولم يتمكّن المكلّف من الجمع بين الطرفين . فالتخيير العقلي فيه إنّما هو من التخيير التكويني ; حيث إنّ الشخص لا يخلو بحسب الخلقة من الأكوان الأربعة ، لا التخيير الناشئ عن الملاك ، فأصالة التخيير عند الدوران بين المحذورين ساقطة .

وأمّا البراءة العقلية فغير جارية ; لعدم الموضوع لها ; فإنّ مدركها قبح العقاب بلا بيان ، وفي دوران الأمر بين المحذورين يقطع بعدم العقاب ; لأنّ وجود العلم الإجمالي كعدمه لا يقتضي التنجيز والتأثير . فالقطع بالمؤمّن حاصل بنفسه ، بلا حاجة إلى حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان(1) ، انتهى .

وفيه ما لا يخفى ، أمّا أوّلاً : فلأ نّه ما من واقعة من الوقائع إلاّ وللعقل فيه حكم وإدراك إذا أحاط المورد بعامّة خصوصياته ، وكان المورد قابلاً لحكم العقل . ففي هذا الموضع إمّا أن يرى لأحد الطرفين ترجيحاً أو لا ، فعلى الأوّل يحكم بتعيّن الأخذ به ، وعلى الثاني يحكم بالتساوي والتخيير ، كما تقدّم آنفاً .

أضف إلى ذلك : أنّ كون الإنسان غير خال عن الأكوان الأربعة أجنبي عن المقام .

وثانياً : أنّ تخصيص أصالة التخيير بالمتزاحمين اللذين يشتمل كلّ واحد على ملاك لا وجه له ; فإنّ العقل يدرك التخيير ويحكم به في أطراف العلم الإجمالي عند الاضطرار لترك واحد منهما أو فعله ، مع أنّ الملاك قائم لواحد منهما فقط .

ولو نوقش فيه أقول : لو وصل الضالّ إلى طريقين يعلم أنّ أحدهما طريق


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 444 ـ 445 و 448 .


(164)

البلد ، ولا يكون ترجيح بينهما يدرك العقل التخيير ويحكم به ، مـن غير أن يكون في كليهما ملاك .

وأمّا ما أفاده في جريان البراءة العقلية : من أنّ كون العلم الإجمالي كعدمه غير مفيد ; فإنّ المؤمّن مطلقاً إنّما هو قاعدة قبح العقاب بلا بيان ، لا كون العلم الإجمالي كعدمه ; إذ لولا هذه القاعدة وأنّه يقبح للحكيم العقاب بلا بيان لَما نرى مانعاً للمولى أن يعاقب عبيده على تكاليفه الواقعية ; وجوباً كان أو حراماً .

وإن شئت قلت : إنّ مـورد القاعـدة فـي المقام إنّمـا هـو نـوع التكليف ; لأ نّـه غيـر معلوم . وأمّـا الجنس المـردّد بين النوعين فهو وإن كان معلوماً ولا يجـري فيـه أصالـة البراءة ولكـن لا يجـوز العقاب عليه ; لعدم قـدرة المكلّف علـى الموافقـة القطعية .

فاتّضح : أنّ المؤمّن عن العقاب بالنسبة إلى النوع إنّما هو القاعدة ، والمؤمّن عن العقاب على عدم تحصيل الموافقة القطعية إنّما هو العجز وعدم قدرة المكلّف .

وأمّا ما أفاده بعض محقّقي العصر ـ قدس سره ـ في وجه عدم جريان الاُصول عقلية وشرعية ; مـن أنّ الترخيص الظاهـري بمناط عـدم البيان إنّما هـو في ظرف سقوط العلم الإجمالي عن التأثير ، والمسقط له ـ حيثما كان ـ هـو حكم العقل بمناط الاضطرار ، فلا يبقى مجال لجريان البراءة العقلية والشرعية ; نظـراً إلى حصول الترخيص حينئذ في الرتبة السابقة عن جريانها بحكم العقل بالتخيير بين الفعل والترك(1) .

فغير تامّ ; لأنّ حكم العقل بالتخيير بعد إجراء قاعدة قبح العقاب بلا بيان في


1 ـ نهاية الأفكار 3 : 293 .


(165)

طرفي الفعل والترك ، وإلاّ فلو احتمل عدم قبحه بالنسبة إلى خصوص أحد الطرفين لم يحكم بالتخيير قطعاً .

وإن شئت قلت : إنّ مجرى الاضطرار غير مجرى القاعدة ; فإنّ ما هـو المضطرّ إليه هـو أحدهما ، وأمّا خصوص الفعل أو الترك فليس مورداً للاضطرار . فلو فرض كـون الفعل واجباً ، ومع ذلك فقد تركـه المكلّف فليس عـدم العقاب لأجـل الاضطرار إليه ; لكون الفعل مقدوراً بلا إشكال ، بل لقبح العقاب بلا بيان ، ومثله الترك حرفاً بحرف .

في جريان الأصل الشرعي

وفي جريان أصالة الإباحة عند دوران الأمر بين المحذورين كلام :

فقد أفاد بعض أعاظم العصر في عدم جريانها وجوهاً :

الأوّل : عدم شمول دليلها للمقام ; فإنّه يختصّ بما إذا كان طرف الحرمة الحلّ أو الإباحة لا الوجوب ، كدوران الأمر بين المحذورين ، كما هو ظاهر قوله ـ عليه السلام ـ : «كلّ شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال»(1) .

الثاني : ما مرّ من أنّ دليل أصالة الحلّ يختصّ بالشبهات الموضوعية ولا يعمّ الشبهات الحكمية .

الثالث : أنّ جعل الإباحة الظاهرية لا يمكن مع العلم بجنس الإلزام ; فإنّ أصالة الإباحة بمدلولها المطابقي تنافي المعلوم بالإجمال ; لأنّ مفادها الرخصة في الفعل والترك ، وذلك يناقض العلم بالإلزام ; وإن لم يكن لهذا العلم أثر عملي إلاّ أنّ


1 ـ تقدّم في الصفحة 83 .


(166)

العلم بثبوت الإلزام لا يجتمع مع جعل الإباحة ـ ولو ظاهراً ـ فإنّ الحكم الظاهري إنّما هو في مورد الجهل بالحكم الواقعي .

أضف إلى ذلك : أنّه فرق بين أصالة الإباحة والبراءة والاستصحاب ; لأنّ جريان أصالة الإباحة في كلّ واحد من الفعل والترك يغني عن الجريان في الآخر ; لأنّ معنى إباحة الفعل هو الرخصة في الفعل والترك ; ولذلك يناقض مفادها بمدلوله المطابقي لجنس الإلزام ، دون الاستصحاب والبراءة ; فإنّ جريانهما في واحد من الطرفين لا يغني عن الآخر ; لأنّ استصحاب عدم الوجوب غير استصحاب عدم الحرمة وكذلك البراءة(1) ، انتهى كلامه .

وفي كلامه مواقع للنظر :

منها : أنّ ما ذكره أخيراً مناف لما أفاده أوّلاً ; من اختصاص دليل أصالة الإباحة بما إذا كان طرف الحرمة الحلّية لا الوجوب ; لأنّ جعل الرخصة في الفعل والترك إنّما يكون فيما إذا كانت الشبهة في الوجوب والحرمة جميعاً ، وأمّا مع مفروضية عدم الوجوب وكون الشكّ في الحرمة والحلّية لا معنى لجعل الرخصة في الترك ، فإنّ جعل الرخصة الظاهرية تكون لغواً ; للعلم بالرخصة الواقعية .

فمفاد دليله الأوّل : أنّ طرف الحرمة لابدّ أن يكون الحلّية لا الوجوب ، ولازم دليله الثالث من جعل الرخصة في الفعل والترك : أنّ طرف الشبهة يكون الوجوب أيضاً ، وهما متنافيان .

وإن شئت قلت : لو كانت الإباحة بالمعنى الذي ذكره ثابتاً ـ أعني جعل الترخيص في جانب الفعل والترك معاً ; بحيث يكون متعلّق الترخيص المجعول هو


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 445 ـ 446 .


(167)

كلّ من الفعل والترك ـ لانحصر مجراها بصورة دوران الأمر بين المحذورين ; إذ لو دار الأمر بين الحلّ والحرمة يكون جعل الترخيص بالنسبة إلى الفعل والترك أمراً لغواً ; لأ نّه قاطع بالترخيص في جانب الترك ; لدوران أمره بين الحلّ والحرمة ; بحيث يكون جواز الترك مقطوعاً به .

وكذا لو دار الأمر بين الحلّ والوجوب ; فإنّ جعل الترخيص في الجانبين أمر لغو ; لأ نّه قاطع بالترخيص في جانب الفعل .

وبالجملة : لا يصلح لأصالة الإباحة حينئذ مورد ; سوى دوران الأمر بين المحذورين .

ومنها : أنّ ما ذكره من أنّ مفاد دليل الحلّ والإباحة مناف بمدلوله المطابقي مع العلم بالإلزام غير تامّ ; لأ نّه مبني على ورود أصالة الإباحة بالمعنى الذي أفاد ; حتّى يكون لازمه طرح الإلزام الموجود في البين . ولكن الموجود في لسان الأدلّة هو أصالة الحلّ المستفاد من قوله ـ عليه السلام ـ : «كلّ شيء مطلق حتّى يرد فيه نهي»(1) ، فالحلّية ـ حينئذ ـ إنّما هو في مقابل الحرمة ، لا الحرمة والوجوب .

وعليه : فالحكم بالحلّية لازمه رفع الحرمة التي هو أحد الطرفين ، لا رفع الإلزام الموجود في البين . فما هو مرتفع لم يعلم وجداناً ، وما هو معلوم لا ينافيه الحلّية .

والحاصل : أنّ دليل الحلّ لا يكون مفاده الرخصة في الفعل والترك ; ضرورة أنّ الحلّية إنّما هي في مقابل الحرمة لا الوجوب . فدليل أصالة الإباحة يختصّ بالشبهات التحريمية .


1 ـ الفقيه 1 : 208 / 937 ، وسائل الشيعة 27 : 173 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 12 ، الحديث 67 .


(168)

وليس فـي الأدلّـة ما يظهر منـه الرخصـة في الفعل والترك إلاّ قولـه : «كلّ شـيء مطلـق حتّى يـرد فيه نهي أو أمـر» ، على روايـة الشيخ على ما حكـي(1) ، مـع إشكال فيه .

ومنها : أنّ مناقضة الترخيص الظاهري مع إلزام الواقعي ليس إلاّ كمناقضة الأحكام الواقعية والظاهرية ، والجمع بينهما هو الجمع بينهما .

فإن قلت : إنّ جعل الرخصة إنّما هي مع الجهل بالإلزام ، ومع العلم به يكون غايتها حاصلة .

قلت : لعلّ هذا مراده ـ قدس سره ـ من عدم انحفاظ رتبة أصالة الإباحة ـ وإن خلط الفاضل المقرّر ـ رحمه اللّه ـ ـ إلاّ أنّ الشأن في كون أصالة الإباحة كما ذكره ; فإنّه لا دليل عليها بهذا المعنى .

أضف إلى ذلك : أنّ ما أفاده من اختصاص دليل الحلّ بالشبهات الموضوعية لا يخلو عن نظر ، وقد قدّمنا ما هو الحقّ عندنا(2) ، بل من المحتمل أن يكون مفاده متّحداً مع البراءة الشرعية المستفادة من حديث الرفع وغيره ، فتأمّل .

فقد منع بعض أعاظم العصر جريان البراءة الشرعية ; مستدلاًّ بأنّ الرفع فرع إمكان الوضع ، وفي مورد دوران الأمر بين المحذورين لا يمكن وضع الوجوب والحرمة كليهما ; لا على سبيل التعيين ولا على سبيل التخيير ، ومع عدم إمكان الوضع لا يعقل تعلّق الرفع . فأدلّة البراءة الشرعية لا تعمّ المقام أيضاً(3) .


1 ـ اُنظر فرائد الاُصول ، ضمن تراث الشيخ الأعظم 25 : 179 ، الأمالي ، الشيخ الطوسي : 669 / 12 .
2 ـ تقدّم في الصفحة 66 و 83 .
3 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 448 .


(169)

وفيه : أنّ الممتنع رفعه ووضعه إنّما هو مجموع الحرمة والوجوب ، ولا يكون المجموع من حيث المجموع مفاد دليل الرفع ، وأمّا رفع كلّ واحد فلا إشكال فيه ; فيقال : إنّ الوجوب غير معلوم ، فيرتفع والحرمة غير معلومة أيضاً ، فيرتفع .

فالتحقيق : أنّه لا مانع من شمول حديث الرفع للمقام ; لعدم لزوم المخالفة العملية والالتزامية منه . والتنافي بين الرفع والإلزام الجامع بين الوجوب والحرمة ممّا لا إشكال فيه ; لأ نّه ليس بحكم شرعي بل أمر انتزاعي غير مجعول ، وما هو المجعول نوع التكليف ، وهو مشكوك فيه .

ومثله في الضعف : ما أفاده في منع جريان الاستصحاب من أنّ الاستصحاب من الاُصول التنزيلية ، وهي لا تجري في أطراف العلم الإجمالي مطلقاً ; فإنّ البناء على مؤدّى الاستصحابين ينافي الموافقة الالتزامية ، فإنّ البناء على عدم الوجوب والحرمة واقعاً لا يجتمع مع التديّن بأنّ لله في هذه الواقعة حكماً إلزامياً(1) .

وفيه : منع كون الاستصحاب من الاُصول التنزيلية بالمعنى الذي ادّعاه ; فإنّ مفاد قوله ـ عليه السلام ـ في صحيحة زرارة الثالثة : «ولكنّه ينقض الشكّ باليقين ، ويتمّ على اليقين فيبني عليه»(2) ليس إلاّ البناء على تحقّق اليقين الطريقي وبقاؤه عملاً ، أو تحقّق المتيقّن كذلك ، وأمّا البناء القلبي على كون الواقع متحقّقاً فلا ، فراجع كبريات الباب ; فإنّك لا تجد فيها دلالة على ما ذكره من البناء القلبي .

وبالجملة : أنّ البناء في الاستصحاب عملي ، لا قلبي حتّى ينافي الإلزام المعلوم في البين .


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 449 .
2 ـ الكافي 3 : 351 / 3 ، وسائل الشيعة 8 : 216 ، كتاب الصلاة ، أبواب الخلل الواقع في الصلاة ، الباب 10 ، الحديث 3 .


(170)

مقتضى الأصل
في اختلاف المحذورين من حيث الأهمية مع وحدة الواقعة

الأمر الثاني : إذا كان لأحد الحكمين في دوران الأمر بين المحذورين مزية على الآخر احتمالاً ، كما إذا كان الوجوب أقوى في نظر العالِم من الحرمة ، أو محتملاً كما إذا كان متعلّق الوجوب أقوى أهمّية في نظره ، على فرض مطابقته للواقع فهل يوجب تلك الأهمّية تعيّن الأخذ به ; لأنّ المقام من قبيل دوران الأمر بين التعيين والتخيير ـ كما عن المحقّق الخراساني(1) ـ أو لا يقتضي ذلك ؟

التحقيق : جريان البراءة عـن التعيينية ; ولو قلنا بأصالـة التعيين عند الشكّ فـي التعيين والتخيير ; لأنّ أصل التكليف مشكوك فيه يجـري فيه البراءة ; فضلاً عـن خصوصياته .

نعم ، لو كان ذات المزية ممّا له أهمّية عند العقل والشرع على فرض صدقه ; بحيث يحكم بالاحتياط ; وإن كانت الشبهة بدوية ـ كما لو تردّد الشخص بين كونه نبيّاً أو مرتدّاً ـ فيحكم العقل بالتعيين ; وإن لم يكن في المقام علم . ومثله إذا تردّدت المرأة بين كونها واجبة الوطي أو محرّمتها محرّمة ذاتية ، مثل المحارم .

وبذلك يظهر ضعف ما عن بعض الأعاظم من أنّ وجود المزية كعدمها ; حتّى لو كان المحتمل من أقوى الواجبات الشرعية وأهمّها(2) .


1 ـ كفاية الاُصول : 406 .
2 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 450 ـ 451 .


(171)

هل التخيير في صورة تعدّد الواقعة بدوي أو استمراري ؟

الأمر الثالث : إذا تعدّدت الوقائع فهل التخيير بدوي أو استمراري ؟

الأقوى هو الثاني ; لأنّ المكلّف إذا أتى في الواقعة الثانية بخلاف الاُولى يعلم بمخالفة قطعية وموافقة قطعية ، وليس في نظر العقل ترجيح بينهما ، فصرف لزوم مخالفة قطعية لا يمنع عن التخيير بعد حكم العقل بعدم الفرق بين تحصيل تكليف قطعاً وترك تكليف قطعاً .

وتوضيحه : أنّ كلّ واقعة : إمّا أن تلاحظ مستقلاًّ بلا لحاظها منضمّة إلى واقعة اُخرى ، فيدور أمر المكلّف في كلّ جمعة أو كلّ واقعة بين المحذورين ، أو تلاحظ منضمّة إلى واقعة اُخرى ، فيحصل له علمان : العلم بأنّ صلاة الجمعة إمّا محرّمة في هذا اليوم أو واجبة في الجمعة الآتية ، والعلم بأنّها إمّا واجبة في هذا اليوم أو محرّمة في الجمعة الآتية .

فامتثال كلّ علم على وجه القطع مخالفة قطعية للعلم الآخر ، مثلاً لو ترك الجمعة في الحاضرة وصلّى فـي القادمـة فهو وإن امتثل العلم الأوّل ـ العلم بأنّها إمّـا محرّمة في اليوم أو واجبـة في القادمـة ـ إلاّ أنّـه خالف العلم الثاني ـ العلم بأنّها إمّا واجبة في هذا اليوم أو محرّمة في القادمة ـ كما أنّه لـو عكس انعكس القضية .

إذا عرفت هذا فنقول : لو كان كلّ واقعـة موضوعاً مستقلاًّ فلا شكّ أنّـه يجري البراءة ; سواء كان ما يختاره عين ما اختاره أو ما يختاره في القادمة أو لا ، كما هو واضح .


(172)

وأمّا إذا لوحظ الوقائع مجتمعة ومنضمّة فلو كان التخيير بدوياً ـ كأن يكون فاعلاً في كلّ الوقائع أو تاركاً ـ فلا يتحقّق مخالفة قطعية ، كما لا يتحقّق موافقة قطعية ، بل يكون محتمل الموافقة والمخالفة .

وأمّا إذا كان التخيير استمرارياً وكان المكلّف فاعلاً في واقعة وتاركاً في اُخرى فيتحقّق موافقة قطعية ومخالفة قطعية .

وبما أنّه لا دليل على ترجيح الموافقة والمخالفـة الاحتماليتين على الموافقـة والمخالفة القطعيتين فلا جرم لم يكن وجه للزوم كون التخيير بدوياً لا استمرارياً . وترجيح الاُولى بانتفاء المخالفة القطعية فيها معارض بوجود الموافقة القطعية في الثاني .

وأمّا ما أفاده بعض أعاظم العصر ـ قدس سره ـ بما محصّله : إنّ المخالفـة القطعيـة لم تكن محرّمة شرعاً بل هي قبيحة عقلاً ، وقبحها فرع تنجّز التكليف ; فإنّ مخالفة التكليف الغير المنجّز لا قبح فيها ، كما لو اضطرّ إلى أحـد الأطراف المعلوم بالإجمال فصادف الواقع ; فإنّه مع حصول المخالفة يكون المكلّف معذوراً ، وليس ذلك إلاّ لعدم تنجّز التكليف .

وفيما نحن فيه لا يكون التكليف منجّزاً في كلّ واقعة ; لأنّ في كلّ منها يكون الأمر دائـراً بين المحذورين ، وكـون الواقعة ممّا تتكرّر لا يوجب تبدّل المعلوم بالإجمال ولا خروج المورد عن الدوران بين المحذورين(1) ، انتهى كلامه .

ففيه : أنّ عدم تنجّز التكليف في المقام ليس لقصور فيه ; ضرورة كونه تامّاً من جميع الجهات ، وإنّما لم يتنجّز لعدم قدرة المكلّف على الموافقة القطعية


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 453 ـ 454 .


(173)

ولا المخالفة القطعية ; بحيث لو فرضنا ـ محالاً ـ إمكان الموافقة القطعية يحكم العقل بلزومها ، ولو فرض عدم إمكان الموافقة القطعية لكن أمكن المخالفة القطعية يحكم بحرمتها ; لتمامية التكليف .

وبالجملة : التنجيز فيما نحن فيه فرع إمكان المخالفة ، لا أنّ حرمة المخالفة فرع التنجيز ، فإذا أمكن المخالفة يصير التكليف منجّزاً لرفع المانع ; وهو امتناع المخالفة القطعية .

والشاهد عليه : أنّه لو فرضنا قدرة المكلّف على رفع النقيضين في الواقعة الواحدة يحكم العقل بحرمته ، وليس ذلك إلاّ لعدم القصور في ناحيـة التكليف ، وإنّما القصور في قدرة العبد ، وفي الوقائـع المتعدّدة يكون العبد قادراً على المخالفة ، فيتنجّز التكليف .

تتميم
في دوران الأمر بين المحذورين في التعبّديات

لو كان الطرفان تعبّديين أو أحدهما المعيّن تعبّدياً فلا إشكال في امتناع الموافقة القطعية ، وأمّا المخالفة القطعية فتحصل بالإتيان بأحد الطرفين أو المعيّن كونه تعبّدياً بلا تقرّب .

وأمّا إذا كان أحد الطرفين تعبّدياً لا بعينه فهل يحكم العقل بالأخذ بأحد الطرفين والعمل على طبقه بنيّة الرجاء أو لا ؟

يحتمل الأوّل ; لأنّ الأخذ بأحد الطرفين والعمل على طبقه بلا رجاء يوجب احتمال المخالفة من جهتين : جهة احتمال أنّ حكم الله هو الآخر ، وجهة أنّ حكم


(174)

الله لو كان ما عمل على طبقه أتاه بلا شرطه . وهذا بخلاف ما لو أتى به رجاءً ; فإنّ احتمال المخالفة من الجهة الثانية منتفية .

ولعلّ هذا هو الأقوى ; لأنّ العبد في المخالفة من الجهة الثانية غير معذور ، وليس في يده حجّة مقبولة .

وبذلك يظهر النظر فيما ربّما يقال : من أنّ أصل التكليف لم يقم عليه دليل . فما ظنّك بتعبّديتها . وقد عرفت في الأمر الثاني ما يوضح ضعفه .

تمّ الكلام حول الشكّ في التكليف .

والحمد لله أوّلاً وآخراً .


(175)

القول
في

الشكّ في المكلّف به

يقع الكلام في مقامين :


(176)


(177)

المقام الأوّل
في دوران الأمر بين المتباينين

نجز الكلام ـ بحمد الله ـ في البحث عن الشكّ في التكليف ، وحان وقت البحث عن الشكّ في المكلّف به .

ضابط الشكّ في المكلّف به

وأمّا الميزان فيه فهو : أنّه إذا علم المكلّف بجنس التكليف أو نوعه ، وتردّد متعلّقـه بين شيئين أو أزيد ، وأمكن له الاحتياط يصير الشكّ حينئذ شكّاً في المكلّف به .

فخرج ما لا علم فيه رأساً كالشبهة البدوية ، وما علم جنسه ولكن لم يمكن الاحتياط فيه ، كما إذا علم بكون أحد الشيئين إمّا واجب أو حرام ، فالعلم بالإلزام والتردّد في المتعلّق وإن كان حاصلاً إلاّ أنّ الاحتياط على وجه الموافقة القطعية غير ممكن ; سواء أتى بهما أو تركهما ، أو أتى بواحد وترك آخر .

وأمّا الشكّ في المحصّل فهو وإن كان يلزم فيه الاحتياط إلاّ أنّه لا ضير في خروجه ; لعدم الملازمة بين لزوم الاحتياط وكون الشكّ فيه شكّاً في المكلّف به ، بل


(178)

هو باب برأسه يدخل فيه الشكّ في المحصّل ، والشكّ في الإتيان بالمأمور به مع بقاء الوقت ، إلى غير ذلك .

وما يقال في الميزان في المقام : إن كان الشكّ في الثبوت فهو الشكّ في التكليف وهو مرجع البراءة ، وإن كان الشكّ في السقوط فهو الشكّ في المكلّف به ومحلّ الاحتياط ، غير صحيح ; لأنّ كون الشكّ في السقوط وإن كان محلاًّ للاشتغال إلاّ أنّه أعمّ من الشكّ في المكلّف به ، كما لا يخفى . إذا عرفت هذا فنقول :

تنقيح محلّ النزاع في المقام

اختلفت الآراء في كون العلم بالحكم إجمالاً هل هو علّة تامّة لوجوب الموافقة وحرمة المخالفة ، أو مقتض بالنسبة إليهما ، أو علّة تامّة بالنسبة إلى أحدهما دون الآخر ؟ يظهر الثمرة في إمكان الترخيص بالنسبة إلى بعض الأطراف أو كلّها .

وبما أنّ محلّ النزاع غير منقّح في كلام الأجلّة ـ حتّى أنّ الشيخ الأعظم لا يخلو كلامه عن اختلاط ـ فنقول : إنّ تنقيح البحث يحتاج إلى البحث في مقامين :

الأوّل : إذا علم علماً وجدانياً لا يحتمل الخلاف بالتكليف الفعلي الذي لا يرضى المولى بتركه فلا شكّ أنّه يجب تحصيل الموافقة القطعية وتحرم المخالفة ـ قطعيها أو محتملها ـ ولا مجال للبحث عن جواز الترخيص في بعضها أو جميعها ـ كانت الشبهة محصورة أو غير محصورة ـ لا لأجل كون القطع منجّزاً أو كون تحصيل الموافقة واجباً أو تحصيل المخالفة حراماً ، بل لأجل لزوم اجتماع النقيضين ; قطعاً أو احتمالاً .

ضرورة أنّ القطع بالإرادة الإلزامية لا يجتمع مع احتمال الترخيص ـ فضلاً


(179)

عن القطع به ـ فإنّ الترخيص في بعض الأطراف ـ ولو كانت الشبهة غير محصورة ـ مع احتمال انطباق الواقع على المورد المرخّص فيه ـ وإن كان ضعيفاً ـ لا يجتمع مع الإرادة الإلزامية الحتمية ، ولا أظنّ أنّ العلمين ـ الخوانساري والقمي(1) ـ جوّزا الترخيص في هذه الصورة .

وأمّا الشيخ الأعظم ـ قدس سره ـ فيظهر من بعض كلماته كون النزاع عامّاً يشمل المقام الأوّل ; حيث جعل المانع عن جريان الاُصول لزوم الإذن في المعصية ووجود المانع عن جريانه في عالم الثبوت(2) ; وإن كان يظهر من بعض كلماته كون النزاع في غير هذا المقام(3) ، وهذا هو الذي يصلح أن يبحث عنه في باب القطع .

المقام الثاني : إذا علمنا حرمة شيء أو وجوبه ، لا بعلم وجداني بل بشمول إطلاق الدليل أو عمومه على المورد ـ كما إذا قال : «لا تشرب الخمر» ، وشمل بالإطلاق على الخمر المردّد بين الإنائين ـ فهل يمكن الترخيص بأدلّة الاُصول بتقييد إطلاق الدليل أو لا ؟ وهذا هو الذي ينبغي أن يبحث عنه في المقام .

ومثله إذا علم إجمالاً بقيام حجّة على هذا الموضوع أو ذاك ، كما إذا علم بقيام أمارة معتبرة إمّا بوجوب صلاة الظهر أو الجمعة ، إلى غير ذلك ممّا يعدّ من أقسام المتباينين .

ويظهر من بعض كلمات الشيخ الأعظم : أنّه محطّ البحث ; حيث استدلّ على حرمة المخالفة القطعية بوجود المقتضي للحرمة وعدم المانع عنها : أمّا ثبوت


1 ـ مشارق الشموس : 77 / السطر 8 ، القوانين المحكمة 2 : 37 / السطر 3 ، اُنظر فرائد الاُصول ، ضمن تراث الشيخ الأعظم 25 : 279 ـ 280 .
2 ـ فرائد الاُصول ، ضمن تراث الشيخ الأعظم 25 : 203 ـ 204 .
3 ـ ستأتي كلمات الشيخ بعد أسطر .


(180)

المقتضي فلعموم دليل تحريم ذلك العنوان المشتبه ; فإنّ قول الشارع : «اجتنب عن الخمر» يشمل الخمر الموجود المعلوم بين الإنائين . . . إلى آخر ما أفاده(1) .

ومن ذلك : ما أفاده في ذيل المطلب الثاني ; حيث قال : الكلام يقع في مثل ما ذكرنا في أوّل الباب ـ أي الشبهة التحريمية في الشكّ في المكلّف به ـ لأ نّه إمّا يشتبه الواجب بغير الحرام من جهة عدم النصّ المعتبر أو إجماله أو تعارض النصّين ، أو من جهة اشتباه الموضوع ; أمّا الاُولى : فالكلام فيه إمّا في جواز المخالفة القطعية في غير ما علم بإجماع أو ضرورة حرمتها . . . إلى آخر ما أفاده(2) .

فهذه الكلمات وأضرابه يعيّن محطّ البحث ، وأنّ البحث في غير ما علم وجداناً وجود تكليف قطعي لا يرضى المولى بتركه .

ثمّ إنّ للمقام الثاني صورتين :

الاُولى : إذا علم المكلّف ـ علماً جازماً ـ بأنّ التكليف الواقعي على فرض تحقّقه فعلي لا يرضى المولى بتركه . وهذه الصورة أيضاً خارجة عن محطّ البحث ; لأ نّه مع العلم بفعلية التكليف على فرض تصادف الأمارة للواقع وتصادف المحتمل للأمارة لا يمكن الترخيص الفعلي بجميع الأطراف أو بعضها ; لأنّ العلم بالترخيص مع العلم بفعلية التكليف على فرض المصادفة غير ممكن الاجتماع ، فمع العلم الثاني لا يمكن الأخذ بالأدلّة المرخّصة .

الثانية : تلك الصورة ، ولكن يحتمل ذلك ويحتمل مزاحمته لما هو أقوى ملاكاً ، كما سنشير إليه ، فيرفع اليد عنه في مقام التزاحم . فانحصر محطّ البحث


1 ـ فرائد الاُصول ، ضمن تراث الشيخ الأعظم 25 : 200 .
2 ـ نفس المصدر 25 : 278 .


(181)

بالصورة الثانية من المقام الثاني ; وهي صورة عدم العلم الوجداني بالتكليف الفعلي ; لا فعلاً ولا تقديراً .

وعلى فرض تصادف الأمارة يحتمل فعلية الواقع ويحتمل عدمها ، ويصير مآل البحث إلى أنّه بعدما قامت الحجّة الفعلية على التكليف ـ من إطلاق أو عموم ـ هل هاهنا حجّة اُخرى أقوى ـ أعني أدلّة الاُصول ـ حتّى ترفع اليد عن الحجّة الاُولى ويكون من قبيل دفع الحجّة بالحجّة ، أو لا ؟

تنبيه
في عدم تقييد الأدلّة الواقعية بجواز الترخيص في أطراف العلم الإجمالي

اعلم : أنّه لو قلنا بجواز الترخيص في أطراف العلم الإجمالي لا يوجب ذلك تقييداً في الأدلّة الواقعية بوجه ، بل يكون حالها حال قيام الأمارات على خلافها ، وحال جريان الاُصول في الشبهات البدوية إذا كانت مخالفة للواقع ، فكما أنّ الواقع لم يتقيّد بمؤدّيات الأمارات ولا بحال العلم ، فكذلك في المقام .

والفرق : أنّ هاهنا ترخيص في مخالفة الأمارة ، ويحتمل انطباق الأمارة على الواقع ، وهناك ترخيص في العمل بها مع إمكان تخلّفها عنه ، وفي الشبهات البدوية ترخيص مع احتمال تحقّق الواقع .

وبالجملة : أنّ البحث فـي المقام كالبحث في الأمارات والاُصول في الشبهات البدوية إذا خالفت الواقع ، فكما أنّ في الأمر بالعمل بالأمارات أو إمضاء الطرق العقلائية احتمال تفويت الواقع ، والمصالح والأغراض بما أنّ تلك الطرق والاُصول ربّما تؤدّي المكلّف إلى خلاف المطلوب ، فهكذا الأمـر في العمل


(182)

بالاُصول وفي جعل الترخيص فيما إذا قامت الحجّة على وجـوب الشيء أو حرمته ، وتردّد بين أمرين .

وكما أنّ المجوّز لهذا التفويت ليس إلاّ التحفّظ على الغرض الأهمّ ; من حفظ نظام العباد وصيانتهم عن الإعراض عن الدين ورغبتهم عن الشريعة ـ كما مرّ توضيحه في بابه(1) ـ فهكذا لو فرض في جعل الترخيص مصلحة أولى وأهمّ من التحفّظ على الواقع لا يكون ضير في المقام في جعله وتشريعه .

فالمولى الحكيم لوقوفه على الأغراض الهامّة وغيرها يقدّم بعضها على بعض ، ويعرض عن بعض ويرفع اليد عنه ; للتحفّظ بما هو أولى وأقدم .

وإن شئت قلت : إنّ التخصيص والتقييد في الأدلّة الواقعية لقصور الاقتضاء ، وفي المقام ـ أي إمضاء الطرق العقلائية ، والترخيص في أطراف العلم الإجمالي ـ لا يكون الاقتضاء قاصراً ; ولهذا يجب العلم بالتكاليف في الشبهات الحكمية ، ويجب تتبّع الأحكام ونشرها .

ولكن الجهات الاُخر لمّا كانت أهمّ من مراعاة الواقع صارت تلك الأهمّية سبباً للترخيص في الشبهات البدوية ، ولتنفيذ الأمارات وإيجاب العمل على طبقها ، وفي المقام أيضاً على فرض إمكانه ، فلا تكون الواقعيات مخصّصة ولا مقيّدة بشيء من تلك الموارد ، بل متروكة مع كمال مطلوبيتها لأجل أغراض أهمّ .


1 ـ تقدّم في الجزء الثاني : 378 .


(183)

الكلام في المخالفة القطعية

إذا عرفت ما ذكر فاعلم : أنّ البحث يقع في جهتين : الاُولى في إمكان الترخيص ثبوتاً ، وثانيتهما في وقوعه ، فنقول :

الجهة الاُولى : في إمكان الترخيص في أطراف العلم الإجمالي

فلا إشكال أنّ العقل ـ مع قطع النظر عن الأدلّة المرخّصة على فرض وجودها ـ يحكم بوجوب موافقة الأمارات وعدم جواز مخالفتها ; سواء علم قيامها على أمر تفصيلاً أو إجمالاً ، ويحكم مع العلم الإجمالي بقيام أمارة : إمّا على وجوب الدعاء عند رؤية الهلال أو على وجوبه عند غروب الشمس ، على لزوم المطابقة القطعية وحرمة مخالفتها القطعية .

لكن لا بملاك المعصية والإطاعة ; لعدم إحراز موضوعهما ; لعدم العلم بتصادف الأمارة للواقع ، بل بملاك قطع العذر واستحقاق العقوبة على فرض مطابقتها للواقع ، أو بملاك المعصية التقديرية ; أي على فرض المصادفة .

فلو ارتكب أحد أطراف المعلوم بالإجمال فيحتمل قيام الأمارة عليه وعدمه ، وعلى فرضه يحتمل تصادف الأمارة للواقع وعدمه ، لكن على فرض تصادف الاحتمالين للواقع لا عـذر له في ترك المأمـور به الواقعي ; فيستحقّ العقوبـة عليه .

والحاصل : أنّ العلم بالحجّـة الإجماليـة كالعلم بالحجّـة التفصيليـة في نظـر


(184)

العقل ; لأنّ العمل بها واتّباعها مـؤمّن عـن العقاب ; صادف أو خالف . والإعـراض عنها يحتمل معه العقاب ، فيجب دفعه .

والعلم بالحجّة وإن لم يكن ملازماً مع العلم بالحكم لكنّه يجب العمل به عقلاً ; لحصول الأمن معه ، فإنّ المكلّف يعدّ إذا صادفت الأمارة للواقع غير معذور إذا لم يعمل به .

هذا حكم العقل إذا قصّر نظره إلى أدلّة الأمارات .

ومع ذلك كلّه : لا مانع هنا للشارع عن جعل الترخيص ، وليس حكم العقل بلزوم اتّباع الحجّة الإجمالية مانعاً عن جعل الترخيص ، كما ليس هاهنا مانع من ناحية الخطابات الأوّلية ولا من غيرها .

توضيحه : أنّ ما هو القبيح على المولى إنّما هو الإذن في معصيته ومخالفته ; فلو وقف المكلّف بعلم وجداني على كونه مطلوباً فالترخيص في تركه يعدّ لدى العقل قبيحاً بالنسبة إلى المولى الذي لا يتلاعب بأحكامه وأغراضه . فالعلم بالمطلوب والإلزام به ، ثمّ الترخيص فيه مع بقائه على المطلوبية التامّة التي لا يرضى بتركه نقض في الغرض لا يليق بساحة الحكيم .

بل يمكن أن يقال : إنّ امتناعه ليس لأجل كونه أمراً قبيحاً ، بل هو أمر ممتنع بالذات ; لامتناع اجتماع إرادتين متعلّقتين على فعله وتركه ، فالترخيص في المعصية مع كونه قبيحاً محال ذاتاً .

ولكن كون الترخيص إذناً في المعصية فرع العلم بكونه محبوباً ومطلوباً تامّاً ، والمفروض أنّ الموجود في المقام ليس إلاّ العلم بالحجّة ، ولا نعلم كونها مطابقة للواقع أو لا ؟


(185)

فالترخيص في مخالفتها لحفظ غرض أهمّ على فرض المطابقة للواقع ليس ترخيصاً في المعصية ; لعدم العلم بالحكم ، بل هو ترخيص في مخالفة الأمارة وإجازة في مخالفة الحجّة . فما يدّعى من الامتناع والاستقباح غير آت في المقام .

وأمّا توهّم المانع من ناحية الخطابات الأوّلية واستلزام ذلك الترخيص تقييداً أو تخصيصاً في أدلّة الواقعية فقد مرّ توضيحه ودفعه .

والحاصل : أنّي لا أظنّ بقاء المجال للتشكيك في إمكان الترخيص ـ حتّى بالنسبة إلى جميع الأطراف ـ بعد تصوّر محطّ البحث ; لعدم لزوم شيء ممّا ذكر ، كلزوم الإذن في المعصية ; ضرورة أنّ الإذن في مخالفة الأمارة لا يلازم الإذن في المعصية ، بل قد يلزم منه الإذن في مخالفة الواقع ولا إشكال فيه ; لجواز رفع اليد عن الواقع لأجل تزاحم جهات أهمّ منه .

وإن شئت فاعطف نظرك إلى أشباهه ونظائره ; فإنّ الشكّ بعد تجاوز المحلّ أو خروج الوقت لا يترتّب عليه الأثر مع إمكان كون المضي موجباً لتفويت الواقع ، ومثله الإذن بالعمل بالاستصحاب أو إيجاب العمل به ; فإنّ الترخيص والإذن والأمر في هاتيك الموارد يكشف عن عدم فعلية الأحكام الواقعية ; بمعنى رفع اليد عنها للمزاحم الأقوى ، من غير تقييد لها أو تخصيص .

فلو فرغنا عن دلالة الأدلّة المرخّصة إثباتاً ، ولم يكن محذور في مقام الاستفادة عن الأخذ بمفادها فلا نتصوّر مانعاً في المقام .

فما ربّما يتراءى في كلمات الأعاظم من تصوّر المحاذير الثبوتية ; من أنّ الترخيص في جميع الأطراف مستلزم للإذن في المعصية وهو قبيح عقلاً(1) ، أو أنّ


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4 : 17 ، نهاية الأفكار 3 : 307 ـ 308.


(186)

حكم العقل بالنسبة إلى المخالفة القطعية على نحو العلّية التامّة ، وبالنسبة إلى الموافقة القطعية كذلك(1) أو بنحو الاقتضاء(2) ، كلّ ذلك ناش من خلط محلّ البحث بما هو خارج عنه .

فإذا تبيّن إمكان الترخيص فلو دلّت الأدلّة على الترخيص فلا مانع من القول بمقالة المحقّقين ، الخوانساري والقمي(قدس سرهما)(3) .

الجهة الثانية : في وقوع الترخيص في أطراف العلم الإجمالي

وتنقيح البحث يتوقّف على سرد الروايات ، فنقول :

إنّ الروايات الواردة في المقام على طائفتين :

الاُولى : ما يظهر منها التعرّض لخصوص أطراف العلم الإجمالي أو الأعمّ منه ومن غيره ، وإليك بيانه :

1 ـ صحيحة عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله ـ عليه السلام ـ ، قال : «كلّ شيء فيه حرام وحلال فهو لك حلال أبداً حتّى تعرف الحرام بعينه ، فتدعه»(4) .

2 ـ ما رواه عبدالله بن سنان عن عبدالله بن سليمان ، قال : سألت


1 ـ نهاية الأفكار 3 : 305 ـ 308 .
2 ـ فرائد الاُصول ، ضمن تراث الشيخ الأعظم 25 : 200 و 210 ، فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4 : 10 و 24 .
3 ـ مشارق الشموس : 77 / السطر 8 ، القوانين المحكمة 2 : 37 / السطر 3 ، اُنظر فرائد الاُصول ، ضمن تراث الشيخ الأعظم 25 : 279 ـ 280 .
4 ـ الفقيه 3 : 216 / 1002 ، وسائل الشيعة 17 : 87 ، كتاب التجارة ، أبواب ما يكتسب به ، الباب 4 ، الحديث 1 .


(187)

أبا جعفر ـ عليه السلام ـ عن الجُبن ، فقال : «لقد سألتني عن طعام يعجبني» ، ثمّ أعطى الغلام درهماً ، فقال : «يا غلام ابتع لنا جُبناً» . ثمّ دعى بالغذاء فتغذينا معه ، فأتى بالجبن ، فأكل ، فأكلنا ، فلمّا فرغنا من الغذاء قلت : ما تقول في الجبن ؟

قال : «أولم ترني آكله ؟» .

قلت : بلى ولكنّي اُحبّ أن أسمعه منك .

فقال : «ساُخبرك عن الجُبن وغيره : كلّ ما كان فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتّى تعرف الحرام بعينه ، فتدعه»(1) .

والكبرى الواقعة فيه قريب ممّا وقع في الصحيحة السابقة .

3 ـ رواية معاوية بن عمّار عن رجل من أصحابنا قال : كنت عند أبي جعفر ـ عليه السلام ـ فسأله رجل عن الجبن .

فقال أبو جعفر ـ عليه السلام ـ : «إنّه لطعام يعجبني ، وساُخبرك عن الجبن وغيره : كلّ شيء فيه الحلال والحرام فهو لك حلال حتّى تعرف الحرام بعينه»(2) .

ثمّ إنّ الشيخ الأعظم نقل هذه الرواية بزيادة «منه» فلم نجد له إلى الآن مدركاً .

ويحتمل اتّحاد الثانية والثالثة من الروايتين ; لقرب ألفاظهما وعدم اختلافهما إلاّ في تنكير الحلال والحرام وتعريفهما ، ويحتمل اتّحاد الاُولى مع الثانية أيضاً ; لكون الراوي في الثانية إنّما هو عبدالله بن سنان عن عبدالله بن سليمان ، فمن


1 ـ الكافي 6 : 339 / 1 ، وسائل الشيعة 25 : 117 ، كتاب الأطعمة والأشربة ، أبواب الأطعمة المباحة ، الباب 61 ، الحديث 1 .
2 ـ المحاسن : 496 / 601 ، وسائل الشيعة 25 : 119 ، كتاب الأطعمة والأشربة ، أبواب الأطعمة المباحة ، الباب 61 ، الحديث 7 .


(188)

الممكن : أنّه نقله تارة مع الواسطة واُخرى مع حذفها ، وليس ببعيد مع ملاحظة الروايات ، إلاّ أنّا نتكلّم فيها على كلّ تقدير .

فنقول : إنّ في تلك الروايات احتمالات :

الأوّل : اختصاصها بالشبهة البدوية بأن يقال : إنّ كلّ طبيعة فيه الحرام والحلال وينقسم إليهما تقسيماً فعلياً ، واشتبه فرد منها من أنّه من أيّ القسمين فهو لك حلال .

ولكنّك خبير : بأنّه أردأالاحتمالات ; لأنّ التعبير عن الشبهة البدوية بهذه العبارة بعيد غايته . مع إمكان أن يقول «كلّ ما شككت فهو لك حلال» أو «الناس في سعة ما لا يعلمون» .

الثاني : اختصاصها بالعلم الإجمالي فقط ; فإنّ الظاهر أنّ قوله : «كلّ شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال» أنّ ما فيه الحلال والحرام حلال بحسب الشبهة الموضوعية ، كما هو مورد الثانية والثالثة ، ولا يبعد أن يكون مورد الصحيحة هو الموضوعية أيضاً ، فيصدق قوله فيه الحلال والحرام على المال المختلط .

فإذا كان عنده خمسون ديناراً ; بعضها معلوم الحرمة وبعضها معلوم الحلّية يقال : إنّه شيء فيه حلال وحرام ، والظاهر من قوله : «فهو لك حلال» ، وأنّ ما فيه الحلال والحرام لك حلال ، فحينئذ فالغاية هي العلم التفصيلي . وهذا أقرب الاحتمالات .

الثالث : كونها أعمّ من العلم الإجمالي والشبهة البدوية بأن يقال : إنّ كلّ طبيعة فيه حلال معيّن وحرام معيّن وفرد مشتبه فالمشتبه لك حلال حتّى تعرف الحرام . وإن شئت قلت : إذا علم تفصيلاً حرمة بعض أفراد الطبيعة ، وعلم حلّية بعض آخر ، وشكّ في ثالث فيقال : إنّ الماهية الكذائية التي فيها حلال وحرام فهي


(189)

حلال مع الشبهة حتّى تعرف الحرام ، ولكن إدخال هذا الفرد يحتاج إلى تكلّف خارج عن محور المخاطبة .

وعلى أيّ فرض : فلا محيص في الاحتمالين الأخيرين إلاّ بجعل الغاية علماً تفصيلياً ، لا لكون مادّة المعرفة ظاهرة في مقام التشخيص في المميّزات الشخصية التي لا تنطبق إلاّ على العلم التفصيلي ، ولا لأنّ قوله : «تعرف» ظاهر في ذلك ; وإن كان كلّ ذلك وجيهاً .

بل لأ نّه على فرض كونه متعرّضاً لخصوص العلم الإجمالي لا معنى لجعل الغاية أعمّ من العلم التفصيلي ، وعلى فرض كونه أعمّ لا معنى لجعل الغاية أعمّ أيضاً ; لأنّ لازمه أنّ المشتبه البدوي حلال حتّى يعلم إجمالاً أو تفصيلاً أنّه حرام ، والمعلوم الإجمالي حلال حتّى يعلم تفصيلاً أنّه حرام ، مع أنّه باطل بالضرورة ; لأنّ لازم جعل الغاية أعمّ تارة والعلم التفصيلي اُخرى هو التناقض أي حلّية المعلوم بالإجمال وحرمته .

وإن كان المراد أنّ المشتبه البدوي حلال حتّى يعلم إجمالاً وجود الحرام فيه ، فحينئذ يرتفع حكمه ، ثمّ يندرج في صغرى المشتبه بالعلم الإجمالي ، فهو حلال إلى أن تعرف الحرام تفصيلاً . فهو وإن كان مفيداً للمقصود لكنّه أشبه شيء بالاُحجية واللغز .

أضف إلى ذلك : أنّ الظاهر أنّ قوله «بعينه» قيد للمعرفة ، وهو يؤيّد كون العرفان لابدّ وأن يكون بالعلم التفصيلي . ويؤيّده أيضاً : الفرق المعروف بين العرفان والعلم(1) ; فإنّ الأوّل لا يستعمل إلاّ في الجزئي المشخّص ، فعليه فالغاية للصدر


1 ـ المطوّل : 34 .


(190)

الشامل للعلم الإجمالي ليس إلاّ العلم تفصيلاً بكون الحرام هذا الشيء المعيّن .

هذا حال الاحتمالات الواردة في الروايات .

والإنصاف : قوّة الاحتمال الثاني ، كما هو غير بعيد عن روايات الجبن ; فإنّ الظاهر : أنّ الاشتباه في الجبن لأجل جعل الميتة في بعضها ، كما هو الظاهر في بعضها مثل ما رواه أبو الجارود قال : سألت أبا جعفر عن الجبن ، فقلت أخبرني من رأى أنّه يجعل فيه الميتة .

فقال : «أمن أجل مكان واحد يجعل فيه الميتة حرم جميع ما في الأرض ؟ ! إذا علمت أنّه ميتة فلا تأكله ، وإن لم تعلم فاشتر وبع»(1) .

وما رواه منصور بن حازم عن بكر بن حبيب قال : سُئل أبو عبدالله ـ عليه السلام ـ عن الجبن وأنّه توضع فيه الأنفحة من الميتة .

قال : «لا تصلح» ثمّ أرسل بدرهم ، فقال : «اشتر من رجل مسلم ولا تسأل عن شيء»(2) .

وملخّص الكلام في هذه الروايات : أنّ اشتراك عبدالله بن سليمان بين ضعيف وموثّق يسقط الرواية عن الحجّية .

أضف إلى ذلك : أنّ المراد من الحرام فيها الأنفحة ، كما هو المنصوص في بعض روايات الباب ، مع أنّ ضرورة فقه الإمامية قاضية على حلّيتها وطهارتها .

وبذلك يظهر الجواب عن رواية ابن عمّار ، مضافاً إلى إرسالها .


1 ـ المحاسن : 495 / 597 ، وسائل الشيعة 25 : 119 ، كتاب الأطعمة والأشربة ، أبواب الأطعمة المباحة ، الباب 61 ، الحديث 5 .
2 ـ المحاسن : 496 / 598 ، وسائل الشيعة 25 : 118 ، كتاب الأطعمة والأشربة ، أبواب الأطعمة المباحة ، الباب 61 ، الحديث 4 .


(191)

فلم يبق في الباب إلاّ صحيحة عبدالله بن سنان ; فبما أنّ ما رواه من الكبرى موافقة مع رواية عبدالله بن سليمان التي رواه نفس عبدالله بن سنان عنه أيضاً فلا بعد لو قلنا باتّحادهما حقيقة ، وأنّ ما استقلّ به عبدالله بن سنان قطعة منها نقلها بحذف خصوصياتها ، وعليه فيشتركان فيما ذكرناه من الوهن .

نعم ، يمكن دفع الوهن بأنّ التقية ليست في الكبرى ، بل في تطبيقها على تلك الصغرى ، لا بمعنى أنّ حلّية الأنفحة لأجل التقية ، بل بمعنى أنّ الكبرى لمّا كان أمراً مسلّماً عند الإمام ـ عليه السلام ـ ـ كطهارة الأنفحة وحلّيتها على خلاف العامّة القائلين بنجاستها(1) ـ فبيّن الإمام ـ عليه السلام ـ الحكم الواقعي في ظرف خاصّ ـ صورة الشبهة ـ بتطبيق الكبرى على مورد ليس من صغرياته إلزاماً للخصم ، وتقية منه .

ونجد له في الفقه أشباهاً ، كما في صحيحة البزنطي(2) ; حيث تمسّك الإمام ـ عليه السلام ـ على بطلان الحلف على العتق والطلاق إذا كان مكرهاً بحديث الرفع ، مع أنّ الحلف عليهما باطل من رأس ; سواء كان عن إكراه أو لا ، فتدبّر . ويأتي بعض الكلام حول هذه الروايات عند البحث عن الموافقة القطعية(3) .

لكنّه أيضاً محلّ إشكال ; لاحتمال تمسّكه بالأصل لتسلّمه عندهم لا عنده .

الطائفة الثانية من الروايات : ما لا اختصاص له بأطراف العلم الإجمالي ، وإليك بيانها :

1 ـ موثّقة مسعدة بن صدقة ، عن أبي عبدالله ـ عليه السلام ـ قال : سمعته يقول : «كلّ


1 ـ المبسوط ، السرخسي 24 : 27 ، المغني ، ابن قدامة 1 : 61 .
2 ـ المحاسن : 339 / 124 ، وسائل الشيعة 23 : 226 ، كتاب الأيمان ، الباب 12 ، الحديث 12 .
3 ـ يأتي في الصفحة 205 ـ 206 .


(192)

شيء لك حلال حتّى تعلم أنّـه حـرام بعينه ، فتدعه مـن قبل نفسك ، وذلك مثل الثوب يكون عليك ولعلّه سرقـة ، أو العبد يكون عبدك ولعلّـه حـرّ قـد باع نفسه أو قهـر فبيع أو خـدع فبيع ، أو امـرأة تحتك وهـي اُختك أو رضيعتك . . .»(1) إلـى آخرها .

2 ـ «كلّ شيء مطلق حتّى يرد فيه نهي»(2) .

3 ـ «رفـع عـن اُمّتي تسعـة ، ما لا يعلمون . . . واستكرهـوا عليه . . .»(3) إلى آخره .

إلى غير ذلك من أحاديث البراءة(4) . ومع ذلك كلّه لا يصحّ الاعتماد عليها في ارتكاب أطراف العلم :

أمّا الموثّقة : فإنّ الظاهر من الصدر وإن كان عموميته للبدوية والعلم الإجمالي ، ولكن لا مناص من تخصيص الصدر بالعلم التفصيلي ; دفعاً للإشكال المتقدّم(5) ـ مضافاً إلى ما عرفت من أنّ العلم بكون هذا أو هذا حراماً ليس من معرفة الحرام بعينه ـ إلاّ أنّ الإشكال في تطبيق الكبرى المذكورة على ما ذكر في ذيل الحديث ; فإنّ الحلّ فيها مستند إلى أمارات وقواعد متقدّمة على أصالة الحلّ ;


1 ـ الكافي 5 : 313 / 40 ، وسائل الشيعة 17 : 89 ، كتاب التجارة ، أبواب ما يكتسب به ، الباب 4 ، الحديث 4 .
2 ـ الفقيه 1 : 208 / 937 ، وسائل الشيعة 27 : 173 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 12 ، الحديث 67 .
3 ـ الخصال : 417 / 9 ، التوحيد ، الصدوق : 353 / 24 ، وسائل الشيعة 15 : 369 ، كتاب الجهاد ، أبواب جهاد النفس ، الباب 56 ، الحديث 1 .
4 ـ راجع ما تقدّم من الأحاديث في الصفحة 62 ـ 84 .
5 ـ تقدّم في الصفحة 189 .


(193)

لأنّ اليد في الثوب أمارة الملكية ، كما أنّ أصالة الصحّة في العقد هي المحكّم في المرأة ، واستصحاب عدم كونها رضيعة عند الشكّ في كونها رضيعة ، إلى غير ذلك من القواعد ممّا يوهن انطباق الكبرى على الصغريات المذكورة .

ولأجل ذلك لابدّ من صرفها عن مورد القاعدة ، بأن يقال : إنّها بصدد بيان الحلّ ولو بأمارة شرعية مع الجهل الوجداني بالواقع . وكيف كان فالاستناد بها في المقام مشكل .

وأمّا أحاديث البراءة : فالظاهر عدم شمولها لأطراف العلم ; لأنّ المراد من العلم فيها هو الحجّة ـ أعمّ من العقلية والشرعية ـ لا العلم الوجداني ، وقد شاع إطلاق العلم واليقين على الحجّة في الأخبار كثيراً ، كما سيوافيك بيانه في أخبار الاستصحاب(1) .

والمفروض : أنّه قامت الحجّة في أطراف العلم على لزوم الاجتناب . على أنّ المنصرف أو الظاهر من قوله : «ما لا يعلمون» كونه غير معلوم من رأس ; بمعنى المجهول المطلق لا ما علم وشكّ في انطباق المعلوم على هذا أو هذا .

أضف إلى ذلك : أنّ هنا إشكالاً آخر يعمّ جميع الروايات ـ عمومها وخصوصها ـ وهو أنّ الترخيص في أطراف العلم الإجمالي الذي ثبت الحكم فيه بالحجّة يعدّ عند ارتكاز العقلاء ترخيصاً في المعصية وتفويتاً للغرض .

وهذا الارتكاز وإن كان خلاف الواقع على ما عرفت من أنّه ترخيص في مخالفة الأمارة لا ترخيص في المعصية(2)، لكنّه تدقيق عقلي منّا ، والعرف لا يقف عليه بفهمه الساذج .


1 ـ الاستصحاب ، الإمام الخميني ـ قدس سره ـ : 81 ـ 82 و 239 .
2 ـ تقدّم في الصفحة 184 ـ 185 .


(194)

وهذا الارتكاز يوجب انصراف الأخبار عامّة عن العلم الإجمالي المنجّز ; فإنّ ردع هذا الارتكاز يحتاج إلى نصوص وتنبيه حتّى يرتدع عنه .

والمراد منها حينئذ : إمّا الشبهات الغير المحصورة ـ كما هو مورد بعض الروايات المتقدّمة ـ أو غيرها ممّا لا يكون إذناً في ارتكاب الحرام .

ويؤيّد ذلك : حكم الأعاظم من المتأخّرين بأنّ الترخيص في أطراف العلم إذن في ارتكاب المعصية(1) ; فإنّ حكمهم هذا ناش من الارتكاز الصحيح .

وبالجملة : فالعرف لا يرتدع عن فطرته بهذه الروايات حتّى يرد عليه بيان أوضح وأصرح .

أضف إلى ذلك : ما أفاده صاحب «الجواهر» في باب الرباء من أنّ ظاهر هذه الروايات حلّ الجميع ، ولكن لم يعمل بها إلاّ نادر من الطائفة(2) . مضافاً إلى أنّ روايات الحلّ مختصّة بالشبهة الموضوعية والبحث في الأعمّ منها .

مقالة الشيخ في وجه عدم جريان الاُصول في أطراف العلم الإجمالي

ثمّ إنّ الظاهر من الشيخ الأعظم ـ قدس سره ـ : أنّ المانع عن الشمول هو لزوم تعارض الصدر والذيل في أدلّة الاُصول(3) ، وكلامه هذا حاك على أنّ المانع إثباتي لا ثبوتي ـ وقد تقدّم أنّ كلماته مختلفة(4) ـ :

قال في مبحث تعارض الاستصحابين : إذا لم يكن لأحد الاستصحابين


1 ـ تقدّم في الصفحة 185 .
2 ـ جواهر الكلام 23 : 397 .
3 ـ فرائد الاُصول ، ضمن تراث الشيخ الأعظم 25 : 201 و 26 : 410 .
4 ـ تقدّم في الصفحة 179 .


(195)

مرجّح فالحقّ التساقط دون التخيير ; لأنّ العلم الإجمالي هنا بانتقاض أحد الضدّين يوجب خروجهما عن مدلول لا تنقض ; لأنّ قوله : «لا تنقض اليقين بالشكّ ، ولكن تنقضه بيقين مثله» يدلّ على حرمة النقض بالشكّ ووجوب النقض باليقين ، فإذا فرض اليقين بارتفاع الحالة السابقة في أحد المستصحبين فلا يجوز إبقاء كلّ منهما تحت عموم حرمة النقض بالشكّ ; لأ نّه مستلزم لطرح الحكم بنقض اليقين بمثله ، ولا أحدهما المعيّن ; لكونه ترجيحاً بلا مرجّح ، ولا أحدهما المخيّر ; لأ نّه ليس من أفراد العامّ(1) ، انتهى كلامه .

والإشكال عليه بأنّ الذيل غير وارد إلاّ في بعض الروايات(2) غير صحيح ; ضرورة تقديم المشتمل على خصوصية على العاري منها على ما هو مقرّر في محلّه(3) .

نعم ، يمكن أن يورد عليه : أنّ المراد من اليقين وإن كان الحجّة ـ على ما سيوافيك في محلّه ; من أنّ المراد من قوله ـ عليه السلام ـ : «لا تنقض اليقين بالشكّ» أي لا تنقض الحجّة باللاحجّة(4) ـ لكن المراد من الذيل هو العلم التفصيلي ، لا الأعمّ منه ومن الإجمالي ; لأنّ الظاهر : أنّ متعلّق اليقين الواقـع في الذيل عين ما تعلّق به اليقين الأوّل . ولكن اليقين الأوّل قد تعلّق بطهارة كلّ واحد بالخصوص ، كما أنّ الشكّ قد تعلّق بطهارتهما كذلك ، فلابدّ أن يحصل يقين آخر ضدّ اليقين الأوّل ، ويتعلّق بنجاسة واحد منهما معيّناً . وأمّـا اليقين في العلم الإجمالي فلم يتعلّق


1 ـ فرائد الاُصول ، ضمن تراث الشيخ الأعظم 26 : 409 ـ 410 .
2 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4 : 22 ـ 23 .
3 ـ تقدّم في الجزء الثاني : 282 .
4 ـ الاستصحاب ، الإمام الخميني ـ قدس سره ـ : 81 ـ 82 و 239 .


(196)

بنجاسة إناء معيّن ، بل بأمر مردّد وجوداً بين الإنائين .

وعليه فالذيل غير شامل لليقين الإجمالي ; لعدم اتّحاد متعلّقي اليقينين ، ويبقى المورد تحت حكم الصدر فقط ، فتدبّر .

نعم ، يأتي في المقام ما ذكرناه من المبعّدات في جريان الاُصول في أطراف العلم الإجمالي ; من كونه ترخيصاً في المعصية في نظر العرف ، فلاحظ(1) .

تفصيل المحقّق النائيني بين الاُصول التنزيلية وغيرها

ثمّ إنّ بعض أعاظم العصر ـ رحمه اللّه ـ فصّل في دوران الأمر بين المحذورين بين أصالة الإباحة وبين الاُصول التنزيلية وغيرها ، وجعل محذور كلّ واحد منها أمراً غير الآخر .

وقد نقلنا شطراً منه في دوران الأمر بين المحذورين ، وذكرنا هناك بعض المناقشات في كلامه(2) ، ومع ذلك فلا بأس بنقل شطر آخر من كلامه ، حسب ما يرتبط بالمقام :

فأفاد ـ قدس سره ـ : أمّا غير أصالـة الإباحـة في هـذا المورد ـ مـورد الـدوران ـ أو مطلق الاُصول في غير هذا المورد : فالوجه في عدم جريانها ليس هـو عـدم انحفاظ الرتبـة وانتفاء موضـوع الحكم الظاهـري ، بل أمـر آخـر يختلف فيه الاُصول التنزيلية مع غيرها :

أمّا غيرها : فالوجه هو لزوم المخالفة القطعية للتكليف المعلوم في البين .

وأمّا التنزيلية : فالسرّ فيها هو قصور المجعول فيها عن شموله لأطراف العلم


1 ـ تقدّم في الصفحة 193 .
2 ـ تقدّم في الصفحة 165 ـ 169 .


(197)

الإجمالي ; لأنّ المجعول فيها هو الأخذ بأحد طرفي الشكّ على أنّه هو الواقع ، وهذا المعنى من الحكم الظاهري لا يمكن جعله بالنسبة إلى جميع الأفراد ; للعلم بانتقاض الحالة السابقة في بعض الأطراف .

فالإحراز التعبّدي لا يجتمع مع الإحراز الوجداني بالخلاف ، ولا يمكن الحكم ببقاء الطهارة الواقعية في كلّ من الإنائين مع العلم بنجاسة أحدهما(1) ، انتهى .

وأنت إذا أحطت خبراً بما ذكرناه : تقف على ضعف ما أفاده حول الاُصول غير التنزيلية ; من استلزامه المخالفة القطعية للتكليف ; لما عرفت من أنّ محلّ البحث هو العلم بالحجّة ، لا العلم بالتكليف القطعي(2) .

وأمّا ما جعله وجهاً للمنع في الاُصول التنزيلية فيرد عليه :

أمّا أوّلاً : فلمنع كون الاستصحاب من الاُصول التنزيلية ; وذلك لأنّ المجعول في الاُصول التنزيلية ـ على ما اعترف به(3) ـ إنّما هو البناء العملي والأخذ بأحد طرفي الشكّ على أنّه هو الواقع ، وإلقاء الطرف الآخر وجعل الشكّ كالعدم في عالم التشريع ، كقاعدة التجاوز ; حيث إنّ مفاد أخبارها «أنّ الشكّ ليس بشيء»(4) و «إنّما الشكّ إذا كان في شيء لم يجزه»(5) وفي رواية «بلى ، قد ركعت»(6) .


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4 : 13 ـ 17 .
2 ـ تقدّم في الصفحة 180 ـ 181 .
3 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4 : 14 .
4 ـ راجع وسائل الشيعة 8 : 237 ، كتاب الصلاة ، أبواب الخلل الواقع في الصلاة ، الباب 23 ، الحديث 1 .
5 ـ راجع وسائل الشيعة 1 : 469 ، كتاب الطهارة ، أبواب الوضوء ، الباب 42 ، الحديث 2 .
6 ـ تهذيب الأحكام 2 : 151 / 592 ، وسائل الشيعة 6 : 317 ، كتاب الصلاة ، أبواب الركوع ، الباب 13 ، الحديث 3 .


(198)

فأمثال هذه التعابير يستفاد منها كون القاعدة من الاُصول المحرزة التنزيلية ، بخلاف أخبار الاستصحاب ; فإنّ الظاهر منها لحاظ الشكّ واعتباره ، كما تنادي به التعابير التي فيها ، كقوله : «لأ نّك كنت على يقين من طهارتك فشككت ، وليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشكّ أبداً»(1) ; ضرورة أنّ الظاهر منه : أنّ الشكّ ملحوظ فيه لكنّه ليس له معه نقض اليقين به ، ولابدّ عند الشكّ ترتيب آثار اليقين الطريقي ، ومعه لا يكون من الاُصول المحرزة .

وأمّا ثانياً : فلمنع عدم جريانه لو فرض كونه أصلاً محرزاً ، كما سيأتي بيانه .

ثمّ إنّ هنا وجهاً لكون الاستصحاب أصلاً محرزاً ذكرناه في الدورة السابقة(2) ، ومحصّله : أنّ الكبرى المجعولة فيه تدلّ على حرمة نقض اليقين ـ أي السابق ـ بالشكّ عملاً ، ووجوب ترتيب آثار اليقين الطريقي في ظرف الشكّ ، ولمّا كان اليقين الطريقي كاشفاً عن الواقع كان العامل بيقينه يعمل به على أنّه هو الواقع ; لكونه منكشفاً لديه .

فالعالم بوجوب صلاة الجمعة يأتي بها في زمن اليقين بما أنّه الواقع ، فإذا قيل له : «لا تنقض اليقين بالشكّ عملاً» يكون معناه : «عامِل معاملة اليقين ورتّب آثاره في ظرف الشكّ» ، ومعنى ترتيب آثاره أن يأتي بالمشكوك فيه في زمان الشكّ مبنياً على أنّه هو الواقع .

وإن شئت قلت : إنّ هـذا الأصل إنّما اعتبر لأجـل التحفّظ على الواقـع فـي ظـرف الشكّ .


1 ـ تهذيب الأحكام 1 : 421 / 1335 ، وسائل الشيعة 3 : 446 ، كتاب الطهارة ، أبواب النجاسات ، الباب 37 ، الحديث 1 .
2 ـ أنوار الهداية 2 : 192 ـ 193 .


(199)

وفيه : أنّ المتيقّن إنّما يعمل على طبق يقينه من غير توجّه على أنّه هو الواقع توجّهاً اسمياً ، ويأتي بالواقع بالحمل الشائع ، بلا توجّه بأنّه معنون بهذا العنوان .

نعم ، لو سئل عنه : بماذا تفعل ؟ وأنّ ما تعمل هل هو الواقع أو لا ؟ لأجاب بأنّه الواقع ; متبدّلاً توجّهه الحرفي إلى الاسمي . وعليه فمعنى : «لا تنقض اليقين بالشكّ عملاً» هو ترتيب آثار القطع الطريقي ; أي الترتيب آثار المتيقّن لا ترتيب آثاره على أنّه الواقع .

وأمّا حديث جعل الاستصحاب لأجل التحفّظ على الواقع : فإن كان المراد منه أنّ جعله بلحاظ حفظ الواقع ، كالاحتياط في الشبهات البدوية فهو صحيح ، لكن لا يوجب ذلك أن يكون التعبّد بالمتيقّن على أنّه الواقع كالاحتياط ; فإنّه أيضاً بلحاظ الواقع لا على أنّ المشتبه هو الواقع .

وإن كان المراد منه هو التعبّد على أنّه الواقع فهو ممّا لا شاهد له في الأدلّة ; لأنّ المراد من حرمة النقض بالشكّ إمّا إطالة عمر اليقين على وجه ضعيف ، أو حرمة النقض عملاً ; أي ترتيب آثار اليقين أو المتيقّن على المختار . وأمّا كونه بصدد بيان وجوب البناء على أنّه الواقع فلا .

ثمّ لو سلّم كونـه أصلاً محـرزاً فما جعله مانعاً مـن جـريان الاستصحاب في الأطراف ـ مـن أنّ معنى الاستصحاب هـو الأخـذ بأحـد طرفي الشكّ ، وهـو لا يجتمع مع العلم بانتقاض الحالـة السابقـة في بعضها ـ ليس بصحيح ; لأنّ الجمع بين الحكم الظاهـري والواقـع قـد فرغنا عنه(1) ، كما فرغ هـو ـ قدس سره ـ (2) . فهـذا


1 ـ تقدّم في الجزء الثاني : 368 ـ 380 .
2 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 105 .


(200)

الإشكال ليس شيئاً غير الإشكال المتوهّم فيه .

فعليه : فلو علمنا بوقوع نجاسة في واحد من الإنائين فالتعبّد بكون كلّ واحـد طاهراً واقعاً لا ينافي العلم الإجمالي بكون واحد منهما نجساً يقيناً ; لأنّ المنافاة إن رجع إلى جهة الاعتقاد وأنّ الاعتقادين لا يجتمعان ففيه : أنّ الحديث في باب الاستصحاب حديث تعبّد لا اعتقاد واقعي ، وهو يجتمع مع العلم بالخلاف إجمالاً إذا كان للتعبّد في المقام أثر عملي ، لو سلم عن بقية الإشكالات ; من كونه ترخيصاً في المعصية أو موجباً للمخالفة القطعية ; فإنّ المانع عنده ـ قدس سره ـ هو قصور المجعول لا ما ذكر .

وإن رجع إلى أنّ هذا التعبّد لا يصدر من الحكيم مع العلم الوجداني ففيه : أنّ الممتنع هو التعبّد بشيء في عرض التعبّد على خلافه ، وأمّا التعبّد في ظرف الشكّ على خلاف العلم الإجمالي الوجداني فلا .

وإن شئت قلت : إنّ كلّ طـرف مـن الأطـراف يكون مشكوكاً فيه ، فيتمّ أركان الاستصحاب . ومخالفة أحد الأصلين للواقع لا يوجب عدم جريانه لولا المخالفة العملية ، كاستصحاب طهارة الماء ونجاسة اليد إذا غسل بالماء المشكوك الكرّية ; فإنّ للشارع التعبّد بوجود ما ليس بموجـود ، والتعبّد بتفكيك المتلازمين وتلازم المنفكّين .

وبالجملة : لا مانع من اجتماع الإحراز التعبّدي مع الإحراز الوجداني بالضدّ .

ثمّ إنّه ـ قدس سره ـ لمّا تنبّه على هذا الإشكال ، وأنّ لازم كلامه ـ عدم جريان الاُصول المحرزة في أطراف العلم الإجمالي مطلقاً ; وإن لم يلزم مخالفة عملية ـ هو عدم جواز التفكيك بين المتلازمين الشرعيين ، كطهارة البدن وبقاء الحدث عند الوضوء


(201)

بمايع مردّد بين البول والماء ; لأنّ استصحاب بقاء الحدث وطهارة البدن ينافي العلم الوجداني بعدم بقاء الواقع في أحدهما ، ومن المعلوم اتّفاقهم على الجريان .

أجاب عن الإشكال في آخر مبحث الاستصحاب ، فقال ما هذا محصّله : إنّه فرق بين كون مفاد الأصلين متّفقين على مخالفة ما يعلم تفصيلاً ، كاستصحاب نجاسة الإنائين أو طهارتهما مع العلم بانتقاض الحالة السابقة ; فإنّ الاستصحابين يتوافقان في نفي ما يعلم تفصيلاً ، وبين ما لا يلزم من التعبّد بمؤدّى الأصلين العلم التفصيلي بكذب ما يؤدّيان إليه ، بل يعلم إجمالاً بعدم مطابقة أحد الأصلين للواقع ، من دون أن يتوافقا في مخالفة المعلوم تفصيلاً .

وما منعنا عن جريانه في أطراف العلم الإجمالي هو الأوّل دون الثاني ; لأ نّه لا يمكن التعبّد بالجمع بين الاستصحابين اللذين يتوافقان في المؤدّى مع مخالفة مؤدّاهما للمعلوم بالإجمال . وأمّا لزوم التفكيك بين المتلازمين الواقعيين فلا مانع منه ;لأنّ التلازم بحسب الواقع لا يلازم التلازم بحسب الظاهر(1) ، انتهى .

وفيه أوّلاً : أنّ ما ذكـره ليس فارقـاً بين البابين ; لأنّ جـريان الأصل في هـذا الإناء ليس مصادماً للعلم الوجـداني ، وكـذا جريانـه في تلك الإنـاء ليس مصادماً له أيضاً .

نعم ، جريانهما في كلتيهما مخالف للعلم الإجمالي ، فيعلم مخالفة أحدهما للواقع ، كما أنّ استصحاب طهارة البدن من الماء غير مناف للعلم ، واستصحاب الحدث كذلك . لكن جريانهما مناف للعلم الإجمالي ، فيعلم بكذب أحدهما ; فما هو ملاك الجريان واللا جريان في البابين واحد .


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4 : 694 ـ 695 .


(202)

ومجرّد توافق الاستصحابين لا يوجب الفرق ، مع أنّ توافقهما أيضاً ممنوع ; فإنّ مفاد أحدهما نجاسة أحد الإنائين ومفاد الآخر نجاسة الإناء الآخر ، وإنّما توافقهما نوعي . ومورد الموافقة ليس مجرى الأصل ، وما هو مجراه ـ وهو النجاسة الشخصية ـ لا يكون موافق المضمون مع صاحبه ; بحيث ينافي العلم التفصيلي .

وثانياً : أنّ لازم ما جعله مناط الجريان وعدمه هو جريان الأصل فيما لا يكون الأصلان متوافقي المضمون ، كما إذا علم بوجوب صلاة الجمعة وحرمة شرب التتن سابقاً ، وعلم بانتقاض أحدهما . وجريانه فيهما ـ بناءً على ما ذكره من الملاك ـ لا غبار فيه ; إذ لا يلزم منه سوى ما يلزم في استصحاب الحدث وطهارة البدن إذا توضّأ بمايع مردّد بين الماء والبول ، مع أنّه من البعيد أن يلتزم بجريان الأصل في هذا المثال .

هذا كلّه في المخالفة القطعية ، وأظنّ أنّ هذا المقدار كاف في تحقيق الحال .


(203)

وجوب الموافقة القطعية وعدمه

والكلام فيها ـ كالكلام في عديله ـ يقع في الثبوت والإثبات :

جواز الترخيص في بعض أطراف العلم الإجمالي ثبوتاً

أمّا الأوّل : فقد تقدّم أنّ العلم الجازم بوجود تكليف في البين خارج عن محطّ البحث(1) ; وإن خلط بعض محقّقي العصر بينه وبين العلم بالحجّة(2) .

وحينئذ : فلو وقف على قيام الحجّة بالتكليف فلا إشكال في حكم العقل بلزوم الموافقة القطعية بعد قيامها ; لوجوب تحصيل المؤمّن عن العقاب ، وهو لا يحصل إلاّ بالموافقة القطعية .

وأمّا حكم العقل الدقيق فهو في البابين واحد ; يعني لا يرى الترخيص في واحد من الأطراف أو جميعها إذناً في المعصية ; لأنّ المفروض هو العلم بالحجّة لا بالتكليف الواقعي .

وأمّا فـي حكم العقلاء فيمكن إبـداء الفرق بين البابين ; فإنّ العقلاء لا يرون الإذن في بعض الأطراف إذناً في مخالفـة الواقـع وارتكاب الحـرام ، بل إذناً فـي المشتبه بما هـو مشتبه ، وهـو غير مستنكر عند العقلاء حتّى يوجب انصراف الأدلّـة أو صرفها .

فلو فرض دليل على بعض الأطراف فلا موجب لرفع اليد عنه في المقام ،


1 ـ تقدّم في الصفحة 178 ـ 181 .
2 ـ نهاية الأفكار 3 : 307 ـ 308 .


(204)

بخلاف الإذن في الأطراف عامّة ; فإنّه عندهم مستنكر قبيح يرونه إذناً في المعصية ، كما تقدّم(1) .

وبذلك تعرف : أنّ القول بكون العلم الإجمالي علّة تامّة أو مقتضياً بالنسبة إلى حرمة المخالفة أو وجوب الموافقة إنّما يصحّ في هذا القسم ـ العلم بالحجّة ـ وعليه فلا مانع من أن يقال : إنّ العلم الإجمالي علّة تامّة لحرمة المخالفة القطعية في نظر العقلاء ; بحيث يرى العقلاء الإذن في الأطراف ترخيصاً في المعصية . لكنّه مقتض لوجوب الموافقة ـ أي يحكم بلزومها مع عدم ورود رخصة من المولى ـ ولا يستنكر ورودها ، كما لا يستنكر ورودها في بعض موارد الاشتغال مع العلم التفصيلي ، كالشكّ بعد الفراغ ومضيّ الوقت .

جواز الترخيص في بعض أطراف العلم الإجمالي إثباتاً

وأمّا الكلام في الإثبات : أمّا أدلّة البراءة ، كحديث الرفع(2) والسعة(3) فالظاهر عدم شمولها للمقام ; لما وافاك من أنّ المراد من العلم في المقام ليس العلم الوجداني ، بل المراد هو الحجّة(4) ، والمفروض أنّ الحجّة قائمة على الحرمة ، وقد تقدّم أنّه لا يقال للرجل الذي قامت الحجّة عنده على التكليف : إنّه ممّن لا يعلم .


1 ـ تقدّم في الصفحة 193 .
2 ـ الخصال : 417 / 9 ، التوحيد ، الصدوق : 353 / 24 ، وسائل الشيعة 15 : 369 ، كتاب الجهاد ، أبواب جهاد النفس ، الباب 56 ، الحديث 1 .
3 ـ عوالي اللآلي 1 : 424 / 109 ، مستدرك الوسائل 18 : 20 ، كتاب الحدود ، أبواب مقدّمات الحدود ، الباب 12 ، الحديث 4 .
4 ـ تقدّم في الصفحة 193 .


(205)

وإن شئت قلت : إنّ هنا حجّة اُخرى وراء الأمارة ; وهو حكم العقل بوجوب الاجتناب .

ومن هنا يعلم حال الاستصحاب ; فإنّ المراد من اليقين الواقع في كبريات الاستصحاب هو الحجّة ، فمعنى قوله ـ عليه السلام ـ : «لا تنقض اليقين بالشكّ . . .» إلى آخره لا تنقض الحجّة باللاحجّة ، بل انقضه بحجّة اُخرى . والمفروض حصول الغاية ـ وهي حكم العقل بوجوب الاجتناب ـ فلا مجرى له لتحقّق الغاية .

ولو قيل : إنّ الحجّة في أطراف العلم قامت على الواقع في البين ، لا على الأطراف .

قلنا : إنّ الأمارة قامت على الواقع في البين ، وهي حجّة على كلّ من الأطراف لو صادفت الواقع ، ومعه يكون كلّ من الأطراف من الشبهة المصداقية لأدلّة الاُصول . بل يمكن دعوى انصراف أدلّتها ـ لاسيّما أدلّة الاستصحاب ـ إلى الشكّ الساذج لا المقرون بالعلم الإجمالي .

وأمّا موثّقة مسعدة : فقد تقدّم أنّها مشتملة على أمثلة ليست من صغرياتها(1) ، فعلى ذلك لا يبقى للكبرى المذكورة فيها ظهور في كونها ضابطاً فقهياً مطّرداً في الأبواب .

وأمّا روايات الحلّ : فقد عرفت أنّ غير صحيحة عبدالله بن سنان(2) مخـدوش من حيث السند(3) ، بل لا يبعد ورودها في الشبهة الغير المحصورة ، كما يشهد به بعضها(4) .


1 ـ تقدّم في الصفحة 192 ـ 193 .
2 ـ تقدّمت في الصفحة 186 .
3 ـ تقدّم في الصفحة 190 ـ 191 .
4 ـ وهي رواية عبدالله بن سليمان التي تقدّمت في الصفحة 186 ـ 187 .


(206)

وأمّا الصحيحة : فظاهرها حلّ ما اختلط الحلال بالحـرام جميعاً ، ولو رفع اليد عنـه ـ لكون مفاده غير معمول بـه ـ فلا يبقى لها مفاد بالنسبـة إلى الترخيص في بعض الأطراف .

وأمّا تقريب دلالتها على الترخيص في بعض الأطراف ببيان : أنّ لها عموماً أفرادياً وإطلاقاً أحوالياً بالنسبة إلى حال ترك الآخر وفعله ; فيقتصر في التقييد على القدر المتيقّن ، فيصير النتيجة هي الترخيص في أحدهما .

فغير صحيح جدّاً ; لأنّ هذا التقريب إنّما يجري ـ كما سيوافيك بيانه ـ في قوله ـ عليه السلام ـ : «كلّ شيء حلال حتّى تعلم أنّه حرام بعينه»(1) لا في المقام ; لأنّ مصاديق العموم الأفرادي في الصحيحة إنّما هو كلّ مختلط ; أي كلّ فرد فرد من أفراد الاجتماع الذي فيه الحلال والحرام . وأمّا أطراف المعلوم بالإجمال فليس في كلّ واحد منها الحلال والحرام . فموضوع الحكم فيها هو كلّ مختلط .

فجعل الحلّ لها وإطلاقها الأحوالي يقتضي الحلّية في كلّ مختلط ; ارتكب المختلط الآخر أو لا ، ومقتضى التقييد هو الإجازة في المخالفة القطعية في بعض المصاديق حال ترك البعض ، وهو خلاف المقصود .

وأمّا بالنسبة إلى أجزاء كلّ مختلط فلا حكم مستقلاًّ حتّى يؤخذ بإطلاقه ، بل حكم واحد مجعول لكلّ مجتمع فيه الحلال والحرام ، والأجزاء محكوم بهذا الحكم الوحداني ، فلا معنى للإطلاق المتقدّم فيها .


1 ـ تقدّم في الصفحة 192 .


(207)

حول استفادة الترخيص في بعض الأطراف من الأدلّة العامّة

ثمّ إنّه على القول بعدم انصراف أدلّة الاُصول عن العلم الإجمالي وقع الكلام في كيفية استفادة الترخيص عن أدلّة العامّة في بعض الأطراف .

وقد قيل في بيانها وجوه ربّما اعتمد عليها المشايخ العظام ، وإليك بيانها وأجوبتها :

الوجه الأوّل : ما نقله شيخنا العلاّمة ـ أعلى الله مقامه ـ أنّ مقتضى عموم الأدلّة الترخيص في كلّ من الأطراف ، غاية ما هنا وجوب التخصيص بحكم العقل بمقدار لا يلزم منه الإذن في المعصية ، وحيث لا ترجيح لإخراج واحد معيّن من عموم الأدلّة نحكم بخروج البعض لا بعينه وبقاء الباقي كذلك ; حفظاً لأصالة العموم فيما لم يدلّ دليل على التخصيص .

وأورد عليه شيخنا العلاّمة ـ أعلى الله مقامه ـ أنّ البعض الغير المعيّن لا يكون موضوعاً للعامّ من أوّل الأمر حتّى يحفظ العموم بالنسبة إليه ; لأنّ موضوعه هو المعيّنات ، فالحكم بالترخيص في البعض المبهم يحتاج إلى دليل آخر(1) .

الوجه الثاني : ما نقله أيضاً وأوضحه هو ـ قدس سره ـ ، وبما أنّه مذكور بطوله في كتابه الشريف فليرجع إليه من شاء(2) ; وإن أوضحناه في الدورة السابقة(3) .


1 ـ درر الفوائد ، المحقّق الحائري : 458 .
2 ـ نفس المصدر .
3 ـ أنوار الهداية 2 : 197 .


(208)

الوجه الثالث : ما أفاده بعض محشّي «الفرائد»(1) ، وأوضحه عدّة من المشايخ ; منهم شيخنا العلاّمة(2) وبعض أعاظم العصر(3) ـ قدّس الله أرواحهم ـ وملخّصه : أنّ نسبة أدلّة الاُصول إلى كلّ واحد من الأطراف وإن كانت على حدّ سواء ، لكن لا يقتضي ذلك سقوطها عن جميع الأطراف .

توضيحه : أنّ الأدلّة المرخّصة كما يكون لها عموم أفرادي بالنسبة إلى كلّ مشتبه ، كذلك يكون لهما إطلاق أحوالي بالنسبة إلى حالات المشتبه . فكلّ مشتبه مأذون فيه ـ أتى المكلّف بالآخر أو تركه ـ وإنّما يقع التزاحم بين إطلاقهما لا أصلهما ; فإنّ الترخيص في كلّ واحد منهما في حال ترك الآخر ممّا لا مانع منه .

فالمخالفة العملية إنّما نشأت من إطلاق الحجّية ، فلابدّ من رفع اليد عن إطلاقهما لا أصلهما ، فتصير النتيجة الإذن في كلّ واحد مشروطاً بترك الآخر ، وهذا مساوق للترخيص التخييري ، وهذا نظير باب التزاحم وحجّية الأمارات على السببية .

وفيه : ما قد عرفت أنّ ما يصحّ الاعتماد به من الأدلّة إنّما هو صحيحة عبدالله بن سنان ، وأمّا الباقي فقد عرفت فيه الضعف في السند أو في الدلالة(4) .

وأمّا الصحيحة : فقد تقدّم أنّ الموضوع فيها غير الموضوع في قوله ـ عليه السلام ـ : «كلّ شيء حلال حتّى تعلم أنّه حرام بعينه» ; فإنّ الموضوع في الثاني إنّما هو كلّ فرد فرد أو كلّ جزء جزء ، فيقال في الحرام المختلط بالحلال بحلّية كلّ جزء ، فلو


1 ـ رسائل المحشى : 242 ، الهامش 7 و 429 ، الهامش 4 و 5 .
2 ـ درر الفوائد ، المحقّق الحائري : 459 .
3 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4 : 25 ـ 27 و 688 .
4 ـ تقدّم في الصفحة 204 ـ 206 .


(209)

صحّ ما ذكر من التقريب لصحّ تقييده بما ذكر من ترك الآخر ، وأمّا الصحيحة فما هو الموضوع ليس إلاّ كون الشيء فيه الحلال والحرام بالفعل ، وهو ليس إلاّ مجموع المختلط ، والضمير في قوله «منه» راجع إلى الشيء المقيّد بأنّ فيه الحلال والحرام .

وبالجملة : فالموضوع في غير الصحيحـة هـو كلّ جزء جزء مستقلاًّ ، وأمّـا فيها فليس كـلّ جـزء محكوماً بالحلّيـة بالاستقلال ، بل الموضوع هـو نفس المجموع بما هو هو .

فلو صحّ الإطلاق فيها فلابدّ أن يكون مصبّه ما هو الموضوع ; بأن يقال : إنّ هذا المختلط محكوم بالحلّية ; سواء كان المختلط الآخر محكوماً بها أو لا ، فلو قيّد بحكم العقل يصير نتيجة التقييد هو حلّية هذا المختلط عند ترك المختلط الآخر ، وهو خلاف المطلوب .

ولا يصحّ أن يقال : إنّ هذا الجزء محكوم بالحلّية ; سواء كان الجزء الآخر محكوماً أو لا ; حتّى يصير نتيجة التقييد بحكم العقل ما ادّعى من جواز ارتكاب هذا الجزء عند ترك الآخر ; لأنّ الجزء ليس محكوماً بحكم حتّى يقع مصبّ الإطلاق والتقييد .

ولو صحّ جريان الصحيحة في الإنائين المشتبهين فالمحكوم بالحلّية إنّما هو الكلّ ، لا كلّ واحد منهما حتّى يؤخذ بإطلاقه الأحوالي ويقيّد بمقدار ما دلّ عليه حكم العقل . مضافاً إلى أنّ في إطلاق الأدلّة بنحو ما ذكر كلاماً وإشكالاً .

ثمّ إنّ بعض أعاظم العصر قد أجاب عنه بكلام طويل ، ونحن نذكر خلاصة مرماه ، فنقول : قال ـ قدس سره ـ : إنّ الموارد التي نقول فيها بالتخيير مع عدم قيام دليل عليه بالخصوص لا تخلو عن أحد أمرين : إمّا لاقتضاء الدليل الدالّ على الحكم التخييرَ في العمل ، وإمّا اقتضاء المنكشف والمدلول ذلك ; وإن كان الدليل يقتضي التعيينية .


(210)

فمن الأوّل : ما إذا ورد عامّ كقوله : «أكرم العلماء» وعلم بخروج زيد وعمرو عن العامّ ، وشكّ في أنّ خروجهما هل هو على وجه الإطلاق ، أو أنّ خروج كلّ واحد مشروط بحال إكرام الآخر ; بحيث يلزم من خروج أحدهما دخول الآخر ، فيدور الأمر بين كون المخصّص أفرادياً وأحوالياً ، أو أحوالياً فقط ، فلابدّ من القول بالتخيير .

وإنّما نشأ ذلك من اجتماع دليل العامّ وإجمال المخصّص ووجوب الاقتصار على القدر المتيقّن في التخصيص ، وليس التخيير لأجل اقتضاء المجعول ، بل المجعول في كلّ من العامّ والخاصّ هو الحكم التعييني ، والتخيير نشأ من ناحية الدليل لا المدلول .

ومن الثاني : ما إذا تزاحم الواجبان في مقام الامتثال ; لعدم القدرة على الجمع بينهما ; فإنّ التخيير في باب التزاحم إنّما هو لأجل أنّ المجعول في باب التكاليف معنىً يقتضي التخيير ; لاعتبار القدرة في امتثالها ، والمفروض حصول القدرة على امتثال كلّ من المتزاحمين عند ترك الآخر .

وحيث لا ترجيح في البين ، وكلّ تكليف يستدعي نفي الموانع عن متعلّقه وحفظ القدرة عليه فالعقل يستقلّ ـ حينئذ ـ بصرف القدرة في أحدهما تخييراً ; إمّا لأجل تقييد التكليف في كلّ منهما بحال عدم امتثال الآخر ، وإمّا لأجل سقوط التكليفين واستكشاف العقل حكماً تخييرياً لوجود الملاك التامّ .

وأمّا الاُصول : فلا شاهد على التخيير فيها إذا تعارضت ; لا من ناحية الدليل ; فإنّ دليل اعتبار كلّ أصل إنّما يقتضي جريانه عيناً ـ سواء عارضه أصل آخر أو لا ـ ولا من ناحية المدلول ; فلأنّ المجعول فيها ليس إلاّ الحكم بتطبيق العمل على مؤدّى الأصل مع انحفاظ رتبة الحكم الظاهري باجتماع القيود الثلاثة ; وهي الجهل


(211)

بالواقع وإمكان الحكم على المؤدّى بأنّه الواقع وعدم لزوم المخالفة العملية .

وحيث إنّه يلزم من جريان الاُصول في أطراف العلم الإجمالي مخالفة عملية فلا يمكن جعلها جميعاً ، وكون المجعول أحدها تخييراً وإن كان ممكناً إلاّ أنّه لا دليل عليه(1) ، انتهى كلامه .

وفيه مواقع للنظر ، نذكر مهمّاتها :

الأوّل : ما أفاده من أنّ التخيير في الصورة الاُولى من ناحية الكاشف لا المنكشف ; قائلاً بأنّ المجعول في كلّ من العامّ والخاصّ هو الحكم التعييني ، ليس في محلّه ; إذ لو كان المجعول في المخصّص أمراً تعيينياً لم يبق مجال للشكّ ; لأنّ المفروض أنّ زيداً وعمراً قد خرجا عن تحت العامّ بنحو التعيين ، فلا وجه للشكّ .

ولا مناص إلاّ أن يقال : إنّ الباعث للشكّ هو احتمال كون المجعول في المخصّص أمراً ينطبق على التخيير ; بأن يتردّد المجعول بين خروج كلّ فرد مستقلاًّ أو خروج كلّ واحد مشروطاً بعدم خروج الآخر ـ على مبناه في الواجب التخييري ـ وبما أنّ العامّ حجّة في أفراد العامّ وأحواله فلازم ذلك الاكتفاء بما هو القدر المتيقّن ; أعني خروج كلّ عند عدم خروج الآخر .

والحاصل : أنّ الموجب للتخيير إنّما هو دوران الأمر في المخصّص بين التعيين والتخيير ـ أي خروج الفردين مطلقاً أو خروج كلّ منهما مشروطاً بدخول الآخر ـ والثاني هو القدر المتيقّن من التصرّف في العامّ . نعم لو علمنا بخروج زيد ، وتردّد بين كونه زيد بن عمرو أو زيد بن بكر نحكم بالتخيير ، لا من جهة الكاشف ولا المنكشف ، بل من جهة حكم العقل به .


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4 : 28 ـ 31 .


(212)

الثاني : أنّ جعل التخيير بين المتزاحمين في الصورة الثانية من ناحية المجعول غير صحيح ، بل التخيير من ناحية الكاشف والدليل ; ضرورة أنّ المجعول في المتزاحمين هو التعيين ; لتعلّق الإرادة بكلّ واحد كذلك ، غير أنّ عجز العبد عن القيام بكلتا الوظيفتين أوجب حكم العقل بالتخيير ; لملاحظة أنّ العامّ له إطلاق أحوالي ، وكون المكلّف عاجزاً عن القيام بكلا المتزاحمين يوجب الاقتصار على القدر المتيقّن في التصرّف فيه .

فالتخيير نشأ من إطلاق الدليل ، وعدم الدليل على التصرّف فيه ، إلاّ بمقدار يحكم العقل بامتناع العمل بالعامّ ; وهو الأخذ بالإطلاق الأحوالي في كلا الفردين . فلابدّ من التصرّف فيه من تلك الجهة .

وما أفاده : من أنّ الأحكام متقيّدة بالقدرة ، فإن اُريد منه تقييدها بالقدرة شرعاً حتّى يصير عامّة الواجبات تكليفاً مشروطاً فهو كما ترى ، وإن اُريد أنّ التنجّز إنّما هو في ظرف القدرة ـ كما أنّ تبعاته من الثواب والعقاب في هذا الظرف ـ فهو متين ، غير أنّ ذلك لا يوجب أن يكون المجعول في رتبة الجعل أمراً تخييرياً ; ضرورة أنّ المقنّن لا نظر له إلى مقام الامتثال ، بل هو أمر خارج عن حيطة الشارع المقنّن ، بل هو من الاُمور التي زمامها بيد العقل .

ولو فرض ورود خطاب من الشارع في مقام الامتثال فهو خطاب لا بما هو مشرّع ، بل يتكلّم من جانب العقلاء مع قطع النظر عن كونه مشرّعاً ومقنّناً .

وبالجملة : لا فرق بين الصورة الاُولى والثانية إلاّ من ناحية المخصّص ; فإنّ المخصّص في الاُولى دليل لفظي مجمل دائر بين الأقلّ والأكثر ، وفي الثانية عقلي يحكم بخروج القدر المتيقّن من العامّ .

نعم ، لو بنينا على أنّ التكليفين يسقطان معاً ، ويستكشف العقل لأجل الملاك


(213)

التامّ حكماً تخييرياً يمكن أن يقال : إنّ التخيير بينهما إنّما يكون لأجل المدلول ، لا الدليل ـ على إشكال فيه ـ لكنّه على خلاف مسلكه .

الثالث : أنّ لنا أن نقول : إنّ التخيير بين الأصلين المتعارضين من مقتضيات الدليل والكاشف ، ومن مقتضيات المنكشف والمدلول :

أمّا الأوّل : فبأن يقال : إنّ قوله ـ عليه السلام ـ : «كلّ شيء فيه حلال وحرام . . .»(1) إلى آخره يدلّ على حلّية كلّ مشتبه ، وله عموم أفرادي وإطلاق أحوالي ، ولكن الإذن في حلّية كلّ واحد يوجب الإذن في المعصية والترخيص في مخالفة المولى .

وبما أنّ الموجب لذلك هو إطلاق دليل الأصلين لا عمومه فيقتصر في مقام العلاج إلى تقييده ; وهو حلّية ذاك عند عدم حلّية الآخر ; حتّى لا يلزم خروج كلّ فرد على نحو الإطلاق ، فيكون مرجع الشكّ إلى الجهل بمقدار الخارج . فالعموم حجّة حتّى يجيء الأمر البيّن على خلافه .

والحاصل : كما أنّ الموجب للتخيير في الصورة الاُولى هو اجتماع دليل العامّ وإجمال دليل الخاصّ بضميمة وجوب الاقتصار على القدر المتيقّن في التخصيص ، كذلك اجتماع دليل الاُصول مع لزوم التخصيص ـ حذراً من المخالفة العملية ـ ودورانه بين خروج الفردين مطلقاً وفي جميع الأحوال أو خروج كلّ منهما في حال عدم ارتكاب الآخر موجب للتخيير في المقام .

بل ما نحن فيه أولى منه ; لأنّ المخصّص هنا عقلي ، والعقل يحكم بأنّ ما يوجب الامتناع هو إطلاق الدليل لا عمومه الأفرادي ، فليس المخصّص ـ حكم العقل ـ مجملاً دائراً بين الأقلّ والأكثر ، كما في المثال . فيحكم العقل ـ حكماً باتّاً ـ


1 ـ تقدّم في الصفحة 186 .


(214)

بأنّ ملاك التصرّف في أدلّة الحلّية ليس إلاّ تقييد الإطلاق لا تخصيص الأفراد .

وأمّا الثاني : فلأنّ الحلّية المستفادة من أدلّة الاُصول مقيّدة بكون المكلّف قادراً حسب التشريع ; أي عدم استلزامه المخالفة العملية والترخيص في المعصية . وإن شئت قلت : مقيّدة عقلاً بعدم استلزامها الإذن في المعصية القطعية .

فحينئذ : يجري فيه ما ذكره ـ قدس سره ـ طابق النعل بالنعل ; من أنّ كلّ واحد من المتعارضين يقتضي صرف قدرة المكلّف في متعلّقه ونفي الموانع عن وجوده . فلمّا لم يكن للعبد إلاّ صرف قدرته في واحد منهما فيقع التعارض بينهما .

فحينئذ : فإمّا أن نقول بسقوط التكليفين واستكشاف العقل تكليفاً تخييرياً ، أو نقول بتقييد إطلاق كلّ منهما بحال امتثال الآخر ، فيكون حال الاُصول المتعارضة حال المتزاحمين حرفاً بحرف .

هذا حال ما أفاده الأعلام ، وقدطوينا الكلام عن بعض الوجوه ; روماً للاختصار، وقد عرفت التحقيق في جريان الاُصول في أطراف العلم كلاًّ أو بعضاً ، فراجع .

حول رجوع الترخيص في البعض إلى جعل البدلية

ثمّ إنّه يظهر من الشيخ الأنصاري(1) ـ وتبعه بعض آخر(2) ـ أنّ الترخيص في بعض الأطراف يرجع في الحقيقة إلى جعل الطرف الآخر بدلاً عن الواقع .

وهذا بمكان من الغرابة ; لعدم ملاك البدلية في الطرف بوجه . فلو كان الطرف مباحاً فليس في تركه ملاك البدلية حتّى يكون بدلاً عنه .


1 ـ فرائد الاُصول ، ضمن تراث الشيخ الأعظم 25 : 204 .
2 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4 : 35 .


(215)

وأسوأمنه لو كان الطرف مستحبّاً في الشبهة التحريمية أو مكروهاً في الشبهة الوجوبية ، وليس لترخيص الشارع سببية لحصول الملاك ; لاسيّما بالنسبة إلى الطرف الآخر .

والتحقيق : أنّ الترخيص على فرضه إنّما هو لمصلحة التسهيل أو مفسدة التضييق ، من غير تغيير في الواقعيات بوجه ، فهو راجع إلى الغمض عن التكليف الواقعي على بعض الفروض لأغراض أهمّ من حفظ الواقع في هذا الحال .

تنجيز العلم الإجمالي في التدريجيات

ثمّ إنّ التحقيق في منجّزية العلم الإجمالي وسائر ما يقع الكلام فيه : عدم الفرق بين كون الأطراف حاصلاً فعلاً ، وبين التدريجيات في عمود الزمان ; كان التكليف مطلقاً أو معلّقاً أو مشروطاً .

أمّا في الأوّلين فواضح ; لعدم الفرق لدى العقل بين حرمة مخالفة المولى قطعاً أو احتمالاً في ارتكاب الأطراف المحقّقة فعلاً ، أو في ارتكابها مع تحقّقها تدريجاً . فلو علم بحرمة شيء عليه ـ إمّا في الحال أو في زمان مستقبل ـ يحكم العقل بوجوب تركه في كلا الحالين . فالتكليف الواقعي منجّز عليه ، بل وكذا الأمر في الواجب المشروط ; فإنّه مع العلم بتحقّق شرطه في محلّه كالواجب المطلق من هذه الحيثية ، فتدبّر .

وينبغي التنبيه على اُمور :


(216)

الأمر الأوّل
فيما إذا اضطرّ إلى أحد الأطراف

اعلم : أنّه يشترط في تنجيز العلم الإجمالي كونه متعلّقاً بتكليف فعلي صالح للاحتجاج ، في أيّ طرف اتّفق وجود المعلوم بالإجمال .

ولأجل ذلك لو دار أمر المعلوم بالإجمال بين كونه فعلياً إذا كان في طرف وإنشائياً في طرف آخر ، أو غير صالح للاحتجاج به لما يوجب تنجيزاً أصلاً .

ولهذا يقع البحث في تنجّزه إذا كان المكلّف مضطرّاً إلى بعض الأطراف ، ولابدّ من بيان أقسامه ثمّ توضيح أحكامها ، فنقول :

قد يكون الاضطرار قبل تعلّق التكليف بأحدها وقبل تعلّق العلم به .

واُخرى : يكون بعد تعلّقه وقبل العلم به .

وثالثة : بعد تعلّق التكليف والعلم به .

ورابعة : يكون مقارناً لهما أو لأحدهما .

وخامسـة : بعـد العلم بالخطاب وقبل تنجّـز التكليف ، كما فـي العلم بواجب مشـروط قبل حصول شرطـه ، ثمّ حصل الاضطـرار إلى بعض الأطراف ، ثمّ تحقّق الشرط .

وعلى التقادير الخمسة قد يكون الاضطرار إلى أحدها المعيّن واُخرى إلى غيره . وعلى جميع التقادير قد يكون الاضطرار عقلياً ونتكلّم فيه مع قطع النظر عن حديث الرفع ، وقد يكون عادياً مشمولاً للحديث . ونتكلّم مع النظر إليه .

والمفروض في جميع التقادير ما إذا كـان الاضطرار بمقـدار المعلوم أو


(217)

الزائـد منه ، وإلاّ فلا تأثير له في سقوط العلم عن التأثير .

فلنذكر من تلك الأقسام ما هو الأهمّ حكماً وألزم بياناً وتوضيحاً ، فنقول :

في الاضطرار إلى بعض الأطراف المعيّن

منها : أنّه لو كان الاضطرار إلى بعض الأطراف معيّناً قبل تعلّق التكليف أو بعده وقبل العلم به ، فلا إشكال في عدم وجوب الاجتناب عن الآخر ; سواء كان الاضطرار عقلياً أو عادياً :

أمّا على مسلك المشهور : من أنّ الأعذار العقلية أو الشرعية يوجب سقوط الأحكام عن الفعلية فواضح ; لأنّ العلم بتكليف دائر أمره بين كونه إنشائياً لو صادف مورد الاضطرار ، وفعلياً لو كان في الطرف الآخر لا يوجب علماً بالتكليف الفعلي على أيّ تقدير ، فلا معنى للتنجيز .

وأمّا على المختار في باب الأعذار من بقاء الأحكام على فعلياتها ـ كان المكلّف عاجزاً أو قادراً ، مختاراً كان أو مضطرّاً ، من دون أن يكون الاضطرار موجباً لتحديد التكليف وتقييد فعليته ، غاية الأمر يكون المكلّف معذوراً في ترك الواجب أو ارتكاب الحرام ، ولأجل ذلك قلنا بلزوم الاحتياط عند الشكّ في القدرة ، إلى أن يقف على عذر مسلّم ـ فيمكن القول بلزوم الاجتناب عن الطرف الآخر ; لحصول العلم بالتكليف الفعلي بعد الاضطرار ، والمفروض عدم ارتفاعه بحدوث الاضطرار .

فلو كان الخمر في ذاك الطرف غير المضطرّ إليه لزم الاجتناب عنه قطعاً . فارتكاب عامّة الأطراف مخالفة عملية بلا عذر للتكليف على فرض وجوده في ذاك الطرف ، فيجب الاجتناب عنه مقدّمة .


(218)

وإن شئت نزّلت المقام بما لو علم العبد بالتكليف الفعلي وشكّ في قدرته ، وقد تقدّم أنّه ليس معذوراً في ذلك ، بل لابدّ من العلم بالعذر ، وليس له الاكتفاء بالشكّ مع العلم بالتكليف الفعلي .

ومثله المقام ; فإنّ العلم الإجمالي قد تعلّق بالتكليف الفعلي ، والمكلّف شاكّ في كونه مضطرّاً إلى الإتيان بمتعلّق التكليف ، فيكون من قبيل الشكّ في القدرة ، فيجب له الاحتياط ، من غير فرق في ذلك بين العلم التفصيلي والإجمالي .

ولكن الإنصاف : وضوح الفرق بين المقامين ; فإنّ التكليف هناك قطعي والشكّ في وجود العذر ، وأمّا المقام فالتكليف وإن كان محقّقاً إلاّ أنّ العذر مقطوع الوجود .

توضيحه : أنّ المكلّف بعدما وقف على التكليف الفعلي ـ أي غير المقيّد بالقدرة ـ يجب له الاحتياط وترك المساهلة حتّى يجيب أمر المولى بامتثال قطعي أو عذر كذلك . فلو أجاب أمر المولى بالشكّ في القدرة فقد أجابه بما يشكّ كونه عذراً عند العقل والعقلاء . وهذا بخلاف المقام ; فإنّ العذر ـ وهو الاضطرار ـ حاصل في المقام قطعاً .

وما أسمعناك من أنّ الاضطرار عذر في الطرف المضطرّ إليه دون الطرف الآخر ، وأنّ مرجع ذلك إلى الشكّ في العذرية ; لأنّ التكليف لو كان في الطرف المضطرّ إليه فهو عذر قطعاً ، ولو كان في الطرف الآخر فهو غير معذور قطعاً . فالشكّ في أنّ الحرام في أيّ الطرفين يلازم الشكّ في وجود العذر في ذلك الطرف .

مدفوع بما عرفت في صدر المسألة من أنّ الميزان في تنجيز العلم الإجمالي أن يتعلّق العلم بشيء لو تعلّق به العلم التفصيلي لتنجّز عليه التكليف ، فلو تعلّق العلم الإجمالي على أمر مردّد بين الإنشائي والفعلي فلا يكون منجّزاً .


(219)

وأمّا المقام فمتعلّق العلم وإن كان حكماً فعلياً إلاّ أنّ مجرّد كونه فعلياً لا يثمر ، بل لابدّ أن يتعلّق بحكم فعلي صالح للاحتجاج مطلقاً عند العقلاء .

وهذا القيد مفقود في المقام ; حيث إنّه لم يتعلّق بما هو صالح له مطلقاً ; بحيث لو ارتفع الإجمال لتنجّز التكليف ، بل هو صالح للاحتجاج على وجه ، وغير صالح على وجه آخر . ومرجعه إلى عدم العلم بالصالح مطلقاً ، ومعه لا يوجب تنجيزاً أصلاً .

وإن شئت قلت : فرق واضح بين الشكّ في القدرة أو الاضطرار مع العلم بالتكليف ، وبين العلم بالعجز أو الاضطرار مع الشكّ في انطباقه على مورد التكليف أو غيره ; فإنّ العلم بالعجز والاضطرار يكون عذراً وجدانياً ، فلم يتعلّق علم العبد بتكليف فعلي لا يكون معذوراً فيه ، ولكن الشكّ في العجز لا يكون عذراً عند العقلاء مع فعلية التكليف ، وهذا هو الفارق بين البابين .

ومنها : إذا اضطرّ إلى المعيّن ; مقارناً لحصول التكليف أو العلم به فلا تأثير أيضاً ; لأنّ العلم الإجمالي المقارن للعذر لا يمكن أن يصير حجّة .

وإن شئت قلت : بعد عدم العلم بتكليف فعلي على مبنى القوم ، وعدم العلم بتكليف فعلي صالح للاحتجاج على ما حقّقنا لا وجه للتنجيز .

ومنها : أنّه لو حصل الاضطرار بعد العلم بالتكليف ـ كما إذا اضطرّ إلى أحد الإنائين معيّناً بعد العلم بنجاسة أحدهما ـ فلا إشكال في لـزوم الاجتناب . ولا يقاس بالصورة الاُولى ; حيث إنّ التكليف الفعلي الصالح للاحتجاج لم يكن موجـوداً فيها من الأوّل ثمّ شكّ في حصوله ، وأمّا المقام فقد تعلّق العلم بتكليف صالح للاحتجاج قبل حـدوث الاضطرار ، والاجتناب عـن غير مورد الاضطرار إنّما هو من آثار ذلك العلم .


(220)

وبالجملة : هذا العلم كان علّة تامّة لوجوب الموافقة القطعية بالاجتناب من الطرفين ، فإذا حدث الاضطرار وارتفع حكم العقل في واحد من الطرفين لأجله بقي حكمه بوجوب الموافقة الاحتمالية ، فالحكم بلزوم الاجتناب عن الباقي إنّما هو من آثار ذلك العلم المتقدّم .

فالاضطرار إلى واحد من الطرفين كإراقته أو مخالفته في ذاك الطرف بشربه وارتكابه ، كما لا يوجب هذان جواز ارتكاب الطرف الآخر فهكذا الاضطرار في هذه الصورة .

وإن شئت قلت : إنّ الاضطـرار لا يكون عـذراً إلاّ بمقداره ، والاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية ، ومع عدم إمكانها يحكم العقل بلزوم الموافقة الاحتمالية .

وأمّا ما أفاده المحقّق الخراساني من أنّ الاضطرار من قيود التكليف وحدوده ، فيرتفع عند الوصول إلى حدّه(1)فيوافيك بيانه ونقده ، فانتظر .

وممّا ذكرنا يظهر حال الواجب المشروط لو تعلّق العلم به قبل تحقّق شرطه واضطرّ إليه قبل حصوله ; فإنّه إن قلنا بأنّ الواجب المشروط قبل تحقّق شرطه لم يكن حكماً فعلياً يكون حاله حال الاضطرار قبل العلم بالتكليف ، وإن قلنا بأنّه تكليف فعلي وأنّ الشرط قيد للمادّة أو ظرف لتعلّق التكليف يكون حاله حال الاضطرار بعد العلم .


1 ـ كفاية الاُصول : 409 ـ 410 .


(221)

في الاضطرار إلى بعض الأطراف الغير المعيّن

منها : إذا اضطرّ إلى غير المعيّن فالتحقيق وجوب الاجتناب مطلقاً عن الطرف الآخر ; لعدم الاضطرار إلى مخالفة التكليف الواقعي ، بل ما تعلّق به الاضطرار غير ما تعلّق به التكليف ، بخلاف ما إذا اضطرّ إلى مخالفة واحد من الأطراف معيّناً .

توضيحه : أنّ متعلّق التكليف عند الاضطرار إلى الواحد المعيّن يحتمل أن يكون عين ما تعلّق به الاضطرار ، ومع هذا الاحتمال لا يبقى علم بالتكليف المنجّز الصالح للاحتجاج ، بل الأمر يدور بين التكليف الصالح له وغير الصالح له ، ومرجع ذلك إلى الشكّ في التكليف .

وأمّا المقام فالمفروض : أنّ الاضطرار لم يتعلّق بواحد معيّن حتّى يكون مضطرّاً في ارتكابه ، ولا يمكن له العدول إلى غيره ; وإن فرضنا انكشاف الواقع ، بل متعلّق الاضطرار إنّما هو إحدى الإنائين ; بحيث لو كشف الواقع عليه يجب العدول إلى غير المحرّم ; لكون الآخر غير المحرّم يندفع به الاضطرار بلا محذور .

وعليه : فمتعلّق الاضطرار في نفس الأمر غير ما تعلّق به التكليف ، وهذا بخلاف الاضطرار إلى المعيّن .

وبالجملة : ما هو متعلّق التكليف غير ما اضطرّ إليه ; وإن كان ربّما ينطبق عليه إلاّ أنّه من آثار الجهل لا الاضطرار ; بحيث لو ارتفع الجهل لما وقع في ارتكابـه أصلاً . وهذا بخلاف الاضطرار إلى المعيّن ; إذ لو تبيّن كونه خمراً لما كان له مناص عن ارتكابه .

وعليه : فلابدّ من التفكيك ـ أي تفكيك ما هو من لوازم الجهل وما هو من لوازم الاضطرار ـ فشرب الخمر عند الاضطرار إلى الواحد المعيّن لو صادف المحرّم


(222)

من آثار الاضطرار إليه ، كما أنّ شربها عند الاضطرار إلى غير المعيّن من آثار الجهل ; لإمكان دفعه بالإناء الآخر .

وبما ذكرنا يندفع ما ربّما يقال : من أنّه لو اختار ما هو الخمر واقعاً مع الجهل كشف ذلك كون متعلّق الاضطرار في نفس الأمر هو متعلّق الحرمة .

وجه الاندفاع : أنّ ما ذكر راجع إلى مقام الامتثال ، واختيار ما هو الخمر واقعاً لا يوجب تعلّق الاضطرار به واقعاً ، وقد عرفت أنّ متعلّقه إنّما هو واقع أحدهما لا بعينه .

وبتقريب آخر ـ وقد مرّ توضيحه عند الاضطرار إلى الواحد المعيّن بعد تنجّز التكليف ـ أنّ العلم علّة تامّة لوجوب الموافقة القطعية ، ومع عدم إمكانها يحكم بوجوب الموافقة الاحتمالية ; ولذا لا يجوز شرب الإناء الاُخرى عند إراقة أحدهما أو شربها عمداً ; حفظاً لآثار العلم . فلا يرفع اليد إلاّ بمقدار الاضطرار ، والشكّ في فعلية التكليف بعد اختيار واحد من الأطراف ; لإمكان كون المأتي به مورد الاضطرار ، كالشكّ الحاصل بعد فقد أحدهما أو ارتكابه بلا اضطرار ، فالعلم الإجمالي بعد الاضطرار صالح للاحتجاج بالنسبة إلى الموافقة الاحتمالية ; كان الاضطرار سابقاً أو مسبوقاً .

مختار المحقّق الخراساني في الكتاب وهامشه

إنّ المحقّق الخراسانـي ـ رحمه اللّه ـ اختار سقوط العلم عـن التأثير مطلقاً ; معلّلاً بأنّ جـواز ارتكاب أحـد الأطـراف أو تركـه تعييناً أو تخييراً ينافي العلم بحرمـة المعلوم أو بوجوبه بينها فعلاً ، ونفى ـ قدس سره ـ الفرق بين سبق الاضطرار على العلم ولحوقـه ; معلّلاً بأنّ التكليف المعلوم بينها يكون محـدوداً بعـدم عروض


(223)

الاضطـرار إلى متعلّقه من أوّل الأمر .

وبهذا فرّق بين فقد بعض الأطراف بعد تعلّق العلم وبين الاضطرار إليه بعده ; حيث أوجب الاحتياط في الأوّل دون الثاني .

ثمّ إنّه رجع في هامش الكتاب عمّا ذكره ، وفصّل بين الاضطرار إلى أحدهما لا بعينه والاضطرار إلى المعيّن ، وأوجب الاحتياط في الثاني دون الأوّل ; معلّلاً بأنّ العلم الإجمالي بالتكليف الفعلي المحدود في هذا الطرف أو المطلق في الطرف الآخر يكون منجّزاً ، وأمّا إذا عرض الاضطرار إلى أحدهما لا بعينه فإنّه يمنع عن فعلية التكليف مطلقاً(1) ، انتهى ملخّصاً .

وفيه مواقع للنظر :

منها : منع كون الاضطرار العقلي من حدود التكاليف وقيوده ; فإنّ الاضطرار العقلي بمعنى عجز المكلّف عن القيام بوظائفه يوجب معذورية المكلّف لترك المأمور به ، فلا يكون للمولى حجّة عليه ، بل له الحجّة عليه . وهذا أمر آخر غير محدودية التكليف وتقيّده .

وإن أراد الاضطرار العرفي الذي إليه مآل حديث الرفع فهو وإن كان من حدوده الشرعية إلاّ أنّك قد عرفت أنّ ما هو متعلّق التكليف عند الاضطرار إلى غير المعيّن غير ما هو متعلّق الاضطرار ، ولا مصادمة بين حديث الرفع وأدلّة التكاليف ; لعدم عروض الاضطرار إلى متعلّق التكليف .

ومنها : أنّ التفريق بين فقد المكلّف به وعروض الاضطرار فيما نحن فيه لا يرجع إلى محصّل ; فإنّ الكبريات الكلّية إنّما تحتجّ بها عند وجود موضوعاتها ،


1 ـ كفاية الاُصول : 408 ـ 409 .


(224)

ولا يصحّ أن يحتجّ بالكبرى على الصغرى .

وعليه : فلو فقد بعض الأطراف قبل حدوث العلم الإجمالي ، ثمّ علم إجمالاً بأنّ الخمر إمّا هو المفقود وإمّا هو الموجود فلا يؤثّر العلم أصلاً ، نظير الاضطرار إلى المعيّن قبل حدوث العلم . ولو فقد بعض الأطراف بعد حدوث العلم يكون العلم حجّة على الطرف الموجود ; لأجل احتمال انطباق التكليف المنجّز سابقاً عليه . وهذا التفصيل يجيء بعينه عند الاضطرار إلى المعيّن .

ومنها : أنّ ما اختاره من عدم وجوب الاجتناب عن الطرف الآخر عند الاضطرار إلى غير المعيّن ; قائلاً بمنافاته مع التكليف في البين غير صحيح ; إذ لا مزاحمة بينهما كما عرفت . وكون مختار المكلّف منطبقاً على المحرّم الواقعي أحياناً لا يوجب كون التكاليف الواقعية متقيّداً باختيار المكلّف وعدمه .

وعليه : فلا مانع من أن يرخّص في أحدهما لا بعينه ويحرّم الخمر الواقعي ; لتباين المتعلّقين في مقام الإنشاء ورتبة التكاليف .

ألا ترى أنّه لو وقف المكلّف في مقام رفع الاضطرار على الخمر الواقعي لوجب عليه رفع الاضطرار بغير مورد التكليف . وهذا أوضح دليل على عدم المزاحمة في رتبة التكليف . وكان الأليق عدوله إلى ما ذكرنا في هامش «الكفاية» ، كما لا يخفى .


(225)

الأمر الثاني
في شرطية الابتلاء لتنجيز العلم الإجمالي

قد استقرّ آراء جلّ المتأخّرين من أهل التحقيق على عدم لزوم الاجتناب عن الأطراف إذا خرج بعضها عن محلّ الابتلاء في الجملة .

وتوضيحه : أنّ الأمر والنهي لداعي البعث والزجر ، ولأجل ذلك يتوقّف صحّة البعث والزجر على تحقّق اُمور :

الأوّل : كون المكلّف قادراً على الامتثال ; فإنّ خطاب غير القادر أمر قبيح ، بل لا ينقدح الإرادة الجدّية في لوح النفس ، وهو من الوضوح بمكان .

الثاني : أن يكون مورد التكليف مورد الابتلاء نوعاً ; بحيث لا يعدّ من المحالات النوعية حتّى لا يكون البعث إليه والزجر عنه لغواً ، كجعل الحرمة للخمر الموجود في إحدى الكرات السماوية التي كان يعدّ من المحالات العادية ابتلاء المكلّف بها .

والحاصل : أنّ التكاليف إنّما تتوجّه إلى المكلّفين لأجل إيجاد الداعي إلى الفعل أو الترك ، فما لا يمكن عادة تركه لا مجال لتعلّق التكليف به . فالنهي المطلق عن شرب الخمر الموجود في أقاصي بلاد المغرب أو ترك وطي جارية سلطان الصين يكون مستهجناً ، فإذا كان هذا حال خطاب التفصيلي فالحال في الإجمالي منه واضح جدّاً .

الثالث : أن لا يكون الدواعي مصروفة عنه نوعاً ، كالنهي عن عضّ رأس الشجرة ، كما مثّل بهما سيّد المحقّقين ، السيّد محمّد الفشاركي ، على ما حكاه عنه


(226)

شيخنا العلاّمة ـ أعلى الله مقامه ـ فإنّك لا تجد أحداً أحسّ أمراً وعرف يمينه عن يساره يفعل هذا حسب العادة النوعية .

ولا يبعد شمول عنوان المبحث لهذا الشرط أيضاً ; فإنّ مرادهم من الخروج عن محلّ الابتلاء بمورد التكليف أعمّ ممّا يكون غير مقدور عادة أو يرغب عنه الناس ، ويكون الدواعي مصروفة عنها . والميزان في كلّ الموارد هو استهجان الخطاب عند العقلاء .

وإن شئت قلت : إنّ الغرض من الأمر والنهي ليس إلاّ حصول ما اشتمل على المصلحة أو عدم حصول ما اشتمل على المفسدة ، ومع عدم التمكّن العادي على الترك أو الفعل أو صرف الدواعي عن الارتكاب لا تكاد تفوت المصلحة أو تحصل المفسدة ، فلا موجب للتكليف ، بل لا يصحّ ; لاستهجانه .

وأمّا ما أفاده بعض أعاظم العصر ـ قدس سره ـ من التفصيل بين عدم القدرة العادية وعدم الإرادة عادة ، بتقريب : أنّ القدرة من شرائط حسن الخطاب ، ولابدّ من أخذها قيداً في التكليف ، وأمّا إرادة الفعل فليس لها دخل في حسن الخطاب ، ولا يعقل أخذها قيداً فيه وجوداً وعدماً ; لأ نّه من الانقسامات اللاحقة للتكليف(1) .

فلا يخلو من إشكال ; فإنّ التفريق بين عدم القدرة العقلية أو العادية ووجود الداعي الطبيعي إلى العمل أو الانزجار الفطري عنه ، بعدم صحّة الخطاب في الأوّلين والصحّة في الآخرين في غاية الغرابة ; فإنّ خطاب من يريد الفعل طبعاً أو يترك الشيء مستهجن ; لعدم الملاك لإظهار الإرادة ، كخطاب من لا يقدر .

فكما لا يصحّ النهي عن فعل غير مقدور عادة كذلك يقبح النهي عن شيء


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4 : 53 .


(227)

لا ينقدح في الأذهان احتمال ارتكابه ، كالنهي عن كشف العورة بين الناس ; موجّهاً ذلك الخطاب إلى صاحب المروّة ، والنهي عن أكل القاذورات .

وأمّا ما عن بعض الأعيان المحقّقين ـ قدس سره ـ من كفاية الإمكان الذاتي أو الإمكان الوقوعي في صحّة الخطاب ، وهذا تمام الملاك لصحّة الخطاب ، وعليه يصحّ الخطاب في موارد الابتلاء وعدمه(1) .

ضعيف ; فإنّ كفاية الإمكان الذاتي في هذا الباب غريب ; فإنّ خطاب من لا ينبعث عن أمر المولى خطاباً حقيقياً مستهجن جدّاً ; فإنّ الإرادة التشريعية لا تنقدح إلاّ بعد حصول مبادئها .

وقس عليه الخطاب القانوني ; فإنّ مقنّن الحكم لو وقف على أنّ ما يشرّعه لا يكاد يعمل به أصلاً ولا ينبعث منه أحد ، صار جعله وتقنينه مستهجناً جدّاً ; وإن جاز الإمكان الذاتي أو الوقوعي .

وأعجب منه ما نقله ـ قدس سره ـ عن بعض أجلّة عصره من أنّ التكليف ليس زجراً ولا بعثاً ، بل إلزام من المولى بالنسبة إلى العبد ، فيعمّ عامّة الموارد ـ أي موارد الابتلاء وعدمه ـ فإنّ ما هو المستهجن إنّما هو البعث أو الزجر المتضمّنين للخطاب دون الإلزام(2) .

وفيه : أنّ غاية ما اُفيد أنّه لا يخرج التكليف عن دائرة الأحكام الوضعية أو أشبه شيء به ، ومع ذلك فهي من مقولة الجعل والاعتبار ، لا يصحّ إلاّ إذا كان له أثر عقلائي ، ومع عدمه ـ كما في الموارد التي لم يوجد فيها بعض الشروط المتقدّمة ـ كان الجعل والاعتبار والإلزام لغواً محضاً .


1 ـ نهاية الدراية 4 : 264 .
2 ـ نفس المصدر 4 : 265 .


(228)

مضافاً إلى أنّ الإلزام بالفعل والترك كأنّه عبارة اُخرى عن البعث والزجر المنتزع منهما الوجوب والحرمة . مع أنّ إنكار كون التكاليف عبارة عن البعث والزجر كأنّه إنكار الضروري .

الفرق بين الخطابات القانونية والشخصية

التحقيق في المقـام أن يقال : إنّه قد وقع الخلط بين الخطابات الكلّية المتوجّهة إلى عامّة المكلّفين والخطاب الشخصي إلى آحادهم ; فإنّ الخطاب الشخصي إلى خصوص العاجز وغير المتمكّن عادة أو عقلاً ممّا لا يصحّ ، كما أوضحناه ، ولكن الخطاب الكلّي إلى المكلّفين المختلفين حسب الحالات والعوارض ممّا لا استهجان فيه .

وبالجملة : استهجان الخطاب الخاصّ غير استهجان الخطاب الكلّي ; فإنّ ملاك الاستهجان في الأوّل ما إذا كان المخاطب غير متمكّن ، والثاني فيما إذا كان العموم أو الغالب الذي يكون غيره كالمعدوم غير متمكّن عادة ، أو مصروفة عنه دواعيهم .

والحاصل : أنّ التكاليف الشرعية ليست إلاّ كالقوانين العرفية المجعولة لحفظ الاجتماع وتنظيم الاُمور ، فكما أنّه ليس فيها خطابات ودعايات ، بل هو بما هو خطاب واحد متعلّق بعنوان عامّ حجّة على عامّة المكلّفين ، فكذلك ما نجده في الشرع من الخطابات المتعلّقة بالمؤمنين أو الناس . فليس هنا إلاّ خطاب واحد قانوني يعمّ الجميع .

وإن شئت قلت : إنّ ما هو الموضوع في دائرة التشريع هو عنوان المؤمنين أو الناس ، فلو قال : «يا أيّها الناس اجتنبوا عن الخمر» أو «يجب عليكم الفعل


(229)

الكذائي» فليس الموضوع إلاّ الناس ; أعمّ من العاجز والقادر ، والجاهل والعالم .

ولأجل ذلك يكون الحكم فعلياً في حقّ الجميع ، غير أنّ العجز والجهل عذر عقلي عن تنجّز التكليف . والملاك لصحّة هذا الخطاب وعدم استهجانه هو صلوحه لبعث عدد معتدّ به من المكلّفين .

فالاستهجان بالنسبة إلى الخطاب العامّ إنّما يلزم لو علم المتكلّم بعدم تأثير ذلك الخطاب العامّ في كلّ المكلّفين ، وأمّا مع احتمال التأثير في عدد معتدّ به غير مضبوط تحت عنوان خاصّ فلا محيص عن الخطاب العمومي ولا استهجان فيه أصلاً ، كما أنّ الأمر كذلك في القوانين العرفية العامّة .

وبما ذكرنا يظهر الكلام في الخارج عن محلّ الابتلاء .

والقول بأنّ خطاب العاجز والجاهل وغير المبتلى بمورد التكليف قبيح أو غير ممكن صحيح لو كان الخطاب شخصياً ، وأمّا إذا كان بصورة التقنين فيكفي في خطاب الجميع كون عدد معتدّ به من المكلّفين واجداً لما ذكرنا من الشرائط . وأمّا الفاقد لها فهو معذور عقلاً مع فعلية التكليف ، كالعجز والجهل .

وبالجملة : ليس هنا إلاّ إرادة واحدة تشريعية متعلّقة بخطاب واحد ، وليس الموضوع إلاّ أحد العناوين العامّة ، من دون أن يقيّد بقيد أصلاً . والخطاب بما هو خطاب وحداني متعلّق لعنوان عامّ حجّة على الجميع ، والملاك في صحّة الخطاب ما عرفت .

والحكم فعلي مطلقاً ، من دون أن يصير الحكم فعلياً تارة وإنشائياً اُخرى ، أو مريداً في حالة وغير مريد في حالة اُخرى . وما أوضحناه هو حال القوانين الدارجة في العالَم . والإسلام لم يتّخذ مسلكاً غيرها ولم يطرق باباً سوى ما طرقه العقلاء من الناس ، وسيوافيك مفاسد الخطاب الشخصي .


(230)

لا يقال : ما معنى الحكم المشترك فيه الناس ؟ وما معنى كون كلّ واحد منّا مكلّفاً بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ؟ وظاهر هذا تعدّد الخطاب وكثرة التكليف ، فلا يعقل كثرة التكاليف مع وحدة الخطاب .

وإن شئت قلت : إنّ الخطابات الشرعية منحلّة بعدد نفوس المكلّفين ، ولا يكاد يخفى : أنّ الخطاب المنحلّ المتوجّه إلى غير المتمكّن أو غير المبتلى مستهجن .

لأ نّا نقول : إن اُريد من الانحلال كون كلّ خطاب خطابات بعدد المكلّفين ; حتّى يكون كلّ مكلّف مخصوصاً بخطاب خاصّ به وتكليف مستقلّ متوجّه إليه فهو ضروري البطلان ; فإنّ قوله تعالى : (يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)(1) خطاب واحد لعموم المؤمنين ، فالخطاب واحد والمخاطب كثير . كما أنّ الإخبار بأنّ «كلّ نار حارّة» إخبار واحد والمخبر عنه كثير . فلو قال أحد : «كلّ نار بارد» فلم يكذب إلاّ كذباً واحداً ، لا أكاذيب متعدّدة حسب أفراد النار .

فلو قال : (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى)(2) فهو خطاب واحد متوجّه إلى كلّ مكلّف ، ويكون الزنا تمام الموضوع للحرمة ، والمكلّف تمام الموضوع لتوجّه الخطاب إليه . وهذا الخطاب الوحداني يكون حجّة على كلّ مكلّف ، من غير إنشاء تكاليف مستقلّة أو توجّه خطابات عديدة .

لست أقول : إنّ المنشأ تكليف واحد لمجموع المكلّفين ; فإنّه ضروري الفساد ، بل أقول : إنّ الخطاب واحد والإنشاء واحد ، والمنشأ هو حرمة الزنا على


1 ـ المائدة (5) : 1 .
2 ـ الإسراء (17) : 32 .


(231)

كلّ مكلّف ، من غير توجّه خطاب خاصّ أو تكليف مستقلّ إلى كلّ واحد ، ولا استهجان في هذا الخطاب العمومي إذا كان المكلّف في بعض الأحوال أو بالنسبة إلى بعض الأمكنة غير متمكّن عقلاً أو عادة ، فالخمر حرام على كلّ أحد ; تمكّن من شربها أو لا .

وليس جعل الحرمة لغير المتمكّن بالخصوص حتّى يقال : إنّه يستهجن الخطاب ، فليس للمولى إلاّ خطاب واحد لعنوان واحد ; وهو حجّة على الناس كلّهم . ولا إشكال في عدم استهجان الخطاب العمومي ، فكما لا إشكال في أنّ التكاليف الشرعية ليست مقيّدة بالقدرة والعلم ـ كما سيوافيك بيانه ـ فكذلك غير مقيّدة بالدخول في محلّ الابتلاء .

ثمّ إنّه يترتّب على القول بكون الخطابات شخصية ـ أي منحلّة إلى خطابات يلاحظ فيها عدم الاستهجان ـ مفاسد :

منها : عدم صحّة خطاب العصاة من المسلمين ; فإنّ خطاب من لا ينبعث به قبيح أو غير ممكن ; فإنّ الإرادة الجزمية لا تحصل في لوح النفس إلاّ بعد حصول مبادئ قبلها ، التي منها احتمال حصول المراد ، والمفروض القطع بعدم حصوله .

ومنها : عدم صحّة تكليف الكفّار بالاُصول والفروع بالملاك الذي قرّرناه .

ومنها : قبح تكليف صاحب المروّة بستر العورة ; فإنّ الدواعي مصروفة عن كشف العورة ، فلا يصحّ الخطاب ; إذ أيّ فرق بين النهي عن شرب الخمر الموجود في أقاصي الدنيا وبين نهي صاحب المروّة عن كشف سوأته بين ملأ من الناس ؟ !

ونظيره نهي المكلّفين عن شرب البول وأكل القاذورات ممّا يكون الدواعي عن الإتيان بها مصروفة ; إذ أيّ فرق بين عدم القدرة العادية أو العقلية على العمل ، وبين كون الدواعي مصروفة عنها ؟ !


(232)

وما أفاده بعض الأعاظم من أنّ التكليف غير مقيّد بالإرادة ; لأنّ التقييد بها غير معقول ، بخلاف القدرة العقلية والعادية قد وافاك جوابه(1) ; فإنّ التكليف لأجل إيجاد الداعي ; ولو لأجل الخوف والطمع في الثواب ، والتارك للشيء بالطبع ـ سواء نهى المولى عنه أو لم ينهه عنه ـ تارك له مطلقاً ، فالزجر لغو أو غير ممكن ; لعدم تحقّق ما هو المبادئ للإرادة الجدّية ، كما أوضحناه .

ومنها : يلزم على كون الخطاب شخصياً عدم وجوب الاحتياط عند الشكّ في القدرة ; لكون الشكّ في تحقّق ما هو جزء للموضوع ; لأنّ خطاب العاجز قبيح ، والشكّ في حصول القدرة وعدمها شكّ في المصداق ، وهو خلاف السيرة الموجودة بين الفقهاء ; من لزوم الاحتياط عند الشكّ في القدرة .

ومنها : لزوم الالتزام بأنّ الخطابات وأحكام الوضعية مختصّة بما هو محلّ الابتلاء ; لأنّ جعل الحكم الوضعي إن كان تبعاً للتكليف فواضح ، ومع عدم التبعية والاستقلال بالجعل فالجعل إنّما هو بلحاظ الآثار ; ولهذا لا يمكن جعل حكم وضعي لا يترتّب عليه أثر مطلقاً .

فجعل النجاسة للخمر والبول للآثار المترتّبة عليها ، كحرمة الشرب وبطلان الصلاة مع تلوّث اللباس بها ، ومع الخروج عن محلّ الابتلاء لا يترتّب عليها آثار .

فلابدّ من الالتزام بأنّ النجاسة والحلّية وغيرهما من الوضعيات من الاُمور النسبية بلحاظ المكلّفين ، فيكون الخمر والبول نجسان بالنسبة إلى من كان مبتلى بهما ، دون غيرهما ، ولا أظنّ التزامهم بذلك ; للزوم الاختلال في الفقه ، والدليل العقلي غير قابل للتخصيص فيكشف ذلك عن بطلان المبنى .


1 ـ تقدّم في الصفحة 226 ـ 227 .


(233)

وعلى ما حقّقناه فكلّها مندفعة ; فإنّ الخطابات الإلهية فعلية في حقّ الجميع ; كان المكلّف عاجزاً أو جاهلاً ، أو مصروفاً عنه دواعيه أو لم يكن ; وإن كان العجز والجهل عذرين عقليين .

وقس عليه الخروج عن محلّ الابتلاء ، فهو لا يوجب نقصاناً في التكليف ، ولابدّ من الخروج عن عهدته بترك ما يكون في محلّ الابتلاء .

وقد عرفت أنّ ما هو الشرط في صحّة الخطاب القانوني غير ما هو الشرط في صحّة الخطاب الشخصي ، من غير فرق بين التكليف المعلوم بالتفصيل أو بالإجمال . فالتكليف المعلوم لابدّ من الخروج عن عهدته بالموافقة القطعية ، والاجتناب عن المخالفة القطعية والاحتمالية .

ومجرّد كون أحد الأطراف خارجاً عن محلّ الابتلاء أو مصروفة عنه الدواعي لا يوجب نقصاناً في التكليف القانوني ; وإن كان موجباً له في الشخصي .

وأمّا صحيحة علي بن جعفر عن أخيه ـ عليه السلام ـ : «فيمن رعف فامتخط فصار الدم قطعاً صغاراً ، فأصاب إناءه . . .»(1) إلى آخره فقد حمله الشيخ الأعظم ـ قدس سره ـ على العلم الإجمالي بإصابة ظَهر الإناء أو باطنه المحتوي للماء . ثمّ علّل عدم وجوب الاجتناب عن الماء بخروج ظهر الإناء عن محلّ الابتلاء(2) ، وهو بمكان من الغرابة ; إذ كيف يكون ظهر الإناء الذي بين يدي المكلّف خارجاً عن ابتلائه .

وأمّا الحديث فلابدّ من تأويله وحمله : إمّا على الأجزاء الصغار التي لا يدركه الطرف وإن كانت مرئية بالنظّارات ، إلاّ أنّ الدم المرئي بها ليست موضوعة


1 ـ الكافي 3 : 74 / 16 ، وسائل الشيعة 1 : 150 ، كتاب الطهارة ، أبواب الماء المطلق ، الباب 8 ، الحديث 1 .
2 ـ فرائد الاُصول ، ضمن تراث الشيخ الأعظم 25 : 236 .


(234)

للحكم الشرعي . ولا ينافي هذا الحمل مع العلم بإصابة الإناء ; فإنّ العلم بها غير إدراك الطرف . وإمّا على إبداء الشكّ في أصل الإصابة مطلقاً .

وعلى أيّ حال : فهي بظاهرها ممّا أعرض عنها الأصحاب .

مقتضى الأصل عند الشكّ في الخروج عن محلّ الابتلاء

ثمّ إنّه على القول بكون الخروج عن محلّ الابتلاء مانعاً عن تأثير العلم الإجمالي يقع البحث فيما إذا شكّ في خروجه عن محلّ الابتلاء لا من جهة الاُمور الخارجية ، بل من جهة إجمال ما هو خارج عن مورد التكليف الفعلي ، فهل الأصل يقتضي الاحتياط أو البراءة ؟

واختار الأوّل شيخنا العلاّمة ـ أعلى الله مقامه ـ حيث قال : إنّ البيان المصحّح للعقاب عند العقل ـ وهو العلم بوجود مبغوض المولى بين اُمور ـ حاصل وإن شكّ في الخطاب الفعلي من جهة الشكّ في حسن التكليف وعدمه . وهذا المقدار يكفي حجّة عليه ، نظير ما إذا شكّ في قدرته على إتيان المأمور به وعدمها ، بعد إحراز كون ذلك الفعل موافقاً لغرض المولى ومطلوباً له ذاتاً ، وهل له أن لا يقدم على الفعل بمجرّد الشكّ في الخطاب الفعلي الناشئ من الشكّ في قدرته .

والحاصل : أنّ العقل بعد إحراز المطلوب الواقعي للمولى أو مبغوضه لا يرى عذراً للعبد في ترك الامتثال(1) .

هذا ، وفيه : أنّ التحقيق هو البراءة ; لأ نّه بعد القول بكون الابتلاء مـن قيود التكليف يرجـع الشكّ إلى أصل التكليف ، ومجرّد احتمال كـون المبغوض هـو


1 ـ درر الفوائد ، المحقّق الحائري : 465 .


(235)

المبتلى به لا يوجب تمامية الحجّة على العبد ، بل له الحجّة لاحتمال كـون المبغوض في الطرف الآخـر .

وأمّا الشكّ في القدرة فلو قلنا بمقالة القوم فلا مناص عن البراءة ; لأنّ القدرة على مباني القوم من حدود التكليف وقيوده ، فالشكّ فيها شكّ في أصل التكليف .

نعم ، على ما قلنا من كون الخطابات القانونية فعلية في حقّ القادر والعاجز ، غير أنّ العاجز معذور في ترك امتثاله ، فعند الشكّ فيها لا مناص عن الاحتياط إلاّ مع إحراز العذر وإقامة الحجّة بعد تمامية الحجّة من المولى .

فالشكّ في القدرة مصبّ البراءة على مباني القوم ، كالشكّ في الابتلاء ، لا على المختار ، فتدبّر .

وأمّا القول باستكشاف الملاك من إطلاق المادّة ففيه : أنّ إحراز الملاك من تبعات تعلّق التكليف على مسلك العدلية ، ومع كون القدرة والابتلاء من قيوده وحدوده لا طريق لاستكشافه إلاّ في بعض الأحيان المستكشف ذلك من الاُمور الخارجية ، وهو لا يفيد ; لكونه أخصّ من المدّعى .

كما أنّ القول بأنّ القدرة العقلية والعادية غير دخيلة في الملاكات النفس الأمرية ، بل هي من شرائط حسن الخطاب(1) تخرّص على الغيب ; لعدم العلم بالملاكات الواقعية ، ومن المحتمل دخالة القدرة فيها . ولا يدفع هذا الاحتمال إلاّ بإطلاق الدليل ، وهو مفقود فرضاً ، إلاّ على ما اخترناه .

ثمّ إنّ بعض أعاظم العصر ـ قدس سره ـ استدلّ على وجوب الاحتياط تبعاً للشيخ الأعظم ـ قدس سره ـ (2) بإطلاق أدلّة المحرّمات ، وحاصل ما أفاد ما يلي : إنّ القدر المسلّم من


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4 : 55 .
2 ـ فرائد الاُصول ، ضمن تراث الشيخ الأعظم 25 : 237 ـ 238 .


(236)

التقييد هو ما إذا كان الخمر خارجاً عن محلّ الابتلاء ; بحيث يلزم استهجان الخطاب في نظر العرف .

فإذا شكّ في استهجانه وعدمه ـ للشكّ في إمكان الابتلاء بموضوعه أو عدمه ـ فالمرجع هو إطلاق الدليل ; لأنّ المخصّص المجمل بين الأقلّ والأكثر مفهوماً لا يمنع عن التمسّك بالعامّ فيما عدا القدر المتيقّن من التخصيص ، وهو الأقلّ ; خصوصاً اللبّيات ; فإنّه يجوز التمسّك بالعامّ فيها في الشبهات المصداقية ; فضلاً عن الشبهات المفهومية .

والسرّ في ذلك : هو أنّ العقل لا يخرج العنوان عن تحت العموم ، بل يخرج ذوات المصاديق الخارجية ، فالشكّ يكون شكّاً في التخصيص الزائد ، ولا يكون الشبهة مصداقية ، كالمخصّصات اللبّية .

فإن قلت : المخصّصات اللبّية الحافّة بالكلام ـ كما فيما نحن فيه ـ يسري إجمالها إلى العامّ ، كالمخصّصات اللفظية المتّصلة المجملة .

قلت ـ مضافاً إلى أنّه يمكن منع كون المخصّص هنا من الضروريات المرتكزة في الأذهان ـ أنّ هذا مسلّم إذا كان الخارج عنواناً واقعياً غير مختلف المراتب ، كالفسق المردّد بين مرتكب الكبيرة أو الأعمّ ، وأمّا إذا كان عنواناً ذا مراتب مختلفة ، وعلم بخروج بعض مراتبه عن العامّ وشكّ في بعض آخر فلا ; لأنّ الشكّ يرجع إلى التخصيص الزائد .

فإن قلت : التمسّك بالإطلاق فرع إمكان الإطلاق الواقعي ، وفيما نحن فيه يكون الشكّ في صحّة الإطلاق النفس الأمري ; لاحتمال استهجان التكليف .

قلت : هذا ممنوع ; لأنّ التمسّك بالإطلاق لو كان فرع الإمكان الواقعي لما جاز التمسّك به مطلقاً ; لأنّ كلّية الموارد يصير الشكّ فيه من قبيل إمكان


(237)

الإطلاق النفس الأمـري ; خصوصاً على مـذهب العدليـة مـن تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد .

فإنّ الشكّ يرجع إلى الشكّ في وجود مصلحة أو مفسدة ، ويمتنع الإطلاق مع عدمهما ، فكما أنّ الإطلاق يكشف عن المصلحة النفس الأمرية فكذلك يكشف عن عدم الاستهجان(1) ، انتهى كلامه .

ولا يخفى : أنّ في كلامه أنظاراً ، نشير إلى مهمّاتها :

منها : أنّ المخصّص اللبّي يسري إجماله إلى العامّ مطلقاً ; ضرورياً كان أو نظرياً :

أمّا الأوّل : فلأ نّه بحكم المتّصل اللفظي يمنع عن انعقاد الظهور إلاّ في العامّ المقيّد بالعنوان المردّد بين الأقلّ والأكثر ، كالعلماء العدول ، فلا يثبت حجّيته إلاّ في المتيقّن لا المشكوك .

وأمّا الثاني : فلأ نّه بعد الانتقال إلى حكم العقل ـ ولو بعد برهة من الدهر ـ يستكشف عن أنّ ما تخيّله من العموم كان أمراً غير صحيح ، بل كان الكلام من أوّل الأمر مقيّداً بغير عنوان المخصّص لوجود حكم العقل في زمن الصدور ; وإن كان المكلّف غير ملتفت .

فما يظهر من كلامه من حصر سراية الإجمال بما إذا كان ضرورياً لا نظرياً غير سديد ; فإنّ العقل يكشف عن أنّ الخطاب لم يكن متوجّهاً إلى الخارج عـن محلّ الابتلاء . ففرق بين ورود المخصّص منفصلاً وبين الغفلة عن الواقع وحصول العلم بعد برهة بمحدودية الخطاب وتقييده من أوّل الأمر .

وإن شئت قلت : إنّ المقام نظير كشف القرينة اللفظية الحافّة بالكلام بعد


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4 : 57 ـ 62 .


(238)

حين ، فكما أنّها يسقط العامّ عن الحجّية في غير القدر المتيقّن ، فهكذا المخصّص العقلي . أضف إلى ذلك : أنّ منع كون المخصّص هنا ضرورياً مرتكزاً في الأذهان قابل للمنع .

ومنها : أنّ إجمال المخصّص الحافّ بالكلام ـ سواء كانت لفظياً متّصلاً به أو لبّياً ـ يسري إلى العامّ ، نعم لو كان لفظياً منفصلاً فلا يسري ; لانعقاد ظهوره في جميع الأفراد وحجّيته في العموم ، إلى أن يقوم دليل آخر أقوى منه ; حتّى يصحّ رفع اليد عن الحجّة بالحجّة ، والمفروض عدم قيامها إلاّ في الأقلّ دون الأكثر . وأمّا الحافّ بالكلام ـ سواء كان لفظياً أو لبّياً ـ فيسري إجماله إليه ; لعدم انعقاد ظهور له إلاّ في المقدار المتقيّد ، والمفروض دوران الأمر في المخصّص بين الأقلّ والأكثر ، فلا يكون العامّ حجّة إلاّ في القدر المتيقّن . ولأجل ذلك لا يجوز التمسّك في الشبهات المصداقية في المخصّص اللبّي أيضاً ، بلا فرق بينه والمخصّص اللفظي .

والحاصل : أنّ العامّ المحفوف بالعنوان المجمل المردّد بين الأقلّ والأكثر ليس له ظهور إلاّ في العامّ المقيّد بالمجمل المردّد بين الأقلّ والأكثر ، فلا يثبت حجّيته إلاّ في المتيقّن لا المشكوك .

فإن قلت : يمكن أن يكون سرّ عدم سرايته هو أنّ العقل يخرج ذوات المصاديق لا العنوان حتّى يصير الشبهة مصداقية ، بل يصير من قبيل التخصيص الزائد .

قلت : هذا ما أفاده بعض أعاظم العصر ـ قدس سره ـ ، تبعاً لما أفاده الشيخ الأعظم ـ طيّب الله رمسه(1) ـ إلاّ أنّ ذلك ممنوع ; فإنّ الأفراد تخرج عن تحت العامّ عند


1 ـ مطارح الأنظار : 194 / السطر 26 .


(239)

العقل بملاك واحد ، وقد يخرج كلّ فرد بملاك يخصّه .

فلو كان من قبيل الثاني كان لما ذكره من التوجيه وجه ، كما هو الحال في المخصّص اللفظي إذا كان خروج كلّ فرد بعنوان يخصّه ، وأمّا إذا كان من قبيل الأوّل فلا ; لأنّ الإخراج كلّه بملاك واحد . فخروج الفرد المشكوك خروجه لا يستلزم تخصيصاً زائداً .

فلو قال المولى : «أكرم جيراني» ، وحكم العقل بحرمة إكرام أعداء المولى فلا إشكال أنّ المخرج هو العنوان الوحداني ، والمخصّص واحد لا كثير ، والشبهة مصداقية . وخروج الفرد المشكوك لا يستلزم تخصيصاً آخر ; فلا يجوز التمسّك فيه بعين ما ذكر في المخصّص اللفظي المتّصل .

فإن قلت : إنّ ما ذكر إنّما يصحّ لو كانت الجهات تقييدية ، فيصير المخرج هو العنوان المقيّد ، وأمّا إذا كانت تعليلية فالخارج هي الأفراد لأجل تلك العلّة .

قلت : قد حقّق في محلّه أنّ الجهات التعليلية في الأحكام العقلية ترجع إلى الجهات التقييدية ، فلو قيل : «لا تشرب الخمر ; لأ نّه مسكر» فالموضوع في القضية اللفظية إنّما هو الخمر لكونها مسكراً ، لكن ما هو المحرّم لبّاً في إدراك العقل إنّما هو المسكر لا غير . فظهر : أنّه لا فرق بين المخصّص اللفظي واللبّي .

ومنها : أنّ ما أفاده من الفرق بين المخصّص الذي هو ذا مراتب ـ كالخروج عن محلّ الابتلاء ـ وما ليس كذلك ـ كالفاسق ـ فيجوز التمسّك بالعامّ في الأوّل في اللفظي واللبّي معاً ، من غرائب الآراء ; إذ أيّ فرق بين الفسق والخروج عن محلّ الابتلاء ; حيث جعل الثاني مختلف المراتب دون الأوّل ؟ ! مع أنّ الخروج عن طاعة الله له مراتب مختلفة ; فإنّ مرتبة ارتكاب الصغائر غير مرتبة ارتكاب الكبائر وأضعف منها ، وهو يباين مع ارتكاب الموبقات من الذنوب مرتبة .


(240)

وعلى ذلك : فربّما يشكّ في أنّ الخارج عن العامّ هل هو مطلق من خرج عن طاعة الله ، أو الخارج عنه مرتبة خاصّة منه ، كما ربّما يقال : إنّ البلاد مختلفة ، فالواقع في أقاصي العالم يعدّ خارجاً عن محلّ الابتلاء ، وإنّما الشكّ في الأواسط والأداني . ولعلّ كون الفاسق ذا مراتب أولى من كونه ذا مراتب ، كما لا يخفى .

أضف إلى ذلك : أنّ ما ادّعاه من الكبرى غير مسلّم ; فإنّ الإجمال يسري إلى العامّ إذا كان المخصّص متّصلاً ـ وإن كان مقولاً بالتشكيك ـ فلو قال المولى : «أكرم العلماء إلاّ الأبيض منهم» وشككنا في أنّ الخارج هل هو الأبيض الشديد أو الأعمّ منه فلا يجوز التمسّك به في غير المتيقّن خروجه ; لأ نّه من قبيل التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقية بالنسبة إلى نفس العامّ لا المخصّص ; إذ ليس للكلام إلاّ ظهور واحد ، فمع إجمال القيد لا يعقل عدم السراية .

ومع ذلك كلّه : فعدّ المقام من قبيل الشبهة المفهومية غير صحيح ; لأنّ معناها أنّ المفهوم مجمل في دائرة المفهومية ، فلا يعلم انطباقه على موضوع حسب الوضع اللغوي أو العرفي كالفاسق ; إذ هو مجمل حسب المعنى الموضوع له ، فلا نعلم أنّ معناه هو مرتكب الكبائر أو الأعمّ ، فيكون الشكّ في انطباق مفهوم الفاسق على مرتكب الصغيرة .

وأمّا إذا علم : أنّ له مفهوماً معيّناً ذا مراتب ، وشكّ في أنّ الخارج أيّ مرتبة منه فهو داخل في إجمال المراد وخارج عن الشبهة المفهومية ; لكون المفهوم مبيّناً .

ثمّ إنّ ما أفاده : من أنّ التمسّك بالإطلاق لو كان مشروطاً بإحراز إمكان الإطلاق النفس الأمري لانسدّ باب التمسّك بها ; لاسيّما على مذهب العدلية .

ففيه : أنّه فرق واضح بين قضية استهجان الخطاب وغيره ; فإنّ البحث عن تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد بحث عقلي محض ، فقد تضاربت فيه آراء العدلية


(241)

والأشاعرة(1) ، وليس العلم باشتمال الموضوع على المفاسد والمصالح من مبادئ الاحتجاج في محيط العقلاء ، بل الخطاب عند الشكّ في التقييد والتخصيص تامّ متوجّه إلى المكلّف .

والأصل العقلائي الدائر عندهم يحكم بمطابقة الإرادة الاستعمالية والجدّية ، فعند الشكّ في دخالة قيد أو خروج فرد تصير أصالتي العموم والإطلاق محكّمة ; لتمامية ما هو ملاك الحجاج عندهم . فحديث المصالح والمفاسد ممّا يغفل عنه العامّة ، وإنّما يبحث عنهما العلماء الباحثون عن دقائق المسائل .

فلو سمع العبد في محيط العقلاء قول المولى : «أكرم العلماء» يقف على أنّ تمام الموضوع هو العلماء ، ولو شكّ في دخول فرد أو دخالة شيء يحكم بالعموم والإطلاق على عدم دخالة شيء أو عدم خروجه ، من غير التفات إلى إمكان إطلاق النفس الأمري على مسلك العدلية .

وأمّا المقام : فاستهجان الخطاب في الموارد الخارجة عن محلّ الابتلاء ليس مخفياً على أحد ; فلو شكّ في استهجان الخطاب لأجل الشكّ في كونه مورد الابتلاء أو لا لما صحّ التمسّك بالإطلاق لكشف حاله ; إذ التمسّك بالإطلاق فرع إحراز إمكانه بهذا المعنى .

هذا كلّه على مباني القوم ، وقد عرفت أنّه لا مناص عن البراءة(2) .

وأمّا على المختار فلزوم الاحتياط ممّا لا غبار عليه ، ويعلم وجهه ممّا قدّمناه(3) .


1 ـ راجع كشف المراد : 306 و 319 ، شرح المواقف 8 : 202 ، شرح المقاصد 4 : 301 .
2 ـ تقدّم في الصفحة 234 ـ 235 .
3 ـ تقدّم في الصفحة 228 و 235 .


(242)

الأمر الثالث
في الشبهة غير المحصورة

وتوضيح حالها في ضمن اُمور :

الأوّل : تنقيح محلّ البحث

لو وقف المكلّف على تكليف فعلي قطعي وجداني ; بحيث لا يرضى المولى بتركه مطلقاً فلا إشكال في لزوم اتّباعه وقبح مخالفته ; سواء كان الأطراف محصورة أو غير محصورة . نعم لو وقف على الحكم لأجل إطلاق الدليل أو عمومه فللترخيص فيه مجال . فلابدّ من ملاحظة دلالة ما يدلّ على الترخيص وتمامية دلالته ، كأدلّة الحلّ وغيرها .

وقد وافاك في المحصور من الشبهة : أنّ شمول أدلّة الحلّ على أطراف المحصور وإن كان لا يعدّ ترخيصاً في المعصية في نظر العقل إلاّ أنّه ترخيص في نظر العرف الذي هو المحكّم في هذه الميادين .

وأمّا أطراف غير المحصور : فسيأتي بيان الحال فيه(1) .

وليعلم : أنّه لابدّ أن يتمحّض البحث في الشبهة غير المحصورة من حيث هي هي ، مع قطع النظر عن سائر العناوين المجوّزة ، كالاضطرار والخروج عن محلّ الابتلاء أو العسر والحرج ، وما يظهر من الشيخ الأعظم من الاستدلال على الجواز بخروج بعض الأطراف أو أكثرها من محلّ الابتلاء(2) ليس بسديد .


1 ـ يأتي في الصفحة 250 .
2 ـ فرائد الاُصول ، ضمن تراث الشيخ الأعظم 25 : 265 .


(243)

الثاني : فيما يدلّ على عدم وجوب الاحتياط في الشبهة غير المحصورة

قد اضطرب كلام القوم في ميزان الشبهة غير المحصورة ، كما اضطرب في بيان سرّ عدم وجوب الاجتناب عن بعض أطرافها أو جميعها .

وأسدّ ما قيل في المقام : ما أفاده شيخنا العلاّمة ـ أعلى الله مقامه ـ أنّ كثرة الأطراف توجب ضعف احتمال كون الحرام ـ مثلاً ـ في طرف خاصّ ; بحيث لا يعتني به العقلاء ، ويجعلونه كالشكّ البدوي ، فيكون في كلّ طرف يريد الفاعل ارتكابه طريق عقلائي على عدم كون الحرام فيه(1) .

وإن شئت توضيحه فلاحظ حال العقلاء : تراهم لا يعتنون ويعدّون المعتني ضعيف القلب .

فلو سمع الرجل أنّ واحداً من بيوت بلده التي فيها آلاف بيت قد أغرقه الماء أو وقع فيه حريق ، أو قرء في جريدة أنّ واحداً من أهل بلده التي فيها مائة ألف نسمة قد قتل ، تراه لا يبالي بما سمعه . ولو صار بصدد التفتيش ، وأظهر الاضطراب والوحشة ; لاحتمال كون البيت بيته والمقتول ولده لعدّ ضعيف العقل أو عديمه .

والسرّ فيه : هو أنّ كثرة الاحتمال يوجب موهومية المحتمل .

ثمّ إنّ شيخنا العلاّمة قد استشكل فيما ذكره : بأنّ الاطمئنان بعدم الحرام في كلّ واحد من الأطراف لا يجتمع مع العلم بوجود الحرام بينها(2) .

وفيه : أنّ الإيجاب الجزئي وإن كان لا يجتمع مع السلب الكلّي إلاّ أنّ


1 ـ درر الفوائد ، المحقّق الحائري : 471 .
2 ـ نفس المصدر .


(244)

المنافاة إنّما يتحقّق في المقام إذا لوحظت الأفراد في عرض واحد ، لا إذا لوحظت كلّ واحد في مقابل الباقي .

فكلّ واحد من الأطراف إذا لوحظ في مقابل الباقي يكون فيه احتمال واحد في مقابل الاحتمالات الكثيرة . ولا إشكال في ضعف احتمال واحد في مقابل مائة ألف احتمال .

لا يقال : إنّا نعلم بأنّ واحداً من هذه الأمارات مخالف للواقع ، ومعها كيف يجوز العمل بها معه ؟

لأ نّا نقول : إنّ العلم بكذب واحد من الأمارات غير المحصورة كالعلم بنجاسة إناء بين عدّة غير محصورة ; حرفاً بحرف .

ثمّ إنّه يمكن الاستدلال على حكم الشبهة غير المحصورة بروايات كثيرة :

منها : صحيحة عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله ـ عليه السلام ـ قال : «كلّ شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال أبداً حتّى تعرف الحرام بعينه فتدعه»(1) ; فإنّ ظهورها في العلم الإجمالي لا يكاد يشكّ ، غير أنّه خرج المحصورة بالإجماع أو بالعقل ، وبقي ما بقي .

والقول بأنّ الشبهة غير المحصورة نادرة ضعيفٌ جدّاً ، بل غالب الشبهات غير محصورة ، وقد يتّفق كونها محصورة .

ومنها : الروايات الواردة في باب الجبن ، وقد مضى بعض القول في مداليلها(2) ، وإليك ما يناسب هنا :


1 ـ الفقيه 3 : 216 / 1002 ، وسائل الشيعة 17 : 87 ، كتاب التجارة ، أبواب ما يكتسب به ، الباب 4 ، الحديث 1 .
2 ـ تقدّم في الصفحة 186 ـ 191 .


(245)

منها : مرسلة معاوية بن عمّار عن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ بعدما سأله عن الجبن .

فأجاب ـ عليه السلام ـ : «ساُخبرك عن الجبن وغيره : كلّ شيء فيه الحلال والحرام فهو لك حلال حتّى تعرف الحرام ، فتدعه بعينه»(1) .

وقريب منها روايـة عبدالله بـن سليمان(2) . ولا يخفى ظهورها في الشبهـة غيـر المحصورة .

ويؤيّده ـ بل يشهد عليه ـ رواية أبي الجارود قال : سألت أبا جعفر ـ عليه السلام ـ عن الجبن فقلت : أخبرني من رأى أنّه يجعل فيه الميتة . فقال : «أمن أجل مكان واحد يجعل فيه الميتة حرم ما في جميع الأرضين ؟ ! إذا علمت أنّه ميتة فلا تأكل ، وإن لم تعلم فاشتر وبع وكل ، والله إنّي لاعترض السوق فاشتري بها اللحم والجبن ، والله ما أظنّ كلّهم يسمّون هذه البربر وهذه السودان»(3) .

وأورد على الاستدلال بها الشيخ الأعظم : بإبداء الاحتمال بأنّ جعل الميتـة في الجبن في مكان واحد لا يوجب الاجتناب عن جبن غيره الذي هو مشكوك بدوي ، وبأنّ المراد من قوله : «ما أظنّ كلّهم يسمّون» عدم وجوب الظنّ أو القطع بالتسمية والحلّية ، بل يكفي أخذها من سوق المسلمين ، بناءً على أنّ السوق أمارة شرعية للحلّ ; ولو اُخذ مـن يـد مجهول الحال . إلاّ أن يقال : إنّ سـوق المسلمين غير معتبر مع العلم الإجمالي ، فلا مسوّغ للارتكاب غير كون الشبهة غير محصورة ، ثمّ أمر بالتأمّل(4) .


1 ـ تقدّمت في الصفحة 187 .
2 ـ تقدّمت في الصفحة 186 ـ 187 .
3 ـ تقدّمت في الصفحة 190 .
4 ـ فرائد الاُصول ، ضمن تراث الشيخ الأعظم 25 : 263 .


(246)

وأنت خبير بضعف ما أورده ; لأنّ حملها على الشبهة البدوية بعيد عن مساقها ; إذ هي كالنصّ في العلم الإجمالي ; خصوصاً مع ملاحظة ذيلها . ومعلوم أنّ ذيلها ليس أجنبياً عن الصدر .

وما احتمله في معنى قوله ـ عليه السلام ـ : «ما أظنّ . . .» إلى آخره بعيد ; لأنّ قوله هذا ظاهر في حصول القطع بعدم التسمية ; لكون الطائفتين ليستا من الطوائف الإسلامية .

وعلى أيّ حال : فدلالة المرسلة لا غبار عليها ، لولا ضعفها سنداً . ومثلها رواية عبدالله بن سليمان ، وفيها احتمال التقية ; لكون الميتة عبارة عن الإنفحة ، وهي طاهرة بإجماع الطائفة ، وقد أوضحنا حالها في محلّه(1) .

ومنها : موثّقة سماعة عن أبي عبدالله في بعض عمّال بني اُميّة ، وفيها : «إن كان خلط الحرام حلالاً فاختلطا جميعاً فلم يعرف الحرام من الحلال فلا بأس»(2) ، ولا يبعد حملها على غير المحصورة .

ومنها : صحيحة الحلبي : «لو أنّ رجلاً ورث من أبيه مالاً ، وقد عرف أنّ في ذلك المال رباً ، ولكن قد اختلط في التجارة بغيره حلالاً كان حلالاً طيّباً ، فليأكله ، وإن عرف منه شيئاً معزولاً أنّه رباً فليأخذ رأس ماله وليرد الربا»(3) .

ومنها : صحيحة اُخرى له(4) .


1 ـ الطهارة ، الإمام الخميني ـ قدس سره ـ 3 : 142 .
2 ـ الكافي 5 : 126 / 9 ، وسائل الشيعة 17 : 88 ، كتاب التجارة ، أبواب ما يكتسب به ، الباب 4 ، الحديث 2 .
3 ـ الكافي 5 : 145 / 4 ، تهذيب الأحكام 7 : 16 / 69 ، وسائل الشيعة 18 : 128 ، كتاب التجارة ، أبواب الربا ، الباب 5 ، الحديث 2 .
4 ـ الكافي 5 : 145 / 5 ، تهذيب الأحكام 7 : 16 / 70 ، وسائل الشيعة 18 : 129 ، كتاب التجارة ، أبواب الربا ، الباب 5 ، الحديث 3 .


(247)

وغيرها من الروايات التي قد جمع بعضها السيّد الفقيه اليزدي في «حاشيته على المكاسب» عند البحث عن جوائز السلطان(1) .

ولا يبعد كون مورد أكثرها من قبيل الشبهة غير المحصورة ، وفي مقابلها روايات اُخر محمولة على المحصورة ، كروايات التخميس(2) ; فإنّها محمولة على ما جهل المقدار واحتمل كون الحرام مقدار الخمس والزيادة والنقيصة . وأمّا لو علم أنّ في ماله الذي بلغ خمسين ألف دينار ديناراً من الحرام فلا إشكال في عدم وجوب الخمس .

وبالجملة : دلالة الروايات على الشبهة غير المحصورة واضحة . نعم يخرج منها بعض الموارد ، كما لو عرف صاحب المال ، فيجب له التخلّص من ماله ، وتفصيل الكلام في باقي الأقسام في محلّه .

ضابط الشبهة غير المحصورة

وقد ظهر ممّا أوضحنا من مقالة شيخنا العلاّمة ـ أعلى الله مقامه ـ أنّ ما هو الضابط في الشبهة غير المحصورة أن تكون كثرة الأطراف بمثابة لا يعتني العقلاء باحتمال كون الواقع في بعض الأطراف في مقابل البقية ; لضعف الاحتمال لأجل الكثرة(3) .

وقد نقل شيخنا الأعظم ـ قدس سره ـ كلمات في ضابطها عن الأعلام(4) ، غير أنّه لا يهمّ


1 ـ حاشية المكاسب ، المحقّق اليزدي 1 : 172 .
2 ـ راجع وسائل الشيعة 9 : 505 ، كتاب الخمس ، أبواب ما يجب فيه الخمس ، الباب 10 .
3 ـ راجع ما تقدّم من كلامه في الصفحة 243 .
4 ـ فرائد الاُصول ، ضمن تراث الشيخ الأعظم 25 : 268 .


(248)

الباحث ; لأنّ الدليل الوحيد ما عرفت من بناء العقلاء ودلالة الأخبار ، وليس عنوان غير المحصور واقعاً في مصبّ رواية حتّى نتكلّف لبيان حدّه .

ثمّ إنّه يظهر من بعض أعاظم العصر ضابطاً آخر ; فقال ما هذا حاصله : إنّ ضابطها أن تبلغ الأطراف حدّاً لا يمكن عادة جمعها في الاستعمال ; من أكل وشرب ، فخرج العلم بنجاسة حبّة من حقّة ; لإمكان استعمال الحقّة ، مع أنّ نسبتها إلى الحقّة تزيد عن نسبة الواحد إلى الألف .

فليس العبرة بكثرة العدد فقط ; إذ ربّ كثير تكون الشبهة فيه محصورة ، كالحقّة من الحنطة . كما لا عبرة بعدم تمكّن الجمع فقط ; إذ ربّما لا يتمكّن عادة مع أنّ الشبهة محصورة ، ككون أحد الأطراف في أقصى بلاد المغرب ، بل لابدّ من الأمرين : كثرة الأطراف ، وعدم التمكّن العادي من الجمع .

وبهذا تمتاز الشبهة الغير المحصورة عمّا تقدّم في المحصورة ، من أنّه يعتبر فيها إمكان الابتلاء بكلّ واحد من أطرافها ; فإنّ إمكان الابتلاء بكلّ واحد غير إمكان الابتلاء بالمجموع . فالشبهة الغير المحصورة ما تكون كثرة الأطراف بحدّ يكون عدم التمكّن في الجمع في الاستعمال مستنداً إليها .

ومن ذلك يظهر حكمها ; وهو عدم حرمة المخالفة القطعية وعدم وجوب الموافقة القطعية :

أمّا عدم الحرمة : فلأنّ المفروض عدم التمكّن العادي منها .

وأمّا عدم وجـوب الموافقـة القطعية : فلأنّ وجوبها فرع حرمـة المخالفـة القطعية ; لأ نّها هي الأصل في باب العلم الإجمالي ; لأنّ وجوب الموافقة القطعية يتوقّف على تعارض الاُصول في الأطراف ، وتعارضها يتوقّف على حرمـة المخالفـة القطعية ، فيلزم من جريانها في جميع الأطراف مخالفة عملية للتكليف ،


(249)

فإذا لم تحرم المخالفـة القطعية لم يقع التعارض بين الاُصول ، ومعه لا يجب الموافقـة القطعية(1) .

وفيه أمّا أوّلاً : فإنّ المراد من عدم التمكّن من الجمع في الاستعمال إن كان هو الجمع دفعة فيلزم أن يكون أكثر الشبهات المحصورة غير محصورة .

وأمّا إن كان أعمّ منها ومن التدريج ـ ولو في مدّة طويلة من سنين متمادية ـ فلابدّ من تعيين ذلك الزمان الذي لا يمكن الجمع التدريجي بين الأطراف فيه ، بل يلزم أن يكون أكثر الشبهات محصورة ; إذ قلّما يتّفق أن لا يمكن الجمع بين الأطراف ، ولو في ظرف سنين . فتكون الشبهة على هذا الضابط محصورة ، وهذا ممّا لا يمكن الالتزام به .

فإن قلت : إنّ ارتكاب جميع الأطراف ممّا لا يمكن غالباً ; ولو تدريجاً في سنين متمادية ; لفقدان بعض الأطراف . على أنّ تأثير العلم الإجمالي في التدريجيات محلّ بحث .

قلت : إنّ خروج بعض الأطراف بعد تنجيز العلم غير مؤثّر . ولا يضرّ بتنجيز العلم الإجمالي في بقية الأطراف .

مع أنّك قد عرفت : أنّ البحث ممحّض في كون الشبهة غير محصورة ، مع قطع النظر عن الجهات الاُخر من فقدان بعض الأطراف(2) . على أنّ تأثير العلم في التدريجي من حيث الاستعمال ممّا لا إشكال فيه ، وفي التدريجي من حيث الوجود أيضاً مؤثّر على الأقوى .


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4 : 117 ـ 119 .
2 ـ تقدّم في الصفحة 242 .


(250)

وأمّا ثانياً : فلأنّ مورد التكليف إنّما هو كلّ فرد فرد ، والمفروض قدرته عليه ، لا الجمع بين الأطراف حتّى يقال بعدم قدرته على الجمع ، وما هو مورد للتكليف فالمكلّف متمكّن من الإتيان به ; لتمكّنه من كلّ واحد ، والمكلّف به غير خارج عن محلّ ابتلائه ، وما لا يكون متمكّناً منه ـ أعني الجمع ـ فهو غير مكلّف به . وأمّا حكم العقل بالجمع أحياناً فهو لأجل التحفّظ على الواقع ، لا أنّه حكم شرعي .

وبالجملة : أنّ الميزان في تنجيز العلم الإجمالي هو فعلية التكليف وعدم استهجان الخطاب ، والمفروض أنّ مورد التكليف يكون محلّ الابتلاء ; لتمكّنه من استعمال كلّ واحد ; وإن لم يتمكّن من الجمع في استعمال .

وبذلك يظهر حرمة المخالفة الاحتمالية بارتكاب بعض الأطراف ـ فضلاً عن القطعية ـ لفعلية الحكم ، وعدم استهجان الخطاب ; لكون مورد التكليف مورداً للابتلاء .

وبذلك يظهر النظر فيما أفاده ; من عدم حرمة المخالفة القطعية وعدم وجوب الموافقة القطعية ; لأجل تفرّع الثانية على الاُولى .

الثالث : في جواز مخالفة القطعية في الشبهة التحريمية الغير المحصورة

هل يجوز ارتكاب الجميع ، أو يجب إبقاء مقدار الحرام ؟

وقد فصّل الشيخ الأعظم ـ قدس سره ـ ، فقال بعدم العقاب ; إذا لم يقصد ارتكاب الجميع من أوّل الأمر ، ولكن انجرّ الأمر إليه . وبالعقاب فيما إذا قصد الجميع من أوّله ، أو توصّل به إلى ارتكاب الحرام(1) .


1 ـ فرائد الاُصول ، ضمن تراث الشيخ الأعظم 25 : 266 .


(251)

والتحقيق أن يقال : إنّ العمدة في المقام هو أخبار الباب ، وقد عرفت أنّ الظاهر منها جواز ارتكاب الجميع .

نعم ، مقتضى ما اعتمد به شيخنا العلاّمة ـ أعلى الله مقامه(1) ـ التفصيل . فلو شرع المكلّف في الأطراف ; قاصداً ارتكاب جميعها ـ ولو في طول سنين ـ لم يكن معذوراً ; لأنّ التكليف بعد باق على فعليته . وكذا لو قسّم الأطراف بأقسام معدودة محصورة ، وأراد ارتكاب بعض الأقسام الذي يكون نسبته إلى البقية نسبة محصورة ، كأن تكون الأطراف عشرة آلاف ، وقسّمها عشرة أقسام ، وأراد ارتكاب قسم منها ، فإنّه غير معذور فيه ; لأ نّه من قبيل الشبهة المحصورة ; لعدم كون احتمال الواقع في القسم الذي أراد ارتكابه ضعيفاً ; بحيث لا يعتني به العقلاء .

الرابع : في سقوط حكم الشكّ البدوي عن بعض الأطراف الغير المحصورة بناءً على ما ذكرناه من أنّ العقلاء لا يعتنون بالعلم الإجمالي ، بل الأمارة العقلائية قامت على عدم المعلوم في كلّ واحد منفرداً عن غيره ، يسقط حكم الشكّ البدوي أيضاً عن بعض الأطراف بعد سقوط العلم الإجمالي . فلو علم بأنّ مايعاً مضافاً بين الأواني الغير المحصورة من الماء يجوز التوضّي ببعض الأطراف ; لقيام الطريق العقلائي على عدم كونه مضافاً ، مع أنّه لو شكّ في كونه مضافاً بدواً لا يصحّ الاكتفاء بالوضوء به . فحكم الشكّ البدوي يسقط عن بعض الأطراف .

وأمّا على ما أفاده بعض الأعاظم من الضابط ـ كما تقدّم ـ فلا يسقط حكم الشكّ ; لأنّ عدم حرمة المخالفة القطعية الجائية من قبل عدم إمكان الجمع في


1 ـ درر الفوائد ، المحقّق الحائري : 471 .


(252)

الاستعمال ، اللازم منه عدم وجوب الموافقة القطعية لا يلازم سقوط حكم الشكّ ، كما لا يخفى .

لكن الفاضل المقرّر ـ رحمه اللّه ـ قال : إنّه ـ رحمه اللّه ـ كان يميل إلى سقوط حكم الشبهة أيضاً(1) ، وهو لا يتّجه على مختاره ، ومتّجه على مختارنا .

الخامس : في حكم الشبهة الوجوبية الغير المحصورة

إذا كانت الشبهـة وجـوبية ، فلو كان المدرك لعدم التنجيز هـو الأخبار الواردة في المقام فالظاهـر جواز المخالفـة القطعيـة ; حتّى يقف على الواجب أو الحـرام بعينه .

وأمّا على مـا أفاده شيخنا العلاّمـة مـن قيام الأمارة العقلائيـة فلو تمكّن المكلّف من الإتيان بمقدار ، نسبتـه إلى غير المتمكّن نسبـة محصور إلى محصور ، فيجب الاحتياط .

كما لو تمكّن من الإتيان بالمائة من بين الألف ; فإنّ نسبتها إلى الألف كنسبة الواحد إلى العشرة ، فالظاهر ـ حينئذ ـ وجوب الموافقة الاحتمالية . وأمّا إذا لم يوجب ذلك انقلاب النسبة ـ كما لو نذر شرب كأس واشتبه من بين غير محصور ، وتمكّن من شرب الواحد منه ـ فلا يجب الاحتياط ; لقيام الأمارة العقلائية على عدم كونه الواقع ، ولا يعتني العقلاء بمثل هذا الاحتمال الضعيف .


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4 : 122 .


(253)

الأمر الرابع
في ملاقي الشبهة المحصورة

وتحقيق الحال فيه في ضمن أبحاث :

في أنّ ملاقي النجس بعنوانه من النجس

الأوّل : بعدما علم من ضرورة الفقه وجوب الاجتناب عن ملاقي النجس القطعي وقع البحث في كيفية جعل هذا الوجوب :

فمن قائل ـ وهو ابن زهرة(1) ومن تبعه(2) ـ بأنّ وجوب الاجتناب عن ملاقي النجس من شؤون وجوب الاجتناب عن نفس النجس ، وليس وجوب الاجتناب عن الملاقي لأجل تعبّد آخر وراء التعبّد بوجوب الاجتناب عن النجس ، ويكون المرتكب للملاقي معاقباً على ارتكاب النجس لا على ارتكاب ملاقيه ; لعدم الحكم للملاقي مستقلاًّ .

وبالجملة : ليس هنا إلاّ وجوب اجتناب واحد ; وهو وجوب الاجتناب عن النجس . ولا يتحقّق ذلك إلاّ بالاجتناب عنه وعن حواشيه وملاقياته .

ومن قائل ـ وهو المشهور المنصور ـ بأنّ الملاقي يختصّ بجعل مستقلّ في عرض وجوب الاجتناب عن النجس ، وهذا الوجوب مجعول على عنوان ملاقي


1 ـ غنية النزوع 1 : 46 .
2 ـ منتهى المطلب 1 : 178 ، اُنظر فرائد الاُصول ، ضمن تراث الشيخ الأعظم 25: 239 ـ 240.


(254)

النجس ـ من دون أن يكون وجوبه عين وجوبه ومن شؤونه ـ فالاجتناب عن الملاقي امتثال مستقلّ ، كما أنّ الاجتناب عن النجس امتثال آخر . وقس عليه العقاب والعصيان .

استدلّ ابن زهرة بقوله تعالى : (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ)(1) ، ولا يخفى عدم دلالته ; إذ هو يدلّ على وجوب الاجتناب عن الرجز ، ولا يدلّ على وجوب الاجتناب عن ملاقي الرجز ; فإنّ الرجز عبارة عن نفس النجس ، على ما عليه جملة من المفسّرين ، ولا يدلّ على حكم ملاقيه .

وربّما يستدلّ(2) بما رواه عمرو بن شمر عن جابرالجعفي عن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ أنّه أتاه رجل ، فقال له : وقعت فأرة في خابية فيها سمن أو زيت ، فما ترى في أكله ؟ فقال أبو جعفر ـ عليه السلام ـ : «لا تأكله» .

فقال الرجل : الفأرة أهون عليّ من أن أترك طعامي من أجلها .

فقال له أبو جعفر ـ عليه السلام ـ : «إنّك لم تستخفّ بالفأرة ، وإنّما استخففت بدينك ; إنّ الله حرّم الميتة من كلّ شيء»(3) .

وجه دلالته : أنّه جعل عدم الاجتناب من الطعام الذي وقعت فيه الفأرة استخفافاً للدين ، وبيّنه بأنّ الله حرّم الميتة من كلّ شيء ، ولولا كون الاجتناب من الملاقي ـ بالكسر ـ من شؤون الاجتناب من الملاقى لم يكن عدم الاجتناب من الطعام استخفافاً بتحريم الميتة .

وفيه ـ مع ضعف سند الرواية ، واحتمال تفسّخ الميتة في السمن ; بحيث


1 ـ المدّثر (74) : 5 .
2 ـ اُنظر فرائد الاُصول ، ضمن تراث الشيخ الأعظم 25 : 240 ـ 241 .
3 ـ تهذيب الأحكام 1 : 420 / 1327 ، وسائل الشيعة 1 : 206 ، كتاب الطهارة ، أبواب الماء المضاف ، الباب 5 ، الحديث 2 .


(255)

حصل الامتزاج والاختلاط ، وصارا بحكم واحد في الاستعمال والاجتناب ـ أنّ الاستدلال مبني على أنّ قوله ـ عليه السلام ـ : «إنّ الله حرّم الميتة من كلّ شيء» مسوق لبيان نجاسة الملاقي للفأرة ، وهو خلاف الظاهر . بل سيق لبيان ردّ قول السائل : «إنّ الفأرة أهون عليّ من أن أترك طعامي من أجلها» بأنّ ذلك استخفاف لحكم الله تعالى ; لتعلّق حكمه على كلّ ميتة .

ويمكن الاستدلال على القول المشهور : أنّ وجوب الاجتناب عن الملاقي مجعول مستقلاًّ بمفهوم قوله ـ عليه السلام ـ : «إذا بلغ الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء»(1) فإنّ مفهومه أنّ الماء إذا لم يبلغ حدّ الكرّ ينجّسه بعض النجاسات ; أي يجعله نجساً ومصداقاً مستقلاًّ منه . وظاهره : أنّ الأعيان النجسة واسطة لثبوت النجاسة للماء ، فيصير الماء لأجل الملاقاة للنجس فرداً من النجس مختصّاً بالجعل .

ويمكن أن يستدلّ أيضاً بقوله : «الماء كلّه طاهر حتّى تعلم أنّه قذر»(2) ; أي حتّى تعلم أنّه صار قذراً بواسطة الملاقاة .

وأعطف عليه ما دلّ من الروايات والفتاوى : أنّ الماء والأرض والشمس مطهِّرات للأشياء(3) ; فإنّ الظاهر منها أنّ الأشياء صارت نجسة ، فتطهّر بالمذكورات . وبالجملة : لا إشكال في أنّ نجاسة الملاقي من ناحية نجاسة الأعيان النجسة التي يلاقيها لأجل السراية والسببية ، كما أنّ الظاهر منها كون الملاقي مختصّاً بجعل آخر ووجوب مستقلّ .


1 ـ راجع وسائل الشيعة 1 : 158 ، كتاب الطهارة ، أبواب الماء المطلق ، الباب 9 ، الحديث 1 و 2 و 5 و 6 .
2 ـ راجع وسائل الشيعة 1 : 134 ، كتاب الطهارة ، أبواب الماء المطلق ، الباب 1 ، الحديث 5 .
3 ـ راجع الطهارة ، الإمام الخميني ـ قدس سره ـ 4 : 343 و 381 .


(256)

ومن ذلك يعلم : حكم الملاقي لأحد أطراف العلم الإجمالي ; فعلى القول الأوّل يجب الاجتناب ; لأجل تحصيل البراءة اليقينية عن الاشتغال اليقيني ; للشكّ في حصول الامتثال بالاجتناب عن الأطراف دون الملاقى ; لأنّ وجوب الاجتناب عن الملاقي على فرض نجاسة الملاقى ـ بالفتح ـ ليس وجوباً وتكليفاً مستقلاّ ، بل وجب الاجتناب عنه بنفس الوجوب المتعلّق بالملاقى ـ بالفتح ـ فيجب الاجتناب عن الكلّ ; تحصيلاً للبراءة .

وعلى القول المختار : فالحكم هو البراءة ، لكن على تفصيل سيوافيك بيانه .

صور الملاقاة في المسألة

البحث الثاني : أنّ العلم بالملاقاة قد يكون بعد العلم الإجمالي بنجاسة أحد الأطراف ، وقد يكون قبله ، وقد يكون مقارناً له . وعلى أيّ حال : قد يكون الملاقى خارجاً عن محلّ الابتلاء رأساً ولا يعود إليه ، وقد يكون عائداً إليه بعد خروجه حين العلم بنجاسة الملاقي ـ بالكسر ـ أو الطرف ، والأمثلة واضحة .

مقتضى الأصل العقلي في صور الملاقاة

البحث الثالث : قد اختار سيّدنا الاُستاذ في الدورة السابقة البراءة في هذه الصور مطلقاً(1) ، ولكنّه عدل في هذه الدورة إلى تفصيل يوافق مختار المحقّق الخراساني ـ رحمه اللّه ـ (2) .


1 ـ راجع أنوار الهداية 2 : 239 .
2 ـ كفاية الاُصول : 411 ـ 412 .


(257)

وإليك بيان ما اختاره في الدورة السابقة على نحو الإجمال :

إنّ العلم الإجمالي بنجاسة بعض الأطراف منجّز لها ، فإذا علم بالملاقاة أو بكون نجاسة الملاقي على فرض كونه نجساً من الملاقى ـ بالفتح ـ فهذا العلم الثاني لايؤثّر شيئاً ; لأنّ العلم بنجاسة بعض الأطراف متقدّم رتبةً على العلم بنجاسة الملاقي ـ بالكسر ـ أو الطرف ; سواء كان بحسب الزمان مقارناً له أو متقدّماً عليه أو متأخّراً عنه .

وبالجملة : إنّ العلم الأوّل المتعلّق بنجاسة أحد الطرفين منجّز في الرتبة السابقة على تأثير العلم الإجمالي الثاني ، ومعه لا ينجّز العلم الثاني ; لعدم إمكان تنجيز المنجّز ; للزوم تحصيل الحاصل .

فإذا علم بنجاسة الملاقي ـ بالكسر ـ أو الطرف ، ثمّ علم نجاسة الملاقى ـ بالفتح ـ أو الطرف وأنّ نجاسة الملاقي ـ بالكسر ـ على فرضها تكون من الملاقى فالعلم الثاني مع كونه متأخّراً زماناً ينجّز أطرافه في الرتبة السابقة ; لأنّ معلومه يكون متقدّماً على المعلوم الأوّل .

والمناط في التنجيز هو تقدّم المعلوم زماناً أو رتبةً لا العلم ، كما لو علمنا بوقوع قطرة من الدم في إحدى الأواني الثلاثة ، ثمّ علمنا بوقوع قطرة منه قبله في إحدى الإنائين منها فحينئذ يكون العلم الأوّل بلا أثر ، ولا يجب الاجتناب عن الطرف المختصّ به ; لأنّ العلم الثاني يؤثّر في تنجيز معلومه في الزمان السابق على العلم الأوّل .

والحاصل : بعد تقدّم تنجّز الملاقى ـ بالفتح ـ على الملاقي بالرتبة يكون العلم المتعلّق بالملاقي ـ بالكسر ـ والطرف في جميع الصور بلا أثر ، ولا معنى للتنجيز فوق التنجيز ، فيكون الملاقي بحكم الشبهة البدوية .


(258)

هذا ملخّص ما أوضحه في الدورة السابقة ، وقد لخّصناه بحذف ما تكرّر بيانه في الأبحاث المتقدّمة . ويظهر ضعفه في طيّ المباحث الآتية .

والتحقيق : هو ما اختاره المحقّق الخراساني من التفصيل ; فإنّه أوجب تارة : الاجتناب عن الطرف والملاقى ـ بالفتح ـ دون الملاقي ، واُخرى : عن الطرف والملاقي والملاقى جميعاً ، وثالثة : عن الطرف والملاقي ـ بالكسر ـ دون الملاقى ، بالفتح(1) . فنقول توضيحاً وتحقيقاً لما أفاده ـ قدس سره ـ :

أمّا الصورة الاُولى : فهي ما إذا كان العلم بالملاقاة متأخّراً عن العلم بنجاسة أحد الأطراف ، وعلّله هو ـ قدس سره ـ بأنّه إذا اجتنب عن الملاقى ـ بالفتح ـ والطرف فقد اجتنب عن النجس في البين ، ولو لم يجتنب عمّا يلاقيه ; فإنّه على تقدير نجاسته فرد آخر من النجس قد شكّ في وجوده(2) .

وتوضيحه ـ وإن كان فيما مرّ كفاية بالنسبة إلى هذه الصورة ـ أن يقال : إنّ الكشف والتنجيز من الاُمور التي لا يقبل التعدّد والاثنينية ، فلا يعقل أن ينكشف الشيء الواحد لدى العالم مرّتين ما لم ينفصل بينهما ذهول أو نسيان .

ومثله التنجيز ; فإنّ معناه تمامية الحجّة وانقطاع العذر على العبد ، وهو لا يقبل التكرّر ، فإذا تمّ الحجّة بالنسبة إلى الطرف في العلم المتقدّم أو حصل الانكشاف فلا معنى لأن يتمّ الحجّة بالنسبة إليه أيضاً في العلم الثاني الذي تعلّق بنجاسة الملاقي ـ بالكسر ـ أو الطرف ، كما لا معنى لتعدّد الانكشاف .

وإن شئت قلت : إنّ من شرائط تنجيز العلم الإجمالي كونه متعلّقاً بالتكليف


1 ـ كفاية الاُصول : 412 .
2 ـ نفس المصدر .


(259)

الفعلي في أيّ طرف اتّفق ، وموجباً للإلزام على أيّ تقدير ، وهو مفقود في المقام ; فإنّ القول بأنّه يجب الاجتناب إمّا عن الملاقي ـ بالكسر ـ أو الطرف قول صوري ; فإنّ الطرف يجب الاجتناب عنه على أيّ تقدير ; للعلم السابق ; سواء وجب الاجتناب عن الملاقي ـ بالكسر ـ أو لا .

ولأجل ذلك : لو تعلّق العلم الإجمالي باُمور قد سبق التكليف إلى بعضها معيّناً لم يحدث شيئاً ولم يوجب تنجّزاً ; لأ نّه تعلّق بأمر وجب الاجتناب عنه سابقاً بلا ترديد ، والباقي مشكوك من رأس .

والحاصل : أنّا إذا سلّمنا أنّ هاهنا علماً ثانياً دائراً بين الطرف والملاقي ، لكنّه تعلّق بمعلوم مردّد بين ما هو محكوم بالاجتناب قبل حدوث هذا العلم وما ليس كذلك ، ومعه كيف يحدث العلم الثاني تنجيزاً على كلّ تقدير ، أو كشفاً على كلّ تقدير ؟ مع أنّ الطرف كان منجّزاً ومنكشفاً من قبلُ ببركة العلم الأوّل ، والمنجّز لا يتنجّز ، والمنكشف لا ينكشف .

هذا ، وحكم هذه الصورة واضحة جدّاً قد اتّفقت كلمتنا فيها في كلتا الدورتين ، وإنّما البحث في غيرها .

وأمّا الصورة الثانية ـ أعني ما يجب فيه الاجتناب عن الجميع ـ فهي فيما إذا حصل العلم الإجمالي بنجاسة الملاقى ـ بالفتح ـ والطرف بعد العلم بالملاقاة ،


(260)

مع كون الجميع مورداً للابتلاء .

فإنّ السرّ في وجوب الاجتناب عن الجميع : أنّ العلم بالملاقاة وإن كان متقدّمـاً إلاّ أنّه لا يحـدث تكليفاً ; فإنّ الملاقاة الخارجي ليس موضـوعاً للحكم ما لم يعلم نجاسة الملاقى ـ بالفتح ـ وما هو الموجب للتكليف إنّما هو العلم بنجاسـة الملاقى أو الطرف ، وهـو قـد تعلّق بالجميع في عرض واحـد ; لأنّ العلم بالملاقاة المتقدّم قد جعل الملاقي والملاقى عدلاً واحداً .

فإذا تعلّق العلم بنجاسة الملاقى ـ بالفتح ـ أو الطرف ففي الحقيقة تعلّق ببركة العلم بالملاقاة من قبل بنجاستهما أو الطرف ، وسيأتي الكلام عن قريب في حال التقدّم الرتبي ، فانتظر(1) .

وإلى ذلك يشير ـ قدس سره ـ بأنّه يتنجّز التكليف بالاجتناب عن النجس في البين ، وهو الواحد أو الاثنين(2) .

وأمّا الصورة الثالثة ; أعني ما يجب فيه الاجتناب عن الطرف والملاقي ـ بالكسر ـ دون الملاقى فقد ذكر ـ رحمه اللّه ـ لها موردين :

الأوّل : ما إذا تأخّر العلم بنجاسة الملاقى ـ بالفتح ـ أو الطرف عن العلم بالملاقاة ، وعن العلم بنجاسة الملاقي ـ بالكسر ـ أو الطرف ، كما إذا علم أوّلاً بنجاسة الملاقي ـ بالكسر ـ أو الطرف ، من دون التفات إلى سبب نجاسة الملاقي ، ثمّ حدث العلم بالملاقاة ، وحدث العلم الإجمالي بنجاسة الملاقى ـ بالفتح ـ أو الطرف ، والعلم بأنّه ليس لنجاسة الملاقي ـ بالكسر ـ على تقدير أن يكون هو النجس الذي تعلّق العلم به أوّلاً سبب إلاّ جهة ملاقاته ; لأنّ المفروض أنّه ليس إلاّ نجاسة واحدة في البين .

والسرّ في ذلك : هو ما مرّ من أنّ شرط تنجيز العلم الإجمالي أن يكون متعلّقاً بالتكليف الفعلي على أيّ تقدير ، منجّزاً كذلك ، وقد عرفت أنّه لو سبق التكليف إلى بعض الأطراف قبل تعلّق العلم الثاني لما يؤثّر المتأخّر أصلاً ; لتردّد متعلّقه بين ما


1 ـ يأتي في الصفحة 264 ـ 265 .
2 ـ كفاية الاُصول : 412 ـ 413 .


(261)

كان واجب الاجتناب لولا هذا العلم ، وما ليس كذلك ، فينحلّ العلم الثاني إلى قطعي الاجتناب ومحتمله .

ولا يصحّ أن يقال : إنّ هذا واجب أو ذاك ، بل أحدهما واجب الاجتناب قطعاً ـ وهو الذي سبق إليه التكليف ـ والآخر مشكوك الوجوب .

وقس عليه المقام ; فإنّ العلم الأوّل قد نجّز حكم كلّ واحد من الملاقي ـ بالكسر ـ والطرف ، والعلم الثاني قد تعلّق بنجاسة الملاقى ـ بالفتح ـ والطرف ، والمفروض أنّ الطرف كان في ظرف حدوث العلم الأوّل واجب الاجتناب ، وقد تمّ حجّة المولى فيه إلى العبد ، ومعه لا يحدث العلم الثاني تكليفاً على أيّ تقدير .

وبالجملة : ليس البحث في الملاقي ـ بالكسر ـ حتّى يقال : إنّ العدل في العلم الثاني هو الملاقى ـ بالفتح ـ بل البحث في الطرف الذي هو عدل في كلا العلمين ، وقد ثبت تنجيزه قبل حدوث العلم الثاني ، فلا معنى للتنجيز بعده ، فينحلّ علم الثاني إلى قطعي الاجتناب وهو الطرف ومشكوكه وهو الملاقى ، بالفتح .

وإن شئت قلت : إنّ شرطية منجّزيـة العلم الإجمالي هـو أن يكون كاشفاً فعلياً ومنجّزاً فعلياً على جميع التقادير ، ومع العلم الأوّل بنجاسة الملاقي ـ بالكسر ـ أو الطرف يكون العلم كاشفاً فعلياً عن التكليف بينهما ومنجّزاً فعلياً على جميع التقادير .

فإذا حصل العلم بأنّ نجاسة الملاقي ـ بالكسر ـ على فرض كونه نجساً فمن جانب الملاقى يحدث علم إجمالي ، لكنّه لا يمكن أن يتّصف بالكاشفية الفعلية ، ولا بالمنجّزية الفعلية على جميع التقادير ; فإنّه على تقدير كون النجس هو الطرف يكون فعلياً بالعلم الأوّل ومنجّزاً فعلياً به ، ولا يعقل تعلّق كشف فوق الكشف ، ولا تنجيز فوق التنجيز .


(262)

فإن قلت : العلم الثاني يوجب بطلان العلم الأوّل وفساد زعم التنجيز ; لأنّ التنجيز فرع مطابقة العلم لنفس الأمر ، وقد كشف خلافه ; لأ نّه بعد حصول الثاني من العلمين الكاشف عن أنّ النجس إمّا هو الملاقى ـ بالفتح ـ أو الطرف نستكشف بطلان الأوّل ، الذي تعلّق بنجاسة الملاقي ـ بالكسر ـ أو الطرف ، وعلمنا أنّ الذي يليق أن يقع عدلاً للطرف إنّما هو الملاقى ـ بالفتح ـ لا الملاقي .

وإن شئت قلت : إنّ الاجتناب عن الملاقي ـ بالكسر ـ فرع ثبوت وجوب الاجتناب عن الملاقى ـ بالفتح ـ والسرّ في ذلك : أنّ ما يجب الاجتناب عنه هو ملاقي النجس القطعي ، فيجب الاجتناب عنه ; وإن صار الملاقى غير واجب الاجتناب ; لأجل الاضطرار إليه ، أو لخروجه عن محلّ الابتلاء ، أو لغير ذلك .

وأمّا المقام فليس ملاقياً للنجس ، بل ملاق لشيء لم يحرز نجاسته ، ولم يثبت وجوب الاجتناب عنه عند حصول العلم الأوّل ، كما هو المفروض .

وبالجملة : بعدما حدث العلم الثاني كشفنا عن أنّ العلم الأوّل الذي تعلّق بوجوب الاجتناب عن الملاقي ـ بالكسر ـ أو الطرف كان وهناً محضاً ، ولم يكن ملاك وجوب الاجتناب موجوداً فيه .

فيبطل ما يقال : إنّ الطرف كان واجب الاجتناب من أوّل الأمر ، ولم يحدث العلم الثاني تكليفاً آخر بالنسبة إليه ، ويصير الملاقى ـ بالفتح ـ مشكوكاً بدوياً .

قلت : إنّ العلم الثاني لم يكشف إلاّ عن سبب الاجتناب عن الملاقي ـ بالكسر ـ لا عن بطلان العلم الأوّل . والشاهد عليه : أنّـه بعد حصول العلم الثاني أنّ لنا أن نقول : الطرف واجب الاجتناب أو الملاقي ـ بالكسر ـ لكونـه ملاقياً للنجس واقعاً .

غاية الأمر : كان وجوب الاجتناب عن الملاقي ـ بالكسر ـ مجهولاً سببه ،


(263)

وكان المكلّف معتقداً أنّ علّة نجاسته على فرضها هو وقوع النجس فيه بلا واسطة ، ثمّ بان بأنّ سببها هو الملاقاة لما هو نجس على فرض نجاسة الملاقى ـ بالفتح ـ وهذا مثل ما إذا وقفنا على وجوب أحد الشيئين ، ثمّ وقفنا على ضعف الطريق مع العثور على طريق صحيح . فالتغاير في السبب لا يوجب التغاير في المسبّب .

وما ربّما يقال بانحلال العلم الأوّل بالثاني ; قائلاً بأنّه أيّ فرق بين المقام وما إذا علم بوقوع قطرة من الدم في واحد من الإنائين ، ثمّ علم بعد ذلك بوقوع قطرة سابقاً : إمّا في هذا الإناء المعيّن من الإنائين أو في إناء ثالث ؟ فلا ينبغي التأمّل في أنّ الثاني من العلمين يوجب انحلال الأوّل منهما ; لسبق معلومه عليه ، وأنّ الأوّل منهما وإن كان متقدّماً حسب الوجود إلاّ أنّ معلوم الثاني متقدّم .

وإن شئت قلت : إنّ العلم الأوّل لم يحدث تكليفاً بالنسبة إلى الإناء الذي وقع عدلاً للإناء الثالث في العلم الثاني ; لأنّ العلم الثاني كشف عن كونه واجب الاجتناب من قبل في نفس الأمر ; وإن كان مجهولاً لنا ، وقد علمت ما هو الشرط في تنجيز العلم الإجمالي .

ففيه ـ مع أنّه يرجع إلى الإشكال المتقدّم مآلاً ; وإن كان يفترق عنه تقريراً وتمثيلاً ـ أنّ الفرق بين المقامين واضح ; لأ نّه إذا علم بعد العلم بوقوع قطرة في إحدى الإنائين بأنّه وقعت قطرة قبل تلك القطرة المعلومة في واحد معيّن من الإنائين أو الثالث يكشف ذلك عن أنّ علمه بالتكليف على أيّ تقدير كان جهلاً مركّباً ; لأنّ القطرة الثانية المعلومة أوّلاً إذا كانت واقعة فيما وقعت فيه القطرة قبلاً لم يحدث تكليفاً . فالعلم الثاني يكشف عن بطلان العلم الأوّل ، وينحلّ العلم الأوّل .

وأمّا المقام فليس كذلك ; فإنّ العلم الأوّل باق على ما هو عليه ، ومانع عن وقوع كشف وتنجيز بالنسبة إلى الطرف بالعلم الثاني ، فالعلم الأوّل المتعلّق بنجاسة


(264)

الملاقي ـ بالكسر ـ أو الطرف باق على حاله ، ولا ينحلّ بحدوث العلم الثاني المتعلّق بنجاسة الملاقى ـ بالفتح ـ أو الطرف .

وما أورده بعض أعاظم العصر ـ قدس سره ـ ردّاً على هذا التفصيل ، بما حاصله : أنّ هذا التفصيل مبني على كون حدوث العلم الإجمالي بما أنّه وصف في النفس تمام الموضوع لوجوب الاجتناب عن الأطراف ; وإن تبدّلت صورته ; لأ نّه ـ حينئذ ـ يكون المدار على حال حدوث العلم . ومن المعلوم أنّه قد يكون متعلّق العلم الإجمالي حال حدوثه هو نجاسة الملاقي ـ بالكسر ـ أو الطرف ، وقد يكون هو نجاسة الملاقى ـ بالفتح ـ أو الطرف ، وقد يكون هو نجاستهما معاً أو الطرف .

ولكن الإنصاف : فساد المبنى ; لأنّ المدار في تأثّر العلـم إنّما هو على المعلوم والمنكشف لا على العلم والكاشف ، وفي جميع الصور المفروضة رتبة وجوب الاجتنـاب عن الملاقى ـ بالفتح ـ والطرف سابقة على وجوب الاجتناب عن الملاقي ـ بالكسر ـ وإن تقدّم زمان العلم الإجمالي بنجاسة الملاقي ـ بالكسر ـ أو الطرف على العلـم الإجمالي بنجاسـة الملاقى ـ بالفتح ـ أو الطرف ; لأنّ التكليف في الملاقي إنّما جاء من قِبَل التكليف بالملاقى ، فلا أثر لتقدّم زمان العلم وتأخّره ، بعد ما كان المعلوم في أحد العلمين سابقاً رتبة أو زماناً على المعلوم بالآخر(1) ، انتهى ما يتعلّق بالمقام ، ويأتي باقي كلامه عند البحث عن المورد الثاني للصورة الثالثة .

ففيه : أنّ التنجّز من آثار العلم المتقدّم وجوداً في الزمان على الآخر ، لا من آثار المتقدّم رتبة ; وإن تأخّر زمان وجوده . فالعلم بنجاسة الطرف أو الملاقى


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4 : 86 .


(265)

ـ بالفتح ـ وإن كان متقدّماً رتبة ، إلاّ أنّه حادث ومتأخّر وجوداً عن العلم الأوّل ، وما هو الملاك في باب الاحتجاج وقطع الأعذار إنّما هو وجود الحجّة على التكليف المتقدّم بوجوده على الآخر ، والرتب العقلية ليست مناطاً في المقام .

وإن شئت قلت : إنّه لا تأثير لتقدّم الرتبة عقلاً في تقدّم التنجيز ، كما اشتهر في الألسن ; ضرورة أنّ التنجيز إنّما هو أثر العلم في الوجود الخارجي ، وتقدّم السبب على المسبّب ليس تقدّماً خارجياً ، بل هو معنىً يدركه العقل وينتزع من نشوء أحدهما عن الآخر .

فالعلم الإجمالي المتعلّق بالملاقى ـ بالفتح ـ والطرف وإن كان مقدّماً على العلم الإجمالي بالملاقي ـ بالكسر ـ والطرف في الرتبة العقلية ، لكنّه لا يوجب تقدّمه في التنجيز حتّى يصير مانعاً من تنجّز المتأخّر رتبة .

ولأجل ذلك يجب الاجتناب عن الجميع فيما إذا تعلّق العلم بالأطراف بعد العلم بالملاقاة وبعد العلم بأنّه ليس للملاقي نجاسة غير ما اكتسب من الملاقى ـ بالفتح ـ لكن حصل العلم الإجمالي بنجاسة الطرف والملاقى ـ بالفتح ـ في زمان حدوث العلم بنجاسة الملاقي ـ بالكسر ـ والطرف ; فإنّ العلم حينئذ يكون منجّزاً ويجب الاجتناب عن الأطراف عامّة ، نظير الصورة الثانية التي تقدّم وجوب الاجتناب فيها عن الأطراف عامّة .

وسيوافيك في بحث السببي والمسبّبي(1) وفي هذا البحث عند بيان الأصل الشرعي في الملاقي(2) : أنّ القول بالرتب العقلية في الأحكام العرفية والشرعية لا


1 ـ الاستصحاب ، الإمام الخميني ـ قدس سره ـ : 243 ـ 250 .
2 ـ يأتي في الصفحة 268 ـ 269 .


(266)

يرجع إلى شيء ; وإن جعل الشيخ الأعظم ذلك التقدّم علّة لتقدّم السببي على المسبّبي(1) ، وتبعه شيخنا العلاّمة ـ أعلى الله مقامه(2) ـ فانتظر .

المورد الثاني للصورة الثالثة ; أعني ما يجب فيه الاجتناب عن الملاقي ـ بالكسر ـ والطرف دون الملاقى : ما إذا علم بالملاقاة ، ثمّ حدث العلم الإجمالي بنجاسة الملاقى ـ بالفتح ـ أو الطرف ، ولكن كان الملاقي حال حدوث العلم داخلاً في مورد الابتلاء ، والملاقى ـ بالفتح ـ خارجاً عنه ثمّ عاد إلى محلّ الابتلاء .

وأورد عليه بعض الأعاظم ـ رحمه اللّه ـ : بأنّه لا أثر لخروج الملاقى ـ بالفتح ـ عن محلّ الابتلاء في ظرف حدوث العلم ، مع عوده إلى محلّ الابتلاء بعد العلم .

نعم ، لو فرض أنّ الملاقى ـ بالفتح ـ كان في ظرف حدوث العلم خارجاً عن محلّ الابتلاء ، ولم يعد بعد ذلك إلى محلّه ـ ولو بالأصل ـ فالعلم الإجمالي بنجاسته أو الطرف ممّا لا أثر له ، ويبقى الملاقي ـ بالكسر ـ طرفاً للعلم الإجمالي ، فيجب الاجتناب عنه وعن الطرف(3) ، انتهى .

التحقيق : ما عرفت من عدم الاعتبار بالخروج عن محلّ الابتلاء ; لأنّ الأحكام الشرعية مجعولة على الطريق الكلّي الذي عبّرنا عنه بأنّه أحكام قانونية أو خطابات قانونية .

ولو سلّم : فهو فيما إذا لم يكن للخارج أثر فعلي داخل في محلّ الابتلاء ، وأمّا إذا كان له أثر فعلي فلا نسلّم قبح الخطاب ، ولا قبح الحكم الوضعي ; فإنّ جعل النجاسة على الحيوان الخارج عن محلّ الابتلاء ببركة أصالة عدم التذكية إذا كان


1 ـ فرائد الاُصول ، ضمن تراث الشيخ الأعظم 25 : 242 .
2 ـ درر الفوائد ، المحقّق الحائري : 632 .
3 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4 : 86 و 88 .


(267)

بعض أجزائه داخلاً في محلّ الابتلاء ممّا لا قبح فيه إذا قلنا بأنّ التذكية ترد على الحيوان فقط ، والأجزاء تصير ذات تذكية بواسطة عروضها على الحيوان .

ومثله المقام ; فإنّ جعل النجاسة للإناء الخارج عن محلّ الابتلاء مع كون ملاقيه داخـلاً فيه ليس بقبيح ; لأنّ أثر نجاسـة الملاقى ـ بالفتح ـ الخـارج عـن محلّ الابتلاء إنّما هو نجاسة الملاقي ـ بالكسر ـ الـذي داخـل فيه . وعليه فيجري أصالة الطهارة في الملاقى ـ بالفتح ـ بلحاظ أثره الذي داخل في محلّ الابتلاء ; أي نجاسـة ملاقيه .

فظهر : أنّ عود الملاقى ـ بالفتح ـ إلى محلّ الابتلاء وعدم عوده سيّان ، فما فصّله بعض الأعاظم من تسليم ما ذكره المحقّق الخراساني فيما لم يعد الملاقى ـ بالفتح ـ إلى محلّ الابتلاء دون ما عاد لا يرجع إلى محصّل ; لما عرفت من أنّ خروج الملاقى ـ بالفتح ـ كلا خروجه ; لوجود أثره .

هذا كلّه في مفاد الأصل العقلي في المقام .

مقتضى الأصل الشرعي في صور الملاقاة

وأمّا بيان الأصل الشرعي :

فعلى المختار من عدم جريان أدلّة الاُصول في الأطراف على الوجوه التي حرّرناه في محلّها(1) فلا يبقى إشكال في جريان الأصل في الملاقي ـ بالكسر ـ في الصورة الاُولى ، كما يجري الأصل في الملاقى ـ بالفتح ـ في المورد الأوّل من الصورة الثالثة ، بصيرورتهما كالشبهة البدوية على ما عرفت(2) .


1 ـ تقدّم في الصفحة 186 و 204 .
2 ـ تقدّم في الصفحة 258 و 260 .


(268)

وأمّا على جريانها فيها وسقوطها بالمعارضة فقد تصدّى المحقّقون(1) لرفع التعارض ; بأنّ الأصل في الملاقى ـ بالفتح ـ حاكم على الأصل في الملاقي ; لكون الشكّ في طهارته ونجاسته ناشئاً من الشكّ في الملاقى ـ بالفتح ـ فجريان الأصل فيه يرفع الشكّ عن ملاقيه ، فلا مجرى للأصل في الملاقي ـ بالكسر ـ في رتبة جريان الأصل في الملاقى .

فأصالة الطهارة في الملاقى ـ بالفتح ـ معارض لمثلها في الطرف ، وبعد سقوطهما يبقى الأصل في الملاقي جارياً بلا معارض ، من غير فرق بين الصور المتقدّمة ; لأنّ رتبة السبب مقدّم على المسبّب ، والأصل الجاري فيه يرفع الشكّ عن المسبّب ـ كلّما تحقّق ـ حتّى في المورد الأوّل من الصورة الثالثة ; أعني ما إذا علم إجمالاً بنجاسة الملاقي ـ بالكسر ـ والطرف ، ثمّ علم بأنّه لو كان نجساً فإنّما هو من الملاقى ـ بالفتح ـ فحينئذ يكون الأصل فيه رافعاً للشكّ في ملاقيه ، ويصير معارضاً للأصل في الطرف ، ويصير الأصل في الملاقي ـ بالكسر ـ جارياً بلا معارض .

أقول : سيوافيك بيانه في خاتمة الاستصحاب(2) : أنّ مجرّد كون الشكّ في أحدهما متقدّماً على الآخر رتبةً لا يوجب حكومة أصله على الآخر ، ولا يصير رافعاً لشكّه ; لأنّ ما هو الموضوع للدليل الشرعي «لا تنقض اليقين بالشكّ» إنّما هو المشكوك فيه الواقع في عمود الزمان ، لا المشكوك فيه الواقع في الرتب العقلية .

وبما أنّ الشكّ في السبب والمسبّب حادثان في عمود الزمان دفعة ـ بلا تقدّم وتأخّر ـ فيشملهما الدليل الشرعي دفعة واحدة في عرض واحد .


1 ـ فرائد الاُصول ، ضمن تراث الشيخ الأعظم 25 : 242 ، فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4 : 82 ، نهاية الأفكار 3 : 358 .
2 ـ الاستصحاب ، الإمام الخميني ـ قدس سره ـ : 243 ـ 251 .


(269)

فلا يعقل حينئذ حكومة أحد الأصلين على الآخر مع عرضيتها في الموضوع ، بل السبب الوحيد لتقدّم السببي على المسبّبي هو أنّ الأصل في السببي ينقّح موضوع الدليل الاجتهادي ، ويؤسّس موضوعاً تعبّدياً له . والحاكم حينئذ ـ على الأصل المسبّبي ـ إنّما هو الدليل الاجتهادي .

فإن شئت فلاحظ المثال المعروف وهو ما إذا غسل الثوب النجس بماء مشكوك الطهارة فإنّ استصحاب طهارة الماء أو كرّيته ينقّح موضوعاً تعبّدياً لدليل اجتهادي ; وهو أنّ كلّ متنجّس غسل بماء طاهر فهو طاهر .

وعلى هذا : فالشكّ في الملاقي ـ بالكسر ـ في طهارته ونجاسته وإن كان مسبّباً عن الملاقى إلاّ أنّ الميزان المذكور هـو غير موجـود في المقام ; فإنّ الشكّ في طهارة الملاقي ونجاستـه وإن كان مسبّباً مـن الملاقى ـ بالفتح ـ إلاّ أنّ استصحاب طهارة الملاقى ـ بالفتح ـ لا ينقّح معه موضوع الدليل الاجتهادي ; فإنّ غايته إنّما هو طهارة الملاقى ـ بالفتح ـ إلاّ أنّه لم يقم دليل على أنّ كلّ ما لاقى الطاهر فهو طاهر .

وتوهّم : أنّه وإن لم يقم الدليل على أنّ ملاقي الطاهر طاهر إلاّ أنّه قام الدليل على أنّ ملاقي الطاهر ليس بنجس ، مدفوع بأنّه ليس حكماً شرعياً ، بل هو أمر مستنبط من لا اقتضائية الشيء لتنجيس الشيء ، كما لا يخفى .

ولابدّ من العلاج من طريق آخر غير طريق سببية الأصل في أحدهما ومسبّبيته في الآخر ، وإليك بيانه وخلاصته : أنّه كلّما صار الملاقي ـ بالكسر ـ أو الملاقى في حكم الشبهة البدوية يجري فيه الأصل ، وكلّما صارا طرفاً للعلم فلا .

وما اخترناه من التفصيل مبني على هذا ، وإليك بيانه حتّى يتميّز حكم ما يجري فيه الأصل عمّا لا يجري ، ويكون ما نتلو عليك كالفذلكة ممّا مرّ .


(270)

فذلكة البحث في المقام

قد عرفت : أنّ هذا البحث على مبنى بعضهم من جريان الاُصول في الأطراف وتعارضها لأجل استلزامه مخالفة الحكم المنجّز ، فحينئذ فلابدّ أن يلاحظ ويعلم ما يستلزم تلك المخالفة وما لا يستلزمه ، فنقول :

أمّا الصورة الاُولى ; أعني ما إذا علم بنجاسة الملاقى ـ بالفتح ـ أو الطرف ، ثمّ علم بالملاقاة : فيجري في الملاقي ـ بالكسر ـ كلّ من أصالتي الطهارة والحلّية ; فإنّ العلم الثاني المتعلّق بنجاسة الطرف أو الملاقي ـ بالكسر ـ ليس علماً بالتكليف المنجّز ; وإن كان علماً بوجود الموضوع ـ أعني النجس ـ بينهما ، إلاّ أنّ الميزان هو العلم بالتكليف المنجّز على كلّ تقدير لا العلم بالموضوع ; وإن لم يكن حكمه منجّزاً ، والمانع من الجريان هو الأوّل لا الثاني .

توضيحه : أنّه إذا علم الإنسان بوقوع قطرة دم إمّا في إناء زيد أو في إناء عمرو فلا شكّ في تنجيز ذاك العلم ، ولو وقف بعد ذلك على وقوع قطرة اُخرى منه إمّا في إناء عمرو أو إناء بكر فالعلم بوجود الموضوع وإن كان موجوداً بين الثاني والثالث إلاّ أنّه ليس علماً بتكليف منجّز على كلّ تقدير ; فإنّ القطرة الثانية لو وقعت في إناء عمرو لم يحدث تكليفاً جديداً ، ولم يوجب إلزاماً على كلّ تقدير ، بل هو كان قبل حدوث هذا العلم واجب الاجتناب لأجل العلم الأوّل .

ولذلك لو شرب الإناء الثاني والثالث ، وفرضنا وقوع القطرة الاُولى في إناء زيد فهو وإن شرب النجس إلاّ أنّه لم يخالف التكليف المنجّز على كلّ تقدير . وأمّا الاجتناب عن إناء عمرو فهو لأجل العلم الأوّل دون الثاني ; ولذلك يجري في الثالث عامّة الاُصول ، دون إناء عمرو .


(271)

وقس عليه المقام ; فإنّ العلم الثاني وإن تعلّق بنجاسة الطرف أو الملاقي ـ بالكسر ـ إلاّ أنّه ليس علماً بالتكليف الحادث المنجّز على كلّ تقدير ; لأنّ الطرف كان واجب الاجتناب لأجل العلم الأوّل .

ولذلك لو شرب الطرف والملاقي ـ بالكسر ـ وفرض وقوع النجس في نفس الأمر في العلم الأوّل في الإناء الملاقى ـ بالفتح ـ فهو وإن شرب النجس في نفس الأمر إلاّ أنّه لم يخالف التكليف المنجّز ، فلا يعاقب على شرب النجس ; وإن كان يصحّ عقابه على شرب الإناء الطرف ـ على القول بعقاب المتجرّي ـ فالإناء الذي يعدّ طرفاً إنّما يجب الاجتناب عنه لأجل العلم الأوّل لا الثاني .

وأمّا الصورة الثانية : فقد عرفت أنّه يجب فيه الاجتناب عن الجميع ; لأ نّه إذا حصل العلم الإجمالي بنجاسة الطرف والملاقى ـ بالفتح ـ بعد العلم بالملاقاة فيحصل العلم بنجاسة مردّدة بين الطرف وغير الطرف عن الملاقى وملاقيه ، ويصير الملاقي ـ بالكسر ـ طرفاً للعلم ، فلا مجال للاُصول أصلاً .

وأمّا الصورة الثالثة : فقد عرفت أنّ لها موردين :

الأوّل : ما إذا علم بنجاسة الملاقي ـ بالكسر ـ أو الطرف ، ثمّ علم الملاقاة ووقف على نجاسة الطرف والملاقى ـ بالفتح ـ ; بحيث لا وجه لنجاسة الملاقي ـ بالكسر ـ غير نجاسة الملاقى ، فالحكم الشرعي لا يتخلّف عمّا حكم به العقل ; من منجّزية العلم الأوّل ; وإن انكشف سبب وجود النجاسة دون الثاني ; لامتناع إفادة العلم الثاني التنجيز على كلّ تقدير ، ولا يعقل التنجيز فوق التنجيز ، ويصير الملاقى ـ بالفتح ـ مورداً للأصل دون الملاقي .

وأمّا المورد الثاني ; أعني ما إذا علم بالملاقاة ثمّ حدث العلم الإجمالي بنجاسة الملاقى ـ بالفتح ـ أو الطرف ، ولكن حال حدوث العلم الإجمالي كان


(272)

الملاقى خارجاً عن الابتلاء ، فحكمه ما أوضحناه ; من أنّ الملاقي ـ بالكسر ـ يصير طرفاً للعلم ، غير أنّ خروج الملاقى ـ بالفتح ـ عن محلّ الابتلاء غير مؤثّر ; ولذلك لو عاد يجب الاجتناب عنه ، كما عرفت(1) .

شبهة التفكيك بين قاعدتي الطهارة والحلّ في الملاقي

هاهنا شبهة ذكرها شيخنا العلاّمة ـ قدس سره ـ (2) ومحصّلها : أنّه يلزم أن يكون الملاقي ـ بالكسر ـ على مباني القوم حلالاً غير محرز الطهارة ; لأنّ في كلّ من الملاقى ـ بالفتح ـ والطرف والملاقي اُصولاً ستّة ، تحصل من ضرب الأصلين ـ الطهارة والحلّية ـ في الثلاثة ، إلاّ أنّهما مختلفة رتبةً .

فأصالة الطهارة في كلّ من الملاقى ـ بالفتح ـ والطرف في رتبة واحدة ، كما أنّ الشكّ في حلّيتهما في رتبة ثانية ; لأنّ الشكّ في حلّيتهما مسبّب عن طهارتهما .

وأمّا الملاقي ـ بالكسر ـ فبما أنّ الشكّ في طهارته مسبّب عن الشكّ في طهارة الملاقى ـ بالفتح ـ فيكون الشكّ في طهارته في رتبة ثانية ; أي يتأخّر الشكّ في طهارة الملاقي ـ بالكسر ـ عن الشكّ في طهارة الملاقى ـ بالفتح ـ والطرف برتبة .

ويتّحد رتبة ذلك الشكّ ـ أي الشكّ في طهارته ـ مع رتبة الشكّ في حلّية الملاقى ـ بالفتح ـ والطرف ; لأنّ الشكّ في طهارة الملاقي ـ بالكسر ـ وحلّية الملاقى والطرف مسبّب عن طهارة الطرف والملاقى ، بالفتح .


1 ـ تقدّم في الصفحة 266 ـ 267 .
2 ـ ذكره في مجلس بحثه .


(273)

وحينئذ : يتّحد هذه الاُصول الثلاثة رتبة . وأمّا الشكّ في حلّية الملاقي ـ بالكسر ـ فهو في رتبة ثالثة .

إذا عرفت هذا : فالاُصول الموجودة في الرتبة الواحدة تتساقط بالتعارض ، ويبقى الأصل الذي لم يوجد له معارض .

وعليه : فيسقط كلّ من أصالتي الطهارة في الملاقى ـ بالفتح ـ والطرف ، كما يسقط كلّ من أصالتي الحلّية فيهما مع أصالة الطهارة في الملاقي ـ بالكسر ـ وتبقى أصالة الحلّية في ناحية الملاقي ـ بالكسر ـ بلا معارض ، فهو حلال لم يحرز طهارته .

وإن شئت قلت : في كلّ من الطرفين والملاقي أصل موضوعي ; وهو أصالة الطهارة ، وأصل حكمي ; وهو أصالة الحلّ ، والاُصول الحكمية محكومة بالنسبة إلى الموضوعية . والأصل الموضوعي في الملاقي ـ بالكسر ـ محكوم بالأصل الموضوعي في الملاقى ، بالفتح .

فإذا تعارض الأصلان الموضوعيان في الطرفين تصل النوبة إلى الأصلين الحكميين فيهما ، وإلى الأصل الموضوعي في الملاقي ـ بالكسر ـ فتتعارض هذه الاُصول ، ويبقى الأصل الحكمي في الملاقي ـ بالكسر ـ سليماً عن المعارض ، فالملاقي محكوم بالاجتناب ; من حيث إنّه لم يحرز طهارته ، ومحكوم بالحلّية لأصالة الحلّ .

والجواب بوجهين :

الأوّل : وهو مبني على المختار من عدم جريان الاُصول في أطراف العلم الإجمالي ; للوجوه التي عرفتها في محلّه(1) . فحينئذ يكون الاُصول الموضوعية


1 ـ تقدّم في الصفحة 186 و 204 .


(274)

والحكمية غير جارية في الملاقى ـ بالفتح ـ والطرف ، ويكون جريانها في الملاقي ـ بالكسر ـ بلا مانع ; لعدم تأثير العلم الإجمالي بالنسبة إليه ; لكونه كالشبهة البدوية . فيجري فيه الأصلان الطهارة والحلّ ، إلاّ في بعض الصور الذي يكون الملاقي فيه طرفاً للعلم على ما عرفت .

الثاني : أنّ ما ذكره ـ قدس سره ـ ـ مضافاً إلى أنّه مبني على تسليم اُمور لم يسلم أكثرها ، كما سنشير إليها ـ مدفوع بأنّ أصالة الطهارة في الملاقي ـ بالكسر ـ في الصورة الاُولى التي تقدّم العلم الإجمالي بنجاسة الملاقى ـ بالفتح ـ أو الطرف ، غير معارضة لأصالة الحلّ في الطرف ، فلا مانع من جريانها ; لأنّ التعارض بين أصالة الطهارة فيه وأصل الحلّ في الطرف متقوّم بالعلم الإجمالي المنجّز حتّى يلزم من جريانهما المخالفة العملية الممنوعة . والمفروض : أنّه لا تأثير للعلم الإجمالي الثاني في الملاقي ـ بالكسر ـ كما تقدّم ، ومخالفة ذلك العلم غير المنجّز لا مانع منه ، ولا يوجب عدم جريان الأصل فيه .

والحاصل : أنّ ما يجري فيه الأصل أعني الملاقي ـ بالكسر ـ إنّما هو طرف للعلم غير المنجّز ، وما لا يجري فيه ـ أعني الملاقى والطرف ـ فهما طرفان للمنجّز منه . وعليه فيجري في الملاقي أصالة الطهارة ، ولا يعارض ذلك الأصل مع أصالة الحلّ في الطرف ; وإن كان يعارض أصالة الحلّ في الطرف مع أصالة الحلّ في الملاقى ـ بالفتح ـ لكونهما طرفين للعلم المنجّز .

هذا كلّه في الصورة الاُولى .

وأمّا الصورة الثانية ـ أعني ما تعلّق العلم بنجاسة الملاقي والملاقى والطرف في عرض واحد ـ فلا يجري الأصل في واحد منها ; لكون الجميع طرفاً للعلم ، وقد عرفت قصور الأدلّة عن شمولها للأطراف .


(275)

ومع تسليم جريانها : فتجري وتسقط بالتعارض ، من غير تقدّم للأصل السببي والمسبّبي ; لما سيوافيك من أنّ الرتب العقلية لا اعتبار بها ، وما هو الميزان لتقدّمه عليه مفقود في المقام(1) ، فتأمّل .

وأمّا الصورة الثالثة : فلا يجري في الملاقي ـ بالكسر ـ والطرف ; لكونهما طرفين للعلم المنجّز ، وأمّا الملاقى ـ بالفتح ـ فقد عرفت أنّه خارج عن كونه طرفاً للعلم ، فيجري فيه الاُصول عامّة .

نعم ، المورد الثاني من تلك الصورة ; أعني ما إذا خرج الملاقى ـ بالفتح ـ عن محلّ الابتلاء فقد عرفت ما هو الحقّ عندنا(2) ـ على خلاف بيننا وبين القوم(3) ـ فعلى المختار لا يجري فيه أيضاً كالملاقي ـ بالكسر ـ لعدم الاعتبار بالخروج عن محلّ الابتلاء .

فتلخّص : أنّ ما أفاده من الشبهة لا تجري في الملاقي في الصورة الاُولى ; لكونه كالشبهة البدوية ، فلا تتعارض اُصوله مع غيره ، ولا في الملاقى ـ بالفتح ـ في الموضع الأوّل من الصورة الثالثة مطلقاً ، ولا فيه أيضاً في المورد الثاني منها على مباني القوم .

وأمّا الصورة الثانية : فالاُصول في الجميع متعارضة ، ولا اعتبار بالسببي والمسبّبي في المقام ; لما عرفت(4) .


1 ـ الاستصحاب ، الإمام الخميني ـ قدس سره ـ : 243 ـ 251 .
2 ـ تقدّم في الصفحة 266 و 271 ـ 272 .
3 ـ تقدّم في الصفحة 228 .
4 ـ تقدّم في الصفحة 268 ـ 269 .


(276)

ما أفاده شيخنا العلاّمة من الجواب حول الشبهة

ومحصّله : أنّ الاُصول في أطراف العلم غير جارية ـ حكمية كانت أو موضوعية ـ إمّا لأجل التناقض الواقع في مدلول الدليل ، وإمّا لأجل أنّ أصالة الظهور في عمومات الحلّ والطهارة معلّقة بعدم العلم على خلافها . فحيثما تحقّق العلم يصير قرينة على عدم الظهور فيها ، من غير فرق بين كون العلم سابقاً على مرتبة جريانها أو مقارناً .

فحينئذ نقول : إنّ العلم الإجمالي المانع من جريان الأصلين الموضوعيين لأجل التناقض أو لأجل عدم جريان أصالة الظهور في العمومات مانع عن جريان الأصلين الحكميين أيضاً ; لكونه قرينة على عدم الظهور .

غاية الأمر : تكون قرينيته بالنسبة إلى الأصل الموضوعي مقارنة وبالنسبة إلى الأصل الحكمي مقدّمة ، ولا فرق من هذه الحيثية .

فمورد جريان الأصل الحكمي ووجود الشكّ في الأصل المحكوم كان حين وجود القرينة على خلافه ، فلايبقى الظهور لأدلّة الاُصول ، فيبقى الأصل الموضوعي في الملاقي ـ بالكسر ـ سليماً عن المعارض(1) ، انتهى .

وفيه : أنّ مراده ـ رحمه اللّه ـ من التناقض في مدلول الدليل : إن كان ما أفاده الشيخ الأعظم في أدلّة الاستصحاب وأدلّة الحلّ من تناقض صدرها مع ذيلها(2) فقد


1 ـ أفاده في مجلس درسه .
2 ـ فرائد الاُصول ، ضمن تراث الشيخ الأعظم 25 : 201 و 26 : 409 ـ 410 .


(277)

أوضحنا حاله عند البحث عن جريان الاُصول في أطراف الشبهة(1) .

وإن كان مراده هو العلم بمخالفة أحدهما للواقع فهذا ليس تناقضاً في مدلول الدليل ، بل مآله إلى مناقضة الحكم الظاهري مع الواقعي ، وقد فرغنا عن رفع الغائلة بينهما ، فراجع(2) .

أضف إلى ذلك : أنّ ما ادّعاه من كون العلم قرينة على عدم الظهور في أدلّة الاُصول ممنوع ; لأنّ كلّ واحد من الأطراف مشكوك فيه ومصداق لأدلّة الاُصول ، والعلم بمخالفة بعضها للواقع لا يوجب صرف ظهورها بعد رفع المناقضة بين مفاد الأصلين والحكم الواقعي .

مقتضى الأصل عند الشكّ في نجاسة الملاقي بعنوانه

البحث الرابع : إذا شككنا في أنّ الملاقي مخصوص بجعل مستقلّ ، أو يكون وجوب الاجتناب عنه من شؤون وجوب الاجتناب عن الملاقى ـ بالفتح ـ فهل الأصل يقتضي البراءة أو الاحتياط ؟

الظاهر : جريان البراءة العقلية والشرعية فيه ; لرجوع الشكّ إلى الأقلّ والأكثر ; فإنّ التكليف بوجوب الاجتناب عن نفس الأعيان النجسة معلوم ، وشكّ في كونه بحيث يقتضي وجوب الاجتناب عن ملاقيه أيضاً أو لا ، فيكون الشكّ في خصوصية زائدة على أصل التكاليف بالاجتناب عن الأعيان موجبة للاجتناب عن ملاقيها أيضاً ، وهي مورد الأصل عقلاً وشرعاً .


1 ـ تقدّم في الصفحة 194 ـ 195 .
2 ـ تقدّم في الجزء الثاني : 368 ـ 380 .


(278)

وبعبارة اُخرى : أنّ الاشتغال متقوّم بتعلّق العلم الإجمالي بتكليف واحد مقتض للاجتناب عن النجس وملاقيه ، فيكون علم إجمالي واحد متعلّق بتكليف واحد ، لكن مع تلك الخصوصية والاقتضاء .

ولو شككنا في أنّ الحكم على الأعيان النجسة كذلك أو لا فلا ينجّز العلم الإجمالي الأوّل المتعلّق بوجوب الاجتناب عن الطرف أو الملاقى ـ بالفتح ـ وجوب الاجتناب عن الملاقي ; لكون تلك الخصوصية مشكوكاً فيها .

والعلم الإجمالي الثاني على فرضه غير منجّز ، كما مرّ سابقاً(1) ، ومع عدم تمامية الحجّة من المولى وعدم تنجيز العلم الإجمالي للخصوصية تجري البراءة العقلية والشرعية ; لعدم المانع في الثانية بعد جريان الاُولى .

وبما ذكرنا يظهر : ضعف ما أفاده بعض أعاظم العصر في تقريراته(2) ، وأتعب نفسه الشريفة ، وجعل المسألة مبنية على ما لا يبتنى عليه أصلاً(3) ، كما يظهر الإشكال فيما أفاده بعض محقّقي العصر ـ قدس سره ـ (4) ، فراجع .

وينبغي التنبيه على اُمور :


1 ـ تقدّم في الصفحة 258 ـ 259 و 270 ـ 271 .
2 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4 : 89 ـ 93 .
3 ـ وقد بحث سيّدنا الاُستاذ في الدورة السابقة حول كلامه ، وطوى عنه الكلام في هذه الدورة وعن غيره من المباحث غير الهامّة ، فشكّر الله مساعيه الجميلة في تهذيب اُصول الفقه وتنقيحه . [المؤلّف]
4 ـ نهاية الأفكار 3 : 365 .


(279)

تنبيهات

وقد تعرّض لها الشيخ الأعظم(1) ، وتبعه بعض أعاظم العصر ـ قدس سره ـ (2) :

التنبيه الأوّل : في وجوب الاحتياط عند الجهل بالموضوع

لا إشكال حسب القواعد العقلية في وجوب الاحتياط عند الجهل بالموضوع ، من غير فرق بين الشرائط والموانع ، فيجب الصلاة إلى أربعة جهات ، أو في ثوبين يعلم بطهارة أحدهما ، أو بخلوّه ممّا لا يؤكل لحمه ، ولا وجه لسقوط الشرائط والموانع بالإجمال .

فما حكي عن المحقّق القمي من التفصيل بين ما يستفاد من قوله ـ عليه السلام ـ : «لاتصلّ فيما لا يؤكل لحمه» فذهب إلى السقوط وعدم وجوب الاحتياط ، وما يستفاد من قوله ـ عليه السلام ـ : «لا صلاة إلاّ بطهور» فاختار وجـوب الاحتياط(3) لعلّـه مبني على ما هو المعروف منه مـن عدم تنجيز العلم الإجمالي مطلقاً ، وأنّـه كالشبهة البدوية(4) .

وحينئذ : لابدّ من الرجوع إلى الاُصول ، وبما أنّ المستفاد من الأوّل هو


1 ـ فرائد الاُصول ، ضمن تراث الشيخ الأعظم 25 : 301 .
2 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4 : 134 .
3 ـ جامع الشتات : 839 / السطر 17 ، اُنظر رسالة الصلاة في المشكوك ، المحقّق النائيني : 161 ـ 168 .
4 ـ القوانين المحكمة 2 : 25 / السطر 3 .


(280)

المانعية فيرجع فيها إلى البراءة ; لانحلال الحكم فيه حسب أفراد المانع ومصاديقه ، فيؤخذ بالمعلوم منه ، ويرجع في المشكوك فيه إلى البراءة ; لكون الشكّ في حكم مستقلّ .

وأمّا المستفاد من الثاني وأضرابه هو الشرطية ، وهو ممّا يجب إحرازه . وطريق إحرازه هو تكرار الصلاة على وجه يحصل اليقين بالبراءة .

وأمّا ما أفاده بعض الأعاظم : من أنّ المحقّق القمي فصّل بين الشرائط ـ لا بين الشرط والمانع ـ المستفادة من قوله ـ عليه السلام ـ : «لا تصلّ فيما لا يؤكل لحمه» والمستفادة من قوله ـ عليه السلام ـ : «لا صلاة إلاّ بطهور» ، ثمّ قال : ولم يحضرني كتب المحقّق حتّى اُراجع كلامه ، وكأنّه قاس باب العلم والجهل بالموضوع بباب القدرة والعجز(1) .

فغير صحيح احتمالاً وإشكالاً :

أمّا الأوّل : فلأنّ القياس المذكور لا يصحّح التفصيل المحكي عنه ; ضرورة أنّ العجز عن الشرط والمانع سواسية ، فلو كان مفاد الدليل هو الشرطية والمانعية المطلقتين فلازمه سقوط الأمر ; لعدم التمكّن من الإتيان بالمكلّف به ، وإن لم يكن كذلك فلازمه سقوط الشرط والمانع مطلقاً عن الشرطية والمانعية ، من غير فرق .

وأمّا إشكالاً : فلأنّ غرضه الفرق بين العلم والقدرة بأنّ العلم من شرائط التنجيز والقدرة من شرائط ثبوت التكليف وفعليته ، وفيه ما مرّ من أنّ العلم والقدرة سواسية ; فإنّ القدرة الشخصية من شرائط التنجيز ; لما مرّ من أنّ الأحكام الشرعية أحكام قانونية(2) . ولما ذكرنا يجب الاحتياط عند الشكّ في القدرة ، فلو كانت من


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4 : 134 ـ 135 .
2 ـ تقدّم في الصفحة 228 ـ 231 .


(281)

شرائط ثبوت التكليف لكانت البراءة محكّمة عند الشكّ فيها .

أضف إلى ذلك : أنّ من البعيد أن يذهب المحقّق إلى أنّ المستفاد من قوله ـ عليه السلام ـ : «لا تصلّ فيما لا يؤكل لحمه» هو الشرطية ; فإنّ جمهور الأصحاب ـ إلاّ ما شذّ ـ قالوا بالمانعية ، فمن البعيد أن يكون ذلك مختار المحقّق القمي ـ قدس سره ـ .

وبذلك يظهر الخلل في حكاية مقالة المحقّق ، كما لا يخفى .

التنبيه الثاني : في كيفية النية لو كان المعلوم بالإجمال من العبادات

فصّل الشيخ الأعظم ـ قدس سره ـ : بين الشبهات البدوية والمقرونة بالعلم الإجمالي إذا كان المحتمل أو المعلوم بالإجمال من العبادات ، فاكتفى في الاُولى في تحقّق الامتثال بمجرّد قصد احتمال الأمر والمحبوبية ، فإنّه هو الذي يمكن في حقّه .

وأمّا في المقرونة بالعلم الإجمالي فحكم بعدم كفايته ، بل رأى لزوم قصد امتثال الأمر المعلوم بالإجمال على كلّ تقدير ، وقال : ولازمه أن يكون المكلّف حال الإتيان بأحد المحتملين قاصداً للإتيان بالآخر ; إذ مع عدم ذلك لا يتحقّق قصد امتثال الأمر المعلوم بالإجمال على كلّ تقدير . بل يكون قصد امتثال الأمر على تقدير تعلّقه بالمأتي به ، وهذا لا يكفي في تحقّق الامتثال مع العلم بالأمر(1) .

وأورد عليه بعض أعاظم العصر ـ قدس سره ـ : بأنّ العلم بتعلّق الأمر بأحد المحتملين لا يوجب فرقاً في كيفية النية في الشبهات ; فإنّ الطاعة في كلّ من المحتملين ليست إلاّ احتمالية كالشبهة البدوية ; إذ المكلّف لا يمكنه أزيد من قصد امتثال الأمر الاحتمالي عند الإتيان بكلّ من المحتملين .


1 ـ فرائد الاُصول ، ضمن تراث الشيخ الأعظم 25 : 303 ـ 304 .


(282)

وليس المحتملان بمنزلة فعل واحد مرتبط الأجزاء حتّى يقال : العلم بتعلّق التكليف بعمل واحد يقتضي قصد امتثال الأمر المعلوم ، فلو أتى المكلّف بأحد المحتملين من دون قصد الإتيان بالآخر يحصل الامتثال على تقدير تعلّق الأمر بالمأتي به ; وإن كان متجرّياً في قصده عدم الامتثال على كلّ تقدير(1) ، انتهى .

قلت : قد مرّ ما يوضح حال المقام وضعف ما أفاده الشيخ الأعظم ـ قدس سره ـ من أنّ إطاعة الأمر المعلوم تتوقّف على أن يكون المكلّف حال الإتيان بأحد المحتملين قاصداً للإتيان بالآخر ; لما عرفت من عدم الدليل على الجزم في النية ، بل يكفي كون العمل مأتياً لله تعالى(2) ، وهو حاصل في إتيان كلّ واحد من العملين . ولا يحتاج إلى الجزم بوجود الأمر في البين حتّى لا يصحّ إطاعة المحتمل الأوّل ، إلاّ بالقصد إلى ضمّ الآخر .

وبالجملة : أنّ الداعي إلى الإتيان بأحد المحتملين ليس إلاّ إطاعة المولى ، فهو على فرض الانطباق مطيع لأمره . وكونه قاصداً للإتيان بالآخر أو تركه لا ينفع ولا يضرّ بذلك ، فلا يتوقّف امتثال الأمر المعلوم على قصد امتثال كلا المشتبهين .

وأمّا ما نقلناه عن بعض أعاظم العصر ـ رحمه اللّه ـ فهو أيضاً غير تامّ من ناحية اُخرى ; فإنّ الفرق في الداعي في البدوية والمقرونة بالعلم واضح جدّاً ; فإنّ الداعي في الاُولى ليس إلاّ احتمال الأمر ، وفي الثانية ليس احتماله فقط ، بل له داعيان : داع إلى أصل الإتيان ; وهو الأمر المعلوم ، وداع آخر إلى الإتيان بالمحتمل لأجل احتمال انطباق المعلوم عليه . والداعي الثاني ينشأ من الأوّل .


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4 : 136 ـ 137 .
2 ـ تقدّم في الصفحة 148 .


(283)

فهو يأتي بالمحتمل لداعيين : الأمر المعلوم واحتمال الانطباق ، وهو منشأ من الداعي الأوّل . وإن شئت قلت : إنّه ينبعث في الإتيان بكلّ واحد من المحتملين عن داعيين : داع لامتثال أمر المولى ، وداع للاحتفاظ عليه عند الاشتباه .

التنبيه الثالث : حكم ما لو كان المعلوم بالإجمال واجبين مترتبين شرعاً

إذا كان المعلوم بالإجمال واجبين مترتّبين كالظهر والعصر ، واشتبه شرط من شرائطهما كالقبلة أو الستر فلا إشكال أنّه لا يجوز استيفاء محتملات العصر قبل استيفاء محتملات الظهر ، كما أنّه لا يجوز قبل استيفاء محتملات الظهر أن يأتي بالعصر إلى الجهة التي لم يصلّ الظهر إليها بعد .

إنّما الكلام في أنّه هل يجب استيفاء جميع محتملات الظهر ـ مثلاً ـ قبل الشروع في الآخر ، أو يجوز الإتيان بهما مترتّباً إلى كلّ جهة ، فيجوز الإتيان بظهر وعصر إلى جهة ، وظهر وعصر إلى اُخرى ، وهكذا حتّى يستوفى المحتملات ؟

الأقوى : هو الثاني .

وبنى بعض الأعاظم ما اختاره على ما قوّاه سابقاً ; من ترتّب الامتثال الإجمالي على الامتثال التفصيلي(1) ، وأنّ فيما نحن فيه جهتين : إحداهما إحراز القبلة ; فهو ممّا لا يمكن على الفرض ، والاُخـرى إحـراز الترتيب بين الظهر والعصر ، وهو بمكان من الإمكان ، وذلك بالإتيان بجميع محتملات الظهر ، ثمّ الاشتغال بالعصر .

وعدم العلم حين الإتيان بكلّ واحد من محتملات العصر بأنّه صلاة صحيحة


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 72 ـ 73 .


(284)

واقعة عقيب الظهر إنّما هو للجهل بالقبلة لا الجهل بالترتيب . وسقوط اعتبار الامتثال التفصيلي في شرط لعدم إمكانه لا يوجب سقوطه في سائر الشروط مع الإمكان(1) ، انتهى ملخّصاً .

وفيه : أنّ المبني عليه والمبنى كلاهما ممنوعان :

أمّا الأوّل : فلما عرفت(2) من عدم الدليل على تقديم الامتثال التفصيلي على الإجمالي ، ولا طولية بينهما أصلاً ، فيجوز الاحتياط مع التمكّن من التقليد والاجتهاد ، والجمع بين المحتملات مع التمكّن من العلم إذا كان هنا غرض عقلائي ، ولا يعدّ ذلك تلاعباً بأمر المولى على ما عرفت من حكم العقل والعقلاء ، والبرهان ما تقدّم .

وأمّا الثاني : فلأنّ أقصى ما يحصل من الشروع بمحتملات العصر بعد استيفاء محتملات الظهر هو العلم بالإتيان بالظهر ; محقّقاً على كلّ تقدير ـ أي سواء كان محتمل العصر عصراً واقعياً أو لا ـ وهذا بخلاف ما لو شرع قبل الاستيفاء .

ولكن هذا المقدار لا يجدي من الفرق ; فلأنّ في الإتيان بكلّ ظهر وعصر مترتّبين إلى كلّ جهة موافقة على تقدير ، وعدم موافقة رأساً بالنسبة إلى كلّ واحد من الظهر والعصر على تقدير آخر .

وليس الأمر دائراً بين الموافقة الإجمالية والتفصيلية حتّى يقال : إنّهما مترتّبان ; لأنّ كلّ واحد من محتملات العصر لو صادف القبلة فقد أتى قبله بالظهر ، ويحصل الترتيب واقعاً ، وغير المصادف منها عمل لا طائل تحته ، كغير المصادف


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4 : 138 ـ 141 .
2 ـ تقدّم في الجزء الثاني : 359 ـ 361 .


(285)

من الآخر ، ولا ترتيب بينهما حتّى يقال : إنّه موافقة إجمالية .

والعلم بحصول الترتيب بين الظهر والعصر حين الإتيان بهما لا يمكن على أيّ حال ; سواء شرع في محتملات العصر قبل استيفاء محتملات الآخر أو لا .

وأمّا ما ادّعى : من أنّ عدم العلم حين الإتيان بكلّ عصر بأنّه صلاة صحيحة واقعة عقيب الظهر إنّما هو للجهل بالقبلة ، لا الجهل بالترتيب .

فمن غرائب الكلام ; فإنّ الترتيب مجهول على كلّ تقدير ; فإنّ المكلّف لا يعلم ـ ولو استوفى محتملات الظهر ـ عند الإتيان بكلّ عصر أنّها صلاة واقعية عقيب الظهر أو لا ، بل يعلم إجمالاً أنّها : إمّا صلاة واقعية مترتّبة على الظهر ، وإمّا ليست بصلاة أصلاً ; فضلاً عن أن يكون مترتّباً .

ولو قلنا بكفايته فهو حاصل على المختار ; أي إذا أتى بواحد من محتملات الظهر والعصر إلى جهة ، وهكذا ; حتّى يتمّ المحتملات ، فإنّه يعلم إجمالاً بأنّ المحتمل الأوّل من محتملات العصر : إمّا صلاة واقعية مترتّبة على الظهر ، وإمّا ليس بصلاة .

وإن شئت قلت : إنّ الترتيب بينهما يتقوّم بثلاث دعائم : وجود الظهر ، وجود العصر ، تأخّره عنه . فلو لم يأت بالظهر أو بالعصر أو قدّم الثاني على الأوّل لبطل الترتيب .

فحينئذ : فالقول بتحقّق العلم بالترتيب عند الإتيان بكلّ واحد من محتملات العصر غريب ; لأ نّه عند الشروع بواحد منها لايعلم أنّها صلاة عصر صحيحة أو لا ، ومع ذلك فكيف يعلم تفصيلا بوجود الترتيب مع كون الحال ما ذكر ؟ ! فإنّ الترتيب أمر إضافي بين الصلاتين الصحيحتين ، لا ما بين ما هو صلاة محقّقاً وما هو مشكوك كونه صلاة أو أمراً باطلا.

وإن أراد من الترتيب ما ذكرنا فهو حاصل على كلّ تقدير .


(286)


(287)

المقام الثاني
في الأقلّ والأكثر الارتباطيين

قد استوفينا الكلام بحمد الله في البحث عن المتباينين الذي يعدّ مقاماً أوّلا للشكّ في المكلّف به ، وحان البحث عن الأقلّ والأكثر ، وهو من أنفع المباحث الاُصولية ; فلا عتب علينا لو أرخينا عنان الكلام وجعلنا البحث مترامي الأطراف :

فنقول : تنقيح المقام يتوقّف على بيان مقدّمات :

الاُولى : في الفرق بين الأقل والأكثر الاستقلاليين والارتباطيين

الفرق بين الاستقلاليين منهما والارتباطيين أوضح من أن يخفى ; فإنّ الأقلّ في الاستقلالي مغاير للأكثر ; غرضاً وملاكاً وأمراً وتكليفاً ، كالفائتة المردّدة بين الواحد وما فوقها ، والدين المردّد بين الدرهم والدرهمين . فهنا أغراض وموضوعات وأوامر وأحكام على تقدير وجوب الأكثر .

ومن هنا يعلم : أنّ إطلاق الأقلّ والأكثر عليهما بضرب من المسامحة والمجاز ، وباعتبار أنّ الواحد من الدراهم أقلّ من الدرهمين وهو كثيرة ، وإلاّ فلكلّ تكليف وبعث بحياله .


(288)

وأمّا الارتباطي : فالغرض قائم بالأجزاء الواقعية ، فلو كان الواجب هو الأكثر فالأقلّ خال عن الغرض والبعث من رأس .

فوزانه في عالم التكوين كالمعاجين ; فإنّ الغرض والأثر المطلوب قائم بالصورة الحاصلة من تركيب الأجزاء الواقعية على ما هي عليها ، ولا تحصل الغاية إلاّ باجتماع الأجزاء عامّة ; بلازيادة ولا نقيصة .

كما هو الحال في المركّبات الاعتبارية أيضاً ; فلو تعلّق غرض الملك على إرعاب القوم وخُصمائه يأمر بعرض الجنود والعساكر ; فإنّ الغرض لا يحصل إلاّ بإرائة صفوف من العساكر ، لا إرائة جندي واحد .

ومن ذلك يظهر : أنّ ملاك الاستقلالية والارتباطية باعتبار الغرض القائم بالموضوع قبل تعلّق الأمر ; فإنّ الغرض قد يقوم بعشرة أجزاء وقد يقوم بأزيد منها .

وسيوافيك(1) ضعف ما عن بعضهم من أنّ ملاكهما إنّما هو وحدة التكليف وكثرته(2) ; ضرورة أنّ وحدته وكثرته باعتبار الغرض الباعث على التكليف ، فلا معنى لجعل المتأخّر عن الملاك الواقعي ملاكاً لتمييزهما ، فتدبّر .

الثانية : تنقيح محطّ البحث

البحث إنّما هو في الأقلّ المأخوذ لا بشرط حتّى يكون محفوظاً في ضمن الأكثر ، فلو كان مأخوذاً بشرط لا فلايكون الأقلّ أقلّ الأكثر ، بل يكونان متباينين .

ورتّب على هذا بعض محقّقي العصر ـ رحمه اللّه ـ خروج ما دار الأمر فيه بين الطبيعي


1 ـ يأتي في الصفحة 293 .
2 ـ نهاية الأفكار 3 : 373 و 377 .


(289)

والحصّة من موضوع الأقلّ والأكثر ; بأن تردّد الأمر بين وجوب إكرام الإنسان أو إكرام زيد ; لأنّ الطبيعي باعتبار قابليته للانطباق على حصّة اُخرى منه المباينة مع الحصّة الاُخرى لا يكون محفوظاً بمعناه الإطلاقي في ضمن الأكثر(1) .

وفيه أوّلا : أنّ تسمية الفرد الخارجي حصّة غير موافق لاصطلاح القوم ; فإنّ الحصّة عبارة عن الكلّي المقيّد بكلّي آخر ، كالإنسان الأبيض . وأمّا الهوية المتحقّقة المتعيّنة فهو فرد خارجي لا حصّة .

وثانياً : أنّ لازم ما ذكره خروج المطلق والمقيّد عن مصبّ النزاع ; فإنّ المطلق لم يبق بإطلاقه في ضمن المقيّد ; ضرورة سقوط إطلاقه الاُولى بعد تقييده . فلو دار الأمر بين أنّه أمر بإكرام الإنسان أو الإنسان الأبيض فالمطلق على فرض وجوب الأكثر بطل إطلاقه .

وثالثاً : أنّ خروج دوران الأمر بين الفرد والطبيعي من البحث لأجل أنّه يشترط في الأمر المتعلّق بالأكثر ـ على فرض تعلّقه ـ داعياً إلى الأقلّ أيضاً ، والفرد والطبيعي ليسا كذلك .

فلو فرضنا تعلّق الأمر بالأكثر ـ أعني الفرد ; لكونه هو الطبيعي مع خصوصيات ـ فهو لا يدعو إلى الأقلّ ـ أعني الإنسان ـ لأنّ الأمر لايتجاوز في مقام الدعوة عن متعلّقه إلى غيره . وتحليل الفرد إلى الطبيعي والمشخّصات الحافّة به إنّما هو تحليل عقلي فلسفي ، ولادلالة للّفظ عليه أصلا .

فلو فرضنا وقوع كلمة «زيد» في مصبّ الأمر فهو لا يدلّ ـ دلالة لفظية عرفية ـ على إكرام الإنسان . وقس عليه الأمر ما لو دار الأمر بين الجنس والنوع ;


1 ـ نهاية الأفكار 3 : 373 .


(290)

فلو تردّد الواجب بين كونه الحيوان أو الإنسان فهو خارج عن الأقلّ والأكثر المبحوث عنه في المقام . نعم لو دار الأمر بين الحيوان أو الحيوان الأبيض فهو داخل في مورد البحث .

الثالثة : في الصور المحتملة في المسألة

إنّ الترديد بين الأقلّ والأكثر تارة يكون في متعلّق التكليف ، واُخرى في موضوعه ، وثالثة في السبب المحصّل الشرعي أو العقلي أو العرفي .

وعلى التقادير : قد يكون الأقلّ والأكثر من قبيل الجزء والكلّ ، وقد يكون من الشرط والمشروط ، وثالثة من قبيل الجنس والنوع ، إلى غير ذلك من التقسيمات التي يتّضح حالها وأحكامها ممّا نتلوه عليك في ضمن مطالب :


(291)

المطلب الأوّل
فيما إذا كان الأقلّ والأكثر من قبيل الكلّ والجزء

إذا عرفت ما ذكرنا فاعلم : أنّ البراءة هو المرجع في الأقلّ والأكثر الاستقلاليين اتّفاقاً ، إلاّ أنّ الارتباطي منهما مورد اختلاف ، فهل المرجع هو البراءة أيضاً مطلقاً أو الاشتغال كذلك أو يفصّل بين العقلي منها والشرعي ; فيجري الثاني منها دون الأوّل ، كما اختاره المحقّق الخراساني(1) ؟ والتحقيق : هو الأوّل .

ولنحقّق المقام برسم اُمور :

بيان اُمور لجريان البراءة العقلية

الأوّل : أنّ وزان المركّبات الاعتبارية في عالم الاعتبار من بعض الجهات وزان المركّبات الحقيقية في الخارج ; فإنّ المركّب الحقيقي إنّما يحصل بعد كسر سورة الأجزاء بواسطة التفاعل الواقع بينها ، فتخرج الأجزاء من الاستقلال لأجل الفعل والانفعال والكسر والانكسار ، وتتّخذ الأجزاء لنفسها صورة مستقلّة ; هي صورة المركّب ، فلها وجود ووحدة غير ما للأجزاء .

وأمّا المركّب الصناعي كالبيت والمسجد ، أو الاعتباري كالقوم والفوج والأعمال العبادية كلّها ، فإنّ كلّ جزء منها وإن كان باقياً على فعليته بحسب التكوين ، ولا يكسر عن سورة الأجزاء في الخارج شيء ، إلاّ أنّها في عالم الاعتبار


1 ـ كفاية الاُصول : 413 ـ 416 .


(292)

لمّا كان شيئاً واحداً ووجوداً فارداً تكسر سورة الأجزاء وتخرج الأجزاء عن الاستقلال في عالم الاعتبار ، وتفني في الصورة الحاصلة للمركّب في عالم الاعتبار .

فما لم يحصل للمركّب الصناعي أو الاعتباري وحدة اعتبارية كصورتها الاعتبارية لم يكن له وجود في ذلك اللحاظ ; فإنّ ما لا وحدة له لا وجود له تكويناً واعتباراً ، وإنّما تحصل الوحدة بذهاب فعلية الأجزاء وحصول صورة اُخرى مجملة غير صورة الأجزاء المنفصلات .

والحاصل : أنّ النفس بعد ما شاهدت أنّ الغرض قائم بالهيئة الاعتبارية من الفوج ، وبالصورة المجتمعة من الأذكار والأفعال ينتزع عندئذ وحدة اعتبارية ، وصورة مثلها تبلع فعلية الأجزاء وأحكامها في عالم الاعتبار . والفرق بين الأجزاء والصورة المركّبة هو الفرق بين الإجمال والتفصيل .

فتلخّص : أنّ المركّبات الاعتبارية والصناعية وإن كانت تفارق الحقيقية ، إلاّ أنّها من جهة اشتمالها على الصورة الصناعية أو الاعتبارية أشبه شيء بالحقيقية من المركّبات ، والتفصيل في محلّه .

الثاني : أنّ صورة المركّب الاعتباري إنّما ينتهي إليها الآمر بعد تصوّر الأجزاء والشرائط على سبيل الاستقلال ، فينتزع منها بعد تصوّرها صورة وحدانية ، ويأمربها على عكس الإتيان بها في الخارج .

توضيحه : أنّ المولى الواقف على أغراضه وآماله يجد من نفسه تحريكاً إلى محصّلاتها ، فلو كان محصّل غرضه أمراً بسيطاً يوجّه أمره إليه ، وأمّا إذا كان مركّباً فهو يتصوّر أجزائها وشرائطها ومعدّاتها وموانعها ، ويرتّبها حسب ما يقتضي المصلحة والملاك النفس الأمريين ، ثمّ يلاحظها على نعت الوحدة ; بحيث تفنى فيها


(293)

الكثرات ، ثمّ يجعلها موضوعاً للحكم ومتعلّقاً للبعث والإرادة ، فينتهي الآمر من الكثرة إلى الوحدة غالباً .

وأمّا المأمور الآتي به خارجاً فهو ينتهي من الوحدة إلى الكثرة غالباً ; فإنّ الإنسان إذا أراد إتيان المركّب في الخارج وتعلّقت إرادته بإيجاده يتصوّره بنعت الوحدة أوّلا ، ويجد في نفسه شوقاً إليه ، ولمّا رأى أنّه لا يحصل في الخارج إلاّ بإتيان أجزائها وشرائطها حسب ما قرّره المولى تجد في نفسه إرادات تبعية متعلّقة بها ، فالمأمور ينتهي من الوحدة إلى الكثرة .

الثالث : أنّ وحدة الأمر تابع لوحدة المتعلّق لاغير ; لأنّ وحدة الإرادة تابع لوحدة المراد ; فإنّ تشخّصها بتشخّصه . فلا يعقل تعلّق إرادة واحدة بالاثنين بنعت الاثنينية والكثرة ، فما لم يتّخذ المتعلّق لنفسها وحدة لايقع في اُفق الإرادة الواحدة . والبعث الناشئ منها حكمه حكمها . فما لم يلحظ في المبعوث إليه وحدة اعتبارية فانية فيه الكثرات لايتعلّق به البعث الوحداني ، وإلاّ يلزم أن يكون الواحد كثيراً أو الكثير واحداً .

والحاصل : أنّ الأجزاء والشرائط في الاعتبارية من المركّبات بما أنّها باقية على كثراتها وفعلياتها حسب التكوين فلا يتعلّق بها الإرادة التكوينية الوحدانية مع بقاء المتعلّق على نعت الكثرة . فلابدّ من سبك تلك الكثرات المنفصلات في قالب الوحدة حتّى يقع الكلّ تحت عنوان واحد جامع لشتات المركّب ومتفرّقاتها ، ويصحّ معه تعلّق الإرادة الواحدة ، ويتبعه تعلّق البعث الواحد .

وبذلك يظهر ضعف ما عن بعض محقّقي العصر من أنّ وحدة المتعلّق من وحدة الأمر(1) ، فلاحظ .


1 ـ نهاية الأفكار 3 : 373 و 377 .


(294)

الرابع : أنّ الصور في المركّبات الاعتبارية ليست أمراً مغايراً للأجزاء بالأسر ، بل هي عينها حقيقة ; إذ ليس المراد من الصورة إلاّ الأجزاء في لحاظ الوحدة ، كما أنّ الأجزاء عبارة عن الاُمور المختلفة في لحاظ الكثرة . وهذا لايوجب أن يكون هنا صورة وأجزاء متغايرة ، ويكون أحدهما محصِّلا والآخر محصَّلا .

وإن شئت فلاحظ العشرة ; فإنّها عبارة عن هذا الواحد وذاك الواحد وذلك ، وليست أمراً مغايراً لتلك الوحدات ، بل هي عبارة عن هذه الكثرات في لحاظ الوحدة ، والعنوان يحكي عن وحدة جمعية بين الوحدات .

فلو لاحظت كلّ واحد من الوحدات فقد لاحظت ذات العشرة ، كما أنّك إذا لاحظت العنوان فقد لاحظت كلّ واحد من الوحدات بلحاظ واحد .

والفرق بينهما إنّما هو بالإجمال والتفصيل والوحدة والكثرة ، فالعنوان مجمل هذه الكثرات ومعصورها ، كما أنّ الأجزاء مفصّل ذلك العنوان ; ضرورة أنّ ضمّ موجود إلى موجود آخر حتّى ينتهي إلى ما شاء لا يحصل منه موجود آخر متغاير مع الأجزاء المنضمّات .

الخامس : أنّ دعوة الأمر إلى إيجاد الأجزاء إنّما هو بعين دعوته إلى الطبيعة ; لا بدعوة مستقلّة ولا بدعوة ضمنية ولا بأمر انحلالي ولا بحكم العقل الحاكم بأنّ إتيان الكلّ لا يحصل إلاّ بإتيان ما يتوقّف عليه من الأجزاء ; وذلك لأنّ الطبيعة تنحلّ إلى الأجزاء ; انحلال المجمل إلى مفصّله . والمفروض : أنّها عين الأجزاء في لحاظ الوحدة ، لا شيء آخر .

فالدعوة إلى الطبيعة الاعتبارية عين الدعوة إلى الأجزاء ، والبعث إلى إحضار عشرة رجال بعث إلى إحضار هذا وذاك حتّى يصدق العنوان .


(295)

ومع ما ذكرنا لا حاجة إلى التمسّك في مقام الدعوة إلى حكم العقل ; وإن كان حكمه صحيحاً .

وأمّا الأمر الضمني أو الانحلالي فممّا لا طائل تحته .

وإن شئت قلت : إنّ الأمر المتعلّق بالمركّب واحد متعلّق بواحد ، وليست الأجزاء متعلّقة للأمر ; لعدم شيئية لها في لحاظ الآمر عند لحاظ المركّب ، ولا يرى عند البعث إليه إلاّ صورة وحدانية هي صورة المركّب ; فانياً فيها الأجزاء ، فهي تكون مغفولا عنها ، ولا تكون متعلّقة للأمر أصلا .

فالآمر لا يرى في تلك اللحاظ إلاّ أمراً واحداً ، ولا يأمر إلاّ بأمر واحد ، ولكن هذا الأمر الوحداني يكون داعياً إلى إتيان الأجزاء بعين دعوته إلى المركّب ، وحجّة عليها بعين حجّيته عليه ; لكون المركّب هو الأجزاء في لحاظ الوحدة والاضمحلال .

وما ذكرنا هاهنا وفي المقدّمة الرابعة لاينافي مع ما عرفت تحقيقه ; من وجود ملاك المقدّمية في الأجزاء ، وأنّ كلّ جزء مقدّمة ، وهو غير الكلّ(1) .

السادس : أنّ مصبّ الأمر هو العنوان لا ذات الأجزاء المردّدة بين الأقلّ والأكثر بنعت الكثرة ; وإن كان العنوان عينها في لحاظ الوحدة . ومع ذلك فما هو متعلّق الأمر إنّما هو العنوان .

نعم ، التعبير بأنّ الأمر دائر بين الأقلّ والأكثر يوهم تعلّق الحكم بالأجزاء ، وأنّ الواجب بذاته مردّد بينهما ، وهـو خلاف المفروض وخلاف التحقيق ، بل الحكم تعلّق بعنوان غير مردّد في نفسه بين القليل والكثير ; وإن كان ما ينحلّ إليه


1 ـ تقدّم في الجزء الأوّل : 290 ـ 293 .


(296)

هذا العنوان مردّد بينهما ، وهو لا يوجب تردّد الواجب بالـذات بينهما ، وهـو لاينافي قولنا : إنّ العنوان عين الأجزاء ; لما تقدّم أنّ العينية مع حفظ عنواني الإجمال والتفصيل .

تقريب جريان البراءة العقلية

إذا عرفت ذلك يتّضح لك : جريان البراءة في المشكوك من الأجزاء ; لأنّ الحجّة على المركّب إنّما يكون حجّة على الأجزاء وداعياً إليها إذا قامت الحجّة على كون المركّب مركّباً من الأجزاء الكذائية ومنحلاًّ إليها .

وأمّا مع عدم قيام الحجّة عليه لا يمكن أن يكون الأمر به حجّـة عليها وداعياً إليها .

فمع الشكّ في جزئية شيء للمركّب لايكون الأمر المتعلّق به حجّة عليه ; ضرورة أنّ تمامية الحجّة إنّما تكون بالعلم ، والعلم بتعلّق الأمر بالمركّب إنّما يكون حجّة على الأجزاء التي علم تركّب المركّب منها ; لما عرفت من أنّ السرّ في داعوية الأمر المتعلّق به إلى الأجزاء ليس إلاّ كونه منحلاّ إليها ومتركّباً منها ، فمع الشكّ في دخالة شيء في المركّب واعتباره فيه عند ترتيب أجزائه لايكون الأمر بالمركّب حجّة عليه .

فلو بذل العبد جهده في استعلام ما أخذه المولى جزءً للمركّب ، ووقف على عدّة أجزاء دلّت عليه الأدلّة ، وشكّ في جزئية شيء آخر ، فأتى بما قامت الحجّة عليه ، وترك ما لم تقم عليه يعدّ مطيعاً لأمر مولاه ، فلو عاقبه المولى على ترك الجزء المشكوك فيه يكون عقاباً بلا بيان وبلا برهان .


(297)

والحاصل : أنّ العبد مأخوذ بمقدار ما قامت الحجّة عليه ; لا أزيد ولا أنقص :

أمّا العنوان : فقد قامت عليه .

وأمّا الأجزاء : فما علم انحلاله إليها فقد لزم على العبد ; لأنّ قيام الحجّة على العنوان قيام على الأجزاء التي علم انحلاله إليها .

وأمّا الأجـزاء المشكوك فيها : فلم يعلم انحلال العنوان عليها ، ولا يتمّ الحجّـة عليها ; للشكّ في دخولها في العنوان . وهذا نظير ما لو كانت الأجزاء واجبـة من أوّل الأمر بلا توسيط عنوان ، فكما يرجع فيه إلى البراءة فهكذا فيما إذا كان متوسّطاً في وجوب الأجزاء ; لما عرفت من العينية مع التحفّظ بالفرق بالإجمال والتفصيل .

لايقال : إنّ الحجّة قد قامت على العنوان الإجمالي ، فلابدّ من الإتيان بالأكثر حتّى يحصل العلم بالإتيان بما قامت الحجّة عليه .

لأ نّا نقول : كأ نّك نسيت ما حرّرنا من الاُمور لما تقدّم من أنّ النسبة بينهما ـ بين العنوان والأجزاء ـ ليست نسبة المحقِّق إلى المحقّق ـ بالفتح ـ حتّى يكون المآل إلى الشكّ في السقوط ، بل العنوان عين الأجزاء في لحاظ الوحدة ، لا متحصّلا منها .

الإشكالات الثمانية على جريان البراءة العقلية عن الأكثر ودفعها

هذا التقريب الذي أبدعناه يندفع به أكثر الإشكالات ، ومع ذلك لا بأس بالتعرّض لبعض المعضلات التي أوردها الأعاظم من الأصحاب :

فنقول : إنّ هنا إشكالات :


(298)

الإشكال الأوّل :

وقد حكي(1) عن المحقّق صاحب «الحاشية» ، وحاصله : أنّ العلم الإجمالي بوجوب الأقلّ والأكثر حجّة على التكليف ومنجّز له ، ولابدّ من الاحتياط بالإتيان بالجزء المشكوك فيه . ولا ينحلّ هذا العلم الإجمالي بالعلم بوجوب الأقلّ والشكّ في الأكثر ; لتردّد وجوبه بين المتباينين ، فإنّه لا إشكال في مباينة الماهية بشرط شيء للماهية لا بشرط ; لكونهما قسيمين .

فلو كان متعلّق التكليف هو الأقلّ فالتكليف به إنّما يكون لا بشرط عن الزيادة ، ولو كان الأكثر فالتكليف بالأقلّ يكون بشرط انضمامه مع الزيادة .

فوجوب الأقلّ يكون مردّداً بين المتباينين باعتبار اختلاف سنخي الوجوب الملحوظ لا بشرط شيء أو بشرطه ، كما أنّ امتثاله يكون مختلفاً أيضاً حسب اختلاف الوجوب ; فإنّ امتثال الأقلّ إنّما يكون بانضمام الزائد إليه إذا كان التكليف ملحوظاً بشرط شيء ، بخلاف ما إذا كان ملحوظاً لا بشرط ، فيرجع الشكّ في الأقلّ والأكثر الارتباطيين إلى الشكّ بين المتباينين تكليفاً وامتثالا(2) ، انتهى كلامه .

ويرد عليه أوّلا : أنّ الموصوف باللابشرطية وقسيمها إنّما هو متعلّق التكليف لا نفس التكليف ، والتكليف على سنخ واحد ، والاختلاف إنّما هو في المتعلّق . وما أفاده لعلّه سوء تعبير ، والمراد ما ذكرنا .


1 ـ راجع ما يأتي من المناقشة في صحّة النسبة في الإشكال الخامس .
2 ـ اُنظر فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4 : 152 ـ 154 ، هداية المسترشدين 3 : 563 .


(299)

وثانياً : أنّ متعلّق التكليف أيضاً ليس أمره دائراً بين الماهية لا بشرط شيء وبشرطه ; إذ ليس التكليف متعلّقاً بالأقلّ ، والمتعلّق مردّداً بين كونه لا بشرط عن الزيادة أو بشرط الزيادة .

فإنّ لازم ذلك تسليم أنّ مصبّ الأمر مطلقاً هو الأقلّ والشكّ في اشتراطه بالزيادة وعدمها . مع أنّه غير صحيح ; لأنّ الأجزاء كلّها في رتبة واحدة ، وليس بعضها جزءً وبعضها شرطاً لبعض ، بل الأمر دائر بين تعلّق التكليف بالأقلّ ـ أي المركّب المنحلّ إليه ـ أو الأكثر ـ أي المركّب المنحلّ إليه ـ ولا تكون الأجزاء متعلّقة للتكليف بما أنّها أجزاء ، كما تقدّم في كيفية تعلّق الأوامر بالمركّبات الاعتبارية(1) .

وثالثاً : لا نسلّم أنّ الأقلّ اللابشرط أو التكليف اللابشرط على تعبيره ـ رحمه اللّه ـ يباين الأقلّ بشرط شيء ; تباين القسم مع القسم ; لأنّ معنى كون الأقلّ لا بشرط : أنّ الملحوظ نفس الأقلّ ، من غير لحاظ انضمام شيء معه ، لا كون عدم لحاظ شيء معه ملحوظاً حتّى يصير متبايناً مع الملحوظ بشرط شيء ، فيكون الأقلّ متيقّناً والزيادة مشكوكاً فيها ، فينحلّ العلم إلى علم تفصيلي وشكّ بدوي في وجوب الزيادة .

هذا ، مع أنّا نمنع كون الأجزاء متعلّقة للحكم ، بل المتعلّق إنّما هو العنوان ; وهو المركّب الواحد الذي تعلّق به بعث واحد ، وهو يصير حجّة على الأجزاء المعلوم انحلالها إليها ، ولا يصير حجّة على الزيادة المشكوك فيها ، كما تقدّم(2) .


1 ـ تقدّم في الصفحة 294 ـ 295 .
2 ـ تقدّم في الصفحة 296 .


(300)

ورابعاً : أنّ لازم ما أفاده هو الاحتياط على طريق الاحتياط في المتباينين ; أي الإتيان بالأقلّ منفصلا عن الزيادة تارة ، ومعها اُخرى ; لأنّ المتباينين غير ممكن الاجتماع ، مع أنّ القائل لا يلتزم به .

ثمّ إنّ بعض أعاظم العصر ـ رحمه اللّه ـ أجاب عن الإشكال بأنّ الماهية لا بشرط والماهية بشرط شيء ليستا من المتباينين اللذين لا جامع بينهما ; فإنّ التقابل بينهما ليس تقابل التضادّ ، بل تقابل العدم والملكة ; فإنّ الماهية لا بشرط ليس معناها لحاظ عدم انضمام شيء معها ; بحيث يؤخذ العدم قيداً للماهية ، وإلاّ رجعت إلى الماهية بشرط لا ، ويلزم تداخل أقسامها .

بل الماهية لا بشرط معناها عدم لحاظ شيء معها . ومن هنا قلنا : إنّ الإطلاق ليس أمراً وجودياً ، بل هو عبارة عن عدم ذكر القيد .

فالماهية لابشرط ليست مباينة بالهوية والحقيقة مع الماهية بشرط شيء ; بحيث لا يوجد بينهما جامع ، بل يجمعهما نفس الماهية . والتقابل بينهما بمجرّد الاعتبار واللحاظ .

ففي ما نحن فيه يكون الأقلّ متيقّن الاعتبار على كلّ حال ; سواء لوحظ الواجب لا بشرط أو بشرط شيء ; فإنّ التغاير الاعتباري لايوجب خروج الأقلّ من كونه متيقّن الاعتبار(1) ، انتهى كلامه .

وفي كلامه إشكالات نشير إليها :

منها : أنّه ـ قدس سره ـ جعل الماهية مقسماً وجامعاً ، وفرض اللا بشرط المطلق والبشرط شيء من أقسامها ، وفسّر الإطلاق في القسم بما لم يعتبر فيه قيد .


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4 : 154 ـ 155 .


(301)

فحينئذ نقول : إن أراد من قوله في تفسير الإطلاق : ما لم يعتبر مع الماهية قيد ، عدم الاعتبار بالسلب البسيط ; بحيث يكون اللابشرط القسمي هو ذات الماهية مع عدم وجود قيد معها في نفس الأمر ، لا بلحاظ اللحاظ فهو غير تامّ ; لأنّ هذا هو عين المقسم ، فيرجع القسم حينئذ إلى المقسم ، ويتداخل الأقسام ، مع أنّه جعل اللابشرط من أقسام نفس الماهية ، وحكم بجامعية ذات الماهية .

والحاصل : أنّ الماهية لا بشرط ـ أي التي لم يلحظ معها شيء ـ هي الماهية المقسمية التي هي نفس الماهية ، ولا يعقل الجامع بين الماهية الكذائية وغيرها . ونفس ذات الماهية عبارة اُخرى عن الماهية التي لم يلحظ معها شيء بنحو السلب البسيط ، لا الإيجاب العدولي .

وإن أراد من عدم اعتبار القيد عدم اعتباره بالسلب التركيبي ـ أي الماهية التي لوحظت كونها لامع قيد على نحو العدول ، أو لم يعتبر معها شيء في اللحاظ على نحو الموجبة السالبة المحمول ـ فهو أيضاً مثل ما تقدّم ; لأ نّه يصير اللا بشرط قسيماً مع بشرط شيء ومبايناً ، وهو بصدد الفرار عن كونهما متباينين .

ومنها : أنّ ما ذكره من عدم الجامع بين المتضادّين غير صحيح ، بل قد عرّف الضدّان بأنّهما أمران وجوديان داخلان تحت جنس قريب ، بينهما غاية الخلاف(1) . فتسليم الجامع بين العدم والملكة دون المتضادّين غريب جدّاً .

ومنها : أنّه لو سلّمنا أنّ التقابل بينهما تقابل العدم والملكة فلا يستلزم ذلك عدم وجوب الاحتياط إذا كان بين المتعلّقين تباين ; ولو بنحو العدم والملكة .

ألا ترى : أنّه لو علم إجمالا بوجوب إكرام شخص مردّد بين الملتحي


1 ـ الحكمة المتعالية 2 : 113 ، شرح المنظومة ، قسم الحكمة : 41 .


(302)

والكوسج يجب الاحتياط ، مع أنّ بينهما تقابل العدم والملكة .

ولو علم بوجوب إكرام واحد من الإنسان مردّد بين مطلق الإنسان أو الإنسان الرومي يكفي إكرام مطلق الإنسان ـ رومياً كان أو غيره ـ لعدم كون المتعلّق مردّداً بين المتباينين ، وعدم التقابل بينهما .

والحاصل : أنّه ليس مجرّد كون التقابل بينهما تقابل العدم والملكة ميزاناً للرجوع إلى البراءة ، وكون التقابل غيره ميزاناً للرجوع إلى الاحتياط كما عرفت ، بل الميزان في الاحتياط كون المتعلّق مردّداً بين المتباينين ، وفي البراءة كونه مردّداً بين الأقلّ والأكثر .

ثمّ إنّ تحقيق تقسيم الماهية إلى الأقسام الثلاثة ، وأنّ المقسم هل هو نفس الماهية أو لحاظ الماهية ؟ وتوضيح الفرق بين المطلقين المقسمي والقسمي موكول إلى محلّه وأهله ، وذكرنا نبذاً من ذلك عند البحث عن المطلق والمقيّد ، فراجع(1) .

الإشكال الثاني :

إنّ متعلّق التكليف في باب الأقلّ والأكثر مردّد بين المتباينين ; فإنّ المركّب الملتئم من الأقلّ له صورة وحدانية غير صورة المركّب من الأكثر ، فهما صورتان متباينتان ، ويكون التكليف مردّداً بين تعلّقه بهذا أو ذاك ، فيجب الاحتياط .

والجواب ـ مضافاً إلى أنّه لو صحّ الإشكال لزم وجوب الاحتياط بتكرار الصلاة ، لا ضمّ المشكوك إلى المتيقّن ـ أنّ فيما مضى كفاية لردّ هذا الإشكال ; لأنّ نسبة صورة المركّب الاعتباري إلى الأجزاء ليست نسبة المحصّل إلى المحصّل ، ولا


1 ـ تقدّم في الجزء الثاني : 263 ـ 266 .


(303)

لها حقيقة وراء حقيقة الأجزاء حتّى يكون المتحصّل من بعض الأجزاء غير المتحصّل من عدّة اُخرى .

بل العقل تارة يرى الأجزاء في لحاظ الوحدة واُخرى في لحاظ الكثرة ، وهذا لايوجب اختلافاً جوهرياً بين الملحوظين . فحينئذ يرجع الاختلاف بين الصورتين إلى الأقلّ والأكثر ، كما يرجع الاختلاف بين الأجزاء إليهما أيضاً .

الإشكال الثالث :

إنّ وجوب الأقلّ دائر بين كونه نفسياً أصلياً توجب مخالفته العقاب ، وكونه نفسياً ضمنياً لايعاقب على تركه ; فإنّ العقاب إنّما هو على ترك الواجب الأصلي لا الضمني ، فلا يحكم بلزوم إتيان الأقلّ على أيّ تقدير ، بل يكون أمره من هذه الجهة كالمردّد بين الواجب والمستحبّ ، فإذا لم يحكم العقل بوجوب إتيانه كذلك فلا ينحلّ به العلم الإجمالي ، فلابدّ من الخروج عن عهدته بضمّ الزيادة عليه .

وفيه أوّلا : أنّ حصول المركّب في الخارج إنّما هو بوجود عامّة أجزائه بلا نقص واحد منها ، وأمّا عدمه فكما يحصل بترك الأجزاء عامّة ، كذلك يحصل بترك أيّ جزء منه .

ومن ذلك يعلم : أن ليس للمركّب أعدام ـ لأنّ نقيض الواحد واحد ـ بل له عدم واحد ، ولكنّه تارة يستند إلى ترك الكلّ ، واُخرى إلى جزء منه .

فحينئذ : فلو ترك المكلّف المركّب من رأس أو الأجزاء المعلومة ـ أي الأقلّ ـ فقد ترك المركّب ، فيكون معاقباً على ترك المأمور به بلا عذر .

وأمّا لو أتى بالأجزاء المعلومة ـ الأقلّ ـ وترك الجزء المشكوك فيه بعد ما فحص واجتهد ولم يعثر على بيان من المولى بالنسبة إليه ، وفرضنا وجوب الأكثر


(304)

في نفس الأمر فقد ترك في هذه الحالة أيضاً المأمور به ، ولكن لاعن عصيان ، بل عن عذر .

وبالجملة : أنّ الفرق بين الأوّلين والثالث واضح جدّاً ; فإنّ المكلّف وإن ترك المأمور به في الجميع إلاّ أنّه ترك في الأوّلين ترك الأجزاء من رأس ، وترك الأجزاء المعلومة عصياناً للمولى ; لأنّ تركه للأجزاء عين تركه للمأمور به ، فيعاقب على تركه بلا عذر ولا حجّة . وهذا بخلاف الثالث ; فإنّ المأمور به وإن كان متروكاً إلاّ أنّ الترك عن عذر . وهذا المقدار كاف في لزوم الإتيان بالأقلّ عند العقل على كلّ حال ، بخلاف المشكوك فيه .

وبعبارة اُخرى : أنّ المكلّف حين ترك الأقلّ واقف على ترك الواجب تفصيلا ; إمّا لأنّ الواجب هو الأقلّ الذي تركه ، أو الأكثر الذي يحصل تركه بترك الأقلّ ، فيجب الإتيان به على كلّ حال .

وما ذكره القائل من أنّ ترك الأقلّ ليس بحرام على كلّ حال غير تامّ ; لأنّ ترك الأقلّ لمّا كان تركاً بلا عذر يجب الإتيان به ; للعلم بأنّ في تركه عقاباً على أيّ جهة كان ، وهذا كاف في الانحلال .

وثانياً : أنّ ما يلزم على العبد هو تحصيل المؤمّن القطعي من العقاب الذي هو مستند البراءة العقلية ، ولا يتحقّق المؤمّن القطعي إلاّ في مورد يكون العقاب قبيحاً على المولى الحكيم ; لامتناع صدور القبيح منه .

فحينئذ : فلو علم أو احتمل العقاب يجب عليه الإطاعة والاحتياط ; وإن كان الاحتمال ضعيفاً ; لأنّ تمام الموضوع للاحتياط هو احتمال العقاب لاغير .

وعليه : فلو دار التكليف بين كونه ممّا يعاقب عليه أو لا ـ كما هو شأن الأقلّ في المقام ـ يجب عليه الاحتياط بلا كلام .


(305)

وإن شئت قلت : إنّ ما يرجع إلى المولى إنّما هو بيان الأحكام لا بيان العقوبة على الأحكام ، فلو حكم المولى بحرمة الخمر ، واحتمل العبد أنّ المولى لايعاقب عليه فلا يمكن الاكتفاء به في مقام تحصيل المؤمّن عن العقاب .

كما أنّه إذا حرّم شيئاً وعلم العبد أنّ في ارتكابه عقاباً ، ولكن لم يبيّن المولى كيفية العقوبة فارتكبه العبد ، وقد كان المنهي عنه في نفس الأمر ممّا أعدّ المولى لمخالفته عقاباً شديداً فلا يعدّ ذلك العقاب من المولى عقاباً بلا بيان ; لأنّ ما هو وظيفته إنّما هو بيان الأحكام ، لا بيان ما يترتّب عليه من المثوبة والعقوبة .

إذا عرفت ذلك فنقول : قد تقدّم(1) أنّ التكليف بالأجزاء عين التكليف بالمركّب ، وأنّ الأقلّ دائر أمره بين كونه واجباً نفسياً أصلياً ـ أي كونه تمام المركّب مستوجباً للعقوبة على تركه ـ أو نفسياً ضمنياً ، ويكون المركّب هو الأكثر ، والعقوبة على تركه لا على ترك الأقلّ .

وحينئذ : فالأقلّ يحتمل العقوبة وعدمها ، وفي مثله يحكم العقل بالاحتياط ; لأ نّه لو صادف كونه تمام المركّب لايكون العقاب عليه بلا بيان ; فإنّ ما لزم على المولى هو بيان التكليف الإلزامي ، والمفروض أنّه بيّنه .

وليس عليه بيان كون الواجب ممّا في تركه العقوبة ، كما أنّه ليس له بيان أنّ الأقلّ تمام الموضوع للأمر ، كما لايخفى .

ولعمر القارئ إنّ انحلال العلم في المقام أوضح من أن يخفى ; لأنّ كون الأقلّ واجباً تفصيلياً ممّا لاسترة فيه ، فكيف يقع طرفاً للعلم الإجمالي ؟ وما أفاده بعض أعاظم العصر من أنّ تفصيله عين إجماله(2) أشبه شيء بالشعر من البرهان .


1 ـ تقدّم في الصفحة 294 ـ 295 .
2 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4 : 160 .


(306)

الإشكال الرابع :

ما ذكره بعض أعاظم العصر ـ رحمه اللّه ـ وأوضحه بتقريبين :

الأوّل : أنّ العقل يستقلّ بعدم كفاية الامتثال الاحتمالي للتكليف القطعي ; ضرورة أنّ العلم بالاشتغال يستدعي العلم بالفراغ ; لتنجّز التكليف بالعلم به ـ ولو إجمالا ـ ويتمّ البيان الذي يستقلّ العقل بتوقّف صحّة العقاب عليه ; فلو صادف التكليف في الطرف الآخر الغير المأتي به لايكون العقاب على تركه بلا بيان .

ففي ما نحن فيه لايجوز الاقتصار على الأقلّ عقلا ; لأ نّه يشكّ معه في الامتثال والخروج عن عهدة التكليف المعلوم في البين ، ولا يحصل العلم بالامتثال إلاّ بعد ضمّ الخصوصية الزائدة المشكوكة .

والعلم التفصيلي بوجوب الأقلّ المردّد بين كونه لا بشرط أو بشرط شيء هو عين العلم الإجمالي بالتكليف المردّد بين الأقلّ والأكثر ، ومثل هذا العلم التفصيلي لا يعقل أن يوجب الانحلال ; لأ نّه يلزم أن يكون العلم الإجمالي موجباً لانحلال نفسه(1) ، انتهى كلامه .

وفيـه : أنّ العلم الإجمالي قائم بالتردّد والشكّ ـ أي الشكّ بأنّ هـذا واجب أو ذاك ـ وليس المقام كذلك ; للعلم بوجوب الأقلّ على كلّ حال والشكّ في وجـوب الزائد ; إذ المفروض : أنّ الواجب هو ذات الأقلّ على نحو الإطلاق المقسمي ، ووجـوبه لاينافي مع وجـوب شيء آخـر أو عـدم وجوبه ; إذ الأكثر ليس إلاّ الأقلّ والزيادة ، ولا يفترق حال الأقلّ بالنسبة إلى تعلّق أصل التكليف به ;


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4 : 159 ـ 160 .


(307)

ضمّت إليه الزيادة أو لا تضمّ .

فالقطع التفصيلي حاصل من غير دخول الإجمال بالنسبة إلى وجوب الأجزاء التي يعلم انحلال المركّب إليها . وإنّما الشكّ في أنّ الجزء الزائد هل يكون دخيلا فيه حتّى يكون متعلّق التكليف بعين تعلّقه بالمركّب ، أولا ؟ وهذا عين ما أوضحناه مراراً بأنّ هنا علماً تفصيلياً وشكّاً بدوياً .

وإن شئت قلت : إنّ الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينية بمقدار ما قام الدليل على الاشتغال . ولا إشكال في أنّ الحجّة قائمة على وجوب الأقلّ ، وأمّا الزيادة فليست إلاّ مشكوكاً فيها من رأس ، ومع ذلك فكيف يجب الاحتياط ؟ !

وما أفـاده : من أنّ الأقـلّ المـردّد بين اللابشرط وبشرط شـيء هـو عين العلم الإجمالي ، فيلزم أن يكون العلم الإجمالي موجباً لانحلال نفسه ، غير تامّ ; لأنّ الأقلّ متعلّق للعلم التفصيلي ليس إلاّ ، والشكّ إنّما هـو في الـزيادة ، لا في مقـدار الأقلّ .

وإن شئت عبّرت : بأنّه ليس علم إجمالي من رأس حتّى يحتاج إلى الانحلال ، بل علم تفصيلي وشكّ بدوي . وليس حاله نظير قيام الأمارة على بعض الأطراف الموجب للانحلال .

الثاني من التقريبين اللذين في كلامه ـ رحمه اللّه ـ ، ومحصّله : أنّ الشكّ في تعلّق التكليف بالخصوصية الزائدة المشكوكة من الجزء أو الشرط وإن كان لايقتضي التنجيز واستحقاق العقاب على مخالفته من حيث هو ـ للجهل بتعلّق التكليف به ـ إلاّ أنّ هناك جهة اُخرى تقتضي التنجيز واستحقاق العقاب على ترك الخصوصية على تقدير تعلّقه بها ; وهي احتمال الارتباطية وقيدية الزائد للأقلّ ; فإنّ هذا الاحتمال بضميمة العلم الإجمالي يقتضي التنجيز .


(308)

فإنّه لا رافع لهذا الاحتمال ، وليس من وظيفة العقل وضع القيدية أو رفعها ، بل ذلك من وظيفة الشارع ، ولا حكم للعقل من هذه الجهة . فيبقى حكمه بلزوم الخروج عن عهدة التكليف المعلوم والقطع بامتثاله على حاله ، فلابدّ من ضمّ الخصوصية الزائدة(1) ، انتهى كلامه .

قلت : ليت شعري أيّ فرق بين الجزء الزائد واحتمال الارتباطية والقيدية في أنّه تجري البراءة العقلية في الأوّل دون الأخيرين ، مع أنّ الكلّ من القيود الزائدة المشكوك فيها ، التي لايكون العقاب عليها إلاّ عقاباً بلا بيان . وقد اعترف ـ قدس سره ـ في صدر كلامه بأنّ كلّ خصوصية مشكوك فيها يكون العقاب عليها عقاباً بلا بيان .

وأمّا ما أفاده : من أنّه ليس وظيفة العقل رفع القيدية أو وضعها فهو صحيح لكن ليس معنى البراءة العقلية رفع التكليف ، بل مفاد البراءة العقلية هو حكم العقل على أنّ العقاب على المشكوك فيه عقاب بلا بيان ، من غير فرق بين أن يكون المشكوك فيه ذات الجزء أو الارتباطية .

وعلى أيّ حال : فإذا كان الأقلّ متعلّقاً للعلم التفصيلي ، من غير كون الخصوصية متعلّقة للعلم ، بل مشكوك فيها من رأس فتجري البراءة في أيّة خصوصية مشكوك فيها .

ولعمر القارئ إنّ بين صدر كلامه وذيله تناقضاً ظاهراً ، ولعلّ التدبّر الصحيح يرفع تلك المناقضة ، فتأمّل .

وهاهنا تقرير ثالث للاشتغال ; وهو أنّ الأقلّ معلوم الوجوب بالضرورة ، ومع إتيانه يشكّ في البراءة عن هذا التكليف المعلوم ; لأنّ الأكثر لو كان واجباً لا يسقط


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4 : 161 .


(309)

التكليف المتوجّه إلى الأقلّ بإتيانه بلا ضمّ القيد الزائد ، فلابدّ للعلم بحصول الفراغ من ضمّه إليه(1) .

وإن شئت عبّرت : بأنّ الاشتغال قد تعلّق بالأقلّ لا بالأكثر ، لكن الخروج عن الاشتغال المعلوم تعلقه بالأقلّ لايحصل يقيناً إلاّ بضمّ المشكوك ، والذي يحمل المكلّف على الإتيان بالزائد إنّما هو الاشتغال بالأقلّ الذي لايحصل اليقين بالبراءة عنه إلاّ بالإتيان بالمشكوك .

والجواب : أنّ وجوب الأقلّ ليس وجوباً مغايراً لوجوب المركّب ، بل هو واجب بعين وجوبه ، وقد عرفت(2)أنّ الوجوب المتعلّق بالأجزاء في لحاظ الوحدة داع بنفسه إلى الإتيان بالأجزاء ، وليس الأجزاء واجباً غيرياً ، كما أنّ نسبتها إلى المركّب ليست كنسبة المحصِّل إلى المحصَّل .

وحينئذ : ما قامت الحجّة عليه ـ وهو الأقلّ ـ يكون المكلّف آتياً به ، وما تركه لم تقم الحجّة عليه . فما علم اشتغال الذمّة به أطاعه ، وما لم يعلم لم يتحقّق الامتثال بالنسبة إليه .

فلو كان الواجب هو الأقلّ فقد امتثله ، ولو كان هو مع الزيادة فقد حصل عنده المؤمّن من العقاب ; وهو كون العقاب عليه عقاباً بلا بيان .

وإن شئت قلت : إنّه لايعقل أن يكون للأمر بالمركّب داعوية بالنسبة إلى أجزائـه مرّتين ، بل له داعوية واحدة إلى الكلّ ، وهو يدعو بهذه الدعوة إلى كلّ واحد من الأجزاء . وعليه : فلو أتى بالأقلّ فقد أتى بما يكون الأمر داعياً إليه ، وما


1 ـ الفصول الغروية : 357 / السطر 12 ، اُنظر مقالات الاُصول 2 : 261 .
2 ـ تقدّم في الصفحة 294 ـ 295 .


(310)

لم يأت به فهو مشكوك ليس للأمر بالنسبة إليه داعوية .

فإن قلت : لو كان الواجب هو الأكثر يكون المأتي به لغواً وباطلا ، فمع الشكّ في أنّ الواجب هو الأكثر يدور أمر الأقلّ بين كونه إطاعة أو أمراً باطلا ، فلابدّ من إحراز كونه إطاعة ومنطبقاً عليه ذلك العنوان .

قلت : إنّ الإطاعة والعصيان من الاُمور العقلية ، والعقل يحكم بوجوب إطاعة ما أمر به المولى وبيّنه ، لا ما أضمره وكتمه . والمفروض أنّ ما وقع تحت دائرة البيان قد امتثله وأطاعه ، ومعه لماذا لاينطبق عليه عنوان الإطاعة ؟

فإن قلت : إنّ الصلاة وإن كانت موضوعة للأعمّ من الصحيح إلاّ أنّ البعث لا يتعلّق بالصحيح منها ; لأنّ الملاك في التسمية غير الملاك في تعلّق الطلب . وعليه يلزم الإتيان بالجزء المشكوك حتّى يحرز انطباق عنوان الصحيح عليه .

قلت : إنّ الصحّة والفساد من عوارض الطبيعة الموجودة ، وما هو متعلّق للأمر إنّما هو نفس الطبيعة ، فمن المستحيل أن يتعلّق البعث بأمر موجود ، كما أوضحناه في محلّه(1) . وعليه فالطبيعة صادقة على الأقلّ والأكثر ، فما علم تقييد الطبيعة من الأجزاء يجب الإتيان به ، وما لم يعلم يجري فيه البراءة العقلية .

الإشكال الخامس :

ما ذكر المحقّق صاحب «الحاشية» ، وننقله بعين عبارته عن كتابه المطبوع في آخر «حاشيته على المعالم» ، وما نسبنا إليه من الإشكال السابق فقد تبعنا في النسبة على بعض أعاظم العصر ـ رحمه اللّه ـ ، وهذا التقريب غيره ، بل أمتن منه .


1 ـ راجع الجزء الأوّل : 487 .


(311)

وإليك نصّ عبارته ملخّصاً : إذا تعلّق الأمر بطبيعة فقد ارتفعت به البراءة السابقة وثبت الاشتغال ، إلاّ أنّه يدور الأمر بين الاشتغال بالأقلّ والأكثر ، وليس المشتمل على الأقلّ مندرجاً في الحاصلة بالأكثر ، كما في الدين ; إذ المفروض ارتباطية الأجزاء . ولايثمر القول بأنّ التكليف بالكلّ تكليف بالأقل ; لأنّ المتيقّن تعلّق الوجوب التبعي بالجزء ، لا أنّه مورد للتكليف على الإطلاق .

فاشتغال الذمّة ـ حينئذ ـ دائر أمره بين طبيعتين وجوديتين لايندرج أحدهما في الآخر ، فلا يجري الأصل في تعيين أحدهما ; لأنّ مورده هو الشكّ في وجوده وعدمه ، لا ما إذا دار الأمر بين الاشتغال بوجود أحد الشيئين .

فإن قلت : إنّ التكليف بالأكثر قاض بالتكليف بالأقلّ ، فيصدق ثبوت الاشتغال به على طريق اللا بشرط ، فيدور الأمر في الزائد بين ثبوت التكليف وعدمه .

قلت : ليس التكليف بالأقلّ ثابتاً على طريق اللا بشرط ; ليكون ثبوت التكليف به على نحو الإطلاق ، بل ثبوته هناك على سبيل الإجمال والدوران بين كونه أصلياً أو تبعياً ، فعلى الأوّل لا حاجة إلى الأصل ، وعلى الثاني لايعقل إجراؤه(1) .

أقول : قد عرفت أنّ الأقلّ ليس مغايراً للأكثر عنواناً ولا طبيعة ، بل الأكثر هو الأقلّ مع الزيادة(2) ، فما أفاده من أنّ الأمر دائر بين طبيعتين وجوديتين لا يندرج أحدهما في الآخر غير تامّ جدّاً .


1 ـ هداية المسترشدين 3 : 563 .
2 ـ تقدّم في الصفحة 306 ـ 307 .


(312)

كما أنّ ما يظهر منه من أنّ الأقلّ واجب بوجوب التبعي لا بالوجوب المتعلّق بالمركّب على فرض تعلّقه بالأكثر غير صحيح ، بل الأقلّ واجب بوجوبه على أيّ تقدير ; أمّا على تقدير كون الأقلّ تمام المأمور به فواضح ، وأمّا على تقدير تعلّقه بالأكثر فالأمر الداعي إلى المركّب داع بنفس تلك الدعوة إلى الأجزاء ; إذ ليست الأجزاء إلاّ نفس المركّب في لحاظ التفصيل ، كما أنّه عينها في لحاظ الوحدة .

وبعد منع تلك المقدّمتين يظهر النظر في ما أفاده من التقريب ، ولا نطول بتوضيحه .

الإشكال السادس :

ما أفاده المحقّق الخراساني ـ رحمه اللّه ـ بتقريبين ، ومرجع الأوّل إلى دعوى تحقّق العلم الإجمالي وامتناع الانحلال ; للزوم الخلف ، ومرجع الثاني إلى امتناعه لأجل كون وجود الانحلال مستلزماً لعدمه(1) .

أمّا الأوّل : فتوضيحه أنّ تنجّز التكليف وتعلّقه بالأكثر لابدّ وأن يكون مفروضاً حتّى يحرز وجوب الأقلّ فعلا على كلّ تقدير ; إمّا لنفسه وإمّا لغيره ; لأ نّه مع عدم مفروضية تنجّزه وتعلّقه بالأكثر لايعقل العلم بفعلية التكليف بالنسبة إلى الأقلّ على كلّ تقدير ; فإنّ أحد التقديرين كونه مقدّمة للأكثر ، فلو لزم من فعلية التكليف بالأقلّ عدم تنجّز الأكثر يكون خلف الفرض .

وأمّا الثاني : فلأنّ الانحلال يستلزم عدم تنجّز التكليف على أيّ تقدير وهو مستلزم لعدم لزوم الأقلّ على أيّ تقدير ، وهو مستلزم لعدم الانحلال ، فلزم من


1 ـ كفاية الاُصول : 413 .


(313)

وجود الانحلال عدمه ، وهو محال ; فالعلم الإجمالي منجّز بلا كلام .

وهاهنا تقريب ثالث ، نبّهنا عليه عند البحث عن مقدّمـة الواجب(1) ، وهو : أنّه إذا تولّد من العلم الإجمالي علم تفصيلي لايعقل أن يكون ذلك العلم مبدءً لانحلال العلم السابق ; لأنّ قوامه بالأوّل ، فلا يتصوّر بقاء العلم التفصيلي مع زوال ما هو قوام له .

فلو علم إجمالا أنّ واحداً من الوضوء والصلاة واجب له ، ولكن دار وجوب الوضوء بين كونه نفسياً أو غيرياً فلا يصحّ أن يقال : إنّ الوضوء معلوم الوجوب تفصيلا ; لكونه واجباً إمّا نفسياً أو مقدّمياً ، وأمّا الصلاة فمشكوكة الوجوب من رأس ; لأنّ العلم على وجوبه ـ على أيّ تقدير ـ إنّما نشأ من التحفّظ بالعلم الإجمالي ، ولو رفع اليد عنه فلا علم بوجوبه على أيّ تقدير .

والجواب : أنّ روح هذه التقريبات واحدة ، وكلّها مبني على أنّ الأجزاء واجب بالوجوب الغيري الذي يترشّح من الأمر بالكلّ ، وأنّ الأجزاء والكلّ يختلفان عنواناً وطبيعةً .

وقد عرفت فساد هذه الأقوال كلّها ، وأنّ الوجوب المتعلّق بالأقلّ عين الوجوب المتعلّق بالمركّب ، سواء ضمّ إليه شيء أو لم يضمّ ، وأنّه لو ضمّ إليه شيء لايتغيّر حال الأقلّ في تعلّق الأمر به ، غير أنّه يكون للأمر نحو انبساط لبّاً بالنسبة إليه ، وإن لم يضمّ إليه شيء يقف على الأقلّ ولا يتجاوز عنه . هذا على تعابير القوم .

وإن شئت قلت : لو انضمّ إليه شيء ينحلّ إليه المركّب ويحتجّ بالأمر بالمركّب بالنسبة إلى الزائد ، وإن لم يضمّ فلا ينحلّ ولا يحتجّ .


1 ـ تقدّم في الجزء الأوّل : 349 و 350 .


(314)

وعلى المختار ـ كون الأجزاء واجباً بعين وجوب الكلّ ـ فلا يتوقّف وجوب الأقلّ على أيّ تقدير ، على تنجّز الأكثر ; فإنّ الأمر بالمركّب معلوم ، وهو أمر بالأجزاء المعلومة أي ينحلّ المركّب الذي تنجّز الأمر بالنسبة إليه ، إلى الأجزاء المعلومة بلا إشكال ; سواء كان الجزء الآخر واجباً أو غير واجب .

فتنجّز الأمر بالأقلّ عين تنجّز الأمر بالمركّب ، ولا يتوقّف وجوبه على وجوب شيء آخر . فلا إشكال في وجوب الأقلّ على كلّ تقدير ; انحلّ المركّب إلى المعلومة من الأجزاء فقط ، أو إليها وإلى أمر آخر .

ثمّ إنّ بعض أعاظم العصر ـ رحمه اللّه ـ تفصّى عن الإشكال في بعض أجوبته ، مع تسليم كون وجوب الأجزاء مقدّمياً(1).

وأنت إذا أحطت خُبراً بما أشرنا إليه هنا ـ من أنّه إذا كان العلم التفصيلي متولّداً من العلم الإجمالي فلا يعقل أن يكون ذلك التفصيل مبدءً للانحلال ـ تقف على صحّة مقالنا وضعف ما أفاده ـ رحمه اللّه ـ ، فلا نطيل المقام .

الإشكال السابع :

ما أفاده الشيخ الأعظم ـ رحمه اللّه ـ (2) ، ويستفاد من كلامه تقريبان ، لا بأس بتوضيحهما :

الأوّل : أنّ المشهور بين العدلية : أنّ الأوامر والنواهي تابعة لمصالح في المأمور به ومفاسد في المنهي عنه ، وأنّ الواجبات الشرعية ألطاف في الواجبات


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4 : 158 .
2 ـ فرائد الاُصول ، ضمن تراث الشيخ الأعظم 25 : 319 .


(315)

العقلية ، والأحكام الشرعية وإن تعلّقت بعناوين خاصّة ـ كالصلاة والصوم والسرقة والغيبة ـ إلاّ أنّ المأمور به والمنهي عنه حقيقة هو المصالح والمفاسد ، والأمر بالصلاة والنهي عن الغيبة إرشاد إلى ما هو المطلوب في نفس الأمر .

والسرّ في تعلّقها بالعناوين دون نفس المصالح والمفاسد عدم علم العباد بكيفية تحصيلها أو الاجتناب عنها ، ولو اطّلع العقل بتلك المصالح والألطاف لَحكم بلزوم الإتيان بها .

فالمصالح والألطاف هي المأمور بها بالأمر النفسي ، والعناوين التي تعلّق بها الأمر والنهي في ظاهر الشرع محصّلات ـ بالكسر ـ تلك الغايات ، وأوامرها إرشادية مقدّمية ، ومع الشكّ في المحصّل لا مناص عن الاحتياط .

الثاني : أنّ الأوامر المتعلّقة بالعناوين وإن كانت أوامر حقيقية غير إرشادية إلاّ أنّ المصالح والمفاسد أغراض وغايات لتلك الأوامر والنواهي ، ولا يحرز الغرض إلاّ بالإتيان بالأكثر .

وإن شئت قلت : إنّ المصالح والمفاسد والأغراض المولوية علّة البعث نحو العمل وعلّة لظهور الإرادة في صورة الأمر والزجر . فكما أنّ وجود الأشياء وبقائها إنّما هو بوجود عللها وبقائها فهكذا انعدامها وسقوطها بسقوط عللها وفنائها .

فحينئذ : فالعلم بسقوط الأوامر والنواهي يتوقّف على العلم بسقوط الأغراض وحصول الغايات الداعية إليها ، فمع الإتيان بالأقلّ يشكّ في إحراز المصالح ، فيشكّ في سقوط الأوامر ، فمع العلم بالثبوت لابدّ من العلم بالسقوط ، وهو لا يحصل إلاّ بالإتيان بالأكثر .

والفرق بين التقريبين أوضح من أن يخفى ; فإنّ المأمور به والمنهي عنه على الأوّل هو المصالح والمفاسد ، والعناوين محصّلات ، وعلى الثاني فالأوامر النفسية


(316)

وإن تعلّقت بالعناوين حقيقة لكنّها لأجل أغراض ومقاصد ، فما لم تحصل تلك الأغراض لاتسقط الأوامر والنواهي .

وقد أشار الشيخ الأعظم إلى التقريبين بقوله : إنّ اللطف : إمّا هو المأمور به حقيقة أو غرض للآمر ، فيجب تحصيل العلم بحصول اللطف .

وبذلك يظهر : أنّ ما أفاده بعض أعاظم العصر ـ رحمه اللّه ـ من أنّ مراده ليس مصلحة الحكم وملاكه ، بل المراد منه التعبّد بالأمر وقصد امتثاله(1) ، ليس بشيء وإن أتعب نفسه الشريفة ، فراجع .

فالجواب عن الأوّل : أنّ كون أفعال الله معلّلة بالأغراض من المسائل الكلامية ، وهو أساس لهذه القضية الدائرة من تبعية أوامره ونواهيه لمصالح أو مفاسد مكنونة في المتعلّق ، ولا شكّ أنّ غاية ما قام عليه الدليل هو أنّه يمتنع عليه تعالى الإرادة الجزافية ; للزوم العبث في فعله ، والظلم على العباد في تكليفه .

فبما أنّ الأوامر والنواهي أفعال اختيارية له تعالى فلابدّ أن تكون معلّلة بالأغراض ، في مقابل ما يدّعيه الأشاعرة النافين للأغراض والغايات في مطلق أفعاله .

وعليه فدفع العبثية كما يحصل باشتمال نفس تلك العناوين على مصالح ومفاسد قائمة بها متحصّلة بوجودها ، كذلك يحصل بكون المصلحة في نفس البعث والزجر .

بل يمكن أن يقال : إنّ تلك العناوين مطلوبات بالذات ، من قبيل نفس الأغراض ، أو تكون الأغراض اُموراً اُخر غير المصالح والمفاسد .


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4 : 172 ـ 173 و 176 .


(317)

والحاصل : أنّ الأدلّة المذكورة في محلّه لا يثبت ما ذكر في وجه الأوّل .

أضف إليه : أنّ تعلّق الأمر بالمصالح النفس الأمرية التي يستتبعها تلك العناوين ممّا يمتنع عليه تعالى ; للزوم اللغوية والعبث ; لأنّ الأمر بالشيء والبعث إليه لأجل إيجاد الداعي في نفس المكلّف حتّى ينبعث ببركة سائر المبادئ نحوه ، وهو فرع وصول الأمر إليه .

ولا يعقل أن تكون الأوامر النفس الأمرية الغير الواصلة إلى المكلّفين متعلّقة بعناوين واقعية مجهولة لديهم وباعثة نحوها ; فإنّ البعث والتحريك فرع الوصول والاطّلاع . وعليه فتعلّقها بها لايكون إلاّ لغواً وعبثاً ممتنع عليه تعالى .

وأمّا الجواب عن الثاني : فيكفي ما قدّمناه عن الأوّل عنه أيضاً ; فإنّ العلّة الغائية وإن كانت تعدّ من أجزاء العلّة إلاّ أنّه لايلزم أن يكون الغاية مغايراً لنفس العنوان الذي وقع تحت دائرة الطلب ، بل من المحتمل أن يكون الغرض الذي دلّ الدليل على امتناع خلوّ فعله تعالى عنه هو قائماً بنفس الأمر .

وبالجملة : احتمال كون الغرض هوقائماً بنفس الأمر أو كونه نفس المأمور به ; بمعنى كونه محبوباً بالذات ، من دون أن يكون محصّلا للغرض ينفي الاشتغال .

بل التحقيق : أنّه لم يدلّ دليل على تحصيل الأغراض الواقعية للمولى التي لم يقم عليها حجّة ، بل العقل يحكم بلزوم الخروج عن العهدة بمقدار ما قام عليه الحجّة . وبما أنّ الحجّة قامت على الأقلّ فلو كان الغرض حاصلا به فهو ، وإلاّ ففوت الغرض مستند إلى قصور بيان المولى ; لعدم البيان ، أو لعدم إيجاب التحفّظ والاحتياط .

بل لنا أن نقول : إنّ الغرض يسقط بالأقلّ ويتبعـه سقوط الأمر ; إذ لو لم يسقط به في نفس الأمر لوجب على المولى الحكيم : إمّا البيان أو جعل الاحتياط ;


(318)

تحفّظاً على أغراضه ، وإلاّ يلزم التلاعب بالغرض ونقضه ، وهو قبيح على الحكيم . وحيث إنّه لم يبيّنه ولم يوجب الاحتياط نستكشف من ذلك قيام الغرض بالأقلّ وسقوطه به .

أضف إلى ذلك : أنّ العلم الإجمالي إذا كان بعض أطرافه مجهول العنوان ; بحيث لا ينقدح في ذهن المكلّف بعنوانه أبداً لايكون منجّزاً ; فإنّ تنجيزه متوقّف على إمكان الباعثية على أيّ تقدير ـ أي في أيّ طرف كان من الأطراف ـ فإذا كان بعضها مجهول العنوان لا يمكن البعث إليه .

وما نحن فيه من هذا القبيل ; إذ نحتمل أن يكون للصلاة ـ مثلا ـ أجزاء لم تصل إلينا أصلا ، ونحتمل دخالته في سقوط الغرض . ومثل هذا العلم غير منجّز أصلا ; لكون طرف العلم مجهول العنوان .

فلزوم العلم بسقوط الغرض الواقعي موجب لعدم العلم في مطلق التكاليف بسقوط الأوامر ; إذ ما من تكليف إلاّ ويحتمل دخالة شيء في متعلّقه دخيل في حصول الغرض لم يصل إلينا حتّى يصحّ الاحتياط ، ويلزم منه سدّ باب الإطاعات .

فتحصّل من ذلك : عدم لزوم شيء على العبد إلاّ الخروج عن عهدة ما قامت الحجّة عليه ; سقط الغرض لبّاً أم لا .

نعم مع العلم بالغرض الملزم لابدّ من تحصيله ; كان أمر من المولى أم لا .

الإشكال الثامن :

هذا الإشكال يختصّ بالأوامر القربية ، ولا يجري في التوصّلية ، وهو : أنّ أمر الأقلّ دائر بين كونه نفسياً صالحاً للتقرّب ، وكونه غيرياً مقدّمياً غير صالح له ، وما حاله كذلك لايمكن أن يتقرّب به .


(319)

وأمّا الأكثر : فالأمر المتعلّق به نفسي صالح للتقرّب ; إمّا لكونه بنفسه هو المأمور به ، أو كون المأمور به هو الأقلّ ، ولكنّه يقصد التقرّب بما هو واجب في الواقع ، فينطبق عليه على كلّ تقدير(1) .

وفيه : أنّ ما هو المعتبر في العبادات هو أن يكون العبد متحرّكاً بتحريك المولى ، ويكون الأمر باعثاً مع مبادئ آخر ـ كالخوف والرجاء ونحوهما ـ نحو المتعلّق ، ولا يكون الداعي في إتيانه أغراض اُخر كالريا ونحوه ، لا بأن يكون قصد الأمر والامتثال ونحوهما منظوراً إليه ، بل حقيقة الامتثال ليست إلاّ الإتيان بداعوية الأمر ، وبه يحصل التقرّب ويصير العبد ممتازاً عن غيره .

وقد عرفت(2) : أنّ المركّب عبارة عن أجزاء وشرائط في لحاظ الوحدة ، ويكون الأمر الداعي إلى المركّب داعياً إلى الأجزاء ، لابداعوية اُخرى .

فحينئذ نقول : لا شبهة في أنّ الآتي بالأقلّ القائل بالبراءة والآتي بالأكثر القائل بالاشتغال كلّ واحد منهما متحرّك بتحريك الأمر المتعلّق بالمركّب ; فقوله تعالى : (أَقِمِ الصلاةَ)(3) محرّك للآتي بالأقلّ والآتي بالأكثر ، من غير فرق بينهما من هذه الجهة .

وإنّما يفترقان في أنّ القائل بالبراءة لا يرى نفسه مكلّفاً بإتيان الجزء المشكوك فيه ، بخلاف القائل بالاشتغال ، وهذا لايصير فارقاً فيما هما مشتركان فيه ; وهو الإتيان بالأجزاء المعلومة بداعوية الأمر بالمركّب .


1 ـ اُنظر فرائـد الاُصول ، ضمن تراث الشيخ الأعظم 25 : 325 ، درر الفوائـد ، المحقّق الحـائري : 478 .
2 ـ تقدّم في الصفحة 294 ـ 295 .
3 ـ الإسراء (17) : 78 .


(320)

ثمّ لو فرض الوجوب الغيري للأجزاء فيمكن للآتي بالأقلّ قصد التقرّب ; لاحتمال كون الأقلّ واجباً نفسياً ، وما لا يمكن له هو الجزم بالنيّة ، وهو غير معتبر في العبادات جزماً ; ولهذا يصحّ العمل بالاحتياط وترك طريقي الاجتهاد والتقليد .

وكما أنّ الجزم بالنيّة غير ممكن مع الإتيان بالأقلّ كذلك غير ممكن مع الإتيان بالأكثر ; لعدم العلم بمتعلّق التكليف . فقصد القربة ممكن منهما ، والجزم غير ممكن منهما بلا افتراق بينهما .

في جريان البراءة الشرعية في المقام

ولا يخفى : أنّه بعد ما اتّضح كون الجزء الزائد مشكوكاً فيه من رأس ـ لانحلال العلم الإجمالي ـ يقع الجزء المشكوك فيه مورداً للبراءة الشرعية ، ويشمله حديثا الرفع والحجب ، وغيرهما من أدلّة الباب ; لأنّ شأن الحديثين هو الرفع التعبّدي .

فمعنى الرفع في المقام هو رفع الجزئية عن الجزء المشكوك فيه ، والبناء على عدم كون المشكوك فيه جزءً . فهو يأتي بالأجزاء المعلومة لأجل الأمر المتعلّق بالمركّب الذي عرفت داعويته إلى نفس الأجزاء بدعوة واحدة ، وينفي لزوم الجزء المشكوك فيه أو جزئيته للمركّب ، ويكون مأموناً من العقاب .

وأمّا إجزاء الأقلّ عن الأكثر لو فرض انكشاف الواقع : فقد أوضحنا حاله بما لا مزيد عليه في مبحث الإجزاء(1) ، فلا وجه للإعادة .


1 ـ تقدّم في الجزء الأوّل : 277 ـ 278 .


(321)

المطلب الثاني
فيما إذا كان الأقلّ والأكثر من قبيل المطلق والمشروط

تفصيل القول في جريان البراءة في الجزء المشكوك يغنينا عن إفاضة القول في الشرط المشكوك ; فإنّ المناط في الجزء والشرط واحد ، غير أنّا أفردنا البحث عنه ; تبعاً للأصحاب :

فنقول : إنّ منشأ انتزاع الشرطية : تارة يكون أمراً مبايناً للمشروط في الوجود كالطهارة في الصلاة ، واُخرى يكون أمراً متّحداً معه كالإيمان في الرقبة .

أمّا الكلام في الأوّل : فواضح جدّاً ; لأنّ داعوية الأمر إلى ذات الصلاة معلوم ; سواء تعلّق الأمر بها بلا اشتراط شيء أو مع اشتراطه ، والتقييد والاشتراط ، أو القيد والشرط مشكوك فيه ، فيجري أدلّة البراءة ; عقلية كان أو شرعية .

وأمّا الثاني ـ أعني إذا كان منشأ الانتزاع متّحداً معه كالإيمان في الرقبة ـ فتجري البراءة فيه أيضاً .

وتوضيحه : أنّ متعلّق البعث والزجر إنّما هو الماهيات والعناوين دون المصاديق الخارجية ، وقد أقمنا برهانه فيما سبق(1) . وعليه فالمدار في دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر إنّما هو ملاحظة لسان الدليل الدالّ على الحكم حسب الدلالة اللفظية العرفية ، لا المصاديق الخارجية .

فلو دار متعلّق الأمر بين كونه مطلق الرقبة أو الرقبة المؤمنة فهو من موارد البراءة العقلية والشرعية ; لانحلال العلم فيه ، ودورانه بين الأقلّ والأكثر ; لأنّ مطلق الرقبة وإن كان غير موجود في الخارج والموجود منه : إمّا الرقبة الكافرة أو


1 ـ راجع الجزء الأوّل : 489 .


(322)

المؤمنة ، وهما متباينان ، إلاّ أنّ الميزان في كون الشيء من قبيل المتباينين أو الأقلّ والأكثر ليس المصاديق الخارجية ; لأنّ مجرى البراءة هو متعلّقات الأحكام ، وهو العناوين المأخوذة في لسان الدليل ، لا المصاديق الخارجية .

فحينئذ نقول : إنّ البعث إلى طبيعة الرقبة معلوم ، وتعلّقه إلى المؤمنة مشكوك فيه ، فتجري البراءة على البراهين والمقدّمات السابقة .

وعدم تحقّق الطبيعي في الخارج إلاّ في ضمن الفردين ـ الرقبة المؤمنة والرقبة الكافرة ـ لايوجب كون المقام من قبيل المتباينين ; فإنّ الميزان هو ما تعلّق البعث به ، ومن المعلوم أنّ البعث إلى الطبيعة غير البعث إلى الطبيعة المقيّدة ، والنسبة بين المتعلّقين هو القلّة والكثرة ; وإن كان المصاديق على غير هذا النحو باعتبار العوارض .

وممّا ذكرنا يعلم حال المركّبات التحليلية ; سواء كانت بسائط خارجية كالبياض والسواد المنحلّين إلى اللون المفرّق لنور البصر أو قابضه ، أو كالإنسان المنحلّ عقلا إلى الحيوان والناطق ; فإنّ الجنس والفصل وإن لم يكونا من الأجزاء الخارجية للمحدود ; لأ نّهما من أجزاء الحدّ ، وإن كان مأخذهما المادّة والصورة بوجه يعرفه أهله . وقريب منهما بعض الأصناف والأشخاص المنحلّين في العقل إلى الماهية والعوارض المصنّفة ، وإلى الماهية والعوارض المشخّصة .

فإذا دار أمر صبغ ثوب المولى بمطلق اللون ، أو بلون قابض لنور البصر فما قام عليه الحجّة يؤخذ به ، ويترك المشكوك فيه ; اعتماداً على البراءة .

والحاصل : أنّ البراءة تجري في الجميع على وزان واحد ، من غير فرق بين ما له منشأ انتزاع مغاير وما ليس له كذلك ; لأنّ الموضوع ينحلّ عند العقل إلى معلوم ومشكوك فيه .


(323)

فالصلاة المشروطة بالطهارة عين ذات الصلاة في الخارج ، كما أنّ الرقبة المؤمنة عين مطلقها فيه ، والإنسان عين الحيوان وهكذا ، وإنّما الافتراق في التحليل العقلي ، وهو في الجميع سواء ، فكما تنحلّ الصلاة المشروطة بالصلاة والاشتراط ، كذا ينحلّ الإنسان إلى الحيوان والناطق . ففي جريان البراءة وقيام الحجّة على المتيقّن دون المشكوك لا فرق في جميع الموارد .

ثمّ إنّ بعض أهل العصر ـ رحمه اللّه ـ نفي الرجوع إلى البراءة عند الترديد بين الجنس والنوع ; قائلا بأنّهما عند التحليل العقلي وإن كان يرجع إلى الأقلّ والأكثر إلاّ أنّهما في نظر العرف من الترديد بين المتباينين .

فلو دار الأمر بين إطعام الإنسان أو الحيوان فاللازم هو الاحتياط بإطعام الإنسان ; لأنّ نسبة الرفع إلى كلّ منهما على حدّ سواء ، فيسقطان بالمعارضة ، فلابدّ من العلم بالخروج من العهدة ، ولا يحصل إلاّ بإطعام خصوص الإنسان ; لأ نّه جمع بين الأمرين ، وإطعامه يستلزم إطعام ذاك(1) ، انتهى .

وفيه أوّلا : أنّ ما ذكره يرجع إلى المناقشة في المثال ; فإنّ الإنسان والحيوان وإن كانا في نظر العرف من قبيل المتباينين إلاّ أنّ الحيوان والفرس ليسا كذلك ، فلو دار الأمر في الإطعام بينهما فلا مناص عن البراءة ، كما لو دار الأمر بين مطلق اللون واللون الأبيض ، أو مطلق الرائحة أو رائحة المسك فإنّ الجميع من قبيل الأقلّ والأكثر .

وثانياً : لو كان الدوران بين الإنسان والحيوان دوراناً بين المتباينين فطريق الاحتياط هو الجمع بينهما في الإطعام ، لا إطعام خصوص الإنسان .


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4 : 208 .


(324)

وما ذكره من أنّ إطعامه يستلزم إطعام الحيوان أشبه شيء بالمناقضة في المقال ; فإنّ مغزى هذا التعليل إلى أنّهما من الأقلّ والأكثر ، كما لا يخفى .

وممّا ذكرنا يظهر : ضعف ما أفاده المحقّق الخراساني ـ رحمه اللّه ـ : من أنّ الصلاة ـ مثلا ـ في ضمن الصلاة المشروطة ، موجودة بعين وجودها ، وفي ضمن صلاة اُخرى فاقدة لشرطها تكون مباينة للمأمور بها(1) .

وجه ضعفه : فإنّ فيه خلطاً واضحاً ; فإنّ التحقيق : أنّ الكلّي الطبيعي موجود في الخارج بنعت الكثرة لا بنعت التباين ; فإنّ الطبيعي لمّا لم يكن في حدّ ذاته واحداً ولا كثيراً فلا محالة يكون مع الواحد واحداً ومع الكثير كثيراً .

فيكون الطبيعي موجوداً مع كلّ فرد بتمام ذاته ، ويكون متكثّراً بتكثّر الأفراد ، فزيد إنسان وعمرو إنسان وبكر إنسان ، لا أنّهم متباينات في الإنسانية ، بل متكثّرات فيها ، وإنّما التباين من لحوق عوارض مصنّفة ومشخّصة ، كما لا يخفى .

والتباين في الخصوصيات لايجعل الماهية المتّحدة مع كلّ فرد وخصوصية متباينة مع الاُخرى ; فإنّ الإنسان بحكم كونه ماهية بلا شرط شيء غير مرهون بالوحدة والكثرة ، وهو مع الكثير كثير ; فهو بتمام حقيقته متّحد مع كلّ خصوصية . فالإنسان متكثّر غير متباين في الكثرة . هذا ، ولتوضيحه مقام آخر ، فليطلب من أهله ومحلّه .

أضف إلى ذلك : أنّ كون الفردين متباينين غير مفيد أصلا ; لأنّ الميزان إنّما هو ما وقع تحت دائرة الطلب ، وقد عرفت أنّ متعلّقه إنّما هو العناوين والماهيات ، ومن الواضح أنّ مطلق الصلاة أو الصلاة المشروطة بشيء من الطهارة من قبيل الأقلّ والأكثر ، فتدبّر .


1 ـ كفاية الاُصول : 417 .


(325)

المطلب الثالث
في دوران الأمر بين الأقلّ والأكثر في الأسباب والمحصّلات

وهي تنقسم إلى عقلية وعادية وشرعية :

أمّا الأوّلتين : فمركز البحث فيهما ما إذا تعلّق الأمر بمفهوم مبيّن ، وكان له سبب عقلي أو عادي ، ودار أمر السبب بين الأقلّ والأكثر ، كما لو أمر بالقتل وتردّد سببه بين ضربة وضربتين ، وأمر بتنظيف البيت ودار أمره بين كنسه ورشّه أو كنسه فقط ، ومثله ما لو شكّ في اشتراط السبب بكيفية خاصّة من تقديم أجزاء على اُخرى ، هذا هو محطّ البحث . فلا إشكال في عدم جريان البراءة ; لأنّ المأمور به مبيّن وغير دائـر بين الأقلّ والأكثر ، وما هو دائر بينهما فهو غير مأمور به ، والشكّ بعد في حصول المأمـور به وسقوطه ، وقـد قامت الحجّة على الشيء المبيّن ، فلابدّ مـن العلم بالخـروج عن عهدته .

ويظهر من بعض محقّقي العصر : التفصيل بين كون المسبّب ذا مراتب ومن البسائط التدريجية فتجري البراءة ، وبين غيره ; حيث قال :

لو كان العنوان البسيط متدرّج الحصول من قِبل علّته ; بأن يكون كلّ جزء من أجزاء علّته مؤثّراً في تحقّق مرتبة منه ، إلى أن يتمّ المركّب فيتحقّق تلك المرتبة الخاصّة التي هي منشأ للآثار ، نظير مرتبة خاصّة من النور الحاصلة من عدّة شموع . ومنه باب الطهارة ; لقوله ـ عليه السلام ـ : «فما جرى عليه الماء فقد طهر»(1) ، وقوله ـ عليه السلام ـ :


1 ـ الكافي 3 : 43 / 1 ، وسائل الشيعة 2 : 229 ، كتاب الطهارة ، أبواب الجنابة ، الباب 26 ، الحديث 1 .


(326)

«وكلّ شيء أمسسته الماء فقد انقيته»(1) ، فلا قصور عن جريان البراءة عند دوران الأمر في المحقّق ـ بالكسر ـ بين الأقلّ والأكثر ; فإنّ مرجع الشكّ ـ بعد فرض تسليم سعة الأمر البسيط في ازدياد أجزاء محقّقه ـ إلى الشكّ في سعة ذلك الأمر البسيط وضيقه ، فينتهي الأمر إلى الأقلّ والأكثر في نفس الأمر البسيط ، فتجري البراءة ، وهذا بخلاف ما لو كان دفعي الحصول فلا محيص عن الاحتياط(2) .

قلت : ما ذكره غير صحيح على فرض ، وخارج عن محطّ البحث على فرض آخر ; لأ نّه لو كان الشكّ في أنّ الواجب هل هو غَسل جميع الأجزاء أو يكفي الغالب ولا يضرّ النادر فللقول بجريان البراءة مجال ، ولكنّه خارج عن البحث ; لأنّ مآل البحث حينئذ إلى الأقلّ والأكثر في نفس المأمور به .

وأمّا إذا قلنا بأنّ الواجب هو تحصيل الطهور ، ولكن وقع الشكّ في أنّ السبب هل هو نفس الغسل أو هو مع اشتراط تقديم بعض الأجزاء ـ كالرأس على غيره ـ فلا محيص عن الاحتياط ; وإن كان المسبّب تدريجي الحصول .

فلو علمنا باشتراط صلاة الظهر بالطهارة ، وشككنا في حصوله بالغسلتين والمسحتين مطلقاً أو مع شرط وكيفية خاصّة ، ودار الأمر في المحصّل ـ بالكسر ـ بين الأقلّ والأكثر فلا إشكال في عدم جريان البراءة ، من غير فرق بين كون العنوان البسيط الذي هو المأمور به ذا مراتب متفاوتة متدرّج الحصول ، أو كونه دفعي الحصول .

ولو علمنا بوجوب الطهور ، وشككنا في أنّ الحقيقة المتدرّجة الوجود هل


1 ـ تهذيب الأحكام 1 : 148 / 422 ، وسائل الشيعة 2 : 230 ، كتاب الطهارة ، أبواب الجنابة ، الباب 26 ، الحديث 5 .
2 ـ نهاية الأفكار 3 : 401 ـ 402 .


(327)

يحصل بمطلق الغسل أو بشرط آخر ـ كقصد الوجه مثلا ـ أو غيره لزم الاحتياط .

وبالجملة : فهذا التفصيل لا طائل تحته .

وإليك تفصيلا آخر ذكره ذلك المحقّق في كلامه ; وهو التفصيل بين كون العلم مقتضياً قابلا لإجراء الاُصول في أطراف العلم أو علّة تامّة . فعلى القول بجريان الاُصول في أطراف العلم ما لم يمنع عنه مانع فيمكن أن يقال : إنّ الأمر البسيط وإن كان له وجود واحد إلاّ أنّ له أعداماً على نحو العموم البدلي بانعدام كلّ واحد من أجزاء سببه .

وعليه : فبما أنّ الأمر بالشيء مقتض عن النهي عن ضدّه العامّ ـ أعني ترك المأمور به وإعدامه بإعدام سببه ـ فحينئذ ترك المأمور به عن قِبل ترك الأقلّ ممّا يعلم تفصيلا حرمته ، وعلم استحقاق العقوبة عليه .

وأمّا تركه الناشئ من ترك المشكوك جزئيته فلم يعلم حرمته ; لعدم العلم بإفضاء تركه إلى تركه . هذا ، وقد أجاب عنه بما هو مذكور في كلامه(1) .

أقول : يرد عليه أوّلا : أنّه لو كان المأمور به بالذات مردّداً بين عنوانين ـ كالظهر والجمعة ـ فعلى القول باقتضائية العلم يمكن للشارع أن يكتفي بأحدهما في مقام الامتثال .

وأمّا إذا كان المأمور به معلوم العنوان مبيّن المفهوم ، وقد تعلّق الأمر به ، وقامت الحجّة على لزوم إتيانه فالمأمور به معلوم تفصيلا . ولا يمكن الترخيص في العلم التفصيلي ; وإن كان محصّله مردّداً بين الأقلّ والأكثر .

والحاصل : ليس المقام من قبيل العلم الإجمالي في المأمور به حتّى يأتي فيه


1 ـ نهاية الأفكار 3 : 402 ـ 404 .


(328)

ما ذكر . والعلم الإجمالي في المحصّل ـ بالكسر ـ عين الشكّ في البراءة ، لا الشكّ في مقدار الاشتغال .

وثانياً : أنّ هنا علماً واحداً تفصيلياً بحرمة ترك المأمور به المعلوم ، من غير ترديد ، ومن أيّ طريق حصل ترك المأمور به ; أي سواء حصل بترك الأقلّ أو الأكثر .

فحينئذ : فالقول بأنّ حرمة تركه من قِبل ترك الأقلّ ، وأمّا من قبل ترك الأكثر فمشكوك أشبه شيء بالشعر ; فإنّ حرمة ترك المأمور به معلوم مطلقاً ; من أيّ سبب حصل ; سواء حصل بترك الأقلّ أو الأكثر . ومعه كيف يقال : من أنّ حرمة تركه من ناحية الأكثر مشكوك ؟ فإنّ العلم بحرمة تركه مطلقاً يوجب سدّ باب جميع الأعدام المتيقّنة أو المحتملة .

وثالثاً : أنّ هنا حجّة واحدة ; وهو الأمر الصادر من المولى القائم على وجوب المأمور به ، وأمّا النهي عن ترك المأمور به ـ فعلى فرض صحّة هذا النهي ، وعدم كونه عبثاً ولغواً ـ فهو حجّة عقلية ، ينتقل إليه العقل بعد التفطّن بالملازمة بين الأمر بالشيء والنهي عن تركه ، ولكن الحجّة العقلية تابعة في السعة والضيق للأمر المولوي ، ولايمكن أن يكون أوسع منه .

فلو كان لازم أمر المولى هو سدّ جميع أبواب الأعدام ـ من قطعياتها ومحتملاتها ـ فلا يمكن أن يكون مفاد الحجّة العقلية مجوّز إعدامه من جانب واحد ; وهو ترك الأكثر .

ورابعاً : لو سلّمنا انحلال النهي عن ترك المأمور به إلى نهي مقطوع ومشكوك ، فلا يوجب ذلك انحلال الدليل المولوي القائم على وجوب الأمر المبيّن إلى ذلك ; لأنّ إجراء البراءة في النواهي المتعدّدة المنحلّة لايوجب جريانها في الأمر


(329)

الواحد المتعلّق بالمفهوم الواحد المبيّن ; فإنّ غاية القول بالانحلال لا يزيد عن إنكار اقتضاء الأمر بالشيء النهي عن ترك العامّ ، ومعه لامحيص عن الخروج عن الاشتغال القطعي .

بيان الحقّ في الأسباب الشرعية

وتوضيح الحال في عامّة الأسباب سيوافيك بيانه في مبحث الاستصحاب عند البحث عن جريانه في الأحكام الوضعية(1) ، غير أنّا نشير في المقام إلى أمر هامّ ، وهو : أنّ السببية والمسبّبية في الأسباب العقلية والعادية اُمور واقعية خارجة عن طوق الاعتبار فالشمس مضيئة ; اعتبرها اللاحظ أو لا .

وأمّا الشرعية والعقلائية منهما : فمن الاُمور الاعتبارية القائمة باعتبار معتبرها ـ شارعاً كان أو عرفاً ـ وليس معنى السببية كون الأسباب مؤثّرات حقيقة في وجود المسبّبات ; بحيث يحصل بعد إعمال الأسباب وجود حقيقي في عالم التكوين لم يكن موجوداً قبله .

فإنّ السببية والتأثير والتأثّر كلّها مـن باب التشبيـه والمجاز ; لأنّ معنى قولنا : «قول البايع بِعْتُ سبب لتحقّق البيع في الخارج» هـو أنّ المتكلّم إذا أنشأ به بداعي الجدّ يصير موضوعاً عند العقلاء لآثار عقلائيـة مترتّبة على المعنى المنشأ اعتباراً بالصيغة .

فالسبب وإن كان أمراً تكوينياً إلاّ أنّ سببيته وتأثيره وإيجاده المعنى المنشأ كلّها قائمة بالاعتبار .


1 ـ الاستصحاب ، الإمام الخميني ـ قدس سره ـ : 165 .


(330)

ثمّ إنّ لبيان معنى تأثير الأسباب في المسبّبات في عالم الاعتبار مقاماً آخر ، ولعلّنا نستوفي البحث في مبحث الاستصحاب(1) ; وإن أوضحناه في هذا المقام في الدورة السابقة(2) .

وليعلم : أنّ تشريع الأسباب والمسبّبات الشرعية فيما إذا كانت دائرة بين العقلاء قبل التشريع ليست على وتيرة واحدة .

فتارة : بإمضاء السبب والمسبّب العقلائي وسببيتهما ولم يتصرّف فيه إلاّ تصرّفاً طفيفاً من زيادة شرط وجزء .

واُخرى : بسلب السببية عن الأسباب العقلائية وحصر السببية في سبب واحد ، كما في باب الطلاق ; فإنّه بمعنى الهجران عن الزوجة ، والزوجية أمر عقلائي كسائر الحقائق العقلائية ، متعارف عند كلّ منتحل بدين وغير منتحل ، ولكنّه سلب السببية عن كلّ الأسباب وحصرها في قول القائل : «أنت طالق» .

وثالثة : ببسط دائرة السببية والسبب ، كما في باب الضمان ; فإنّ حصول الضمان بمجرّد وضع اليد المستفادة من قاعدة اليد ممّا ليس منه بين العقلاء عين ولا أثر ، إلى غير ذلك من الأقسام .

أمّا المخترعات الشرعية المحضة التي ليس لها سابقة عند العقلاء ، فهل يجب تعلّق الجعل بكلّ واحد من السبب والمسبّب أو يكفي تعلّقه بأحدهما ؟

فاختار بعض أعاظم العصر الثاني ; قائلا بأنّ جعل أحـدهما يغني مـن الآخر ، فبناءً على تعلّق الجعل بالمسبّبات تكون الأسباب الشرعية كالأسباب


1 ـ الاستصحاب ، الإمام الخميني ـ قدس سره ـ : 71 ـ 72 .
2 ـ أنوار الهداية 2 : 318 .


(331)

العادية غير قابلة للوضع والرفع(1) .

أقول : الاشتباه نشأ من مقايسة الأسباب الشرعية بالعلل التكوينية ; فإنّ الجعل في التكويني حقيقة يتعلّق بوجود السبب ، وسببية السبب أو نفس المسبّب مجعول بالعرض ، فالجاعل جعل النار ، لاجعل النار مؤثّراً في الإحراق ، وهكذا نفس الإحراق .

وأمّا المسبّبات الشرعية المحضة : فبما أنّ أسبابها أيضاً اختراعية لا عقلائية فلا يعقل كفاية تعلّق الجعل بالمسبّب دون سببه أو سببيته ; لأنّ المفروض أنّ المسبّب ليس أمراً عقلائياً بل اختراعياً ، وما كان كذلك لا يعقل أن يكون له سبب عقلائي أو عقلي أو عادي .

فلابدّ أن يكون سببه أيضاً اختراعياً ، فلابدّ من تعلّق الجعل بالسبب ومسبّبه ; سواء تعلّق ابتداءً بالسبب أو بالمسبّب أو أدّى كلاماً يتكفّل الجعلين .

ولايخفى : أنّ الجعل يتعلّق بوصف السببية ; أي يجعل ما لم يكن سبباً سبباً ، فلو فرضنا أنّ قول القائل : «ظَهْركِ كظهر اُمّي» ليس عند العقلاء محرّماً ، وجعله الشارع سبباً لحرمة ظهر زوجته . فالجعل لم يتعلّق بذات السبب ـ أي الألفاظ ـ بل بوصف السببية ; أي صيّر الشارع ما لم يكن سبباً سبباً للتحريم أنّ الجعل تعلّق بالسبب ، والسببية أمر انتزاعي ، كما هو المشهور .

هذا ، وسيوافيك تفصيل القول في هذه المقامات في الاستصحاب(2) .


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4 : 145 ـ 146 .
2 ـ الاستصحاب ، الإمام الخميني ـ قدس سره ـ : 70 .


(332)

عدم جريان البراءة في الأسباب الشرعية

إذا عرفت ذلك : فالتحقيق عدم إمكان إجراء البراءة العقلية في الأسباب الشرعية ; لتعلّق الأمر بالمفهوم المبيّن والشكّ في سقوطه بالأقلّ ، فلا يجري البراءة العقلية .

فإن قلت : قد تقدّم آنفاً أنّ المسبّب والسبب بمعنى مجعولية سببيته مجعولان شرعاً ، ولا طريق إلى معرفة إحراز السبب سوى بيانه ونقله ، والمفروض أنّ ما وقع تحت دائرة البيان إنّما هو الأقلّ ، والمشكوك لايمكن العقاب عليه على فرض دخالته ; لكون العقاب عليه عقاباً بلا بيان .

قلت : إنّ المكلّف وإن كان في فُسحة من ناحية السبب ; لجريان البراءة في سببية الجزء المشكوك ، لكنّه مأخوذ من ناحية تعلّق الأمر الشرعي بالمفهوم المبيّن ـ أعني المسبّب ـ فلا يصحّ رفع اليد عن الحجّة إلاّ بحجّة اُخرى . وحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان في ناحية السبب لايكون حجّة على المسبّب .

وأمّا البراءة الشرعية : فغاية ما يمكن أن يقال : إنّ الشكّ في تحقّق المسبّب وعدمه ناش من اعتبار أمر زائد في السبب وعدمه ، وبما أنّ سببية السبب مجعولة شرعاً فيرفع جزئية المشكوك للسبب ، فيرتفع الشكّ في ناحية المسبّب ، فيحكم بتحقّقه ; لوجود الأقلّ وجداناً ورفع الزيادة بحديث الرفع ، ويرفع الشكّ عن تحقّق السبب ، فيحكم بأنّه موجود . وليست السببية عقلية حتّى يكون من الأصل المثبت .

وفيه : أنّ الشكّ في تحقّق المسبّب ليس ناشئاً من دخالة الجزء المشكوك وعدمها ، بل من كون الأقلّ تمام المؤثّر وتمام السبب . ورفع جزئيته لايثبت كونه كذلك إلاّ على القول بالأصل المثبت .


(333)

والحاصل : أنّ المسبّب يترتّب حسب الجعل على السبب الواقعي التامّ ، وليس رفع الزيادة مثبتاً لذلك بالأصل حتّى يرتفع الشكّ من المسبّب .

وليس عدم الزيادة وحصول الأقلّ سبباً بنحو التركيب حتّى يحرز أحد الجزئين بالوجدان والآخر بالأصل ، ويترتّب عليه المسبّب ; ضرورة أنّ تمام السبب حينئذ هو الأقلّ ، والزيادة لاتكون دخيلة في حصول المسبّب وجوداً وعدماً حتّى يؤخذ عدمها جزءً للسبب .

نعم ، لو دلّ الدليل على أنّه كلّما تحقّق الأقلّ ولم يتحقّق الزيادة وجد المسبّب كان للتوهّم مجال ، لكنّه خارج عن مبحث الأقلّ والأكثر .


(334)

المطلب الرابع
في الشبهة الموضوعية من الأقلّ والأكثر الارتباطيين

فالأولى أن نذكر الصور المتصوّرة في المقام ، ثمّ نجول حول ما قيل أو يمكن أن يقال ، مع بيان ما هو المختار :

الأقسام المتصوّرة في الشبهة الموضوعية

إنّ تعلّق الحكم على العناوين الواقعة تحت دائرة الحكم يتصوّر على وجوه أربعة :

الأوّل : أن يتعلّق الحكم على الطبيعة بوجودها الساري والاستغراق الأفرادي ، ويسمّى العامّ الاُصولي .

الثاني : أن يتعلّق بها بوجودها المجموعي ، ويسمّى العامّ المجموعي .

والفرق بينهما : أنّ المحكوم بالحكم في الأوّل كلّ فرد منها وفي الثاني مجموع الأفراد ، وفي الأوّل عصيانات وامتثالات بخلاف الآخر ; فإنّ فيه امتثالا واحداً وعصياناً كذلك .

الثالث : أن يتعلّق الحكم بنفس الطبيعة ; أعني الماهية من حيث هي هي .

الرابع : أن يتعلّق الحكم بها على نحو صرف الوجود ; أعني ناقض العدم عند البعث إليها ، أو ناقض الوجود عند الزجر عنها .

وهناك قسم خامس : نبّه عليه بعض الأعاظم(1) ; وهو أن يكون متعلّق الحكم


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 394 ـ 395 .


(335)

القضية المعدولة على وجه الناعتية ; بأن يطلب من المكلّف كونه لا شارب الخمر ، ولكن المذكور صرف تصوّر ; ولذلك ضربنا عنه صفحاً .

ثمّ إنّ الحكم قد يتعلّق بالموضوع الخارجي ، كقولك : «أكرم العلماء» ، فإنّ العلماء موضوع لمتعلّق الحكم ; أعني «الإكرام» ، وقد لايكون كذلك ، كقوله : «صلّ» والفرق بينهما واضح ; فإنّ المتعلّق ما هو مصبّ الحكم ومتعلّقه ; أعني «الإكرام» و «الصلاة» ، والموضوع متعلّق المتعلّق .

ثمّ إنّه قد يكون الشكّ في أصل التكليف ، وقد يكون في جزئه أو شرطه ، أو مانعه أو قاطعه .

وهـذه هي الأقسام المتصوّرة . وبما أنّ الموضـوع والمتعلّق لا يفترقان حسب النتيجة جعلناهما قسماً واحداً . وعلى أيّ حال : قد يكون التكليف أمراً وقد يكون نهياً .

وإليك بيان حال الأقسام في ضمن أمرين :

الأمر الأوّل : حال الأقسام فيما إذا كان الحكم نفسياً

القسم الأوّل : إذا تعلّق الحكم الوجوبي النفسي على الموضوع على نحو العامّ الاستغراقي فالحقّ فيه البراءة ; فإنّ مصبّ الحكم حسب الدليل وإن كان عنوان الكلّ وأشباهه إلاّ أنّه عنوان مشير إلى الأفراد ، وقد جعله المولى وسيلة لبعث المكلّف إلى إكرام كلّ واحد واحد من الأفراد .

ولم يتعلّق الحكم بعنوان واحد حتّى نشكّ في انطباقه على المأتي به ; فإنّ لفظة «كلّ» في قوله : «أكرم كلّ عالم» أو «صلّ مع كلّ سورة» لم يكن له موضوعية ، بل واسطة لإيصال الحكم إلى الموضوعات الواقعية ، وهي أفراد الطبيعة .


(336)

وإن شئت قلت : إنّ هنا أحكاماً وموضوعات وإطاعات وعصيانات ; فمن علم كونه من مصاديق الموضوع فقد علم تعلّق الحكم به ، ومن شكّ كونه عالماً أو لا فقد شكّ في تعلّق الحكم عليه ، فيقع مصبّ العقاب بلا بيان ، أو البراءة الشرعية .

وما يقال : إنّ وظيفة المولى بيان الكبريات لا الصغريات ، فما يرجع إليه إنّما هو بيان الحكم الكلّي ، والمفروض أنّه بيّنه . وأمّا أنّ هذا فرد أو لا فخارج عن وظيفته ، فلابدّ من الاحتياط ; خروجاً عن مخالفته في الأفراد الواقعية التي تمّ بيانه بالنسبة إليها .

وإن شئت قلت : لابدّ للمكلّف من الخروج عن عهدة تلك الكبرى المعلومة يقيناً ، وهو لا يحصل إلاّ بالاحتياط(1).

فغير تامّ ; فإنّ الكبرى الكلّية ليست بياناً للفرد المشكوك بالضرورة ، وتعلّقها على الأفراد الواقعية غير كونها بياناً للفرد المشكوك فيه .

وما ذكره من أنّ وظيفة المولى إنّما هو بيان الكبريات لا المصاديق وإن كان صحيحاً إلاّ أنّ العقاب لايصحّ إلاّ مع تمام الحجّة على العبد ، والكبرى لا تصير حجّة على الصغرى ، بل لابدّ من عثوره عليها بطريق عقلائي أو علمي .

وإن شئت قلت : إنّ ما هو موضوع حكمه هو قبح العقاب بلا حجّة ، وهي مؤلّفة من صغرى وكبرى ، فلابدّ من قيام الحجّة على الصغرى والكبرى ; وإن قامت الحجّة عليها ، إلاّ أنّ الصغرى مشكوكة لم تقم الحجّة عليها .

وتوهّم قياس المقام بصورة العلم الإجمالي ـ فإنّ الكبرى فيه حجّة على الصغرى المشكوكة ـ قياس باطل ; فإنّ العلم الإجمالي قد تعلّق بالصغرى ، ولكنّه


1 ـ نهاية الاُصول : 329 .


(337)

مردّدة بين أمرين أو اُمور .

فالحجّة بالنسبة إلى الصغرى تامّة ، وعروض الإجمال لا تأثير له في تمامية الحجّة ، بخلاف المقام ; فإنّ الصغرى غير معلومة ; لا تفصيلا ولا إجمالا .

وإن شئت قلت : إنّ الشكّ في المقام شكّ في التكليف ، بخلافه في العلم الإجمالي . ولا أظنّ أنّه يحتاج إلى بيان أزيد من هذا .

القسم الثاني : تلك الصورة مع كون العامّ مأخوذاً على نحو العامّ المجموعي ; بأن أوجب إكرام مجموع العلماء ; بحيث يتعلّق الحكم على ذلك العنوان لا على ذات الأفراد ; ولو بتوسيط كلّ .

فلا محيص عن الاشتغال ; لأنّ ترك إكرام من يشكّ كونه عالماً ، والاكتفاء على إكرام من علم كونه عالماً يوجب الشكّ في تحقّق هذا العنوان الذي تعلّق به الأمر وقامت عليه الحجّة ، نظير الشكّ في المحصِّل ; وإن كان بينهما فرق من جهة اُخرى .

وإن شئت قلت : إنّ وصف الاجتماع مأخوذ في موضوع الحكم ، فيكون ما هو الموضوع أمراً وحدانياً في الاعتبار ـ وهو المجموع من حيث المجموع ـ ومع الشكّ في الموضوع يكون الشكّ في انطباق المأمور به على المأتي به .

وممّا ذكرنا يظهر : أنّ ما مثّله الشيخ الأعظم ـ رحمه اللّه ـ للمقام ، وحكم فيه بالاحتياط فيما إذا اُمر بالصوم بين الهلالين(1) في غاية الصحّة بناءً على هذا الفرض ; فإنّ ترك صوم يوم الشكّ من رمضان يوجب الشكّ في تحقّق هذا العنوان ، ومعه لا مناص من الاشتغال .


1 ـ فرائد الاُصول ، ضمن تراث الشيخ الأعظم 25 : 352 .


(338)

وأمّا ما أفاده بعض أعاظم العصر ـ رحمه اللّه ـ من الرجوع إلى البراءة عند تعلّق الحكم بالعامّ المجموعي ففي غاية الضعف .

وحاصل ما أفاده : أنّ مرجع الشكّ في عالمية بعض إلى الشكّ بين الأقلّ والأكثر الارتباطي ; فإنّه لم يتعلّق التكليف الاستقلالي بإكرام ما يشكّ في كونه من أفراد العلماء ، على تقدير أن يكون من أفراد العلماء واقعاً ; لأ نّه ليس هناك إلاّ تكليف واحد تعلّق بإكرام مجموع العلماء من حيث المجموع .

فيكون إكرام فرد من العلماء بمنزلة الجزء لإكرام سائر العلماء ، كجزئية السورة للصلاة ، فيرجع إلى الشكّ بين الأقلّ والأكثر الارتباطي ، غايته : أنّ التكليف بالسورة ليس له تعلّق بالموضوع الخارجي ، فلا يمكن أن يتحقّق الشبهة الموضوعية فيها ، بل لابدّ وأن تكون حكمية ، بخلاف المقام(1) ، انتهى .

وجه ضعفه ـ مضافاً إلى إمكان تصوير الشبهة الموضوعية في جزئية السورة ، كالشكّ في جزئية بعض السور التي يدّعيه الحشوية من العامّة وبعض الإمامية أنّها من القرآن(2) ; وإن كان واضح الفساد ، إلاّ أنّ تصويرها ممكن في حدّ نفسه ـ هو وضوح الفرق بين المقامين ; فإنّ الأمر في الأقلّ والأكثر الارتباطيين تعلّق بالأجزاء في لحاظ الوحدة ، وليست الصلاة عنواناً متحصّلا منها ; بحيث يشكّ في تحقّقها مع ترك الجزء أو الشرط .

فالشكّ في جزئية السورة شكّ في انبساط الأمر أو في داعويته المتعلّق


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4 : 202 ـ 203 .
2 ـ اُنظر مجمع البيان 1 : 83 ، بحر الفوائد 1 : 101 / السطر 8 .


(339)

بالمركّب على ما مرّ توضيحه(1) .

وأمّا المقام فالأمر تعلّق بعنوان خاصّ ـ أعني المجموع بما هو هو ـ وقد قامت الحجّة بما هو هو ، ومرجع الشكّ إلى انطباق المأتي به للمأمور به .

وبالجملة : الشكّ في المقام شكّ في تحقّق عنوان المأمور به ، بخلاف الشكّ في تقيّد الصلاة بشيء أو جزئية شيء لها .

القسم الثالث والرابع : تلك الصورة ، ولكن تعلّق الأمر بنفس الطبيعة أو على نحو صرف الوجود ، فالاشتغال أوضح ، فلايمكن الاكتفاء بالفرد المشكوك كونه من أفرادها في مقام إيجادها أو ناقض عدمها . فمرجع الشكّ إلى تحقّق المأمور به ـ الطبيعة أو صرف الوجود ـ بالفرد المشكوك فيه .

هذا كلّه في الحكم الوجوبي النفسي بأقسامه الأربعة .

وأمّا الحكم التحريمي النفسي : فلمّا لم يكن بعثاً ـ بل زجراً ـ فلا فرق في جريان البراءة بين صورها الأربعة :

أمّا الاستغراق منه : فواضح لكون مرجع الشكّ إلى تعلّق الحكم المنحلّ به ، ونظيره في الوضوح إذا تعلّق بنفس الطبيعة أو بصرف الوجود ; فإنّ مآل الشكّ في الجميع إلى تحقّق الفرد المبغوض . فالعقاب عليه عقاب بلا حجّة ، وكذا إذا تعلّق على نحو العامّ المجموعي . فلو قال : «لاتكرم مجموع الفسّاق» فله إكرام مَن علم فسقه ، مع ترك إكرام المشكوك فسقه ; للشكّ في تحقّق المبغوض بذلك .

هذا كلّه في الحكم النفسي وجوباً أو تحريماً .

وإليك بيان الأوامر والنواهي الغيرية في ضمن أمر آخر :


1 ـ تقدّم في الصفحة 296 .


(340)

الأمر الثاني : حال الأقسام فيما إذا كان الحكم غيرياً

أمّا الشرطية والجزئية : فالاستغراقي منها مورد للبراءة ، والمجموعي مورد للاشتغال ; لأنّ مرجع الشكّ في الأوّل إلى أنّه تعلّق الأمر الغيري الانحلالي به أو لا ، كالشكّ في جزئية السورة التي تخيّلها الحشوية من العامّة وبعض الخاصّة كونها جزءً من القرآن .

فلو كان قراءة سور القرآن مأخوذاً على نحو الجزئية فلا يجب قراءة المشكوك ، ويجـوز الاكتفاء بالمعلوم منها ، كما أنّ الشكّ في الثاني إلى تحقّق المأمـور به ـ عنوان المجموع ـ بترك السورة المشكوك فيها ، فلابدّ من الإتيان بها .

والذي يسهّل الخطب : كون القسمين من التصوّرات المحضة . وأمّا إذا كانت الشرطية أو الجزئية على نحو تعلّق الحكم بالطبيعة أو على نحو صرف الوجود فالاشتغال محكّم ، فلا يجوز الاكتفاء بسورة مع الشكّ في كونها من القرآن .

وأمّا المانعية والقاطعية : فملخّص القول في الأوّل : أنّ المانعية إن كانت مرجعها إلى مضادّية وجود المانع للمأمور به ـ كما هو كذلك في التكوين ـ فالظاهـر جريان البراءة مطلقاً ; سواء كانت على نحو العامّ الاستغراقي ; لكون مرجع الشكّ إلى تعلّق الحكم الغيري به مستقلاّ على نحـو الانحلال المعقول ، أم على نحو العامّ المجموعي ; للشكّ في تحقّق هذا العنوان مع ترك المشكوك ، وارتكاب عامّة ما علم كونه مانعاً ، كما هو الحال في النواهي النفسية ، أم على نحو القضية الطبيعية ، أم على صرف الوجود ; للشكّ في تحقّق المانع بارتكاب الفرد المشكوك . هذا ، مع أنّ للتأمّل في بعضها مجالا .


(341)

وإن كان مرجع المانعية إلى شرطية عدمه ـ على ما هو خلاف الاعتبار والتحقيق ـ فيصير حالها حال الشرط في الانحلال وعدمه ، ففي العامّ الاستغراقي يرجع إلى البراءة ; للشكّ في شرطية عدم هذا اللباس المشكوك كونه ممّا لا يؤكل في الصلاة .

وأمّا الثلاثة الباقية فالاشتغال هو المحكّم في العامّ المجموعي ; فلأنّ ما هو الشرط مجموع الأعدام ، فلابدّ من إحراز ذلك الشرط بترك المشكوك منه .

وأمّا إذا كانت بنحو القضية الطبيعية أو صرف الوجود ففي الرجوع إلى البراءة ـ لأنّ ما هو الشرط هو طبيعة العدم أو ناقضه ، وهو يحصل بترك اللباس المعلوم كونها ممّا لا يؤكل لحمه ـ أو إلى الاشتغال تردّد ; وإن كان الأوّل أوضح .

وأمّا القاطعية : فلو قلنا بأنّ اعتبارها باعتبار مضادّة الشيء مع الهيئة الاتّصالية المأخوذة في المركّب ، ومع الشكّ في عروض القاطع تجري فيه ما قلنا في المانع بالمعنى الأوّل ; أعني مضادّية وجوده للمأمور به .

ولكنّه لاتخلو عن إشكال لو قلنا بأنّ الهيئة الاتّصالية مأخوذة في المأمور به على وجـه العنوان ، وسيأتي تتميم ذلك في استصحاب الهيئة الاتّصالية عن قريب إن شاء الله(1) هذا تمام الكلام في الأقلّ والأكثر .

لابدّ من التنبيه على أمرين :


1 ـ يأتي في الصفحة 370 .


(342)

الأمر الأوّل
في أصالة الركنية في الأجزاء والشرائط

إذا ثبت جزئية شيء أو شرطيته للمركّب في الجملة فيقع الكلام في نقصه وزيادته عمداً أو سهواً في مقامات :

الأوّل : إذا ثبت جزئية شيء مثلا لمركّب فهل يوجب نقصه سهواً بطلان المركّب أولا ؟ وإن شئت قلت : هل الأصل العقلي هو الركنية أولا ؟

الثاني : بيان الأصل الشرعي في ذلك .

الثالث : في حال الزيادة العمدية والسهوية ، ومقتضى الأصل العقلي والشرعي .

الرابع : بعد ما ثبت جزئية الشيء على وجه الإطلاق في حالتي الذكر والسهو ، وبعبارة أوضح على القول بأصالة الركنية في الأجزاء والشرائط هل قام الدليل على خلافها ، وأنّ الناقص في حال النسيان يجزي عن الواقع التامّ ؟

فهذه مقامات أربعة ، ودونك بيانها :

المقام الأوّل
فيما يقتضيه الأصل العقلي بالنسبة إلى النقيصة السهوية

إذا ثبت جزئية شيء للمركّب فهل الأصل العقلي هو الركنية ، فيبطل المركّب لو أخلّ به سهواً ؟

وقبل الخوض في المقصود لابدّ من تنقيح محطّ البحث ، فنقول :

إنّ محلّ النزاع في المقام ـ على القول بالبراءة أو الاشتغال ـ هو ما إذا لم يكن


(343)

لدليل المركّب ولا لدليل الجزء والشرط إطلاق ; إذ لو كان لدليل المركّب إطلاق بالنسبة إلى ما عدا المنسي يقتصر في تقييده بالجزء المنسي بحال الذكر .

كما أنّه لو كان لدليل الجزء أو الشرط إطلاق بالنسبة إلى حالة النسيان يحكم بعدم سقوط وجوبه في حال النسيان ، ويكون المأتي به باطلا . نعم ليس هنا ضابط كلّي لبيان وجود الإطلاق وعدمه في المركّب والأجزاء والشرائط .

نعم ، لايبعد أن يقال : إنّ الأدلّة المتضمّنة لبيان حكم المركّبات إنّما هو في مقام أصل التشريع ، لا إطلاق لها غالباً ، كما أنّ أدلّة الأجزاء والشرائط لها إطلاق بالنسبة إلى الأحوال الطارئة . ومع ذلك كلّه : لابدّ من ملاحظة الموارد .

وربّما صار بعضهم إلى بيان الضابط ، وقال : إنّ أدلّة إثبات الأجزاء والشرائط ، وكذا الموانع إن كانت بنحو التكليف ، مثل قوله : «اغسل ثوبك» ، وقوله تعالى : (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ)(1) ، وقوله : «لا تصلّ في وبر ما لا يؤكل لحمه» ممّا لايمكن عمومها وشمولها لحال النسيان والغفلة ، فيختصّ جزئيته وشرطيته لحال الذكر ; لامتناع انتزاع الوضع المطلق من التكليف المختصّ بحال الذكر . وأمّا إذا كانت بنحو الوضع ، مثل قوله : «لا صلاة إلاّ بطهور» ، أو «بفاتحة الكتاب» فيمكن انتزاع الوضع المطلق ; لعدم انتزاعه من الخطاب أو التكليف المختصّ بحالة دون غيرها(2) .

وفيه : ما عرفت(3) في باب الخروج عن محلّ الابتلاء ، وأنّ المحذور إنّما هو في الخطاب الشخصي دون الكلّي القانوني ، وعليه فلا محذور إذا قلنا بأنّ قوله :


1 ـ المائدة (5) : 6 .
2 ـ اُنظر فرائد الاُصول ، ضمن تراث الشيخ الأعظم 25 : 363 ، نهاية الأفكار 3 : 424 .
3 ـ تقدّم في الصفحة 228 .


(344)

(فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ . . .) إلى آخره مطلق يعمّ حال الغفلة والنسيان ، فراجع .

وربّما يصار إلى ضابط آخر ـ مع تسليم امتناع شمول التكاليف المتقدّمة لحال النسيان والغفلة ـ ومحصّله : أنّه يمكن استفادة الإطلاق من هذه الأدلّة أيضاً لأجل اُمور :

منها : ظهور تلك الأدلّة في الإرشاد إلى الحكم الوضعي ، وأنّ ذلك جزء أو شرط أو مانع .

ومنها : أنّه لو سلّم ظهورها في المولوية ، لكن ليس امتناع تكليف الناسي والغافل من ضروريات العقول حتّى يكون كالقرينة الحافّة بالكلام مانعة من الظهور ، بل هو من النظريات المحتاجة إلى التأمّل في مبادئها ، فتكون حاله كالقرائن المنفصلة المانعة عن حجّية الظهور لا أصل الظهور .

فحينئذ يمكن أن يقال : إنّ غاية ما يقتضيه العقل المنع عن حجّية ظهورها في الحكم التكليفي دون الوضعي ، فيؤخذ بظهورها بالنسبة إلى إثبات الجزئية ونحوها .

ومنها : أنّه على فرض الإغماض عنه يمكن التمسّك بإطلاق المادّة لدخل الجزء في الملاك والمصلحة مطلقاً في حالتي الذكر والنسيان(1) .

أقول : هذا ما أفاده بعض محقّقي العصر ، وفيه مقامات للنظر :

منها : أنّ ما أفاده من أنّ تلك الأوامر إرشادات إلى الجزئية فإن أراد أنّ الهيئة مستعملة في إفادة الجزئية ، من دون أن يستعمل في البعث إلى الشيء فهو خلاف الوجدان ; لأ نّها غير منسلخة عن معانيها وحقائقها .

غاية الأمر : أنّ البعث إلى جزء المركّب وشرطه يفهم منه العرف الإرشاد إلى كونه جزءً أو شرطاً ، كما أنّ النهي عن الصلاة في وبر ما لايؤكل لحمه المستعمل في


1 ـ نهاية الأفكار 3 : 424 .


(345)

الزجر عن إيجاد الصلاة فيه ينتقل منه العرف إلى أنّ النهي ليس لمفسدة ذاتية ، بل لأجل ما نعيته عنها .

وإن أراد أنّها مستعملة في البعث والزجر ، غير أنّا ننتقل إلى الجزئية والشرطية المطلقة فهو غير تامّ ; لأنّ استفادة الحكم الوضعي بتبع تعلّق التكليف على ذات الجزء والشرط ، فحينئذ يكون الإرشاد بمقدار إمكان تعلّق التكليف ، وإلاّ فلا دليل على الإرشاد .

ومنها : أنّ ما أفاده من أنّه يؤخذ بأحد الظهورين ويطرح الآخر ; لأجل كون القرينة منفصلة غير ضروري ، ساقط من رأسه ; لأنّ الأخذ بأحدهما وطرح الآخر فرع وجود ظهورين عرضيين فيه ، فيرفع اليد عمّا يقتضيه العقل ; وهو سقوط إطلاق الحكم التكليفي دون إطلاق الحكم الوضعي .

وأمّا إذا كان الظهور الثاني في طول الأوّل ومن متفرّعاته ; بحيث يكون وجود الوضع وإطلاقه تابعاً لوجود التكليف وإطلاقه فلا يعقل ذلك بعد سقوط المتبوع وارتفاعه . وما قرع الأسماع من التفكيك في حجّيته بين الملزوم واللازم ليس المقام من ذلك القبيل .

أضف إلى ذلك : أنّ الحكم العقلي يكشف من عدم الظهور من أوّل الأمر ، وأنّه كان ظهوراً متخيّلا متزلزلا لا ثابتاً ، فيكون كالقرائن المتّصلة .

ومنها : أنّ التمسّك بإطلاق المادّة موهون جدّاً ; فلأنّ العلم باشتمال المادّة على مصلحة تامّة لازمة الاستيفاء يتوقّف إثباتاً وكشفاً على ورود أمر من الشارع ، ومع سقوط الأمر حال النسيان ـ كما هو مبنى القائل والقوم كلّهم ـ من أين حصل العلم باشتمالها على المصلحة التامّة ؟ ! نعم قد يقطع بقيام المصلحة بالمادّة الخالية من الأمر بجهات اُخر ، لكنّه خارج عن المقام .


(346)

إشكال الشيخ الأعظم على جريان البراءة بعدم إمكان خطاب الناسي

إذا عرفت ذلك فنقول : فهل الأصل العقلي عند ترك الجزء نسياناً هو البراءة والاكتفاء بالناقص ، أو الاشتغال ولزوم الإعادة ؟

فنقول : لا إشكال في عدم تنجّز الجزء المنسي في حال النسيان ، وإنّما الإشكال في ما عدا الجزء المنسي ، وأنّه هل يصحّ تكليفه بالإتيان بالباقي أولا ؟

اختار الشيخ الأعظم ، الثاني قائلا بأنّ ما كان جزءً حال العمد يكون جزءً حال الغفلة والنسيان ; لامتناع اختصاص الغافل والساهي بالخطاب بالنسبة إلى المركّب الناقص ; لأنّ الخطاب إنّما يكون للانبعاث ، ويمتنع انبعاث الغافل ; لأ نّه يتوقّف على توجّهه بالخطاب بعنوانه ، ومعه يخرج عن كونه غافلا ، فخطابه لغو ، فالأصل العقلي هو لزوم الاحتياط(1) .

التحقيق في الجواب وذكر أجوبة القوم

قلت : وقد أجاب القوم عن الإشكال بوجوه لا بأس بالإشارة إليها ، مع بيان ما هو المختار من الجواب عندنا ، فنقول :

الأوّل : ما ذكره سيدنا الاُستاذ ـ دام ظلّه ـ سابقاً : وهو مبني على مسلك القوم من أنّ النسيان مانع عن فعلية التكليف بالجزء المنسي(2) ، والمختار عندنا


1 ـ فرائد الاُصول ، ضمن تراث الشيخ الأعظم 25 : 363 .
2 ـ فرائد الاُصول ، ضمن تراث الشيخ الأعظم 25 : 363 ، فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4 : 210 ، نهاية الأفكار 3 : 419 .


(347)

غيره ; وأنّه كالعجز والجهل مانع عن التنجيز لا عن الفعلية(1) إنّ جريان البراءة لايتوقّف على اختصاص الناسي والساهي بالخطاب ، بل يكفي في ذلك الخطابات العامّة القانونية من قوله تعالى : (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَيْلِ)(2) والخطابات الواردة على العناوين العامّة ; من قوله تعالى : «يا أيّها الذين آمنوا» ، أو «يا أيّها الناس افعلوا كذا وكذا» .

ضرورة أنّ الغرض من الخطاب هو بعث المكلّف نحو العمل ، وهذه الخطابات كافية في البعث نحو العمل ، غير أنّ العالم والعامد يبعث منه إلى المركّب التامّ ، والساهي والغافل عن الجزء إلى المركّب الناقص ; لأنّ المفروض هو سقوط التكليف بالجزء عن الناسي ، وأنّه فرق بينه وبين غيره في تعلّق التكليف ، فيكون اختصاصه بالخطاب مع حصول الغرض بتلك الخطابات لغواً .

وإذا فرض أنّ الصلاة التامّة ذات مصلحة في حقّ الذاكر ، والصلاة الناقصة ذات مصلحة وذات ملاك بالنسبة إلى غيره ، والمفروض ـ كما عرفت ـ وجود خطاب واحد باعث لهما نحو المطلوب القائم به الملاك ، يكون المقام ـ حينئذ ـ من صغريات الأقلّ والأكثر إذا أتى الناسي بالمركّب ثمّ تنبّه ; لأنّ الناسي بعد ما أتى بالمركّب الناقص ووقف على الجزء المنسي يشكّ في أنّ الجزء المنسي هل كان له اقتضاء بالنسبة إليه في حال النسيان حتّى يحتاج إلى الإعادة أو لا اقتضاء له ; فتجري في حقّه البراءة ، بعين ما قدّمناه في الأقلّ والأكثر(3) ، من غير فرق بين النسيان المستوعب وغيره ; لأنّ الأمر الداعي إلى المركّب داع بعين تلك الدعوة إلى


1 ـ تقدّم في الصفحة 228 ـ 231 .
2 ـ الإسراء (17) : 78 .
3 ـ تقدّم في الصفحة 291 ـ 297 .


(348)

الأجزاء ، والمفروض أنّ الأجزاء التي كان الأمر بالمركّب داعياً إليها قد أتى بها الناسي ، وبعد الإتيان بها يشكّ في أنّ الأمر هل له دعوة اُخرى إلى إتيانها ثانياً حتّى يكون داعياً إلى إتيان الجزء المنسي أيضاً أولا ؟ ومع الشكّ فالأصل البراءة(1) .

هذا ما أفاده ـ دام ظلّه ـ في الدورة السابقة ، وقد أوضحه ـ دام ظلّه ـ في الدورة اللاحقة بما هذا مثاله :

إنّ من الممكن أن يكون الغرض المطلوب في حقّ الذاكر قائماً بالصلاة التامّة ، وفي حقّ الناسي بالناقصة منها ، وهذا أمر ممكن ليس بمستحيل ثبوتاً . ولك أن تقول : إنّ الصلاة التامّة في حقّ الذاكر ما يأتي به من الأجزاء ، كما أنّ الصلاة التامّة للناسي هي الأجزاء ما عدا المنسي . فكلّ منهما صلاة تامّة في حالتين .

ثمّ إنّ الأمر المتعلّق بالمركّب داع كلّ فريق من العامد والذاكر والساهي والغافل إلى العنوان الذي تعلّق به الأمر ، ومقتضى الإرادة الاستعمالية كون المأمور به أمراً واحداً في حقّ الجميع ، غير مختلف من حيث الكيفية والكمّية .

إلاّ أنّه لمّا كانت الجدّية على خلافها ، وكان الناسي في اُفق الإرادة الجدّية محكوماً بما عدا المنسي وجب على المولى توضيح ما هو الواجب في حقّ الناسي بدليل عقلي أو نقلي ، وتخصيص جزئية المنسي بحال الذكر ـ كما هو الحال في سائر المواضع ، فحينئذ ينحصر داعوية الأمر المتعلّق بالمركّب إلى ما عدا المنسي ، من دون حاجة إلى الأمرين ، مع حصول الغرض بأمر واحد .

وبالجملة : ما ذكرناه أمر ممكن يكفي في رفع الاستحالة التي ادّعاه الشيخ الأعظم ـ رحمه اللّه ـ . فعلى هذا فلو فرض أنّ المكلّف الناسي أتى بما عدا المنسي ثمّ تذكّر


1 ـ أنوار الهداية 2 : 336 ـ 338 .


(349)

يشكّ بعد ذكره في داعوية الأمر المتعلّق بالمركّب إلى الأجزاء التامّة ثانياً ، والأصل يقتضي البراءة .

هذا كلّه على مباني القوم ، وأمّا إذا قلنا بأنّ النسيان والغفلة كالجهل والعجز أعذار عقلية ، مع بقاء التكليف على ما كان عليه ، فمع ترك الجزء نسياناً يجب الإعادة إذا كان لدليل الجزء إطلاق ; لعدم الإتيان بالمأمور به بجميع أجزائه ، ومع عدم الإطلاق فالبراءة محكّمة ; لرجوع الشكّ إلى الأقلّ والأكثر .

الثاني : الالتزام بعدم الخطاب أصلا ; لا بالتامّ ـ لأ نّه غير قادر بالنسبة إليه ـ ولا بالناقص المأتي به ـ لأ نّه غير قابل بالخطاب ـ فتوجيه الخطاب إليه لغو محض .

ثمّ إنّه إذا ارتفع النسيان يشكّ الناسي في أنّه هل صار مكلّفاً بالإتيان بالمركّب التامّ أولا ; لاحتمال وفاء الناقص بمصلحة التامّ ، ومع الشكّ فالأصل البراءة . وثبوت الاقتضاء بالنسبة إلى الجزء الفائت لا دليل عليه ، والأصل البراءة عنه ، كما هو الشأن في الأقلّ والأكثر(1) .

قلت : هذا الوجه وجيه على مباني القوم من سقوط الخطاب عن الناسي والغافل ، وأمّا على المختار فالتكليف باق ; وإن كان الساهي معذوراً ، لكنّه غير السقوط من رأس . أضف إلى ذلك : ما عرفت من إمكان بعثه إلى الناقص ، كما تقدّم .

الثالث : ما نقله بعض أعاظم العصر ـ رحمه اللّه ـ عن تقريرات بعض الأجلّة لبحث الشيخ الأعظم من إمكان أخذ الناسي عنواناً


1 ـ اُنظر درر الفوائد ، المحقّق الحائري : 491 ـ 492 .


(350)

للمكلّف ; وتكليفه بما عدا الجزء المنسي . وحاصله : أنّ المانع من ذلك ليس إلاّ توهّم كون الناسي لا يلتفت إلى نسيانه في ذلك الحال ، فلا يمكنه امتثال الأمر ; لأ نّه فرع الالتفات إلى ما اُخذ عنواناً للمكلّف . ولكنّه مدفوع : بأنّ امتثال الأمر لايتوقّف على الالتفات إلى ما اُخذ عنواناً له بخصوصه ، بل يمكن الامتثال بالالتفات إلى ما ينطبق عليه ; ولو كان من باب الخطأ في التطبيق ، فيقصد الأمر المتوجّه إليه بالعنوان الآخر . فالناسي للجزء يقصد الأمر الواقعي له ; وإن أخطأ في تطبيق أمر الذاكر عليه .

وأورد عليه بعد نقله : بأنّه يعتبر في صحّة البعث والطلب أن يكون قابلا للانبعاث عنه ; بحيث يمكن أن يصير داعياً لانقداح الإرادة وحركة العضلات نحو المأمور به ; ولو في الجملة . وهذا التكليف الذي يكون دائماً في الخطأ في التطبيق لايمكن أن يكون داعياً أصلا ، فهو لغو .

ولا يقاس هذا بأمر الأداء والقضاء ; لأنّ الخطأ في التطبيق فيهما قد يتّفق ، بخلاف المقام(1) .

ويرد على المورد : أنّه بعد تصديق كون الأمر الواقعي المتعلّق بالناسي بعنوان أنّه ناس محرّكاً واقعاً ، وإنّما وقع الخطأ في تطبيق عنوان أمر الذاكر على الناسي لامجال للإشكال ; لأنّ المفروض أنّ المحرّك للناسي دائماً إنّما هو الأمر الواقعي المتعلّق به ، لا الأمر المتوجّه إلى الذاكر .

نعم ، يرد على المجيب : أنّ هذا الأمر غير محرّك أصلا ; لأنّ البعث فرع الوصول ، وهو بعد لم يصل ، بل المحرّك له هو أمر الذاكر ; لتوهّمه أنّه ذاكر .

والشاهد عليه : أنّ الناسي منبعث نحو المأمور به ; سواء كان للناسي خطاب يخصّه أو لا .

فدعوى : أنّ الأمر الواقعي المتوجّه إلى الناسي محرّك له واقعاً ـ وإن كان الخطأ في التطبيق ـ ممنوعة .


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4 : 211 ـ 212 .


(351)

الرابع : ما ذكره المحقّق الخراساني(1) ، واختاره بعض أعاظم العصر ـ رحمه اللّه ـ ، وهو : أنّ المأمور به في حقّ الذاكر والناسي إنّما هو ما عدا المنسي ، غير أنّ الذاكر يختصّ بخطاب يخصّه بالجزء المنسي ، والمحذور في تخصيص الناسي بالخطاب لا الذاكر(2) .

وفيه : أنّه لاداعي للخطابين بعد انبعاث الفريقين من الخطاب الواحد ، على ما تقدّم توضيحه(3) .

هذه جملة ما قيل من الأجوبة في رفع الإشكال وتصحيح جريان البراءة في المقام . فعلى هذه الوجوه : إنّ الأصل العقلي في الجزء المنسي يقتضي البراءة إذا لم يكن لدليل الجزء إطلاق .

تفصيل المحقّق النائيني بين نسيان المستوعب للوقت وعدمه

ثمّ إنّ التدبّر الصحيح في هذه الوجوه يعطي عدم الفرق في الرجوع إلى البراءة بين النسيان المستوعب للوقت وعدمه .

إلاّ أنّه يظهر من بعض أعاظم العصر التفصيل ، ومحصّل ما أفاده ما يلي : إنّ أصالة البراءة عن الجزء المنسي في حال النسيان لاتقتضي عدم وجوب الفرد التامّ في ظرف التذكّر ، بل مقتضى إطلاق الأدلّة وجوبه ; لأنّ المأمور به هو صرف الطبيعة التامّة في مجموع الوقت ، ويكفي في وجوب ذلك التمكّن من إيجادها كذلك ـ ولو في جزء من الوقت ـ ولا يعتبر التمكّن في تمامه ، كما هو الحال في سائر الأعذار .

والحاصل : أنّ رفع الجزئية بأدلّة البراءة في حال النسيان لا يلازم رفعها في


1 ـ كفاية الاُصول : 418 .
2 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4 : 213 ـ 214 .
3 ـ تقدّم في الصفحة 346 ـ 348 .


(352)

ظرف التذكّر ; لأنّ الشكّ في الأوّل يرجع إلى ثبوت الجزئية في حال النسيان ، وفي الثاني يرجع إلى سقوط التكليف بالجزء في حال الذكر .

هذا إذا لم يكن المكلّف ذاكراً في أوّل الوقت ثمّ عرض له النسيان في الأثناء ، وإلاّ فيجري استصحاب التكليف للشكّ في سقوطه بسبب النسيان الطارئ الزائل في الوقت(1) ، انتهى .

وفيه : أنّ القائل قد وافق القوم في سقوط التكليف بالجزء المنسي ، فحينئذ يرجع الشكّ بعد التذكّر إلى حدوث التكليف بالجزء ، وتوجد داعوية اُخرى للتكليف الثابت للمركّب بالنسبة إلى بقية الأجزاء المأتي بها ، والأصل يقتضي البراءة .

وما أفاده : من أنّ المأمور به صرف الطبيعة التامّة في مجموع الوقت ، وكفاية التمكّن فيه في الجملة صحيح لو كان تاركاً لها من رأس ، وأمّا بعد ما أتى بالمركّب الناقص ، وفرضنا سقوط التكليف بالجزء المنسي فتوجّه التكليف إليه بالنسبة إلى الجزء المنسي ، أو تجدّد داعوية للمركّب بالنسبة إلى الباقي مشكوك مورد للبراءة .

ومنه يعلم : حال ما إذا كان ذاكراً في أوّل الوقت ، ثمّ طرء عليه النسيان وأتى بالمركّب بما عدا الجزء المنسي ثمّ ارتفع العذر ، فحينئذ فالتمسّك باستصحاب التكليف الموجود أوّل الوقت غريب ; لأ نّا نعلم بانعدام الأمر الأوّل بعروض النسيان ، وأنّه فات ومات به ، فكيف يجوز استصحابه ؟ !

وإن أراد منه التمسّك بإطلاق دليل الجزء فهو مخالف لمفروض البحث على ما نبّهنا عليه مراراً .


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4 : 220 ـ 221 .


(353)

المقام الثاني
فيما يقتضيه الأصل الشرعي في النقيصة السهوية

لو ثبت لدليل الجزء أو الشرط إطلاق بالنسبة إلى حال النسيان فهل يجوز التمسّك بحديث الرفع(1) في تقييد إطلاقه وتخصيصه بحال الذكر أو لا يجوز ؟ ولو لم يجز التمسّك فإطلاق الجزء والشرط محكّمان .

وليعلم : أنّ محطّ البحث في المقام غير ما في المقام السابق ; لأنّ البحث فيما مضى كان في مقتضى الأصل العقلي ، وموضوعه كون المورد ممّا لم يرد فيه بيان من المولى ; ولذا اشترطنا فيه عدم وجود إطلاق لدليل الجزء والشرط .

وأمّا المقام فالحديث حديث حكومة وتقييد ، وهو فرع وجود إطلاق لدليلهما ; بمعنى أنّه يلزم أن يكون للمحكوم وجود أو شأنية له .

هذا كلّه في غير جملة : «ما لا يعلمون» ، وأمّا تلك الجملة فهي والبراءة العقلية متساوقان متّحدان شرطاً ومورداً ومصبّاً ، وإنّما البحث في المقام هو التمسّك بالنسيان وغيره .

صحّة التمسّك بحديث الرفع في رفع جزئية المنسي

واعلم : أنّ الحقّ هو جواز التمسّك بحديث الرفع في رفع جزئية المنسي في حال النسيان ، وتخصيصه بحال الذكر . ولازم ذلك إجزاء ما أتى به من المركّب


1 ـ التوحيد ، الصدوق : 353 / 24 ، الخصال : 417 / 9 ، وسائل الشيعة 15 : 369 ، كتاب الجهاد ، أبواب جهاد النفس ، الباب 56 ، الحديث 1 .


(354)

الناقص ، وكونه تمام المأمور به في حقّه . وتوضيحه يحتاج إلى بيان اُمور :

الأوّل : قد وافاك فيما مضى(1) أنّ متعلّق الأمر عنوان إجمالي ـ هي عين الأجزاء لكن في لحاظ الوحدة ـ كما أنّ الأجزاء عين ذلك العنوان لكن في لحاظ التفصيل ، وقد عرفت أنّ داعوية الأمر إلى المركّب عين داعويته إليها ، لابدعوة اُخرى مستقلّة ، ولابدعوة ضمنية ولاغيرية :

أمّا الدعوة المستقلّة المغايرة للدعوة إلى المركّب فظاهر الفساد . وأمّا الضمني أو الغيري فلا حاجة إليهما .

فلو قال المولى : «ابن مسجداً» ليس له إلاّ امتثال هذا الأمر ، فكلّ ما يصدر من البنّاء ; من الحركات والسكنات ورفع القواعد والجدار مأمور به بذلك الأمر ، وفعله امتثال له ، لاامتثال لأمر ضمني أو غيري ; إذ بناء المسجد ليس إلاّ هذا وذاك وذلك في لحاظ الوحدة . وقس عليه باقي المركّبات الاعتبارية .

الثاني : أنّ الرفع في كلّ من العناوين التسعة لم يتعلّق برفع ما تعلّق به الإرادة الجدّية ; لاستلزامه النسخ المستحيل ، بل تعلّق برفع ما تعلّق به الإرادة الاستعمالية ، على ما هو المتعارف بين أصحاب التقنين ; من طرح القوانين الكلّية أوّلا ، وذكر مخصّصاتها وقيودها في ضمن فصول اُخر ، وهو يكشف عن أنّ الإرادة اللبّية لم يتعلّق إلاّ بغير مورد التخصيص والتقييد والحكومة ، كما أنّ عدم العثور على الدليل يكشف عن تطابق الإرادتين .

الثالث : قد أوضحنا حال كلّ واحد من العناوين في مبحث البراءة ، فلا حاجة إلى الإطالة . وقد عرفت هناك : أنّ الرفع وإن اُسند إلى النسيان إلاّ أنّه غير


1 ـ تقدّم في الصفحة 294 ـ 295 .


(355)

مرتفع بالوجدان(1) . والقول بأنّ المصدر بمعنى المنسي على نحو المجاز في الكلمة(2) خارج عن الذوق العرفي . بل الحقّ : أنّ صحّة الإسناد إليه مبني على أمرين : ادّعاء أنّ النسيان عين المنسي ; لعلاقة بينهما ، وادّعاء أنّ رفع المنسي باعتبار رفع ما له من الأحكام حسب الإطلاقات والعمومات ; بحيث لولا حديث الرفع لكان الالتزام بمفادهما لازماً .

الرابع : أنّ النسيان المتعلّق بالموضوع هل هو متعلّق بوجود الطبيعة أو بعدمها ؟ الظاهر : لا ذا ولا ذاك ، بل هو متعلّق بنفس الطبيعة ; فإنّ المصلّي غفل عن نفس الطبيعة وحضورها في الذهن ; ولذلك قلنا(3) : إنّ الأثر المرفوع إنّما هو جميع الآثار ، لا المؤاخذة والأثر المناسب ; لأنّ رفع الطبيعة يناسبها رفع ما له من الآثار ; من وجوب وحرمة ، وشرطية وجزئية ، وقاطعية ومانعية ، وغيرها .

الخامس : أنّ نسبة الرفع إلى الاُمور التسعة ليس على نسق واحد ; فإنّ منها ما اُسند فيه الرفع إلى الموصول وصلته ، كما في : «ما لا يعلمون» و «ما اضطرّوا» و «ما استكرهوا» ، وفي بعض اُسند إلى نفس اللفظ ، كما في النسيان والخطأ .

ويحتمل أن يكون ذلك اقتداءً بالكتاب العزيز ; حيث قال عزّ من قائل : (رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأنا . . . رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ)(4) ; حيث غيّر سبحانه نسق الكلام ; إذ «ما» وصل بالثالث .


1 ـ تقدّم في الصفحة 26 و 39 .
2 ـ نهاية الأفكار 3 : 211 .
3 ـ تقدّم في الصفحة 39 ـ 42 .
4 ـ البقرة (2) : 286 .


(356)

ويحتمل أن يكون الوجه في ذلك هو أنّ ما يأتي به الإنسان لأجل الاضطرار والإكراه ، أو يتركه لأجلهما ينطبق عليه ذانك العنوانان دائماً ، فلو أكل الميتة وترك الصلاة عن اضطرار ، أو باع داره وأفطر الصوم عن إكراه يصدق على كلّ من المأتي والمتروك أنّه مضطرّ إليه ومكره إليه .

وأمّا النسيان والخطأ فإنّ الصادر عن الإنسان لأجلهما : تارة يصدق عليه النسيان والخطأ بالمعنى المفعولي على الوجه الذي قدّمناه ، كترك الجزء والشرط نسياناً .

وقد لا يصدق عليه ذلك ، إلاّ أنّ النسيان والخطأ مبدألصدوره أو تركه ، كإيجاد الموانع والقواطع في الصلاة من المصلّي العالم بإبطال الضحك ، الغافل عن كونه في الصلاة ; فإنّ الضحك صادر عن الإنسان عمداً بلا إشكال ، إلاّ أنّ المبدأله هو نسيان كونه في الصلاة . وقس عليه الخطأ ، فالضحك وإن كان لايصدق عليه أنّه ممّا نسي أو المنسي إلاّ أنّه ممّا للنسيان في وجوده دخالة ، وعليه : فالتعبير باللفظ البسيط دون الموصول وصلته لأجل كون المرفوع عامّاً ; أي سواء كان الشيء منسياً أو كان النسيان فيه مبدأ، كالقواطع والموانع التي تصدر عن المصلّي عمداً ، مع الغفلة عن كونه في الصلاة .

إذا عرفت هذه الاُمور : يتّضح لك صحّة التمسّك بحديث الرفع لرفع الجزئية في حال النسيان وإن كان النسيان نسيان الموضوع ، ويصير نتيجة الأدلّة الأوّلية ـ إذا فرض إطلاقها لحال النسيان ، إذا ضمّت إلى الحديث الحاكم عليها ـ أنّ المأمور به هو الباقي حال النسيان .

ووجهه بعد التأمّل فيما تقدّم ظاهر ; إذ قد عرفت : أنّ الأمر المتعلّق بالمركّب له داعوية إلى أجزائها بعين تلك الدعوة ، فلو قام الدليل على أنّ دعوة المركّب إلى


(357)

هذا الجزء في حال النسيان وإن كان ثابتاً بالدليل الأوّل إلاّ أنّه لم يتعلّق به الإرادة الجدّية في تلك الحالة ، من دون تعرّض لباقي الأجزاء والشرائط غير المنسية فلا محالة ينحصر دعوته بالباقي منهما .

وقد مرّ(1) أنّ رفع الجزء ـ أعني «الحمد» في حالة النسيان ـ معناه رفع ما له من الآثار والأحكام عامّة ، ومن الآثار : الجزئية والشرطية .

فما يقال : إنّ أثر وجود الجزء هو الصحّة ، ورفعها يناقض المطلوب(2) ليس بشيء ; لما عرفت أنّ المنسي المرفوع هو نفس الطبيعة لاوجودها .

أضف إلى ذلك : أنّ وجود الطبيعة في الخارج عين الطبيعة ، والصحّة ليست أثراً جعلياً ، بل لايمكن أن تكون مجعولة إلاّ بمنشأها ، وما هو المجعول هو الجزئية أو الشرطية على ما هو التحقيق من صحّة تعلّق الجعل بهما .

وكيف كان : فالمرفوع لبّاً هو الشرطية أو الجزئية أو القاطعية أو المانعية .

فيما أورد المحقّق العراقي على التمسّك بحديث « رفع. . . النسيان »

هذا توضيح المختار ، ولابدّ من دفع ما استصعبه بعضهم من الإشكالات ; حتّى يتّضح الحقيقة بأجلى مظاهرها ، فنقول :

منها : أنّ ما هو جزء للصلاة إنّما هو طبيعة الشيء ، والجزئية من أوصافها . والنسيان لم يتعلّق بالطبيعـة حتّى يرتفع آثارهـا ، وإنّما تعلّق بوجـودها ، وهـو ليس جزءً(3) .


1 ـ تقدّم في الصفحة 355 .
2 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3 : 353 ـ 354 .
3 ـ نهاية الأفكار 3 : 429 .


(358)

وفيه : أنّ المنسي بالضرورة نفس الطبيعة ; بمعنى حضورها في الذهن . فإن أراد القائل من تعلّقه بالوجود تعلّقه بالفرد الخارجي فواضح الفساد ; وإن كان المراد إيجاد الطبيعة فهو يرجع إلى ما ذكرنا .

ومنها : أنّه إن اُريد من رفع الجزئية عن الجزء رفعها في مقام الدخل في الملاك فلا شبهة أنّه أمر تكويني لايقبل الرفع التشريعي .

وإن اُريد رفعها بلحاظ انتزاعها عن التكليف الضمني ففيه : أنّ الحديث يختصّ بما لولاه لكان قابلا للثبوت تكليفاً أو وضعاً ، والتكليف الفعلي مرتفع عن المنسي بعروض النسيان ، بملاك استحالة التكليف بما لا يطاق ، فالتكليف مرتفع مع قطع النظر عن الحديث(1) .

قلت : إنّ ذلك يناقض مع ما مرّ(2) من القائل من القول بالجزئية المطلقة فيما إذا كان لسان الدليل لسان وضع ، أو لسان تكليف لكن على وجه الإرشاد إلى الجزئية ، وما نقلناه هناك عن القائل نصّ في إمكان جعل الجزئية بالنسبة إلى الغافل والجاهل ، ولايلزم منه التكليف بما لايطاق .

بل ذكر ـ رحمه اللّه ـ في موضع من كلامه : أنّ البحث عن البراءة الشرعية في المقام فيما إذا ثبت لأدلّة الأجزاء والشرائط إطلاق ; بحيث لولاه لما كان للبحث عنها مجال . ولكنّه زعم في المقام أنّ ثبوت الإطلاق في حال النسيان يوجب التكليف بما لا يطاق(3) . ولعلّه من عثرات ذهنه أو قلمه الشريف .


1 ـ نهاية الأفكار 3 : 429 .
2 ـ تقدّم في الصفحة 344 .
3 ـ نهاية الأفكار 3 : 426 .


(359)

ومنها : ما يستفاد من تقريرات العلمين أنّه ليس في المركّب إلاّ طلب واحد متعلّق بعدّة اُمور متباينة ، وينتزع جزئية كلّ من انبساط ذلك الطلب إلى الكلّ ، لا أنّ جزئية كلّ مستقلّة بالجعل .

فحينئذ : رفع الجزئية برفع منشأ انتزاعها ; وهو رفع التكليف عن المركّب ، فلابدّ من القول بأنّ التكليف مرفوع عن المركّب بحديث الرفع ; لتعلّق الرفع بمنشأ انتزاع الجزئية . ولايمكن إثبات التكليف لبقية الأجزاء ; إذ ـ مع كون الطلب واحـداً ، والمفروض ارتفاعه بارتفاع جزئية المنسي ـ لا معنى لوجوب البقية إلاّ بقيام دليل خاصّ(1) .

وفيه : أنّ رفع الجزئية في حال النسيان ليس معناه رفع الجزئية الثابتة بالأدلّة الأوّلية ـ رفعاً حقيقياً جدّياً ـ لما عرفت : أنّ ذلك من المستحيل في حقّه سبحانه(2) ، بل المراد هو الرفع القانوني ; بمعنى عدم الجعل من رأس ، وأنّ الإطلاق المستفاد من الدليل إنّما كان مراداً بالإرادة الاستعمالية لا الجدّية ، وأنّ الناسي والخاطئ لم يسبق إليهما التكليف في الأزل إلاّ بما عدا المنسي .

فالتحديد بالبقية لم يحصل بحديث الرفع ، وإنّما هو كاشف عن التحديد من حين تعلّق الأحكام .

وقد تقدّم أيضاً : أنّ الأمر المتعلّق بالمركّب له داعوية لكلّ جزء جزء بعين الدعوة إلى المركّب(3) . فلو قام الدليل على سقوط الجزئية في بعض الأحوال يفهم


1 ـ نهاية الأفكار 3 : 430 ، فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4 : 226 ـ 227 .
2 ـ تقدّم في الصفحة 354 .
3 ـ تقدّم في الصفحة 294 و 354 .


(360)

العرف من ضمّهما بقاء الدعوة إلى المركّب الناقص والأجزاء غير المنسية ، من غير فرق بين الجهل بالجزئية ونسيانها ، فراجع .

وممّا ذكرنا يعلم : دفع ما ربّما يقال : إنّ غاية ما يقتضي الحديث هو رفع بقاء الأمر الفعلي والجزئية الفعلية حال النسيان الملازم بمقتضى الارتباطية لسقوط التكليف عن البقية مادام النسيان .

وأمّا اقتضاؤه لسقوط المنسي عن الجزئية والشرطية في حال النسيان لطبيعة الصلاة المأمور بها رأساً ، على نحو يستتبع تحديد دائرة الطبيعة في حال النسيان بالبقية ، ويقتضي الأمر بالإتيان بها ، فلا ; بداهة عدم تكفّل الحديث لإثبات الوضع والتكليف ; لأنّ الحديث حديث رفع لاحديث وضع(1) .

توضيح الدفع ـ وإن أوضحنا دفعه فيما سبق ـ أنّ الوضع ليس بيد الحديث ، وإنّما شأنه الكشف عن عدم تعلّق الإرادة الجدّية بالجـزء المنسي حال النسيان ; وإن تعلّق به الإرادة الاستعمالية . وأمّا الوضع فالمتكفّل له إنّما هو نفس الأوامر الإلهية المتعلّقة بعناوين المركّبات ، فالبقية مأمور بها بنفس تلك الأوامر ، ومع رفع الجزئية تكون البقية مصداقاً للمأمور به ، ويسقط الأمر المتعلّق بالطبيعة ، وهـذا معنى الإجزاء .

ومنها : أنّه لابدّ في التمسّك بحديث الرفع من كون المرفوع له نحو تقرّر وثبوت ، فلا يتعلّق الرفع بالمعدومات ; وإن تنالها يد التشريع . ورفـع النسيان لو تعلّق بجزئية الجزء يكون من نسيان الحكم لا الموضوع ، والحال : أنّ المنسي نفس الجزء ; أي الإتيان به قولا وفعلا . ومعنى نسيانـه خلوّ صفحة الوجـود عنه ،


1 ـ نهاية الأفكار 3 : 429 .


(361)

فلا يعقل تعلّق الرفع به ; لأ نّه معدوم .

وأيضاً ليس محلّ البحث النسيان المستوعب ونسيان الجـزء في بعض الوقت كنسيان أصل المركّب ، فكما أنّ الثاني لايوجب سقوط التكليف رأسـاً كـذلك الأوّل(1) .

وفيه : أنّ متعلّق الرفع أمر وجودي ; وهـو الجزئيـة حـال نسيان الموضـوع ، ولا دليل على اختصاص الرفع على نسيان الحكم ، بل يعمّه ونسيان الموضوع . فالجزء الذي ثبت جزئيته للمركّب بالأدلّة الأوّلية مرفوع جزئيته حال نسيان الموضوع .

فما هو متعلّق الرفع إنّما هو أمر وجودي ; وهو الجزئية حال نسيان الموضوع . وكونه غير ناس للحكم وذاكراً له لايقتضي ثبوت الجزء ; من حيث نسيان الموضوع . وحديث الرفع يقتضي رفعه من حيث نسيانه للموضوع لا للحكم .

وأمّا قياس نسيان الجزء بنسيان أصل المركّب فمع الفارق ; لأ نّه مع عدم الإتيان بالمركّب لا معنى للإجـزاء ، بخلاف ما لو أتى بما عـدا المنسي ; فإنّ الناقص يصير مصداق المأمور به ، بعد حكومة الحديث على الأدلّة ، فالإتيان به يقتضي الإجزاء .


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4 : 225 ـ 226 .


(362)

المقام الثالث
في حال الزيادة العمدية والسهوية

تصوير الزيادة في الجزئية والشرطية

وقبل الخوض في بيانه لابدّ من التنبيه على أمر ، وهو : أنّ الزيادة في المأمور به أو المكتوبة لايتصوّر عقلا ; سواء اُخذ المركّب والجزء لابشرط أو اُخذ كلاهما بشرط لا ، أو اُخذا مختلفين . نعم تتحقّق الزيادة في المأمور به عرفاً ، وأمّا النقيصة فهي تتحقّق فيه عقلا وعرفاً :

أمّا النقيصة : فلو كان المركّب ذات أجزاء وشرائط دخيلا في حصول الغرض فلا ريب أنّ المكلّف إذا أخلّ بواحد منهما يصدق أنّه نقص في المأمور به .

وأمّا الزيادة في الجزئية أو الشرطية : فغير متحقّقة عقلا ; لأنّ عنواني الكلّية والجزئية إنّما تنتزعان من تعلّق الأمر بالمركّب ، فينتزع الكلّية من تعلّقه بالأجزاء ـ مثلا ـ في لحاظ الوحدة ، كما ينتزع من كلّ واحد الجزئية للمأمور به . فالجزئية من الاُمور الانتزاعية التابعة لتعلّق الأمر بالكلّ .

فحينئذ : فالزيادة في الجزء بالمعنى الذي عرفت لايتصوّر ; لأنّ الزيادة تنافي الجزئية ، فلا يعقل الإتيان بشيء معتبر في المركّب ليصحّ انتزاع الجزئية ، ومع ذلك يكون زائداً .

وبالجملة : إنّ قول زيادة الجزء أشبه شيء بالمتنافيين في نظر العقل ; لأنّ كون الشيء جزءً بالفعل منتزعاً منه الجزئية فرع تعلّق الأمر به ، ومعنى الزيادة عدم تعلّق الأمر به ، فكيف يجتمعان ؟


(363)

وإن شئت قلت : إنّ الزيادة في المكتوبة أو المأمور به لا تصدق إلاّ إذا كان ظرف الزيادة هو المأمور به والمكتوبة ، ولا يصدق ذلك إلاّ إذا كان الجزء الزائد متعلّقاً للأمر حتّى يصدق أنّه زيادة في المأمور به ، وإلاّ فهو شيء أجنبي واقع بين الجزئين للمأمور به .

نعم ، الزيادة في الجزء ممكنة بالمعنى العرفي ، فإذا تكرّر الجزء يصدق على الثاني منه أنّه زيادة في المركّب غير محتاج إليه .

وأمّا ما أفاده المحقّق الخراساني من التفصيل في تحقّق الزيادة بين ما إذا اُخذ الجزء لا بشرط ; فيتحقّق الزيادة مع أخذ المركّب بشرط لا ، وما إذا اُخذ بشرط لا ; فإنّ مآله إلى النقيصة(1) .

فليس بشيء ; لأنّ ما هو الجزء إنّما هو ذات الركوع ، وكونه مأخوذاً بشرط لا شرط أو وصف له . فلو أتى بالجزء ـ الركوع ـ يصدق أنّه زاد في الجزء ; وإن كان الزيادة يوجب ورود النقص لمكان الشرط أيضاً .

والحاصل : أنّه وقع الخلط بين زيادة الجزء ونقصان الشرط ، فالتكرار بذاته زيادة وباعتبار آخر منشأ للإخلال بقيد الجزء وشرطه ، ولا مانع من كون شيء زيادةً ومنشأ للنقصان .

وتوهّم : أنّ ما هو الجزء هو مجموع الشرط والمشروط ، فذات الركوع ليس بجزء ، فلا يصير تكراره زيادة فيه ، مدفوع بأنّ جعل المجموع جزءً لايقتضي خروج ذات الركوع عن الجزئية ; لأنّ جزء الجزء جزء .

ثمّ إنّ بعض محقّقي العصر ـ رحمه اللّه ـ أراد تصوير الزيادة الحقيقية ، وأوضحه


1 ـ كفاية الاُصول : 418 .


(364)

بمقدّمات ، ولا بأس بنقل كلامه وتوضيح ما فيه من الخلط ، قال :

الاُولى : يشترط كون الزيادة من سنخ المزيد عليه ، ولاتصدق على الكلام الأجنبي من الصلاة .

الثانية : يعتبر كون المزيد فيه محدوداً بحدّ خاصّ ; ولو اعتباراً .

الثالثة : أنّ أخذ شيء جزءً أو شرطاً يتصوّر على وجوه ثلاثة :

أحدها : أخذه جزءً أو شرطاً بشرط لا من الزيادة في مقام التحقّق .

ثانيها : اعتباره لابشرط من طرف الزيادة ; بحيث لوزيد عليه لكان الزائد خارجاً عن ماهية المركّب ; لعدم تعلّق اللحاظ بالزائد عند اعتباره جزءً ، كما لو اعتبر في الصلاة ذات الركوع الواحد لا مقيّداً بشرط عدم الزيادة ولا طبيعة الركوع ، فيكون الركوع الثاني خارجاً من حقيقة الصلاة ; لعدم تعلّق اللحاظ به .

ثالثها : اعتبار كونه جزءً لا بشرط ، لكن بنحو لو زيد عليه لكان الزائد من المركّب ، كما لو اعتبر طبيعة الركوع الجامعة بين الواحد والمتعدّد ، لا الركوع الواحد . فحينئذ : لامجال لتصوير الزيادة على الأوّل ; لرجوعها إلى النقيصة . وكذا على الثاني ; لأنّ الزائد عليه ليس من سنخ المزيد عليه ; لخروج الوجود الثاني عن دائرة اللحاظ ، فيستحيل اتّصافه بالصلاتية .

وأمّا على الثالث فيتصوّر الزيادة الحقيقية ; سواء اُخذ الجزء في مقام الأمر بشرط لا أو لا بشرط بالمعنى الأوّل أو الثاني .

وذلك على الأوّلين ظاهر ; لأنّ الوجود الثاني من طبيعة الجزء ممّا يصدق عليه الزيادة بالنسبة إلى ما اعتبر في المأمور به من تحديد الجزء بالوجود الواحد ; حيث إنّه يتعلّق الأمر بالصلاة المشتملة على ركوع واحد يتحدّد طبيعة الصلاة بالقياس إلى دائرة المأمور به منها بحدّ يكون الوجود الثاني بالنسبة إلى ذلك الحدّ


(365)

من الزيادة لقلب حدّه إلى حدّ آخر ; وإن لم يصدق عنوان الزيادة بالنسبة إلى المأمور به بما هو مأمور به .

وكذلك الأمر على الأخير ; إذ بانطباق صرف الطبيعي على الوجود الأوّل في المتعاقبات يتحدّد دائرة المركّب والمأمور به بحدّ قهراً يكون الوجود الثاني زيادة في المركّب والمأمور به ، فتأمّل(1) ، انتهى ملخّصاً .

ولعلّه ـ رحمه اللّه ـ أشار بالتأمّل إلى بعض التأمّلات التي في كلامه ، ونحن نشير إليها إجمالا :

منها : أنّ اللا بشرط بالمعنى الأوّل ـ أعني أخذ الركوع الواحد لابقيد الوحدة ولا بأخذه طبيعياً جزءً في المأمور به ـ ممّا لا محصّل له ; لأنّ الوحدة إمّا قيد أولا ، فعلى الأوّل يرجع إلى الاعتبار الأوّل ; أعني أخذه بشرط لا ، وعلى الثاني يرجع إلى المعنى الثاني من لا بشرط ; أعني الاعتبار الثالث من كلامه .

وقد نبّهنا في الجزء الأوّل من مباحث الألفاظ : أنّ القضية الحينية التي ربّما يتخيّل أنّها متوسّطة بين المطلقة والمشروطة ممّا لا أصل له(2) ; وإن اعتمد عليها القائل غير مرّة(3) .

وتوهّم : أنّه يشير بالركوع الواحد إلى الأفراد الواقعية للركوع الواحد التي هي متميّزة عـن الركوعين في نفس الأمـر بلا تقييد بالوحـدة غير تامّ ; لأنّ تميّز أفـراده الواقعية عن غيرها إنّما هو لاشتمال كلّ فرد لقيد أو قيود مفقودة في غير الركوع الواحد .


1 ـ نهاية الأفكار 3 : 436 ـ 438 .
2 ـ تقدّم في الجزء الأوّل : 261 و 375 ـ 376 .
3 ـ نهاية الأفكار 1 : 45 و 64 و 112 و 143 و 223 و 3 : 52 و 381 و 4 : 11 .


(366)

والآمر إذا أشار بالركوع إلى تلك الحصّة من الطبيعة ـ على مصطلحه ـ إمّا أن يشير إلى حيثية ركوعية تلك الأفراد الواحدة ; فيلزم أن يكون الجزء هو نفس الطبيعي ، أو أشار إليها مع تخصّصها بالواحدية في نفس الأمر ; فيلزم أن يكون الجزء هو الركوع المقيّدة بالوحدة ; فهذا القسم من اللابشرط ممّا لا معنى له .

ومنها : أنّ الظاهر من كلماته ـ كما صرّح به في أواخر كلامه(1) ـ أنّ ما يعتبر قبل تعلّق الحكم غير ما تعلّق به الحكم .

وبهذا الوجه يريد تصوير الزيادة ، وهو غريب جدّاً ; ضرورة أنّ اعتبار الماهيـة قبل تعلّق الحكم لا بشرط ثمّ تعليق الحكم بها بنحو آخـر ـ أي بشرط لا أو لا بشرط بالمعنى الثاني ـ لغو محض ، لا يترتّب على الاعتبار المتقدّم أثر ، والاعتبار قبل تعلّق الحكم مقدّمة لتعلّقه ، فلا معنى للاعتبار بوجه ثمّ الرجوع عنه وتعلّق الحكم باعتبار آخر ، والجمع بين الاعتبارين غير ممكن ; للتنافي بينهما .

ومنها : أنّه مـع تسليم ذلك لايتصوّر الزيادة ; لأنّ ما يوجب البطلان هـو الزيادة في المكتوبة والـزيادة في صلاة المكلّف ، والموضوع الـذي اعتبره قبل تعلّق الحكم ولم يأمر به ، فلا يكون مكتوبـة ولا مرتبطـة بالمكلّف حتّى تكون صلاة له وزيادة .

ومنها : أنّ الزيادة المتخيّلة لاتكون في المأمور به ـ كما اعترف به ـ ولا يمكن أن تكون في الطبيعة اللابشرط ; لفرضها على نحو لوزيد عليه لكان الزائد أيضاً من المركّب ، فأين الزيادة ؟ !


1 ـ نهاية الأفكار 3 : 440 .


(367)

عدم مبطلية الزيادة مطلقاً

إذا عرفت ذلك فاعلم : أنّ الزيادة العمدية ـ فضلا عن السهوية ـ لايوجب البطلان مطلقاً :

أمّا فيما إذا لم يؤخذ عدمها في المركّب أو الجزء فواضح ; لأنّ الفساد إنّما ينتزع من عدم تطابق المأتي به مع المأمور به ، والمفروض أنّ الزائد غير دخيل في المأمور به ، وما هو الدخيل فقد أتى به على ما هو حقّه ، والمفروض أنّ المولى لم يقيّد المأمور به أو جزئه بعدمها .

ومثله فيما إذا كان الزائد شريكاً في الداعوية مع الأمر ، مع عدم أخذ عدمه قيداً في المأمور به أو جزئه ; فإنّ البطلان لا لأجل الزيادة ، بل لنقص ما هو معتبر عقلا في الامتثال من كون الأمر مستقلاّ في الداعوية .

وأمّا إذا كان عدمها مأخوذاً في المركّب أو جزئه فالبطلان مستند إلى النقيصة لا إلى الزيادة ; فإنّ القيد بعد لم يحصل ، وهو واضح .

فتحصّل : أنّ الزيادة مطلقاً لاتوجب البطلان ; حتّى مع أخذ عدمها في المركّب أو جزئه ; فإنّه يرجع إلى النقيصة . فإذا شكّ في أخذ عدمه في أحدهما يكون من مصاديق الأقلّ والأكثر ، فالمرجع هو البراءة .

التمسّك بالاستصحاب لإثبات صحّة العمل مع الزيادة

ثمّ إنّه ربّما يتمسّك لصحة العمل مع الزيادة بالاستصحاب ، وقد قرّر بوجوه :

الأوّل : ما أفاده شيخنا العلاّمة ـ أعلى الله مقامه ـ في مقامات كثيرة ، منها هذا


(368)

المقام ، فيقال : باستصحاب عدم قاطعية الزائد أو مانعيته بنحو العدم الأزلي ، فيشار إلى ماهية الزائد ، ويقال : إنّها قبل تحقّقها لم تتّصف بالقاطعية ، والآن كما كان .

وفيه : ما عرفت سابقاً(1) ; من عدم إمكان بقاء هذيتها ; لأنّ الشيء قبل تحقّقه لم يكن مشاراً إليه ولا محكوماً بشيء إثباتاً أو نفياً . فالماهية قبل تحقّقها لا شيئية لها حتّى يقال : إنّها قبل وجودها كانت كذا أو لم يكن كذا .

وإن شئت قلت : لابدّ في الاستصحاب من وحدة القضية المتيقّنة والمشكوك فيها ، وليس في السالبة بانتفاء الموضوع على حذو سائر القضايا موضوع ومحمول ونسبة حاكية عن الواقع بوجه . فاستصحاب العدم الأزلي لا أصل له .

مع أنّه على فرض جريانه يمكن أن يدّعى : أنّه من الاُصول المثبتة ; لأنّ إثبات صحّة المأتي به باستصحاب عدم اتّصاف الزائد بالقاطعية عقلي . بل لعلّ سلب قاطعيته للصلاة الموجودة بذلك الاستصحاب أيضاً عقلي .

وفيه أيضاً أنظار اُخر يطول المقام بذكره .

الثاني : استصحاب عدم وقوع القاطع في الصلاة .

وتوضيحه على نحو يتميّز المثبت من غيره يتوقّف على بيان أمر ، وهو : أنّ الأثر ربّما يترتّب على كون الشيء متّصفة بصفة خاصّة ، كما إذا قال : «صلّ خلف الرجل العادل» ، فما هو موضوع للحكم كون الرجل عادلا . وربّما يترتّب الحكم على المحمول المتقيّد بالموضوع ، كعدالة زيد ، كما لو نذر التصدّق عند قيام الدليل على عدالته . فلكلّ من الموضوعين أثر ومقام .

فلو أراد أن يأتمّ بزيد وشكّ في كونه عادلا وقت الائتمام أولا ، مع كونه


1 ـ تقدّم في الصفحة 134 .


(369)

عادلا فيما سبق فلابدّ من أن يستصحب كون زيد عادلا . واستصحاب عدالة زيد لا يثبت كون زيد عادلا .

وقد أوضحنا في رسالة الدماء الثلاثة : أنّ ما هو المفيد هو استصحاب كون المرأة حائضاً ، لا استصحاب حيضية الدم ، فإنّه لايثبت كونها حائضاً(1) .

إذا عرفت هذا فاعلم : أنّ المفيد مـن الاستصحاب استصحاب ما هـو موضوع للأثر ; وهو كون الصلاة بلا مانع أو الهيئة الاتّصالية بلا قاطع ، فيستصحب بقاؤها على هذه الحالة عند الشكّ في طروّهما . وأمّا استصحاب عدم وقوع المانع فيها أو عدم وقوع القاطع في الهيئة الاتّصالية لايثبت كون الصلاة بلا مانع أو كون الهيئة بلا قاطع .

نعم ، قد احتملنا في الدورة السابقة جريان الاستصحاب في نفس التقييد ـ أي الكـون الرابط ـ وقلنا : إنّ استصحاب عدم تحقّق المانـع في الصلاة عبارة اُخـرى عـن كونها بلا مانع(2) ، إلاّ أنّـه مـورد تأمّل ونظر كما عرفت ، ومـا قوّيناه أخيراً أوضح .

وليعلم : أنّ جريان هذا الاستصحاب في المانع والقاطع لايحتاج إلى إثبات الهيئة الاتّصالية للصلاة . نعم لايجري هذا الاستصحاب فيما يقارن للصلاة من أوّل وجودها ، كاللباس المشكوك فيه ، وإنّما يجري في الطارئ المحتمل أثناء الصلاة .

واعلم : أنّ هذا الاستصحاب مبني على أنّ معنى مانعية الشيء وقاطعيته راجع إلى أخذ عدمهما في الصلاة ; بحيث يكون المأمور به هو الصلاة المتقيّد بعدمهما ، كما هو المعروف في معنى الموانع والقواطع(3) ، فيجري هذا الاستصحاب ،


1 ـ الطهارة ، الإمام الخميني ـ قدس سره ـ 1 : 98 ـ 99 .
2 ـ أنوار الهداية 2 : 352 ـ 353 .
3 ـ راجع فرائد الاُصول ، ضمن تراث الشيخ الأعظم 25 : 359 ، أجود التقريرات 2 : 437 ـ 438 .


(370)

وقد ميزت الأصل النافع عن عدمه .

وأمّا إذا قلنا : بأنّ كون الشيء مانعاً أو قاطعاً ليس إلاّ كون وجوده مخرّباً للصلاة ، من دون أن يقع العدم مورداً للأمر ، ومن دون أن يكون مؤثّراً في حصول الغرض ، كما هو الحال في الموانع التكوينية ; فإنّ المؤثّر هو النار ، لا النار مع عدم الرطوبة ، وإنّما الرطوبة مخرّبة وهادمة لأثرها .

فلا مجال لهذا الاستصحاب ; لأنّ المأمور به ليس الصلاة المتّصفة بـ «لا مانع» و «لا قاطع» ، بل ذات الصلاة التي لايجتمع في نفس الأمر مع هذه القواطع والموانع ; وهو لايحرز بالأصل ; لأنّ نفي أحد الضدّين لايلازم شرعاً ثبوت الآخر ، وهذا مثل إثبات السكون بنفي الحركة .

وأمّا الكلام في تحقيق معنى المانعية والقاطعية ، وأنّ مرجعهما إلى أخذ العدم أو إلى مخرّبية وجودهما ، من دون أخذه فله مجال آخر ، فليكن هذا على ذكر منك .

الثالث : استصحاب الهيئة الاتّصالية .

وهي أمر اعتباري وراء نفس الأجزاء ، يكون تحقّقها من أوّل وجود المركّب إلى آخره . فصار المركّب بهذا الاعتبار أمراً وحدانياً متّصلا ، كالموجودات غير القارّة ، كالزمان والحركة ; فإنّ كلّ واحد منهما أمر واحد ممتدّ متّصل يوجد بأوّل جزئه وينعدم بآخر جزء منه ، بلا تخلّل عدم بينهما ، غير أنّ الاتّصال هناك حقيقي وفي المقام اعتباري ، كما لا يخفى .

والمراد من الهيئة الاتّصالية غير الوحدة المعتبرة في كلّ مركّب يقع تحت دائرة الطلب أو في اُفق الإرادة ، كما ذكرنا في باب الأقلّ والأكثر(1) ; لأنّ الوحدة


1 ـ تقدّم في الصفحة 292 ـ 293 .


(371)

تجعل تلك الاُمور المختلفة شيئاً واحداً يتعلّق به أمر واحد ، وأمّا السكنات المتخلّلة فتكون خارجة عن المركّب .

وأمّا الهيئة الاتّصالية فتجعل تلك السكونات داخلة فيه ، لا على حذو سائر الأجزاء حتّى تكون في عرضها ، بل هي كخيط ينضمّ شتات الأجزاء ويوصل بعضها ببعض ، فيكون الآتي بالمركّب داخلا فيه من أوّله إلى آخره ; حتّى في السكونات المتخلّلة .

ويدلّ عليه ـ مضافاً إلى الروايات المستفيضة في باب القواطع المعبّرة عن كثير من المفسدات بالقواطع(1) ; إذ لولاها لما كان لاستعماله وجه ـ ارتكاز المتشرّعة ، الكاشفة عن الحكم الشرعي ، فترى كلّ متشرّع يصلّي يرى نفسه في الصلاة ; من تكبيرها إلى سلامها ـ حتّى في السكونات ـ وهذا أوضح دليل على اعتبارها .

وما عن بعض أعاظم العصر من الإشكال في ثبوتها في الصلاة لأجل وجوه ذكرها(2) ليس في محلّه ، وقد أوضحنا حال تلك الوجوه في الدورة السابقة وأطلنا المقال ; حتّى بحثنا عن صحّة شرطية أحد الضدّين ومانعية الآخر وعدم صحّتها(3) ، غير أنّا نكتفي بما عرفت ، والتفصيل موكول إلى محلّه .

واعلم : أنّه لو قلنا بأنّ مآل المانعية أو القاطعية إلى شرطية عدمهما في


1 ـ راجع وسائل الشيعة 7 : 233 ، كتاب الصلاة ، أبواب قواطع الصلاة ، الباب 1 ، الحديث 2 ، والباب 2 ، الحديث 14 و17 ، والباب 3 ، الحديث 3 و 7 و 8 .
2 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4 : 235 ـ 237 .
3 ـ راجع أنوار الهداية 2 : 355 ـ 358 .


(372)

المأمور به فلا ينفع بقاء الهيئة الاتّصالية ; لأنّ بقائها لايثبت تحقّق هذا العدم في المأمور به .

فظهر : أنّ هذا الاستصحاب وما سبقه متعاكسان في الجريان وعدمه ، فتدبّر .

الرابع : استصحاب الصحّة التأهّلية للأجزاء بعد وقوع ما يشكّ في قاطعيته أو مانعيته . ومعنى الصحّة التأهّلية هو أنّ الأجزاء السالفة قبل حدوث ما يشكّ في قاطعيته ومانعيته كانت مستعدّة للحوق الأجزاء الباقية عليها ، والأصل بقاء ذلك الاستعداد وعدم بطلانه لأجل تخلّل ما يشكّ في قاطعيته .

وما أفاده بعض أعاظم العصر من أنّه استصحاب تعليقي ، وأنّ معنى الصحّة التأهّلية هو أنّه لو انضمّ إليها البقية تكون الصلاة صحيحة ، وهذا المعنى فرع وقوع الأجزاء السالفة صحيحة ، وهذا ممّا يقطع به ، فلا شكّ حتّى يجري الاستصحاب(1) ، غير تامّ ; إذ أيّ تعليق فيما ذكرناه ؟

وما أفاده من أنّ صحّة الأجزاء السالفة مقطوعة ليس بشيء ; لأ نّه ليس معنى الصحّة التأهّلية ، بل معناه هو الحيثية الاستعدادية المعتبرة في الأجزاء السابقة لتأهّل لحوق البقية ، وهذا أمر مشكوك فيه .

نعم ، يرد على هذا الاستصحاب : أنّه لايثبت الصحّة الفعلية ، وأنّ بقاء الاستعداد في الأجزاء السابقة لايثبت ربط الأجزاء اللاحقة بها ، إلاّ على القول بالأصل المثبت .


1 ـ فوائد الاُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 4 : 232 ـ 233 .


(373)

المقام الرابع
فيما تقتضيه القواعد الثانوية في الزيادة والنقيصة

وما ذكرناه في المقام الثاني والثالث من حيث النقيصة والزيادة كان مقتضى القاعدة الأوّلية ، فلا بأس بعطف عنان البحث إلى ما دلّ على خلافها .

مقتضى الروايات الواردة في الزيادة

فنقول : قد دلّ على بطلان الصلاة بالزيادة روايات :

منها : ما رواه الكليني بإسناده عن أبي بصير ، قال : قال أبو عبدالله ـ عليه السلام ـ : «من زاد في صلاته فعليه الإعادة»(1) .

ومنها : ما رواه أيضاً عن زرارة وبكير ابني أعين عن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ قال : «إذا استيقن أنّه زاد في صلاته المكتوبة لم يعتدّ بها ، واستقبل صلاته استقبالا إذا كان قد استيقن يقيناً»(2) ، وسيوافيك الاختلاف في متنه(3) .

وبإزائهما القاعدة المفروضة المنصوصة ، رواها الصدوق بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر ـ عليه السلام ـ قال : «لا تعاد الصلاة إلاّ من خمسة : الطهور والوقت والقبلة والركوع والسجود» ثمّ قال ـ عليه السلام ـ : «القراءة سنّة والتشهّد سنّة ، ولا تنقض السنّة


1 ـ الكافي 3 : 355 / 5 ، وسائل الشيعة 8 : 231 ، كتاب الصلاة، أبواب الخلل الواقع في الصلاة ، الباب 19 ، الحديث 2 .
2 ـ الكافي 3 : 354 / 2 .
3 ـ يأتي في الصفحة 385 .


(374)

الفريضة»(1) . والمهمّ بيان مفاد الحديثين الأوّلين ، وتوضيح نسبتهما مع حديث لاتعاد ، فنقول :

أمّا ما رواه أبو بصير فالظاهر منه : أنّ مطلق الزيادة في الصلاة والإتيان بها مبطلة ، لكن بقصد أنّها منها ; سواء كانت من سنخ الصلاة كالركعة والركعتين ، أو من سنخ أجزائها كالسجدة والركوع والقراءة ، أو من غيرهما كالتكتّف والتأمين إذا أتى بها بعنوان أنّها من الصلاة ; ضرورة صدق قوله ـ عليه السلام ـ : «من زاد في صلاته» على هذه كلّها . نعم ، لو لم يأت بها بعنوان أنّها منها فلا يصدق أنّه زاد في صلاته ، بل أتى بشيء خارجي أثناء الصلاة .

ويدلّ على التعميم المتقدّم قوله ـ عليه السلام ـ فيمن أتمّ في السفر : «لأ نّه زاد في فرض الله»(2) . وما ورد مـن النهي عـن قراءة العزيمـة ; معلّلا بأنّ السجـود زيادة في المكتوبة(3) . ومـا ورد في باب التكتّف(4) ووجـوب سجدة السهو لبعض الاُمـور الزائدة(5) .


1 ـ الفقيه 1 : 225 / 991 ، وسائل الشيعة 6 : 91 ، كتاب الصلاة، أبواب القراءة في الصلاة ، الباب 29 ، الحديث 5 .
2 ـ الخصال : 604 / 9 ، وسائل الشيعة 8 : 508 ، كتاب الصلاة، أبواب صلاة المسافر ، الباب 17 ، الحديث 8 .
3 ـ تهذيب الأحكام 2 : 96 / 361 ، وسائل الشيعة 6 : 105 ، كتاب الصلاة، أبواب القراءة في الصلاة ، الباب 40 ، الحديث 1 .
4 ـ قرب الإسناد : 208 / 809 ، وسائل الشيعة 7 : 266 ، كتاب الصلاة، أبواب قواطع الصلاة ، الباب 15 ، الحديث 4 .
5 ـ تهذيب الأحكام 2 : 155 / 608 ، وسائل الشيعة 8 : 251 ، كتاب الصلاة، أبواب الخلل الواقع في الصلاة ، الباب 32 ، الحديث 3 .


(375)

ثمّ إنّ شيخنا العلاّمة ـ أعلى الله مقامه ـ استظهر كون متعلّق الـزيادة في روايـة أبي بصير هو ما يكون من سنخ الصلاة ، كالركعة والركعتين ; قائلا بأنّ الـزيادة في المقام مـن قبيل الزيادة في العمـر في قولك : «زاد الله في عمرك» فيكون المقدّر ـ الذي جعلت الصلاة ظرفاً له ـ هو الصلاة ، فينحصر المورد بما كان الزائد مقداراً يطلق عليه الصلاة مستقلاّ ، كالركعة . مضافاً إلى أنّه القدر المتيقّن من بطلان الصلاة بالزيادة . أضف إليه : أنّ رواية زرارة وبكير مشتمل على لفظ الركعة(1) ، انتهى .

وفيه : أنّ قياس المقام بقوله : «زاد الله في عمرك» قياس مع الفارق ; لأنّ العمر أشبه شيء بالأمر البسيط لايقبل الزيادة من غير سنخه ، وهذا بخلاف الصلاة ; فإنّه عمل مؤلّف من أفعال كثيرة مختلفة ، تقبل الزيادة من سنخها وغير سنخها ، بشرط أن يكون الداعي هو قصد كونها من الصلاة اعتقاداً أو تشريعاً .

وإن شئت فاستخبر الحال من العرف ; فلو أمر الطبيب بعمل معجون ، وقدّر لها أجزاء وشرائط ، فلو زاد بعض الأجزاء مـن مقداره يصدق أنّه زاد في المعجون ، مع أنّ الزائد ليس من سنخ المعجون ، بل من سنخ بعض أجزائه .

نعم ، يفترق المعجون عن الصلاة بأن لو كان الزائد فيه من غير سنخ الأجزاء لا يصدق عليه أنّه زاد في معجونه . وهذا بخلاف الصلاة ; فلو زاد فيها أمراً من غير سنخ أجزائها لكن بقصد أنّه من الصلاة ـ كالتأمين ـ يصدق أنّه زاد .

والسرّ في ذلك واضح ; لأنّ باب المعجون باب التكوين لايتقوّم بالقصد ، بخلاف الصلاة ; فإنّ كون الجزء جزءً صلاتياً قائم بالقصد . وأمّا تمسّكه ـ رحمه اللّه ـ برواية


1 ـ الصلاة ، المحقّق الحائري : 312 .


(376)

زرارة فسيوافيك الحال فيها(1) .

فإن قلت : ما ذكرت من التعميم صحيح ، إلاّ أنّ ما ذكرت من الشرط في صدق الزيادة من الإتيان بالزائد بعنوان كونه من الصلاة ـ كالتأمين ـ لايدلّ عليه دليل ، بل الدليل على خلافه ; فإنّ النهي عن قراءة العزيمة في الصلاة ; معلّلا بأنّ السجود زيادة في المكتوبة ظاهر في عدم شرطية القصد المذكور ; لأنّ الآتي بالسجدة من العامّة لا يقصد كونها من الصلاة .

قلت : قد أجاب عنه شيخنا العلاّمة بأنّ الوجه في ذلك هو اشتراط الصلاة بعدم السجود للعزائم فيها(2) .

وفيه : أنّ مرجع ذلك إلى النقيصة لا إلى الزيادة .

أضف إلى ذلك : أنّ مثل السجدة ـ حينئذ ـ يكون مثل القهقهة وغيرها من القواطع للصلاة ، مع أنّ إبطالها ليس لأجل الزيادة في الصلاة ، بل لكونها ماحية لصورة الصلاة ، ومبطلة للهيئة الاتّصالية .

والحقّ : أنّ هذا الاستعمال غير مأنوس ، فلابدّ من الاقتصار على بابه .

بيان مفاد قاعدة «لا تعاد»

وقبل بيان النسبة لابدّ من توضيح مفاد القاعدة ، فنقول :

لا إشكال في أنّها منصرفة عن العمد ; وإن لا مانع عقلا من شموله ; لإمكان أن يكون الإتيان بالخمسة موجباً لاستيفاء مرتبة من المصلحة ممّا لايبقى معها


1 ـ يأتي في الصفحة 385 ـ 386 .
2 ـ الصلاة ، المحقّق الحائري : 314 .


(377)

مجال لاستيفائها مع الإعادة مع سائر الأجزاء ، ولا يلزم منه محذور كما توهّم .

كما أنّه لا إشكال في شموله لنسيان الموضوع والجهل به جهلا مركّباً .

وأمّا شمولها للموضوع المجهول ـ جهلا بسيطاً ـ أو الحكم المجهول مطلقاً أو لنسيانه ففيه خلاف :

وادّعى شيخنا العلاّمة : عدم الشمول ، وأوضح مرامه بمقدّمتين :

الاُولى : أنّ ظاهر قوله ـ عليه السلام ـ : «لا تعاد» هو الصحّة الواقعية ، وكون الناقص مصداقاً واقعياً لامتثال أمر الصلاة . ويؤيّده الأخبار الواردة في نسيان الحمد إلى أن ركع ; فإنّها دالّة على تمامية الصلاة ، وقد قرّر في محلّه إمكان تخصيص الساهي بتكليف خاصّ .

الثانية : أنّ الظاهر من الصحيحة أنّ ال