welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : نظام النكاح في الشريعة الإسلامية الغرّاء / ج 2*
تألیف :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

نظام النكاح في الشريعة الإسلامية الغرّاء / ج 2

صفحه 1
الأحوال الشخصيّة
نظام النكاح
في
الشريعة الإسلامية الغرّاء
الجزء الثاني
تأليف
الفقيه المحقّق
الشيخ جعفر السُبحاني
نشر مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 2
هوية الكتاب
اسم الكتاب:   نظام النكاح في الشريعة الإسلامية الغرّاء
الجزء:   الثاني
الموضوع :   الأحوال الشخصية: قسم النكاح
المؤلّف:   جعفر السبحاني
الطبعة:   الأُولى
المطبعة:   اعتماد ـ قم
التاريخ:   1417 هـ. ق
الكمية:   1000 نسخة
الناشر:   مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الصفّ والإخراج باللاينوترون:   مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
توزيع
مكتبة التوحيد
قم: ساحة الشهداء

صفحه 3
نظام النكاح
في
الشريعة الإسلامية الغرّاء

صفحه 4
بسم الله الرحمن الرحيم

صفحه 5
الفصل الثاني عشر:
في الكفاءة ولواحقها
1 ـ المؤمن كفؤ المؤمن
2 ـ تزويج المؤمنة بالمخالف
3 ـ تحديد الإسلام والإيمان و دراسة أدلّة الموافق والمخالف
4 ـ التمكّن من بذل النفقة شرط لزوم العقد إذا كانت جاهلة
5 ـ لو تجدّد عجز الزوج عن بذل النفقة
6 ـ وجوب الإجابة على الولي وعدمه
7 ـ لو انتسب إلى قبيلة فبان عدمها
8 ـ يكره التزويج بالفاسق
9 ـ لو تزوّج بامرأة ثم علم بأنّها زنت
10 ـ الكلام في الرجوع إلى المهر
11 ـ أحكام التعريض بالخطبة
12 ـ إذا تزوّجت المطلّقة ثلاثاً مع شرط الطلاق وفيها صور ثلاث
13 ـ في نكاح الشغار وحكمه وصوره.
***

صفحه 6

صفحه 7

الكفاءة في النكاح

ولواحقها

الأول: المؤمن كفؤ المؤمن

لا إشكال في شرطيّتها وإنّما الكلام في المراد منها، وفسّرها المحقق: بالتساوي في الإسلام في كتابيه: الشرائع، والنافع، وتبعه الشهيد الثاني في المسالك، والمحدّث الكاشاني في المفاتيح، ونقله في المسالك، عن الشيخ المفيد وابن حمزة، للإجماع على اعتباره وعدم الدليل الصالح لاعتبار غيره، والمراد من الإسلام في المقام، هو التصديق القلبي بتوحيده سبحانه ونبوّة نبيّه محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) وجميع ما جاء به من المعارف والأُصول والأحكام إجمالاً وإن لم يعرفها تفصيلاً، وإن كان منكراً لبعض ما جاء به قطعاً عن اجتهاد أو تقليد للآباء ويزعم أنّه ليس ممّا جاء به كإمامة الإمام أمير المؤمنين وأولاده المعصومين (عليهم السلام) .
ويقابله، الإيمان الذي يؤمن بإمامته وإمامة من نصّ على إمامتهم النبيُّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)ـ نعم ربّما يطلق الإسلام على مجرد التلفّظ بالشهادتين، مع عدم حصول الإذعان، في مقابل الإيمان الذي يراد منه الإذعان بهما وعلى ذلك جرى القرآن الكريم في مورد إيمان الأعراب، قال سبحانه: (قالَتِ الأَعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْتُؤْمِنُوا ولكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُم)1. ولكنّه اصطلاح خاص غير مقصود في المقام بل المراد من الإسلام الإيمان والإذعان بتوحيده سبحانه ونبوّة نبيّه وجميع ما جاء به.

1 . الحجرات : 14.

صفحه 8

الثاني: تزويج المؤمنة بالمخالف

وهل يشترط وراء الإسلام بالمعنى الذي عرفت، الإيمان والاعتقاد بولاية الأئمّة الاثني عشر أو لا ؟
قال العلاّمة: المشهور اشتراط إيمان الزوج في نكاح المؤمنة1 ولكن النسبة غير متحققة والمسألة ذات قولين والأشهر هو الجواز وإليك بعض النصوص.
1 ـ قال في الخلاف: الكفاءة معتبـرة في النكاح، وهي عنـدنـا شيئـان، أحدهما، الإيمان ـ والآخر ـ إمكان القيام بالنفقة، وقال الشافعي شرائط الكفاءة ستة: النسب، والحرّية، والدّين، والصناعة، والسلامة من العيوب، واليسار، ثم نقل أقوال أبي حنيفة وأصحابه، مثل أبي يوسف، ومحمّد بن الحسن الشيباني فبعضهم حذف الحريّة والسلامة، والبعض الآخر، حذف الصناعة أيضاً، والبعض الآخر، أثبت الصناعة وحذف الدين 2 .
ولا يخفى عدم دلالته على اعتبار الإيمان بالمصطلح عندنا. ولذلك يدل الإيمان بالدين عند تبيين عقائد المخالفين ، وليس فيه أيّ إشعار بشيء بل الظاهر أنّ المراد من الإيمان هو الدين.
2 ـ وقال في المبسوط: الكفاءة معتبرة بلا خلاف في النكاح وعندنا هي الإيمان مع إمكان القيام بالنفقة وفيه خلاف، منهم من اعتبر ستة أشياء: النسب، والحرية، إلى آخر ما ذكره 3.

1 . وفي الجواهر: 30/93، لم يحك أحد هنا الخلاف في ذلك عمّن علم أنّ مذهبه كفر المخالفين ونجاستهم، كالمرتضى ، وابن ادريس وغيرهما.
2 . الخلاف : 2/366، مسألة 27.
3 . المبسوط : 4/178 .

صفحه 9
3 ـ وقال في النهاية: ولا يجوز تزويج المؤمنة إلاّ بالمؤمن ولا يجوز تزويجها بالمخالف في الاعتقاد. 1
4 ـ وقال ابن البراج: الأحرار من المؤمنين يتكافؤن في النكاح وإن تفاضلوا في النسب والشرف. 2
5 ـ وقال في السرائر: «عندنا أنّ الكفاءة المعتبرة في النكاح أمران، الإيمان واليسار بقدر ما يقوم بأمرها» والمراد منه هو الإسلام بشهادة أنّه قال في ذيله (وليس للمرأة الخيار إذا لم يكن موسراً ولا يكون العقد باطلاً بل الخيار إليها وليس كذلك خلاف الإيمان الذي هو الكفر إذا كان كافراً فانّ العقد باطل3 فتأمل.
6 ـ وقال ابن حمزة يكره أن يزوّج كريمته من خمسة: المستضعف المخالف إلاّ مضطراً 4.
7 ـ وقال المحقـق فيه روايتـان: أظهرهمـا الاكتفاء بالإسـلام وإن تأكّد استحباب الإيمان وهو في طرف الزوجة أتم لأنّ المرأة تأخذ من دين بعلها5.
8 ـ وقال يحيى بن سعيد: والكفـاءة في النكاح: الإسـلام واليسار بقدر مؤنتها فان بان أنّه لا يقدر فلها الفسخ6.
9 ـ وقال العلامة في التذكرة: ذهب أكثر علمائنا إلى أنّ الكفاءة المعتبرة في النكاح شيئان: الإيمان وإمكان القيام بالنفقة برواية الصادق (عليه السلام)عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)عندما أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)بتزويج الأبكار فقام رجل قال: يارسول اللّه فممّن نُزوّج؟ قال: «الأكفّاء» قال: يارسول اللّه من الأكفّاء، فقال: «المؤمنون بعضهم أكفّاء بعض» . 7

1 . النهاية : 458.
2 . المهذّب : 2/179.
3 . السرائر: 2/557.
4 . الوسيلة : 291 .
5 . الجواهر: 30/92 .
6 . الجامع للشرائع: 439.
7 . التذكرة: كتاب النكاح: 2/604 البحث السابع: في الكفاءة.

صفحه 10
10 ـ يقول فقيه عصره، السيّد الاصفهاني في وسيلته: «وأمّا نكاح المؤمنة المخالف غير الناصب ففيه خلاف والجواز مع الكراهة لا يخلو من قوة وحيث إنّه نسب إلى المشهور عدم الجواز فلا ينبغي ترك الاحتياط مهما أمكن» 1.
11 ـ يقول السيّد الخوئي: يجوز للمؤمنة أن تتزوّج بالمخالف على كراهية بل الأحوط تركه إلاّ إذا خيف عليه الضلال 2 وعلى الجملة لم نجد نصّاً من القدماء ولا من المتأخرين بعد المحقق إلى زمن سيّد المدارك والحدائق على منع تزوّج المؤمنة من المخالف إلاّ الشيخ في النهاية، وأمّا التزويج من الناصب فلا إشكال في حرمته لكفره وانكاره ما علم من الدين ضرورة فهو خارج عن مورد الكلام.
فاذا كان ملاك الكفاءة هو الإيمان والإسلام فيجب تحديدهما.

الثالث: تحديد الإسلام والإيمان

هناك روايات تحدّد الإسلام والإيمان، وأنّ الأوّل يحقن به الدماء وعليه المناكح والمواريث و الإيمان فوقه مثل:
1 ـ موثقة سماعة قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام) : أخبرني عن الإسلام والإيمان أهما مختلفان؟ فقال: «إنّ الإيمان يشارك الإسلام والإسلام لا يشارك الإيمان» فقلت: فصفهما لي ؟ فقال: «الإسلام شهادة أن لا إله إلاّ اللّه والتصديق برسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) به حقنت الدماء وعليه جرت المناكح والمواريث وعلى ظاهره جماعة الناس». الخ3
2 ـ صحيحة فضيل بن يسار قال: سمعت أبا عبداللّه (عليه السلام) يقول: «إن الإيمان يشارك الإسلام و لا يشاركه الإسلام، إن الإيمان ماوقر في القلوب،

1 . وسيلة النجاة: 2/388، المسألة8.
2 . منهاج الصالحين: 2/ المسألة 1298.
3 . الكافي: 2/25ـ 26، كتاب الايمان والكفر، باب أنّ الإيمان يشرك الإسلام.

صفحه 11
والإسلام ما عليه المناكح والمواريث وحقن الدماء، والإيمان يشرك الإسلام والإسلام لا يشرك الإيمان1.
3 ـ خبر حمران بن أعين عن أبي جعفر (عليه السلام) سمعته يقول:«...والإسلام ما ظهر من قول أو فعل، وهو الذي عليه جماعة الناس من الفرق كلّها، وبه حقنت الدماء، وعليه جرت المواريث، وجاز النكاح»2.
4 ـ صحيحة عبداللّه بن سنان، قال: سألت أبا عبداللّه (عليه السلام) بم يكون الرجل مسلماً تحلُّ مناكحته وموارثته؟ و بم يحرم دمه؟ قال: «يحرم دمه بالإسلام إذا ظهر، وتحلّ مناكحته وموارثته»3.
وتفسير المناكحة في هذه الروايات بمناكحة هؤلاء بعضهم ببعض لا مع العارف والعارفـة ـ كما ترى ـ مع تصريحـه «من الفرق كلّها» مع أنّ الحكم بصحّة نكاحهم لا يتوقف على إسلامهم، إذ «لكلّ قوم نكاح» وإن لم يكونوا مسلمين.
5 ـ صحيح علاء بن رزين، أنّه سأل أبا جعفر (عليه السلام) عن جمهور الناس، فقال: «هم اليوم أهل هدنة، تردُّ ضالّتهم، وتؤدّى أمانتهم، وتحقن دماؤهم وتجوز مناكحتهم وموارثتهم في هذه الحال»4.
6 ـ خبر القاسم الصيرفي شريك المفضل قال: سمعت أبا عبداللّه (عليه السلام) يقول: «الإسلام يحقن به الدم، وتؤدّى به الأمانة، وتستحلّ به الفروج، والثواب على الإيمان» 5.
7 ـ صحيحة أبان، قال: سألت أبا عبداللّه (عليه السلام) عن المستضعفين؟ فقال:

1 . الكافي: 2/ 26، كتاب الايمان والكفر، باب أنّ الإيمان يشرك الإسلام، الحديث 3و5.
2 . الكافي: 2/ 26، كتاب الايمان والكفر، باب أنّ الإيمان يشرك الإسلام، الحديث 3و5.
3 . الوسائل: 14/ الباب 10 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث 17.
4 . الوسائل: 14/ الباب 12 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث 1.
5 . الوسائل: 14/الباب 11 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث 4.

صفحه 12
«هم أهل الولاية» فقلت: أيّ ولاية؟ فقال: «أما أنّها ليست بالولاية في الدين ولكنّها الولاية في المناكحة والموارثة والمخالطة» 1.
8 ـ خبر حمران الذي هو أيضاً بهذا المضمون 2.
9ـ صحيـحة محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الإيمان؟ فقال:«الإيمان ما كان في القلب، والإسلام ما كان عليه التناكح والمواريث وتحقن به الدماء» 3.
10ـ خبر هشـام بن الحكم عندما سئـل عن تزويج العجم من العرب والعرب من قريش وقريش من بني هاشم فقال: نعم. فقيل له: عمّن أخذت هذا؟ قال عن جعفر بن محمّد (عليه السلام)سمعته يقول: «أتتكافـأ دماؤكم ولاتتكافأ فروجكم»4.
11 ـ خبر الفضيل بن يسار، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن المرأة العارفة هل أُزوّجها الناصب؟ قال: «لا ، لأنّ الناصب كافر» قلت: فأزوجها الرجل غير الناصب ولا العارف؟ فقال: «غيره أحبّ إليّ منه» 5.
وحمل «أفعل» التفضيل على غير التفضيل كما فعل صاحب الحدائق، خلاف الظاهر، بمعنى أنّه محبوب دون ذاك كما في قوله تعالى: (ربِّ السِّجْنُ أحَبُّ إِليَّ مّما يَدْعُونَنِي إِلَيْه) 6 ولولا القرينة في الآية لما حمل على الخلوّ من الفضل، كما لايخفى.
هذه الروايات وغيرها صريحة في الجواز ولا يمكن العدول عنها إلاّ بدليل قاطع، وإليك ما استدلّ به صاحب الحدائق على المنع.

1 . الوسائل: 14/الباب 11 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث: 5 و 12 و 13.
2 . الوسائل: 14/الباب 11 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث: 5 و 12 و 13.
3 . الوسائل: 14/الباب 11 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث: 5 و 12 و 13.
4 . الوسائل: 14 الباب 26 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث: 3.
5 . الوسائل: 14 الباب 11 من أبواب مايحرم بالكفر، الحديث: 11.
6 . يوسف : 33.

صفحه 13

أدلّة المانع

استدل القائل بعدم الجواز بروايات نذكرها :
1 ـ معتبرة 1 علي بن مهزيار، قال: كتب علي بن أسباط، إلى أبي جعفر (عليه السلام) في أمر بناته وأنّه لايجد أحداً مثله. فكتب إليه أبو جعفر (عليه السلام): «فهمت ما ذكرت من أمر بناتك وأنّك لاتجد أحداً مثلك، فلا تنظر في ذلك رحمك اللّه، فإنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوّجوه إلاّ تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير» 2.
2 ـ صحيحة إبراهيم بن محمّد الهمداني، قال: كتبت إلى أبي جعفر (عليه السلام) في التزويج فأتاني كتابه بخطّه: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : «إذا جاءكم من ترضون خلقه» الخ3.
3 ـ معتبرة الحسين بن بشّار الواسطي قال: كتبت إلى أبي جعفر (عليه السلام) أسأله عن النكاح؟ فكتب إليّ: «من خطب إليكم فرضيتم دينه وأمانته فزوّجوه» الخ4.
وجه الاستدلال أنّ المخالف ممّن لا يُرضى بدينه.
و أجاب الشهيد الثاني بأنّ قوله: «ممّن ترضون دينه» محمول على الاستحباب بقرينة اشتراط الخلق بمعنى السجية في الحديث الأوّل والثالث والأمانة في الحديث الثالث، مع عدم كونهما شرطاً في صحّة العقد، وهذا دليل على أنّه قصد من اشتراط كلّ من الأمرين الكمال.
وردّ عليه صاحب الحدائق بأنّ الخلق بمعنى الدين كما في قوله سبحانه:

1 . والتعبير بها لأجل وقوع سهل بن زياد في طريقها.
2 . الوسائل: 14 الباب 28 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 1ـ 3.
3 . الوسائل: 14 الباب 28 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 1ـ 3.
4 . الوسائل: 14 الباب 28 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 1ـ 3.

صفحه 14
(إِنْ هَذَا إلاّ خُلُقُ الأوَّلِين)1 ولكنّه غير تام لأنّ حمل الخلق على الدين خلاف الظاهر 2.
والاولى أن يقال: إنّ الدين في الروايتين الاوليين هو الإسلام، بشهادة كونهما حاكيتين قول رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو في لسانه يوم ذاك هو الإسلام لا الإسلام المقيّد بالولاية وقال سبحانه: (إِنِّ الدِّينَ عِنْدَ اللّهِ الإسْلام) 3. ووروده في لسان أبي جعفر (عليه السلام) مستقلاّ ً في الرواية الثالثة لايدلّ على أنّ المقصود هو الإيمان لأنّه حاك قول رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وإن لم يصرّح بالحكاية فيها لتصريحه بها في المكاتبتين الأُولى والثانية، فلاحظ.
والمراد أنّه إذا كان الرجل مسلماً لا نصرانيّاً ولا يهوديّاً ولا مجوسيّاً فزوّجوه فانّ المسلم كفؤ المسلم ولا يطلبوا شيئاً غيره، وإلاّ والصبر إلى أن يخطب رجل مثلك (علي بن أسباط) يستعقب الفتنة والفساد بين الشباب.
4 ـ خبر زرارة بن أعين، على رواية الكافي لوقوع موسى بن بكر في سنده، وصحيحه على رواية الصدوق، عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: «تزوّجوا في الشّكاك ولا تزوّجوهم فانّ المرأة تأخذ من أدب زوجها ويقهرها على دينه» 4.
وكون الشكاك مبهم المراد، لايضرّ بالاستدلال، لأنّ العبرة في الاستدلال على عموم التعليل. والاستدلال تام، لولا المعارض وقد عرفته، فينتهي الأمر إلى الجمع أو الطرح كما سيوافيك.
5 ـ خبر فضيل بن يسار، قال: قلت لأبي عبداللّه (عليه السلام) : إنّ لامرأتي اختاً

1 . الشعراء: 137.
2 . ويؤيّده قوله (عليه السلام) في مكاتبة الحسين بن بشّار الواسطي: لا تزوّجه إن كان سيّئ الخلق. الوسائل: 14 الباب 30 من أبواب مقدمات النكاح الحديث1.
3 . آل عمران: 19.
4 . الوسائل: 14 الباب 11 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث: 2.

صفحه 15
عارفة على رأينا وليس على رأينا بالبصرة إلاّ قليل، فأزوّجها ممّن لا يرى رأيها؟ قال: «لا ولا نعمة إنّ اللّه عزّ وجلّ يقول: (فَلا تَرجِعُوهُنّ إلى الكُفّارِ لا هُنّ حِلٌّ لَهُمْ ولا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ)» 1.
والخبر ضعيف لأنّ «علي بن يعقوب» في السند لم يوثّق. ولعلّ المراد الناصب بقرينة خبر الآتي.
6 ـ خبـره الآخر، قال: سألت أبا عبداللّه (عليه السلام) عن نكاح الناصب، فقال:
«لا واللّه، ما يحلّ» قال فضيل: ثم سألته مرّة اُخرى، فقلت: جعلت فداك ماتقول في نكاحهم؟ قال: «والمرأة عارفة»؟ قلت: عارفة، قال: «إنّ العارفة لاتوضع إلاّ عند عارف» 2.
والخبر ضعيف لإرساله لأنّ الحسن بن محمّد بن (سماعة) رواه عن غير واحد ولم يسمّهم.
7 ـ خبره الثالث، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن المرأة العارفة هل أزوّجها الناصب؟ قال: «لا ، لأنّ الناصب كافر» قلت: فأُزوّجها غير الناصب وإلاّ العارف؟ فقال «غيره أحبّ إليّ منه» 3.
والخبر ضعيف، لوقوع أبي جميلة في سنده وهو الفضل بن صالح الأسدي، أضف إليه ضعف الدلالة، لما عرفت عند الاستدلال بخبر الفضيل بن يسار (الخبر الحادي عشر من أدلّة المجوّزين).
8 ـ صحيح عبد اللّه بن سنان، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الناصب الذي قد عرف نصبه وعداوته هل يزوّجه المؤمن وهو قادر على ردّه وهو لايعلم بردّه؟ قال:
«لا يتزوّج المؤمن الناصبة ولا يتزوّج الناصب المؤمنة، ولا يتزوّج

1 . الوسائل: 14/الباب10 من أبواب مايحرم بالكفر، الحديث 4، والآية10 من سورة الممتحنة.
2 . الوسائل:14، الباب10 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث5و15.
3 . الوسائل:14، الباب10 من أبواب ما يحرم بالكفر، الحديث5و15.

صفحه 16
المستضعف مؤمنة1.
والعبرة بالفقرة الأخيرة.
والرواية صحيحة وعبد الرحمن بن أبي نجران، الواقع في طريقه، ثقة، ولكن الاعتماد عليها مشكل لورود الترخيص في تزويج المستضعف، مثل: صحيحة عمر ابن أبان قال: سألت أبا عبداللّه (عليه السلام) عن المستضعفين؟ فقال: «هم أهل الولاية» فقلت أيّ ولاية ؟ فقال: «أما أنّها ليست بالولاية في الدين، ولكنّها الولاية في المناكحة، والموارثة والمخالطة، وهم ليسوا بالمؤمنين ولا الكفّار، منهم المرجون لأمر اللّه عزّ وجلّ» 2.
ومثله خبر حمران 3.
ومع ذلك يشكل الاعتماد عليه، وعند ذلك يتعيّن الحمل على الكراهة.
9 ـ التمسّك بالنهي عن تزويج الناصب4 غير أنّه يجب تحقيق مفهوم الناصب حديثاً ولغة، أمّا الأوّل فقد فسّر بوجوه:
1ـ مطلق المخالف غير المستضعف بمعنى كلّ من قدّم على علي (عليه السلام)5.
2 ـ المبغض للشيعة وإن لم يكن مبغضاً علياً وأولاده (عليهم السلام) كما يدلّ عليه ما رواه الصدوق في رواية « ... ولكن الناصب من نصب لكم وهو يعلم أنّكم تتولّونا وأنّكم من شيعتنا»6.
3 ـ المبغض لأئمة أهل البيت والمعلن بعدائهم.

1 . الوسائل: 14 الباب 10 من أبواب مايحرم بالكفر الحديث 3.
2 . الوسائل: 14 الباب 11 من أبواب مايحرم بالكفر الحديث : 5، 12.
3 . الوسائل: 14 الباب 11 من أبواب مايحرم بالكفر الحديث : 5، 12.
4 . الوسائل: 14لاحظ روايات الباب10 من أبواب مايحرم بالكفر.
5 . الوسائل: 19 الباب 68 من أبواب قصاص النفس الحديث 4.
6 . الوسائل: 19 الباب68 من أبواب قصاص النفس الحديث 2 و 3، عقاب الأعمال: 247.

صفحه 17
وأمّا اللغة، ففي القاموس: والنواصب، والناصبية، وأهل النصب: المتدينون ببغض علي ـرضي اللّه عنه ـ لأنّهم نصبوه أي عادوه. وهو كما ترى يفسّر الناصب بالمعنى الأخص.
فنقول: إنّ النصب ذو مراتب ومن مراتبه الخفيفة، هو بغض الشيعة، مع عدم بغض أئمتهم ـ (عليهم السلام) لكن ذلك لايثبت أنّ النصب بهذا المعنى هو الموضوع لحرمة التزويج ولنجاسته وحرمة ذبيحته، إذ من الجائز أن يكون الموضوع لحرمتها هو المرتبة الشديدة وهو من أبغض أهل البيت كما هو المصرّح به في بعض الروايات. ففي رواية الفضيل بن يسار، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن المرأة العارفة هل أُزوّجها الناصب؟ قال: «لا، لأنّ الناصب كافر» قلت: فاُزوّجها الرجل غير الناصب ولا العارف؟ فقال: «غيره أحبّ إليّ منه» 1.
وقد ورد في لسان الروايات قولهم «الناصب لنا أهل البيت» فاذا تردّد المخصص بين الأقل والأكثر وكان منفصلاً فالمرجع هو عمومات جواز النكاح إلاّ ما خرج بالدليل.
وحصيلة البحث: أنّ الروايات على طائفتين إحداهما: صريحة في جواز التزويج وفيها الصحيح وغيره، ثانيتهما: ظاهرة في المنع القابل للحمل على الكراهة. وأكثرها أخبار، لا صحاح، وبذلك يحصل التوفيق بين الطائفتين.
وأمّا ما صنعه صاحب الحدائق2 من حمل مادلّ على الجواز، على التقية واستشهد بأمثلة أو ماصنعه صاحب الوسائل حيث قال في عنوان الباب: «باب جواز مناكحة الناصب عند الضرورة والتقية» فغير تامّ جدّاً.
لأنّ التقية لاتثبت إلاّ جواز العمل وأمّا ثبوت النسب والأولاد، والمواريث

1 . الوسائل: 14 الباب 11 من أبواب مايحرم بالكفر الحديث 11.
2 . الحدائق : 24/60.

صفحه 18
فيحتاج إلى الدليل، على أنّه يتفرّع على القول به مفاسد لا يلتزم بها الفقيه، من انفساخ العقد لو تجدّدت المعرفة للزوجة إذا كانت قبل الدخول وتوقفه إلى انقضاء العدة، إذا تجدّدت بعده.
والظاهر، هو الجواز إلاّ إذا خيف على المؤمنة الضلال فتحرم بالعنوان الثانوي كما لا يخفى.
أضف إلى ذلك أنّه لو كان أمراً غير جائز، يجب تضافر النصوص عنهم (عليهم السلام) عليه لكثرة الابتلاء .

الرابع: هل التمكن من النفقة شرط، أو لا ؟

يظهر من الشيخ ومن بعده إلى زمان المحقق، أنّ للكفاءة دعامتين أحدهما: الإيمان، والآخر: إمكان القيام بالنفقة، وإليك بعض النصوص.
قال الشيخ المفيد: المسلمون الأحرار يتكافأون بالإسلام والحريّة في النكاح، وإن تفاضلوا في الشرف بالأنساب، كما يتكافأون في الدماء والقصاص، فالمسلم إذا كان واجداً طولاً للإنفاق بحسب الحاجة على الأزواج مستطيعاً للنكاح، مأموناً على الأنفس والأموال ولم تكن به آفة في عقله ولا سفه في الرأي فهو كفؤ في النكاح1.
قال في الخلاف: الكفاءة معتبرة في النكاح، وهي عندنا شيئان، أحدهما: الإيمان، والآخر: إمكان القيام بالنفقة، وقال في مسألة أُخرى: اليسار المراعى مايمكّنه معه القيام بمؤنة المرأة وكفايتها. 2
وقال في المبسوط: الكفاءة عندنا الإيمان مع إمكان القيام بالنفقة. 3

1 . المقنعة: 512.
2 . الخلاف: 2/كتاب النكاح، المسألة: 27 و 32.
3 . المبسوط: 4/179.

صفحه 19
وقال القاضي في المهذّب: الأحرار من المؤمنين يتكافأون في النكاح، وإن تفاضلوا في النسب والشرف كما يتكافأون في الدماء وإن تفاضلوا في الشرف بالأنساب فمن كان منهم عاقلاً قادراً على نفقات الزوجات بحسب الحاجة.. 1
وقال ابن سعيد في جامع الشرائع: والكفاءة في النكاح، الإسلام، واليسار بقدر مؤنتها، فإن بان أنّه لا يقدر، فلها الفسخ 2.
نعم تردّد المحقق ورجّح العدم، وقال: وهل يشترط تمكّنه من النفقة؟ قيل: نعم، وقيل: لا ، وهو الأشبه.
ويظهر من الشهيد في المسالك: إنّ عدم الاشتراط هو المشهور.
وعلى كلّ تقدير، فالمسألة خلافيّة ناشئة من اختلاف النصوص، أو اختلاف الاستنتاج منها.
وعلى القول بالشرطية، هل هو شرط الصحّة، كالإيمان بحيث يكون العقد بدونه باطلاً مطلقاً، أو في صورة الجهل أو شرط اللزوم، فلها الفسخ لو بدا فقره، أو هو شرط لوجوب إجابة الولي على القول به، إذا خطب المؤمن القادر على النفقة وجبت إجابته وإن كان أخفض نسباً، ولو امتنع الولي كان عاصياً؟
أمّا الاحتمال الأوّل، فقد نفاه الشيخ في المبسوط، حيث قال: ومتى رضي الأولياء والمزوّجة بمن ليس بكفؤ ووقع العقد على من دونها في النسب والحرّية والدين والصناعة والسلامة من العيوب واليسار كان العقد صحيحاً بلا خلاف إلاّ الماجشوني، فانّه قال: الكفاءة شرط في صحّة العقد فمتى لم يكن كفؤاً كان العقد باطلاً 3 .

1 . المهذب : 2/179.
2 . الجامع للشرائع: 439.
3 . المبسوط: 4/179.

صفحه 20
وبذلك يظهر ضعف مانسبه صاحب الحدائق إلى القائل بالاشتراط بقوله: وظاهرهم أنّه شرط في صحّة النكاح وهو منقول عن الشيخ في المبسوط والعلاّمة في التذكرة1.
وقد عرفت أنّ الشارط لا يقول بكونه شرطاً للصحّة وإلاّ يجب أن يحكم بالبطلان مطلقاً وإن رضيت مع أنّ ظاهر كلامه الصحّة إذا رضيت مطلقاً قارن العقد أم لحقه. فهذا الاحتمال باطل بالاتفاق.
وأمّا الثاني أي كونه شرطاً للزوم العقد، فهو الظاهر من ابن سعيد في جامعه كما عرفت، حيث قال: «فان بان أنّه لا يقدر فلها الفسخ» ويحتمل الثالث، لأنّ إجابة الولي مشروطة بوجود المصلحة، أو عدم المفسدة في مورد المنكوحة، وليس العقد للصعلوك خالياً عن المفسدة ولا أقلّ ليس مقترناً بالمصلحة.
وإليك دراسة الاحتمالين:
1 ـ عدم كونه شرطاً للزوم العقد
ربّما يقال بعدم كونه شرطاً للزوم العقد، ويستدل عليه بوجوه :
الأوّل : قوله سبحانه: (وَأَنْكِحُوا الأَيامى مِنْكُمْ وَالصّالـِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وإمائِكُمْ إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللّهُ مَنْ فَضْلِهِ واللّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ) 2 قائلاً بأنّ مقتضى إطلاق الآية بل نصّها عدم اشتراط اليسار في جانب الزوج فيصحّ عقده من الفقير أيضاً.
يلاحظ عليه: أنّ الإطلاق منصرف عن الصعلوك الذي لا يقدر على تأمين معيشة زوجته على أقلّ الحدّ.
الثاني: ما روي عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)، عن طريق أبي جعفر (عليه السلام) أنّه قال: «إذا

1 . الحدائق : 24/70.
2 . النور : 32.

صفحه 21
جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوّجوه إلاّ تفعلوا، تكن فتنة في الأرض وفسادٌ كبير»1.
والظاهر انصرافه عن أقلّ التمكّن من الانفاق نفياًو اثباتاً وهي بصدد نفي سائر الملاكات التي كانت رائجة في الجاهلية وبعدها، حتى جعل أهل السنّة، النسب والصناعة والسلامة من العيوب من مقوّمات الكفاءة كما حكاه الشيخ في الخلاف2.
الثالث: مانقله الصدوق بسند ضعيف، ورواه الكليني مرسلاً عن الرضا (عليه السلام) قال: «نزل جبرئيل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: يامحمّد ربّك يقرئك السلام ويقول: إنّ الأبكار من النساء بمنزلة الثمر على الشجر (فقام إليه رجل فقال: يارسول اللّه فمن نزوّج؟ فقال: الأكفّاء، فقال: ومن الاكفّاء؟ فقال: المؤمنون بعضهم أكفّاء بعض) ثم لم ينزل (من المنبر) حتى زوّج ضباعة بنت الزبير بن عبدالمطلب، المقداد بن الأسود الكندي ثم قال: أيّها الناس، إنّما زوّجت ابنة عمّي المقداد الكندي ليتّضع النكاح» 3.
أقول: الرواية منصرفة عن أقلّ حدّ المعيشة، وإنّما هي بصدد نفي سائر الملاكات التي كانت محوراً للتزويج.
وبذلك يظهر مفاد كثير من الروايات الواردة في هذا المضمار4، ويدلّ على ذلك تعليل تزويج المقداد بن الأسود ضباعة ابنة الزبير 5 بقوله سبحانه: (إنَّ

1 . الوسائل: 14 الباب 28 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث: 1ـ 2 .
2 . الخلاف: 2 كتاب النكاح، المسألة 27.
3 . الوسائل: 14 الباب 23 من أبواب مقدّمات النكاح الحديث 2ـ 3 ، ومابين القوسين موجود في رواية الكليني.
4 . الوسائل: 14الباب 25 من أبواب مقدّمات النكاح .
5 . الوسائل: 14 الباب: 26 من أبواب مقدمات النكاح الحديث1ـ2.

صفحه 22
أكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقاكُمْ)1 فإنّ التعليل يدل على كونه بصدد نفي سائر الملاكات إلاّ التقوى ولاصلة له بما ينفق لأجل العيش.
وأمّا أمره لجويبر لأنّ ينطلق إلى زياد بن لبيد حتّى يزوّجه ابنته الدلفاء، مع كونه فاقداً لكلّ شيء حتّى المال إلاّ الإيمان الخالص. 2 فلم يعلم منه عجزه عن القيام بالمعيشة ولو سلّم فيحتمل كونه من باب الولاية لا أنّه مع فقره كان كفؤاً شرعياً لبنت زياد، كما أمر الإمام الباقر (عليه السلام)ابن أبي رافع أن يزوّج بنته من منجح بن رياح الفقير الغريب3. فلا يظهر من هذه الروايات أنّ المؤمن الفقير غير القادر على تأمين معيشة الزوجة كفو شرعي تجب على الولي الموافقة. ولو زوّجها يكون العقد لازماً عليها.

2 ـ استظهار كونه شرطاً

ويمكن استظهار الاحتمال الثاني أي كونه شرطاً للزوم العقد من الوجوه التالية:
الأوّل: قوله سبحانه: (وَمَنْ لَـمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ فَمِن ماملَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ)4.
فالطول بمعنى الغناء والتطاول على الناس، التفضّل عليهم، والمعنى: من لم يجد منكم شيئاً أن ينكح المحصنات أي الحرائر فمن ماملكت أيمانكم فتدل على اشتراط الطول في تزويج الحرائر .
يلاحظ عليه: أنّ وجه العدول من الحرائر إلى الإماء لأجل قلّة مهورهنّ وخفّة مؤنتهنّ وإلاّ فالفاقد للنفقة، لايدوم نكاحه، لا مع الحرائر ولا مع الإماء وليست

1 . الحجرات: 13.
2 . الكافي: 5 /339ـ باب أنّ المؤمن كفؤ المؤمنة، الحديث1.
3 . الكافي: 5 /339ـ باب أنّ المؤمن كفؤ المؤمنة، الحديث1.
4 . النساء: 25.المراد إماء الغير لا ما يملكه الرجل.

صفحه 23
الإماء غنية عن النفقة دون الحرائر، ولذلك علّل الطبرسي وجه العدول بقوله: «لأنّ مهور الإماء أقلّ ومؤنتهنّ أخفّ في العادة»1 فالآية لا صلة لها بما نحن فيه.
الثاني: مرسلة أبان عن رجل عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: «الكفؤ أن يكون عفيفاً وعنده يسار» 2.
الثالث: صحيح محمد بن الفضيل (بن غزوان الثقة) عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: « الكفؤ أن يكون عفيفاً وعنده يسار» 3.
الرابع: خبر عبد اللّه بن الفضل الهاشمي، قال: قال أبو عبداللّه (عليه السلام) : «الكفؤ أن يكون عفيفاً وعنده يسار» 4.
والظاهر أنّ المراد من اليسار، هو القيام على النفقة اللازمة، لا الغنى فيتم الاستدلال.
الخامس: روى البيهقي أنّ فاطمة بنت قيس أخبرت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ معاوية يخطبها، فقال: «إنّ معاوية صعلوك لامال له» 5.
فالقول بكون اليسار شرطاً للزوم العقد إذا كانت جاهلة، هو الأقوى.
ولم نقل بالشرطية مطلقاً لأنّ الزوجة لو كانت عالمة بفقر الزوج وعدم تمكّنه، من النفقة المناسبة لشأنها، لم يكن لها خيار، وأمّا لو كانت جاهلة فبما أنّ الصبر لهذا النوع من الحياة لا يخلو عن حرج ومضيقة، فترفع الشكوى إلى الحاكم، من دون أن يكون لها حقّ الفسخ، لأنّ أسباب الفسخ محصورة، فإمّا يبذل الحاكم له من بيت المال فيسدّ عيلته أو يأمره بالطلاق، أو يطلّق ولا يلزم من القول بعدم الشرطية حرج.

1 . مجمع البيان: 2/34.
2 . الوسائل: 14 الباب 28 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث: 4 و 5.
3 . الوسائل: 14 الباب 28 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث: 4 و 5.
4 . الوسائل: 14 الباب 28 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث 7.
5 . السنن الكبرى: 7/135 باب اعتبار اليسار الحديث 1.

صفحه 24

الخامس: لو تجدّد عجز الزوج عن النفقة

لو تجدّد عجز الزوج عن بذل النفقة للزوجة وكان قادراً عليها هل تتسلّط الزوجة بذلك على الفسخ أو لا ؟ فقال المحقّق: فيه روايتان، أشهرهما عملاً أنّه ليس لها ذلك، أي الفسخ لابنفسها ولا بالحاكم، وفي المسالك: أنّه المشهور.
أقول: في المسألة وجوه واحتمالات:
1 ـ عدم التسلّط على الفسخ، نسب إلى المشهور.
2 ـ إنّ لها السلطة على الفسخ.
3 ـ مانقله كشف اللثام، بأنّ الحاكم يفسخه، وإلاّ فسخت بنفسها.
استدل على التسلّط على الفسخ بوجوه:
1 ـ قوله سبحانـه: (الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْسـاكٌ بِمَعْـرُوف أوْ تَسْـرِيـحٌ بِإِحْسان)1 وجه الاستدلال: أنّ قوله سبحانه: «فإمساك» بمنزلة قوله: أي بعد المرّتين لا مناص عن أحد الأمرين: إمّا الإمساك بمعروف، وإمّا الطلاق والتسريح الذي لا رجوع بعده، والإمساك بمعروف في مقابل الإمساك بخلافه، فالإمساك بالجوع والبؤس ليس إمساكاً بالمعروف، غاية الأمر أنّه مع الاستطاعة لايكون مقصّراً، أمّا مع عدمها يكون قاصراً.
وعلى كل تقدير، لايعدّ ذلك إمساكاً بمعروف، وما في الجواهر: «من منع كون الإمساك بلا نفقة من غير المعروف مع الإعسار وكونها ديناً عليه»2 غير تام، لأنّه إذا كان الصبر على مثل تلك الحياة حرجياً، وكان الزوج قادراً لأن يخليها، فإمساكها والحال هذه يعدّ إمساكاً بغير معروف، وكونه ديناً عليه، لايجعل الإمساك معروفاً إلاّ إذا كان الأمر مؤقتاً معجّلاً يرتفع بسرعة.

1 . البقرة : 229.
2 . الجواهر : 30/106.

صفحه 25
2 ـ صحيح ربعي بن عبداللّه، والفضيل بن يسار جميعاً عن أبي عبداللّه (عليه السلام) في قوله تعالى: (وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ ممِّا آتاهُ اللّه)قال: «إن أنفق عليها ما يقيم ظهرها مع كسوة، وإلاّ فرّق بينهما» 1.
3 ـ صحيح أبي بصير المرادي، وهو مثل ماتقدم2.
وقد رتب فخر المحققين، الخيار في المقام على ورود الخيار، في المسألة السابقة، مع أنّه قياس مع الفارق لإمكان وجود الخيار في العسر الابتدائي دون الاستدامي كما هو الحال في بعض العيوب الطارئة فهي موجبة للفسخ ابتداء لااستدامة.
وعلى كلّ تقدير فلو تم ما ذكرناه فهو وإلاّ فلا محيص عمّا ذكرناه في المسألة السابقة من رفع الشكوى إلى الحاكم الخ.

السادس: وجوب الإجابة على الولي وعدمه

قال المحقق: «لو خطب المؤمن القادر على النفقة وجبت إجابته وإن كان أخفض نسباً، ولو امتنع الولي كان عاصياً» ولابد من تقييده بما إذا لم يكن التزويج منه مكروهاً كالفاسق ولم يعلم فيه شيء من المسلّطات للفسخ ولم تأبّ المولى عليه ولم يكن الهدف من الإباء العدول إلى أحسن منه أو مثله وإلاّ لم تجب الإجابة، والغالب على امتناع الأولياء هو الوجه الأخير، ولأجل ذلك قيّد الشيخ في النهاية ببعض الأُمور وقال: «وإذا خطب المؤمن إلى غيره... ولا يكون مرتكباً لشيء من الفجور وإن كان حقيراً في نسبه، قليل المال فلم يزوّجه كان عاصياً مخالفاً لسنّة نبيّه» 3.

1 . الوسائل : 15 الباب 1 من أبواب النفقات، الحديث 1ـ 2، والآية 7 من سورة الطلاق.
2 . الوسائل : 15 الباب 1 من أبواب النفقات، الحديث 1ـ 2، والآية 7 من سورة الطلاق.
3 . النهاية:463.

صفحه 26
وعلى كلّ تقدير فمصدر الحكم ماروي عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) من أنّه «إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوّجوه إلاّ تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير»1.
ببيان اقتضاء الأمر للوجوب واستلزام مخالفته، العصيان.
وفي الاستدلال نظر:
لأنّ الأمر في المقام إرشادي، لا مولوي لا يترتّب على مخالفته أيّة تبعة سوى شيوع الفساد ويكون المانع معيناً عليه، ولكن كلّ ذلك إذا لم يكن الزواج مقروناً بما لا تحمد عاقبته فعندئذ جاز له الإباء لأنّ اعتبار رضا الولي ليس إلاّ كونه أبصر بالوضع.
نعم لو كان الزواج مقروناً بالصلاح أو خالياً عن المفسدة، ولكن كان الإباء لأُمور لا صلة لها به، تسقط ولايته ويكون الخيار بيد المولّى عليها، إن رضي.

السابع: لو انتسب لقبيلة فبان من غيرها

صور المسألة: إمّا أن يكون الانتساب من الدواعي، أو من الأُمور المبني عليها العقد إمّا الاتفاق عليه قبل العقد أو بذكره في العقد، وصفاً أو شرطاً ، وعلى كلّ تقدير فظهور الخلاف بتبيّن كونه منسوباً إلى قبيلة أعلى، أو أدنى أو المساوي.
فقد ذكره الشيخ في النهاية التي لا يذكر فيها سوى المسائل المتلقاة من الأئمة (عليه السلام) قال: «وإذا انتمى رجل إلى قبيلة بعينها، وتزوّج فوجد على خلاف ذلك بطل التزويج» 2.
وعمل به ابن سعيد في جامعه، حيث قال: في الفصل الذي عقده لبيان موارد فسخ النكاح «أو على أنّه من قبيلة أو أب مخصوصين فيظهر خلافهما»3.

1 . الوسائل: 14 الباب 28 من أبواب مقدّمات النكاح، الحديث1.
2 . النهاية: 498.
3 . الجامع للشرائع: 463.

صفحه 27
لاشكّ في أنّه لايترتّب عليه الأثر لو كان الانتساب من الدواعي المخزونة في قرارة المزوّجة فزعمت أنّ الرجل هاشمي فزوّجت نفسها منه ثم بان خلافه من دون أن يُبنى عليه العقد، أو يذكر فيه، من غير فرق بين وحدة المطلوب أو تعدده، لأنّ ما يجب الوفاء به هو ما يقع تحت الإنشاء قولاً أو فعلاً، أو كان ممّا بني عليه العقد باتفاق الطرفين دون الخارج عنهما، إذ لا يعدّ من العقد حتّى يشمل قوله تعالى: (أوفوا بالعقود) .
كما أنّه لا شكّ إذا وكّل الغير في تولّي العقد مقيّداً بإجرائه على الهاشمي، أورضي بعقد الولي مقيّداً بكونه هاشمياً، في أنّه يقع غير صحيح، لأنّ غير الهاشمي خارج عن مصبّ الوكالة والولاية فهاتان الصورتان خارجتان عن حريم الزواج ، إنّما الكلام فيما إذا باشرت بنفسها على أحد الوجوه الماضية.
فاختار الشيخ، البطلان وتبعه ابن إدريس، فيما إذا ذكر في العقد سواء كان من قبيلة أدنى أو أعلى، واختار ابن سعيد، الخيار للزوجة، وذهب المحقّق، والشهيد الثاني، إلى عدم الخيار، وجعله أشبه بأُصول المذهب و قواعده.
واستدل للخيار بصحيح حمّاد عن الحلبي في حديث قال: «وقال في رجل يتزوّج المرأة فيقول لها: أنا من بني فلان، فلا يكون كذلك، فقال: يفسخ النكاح أو قال تردُّ» 1.
أورد عليه، بالإضمار تارة، وأُجيب عنه، بعدم كونه مضمراً لكون الحلبي أعظم من أن يروي عن غيره، وأُخرى باحتمال رجوع الضمير إلى الحلبي ويكون هو المجيب، وثالثة: أن ادّعاء الانتماء إلى قبيلة كان بعد التزويج أخذاً بظهور «يتزوّج امرأة فيقول» لأنّ الفاء للترتيب، ومن المعلوم أنّه غير مؤثّر.
أقول: احتمال رجوع الضمير في «قال» إلى نفس الحلبي: دون من سأله

1 . الوسائل: 14 الباب 16 من أبواب العيوب والتدليس، الحديث1.

صفحه 28
الحلبي مخالف لظاهر الرواية، وإليك متنه عن التهذيب، عن الحلبي: سألته عن رجلين نكحا امرأتين فأُتيَ هذا بامرأة ذا، وأُتِيَ هذا بامرأة ذا، قال: تعتدّ هذه من هذا، وهذه من هذا، ثم يرجع كلّ واحدة منهنّ إلى زوجها، وقال: في رجل يتزوّج المرأة، فيقول لها: أنا من بني فلان. الخ1.
والظاهر أنّ فاعل الفعلين واحد وهو الذي سأله الحلبي، والإشكال الأخير مبني على كون الوارد في الرواية لفظ «تزوّج» بصيغة الماضي، والوارد في «التهذيب» وفي نفس الوسائل «يتزوّج» بصيغة المضارع، و مثله ليس ظاهراً في تأخير بيان الانتماء عن التزويج.
وعلى كلّ تقدير، فلو تمّ الاستدلال به، وإلاّ فالظاهر أنّ الأمر يدور بين البطلان ونفي اللزوم. فان قلنا بعدم شمول آية الوفاء بالعقود للمقام بحجة انّه رضيت بالمقيد بما هو مقيد ولم ترض بذاته بطل العقد، وان قلنا بشمولها له فيكون شأنه شأن كل عقد فقد شرطه يكون لها الخيار.
أضف إلى ذلك أنّ إلزام الزوجة، بالاعتناق بمثله، حرجي ناشىء من تدليس الزوج، فيكون دليل الحرج حاكماً على وجوب الوفاء به.
والحاصل: أنّ الأمر دائر بين القول بعدم شمول أدلّة وجوب الوفاء لمثل هذا العقد، والقول بشمولها له وحكومة أدلّة الحرج عليها. وعلى كلّ تقدير لا وجه للزوم الوفاء. نعم أيّد صاحب الجواهر، الوجه الأخير أي اللزوم، بأُمور:
1 ـ من حصر ردّ النكاح في غير ذلك في صحيح الحلبي2.
2 ـ ومعلومية بناء النكاح على اللزوم ولم يجر فيه شرط الخيار ولذا لايبطل النكاح بفساد المهر، ويصحّ فيه اشتراط الخيار دون نفس النكاح.

1 . التهذيب: 7/432 ، كتاب النكاح، باب التدليس الحديث 35.
2 . الوسائل: 14 الباب 1 من أبواب العيوب والتدليس الحديث 6.

صفحه 29
3 ـ والمؤمنون عند شروطهم، لا يقتضي أزيد من الإلزام بالشرط القابل لأن يلزم بتأديته، لا مثل شرط أوصاف العين 1.
يلاحظ على الوجوه المذكورة:
أمّا الأوّل: فلأنّ الحصر في الحلبي إضافي، لا حقيقي، حتّى بالنسبة إلى العيوب التي هو بصدد بيانها إذ لم يذكر بعض العيوب التي يفسخ عند وجودها نظير ما جاء في صحيحة داود بن سرحان، عن أبي عبداللّه (عليه السلام) في الرجل يتزوّج المرأة فيؤتى بها عمياء أو برصاء أو عرجاء، قال: « تردّ على وليّها» 2. وما رواه الصدوق، عن عبدالحميد، عن محمّد بن مسلم، قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): «تردّ العمياء والبرصاء والجذماء والعرجاء» 3.
وقد أفتى المشهور، بالخيار في موارد أُخر كما إذا عقدت على أنّه حرّ فبان عبداً أو عقد على أنّها حرّة فبانت أمة، أو عقد على أنّها بكر، فبانت غيرها إذا علم زوال بكارتها قبل العقد بزنا أو غيره ففي الجميع، الخيار.
وأمّا الثاني: فلأنّ عدم جواز شرط الخيار، لا صلة له بالخيار الطارىء من دون اختيار كما في المقام.
وأمّا عدم طروء الخيار مع فساد المهر، أو عدم ذكره لكونه خارجاً عن ماهية النكاح، لأنّه رابط بين الزوجين بخلاف البيع فإنّه رابط بين المالين، ولذا يبطل النكاح إذا تردّد الزوج بين الشخصين، كالبيع إذا تردّد بين المالين.
وأمّا الثالث: فانّما يتمّ إذا كان مصدر الخيار منحصراً بقوله: «المؤمنون عند شروطهم» حتّى يقال: بانصرافه إلى القابل بالتأدية، لا ما هو خارج عن القابلية. والظاهر، أنّ الأشبه بالأُصول هو قدرته على الفسخ، وبه يتبيّن حال كثير من

1 . جواهر الكلام : 30/113.
2 . الوسائل: 14 الباب 1 من أبواب التدليس، الحديث 9و 7.
3 . الوسائل: 14 الباب 1 من أبواب التدليس، الحديث 9و 7.

صفحه 30
الشروط من كونه كاتباً فبان أُمّياً أو كونه موظّفاً دولياً فبان خلافه أو بالعكس، واللّه العالم.

الثامن: في تزويج المرأة بالفاسق

الفاسق هو الخارج عن طاعة اللّه من «فسقت الثمرة» إذا خرجت عن غشائها، واستدل على الكراهة بوجوه غير تامة :
1 ـ قوله سبحانه: (أفَمَنْ كانَ مُؤمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لايَسْتَوُونَ)1 وهو لايدلّ على الكراهة، بل أقصاها، نفي الاستواء، وهو غيرها.
2 ـ «إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوّجوه» 2 والمراد من الدين هو الإسلام قبال اليهود والنصارى لا الطاعة والقيام بالوظائف.
3 ـ الحريّ بالفاسق الإعراض، والتزويج إكرام.
يلاحظ عليه: أنّ الحريّ بالفاسق إرشاده ودعوته إلى الحقّ لا الإعراض عنه وربّما يكون التزويج مؤثّراً في إرشاده وليس إكرام الفاسق على الإطلاق ممنوعاً، إلاّ إذا كان الإكرام لفسقه، أو كونه موجباً لتماديه في الفسق، والمفروض غير ذلك، والأقوى الاكتفاء بالموارد المنصوصة كشارب الخمر ومرتكب الزنا وتزويج المؤمنة من المخالف لما عرفت أنّ ذلك مقتضى الجمع بين الروايات.

التاسع: إذا تزوّج بامرأة ثم بانت أنّها زانية ؟

إذا تزوّجت بامرأة على أنّها عفيفة فبان الخلاف قال: فهل له الردّ أو لا؟ لنقدّم صور المسألة وهي أربعة:

1 . السجدة : 18.
2 . الوسائل: 14 الباب 28 من أبواب مقدّمات النكاح ، الحديث 1.

صفحه 31
1 ـ إذا تزوّج بامرأة ثم علم بأنّها كانت محدودة قبل العقد.
2 ـ إذا تزوّج بامرأة ثم علم أنّها زنت قبل العقد.
3 ـ إذا تزوّج بامرأة ثم علم أنّها زنت بعد العقد وقبل الدخول.
4 ـ تلك الصورة ولكنّها زنت بعد الدخول.
والصورة الأخيرة خارجة عن محلّ النزاع وقد عنونت في كلماتهم مستقلّة.
وعلى كلّ تقدير يقع البحث تارة في الانفساخ أو حقّ الفسخ وعدمه، واُخرى في الرجوع إلى المهر.
أمّا الأوّل، فقد نقل العلامة الأقوال الثلاثة في المختلف.
1 ـ قال المفيد: تردّ المحدودة من الفجور و به قال سلاّر وابن البرّاج واختاره ابن الجنيد وأبو الصلاح أيضاً وقطب الدين الكيدري.
2 ـ ويظهر من الصدوق في المقنع انفساخ العقد، حيث قال: إذا زنت المرأة قبل دخول الزوج بها فرّق بينهما.
3 ـ قال الشيخ في النهاية: المحدودة من الزنا لا تردّ وكذلك التي قد زنت قبل العقد فليس للرجل ردّها إلاّ أنّ له يرجع على وليّها بالمهر وليس له فراقها إلاّ بالطلاق، وقال ابن ادريس: الذي يقوى في نفسي، أنّ المحدودة لاتردّ، ومثلهما المحقق في الشرائع، قال لم يكن له فسخ العقد1.
استدل للقول الثالث، بصحيح الحلبي2 حيث خصّ الردّ بأُمور ليس منها ذلك، لكنّك عرفت أنّ الحصر فيه إضافي بشهادة أنّه لم يذكر فيه من العيوب ما يصحّ به الردّ وبمعتبرة رفاعة بن موسى النخاس (الذي نصّ النجاشي بأنّه: ثقة في حديثه، مسكون إلى روايته، ووقوع سهل في طريقه لايضرّ لأنّ الأمر فيه سهل)،

1 . المختلف : 4/105.
2 . الوسائل: 14 الباب 1 من أبواب العيوب والتدليس ، الحديث 6.

صفحه 32
عن الصادق (عليه السلام) عن المحدود والمحدودة، هل تردّ من النكاح؟ قال: «لا».1 وكفى بذلك سنداً ودلالة.
واستدل على جواز الردّ بموثق إسماعيل بن أبي زياد عن جعفر بن محمّد، عن أبيه(عليهما السلام) قال: «قال علي (عليه السلام) في المرأة إذا زنت قبل أن يدخل بها زوجها، قال: يفرّق بينهما ولاصداق لها لأنّ الحدث كان من قبلها» 2.
يلاحظ عليه: ـ مضافاً إلى اختصاصه بالصورة الثالثة، ولعلّه لأجل أنّ العار المتوجّه إلى الزوج فيها أشدّ من الصورتين الماضيتين، فلا يمكن الغاء الخصوصية ـ أنّها ظاهرة في الانفساخ وهو غير المدّعى، فإنّ المدَّعى أنّ له حقّ الرد، أضف إليه أنّ الشيخ قال في حقّ روايات السكوني: إنّ الطائفة عملت برواياته إذ لم توجد رواية بخلافه.
وعلى فرض التكافؤ، فالمرجع هو أدلّة أصالة اللزوم من العمومات إذا وجدت أو استصحاب اللزوم على فرض عدمها.
فتبيّن أنّه لاينفسخ العقد وليس له حقّ الرد، بل إذا شاء طلّق.

العاشر : الكلام في الرجوع إلى المهر

الرجوع إلى المهر هو الأمر الثاني وفيه ـ مع قطع النظر عن الردّ ـ قولان:
1 ـ الرجوع مطلقاً اختاره المفيد والشيخ .
2 ـ الرجوع إذا كان الوليّ غارّاً اختاره ابن إدريس.
استدل على جواز الرجوع بصحيح عبد الرحمن بن أبي عبداللّه قال: سألت

1 . الوسائل: 14 الباب 5 من أبواب العيوب والتدليس ، الحديث2.
2 . الوسائل: 14 الباب 6 من أبواب العيوب والتدليس ، الحديث 3.

صفحه 33
أبا عبداللّه: (عليه السلام) عن رجل تزوّج امرأة فعلم بعد ماتزوّجها أنّها كانت قد زنت قال: «إن شاء زوجها أخذ الصداق ممّن زوّجها ولها الصداق بما استحلّ من فرجها وإن شاء تركها» 1.
وبصحيح الحلبي أو حسنته «لأجل إبراهيم بن هاشم 2» عن أبي عبداللّه (عليه السلام)سألته عن المرأة تلد من الزنا ولا يعلم بذلك أحد إلاّ وليّها، أيصلح له أن يزوّجها ويسكت على ذلك إذا كان قد رأى منها توبة أو معروفاً؟ فقال: «إن لم يذكر ذلك لزوجها ثم علم بعد ذلك فشاء أن يأخذ صداقها من وليّها بما دلَّس عليه، كان ذلك على وليّها، وكان الصداق الذي أخذَت، لها لا سبيل عليها فيه، بما استحلّ من فرجها، وإن شاء زوجها أن يمسكها فلا بأس»3.
أقول: تجب الدقّة في مفاد الفقرتين في كلّ من الحديثين:
أمّا الحديث الأوّل: فهناك احتمالات.
1 ـ أن تكون الفقرتان راجعتين إلى صورة حفظ العلقة فهو في هذه الحالة مخيّر بين الرجوع إلى الوليّ أو ترك المرأة بحالها.
2 ـ أن يكون الشق الأوّل راجعاً إلى صورة الردّ بالطلاق والشق الثاني إلى صورة إبقاء العلقة.
3 ـ أن يكون على العكس الرجوع في صورة حفظ العلقة، وعدمه في صورة الردّ بالطلاق
4 ـ رجوعهما إلى صورة الردّ بالطلاق.

1 . الوسائل: 14، الباب 6 من أبواب العيوب والتدليس ، الحديث4.
2 . إبراهيم بن هاشم لم يوثق في كتب الرجال لكن ذكرت في حقّه كلمات تعرب عن كونه فوق الثقة فهو ثقة بلا إشكال.
3 . الوسائل: 14 الباب 6 من أبواب العيوب والتدليس ، الحديث1.

صفحه 34
هذه هي الاحتمالات الأربعة والثالث منها ضعيف لأنّ الرجوع في صورة الرّد بالطلاق أنسب من الرجوع في صورة إبقاء العلقة
ومثله الرابع لأنّه لا يناسب مع قوله (عليه السلام) : «وإن شاء تركها» فيدور الأمر بين الاحتمالين.
والاحتمال الثاني لم يقل به أحد وهو الرجوع عند قطع العلقة دون عند الحفظ فيتعيّن الأوّل من أنّ له الرجوع عند الوقوف على سابقتها مع حفظ العلقة وأولى منه إذا طلّق لأنّ تمام الموضوع للحكم هو الوقوف على السابقة مع كونها زوجته.
وأمّا الحديث الثاني فربّما يستظهر منه الاحتمال الثاني من هذه الاحتمالات بحكم الرجوع على صورة الطلاق وعدمه على صورة الإبقاء بقرينة قوله (عليه السلام): «وإن شاء زوجها أن يمسكها فلا بأس» فيكون قرينة على أنّ الشقّ الأوّل راجع إلى صورة الردّ، لكن في الاستظهار نظر، ويحتمل قوياً رجوع كلتا الفقرتين إلى إبقاء العلقة بتوضيح أنّ قوله (عليه السلام) : «وإن شاء زوجها أن يمسكها فلا بأس» من تتمة الشق الأوّل، والهدف بيان أنّ أخذ الصداق ممّن زوّج لا يخالف الإمساك بعد الأخذ فله بعد ذلك الإمساك، فتكون النتيجة أنّ الزوج له الرجوع إلى الغارّ وأنّ له الإمساك بعد ذلك كما أنّ له الطلاق بلا إشكال فينطبق على فتوى الشيخ وابن إدريس إذ ليس خلافهما منحصراً في صورة الإبقاء فانّه إذا جاز فيها، جاز في الردّ بالطلاق بطريق أولى.

الحادي عشر: أحكام التعريض بالخطبة

1 ـ خطبة ذات البعل ومن في حكمها كالعدّة الرجعية محرّمة ،لأنّ حرمة عرض المؤمن كنفسه وماله، والتعريض بها، ولو بعد الطلاق وقبل خروج العدّة

صفحه 35
هتك لحرمته، مضافاً إلى أنّ خطبة ذات البعل لا تخلو من مفسدة.
2ـ لا بأس بخطبة الخليّة من الزوج والعدّة تصريحاً أو تلويحاً ولعلّ فيه تأسّيا للمعصوم(عليه السلام) أمّا المطلقة ثلاثاً فيجوز التعريض من الزوج وغيره في العدّة ولايجوز التصريح لا منه ولا من غيره.
ويدلّ عليه قوله سبحانه: (وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلكِنْ لاتُواعِدُوهُنَّ سِرّاً إلاّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً)1. وإن جاز التعريض.
والآية مطلقة تعمّ جميع أقسام العدد.
أمّا المعتدّة تسعاً للعدّة فينكحها بينها رجلان ونحوها ممّا تحرم على الرجل أبداً، نظير الملاعنة والرضاع، فلا يجوز التعريض من الزوج فضلاً عن التصريح في العدّة وخارجها.
وأمّا غيره، فيحرم التصريح في العدّة دون التعريض كما يجوز التصريح بعدها.
وأمّا المعتدّة البائنة سواء كانت عن خلع أو فسخ، فيجوز التصريح من الزوج في العدّة فضلاً عن التعريض، وأمّا غيره فلا يجوز التصريح ويجوز التعريض، وإن تردّد الشيخ في التعريض لأنّها في عدّة الغير، مع جواز رجوعها إليه بنكاح.
وحاصل الكلام: أنّ المعتدّة لو كانت بحكم الزوجة يحرم التصريح والتعريض من الغير، لأنّها بحكم الزوجة، وأمّا لو لم تكن بحكم الزوجة ولكن كانت معتدّة محرّمة، فان كانت محرّمة مطلقة، لا يحلّها المحلّل فالتصريح والتعريض من الزوج ممنوع لأنّها محرّمة عليه مؤبّداً فكيف يصحّ له الخطبة؟ وأمّا

1 . البقرة: 235.

صفحه 36
الغير فيجوز التعريض دون التصريح لكونها معتدّة ، وأمّا إذا كانت محرّمة مؤقّتة يبيحها نكاح المحلّل فيجوز التعريض أيضاً لهما دون التصريح في العدّة، وأمّا بعدها فيجوز للغير التصريح أيضاً دون الزوج لحرمة زواجها منه قبل المحلّل والفرق بين التعريض والتصريح واضح إذ التعريض مثل قوله: ربّ راغب فيك أو حريص عليك، والتصريح كما إذا قال: إذا انقضت عدتك تزوّجتك.
وعلى كلّ تقدير، فلو خطب في موضع التحريم، ثم انقضت العدّة لم تحرم على الخاطب إذ ليست الخطبة في غير موضعها من المحرِّمات.
ولو خطب منها فأجابت فهل يحرم على الغير خطبتها، أو لا ؟ وجهان، قال المحقق بالحرمة. والأولى الكراهة.

الثاني عشر: إذا اشترطت على المحلّل الطلاق

إذا تزوّج المحلّل، المطلقة ثلاثاً وشرطت الزوجة على أنّه إذا أحلّها على زوجها السابق فلا نكاح بينهما، قال المحقق: بطل النكاح.
أقول: إنّ للمسألة صوراً ثلاثاً صرّح بها الشيخ في المبسوط قال: إذا تزوّج امرأة ليبيحها للزوج الأوّل ففيه ثلاث مسائل:
إحداها : إذا تزوّجها على أنّه إذا أباحها للأوّل فلا نكاح بينهما، أو حتى يبيحها للأوّل، فالنكاح باطل بالإجماع لما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه لعن المحلّل والمحلل له. وروى عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) : أنّه قال: «ألا أُعرّفكم التيس المستعار؟» قالوا: بلى يارسول اللّه ، قال: «المحلّل والمحلّل له...»
الثانية: تزوّجها على أنّه إذا أباحها للأوّل، أن يطلّقها فالنكاح صحيح والشرط باطل، وقال قوم: النكاح باطل. والأوّل أصحّ لأنّ إفساد الشرط المقارن لايفسد العقد، ولها مهر مثلها لأنّها إنّما رضيت بذلك المسمّى لأجل الشرط فاذا

صفحه 37
سقط الشرط زيد على المسمّى بمقدار ما نقص لأجله، وذلك مجهول فصار الكلّ مجهولاً فسقط المسمّى ووجب مهر المثل.
الثالثة: إذا نكحها معتقدة بأنّه يطلّقها إذا أباحها، أو أنّه إذا أباحها فلا نكاح بينهما ثمّ تعاقدا من غير الشرط كان مكروهاً ولا يبطل به العقد1.
أقول: ذكر الشيخ الصورة الثانية في الخلاف قال: إذا تزوّج امرأة قد طلّقها زوجها ثلاثاً بشرط أنّه متى أحلّها للأوّل طلّقها كان التزويج صحيحاً والشرط باطلاً ، وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه، والآخر: أنّ النكاح باطل.
وقال في مسألة أُخرى: إذا نكحها معتقداً أنّه يطلّقها إذا أباحها وأنّه إذا أباحها فلا نكاح بينهما إن اعتقد هو أو الزوجة ذلك، أو هما والوليّ أو تراضيا قبل العقد على هذا ثمّ تعاقدا من غير شرط كان مكروهاً ولا يبطل العقد به 2.
أقول: إنّ التحليل يتوقف على أُمور ثلاثة:
1 ـ كون العقد دائماً .
2 ـ كون الزوج بالغاً .
3 ـ تحقّق الدخول بل الإنزال على الأحوط فلا مناص عن فرضهما قاصدين للدوام حتى يتحقّق التحليل لا الانقطاع إلاّ إذا كانا جاهلين وهو خلاف الفرض.
ثم إنّ البحث على القول بأنّ الشرط الفاسد لايفسد العقد إمّا لأنّه من باب تعدّد المطلوب، أو أنّه التزام في التزام إلاّ إذا كان مخالفاً لمقتضى العقد أو كونه موجباً لطروء الجهالة لأحد العوضين من الثمن والمثمن، وأمّا على القول بكونه مفسداً لكان الحكم بلا استثناء هو فساد العقد. إذا عرفت ما ذكر فإليك بيان

1 . المبسوط : 4/247ـ 248.
2 . الخلاف : 2/ كتاب النكاح المسألة 120ـ 121.

صفحه 38
أحكام الصور:
أمّا الصورة الأُولى فرّبما يتوهم، فساد الشرط والمشروط هنا بتخيّل أنّ العقد ليس بنكاح شرعي، لا دائم لفرض اشتراط ارتفاعه بالتحليل ولا منقطع، لعدم التحديد بمدّة بل التحديد بالإصابة وليس منها.
والحقّ ما عليه الشيخ، في الخلاف من صحّة العقد وفساد الشرط، لأنّ المنشأ هو العقد الدائم واشتراط ارتفاعه، بالتحليل دليل على كونه دائما لا منقطعاً، وإلاّ لما جعله رافعاً.
نعم لا كلام في فساده لأنّه جعل ماليس برافع رافعاً، والنكاح لايرتفع إلاّ بطلاق أو فسخ، أو بانفساخ أو بموت، وهو ليس منها وبما أنّ المحقَّق هو عدم سريان فساد الشرط إلى المشروط يكون الشرط لغواً دون المشروط.
وأمّا الصورة الثانية: فقد عرفت من الشيخ في الخلاف، صحّة النكاح، وبطلان الشرط والمراد من بطلانه عدم لزوم الوفاء به.
والظاهر صحة العقد والشرط معاً لأنّه طلب فعل مقدور من المشروط عليه وليس شرطه منافياً لقصد النكاح بل ولا لدوامه، ويترتّب على ذلك صحّة المسمّى وأنّه لو دخل بها لم يكن لها عليه إلاّ ما سمّى.
نعم على القول ببطلان الشرط ربّما يقال بوجوب دفع مهر المثل إذا دخل بها لا المسمّى باعتبار بطلان الشرط الذي له قسط من المهر، لأنّها إنّما رضيت بالمسمّى مع الشرط، فإذا لم يسلم لها الشرط زيد على المسمّى مقدار ما نقص لأجله وهو مجهول ويبطل المسمّى بذلك فترجع إلى مهر المثل.
يلاحظ عليه: منع كونه جزء المسمّى، حتّى يتشكل من معلوم ومجهول ويكون المركب منهما مجهولا بل ربّما يكون المسمّى أكثر من مهر المثل.
وأقصى ما يمكن أن يقال: تسلطها على الخيار في المسمّى لا أنّه يكون

صفحه 39
باطلاً ويتعيّن مهر المثل.
أمّا الصورة الثالثة أعني ما إذا كان ارتفاع النكاح بالتحليل أو لزوم طلاقها بعده أمراً مضمراً للزوجين فقال المحقّق: لم يفسد النكاح ولا المهر، لأنّ العبرة بالمنشأ والمذكور لا المنوي والمضمر.
ولكنّه ملحوظ فيه فانّ الشروط المبنى عليها العقد كالمذكور إذا تقاولا وعقدا عليه، يلزم العمل بها إذا كانت صحيحة، ولا يمكن الاعتذار بعدم الذكر في العقد، لعموم وجوب الوفاء للالتزامات والعهود والشروط، وعلى ذلك فلا بدّ من القول بعدم الفرق بين الثانية والثالثة فبما أنا اخترنا صحة الشرط في الثانية فتكون الثالثة مثلها ويجب على الزوج العمل به.
وعلى كلّ تقدير ففي كلّ مورد صحّ العقد حلّت المرأة لزوجها الأوّل بعد الطلاق وانقضاء العدّة.
نعم لو قلنا بفساد العقد في بعض الصور فلا يتحقّق التحليل، لأنّ المحلّل هو العقد الصحيح مع الدخول.

الثالث عشر: في نكاح الشغار

والكلام في موارد:
1 ـ ما هو الشغار؟ الشغار نكاح معروف في الجاهلية، قال في النهاية: كان الرجل يقول للرجل: شاغر منّي أي زوّجني اُختك أو بنتك، أو من تلي أمرها حتّى أُزوّجك أُختي أو بنتي أو من إليَّ أمرها . ولا يكون بينهما مهر ويكون بضع كلّ واحد منهما في مقابلة بضع الأخرى.
وقيل له : شغار، لارتفاع المهر بينهما، من شغر الكلب، إذا رفع إحدى رجليه ليبول. وربّما يقال: بأنّه من شغر البلد إذا خلى من القاضي، لخلوّ العقدين

صفحه 40
من المهر.
والظاهر، أنّ ما ذكر طلب الشغار و ليس هو نفسه. بل الشغار لغة عبارة عن تزويج امرأتين بالنحو المذكور. وان كان يظهر من بعض الروايات انّه أيضاً شغار .
ويقرب منه ما جاء في صحاح الجوهري والقاموس والمصباح المنير، حيث فسّروه بقول الرجل للآخر: زوّجني ابنتك أو أُختك على أنّ أُزوّجك ابنتي أو أُختي على أنّ صداق كلّ منهما بضع الأُخرى، وقد عرفت أنّ الشغار غير هذا بل هو التزويج بالنحو المذكور، هذا بحسب اللغة.
وتفسره الروايات، بنكاح المرأتين ليس لواحدة منهما صداق إلاّ بضع صاحبتها، أو لا يكون بينهما مهر غير تزويج هذا هذا ، وهذا هذا وما يقاربهما 1.
وعلى هذا فلا فرق في التعبير، إذا قال: زوّجت بنتك على أن يكون مهر بضع ابنتي أو نكاح ابنتي، أو وطؤها أو الاستمتاع منها، فأنّ الجميع يشير إلى أمر واحد وهو المحاباة والمباضعة ومبادلة بضع ببضع، من دون أن يكون لواحدة منهما مهر سوى بضع الأُخرى ، وقد كان للآباء والإخوة والأولاد سلطة على بناتهم وأخواتهم وأُمّهاتهم فيبادلون بضاعتهن ببضاعة أشقائهن فيتمتّع الرجل ويتزوّج من دون أن يصرف شيئا وهو أشبه بالتجارة بمال الغير.
اتفق علماؤنا على بطلانه وعدم صحّته واختلفت كلمات العامّة، قال الشيخ في الخلاف: نكاح الشغار باطل عندنا، وبه قال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق، غير أنّ مالكاً أفسده من حيث فساد المهر ، وأفسده الشافعي من حيث إنّه ملك لبضع كلّ واحد من شخصين (الزوج باعتبار كونه زوجاً لها، وزوجه الآخر باعتبار كونه مهراً لها) ، وذهب الزهري والثوري وأبو حنيفة

1 . الوسائل: 14 الباب 27 من أبواب عقد النكاح، الحديث 1 و 2.

صفحه 41
وأصحابه إلى أنّ نكاح الشغار صحيح وإنّما فسد فيه المهر فلا يفسد بفساده1.
والقدر المتيقّن من الشغار هو خلوّ عقدهما عن المهر إلاّ بضع الأُخرى فقط، وأمّا إذا كان البضع جزء المهر أو شرطه، بأن يقول: زوّجتك ابنتي على أن تزوّجني ابنتك ويكون بضع كلّ واحد مع عشرة دارهم صداقاً للاُخرى ، فالظاهر خروجهما عن حريم الإجماع والنصّ وإن كان الظاهر من كشف اللثام خلافه، للشكّ في صدق الشغار وظهور الأخبار في خلافه واقتصارها على المتيقّن فيما خالف القواعد.
وأمّا بطلان نكاح الشغار، فلتضافر الأخبار على الحرمة الوضعية، حيث نقل الصدوق بسند صحيح عن غياث بن إبراهيم، ]المسمّى بـ «الأسدي»[ قال: سمعت أبا عبداللّه (عليه السلام) يقول: «قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) : لا جلب ولا جنب ولا شغار في الإسلام» 2 . وظاهره عدم كونه مشروعاً في الإسلام، نظير «لا حرج» و «لا ضرر» على التفسير المشهور.
وربّما يقال بكونه باطلاً لأجل التعليق وهو إنّما يتم لو كان من قبيل التعليق في الإنشاء لا ما يكون من قبيل شرط الفعل وطلبه، مثل قوله: بعت هذا بهذا على أن تخيط لي قميصاً. والمقام من هذا القبيل.
وربما يحتمل أن يكون وجهه هو الدور، ويدفعه أنّ كلا الإنشاءين مطلقين ـكما مرّ ـ والتعليق فيهما من قبيل اشتراط كلّ من المتزوّجين على الوليّ تزويج مايتولاّه من البنات والأخوات.
ثمّ إنّ في المقام فروعاً ذكرها الشيخ في المبسوط والمحقق في الشرائع نذكرها:
1 ـ لو زوّج الوليّان كلّ منهما صاحبه وشرط لكلّ واحدة مهراً معلوماً وكان

1 . الخلاف: 2/كتاب النكاح، المسألة 118.
2 . الوسائل: 14 الباب 27 من أبواب عقد النكاح، الحديث 2.

صفحه 42
الداعي لكلّ منهما تزويجه الآخر، صحّ بلا إشكال، لعدم جعل بضع كلّ مهر الاُخرى في متن العقد ولا خارجة وعدم المحذورين المتوهمين من التعليق في الإنشاء أو الدور.
2 ـ لو زوّج أحدهمـا أو كلّ منهمـا، الآخـر ، بمهـر معين، أو على وجـه التفويض وشرط مع المهر أن يزوّجه الآخر بمهر معلوم، قال الشيخ: «صحّ العقدان وبطل المهر فانّه جعل صداق كلّ واحدة منهما تزويج الاُخرى فالبضع لم يشرك فيه اثنان»، والتعبير غير دقيق لأنّه لم يجعل التزويج مهراً بل شرطاً للمهر كما في الشرائع والأولى التعليل بما في الأخير من أنّه شرط مع المهر تزويجاً وهو غير لازم (ويلزم من عدم لزومه عدم لزوم المشروط). والنكاح لايدخله الخيار وأوضحه في الجواهر بقوله: فلا يجوز أن يجعل شرطاً للنكاح وإلاّ لزم الخيار فيه إذا لم يتحقق الشرط.
وعند ئذ فلا مناص من جعله شرطاً للمسمّى ويلزم أن يكون جزءاً منه كما أنّ الأجل جزء من الثمن أو المثمن وهو أمر مجهول، فيوجب جهل المسمّى فيبطل، ويكون لها مهر المثل كما هو الضابط في كلّ مهر فاسد1.
يلاحظ عليه: ما ذكرناه من تحديد الشغار، من أنّ المتيقّن منه ما لا يكون هناك مهر إلاّ التزويج وأمّا إذا كان هناك مهر وكان التزويج جزءاً منه أو شرطاً ، فصدق الشغار عليه مشكوك وهو شرط سائغ يمكن الوفاء به ، فإن كان المشروط عليه قادراً على الوفاء به كما إذا رضيت المولّى عليها أو أرضاها بالترغيب، يكون العقد نافذاً وأمّا إذا كان الشرط خارجاً عن وسعه يدخل تحت الشروط التي لايتمكّن.
3 ـ لو قال : زوّجتك بنتي على أن تزوّجني بنتك على أن يكون نكاح بنتي

1 . الجواهر: 30/131.

صفحه 43
مهراً لبنتك. صحّ نكاح بنت المتكلم وبطل نكاح بنت المخاطب لأنّ الشغار متحقّق في الثاني دون الأوّل لأنّ نكاح بنت المتكلّم صار مهراً لنكاح بنت المخاطَب فليس له من المهر إلاّ هذا، بخلاف بنت المتكلّم فلها مهر غير النكاح، لكنّه غير مذكور فهو إمّا المسمّى خارج العقد، أو مهر المثل.
4 ـ ولو قال: زوّجتك بنتي على أن تزوّجني بنتك على أن يكون نكاح بنتك مهراً لبنتي، انعكس الحكم، بطل نكاح بنت المتكلم وصحّ نكاح بنت المخاطب.
أقول: لو فسّر نكاح الشغار بنكاح المرأة مع جعل مهرها نكاح المرأة الاُخرى، وبكلمة واضحة: من كان مهرها بضعاً صحّ ذاك التفصيل فانّ مهر بنت المخاطب في الأوّل وبنت المتكلِّم كذلك وأمّا البنت الأُخرى فمهرها غير مذكور، فلو لم يكن هناك تواطؤ يرجع إلى مهر المثل.
وأمّا إذا قلنا بأنّ الملاك من الشغار هو اجتماع سلطتين على بضع واحدة فينعكس الحكم فيبطل نكاح بنت المتكلّم في الأوّل، لأنّه جعل نكاح ابنته مهراً لنكاح بنت المخاطب فعندئذ يلزم اجتماع سلطتين على بضع واحدة لأنّها ـ مع كونها مملوكة لزوجها أي (المخاطب) ـ تكون مملوكة لمن صارت مهراً لها.
وبذلك يعلم حكم الفرع الثاني أي يبطل نكاح بنت المخاطَب، لأنّه جعلت فيه بضعها مهراً لنكاح بنت المتكلّم، فهي باعتبار مملوكة لزوجها، وباعتبار آخر مملوكة لبنت المتكلم. وبما أنّ الملاك عندنا هو ما ذكر في الأخبار أي من لم يكن له مهر إلاّ البضع يكون التفصيل الأوّل أقوى. وعلى كلّ تقدير فهذا النوع من الشغار شغار من جانب واحد لا من جانبين ومورد الأخبار هو الثاني ويمكن إلغاء الخصوصية، والعرف يساعده.

صفحه 44

صفحه 45
الفصل الثالث عشر
في نكاح المتعة
1ـ نكاح المتعة في الذكر الحكيم
2ـ الاستدلال بالسنّة
3ـ أركان عقد المتعة
الف ـ العقد
ب ـ المحلّ: الزوجان
1ـ التمتع بالزانية
2ـ التمتع بالبكر
ج ـ المهر
د ـ الأجل
4ـ أحكام المتعة
5ـ ميراث الزوجين في المتعة
6ـ عدّة المتمتع بها
7ـ عدّة الوفاة للمتمتع بها
8ـ تجديد العقد على المتمتع بها قبل انقضاء أجلها

صفحه 46

صفحه 47

في نكاح المتعة

حقيقته تزويج المرأة الحرّة الكاملة ـ إذا لم يكن بينها وبين الزوج مانع من نسب أو سبب أو رضاع أو إحصان أو عدّة أو غير ذلك من الموانع الشرعية ـ بمهر مسمّى إلى أجل مسمّى بالرضاء والاتفاق، فإذا انتهى الأجل تبين من غير طلاق ويجب عليها مع الدخول بها ـ إذا لم تكن يائسة، وكانت ممّن تحيض ـ أن تعتدّ بخمسة وأربعين يوماً، وولد المتعة ذكراً كان أو أُنثى يلحق بالأب ولا يدعى إلاّ له وله من الإرث ما أوصانا اللّه سبحانه به في آية الوراثة من أنّ للذكر مثل حظّ الأُنثيين، كما يرث الأُم وتشمله جميع العمومات الواردة في الأبناء والآباء والأُمهات وكذا العمومات الواردة في الإخوة والأخوات والأعمام والعمّات.
وبالجملة: المتمتّع بها، زوجة حقيقة وولدها ولد حقيقة ولا فرق بين هذا الزواج والزواج الدائم إلاّ أنّه لا توارث بين الزوجين، ولا قسم ولا نفقة لها كما أنّ له العزل عنها. وهذه الفوارق الجزئية فوارق في الأحكام لا في الماهية، والماهية واحدة غير أنّ أحدهما مؤقّت، والآخر غير مؤقّت وأنّ الأوّل ينتهي بانتهاء الوقت والثاني ينفصم بالطلاق أو بالفسخ.
أجمع أهل القبلة على أنّه سبحانه شرّع هذا النكاح في دين الإسلام في صدره ولا شكّ ولا ترديد في أصل مشروعيته وإن كان هناك اختلاف في نسخه وبقاء مشروعيّته.
وأوضح دليل على مشروعيّته في صدر الإسلام نهي عمر عنها حيث قال:

صفحه 48
«متعتان كانتا في عصر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) حلالين وأنا أُحرّمهما وأُعاقب عليهما: متعة الحجّ، ومتعة النساء»1.
فإنّ النهي إمّا كان اجتهاداً من عمر أو كان مستنداً إلى نهي من رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى كلا التقديرين يدلّ على جوازه في فترة خاصة، وهذا واضح لمن له إلمام بالفقه .
والأصل في ذلك قوله سبحانه: (وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلاّ ما قَدْ سَلَفَ إنَّ اللّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيمًا * والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَ آتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ولاجُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الفَرِيضَةِ إنَّ اللّهَ كانَ عَلِيماً حَكيماً )2 .
ولأجل إيضاح مفاد الآية نبحث عن مفرداتها وجملها واحدة بعد أُخرى.
1 ـ (المحصنات من النساء)، هو معطوف على قوله: (وأن تجمعوا بين الأُختين)أي حرم الجمع بين الأُختين، كما حرمت المحصنات من النساء أي المتزوّجات. والمحصَنات : اسم مفعول من الإحصان، وهو المنع. ويطلق على القلاع: الحصون، لمنعها من هجوم العدو ثم إنّ الإحصان بمعنى واحد يستعمل في موارد ثلاثة:
الأوّل: إحصان العفة، ويراد منه العفائف من النساء.
الثاني: إحصان الزوجية، ويراد المتزوّجات ، لأنّ الزواج يمنع من اقتحام الزنا كما أنّ العفّة الفطرية كذلك.
الثالثة: إحصان الحرّية ويراد الحرائر، لأنّ الغالب عليهنّ العفة بخلاف

1 . سنن البيهقي: 7/206.
2 . النساء: 23 و 24.

صفحه 49
الإماء فقد كان الزنا فاشياً بينهنّ.
وهذا لايعني أنّ للإحصان معان ثلاثة حتى يصحّ كون اللفظ مشتركاً معنوياً بل له معنى واحد، وإنّما الاختلاف في موارد الاستعمال، لأجل أنّ عوامل المنع عن السقوط، إمّا طبع المرأة، أو تزوّجها، أو حرّيتها فإنّ الغالب على الأحرار، هو العفّة خلافاً للإماء.
والقرآن الكريم استعمل المحصنات بمعنى واحد في الموارد الثلاثة، وسنذكر أمثلتها عند تفسير الآية.
والمراد من المحصنات هنا: مطلق المتزوّجات، أي القسم الثاني من الاحصان أي من تمسكت باحصان الزواج وذلك بقرينة عطفه على سائر المحرّمات وإلاّ فلا وجه لتحريم العفائف أو الحرائر غير المتزوّجات فإنهنّ في موضع الحثّ على النكاح، لا تحريمه.
2 ـ (إلاّ ما ملكت أيمانكم): فقد استثنى من المتزوّجات الأمة المملوكة لغير الزوج فيجوز أن يحول المالك بين مملوكته وزوجها، ثمّ ينالها بعد استبرائها وظهور خلوّ رحمها من الولد، ولا يصحّ الاستثناء متصلاً من «المحصنات» بمعنى المتزوّجات إلاّ بهذا المعنى.
3 ـ (كتاب اللّه عليكم)منصوب لفعل مقدّر، أي خذوا كتاب اللّه وألزموه.
4 ـ (وأحلّ لكم ماوراء ذلكم) الإتيان بلفظ «ما» مكان «من» مع كونه الرائج في ذوي العقل ولفظ «ذا» مكان «هؤلاء» قرينة على أنّ المراد من الموصول واسم الإشارة هو النكاح أي أُحلّ لكم نكاح وراء ذلك النكاح، المذكور في نفس الآية قبلها، أيّها المخاطبون.
5 ـ (أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين) الجملة واقعة مكان العلّة الغائية لتحليل ماوراء ذلك، وهي بصدد تبيين الطريق المشروع في نيل النساء

صفحه 50
ومباشرتهنَّ الذي دلّت على حلّيته الجملة السابقة وهي قوله: (وأُحلّ لكم مارواء ذلكم) والمقصود هو بعث الرجال إلى ابتغاء النكاح بالمال لكن (محصنين غير مسافحين)متعففين لا زانين، فإنّ نيل النساء يتحصّل بأحد أُمور ثلاثة: النكاح، ملك اليمين، والسفاح، والآية تحث على النكاح وتنهى عن نيلهنّ بالسفاح، وأمّا ملك اليمين فغير مذكور في الآية.
وعلى ذلك فيكون المراد من قوله (محصنين) هو إحصان العفّة، أي تقصدوا بأموالكم أمراً فيه تحقيق إحصانكم وعفّتكم لا خلافه وضدّه. وقد استعمل لفظ «محصنين» في إحصان العفّة كما استعمل لفظ «محصنات» فيما سبق في إحصان التزويج. وأمّا استعماله، في إحصان الحرّية فهو في الآية التالية عند البعث على نكاح الإماء بقوله: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ فَمِن مامَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ)1 والمراد منها الحرائر كما هو واضح.
ويمكن أن يراد من الإحصان في المقام، إحصان التزويج، والمراد متزوّجين لا زانين أي اطلبوا النساء بأموالكم سالكين سبيل التزويج، لا الزنا، ولا ينافي كون الفقرة الآتية ناظرة إلى العقد المنقطع لأنّه من أقسام التزويج، لا السفاح ولا ملك يمين وأما فقدان بعض أحكام التزويج من الميراث ووجوب النفقة فلاينافي ذلك.
ولكن الظاهر ، هو الأوّل:
والسفاح، من السفح، وهو صبّ الماء من غير غاية، استعير للزنا، لأنّ الزاني لا هدف له إلاّ صبّ مائه وإرضاء شهوته لاحفظ العفّة والأخلاق.
و مع ذلك فليس المراد هو المعنى اللغوي له، الذي ربّما يجتمع مع الزواج الصحيح، بل المراد هو الزنا لشيوع استعماله فيه، بحيث يحتاج إرادة المعنى اللغوي بما هو هو، إلى القرينة.

1 . النساء: 25.

صفحه 51
6 ـ (فَما استمتعتُمْ بهِ مِنْهُنَّ فآتوهنَّ أُجورهنَّ فريضةً)
يحتمل أن تكون «ما» مصدرية زمانية وعندئذ يرجع الضمير في «به» إلى النيل، ويعود معنى الآية إلى، مهما استمتعتم بالنيل منهنّ فآتوهنّ أُجورهنّ، كما يحتمل أن تكون «ما» موصولة والجملة الواقعة بعدها صلة والضمير في «به» عائده والمعنى: «من استمتعتم به من النساء». الخ وتذكير الضمير لأجل لفظ الموصول.
وهو تفريع على ما سبق بيانه أي حلّية نيل النساء عن طريق النكاح، ويمنع عن السفاح، ففرّع عليه هذه الجملة وأنّه مهما تمتّع أحد منكم بهنّ فليدفع الأجر .
ولكن الكلام في أنّ المراد هل هو النكاح الدائم أو غيره؟ فالشيعة على أنّ الآية بصدد تشريع هذا النوع من الزواج المنقطع ولفيف من أهل السنّة على أنّه راجع إلى الزواج الدائم، ولكن القرائن تدلّ على أنّ المراد هو الأوّل وإليك بيانها:

القرائن الدالّة على كون المراد هو المنقطع

الأُولى : إنّ كلمة «الاستمتاع» ظاهرة في هذا النوع من الزواج

وقد كان هذا النوع من النكاح معروفا في صدر الإسلام بالمتعة والتمتع وليس المراد منه «الالتذاذ» بل المراد عقد المتعة، يعلم ذلك من الوقوف على وجوده في صدر الإسلام بهذا اللفظ.
1 ـ روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس: قال: كانت متعة النساء في أوّل الإسلام، كان الرجل يقدم البلدة ليس معه من يصلح له ضيعته ولا يحفظ متاعه فيتزوّج المرأة إلى قدر ما يرى أنّه يفرغ من حاجته فتنظر له متاعه وتصلح له ضيعته...1.

1 . الدرّ المنثور: 2/140.

صفحه 52
2 ـ أخرج الطبراني والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: كانت المتعة في أوّل الإسلام، فكان الرجل يقدم البلدة ليس له بها معرفة فيتزوّج بقدر ما يرى أنّه يفرغ من حاجته لتحفظ متاعه وتصلح له شأنه1.
3 ـ أخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم عن ابن مسعود قال: كنّا نغزو مع رسول اللّه وليس معنا نساؤنا فقلنا: ألا نستخصي ؟ فنهانا عن ذلك ورخّص لنا أن نتزوّج المرأة بالثوب إلى أجل .... 2.
إلى غير ذلك من الروايات في شأنه والكلّ يعرب عن وجوده في صدر الإسلام، أي وجود ذلك النوع من العقد فيه، لا العمل الخارجي الالتذاذي، نعم كان العمل يتبع العقد. وبذلك يعلم أنّ المراد من الفعل «استمتعتم» هو عقد المتعة لا المعنى اللغوي :
قال الطبرسي: وقيل: المراد به نكاح المتعة، وهو النكاح المنعقد بمهر معين إلى أجل معلوم، روي عن ابن عباس والسدي وابن سعيد، وجماعات من التابعين وهو مذهب أصحابنا الإمامية وهو الواضح، لأنّ لفظ الاستمتاع والتمتع وإن كان في الأصل واقعاً على الانتفاع والالتذاذ، فقد صار بعرف الشرع مخصوصاً بهذا العقد المعين لا سيما إذا أُضيف إلى النساء، فعلى هذا يكون معناه. فمتى عقدتم عليهنّ هذا العقد المسمّى متعةً فآتوهنّ أُجورهنّ، ويدلّ على، ذلك أنّ اللّه علّق وجوب إعطاء المهر بالاستمتاع وذلك يقتضي أن يكون معناه هذا ، العقد المخصوص دون الجماع والاستلذاذ لأنّ المهر لا يجب إلاّ به3 وسيوافيك أنّ المهر يجب بمجرّد العقد كله وأنّه ليس له الإمساك، نعم لو امتنعت عن الاستمتاع، ترد بمقدار ما امتنعت.

1 . الدرّ المنثور: 2/140.
2 . الدرّ المنثور: 2/140.
3 . مجمع البيان: 2/32.

صفحه 53

الثانية : الحمل على النكاح الدائم يستلزم التكرار بلا وجه:

إنّ هذه السورة، أي سورة النساء، تكفّلت ببيان أكثر ما يرجع إلى النساء من الأحكام والحقوق، فذكرت جميع أقسام النكاح في أوائل السورة على نظام خاص، أمّا الدائم فقد أشار إليه سبحانه بقوله: (وَإِنْ خِفْتُمْ ألاّ تُقْسِطُوا في اليَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ ألاّ تَعْدِلُوا فَواحِدَة...)1.
وأمّا أحكام المهر فقد جاءت في الآية التالية: (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْء مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنيئاً مَريئاً) 2.
وقال سبحانه: (ياأَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ...)3.
وقال سبحانه: (وإنْ أَرَدْتُّم اسْتِبْدَالَ زَوْج مَكانَ زَوْج وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أتَأْخُذُونَهُ بهُتْاناً وَإِثْماً مُبِيناً)4.
وأمّا نكاح الإماء فقد جاء في قوله سبحانه: (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ الُمؤْمِناتِ فَمِن ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الُمؤْمِناتِ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْض فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بالمَعْرُوفِ مُحْصَنات غَيْرَ مُسافِحات ولا مُتَّخِذاتِ أَخْدان...)5.
فقوله سبحانه: (من ماملكت أيمانكم)إشارة إلى نكاح السيّد لأمته، الذي جاء في قوله سبحانه أيضاً: (إلاّ عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ فَإنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ...)6.

1 . النساء : 3.
2 . النساء : 4 .
3 . النساء : 19.
4 . النساء : 20.
5 . النساء : 25.
6 . المؤمنون : 6.

صفحه 54
وقوله سبحانه: (فانكحوهنَّ بإذن أهلِهِنَّ). إشارة إلى تزويج أمة الغير.
إلى هنا تمّ بيان جميع أقسام النكاح فلم يبق إلاّ نكاح المتعة، وهو الذي جاء في الآية السابقة، وحمل قوله سبحانه: (فما استمتعتم)على الزواج الدائم. وحمل قوله: (فآتوهنَّ أُجورهنَّ) على دفع المهور والصدقات مستلزم للتكرار وقد عرفت وجود نكاح المتعة في صدر الإسلام، ولا يصحّ للشارع السكوت عن حكمها.
فالناظر في السورة يرى أنّ آياتها تكفّلت ببيان أقسام الزواج على نظام خاص ولا يتحقّق ذلك إلاّ بحمل الآية على نكاح المتعة كما هو ظاهرها أيضاً. ومما ذكرنا يعلم وجه الاتيان بلفظ «الفاء» مع عدم سبق ذكرها لأنّه لما ذكر جميع الأقسام الموجودة في الأديان ولم يبق إلاّ هذا، استدركه بقوله: (فما استمتعتم).

الثالثة: تصريح جماعة من الصحابة على شأن نزولها:

ذكرت أُمة كبيرة من أهل الحديث نزولها فيها، وينتهي نقل هؤلاء إلى أمثال ابن عباس، وأُبي بن كعب، وعبداللّه بن مسعود، وجابر بن عبداللّه الأنصاري، وحبيب بن أبي ثابت، وسعيد بن جبير، إلى غير ذلك من رجال الحديث الذين لا يمكن اتّهامهم بالوضع والجعل.
وقد ذكر نزولها فيه من المفسرين والمحدّثين:
إمام الحنابلة أحمد بن حنبل في مسنده 1.
وأبو جعفر الطبري في تفسيره 2.
وأبو بكر الجصاص الحنفي في أحكام القرآن 3.
وأبو بكر البيهقي في السنن الكبرى 4.

1 . مسند أحمد : 4 /436.
2 . الطبري: التفسير: 5 /9.
3 . أحكام القرآن : 2/178.
4 . السنن الكبرى: 7 /205.

صفحه 55
ومحمود بن عمر الزمخشري في الكشّاف1.
وأبو بكر بن سعدون القرطبي في تفسير جامع أحكام القرآن 2 .
وفخر الدين الرازي في مفاتيح الغيب3.
إلى غير ذلك من المحدّثين والمفسرين الذين جاءوا بعد ذلك إلى عصرنا هذا، ولا نطيل الكلام بذكرهم.
وليس لأحد أن يتّهم هؤلاء الأعلام بذكر ما لا يفتون به. وبملاحظة هذه القرائن لا يكاد يشكّ في ورودها في نكاح المتعة.
ومعنى الآية: أنّ اللّه تبارك وتعالى شرّع لكم نكاح ماوراء المحرّمات لأجل أن تبتغوا بأموالكم مايحصنكم ويصون عفّتكم ويصدّكم عن الزنا، فإذا تزوّجتم استمتاعاً فآتوهنّ أُجورهنّ.
والغاية من النكاح مطلقاً هو صيانة النفس، وهي موجودة في جميع الأقسام: النكاح الدائم، والمؤقّت، والزواج بأمة الغير، المذكورة في أوائل هذه السورة.

الرابعة: قراءة ابن مسعود:

روي أنّ ابن مسعود كان يقرأ: «فَما اسْتَمتعتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إلى أَجَل» كما أنّ ابن عباس كان يقرأ: «.. إلى أجَل مُسمّى ...».
ومن المعلوم أن الزيادة كان تفسير لها، لا جزء منها.

الخامسة: ادّعاء النسخ في الآية :

إنّ مانسب إلى بعض التابعين أو الصحابة، من أنّ الآية منسوخة ببعض

1 . الكشّاف : 1 / 360.
2 . جامع أحكام القرآن: 5 / 13.
3 . مفاتيح الغيب: 3 / 267.

صفحه 56
الآيات يدلّ على دلالتها على حكم المتعة فلولا الدلالة، لما كان هنا وجه للقول بالنسخ، وهذا القول وإن كان خاطئاً، لكنّه في ذاته يؤيّد دلالة الآية على ما نرتئيه.

الاستدلال بالسنّة

إذا كان الكتاب دالاً على مشروعية المتعة فأغنانا عن دلالة السنّة عليها، وقد تضافرت الروايات بين الفريقين على مشروعيتها وإن ذهب الأكثر من أهل السنّة إلى كونها منسوخة، وقد سبق بعض ما يدلّ على الجواز من السنّة عند تفسير الآية.
وأمّا الروايات عن أئمة أهل البيت فحدّث عنه ولا حرج، وقد تواتر كلام الإمام عليّ (عليه السلام): «لولا ما سبقني به بنو الخطاب مازنى إلاّ شقي »1 وفي لفظ آخر: «لولا مانهى عنه عمر مازنى إلاّ شقي»2.
ثم إنّ المتأخّرين من أهل السنّة كصاحب المنار وغيره ناقشوا دلالة الآية على حلّية المتعة بوجوه ذكرناها مع أجوبتها في كتابنا (الاعتصام بالكتاب والسنّة) فلاحظ.
فلنذكر أحكام المتعة بعد الفراغ عن تشريعها وعدم منسوخيتها.

أركان عقد المتعة

وهي أربعة:

الركن الأوّل : العقد

أعني الإيجاب والقبول فلا يحصل بدون ذلك كالإشارة أو بإدخال الخاتم

1 . الوسائل: 14، الباب الأول من أبواب المتعة، الحديث 2، و لاحظ بقية روايات الباب.
2 . الدر المنثور: 2/141.

صفحه 57
في يدها، أو بالمعاطاة وقد ادّعى صاحب الحدائق، الإجماع على شرطية العقد في النكاح.واستدل الشيخ الأعظم، بأنّه لولا العقد لما بقي فرق بين النكاح والسفاح.
ولكن الإجماع المنقول حاله معلوم، والثاني أيضاً غير مفيد، لأنّ التفاوت بين النكاح والسفاح ليس هو العقد، بل التفاوت بينهما جوهري فإنّ الوطء في الأوّل بعنوان الزوجية، وفي الثاني بعنوان الزنا، وهما في حدّ أنفسهما ماهيّتان مختلفتان شرعاً وعرفاً ، سواء أكان هناك عقد أم لا، وإنّما العقد يحقّق إحدى الماهيتين وهذا يعرب عن وجود التفاوت الجوهري بين الأمرين مع قطع النظر عن العقد.
والعمدة في لزوم العقد، هو السيرة العملية الحاكية عن التزام المتشرّعة به التزاماً لا يترك، ولعلّ هذا المقدار من السيرة كاف في إثبات لزومه، على أنّه يستفاد من الروايات الواردة حول السؤال عن كيفية الصيغة في المتعة أنّه كان أمراً مسلّماً، ولأجل ذلك كان الأصحاب يسألون الإمام عن كيفية إجرائها1.
نعم، قيام الكتابة مقام اللفظ لا يخلو عن قوّة بل عليها السيرة من الجوامع المتحضرة حيث يكتفون بها، مع المقالة المتقدّمة.
بل نقول: إنّ التعامل مع النكاح وأضرابه، معاملة العبادات وتقييده بقيود لايعتني بها العقلاء، أمرٌ في غير محلّه، فالذي عليه العقلاء، لزوم كون اللفظ صريحاً قاطعاً لا يبقى معه شكّ ولاترديد، وعندئذ تسقط كثير من الأبحاث التي طرحها العلماء حول العقود في البيع والإجارة والنكاح. وقد تقدّم الكلام مفصّلاً عند البحث عن النكاح الدائم وقلنا: إنّ الالتزام بماضوية الإيجاب والقبول أو تقدّم الإيجاب على القبول أو جواز تقديم القبول مطلقاً إلاّ إذا كان بلفظ «رضيت» أو «قبلت» إلى غـير ذلك من الشرائط ـ كلّها ـ من قبيل الالتزام بما لا يلزم وليست المعاملات من قبيل الأُمور التوقيفية مثل العبادات، وعلى ضوء هذا فالالتزام

1 . الوسائل: 14الباب 18 من أبواب المتعة، لاحظ رواياته .

صفحه 58
بالتقدّم أوّلاً ، والماضوية ثانياً، لا دليل عليه، مع أنّ الروايات الواردة في المتعة تشهد على خلاف هذا الالتزام فقد تقدّم فيها القبول على الإيجاب أوّلاً، واكتفي فيها بصيغة المضارع فلاحظ الباب 18 من أبواب المتعة 1.
وقد قلنا في تزويج الصغرى: إنّه يصحّ الاكتفاء بلفظ واحد قائم مقام الإيجاب والقبول فيما إذا كان العاقد وليّاً لهما، فقال: زوّجت هذه من هذا على مهر كذا، كيف لا يكون كذلك وزوّج سبحانه عبده عليّاً من أمته فاطمة بلفظ واحد وقال: زوّجت أمتي فاطمة من عبدي عليّ، هذا كلّه حول الركن الأوّل : وإليك الكلام في الركن الثاني.

الركن الثاني: المحلّ

المراد منه الزوج والزوجة، ويترتّب عليه كلّ ما ذكرناه في العقد الدائم من الأحكام إلاّ ما استثني بالدليل، وبعبارة أُخرى: بما أنّ العقد المنقطع داخل في المستثنى من قوله سبحانه: (إلاّ على أزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُم)2 يترتّب على الزوجين فيها من الأحكام، مايترتّب عليهما في الدائم فالزوج المسلم لا يتزوّج إلاّ مسلمة أو كتابية بأقسامها الثلاثة: اليهودية، والنصرانية والمجوسية.
وأمّا مارواه معاوية بن وهب 3 من منع الكتابية عن شرب الخمر وأكل لحم الخنزير مع جوازه لها أخذاً بأحكام الذمّة، فهناك احتمالات:
1 ـ اشتراط تركهما في متن العقد.

1 . الوسائل: 14، الباب 18 من أبواب المتعة الحديث1 وظاهر حديث 2 و 3 و 4 و 5 و6، فإنّ الظاهر أنّ مايقوله الزوج هو القبول كما هو صريح الأوّل، واسناده وإن كانت غير نقية لكن البعض يعاضد البعض.
2 . المؤمنون : 6 .
3 . الوسائل: 14، الباب 2 من أبواب مايحرم بالكفر، الحديث 1.

صفحه 59
2 ـ إنّ المنع إنّما إذا كانا مانعين عن التمتع وموجبين للتنفر.
3 ـ إنّه من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والكلّ غير مجد، لأنّ الأوّل خلاف الظاهر، لأنّ الرواية ظاهرة في وجوب منعها بالتزويج لا بالاشتراط، والثاني مخالف لإطلاق الرواية سواء كان مانعاً أو منفّراً، أو لا، والثالث لا موضوع له لأنّ المفروض تجويز الشارع إذا لم تتظاهر، والظاهر أنّ الرواية محمولة على الإرشاد لئلا يسري الأمر إلى الزوج بقرينة كونه ذا غضاضة في دينه كما عليه صريح الرواية.
ويستحبّ أن تكون المتمتع بها مؤمنة 1 عفيفة 2 كما يستحبّ السؤال 3 إذا كانت متّهمة بكونها مزوّجة، وظاهر المحقّق سؤالها ، وظاهر المسالك، سؤال الغير عنها، لأنّها لا تعترف بالزوج لو سئل.
وماورد من الذم عن السؤال إنّما مورده بعد التزويج لا قبله4.
مسألتان:
1 ـ متعة الزانية .
2 ـ متعة الباكر.
أمّا الأُولى: فالمشهور على الكراهة، وذهب الصدوق إلى المنع وفصّل ابن البرّاج وجوّزه إذا منعها من الفجور.
1 ـ قال العلاّمة في المختلف: قال الشيخ في النهاية: لا بأس بأن يتمتّع الرجل بالفاجرة إلاّ أنّه يمنعها بعد العقد من الفجور5.

1 . الوسائل: 14، الباب 7 من أبواب المتعة، الحديث 1.
2 . الوسائل: 14، الباب 8 من أبواب المتعة، الحديث 1.
3 . الوسائل: 14، الباب 10 من أبواب المتعة، الحديث 5 و 3 و 4.
4 . الوسائل: 14، الباب 10 من أبواب المتعة، الحديث 5 و 3 و 4.
5 . النهاية: 490، ط بيروت.

صفحه 60
2 ـ وقال الصدوق في المقنع: واعلم أنّ من يتمتّع بزانية فهو زان، لأنّ اللّه تعالى يقول: (الزّانِي لايَنْكِحُ إلاّ زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً وَالزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلاّ زان أوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلكَ عَلى المُؤْمِنينَ)1.
وقال ابن البرّاج: لايعقد متعة على فاجرة إلاّ أن يمنعها من الفجور فان لم تمتنع من الفجور فلا يعقد عليها2.
3 ـ وقال المحقّـق: ويكره أن تكون زانية، فإن فعل فليمنعها من الفجور وليس شرطاً، وقوله: «ليس شرطاً» ردّ لما ذكره ابن البرّاج من الاشتراط.
وقال ابن رشد: واختلفوا في زواج الزانية فأجاز هذا الجمهور ومنعها قوم، وسبب اختلافهم، اختلافهم في مفهوم قوله تعالى: (الزانية لاينكحها إلاّ زان أو مشرك وحُرِّم ذلك على المؤمنين) هل خرج مخرج الذم أو مخرج التحريم؟ وهل الإشارة في قوله ـ ذلك ـ إلى الزنا أو إلى النكاح3.
أقول: تفصيل الكلام: أنّه قال سبحانه: (الزّاني لاينكح إلاّ زانية أو مشركة والزّانية لاينكحها إلاّ زان أو مشرك ٌوحُرِّم ذلك على المؤمنين) والإشارة في ذلكإليالنكاح والمراد منه هو العقد لا الوطء لظهور حرمة الزناء على المؤمن وغيره.
ويؤيّده، ماورد من المنع عن تزويجها كصحيح محمّد بن الفضيل قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن المرأة الحسناء الفاجرة هل تُحِبُّ للرجل أن يتمتع منها يوماً أو أكثر ؟ فقال: «إذا كانت مشهورة بالزنا فلا يتمتّع منها ولا ينكحها»4.

1 . المقنع : 113. والآية من سورة النور:3.
2 . المهذّب: 2/241.
3 . بداية المجتهد: 2/40، وقد ذكر القرطبي للآية وجوهاً ستة راجع : 12/167ـ 170.
4 . الوسائل:14، الباب 8 من أبواب المتعة، الحديث 4.

صفحه 61
ومثلها، صحيحة عبداللّه بن أبي يعفور، عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: سألته عن المرأة ولا يدرى ما حالها أيتزوّجها الرجل متعة؟ قال: «يتعرّض لها فإن أجابته إلى الفجور فلا يفعل» 1 مضافاً إلى خبر محمّد بن الفيض2.
وفي مقابلها، روايات تدلّ على الجواز وقد علل الحكم، بأنّك تخرجها من الحرام إلى الحلال3 والقائل بالجواز يؤوّل الآية بأحد الوجهين:
1 ـ إنّ النكاح في الآية ليس بمعنى العقد بـل بمعنـى الوطء، وانّ اسم الإشارة في قوله : (وحرّم ذلك) يشير إلى النكاح لكن المقصود منه الوطء المساوق في المقام مع الزنا، لا التزويج ومعنى الآية: الزاني والمشرك يطأ الزانية والمشركة، ولكن وطؤهما حرام على المؤمن لكونها زناً، وبعبارة أُخرى: المراد أنَّ الزاني لا يزني إلاّ بزانية أو بمثلها وهي المشركة، وإنّ الزانية لاتزني إلاّ بزان أو بمثله وهو المشرك، وأمّا المؤمن فهو ممتنع عن ذلك لأنّ الزنا محرّم وهو لا يرتكب ما حرّم عليه4.
يلاحظ عليه: أنّ النكاح في الأصل وإن كان بمعنى الوطء، لكنّه لم يستعمل في القرآن إلاّ في التزويج فقد ورد اللفظ فيه حوالي 23 مرتبة بمشتقّاتها المختلفة. والمتبادر في الجميع هو العقد حتّى في قوله سبحانه: (ولا جُناحَ عَليكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إذا آتَيتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ)5 فحمل اللفظ (النكاح) الذي أُشير إليه بلفظ: (وحرّم ذلك)في المورد على الوطء بعيد جدّاً.
فإن قلت: إنّ لازمه جواز نكاح المسلم الزاني، المشركةَ، وجواز نكاح المشركُ المسلمةَ الزانية، وهو كما ترى.
قلت: إنّ نكاح الزانية أو المشركة حرام على الزاني والمشرك والمؤمن غير أنّ

1 . الوسائل 14، الباب 8 من أبواب المتعة، الحديث2 و3.
2 . الوسائل 14، الباب 8 من أبواب المتعة، الحديث2 و3.
3 . الوسائل 14، الباب 9 من أبواب المتعة، الحديث 1 و 2 و 3 و 4.
4 . البيان : 384.
5 . الممتحنة:10.

صفحه 62
الأوّلين لأجل تمرّدهما ينكحا سواء نهيا أو لا ، حرم ذلك عليهما أو لا ، ولأجل ذلك ذكر المؤمن وحده، وقال : (وحرّم ذلك على المؤمنين). وهذا لايعني جوازه لغير المؤمن إذ عدم الذكر لأجل عدم إصغائهما للتحريم.
2 ـ حمل «التحريم» في قوله تعالى: (وحُرِّمَ ذلكَ عَلى المؤمنينَ) على الكراهة، وهو أبعد، مع عدم استعماله في الذكر الحكيم إلاّ في الحرمة القطعية، وليس التصرف في دلالة الذكر الحكيم مع كونه نصّاً في مفاده، أمراً سهلا فالقول بالحرمة أقوى وأحوط إلاّ إذا قدر على منعها عن العهر فيجوز، لانصراف الآية عن هذه الصورة ولعلّ ما دلّ على الجواز محمول على هذه الصورة.

التمتع بالبكر

وأمّا التمتّع بالبكر فقد اختلفت كلمة الأصحاب في جوازه إلى أقوال.
1 ـ قال الشيخ في النهاية: إذا كانت بالغة جاز له العقد من غير إذن أبيها إلاّ أنّه لا يجوز أن يفضي إليها.
2 ـ قال أبو الصلاح الحلبي: لا يجوز التمتّع بالبكر إلاّ بإذن أبيها، وبه قال الصدوق أيضاً: لا يتمتع بذوات الآباء من الأبكار إلاّ بإذن أبائهنّ.
ويظهر من ابن البرّاج الميل إلى ما ذكره أبو الصلاح والصدوق، حيث قال: الأحوط عدم العقد عليها بلا إذن أبيها1.
وقال ابن سعيد : ويجوز متعة البكر البالغ ولا يفضى إليها إن كانت بين أبويها وإن أذنت، وإن لم تكن بين أبويها جاز إلاّ أن تشترط أن لايفضيها 2.

1 . المختلف: كتاب المتعة : 12، والمهذّب 2/241 . والإفضاء: التوسيع كناية عن الافتضاض.
2 . الجامع : 451.

صفحه 63
وذهب المحقّق إلى الكراهة مع عدم الأب، ويزيد الكراهة إذا كان مع الإفضاض، وعدم الجواز مطلقاً إذا كان لها أب.
أمّا صور المسألة: فانّ التمتع إمّا مع الإفضاض أو بدونه، وعلى كل تقدير إمّا مع وجود الأب، أو عدمه.
أمّا الروايات فهي على أصناف:
1 ـ ماينهي عن متعة البكر، كصحيحة حفص ابن البختري عن أبي عبداللّه (عليه السلام) في الرجل يتزوّج البكر متعة؟ قال: «يكره للعيب على أهلها»1. ومثله خبر مهلب الدلاّل2 ومعتبرة أبي بكر الحضرمي 3 وخبر عبدالملك بن عمرو4.
ولكن النهي محمولٌ على الكراهة لقوله في صحيحة حفص: «يكره للعيب على أهلها» وقوله في خبر المهلب: «استر على نفسك واكتم رحمك اللّه» ولعلّ المراد إذا عقدت فاستره، لأنّه يعدّ عيباً للعاقد والمعقود عليها، أضف إلى ذلك تضافر الروايات بجوازها كما سيوافيك.
2 ـ ما يدل على الجواز مطلقاً كمرسلة محمد بن عذافر عمّن ذكره عن أبي عبداللّه (عليه السلام)سألته عن التمتع بالأبكار، فقال: «هل جعل ذلك إلاّ لهنّ فليستترن وليستعففن» 5 ومثله خبر محمد بن سنان عن أبي سعيد 6.
3 ـ ما يدلّ على الجـواز إذا لم يفض إليها، كصحيحة زياد بن أبي الحلال قال: سمعت أباعبداللّه (عليه السلام) يقول: «لا بأس أن يتمتّع البكر ما لم يفض إليها كراهية العيب على أهلها» 7.ومثله خبر محمّد بن أبي حمزة8 ومرسلة أبي سعيد القماط 9 وخبر الحلبي 10.

1 . الوسائل : 14، الباب 11 من أبواب المتعة، الحديث 10و11و13و14.
2 . الوسائل : 14، الباب 11 من أبواب المتعة، الحديث 10و11و13و14.
3 . الوسائل : 14، الباب 11 من أبواب المتعة، الحديث 10و11و13و14.
4 . الوسائل : 14، الباب 11 من أبواب المتعة، الحديث 10و11و13و14.
5 . الوسائل: 14 الباب 11، من أبواب المتعة، الحديث 4 و 6 .
6 . الوسائل: 14 الباب 11، من أبواب المتعة، الحديث 4 و 6 .
7 . الوسائل: 14 الباب 11 من أبواب المتعة ، الحديث 1 و 2 و 7 و 9. الإفضاء في صحيحة زياد هو ما مرّ في عبارة ابن سعيد.
8 . الوسائل: 14 الباب 11 من أبواب المتعة ، الحديث 1 و 2 و 7 و 9. الإفضاء في صحيحة زياد هو ما مرّ في عبارة ابن سعيد.
9 . الوسائل: 14 الباب 11 من أبواب المتعة ، الحديث 1 و 2 و 7 و 9. الإفضاء في صحيحة زياد هو ما مرّ في عبارة ابن سعيد.
10 . الوسائل: 14 الباب 11 من أبواب المتعة ، الحديث 1 و 2 و 7 و 9. الإفضاء في صحيحة زياد هو ما مرّ في عبارة ابن سعيد.

صفحه 64
4 ـ ما يدلّ على أنّها لا تتزوّج إلاّ بإذن أبيها كصحيحة أحمد بن محمّد بن أبي نصر عن الرضا (عليه السلام) قال: «البكر لاتتزوّج متعة إلاّ بإذن أبيها»1. ومثله صحيحة أبي مريم، أي عبد الغفّار بن القاسم الثقة، عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: «العذراء التي لها أب لا تزوّج متعة إلاّ بإذن أبيها» 2.
5 ـ ما يدلّ على جواز الافتضاض إذا كانت راضية مع كون التمتّع بلا إذن أبيها ويظهر ذلك من صحيحة إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت له: رجل تزوّج بجارية عاتق على أن لايقتضّها ثم أذنت له بعد ذلك؟ قال: «إذا أذنت له فلا بأس» 3.
والذي يمكن أن يقال حول الروايات أحد أمرين:
الأوّل: ما عليه المحقّق من الحكم بكراهة التمتع ببكر إذا لم يكن لها أب فإن فعل فلا يفتضّها. وليس بمحرّم.
وعلى ذلك يحمل ما يدلّ على الجواز مع عدم الافتضاض ويؤيّده، ماورد في الطائفة الخامسة من أنّها لو رضيت يجوز الافتضاض، ويؤيّد ذلك الحمل أيضاً لسان الروايات من «كراهية العيب على أهلها»، كما في صحيحة زياد بن أبي الحلال، وعلى ذلك تبقى روايات اشتراط إذن الأب على إطلاقها، فلا يجوز التمتّع بلا إذن الأب كان هناك افتضاض، أم لا.
ولأجل ذلك خصّ المحقّق الكراهة بما إذا لم يكن لها أب، وأمّا إذا كان لها أب فلو أذن يجوز بلا كراهة، وإلاّ فلا يجوز من غير فرق بين الافتضاض وعدمه.
الثاني: التصرف في روايات اذن الأب باختصاصها بصورة الافتضاض وإلاّ فلا يشترط الإذن وعلى ذلك فالحكم يدور مدار الافتضاض وعدمه فيشترط في

1 . الوسائل: 14، الباب 11 من أبواب المتعة، الحديث 5 و 12 و 3.
2 . الوسائل: 14، الباب 11 من أبواب المتعة، الحديث 5 و 12 و 3.
3 . الوسائل: 14، الباب 11 من أبواب المتعة، الحديث 5 و 12 و 3.

صفحه 65
الأوّل دون الثاني.
وتدلّ على ذلك، صحيحة الحلبي، قال: سألته عن التمتّع من البكر إذا كانت بين أبويها بلا إذن أبويها؟ قال: «لا بأس مالم يفتضّ ما هناك لتعفّ بذلك»1.
حيث قيّد شرطية الإذن بما إذا لم يفتض، وأمّا إذا تجاوز عنه فلا يجوز بلا إذنه وبذلك يحمل كلّ ما دلّ على شرطيّة الإذن على ما إذا كان افتضاض، لا ما إذا لم يكن، مثل صحيحة البزنطي2. وخبر أبي مريم3.
فتكون النتيجة على الجمع الأوّل، الجواز مطلقاً إذا لم يكن لها أب وعدم الجواز مطلقاً إذا كان لها أب.
وعلى الجمع الثاني، الجواز مطلقاً إذا لم يكن هناك افتضاض، كان هناك إذن أو لا ، وعدم الجواز إذا كان هناك افتضاض، إلاّ إذا أذن الأب. هذا، ولكن الأقوى، هو الأوّل، لأنّ رواية الشيخ، عن أبي سعيد، عن الحلبي، ضعيف لوقوع موسى بن عمر بن يزيد4 في سنده وهو ضعيف، ومحمّد بن سنان مختلف فيه، فجعله شاهداً للجمع، أمر مشكل، وعلى هذا، فما ذهب إليه المحقق من الكراهة مطلقاً أو في صورة الافتضاض في صورة عدم الأب وعدم الجواز في صورة وجوده، هو الأقوى وقد قوّيناه أيضاً في باب شرطيّة ولاية الأب في السابق، فلاحظ.
* * *

الركن الثالث: المهر

قال المحقّق: هو شرط في عقد المتعة، ويبطل بفواته العقد. وقال في الحدائق: لاخلاف بين الأصحاب ـ رضي اللّه عنهم ـ في أنّ ذكر المهر شرط في صحّة هذا

1 . الوسائل: 14 الباب 11 من أبواب المتعة، الحديث 9 و 5 و 12.
2 . الوسائل: 14 الباب 11 من أبواب المتعة، الحديث 9 و 5 و 12.
3 . الوسائل: 14 الباب 11 من أبواب المتعة، الحديث 9 و 5 و 12.
4 . لاحظ سنده في التهذيب : 7/354.

صفحه 66
العقد، فيبطل بفواته بخلاف الدائم. ويدلّ على ذلك صحيحة زرارة، عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: «لا تكون متعة إلاّ بأمرين: أجل مسمّى، وأجر مسمّى» 1.
وهذا دليل على أنّ في المتعة رائحة الإجارة، والأجرة فيها أيضاً ركن، فهكذا المتعة، وقد ورد في بعض الأخبار، وإن كان ضعيفاً بـ «أنّهنّ مستأجرات» 2 أو «وإنّما هي مستأجرة» 3. فما ذكره الأصحاب من أنّ الغرض الأصلي من نكاح المتعة هو الاستمتاع وتحصين النفس فاشبهت عقدها بعقود المعاوضات، ليس أمراً بعيداً، وإن لم يرتضيه صاحب الحدائق.
ثم إنّهم فرّعوا على هذا الأصل أُموراً:
1 ـ أن يكون مملوكاً.
2 ـ أن يكون معلوماً، بالكيل، أو الوزن، أو الوصف، أو المشاهدة.
3 ـ لا تقدير له قلّةً وكثرةً بل يكفي في الأُجرة المراضاة قلّت أو كثرت.
4 ـ هل يجب دفعها بالعقد، أو يجوز له توزيع المهر على تمام المدة؟.
وإليك البحث عنها واحداً بعد الآخر.

المسألة الأولى: يجب أن يكون مملوكاً

والمراد منه أمران: الأوّل : أن يقبل التملّك فلا يصح جعل الخنزير والكلب مهراً لأنّهما ممّا لايملكان.
الثاني: ما يختصّ تملّكه بالعاقد، فلا يجوز العقد على مال الغير مغصوباً كان

1 . الوسائل: 14 الباب 17 من أبواب المتعة ، الحديث 1.
2 . الوسائل : 14 الباب 4 من أبواب المتعة ، الحديث 2و 4.
3 . الوسائل : 14 الباب 4 من أبواب المتعة ، الحديث 2و 4.ـ الوسائل : 14 الباب 4 من أبواب المتعة ، الحديث 2و 4.

صفحه 67
أو لا، والفرق بين البيع والمتعة ـ حيث يصحّ هناك العقد على مال الغير فضولاً، فإذا أجاز صحّ للغير، ولا يصحّ هنا ـ هو أنّ البيع ربط وعلقة بين المالين، والبائع والمشتري تابعان فيدخل المثمن من حيث خرج الثمن، فإذا أجاز صاحب الثمن يقع له وإن قصد العاقد تملّك نفسه لما عرفت من خروج المتبايعين عن حقيقة البيع، وهذا بخلاف النكاح فإنّ النكاح علقة بين الزوجين والمهر تكريم للمرأة، غير أنّه دلّ الدليل على عدم جواز خلوّ العقد من المهر والمدّة، فإنّ فيه (أجلٌ مسمّى وأجرٌ مسمّى) فإذا عقد لنفسه بمال الغير، فإمّا أن يقع النكاح لصاحب المال، أو للعاقد، أمّا الأوّل، فلا يمكن في المقام لأنّه غير مقصود للزوجة وقد عرفت ركنية الزوجين وتعيينهما.
وأمّا الثاني: فلأنّه لم يبذل شيئاً والأُجرة وإن لم تكن ركناً في الدائم لكنّها ركن في المنقطع فيبطل.
ومع ذلك ففيه مجال للمناقشة، وهو أنّ المقام أشبه بما إذا باع شيئاً له ولكنّه صار غير متمكّن من تسليمه، أو عقد بمال واعتقد أنّه ماله، فهل يبطل العقد أو أنّه ينتقل إلى المثل والقيمة، ولا يبعد أن يكون المقام من قبيلهما خصوصاً إذا قلنا بأنّ الأُجرة ركن وأمّا عينها فلم تعلم ركنيتها، وما هو المقصود للمرأة هو الثمن لا عينه.
وعلى ذلك فالمراد من كونه مملوكاً أن يكون قابلاً للتملّك، لا مملوكاً لشخص العاقد وأقصى ما يمكن أن يقال أن لا يكون العقد خالياً من الأُجرة، التي تسلم للمرأة عينها أو مثلها أو قيمتها.
ولو أباح المالك عامة التصرفات للعاقد حتى بيعه وإتلافه فجعله مهراً يصح، فأنّ جعله مهراً يدلّ بالدلالة الاقتضائية على أنّه تملّك المال ثم جعله مهراً مثل ما إذا قال: أعتق عبدك عنّي.

صفحه 68

المسألة الثانية: أن يكون معلوماً بالكيل أو الوزن

ويكتفى بالمشاهدة أو الوصف حتّى في المكيل والموزون والمعدود، مع عدم الاكتفاء بهما في البيع إذا كان المبيع مكيلا أو موزوناً، وما ذلك إلاّ لأنّ المتعة ليست من المعاوضات المحضة فقط حتى يلاحظ فيها عدم الغرر، أضف إليه أنّ الروايات دلّت على أنّ الصحابة يتمتّعون بكفّ من بُرّ أو طعام مع اختلاف الأكف في السعة والضيق.

المسألة الثالثة: لا تقدير للمهر قلّة وكثرة، وإنّما يتقدّر بالمراضاة

وتدلّ على ذلك صحيحة محمّد بن مسلم، قال: سألت أبا عبداللّه (عليه السلام) : كم المهر يعني في المتعة؟ قال : «ماتراضيا عليه إلى ما شاءا من الأجل»1.
وبذلك يظهر معنى قوله (عليه السلام) في بعض الروايات: «يجزي فيه الدرهم فما فوقه» 2 وقوله (عليه السلام) عندما سئل عن أدنى مهر المتعة ما هو ؟ قال: «كفّ من طعام دقيق أو سويق أو تمر» 3. فهو كناية عن المراضاة وما ذكر فيه من باب المثال وليس معناه أنّه لا يكفي نصف الدرهم أو نصف الكفّ من تمر إذا كانت لها مالية.

المسألة الرابعة: هل يجب دفع الاُجرة بالعقد، أو يجوز توزيعها حسب الزمن المدّة ؟

بعبارة أُخرى : هل العقد سبب تام لدفع المهر إذا طلبت، أو سبب ناقص يتوقّف على انضمام تمكينها منه في المدّة المضروبة؟ المشهور هو الأوّل، قال ابن البرّاج: «وإذا انعقد نكاح المتعة على ما بيّناه وجب على الرجل تسليم الأجر إلى المرأة، فإن أخّر بعضه برضا المستمتع بها كان جائزاً وإذا تسلّمت منه ذلك، استحقّ بضعها على الشروط التي استقرّت بينهما4 .

1 . الوسائل : 14 الباب 21 من أبواب المتعة: الحديث: 3 و 1 و 5.
2 . الوسائل : 14 الباب 21 من أبواب المتعة: الحديث: 3 و 1 و 5.
3 . الوسائل : 14 الباب 21 من أبواب المتعة: الحديث: 3 و 1 و 5.
4 . المهذّب : 2/242.

صفحه 69
ويمكن استظهاره من ابن سعيد في الجامع قال: «وإن أقبضها المهر ومكّنته من نفسها تمام المدّة دون بعض رجع عليها بالحساب وأيّام حيضها لها.
ونسبه في الجواهر إلى المشهور، ويدلّ عليه قبل السنّة الكتاب العزيز، قال سبحانه: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَ آتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) (النساء ـ 24) لما سمعت من أنّ المراد من الفعل، هو عقد المتعة، لا نفس العلم، وإلاّ فإمّا أن يراد جنس الاستمتاع أو مجموعه في المدّة المضروبة وعلى الأوّل يجب الإقباض عند تحققه ولو مرّة، وعلى الثاني لا يجب التسليم إلاّ إذا تمّ الأجل، ولم يقل بهما أحد.
لكن وجوب التسليم ليس بمعنى أنّها يملكها مطلقاً، مكّنت نفسها فيها من الزوج أو لا ، دخل بها أو لا ، بل الملكية المنجّزة متوقفة على التمكين، وإلاّ رجع عليها بالحساب كما أنّه لو طلّق الدائمة قبل الدخول، يرجع عليها بالنصف قال ابن البرّاج: «وإذا عقد على امرأة متعة ثم اختار فراقها قبل الدخول بها كان لها النصف ويهب لها أيّامها، وإن كان قد أسلم إليها جميع المهر فإنّ له الرجوع عليها بنصفه1. وسيوافيك الكلام في التنصيف.

أمّا السنّة فتدلّ عليه:

1 ـ صحيحة عمر بن أبان، عن عمر بن حنظلة قال: قلت لأبي عبداللّه (عليه السلام) : أتزوّج المرأة شهراً فتريد منّي المهر كملاً وأتخوّف أن تخلفني؟ قال: «لا يجوز أن تحبس ماقدرت عليه فإن هي أخلفتك فخذ منها بقدر ما تخلفك» .
كذا نقله في الجواهر، ولكن الموجود في الوسائل «يجوز» 2 مكان «لايجوز» وأوعز إليه في الجواهر بقوله وفي بعض النسخ «يجوز» وقال: لكنّه لا يوافق ظاهر قوله «فخذ منها» 3.

1 . المهذّب : 2/ 154.
2 . الوسائل: 14 الباب 27 من أبواب المتعة، الحديث 1.
3 . الجواهر: 30/164.

صفحه 70
أقول: يمكن تصحيح ما في الوسائل بتقدير كلمة «وإن دفعته» فكأنّه قال: يجوز أن تحبس ماقدرت عليه (وإن دفعته كله) وأخلفتك فخذ منها ... ويشهد للتقدير صحيحته الأُخرى عن عمر بن حنظلة، عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: قلت له: أتزوّج المرأة شهراً فأحبس عنها شيئاً؟ فقال: «نعم، خذ منها بقدر ما تخلفك إن كان نصف شهر فالنصف وإن كان ثلثاً فالثلث» 1. فيقدّر قوله «وإن دفعته» فكأنّه قال: نعم وإن دفعته خذ منها. ومثلها روايته الثالثة المروية في الفقيه وفيها: «يحبس عنها من صداقها، مقدار ما احتبست عنك إلاّ أيّام حيضها فإنّ2ها لها».
لكن الكلام على كلتا النسختين في حجّية خبر عمر بن حنظلة، فإنّ الأصحاب أعرضوا عن رواياته إلاّ مورداً واحداً اشتهر بمقبولة عمر بن حنظلة.
2 ـ مكاتبة الريّان بن شبيب إلى أبي الحسن (عليه السلام) : الرجل يتزوّج المرأة متعة بمهر إلى أجل معلوم وأعطاها بعض مهرها وأخّرته بالباقي، ثم دخل بها وعلم بعد دخوله بها قبل أن يوفيها باقي مهرها أنّها زوّجته نفسها ولها زوج مقيم معها، أيجوز له حبس باقي مهرها أم لا يجوز ؟ فكتب: لا «يعطيها شيئاً لأنّها عصت اللّهعزّ وجّل» 3.
فاستظهر من قوله «فأخّرته» أنّ للمرأة حقّ المطالبة لكنّها أخّرت المطالبة .
يلاحظ عليه: أنّه ليس وارداً في كلام الإمام (عليه السلام) وإنّما ورد في كلام السائل فلا يصحّ الأخذ بظهوره.
هذا حسب الكتاب والسنّة، وقد عرفت قوّة دلالة الأوّل، وضعف دلالة الثاني إلاّ أنّ هنا وجهاً آخر يثبت وجوب التسليم بعد العقد وهو أنّ ما يدفع إليها

1 . الوسائل: 14 الباب 27 من أبواب المتعة، الحديث 2 و 4.
2 . الوسائل: 14 الباب 27 من أبواب المتعة، الحديث 2 و 4.
3 . الوسائل: 14 الباب 28 من أبواب المتعة، الحديث 2 وفي السند علي بن أحمد بن هاشم وقد أكثر الصدوق الرواية عنه وهو قرينة على وثاقته.

صفحه 71
مهر، ليس بأُجرة محضة ويترتّب عليه أحكام المهر.
توضيحه: أنّ الأُجرة لا يجب دفعها مالم يسلّم الأجير العمل، فلو استأجر لكنس الدار، فلا يجوز له الطلب ما لم يسلّم الكنس وغيره إلاّ إذا اتفقا على التسليم.
نعم ربّما يستظهر كونه أجراً بما ورد في بعض الروايات، من «أنّها مستأجرة»1.
ولكن الإمعان فيها يقضي بأنّه ليس المراد كونهنّ مستأجرات في جميع الجهات، بل التنزيل في أنّها لا تحتاج إلى الطلاق ولا ترث فهي أشبه بالأجير إذا تمّ عمله آخر النهار يتركك ويشتغل لشخص آخر، ولا صلة بينه وبين الإنسان لا أنّ خاصية العمل، استئجار، كيف وقد عرفت دخوله في قوله تعالى: (إلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ) (المؤمنون /6).
وممّا يشهد على كونها زوجة وأنّ ماتراضيا عليه من قبيل المهر، هو الحكم بلزوم دفع النصف قبل الدخول إذا وهب المدّة وأعرض عن التمتّع، وتدلّ عليه صحيحة الحسين بن سعيد عن الحسن (وهو مردّد بين كونه الحسن بن الوشّاء أو الحسن بن محبوب، أو الحسن بن علي بن يقطين، أو الحسن بن علي بن فضال، وعلى أيّ تقدير، فالكل ثقات) عن زرعة عن سماعة قال: سألته عن رجل تزوّج جارية أو تمتّع بها ثم جعلته من صداقها في حلّ يجوز أن يدخل بها قبل أن يعطيها شيئاً ؟ قال: «نعم إذا جعلته في حلّ فقد قبضته منه، فإن خلاّها قبل أن يدخل بها ردّت المرأة على الرجل نصف الصداق» 2. فإنّ المراد من قوله «خلاها» هو الأعم من الطلاق في الدائم وهبة المدّة في المنقطع، فيجب على المرأة، النصف إن أخذت

1 . الوسائل: 14 الباب 4 من أبواب المتعة، الحديث 2 و 4.
2 . الوسائل: 14 الباب 30 من أبواب المتعة، الحديث1 وقد عرفت فتوى ابن البرّاج عليه.

صفحه 72
الكل كما على الرجل دفع النصف إن لم يدفعه. وهذا دليل على أنّه بمنزلة المهر يترتّب عليه مايترتّب على المهر في الدائم، فالأحكام الواردة في مهر الدائم تجري في المنقطع لأنّ الموضوع هو المهر، وإن كان المورد هو الدائم وليس هذا ببعيد فإنّ الفقهاء حكموا بوحدة أحكام الصلاة المفروضة والمسنونة والصوم الواجب والمستحب مع أنّ مورد الروايات، هو الواجب دون الأعم لكنّهم أجروا أحكام الصلاة المفروضة في مورد المسنونة وأحكام الصوم الواجب في مورد المستحب.
هذا هو الأصل، ولو دلّ دليل على الخروج والاستثناء، نأخذ به وإلاّ فهذا الأصل هو المحكّم. وقد دلّ الدليل على الفرق بين الدائم والمنقطع بعد الدخول حيث إنّ المهر تملكه الزوجة في الدائم وإن كانت ناشزة وإنّما النشوز يؤثر في مورد النفقة دون المهر، بخلاف المنقطع فإنّ ملكيتها للمهر لايستقرّ إلاّ بالتمكين وإن كانت مدخولاً بها، فإن أخلفت يحسب عليها بقدر ما أخلفت، وتدلّ عليه ما مضى من روايات حنظلة الثلاثة وغيرها1 وضعف السند مجبور بعمل الأصحاب في المقدار الذي عملوا به من الرجوع إذا أخلفت لا في جواز الحبس وإن كانت ممكّنة، كما مرّ.
نعم، خرجت أيّام الحيض بالنص، ولا تعدّ مخلفة، وهل يلحق بها أيّام المرض إذا استوعبت المدّة أو لم تستوعب، ومثله ما إذا منعها الظالم من التمكين أو صارت معذورة أو شاغلته لدفع الضرر عن نفسه وماله وعرضه، أو لا ؟ الجواب هو أنّ ماتراضيا عليه من مهر يترتّب عليه كلّ مايترتّب على المهور إلاّ ما خرج وهو ما إذا كانت مخلفة لا إذا لم تكن كذلك، فالأقوى عدم التوزيع كما أنّ الأقوى عدم التنصيف بالموت.

1 . الوسائل: 14 الباب 27 من أبواب المتعة، الحديث 1 و 2 و 4.

صفحه 73

في أحكام المتعة

إذا تبيّن فساد العقد، لكون المزوّجة أُختاً رضاعيّة للزوج، أو مزوّجة للغير، فله صورتان:
1 ـ إذا تبيّن قبل الدخول، فلا مهر، ولو قبضته يسترجعه، لعدم المقتضي بعد تبيّن فساده.
2 ـ إذا بان بعد الدخول، فلا تخلو إمّا أن تكون عالمة أو جاهلة، فهناك قولان:
الأوّل: ما اختاره الشيخ في النهاية من «أنّ لها ما أخذت وليس عليه تسليم ما بقي» قال فيها: «فإن تبيّن بعد الدخول بها أنّ لها زوجاً كان لها ما أخذت منه ولا يلزمه أن يعطيها ما بقي عليه» 1.
ومستنده، حسنة حفص، عن أبي عبداللّه (عليه السلام) : «إذا بقي عليه شيء من المهر وعلم أنّ لها زوجاً فما أخذته فلها بما استحلّ من فرجها، ويحبس عنها مابقي عنده» 2.
والرواية لاتوافق القواعد لأنّها لو كانت عالمة فلا مهر لبغيّ مثل التبيّن قبل الدخول، وإن كانت جاهلة فلها مهر المثل، لا ما أخذته، اللّهمّ إلاّ أن تحمل على صورة الجهل ويكون الاكتفاء بما أخذت لكونه مساوياً بمهر مثلها.
مضافا إلى مكاتبة ابن الريّان، حيث دلت على أنّها لو كانت عالمة لا تستحق شيئاً، حيث كتب إلى أبي الحسن (عليه السلام) : الرجل يتزوج المرأة متعة بمهر إلى أجل معلوم وأعطاها بعض مهرها وأخّرته بالباقي، ثم دخل بها وعلم بعد دخوله

1 . النهاية: 491.
2 . الوسائل: 14 الباب 28 من أبواب المتعة، الحديث1.

صفحه 74
بها قبل أن يوفّيها باقي مهرها، أنّها زوّجته نفسها ولها زوج مقيم معها، أيجوز له حبس باقي مهرها أم لا يجوز ؟ فكتب: «لا يعطيها شيئاً لأنّها عصت اللّه ـ عزّ و جلّ» 1.
والإمام (عليه السلام) وإن أجاب بأنّها لا تستحق الباقي، لكنّه لأجل سؤال السائل عنه، وإلاّ فمقتضى التعليل عدم استحقاقها شيئاً لأنّ ما يؤخذ في مقابل الحرام كالزنا سحت لا تملك، فيجوز له الاسترجاع إذا كان موجوداً وتكون ضامنة إذا أتلفت.
وكون الزوج مسلّطاً لها على ماله، فلا ضمان عند التلف، غير تامّ، لأنّه سلّطها بعنوان أنّها زوجته وهو مفقود، وكان الآخذ ـ أي الزوجة ـعالمة بأنّ التسليط صدر بهذا العنوان وهي غير واجدة له، فكان التصرف فيه حراماً ومضموناً وذلك مثل ما إذا أباح لزيد أكل طعامه بعنوان أنّه صديقه وهو عدوّ له، فلا يجوز لزيد التصرّف فيه ولأجل ذلك، لا مناص من تأويل كلام النهاية بمثل ما أوّل به الحديث، من حمل كلامه على الجاهلة وكون المأخوذ بمقدار مهر المثل، وإلاّ فالتعميم إلى صورة العلم غير صحيح، وأسوأ منه ما إذا فسّر كلامه بأنّ لها ما أخذت وإن كان تمام المهر، وله حبس ما عنده ولو كان الجميع.
وبالجملة، هذا القول، غير تامّ جداً.
الثاني: ما اختاره المحقّق، من التفريق بين الجهل والعلم من ثبوت مهر المثل إذا كانت جاهلة، فيما يتصوّر الجهل كالأُخت الرضاعية، وجواز الاستعادة إذا كانت عالمة أخذاً بحكم القواعد، وحسنة الريّان بن شبيب2، والمراد بمهر المثل مهر مثل النكاح المنقطع لا الدائم، لأنّ لكون العقد دائماً أو منقطعاً تأثيراً في قيمة

1 . الوسائل: 14 الباب 28 من أبواب المتعة الحديث2 .
2 . الوسائل : 4 الباب 28 من أبواب المتعة الحديث 2.

صفحه 75
البضع، فمن فرض فساده، لها أُجرة المثل بالنسبة إلى المدّة الماضية التي مكّنت نفسها منه، واحتمال مهر المثل للنكاح الدائم كما في الجواهر حتّى جعله أقوى القولين، موضع تأمّل فلاحظ.

الركن الرابع: الأجل

فهو شرط في عقد المتعة، وتدلّ عليه ـ قبل كلّ شيء صحيحة زرارة، قال: «لا تكون متعة إلاّ بأمرين، أجل مسمّى وأجر مسمّى » 1.
إذا لم يذكر الأجل لفظاً انقلب دائما وإن كان من قصده الانقطاع لكن قيّد في الجواهر بما إذا لم يقصد الانقطاع، وهو خلاف المتبادر من كلمات الأصحاب، والنصوص الواردة، والظاهر أنّ محلّ البحث أعم من أن يقصد الانقطاع أم لا.
والشاهد عليه، أنّهم جعلوا المقام من قبيل تخلّف العقود عن القصود.
وأمّا الأقوال، فنتلوها عليك:
1 ـ صحّة العقد، وانقلابه إلى الدوام، وهو خيرة الشيخ ومن تبعه.
2 ـ البطلان وهو خيرة المسالك.
3 ـ الصحّة والانقلاب إلى الدوام إن كان العقد بلفظ التزويج والنكاح، والبطلان إن كان بلفظ التمتع و هو خيرة ابن ادريس.
4 ـ الفرق بين العمد والترك، عن جهل ونسيان فينقلب إلى الدوام في الأوّل ويبطل في الأخيرين.
5 ـ الصحـة والانقلاب إلى الدوام مطلقاً إلاّ إذا أُريد من نفس الصيغة الانقطاع، وإنّما يكون ذكر الأجل كاشفاً لما أراده من اللفظ (في غير هذا الموضع) وهو خيرة الجواهر2. هذه هي الأقوال، والصحيح هو القول الأوّل تبعاً

1 . الوسائل: 14، الباب 17 من أبواب المتعة، الحديث 1ـ 2 وغيرهما .
2 . الجواهر: 30/175.

صفحه 76
للنصوص، وإليك ما استدلّ به على ذلك:
1 ـ موثق ابن بكير قال : قال أبو عبداللّه (عليه السلام) في حديث: «إن سمّى الأجل فهو متعة، وإن لم يسمّ الأجل فهو نكاح بات»1.
وفي دلالته نظر لأنّه بصدد تعيين حدّ النكاحين، لا انقلاب أحدهما إلى الآخر عند نسيان الأجل.
2 ـ خبر أبان بن تغلب2 أنّه قال لأبي عبداللّه (عليه السلام) : فانّي أستحي أن أذكر شرط الأيّام؟ قال: «هو أضرّ عليك» قلت: وكيف؟ قال: «لأنّك إن لم تشرط كان تزويج مقام ولزمتك النفقة في العدّة وكانت وارثاً، ولم تقدر على أن تطلّقها إلاّ طلاق السنّة» 3.
والعمدة في الحكم بالصحّة وانقلابه إلى الدائم، هذا الحديث ولكنّه غير نقيّ السند، ولو عمل به فلأجل جبره بالشهرة.
ويؤيّده، خبر هشام بن سالم، قال: قلت لأبي عبداللّه (عليه السلام) : أتزوّج المرأة متعة مرّة مبهمة؟ قال: فقال: «ذاك أشدّ عليك، ترثها وترثك، ولا يجوز لك أن تطلّقها إلاّ على طهر وشاهدين»، قلت: أصلحك اللّه فكيف أتزوّجها؟ قال: «أيّاماً معدودة بشيء مسمّى مقدار ما تراضيتم به» 4.
ولو صحّ السند، فالدلالة واضحة، ويدلّ على أنّ إضمار الأجل غير مفيد بل يقع دائما إلاّ إذا أظهره، ولا ينافي لما سيأتي، من أنّ القيود المضمرة كالمذكورة لما عرفت من ركنية الأجل في المتعة فلا يكفي إلاّ إذا كان مذكوراً.
واستدل للقول الثاني، أعني البطلان: بقاعدة تبعية العقود للقصود ، فإنّ

1 . الوسائل: 14 الباب 20 من أبواب المتعة، الحديث1.
2 . في سنده عمر بن عثمان وهو ثقة وإبراهيم بن الفضل لم تثبت وثاقته.
3 . الوسائل : 14، الباب 20 من أبواب المتعة، الحديث 2 و 3.
4 . الوسائل : 14، الباب 20 من أبواب المتعة، الحديث 2 و 3.

صفحه 77
المقصود هو المتعة واللفظ موضوع للعقد الدائم فكيف يصحّ الثاني مع كونه غير مقصود وربّما يؤيّد بمضمرة سماعة قال: سألته عن رجل أدخل جارية يتمتع بها ثم نسي أن يشترط حتّى واقعها يجب عليه حدّ الزاني؟ قال: «لا ، ولكن يتمتّع بها بعد، ويستغفر اللّه ممّا أتى»1. بناءً على أنّ المراد من الاشتراط، هو الأجل، بقرينة رواية أبان بن تغلب2 ومع ذلك يحتمل أن يكون المراد، هو نسيان العقد. ويكون المراد من قوله: «ويتمتّع بها بعد » بعد إجراء العقد، وأمّا تبعية العقود للقصود فيمكن الجواب عنها بالبيان التالي:

تحليل مشكلة تخلّف العقد عن القصد

إنّ الدوام والانقطاع خارجان عن حقيقة النكاح إذ لو كان أحدهما داخلا في حقيقته لما صحّ تقسيمه إليهما ، وهذا يعرب عن أنّ حقيقته ليست إلاّ جعل الربط بين الزوجين فقط وهو موجود في كلا القسمين. نعم من شأنه إذا لم يقيّد أن يدوم ولا يرتفع إلاّ برافع هذا حسب الثبوت.
وأمّا الإثبات، فالنكاح ثبوتاً وإن كان ينقسم إلى قسمين، وكلّ قسم يتميّز ثبوتاً بقيد خاص، وإلاّ يلزم أن يكون القسم نفس المقسم ولكن يكفي في تحقق أحد القسمين في مقام الإثبات، الإطلاق بخلاف الآخر، فهو يحتاج إلى القيد فإذا قال: زوّجت أو متعت بلا قيد، فهو في نظر العرف إنشاء للفرد الدائم. وذلك لأنّ الدائم هو النكاح المطلق غير المقيد بقيد فيكفي فيه الإطلاق ولا يحتاج إلى القيد، بخلاف المنقطع.
وهذا كانصراف الأمر إلى العيني التعييني، والنفسي فإنّ كلّ واحد منها

1 . الوسائل: 14 الباب 39 من أبواب المتعة ، الحديث 1.
2 . الوسائل: 14 الباب 20 من أبواب المتعة، الحديث2.

صفحه 78
يمتاز عن مقابله بالقيد ثبوتاً، فالعيني مثل الكفائي يشاركان في أصل الوجوب ويفترق العيني عن قرينه ثبوتاً بقيد خاص وبالعكس وليس كذلك في مقام الإثبات، فالعيني لايحتاج إلى القيد بخلاف الكفائي فإذا أُطلق يكون قالباً لأحد القسمين (العيني) دون الآخر وكأنَّ العيني هو الأمر المطلق، والكفائي هو الأمر المقيّد.
إذا عرفت ما ذكرنا تقف على عدم الخلف في مقام تبعيّة العقود للقصود ـإذا ترك القيد نسياناً ـ أمّا ثبوتاً فلما عرفت من خروج الدوام والانقطاع عن حقيقة النكاح، والعاقد أنشأ حقيقة ذلك الأمر الاعتباري عارياً عن القيدين، وأما ثبوتاً فلمامرّ أنّ الإنشاء إذا كان مطلقاً يكون في نظر العرف إنشاءً للدائم دون المنقطع لأنّه المحتاج إلى القيد دون الدائم، فينطبق المنشأ على الدائم ثبوتاً وإثباتاً.
نعم، هذا الجواب إنّما يتمشّى فيما إذا نسي ذكر الأجل، وأمّا إذا تركه عمداً، ومع ذلك قصد الانقطاع فلا يتمّ لأنّ المفروض أنّ العاقد قصد المنقطع فكيف يفرض عليه الدوام.
ولعلّ الحكم مختصّ بصورة النسيان، لا الترك عمداً، وما ورد في رواية أبان ابن تغلب1 من أنّه إذا لم يذكر الأجل كان تزويج مقام أو أنّه «ترثها وترثك» لعلّه وارد في التنازع، ولا شكّ أنّ القول قول المدّعي الدوام لكونه موافقاً للظاهر.
ولولا هذا التوجيه، لكان الانقلاب إلى الدوام، مع إضمار الانقطاع، مخالفاً للقاعدة، ولو قلنا بركنية الأجل وأنّه ممّا يجب ذكره ولا يكفي إضماره، لزم القول بالبطلان لا القول بالانقلاب، ولأجل ذلك يختصّ الحكم بالانقلاب بصورة النسيان ولا يعمّ تركه عمداً وتحمل الروايتان على صورة التحاكم والتنازع.
وأمّا القول الثالث : وهو القول بالصحة والانقلاب إذا كان بلفظ التزويج

1 . الوسائل: 14الباب 20 من أبواب المتعة، الحديث 2ـ 3.

صفحه 79
دون «متّعت» فيبطل، ولعلّ وجهه تصور دخول الانقطاع في مفهوم لفظ «متعت» وهو غير واضح وإلاّ لما وقع نزاع في تفسير قوله سبحانه: (فَما استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ) وأنّ المورد هو المنقطع أو الدائم.
وأمّا القول الرابع: وهو الفرق بين ترك الأجل عمداً وتركه نسياناً فينقلب إلى الدائم في الأوّل ويبطل في الثاني، فيمكن توجيهه بأنّ الترك عن عمد ظاهر في إرادة الدوام.
ولكنّه، إنّما يفيد في مقام التنازع لا في غيره، والكلام أعم منه، على أنّك قد عرفت أنّ الأولى هو العكس والتسامح في صورة النسيان، دون العمد، أخذاً بقاعدة «العقود تابعة لما قصد من الإنشاء».
وأمّا القول الخامس: فهو خيرة الجواهر، وإليك نصّه: «لا يبعد البطلان مع فرض قصد العاقد الانقطاع من نفس الصيغة، وإنّ الأجل إنّما يذكره كاشفاً لما أراده من اللفظ ضرورة عدم قصد المطلق من النكاح حينئذ فلا مقتضى لصيرورته دائماً كما لا وجه لصيرورته منقطعاً ، لعدم ذكر الأجل فيه وقد عرفت أنّه شرط في صحّته 1.
يلاحظ عليه : أنّ كلّ لفظ يستعمل فيما وضع له، والخصوصيات تفهم من القرائن، وعلى ضوء هذا، لا يطلق التزويج ولا التمتع إلاّ ويراد منه ما وضع له، والمفروض أنّ الموضوع له هو الجامع بين النكاحين فكيف يصحّ له قصد الانقطاع من نفس الصيغة، فما ذكره لا موضوع له في الاستعمالات الرائجة. وتصور أنّ الاستعمال مجازاً صحيح، مدفوع بأنّ المجاز هو استعمال اللفظ فيما وضع له ثم نصب القرينة على المورد من مصاديقه. والمقام ليس كذلك.

1 . الجواهر: 30/175.

صفحه 80

فروع حول الأجل

1 ـ لا حدّ معين في الأجل:

يطلق الأجل ويراد منه تارة تمام المدّة، وهذا هو المراد من المقام وقد يطلق ويراد منه آخرها، مثل قوله سبحانه: (فَإذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلايَسْتَقْدِمُونَ)1.
والضابطة الكلية، ان يكون الأجل المضروب أمراً متعارفاً في مورده، فلا يصحّ فيما تنصرف عنه النصوص، كتزويج العجوزة التي لا يؤمّل أن تعيش أزيد من عشرة أعوام، تسعين سنة، كما أنّه يشترط أن تكون الزوجة قابلة لبعض الاستمتاعات وإلاّ تكون النصوص منصرفة عنها وعلى هذا فتزويج الرضيعة يوماً أو شهراً لغاية صيرورة أُمّها أُمّ الزوجة وتكون من محارم الرجل العاقد لا يتم إلاّ إذا امتدّ الأجل إلى حدّ تكون المعقودة عليه قابلة للاستمتاع، وإلاّ فالعقد ساعة أو ساعتين لايصحح ما يطلب من هذا النوع من الزواج.

2 ـ يشترط أن يكون محروساً من الزيادة والنقيصة:

يشترط في صحّتهاـكسائر العقود المشتملة على الأجل ـ أن يكون مضبوطاً وعلى ذلك، لا يجوز أن يكون كلّياً كشهر من الشهور، أو التزويج إلى قدوم الحاج والحصاد والدياس.
ويدلّ عليه ـ مضافاً إلى قوله (عليه السلام) : «لاتكون متعة إلاّ بأمرين: أجل مسمّى وأجر مسمّى» 2 ـ:خبر بكّار بن كردم قال: قلت لأبي عبداللّه (عليه السلام) : الرجل يلقى

1 . النحل: 61.
2 . الوسائل: 14الباب 17 من أبواب المتعة، الحديث 1.

صفحه 81
المرأة فيقول لها: زوّجيني نفسك شهراً، ولا يسمّي الشهر بعينه ثم يمضي فيلقاها بعد سنين؟ فقال: «له شهره إن كان سمّاه، فإن لم يكن سمّاه فلا سبيل له عليها»1.
ويترتّب عليه عدم جواز العقد على الأجل القابل للزيادة والنقصان، وتدلّ عليه موثقة ابن بكير، عن زرارة، قال: قلت له: هل يجوز أن يتمتّع الرجل من المرأة ساعة أو ساعتين ؟ فقال: «الساعة والساعتان لايوقف على حدّهما» 2.
ولو ترك الأجل وذكرت مكانه «المرّة» أو المرّتان على وجه يكون أجلاً للمتعة فمقتضى كون الأجل ركناً، انقلابه إلى الدوام، خصوصاً على القول بعموم الحكم وشموله للجاهل والناسي والعامد وأمّا ماورد في رواية هشام بن سالم قال: قلت لأبي عبداللّه (عليه السلام) : أتزوّج المرأة متعة مرّة مبهمة؟ 3 فلابّد من حملها على ما إذا كان الأجل مشخصاً وكان التحديد بمرّة أو مرّتين لأغراض خاصة.
وهل يجوز أن يكون الشهر منفصلاً أو يجب أن يكون متصلاً ولو أطلق انصرف إلى المتصل، مقتضى عدم جوازه في الدوام عدم جوازه في المنقطع أيضاً، اللّهمّ إلاّ أن يقال: يفرق بينهما بأنّ المتعة أشبه بالإجارة ويؤيد الجواز خبر بكّار بن كردم، حيث إنّ المنع فيه لعدم تعيين الشهر، لا لكونه منفصلاً.
والحقّ هو الأوّل: للشكّ في شمول الأدلّة لمثل ذلك، وبالنظر إلى التأويل المذكور للآية في رواية ابن عباس حيث ورد في تفسيرها «فما استمتعتم منهنّ إلى أجل مسمّى»، الظاهر في اتصال الأجل إلى زمان .

1 . الوسائل: 14الباب 35 من أبواب المتعة، الحديث 1.
2 . الوسائل: 14الباب 25 من أبواب المتعة، الحديث 2، المراد منهما هو: لحظة أو لحظتين، لا الساعة المحدَّدة بستين دقيقة، فانّه مصطلح حديث.
3 . الوسائل: 14الباب 20 من أبواب المتعة، الحديث 3، وعلى هذا النحو يؤوّل أو يطرح مادلّ على جواز تزويج المرأة على عرد واحد، لاحظ الباب 25 من أبواب المتعة، الحديث 4ـ 5.

صفحه 82
ويؤيّد المنع ماورد من المنع من الجمع بين الأجلين بأن يعقد عليها الزوج قبل انقضاء المدة 1 ، اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ المانع هناك هو الجمع بين الأجلين لا الانفصال وحده.
وعلى كلّ تقدير فكون النكاح مبنياً على الاحتياط يدفعنا إلى القول بعدم الاكتفاء ولو أطلق الشهر انصرف إلى المتصل سواء قلنا بجواز الأجل المنفصل أو لا، لدلالة العرف.

لو تركها حتى انقضت المدّة

لا شكّ أنّ الطلاق قبل الدخول منصّف وبعده يجب دفع الكل، والموت قبله ليس بمنصّف، على المشهور وأمّا المتعة فلو تركها حتى تنقضي المدّة استقرّ لها الأُجرة سواء دخل بها أو لا ، لكون الأُجرة في مقابل التمكين وهي قامت بواجبها والزوج قصّر في الاستيفاء، ولو وهبها المدّة قبل الدخول، وقبلت فيأتي حكمه.

أحكام المهر في المتعة

الأوّل: قد عرفت أنّ الأجل والمهر ركنان فلو ذكرا صحّ العقد ولو أخلّ بالمهر بطل ولو ترك الأجل انقلب دائماً.
فإن قلت: مامعنى قوله سبحانه: (فَما استمتعتُمْ بهِ منهنَّ فآتُوهُنَّ أُجورهُنَّ فريضةً ولا جُناحَ عليكُمْ فِيما تَراضيتُمْ بهِ مِنْ بَعْدِ الفَريضةِ)(النساء/24) فإنّ الظاهر أنّ المراد من الموصول في قوله (فيما) هو الأُجرة، فيدلّ على جواز ترك ذكر الاُجرة والاكتفاء بالرضاية لما بعد، فكيف يجتمع ذلك مع قولهم: «ولو أخلّ بالمهر بطل» ؟.

1 . الوسائل: 14الباب 24 من أبواب المتعة، الحديث 1.

صفحه 83
قلت: قوله (و لاجناح عليكم)غير ظاهر، في ترك الأُجرة في العقد، بل المراد أنّه لاجناح في زيادة الأُجرة وتنقيصها بعد الاتفاق على الأجر المعيّن في العقد، لأنّه أشبه بالدين، فاللدائن إبراؤه الجميع أو بعضه، كما أنّ للآخر، أن يزيد في الأجر. على أنّه فسر في الروايات بزيادة الأجل أو نقصانه.

الثاني: حكم الشرط غير المذكور في العقد

قال في النهاية: كل شرط يشترطه الرجل على المرأة إنّما يكون له تأثير بعد ذكر العقد، فإن ذكر الشروط وذكر العقد بعدها كانت الشروط التي قدم ذكرها باطلة لا تأثير لها فإن كررها بعد العقد ثبتت على ماشرط1. ومراده من قوله «بعد العقد» هو ذكره بعد الإيجاب وبعد القبول.
وقال المحقّق: كل شرط يشترط فيه فلابدَّ من أن يقترن بالإيجاب والقبول ولا حكم لما يذكر قبل العقد، وقال الشيخ الأنصاري في أحكام الشروط عن الخيارات بعد الفراغ. الشرط الثاني: أن يلتزم به في متن العقد فلو تواطأ عليه قبله لم يكف ذلك في التزام المشروط به على المشهور.
أقول: الشرط الابتدائي يطلق ويراد منه أحد أمرين:
1 ـ أن يلتزم الشخص على نفسه إنجاز عمل، لابصورة الوعد أو الاخبار، بل بصورة الإنشاء من دون أن يكون الالتزام تابعاً لالتزام آخر بل كان التزوّج عملاً مستقلاً.
2 ـ أن يكون تابعاً لالتزام آخر ولكن لا يكون مذكوراً في العقد، بل مذكوراً قبل العقد، وبني العقد عليه، بحكم أنّ المقدّر كالمذكور.
أمّا القسم الأوّل فهو خارج عن موضوع البحث وقد فصّلنا القول فيه في أحكام الشروط وإنّما الكلام في الشرط المبنيّ عليه العقد.

1 . النهاية: 493.

صفحه 84

استدل على لزوم الذكر بوجوه:

1 ـ حكاية الإجماع على ما عرفت من الأعلام.
يلاحظ عليه: أنّه لايحكى في المقام عن وجود نصّ وصل إليهم ولم يصل إلينا، ولعلّهم استندوا إلى بعض الوجوه الآتية.
2 ـ ما أشار إليه الشيخ الأعظم من أنّ الشرط من أركان العقد المشروط بل هو كالجزء من أحد العوضين فيجب ذكره في العقد.
يلاحظ عليه : عدم الدليل على كلّية المدعى إذ ليس كل شرط من الأركان، وعلى تقدير كونه جزءاً من العوضين لا دليل على أنّ حكمه حكمها حتّى في الوقوع تحت الإنشاء، أضف إلى ذلك أنّ ذكر العوضين غير لازم إذا كانا معلومين من القرائن.
3 ـ أنّ الشرط هو الالتزام وهو لايتحقق بمجرّد التباني بل يحتاج إلى الإنشاء وإلاّ لايصدق عليه الإلزام ولا الالتزام، وهذا بخلاف سائر متعلّقاته فإنّه يكفي فيه النية والتعذير.
يلاحظ عليه: أنّ الشرط بمعنى الإلزام من أقسام التعهد كالنذر واليمين، فكما تصدق على ما لو ورد في ضمن العقد، كذلك يصدق على ما إذا تعاهدا مجرّداً عن العقد، ثم يبنى العقد عليه.
وبذلك يظهر ضعف ما ربّما يقال: إنّ الإنشاء لا بدّ له من محصل ولا يحصل بمجرّد القصد والإخطار القلبي بالضرورة ولذا لايحصل البيع والنكاح به1 وذلك لأنّه خروج عن محطّ النزاع، لأنّ المفروض فيما إذا سبق تعهد لفظي من الطرفين منفكّاً عن العقد، ثم بني العقد عليه، نعم لو لم يكن هناك أيّ إنشاء

1 . نثارات الكواكب: 308.

صفحه 85
سابق وكان هناك صرف إخطار بالبال، لتمّ ماذكر كما يظهر ضعف ما في تعليقة السيد الطباطبائي جواباً عن الاستدلال من أنّ الإنشاء كما يكون باللفظ، كذا يكون بالإخطار القلبي1 وهو كما ترى.
4 ـ إنَّ إنشاء إلزام الشرط على نفسه قبل العقد كان إلزاماً ابتدائياً لايجب الوفاء به قطعاً وإن كان أثره مستمرّاً في نفس الملتزم إلى حين العقد بل إلى حين حصول الوفاء وبعده، نظير بقاء أثر الطلب المنشأ في زمان، إلى حين حصول المطلوب وإن وعد بايقاع العقد مقروناً بالتزامه فإذا ترك ذكره في العقد فلم يحصل ملزم له.
يلاحظ عليه: إذا كان الإنشاء مبنياً لبّاً على ما اتفقا عليه خارج العقد فالقول، بأنّه ليس هنا ملزم للعمل نفس المدعى لأنّه إذا دلّت القرائن على أنّ العقد مبنيّ على ذلك الشرط وكان التزام الطرفين بالعقد على ذاك الأساس ، فلماذا لايحصل له ملزم بالوفاء فإذا كان ذاك المقدّر بحكم المذكور وكان حذف مايعلم جائزاً، فلم لايلزم الالتزام به، وقد اتفقوا على جواز حذف ذكر المبيع والثمن إذا كانا معلومين خارجاً وحكموا بلزوم القبض والإقباض.
فإن قلت: فرق بين متعلّقات العقد، والشروط فإنّ المتعلّقات يمكن أن يقدّر وينوى لأنّها متعلّقة بالعقد جوهراً فيمكن حذفها من اللفظ وكون اللفظ دالاّ ً عليها، بضميمة القرينة الحالية أو المقالية بخلاف الشرط إذ ليس من أجزائه الجوهرية فهو يحتاج إلى الإنشاء في متن العقد.
قلت: إنّ الشروط أيضاً من توابع العقد وقد صرّحوا بأنّه بمنزلة الجزء من أحد العوضين، فلماذا يجوز حذف المتعلّقات دون توابعها. وكون أحدهما جزءً منه جوهراً دون الآخر، لايورث الفرق، سوى بالوضوح والخفاء وهو غير مؤثر إذا كان

1 . تعليقة السيّد الطباطبائي: 118.

صفحه 86
معلوماً بالقرينة.
والحاصل أنّه لم يعلم فرق بين جواز متعلّقات العقد، والشرط التابع لأحد العوضين بنحو من التبعية فيجوز حذف الأُولى دون الثاني ويحصل الملزم بالنسبة إليها دون الأخير.
5 ـ الأخبـار الواردة الدالّة على عدم الاعتبار بالشرط السابق على عقد النكاح وأنّه يهدم ما كان من الشروط السابقة وإليك ما ورد:
1 ـ مارواه ابن بكير، قال: قال أبو عبداللّه (عليه السلام) : «إذا اشترطت على المرأة شروط المتعة فرضيت به وأوجبت التزويج، فاردد عليها شرطك الأوّل بعد النكاح فإن أجازته فقد جاز وإن لم تجزه فلا يجوز عليها ما كان من شرط قبل النكاح»1.
والمراد من قوله «فاردد» هو الذكر، ومن النكاح قوله: أنكحتك نفسي، فتكون الشروط داخلة في الإيجاب.
2 ـ مارواه ابن بكير أيضاً قال: قال أبو عبداللّه (عليه السلام) :«ما كان من شرط قبل النكاح هدمه النكاح وما كان بعد النكاح فهو جائز»2.
وقد عرفت معنى النكاح، وهو الإيجاب الذي يقوله الرجل عن قبلها.
3 ـ مارواه ابن بكير أيضاً، عن محمّد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول في الرجل يتزوّج المرأة متعة: «إنّهما يتوارثان إذا لم يشترطا وإنّما الشرط بعد النكاح» 3.
4 ـ مارواه محمّد بن مسلـم، قـال: سألـت أبا عبداللّه (عليه السلام) عن قـول اللّهعزّوجّل: (ولاجناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة) ؟ فقال: «ماتراضوا به من بعد النكاح فهو جائز، وما كان قبل النكاح فلا يجوز إلاّ برضاها

1 . الوسائل: 14الباب 19 من أبواب المتعة، الحديث1و2و4.
2 . الوسائل: 14الباب 19 من أبواب المتعة، الحديث1و2و4.
3 . الوسائل: 14الباب 19 من أبواب المتعة، الحديث1و2و4.

صفحه 87
وبشيء يعطيها فترضى به» 1.
وقد عرفت رواية أبان بن تغلب فيما إذا ترك الأجل مع كونه قاصداً له2.
يلاحظ على الاستدلال: بأنّ المقاولة على الشروط على قسمين: تارة تتقاول، ولا يكون العقد مبنيّاً عليه ، وأُخرى تتقاول ويكون العقد مبنيّاً عليها، والروايات ناظرة إلى القسم الأوّل والكلام في القسم الثاني: وإلى ذلك ينظر قول السيد الطباطبائي في تعليقته حيث قال: إنّ مفاد هذه الأخبار أنّ الشرط السابق لا يكفي ولا ينافي ذلك، كفاية التباني الحاصل حال العقد بحيث يعدُّ عرفاً شرطاً والتزاماً في العقد... وقال: نعم الرواية الأخيرة ظاهرة في عدم كفايته3.
أقول: عدم كفايته في مورده لأجل أنّ الأجل ركن والركن يجب ذكره في العقد كما عرفت فلا ينافي عدم الكفاية فيها ما ذكرنا من كفاية التباني في سائر الشرائط.

الثالث: ما يجوز لها أو له من الشرائط

الضابطة الكلّية في صحّة الشرائط وعدمها، عدم كون الشرط مخالفاً لمقتضى العقد، بحيث يرى تناقضاً بين العقد وشرطه كما إذا باع بلا ثمن أو آجر بلا أُجرة.
وبعبارة أُخرى: أن لا يكون الشرط مخالفاً لمقتضى مطلق العقد، من البيع والإجارة والنكاح مثلاً لو عقدها واشترطت المرأة أن لا يتمتّع الرجل بها أصلاً، كان الشرط مخالفاً لمقتضى عقد النكاح، نعم لو كان الشرط مخالفاً لمقتضى العقد المطلق، أي مايترتّب عليه الأثر عند الإطلاق، يكون الشرط مقيّداً لإطلاقه كما إذا أشرطت أن لا يفتضها صحّ الشرط.

1 . الوسائل: 14الباب19 من أبواب المتعة ، الحديث 3.
2 . الوسائل: 14الباب 20 من أبواب المتعة، الحديث 2.
3 . تعليقة السيد الطباطبائي على المكاسب: 116.

صفحه 88
وعلى ضوء هذا تستطيع على تمييز الصحيح من الفاسد، وربّما يقع الشكّ في كون الشرط من أيّ قسم من القسمين، وعلى هذا لو شرط الإتيان ليلاً أو نهاراً أو يشترط المرّة والمرّات من الزمان المعين جاز لأنّها تقييد لإطلاق العقد، ولو شرط الاستمتاع دون الدخول جاز لعدم منافاته لمقتضى مطلق عقد النكاح، وتدلّ عليه صحيحة عمّار بن مروان 1 (اليشكري الذي هو وأخوه عمرو ثقتان)2.
كما أنّ لها إسقاط شرطه ويجوز له الدخول لأنّها زوجته، ولا مانع من الدخول إلاّ حقّ الغير وقد أسقطته وبه رواية3.
ولو دخل بلا إذن يلحق به الولد، لأنّها زوجته، وإن كان الدخول ممنوعاً لأمر خارجي كالحيض، والإيلاء والظهار ومخالفته لايمنع كونه ولدهما ولداً شرعياً.

الرابع: في جواز العزل

لاشك أنّه لا يجوز العزل في الدائمة إلاّ بإذنها، بخلافه في المتمتّع بها، فيجوز بلا إذنها.
قال الشيخ في النهاية: ويجوز للرجل العزل وإن لم يكن شرط ومتى جاءت بولد كان لاحقاً به سواء عزل أم لم يعزل .أمّا جواز العزل، فقد أرسلوه إرسال المسلّم واستدل عليه بروايات، إمّا مطلقة، تعمّ الدائمة والمنقطعة4 أو واردة في مورد الاشتراط لخبر الأحول5 وهشام بن سالم الجواليقي6 وغيرهما7.

1 . الوسائل: 14،الباب 36 من أبواب المتعة، الحديث 1.
2 . النجاشي: الرجال: 2/138برقم 778.
3 . الوسائل: 14، الباب 11 من أبواب المتعة، الحديث 3.
4 . الوسائل: 14، الباب 34 من أبواب المتعة، الحديث 1ـ2.
5 . الوسائل: 14، الباب 18 من أبواب المتعة، الحديث 5و 6.
6 . الوسائل: 14، الباب 18 من أبواب المتعة، الحديث 5و 6.
7 . الوسائل: 14، الباب 33 من أبواب المتعة، الحديث 2ـ 3 والباب 45 الحديث2.

صفحه 89
وليس الاشتراط إلاّ تأكيداً لحكم المتعة، ويدلّ عليه ذكر عدم الموارثة مع أنّ المشهور عدم الموارثة شرط أو لا.
إنّما الكلام في الفرع الثاني وهو أنّه إذا عزل ولكنّها أتت بولد قابل للحوق، فهل يجوز للزواج نفي الولد إذا صارت حاملاً، وذلك ـ مضافاً إلى احتمال سبق المني من غير تنبّه، وإطلاق قوله: «الولد للفراش» ـ: وجود النصوص في المقام.
منها ـ صحيحـة ابن بزيع، قال: سأل رجل الرضا (عليه السلام) و أنا أسمع، عن الرجل يتزوّج المرأة متعة و يشترط عليها أن لا يطلب ولدها فتأتي بعد ذلك بولد فينكر الولد فشدّد في ذلك و قال: «يجحد و كيف يحجد إعظاماً لذلك» قال الرجل فإن اتّهمها؟ قال: «لاينبغي لك أن تزوّج إلاّ مأمونة» 1.
هل فيها لعان، وإيلاء، وظهار، أو لا ؟
تختصّ المتعة بأحكام وتفارق بها عن الدائم وهي عدم تشريع اللعان فيها وعدم جريان أحكام الإيلاء والظهار فيها على الأشهر.
قال العلامة في المختلف:
«قال الشيخ في النهاية: لايقع بالمتمتّع بها لعان ولا إيلاء.
وقال السيد المرتضى: إنّهما يقعان بها.
وقال أبو الصلاح: لا يقع بينهما إيلاء ولا طلاق ولا يصحّ بينهما لعان ويصحّ الظهار.
قال ابن إدريس: لا يصحّ بينها وبين الزوج لعان ويصحّ الظهار منها عند بعض أصحابنا وكذلك اللعان عند السيد المرتضى والأظهر أنّه لايصحّ بينهما»2.

1 . الوسائل:14/ الباب 33 من أبواب المتعة، الحديث 2.
2 . المختلف، الفصل الخامس في نكاح المتعة: 5/11.

صفحه 90
والظاهر عدم وجود إجماع في المسائل ومن أثبت أو نفى فلدليل زعمه.
أمّا اللعان فقد قال به السيد المرتضى من الأصحاب في الانتصار: والظهار أيضاً يقع بالمتمتع بها وكذلك اللعان1 وخالفه الباقون إلاّ ابن سعيد في الجامع قال: «ولد المتعة لاحق بالمتمتع، فإن أنكره لاعن، وقيل: لا يلاعن»2.
والظاهر هو العدم لصحيحي، ابن أبي يعفور وابن سنان، ففي الأُولى «لايلاعن الرجل المرأة التي يتمتع بها » وفي الثانية «لايلاعن الحرّ الأمّة، ولا الذمّية ولا التي يتمتّع بها»3.
وإطلاق الروايتين ينفي اللعان في كلّ مورد يثبت فيه اللعان في الدائم سواء كان السبب نفي الولد أو القذف بالزنا.
وهل ينتفي الولد مع عدم تشريع اللعان أو لا ؟ وجهان، من ملازمة عدم تشريعه، انتفاء الولد بدونه غير أنّ الدائم ينتفي فيه معه والمنقطع بدونه، ومن إطلاق النصوص الناهية عن نفي الولد على مامرّ من رواية ابن بزيع4.
والأقوى هو الأوّل لأنّ النصوص الناهية ناظرة فيما إذا كان شاكّاً أو ظانّاً لأجل العزل وغيره، لا ما إذا علم بانتفائه منه.
وأمّا الإيلاء: فقد نسب إلى المرتضى وقوعه بها، ولكن كلامه في الانتصار، لا يوافق المحكي قال: وأمّا الإيلاء فإنّما لم يلحق المتمتّع بها لأنّ أجل المتعة ربّما كان دون أربعة أشهر وهو الأجل المضروب في الإيلاء5.
والظاهر عدم وقوعه بها، لاختصاص دليلها بالدائم أعني قوله سبحانه:

1 . الانتصار: 115.
2 . الجامع: 452.
3 . الوسائل: 15الباب 10 من أبواب اللعان، الحديث 1 و 2.
4 . الوسائل: 14الباب 33 من أبواب المتعة، الحديث2.
5 . الانتصار:115.

صفحه 91
(لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُر فَإنْ فاءُو فَإنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) 1.
فإنّ قوله (وإن عزموا الطلاق)يدلّ على اختصاصها بما فيه الطلاق، ولا طلاق في المتعة.
وأمّا الظهار: فيمكن القول به أخذاً بعموم قوله سبحانه: (الَّذِينَ يُظاهِرونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتهِمْ إِنْ أُمّهاتُهُمْ إلاّ الّلائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ القَوْلِ وَزُوراً)2 وجعله المحقق هو الأظهر في المقام وقال في كتاب اللعان، وقيل: يقع بالمتمتّع بها، فيه خلاف والأظهر الوقوع.
ولكن الأظهر عدمه لاقياساً على اللعان والإيلاء، بل لأجل أنّ من أحكام الظهار مايخصصه بالدائم، حيث إنّ للمرأة أن ترفع أمرها إلى الحاكم وهو يخيّر الزوج بين التكفير والرجعة والطلاق والنظر ثلاثة أشهر من حين المراجعة3 فإن انقضت المدّة ولم يتخيّر أحدهما ضيّق عليه في المطعم والمشرب حتّى يختار أحدهما ولايجبره على الطلاق. فإنّه ليس بالمتمتّع بها حق الاعتراض، لو تركها ولم يجامعها أصلاً في الفترة المجعولة فيكفي مثل ذلك مانعاً من انعقاد الإطلاق، وما ربّما يقال من «أنّ الإلزام بأحد الأمرين لايوجب التخصيص، إذ من الجائز اختصاصه بمن يمكن معه أحد الأمرين وهو الدائمة، وكذا المرافعة دون غيره فيبقى أثره فيها باقياً وهو اعتزالها»4 لايدفع الانصراف فإنّه احتمال عقلي لايزاحمه، مضافاً إلى مارواه المشايخ الثلاثة بسند صحيح عن ابن فضال عمّن ذكره عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: «لايكون الظهار إلاّ على مثل موضع الطلاق». 5

1 . البقرة: 226ـ 227.
2 . المجادلة: 2.
3 . الوسائل: 15الباب 18 من أبواب الظهار، الحديث1.
4 . الجواهر: 30/189.
5 . الوسائل: 15الباب 2 من أبواب الظهار، الحديث3.

صفحه 92
أضف إلى ذلك، أنّ الظهار نوع إرغام على الزوجة بترك وطئها وهو يتمّ في الدائمة لا المنقطعة، لأنّ التمتع لصالح الزوج غالباً لا للزوجة فلا وجه للإرغام.
وهناك وجه ثالث، وهو أنّ المظاهرة من تشريعات العصر الجاهلي وقد أمضاها على وجه ينتهي الأمر إلى أحد الأمرين: التكفير أو الطلاق، والقدر المتيقّن من التشريع الممضى هو اختصاصها بالدائمة لاختصاصها عند الجاهلية بها.

ميراث الزوجين في المتعة

إذا توفّي أحد الزوجين قبل تمام الأجل، هل يتوارثان أو لا ؟ أقوال أربعة:
الأوّل: ما ختاره ابن البرّاج في المهذّب والكامل: من أنّها كالدائمة، قال في الأوّل: وقد ذكرنا فيما سلف، أنّ نفي التوارث لايصحّ إشتراطه، فأمّا إن شرط التوارث ثبت ذلك بينهما1 وعلى هذا، فهما يتوارثان، ولا أثر للشرط، سواء شرطا التوارث أو عدمه، إلاّ التأكيد في الصورة الأُولى.
الثاني: عكس ذاك، وأنّهما لايتوارثان ولو شرطا التوارث فضلاً عما أطلقا أو شرطا عدمه، اختاره أبو الصلاح في الكافي، وتبعه ابن إدريس، والعلاّمة في المختلف، وهو خيرة الجواهر.
قال أبو الصلاح في الكافي: ولا سكنى لها ولا عليها ولا إنفاق ولا توارث بينهما، وإن شرط ذلك ولا يقع بها إيلاء ولا طلاق ولايصحّ بينهما لعان ويصح الظهار2.
ونقل في المختلف، عن ابن إدريس، أنّه قال المحصلون: لاتوارث في هذا

1 . المهذّب: 2432 ويكون الشرط مؤكّداً لما يفيده نفسه.
2 . الكافي: 298.

صفحه 93
النكاح، شرطا التوارث أو لم يشترطا، لأنّهما إن شرطا كان الشرط باطلاً لأنّه مخالف للسنّة، وقال العلاّمة: والوجه ما قاله أبو الصلاح وهو اختيار ابن إدريس1.
الثالث : الأصل هو التوارث إلاّ أن يشترطا العدم، وهو خيرة المرتضى في الانتصار، قال في الإجابة عن استدلال الخصم ـ على أنّها ليست بزوجة بشهادة أنّها لاترث ولاتورثـ: ليس فقد الميراث علامة على فقد الزوجية لأنّ الزوجة الذمية والأمة والقاتلة لايرثن ولا يورثن (كذا) وهنّ زوجات، على أنّ مذهبنا أنّ الميراث قد يثبت في المتعة إذا لم يحصل شرط في أصل العقد بانتفائه ويستثنى المتمتع بها مع شرط نفي الميراث من ظواهر آيات الميراث كما استثنيتم الذمية والقاتلة2.
الرابع: الأصل هو عدم التوارث إلاّ إذا اشترطا أنّ بينهما التوارث عكس القول الثالث، وهو خيرة الشيخ في النهاية، والمحقّق في الشرائع، قال الشيخ: وليس في نكاح المتعة توارث، شرط نفي الميراث أو لم يشترط، اللّهمّ إلاّ أن يشترط أنّ بينهما التوارث فإن شرط ذلك ثبت بينهما الموارثة وإنّما لايحتاج نفي التوارث إلى شرط3.

هذه هي الأقوال المعروفة بين الأصحاب

استدل للقول الأوّل: بإطلاق مادلّ على أنّ للزوج والزوجة، النصف أو الربع، أو الثمن، قال سبحانه: (وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُُعُ مِمّا تَرَكْنَ...) 4.
وقد دلّت الروايات على أنّها زوجة داخلة تحت قوله سبحانه: (إلاّ على أزْوَاجِهِم أو مَامَلَكَتْ أَيْمَانُهُم)5.فتشمله العمومات.
يلاحظ عليه : أنّ الاستدلال بالعموم إنّما يتمّ إذا لم يكن هنا مخصّص

1 . المختلف: 15.
2 . الانتصار: 114.
3 . النهاية: 492.
4 . النساء: 12.
5 . المؤمنون: 6.

صفحه 94
والمخالف يدّعيه فلابدّ من دراسته بالقبول أو الردّ.
استدل للقول الثاني بروايتين:
الأولى: صحيح سعيد بن يسار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يتزوّج المرأة متعة ولم يشترط الميراث؟ قال: «ليس بينهما ميراث اشترط أو لم يشترط» 1.
والاستدلال مبنيّ على كون الفاعل في «اشترط» هو «الميراث» وأمّا لو قلنا بأنّ الفاعل هو «عدم الميراث» المفهوم من قوله: «لم يشترط الميراث» فلا. وعلى الاحتمال الثاني لايرث فيما إذا لم يشترط عدم الميراث أو شرطه، وأمّا إذا شرط الميراث فالرواية لا تشمله.
الثانية: صحيح عبداللّه بن عمرو قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المتعة؟ فقال: «حلال لك من اللّه ورسوله» قلت: فما حدّها؟ قال: «من حدودها أن لاترثها ولا ترثك».2
وفي الوسائل «عمرو» بفتح العين ولعلّه بضم العين أعني عبداللّه بن عمر ابن بكار الحنّاط الذي هو كوفيّ ثقة كما في النجاشي.
حيث جعل نفي التوارث من حدود نكاح المتعة.
يلاحظ عليه : أنّ مراده من الحدّ ليس الجنس والفصل حتى يلازمه عدم التوارث، بل الظاهر أنّ من أحكامه عدم التوارث وأنّ المتعة بما هي هي لا يقتضي بخلاف النكاح الدائم فإنّه يقتضي ذلك، لكنّه لا ينافي الاقتضاء بالشرط في متن العقد، فلا يكون منافياً لما يدلّ على التوارث بالشرط على ماعليه الشيخ، والحاصل أنّ معناه أنّ عقد المتعة لايقتضي التوارث لا أنّه يقتضي عدمه.

1 . الوسائل: 14الباب 32 من أبو اب المتعة، الحديث 7.
2 . الوسائل: 14الباب 32 من أبواب المتعة، الحديث 8.

صفحه 95
استدل للقول الثالث: أعني كون الأصل التوارث إلاّ اذا شرطا العدم، ـمضافاً إلى ماعرفت في كلام السيدـ: بموثق ابن مسلم، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول في الرجل يتزوّج المرأة متعة، انّهما يتوارثان إذا لم يشترطا وإنّما الشرط بعد النكاح1.
وحمله الشيخ على أنّهما يتوارثان مالم يشترطا الأجل بأن يكون دائماً فإذا اشترطا الأجل، لايتوارثان واستقربه صاحب الحدائق، وقال: لا بأس به جمعاً بين الأخبار2.
ولكنّه بعيد عن ظاهر الرواية لتقدّم لفظه «متعة» والسؤال مركّز على الزواج متعة لا على مطلق الزواج، حتّى يحتاج إلى التقييد وتكون النتيجة التفصيل بين الدائم والمنقطع.
ومع ذلك فهذا التأويل، لابأس به لوجهين:
الأوّل: دلّت صحيحة أُخرى لمحمّد بن مسلم على أنّ العقد لا يقتضي شيئاً وإنّما يترتّب التوارث على الاشتراط، قال: سألت أبا عبداللّه (عليه السلام): كم المهر؟ـيعني في المتعةـفقال: «ماتراضيا عليه ـ إلى أن قال: ـ وإن اشترطا الميراث فهما على شرطهما» 3.
الثاني : أنّه يحتمل سقوط لفظة «لا» في موثقته والأصل أنّهما لايتوارثان إذا لم يشترطا.
استدل للقول الرابع: أعني أنّ الأصل عدم التوارث إلاّ إذا شرطاه الذي هو خيرة المحقّق وصاحب المسالك ويدل عليه أمران:

1 . الوسائل: 14الباب 32 من أبوا ب المتعة، الحديث2.
2 . الحدائق: 24/181.
3 . الوسائل: 14الباب 32 من أبواب المتعة، الحديث 5.

صفحه 96
1 ـ ما روي عن البزنطي صحيحاً عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: «تزويج المتعة نكاح بميراث ونكاح بغير ميراث إن اشترطت كان وإن لم تشترط لم يكن»1 ورواه الحميري في قرب الإسناد.
2 ـ صحيحة محمّد بن مسلم التي تعرفت عليها عند الاستدلال على القول الثالث وهذا هو الأظهر.
وأمّا نقد ما استدل للقول الثاني والثالث فنقول أمّا القول الثاني فقد استدل له بما دلّ على عدم الميراث ولكنّه إنّما يرجع إلى بيان حقيقة عقد المتعة وأنّها ليست كالعقد الدائم، فلا تقتضي الميراث لا أنّها تقتضي عدمه.
وليس قوله: «لاوارثة ولا موروثة» ناظراً إلى أنّ هذين الأمرين ملازمان للمتعة ولا ينفكّان عنه بل لأجل تبيّن أنّه ليس فيها ذلك الاقتضاء حتّى لاتكون مخدوعة2.
والإمعان في الروايات التعليمية يوضح مفاد صحيحة سعيد بن يسار التي تمسك بها أبو الصلاح من نفاة الإرث مطلقاً حتّى مع الشرط. فإنّ قوله: «ليس بينهما ميراث اشترط أو لم يشترط» يمكن أن يكون ناظراً إلى ماورد في الروايات التعليمية من ذكر قوله: «لاوارثة ولاموروثة» أو مايؤدّي مفاده أي سواء ذكر عدم الميراث تبييناً للحقيقة أو لم يذكر، لا ترث المرأة ولا تورث بناءً على أنّ فاعل الفعل (اشترط) هو نفي الإرث.
وأمّا نقد مادل على القول الثالث الذي عمدة دليله هو موثقة محمّد بن مسلم (لاصحيحته) فقد عرفت أنّ الشيخ حملها على أنّهما يتوارثان مالم يشترطا الأجل، فإذا اشترطا الأجل لايتوارثان، أضف إلى ذلك أنّه يحتمل فيه سقوط «لا».

1 . الوسائل: 14،الباب 32 من أبواب المتعة، الحديث1.
2 . لاحظ الروايات التعليمية في إجراء الصيغة الواردة في الباب 18و1و5.

صفحه 97
فيبقى القول الرابع بالنظر إلى صحّة رواياته وصراحتها بلا إشكال.
نعم أورد على هذا القول وجوه من الإشكال نذكرها مع ما يمكن أن نذبّ به.
1 ـ لا مقتضى للتوارث هنا إلاّ الزوجية، ولا يقتضي ميراث الزوجة إلاّ الآية فإن اندرجت هذه الزوجة في هذه الآية، ورثت وإن لم يشترط ثبوته وبطل شرط نفيه، وإن لم تندرج في الآية لم يثبت، اشترط التوريث أم لا، لأنّه شرط توريث من ليس بوارث وهو باطل.
2 ـ إنّ صحيح البزنطي1 وابن مسلم2 اللّذين استدلا بهما على القول الرابع قابلان للحمل على الوصية وليس الحمل على اشتراط سقوط الإرث أولى من حمل الخبرين على إرادة الوصية من الإرث فيها.
3 ـ مقتضى إفادة شرط الإرث أن يكون ذلك على حسب مايقع منه ولو اختص الشرط بأحدهما كان الإرث له خاصة مع غلبة التوارث من الجانبين.
4 ـ أنّ التزام صحّة شرطية إرث الزوجة والزوج على حسب حالهما من وجود الولد وعدمه بالنسبة إلى النصف والثمن والربع وإرث العقار وعدمه غريب وعلى هذا لا زوجية بالموت بل يكون بالموت كمن وهبت المدة ويتفرّع عليه عدم جواز تغسيلها والنظر إليها3.
يلاحظ على الأوّل : بأنّ الإرث لايترتّب على العقد وحده، حتّى يقال إنّ الاشتراط عندئذ لغو، ولا على الشرط وحده حتى يكون من قبيل توريث الأجنبي، بل العقد في الدائم علّة تامة وفي المنقطع جزء العلة وأشبه بالمقتضي ويتمّ تأثيره

1 . الوسائل:14، الباب 32 من أبواب المتعة، الحديث 1ـ 5 والروايتان من أدلّة القول الرابع وقد قال صاحب الجواهر في حقهما: «هذان الخبران لمكان سنديهما قد اغترّ بهما جماعة من المتأخرين منهم الشهيدان».
2 . الوسائل:14، الباب 32 من أبواب المتعة، الحديث 1ـ 5 والروايتان من أدلّة القول الرابع وقد قال صاحب الجواهر في حقهما: «هذان الخبران لمكان سنديهما قد اغترّ بهما جماعة من المتأخرين منهم الشهيدان».
3 . الجواهر: 30/194ـ 195.

صفحه 98
بالشرط، وعلى ذلك فالمنقطعة داخلة تحت الآية ولولا النص لقلنا بكونه علّة تامة إلاّ أنّ النص يصدّنا عن القول بدخولها تحتها مثل دخول الدائمة.
وعلى الثاني أنّ الالتزام بكون الوراثة تابعة للاشتراط، ليس ببعيد بعد كون الشرط متمّماً للمقتضي وليست الوراثة للعقد وحده حتى لا يقبل التفكيك ولا للشرط وحده حتّى يقال إنّه من قبيل توريث من ليس بوارث.
وعلى الثالث بأنّ كيفية التوارث تابعة للضوابط الموجودة في الذكر الحكيم، ولكونها زوجة داخلة تحت الآية، وأنّما الشرط متمّم لتأثير عنوان الزوجية فعندئذ تكون في الكيفية تابعاً لها لا للاشتراط.

عدّة المتمتّع بها

إذا انتهى أجلها أوبذلها الزوج أيّامها يجب عليها الاعتداد وقد اختلفت كلماتهم في مقدارها إلى أقوال:
1 ـ قال الشيخ في النهاية: عدّة المتمتعة إذا انقضى أجلها أو وهب لها زوجها أيّامها، حيضتان أو خمسة وأربعون يوماً إذا كانت لاتحيض وهي في سنّ من تحيض1. وتبعه ابن البرّاج وسلاّر وأبو الصلاح وابن حمزة إلاّ أنّ الأخيرين قالا عوض الحيضتين، قرءان.
2 ـ وقال المفيد: عدّة المتمتّع بها من الفراق قرءان وهما طهران، وتبعه ابن إدريس قال: عدّتها طهران للمستقيمة الحيض، وخمسة وأربعون يوماً إذا كانت لاتحيض ومثلها تحيض2.
3 ـ قال الصدوق في المقنع إذا انقضى أيامها وهو حي فعدّتها حيضة ونصف3.

1 . النهاية: 492.
2 . المقنعة: 536 ، السرائر: 2 /625.
3 . المقنع: 114.

صفحه 99
4 ـ وقال ابن عقيل: إن كانت ممّن تحيض فحيضة مستقيمة، وإن كانت ممّن لا تحيض فخمسة وأربعون يوماً.
وذهب المحقّق: إلى القول الأوّل والعلامة في المختلف إلى القول الثاني1.
استدل للقول الأوّل: بصحيح إسماعيل بن الفضل الهاشمي، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن المتعة؟ فقال: «ألق عبدالملك بن جريج فسله عنها فإنّ عنده منها علماً» فلقيته فأملى عليَّ شيئاً كثيراً في استحلالها وكان فيما روى لي فيها ابن جريج أنّه ليس فيها وقت ... وعدّتها حيضتان وإن كانت لا تحيض فخمسة وأربعون يوماً، قال: فأتيت بالكتاب أبا عبداللّه (عليه السلام) فقال: «صدق» وأقرّبه، قال ابن أُذينة: وكان زرارة يقول هذا ويحلف أنّه الحق إلاّ أنّه كان يقول: إن كانت تحيض فحيضة، وإن كانت لاتحيض فشهر ونصف2.
ويدلّ عليه أيضاً ما رواه العياشي في تفسيره، عن أبي بصير، عن أبي جعفر في تفسير آية المتعة: «ولا يحلّ لغيرك حتّى تنقضي عدّتها، وعدّتها حيضتان»3.
ومارواه المجلسي في البحار، عن أبي بصير، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن المتعة، فقال: «نزلت في القرآن ـ إلى أن قال ـ: ولاتحلّ لغيرك حتّى تنقضي لها عدّتها، وعدّتها حيضتان» 4.
وربّما يستدل بخبر محمّد بن الفضيل، عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «طلاق الأمة تطليقتان وعدّتها حيضتان» بضميمة ما في صحيح زرارة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام)ماعدّة المتعة إذا مات عنها الذي يتمتّع بها ـ إلى أن قال: ـ «وعدّة المطلقة ثلاثة أشهر، والأمة المطلّقة عليها نصف ما على الحرّة وكذلك المتعة عليها

1 . المختلف: 11 من أحكام المتعة، وسيوافيك أنّ مرجع القول الرابع إلى الثاني، ودليلهما واحد، فالحيضة الواحدة، تلازم الطهرين غالباً لا دائماً.
2 . الوسائل: 14، الباب4 من أبواب المتعة، الحديث8.
3 . الوسائل: 14، الباب 23 من أبواب المتعة، الحديث6.
4 . البحار: 103 /315 ح20.

صفحه 100
مثل ما على الأمة» 1.
يلاحظ عليه: بأنّ محمّد بن الفضيل الأزدي لم يوثّق وهو غير محمّد بن الفضل الأزدي الذي وثّقه الشيخ في رجاله، وعلى فرض اعتبار الخبر فالظاهر من صحيح زرارة المماثلة من حيث العدد فيكون على الأمة شهر ونصف لا حيضتان.
أضف إلى ذلك أنّ نفس زرارة لم يقبل هذا التنزيل، لأنّه كما ورد في صحيح الهاشمي قال: بأنّ عدّة الأمة حيضة واحدة.
استدل للقول الثاني بالوجه التالي:
أي الاكتفاء بالطهرين بصحيح زرارة: «وإن كان حرّ تحته أمة، فطلاقها تطليقتان، وعدّتها قرءان» 2.
هذا من جانب، ومن جانب: أن عدّتها، عدّة الأمة.
يلاحظ عليه : بأنّ اللفظ من الأضداد ولا دليل على حمله على الطهرين بعد تضافر الروايات بأنّ عدّة المتمتّع بها حيضتان، فيفسّر الإجمال بالتفصيل، وإرادة الطهرين في باب العدد3 حيث اتفقت الشيعة على أن المراد من القرء الطهر، وأهل السنة على أنّه الحيض، لاتكون دليلاً على حمله هنا على الطهر، بعد ورود التصريح بالحيضتين في المقام ، وليعلم أنّ مرجع هذا القول والقول الرابع إلى أمر واحد، والدليل عليهما واحد. كماسيوافيك.
استدل للقول الثالث: أي الاكتفاء بحيضة ونصف، برواية عبدالرحمان بن الحجّاج عن أبي عبداللّه (عليه السلام) : «و إذا انقضت أيّامها وهو حيّ، فحيضة ونصف مثل مايجب على الأمة» 4.

1 . الوسائل: 15، الباب 40 من أبواب العدد، الحديث 5، والباب 52 منها، الحديث 2 .
2 . الوسائل: 14، الباب 12 من أبواب مايحرم باستيفاء العدد، الحديث 1.
3 . الوسائل: 15،الباب 14 من أبواب العدد 1ـ 9 .
4 . الوسائل: 14، الباب 22 من أبواب المتعة، الحديث5.

صفحه 101
والظاهر أنّ العبارة كناية عن الخمسة والأربعين لما تضافر أنّها عدة من لاتحيض وهي في سن من تحيض، وإلاّ فلا معنى للحيضة ونصف، إلاّ أن يفسّر بأنّه يجوز لها التزويج بعد تنصيف الحيضة الثانية وإن كان الدخول ممنوعاً وهو كما ترى.
استدل للقول الرابع: أعني الاكتفاء بحيضة واحدة بعدها طهر، بوجهين:
1ـ إذا كملت لها حيضة فقد مضى عليها طهران، أحدهما قبلها، وثانيهما، بعدها وإن كان الطهر الثاني لحظة.
يلاحظ عليه: بما عرفت من أنّه لا تلازم الحيضة الطهرين كما إذا كان انتهاء أجل المتعة مقارناً لحدوث الحيضة، فتكون هناك حيضة وطهر فقط لا طهران، نعم لو تمّ الأجل أثناء الحيضة أو أثناء الطهر يكون لها طهران.
2 ـ حسنة زرارة، بل صحيحته عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: « ... وإن كان حر تحته أمة فطلاقها تطليقتان، وعدّتها قرءان» 1.
يلاحظ عليه: بما عرفت من أنّه لا دليل لحمل «القرءان» على الطهرين بعد اشتهار كون عدّة الأمة حيضتين هذا هو دليل الأقوال وقد عرفت تضارب الروايات، وهناك طريقان:
الأوّل: ماسلك صاحب الجواهر فحاول أن يجمع بين الروايات بما ورد في رواية الطبرسي في الاحتجاج.
الثاني: الرجوع إلى المرجحات.
أمّا الأوّل: فبالاستشهاد بما رواه صاحب الاحتجاج عن محمد بن عبداللّه بن جعفر الحميري عن صاحب الزمان (عليه السلام) حيث كتب إليه في رجل تزوّج امرأة بشيء معلوم إلى وقت معلوم وبقي له عليها وقت، فجعلها في حلّ ممّا بقي له عليها، وقد

1 . الوسائل: 14، الباب 12 من أبواب مايحرم باستيفاء العدد، الحديث1.

صفحه 102
كانت طمثت قبل أن يجعلها في حلّ من أيّامها بثلاثة أيّام أيجوز أن يتزوّجها رجل آخر بشيء معلوم إلى وقت معلوم عند طهرها من هذه الحيضة أو يستقبل بها حيضة أُخرى ؟ فأجاب (عليه السلام) :« بل يستقبل بها حيضة غير تلك الحيضة، لأنّ أقلّ العدّة حيضة وطهرة تامة (وفي بعض النسخ طهارة)» 1.
وهذه الرواية تدلّ على شرطية حيضة تامة وطهارة مثلها، أمّا الأولى فلأجل عدم الاكتفاء بالحيضة التي جعلها في حلّ فيها، وأمّا الثانية فللتوصيف بـ«تامة» والمراد هو الطهر التام الذي يكشف بدخول جزء من الحيضة الثانية، والحيض والطهر الكاملان، لاينفكّان عن الحيضتين، توضيحه:
1 ـ لو اتفق الانقضاء في أثناء الطهر يتوقف على حيضة كاملة وطهر مثلها فكما يتحقّق هناك حيضة وطهر تتحقق حيضتان، الأُولى بعد الطهر الذي تحقّق الانقضاء فيه ، والثانية بتمامية الطهر، حيث لا يعلم إلا بظهور جزء من الحيض.
2 ـ لو اتفق الانقضاء في أثناء الحيضة فيتوقّف الخروج من العدّة على حيضة تامة وطهر تام فعندئذ تتحقّق الحيضتان فالأُولى هي التي انتهى الأجل فيها، والثانية هي التي دخل فيها بعد الطهر التام.
نعم، يحصل التخلّف فيما إذا انتهى أجلها بزمان طهرها، فيتحقّق طهران، دون الحيضتين لكنّهما نادران2.
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ ظاهر الرواية هو أنّ الاكتفاء بالحيضة الواحدة كان أمراً مسلّماً عند الراوي والإمام (عليه السلام) وكان الشك عند الراوي الاكتفاء بالناقصة منها أو لا، فأجاب الإمام (عليه السلام)بكفاية الحيضة الواحدة وقال: «يستقبل بها حيضة، غير تلك الحيضة» وعلى هذا تحمل التمامية في الطهر على زوال النقاء من الحيض

1 . الوسائل: 14، الباب 22 من أبواب المتعة ، الحديث7.
2 . هذا توضيح ما أفاده صاحب الجواهر وإن كان كلامه لا يخلو من إجمال، لاحظ 30/199.

صفحه 103
الكامل حتى يعلم تحقق الحيضة الكاملة، لا أنّ هذا الطهر من العدة.
وثانياً: أنّه إذا كان الملاك هو الحيض والطهر التامان يكون الحدّ هو هذا، وكونهما ملازمين غالباً مع الحيضتين أو الطهرين لا يكون سبباً لجعلهما ملاكاً للخروج عن العدّة فالعدول عن الملاك الواقعي إلى الملازم كما ترى.
وأمّا الثاني: أي استظهار كون الروايات متعارضة والرجوع إلى المرجّحات فالترجيح مع القول الأوّل لتضافر الروايات على أنّ عدّة المتعة هو عدّة الأمة والمشهور فيها هو الحيضتان مضافاً إلى كون مقتضى الأُصول بقاء العدّة إلى أن يعلم الخروج. ولا يعلم إلاّ بالحيضتين التامتين ولا يكفي جزء من الحيض واللّه العالم بأحكامه.

عدة الوفاة للمتمتع بها

المشهور في عدّة المتمتع بها في عدّة الوفاة هو نفس العدّة في الدائم :
1 ـ قال الصدوق: «وإذا تزوّج الرجل امرأة متعة ثم مات عنها فعليها أن تعتدّ أربعة أشهر وعشرة أيّام»1.
2 ـ وقال أبو الصلاح في فصل العدّة «وكذلك حكم المتمتع بها لوفاة المتمتّع قبل انقضاء أيّامها تعتدّ أربعة أشهر وعشراً»2.
3 ـ قال الشيخ في النهاية: «إذا مات عنها زوجها قبل انقضاء أجلها كانت عدّتها مثل عدّة المعقود عليها عقد الدوام أربعة أشهر وعشراً» 3.
4 ـ قال ابن البرّاج: «وإن كان ذلك بموت الرجل كان عليها العدّة وهي

1 . المقنع: 114.
2 . الكافي: 313.
3 . النهاية: 492.

صفحه 104
أربعة أشهر وعشرة أيام مثل عدّة الموت في النكاح الدائم للحرّة غير حبلى» 1.
وقال المفيد: «إنّها شهران وخمسة أيّام و نسب إلى سلار ولكن لم نجد في مراسمه مايدلّ عليه لا في باب المتعة ولا في باب العدّة، قال: فما هو بموت معروف وما هو بغير موت ....» ولعلّ عدم التفصيل في عدة الموت لأجل عدم التفاوت هنا بين الدائم والمنقطع2.
إذا عرفت ذلك فاعلم، أنّه يدلّ على قول المشهور، إطلاق الآية (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُر وَعَشْراً) 3 من غير فرق بين المتمتع بها وعدمه. مضافاً إلى الصحيحين.
1 ـ صحيح زرارة، حيث قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) :ما عدّة المتعة إذا مات عنها الذي يتمتّع بها ؟ قال: «أربعة أشهر وعشراً » ثم قال: «يازرارة كلّ النكاح إذا مات الزوج فعلى المرأة حرّة كانت أو أمة وعلى أيّ وجه كان النكاح منه، متعة أو تزويجاً أو ملك يعيين فالعدّة أربعة أشهر وعشراً» 4.
2ـ صحيحة ابن الحجاج 5.
وكون عدّة الأمة وملك اليمين حسب هذه الرواية أربعة أشهر وعشراً لا ينافي ما هو المشهور، من كون عدّتها نصف ما على الحرّة وذلك لأنّ المعروف هناك كون أُمّهات الأولاد (ملك اليمين) هو مثل الحرّة وأمّا الأمة فالمشهور هو النصف، وإن كان هناك قول بالتمام لكن حمل على الاستحباب.
استدل للقول الثاني: بوجهين، الأوّل: أنّها كالأمة في الفراق فكذلك في الموت، وضعف الاستدلال ظاهر لأنّه أشبه بالقياس.

1 . المهذّب: 2/244.
2 . المقنعة: 536، و المراسم : 162.
3 . البقرة: 234.
4 . الوسائل: 15 الباب52 من أبواب العدد، الحديث 2 و 1.
5 . الوسائل: 15 الباب52 من أبواب العدد، الحديث 2 و 1.

صفحه 105
الثاني: الاستدلال بخبرين:
1 ـ مرسل الحلبي عن أبي عبداللّه (عليه السلام): سألته عن رجل تزوّج امرأة متعة ثم مات عنها ما عدّتها؟
قال: «خمسة وستون يوماً» 1.
2 ـ خبر ابن يقطين عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «عدّة المرأة إذا تمتّع بها فمات عنها خمسة وأربعون يوماً» 2.
والأوّل مرسل والثاني ضعيف بأحمد بن هلال الذي يقول النجاشي في حقّه: وقد روي فيه ذموم من سيّدنا أبي محمد العسكري (عليه السلام)3.
هذا كلّه، إذا كانت حائلاً وأمّا إذا كانت حاملاً فعدّتها أبعد الأجلين كما هو الحال في الدائم، لقوله (عليه السلام) في الحامل المتوفى عنها زوجها: «تنقضي عدّتها آخر الأجلين» 4.

تجديد العقد على المتمتّع بها

قبل انقضاء أجلها

قال العلاّمة في المختلف: المشهور أنّه إذا كان قد بقي من الأجل شيء، لم يجز له الزيادة عليه بعقد وغيره إلاّ بأن يهب لها أيّامها الباقية ثم يعقد عليها عقداً بمهر آخر، اختاره الشيخ وابن البرّاج وابن إدريس.
وقال ابن حمزة: إن أراد أن يزيد في الأجل جاز وزاد في المهر.
وقال ابن عقيل: لو نكح متعة إلى أيّام مسمّاة فإن أراد أن ينكحها نكاح الدائم قبل أن تنقضي أيّامه منها، لم يجز ذلك لأنّها لم تملك نفسها وهو أملك بها

1 . الوسائل: 15الباب 52 من أبواب العدد، الحديث 4و 3.
2 . الوسائل: 15الباب 52 من أبواب العدد، الحديث 4و 3.
3 . رجال النجاشي: رقم الترجمة: 199.
4 . الوسائل: 15 الباب 31 من أبواب العدد، الحديث 1.

صفحه 106
منها مالم تنقضي أيّامها1.
أقول: يقع الكلام في أمرين:
1 ـ ما هو مقتضى القاعدة الأوّلية ؟
2 ـ ماهو مقتضى الأدلة ؟
أمّا الأوّل: فربّما يقال كما نقله العلاّمة في المختلف2 من أنّ كونها مشغولة بعقده لا يمنع من العقد عليها مدّة أُخرى.
يلاحظ عليه: أنّه إن عقد عليها من حين العقد يلزم تحصيل الحاصل، لأنّ المفروض أنّها في جزء من المدّة زوجة له والزوجة لاتزوّج، وإن عقد عليها من ذلك الحين بعد هبة بقية المدّة فهو جائز بالاتفاق، وإن عقد عليها بعد نهاية الأجل فهو ليس بمتعارف في النكاح وإن كان متعارفاً في باب الأجارة، حيث يؤجر شقة من البناية لشخصين في شهرين متتابعين ويجري العقد في زمان واحد والمتعة ليست إجارة وإن عبّر عنها في الروايات (لمناسبة ما) بأنّها مستأجرات، كما عبر عن الدائم في الروايات (بمناسبة ما) بأنّه يشتريها بأغلى الثمن مع أنّ النكاح غير البيع.
فظهر أنّ مقتضى القاعدة عدم صحّة تجديد العقد قبل انتهاء الأجل.
وأمّا الثاني: أي مقتضى الأدلّة فمنها قوله سبحانه: (فَما استَمْتَعتُمْ بهِ مِنهُنَّ فَ آتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَريضةً ولا جُناحَ عَلَيكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بهِ مِنْ بَعدِ الفَريضَةِ إنَّ اللّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً)3.
فلو قلنا: إنّ المراد من الفريضة، هو ماسبق ذكره، يكون المراد منها هو الأُجرة، غاية الأمر بما أنّ الأُجرة ركن في المتعة يصير المقصود أنّه لا حرج ولاتضييق عليكم منه تعالى إذا تراضيتم بعد الفريضة، على الزيادة عليها أو

1 . المختلف:13، الفصل الخامس في نكاح المتعة.
2 . المختلف:13، الفصل الخامس في نكاح المتعة.
3 . النساء: 24.

صفحه 107
النقص منها، أو حطّها كلّها، لأنّ الإنسان مسلّط على ماملك، نعم لا يجوز ترك ذكرها في العقد وإن رضيا بعده، لما مرّ من حديث الركنية، وعلى ذلك لاصلة للآية بالمسألة، إذ الزيادة والنقيصة على فرض وحدة العقد. وممّا يدلّ على أنّ المراد من الفريضة هو المهر، إطلاقها عليه في قوله تعالى: (ما لـَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً)1. وقوله تعالى: (وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مافَرَضْتُمْ)2.
نعم تفسّره بعض الروايات بالأجل لا الأُجرة فلو فسّر قوله: «من بعد الفريضة» بـ«من بعد مضيِّ الأجل»، فيكون دالاً على أنّ للرجل أن يزيد في الأجرة، حتّى تزيد في الأجل بعد انقضاء الأجل الأوّل، وعليه يكون دالاّ ً على المنع قبل الانقضاء.
وأمّا لو فسر قوله: «من بعد الفريضة» بـ «بعد تحديد الأجل» لا انقضاؤه، يكون دليلاً على تجديد العقد عليها قبل انقضاء الأجل الأوّل. والمتبادر هو المعنى الأوّل.
وأمّا الروايات :
فمنها: مايدلّ على جواز التحديد بعد مضيّ الأجل من دون إشارة إلى جوازه وعدمه قبل مضيِّ الأجل.
كصحيح محمّد بن مسلم، سأل أبا عبداللّه (عليه السلام) عن المتعة؟ فقال: «إن أراد أن يستقبل أمراً جديداً فعل وليس عليها العدّة منه، وعليها من غيره خمسة وأربعون ليلة» 3.
ومثله، مرسل ابن أبي عمير4 وخبر زرارة 5 ومرسل أبي بصير6.
ومنها: مايدلّ على عدم الجواز مالم ينقطع الأجل، وذلك موقوفة أبي بصير، قال: «لا بأس أن تزيدك وتزيدها إذا انقطع الأجل فيما بينكما تقول لها:

1 . البقرة : 236ـ 237.
2 . البقرة : 236ـ 237.
3 . الوسائل: 14 الباب 23 من أبواب المتعة، الحديث 1، 3، 4و7.
4 . الوسائل: 14 الباب 23 من أبواب المتعة، الحديث 1، 3، 4و7.
5 . الوسائل: 14 الباب 23 من أبواب المتعة، الحديث 1، 3، 4و7.
6 . الوسائل: 14 الباب 23 من أبواب المتعة، الحديث 1، 3، 4و7.

صفحه 108
استحللتك بأجل آخر، برضا منها، ولا يحلّ ذلك لغيرك حتّى تنقضي عدّتها» 1.
والدلالة بالمفهوم، ويمكن حمله على الغالب لأنّ الدواعي توجد بعد الانقضاء لا قبله وعندئذ لايدلّ على عدم الجواز قبله. والظاهر أنّه نفس مرسلة العيّاشي2.
وخبر أبان قال: قلت لأبي عبداللّه (عليه السلام): الرجل يتزوّج المرأة متعة فيتزوّجها على شهر، ثمّ إنّها تقع في قلبه فيحسب أن يكون شرطه أكثر من شهر فهل يجوز أن يزيدها في أجرها ويزداد في الأيّام قبل أن تنقضي أيّامه التي شرط عليها؟ فقال:«لا يجوز شرطان في شرط» قلت: كيف يصنع؟ قال: «يتصدّق عليها بما بقي من الأيّام ثم يستأنف شرطاً جديداً» 3.
وإتقان المتن يغني عن الإمعان في السند وإن كان السند غير صحيح حسب الطرق الثلاثة الواردة في الكافي.
ومنها: مايدلّ على جواز التجديد قبل انتهائه كخبر مفضل بن عمر الذي رواه صاحب بصائر الدرجات4.
والرواية ضعيفة لايصحّ الاستدلال بها وغيرها متقدّمة عليها، وإن كانت صريحة في موردها وليست مطلقة حتّى يصحّ تقييدها كما في الجواهر من أنّه «يجب تقييد ما ادّعى وروده في نفي البأس عن زيادة الأجل بزيادة الأجر» كأنّه في غير محلّه لما عرفت من كونها صريحة لا مطلقة، والأولى رفع اليد عنها لعدم ثبوت حجيّتها.
ثمّ إنّ القوم طرحوا أيضاً نكاح الإماء وتحليلها لكن عدم الابتلاء به أغناء من البحث فيها. ولعلّ تحليل الإماء عن خصائص الفقه الشيعي وإن لم يكن أتفاقياً» 5.

1 . الوسائل: 14الباب 23 من أبواب المتعة، الحديث 2ـ 6.
2 . الوسائل: 14الباب 23 من أبواب المتعة، الحديث 2ـ 6.
3 . الوسائل: 14الباب 24 من أبواب المتعة، الحديث 1.
4 . الوسائل: 14الباب 23 من أبواب المتعة، الحديث 5. ولاحظ الحديث 8.
5 . المختلف: المتعة : 19.

صفحه 109
الفصل الرابع عشر:
فيما يردّ به النكاح
في عيوب الرجل المتفق على الفسخ بها أربعة:
1ـ الجنون 2ـ الخصاء
3ـ العنن 4ـ الجب
العيوب التي اختلفوا في الرد بها وهي ثلاثة:
1ـ الجذام 2ـ البرص
3ـ العمى
عيوب المرأة وهي ثمانية:
1ـ الجنون 2ـ ا لجذام
3ـ البرص 4ـ القرن
5ـ الافضاء 6ـ العرج
7ـ العمى 8 ـ الرتق
أحكام العيوب
في التدليس وأحكامه

صفحه 110

صفحه 111

فيما يردّ به النكاح

ممّا يرد به النكاح، العيوب. ويظهر من التصفّح في الأخبار وكلمات الفقهاء أنّ العيوب التي يردّ بها النكاح تارة تختص بالرجل وأُخرى بالمرأة، وثالثة يشتركان في الردّ فلنبدأ بعيوب الرجل التي بها تستحق المرأة أن تفسخ عقد النكاح.
فنقول: اختلفت كلماتُ الأصحاب في مقدارها.
1 ـ قال الشيخ في النهاية: ولا يردّ الرجـل من شيء من العيوب إلاّ من الجنون ويردّ أيضاً من العنَّة1.
2 ـ وقال في الخلاف: يُفْسَخُ النكاح عندنا بالعيب، المرأة تفسخه بالجبِّ والعنَّة والجنون2.
3 ـ وقال المحقق: فعيوب الرجل ثلاثة: الجنون، والخصي، والعنن، وهل يفسخ بالجبّ؟ فيه تردّد. ومنشأه التمسك بمقتضى العقد، والأشبه تسلّطها به لتحقق العجز عن الوطء.
4 ـ وقال ابن البراج: يُرَدُّ الرجلُ ستّة، منها مايختصّ بالرجل وهو: الجبّ والعنَّة، منها ما يشترك فيه الرجل والمرأة وهو الجنون والجذام والبرص والعمى 3.
ويظهر من كلامه المنقول في المختلف عن كتاب الكامل، أنّه يُردُّ مضافاً إلى

1 . النهاية: 486.
2 . الخلاف: 2/ كتاب النكاح المسألة 124.
3 . المهذّب: 2/231.

صفحه 112
الستة المذكورة، بالخصاء أيضاً، فيكون ما يردّ به سبعة.
5 ـ واختار الشهيد في المسالك: وراء جواز الرد بالعيوب الأربعة المذكورة في الشرائع الردّ بالجذام والبرص أيضاً فيبلغ مايجوز به الردّ إلى ستّة1.
هذا ما لدى الخاصة.
وأمّا غيرهم فقد قال الشافعي بأنّه يردّ بخمسة، إثنان يختصّ بالرجل، وهما، الجبُّ والعنّة وثلاثة يشتركان: الجنون والبرص والجذام2.
وقال أبو حنيفة: النكاح لاينفسخ بالعيب أصلاً لكن إن كان الرجل مجنوناً أو عنيناً ثبت لها الخيار خيار الفرقة فيفرق بينهما فيكون طلاقاً لا فسخاً3.
وقال ابن قدامة: عدد العيوب المجوّزة للفسخ وهي فيما ذكره «الخرقي»4 ثمانية: ثلاثة يشترك فيها الزوجان وهي الجنون والجذام والبرص، وإثنان يختصّان بالرجل وهما الجبّ والعنّة وثلاثة تختص بالمرأة وهي الفتق والقرن والعفل5.
إذا عرفت هذا: فلنذكر العيوب التي بها يجوز للمرأة فسخ نكاحها وهي أُمور:
***

الأوّل من أسباب الفسخ: الجنون

يجوز الردّ بالجنون وقد اتّفقت عليه كلمة فقهائنا وعليه مالك والشافعي من العامّة، فقالوا: إنّه يوجب الخيار في الردّ والإمساك وقد تعرفت على فتوى أبي حنيفة في الجنون وأنّه لافسخ لها، بل تطلّق6. غير أنّ أهل الظاهر من العامّة قالوا: لا يوجب خيار الردّ والإمساك، وهو قول عمر بن عبدالعزيز، والقائلون

1 . المسالك : 8/112 ـ 113 .
2 . الخلاف: 2 كتاب النكاح المسألة 124.
3 . الخلاف: 2 كتاب النكاح المسألة 124.
4 . أبو القاسم: عمر بن الحسين بن عبداللّه بن أحمد الخرقي مؤلّف المختصر.
5 . المغني: 7/110.
6 . الخلاف: 2 كتاب النكاح ، المسألة 124.

صفحه 113
بالخيار منهم، تمسّكوا بقول عمر بن الخطاب، أنّه قال: أيّما رجل تزوّج إمرأة وبها جنون أو جذام أو برص فمسّها وفي بعض الروايات أو قرن، فلها صداقها كاملاً وذلك لزوجها غرم على وليّها 1.
والرواية على فرض صحّتها تختصّ بجنون المرأة لا الرجل ولأجل ذلك التجأوا إلى القياس ثانياً، قائلين بأنّ النكاح شبيه البيع، وإليك دليل الخيار بعد ذكر صور المسألة.
إنّ الجنون تارة يكون مقدَّماً على العقد، وأُخرى مقارناً، وثالثاً مؤخّراً، وعلى التقادير الثلاثة، يكون مطبقاً، أو أدوارياً، وعلى فرض كونه مطبقاً إمّا أن يكون عاقلاً لوقت الصلاة أو لا، وعلى فرض كونه بعد العقد، إمّا دخل بها أو لا ، فهل هو موجب للردّ مطلقاً أو يختصّ ببعض الصور، وإليك التفاصيل.
أ ـ إذا كان متقدّماً على العقد أو مقارناً له ثبت لها به الفسخ مطلقاً، مطبقاً كان أم أدوارياً عقل أوقات الصلاة أو لا . إلاّ عند بعضهم إذا عقل وقت الصلاة.
وأما إذا كان متجدّداً بعد العقد، سواء كان قد وطأ أو لا، ففيه أقوال:
1 ـ التفصيل بين عدم معرفته أوقات الصلاة، فلها الفسخ وإلاّ، فلا، وهو خيرة الشيخ في النهاية والمفيد في المقنعة وابن البرّاج في المهذّب2.
2 ـ الفرق بين تعقّل أوقات الصلاة مطلقاً، وعدمه، سواء كان متقدّماً على العقد، أو مقارناً، أو متأخراً، اختاره ابن حمزة وابن البراج3.
3 ـ التفصيل بين المتأخر عن العقد فلها الفسخ دون المتقدّم وهو خيرة ـصاحب الحدائق ـ جموداً على النصوص،حيث إنّ موضوعها هو الجنون المتأخّر4.

1 . الخلاف: 2، المسألة126.
2 . المختلف: الفصل الرابع ص 2.ولاحظ المهذّب: 2/233.
3 . المختلف: الفصل الرابع ص 2.ولاحظ المهذّب: 2/233.
4 . الحدائق: 24/337ـ 338.

صفحه 114
4 ـ القول بأنّ لها الفسخ مطلقاً من دون تقييده بشيء والجنون فنون يجمعها فساد العقل كيف اتفق وهو خيرة الشهيد في المسالك1.
وإليك النصوص الواردة في المسألة:
1 ـ مقبولة علي بن أبي حمزة: قال: سئل أبو إبراهيم (عليه السلام) عن امرأة يكون لها زوج قد أُصيب في عقله بعد ماتزوّجها أو عرض له جنون؟ قال: «لها أن تنزع نفسها منه إن شاءت»2.
2 ـ قال في الفقيه بعد نقل هذه الرواية: وروي في خبر آخر أنّه «إن بلغ به الجنون مبلغاً لايعرف أوقات الصلاة فرّق بينهما فإن عرف أوقات الصلاة فلتصبر المرأة معه فقد بليت» 3.
ولعلّ مراد الفقيه هو ماورد في الفقه الرضوي: «إذا تزوّج رجل فأصابه بعد ذلك جنون فبلغ به مبلغاً لا يعرف أوقات الصلاة فرّق بينهما، فإن عرف أوقات الصلاة فلتصبر المرأة معه فقد ابتليت» 4.
والفرق بين الروايتين، هو أنّ خبر الفقيه مطلق وهو لا يفرق بين الجنون المتقدّم واللاحق، بل يفصل في جميع أقسام الجنون بين تعقّل أوقات الصلاة وعدمه بخلاف رواية الرضوي فإنّها تخصّ التفصيل بالجنون الطارئ بعد العقد.
3 ـ صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه (عليه السلام) أنّه قال في الرجل يتزوّج إلى قوم فإذا امرأته عوراء ولم يبيّنوا له؟ قال: «لا ترد»، وقال: «إنّما يردّ النكاح من البرص والجذام والجنون والعفل» قلت: أرايت إن كان قد دخل بها كيف يصنع بمهرها؟ قال:« المهر لها بما استحلّ من فرجها ويغرم وليّها الذي أنكحها مثل

1 . المسالك: 8/112.
2 . الوسائل: 14الباب 12 من أبواب العيوب، الحديث 1و3.
3 . الوسائل: 14الباب 12 من أبواب العيوب، الحديث 1و3.
4 . فقه الرضا (عليه السلام) : 237.

صفحه 115
ما ساق إليها»1.
وهذه الروايات نقلها الكليني والصدوق على الوجه المزبور إلاّ أنّ الكليني أسقط لفظ «وإنّما» ونقلها الشيخ بإسقاط السؤال واقتصر على مجرّد الجواب أعني قوله: «وقال: إنّما يردّ النكاح عن البرص والجذام والعفل» 2.
والجنون عبارة عن فساد العقل وهو مفهوم عرفي ولو شكّ فالمرجع هو أهل الخبرة كسائر الموضوعات.
يقع الكلام في مقامين:
1 ـ عموم الحكم للجنون المتقدّم والمتأخّر، خلافاً لصاحب الحدائق حيث خصّه بالمتأخّر.
2 ـ حكم التفصيل الوارد في خبر الفقيه أمّا الأوّل فيمكن استظهار العموم من النصوص بالبيان التالي:
إنّ القيد (بعد ماتزوّجها) في رواية ابن أبي حمزة وارد في كلام السائل لا الإمام، ومن المحتمل وروده مورد الغالب، لندرة التزويج بالمجنون مع العلم به قبل العقد فلا يصحّ استظهاره منها كونه دخيلاً في الحكم.
ومنه يعلم حال الفقه الرضوي حيث إنّ القيد وارد مورد الغالب وفي مثله لايصحّ استظهار المدخلية.
وخبر الفقيه المفصِّل بين تعقل أوقات الصلاة وعدمه، مطلق غير مقيّد بالجنون الطارئ.
والصدوق وإن نقله بعد مقبولة ابن أبي حمزة لكنّه من جمع الصدوق وهو لايصلح شاهداً لتقييد الخبر بالقيد الوارد في المقبولة. وصحيحة الحلبي مطلق

1 . الوسائل: 14الباب1 من أبواب العيوب، الحديث 6و10.
2 . الوسائل: 14الباب1 من أبواب العيوب، الحديث 6و10.

صفحه 116
حيث قال: «إنّما يردّ النكاح على البرص والجذام والجنون والعفل «وكون الصدر راجعاً إلى السؤال عن المرأة، لا يكون دليلاً على رجوعه إليها، لأنّ الظاهر أنّ الجمع من ناحية الراوي، فجمع بين الراويتين، لا من جانب الإمام بشهادة أنّه قال (وقال إنّما يردّ النكاح...) فلو لم يكن من قبيل جمع الراوي لما كان لتوسط «وقال» وجه.
وعلى ضوء ذلك فلا مانع في استظهار العموم للمتقدّم والمتأخر عن العقد من الروايات مع إمكان إلغاء الخصوصية فإذا كان الجنون في المرأة موجباً لتسلّط الرجل على الفسخ مع عدم انحصار التخلّص بالفسخ بل له وراء الفسخ، الطلاق يكون الجنون في الرجل موجباً لتسلّطها على الفسخ على وجه أولى، لانحصار التخلّص بالفسخ بل يمكن أن يقال ببطلان العقد لأنّه لو كان العاقد هو الرجل كان النكاح باطلاً ولو كان غيره فلم تثبت ولايته على التزويج والحال هذه.
أضف إلى ذلك أنّ الحكم بلزوم العقد حكم حرجي جدّاً وكيف لايكون كذلك فأنّه إذا كان المسح على البشرة حرجياً1 فالمعاشرة مع المجنون حرجي بطريق أولى.
اللّهمّ إلاّ أن يقال: إنّ كونه حرجياً لايثبت الخيار بل لها طرح الدعوى عند الحاكم حتّى يقوم هو بالطلاق وبذلك يظهر أنّ التمسك بقاعدة لاحرج في تلك الموارد لايثبت جواز الفسخ مباشرة.
وهذه الوجوه كافية في القول بعمومية الحكم وبذلك يظهر أنّ توقف البحراني ـ في المسألةـ جموداً على ورود الروايات في الجنون الطارئ ـ في حدائقه ـ في غير محلّه2 والجنون مطلقاً موجب للفسخ أو لرفع الشكوى إلى الحاكم وهو

1 . الوسائل: 1، الباب 39 من أبواب الوضوء، الحديث5.
2 . الحدائق: 24/339.

صفحه 117
يقوم بحلّ المشكل، إمّا بأمره بالطلاق أو يطلقه نفسه أو يفسخه وأمّا المقام الثاني أي التفصيل بين معرفة وقت الصلاة وعدمه فلعلّ وجهه أنّ معرفة أوقات الصلاة، دليل على عدم كونه مجنوناً وأنّ للاختلال في الفعل والكلام غير الصلاة علّة أُخرى سترتفع بالعلاج. وإلاّ فالتفصيل مع عدم كونه وارداً بسند صحيح مشكل.

الثاني من أسباب الرد: الخصاء

وربّما يطلق عليها الوجاء بالكسر والمدّ وهو رضُّ الخصيتين وكونها من أسباب الرّد هو المشهور بين الأصحاب.
قال الشيخ في الخلاف: إذا تزوّجت برجل فبان أنّه خصيّ أو مسلول أو موجوء كان لها الخيار، وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ماقلناه، والثاني لا خيار لها لأنّه متمكّن من الإيلاج وإنّما لا ينزل وذلك لا يوجب الفسخ1.
ولكنّه قال قبل هذه المسألة ما لفظه: أنّه إذا كان الرجل مسلولاً لكنّه يقدر على الجماع غير أنّه لاينزل أو كان خنثى حكم له بالرجل لم يرد بالعيب2.
ومافي الجواهر من نسبة عدم الردّ إلى المبسوط والخلاف مستدلاً بأنّه ليس بعيب، لأنّه يولج، بل ربمّا كان أبلغ من الفحل لعدم فتوره إلاّ أنّه لم ينزل، وهو ليس بعيب، إنّما العيب عدم الوطء3، محمول على كلامه في الخلاف في العبارة الأخيرة.
وعلى كلّ تقدير فالظاهر جواز الردّ به للصحيح والموثق من الروايات.
أمّا الأوّل: فلصحيح ابن مسكان قال: بعثت بمسألة مع ابن أعين قلت: سله عن خصيّ دلّس نفسه لا مرأة ودخل بها فوجدته خصيّاً ؟ قال: يفرّق بينهما

1 . الخلاف: 2 كتاب النكاح المسألة 141.
2 . الخلاف: 2 كتاب النكاح المسألة 125.
3 . الجواهر: 30/323.

صفحه 118
ويوجع ظهره ويكون لها المهر لدخوله عليها1.
ويظهر ممّا رواه الكشي أنّه بعث الكتاب مع إبراهيم بن ميمون2.
وأمّا الثاني: فهو مارواه ابن بكير عن أبيه عن أحدهما (عليه السلام) في خصيّ دلّس نفسه لامرأة مسلمة تزوّجها فقال: «يفرق بينهما إن شاءت المرأة ويوجع رأسه، وإن رضيت به وأقامت معه لم يكن لها بعد رضاها به إن تأباه» 3.
إلى غير ذلك من الروايات والواردة في المقام4.
وفرض الدخول في الصحيحة، لايصح مع تفسيره بعدم الوطء وحمل الأخبار على عدم التمكّن من الإيلاج كما عن ابن البرّاج وكاشف اللثام، خلاف صريح الصحيحة.
إنّما الكلام في اشتمال النصوص على لفظ التدليس فيحتمل اختصاص جواز الردّ بصورة التدليس فلا يجوز الردّ إذا تخيّل أنّ الزوجة واقفة على عيبه.
ويقع الكلام في موضعين:
1 ـ عمومية الحكم لصورتي تدليس الرجل وعدمه.
2 ـ عموميته للخصاء المتقدّم والمقارن والمتأخّر.
أمّا الأوّل فهو مبنيّ على أنّ التدليس في الروايات علّة الخيار أو إشارة إلى جهل الزوجة بالعيب حتّى لايعدّ كونها معه دليلاً على رضاها به مع هذه الحالة.
ففي موثق سماعة عن أبي عبداللّه (عليه السلام)أنّ خصيّاً دلّس نفسه لامرأة؟ قال: «يفرّق بينهما وتأخذ منه صداقها، ويوجع ظهره، كما دلّس نفسه» 5.
وربّما يقال: بأنّ الكاف للتعليل مثل قوله سبحانه: (واذْكُرُوهُ كَما هَدَاكُمْ

1 . الوسائل: 14 الباب 13 من أبواب العيوب، الحديث3.
2 . الوسائل: 14 الباب13 من أبواب العيوب، الحديث 7و 1و 3.
3 . الوسائل: 14 الباب13 من أبواب العيوب، الحديث 7و 1و 3.
4 . الوسائل: 14 الباب13 من أبواب العيوب، الحديث 7و 1و 3.
5 . الوسائل: 14 الباب 13 من أبواب العيوب، الحديث2.

صفحه 119
وإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّين)1.
فلو كانت علة فهل هي علّة الأخيرة، أو للجمل الثلاث فلو كانت علّة للجميع لاختص الفراق بصورة التدليس لا مطلقاً.
ولكن الظاهر رجوعه إلى الأخيرة لعدم صلاحية رجوعه إلى الثانية أعني «وتأخذ منه صداقها» لأنّ المراد منه إمّا نصف الصداق أو كلّه والأوّل معلول العقد سواء أدلّس أم لا ، والثاني معلول الدخول كذلك وليس للتدليس فيه أثر، ومعه كيف يمكن أن يكون قيداً للأوّل والثالث.
وقد عرفت أنّ ذكر التدليس لأجل بيان جهل المرأة بالحال.
ويؤيّد ماذكرناه أنّ أقصى ما يمكن أن يقال ـ فيما إذا كان الرجل غير مدلّس ـ: إنّه لا يوجع ظهره لعدم تدليسه لتخيّله علم المرأة أو لجهله بحالها وإن كان نادراً، وأمّا كون العقد لازماً على المرأة إذا لم يكن الرجل مدلّساً فهو كما ترى إذ القول بالخيار في إحدى الصورتين دون الأُخرى، لايقبله الذوق السليم اللّهمّ إلاّ أن تكون عالمة بالحال وهو غير المفروض.
وأمّا القسم الثاني: أعني عمومية الحكم للخصاء المتقدّم وغيره وعدمها فقد قال المحقق: «إنّما يفسخ بالخصاء، مع سبقه على العقد» أي دون المقارن فضلاً عن المتجدّد بعده وخصوصاً بعد الوطء للأصل واختصاص النصوص به، وقيل: تفسخ وإن تجدّد بعد العقد قبل الوطء بل قيل: وبعد الوطء، وليس بمعتمد2.
ووجهه اختصاص الأدلّة بالمتقدّم وعدم عموم في الروايات. نعم لو كانت الإقامة معه حرجياً رفعت الشكوى إلى الحاكم فيأمره بالطلاق أو يطلّق بنفسه لو رأى الوضع حرجياً.

1 . البقرة : 198.
2 . الجواهر: 30/324.

صفحه 120

الثالث من أسباب الردّ: العنن

عرّفه المحقق في الشرائع، بأنّه مرض تضعف معه القوّة عن نشر العضو بحيث يعجز عن الإيلاج والاسم العنَّة، والوصف العنِّين كسكين.
وحاصله عدم قدرته على الإتيان بالنساء سواء اشتهى أم لا، لأنّ جعل الخيار لأجل مراعاة حال المرأة ويكفي فيه عدم انتشار العضو، من دون مدخلية لاشتهائه وعدمه، وقد اتفقت كلمتهم على كونه موجباً للفسخ على وجه الإجمال، وإن اختلفوا في تفاصيله.
قال العلامة في المختلف: المشهور أنّ العنّة الحادثة بعد الدخول لايثبت بها للمرأة خيار الفسخ. اختاره الشيخ وابن الجنيد وابن البرّاج وابن حمزة، وقال المفيد: وإن حدثت بالرجل عنّة بعد صحّته كان الحكم في ذلك كما وصفناه ينتظر إلى سنة بأن يعالج فيها ويصلح وكانت المرأة بالخيار، وقال الشيخ في التهذيب بعد نقل فتوى الشيخ المفيد قال: الحامل له على التسوية هو رواية: محمّد بن مسلم عن أبي جعفر، ورواية أبي الصباح الكناني وأبي البختري، وقال بعد نقل الروايات: والأولى عندي الأخذ بالخبر الذي رويناه وهو خبر إسحاق بن عمّار1.
إذا عرفت موضع الخلاف: فلنذكر الأخبار وهي على صنوف:
الأوّل : مايدلّ على أنّه إذا ثبت كونه عنيناً يجوز لها المفارقة نحو:
1 ـ صحيح أبي بصير المرادي ـ بقرينة رواية ابن مسكان عنه ـ قال: سألتُ أبا عبداللّه (عليه السلام) عن امرأة ابتلي زوجها فلا يقدر على جماع أتفارقه؟ قال: «نعم إن شاءت» 2.

1 . المختلف: الفصل الرابع في العيوب والتدليس،3ـ 4، لاحظ الحديث 8 من الباب 14 من أبواب العيوب.
2 . الوسائل: 14 الباب 14من أبواب العيوب، الحديث 1.

صفحه 121
2 ـ صحيح الكناني قال: سألت أبا عبداللّه (عليه السلام) عن امرأة ابتلي زوجها فلا يقدر على الجماع أبداً أتفارقه ؟ قال:« نعم إن شاءت» 1.
الثاني : على أنّه يؤجّل سنة نحو:
3 ـ ما في رواية أُخرى لابن مسكان عن أبي بصير: «ينتظر سنة فإن أتاها وإلاّ فارقته فإن أحبّت أنّ تقيم معه فلتقم» 2.
4 ـ صحيح ابن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «العنّين يتربّصن به سنة، ثم إن شاءت امرأته تزوّجت وإن شاءت أقامت»3.
5 ـ صحيـح أبي الصباح قـال: «إذا تزوّج الرجل المرأة وهو لايقدر على النساء أُجِّل سنة حتّى يعالج نفسه» 4.
6 ـ خبر أبي البختري عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) : «إنّ علياً (عليه السلام) كان يقول: يؤخّر العنّين سنة من يوم ترافعه امرأته فإن خلّص إليها، وإلاّ فرّق بينهما»5.
7 ـ مارواه عبد اللّه بن جعفر في قرب الإسناد، عن علي (عليه السلام) أنّه كان يقضي في العنّين أنّه يؤجّل سنة من يوم ترافعه المرأة6.
الثالث: مايدلّ على أنّها بالخيار إذا لم يقدر الإتيان على سائر النساء نحو:
8 ـ ما رواه عمّار بن موسى عن أبي عبداللّه (عليه السلام) أنّه سئل عن رجل أخذ عن امرأته فلا يقدر على إتيانها ؟فقال: «إذا لم يقدر على إتيان غيرها من النساء فلا يمسكها إلاّ برضاها بذلك، وإن كان يقدر على غيرها فلا بأس بإمساكها» 7.
الرابع : مايدلّ على أنّه لو وقع عليها مرّة فلا خيار، وبهذا المضمون روايات نحو:
9 ـ مارواه المشايـخ الثلاثـة، عن أبـان، عن عبـاد الضبي (وفي الفقيـه

1 . الوسائل: 14 الباب 14من أبواب العيوب، الحديث 6، 1و 5.
2 . الوسائل: 14 الباب 14من أبواب العيوب، الحديث 6، 1و 5.
3 . الوسائل: 14 الباب 14من أبواب العيوب، الحديث 6، 1و 5.
4 . الوسائل: 14 الباب14 من أبواب العيوب، الحديث: 7، 9، 12و 3.
5 . الوسائل: 14 الباب14 من أبواب العيوب، الحديث: 7، 9، 12و 3.
6 . الوسائل: 14 الباب14 من أبواب العيوب، الحديث: 7، 9، 12و 3.
7 . الوسائل: 14 الباب14 من أبواب العيوب، الحديث: 7، 9، 12و 3.

صفحه 122
والتهذيب «غياث» مكان «عباد)» عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: في العنّين، إذا علم أنّه عنّين لايأتي النساء، فرّق بينهما وإذا وقع عليها وقعة واحدة لم يفرّق بينهما والرجل لايردّ من عيب»1 .
ولعلّ التأجيل إلى سنة لتبيين الواقع وأنّه هل العجز حالة عرضية ترتفع بمرور سنة كما عليه الرواية الخامسة أو ليس كذلك؟وعلى ذلك فالصبر أمارة إلى تشخيص مايعالج عمّا لا يعالج فلو صدق أهل الخبرة بأنّه أمر غير زائل، فلا وجه للصبر.
كما أنّ تمكّنه من الإتيان بسائر النساء أمارة أنّه حالة عرضية ترتفع بالمعالجة وأنّه ليس بعنين وأنّ عدم الانتشار لعلّة عارضة.
وبذلك يعلم حكم الصنف الرابع وأنّ الوقوع على المرأة مرّة أمارة أنّه ليس بعنّين لا أنّه إذا وقع على المرأة مرّة لاتردّ وإن علم أنّه صار عنيناً إلى الأبد.
فالظاهر أنّ القيود ليست قيوداً تعبّدية بل الكلّ أمارة الاستكشاف فلو علم المستكشف، فلا وجه للتثبّت.

العنن الطارئ:

إنّ مورد الروايات هو العنن المتقدّم على العقد أو المقارن معه، وأمّا الحادث بعد الدخول فهل يلحق بالمتقدم؟ الظاهر نعم، لوجود الإطلاق في رواية محمّد بن مسلم ـ (وإن قيّد بمرور السنة) وأبي الصباح وأبي البختري ـ كما ذكره شيخنا المفيد.
وأمّا استدلال الشيخ القائل بعدم الفسخ برواية إسحاق بن عمّار فهو ضعيف بغياث بن كلّوب، فالظاهر من الشيخ في العدّة أنّه عامل عمل

1 . الوسائل: 14 الباب14 من أبواب العيوب، الحديث: 2. ولاحظ خبر إسحاق بن عمار برقم 8.

صفحه 123
الأصحاب برواياته، وبعد لم يوثق والظاهر من ذكر النجاشي إيّاه أنّه إمامي ولكنّه مجهول أو مهمل.
وأمّا ما ذكره المحقّق: من تقييد الخيار بقوله: «لكن بشرط أن لا يطأ زوجته ولا غيرها، ولو وطأها ولو مرّة ثمّ عنّ إذا أمكنه وطئ غيرها مع عننه عنها لم يثبت لها الخيار على الأظهر، فهو لأجل أنّ تمكّنه من وطء غيرها دليل على عدم كونه عنيناً و ـ مع ذلك ـ فلو طالت المدّة وصار الأمر حرجياً فترفع الشكوى إلى الحاكم وهو يأمر الزوج بالطلاق أو ينوب عنه لدفع الحرج المنفيّ في الشريعة.
ولو تمكّن دبراً لا قبلاً، فالظاهر عدم سقوط خيارها لانسباق غيره من نصوص التقييد، خصوصاً على القول بالحرمة.

الرابع مما يردّ به: الجبّ

الجبّ بفتح الفاء: القطع، ويطلق على قطع الذكر، أو ما لا يبقى منه قدر الحشفة، والجُبَّ بالضم: ركية البئر، والجمع جباب.
ومن الأوّل قوله : «الإسلام يجبّ ماقبله» و «التوبة تجبّ ما قبلها».
وقد أفتى بالخيار فيه الشيخ1 وتردّد المحقّق في الشرائع، وقال في الحدائق: لم ينقل فيه خلاف من الأصحاب ـ وجه التردّد ـ عدم ورود نصّ فيه بالخصوص ويمكن الاستدلال على الخيار بما ورد في صحيحة أبي بصير «فلا يقدر على جماع»2 ورواية عباد «لايأتي النساء»3 وصحيح أبي الصباح الكناني «فلا يقدر على الجماع أبداً»4 ولو سلّم أنّ موردها هو العنّين ـ على تأمل في بعضها ـ والخصي، لكن مقتضى التعليل هو العموم.

1 . الخلاف: 2 كتاب النكاح: المسألة 124.
2 . الوسائل: 14 الباب14 من أبواب العيوب الحديث 1، 2و6.
3 . الوسائل: 14 الباب14 من أبواب العيوب الحديث 1، 2و6.
4 . الوسائل: 14 الباب14 من أبواب العيوب الحديث 1، 2و6.

صفحه 124
نعم القدر المتيقّن من الجَبّ ماذكرناه، في صدر البحث ولو بقي ولو بمقدار الحشفة بحيث يتحقق معه الدخول، لا دليل على الخيار لقصور الدليل عن إثبات الخيار فيه.

الجبّ الطارئ على العقد

إذا طرأ الجبّ بعد العقد وقبل الدخول، أو طرأ بعده. فقال الشيخ، في الخلاف: «إذا حدث بالرجل جبّ أو جنون أو جذام أو برص لم يكن في حال العقد فأنّه لايردّ إلاّ في الجنون»1. وبه قال المحقّق في الشرائع، أمّا لو حدث الجبّ لم يفسخ به، وحكي عن جماعة أيضاً كابن إدريس والعلاّمة في الإرشاد لأصالة اللزوم، ولكونه كالخصاء الذي ذهب الأكثر إلى اشتراط سبقه، وأمّا القاضي ابن البرّاج فقد فصل بين ما يمنع عن الجماع وما لم يمنع ولم يفصل بين الجبّ قبل العقد وبعده2.
ويمكن التفريق بين الجبّ والخصاء بأنّ الثاني لايمنع من الإيلاج، فاشتراط سبقه لا يصير دليلاً على اشتراط سبقه في الجبّ بخلاف الجبّ بل هو كالعنين الطارئ، ولو قلنا بأنّ مدرك الحكم في الجبّ هو التعليل الوارد في روايات العنّين من «أنّه لايقدر على الجماع» يكون القول بجواز الردّ مطلقاً أقوى.
وأيّده في الجواهر بقوله: «ولاينافي ذلك عدم ثبوت الحكم في العنن والخصاء ضرورة عدم ملازمة اشتراكه معهما في الفسخ في حال «قبل العقد» لاشتراكه معهما في عدمه في الحال الآخر، لإمكان استقلاله بدليل يقتضي اختصاصه بذلك»3.
ولكن التأييد ليس في محلّه لما عرفت من عدم الدليل المستقل في الجبّ

1 . الخلاف: 2كتاب النكاح، المسألة: 127.
2 . المهذّب: 2/233.
3 . الجواهر: 30/329.

صفحه 125
سوى التعليل الوارد في الخصاء فكيف يمكن الحكم بتعميم العلّة مع عدمه في المورد.
نعم لو كفى ما ذكرنا من التمسك بالتعليلات وإلاّ فلها رفع الشكوى إلى الحاكم حتّى يأمره بالطلاق إذا كان الأمر حرجياً.
ولو صدر الجبّ منها عمداً عناداً فالأقرب عدم تسلّطها على الفسخ، لأنّ المتبادر من الأدلّة أنّ تشريع الجواز امتنان منه سبحانه على الزوجة فلا تشمل الأدلّة لما كانت هي السبب لفوت حقّها.
وربّما يقال بالجواز لأنّه كهدم المستأجر الدار المستأجرة لنفسه وعدم استلزام رضاها بالعيب رضاها بالنكاح.
يلاحظ عليه : أنّ باب النكاح يفارق باب الإجارة موضوعاً وعدم رضاها بالنكاح ليس دليلاً على جواز الفسخ إذا كانت الأدلة منصرفة عن هذه الصورة.
هذه العيوب الأربعة التي في الرجل كاد أن يكون الردّ بها إجماعياً، وهناك عيوب اختلفت كالمتهم فيها فإليك البحث عنها.

الخامس والسادس : الجذام والبرص

فهل يجوز لها الردّ بهما، أو لا؟ ذهب القاضي إلى أنّهما من العيوب المشتركة، وقال: وأمّا ما يصحّ اشتراك الرجل والمرأة فيه فهو الجنون والجذام والبرص والعمى1 ويمكن ادّعاء الأولوية لأنّه إذا كان مجوّزاً للفسخ في مورد المرأة مع أنّ بيده الطلاق أيضاً لكان موجباً له في مورد الرجل بالطريق الأولى، إذ ليس لها حينئذ سوى الفسخ.
وأمّا الحرج فقد عرفت أنّه لا يثبت جواز الردّ وإنّما يلزمه الحاكم على رفعه

1 . المهذب: 2/231.

صفحه 126
بالطلاق، ولأجل بعض ماذكرناه قال السيّد الاصفهاني في وسيلته : وقيل بكونهما من العيوب المشتركة بين الرجل والمرأة وهو ليس ببعيد، لكن لا يترك الاحتياط بإرضاء الزوج بالطلاق أو من طرف الزوج بتطليقها إذا أرادت الفسخ وفسخت النكاح.
وقد استدل على الجواز بالعدوى وأجاب عنه في الجواهر بأنّه يجب عليها التجنب لا الفسخ، وهو كما ترى، لأنّ التجنب طيلة سنين ليس أسهل من المعاشرة معها.
وربّما يستدل على العدم بما ورد في رواية «عباد» أو «غياث» عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «في العنّين إذا علم أنّه عنّين لايأتي النساء فرّق بينهما، وإذا وقع عليها وقعة واحدة لم يفرّق بينهما والرجل لايردّ من عيب»1 ولايخفى أنّ عمومه مخصص بما في صدره من ردّ الرجل بالعنّة، ولغيرها في سائر الروايات، ولعلّ هذا قرينة على المراد من العيب هو العيوب العرفية كعور العين، وقصر القامة وغيرهما واللّه العالم.

العيوب التي لا دليل على الفسخ بها

وهناك عيوب لا دليل على الفسخ بها في مورد الرجل وإليك الإشارة إليها:
1 ـ العمى .
2 ـ كونه خنثى.
3 ـ كونه زانياً بعد العقد.
4 ـ انتماء الرجل إلى قبيلة ثم تبيّن خلافه.
أمّا الأوّل : فقد ردّ بها القاضي ابن البرّاج في المهذّب2 وحكى العلاّمة في

1 . الوسائل: 14 الباب14من ابواب العيوب، الحديث2 .
2 . المهذب: 2/231.

صفحه 127
المختلف عن «كامل» القاضي أنّه خصَّ الردّ بهذا بالمرأة وهو المشهور بين الأصحاب، ولم ينقل جواز الفسخ به في الرجل إلاّ عنه وعن ابن الجنيد ولا دليل عليه، وأمّا العمى في المرأة فتردّ به بلا كلام كما سيجيئ . كلّ ذلك فيما إذا لم يكن هناك تدليس وإلاّ فسيوافيك حكمه في محلّه.
وأمّا الثاني : فهو على قسمين:
قسم ثبت أنّه رجل فلا خيار، لأنّ الزائدة كالثقبة الزائدة وكذلك في جانب المرأة إذا ثبت أنّه امرأة فإنّ الزائد بمنزلة الاصبع الزائد. والحاصل، إذا ثبت أنّه رجل وتمكّن من الوطء لا وجه للخيار إلاّ فكرة النفرة وهي ليست مجوّزة للردّ، وإلاّ جاز الردّ لأجل سوء الخلق وسوء رائحة الفم وغير ذلك من المنفرات.
وقسم لم يتبيّن كونه رجلاً أو امرأة فحينئذ يحكم ببطلان العقد لعدم إحراز رجولية الزوج.
وأمّا الثالث : فقد مضى الكلام فيه عند البحث عمّا يحرم بالمصاهرة وقد دلّت بعض الروايات على أنّ الرجل إذا زنى قبل أن يدخل بزوجته يفرق بينهما1 ولكنّها رواية شاذة لم يعمل بها وإنّما عمل بصحيحتي رفاعة بن موسى الدالّتين على عدم التحريم2.
وأمّا الرابـع: أعني انتماء الرجل إلى قبيلة فتزوّجه بناء على ذلك فظهر خلاف ما ادّعاه فهل للمرأة الخيار أم لا، فقد تقدّم الكلام فيه.

1 . الوسائل: 14 الباب17 من أبواب العيوب، الحديث2 و 3، روى الصدوق، الأُولى عن علي بن جعفر والأُخرى عن طلحة بن زيد.
2 . الوسائل: 14 الباب 17 من أبواب العيوب الحديث1 و4.

صفحه 128

عيوب المرأة فهي ثمانية

ـ على المشهور ـ
1ـ الجنون 2ـ ا لجذام 3 ـ ا لبرص 4ـ القرن 5ـ الإفضاء 6ـ العـرج 7ـالعمى 8ـ الرتق
وإليك البحث عن الجميع واحداً تلو الآخر:

الأوّل: الجنون

لا خلاف في كونه موجباً للخيار نصّاً وفتوى ويكفي في ذلك إطلاق صحيحة الحلبي وغيرها1 ومقتضاه جواز الفسخ مطلقاً سواء كان دائماً أو أدوارياً، عقلت وقت الصلاة أم لا.
نعم يشترط استقراره فلا عبرة بالمؤقت الزائل غير العاقد.

الثاني : الجذام

وهو بمعنى القطع لأنّه يقطع اللحم ويسقطه.

الثالث: البرص

وهو بياض يظهر في ظاهر البدن وربّما يغيّر لون الإنسان إلى السواد، وعلى كل تقدير فالمرجع عند الاشتباه، أهل الخبرة والنصوص في المقام متضافرة مطلقة وتكفي في ذلك صحيحة الحلبي التي عرفتها وغيرها.

1 . الوسائل: 14 الباب1 من أبواب العيوب، الحديث6، و لاحظ الأحاديث 1و2و5و11و13 من نفس الباب.

صفحه 129

الرابع: القرن

وهو العفل وقد فسّر باللحم الذي ينبت في قُبُلِ المرأة، وقيل: هو ورم يكون بين مسلكي المرأة فينقبض فرجها حتّى يمنع الإيلاج وربّما فسر بالعظم أو السن في الفرج.
ففي صحيحة عبدالرحمن بن أبي عبداللّه، عن أبي عبداللّه (عليه السلام) قال: «المرأة تردّ من أربعة أشياء: من البرص، والجذام، والجنون، والقرن وهو العفل مالم يقع عليها فإذا وقع عليها فلا » 1 ومثلها روايته الأُخرى2.
وقد عبّر عنه في الروايات بالعفل تارة3 وهو الأكثر وبالقرن والقرناء أُخرى4 ولا حاجة إلى تحقيق حالهما من حيث اللغة بعد اشتراك الجميع في كون الفرج على حالة تمنع من الإيلاج سواء كان ناشئاً من نبت اللحم أو العظم أو السن أو الورم.
وإنّما الكلام في أنّ المجوّز للردّ هل هو مايمنع من الإيلاج بتاتاً أو مايعسر معه الإيلاج، الظاهر هو الثاني. وإن ذهب ابن البرّاج إلى الأوّل، قال في المهذّب: وأمّا القرن فذكر أنّه عظم في الفرج يمنع من الجماع فإن لم يمنع من الجماع فلا خيار للزواج وإن منع منه كان له الخيار5.
وربّما يؤيّد نظر القاضي بصحيح عبدالرحمن بن أبي عبداللّه عن أبي عبداللّه (عليه السلام)وقد مرّ وفيه «ما لم يقع عليها فإذا وقع عليها فلا»6.
ببيان أنّ الوقوع عليه آية إمكان الوطء فلا خيار.

1 . الوسائل: 14 الباب1 من أبواب العيوب، الحديث 1و13.
2 . الوسائل: 14 الباب1 من أبواب العيوب، الحديث 1و13.
3 . الوسائل: 14 الباب1 من أبواب العيوب، الحديث5و6و10و13 و من الباب 8 الحديث 1و5.
4 . الوسائل: 14 الباب 1 من أبواب العيوب، الحديث 3و4 والباب3 الحديث 1و 3.
5 . المهذب: 2/234.
6 . الوسائل: 14الباب 1 من أبواب العيوب، الحديث 1.

صفحه 130
يلاحظ عليه: أنّ الظاهر منه هو التفصيل بين التصرّف فيها بعد العلم بالعيب وعدمه، حيث إنّ التصرّف رضا بالعقد فعدم الردّ ليس لعدم المجوز للفسخ وهو المانع عن الوطء بتاتاً، بل لأجل المسقط وهو الوقوع عليها مع استشعاره حين العمل بأنّ فيها العفل، نعم لو لم يستشعر به وإن أحس عسر الإيلاج فلا دليل على سقوط الرد، بشهادة صحيح أبي عبيدة الحذّاء عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: في رجل تزوّج امرأة من وليّها فوجد بها عيباً بعد ما دخل بها فقال: «إذا دلّست العفلاء والبرصاء والمجنونة والمفضاة ومن كان بها زمانة ظاهرة فأنّها تردّ على أهلها من غير طلاق ....»1 ونظيره رواية الحسن بن صالح2 وخبر أبي الصباح3.
والظاهر هو العموم إذا كان العفل صادقاً وهو لاينفك عن الحرج عند الإيلاج، نعم لو أمكن الإيلاج مع العسر ولكن بغير حرج. فالأحوط أن لايفارقها، إلاّ بطلاق وإن كان الأقوى جواز الردّ والملاك هو عسر المجامعة.

الخامس : الإفضاء

وهو تصيير المسلكين واحداً، ولا كلام في كونه عيباً، وتدلّ عليه صحيحة أبي عبيدة الحذّاء4.
نعم القول بالردّ فيها يحتاج إلى تخصيص مادلّ على أنّ الرد منحصر في أربعة5.
وما دلّ على ماسوى العفل والبرص والجذام والجنون لايرد به6.
أو دلّ على الحصر لأجل لفظة «إنّما» في رواية الحلبي7 وسوافيك تحليله.

1 . الوسائل: 14 الباب2 من أبواب العيوب، الحديث1.
2 . الوسائل: 14 الباب3 من أبواب العيوب، الحديث3و1.
3 . الوسائل: 14 الباب3 من أبواب العيوب، الحديث3و1.
4 . الوسائل: 14 الباب2 من أبواب العيوب، الحديث1.
5 . الوسائل: 14 الباب1 من أبواب العيوب، الحديث1و2و6.
6 . الوسائل: 14 الباب1 من أبواب العيوب، الحديث1و2و6.
7 . الوسائل: 14 الباب1 من أبواب العيوب، الحديث1و2و6.

صفحه 131

السادس : العرج

وقد اختلفت كلمتهم فيه إلى أقوال:
1ـ من عدّه عيباً مطلقاً وهو قول الشيخين في المقنعة والتهذيب و به قال ابن الجنيد وسلاّر وأبي الصلاح وابن البرّاج في الكامل وابن حمزة.
2ـ عدم عدّه كذلك وهو ظاهر الشيخ في الخلاف، وابن البرّاج فى المهذب حيث لم يعدّاه منها.
3ـ التفصيل بين ما إذا كان بيّناً وهو خيرة الشيخ في نهايته، وابن ادريس في السرائر، والعلامة في المختلف وما إذا لم يكن كذلك1 .
4ـ التفصيل بين بلوغه حدّ الإقعاد وهو قول المحقّق في الشرائع وعدمه2.
ويدلّ على الأوّل: صحيح داود بن سرحان عن أبي عبداللّه (عليه السلام) في الرجل يتزوّج المرأة فيؤتى بها عمياء أو برصاء أو عرجاء؟ قال: «ترد على وليّها، ويكون لها المهر على وليّها، وإن كان بها زمانة لا يراها الرجال اجيزت شهادة النساء عليها»3.
وموثق محمّد بن مسلم، عن أبي عبداللّه(عليه السلام) قال: «تردّ البرصاء والعمياء والعرجاء»4.
والروايتان صالحتان للاستدلال.
استدل للقول الثاني بأُمور:
1 ـ ورود الحصر في رواية الحلبي، حيث نقل الفقيه والكليني، حيث قال:

1 . المختلف:5/2، الفصل الرابع في العيوب.
2 . جواهر الكلام: 30/335.
3 . الوسائل: 14 الباب 1 من أبواب العيوب، الحديث 9. حيث أورد صدر الحديث، و الباب 4، الحديث 1 ذيل الحديث.
4 . الوسائل: 14الباب1 من أبواب العيوب، الحديث 12، ورواه الفقيه مع «الجذماء» ولعلّها سقط من نسخ التهذيب.

صفحه 132
إنّما يردّ النكاح من البرص والجذام والجنون والعفل1.
2 ـ وجود النفي في رواية عبدالرحمن بن أبي عبداللّه قال: سألت أبا عبداللّه (عليه السلام) عن رجل تزوّج امرأة فعلم بعد ما تزوّجها أنّها كانت قد زنت؟ قال: «إن شاء زوجها أخذ الصداق ممّن زوّجها ولها الصداق بما استحلّ من فرجها وإن شاء تركها » قال: «وتردّ المرأة من العفل والبرص والجذام والجنون فأمّا ما سوى ذلك فلا» 2.
3 ـ التنصيص على الأربعة في رواية عبدالرحمن الأُخرى، عن أبي عبداللّه (عليه السلام)قال: «المرأة تردّ من أربعة أشياء: من البرص والجذام والجنون والقرن وهو العفل مالم يقع عليها، فإذا وقع عليها فلا» 3.
ويمكن الإجابة عن الحصر المستفاد من «إنّما» في صحيحة الحلبي أنّ الحصر إضافي في مقابل الردّ بكونها عوراء حيث جاء في صدر الحديث: يتزوّج إلى قوم فإذا امرأته عوراء ولم يبيّنوا له قال: «لاتردّ » ثم قال: «إنّما يردّ النكاح من البرص» الخ.
وليس الحصر حقيقياً، كيف والردّ بالمفضاة اتفاقي.
وأمّا قوله: «فأمّا ما سوى ذلك فلا» فهو في رواية عبدالرحمن أيضاً إضافي في مقابل الزنا، حيث سئل السائل عن الزنا الواقع بعد العقد؟ قال: «إن شاء زوجها أخذ الصداق ممن زوّجها ولها الصداق بما استحلّ من فرجها وإن شاء تركها ... » وحاصله: أنّ له استرجاع مهر المسمّى ورفع مهر المثل، وأمّا الفسخ والردّ فلا، وعلى ذلك فيكون قوله: «فأمّا ما سوى ذلك فلا» ناظراً إلى هذا النوع من العيب لا

1 . الوسائل: 14 الباب1 من أبواب العيوب، الحديث 6 و 10.
2 . الوسائل: 14 الباب6 من أبواب العيوب، الحديث4، و أورد ذيله في الباب1 الحديث13 ومثل هذا التقطيع غير جائز على المحدث لأنّه مخل بالمقصود.
3 . الوسائل: 14 الباب1 من أبواب العيوب، الحديث1.

صفحه 133
سائر العيوب كالإفضاء والعرج. وبذلك يقرب كون النفي في رواية رفاعة بن موسى1 من هذا القبيل وإن لم تكن القرينة موجودة فيها.
وأمّا التنصيص بالأربعة ـ في رواية عبدالرحمن الأُخرى ـ فلو قلنا بأنّ للعدد مفهوماً، يخصص المفهوم بما مرّ .
وأمّا القول الثالث: أعني تقييده بالبيّن، فلعلّه للفرار عمّا لا يعدّ عيباً عرفاً من الميل الخفيف غير المحسوس، إلاّ عن دقة لأنّ العرج في الأصل هو الميل وسمّي به لميل الرجل عن مكانها أو عن الاستقامة في المشي ونحوه فلا بأس بالقول باللزوم.
وأما القول الرابع : وهو قول المحقّق في الشرائع: حيث قال: أظهره دخوله في أسباب الفسخ إذا بلغ الإقعاد، فلم يظهر له وجه، ولأجل ذلك جعله المحقّق الثاني ـ في جامع المقاصد ـ متّحداً مع القول الثالث، أي العرج البيّن، ولا يخفى مافي هذا التفسير من الإشكال، لأنّ العرج البيّن، أعم من الإقعاد وربّما يكون أعرج بيّناً ولايبلغ عرجه إلى حدّ الإقعاد.
وأسوأ منه الاستدلال عليها بما ورد في صحيح أبي عبيدة عن أبي جعفر (عليه السلام) :«إذا دُلِّست العفلاء والبرصاء والمجنونة والمفضاة ومن كان بها زمانة ظاهرة فانّها ترد على أهلها من غير طلاق» 2.
حيث فسّر كاشف اللثام الزمانة الظاهرة بما تؤدّي إلى الإقعاد3.
يلاحظ عليه: أنّ تفسير الزمانة بالإقعاد، لا وجه له سوى وروده بعد العرجاء في رواية داود بن سرحان، عن أبي عبداللّه (عليه السلام) في الرجل يتزوّج المرأة فيؤتى بها عمياء أو برصاء أو عرجاء؟ قال: «تردّ على وليّها ويكون لها المهر على وليّها وإن

1 . الوسائل: 14 الباب 1 من أبواب العيوب، الحديث 2.
2 . الوسائل: 14الباب 2 من أبواب العيوب، الحديث 1.
3 . كما نقله في الجواهر، عن كشف اللثام.

صفحه 134
كان بها زمانة لايراها الرجال أُجيزت شهادة النساء عليها» 1.
والزمانة في اللغة غير العرج وغير الإقعاد، وهو عبارة عن المرض المزمن الذي يدوم زماناً طويلاً، كما في المصباح المنير، والتقييد بالظاهرة لأنّها على قسمين بين ظاهرة لاتحتاج إلى شهادة النساء، وخفية، أُجيزت فيها شهادة النساء.
نعم إذا كان مطلق العرج موجباً للفسخ أو القسم البيّن منه فالإقعاد موجب له لكونه أسوأ حالاً من العرج، بل هو أحد المصاديق الواضحة للزمانة. فتلخّص أنّ العرج موجب للفسخ إذا كان الزوج جاهلاً به، والأحوط لو لم يكن الأقوى هو الاكتفاء بالبيّن منه لا القسم الخفي الذي لايعلم إلاّ بالدقّة.

السابع: العمى

فإنّه موجب للخيار، ويدلّ عليه ـ وراء الاتفاق المحكي ـ صحيح داود بن سرحان، في الرجل يتزوّج المرأة فيؤتى بها عمياء أو برصاء أو عرجاء؟ قال: «ترّد على وليّها ويكون لها المهر على وليّها» 2.
والمراد من «أحمد بن محمّد» هو البزنطي الذي يروي كتاب داود بن سرحان، والعمى أمر عرفي يطلق على المستور والظاهر إذا فقد النور وإن كانت العين مفتوحة وإن كان في الأصل هو الأوّل ولكنّه توسع فيه وأطلق على الثاني.
نعم، لا اعتبار بالعور وقد ورد به النص في صحيح الحلبي3.
هذه هي العيوب السبعة، والجواب عن الحصر وغيره في الثلاثة الأخيرة، واحد.

1 . الوسائل: 14الباب1 من أبواب العيوب الحديث9. أورد صدر الحديث، والباب4، الحديث2 أورد ذيل الحديث.
2 . الوسائل: 14الباب 2 من أبواب العيوب، الحديث 6.
3 . الوسائل: 14الباب1 من أبواب العيوب، الحديث 6 .

صفحه 135

الثامن: الرتق

وهو كون الفرج ملتحماً على وجه ليس للذكر فيه مدخل على أساس الخلقة، وهو غير القرن الذي يعود إلى نبت اللحم أو العظم أو السن لكنّه يشترك معه في النتيجة وهو عدم تمكّن الزوج من الوطء فتشمله روايات القرن ملاكاً ، ولقوله (عليه السلام) في صحيح الكناني الذي ورد في القرن فقال: «هذه لاتحبل ولايقدر زوجها على مجامعتها تردّ على أهلها صاغرة ولامهر لها»1.
نعم، روى عبد اللّه بن جعفر في قرب الإسناد عن عبد اللّه بن الحسن عن علي بن جعفر عن أخيه، قال: سألته عن امرأة دلّست نفسها لرجل وهي رتقاء؟ قال: «يفرق بينهما ولا مهر لها» 2.
ويظهر من السرائر: أنّ الرتق هو نفس القرن، حيث قال: « الرتق لحم ينبت في الفرج يمنع دخول الذكر» .
وعلى أي حال فيردّ بها، سواء قلنا بأنّه دخل في القرن موضوعاً أو ملاكاً. ومع ذلك فقد يظهر من المحقّق التردّد فيه حيث قال: «الرتق أحد العيوب المسلّطة على الفسخ. وربّما كان صواباً إن منع الوطء أصلاً لفوات الاستمتاع إذا لم يمكن إزالته أو أمكن وامتنعت من علاجه» 3.
أمّا التردّد فلا وجه له، لورود الصحيح مع عدم الإعراض، ولعلّ من لم يذكره لكونه مشتركاً مع القرن ملاكاً أو موضوعاً، وأمّا التقييد بأمرين فهو الحقّ فإنّه إذا أمكنت إزالته ولم تمتنع من علاجه، فلا وجه للردّ وفوت الاستمتاع في مدّة المعالجة لايضرّ لأنّ القدر المتيقن من التعليل هو سلب القدرة مطلقاً، لا أيّاماً

1 . الوسائل: 14الباب 1 من أبواب العيوب، الحديث 4 وفيه تقطيع للحديث ولأجل ذلك نقلناه، عن الكافي: 5/408 باب المدالسة في النكاح، الحديث 18. وقريب منه رواية الحسن بن صالح لاحظ الحديث 3 من الباب 1 و 3.
2 . الوسائل: 14 الباب 2 من أبواب العيوب، الحديث 8.
3 . الجواهر: 30/337.

صفحه 136
قلائل خلافاً لصاحب الجواهر حيث قال: وفيه منع خصوصاً على تقدير اندراجه في العفل.
يلاحظ عليه: أنّ الحكم كذلك في العفل لو قبل العلاج في أيّام قلائل فلا يترك الاحتياط بالردّ بالطلاق لو أراد الفراق.
قال ابن البراج في المهذب: «فإن أرادت هي إصلاح نفسها بذلك لاتمنع منه، لأنّه ممّا يداوى ويصلح بالدواء، فإن عالجت نفسها وزال عنها ذلك سقط خيار الزوج معه، لأنّ الحكم إذا تعلّق بعلّة وزالت العلّة زال حكمها بزوالها» 1.
ثمّ إذا لم يتمكّن الزوج من الوطء وتمكّن غيره إذا كان نحيف الآلة يحكم بجواز الردّ، خلافاً لصاحب المسالك حيث نفى الخيار مع عدم بلوغ الارتتاق حدّ المنع من الوطء ولو بنحيفهاوهو غير تام إذا كانت على خلاف المتعارف وتمكن الفرد النادر لايرفع كونه عيباً. نعم لو كان متعارفاً، وكانت حشفة الزوج غير متعارف فلا يجوز له الردّ إلاّ بالطلاق لعدم دخوله في القرن موضوعاً أو حكماً.
بقي الكلام في أمرين:
1 ـ زنا الزوجة قبل دخول الزوج بها.
2 ـ المحدودة في الزنا.
قال الصدوق: إذا زنت المرأة قبل دخول الرجل بها فرّق بينهما ولاصداق لها لأنّ الحدث جاء من قبلها2.
وقال المفيد وسلاّر وابن البراج وابن الجنيد وأبو الصلاح، بالردّ في المحدودة3 وفي الكافي للأخير: إذا تزوّج الرجل فخرجت برصاء ... أو محدودة4.
ولكن الشيخ قال بعدم الردّ في الأمرين، قال في النهاية: المحدودة من الزنا لاتردّ وكذلك التي كانت قد زنت قبل العقد فليس للرجل ردّها إلاّ أن يرجع على

1 . المهذّب: 2/ 233ـ 234.
2 . المقنع: 109.
3 . المختلف الفصل الرابع: 2.
4 . الكافي: 295.

صفحه 137
وليّها بالمهر وليس له فراقها إلاّ بالطلاق1.
وقال في الحدائق: هذا هو المشهور بين المتأخرين.
أمّا المسألة الأُولى : فقد أفتى الصدوق بالتفريق بينهما كما عرفت من المقنع. وتدلّ عليه رواية السكوني عن جعفر بن محمّد عن أبيه (عليهم السلام) قال: قال علي(عليه السلام)في المرأة إذا زنت قبل أن يدخل بها زوجها قال: «يفرّق بينهما ولا صداق لها، لأنّ الحدث كان من قبلها» 2.
ورواية الفضل بن يونس قال: سألت أبا الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) عن رجل تزوّج امرأة فلم يدخل بها فزنت؟ قال : «يفرّق بينهما وتحدّ الحد ولا صداق لها» 3.
والروايتان ناظرتان إلى الزنا قبل الدخول لكنّهما من حيث السند غير نقيّتين ولكن هنا روايتين صحيحتين إحداهما تفسّر الأُخرى، هما:
1 ـ صحيحة عبد الرحمن قال: سألت أبا عبداللّه (عليه السلام) عن رجل تزوّج امرأة فعلم بعد ما تزوّجها أنّها كانت قد زنت؟ قال: « إن شاء زوجها أخذ الصداق ممّن زوّجها ولها الصداق بما استحلّ من فرجها وإن شاء تركها»4.
وقد أنكر الشيخ دلالة الرواية على جواز الردّ قائلاً بأنّه ليس يمتنع أن يكون له استرجاع الصداق وإن لم يكن له ردّ العقد.
يلاحظ عليه: أنّ استرجاع الصداق مع حفظ المرأة جمع بين العوض والمعوّض وهو مستنكر عرفاً فلو كان المقصود هذا، للزم التصريح به. والظاهر من الرواية أنّ استرجاع المهر ممّن زوّجها كناية عن جواز الردّ. وعلى هذا يكون معنى قوله (عليه السلام) : «إن شاء تركها» تركها على حالها ولايردّها ، وبالتالي لايأخذ صداقها

1 . النهاية: 486.
2 . الوسائل: 14 الباب6 من أبواب العيوب، الحديث3و2و4.
3 . الوسائل: 14 الباب6 من أبواب العيوب، الحديث3و2و4.
4 . الوسائل: 14 الباب6 من أبواب العيوب، الحديث3و2و4.

صفحه 138
ممّن زوّجها.
وأمّا على تفسير الشيخ يكون معنى الجملة «ترك أخذ المهر».
2 ـ صحيحة الحلبي عن أبي عبداللّه قال: سألته عن المرأة تلد من الزنا، ولايعلم بذلك أحد إلاّ وليّها، أيصلح له أن يزوّجها ويسكت على ذلك إذا كان قد رأى منها توبة أو معروفاً ؟ فقال:«إن لم يذكر ذلك لزوجها ثم علم بعد ذلك، فشاء أن يأخذ صداقها من وليّها بما دلّس عليه، كان ذلك على وليّها، وكان الصداق الذي أخذت لها، لا سبيل عليها فيه بما استحلّ من فرجها. وإن شاء زوجها أن يمسكها فلا بأس» 1.
نعم، فرق بين الروايتين، فإنّ الأُولى لاتأبى من الانطباق على الزنا بين العقد والدخول، ولكن الثانية صريحة في الزنا قبل العقد، ومن كان يقول بالردّ في الأُولى يقول به في الثانية أيضاً ومع ذلك فالروايات معرض عنها لم يعمل بها إلاّ الصدوق.
وقال في الحدائق: والأصحاب أعرضوا عن العمل بتلك الأخبار لمعارضتها بما هو أكثر عدداً وأقوى سنداً2.
وقد استوفينا الكلام في المسألة عند البحث عن الكفاءة فراجع.
وأمّا الثانية، أعني: جواز ردّ المحدودة، فقد عرفت القائلين به وليس لهم دليل سوى اعتبار عقلي من كونه عاراً وليس رفع العار منحصراً بالردّ بل يكون بالطلاق أيضاً، مضافاً إلى ما روي عن رفاعة بسند صحيح، سوى أنّ فيه «سهلاً» الذي الأمر فيه سهل، قال: سألت أبا عبداللّه (عليه السلام)عن المحدود والمحدودة هل تردّ من النكاح؟ قال: «لا» 3.

1 . الوسائل: 14 الباب6 من أبواب العيوب، الحديث 1.
2 . الحدائق: 24/368.
3 . الوسائل: 14 الباب5 من أبواب العيوب، الحديث 2.

صفحه 139

في أحكام العيوب

وفيه مسائل:

المسألة الأولى: حالات في العيوب الطارئة للمرأة

ان للعيب حالات ثلاث :
1 ـ مايحدث قبل العقد.
2 ـ مايحدث بعد العقد والدخول.
3 ـ مايحدث بينهما.
لاشك في جواز الردّ في الصورة الأُولى وهو القدر المتيقّن كما لاشكّ في عدم جوازه في الثانية1 ولم يخالف فيه إلاّ ابن الجنيد في خصوص الجنون على مانسبه إليه في المسالك2.
نعم نسب الجواز إلى الشيخ في الخلاف لكن كلامه خال عن التصريح بحدوث العيب بعد الدخول، غاية الأمر وجود الإطلاق المنزّل على الصورة الثالثة، أي بعد العقد وقبل الدخول، قال في الأوّل: إذا حدث بالمرأة أحد العيوب التي تردّ به ولم يكن في حال العقد فإنّه يثبت به الفسخ. وللشافعي فيه قولان، ثم قال: دليلنا عموم الأخبار التي وردت في أنّ له الردّ بهذه العيوب ولم يفصلوا بين عيب كان في حال العقد، وبين ما يحدث فيما بعد3.
إنّما الكلام في الصورة الثالثة وقد عرفت فتوى الشيخ على الجواز في الخلاف

1 . لتضافر النصوص على العدم لاحظ الوسائل الجزء 14 الباب1 من أبواب العيوب، الحديث 1 و14 والباب2 الحديث3.
2 . المسالك: 8/125.
3 . الخلاف: 2، المسألة 128.

صفحه 140
ومثله كلامه في المبسوط1.
وذهب ابن البرّاج في المهذّب 2، وابن إدريس في السرائر3 والمحقّق في الشرائع4 إلى عدم الجواز
قال المحقّق: في المتجدّد بعد العقد وقبل الدخول تردّد، أظهره أنّه لايبيح الفسخ تمسّكاً بمقتضى العقد السليم عن المعارض.
ولم أر من المتأخرين، من مال إليه إلاّ الشهيد في المسالك، حيث قال بعد توضيح خيرة المحقّق: ولا بأس بهذا القول وإن كان القول الآخر لايخلو من قوة، وفي الحدائقـبعد توضيح قول المشهور ـقال: إلاّ أنّه لا يخلو من نوع توقف.
ويمكن الاستدلال على جواز الردّ بوجوه:
الأوّل: إطلاقات جملة من الروايات:
1 ـ صحيح رفاعة وفي سنده سهل بن زياد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «تردّ المرأة من العفل والبرص و الجذام والجنون، وأمّا ما سوى ذلك فلا» 5.
2 ـ صحيح محمّد بن مسلم قال: قال أبو جعفر (عليه السلام) : «تردّ العمياء والبرصاء، والجذماء والعرجاء» 6.
وما ربّما يقال: من أنّه ليس في الروايات إطلاق يعمّ المتجدّد بعد العقد بل هي في مقام تعداد العيوب الموجبة للفسخ ، غير تامّ، وإلاّ لَزَمَ بطلان الإطلاق في أمثال «لاتعاد» لكونه في مقام التعداد مع أنّ السيرة على خلافه.
الثاني: الروايات المحدِّدة لسقوط الخيار بالدخول، ففي صحيحة عبدالرحمن: «إنّه يردّها مالم يدخل بها» 7.

1 . المبسوط: 4/252.
2 . المهذّب: 2/235.
3 . السرائر: 2/613.
4 . شرائع الاسلام: 2/320.
5 . الوسائل: 14الباب1 من أبواب العيوب، الحديث2 و 7 و يتّحد معه رقم 11.
6 . الوسائل: 14الباب1 من أبواب العيوب، الحديث2 و 7 و يتّحد معه رقم 11.
7 . الوسائل: 14الباب3 من أبواب العيوب، الحديث2.

صفحه 141
وغيرها ممّا حدّد الخيار بالدخول ومقتضاه جواز الردّ في المتوسط لعدم حصول الغاية.
الثالث: إطلاق خبر عبدالرحمن :وتزوّج امرأة فوجد بها قرناً ... فقال : «إنّه يردّها مالم يدخل بها» 1.
فالحكم بالردّ من دون الاستفصال بين كونه قبل العقد أو بعده يوجب عمومية الحكم للمتقدّم والمتوسط2.
هذا ما يمكن به الاستدلال على إطلاق الحكم، والذي يصح أن يكون مقيّداً أمران:
الف : وجود التدليس في بعض الروايات، كصحيح أبي عبيدة الحذّاء3 وصحيح قاسم بن بريد «بالباء» لايزيد «بالياء» كما في المطبوع من الوسائل، ومحمّد ابن مسلم4 ومعتبرة قرب الإسناد5 وهو دليل على وجود العيب قبل العقد، لكن المرأة دلّست نفسها.
ب ـ ظهور أكثر الروايات في العيب المتقدّم مثل قوله: عن رجل تزوّج فوجد بها قرناً6. وقوله: يتزوّج المرأة فيؤتى بها عمياء7وقوله: تزوّج امرأة فوجدها برصاء...8 إلى غير ذلك ممّا يشبهها.
أمّا الأوّل : فلظهور التدليس على تقدّم العيب على العقد. ذهب إليه صاحب الحدائق والجواهر .
يلاحظ عليه: أنّه من المحتمل أن يكون القيد ناظراً لإخراج العالم بالعيب وإبقاء الجاهل، لا إلى إخراج العيب المتوسط بين العقد والدخول، فلو كان

1 . الوسائل: 14الباب3 من أبواب العيوب، الحديث2.
2 . جامع المدارك: 4/373.
3 . الوسائل: 14 الباب2 من أبواب العيوب، الحديث 1 و 7 و 8.
4 . الوسائل: 14 الباب2 من أبواب العيوب، الحديث 1 و 7 و 8.
5 . الوسائل: 14 الباب2 من أبواب العيوب، الحديث 1 و 7 و 8.
6 . الوسائل: 14 الباب 1 من أبواب العيوب، الحديث 3 و 9 و 14.
7 . الوسائل: 14 الباب 1 من أبواب العيوب، الحديث 3 و 9 و 14.
8 . الوسائل: 14 الباب 1 من أبواب العيوب، الحديث 3 و 9 و 14.

صفحه 142
للقضية مفهوم فهو لإخراج خصوص العالم لا كل مورد لم يكن هناك تدليس كما عرفت في المتوسط بين العقد والدخول.
وأمّا الثاني: ـ فمضافاً إلى أنّ المورد لايكون مخصّصاً ـ أنّ ظهور أكثر الروايات في العيب السابق لأجل أنّ الغالب في أمثال هذه العاهات تقادم العهد، ولأجل ذلك عبّر بشكل ينطبق على العيب السابق، والظاهر أنّ القول بثبوت الخيار في المتوسط من العيب أقوى لتحكيم الإطلاقات على أصالة اللزوم وأنّ المسقط هو التصرّف والدخول، واللّه العالم.
وربّما يتمسك لإثبات الخيار في المتوسط بالاستصحاب التعليقي بأن يقال: إنّ هذا العيب لو كان قبل العقد لكان موجباً للخيار والأصل بقاؤه على ما كان وهذا الاستصحاب حاكم على استصحاب لزوم العقد الثابت قبل حدوث العيب.
يلاحظ عليه : أنّ الاستصحاب التعليقي بهذه الصورة أشبه بالقياس والذي نقول به في الاستصحاب التعليقي إنّما هو في مورد انطبق الحكم الكلي على الموضوع الخارجي كالعنب ثم حدث فيه تغيّر، فعندئذ يستصحب الحكم السابق الجزئي الثابت للشيء الخارجي وليس المقام كذلك لعدم سبق العيب، وعدم وجوده قبل العقد حتّى يشار به إليه ويقال إنّه كان كذا أو الأصل بقاؤه واستصحاب حكم العيب كليّاً من دون الانطباق على الخارج أشبه بالقياس والتفصيل في محلّه 1.

المسألة الثانية: هل الخيار فوري أو لا ؟

المشهور من كلامهم أنّ الخيار هنا فوري، للرجل كان أم للمرأة فلو علم من له الخيار ولم يبادر بالفسخ سقط الخيار، وعلل: أوّلاً: بالإجماع على الفورية،

1 . لاحظ المحصول: 4/75.

صفحه 143
وثانياً: بأنّ الغرض من الخيار هو دفع الضرر بالتسلّط على الفسخ وهو يحصل بذلك، فيقتصر فيما خالف الأصل على مقدار مايحصل به الغرض. وثالثاً: بما دلّ على أنّ عقد النكاح لايقبل الإقالة ولايصحّ جعل الخيار فيه فيجب الاقتصار على القدر المتيقّن فلو علم بالخيار ولم يتبادر بالفسخ سقط الخيار.
نعم صرّحوا بأنّ الجهل بالموضوع أو الحكم لايسقطان الخيار، ولكن كما ترى.
أمّا الأوّل : فلأنّ ادّعاء الإجماع في مثل تلك المسألة ممّا يمكن استظهار حكمها من مثل الوجوه السابقة، غير صحيح لاحتمال استناد المجمعين إلى تلك الوجوه.
وأمّا الثاني: فانّما يصح لو كان مدرك الخيار هو: «قاعدة لاضرر» فيقتصر بما يدفع به الضرر لا الروايات السابقة المطلقة.
وأمّا الثالث : فإنّما يتمّ لو كان الزمان مأخوذاً قيداً للموضوع بحيث يكون عقد النكاح في كل آنّ موضوعاً مستقلاً وخروجه في الآن الثاني مستلزماً لتخصيص زمانه، لا ما إذا كان الزمان ظرفاً بحيث يكون خروجه في آن أو في آنات تخصيصاً واحداً كما في المقام، وعلى الثاني يكون المجرى، مجرى الأصل أعني استصحاب بقاء الخيار عند ما لم يتبادر بالفسخ لا التمسك بالإطلاق.
نعم، ربّما يقال بأنّ القول بالفورية ـ مع كون الجهل بالعيب والحكم عذراً موجباً لبقاء الخيار ـ لا يجتمعان لأنّ الخيار حق واقعي لايدور مدار العلم والجهل، وهو في الواقع لا يخلو عن كونه مجعولاً إمّا على نحو الفورية أو على نحو الإطلاق، إذ الإهمال بحسب الواقع لا يتصوّر، فلو كان مقيّداً فكيف يحكم ببقائه مع الجهل بالعيب والحكم؟ ولو كان في الواقع مطلقاً فكيف يحكم بلزوم العقد بمجرّد العلم بالعيب والخيار؟

صفحه 144
يلاحظ عليه: أنّه إنّما يتم إذا كان هناك دليل واحد، والدليل الواحد لايتكفّل حكمين متضادين بخلاف ما إذا كان هناك دليلان، أحدهما يتكفّل فورية الحكم بالذات والآخر يوسعه في حقّ الجاهل.
فلو كان الحكم في الواقع مضيّقاً وفورياً بعد العقد فيمكن توسيعه في حقّ الجاهل بالعيب والحكم، ومثله ما إذا كان الحكم في الواقع موسعاً وغير مقيّد بالفورية، يمكن تضييقه وتقييده بالفورية في حقّ العالم بالعيب.
كل ذلك بالدليل الثاني وبذلك حاولوا حلّ مشكلة الدور في تخصيص حكم الجهر والإخفات والقصر والإتمام بالعالم بهما، فإنّ التخصيص بالدليل الواحد يستلزم الدور، لأنّ العلم بالحكم متوقف على وجود الحكم، فلو كان العلم جزءاً للموضوع يلزم توقف الحكم عليه وهو دور، والجواب: أنّ التضييق حصل بالدليل الثانوي لا بالدليل الأوّلي. وعلى كل تقدير، فلو قلنا بعدم الفورية لأجل استصحاب الحكم فالخيار باق مادام لم يدخل بها، فاذا دخل يسقط، اللهمّ إلاّ أن يكون لبقائه موجباً ـ كما إذا امتنع عن الدخول ـ لصيرورتها كالمعلقة فيجبره الحاكم باختيار أحد الأمرين.

المسألة الثالثة: في أنَّ الفسخ ليس طلاقاً

إنّ الفسخ ليس بطلاق1 لأنّه يحتاج إلى لفظ ماض وشروط مقررة، من حضور العدلين وكونها في غير طهر المواقعة، وعليه فلا يعدّ من الثلاثة المحرّمة ولا ينتصف به المهر إلاّ إذا دلّ الدليل كما في العنّة، وسيوافيك أحكام المهر في المسألة السادسة.

1 . تقدم البحث عنه.

صفحه 145

المسألة الرابعة: هل إعمال الفسخ يتوقّف على حكم الحاكم؟

هل يجوز للفاسخ من الرجل والمرأة التفرّد به، أو يتوقف على إذن الحاكم؟ قولان، المشهور جواز التفرّد إلاّ إذا كانت في المقام خصومة لاتنقطع إلاّ بحكم الحاكم ونظره فيفسخ بإذنه.
ونقل عن ابن الجنيد: أنّه إذا أُريد الفرقة لم يكن إلاّ عند من يجوز حكمه من والي المسلمين أو خليفته أو بمحضر من المسلمين إن كانا في بلاد الهدنة أو سلطان متغلب، وجعله الشيخ في المبسوط أحوط.
مقتضى الإطلاقات فيما إذا اتفقا على العيب هو التفرّد، واستقلال كل الفسخ. وفي رواية علي بن أبي حمزة الواردة في الجنون: «لها أن تنزع نفسها منه متّى شاءت» وفي روايات الخصاء: «يفرّق بينهما» وفي العنن: «إن شاءت تزوّجت وإن شاءت أقامت» وفي بعض آخر: «تفارقه إن شاءت» إلى غير ذلك من التعبيرات الصريحة في تفرّد الفاسخ. إلاّ أن يقال إنّها بصدد بيان نفس الحكم وأمّا كيفية الإجراء فهي ساكتة عنها وبما أنّها ربّما تورث الخلاف والشقاق فالأولى الرجوع إلى الحاكم، والفسخ في حضوره وباذنه.
نعم، فيما إذا كانت هناك حاجة إلى ضرب الأجل، فلا يتفرّد إلاّ برفع أمرها إلى الحاكم.
وفي رواية البختري: أنّ علياً (عليه السلام) كان يقول: « يؤخّر العنّين سنة من يوم ترافعه امرأته فان خلص إليها وإلاّ فرق بينهما» 1.
وفي قرب الإسناد، عن علي (عليه السلام) أنّه كان يقضي في العنين أنّه يؤجّل سنة من يوم ترافعه المرأة2.

1 . الوسائل: 14 الباب 14 من أبواب العيوب، الحديث 9و12.
2 . الوسائل: 14 الباب 14 من أبواب العيوب، الحديث 9و12.

صفحه 146

المسألة الخامسة: إذا اختلفا في وجود العيب

إذا اختلفا في وجود العيب يرجع إلى الحاكم عند الاختلاف، فإن كان جليّاً حكم بمقتضى ماظهر له وإن كان خفيّاً تجري فيه أحكام المنكر والمدّعي، فالقول قول منكر العيب إلاّ إذا أقام الآخر البيّنة، لأنّ الأصل السلامة كما تجري فيه أحكام ردّ اليمين والنكول.

المسألة السادسة: في أحكام المهر عند الفسخ

إذا فسخ الزوج أو الزوجة بأحد العيوب السابقة، فلا يخلو إمّا أن يكون الفسخ قبل الدخول أو بعده، وعلى التقديرين إمّا أنّ العيب متقدّم على العقد أو متأخر عنه وقبل الدخول أو بعده1. بناءً على الخيار في العيب الثابت بعد الدخول، ثم الفاسخ إمّا زوجة أو زوج، وعلى كل تقدير، إمّا أن يكون هناك مدلِّس أم لا. فالصور أربعة وعشرون صورة كذا في الجواهر.
ولايخفى، عدم بلوغ الصور الصحيحة إلى العدد المذكور.
أمّا أوّلاً : فلأنّه كيف يمكن ضرب الاثنين (قبل الدخول وبعده) في الثلاثة كون العيب متقدّماً على العقد، أو متوسطاً بينه وبين الدخول، ومتأخّراً عنه.
وثانياً: قد مرّ البحث أنّ العيب الحادث بعد الدخول لايوجب الفسخ وإنّما الخلاف في المتوسط.
إذا عرفت ذلك فلنقدم البحث عن أحكام صور فسخ الزوج.

صور فسخ الزوج

1 ـ إذا فسخ الزوج قبل الدخول فلا مهر لها. لتضافر النصوص على ذلك

1 . قد تقدّم عدم جواز الفسخ في العيب المتجدّد بعد الدخول، وقد عمّم المشهور الحكم إلى العيب المتجدّد بعد العقد وقبل الدخول وإن خالفنا و قلنا بالفسخ فيه.

صفحه 147
مثل قوله (عليه السلام) في صحيح أبي عبيدة: «وإن لم يكن دخل بها فلا عدّة عليها ولا مهر لها» 1. وقوله (عليه السلام) في صحيح أبي الصباح:«ترد على أهلها صاغرة ولا مهر لها»2 ومثله خبر غياث بن إبراهيم3 وهذا من غير فرق بين وجود مدلّس أو عدمه لعدم الغرامة حتّى يرجع إلى المدلِّس، وبذلك يعلم أنّه ليس للتدليس تأثير في جميع الصور، نعم له دور في الصورة الآتية.
2 ـ إذا فسخ الزوج بعد الدخول دخولاً غير مسقط للخيار كما إذا كان جاهلاً بالعيب وإلاّ يكون الدخول رضاً بالنكاح، وسيجيئ الكلام فيه: استحقت الزوجة المسمّى من غير فرق بين كون العيب متقدّماً على العقد أو متأخراً عنه، وقبل الدخول أو بعده خلافاً للشيخ في العيب المتقدّم كما سيجيء.
ويدلّ عليه: أوّلاً : أنّ الزوجة بالدخول استحقت المسمّى بلا إشكال، وليس الفسخ فسخاً من أصله وإنّما هو فسخ من حينه فما وجب عليه من المهر والنفقة في الماضي لايسقط بالفسخ.
وثانياً: تضافر الروايات مثل رواية رفاعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) : «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في امرأة زوّجها وليّها وهي برصاء، أنّ لها المهر بما استحلّ من فرجها4. وصحيحة الحلبي5 ورواية عبدالرحمن بن أبي عبداللّه6. وصحيحة محمّد ابن مسلم7.
وللشيخ في المقام تفصيل قال: «إذا فسخ عند الدخول بين ماحدث العيب

1 . الوسائل: 14 الباب2 من أبواب العيوب، الحديث1.
2 . الوسائل: 14الباب 1 من أبواب العيوب، الحديث 4و14.
3 . الوسائل: 14الباب 1 من أبواب العيوب، الحديث 4و14.
4 . الوسائل: 14 الباب 2 من أبواب العيوب، الحديث 2.
5 . الوسائل: 14الباب 6 من أبواب العيوب، الحديث1.
6 . الوسائل: 14الباب6 من أبواب العيوب ، الحديث4.
7 . الوسائل: 14 الباب 2 من أبواب العيوب، ذيل حديث 5.

صفحه 148
قبل الدخول وبعده قال: وإن كان (الفسخ) بعد الدخول، فان كان العيب حدث بعد العقد وقبل الدخول سقط المسمّى ووجب مهر المثل، لأنّ الفسخ وإن كان في الحال فإنّه مستندٌ إلى حال حدوث العيب فيكون كأنّه وقع مفسوخاً حين حدث العيب1.
وأمّا إن كان العيب حدث بعد الدخول استقرّ المسمّى لأنّ الفسخ إذا كان كالموجود حين حدوث العيب فقد حدث بعد الإصابة فاستقرّ المهر ثم فسخ بعد استقراره فلهذا لزمه المسمّى2.
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّ الفسخ بالعيب الطارىء بعد الدخول لم يقل به أحد كما مرّ.
وثانياً: أنّ تقدّم العيب أو توسّطه لايوجب بطلان العقد ولا تنزّله منزلة العقد الفاسد حتى تلحقه أحكام العقد الفاسد فيرجع إلى مهر المثل، بل العقد يقع صحيحاً، غاية الأمر يكون الفسخ فسخاً من حينه لا من أصله حتّى يجب مهر المثل، والمفروض أنّها استحقت المسمّى بالدخول فلا وجه لسقوطه وإن كان العيب متقدّماً على الدخول.
هذا إذا لم يكن هناك تدليس كما إذا لم يكن الزوج و لا المرأة واقفين على العيب فقد عرفت أنّه لارجوع له بشيء فتستحق المهر باستحلاله فرجها ولاستقرار المهر بالوطء.
3 ـ إذا كان هناك تدليس، فمتى فسخ النكاح يرجع إلى المدلّس سواء كان المدلّس هو الوليّ أو نفسها. نعم لو كانت عارفة بالعيب ولم يكن المزوّج عارفاً به يرجع إليها بالمهر إذا قبضته، وإن لم تقبضه لم تستحق شيئاً.
وفي صحيحة الحلبي، عن أبي عبداللّه (عليه السلام) في رجل ولّته امرأة أمرها أو ذات

1 . وفي المبسوط في المقام عبارة لاتتجاوز عن سطر ونصف كأنه زائد، أو تكرار للشق الأوّل.
2 . المبسوط: 4/253.

صفحه 149
قرابة أو جار لها لايعلم دخيلة أمرِها فوجدها قد دُلِّسَتْ عيباً هو بها؟ قال : «يؤخذ المهر منها ولا يكون على الذي زوّجها شيء» 1.
وفي رواية رفاعة: «ولو أنّ رجلاً تزوّج امرأة وزوجه إيّاها رجل لا يعرف دخيلة أمرها لم يكن عليه شيء و كان المهر يأخذه منها»2.
والظاهر من الروايتين هو الرجوع عليها بالكلّ، غير أنّ لازمه هو خلوّ البضع من المهر فيجب عليه دفع مهر مثلها لأنّه العوض للبضع إذا وطأ لا عن زنا.
فان قلت: إنّ ظاهر الروايتين أنّ الدخول لايكون مانعاً من الردّ بالعيب السابق على العقد، أو المتوسط بين العقد والدخول، مع أنّ هناك روايات تدلّ على سقوط الخيار بالدخول، ففي رواية عبدالرحمن : «إنّه يردّها مالم يدخل بها»3 وفي روايته الأُخرى: «تردّ من أربعة أشياء.. مالم يقع عليها، فإذا وقع عليها فلا» 4 وفي رواية غياث بن إبراهيم: «وإذا دخل بها فهي امرأته»5.
قلنا: يمكن الجمع بحمل الطائفة الثانية على الدخول بعد الوقوف على العيب، فإنّه يكون رضاً بالعيب بخلاف الأوّل فإنّ حق الردّ باق إذا كان الدخول عن جهل، وتدلّ على هذا الجمع رواية الحسن بن صالح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: « إن كان علم قبل أن يجامعها ثمّ جامعها فقد رضي بها، وإن لم يعلم إلاّ بعد ما جامعها فإن شاء أمسكها، وإن شاء سرّحها إلى أهلها ولها ما أخذت منه بما استحلّ من فرجها» 6.
ومثلها، صحيحة أبي الصباح الكناني7.

1 . الوسائل: 14 الباب 2 من أبواب العيوب، الحديث 4 و 2.
2 . الوسائل: 14 الباب 2 من أبواب العيوب، الحديث 4 و 2.
3 . الوسائل: 14 الباب3 من أبواب العيوب، الحديث 2.
4 . الوسائل: 14 الباب 1 من أبواب العيوب، الحديث 1و 14.
5 . الوسائل: 14 الباب 1 من أبواب العيوب، الحديث 1و 14.
6 . الوسائل: 14 الباب3، من أبواب العيوب، الحديث 3و1.
7 . الوسائل: 14 الباب3، من أبواب العيوب، الحديث 3و1.

صفحه 150
هذا كلّه إذا فسخ الزوج وإليك الكلام فيما إذا فسخت الزوجة.

صور فسخ الزوجة

إذا كان الفسخ قبل الدخول، فلا مهر لها ،إلاّ فيما سيأتي في موارد العنن، ويمكن الاستدلال عليه بوجوه:
1 ـ صحيحة محمّد بن مسلم، قال: سألت أبا عبداللّه (عليه السلام) عن إمرأة حرّة تزوّجت مملوكاً على أنّه حرّ، فعلمت بعد أنّه مملوك؟ فقال: «هي أملك بنفسها إن شاءت قرّت معه وإن شاءت فلا، فإن كان دخل بها فلها الصداق وإن لم يكن دخل بها فليس لها شيء، فإن هو دخل بها بعد ماعلمت أنّه مملوك وأقرّت بذلك فهو أملك بها» 1.
ويتمّ الحكم في غير هذا العيب بعدم القول بالفصل.
2 ـ التعليل الوارد في مورد فسخ الزوج ـ إذا زنت المرأة قبل الدخول ـ فيما رواه السكوني ، عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليهما السلام) قال: «قال علي(عليه السلام)في المرأة إذا زنت قبل أن يدخل بها زوجها، قال : يفرّق بينهما ولاصداق لها لأنّ الحدث كان من قبلها» 2.
ومورد الرواية وإن كان فسخ الزوج لا الزوجة ولكن يمكن الاحتجاج بالتعليل على أنّه إذا كان الحدث «الفسخ» من ناحيتها، فلا مهر لها، سواء كان سببها، لأجل ارتكابها عملاً شنيعاً كما في مورد الرواية فيتسلّط الزوج على الفسخ أو لقيامها بالفسخ بنفسها، لعدم الرغبة في الزوج.
نعم لو كان الفسخ من جانبها لأجل العنّة الثابتة، ففي رواية أبي حمزة، قال: سمعت أبا جعفر(عليه السلام) يقول: «... فإن تزوّجت وهي بكر فزعمت أنّه لم يصل إليها

1 . الوسائل: 14، الباب 11 من ابواب العيوب، الحديث1.
2 . الوسائل: 14، الباب 6 من أبواب العيوب، الحديث3.

صفحه 151
فإنّ مثل هذا تعرف النساء فلينظر إليها من يوثق به منهنّ فإذا ذكرت أنّها عذراء فعلى الإمام أن يؤجّله سنة فإن وصل إليها وإلاّ فرّق بينهما وأُعطيت نصف الصداق ولاعدّة عليها» 1.
والمراد من «أبي حمزة» هو سالم، والد علي بن أبي حمزة البطائني وهو يُعد مهمل في الرجال والإفتاء بها، من باب الاحتياط ـ و مع ذلك ـ فقد وصفه السيّد الخونساري بالصحّة في جامع المدارك2.
وإن كان الفسخ بعد الدخول فعليه المهر لأنّه يستقرّ بالدخول وليس للفسخ دور في إسقاط ماثبت بالعقد واستقرّ بالدخول.
أضف إليه، أنّه لم يستحلَّ فرجها بلا عوض، بل في مقابل المهر، والعدول عنه إلى المثل أو عدم الدفع أصلاً يحتاج إلى الدليل.
إنّما الكلام في الخصاء ففيه احتمالات:
1 ـ إلحاقها بسائر العيوب، فلو فسخت قبل الدخول ليس لها شيء وإن فسخت بعده فلها المهر كاملاً.
2 ـ إنّ عليه نصف الصداق مطلقاً، وهو رأي علي بن بابويه كما نقله عنه العلاّمة في المختلف3 وعليه الفقه الرضوي.
3 ـ إنّ لها المهر كاملاً مع الخلوة، ذكره الشيخ في النهاية، وقال: «وإن كان قد خلا بها كان للمرأة صداقها منه وعلى الإمام (عليه السلام) أن يعزّره لئلاّ يعود إلى مثل ذلك» 4.
أمّا الأوّل: فهو مقتضى القاعدة، أمّا قبل الدخول لما عرفت من الروايتين5 والأولوية، وأمّا بعده فلأجل استقرار المهر بالدخول وإنّما المنصّف هو الطلاق

1 . الوسائل: 14 الباب15 من أبواب العيوب، الحديث 1.
2 . جامع المدارك: 4/377.
3 . المختلف: 5/5، الفصل الرابع في العيوب و التدليس.
4 . النهاية: 488.
5 . صحيح محمّد بن مسلم و موثق السكوني الماضيين.

صفحه 152
قبله.
وتدلّ عليه أيضاً صحيحة ابن مسكان قال: بعثت بمسألة مع ابن أعين قلت: سله عن خصيّ دلّس نفسه لامرأة ودخل بها فوجدته خصيّاً؟ قال: «يفرّق بينهما ويوجع ظهره ويكون لها المهر لدخوله عليها» 1.
والدخول ظاهر في معناه المتبادر لا الخلوة.
وعليه تحمل موثقة سماعة، عن أبي عبداللّه (عليه السلام) أنّ خصيّاً دلّس نفسه لامرأة؟ قال: «يفرّق بينهما وتأخذ منه صداقها ويوجع ظهره كما دلّس نفسه»2.
وأمّا الثاني: فلم نجد له دليلاً غير الفقه الرضوي وهو يحتمل أن يكون نفس رسالة علي بن بابويه، وعبارة ابن بابويه والفقه الرضوي في المقام متّحدان.
وأمّا الثالث: فهو مبنيٌّ على تفسير الدخول، في صحيحة ابن مسكان بالخلوة وعليها حملت موثقة سماعة، وقد عرفت أنّه على خلاف الظاهر.
بقيت في المقام: رواية علي بن جعفر3 في قرب الإسناد، من التفصيل بين الدخول فالمهر كلّه وعدمه فالنصف، فهي ممّا لم يعمل بها أحد فإنّها تتعامل مع الفسخ معاملة الطلاق، وقد عرفت أنّه غيره والأخذ به مشكل حسب المبنى في الأخبار المعرض عنها.

المسألة السابعة: كون العيب جليّاً أو خفياً:

إذا كان العيب جلياً فقطع المنازعة سهل، وأمّا إذا كان خفيّاً فيثبت بالبيّنة العارفة للعيب كالبرص والجذام، إنّما الكلام في العنن الذي لايعلم إلاّ من قبل صاحبه فهو يثبت بالطرق التالية:

1 . الوسائل: 14 الباب13 من أبواب العيوب الحديث، 3و 2.
2 . الوسائل: 14 الباب13 من أبواب العيوب الحديث، 3و 2.
3 . الوسائل: 14الباب 13 من أبواب العيوب، الحديث 5.

صفحه 153
1 ـ إقرار الزوج.
2 ـ البيّنة على إقراره.
3 ـ نكول الزوج عن الحلف لو قلنا بالقضاء به من دون حاجة إلى ردّها إلى المدّعي.
4 ـ باليمين المردودة منه إلى الزوجة، روى الصدوق مرسلاً أنّه يعرف به.
5 ـ بالقعود في الماء البارد فإن تشنج حكم بقوله، وإن بقي مسترخياًحكم لها1.
6 ـ وبأنّه يطعم السمك الطريّ ثلاثة أيّام ثم يقال: بل على الرماد2. فإن ثقب بوله الرماد فليس بعنّين، وإن لم يثقب بوله الرماد فهو عنّين.
7 ـ وبأنّ القابلة تحشو المرأة الخلوق ولا تعلم الرجل ويدخل عليها الرجل فإن خرج وعلى ذكره الخلوق كذبت وصدق ، وإلاّ صدقت وكذب3.
8 ـ تستذفر المرأة فرجها الزعفران ثم يغسل ذكره، فإن خرج الماء أصفر صدّقه وإلاّ أمره بالطلاق4 وإليك البحث واحداً بعد الآخر.
أمّا الأوّل والثاني: فلا شكّ في الثبوت بهما، وأمّا الثالث: فهو مبنيٌّ على القضاء بالنكول، وهو مورد بحث، وأمّا الرابع: فربّما يبتنى الحكم به على القاعدة المعروفة من أنّ اليمين المردودة كبينة المدّعي أو كإقرار المنكر فإن قلنا بالثاني، تكون اليمين نافذة، وإن قلنا بالأوّل يشكل الأمر، لأنّ بيّنة المدّعي في المقام غير مسموعة لعدم معلومية الموضوع «العنن» إلاّ من جانب نفس الرجل فتتعذّر إقامة البيّنة عليه فكيف تكون اليمين ـ القائمة مقام البيّنة ـ نافذة.

1 . الوسائل: 14الباب 15 من أبواب العيوب، الحديث 4.
2 . الوسائل: 14الباب 15 من أبواب العيوب، الحديث 5.
3 . الوسائل: 14الباب 15 من أبواب العيوب، الحديث 2و3.
4 . الوسائل: 14الباب 15 من أبواب العيوب، الحديث 2و3.

صفحه 154
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّه إذا أقامت بيّنة على إقراره بالعنن تسمع منها، وإن كانت لا تسمع في نفس العنن، فلا يصحّ طرد بيّنتها على الإطلاق، وبالتالي لايمكن طرد يمينها كذلك.
وثانياً: نمنع تعذّر إقامة البينة فانّ التعرّف عليه من طريق الأجهزة العلمية ليس أمراً مشكلاً فينفذ شهادة الطبيب العادل على كونه عنيناً، وأمّا إثباتها بالطرق الأربعة فالأوّل والثاني والرابع غير نقي السند والثالث صحيح السند، والظاهر أنّه ليس حكماً تعبدياً بل لأجل كونه مفيداً لليقين.
هذا كلّه إذا ادّعت العنن وصار مصبَّ الدعوى.
وأمّا إذا كان مصبّ الدعوى الوطء فله صورتان:
الأُولى: لو ادّعى الوطء وأنكرت قبل ثبوت العنن.
الثانية: إذا ادّعى الوطء بعد ثبوت العنن ورفعت أمرها إلى الحاكم وأجّله سنة، وهو مفروض الشرائع.
ففي الصورة الأُولى: القول قوله، لأنّ ظاهر الدعوى وإن كان يفترض الرجل مدّعياً للوطء، والمرأة منكرة له، لكن لبَّ الدعوى يرجع إلى أمر آخر، وهو أنّ المرأة تدّعي العنّة والرجل ينكرها فيؤخذ بقول المنكر بيمينه، بناءً على أنّ الميزان في تميّز المدّعي والمنكر هو نتيجة الدعوى لا ظاهرها.
ويدلّ عليه ما رواه الشيخ في الصحيح عن أبي حمزة، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «إذا تزوّج الرجل المرأة الثيب التي قد تزوّجت زوجاً غيره فزعمت أنّه لم يقربها منذ دخل بها، فانّ القول في ذلك قول الرجل وعليه أن يحلف باللّه لقد جامعها لأنّها المدّعية» 1.
وفي الفقه الرضوي «إذا ادّعت أنّه لا يجامعها عنّيناً كان أو غير عنين فيقول

1 . الوسائل: 14الباب 15 من أبواب العيوب، الحديث 1.

صفحه 155
الرجل أنّه قد جامعها، فعليه اليمين وعليها البيّنه لأنّها المدّعية».
ولايخفى أنّ القول بتقديم قوله مطلقاً ينافي التفصيل بين البكر والثيب في رواية أبي حمزة فلو كان المستند هي فينبغي التفصيل.
وأمّا الصورة الثانية: أعني ما إذا ادّعى الوطء بعد ثبوت العنن وضرب الأجل ففيه قولان:
1 ـ ما ذهب إليه المحقّق في الشرائع: من أنّ القول قوله مع يمينه: وهو خيرة أبي حنيفة وأصحابه والشافعي والثوري.
2 ـ ما اختاره الشيخ في الخلاف: وقال: روى أصحابنا أنّه تؤمر المرأة أن تحشو قبلها خلوقاً فإذا وطأها وكان على ذكره أثر الخلوق علم أنّه أصابها، وإن لم يكن علم أنّه لم يصبها ـ و قال: ـ وهذا هو المعمول به1 وقال الأوزاعي: يخلى بينهما ويكون بالقرب منهما أمرأتان من وراء الحجاب فإذا قضى وطره بادرتا إليها، فإن كان الماء في فرجها فقد جامعها وإن لم يكن في فرجها ماء فما جامعها 2.
والقولان يدوران على أنّ المورد من موارد الرجوع إلى الأمارات المفيدة للاطمئنان كما عليه القول الثاني أو من موارد الرجوع إلى الأصل القضائي المسلّم، من أنّ البيّنة للمدّعي واليمين على من أنكر، ولأجل عدم تمكّن المدّعي منها ينحصر الحلّ في حلف المنكِر.
ولايخفى أنّه لو أمكن كشف الحال عن طريق مورث لليقين فهو مقدّم على علاج القضية عن طريق إعمال قاعدة «البينة للمدّعي واليمين على من أنكر» لانصرافها إلى غير هذا المورد. إنّما الكلام إذا لم يتمكّن القاضي حلّ العقد، عن طريق إعمال الأمارات المورثة لليقين لضيق الوقت أو غيره فيقع الكلام في تشخيص المدّعي والمنكر.

1 . الخلاف: 2كتاب النكاح المسألة140.
2 . الخلاف: 2كتاب النكاح المسألة140.

صفحه 156
ومن المعلوم وجود الفرق الواضح بين الصورتين، ففي الصورة الأُولى لم يثبت كونه عنيناً فهي المدّعية وهو المنكر لموافقة قوله أصل السلامة بخلاف الصورة الثانية فقد ثبت العيب وضرب الأجل، فصار الرجل مدّعياً لزوال ماثبت. وعلى ذلك فلا يمكن إجراء ماقيل في الصورة الأُولى من أنّ اليمين يمينه في هذه الصورة.
ومع هذا الفرق الواضح بين الصورتين فقد ذهب المحقق الكركي إلى نفس ماعرفته في الصورة الأُولى وقد استدلّ له بوجوه:
1 ـ بأنّه من الأُمور التي لايعلم إلاّ من قبله كانقضاء العدّة بالإقرار.
2 ـ وبأنّه لم يثبت العنن وإنّما الثابت العجز، وهو ليس موضوعاً لحكم شرعي، والعنن لايثبت إلاّ لمرور سنة فإن وطأ دلّ على عدمها وإلاّ ثبت العنن فحينئذ يؤخذ بقول الرجل في نفي العنن فيقبل، لكونه موافقاً للسلامة.
3 ـ واستصحاب العجز لايثبت العنن لأنّه من الأُصول المثبتة لأنّ العجز إلى سنة لا يلازم العنن الشرعي، فإن ثبت بالوجدان يؤخذ وإلاّ فلا يثبت الاستصحاب.
4ـ ولإطلاق صحيحة أبي حمزة الماضية، حيث إنّ إطلاقها يعمّ الصورتين وقد قدّم فيها قول الرجل وعليه أن يحلف أنّه جامعها لأنّها المدّعية1.
يلاحظ عليه: بأمرين:
1 ـ أنّ المدّعي والمنكـر من المفاهيم العرفيّة فيجب في تميز أحدهما عن الآخر، الرجوع إلى العرف ولا شكّ أنّ المرأة في الصورة الأُولى هي المدّعية، لأنّها تدّعي أمراً على خلاف أصالة السلامة الحاكمة على جميع الأفراد فهي تدّعي شيئاً جديداً، لو تركت ترك.

1 . الوسائل: 14 الباب15من ابواب العيوب الحديث1.

صفحه 157
وهذا بخلاف الصورة الثانية: فالمرأة لما أثبتت عجز الرجل عن الوطء بإقراره أو غيره وأجّله الحاكم إلى سنة انقلبت القاعدة فصار العجز في مورده أمراً مسلّماً، وخلافه أمراً طارئاً جديداً فعندئذ ينقلب الأمر ويكون الرجل هو المدّعي والمرأة هي المنكرة، فاليمين يمينها.
2 ـ لو قلنا بإطلاق صحيـح أبي حمـزة يأتي التفصيل بين الثيّب والبكر، فالمرجع في الثانية هو الرجوع إلى القرائن لا اليمين.

المسألة الثامنة: إذا ثبت العجز فالخيار للمرأة:

إذا ثبت العجز بأحد الوجوه السابقة فالمرأة مخيرة بين أمرين:
1 ـ الصبر والمقام معه لأنّ الخيار حقّ لها، فلها الأخذ بأحد طرفيه وإذا أعلنت بالصبر فمعناه إسقاط الخيار فلا يعود بعده وهو حقّ واحد يسقط تمامه، والفرق بينه وبين الإيلاء واضح لأنّ حقّ المواقعة حقوق متجدّدة في كل أربعة أشهر فلها إسقاطه في فترة دون فترة، كما أنّ لها إسقاطه جميعاً مرّة واحدة لوجود المقتضي أعني العقد، ويدلّ عليه مرسل الفقيه: «متى أقامت المرأة مع زوجها بعد ما علمت أنّه عنين ورضيت به لم يكن لها خيار بعد الرضا» 1.
وإذا أجّله الحاكم سنة فهل لها الإسقاط في أثنائها؟ الظاهر، نعم وليس من قبيل إسقاط مالم يجب أو لم يثبت لوجود المقتضي وهو العقد، وعلى ذلك مشى الفقهاء في باب الضمان وإسقاطه فلو كان المقتضي موجوداً كفى في تضمينه أو إسقاطه، فإذا باع شيئاً واحتمل كونه مستحقاً للغير كفى في أخذ الضامن وجود المقتضي وإن لم يثبت كونه كذلك.
2 ـ أن ترفع أمرها إلى الحاكم فهو يؤجّلها سنة من حين المرافعة.

1 . الوسائل: 14الباب 14 من أبواب العيوب، الحديث 10.

صفحه 158
أمّا التأجيل سنة فتدلّ عليه نصوص كثيرة، منها: رواية أبي حمزة1 كما عرفت، وصحيح محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «العنّين يتربصن به سنة ثم إن شاءت امرأته تزوّجت وإن شاءت أقامت» 2 وغيرهما 3.
والظاهر أنّ ضرب الأجل للاستظهار فإذا تبيّـن كونه عنّيناً، فالقول بلزوم مضي سنة، يحتاج إلى دليل حاسم.
وعلى ذلك يحمل مادل على التفريق من دون ذكر التأجيل مثل خبر غياث ابن إبراهيم4 وأبي الصباح الكناني5.
وهل الامتناع عن رفع المرافعة يقتضي سقوط الخيار؟ قيل: الظاهر ذلك لوقلنا بفورية الخيار ولكن لا دليل على الفورية.
نعم لو كان الامتناع ظاهراً في الرضا بالنكاح كان مسقطاً وإلاّ كما صرّح بأنّ الامتناع ليس عن رضى به فلا يسقط.
وعلى أي حال فإن واقعها أو واقع غيرها فلا خيار لعدم العنن، والاكتفاء بوقاع غيرها لأجل أنّه دليل على أنّه ليس بعنين وإلاّ لما كان هناك فرق بين المرأتين.
نعم لو استمرّ الحال إلى حدّ حرجي فلها أن ترفع الشكوى إلى الحاكم فيأمره بالطلاق رفعاً للحرج.
وعلى كلّ تقدير، فلو فسخت فعليه نصف المهر بلا خلاف وتدلّ عليه صحيحة أبي حمزة وما في قرب الإسناد6 «من تمام المهر» لايقاومها.
***

1 . الوسائل: 14الباب 15 من أبواب العيوب، الحديث 1.
2 . الوسائل: 14الباب 14 من أبواب العيوب، الحديث 5و9.
3 . الوسائل: 14الباب 14 من أبواب العيوب، الحديث 5و9.
4 . الوسائل: 14الباب 1 من أبواب العيوب، الحديث 14.
5 . الوسائل: 14الباب 14 من أبواب العيوب، الحديث 6.
6 . الوسائل: 14الباب 14 من أبواب العيوب، الحديث 13.

صفحه 159

في التدليس وأحكامه

التدليس تفعيل من الدلس وهو تارة بمعنى الظلمة، وأُخرى بمعنى الخدعة، وكأنّ البائع لمّا أتى بالمعيب أو الناقص، وقد كتم عليه عيبه أو نقصه كأنّه أتاه في الظلمة، وفي ثوب الخدعة.
والتدليس يتحقق بأن يصف مورد العقد ويتبين الخلاف أو يسكت، وعلى الثاني ، إمّا أن يكون العيب خفيّاً ، أو جلياً فعلى الأوّل، يصدق الغش والتدليس سواء كان المفقود وصف كمال أو وصف السلامة ، وعلى الثاني: فالسكوت عن العيب الخفيّ الذي لايظهر بالاختبار المتعارف قبل المعاملة غش، وأمّا العيب الظاهر فليس ترك إظهاره غشّاً اللّهمّ إلاّ إذا أظهر سلامته على وجه يعتمد عليه كما إذا فتح قرآناً بين يدي الأعمى فأظهر أنّه بصير يقرأ فاعتمد المشتري عليه على ذلك وأهمل اختباره.
وأمّا وصف الكمال فليس السكوت عنه غشّاً إلاّ إذا أظهر كونه واجداً له كما إذا أعطى للعبد قلماً وقرطاساً مشعراً بأنّه بصدد كتابة الرسالة، وتدلّ بالملازمة على كونه كاتباً، هذا حسب اللغة، وأمّا موارد الشكّ فيرجع فيه إلى الأصل الموجود في المسألة.
ثمّ إنّ التدليس في موارد العيوب المجوّزة للفسخ لايكون مؤثّراً لأنّ الفسخ هناك دائر مدار العيب سواء كان هناك تدليس أو لا، وإنّما يؤثّر التدليس في الرجوع في المهر فيرجع إلى المدلّس وليّاً كان أو غيره فيما إذا تعلّق بذمّته المهر، كما

صفحه 160
إذا فسخ بعد ما دخل بها جاهلاً بالعيب.
نعم، التدليس في مورد غير العيوب المنصوصة يؤثّر في جواز الفسخ ولولاه لم يكن له الفسخ سواء كان التدليس بإخفاء العيب كوصل الشعر أو باظهار وصف كمال فيه، لكن إذا اشترط في العقد عدم النقص أو وصف الكمال أو عقد بنحو التوصيف كما إذا قال: زوّجتك هذه الباكرة، أو غيره الثيبة، أو وصفها بصفة الكمال أو عدم النقص قبل العقد، عند الخطبة والمقاولة، ثم أوقع العقد مبنيّاً على ماذكره فإنّه بمنزلة الاشتراط، بل يمكن الاكتفاء بما إذا كان التزويج حسب العادة مبنياً على عدم ذاك النقص أو وجود وصف الكمال، فكان عدمه أو وجوده قيداً للمعقود عليه وإن لم يتلفّظ به.
وذلك ككون المرأة ذات شعر أو باكراً في عرف بلادنا وإن لم يكن الثاني كذلك في المناطق الأوربية ـ على ما يحكى ـ.
ثمّ إنّ المحقق رتّب على هذا الأصل مسائل نقتصر بالموارد اللازمة.
المسألة الأُولى: إذا تزوّج امرأة على أنّها بكر فبانت ثيباً
إذا تزوّج امرأة وشرط كونها بكراً فوجدها ثيباً، فله صور:
إذا شرط الزوج البكارة في العقد أو ذكرها وصفاً أو أخبر الوليّ بأنّها بكر فعقد بانياً عليه، أو أقدم عليه على الوجه المألوف بين البنات، وعلى التقادير الأربعة إمّا أن يثبت بإقرارها أو بالبيّنة كونها ثيباً قبل العقد، أو ثبت كونها كذلك بعده، أو يشتبه الحال، فتكون الصور اثني عشر.
ثمّ إنّه يقع الكلام تارة في جواز الفسخ، وأُخرى في تنقيص المهر إذا لم يكن له الفسخ أو كان واختار المُقام معها.
أمّا الأوّل أي جواز الفسخ ففيه قولان :

صفحه 161
الف ـ ما يظهر من الشيخ والحلبي وابن البرّاج والعلاّمة من أنّه ليس له الردّ.
1 ـ قال في النهاية : إذا عقد على امرأة على أنّها بكر فوجدها ثيّباً لم يكن له ردّها غير أنّ له أن ينقص من مهرها شيئاً1.
2 ـ قال الحلبي: وإن تزوّج بكراً فوجدها ثيّباً فأقرّت الزوجة بذلك حسب، أو قامت به البيّنة فليس بعيب يوجب الردّ إلاّ نقصاناً في المهر، وإن فقدت البيّنة والإقرار فقذفها الزوج بذلك عزّر2.
3 ـ وقال ابن البراج: إذا تزوّج امرأة على أنّها بكر فوجدها ثيباً، جاز أن ينقص من مهرها شيئاً وليس ذلك بواجب3.
4 ـ قال العلاّمة في التحرير: لو تزوّج وشرط البكارة فخرجت ثيّباً، لم يكن له الفسخ وكان له أن ينقص من مهرها شيئاً وهو ما بين مهر البكر والثيّب ويرجع فيه إلى العادة4.
واستدل له بصحيحة محمد بن القاسم بن الفضيل عن أبي الحسن (عليه السلام) في الرّجل يتزوّج المرأة على أنّها بكر فيجدها ثيّباً أيجوز له أن يقيم عليها؟ قال: فقال: «قد تفتق البكر من المركب ومن النزوة» 5.
والظاهر من الحديث، هو دفع ظن ورد في خلد الزوج وهو أنّها كانت مزوّجة أو زانية، وهو أنّ للثيبوبة عللاً أُخرى وبذلك يصدّ سوء الظن، و أين هو من القول بعدم جواز الفسخ.
وبالجملة : أنّ السائل سأله أنّه هل يقيم عليها أو لا؟ لأجل احتمال كونها

1 . النهاية: 486.
2 . الكافي: 296.
3 . المهذّب: 2/213.
4 . التحرير: كتاب النكاح: 30ـ 31.
5 . الوسائل: 14الباب10 من أبواب العيوب، حديث 1.

صفحه 162
زانية فدفع الإمام (عليه السلام) سوء الظن، بأنّ الثيبوبة ليست دليلاً على الزنا فقم عليها. وأين هذا من أنّه لا يجوز له الفسخ إذا ثبت ثيبوبتها بالمقاربة؟
ب ـ مايظهر من المحقق من التفصيل بين كونها ثيّباً قبل العقد، وبين طروئها بعده، أو احتمال طروئها كذلك فلا فسخ، قال: إذا تزوّج امرأة وشرط كونها بكراً فوجدها ثيّباً لم يكن له الفسخ لإمكان تجدّده بسبب خفي.

توضيح أحكام الأقسام

1 ـ إذا لم يكن هناك اشتراط ولاتوصيف ولابناء ولا عادة جارية بيدَ أنّه تزوّج الرجل بزعم أنّها بكر فبان خلافه، فليس له الردّ ولا النقص لأنّ الثيبوبة ليست عيباً مجوزاً للفسخ.
2 ـ إذا كان هناك أحد الأُمور الأربعة فظهـر الخلاف وثبت بإقرارها أو بالبينّة تقدّمها على العقد، فالأقوى جواز الردّ لفوت الشرط المقتضي للتخيير أو فوات مايقوم مقامه 1.
3 ـ ولو ثبت تأخّرها عن العقد فلا خيار لعدم المقتضي بل حتى ولو لم يثبت تأخرها عن العقد بل احتمل، وذلك لأنّ الخيار خلاف الأصل فهو يحتاج إلى الدليل، فأصالة اللزوم محكمة مالم يثبت جوازه. نعم استصحاب عدم طروئها إلى زمان العقد، لايثبت تأخّرها عنه فالمحكّم هو استصحاب اللزوم لا هذا. ثم إنّه متى فسخ فإن كان قبل الدخول فلا شيء لها وإن كان بعده فيستقرّ عليه المهر ويرجع به على المدلّس ، وإن كانت هي المدلّسة فلا شيء لها.
نعم يجب عليه دفع شيء إلى الزوجة مما يصلح أن يقع مهراً لبطلان خلو الانتفاع من البضع بلا شيء.
هذا كلّه في الردّ.

1 . قال السيد الاصفهاني في الوسيلة: كتاب النكاح، القول في العيوب، المسألة 16.

صفحه 163
أمّا الثاني أي تنقيص المهر فمورده، اثنان:
1 ـ إذا جاز له الفسخ لأجل التدليس لكن أراد المقام معها.
2 ـ إذا لم يكن له الفسخ كما إذا اعتقد أنّها بكر من دون وجود مايدلّ على الالتزام.
أقول: الظاهر من عبارتي أبي الصلاح وابن البرّاج، عدّة أقوال ذكرها العلاّمة في المختلف:
1 ـ ينقص من مهرها شيئاً من دون تقدير، وهو مختار الشيخ في النهاية وهو أمر مبهم يجب تقديره.
2 ـ إنّ الناقص هو السدس، نقل عن القطب الراوندي محتجّاً بأنّ الشيء في عرف الشرع هو السدس ولذا حمل عليه في باب الوصية.
3 ـ قال ابن إدريس: ينتقص من المسمّى مقدار مثل مابين مهر الثيّب والبكر.
وأورد عليه: أنّه ربّما يستلزم سقوط المهر بالكلّية وذلك لو فرضنا أنّ مهرها بكراً خمسون، وثيّباً أربعون وكان المسمّى عشراً فلو كان الساقط هو التفاوت الموجود بين المهرين يلزم أن لا يدفع لها شيء.
4 ـ إنّ الساقط نسبة مابين مهرها بكراً وثيّباً، ففي الصورة المزبورة يسقط خمس العشرة، لأنّ نسبة التفاوت بين الخمسين والأربعين هو الخمس.
ووجهه: أنّ الرضا بالمهر المعيّن حصل على تقدير وجود الشرط والمفروض خلوّه عنه، فيلزم التفاوت كأرش مابين المبيع صحيحاً ومعيباً.
5 ـ الرجوع إلى الحاكم نقله صاحب المسالك عن المحقق، لعدم تقديره بشيء من الروايات وليس شيء أنسب له من نظر الحاكم1.

1 . المختلف: كتاب النكاح باب المهور 98.

صفحه 164
6 ـ وهناك احتمال آخر وهو تقدير النقصان بالنصف استظهاراً من النصوص الواردة في الأمة إذا حلّلها مالكها للغير ولكن دون الفرج لكن غلبته الشهوة فافتضها فيغرّم لصاحبها عشر قيمتها إن كانت بكراً، وإن لم تكن فنصف عشر قيمتها1. فتدلّ الرواية على أنّ التفاوت بين البكارة والثيبوبة التي لافرق فيها بين الأمة وغيرها بالنصف فيأخذ نصف المسمّى.
وأقرب الأقوال هو الرابع ولعلّ القول الأوّل يرجع إليه وإلاّ فالقول بنقصان شيء من دون تعيين مرجع يعينه لايليق بشأن الشريعة، وأمّا القول الثاني: فلأنّ تقدير شيء بالسدس في باب الإقرار من باب التعبّد فلا دليل على كونه ضابطاً كلّياً.
والقول الثالث: عرفت ضعفه، وأمّا الخامس، أي الرجوع إلى الحاكم: لايتمّ إلاّ أن يكون عنده معيار لمقدار النقص، وأمّا السادس: فلم يقل به أحد.
المسألة الثانية: إذا بانت كتابية:
إذا استمتع بامرأة بلا شرط فبانت كتابية، لم يكن له الفسخ، لعدم المقتضي له من شرط أو توصيف أو بناء على كونها مسلمة ولا إسقاط شيء من المهر.
وكذا لو تزوّجها دائماً بلا شرط إسلامها ـ فهو إمّا باطل لأجل عدم جواز نكاح الكتابيات ـ على خلاف التحقيق ـ أو صحيح لايفارقها إلاّ بالطلاق.
نعم، لو شرط إسلامها فبان الخلاف فقد عرفت أنّ التخلّف عن الشرط مقتض لجواز الفسخ.
وأمّا المهر، فإن فسخ قبل الدخول فلا شيء وليس الفسخ كالطلاق قبله وإن كان بعده فيرجع إلى المدلّس، ولو أقام عليها لم يكن له إسقاط شيء من المهر لاختصاص النقص بالمسألة السابقة.

1 . الوسائل: 14الباب 35 من أبواب نكاح العبيد والإماء، الحديث 1.

صفحه 165
ولو شرط كونها كتابية فبانت مسلمة، فيجري أحكام الفسخ والرجوع وكون الإسلام كمالاً، لا ينفى الخيار لإمكان تعلّق الغرض بغيره.
المسألة الثالثة: فيما إذا أُدخلت زوجة كل على الآخر:
إذا تزوّج رجلان بامرأتين فَأُدْخِلَت زوجة كلّ واحد منهما على الآخر فوطأها، فلكلّ واحد منهما على واطئها مع جهلها مهر المثل، وتردّ كل واحدة منهما على زوجها وعليه مهرها المسمّى وليس له وطؤها حتى تنقضي عدّتها من وطء الأوّل، ولو ماتتا في العدّة أو مات الزوجان ورث كلّ منهما زوجة نفسه وورثته زوجته.
أقول: الأصل في المسألة، هو صحيح جميل بن صالح ، أنّ أبا عبداللّه (عليه السلام) قال في أُختين أُهديتا لأخوين فأُدخلت امرأة هذا على هذا، وامرأة هذا على هذا قال: «لكلّ واحدة منهما الصداق بالغشيان، وإن كان وليّهما تعمّد ذلك أُغرم الصداق ولايقرب واحد منهما امرأته حتّى تنقضي العدّة، فإذا انقضت العدّة صارت كلّ امرأة منهما إلى زوجها الأوّل بالنكاح الأوّل» قيل له: فإن ماتتا قبل انقضاء العدّة؟ قال: «يرجع الزوجان بنصف الصداق على ورثتهما فيرثانهما الرجلان» قيل: فإن مات الزوجان وهما في العدّة؟ قال: «ترثانهما ولهما نصف المهر وعليهما العدّة بعد ماتفرغان من العدّة الأُولى تعتدّان عدّة المتوفّى عنها زوجها» 1.
ويقع البحث فيها عن جهات:
الأُولى : في سند الرواية:
رواه الصدوق بسند صحيح عن الحسن بن محبوب عن جميل بن صالح بلا إرسال، ورواه الكليني والشيخ، عن الحسن بن محبوب، عن جميل بن صالح، عن بعض أصحابنا عن أبي عبداللّه (عليه السلام) والرواية مرسلة على نقلهما، وحكم في المسالك بضعف الرواية نظراً إلى

1 . الوسائل: 14الباب 49 من أبواب مايحرم بالمصاهرة، الحديث 2 .

صفحه 166
نقل الكليني والشيخ، وحكم بالصحّة في الحدائق نظراً إلى نقل الصدوق، والحكم بالصحّة جزماً يتوقّف على زيادة «بعض أصحابنا» في روايتي الكليني والشيخ، أو سماعها عن الإمام (عليه السلام) مرّتين وإلاّ فمن المحتمل سقوط الواسطة عن قلم الصدوق.
وفي المقام رواية صحيحة أُخرى لاتشمل على كثير من هذه الأحكام، رواه الصدوق عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن رجلين نكحا امرأتين فأتى هذا امرأة هذا، وهذا امرأة هذا ؟قال: «تعتد هذه من هذا وهذه من هذا ثمّ ترجع كل واحدة إلى زوجها»1.
الثانية : إنّ الرواية معمول بها.
قد عمل بها الشيخ في النهاية وابن إدريس في السرائر. غير أنّ الشيخ لم يعمل بتنصيف المهر عند موت الزوج فحكم بالمسمّى كلّه ولم يعمل به في كلا الموردين صاحب السرائر فحكم بالمسمّى فيهما ، وقال صاحب الجواهر: إنّ الحاجة إلى التأويل في مورد واحد وهو موت الزوجة فإنّ المشهور فيه هو المسمّى لانصفه لاموت الزوج فانّ فيه روايات كثيرة دالّة على التنصيف2.
الثالثة : تغريم الولي إذا كان عالماً كما هو مورد الرواية موافقة للقاعدة، وأمّا إذا كان جاهلاً فهو والزوجة متساويان في السببية ولا أقوائية في البين فالأولى، التوزيع، ويحتمل أقوائية الزوجة في السببية ويحتمل عدم الضمان عند الجهل، ولعلّ التقييد بالعمد في النصّ لإفادة عدم الضمان في غيره هذا إذا كانت الزوجة جاهلة وإلاّ فلا مهر لبغي.
الرابعة : فإذا انقضت العدّة تردّ كل منهما إلى زوجها الأوّل بالنكاح الأوّل، لأنّ الحرام ـ فكيف الوطء عن شبهة ـ لا يحرّم الحلال.
الخامسة : فإن ماتت الزوجتان قبل انقضاء العدة يرجع الزوجان بنصف

1 . الوسائل: 14الباب 49 من أبواب مايحرم بالمصاهرة، الحديث 1.
2 . قد عنون صاحب الجواهر المسألة تبعاً للمحقق في آخر كتاب الميراث لاحظ ج 39/320.

صفحه 167
الصداق على ورثتهما والمقصود الموت قبل دخول الزوج الشرعي فيرجع الزوج إلى نصف المسمّى وهو المراد من الصداق. والمشهور على خلافه، فإنّ المعروف أنّ الموت ليس بمنصّف.
السادسة : ويرثانهما الرجلان، يعني مضافاً إلى الرجوع إلى نصف المسمّى، يرث زوج كلّ واحد منهما تركة زوجته لكونه زوجاً للميت.
السابعة : وإن مات الزوجان وهما في العدّة يجري فيه ماذكرناه في الصورة المتقدّمة، من أنّ الموت قبل العدّة كناية عن الموت قبل دخول الزوج الحقيقي، ويُنصَّف المهر، بموت الزوج، وترث كل زوجة، زوجه.
الثامنة : عليها عدّتان: عدة الوطء عن شبهة، وعدة المتوفى عنها زوجها، ثم إنّ هنا فروعاً ذكرها في الجواهر ونشير إليها.
1 ـ إذا اشتبهت على كلّ منهما زوجته ولم يكن طريق إلى معرفتهما، فهل يقرع؟! لأنّ القرعة لكل أمر مشكل، أو يلزم كل واحد منهما بالطلاق، ولو امتنعا طلّق الحاكم أو فسخه، أو تتسلط المرأتان على الفسخ؟
فقد قوّى صاحب الجواهر الوجه الأوّل، وبما أنّ أمر النكاح مهم يحتمل الثاني وإلاّ فالحاكم، على أنّ القرعة: إنّما هي فيما إذا لم يكن هناك طريق آخر والمفروض وجوده فتأمل.
2 ـ ولو قاما بالطلاق وتزوّج أحدهما بإحداهما بعد ذلك وطلّقها مرّتين لم تحرم لعدم ثبوت كون هذه الزوجة مطلقة من جانب ذلك ثلاث مرّات.
3 ـ نعم لو زوّجهما معاً وطلّقهما مرّتين، حرمتا عليه لعلمه إجمالاً بأنّ إحدى المرأتين مطلّقة من جانبه ثلاث مرّات.
4 ـ ولو طلّقا يلـزم كلّ منهما بالنصـف إذا كان قبل الدخول فان اتفقا النصفان قدراً وصفة أخذت كل منهما أحد النصفين، وإن اختلفا يقرع بينهما لعدم مالك لهما غيرهما وقد اشتبه المملوك.

صفحه 168
المسألة الرابعة: في بطلان العقد مع الوطء ومهر المثل:
من القواعد المقرّرة بينهم، أنّ كل موضع حكم فيه ببطلان العقد فللزوجة مع الوطء مهر المثل لا المسمّى.
وكل موضع حكم فيه بصحّة العقد فلها مع الوطء، المسمّى، وإن تعقّبه الفسخ.
وجه الأوّل : أنّ العقد الباطل كالعدم فيكون الوطء بشبهة، ففيها مهر المثل اتّفاقاً، على أنّ المسألة من مصاديق: كلّ مايضمن بصحيحه يضمن بفاسده، فيأتي في المقام كلّ ماذكر فيه.
ووجه الثاني: أنّ المسمّى يجب بالعقد ويستقرّ بالدخول، والفسخ، فسخ من حينه لا من أصل العقد.
نعم فصّل الشيخ: بين العيب الطارئ قبل الوطء وبعده، ففي الأوّل يجب مهر المثل سواء كان حدوثه قبل العقد أو بعده ـ وقبل الوطء ـ بخلاف الحادث بعد الوطء، وقد تقدّم البحث عنه وقلنا: إنّ سبق العيب على الوطء، لايسلتزم بطلان العقد، من أصل حتّى يكون من قبيل الوطء المجرّد عن العقد. وعرفت مفاد الأخبار.
المسألة الخامسة : لو بانت عقيمة مع شرط الاستيلاد:
لو شرط الاستيلاد فخرجت عقيماً ربّما يقال ببطلان الشرط لأنّه راجع إلى أمر خارج عن قدرتها، وهذا نظير اشتراط صيرورة السنبل زرعاً.
ويلاحظ عليه: أنّ المراد اشتمالها على القابلية وربّما يقال بصحّة الشرط ولكنّه لافسخ لإمكان تجدّد شرطه في الشيخوخة، أو لأنّ انتفاء الولادة لايدلّ على العقم، ويردّ الأوّل: بأنّ المراد كونها منتجة في أيّام شبابها لا في زمان شيخوختها، على أنّ استيلادها فيها من الغرائب، ويردّ الثاني ـ مضافاً إلى إمكان معرفته بالقرائن ـ: أنّ المقصود قيامها بالاستيلاد، وهي بعد لم تقم بها سواء كان الوجه هو فقد المقتضي أو وجود المانع.

صفحه 169
الفصل الخامس عشر:

في المهور

1 ـ في جعل الحق مهراً
2 ـ في جعل مال الغير مهراً
3ـ في جعل الخمر مهراً
4ـ لا تقدير للمهر
5ـ في تعيين المهر
6ـ إذا تزوّج امرأتين فصاعداً في عقد واحد بمهر واحد
7ـ لو سمّى للمرأة مهراً ولأبيها شيئاً
8ـ لو أصدقها ظرفاً على أنّه خل فبان خمراً
9ـ إذا تزوّجها بمهر سراً وب آخر جهراً كان لها الأوّل
10ـ في ضمان المهر على الزوج
11ـ للزوجة الامتناع حتى تقبض الصداق
12ـ في حكم مفوضة البضع ومفوضة المهر

صفحه 170

صفحه 171

في المهور وأحكامها

ويعبّر عنها بمفردها «المهر»، وبالصداق، والنحلة، والأجر، والفريضة، والعقر، والصدقة، والعليقة، والحباء، والطول، وقد ورد بعضها في الذكر الحكيم.
واحتمل صاحب الجواهر، اختصاص اسم الأجر، بمهر المتعة وهو غير تام، لورودها في الدائم، مثل قوله سبحانه: (فَانكِحُوهُنَّ بإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ)1. وقوله سبحانه: (إِنّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاّتي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ)2. وهو تارة يجب بالعقد، وأُخرى بالوطء غير المحرم كالشبهة و بتفويت البضع على الزوج كإرضاع أُمّ الزوجة ولد البنت ثالثاً وتسميته بالمهر بعيد فانّما هو غرامة ما يصحّ جعله مهراً.
والمهر الصحيح في نكاح المسلمين كما قال المحقق: هو كلّما يصحّ أن يملكه المسلم، عيناً كان أو منفعة مملوك لحرّ كتعليم الصنعة والقرآن، وعلى إجارة الزوج نفسه مدّة معينة.
أقول: يقع الكلام تارة في مقدار المهر، وأُخرى في كيفيته.
أمّا الأُولى: فقد أجمع علماء الشيعة على أنّه لا حدّ له من حيث القلّة والكثرة ويكفي فيه ماتراضى به الناس.
اختلفت كلمة فقهاء العامّة: قال في الخلاف: الصداق ماتراضيا عليه ممّا

1 . النساء: 25.
2 . الأحزاب: 50.

صفحه 172
يصحّ أن يكون ثمناً لمبيع أو أُجرة لمكتري قليلاً أو كثيراً وبه قال في الصحابة: عمر ابن الخطاب وابن عباس، وفي التابعين: سعيد بن المسيب والحسن البصري، وفي الفقهاء: ربيعة والأوزاعي والثوري والشافعي وأحمد وأسحاق.
وقال مالك: مقدّر بأقلّ مايجب فيه القطع وهو ثلاثة دراهم. وقال أبو حنيفة وأصحابه: مقدّر بعشرة دراهم، فإن عقد النكاح بأقلّ من عشرة صحّت التسمية وكملت عشرة فيكون كأنّه عقد بعشرة وهذه التسمية تمنع من وجوب مهر المثل وقال زفر: يسقط المسمى ويجب مهر المثل وهو القياس على قولهم، وقال ابن شبرمة: أقلّه خمسة دراهم، وقال النخعي: أقلّه أربعون درهماً ، وقال سعيد بن جبير: أقلّه خمسون درهماً1.
وفي مقابل هذه الأقوال المتضاربة، تضافرت الروايات، عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام)بأنّ المهر عبارة عما تراضى عليه الناس2. ومافي بعض الروايات: «المهر ما تراضى عليه الناس أو اثنتا عشرة أوقية ونش أو خمسمائة درهم» 3 فهو إشارة إلى مهر السنّة فانّ كل أوقية أربعون درهماً فلو ضربناه في (12) يصير أربعمائة وثمانين درهماً وإذا أضيف إليه عشرون درهماً وهو نصف الأوقية يكون خمسمائة درهم.
كما أنّ في بعض الروايات، أنّ المهر لا يكون إلاّ على درهم أو درهمين في جواب من تزوّج امرأة وشرط لها أن لايتزوّج عليها ورضيت أنّ ذلك مهرها، قالت: فقال أبو عبداللّه (عليه السلام) : «هذا شرط فاسد لا يكون النكاح إلاّ على درهم أو درهمين»4 إشارة إلى كونه أمراً متموّلاً في مقابل ماجعله مهراً في الرواية لا

1 . الخلاف: 2 كتاب الصداق، المسألة 2.
2 . الوسائل: 15الباب1 من أبواب المهور، الحديث 1 و 2 و 9.
3 . المصدر نفسه: الحديث4، 10 وأحاديث الباب4. والنش: النصف من كل شيء.
4 . المصدر نفسه: الباب 20 من أبواب المهور، الحديث1.

صفحه 173
لخصوصية في الدرهم والدرهمين.
وأمّا الثاني : فيكفي كونه عيناً أو منفعة لعين أو كلّ عمل محلّل، روى الفريقان أنّه جاءت امرأة إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، فقالت: زوّجني، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «من لهذه؟» فقام رجل فقال: أنا يارسول اللّه، زوّجنيها، فقال: «ماتعطيها؟» فقال: مالي شيء ، قال: «لا » فأعادت فأعاد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) الكلام فلم يقم أحد غير الرجل ثمّ أعادت فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) في المرة الثالثة: «أتحسن من القرآن شيئاً ؟» قال: نعم، قال:« قد زوّجتكها على ماتحسن من القرآن فعلّمها إيّاه».
وقال أبو حنيفة وأصحابه: لايجوز أن يكون منافع الحرّ صداقاً بحال، سواء كان فعلهم تعليماً أو غيره، فقال: بأنّ المهر يجب أن يكون مالا، أو مايوجب تسليم المال، مثل سكنى دار، أو خدمة عبد سنة، فأمّا ما لايكون مثل ذلك فلا يجوز1.
إنّما الكلام إذا جعل المهر إجارة الزوج نفسه مدّة معينة، فمنع عنه الشيخ في كتبه الثلاثة: النهاية، والخلاف، والمبسوط2.
وتبعه ابن البرّاج، قال: وروى أصحابنا أنّ الإجارة مدّة لايصحّ أن يكون صداقاً لأنّ ذلك مخصوص بموسى (عليه السلام) 3 ونقل العلاّمة في المختلف عن ابن حمزة حيث قال: أو منفعة لحرّ من تعليم القرآن والأدب وتعليم الصنائع المباحة ـ سوى الإجارة ـ يصحّ أن يكون مهراً4.
وخالف ابن إدريس وجوّز كون العمل في ذمّة الزوج مهراً و قال: ويجوز أن يكون منافع الحرّ مهراً مثل تعليم قرآن، أو شعر مباح، أو بناء، أو خياطة ثوب وغير ذلك مما له أُجرة، لأنّ كل ذلك له أجر معيّـن، وقيمة مقدّرة.

1 . الخلاف: 2 كتاب الصداق المسألة3. واستدل على مختاره برواية سهل بن سعد الساعدي. رواها في الوسائل: 15الباب2 من أبواب المهور، الحديث1.
2 . نقل في الجواهر نصوص الشيخ في كتبه الثلاثة وسيوافيك نصّ النهاية منها.
3 . المهذّب: 2/199.
4 . المختلف: كتاب النكاح: 94.

صفحه 174
واستثنى بعض أصحابنا من جملة ذلك الإجارة إذا كانت معيّنة يعملها الزوج بنفسه، قال: لأنّ ذلك كان مخصوصاً بموسى (عليه السلام) قال: والوجه في ذلك أنّ الإجارة إذا كانت معينة لاتكون مضمونة بل إذا مات المستأجر لا تؤخذ من تركته ويستأجر لتمام العمل ـ ثم ردّه ـ وحكم بالصحّة سواء كانت الإجارة في الذمّة أو معينة لعموم الأخبار وأنّ دليل الاستثناء خبر واحد، فإذا تؤمّل حقّ التأمّل بان ووضح أنّ شعيباً (عليه السلام)استأجر موسى ليرعى له لا يرعى لبنته وذلك كان في شرعه وملّته أنّ المهر للأب دون البنت ولكنّه لايجوز في شرعنا، فأمّا إذا عقد على إجارة ليعمل لها فالعقد صحيح سواء كانت الإجارة معيّنة أو في الذمة1.
والخبر الذي أشار إليه ابن إدريس هو مارواه الكليني عن أبي نصر البزنطي بسندين أحدهما صحيح، قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام)قول شعيب (إنّي أُريدُ أنْ أُنكِحكَ إحدَى ابنتيَّ هاتينِ على أن تَأْجُرَني ثمانِيَ حِجج فإنْ أتممتَ عَشراً فمِنْ عِندِكَ) أيّ الأجلين قضى؟ قال: «الوفاء منهما أبعدهما عشر سنين» قلت: فدخل بها قبل أن ينقضي الشرط أو بعد انقضائه؟ قال: «قبل أن ينقضي» قلت: فالرجل يتزوّج المرأة ويشترط لأبيها إجارة شهرين يجوز ذلك؟ فقال: «إنّ موسى (عليه السلام) قد علم أنّه سيتمّ له شرطه فكيف لهذا بأن يعلم أن سيبقى حتّى يفي؟ وقد كان الرجل على عهد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) يتزوّج المرأة على السورة من القرآن وعلى الدرهم وعلى القبضة من الحنطة» 2.
أقول: يقع الكلام في صورتين:
الصورة الأُولى: إذا كان المهر عملاً في ذمّته غير مشروط عليه المباشرة بنفسه

1 . السرائر: 2/577ـ 578.
2 . الوسائل: 15الباب22 من أبواب المهور، الحديث1، ولابدّ من حمل قوله «وقد كان الرجل...» على العمل غير المشروط بالمباشرة. والآية من سورة القصص: 27.

صفحه 175
فلا إشكال فيه، ولا أظنّ أن يكون ذلك مورد الاستثناء لتصريح الشيخ ومن تبعه بجواز ذلك.
قال في النهاية: يجوز العقد على تعليم آية من القرآن أو شيء من الحكم والآداب لأنّ ذلك له أجر معيّن وقيمة مقدّرة، ولا يجوز العقد على إجارة وهو أن يعقد الرجل على امرأة على أن يعمل لها أو لوليّها أيّاماً معلومة أو سنين معيّنة1.
الصورة الثانية: إذا جعل العمل المباشري مهراً في ذمّته وهذا هو الذي منعه الشيخ في ذيل كلامه في النهاية كما عرفت، وما في الجواهر من أنّه ليس من شيء من كلامه في كتبه الثلاثة الإشارة إلى الفرق بما عرفت غير ظاهر، إذ لو كان مورد كلامه هو أولى الصورتين يلزم التناقض بين صدر كلامه وذيله إذ ليس جعل منفعة علم الحرّ مهراً، إلاّ تعهده بنفس العمل مباشرة أو تسبيباً فمورد كلامه هو الصورة الثانية، أعني إذا كان المهر استئجار الزوج لأن يعلم أو يعمل بنفسه لها ولكن الأقوى الصحة لورود النصّ فيه بالخصوص أعني المعتبرة المستفيضة من جعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تعليم الزوج القرآن صداقاً للمرأة التي روتها العامّة والخاصّة2.
فان قلت: لو فرض موت الزوج قبل إنجاز العمل، وقد كان المهر هو العمل المباشري، وقد امتنع القيام بدفع المهر.
قلت: يؤخذ من تركته وينجز به العمل شأن كلّ شرط مباشري امتنع القيام به فما نقله ابن إدريس من أنّه «إذا كانت الإجارة معيّنة لاتكون مضمونة ولايؤخذ من تركته لا دليل عليه ولو قبل بالانفساخ، فينتقل من المهر المسمّى إلى مهر المثل.
فإن قلت: فما تصنع بصحيحة البزنطي حيث منع عنه وقد تقدّم أنّ القدر المتيقّن هو كون العمل في ذمّة الزوج مباشرة؟

1 . النهاية: 469.
2 . الوسائل: 15 الباب2 من أبواب المهور الحديث 1، والخلاف: 2كتاب الصداق، المسألة3.

صفحه 176
قلت: لا مناص من حمله على الكراهة لأجل عدم علمه بالبقاء وهو كاف في الكراهة، وذلك لتضافر الروايات على أنّ النبيّ جعل قيام الزوج بنفسه بتعليم القرآن لزوجته مهراً. وهو ممّا لايمكن طرحه ولا تأويله.
أضف إليه أنّه من المحتمل أن يكون الممنوع هو العمل للأب، ويكون ذا مهراً للبنت فمن المحتمل أن يكون هذا ممنوعاً في الشريعة الإسلامية وهو خيرة ابن ادريس في السرائر 1 وإن كان للنظر فيه مجال. إذ لا وجه لكونه مانعاً بعد وروده في شريعة شعيب (عليه السلام) ووروده في القرآن، ولو كان ممنوعاً في شريعتنا كان الإشعار بالاختصاص بها، لازماً. كما هو الحال في مسألة هبة المرأة نفسها بأنّها تختصّ بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)قال سبحانه: (وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إن وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبيِّ إنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنْكِحَها خَالِصَةً لكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِين) فقال الإمام لا تحل الهبة إلاّ لرسول اللّه2.
فتلخص أنّ الصحيحة تؤول بأحد وجهين: الأوّل الحمل على الكراهة، الثاني: الحمل على كونه أجيراً للأب ويقع ذلك مهراً وإن ضعّف الاحتمال الثاني.
وهناك احتمال ثالث، ذكره في الجواهر، وحاصله: جعل الصداق الإجارة نفسها على وجه يكون البضع أُجرة، كما كانت الإجارة مهراً على معنى تزويج المرأة نفسها بإجارة نفسه لها شهراً، أو على عمل بحيث يكون الصداق عقد الإجارة أو يذكر العمل فيه على إرادة عقد الإجارة ويجعل البضع نفسه أُجرة لذلك، كقول شعيب لموسى (عليهما السلام) (على أن تأجرني ثماني حجج) ولاريب في عدم صحّة ذلك ضرورة عدم صلاحية البضع لأن يكون أُجرة ولا ثمناً لمبيع ولا عوضاً في جميع المعاوضات3.

1 . السرائر: 2/578.
2 . الوسائل: 15الباب 19 من أبواب المهور، الحديث1، والآية من سورة الأحزاب/ 50.
3 . الجواهر: 31/6.

صفحه 177
والفرق بينه وبين القسمين أنّ الصداق فيهما نفس العمل، وفي المقام الإجارة جموداً على ظاهر الآية.
ولكنه احتمال بعيد في الأذهان وتطبيق قوله سبحانه: (عَلَى أَن تَأجُرَني ثَمانِي حِجَج)1 على ذلك بعيد، لأنّ الإجارة ذكرت طريقاً للمقصود، وهو التعهد على رعي الغنم مباشرة وما ذكره غير واضح لا في ناحية جعل المهر نفس الإجارة، ولا في ناحية كون البضع ثمناً للإجارة بل الآية من قبيل القسم الثاني كما لا يخفى.
فحمل الرواية على الكراهة أولى من الطرح وهو أولى من الأخذ بظهوره لمخالفته القواعد.
ويبقى موثق السكوني2 وهو لايقاوم دلالة الذكر الحكيم والروايات المستفيضة.

في جعل الحقّ مهراً

إلى هنا تبيّن أنّه يصحّ جعل المهر عروضاً وعيناً، ومنفعة وعملاً، إنّما الكلام في جعل الحقّ مهراً، وهو على أقسام:
واعلم أنّ الحقوق من حيث صحّة الإسقاط والنقل بعوض أو بلا عوض، والانتقال القهري بإرث ونحوه على أقسام ويمكن عدّ بعضها من الأحكام.
1 ـ لا يصحّ إسقاطه ولا نقله، ومالا ينتقل بالموت ومن ذلك حقّ الأُبوة وحقّ الولاية للحاكم وحقّ الاستمتاع بالزوجة وحقّ الوصاية.
2 ـ مايجوز إسقاطه ولايصحّ نقله ولا ينتقل بالموت أيضاً كحق الغيبة والشتم والأذية بإهانة أو ضرب بناء على وجوب إرضاء صاحبه وعدم كفاية التوبة.

1 . القصص: 27.
2 . الوسائل: 15الباب22 من أبواب المهور، الحديث2.

صفحه 178
3 ـ مايجوز إسقاطه ونقله لا بعوض كحق القسْم، كما عن الشهيد في اللمعة من أنّه لايصحّ الاعتياض في القسْم.
4 ـ ما يجوز إسقاطه وينتقل بالموت ولايصحّ نقله كحقّ الشفعة على وجه.
5 ـ ما يصحّ نقله وإسقاطه وينتقل بالموت أيضاً، كحقّ الخيار وحقّ التقاص والرهانة وحقّ التحجير وحقّ الشرط.
6 ـ ومنها ما هو محلّ الشكّ من جهة صحّة الإسقاط والنقل والانتقال، وعدّ من ذلك حقّ الرجوع في العدّة الرجعية، وحقّ النفقة في الأقارب كالأبوين والأولاد، وحق الفسخ بالعيوب في النكاح، وحقّ السبق في إمامة الجماعة، وحق المطالبة في القرض والوديعة والعارية، وحقّ العزل في الوكالة، وحق الرجوع في الهبة وحقّ الفسخ في سائر العقود الجائزة كالشركة والمضاربة ونحوهما 1.
هذه هي أقسام الحقوق، إنّما الكلام في صحّة جعلها مهراً، لا شك في عدم صحّة جعل الأوّل، والثاني، والثالث، مهراً كما هو واضح إنّما الكلام في جعل الرابع منها مهراً.
يمكن أن يقال بالصحّة لعموم قوله (عليه السلام) «ماتراضيا عليه» وكونه قابلاً للمعاوضة بالمال، والميزان كونه قابلاً لبذل الثمن.
وربّما يقال بعدمها لإطلاق الفتاوى من اعتبار كونه مملوكاً على وجه ينتقل إلى الزوجة ويقبل التنصيف لو أُحتيج إليه بطلاق قبل الدخول ونحوه ولو بتقويمه.
يلاحظ عليه: أنّ إطلاق كلامهم وارد مورد الغالب كيف وتعليم القرآن لايعدّ مملوكاً، وأمّا مسألة التنصيف فيكفي فيها كونه قابلاً للتقويم كالتحجير.

1 . لاحظ تعليقة السيّد الطباطبائي على متاجر الشيخ: 56 ولايخفى أن بعضها من باب الحكم الخارج عن موضوع البحث.

صفحه 179
وأمّا خبر حمادة1 فلا ينافي ماذكرناه لأنّ اشتراط عدم التزوّج بزوجة ثانية لايبذل بإزائه الثمن، والبذل في ظرف نادر لا يكون ميزاناً.

في جعل مال الغير مهراً

هل يجوز جعل مال الغير مهراً، أو لا ؟ ربّما قيل بالثاني، واستدل بوجوه:
1 ـ لايصحّ ملكه فعلاً بدون إذن مالكه وقد قيل في حدّه كما ـ في الشرائع ـ كلّما يصح أن يملك.
يلاحظ عليه: أنّ المقصود من القيد إخراج الكلب والخنزير والخمر ممّا لا يملك كما هو الظاهر لمن أمعن النظر في ذيل كلامه.
2 ـ يحرم التصرّف في مال الغير .
يلاحظ عليه: أنّ إجراء العقد على مال الغير ليس تصرّفاً فيه، نعم، لو سلّمه إلى الغير يكون حراماً ،غاية الأمر أنّه إن رضي عند التسليم ولو بالشراء منه وإلاّ فينتقل إلى مهر المثل.
3 ـ إنّ المهر كالأعراض التي لايصحّ أن تكون لمالك والعوض لآخر.
يلاحظ عليه: أنّه ليس عوضاً مائة بمائة ، فلا يكون حكمه حكمها والأولى أن يقال: إنّ جعل مال الغير مهراً إذا كان بلا إذن ينصرف عنه إطلاق دليل المهر. نعم يصحّ جعله مهراً إذا ولّي ملك الغير سواء كان وليّاً كما هو المنصوص فيما إذا زوّج ولده الصغير ولم يكن له مال فالمهر على الولد2. أم لم يكن بشرط أن يكون هناك مخالطة بين صاحب المال والزوج.

1 . الوسائل: 15الباب20 من أبواب المهور، الحديث1.
2 . الوسائل: 15 الباب 28 من أبواب المهور، الحديث1، 2و 4.

صفحه 180

في جعل الخمر مهراً

لو عقد الذميان على خمر أو خنزير، صحّ العقد والمهر، إمّا لأنّهما يملكانهما في دينهما فيصحّ لهم عقداً ومهراً، أو من باب إجراء حكم الصحيح عليه إلزاماً لهما بما ألزما به أنفسهما، كما عليه صاحب الجواهر، قائلاً بأنّ إطلاق روايات الباب يقتضي عدم مالكية أحد للخمر والخنزير مسلماً كان أو كافراً و لاثمرة عملية بين المبنيين.
إنّما الكلام، إذا أسلما أو أسلم أحدهما فله صورتان:
الأُولى: إذا كان الإسلام بعد القبض، فلا شيء على الزوج لخروجه عن العهدة سواء كان باقياً أم تالفاً.
الثانية: إذا كان قبل القبض فلا يصحّ دفع العين اتفاقاً، لحرمة الإقباض والقبض إذا أسلما وحرمة الأوّل إذا أسلم الزوج، والثاني، إذا أسلمت الزوجة فيكون كالمثل المتعذّر.
وبعبارة أُخرى، إذا أسلم لايجوز تملّكه، فلو أسلم الزوج فلا يتملّك حتّى يُملِّك ولو أسلمت الزوجة فلا يتملّك فكيف يكون مهراً.
إنّما الكلام في المنتقل إليه فهل ينتقل إلى القيمة التي هي أقرب شيء إليه سواء كان عيناً أو مضموناً، أو إلى مهر المثل، الظاهر هو الأوّل، أخذاً بالقاعدة المعروفة في المثل المتعذّر، مضافاً إلى خبر عبيد بن زرارة قال: قلت لأبي عبداللّه (عليه السلام) : النصراني يتزوّج النصرانية على ثلاثين دنّاً خمراً وثلاثين خنزيراً ثم أسلما بعد ذلك ولم يكن دَخَلَ بها؟ قال: «يُنظر كم قيمة الخمر وكم قيمة الخنازير ويرسل بها إليها ثم يدخل عليها وهما على نكاحهما الأوّل1.

1 . الوسائل: 15الباب3 من أبواب المهور، الحديث2.

صفحه 181
نعم في سنده القاسم بن محمّد الجوهري ولم يرد فيه توثيق لكنّه صريح في الانتقال إلى القيمة وعليه يحمل ما في خبر طلحة بن زيد 1 من أنّه يعطياهما صداقهما» والصداق وإن كان ظاهراً في مهر المثل، لكن يصح تفسيره بالقيمة، لأجل خبر «عبيد» هذا من غير فرق بين كون المهر عيناً أو مضموناً، لأنّ المفروض عدم إمكان إقباضه أو قبضه.
نعم، لو أسلم الزوج دون الزوجة، فقبضت الزوجة المهر بلا إذنها، فالظاهر الاكتفاء به، لسقوط الإقباض وصحّة القبض لكونها كافرة. فلاحظ.
***
إذا عقد الزوجان المسلمان على مهر فاسد مثل الخمر والخنزير والميتة وما أشبهها فالبحث فيه من جهتين.
الأُولى: هل العقد صحيح أو لا ؟
الثانية: على فرض صحة العقد، هل يجب لها مهر المثل أو القيمة، أو يفصّل كما يأتي.
أمّا الجهة الأُولى: فقد اختلفت فيه كلمة الشيخ، فذهب في النهاية: إلى البطلان قال: ولا يجوز في المهر ما لا يصح تملّكه من خمر أو نبيذ أو لحم خنزير وما أشبه ذلك، فإن عقد على شيء من ذلك كان العقد باطلاً 2.
وحكم بالصحة في الخلاف. قال: إذا عقد على مهر فاسد.. فسد المهر ولم يفسد النكاح ووجب لها مهر المثل3.
وقال في المبسوط: كان العقد، صحيحاً ووجب لها مهر المثل، وقال قوم

1 . الوسائل: 15الباب 3 من أبواب المهور، الحديث1.
2 . النهاية: 489.
3 . الخلاف: 2كتاب الصداق ، المسألة 1.

صفحه 182
لا يصحّ النكاح، وإليه ذهب قوم من أصحابنا1.
وقال أبو الصلاح: و لايصح العقد على عين محرّمة كالخمر ولحم الخنزير وعين الغصب2.
وقال القاضي: فان كان المهر فاسداً وجب مهر المثل ـ وقال بعد عدّة أسطرـ أمّا ما لا يصحّ للمسلمين تملّكه مثل الميتة ولحم الخنزير والخمر والشراب المسكر وما أشبه ذلك فلا يجوز أن يجعل مهراً ولا أجراً في النكاح فان عقد على شيء منه كان باطلاً 3.
والظاهر بقرينة ماذكره قبلاً، هو بطلان المهر، لا العقد، وإن نسب إليه بطلان العقد، في الحدائق4.
ونقل الصحة عن ابن حمزة وابن زهرة، وابن إدريس، وهو ظاهر المحقّق في الشرائع، والمتأخرين.
احتج القائل بالبطلان بوجوه:
1 ـ تعليق الرضا بالباطل المقتضي لارتفاعه بارتفاعه.
2 ـ إذا كان المهر مذكوراً في العقد يكون حكمه حكم المعاوضة فيبطل إذا بان أنّ العوض غير مملوك.
3 ـ قد ورد في الروايات المستفيضة، بأنّ المهر ماتراضيا عليه، فينعكس بعكس النقيض إلى أنّ مالا يتراضيان عليه لا يجوز جعله مهراً، فينافي ما دلّ على عدم إخلاء البضع مهراً فليس حينئذ إلاّ البطلان.
يلاحظ على الأوّل : أنّ أعيان المهور من قبيل الدواعي، وما يناط الرضا به، عبارة عن ماليته، والرضا بالنكاح وإن كان معلّقاً على كون الخمر مهراً، لكنّه ليس

1 . المبسوط: 4/272، كتاب الصداق.
2 . الكافي: 293.
3 . المهذب: 2/200.
4 . الحدائق: 24/325.

صفحه 183
على وجه إذا ارتفعت عينه، وقامت مكانه قيمته، لارتفع الرضا أيضاً إلاّ إذا كان المهر من العتاتيق النادرة التي لايقوم شيء مقامها عند الزوجة.
يلاحظ على الثاني : بأنّ كون المهر عوضاً، يفارق كون الثمن في البيع والإجارة عوضاً فإنّ البيع علقة بين المالين كما أنّ الإجارة علقة بين الأُجرة وتسليم العين، لغاية الانتفاع فلو بان غير مملوك بطل العقد لفقد الركن، وهذا بخلاف النكاح فانّه علقة بين الزوجين بحكم قوله سبحانه: (وَأَنكِحُوا الأيامَى مِنكُمْ والصَّالِحينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُم)1، فلوبان غير مملوك لكان التخلّف من قبيل تخلّف توابع العقد2أركانه، فأشبه بالشرط الفاسد كما إذا اشترط كون الطلاق بيدها صحّ العقد وبطل الشرط معلّلاً بأنّ شرط اللّه قبل شرطكم كما ورد في النص، وبعبارة يكون من قبيل تعدّد المطلوب.
يلاحظ على الثالث: بأنّ عكس النقيض لاينتج إلاّ عدم كون ما لا يملك، (المذكور في العقد) مهراً وهو لا يستلزم خلوّه عن المهر ثبوتاً حتى يلزم البطلان.
وبذلك تظهر قوّة القول بالصحّة، نعم الاستدلال على الصحّة بتنظير المقام، بما إذا كان العقد خالياً عن المهر لا يخلو عن خفاء، لأنّهما قد تراضيا على عدم المهر في المقيس عليه فصحّ العقد لوجود الرضا وإن لم يكن له مهر، إلاّ أنّ الشارع ألزم الزوج بدفع مهر المثل وهذا لا يضرّ برضاهما وهذا بخلاف المقام فإنّ التراضي لم يقع بالعقد خالياً عن العوض، وما وقع عليه العقد أعني المسمّى صار باطلاً، وأمّا المثل أو القيمة فلم يقع عليه التراضي.

1 . النور: 32.
2 . ومن ثم سمّاه سبحانه، نحلة وقال : (وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتهنّ نِحْلةً)(النساء: 4)،وهي العطية، وأمّا التعبير بأنّه مستام أو يشتريها بأغلى الثمن فلأجل تقريب الحكم إلى الأذهان حيث ورد في جواز النظر إلى محاسن النساء لا أنّه شراء حقيقة.

صفحه 184
والعجب من صاحب الحدائق حيث رأى أنّ الأدلّة من الطرفين متدافعة فرجح البطلان، مع أنّه كان له الاستئناس بالصحّة من الروايات الدالّة على عدم إفساد الشرط الفاسد معلّلاً، بأنّ شرط اللّه قبل شرطكم.

ماهو الواجب على الزوج ؟ هنا احتمالات:

1 ـ الواجب على الزوج دفع القيمة لأجل أنّها أقرب إلى الشيء عند تعذّره، فانّ العقد على الشيء باعتبار ماليّته، فإذا تعذّر الشخص تحفظ ماليته.
يلاحظ عليه: أنّه إنّما يصار إليه إذا صحّ المسمّى وطرأ عليه التعذّر والمفروض أنّ المسمّى لم يقبل ولم يقع مورد الإمضاء لابشخصه ولا بماليته.
فكيف ينتقل إلى ماليته؟
2 ـ الواجب عليه، مهر المثل كما هو الحال فيما إذا كان خالياً لأنّه إذا كان المسمّى باطلاً كان العقد بحكم الشرع كالخالي عنه والحكم فيه هو مهر المثل. ومع ذلك لا يجري فيه حكم المفوضة بضعها من التمتيع إذا طلّقها قبل الدخول، لقوله سبحانه: (إِذَا نَكَحْتُمُ المُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْل أن تَمسُّوهُنَّ فَمَا لُكُمْ عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّة تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَميلاً) 1 لأنّه فيما إذا رضيت بالنكاح خالياً عن المهر وإن حكم الشارع بمهر المثل على الزوجة إذا لم يطلّق والتمتيع إذا طلّق، لا فيما إذا أقدمت عليه ملتزماً بمهر فبطل المسمّى لأجل كونه غير مملوك، فالطلاق في مثله قبل الدخول أشبه بالطلاق قبل الدخول مع فرض المهر.
3 ـ التفصيل بين مايتقوّم كالخمر والخنزير، ومالا يتقوّم كالحرّ إذا جعله مهراً فالواجب في الأوّل هو دفع القيمة دون الثاني ففيه مهر المثل.

1 . الأحزاب: 49.

صفحه 185
4 ـ التفصيل بين العلم بكون المهر خنزيراً، أو ميتة ففيه مهر المثل، والجهل وتخيّل أنّ المائع خلّ أو الحيوان غنم، فبان خمراً أو خنزيراً ففيه القيمة، والوجهان الأخيران ليسا بمعتمدين والأمر يدور بين دفع قيمته أو مهر المثل، ويمكن تصحيح دفع القيمة بأنّ العاقدين إمّا أن يكونا جاهلين بعدم الجواز أو عالمين، فعلى الصورة الأُولى فقد تقدّم من أنّ الأعيان غالباً من قبيل الدواعي وأنّ ما يناط به الرضا هو قيمتها، فلو رضيت بكون الخمر مهراً لها فإنّما رضيت لأجل أنّه يبذل بازائه الثمن. فدفع قيمته ليس شيئاً مبايناً ولو كانا عالمين فرضيا بكونه خمراً، لأجل ادّعاء المالية له في عرف الناس فقد ارتضيا بكونه مهراً لأجل هذا الادعاء فلو دفع، لم يكن مبايناً ويمكن الاستئناس به ممّا مرّ في خبر عبيد بن زرارة، والأولى التصالح أو دفع الأكثر بين القيمة ومهر المثل.

لا تقدير للمهر

لاتقدير للمهر لا في جانب القلّة بل يكفي ماتراضى عليه الزوجان وإن قلّ بشرط أن يكون له مالية فلا يصح النكاح على حبّة من حنطة أو ذرّة من سكر، ولا من جانب الكثرة، على المشهور لإطلاق الكتاب والسنّة، بل صراحتهما في الجواز ونقل الخلاف عن المرتضى والصدوق والإسكافي.
أما الأوّل: فقال في الانتصار: وممّا انفردت به الإمامية أنّه لايتجاوز بالمهر خمسمائة درهم جياداً قيمتها خمسون ديناراً فما زاد على ذلك ردّ إلى هذه السنّة وباقي الفقهاء يخالفون في ذلك ـ ثم استدل عليه ـ بأنّ ماذكر مجمعٌ عليه، ولا إجماع على أنّ مازاد يكون مهراً1.
وأمّا الثاني: فالظاهر منه الاستحباب في المقنع قال: وإذا تزوّجت أن لا

1 . الانتصار: 124.

صفحه 186
يتجاوز مهرها مهر السنّة وهي خمسمائة درهم فعلى هذا تزوّج رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) نساءه وعليه زوّج بناته وصار مهر السنّة خمسمائة درهم1.
نعم، الظاهر من الهداية هو عدم الجواز، قال: ومهر السنّة خمسمائة درهم فمن زاد على السنّة ردّ الى السنّة..2.ونسب إليه في الفقيه ولم نجده فيه.
وأمّا ابن الجنيد: فوجه النسبة هو نقله رواية مفضّل بن عمر التي هي الدليل الوحيد لعدم جواز الزيادة.
وعلى كل تقدير، فهذا القول مخالف لظاهر الكتاب و السنّة، قال سبحانه: (وآتَيْتُم إِحْدَاهُنَّ قِنطَاراً فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً)3وفسر القنطار بوجوه مختلفة يجمعها زيادته على مهر السنّة كثيراً4. والعجب أنّ القول بعدم جواز الزيادة كان قول الخليفة عمر بن الخطاب، فقال: أيّها الناس ما إكثاركم في صداق النساء، فاعترضته امرأة من قريش فقالت: يا أمير المؤمنين نهيت الناس أن يزيدوا في مهر النساء على أربعمائة درهم؟ قال: نعم، فقالت: أما سمعت ما أنزل اللّه في القرآن، قال: وأيّ ذلك؟ فقالت: أما سمعت اللّه يقول: (وآتيتم إحداهنّ قنطاراً)، فلمّـا سمع ذلك فقال: كل الناس أفقه من عمر، ثم رخّص وقال: فمن طابت نفسه فليفعل5.
ونقل ابن إدريس في آخر السرائر، أنّه قال: يا أيّها الناس لاتغالوا بصدقات النساء ... ثم نزل عن المنبر فما أقام إلاّ يومين أو ثلاثة حتّى أرسل في صداق بنت عليّ بأربعين ألفاً 6. هذا كلّه حول المنع، وأمّا مايدلّ على الجواز من السنّة فيكفي

1 . المقنع: 99.
2 . الهداية: 68.
3 . النساء: 20.
4 . القاموس المحيط: 2/122، مادة «القنطرة».
5 . وقد ذكر مصادره في الغدير : 6/95 ـ 98.
6 . السرائر: 2 ونقله العلاّمة الأميني عن تاريخ ابن كثير: 7/81 ـ 139 والإصابة: 4/492 والفتوحات الإسلامية :2/472. الوسائل: 15 الباب9 من أبواب المهور، الحديث 5.

صفحه 187
في ذلك صحيح الوشّاء وغيره1 فلاحظه.

في تعيين المهر

قال المحقّق في النافع: ولا بدّ من تعيينه بالوصف أو الإشارة وتكفي المشاهدة عن كيله ووزنه.
وقال العلامة في القواعد: يشترط في صحّته مع ذكر المهر التعيين، إمّا بالمشاهدة وإن جهل كيله أو وزنه كقطعة من ذهب و قبّة من طعام، أو بالوصف الرافع للجهالة مع ذكر قدره إن كان ذا قدر، فلو أبهم فسد المهر وصحّ العقد2.
وقال السيّد الاصفهاني في الوسيلة: لابدّ من تعيين المهر بما يخرج عن الإبهام، فلو أمهرها أحد هذين أو خياطة أحد ثوبين مثلاً بطل المهر دون العقد وكان لها مع الدخول مهر المثل، نعم لايعتبر فيه التعيين الذي يعتبر في البيع ونحوه من المعاوضات فيكفي مشاهدة عين حاضرة وإن جهل كيله أو وزنه أو عدّه أو ذرعه كصبرة من الطعام وقطعة من الذهب وطاقة مشاهدة من الثوب وصبرة حاضرة من الجوز وأمثال ذلك3.
وفيما ذكروه حتّى ماذكره السيّد الاصفهاني في الوسيلة ـ من القول بالبطلان في صورة التردّد ـ مجال تأمّل لأنّه إن كان حكم النكاح عند ذكر المهر، حكم المعاوضات، يجب أن لا يكتفي في المشاهدة إلاّ فيما يكتفي بها فيه كما في الثمرة على الشجرة ونظائرها، لأنّ المعدودة والمكيل والموزون يجب فيها إعمال المقياس الرائج فيها.

1 . الوسائل: 15 الباب9 من أبواب المهور، الحديث 1 وغيره.
2 . إيضاح الفوائد في شرح القواعد: 3/194، قسم المتن.
3 . وسيلة النجاة: فصل المهر، المسألة 2.

صفحه 188
وإن لم يكن حكمه حكمها، فلا وجه لاعتبار أحد الأمرين المشاهدة أو الوصف الرافع للجهالة كما في كلام المحقق والعلامة، بل لايعتبر التعيين ويكفي التردّد بين الصورتين، وذلك لصدق قوله (عليه السلام) : «المهر ماتراضى به الناس» هذا كلّه في المهر المعيّن في الخارج فلا يشترط فيه سوى كونه متموّلاً ومرضياً به.
وأمّا إذا زوّجها على مهر مجهول في الذمّة لايمكن استعلامه فله صورتان:
الأُولى: إذا كان مجهولاً من جميع الجهات كما إذا أمهر شيئاً متموّلاً فيرجع فيه إلى مهر المثل لامتناع تقويم المجهول.
ويمكن الاكتفاء بكلّ مايصدق عليه المال لأنّها لاتستحق إلاّ ماصدق عليه ماهو مذكور في العقد وذكر المهر على وجه الإجمال وإن كان في مقابله البضع لكنّه لا يدلّ على تعيينه بما هو مهر لأمثالها بل في حدود مايصدق عليه ما هو مذكور في العقد.
الثانية: إذا كان مجهولاً من بعض الجهات لاكلّها، كما إذا أمهر عبداً ودابّة ولكلّ، مراتب ودرجات في المالية، فهل يرجع إلى مهر المثل لعدم إمكان استعلامه أو يرجع إلى الوسط كما عليه الروايات، والظاهر من المحقق التوقف حيث نسبه إلى القيل.
روى الكليني بسند صحيح عن علي بن أبي حمزة قال: سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن رجل زوّج ابنه ابنة أخيه وأمهرها بيتاً وخادماً ثم مات الرجل، قال: «يؤخذ المهر من وسط المال» قال: قلت: فالبيت والخادم؟ قال: «وسط من البيوت والخادم وسط من الخدم».الحديث1.
وروى أيضاً عن أبي حمزة مثله2.
وروى الشيخ مرسلاً عن أبي الحسن (عليه السلام) في رجل تزّوج امرأة على دار قال:

1 . الوسائل: 15 الباب25 من أبواب المهور، الحديث1و 2.
2 . الوسائل: 15 الباب25 من أبواب المهور، الحديث1و 2.

صفحه 189
«لها دار وسط»1.
وقد استشكل على العمل بالروايات من وجهين:
الأوّل : ضعف السند، لأنّ السند ينتهي في الأُولى والثانية إلى البطائني وهو رأس الواقفية، والثالثة مرسلة.
الثاني : أنّ الوسط من الدور والبيوت مختلف اختلافاً يسيراً بل هو في غاية البعد عن القسط.
هذا حاصل ماذكره المحقق الثاني في جامع المقاصد.
ويمكن الذبّ عنه أمّا الأُولى، فبوجهين:
1 ـ أنّ فساد عقيدته لايضرّ بكونه صدوقاً في الحديث فلا يكون فساد العقيدة دليلاً على فساد رواياته، ولذلك ضعّفه من ضعّفه لا لأجل كونه غير متعهد في النقل، وقد روى عن الصادق (عليه السلام) وأبي إبراهيم (عليه السلام) قرابة ـ 545 ـ حديثاً، ورفض هذه الأحاديث مع عناية الأصحاب بنقلها خصوصاً مشايخ الثقات، مشكل، مع تضارب الروايات في حقّه، وقد ذكرنا في كتاب «كلّيات في علم الرجال»2 أنّ مانقل عن علي بن الحسن بن فضال من أنّ «علي بن أبي حمزة كذّاب ملعون» راجع إلى ابنه (الحسن بن علي بن أبي حمزة) لا إلى نفسه لأنّ ابن فضال لم يدرك الأب وإنّما أدرك الولد.
2 ـ الظاهر أنّ الرواة تحمّلوا منه هذه الأحاديث أو أكثرها حال استقامة عقيدته، ومن المعلوم أنّ الانحراف المتأخّر لا يضرّ بما حدث حال الاستقامة.
وأمّا الثاني: فلأنّ الوسط من الدور وإن كان يختلف وبينهما مراتب، ولكلّ

1 . الوسائل: 15 الباب25 من أبواب المهور، الحديث3.
2 . كليات في علم الرجال: 236.

صفحه 190
مرتبة، مصاديق متفاوتة لكن المرتبة تتعين بالنظر إلى حال الزوج في الغنى والفقر، والسعة والضيق، وعند ذاك يكون تعيين الفرد الوسط أمراً سهلاً، لا مشكلاً، فالعمل بالروايات أولى بل متعيّـن وإن لم تتفقا على فرد وسط، فالمرجع هو التصالح.
غير أنّ مقتضى القاعدة في المقام هو الذي ذكرناه في المجهول من جميع الجهات إذ ليس على الزوج إلاّ الخروج عمّا تعهّد في متن العقد وهو يصدق على كلّ فرد من الأعلى والأدنى فإلزام الوسط على الزوج حكم تعبّدي ولايحتاج إلى رضى الزوجة وعليه فيقتصر على مورد النص.
***
مسألة : إذا تزوّج امرأتين فصاعداً في عقد واحد بمهر واحد:
يقع الكلام في موضعين.
الاُولى : هل يصح العقد أو لا ؟
الثاني : على تقدير الصحّة كيف يقسط المهر عليهنّ.
أمّا الأوّل: قال الشيخ في الخلاف: إذا تزوّج بأربع نسوة بعقد واحد ممّن له الولاية عليهنّ بألف، فالنكاح صحيح وكذلك عند الشافعي، وقال المزني: العقد باطل، والمهر عندنا صحيح وعند الشافعي على قولين1.
وقال ابن البرّاج إذا تزوّج أربع نسوة بعقد واحد بألف كان العقد والمهر صحيحين وكان لكل واحد منهنّ ربع الألف2.
وقال في المختلف: لو تزوّج امرأتين بمهر واحد، قال الشيخ في المبسوط يكون بالسوية بينهما وتبعه ابن البرّاج عملاً بالأصل، وقيل: يقسط المهور على

1 . الخلاف: 2/407 كتا ب الصداق المسألة 12.
2 . المهذّب: 2/209.

صفحه 191
مهور الأمثال كما لو تزوّج وباع وهو الأقوى 1.
ونقل في الجواهر عدم الفرق بين اتّحاد الزوج وتعدّده كما لو قال زوّجت فاطمة زيداً وهنداً بكراً فقال وكيلهما: «قد قبلت» .
أمّا صحّة العقد فلدخوله تحت العمومات.
وإن شئت قلت: المقتضي للصحّة موجود، والجمع بين المرأتين في عقد واحد لايمنع، وكون تزويجهما بمهر واحد، غير مانع لحصول التراضي أوّلاً، وإمكان تعيين مقدار كل واحد من المهر ثانياً، وعلى فرض بطلان المهر لايبطل العقد كما تقدّم في ما جعل مال الغير مهراً.
وأمّا حكم المهر ففيه أقوال:
1 ـ يصحّ المهر ويقسّط بالسوية وهو خيرة الشيخ كما نقله، في المختلف وابن البرّاج كما عرفت وليس له دليل ظاهر، وما حكاه في المختلف من العمل بالأصل لم يعلم وجهه.
2 ـ التقسيط على مهور أمثالهنّ وتعطى كلّ واحدة مايقتضيه التقسيط كما لو باع عبد نفسه وعبد غيره بثمن واحد وأجاز الغير، وذلك لأنّ العروض إذا قوبلت بعوض مالي كانت القيمة ملحوظة وقيمة البضع هي مهر المثل فيكون قسط كل واحدة من المسمّى بحسبه لا محالة وكيفية التقسيط في المقام وما إذا باع مال نفسه وغيره واحد، وهو أنّه يقوّم كل مجموع ماله ومال غيره مرّة ثم يقوّم كل واحد مستقلاً ثانياً، ثم ينسب قيمة كلّ مستقلاً إلى مجموع القيمتين فيؤخذ بهذه النسبة عن المسمّى. وفي المقام ينظر إلى مجموع مهور أمثال هؤلاء المعقود عليهنّ ثمّ ينظر إلى مهر مثل كل واحدة مستقلاً ثم ينسب الثاني إلى الأوّل فيؤخذ بتلك

1 . المختلف: الفصل الثالث في الصداق 102.

صفحه 192
النسبة عن المسمّى. وهذا هو الظاهر.
3 ـ فساد المهر، وأنّ لكل واحدة مهر المثل كما لو أصدقها مجهولاً يتعذّر قيمته.
يلاحظ عليه: أنّ الجهالة غير مانعة ولايجري عليها أحكام المعاوضات.
***
مسألة: لو تزوّجها على كتاب اللّه وسنّة نبيّه ولم يسمّ مهراً:
فالمهر هو مهر السنّة أعني خمسمائة درهم، قال في الجواهر: بلا خلاف أجده، وفي الروضة وغيرها، الإجماع، وإنّما خالف الشهيد في المسالك لوجوه يأتي ذكرها
صور المسألة وحكم القاعدة الأوّلية :
1 ـ ما إذا أشار بكلامه إلى مهر السنّة سواء علما مقدار مهر السنّة أو لم يعلماه أو يعلمه أحدهما دون الآخر، وعندئذ يكون المراد من الكتاب والسنّة، الخصوصيات الواردة له فيها، ومنها، مهر السنّة وجهلهما بالمقدار غير ضائر، لما عرفت من عدم اعتبار شيء سوى التموّل والرضا، حتّى يصحّ العقد على امرأة على مهر امرأة أُخرى.
2 ـ أراد بذلك، أنّهمـا يتزوّجان لكون النكاح ممّا دعا إليه القرآن والسنّة النبوية وأنّ عملهما نكاح لاسفاح، ومن المعلوم أنّه يرجع إلى مهر المثل لكونه من مصاديق المفوضة بضعها.
3 ـ إذا اشتبه المقصود بفوت الزوج أو نسيانـه أو اختلاف الزوجين، فمقتضى القاعدة أقلّ الأمرين من مهر السنّة ومهر المثل، ويكون الأوّل في زماننا أقل من الثاني.
هذا حكم القاعدة أمّا الرواية الواردة في ذلك المجال فهو مارواه أسامة بن

صفحه 193
حفص، وكان قيماً لأبي الحسن موسى (عليه السلام) قال: قلت له: رجل يتزوّج امرأة ولم يسمّ لها مهراً وكان في الكلام: أتزوّجك على كتاب اللّه وسنّة نبيّه، فمات عنها أو أراد أن يدخل بها فما لها من المهر؟ قال (عليه السلام) : «مهر السنّة» قال: قلت: يقولون : لها مهور نسائها، فقال:« هو مهر السنّة» وكلّما قلت له شيئاً قال: «مهر السنّة»1.
ثمّ إنّه يمكن أن يكون ناظراً إلى الصورة الأُولى بمعنى أنّ الزوجين جعلا المهر، مهر السنّة وتوهما أنّ المهر باطل لأجل اعتقاد أنّ الجهل بالمقدار مبطل فيرجع إلى مهر المثل فأراد الإمام (عليه السلام) ردّ التوهم وأنّه غير مضرّ فيرجع إلى مهر السنّة.
ويمكن أن يكون ناظراً إلى هذه الصورة بجعل موت الزوج قرينة على ذهاب الصورة الواقعية، فجعل الإمام (عليه السلام) قول الرجل «على كتاب اللّه وسنّة نبيّه» أمارة على أنّ المهر مهر السنّة.
ويحتمل أن يكون حكم الإمام (عليه السلام)بكون المهر، مهر السنّة لأجل الأخذ بالقاعدة لدوران الأمر بين الأقل والأكثر، وكان مهر السنّة أقل في ذاك الزمان.
ولايخفى أنّ الحكم بأنّ المهر مهر السنّة إنّما يصحّ إذا كان اللفظ المزبور ظاهراً فيها ولعلّه كان في عصره كذلك، وعندئذ لايصح تعميمه في عصرنا هذا لعدم ظهوره فيه منه.
وعلى كلّ تقدير، فقد استشكل في المسالك على الأخذ بالرواية بوجوه، ثلاثة:
1 ـ ليس في الكتاب مايدلّ على كون المهر خمسمائة.
2 ـ إنّ تزويجها على الكتاب والسنّة أعم من جعل المهر مهر السنّة إذ كل نكاح جائز، فهو على كتاب اللّه وسنّة نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) 2.

1 . الوسائل: 15 الباب13 من أبواب المهور، الحديث1.
2 . المسالك: 8/175.

صفحه 194
3 ـ على تقدير إرادتهما بذلك كون المهر مهر السنّة، ففي الاكتفاء بذلك عن ذكر القدر في العقد نظر كما لو قال: تزوّجتك على المهر الذي تزوّج به فلان.
يلاحظ على الأوّل: أنّه من المحتمل أن يكون المراد أنّه تزوّج على مجموع ماورد في الكتاب والسنّة لاورود مهر السنّة في كلّ واحد.
وعلى الثاني: ما احتملناه من كون العبارة في ذلك العصر كانت ظاهرة في جعل المهر، مهر السنّة.
وعلى الثالث: من منع كون الجهالة مضرّاً في مورد المهر كما مر.
مسألة: لو سمّى للمرأة مهراً ولأبيها شيئاً:
قال في الخلاف: فالنكاح صحيح بلا خلاف وما سمّاه لها يجب عليه الوفاء به وهو بالخيار فيما سمّاه لأبيها ونقل عن الشافعي قولين:
1 ـ المهر فاسد ويرجع إلى مهر المثل.
2 ـ كان الكل للزوجة وبه قال مالك1.
وقال في النهاية: وإذا عقد الرجل على امرأة وسمّى لها مهراً ولأبيها أيضاً شيئاً كان المهر لازماً له وما سمّاه لأبيها لم يكن عليه منه شيء2.
وقال ابن الجنيد ـ على ما في المختلف ـ : ولا يلزم الزوج غير المهر من جعالة جعلها لولي أو واسطة، ولو وفى الزوج بذلك تطوّعاً كان أحوط، فإن طلّقها لم يكن عليه إلاّ نصف الصداق دون غيره، فإن كان قد دَفع ذلك إليها رجع بنصف المهر وكل الجعالة على الواسطة، فإن كانت المرأة شرطت رجع عليها بنصف صداقها وبنصف ما أخذه من شُـرِطتْ ذلك له، لأنّ ذلك كله بعض الصداق الذي لم يرض بنكاحها.

1 . الخلاف: 2، كتاب الصداق، المسألة 31.
2 . النهاية: 473.

صفحه 195
وأورد عليه العلاّمة بعد نقل كلامه: إن كان قد جعل للواسطة شيئاً على فعل مباح وفعله لزمه ولم يسقط منه شيء بالبطلان، لأنّها جعالة على عمل محلّل مطلوب في نظر العقلاء فكان واجباً بالفعل كغيره وإن لم يكن على جهة الجعالة، بل ذكره في العقد لم يكن عليه شيء منه سواء أطلّق أو لا 1.
هذا، وللمسألة صور:
1 ـ أن يقوم الزوج بأمرين، عقد الجعالة لكلّ من قام بتزويجه ويتعهد له بكذا، وعقد النكاح مع البت.
2 ـ أن يدفع للأب أو للأُم شيئاً تبرّعاً بما أنّهما قاما بتربية زوجته.
3 ـ تشترط الزوجة على الزوج في ضمن عقد النكاح دفع شيء إلى الأب من دون أن يكون مؤثراً في تقليل المهر.
4 ـ تلك الصورة، ولكنّه يكون مؤثّراً في تقليل المهر.
5 ـ تقسيط المهر بين الزوجة والأب.
أمّا الأُولى: فيجب عليه الوفاء بالجعل، لأنّ هنا عقدين ولاصلة لأحدهما بالآخر، ولو طلّق قبل الدخول، لا يرجع بشيء ممّا دفع من الجعل، وماذكره ابن الجنيد من استحباب الوفاء أو استرجاعه إذا طلّق قبل الدخول ضعيف كما نبّه به العلاّمة.
وأمّا الثانيــة: فحكمها واضح، وما على المحسنين من سبيل.
وأمّا الثالثة: فهي محكومة بالصحّة حسب القواعد، ويكون الزوج هو المشروط عليه والزوجة هي المشروطة لها ولكن المشروط للأب، وهذا لاينافي مع قولهم من عدم صحّة الشرط لغير المتعاقدين، فإنّ المراد أن يكون غيرهما مشروطاً

1 . المختلف: 101 كتاب الصداق.

صفحه 196
عليه أو مشروطاً له، وأمّا إذا كان الأمر بينهما واتفقا على دفع شيء إلى الثالث فلا مانع، كما إذا تبايعا واشترط المشتري على البائع أن يدفع شيئاً إلى المسجد أو إحدى المشاريع الخيرية.
ومنه تظهر صحّة الصورة الرابعة كما إذا باع شيئاً بأقلّ من ثمن المثل واشترط على المشتري أن يعمّر المسجد. وإنّما الكلام في شمول المعتبرة لها وهي صحيحة الوشّاء عن الرضا (عليه السلام) قال: سمعته يقول: لو أنّ رجلاً تزوّج المرأة وجعل مهرها عشرين ألفاً وجعل لأبيها عشرة آلاف كان المهر جائزاً والذي جعله لأبيها فاسداً 1. ولعلّ الصحيحة ناظرة إلى الصورة الخامسة، ولا شكّ في حرمته وفساد ماجعله لأبيها، لأنّ المهر ثمن رقبتها وهي أحقّ بمهرها على مارود في معتبرة السكوني2.
مسألة: لابدّ من تعيين المهر بما يرفع الجهالة:
فلو أصدقها تعليم سورة وجب تعيينها، ولو أبهم فسد المهر وكان لها مع الدخول مهر المثل، وهل يجب تعيين الحرف (القراءة)؟ قيل: نعم وقيل: لا، لم يذكر له دليل سوى عدم وجود الخلاف.
ولكنّه محجوج بغير واحد من الروايات الدالة على كفاية الإبهام وأنّه لايعامل مع المهر معاملة العوض.
1 ـ مثل خبر سهل الساعدي في تزويج النبي إيّاه على مايحسنه من القرآن الدال على اغتفار هذه الجهالة. وقد تقدم بنصّه ومصدره.
2 ـ صحيحة محمّد بن مسلم المتضمّنة لتلك القصة حيث زوّج النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بما مع الرجل من القرآن3.

1 . الوسائل: 15 الباب9 من أبواب المهور، الحديث1.
2 . الوسائل: 15 الباب22 من أبواب المهور، الحديث2.
3 . الوسائل: 15 الباب2 من أبواب المهور، الحديث1.

صفحه 197
3 ـ مادلّ من الأخبار على صحّة التزويج على الدار والبيت والخادم وأنّ لها وسطاً من الأشياء1.
4 ـ مادلّ على صحة العقد، بجعل المهر ماحكمت به الزوجة أو الزوج، فانّ العقد اشتمل على مهر مجهول2.
5 ـ مادلّ على أنّه يجري على تمثال من سكر والتمثال يختلف صغراً أو كبراً3.
6 ـ رواية بريد العجلي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن رجل تزوّج امرأة على أن يعلّمها سورة من كتاب اللّه فقال: «ما أُحبّ أن يدخل حتّى يعلّمها السورة ويعطيها شيئاً...» الحديث 4.
وليس في السند إلاّ الحارث بن محمّد وهو من أصحاب الأُصول ويروي عنه الحسن بن محبوب.
فالحقّ ماذكرناه، من عدم اشتراط شيء سوى كونه متموّلاً ومورداً للرضا فلا يجب تعيين السورة فضلاً عن تعيين القراة.
لو أصدقها تعليم صنعة لايحسنها أو تعليم سورة فله تأجير الغير لتعليمها، لأنّه ثابت في الذمّة، وإلاّ فيقوم بتعليمها بعد تعلّمه. ولو تعذّر التوصل كما إذا اشترطت مباشرة الزوج وصار مريضاً وعجز عن التعلّم كان عليه أجرة التعليم، لأنّه قيمة المهر حيث تعذّر عنه.
فان قلت: إذا تلفت العين المستأجرة، أو إذا تعذّر إنجاز العمل من الأجير المشروط عليه المباشرة بطلت الإجارة.

1 . الوسائل: 15 الباب25 من أبواب المهور، الحديث1 و 2و 3.
2 . الوسائل: 15 الباب21 من أبواب المهور، الحديث1.
3 . الوسائل: 15 الباب1 من أبواب المهور، الحديث2.
4 . الوسائل: 15 الباب7 من أبواب المهور، الحديث2.

صفحه 198
قلت: الفرق هو أنّ العين المستأجرة أو نفس العمل من الأركان في الإجارة بخلاف المهر.
***
مسألة : لو أصدقها ظرفاً على أنّه خلّ فبان خمراً
قال الشيخ : إذا قال أصدقتها هذا الخلّ فبان خمراً كان لها قيمتها عند مستحلّيها، وقال الشافعي: ويبطل المسمّى ولها مهر المثل، دليلنا: أنّ العقد وقع على معين ونقله إلى مهر المثل يحتاج إلى دليل1.
وقال المحقّق في الشرائع: ولو قيل كان لها مثل الخل كان حسناً، وبه قال ابن الجنيد وابن ادريس والعلاّمة كما في المختلف.
وعن العلاّمة في أكثر كتبه وجوب مهر المثل واختاره في الجواهر.
وجه الأوّل: أنّهما عقدا على موجود شخصي باعتبار ماليّته، فمع بطلان المعاوضة عليه يصار إلى القيمة.
يلاحظ عليه : أنّهما عقدا على هذا بما أنّه خلّ لا بما أنّه خمر، فليس الخمر مقصوداً أبداً حتى يصار إلى قيمتها، نعم هو محتمل وإن لم يكن متعيّناً إذا عقدا على الظرف بما أنّه خمر جاهلاً بالحكم أو عالماً به ـ وقد مرّ ـ فلاحظ.
ووجه الثاني: أنّهما عقدا على ما في الظرف زاعمين كونه خلاّ، فإذا ظهر خمراً لزم مثله، إذ هو مثلي فائت فيلزم مثله الذي هو أقرب الأشياء إليه.
يلاحظ عليه: أنّ ماذكره إنّما يتمّ إذا عقدا على الخلّ الكلّي وطبّقاه على الظرف الماثل بين أيديهما ويكون عندئذ من باب الخطاء في التطبيق بحيث لوكانا عالمين بأنّه خمر لما أشارا إليه، وأمّا إذا فرض أنّهما عقدا على ما في الظرف

1 . الخلاف: 2/406، المسألة 10، كتاب الصداق.

صفحه 199
المخصوص بحيث يكون المهر جزئياً من أوّل الأمر، فإذا بان كونه خمراً ارتفع كونه مهراً والفرد الآخر لم يقع التراضي عليه.
والأو لى أن يقال: إنّ الرضا بالخلّ الموجود في الظرف لأجل الرضا بالكلي أوّلاً، وعلى ذلك فالمهر وإن كان أمراً جزئياً ،لكن الرضا به لأجل الرضا بالخلّ الكلّي، ولو دفع إليه فرد آخر لا يعدّ وفاء بغير ماعليه، بل الالتزام بأنّ المهر هو ذاك الخلّ الخاص بما هو هو لا يصدر من العاقل إذا كان سائر الأفراد مثله، ولأجل ذلك قلنا في محلّه أنّ المعاملة على الثمن الشخصي كالنقود الرائجة شيء لايصحّ قصده من الإنسان العادي، بل الظاهر أنّ الثمن في النقود هو الكلّـي في الذمة وأنّ الإشارة إلى الفرد لأجل كونه مصداقاً له.
وأمّا القول الثالث: فاستقر به صاحب الجواهر بعدم الرضا بالكلّي إلاّ في ضمن الشخص المعين المفروض بطلانه بخروجه عن المالية فيرجع الأمر إلى ذكر مهر لم يسلّم لها فينتقل إلى مهر المثل.
ويظهر ضعفه ممّا ذكرنا من أنّ الرضا بالجزئي في أغلب الموارد من باب الرضا بالكلّي فلا يعدّ دفع مثله دفع شيء لم يتراضيا عليه.
مع أنّ إلزام مهر المثل عليه إلزام لم يرض به واحد من الطرفين ولم يتزوجا خالياً من المهر حتّى يكونا مقهورين عليه لعدم خلو البضع عن المهر و أقربه هو دفع المثل لأنّهما تراضيا بشيء شرعي عرض عليه الخطأ في مقام التطبيق.
***
مسألة : إذا تزوّجها بمهر سرّاً وب آخر جهراً كان لها الأوّل:
قال الشيخ: إذا عقدا في السرّ بمهر ذكراه، وعقدا في العلانية بخلافه فالمهر هو الأوّل، وللشافعي فيه قولان الأشهر الذي عليه أصحابه مثل ماقلناه وقال

صفحه 200
المزني: مهر العلانية أولى، وذكر أنّه نصّ الشافعي قال أصحابه ذلك إذا كان الأوّل مراوضة1.
أقول: للمسألة صورتان:
الأُولى: إذا وقع العقد بمهر معيّن سرّاً ثمّ عقدا ثانياً بمهر آخر، سواء كان الثاني أكثر أو أقلّ فالثاني لغو بلا كلام ولعلّ إليه تشير رواية زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)في رجل أسرّ صداقاً وأعلن أكثر منه فقال: «هو الذي أسرّ وكان عليه النكاح» 2.
الثاني: إذا عقدا على ألفين ظاهراً وكان الجد أنّ المهر هو ألف. والظاهر، بطلان كون الألفين مهراً لعدم تعلّق الإرادة الجدّية لهما حسب الفرض، إنّما الكلام في وقوع ما أرادا جدّا مهراً.
والظاهر تعيّنه لتعلّق الإرادة الجدّية وعدم تعلّقها بالألفين، فأشبه بما إذا تواطئا على المهر خارج العقد ولم يذكرا في متنه فالأقوى ثبوت المتواطأ عليه. واحتمال الانتقال إلى مهر المثل نظراً إلى أنّ الألف غير مذكور والألفين غير مقصود، أو وقع ماتلفّظا به، ضعيف، لما عرفت من أنّ النظر إلى الألفاظ طريقي لا موضوعي فلا معنى لوقوع ماتلفّظا به والرجوع إلى مهر المثل مع اتفاقهما على الألف مع كونه مهراً صحيحاً شرعياً، وإنّما يرجع إذا كان المذكور فاسداً شرعاً كالخمر.

1 . الخلاف: 2/406، كتاب الصداق، المسألة11.
2 . الوسائل: 15 الباب15 من أبواب المهور الحديث1.

صفحه 201

في ضمان المهر على الزوج

لا إشكال في ضمان المهر على الزوج حتّى يسلّمه إلى الزوجة عيناً كان أو ديناً أو منفعة أو عملاً بلا خلاف.
إنّما الإشكال في كيفيته.
قال الشيخ: إذا أصدقها شيئاً بعينه كالثوب والعبد والبهيمة فتلف قبل القبض سقط حقّها من عين الصداق والنكاح بحاله بلا خلاف، ويجب لها مثله إن كان له مثل، فإن لم يكن له مثل فقيمته. وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ماقلناه قاله في القديم وهو اختيار الاسفرايني وبه قال أبو حامد واختار المزني قوله في الجديد أنّ لها مهر مثلها، وعليه أكثر أصحابه ـ دليلنا ـ أنّ كل عين يجب تسليمها إلى مالكها فإذا تلف ولم يسقط سبب الاستحقاق لملكها وجب الرجوع إلى بدلها كالغصب والقرض والعارية عند من ضمنها، ولأنّ إيجاب مهر المثل يحتاج إلى دليل ولا دليل عليه1.
وقال المحقّق: لو تلف قبل تسليمه (بفعل الزوج أو غيره) كان ضامناً له (بمثله إن كان مثلياً) وبقيمته وقت تلفه2 .
فنقول: الضمان على قسمين:
1 ـ ضمـان المعاوضـة، والمراد منه ما إذا كانت جهة الضمان وسببه هو المعاوضة والمعاقدة كالمبيع في يد البائع، والثمن في يد المشتري قبل التسليم وعندئذ ينفسخ البيع ويجب فيه مثل المبيع أو قيمته.

1 . الخلاف: 2/406، كتاب الصداق، المسألة8.
2 . الجواهر: 31/39.

صفحه 202
2 ـ ضمان اليد كالمستعار المضمون والمقبوض بالسوم، وفي مثله يتعيّن عليه المثل أو القيمة أيضاً، والمقام من قبيل الثاني لعدم كون المهر عوضاً واقعياً للتعبير عنه بالنحلة في بعض الآيات مثل قوله سبحانه: (وآتُوا النِّساءَ صَدُقَاتِهنَّ نِحْلَة): وجواز إخلاء النكاح عن المهر.
فان قلت: لو كان ضمان المهر، ضمان اليد فلماذا قيل بوجوب مهر المثل فيما إذا عقد على الخمر أو الخنزير.
قلت: إنّ البحث فيما إذا كان المهر صحيحاً شرعاً، لا ما إذا كان باطلاً إذ عندئذ يكون من العقد الخالي عن المهر فيرجع فيه إلى مثل المسمّى أو قيمته، مضافاً إلى ما عرفت من احتمال كون المهر هو قيمة الخمر ذميين كانا أو مسلمين، فلاحظ.

المضمون قيمة يوم التلف

إذا كان ضمانه من قبيل ضمان اليد فهل المضمون قيمة يوم العقد لأنّه قيمة يوم الضمان، أو يوم التلف، أو أعلى القيم منه، إليه، لا وجه للأوّل والثالث بعد كون المضمون قبل التلف هو نفس العين، فلا وجه لاعتبار ضمان القيمة ما لم يتلف وإنّما ينتقل إلى القيمة عند التلف. وأولى منه القول بضمان قيمة يوم الأداء لأنّه مسؤول عن العين قبل التلف وبعده إلى يوم الأداء فيطالب بها إلى حين الأداء. فإن أدّى، وإلاّ فيحكم عندئذ بأداء القيمة.
نعم لو كان نقصان القيمة لنقصان في العين كما إذا كان سميناً فصار هزيلاً لا لتفاوت القيمة السوقية، فالقول بضمانه قوي كما احتمله في الجواهر1.
مسألتان:
1 ـ لو عاب المهر المعيّن قبل العقد.
2 ـ لو عاب المهر المعيّن بعد العقد.

1 . الجواهر: 31/40.

صفحه 203
لو عقد على مهر مشخص فوجده معيباً سابقاً على العقد، فلا شكّ أنّ منصرفه إلى السالم الصحيح كما هو الحال في سائر الموارد. فللزوجة عندئذ أحد الأمرين:
1 ـ قيمة المسمّى.
2 ـ عينه مع الأرش.
وأورد على الأوّل، باقتضاء ردّه فسخ العقد بالنسبة إليه وهو ـ مضافاً إلى أنّه يحتاج إلى الدليل ـ يستلزم الرجوع إلى مهر المثل، ضرورة أنّه بعد ردّه يكون العقد خالياً عن المهر، والرجوع إلى القيمة إنّما هو في الواجب بالعقد، التالف في يد الزوج1.
يلاحظ عليه : أنّه يكفي في جواز الردّ أنّ إلزامها بقبول المعيب ضرر مرفوع شرعاً. وأمّا لزوم دفع قيمة المسمّى أو مثله فلأجل عدم تعلّق الردّ بالمسمّى بجميع مراتبه من المثل أو القيمة حتّى يُنتج فسخ العقد بالنسبة، أو يشبه العقد الخالي عن المهر، وإنّما تعلّق ببعض مراتبه وهو العين لأجل نقصانها وأمّا تقييد الرجوع إلى القيمة فيما إذا تلف بيد الزوج دون ما إذا كان معيباً سابقاً ليس له وجه واضح.
نعم، تجـويز الرجوع إلى القيمة إنّما يصحّ إذا خرجت العين من ملك الزوجة وهي بعد باقية في ملكها،.
وأورد على الثاني: بأنّه يحتاج إلى الدليل وقد ثبت في المبيع بدليل خاص مضافاً إلى أنّه جزء من الثمن مقابل الجزء الفائت من المبيع.
يلاحظ عليه: أنّه يكفي في ذلك لزوم الخروج عن الوصف الفائت وأخذ الأرش، أحد طرقها، ولايختص بالفائت من المبيع، وليس الأرش في المبيع أمراً

1 . الجواهر: 31/40.

صفحه 204
تعبدياً بل أمراً عقلائياً أمضاه الشارع.
قال في القاموس: الأرش ما يدفع بين السلامة والعيب في السلعة، وهو أعم من كونه ثمناً أو صداقاً.
وبالجملة فمع إمكان تصحيح كون المسمّى مهراً أولى من تجويز رجوعه إلى مهر المثل، نعم استوجه صاحب الجواهر لزوم دفع مهر المثل وهو كما ترى.
لو عاب بعد العقد في يد الزوج، فالوجهان السابقان ولكن الأولى هو الثاني، أي أخذ العين مع الأرش لأنّه لم يخرج عن ملكها بالعيب والعين باقية والفائت وصف من أوصافها فيجب الخروج عن ذلك الفائت وهو الوصف دون العين.
نعم لو قلنا بكون الضمان في المقام ضمان المعاوضة فينفسخ العقد بالنسبة إلى المهر ويرجع إلى مهر المثل لا القيمة وقد عرفت أنّ الضمان، ضمان اليد فالرجوع إلى القيمة خال عن الدليل على كلا المبنيين وقد مرّ الإفتاء به عن بعض العامة.
مسألة: للزوجة الامتناع حتّى تقبض الصداق
قال الشيخ: إذا سمّى الصداق ودخل بها قبل أن يعطيها شيئاً لم يكن لها بعد ذلك، الامتناع من تسليم نفسها حتّى تستوفي بل لها المطالبة بالمهر ويجب عليها تسليم نفسها. وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لها أن تمتنع حتى تقبض لأنّ المهر في مقابلة كل وطء في النكاح ـ دليلنا ـ أنّ البضع حقّ استحقّه والمهر حقّ عليه وليس إذا كان عليه حقّ جاز أن تمنع حقّه لأنّ جواز ذلك يحتاج إلى دليل1. وماذكره يدلّ على التفصيل بين قبل الدخول وبعده، وقال في النهاية:

1 . الخلاف: 2/416. كتاب الصداق، المسألة 39.

صفحه 205
وللمرأة أن تمتنع من زوجها حتّى تقبض منه المهر1. وهو يدلّ على المنع مطلقاً.
وقال في الوسيلة: وللمرأة الامتناع من الدخول بها وإن أفضى إليها كرهاً حتى تستوفي المهر، وإن مكّنت من الدخول لم يكن لها بعد ذلك، الامتناع فإن امتنعت نشزت وسقطت نفقتها 2.
أقول: إنّ للمسألة صوراً:
الصورة الأُولى: إذا كان المهر حالاًّ والزوج موسراً ولم يدخل بها فهل يجوز لها الامتناع؟ والمسألة غير منصوصة وفيها قولان:
الأوّل: ماعرفت من القول بالمنع، لأنّ ذلك مقتضى المعاوضة، وإيتاء أُجورهن في غير واحد من الآيات وقال: (إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ)3 وقال تعالى: (يا أَيُّها النَّبيُّ إنّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللاّتِي آتَيْتَ أُجُورهُـنَّ)4 وقال تعالى: (وَلاَجُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُـنَّ)5، وتسليم الزوجة نفسها مقيدٌ لبّاً ولفظاً على أخذ الصداق وإطلاقه يقتضي كونه نقداً .
وبذلك يظهر أنّ حقّ الاستمتاع في مقابل الصداق، فإذا أبى أحد الطرفين فللطرف الآخر الإباء أخذاً بحكم التقابل، نعم لا يجبر واحد منهما على التسليم.
الثاني: إنّ تسليم الزوجة نفسها حقّ عليها وتسليم المهر إليها حقّ عليه، فيجب على كلّ منهما إيصال الحقّ إلى مستحقّه فإذا أخلّ أحدهما بالواجب عصى ولايسقط بعصيانه حقّ الآخر.
وقد استجوده صاحب الحدائق، وقال: إنّ قضيته العقد أوجبت استحقاق

1 . النهاية: 475.
2 . الوسيلة: 299.
3 . المائدة: 5.
4 . الأحزاب: 50.
5 . الممتحنة: 10.

صفحه 206
الزوج البضعَ واستحقاق المرأ ة المهر، فليس لأحدهما الإخلال بما وجب عليه في مقابلة امتناع الآخر وإخلاله بما وجب عليه1.
يلاحظ عليه: أنّ القائل لاحظ الحقّين، أمرين مستقلّين ليس أحدهما في مقابل الآخر فأشبه بالحقوق غير المتقابلة مثلاً أنّ لكلّ مسلم على مسلم أن لا يغتابه فليس له الوقيعة من أخيه إذا اغتاب الآخر، ولكن المقام من قبيل الحقوق، متقابلة حيث تقول في العقد على الزوجين «على الصداق المعلوم».
نعم ذكر صاحب الحدائق في المسألة قولين آخرين.
1 ـ يجبر الزوج على تسليم الصداق أوّلاً فإذا أسلم سلمت نفسها، والفرق بينهما أنّ فائت المال يستدرك وفائت البضع لايستدرك.
2 ـ لايجبر واحد منهما لكن إذا بادر أحدهما إلى التسليم أُجبر الآخر على تسليم ما عنده.
ولايخفى أنّ القولين ليسا في طول القول الآخر فللقائل بالامتناع أن يقول بأحد هذين الوجهين.
والظاهر، جواز إجبار الزوج إذا رفعت المرأة كلّ حاجز يمنع من الاستمتاع وصارت مستعدة لكنّه لاتسلم نفسها إلاّ إذا أسلم، وذلك لأنّ موقف الزوجة موقف البائع فكما أنّه إذا دفع المانع عن تسلّط المشتري عليه، يجوز طلب الثمن من المشتري، فهكذا المقام يكفي كونها دافعة للمانع سوى تسليمها للزوج والمفروض وجودها.
وأمّا تسمية المهر نحلة في قوله تعالى: (وآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً)2 أو عدم بطلانه مع كون العقد عارياً من المهر، وعدم فساده إلى غير ذلك من الأحكام

1 . الحدائق: 24/461.
2 . النساء: 4.

صفحه 207
التي لاتجتمع مع الغرض الحقيقي، فلا ينافي ماذكرناه لما عرفت من أنّ النكاح برزخ بين المعاوضة والعبادة.
الصورة الثانية: إذا كان المهر حالاّ والزوج معسراً.
والظاهر، أنّ الحكم فيهما واحد والتفاوت بالإثم في الأوّل دون الثاني وجواز الجبر فيه دون الآخر، وأمّا استحقاق النفقة فالظاهر أنّها تستحق لعدم امتناعه من التمكّن إذا دفع إليه حقّها، بخلاف الناشزة، فإنّها تمنع مع عدم استحقاقها شيئاً وعدم تمكّن الزوج من الدفع إنّما يسقط جواز الجبر لا الحكم الوضعي، أعني: النفقة التي يقدر عليها.
الصورة الثالثة: إذا كان المهر مؤجّلاً سواء كان الزوج موسراً أو معسراً والظاهر بل المقطوع أنّه ليس لها الامتناع لأنّ حقّه بلا معارض، بخلاف حقّها فإنّه مؤجّل فلا حجّة لها على الامتناع.
نعم، لو مضت مدّة ولم يدخل بها لمانع من مرض أو سفر أو غيرهما وصار المهر حالاّ فهل يجوز لها الامتناع تمسّكاً بتقابل الحقّين المتقابلين، أو لا يجوز تمسّكاً باستقرار وجوب التسليم عليها قبل الحلول فيستصحب، ولأنّهما عقدا وتراضيا على أن لا يقف تسليم أحد العوضين على تسليم الآخر، فبناء المعاوضة حينئذ على سقوط حقّ الامتناع بالنسبة إليها؟ رجّح صاحب الجواهر الثاني، والظاهر، هو الأوّل لأنّه إذا صار الثمن حالاً يندرج تحت الكبرى الكلّية من أنّه يجوز الامتناع لصاحب الحقّ المتقابل عن التسليم إذا امتنع الآخر عنه، ومعه لايبقى مجال للاستصحاب، وتراضيهما على أن لا يقف تسليم أحد العوضين على تسليم الآخركان محدوداً مؤقّتاً لا عندما حلّ الأجل ففي مثل هذا يتمسّك بالقاعدة الكلية.
الصورة الرابعة: إذا كان المهر حالاً ودخل بها، فهل له الامتناع فيما بعد

صفحه 208
حتى تتسلم؟ ففيه خلاف، نقل عن المفيد جواز الامتناع.
قال في المقنعة: فإن دخل بها قبل أن يقدم شيئاً أخطأ السنّة، وكان المهر في ذمته ديناً عليه، يلزم تسليمه إلى المرأة أيّ وقت طالبته به1وأنت ترى أنّ العبارة ساكتة عن جواز الامتناع وإنّما صريحة في لزوم التسليم.
واضطرب كلام الشيخ في كتابيه، فقال في الخلاف بعدم جواز الامتناع: إذا سمّى الصداق ودخل بها قبل أن يعطيها شيئاً لم يكن لها بعد ذلك، الامتناع من تسليم نفسها حتّى تستوفى بل لها المطالبة بالمهر، ويجب عليها تسليم نفسها . وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لها أن تمتنع حتى تقبض، لأنّ المهر في مقابلة كل وطء في النكاح، ثم استدل الشيخ بأنّ البضع حقّ استحقه والمهر حقّ عليه وليس إذا كان عليه حقّ، جاز أن تمنع حقّه لأنّ جواز ذلك يحتاج إلى دليل2.
وقال في المبسوط: بجواز الامتناع وقد عرفت كلام ابن حمزة.
وذهب المحقّق إلى ما ذهب إليه الشيخ في الخلاف وهو عدم جواز الامتناع قائلاً: بأنّه أشبه بأُصول المذهب وقواعده لأنّ الاستمتاع حقّ لزم بالعقد، خرج منه الاستمتاع قبل القبض بالإجماع فيبقى الباقي على أصله، وأيّده في الجواهر بقوله: وسقوط حقّها برضاها (ولو مرّة واحدة) ولا دليل عليه.
والظاهر جواز الامتناع فليس هنا حقّان منفصلان بل حقان متقابلان فلها الامتناع في مقابل امتناعه، وأمّا حديث سقوط حقّها بالرضا فعجيب جدّاً، لأنّه رضى بتأخّر حقّها عن زمان الاستمتاع وهو لا ينافي فعلية حقها بعده .
* * *

1 . المقنعة: 509.
2 . الخلاف: 2، كتاب الصداق، المسألة 39.

صفحه 209

في مفوضة البضع

التفويض ينقسم إلى: تفويض البضع، وتفويض المهر، والفرق بينهما، هو أنّ الأوّل عبارة عن إهمال المهر في العقد وعدم ذكره بالمرّة. والثاني، عبارة عن ردّ أمر المهر إلى أحد الزوجين أو ثالث، والكلام في الأوّل في أُمور:
الأمر الأوّل : يجوز إخلاء العقد من المهر لتصريح الكتاب والأخبار الكثيرة، أمّا الكتاب، فقوله سبحانه: (لاجُناحَ عَلَيْكُمْ إنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ مَالَم تَمَسُّوهُنَّ أوْ تَفْرِضُوا لَـهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ على المُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلى المُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعاً بالمَعْرُوفِ حَقّاً على المُحْسِنِين)1.
(وإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إلاّ أنْ يَعْفُونَ أوْ يَعْفُوَا الَّذي بِيَدِهِ عُقْدَهُ النِّكاحِ)2.
وأمّا السنّة فيكفي ما ورد في حكم صداق المرأة التي نكحت بلا مهر حيث

1 . البقرة: 236.
2 . إنّ الآية بصدد بيان حكم الطلاق قبل المس، وهو على قسمين: تارة يقع الطلاق قبل المس وقبل الفرض ، وأُخرى قبل المس ولكن بعد الفرض وتضمنّت الآية الأُولى حكم الأوّل، والثانية حكم الثاني.
وبذلك يظهر معنى الآية الأُولى وأنّه لماذا أتى بـ «أو» دون «الواو» وقال: (لاجُناحَ عليكُمْ إنْ طلَّقتمُ النِّساء َما لم تَمسُّوهُنَّ أو تَفْرِضُوا لهَُنَّ فَريضةً)وذلك: لأنّ الشق الأوّل(مالم تمسوهنّ) راجع إلى الطلاق قبل المس وبعد الفرض، وكأنّه قال: مالم تمسّوهنّ (وقد فرضتم لهنّ فريضة). وقد ذكر حكمه في الآية الثانية.
والشق الثاني يرجع إلى الطلاق قبل المس وقبل الفريضة وقال: (أو تفرضوا لهنَّ فَريضةً) أي مالم تمسّوهنّ ولم تفرضوا لهنّ فريضة وبيّـن سبحانه حكمه في الآية الأُولى. وعلى كل تقدير، تدلّ على جواز إخلاء العقد من ذكر المهر، والظاهر من الجناح المنفي هو نفيه عن ترك المهر في العقد ويدلّ على ذلك ذكر التمتيع إذا طلّقن قبل الدخول والحال هذه، فيكون التمتيع قائماً مقام المهر.

صفحه 210
سلّم صحة العقد ويبحث عن شؤون مهرها كما في رواية الحلبي وموثق منصور ابن حازم ورواية عبدالرحمن بن أبي عبداللّه 1.
ويؤيّده، ما مرّ من أنّ المهر ليس من أركان العقد، فإنّه رابطة بين الزوجين بخلاف العوضين في البيع.
الأمر الثاني: يتحقّق تفويض البضع بالسكوت عن المهر تارة، وعدمه في حال العقد أُخرى، وعدمه مطلقاً في الحال والم آل ثالثاً، إنّما الكلام في صحّة العقد في الأخير، ولاشكّ أنّ الشرط فاسد، وإنّما الكلام في فساد المشروط، فهل يفسد لأجل كونه على خلاف مقتضى عقد النكاح لدلالة الأخبار على وجوب المهر بالعقد أو بالوطء، أو بالفرض، أو لا ؟ الظاهر لا، إذ لو كان الالتزام بالمهر ولو بالمال من مقتضيات العقد لزم كونه كذلك عند جميع الأُمم، كما أنّ الثمن في البيع والأُجرة في الإجارة كذلك ولأجل ذلك التزموا على بطلان البيع بلا ثمن والإجارة بلا أُجرة.
وأقصى مايمكن أن يقال: إنّه على خلاف الكتاب والسنّة، ومن المعلوم أنّ مثله يكون فاسداً ولا يكون مفسداً كما هو الحال في كل شرط فاسد لأجل كونه على خلاف الكتاب والسنّة.
ومادلّ من الروايات من أنّه: لاتحلّ الهبة إلاّ لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) وأمّا غيره فلا يصلح نكاح إلاّ بمهر 2، ونظائره فليس صريحاً في فساد العقد بل الظاهر منها أنّه لا يتمّ النكاح إلاّ بمهر، فعليهما أن يعيّنا مهراً في الم آل.
الأمر الثالث: فإن طلّقها قبل الدخول وقبل الفرض فعليه التمتيع وجوباً لظاهر الكتاب في قوله سبحانه: (حَقَّاً عَلى المُحْسِنِينَ) 3والمراد من المحسن هو

1 . الوسائل: 15 الباب12 من أبواب المهور، الحديث1، 2و3.
2 . الوسائل: 14 الباب2 من أبواب عقد النكاح، الحديث2.
3 . البقرة: 236.

صفحه 211
المحسن بالطاعة. مضافاً إلى النصوص الواردة في المقام1.
الظاهر اختصاص الحكم بالطلاق وأمّا المفارقة بالموت قبل المس والفرض فلا دليل عليه، قال الشيخ: إذا مات أحدهما قبل الفرض وقبل الدخول فلا مهر لها، وبه قال في الصحابة عليّ (عليه السلام) وابن عباس وزيد والزهري، وبه قال ربيعة ومالك والأوزاعي وأهل الشام وهو أحد قولي الشافعي والقول الآخر: لها مهر مثلها، وبه قال ابن مسعود وأهل الكوفة وابن شبرمة وابن أبي ليلى والثوري وأبو حنيفة وأصحابه وأحمد وإسحاق ـ دليلنا ـ أنّ الأصل براءة الذمّة وشغلها بذلك يحتاج إلى دليل2.
وبذلك يظهر حكم الفراق بلا طلاق، نظير الفراق عن لعان أو الفسخ بغيب ومن فرض له مهر فاسد إلى غير ذلك من الصور، سواء كان الفراق من جانب الزوج أو من جانب المرأة.
الأمر الرابع: هل التمتيع يختص بالمطلّقة التي لم يفرض لها مهر ولم يدخل بها، أو يعمّ ما إذا لم تفرض لها فرض ولكن دخل بها ـ فإنّ الواجب فيه مهر المثل ـ مع التمتيع أيضاً؟.
الظاهر هو الأوّل، والتمتيع، يقع موضع المهر، كما هو ظاهر الآية والنصوص والفتاوى، وربّما يقال بالثاني أخذاً بما ورد في بعض الروايات ففي صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) : «متعة النساء واجبة دخل بها أو لم يدخل بها، ويمتّع قبل أن يطلّق» 3.
يظهر من بعضها الآخر أنّ المتعة مطلوبة حتّى مطلقاً وإن فرض لها المهر

1 . الوسائل: 15 الباب 48 من أبواب المهور.
2 . الخلاف: 2 كتاب الصداق، المسألة 18.
3 . الوسائل: 15، الباب50 من أبواب المهور، الحديث1، ولاحظ روايات الباب.

صفحه 212
لقوله في صحيح البزنطي: «إنّ متعة المطلّقة فريضة» 1 وقوله في صحيح حفص ابن البختري عن أبي عبداللّه (عليه السلام) في الرجل يطلّق امرأته أيمتّعها؟ قال: « نعم أما يحبّ أن يكون من المحسنين، أما يحبّ أن يكون من المتّقين» 2.
والكلّ محمول على الاستحباب كما هو لسان صحيح البختري ففي رواية جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى:
(فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً) قال: «متّعوهنّ: جمّلوهنّ بما قدرتم عليه فإنهنّ يرجعن بك آبة وحياء وهمّ عظيم وشماتة من أعدائهنّ، فإنّ اللّه كريم يستحيي ويحبّ أهل الحياء إنّ أكرمكم عند اللّه أشدّكم إكراماً لحلائلهم» 3.
الأمر الخامس: المعتبر في المتعة حال الزوج في الوسع والإقتار.
وهل المعتبر في المتعة، هو حال الزوج، فيقوم بما يناسب حاله كما هو ظاهر الآية، وكثير من النصوص4 أو الميزان اعتبار حالها، وهو المروي عن الشافعي، قال في الخلاف: «فالاعتبار بالإعسار واليسار، بالرجل، دونها، وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه والآخر الاعتبار بإعسارها ويسارها وجمالها لأنّه بدل عن مهر مثلها وذلك معتبر بها5.
ويؤيّد القول الثاني: بعض الروايات مثل مارواه الحلبي عن أبي عبداللّه (عليه السلام) في الرجل يطلّق امرأته قبل أن يدخل بها؟ قال: «عليه نصف المهر إن كان فرض لها شيئاً، وإن لم يكن فرض لها شيئاً فليمتّعها على نحو مايمتّع به مثلها من

1 . الوسائل: 15الباب 48 من أبواب المهور، الحديث9 وروي مرسلاً أيضاً في الباب49، الحديث9 ومن48، الحديث6 و2 من أبواب المهور.
2 . الوسائل: 15 الباب 48 من أبواب المهور، الحديث5.
3 . الوسائل: 15 الباب 49من أبواب المهور، الحديث 6، والآية 49 من سورة الأحزاب.
4 . الوسائل: 15 الباب 49 من أبواب المهور.
5 . الخلاف: 2، كتاب الصداق، المسألة 16.

صفحه 213
النساء» 1.
وحملها في الوسائل، على التقية، ويمكن أن يقال: إنّ الميزان هو حال الزوج فلو كان معسراً لايطلب منه ما يطلب من الموسر وإن كانت الزوجة جميلة مثرية إذ التكليف فرع القدرة، وإن كان الزوج موسراً فيجب عليه مراعاة حالها، فلو كان قادراً على نوعين من العمل أحدهما لايناسب شأنها والآخر يناسب حالها فليختر ما يناسب شأنها فهو قادر على ذلك، وهذا لاينافي كون الميزان هو حال الزوج، فلاحظ.
ثمّ إنّ الظاهر من الآية اعتبار حالين للزوج: السعة والإقتار، لكن الظاهر من الشرائع، تقسيمه إلى ثلاث:
حيث قال: فالغني، يمتع بالدابة، أو الثوب المرتفع، أو عشرة دنانير، والمتوسط، بخمسة دنانير، أو الثوب المتوسط، والفقير، بالدينار أو الخاتم وما شاكله2.
وهو مطابق لما رواه الصدوق في الفقيه3 وهو معنى ما ورد في فقه الرضا(عليه السلام)4.
والظاهر، إمكان الجمع بين اللحاظين فإنّه إذا كان المراد من اليسار والإقتار هو النسبيّ منهما فالمتوسط بينهما داخل في كلا القسمين باعتبارين وليس شيئاً ثالثاً، ولأجل ذلك اكتفى الذكر الحكيم بذكر حالين.

1 . الوسائل: 15الباب48 من أبواب المهور الحديث7 ومثلها رواية أبي الصباح الكناني، الحديث8 من نفس الباب.
2 . الجواهر: 31/55.
3 . الوسائل: 15، الباب 49 من أبواب المهور، الحديث3.
4 . المستدرك: 15، الباب34 من أبواب المهور، الحديث5.

صفحه 214
الأمر السادس: المفوضة لاتستحق المهر بنفس العقد ولكن لها حق المطالبة بفرض المهر وأنّ لها حبس نفسها عليه. ووجهه، أنّ رضاها بالتفويض إنّما هو بالنسبة إلى خلوّ العقد عن المهر لا عدمه مطلقاً ، وذلك لما عرفت من أنّ النكاح لا يخلو عن المعاوضة فلها المطالبة بتعيين العوض، نعم إذا تراضيا بشيء من العوض جاز، لأنّ الحقّ لهما سواء كان بقدر مهر المثل أو أزيد أو أقلّ.
إذا كان مفروض الزوج أقلّ من مهر السنّة، لم يقع بغير رضاها بلا إشكال لأنّها تستحق في الواقع مهر المثل لكن الشارع حدّدها بمهر السنّة فالتقليل من مهر السنّة يحتاج إلى الدليل.
لو ترافعا إلى الحاكم، يفرض لها مهر المثل بشرط أن لايتجاوز مهر السنّة بناء على عدم جواز التجاوز عنه وقد عرفت حاله.
الأمر السابع: التفويض في المولّى عليها
يتحقق التفويض من البالغة الرشيدة وإن كانت بكراً بناءً على ما عرفت من أنّ أمرها إليها.
وأمّا الصغيرة والمجنونة والكبيرة السفيهة، فليس لهنّ التزويج بالمهر فضلاً عن التفويض.
وإنّما الكلام في جواز ذلك للولي فهل له التزويج بأقلّ من مهر المثل أو بدون ذكر المهر لتكون مفوّضة البضع؟ قولان:
1 ـ يصحّ العقد، دون التفويض أو النقص مع المصلحة في النكاح أو عدم المفسدة فيه ويثبت لها مهر المثل ويستقرّ مع الدخول وإلاّ النصف إذا طلّق قبله.
2 ـ يصحّ العقد والتفويض والعقد على المهر الأنقص من مهر المثل، وعلى ذلك فلو طلّق قبل الدخول تكون المتعة إذا لم يذكر المهر ونصف المسمّى الأنقص. مبنى الوجه الأوّل: أنّ النكاح من قبيل المعاوضات فيكون تصرّف الولي

صفحه 215
منوطاً بمهر المثل وثمن المثل والتفويض أقلّ من مهر المثل على القول بتحديده بمهر السنّة.
يلاحظ عليه: أنّ قياس النكاح على سائر المعاوضات، مورد تأمّل، لأنّه وإن كان يشترط في تصرّف الولي من الأب والجدّ وجود المصلحة، أخذاً بقوله سبحانه: (وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ إلاّ بِالَّتِي هِيَ أحْسَن) 1 إذ المراد من الاقتراب، مايعدّ تصرّفاً كالاقتراض والبيع والإجارة، وما أشبه ذلك إلاّ أنّ الآية مختصة بباب المعاوضات المحضة لا مثل النكاح الذي تكون فيه المعاوضة ضمنية ولأجل ذلك، لو اقتضت المصلحة النكاح بصورة التفويض أو الأنقص من مهر المثل جاز وإن كان مهر السنّة الذي هو المتعينّ في صورة التفويض، ولأجل ذلك يجوز له العفو عن أصل المهر إذا اقتضت المصلحة طلاقها.
***

الكلام في بعض الصور الباقية

إلى هنا تمّ الكلام فيما إذا كانت مفوضة البضع إن لم يذكر مهر لها في العقد، وطلّقها الزوج قبل الدخول ولنذكر أحكام سائر الصور:
1 ـ إذا طلّقها بعد الدخول وقبل الفرض، فلها مهر أمثالها بلا خلاف، مضافاً إلى النصوص المتضافرة، ففي مضمرة الحلبي قال: سألته عن الرجل يتزوّج امرأة فدخل بها ولم يفرض لها مهراً ثم طلّقها؟ فقال:« لها مهر مثل مهور نسائها ويمتّعها»2.

1 . الأنعام: 152.
2 . الوسائل: 15الباب12، من أبواب المهور، الحديث1، ولاحظ أحاديث الباب.

صفحه 216
2 ـ لو مات أحدهما قبل الدخول وقبل الفرض فلا مهر كما هو الأصل ولا متعة لاختصاصها في الكتاب بالطلاق، وثبوته في غيره يحتاج إلى الدليل، بل الدليل على خلافه لصحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال في المتوفّى عنها زوجهـا إذا لم يدخـل بها: «إن كان فرض لها مهراً فلها مهرها الذي فرض لها ... وإن لم يكن فرض لها مهراً فلا» 1. ولقد نقل الخلاف عن المخالفين وهو ليس بحجّة.
3 ـ لو دخل بها والحال هذه يجب مهر المثل وقد اختلفت كلمتهم حول مهر المثل في موارد مع أنّ الوارد في النصّ هو قوله: «لها صداق نسائها» و «مهر نسائها» و «مهر مثل مهور نسائها» في الروايات الثلاثة الماضية، أعني: رواية الحلبي، ومنصور بن حازم وعبد الرحمن بن أبي عبداللّه وإليك موضع الاختلاف.
هل الميزان في مهر المثل هو لحاظ المرأة كل الشؤون من الشرف والجمال والبكارة والعقل واليسار والعفّة وتدبير المنزل والعلم والقدرة على الخياطة ونحوها، فيكون المراد مهر من ماثلتها في هذه الشؤون، أو الميزان لحاظها بصفاتها الظاهرية بين أهلها؟
فإذا كان المراد من المثلية هو الثاني، فهل الميزان الأقارب مطلقاً من غير فرق بين من يرجع منهم إلى الأب أو الأُمّ، أو هو خصوص أقارب الأب كما عليه المهذّب.
وعلى فرض اعتبار الأقارب فهل يعتبر أن يكونوا من أهل بلدها لاختلاف المهور باختلاف البلدان اختلافاً عظيماً، أو لا ؟ وجهان وإلى الأوّل ذهب صاحب المدارك.

1 . الوسائل: 15 الباب 58 من أبواب المهور الحديث 22.

صفحه 217

في تفويض المهر

قد عرفت أحكام تفويض البضع وهو العقد من دون ذكر المهر، فحان حين البحث عن حكم تفويض المهر وهو أن يتزوّج ويفوّض تقديره إلى أحد الزوجين.
ويظهر من الشيخ: صحّة التفويض إلى تقديرهما معاً وهو اتّفاقهما على مقدار معين قال في الخلاف: مفوضة المهر هو أن يذكر مهراً ولا يذكر مبلغه فيقول: تزوّجتك على أن يكون المهر ماشئنا أو ماشاء أحدنا .فإذا تزوّجها على ذلك فإن قال: على أن يكون المهر ماشئت أنا، فإنّه مهما يحكم به وجب عليها الرضا به قليلاً كان أو كثيراً ، وإن قال: على أن يكون المهر ماشئتِ أنتِ، فأنّه يلزمه أنّ يعطيها ما تحكم به مالم يتجاوز خمسمائة درهم، وقال الفقهاء كلّهم; أبو حنيفة والشافعي: إنّه يلزمه مهر المثل1.
والظاهر، من فقهاء سائر المذاهب إبطال هذا القسم من التفويض وجعله من المهر الفاسد، وإجراء حكمه عليه.
أقول: يقع الكلام في موارد:
الأوّل: هل يختص التفويض بأحد الزوجين، أو يعمّهما، بل يعمّ الأجنبي؟.
والظاهر من المحقّق، هو الأوّل، ومن الشيخ هو الثاني، والظاهر من البعض المحكي عنه في المسالك، هو الثالث.
أقول: النصوص الواردة في المقام وارد مورد الغالب وهو تفويض المهر إلى أحدهما، وأمّا التفويض إليهما فيكفي في ذلك عموم «الصداق ما تراضيا عليه»2

1 . الخلاف: 2/410، كتاب الصداق، المسألة21.
2 . الوسائل: 15 الباب 1 من أبواب المهور، الحديث 3.

صفحه 218
ثمّ لو لم يتّفقا فعن الشيخ، أنّه يتوقف حتّى يصطلحا واحتمل الرجوع إلى الحاكم، وأمّا تفويضه إلى الأجنبي فهو نوع وكالة منهما من حيث المورد وقد رجعنا إلى مظانّه فلم نجد دليلاً صالحاً للعمومية، اللّهمّ إلاّ أنّ يقال: يكفي في إحراز الصلاحية كونه قابلاً للوكالة عند العرف فيعمّه أدلّة لزوم الوفاء بالشروط.
الثاني : الظاهر من الروايات أنّه متى فوّض أمر المهر إلى الزوج كان له الحكم بما شاء من قليل أو كثير، ولو فوّض إلى الزوجة فليس لها الحكم بأزيد من مهر السنّة. ويدلّ عليه رواية الحسن بن زرارة عن أبيه، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل تزوّج امرأة على حكمها، قال:«لا يجاوز حكمها مهور آل محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)اثنتي عشرة أوقية ونشّا وهو وزن خمسمائة درهم من الفضّة» قلت: أرأيت إن تزوّجها على حكمه ورضيت بذلك؟ قال: فقال: «ما حكم من شيء فهو جائز عليها قليلاً كان أو كثيراً» قال: فقلت له: فكيف لم تجز حكمها عليه وأجزت حكمه عليها؟ قال: فقال: «لأنّه حكّمها فلم يكن لها أن تجوز ما سنّ رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم) وتزوّج عليه نساءه فرددتها إلى السنّة ولأنّها هي حكّمته وجعلت الأمر إليه في المهر ورضيت بحكمه في ذلك فعليها أن تقبل حكمه قليلاً كان أو كثيراً» 1.
وصحيحة محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) في رجل تزوّج امرأة على حكمها أو على حكمه فمات أو ماتت قبل أن يدخل بها؟ قال: «لها المتعة والميراث ولا مهر لها» قلت: فإن طلّقها وقد تزوّجها على حكمها ؟قال: «إذا طلّقها وقد تزوّجها على حكمها لم تجاوز حكمها عليه أكثر من وزن خمسمائة درهم فضّة مهور نساء رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) » .2
والحسن بن زرارة وإن كان مهملاً في الرجال ولم يذكر فيه مدح ولا ذمّ،

1 . الوسائل: 15الباب 21 من أبواب المهور، الحديث1و 2.
2 . الوسائل: 15الباب 21 من أبواب المهور، الحديث1و 2.

صفحه 219
لكن الظاهر من رواية الكشي1 كونه ممدوحاً من حيث دعاء الإمام الصادق (عليه السلام) في حقّه عندما أدّى رسالة أبيه إلى الصادق (عليه السلام) ولذا عدّه المجلسي من الممدوحين، وتعبير الرواية في بيان التفريق وإن كان غير واف بالمراد وأشبه بالمصادرة بالمطلوب ولكن يمكن أن يقال: إنّ المراد أنّه إذا كان الزوج هو المفوَّض فبما أنّه الباذل ماله فله الحكم بما شاء لتسلّط الناس على أموالهم، وهذا بخلاف ما إذا كانت المرأة هي المفوضّة فبما أنّها تبذل من كيس الغير فليس لها أن تتجاوز من مهر السنّة أخذاً بالورع.
الثالث: إنّك قد عرفت في تفويض البضع أنّه لو طلّقها قبل الدخول ففيها المتعة وهذا بخلاف المقام، والفرق عدم ذكر المهر هناك بخلافه في المقام، فإنّه قد ذكر إجمالاً، وعلى هذا لو طلّق قبل الدخول وبعد الحكم لزمه النصف، وإن كان طلّق قبل الدخول وقبل الحكم يلزم بالحكم وكان لها النصف ويدلّ عليه ذيل رواية محمّد بن مسلم2 والرواية وإن كانت واردة في مورد كون الحاكم هو المرأة، لكنّه لا فرق لعمومية أدلّة النصف في الطلاق.
والفرق بين الطلاق قبل الدخول في تفويض البضع وما نحن فيه واضح حيث إنّ الأوّل فيه المتعة دون المقام ففيه نصف ما يحكم به وذلك لأنّه أقدم على النكاح بصورة المجان فالشارع أجبره بالتمتيع بخلاف المقام لأنّه لم يقدم إلاّ بالمهر غاية الأمر جعل التقدير بيد الغير فإذا طلق فلا وجه للعدول عن النصف مثل ما اذا كان معيّناً من أوّل الأمر .
الرابع: لو مات الحاكم قبل الحكم وبعد الدخول فلها مهر المثل مطلقاً أو ما لم يزد عن مهر السنة خصوصاً إذا كان الحكم إليها وقد مات قبل حكمها.

1 . رجال الكشي، طبعة الأعلمي.
2 . الوسائل: ج15 الباب 21 من ابواب المهور، الحديث2.

صفحه 220
الخامس: لو مات الحاكم قبل الحكم وقبل الدخول فالمشهور سقوط المهر وثبوت المتعة قال الشيخ:
«فان مات الرجل أو ماتت المرأة قبل ان يحكما لم يكن لها مهر وكان لها المتعة حسب ما قدمناه»1 وقوله: «قبل أن يحكما» قرينه على أنّ الميت هو الحاكم.
والدليل الوحيد هو صدر صحيحه ابن مسلم حيث قال: في رجل تزوج امرأة على حكمها او على حكمه فمات أو ماتت قبل أن يدخل بها ، قال: «لها المتعة والميراث ولا مهر لها».
والاستدلال مبني على كون الميت هو الحاكم لا المحكوم عليه سواء كان الحاكم زوجاً أو زوجة وربما يدعى أنّ المتبادر هو كون الميت هو الحاكم لأنّه الأقرب والمحدَّث عنه كما في الحدائق2.
يلاحظ عليه: أنّ المحدَّث عنه، في قوله: «مات» هو الرجل، وهو في الحديث هو المحكوم عليه، لقوله: «رجل تزوج امرأة، على حكمها» كما ان المحدّث عنه في قوله «ماتت» هو المرأة المحكومة عليها فلو لم تكن الرواية ظاهرة في غير هذه الصورة فليست ظاهرة فيها.
نعم ذيل الحديث يمكن أن يكون قرينة على أنّ الميت هو الحاكم، لأنّ المفروض فيه هو الطلاق قبل الدخول مع حياة الزوجين، فقد ذكر أنّ الحكم لايسقط بالطلاق مع بقاء الحاكم، وإذا لم يسقط بالطلاق لم يسقط بالموت، بطريق أولى، لبقاء الزوجية في الثاني دون الأوّل، فيستكشف من عدم الرجوع إلى الحاكم، كون الميت هو، وإلاّ كان الحق، الإرجاع إليه لعدم سقوط الحق بالموت.

1 . الطوسي: النهاية: 472.
2 . البحراني: الحدائق الناضرة: 24/493.

صفحه 221
وهناك قولان آخران:
الأوّل: ما حكى عن الشيخ في المبسوط1 والعلاّمة في القواعد2 انّ لها مهر المثل مع موت الحاكم، وعلّله بوجهين:
1 ـ انّه قيمة البضع حيث لم يتعين غيره
2 ـ انّ المهر مذكور غاية الأمر انه مجهول، فإذا تعذر وجب الرجوع إلى مهر المثل.
والأوّل انّما يتم اذا دخل بها والمفروض غيره، والثاني غير ثابت لأنّه غير مذكور إلاّ إجمالاً وليس لها واقع ثابت حتى يكون المثل طريقاً إليه.
الثاني: عدم ثبوت شيء مع موت الحاكم. ولولا النص يكون هذا أظهر، لأنّ مهر المثل يكون بالدخول، والمتعة بالطلاق وهو غير المفروض ولكنه يرده كأنّه اجتهاد في مقابل النص، كما لايخفى.
تم الكلام في تفويض البضع وتفويض المهر
ويليه الكلام في احكام المهر بإذنه سبحانه

1 . الطوسي: المبسوط: 4/296.
2 . العلامة: القواعد: 2/41.

صفحه 222

صفحه 223
الفصل السادس عشر:

في أحكام المهر

1ـ ليس الدخول هادماً للصداق
2ـ ما هو السبب لاستقرار المهر على الزوج
3ـ إذا لم يُسَّم المهر وقد قدّم شيئاً ودخل
4ـ الطلاق قبل الدخول منصِّف للمهر
5ـ إذا أبرأته من الصداق ثم طُلّقت
6ـ إذا خلعها بالمهر قبل الدخول
7ـ إذا اشترط عدم التزوج والتسريّ
8ـ إذا اشترطت أنّ لا يقتضّها
9ـ إذا اشترطت عدم اخراجها من بلدها
10ـ الصداق يُملَك بالعقد
11ـ إذا صار المهر المؤجّل حالاّ

صفحه 224

صفحه 225

في أحكام المهر

وفيه مسائل:

المسألة الأُولى: ليس الدخول هادماً للصداق

من أحكام المهر عدم سقوطه بالدخول كلاً أو بعضاً، عاجلاً أو آجلاً، طالت المدّة أم قصُرتْ أخذاً بالقاعدة المسلّمة بين العقلاء والمنسوبة إلى الإمام علي(عليه السلام) من أنّ الحقّ القديم لا يبطله شيء. وعموم قوله سبحانه:(وَ آتُوا النِساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً)(النساء/40) والروايات الخاصة المتضافرة كصحيح البزنطي قلت لأبي الحسن(عليه السلام): الرجل يتزوّج المرأة على الصداق المعلوم فيدخل بها قبل أن يعطيها فقال: يُقدِّم إليها ما قلّ أو كثُر إلاّ أن يكون له وفاء من عرض، إنْ حدثَ به حدث أُدّي عنه فلا بأس.1
وقال صاحب الحدائق ويؤيّد الحكم ما دلّ على أنّ من تزوّج امرأة ولم ينو أن يُوفيها صداقَها فهو عند اللّه زان ثمّ ذكر الروايات2 لكن الاستدلال بها كما ترى، إذ لا صلة بين المسألتين، فإن نيّة غصب مهر المرأة شيء، وكون الدخول بمجرّده،هادماً للمهر ومسقطاً له، شيء آخر والكلام في المسألة الثانية دون الأُولى.

1 . الوسائل: 15، الباب 8 من أبواب المهور، الحديث 1، ولاحظ أيضاً، الحديث 2، 3، 9، 10، 12 من هذا الباب.
2 . الحدائق: 24/497.

صفحه 226
و المسألة موضع اتّفاق بين الأصحاب قال الشيخ: إذا سَمّى الصداقَ، ودخل بها قبل أن يعطيها شيئاً لم يكن لها بعد ذلك الامتناعُ من تسليم نفسِها حتّى تستوفى، بل لها المطالبة بالمهر، ويجب عليها تسليم نفسِها وبه قال الشافعي. وقال أبوحنيفة: لها أن تمتنع حتّى تقبض، لأنّ المهرَ في مقابلة كلّ وطء في النكاح. دليلنا: أنّ البضع حقّ استحقّه والمهر حقّ عليه وليس إذا كان عليه حقّ، جاز أن تَمنع حقّه، لأنّ جواز ذلك يحتاج إلى دليل.1
وعنوان البحث يدلّ على أنّ بقاء المهر في ذمّة الزوج أمر مسلّم بين الفقهاء قاطبة إنّما الكلام في محلّ آخر، وهو هل للمرأة الامتناع في مقابل حقّها أو لا؟ غير أنّه نقل من الصدوق والحلبي أنّها إن أخذت منه شيئاً قبل الدخول سقط الباقي إلاّ أن توافقه على بقاء الباقي عليه ديناً2ونقل المحدّث البحراني عن الشيخ في التهذيب أنّه قال: عن بعض أصحابنا أنّه إذا دخل بها هدم الصداق3 وإليك ما وقفنا من كلامهما:
1ـ قال الصدوق: وإذا تزوّج الرجل امرأة بألف درهم، فأعطاها عبداً له آبقاً وبردا حبرة بالألف التي أصدقها فلا بأس بذلك إذا هي قبضت الثوب ورضيت بالعبد.4
2ـ قال الحلبي :وإذا سلمت نفسها، وقد قبضت شيئاً لم يكن لها غيره إلاّ أن توافقه على الباقي وتشهد عليه به فإن ادّعت باقياً ولم تكن لها بيّنة فعليه اليمين

1 . الطوسي: الخلاف: 2، المسألة 39.
2 . الجواهر:31/72.
3 . الحدائق:24/498.
4 . الصدوق، المقنع: 109 والعبارة ليست صريحة فيما نسب إليه، ولعلّه أفتى بذلك في كتاب غير المقنع والهداية ولقد راجعناهما فلم نجد شيئاً صالحاً للمقام سوى هذه العبارة في المقنع.

صفحه 227
وإن ثبت بالبيّنة والإقرار فلها مطالبته به.1
وعلى كلّ تقدير فسواء أكان للقول ـ بأنّ الدخول هادم للصداق ـ قائل كالصدوق والحلبي أم لا، فقد وردت روايات في المقام لكنّها على أصناف:

الصنف الأوّل: ما هو قاصر الدلالة على الحكم

هناك لفيف من الروايات ليست صريحة في المقصود نظير:
1ـ خبر الحسن بن زياد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا دخل الرجل بامرأته ثمّ ادّعت المهر وقال: قد أعطيتك ، فعليها البيّنة وعليه اليمين».2
إذ لو كان الدخول هادماً للمهر، فلا معنى لإقامة الدعوى، وطلب البيّنة من المرأة وتوجّه اليمين على الزوج، والحديث يعرب عن كون النزاع ليس ثبوتياً، بل عدم السقوط مسلّم، وإنّما النزاع في عالم الإثبات فكأنّ الدخول أمارة إلى أخذ الدين فصار ادّعاء المرأة على خلاف الظاهر فطولبت بالبيّنة وإلاّ فعلى الزوج اليمين.
2ـ صحيـح الفضيل عن أبي جعفر (عليه السلام)في رجل تزوّج امرأة فدخل بها فأولدها ثمّ مات عنها فادّعت شيئاً من صداقها على ورثة زوجها، فجاءت تطلبه منهم، وتطلب الميراثَ قال: فقال: «أمّا الميراث فلها أن تطلبه، وأمّا الصداق فانّ الذي أخذت من الزوج قبل أن يدخل عليها فهو الذي حلّ للزوج به فرجها قليلاًكان أو كثيراً إذا هي قبضته منه وقبلته ودُخِلَتْ عليه فلا شيء لها بعد ذلك».3
ولعلّ مورد الحديث في مفوضة البضع أي من تزوّج ولم يذكر لها مهراً

1 . الكافي:294.
2 . الوسائل: 15، الباب 8 من أبواب المهور، الحديث 7و13.
3 . الوسائل: 15، الباب 8 من أبواب المهور، الحديث 7و13.

صفحه 228
ومقتضى القاعدة في مثله وإن كان مهر المثل، لكنّه فيما إذا لم يسق إليها شيئاً قبل الدخول، الظاهر في تراضيهما على أنّه المهر، ولأجل ذلك ليس لها المهر وإن كان لها الميراث، فقوله: «فادّعت شيئاً من صداقها» ظاهر في أخذ شيء قبل الدخول بعنوان المهر، وما ساقه وإن كان غير ظاهر في كونه جزء المهر أوكلّه، لكن يحمل على الثاني صيانة لها عن مخالفة القواعد.

الصنف الثاني: ما يدلّ على سقوط العاجل لدلالة الدخول عليه

3ـ وهناك روايات تدلّ على سقوط العاجل دون الآجل وكان الأوّل ما كان الدخول مشروطاً به ، دون الثاني1 فيكون الدخول أمارة إلى إعطائه وأخذها، أو إلى إسقاطها، وأين هو من هدم الدخول الصداق وسيوافيك من المحقّق في المسألة الثانية أنّه إذا لم يسمّ لها مهراً وقدّم لها قبل الدخول شيئاً ثمّ دخل بها كان ذلك مهرها ولم يكن لها مطالبته بالدخول إلاّ أن تشارطه قبل الدخول على أنّ المهر غيره، وسيوافيك كلام ابن إدريس في تلك المسألة وأنّه إجماعيّ.
وبذلك عالجنا قسماً من الروايات المخالفة، وأمّا غير ما ذكرنا الآبية عن الحمل على هذين الوجهين بل الظاهر منه أنّ الدخول يهدم الصداق، عاجله وآجله سمّى المهر أم لم يسمّ، قدّم شيئاً قبل الدخول أو لا، فهو إمّا مؤوّلة أو مردود علمها إليهم (عليهم السلام) . نظير ما رواه الشيخ عن الحسن بن علي بن كيسان، قال: كتبت إلى الصادق (عليه السلام)أسأله عن رجل يطلّق امرأته وطلبت منه المهر، وروى أصحابنا إذا دخل بها لم يكن لها مهر ، فكتب(عليه السلام): لا مهر لها.2
أضف إلى ذلك أنّ جعل الدخول هادماً للصداق إطاحة بحقوق المرأة ومخالف لحكم الفطرة.

1 . الوسائل: 15، الباب 8 من أبواب المهور، الحديث 3، 4، 5 و 6.
2 . الوسائل: 15، الباب 8 من أبواب المهور، الحديث 15 ولاحظ الحديث8و14.

صفحه 229

ما هو الموجب لاستقرار المهر كلّه على الزوج

المشهور هو أنّ الموجب للمهر هوالوطء قُبلاً أو دبراً على وجه يجب عليه الغسل وإن لم ينزل ويدلّ عليه قوله سبحانه: (وَ إِنْ طَلَقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَ قَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَريضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ) (البقرة/237) والمسّ كناية عن الدخول، لعدم وجوب الصداق بالمعنى اللغوي إجماعاً، وتضافر الروايات بتعابير مختلفة على أنّ التقاء الختانين يوجب المهر، ففي صحيح الحلبي: إذا التقى الختانان وجب المهر والعدّة.1وفي خبر حفص بن البختري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) إذا التقى الختانان وجب المهر والعدّة والغسل.2 هذا ممّا لا خلاف فيه.
إنّما الكلام في قيام الخلوة ـ مقامه ـ وعدمه.
قال الشيخ في الخلاف: إذا طلّقها ـ بعد أن خلا بها وقبلَ أن يمسّها ـ اختلف الناس فيه على ثلاثة مذاهب:
فذهبت طائفة: إلى أنّ وجود هذه الخلوة وعدمها سواء، فيرجع إليه نصف الصداق ولا عدّة عليها.و هو الظاهر من روايات أصحابنا، وبه قال في الصحابة ابن عباس، وابن مسعود، وفي التابعين الشعبي وابن سيرين وفي الفقهاء الشافعي، وأبو ثور.
وذهبت طائفة: إلى أنّ الخلوة كالدخول، يستقرّ بها المسمّى، ويجب عليها العدّة. وبه قال قوم من أصحابنا، وروي ذلك في أخبار من طريق أصحابنا ، وروي ذلك عن علي(عليه السلام)وبه قال: عمر بن الخطاب، وابن عمر، وفي التابعين: الزهري، وفي الفقهاء: الأوزاعي، وأبوحنيفة وأصحابه. وهو نصّ قول الشافعي في القديم.

1 . الوسائل: 15، الباب 54 من أبواب المهور، الحديث 3و4 ولاحظ الحديث 1، 5، 6، 7و8 (وهو متحد مع الحديث 4و 9 من هذا الباب).
2 . الوسائل: 15، الباب 54 من أبواب المهور، الحديث 3و4 ولاحظ الحديث 1، 5، 6، 7و8 (وهو متحد مع الحديث 4و 9 من هذا الباب).

صفحه 230
وذهبت طائفة إلى أنّها: إن كانت خلوة تامة، فالقول قول من يدّعي الإصابة.
وبه قال مالك بن أنس، قال: والخلوة التامة أن يزفّها الزوج إلى بيته ويخلو بها، وإن لم تكن تامّة مثل أن خلا بها في بيت والدها مالم تزل حشمة، فإن طالت مدّته عندهم وارتفعت الحشمة صارت خلوة تامة.1
والأقوال الثلاثة راجعة إلى مقام الثبوت، فالقول الأوّل ينفي سببية الخلوة ـ عند عدم المس ـ والثاني يعترف بها وإن لم يمس، والثالث يفصل بين الخلوة التامة والناقصة.
وأمّا أصحابنا فلهم أقوال أربعة ولا يمكن عدّ الجميع أقوالاً متعارضة كما يتّضح وإليك الأقوال:
1ـ لا يجب بالخلوة وإن كانت تامة وهو المشهور.
2ـ يجـب بالخلوة بما أنّها سبب تام، حكاه الشيخ في الخلاف عن بعض أصحابنا وهو بعد غير محقق عندنا.
3ـ يجب على ظاهر الحال، بمعنى أنّ الخلوة أمارة الدخول وأنّ اتّفاقهما على عدمه، للفرار من العدّة من جانبها والمهر من جانبه.
4ـ إنّ مقدّمات الوطء مطلقـاً، كالتقبيل وسائـر الاستمتاعات تقـوم مقام الدخول نسب إلى ابن الجنيد.
يظهر من عبارة الشيخ في النهاية، القول الثالث قال:« ومتى خلا الرجل بامرأته فأرخى الستر ثمّ طلّقها وجب عليه المهر على ظاهر الحال وكان على الحاكم أن يحكم بذلك وإن لم يكن قد دخل بها إلاّ أنّه لا يحلّ للمرأة أن تأخذ أكثر

1 . الطوسي: الخلاف: 2، كتاب الصداق، المسألة 42.

صفحه 231
من نصف المهر مالم يدخل بها.1
وأمّا القول الرابع: فقد نقله العلاّمة في المختلف عن ابن الجنيد2 وليس له أيّ دليل لا واضح ولا غير واضح إلاّ القياس بحرمة مملوكة الولد على الوالد أو بالعكس إذا كانت ملموسة أو منظورة حيث وقع النظر واللمس هناك مكان الوطء فليكن هنا أيضاً كذلك. وهو كما ترى.
وأمّا الروايات فمنها ما يدلّ على القول الأوّل كموثق يونس بن يعقوب قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن رجل تزوّج امرأة فأغلق باباً وأرخى ستراً ولمس وقبّل ثمّ طلّقها أيوجب عليه الصداق؟ قال: «لا يوجب الصداق إلاّ الوقاع».3
ومنها ما يدلّ على أنّ الخلوة تقوم مقام الوطء في السببية، ففي صحيح زرارة عن أبي جعفر(عليه السلام) ، قال: «إذا تزوّج الرجل ثمّ خلا بها فأغلق عليها باباً أو أرخى ستراً ثمّ طلّقها فقد وجب الصداق وخلاؤه بها دخول».4
ثمّ إنّ الكليني نقل عن ابن أبي عمير، أنّه حمل الروايات على أنّه يحكم الوالي بظاهر الحال، إذ قلّما يتّفق أن ينفك الإخلاء عن الوقاع فيكون أمارة إلى الدخول واستحسنه الشيخ فقال: إنّما أوجبنا نصف المهر مع العلم بعدم الدخول ومع التمكّن من معرفة ذلك، وأمّا مع ارتفاع العلم فالقول ما قاله ابن أبي عمير.5

1 . الطوسي: النهايـة ، كتاب النكاح، باب المهور، ص 471 ومثله عـبارة ابن البرّاج في المهذّب: 2/204 وعبارة إصباح الشيعة بمصباح الشريعة لقطب الدين الكيدري:424، ط . مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) .
2 . العلاّمة : مختلف الشيعة، الفصل الثالث في الصداق:95.
3 . الوسائل: 15، الباب 55 من أبواب المهور، الحديث 1، ولاحظ روايته الأُخرى 5.
4 . المصدر نفسه: الحديث 3 ولاحظ الحديث 4.
5 . الوسائل: 15، الباب 55 من أبواب المهور، الحديث 2.

صفحه 232
ولكن الانصاف أنّ الحمل بعيد عن ظاهر النصّين، نعم يؤيّده ما رواه أبوبصير قال: تزوّج أبوجعفر (عليه السلام)امرأة فأغلق الباب فقال: افتحوا ولكم ما سألتم فلمّا فتحوا صالحهم.1 إذ لو كانت الخلوة سبباً مستقلاً، لما كان معنى للمصالحة.
و مع ذلك يحتمل الحمل على التقية وقد نقله الشيخ عن الأوزاعي وأبو حنيفة وأصحابه وهو نصّ قول الشافعي في القديم.
فلم يبق إلاّ ما يرجع إلى عمل أبي جعفر وهو مضطرب فمنه ما يظهر منه استقلال الخلوة في السببية.2 ومنه ما يدلّ على الخلاف وأنّ أباه قال: لا يجب إلاّ النصف3 ومنه ما يظهر وجود النزاع بين مولاة المرأة وأبي جعفر(عليه السلام) في الدخول وعدمه وأنّ أبا جعفر (عليه السلام) صالحهم4ومثل هذا لا تصلح للاحتجاج، فالقول المشهور هو المتعيّن.

المسألة الثانية: إذا لم يسمّو قدّم شيئاً ودخل

إذا لم يسمّ لها مهراً في العقد ولا بعده، وقدّم لها قبل الدخول شيئاً، ثمّ دخل بها، فهل يكون ذلك مهرها ولا تكون لها مطالبته بعده، أو لا؟
ذهب الشيخان وابن إدريس وابن سعيد وغيرهم إلى الأوّل ونسبه المحقّق إلى المشهور وإليك كلماتهم:
1ـ قال المفيد: وإن لم يسمّ مهراً ... ودخل بها وأعطاها قبل الدخول شيئاً قلّ أم كثر فذلك مهرها، لا شيء لها عليه بعده، لأنّها لو لم ترضَ به مهراً ما أمكنته

1 . الوسائل: 15، الباب 55 من أبواب المهور، الحديث 8.
2 . كرواية الحلبي ومحمد بن مسلم برقم 2و6.
3 . كرواية زرارة برقم 7.
4 . كرواية أبي بصير برقم 8.

صفحه 233
من نفسها حتى تستوفي تمامه أو توافقه على ذلك وتجعله ديناً عليه في ذمّته.1
2ـ قال الشيخ: وإن لم يكن قد سمّى لها مهراً، وأعطاها شيئاً ثمّ دخل بها لم يكن لها شيء سوى ما أخذته.2
3ـ قال ابن إدريس: وإن لم يكن سمّي لها مهراً وأعطاها شيئاً قبل دخوله بها ثمّ دخل بها بعد ذلك لم تستحقّ عليه شيئاً سوى ما أخذته منه قبل الدخول سواء كان ذلك قليلاً أو كثيراً على ما رواه أصحابنا وأجمعوا عليه، فإنّ دليل هذه المسألة هو الإجماع المنعقد منهم بغير خلاف، وفيه الحجّة لا وجه لذلك إلاّ الإجماع.3
4ـ وقال ابن سعيد: وإذا لم يسمّ لها وأعطاها شيئاً ودخل بها فهو مهرها لا غير إلاّ أن توافقه على أنّ الباقي في ذمّته، فإن أعطاها شيئاً فادّعت الهديّة وادّعى أنّه مهر ولا بيّنة فالقول قوله مع يمينه.4
إنّ مقتضى القاعدة غير ما نسب إلى المشهور فانّ مقتضاها أنّها إن رضيت بما أخذت مهراً، لم يكن لها غيره وإلاّ فلها مع الدخول مهر المثل ويحتسب ما وصل إليها منه، إذا لم يكن على وجه التبرّع كالهدية ولكن الأصحاب عدلوا عن مقتضى القاعدة والقدر المتيقّن من فتوى الأصحاب ما إذا قدم لها شيئاً بنيّة المهر، وإلاّ فلو لم ينو شيئاً أو نوى الهدية ، فالمهر ـ مهر المثل ـ على ذمّته كما صرّح بذلك ابن سعيد في ذيل عبارته.
واستدل على الحكم بأُمور:

1 . المفيد: المقنعة:509ـ 510.
2 . الطوسي: النهاية:470.
3 . ابن إدريس: السرائر: 2/581.
4 . ابن سعيد الحلي: الجامع :441.

صفحه 234
ألف: حمل ما سبق من الروايات الظاهرة في أنّ الدخول، يهدم الصداق على ما إذا لم يسمّ مهراً وقدّم شيئاً قبل الدخول وأظهرها صحيح الفضيل عن أبي جعفر (عليه السلام)في رجل تزوّج امرأة فدخل بها فأولدها، ثمّ مات عنها، فادّعت شيئاً من صداقها على ورثة زوجها، فجاءت تطلبه منهم، وتطلب الميراث قال فقال: «أمّا الميراث فلها أن تطلبه، وأمّا الصداق فانّ الذي أخذت من الزوج قبل أن يدخل عليها فهو الذي حلّ للزوج به فرجها قليلاً كان أو كثيراً إذا هي قبضته منه وقبلته ودُخلت عليه فلا شيء لها بعد ذلك».1 ولكن الحديث ليس ظاهراً فيما لم يسمّ لها ومثله غيره ممّا مرّ في المسألة السابقة، ولذلك وصف المحقق مستند الفتوى بأنّه : «تعويل على تأويل رواية» وعلى كلّ تقدير فكون الروايات محمولة على هذه الصورة، غير كونها ظاهرة فيها:
ب: الإجماع الوارد في كلام ابن إدريس وزعم أنّه لا دليل للحكم سواه ووصفه المحقق بالشهرة، والظاهر أنّ مستند الشيخين وغيرهما، هوالروايات فيكون الإجماع مدركياً.
ج: ما ذكره العلاّمة في المختلف من أنّه كانت العادة في الزمن الأوّل على تقديم المهر على الدخول والآن بخلافه ولعلّ المنشأ في الحكم العادة فإن كانت العادة في بعض الأزمان والأصقاع كالعادة القديمة كان الحكم ذلك وإلاّ فلا 2.
يلاحظ عليه: أنّ الظاهر أنّهم بصدد بيان الحكم الشرعي وأنّه يتعين ما قدّم في المهر، من دون نظر إلى العادة.
د: ما مرّ في كلام المفيد من أنّها لو لم ترض به مهراً، ما أمكنته من نفسها حتى تستوفي تمامه....

1 . الوسائل: 15، الباب8 ، من أبواب المهور، الحديث 13.
2 . العلاّمة: المختلف: الفصل الثالث في الصداق:95.

صفحه 235
يلاحظ عليه: أنّه خلاف المفروض، إذ الفرض هو تقديمه لها شيئاً من دون أن يصفه بشيء من المهر والهدية وإلاّ فلو وصفه بأنّه مهرها ومع ذلك أمكنته من نفسها، يكون ما قدّم هوالمهر، أورد عليه في المسالك بأنّه لا يلزم من عدم رضاها، عدم تمكينها، لجواز اعتمادها في ذلك على ما يلزم شرعاً بالدخول وهومهر المثل.1
و الأقوى أنّه إن دلّت القرائن على أنّه أعطاها بعنوان المهر، وأنّها قبلتهاكذلك عن وعي وشعور، كان الحكم ذلك، وإلاّ فمهر المثل على ذمّته. واللّه العالم.
***

المسألة الثالثة: الطلاق قبل الدخول منصِّف

اتّفق الفقهاء على أنّ الطلاق قبل المسّ منصّف تبعاً للكتاب والسنّة قال سبحانه: (وَ إِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُوهُنَّ وَ قَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَريضةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلاّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الّذي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ) (البقرة/237) وفي صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في رجل طلّق امرأته قبل أن يدخل بها قال : «عليه نصف المهر إن كان فرض لها شيئاً، وإن لم يكن فرض لها فليمتّعها على نحو مايمتّع به مثلها من النساء».2 وعلى ذلك:
1ـ فإن كان ديناً على الزوج برئت ذمّته من النصف.
2ـ فإن كانت عيناً صارت مشتركة بينهما.
3ـ ولو كان دفعه إليها وكان باقياً استعاد لنصفه.

1 . زين الدين العاملي: المسالك: 8/230.
2 . الوسائل: 15، الباب 51 من أبواب المهور، الحديث 2 ولاحظ سائر أحاديث الباب.

صفحه 236
4ـ ولو حصل نماء كان لها خاصة، لأنّه حصل في ملكها، ولا يستحق الزوج من النماء شيئاً.
5ـ ولو كان دفعه إليها وكان تالفاً استعاد نصف مثله إن كان مثلياً ونصف قيمته إن كان قيمياً.
ولم أعثر على خلاف في ضمانها بالمثل أو القيمة عند التلف، ولا كلام في الإتلاف سواء كان من جانبها أو من جانب الغير إنّما الكلام في التلف من غير تقصير وتفريط فإنّ الحكم بضمانها ، مع كون العامل سماوياً خارجاً عن الاختيار، عاملاً لا يتفاوت الحال معه بين كون العين في يدي الزوج أو الزوجة، كانهدام البيت بالزلازل أو السيول، والأمطار الهائلة، أو بالصواريخ والقنابل المدمِّرة من جانب العدو المشترك فإنّ الحكم في هذه الموارد، خلاف منصرف الأدلّة حتّى قوله:«على اليد ما أخذت حتى تؤدّي»، نعم لو تلفت العين بالسرقة والأعذار الخاصة فهي ضامنة للنصف بالمثل أو القيمة، وقد ذكرنا أنّ حكم العقلاء في الأعذار العامة غير حكمهم في الأعذار الخاصة.
6ـ لو اختلف قيمته في وقت العقد ووقت القبض فهناك أقوال:
ألف: لزمها أقلّ الأمرين.
ب: ضمانها قيمة النصف يوم التلف.
ج: ضمانها قيمته يوم الطلاق الذي هو يوم تملّك النصف من العين.
د: ضمانها قيمته يوم الخروج عن الضمان.
وجه الأوّل خفي جدّاً وإن نقل في الجواهر له وجهاً.1
وجه الثاني هو أنّ يوم التلف هو اليوم الذي تعلّق حقّ الاستعادة بالعين

1 . الجواهر:31/80.

صفحه 237
مادامت موجودة فمع التلف تضمن النصف بقيمة ذلك اليوم الذي، هو أوّل زمان تعلّق الحقّ المزبور بها.
وأمّا الوجه الثالث فقد أُشير إلى دليله عند ذكره فلاحظ والأقوى هو الوجه الرابع، وهو ضمان قيمة يوم الدفع، وهو المطابق لحكم العقلاء في ضمان القيميات ويدعمه الدليل الفقهي الواضح وذلك: لأنّ الزوجة وإن ملكت العينَ كلّها بنفس العقد، لكنّها تملكتها بلون خاص وهو أنّه إذا طلّقها الزوج، يتملّك النصف من جديد أو يعود النصف إلى ملكه السابق.
و بعبارة أُخرى: تتملّك العين بالعقد ويستقرّ بالدخول.1 وعلى ضوء هذا فقد أخذت العينَ مسؤولة عن النصف واستولى عليها ضامنة له على الوجه المزبور، فإذا تحقّق الشرط وطلّق الزوج قبل الدخول ورجع النصف إلى ملكه، وهي مستولية على كلا النصفين، فتكون مسؤولة عن ردّ مال الغير إليه وتخاطب بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «على اليد ما أخذت حتّى تؤدي» فتكون النتيجة بقاء نصف العين على عهدتها إلى زمان الخروج عنها، فما لم تخرج تكون ذمّتها مشغولة به. فإذا امتنع الخروج بردّ العين، ينتقل إلى بدلها عملاً بالقسم الممكن من الخروج عن العهدة، لأنّه إذا امتنع الخروج عن العهدة بدفع نفس العين، يرجع إلى ما تحفظ به ماليتها وهو ليس إلاّ قيمة يوم الخروج، لا القيم السابقة وذلك بوجهين:
الأوّل: إنّ المضمون له قبل يوم الدفع هو نفس العين، لا قيمتها فالرجوع إلى القيم السابقة، عود إلى ماليس بمضمون.
الثاني: إنّ الغاية من الحكم بدفع القيمة ملأ الفراغ الذي حصل بتلف العين حتى يستطيع المضمون له من شراء ما يعادلها، ولا يحصل الملأ، إلاّ بدفع قيمة يوم الدفع إذ لو كانت أزيد من القيم السالفة، تتعين تلك القيمة للبدلية ولو

1 . العلاّمة الحلّي: المختلف، الفصل الثالث فيما يتعلّق بالصداق 99.

صفحه 238
كانت أقلّ منها، يكون دفع الزائد خارجاً عن تحقّق الغاية المطلوبة، والغاية المذكورة وإن كانت يمكن أن تكون حكمة للحكم، لكنّها ربّما تصدّ الفقيه عن العدول إلى حكم يكون أوسع منها أو أضيق إذ تكون قرينة لصرف إطلاقات أدلّة الضمانات إلى ما يتحقّق فيه الفرض المذكور، ويستطيع المضمون له من جبر الضرر.
وبالجملة: المتبادر من النبوي، كون الذمّة مشغولة بالعين، لا بالمثل ولا بالقيمة، والمراد من الاشتغال ليس كون العين الشخصية، في الذمة، حتى يقال إنّ الذمم، ظرف الكليّات، لا الشخصيات، فانّ ظرفها هوالخارج بل المراد، كون الشخص مسؤولاً عن الخروج عن عهدة العين الشخصية، بمقدار ما يمكن، فإذا كانت الذمة مشغولة بنفس العين، فلا يعدل إلى القيمة إلاّ إذا حاول المسؤول الخروجَ عن العهدة، وعندئذ يقوم بدلُها مقامَها وليس بدلُها، إلاّ قيمة ذلك اليوم لأنّها تعدّ بدلاً وعدلاً للعين لا القيم السابقة.
هذا إجمال ما أوضحناه في محلّه. وليس في الأدلّة ما يخالفه سوى خبر1 علي ابن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عن أبيه أنّ عليّا(عليه السلام)قال في الرجل يتزوّج المرأة على وصيف2 فيكبر عندها ويريد أن يطلّقها قبل أن يدخل بها ، قال: عليها نصف قيمته يوم دفعه إليها لا ينظر في زيادة ولا نقصان.3
يلاحظ عليه: مضافاً إلى ضعف السند، أنّه لا يرتبط بالمقام، أعني: زيادة القيمة السوقية، بل هو ناظر إلى زيادة العين ونقصانها خارجاً ، وبما أنّ الزيادة حصلت في ملك الزوجة وعندها تكون لها لا لزوجها ولو بالمناصفة هذا كلّه فيما إذا تلفت العين.

1 . وصفناه بالخبر لورود محمد بن أحمد العلوي في سنده وهو لم يوثق.
2 . الغلام دون المراهق.
3 . الوسائل:15، الباب 34 من أبواب المهور، الحديث 2.

صفحه 239
7ـ إذا زال ملكها على المهر بوجه لازم كالبيع والهبة فالحكم كما سبق، لكونه كالتالف عرفاً في عدم إمكان ردّ العين.
8ـ لو عاد إلى ملكها بالإقالة أو الشراء من المشتري من جديد فإمّا أن يعود بعد دفع المثل أو القيمة والخروج عن العهدة بدفع البدل شرعاً وعرفاً أو قبله، فعلى الأوّل لا وجه للرجوع بعد فراغ الذمّة على وجه القطع وعلى الثاني يُرجع إلى العين، لما عرفت أنّ الذمة مشغولة في جميع الحالات قبل البيع وبعده، قبل الرجوع إلى ملكها أو بعده، بردّ العين ، فإذا أمكن الردّ فلا وجه لقيام البدل مكانها، إذ القدر المتيقّن من قيامه إذا لم يتمكّن من المبدل.
9ـ ولو تعلّق به حقّ لازم من غير انتقال كالرهن والإجارة فله الخيار بين أخذ البدل، لعدم إمكان ردّ العين حالياً، والصبر إلى التمكّن منه. وبالجملة فرق بين بيع العين وإجارتها فانّ البيع مانع عن رجوع الزوج إلى ملكه، لأنّ المشتري تملّك العين على وجه الإطلاق ومالكيته للعين على وجه يمنع عن عود العين إلى ملك الزوج وهذا بخلاف إيجار العين مع بقائها على ملك الزوجة فانّها لا تمنع عن عود مالكية الزوج لما عرفت من أنّها ملكت العين على وجه خاص لا على وجه الإطلاق.
والحاصل أنّ المقتضي موجود، والمانع مفقود، فله الصبر إلى انقضاء مدّة الاجارة ولو انتقل عنها لا على وجه اللزوم كما لو باعت بخيار، فليس للزوج إلزامها على الرجوع، بل تخيّرت بين الرجوع ودفع نصف العين، وعدمه ودفع نصف القيمة.
10ـ ولو نقصت عينه أو صفته مثل عور الدابة، كان له نصف العين مع الأرش، لما عرفت من كون الذمة مشغولة بدفع العين والمفروض إمكانه، وطروء النقص والعيب عليها، لا يلحقها بالتلف، غاية الأمر، طروء التعيب في ملكها

صفحه 240
يوجب الضمان عليها وتَخرج عنه بالأرش.
11ـ ولو زادت العين سمناً، فانّ له عليها نصف قيمته من دون الزيادة، لأنّها ملك للمرأة شأن كلّ نماء متّصل ومنفصل فإنّه يتبع العين، فالعين كانت ملكاً للزوجة فالنماء لها أيضاً وإلى ذلك ينظر خبر علي بن جعفر الماضي.1 فلاحظ.

المسألة الرابعة: إذا أبرأته من الصداق، ثمّ طلّقت

إذا أبرأت الزوجةُ زوجها من الصداق، ثمّ طلّقها الزوج قبل الدخول فهل يرجع الزوجُ إلى نصفه؟ ونظيره إذا بذلته له ليخلعها عليه فخلعها به، فهل يستحقّ عليها مقدار نصفه؟ فالمسألة عند العامة ذات أقوال ثلاثة ذكرها الشيخ في خلافه.
قال: إذا أصدقها صداقاً، ثمّ وهبته له، ثمّ طلّقها قبل الدخول فله أن يرجع عليها بنصفه وللشافعي فيه قولان قال في القديم: لا يرجع وهو اختيار المزَني، وقال الشافعي: وهذا حسن. وقال في الجديد: يرجع، وهو أصحّ القولين عندهم سواء وهبت له بعد أن قبضته أو قبل القبض، الباب واحد.
وقال أبوحنيفة: إن كان ذلك بعد القبض رجع عليها بالنصف، وإن كان قبل القبض لم يرجع عليها بشيء. دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم.2
فالمسألة كما عرفت ذات أقوال ثلاثة: 1ـ لا يرجع مطلقاً. 2ـ يرجع مطلقاً. 3ـ يفصل بين كونه بعد القبض فيرجع، وقبل القبض فلا يرجع والمشهور عند الأصحاب هو الرجوع.

1 . الوسائل:15، الباب 34 من أبواب المهور، الحديث 2.
2 . الطوسي: الخلاف: 2، كتاب الصداق، المسألة 35.

صفحه 241
وقال في المبسوط: «إذا أصدقها صداقاً ثمّ وهبته ثمّ طلّقها قبل الدخول، فانّه يرجع عليها بنصفه ثمّ لا يخلو من أحد أمرين إمّا أن يكون عيناً أو ديناً، فإن كان عيناً كالعبد والثوب فوهبته له ثمّ طلّقها قبل القبض فهل يرجع عليها بنصف الصداق أم لا؟ قيل: فيه قولان: أحدهما لا يرجع بشيء، والثاني يرجع عليها بالنصف، وهو الصحيح عندنا سواء وهبت له قبل القبض أو بعد أن أقبضه.1
قال القاضي: فإن وهبت الزوجة لزوجها الصداقَ قبل طلاقه كان له إذا طلّقها الرجوع عليها بنصف ذلك.2
وقال السيد الإصفهاني: لو أبرأته من الصداق الذي كان عليه، ثمّ طلّقها قبل الدخول رجع بنصفه إليها، وكذا لو كان الصداق عيناً فوهبته إيّاها رجع بنصف مثلها إليها أو قيمة نصفها.3
والمشهور هو الرجوع والمسألة منصوصة، ففي مضمرة سماعة قال: سألته عن رجل تزوّج جارية أو تمتّع بها ثمّ جعلته من صداقها في حلّ، أيجوز أن يدخل بها قبل أن يعطيها شيئاً ؟قال: «نعم إذا جعلته في حلّ فقد قبضته منه، وإن خلاّها قبل أن يدخل بها ردّت المرأة على الزوج نصف الصداق».4
وروى محمّد بن مسلم قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل تزوّج امرأة فأمهرها ألف درهم ودفعها إليها فوهبت له خمسمائة درهم وردّتها عليه، ثمّ طلّقها قبل أن يدخل بها، قال: «تردّ عليها5 الخمسمائة الدرهم الباقية، لأنّها إنّما كانت

1 . الطوسي: المبسوط: 4/308 والصحيح أقبضها وما ذكر من احتمال عدم الرجوع فلعلّه ناظر إلى أحد قولي الشافعي كما في الخلاف.
2 . ابن البرّاج : المهذّب:2/204.
3 . السيد الإصفهاني: الوسيلة، فصل في المهر، ص 348، الطبعة الثانية.
4 . الوسائل: 15، الباب 41 من أبواب المهور، الحديث 2 ولاحظ الحديث 1 من هذا الباب.
5 . هكذا في الوسائل: الصحيح عليه.

صفحه 242
لها خمسمائة درهم فوهبتها له، فهبتها إيّاها له ولغيره سواء».1 والحكم في لسان الحديث معلّل حيث قال في مضمرة سماعة إنّ جعله في حلّ بمنزلة قبضها، وقال في خبر ابن مسلم: وإنّ هبتَها منه، ومن غيره سواء، ومعه لا وجه للوسوسة لبعض الوجوه التي نقلها الشهيد في المسالك عن بعض العامّة نظير كيف يرجع الزوج إلى الزوجة مع:
1ـ أنّها لم تأخذ منه مالاً.
يلاحظ عليه: أنّه لا يشترط في اشتغال الذمّة أخذ المال بل تكفي صحّة تصرّفها في الصداق ولو بالهبة منه أو من غيره.
2ـ ولا نقل إليها الصداقَ.
يلاحظ عليه: أنّه لولا النقل لزم بطلان الهبة والمفروض صحّتها ، خصوصاً إذا كان الصداقُ عيناً.
3ـ ولا أتلفتها عليه.
يلاحظ عليه: أنّ الضمان في المقام ليس لأجل الإتلاف بل لأجل التصرف، الكافي في الضمان وإن لم يكن تلفاً.
4ـ لو رجع الشاهدان بدين في ذمّة زيد لعمرو، بعد حكم الحاكم عليه، وإبراء المشهود عليه لم يرجع المشهود عليه عليهما لعدم تغريمهما له بشيء، ولو كان الإبراء إتلافاً على من في ذمّته، غرما له.2
يلاحظ عليه: أنّ الإبراء إنّما يكون إتلافاً ـ أو شبه إتلاف أو استيفاء ـ على من في ذمّته إذا كانت ذمّته مشغولة بالدين واقعاً كما في إبراء الزوجة الزوجَ من

1 . الوسائل:15، الباب 35 من أبواب المهور، الحديث 1.
2 . زين الدين العاملي: المسالك:1/596.

صفحه 243
الصداق، وأمّا المقام فبما أنّ الشاهدين قد رجعا عن شهادتهما، فلم يثبت أصل الاشتغال، حتّى يكون الإبراء لما في ذمّة المشهود عليه، إتلافاً عليه أو استيفاء وإلى ما ذكر يرجع قول الشهيد الثاني « والفرق بين مسألة رجوع الشاهدين، والمتنازع فيها، أنّ حقّ المهر ثابت حال الإبراء في ذمّة الزوج ظاهراً وباطناً ، فإسقاط الحقّ بعد ثبوته متحقّق بخلاف مسألة الرجوع لأنّه لا ثبوت فيها فالبراءة مستمرة ولا أثر للإبراء».

إذا خلعها بالمهر قبل الدخول

هذا كلّه الفرع الأوّل وأمّا الفرع الثاني أعني: ما إذا خلعها به أجمع، فيرجع الزوج إلى نصف القيمة وخالف الشهيد الثاني وزعم أنّ الحقّ عدم الرجوع قائلاً بالفرق بين الفرعين وإليك نصّه. قال:«للفرق بين الهبة والإبراء له قبل الطلاق، وبين الخلع لانتقال الملك فيهما قبله(الطلاق) فلم يصادف الطلاقُ الموجب لعود النصف إليه ملكاً، فانتقل إلى العوض (في الذمّة) وأمّا الخلع فانتقال ملك المهر إلى الزوج لا يحصل بمجرّد البذل من المرأة بل به وبالخلع لأنّها جعلته عوضاً عن البينونة فلا يملك إلاّ بتمام السبب وهوالطلاق ويحصل استحقاقه للنصف فيتمّ السببان في حالة واحدة وإن تقدّم جزء السبب في ملك عوض الخلع، فلا يتمّ ما قالوه من سبق ملكه له، على استحقاقه النصفَ بالطلاق فضلاً عن سبقه على الطلاق كالهبة.1
يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره إنّما يتمّ إذا كان قبول البذل والطلاق مقترنين، كما إذا انشأت الزوجة بذل الفدية ليخلعها بها، فيقول الزوج بعد بذلها لأجل الخلع: خلعتكِ على كذا، أو أنتِ مختلعة هكذا، وأمّا إذا سبق قبول البذل على إنشاء

1 . زين الدين العاملي: المسالك: 8/241.

صفحه 244
الطلاق كأن يقول ـ بعد إنشاء الزوجة: بذلتك لتخلعني ـ قبلت ذلك. فأنتِ على ما بذلتِ مختلعة فيكون المقام مثل الإبراء والطلاق، وتصوّر أنّ الطلاق جزء المملّك غير صحيح بل هو شرط فعل، غاية الأمر لو لم يف بالشرط ، يكون الباذل بالخيار.

المسألة الخامسة: في اشتراط عدم التزوّج والتسريّ

لا شكّ أنّه إذا شرط ما يخالف مقتضى العقد، كما إذا قال: بعتك بلا ثمن أو اجرتك بلا أُجرة، أو أنكحتك بشرط أن لا تتمتّع أبداً، فالشرط والمشروط باطلان، لاستلزامه إنشاء أمرين متناقضين فانّ البيع لا ينفك عن الثمن، ولا الإجارة عن الأُجرة، ولا النكاح عن التمتّع. إنّما الكلام إذا شرط ما يخالف الشرع كأن تخرج من البيت متى شاءت، أو يكون الطلاق بيدها أو لا يقسم ضرّتَها، ولا يُبذل نفقتها، بطل الشرط 1، لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): من اشترط شرطاً سوى كتاب اللّه فلا يجوز ذلك له، ولا عليه2، إنّما الكلام في بطلان النكاح والمهر وللأصحاب في المسألة قولان:
1ـ صحّـة العقد والمهر دون الشرط وهوخيرة الشيخ في المبسوط3 وابن البرّاج في المهذّب4 وابن إدريس في السرائر5والمحقق في الشرائع6 وغيره.

1 . وقد مثّل المحقّق تبعاً لمن قبله، باشتراط ترك التسرّي والتزوّج، وقد عدلنا عنهما إلى ما في المتن لما سيوافيك من صحّة اشتراطهما وما نذكر في المقام من النقض والإبرام فإنّما هو مع قطع النظر عن المناقشة في بعض الأمثلة أعني ترك التسرّي والتزوّج.
2 . الوسائل:15 ، الباب 38 من أبواب المهور، الحديث 2.
3 . الطوسي: المبسوط:4/303.
4 . ابن البرّاج: المهذّب:2/206 على احتمال.
5 . ابن إدريس: السرائر:2/589.
6 . الجواهر: 31/95، قسم المتن.

صفحه 245
2ـ صحّـة العقد دون المهر والشرط يظهر من الشهيد الثاني في المسالك وليس بقول بعيد، لولا بعض الإطلاقات.
وهنا احتمال، بطلان العقد، وبطلان المهر والشرط على وجه أولى واحتمال رابع، صحّة العقد والمهر والشرط وسيوافيك بيانها.
وإليك دراسة القولين، ووجه الاحتمالين.

صحّة العقد والمهر دون الشرط

فقد عرفت أنّه القول المشهور بين الأصحاب:
قال الشيخ: إن شرط شرطاً لا يسوغ في الشرع، فالشرط باطل. فإذا ثبت أنّه باطل لم يخل من أحد أمرين، إمّا أن يكون على صفة يفسد المهر أو العقد1 فإن كان ممّا يعود فساده إلى المهر، مثل أن شرط أن لا يسافر بها، ولا يقسم لها ولا يتسرى عليها ولا يتزوّج عليها فهذا شرط باطل ولا يفسد المهر عندنا وعند بعضهم يفسده ويجب مهر المثل.2
وقال في الخلاف: إذا أصدقها ألفاً وشرط أن لا يسافر بها أو لا يتزوّج عليها أو لا يتسرى عليها، كان النكاح والصداق صحيحين والشرط باطلاً وقال الشافعي: المهر فاسد ويجب مهر المثل فأمّا النكاح فصحيح.3
وقال ابن البرّاج: وإذا عقد الرجل نكاحاً وشرط للزوجة في الحال شرطاً يخالف الكتاب والسنّة مثل أن لا يتزوّج عليها ولا يتسرى ولا يتزوّج بعد موتها أو ما

1 . هذا هو القسم الثاني الذي يرجع إليه الشيخ في ذيل كلامه، في غير هذا الفرع بل في فرع آخر نظير اشتراط عدم الوطء فتدبر.
2 . الطوسي: المبسوط:4/303.
3 . الطوسي: الخلاف: 2، كتاب الصداق، المسألة 32.

صفحه 246
أشبه ذلك، كان الشرط باطلاً والنكاح ماضياً وله أن يتزوّج ويتسرى.1
يقع الكلام في مقامين:
الأوّل: صحّة العقد.
الثاني: صحّة المهر.
أمّا الأوّل: فيقال إنّ البحث مركّز على القول بأنّ الشرط الفاسد مفسد، وإلاّ فلا كلام في الصّحة، وعلى ذلك فالشرط الفاسد في خصوص المقام ليس بمفسد وذلك لأنّ للشرط دخلاً في قلّة المهر وكثرته، وفساده يوجب جهالة المهر، وجهالته تفسده، لكن فساد المهر، لا يوجب فساد النكاح، إذ ليس النكاح من قبيل المعاوضات وقد عرفت صحّة عقد مفوضة المهر أو البضع، وإلى ذلك يشير الشهيد الثاني بقوله: إنّ الشرط في النكاح يكون جزءاً من العوض الذي هو المهر فيما يعود إلى المرأة كالمذكور هنا من عدم التزويج والتسري وحقّ فساد الشرط أن يُفسد المهر لا العقد لما عرفت من عدم التلازم بينهما.2
وبعبارة أُخرى أنّ النكاح رابطة بين الزوجين وهما من الأركان والمفروض عدم الجهالة فيهما، وليس المهر من أركان النكاح وإن كان يجب أن لا يخلو منه.
وأمّا الثاني: فإثبات صحّته حسب القواعد مشكل مع فرض مدخلية الشرط في قلّة المهر وزيادته، نعم ذكر الشهيد الثاني: أنّ المهر لا يفسد بناء على وجود المقتضي لصحّته والمانع ليس إلاّ الشرط وهو شيء آخر وفساد أحد الشيئين لا

1 . المهذّب:2/306 وليس في العبارة تصريح بصحّة المهر ولكن لو كان المهر باطلاً كان عليه عطفه على الشرط في البطلان.
2 . زين العابدين العاملي: المسالك: 2/245.

صفحه 247
يقتضي فساد الآخر، لما علم من التوسّع في حاله1 وهو كما ترى لأنّ للشرط دخلاً في قلّة المهر وزيادته، بحيث لولاه لما رضيت بالمهر المفروض، فإذا بطل الشرط يكون المهر مجهولاً يرجع إلى مهر المثل وعلى ضوء القواعد، العقد صحيح دون المهر، وقد نبّه بذلك أيضاً الشهيد في كلامه أيضاً وقال: إنّ الشرط كالعوض المضاف إلى الصداق حيث يكون من المرأة وببطلانه يفوت بعض العوض فلا يعلم قدر الصداق فيثبت مهر المثل . هذا كلامه ونقلناه ملخصاً وما ذكره صحيح لولا أنّ التعبد دلّ على صحّة المهر، كالعقد وإليك بعض ما ورد:
1ـ محمّد بن قيس عن أبي جعفر(عليه السلام)في رجل تزوّج امرأة وشرط لها إن هو تزوّج عليها امرأة أو هجرها أو اتخذ عليها سريّة فهي طالق، فقضى في ذلك أنّ شرط اللّه قبل شرطكم فإن شاء وفى لها بما اشترط، وإن شاء أمسكها واتّخذ عليها ونكح عليها.2
2ـ ومثله خبر عبد اللّه بن سنان.3
3ـ روى زرارة أنّ ضريساً كانت تحتـه بنت حمـران فجعل لها أن لا يتزوّج عليها ولا يتسرّى أبداً في حياتها ولا بعد موتها، على أن جعلت له هي أن لا تتزوّج بعده أبداً، وجعلا عليهما من الهدي والحجّ والبدن، وكلّ مال لهما في المساكين إن لم يف كلّ واحد منهما لصاحبه، ثمّ إنّه أتى أبا عبد اللّه(عليه السلام) فذكر ذلك له فقال:... إذهب فتزوّج وتسرّ فإنّ ذلك ليس بشيء وليس عليك ولا عليها.4
4ـ ومثله مرسلة العيّاشي عن أبي جعفر (عليه السلام) .5

1 . الوسائل:15، الباب 38 من أبواب المهور، الحديث 1ـ2.
2 . الوسائل:15، الباب 38 من أبواب المهور، الحديث 1ـ2.
3 . الوسائل:15، الباب 38 من أبواب المهور، الحديث 1ـ2.
4 . الوسائل: 15، الباب 20 من أبواب المهور، الحديث 2.
5 . المصدر نفسه، الحديث 6 من هذا الباب: مرسلة العياشي.

صفحه 248
وضعف الأسناد يجبر بالتضافر وعمل الأصحاب، ومقتضي الإطلاق صحّة العقد والمهر أيضاً. ومنه يعلم حال فرع آخر وهو أنّه لو شرط تسليم المهر في أجل فإن لم يسلِّمه كان العقد باطلاً، فقال المحقق تبعاً للمشهور لزم العقد والمهر وبطل الشرط خاصّة، مستدلاً بروايات منها صحيح محمّد بن قيس: عن أبي جعفر (عليه السلام) في الرجل يتزوّج المرأة إلى أجل مسمّى فإن جاء بصداقها إلى أجل مسمّى فهي امرأته، وإن لم يأت بصداقها إلى الأجل فليس له عليها سبيل وذلك شرطهم بينهم حين أنكحوه، فقضى للرجل أنّ بيده بضع امرأته وأحبط شرطهم.1 والظاهر أنّ المراد من التزويج إلى أجل مسمى، كونه أجلاً للمهر لا للتزويج بشهادة رواية زيد.2
إلى هنا خرجنا بالنتيجة التالية:
إنّ العقد والمهر صحيحان، والشرط باطل.
ولكن باب المناقشة في مثل اشتراط ترك التزوّج والتسري مفتوح والأولى التمثيل بما ذكرناه في صدر البحث، من اشتراط كون الطلاق والوطء بيد المرأة أو اشتراط عدم الانفاق للضرّة ونظائرها، وأمّا اشتراط ترك التسري والتزوّج من الشروط العقلائية التي ربّما تكون مؤثرة في توطيد أواصر الزوجية، فهي ليست مخالفة للشرع أوّلاً، والروايات الدالة على بطلانهما، ناظرة إلى جهة أُخرى، غير جهة نفس الاشتراط ثانياً، فإليك بيان الأمرين:

1ـ ليس ترك التزوّج والتسري من الشرط المخالف

المقياس في تميّز الشرط المخالف عن غيره هو أن يكون الشرط مخالفاً للحكم الشرعي بالدلالة المطابقية، أي تكون المخالفة مائة بالمائة وذلك فيما إذا كان

1 . الوسائل: 15، الباب 10 من أبواب المهور، الحديث 2و3.
2 . الوسائل: 15، الباب 10 من أبواب المهور، الحديث 2و3.

صفحه 249
الحكم الشرعي وحداني التعلّق أي له وجه واحد، وتعلّق فارد ولا يجوز العدول عمّا ورد إلى غيره كما في الأمثلة التالية:
1ـ الطلاق بيد من أخذ بالساق.
2ـ الوطء بيد الزوج متى شاء وجبت عليها الطاعة.
3ـ يجب للزوج القيام بحقّ المضاجعة والمواقعة والنفقة لعامة زوجاته.
4ـ يحرم قطع الرحم أو تجب الصلة بين الأرحام.
5ـ لا يجوز للزوجة أن تخرج من البيت إلاّ بإذن الزوج.
إلى غير ذلك من الأحكام الشرعية القطعية التي لا يجوز العدول عنهما إلى غيره الذي عبّرنا عنها بوَحْدانيّ التعلّق.
فإذا تعلّق غرض الزوجة أو أوليائها، اشتراط خلاف ما ذكر كاشتراط كون الطلاق أو الوطء بيد الزوجة، أو اشترط عدم القيام بالوظائف اللازمة في حقّ الضرّة، أو قطع الرحم بين الأرحام أو الوالدين، أو كونها مختارة في الخروج عن البيت بلا حاجة لإذن الزوج فإنّ الشرط في جميع هذه الموارد على خلاف الكتاب والسنّة وفيها يصدق شرط اللّه قبل شرطكم وأمّا أنّ فساد الشرط يفسد العقد أو المهر، فقد مرّ الكلام فيه، وقلنا بعدم الفساد.
وأمّا إذا كان للتشريع وجهان، وبعبارة أُخرى يكون ثُنائيَّ التعلّق كما في الأمثلة التالية:
1ـ للزوج أن يتزوّج زوجة ثانية وأن لا يتزوّج.
2ـ للزوج أن يتسرّى بامته وأن لا يتسرّى.
3ـ للزوج أن يقيم في بلد أهل الزوجة وأن لا يقيم.
4ـ للزوج أن يفتض وأن لا يفتض مالم يؤدّ إلى ضياع حقّ الزوجة. إلى غير

صفحه 250
ذلك من التشريعات ذوات الأعدال.
ففي هذه الموارد يكون م آل الاشتراط إلى أحد أمرين:
1ـ سلب الاختيار عن الزوج، وأن لا يكون له هذا الشأن، من التزوّج، والتسري، والإقامة في أيّ بلد شاء والافتضاض أيّ وقت شاء ، و لا شكّ أنّ الاشتراط بهذا المعنى، يخالف التشريع الإلهي ولكن هذا النوع من المخالفة بعيد عن الأذهان العامة فانّ الذي يهمّهم غير ذلك وهو الذي نذكر في التالي:
2ـ إنّ الشارط مع تسليمه كون زمام الأمر بيد الزوج يشترط عليه أن يأخذ من الطرفين، ذات الطرف المعيّن في فترة خاصة أي لا يتزوّج ولا يتسرّى، ويقيم في بلد أهل الزوجة، ولا يفتض، فانّ مثل ذلك لا يعد معارضاً للتشريع، وإنّما هو أخذ التزام من الزوج، على تطبيق عمله على واحد في الطرفين، لغاية من الغايات، ويكون نظير سائر الشروط، الذي أشرنا إليه كعدم الخيار للبائع، أو عدم استفادة البائع من المبيع، أو المشتري من الثمن، مدّة محدودة فإنّ م آل جميع مدّة الشروط إلى تقييد الإطلاق، وإخراج ما لولاه لدخل.
وعلى ضوء هذا، لا يعدّ اشتراط عدم التزوّج والتسري في الأمة، مخالفاً للحكم الإلهي، إذ ليس الشارط بصدد نفي الخيار الشرعي، وإحلال حكمه محلّه، بل هو يسلم أنّ للزوج، أن يتزوّج ولا يتزوّج ويتسرى ولا يتسرى لكنّه يشرط عليه أن يختار طرفاً خاصاً من هذا الخيار، فمثل هذا، استثناء من الإطلاق، بحيث لولاه لدخل، هذا كلّه حول الأمر الأوّل، فتبيّن أنّ الشرط المخالف للكتاب والسنّة، غير اشتراط ترك التسري والتزوّج المتعارف . بقي الكلام في الأمر الثاني وهو:

2ـ بيان حال الروايات الدالّة على بطلان هذا النوع من الشرط.

إنّ الروايات الواردة على أقسام ثلاثة:
أ: ما يدلّ على صحّة الاشتراط وهذا هو المؤيّد لنظرنا.

صفحه 251
ب: ما يدلّ على عدم صحّته لأجل بطلان ما يترتّب عليه.
ج: ما يوهم عدم صحّته لنفسه.
أمّا القسم الأوّل فتدلّ عليه:
1ـ رواية عبد الرحمان بن أبي عبد اللّه أنّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل قال لغلامه: أعتقك على أن أُزوّجك جاريتي هذه، فإن نكحت عليها أو تسرّيت فعليك مائة دينار، فأعتقه على ذلك فنكح أو تسرّى أعليه مائة دينار ويجوز شرطه؟ قال: يجوز عليه شرطه.1
2ـ رواية محمّد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) في الرجل يقول لعبده: أعتقك على أن أُزوّجك ابنتي فإن تزوّجت عليها أو تسرّيت فعليك مائة دينار، فأعتقه على ذلك وزوّجه فتسرّى أو تزوّج قال: عليه شرطه.2
وأمّا القسم الثاني، أعني: ما يدلّ على أنّ بطلان الاشتراط لأجل ما يترتّب عليه وهو وقوع الطلاق بنفس عدم الوفاء بالشرط من دون حاجة إلى إجراء صيغة أو حضور العدلين وكونها في غير طهر المواقعة وغيرها من الشروط فهو عبارة عن ما يلي:
3ـ رواية عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل قال لامرأته: إن نكحت عليك أو تسرّيت فهي طالق؟ قال: ليس ذلك بشيء إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: من اشترط شرطاً سوى كتاب اللّه فلا يجوز ذلك له ولا عليه.3
4ـ محمّد بن قيس عن أبي جعفر(عليه السلام)في رجل تزوّج امرأة وشرط لها إن هو تزوّج عليها امرأة أو هجرها أو اتّخذ عليها سريّة فهي طالق، فقضى في ذلك: إنّ شرط اللّه قبل شرطكم فإن شاء وفى لها بما اشترط وإن شاء أمسكها واتّخذ عليها

1 . الوسائل: 16، الباب 12، من أبواب كتاب العتق، الحديث 1و4.
2 . الوسائل: 16، الباب 12، من أبواب كتاب العتق، الحديث 1و4.
3 . الوسائل: 15، الباب 38، من أبواب المهور، الحديث 2.

صفحه 252
ونكح عليها.1
والمراد من قوله: «شرط اللّه قبل شرطكم»عدم وقوعه إلاّ الطلاق بصيغة خاصّة في حضور العدلين وكونها في طهر غير المواقعة، وغيرهما من الشرائط.
نعم ظاهر قوله:«فإن شاء وفى لها بما اشترط...» أنّ الشرط ممّا يمكن الوفاء به وبما أنّ الشرط أعني: شرط النتيجة، لا يمكن الوفاء به، لا محيص من العدول عن هذا الظاهر، بالتفريق بين الجملتين بحمل قوله: «شرط اللّه...» على توقّف الطلاق على الشروط، وحمل قوله:«فإن شاء وفى بما اشترط» على ترك التزوّج والتسرّي، أي لا يتزوّج ولا يتسرّى حفظاً للوئام.
وهذا النوع من الطلاق، هو المعروف بالطلاق المعلّق أو الحلف عليه.
قال السبكي الشافعي: إنّ الطلاق المعلّق، منه ما يعلّق على وجه اليمين، ومنه ما يعلّق على غير وجه اليمين، فالطلاق المعلّق على غير وجه اليمين كقوله: إذا جاء رأس الشهر فأنتِ طالق، أو إن أعطيتني ألفاً فأنتِ طالق، والذي على وجه اليمين كقوله: إن كلّمت فلاناً فأنتِ طالق، أو إن دخلت الدار فأنتِ طالق، وهو الذي يقصد به الحث أو المنع أو التصديق، فإذا علّق الطلاق على هذا الوجه ثمّ وجد المعلّق عليه، وقع الطلاق2. أي على قاعدتهم.
وعلى هذا فالروايات وردت لردّ فتوى العامة القائلة بالجواز وقد تضافرت الروايات عن أئمّة أهل البيت على أنّ الحلف على العتاق والطلاق وصدقة الأموال باطل.3

1 . الوسائل: 15، الباب 38، من أبواب المهور، الحديث1.
2 . السبكي: الدرة المضيئة في الردّ على ابن تيميّة.
3 . الوسائل: 16، الباب 14 من أبواب كتاب الأيمان ، لاحظ روايات الباب.

صفحه 253
5ـ ويقرب من هذا القسم: رواية حمادة أُخت أبي عبيدة الحذّاء قالت: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل تزوّج امرأة وشرط لها أن لا يتزوّج عليها ورضيت أنّ ذلك مهرها قالت: فقال أبو عبد اللّه(عليه السلام) :هذا شرط فاسد، لا يكون النكاح إلاّ على درهم أو درهمين.1
دلّت الرواية على أنّ فساد الشرط إنّما لأجل أنّه جعل نفس ترك التزوّج عليها مهراً وأنّه لا يصلح له ولو كان نفس الشرط، فاسداً، لكان نسبة الفساد إليه أولى، لأنّ التعليل بالذاتي أولى من التعليل بالعرضي.
وعلى ضوء هذه الروايات الثلاث ظهر أنّ اشتراطهما صحيح بشرط أن لا يترتّب عليه أمر فاسد، كتحقّق الطلاق بلا شروطه أو صحّة النكاح بلا مهر أبداً.
6ـ ومثله رواية زرارة: أنّ ضريساً كانت تحته بنت حمران، فجعل لها أن لا يتزوّج عليها ولا يتسرّى أبداً في حياتها ولا بعد موتها، على أن جعلت له هي أن لا تتزوّج بعده أبداً وجعلا عليهما من الهدي والحجّ والبدن وكلّ مال لهما في المساكين إن لم يف كلّ واحد منهما لصاحبه، ثمّ إنّه أتى أبا عبد اللّه(عليه السلام) فذكر ذلك له، فقال: إنّ لابنة حمران لحقّاً ولن يحملنا ذلك على أن لا نقول لك الحقّ، إذهب فتزوّج وتسرّ فإنّ ذلك ليس بشيء وليس عليك ولا عليها، وليس الّذي صنعتما بشيء فجاء فتسرّى وولد له بعد ذلك أولاد.2
والظاهر أنّ عدم النفوذ لأجل أنّه لا تكون الأموال صدقة بنفس الشرط3 فانّها مثل الطلاق ـ مضافاً إلى أنّها تحتـاج إلى قصد القربة ـ تتوقف على صيغة خاصة، هذا كلّه حول القسمين الأوّلين.

1 . الوسائل: 15، الباب 20 من أبواب المهور، الحديث1.
2 . الوسائل: 15، الباب 20 من أبواب المهور، الحديث 2.
3 . المصدر نفسه: 16 من كتاب الأيمان، الباب 14 ، لاحظ الروايات.

صفحه 254
وأمّا القسم الثالث: أي ما يبدو منه كون نفس الشرط فاسداً مخالفاً للكتاب، لا باعتبار ما يترتّب عليه من الطلاق فهو رواية ابن مسلم التي رواها العياشي مرسلاً عن أبي جعفر فصدرها ظاهر في أنّ بطلان الشرط لأجل بطلان مايترتّب عليه حيث قال: «إن تزوّج عليها امرأة أو هجرها أو أتى عليها سرية فانّها طالق فقال: شرط اللّه قبل شرطكم...»1، فهو مثل رواية محمد بن قيس. ولكن الذيل يوهم أو يدلّ على أنّ بطلان الشرط لأجل كونه مخالفاً للكتاب، حيث أخذ الإمام(عليه السلام)يستدلّ على بطلان الشروط الثلاثة، بالآيات الواردة فيها.
ولكن الرواية مرسلة أوّلاً، ومضطربة ثانياً، ومشتملة على لحن2 في نقل الآية ثالثاً ففيها: «و أحلّ لكم ما ملكت أيمانكم» مع أنّ الوارد في الكتاب:(أو ما ملكت أيمانكم)(النساء/3) و:(إلاّ ما ملكت أيمانكم)(النساء/22)، ولا يمكن تصديق مضمونه رابعاً إذ من المعلوم أنّه ليس هنا أيّة دالّة على انّ الالتزام أو الملتزم في المقام تخالفانه.
ثمّ إنّ المشايخ ، لأجل عدم تنقيح مناط المخالفة للكتاب والسنّة، وقعوا في إشكال. فمن جانب أفتوا بكون ترك التسري والتزوّج من الشروط المخالفة لهما ومن جانب آخر، أفتوا بجواز شرط عدم الافتضاض، أو عدم الإخراج عن بلدها مع أنّ الجميع من باب واحد، وربّما كان وجه الفصل، هو ورود النصّ في الأوّلين دون الأخيرين، مع أنّ لسان النص، ليس التعبّد بل لأجل كون اشتراطهما على خلاف الكتاب والسنّة، ولو أنّهم أعطـوا حق النظـر ـ كما هو عادتهم أنار اللّه برهانهم ـ لوقفوا أنّ وجه المخالفة، ليس في نفس الاشتراط بل لما يترتّب عليهما من تحقّق الطلاق بلا شروط.

1 . الوسائل: 15، الباب 20 من أبواب المهور، الحديث6.
2 . ويكون دليلاً على عدم كون الراوي ضابطاً في نقل الرواية.

صفحه 255
وعلى ذلك نحن في غنى عن البحث في اشتراط عدم الافتضاض والخروج، ولكن لأجل الإيضاح نذكرهما بوجه موجز.

المسألة السادسة: إذا شرطت أن لا يقتضّها

لو شرطت أن لا يقتضَّها، ففي المسألة أقوال ثلاثة:
1ـ يصحّ الشرط مطلقاً، وعليه الشيخ في النهاية والمحقق في الشرايع.
2ـ لا يصـحّ الشرط مطلقاً وعليـه ابن البرّاج في المهذّب وابن إدريـس في السرائر.
3ـ التفصيل بين الدائـم فلا يصحّ، والمنقطـع فيصـحّ وعليه الشيـخ في المبسوط.
وإليك كلماتهم:
قال الشيخ : فإن شرطت عليه في حال العقد أن لا يقتضَّها، لم يكن له اقتضاضها، قال: فإن أذنت له بعد ذلك في الاقتضاض جاز له ذلك.1
قال في المبسوط: وأمّا إن كان شرطاً يعود إلى فساد العقد مثل أن تشترط الزوجة عليه ألاّ يطأها فالنكاح باطل لأنّه شرط يمنع المقصود بالعقد، فقد روى أصحابنا أنّ العقد صحيح والشرط صحيح ولا يكون له وطؤها فإن أذنت فيما بعد، كان له ذلك وعندي أنّ هذا يختصّ عقد المتعة دون الدوام.2
وقال ابن البرّاج بالمنع مطلقاً قال: فإن شرط لها أن يكون الوطء بيدها لم يصح ذلك وذكر (أي الشيخ في النهاية) أنّها إن شرطت عليه أن لا يقتضّها لم يكن

1 . الطوسي: النهاية:474.
2 . الطوسي: المبسوط:4/304.

صفحه 256
له ذلك إلاّ بأمرها والأولى ما ذكرناه.1
قال المحقّق: ولو شرط أن لا يقتضّها لزم الشرط و لو أذنت بعد ذلك جاز عملاً بإطلاق الرواية، وقيل يختصّ لزوم هذا الشرط بالنكاح المنقطع وهو تحكّم.
ولا يخفى ضعف التفصيل لأنّ عدم الاقتضاض إن كان مخالفاً لمقتضي العقد، يكون العقد باطلاً من غير فرق بين الدائم والمنقطع وإلاّ، فيكون صحيحاً مطلقاً، وإن كان شرطاً مخالفاً للكتاب والسنّة، يكون الدائم والمنقطع في الحكم بالافساد وعدمه سواسية.
ويدلّ على الصحّة مطلقاً ـ مضافاً إلى ما ربّما يتمسّك به في المقام من النبوي: المؤمنون عند شروطهم.2ـ بعض الروايات المتضافرة كرواية سماعة بن مهران عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: قلت له: رجل جاء إلى امرأة فسألها، أن تزوّجه نفسها فقالت: أُزوّجك نفسي على أن تلتمس منّي ما شئت من نظر والتماس، وتنال منّي ما ينال الرجل من أهله إلاّ أنّك لا تدخل فرجك في فرجي وتلذّذ بما شئت فإنّي أخاف الفضيحة، قال: ليس له منها إلاّ ما اشترط.3
واستدلّ على المنع، بما ذكره ابن إدريس في السرائر فانّه بعد ما نقل فتوى الشيخ في النهاية، ورجوعه عنها في المبسوط قال: والذي يقتضيه المذهب أنّ الشرط باطل لأنّه مخالف لموضوع الكتاب والسنّة.4
وقد عرفت عدم المخالفة ، وذلك للفرق بين الحكم الوحداني، والحكم

1 . ابن البرّاج: المهذّب:2/207 وقد سوّى ابن البـراج بين الشرطين: كون الوطء بيدهـا، وعـدم الاقتضاض.
2 . والظاهر عدم الصحّة لأنّه مخصص بما لم يكن مخالفاً للكتاب والسنّة والتمسّك في المقام، تمسّك بالعام في الشبهة المصداقية، لاحتمال كون الاشتراط على خلافهما.
3 . الوسائل: 15، الباب 36، من أبواب المهور، الحديث 1، ولاحظ الحديث 2.
4 . ابن إدريس: السرائر:2/589.

صفحه 257
الثَنائي فللزوج الخيار بين الاقتضاض وعدمه، فتشترط الزوجة أن يختار جانب الترك، نعم لو اشترط كون الوطء بيدها فهو يصادم نفس الحكم الشرعي، وربما كانت النتيجة واحدة ولكن يحرّم الكلام ويحلّل الكلام.

المسألة السابعة: في اشتراط عدم إخراجها من بلدها

إذا شرطت أن لا يخرجها من بلدها، يصحّ ويجب الوفاء، لعموم وجوب الوفاء بالشرط وعدم كونه مخالفاً للكتاب والسنّة، وورود النصّ به.1
نعم ذهب الشيخ في الخلاف2 والمبسوط3 إلى عدم الجواز وتبعه ابن إدريس وقال مجيباً عن النصّ الدال على الجواز : وهذه رواية شاذة لأنّها مخالفة لما تقتضيه أُصول المذهب، لأنّها يجب عليها مطاوعة زوجها والخروج معه إلى حيث شاء وإن لم تجبه إلى ذلك كانت عاصية للّه تعالى وسقطت عنه نفقتها.4
يلاحظ عليه: أنّه تجب عليها المطاوعة لولا الاشتراط. ومعه لا يصدق العصيان.

المسألة الثامنة: في اشتراط الخيار في النكاح

المشهور أنّه لا يصحّ جعل الخيار في النكاح ويصحّ في الصداق.
قال الشيخ: فإذا شرطا في النكاح خيار الثلاث، نظرت، فإن كان في أصل العقد، فالنكاح باطل، لأنّه عقد يُلزم بنفسه فلا يصحّ خيار الشرط فيه، وإن كان

1 . الوسائل: 15، الباب 40 من أبواب المهور، الحديث 1و2.
2 . الطوسي: الخلاف: 2 ، كتاب الصداق، المسألة 32.
3 . الطوسي: المبسوط:4/303.
4 . ابن إدريس: السرائر:2/59.

صفحه 258
الشرط في المهر ففيه قولان: أحدهما: النكاح باطل، والثاني: النكاح صحيح.1
وهل عدم الصحّة ، لأجل أنّ فيه شائبة العبادة التي لا تقبل الخيار، أو لكونه منافياً لمقتضى العقد أو لكونه منافياً للكتاب والسنّة أو شيء آخر، وهو: أنّ العقلاء ينظرون إلى النكاح، بنظر قدسي، فيرون علقة الزوجية أعلى وأنبل من قبول الخيار والاقالة ولأجل ذلك لم ير منهم ، والأدلّة الإمضائية للنكاح، لا تشمل غير المعتبر عند العقلاء إذا كان هناك دالّ على التوسع وهو غير موجود.
ومن الأصحاب من يقول بصحّة العقد وبطلان الشرط قائلاً بوجود المقتضي لصحّة العقد، وهو اجتماع شرائط الصحّة فيه لأنّه الفرض، وانتفاء المانع إذ ليس إلاّ اشتراط الخيار وإذا كان العقد غير قابل للخيار لنفي شرطه، وعمل بمقتضى العقد لأصالة الصحّة.2
وقال المحقق:«لو شرط الخيار في النكاح بطل وفيه تردّد منشؤه الالتفات إلى تحقق الزوجية لوجود المقتضي، وارتفاعه عن تطرق الخيار أو الالتفات إلى عدم الرضا بالعقد لترتّبه على الشرط3 وما ذكر من مقتضى الصحّة، فهو ما أشار إليه ابن إدريس في كلامه الماضي وأمّا ما أفاد في وجه الفساد فهو وجهان:
1ـ النكاح أرفع من تطرّق الخيار.
2ـ إنّ الرضا ترتّب على صحّة الشرط والمفروض انتفاؤها.
والوجه الأوّل هو المتعيّن وأمّا الوجه الثاني، فلو صحّ لزم بطلان العقد في كلّ مورد بطل الشرط مع أنّهم لا يقولون بفساد العقد، مع فساد شرطه اللّهمّ إلاّ أن

1 . الطوسي: المبسوط:4/304.
2 . الحدائق:24/545 نقلاً عن السرائر.
3 . الجواهر:31/106، قسم المتن.

صفحه 259
يقال بوجود تعدّد المطلوب في غير النكاح ووحدته فيه.
وخلاصة الكلام أنّه إذا كان الخيار، أمراً غير رائج بين العقلاء فالأدلّة الإمضائية، لا تشمل ما هو الخارج عنه.

الخيار في المهر

نعم لو اشترط الخيار في المهر صحّت الثلاثة: العقد والمهر والشرط، إذ ليس المهر المشروط بأقلّ ممّا لم يذكر فيه المهر فيندرج تحت قوله: «المؤمنون عند شروطهم»1 ثمّ إنّه لو استمرّت الزوجية ولم يفسخ ذو الخيار، تعيّن المذكور في العقد وإلاّ يرجع إلى مهر المثل.

المسألة التاسعة: في أنّ الصداق يملك بالعقد

المشهور بين الأصحاب أنّ المهر يملك بالعقد كلّه، لكن ملكية متزلزلة بالنسبة إلى الكلّ، وإنّما يستقرّ الكلّ بالدخول خلافاً لابن الجنيد حيث استظهر من كلامه أنّها لا تملك إلاّ النصف، وإنّما يملك النصف الآخر بالدخول فقال: الذي يوجبه العقد من المهر المسمّى، النصف، والذي يوجب النصف الثاني من المهر، بعد الذي وجب بالعقد منه، هو الوقاع أو ما قام مقامه من تسليم المرأة نفسها لذلك2.
لكن عبارته ليست آبية عن الحمل على الاستقرار بالدخول.
قال الشيخ في الخلاف: إذا أصدقها صداقاً ملكته بالعقد، وكان من ضمانه إن تلف قبل القبض، ومن ضمانها إن تلف بعد القبض. فإن دخل بها استقرّ، وإن

1 . الوسائل: 15، الباب 20 من أبواب المهور، الحديث 4.
2 . المختلف: كتاب الصداق.

صفحه 260
طلّقها قبل الدخول بها رجع بنصف المهر المعيّن دون نمائه. وبه قال أبوحنيفة، وأصحابه، والشافعي.
وقال مالك: إنّما ملكت بالعقد نصفه، فيكون الصداق بينهما نصفين، فإذا قبضته كان لها نصفه بالملك، والآخر أمانة في يدها لزوجها. فإن هلك من غير تفريط هلك منهما. فإن طلّقها قبل الدخول كان له أخذ النصف، لأنّه ملكه لم يزل عنه.
دليلنا: قوله تعالى: (وآتوا النساء صدقاتهنّ نحلة) (النساء/4) وفيه دلالة من وجهين:
أحدهما: أنّه أضاف الصدقات إليهن ، والظاهر أنّه لهنّ، ولم يفرق بين قبل الدخول وبعده.
والثاني: أنّه لمّا أمر بايتائهنّ ذلك كلّه، ثبت أنّ الكل لهنّ.
وأيضاً إجماع الفرقة، فإنّهم رووا بلا خلاف بينهم: أنّه إذا أصدقها غنماً، ثمّ طلّقها قبل أن يدخل بها، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «إن كان أصدقها وهي حامل عنده فله نصفها ونصف ما ولدت، وإن أصدقها حائلاً ثمّ حملت عندها لم يكن له من أولادها شيء » وهذا يدلّ على أنّها قد ملكته بالعقد دون الدخول.1
وقال ابن إدريس: ومتى مات أحد الزوجين قبل الدخول، استقرّ جميع المهر كاملاً، لأنّ الموت عند محصلي أصحابنا يجري مجرى الدخول في استقرار المهر جميعه، وهو اختيار شيخنا المفيد في أحكام النساء، وهو الصحيح، لأنّا قد بيّنا، بغير خلاف بيننا، أنّ بالعقد تستحقّ المرأة جميع المهر المسمّى، ويُسقط الطلاق قبل الدخول نصفه، فالطلاق غير حاصل إذا مات، فبقينا على ما كنّا عليه من

1 . الخلاف: 2، كتاب الصداق، المسألة 6.

صفحه 261
استحقاقه، فمن ادّعى سقوط شيء منه، يحتاج إلى دليل، ولا دليل على ذلك من إجماع، لأنّ أصحابنا مختلفون في ذلك، ولا من كتاب اللّه تعالى، ولا تواتر أخبار، ولا دليل عقل، بل الكتاب قاض بما قلناه، والعقل حاكم بما اخترناه.
ويدلّ على القول المشهور أُمور:
1ـ قوله سبحانه: (وآتوا النِّساءَ صَدُقاتهنَّ نِحْلَةً فإن طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شيء منهُ نفساً فَكُلُوهُ هَنيئاً مَريئاً)(النساء/4) فإنّ الإضافة إليها دليل على كونه بأجمعه لها مطلقاً قبل الدخول وبعده.
2ـ ما دلّ على أنّ نماء الصداق المتخلل بين العقد والطلاق لها وإن طلّقها الزوج قبل الدخول.1
3ـ ما دلّ على أنّ لها الصداق كاملاً إذا مات الزوج قبل الدخول وترثه وتعتدّ أربعة أشهر وعشراً كعدّة المتوفى عنها زوجها2.
نعم يبقى الكلام في المعارض وهو:
صحيح أبي بصير عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: سألته عن رجل تزوّج امرأة على بستان له معروف وله غلّة كثيرة، ثمّ مكث سنين لم يدخل بها ثمّ طلّقها؟ قال: ينظر إلى ما صار إليه في غلّة البستان من يوم تزوّجها فيعطيها نصفه ويعطيها نصف البستان إلاّ أن تعفو فتقبل منه ويصطلحا على شيء ترضى به منه فإنّه أقرب للتقوى.3
فانّ مقتضى كون الصداق كلّه ملكاً للزوجة هو عود جميع النماء المتخلّل

1 . الوسائل: 15، الباب 34 من أبواب المهور، الحديث 1ـ2 موثق عبيد بن زرارة.
2 . الوسائل: 15، الباب 58 من أبواب المهور، الحديث 20ـ 24.
3 . الوسائل: 15، الباب 30 من أبواب المهور، الحديث 1.

صفحه 262
بين العقد والطلاق إليها، لا نصف النماء.
ويمكن أن يقال بأنّ الصداق هو الأرض، وأمّا الغلة ، فهو للرجل الزارع وليست من نماء الأصل وذلك لقاعدة أنّ الزرع لمالك الحبّة وأمّا دفع النصف فلأجل التصرّف في أرض الغير، فتستحقّ أُجرة المثل ولعلّها كانت هي نصف غلّة البستان، وبما أنّ صدر الحديث يعرب عن وجود الشقاق بينهما حيث مكث الزوج سنين ولم يدخل بها ثمّ طلّقها فيحتمل أن يكون التصرّف كان بلا إذن منها، فيتعيّن أُجرة المثل ولأجل ذلك أمر بالصلح وأنّه أقرب للتقوى.
نعم هناك روايات ربّما يستظهر منها نظر ابن الجنيد، نظير قوله:
1ـ إذا أولجه وجب الغسل والجلد والرجم ووجب المهر.
2ـ لا يوجب المهر إلاّ الوقاع في الفرج.
3ـ متى يجب المهر؟قال: إذا دخل بها.
4ـ إذا التقى الختانان وجب المهر والعدّة.1
وهذا الصنف غير آب عن الحمل على الاستقرار ويؤيّد ذلك ما سبق من أنّه إذا وهبته أو أبرأته عن المهر، ثمّ طلّقها الزوج قبل الدخول، وجب عليه النصف على ما مرّ.
وتظهر الثمرة في مقامين:
الأوّل: النماء المتخلِّل بين العقد والطلاق كلّه لها على القول المشهور، وينصّف على القول الشاذ.
الثاني: يجوز لها التصرف بالبيع شأن كلّ ملكية متزلزلة، غاية الأمر يرجع الزوج بعد الطلاق إلى المثل أو القيمة.

1 . الوسائل:15، الباب 54 من أبواب المهور، الحديث 5ـ9.

صفحه 263
بخلاف ما لو قلنا بأنّها لا تملك إلاّ النصف:
ويدلّ عليه أُمور:
1ـ الناس مسلّطون على أموالهم.1
2ـ جواز هبتها كلّ المهر لزوجها.2
3ـ جواز دفع العبد الآبق والحبرة مكان الصداق كلّه.3
نعم خالف الشيخ وقال بعدم جواز التصرّف قبل القبض وتمسّك بقول النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ولا تبع ما لم يقبض وإليك نصّه:
ليس للمرأة التصرّف في الصداق قبل القبض وبه قال جميع الفقهاء وقال بعضهم :لها ذلك.دليلنا أنّ جواز تصرّفها فيه بعد القبض مجمع عليه ولا دليل على جواز تصرّفها فيه قبل القبض وروي عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه نهى عن بيع مالم يقبض وقد روى ذلك أصحابنا ولم يفصل.4
ولعلّ النهي للكراهة والتنزيه وعلى فرض كونه محظوراً فما دلّ من الروايات على الجواز أخصّ منه فتقدّم عليه.

المسألة العاشرة

قد عرفت أنّ المشهور هو أنّ المرأة تملك المهر بمجرّد العقد إلاّ أنّه متى طلّقها قبل الدخول عاد نصفه إلى الزوج، لكنّه إن عفت الزوجة أو من بيده عقدة النكاح، يصير المجموع له والأصل في ذلك قوله سبحانه:(وَ إِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ

1 . المجلسي: البحار:2/272.
2 . الوسائل: 15، الباب 41من أبواب المهور، الحديث 1.
3 . الوسائل: 15، الباب 24 من أبواب المهور، الحديث1.
4 . الطوسي: الخلاف: 2، كتاب الصداق، المسألة 7.

صفحه 264
قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَ قَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَريضةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلاّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الّذي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وَ إِنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَ لا تَنْسَوا الفضلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصير)(البقرة/237).
هذا ممّا لا كلام فيه إلاّ أنّه وقع الاختلاف في تفسير (من بيده عقدة النكاح) فهل هو الأب أو الجدّ للمرأة، أو الزوج، المشهور عند أصحابنا هو الأوّل ودلّت عليه روايات، قال الشيخ في الخلاف: «الذي بيده عقدة النكاح عندنا هو الوليّ، الذي هو الأب، أو الجدّ. وبه قال ابن عباس، والحسن البصري، وربيعة، ومالك، وأحمد بن حنبل. وهو قول الشافعي في القديم.
إلاّ أنّ عندنا له أن يعفو عن بعضه1، وليس له أن يعفو عن جميعه.
وقال في الجديد: هو الزوج، ورووا ذلك عن علي(عليه السلام) وجبير بن مطعم، وسعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، وشريح، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، والأوزاعي، وأهل الكوفة، سفيان الثوري، وابن أبي ليلى، وأبي حنيفة وأصحابه.
دليلنا :إجماع الفرقة وأخبارهم، وأيضاً قوله تعالى : (وَ إِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ ـ إلى قوله :ـ أَوْ يَعْفُوَ الّذي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاح) (البقرة/237) وفيها أدلّة:
أوّلها: أنّه افتتح الآية، فخاطب الزوج بخطاب المواجهة، ثمّ عدل عنه إلى الكناية، فقال: (فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ إِلاّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الّذي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ)(البقرة/237) والخطاب متى عدل به عن المواجهة إلى الكناية، فالظاهر أنّه كنّى عن غير من واجهه بالخطاب أوّلاً، ولو كان المراد به الزوج لما عدل به عن المواجهة.

1 . يأتي الكلام فيه فانتظر.

صفحه 265
الثاني: أنّه قال: >>ْ إِلاّ أَنْ يَعْفُونَ ) يعني الزوجة عن نصفها، ثمّ عطف على هذا فقال: >>َ أَوْ يَعْفُوَ الّذي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ ) فكان حمله على الولي أولى، لأنّه عطف عفو نصف الصداق من الولي على عفو نصفه من الزوجة، فكان عطف عفو على عفو تقدّم، أولى من عطف عفو لا على عفو تقدّم.
الثالث: قوله تعالى: (أَوْ يَعْفُوَ الّذي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاح) فإذا حملناه على الولي حملنا الكلام على ظاهره من غير إضمار، فإنّ للولي أن يعقد، وبيده أن يعفو بعد الطلاق وقبل الدخول. والزوج لا يملكها بعد الطلاق، وإنّما كان يملكها، فافتقر إلى إضمار. (أي من يملك عقد النكاح قبل الطلاق بخلاف الوليّ فانّه يملكها مطلقاً ولأجل ذلك يزوّجها فيما بعد بغير المطلِّق، أو له أيضاً).
والرابع: أنّ اللّه تعالى ذكر العفو في الآية في ثلاثة مواضع فقال: (إِلاّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَا الّذي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ وَ إِنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى)(البقرة/237) فمن قال: الذي بيده عقدة النكاح الولي حمل كلّ عفو على فائدة.
وإذا قلنا : هوالزوج. حملنا عفوين على فائدة واحدة على ما مضى فكان حمل كلّ عفو على فائدة أولى من حمل عفوين على فائدة.1
وهنا وجه خامس لترجيح قول الأصحاب وهو أنّه إذا قلنا بأنّ المراد ممّن بيده عقدة النكاح هو الولي من الأب أو الجدّ يكون المفروض في كلا العفوين أمراً واحداً وهو أنّ المهر كان في ذمّة الزوج أو تحت سلطته ولم يقع في سلطة الزوجة أو وليها، فالعفو عن كلا الموردين يتحقق بعفو نصف المهر عندئذ، وأمّا إذا قلنا إنّ المراد منه هو الزوج يكون المفروض في العفو الثاني غيره في الأوّل وهو أن لا يطلب الزوج النصف الباقي ولا يصدق إلاّ بدفع الجميع.

1 . الطوسي: الخلاف: 2، كتاب الصداق، المسألة 34.

صفحه 266
وأمّا الروايات فقد عقد صاحب الوسائل باباً1 في أبواب المهور، تدل أو يستظهر منها أنّ المراد منه هو الوليّ، ثمّ بذل صاحب الحدائق بعده الجهد في المقام فأورد أربعة عشر حديثاً2 كلّها يؤيّد القول المشهور.
نعم ربما ورد في بعض الروايات «الأخ» والإجماع منعقد على عدم ولايته، فيحمل على ما إذا كان وصيّاً فيما لم يرد في متنها لفظ الوصي.3 أو على ما إذا كان متولياً لأُمور الزوجة بإذنها منها وذلك فيما إذا ذكر معه في متنها الوصي4 وفي حديث إسحاق بن عمّار إيماء إلى ما ذكرنا5.
وهل يشترط في عفو الولي وجود المصلحة عطفاً على ما دلّ على اعتبار المصلحة في التصرّف في مال المولّى عليه في قوله تعالى: (يَسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير)(البقرة/220) وقوله تعالى: (ولا تقربوا مال اليتيم إلاّ بالتي هي أحسن)(الأنعام/152).
او لا يعتبر وجودها بل يكفي عدم المفسدة أخذاً بإطلاق الروايات الكثيرة وجهان، ويؤيّد الأوّل أنّه ليس للولي في المقام العفو عن كلّ الصداق6 لافتقاده المصلحة ومع ذلك يحتمل أن يكون لاشتماله على المفسدة فيه، ولأجل عدم دليل واضح في المقام على أيّ واحد من القولين فالأحوط الاكتفاء بما إذا كانت فيه المصلحة ويكون المقام كسائر تصرّفات الأولياء وإلى ما ذكرنا صرّح المحقّق وقال:«يجوز للأب والجدّ للأب، أن يعفو عن البعض وليس لهما العفو عن الكلّ ولا يجوز لولي الزوج أن يعفو عن حقّ الزوج إن حصل الطلاق» كما إذا صار مولّى

1 . الوسائل:15، الباب 52 من أبواب المهور.
2 . البحراني: الحدائق: 24/560 ـ563.
3 . الوسائل: 15، الباب 52 من أبواب المهور، الحديث 5و1.
4 . الوسائل: 15، الباب 52 من أبواب المهور، الحديث 5و1.
5 . الوسائل: 15، الباب 52 من أبواب المهور، الحديث 5و1.
6 . الوسائل:13، الباب 7 من أبواب الوكالة، الحديث 1.

صفحه 267
عليه بجنون أو بلغ فاسد العقل وقلنا بصحّة طلاق الولي عنه.

المسألة الحادية عشرة: فيما إذا صار المهر المؤجّل حالاً

إذا كان المهر مؤجّلاً، لم تكن للمرأة الامتناع من الدخول، لأنّها رضيت على كونه مؤجّلاً، لكنّها لو امتنعت إلى أن صار المهر حالاً، كان لها الامتناع، كما إذا كان المهر حالاً من أوّل الأمر، وعصيانها فيما كان مؤجّلاً لا يؤثّر فيما إذا صار حالاً، لأنّ المقام من قبيل تبدّل الموضوع.

المسألة الثانية عشرة: لو أصدقها قطعة من فضّة فصاغتها قرطين، ثمّ طلّقها قبل الدخول

إذا امتنع إعادة النصف لطروء صفة عليها موجبة لارتفاع قيمتها، نظير ما إذا خاط اللباس أو صبغه ينتقل إلى المثل والقيمة شأن كلّ تصرف موجب لارتفاع القيمة، المستلزم لامتناع ردّ العين على ما هو عليه نعم لو رضي الزوج مع بذل قيمة الوصف جاز، لكن بدلاً عن القيمة، لا ردّاً لنفس الصداق.

المسألة الثالثة عشرة:

يجوز أن يجمع بين نكاح وبيع في عقد واحد ويُقسّط العوض على الثمن ومهر المثل، بشرط أن يكون المبيع عروضاً، فلو كان مهر المثل مائة دينار، وثمن المبيع خمسين ديناراً وكان العوض في مقابلها مائة دينار، يقسّم العوض أثلاثاً، ثلثان للمهر، وثلث لثمن المبيع.
نعم لو كان المبيع نقداً، يلزم الربا كما إذا قالت: زوّجتك نفسي وبعتك هذا الدينار، بدينار، لأنّه باع الدينار بدينار مع زيادة، وهو الاستيلاء على البضع.

صفحه 268

المسألة الرابعة عشرة:

لابدّ من تعيين المهر بما يخرج عن الإبهام فلو أمهرها أحد هذين مشيراً إلى نوعين كالدرهم والدينار أوخياطة أحد ثوبين مختلفي الخياطة كالقميص والعباءة مثلاً بطل المهر دون العقد، وكان لها مع الدخول مهر المثل«نعم لا يعتبر فيه التعيين الذي يعتبر في البيع ونحوه من المعاوضات، فيكفي مشاهدة عين حاضرة، وإن جهل كيله أو وزنه أو عدّه أو ذرعه كصبرة من الطعام وقطعة من الذهب وطاقة مشاهدة من الثوب وصبرة حاضرة من الجوز وأمثال ذلك».1
وذلك لأنّ النكاح ليس من المعاوضات الحقيقية، فيكفي الخروج من الإبهام، فلو قال: أتزوّجك بما في يدي، مردّداً بين الدينار والدرهم والنحاس فلا يصحّ كما عرفت، نعم لو قال: جعل الصداق أحد الثوبين المتساويين من جميع الجهات قيل: لا يصحّ لاشتراط التعيين لرفع الغرر.
يلاحظ عليه: أنّه إنّما يصحّ لو كانت الألبسة قيمية ، تختلف أفرادها قيمة ورغبة، وأمّا الآن فقد غيّر الجهاز الصناعي الوضعَ وصيّرها مثلية لا يتفاوت أفرادها وإن كانت آلافاً منها وهذا أحد الموارد التي يكون لعنصر الزمان والمكان تأثير في الافتاء لأجل تغيير الصغرى وبالتبع تتغيّر الكبرى، وللبحث صلة ليس المقام مناسباً لذكرها.
وبما ذكرنا يعلم صحّة ما أفاده المحقق حيث قال:
«لو تزوّجها على مال مشار إليه غير معلوم الوزن أو غيره ممّا يعتبر فيه العدّ، والكيل، والذرع فتلف قبل قبضه فأبرأته منه صحّ، وذلك لعدم اشتراط العلم بالمقدار في صحّة الإبراء إذ الإبراء مبني على الغرر والضرر.

1 . السيد الإصفهاني: الوسيلة: 3/207، المسألة 3، فصل في المهر.

صفحه 269
2ـ وكذا لو تزوّجها بمهر فاسد واستقرّ لها مهر المثل فأبرأته أو من بعضه صحّ ولو لم تعلم كميته لأنّه إسقاط للحق فلم تقدح فيه الجهالة.
هذا كلّه ممّا لا غبار عليه نعم ذكر في آخر كلامه.
3ـ لو أبرأته من مهر المثل قبل الدخول لم يصحّ لعدم الاستحقاق فهو من قبيل إبراء ما لا يجب.1
وهذا يخالف ما ذكره سابقاً من أنّ المهر يملك بالعقد ويستقرّ بالدخول على أنّ الحقّ، صحّة ضمان أو إسقاط ما ثبت فيه المقتضي وإن لم يصل إلى حدّ الوجوب، كضمان الدرك وغيره.

المسألة الخامسة عشرة: في تزويج الصغيرة وحكم المهر

اتّفق الأصحاب على أنّ الوالد إذا زوّج ولده الصغير فإن كان له مال فالمهر على الولد وإن كان فقيراً فالمهر في عهدة الوالد، فلو مات الوالد أخرج المهر من أصل تركته لأنّه من ديونه سواء بلغ الولد وأيسر ثمّ مات الوالد، أو مات قبل ذلك أو بقي على ما كان عليه من الفقر.
والمسألة مورد اتّفاق ولأجل التقريب نذكر كلمة الشيخين:
قال المفيد:«و إذا عقد الرجل على ابنه وهو صغير وسمّى مهراً، ثمّ مات الأب كان المهر من أصل تركته قبل القسمة إلاّ أن يكون للصبي مال في حال العقد فيكون المهر من مال الابن دون الأب».2
وقال الشيخ : وإذا عقد الرجل على ابنه وهو صغير إلى آخر عبارة شيخه

1 . الجواهر:31/124ـ125.
2 . المفيد: المقنعة، باب عقد المرأة على نفسها للنكاح:511.

صفحه 270
المفيد.1
وأمّا الروايات فقد نقل الشيخ الحرّ في الباب 28 من أبواب المهور، خمس روايات وأحال الباقي إلى أبواب أُخر مثل عادته في جميع الأبواب وياليته لم يجر على هذه العادة فقد أتعب المراجع لولا أن المعلّق ـ رحمه اللّه ـ استدرك ما فاته وقد استقصاها الشيخ البحراني في كتابه.2
ولنذكر بعضها:
1ـ موثقة عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يزوّج ابنه وهو صغير؟ قال: إن كان لابنه مال فعليه المهر، وإن لم يكن للابن مال فالأب ضامن المهر ضمن أو لم يضمن.3
2ـ خبر الفضل بن عبد الملك4 قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يزوّج ابنه وهو صغير؟ قال: لا بأس، قلت: يجوز طلاق الأب؟ قال: لا، قلت: على من الصداق؟ قال: على الأب إن كان ضمنه لهم، وإن لم يكن ضمنه فهو على الغلام إلاّ أن لا يكون للغلام مال فهو ضامن له وإن لم يكن ضمن.5
وحصيلة الرواية، أنّه إن ضمن الوالد المهر، فالصداق عليه كان الولد فقيراً أو غنياً وإلاّ، فيضمن إذا كان الولد فقيراً لا غنيّاً.

1 . الطوسي: النهاية، باب من يتولّى العقد على النساء:467.
2 . البحراني، الحدائق:24/571.
3 . الوسائل: 15، الباب 28 من أبواب المهور، الحديث 1ولاحظ الحديث4و5 من نفس الباب.
4 . المعروف بالبقباق، وصف بكونه خبراً لكون عبد اللّه بن محمد في طريقه وهو المعروف بالبنان أخو أحمد بن عيسى القمي وهو لم يوثّق، نقله الحر العاملي عن الكافي، وفيه:« إلاّ أن يكون للغلام » مكان «إلاّ أن لا يكون للغلام» والثاني هو الصحيح وعليه نسخة المسالك ، فلاحظ 1/605.
5 . المصدر نفسه: الحديث 2.

صفحه 271
وهل يجوز للأب على تقدير فقر الولد، التصريح بعدم الضمان؟ قيل: نعم، كما عن العلامة في التذكرة، وقيل: لا، لأنّ قوله: «ضمن أو لم يضمن» يعمّ تلك الصورة أي اشتراط عدم الضمان .
يلاحظ عليه: أنّه ناظر إلى صورة عدم الضمان، لا التصريح بعدم الضمان وبعبارة أُخرى ناظر إلى حالة السكوت لا التصريح بعدمه ، والظاهر صحّة نفي الضمان إذا كان في النكاح مصلحة تفوت بترك التزويج، وأدلّة الشروط متقدّمة على أحكام العناوين الأوّلية خصوصاً إذا رضيت الزوجة به .
ثمّ إنّ إطلاق لفظ المال في جانب الولد يشمل لما يؤخذ في الدين وما لا يؤخذ كدابّة الركوب ودار السكنى من مستثنيات الدين، ففي ذلك المورد، المهر على الابن، فإذا بلغ وطلبت الزوجة مهرها فهل يجب عليه بيعهما لأداء دينه، أويتحوّل الصداق عندئد إلى الذمة ولا يجب صرف هذه الأشياء في أداء دين المهر لو طلبته الزوجة، اختار الثاني المحدّث البحراني1 وزعم أنّه نتيجة الجمع بين الدليلين.
يلاحظ عليه: أنّ مناسبة الحكم والموضوع يقتضي كون المال في ذلك الظرف كالرهن في مقابل الصداق وربّما ترغب الزوجة لأجل وجود رصيد مالي في مقابل المهر، ولازم ذلك أنّه لو طلبت يجب عليه صرف مالا يؤخذ في الدين في أداء الصداق وإلاّ فلو لم يجب صرفه في أداء الصداق فأيّ فرق بين وجوده وعدمه في تعلّق الصداق بذمة الزوج، وبالجملة : إن تعلّق الصداق بذمة الزوج يكشف عن وجود استطاعة مالية له، يتمكّن معها، من الخروج عن عهدة الصداق وهذا فرع كونه قابلاً للصرف في الدين.
ولو افترضنا وجود مال يفي ببعض الصداق لاكلّه، فهل يكون الكلّ على

1 . البحراني، الحدائق:24/575.

صفحه 272
الأب، أو على الابن؟ أقول: إنّ لسان الروايات عدم وجود مال له أصلاً فعند ذلك يضمن الأب، دون ما إذا كان له مال يفي الكلّ أو البعض فهو خارج عن لسان الروايات1، ولكن المناسبة تقتضي لزومه عليه بنسبة ما يملكه وإن كان ظاهر الإطلاق كونه على الأب والأولى التصالح.

فروع

1ـ لو زوّج الصغير المعْسِـر وصار المهر في ذمّتـه ، فدفــع الولـيّ المهر إلى الزوجة فبلغ الصبي فطلّق قبل الدخول، فهل يستعيد الولد النصفَ أو يرجع إلى الوالد.
2ـ نفس الصورة ولكن الوالد لم يدفع إليها حتّى طلّقها الولد بعد البلوغ وقبل الدخول، فهل يستعيد الابن النصف من الوالد أو لا.
3ـ لو تزوّج ولده الكبير، وتبرّع الوالد المهر عنه ودفعه إليها، ثمّ طلّق قبل الدخول فما هو حكم النصف.
4ـ لو كان المهر عيناً للأب فأصدقها وطلّق الولد قبل الإقباض، فما هو حكم النصف؟
5ـ تلك الصورة ولكنّه طلّقها بعد الإقباض.
فقد جزم المحقّق في صدر كلامه في الصورة الأُولى والثالثة بأنّه يستعيد الولد النصف، لكنّه قال في نهاية كلامه: وفي المسألتين تردّد.
ولنأخذ بالاستدلال على قول المحقق وهو صحّة الاستعادة بوجهين:
الأوّل: إنّ الطلاق مملّك جديد للنصف لا فاسخ لسبب الملك.

1 . مثل قوله: « وإن لم يكن له مال»، أو «دون ما لم يكن له شيء» وفي البعض «إلاّ أن لا يكون للغلام مال» وهو منصرف إلى المال الوافي، فلاحظ الوسائل: 15، الباب 28 من أبواب المهور ، الحديث 1، 4، 5.

صفحه 273
يلاحظ عليه: أنّ القدر المتيقن من النصوص، هو أنّه سبب جديد لتملّك الزوج، نصف المهر فيما إذاكان هو الدافع وأن يكون المهر خارجاً عن ملكه، لا عن ملك غيره كما في المقام ولو تعبّدنا بظهور الآية فظاهرها كون النصف للفارض وهو في المقام نفس الوالد، قال سبحانه:(وإن طلّقتموهنّ من قبل أن تمسّوهنّ فنصف ما فرضتم)(البقرة/237) وأمّا الرواياتالواردة في أنّ الطلاق منصِّف1فموردها ما إذا كان الباذل هو الزوج فلا يمكن الاستئناس منها للمقام.
الثاني: أنّه يجري مجرى الهبة ، فالواهب هو الأب والمتّهب هو الزوجة، وهبة الرحم لازم لا رجوع فيه، فيرجع النصف لا محالة إلى الابن.
يلاحظ عليه: بأنّ ظاهر الروايات هو تعلّق المهر بذمة الوالد عند إعسار الولد، فهو يدفع المهر، ويوفي دينه لا أنّه يهبه للمرأة وكان على المحقّق ترك ذكر هذا الوجه.
ويمكن الاستدلال على الوجه الثاني أي عوده إلى الوالد بأنّ لسان الروايات هو ضمان الوالد لما وجب تحقيقاً أو تقديراً، ففي موثقة عبيد:«فالأب ضامن المهر، ضمن أو لم يضمن»2 وفي رواية الفضل، قلت: على من الصداق؟ قال: «على الأب إن كان ضمنه لهم، وإن لم يكن ضمنه فهو على الغلام إلاّ أن لا يكون للغلام مال فهو ضامن له وإن لم يكن ضمن» 3 فإذا كان الطلاق موجباً لاستحقاق المرأة نصف الصداق لا غير، كان ذلك كاشفاً عن مقدار ما ضمن به في الواقع فيرجع الباقي إلى الضامن نظير الفسخ بالعيب في البيع الذي ضمن ثمنه شخص آخر، فإذا فسخ المشتري بالعيب يرجع الثمن إلى الباذل، لا المشتري.
والذي يوضح هذا القول، هو الفرع الثاني فلو كان الصداق على ذمّة الأب،

1 . الوسائل:15، الباب 51 من أبواب المهور.
2 . الوسائل:15، الباب 28 من أبواب المهور، الحديث 1و2.
3 . الوسائل:15، الباب 28 من أبواب المهور، الحديث 1و2.

صفحه 274
لإعسار الولد ولم يدفعه حتّى بلغ الولد فطلّقها قبل الدخول، أفهل ترى أنّ الولد يرجع إلى الأب في النصف الآخر نظيره ما إذا ضمن الشخص ولكن أبرأه المضمون له فلا يرجع المضمون عنه إلى الضامن، بحجّة أنّ الإبراء كالإعطاء.
وربّما يتبادر في بادئ النظر الفرق بين ما إذا كان المهر في الذمّة وما إذا كان المهر عيناً خارجيّة، أقبضها لها أم لم يقبضها فانّ رجوع النصف إلى الولد، في الصورة الثانية أوضح من غيرها.
ولكن الظاهر عدم الفرق فإذا كان الطلاق قبل الدخول منصِّفاً للصداق ومملِّكاً النصفَ للزوج فلا فرق بين كونه في الذمّة أو في الخارج، أقبضه أم لم يُقبضه.
ويمكن دعم القول الثاني بملاحظة أمرين:
الأوّل: إنّ الطلاق قبل الدخول قاطع لاستمرار مالكية المرأة بالنسبة إلى النصف فلابدّ من رجوع النصف إلى المورد الذي خرج منه فلو كان الدافع هو الزوج فيرجع إليه وإلاّ فلابدّ في تعيين مورده من التماس دليل آخر.
الثاني: إنّ الإمعان في الروايات يعطي، أنّ إلزام الأب بأداء الصداق عند إعسار الابن أشبه بغرامة يدفعها الأب مقابلَ إشغال ذمّة الصبيّ بالصداق مع إعساره فإذا تبيّن بالطلاق قبل الدخول، أنّ اشغال ذمّته لم يتجاوز عن النصف فتتحدد الغرامة به ويعود النصف إلى من دفعه بعنوان الغرامة، وبعبارة أُخرى إذا كان الصداق في مقابل البضع فطبع الحال يقتضي كونه على الولد تحقيقاً أو تقديراً، فيكون ما يدفعه الأب، غرامة أو عوضاً عمّا هو الصداق الذي وجب عليه واقعاً.
هذه هي الوجوه المذكورة في كلمات القوم أو ما يمكن أن يقال: لكن الظاهر رجوعه إلى الولد في الصورة الثالثة بلا كلام، ولعلّها خارجة عن

صفحه 275
محلّ البحث وهي ما إذا تزوّج الولد الكبير، وتبرّع الوالد بصداقه ، ثمّ طلّق الولد، قبل الدخول، فإن تبرّع الوالد، تمليك المال للولد، ليدفع صداقاً لزوجته فإذا طلّق، يرجع إلى ما خرج عنه وهو ملك الولد.
وأمّا في غير هذه الصور، فالوجهان متساويان، ولعلّ مقتضى الإطلاقات، هو رجوعه إلى الولد، والذوق الفقهي وحكم الفطرة والأشباه والنظائر تقتضي الثاني، فالأولى التصالح واللّه العالم.
تمّ الكلام في أحكام المهر الذي هو الطرف الثالث في كلام المحقق ولنبدأ بالطرف الرابع وهو بيان أحكام التنازع التي قلّما يتّفق باب أن يخلو عنه.

صفحه 276

صفحه 277
الفصل السابع عشر :

في أحكام التنازع

1ـ إذا اختلفا في أصل المهر
2ـ إذا ادّعت المواقعة وأنكرها الزوج
3ـ إذا اختلفا في قدر المهر
4ـ إذا اختلفا في وصفه بعد الاتفاق على نوعه
5ـ لو اتفقا على التسميّة وانّها أكثر من مهر المثل وإدّعى التخلص من الزائد بالابراء أو الوفاء
6ـ إذا أصدقها التعليم
7ـ إذا اختلفا في كون العقد تأسيساً أو تأكيداً

صفحه 278

صفحه 279

في أحكام التنازع

وفيه مسائل

الأُولى: إذا اختلفا في أصل المهر

إذا اختلفا في أصل المهر فإمّا أن يكون التنازع قبل الدخول أو بعده، فعلى الأوّل قال المحقق: القولُ قولُ الزوج مستدلاً باحتمال تجرّد العقد عن المهر، وعليه فلو طلّق والحال هذه فليس له إلاّ المتعة عملاً بقوله سبحانه:(لا جناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّساء ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَريضةً وَ مَتِّعُوهُنَّ عَلَى المُوسِعِ قَدَرُهُ وَ عَلَى المُقْتِرِ قَدَرُهُ) (البقرة/236).
وأمّا على الثاني فقال المحقق: القول قوله أيضاً نظراً إلى البراءة الأصلية ولنأخذ بدراسة الصورة الأُولى ثمّ الثانية.
أمّا الصورة الأُولى: أي التنازع قبل الدخول فتوضيح جريان البراءة من المهر هو: أنّ العقد، ليس دليلاً على الاشتغال بالمهر، لاحتمال أن يكون العقد من موارد مفوَّضة البضع التي لا يُذكر فيها المهر أبداً أو من موارد مفوضة المهر، التي يُذكر فيها المهر إجمالاً لا تفصيلاً، كما إذا تزوّج بحكمها في المهر، أو بحكمه فيه، فلا يكون العقد بما هو هو دليلاً على الاشتغال.

صفحه 280
يلاحظ عليه: بأنّ المسألة مطروحة في مجتمعنا، وليس من هذين القسمين أثر فيه فالاعتماد على هذا الاحتمال مع كون الغالب هو اقتران العقد بالمهر مشكل، وعلى ذلك يلزم على القاضي، تبيين الحال بوجه آخر وهو أنّ ما يذكر فيه المسمّى، وما لا يذكر كالمفوضة بضعاً أو مهراً وإن كانا من قبيل المتباينات عند العقل، لكنّها عند العرف من قبيل الأقلّ والأكثر، فمن ادّعى التسمية كالزوجة في المقام فقد ادّعت شيئاً زائداً فعليها البيّنة، وإلاّ فاليمين على الآخر، فإذا حلف الزوج عند فقد البيّنة للزوجة يتعين مهر المثل، إذا كانت مفوضّة البضع، أو المهر على طبق حكم الحاكم منها، إذا كانت مفوّضة المهر، فيكون المحكَّم ، حكم الحاكم وهو إمّا الزوج أو الزوجة كما مرّ.
أمّا الصورة الثانية: فالمعروف هو البراءة ولكن مقتضى القاعدة في المقام هو الاشتغال وذلك لأنّ طبع الدخول والاستمتاع يقتضي العوضَ، فالاستمتاع بالمرأة وادّعاء عدم الاستحقاق لا يجتمعان في نظر العرف ولذلك يقول الإمام:«إذا التقى الختانان وجب المهر والعدّة»1فالعدول عنه يتوقّف على دليل قاطع وليس سوى احتمالات منفية في المقام وإليك بيانها:
1ـ جواز كون المسمّى ديناً في ذمّة الزوجة أو عيناً في يدها فلا يكون العقد المشتمل على التسمية بمجرّده مقتضياً لاشتغال ذمّة الزوج بشيء من المهر.2
يلاحظ عليه: أنّ كون المهر ديناً له في ذمّتها أو عيناً في يدها لا ينافي دعواها الاستحقاق بالعقد والدخول ، غاية الأمر يكون ذلك على فرض الصحّة أداءً منه لما استحقت عليه وعندئذ يلزم عليه إثباته.

1 . الوسائل: 15، الباب 54 من أبواب المهور، الحديث 8 وغيره.
2 . السيّد علي الطباطبائي: الرياض:2/124، الطبعة الحجرية.

صفحه 281
2ـ جواز كون الزوج صغيراً زوّجه أبوه والمهر عليه كما مرّ.
يلاحظ عليه: أنّ لازم ذلك عدم إيقاف المحاكمة واستمرارها بطرح السؤال فإن اعتذر بذلك وثبت كونه كذلك وإلاّ فلا وجه للتمسّك بالبراءة مع كون نفس العمل ـ العقد مع الدخول ـ غير منفكّ عن المهر.
3ـ ما في كلام المحقّق وتوضيحه: أنّ كون العقد والدخول سبباً لتعلّق المهر صحيح لكن يصحّ أن يكون مقدار المهر أرزة واحدة وهي ربع حبّة، والحبّة ثلاثة قواريط وهو جزء من عشرين جزء من دينار، وهذا الاحتمال قائم والزيادة غير معلومة والحاصل أنّ ثبوت استحقاق المهر، يقتضي أقلّ ما يتموّل الصالح لأن يكون مهراً، وأين هو من مهر المسمّى أو المثل.
يلاحظ عليه: أنّ طبع العمل يقتضي ضمانه بقيمة مثله لا بأقلّ صالح للمهر، وهو ليس إلاّ مهر المثل.
والحاصل أنّ هذه الأُمور لا تصلح لدفع القاعدة فيحكم عليه بمهر المثل إلاّ أن تدّعي المرأة المسمّى وكان أقلّ منه فتؤخذ بإقرارها.
وأمّا ما ذكره العلاّمة في التحرير من أنّه إذا وقع الاختلاف في أصل المهر بعد الدخول يستفسر، هل سمّي أو لا ، فإن ذكر تسميته كان القول قوله مع اليمين، وإن ذكر عدمها لزم مهر المثل، وإن لم يجب بشيء حبس حتّى يبين.1
يلاحظ عليه: أنّ الشقّ الأوّل خارج عن الفرض وهو ادعاء التسمية فذكره كأنّه استدراك والظاهر أنّه محكوم بدفع مهر المثل سواء أجاب أم لم يجب، أخذاً بالقاعدة.

1 . تحرير الأحكام: ج 2، كتاب النكاح:39، الطبعة الحجريّة.

صفحه 282

فروع

1ـ إذا اختلفا في القدر، بأن ادّعت الزوجة قدراً زائداً على ما أقرّ به الزوج فلا إشكال ولا خلاف في أنّ مقتضى القاعدة هو تقديم قول الزوج مضافاً إلى ورود النصّ فيه.1
قال الشيخ بعد عنوان المسألة: إنّ القول قولُ الزوج بيمينه إذا لم تكن هناك بيّنة معها، ووافقنا جماعة على ذلك، وقال قوم يتحالفان، وبمن يبدأ؟ فيه أقوال ثلاثة:
أحدها يبدأ بيمين الزوج، والثاني بيمين الزوجة، والثالث يبدأ الحاكم بأيّهما شاء ـ إلى أن قال: ـ ومتى تحالفا بطل المهر ووجب لها مهر المثل.2
وما ذكروه من التحالف إنّما يصحّ إذا دار الأمر بين المتباينين، كأن يقول: تزوّجتك بألف درهم وقالت الزوجة: بل تزوجتَ بألف دينار دونما إذا دار الأمر بين الأقل والأكثر كألف والألفين درهم. على أنّه يمكن القول به بأنّ المثال الأوّل أيضاً من قبيل الزيادة والنقيصة إذا كان المحور في تشخيص المدّعي، نتيجة الدعوى لا مصبّها الظاهري فانّ قيمة ألف دينار، يزيد على ألف درهم، فمدّعي الزيادة يحكم بإقامة البيّنة وإلاّ يحلف الآخر.
2ـ ولو اختلفا في وصفه بعد الاتّفاق على نوعه على وجه ترتفع الجهالة فالقول قول الرجل، لأصالة البراءة من الزائد ومن الوصف الذي هو بمنزلة الزائد.
3ـ لو اتّفقـا على التسميـة، واعتـرف بأنّها أكثر من مهر المثـل ويدعـي

1 . الوسائل: 15، الباب 18 من أبواب المهور، الحديث1.
2 . الطوسي: المبسوط:4/300.

صفحه 283
التخلّص من الزائد بإبراء أو وفاء ونحوهما، فالقول قول المرأة مع يمينها لأصالة عدم التسليم.
قال الشيخ: إذا اختلف الزوجان في قبض المهر فقال :قد أقبضتك المهر وقالت: ما قبضته، فالقول قولها، سواء كان قبل الزفاف أو بعده قبل الدخول بها أوبعده وفيه خلاف، وروي في بعض أخبارنا أنّ القول قوله بعد الدخول.1
و يشير بما في آخر كلامه إلى ما روي من أنّ الدخول يهدم العاجل وقد مرّ الكلام فيه.
4ـ ولو اختلفا في التعجيل والتأجيل أو زيادة الأجل، فالقول قولها، وذلك لأنّ مقتضى طبع العقد هو النقد، والتأجيل على خلاف الأصل، كما هو المفروض في باب المعاوضات وتوهم أنّ التأجيل نقص في المهر وعدمه زيادة فيه والأصل عدمها، مدفوع بتقدّم الأصل السببي على المسبّبي، وذلك لأنّ الشكّ في الزيادة وعدمها مسبّب عن ذكر الأجل في العقد، والأصل عدمه (فتأمّل) على أنّك قد عرفت أنّ طبع العقد يقتضي النقد، والنسيئة على خلافه ولا تثبت إلاّ بالدليل.
5ـ لو دفع قدر مهرها من دون أن يصرّح بأنّه وفاء عن المهر ثمّ اختلفا بعد ذلك فقالت المرأة: دفعتَه هبة، وقال الزوج: دفعته صداقاً، فالقول قوله لأنّه أبصر بنيّته وفي الوفاء تعتبر نيّة الدافع لا القابض.
أضف إلى ذلك أنّ طبع المال يقتضي الضمان، وخلافه يحتاج إلى الدليل.
قال الشيخ: وإن اختلفا فقالت: قلت لي: خذي هذه هدية أو قالت هبة، وقال: بل قلتُ خذيها مهراً، فالقول قول الزوج بكلّ حال2 وعلى كلّ تقدير فإنّما

1 . الطوسي: المبسوط:4/301.
2 . الطوسي: المبسوط:4/302.

صفحه 284
يقدّم قول الزوج لو لم تكن هناك قرينة دالّة على كونه هدية، كالمقنعة والجورب بل الخاتم أحياناً فانّ الظاهر المفيد للاطمئنان في هذه الموارد موجب لتقدّم قولها على ادّعاء الزوج.

المسألة الثانية: إذا ادّعت المواقعة وأنكرها الرجل

إذا خلا الزوج بالزوجة خلوة خالية من موانع الوقاع فادّعت المواقعة وأنكرها الزوج فللمسألة صور:
1ـ أن تكون المرأة قبل الإخلاء بكراً وادّعت المواقعة قُبلاً وأمكن للزوج إقامة البيّنة على كونها بكراً فعلاً.
2ـ تلك الصورة ولكن لا يتمكّن الزوج من إقامتها على كونها بكراً.
3ـ إذا اختلفا وكانت الزوجة ثيّباً.
ففي الصورة الأُولى يُقدّم قوله لأجل شهادة البيّنة على كونها بكراً، نعم إذا شهدت على أنّها ثيّباً، لا يقدّم قولها ، لإمكان إزالة البكارة عن غير طريق الوقاع ولأجل ذلك قلنا في عنوان المسألة: «أمكن للزوج إقامة البيّنة على كونها بكراً».
وفي الثانية والثالثة يكون المقام من قبيل تعارض الظاهر مع الأصل فإنّ وجود القدرة والداعي وانتفاء الصارف يحتِّم الفعل غالباً، لكن الأصل عدمه. فالمرجع هوالأصل، وقد مرّ الكلام في الروايات الدالة على استقرار المهر بالخلوة فلا نعيد.

المسألة الثالثة: إذا أصدقها التعليم و...

لو أصدقها تعليم سورة أو صناعة فقالت: علّمني غيرُه، قال المحقق: فالقول قولها، وأضاف صاحب الجواهر قوله:«بلا خلاف و لا إشكال ، واستدل

صفحه 285
عليه بأنّها منكرة لما يدّعيه ، نحو إنكارها وصول المهر لو ادّعى عليها تسليمه وحينئذ فيلزم في الفرض بأُجرة التعليم».1
وفيما ذكره نظر، لأنّها على فرض صدق قولها هي الّتي فوّتت على الزوج إمكان الوفاء بالصداق بتعليمه إيّاها ومع ذلك كيف تستحقّ أُجرة التعليم وقياس المقام بتعذّر الصداق فينتقل إلى المثل والقيمة قياس مع الفارق لأنّ التعهّد في كلّ مورد بشيء، يلازم التعهّد على دفع عوضه لو تعذّر بعذر مقبول فينتقل إلى العوض شأن كلّ تالف وأمّا المقام فالذي تعهّد به الزوج، عبارة عن القيام بالتعليم بما هو هو، غاية الأمر أنّه لو تعذّر بالعذر المقبول يتعيّن بدله، ولكنّه لم يتعهّد بدفع البدل حتّى ولو كانت هي المفوّتة فيلزمَ بالمثل أو القيمة نعم لا يجوز خلوّ النكاح من المهر، فلا محيص عن جعل تعلّمها من غيره، بمنزلة إبراء الزوج من الصداق المقرّر واللّه العالم.
قال الشيخ: فإن أصدقها تعليم سورة من القرآن ثمّ اختلفا... وقالت : إنّي حفظتها من غيره فعلى وجهين، أحدهما: القول قولها، لأنّ الأصل أنّه ما لقّنها وهوالأقوى، والثاني: القول قوله، لأنّها ما كانت تحفظها وهي الآن تحفظها فالظاهر أنّها منه حفظت.2

المسألة الرابعة: إذا اختلفا في كون عقد تأسيساً أو تأكيداً

إذا اتّفق الزوجان على وقوع عقد نكاح بينهما في وقتين واختلفا في كون الثاني تأسيساً أو تأكيداً فقال الزوج: كان تكراراً على وجه الاحتياط في تصحيحه أو لقصد اشتهاره، وادّعت المرأة أنّ كلاً منهما عقد شرعي مستقلّ لا تكرار. ومفهوم

1 . الجواهر:31/143.
2 . الطوسي: المبسوط:4/274 ولا يخفى عليك الضعف في ادّعاء الظهور في أنّها حفظت منه.

صفحه 286
كلامها حصول فرقة بينهما بسبب من الأسباب، ثمّ عقد عليها.
قال الشيخ: لو اختلفا فقالت: هما نكاحان فلي المهران، وقال الزوج: نكاح واحد وإنّما تكرّر عقده فلكِ مهر واحد قال: فالقول قول الزوجة مستدلاً بأنّ الظاهر معها لأنّ الظاهر من العقد إذا وقع، أنّه وقع صحيحاً وحمله على خلافه خلاف الظّاهر ويترتّب عليه أنّه يلزمه المهران معاً وقال بعضهم: يلزمه مهر ونصف.1
وعلّله المحقّق بنفس ما في المبسوط وقال: القول قولها لأنّ الظاهر معها، وأوضحه في الجواهر بأنّ ظاهر الإتيان بالصيغ، إرادة ترتّب آثارها عليها الذي هو مقتضى أصالة الصحّة فيها.
وعلّله في المسالك بأنّ العقد حقيقة شرعية في السبب المبيح للبضع واستعماله في نفس الإيجاب والقبول المجرّدين عن الأثر مجاز.2
وعن كشف اللثام أنّ الأصل والظاهر التأسيس والحقيقة في لفظ العقد وصيغته، ولا عقد في المكرّر حقيقة ولا في الصيغة المكرّرة.
يلاحظ على ما في المسالك وما في ذيل كلام كشف اللثام بأنّهما لم يتّفقا على عنوان العقدين بما له من المفهوم حتى يقال إنّه حقيقة في السبب المبيح والعقد الحقيقي، لا مجرّد الإيجاب والقبول أو المجاز بل اتّفقا على مصداقهما، أي صدور أنكحت وزوّجت في وقتين، فادّعى أحدهما أنّه كان تكراراً للاحتياط وادّعت الزوجة أنّه كان للتأسيس، فكون لفظ العقد حقيقة في المبيح كما في كلام المسالك

1 . الطوسي: المبسوط:4/291، ثمّ علّل كون الواجب مهراً ونصفاً بوجه لا ينطبق مع مفروض العبارة .
2 . زين الدين العاملي: المسالك: 8/304.

صفحه 287
أو كونه ظاهراً في التأسيس والحقيقة دون المجاز كما في الكشف، لا صلة له بالدعوى. نعم ما ذكره المحقق وجاء في صدر عبارة كشف اللثام هو المهم أعني: حمل الفعل الصادر على الصحيح وهو المؤثّر، وهو لا يجتمع مع التأكيد.
أقول: إنّ القضاء في مثل هذه المسألة يتوقّف على رعاية القرائن المزيلة للشكّ، قبل الأخذ بقول أحدهما وهي:
أوّلاً: جرى الرسم سابقاً ولاحقاً على التزويج بمهر سرّاً، وب آخر جهراً، وقد عنونه المحقّق فيما سبق1 فلو كان هذا رائجاً في موضع النزاع ربّما يصدّنا عن الحكم بقولها، لأنّه تكون قرينة مفيدة للاطمئنان.
ثانياً: إنّ الإشهاد وإن كان مستحباً في النكاح، لكنّه قلّما يتّفق نكاح بلا شهود عدول، فإن شهدوا على أحد الأمرين فلا تصل النوبة إلى قول واحد منهما.
ثالثاً: لو ادّعى الزوج مفارقتها عن زوجها بالطلاق قبل الدخول، وادّعت أنّها زوجته فعلاً، بلا دخول فلا معنى، لاستحقاقها المهرين أو مهر ونصف، بل يكفي نصفان من مهرين.
هذا ونظائره يجرّنا إلى عدم الغفلة عمّا يحيط بالنزاع من القرائن المفيدة للاطمئنان ، فلو خلت الواقعة عن كلّ قرينة، فالإقرار بإجراء عقدين في وقتين ، إقرار بنكاحين مؤثّرين يستتبعان مهرين مختلفين فمقتضى الحمل على الصحّة هو التأسيس، لا التأكيد إذ يدور أمره بين الصحيح وغيره.

1 . الجواهر:31/37.

صفحه 288

صفحه 289
الفصل الثامن عشر
في القسم والنشوز والشقاق
1 ـ القسم لغة واصطلاحاً
2 ـ القسم من حقوق الزوجة وثمرته الاستئناس
3 ـ أقوال الفقهاء في وجوبه وعدمه أو التفصيل بين الواحدة وغيرها
4 ـ في جعل القسمة أزيد من ليلة واحدة
5 ـ النشوز لغة واصطلاحاً والآية الواردة فيه
6 ـ معالجة نشوز المرأة بوجوه خمسة واردة في الآية
7 ـ في نشوز الزوج والضابطة فيه نفس الضابطة في الزوجة
8 ـ القول في الشقاق وتفسير الآية الواردة فيه
9 ـ هل بعث الحكمين في الشقاق على سبيل التحكيم أو التوكيل
10 ـ إذا حكما في غياب الزوجين أو أحدهما فهل يكون نافذاً
11 ـ يجب أن يكون شرط الحكمين جائزاً لا حراماً
12 ـ إذا منعها الزوج من حقوقها وانجرّ الأمر إلى الطلاق الخلعي

صفحه 290

صفحه 291

في القسم والنشوز والشقاق

القول في القسم

القسم ـ بالفتح ـ مصدر قسّمت الشيء، أقسمه فمصدر الثلاثي والمزيد فيه واحد، وبالكسر الحظّ والنصيب والتقدير، وعرفاً هو قسمة الليالي بين الزوجات ويمكن اعتباره من كلّ منهما.
واعلم انّ للزوجة على الزوج حقوقاً من الكسوة والمأكل والمشرب والإسكان مقابل حقوقه عليها ومن تلك الحقوق، هوالقسم وهو حقّ لها عليه في الجملة، وإن كانت ثمرته مشتركة وهو الاستئناس، وفيه أقوال ثلاثة:
1ـ من كانت له زوجة واحدة، لها على زوجها حقّ المبيت عندها والمضاجعة معها في كلّ أربع ليال، ليلة وله ثلاث ليال، وإذا كانت له زوجتان فلهما ليلتان من كلّ أربع ليال، وليلتان له، وإذا كانت له ثلاث، كانت لهن ثلاث، والفاضل له، وإذا كانت عنده أربع كانت لكلّ منهنّ ليلة ويكون جميع لياليه لهنّ، وقد نسب هذا القول إلى المشهور واختاره ابن البرّاج وقال:«وإذا لم يكن للرجل إلاّ زوجة واحدة كان عليه المبيت عندها ليلة واحدة من أربع ليال وله أن يفعل من الثلاث الأُخر ما يشاء فيما كان مباحاً له.1
2ـ لا يجـب عليـه شيء منـه بل القـدر اللازم أن لا يهجرها ولا يذرهـا كالمعلّقة، لا هي ذات بعل ولا مطلّقة .

1 . ابن البرّاج: المهذّب:2/227.

صفحه 292
نعم لها عليه حقّ المواقعة في كلّ أربعة أشهر مرّة، وإن كانت عنده أكثر من واحدة، فإذا بات عند إحداهنّ يجب عليه أن يبيت عند غيرها أيضاً فإذا كنّ أربع وبات عند إحداهنّ، طاف عليهن في أربع ليال، لكلّ منهنّ ليلة، ولا يفضل بعضهن على بعض، وإذا كانت عنده ثلاث فإذا بات عند إحداهنّ يجب عليه أن يبيت عند الأُخريين ليلتين لكلّ منهما ليلة وإذا كانت عنده زوجتان وبات عند إحداهما بات في ليلة أُخرى عند الأُخرى، وبعد ذلك إن شاء ترك المبيت عند الجميع وإن شاء شرع فيه على النحو المتقدّم، وعلى أيّ تقدير فلا تجب في الواحدة، وتجب في المتعددة إذا ابتدأ صيانة للعدل بينهنّ.
وهذا خيرة الشيخ الطوسي حيث قال: إذا كان للرجل زوجات فلا يجب عليه القسم ابتداء، لكن الذي يجب عليه النفقة والكسوة والمهر والسكنى ، فمتى تكفّل بهذه فلا يلزمه القسم، لأنّه حقّ له، فإذا أسقطه لا يجبر عليه، ويجوز له تركه وأن يبيت في المساجد وعند أصدقائه، فأمّا إن أراد أن يبتدئ بواحدة منهنّ فيجب عليه القسم، لأنّه ليس واحدة منهنّ أولى بالتقديم من الأُخرى، فعليه أن يقسّم بينهنّ بالقرعة.1
3ـ يجب القسـم عند التعدد ولا يجب في الواحدة اختاره ابن حمزة قال: والقسم إذا كانت له زوجتان أو أكثر2 ونسب هذا إلى المقنعة والنهاية والجامع للشرائع لكن عبارتها لا تؤدّي ذلك فلاحظ.3
هذه هي الأقوال فلنأخذ بدراسة القول الأوّل.
استدلّ للقول الأوّل بوجوه غير تامّة:

1 . الطوسي: المبسوط:4/325ـ 326.
2 . ابن حمزة: الوسيلة: 312.
3 . المقنعة:516، النهاية: 483، و الجامع:456.

صفحه 293
1ـ قوله سبحانه:(وعاشروهنّ بالمعروف) (النساء/19).
يلاحظ عليه: أنّه لا يدلّ على أزيد من المعاشرة على النحو المعروف وهو غير وجوب البيتوتة في كلّ أربعة ليال، ليلة، بل يجب عليه أن لا يهجرها ولا يجعلها كالمعلّقة غير مطلّقة ولا مزوّجة وبهذا يعلم عدم دلالة غيره من قوله سبحانه:(ولهنّ مثل الّذي عليهنّ بالمعروف)(البقرة/228) أو قوله: (قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم)(الأحزاب/50) ونرجع إلى الآية في مطاف البحث.
2ـ التأسّـي بالنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فإنّه كان يقسم بين نسائه في مرضه فيطاف به بينهنّ.1
يلاحظ عليه: أنّه أخصّ من المدّعى بل ينطبق على القول الثاني لأنّ نساء النبيّ كانت متعدّدة وكان يبتدئ بالقسم .
3ـ خبر عبد الرحمان بن أبي عبد اللّه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يكون عنده المرأة فيتزوّج أُخرى كم يجعل للتي يدخل بها؟ قال: ثلاثة أيّام ثمّ يقسم.2
يلاحظ عليه: أنّ مورده التعدد، فخصّت ثلاثة أيّام للزوجة الجديدة تكريماً، ولمّا كان الإمام عارفاً بأنّه يدخل على الجديدة ولا يتركها أمره بالقسم.
الروايات الدالّة على أنّ للحرة ليلتين وللأمة ليلة.3
يلاحظ عليه: بمثل ما مرّ فإنّ مواردها نكاح الحرّة على الأمة وبما أنّ الإمام (عليه السلام) كان عارفاً بأنّه لا يترك الحرّة أمره بالقسم.
4ـ ما دلّ على أنّه يجوز لهنّ بيع حقّهنّ إذا طابت نفسهنّ فيدل على كونه

1 . الوسائل: 15 ، الباب 5 من أبواب القسم والنشوز، الحديث 2(مرسلة الطبرسي).
2 . الوسائل:15، الباب 2 من أبواب القسم والنشوز، الحديث 4.
3 . الوسائل:15، الباب 8 من أبواب القسم والنشوز، روايات الباب.

صفحه 294
حقّاً.1
5ـ ما دلّ على أنّه يجـوز أن يفضّل نسـاءه بعضهنّ على بعض ما لم يكن أربعاً.2
يلاحظ على الدليلين: بأنّهما أخصّ من المدّعى وموردهما ما إذا كانت متعددة ومع الابتداء بواحدة منها فالكلّ على القول الثاني أطبق.
وبكلمة قصيرة«أنّ جميع هذه النصوص جارية مجرى الغالب في حال الزوج حيث إنّه يبيت عند زوجته فمع فرض تعدّدها كان عليه ملاحظة العدل في القسمة والتفصيل على الوجه المذكور في النصوص، وليس المراد وجوبها ابتداء ولا وجوب مبيت ليلة من الأربع ليال لو كانت واحدة».3
استدل للقول الثاني بأمرين:
1ـ الروايات المستفيضة في حصر حقوق الزوجة في أُمور من الملبس والمطعم والمسكن ولم يذكر فيها القسم.4
يلاحظ عليه: أنّ الحصر فيها نسبي ناظر إلى الحقوق المالية بشهادة أنّه لم يذكر فيها حقّ المواقعة في كلّ أربعة أشهر، مرّة.
2ـ التأسي بالنبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) حسب ما عرفت من الروايات.
يلاحظ عليه: أنّ القسم لم يكن واجباً عليه بشهادة أنّه سبحانه أذن له بإيواء

1 . الوسائل:15، الباب 6 من أبواب القسم والنشوز، الحديث 2.
2 . الوسائل: 15، الباب 1 من أبواب القسم والنشوز، الحديث 1.
3 . الجواهر:31/154.
4 . الوسائل: 15، الباب 1 من أبواب النفقات، الحديث 5و8 و غيرهما والباب الثانـي من تلك الأبواب، الحديث 1و الباب 48 من أبواب النفقات، الحديث 3.

صفحه 295
من شاء منهنّ واعتزال من شاء قال سبحانه :(تُرْجي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَ تُؤوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ)(الأحزاب/51) على أنّ جهة الفعل مجهولة وأنّه هل كان واجباً أو مستحبّاً.
استدل للقول الثالث بالدليل الأخير أيضاً وقد علمت أنّ جهة الفعل مجهولة ولعلّ الوجوب ـ على فرض تسليمه ـ كان مشروطاً بالابتداء.
وبهذا تبيّن أنّ جميع الأقوال خالية عن الدليل غير القول الثاني وذلك لغاية حفظ العدل بين النساء.
ومع ذلك كلّه فهنا كلام ربما يرجّح معه القول الأوّل وهو أنّ قوله سبحانه:(وعاشروهنّ بالمعروف)ضابطة كلّية يختلف انطباقها على مواردها حسب اختلاف الأزمنة والأمكنة، ولو صحّ أنّ لعنصر الزمان والمكان، تأثيراً في الموضوع، ثمّ في الحكم فهذا المورد من مواضعه، ومن المعلوم أنّ الاكتفاء بما جاء في القول الثاني، وأيّده الفقيه الاصفهاني بقوله من أنّه يكفي «أن لا يهجرها ولا يذرها كالمعلّقة لا هي ذات بعل ولا مطلّقة» لا يعدّ اليوم معاشرة بالمعروف.
وليس إطفاء نار الشهوة، الحاجةَ الوحيدة للزوجة، بل لها حاجات روحية ليست في الأهمية بأقلّ منها كالاستئناس بالزوج يقول سبحانه: (ومن آياته أن خَلَق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بَيْنَكُم مَودّة وَ رَحْمَةً إِنَّ في ذلِكَ لآيات لقوم يَتَفَكَّرُونَ)(الروم/21).
قال الطبرسي: أي لتطمئنّوا إليها وتأنسوا بها ويستأنس بعضكم ببعض، وقال سبحانه: (وَ جَعَلَ مِنْها زَوجَها لِيَسْكُن إلَيها)(الأعراف/189) كلّ ذلك يعرب عن أنّه يجب أن تكون أواصر الحبّ والمودّة بين الزوجين آكد وأشدّ، ممّاجاء في القول الثاني، ومن مظاهره البيتوتة والمضاجعة إلاّ إذا كان الزوج معذوراً لمرض أو لمهنة أو لعوارض عائقة، وبما أنّ الإجماع والروايات الماضية دالّة على عدم

صفحه 296
وجوب، أزيد من ليلة واحدة، يكتفي في تجسيد الآية وتحقيقها بالحياة، بالقسم بليلة واحدة في أربع ليال، فالأحوط ما هو المشهور لو لم يكن الأقوى.

في جعل القسمة أزيد من ليلة واحدة

هل يجوز أن يجعل القسمة أزيد من ليلة لكلّ واحدة، فيه قولان:
1ـ يجوز مطلقاً وهو خيرة الشيخ قال: «المستحب أن يقسم ليلة ليلة، لأنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)كذا فعل وإن قسّم ليلتين ليلتين أو ثلاثاً ثلاثاً جاز فهو متحكم في ملكه ومازاد على ذلك فإن كان برضاهنّ جاز أيضاً وإن لم يكن برضاهنّ لم يجز».1
2ـ اشتراطه مطلقاً برضاهنّ وهو خيرة المحقق في الشرائع.
استدل للقول الأوّل بإطلاق الأمر بالقسمة ففي خبر عبد الرحمان بن أبي عبد اللّه عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في الرجل يكون عنده المرأة فيتزوّج أُخرى كم يجعل للتي يدخل بها؟ قال: ثلاثة أيّام ثمّ يقسم.2
يلاحظ عليه : أنّه لو صحّ الاستدلال به، لما كان الزائد على الثلاث، متوقّفاً على رضاهنّ.
واستدلّ للقول الثاني، بما ورد في خبر سماعة حيث جاء فيه، يفضل المحدثة حدثانَ عرسها ثلاثة أيّام إن كانت بكراً ثمّ يسوّي بينهما بطيبة نفس إحداهما للأُخرى ومعناه أنّه إذا جعل لكلّ واحدة منهنّ ليلتين متواليتين ولم تطب نفس إحداهما إلاّ بليلة لا يجوز ذلك إلاّ بطيب النفس منهما.
وربّما يستدل بالتأسي للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)وبما تضافرت أنّ كلّ زوجة تستحق ليلة من

1 . الطوسي: المبسوط: 4/328.
2 . الوسائل:15، الباب 2 من أبواب القسم والنشوز، الحديث 4و لاحظ 8.

صفحه 297
أربع لا أكثر.
والثاني موهون بعدم وجوب القسم عليه فضلاً عن الكيفية والثالث وإن كان متضافراً، لكنّه بصدد بيان الكميّة لا الكيفية فلم يبق سوى خبر سماعة، وكونه ناظراً إلى الكيفية مشكل فالإطلاق محكم، فالواجب المباشرة بالمعروف وعدم العول والجور، وهو متحقق في كلتا الصورتين.
ثمّ إنّ البكر تختص أوّل عرسها بسبع ليال والثيّب بثلاث تفضلان بذلك على غيرهما1 ولا يُقضى لنسائه شيء من ذلك لظهور النصّ ويدخل في القسمة المضاجعة بأن ينام قريباًمنها على النحو المعتاد معطياً لها وجهه ولا يدخل فيها المواقعة بلا خلاف ويختصّ بالليل دون النهار، لاقتصار النصوص على الليلة2 والسيرة المستمرة ولأجل ذلك يدخل الصبيحة ليلتها.
ثمّ إنّ المحقّق ذكر مسائل في المقام أكمل به البحث عن القسم، وهي مسائل واضحة فلنرجع إلى القول بالنشوز.

1 . الوسائل: 15 ، الباب 2 من أبواب القسم والنشوز، الحديث 1، وما في رواية الحديث الثاني يحمل على التفضيل لكون زينب بنت جحش كانت بنت عمة النبيّ.
2 . الوسائل: 15، الباب 5 من أبواب القسم والنشوز، الحديث 1.

صفحه 298

القول في النشوز

النشوز في اللغة: الارتفاع ومنه قوله سبحانه:(يا أيّها الّذين آمنوا إذا قيل لكم تفسّحوا في المجالس فافسحوا يفسح اللّه لكم وإذا قيل انشزوا فانشزوا يرفع اللّهُ الذين آمَنُوا منكُمْ وَ الّذين أُوتوا العلم درجات واللّه بما تعملون خبير)(المجادلة/11) أي إذا قيل لكم: انهضوا إلى أمر اللّه ، فانهضوا، يرفع اللّه...و سمّى خروج أحد الزوجين عن طاعة الآخر، نشوزاً، لأنّه بمعصيته قد ارتفع وتعالى عمّا أوجب اللّه عليه ولو كان الخلاف من جانب فهو النشوز وإن كان من الجانبين فهوالشقاق، ولعلّ نشوز المرأة يلازم خروجها عن طاعة اللّه ولأجل ذلك عدّت طاعتها، مقابلاً لنشوزها في سورة النساء كما سيوافيك وليس كذلك نشوز الرجل، لأنّه ربّما يتحقق بأمر تكرهه المرأة كما إذا أراد طلاقها لكونها مسنّة أو دميمة، أو غير ذلك ممّا يجي في بحث نشوز الرجل وعلى كلّ تقدير يقع الكلام في مقامين:

الأوّل: في نشوز الزوجة.

الأصل فيه قوله سبحانه: (واللاتي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَ اهْجُرُوهُنَّ في المَضاجِعِ وَ اضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبيلاً إِنَّ اللّهَ كانَ عَلِيّاً كَبيراً)(النساء/34) .
وتوضيح الآية يتوقف على إيضاح أمرين:

صفحه 299
1ـ هـل الخوف بمعنى العلم، كما عـن الفراء حيث قال: معناه تعلمون نشوزهنّ وقد يكون الخوف بمعنى العلم، لأنّ خوف النشوز هو العلم بموقعه.1
والظاهر أنّه بمعناه الحقيقي وهو يتحقّق بظهور أماراته وأسبابه مثل أن تتقطب في وجهه أو تبرم في حوائجه المتعلّقة بالاستمتاع وإنّما ذكر الخوف دون النشوز لمراعاة العلاجات الثلاثة المذكورة في الآية، فانّ العظة كما يناسب مع نفس النشوز، يناسب مع ظهور أماراته وآثاره.2
2ـ هـل الزوج في أعمال العلاج مخيّر بين هذه الثلاثة أو يصحّ له الجمع بينها، أو يتدرج من الأخف إلى الأثقل حسب تدرّج النشوز. ولا يصحّ القضاء الصحيح بين هذه الأقوال إلاّ بذكر المحتملات.
أقول: قد ذكر في الآية وجوه خمسة:
ألف : ما اختاره المحقّق في الشرائع وقال: متى ظهر من الزوجة أماراتُ النشوز، جاز له هجرها في المضجع بعد عظتها ولا يجوز له ضربها والحال هذه، أمّا لو وقع النشوز وهو الامتناع عن طاعته فيما يجب له، جاز ضربها ولو بأوّل مرّة.
وحاصله :أنّ الزوج يعالج عند خوف النشوز بالأوّلين على وجه الترتيب وعند وجود النشوز بالضرب سواء أعمل الأوّلين قبل تحقّق النشوز أو لا، لكنّه إذا تحقّق النشوز فله الاكتفاء بالأخير كما أنّ له إعمال الجميع من دون رعاية ترتيب، فالترتيب بين الأوّلين مختصّ بصورة خوف النشوز، وهذا المعنى يستفاد من المبسوط بعد الإحاطة بكلامه.3

1 . الطبرسي: مجمع البيان:2/45.
2 . الميزان: 4/367.
3 . الطوسي: المبسوط:4/337.

صفحه 300
يلاحظ عليه: أنّ المضاجعة من حقوقها، وتركها عقوبة عليها، ولا تجوز إلاّ بفعل المحرّم، وليس الخوف عن النشوز مبـرّراً لذلك ولذلك اختار بعضهم المعنى الثاني.
ب: انّ الأُمور الثلاثة مترتبة على مراتب ثلاث من حالها فمع ظهور أمارات النشوز يقتصر على الوعظ ومع تحقّقه قبل الإصرار ينتقل إلى الهجرة فإن لم ينجع وأصرّت انتقل إلى الضرب. وهذا لا غبار عليه لولا أنّه تصرّف في ظاهر الآية بلا قرينة حيث جعل العظة من آثار الخوف والأخيرين من آثار نفس النشوز إلاّ أن يقال بأنّ الصارف عن الأخذ بالظاهر هو أنّ العقوبة كترك المضاجعة لا تحلّ إلاّ بفعل المحرّم وهو لا يتحقّق إلاّ بالنشوز فلأجل ذلك جعل الموضوع في الثاني هو ذاته لا خوفه.
ج: ما اختاره المحقق في النافع، من التحفظ على ظاهر الآية وهو ترتّب العلاجات الثلاثة على أمارات النشوز من غير فرق بين الضرب وغيره إلاّ أنّها مترتبة حسب ترتّب النهي عن المنكر قال في النافع: وقد حفظ القائل ظهور الآية في ترتّب الثلاثة على الخوف، ولكنّه تصرّف في حمل الواو على الترتيب الذي مخالف لمعناها من الجمع أو التخيير، والداعي إليه، كونه من قبيل النهي عن المنكر 1.
د: ما هو المحكي عن ابن الجنيد، من جعل الأُمور الثلاثة مترتبة على نفس النشوز ويجوز الجمع بين الثلاثة ابتداءً، وذلك لأنّه حمل الخوف على العلم لقوله سبحانه: (ومن خاف من موص جَنفاً أو إِثماً فأَصلح بينهم فلا إثم عليه)(البقرة/182) وعليه يجوز أن يختار واحداً من الثلاثة أو يجمع بينها على اختلاف في معنى الواو في المقام.

1 . المحقق: النافع: 191.

صفحه 301
يلاحظ عليه: أنّ المقام لا يتجاوز عن النهي عن المنكر فقد يراعى فيه الترتيب فليكن المقام مثله.
هـ: كون الثلاثة مترتبة على النشوز بالفعل ـ مثل المحكي عن ابن الجنيد ـ غير أنّ الثلاثة مترتّبة فيدرج في الأدنى إلى الأعلى.1وحاصل الوجوه الخمسة عبارة عن الوجوه التالية:
1ـ إنّ الأوّلين مترتّبان على الخوف، والثالث على نفس النشوز.
2ـ إنّ الأوّل مترتّب على الخوف، والثاني والثالث على النشوز ويعمل على الترتيب.
3ـ إنّ الثلاثة مترتبة على الخوف، إلاّ أنّها مترتبة حسب ترتّب النهي عن المنكر.
4ـ إنّ الثلاثة مترتبة على النشوز، مخيراً في إعمالها بلا ترتيب.
5ـ مترتّبة على نفس النشوز لكنّه على ترتيب النهي عن المنكر.
ولعلّ الأظهر هوالقول الثالث، من كفاية الخوف في اعمال التأديب، مع الحفظ على الترتيب كموارد النهي عن المنكر، وأمّا إشكال العقوبة عليها عند الخوف وإن لم يصدر منها محرّم فهو محجوج بظاهر الآية ولعلّ الرغبة في حفظ أواصر الزوجية، والتسريع في الإصلاح يبرّر هذا المقدار من العقوبة التي ترجع إلى ترك المضاجعة، أو الضرب على وجه لا يدمى ولا يبرح وأمّا حكم النشوز فيعلم من حكم الخوف بطريق أولى.
هذا ظاهر الآية وأمّا النصوص الواردة في نشوز الرجل فالروايات الواردة فيه تفسر الآية بنفس النشوز لا بالخوف مع وروده في كلا الموردين فعن أبي عبد اللّه (عليه السلام)

1 . العلاّمة: الارشاد:2/33.

صفحه 302
في تفسير قول اللّه عزّوجلّ: (وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو اعراضاً) فقال: هي المرأة تكون عند الرجل فيكرهها فيقول لها: إنّي أُريد أن أُطلّقكِ، فتقول له:لا تفعل إنّي أكره أن تشمت بي.1
وهل هذا قرينة على عطف الآيتين على أمر واحد؟! وهو أنّ المراد من الخوف، هوالعلم بالنشوز، ويلازم الترتيب في التأديب كسائر الموارد فينطبق على قول العلاّمة في الارشاد واللّه العالم.
نعم اختار السيد الاصفهاني، القول الأوّل فجعل العظة وترك الاضطجاع مترتّبين على الخوف، والضرب مترتّباً على النشوز نفسه.2
ثمّ إنّ المراد من أمارات النشوز كلّ عمل يحكي عن كونها بصدد الترفع والاستعلاء مثل أن تقطّب في وجهه أو تبرم بحوائجه أو تغيّر عادتها، فانّ كلّ ذلك من أمارات النشوز فيجوز للزوج التمسّك بالتأديبين الأوّلين هذا إذاكان يوماً أو يومين وأمّا إذا استمرّت هذه الحالة بحيث أثّر وضعُها في استمتاعه وتلذّذه بها وعادت الحياة منغصة وإن كانت غير عاصية، فلا يبعد حالتها من نفس النشوز فيجوز معه التأديب الثالث.
ثمّ إنّه يجب أن يكون الضرب لأجل الإصلاح لا التشفي والانتقام، وأن لا يكون مدمياً ولا شديداً مبرحاً وبما أنّ الضرب لصالحه يكون الزوج ضامناً إذا كان هناك تلف، بخلاف ضرب الصبيّ فانّه لصالحه فلا يكون الولي ضامناً.

المقام الثاني : في نشوز الزوج

إنّ الضابطة في كلا النشوزين أمر واحد وهو الخروج عن الطاعة الواجبة

1 . الوسائل:15، الباب 11 من أبواب القسم والنشوز، الحديث 1و غيره.
2 . السيد الإصفهاني، في الوسيلة ، فصل القول في النشوز:352.

صفحه 303
فلو منع حقوقها من قسم ونفقة وكسوة فهو نشوز واللائق بمقام المرأة هوالعظة والتذكرة والهجر إذا لم يقم بوظيفته، وأمّا الضرب فليس من شأنها غالباً، ولأجل ذلك لم يذكر التأديبات الثلاث في الآية فللزوجة رفع الأمر إلى الحاكم حتّى يلزمه بالقيام بالواجب.
نعم النشوز من جانب الرجل يتحقّق تارة بالخروج عن الوظيفة وأُخرى بالعزم على عمل حلال تكرهه كما إذا أراد طلاقها لكونها مسنّة أو دميمة فيجوز عليهما الصلح ولو بإغماض الزوجة عن بعض حقوقها، صيانة لشرفها وكيانها، قال سبحانه:(وَ إِن امْرأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَ الصُّلْحُ خَير) (النساء/128) لكن ما يأخذه الزوج إنّما يكون حلالاً إذا كان في مقابل فعل أو ترك حلال، لا في مقابل المحرّم فعلاً أو تركاً ولعلّ المراد من الإعراض في الآية هو الطلاق وقد تضافرت الروايات في المقام على جواز هذا النوع من الصلح.1

1 . الوسائل: 15، الباب 11 من أبواب القسم والنشوز.

صفحه 304

القول في الشقاق

الشقاق على وزن فعال من الشَقّ، وهو لغة: الصدع والتفرقة، يقال: شقّ عصا القوم غير أنّ لازم الشقّ، كون كلّ نصف في ناحية يطلق عليه الشِقْ، والمقصود في المقام وقوع النشوز من الزوجين والمنافرة بين الطرفين والأصل في ذلك قوله سبحانه: (وَ إِنْ خِفْتُمْْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُريدا إِصْلاحاً يُوَفِقِّ اللّهُ بَيْنَهُما إِنّ اللّهَ كانَ عليماً خَبيراً)(النساء/35) وهل المراد من خوف الشقاق هو ظهور أماراته منهما، لا نفسه أو هو بمعنى العلم به، والخوف من استمراره؟ والظاهر هوالأوّل والكلام في أُمور:
الأوّل: من هوالمخاطب لقوله: (وإن خفتم) و(فابعثوا حكماً من أهله)فهل المراد هو الحكّام بعد ما انجرّ الأمر إليهم أو الزوجان وقد حكي الأخير عن الصدوقين فإن امتنعا فالحاكم وهو صريح الفقه الرضوي: «يختار الرجل وتختار المرأة رجلاً».1
وجهان: ويؤيّد الأوّل ظاهر الآية وأوضحه الشيخ وقال:«إنّ الخطاب إذا ورد مطلقاً فيما طريقه الأحكام كان منصرفاً إلى الأئمّة والقضاة كقوله تعالى: (والسّارق والسّارقة فاقطعوا أيديهما)(المائدة/39)، و ( الزّانية والزّاني فاجلدوا كلّ واحد منهما مائة جلدة)(النور/2) وأيضاً فانّ الخطاب لا يتوجّه إلى الزوجين لأنّه لو توجّه إليهما لقال فابعثا.2

1 . النوري: المستدرك: 15 ، الباب 8 من أبواب القسم والنشوز، الحديث 1.
2 . الطوسي: الخلاف: 2/426، المسألة 9، كتاب القسم بين الزوجات.

صفحه 305
ومع ذلك فيمكن استظهار المعنى الثاني من بعض الروايات ففي موثقة سماعة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قول اللّه عزّ وجلّ (فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها) أرأيت ان استأذن الحكمان فقالا للرجل والمرأة: أليس قد جعلتما أمركما إلينا في الإصلاح والتفريق؟ فقال الرجل والمرأة: نعم....1 ولكنّها ليست صريحة في أنّ البعث كان من الزوجين بل من المحتمل أنّ البعث كان من الحاكم، والتقى الحكمان المبعوثان بالزوجين وجرى بينهما ما جرى ويؤيّد أنّ البعث من الحاكم خبر عبيدة.2
أضف أنّ ما يحكم به الحكمان أمر يجري عليهما أرادا أم لم يريدا ومثل هذا الأمر يطلب لنفسه قوة مجرية قاهرة تجري الحكم في حقّهما وليس هو إلاّ القضاة والأئمّة المسؤولون.
وظاهر الخطاب في قوله(فابعثوا)هو وجوب البعث لحفظ الوئام ويؤكّد الوجوب فيما إذا اطلع القاضي على وقوع الزوجين أو أحدهما في عمل محرّم، كما أنّ ظاهرها كون الحكم من أهله وأهلها، فلا يعدل عنه إلى غيره، إلاّ إذا تعذّر الأهل أو كانت الغاية ، غير متأتية به، فيحكّم غيره صيانة للغرض يقول السيد الإصفهاني: الأولى بل الأحوط أن يكون الحكمان من أهل الطرفين بأن يكون حَكَماً من أهله، وحكماً من أهلها فإن لم يكن لهما أهل أو لم يكن أهلهما أهلاً لهذا الأمر تعيّن من غيرهم.3
نعم لا يعتبر أن يكون من جانب كل منهما، حكم واحد بل لو اقتضت المصلحة بَعَثَ اثنين أو أزيد ، وذلك لأنّ ذكر الحكم الواحد، من باب الاقتصار

1 . الوسائل: 15، الباب 13 من أبواب القسم والنشوز، الحديث1.
2 . الوسائل: 15، الباب 13 من أبواب القسم والنشوز، الحديث6.
3 . السيد الاصفهاني: الوسيلة: القول في النشوز:352.

صفحه 306
على الأقل.
وبما ذكرنا يعلم أنّ المبعوثين حكمان لا وكيلان للزوجين إذ المفروض أنّ الخطاب للحكّام، والحكمان يبعثان من جانبهم، فلا موضوع للوكالة ولا منافاة أو يكونا حكمين ولكن يكون الطلاق مشروطاً، بإذن الزوج كما سيوافيك.
قال الشيخ: بعث الحكمين في الشقاق على سبيل التحكيم، لا على سبيل التوكيل وبه قال علي (عليه السلام) وابن عباس وعمرو بن العاص وهو أحد قولي الشافعي. والقول الآخر أنّهما على سبيل التوكيل وبه قال أبوحنيفة. دليلنا قوله تعالى: (فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها) وهذا ظاهر في التحكيم لأنّه لم يقل فابعثوا وكيلاً ـ إلى أن قال : ـ وأيضاً قال: (إن يريدا إصلاحاً يوفّق اللّه بينهما)فأضاف الارادة إلى الحكمين فلو كان توكيلاً لم يضف إليهما. وأيضاً: روى أصحابنا أنّهما ينفّذان ما اتّفق رأيهما عليه إلاّ الفرقة بينهما فانّهما يستأذنانهما فدلّ ذلك على أنّه على سبيل التحكيم، لأنّ التوكيل لا يجوز فيه إنفاذ شيء إلاّبإذن الموكّل.1
وعلى كلّ تقدير فإن اتّفقا على الإصلاح فعَلاه من غير مراجعة لهما، لأنّه مقتضى تحكيمهما أو توكليهما وإن اتّفقا على التفريق فمقتضى التحكيم هو النفوذ، لولا ما ورد من أنّه ليس للمصلحين أن يفرّقا حتّى يستأمرا2 وفي رواية يشترط عليهما إن شاءا جمعا وإن شاءا فرّقا فإن جمعا فجائز وإن فرّقا فجائز.3 نعم روى أهل السنّة عن علي(عليه السلام) قال: رجل أتى عليّا (عليه السلام) ومعه امرأته مع كلّ واحد فئام من الناس فقال علي (عليه السلام) : «ما شأن هذا؟ قالوا :وقع بينهما شقاق، قال: فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها إن يريدا إصلاحاً يوفق اللّه بينهما، فبعثوهما

1 . الطوسي: الخلاف: 2، كتاب القسم، المسألة 9، ص 426.
2 . الوسائل:15 الباب 13من أبواب القسم، الحديث 2و3.
3 . الوسائل:15 الباب 13من أبواب القسم، الحديث 2و3.

صفحه 307
فقال علي للحكمين: هل تدريان ما عليكما إن رأيتما أن تجمعا جمعتما وإن رأيتما تفرّقا فرّقتما، فقالت المرأة: رضيت بما في كتاب اللّه لي وعلي، فقال الرجل : أمّا فرقة فلا، فقال: واللّه لا تذهب حتّى تقرّ بمثل ما أقرّت».1
وفي سنن البيهقي: «كذبت واللّه حتّى تقرّبمثل الذي أقرّت» وظاهر الرواية أنّه لا محيص له من إعطاء الرضاء بكلا الأمرين، فيكون مخالفاً لما مرّ من أنّه ليس لهما التفريق إلاّ بإذن الزوج.
وعلى كلّ تقدير، فلو رضيا بكلّ ما حكما من بدء الأمر أو استأمر الرجل، فأمضى التفريق فهو، إنّما الكلام إذا لم يرض به لا في أوّل الأمر ولا بعده فالأحوط عدم التفريق أخذاً بما تقدّم من الروايات أمّا ما روي عن علي (عليه السلام) فلعلّه كان حكماً حكوميّاً، نافذاً في ظرفه الخاصّ.
وفي الختام نقول: يدلّ قوله سبحانه:(إن يريدا إصلاحاً يوفّق اللّه بينهما)على أنّه يجب على الحكمين أن لا يدّخرا وسعاً في الإصلاح والمعنى أنّه إن أخلصا في القضاء يوفق اللّه بينهما. وهل الضمير يرجع إلى الحكمين، أو إلى الزوجين؟ وجهان، قال الزمخشري: إن قصدا إصلاح ذات البين وكانت نيّتهما صحيحة وقلوبهما ناصحة لوجه اللّه، بورك في وساطتهما وأوقع اللّه بطيب نفسهما وحسن سعيهما بين الزوجين الوفاقَ والأُلفة وألقى في نفوسهما المودّة والرحمة، وقيل الضميران للحكمين أي إن قصدا إصلاح ذات البين والنصيحة للزوجين يوفق اللّه بينهما فيتفقان على الكلمة الواحدة ويتساندان في طلب الوفاق حتى يحصل الغرض ويتمّ المراد، وقيل الضميران للزوجين أي إن يريدا إصلاح ما بينهما وطلبا الخير وأن يزول عنهما الشقاق يطرح اللّه بينهما الأُلفة وأبدلهما بالشقاق وفاقاً

1 . ابن قدامة: المغني: 8/169; الوسائل: 15، الباب 13 من أبواب القسم والنشوز، الحديث 6; سنن البيهقي:7/305 واللفظ في المصدرين مختلف وإن كان المضمون واحداً.

صفحه 308
وبالبغضاء مودّة (إنّ اللّه كان عليماً خبيراً) يعلم كيف يوفق بين المختلفين ويجمع بين المفترقين.1

إكمال:

لو حكم الحَكَمان لكن غاب الزوجان أو أحدهما، فهل يكون حكمهما نافذاً؟ لا شكّ في النفوذ على القول بالوكالة لعدم اشتراط حضور الموكّل في تصرّف الوكيل فيما وكّل به إنّما الكلام على القول بالتحكيم فقال الشيخ بعدم النفوذ، وإليك نصّه :«وإذا غاب أحد الزوجين بعد التوكيل ولم يفسخ الوكالة، كان لوكيله أن يمضي ما وكّله فيه، لأنّ الغيبة لا تفسخ الوكالة وإذا قيل على سبيل الحكم، لم يكن لهما أن يفصلا شيئاً لأنّا وإن أجزنا القضاء على الغائب فإنّما نقضي عليه فأمّا أن يقضى له فلا، وهاهنا لكل واحد منهما حقّ له وعليه، لم يجز.2
وذهب المحقق إلى النفوذ مجيباً عن دليل الشيخ بأنّ حكمهما مقصور على الإصلاح أمّا التفرقة فموقوفة على الإذن3 ولكن الجواب لا ينطبق على دليل الشيخ لأنّه يقول بأنّ الحكم لصالح الغائب غير جائز وإنّما الجائز هو الحكم عليه.
والأولى أن يقال بالنفوذ، لإطلاق الأدلّة وصيانة جعل الحكم عن اللغويّة ، وسدّاً لباب الفرار عنه للمتجاوز.
ثمّ إنّ هناك فرعين:
الأوّل: يجب على الحكمـين أن يشترطا عليهما أمـراً جا ئزاً وألاّ يكون باطلاً

1 . الزمخشري: الكشاف: 1/396.
2 . الطوسي: المبسوط: 4/341.
3 . الشرائع: 2/339.

صفحه 309
من رأس وهذا ممّا لا إشكال فيه إنّما الكلام في تشخيص الموافق للكتاب والسنّة ومخالفهما، فنقول: والضابط ، كلّ أمر جائز شرعاً بالذات وليس بمحرّم كما إذا شرطا على الزوج أن يسكّن الزوجة في مسكن مخصوص، أو لا تسكن معها أُمّ الزوج وأُخته أو ضرّتها في دار واحدة، أو شرطا على الزوجة أن تؤجّله بالمهر الحال إلى أجل أو تردّ عليه ما قبضته قرضاً أو تنظف الدار في كلّ يوم، وتغسل ثيابه وتمهّد البيت للعيش الرغيد. نعم ليس لهما، أن يشترطا العمل المحرّم، كما لو شرطا عليه، أن لا ينفق على ضرّتها أو يبخس بحقوقها، أو يجوز لها الخروج من البيت بلا إذن ، أو يشترطا عليها أن لا ينفق، ولا يقسم عليها، وأمّا اشتراط عدم التزوّج والتسرّي، فقد مضى الكلام فيه وأنّه على فرض لا يعدّ مخالفاً للحكم الشرعي وعلى فرض يعدّ، قال الشيخ:
وإذا شرط الحكمان شرطاً نظر فيه فإن كان ممّا يصلح لزومه في الشرع لزم وإن كان ممّا لا يلزم مثل أن شرطا عليها ترك بعض النفقة أو القسم أو شرط عليه أن لا يسافر بها فكلّ هذا لا يلزم الوفاء به.1
نعم لو رضى الزوج أو الزوجة بترك بعض الحقوق فهو أمر آخر، إنّما الكلام نفوذ حكم الحكمين في ذلك المجال، سواء رضي الزوجان أو لا.

الثاني

ربّما يمنعها الزوج من حقوقها المستحبّة أو الواجبة وينجرّالأمر إلى الخلع، فما هو حكمه؟! أقول: إنّ للمسألة صوراً:
1ـ يترك بعض حقوقها المستحبّة وينجر الأمر إلى بذل الفدية من جانبها.
2ـ يأتي ببعض الأعمال المباحة فيثير غيرتها، كما إذا يتزوّج أو يتسرّى وهي لا

1 . الطوسي: المبسوط: 4/341.

صفحه 310
تتحمل وينجرّ الأمر إلى بذل الفدية بالصداق أو شيء آخر.
3ـ يترك بعض حقوقها الواجبة لا بنيّة دفعها إلى طلب الطلاق بل ربّما يريد المُقام معها وإنّما يتركه لضعف دينه وحرصه إلى المال أو غضبه عليها ولكنّه يدفعها عمله إلى بذل الفدية وطلب الطلاق.
4ـ يترك بعض الحقوق لتلك الغاية ولكن لا يُظهر نيّته عليها.
5ـ تلك الصورة مع الإظهار.
لا كلام في جواز الفعل في الصورتين الأُوليين، تكليفاً وحليّة الفدية وضعاً، لأنّه لم يرتكب عملاً محرّماً، بل مباحاً واندفاعها إلى بذل الفدية متأثرةً عن عمل الزوج لا صلة له به.
كما لا شكّ في حرمة العمل في الصور الأخيرة الثلاثة تكليفاً ، إنّما الكلام في حليّة البذل وضعاً، والظاهر صدق الإكراه في الصورتين الأخيرتين إنّما الكلام في الصورة الثالثة والظاهر حرمته إذا علم أنّ عمله المحرّم يدفعها إلى بذل الفدية للخلع ، فإنّ إرادة الملزوم لا ينفكّ عن إرادة اللازم مع العلم بالملازمة لا معها.
تمّ الكلام في القسم والنشوز والشقاق وبتمامه تمّ ما هو المهم من أبواب النكاح بقي الكلام في فصلين آخرين:
1ـ أحكام الأولاد.
2ـ النفقات.
وإليك الكلام فيهما في الفصلين التاليين.

صفحه 311
الفصل التاسع عشر

في أحكام الأولاد

1ـ الولد يلحق بالزوج بشروط ثلاثة:
أ ـ الدخول الموجب للحوق الولد. ب ـ مضيّ أقل الحمل. ج ـ عدم التجاوز عن أقصاه
2ـ إذا جاءت بولد لأقلّ من ستة أشهر
3ـ إذا زنت على فراش زوجها، فما هو حكم الولد؟
4ـ إذا اختلفا الزوجان في الدخول، أو الولادة، أو في المدّة
5ـ في أحكام ولد الشبهة
6ـ من حقوق الولد الرضاع
7ـ يجوز للأُم أخذ الأجرة للرضاع
8ـ الأجرة على الأب، إذا لم يكن معسراً وإلاّ على الولد إذا كان ذا مال
9ـ الأُم أحق بالرضاع من غيرها
10ـ الحضانة من حقوق الأُم
11ـ سقوط الحق عند تزوج الأُم

صفحه 312

صفحه 313

في أحكام الأولاد

إنّ ولد الزوجة الدائمة1 يلحق بالزوج بشروط ثلاثة:
1ـ الدخول الموجب للحوق الولد.
2ـ مضيّ أقلّ مدّة الحمل.
3ـ أن لا يتجاوز أقصى مدّة الحمل.
و إليك دراسة الشروط الثلاثة:
أمّا الشرط الأوّل، فهو مقوِّم اللحوق عقلاً وشرعاً إنّما الكلام في كفاية بعض الأقسام كما إذا دخل وعزل عن الزوجة، أو دخل ولم يُنزِل أصلاً، أو مسّها بالوطء في الدبر. واللحوق في الصورة الأُولى منصوص، روى أبو البختري عن جعفر بن محمّد (عليهما السلام) عن أبيه عن علي (عليه السلام) قال: جاء رجل إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: كنتُ أعزِلُ عن جارية لي فجاءت بولد فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ الوكاء قد ينفلت» فألحق به الولد.2
و الوكاء رباط القِربة التي هي وعاء الماء للسّقاء. والعبارة كناية عن انفلات المني وإن لم يشعر به الفاعل. إنّما الكلام في القسمين الأخيرين وقد وجه

1 . يشترك ولد المتعة مع ولد الدائمة فيما نتلوه من الأحكام غير انّه ينفى بلا لعان بخلاف ولد الدائمة فانّه لا ينفى إلاّ باللعان، وإلاّ فالولدان مشاركان في تمام الأحكام. لاحظ الحدائق:25/21.
2 . الوسائل:15، الباب 15 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث 1. ولاحظ أيضاً الباب 19 من أبواب أحكام الأولاد ، الحديث 1، التوقيع الرفيع.

صفحه 314
صاحب الجواهر اللحوقَ في الشقّ الثاني بإمكان التولد من الرجل بالدخول. إن لم يُنـزِل ولعله لتحرك نطفة الامرأة واكتسابها العلوقَ من نطفة الرجل في محلّها.1 وهو كما ترى ، وأشكل منه الصورة الثالثة فانّ احتمال التولد من الرجل بعيد ملحق بالمحال العادي.
ولو أخذنا بإطلاق «الولد للفراش» في الصورة الثانية، فلا شكّ في عدم صحّة الأخذ به في الثالثة.
قال ابن إدريس : ومتى وطأ امرأته أو جاريته ، وكان يعزِل عنهما، وكان الوطء في القبل، وجاءت المرأة بولد، وجب عليه الإقرار به ولا يجوز نفيه لمكان العزل.2
وأمّا الشرط الثاني أعني: مضيّ أقلّ مدّة الحمل وهي ستة أشهر من حينالوطء، فتدل عليه ـ مضافاً إلى اتّفاق علماء الإسلام عليه.3 وإلى قولــهسبحــانه:(وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً)(الأحقاف/15) إذا ضمّ إلى قولــهسبحــانه:(وَفِصالُهُ في عامَين)(لقمان/14) ـ الروايات المستفيضـة التي منهاقول الإمام أمــير المؤمنـين(عليه السلام) : «لا تلد المرأة لأقلّ من ستة أشهر».4
و أمّا الشرط الثالث، وهو أن لا يتجاوز أقصى مدّة الحمل وهو ممّا لا خلاف فيه إنّما الخلاف في تقدير المدّة المذكورة هل هي تسعة أشهر، أو عشرة أشهر، أو سنة مع الاتّفاق منّا على أنّها لا تزيد على السنة؟

1 . الجواهر:31/223.
2 . ابن إدريس: السرائر: 2/658.
3 . زين الدين العاملي: المسالك: 8/373.
4 . الوسائل:15، الباب 17 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث 8.

صفحه 315
الأوّل هو المشهور بين الأصحاب، والثاني هو خيرة الشيخ في المبسوط1 والثالث مع أنّ المحقّق جعله متروكاً، هو خيرة جمع من الأصحاب، كالمرتضى في الانتصار والحلبي في الكافي والشهيد الثاني في المسالك.
قال المرتضى: وممّا انفردت به الإماميّة القول بأنّ أكثر مدّة الحمل سنة واحدة وخالف باقي الفقهاء في ذلك، فقال الشافعي: أكثر الحمل أربع سنين، وقال الزهري والليث وربيعة : أكثره سبعُ سنين وقال أبو حنيفة : أكثره سنتان، وقال الثوري والبستي: أكثره سنتان، وعن مالك فيه ثلاث روايات أحداهنّ مثل قول الشافعي أربع سنين والثاني خمس سنين والثالث سبع سنين. وسيوا2فيك نقل أقوالهم عن الخلاف أيضاً.
وقال الحلبي:«فإن كان لمدّة طلاقها أو الوفاة عنها سنة فمادونها فهو لاحق بالأوّل وإن كان لأكثر من ذلك لم يلحق به، وكذلك الحكم فيها إذا لم تتزوّج بعد الطلاق أو الوفاة، وجاءت بولد سنة فما دونها، في لحوقه بالمطلِّق أو المتوفِّي ولا يلحق به بعد السنة».3
وقال الشهيد الثاني: القول بالسنة للمرتضى مدّعياً عليه الإجماع، ووافقه عليه أبو الصلاح ومال إليه في المختلف ـ إلى أن قال: ـ وهذا القول أقرب إلى الصواب وإن وصفه المصنّف بالترك وقد وقع في زماننا.4
أقول: أمّا القول بالعشرة فقد اعترف غير واحد كالشهيد في المسالك،

1 . وفي المسالك: 1/625، قال به في موضع من المبسوط ولكن الموجود فيه في كتاب الطلاق، باب العدد هو اختيار القول المشهور. لاحظ ج5/232، قال : لأنّ الولد لا يبقى أكثر من تسعة أشهر.
2 . المرتضى: الانتصار، المسألة الأخيرة من كتاب العدّة 154.
3 . الحلبي: الكافي:314ـ 315.
4 . زين الدين العاملي: المسالك: 8/376.

صفحه 316
والبحراني في الحدائق1 بعدم العثور على رواية تدل عليها وإن كان يظهر من ابن حمزة أنّ بها رواية حيث قال: أكثر مدّة الحمل فيه روايات ثلاث: تسعة أشهر، وعشرة، وسنة.2 واللازم هو دراسة ما يدل على القولين من الروايات ولننقل آراء العامة في المسألة فلعلّ فيها ما يُعين على حلّ التعارض بين القسمين في الروايات. وقد وقفت عليها عند نقل رأي المرتضى عن الانتصار.
قال الشيخ في الخلاف: «أقلّ الحمل ستة أشهر بلا خلاف، وأكثره عندنا تسعة أشهر، وقد روي في بعض الأخبار سنة، وقال الشافعي: أكثره أربع سنين، وذهب الزهري والليث بن سعد إلى أنّ أكثره سبع سنين، وعن مالك روايات، المشهور منها ثلاث: إحداها مثل قول الشافعي أربع سنين، والأُخرى خمس سنين، والثالثة سبع سنين، وذهب الثوري وأبو حنيفة وأصحابه إلى أنّ أكثر مدّة الحمل سنتان، وهو اختيار المزني ـ دليلنا ـ إجماع الفرقة والعادة، وما رأينا ولا سمعنا في زماننا هذا، ولا قبله من ولد لأربع سنين، أو سبع سنين; وما يدعونه من الرواياتالشاذة لا يلتفت إليه. لأنّها غير مقطوع بها، وما ذكرناه مقطوع به بلا خلاف.3
أقول: إنّ ما يدلّ على أنّ أقصى الحمل سنة بين صريح، وغير صريح قابل للحمل على ما دلّ على رأي المشهور.
أمّا الأوّل فنذكر منه ما يلي:
1ـ ما رواه غياث عن جعفر عن أبيه (عليه السلام) قال: أدنى ما تحمل المرأة لستة

1 . الحدائق: 25/10.
2 . ابن حمزة: الوسيلة: 318.
3 . الطوسي: الخلاف: 3، كتاب العدّة، المسألة 52.

صفحه 317
أشهر وأكثر ما تحمل لسنتين على ما في الوسائل.1 و«سنة» على ما في الوافي.2 ومع هذا الاضطراب في المتن واشتمال سند الحديث على أُناس لم يوثّقوا كسلمة بن الخطاب، وإسماعيل بن إسحاق، وإسماعيل بن أبان، كيف يمكن الاحتجاج به؟
2ـ ما رواه حريز عمن ذكره عن أحدهما (عليهما السلام) في قول اللّه عزّ وجلّ: (اللّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَما تَغيضُ الأَرْحامُ وَ ما تَزداد)(الرعد/8). قال «الغيض»: كل حمل دون تسعة أشهر، و(ما تزداد) كلّ شيء يزداد على تسعة أشهر، وكلّما رأت المرأة الدم الخالص في حملها فانّها تزداد بعدد الأيّام الّتي زاد فيها في حملها من الدم.3
الرواية مرسلة أوّلاً، غير دالّة على المطلوب (السنة) ثانياً، وقد فسّر الغيض والزيادة الواردين في الآية بوجه آخر، ثالثاً.4
3ـ المرسل المنقول من نوادر المعجزات للراوندي عن سيّدة النساء فاطمة (عليها السلام) ، أنّها ولدت الحسين (عليه السلام) عند تمام سنة من حملها به، وهو معارض بغيره.5
وأمّا الثاني أي غير الصريح القابل للحمل وهو صحيح عبد الرحمان بن الحجاج قال: سمعت أبا إبراهيم (عليه السلام) يقول: إذا طلق الرجل امرأته فادّعت حبلاً انتظر بها تسعة أشهر، فإن ولدت وإلاّ اعتدت بثلاثة أشهر ثمّ قد بانت منه.6

1 . الوسائل: الجزء15، الباب 17 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث 15.
2 . الفيض: الوافي: الجزء 23، باب ما إذا تعّدد صاحب الفراش وأدنى حد الحمل وأقصاه، الحديث8.
3 . نور الثقلين:2/485.
4 . الوسائل:15، الباب 17 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث 6.
5 . النوري: المستدرك: 15، الباب 12 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث 3.
6 . الوسائل: 15، الباب 25 من أبواب العدد، الحديث 1.

صفحه 318
وجه الاستدلال انّه (عليه السلام) لم يرخص لها في التزويج إلاّ بعد مضيّ التسعة والثلاثة الأشهر، التي بعدها، الذي مجموعه سنة فهو يدلّ على أنّ أقصى مدّة الحمل سنة إذ لو كان ذلك تسعة أشهر لجوّز لها النكاح بعدد التسعة.
و بذلك تظهر كيفية الاستدلال بروايات أربع لمحمّد بن حكيم الممدوح1 ولكن الدقة في الصحيح وفي ما رواه ابن حكيم، انّ مضي التسعة الأشهر وإن كشف عن براءة الرحم وكذب ادّعائها، ومع ذلك كلّه أوجب عليها الاعتداد، ثلاثة أشهر تعبّداً لحكمة، غير معلومة لنا ، لا انّها جزء من مدّة الحمل. وفي نفس الروايات التي رواها ابن حكيم، دلالة على ما ذكرنا قال: قلت له رجل طلق امرأته فلما مضت ثلاثة أشهر ادّعت حبلاً قال: يُنتظر بها تسعة أشهر، قال قلت: فانّها ادّعت بعد ذلك حبلاً؟ قال: هيهات هيهات إنّما يرتفع الطمث في ضربين... فلو كان أقصى الحمل هو السنة، لما كان مكان لقوله: هيهات هيهات. ولا مانع من إلزامها بالعدة بعد انقضاء أقصى الحمل، تأديباً لها، حيث ادّعت الحبل، مع كون الادّعاء على خلاف الواقع.
وأمّا ما دلّ على كون الأقصى هو تسعة أشهر، وإن كان ضعيف السند2 لكنّه منجبر بعمل المشهور، وكونه هو الغالب، والنادر كالمعدوم، أضف إلى ما ذكرنا ما استظهرناه من صحيح عبد الرحمان بن الحجاج وما رواه محمد بن حكيم من الروايات الأربع حيث عرفت انّها ناظرة إلى انّ أقصى الحمل هو التسعة أشهر، والثلاثة الأخيرة، عدّة تعبداً لحكمة لا يحيط بها إلاّ اللّه.

1 . الوسائل: 15 ، الباب 25 من أبواب العدد، الحديث 2، 3، 4، 5.
2 . الوسائل: 15، الباب 17 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث 2و3.

صفحه 319

فروع

الأوّل: لو دخل بزوجته وجاءت بولد لأقلّ من ستة أشهر وهو حيّ كامل فالشيخان على أنّه بالخيار إن شاء أقرّ به وإن شاء نفاه عنه.
و إليك نصّهما: قال المفيد : وإن ولدته حيّاً تامّاً لأقل من ستة أشهر من يوم لامسها فليس يولد له في حكم العادة وهو بالخيار إن أقرّ به و إن شاء نفاه عنه ، غير انّه إن نفاه فخاصمته المرأة وادّعت انّه منه واختلفا في زمان الحمل كان عليه ملاعنتها.1 وقال الشيخ : فإن جاءت به لأقل من ستة أشهر حيّاً سليماً جاز له نفيه من نفسه، وكذلك إن جاءت بالولد لأكثر من تسعة أشهر، كان له نفيه إلاّ أنّه متى نفاه، ورافعته المرأة إلى الحاكم كان عليه ملاعنتها.2
و ذهب الباقون من الأصحاب إلى لزوم النفي، لأنّ سكوته عن نفيه يوجب لحاقه به واعترافه بنسبه وهو حرام ويدلّ عليه مضافاً إلى ما عرفت: خبر أبان بن تغلب سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن رجل تزوج امرأة فلم تلبث بعد ما اهديت إليه، إلاّ أربعة أشهر حتى ولدت جارية فأنكر ولدها وزعمت هي انّها حبلت منه، فقال: لا يقبل ذلك منها وإن ترافعا إلى السلطان تلاعنا وفُرِّق بينهما ولم تحل له أبداً».3

1 . المفيد: المقنعة، باب لحوق الأولاد:538.
2 . الطوسي: النهاية:505.
3 . الوسائل: 15، الباب 17 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث 10 وفي السند أبو جميلة وهو المفضل بن صالح الأسدي النخاس الضعيف.

صفحه 320
و منه يعلم حكم ما إذا ولدت الزوجة بعد أقصى زمان الحمل من حين الوطء فإنّ على الزوج نفيه على ما مرّ ويدلّ عليه خبر إسماعيل بن مرار عن يونس.1
الثاني: لو زنت المرأة على فراش زوجها كان الولد ملحقاً بالزوج لا ينتفى منه إلاّ باللعان للخبر المستفيض عنه(صلى الله عليه وآله وسلم) : «الولد للفراش وللعاهر الحجر»، وقد استدل به الإمام على ما في موثق سعيد الأعرج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن رجلين وقعا على جارية في طهر واحد. لمن يكون الولد؟ قال: «للذي عنده لقول رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): الولد للفراش وللعاهر الحجر».2
فإذا كان هذا حال الفجور، فأولى منه اتهامها به.
نعم لو لامسها غير الزوج أيضاً عن شبهة على وجه يمكن تولده منهما فانّه يقرع بينهما، ويلحق بمن تقع القرعة عليه لانّها حينئذ فراش لهما، نعم لو أمكن لأحدهما دون الآخر تعيّن له.
الثالث: إذا تنازع الزوجان فله صور:
1ـ إذا اختلفا في الدخول وعدمه فادّعته المرأة ليلحق به الولد، وأنكره الزوج.
2ـ إذا اتّفقا على الدخول، ولكن أنكر الزوج الولادة وادّعى أنّها أتت به من خارج.
3ـ ولو اتّفقا على الدخول والولادة واختلفا في المدّة فادّعى الزوج ولادته لدون ستة أشهر وادّعت الزوجة ولادتها بعد ستة أشهر.

1 . الوسائل: 15، الباب 10 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث 1 وهو موقوف.
2 . الوسائل: 14، الباب 58 من أبواب نكاح العبيد، الحديث 4.

صفحه 321
4ـ تلك الصورة لكن ادّعى الزوج ولادته لأزيد من أقصى الحمل وادّعت الزوجة ولادته قبل مضيّ أقصاه.
وأمّا أحكام الصور فهناك وجهان:
أ: انّ الميزان في تمييز المدّعي عن المنكر، هو الموافقة مع الأصل العملي الموجود في المقام والمخالفة معه. وعليه، فالقول قوله في الثلاثة الأُول حيث إنّ الزوجة تدّعي الدخول أو الولادة منها، أو تقدّم الدخول، وهو ينكرها والأصل عدمها كما أنّ القول قولها في الرابعة، حيث إنّ الزوج يدّعي تقدم الدخول حتى تكون الولادة بعد مضيّ أكثر المدة، وهي تنكره.
ب: انّ المرجع في التمييز إنّما هو قاعدة الولد للفراش وللعاهر الحجر، ففي الصور الثلاث الأخيرة، القول قولها للقاعدة ويكون الرجل مدّعياً. وأمّا الصورة الأُولى، فبما انّهما لم يتفقا على الوطء لم يثبت الفراش فتكون هي المدّعية دون الرجل.
نعم لا يُحسم النزاع على القولين إلاّ باليمين ، وتوهّم انّ تقديم قولها في الوجه الثاني ليس لإنكارها حتى تتوجه عليها اليمين بل لتغليب جانب الفراش المستدل عليه بالعموم المتقدّم وليس فيه اعتبار اليمين غير تام، لأنّ القاعدة صارت رصيداً لتمييز المنكر عن المدعي، ومعه كيف لا تجب عليها اليمين بمجرّد انّ تقديم قولها لأجل تغلّب جانب الفراش.
الرابع: لو طلّقها فاعتدّت ـ ولم تتزوج ـ ولكن جاءت بولد ما بين الوطء الذي لحقه الفراق إلى أقصى مدّة الحمل، يلحق بالزوج لإمكان اللحوق، فتكون القاعدة محكمة إلاّ إذا علم الانتفاء، كما لو كان بأقل من ستة أشهر، أو بأزيد من الأقصى من زمان الاتّفاق على الوطء.

صفحه 322
الخامس: لو طلّقها فاعتدّت وتزوجت ثمّ أتت بولد لم يمكن لحوقه بالثاني وأمكن لحوقه بالأوّل كما إذا أتت بولد سويّ لدون ستة أشهر، من وطء الثاني ودون أقصى الحمل من وطء الأوّل فيلحق بالأوّل وإن لم يمكن لحوقه بالأوّل وأمكن لحوقه بالثاني كما إذا أتت بولد فوق أقصى مدّة الحمل من وطء الأوّل ولستة أشهرأو أكثر قبل انقضاء أقصى الحمل من وطء الثاني فيلحق بالثاني وإن أمكن لحوقه بكليهما كما إذا أتت بولد سويّ قبل مضي الأقصى من وطء الأوّل ولستة أشهر، من وطء الثاني فهل تقدم قاعدة الفراش، من غير فرق بين العقد عليها أو وطأها شبهة، أو يقرع؟ والأوّل هو المتعيّن لروايات متضافرة.1
السادس: لو زنى بامرأة فاحبلها ثمّ تزوج بها وكذا لو زنى بأمة فحملت ثمّ ابتاعها. فلا يلحق بالزاني لأنّ تجدد الفراش لا يقتضي إلحاق المحكوم بانتفائه مضافاً إلى خبر علي بن مهزيار.2
السابع: قد عقد المحقق تبعاً لسائر الفقهاء فصلاً لبيان أحكام ولد الموطوءة بالملك ، وبسط الكلام فيها الفقيهان الجليلان: البحراني، والنجفي في موسوعتيهما: الحدائق والجواهر، فقد أغنانا الكلام فيها عدم الابتلاء بها في هذهالأيّام، فلنعطف عنان الكلام إلى البحث عن أحكام ولد الموطوءة بالشبهة.
***

في أحكام ولد الشبهة

قد أشبعنا الكلام في مفهوم الوطء بالشبهة عند البحث عن نشر الحرمة

1 . الوسائل: 14، الباب 58 من أبواب نكاح العبيد والإماء.
2 . الوسائل: 15، الباب 101 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث 1.

صفحه 323
بالمصاهرة من أسباب التحريم ونركّز البحث في المقام على لحوق ولد الشبهة بالواطئ كما في النكاح الصحيح قال الشهيد الثاني: لا خلاف في أنّ وطأ الشبهة كالصحيح في لحوق النسب1 وعلى ذلك لو اشتبهت عليه أجنبيّة فظنها زوجته فوطأها يلحق به إجماعاً. ولجملة من الأخبار المبثوثة في أبواب مختلفة منها موثق زرارة، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : فإن تزوج امرأة ، ثمّ تزوج أُمّها وهو لا يعلم أنّها أُمّها قال: «قد وضع اللّه عنه جهالته بذلك» ثمّ قال: إن علم أنّها أُمّها فلا يقربها، ولا يقرب الابنة حتى تنقضي عدّة الأُمّ، فإذا انقضت عدّة الأُمّ حلّ له نكاح الابنة . قلت: فإن جاءت الأُمّ بولد؟ قال: «هو ولده ويكون ابنه وأخا امرأته»2 وبالجملة ينزل فراش المشتبه منزلة الفراش الصحيح هذا كلّه إذا كان الاشتباه بالنسبة إلى الرجل، وأمّا إذا كان الاشتباه بالنسبة إلى الامرأة فظاهر الحال وإطلاق قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): الولد للفراش وللعاهر الحجر، انّها تختص بالولد.
و يترتب على ذلك انّه لو تزوج امرأة بظنّ أنّها لا زوج لها بموت أو طلاق، فظهر أنّه لم يمت أو لم يطلّق فإنّها تردّ على الأوّل بعد الاعتداد من الثاني، وما أتت من الأولاد بعد تزويج الثاني، يلحق به لا بالمرأة لعلمها بالخلاف.
لا كلام في أنّه يلحق بالثاني ، إذا كان التزويج بحكم الحاكم، أو شهادة الشاهدين فانّه يكون مسوغاً للوطء وموجباً للحوق الأولاد إنّما الكلام إذا تزوج اعتماداً على قول من لا يثبت به الموضوع كإخبار مخبر فإن ظن جواز التعويل عليه شرعاً جهلاً منهما بالحكم الشرعي على نحو يكون محقّقاً للشبهة وإلاّ كان زناً فلا مهر ولا يلحق الولد بالواطئ.

1 . زين الدين العاملي: المسالك: 8/392.
2 . الوسائل:14، الباب 26 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة ، الحديث 1و لاحظ الجزء 14، الباب 67 من أبواب نكاح العبيد والإماء، والباب 7 من أبواب العيوب والتدليس، والباب 7 من أبواب عقد النكاح.

صفحه 324

من حقوق الولد

الرضاع، والحضانة

قد استوفينا الكلام في الرضاع وشروطه وحدوده عند البحث فيما يحرم بالمصاهرة ، وإنّما نخصّ المقام بالبحث عمّا يرجع إلى الولد من حيث كونه حقّاً ونقدّم البحث عن الرضاع على الحضانة ونستوفي الكلام في ضمن فروع:

الأوّل: لا يجب على الأُمّ الإرضاع

المشهور عند الأصحاب انّه ليس للرجل إجبار زوجته على الرضاع. قال الشيخ: ليس للرجل أن يجبر زوجته على الرضاع لولدها منه شريفة كانت أو مشروفة، مؤسرة كانت أو معسرة، دنية كانت أو نبيلة وبه قال أبوحنيفة والشافعي، وقال مالك : له إجبارها إذا كانت معسرة دنية، وليس له ذلك إذا كانت شريفة موسرة. وقال أبو ثور: له إجبارها بكلّ حال لقوله تعالى: (وَ الوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَولادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ)وهذا خبر معناه الأمر ، فإذا ثبت وجوبه عليها ثبت انّه يملك إجبارها عليه، لأنّه إجبار على الواجب. دليلنا انّ الأصل براءة الذمة، والإجبار يحتاج إلى دليل، والآية محمولة على الاستحباب، وعليه إجماع الفرقة، وأخبارهم تشهد بذلك.
يلاحظ على الاستدلال بالآية على الوجوب، انّها بصدد بيان مدّة الرضاع وانّها حولان كاملان وليست بصدد بيان وجوب الرضاع فيها وإلاّ لخالف الصدر مع قوله: (لمن أراد أن يتم الرضاعة) الظاهر انّه يجوز لها إتمام الحولين وعدمه.

صفحه 325
اتّفقوا على عدم وجوب الرضاع على الأُمّ مستدلين بقوله سبحانه:(اسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَ لا تُضارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَ إِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْل فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَ آتُوهُنَّ وأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوف وَ إِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرضِعُ لَهُ أُخْرى)(الطلاق/6)
وجه الاستدلال انّه لو كان الرضاع عليها واجباً لما حسن أن يقال: (فإن أرضعن لكم) .
يلاحظ عليه: أنّ مورد الآية هو المطلقات وإسراء الحكم منها إلى غيرها ، قياس مع الفارق، وتصوّر انّ المراد منها الرجعيات، والرجعية بحكم الزوجة فيثبت الحكم في غير المطلّقات، كما ترى لانّه أيضاً لا يعدو من اسراء الحكم عن الرجعية التي لا تزال في حال الانحلال من الزوجية ، إلى الزوجة وهو قياس مع الفارق.
واستدل في الجواهر بقوله سبحانه:(لا تُضارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ)(البقرة/233) لشمولها لإضرارها بالإجبار على إرضاعه.
يلاحظ عليه: أنّ الآية فسّرت بوجوه مختلفة مذكورة في التفاسير1 يشكل الإذعان بشمولها للمورد.
والأولى الاستدلال بالسنة، روى سليمان بن داود المنقري قال : سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن الرضاع فقال: «لا تُجبرُ الحرّة على رضاع الولد و تجبر أُمّ الولد».2
نعم لا يجب عليها الإرضاع بما هي أُمّ وذلك لا ينافي وجوبه عليها بعنوان ثانوي، كما إذا لم يكن له أب أو كان ولم يكن له مال، وعدم وجود متبرع للاجرة، أو عدم مال للولد، وعندئذ يجب ذلك عليها كما يجب عليها الانفاق عليه إذا كان

1 . الطبرسي: 1/335، ط صيدا.
2 . الوسائل:15، الباب 68 من أحكام الأولاد، الحديث 1.

صفحه 326
الأب معسراً أو مفقوداً.
وأمّا اللبا، وهو أوّل ما يُحلَب مطلقاً أو إلى ثلاثة أيّام فإن قلنا بالقول الضعيف بأنّ الولد، لا يعيش بدونه فيجب عليها، ولكن الوجوب لا ينافي أخذ الأُجرة فإنّ مالك الطعام يلزمه الانفاق للمضطر، ولا ينافي لزوم دفع العوض، وقد أوضحنا حال ذلك في مبحث أخذ الأُجرة على الواجبات فلاحظ.1

الثاني: في جواز استئجار الأُمّ للرضاع

قد عرفت عدم وجوب الرضاع على الأُمّ، إنّما الكلام في أنّه هل يجوز استئجار الأُمّ على الرضاع مطلقاً، كانت في حباله أو لا، فلأنّ منافعها مملوكة لها ولا تعلّق للأب بها، أمّا الأوّل فقد منعه الشيخ قائلاً بأنّ زوجها قد ملك الاستمتاع بها في كلّ ذلك إلاّ ما استثنى من أوقات الصلاة والصيام، فما عقدت عليه من المنافع لا يقدر على إيفائه فيكون العقد باطلاً كما لو آجر نفسه شهراً ثمّ آجرها ذلك الشهر بغير المستأجر.2
يلاحظ عليه: أنّ حقّ الاستمتاع قابل للإسقاط، والعقد على الرضاع، قرينة على أنّه أسقط حقّه في الفترة الخاصة بالرضاع.
إذا استأجرها فهل هي تقوم بالرضاع بنفسها أو يجوز لها استئجار مرضعة له. والجواب متوقف على كيفية الاستئجار فإن تعلقت على تحصيل الرضاع كيف اتّفق، بها أو بغيرها فيجوز لها استئجار غيرها وإلاّ فلا ولو كانت مطلقة فهي منصرفة إلى القيام به بنفسها.

1 . لاحظ: المواهب في تحرير أحكام المكاسب: 711ـ720.
2 . المبسوط:6/37.

صفحه 327

الثالث: الرضاع بلا استئجار

وهل تستحق الأُجرة إذا أرضعته بنفسها أو بغيرها وإن لم يقع عقد بينها وبين الأب، مقتضى القاعدة الاستحقاق إذا قامت بالرضاع بنيّة أخذ الأُجرة، لا مع قصد التبرع وعلى ذلك يحمل صحيح عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)في رجل مات وترك امرأة ومعها منه ولد، فألقته على خادمة لها فأرضعته ثمّ جاءت تطلب رضاع الغلام من الوصي فقال: لها أجر مثلها وليس للوصي أن يُخرجه من حجرها حتى يدرك ويدفع إليه ماله.1 والأخذ بإطلاق الرواية مع نيّة التبرع أمر مشكل هذا حسب الثبوت وأمّا الإثبات فتجب الأُجرة إلاّ إذا ثبت التبرع بالإقرار أو بالبيّنة.

الرابع: الأُجرة على الأب والولد

إذا كان الولد ذا مال، فالنفقة على نفسه، كان الأب حيّاً أو ميّتاً، نعم لو كان فقيراً وكان الأب موسراً فعليه الأُجرة وإلاّ فعلى الأُم إرضاعه وما دلّ2 على أنّ الأُجرة على الولد إذاكان ذامال وإن كان موردها فيما إذا مات الأب لكن الحكم يعمّ حياة الأب أيضاً لأنّ لزوم الانفاق فرع الفقر والحاجة، وإذا كان غنياً ذا مال فلا يجب على الأب بل يتعيّن الإنفاق من ماله، نعم نقل في الجواهر عن بعضهم3 وجوب ذلك على الأب وإن كان الولد ذامال مستنداً بإطلاق قوله سبحانه: (وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ)(البقرة/233) ولكن الآية منزّلة على الغالب من عدم مال للولد.

1 . الوسائل:15، الباب 71 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث 1.
2 . المصدر نفسه ، لاحظ جميع روايات الباب.
3 . الجواهر: 31/274.

صفحه 328

الخامس: نهاية الرضاع حولان

الرضاع حولين كاملين من حقوق الولد قال سبحانه:(وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَولادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَة)(البقرة/233) وإنّما يتصوّر ذلك إذا كان الوضع لأقلّ الحمل كما في قوله سبحانه:(وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً)(الأحقاف/15) فإذا كان الفصال ثلاثين شهراً يبقى للحمل أقلّ مدّته وهي ستة أشهر ويكون الفرض الرضاع حولين وأمّا إذا كان الوضع لتسعة أشهر التي هي الغالب يكون الفرض أحد وعشرون شهراً روى سماعة :«الرضاع واحد وعشرون شهراً فما نقص فهو جور على الصبيّ»1 وفي خبر عبد الوهاب بن الصباح: و الفرض في الرضاع أحد وعشرون شهراً فما نقص عن أحد وعشرين شهراً فقد نقص المرضع وإن أراد أن يتمّ الرضاعة فحولين كاملين.2
فقد خرجنا بهذه النتيجة انّ الفرض يختلف حسب اختلاف وضع الحمل في أقلّ مدّته وأكثره ومع ذلك، يجوز الرضاع إلى حولين كاملين مطلقاً غير انّ الثلاثة جزء من الفرض في الأوّل دون الثاني وقد نقل عن ابن عبّاس انّ من ولد لستة أشهر ففصاله في عامين ومن ولد لسبعة فمدّة رضاعه ثلاثة وعشرون شهراً ومن ولد لتسعة فمدّة رضاعه هو أحد وعشرون.3
نعم استثنى المحقّق وغيره شهراً أو شهرين، باعتبار صعوبة فصال الطفل دفعة واحدة على وجه يخشى عليه التلف لشدّة تعلّقه به.4ويؤيّده صحيح سعد ابن سعد الأشعري5 لكن لا يجب عليه بذل الأُجرة لإمكان أن تتخذ الأُم أُسلوباً

1 . الوسائل:15، الباب 70 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث 5، 2.
2 . الوسائل:15، الباب 70 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث 5، 2.
3 . البحراني: الحدائق:25/80.
4 . الجواهر: 31/278.
5 . الوسائل:15، الباب 70 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث 4.

صفحه 329
في الفطام حتى لا يصعب عليه الفصل على رأس الحولين فلو لم تتخذ واحتاج إليه الولد لشدّة التعلّق، أو احتاج إليه لمرض ونحوه بحيث لا يمكن تغذيته بغير اللبن وجب على الأُمّ الرضاع فهل تستحق النفقة أو لا؟ أو التفصيل بين تقصير الأُمّ في اتخاذ الأُسلوب السهل ومرض الولد غير المترقب وجوه.
وفي غير واحد من الروايات على أنّه لا يجوز لها أخذ الأُجرة على أكثر من حولين وهي بين صحيح وحسن فلاحظ.1

السادس: الأُمّ أحقّ بالرضاع من غيرها

اتّفقت كلمتهم على أنّ الأُمّ أحقّ بإرضاعه من غيرها وبه فسّر قوله سبحانه:(لا تُضارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها) فإن لم ترض بالرضاع إلاّ بالأُجرة فإن لم يجد الأب من هي أرخص أجراً منها، فهي أحقّ بها، وإلاّ فيدفع إلى من هو أرخص أجراً. ففي خبر البقباق قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : الرجل أحقّ بولده أم المرأة؟ قال: لا بل الرجل فإن قالت المرأة لزوجها الذي طلّقها: أنا أرضع ابني بمثل ما تجد من يرضعه فهي أحقّ به.2
فلو تبرعت أجنبية بإرضاعه فرضيت الأُمّ بالتبرع فهي أحقّ به، وإن لم ترض فللأب تسليمه إلى المتبرعة ويمكن أن يستدل عليه بقوله:(...وَ لا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ)(البقرة/233)، وقوله: (وَ إِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرضِعُ لَهُ أُخْرى)(الطلاق/6).

1 . الوسائل:15، الباب 70 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث 3، 4، 7.
2 . الوسائل: 15، الباب 81 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث 3.

صفحه 330

الحضانة

الحضانة مأخوذة من «حضن الطائر بيضَه» : إذا ضمّه تحت طائره، وكأنّ الأب أو الأُمّ يضمّ الولد إلى نفسه ليحفظه ويصونه، وعرّفها في المسالك بقوله:«ولاية على الطفل والمجنون لفائدة تربيته، وما يتعلّق بها من مصلحته من حفظه، وجعله في سريره وكحله، ودُهنه ، وتنظيفه وغسل خرقه وثيابه ونحو ذلكوهي بالأُنثى أليق منها بالرجل لمزيد شفقتها وخلقها أسعد لذلك بالأصل».1
و الظاهر انّ الحضانة من مقولة الحقّ للأُمّ أو الأب لأنّها وإن كانت تبعث الأُمّ ثمّ الأب إلى القيام بأعمال وتكاليف شاقة لكنّها مقترنة بالفرح والسرور بحضور الولد عنده وبذلك اعتبر حقاً لهما ولو أغمضا عن ذلك، فذو الحقّ هو الولد، وكلّ من الأُمّ والأب من عليه الحقّ نعم هو حقّ قابل للاسقاط، إذا قام الآخر بالحضانة ولا يجوز لهما الاسقاط معاً ولأجل ذلك قال الشهيد في قواعده:«لو امتنعت الأُمّ من الحضانة صار الأب أولى، ولو امتنعا فالظاهر إجبار الأب...2 ويتمّ بيان المسائل في ضمن فروع:

الأوّل: الأُمّ أحقّ بالحضانة مدّة الرضاع

المشهور أنّ الأُمّ أحقّ بالولد ذكراً كان أو أُنثى مدّة الرضاع وهما حولان.

1 . زين الدين العاملي: المسالك: 8/421.
2 . الشهيد: القواعد والفوائد: 1/396، تحقيق الدكتور عبد الهادي الحكيم .

صفحه 331
قال الشيخ : إذا بانت المرأة من الرجل ولها ولد منه، فإن كان طفلاً لا يُميِّز فهي أحقّ به بلا خلاف.1 وبه فسر قوله سبحانه:(لا تُضارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها)(البقرة/233) ويدل عليه النصوص2 بالخصوص، نعم خالف ابن فهد وادعى الإجماع أيضاً على اشتراك الحضانة بين الأبوين مدّة الحولين حيث قال: وقع الإجماع على اشتراك الحضانة بين الأبوين، مدّة الحولين وعلى سقوطها ب3عد البلوغ وتدلّ عليه رواية داود بن الحصين4 لكنّها لا تقاوم النصوص الدالة على أحقّية الأُمّ ، مدّة الرضاع إذا تبرعت أو رضيت بما رضى به غيرها.
هذا بالنسبة إلى الحولين وأمّا بعدهما فهناك أقوال:
1ـ ما اختاره الشيخ في النهاية5، وابن البراج في المهذّب6 وابن إدريس في السرائر7 والمحقّق في الشرائع 8 وإليك نصّ الأخير:«فإذا فصل فالوالد أحقّ بالذكر، والأُمّ أحقّ بالأُنثى حتى تبلغ سبع سنين...».
2ـ ما ذهب إليه المفيد في المقنعة، ونسب إلى تلميذه سلار في المراسم من أنّ الأُمّ أحقّ بالذكر مدّة الحولين وبالأُنثى إلى تسع سنين وإليك نصّهما: قال المفيد:« وإذا فصل الصبي من الرضاع كان الأب أحقّ بكفالته من الأُمّ، والأُمّ

1 . الطوسي: الخلاف:3/82.
2 . الوسائل:15، الباب 81 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث 2، 3، 5 وسيوافيك متون بعضها.
3 . ابن فهد: المهذّب:الباب3.
4 . الوسائل: 15، الباب 81 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث 1.
5 . الطوسي: النهاية:503ـ504.
6 . ابن البراج: المهذّب:2/262.
7 . ابن إدريس: السرائر:2/651.
8 . نجم الدين: الشرائع:4/567.

صفحه 332
أحقّ بكفالة البنت حتّى تبلغ تسع سنين، إلاّ أن تتزوج، فإن تزوجت كان الأب أحقّ بكفالة البنت حينئذ».1
3ـ ما اختاره الصدوق في المقنع وقال: إنّ الأُمّ أحقّ بالولد مالم تتزوج.2
4ـ ما نسب إلى ابن الجنيد3 واختاره في الخلاف من أنّ الأُمّ أحقّ بالبنت مالم تتزوج وبالصبي إلى سبع سنين وإليك نصّ الخلاف: «إذا بانت المرأة من الرجل ولها ولد منه ، فإن كان طفلاً لا يميّز فهي أحقّ به بلا خلاف، وإن كان طفلاً يميّز وهو إذا بلغ سبع سنين أو ثمان سنين فما فوقها إلى حدّ البلوغ فإن كان ذكراً فالأب أحقّ، وإن كان أُنثى فالأُمّ أحقّ بها مالم تتزوج، فإن تزوجت فالأب أحقّ بها ووافقنا أبوحنيفة وأصحابه في الجارية، وقال في الغلام: الأُمّ أحقّ به حتى يبلغ حدّاً يأكل ويشرب ويلبس بنفسه فيكون أبوه أحقّ به وقال الشافعي: يُخيَّر بين أبويه، فإذا اختار أحدهما سلِّم إليه وبه قال علي (عليه السلام) وعمر وأبوهريرة، وقال مالك : إن كانت جارية فالأُمّ أحقّ بها حتى تبلغ وتزوج، ويدخل بها الزوج، وإن كان غلاماً فأُمّه أحقّ به حتى يبلغ. دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم4 إذا وقفت على آراء الفريقين في المسألة، فلندرس دليلها:

دليل القول الأوّل

هذا القول هو المشهور أو الأشهر بين الأصحاب ولم يرد نصّ صريح فيه، وإنّما هو نتيجة الجمع بين مادلّ على أنّ الأُمّ أحقّ بالولد مدّة الحولين فانّ مفهومها

1 . المفيد: المقنعة:531 ولم نعثر على ما نسب إلى تلميذه في المراسم.
2 . الصدوق: المقنع: 360، تحقيق مؤسسة الإمام الهادي (عليه السلام) .
3 . العلاّمة: المختلف: 7/306، تحقيق مركز الأبحاث والدراسات الإسلامية.
4 . الطوسي: الخلاف: 3، كتاب النفقات، المسألة 36، لاحظ ما علقه ابن إدريس في السرائر على هذا الموضع من كلام الشيخ:2/653.

صفحه 333
بل صريح بعضها انّه بعد الحولين تصير الحضانة للأب، وما دلّ على أنّ المرأة أحقّ بالولد إلى أن يبلغ سبع سنين،بحمله على الأُنثى أو تخصيص المفهوم به، توضيحه:
انّ رواية الكناني1 وداود بن الحصين2 دلاّ على انّ الولد إذا فطم فالأب أحقّ به من الأُمّ. وهو يعم الذكر والأُنثى، غير انّ خبري أيوب بن نوح دلاّ على أنّ الأُمّ أحقّ بالولد إلى أن يبلغ سبع سنين، قال: كتب إليه بعض أصحابه: كانت لي امرأة ولي منها ولد وخلّيتُ سبيلها. فكتب (عليه السلام) : المرأة أحقّ بالولد إلى أن يبلغ سبع سنين إلاّ أن تشاء المرأة3 فحملا على الأُنثى جمعاً بينهما، مضافاً إلى انّه يؤيّد الاعتبار إذ الوالد أنسب بتربية الذكر وتأديبه، كما انّ الوالدة أنسب بتربية الأُنثى وتأديبها.
هذا ولكن الاعتبار يقتضي بقاء الحضانة للأُمّ في الذكر والأُنثى لأنّ الولد في السنين الأُولى، أحوج إلى الأُمّ من الأب والعمدة هو النصّ لو تمّ الجمع.
وأمّا القول الثاني: فالحكم في الذكر ظاهر وأمّا الأُنثى وانّها تبقى في حضانة الأُمّ إلى تسع سنين فلم نقف فيه على نصّ ومن البعيد أن يعتمد المفيد على الاعتبار الّذي ذكره صاحب الجواهر من انّها لما كانت مستورة ولابدّ للأب من التبرج كثيراً لم يكن بد من ولي يربيها إلى البلوغ وحدّه تسع سنين.
وأمّا القول الثالث: فتدلّ عليه مرسلة المنقري عمّن ذكره قال: سئل أبو عبد اللّه عن الرجل يطلق امرأته وبينهما ولد أيّهما أحقّ بالولد؟ قال: المرأة أحقّ بالولد، مالم تتزوج4 وحمله الشيخ على انّ المراد بالولد هو الأُنثى.

1 . الوسائل: 15، الباب 81 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث 1، 2، 6 ولاحظ الحديث7.
2 . الوسائل: 15، الباب 81 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث 1، 2، 6 ولاحظ الحديث7.
3 . الوسائل: 15، الباب 81 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث 1، 2، 6 ولاحظ الحديث7.
4 . الوسائل: 15، الباب 81 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث 4، ورواه المنقري أيضاً عن حفص ابن غياث لاحظ كلام صاحب الوسائل في ذيل الحديث وليس حديثاً ثانياً.

صفحه 334
و أمّا القول الرابع: أمّا في جانب الأُنثى فتدل عليه رواية المنقري كما عرفت، إنّما الكلام في الذكر حيث ذهب القائل إلى الحضانة للأُمّ إلى سبع أو ثمان سنين، فقد ادّعى الشيخ عليه الإجماع وورود الروايات وأنكره ابن إدريس في السرائر وقال: ما ذكره شيخنا في مسائل خلافه، بعضه قول بعض المخالفين وما اخترناه هو الصحيح لانّه لا خلاف في أنّ الأب أحقّ بالولد في جميع الأحوال وهو الوالي عليه والقيّم بأُموره فأخرجنا بالإجماع الحولين في الذكر وفي الأُنثى السبع، فمن ادعى أكثر من ذلك، يحتاج فيه إلى دليل قاطع وهو مذهب شيخنا في نهايته.1
إلى هنا تمّت دراسة الأقوال، وهناك قول خامس لصاحب الحدائق فانّه بعد ان ذكر أدلّة الأقوال، اختار قولاً آخر وحاصله: أنّه إن وقع التشاجر والنزاع بين الأبوين في الحضانة فالظاهر انّ الأب أحقّ به إلاّ في مدّة الحولين إذا رضيت بما ترضى به غيرها أو تبرعت فانّها تصير حينئذ أحقّ، وإن لم يكن هناك تنازع بينهما فالأُمّ أحقّ به إلى السبع ما لم تتزوج وعلى ذلك يحمل ما دلّ على سبع على عمومه2 وأيّد رأيه بما دلّ على أنّ الصبي يربّى سبعاً أو يلعب سبعاً ثمّ قال: «إنّ السبع التي هي مدّة التربية واللعب إنّما يكون عند الأُمّ لأنّها المربية»3 وما ذكره وإن كان موافقاً للاعتبار، لكنّه لا يلائم ما ورد من كون الأب أحقّ بالولد بعد الفطام من غير فرق بين وجود النزاع وعدمه.4

الثاني: في أنّه تسقط الحضانة عند تزوج الأُمّ

ذكر الأصحاب بأنّه ثبتت الحضانة للأُمّ بشروط وهي: أن تكون مسلمة،

1 . ابن إدريس: 2/653 ولكلامه ذيل تركنا نقله صيانة لمقام الشيخ الطوسي.
2 . يريد روايتي أيوب بن نوح المذكورة في الباب 81 من أبواب أحكام الأولاد برقم 6و7.
3 . البحراني: الحدائق:25/90.
4 . الوسائل: 15، الباب 81، الحديث 1، 2، 3.

صفحه 335
عاقلة، وفارغة من حقوق الزوج فلو تزوجت سقط حقّها في الحضانة.
و الشرط الثالث منصوص ـ كما عرفت وأمّا الثاني فلا حضانة للمجنون لانّه يحتاج إلى الحضانة وأمّا الأوّل فلو قلنا بأنّها ولاية فلا ولاية للكافر أو كان هناك خوف من التفتين عن دينه فهو، وإلاّ فالإطلاق محكم ولا وجه للانصراف ومصلحة حياة الولد، أولى بالرعاية.
إذا طلّقها زوجها، هل يعود حقّها من الحضانة؟ قال الشيخ في الخلاف بالعود وحكاه عن أبي حنيفة والشافعي، وقال مالك لا يعود لأنّ النكاح أبطلها. استدل الشيخ بأنّ النبيّ علق بطلان حقّها بالتزويج فإذا زال التزويج فالحقّ باق على ما كان1 ثمّ صرّح في مسألة أُخرى بأنّه إنّما يعود إذا كان الطلاق بايناً لا رجعيّاً، لأنّ الرجعيّة بمنزلة الزوجة2 واختار في الجواهر عدم عودها قائلاً بظهور الدليل في سقوط أحقّيتها بأصل وقوع النكاح منها وهو متحقّق منها وإن طلقت، فتأمل واللّه العالم.3و الحكم مبنيّ على أنّ المرجع هل هو استصحاب حكم المخصص، أو حكم العام. وقد أوضحنا حاله في بحوثنا الأُصولية.4

الثالث: إذا مات الأب

لو مات الأب وقد صارت الحضانة له بأن كان الولد أكبر من سنتين، والبنت أكبر من سبع قال المحقّق: كانت الأُمّ أحقّ بهما من الوصيّ المنصوب من قبل الأب وغيره، وجهه أنّ ظاهر الآية5 والنصوص6 في كون الحقّ لهما دون

1 . الطوسي: الخلاف:3/83، المسألة 39 من مسائل النفقات.
2 . المصدر نفسه، المسألة 40.
3 . الجواهر:31/295.
4 . المحصول:4/211.
5 . البقرة/233: (لاتضارّ والدة بولدها ولا مولود له بولده) .
6 . الوسائل: الباب 71 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث 1، والباب 81.

صفحه 336
غيرهما، غير أنّه مع وجودهما كان الحكم على التفصيل الذي سمعت وأمّا مع موت أحدهما، يبقى الآخر بلا معارض، مضافاً إلى قوله سبحانه:(و أُولُوا الأرحامِ بعضُهُم أوْلى بِبَعْض في كتابِ اللّهِ)(الأنفال/75) وإلى الاعتبار، إذ ليس في مرتبة الأبوين من يصلح لتربية الولد، والمسألة موضع اتّفاق ولم يتردد فيها إلاّالبحراني.1
و أولى من هذه الصورة ما إذا انتقلت الحضانة إلى الأب لأجل فقدان الشرط في الأُمّ كما إذا تزوجت فإذا مات الأب والحال هذه، فالأُمّ أولى بها من غيرها والنصّ الدال على مانعية التزويج مختص بما إذا اجتمعت الأُمّ مع الأب، ويؤيّد ذلك ما دلّ على أولوية الأُمّ ـ مع التزويج ـ إذا كان الأب رقاً.2

و لو فقد الأبوان

إنّ المسألة غير منصوصة وقد تضاربت أقوالهم في المسألة وذكرها الشهيد في المسالك على وجه التفصيل وتبعه صاحب الجواهر وإليك بيان بعض الأقوال:
1ـ لو فقد الأبوان فالحضانة لأب الأب لثبوت الولاية له من قبل الأب لأنّ له ولاية المال والنكاح فيكون له ولاية التربية بطريق أولى، وإنّما كانت الأُمّ أولى منه بالنصّ، فمع عدمها، وعدم من هو أولى منه ثبتت له الولاية. ويؤيّده تولي عبد المطلب لحضانة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد فقد الأبوين.
و لو عُدِم أب الأب فالحضانة للأقارب وترتبوا ترتيب الإرث. مستدلاً بقوله سبحانه:(و أُولُوا الأرحامِ بعضُهُم أوْلى بِبَعْض في كتابِ اللّهِ)(الأنفال/75)

1 . البحراني: الحدائق: 25/94.
2 . الوسائل:15، الباب 73 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث 2.

صفحه 337
فانّ الأولوية تشمل الارث والحضانة وغيرهما، ولأنّ الولد مضطرّ إلى التربية والحضانة فلابدّ في الحكمة من نصب قيّم لها، والقريب أولى بها من البعيد، وعلى هذا فمع فقد الأبوين والجدّ، ينظر في الموجود من الأقارب ويقدر لو كان وارثاً ويحكم له بحقّ الحضانة، ثمّ إن اتّحد اختص وإن تعدد أُقرع بينهم لما في اشتراكها من الاضرار بالولد وهذا القول هو المعتمد.1
غير أنّ المحقق سلّم كون الحضانة لأب الأب عند فقد الأبوين، وتردد في كون الحضانة للأقارب عند فقد أب الأب. والتفريق غير وجيه وما ذكر من الوجه في الجدّ، مشترك مع سائر الأقارب.
2ـ إنّ الحضانة عند فقد الأبوين لأب الأب، ولو فقد الجميع يرجع الأمر إلى الحاكم فإن كان للولد مال استأجر الحاكم من يربّيه من ماله، فإن لم يكن له مال، كان حكم تربيته حكم الإنفاق عليه. واستجوده صاحب الحدائق.2
3ـ إذا فقد الأبوان والجدّ، فالخالة تقوم مقام الأُمّ لما روي عن الرضا عن آبائه عن علي (عليهم السلام) انّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قضى بابنة حمزة لخالتها وقال: «الخالة والدة».3
إلى غير ذلك من الأقوال التي ذكر لها وجه، والذي يقوى في النظر، هو ما استقواه في الجواهر وهو: انّ الحضانة بعد الأبوين للجدّ من قبل الأب، ولو فقد فهي للوصي للأب، أو الجدّ، ثم للأرحام، ثمّ للحاكم.و في صحيح ابن سنان4 تصريح على تقديم الأُمّ ـ عند فقدان الأب ـ على الوصي ولعلّ فيه إيعاز إلى كونه المتعين عند فقد الأبوين والجدّ فلاحظ.
تمّ الكلام في أحكام الأولاد ويليه البحث عن أحكام النفقات:

1 . زين الدين العاملي: المسالك: 8/430.
2 . البحراني: الحدائق:25/97.
3 . الوسائل: 15، الباب 73 من أبواب أحكام الأولاد ، الحديث 4.
4 . الوسائل: 15 ، الباب 71 من أبواب أحكام الأولاد، الحديث 1.

صفحه 338

صفحه 339
الفصل العشرون

في أحكام النفقات

1ـ الأسباب الموجبة للانفاق ثلاثة: 1ـ الزوجية 2ـ القرابة 3ـ الملك
2ـ وجوب الانفاق على الزوجة مشروط بشرطين: الدائمية، والتمكين
3ـ عدم سقوط النفقة إذا كانت مريضة
4ـ نفقة المطلقة الرجعيّة على الزوج
5ـ سقوط نفقة البائن وسكناها
6ـ نفقة البائن الحامل
7ـ في نفقة الحامل المتوفى عنها زوجها
8ـ هل هناك تقدير لنفقة الزوجة
9ـ حكم الحاجات المستجّدة
10ـ الكلام في اللواحق وفيها مسائل

صفحه 340

صفحه 341

في أحكام النفقات

و المقصود في المقام ما يجب الإنفاق بالسبب وإن لم يتوقف عليه حفظ حياة المنفق عليه فخرج ما يجب الإنفاق لحفظ النفس المحترمة وإن لم يكن هناك أي سبب، والأسباب الموجبة للإنفاق ثلاثة:
1ـ الزوجية.
2ـ القرابة.
3ـ الملك.
و إليك البحث في الأوّل على وجه الإيجاز:
لا شك في أنّ نفقة الزوجة على الزوج بلا خلاف، ويدلّ عليه الكتاب والسنّة قال سبحانه:(لِيُنْفِقَ ذُو سَعَة مِنْ سَعَتِهِ وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللّهُ لا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاّ ما آتاها سَيَجْعَلُ اللّهُ بَعْدَ عُسْر يُسْراً )(الطلاق/7). روى أبو بصير في الصحيح قال: سمعت أبا جعفر يقول : «من كانت عنده امرأة فلم يكسها ما يواري عورتها، ويطعمها ما يقيم صلبها، كان حقّاً على الإمام أن يفرق بينهما».1 إنّما الكلام في الأمرين التاليين:
1ـ شرط وجوبها.

1 . الوسائل:15، الباب 1 من أبواب النفقات، الحديث 2 ولاحظ أحاديث الباب.

صفحه 342
2ـ مقدارها.
أمّا الشرط فهو عبارة عن أمرين:
1ـ كون العقد دائماً.
2ـ التمكين الكامل.
و إليك البحث عنهما واحداً تلو الآخر.
أمّا الأوّل فقد فرغنا عند البحث عن العقد المنقطع. وفي رواية هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه في حديث في المتعة قال: ولا نفقة...1وفي الحكم بأنّهنّ مستأجرات2 دلالة على عدم وجوب النفقة، إذ لا نفقة للأجير على الموجر.
وأمّا الثاني: فالمشهور على أنّ التمكين شرط، وعرفه المحقّق بقوله: «وهو التخلية بينها وبينه بحيث لا تخص موضعاً ولا وقتاً، فلو بذلت نفسها في زمان دون زمان، أو مكان دون مكان آخر ممّا يسوغ فيه الاستمتاع لم يحصل التمكين.
و إلى هذا القول ذهب ابن إدريس وقال: أمّا النفقة فإنّما تجب يوماً بيوم في مقابلة التمكين من الاستمتاع.3
ربما يقال بأنّه تجب النفقة بمجرّد العقد إذا كان دائماً وتسقط بالنشوز فليس التمكين شرطاً بل النشوز مانع.
قيل: إنّ الثمرة بين القولين (شرطية التمكن أو مانعية النشوز) تظهر في الموارد التالية:
1ـ إذا تنازعا في النشوز وعدمه، فلو قلنا بأنّ النشوز مانع فالقول قولها، لأنّ

1 . الوسائل: 14، الباب 45 من أبواب المتعة، الحديث 2.
2 . الوسائل: 14، الباب 4 من أبواب المتعة، الحديث 2و4.
3 . ابن إدريس: السرائر: 2/654.

صفحه 343
الأصل عدمه، فعليه البيّنة على وجود النشوز، بخلاف ما لو قلنا بأنّ التمكين شرط، فالقول قوله، وعليها البيّنة على وجود الشرط.
يلاحظ عليه: لا يكون القول قولَها ولو قلنا بأنّ العقد علّة تامّة لوجوب النفقة، وأنّ النشوز مانع لأنّ أصالة عدم النشوز معارضة بأصالة عدم وصول حقّ الزوج إليه أو عدم طاعته، وليس أحد الأصلين مسبباً عن الآخر، حتى يقدَّم أحدهما على الآخر.
كما لا يكون القول قوله لو قلنا بأنّ التمكين شرط، إذ ليس إحراز مجرّد عدم التمكين كافياً في نفي وجوب النفقة، لأنّه ليس مساوياً لعدم وجوب النفقة كما إذا كان معذوراً عقلاً أو شرعاً في عدم التمكن، أضف إلى ذلك أنّ الأصل إنّما ينفع للطرف المقابل إذا تمكنت الزوجة من إقامة البيّنة طول الليل والنهار، وأنّى لها هذه.
2ـ لو لم يطالبها الزوج بالزفاف، ولم تمنعه هي منه ولا عرضت نفسَها عليه ومضت لذلك مدّة فعلى القول بأنّ النشوز مانع، تجب النفقة لعدم النشوز، بخلاف ما إذا كان التمكين شرطاً، لعدم حصول تمكين قولي ولا فعلي.
يلاحظ عليه: أنّه إن أراد من التمكين القولي أو الفعلي أن تخرج من بيتها وتمضي إليه وتصرح بالتسليم فهو بيّـن البطلان، يخالف روح العفة السائدة على الأبكار، وإن أراد إجابتها متى طلب، وتسليم نفسها متى أراد من غير تعلّل ولا توقف على زمان ولا مكان فهو حاصل، غير أنّ القصور من جانب الزوج حيث لم يطالبها الزفاف بل تركها في بيت أبيها تنتظر دعوة الزوج إلى الزفاف.
3ـ إذا كان الزوج كبيراً والزوجة صغيرة، تجب النفقـة على القول بكفاية العقد، لا على القول بشرطية التمكين.

صفحه 344
يلاحظ عليه: أنّ الصغيرة إمّا مميّزة أو غير مميّزة، والقول بشرطية التمكين منصرف عن الثانية وأمّا الأُولى فيكفي في التمكين بذل نفسها نحو الكبيرة وحرمة وطئها لا مدخلية لها في صدق التمكين فلا ثمرة بين القولين.
4ـ لو كانت الزوجة كبيرة والزوج صغيراً، فعلى شرطية التمكين، لا تجب النفقة، لعدم الموضوع بخلاف ما إذا قلنا بكفاية العقد.
يلاحظ عليه: أنّ التمكين متحقّق من جانبها ولو كان قصور فإنّما في جانب المتسلِّم وعلى ضوء ذلك لا ثمرة بين القولين.
والحقّ أن يقال: إنّه لا إجمال فيما دلّ على وجوب الإنفاق على الزوجة من الكتاب والسنّة على ما عرفت، كما لا إجمال فيما يدلّ على أنّه تجب عليها طاعته وأنّه لا نفقة لها مع انتفاء الطاعة.1 والطاعة عبارة أُخرى عن عدم النشوز وأمّا وراء ذلك، فليس عليه دليل، فلو أُريد من التمكين ، هو عدم النشوز وإلاّ فلا دليل على عرضها نفسها على زوجها قولاً وفعلاً. وقد عرفت عدم صحّة الثمرات المترتبة على القولين.
هذا كلّه يعيّن موضوع وجوب النفقة، وقد علمت أنّ الموضوع هو الزوجية وأنّ النشوز مانع.
وأمّا حكم الفرعين الأخيرين أعني: ما إذا كان الزوج كبيراً والزوجة صغيرة، أو بالعكس حسب الأدلة مع قطع النظر عن كون التمكين شرطاً أو النشوز مانعاً فقد ذهب فيها الشيخ إلى أنّه لا نفقة لها، وقال المحقّق : والأشبه وجوب الإنفاق في الثانية، وإليك نصّ الشيخ في كلتا المسألتين.
قال: إذا كان الزوج كبيراً والزوجة صغيرة لا يجامع مثلها لا نفقة لها وبه قال

1 . الوسائل: 14، لاحظ الباب 79، و91 من أبواب مقدمات النكاح وآدابه.

صفحه 345
أبو حنيفة وأصحابه وهو أحد قولي الشافعي، الصحيح عندهم واختاره المُزَنيّ.
وقال أيضاً :إذا كانت الزوجة كبيرة والزوج صغيراً لا نفقة لها وإن بذلت التمكين وللشافعي فيه قولان أصحّهما أنّ لها النفقة وبه قال أبوحنيفة، والآخر أنّه لا نفقة لها.
ثمّ ذهب الشيخ إلى عدمها في كلا المقامين مستدلاً بأصالة البراءة مثل ما إذا كانا صغيرين1 وقد فرع المحقّق وجوب النفقة على تحقّق التمكين فيما إذا كانت الزوجة كبيرة وقد عرفت عدم ابتناء المسألة على شرطية التمكين.
وقال ابن إدريس بعد نقل كلام الشيخ: «و الأولى عندي أنّ على الكبير النفقة لزوجته الصغيرة لعموم وجوب النفقة على الزوجة ودخوله مع العلم بحالها وهذه ليست ناشزة، والإجماع منعقد على وجوب نفقة الزوجات فليتأمل».2
و الأولى أن يقال بانصراف أدلّة النفقة عن هاتين الصورتين أضف إليه أنّ النفقة تكليف، والزوج الصغير غير مكلَّف، وصرفها إلى الولي يحتاج إلى الدليل.

عدم سقوط النفقة إذا كانت مريضة

قال المحقّق : « ولو كانت مريضة أو قرناء أو رتقاء3 لم تسقط النفقة لإمكان الاستمتاع بما دون الوطء قبلاً وظهور العذر فيه».4
أقول: التعليل في كلامه لأجل بيان الفرق بين الزوجة الصغيرة حيث حكم

1 . الخلاف: ج3، كتاب النفقات، المسألة 4، 5، 6.
2 . ابن إدريس: السرائر: 2/655.
3 . القرناء هي التي في فرجها عظم مانع عن الوطء، والرتقاء هي التي في فرجها لحم زائد مانع منه.
4 . نجم الدين : الشرائع:2/569، في النفقة.

صفحه 346
المحقّق فيها بعدم وجوب النفقة لها، وبين المريضة وما عطف عليها. بإمكان الاستمتاع في الأخيرة دون الأُولى وهو كما ترى لاشتراك بعض أفراد الصغيرة في التعليل والأولى أن يقال: بانصراف أدلّة النفقة عن الصغيرة دون هؤلاء واللّه سبحانه أمر بالمعاشرة بالمعروف وقال: (عاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُُوف) (النساء/19) وقال أيضاً :(فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوف)(الطلاق/2). وإسقاط النفقة، يخالفها خصوصاً إذا طالت مدّة العذر أو دامت، فالحكم بعدم النفقة كما ترى ضرر عظيم، وليست النفقة في مقابل إمكان التمتع وإلاّ يلزم سقوطها إذا كانت عجوزة لا تمتع بمثلها، وإنّما الاستمتاع من الحكم والدواعي، والغرض من التزويج تشكيل العائلة وحصول السكينة إلى نحو ذلك من المصالح الداعية .
و منه يظهر حال بعض الفروع التالية:
1ـ لو اتّفق الزوج عظيم الآلة وهي ضعيفة، فيمنـع عن وطئها ولكن لم تسقط نفقتها. لشمول الإطلاقات جميعها، ووجود المانع عن الوطء لا يسقط، كما هو الحال في أيّام الحيض والنفاس.
2ـ لو سافرت الزوجة بإذن الزوج لم تسقط نفقتها سواء كان في واجب أو مندوب أو مباح، لعدم صدق النشوز أوّلاً، ولو قيل باشتراط التمكين فالإذن من الزوج آية إسقاطه لحقّه.
3ـ وكذا لو سافرت في واجب مضيّق بغير إذنه كالحجّ، لأنّ شرط اللّه قبل شرط الزوج ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق1 فلا مُخرج عن إطلاق أدلّة الإنفاق وللشافعي في المقام فتوى يقضي العجب قال الشيخ : إذا أحرمت بغير إذنه فإن كان في حجّة الإسلام لم تسقط نفقتها، وإن كانت تطوعاً سقطت نفقتها،

1 . الوسائل: 8 ، الباب 59 من أبواب وجوب الحجّ، الحديث 7.

صفحه 347
وقال الشافعي: تسقط نفقتها قولاً واحداً لأنّ طاعة الزوج مقدمّة لأنّها على الفور والحجّ على التراخي ـ دليلنا ـ إجماع الفرقة وأخبارهم على أنّه لا طاعة للزوج في حجّة الإسلام عليها فلذلك لم تسقط نفقتها، ولأنّ نفقتها واجبة وإسقاطها يحتاج إلى دليل، وأمّا الحجّ فعندنا انّه على الفور دون التراخي.1
4ـ لوسافرت بغير إذنـه في مندوب أو مباح سقطت نفقتها للنشوز أوّلاً والنص ثانياً.
5ـ لو كان الواجب موسعاً، فلا يعارض حقّ الزوج المضيق. ومن ذلك تعلم الحال لو صلت وصامت أو عكفت بإذنه لعدم صدق النشوز، والإذن آية الإسقاط لحقّه.
6ـ لو بادرت إلى شيء من المندوب بلا إذنه بل مع نهيه ولم يكن منافياً لما يريده من الاستمتاع صحّ العمل ولم تسقط النفقة، من غير فرق بين الصيام والصلاة لأنّ مخالفتها بترك الأكل والشرب لا يعدّ نشوزاً، إلاّ إذا كان على خلاف العادة كأن تصوم طول السنة، على احتمال، نعم لو طلب الاستمتاع وهي صائمة فعليها التمكين وإن بطل صيامها وإلاّ تكون ناشزة تسقط نفقتها. قال الشيخ : فإذا صامت تطوعاً فإن طالبها بالإفطار فامتنعت كانت ناشزة وتسقط نفقتها، وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه، والثاني لا تسقط لأنّها ما خرجت عن قبضته ـ دليلنا ـ أنّ طاعة الزوج فريضة والصوم نفل فمتى تركت ما وجب عليها من طاعته كانت ناشزة كما لو تركتها بغير صوم، وإجماع الفرقة على أنّه لا يجوز للمرأة أن تصوم تطوعاً إلاّبإذن زوجها.2
والحاصل أنّ الصيام بلا إذنه مع نيّة الإطاعة لو طلب، بل مع نيّة عدمها إذا طلب، لا يوجب البطلان مالم يطلب ولم تخالف، وإنّما يوجب إذا صدق على فعله

1 . الطوسي: الخلاف3، كتاب النفقات، المسألة 7 و 10.
2 . الطوسي: الخلاف3، كتاب النفقات، المسألة 7 و 10.

صفحه 348
النشوز وهو فرع طلبه وعدم إطاعتها وإلاّ فمجرّد نيّة الإطاعة ، أو نيّة النشوز، لا يستلزم البطلان.
وكون الصيام استيطان النفس على ترك المفطرات لا ينافي العزم على الافطار إذا وجب، ويشهد على ذلك أنّ كلّ صائم ندباً تُستوطَن نفسه على ترك المفطرات ولكن يجوز له الإفطار كلّما أراد.
والحاصل انّ الصيام بنيّة الافطار إذا طلب الزوج الاستمتاع المفطر بل مع نيّة عدمه لا يبطل إلاّ إذا تحقّق النشوز بأن يطلب الاستمتاع المفطر ولا تمكّن نفسها منه.

نفقة المطلّقة الرجعية

اتّفقت كلمتهم على أنّه تثبت النفقة للمطلّقة الرجعية كما تثبت للزوجة وقد تضافرت الروايات عليه.
منها: ما رواه المشايخ الثلاثة بأسانيد متعددة عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «المطلّقة ثلاثاً ليس لها نفقة على زوجها إنّما ذلك للّتي لزوجها عليها رجعة».1 والمسألة مورد اتّفاق وربما تستثنى آلة التنظيف لأنّ الزوج لا ينتفع بها ولكن إطلاق الأدلة على خلافه، بل تدل الروايات على أنّها تكتحل وتختضب وتلبس ما شاءت من الثياب لأنّ اللّه عزّوجلّ يقول: (لَعَلَّ اللّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً)(الطلاق/1) لعلّها أن تقع في نفسه أن يراجعها.2
ولا تسقط نفقة المعتدة إلاّ بما تسقط به نفقة الزوجة ويستمر إلى انقضاء العدّة، ولو ظهر أمارات الحمل بعد الطلاق فعلى الزوج الإنفاق عليها إلى أن

1 . الوسائل: 15، الباب 8 من أبواب النفقات ، الحديث 2 ولاحظ روايات الباب .
2 . الوسائل: 15، الباب21 من أبواب العدد، الحديث 1 و 2 ولاحظ روايات الباب.

صفحه 349
تضع. لأنّها لا تخرج عن العدّة إلاّ بالحمل قال سبحانه:(وَ أُولاتُ الأَحْمالِ أَجَلَهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) . (الطلاق/4)
و لو وطئتْ في العدة شبهة منها ومن الواطئ أو منها فقط فالأقوى وجوب الإنفاق عليها، وعدم إمكان الرجوع في الحال، لا يمنع وجوب النفقة بعد عدم نشوزها وكونها ممكّنة للاستمتاع إذا أراد الزوج، ولكن الوطء شبهة كالمانع الموقت من المرض والصيام، وبما أنّها تعتد من الشبهة أوّلاً ثم عن زوجها، فيرتفع المانع في العدّة الثانية.
نعم لو اختصت الشبهة بالواطئ دونها يمكن إلحاقها بالناشزة بل هي أقوى منها. ومع ذلك فالأخذ بإطلاق وجوب النفقة على الرجعية أقوى وأحوط.

سقوط نفقة البائن وسكناها

اتّفقت كلمة الأصحاب على سقوط نفقة البائن للنصوص المتضافرة، نعم اختلفت كلمة الآخرين قال الشيخ في الخلاف: لا نفقة للباين، وبه قال ابن عباس ومالك والأوزاعي وابن أبي ليلى والشافعي، وقال قوم: انّ لها النفقة، ذهب إليه في الصحابة عمر بن الخطاب وابن مسعود وبه قال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه ـ دليلنا ـ ما قلناه في المسألة الأُولى سواء، وأيضاً قوله تعالى:(أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَ إِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْل فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ)(الطلاق/6) لما ذكر : النفقة شرطه الحمل، وأيضاً دليله يدل على أنّ من ليس بحامل لا نفقة لها.
و روى الشافعي عن مالك عن عبد اللّه بن يزيد عن أبي سلمة بن عبد الرحمان عن فاطمة بنت قيس انّ زوجها طلّقها ثلاثاً وهو غائب بالشام فأرسل إليها كيل شعير فسخطته فقال: واللّه مالك علينا من شيء فأتت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)

صفحه 350
فذكرت له ذلك فقال: «ليست لك نفقة» وأمَرَها أن تعتد في بيت أُمّ شريك ثمّ قال: «تلك امرأة يغشاها أصحابي، اعتدّي عند ابن أُمّ مكتوم فانّه ضرير تضعين ثيابك حيث شئت».1
ومن النصوص موثق ابن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن المطلّقة ثلاثاً على السنة هل لها سكنى أو نفقة ؟ قال : لا.2 وقد عُلِّق الحكم فيه، والروايات الواردة في الباب 8 من أبواب النفقات على المطلّقة ثلاثاً، ولكن الحكم عام لمطلق البائن، روى سعد بن أبي خلف، قال: سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن شيء من الطلاق فقال: «إذا طلق الرجل امرأته طلاقاً لا يملك فيه الرجعة فقد بانت منه ساعة طلّقها وملكت نفسها ولا سبيل له عليها وتعتد حيث شاءت ولا نفقة لها».3
نعم دلّ موثق ابن سنان4 على النفقة في المطلّقة ثلاثاً فيحمل على الاستحباب، وما دلّ على وجوب النفقة في مطلق المطلّقة، يحمل على الرجعيّة.5

البائن الحامل لها النفقة

إذا كانت المطلّقة بائناً، حاملاً لزمه الانفاق حتّى تضع وكذا السكنى، كتاباً وسنّة . أمّا الكتاب فقوله سبحانه:(وَ إِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْل فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) (الطلاق/6) وأمّا السنّة ففي موثق سماعة قال: قلت له : المطلّقة ثلاثاً، لها سكنى أو نفقة؟ فقال: «حبلى هي؟» قلت: لا ، قال: «ليس لها

1 . الطوسي: الخلاف: 3، كتاب النفقات، المسألة 17.
2 . الوسائل: 15 ، الباب 8 من أبواب النفقات، الحديث 5.
3 . الوسائل:15، الباب 20 من أبواب العدد، الحديث 1.
4 . الوسائل: 15، الباب 8 من أبواب النفقات، الحديث 8و 11.
5 . الوسائل: 15، الباب 8 من أبواب النفقات، الحديث 8و 11.

صفحه 351
سكنى ولا نفقة».1 ومورد الآية والنصوص هي البائنة بالطلاق وهل تشمل، البائنة الحبلى بالفسخ؟ وذلك لأنّ المتلقى من الآية أنّ الموضوع هو المرأة الحبلى التي لا تتمكن من التزويج لأجل الحمل من الزوج الذي فارقته. وذكر الطلاق لأجل كونه السبب الغالب، فيشمل ما إذا كان الفسخ سبباً أيضاً.
نعم المتجّه على ما ذكرنا في مفاد الآية عدمها للفراق باللعان وكان اللعان لنفي الولد خصوصاً على القول بأنّها للحمل، لأنّ المتبادر من بذل النفقة للحبلى ، ما إذا كان الزوج سبباً للحمل وموجباً لإطالة العدّة، والمفروض أنّ الزوج نفاه باللعان.
قال الشيخ: «إذا قذف زوجته وهي حامل فعليها الحدّ إلاّ أن ينفيه باللعان، فإذا لاعنها ونفى النسب سقط الحدّ وانتفى النسب، وزالت الزوجية، وحرمت على التأبيد، وهذه أحكام اللعان، وعليها العدّة، وتنقضي عدّتها بالوضع، ولا سكنى لها، وعندهم لها ذلك ولا نفقة لها عندنا وعند بعضهم، سواء قيل إنّ الحمل له النفقة أو لها بسببه لأنّ الحمل قد انتفى».2
نعم اختلفوا في أنّ النفقة هنا للحامل لأجل الحمل أو انّها للحمل. قال البحراني قولان الأكثر على الثاني وهو قول الشيخ في المبسوط وتبعه عليه أكثر الجماعة.3
قال الشيخ في المبسوط: «ولمن تجب النفقة قيل فيه قولان: أحدهما: النفقة لها لأجل الحمل وهو أصحّهما عند المخالف».

1 . الوسائل: 15، الباب 8 من أبواب النفقات، الحديث 3 ولاحظ الحديث 6و 7.
2 . الطوسي: المبسوط: 6/25.
3 . البحراني: الحدائق: 25/111.

صفحه 352
والثاني: النفقة للحمل وهو أقواهما عندي، بدليل أنها لو كانت حائلاً لا نفقة لها، وإذا كانت حاملاً وجبت النفقة، فلما وجبت بوجوده وسقطت بعدمه ـ إلى أن قال: ـ ولأنّه لما كانت النفقة له، إذا كان منفصلاً فكذلك إذا كان متصلاً ولأنّ أصحابنا رووا أنّه ينفق عليها من مال الحمل، فدلّ على أنّه لا يجب لها.
ومن خالف قال: لو كانت النفقة لأجل الحمل لوجب نفقته دون نفقتها1 ولما كان نفقتها مقدَّرة بحال الزوج فيجب عليه بقدره، ونفقة الأقارب غير مقدّرة، دلّ على أنّه لها ، لأنّ نفقة الأقارب على الكفاية.
و أيضاً لو كان لأجل الحمل لوجبت على الجد كما لو كان منفصلاً، فلما ثبت أنّها لا تجب عليه، ثبت ما قلناه. وأيضاً فلو كانت نفقة الولد لوجب أن يسقط بيسار الولد، وهو إذا ورث أو أوصى له بشيء فقبله أبوه، فلما لم تسقط بيساره، ثبت أنّها ليست نفقة الولد.
و عندنا تسقط بيساره ويقتضي المذهب أنّها يجب على الجد فيخُالَف في جميع ما قالوه ثمّ ذكر ـ قدّس سرّه ـ ثمرات الخلاف.2
و قال ابن حمزة انّ النفقة للأُمّ بما هي حامل قال: والبائن: حامل وغير حامل فالحامل يلزم لها النفقة والسكنى لمكان الحامل، وغير الحامل لا يجب.3 وقد استدل غيره لهذا القول بما عرفت في كلام الشيخ.
ثمّ إنّ الشيخ في المبسوط أو المحقّق في الشرائع فرعوا على الاختلاف فروعاً لا ينبغي ذكر الجميع لعدم الابتلاء بها في زماننا هذا، ونذكر ما يلي:

1 . وهذا لا يرد، فانّ رزق الولد إنّما هو دم أُمّه يجري عليه من سرّته، وهذا الدم إنّما يتولد بالنفقة عليها، فكأن بطن أُمّه مكينة أو مطبخ لرزق الولد، التعليق مطبوع في حاشية المبسوط.
2 . الطوسي: المبسوط: 6/28.
3 . ابن حمزة: الوسيلة: 328.

صفحه 353
1ـ لو لم ينفق عليها حتى مضت مدّة أو مجموع العدّة فمن قال بوجوبها للحمل فانّه لا يوجب قضاءها لأنّ نفقة الأقارب لا تُقضى، ومن قال إنّها لها أوجب القضاء لأنّ نفقة الزوجة تقضى.
يلاحظ عليه: أنّ القدر المتيقن من قضاء نفقة الزوجة فيما إذا كانت هناك زوجية حقيقة أو حكماً والمفروض في المقام انتفائها وليس هنا إطلاق يعمّ المقام، أي الزوجية السابقة المنتفية.
2ـ لو كانت ناشزة حال الطلاق أو نشزت بعده فعلى القول بأنّ النفقة لها، تسقط لما علم من أنّ المطلّقة حيث تجب نفقتها كالزوجة، تسقط نفقتها حيث تسقط وتجب حيث تجب، وعلى القول بأنها للحمل لا تسقط.
يلاحظ عليه: انّه إنّمايصحّ لو كان استحقاقها للنفقة لأجل الزوجية، وإنّما تستحق لها، لأجل الحمل، وبقائه وحفظه إلى أن تلده، ففي مثله لا يكون النشوز مؤثراً، وبالجملة أنّ الحمل واسطة في الثبوت على وجوب الإنفاق على الأُمّ، وليس واسطة في العروض حتى يكون الإنفاق للحمل فينسب وجوبه إلى الأُمّ مجازاً.
3ـ لو ارتدّت بعد الطلاق فلا تسقط على القول بأنّ النفقة للحمل دون القول الآخر.
4ـ تسقط النفقة بموت الزوج على القول بأنّ النفقة للحمل دون الآخر فإنّ فيه قولين.
5ـ لا تسقط بالإبـراء بنـاءً على أنّ النفقة للحمل دون القول الآخر، فانّ النفقة للحمل فلا وجه لإبراء الأُمّ حقّ الغير .
6ـ وجوب الفطرة لها على الزوج على الثاني دون الأوّل مضافاً إلى فطرة الولد إلى غير ذلك من الفروع التي ذكرها الشهيد في المسالك1 وإن كان أكثرها

1 . زين الدين العاملي: المسالك: 8/451.

صفحه 354
خاضعة للنقاش.
ثمّ إنّه يظهر من صاحب الجواهر تحرير النزاع بغير ما يتبادر من ظواهر كلمات القائلين بأنّ النفقة للحمل، وحاصل ما أفاده « أنّ مرجع القولين إلى أنّ حكم هذه النفقة، حكم نفقة الزوجة على معنى أنّ وجود الحمل يجعلها بحكمها كالرجعية في غيرها فيجري حينئذ على نفقتها حكم نفقة الزوجة أو حكم نفقة القريب، فيجري عليها حكمه لأجل انقطاع الزوجية بينهما وصار الحمل علّة في الإنفاق عليها كالإنفاق على القريب.
ثمّ إنّه ـ قدّس سرّه ـ جعل ما هو المتبادر من كلمات القوم من المضحكات حيث قالوا : إنّ الإنفاق عليها مقدّمة للإنفاق على الحمل ليعيش. ثمّ إنّه اختار الوجه الأوّل، من أنّ الإنفاق عليها بحكم نفقة الزوجة، غاية الأمر أنّ النشوز والارتداد، لا يؤثران في السقوط كما يؤثران في الزوجة الواقعية وذلك لانتفاء الزوجية في المقام1.
ولو صحّ ما ذكره من تحرير محلّ النزاع بطلت الفروع المفرعة على النزاع إلاّ القليل، وهو أنّ نفقة الزوجة مقدّرة بحال الزوج، بخلاف نفقة الأقارب فهي غير مقدّرة إلاّ بحد الكفاية وإن كانت أقلّ بالنسبة إلى شأنها أو شأنه.
و على كلّ تقدير ظاهر النصوص يؤيّد الأوّل لأنّ الضمير في قوله: (وَ إِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْل فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ)كسائر الضمائر الواردة في الآية ظاهر في أنّ الموضوع هي المرأة المطلّقة، أمكن الرجوع عليها أو لا، قال سبحانه:(أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَ لا تُضارّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَ إِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْل فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ)(الطلاق/6) والضمائر ترجع إلى المطلّقات من غير فرق

1 . النجفي: الجواهر: 31/323ـ 324.

صفحه 355
بين الرجعيّة والبائنة، ووحدة السياق تطلب كون الإنفاق على نسق واحد في القسمين(الرجعية والبائنة) وفي حديث محمّد بن قيس :« وعليه نفقتها بالمعروف حتّى تضع حملها».1
والظاهر أنّه لا يمكن استكشاف أحد القولين من الفروع المذكورة لأنّ أكثرها قابلة للنقاش فلا يعدّ تسليمها دليلاً على صحّة المفرع عليه. والأولى: الاستدلال على كونها للأُمّ على نحو ما ذكرناه.

في الحامل المتوفى عنها زوجها

اتّفقت كلّمتهم على أن لا نفقة للمتوفى عنها زوجها إذا كانت حائلاً وأمّا إذا كانت حاملاً ففيه قولان:
1ـ أن لا نفقة لها.
2ـ يُنفَق عليها من نصيب ولدها.
وإليك نقل كلمات فقهائنا:
1ـ قال الشيخ: « ولا نفقة للتي مات عنها زوجها من تركة الرجل فإن كانت حاملاً أُنفق عليها من نصيب ولدها الذي في بطنها».2
2ـ وقال الحلبي: « وإذا كانت المتوفى عنها زوجها حاملاً أُنفق عليها من مال ولدها حتى تضع».3
3ـ وقال ابن البراج: «وإذا مات الرجل عن زوجته، اعتدّت كما قدّمناه، ولم

1 . الوسائل: 15، الباب 7 من أبواب النفقات، الحديث 3.
2 . الطوسي: النهاية:537.
3 . الحلبي: الكافي: 313.

صفحه 356
تكن لها نفقة من تركة زوجها فإن كانت حاملاً أُنفق عليها من نصيب ولدها التي هي حامل به».1
4ـ وقال ابن حمزة: «و يلزم الحدادُ كلّ زوجة صحيحة الزوجية تعتد من الوفاة ـ إلى أن قال: ـ ولا يلزم لها النفقة إلاّ إذا كانت حاملاً فينفق عليها من نصيب ولدها». 2
5ـ وقال ابن إدريس: «و لا نفقة للمتوفى عنها زوجها إذا كانت حائلاً وإن كانت حاملاً أُنفق عليها عندنا خاصة من مال ولدها الذي يُعزل له حتى تضع على ما روى في الأخبار، وإليه ذهب شيخنا أبوجعفر في جميع كتبه.
و الذي يقوى في نفسي وتقتضيه أُصول مذهبنا أن لا ينفق عليها من المال المعزول، لأنّ الانفاق أمر شرعيّ يحتاج إلى دليل شرعي والأصل أن لا إنفاق، وأيضاً النفقة لا تجب للوالدة الموسرة وهذه الأُمّ لها مال فكيف تجب النفقة عليها؟ فإن كان على المسألة إجماع منعقد من أصحابنا، قلنا به وإلاّ بقينا على نفي الأحكام الشرعية إلاّ بأدلّة شرعية.
وما اخترناه وحرّرناه مذهب شيخنا محمّد بن محمّد بن النعمان المفيد في كتابه «التمهيد» فانّه قال: «إنّ الولد إنّما يكون له مال عند خروجه إلى الأرض حيّاً فأمّا وهو جنين لا يعرف له موت من حياة، فلا ميراث له ولا مال على الإنفاق فكيف ينفق على الحبلى من مال من لا مال له لولا السهو في الرواية أو الإدخال فيها».3
6ـ وقال ابن سعيد: «و لا يلزم المتوفى عنها زوجها ملازمة البيت، ولها

1 . ابن البراج: المهذّب: 2/319.
2 . ابن حمزة: الوسيلة: 329.
3 . ابن إدريس: السرائر: 2/737.

صفحه 357
الخروج نهاراً ولا سكنى لها ولا نفقة فإن كانت معسرة حاملاً أنفق عليها من نصيب الحمل».1
7ـ وقال المحقّق :« وفي المتوفى عنها زوجها روايتان: أشهرهما أنّه لا نفقة لها، والأُخرى ينفق عليها من نصيب ولدها».2
و لعلّ مرادها من الأشهرية هي الشهرة الروائية لا الفتوائية لأنّه ورد في عدم الإنفاق عليها أربع روايات معتبرات الأسناد، بخلاف الإنفاق عليها فقد وردت فيه رواية واحدة.
7ـ وقال العلاّمة: «و لا نفقة في المتوفى عنها وإن كانت حاملاً».3
8ـ وقال الشهيد الثاني: «و عدم الإنفاق مختار ابن إدريس والمصنف والعلاّمة وسائر المتأخرين وهو الأقوى».4
و يظهر من المختلف أنّ القول بسقوط النفقة مطلقاً، بين القدماء كان مختصاً بابن أبي عقيل والمفيد.و إلاّ فالرأي السائد بينهم إلى عصر ابن إدريس هو القول بكون نفقتها من نصيب الولد ونقله عن ابن الجنيد وعن الصدوق في المقنع، نعم اشتهر القول بسقوط النفقة مطلقاً من عصر ابن إدريس والمحقّق والعلاّمة حتى اختاره أكثر المتأخرين، ويظهر من كلام ابن إدريس اتّفاق الأصحاب غير المفيد على الإنفاق من نصيب الولد.
و قال ابن قدامة:« فأمّا المعتدة من الوفاة فإن كانت حائلاً فلا سكنى لها ولا نفقة لأنّ النكاح قد زال بالموت، وإن كانت حاملاً ففيها روايتان:

1 . ابن سعيد: الجامع للشرايع:472.
2 . نجم الدين: الشرائع: 4/57.
3 . العلاّمة الحلي: ارشاد الأذهان:2/49.
4 . زين الدين العاملي: المسالك: 8/454.

صفحه 358
إحداهما: لها السكنى والنفقة لأنّها حامل من زوجها فكانت لها السكنى والنفقة كالمفارقة في الحياة.
الثانية: لا سكنى لها ولا نفقة لأنّ المال قد صار للورثة، ونفقة الحامل وسكناها إنّما هو للحمل ومن أجله ولا يلزم ذلك الورثة لأنّه إن كان للميت ميراث فنفقة الحمل من نصيبه وإن لم يكن له ميراث لم يلزم وارث الميّت الانفاق على حمل امرأته كما بعد الولادة قال القاضي هذه الرواية أصحّ.1
و يظهر من كلام ابن قدامة أنّ النزاع بينهم مركّز على كون النفقة على الميراث وعدمه وليس في كلامه إشارة إلى كونها على نصيب الولد وكان هذا القول تختص به الإمامية.
وإليك ما ورد من الروايات في المقام:
1ـ صحيحـة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال في الحبلى المتوفى عنها زوجها أنّه لا نفقة لها.2
2ـ خبر محمد بن الفضيـل عن أبي الصباح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في المرأة الحامل المتوفى عنها زوجها هل لها نفقة؟ قال: «لا».3
3ـ خبر زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في المرأة المتوفى عنها زوجها هل لها نفقة ؟فقال: «لا».4
4ـ خبر زيد أبي أُسامة قال : سألت أبا عبداللّه (عليه السلام) عن الحبلى المتوفى عنها زوجها هل لها نفقة؟ قال: «لا».5
5ـ صحيح محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) ، قال : سألته عن المتوفى عنها

1 . ابن قدامة: المغني: 9/291، ط عام 1403.
2 . الوسائل: الباب 9 من أبواب النفقات، الحديث:1، 2، 3، 7.
3 . الوسائل: الباب 9 من أبواب النفقات، الحديث:1، 2، 3، 7.
4 . الوسائل: الباب 9 من أبواب النفقات، الحديث:1، 2، 3، 7.
5 . الوسائل: الباب 9 من أبواب النفقات، الحديث:1، 2، 3، 7.

صفحه 359
زوجها ألها نفقة؟ قال: «لا، ينفق عليها من مالها».1
و في مقابلها ما ينافيه:
الف: ما يدلّ على أنّه ينفق عليها من مال ولدها.
6ـ خبر محمّد بن أبي الصبـاح الكناني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «المرأة الحبلى المتوفى عنها زوجها ينفق عليها من مال ولدها الذي في بطنها».2 وقدعرفت في روايته السابقة3 أنّه لا نفقة لها وهل هما متنافيان، أو لا، ولو قصّرنا النظر إلى نفس روايتيه، فهما من قبيل المطلق والمقيّد، وأمّا لو قيس هذا الخبر إلى مجموع روايات الطائفة الأُولى فالظاهر انّهما متنافيان إذ فيها ما يدلّ على أنّه ينفق من مالها، كصحيح محمد بن مسلم الذي مضى برقم 5، فأين هذا من هذا الخبر الدال على أنّه ينفق من مال ولده وسيوافيك تفصيله ودفعه .
ب: ما يدلّ على أنّه ينفق عليها من مال الزوج.
7ـ موثق السكوني عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) : «نفقة الحامل المتوفى عنها زوجها من جميع المال حتّى تضع».4 وفسره الشيخ بأنّ المراد ينفق عليها من جميع المال لأنّ نصيب الحمل لم يتميز فإذا وضع وتميّز نصيبه أخذ منه مقدار النفقة، وهو كما ترى.
8ـ صحيح محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) : «المتوفى عنها زوجها ينفق عليها من ماله».5

1 . الوسائل: الباب 9 من أبواب النفقات، الحديث: 7.
2 . الوسائل: 15، الباب 10 من أبواب النفقات، الحديث 1.
3 . الوسائل: 15، الباب 9 من أبواب النفقات، الحديث 2.
4 . الوسائل: 15، الباب 10 من أبواب النفقات، الحديث 2.
5 . الوسائل: 15، الباب 9 من أبواب النفقات، الحديث 4.

صفحه 360
و الظاهر أنّ الضمير يعود إلى الزوج، وعندئذ يكون مفاده نفس موثق السكوني، وإن عاد إلى الولد، يكون مفاده، مثل خبر أبي الصباح الكناني الثاني، ولو احتملنا التصحيف في الضمير وانّ الصحيح «من مالها» يتحد مع صحيحه الآخر برقم 6.
نعم ورد في باب الوصي عن أبي جعفر (عليه السلام) عن رجل سافر وترك عند امرأته نفقة ستة أشهر أو نحواً من ذلك ثمّ مات بعد شهر أو اثنين؟ قال: «ترد فضل ما عندها، في الميراث».1 لكن مورده أو منصرفه الحائل والكلام في الحامل.
نعم ورد في باب العِدَد عن امرأة توفي عنها زوجها أين تعتد في بيت زوجها تعتد أو حيث شاءت؟ قال: «حيث شاءت»2 وكون منصرفه الحائل لا يضر بالمقصود بل يدلّ على أنّ كونه كذلك في الحامل بطريق أولى لكنّه إشعار وليس بدلالة، لأنّ مجرّد جواز الإقامة في البيت لا يعد دليلاً على كون نفقتها على الزوج لأنّ السكنى جزء من النفقة، على أنّ الحديث بصدد بيان حكم آخر وهو جواز خروجها عن بيت الزوج وأنّها ليس كالمطلّقة الرجعيّة.
و الذي تقتضيه صناعة الفقه، هو عدم حجّية ما يدلّ على أنّه ينفق من مال الزوج، أعني: موثق السكوني وصحيح محمد بن مسلم الأخير بناءً على رجوع الضمير إلى الزوج لإعراض الأصحاب عنهما. فلا يبقى في البين إلاّ خبر أبي الصباح الكناني من كون النفقة على نصيب ولدها.
فهناك وجوه في الجمع:
الف: ما دلّ من الروايات على أنّه لا نفقة لها، يراد عدم النفقة على الزوج

1 . الوسائل: 13، الباب 9 من أبواب الوصايا، الحديث1.
2 . الوسائل: 15، الباب 32 من أبواب العدد، الحديث 3.

صفحه 361
وهذا لا ينافي كون نفقتها على ولدها، وما دلّ من أنّه ينفق عليها من مالها1 ليس صريحاً في الحامل، فيحمل على الحائل وتكون النتيجة عدم النفقة على الحائل وأمّا الحامل فانّ نفقتها على نصيب ولدها، وما عن شيخنا المفيد أنّ الجنين لا يعرف موته ولا حياته فلا ميراث له ولا مال، كما ترى لأنّهم صرّحوا بصحّة الوصية للجنين كما صرّحوا بأنّ للورثة تقسيم التركة، غاية الأمر يخرج للحمل، السهم الأكبر.
ب: ما ذهب إليه المحدث البحراني من أنّه يحمل ما دلّ على وجوب الإنفاق من مال الولد على ما إذا كانت محتاجة لأنّه نصيب نفقتها عليه، وحمل ما دلّ على عدم الإنفاق على ما إذا لم تكن محتاجة وقال: وهو لا يخلو من قرب.2 وهو خيرة ابن سعيد في جامعه كما مرّ وهو صريح كلام ابن إدريس حيث قال: وهذه الأُم لها مال.
يلاحظ عليه : أنّه جمع بلا شاهد.
ج: ما ذهب إليه العلاّمة من أنّه إن جعلنا النفقة للحمل فالحقّ ما قاله الشيخ، وإن جعلناها للحامل فالحقّ ما قاله المفيد3 ولعلّه أراد بذلك الجمع بين ما دلّ على عدم النفقة لها بالكلّية بحمله على عدم النفقة لها من حيث هي هي، وما دلّ على وجوب الإنفاق عليها من مال ولدها الذي في بطنها بحمله على أنّ هذه النفقة للولد، لا لنفس الحامل ومرجعه إلى أنّها تستحقّ النفقة للولد ولا تستحقها لنفقتها.
يلاحظ عليه: أنّ هذا الجمع كالسابق بلا شاهد وفي الوقت نفسه أشبه

1 . مضى برقم 5.
2 . البحراني: الحدائق: 25/118.
3 . ابن المطهر: المختلف: 7/475، المسألة 120، تحقيق مركز الأبحاث والدراسات الإسلامية.

صفحه 362
باللغز.
فالأولى، هو ما اختاره المتأخّرون لتكاثر الأخبار به، غير أنّ شهرة الفتوى بين المتقدمين يصدّنا عن طرح رواية الكناني فلاحظ.

هل نفقة الزوجة بالكفاية أو بقدر خاصّ

قدعرفت أنّ النفقة تجب بأحد أسباب ثلاثة: الزوجية، والقرابة، والملك، وسيوافيك الكلام في الثاني، وأمّا الثالث فقد مرّ أنّه خارج عن محلّ الابتلاء، أمّا الزوجة قد عرفت أنّ نفقتها على الزوج بشرط أن تكون دائمة فلا نفقة للمنقطعة وأن تكون مطيعة للزوج فيما يجب إطاعتها له، فلا نفقة للناشزة، وقد مرّ الكلام في ذلك ولا فرق بين أن تكون مسلمة أو ذمّية أخذاً بإطلاق الكتاب1 والسنّة2، إنّما الكلام في أنّه هل يرجع في قدر النفقة إلى العرف والعادة وكذا في الإخدام وغيره، أو مقدّر بقدر خاصّ؟ قولان:
1ـ القيـام بما تحتاج إليه المرأة من طعام وإدام وكسوة وفراش وغطاء وسكنى وخادم أو خادمة، وآلة تحتاج إليها لشربها وطبخها وتنظيفها، وغير ذلك من النفقات المستجدة التي أحدثتها الحضارة الصناعية. وبالجملة يجب أن يقوم الزوج بكلّ ما تحتاج إليه الذي يعدّ حاجة في البلد الذي تسكنه، فلا حاجة للبحث في الطعام والإدام وجنسهما وقدرهما، ومثلهما البحث في الكسوة، والفراش وآلة الطبخ والتنظيف والسكنى والخادم والخادمة، فإنّ الملاك سدّ الخلّة، ورفع الحاجة حسب شأنها في الظرف الذي يعيش فيه.
2ـ ذهب بعض الأصحاب كالشيخ إلى كونه مقدرة.

1 . البقرة/232، الطلاق/7، النساء/19ـ34.
2 . لاحظ الوسائل: 15، الباب 1 من أبواب النفقات.

صفحه 363
قال في الخلاف: نفقة الزوجات مقدّرة وهي مدّ، قدره رطلان وربع، وقال الشافعي: نفقاتهنّ على ثلاثة أقسام: الاعتبار بالزوج إن كان موسراً فمدّان، وإن كان متوسطاً فمدّو نصف، وإن كان معسراً فمدّ واحد، والمدّ عنده رطل وثلث، وقال مالك: نفقة الزوجة غير مقدّرة بل عليه لها الكفاية والاعتبار بقدر كفايتها كنفقة الأقارب، والاعتبار بها لا به، وقال أبو حنيفة: إن كان موسراً فمن سبعة إلى ثمانية في الشهر وإن كان معسراً فمن أربعة إلى خمسة وقال أصحابه : كان يقول هذا والنقد جيّد والسعر رخيص فأمّا اليوم فإنّها بقدر الكفاية، دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم.1
و قال ابن قدامة: والنفقة مقدّرة بالكفاية وتختلف باختلاف من تجب له النفقة في مقدارها وبهذا قال أبوحنيفة ومالك. وقال القاضي: هي مقدّرة بمقدار لا يختلف في القلة والكثرة، والواجب رطلان من الخبز في كلّ يوم في حقّ الموسر والمعسر، اعتباراً بالكفارات، وإنّما يختلفان في صفته وجودته لأنّ الموسر والمعسر سواء في قدر المأكول وفيما تقوم به البنية، وإنّما يختلفان في جودته فكذلك النفقة الواجبة.
و قال الشافعي: نفقة المقتر مدّ بمدّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لأنّ أقلّ ما يدفع في الكفارة إلى الواحد مدّ، واللّه سبحانه اعتبر الكفارة بالنفقة على الأهل فقال سبحانه: (مِنْ أَوسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُم) ( المائدة/89) وعلى الموسر مدّان لأنّ أكثر ما أوجب اللّه سبحانه للواحد مدّين في كفارة الأذى. وعلى المتوسط مدّو نصف، نصف نفقة الموسر ونصف نفقة الفقير.2
و الظاهر من كلام الشيخ وابن قدامة أنّ الخلاف منحصر في الطعام وانّه

1 . الطوسي: الخلاف:3، كتاب النفقات، المسألة 3.
2 . ابن قدامة: المغني: 9، كتاب النفقات:231.

صفحه 364
هل هو مقدّر أو لا، وأمّا الكسوة والسكنى فليس فيهما أي تقدير بشهادة أنّهما لم يشيرا فيهما إلى شيء فهما متروكان إلى العرف وقضائه، لكن الظاهر من الحديث التالي عمومية التقدير للطعام والكسوة.
روى شهاب بن عبد ربه قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) : ما حقّ المرأة على زوجها؟ قال: «يسدّ جوعتَها ويستُر عورتها، ولا يقبّح لها وجهاً فإذا فعل ذلك فقد واللّه أدّى إليها حقّها» فقلت: فالدهن؟قال: «غبّا يوم ويوم لا» قلت: فاللحم؟ قال : «في كلّ ثلاثة، فيكون في الشهر عشر مرّات لا أكثر من ذلك، والصبغ في كلّ ستة أشهر ويكسوها في كلّ سنة أربعة أثواب: ثوبين للشتاء وثوبين للصيف، ولا ينبغي أن يُقْفِر بيته من ثلاثة أشياء: دهنِ الرأس، و الخلّ، والزيت، ويقوتهنّ بالمد فانّي أقوت به نفسي، وليقدر لكلّ إنسان منهم قوته فإن شاء أكله، وإن شاء وهبه، وإن شاء تصدّق به، ولا تكون فاكهة عامة إلاّ أطعم عياله منها ولا يدع أن يكون للعبد عندهم فضل في الطعام أن يسنى لهم في ذلك شيء مالم يسنى لهم في سائر الأيّام».1
إذا وقفت على الأقوال فاعلم أنّ القول بالتقدير خلاف المتبادر من الأدلّة قال سبحانه:(وَ عَلَى المَولُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَ كِسوَتُُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)(البقرة/233) وقوله سبحانه: (لِيُنْفِق ذُو سَعَة مِنْ سَعَتِهِ وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللّهُ لا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاّ ما آتاها)(الطلاق/7) فانّ تحديد الرزق والكسوة بالمعروف، والإنفاق على حدّ القدرة، دليل على أنّه لا تقدير في الإنفاق بقدر خاص وإلاّ كان عليه أن يشير إليه عوض التعليق بهما. ومثله ما ورد في السنة ففي صحيح ابن سنان : «إن أنفق عليها ما يقيم ظهرها مع كسوة وإلاّ فُرِّقَ بينهما».2

1 . الوسائل: 15، الباب 2 من أبواب النفقات، الحديث 1.
2 . الوسائل: 15، الباب 1 من أبواب النفقات، الحديث 1.

صفحه 365
وفي رواية إسحاق بن عمار انّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن حقّ المرأة على زوجها قال: «يُشبع بطنها ويكسو جثّتها وإن جهلت غفر لها».1 وفي صحيح جميل قال: قد روى عنبسة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا كساها ما يواري عورتها، ويُطعمها ما يقيم صلبَها، أقامت معه وإلاّ طلّقها».2 كلّ ذلك يعرب عن أنّ الواجب رفع الحاجة وسدّالخلّة على النحو المعروف والمقدور، قد روى الفريقان أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قال لهند زوجة أبي سفيان: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف». يأمرها با3خذ ما يكفيها من دون تقدير، ومن المعلوم انّ قدر كفا