welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : الصوم في الشريعة الإسلامية الغرّاء_ الجزء الأول*
تألیف :العلاّمة الفقیه جعفر السبحاني*

الصوم في الشريعة الإسلامية الغرّاء_ الجزء الأول

صفحه 1
الصوم
في
الشريعة الإسلامية الغرّاء
الجزء الأوّل
تأليف
العلاّمة الفقيه
جعفر السبحاني

صفحه 2
اسم الكتاب:    الصوم في الشريعة الإسلامية الغرّاء
المؤلف:    العلاّمة الفقيه جعفر السبحاني
الطبعة:   الأُولى
المطبعة:    اعتماد ـ قم
الجزء:    الأوّل
التاريخ:   1420 هـ
الكمية:   1500 نسخة
الناشر: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
الصفّ والإخراج باللاينوترون: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)

صفحه 3
بسم الله الرحمن الرحيم

صفحه 4

صفحه 5
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد للّه الذي فرض الصيام على عباده، تزكية لنفوسهم وتطهيراً لأبدانهم وانكساراً لشهواتهم. فرضه سبحانه عليهم ليذوق الغني مس الجوع ويرق على الضعيف، ويرحم الجائع.
والصلاة والسلام على أفضل خليقته وخاتم رسله محمد وآله الذين أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.
أمّا بعد، فقد رغَّب إليَّ حضار بحوثي الفقهية ـ بعد إنهاء البحث من كتاب الخمس ـ إلقاء محاضرات حول الصوم وأحكامه ومسائله وما يمت إليه بصلة من أحكام الكفارات وغيرها، فنزلت عند رغبتهم، وألقيت محاضرات على غرار مباحث كتاب العروة الوثقى للسيد الفقيه الجليل محمد كاظم الطباطبائي اليزدي(قدس سره).
فهذه الصحائف تحوي على فذلكة ما ألقيته من محاضرات بعبارات موجزة خالية عن الإطناب الممل والإيجاز المخل، عسى أن ينتفع بها الإخوة المؤمنون، فما كان به من صواب فمن فضل ربي، و ما كان فيه من خطأ وزلل فمن نفسي، فانّ العصمة للّه ولمن عصمه.
المؤلف

صفحه 6

صفحه 7
كتاب الصوم
وهو الإمساك عمّـا يأتي من المفطرات بقصد القربة. (*)
ــــــــــــــــــــــــــــ

أقسام الصوم وحكم المفطر والمستحل

(*) الصوم في اللغة: مطلق الإمساك.
قال ابن منظور في اللسان: كلّ ممسك عن طعام أو كلام أو سير، فهو صائم.
وقال الفيروز آبادي في القاموس: صام، يصوم، أمسك عن الطعام والشراب والكلام والنكاح.
ويؤيد ذلك قوله سبحانه مخاطباً مريمَ العذراء: (فَقُولِي إِنِّي نَذَرتُ لِلرَّحْمنِ صَوماً فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَومَ إِنْسِيّاً) .1
فقولها: (فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوم) تفسير ما نذرته من الصوم، أعني: الإمساك عن الكلام في المقام، لا الطعام والشراب بشهادة انّها أُطعِمتْ من الرطب قال

(1) مريم:26.

صفحه 8
سبحانه: (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيكِ رُطَباً جَنِيّاً) .1
وفي عرف الشرع أو المتشرعة: الكف عن المفطرات مع قصد القربة، كما عرّفه المحقّق في الشرائع.
يلاحظ على التعريف: أوّلاً: أنّ المطلوب في النواهي هو نفس عدم صدور الفعل، لا صدور فعل منه كالكف فانّه فعل للنفس، فيرجع النهي عندئذ إلى الأمر.
وثانياً: أنّ التعريف غير مطّرد لشموله الكف في الليل، وكان عليه أن يزيد في التعريف قوله: من طلوع الفجر الثاني إلى ذهاب الحمرة المشرقية، كما عليه العلاّمة في الإرشاد.2
والدليل قوله سبحانه: (حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُالأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِالأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ) .3
وعرّفه العلاّمة بقوله: توطين النفس على الامتناع عن المفطرات مع النية.4
وهذا التعريف سالم عن كلا الإشكالين، وقد ذيّل في كلامه قوله: من طلوع الفجر الثاني إلى ذهاب الحمرة المشرقية.
ثمّ إنّ المراد من توطين النفس على الامتناع هو الأعم، أي سواء كان المقتضي موجوداً كما إذا كان المأكول والمشروب في متناوله أو لا، فيكفي كونه عازماً على ترك المفطرات وجد أم لم يوجد، كما أنّه تكفي النية الإجمالية على ترك المفطرات وإن لم يعرفها تفصيلاً. ولو قلنا باشتراط التفصيل يلزم بطلان صوم كثير من

(1) مريم:25.
(2) مجمع الفائدة و البرهان:5/7، قسم المتن.
(3) البقرة:187.
(4) إيضاح الفوائد في شرح القواعد:1/219.

صفحه 9
وينقسم إلى: الواجب، والمندوب، والحرام، والمكروه بمعنى قلّة الثواب.
والواجب منه ثمانية:صوم شهر رمضان،وصوم القضاء، وصوم الكفّارة على كثرتها، وصوم بدل الهدي في الحجّ، وصوم النذر والعهد واليمين، وصوم الإجارة ونحوها كالشروط في ضمن العقد، وصوم الثالث من أيّام الاعتكاف، وصوم الولد الأكبر عن أحد أبويه. ووجوبه في شهر رمضان من ضروريّات الدين، ومنكره مرتدّ يجب قتله، ومن أفطر فيه ـ لامستحلاً ـ عالماً عامداً يعزّر بخمسة وعشرين سوطاً، فإن عاد عزّر ثانياً، فإن عاد قتل على الأقوى. وإن كان الأحوط قتله في الرابعة. وإنّما يقتل في الثالثة أو الرابعة إذا عزّر في كلّ من
ــــــــــــ
الناس، لأنّ أغلب الناس غير واقفين على عامّة المفطرات وأحكامها.
ثمّ إنّ واقع الصوم هو توطين النفس على ترك المفطرات في الفترة الخاصة، فيدخل فيه من أفطر ساهياً لعدم المنافاة بين التوطين وصدور المفطِّر سهواً. وإن أبيت إلاّعن دخول «ترك المفطرات» في ماهية الصوم لا مجرد «توطين النفس» فيدخل من أفطر نسياناً في الصوم حكماً لا موضوعاً.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الصوم من أعظم الفرائض، وكفى فيه ما روي عن زرارة بسند صحيح عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «بني الإسلام على خمسة أشياء:على الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والولاية. وقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): الصوم جنّة من النار».1
ثمّ إنّ المصنّف ذكر في المقام أُموراً نشير إليها واحداً بعد آخر.

(1) الوسائل: 7، الباب 1 من أبواب الصوم المندوب، الحديث 1.

صفحه 10
المرّتين أو الثلاث وإذا ادّعى شبهة محتملة في حقّه دُرئ عنه الحدّ.(*)
ـــــــــــــــــ

(*) أ. تقسيم الصوم إلى أقسام أربعة

ينقسم الصوم إلى: الواجب كصوم شهر رمضان، والمندوب كصوم عرفة، والحرام كصوم العيدين، والمكروه كصوم يوم عاشوراء ولا ينقسم إلى المباح، لأنّ العبادة تتقوم برجحان العمل، والمباح ما يكون فيه الطرفان سواء.
كما أنّ الكراهة في العبادات بمعنى كونه أقلّ ثواباً ـ كالصلاة في الحمام ـ لا بمعنى وجود منقصة وحزازة في العمل ـ كما هو الحال في سائر المكروهات ـ وإلاّفالصوم المكروه لا يصلح للتقرب ،لأنّ ما كان مبغوضاً للمولى أو تركه راجحاً على فعله لا يكون مقرّباً، فلذلك فسّروا الكراهة في العبادة بمعنى كونه أقلّ ثواباً من فرد أو نوع آخر مع رجحانه في ذاته.
ثمّ إنّ المصنّف ذكر للصوم الواجب أقساماً ثمانية مع أنّه أكثر من ثمانية، كصوم من نام عن العشاء حتى طلوع الفجر فصيام ذلك اليوم واجب عند جماعة، والصوم الواجب بأمر الأب أو الجدّ; ولعلّه ترك الأوّل لعدم ثبوته عنده، وأمّا الثاني فهو داخل في بعض هذه الأقسام، وأمّا البحث عن أحكام هذه الأقسام فموكول إلى محله.

ب. وجوب الصوم من ضروريات الدين

والمراد من الضروريات هي التي لا يكاد تختفي شرعيتها على من تديّن بشريعة الإسلام، والصلاة و الصوم من هذا القبيل.
وهل إنكار الضروري بنفسه موجب للارتداد، أو لأجل كونه ملازماً لإنكار الرسالة؟ والحقّ هو الثاني، فليس هو سبباً مستقلاً للكفر.

صفحه 11
نعم، السبب هو وجود الملازمة عند المنكر لا عند المسلمين، فلو أنكر عن شبهة فليس بمرتد.كما هو الحال فيمن نشأ في البلاد النائية عن الإسلام والمسلمين.
والحاصل: انّ الإنكار إذا كان عند المنكر طريقاً لإنكار الرسالة فهو مرتد، وإلاّفلا. والتفصيل في محلّه.

ج. حكم منكر وجوب الصوم

إذا كان وجوب الصوم من الضروريات، فمنكره محكوم بالارتداد، والمرتد يقتل إذا كان الارتداد عن فطرة، وإلاّ فيستتاب، فإن لم يتب قتل كما في المرتد عن فطرة. والتفصيل في محله.
ويدل على القتل في خصوص الصوم صحيحة بريد العجلي، قال: سئل أبو جعفر (عليه السلام)عن رجل شهد عليه شهود أنّه أفطر من شهر رمضان ثلاثة أيّام، قال: «يُسأل هل عليك في إفطارك إثم؟ فإن قال: لا، فإنّ على الإمام أن يقتله، وإن قال: نعم، فإنّ على الإمام أن ينهكه ضرباً».
وروى الصدوق باسناده عن الحسن بن محبوب مثله.1

د. من أفطر لا مستحلاً

إذا أفطر في شهر رمضان لا مستحلاً، عالماً عامداً، ذهب المصنّف إلى أنّه يعزّر بخمسة وعشرين سوطاً; لخبر المفضّل بن عمر، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)في رجل أتى امرأته وهو صائم وهي صائمة، فقال: «إن كان استكرهها فعليه كفّارتان، وإن كانت طاوعته فعليه كفّارة وعليها كفّارة، وإن كان أكرهها فعليه ضرب

(1) الوسائل: 7، الباب 2 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 1.

صفحه 12
خمسين سوطاً نصف الحدّ، وإن كانت طاوعته ضرب خمسة وعشرين سوطاً وضربت خمسة وعشرين سوطاً».1
وفي سند الحديث: علي بن محمد بن بندار، عن إبراهيم بن إسحاق الأحمر; وكلاهما لم يوثّقا.
مضافاً إلى أنّ الراوي هو المفضّل بن عمر، وقد اختلفت كلمات الرجاليّين في حقّه، وإن كان الحقّ كونه ثقة، وقد أملى الإمام (عليه السلام)عليه رسالة مفصلة في التوحيد، وهو كاشف عن جلالة مقامه، وإلاّ لما بذل الإمام (عليه السلام)له هذا الجهد الأكيد.
ولكن المحقّق اعتذر عن ضعف السند بأنّ علماءنا ادّعوا على ذلك إجماع الإمامية، فيجب العمل بها، وتُعلم نسبة الفتوى إلى الأئمّة (عليهم السلام)باشتهارها، وستوافيك عبارته عند البحث في كفارة الصوم.
وعلى كلّ تقدير فالرواية واردة في خصوص الجماع، وفي غيره يرجع إلى إطلاق رواية العجلي الذي جاء فيه، قوله:« فإنّ على الإمام أن ينهكه ضرباً» فيكون موكولاً إلى نظره.

هـ. قتل المفْطِر غير المستحلّ في الثالثة

إذا عاد المفطر عزّر ثانياً، فإن عاد قتل في الثالثة، والدليل على ذلك صحيح سماعة، قال: سأله عن رجل أُخذ في شهر رمضان وقد أفطر ثلاث مرّات وقد رفع إلى الإمام ثلاث مرّات؟ قال: «يقتل في الثالثة».2
والمراد برفعه إلى الإمام، هو إجراء الحدّ عليه لا مطلق رفع أمره وإن لم يجر

(1) الوسائل: 7، الباب 12 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الإمساك، الحديث 1.
(2) الوسائل: 7، الباب 2 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 1.

صفحه 13
عليه الحد.
وممّا يدل على القتل في الثالثة صحيح يونس عن أبي الحسن الماضي(عليه السلام)، قال: «أصحاب الكبائر كلّها إذا أُقيم عليهم الحدّمرّتين قتلوا في الثالثة».1
وقد احتاط المصنّف بقتله في الرابعة، وليس له دليل صالح سوى موثقة إسحاق بن عمار في مورد الزنا.2 ومرسلة الكليني الظاهرة في مورد الخمر3. والتفصيل في محلّه.
وفي الختام لو ادّعى المفطر الشبهة يقبل قوله، كما إذا قال: لم أكن عالماً بالحكم الشرعي، فلا يجري عليه الحدّ، لمرسلة الصدوق عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)أنّه قال: «ادرأوا الحدود بالشبهات».4
والحديث وإن كان مرسلاً لكن الصدوق ينسبه إلى الرسول ويقول: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم).

(1) الوسائل:الجزء 18، الباب 5 من أبواب مقدمات الحدود، الحديث 1، 2.
(2) الوسائل:الجزء 18، الباب 5 من أبواب مقدمات الحدود، الحديث 1، 2.
(3) الوسائل: الجزء 18، الباب 11 من أبواب حد المسكر، الحديث 7.
(4) الوسائل: الجزء18، الباب 24 من أبواب مقدمات الحدود، الحديث 4.

صفحه 14

الفصل الأوّل

في النيّة

يجب في الصوم القصد إليه مع القربة والإخلاص كسائر العبادات ولايجب الإخطار، بل يكفي الداعي ويعتبر فيما عدا شهر رمضان حتى الواجب المعيّن أيضاً القصد إلى نوعه من الكفّارة أو القضاء أو النذر مطلقاً كان أو مقيّداً بزمان معيّن، من غير فرق بين الصوم الواجب والمندوب، ففي المندوب أيضاً يعتبر تعيين نوعه من كونه صوم أيّام البيض، مثلاً، أو غيرها من الأيّام المخصوصة، فلايجزي القصد إلى الصوم مع القربة من دون تعيين النوع من غير فرق بين ما إذا كان ما في ذمّته متّحداً أو متعدّداً، ففي صورة الاتّحاد أيضاً يعتبر تعيين النوع، ويكفي التعيين الإجماليّ كأن يكون ما في ذمّته واحداً، فيقصد ما في ذمّته وإن لم يعلم أنّه من أيّ نوع، وإن كان يمكنه الاستعلام أيضاً، بل فيما إذا كان ما في ذمّته متعدّداً أيضاً يكفي التعيين الإجماليّ، كأن ينوي ما اشتغلت ذمّته به أوّلاً أو ثانياً أو نحو ذلك.(*)
ــــــــــــــــ

(*) الفصل الأوّل في النيّة

يجب في الصوم الإتيان به خالصاً لوجه اللّه، ويدل على كونه من العبادات ارتكاز عامّة المسلمين بل أهل الكتاب الذين كتب عليهم الصيام كما كتب علينا، ويؤيده قوله سبحانه في ذيل الآية: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون)1 لأنّ التقوى تأتي

(1) البقرة:183.

صفحه 15
نتيجة العمل الذي يقوم به الإنسان لوجه اللّه، وإلاّفالعمل النابع عن الهوى لا يورث التقوى.

لا يجب الإخطار بل يكفي الداعي

العبادات أعمال اختيارية شُـرِّعت لغايات خاصة، ومثلها لا تنفك عن النية ويكون اشتراط النية ـ حسب الظاهر ـ أمراً زائداً ، ولكن الذي صار سبباً لذكر النية فيهاـ إمّا ركناً داخلاً في جوهر العبادة أو شرطاً خارجاً عنها كما هو الحقّـ هو انّ النية بالمعنى المتقدم (صدور الفعل عن قصد وإرادة) غير كاف في صحتها بل لابدّمن إتيان الفعل لوجه اللّه لا لداع آخر والذي يُعبَّـر عنه بقصد القربة أو قصد الأمر، وعندئذ يقع الكلام فيما هو الواجب في باب النية (بهذا المعنى لا بمعنى القصد و الإرادة) ، فهل هي الإخطار بالبال عند الإتيان بالعمل، أو هو الداعي إلى الفعل المركوز في النفس؟
فالنية على المعنى الأوّل من مقولة حديث النفس و من باب التصوّر الفكري، و على الثاني عبارة عن الداعي الذي يحصل منه انبعاث وميل إلى العمل، فالدواعي المركوزة في نفس المصلّي، إمّا الإذعان بكونه سبحانه أهلاً للعبادة، أو الخوف من ناره والطمع في جنته، وكلّ يدعو الإنسان إلى العمل ويدفعه إلى الامتثال.
وبعبارة أُخرى: النية بالمعنى الأوّل عبارة عن العلم التفصيلي بالفعل وغايته، وأكثر من قال بأنّه من قبيل الإخطار يريد انّ المكلّف يُخطر بباله : انّه يأتي بالعمل قربة إلى اللّه لتكون النية عبارة عن العلم التفصيلي بالعمل وغايته.
وأمّا النية بالمعنى الثاني، فليس فيه علم تفصيلي بل علم إجمالي ارتكازي بحيث لو سئل لأجاب بأنّه يصلّي لوجه اللّه.

صفحه 16
إذا عرفت الفرق بين المعنيين فنقول: لا شكّ في أنّ الإخطار بالبال مجز قطعاً، إنّما الكلام في كونه واجباً وعدم كفاية الداعي.
والظاهر كفايته لوجهين:
أ. انّ القيام بالصلاة والصوم كالقيام بسائر العبادات كقراءة القرآن والزيارات والأذكار وغيرها، فلا نجد أحداً يأتي بها بنحو الإخطار بالبال، بل يقتصر فيها بالداعي بحيث لو سئل عن عمله يقول: أقرأ القرآن للّه تبارك و تعالى.
فإذا كانت النية بمعنى الداعي كافية في سائر العبادات فالجميع من باب واحد.
ب. انّ تفسير النية بالإخطار بالبال يستلزم لزوم بقائه في ذهنه غير ذاهل عنه إلى آخر العمل، وهذا يصحّ في العبادات الفعلية كالصلاة فانّ المصلي لا يذهل عمّـا نواه في أوّل الصلاة إلى نهايتها، وأمّا العبادات الفاعلية كالصوم والوقوف في منى وعرفات فربما يكون الإنسان ذاهلاً، كالنائم في صوم رمضان و في أوقات الوقوف بمنى وعرفات، فتلزم صحة العمل بلا نية، وهذا بخلاف ما فسرنا النية بالداعي المركوز في ذهنه فهو موجود في ذهن الصائم والواقف في الموقفين سواء كان مستيقظاً أو نائماً، متوجهاً أو ذاهلاً، إذ كلّما سئل عن العمل وعلته لأجاب بأنّه قام به لإنجاز التكليف وهذا الأمر الموجود المركوز في الذهن هي النية اللازمة في العبادات الفعلية والفاعلية من أوّل العمل إلى نهايته.

اعتبار قصد النوع

لا شكّ انّ الصوم على أنواع مختلفة، فقد يكون واجباً، كصوم شهر رمضان أو صوم كفّارة أو صوم قضاء أو صوم نذر يوم خاص.
ومثله صوم اليوم المندوب، فقد يكون مندوباً على وجه الإطلاق، وقد يكون

صفحه 17
في يوم معين كصوم الأيّام البيض.
فهل يكفي قصد مطلق الصوم من دون قصد النوع من كونه من رمضان أو صوم قضاء أو صوم كفارة أو لا؟
ذهب المحقّق في الشرائع إلى التفصيل وقال:ويكفي في رمضان أن ينوي انّه يصوم متقرباً إلى اللّه، وهل يكفي ذلك في النذر المعيّن، قيل: نعم، وقيل: لا، وهو الأشبه، ولابدّفيما عداهما من نية التعيين، وهو القصد إلى الصوم المخصوص، فلو اقتصر على نية القربة وذهل عن تعيينه لم يصح.1
وعلى ذلك فالمحقّق يفصّل بين شهر رمضان فلا يعتبر فيه قصد النوع، وبين صوم القضاء والكفارة فيعتبر فيهما نية النوع، ويتردّد في النذر المعين ويميل إلى أنّه يصوم بعنوان انّه صوم نذر.
وقد نقل عن العلاّمة وغيره أقوال ونظريات لا حاجة إلى ذكرها، لأنّ المسألة من المسائل المستنبطة والتفريعية وليست من المسائل المنصوصة و المتلقاة عن الأئمة ، فلكلّ نظره ودليله، فنقول: يقع الكلام في مقامات:

الأوّل: إذا كان عليه أنواع من الصوم بلا تقيد بزمان

إذا كان عليه أنواع من الصوم، كالكفارة والقضاء والنذر المطلق (إذا نذر أن يصوم يوماً) فأراد أن يصوم لإبراء ذمته مما اشتغلت به ذمته، فهل يجب عليه تعيين النوع بكونه صوم كفارة أو صوم قضاء أو صوم نذر أو لا؟
وبعبارة أُخرى: إذا وجب عليه صوم ثلاثة أيّام، للكفارة والقضاء والنذر، فهل يكفي صوم ثلاثة أيام له سبحانه من دون أن ينوي صوم كلّ نوع أو لا يكفي؟ وجهان:

(1) الشرائع:1/139.

صفحه 18
1. انّ الواجب عليه الصوم الكلي المشترك بين أفراده، فإذا صام ثلاثة أيام، فقد قام بواجبه، مثل ما إذا كان لزيد على عمرو دراهم ثلاثة لكلّ درهم سبب خاص من قرض أو ضمان أو نذر، فدفع إليه دراهم ثلاثة في فترات متباعدة، فتبرأ ذمّته من دون أن يقصد في كلّ إعطاء سبباً خاصاً.
2. لا يكفي، لأنّ الواجب ليس هو الصوم الكلي في ضمن أفراد، بل الواجب الصوم الخاص المعنون بأحد هذه العناوين الماضية.
والحقّ هو الثاني، وانّ الواجب ليس مطلق الصوم، بل الصوم المعنون بأحد هذه العناوين، و يمكن إثباته بالوجهين التاليين:
الأوّل: ما سلكه سيّد مشايخنا المحقّق البروجرديّ في تعليقته الشريفة ونوّه به أيضاً في درسه الشريف، وهو أنَّه يجب قصد العناوين المأخوذة في موضوعات التكاليف ومتعلّقات الأمر، إذا كان الأمر تعبدياً كالقضاء والكفّارة والنذر وإن لم يجب التعرض لسائر خصوصيات التكليف من كونه واجباً أو ندباً، وعلى ذلك فليس الواجب مطلق الصوم بل المعنون بواحد من هذه العناوين، فلو قصد مطلق الصوم لا يحسب لواحد منها ولا يسقط الأمر.
أقول: إنّ هذا الدليل متين لو ثبت انّ هذه العناوين، عناوين تقييدية لا تعليلية، فقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «كفّر» في مقابل كلام الأعرابي حيث قال: «هلكت وأهلكت،وواقعت أهلي في شهر رمضان» يحتمل الأمرين.
كما يحتمل أن يكون موضوعاً للحكم كالصلاة والغصب، يحتمل أن يكون علّة للحكم أي يجب الصيام للتكفير وقضاء ما فات.
اللّهمّ إلاّأن يدّعي ظهورها في كونها عناوين تقييدية، كما هو ليس ببعيد.
فإن قلت: إنّ ذلك يتمّ في عنوان القضاء، وأمّا عنوان الأداء فما الدليل على لزوم قصده مع عدم وقوعه تحت الأمر كالقضاء؟

صفحه 19
قلت: نعم هو أيضاً واقع تحت الأمر، وذلك لأنّ المكلّف مأمور بإتيان الأجزاء والقيود في الوقت، فإتيانها فيه من القيود فيلزم قصده في ضمن قصد العنوان المشتمل على جميع الأجزاء والقيود ولو بعنوان إجمالي . اللّهمّ إلاّأن يقال: انّ الواجب هو الإتيان بالأجزاء والقيود في الوقت، وإن لم يلتفت إلى أنّ الإتيان في الوقت ، لا قصد الإتيان بها فيه، ولكنّه كما ترى مخالف لارتكاز المتشرعة.
الثاني: ما سلكه العلمان الحكيم والخوئي ـ قدّس اللّه سرّهما ـ وهو استكشاف اختلاف الطبائع من اختلاف الآثار، أي أنّ طبيعة صوم القضاء غير طبيعة صوم الكفارة، وطبيعتهما غير طبيعة صوم النذر، وإنّما يستكشف اختلاف الطبائع من اختلاف آثارها. كما هو الحال في غير هذا المورد، فطبيعة صلاة الظهر غير طبيعة صلاة العصر، بشهادة اختلاف آثارهما حيث يجب تقديم الأُولى على الثانية، ولو نواها يجب العدول إلى الأُولى، مثل اختلاف صلاتي الفجر ونافلتها، فيجوز تقديم النافلة على الفجر دون صلاة الفجر، كما لا يجوز تأخيرها عن الحمرة المشرقية بخلاف صلاة الفجر، وبذلك يستكشف انّ هاهنا موضوعات مختلفة لها آثار كذلك وليس ما به الاختلاف في الموضوع إلاّقصد عنوان الظهر والعصر والفجر والنافلة.
وأمّا اختلاف الآثار في المقام، فانّ القضاء يسقط إذا استمر المرض إلى شهر رمضان الآتي بخلاف الكفّارة فلا تسقط، كما أنّ لصوم الكفارة بدلاً وليس لصوم القضاء بدل، وبذلك يستكشف اختلاف الموضوع وليس له مصدر إلاّ أخذ هذه العناوين فيها مع قصدها.
أضف إلى ذلك استمرار سيرة المسلمين وارتكازهم على لزوم القصد.
والحاصل: انّ الصوم في عامة الموارد عمل واحد، وهو توطين النفس على ترك المفطرات، غير انّ اختلاف الأثر في أنواع ذلك العمل الواحد يقتضي أخذ

صفحه 20
عنوان في كلّ نوع ليتميز به عن غيره، وعندئذ يكون موضوعاً للأثر الخاص وليس هو إلاّعنوان القضاء أو الكفّارة، فيكون الواجب هو الصوم المقيد بأحدهما ولا يسقط إلاّ بالإتيان بالقيد.
فإن قلت: إنّ صوم الصبي يختلف حكماً مع صوم البالغ والأثر متعدّد ولكن الطبيعة واحدة.
قلت: إنّ الاختلاف في الأثر إنّما يكشف عن تعدّد الموضوع إذا كان اختلاف الأثر راجعاً إلى الموضوع لا إلى المكلّف، فالصوم قضاء يختلف حكمه عن الصوم كفارة، وأمّا اختلاف صوم الصبي مع صوم البالغ فيرجع اختلافهما إلى الاختلاف في المكلَّف لا في الموضوع، أعني: الصوم، حيث يجب على البالغ دون الصبي، ففي مثله لا مانع من أن يكون الموضوع نوعاً واحداً، والحكم مختلفاً، واجباً على المكلّف، ومستحباً على غيره.

حكم صورة الشك

ثمّ إذا شككنا في شرطية قصد العنوان وعدمه، فهل المرجع هو البراءة بحجّة انّ الشك في شرطية قصد النوع في المتعلّق فيكون في باب الشكّ بين الأقل والأكثر، أو الاشتغال بحجّة انّ مرجع الشكّ يعود إلى كيفية إطاعة الأمر المتحقّق؟ وأنَّ الأمر هل يسقط بمجرّد الإتيان بلا إشارة إلى النوع، أو لا يسقط إلاّبقصد النوع؟ والثاني هو المتعين.

الثاني: إذا كان عليه صوم زمان معين

إذا نذر المكلّف أن يصوم أوّل خميس من شهر رجب، فهل يكفي مطلق الصوم وإن لم يقصد نوعه، أو لا يكفي ولابدّمن قصد نوعه؟ تظهر الثمرة فيما إذا نذر صوم يوم معيّن ثمّ ذهل وصام ذلك اليوم بلا تعيين نوعه والتفات إلى نذره.

صفحه 21
قال الشيخ: يفتقر لأنّه زمان لم يعيّنه الشرع في الأصل للصوم، فافتقر إلى التعيين، وقيل لا يُفتقر لأنّ الشرع وإن لم يُعيِّـن زمانه في الأصل فقد تعيّـن بالنذر، وكما لا يفتقر رمضان إلى نية التعيين لتعيّـن زمانه هكذا النذر.1
الظاهر كفايته، لأنّ محلّ الكلام فيما إذا لم يتعلّق بذمته صوم قضاء أو كفارة بناء على عدم صحّة نذر التطوع لمن عليه شيء من الفرض كما سيوافيك، وإلاّفيدخل في المسألة السابقة. وعندئذ يصحّ وإن لم ينو العنوان. لأنّ الزمان لا يصلح إلاّللصوم المقدور ويُعدّ الزمان من مشخصاته. نعم لو فاته صوم فرض بعد تعلّق النذر، يلزم عليه تعيين العنوان للوجه المتقدم.
فإن قلت: كيف يصحّ ويُجزي عن الواجب، مع أنّ اليوم صالح لإطاعة أمرين: أحدهما: الأمر الاستحبابي المتعلّق بصوم كلّ يوم، والثاني: الأمر النذري المتعلّق بصيام ذلك اليوم، ومع تعدّد الأمرين وإمكان امتثالهما كيف يجزي عن الواجب؟
قلت: يكفي قصد الأمر الاستحبابي، ولا يجب قصد الأمر النذري .
توضيحه: انّه يشترط في صحّة النذر، رجحان متعلّقه، وبما انّ صوم كلّ يوم مستحب ـ عدا العيدين ـ صار المتعلّق راجحاً، وبذلك صحّ نذر صومه، وعلى ذلك فالعمل بما هوهو، مستحب، وبما انّه مصداق الوفاء بالنذر واجب بالعرض، والأمر الأوّل، تعبدي يجب قصده والمفروض قصده حيث قصد صيام الغد الملازم لقصد امتثال أمره، والأمر الثاني توصلي لا يجب قصده، فتكون النتيجة انّ امتثال صوم الغد الملازم لامتثال أمره إجمالاً كاف، وإن لم يقصد الأمر النذري و ما هذا إلاّ لأنّه لم يقصد بالنذر إلاّ امتثال ذلك الأمر الاستحبابي والمفروض أنّه قصده، ومالم يقصده، لا يجب قصده.

(1) الجواهر:16/189.

صفحه 22
و ما ربما يقال: بأنّ التعيّن الواقعي لا يكفي في انطباق ما في الذمة من حقّ الغير عليه1 غير تام، وذلك لأنّ الانطباق أمر قهري، والمفروض انّ الزمان لا يصلح إلاّ لهذا النوع من الصوم وليس لهذا الصوم النذري واقع سوى الإتيان به بالأمر الندبي المتعلّق به، والمفروض أنّه أتاه بنفس ذلك الأمر، فلا يبقى وجه لعدم الصحّة.
وهذا نظير ما إذا كان لزيد في ذمّة عمرو دينار، فدفع الثاني إليه الدينار ذاهلاً عن كلّ عنوان، فإنّه كاف في براءة ذمّته.
وربما يقال بأنّه يجب لزوم قصد النوع في النذر، لأنّ النذر يستلزم كون الفعل المنذور ملكاً للّه سبحانه على المكلّف كما هو الظاهر، ويقتضيه مفهوم صيغة النذر، وتسليم ما في الذمة يتوقف على قصد المصداقية ولولاه لما تعيّـن الخارج بذلك كما في سائر موارد ما في الذمة من الديون المالية عيناً كان أو فعلاً.2
يلاحظ عليه: بالإشكال في المشبّه والمشبه به.
أمّا الأوّل، فلأنّ مفاد صيغة النذر وضع تكليف على ذمّته لوجه اللّه لا تمليك شيء للّه سبحانه في ذمّته.
وأمّا الثاني، فلأنّ عدم الكفاية أوّل الكلام، لأنّ الدائن لم يكن يملك على ذمة المديون إلاّ ديناراً، وقد ملّكه المديون وملكه الدائن وإن لم يقصد العنوان.

الثالث: تعيين نوع المندوب

هل يعتبر تعيين النوع المندوب؟ اختار المصنّف لزومه قائلاً بأنّه يعتبر تعيين نوعه من كونه صومَ أيّام البيض أو غيرها من الأيّام المخصوصة، فلا يجزي القصد

(1) المستمسك:8/199.
(2) المستمسك:8/198.

صفحه 23
وأمّا في شهر رمضان فيكفي قصد الصوم وإن لم ينو كونه من رمضان، بل لو نوى فيه غيره جاهلاً أو ناسياً له أجزأ عنه، نعم إذاكان عالماً به وقصد غيره لم يجزه، كما لايجزي لما قصده أيضاً بل إذا قصد غيره عالماً به مع تخيّل صحّة الغير فيه ثمّ علم بعدم الصحّة وجدّد نيّته قبل الزوال لم يجزه أيضاً بل الأحوط عدم الإجزاء إذا كان جاهلاً بعدم صحّة غيره فيه وإن لم يقصد الغير أيضاً، بل قصدالصوم في الغد مثلاً فيعتبر في مثله تعيين كونه من رمضان كما أنّ الأحوط في المتوخّي أي المحبوس الّذي اشتبه عليه شهر رمضان وعمل بالظنّ أيضاً ذلك، أي اعتبار قصد كونه من رمضان، بل وجوب ذلك لايخلو عن قوّة.(*)
ـــــــــــــ
إلى الصوم مع القربة من دون تعيين النوع، ولكن الظاهر عدم لزومه، لأنّ مفاد الأمر بصوم أيّام البيض في رواية الزهري عن علي بن الحسين1 هو أن يصوم تلك الأيام للّه والمفروض انّه قد صام بهذه النيّة.
وأمّا لزوم صومها بعنوان أيّام البيض فلم يدل عليه دليل.
وإن شئت قلت: إنّ الزمان يعدّمن مشخصات صوم ذلك اليوم، فقد صام أيام البيض قاصداً للّه وليس وراء ذلك مطلوب حتى يُقصد.
وبعبارة واضحة: انّ المطلوب صوم أيّام البيض بالحمل الشائع الصناعي وقد صامها لا صومها بعنوان الحمل الأوّلي.

(*) الرابع : حكم شهر رمضان

قد اتضح ممّا ذكرنا لزوم قصد العنوان فيما إذا كان الزمان صالحاً لأزيدَ من

(1) الوسائل: 7، الباب 5 من أبواب الصوم المندوب، الحديث 1.

صفحه 24
نوع واحد وعدم لزومه فيما إذا لم يصلح إلاّ لنوع واحد، ولذلك قلنا بعدم لزوم قصد النوع في المنذر والمندوب المعيّنين، وعندئذ يقع الكلام في حكم صوم شهر رمضان، فهل يكفي في صحّة صوم شهر رمضان قصد الصوم وإن لم يقصد كونه من رمضان ؟ هناك صور ذكرها المصنِّف ونحن نقتفيه.

الأُولى: إذا نوى صوم الغد لوجه اللّه

إذا نوى في شهر رمضان صوم الغد متقرباً إلى اللّه، كفى من غير حاجة إلى التعرّض بكونه من ذلك الشهر وذلك ببيانين:
1. انّ الزمان يُعيِّن نوع الصوم والمفروض انّه قصد صوم ذلك الزمان فينطبق قهراً على صوم شهر رمضان، فما هو الواجب هو قصد صوم الغد وأمره وقد حصل. وأمّا ما لم يحصل وهو قصد كونه صوم شهر رمضان فليس واجباً.
2. انّ الواجب هو صوم شهر رمضان مجرّداً عن قصد صوم نوع آخر كالكفارة والقضاء على نحو السلب التحصيلي لا السلب المعدولي، والمفروض انّه إذا صام يوم الغد ولم يضمّ عنواناً آخر فقد تحقق الواجب مع السلب التحصيلي.
وامّا قصد كونه من شهر رمضان فلم يدل عليه دليل، قال سبحانه: (وَمَنْ شَهِدَ الشَّهْر فَلْيَصُمْه)1 والمفروض انّه صام الشهر بالحمل الشائع الصناعي وإن لم يصمه بالحمل الأوّلي الذاتي.
وبذلك يظهر النظر فيما ذكره المصنف في آخر المسألة: الأحوط عدم الإجزاء إذا كان جاهلاً بعدم صحّة غيره وإن لم يقصد الغير بل قصد الصوم في الغد فيعتبر في مثله تعيين كونه من رمضان.

(1) البقرة:185.

صفحه 25

الثانية: لو نوى فيه غيره جاهلاً أو ناسياً له

إذا نوى صوم غير شهر رمضان مع كونه جاهلاً أو ناسياً.1
إنّ الجهل والنسيان تارة يتعلّق بالموضوع كأن يجهل انّ الغد شهر رمضان أو ينسى انّه منه، وأُخرى بالحكم كأن يجهل عدم صحّة غير صوم رمضان فيه، أو نسي لكن مع العلم بالموضوع.
والظاهر من المحقّق الحلّي انّ محط البحث هو الأوّل، ولكن الظاهر من المحقّق الخوئي انّ محطّه هو الثاني وإن أشار في ثنايا كلامه إلى صورة نسيان الموضوع والظاهر من المصنِّف في المسألة السادسة هو الأعم.
قال المحقّق: إذا نوى الحاضر في شهر رمضان، غيره من الصيام، مع جهالته بالشهر، وقع عن رمضان لا غير، وقيل: لا يجزي مع العلم، لأنّه لم يطلق فيصرف إلى صوم ذلك الزمان، وصرف الصوم إلى غيره لا يصحّ، فلا يجزي عن أحدهما، والأوّل أولى، لأنّ النيّة المشترطة حاصلة، وهي نية القربة، وما زاد لغو لا عبرة به، فكان الصوم حاصلاً بشرطه، فيجزي عنه.2
وقال في المدارك في تفسير عبارة المحقّق: وإطلاق العبارة يقتضي عدم الفرق في ذلك بين الجاهل بالشهر والعالم به، وبهذا التعميم قطع في المعتبر.3
ثم إنّ البحث فيما إذا كان مكلفاً بصيام شهر رمضان وصام فيه غيره ، دون

(1) البحث في المقام مركز على ما إذا كان مكلّفاً بالصوم ، و مع ذلك صام عن غيره فلا يقع عن غيره ـ بكلمة واحدة ـ وأمّا وقوعه عن رمضان ففيه التفصيل بين العلم والجهل، وأمّا البحث في المسألة السادسة فالواجب تخصيصها بما إذا لم يكن مكلفاً بصوم رمضان كالمسافر فيقع الكلام في وقوعه عن غيره أو لا، وليس هناك موضوع للتفصيل بين العلم والجهل كما لا يخفى.
(2) المعتبر:2/645.
(3) المدارك:6/31.

صفحه 26
ما إذا لم يكن مكلفاً فيه لكونه مسافراً... ويأتي الكلام فيه في المسألة السادسة فلاحظ، وكان على الماتن التصريح بذلك، وتخصيص المسألة السادسة بما إذا لم يكن مكلّفاً. وعلى أيّ تقدير فسواء أكان محور البحث هو الجهل والنسيان المتعلقين بالموضوع أو بالحكم أي حرمة نية صوم الغير في هذا اليوم، أو كان أعمّ ففي المسألة قولان:
الأوّل: عدم الإجزاء عن شهر رمضان ،وذلك لأنّ ما نواه لم يكن مشروعاً وما كان مشروعاً فلم ينوه فكيف يسقط به الأمر.
وإن شئت قلت: الواجب هو صوم الغد مجرَّداً عن نيّة غيره بالسلب التحصيلي والمفروض عدم حصوله.
الثاني: انّ المقام من قبيل الخطأ في التطبيق كيف والصائم بما هو رجل مسلم ينوي بصفاء ذهنه الأمر المنجّز عليه. ثمّ ربما يعتقد لأجل الجهل والنسيان، أنّ الواجب هو صوم القضاء إذا تعلق الجهل والنسيان بالموضوع أو يعتقد عن جهل ونسيان بصحّة صوم غير رمضان فيه إذا تعلّقا بالحكم، وقصد مثل هذا الأمر في الحقيقة، عنوان مشير إلى قصد الأمر الواقعي وإن كان خاطئاً في الاعتقاد.
وبذلك يندفع ما ربما يقال من« انّ الواجب صوم رمضان المتقيّد بعنوان عدمي وهو غير متحقق في المقام». وذلك لأنّه وإن قصد صوم غيره حسب الظاهر لكنّه في بدء الأمر قاصد لامتثال الأمر الواقعي وهو صوم شهر رمضان ففي مثل ذلك لا ينافي نية غيره، لأنّه صوريّ والأمر الجدّي غيره.
وهذا مثلُ ما لو قال: بعت هذا الفرس العربي مشيراً إلى ما تحت يده وكان غنماً لا فرساً.
ويؤيد ذلك ما ورد من الروايات في أنّ من صام آخر شعبان بنية انّه من شعبان ثمّ تبيّن انّه من رمضان صحّ صومه.
 

صفحه 27
روى سعيد الأعرج، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّي صمت اليوم الذي يُشك فيه فكان من شهر رمضان أفأقضيه؟ قال: «لا، و هو يوم وُفِّقْتَ له».1
روى بشير النبال، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: سألته عن صوم يوم الشك، فقال: «صمه فإن يكن من شعبان كان تطوعاً، وإن يكن من شهر رمضان، فيوم وفّقت له».2
ومورد الروايات وإن كان الجهل بالموضوع لكن العرف يساعد على إلغاء الخصوصية، فيعمُّ صورة النسيان ولا يرى للجهل هناك خصوصية، لأنّ الكلّ من أقسام الجهل غير انّ أحدهما غير مسبوق بالعلم والآخر مسبوق به.

الثالثة: إذا كان عالماً به وقصد غيره

إذا كان عالماً بأنّ الغد شهر رمضان فنوى غيره، هذا إذا فسرنا العلمَ بالعلم بالموضوع، وأمّا إذا عمّمناه إلى العلم بالحكم وهو العلم بعدم صحّة غيره فيشكل فرض المسألة، إذ كيف يقوم المسلم بصوم الغد بعنوان القضاء مع أنّه يعلم بأنّه لا يصحّ الصوم إلاّ لرمضان إلاّ إذا كان مبدعاً أو غير ذلك.
فالحقّ هو البطلان لما سبق من أنّ الواجب هو صوم يوم الغد مجرّداً عن نيّة صوم غيره بالسلب التحصيلي وقد انقلب السلب إلى الإيجاب وقصد صوم غيره، فالمنويّ غير واجب، ولا مشروع، والواجب والمشروع غير منوي.
وذهب المحقّق الهمداني (قدس سره)إلى الصحّة وقال: إنّ صوم رمضان ـ بعد فرض أنّه لا يعتبر في حقيقته عدا الإمساك في هذا الوقت تقرباً إلى اللّه ـ ليس مغايراً لما نواه، بل هو عينه، ولكنّه لم يقصده بهذا الوجه، والمفروض عدم مدخلية هذا القصد في صحته، وإلاّيلزم عدم صحّة الصوم في الصورتين التاليتين:

(1) الوسائل: 7، الباب 5 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 2و3.
(2) الوسائل: 7، الباب 5 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 2و3.

صفحه 28
الصورة الأُولى: إذا قصد جنس الصوم قربة إلى اللّه من غير التفات إلى خصوص نوعه.
الصورة الثانية: إذا قصد غيره مع الجهل بكون الغد من رمضان مع أنّ الخصم معترف بالصحّة فيهما.1
يلاحظ عليه: أنّ البطلان ليس لأجل انّه لم يقصد كونه من رمضان حتى يستلزم البطلان في الصورتين المزبورتين، بل البطلان مستند إلى المانع وهو انّه قصد غيره كالقضاء أو الكفارة، وبذلك فقد الواجبُ شرطَه الذي عبّرنا عنه بالسلب التحصيلي.
وبذلك يظهر الفرق بين المقام والصورتين الماضيتين خصوصاً الصورة الأُولى، أي ما إذا نوى صوم الغد دون أن يعنونه بعنوان خاص.
وبذلك تبيّن انّه لا يجزي عن رمضان ولا لما قصده . إمّا لأنّه منهي عنه وهو فيما إذا كان عالماً بالحكم، أو أنّه ليس بمأمور به ولا واجد للملاك إذا كان عالماً بالموضوع دون الحكم.
ومنه يتضح الفرق بين المقام والصورة الثانية، فانّ الجهل هناك مصحِّح لتمشي قصد القربة بخلاف المقام.
ثمّ إنّ المحقّق الخوئي (قدس سره)حاول أن يثبت صحّة الصوم وإجزاءه عمّا نوى عن طريق الترتّب بأن يكون الأمر بأحدهما مطلقاً وبالآخر على تقدير ترك الأوّل، فيأمر أوّلاً بصوم رمضان ثمّ يأمر على فرض تركه بصوم القضاء وبما انّ هذا أمر ممكن وإمكانه يساوق وقوعه، فامّا النهي فبما انّه غيري لا يقتضي الفساد بوجه.2
يلاحظ عليه: بأنّ النهي في المقام ليس نهياً غيرياً بل هو نهي مولوي نفسي لحرمة صوم القضاء في شهر رمضان خصوصاً إذا كان عالماً بالحكم، و أمّا إذا كان

(1) مصباح الفقيه:14/334 بتصرّف.
(2) مستند العروة: 24.

صفحه 29
عالماً بالموضوع فقد عرفت انّ البطلان يستند إلى عدم الأمر أوّلاً، و عدم الملاك ثانياً، ولعدم العلم بوجود الملاك للصوم القضائي في شهر رمضان وهذا بخلاف إزالة النجاسة عن المسجد والصلاة فيه، فانّ الصلاة فيه مع وجود النجاسة ليست حراماً بالذات بل حرام غيري على القول بأنّ ترك الصلاة مقدمة لفعل الإزالة.

الرابعة: إذا قصد غيره عالماً به مع تخيّل صحّة الغير فيه

المقصود انّه إذا كان عالماً بكون الغد من شهر رمضان لكن يتخيل انّه يصحّ فيه صوم غيره، فصام بتلك النية لكن علم بعدم الصحّة في أثناء النهار قبل الزوال فقال الماتن: لم يجز.
وذلك لاختصاص دليل الاجتزاء بالنية قبل الزوال بغير المقام، فانّ محط الروايات فيما إذا لم ينو الصوم فإذا ارتفع النهار نوى أن يصوم .
روى عبد الرحمان بن الحجاج عن أبي الحسن (عليه السلام)في الرجل يبدو له بعدما يُصبح ويرتفع النهار، في صوم ذلك اليوم ليقضيه من شهر رمضان وإن لم يكن نوى ذلك من الليل، قال: «نعم ليصمه وليعتدّبه إذا لم يكن أحدث شيئاً».1

الخامسة: صوم المحبوس

قال الماتن: إنّ الأحوط في المتوخّي ـ أي المحبوس الذي اشتبه عليه شهر رمضان وعمل بالظن ـ اعتبار قصد كونه من رمضان بل وجوب ذلك لا يخلو عن قوة.
لا شكّ انّ مقتضى القاعدة هو صيام جميع الأيام لتحصيل الإطاعة

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 2 من أبواب وجوب الصوم ونيته، الحديث 2.

صفحه 30
القطعية، لكنّه ـ مضافاً إلى أنّه موجب للحرج المنفي ـ موجب لدوران الأمر بين المحذورين إذ كلّ يوم كما يحتمل كونه من رمضان، يحتمل كونه من العيدين.
ولذلك قالوا، يعمل بالظن، فيختار شهراً للصيام.
وعندئذ يقع الكلام في لزوم قصد كونه من رمضان إذا تحرّى وحصل له الظن، أو احتمل كونه من رمضان، أو لا وجهان:
1. انّ ما ظنّ أو احتمل، يكون بالنسبة إليه شهر رمضان، فقد عرفت أنّه لا يشترط فيه قصد عنوان الشهر فيما إذا أيقن بكونه من رمضان، بل يكفي قصد صوم الغد فكيف إذا ظنّ أو احتمل.
2. يجب قصد عنوانه، للفرق الواضح بين المقامين، لأنّه فيما إذا كان اليوم متعيّناً عند الصائم فانّه من شهر رمضان وكان الزمان غير صالح لصوم غيره، ففي مثله إذا قصد صوم الغد مشيراً إلى امتثال أمره ينطبق على الأمر الوارد في قوله: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْر فَلْيَصُمْهُ) ، وأمّا المقام فلمّا صار كونه من شهر رمضان بتعبد من الشارع وافتراض، فعليه أن يقصد شهر رمضان حتى يتعنون بكونه رمضان ويقتصر به، وإلاّيكون نسبة رمضان إليه وإلى غيره سواسية.
وللسيد المحقّق الخوئي (قدس سره)بيان آخر في المقام بأنّ أمر الغد دائر بين كونه من غير رمضان، أو منه، أو بعده. فعلى الأوّل يكون تطوعاً، وعلى الثاني يكون أداءً، وعلى الثالث قضاء. ولأجل ذلك لابد من تعيين كونه من رمضان ليُحَسب منه إمّا أداءً أو قضاءً ، وإلاّفلو لم يعين وقصد طبيعيّ الصوم لم يقع عنه بل يقع نافلة وتطوعاً.1
يلاحظ عليه : أنّه إذا دار أمر الغد بين الأُمور الثلاثة فكيف يجب عليه قصد صوم رمضان مع أنّ من المحتملات انّه قبل رمضان. والأولى في تقرير الوجوب ما ذكرناه.

(1) مستند العروة:27.

صفحه 31
المسألة 1: لايشترط التعرّض للأداء والقضاء ولا الوجوب والندب ولاسائر الأوصاف الشخصيّة، بل لو نوى شيئاً منها في محلّ الآخر صحّ إلاّ إذا كان منافياً للتعيين.
1. مثلاً إذا تعلّق به الأمر الأدائيّ فتخيّل كونه قضائيّاً فإن قصد الأمر الفعليّ المتعلّق به واشتبه في التطبيق فقصده قضاء صحّ.
2. وأمّا إذا لم يقصد الأمر الفعليّ بل قصد الأمر القضائيّ بطل، لأنّه مناف للتعيين حينئذ.
3. وكذا يبطل إذا كان مغيّراً للنوع كما إذا قصد الأمر الفعليّ لكن بقيد كونه قضائيّاً مثلاً. أو بقيد كونه وجوبيّاً مثلاً فبان كونه أدائيّاً أو كونه ندبيّاً، فإنّه حينئذ مغيّر للنوع ويرجع إلى عدم قصد الأمر الخاصّ.(*)
ــــــــــــــ
(*) في المسألة فروع أُشير إليها في المتن بأرقام رياضيّة، نتناولها بالبحث.
أمّا الأوّل، فبما انّه قصد الأمر الفعلي أداء كان أو قضاء لكن تخيل انّه أمر قضائي يصح صومه، لأنّه لا يشترط في صحّة العمل سوى الإتيان به بأمره الواقعي، وأمّا قصده الأمر القضائي فلمّـا كان من باب الخطأ في التطبيق لا يضرُّ بقصده الأمر الواقعي.
نعم على القول بشرطية قصد عنواني الأداء والقضاء اللّذين يعدّان من خصوصيات المأمور به يشكل الحكم بالصحّة كما عليه السيد البروجردي في تعليقته وقد عرفت أنّه موضع تردّد، لاحتمال كونها من العناوين التعليليّة ، ولو قلنا بلزوم قصدها فيما كان عليه صوم أداء وقضاء، فلأجل تميز المأمور به بعضه عن بعض، فلو لم يكن عليه قضاء لا تجب عليه نية الأداء، ولو قيل بوجوبه تكفي النية

صفحه 32
المسألة 2: إذا قصد صوم اليوم الأوّل من شهر رمضان فبان أنّه اليوم الثاني مثلاً، أو العكس، صحّ وكذا لو قصد اليوم الأوّل من صوم الكفّارة أو غيرها فبان الثاني مثلاً أو العكس، وكذا إذا قصد قضاء رمضان السنة الحاليّة
ــــــــــــــ
الإجمالية حيث إنّ الأمر الفعلي ، المتعلّق بالصوم الأدائي، يلازم نية الأداء إجمالاً. ولعلّ هذا المقدار من نيّة الأداء كاف في الصحّة.
وأمّا الثاني، فقد حكم الماتن ببطلانه معلّلاً بأنّه مناف للتعيين حينئذ والأولى أن يعلّله بأنّه مناف لقصد الأمر الواقعي، فما قصده امتثاله، لم يؤمر به، وما أمر به من الأمر الأدائي لم يقصده، وقد أشار إلى ما ذكرنا من وجه البطلان في ذيل الفرع الثالث.
وأمّا الثالث، أي قصد الأمر الفعلي لكن بقيد كونه قضائياً بحيث لولا الأمر القضائي، لما قصد غيره فتبين الخلاف وانّ الأمر كان أدائياً. أو قصد الأمر الفعلي بقيد انّه وجوبي فبان انّه ندبي، بحيث لولا كونه وجوبياً، لما صام ولما قصده، فقد حكم الماتن بالبطلان، بحجّة انّه مغيّـر للنوع، فالقصد الحقيقي تعلّق بالقضاء، والواجب عليه نوع آخر وهو الأداء، كما أنّه تعلّق بالصوم الواجب، وما عليه، هو الصوم المندوب ثمّ فسّره بأنّه يرجع إلى عدم قصد الأمر الخاص.
وقد عرفت انّه المتعيّن، فإن تغيّر النوع من آثار عدم قصد الأمر الواقعي، وقصد الأمر الخيالي جداً.
وبذلك يظهر انّ سبب البطلان في موارد اختلال النيّة هو عدم قصد الأمر الواقعي، وأمّا كونه مغيّراً للنوع فهو راجع إليه.

صفحه 33
فبان أنّه قضاء رمضان السنة السابقة وبالعكس.(*)
ــــــــــــــ
(*) لا شكّ انّ هذه الخصوصيات ليست دخيلة لا في الأمر ولا في المأمور به، وليست قصدها واجبة ولا مستحبة، وإنّما الكلام في كون قصد خلافها مضرّة أو لا، واحتمال الصحّة والفساد مبنيّان على كون المقام من قبيل الخطأ في التطبيق، أو من قبيل تقييد الامتثال.
فعلى الأوّل يصحّ الصوم كما هو المطّرد في باب النيّة ،فانّ المسلِم بصدد امتثال الأمر الفعلي لينال الثواب، أو يبتعد عن العقاب غاية الأمر يتصور انّ اليوم، هو اليوم الثاني، أو العكس من شهر رمضان أو من صوم الكفارة فينوي صوم اليوم الثاني، بحيث لو وقف على خطئه، لعدل عن نيّته.
وعلى الثاني تشكل الصحّة، لأنّ الامتثال مقيد بما ليس بمتحقّق، بحيث لو وقف على خطئه، لما صام ولما امتثل الأمر الإلهي، فيكون من قبيل عدم قصد الأمر الواقعي.
هذا إذا كان عليه قضاء يوم، وأمّا إذا كان عليه قضاء يومين: يوم من هذه السنة، ويوم من السنة السابقة، فلو صام بلا تعيين، فهل يحسب من السابقة، أو من الحالية؟ تظهر الثمرة انّه لو وقع من السابقة وافترضنا انّه لم يقض صوم السنة الحالية، تجب عليه كفارة التأخير، بخلاف ما لو وقع من اللاحقة، إذ لا تتعلق به كفارته.
الظاهر أن يقال ـ تبعـاً لبعض الأعلام ـ انّـه يقع عمّـا هو أخفّ مؤنة وهو قضاء السنة السابقة، دون الأكثر مؤنة، وهو قضاء السنة الجارية، لأنّ الوقوع عنها يتوقف على خصوصية زائدة مؤثرة في سقوط كفارة التأخير والمفروض انّه لم يقصدها.

صفحه 34
المسألة 3: لا يجب العلم بالمفطرات على التفصيل، فلو نوى الإمساك عن أُمور يعلم دخول جميع المفطرات فيها كفى.(*)
المسألة 4: لو نوى الإمساك عن جميع المفطرات، ولكن تخيّل أنّ المفطرالفلانيّ ليس بمفطر، فإن ارتكبه في ذلك اليوم بطل صومه. وكذا إن لم يرتكبه ولكنّه لاحظ في نيّته الإمساك عمّا عداه. وأمّا إن لم يلاحظ ذلك صحّ صومه في الأقوى.(**)
ــــــــــــــ
(*) إذا نوى الإمساك عن عشرين أمراً يعلم بدخول جميع المفطرات فيها كفى، لوجود النيّة عن الإمساك عن المفطرات وإن لم يعرفها بعينها. نظير تروك الإحرام.
وبعبارة أُخرى: الواجب، الإمساك عن المفطِّرات الواقعية لأمره سبحانه، متقرّباً به دون التقرب بإمساك الجميع بل إمساكه مقدمة لتحقق ما هو الواجب وهو الإمساك عن المفطرات الواقعية،نعم لو تقرب بإمساك الجميع يكون مصداقاً للتشريع المحرم.
(**) في المسألة فروع ثلاثة، أفتى المصنّف بالبطلان في الفرعين الأوّلين وبالصحة في الثالث.
أمّا وجهه في الأوّل فلاستعمال المفطر، ومقتضى إطلاق دليله، كونه مبطلاً في صورتي العلم بكونه مفطراً وعدمه، ولو كان هنا كلام فإنّما هو في وجوب الكفارة وعدمه.
وأمّا الثاني، أعني: إذا لاحظ في نيته، الإمساك عمّا عداه ففيه وجهان: البطلان كما عليه الماتن، لأنّ الصوم عبارة عن التقرب إلى اللّه بنية الإمساك عن عامة المفطرات، والمفروض انّه نوى الإمساك عن بعضها لا كلّها.

صفحه 35
المسألة 5:النائب عن الغير لايكفيه قصد الصوم بدون نيّة النيابة وإن كان متّحداً. نعم لو علم باشتغال ذمّته بصوم، ولايعلم أنّه له أو نيابة عن الغير يكفيه أن يقصد ما في الذمّة.(*)
ـــــــــــــ
والصحة لأنّ المسلم بطبيعته ينوي في الصوم، الإمساكَ عن المفطرات الواقعيّة إجمالاً، ولكنّه تخيل انّ الارتماس مثلاً ليس بمفطر فهو من قبيل الخطأ في التطبيق، فهو نوى الإمساك عن الارتماس في النية الأُولى إلاجمالية، وان نوى خلافها تفصيلاً.
وهنا وجه آخر وهو التفصيل بين تقييد الامتثال بالإمساك عمّا عداه فالبطلان عندئذ هو المحكَّم إذ لم يتعلق القصد الجدّي بالإمساك عن المفطرات جميعاً، وبين عدم تقييده به بل ينوى الإمساك إجمالاً عن المفطرات في الشريعة، ولكن يتخيّل انّ الإرتماس غير مفطر على وجه لو وقف على أنّه من المفطرات لنوى الإمساك عنه، فالصحّة عندئذ هو المتعين والمتعارف بين الناس هو الحالة الثانية.
وأمّا الفرع الثالث، وهو ما تخيل انّ الارتماس ليس بمفطر ولكن لم يلاحظ في نيته، الإمساكَ عمّا عداه والفرق بين الفرعين: الثاني والثالث، هو كون العلم في الثاني مقروناً باللحاظ، دون الثالث، فقد حكم الماتن فيه بالصحّة وهو مشكل، إذ كيف يصحّ مع عدم نيته الإمساك عنه لا إجمالاً ولا تفصيلاً، إلاّ إذا سبقته نيّة إجمالية بالإمساك عن جميع المفطرات في الشريعة ثمّ تخيل انّ الشيء الفلاني ليس بمفطر، ولم يلاحظ ذلك، إذ عندئذ يدخل الإمساك عنه في النية الإجمالية الأُولى، ولازم كفاية ذلك هو الصحة في الصورة الثانية أيضاً ولكنه (قدس سره)اختار البطلان فيها.
(*) وجهه انّ وقوع العمل عن النفس أقلّ مؤنة، من الوقوع عن الغير، فهو أكثر مؤنة، ويكفي في الأوّل قصد نفس الفعل، بخلاف الثاني فهو رهن أمر آخر وهو

صفحه 36
المسألة6: لايصلح شهر رمضان لصوم غيره واجباً كان ذلك الغير أو ندباً، سواء كان مكلّفاً بصومه أو لا، كالمسافر ونحوه، فلو نوى صوم غيره لم يقع عن ذلك الغير، سواء كان عالماً بأنّه رمضان أو جاهلاً، وسواء كان عالماً بعدم وقوع غيره فيه أو جاهلاً، ولايجزي عن رمضان أيضاً، إذا كان مكلّفاً به مع العلم والعمد، نعم يجزي عنه مع الجهل أو النسيان كما مرّ. ولو نوى في شهر رمضان قضاء رمضان الماضي أيضاً لم يصحّ قضاء ولم يجز عن رمضان أيضاً مع العلم والعمد.(*)
ـــــــــــــ
نيّة الإتيان عن الغير فإذا فقد الشرط اللازم ينطبق على الأقل مؤنة.
نعم عندما يتردد اشتغال ذمته بين كونه له أو لغيره يكفي قصد ما في الذمّة، لأنّه يتضمن قصد النيابة على تقدير كونه للغير.
(*) قد اشتهر بين الأصحاب أنّه لا يصلَح شهر رمضان لصوم غيره، قال المحقّق: «لا يقع في شهر رمضان صوم غيره» وادّعى في الجواهر عليه الشهرة بين الأصحاب نقلاً وتحصيلاً1.
توضيح الحال يتوقف على الكلام في موردين:

الأوّل: إذا كان مكلّفاً بصومه

إذا كان مكلّفاً بصوم رمضان، كما إذا كان عاقلاً بالغاً، حاضراً قادراً على الصوم، ففي مثله إذا نوى الصوم عن غيره، لا يقع

(1) الجواهر:16/203.

صفحه 37
عن غيره مطلقاً، عالماً كان بالموضوع وأنّ الشهرَ، شهرُ رمضان أو جاهلاً به، عالماً كان بالحكم وانّه لا يقع غيره فيه أو جاهلاً، لما قلنا من أنّه لا يصلح شهر رمضان لصوم غيره.
وأمّا وقوعه عن رمضان فقد مرّ وجه التفصيل في صدر الكتاب من أنّه لا يجزي عنه إذا صام مع العلم بعدم الصحّة، ويجزي إذا صام عن جهل ونسيان.
ومثله ما إذا نوى في شهر رمضان قضاء الماضي أيضاً، لم يصح قضاءً، وأمّا إجزاؤه عن رمضان ففيه التفصيل بين العلم والجهل، فيجري في الثاني دون الأوّل.

الثاني: ما إذا لم يكن مكلّفاً بالصوم

إذا لم يكن مكلفاً بالصوم لأجل كونه مسافراً، فهل يصحّ صوم غيره فيه أو لا؟
فهنا مانعان:
الأوّل: صوم غير رمضان في رمضان وقد مضى انّ رمضان لا يصلح لصوم غيره.
الثاني: وقوعه في السفر هل السفر يصلح للصيام أو لا.
أمّا الأوّل فليس بمانع وقولهم: «لا يصلح شهر رمضان لغيره» ناظر إلى ما إذا كان مكلّفاً بالصوم لا إلى الأعم منه ومن غير المكلّف، وليس رمضان كيوم عيد فطر أو يوم أضحى اللّذين يمنعان عن أيّ صوم فيه حتى لو صادف نذرُه أحد هذين اليومين.
روى القاسم بن أبي القاسم الصيقل قال: كتبت إليه: يا سيدي رجل نذر أن يصوم يوماً من الجمعة (كلّ يوم جمعة) دائماً ما بقي، فوافق ذلك اليوم، يومَ عيد فطر أو أضحى أو أيّام تشريق أو سفر أو مرض هل عليه صوم ذلك اليوم أو قضاءه وكيف يصنع يا سيدي؟ فكتب إليه: «قد وضع اللّه عنك الصيام في هذه

صفحه 38
الأيّام كلّها، ويصوم يوماً بدل يوم إن شاء إليه».1
فليس كون الظرف يوم رمضان مانعاً إذا لم يكن مكلفاً بصيامه وبذلك يظهر عدم تمامية التعميم في قول الماتن: «سواء كان مكلفاً بصومه أو لا كالمسافر»فعدم الصحّة يختص بالأوّل، أي بما إذا كان مكلفاً بالصوم دون ما إذا لم يكن .
بقي الكلام في مانعية السفر من غير فرق بين وقوعه في رمضان أو لا، وتأتي المسألة في فصل خاص أي الزمان الذي يصحّ فيه الصوم ضمن الشرط الخامس، وحاصل مختارهم في جواز الصوم في السفر هو انّه لا يصحّ من الصوم الواجب إلاّ ثلاثة:
1. صوم ثلاثة أيّام بدل هدي التمتع.
2. صوم بدل البدنة ممّن أفاض من عرفات قبل الغروب عامداً وهو ثمانية عشر يوماً.
3. صوم النذر المشترط فيه سفراً خاصة أو سفراً وحضراً.
وأمّا المندوب، فالأقوى عدم جواز الصوم المندوب في السفر إلاّ ثلاثة أيّام للحاجة في المدينة، وسيوافيك تفصيله.
ولا يخفى انّ تكرار البحث تارة في صدر الكتاب، وأُخرى في المقام أوجب التعقيد في المسألة، وكان عليه تخصيص الأوّل بما إذا كان مكلفاً بالصوم ومع ذلك صام غيره، فيحكم بأنّه لا يقع عن غيره، وأمّا وقوعه عن رمضان ففيه التفصيل.
وتخصيص الكلام في المقام بما إذا لم يكن مكلفاً بالصوم كالمسافر، فإذا صام هل يقع عن الغير أو لا؟ وليس هنا موضوع للبحث عن وقوعه عن شهر رمضان.

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 10 من أبواب من يصح منه الصوم، الحديث 2.

صفحه 39
المسألة 7: إذا نذر صوم يوم بعينه لاتجزئه نيّة الصوم بدون تعيين أنّه للنذر، ولو إجمالاً كما مرّ، ولو نوى غيره فإن كان مع الغفلة عن النذر صحّ وإن كان مع العلم والعمد ففي صحّته إشكال.(*)
ـــــــــــــــ
(*) تتضمّن المسألة فروعاً ثلاثة:
الأوّل: إذا نذر صوم يوم معيّن ولكنّه صامه متقرباً إلى اللّه من دون أن يَنْوي كونَه امتثالاً للوفاء بالنذر ولو إجمالاً.
فقد حكم الماتن بعدم إجزائه عن النذر، فعليه القضاء.
قال السيد الخوئي (قدس سره)في وجهه: أنّ مفاد قوله: «للّه عليّ أن أصوم» هو تمليك عمله للّه سبحانه، فيكون مالكاً والعبد مملوكاً والصوم مملوكاً للّه على وجه كلي في الذمّة، ومن المعلوم أنّ أداء ما في الذمة يحتاج إلى القصد والتعيين، فلو كانت ذمّته مشغولة بدينار ودفع ديناراً من دون أن يقصد به فراغ ذمته فلا يحسب أداءً للدين بل يحسب عطاءً ابتدائياً.
فمثله الصوم المملوك للّه، فلو لم ينوِ أنّه بصدد إفراغ ذمّته من الدين فربّما يُحسب أنّه تطوع ابتدائي لا عمل بالنذر.
وردّ بأنّه لا معنى للملكية الاعتبارية له سبحانه كما لا يخفى.1
يلاحظ عليه: أنّه سبحانه و إن كان مالكاً للملك والملكوت بالملكية التكوينية (وَللّهِ مُلْكُ السَّماوات وَالأَرْض) ، ولكنّه لا مانع من أن يكون مالكاً لشيء اعتباراً إذا ترتّب عليه أثر اجتماعي، مثل قوله سبحانه: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفالِ قُلِ الأَنْفالُ للّهِ وَلِلرَّسُول) .2

(1) مستند العروة الوثقى: 34.
(2) الأنفال:1.

صفحه 40
والأولى أن يمنع كون مفاد النذر تمليك شيء للّه سبحانه في ذمّته وإنّما هو التزام للقيام بالمنذور به.
فلو قال: «لو نجحت في الامتحان فللّه عليّ أن أُصلِّـي نافلة الليل» يكون معناه الالتزام بالمنذور به وتجسيده في الخارج.
وأين هذا من تمليك شيء للّه سبحانه في ذمّته؟!
والحقّ أن يقال انّ في المقام أمرين:
أحدهما: الأمر الاستحبابي المتعلّق بصلاة الليل.
الثاني: الأمر بالوفاء بالنذر لقوله سبحانه: (وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ) .1
والأوّل منهما: تعبدي، والآخر :توصلي يسقط بلا قصد امتثاله وإن كان ترتّب الثواب رهن قصده.
وعلى ذلك فالذي التزم هو به عن طريق النذر هو الإتيان بالنافلة بأمرها الاستحبابي، فإذا أتاه بتلك النية فقد قام بوظيفته وأدّى بما التزم وجسّد المنذور به فيسقط أمره، وليس له وراء ذلك واجب شرعي تعبدي يحتاج إلى قصد.
وأمّا الأمر بالوفاء بالنذر، فإنّما هو توصلي يسقط بمجرّد الإتيان بالمنذور به بكافة أجزائه وشرائطه، ومن شرائطه الإتيان به بأمره الاستحبابي.
وعلى ضوء ذلك فالأقوى الصحّة، لأنّ اليوم لا يصلح إلاّلصومه والمفروض انّه قد صامه بأمره.
نعم، لو نذر كلياً بأن قال: للّه عليّ أن أصوم يوماً، ثمّ صام يوم الخميس لا يكون مسقطاً عن النذر، لأنّ انطباقه على الفرد الموجود يتوقف على القصد كما أنّ انطباق الدين الكلّي على ما أعطى بلا نية، بحاجة إلى دليل.
 

(1) الحج:29.

صفحه 41
إلى هنا تبيّن انّ الحقّ صحّة الصوم في الفرع الأوّل.
وأمّا الفرع الثاني وهو يشارك الفرع الأوّل في عدم قصد امتثال أمر النذر ولكن يفارقه انّه قصد عنواناً آخر غير ما وجب عليه بالنذر، كما إذا نذر انّه لو نجح في الامتحان يصوم يوم الخميس المعيـّن قضاءً ولكنّه صام من باب الكفارة غافلاً عن نذره.
فيقع الكلام عن وقوعه للثاني.
ويمكن أن يقال بالصحة، وذلك لأنّ المقام من قبيل المتزاحمين والصوم للكفارة كالصوم للقضاء من باب واحد جامعان للمصلحة وفاقدان للمفسدة غير انّ الأمر بالقضاء يُقدَّم على الأمر بالصوم لأجل الكفارة فيكون الأوّل بمنزلة الأهم لأجل النذر وضيقه. والثاني بمنزلة المهم لسعته.
ولما سقط الأمر الأوّل لأجل الجهل والغفلة فلا مانع من امتثال الأمر الثاني لعدم التزاحم في مقام الفعلية.
هذا إذا قلنا بأنّ مراد المصنّف من قوله صحّ، أي صحّ للثاني ويحتمل القول بأنّه يصحّ للأوّل أي قضاءً، وذلك من باب الخطأ في التطبيق كما مرّبيانه سابقاً.
وحاصله: انّ الصائم يقصد الأمر الفعلي ويظنَّ انّه هو الأمر بالكفارة بحيث لو نبّهه أحد على خطئه، لعدل عن نيّته إلى امتثال الأمر بالقضاء.
وأمّا الفرع الثالث، فهو نفس الفرع الثاني لكن قصد الأمر الثاني عن علم وقصد.
فربما يقال بالبطلان وعدم صحّته لا للأوّل لعدم قصده جداً، ولا للثاني لكونه منهياً عنه، لأنّ الأمر بالصوم بالقضاء يلازم النهي عن الصوم للكفارة.
ويمكن تصحيحه من باب الترتب بأن يكون مأموراً للصوم قضاءً على

صفحه 42
المسألة8: لو كان عليه قضاء رمضان السنة الّتي هو فيها، وقضاء رمضان السنة الماضية، لايجب عليه تعيين أنّه من أيّ منهما، بل يكفيه نيّة الصوم. قضاء وكذا إذا كان عليه نذران كلّ واحد يوم أو أزيد. وكذا إذا كان عليه كفّارتان غير مختلفتين في الآثار.(*)
ـــــــــ
وجه الإطلاق وللصوم كفارة بشرط عصيان الأمر الأوّل والمفروض تحقّقه فالأمر الثاني أمر لا منازع له، وقد ثبتَ في مبحث الترتّب انّ إمكانه يساوق وقوعه ولا يحتاج إلى دليل زائد عليه.
(*) تحتوي المسألة فروعاً ثلاثة:
1. لو كان عليه قضاءان أحدهما للسنة الماضية التي مضت عليها سنة كاملة ولم يُقْضَ، وتعلّقت به كفارة التأخير والآخر للسنة الحالية على وجه لم تتعلق لحدّ الآن به كفارة التأخير وإنّما تتعلّق إذا لم يقضه إلى نهاية السنة، فهل يكفي صوم يومين بعنوان قضاء رمضان من دون تعيين، أو لا؟
ذهب الماتن إلى الإجزاء، ولعلّ وجهه عنده هو انّ ذمّة الإنسان مشغولة بصومين على الوجه الكلي كاشتغال ذمّته بالدينارين، فيكفيه صومان بعنوان القضاء كما يكفي دفع دينارين وإن لم يعين سبب الدينار الأوّل أو الثاني.
يلاحظ عليه بما ذكرنا سابقاً من أنّ الميزان لوجوب التعيين وعدمه هو انّه لو كان الصومان مختلفين في الأثر يجب تعيينهما، وذلك لأنّ اختلاف الأثر كاشف عن أخذ قيد في موضوع كلّ، يغاير القيد المأخوذ في الآخر، ولا طريق إلى نية هذا القيد إلاّ بالتعيين. وبما انّ الصوم الأوّل لا تتعلّق به كفارة التأخير بخلاف الثاني، فالاختلاف في الأثر يكشف عن اختلاف الموضوعين بأخذ قيد في أحدهما دون

صفحه 43
الآخر أو أخذ قيد في كلّ مغاير مع المأخوذ في الآخر، وبما انّ القيد مجهول فلا طريق إلى قصده إلاّ قصد التعيين.
ومع ذلك فالأقوى كفاية نية الصوم قضاءً من دون تعيين، لاشتراكهما في الحكم الكلي، فإنّ الثاني محكوم بما حكم به على الأوّل، لكن على الوجه الكلي إذ قد حكم الشارع على نحو الضابطة بأنّ الصوم الفائت إذا لم يقض ـ بلا عذر ـ إلى دخول رمضان الثاني تتعلّق به كفارة التأخير، وكلا الصومين داخلان تحت هذه الضابطة غير انّ الشرط تحقّق في أحدهما دون الآخر، وهذا لا يكون دليلاً على الاختلاف في الأثر.
نعم لو صام يوماً فقط وانتهت السنة بلا تعيين لا يصلح إلاّ للفائت الأوّل، وليس له أن يجعله قضاءً للسنة الثانية إلاّ بالنيّة، وذلك لأنّ الصوم المطلق يصلح للأوّل وأمّا الثاني فإنّما يصلح له إذا كان له فائت واحد، وأمّا مع التعدّد فلا مرجح لوقوعه عن السنة الثانية، وبالتالي تتعلّق به كفارة التأخير.
2. إذا كان عليه نذران من قبيل نذر الشكر، كما إذا نذر وقال: إن رزقت ولداً أصوم يوماً ولو شُفيتُ من المرض أصوم يوماً آخر، يكفي له صومان لامتثال النذرين، وذلك لعدم اختلافهما في الأثر.
ومثل ذلك إذا كان كلاهما لأجل الزجر.
إنّما الكلام إذا كان أحد الصومين من قبيل نذر الشكر والآخر نذر الزجر، كما إذا قال: للّه علي إن فاتت منّي صلاة، أن أصوم يومه، وفي الوقت نفسه قال: لو شُفيت أصوم يوماً، فهل يكفي صوم يومين بلا تعيين؟ الظاهر نعم.
ويظهر من المحقّق البروجردي (قدس سره)على ما في تعليقته والمحقّق الگلبايگاني (قدس سره)أنّ النذرين إذا كانا مختلفين حسب الغاية يجب التعيين.

صفحه 44
المسألة 9:إذا نذر صوم يوم خميس معيّن ونذر صوم يوم معيّن، من شهر معيّن فاتّفق في ذلك الخميس المعيّن يكفيه صومه، ويسقط النذران فإن قصدهما أُثيب عليهما وإن قصد أحدهما أُثيب عليه، وسقط عنه الآخر.(*)
ـــــــــــــ
ولعلّ وجهه أخذ عنواني الشكر والزجر في المنذور كأنّه قال : أصوم شكراً أو زجراً.
يلاحظ عليه: أنّ العنوانين من قبيل الدواعي والغايات لا من قبيل الموضوع.
3. إذا كانت عليه كفّارتان غير مختلفتين في الآثار، كما إذا حنث حلفه مرّتين ولم يجد الإطعام والكسوة و الرقبة فتعيّـن عليه صيام ثلاثة أيّام قال سبحانه: (لا يُؤاخذكُمُ اللّه بِاللَّغْوِ في أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذكُمْ بِما عَقَّدْتُّمُ الأَيمانَ فَكَفّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرةِ مَساكِينَ مِنْ أَوسَطِ ما تُطْعمُون أَهْليكُمْ أَو كِسْوَتهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَة فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّام ذلِكَ كَفّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ فَاحْفَظُوا أَيْمانكُمْ).1
وجه الكفاية معلوم لأنّه ليس عليه إلاّ صيام ستة أيّام، فإذا صام كذلك يسقط الواجب.
(*) يقع الكلام في أُمور:

الأوّل: في صحّة النذر الثاني

إذا نذر صوم يوم خميس معيّن كالخميس الأوّل من شهر رجب المسمّى بيوم

(1) المائدة:89.

صفحه 45
الرغائب، ونذر صوم أوّل كلّ شهر، فصادف أوّل الشهر أوّلَ خميس من هذا الشهر، كما هو الحال في سنتنا الحالية ـ أعني: سنة 1419هـ ـ فهل يصحّ تعلّق نذرين، تأسيسيّين بيوم واحد أو لا؟ الظاهر الصحّة إذا كان بين المتعلّقين عموم وخصوص من وجه نظير المثال السابق، ومثله ما إذا نذر صوم يوم دحو الأرض وصوم آخر خميس من ذي القعدة الحرام فاتّفقا يوماً واحداً; نعم لو كان النذر الثاني تعبيراً ثانياً عن النذر الأوّل، كما إذا نذر أن يطعم زيد بن عمرو وكان أكبر ولده، ثمّ نذر أن يطعم أكبر ولد عمرو ،فالنذر الثاني يكون إمّا لغواً أو تأكيداً. فتكون النتيجةُ صحّةَ النذرين إذا كانا أشبه بالقضايا الحقيقية وبطلانها إذا كان مثل القضايا الخارجية .

الثاني: في كفاية صوم يوم الخميس

الظاهر كفاية صوم يوم الخميس عنهما لقيامه على ما فرض على نفسه، بصوم يوم الخميس المعيّن والمفروض عدم مندوحة، لامتثال آخر، ولا مانع من امتثال أمرين بفعل واحد، خصوصاً إذا قصد امتثال الأمرين المختلفين عنواناً ، بصيامه يوماً معيّناً.

الثالث: ما هو محور الثواب؟

الظاهر انّ الثواب يدور على الأمر الذاتي المتعلّق بنفس يوم الخميس، إمّا لكونه أوّل خميس من شهر رجب أو أوّل يوم منه، إذ لولاه لما تعلّق به النذر، لأنّه يشترط وجود الرجحان في متعلّقه، وأمّا الأمر المتعلّق بالوفاء بالنذر، أعني: قوله سبحانه: (وَلْيُوفُوا نُذُورهُم)1، فهو أمر توصلي يسقط بما قصد امتثاله، ويترتب

(1) الحج:29.

صفحه 46
المسألة 10: إذا نذر صوم يوم معيّن، فاتّفق ذلك اليوم في أيّام البيض مثلاً، فإن قصد وفاء النذر وصوم أيّام البيض أُثيب عليهما، وإن قصد النذر فقط أُثيب عليه فقط وسقط الآخر، ولايجوز أن يقصد أيّام البيض دون وفاء النذر.(*)
ــــــــــ
عليه الثواب، إذا قصد امتثاله.
ولكن الظاهر من الماتن دوران الثواب على قصد الأمر العرضي، حيث قال: «فإن قصدهما أُثيبَ عليهما، وإن قصد أحدهما أُثيب عليه وسقط عنه الآخر». والأولى أن يقول: فإن قصد الأمر الذاتي أُثيب عليه وصحّ العمل لما سيوافيك من عدم وجوب قصد عنوان الوفاء بالنذر في صحّة العمل، وإن قصد الأمر العرضي أُثيب عليه، وصحّ العمل أيضاً، لأنّ قصده رمز لقصد الأمر الذاتي المتعلّق، وإن قصدهما، أُثيب عليهما، وإن لم يقصد واحداً منهما صحّ إذا أتى به متقرباً إلى اللّه ، وتعبير الماتن في المسألة الآتية أظهر ممّا جاء هنا.
(*) هنا صور ثلاث للامتثال وترتب الثواب:
1. إذا قصد كلا الأمرين : الذاتي والعرضي، صحّ العمل ويترتب الثواب عليهما.
2. إذا قصد الأمر العرضي، صحّ العمل أيضاً لما عرفت من أنّه مِرآة إلى الأمر الذاتي وأُثيب للأمر العرضي المقصود تفصيلاً.
3. إذا قصد الأمر الذاتي دون الأمر العرضي، فقد أفتى الماتن بعدم الكفاية وقد عرفت صحّة العمل، لأنّها تدور على الأمر الذاتي، والأمر المتعلّق بعنوان الوفاء بالنذر توصلي يسقط، وإن لم يقصد امتثاله فالصحّة في جميع الصور هي الأقوى.

صفحه 47
المسألة 11: إذا تعدّد في يوم واحد جهات من الوجوب، أو جهات من الاستحباب، أو من الأمرين فقصد الجميع أُثيب على الجميع، وإن قصد البعض دون البعض أُثيب على المنويّ وسقط الأمر بالنسبة إلى البقيّة.(*)
المسألة 12: آخر وقت النيّة في الواجب المعيـّن ـ رمضان كان أو غيره ـ عند طلوع الفجر الصادق، ويجوز التقديم في أيّ جزء من أجزاء ليلة اليوم الّذي يريد صومه، ومع النسيان أو الجهل بكونه رمضان أو المعيّن الآخر يجوز متى تذكّر إلى ما قبل الزوال إذا لم يأت بمفطر، وأجزأه عن ذلك اليوم، ولايجزيه إذا تذكّر بعد الزوال، وأمّا في الواجب الغير المعيّن فيمتدّ وقتها اختياراً من أوّل الليل إلى الزوال دون ما بعده على الأصحّ، ولافرق في ذلك بين سبق التردّد أو العزم على العدم، وأمّا في المندوب فيمتدّ إلى أن يبقى من الغروب زمان يمكن تجديدها فيه على الأقوى.(**)
ــــــــــ
(*) وقد ظهرت الحال فيها فلا نعيد.
(**) في المسألة فروع أربعة:
الفرع الأوّل: نيّة الصوم ابتداءً و انتهاءً في الواجب المعيّن
ذهب المشهور إلى أنّ مبدأ النية فيه هو أوّل جزء من الليل ومنتهاه طلوع الفجر الصادق.
قال الشيخ في الخلاف: وقت النيّة من أوّل الليل إلى طلوع الفجر أيّ وقت نواه أجزأه، وتضيق عند طلوع الفجر.
وقال الشافعي:وقت الوجوب قبل طلوع الفجر الثاني لا يجوز أن يتأخر عنه، فإذا بقي من الليل قدر نيّة فقط فقد تضيّق عليه، كما إذا بقي من وقت الظهر قدر أربع ركعات تعيّنت عليه.

صفحه 48
قال: فإن وافق انتهاءُ النية مع انتهاء الليل أجزأه، وإن ابتدأ بالنية قبل طلوعه فطلع الفجر قبل اكمالها لم يجزه.
وأمّا وقت الجواز ففيها ثلاثة أوجه: ظاهر المذهب أنّ وقتها ما بين غروب الشمس وطلوع الفجر الثاني أي وقت أتى بها فيه أجزأه; وبه قال أبو العباس، وأبو سعيد وغيرهما.
وفيه من قال: وقتها بعد نصف الليل، فإن نوى قبل النصف لم يجزه.
ثمّ نقل عن أبي إسحاق قولاً شاذاً، وهو انّ وقت النية أي وقت شاء من الليل ولكن بشرط أن لا يفعل بعدها ما ينافيها، مثل أن ينام بعدها ولا ينتبه حتى يطلع الفجر.1
وما ذكره أبو إسحاق مخالف للضرورة.
وبذلك يظهر الاتّفاق بين ما عليه المشهور من علمائنا و ما عليه الشوافع من حيث المبدأ و المنتهى، فالمبدأ هو الذي أسماه بوقت الجواز، والمنتهى هو الذي أسماه بوقت الوجوب.
نعم لبعض أصحابنا خلاف في المسألة ذكره العلاّمة في مختلف الشيعة، فقد خالف ابن أبي عقيل والسيد المرتضى وابن الجنيد في ذلك حيث إنّ لكلّ منهم رأياً خاصاً في مبدأ النية.
قال ابن أبي عقيل: يجب على من كان صومه فرضاً عند آل الرسول (عليهم السلام)أن يُقدّم النيّة في اعتقاد صومه ذلك من الليل.(وكأنّه يشترط تقدّم النية على طلوع الفجر بشطر كبير كأن ينوي أوّل الليلة أوبعد مضيِّ شيء منها).
وقال المرتضى: وقت النيّة في الصيام الواجب من قبل طلوع الفجر إلى وقت زوال الشمس.
وقال ابن الجنيد: جائز أن يبتدئ بالنية وقد بقى بعض النهار ويحتسب به

(1) الخلاف: 2/166، كتاب الصوم، المسألة 5.

صفحه 49
من واجب إذا لم يكن قد أحدث ما ينقض الصيام.1
وعلى ذلك فالأقوال أربعة: قول للمشهور، وقول لابن أبي عقيل من لزوم تقدّم النيّة من اللّيل، وقول للمرتضى من جواز تأخيره إلى قبل زوال الشمس، وقول لابن الجنيد وهو جواز تأخيره إلى ما قبل المغرب.
أقول: تطلق النيّة ويراد منها أحد أمرين:
1. صدور الفعل عن الإنسان عن قصد وإرادة مقابل ما لا يلزم صدوره كذلك، مثل طهارة الثوب فلو غسله نائماً أو غير قاصد كفى في إقامة الصلاة معه، بخلاف ردّالسلام فانّه واجب مع قصد الفعل وإرادته.
2. الإتيان بالفعل متقرباً إلى اللّه تبارك وتعالى لا رياءً وسمعة ولا بسائر الدواعي النفسانية، والمراد من النية في المقام هو الأوّل، التي هي شرط لكلّ فعل اختياري لا الثاني.
إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّ الصوم عمل اختياري وعبادي، فبما انّه عمل اختياري يجب أن يمسك عن المفطرات عن قصد وإرادة، وحيث إنّ مبدأ الإمساك هو طلوع الفجر الثاني، فلابدّ أن تكون النيّة مقارنة معه ويكفي في ذلك وجودها في أيّ جزء من أجزاء الليل على نحو يكون متحققاً في نفسه، وقت الطلوع.
وبذلك يعلم عدم تمامية قول المرتضى وابن الجنيد من كفاية صدور بعض الفعل عن إرادة وإمساك، وإلى ذلك يشير العلاّمة بقوله:
إنّ النيّة محصلة للفعل ويقع الفعل بحسبها ، وهي إنّما تؤثر في المتجدّد دون الماضي، لأنّ النيّة عبارة عن إرادة يقع الفعل عليها، ولا تتعلّق الإرادة بالماضي، لاستحالة تحصيل الحاصل.2

(1) مختلف الشيعة: 3/365، كتاب الصوم. ولعلّ قول السيد راجع إلى صورتي الجهل والنسيان في الصوم المعين،أو الصوم غير المعين كما سيوافيك، كما يحتمل أن يكون قول ابن الجنيدراجعاً إلى الصوم المندوب،وبما انّ كتابي القديمين ابن أبي عقيل و ابن الجنيد ليس بأيدينا، فالقضاء الباتّ مشكل.
(2) مختلف الشيعة: 3/365، كتاب الصوم. ولعلّ قول السيد راجع إلى صورتي الجهل والنسيان في الصوم المعين،أو الصوم غير المعين كما سيوافيك، كما يحتمل أن يكون قول ابن الجنيدراجعاً إلى الصوم المندوب،وبما انّ كتابي القديمين ابن أبي عقيل و ابن الجنيد ليس بأيدينا، فالقضاء الباتّ مشكل.

صفحه 50
كما أنّ قول ابن أبي عقيل من لزوم تقديم النية على شيء من الليل غير تام، وذلك لقوله سبحانه: (كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيلِ)1، فالآية ظاهرة في كفاية الإمساك المقرون مع النية عند طلوع الفجر، فلا وجه لتقديمها إلاّ شيئاً يسيراً من باب المقدمة.
وأمّا القول بكفاية النيّة في جزء من اللّيل، فذلك لاتّفاقهم على صحّة صوم من نوى ونام واستيقظ بعد طلوع الفجر، ولم يقل أحد بلزوم درك الفجر الثاني مستيقظاً.

لا مبدأ للنية في الصوم

ما تقدّم هو المعروف بين علمائنا، لكن لنا هنا كلام، وهو انّ النيّة في التحقيق هو الداعي إلى الفعل لا الإخطار وعلى ذلك فلا وجه لتخصيص جواز النية بأوّل الليل، بل لو تقدمت النية على الليل لكفى ذلك إذا بقيت في ذاكرته، بحيث لو سئل عن وجه إمساكه بعد طلوع الفجر لأجاب لأجل الصوم.
وعلى ذلك لا مبدأ للنية، بل يكفي وجود الداعي قبل الليل أيضاً لو لم يغفل عنها واستمر إلى طلوع الفجر الثاني، وقد عرفت كفاية وجوده في النفس وإن نام بعدها واستيقظ بعد طلوع الفجر.
ثمّ إنّ المحقّق الخوئي (قدس سره)لما أخذ بقول المشهور رتب على من نوى قبل الليل ثمّ نام فاستيقظ بعد طلوع الفجر فروعاً وقال:
الظاهر هو التفصيل بين ما إذا كان النوم في شهر رمضان وما كان في غيره; فإن كان الثاني، كما لو نام في اليوم الأخير من شعبان قاصداً صوم الغد ولم يستيقظ إلاّ بعد الفجر، فالظاهر فساد صومه حينئذ، لأنّه في زمان نيته لم يكن بعدُ مأموراً بالصوم، لعدم حلول الشهر الذي هو زمان تحقّق الوجوب، فكيف ينوي

(1) البقرة:187.

صفحه 51
الامتثال؟ وفي زمان الأمر لم يكن قابلاً له، لأنّ النائم لا يؤمر بشيء، فلم يؤمر بالصوم، لا في زمان التفاته ولا في زمان عدم التفاته.
وإن كان الأوّل، كما لو نام عصر اليوم الأوّل من شهر رمضان ناوياً صوم الغد، فحينئذ إن قلنا بالانحلال وإن أمر كلّ يوم يحدث عند غروب ليلته، فالكلام هو الكلام (في الصورة الأُولى)، فانّ الأمر بالصوم لم يكن حادثاً قبل النوم و بعده لا يكون قابلاً للتكليف.
وأمّا إذا بنينا على أنّ تلك الأوامر كلّها تحدث دفعة في أوّل الشهر وانّه يؤمر في الليلة الأُولى بصيام الشهر كلّه على نحو الواجب التعليقي كما هو الصحيح على ما يقتضيه ظاهر الآية المباركة:(فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهر فَلْيَصُمْهُ) وكذا الروايات، فالظاهر حينئذ هو الحكم بالصحّة لوجود الأمر سابقاً، وقد حصلت النيّة على الفرض، والفعل مستند إلى الاختيار، فلا مانع من الصحّة.1
يلاحظ عليه: الظاهر هو الصحّة حتى على القول بحدوث أمر كلّ يوم قبيل طلوع الفجر، إذ لا مانع من قصد الأمر الاستقبالي وإن لم يحدث، ولذلك أطبق المشهور على صحّة من نوى أوّل الليل ثمّ نام ولم يستيقظ إلاّ بعد الفجر، ذلك لوجود النية في قرارة ذهنه قبيل طلوع الفجر.
وبعدما حرّرت المقام وقفت على تعليقه الأُستاذ (قدس سره)على المقام وإليك نصّها:
لا وقت للنيّة شرعاً، بل المعيار حصول الصوم عن عزم باق في النفس ولو ذهل عنه بنوم وشبهه، ولا فرق في حدوث هذا العزم بين أجزاء ليلة اليوم الذي يريد صومه أو قبلها، فلو عزم على صوم الغد من اليوم الماضي ونام على هذا العزم إلى آخر الغد صحّ صومه على الأصحّ.

(1) مستند العروة الوثقى: 43ـ 44، كتاب الصوم.

صفحه 52

الفرع الثاني: فيما إذا نسي أو جهل في الواجب المعيّـن

إذا نسي أو جهل كونه رمضان أو المعين الآخر، يجوز الصوم متى تذكّر إلى ما قبل الزوال إذا لم يأت بمفطر وأجزأه عن ذلك اليوم ولا يُجزيه إذا تذكّر بعد الزوال.
قال الشيخ في الخلاف : وقت النية من أوّل الليل إلى طلوع الفجر، أيّ وقت نواه، أجزأه، ويضيق عند طلوع الفجر هذا مع الذكر، وأمّا إذا فاتت ناسياً جاز تجديدها إلى عند الزوال.1
وقال المحقّق: ولو نسيها ليلاً جدّدها نهاراً ما بينه وبين الزوال، فلو زالت الشمس فات محلها.2
ونقل في الحدائق عن المحقّق في المعتبر، والعلاّمة في التذكرة والمنتهى، انّه موضع وفاق بين الأصحاب.3
والمخالف في المقام هو ابن أبي عقيل وابن الجنيد; أمّا الأوّل، فلم يُفرِّق بين العامد والناسي، وقال: ويجب على من كان صومه فرضاً عند آل الرسول (عليهم السلام)أن يُقدِّم النيّة في اعتقاد صومه ذلك من الليل، ومن كان صومه تطوعاً أو قضاء رمضان، فأخطأ أن ينوي من الليل فنواه بالنهار قبل الزوال أجزأه، وإن نوى بعد الزوال لم يجزه.4 حيث خصّ جواز التأخير بالصوم المندوب وقضاء رمضان، دون صوم نفس رمضان.
وأمّا الثاني، فهو على جانب النقيض من ابن أبي عقيل، فقد جوّز الإتيان بالنية بعد الزوال في الفرض مع الذكر والنسيان.5

(1) الخلاف:2/166، المسألة 4، كتاب الصوم.
(2) الشرائع: 1/139.
(3) الحدائق:13/19.
(4) مختلف الشيعة: 3/ 367.
(5) مختلف الشيعة: 3/ 367.

صفحه 53
ومقتضى القاعدة هو البطلان، لما عرفت من أنّ الواجب، هو تحقّق الإمساك مقروناً بالنية، فقبول إمساك لا بهذا الوصف يحتاج إلى دليل ثانوي.
ثمّ إنّ المذكور في كلام الفقهاء هو صورة النسيان، وقد نقل عن الجواهر انّ الشهيد عطف الجاهل على الناسي وقال: «أو كان جاهلاً بوجوب ذلك اليوم»، وعلى كلّ تقدير فقد استدلَّ على الحكم بوجوه غير نقية:
1. الاتفاق الذي حكاه المحقّق والعلاّمة في المعتبر.
2. ما روي أنّه جاء أعرابي يوم الشك فشهد برؤية الهلال، فأمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)منادياً ينادي: من لم يأكل فلْيصم، ومن أكل فليُمسِك.
3. فحوى ما دلّ على انعقاد الصوم من المريض والمسافر إذا زال عذرهما قبل الزوال.
4. أصالة عدم وجوب تبييت النية مع النسيان.
5. ما دلَّ على رفع الجهل والنسيان فانّ إيجاب القضاء يقتضي عدم رفعهما.
6. ما في المنتهى: فإذا جاز مع العذر وهو الجهل بالهلال، جاز مع النسيان.
وقد ناقش غير واحد من المتأخرين، منهم: صاحب الحدائق، والجواهر، والسيد المحقّق الخوئي في الوجوه المذكورة.
أمّا الأوّل، فلاحتمال اعتماد القائلين بالصحّة، بهذه الوجوه ويُصبِح الإجماع مدركيّاً.
أمّا الثاني، فالموجود في السنن الكبرى عن طريق عكرمة الإباضي عن ابن عباس هومجيئ الأعرابي ليلة هلال رمضان أنّه رأى الهلال، فنادى بلالاً أن يؤذّن بالصوم غداً، وليس فيها قوله: «من لم يأكل فليصم، ومن أكل فليمسك» وإليك

صفحه 54
صورة الحديث:
جاء أعرابي إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)فقال:إنّي رأيت الهلال ـ يعني هلال رمضان ـ قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «يا بلال أذِّن في الناس أن يصوموا غداً».1
نعم، بعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)إلى أهل العوالي يوم عاشوراء، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): «من لم يأكل فليصم، ومن أكل فليمسك بقية النهار».
وقد أخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما.2
وأمّا الثالث، فمضافاً إلى أنّ الدليل ورد في المسافر دون المريض، أنّ الاستدلال به يتوقف على إحراز المناط القطعي.
نعم ربما يقال بوجود الفارق بين المقيس عليه والمقيس. أمّا الأوّل فانّ الصوم لا يجب على المسافر واقعاً، إلاّمن زمان وروده ببلده أو محلِّ إقامته، فإذا نوى الصيام من هذا الحد، فقد أتى بما وجب عليه واقعاً من دون نقص وقد ثبت بالدليل انّ هذا بمنزلة الصوم من طلوع الفجر.
وأمّا الثاني فالواجب عليهما الصوم من طلوع الفجر الثاني، غير انّ الجهل والنسيان صارا عذراً لترك هذا المقدار من الواجب، ومعه كيف يجتزئ بهذا الناقص، عن المأمور به الواقعي، حيث إنّ ما كان واجباً عليه لم يأت به، وما أتى لم يكن مأموراً به.3
يلاحظ عليه: أنّ عدم الأمر في المسافر والمريض، قبل الحضور في البلد، أو البرء، ليس من باب فقد المقتضي بل من باب وجود المانع، ولذلك لو أفطرا قبل

(1) البيهقي، السنن الكبرى: 4/211 ـ 212، و للرواية صور مختلفة تشترك جميعها في مجيئ الراوي في الليل.
(2) الخلاف: 2/168، المسألة 6 في صوم النافلة الذي سيأتي الكلام حوله في الفرع الرابع.
(3) مستند العروة: 45 بتلخيص.

صفحه 55
الورود، أو البرء لما صحّ التنزيل، وعلى ضوء ذلك فالعمل في المقيس عليه والمقيس ناقص مصداقاً وملاكاً، فما أشار إليه من الفرق غير مؤثر بعد المشاركة فيما هو المهم.
وأمّا الرابع فالاستدلال به عجيب، لأنّ الأصل دليل حيث لا دليل اجتهاديّ، وقد دلّ الدليل على لزوم اقتران النية مع طلوع الفجر، كما هو صريح الآية وغيرها.
نعم لا بأس بالاستدلال بحديث الرفع، وهو استدلال متين وحاصله: رفع وجوب اعتبار النية في هذا المقدار من الزمان، أعني: حال الجهل والنسيان، بحديث الرفع. وقد استشكل المحقق الخوئي على الاستدلال برفع الجهل والنسيان.
أمّا في جانب رفع الجهل فقال: إنّ الرفع بالإضافة إلى ما لا يعلمون رفع ظاهري، فهو بحسب الواقع مأمور بالصيام وإن جاز له الإفطار في مرحلة الظاهر استناداً إلى الاستصحاب، أو إلى قوله (عليه السلام): «صم للرؤية وأفطر للرؤية» فالحكم الواقعي المتعلّق بالصوم من طلوع الفجر باق على حاله، وقد تركه حسب الفرض. ومعه كيف يحكم بالإجزاء لدى انكشاف الخلاف؟1
يلاحظ عليه: أنّه إذا كان لدليل الجزء كالسورة إطلاق يعم حالتي العلم والجهل، فإذا ضم إليه حديث الرفع يستفاد منه انّ وجوبها مرفوع في حقّ الجاهل، هذا من جانب، ومن جانب آخر انّ السورة ليست مقوّمة لماهية الواجب، بل هي صادقة على المصداق الفاقد أيضاً، فينطبق عليه عنوان الواجب، الموجب لسقوط الأمر.
فإن أراد من كون الرفع ظاهريّاً، لا واقعياً، هو ثبوت الحكم المشترك بين

(1) مستند العروة: 46.

صفحه 56
العالم والجاهل فهو صحيح ولكنّه لا يضرّ بالمقصود، وإن أراد منه كونه صوريّاً، لا حقيقيّاً، فهو غير مقبول بل هو حقيقي، بمعنى سقوط فعلية وجوب الجزء في حقّ الجاهل، وإن كان واجباً إنشاءً.
أمّا في جانب النسيان فقد اعترف بأنّ الرفع في النسيان واقعي، لأنّ الناسي غير مكلّف بالصوم حال نسيانه حتى واقعاً لكنّه مكلّف بالإمساك من زمان التفاته، إلى الغروب لإطلاق الروايات، لكن وجوب الإمساك شيء ووجوب الصوم المحدود ما بين الطلوع والغروب الذي هو المأمور به أصالة ـ لولا النسيان ـ شيء آخر، وحديث الرفع لا يكاد يتكفّل إجزاء الأوّل عن الثاني، لأنّه حديث رفع لا حديث وضع.1
وحاصل كلامه: انّ لحديث الرفع دور الرفع لا الوضع، فليس له وضعُ الإمساك من قُبيل الزوال إلى الليل مع نية الصوم، مكان الصوم المحدود بما بين الطلوع والغروب.
يلاحظ عليه: أنّ حديث الرفع ـ كما أفاد ـ حديث رفع، لا حديث وضع، لكن الوضع على عاتق دليل المركب، المقيَّد بوجوب السورة، الشامل حالتي الذكر والنسيان، فإذا انضم إليه حديث رفع النسيان، واختص وجوبها بحال الذكر، يكون الواجب في حقّه، هو الصلاة بلا سورة، ومثله المقام.
قال سبحانه:(وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ)2، دلّ على لزوم نية الإمساك من طلوع الفجر إلى أوّل اللّيل وكان مقتضى الإطلاق، شرطيّتها للذاكر والناسي، فإذا انضم الدليل إلى حديث الرفع، تكون النتيجة، اختصاص وجوبها بحال الذكر

(1) مستند العروة: 46.
(2) البقرة:187.

صفحه 57
دون النسيان، ولولا الدليل على تحديد مقدار الرفع بما قبل الزوال، لقلنا بكفاية الإمساك ـ بلا نية ـ إلى الليل، وعلى ذلك فالاعتداد بهذا النوع من العمل الناقص من شؤون إطلاق الدليل، لا حديث الرفع حتى يقال انّه حديث رفع لا وضع. وقد أوضحنا حاله في بحوثنا الأُصوليّة، وسيوافيك نظائر المقام في الفصول الآتية.
إلى هنا تبيّن انّ الصالح للاستدلال من بين الوجوه هو حديث الرفع، وقد استدل المحقّق الهمداني بوجه سادس نشير إليه.
وحاصل الاستدلال ما سنتلو عليك في الفرع الثالث من كفاية النيّة قبل الزوال في الواجب غير المعيّن، فانّه إذا صحّ في غير المعين، ففي المعين المضيّق يصحّ بطريق أولى، يقول في هذا الصدد:
إنّا لا نسلِّم انصراف ما ورد في القضاء أو النذر، عن النذر المعين والقضاء المضيّق الذي لم يلتفت المكلّف إليه إلاّ بعد الفجر. ولو سُلِّم الانصراف، فهو بدويّ منشؤه ندرة الوجود، ولو سلم ورودها في خصوص الواجب الموسّع فنقول: إنّه يستفاد منها حكم المضيّق الذي كان المكلّف معذوراً في تركه للتبييت، بالفحوى وتنقيح المناط.1

الفرع الثالث: الواجب غير المعين

يمتدّ وقت الواجب غير المعين اختياراً من أوّل اللّيل إلى الزوال دون ما بعده على الأصح.
والظاهر شهرة الحكم بين الأصحاب.
قال في المدارك:وقد قطع الأصحاب بأنّ وقت النيّة فيه يستمرّ من الليل إلى

(1) مصباح الفقيه: 14/315، كتاب الصوم.

صفحه 58
الزوال إذا لم يفعل المنافي نهاراً.1
وقال في الحدائق: الواجب غير المعيّن كالقضاء والنذر المطلق، فقد قطع الأصحاب بأنّوقت النيّة فيه يستمر من الليل إلى الزوال إذا لم يفعل المنافي نهاراً.2
ولو كان هناك خلاف فإنّما هو من القديمين: فقد منع ابن أبي عقيل التأخيرَ من طلوع الفجر، وجوّز ابن الجنيد التأخير إلى ما بعد الزوال.
واستدل بروايات، وقد عقد صاحب الوسائل باباً خاصاً للمسألة أورد فيه روايات كثيرة غير ظاهرة في التحديد بما قبل الزوال، نذكر منها ما يلي:
1. صحيحة عبدالرحمان بن الحجاج، عن أبي الحسن (عليه السلام)في الرجل يبدو له بعد ما يُصبح ويرتفع النهار في صوم ذلك اليوم ليقضيه من شهر رمضان ،ولم يكن نوى ذلك من الليل؟ قال: «نعم، ليصمهُ وليعتدَّ به إذا لم يكن أحدث شيئاً».3
وقوله «يبدو له» ظاهر في عدم تعيّن اليوم للصوم وسعة الوقت.
2. خبر صالح بن عبد اللّه، عن أبي إبراهيم (عليه السلام)قال: قلت له: رجل جعل للّه عليه الصيام شهراً فيُصبح، وهو ينوي الصوم، ثمّ يبدو له فيفطر؟ ويُصبح وهو لا ينوي الصوم فيبدو له فيصوم؟ فقال: «هذا كلّه جائز».4
نعم لا دلالة له على عدم جواز تجديد النية بعد الزوال، لأنّ القيد ورد في كلام الراوي لا في كلام الإمام (عليه السلام).

(1) مدارك الأحكام:6/22.
(2) الحدائق الناضرة:13/21.
(3) الوسائل: ج7، الباب2 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 2.
(4) الوسائل:ج7، الباب 2 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 4. قوله فيفطر: ينوي الإفطار ولكن لا يفطر عملاً.

صفحه 59
3. موثقة عمّار الساباطي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)عن الرجل يكون عليه أيّام من شهر رمضان ويريد أن يقضيها، متى يريد أن ينوى الصيام؟ قال(عليه السلام): «هو بالخيار إلى أن تزول الشمس، فإذا زالت الشمس فإن كان نوى الصوم فليصُم،وإن كان نوى الإفطار فليفطر».
سئل: فإن كان نوى الإفطار يستقيم أن ينوي الصوم بعد ما زالت الشمس، قال: «لا».1
4. صحيحة هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: قلت له: الرجل يُصبح ولا ينوي الصوم، فإذا تعالى النهار حدث له رأي في الصوم؟ فقال (عليه السلام):«ان هونوى الصوم قبل أن تزول الشمس حُسب له يومه، وإن نواه بعد الزوال حسب له من الوقت الذي نوى».2
فالروايات تتضمن انّ من نوى قبل الزوال يحتسب اليوم له بتمامه، دون ما إذا نوى بعد الزوال فلا يحتسب بتمامه وإن كان يثاب، فالاحتساب في الرواية من باب الثواب لا من باب انّه صوم حقيقة.
نعم هو بإطلاقه دال على لزوم تجديد النية في الواجب غيرالمعين والمندوب لكن خرج الثاني بدليل.
وفيما ذكرنا من الروايات كفاية.
نعم يعارضها في بادئ النظر الحديث التالي:
ما رواه الشيخ بسند صحيح عن معاوية بن حكيم، عن صفوان، عن عبد الرحمان بن الحجاج قال: سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام)عن الرجل يُصبح ولم

(1) الوسائل:ج7، الباب 2 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 10.
(2) الوسائل: ج7، الباب 2من أبواب وجوب الصوم، الحديث 8.

صفحه 60
يُطعِم، ولم يشرب، ولم ينوِ صوماً وكان عليه يوم من شهر رمضان، أله أن يصوم ذلك اليوم وقد ذهب عامة النهار؟ فقال: «نعم، له أن يصومه ويعتد به من شهر رمضان».1
فانّ ظاهر قوله: «ذهب عامة النهار» هو ذهاب كثير من اليوم على وجه لا يبقى إلى الغروب إلاّشيء يسير، وهذا ينافي ما قلنا من أنّ جواز التجديد محدّد بالزوال، ولأجل ذلك حمله صاحب الوسائل على ما بين الفجر والزوال وانّه يصدق على قبيل الزوال انّه ذهب عامة النهار على وجه المجاز، لأنّ ما بين طلوع الفجر والزوال أكثر من نصف النهار.
ويمكن أن يقال: إنّ هذا الحديث متحد مع الحديث الأوّل الذي نقلناه عن عبد الرحمان بن الحجاج، وقد مضى فيه انّه قال له: بعد ما يصبح ويرتفع النهار، وهذا قرينة على أنّ مراده من «عامة النهار» هو ارتفاعه.
هذه هي الروايات التي يمكن أن يستدل بها على الفرع الثاني، وقد نقل الحرّ العاملي في الباب الذي عقده لذلك العنوان روايات كثيرة، لكن لا دلالة لقسم منها فانّه ناظر إلى النافلة; مثل ما رواه حماد بن عثمان، عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: قلت له: إنّ رجلاً أراد أن يصوم ارتفاع النهار، أيصوم؟ قال: «نعم».2 ومثله ما رواه عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)3، ومحمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام)4، وهشام بن سالم عن أبي عبد اللّه(عليه السلام).5
نعم لا يجوز له في المعين تأخير النية اختياراً بخلاف غير المعين.

(1) الوسائل:الجزء7، الباب 2من أبواب وجوب الصوم، الحديث 6.
(2) الوسائل: الجزء 7 ، الباب 2 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 1.
(3) المصدر نفسه، الحديث 3و5و7.
(4) المصدر نفسه، الحديث 3و5و7.
(5) المصدر نفسه، الحديث 3و5و7.

صفحه 61

الفرع الرابع: الصوم المندوب

يمتدّ وقت المندوب اختياراً من طلوع الفجر إلى أن يبقى من الغروب ما يمكن فيه تجديد النية.
أقول: اختلفت كلمة الشيخ في كتابيه، فذهب في الخلاف إلى انتهاء وقتها بالزوال، كما ذهب في المبسوط إلى بقائها بمقدار ما يمكن أن يكون صوماً، كما اختلفت كلمة فقهاء المذاهب الأربعة، وإليك نصّ الشيخ في كتابيه:
قال الشيخ في الخلاف: يجوز أن ينوي صيام النافلة نهاراً، ومن أصحابنا من أجازه إلى عند الزوال، وهو الظاهر من الروايات; ومنهم من أجازه إلى آخر النهار، ولست أعرف به نصاً. وقال الشافعي: يجوز ذلك قبل الزوال قولاً واحداً وبعد الزوال فيه قولان، قال في الحرملة: يجزي، وقال في الأُمّ: لا يجوز بعد الزوال; وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وأحمد بن حنبل. وقال مالك: لا يجوز حتى ينوي له ليلاً كالفرض سواء وبه قال المُزَنّي.1
ترى أنّه يذكر انّه لم يقف على نصّ دالّ على بقاء وقت تجديد النية إلى بعد الزوال، ولكنّه أفتى في المبسوط على البقاء، ولعلّه وقف على النص. وهذا يدل على أنّه ألّف المبسوط بعد الخلاف خلافاً لما كان عليه السيد البروجردي من أنّ الخلاف آخر ما ألّفه الشيخ في مجال الفقه.
وعلى أية حال قال في المبسوط: ومتى فاتت إلى بعد الزوال، فقد فات وقتها إلاّ النوافل خاصة، فانّه روي في بعض الروايات جواز تجديدها بعد الزوال. وتحقيقها انّه يجوز تجديدها إلى أن يبقى من النهار بمقدار ما يبقى زمان بعدها يمكن أن يكون صوماً، فأمّا إذا كان انتهاء النية مع انتهاء النهار فلا صوم بعده

(1) الخلاف:2/167، كتاب الصوم، المسألة 6.

صفحه 62
على حال.1
وأمّا الآخرون، فقد أفتوا بجواز تجديد النية بعد الزوال، منهم: المرتضى في انتصاره2 ،وابن حمزة في وسيلته3 ،وابن إدريس في سرائره.4
نعم وافق الشيخ في خلافه، العلاّمة في مختلفه.5
ويدل على مختار المشهور ما رواه هشام بن سالم في الصحيح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «كان أمير المؤمنين (عليه السلام)يدخل إلى أهله فيقول: عندكم شيء وإلاّ صمت؟ فإن كان عندهم شيء أتوه به، وإلاّ صام».6
وظاهر قوله: «كان يدخل إلى أهله» انّه كان أمراً مستمراً فلا يحمل إلاّ على النافلة.
وبما انّ الرواية تحكي الفعل دون القول فيؤخذ بالقدر المتيقن وهو دخوله قبل الزوال، هذا من جانب و من جانب آخر، الدخول إلى البيت قبل الزوال أمر بعيد لأنّه يناسب الفطور، لا الغداء.
وتدل عليه موثقة أبي بصير، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن الصائم المتطوع تعرض له الحاجة، قال: «هو بالخيار ما بينه وبين العصر، وإن مكث حتى العصر ثمّ بدا له أن يصوم وإن لم يكن نوى ذلك، فله أن يصوم ذلك اليوم إن شاء».7

(1) المبسوط: 1/278.
(2) الانتصار: 60.
(3) الوسيلة: 140.
(4) السرائر: 1/372.
(5) مختلف الشيعة: 3/371.
(6) الوسائل:ج7، الباب 2 من أبواب وجوب الصوم ونيته، الحديث 7.
(7) الوسائل:ج7، الباب 3 من أبواب وجوب الصوم ونيته، الحديث 1.

صفحه 63
وهذان الحديثان مع صحّة سندهما يصلحان لأن يكونا سنداً لفتوى المشهور إنّما الكلام في تفسير ما يخالفه بادئ النظر. منها:
ما رواه الشيخ باسناده عن ابن بكير، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن الرجل يجنب ثمّ ينام حتى يُصبح، أيصوم ذلك اليوم تطوّعاً؟ فقال: «أليس هو بالخيار ما بينه و بين نصف النهار».1
ولعلَّ الإمام اكتفى في مقام التصحيح بالأمر المسلّم عند ابن بكير وهو خياره ما بينه و بين نصف النهار، وأمّا انّ هذا هو الحدّ الواقعي الذي لا يجوز التجاوز عنه فلا يستفاد من الرواية.
وبالجملة استدلال الإمام بالأصل المسلّم عنده الذي يدلّ عليه قوله: أليس هو بالخيار ما بينه ونصف النهار لا يدل على أنّه نهاية الوقت غاية الأمر هو ظاهر في أنّه كذلك عند الإمام أيضاً فترفع اليد عن الظهور لأجل الصحيحين النصّين السابقين، وبذلك يعلم ضعف الاستدلال بروايته الأُخرى:
روى الشيخ بسند غير نقيّ عن ابن بكير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: سئل عن رجل طلعت عليه الشمس وهو جنب، ثمّ أراد الصيام بعد ما اغتسل ومضى ما مضى من النهار؟ قال: «يصوم إن شاء، وهو بالخيار إلى نصف النهار».2
ودلالته بالمفهوم وإن كان من أقوى الدلالات، لكن السند مشتمل على أبي عبد اللّه الرازي الجاموراني الذي ضعفه ابن الوليد والشيخ الصدوق وغيرهما.
ويمكن حمله على أنّ الإمام بصدد بيان الصوم الكامل، ولذلك حدّد تجديد النية بما قبل الزوال، وأمّا بعد الزوال فالصوم مشروع ولكن هو بمقدار ما نوى.

(1) الوسائل:ج7، الباب 20 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 2.
(2) الوسائل:ج7، الباب 20 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 3.

صفحه 64
المسألة 13: لو نوى الصوم ليلاً ثمّ نوى الإفطار ثمّ بدا له الصوم قبل الزوال فنوى وصام قبل أن يأتي بمفطر صحّ على الأقوى إلاّ أن يفسد صومه برياء ونحوه، فإنّه لايجزيه لو أراد التجديد قبل الزوال على الأحوط.(*)
ــــــــــــ
(*) تقدم انّ وقت النية في الصوم المعين للعالم بالحكم أو الموضوع، هو طلوع الفجر الثاني، كما أنّ وقتها للجاهل يمتد إلى الزوال متى تذكّر.
وأمّا غير المعيّن فيمتد إلى الزوال اختياراً.
ثمّ إنّ للقسم الثاني صوراً ثلاث:
أ. سبق التردّد على نية الصوم.
ب. العزم على العدم قبل نيّة الصوم.
ج. نيّة الصوم ثمّ نيّة الإفطار ثمّ نيّة الصوم.
وقد ذكر الماتن الصورتين الأُوليين في المسألة السابقة(12)، كما ذكر الصورة الثالثة في المقام.
فالموضوع للبحث هو غير المعين من الواجب، وأمّا المعين فهو خارج عن موضوع بحثنا.
إذا علمت ذلك، يقع الكلام في صحّة الصورة الثالثة.
فالظاهر شمول الإطلاقات لهذا القسم، وذلك لأنّ الموضوع فيها «إذا لم يكن أحدث شيئاً».1
وأوضح منه قوله في رواية صالح بن عبد اللّه عن أبي إبراهيم (عليه السلام)قال: قلت له: رجل جَعَلَ للّه عليه الصيام شهراً، فيصبح وهو ينوي الصوم، ثمّ يبدو فيفطر،

(1) الوسائل:ج7، الباب 2 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 2.

صفحه 65
ويصبح وهو لا ينوي الصوم، فيبدو له فيصوم؟
فقال: «هذا كلّه جائز».1
فقد أشار بكلامه الأخير انّ الأمر بيد المكلّف، فليس هناك فرق بين صورة وصورة، وانّ له النية قبل الزوال فيصحّ صومه، كما أنّ له الإفطار.
وبالجملة فهذه الإطلاقات تكفي في عطف الصورة الثالثة على الأُوليين.
نعم لولا الإطلاق لكان مقتضى القاعدة الأُولى البطلان، والذي يُدعم الصحّة انّ في فرض الصورة الثالثة أمرين:
أ. عزمه على الإفطار بعد نيّة الصوم.
ب. تقدّم نية الصوم على ذلك العزم.
وليس الأوّل أزيد ممّن عزم على العدم ثمّ بدا له أن يصوم، وقد مرّ قول الماتن بأنّه لا فرق بين سبق التردّد أو سبق العدم.
وأمّا الثاني، فهو إن لم يكن مفيداً لا يقع مضرّاً، إذ لو كان في هذه الفترة عازماً على الإفطار لم يكن مفسداً، فكيف إذا كان صائماً؟
ثمّ إنّ الماتن قيّد صحّة الصوم بما إذا لم يكن مفسِداً لصومه برياء ونحوه، فانّه لا يجزئه لو أراد التجديد قبل الزوال.
وجهه: قصور الأدلّة عن شمول هذا الفرد فانّه بصدد تنزيل غير الصائم منزلة الصائم.
وأمّا تنزيل الصائم على الوجه المحرّم كالرياء، منزلة الصائم على الوجه المحلّل، فهو يحتاج إلى دليل خاص ولا ينقلب العمل المحرّم إلى العمل المحلّل، وليس الصيام مع الرياء مثل من لم ينو أو ينوى العدم. إذ ليس ترك النية أو نية

(1) الوسائل:ج7، الباب 2 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 4.

صفحه 66
المسألة 14: إذا نوى الصوم ليلاً لايضره الإتيان بالمفطر بعده قبل الفجر مع بقاء العزم على الصوم.(*)
المسألة 15: يجوز في شهر رمضان أن ينوي لكلّ يوم نيّة على حدة، والأولى أن ينوي صوم الشهر جملة، ويجدّد النيّة لكلّ يوم، ويقوى الاجتزاء بنيّة واحدة للشهر كلّه، لكن لايترك الاحتياط بتجديدها لكلّ يوم، وأمّا في غير شهر رمضان من الصوم المعيّن فلابدّ من نيّته لكلّ يوم إذا كان عليه أيّام
ـــــــــــ
الصوم عملاً محرّماً فلا يكون مانعاً من التنزيل بخلاف الصيام للرياء، فانّه قبيح ومبغض لا يقبل التنزيل.
ويمكن أن يقال انّ العبرة هنا بنية الصوم قبل الزوال مستمراً إلى الليل، فهذا هو الذي يصحح العمل ويتعامل الشارع معه كعمل تام.
وأمّا ما سبق عليها فلا عبرة به سواء أكان متردّداً وعازماً على العدم أو مرائياً في صومه المؤقت، وكأنّ الماتن تلقّى انّ الرياء كاستعمال المفطر مع أنّه ليس كذلك. وسيوافيك تمام الكلام في المسألة العشرين.
(*) إنّ الواجب على المكلّف العزم على ترك المفطرات في الفترة التي يجب عليه الإمساك فيها، وليس هو إلاّ المجموع من أوّل الفجر إلى آخر النهار. وإذا كان هذا هو الإمساك الواجب، فالنيّة باقية سواء أتى بالمفطر بعده أم لا، وما ذاك إلاّ لأنّ النية مقيدة بترك المفطرات من أوّل الفجر، وهذا صادق سواء تناول شيئاً بعدها أم لم يتناول.
وما نقل عن الشهيد الأوّل من لزوم تجديد النية لو أتى بالمفطر غير ظاهر، لأنّ النيّة على التقرير الماضي باقية فلا يضرّها الإفطار بشيء بعدها.

صفحه 67
كشهر أو أقلّ أو أكثر.(*)
ـــــــــــــــ
(*) يقع الكلام في فرعين:
الأوّل: كفاية النيّة الواحدة لصيام شهر رمضان، أو لزوم تجديدها لكلّ يوم، وربما يحتمل لزوم الاقتصار بها وعدم تجديدها، وإليك البيان:
قال الشيخ في الخلاف: ويجزي في صوم رمضان نية واحدة من أوّل الشهر إلى آخره; وبه قال مالك. وقال الشافعي: لابد من أن ينوي لكلّ يوم من ليله، سواء وجب ذلك شرعاً أو نذراً، كصيام شهر رمضان والنذر والكفارات، وسواء تعلّق بزمان بعينه كصوم رمضان، أو نذر زمان بعينه، أو كان في الذمة كالنذور المطلقة والقضاء والكفارات; وبه قال مالك وأحمد، إلاّ انّ مالكاً قال: إذا نوى شهر رمضان في أوّل ليلة للشهر كلّه أجزأه.1
وأمّا أصحابنا: فالظاهر من القدماء كفاية نية واحدة، وعليه المفيد في مقنعته2 والمرتضى في انتصاره3 وسلاّر في مراسمه4 وأبو الصلاح في كافيه.5
وقال في الحدائق: المشهور بين الأصحاب المتأخرين أنّه لابدّ في كلّ يوم من شهر رمضان من نية.6 وهو صريح العلاّمة في المختلف.
والحاصل انّ في المسألة قولين:

(1) الخلاف: 2/163، كتاب الصوم، المسألة 3.
(2) المقنعة:302.
(3) الانتصار:61.
(4) المراسم: 96.
(5) الكافي: 181.
(6) الحدائق: 13/ 27.

صفحه 68
1. ما عليه قدماء الأصحاب، من كفاية النية الواحدة للشهر كلِّه، واستدل عليه السيد المرتضى بأنّه تؤثّر في الشهر كلّه، كما تؤثِّر في اليوم كله وإن وقعت في ابتداء ليلته، ولو شُـرِطَتْ مقارنة النية للصوم لما جاز ذلك(النيّة في ابتداء ليلته) مع الإجماع على جوازه، ولو اشترط في تروك الأفعال في زمان الصوم، مقارنة النية لها، لوجب تجديد النية في كلّ حال من زمان كلّ يوم من شهر رمضان، لأنّه في هذه الأحوال كلّها تارك لا يوجب كونه مفطراً.1
وحاصل استدلاله أمران:
أ. إذا كانت النية في أوّل الليلة كافية لصوم يوم، فلتكن نية شهر كافية له، لاشتراكهما في تقدم النية على الواجب وظرفه.
ب. إذا كانت المقارنة شرطاً لصحّة العمل، يجب استمرارها طول النهار وعدم كفاية النية قبل طلوع الفجر، مع أنّه غير واجب إجماعاً إذ لا فرق في عدم المقارنة بين قلة الفصل وكثرته.
وظاهر كلامه جواز الاكتفاء بنية واحدة وإن جاز تجديدها لكلّ ليلة، ولكن الظاهر ممّا استدل به الشهيد الثاني على قول القائل، لزومها وعدم جواز تجديدها، قال: «إنّ القائل بالاكتفاء بنية واحدة للشهر يجعله عبادة واحدة كما صرح به في دليله، ومن شأن العبادة الواحدة المشتملة على النية الواحدة، أن لا يجوز تفريق النية على أجزائها كما هو المعلوم من حالها، وحينئذ يشكل أولوية تعدد النية بتعدد الأيّام، لاستلزامه تفريق النية على أجزاء العبادة الواحدة التي تفتقر إلى النية الواحدة.2
2. ما عليه المتأخرون من عدم كفاية النية الواحدة.
 

(1) رسائل الشريف المرتضى: المسائل الرسّية: المجموعة الثانية:355.
(2) المسالك: 2/11.

صفحه 69
واستدل العلاّمة عليه بقوله: لا شكّ انّ صوم كلَّ يوم مستقل بنفسه قائم بذاته،لا تعلّق له باليوم الذي بعده وتتعدّد الكفارة بتعدّد أيّام إفطاره، ثمّ ردّعلى دليل المرتضى بقوله: إنّه قياس محض، مع قيام الفارق بين الأصل والفرع فانّ اليوم الواحد، عبادة واحدة، وانقسامها بانقسام أجزاء زمانها لا يوجب تعدّدها، كالصلاة التي يكفي في إيقاعها النية الواحدة، ولا يوجب لكلّ فعل نية على حدة، بخلاف الأيام المتعددة فانّها عبادات متغايرة ولا تعلق لبعضها ببعض.1
ولا يخفى أنّ ما ذكره كاف في ردّ دليله الثاني وهو عدم اشتراط استمرار النية، وكفاية وجودها عند طلوع الفجر، دون دليله الأوّل على جواز الفصل بين النية والعمل، إذ لم يردَّ عليه بشيء.
والتحقيق أن يقال: انّ هذا النزاع مبني على قول القدماء من تفسير النية بالإخطار بالبال، فقالوا: هل تكفي النية الواحدة أي الإخطار بالبال في أوّل الشهر أو يلزم تعددها أي تعدد الإخطار بالبال.
وأمّا على مبنى المتأخرين من أنّ النيّة عبارة عن الداعي الذي هو أثر الإرادة التفصيلية الباعثة إلى اختيار الفعل في وقته فيكفي بقاؤه في النفس بحيث لا تنافيه الغفلة والنوم، وكلّما سئل المكلّف عن الفعل لأخبر بأنّه بصدد الصوم. والداعي للعمل مكنون في النفس لا يضمحلّ بمرور الأيّام، سواء سمّي ذلك نية واحدة لمجموع أيّام الشهر أو نيات متعددة حسبَ تقرره في النفس عبر الأيام.
وأمّا الاستدلال على كفاية النية الواحدة بقوله: (وَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)2 فغير تام، لأنّ الآية بصدد التفريق بين الحاضر والمسافر وليست بصدد بيان انّ الواجب شيء واحد وهو نفس الشهر حتى يقال بأنّ العمل الواحد تكفي فيه النية الواحدة.

(1) المختلف:3/374.
(2) البقرة:185.

صفحه 70
المسألة 16: يوم الشكّ في أنّه من شعبان أو رمضان يبني على أنّه من شعبان، فلايجب صومه، وإن صام ينويه ندباً أو قضاء أو غيرهما، ولو بان بعد ذلك أنّه من رمضان أجزأ عنه ووجب عليه تجديد النيّة إن بان في أثناء النهار، ولو كان بعد الزوال، ولو صامه بنيّة أنّه من رمضان لم يصحّ وإن صادف الواقع.(*)
ـــــــــــــ
(*) المسألة تشمل على فرعين:
1. يوم الشك في أنّه من شعبان أو رمضان، لا يجب صومه وإن صام فيصوم من شعبان ندباً أو قضاء ويجزيه صومه إن بان الخلاف، ولو بان قبل الغروب يجدد النية.
2. لو صام من رمضان لم يصح و إن صادف الواقع.
وإليك الكلام في الفرعين:

الفرع الأوّل:

قال الشيخ في الخلاف: صوم يوم الشكّ يستحب بنية شعبان، ويحرم صومه بنية رمضان،وصومه من غير نية أصلاً لا يجزي عن شيء.
وذهب الشافعي إلى أنّه يكره إفراده بصوم التطوع من شعبان، أو صيامه احتياطاً لرمضان، ولا يكره إذا كان متصلاً بما قبله من صيام الأيّام.
وكذلك لا يكره أن يصومه إذا وافق عادة له في مثل ذلك، أو يوم نذر أو غيره; وحكى أنّ به قال في الصحابة; علي (عليه السلام)،وعمر، وابن مسعود، و عمار بن ياسر; وفي التابعين: الشعبي، والنخعي; وفي الفقهاء: مالك، والأوزاعي.
وقالت عائشة وأُختها أسماء: لا يكره بحال.

صفحه 71
وقال الحسن وابن سيرين: إن صام إمامه صام ، وإن لم يصم إمامه لم يصم.
وقال ابن عمر: إن كان صحواً كره، وإن كان غيماً لم يكره; وبه قال أحمد بن حنبل.
وقال أبو حنيفة: إن صامه تطوعاً لم يكره، وإن صامه على سبيل التحرز لرمضان حذراً أن يكون منه فهذا مكروه.1
والإمعان في الأقوال المنقولة عن الصحابة والتابعين والفقهاء يثبت انّ الكراهة وترك الصيام عندهم أفضل.
قال ابن رشد: واختلفوا في تحرّي صيامه ـ يوم الشكّ ـ تطوعاً، فمنهم من كرهه على ظاهر حديث عمّار: «من صام يوم الشكّ فقد عصى أبا القاسم» ومن أجازه فلأنّه قد روي انّه (عليه السلام)صام شعبان كلّه، ولما قد روي من أنّه عليه الصلاة والسلام قال: «لا تتقدموا رمضان بيوم ولا بيومين إلاّ أن يوافق ذلك صوماً كان يصومه أحدُكم فليصمه». وكان الليث بن سعد يقول: إنّه إن صامه على أنّه من رمضان ثمّ جاء الثبت انّه من رمضان أجزأه.2
وعلى كلّ حال فجواز الصوم وكفايته عن رمضان عندنا اتفاقي.
قال المحدّث البحراني: الظاهر انّه لا خلاف في أنّه لو صام يوم الشك بنية الندب، ثمّ ظهر كونه من شهر رمضان فانّه يجزي عنه ولا يجب عليه قضاؤه.3
وقال في الجواهر: بلا خلاف أجده، بل ربما ظهر من المحقّق والعلاّمة نفي الخلاف بين المسلمين، بل الإجماع بقسميه عليه، بل المحكي منهما مستفيض

(1) لخلاف: 2/170، كتاب الصوم، المسألة 9.
(2) بداية المجتهد:1/310.
(3) الحدائق الناضرة:13/39.

صفحه 72
حدّ الاستفاضة إن لم يكن متواتراً كالنصوص.1
وربما نسب إلى المفيد القول بالكراهة لكن كلامه في المقنعة ينادي بخلاف ذلك.2 وإليك بعض ما يدل عليه:
1. موثقة سماعة قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل صام يوماً ولا يدري أمن شهر رمضان هو أو من غيره، فجاء قوم فشهدوا انّه كان من شهر رمضان، فقال: بعض الناس عندنا: لا يعتدّ به؟
فقال: «بلى».
فقلت: إنّهم قالوا: صُمْتَ وأنت لا تدري أمن شهر رمضان هذا أم من غيره؟ فقال: «بلى، فاعتدّ به، فإنّما هو شيء وفّقك اللّه له، إنّما يصام يوم الشك من شعبان ولا تصومه من شهر رمضان».3
2. ما رواه الكليني عن معاوية بن وهب، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام)الرجل يصوم اليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان، فيكون كذلك؟ فقال: «هو شيء وُفّق له».4
3. ما رواه سعيد الأعرج، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّي صُمت اليوم الذي يشك فيه، فكان من شهر رمضان، أفأقضيه، قال:«لا، هو يوم وُفقتَ له».5
4. ما رواه محمد بن حكيم، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام)عن اليوم الذي يُشكُّ فيه، فإنّ الناس يزعمون انّ من صامه بمنزلة من أفطر في شهر رمضان، فقال: «كذبوا، إن كان من شهر رمضان فهو يوم وفّق له، وإن كان من غيره، فهو

(1) جواهر الكلام:16/ 211.
(2) المقنعة:302.
(3) الوسائل: الجزء 7، الباب 5 من أبواب وجوب الصوم، الحديث4 و 5 و 2.
(4) الوسائل: الجزء 7، الباب 5 من أبواب وجوب الصوم، الحديث4 و 5 و 2.
(5) الوسائل: الجزء 7، الباب 5 من أبواب وجوب الصوم، الحديث4 و 5 و 2.

صفحه 73
بمنزلة ما مضى من الأيّام».1
5. ما رواه بشير النبّال، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: سألته عن صوم يوم الشك؟ فقال: «صمه، فإن يك من شعبان، كان تطوّعاً، وإن يك من شهر رمضان فيوم وُفِّقْتَ له».2
6. ما رواه الكاهلي، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن اليوم الذي يشك فيه من شعبان، قال: «لأن أصوم يوماً من شعبان أحبّ إليّ من أن أفطر يوماً من شهر رمضان».3
وهذه الطائفة من الروايات تُعْرب عن جواز الصيام وكفايته عن شهر رمضان إذا بان الواقع.
وأي لفظ أصرح من قوله في رواية سماعة «بلى، فاعتدّ به»; وقوله في رواية الأعرج: «فكان من شهر رمضان، أفأقضيه، فقال: لا»; و في رواية أُخرى لسماعة: سألته عن اليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان، لا يدري أهو من شعبان، أو من شهر رمضان، فصامه فكان من شهر رمضان؟ قال: «هو يوم وفّق له، لا قضاء عليه».4
نعم ورد في التهذيب مكان قوله: «فصامه فكان من شهر رمضان» قوله: «فصامه من شهر رمضان» ولكن نسخة التهذيب مغلوطة والصحيح ما رواه الكليني.
وما ورد فيه قوله: «هو شيء وفق له» مجرداً عن نفي القضاء أُريد من التوفيق صحّة الصوم وعدم وجوب قضائه لو بان انّه من شهر رمضان بقرينة الروايات التي قورن فيها التوفيق بعدم القضاء.

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 5 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 7، 3، 1، 6.
(2) الوسائل: الجزء 7، الباب 5 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 7، 3، 1، 6.
(3) الوسائل: الجزء 7، الباب 5 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 7، 3، 1، 6.
(4) الوسائل: الجزء 7، الباب 5 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 7، 3، 1، 6.

صفحه 74
وهذه الروايات وغيرها تدل بوضوح على القول المشهور المتفق عليه.
نعم في مقابل هذه الروايات ما يعارضها، نقتصر منها على ما يلي:
1. ما رواه قتيبة الأعشى، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «نهى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)عن صوم ستة أيّام: العيدين، وأيام التشريق، واليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان».1
2. عبد الكريم بن عمرو الملقّب بـ «كرّام»، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّي جعلت على نفسي أن أصوم حتى يقوم القائم فقال: «صم; ولا تصم في السفر، ولا العيدين، ولا أيّام التشريق، ولا اليوم الذي يشك فيه».2
3. عن محمد بن الفضيل قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام)عن اليوم الذي يُشكّ فيه ولا يُدرى أهو من شهر رمضان أو من شعبان؟ فقال: «شهر رمضان، شهر من الشهور يصيبه ما يصيب الشهور من التمام والنقصان، فصوموا للرؤية وأفطروا للرؤية، ولا يعجبني أن يتقدمه أحد بصيام يوم...» الحديث.3
ولكن النهي محمول على الصوم بنيّة رمضان بشهادة حديث محمد بن شهاب الزهري قال: سمعت علي بن الحسين يقول: «وصوم يوم الشكّ أُمرنا به ونُهينا عنه، أُمرنا به أن نصومه مع صيام شعبان، ونُهينا عنه، أن ينفرد الرجل بصيامه في اليوم الذي يشكّ فيه الناس». الحديث.4
ويمكن حمل هذه الروايات على التقية لما عرفت من كتاب الخلاف، ذهاب بعضهم إلى كراهته إذا كان مفرداً، أو التفصيل بين الصحو والغيم كما عن ابن عمر أو غير ذلك.

(1) الوسائل : الجزء 7، الباب 6 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 2، 3.
(2) الوسائل : الجزء 7، الباب 6 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 2، 3.
(3) الوسائل: الجزء 7، الباب 5 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 7.
(4) الوسائل: الجزء 7، الباب 5 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 8.

صفحه 75

إذا صام قضاءً يجزي عن رمضان

إذا صام ندباً، أو قضاء أو لغيرهما وبان أنّه من رمضان أجزأ عنه في جميع الصور، وربما يقال انّ المنصرف من صومه على أنّه من شعبان، صومه بنية صوم شعبان المندوب لا غير...ويؤيد قوله (عليه السلام)في رواية بشير النبال:«صمه فإن يك من شعبان كان تطوعاً، وإن يك من رمضان فصوم وُفِّقْتَ له».1
يلاحظ عليه:أنّ مقتضى الإطلاقات هو الاجتزاء في جميع الصور ولو كانت الصحة مختصة بما إذا صام تطوعاً كان على الإمام البيان، وأمّا رواية بشير فليست بصدد التقييد، بل ورد بعنوان المثال.

تجديد النية لو بان أثناء النهار

هل يجب تجديد النية إن بان في أثناء النهار ولو كان بعد الزوال أو لا؟ يظهر من صاحب الجواهر التردد في الوجوب قائلاً :ثمّ إنّ إطلاق النص والفتوى يقتضي الاجتزاء بذلك، وإن لم يجدّد النية إذا بان انّه من رمضان في أثناء النهار.2 لكن مصبّ الروايات هو الانكشاف بعد انقضاء النهار، فلا يصحّ التمسك بإطلاقها فلابدّ من الرجوع إلى القواعد فربما يقال انّ أمامه أحد الأُمور:
1. أن يتخلّى عن النية عند الانكشاف، بحيث لو نوى المفطر ساغ له ذلك.
2. أن يستمر على النية السابقة: نية الصوم من شعبان ندباً.
3. أن يجدّد النية.
والأوّل باطل جزماً، والصوم عبادة لا يصحّ بلا نية، والثاني أيضاً مثله لعدم

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 5 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 3.
(2) الجواهر:16/211.

صفحه 76
الأمر بالصوم بنية شعبان فتعين الثالث.
يلاحظ عليه: أنّه يتخلّى عن النية السابقة، ويصوم بلا عنوان لما مرّ من أنّ الزمان لا يصلح إلاّلرمضان، وقد مرّ انّ في مثله يكفي الصوم بلا نية العنوان، نعم تجديد النية هو الأحوط فربما تحصل بلا اختيار بعد الانكشاف، كما هو الأقوى، وعندئذ يكون البحث عن التجديد وعدمه أمراً لغواً.
الفرع الثاني: لو صام يوم الشكّ بنية انّه من رمضان وهذا الفرع أحد الفروع الأربعة الآتية في المسألة السابعة عشرة.
قال الشيخ في الخلاف: صوم يوم الشك يستحب بنية شعبان، ويحرم صومه بنية رمضان.1
وقال في مسألة أُخرى: إذا عقد النية ليلة الشكّ على أن يصوم من رمضان من غير أمارة من رؤية أو خبر من ظاهره العدالة، فوافق شهر رمضان اجزأه وقد روي أنّه لا يجزئه.2
ولا يخفى وجود التهافت الاجتهادي بين المسألتين، فإذا كان صومه حراماً، فكيف يكون صحيحاً مع اقتضاء النهي في العبادات الفساد؟!
وكلّ من نسب إلى الشيخ الجواز، فإنّما هو بالنظر إلى كلامه في المسألة الأُخرى، وإلاّ فمقتضى كلامه في مسألتنا هو الفساد.
قال العلاّمة في المختلف بعد عنوان المسألة: قال ابن أبي عقيل: إنّه يجزئه; وهو اختيار ابن الجنيد، وبه أفتى الشيخ في الخلاف، قال فيه: وقد روي أنّه لا يجزئه.
وقال في المبسوط: وإن صام بنية الفرض روى أصحابنا أنّه لا يجزئه; وقال

(1) الخلاف: 2/170، كتاب الصوم، المسألة 9.
(2) الخلاف: 2/180، كتاب الصوم، المسألة 23.

صفحه 77
في النهاية، والجمل، والاقتصاد وكتابي الاخبار: لا يجزئه وهو حرام.
واختاره السيد المرتضى، وابنا بابويه، وأبو الصلاح، وسلاّر، وابن البراج، وابن إدريس، وابن حمزة وهو الأقوى.1
وقال في الحدائق الناضرة بعد عنوان المسألة : المشهور انّه يكون فاسداً ولا يجزئ عن أحدهما، لا عن شهر رمضان وإن ظهر كونه منه.2
وقال في الجواهر: على المشهور بين الأصحاب، بل في الرياض نسبته إلى عامة من تأخّر، بل عن المبسوط نسبته إلى الأصحاب مشعراً بدعوى الإجماع عليه لبطلانه بالنهي عنه، المقتضي للفساد.3
ويمكن الاستدلال على الصحّة بروايتين:
الأُولى: موثقة سماعة، قال: سألته عن اليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان، لا يدري أهو من شعبان أو من شهر رمضان، فصامه من شهر رمضان؟ قال: «هو يوم وفّق له لا قضاء عليه».4
يلاحظ عليه: أنّ الاستدلال مبني على ما رواه الشيخ في التهذيب: «...فصامه من شهر رمضان» ولكن المروي في الكافي قوله:«فصامه]فكان[ من شهر رمضان» باضافة لفظة «فكان» فيكون دليلاً للفرع السابق، قال في الحدائق: «وبذلك يظهر حصول الغلط في الخبر ونقصان «فكان» من رواية الشيخ كما هو معلوم من طريقته في الكتاب المذكور وما جرى له فيه من التحريف والتغيير

(1) مختلف الشيعة: 3/380.
(2) الحدائق الناضرة:13/34.
(3) الجواهر: 16/207.
(4) الوسائل: 7، الباب 5 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 6.وقد أشار المعلِّق على الوسائل إلى اختلاف نسختي الكافي والتهذيب فلاحظ.

صفحه 78
والنقصان في متون الأخبار وأسانيدها.
والثانية صحيحة معاوية بن وهب قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الرجل يصوم اليوم الذي يشك فيه من شهر رمضان، فيكون كذلك، فقال: «هو شيء وفّق له»، بناء على1 أنّ قوله:«من شهر رمضان» متعلّق بقوله:«يصوم».
يلاحظ عليه: أنّه خلاف الظاهر، لوضوح انّ قوله: «من شهر رمضان» متعلّق بـ«يشك» لا بقوله: «يصوم» لأقربية الأوّل.
استدل القائلون بالفساد بروايات:
1. رواية هشام بن سالم، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)، قال: في يوم الشك: من صامه قضاه، وإن كان كذلك، يعني من صامه على أنّه من شهر رمضان بغير رؤية، قضاه، وإن كان يوماً من شهر رمضان، لأنّ السنّة جاءت في صيامه على أنّه من شعبان، ومن خالفها كان عليه القضاء.2
والاستدلال مبني على أنّ التفسير أعني قوله: «يعني الخ» من الإمام وإلاّفقوله:«من صامه قضاه وإن كان كذلك» مجمل مردّد بين الصوم بنية شعبان الذي فرغنا عنه أو صومه بنية رمضان الذي نحن فيه.
نعم يمكن أن يقال انّ المراد الصوم بنية رمضان بقرينة ما مضى من الروايات الدالة على الصحّة إذا كانت النية، نيةَ شعبان.
2. صحيح محمد بن مسلم في الرجل يصوم اليوم الذي يشكّ فيه من رمضان، فقال: «عليه قضاؤه وإن كان كذلك».3

(1) الوسائل: 7، الباب 5 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 6 و 5.وقد أشار المعلِّق على الوسائل إلى اختلاف نسختي الكافي والتهذيب فلاحظ.
(2) الوسائل: 7، الباب 6 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 5 و 1.
(3) الوسائل: 7، الباب 6 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 5 و 1.

صفحه 79
والاستدلال مبني على تعلّق الظرف (من رمضان) بقوله: «يصوم» حتى يكون الصوم بنية رمضان.
يلاحظ عليه: الظاهر تعلّقه بالأقرب، أعني: يشك، و يكون عندئذ مخالفاًلما دل على الصحة من الروايات والإجماع.
ويمكن أن يكون متعلقاً بالبعيد بأن يكون المراد يصوم ـ يوم الشك ـ من رمضان وذلك جمعاً بينها و بين الروايات الدالة على الصحّة إذا صام بنية شعبان.
والأولى الاستدلال بالروايتين التاليتين:
3. رواية الزهري عن علي بن الحسين (عليهما السلام)في حديث طويل، قال: «وصوم يوم الشك أُمرنا به ونهينا عنه، أمرنا به أن نصومه مع صيام شعبان، ونهينا عنه أن ينفرد الرجل بصيامه في اليوم الذي يشك فيه الناس».1
والاستدلال مبني على أنّ المراد من انفراد الرجل، انفراده بصيامه عن سائر الناس فيصوم بنية رمضان.
وفي بعض النسخ على ما في تعليقة الحدائق«أن ينوى» مكان «أن ينفرد».
4. موثقة سماعة في جواب سؤال من قال: رجل صام يوماً ولا يدري أمن شهر رمضان هو أو من غيره؟ فقال (عليه السلام):« بلى فاعتدّ به فإنّما هو شيء وفقك اللّه له، إنّما يصام يوم الشكّ من شعبان، ولا تصومه من شهر رمضان، لأنّه قد نهى أن ينفرد الإنسان بالصيام في يوم الشك».2
ودلالة الرواية واضحة، والمقصود من قوله: «ولأنّه قد نهى أن ينفرد الإنسان» أي ينفرد بالصوم بنية رمضان.
هذه هي الروايات التي استدلّ بها على القول المشهور، وإن كانت دلالة

(1) الوسائل: 7، الباب 5 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 8 و 4.
(2) الوسائل: 7، الباب 5 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 8 و 4.

صفحه 80
بعضها ضعيفة، ولكن في المجموع كفاية.
مضافاً إلى أنّ الصوم بنيّة رمضان بدعة في الدين، لأنّه إذا لم يثبت الهلال لم يثبت كون اليوم من رمضان، فكيف يصوم بنية يوم دل الدليل على أنّه من شعبان؟
وبذلك يظهر مفاد النهي عن الصوم في يوم الشك ففي خبر محمد بن الفضيل، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام)في اليوم الذي يشك فيه ـ إلى أن قال: ـ «لا يعجبني أن يتقدم أحد بصيام يومه».1
وفي خبر سهل بن سعد قال: سمعت الرضا يقول: «الصوم للرؤية، والفطر للرؤية، وليس منّا من صام قبل الرؤية للرؤية، وأفطر قبل الرؤية للرؤية»، قال: قلت له: يابن رسول اللّه فما ترى في صوم يوم الشك؟ فقال: «حدثني أبي، عن جدّي ،عن آبائه (عليهم السلام)قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام)لأن أصوم يوماً من شعبان أحبّ إليّ من أن أفطر يوماً من شهر رمضان».2
ومرسل الصدوق قال: كان أمير المؤمنين (عليه السلام)يقول: «لئن أفطر يوماً من شهر رمضان أحبّ إليّ من أن أصوم يوماً من شعبان، أزيده في شهر رمضان».3 فانّ ذيل المرسلة قرينة على المراد من قوله: «لا يعجبني أن يتقدمه أحد بصيام يومه» هو أن يجعله من رمضان.
وبعد ملاحظة الفتاوى في الفرعين ودراسة الروايات وتفسير بعضها ببعض، يُتبيّن انّ ما هو المشهور هو الحقّ وإن قال صاحب الجواهر:فالمسألة لا تخلو من إشكال.4

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 6 من أبواب وجوب الصوم ونيّته، الحديث 7و 9و8.
(2) الوسائل: الجزء 7، الباب 6 من أبواب وجوب الصوم ونيّته، الحديث 7و 9و8.
(3) الوسائل: الجزء 7، الباب 6 من أبواب وجوب الصوم ونيّته، الحديث 7و 9و8.
(4) الجواهر: 16/211.

صفحه 81
المسألة 17: صوم يوم الشكّ يتصوّر على وجوه:
الأوّل: أن يصوم على أنّه من شعبان، وهذا لا إشكال فيه، سواء نواه ندباً، أو بنيّة ما عليه من القضاء أو النذر، أو نحو ذلك، ولو انكشف بعد ذلك أنّه كان من رمضان أجزأ عنه وحسب كذلك.
الثاني: أن يصومه بنيّة أنّه من رمضان، والأقوى بطلانه وإن صادف الواقع.
الثالث: أن يصومه على أنّه إن كان من شعبان كان ندباً أو قضاءً مثلاً.وإن كان من رمضان كان واجباً. والأقوى بطلانه أيضاً.
الرابع: أن يصومه بنيّة القربة المطلقة، بقصد ما في الذمّة، وكان في ذهنه أنّه إمّا من رمضان أو غيره، بأن يكون الترديد في المنويّ لافي نيّته فالأقوى صحّته وإن كان الأحوط خلافه.(*)
ـــــــــــــ
(*) تقدم الكلام في الأوّلين إنّما الكلام في الأخيرين، والبحث تارة يقع في الفرق بينهما، وأُخرى في وجه اختلاف حكمهما من حيث عدم صحّة الأوّل وصحّة الثاني.
وجه الفرق بين الصورتين
الظاهر من الماتن أنّ الأوّل من قبيل الترديد في المنويّ حيث فسّر القسم الثاني بقوله: «بأن يكون الترديد في المنوي لا في النية» مشيراً بذلك إلى أنّ الترديد في الأوّل من قبيل الترديد في النية.
يلاحظ عليه: إذا كان المراد من النية هو قصد الصوم والعزم عليه، فهو قاصد وعازم قطعاً فهو غير متردد في نية الصوم وقصده.

صفحه 82
وقد حاول المحقّق الخوئي أن يجعله من قبيل الترديد في النيّة بالبيان التالي: وهو انّ مبنى الصورة الأُولى على الامتثال الاحتمالي، بمعنى انّ الباعث له على الصيام إنّما هو احتمال رمضان، وأمّا الطرف الآخر، أعني: الصوم الندبي من شعبان، فلا يهتمّ به، بل قد يعلم ببطلانه لعدم كونه مأموراً به في حقّه، كما لو كان عبداً أو زوجة أو ولداً قد منعه المولى أو الزوج أو الوالد عن الصوم الندبي، بناءً على الافتقار إلى الإذن منهم، فيصوم يوم الشك برجاء أنّه من رمضان لا على سبيل البتّ والجزم ليكون من التشريع، فيتعلّق القصد بعنوان رمضان، لكن لا بنية جزمية بل ترديدية احتمالية ... .
وأمّا الصورة الثانية، فليس فيها رجاء أبداً، بل هو قاصد للأمر الفعلي الجزمي الجامع بين الوجوب والاستحباب للقطع بتعلّق الأمر بالصوم في هذا اليوم، غاية الأمر انّ الخصوصية مجهولة، لأنّ صفة المنويّ مرددة بين الوجوب والاستحباب لتردّدها بين رمضان وشعبان.1
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره في الصورة الثانية لا غبار عليه، وقد أصلح بما ذكره عبارة الماتن حيث جعل المراد من التردّد في المنوي، هو التردّد في وصف المنويّ لا نفسه، خلافاً لظاهر عبارة الماتن في كون التردّد في نفس المنويّ لا في وصفه، لكن كلامه في الصورة الأُولى غير تام، لأنّه ربما يهتم بكلا الطرفين، كما إذا كان عليه قضاء يريد أن يقضي ما فات لئلاّ تتعلّق به كفارة التأخير، أو كان عليه صوم نذري أو غير ذلك من الدواعي، ومعه كيف يقول: إنّ الداعي هو الاحتمال، للاهتمام بأحد الأمرين دون الآخر؟!
ويمكن أن يقال: إنّه جازم في النية، أي قاصد للصوم، وجازم لامتثال الأمر، المحقّق شرطه في الواقع وإن لم يكن عارفاً به; فكأنّه ينوي، إن كان من شعبان

(1) مستند العروة:75ـ 76.

صفحه 83
أصومه ندباً لا غير. وإن كان رمضان أصومه واجباً لا غير، وبما انّ أحد الشرطين محقّق في الواقع، فهو قاصد للأمر المحقّق شرطه، فليس هذا ترديداً في النية ولا في المنويّ، وإنّما هو جهل لوصف الأمر المجزوم، المحقّق شرطه.
والفرق بينها وبين الصورة الثانية هو انّ المنويّ في الثانية هو الأمر الفعلي الماثل أمامه من دون تعليق واشتراط ،وهذا بخلاف المقام فيقصد كلّ أمر مشروطاً، وتكون النتيجة أنّه يقصد الأمر المشروط، المحقّق شرطه عند اللّه.
فليست هاتان الصورتان لا من قبيل الشكّ في النية ولا في المنويّ، والتفاوت بينهما هو كون المنويّ في الأُولى مشروط دون الثاني.
نعم لو قال: أصوم إن كان من رمضان ولا أصوم لو كان من شعبان فهو ترديد في النية.
كما أنّه لو قال: أصوم إمّا من رمضان أو من شعبان، فهو ترديد في المنويّ، بلا تعليق على تقدير معين.
بقي هنا شيء :
وهو انّ الماتن قيّد القربة المطلقة بقصد ما في الذمة في الصورة الثانية ،وكأنّه قيد زائد لا يتم فيما إذا لم يكن على ذمته صوم واجب من قضاء أو نذر أو كفارة، وأمّا الصوم الاستحبابي فليس على ذمة الإنسان، وعلى هذا، فالإتيان بهذا القيد أمر زائد لو لم يكن مخلاً.
إنّ هنا صورة خامسة، وهي أن يأتي بها تقرّباً إلى اللّه، بناء على كفايته في صحة العبادة وإن لم يلتفت إلى أمره، ولعلّ قول الماتن: «بنية القربة المطلقة» إشارة إلى هذا القسم، دون ما ذكرناه وفسرناه من قصد الأمر الفعلي الماثل، هذا كلّه حول الأمر الأوّل، أي تبيين واقع النيّتين.

صفحه 84

ما هو وجه الفرق في الحكم؟

فلنذكر الأقوال ثمّ بيان الفرق:
قال الشيخ: إذا نوى أن يصوم غداً من شهر رمضان فرضة أو نفلة، فقال: إنّه إن كان من رمضان فهو فرض، وإن لم يكن من رمضان فهو نافلة: أجزأه ولا يلزمه القضاء. وقال الشافعي: لا يجزيه وعليه القضاء.
دليلنا: ما قدّمناه من أنّ شهر رمضان يجزي فيه نية القربة، ونية التعيين ليست شرطاً في صحّة الصوم، وهذا قد نوى القربة وإنّما لم يقطع على نية التعيين فكان صومه صحيحاً.1
وقال العلاّمة في المختلف: للشيخ قولان: أحدهما: الإجزاء، ذكره في المبسوط والخلاف، والثاني: العدم، ذكره في باقي كتبه. واختاره ابن إدريس; واختار ابن حمزة الأوّل، وهو الأقوى، وهو مذهب ابن أبي عقيل.2
وقال في الحدائق : والصحة ظاهر الدروس والبيان، وإليه يميل كلام المحقّق الأردبيلي، والمحدث الكاشاني; وأمّا البطلان، فقد ذهب إليه المحقّق ، وابن إدريس، والعلاّمة في الإرشاد، واختاره في المدارك ونسبه إلى أكثر المتأخرين.3
استدل القائل بالبطلان في الصورة الأُولى بوجوه:
الأوّل: ما نقله العلاّمة عن الشيخ: انّه لم ينو أحد السببين(الأمرين) قطعاً، والنية فاصلة بين الوجهين ولم يحصل، والمراد انّ النية قاطعة للترديد وموجبة لنية

(1) الخلاف:2/179، كتاب الصوم، المسألة 21.
(2) مختلف الشيعة:3/383.
(3) الحدائق: 13/44.

صفحه 85
أحد السببين ولم يحصل.
وأجاب العلاّمة :المنع من اشتراط القطع، لأنّه تكليف بما لا يطاق.1
توضيحه: انّه نوى أحد السببين لا بصورة مطلقة، بل بصورة مشروطة، وبما انّ شرط أحد الأمرين متحقّق فقد نواه وإن لم يتعيّن ظاهراً، فنيّة كلّ من الوجوب والندب على تقدير، مرجعه إلى أنّه لو كان من شعبان فأصوم ندباً فقط ولو كان من رمضان فأصوم وجوباً فقط، فالمنوي في الواقع متعيّن و لا تعيّن عنده، والنيّة الفاصلة بين الوجهين أيضاً محقّقة.
الثاني: الظاهر من النصوص انّه تتعيّن نيّته من شعبان، فنيّته بهذه الصورة على خلاف ذلك تشريع محرم فلا يتحقّق به الامتثال، وهو معتمد المدارك.2
يلاحظ عليه: أنّ النصوص المبيّنة لكيفية النيّة، بصدد المنع عن صومه بما انّه من رمضان، روى عبد اللّه بن سنان انّه سأل أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن رجل صام شعبان، فلمّـا كان شهر رمضان أضمر يوماً من شهر رمضان فبان انّه من شعبان، لأنّه وقع فيه الشكّ؟ فقال: «يعيد ذلك اليوم، و إن أضمر من شعبان فبان انّه من رمضان فلا شيء عليه».3
وهو صريح في أنّ الممنوع نيّة كونه من رمضان لا غير على وجه الجزم، وأمّا صورة الترديد وإيكال الأمر إلى الواقع، فهي خارجة عن حريم الروايات المجوِّزة والمانعة.
وممّا ذكرنا يعلم عدم تمامية ما ذكره المحقّق الخوئي حيث استقرب أن تكون الروايات ناظرة إلى نفس هذه الصورة، إذ من البعيد الاهتمام فيها بأمر إما لا يقع

(1) مختلف الشيعة:3/384.
(2) مدارك الأحكام: 6/34.
(3) الوسائل: الجزء 7، الباب 5 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 10.

صفحه 86
خارجاً أو نادر الوقوع جداً، وهو الصوم في يوم الشك بعنوان رمضان بنية جزمية تشريعية، وبالجملة فالروايات إمّا مختصة بالرجاء أو أنّها مطلقة من هذه الجهة، وعلى التقديرين فتدل على البطلان في هذه الصورة.1
لأنّ ما ذكره مجرد احتمال لا تساعده ظواهر الروايات وليس فيها أية إشارة إلى أنّها ناظرة إلى تلك الصورة، ولو افترضنا شمولها بصورة الرجاء، فيشمل ما إذا صام رجاء كونه رمضانَ فقط وهو غير نية كلّ من الأمرين على صورة خاصة.
الثالث: انّ حقيقة صوم رمضان، تغاير الصوم المندوب، كما يكشف عن ذلك اختلاف أحكامهما، فإذا لم تُعيَّن حقيقة أحدهما، في النيّة، التي حقيقتها استحضار حقيقة الفعل المأمور به، لم يقع عن أحدهما; وهو معتمد الشيخ الأعظم.2
يلاحظ عليه بما مرّ من أنّه لا تشترط نيّته عنوان رمضان في صحّة صومه، وذاك لأنّ اليوم المتعيّن شرعاً لصوم خاص لا يُقْبل فيه أي صوم، فتكفي فيه نية صوم الغد والفرض أنّه محقق، وما فسِّرت به النيّة، كأنّه تفسير فلسفي، واختلاف أحكام صوم رمضان يرجع إلى تعيّن اليوم للصوم، لا إلى اختلاف ماهية صومه مع صوم الأيام الأُخر، وعلى ذلك فنيّة صوم الغد، كاف في استحضار حقيقة الفعل المأمور به كما لا يخفى.
هذا كلّه حول الصورة الأُولى.
وأمّا صحة الصورة الثانية، فقد اتضحت ممّا ذكرناه للجزم بالنيّة، والإشارة إلى الأمر المعيّن، غاية الأمر لا يعلم وصفه، وهو غير مضرّ.

(1) مستند العروة:76.
(2) كتاب الصوم للشيخ الأنصاري: 121.

صفحه 87
المسألة 18: لو أصبح يوم الشكّ بنيّة الإفطار، ثمّ بان له أنّه من الشهر، فإن تناول المفطر وجب عليه القضاء، وأمسك بقيّة النهار وجوباً تأدّباً، وكذا لو لم يتناوله ولكن كان بعد الزوال، وإن كان قبل الزوال ولم يتناول المفطر جدّد النيّة وأجزأ عنه.(*)
ـــــــــــ
(*) هنا فروع ثلاثة: حكم بالبطلان في الأوّلين دون الثالث، فلنذكر بعض الكلمات:
قال الشيخ : إذا أصبح يوم الشك وهو يوم الثلاثين من شعبان، ويعتقد انّه من شعبان بنية الإفطار، ثمّ بان أنّه من شهر رمضان لقيام بيّنة عليه قبل الزوال، جدّد النية وصام، وقد أجزأه. و إن بان بعد الزوال، أمسك بقية النهار وكان عليه القضاء. وبه قال أبو حنيفة .
وقال الشافعي: يمسك وعليه القضاء على كلّ حال. واختلفوا إذا أمسك هل يكون صائماً أم لا؟ قال الأكثر: إنّه يجب عليه الإمساك ولا يكون صائماً.
وقال أبو إسحاق: يكون صائماً من الوقت الذي أمسك صوماً شرعياً.1 ولم يذكر ما إذا تناول المفطر.
وقال في المختلف بعد نقل كلام الشيخ عن الخلاف: ونحوه قال ابن أبي عقيل. وأطلق ابن الجنيد وقال: إن أصبح يوم الشك غير معتقد لصيام، فعلم فيه انّه من رمضان، فصامه معتقداً لذلك، أجزأ عنه وبناه على أصله من جواز تجديد النية بعد الزوال.2

(1) الخلاف:2/178، المسألة 20، كتاب الصوم.
(2) المختلف:3/379.

صفحه 88
وقال في الحدائق: أمّا الحكم الأوّل (الصحّة قبل الزوال)فالظاهر انّه لا خلاف فيه بينهم، وظاهر المحقّق في المعتبر و العلاّمة في المنتهى والتذكرة انّه موضع وفاق بين العلماء; وأمّا الحكم الثاني (البطلان فيما بعد الزوال) فهوالمشهور.1
واستدل على الصحّة فيما إذا لم يتناول المفطر وعلم قبل الزوال بفحوى ما ورد على انعقاد الصوم من المريض والمسافر إذا زال عذرهما من قبل.2
وما ورد من طريق أهل السنة انّه (صلى الله عليه وآله وسلم)أمر رجلاً من «أسلم» ان أذّن في الناس أنّ من أكل فليصم بقية يومه، و من لم يكن أكل فليصم، فإنّ اليوم يوم عاشوراء3 ونقله الشيخ في الخلاف كما مرّ.
واستدل في الجواهر بالإجماع وقال: وهو الحجّة بعد اعتضاده بما عرفت.4
أقول: الظاهر انّ الأصحاب انتزعوا ممّا ورد في أبواب مختلفة ضابطة كلية، وهي بقاء وقت النية إلى الزوال.
1. ما ورد في حقّ المسافر في موردين:
أ. ما ورد في خروجه قبل الزوال وبعده، ففي صحيح الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)أنّه سُئل عن الرجل يخرج من بيته يريد السفر وهو صائم؟ قال: فقال: «إن خرج من قبل أن ينتصف النهار فليفطر وليقض ذلك اليوم، وإن خرج بعد الزوال فليتم يومه».5

(1) الحدائق: 13/46.
(2) الوسائل: الجزء 7، الباب 6 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 4، 6، 7.
(3) السنن الكبرى: 4/288.
(4) الجواهر: 16/214.
(5) الوسائل: الجزء 7، الباب 5 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 2وغيره.

صفحه 89
ب. ما ورد في قدومه قبل الزوال وبعده، فعن أبي بصير قال: سألته عن الرجل يقدم من سفر في شهر رمضان، فقال: «إن قدم قبل زوال الشمس فعليه صيام ذلك اليوم ويعتدّ به».1
2. ما ورد في الواجب غير المعين كالقضاء والنذر المطلق من بقاء وقت النية إلى الزوال إذا لم يفعل المنافي نهاراً، وهي روايات متضافرة; ففي صحيح عبد الرحمان بن الحجاج عن أبي الحسن(عليه السلام)في الرجل يبدو له بعد ما يُصبح ويرتفع النهار في صوم ذلك اليوم ليقضيه من شهر رمضان وإن لم يكن نوى ذلك من الليل؟ قال: «نعم ليصمه وليعتدّ به إذا لم يكن أحدث شيئاً».2
3. و ما دلّ من الأدلة على صحّة صوم الجاهل والناسي لرمضان إذا تذكر قبل الزوال إذا لم يأت بمفطر، وهو وإن لم يرد فيه نص بالخصوص لكن عرفت أنّ الصحّة هو مقتضى القواعد.
4. اتّفاق المشهور عليها، حيث ألحقوا المريض الذي برأ قبل الظهر بالمسافر مع عدم ورود نصّ فيه، كلّ ذلك ممّا يشرف الفقيه على بقاء زمان النية في الصوم الواجب إلى الزوال، من غير فرق بين صوم رمضان أو غيره، أداء كان أو قضاء.
وما عن السيد المحقّق الخوئي (قدس سره)من أنّ الاجتزاء على خلاف القاعدة، يقتصر على مورد قيام الدليل، وهو خاص بالمريض والمسافر دون غيرهما وإن لم يتناول المفطر، فلا وجه للتعدي3 غير تام، لما عرفت من عدم ورود النصّ في المريض أوّلاً، وإمكان انتزاع القاعدة الكلية من روايات واردة في موارد مختلفة

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 6 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 6 وغيره.
(2) الوسائل: الجزء 7، الباب 2 من أبواب وجوب الصوم ونيته ، الحديث 2وغيره.
(3) مستند العروة ، كتاب الصوم: 78ـ 79.

صفحه 90
المسألة 19: لو صام يوم الشكّ بنيّة أنّه من شعبان ندباً أو قضاء أو نحوهما ثمّ تناول المفطر نسياناً وتبيّن بعده أنّه من رمضان أجزأ عنه أيضاً، ولايضرّه تناول المفطر نسياناً، كما لو لم يتبيّن ، وكما لو تناول المفطر نسياناً بعد التبيّن.(*)
ــــــــــــ
ثانياً.
بقي الكلام في أمرين:
1. فيما إذا تناول المفطر، وجب القضاء وأمسك بقية النهار وجوباً تأدّباً. أمّا القضاء، فعلى وفق القاعدة، إنّما الكلام في الإمساك بعد الإفطار تأدّباً، فقد ورد صوم التأديب في رواية الزهري عن علي بن الحسين (عليهما السلام)في مورد الصبي المراهق والمسافر إذا أكل من أوّل النهار، ثمّ قدم أهله، وكلّ من أفطر لعلة في أوّل النهار ثمّ قوى بعد ذلك، أُمر بالإمساك بقية يومه تأديباً، وليس بفرض.1 إنّما الكلام في الإمساك التأديبي فرضاً كما في المقام، فليس عليه دليل سوى ارتكاز المتشرعة، فانّ المرتكز عندهم قبح تناوله بعد علمه.
2. فيما لو لم يتناوله ولكن كان التبيّن بعد الزوال، وقد عرفت أنّ الميزان لتجديد النية، هو قبل الزوال، لا بعده، فلذلك يصوم تأدّباً ويقضي.
(*) في المسألة فروع ثلاثة، والجامع بينها صوم يوم الشك بنية شعبان:
1. إذا تناول المفطر نسياناً قبل أن يتبيّن انّه من رمضان.
2. إذا تناول المفطر نسياناً ولم يتبيّن أنّه من رمضان.
3. إذا تناول المفطر نسياناً، بعد أن تبيّن انّه من رمضان.

(1) الوسائل: الجزء 7 ، الباب 33 من أبواب من يصح منه الصوم، الحديث 1.

صفحه 91
المسألة 20: لو صام بنيّة شعبان ثمّ أفسد صومه برياء ونحوه لم يجزه عن رمضان، وإن تبيّن له كونه منه قبل الزوال.(*)
ــــــــــــ
وجه عدم القدح هو اختصاص المفطر، بالتناول العمدي، وأمّا غيره فليس بمفطر.
ويؤيده الاتفاق على الصحّة فيما إذا تناول في شهر رمضان نسياناً، فكيف إذا تناول ولم يثبت بعدُ انّه من رمضان، أو لم يثبت إلى نهاية النهار؟
(*) وذلك لاختصاص الدليل بالصوم الصحيح، فيجدّد النيّة من الصوم الصحيح إلى صحيح آخر، لا من الصوم الباطل، وليس الصوم مجرّد إمساك، بل إمساك بنيّة التقرّب، والمفروض انّه فاته ذلك القيد في بعض أجزاء النهار.
فإن قلت: ما الفرق بينه و بين ما إذا صام بنية شعبان، ثمّ نوى الإفطار وتبيّن كونه من رمضان، مع أنّها كالرياء مفسدة للصوم، وسيأتي من الماتن في المسألة التالية الحكم بالصحّة، ومثله: ما إذا صام يوم الشك بقصد واجب معين، ثمّ نوى الإفطار عصياناً، ثمّ تبيّن كونه من رمضان، فالمختار عندنا هو الصحّة وإن كان المختار عند الماتن البطلان؟
قلت: سيوافيك الفرق بين المقام والآخرين هو انّ نية الإفطار في الصورة الأُولى لم تكن محرمة، لأنّه لم يثبت عنده كون الزمان من رمضان، ومثله الصورة الثانية، فإنّ نية الإفطار ليست محرمة إلاّ من باب التجرّي، لأنّ الزمان غير صالح لصوم اليوم المعين، وكونه من رمضان غير ثابت، فلا يكون حكمه منجزاً وتكون نيّة الإفطار تجرياً، وأمّا المقام فالصوم هنا منهي عنه، فكيف يصلح لأن يتقرَّّّب به ويضم إلى الصوم الصالح الذي يتقرّب به.

صفحه 92
المسألة 21: إذا صام يوم الشكّ بنيّة شعبان ثمّ نوى الإفطار وتبيّن كونه من رمضان قبل الزوال قبل أن يفطر فنوى صحّ صومه، وأمّا إن نوى الإفطار في يوم من شهر رمضان عصياناً ثمّ تاب فجدّد النيّة قبل الزوال لم ينعقد صومه، وكذا لو صام يوم الشكّ بقصد واجب معيّن ثمّ نوى الإفطار عصياناً ثمّ تاب فجدّد النيّة بعد تبيّن كونه من رمضان قبل الزوال.(*)
ـــــــــــ
ومع ذلك ففي النفس ممّا ذكره شيء لما مرّ من أنّ المصحح هو تجديد النية بعد الوقوف على كونه من رمضان وتقبل الصوم الناقص مكان الكامل، فلا يزيد الرياء في الصوم على نية الإفطار، وسيوافيك انّه غير مبطل.
(*) ذكر فيها فروعاً ثلاثة كلّها ممّا لا نصّ فيها ولا محيص عن استخراج حكمها من القواعد العامة.

الفرع الأوّل

إذا صام يوم الشك ثمّ نوى الإفطار، ولم يتناول شيئاً، ثمّ تبيّـن كونه من رمضان قبل الزوال، فهل ينعقد صومه أو لا؟
الظاهر انعقاده، لأنّه يكون كمن أصبح يوم الشكّ بنية الإفطار ثمّ بان له انّه من الشهر، فقد مضى انّه يصحّ إذا جدّد النيّة قبل الزوال.
والتفصيل بين قبل الزوال وبعده مبنيّ على الضابطة الكلية المنتزعة عن موارد مختلفة، بل الصحّة في المقام أولى، لأنّه إذا صحّ فيما إذا نوى الإفطار إلى قُبيل الزوال ثمّ نوى الصوم، فأولى أن يكون صحيحاً فيما إذا كان في جزء منه صائماً وفي جزء آخر ناوياً الإفطار.

صفحه 93

الفرع الثاني

إذا نوى الإفطار في يوم من شهر رمضان عصياناً، ثمّ تاب فجدّد النية قبل الزوال لم تنعقد نيّته.
قال الشيخ: إذا نوى في أثناء النهار أنّه قد ترك الصوم، أو عزم على أن يفعل ما ينافي الصوم لم يبطل صومه، وكذلك الصلاة إذا نوى أن يخرج منها، أو فكّر هل يخرج أم لا؟ لا تبطل صلاته، وإنّما يبطل الصوم والصلاة بفعل ما ينافيهما .وبه قال أبو حنيفة. واستدل على ذلك بأنّ نواقض الصوم والصلاة قد نُصّ لنا عليها، ولم يذكروا في جملتها هذه النية، فمن جعلها من جملة ذلك كان عليه الدلالة.1
وقال المحقّق: لو نوى الإفطار في يوم رمضان ثمّ جدّد قبل الزوال، قيل: لا ينعقد وعليه القضاء، ولو قيل بانعقاده كان أشبه.2
وبذلك يعلم أنّ التشكيك في كون الصحّة قولاً للشيخ ليس بصحيح، لما عرفت من تصريحه في الخلاف، ونقله في المختلف عن المبسوط أيضاً3، وذهب أبو الصلاح في الكافي4، والعلاّمة في المختلف5 إلى البطلان; ودليله واضح، لأنّ الإخلال بالنية في جزء من الصوم يقتضي فوات ذلك الجزء لفوت شرطه، ويلزم منه فساد الكلّ، لأنّ الصوم لا يتبعض فيجب قضاؤه.6
وبذلك يعلم الفرق بين الصوم والصلاة، فانّ كلّ آن من الفجر إلى الليل،

(1) الخلاف: 2/222، كتاب الصوم، المسألة 89.
(2) الشرائع: 1/140، فروع ثلاثة.
(3) لاحظ المبسوط: 1/278.
(4) الكافي: 182.
(5) المختلف:3/385.
(6) الحدائق: 13/47; المختلف: 2/385.

صفحه 94
جزء من الصوم، فيجب أن يكون مقروناً بنية الصوم، فلو نوى الإتيان بالمُخلّ، فقد أخلى ذلك الجزء من النية، وفات منه الصوم الكامل ولا دليل على قيامه مقام الصوم الكامل.
استدل على الصحّة بوجوه:
1. صحيحة الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: سألته عن الرجل يُصبح وهو يريد الصيام ثمّ يبدو له فيفطر؟ قال: هو بالخيار ما بينه و بين نصف النهار».1
وجه الاستدلال: هو دلالتها على أنّه بالنيّة قبل الزوال، يُحسب اليوم.2
يلاحظ عليه: ظهور الصحيحة في النافلة ، أو الواجب غير المعيّن ولا يعم المعيّن من الصوم خصوصاً شهر رمضان.
وقال الشهيد الثاني: القول بالصحّة مبني على الاجتزاء بنيّة واحدة مع تقدّمها أو على القول بجواز تأخير النيّة قبل الزوال اختياراً، وانّ نيّة المنافي إنّما ينافي الاستدامة الحكمية لا نفس النيّة وشرطيّة الاستدامة أو توقف صحّة الصوم عليها غير معلوم. وإن ثبت ذلك في الصلاة.3
يلاحظ عليه: أنّ كلا المبنيين غير ثابت: أمّا الثاني، أي جواز تأخير النية، فهو على خلاف الآية الدالة على لزوم مقارنة نيّة الصوم من الفجر إلى الليل، قال سبحانه: (كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِالأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْل)4. وأمّا الأوّل أي كفاية النية المتقدمة، فلأنّ النيّة ليست إخطاراً بالبال حتى يكتفي بوجودها المتقدم، بل هي عبارة عن

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 4 من أبواب وجوب الصوم، الحديث13.
(2) الحدائق: 13/48.
(3) المسالك:2/14.
(4) البقرة: 187.

صفحه 95
الداعي إلى الإمساك المقارن معه إلى نهاية اليوم والمفروض انتفاؤه في جزء من اليوم.
وأمّا القول بأنّ نيّة المنافي، لا ينافي نيَّة الصوم فهو كما ترى.
الفرع الثالث
لو صام يوم الشكّ بقصد واجب معيّن ثمّ نوى الإفطار عصياناً، ثمّ تاب فجدّد النيّة بعد تبيّن كونه من رمضان قبل الزوال، فهل يصحّ من رمضان أو لا؟
وذلك كما إذا نذر أن يصوم آخر شهر شعبان، فصام بهذه النية، ثمّ نوى الإفطار عصياناً ولم يتناول المفطر، ثمّ تبيـّن كونه من رمضان، فجدّد النيّة ثانياً.
وجه البطلان: انّه يشترط في الصوم الواجب المعيّن، اقتران الإمساك في جميع الوقت بنيّة الصوم، والمفروض عدمه في ظرف العصيان، وبما انّ صومه هذا من الواجب المعيّن، تكون نيّة الإفطار مبطلة.
ويمكن تصحيحه بالبيان التالي: انّ نيّة الإفطار إنّما تبطل إذا كان هناك أمر فعلي منجّز دونما إذا لم يكن كذلك، والمفروض انّه قبل التبيّن لم يتنجّز عليه الأمر بالصوم، لجهله بكونه من رمضان، وأمّا الأمر بالصوم بنية الواجب المعين كالنذر،فقد كان أمراً تخيليّاً، أو ظاهرياً ـ حسب اصطلاح القوم ـ و مخالفته لا تكون مؤثِّرة في بطلان الصوم، غاية الأمر تُعدّ مخالفة العلم تجرياً وله حكمه فعلاً وفاعلاً.
وأمّا بعد ما يتنجز الأمر وعلم أنّه من رمضان، فالمفروض انّه عقد النية ولم ينو الإفطار، بل عقدها إلى الليل.
وإن شئت فنزّل المقام بما إذا أصبح ناوياً للإفطار ولكن لم يتناول المفطر، فتبيّن انّه من شهر رمضان، فقد مضى انّه يصحّ من رمضان، بل المقام أولى بالصحّة لكونه صائماً في فترة من اليوم.

صفحه 96
المسألة 22: لو نوى القطع أو القاطع في الصوم الواجب المعيّن بطل صومه، سواء نواهما من حينه أو فيما يأتي، وكذا لو تردّد، نعم لو كان تردّده من جهة الشك في بطلان صومه وعدمه لعروض عارض، لم يبطل وإن استمرّ ذلك إلى أن يسأل، ولافرق في البطلان بنيّة القطع أو القاطع أو التردد بين أن يرجع إلى نيّة الصوم قبل الزوال أم لا، وأمّا في غير الواجب المعيّن فيصحّ لو رجع قبل الزوال.(*)
ـــــــــــ
(*) الفرق بين هذه المسألة وما تقدم من المسألة السابقة من الفرع الثاني، أعني: «وأمّا إن نوى الإفطار في يوم من شهر رمضان عصياناً، ثمّ تاب فجدّد النية قبل الزوال لم ينعقد صومه» من وجهين:
أ. اختصاص الموضوع فيما سبق بشهر رمضان وعموم هذا له ولغيره.
ب. اختصاص الكلام فيه بنيّة القطع وعمومه في المقام له وللقاطع والتردد.
ثمّ الفرق بين نية القطع والقاطع واضح، ويراد من الأوّل رفع اليد عمّا تلبّس به من الصوم فيكون الزمان خالياً عن النيّة. وإن لم يقصد المفطِّر فضلاً عن تناوله ويراد من الثاني، العزم على فعل إحدى المفطِّرات حاليّاً أو في المستقبل كما لو قام ليشتري الطعام ويفطر، لكنّه ندم قبل الإفطار.
وأمّا التردّد فهو كما إذا تردّد في إنهاء الإمساك إلى الليل وعدمه.
ثمّ إنّ الماتن حكم ببطلان الجميع، واستثنى صورة رابعة، وهي أن يكون تردّده في الإفطار من جهة الشكّ في بطلان صومه وعدمه لعروض عارض على وجه لو علم بعدم إخلال العارض لاستمرّ في النيّة.
فنقول: أمّا حكم الصور الثلاث الأُولى:
 

صفحه 97
فقد ذهب السيد المرتضى إلى عدم كون نية القاطع مبطلاً، قال في المختلف: قال السيد المرتضى (رحمه الله): كنت أمليت قديماً مسألة أتصوّر فيها: انّ من عزم في نهار شهر رمضان على أكل وشرب وجماع يَفسد بهذا العزم صومُه، ونصرت ذلك بغاية التمكن، وقوّيته ثمّ رجعت عنه في كتاب الصوم من المصباح، وأفتيت فيه بأنّ العازم على شيء ممّا ذكرناه في نهار شهر رمضان بعد تقدم نيّته وانعقاد صومه لا يفطر به .قال :وهو الصحيح الذي يقتضيه الأُصول، وهومذهب جميع الفقهاء.
وحاصل دليله: انّ الصوم بعد انعقاده بحصول النية في ابتدائه، وإنّما يفسد بما ينافي الصوم من أكل أوشرب أو جماع، ولا منافاة بين الصوم وبين عزمه على الأكل والشرب.
ثمّ اعترض بأنّ عزيمة الأكل والشرب وإن لم تناف الصوم، فإنّها1 تنافي نيّته التي لابدّ للصوم منها، لأنّا نعلم ضرورة منافاة عزيمة الأكل لعزيمة الكف عن الأكل، أو توطين النفس على الكف.
وأجاب ما هذا حاصله: انّ النيّة إذا وقعت في ابتداء الصوم استمرّ حكمها في باقي اليوم وإن لم تكن مقارنة لجميع أجزائه وأثّرت فيه بطوله، وعندنا انّ هذه النية ـ زيادة على تلك ـ مؤثرة في كون جميع أيام الشهر صوماً وإن لم تكن مقارنة للجميع.
هذا خلاصة كلامه وقد أفاض الكلام في المسألة على وجه استغرق ثلاث صفحات.2 ومن كلامه في نية القاطع، يظهر نظره في نية القطع، لأنّ نيّة القاطع حالياً، يلازم نيّة القطع كما سيوافيك.

(1) كذا في المصدر و الظاهر «لكنّها».
(2) المختلف:3/391; ولاحظ رسائل الشريف المرتضى، المجموعة الرابعة: 322.

صفحه 98
وتبعه صاحب الجواهر، لكنّه فصل بين نيّة القطع فأفتى بالبطلان، ونيّة القاطع فأفتى بالصحّة، ولكن التحقيق البطلان في عامة الصور.
لما عرفت من أنّ الصوم عبارة عن توطين النفس على الإمساك عن المفطرات بين الحدين، ويكفي في ذلك وجود الداعي في النفس في حالتي اليقظة والنوم، الالتفات والغفلة.
ومن أراد القطع فقد رفع اليد عمـّا تلبس به من توطين النفس على الصوم، فكيف يكون صحيحاً والبطلان لأجل فقدان نية الصوم، لا لأجل نية الإفطار، وهذا واضح في نية القطع.
وأمّا نية القاطع التي ذهب الشريف المرتضى وصاحب الجواهر فيه إلى صحّة الصوم، وقد عرفت استدلال الشريف وقريب منه كلام صاحب الجواهر: يقـول ـ بعد الاستدلال باستصحاب الصحّة: ـ ودعوى كون المعتبر في الصحّة العزم في سائر الأزمنة على الامتثال بالصوم في سائر أوقات اليوم لا نعرف له مستنداً.1
يلاحظ عليه: أوّلاً: أنّه إنّما يصحّ إذا نوى القاطع فيما بعد، كأن نوى صباحاً أن يتغدّى عند الظهر، لكن ربما ينوي القاطع حالياً، كما إذا حاول شرب الشاي الواقع أمامه، اللّهمّ إلاّأن يرجع هذا النوع إلى نية القطع.
ثانياً: التفريق بينهما نابع عن الخلط بين الصوم اللغوي، والصوم الشرعي،فمن نوى تناول القاطع في المستقبل صائم لغة، أي ممسك فعلاً عن المفطرات، ولكنّه ليس بصائم شرعاً، لأنّ الصوم الشرعي عبارة عن نيّة الإنسان

(1) الجواهر:16/215.

صفحه 99
الإمساكَ عن استعمال المفطرات بين الفجر والليل، وهو لا يجتمع مع نيّة القاطع بداهة انّه قاصد لاستعماله فيما يأتي، فلا يكون عندئذ ناوياً لترك المفطرات بين الحدين.
ومنه يظهر حال التردّد في إنهاء الإمساك إلى الليل وعدمه، لأنّ الميزان، كونه ناوياً للصوم، وهو كما ينتفي بنية الإفطار كذلك ينتفي بالتردد.
فلا مناص عن الحكم بالبطلان في الصور الثلاث.
نعم نقل في الجواهر استثناء كاشف الغطاء، التردّد في الأثناء، إذا كان للتوقف على السؤال، وعقبه بقوله: وفيه أنّه يمكن أن يكون ذلك خارجاً عمّا نحن فيه ضرورة بقاء عزمه السابق على الصوم إلاّ أنّ تردّده في حصول المنافي.1
والحاصل: انّ التردد في إنهاء الصوم إلى الليل وعدمه، أمر والتردد في صحّة الصوم وبطلانه لعروض أمر، شيء آخر، فهو يستمر على نيّته إلى أن يسأل شخصاً عن حكم المسألة.
وقد أشار إليه الماتن بقوله: نعم لو كان تردده من جهة الشكّ في بطلان صومه وعدمه لعروض عارض لم يبطل وإن استمر ذلك إلى أن يسأل.
نعم إن استتبع الشكُّ في البطلان تردّداً في المضيّ على الصوم، يبطل لأجل التردّد الثاني الناتج من التردّد الأوّل، ثمّ إنّ نيّة القطع أو القاطع مفسدان للصوم في الواجب المعيّن من غير فرق بين قبل الزوال وبعده.
وأمّا في الواجب غير المعين فيصحّ لو رجع قبل الظهر لما عرفت من صحّته فيما لو أصبح بنيَّة الإفطار إلى قبيل الظهر، ثمّ جدّد النية.

(1) الجواهر: 16/216.

صفحه 100
المسألة23: لايجب معرفة كون الصوم هو ترك المفطّرات مع النيّة أو كفّ النفس عنها معها.(*)
ــــــــــــ
(*) وجه ذلك أنّ الصوم إمّا من المفاهيم العرفية التي يعرفها الناس قاطبة، أو من المفاهيم الشرعية الواردة في الشرائع السماوية، وعلى كلّ تقدير فهو ذو مفهوم واضح ـ وإن كان مجهول الكنه ـ كغالب المفاهيم كالسماء والأرض، والماء والتراب، ويكفي في إلقاء الخطاب والدعوة إلى الامتثال، هذا المقدار من المعرفة، قال سبحانه مخاطباً المؤمنين: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون)1 أمرهم بالصيام مثل ما أمرهم بالزكاة والصلاة والحجّ والجهاد.
نعم التكليف بالشيء فرع المعرفة التفصيلية، لكن في حدّ المعرفة العرفية، لا المعرفة التفصيلية الفلسفية، فانّ البحث عن كونه نفس الترك مع النية ليكون أمراً عدمياً، والتقابل بينه وبين الإفطار تقابل العدم والملكة، أو كونه الكفّ معها، ليكون أمراً وجودياً ويكون التقابل بينهما تقابل التضاد، بحث فلسفي، لا صلة لها بالمعرفة التفصيلية في حدّ التفاهم العرفي.
وبذلك يعلم انّ ما أفاده السيد الحكيم (قدس سره)في بيان مبنى المسألة غير تام، حيث قال: نعم لو اعتبرت الموافقة التفصيلية في صحّة العبادة، كانت معرفة معنى الصوم منهما لازمة.2
وذلك لأنّ من اشترط المعرفة التفصيلية في صحّة العبادة فإنّما اشترطها في حدّ المعرفة العرفية أو الشرعية، لا في حدّ المعرفة الفلسفية.
 

(1) البقرة:183.
(2) المستمسك: 8/232.

صفحه 101
المسألة24: لايجوز العدول من صوم إلى صوم واجبين كانا أو مستحبّين أو مختلفين، وتجديد نيّة رمضان إذا صام يوم الشكّ بنيّة شعبان ليس من باب العدول، بل من جهة أنّ وقتها موسّع لغير العالم به إلى الزوال.(*)
ـــــــــــــ
(*) جواز العدول من عبادة إلى عبادة أُخرى في الأثناء، أمر على خلاف القاعدة ولا يثبت إلاّ بدليل شرعي، كما في باب الصلاة حيث يجوز العدول من الحاضرة إلى الفائتة، أو من اللاحقة إلى السابقة كالمترتبين، أو من الفريضة إلى النافلة إذا حضرت الجماعة، أمّا كونه على خلاف القاعدة، فلأنّ معنى ذلك أنّ العبادة التلفيقية من امتثال أمرين، يحسب امتثالاً للأمر الثاني، ومثل هذا الاحتساب يتوقف على دليل، لأنّ جبر نقص إحدى العبادتين بالأُخرى، أمر شرعي تتوقف شرعيّته على الدليل.
بقي هنا سؤال: وهو أنّه إذا صام يوم الشك بنية شعبان ثمّ تبيّن كونه من رمضان فقد مضى أنّه يجدد النية بأنّه من رمضان، فهل هو من باب العدول من صوم إلى صوم آخر أو لا؟
فأجاب عنه الماتن بأنّه ليس من باب العدول، بل من جهة أنّ وقتها موسع لغير العالم به إلى الزوال.
أقول: لو افترضنا أنّ تجديد النية فيها من باب سعة وقت النية فقد مرّ أنّ وقته لا يكون محدوداً بما قبل الزوال كما مرّ في المسألة السادسة عشرة.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ في تجديد نية رمضان إذا صام بنية يوم شعبان احتمالات ثلاثة:
1. انّوقت النيّة موسع لغير العالم إلى المغرب وليس عدولاً.
2. انّه من باب الاحتساب القهري لما مرّ من أنّه لا يجوز في شهر رمضان

صفحه 102
صوم غيره.
3. انّه من باب العدول الواجب.
لا شكّ أنّه إذا تبين كونه من رمضان بعد الغروب فهو من قبيل الاحتساب، لا من باب سعة الوقت، ولا العدول الواجب، لعدم الموضوع.
إنّما الكلام فيما إذا تبين أثناء النهار، فالكلّ محتمل ولا يترتب عليه أثر شرعي، وتخصيص العدول بما إذا كان مختاراً في العدول وعدمه وليس المقام كذلك1 لا دليل عليه، بل يعم العدول حتى إذا كان واجباً كما في الصلاتين المترتبتين إذ نوى الثانية ووقف في الأثناء على أنّه لم يأت بالأُولى، حيث يجب عليه العدول، وليكن المقام من هذا القبيل.
وعلى كلّ تقدير لا تترتب ثمرة على التعيين وانّه من أيّ نوع.
ومنه يظهر حال المسألة الأُخرى، كما إذا صام ندباً فأراد أن يعدل إلى صوم الكفّارة إذا كان قبل الزوال فربما يقال انّه ليس من باب العدول بل من باب التوسعة في الوقت، لأنّه بعد أن رفع اليد عن الصوم الأوّل يبطل ما نوى ويكون كمن لم يكن ناوياً للصوم، والمفروض انّه لم يُفطر بعدُ، فيندرج تحت أدلّة جواز التجديد إلى ما قبل الزوال.2
يلاحظ عليه: إنّما يصحّ إذا أُريد من رفع اليد عن الصوم الأوّل، نية الإفطار، فحينئذ لا يكون من باب العدول بل من باب التوسعة في الوقت، وأمّا لو حاول ضمّ النية الثانية إلى الأُولى على وجه لا يتوسط بينهما آن فاقد لنية الصوم، فيحتمل أن يكون من باب العدول، كما يمكن أن يكون من باب التوسعة في الوقت.

(1) مستند العروة:89.
(2) مستند العروة:90.

صفحه 103

الفصل الثاني

فيما يجب الإمساك عنه في الصوم من المفطّرات

وهي أُمور:
الأوّل والثاني: الأكل والشرب من غير فرق في المأكول والمشروب بين المعتاد كالخبز والماء ونحوهما وغيره كالتراب والحصى وعصارة الأشجار ونحوها، ولابين الكثير والقليل كعشر حبّة الحنطة أو عشر قطرة من الماء أو غيرها من المائعات، حتّى أنّه لو بلّ الخيّاط الخيط، بريقه أو غيره ثمّ ردّه إلى الفم وابتلع ما عليه من الرطوبة بطل صومه إلاّ إذا استهلك ما كان عليه من الرطوبة بريقه على وجه لايصدق عليه الرطوبة الخارجيّة، وكذا لو استاك وأخرج المسواك من فمه وكان عليه رطوبة ثمّ ردّه إلى الفم، فإنّه لو ابتلع ما عليه بطل صومه، إلاّ مع الاستهلاك على الوجه المذكور، وكذا يبطل بابتلاع ما يخرج من بقايا الطعام من بين أسنانه.(*)
ــــــــــــــــــ
(*) كون الأكل والشرب من المفطِّرات ممّا دلّ عليه الكتاب والسنة والضرورة، قال سبحانه: (كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْر ).1 ففي صحيح محمد بن مسلم، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام)يقول: «لا يضرُّ الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال: الطعام والشراب، والنساء،

(1) البقرة:187.

صفحه 104
والارتماس في الماء».1
إلاّ أنّ الكلام يقع في موارد ثلاثة تعرّض الماتن لاثنين منها دون الآخر.
الأوّل: هل تختص مفطِّرية الأكل و الشرب بالطريق المتعارف، أو يعمه وغيره، كما إذا شرب من أنفه، أو عبْـر انبوب يصل إلى المعدة من دون أن يتأثر الفم والمجاري بالماء وغيره؟ الظاهر، بل المقطوع هو الثاني، لصدق الشرب في الأوّل، ومنافاة الجواز بملاك الصوم في الثاني، لأنّ الغاية التي هي التقوى أثر الجوع والعطش ليكونا دليلين على شدائد2 الآخرة، أو ليجد الغني مسّهما فيرحم الفقير،3 كما ورد في الروايات وهي منتفية في المفروض.
الثاني: في مفطرية المعتاد وغيره، والظاهر من الشيخ في خلافه، وجود الاتّفاق منّا على عدم الفرق بينهما والاتّفاق من غيرنا، على خلافه، قال: غبار الدقيق،والنفض الغليظ حتى يصل إلى الحلق يُفطِّر ويجب منه القضاء و الكفّارة متى تعمّد، ولم يوافق عليه أحد من الفقهاء، بل أسقطوا كلّهم القضاء والكفّارة معاً.
وقال في المبسوط:يجب القضاء والكفّارة بأكل المعتاد كالخبز، واللحم وغيره كالتراب والحجر والفحم والجصّ و الخزف والبرد وغير ذلك، وشرب المعتاد كالمياه والأشربة المعتادة وغيره، كماء الشجر والفواكه وماء الورد.4
ونقله العلاّمة في المختلف عن المفيد وابن حمزة وابن إدريس، ونقل عن السيد المرتضى أنّه قال:الأشبه أنّه ينقض الصوم ولا يبطله، واختاره ابن الجنيد.

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 1 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1، ولعلّ الصحيح: أربع خصال.
(2) الوسائل: الجزء 7، الباب 1 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 1 و 3.
(3) الوسائل: الجزء 7، الباب 1 من أبواب وجوب الصوم، الحديث 1 و 3.
(4) المبسوط:1/270.

صفحه 105
ونقل السيد عن بعض أصحابنا انّه يوجب القضاء خاصة.1
ولكن السيد ذهب في الناصريات إلى عدم الفرق بين المعتاد وغيره وقال: إنّما خالف في ذلك الحسن بن صالح فقال:إنّه لا يفطّر، وروى نحوه عن أبي طلحة، والإجماع متقدم ومتأخر على هذا الخلاف فسقط حكمه.2
استدل القائل بالمنع بإطلاق الآية والروايات التي ورد فيها لفظا: «الأكل» و«الشرب» الصادقين على إدخال شيء في الجوف عن طريق الحلق، من غير فرق بين المعتاد وغيره، قال سبحانه: (كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيط الأَسْوَد) .3
ونظيرها ما روي عن علي(عليه السلام)أنّه قال: «وأمّاّ حدود الصوم فأربعة حدود أوّلها: اجتناب الأكل والشرب».4
فالموضوع في الآية هو الاجتناب عن الأكل، مثله في الرواية، وهو صادق على مطلق ما يتناول الإنسان الأعم من المعتاد وغيره، على أنّ حذف المتعلق يفيد العموم.
يلاحظ على الأوّل: أنّ صدق المفرد «المأكول» على غير المعتاد لا يلازم صدق الجملة في الآية والرواية عليه، فانّ الآية خطاب للمؤمنين الذين لهم اهتمام بتناول السحور ومن المعلوم أنّهم لا يتناولون في هذه الفترة من الليل إلاّ المعتاد فحسب، ونظير الآية ما روي عن عليّ (عليه السلام).
ويلاحظ على الثاني: من أنّ حذف المتعلّق وإن كان يفيد العموم، لكن في

(1) مختلف الشيعة:3/387.
(2) الناصريات: 294.
(3) البقرة:187.
(4) الوسائل: الجزء 7،الباب 1 من أبواب ما يمسك عنه ، الحديث 3.

صفحه 106
جانب المعتاد، أي يعم كلّ معتاد ولا يختص بصنف دون صنف، وأمّا عمومه لغير المعتاد فلا.
والحاصل انّ التمسك بالإطلاق ضعيف جداً لقوّة الانصراف.
واستدل للقول بالجواز بوجوه:
1. صحيحة محمد بن مسلم، قال: سمعت أباجعفر (عليه السلام)يقول: «لا يضرّ الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال: الطعام والشراب، والنساء، والارتماس».1
وجه الاستدلال: انّ الطعام والشراب بمعنى المطعوم والمشروب، وهما لا يصدقان على التراب والطين ونظائرهما.
يلاحظ عليه: أنّ الرواية ليست ناظرة إلى تحديد مفطرية هذه الأُمور الأربعة حتى يؤخذ بمقتضى التحديد، أعني: كون المفطر هو المعتاد دون غيره.
بل ناظرة إلى وراء الأُمور الأربعة، وانّ الصائم ـ إذا اجتنب هذه الأربعة ـ لا يضرّ ارتكاب غيرها من الأُمور، فالهدف نفي مفطرية غير الأربعة لا تحديد مفطرية الأربع. وهذا معلوم بالإمعان في الرواية.
2. ما ورد في غير واحد من الروايات انّ الكحل ليس بطعام.2
فعلم أنّ المدار هو صدق الطعام وهو لا يصدق إلاّ على المعتاد.
وأُجيب عن الاستدل بأنّ المراد من الطعام هو الأكل، أي هو ليس بأكل، وذلك لأنّا لو حملنا الطعام على معناه المفعولي وكان مدار الإفطار صدق الطعام يلزم أن يكون الاكتحال بالعسل وطحين الحنطة مبطلاً لكونهما طعاماً، بخلاف ما

(1) المصدرنفسه، الحديث 1.
(2) الوسائل: 7، الباب 27 من أبواب ما يمسك عنه، الحديث 1و6.

صفحه 107
لو قلنا انّه بمعنى الأكل فلا يكونان مبطلين كالاكتحال بالكحلة.1
ويؤيده انّ الحرام للصائم من المطعومات والمشروبات إنّما هو أكلها أو شربها دون سائر الممارسات من البيع والشراء والغَسل.
3. ما رواه مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد للّه (عليه السلام)عن آبائه (عليهم السلام)انّ علياً سئل عن الذباب يدخل في حلق الصائم، قال: «ليس عليه قضاء، إنّه ليس بطعام».2
وربما يجاب بأنّ المراد من الطعام هو الأكل، والمعنى انّه ليس من باب الأكل العمدي، وذلك لأنّه لو أخذنا بظاهره تلزم صحّة الصوم إذا أكل الصائم شيئاً وافراً من الذباب بحجّة انّه ليس بطعام، بخلاف ما لو قلنا انّه بمعنى الأكل فانّ مثله أكل قطعاً.
وبما ذكرنا يظهر انّ أدلّة الطرفين ضعيفة جداً، والذي يصلح حجّة لقول المشهور هو ارتكاز المتشرعة حيث يتلقونه مفطراً، وأخرج الطحاوي في «مشكل الآثار» عن طريق علي بن زيد، عن أنس، قال: مطرت السماء برداً ، فقال لنا أبو طلحة (الصحابي): ناولوني من هذا البرد، فجعل يأكل، وهو صائم، وذلك في رمضان، فقلت: أتأكل وأنت صائم ؟ فقال: إنّما هو برد نزل من السماء نطهّر به بطوننا، وانّه ليس بطعام ولا شراب، فأتيت رسول اللّه فأخبرته بذلك فقال: خذها عن عمّك.3
أنا لا أحوم حول ما نقل عن النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)من أمره بأخذه من عمه، لكن اعتراض المسلمين، أدل دليل على أنّ المرتكز لديهم هو عدم الفرق بين المعتاد

(1) مستند العروة: 95.
(2) الوسائل: 7، الباب 39 من أبواب ما يمسك عنه، الحديث 1.
(3) مشكل الآثار:2/238 برقم 1983.

صفحه 108
المسألة 1:لايجب التخليل بعد الأكل لمن يريد الصوم وإن احتمل أنّ تركه يؤدّي إلى دخول البقايا بين الأسنان في حلقه، ولايبطل صومه لو دخل بعد ذلك سهواً، نعم لو علم أنّ تركه يؤدّي إلى ذلك وجب عليه وبطل صومه على فرض الدخول.(*)
ـــــــــــــــ
وغيره.
ويؤيده الأسئلة والأجوبة حول الغبار والتدخين بعود.1 والروايات متعارضة وقابلة للجمع بين العامد وغيره، فلاحظ.
(*) أمّا عدم وجوب التخليل، فلأنّ تركه ليس من المفطِّرات إنّما الكلام فيما يترتب عليه من دخول البقايا بين الأسنان في حلقه، فله صور ثلاث:
1. لو ترك التخليل، يحتمل أنّه يدخل إلى الجوف بلا اختياره، كما إذا كان نائماً أو غافلاً عن كونه صائماً، فالحكم هو الصحّة، لعدم صدق الإفطار العمدي، فيشمله قوله في صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)سئل عن رجل نسي فأكل وشرب ثمّ ذكر قال: «لا يفطر، إنّما هو شيء رزقه اللّه فليتمَّ صومه».2
وبالجملة ارتكاب المفطِّر عن سهو ليس بمفطِّر وإلاّ يجب على الصائم إيجاب التحفّظ حتى لا يُفطِر عن نسيان ولم يقل به أحد.
2. لو ترك يطمئن بدخوله في الجوف.
3. لو ترك يعلم بدخوله في الجوف.

(1) الوسائل:7، الحديث 3 من الباب 22، والحديث 11 من الباب 32 من أبواب ما يمسك عنه الصائم.
(2) الوسائل: الجزء 7، الباب 9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.

صفحه 109
المسألة2: لابأس ببلع البصاق وإن كان كثيراً مجتمعاً، بل وإن كان اجتماعه بفعل ما يوجبه كتذكّر الحامض مثلاً، لكن الأحوط الترك في صورة الاجتماع خصوصاً مع تعمّد السبب.(*)
ــــــــــــــ
فقد حكم الماتن ببطلان الصوم على فرض الدخول، لشمول إطلاقات مفطِّرية الأكل والشرب لهاتين الصورتين، وعدم شمول ما دلّ على العفو إذا أفطر نسياناً، فهو من مصاديق التفريط.
بل يمكن أن يقال ببطلانه بنفس الاطمئنان والعلم وإن لم يدخل في الجوف لمخالفته مع نية الصوم. نعم لا تتعلق الكفّارة لكونه من لوازم تناول المفطر، لا بطلان الصوم.
(*) قال الشيخ: إذا بلع الريق قبل أن ينفصل من فيه، لا يفطر بلا خلاف، وكذلك إن جمعه في فيه ثمّ بلعه لا يفطر. فإن انفصل من فيه ثمّ عاد إليه أفطر.
ووافقنا الشافعي في الأُولى والأخيرة ، وأمّا الثانية وهي الذي يجمع في فيه ثمّ يبلعه فله فيها وجهان: أحدهما مثل ما قلناه والآخر يفطر.1
أمّا عدم مفطرية البصاق فهو من ضروريات الفقه، لعدم شمول الأكل والشرب، له عرفاً، ولو شك في الإطلاق وعدمه، فالمرجع هو البراءة حتى البصاق المجتمع.
ويؤيده خبر زيد الشحام في الصائم يتمضمض، قال: «لا يبلع ريقه حتى يبزق ثلاث مرات».2 أي لا مانع بعدها .

(1) الخلاف: 2/177، المسألة 18، كتاب الصوم.
(2) الوسائل: الجزء 7، الباب 31 من أبواب ما يمسك عنه، الحديث 1.

صفحه 110
المسألة 3: لابأس بابتلاع ما يخرج من الصدر من الخلط وما ينزل من الرأس مالم يصل إلى فضاء الفم، بل الأقوى جواز الجرّ من الرأس إلى الحلق، وإن كان الأحوط تركه، وأمّا ما وصل منهما إلى فضاء الفم، فلايترك الاحتياط فيه بترك الابتلاع.(*)
ـــــــــــــــ
والرواية وإن كانت ضعيفة بوجود ضعاف في السند كإسماعيل بن مرّار وأبي جميل، أعني: المفضل بن صالح، وزيد الشحام ولكنّها صالحة للتأييد.
(*) صور المسألة أربع:
1. ابتلاع ما يخرج من الصدر مالم يصل إلى فضاء الفم.
2. ابتلاع ما ينزل من الرأس ما لم يصل إلى فضاء الفم.
3. ابتلاع ما يخرج من الصدر، بعد وصوله إلى فضاء الفم.
4. ابتلاع ما ينزل من الرأس بعد وصوله إلى فضاء الفم.
أمّا الأوّلان فجائزان، لعدم صدق الأكل والشرب عليهما، وسيوافيك انّ الميزان هو صدقهما، وما ورد في صحيحة محمد بن مسلم من الاجتناب من الطعام والشراب، فالمراد هو الاجتناب عن أكلهما وشربهما، وإلاّ الممارسة بهما من دون أكل وشرب لا يضرُّ الصائم.
وأمّا الآخران فالظاهر المنع، لصدق الأكل، وأمّا ما رواه غياث بن إبراهيم1 عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): لا بأس أن يزدرد الصائم نخامته ، فمنصرف إلى الأُوليين، لأنّ الغالب على الطباع بعد الوصول إلى فضاء الفم هو الدفع لا البلع.
على أنّ النخامة غير واضحة المعنى، فمن قائل إلى أنّه ما يخرج من الصدر،

(1) غياث بن إبراهيم: زيدي بتري ثقة، فالرواية موثقة.

صفحه 111
المسألة 4: المدار صدق الأكل والشرب وإن كان بالنحو الغير المتعارف، فلايضرّ مجرّد الوصول إلى الجوف إذا لم يصدق الأكل أو الشرب، كما إذا صبّ دواء في جرحه، أو شيئاً في أُذنه أو إحليله فوصل إلى جوفه، نعم إذا وصل من طريق أنفه فالظاهر أنّه موجب للبطلان إن كان متعمّداً لصدق الأكل والشرب حينئذ.(*)
ــــــــــــ
كما هو الظاهر من المحقّق في الشرائع; إلى آخر، بأنّه ما ينزل من الرأس، كما عليه مختصر الصحاح; إلى ثالث بتفسيره بهما.
ومثل ذلك لا يكون حجّة في المسألة في غير المورد المتيقن، كما لا يخفى.
(*) ما هو الملاك في هذين المفطِّرين، في المسألة احتمالات ثلاثة:
1. الميزان هو صدق الأكل والشرب سواء أكان بالنحو المتعارف أو بغيره، كما في الشرب بالأنف.
2. المدار هو الدخول في الحلق كيفما اتّفق، سواء أكان عن طريق الفم والأنف، أو عن طريق الأُذن والعين ولا عبرة بالدخول في الجوف عن غير هذا الطريق كالتزريق عن طريق الإبرة في البدن.
3. المقياس هو الدخول في الجوف سواء أكان من طريق الحلق، أو غيره وعلى ذلك، يبطل الصوم إذا صَبَّ دواء في جرحه أو إحليله فوصل إلى جوفه، أو استعمل الإبرة في البدن لتزريق الدواء و الغذاء.
والأوّل خيرة الماتن ويدل عليه: ـ مضافاً إلى الآية الكريمة الآمرة بالأكل والشرب إلى الفجر، الناهية عن طريق المفهوم عنهما بين الحدين ـ ما في تفسير النعماني باسناده عن علي (عليه السلام):«وأمّا حدود الصوم فأربعة حدود: أولّها: اجتناب

صفحه 112
الأكل والشرب».1
ولا يختص بالطريق المتعارف بل يعم غيره أيضاً لصدق الشرب عن طريق الفم.
نعم ربما لا يصدق العنوانان ومع ذلك، يجب تركه ، كإدخال المواد الغذائية عن طريق استعمال الإبرة بانبوب متصل بالمعدة، وذلك لأنّ الهدف من إيجاب الصوم، هو تضعيف القوى البهيمية بالجوع والعطش، أو غير ذلك ممّا جاء في حكمة إيجاب الصوم، والعملية المذكورة تناقض ملاك الحكم، ولذلك يجوز استعمال تزريق الدواء، دون الغذاء عن هذا الطريق.
وأمّا ما في صحيح محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر يقول: «لا يضرُّ الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال: الطعام والشراب، والنساء، والارتماس في الماء».2
فلا ظهور له في كون الملاك هو الطعام والشراب، لا الأكل والشرب، بل من المحتمل جدّاً انّهما بمعنى المصدر، المرادف للأكل والشرب، ويدل على ذلك انّه لا يحرم على الصائم معهما إلاّ أكلهما وشربهما، لا سائر الممارسات العادية، من البيع والشراء وغيرهما.
وأمّا الثاني فهو خيرة المحقّق الخوئي وهو وصول المطعوم والمشروب إلى الحلق، مسنداً بصحيحة علي بن جعفر في كتابه عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام)قال: سألته عن الصائم هل يصلح له أن يصبّ في أُذنه الدهن؟ قال: «إذا لم يدخل حلقه فلا بأس».3

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 2 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 3.
(2) الوسائل: الجزء 7 ، الباب 1 من باب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.
(3) الوسائل: الجزء 7، الباب 24 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 5.

صفحه 113
المسألة 5:لايبطل الصوم بإنفاذ الرمح أو السكّين أو نحوهما بحيث يصل إلى الجوف، وإن كان متعمّداً. (*)
ـــــــــــ
يلاحظ عليه: ـ مضافاً إلى أنّه معارض بروايات فيها صحاح يدل على جواز الصب في الأُذن مطلقاً، وصل إلى الجوف أو لم يصل، ولو كان مقيداً بعدم الوصول إلى الحلق، لجاء القيد في واحد من هذه المطلقات، بالإطلاق المتضافر ـ وعندئذ يشكل تقييد المطلقات المتضافرة برواية علي بن جعفر، وذلك لأنّ صاحب الوسائل يروي عن كتاب علي بن جعفر بالوجادة لا بالاسناد، ونقل صاحب السرائر الذي كان عنده كتاب «مسائل علي بن جعفر» لا يسوغ رفع اليد عن الإطلاقات برواية حالها كذلك.
وأما الثالث، أي كون المقياس هو الدخول في الجوف، فيُستأنس له بما دلّ على بطلان الصوم بالحقنة، دون الشياف1 وهو غير تام، لأنّ الحقنة خرج بالدليل، بل هو يبطل بعنوان خاص، لا صلة له بالأكل والشرب، كالارتماس في الماء.
(*) قد ظهر حال المسألة مما مرّ .

(1) راجع الوسائل: الجزء 7 ، الباب 5 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ، الحديث 3.

صفحه 114

الثالث: الجماع

الثالث: الجماع، وإن لم ينزل للذكر والأُنثى، قبلاً أو دبراً، صغيراً كان أو كبيراً، حيّاً أو ميّتاً، واطئاً كان أو موطوءاً، وكذا لو كان الموطوء بهيمة، بل وكذا لو كانت هي الواطئة، ويتحقّق بإدخال الحشفة أو مقدارها من مقطوعها، فلايبطل بأقلّ من ذلك، بل لو دخل بجملته ملتوياً ولم يكن بمقدار الحشفة لم يبطل وإن كان لو انتشر كان بمقدارها.(*)
ــــــــــــ
(*) إذا جامع زوجته في نهار رمضان فله صور:
1. الدخول من القبل أنزل أم لم يُنزل.
2. الدخول في الدبر إذا أنزل.
3. الدخول في الدبر إذا لم يُنزل.
أمّا الأُولى بكلا شقيه فموضع اتّفاق بين المسلمين لقوله سبحانه: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَة الصِّيام الرَّفَثُ إِلى نِساءِكُمْ هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ) إلى أن قال: (فَالآن باشِرُوهُنَّ)1 روي أنّه كان النكاح حراماً بالليل والنهار في شهر رمضان، وكان قوم من الشبان ينكحون نساءهم بالليل سرّاً لقلّة صبرهم، فسأل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)اللّه في ذلك; فأنزل اللّه سبحانه (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَة الصِّيام الرَّفَثُ إِلى نِساءِكُم).2 والآية مطلقة تعم كلتا الصورتين.

(1) البقرة:187.
(2) الوسائل: الجزء 7، الباب 43، من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 4.

صفحه 115
أضف إلى ذلك اتّفاق الفقهاء على حصول الجنابة بالدخول ولزوم الغسل به، وكيف يصحّ صومه مع حصولها له ولزوجه؟!
أمّا الثانية، أعني: الجماع في الدبر مع الإنزال، فالبطلان مورد اتّفاق، ويدل عليه ما دلّ على بطلانه مع الملاعبة، ففي صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج، قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن الرجل يعبث بأهله في شهر رمضان حتى يمني؟ قال : «عليه من الكفارة مثل ما على الذي يجامع».1
أمّا الثالثة: أعني الجماع في الدبر بلا إنزال، فقد ادّعى الشيخ في الخلاف بصدق الجماع عليه قال: إذا أدخل في دبر امرأة أو غلام كان عليه القضاء والكفارة.وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: عليه القضاء بلا كفارة.2
واستدل للبطلان بإطلاق النهي عن المباشرة في الآية الكريمة، مضافاً إلى صدق الجماع الوارد في غير واحد من الروايات.
واستدل للصحة بمرفوعة أحمد بن محمد، عن بعض الكوفيين يرفعه إلى أبي عبد اللّه(عليه السلام)في الرجل يأتي المرأة في دبرها وهي صائمة قال: «لا ينقض صومها وليس عليها غسل». ونظيرها مرسلة علي بن الحكم.
والروايتان ـ مع أنّهما مرسلتان، وغير معمولتين ـ يعارضهما خبر حفص بن سوقة، عمّن أخبره قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)عن الرجل يأتي أهله من خلفها قال: «هو أحد المأتيين فيه الغسل».3 مضافاً إلى اتّفاقهم بحصول الجنابة بالدخول في الدبر وإن لم ينزل، فكيف تحصل الجنابة ومعها يصحّ الصوم؟!

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 4 من أبواب ما يمسك عنه الصائم،الحديث1 وغيره.
(2) الخلاف:2/190، كتاب الصوم، المسألة 41.
(3) الوسائل: الجزء 1، الباب 12 من أبواب الجنابة، الحديث 3 و 1.

صفحه 116

الإيلاج في دبر الغلام والبهيمة

أمّا إذا أنزل فلا إشكال في البطلان، إنّما الكلام فيما إذا لم ينزل فقال الشيخ في الخلاف: إذا أدخل في دبر امرأة أو غلام كان عليه القضاء والكفارة.1
وقال أيضاً : إذا أتى بهيمة فأمنى كان عليه القضاء والكفارة، فإن أولج ولم يُنزل فليس لأصحابنا فيه نصّ، ولكن يقتضي المذهب أنّ عليه القضاء، لأنّه لا خلاف فيه، وأمّا الكفّارة فلا تلزمه، لأنّ الأصل براءة الذمة.2
ولا يخفى ما في كلامه من عدم الانسجام فقد سلّم القضاء والكفارة في مورد الغلام، واعترف بعدم النصّ لأصحابنا في البهيمة، ومع ذلك، قال بالقضاء وعلّله بأنّه لا خلاف فيه، ونفى الكفارة بالبراءة، فإذا لم يكن هناك نص، من أصحابنا، فكيف يقول: إنّ القضاء لا خلاف فيه؟ ثمّ إنّ البراءة التي تمسّك بها في نفي الكفارة صالحة لنفي القضاء أيضاً؟
ولأجل ما ذكرنا يقول ابن إدريس: لما وقفت على كلامه كثر تعجبي، والذي دفع به الكفارة، به يدفع القضاء.3
ويظهر من المبسوط جزمه بالقضاء والكفارة في الموردين، قال: يجب القضاء والكفّارة بالجماع في الفرج أنزل أو لم ينزل سواء كان قبلاً أو دبراً فرج امرأة أو غلام أو ميتة أو بهيمة، وعلى كلّ حال على الظاهر من المذهب.4
وقال العلاّمة : إنّ إفساد الصوم وإيجاب القضاء والكفّارة أحكام تابعة لإيجاب الغسل، وكلّ موضع قلنا بوجوب الغسل فيه وجبت الأحكام الثلاثة ـ

(1) الخلاف: 2/190، كتاب الصوم، المسألة 41.
(2) الخلاف: 2/191، كتاب الصوم، المسألة 42.
(3) السرائر:1/380.
(4) المبسوط: 1/270.

صفحه 117
فساد الصوم، والقضاء والكفّارة ـ فيه أيضاً، وإلاّ فلا.1
وما ذكره العلاّمة هو الحقّ وعليه المحقّق في المعتبر والشرائع قبله.
ولو تمّ ما ذكره من الإجماع على حصول الجنابة فيترتب عليه الأحكام الثلاثة، وإلاّ فالحكم بالفساد والقضاء فضلاً عن الكفارة يحتاج إلى الدليل.
ونظيره إذا كانت البهيمة هي الواطئة، فإقامة الدليل على الإفطار رهن الدليل على حصول الجنابة بوطئها.

تحديد المبطل من الجماع

لا شكّ انّ الجنابة تتحقق بغيبوبة الحشفة، وقد تضافرت الروايات على أنّ التقاء الختانين محقِّق للجنابة، وموجب للغسل ففي صحيح ابن بزيع قال: سألت الرضا (عليه السلام)عن الرجل يجامع المرأة قريباً من الفرج فلا يُنزِلان متى يجب الغسل؟ فقال: «إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل»، فقلت: التقاء الختانين هو غيبوبة الحشفة؟ قال: «نعم».2
ولذلك قال المصنّف:«ويتحقق بإدخال الحشفة أو مقدارها من مقطوعها، فلا يبطل بأقلّ من ذلك» فقد فهم من الروايات انّ الموضوع للإبطال هو الجنابة وتتحقّق، بغيبوبة الحشفة في سالمها، ومقدارها في مقطوعها.
وربما يقال: يكفي في بطلان الصوم أقلّ من ذلك كصدق الجماع،3 أو الوقوع على الأهل والإتيان بها،4 و«الإيلاج»5 وهو صادق على الأقل من مقدار الحشفة في واجدها ومقطوعها، وعلى ذلك يبطل الصوم وإن لم يصدق الجنابة ولم

(1) المختلف:3/390.
(2) الوسائل: الجزء 1، الباب 6 من أبواب الجنابة، الحديث 2 وغيره.
(3) الوسائل: الجزء 7، الباب 4 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ، الحديث 1،3 و الباب 8 منها، الحديث 2، 3، 5، 8.
(4) الوسائل: الجزء 7، الباب 4 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ، الحديث 1،3 و الباب 8 منها، الحديث 2، 3، 5، 8.
(5) الوسائل: الجزء 7، الباب 4 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ، الحديث 1،3 و الباب 8 منها، الحديث 2، 3، 5، 8.

صفحه 118
المسألة 6: لافرق في البطلان بالجماع بين صورة قصد الإنزال به وعدمه.(*)
ــــــــــــ
يجب الغسل.
يلاحظ عليه: أنّ الأخذ بإطلاق هذه الكلمات بعيد جداً وخصوصاً انّ بعضها واقع في لسان الراوي كالوقوع على الأهل لو لم نقل بانصرافها إلى الأزيد من غيبوبة الحشفة.
على أنّ هناك ما يدل على أنّ المقياس حصول الجنابة، وهو ما رواه الصدوق عن يونس بن عبد الرحمان، عن موسى بن جعفر (عليهما السلام)في حديث قال: «في المسافر فدخل أهله وهو جنب قبل الزوال ولم يكن أكل فعليه أن يتم صومه ولا قضاء عليه يعني إذا كانت جنابته من احتلام».1
وفصل الإمام بين جنابته الاختيارية والاضطرارية، فحكم بالبطلان في الثانية دون الأُولى، فيدل على أنّ الموضوع هو الجنابة الاختيارية.
نعم رواه في الكافي عن يونس من دون اسناده إلى الإمام، ولعلّه سقط من نسخته.
(*) الظاهر من الأدلّة أنّ الجماع موضوع بنفسه للإفساد، ولذلك قال فيمن يعبث بأهله في شهر رمضان حتى يُمني :«عليه من الكفارة مثل ما على الذي يجامع».2 على أنّك قد عرفت أنّ مجرّد التقاء الختانين محقق للجنابة وموجب للغسل سواء أنزل أم لم ينزل.

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 6 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 5.
(2) الوسائل: الجزء 7، الباب 4 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1، 2، 3.

صفحه 119
المسألة 7: لايبطل الصوم بالإيلاج في غير أحد الفرجين بلا إنزال إلاّ إذاكان قاصداً له فإنّه يبطل وإن لم ينزل من حيث إنّه نوى المفطر.(*)
المسألة 8: لايضرّ إدخال الإصبع ونحوه لابقصد الإنزال.(**)
المسألة 9: لايبطل الصوم بالجماع إذا كان نائماً أو كان مكرهاً بحيث خرج عن اختياره كما لايضرّ إذا كان سهواً .(***)
ــــــــــــــ
(*) لعدم تحقّق الجنابة إلاّ بالتقاء الختانين أو الدخول في الدبر، نعم لو قصد الإنزال، فيبطل، لأنّه قاصد للمفطِّر سواء تحقق أو لا، لما عرفت من أنّ قصد القاطع مفطر.
(**) لعدم صدق الجماع إلاّإذا قصد به الإنزال فيبطل لما عرفت من أنّ قصد القاطع مبطل.
(***) أمّا الجماع في النوم، فلعدم كونه مفطِّراً، لأنّه أمر خارج عن الاختيار.
وأمّا المكره فهو على قسمين:
تارة يكون مقهوراً مسلوباً عنه الاختيار، كما إذا أوجر الماء في حلقه، فلا شكّ انّ العمل مستند إلى السبب لا إلى المباشر، فاستعمال هذا النوع من المفطِّر استعمال غير عمدي. فلا يبطل الصوم ولا يوجب القضاء.
وأُخرى لا يكون مقهوراً مسلوب الاختيار بمعنى أنّه يرجح استعمال المفطّر على ما أوعد به، ومع ذلك فله أن يعمل بالعكس كأن يتحمل الضرب ولكنّه يرجح الإفطار على الآخر.
ففي هذا القسم يكون المرفوع عند المشايخ هو الحكم التكليفي لا

صفحه 120
المسألة10: لو قصد التفخيذ مثلاً فدخل في أحد الفرجين لم يبطل، ولو قصد الإدخال في أحدهما فلم يتحقّق كان مبطلاً من حيث إنّه نوى المفطر.(*)
المسألة 11: إذا دخل الرجل بالخنثى قُبلاً لم يبطل صومه ولاصومها، وكذا لو دخل الخنثى بالأُنثى ولو دبراً، أمّا لو وطئ الخنثى دبراً بطل صومهما، ولو دخل الرجل بالخنثى ودخلت الخنثى بالأُنثى بطل صوم الخنثى دونهما، ولو وطئت كلّ من الخنثيين الأُخرى لم يبطل صومهما.(**)
ــــــــــــــ
الوضعي، أعني: بطلان الوضوء ولزوم القضاء، وذلك لأنّه من قبيل الإفطار الاختياري.
وبذلك يعلم أنّ المكره فاعل مختار وفعله اختياري، ولذلك يصحّ بيعه إذا أعقبه الرضا.
غير انّ التحقيق هو عموم حديث الرفع للحكم التكليفي والوضعي إذا أمسك إلى الليل واقتصر بما يرتفع به التقية، نعم ورد في الإفطار بالتقية قضاؤه.1
(*) أمّا عدم البطلان في الأوّل، فلعدم وجود العمد، وأمّا البطلان في الثاني، فلأنّه نوى القاطع، فقد مضى انّ نية القاطع مبطلة وإن لم تتحقّق فيما بعد.
(**) هنا صور:

1. إذا دخل الرجل بالخنثى قُبلاً

الجماع المبطل عبارة عن إدخال الرجل آلته في أحد الفرجين الواقعيين، فلو

(1) الوسائل: 7، الباب 57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 5، وسيوافيك الكلام فيه في المستقبل فانتظر.

صفحه 121
دخل الرجل بالخنثى قبُلاً لم يبطل صومه و لا صومها لعدم إحراز إدخال الآلة في الفرج الواقعي لاحتمال وجود ثقبة زائدة في بدنها، فيكون شبهة موضوعية يستصحب صحّة صومهما.

2. إذا دخلت الخنثى بالأُنثى

إذا دخلت الخنثى بالأُنثى قبلاً أو دبراً لا يبطل صومهما، لعدم إحراز إدخال الآلة، لاحتمال وجود زائدة لحمية في بدنها، فتكون الشبهة موضوعية يستصحب صحّة صومهما.

3. إذا دخل الرجل بالخنثى دبراً

إذا وطأ الرجل الخنثى دبراً بطل صومهما، لانطباق التعريف المذكور على ذلك الوطء، لإدخال آلة الرجل في دبر الخنثى الذي هو أحد المخرجين.

4. إذا دخل الرجل بالخنثى مع دخول الخنثى بالأُنثى

إذا دخل الرجل بالخنثى، ودخلت الخنثى بالأُنثى بطل صوم الخنثى دون صوم الرجل والأُنثى.
أمّا عدم بطلان صوم الرجل، فلعدم إحراز كون المحلّ مخرجاً في الخنثى.
وأمّا عدم بطلان صوم الأُنثى، فلعدم إحراز رجولية الخنثى حتى يصدق إدخال الآلة في الفرج، لاحتمال وجود زائدة لحمية في بدنها.
وأمّا بطلان صوم الخنثى، فلأنّها صارت موطوءة وواطئة، فلو كانت مرأة بطل صومها، لأنّها صارت موطوءة، ولو كانت رجلاً بطل صومها، لأنّها واطئة.
وعبارة المصنف مأخوذة من عبارة الفقهاء في كتاب الأغسال حيث يقولون:

صفحه 122
المسألة 12: إذا جامع نسياناً أو من غير اختيار ثمّ تذكّر أو ارتفع الجبر وجب الإخراج فوراً فإن تراخى بطل صومه.(*)
المسألة 13: إذا شكّ في الدخول أو شكّ في بلوغ مقدار الحشفة لم يبطل صومه.(**)
ــــــــــــــ
«إذا دخل الرجل بالخنثى، والخنثى بالأُنثى، وجب الغسل على الخنثى، دون الرجل والأُنثى».

5. إذا وطئت كلّ من الخنثيين الأُخرى

إذا وطئت كلّ من الخنثيين الأُخرى لم يبطل صومهما، لاحتمال تساويهما في الذكورية والأُنوثية، بمعنى انّهما لو كانا ذكراً فالمحل ليس مخرجاً واقعياً لافتراض ذكوريتهما، ولو كانا أُنثى فالآلة ليست آلة الرجل بل لعلّها لحمة زائدة.
نعم لو كانت إحداهما في الواقع رجلاً، والأُخرى أُنثى، وجب الغسل عليهما، لكون إحداهما واطئة والأُخرى موطوءة.
فإذاً الشبهة موضوعية تستصحب صحّة صومهما.
(*) لأنّه و إن كان في الحدوث ناسياً لكنّه في البقاء ذاكر ومثله إذا كان مجبوراً في الحدوث دون البقاء، فلو تراخى بطل صومه لعدم انطباق العنوان المرخِّص على حالة البقاء.
(**) لكون الشبهة موضوعية.
لكن هنا سؤالاً وهو انّ الشاك لا يخلو من إحدى صورتين:
الأُولى: أن يكون قاصداً للدخول من أوّل الأمر ثمّ شكّ في الدخول أو في

صفحه 123
مقدار ما دخل، فالمحكّم هو بطلان الصوم، لأنّ قصد القاطع مبطل وإن لم يدخل قطعاً فضلاً عمّا إذا شكّ في الدخول أو في مقدار ما دخل.
الثانية: أن لا يكون قاصداً للدخول، فهذا يصحّ صومه وإن دخل قطعاً لعدم كونه عمدياً.
وبذلك يظهر انّه ليس للشكّ في المسألة دور في بطلان الصوم وعدمه كما يظهر من المصنّف.
نعم للشكّ في الدخول تأثير في وجوب الكفّارة لترتبها على الدخول الواقعي، فلو أحرز فترتب عليه الكفّارة، ولو شكّ في الدخول أو في مقدار ما دخل فليس عليه كفّارة.
فتعبير المصنّف في المقام واقع في غير مورده، بل كان عليه أن يقول مكان قوله:«لم يبطل صومه» « لم تجب عليه الكفّارة».

صفحه 124

الرابع: الاستمناء

الرابع من المفطرات: الاستمناء: أي إنزال المنيّ متعمّداً بملامسة أو قبلة أو تفخيذ أو نظر أو تصوير صورة الواقعة أو تخيّل صورة امرأة أو نحو ذلك من الأفعال التي يقصد بها حصوله، فإنّه مبطل للصوم بجميع أفراده، وأمّا لو لم يكن قاصداً للإنزال وسبقه المني من دون إيجاد شيء ممّا يقتضيه لم يكن عليه شيء.(*)
ــــــــــــ
(*) دلّت الروايات على أنّ الإِمناء أحد أسباب فساد الصوم، وقد ذكر في الروايات من الأسباب الموجبة للإنزال، العبث بأهله أو اللزوق به أو وضع يده على شيء من جسد امرأته. ولكن المتبادر انّها من باب المثال خصوصاً انّها وردت في كلام السائل ولذلك عمّم الماتن انّ كلّ ما يقصد بها حصول المني من غير خصوصية للسبب.
قال في الخلاف: إذا باشر امرأته فيما دون الوطء فأمنى لزمته الكفّارة سواء كان قبلة أو ملامسة أو أيّ شيء كان وقال مالك بمثل ما قلناه. وقال أبو حنيفة والشافعي: عليه القضاء بلا كفارة.1
وقال المحقّق في المعتبر: يفطر بإنزال الماء بالاستمناء والملامسة والقبلة اتّفاقاً.

(1) الخلاف: 2/190، كتاب الصوم، المسألة 40.

صفحه 125
غير انّ المهم بيان ما هو الموضوع للإفساد، والظاهر من الماتن تبعاً لصاحب المدارك، انّ الموضوع هو القاصد، دون غيره ويلحق به المعتاد بالإنزال بواحد من هذه الأسباب.
لكن الظاهر انّ الموضوع هو «من لم يثق من نفسه بعدم سبق الماء» وإن لم يكن قاصداً.
استدل صاحب المدارك بصحيحة عبد الرحمان بن الحجاج قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن الرجل يعبث بأهله في شهر رمضان حتى يُمني؟ قال:« عليه من الكفارة مثل ما على الذي يجامع».1
يلاحظ عليه ـ مضافاً إلى أنّ القيد ورد في كلام الراوي دون كلام الإمام مع احتمال أن يكون الموضوع أعمّ ممن يقصد الإنزال ـ: أنّ الاستدلال مبنيّ على أن يكون «حتى» تعليلية مثل قوله سبحانه: (لا تُنفِقُوا عَلى من عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا)2، مع احتمال أن يكون بمعنى «إلى» مثل قوله سبحانه: (لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتّى يَرجِعَ إِلَيْنا مُوسَى) .3
والظاهر انّ الموضوع هو قاصد المقدمة مع عدم الوثوق من نفسه بعدم سبق الماء، وإن لم يكن قاصداً للإنزال، ويدل عليه إطلاق الروايات.
فعن موثق سماعة قال: سألته عن رجل لزق بأهله فأنزل؟ قال: «عليه إطعام ستين مسكيناً، مدّ لكلّ مسكين».4
وفي خبر أبي بصير: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن رجل وضع يده على شيء من جسد امرأته فادفق.5

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 4 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1 وهو متحد مع رقم 3.
(2) المنافقون:18.
(3) طه:91.
(4) الوسائل: الجزء 7، الباب 4 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 4، 5.
(5) الوسائل: الجزء 7، الباب 4 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 4، 5.

صفحه 126
وفي مرسل حفص بن سوقة، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)في الرجل يلاعب أهله أوجاريته وهو في قضاء شهر رمضان فيسبقه الماء، فينزل؟ قال: «عليه من الكفارة مثل ما على الذي جامع في شهر رمضان».1
وأوضح من الجميع ما في صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)انّه سئل عن رجل يمس من المرأة شيئاً أيفسد ذلك الصوم أو ينقضه؟ فقال: «إنّ ذلك ليكره للرجل الشاب مخافة أن يسبقه المني».2
وفي صحيح الفاضلين، عن أبي جعفر (عليه السلام)، انّه سئل هل يباشر الصائم أو يُقبِّل في شهر رمضان؟ قال: «إنّي أخاف عليه، فليتنزّه من ذلك، إلاّ أن يثق أن لا يسبقه منيّه».3 ووجوب الكفّارة عليه في الروايات، يلازم فساد صومه الملازم للقضاء فلا يضر عدم ورود القضاء فيها، مضافاً إلى ورود فساد الصوم في صحيحة الحلبي في كلام السائل وسكوت الإمام عليه بل تصديقه كما لا يخفى.

بقي الكلام في النظر

قد اختلفت كلماتهم في من نظر إلى امرأة فأمنى .
قال الشيخ: إذا كرّر النظر، فأنزل، أثم ولا قضاء عليه ولا كفارة، فإن فاجأته النظرة لم يأثم. و به قال الشافعي.
وقال مالك: إن كرّر ـ النظر ـ أفطر وعليه القضاء.4
وقد نقل العلاّمة في المختلف اختلاف الأصحاب في هذه المسألة، فعن المبسوط التفريق بين النظر إلى ما لا يحلّ النظر إليه فأمنى فعليه القضاء، والنظر

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 4 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 2.
(2) الوسائل: الجزء 7، الباب 33 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1 ولاحظ 3و 5.
(3) الوسائل: الجزء 7، الباب 33 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1 ولاحظ 3و 5.
(4) الخلاف:2/198، كتاب الصوم، المسألة 50.

صفحه 127
المسألة 14: إذا علم من نفسه أنّه لو نام في نهار رمضان يحتلم فالأحوط تركه، وإن كان الظاهر جوازه خصوصاً إذاكان الترك موجباً للحرج.(*)
ــــــــــ
إلى ما يحل فأمنى لم يكن عليه شيء; ووافقه سلار في المراسم حيث خصَّ كلامه بالنظر إلى ما لا يحلّ.
وفرّق السيد المرتضى بين من تعمد استنزال الماء الدافق وجب عليه القضاء والكفارة، وغيره لكن كرَّر النظر فسبقه الماء، وجب القضاء خاصة وهوخيرة العلاّمة.1
(*) لا شكّ انّ الاحتلام ليس من المفطِّرات، بل ورد في الروايات انّه غير مفطِّر، ففي صحيحة عبد اللّه بن ميمون القداح، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «ثلاثة لا يُفطِّرن الصائم: القيء، والاحتلام، والحجامة».2
وفي خبر عمر بن يزيد ورد سبب عدم إفساده فسأل أبا عبد اللّه (عليه السلام)وقال: لأيّ شيء لا يفطِّر الاحتلام، الصائم، والنكاح يفطِّر؟ قال: «لأنّ النكاح فعله والاحتلام مفعول به».3
والمراد انّ الجماع فعل اختياري للصائم وهذا بخلاف الاحتلام فهو خارج عن اختياره .
فإن قلت: ما الفرق بين هذه المسألة، أعني: ما لو علم بأنّه لو نام يحتلم فحكم بجواز النوم، وما سبق من أنّه إذا علم انّه لو ترك التخليل في الليل يدخل ما بقي بين أسنانه في حلقه حيث حكم بأنّه لو تركه يبطل صومه مع أنّ المسألتين

(1) المختلف:3/410.
(2) الوسائل: 7، الباب 35 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1و4و....
(3) الوسائل: 7، الباب 35 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1و4و....

صفحه 128
من باب واحد، ففي كليهما يعلم بأنّه يتناول المفطر في المستقبل بلا اختيار، وهو امّا الاحتلام ،أو دخول شيء في الحلق من الغذاء؟
قلت: الفرق بين المسألتين هو عدم شمول المخصّص في باب الأكل للمورد، بخلافه في الاحتلام، فانّ له سعة يشمل المورد.
توضيحه: انّ الأكل مفطّر مطلقاً خرج عنه الأكل حين نسيان الصوم فقط، ففي صحيح الحلبي، عن أبي عبد اللّه عن رجل نسي فأكل وشرب، قال: «لا يفطر فإنّما هو شيء رزقه اللّه وليتم صومه».1
والمراد من النسيان نسيان كونه صائماً، فهذا هو الخارج فقط، ومن المعلوم انّ ترك التخليل في الليل مع العلم بدخول شيء في الحلق طول النهار ليس من مصاديق المخصص، إذ هو ليس ناسياً للصوم حين دخول الطعام في الحلق وإنّما هو غافل عن الدخول لا الصوم فلا يشمله المخصص.
وأمّا المقام فالموضوع للإفطار هو نفس الجنابة، ففي صحيح ابن أبي نصر عن أبي سعيد القمّاط، قال: سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام)عمن أجنب في شهر رمضان في أوّل الليل فنام حتى أصبح؟ قال: «لا شيء عليه، وذلك لأنّ جنابته كانت في وقت حلال».2 فالموضوع للإفطار مطلق الجنابة خرج عنه صورة الاحتلام كما مرّفي رواية عبد اللّه بن ميمون والمخصّص مطلق يعم العالم والجاهل، وهذا هو الفارق بين المسألتين.
والحاصل: انّ المورد من قبيل التمسك بإطلاق المخصص دون عموم العام بخلاف مسألة الأكل غفلة، فهو من موارد التمسك بالعموم لا المخصص.

(1) الوسائل: 7، الباب 9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.
(2) الوسائل: 7، الباب 13 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.

صفحه 129
المسألة 15: يجوز للمحتلم في النهار الاستبراء بالبول أو الخرطات، وإن علم بخروج بقايا المني في المجرى، ولايجب عليه التحفّظ بعد الإنزال من خروج المنيّ إن استيقظ قبله خصوصاً مع الإضرار أو الحرج.(*)
ــــــــــ
(*) أقول: هنا فرعان كان عليه أن يقدم الثاني على الأوّل:
أ. لو احتلم الصائم، فاستيقظ وعلم بحركة المني عن محله ولم يخرج بعدُ ، فهل يجب عليه التحفظ أو لا؟
ب. لو احتلم الصائم، فاستيقظ بعد خروج المني، ولكن علم أنّه بقي مقدار منه في المجرى ـ كما هو المعتاد عند إنزال المني ـ فهل يجوز له إخراجه بالبول أو الخرطات أو لا؟
أمّا الأوّل فهل المرجع هناك هو عموم العام الوارد في صحيحة أبي سعيد القمّاط التي عرفت أنّ الموضوع للإفطار هو الجنابة، أوإطلاق المخصص الوارد في رواية عبد اللّه بن ميمون القداح؟ والظاهر هو الثاني، لأنّ الجنابة هناك مستندة عرفاً إلى الاحتلام الخارج عن الاختيار وإطلاقه يشمل جميع الحالات التي منها لو استيقظ بعد حركة المني وقبل خروجه من المجرى، ومع هذا الإطلاق يكون إيجاب التحفظ محتاجاً إلى دليل، وليس المورد من النوادر حتى يقال بانصراف المخصص عنه.
ومنه يظهر حال الفرع الثاني، فانّه داخل تحت الاحتلام، وخروج المني ثانياً من تبعات الاحتلام، فالمورد من مصاديق المخصص لا من موارد التمسك بعموم العام.
أضف إلى ذلك انّ المنع عن الخروج في كلا الفرعين ينافي كون الشريعة سهلة سمحة.

صفحه 130
المسألة 16: إذا احتلم في النهار وأراد الاغتسال، فالأحوط تقديم الاستبراء إذا علم أنّه لو تركه خرجت البقايا بعد الغسل فتحدث جنابة جديدة.(*)
المسألة 17: لو قصد الإنزال بإتيان شيء ممّا ذكر ولكن لم ينزل بطل صومه من باب نيّة إيجاد المفطر.(**)
المسألة 18: إذا أوجد بعض هذه الأفعال لا بنيّة الإنزال لكن كان من عادته الإنزال بذلك الفعل بطل صومه أيضاً إذا أنزل، وأمّا إذا أوجد بعض هذه ولم يكن قاصداً للإنزال ولا كان من عادته فاتّفق أنّه أنزل فالأقوى عدم البطلان، وإن كان الأحوط القضاء خصوصاً في مثل الملاعبة والملامسة
ــــــــــــ
(*) انّ خروج المني بعد الاغتسال تارة يكون قهرياً وأُخرى بفعل الصائم كما إذا بال وخرج معه المني، فيقع الكلام في أنّ المورد من قبيل التمسك بعموم العام الوارد في صحيحة أبي سعيد القماط، أو من قبيل التمسّك بعموم المخصص الوارد في صحيحة عبد اللّه بن ميمون القداح، وجهان:
1. انّه جنابة جديدة أوجدها باختياره بتقديم الاغتسال على الاستبراء بالبول أو نحوه فيكون مفطراً.
2. انّ الجنابة في المقام وإن كان بعد الغُسل، لكنّه مستند إلى الاحتلام السابق والجنابة المحللة، وعلى ذلك فالأحوط الاغتسال بعد الاستبراء.
(**) قد عرفت انّ نية القطع أو القاطع مفطِّر والمقام من قبيل الثاني.

صفحه 131
والتقبيل.(*)
ــــــــــ
(*) هنا فرعان
قد سبق في صدر البحث انّ الميزان في الإبطال، عدم الوثوق بعدم سبق المنيّ أخذاً بما في صحيحة الفاضلين عن أبي جعفر(عليه السلام)انّه سئل هل يباشر الصائم أو يقبّل في شهر رمضان؟ فقال: «إنّي أخاف عليه فليتنزّه من ذلك إلاّ أن يثق أن لا يسبقه منيّه».1
وبذلك يعلم حال الفرعين المذكورين في المتن:
1. إذا أوجد بعض هذه الأفعال لا بنيّة الإنزال، لكن كان من عادته الإنزال بذلك، بطل صومه إذا أنزل. وذلك لدخوله تحت ضابطة عدم الوثوق بعدم سبق الماء.
2. أوجد بعض هذه الأفعال ولم يكن قاصداً للإنزال ولا كان من عادته، فاتّفق انّه أنزل، فقال الماتن:«الأقوى عدم البطلان» لكن اللازم، التفصيل بين الوثوق بعدم سبق الماء وعدمه.
وأمّا تخصيص الأُمور الثلاثة بالذكر في المتن لورودها في النصوص.2

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 33 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 13.
(2) لاحظ الوسائل: الجزء 7، الباب 33.

صفحه 132

الخامس: تعمّد الكذب على اللّه ورسوله

الخامس: تعمّد الكذب على اللّه تعالى أو رسوله أو الأئمّة ـ صلوات اللّه عليهم ـ سواء كان متعلّقاً بأُمور الدين أو الدنيا، وسواء كان بنحو الإخبار أو بنحو الفتوى بالعربيّ أو بغيره من اللغات، من غير فرق بين أن يكون بالقول أو الكتابة أو الإشارة أو الكناية أو غيرها ممّا يصدق عليه الكذب عليهم ومن غير فرق بين أن يكون الكذب مجعولاً له أو جعله غيره وهو أخبر به مسنداً إليه لاعلى وجه نقل القول، وأمّا لو كان على وجه الحكاية ونقل القول فلايكون مبطلاً.(*)
ــــــــــــ
(*) عدّ الكذب على اللّه ورسوله والأئمة (عليهم السلام)من المفطرات من خصائص الفقه الإمامي، وليس منه أثر في فقه السنّة .
قال الشيخ في الخلاف: «من ارتمس في الماء متعمداً أو كذب على اللّه أو على رسوله أو على الأئمّة (عليهم السلام)متعمداً أفطر، وعليه القضاء و الكفّارة. وخالف جميع الفقهاء في ذلك في الإفطار ولزوم الكفّارة معاً. وبه قال المرتضى من أصحابنا، والأكثر على ما قلناه.1
وقال العلاّمة في المختلف: قال الشيخان: الكذب على اللّه تعالى وعلى رسوله وعلى الأئمّة (عليهم السلام)متعمّداً مع اعتقاد كونه كذباً، يُفسد الصوم، ويجب به

(1) الخلاف: 2/221، كتاب الصوم، المسألة 85.

صفحه 133
القضاء والكفارة. وهذا مذهب السيد المرتضى في الانتصار، وعدّه علي بن بابويه من المفطِّرات.
قال الشيخ في المبسوط : ومن أصحابنا من قال: إنّ ذلك لا يُفطّر وإنّما ينقض. ونقله في الخلاف عن السيد المرتضى وقال: والأكثر من أصحابنا على ما قلناه، وأفتى أبو الصلاح وابن البراج بمثل ما قاله الشيخان.
وقال السيد المرتضى في الجمل : الأشبه انّه ينقض الصوم وإن لم يبطل واختاره ابن إدريس ولم يعده سلار ولا ابن أبي عقيل، وهو الأقوى عندي.1
الظاهر انّ لفظة «ينقض» مصحّف ينقص بالصاد المهملة، و إلاّفلا معنى انّه ينقض الصوم ولا يبطله، بل المراد انّه ينقص من ثوابه وكماله.
استدل القائلون بالإبطال بروايات أهمّها روايتا أبي بصير وسماعة، وإليك بيانهما:

1. حديث أبي بصير

رواه المشايخ الثلاثة مضافاً إلى أحمد بن محمد بن عيسى فقد رواه في النوادر لكن باختلاف في المتن، فتارة خُصصت ناقضية الكذب إلى الصوم فقط، وأُخرى أضيف إليها ناقضيته للوضوء أيضاً الذي لم يقل بها أحد.
أمّا الأوّل فرواه الكليني في قسم الأُصول، والصدوق في الفقيه، ومعاني الأخبار وإليك بيانه:
1. روى الكليني بسند صحيح عن منصور بن يونس، عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام)يقول: «إنّ الكذبة تفطر الصائم» قلت: وأيّنا لا يكون ذلك منه قال: «ليس حيث ذهبت إنّما ذاك الكذب على اللّه عزّ وجلّ وعلى رسوله

(1) المختلف: 3/397.

صفحه 134
وعلى الأئمّة (عليهم السلام)».1
2. رواه الصدوق في معاني الأخبار بنفس اللفظ.2
3. روى الصدوق في الفقيه بسنده عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «انّ الكذب على اللّه وعلى رسوله وعلى الأئمّة (عليهم السلام)يُفطر الصائم».3
أمّا الثاني أي ناقضيته للوضوء أيضاً فكما يلي:
4. روى الكليني بنفس السند السابق عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام)يقول:«الكذبة تنقض الوضوء وتفطِّر الصائم» قال قلت: هلكنا قال: «ليس حيث تذهب، إنّما ذاك الكذب على اللّه ورسوله وعلى الأئمّة».4
5. رواه الشيخ في التهذيب نحوه.5
6. روى أحمد بن محمد بن عيسى في نوادره عن أبي بصير: من كذب على اللّه وعلى رسوله وهو صائم نقض صومه ووضوءه إذا تعمّده.6
وقد أورد على الاستدلال به بوجهين:
الأوّل: اشتماله على ما لم يقل به أحد من الطائفة، وهو انتقاض الوضوء بالكذب، وهو وإن لم يرد في أُصول الكافي والفقيه ومعاني الأخبار، لكن النقل الثاني للكليني، والتهذيب ونوادر ابن عيسى مشتمل عليه، وإذا دار الأمر بين النقيصة والزيادة، فالأُولى هي المتعينة، لأنّ زيادة جملة على الحديث، عند النقل

(1) الكافي:2/340.
(2) معاني الأخبار:165.
(3) الفقيه:2/67.
(4) الكافي:4/89، كتاب الصوم.
(5) التهذيب :4/267.
(6) النوادر:24.

صفحه 135
على خلاف الطبع، بخلاف سقوط جملة منه، فكثيراً ما يتفق.
وعلى افتراض وجود هذه الزيادة في الحديث لا محيص من تفسير الناقضية في الموردين بمعنى واحد، وحيث لا يمكن حمل الناقضية فيهما على المعنى الحقيقي الملازم لفساد الصوم وبطلان الوضوء ـ بما انّه لم يقل به أحد في ناحية الوضوء ـ فلا محيص من تفسيرها بتنافي الكذب مع المرتبة الكاملة من الطهارة والصوم فاللائق بحالهما ترك الكذب.
وما ربما يقال من أنّ رفع اليد عن الظهور في جملة لقرينة (كناقضيته للوضوء) لا يستوجب رفع اليد عن الظهور في جملة أُخرى، أمر لا تصدقه سيرة العقلاء في تفسير الشهادات والأقارير والأخبار وإن كان أكثر الفقهاء لم يعتدّ بتلك السيرة.
الثاني: انّ الأسانيد تنتهي إلى منصور بن يونس الذي عرّفه النجاشي بقوله: كوفي، ثقة، روى عن أبي عبد اللّه وأبي الحسن (عليهما السلام)لكن الشيخ عدّه من أصحاب الكاظم وقال: واقفي. وذكر الكشي انّه كان عنده مال للإمام أبي الحسن فلم يدفعه إلى الإمام الرضا. والترجيح وإن كان مع قول النجاشي، لأنّه خرّيت الفن، لكن لا تسكن النفس إلى مثل هذه الرواية في تأسيس حكم اختلفت فيه كلماته، نعم لو كان هناك دليل آخر، تصلح أن تكون مؤيدة.1

2. حديث سماعة

الحديث الثاني في المقام هو حديث سماعة، وللشيخ إليه طريقان، فتارة يرويه عن كتاب علي بن مهزيار، وأُخرى عن كتاب الحسين بن سعيد الأهوازي وإليك البيان:

(1) النجاشي: الرجال: 2/351 برقم 1101.

صفحه 136
1. ما رواه عن كتاب علي بن مهزيار، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة قال: سألته عن رجل كذب في رمضان فقال: «قد أفطر وعليه قضاؤه» فقلت فماكذبته؟! قال: «يكذب على اللّه وعلى رسوله».1
2. ما رواه عن الحسين بن سعيد ،عن عثمان بن عيسى، عن سماعة قال: سألته عن رجل كذب في شهر رمضان فقال:« قد أفطر وعليه قضاؤه، وهو صائم يقضي صومه ووضوءه إذا تعمد».2
والسند لا غبار عليه، والرواية موثقة، لكن المتن على النقل الثاني مشتمل على ما لم يقل به أحد، (بطلان الوضوء بالكذب) لكن لا محيص عن تفسير الإفطار، بالمعنى المجازي، حفظاً للسياق.
وهناك روايات أُخرى تؤيدهما.
3. روى علي بن طاووس قال: رأيت في أصل من كتب أصحابنا، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام)يقول: «إنّ الكذبة لتفطّر الصائم، والنظرة بعد النظرة والظلم كلّه قليله وكثيره».3
والإشكال فيه نفس الإشكال بل أكثر، لعدم القول بفساد الصوم بالنظرة بعد النظرة أو بالظلم.
4. مرفوعة محمد بن خالد البرقي رفعه إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «خمسة أشياء تفطّر الصائم: الأكل، والشرب، والجماع، والإرتماس في الماء، والكذب على اللّه وعلى رسوله وعلى الأئمّة».4

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 2 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.
(2) التهذيب: 4/268. نقله في الوسائل في ذيل الحديث السابق، ولم يشر إلى الاختلاف في المتن، (ووضوءه إذا تعمد) ولذلك نقلناه عن التهذيب.
(3) الوسائل: الجزء 7، الباب 2 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 9.
(4) الوسائل: الجزء 7، الباب 2 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 6.

صفحه 137
والرواية لولا كونها مرفوعة، تصلح للاستناد.
5. وجاء في فقه الرضا، بإضافة قول: «الخنا من الكلام، والنظر إلى ما لا يجوز».1
وحاصل الكلام في هذه الروايات: انّه لا إشكال في صدورها، لأنّ المجموع من حيث المجموع يورث الاطمئنان بالصدور، وقد قلنا في محلّه، انّ المعتبر هو الخبر الموثوق بصدوره، لا خصوص خبر الثقة، وانّ حجّيته لأجل كونه مورثاً للوثوق بصحته إلاّ انّ الكلام في دلالتها على نقض الصوم بالكذب ففيه إشكالات:
الأوّل: انّ الحكم بكونه مفطراً، ينافي ما ورد في صحيحة بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام)يقول: لا يضرّ الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث (أربع) خصال:الطعام والشراب، والنساء، والارتماس.
وربما يجاب عنه: انّ دلالة الرواية الحاصرة بالإطلاق فلا مانع من رفع اليد عنه بما دلّ على أنّ الكذب أو غيره أيضاً مفطر على ما هو مقتضى صناعة الإطلاق و التقييد، وهذا نظير ما دلّ على أنّ ناقض الوضوء هو ما خرج عن الأسفلين ولكن دلّ دليل على أنّ زوال العقل والاستحاضة والنوم مبطل أيضاً.
يلاحظ عليه: أنّ صناعة الإطلاق والتقييد شيء، وتعيين المفطِّر بالعدد شيء آخر فلو دلّ دليل على كون المفطر أزيد من خمسة أُمور، يعد معارضاً لا مقيداً وأمّاما مُثِّلَ، من حصر ناقض الوضوء على الأسفلين فالحصر فيه إضافي في مقابل ما ذهب إليه العامة من أنّ مس الذكر، أو مس الامرأة ناقض للوضوء.
فقد ذهب الشافعي إلى أنّ مباشرة النساء من غير حائل إذا كن غير ذوات

(1) المستدرك: 1/321.

صفحه 138
محارم تنقض الوضوء بشهوة كانت أو بغير شهوة. وفصل مالك بين المس بشهوة وغيرها فينتقض في الأوّل دون الثاني، إلى غير ذلك من الأقوال التي ذكروها في مسألة مس المرأة.1
وهكذا مس الذكر قال الشافعي: الرجل إذا مس ذكره بباطن كفه والمرأة إذا مسّت فرجها بباطن كفها انتقض وضوؤهما. ولم يفرق مالك ولا الأوزاعي بين باطن الكف وظاهره.2
الثاني: انّ عدم ورود الزيادة في الفقيه، أو معاني الأخبار وفي النقل الأوّل للكليني، لا يدل على زيادته واقعاً، لما عرفت من أنّ الكليني نقله في الفروع والشيخ في التهذيب، وأحمد بن محمد بن عيسى في نوادره، وقد عرفت أنّه إذا دار الأمر بين الزيادة والنقيصة فالثانية أولى. فتكون النتيجة سقوطها عن سائر النقول، وعلى ذلك، الأمر يدور بين حفظ وحدة السياق وتفسير الناقضية في موردي الصوم والوضوء بإرادة نقض المرتبة الكاملة، وبين رفع اليد عنها وحمل الناقضية في الصوم على المعنى الحقيقي، وفي غيره على إرادة نقض المرتبة الكاملة، ولكن لا يصار إلى الثاني إلاّ بدليل، كما إذا ورد اغتسل للجمعة والجنابة، فإنّ قيام القرينة على الاستحباب في غسل الجمعة لا يصرف ظهوره عن الوجوب في الجنابة، وبما أنّه لا دليل في المقام على نقض السياق فوحدته تدل على أنّ المراد هو نقض المرتبة الكاملة في كليهما.
الثالث: انّ هناك قرينة على أنّ المراد هو نقض الكمال، وذلك لورود روايات في نقض الصوم بأُمور أُخرى كالغيبة3 والنميمة4 كما وردت روايات في لزوم

(1) الخلاف: 1/110 ـ 112، كتاب الطهارة، المسألة 54و55.
(2) الخلاف: 1/110 ـ 112، كتاب الطهارة، المسألة 54و55.
(3) الوسائل: الجزء 7، الباب 2 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 5.
(4) جامع أحاديث الشيعة: 1/386.

صفحه 139
اجتناب الصائم عن البهتان والنظر والظلم والنجاسة والتنازع واستماع الغيبة واللغو.1
كلّ ذلك قرينة صالحة لتفسير النقض في هذه الروايات، وانّ المراد هو أنّ الصوم الكامل رهن الاجتناب عن الكذب على اللّه ورسوله والأئمّة (عليهم السلام).
والإنصاف انّ الإفتاء بأنّ الكذب على اللّه ورسوله والأئمّة مبطل للصوم، موجب للقضاء أمر مشكل فضلاً عن الإفتاء، بأنّه موجب للكفّارة ولذلك اقتصر صاحب الحدائق بالأوّل قائلاً بأنّ ما دلّ على وجوب الكفّارة بالإفطار متعمداً، المتبادر من الإفطار فيه، إنّما هو الإفساد بالأكل والشرب، ثمّ قال: فالمسألة لا تخلو من الإشكال، فالأحوط الاجتناب.2
ثمّ إنّ الماتن سوّى بين الأُمور التالية:
1. كان الكذب متعلّقاً بأُمور الدين أو الدنيا.
2. كان بنحو الإخبار أو الإفتاء.
3. كان باللسان العربي أو بغيره.
4. كان بالقول أو الكتابة أو الإشارة أو الكناية.
5. كان هو الجاعل له، أو كان الغير جاعلاً له، وهو مع علمه بكذبه أسنده إليهم.
أمّا الأوّل، فهو بمقتضى إطلاق روايات الباب، فلو أخبر الصائم عن فعل النبي العادي الذي لايمسّ بالدين فقد كذب عليه، نعم لو قلنا بأنّ الكذب على النبي وآله، طريق إلى الكذب على اللّه، يختص البطلان بما يصحّ نسبته إلى اللّه

(1) المصدر نفسه.
(2) الحدائق: 13/143.

صفحه 140
المسألة 19: الأقوى إلحاق باقي الأنبياء والأوصياء بنبيّنا (صلى الله عليه وآله وسلم)، فيكون الكذب عليهم أيضاً موجباً للبطلان، بل الأحوط إلحاق فاطمة الزهراء ـ سلام اللّه عليها ـ بهم أيضاً.(*)
ــــــــــــ
فيختص بالأُمور الدينية. ولكنّه بعيد وإن اختاره كاشف الغطاء.
وأمّا الثاني، فإنّما تصحّ التسوية بين الإخبار والإفتاء إذا كان الإفتاء ظاهراً في الحكاية عنهم، كما قال هذا حلال وهذا حرام أي أحله الشارع أو حرمه، وأمّا إذا قال: في نظري انّ المعاطاة عقد لازم، ولم يكن كذلك عنده فلا يعد كذباً عليهم، غاية الأمر انّه كذب في نقل رأيه، إذا لم يكن رأيه كذلك.
وأمّا الثالث، للإطلاق، بل ليس شموله للغة العرب أولى من لغة أُخرى، فالجميع أمام الدليل سواسية، كحرمة الكذب.
وأمّا الرابع، فلأنّ الموضوع الكذب على اللّه، فلو سئل عن ورود قول المؤذن: «الصلاة خير من النوم» عن رسول اللّه، فأشار إليه برأسه بعنوان التصديق، فقد كذب.
نعم القدر المتيقن من الكتابة إذا كان هناك قارئ كما سيوافيك بيانه:
وأمّا الخامس، لا فرق بين كون الجاعل هو نفسه أو غيره لكنّه نقله ناسباً له إلى اللّه ورسوله، وأمّا لو نقله عنه وقال: إنّه نسبه إلى اللّه ورسوله ـ مع العلم بكذبه ـ فهو نقل كذب، خال عن النسبة فلا يبطل.
(*) يمكن الإلحاق بوجهين:
1. إلغاء الخصوصية وانّ الميزان هو الكذب على المعصوم، فيعم سائر الأنبياء والأوصياء والزهراء سلام اللّه عليهم، سواء كان المضمون دينياً أو دنيوياً.

صفحه 141
المسألة 20: إذا تكلّم بالخبر غير موجّه خطابه إلى أحد، أو موجّهاً إلى من لايفهم معناه، فالظاهر عدم البطلان وإن كان الأحوط القضاء.(*)
ــــــــــــــ
2. عموم قوله: إنّما ذلك، الكذب على اللّه وعلى رسوله وعلى الأئمّة (عليهم السلام)في موثقة أبي بصير،1 الأنبياء والأوصياء.
والوجهان ضعيفان خصوصاً الثاني.
نعم لو قلنا بأنّ الموضوع هو الافتراء على اللّه، وانّ الكذب على الآخرين (الرسول والأئمّة) إنّما يُبطل، لأنّه طريق إلى الكذب عليه، فالبطلان هو المتعين إذا كانت هناك ملازمة بين الافتراءين، كما هو الحال في الكذب عليهم في الأُمور الدينية التي لا طريق إلى العلم بهما إلاّ الوحي أو التحديث.
(*) هل يشترط في الإبطال قصد الإفهام، فلا يبطل فيما إذا لم يكن هناك مخاطب، أو كان لكن كان غير عارف باللغة، أو لا يشترط؟ ذهب صاحب الجواهر إلى الأوّل والمحقّق الخوئي إلى الثاني، واستدل الثاني بأنّ الموجود في الأخبار عنوان الكذب،2 لا عنوان الاخبار، فيصدق ذلك بمجرد عدم المطابقة وإن لم يكن عنده أحد، وعلى ذلك لو كتب خبراً كاذباً، ولم يكن هناك من يقرؤه بل ولن يتفق أن يقرأه أحد صدق انّه كذب على رسوله.3
لا يخفى انّ الكذب المحرَّم عبارة عن التقوّل على خلاف الواقع، لغاية إغراء المخاطب على الجهل، وقد عدّ الكذب الحرام مفطراً للصوم، فلو لم يكن هناك أي

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 2 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 2.
(2) مستند العروة: 137.
(3) الجواهر:16/227; ومستند العروة: 137.

صفحه 142
المسألة 21: إذا سأله سائل هل قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)كذا، فأشار نعم في مقام لا، أو لا في مقام نعم بطل صومه.(*)
المسألة 22: إذا أخبر صادقاً عن اللّه أو عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)مثلاً ثمّ قال: كذبت، بطل صومه، وكذا إذا أخبر بالليل كاذباً ثمّ قال في النهار:ما أخبرت به البارحة صدق.(**)
المسألة 23: إذا أخبر كاذباً ثمّ رجع عنه بلافصل لم يرتفع عنه الأثر، فيكون صومه باطلاً، بل وكذا إذا تاب بعد ذلك فإنّه لاتنفعه توبته في رفع البطلان.(***)
ــــــــــــ
مخاطب، فالكلام وإن كان كاذباً، لكن التقوّل به غير محرم، ولا يكون مفطراً، نعم لو كان الموضوع للإفطار هو الأعم من المحرّم وغيره، كان لما ذكره وجه، ومنه يظهر حكم ما لو كتب الكذب من دون أن يكون هناك من يقرؤه، كما إذا كتب ومزّقه بعد مدة بلا تخلّل قارئ بين الفترتين.
(*) لصدق الكذب على النبي.
(**) وربما يخصص الإبطال بما إذا كان المقصود، نفي الواقع المطابق للخبر، كما هو الظاهر، أمّا إذا كان المقصود نفي الخبر المطابق للواقع، فلا يبطل به الصوم لعدم كونه كذباً على اللّه تعالى أو على النبي، بل كذب على نفسه فقط.
حاصله: انّ تكذيب الخبر تارة يراد منه انّ المعصوم لم يقله فهو افتراء عليه، وأُخرى انّ خبره ليس بمطابق للواقع، فهو كذب على نفسه وإن كان كذباً عليه أيضاً بنحو الإيماء لكن الدليل منصرف عنه.
(***) أمّا الرجوع بلا فصل، فانّه لا يخرجه عن كونه كذباً على اللّه، لأنّ الواقع

صفحه 143
المسألة 24: لافرق في البطلان بين أن يكون الخبر المكذوب مكتوباً في كتاب من كتب الأخبار أو لا، فمع العلم بكذبه لايجوز الإخبار به، وإن أسنده إلى ذلك الكتاب إلاّ أن يكون ذكره له على وجه الحكاية دون الإخبار، بل لايجوز الإخبار به على سبيل الجزم مع الظنّ بكذبه، بل وكذا مع احتمال كذبه إلاّ على سبيل النقل والحكاية فالأحوط لناقل الأخبار في شهر رمضان مع عدم العلم بصدق الخبر أن يسنده إلى الكتاب، أو إلى قول الراوي على سبيل الحكاية.(*)
ــــــــــ
لا ينقلب عمّـا هو عليه بالرجوع. نعم لو رجع قبل انعقاد الظهور واستقراره فذيّل كلامه مما يخرجه عن الظهور في الكذب على اللّه ـ كما إذا قال: حسب ما يقوله الفلاني ـ لا يكون مبطلاً من حيث نسبة الكذب على اللّه، نعم يكون مبطلاً من حيث نية القطع، إذا كان ناوياً لنسبة الكذب على اللّه من أوّل الأمر.
وأمّا التوبة فإنّما تنفع في رفع العقاب لا في الحكم الوضعي، أعني: القضاء.
(*) أمّا عدم الفرق بين كونه مكتوباً في كتاب وعدمه، هو انّ الموضوع، الكذب على اللّه ورسوله، فهو متحقق مطلقاً كان مكتوباً فيه أو لا.
ثمّ إنّ الإخبار عن اللّه ورسوله والأئمة على وجوه ثلاثة:
1. أن يُخبر عنهم مع العلم بكونه كاذباً.
2. أن يُخبر عنهم مع الظن بكونه كاذباً.
3. أن يُخبر عنهم مع الشكّ في كونه كاذباً.
أمّا الصورة الأُولى، فلا شكّ انّه مفطر، وهو المصداق الواضح للمقام.
فإن قلت: إذا كان عند الإخبار عالماً بكونه على خلاف الواقع، لكنّه تبيّـن

صفحه 144
بعدُ صدقه وموافقته له، فهل يُحكم بصحّة صومه، لأجل عدم تحقّق المفطر، أعني: القول على اللّه بما يخالف الواقع؟
قلت: يبطل صومه، لأجل نية القطع والعزم على نية المفطِّر، وقد سبق انّ نيّة القطع والقاطع مفطِّران وإن لم يتحقق المفطِّر.
أمّا الصورة الثانية، فإن قامت حجّة شرعية على حجّية قول الثقة مطلقاً ـ و إن ظن خلافه ـ فلا يفطِّر للإذن بالإخبار لقوله سبحانه: (ءاللّه أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُون)1، والمراد من العلم في قوله سبحانه: (أتَقُولُونَ عَلى اللّهِ ما لا تَعْلَمُون)2، هو الحجّة العقلية أو الشرعية.
إنّما الكلام في الظنّ الذي لم تثبت حجّيته، فهو يلحق بالشكّ الذي هو الصورة الثالثة.
أمّا الصورة الثالثة: فإذا لم يدل دليل على جواز الإخبار به عن اللّه سبحانه، فلا كلام في حرمة الإسناد إلى اللّه بصورة القطع مع كونه شاكّاً، إنّما الكلام في كونه مفطِّراً للصوم، أو لا. فقد اختار السيد الحكيم (قدس سره)عدم البطلان للشكّ في تحقّق المفطّر، أعني: الإخبار المخالف للواقع ـ وأضاف ـ بأنّه لو كان موافقاً للواقع فلا كذب، وإن كان مخالفاً للواقع فلا تعمد، لأنّ المفطِّر هو خصوص التعمد 3.
وذهب المحقّق الخوئي إلى أنّ الظاهر هو البطلان لصدق العمد بعد تنجز الاحتمال، لأجل كونه من أطراف العلم الإجمالي الذي لا مجال معه للرجوع إلى أصالة البراءة، حيث إنّه يعلم إجمالاً بكذب أحد الأمرين، إمّا ذاك الخبر المفروض أو نقيضه، وانّ أحد الاسنادين إلى الإمام (عليه السلام)مخالف للواقع جزماً، وبالعلم الإجمالي يتنجز الواقع لا محالة، ولا مجال معه للرجوع إلى أصالة البراءة. ونتيجة

(1) يونس:59.
(2) الأعراف:28.
(3) المستمسك: 8/257.

صفحه 145
ذلك انّه يكون قد تعمد الكذب اختياراً على تقدير كون الخبر مخالفاً للواقع، نظير ما لو علم إجمالاً انّ أحد الإناءين خمر فشرب أحدهما وصادف الواقع.1
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره صحيح لو كان مثل ذلك العلم الإجمالي موجوداً في ذهن المخبر بأن يكون ممّن صرف عمره في المسائل الأُصولية، وبالتالي واقفاً بأنّ الإمام إمّا قال : الطلاق بيد من أخذ الساق، أو قال نقيضه، ومع ذلك أخبر وصار مخالفاً للواقع، فتعمد الكذب كمن لو شرب أحد الإناءين المشتبهين بالخمر. ولكن ذلك العلم الإجمالي ليس بموجود في ذهن المخبر عند الإخبار إمّا لقصور فكره عن تلك المسائل أو لعدم التفاته إليه، ومع ذلك كيف يكون منجزاً عليه ووجوده في الأذهان العالية لا يكون سبباً لتنجزه عليه.
ثمّ إنّه (قدس سره)أشار في ذيل كلامه إلى وجه آخر مستلزم لبطلانه مطلقاً خالف الواقع أم لم يخالف. وحاصله: انّه جازم للإخبار به سواء أوافق الواقع أم خالف وعليه فهو ليس بناو للإمساك على جميع التقادير بل ناو له على فرض الموافقة، دون فرض المخالفة فيوجب ذلك إخلالاً بنيّة الصوم، لأنّ اللازم على الصائم نيّة الإمساك عن جميع المفطرات في جميع الآنات وعلى جميع التقادير 2.
يلاحظ عليه: بأنّه ناو للصوم على وجه لو علم أنّه مخالف للواقع وانّ النسبة غير صحيحة، لأمسك عن الإخبار، وإنّما يخبر راجياً مطابقته له، ولعلّ هذا المقدار من النية كاف في صحّة الصوم.
نعم إنّما لا يكون ناوياً للصوم على جميع التقادير إذا كان ذلك التحليل موجوداً في ذهنه حتى يمنع عن الإمساك على كلّها. والمفروض انّ الأغلب غافل عن هذا النوع من التحليل المانع عن الإمساك على عامة الفروض.

(1) مستند العروة:141 ـ 142.
(2) مستند العروة:141 ـ 142.

صفحه 146
المسألة 25: الكذب على الفقهاء والمجتهدين والرواة وإن كان حراماً لايوجب بطلان الصوم، إلاّ إذا رجع إلى الكذب على اللّه ورسوله(صلى الله عليه وآله وسلم).(*)
المسألة 26: إذا اضطرّ إلى الكذب على اللّه ورسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)في مقام التقيّة من ظالم لايبطل صومه به كما أنّه لايبطل مع السهو أو الجهل المركّب.(**)
ــــــــــــــ
(*) لاختصاص الحكم بالكذب عليهم ولا يعم غيرهم إلاّ أن يرجع إليهم.
(**) وجهان مبنيان على أنّ التقية ترفع الإثم فقط أو يعمّ الرفع الحكمَ الوضعي أيضاً، أعني: القضاء، والمُستظْهَر من روايات التقية هو الأوّل; روى الكليني بسند صحيح عن زرارة، عن أبي جعفر قال: «التقية في كلّ شيء يضطر إليه ابن آدم فقد أحل اللّه له».1 فظاهر قوله: «أحل اللّه له» هو عدم الحرمة، ولو حكم في مورد على صحّة الوضوء والصلاة عن تقية، فإنّما هو لدليل خاص كما بُيّن في مبحث الإجزاء.
ومع ذلك كلّه، فالظاهر في المقام رفع التكليف والوضع، وذلك لا لعمومية في دليل التقية، بل للقصور في دليل المفطِّر، لأنّ الظاهر من أدلّته هو الكذب المحرَّم بشهادة قول الراوي ـ بعد ما سمع مفطرية الكذبة ـ قال: «هلكنا» الظاهر في أنّ الموضوع هو الكذب المحرم المتداول لا الحلال منه.
نعم الإفطار بالأكل مطلقاً تقية مبطل، لعدم انقسامه إلى قسمين حتى ينصرف الدليل إلى القسم الحلال مضافاً إلى ما ورد «فكان إفطاري يوماً وقضاؤه أيسر عليّ من أن يضرب عنقي».2وستعرف قوة صحّة الصوم إذا أفطر عن تقية وأمسك إلى المغرب، فانتظر.

(1) الوسائل: الجزء 11، الباب 25 من أبواب الأمر بالمعروف، الحديث 2.
(2) الوسائل: الجزء 7، الباب 57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 2.

صفحه 147
المسألة 27: إذا قصد الكذب فبان صدقاً دخل في عنوان قصد المفطر بشرط العلم بكونه مفطراً.(*)
المسألة 28: إذا قصد الصدق فبان كذباً لم يضرّ كما أُشير إليه.(**)
ــــــــــــ
فإن قلت: يلزم صحّة صوم الصبي إذا كذب على اللّه ورسوله، لعدم حرمته عليه، لأنّ المفروض رفع قلم التكليف عنه.
قلت: لو قلنا بأنّ عباداته تمرينية، فلا مورد للنقض، وأمّا على القول بشرعية عباداته كما هو الحقّ، فليس مفاد قوله:«رفع القلم عن ثلاثة» رفع الجزئية والشرطية، أو القاطعية أو المانعية عن عباداته، بل غاية الأمر رفع الإلزام والمؤاخذة أو التكليف الإلزامي، وعندئذ تكون الجزئية والشرطية وجميع الأُمور الوضعية محفوظة في عباداته.
وقد ثبت في محلّه انّ العبادات المندوبة ، كما هو الحال في عبادة الصبيّ تشارك العبادات الواجبة في الماهية والاجزاء والشرائط والموانع والقواطع ـ إلاّما خرج بالدليل ـ وليس معنى كون العبادة مستحبة انّه يجوز الإتيان بها، بأيّ نحوشاء الفاعل بحذف الاجزاء والشرائط أو بعضها، مقرونة بالموانع والقواطع.
(*) وجه الاشتراط انّ قصد ذات المفطر ليس بمفطِّر، كما إذا استعمله سهواً، بل المفطِّر تناوله مع العلم ـ حين التناول ـ انّه مفطر، وعلى ذلك فلا يكون قصد الكذب بلا علم بكونه كذباً، قصداً للمفطِّر بما هو مفطِّر، بل قصداً لذاته وقد عرفت أنّ مجرد عزمه لا يبطل.
(**) قال في ذيل المسألة 26 كما أنّه لا يبطل مع السهو أو الجهل المركب.

صفحه 148
المسألة 29: إذا أخبر بالكذب هزلاً بأن لم يقصد المعنى أصلاً لم يبطل صومه.(*)
ـــــــــ
(*) لا يخفى انّ الهازل يقصد المعنى لكن بإرادة استعمالية وليس له إرادة جدية حيث ينصب قرينة في كلامه على كونه في مقام الهزل، لا الجد.

صفحه 149

السادس: إيصال الغبار الغليظ

السادس: إيصال الغبار الغليظ إلى حلقه، بل وغير الغليظ على الأحوط، سواء كان من الحلال كغبار الدقيق، أو الحرام كغبار التراب ونحوه، وسواء كان بإثارته بنفسه بكنس أو نحوه، أو بإثارة غيره، بل أو بإثارة الهواء مع التمكن منه وعدم تحفّظه ، والأقوى إلحاق البخار الغليظ ودخان التنباك ونحوه، ولابأس بما يدخل في الحلق غفلة أو نسياناً أو قهراً أو مع ترك التحفّظ بظنِّ عدم الوصول ونحو ذلك.(*)
ــــــــــ
(*) الكلام في هذه المسألة حول أُمور ثلاثة:
1. الغبار الغليظ وغير الغليظ.
2. البخار الغليظ ودخان التنباك.
3. حكم الدخول غفلة أو نسياناً أو قهراً.
وإليك الكلام في هذه الأُمور :

1. الغبار الغليظ وغير الغليظ

اختلفت الأنظار في مفطرية الغبار، فالجمهور على عدم كونه موجباً للقضاء والكفّارة قال الشيخ: غبار الدقيق والنفض الغليظ حتى يصل إلى الحلق يفطِّر ويجب منه القضاء و الكفارة متى تعمد، ولم يوافق عليه أحد من الفقهاء، بل أسقطوا كلّهم القضاء والكفّارة معاً.1

(1) الخلاف:2/177، كتاب الصوم، المسألة 17.

صفحه 150
وأمّا الإمامية، فالشيخ، في الخلاف والمبسوط والجمل، و السيّد في الانتصار، والعلاّمة في المختلف،1 على أنّه يوجب القضاء والكفّارة، والعجب من المحقّق الخوئي من نسبة عدم المفطرية إلى الشيخ الطوسي مع أنّه رائد القوم في هذه المسألة في القول بالمفطرية. وذهب المفيد في المقنعة وأبو الصلاح في الكافي وابن إدريس في السرائر إلى كونه موجباً للقضاء دون الكفّارة. وقال ابن إدريس:فال2قضاء مجمع عليه. لكن الظاهر من المحقّق كون القضاء أيضاً مورد خلاف حيث قال: وفي إيصال الغبار إلى الحلق خلاف، والأظهر التحريم وفساد الصوم، وقد ذيله صاحب الجواهر بقوله: «وفاقاً للمشهور، بل لم أجد فيه خلافاً بين القائلين بعموم المفطر للمعتاد وغيره، إلاّمن المصنّف في المعتبر فتردّد فيه، اللّهمّ إلاّ أن يريد المرتضى ومن تبعه على القول باختصاص المفطر بالمعتاد ـ إلى أن قال: ـ وكيف كان فلم نتحقّق ما ذكره المصنّف من الخلاف.3 ومع ذلك فقال صاحب الحدائق: وذهب جمع من متأخري المتأخرين إلى عدم الإفساد، وعدم وجوب شيء من قضاء أو كفّارة، و هو الأقرب.4
وعلى كلّ تقدير لم يكن القول بمفطرية الغبار موجوداً في الفقه الإمامي وإنّما دخل فيه في أوائل القرن الثالث برواية سليمان بن حفص المروزي.
روى الشيخ عن محمد بن الحسن الصفار، عن محمد بن عيسى، عن سليمان ابن جعفر (حفص) المروزي، قال: سمعته يقول: إذا تمضمض الصائم في شهر رمضان أو استنشق متعمداً أو شمّ رائحة غليظة أو كنس بيتاً فدخل في أنفه وحلقه غبار، فعليه صوم شهرين متتابعين، فإنّ ذلك مفطر مثل الأكل والشرب

(1) المختلف:3/402.
(2) السرائر: 1/377، وقد نقلنا الأقوال من المختلف.
(3) الجواهر:16/232.
(4) الحدائق:13/72.

صفحه 151
والنكاح.1
الظاهر انّ «جعفر» مصحّف «حفص»، لأنّ العبيدي أي محمد بن عيسى الوارد في السند ينقل كثيراً ما عن سليمان بن حفص لا عن سليمان بن جعفر.2 وذكره الصدوق في المشيخة باسم سليمان بن حفص3، وبعد ذلك لا يبقى شكّ في أنّ المراد منه هو حفص.
ثمّ إنّ الكلام يقع في صحّة السند أوّلاً، ودلالة المتن على الحكم ثانياً.
أمّا الأوّل: فقد وقع الكلام في وثاقة سليمان بن حفص، فقد روى الوحيد البهبهاني عن جدّه المجلسي الأوّل انّه نفس الرجل الذي ناظر الإمام الرضا في مسائل كلامه بأمر المأمون وقد رجع إلى الحقّ.
أقول: يلاحظ عليه: أنّ المناظر حسب ما ينقله الصدوق في التوحيد هو سليمان المروزي، وليس فيه انّه ابن حفص.
قال الصدوق: وروي عن الحسن بن محمد النوفلي انّه كان يقول: قدم سليمان المروزي ـ متكلم خراسان ـ على المأمون فأكرمه ووصله ثمّ قال له: إنّ ابن عمي علي بن موسى الرضا (عليه السلام)قدم عليّ من الحجاز يُحبُّ الكلام وأصحابه، فعليك أن تصير إلينا يوم التروية لمناظرته.4
ولا دليل على كونه هو ذلك المتكلم، وعلى فرض الوحدة لا دليل على وثاقته، فقد نقل في الاحتجاج انّ الرضا كان يلزمه في مواضع بحثه، ... فانقطع سليمان فقال المأمون عند ذلك: يا سليمان هذا علم هاشمي، ثمّ تفرّق القوم.

(1) الوسائل: 7، الباب 22 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.
(2) لاحظ الفقيه 3، الحديث 901; والتهذيب 7، الحديث 784.
(3) الفقيه: 4/458.
(4) الاحتجاج:2/365، رقم الاحتجاج 284.

صفحه 152
وعلى كلّ تقدير فهل يمكن إثبات وثاقته؟
فقد اعتمد المحقّق الخوئي في إثباتها وقوعها في اسناد كامل الزيارات.1
يلاحظ عليه: بأنّ ما اتخذه أساساً لتوثيق عدّة من الرواة، لا أساس له وقد أوضحنا حال الضابطة في كتاب «كليات في علم الرجال».
ويمكن إثبات وثاقته من أجل انّه روى عن الأئمّة الثلاثة: أبي الحسن موسى بن جعفر، وأبي الحسن الرضا، وأبي الحسن العسكري.
وروى عنه: علي بن محمد القاساني، ومحمد بن عيسى بن عبيد، وموسى بن عمر، ووقع اسمه في اسناد جملة من الروايات تبلغ واحداً وثلاثين مورداً، ولعلّ هذا المقدار من القرائن يثبت وثاقته.
ولكن تأسيس حكم مخالف للحصر المستفاد من صحيحة محمد بن مسلم من أنّه: «لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال: الطعام والشراب، والنساء، والارتماس».2 بهذه الرواية، أمر مشكل، ومعنى ذلك انّه خفي ذلك الحكم إلى عصر الإمام الثامن على أصحاب الأئمّة مع كثرة الابتلاء به.
وعلى كلّ تقدير لولا كونه مخالفاً للضابطة الواردة في صحيحة ابن مسلم، ولولا استبعاد أن يكون الغبار مفطراً ولم يذكره، أحد الأئمّة إلى عصر الإمام الثامن، لصحّ الاعتماد على مثل تلك القرائن.
وفي الرواية إشكال آخر، وهو: كونها مضمرة حيث لم يعين المسؤول، ولكنه ليس بمهم إذ من البعيد أن ينقل الصفار في كتابه أوينقل العبيدي رواية مروية عن غيرهم (عليهم السلام)، وقد عرفت رواية سليمان عن غير واحد من الأئمّة.

(1) كامل الزيارات: 209، يروي عنه المؤلف بوساط أربع.
(2) الوسائل: الجزء 7، الباب 1 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.

صفحه 153
هذا كلّه حول دراسة السند، وأمّا المتن فقد أُورد عليه إشكالات:
أوّلاً: انّها مشتملة على ما لم يلتزم به أحد من الفقهاء، كمفطّرية نفس المضمضة والاستنشاق متعمداً وشمّ الرائحة الغليظة.
ويمكن رفع الإشكال عن الأوّلين بأنّ الرواية ناظرة إلى ما إذا أدّى إلى وصول الماء إلى الحلق مع العلم بأنّه سينتهي إلى ذلك، لكنَّ هذا على فرض الصحّة لا يجري في شمّ الرائحة الغليظة.
ثانياً: أنّها مشتملة على صوم شهرين متتابعين، وهل يمكن الالتزام بذلك في الاستنشاق والمضمضة وشمّ الرياحين على فرض الالتزام به في الغبار؟ فلابدّمن التفكيك بحملها على الاستحباب في الثلاثة الأُول دون الرابع(الغبار). وهذا النوع من التفكيك مردود عند العقلاء، وإن كان الفقهاء يرتكبون ذلك في الروايات المشتملة على أُمور شاذة.
ثالثاً: انّهامعارضة بموثقة أحمد بن الحسن بن علي بن فضال،1 عن عمرو بن سعيد،2 عن الرضا (عليه السلام):عن الصائم يتدخن بعود وبغير ذلك فتدخل الدُخْنة في حلقه؟ فقال: «جائز لا بأس به» قال: سألته عن الصائم يدخل الغبار في حلقه؟ قال: «لا بأس».3
وظاهر الفقرة الأُولى هو العمد حيث يقول: يتدخّن بعود، أي يُشعّل العود ليطيب دخانه.

(1) عرّفه النجاشي بقوله: ثقة بالحديث، مات سنة 260هـ(رجال النجاشي، برقم 192).
(2) المدائني وثقه النجاشي ولم يذكر من مذهبه شيء، وهذا دليل على عدم ثبوت كونه فطحياً عنده، وإن نقل الكشي عن نصر بن صباح انّه فطحي.و النجاشي أبصر بحال الرواة من الكشي (راجع رجال النجاشي ، برقم 765).
(3) الوسائل: 7، الباب 32 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 2.

صفحه 154
وعلى ذلك فالفقرة الثانية، أعني قوله: «سألته عن الصائم يدخل الغبار» محمول على العمد أيضاً كالفقرة الأُولى، لأنّ التفكيك بينهما خلاف السياق.
وعلى ذلك فبين الروايتين تعارض، حيث إنّ الأُولى تحكم بالبطلان في سورة العمد، بخلاف الثانية لا ترى الغبار مخلاً مع العمد.
ثمّ إنّ القائلين ببطلان الصوم بإيصال الغبار إلى الحلق حاولوا الجمع بين الروايتين بوجهين أشار إليهما صاحب الوسائل بعد نقل الرواية الثانية.
الأوّل: حمل الرواية الأُولى على العمد، وحمل موثقة عمرو بن سعيد على الأعم من العمد وغيره، وعند ذلك يقيَّد إطلاق الثانية بقيد الرواية الأُولى.
وكون الفقرة الأُولى في رواية عمرو بن سعيد ناظرة إلى العمد لا يكون دليلاً على كون الثانية كذلك، لوجود الفصل بين الفقرتين، أعني قوله: «وسألته» فسواء أكان السؤلان في مجلس واحد أو مجلسين فلا تكون الأُولى قرينة على الثانية.
أقول: لو ثبت كونهما في مجلسين كان لما ذكره وجه ،ولكن إذا كان في مجلس واحد كما هو الظاهر لوجود المناسبة بين الدخان والغبار، فكلاهما موجودان في الهواء، غير انّ الدخان ذرّات ناريّة في الهواء والغبار ذرّات ترابية في الهواء، فتتحدان في المورد ويكون السؤال متعلّقاً بالعمد في كلا الموردين، فيعود التعارض بين الروايتين.
الثاني: حمل الرواية على الغبار الغليظ بقرينة وجود غليظة في شمّ الرائحة، وحمل الثانية على الخفيف، ولكنّه جمع تبرعي لا شاهد له، واحتمال أنّ الغبار في الرواية الأُولى ناشئة من كنس البيت كغبار غليظ ليس بأمر كلّـي لاختلاف البيوت من حيث الاشتمال على الغبار وعدمه.
وعلى كلّ تقدير فلو قلنا بإفساد الغبار، فالمراد هو الغبار الذي يثيره

صفحه 155
الإنسان; وأمّا الغبار الطبيعي الذي تثيره الريح في بعض الفصول وفي البلاد الجدباء، فالرواية منصرفة عنه لكثرة الابتلاء، وعدم ورود نصّ فيه.

2. حكم البخار الغليظ ودخان التبغ

ألحق بعضهم البخار والدخان بالغبار بحجّة أنّ الجميع أجزاء دقيقة منتشرة في الهواء تدخل جوف الإنسان، وقد عرفت أنّ الحكم غير ثابت في المقيس عليه فضلاً عن المقيس، وأقصى ما يمكن أن يقال: استقرار سيرة المسلمين على عدم التجنب عن البخار في الحمام والمرافق العامة وغيرها.
وأمّا الدخان الذي يثيره الإنسان مباشرة، بشرب التبغ والتتن والترياك ومثلها البخور الذي يستعمله المصاب بالزكام، فالأحوط الاجتناب عنه، إذ ليس فيه سيرة على عدم الاجتناب أوّلاً، وصدق الشرب عليه ثانياً، فيدخل تحت صحيحة محمد بن مسلم أي: «لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب عن أربع خصال...الأكل والشرب...».
وحصيلة البحث: أنّ المسألة مورد إشكال، فمن جانب تعارض الروايتين في مورد الغبار ـ الذي هو الأساس لغيره كالبخار والدخان ـ وعدم وجود الجمع العرفي بينهما، ومن جانب آخر استقرار السيرة على الاجتناب عن الدخان.
ومن جانب ثالث صدق الشرب على امثال دخان التبغ وغيره، كلّ ذلك يفرض على الفقيه الإفتاء بالاحتياط وعدم الترخيص، خصوصاً انّ الإفتاء بالترخيص يوجب جرأة الناس لاستعمال سائر المفطرات.

3. حكم الدخول غفلة

وعلى كلّ حال يقول الماتن: ولا بأس بما يدخل في الحلق غفلة أو نسياناً أو

صفحه 156
مع ترك التحفّظ بظن عدم الوصول، ونحو ذلك.
الأولى على مذهب من قال بكونه مفطراً أن يقول «بالجزم بعدم الوصول»، وإلاّ فمع عدم الثقة بعدم الوصول يدخل تحت العمد، كما مرّنظيره في مسألة تقبيل المرأة.

صفحه 157

السابع: الارتماس

السابع: الارتماس في الماء، ويكفي فيه رمس الرأس فيه، وإن كان سائر البدن خارجاً عنه، من غير فرق بين أن يكون رمسه دفعة، أو تدريجاً على وجه يكون تمامه تحت الماء زماناً، وأمّا لو غمسه على التعاقب ـ لاعلى هذا الوجه ـ فلابأس به وإن استغرقه، والمراد بالرأس ما فوق الرقبة بتمامه، فلايكفي غمس خصوص المنافذ في البطلان، وإن كان هو الأحوط، وخروج الشعر لاينافي صدق الغمس.(*)
ــــــــــــ
(*) كون الغمس من المحرمات للصائم أو من المفطرات للصوم، من خصائص الفقه الإمامي، وليس منه أثر في الفقه السنّي، ولذلك يقول الشيخ: من ارتمس في الماء متعمداً أفطر وعليه القضاء والكفارة. وخالف جميع الفقهاء في ذلك في الإفطار ولزوم الكفّارة معاً. وبه قال المرتضى من أصحابنا، والأكثر على ما قلناه.1
أمّا فقهاء الشيعة فهم على أقوال أربعة :
1. موجب للقضاء والكفّارة.
2. موجب للقضاء دون الكفّارة.
3. أمر محرم غير موجب لواحد منهما.
4. أمر مكروه ينقض الصوم ولا يبطله.
 

(1) الخلاف:2/221، كتاب الصوم، المسألة 85.

صفحه 158
نسب الأوّل: إلى الشيخين في المقنعة والجمل والاقتصاد، والسيد المرتضى في الانتصار، وابن البراج، وقد مرّكلام الشيخ في الخلاف.
والثاني: إلى أبي الصلاح.
والثالث: إلى الشيخ في الاستبصار، و المحقّق في المعتبر، والعلاّمة في المنتهى والمختلف، والسيد السند في المدارك.
والرابع: إلى ابن إدريس، ونقله عن السيد المرتضى، ونسبه في المختلف إلى ابن أبي عقيل.1
ثمّ إنّ الروايات على أقسام:

1. النهي عن الارتماس في الماء

1. صحيحة الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «الصائم يستنقع في الماء ولا يرمس رأسه».2
2. صحيحة حريز، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «لا يرتمس الصائم ولا المُحْرم رأسه في الماء».3
3. خبر الحسن الصيقل قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن الصائم يرتمس في الماء؟ قال: «لا، ولا المحرم».4
4.صحيح حنان بن سدير أنّه سأل أبا عبد اللّه عن الصائم يستنقع في الماء؟ قال: «لا بأس، لكن لا يتغمس، والمرأة لا تستنقع في الماء لأنّها تحمل الماء بقُبُلها».5

(1) الحدائق: 13/133.
(2) الوسائل: الجزء 7، الباب 3 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 7، 8، 4، 6.
(3) الوسائل: الجزء 7، الباب 3 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 7، 8، 4، 6.
(4) الوسائل: الجزء 7، الباب 3 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 7، 8، 4، 6.
(5) الوسائل: الجزء 7، الباب 3 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 7، 8، 4، 6.

صفحه 159
والروايتان محمولتان على رمس أو غمس رأسه، بقرينة السابقتين، مضافاً إلى أنّ الرابعة يفصل بين الرجل والمرأة حيث ترخص الاستنقاع للرجل دون المرأة وينهى الرجل عن الغمس.
5 و 6. ويقرب منهما روايتا يعقوب بن شعيب1 و محمد بن مسلم.2
والروايات ظاهرة في فساد الصوم برمس الرأس في الماء كسائر النواهي الواردة في أبواب العبادات والمعاملات، إلاّ أن تكون قرينة على حملها على مجرّد التحريم أو الكراهة.

2. ما هو ظاهر في الإضرار بالصوم

7. ما رواه محمد بن مسلم، قال: سمعت أباجعفر (عليه السلام)يقول: «لا يضرُّ الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث(أربع) خصال: الطعام والشراب، والنساء، والارتماس في الماء».3
والمراد من الإضرار بالصائم، هو الإضرار بصومه، لا بنفسه، لأنّه بصدد بيان الحكم الشرعي لا الحكم التكويني.
8. مرفوعة أحمد بن أبي عبد اللّه عن أبيه باسناده رفعه إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «خمسة أشياء تفطر الصائم: الأكل، والشرب، والجماع، والارتماس في الماء، والكذب على اللّه وعلى رسوله وعلى الأئمّة (عليهم السلام)».4

3. ما هو ظاهر في الكراهة

9. خبر عبد اللّه بن سنان ،عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: «يكره للصائم أن

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 3من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1، 2.
(2) الوسائل: الجزء 7، الباب 3من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1، 2.
(3) الوسائل: الجزء7، الباب 1 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ، الحديث 1.
(4) الوسائل: الجزء 7، الباب 2 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 6.

صفحه 160
يرتمس في الماء».1
والقائل بالحرمة يحمل الكراهة على الحرمة.

4. ما هو صريح في عدم الإفطار

10. موثقة إسحاق بن عمّار قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام)رجل صائم ارتمس في الماء متعمداً، عليه قضاء ذلك اليوم؟! قال: «ليس عليه قضاؤه ولا يعودن عليه».2
والرواية معتبرة، إنّما الكلام في الجمع بينها و بين ما دلّ على البطلان.
فربما يقال انّ هناك جمعاً دلاليّاً، وهو حمل الروايات الناهية على الحرمة التكليفية أو حملها على التنزيه والكراهة.
يلاحظ عليه: أنّ هذا الجمع لا يتم في صحيحة ابن مسلم التي تحكم بأنّ الارتماس يضرّ بصوم الصائم وحمل الإضرار على النقص في الثواب والفضيلة، خلاف الظاهر جداً، وأوضح منه مرفوعة البرقي، ويقرب منها الفقه الرضوي، فالجميع ظاهر في كونه مفسداً للصوم.
والحقّ أن يقال انّ المقام من مواضع الرجوع إلى المرجحات، فالترجيح مع الطائفة الأُولى لكثرتها أوّلاً، وشهرتها بين الأصحاب ثانياً، وكونها على خلاف التقية، لأنّ أهل السنة بين من لم ير الارتماس شيئاً، ومن يراه أمراً مكروهاً للصائم،3 بخلاف الموثقة فانّها رواية واحدة غير مشهورة وموافقة للتقية، ويشير إليه قوله: «ليس عليه قضاؤه ولا يعودن» إذ لو كان الارتماس غير مضرّ، فلا وجه

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 3 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 8.
(2) الوسائل: الجزء 7، الباب 6 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.
(3) المغني: 3/99.

صفحه 161
للنهي، فالإمام جمع بين التقية والإفتاء بالحكم، وعلى كلّ تقدير فالأقوى كون الارتماس من المفطرات، وليس الارتماس كالكذب على اللّه ورسوله، فانّ دليل الأوّل أقوى بخلاف دليل الثاني فقد عرفت ضعفه.
ثمّ إنّ هناك أمرين ذكرهما الماتن.

1. أن يكون تمام الرأس تحت الماء في آن واحد

وجهه: انّ غمس الرأس أو رمسه لا يتحقق إلاّ إذا كان الرأس بأجمعه تحت الماء في آن واحد، كما ذكروه في باب الغسل الذي جاء فيها : «إذا ارتمس الجنب في الماء ارتماسة واحدة أجزأه ذلك من غسله».1 وعلى ذلك فلو غمس رأسه تحت الماء تدريجاً على نحو التعاقب لا يُبطل، بأن غمس الطرف الأيمن من الرأس ثمّ أخرجه، ثمّ رمس الطرف الأيسر وأخرجه.

2. المراد من الرأس ما فوق الرقبة بتمامها

لا شكّ انّ الرقبة داخلة في اخبار الغُسْل من جهة تثليث الأعضاء، فبما انّ الرقبة غير داخلة في الجانب الأيمن ولا الأيسر فدخلت في العضو الآخر أي الرأس. وأمّا المقام فالموضوع هناك غمس الرأس، ومن المعلوم انّ الرقبة غير الرأس، فالموضوع للبطلان غمس الرأس ورمسه لا الرقبة.
وتظهر الثمرة فيما لو كان خارج الماء وغمس رأسه إلى أُذنيه بطل صومه وإن لم يغْمس رقبته لما عرفت من أنّ الرقبة خارجة عن الموضوع.
وعلى ذلك لو انتهى الغمس إلى المنافذ كلّها وكانت منابت الشعر خارجة عن الماء لم يبطل لعدم غمس الرأس.

(1) الوسائل: الجزء 1، الباب 26 من أبواب الجنابة، الحديث 12.

صفحه 162
المسألة30: لابأس برمس الرأس أو تمام البدن في غير الماء من سائر المايعات، بل ولارمسه في الماء المضاف وإن كان الأحوط الاجتناب خصوصاً في الماء المضاف.(*)
المسألة 31: لو لطخ رأسه بما يمنع من وصول الماء إليه ثمّ رمسه في الماء، فالأحوط بل الأقوى بطلان صومه، نعم لو أدخل رأسه في إناء كالشيشة ونحوها ورمس الإناء في الماء فالظاهر عدم البطلان.(**)
ــــــــــــ
(*) انّ هنا صوراً:
1. رمس الرأس في غير المائع، كالدقيق ونحوه.
2. رمس الرأس في المائع غير الماء كالحليب والدبس والزيت.
3. رمس الرأس في الماء المضاف.
4. رمس الرأس في الماء المطلق.
لا إشكال في الأوّل والثاني لانصراف الرواية عنهما أوّلاً، واشتمال الروايات على لفظ «الاستنقاع» ثانياً، وورود الماء في صحيحة ابن مسلم وخبر الصيقل وصحيح الحلبي وحريز وعبد اللّه بن سنان كما مرّثالثاً، إنّما الكلام في شموله للثالث والرابع والظاهر اختصاص الحكم بالماء المطلق وحمل القيد، على وروده مورد الغالب، خلاف الظاهر ولو شكّ فالشكّ في سعة المانعية فالمحكّم هو البراءة.
(**) محصله : انّ المانع عن وصول الماء لو كان متصلاً بالبشرة كلطخ الرأس بمانع أو شدِّه بـ«نايلون» فهو مبطل دون ما إذا كان منفصلاً عنها كالغوّاص

صفحه 163
المسألة32: لو ارتمس في الماء بتمام بدنه إلى منافذ رأسه وكان مافوق المنافذ من رأسه خارجاًعن الماء كلاً أو بعضاً لم يبطل صومه على الأقوى، وإن كان الأحوط البطلان برمس خصوص المنافذ كما مرّ .(*)
المسألة 33: لابأس بإفاضة الماء على رأسه، وإن اشتمل على جميعه مالم يصدق الرمس في الماء، نعم لو أدخل رأسه أو تمام بدنه في النهر المنصبّ من عال إلى السافل ولو على وجه التسنيم، فالظاهر البطلان لصدق الرمس، وكذا في الميزاب إذا كان كبيراً وكان الماء كثيراً كالنهر مثلاً.(**)
ـــــــــــ
الذي يرمس في الماء وهو في جوف جهاز، أو اسطول بحري تحت الماء، والظاهر عدم البطلان مطلقاً، لأنّ المتبادر من الروايات مدخلية تأثر البشرة بالماء وهو غير موجود، ولذلك سوى سيد مشايخنا البروجردي بين الصورتين.
(*) قد ظهر وجهه مما ذكرناه.
(**) أمّا إذا أفاض الماء على رأسه، فلعدم صدق الرمس في الماء ـ حتى وإن كان تحت الرقبة في الماء ـ مضافاً إلى قوله في صحيح ابن مسلم: عن أبي جعفر (عليه السلام)انّه قال: الصائم يستنقع في الماء ويصبّ على رأسه ويتبرّد بالماء.1 ولو منع عن صبّ الماء يلزم عدم جواز الاغتسال للصائم، نعم لو صبّ على رأسه بوعاء كبير كالدلو على وجه يكون الماء محيطاً بالرأس وهو مستوراً بالماء، دفعة واحدة فالأحوط الاجتناب عنه.
كما أنّه لو أدخل رأسه أو تمام بدنه في النهر المنصب من عال إلى السافل ـ فالأحوط الاجتناب، وإن لم يصدق عليه الغمس في الماء، ولكن العرف يلغي

(1) الوسائل: الجزء 7 ، الباب 3 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 2.

صفحه 164
المسألة 34: في ذي الرأسين إذا تميّز الأصلي منهما فالمدار عليه، ومع عدم التميّز يجب عليه الاجتناب عن رمس كلّ منهما، لكن لايحكم ببطلان الصوم إلاّ برمسهما ولو متعاقباً.(*)
ـــــــ
الخصوصية وكان الموضوع إحاطة الماء على مجموع الرأس دفعة واحدة من غير فرق بين كون الماء جارياً أو واقفاً، ومن غير فرق بين كون جريانه على وجه التسهيل أو التسنيم.
(*) للمسألة صور:
1. أن يكون كلّ من الرأسين أصلياً، بحيث يرى به ويسمع.
2. أن يكون أحدهما أصلياً ومتميزاً عن الآخر الذي هو بمنزلة العضو الزائد، إذ لا يرى به ولا يسمع.
3. تلك الصورة ولا يتميز الأصلي عن الآخر.
لا شكّ في بطلان الصوم برمس أحدهما في الصورة الأُولى، ويظهر من الماتن وأكثر المحشين، التسالم على صحّة الصوم برمس الرأس غير الأصلي عند تميزهما ويحتمل أنّ الميزان صدق النسبة وهو رمس الرأس وإن كان غير أصليّ، وعلى ذلك يبطل الصوم في عامة الصور.
نعم لو لم نقل بذلك يقع الكلام في بطلان الصوم في الصورة الثالثة وهو غمس أحدهما في الماء مع عدم التميز فقال الماتن: فانّه لا يحكم ببطلان الصوم إلاّ برمسهما ولو متعاقباً.
ولكن الظاهر من السيد الحكيم عدم الاجتزاء بذلك الصوم قائلاً: إنّه وإن لم يحكم بالإفطار واقعاً أوظاهراً شرعاً إلاّ أنّه بمقتضى العلم الإجمالي يحكم عقلاً بعدم الاجتزاء به لاحتمال مصادفة الواقع المنجز، واستصحاب الصحّة لا يجري في

صفحه 165
قبال العلم الإجمالي المنجِّز، وبالجملة وجوب الاجتناب عقلاً تابع لتنجز الواقع، وهو مانع من جريان الأصل المؤمِّن منه.1
يلاحظ عليه: أنّ العلم الإجمالي بأنّ غمس أحد الرأسين مفطر، يمنع عن جريان الأصل في موردهما، إمّا لعدم شمول دليل الأُصول أطراف العلم كما هو الحقّ، أو شموله لها ولكن يسقط بالتعارض، وأمّا عدم جريانه فيما يرتبط بها، كصحة الصوم فلا يمنع عنه، كما أنّ منع جريان الأصل في أطراف العلم الإجمالي لا يمنع عن جريان الأصل في ملاقي أحد المشتبهين، كالعلم الإجمالي بخمرية أحد الإناءين، فانّه لا يمنع عن جريان أصالة الطهارة في ملاقيه.
فالأقوى الاجتزاء أخذاً باستصحاب الصحّة في صومه.
ويظهر من السيد الخوئي الحكم بالبطلان، بناء على ما سبق منه في الكذب على اللّه عند ما نسب إليه ولكن مع الشكّ في الصحة ، و ذلك لأنّه على تقدير كون المرموس أصلياً لم يكن ناوياً للصوم بطبيعة الحال، بل على تقدير خاص وهو عدم كون المرموس أصلياً، وهذا لا ينفع، بل لابدّ للصائم أن يكون ناوياً لصومه في جميع الحالات وعلى جميع التقادير.2
يلاحظ عليه: أنّ الحكم بالإفطار فرع قصد المفطر بعنوان كونه مفطراً، بأن يعلم انّه مفطر قطعاً ثمّ يتناوله، وليس المقام كذلك وليس قصد الذات كافياً.
وأمّا ما ذكره من التحليل فإنّما هو قائم بذهنه الوقّاد وفكره الأُصولي، وليس عنه أثر في ذهن الرامس، بل هو على حد انّه لو علم انّه رأس أصلي لما رمسه، وإنّما يرمس رجاء أن لا يكون رأساً أصليّاً.
كلّ ذلك على تقدير عدم كفاية صدق عنوان الرأس ومعه لا تصل النوبة إلى هذه البحوث.

(1) المستمسك: 8/266.
(2) مستند العروة الوثقى كتاب الصوم:163.

صفحه 166
المسألة 35: إذا كان مائعان يعلم بكون أحدهما ماء يجب الاجتناب عنهما، ولكن الحكم بالبطلان يتوقّف على الرمس فيهما.(*)
المسألة 36: لايبطل الصوم بالارتماس سهواً أو قهراً أو السقوط في الماء من غير اختيار.(**)
المسألة37: إذا ألقى نفسه من شاهق في الماء بتخيّل عدم الرمس فحصل لم يبطل صومه.(***)
ــــــــــ
(*) إذا كان مائعان أحدهما مضاف والآخر مطلق واشتبه أحدهما بالآخر، فلو قلنا بأنّ الارتماس في المضاف أيضاً مبطل، يُفسد الصوم بالارتماس في واحد منهما، وأمّا إذا قلنا بعدم البطلان إلاّفي الارتماس في الماء المطلق، يكون نظير المسألة السابقة.
فعلى من قال بعدم الاجتزاء هناك لكون العلم الإجمالي منجِّزاً في المقام ولا تحرز صحّة الصوم لعدم جريان أصالة الصحّة فيه، أو قال بأنّه يشترط كونه ناوياً على كلّ تقدير وليس هو بمتحقق فانّه ناو على تقدير وهو كون المائع مضافاً لا مطلقاً، يكون الصوم محكوماً بالبطلان .لكنّك عرفت ضعف كلا القولين فلانعيد.
(**) لعدم صدق العمد
(***) ظاهر العبارة كفاية الظن بعدم الرمس، ولكنّه غير تام لعدم حجّيته، والأولى أن يقول:« إنّه يكفي إذا كان على ثقة من نفسه على عدم الرمس» كما في رواية سماعة حيث سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن الرجل يلصق بأهله في شهر رمضان فقال: «ما لم يخف على نفسه فلا بأس».1

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 33 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 6، ولاحظ الحديث 1 و13 من هذا الباب.

صفحه 167
المسألة 38: إذا كان مائع لايعلم أنّه ماء أو غيره أو ماء مطلق أو مضاف لم يجب الاجتناب عنه.(*)
المسألة 39: إذا ارتمس نسياناً أو قهراً ثمّ تذكّر أو ارتفع القهر وجب عليه المبادرة إلى الخروج وإلاّ بطل صومه.(**)
ــــــــــــ
(*) أقول: هنا فروض:
1. لو قلنا بأنّ المضاف كالمطلق، فالثمرة منتفية في الفرع الثاني، لأنّه مبطل كالمطلق وينحصر النزاع في الفرع الأوّل.
2. لو قلنا بمقالة السيد الخوئي (قدس سره)من أنّ الصائم الجازم برمس الرأس فيما دار كونه مبطلاً أو غير مبطل، غير ناو للصوم على كلّ تقدير كما مرّ تفصيله فالصوم باطل بلا إشكال.
3. لو لم نقل بمقالته فصومه صحيح، لأنّ الشبهة موضوعية ولا يجب الاجتناب عنها بعد الفحص اللازم المناسب لها.
وبعبارة أُخرى: يكون مرجع الشكّ إلى تعلق النهي بهذا الموضوع أو لا، والأصل البراءة.
(**) وذلك لفهم العرف من الأحاديث عدم الفرق بين الحدوث والبقاء، فقوله (عليه السلام): «لايرتمس المحرم في الماء ولا الصائم»،1 وإن كان ظاهراً في الوجود الحدوثي ولكن مناسبة الحكم والموضوع تقتضي عدم الخصوصية فيه وكون الموضوع، مطلق الرمس حدوثاً وبقاءً وانّ الموضوع تأثر الرأس بالماء وهو موجود في كلتا الصورتين.

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 3من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 2.

صفحه 168
المسألة 40: إذا كان مكرهاً في الارتماس لم يصحّ صومه، بخلاف ما إذا كان مقهوراً.(*)
المسألة 41: إذا ارتمس لإنقاذ غريق بطل صومه وإن كان واجباً عليه.(**)
ـــــــــــــ
(*) أمّا إذا كان مقهوراً فلعدم صدق العمد، وأمّا إذا كان مكرهاً فهو فاعل مريد اختار أحد الطرفين لأجل محاسبات رجح الفعل معها على الترك. وبما انّ حديث الإكراه حديث رفع لا وضع فهو يرفع الإثم وبالتالي العذاب ولا يُثبت صحّة الصوم، ولذلك قالوا حديث الرفع حديث رفع لا حديث وضع.
والأقوى صحّة صومه بالبيان التالي:
إنّ المرفوع ما هو المكره عليه بالحمل الشائع، ومن المعلوم انّ الرفع ليس رفعاً تكوينياً بل تشريعياً، فيكون مرجعه إلى سلب حكمه الشرعي عنه، أي كونه مفطِّراً، فيكون تناول المفطر كعدم تناوله في ميزان الشرع، وعند ذلك ينطبق عليه عنوان الصوم فيشمله الإطلاقات، كما هو الحال في نسيان الصوم، فانّ المنسي مرفوع تشريعاً، فيكون الإمساك إمساكاً تاماً صادقاً عليه عنوان الصوم فيشمله الإطلاق، وحديث الرفع وإن كان حديث رفع لا حديث وضع، ولكن الوضع أي الحكم بالصحّة إنّما هو على عاتق الإطلاقات بعد شموله للمورد.
ومنه يظهر حال الفرع التالي.
(**) حيث إنّ المقام من قبيل المتزاحمين، فيقدم أحدهما على الآخر بحكم الشرع فيصدق عليه انّه مضطرّبحكم الشرع في الرمس، فيكون حكمه مرفوعاً بحكم الشرع.

صفحه 169
المسألة 42: إذا كان جنباً وتوقّف غسله على الارتماس انتقل إلى التيمّم إذا كان الصوم واجباً معيّناً وإن كان مستحبّاً أو كان واجباً موسّعاً وجب عليه الغسل وبطل صومه.(*)
ـــــــــ
(*) أما الانتقال إلى التيمم في الفرع الأوّل، فلأنّها من قبيل المتزاحمين، فإذا كان كذلك، فيقدّم ما ليس له بدل على ما له بدل.
وبما انّ الصوم صوم واجب معين وليس له بدل، ولكن الطهارة لها فردان: اختياري وهو الطهارة المائية، واضطراري وهو الطهارة الترابية، يحكم العقل بتقديم ما ليس له بدل وهو الصوم، على الطهارة المائيّة، التي لها بدل و هو التيمم.
ولعلّ هذا البيان أوضح ممّا أفاده السيد الحكيم حيث قال: إنّ وجوب الصوم يوجب حرمة الغسل الارتماسي، فيكون غير مقدور شرعاً، فيتعين عليه التيمم.1
أقول: إنّ الحكم بحرمة الغسل الارتماسي لا يتم إلاّ بعد ثبوت تقديم دليل الصوم على دليل الغسل الارتماسي، وإلاّفلا وجه للحكم بالحرمة ولا تثبت الحرمة له إلاّبما قلنا.
وأمّا عدم الانتقال إلى التيمّم في الفرع الثاني، أعني: ما إذا كان الصوم مستحباً أو واجباً موسعاً، بل يجب عليه الغسل وإن بطل صومه فهو لأجل انّ كلّواحد من الواجبين وإن كان ذا بدل، لكن يقدم الثاني أي الطهارة المائية على الأوّل، أي حفظ الصوم، وذلك لأنّ بدل الصوم بدل اختياري لافتراض كونه واجباً موسّعاً بخلاف بدل الطهارة المائية، فانّ بدله اضطراري فيقدم الثاني على

(1) المستمسك:8/269.

صفحه 170
المسألة43: إذا ارتمس بقصد الاغتسال في الصوم الواجب المعيّن بطل صومه وغسله إذا كان متعمّداً، وإن كان ناسياً لصومه صحّا معاً، وأمّا إذا كان الصوم مستحبّاً أو واجباً موسّعاً بطل صومه وصحّ غسله.(*)
ـــــــــــ
الأوّل، فهو بارتماسه يُبطل صومه وينتقل إلى الفرد الاختياري منه بخلاف العكس، أي الحكم بحفظ الصوم حيث ينتقل إلى البدل الاضطراري للطهارة أي التيمم.
ثمّ إنّ هنا بحثاً، وهو هل الصوم في الفرع الثاني يبطل بنفس التكليف كما عليه أكثر المعلّقين، أو يبطل بنية القطع، أو بنفس الفعل أي الغسل ، ربما يقال بالأوّل، وذلك لامتناع الأمر بالصوم المشتمل على الاجتناب عن الارتماس بعد فرض فعلية الأمر بالارتماس.1
أقول: إنّه لو كان الخطاب شخصياً كان لما ذكره وجه حيث لا يصحّ أن يخاطب المكلّف بالصيام وفي الوقت نفسه يؤمر بالارتماس في الماء، وبما انّ الحكم الفعليّ هو الارتماس يلزم بطلان الصوم بنفس التكليف بالارتماس.
وأما إذا كان الخطاب قانونياً، أي كلّياً، فلا يبطل إلاّ بعد ملاحظة الدليلين والخروج بتقديم الارتماس على الثاني، فعندئذ ينوي عدم الإتمام والاغتسال بالارتماس فيبطل صومه ، فالقول الثاني هو الأقوى.
(*) هنا فروع ثلاثة:
1. إذا كان الصوم واجباً معيّناً فارتمس في الماء بقصد الاغتسال عمداً بطل صومه وغسله.
2. تلك الصورة ولكن ارتمس في الماء سهواً ونسياناً صحّ صومه وغسله.

(1) مستند العروة الوثقى، كتاب الصوم:69 1.

صفحه 171
المسألة 44: إذا أبطل صومه بالارتماس العمديّ فإن لم يكن من شهر رمضان ولامن الواجب المعيّـن غير رمضان يصحّ له الغسل حال المكث في الماء أو حال الخروج، وإن كان من شهر رمضان يشكل صحّته حال المكث لوجوب الإمساك عن المفطرات فيه بعد البطلان أيضاً، بل يشكل صحّته حال الخروج أيضاً لمكان النهي السابق، كالخروج من الدار الغصبيّة إذا
ـــــــــــــــ
3. إذا كان الصوم واجباً موسعاً أو مستحباً فارتمس في الماء عمداً بطل صومه، وصحّ غسله، وإليك دراسة الفروع.
أمّا الفرع الأوّل: فيبطل الصوم بالارتماس، وأمّا الغسل لكونه منهياً عنه والمبغوض لا يكون مقرباً.
فإن قلت: يبطل الصوم بنية القطع، فلا يكون الارتماس فيه مبغوضاً ومحرَّماً فيصحّ الغسل.
قلت: إنّما يصحّ ذلك في غير الواجب المعيّن الذي لا يكون الإمساك بعد الإفطار واجباً دون الواجب المعيّن الذي يجب فيه الإمساك بعد الإفطار أيضاً تأدّباً، من غير فرق بين كونه رمضاناً، أو واجباً معيّناً كالنذر، وعليه يكون الارتماس عند فساد الصوم بنيّة القطع، مبغوضاً أيضاً.
أمّا الفرع الثاني: فيصحّ كلاهما لعدم كون الارتماس السهوي مفطراً، فيصحّ الصوم وبالتالي لا يكون محرماً فيصحّ الغسل أيضاً.
أمّا الفرع الثالث: فبطلان الصوم لأجل الارتماس، وأمّا صحّة غُسله فلعدم كونه محرماً لجواز الإفطار ولو بالارتماس في الماء في الصوم الواجب غير المعين، أو المستحب.

صفحه 172
دخلها عامداً، ومن هنا يشكل صحّة الغسل في الصوم الواجب المعيّن أيضاً سواء كان في حال المكث أو حال الخروج. (*)
ـــــــــــــ
(*) المسألة مبنية على جواز الاغتسال تحت الماء بتحريك البدن، أو بإخراجه عن الماء، وإلاّفلو قلنا بظهور الدليل بإحداث الارتماس، استظهاراً من قوله (عليه السلام)في صحيحة الحلبي :«إذا ارتمس الجنب في الماء ارتماسة واحدة أجزأه ذلك من غُسله»1 فلا مجال لعقد هذه المسألة.
صور المسألة
1. إذا أبطل صومه بالارتماس العمدي وكان صومه مستحباً أو واجباً غير معيّن، فبما انّ الارتماس، ليس بمحرّم يكون المكث والخروج مثله، فيصحّ غسله في الحالتين المتأخرتين.
2. إذا أبطل صومه بالارتماس العمدي، وكان الصوم من شهر رمضان وكان الاغتسال حال المكث في الماء بتحريك بدنه فيه، يحكم عليه بالبطلان، لحرمة المكث في الماء وذلك بملاحظة أمرين:
أ. يجب الإمساك بعد الإفطار أيضاً تأدّباً.
ب. انّ الارتماس مفطر، حدوثاً وبقاء فيجب الإمساك عن البقاء كالحدوث.
3. نفس الصورة ولكن نوى الاغتسال بالخروج عن الماء، فيحكم عليه بالبطلان بتينك المقدمتين، لأنّ الخروج وإن كان واجباً عقلاً من باب أخفّ القبيحين، لكنّه مبغوض وهو ينافي الصحة، وإن شئت فاستوضح ذلك بما ذكرناه في الأُصول عند البحث فيمن توسط أرضاً مغصوبة عن اختيار، وقلنا انّ الخروج

(1) الوسائل: الجزء 1، الباب 26 من أبواب الجنابة، الحديث 12.

صفحه 173
واجب عقلاً، لدفع الأفسد بالفاسد، وليس بمحرم فعلاً لمكان الاضطرار وعدم القدرة على تركه فيكون النهي لغواً، لكنّه مبغوض بالذات لكونه تصرّفاً في مال الغير إذ كان في وسعه، ترك هذا المبغوض بعدم التوسط في الأرض، وكونه غير قادر على ترك الغصب في هذه الحالة موجب لسقوط الخطاب دون ملاكه وعقابه، لأنّ الممتنع بالاختيار لا ينافي الاختيار.
وأمّا إذا قلنا بعدم سقوط النهي فالحكم أوضح، والخروج من الماء في المقام يكون محرماً بالفعل، لكونه مبغوضاً.
وحاصل الكلام: أنّه يظهر بطلان الغُسل بملاحظة مقدّمتين، لما عرفت أوّلاً انّه يجب الإمساك عن المفطر حدوثاً وبقاء، وثانياً انّ البقاء في الماء مبغوض وإن فسد الصوم بالارتماس الحدوثي ومعه لا يصحّ الاغتسال.
نعم لو تاب تحت الماء يصحّ الغسل حال الخروج دون حال المكث، إذ التوبة لا تجتمع مع المكث، فما عن السيد الحكيم من الحكم بالصحّة في كلتا الحالتين لا يخلو عن تأمل.
4. إذا أبطل صومه بالارتماس العمدي وكان واجباً معيّناً لا من شهر رمضان، فإن قلنا: إنّ حكمه، حكم شهر رمضان في وجوب الإمساك حدوثاً وبقاء فيتحد حكمهما، وإلاّ، فيحكم بصحّة الغسل في حالتي المكث والخروج، ولعلّه إلى ما ذكرنا يشير سيد مشايخنا في تعليقته بقوله: «لا وجه لهذا الإشكال إذ العنوان المنهي بالنهي السابق لا يصدق هنا على المكث والخروج بخلاف المكث في المغصوب والخروج عنه».
وحاصله: انّ البقاء تحت الماء حالة غير محرمة في الواجب المعين بخلاف شهر رمضان.

صفحه 174
المسألة45: لو ارتمس الصائم في الماء المغصوب، فإن كان ناسياً للصوم وللغصب صحّ صومه وغسله، وإن كان عالماً بهما بطلا معاً، وكذا إن كان متذكّراً للصوم ناسياً للغصب، وإن كان عالماً بالغصب ناسياً للصوم صحّ الصوم دون الغسل.(*)
ـــــــــــ
(*) صور المسألة:
1.إذا كان متذكراً للصوم وكون الماء مغصوباً.
2. إذا كان متذكراً للصوم ناسياً للغصب.
3. إذا كان متذكراً للغصب ناسياً للصوم.
4. إذا كان ناسياً للصوم والغصب.
أمّا الأُولى: فيبطل الصوم لتعمد الارتماس، والغسل لكون الاغتسال بماء معلوم الغصبية فلا يكون المبعّد مقرباً.
أمّا الثانية: فهو مثل الأُولى يبطل الصومُ لتعمد الارتماس، والغسلُ للعلم بأنّه إفطار محرم، فبطلان الغسل لا ينحصر بالعلم بكون الماء مغصوباً بل يكفي العلم بكون الارتماس محرماً.
ولكن بطلان الغسل مختص بما إذا كان الإفطار محرّماً كما في الواجب المعين، دون الموسَّع إذ عندئذ، يبطل الصوم، ويصحّ الغسل.
أمّا الثالثة: فيبطل الغسل للعلم بكون الماء غصبياً، دون الصوم لعدم التعمد في الإفطار.
وأمّا الرابعة: أعني ما إذا كان ناسياً لهما، فقد حكم الماتن بصحّة صومه وغسله، أمّا الصوم فلعدم التعمد، وأمّا الغسل فلأنّ المانع من صحّته، عدم تمشّي

صفحه 175
التقرّب عند العلم بكون الماء مغصوباً، والمفروض كون المغتسل ناسياً به، فيصحّ الغسل، كما هو الحال في كل متزاحم إذا كان حكمه غير منجز.
ولكن ذهب المحقّق الخوئي (قدس سره)إلى بطلان الغسل في الصورة الأخيرة وحاصل كلامه: انّ المقام من باب التعارض دون التزاحم وليس التركيب فيه انضمامياً ليكون من موارد اجتماع الأمر والنهي حتى يتجه التفصيل بين الحرمة المنجّزة بالعلم، فلا يمكن التقرب عندئذ لكونهما بإيجاد واحد وبين صورة الجهل، فيمكن التقرب حينئذ بالأمر.
بل التركيب اتحادي ضرورة انّ الغسل أو الوضوء بالماء المغصوب متحد مع التصرف فيه فهو من باب النهي عن العبادة لا من باب الاجتماع، فيكون من باب التعارض دون التزاحم، فإذا قدم جانب النهي كان تخصيصاً في دليل الواجب، فيخرج مورد الحرمة بحسب الواقع عن مورد الوجوب، إذ الحرمة لا تكون مصداقاً للواجب، وعندئذ لا يفرق بين العلم والجهل، إذ التخصيص واقعي، ولا يناط ذلك بعلم المكلّف وجهله.1
إنّ ما ذكره من الضابطة لتميز المتزاحمين عن المتعارضين مبني على تعلّق الأحكام بالأفراد وبالمصاديق الخارجية، فيفرّق بين ما إذا كان التركيب انضمامياً، فيكون متعلق كلّ غير متعلّق الآخر، دونما إذا كان اتحادياً فيتحد متعلّقا الحكمين، فلا محيص من تقديم أحدهما على الآخر وتخصيصه، كما خصص في المقام بتقديم دليل الغصب على دليل الغسل، ولكنك عرفت انّ متعلق الأحكام هي العناوين الكلية، والخارج ظرف للسقوط لا للثبوت، فإذا كان المفهومان مختلفين مفهوماً، وبينهما من النسبة عموم و خصوص من وجه، يصح الأمر بأحدهما والنهي عن الآخر، كما هو الحال في المقام أيضاً، فيدخل المورد تحت اجتماع الأمر والنهي، فلو

(1) مستند العروة: كتاب الصوم:174.

صفحه 176
المسألة 46: لافرق في بطلان الصوم بالارتماس بين أن يكون عالماً بكونه مفطراً أو جاهلاً (*).
ـــــــــــ
كان الأمر والنهي توصّليين كان عاصياً وممتثلاً دونما إذا كان أحدهما تعبدياً كالاغتسال فيكون عاصياً فقط، لكن لما كان النهي غير مؤثر، لأنّه إمّا مجهول أو منسيّ، فلا يكون منجزاً، وعندئذ يتقرب بامتثال الأمر.
إنّ الفرق بين التزاحم والتعارض هو عدم التكاذب في مقام الجعل والتشريع في المتزاحمين ووجوده في المتعارضين، فقوله: «أنقذ هذا الغريق وأنقذ ذاك الغريق، ليسا بمتعارضين في مقام الجعل لإمكان جعل الوجوب على أكثر من واحد، بخلاف جعل النفوذ لبيع العذرة وعدمه في ما روى «يحرم بيع العذرة ، لا بأس ببيع العذرة» فلا يمكن جعل حكمين متضادين لشيء واحد، فكلّ، يكذّب الآخر، بخلاف الأمرين بإنقاذ نفرين.
وعلى ضوء ذلك، فالاغتسال بالماء المغصوب من باب التزاحم، لا التعارض لعدم التكاذب بين الحكمين في مقام الجعل ولا قصور في قدرة المكلّف في مورد امتثال الحكمين، لأنّ المفروض وجود المندوحة وإنّما جمع المكلّف بين الحكمين بسوء اختياره، فكان هناك تزاحم بين الملاكين لا يجتمعان، ومن المعلوم انّ النهي عن التصرف في الماء المغصوب إنّما يؤثر إذا كان المستعمِل ذاكراً بالموضوع، فإذا كان جاهلاً أو ناسياً لم يؤثر، لعدم كونه مبعداً عند الجهل، فيصح الاغتسال عند الجهل أو النسيان.
نعم يشترط أن لا يكون الناسي، هو نفسه الغاصب، لأنّ النهي السابق الساقط، يؤثر في المبغوضية فلا يكون مقرباً.
(*) وذلك لعمومية الأحكام للعالم والجاهل.

صفحه 177
المسألة47: لايبطل الصوم بالارتماس في الوحل ولا بالارتماس في الثلج.(*)
المسألة 48: إذا شكّ في تحقّق الارتماس بنى على عدمه.(**)
ـــــــــــ
(*) لعدم صدق الارتماس في الماء.
(**) لأصالة عدمه، ولكن لو قصد الارتماس وشكّ في تحقّقه يبطل صومه بنية القطع وإن علم عدم الارتماس فضلاً عن الشكّ فيه.

صفحه 178

الثامن: البقاء على الجنابة عمداً

الثامن: البقاء على الجنابة عمداً إلى الفجر الصادق في صوم شهر رمضان أو قضائه، دون غيرهما من الصيام الواجبة والمندوبة على الأقوى وإن كان الأحوط تركه في غيرهما أيضاً خصوصاً في الصيام الواجب موسّعاً كان أو مضيّقاً. (*)
ــــــــــ
(*) في المسألة فروع ثلاثة:
1. البقاء على الجنابة عمداً إلى الفجر الصادق.
2. الإصباح جنباً من غير عمد، بل ناوياً للغسل، و سيوافيك الفرق بين العنوانين.
3. البقاء على حدث الحيض و النفاس إلى طلوع الفجر إذا طهرت قبله. وإليك الكلام في الفروع واحداً تلو الآخر.
البقاء على الجنابة عمداً
يقع الكلام تارة في أصل الحكم من كونه مفسداً أو لا، و أُخرى فيما يجب عليه، من القضاء والكفّارة، وثالثة في عمومية الحكم لشهر رمضان وقضائه، والصوم الواجب المعين وغير المعيّـن والصوم المستحب.
أمّا الكلام في أصل الحكم فنقول:
المشهور بين الأصحاب بطلان الصوم ولزوم الكفارة، خلافاً لأهل السنّة،

صفحه 179
فالمشهور عندهم هو الصحّة وعدم وجوب شيء، إلاّ ما روي عن أبي هريرة والحسن بن صالح بن حي حيث حكما بالبطلان، ولم يعلم إيجابهما الكفارة; روى أبو هريرة: من أصبح جنباً فلا صوم له، ما أنا قلته، قال محمد وربّ الكعبة.1
وأمّا أصحابنا، فالمشهور عندهم ان تعمد البقاء على الجنابة من غير عذر في ليلة شهر رمضان إلى الصباح موجب للقضاء والكفّارة; وإليه ذهب الشيخان وعلي بن بابويه وابن الجنيد وسلار وأبو الصلاح وابن إدريس حتى عدّه المرتضى في الانتصار ممّا انفردت به الإمامية.
لكن نقل هو فيه والشيخ الطوسي في الجمل قولاً بأنّ عليه القضاء دون الكفّارة، ونسبه العلاّمة في المختلف إلى ابن أبي عقيل.
ونُسب إلى الصدوق عدم لزوم شيء منهما استناداً إلى حديث حماد بن عثمان.2
قال الشهيد الثاني بعد قول المحقّق:«والبقاء على الجنابة عامداً حتى يطلع الفجر من غير ضرورة على الأشهر»: هذا هو الصحيح والأخبار به متضافرة، وخلاف ابن بابويه ضعيف.3 وما أبعد ما بينه و بين ما ذكره معاصره المحقّق الأردبيلي: ما رأيت دليلاً يصلح لذلك (القول المشهور)، فكان مخالفة المشهور لابدّ منها، لذلك.4
ومع ذلك قال في الجواهر:«فالحكم من القطعيات، بل لم أتحقق فيه

(1) الخلاف:2/174، كتاب الصوم، المسألة 13.
(2) المختلف: 3/407.
(3) المسالك: 2/17.
(4) مجمع البرهان:5/45 وقوله: «لذلك» إشارة إلى عدم الدليل، وقدنقل صاحب الحدائق اختيار ذلك القول عن رسالة للمحقّق الداماد في الرضاع.

صفحه 180
خلافاً».1
على كلّ تقدير فيدل على القول المشهور طوائف من الروايات:

الأُولى: ما يدل على المطلوب في من تعمد على البقاء

1. صحيحة أو موثقة2 أبي بصير عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)في رجل أجنب في شهر رمضان بالليل ثمّ ترك الغسل متعمِّداً حتى أصبح؟ قال: «يعتق رقبة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكيناً» قال: وقال: إنّه حقيق أن لا أراه يدركه أبداً.3
والسند لا غبار عليه، وإبراهيم بن عبد الحميد من مشايخ ابن أبي عمير الذي ثبت انّه لا يروي إلاّ عن ثقة، وقد ذكر الفضل بن شاذان انّه صالح، وقال الشيخ في الفهرست : ثقة له أصل ، نعم روى الكشي عن نصر بن الصباح انّه واقفي، وعنونه النجاشي والكشي ولم يصفاه بشيء من الصلاح والوثاقة، أو الوقف ولكن القول الفصل، قول الفضل.4
2. خبر سليمان بن حفص المروزي عن الفقيه (عليه السلام)قال: «إذا أجنب الرجل في شهر رمضان بليل ولا يغتسل حتى يُصبح، فعليه صوم شهرين متتابعين مع صوم ذلك اليوم ولا يدرك فضل يومه.5
وما في الوسائل من سليمان بن جعفر بدل «حفص» قد عرفت خلافه، وسليمان بن جعفر هو الجعفري، لا المروزي وسليمان بن حفص هو المروزي حيث

(1) الجواهر:16/237.
(2) الترديد لأجل الاختلاف في كون إبراهيم بن عبد الحميد، واقفياً أو لا.
(3) الوسائل: الجزء7، الباب 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 2.
(4) قاموس الرجال:1/221.
(5) الوسائل: الجزء 7، الباب 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ، الحديث 3.

صفحه 181
وصف بالمروزيّ، فالمراد هو ابن حفص لا ابن جعفر. وهو لم يوثق، ووقوعه في سند روايات كامل الزيارات، غير مجد، كما أوضحناه في كتابنا«كليات في علم الرجال».

الثانية: في من تعمّد النوم جنباً حتى مطلع الفجر

3. خبر إبراهيم بن عبد الحميد، عن بعض مواليه قال: سألته عن احتلام الصائم؟ قال: فقال: إذا احتلم نهاراً في شهر رمضان فلا ينم حتى يغتسل، وإن أجنب ليلاً في شهر رمضان فلا ينام إلاّساعة حتى يغتسل، فمن أجنب في شهر رمضان فنام حتى يصبح فعليه عتق رقبة أوإطعام ستين مسكيناً، وقضاء ذلك اليوم، ويتم صيامه ولم يدركه أبداً.1
والسند مرسل أوّلاً ، ومشتمل على مهمل ثانياً، أعني: عبد الرحمان بن حماد إذا لم نقل باتحاده مع عبد الرحمان بن أبي حماد، والذي رمي بالضعف والغلو.2 ولذلك وصفه صاحب المدارك بضعف السند، لكنّه في غير محله في الأُولى.
4. صحيحة الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)انّه قال في رجل احتلم أوّل الليل أو أصاب من أهله ثمّ نام متعمداً في شهر رمضان حتى أصبح قال: «يتُم صومه ذلك ثمّ يقضيه، إذا أفطر من شهر رمضان ويستغفر ربّه».3
5. صحيح البزنطي عن أبي الحسن (عليه السلام)قال: سألته عن رجل أصاب من أهله في شهر رمضان أو أصابته جنابة ثمّ ينام حتى يُصبح متعمداً؟ قال: «يُتم ذلك اليوم وعليه قضاؤه».4

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ، الحديث 4.
(2) لاحظ رجال النجاشي: 2/51 برقم 631.
(3) الوسائل: الجزء 7، الباب 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.
(4) الوسائل: الجزء 7، الباب 15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 4.

صفحه 182
والسند لا غبار عليه، لكن يدلان على وجوب القضاء دون الكفارة ويمكن تقييدها بما دلّ على وجوبها، كالروايات الثلاث الأُول وهي أقوى دلالة منهما.

الثالثة: ما دلّ على وجوب القضاء على ناسي الغسل

ما دل على وجوب القضاء على من نسي غسل الجنابة حتى خرج الشهر.1 وإيجاب القضاء مع النسيان يستلزم إيجابه مع التعمد بوجه أولى.
وربما يستدل ببعض الروايات الراجعة إلى صورة الإصباح جنباً كالصحاح الثلاثة، أعني: صحيح محمد بن مسلم،2 ومعاوية بن عمار،3 وابن أبي يعفور،4 وسيوافيك حالها.

أدلة المخالف

قد عرفت تضافر الروايات على الحكم المطلوب وقد عمل بها الأصحاب ولم يظهر الخلاف إلاّ عن الصدوق، والمحقّق الأردبيلي والمحقّق الداماد وقد اعتمد هؤلاء على إطلاق الآية أوّلاً، والروايات ثانياً.
1. قال سبحانه: (فَالآنَ باشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاْشَربُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِالأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْر )5، والآية تقتضي جواز الرفث في كلّ جزء من أجزاء الليل وإن كان الجزء الأخير، ووجوب تقديم الغسل على طلوع الفجر يقتضي تحريم الرفث والمباشرة في الجزء الأخير من الليل، وهو على خلاف إطلاق الآية.

(1) لاحظ الباب 30 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1.
(2) الوسائل: الجزء 7، الباب 15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 3، 1، 2.
(3) الوسائل: الجزء 7، الباب 15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 3، 1، 2.
(4) الوسائل: الجزء 7، الباب 15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 3، 1، 2.
(5) البقرة:187.

صفحه 183
يلاحظ عليه: أنّ دلالتها بالإطلاق وهو قابل للتقييد، بالسنّة المتضافرة.
2. وقد استدل بروايات، وهي على طائفتين، إمّا محمولة على التقيّة، أو قابلة للتأويل محمولة على من نام بعد الجماع بنية الغسل.
وإليك كلتا الطائفتين:

الطائفة الأُولى : ما هي محمولة على التقية

1. صحيحة حبيب الخثعمي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)يصلّي صلاة الليل في شهر رمضان ثمّ يجنب ثمّ يؤخّر الغسل متعمداً حتى يطلع الفجر».1
يلاحظ عليه: أنّ قوله: «كان» ظاهر في الاستمرار وأي ملزم لمداومة الأمر المرجوح. ولعلّ الرواية نقلت على غير وجهها، وإلاّ فلا محيص عن حملها على ورودها تقية ويؤيده اتّفاقهم على جواز البقاء على الجنابة ما ننقله تالياً.
2. رواية حماد بن عثمان انّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن رجل أجنب في شهر رمضان من أوّل الليل وأخّر الغسل حتى يطلع الفجر؟ فقال: «كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)يجامع نساءه من أوّل الليل ثمّ يؤخر الغسل حتى يطلع الفجر ولا أقول كما يقول هؤلاء الاقشاب يقضي يوماً مكانه».2ومضمون الرواية غير قابل للتصديق، لأنّ البقاء على الجنابة إلى الفجر يلازم ترك نافلة الليل التي كانت واجبة عليه وإلاّ فلا محيص عن حملها على التقية.
ويؤيده انّ الإمام ابتدأ بنقل الفعل من دون أن يجيب بالقول، أضف إلى ذلك انّه لم يعلم المراد من هؤلاء الأقشاب، الذين يرون بطلان الصوم ولزوم

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 5.
(2) الوسائل: الجزء 7، الباب 13من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 3.

صفحه 184
القضاء، مع اتّفاق فقهاء عصره على الصحة وعدم القضاء إلاّ ما روي عن أبي هريرة والحسن بن صالح، وهذا شاهد على أنّ الرواية لم تنقل على وجه صحيح.
3. خبر إسماعيل بن عيسى قال: سألت الرضا (عليه السلام)عن رجل أصابته جنابة في شهر رمضان فنام عمداً حتى يصبح أي شيء عليه؟ قال: «لا يضره هذا ولا يفطر ولا يبالي، فإنّ أبي (عليه السلام)قال: قالت عائشة إنّ رسول اللّه أصبح جنباً من جماع من غير احتلام قال: لا يفطر ولا يبالي».1
وعلى الرواية أمارة التقية أمّا أوّلاً، لتأكيده على عدم الافطار بقوله: «لا يضره هذا، ولا يفطره ولا يبالى» مع عدم الحاجة إليه لاتفاق أهل السنة على عدم الإضرار، وثانياً الاستشهاد بكلام عائشة مع عدم الحاجة إليه.

الطائفة الثانية: ما يقبل التأويل

4. صحيحة العيص بن القاسم قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن رجل أجنب في شهر رمضان في أوّل الليل فأخّر الغسل حتى طلع الفجر فقال: «يتم صومه ولا قضاء عليه».2
5. رواية سليمان بن أبي زينبة قال: كتبت إلى أبي الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام)أسأله عن رجل أجنب في شهر رمضان من أوّل الليل فأخّر الغسل حتى طلع الفجر؟ فكتب (عليه السلام)إليّ بخطه أعرفه مع «مصادف»: «يغتسل من جنابته ويتم صومه ولا شيء عليه».3
ثمّ إنّ هذه الروايات الخمس لايصحّ ردّها بكونها أخبار آحاد، مع أنّ فيها صحيح الخثعمي، ومرسلة المقنع، بل لابدّ من العلاج بالجمع إذا أمكن، والظاهر

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 13 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 6، 4، 5.
(2) الوسائل: الجزء 7، الباب 13 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 6، 4، 5.
(3) الوسائل: الجزء 7، الباب 13 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 6، 4، 5.

صفحه 185
إمكان حملهما على التأخير لا عن عمد، فيحمل على من إذا أجنب، ثمّ نام بنيّة الغسل، ويؤيد الحمل رواية ابن بكير، قال: سألت أبا عبد اللّه عن رجل أجنب في شهر رمضان بالليل ثمّ نام حتى أصبح ؟ قال: «لا بأس».1
والحاصل: انّ الروايات المعارضة بين ما هي ظاهرة في التقية كما في الثلاث الأُول، وهي أمر غير خفي على العارف بأساليب كلامهم في بيان الأحكام الصادرة عنهم (عليهم السلام)، أو محمولة على النوم بنيّة الغسل كما سيأتي حكمه.
وإن أبيت إلاّ عن التعارض، فلا شكّ انّ ما دلّ على الفساد والكفارة هو الراجح الذي دلّت المقبولة على الأخذ به.

عموم الحكم لرمضان وقضائه

إنّ مورد الروايات وإن كان شهر رمضان، لكن الضابطة في الروايات المتعرضة لأحكام موضوع كالصلاة والصوم والحجّ، حملها على أنّها أحكام لماهيتها من غير فرق بين الأداء والقضاء، والواجب والمندوب، ولذلك عطف المشهور المندوب على الواجب في عامة الأبواب في الأحكام وإن كان الحكم وارداً في مورد الواجب، مضافاً إلى ما ورد في خصوص قضاء رمضان من كون البقاء على الجنابة مفسداً، أعني: صحيح عبد اللّه بن سنان: انّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن الرجل يقضي شهر رمضان فيجنب من أوّل الليل ولا يغتسل حتى يجيئ آخر الليل وهويرى الفجر قد طلع؟ قال: «لا يصحّ ذلك اليوم ويصوم غيره»،2 ومثله حديثه الآخر،3 وفي رواية سماعة4 فقلت: إذا كان ذلك من الرجل وهو يقضي رمضان قال: «فليأكل يومه ذلك و ليقض، فانّه لا يشبه رمضان شيء من

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 13من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 8.
(2) الوسائل: الجزء 7، الباب 19 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1، 2، 3.
(3) الوسائل: الجزء 7، الباب 19 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1، 2، 3.
(4) الوسائل: الجزء 7، الباب 19 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1، 2، 3.

صفحه 186
الشهور». والتعليل لبيان تجويز الأكل وأنّ الإمساك تأدّباً مختص بشهر رمضان ولا يعمّ قضاءه.
وعلى ذلك فلا شكّ في وحدة حكم الأداء والقضاء إنّما الكلام في غيرهما.

عدم عموم الحكم لغير رمضان أداءً وقضاءً

قد عرفت أنّ مقتضى الضابطة وتفسير الروايات المتعرضة لحكم الموضوعات انّه حكم لماهية الموضوع وان ورد في مورد خاصّ، لكنّها معتبرة ما لم يدلّ دليل على خلافها، فهل هناك ما يدل على خرق القاعدة أو لا؟ذهب المشهور إلى عدم الفرق بين أقسام الصوم قال المحدّث البحراني: ظاهر المشهور من كلام الأصحاب هو عموم هذا الحكم لشهر رمضان وغيره من الصوم الواجب والمستحب حيث إنّهم عدّوا من جملة المفطرات تعمّد البقاء على الجنابة،1 وقريب منه ما في الجواهر،2 واختار المحقّق في المعتبر خلافه وقال: «ولقائل أن يخص هذا الحكم برمضان دون غيره من الصيام».3
وقال الشهيد: وإن كان نفلاً، ففي رواية ابن بكير صحته ولو علم بالجنابة ليلاً.
أقول: وتدل على الصحّة في التطوع روايات ثلاث:
1. صحيح حبيب الخثعمي قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): أخبرني عن

(1) الحدائق:13/121.
(2) الجواهر:16/240.
(3) المعتبر:2/656.

صفحه 187
التطوع وعن «صوم» هذه الثلاثة الأيّام إذا أجنبت من أوّل الليل فأعلم أنّي أجنبت، فأنام متعمداً حتى ينفجر الفجر أصوم أو لا أصوم؟ قال: «صم».1
2. موثقة ابن بكير: قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن الرجل يُجنب ثمّ ينام حتى يصبح، أيصوم ذلك اليوم تطوعاً؟ قال: «أليس هو بالخيار ما بينه و نصف النهار».2
3. موثقته الأُخرى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: سئل عن رجل طلعت عليه الشمس وهو جنب ثمّ أراد الصيام بعدما اغتسل ومضى ما مضى من النهار؟ قال: «يصوم إن شاء، وهو بالخيار إلى نصف النهار».3
لكن الاستدلال بهذه الروايات مشكل من جهات:
1. انّ ظاهر الأُوليين هو الحكم بالصحّة مطلقاً، اغتسل قبل الظهر أم لا، بخلاف الثالثة، فظاهرها اشتراط الصحّة بالاغتسال قبله، والتقييد قول ثالث، لأنّ القوم بين من يقول بالصحّة مطلقاً، وبالبطلان مطلقاً.
2. عدم وضوح تعليل الصحّة بالقول بكونه على الخيار بين الفجر ونصف النهار، فانّ الخيار إنّما يكون مسوغاً لجواز البقاء إذا لم يتناول المفطر أو لم يأت بشيءيفسده، والمفروض أنّه بقى على الجنابة إلى قبيل الظهر والبقاء أحد المفسدات.
وتوجيه التعليل بأنّ المفطرات على قسمين: قسم يكون مفطِّراً مطلقاً، كالأكل والشرب، وقسم يكون مفطِّراً من حين نية الصوم واندراج الإنسان في

(1) الوسائل: الجزء 7 ، الباب 20 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1 ـ 3.
(2) الوسائل: الجزء 7 ، الباب 20 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1 ـ 3.
(3) الوسائل: الجزء 7 ، الباب 20 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1 ـ 3.

صفحه 188
موضوع الصائم، والبقاء على الجنابة من القسم الثاني، فلو اغتسل ثمّ نوى الصوم فلا يكون مفطراً، غير تام لعدم معهودية هذا التقسم أوّلاً، ومخالفته لكلام المجوّزين ثانياً، ولإطلاق الأُوليين ثالثاً.
3. انّ مورد الأُوليين هو الصوم تطوعاً بخلاف الأخيرة، فانّـها تعم الواجب والمندوب، حتى قضاء شهر رمضان إذا كان الوقت موسّعاً فانّ الإنسان فيه مخير بين الفجر ونصف النهار، وقد عرفت أنّ حكم رمضان قضاء وأداء واحد.
فالاستدلال بهذه الروايات على تخصيص الضابطة مشكل خصوصاً مع احتمال أن يكون التعليل، من الإمام نوع إعراض عن الإجابة بالحكم الواقعي، فما ذهب إليه صاحب الجواهر والمصباح من تسويغ البقاء وتبعه السيد الحكيم (قدس سره)في المستمسك، غير خال عن الإشكال والاعتماد في نفي الاشتراط على صحيح ابن مسلم: سمعت أبا جعفر (عليه السلام)يقول: «لا يضر الصائم إذا اجتنب ثلاث خصال: الطعام والشراب، والنساء، والارتماس في الماء»1 غير خال عن المناقشة لاحتمال دخوله في قوله: «والنساء» وغاية ما يمكن أن يقال هو الجواز في المندوب دون الواجب للأخذ بالأُوليين، وقد عرفت الإشكال بالأخذ بإطلاق الثالثة. فيكون الصوم تطوعاً، كصلاة النافلة حيث لا يعتبر فيه بعض ما يعتبر في الفريضة من الاستقرار ولا القيام ولا غيرهما.
ثمّ إنّ الماتن احتاط وقال: وإن كان الأحوط تركه في غيرهما أيضاً، غير انّ كيفية الاحتياط في الواجب غيرها في المندوب، فهي في الأوّل عبارة عن المبادرة إلى الاغتسال قبل الفجر، وفي الثاني، المبادرة إليه، وإلاّ فالمضي في الصوم والاغتسال أثناء النهار لا ترك الصوم، لأنّه على خلاف الاحتياط.

(1) الوسائل: الباب 1 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.

صفحه 189
وأمّا الإصباح جنباً من غير تعمّد فلايوجب البطلان إلاّ في قضاء شهر رمضان على الأقوى، وإن كان الأحوط إلحاق مطلق الواجب الغير المعيّن به في ذلك، وأمّا الواجب المعيّن رمضان كان أو غيره فلا يبطل بذلك، كما لايبطل مطلق الصوم واجباً كان أو مندوباً معيّناً أو غيره بالاحتلام في النهار.(*)
ـــــــــــ
(*) ذكر الماتن في عبارته فروعاً:
1. الإصباح جنباً بغير عمد في شهر رمضان.
2. الإصباح جنباً بغير عمد في قضاء شهر رمضان.
3. الإصباح جنباً بغير عمد في الواجب غير المعيّن.
4. الإصباح جنباً بغير عمد في الواجب المعيّن.
5. عدم بطلان الصوم بالاحتلام في نهار شهر رمضان.
أمّا الأوّل: فقد عرفت اختصاص البطلان بصورة العمد في النصوص1 مضافاً إلى ما مرّمن أنّ ما دلّ على عدم البأس2 محمول على صورة عدم العمد، فالضابط هو البطلان في العمد وعدمه في غيره إلاّ ما خرج بالدليل، كالصوم المندوب على ما مرّ، حيث يصحّ مع العمد أيضاً.
وأمّا الثاني: فللنصوص الواردة في مورده كصحيح ابن سنان انّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن الرجل يقضي شهر رمضان فيُجنبُ من أوّل الليل فلا يغتسل حتى يجيئ آخر الليل وهو يرى أنّ الفجر قد طلع؟ قال: «لا يصوم ذلك اليوم ويصوم غيره».3

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم.
(2) الوسائل: الجزء 7، الباب 13 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 4و5.
(3) الوسائل: الجزء 7 ، الباب 19 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1 .ولاحظ 2و3.

صفحه 190
وأمّا الثالث: فالقول بالبطلان مبني على أنّ الموضوع في صحيحة ابن سنان وغيرها هو الواجب الموسع من دون خصوصيّة للقضاء، فيلحق به الواجب غير المعين كالنذر المطلق والكفارات لكن العلم بالمناط مشكل لاحتمال مدخلية قضاء شهر رمضان، فيكون الموضوع باقياً تحت القاعدة السابقة من اختصاص البطلان بالتعمد.
وأمّا الرابع: فعدم البطلان على القاعدة لاختصاص النصوص بصورة العمد.
وبذلك ظهر انّه لا يبطل الصوم بالإصباح جنباً بغير العمد إلاّفي صورةواحدة أعني: قضاء شهر رمضان للنصّ، وأمّا غيره فهو باق تحت الضابطة.
وأمّا الخامس: فتدل عليه نصوص كثيرة منها: صحيحة عبد اللّه بن ميمون عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: « ثلاثة لا يفطرن الصائم: القيء، والاحتلام، والحجامة».1 وهل يجب المبادرة إلى الاغتسال؟ مقتضى الإطلاقات عدمه. نعم في خبر إبراهيم بن عبد الحميد عن بعض مواليه قال: سألته عن احتلام الصائم قال فقال: «إذا احتلم نهاراً في شهر رمضان فلا ينام حتى يغتسل».2 وهو محمول على الاستحباب، وعلى ذلك فلو صلى الظهرين ونام واحتلم لا يجب عليه الغسل إلى المغرب.

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 35 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.ولاحظ الأحاديث 2، 3، 4.
(2) الوسائل: الجزء 7، الباب 35 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 5.

صفحه 191
ولا فرق في بطلان الصوم بالإصباح جنباً عمداً بين أن تكون الجنابة بالجماع في الليل أو الاحتلام، ولابين أن يبقى كذلك متيقّظاً أو نائماً بعد العلم بالجنابة مع العزم على ترك الغسل.(*)
ـــــــــــ
(*) أمّا عدم الفرق بين الإجناب والاحتلام، فهو مقتضى التصريح في صحيحة البزنطي، ففيها التصريح بعدم الفرق بين الأمرين، روى عن أبي الحسن (عليه السلام)قال: سألته عن رجل أصاب أهله في شهر رمضان أو أصابته جنابة حتى يصبح متعمداً؟ قال: «يتمّ ذلك اليوم وعليه قضاؤه».1 ونظيره صحيحة الحلبي.2
أمّا عدم الفرق بين بقائه متيقظاً أو نائماً، أمّا متيقظاً فتدل عليه موثقة أبي بصير3 وخبر سليمان بن حفص المروزي.4 وأمّا نائماً فيدل عليه صحيحة البزنطي الماضية حيث قال: «ثمّ نام متعمداً» وهي شاهد جمع لما دلّ على عدم البطلان مطلقاً، و ما دلّ على البطلان مطلقاً.
أمّا الأوّل، فهو ما رواه أبو سعيد القماط قال: سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام)عمن أجنب في شهر رمضان من أوّل الليل فنام حتى أصبح؟ قال: «لا شيء عليه، وذلك لأنّ جنابته كانت في وقت حلال».5
أمّا الثاني، فهو ما رواه ابن مسلم عن الرجل تصيبه الجنابة في رمضان ثمّ ينام انّه قال:« إن استيقظ قبل أن يطلع الفجر فان انتظر ماءً يسخَّن أو يستقي فطلع الفجر، فلا يقضي صومه».6

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 4.
(2) الوسائل: الجزء 7، الباب 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1، 2، 3.
(3) الوسائل: الجزء 7، الباب 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1، 2، 3.
(4) الوسائل: الجزء 7، الباب 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1، 2، 3.
(5) الوسائل: الجزء 7، الباب 13 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.
(6) الوسائل: الجزء 7، الباب 14 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.

صفحه 192
ومن البقاء على الجنابة عمداً الإجناب قبل الفجر متعمّداً في زمان لايسع الغسل ولاالتيمّم، وأمّا لو وسع التيمّم خاصّة فتيمّم صحّ صومه وإن كان عاصياً في الإجناب. (*)
ــــــــــــ
حيث يدل بالمفهوم على أنّه إن لم يستيقظ قضى صومه، فيحمل ما رواه ابن مسلم على من نام بنية الغسل، والثاني على خلافه.
(*) هنا مسألتان:
إحداهما: الإجناب قبل الفجر في زمان لا يسع الغسلَ ولا التيمم.
يقع الكلام في شمول الدليل على إحداث الجنابة، مع أنّ مورده هو البقاء على الجنابة وعدمه.والظاهر شموله بملاكه لا بلفظه أمّا الثاني فلأنّه ليس بقاءً عليها، بل إحداثاً لها حين الفجر، وأمّا الأوّل فلأنّ المتفاهم من الأدلة انّ سبب البطلان، كونه جنباً حين الفجر مع الاختيار، سواء كانت جنابته إحداثاً حينه أو بقاءً.
ثانيهما: لو أجنب في زمان يسع التيمم ولا يسع الغسل فحكم المصنف بأنّه عاص وصومه صحيح، فجمع بين صحة صومه وعصيانه.
أمّا الصحّة فلعموم بدلية التراب عن الماء، أعني قوله: «التراب أحد الطهورين»1 وقوله: يكفيك عشر سنين.2 أو بمنزلة الماء.3 أو قوله: إنّ ربّ الماء هو ربّ الصعيد.4 فهذه الروايات ظاهرة في قيام التراب مقام الغسل

(1) الوسائل: الجزء 2، الباب 21 من أبواب التيمم، الحديث 1.
(2) الوسائل: الجزء 2، الباب 20 من أبواب التيمم، الحديث 7و3.
(3) الوسائل: الجزء 2، الباب 20 من أبواب التيمم، الحديث 7و3.
(4) الوسائل: الجزء 2، الباب 23 من أبواب التيمم، الحديث 6.

صفحه 193
والوضوء عند التعذر، ويترتب عليه ما يترتب على الماء، وأمّا العصيان، فلعدم وفاء الطهارة الترابية، لمصلحة الطهارة المائيّة، فلو كان الإجناب عن لا اختيار، لكان معذوراً دون ما أجنب نفسه عن اختيار مع العلم بعدم وفاء الوقت إلاّللتيّمم.
هذا ما يرجع إلى المتن.
والحقّ انّ هنا صورتين إحداهما أوضح حكماً من الأُخرى.
الأُولى: إذا كان الوقت وسيعاً، ولكن كان فاقداً للماء أو كان استعمال الماء مضراً من أوّل الأمر، فهل يجوز له إجناب نفسه ودرك الفجر متطهراً بالطهارة الترابية أو لا؟ وهذا الفرع نفس ما يأتي الكلام عنه في المسألة 51 فانتظر.
الثانية: لو أخّر الغسل عمداً إلى أن ضاق الوقت أو أجنب عمداً في وقت يعلم بأنّه لا يسع الغسل فتيمم وصام، فهل يصحّ صومه أو لا.
وبعبارة أُخرى بعد الفراغ عن مشروعية التيمم للصوم، فهل تختص مشروعيّته بمن كان فاقداً أو عاجزاً بطبعه أو يعمّ التعجيز الاختياري؟
ربما يقال بعدم المشروعية لقصور المقتضي، فانّ المستفاد من قوله سبحانه: (فَلَمْ تَجِدُوا ماءً)1 حسب الفهم العرفي هو عدم الوجدان بالطبع، لا أن يجعل الإنسان نفسه غير واجد بأن يريق الماء أو يجنب نفسه والوقت غير واف. نعم في خصوص باب الصلاة التزمنا بالمشروعية وجعلنا ضيق الوقت وإن استند إلى العمد من المسوِّغات وذلك لقيام الدليل الخارجي عليه، وهو ما استفيد من صحيحة زرارة في المستحاضة من أنّ الصلاة لا تترك بحال 2 دون الصوم.
يلاحظ عليه: أنّ الآية وإن كانت واردة في مورد التعجيز الاضطراري ولا تعم التعجيز الاختياري لكن لا غبار في دلالة بعض الروايات على الجواز حيث

(1) المائدة:6.
(2) كتاب الصوم:188.

صفحه 194
وكما يبطل الصوم بالبقاء على الجنابة متعمّداً، كذا يبطل بالبقاء على حدث الحيض والنفاس إلى طلوع الفجر، فإذا طهرت منهما قبل الفجر وجب عليها الاغتسال أو التيمّم ومع تركهما عمداً يبطل صومها. (*)
ــــــــــــ
إنّه يعلّل جواز الصلاة مع التيمم فيمن أجنب من غير عمد، بأنّ اللّه جعل التراب طهوراً، روى الصدوق عن محمد بن حُمران وجميل بن دراج انّهما سألا أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن إمام قوم أصابته جنابة في السفر وليس معه من الماء ما يكفيه للغسل، أيتوضأ بعضهم ويصلِّي بهم؟ فقال: «لا، ولكن يتيمم الجنب ويصلّي بهم، فإنّ اللّه عزّوجلّ جعل التراب طهوراً كما جعل الماء طهوراً».1 ترى أنّه يعلّل جواز الصلاة والإمامة بالتنزيل لا بان الصلاة لا تترك، وهو يدل على أنّ للتراب نفس الشأن الموجود للماء، والمورد وإن كان غير المختار إلاّ أنّ العبرة بعموم التنزيل وحمله على أنّه سبحانه جعله منزلة الماء في ضيق الوقت في من أجنب بلا اختيار، دون من أجنب اختياراً، كما ترى والظاهر صحّة ما في المتن، من الجمع بين الصحة والعصيان.
(*) قال ابن أبي عقيل: المرأة إذا طهرت من حيضها أو دم نفاسها ليلاً، وتركت الغسل حتى تُصبح عامدة، يفسد صومها، ويجب القضاء خاصة كالجنب إذا أهمل الغسلَ حتى يُصبح عامداً.
وقال العلاّمة بعد نقلِ هذا الكلام: ولم يذكر أصحابنا ذلك، والأقرب انّها كالجنب إذا أخلّ بالغسل، فإن أوجبنا القضاء والكفارة عليه أوجبناهما عليها وإلاّ فالقضاء.

(1) الوسائل: الجزء 2، الباب 24 من أبواب التيمم، الحديث 2.

صفحه 195
لنا: إنّ الثلاثة اشتركت في كونها مفطِّرة للصوم، لأنّ كلّ واحد منها حدث يرتفع بالغسل، فيشترك في الأحكام.1
ونقل عن العلاّمة في المنتهى أنّه قال: لم أجد لأصحابنا نصّاً صريحاً في حكم الحيض في ذلك بقي انّها إذا انقطع دمها قبل الفجر هل يجب عليها الاغتسال، ويبطل الصوم لو أخلّت به حتى يطلع الفجر؟ الأقرب ذلك، لأنّ حدث الحيض يمنع الصوم فكان أقوى من الجنابة.
ويمكن الاستدلال على وحدة الحكم بوجوه:
1. القياس الأولوي الوارد في كلام العلاّمة حيث إنّ الجنابة غير مانعة عن الصوم بخلاف الحيض، إذ لا يصحّ معه الصوم أصلاً، فكيف لا يكون البقاء عليه مبطلاً مع أنّ البقاء على الأضعف مفسد فما أورد عليه صاحب الحدائق2 من أنّ التعليل ضعيف، كأنّه في غير محله.
2. القياس الأولوي المستفاد ممّا ورد في المستحاضة إذا تركت غسلها، حيث تقضي صومها. روى علي بن مهزيار قال: كتبت إليه (عليه السلام):امرأة طهرت من حيضها أو دم نفاسها في أوّل يوم من شهر رمضان ثمّ استحاضت فصلّت وصامت شهر رمضان كلّه من غير أن تعمل ما تعمل المستحاضة من الغسل لكلّ صلاتين، هل يجوز صومها و صلاتها أم لا؟ فكتب(عليه السلام): «تقضي صومها ولا تقضي صلاتها».3 نعم حكمه على الصلاة بعدم القضاء به غير معمول به.
فإذا كان الحكم ثابتاً في الضعيف ففي القوي بوجه أولى، على أنّه يظهر من الراوي أنّ القضاء في الحيض والنفاس كان أمراً مسلماً، وإنّما الشكّ في حكم

(1) المختلف:3/410، كتاب الصوم.
(2) الحدائق: 13/123.
(3) الوسائل: الجزء 7، الباب 18 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.

صفحه 196
المستحاضة.
3. ما رواه الشيخ عن علي بن الحسن بن فضال، عن علي بن أسباط، عن عمّه يعقوب بن سالم الأحمر، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «إن طهرت بليل من حيضتها ثمّ توانت أن تغتسل في رمضان حتى أصبحت، عليها قضاء ذلك اليوم».1
وأورد على الاستدلال بأنّ طريق الشيخ إلى كتاب علي بن الحسن بن فضال ضعيف.
قال في المشيخة: ما ذكرته في هذا الكتاب عن علي بن الحسن بن فضال، فقد أخبرني به، أحمد بن عبدون المعروف بـ ابن الحاشر سماعاً، إجازة من علي بن محمد بن الزبير، عن علي بن الحسن بن فضّال.2 والسند ضعيف لأجل «علي بن محمد بن الزبير» لأنّه مجهول.
غير انّ المحقّق الخوئي حاول تصحيح السند بوجه آخر، وهو انّ طريق الشيخ إلى كتاب علي بن الحسن بن فضال وإن كان ضعيفاً إلاّ أنّ طريق النجاشي إليه صحيح، وبما انّ شيخهما واحد، وهو أحمد بن محمد بن عبدون، وطبع الحال يقتضي انّ ما نقله للشيخ هو بعينه ما نقله للنجاشي من غير زيادة ولا نقيصة، فلا جرم يستلزم ذلك صحّة طريق الشيخ أيضاً حيثما عرفت.3
يلاحظ عليه: أنّ طريق النجاشي إلى علي بن الحسن نفس طريق الشيخ، قال: «قرأ أحمد بن الحسين كتاب الصلاة والزكاة، ومناسك الحجّ، والصيام والطلاق، والنكاح والزهد والجنائز والمواعظ والوصايا، والفرائض، والمتعة

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 21، من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.
(2) التهذيب:10/385، قسم المشيخة.
(3) كتاب مستند العروة:190.

صفحه 197
والرجال على أحمد بن عبد الواحد (ابن الحاشر أو ابن عبدون) في مدّة سمعتها معه، وقرأت أنا كتاب الصيام عليه في مشهد العتيقة، عن ابن الزبير عن علي بن الحسن.1 ترى أنّه ينقل كتاب الصيام عن المؤلف عن شيخه عن ابن الزبير الذي هو عبارة عن علي بن محمد بن الزبير.
نعم للنجاشي طريق آخر إلى سائر كتب ابن فضال وهو صحيح قال: وأخبرنا محمد بن جعفر في «آخرين» عن أحمد بن محمد بن سعيد عن علي بن الحسن بكتبه. ولكن شيخه في هذا الطريق عبارة عن محمد بن جعفر النحوي التميمي ، لا ابن الحاشر.
والذي يمكن ذبُّ الإشكال به انّ ذكر الطريق إلى هذه الكتب كان لأجل إخراجها عن صورة المراسيل إلى صورة المسانيد، لا لإثبات صحّة انتسابها لمؤلّفيها، فانّ الكتب التي روى عنها الصدوق والشيخ كانت معروفة الانتساب إلى مؤلفيها.
أمّا الصدوق فقال في ديباجة الفقيه: وجميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة عليها المعوّل وإليها المرجع.2
وقال الشيخ في مشيخة التهذيب : الآن نذكر الطرق التي يتوصل بها إلى رواية هذه الأُصول والمصنفات، ونذكرها على غاية ما يمكن من الاختصار لنخرج الأخبار بذلك عن حدّ المراسيل وتلحق بباب المسندات.3 والظاهر انّ مراده نفس ما ذكره الصدوق، وانّ نسبة هذه الكتب إلى أصحابنا كانت ثابتة غير محتاجة إلى تحصيل السند، لكن ذكرها في المشيخة لأجل إخراجها بصورة المسانيد لا لأجل إثبات انتسابها إلى مؤلفيها.

(1) رجال النجاشي: 2/85 برقم 674.
(2) من لا يحضره الفقيه:1/2.
(3) التهذيب:10/ 382.

صفحه 198
والظاهر اختصاص البطلان بصوم رمضان وإن كان الأحوط إلحاق قضائه به أيضاً، بل إلحاق مطلق الواجب بل المندوب أيضاً، وأمّا لو طهرت قبل الفجر في زمان لايسع الغسل ولا التيمّم أو لم تعلم بطهرها في اللّيل حتّى دخل النهار فصومها صحيح واجباً كان أو ندباً على الأقوى.(*)
ــــــــــ

البقاء على حدث النفاس

وأمّا البقاء على حدث النفاس، فيعلم حكمه ممّا مر في الحيض، فانّ النفاس أُخت الحيض تشاركها في أكثر الأحكام من القلّة والكثرة، بل هي حيض محتبس: كما ورد في بعض الروايات، وقد اشتهر في كلامهم: النفساء كالحائض.
وأمّا الكفّارة فإنّما تثبت لو كان دليل عام على وجوبها في كلّ مفسد للصوم، لكن سيوافيك في محلها من احتمال اختصاصها بالأكل والشرب والجماع أو شيئاً أوسع من ذلك، فانتظر.
(*) هنا فرعان:
1. هل حكم ترك البقاء على الجنابة وحدث الحيض والنفاس مختص بصوم رمضان أو يعمه والقضاء والواجب غير المعين والمندوب.
2. لو طهرت الحائض والنفساء قبل الفجر في زمان لا يسع الغسل ولا التيمم أو لم تعلم بطهرها في الليل حتى دخل النهار.
أمّا الفرع الأوّل فمبنيّ على أنّ ترك البقاء على الأحداث الثلاثة مأخوذ في ماهية الصوم وحقيقته، كترك الأكل والشرب والجماع والارتماس، فيكون مبطلاً في عامة الأصناف من غير فرق بين صوم رمضان وقضائه والواجب المعين وغير المعين والمندوب، أو هو شرط لصحّة بعض الأصناف كرمضان فيختص به دون

صفحه 199
غيره إلاّ بدليل.
ومورد الروايات هو صوم رمضان، فقد مرّ انّها بأصنافها الثلاثة واردة في صوم شهر رمضان من غير فرق بين من تعمد على البقاء مستيقظاً، أو نائماً، أو نسي الغسل حتى خرج الشهر، فإثبات الحكم في غير شهر رمضان حتى قضاءه يحتاج إلى دليل خاص.
وإن شئت قلت: إنّ القيد بينما ورد في كلام السائل كروايتي الحلبي والبزنطي، وما ورد في كلام الإمام كخبر المروزي ومرسلة عبد الحميد، فكما يحتمل أن يكون القيد وارداً مورد الغالب لكونه المبتلى به غالباً، يحتمل أن تكون للقيد خصوصية في الحكم. فيكون الشكّ في سعة الحكم وضيقه من باب الشكّ في التكليف، فالمرجع هو البراءة.
ومع ذلك، فالظاهر من أدلة القضاء هو وحدة حكم القضاء مع المقضيّ حتى في الجهر والمخافتة، وعلى ذلك يبطل الصوم في قضاء شهر رمضان بالبقاء عمداً.
فإن قلت: لو صحّ ذلك في غير هذا المقام لما صحّ في المقام، لاختلاف حكم القضاء مع الأداء في المقام لما عرفت من أنّ البقاء من غير عمد، لا يبطل صومَ رمضان بخلاف قضائه، فانّه يبطله وقد ورد في رواية سماعة: «فليأكل يومه ذلك وليقض فانّه لا يشبه رمضان شيء من الشهور».1
قلت: إنّه على خلاف المدّعى أدل، حيث يدل على التشديد في القضاء دون الشهر نفسه، فإذا كان التشديد ثابتاً في شهر رمضان نفسه يكون ثابتاً في قضائه بطريق أولى.

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 19 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 3.

صفحه 200
المسألة 49: يشترط في صحّة صوم المستحاضة على الأحوط الأغسال النهاريّة التي للصلاة، دون ما لايكون لها، فلو استحاضت قبل الإتيان بصلاة الصبح أو الظهرين بما يوجب الغسل كالمتوسّطة أو الكثيرة فتركت الغسل بطل صومها، وأمّا لو استحاضت بعد الإتيان بصلاة الفجر أو بعد الإتيان بالظهرين فتركت الغسل إلى الغروب لم يبطل صومها، ولايشترط فيها الإتيان بأغسال الليلة المستقبلة وإن كان أحوط، وكذا لايعتبر فيها الإتيان بغسل الليلة الماضية بمعنى أنّها لو تركت الغسل الّذي للعشائين لم يبطل صومها لأجل ذلك، نعم يجب عليها الغسل حينئذ لصلاة الفجر، فلو تركته بطل صومها من هذه الجهة. (*)
ــــــــــ
الفرع الثاني: «إذا طهرت قبل الفجر في زمان لا يسع للغسل ولا للتيمم أو لم تعلم بطهرها في الليل حتى دخل النهار، فصومها صحيح واجباً كان أو ندباً على الأقوى.
وذلك لاختصاص النص1 بما إذا توانت في الاغتسال، وهو غير صادق على المقام.
(*) قد ذكر في هذه المسألة فروع ثلاثة، لكن أساسها أمر واحد، وهو انّ صحة صوم المستحاضة رهن الأغسال النهارية التي تأتي بها للصلاة دون ما لا يكون لها. فيترتب على هذا:
أوّلاً: أنّه إن استحاضت بعد صلاة الفجر وتركت الغُسل أو بعد صلاة الظهرين فتركت الغُسل فلا تبطل صومها لعدم وجوب الغسل بعد أداء الصلاة.
 

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 21 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.

صفحه 201
وثانياً: لو تركت أغسال الليلية المستقبلة، لا يبطل صومها، إذ الميزان هو ترك الأغسال النهارية التي لابدّ منها للصلاة.
وثالثاً: لو تركت أغسال الليلة الماضية، لا يبطل صوم اليوم الآتي إذا اغتسلت لصلاة الفجر إذا كان الميزان الإتيان بالأغسال النهارية.
ولكن الظاهر من ابن أبي عقيل والشيخ في النهاية والمبسوط عدم الفرق بين الأغسال النهارية أو الليلية، قال العلاّمة في المختلف:
قال الشيخ في النهاية : المستحاضة إذا صامت ولم تفعل ما تفعله المستحاضة كان عليها قضاء الصوم. وكذا قال ابن إدريس.
وفي المبسوط: المستحاضة إذا فعلت من الأغسال ما يلزمها من تجديد القطن والخرقة وتجديد الوضوء صامت وصحّ صومها إلاّ الأيام التي يُحكم لها بالحيض فيها و متى لم تفعل ما تفعله المستحاضة وجب عليها قضاء الصلاة والصوم.
واعترض العلاّمة بأنّه لا دليل على الوضوء وتجديد القطنة والخرقة .1
استدل بصحيح على بن مهزيار: كتبتُ إليه (عليه السلام): امرأة طهرت من حيضها أو من دم نفاسها في أوّل يوم من شهر رمضان، ثم استحاضت، فصلّت وصامت شهر رمضان كلّه من غير أن تعمل ما تعمل المستحاضة من الغسل لكلّ صلاتين هل يجوز صومها وصلاتها أم لا ؟ فكتب (عليه السلام): «تقضي صومها ولا تقضي صلاتها، لأنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)كان يأمر فاطمة والمؤمنات من نسائه بذلك».2
وأمّا وجه تخصيص الأغسال بالنهارية فقد أوضحه السيد الحكيم (قدس سره)بقوله:

(1) المختلف: 3/485.
(2) الفقيه: 2/94، الحديث 419; عنه الوسائل: الجزء 7، الباب 18 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1. وقد خلت نسخة الوسائل من لفظة «فاطمة و ».

صفحه 202
إنّ المقطوع به إرادة ترك الغسل للصلاة أصلاً حتى للفجر. وحينئذ فبطلان الصوم عند ترك الجميع لا يدل على اعتبار كلّواحد منها فيه، وإنّما يدلّ على اعتبارها في الجملة، كلاً أو بعضاً، ولما كان لا يحتمل اعتبار غسل العشاءَين فقط، بل التردد إنّما هو في اعتبار غسل النهار فقط، أو مع غسل الليل، يكون غسل الليل مشكوك الشرطية ويكون المرجع فيه أصل البراءة على التحقيق من جريانه مع الشك في الشرطية كالجزئية.1
أقول: ما ذكره إنّما يتم مع قطع النظر عمّا هو المغروس في ذهن السائل، إذ المتبادر من قوله:«من غير أن تعمل ما تعمله المستحاضة»، انّ الموضوع هو تارك وظائف المستحاضة من الوضوء لكلّ صلاة في القليلة و مع الغسل لصلاة الفجر للمتوسطة، أو مع الغسلين لكلّ صلاتين للكثيرة، فلو ذكر قوله: «من الغسل لكلّ صلاتين» فإنّما ذكره من باب المثال.
كما أنّ المغروس في ذهنه إنّ حدث الاستحاضة كحدث الحيض والنفاس مانع عن صحّة الصوم، ولا يرتفع إلاّ بالوظائف الخاصة، فكلّ عمل من أعمالها، له قسط في رفع الحدث الملازم لصحّة الصلاة والصوم.
وفي هذه الظروف، أجاب الإمام: «تقضي صومها ولا تقضي صلاته» فيكون المتبادر انّ ترك كلّوظيفة يرجع إلى رفع الحدث، فهو موجب للقضاء، فلا فرق بين الأغسال النهارية والليليّة ومن غير فرق بينها و بين الوضوء، نعم لا دليل على لزوم تغيير الخرقة والقطنة، لعدم تأثيره في رفع الحدث، وإنّما يؤثر في رفع الخبث.
ومع ذلك يمكن إبداء الفرق بين الغسل للّيلة الماضية واللّية الآتية حيث يُبطل ترك الأوّل دون الثاني لأنّ ترك الأوّل، موجب لإدراك الفجر وهي محدثة بالاستحاضة دون ترك الثاني، لأنّ تأثيره في صحّة صوم اليوم الماضي وإن كان

(1) المستمسك:8/286.

صفحه 203
بمكان من الإمكان، لكنّه بعيد عن الأذهان لا يصار إليه إلاّ بالنص.
وقد أورد على الحديث بوجوه:
1. كونها مضمرة.
2. اشتمالها على عدم قضاء الصلاة وهو خلاف ما أجمعوا عليه.
3. اشتمالها الأمر بفاطمة مع أنّ الأخبار تضافرت على أنّها ما كانت ترى حمرة.
4. اختصاصها بالكثيرة فلا تدل على أنّ المتوسطة مثلها، فلو وجب عليها غسل واحد كالمتوسطة لصلاة الفجر فلا دليل على بطلان صومها.
ولأجل الوجوه الثلاثة الأُول قال الماتن ـ على الأحوط ـ و لأجل الوجه الرابع ذهب ابن سعيد1 وبعض من تأخر عنه باختصاص الحكم بالكثيرة. قال:«وترك المستحاضة ذات الدم الكثيرة الأغسال وصامت».
والظاهر عدم تمامية الوجوه لرد الصحيحة.
أمّا الأوّل فهو غير مخل، إذ ما أكثر الإضمار في روايات زرارة ومحمد بن مسلم وسماعة، وقد عمل بها الأصحاب، للقطع بأنّهم لا يرجعون ولا يصدرون إلاّ عن أحاديث أئمّة أهل البيت.
أمّا الثاني، أي الاشتمال على عدم قضاء الصلاة عليها فهو حكم شاذ يُردُّ عليهم.
وأمّا الثالث، فلا دليل على كون المراد من فاطمة هو بنت المصطفى (عليه السلام)، وما أكثر الفواطم في عصر الرسول، وقد حمل الإمام أمير المؤمنين الفواطم من مكة المكرمة إلى دار الهجرة، منهم فاطمة بنت النبي، وفاطمة بنت أسد، وفاطمة بنت الزبير.

(1) الجامع للشرائع:157.

صفحه 204
وكذا لايعتبر فيها ما عدا الغسل من الأعمال، وإن كان الأحوط اعتبار جميع ما يجب عليها من الأغسال والوضوءات وتغيير الخرقة والقطنة، ولايجب تقديم غسل المتوسّطة والكثيرة على الفجر وإن كان هو الأحوط.(*)
المسألة 50: الأقوى بطلان صوم شهر رمضان بنسيان غسل الجنابة ليلاً قبل الفجر حتّى مضى عليه يوم أو أيّام، والأحوط إلحاق غير شهر رمضان من النذر المعيّن ونحوه به، وإن كان الأقوى عدمه، كما أنّ الأقوى عدم إلحاق غسل الحيض والنفاس لو نسيتهما بالجنابة في ذلك، وإن كان أحوط.(**)
ـــــــــــ
وأمّا اختصاصها بالكثرة فإنّما ورد في كلام الراوي دون الإمام، والمفهوم ترك ما يجب للصلاة وإن كان غسلاً واحداً كما في المتوسطة أو المفهوم مانعية الحدث الأكثر للصوم، وهو مشترك بين الصنفين في الاستحاضة.
وربما يورد إشكال خامس: وهو انّ الموضوع للبطلان ترك الغسل في جميع الشهر، فلو ترك في بعضه، لم يكن عليها قضاء، وهو غير تام بعد كون كلّ يوم موضوعاً مستقلاً للوجوب.
(*) قد اتضح المختار ممّا ذكرنا .نعم لا يجب تقديم الغسل وإن كان أحوط، وذلك لأنّ الغسل لأجل الصلاة، فإيجاب الإتيان به قبل دخول وقتها يحتاج إلى دليل، وتأخيره لا يوجب دخولها في الفجر مع الحدث إذا اغتسلت للعشائين أو كانت طاهرة.
(**) قال الشيخ في الخلاف:«من أصبح جنباً في شهر رمضان ناسياً تمّم صومه ولا شيء عليه، وإن أصبح كذلك متعمداً من غير عذر بطل صومه وعليه قضاؤه

صفحه 205
وعليه الكفّارة.1
ذهب ابن الجنيد،2 والصدوق في الفقيه،3 و الشيخ في النهاية،4 والمبسوط،5 إلى لزوم قضاء الصلاة والصوم. وقال ابن إدريس بوجوب قضاء الصلاة، دون الصوم.6 والأوّل خيرة العلاّمة في المختلف.
واستدل بوجهين:
الأوّل:أنّه أخل بشرط الصوم وهو الطهارة من الجنابة في ابتداء النهار مع علمه بالحدث، والنسيان عذر في سقوط الإثم والكفارة لا القضاء.
يلاحظ عليه: أنّه لو ثبت إطلاق شرطية الطهارة في الجنابة أو مانعيتها لحالتي العمد والنسيان كفى في الصحّة، حديث الرفع من رفع النسيان، والمراد رفع المنسي، وهو الشرطية أو المانعية، وما ربّما يقال من أنّه لو ثبت عموم لقادحية الجنابة مطلقاً فلا يصلح الحديث لتصحيح الناقص بنحو لا يحتاج إلى الإعادة والقضاء إذ غاية ما يقتضي هو رفع التكليف بالتمام لا ثبوت التكليف بالناقص حال النسيان ليصح.7 مدفوع بأنّ الصوم حقيقة عرفية أمضاها الشارع ضمن شروط وقيود، وهو يصدق على من اجتنب عمّا لا ينسجم معه في نظر العرف العام. غير انّ الشارع اعتبر الطهارة من الحدث الأكبر شرطاً للصحة ومقتضى الإطلاق كونه مانعاً من الصحّة في الذكر والنسيان، غير انّ حديث الرفع، دل على سقوط

(1) الخلاف:2/174، كتاب الصوم، المسألة 13.
(2) مختلف الشيعة:3/483.
(3) الفقيه:2/119، الحديث 1896.
(4) النهاية ونكتها:1/46.
(5) المبسوط:1/288.
(6) السرائر: 1/407.
(7) المستمسك:8/289.

صفحه 206
الشرطية في حال النسيان، فيكفي في الصحّة، انطباق العموم.
الثاني: بالروايات وهي كالتالية:
1. صحيح إبراهيم بن ميمون قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن الرجل يجنب بالليل في شهر رمضان ثمّ يَنسى أن يغتسل حتى يَمضي لذلك جمعة أو يخرج شهر رمضان؟ قال: «عليه قضاء الصلاة والصوم».1
2. صحيح الحلبي قال: سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام)عن رجل أجنب في شهر رمضان، فنسي أن يغتسل حتى خرج شهر رمضان؟ قال: «عليه أن يقضي الصلاة و الصيام».2
3. مرسلة الصدوق مثلهما إلاّ أنّه قال: «إلاّأن يكون قد اغتسل للجمعة، فانّه يقضي صلاته وصيامه إلى ذلك اليوم، ولا يقضي ما بعد ذلك».3
والموضوع للقضاء هو نسيان الجنابة، لا النوم عنها فلا مساس لما دل4 من الصحّة عند النوم بالمقام والنسبة بينهما وإن كان عموماً من وجه، إذ ربما يكون نوم بلا نسيان، وأُخرى نسيان بلا نوم، وربما ينسى ثمّ ينام، لكن المرجع هو روايات المقام فانّ عدم اقتضاء النوم القضاء، لا يكون دليلاً على نفي اقتضاء النسيان له.
ثمّ إنّه يقع الكلام في موارد:

إلحاق قضاء رمضان بالأداء

1. لو نسي الجنابة في صوم قضاء رمضان، فهل يبطل الصوم أو لا؟ وجهان:

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 30 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1 و 3 و 2.
(2) الوسائل: الجزء 7، الباب 30 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1 و 3 و 2.
(3) الوسائل: الجزء 7، الباب 30 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1 و 3 و 2.
(4) الوسائل: الجزء 7، الباب 15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم.

صفحه 207
المسألة 51: إذا كان المجنب ممّن لايتمكّن من الغسل لفقد الماء أو لغيره من أسباب التيمّم وجب عليه التيمّم فإن تركه بطل صومه، وكذا لو كان متمكّناً من الغسل وتركه حتّى ضاق الوقت. (*)
ــــــــــــ
أ. انّ المغروس في الأذهان اتحاد حكم القضاء والمقضي.
ب. انّ الشكّ في المقام يرجع إلى الشكّ في الشرطية وهو مورد للبراءة. والاستدلال على الشرطية بما ورد في باب أنّ من أصبح جنباً لم يجز له أن يصوم ذلك اليوم قضاء عن شهر رمضان، 1 غير تام، لأنّه وارد في العامد، وأين هي من الناسي؟
2. إذا نسي الجنابة في صوم الواجب المعين أو غيره، فهل يلحق بصوم شهر رمضان؟ فبما انّه لا دليل على الإلحاق، يُرجع إلى البراءة.
3. إذا نسي غسل الحيض والنفاس والاستحاضة فيقال: المرجع هو البراءة، لأنّه من قبل الشك في الشرطية ويمكن أن يقال: حدث الحيض والنفاس أقوى من حدث الجنابة كما مر، لأنّها تجامع الصوم دون الأوّلين، فإذا كان نسيان الجنابة موجباً للبطلان، فليكن الأوّلين كذلك، لأنّ الحدث فيها أقوى.
(*) في المسألة فرعان:
1. إذا كان معذوراً في استعمال الماء لأجل المرض، أو كان فاقداً للماء ويعلم بعدم تمكنه منه إلى دخول الفجر، فهل يجوز له إجناب نفسه، والتيمّم مكان الغسل؟

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 19 من أبواب ما يمسك عنه الصائم.

صفحه 208
2. لو أجنب نفسه وكان متمكناً من استعمال الماء لكن أخّر الاغتسال على نحو لا يبقى الوقت إلاّللتيمم.
أقول: قد أشرنا إلى هذا الفرع عند كلام الماتن في مقدمة المفطِّر الثامن، أعني قوله: «وأمّا لو وسع للتيمم خاصة فتيمم صحّ صومه» وقلنا: إنّ كلامه راجع إلى من يتمكن من استعمال الماء، لكنّه أجنب نفسه في زمان لا يسع لاستعمال الماء وإنّما يسع للتيمم فقط، ولكن هنا صورة أُخرى وهي ما إذا كان الوقت وسيعاً لكن لم يكن متمكناً من استعمال الماء، إمّا لعدمه، أو لكون استعماله مضراً، فهل يجوز إجناب نفسه والتيمّم لدرك الفجر متطهراً بالطهارة الترابية أو لا؟ وقدعنونه البحراني في حدائقه وذكر لكلّ قول وجهاً.1
أقول: قد ذكرنا هناك انّ قوله سبحانه: (فَلَمْ تَجِدُوا ماءً)2 مختص بالعجز الاضطراري ولا يعمُّ التعجيز الاختياري، فما في الحدائق من الاستدلال بعموم قوله: (فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا) غير تام، لكن في الروايات الواردة في الطهارة الترابية غنى وكفاية، وذلك لأنّ المتبادر ممّا ورد في التيمم انّه بمنزلة الغسل فيترتب على فعله وتركه، ما يترتب على فعل الغسل وتركه. فكما انّه لو اغتسل صحّ صومه فهكذا إذا تيمم صحّ صومه وإطلاق أدلته يعم العجز الاضطراري و التعجيز الاختياري.
وتصور انّ تصحيح الصوم إنّما يتمّ لو كان المانع هو حدث الجنابة، لا نفسها وإلاّلبطل لأجل انّها لا ترتفع بالتيمم وإلاّلما وجب الاغتسال بعد التمكن وإنّما يرتفع بها أثرها. غير تام، لأنّه مبنيّ على أنّ هنا أُموراً ثلاثة:

(1) الحدائق: 13/124.
(2) النساء:47.

صفحه 209
1. الأمر التكويني، أعني: التقاء الختانين، أو خروج المني من الإنسان.
2. عنوان الجنابة الاعتبارية الشرعية.
3. أثرها المانع عن صحة الصلاة والصوم.
بل هنا أمران: الأوّل والثالث، وأمّا الثاني فهو عنوان مشير إلى الأوّل لا شيء ثالث، ومن المعلوم انّ الأمر التكويني غير قابل للرفع. وإنّما القابل له أثره الاعتباري، أعني: كونها مانعة عن صحّة الصلاة والصوم فكما يرتفع المنع بالغسل، فهكذا يرتفع بالتيمم، غاية الأمر انّ الرفع بالغسل قطعي وجَذْري، وبالتيمم، محدد ومؤقت، فإذا انتهى الأمد بالتمكن من استعمال الماء عاد المنع الاعتباري الشرعي.
وعلى ذلك فالواجب على من أجنب وهو معذور من استعمال الماء هو التيمم، فلو ترك بطل صومه. ومثله من كان متمكناً من الوقت وترك حتى ضاق الوقت وانحصرت الحيلة بالتيمم، لكنّه تركه أيضاً، بطل صومه.
وأمّا ما ورد في صحيحة محمد بن مسلم: فإن انتظر ماء يسخن أو يستقي، فطلع الفجر فلا يقضي صومه.1 أو رواية إسماعيل بن عيسى:«أنّه سأل الرضا عن رجل أصابته جنابة في شهر رمضان ـ إلى أن قال: ـ قلت: رجل أصابته جنابة في آخر الليل فقام ليغتسل ولم يُصِب ماء، فذهب ليطلبه أو بعث من يأتيه بالماءفعسر عليه حتى أصبح، كيف يصنع؟ قال: «يغتسل إذا جاءه ثمّ يصلّي».2
فعدم الأمر بالتيمم، لأجل انّ الراوي زعم سعة الوقت فانتظر تسخّن الماء أو تحصيله بالاستقاء فطلع الفجر بغتة.

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 14 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1و2.
(2) الوسائل: الجزء 7، الباب 14 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1و2.

صفحه 210
المسألة 52: لا يجب على من تيمّم بدلاً عن الغسل أن يبقى مستيقظاً حتّى يطلع الفجر، فيجوز له النوم بعد التيمّم قبل الفجر على الأقوى، وإن كان الأحوط البقاء مستيقظاً لاحتمال بطلان تيمّمه بالنوم كما على القول بأنّ التيمّم بدلاً عن الغسل يبطل بالحدث الأصغر.(*)
ــــــــــــ
(*) ذهب صاحب المدارك إلى عدم وجوبه قائلاً: إنّ انتقاض التيمم بالنوم لا يحصل إلاّ بعد تحقّقه، وبعده يسقط التكليف لاستحالة تكليف الغافل.1
يلاحظ عليه: بأنّ النوم مانع من التكليف لا الوضع، ويظهر أثره في وجوب التيمم ثانياً بعد النوم. إذا أراد إقامة الصلاة.
والظاهر انّ المسألة مبنية على أمر آخر، وهو عدم بطلان التيمم الذي هو بدل عن الغسل من جنابة أو غيرها بالحدث الأصغر، فمادام عذره باقياً، فالتيمم بمنزلته وإن بال ونام، غاية الأمر إذا كان عنده ماء يتوضّأ وإلاّ يتيمّم بدلاً عن الوضوء، لا عن الغسل لبقاء التيمم الأوّل.
وعلى ذلك، فلا يجب البقاء مستيقظاً، حتى يطلع الفجر لما عرفت من عدم بطلان التيمم الذي هو بدل الغسل بالحدث الأصغر، فهو من جانب الحدث الأكبر متطهر مادام العذر باقياً، ولو صدر منه الحدث الأصغر، فله حكمه فإن وجد ماء يتوضأ وإلاّ يتيمّم.
وأمّا على القول الآخر، أعني: انتقاض التيمم بالحدث الأصغر ففيه تفصيل:
1. لو كان عنده ماء يتيمم أوّلاً بدلاً عن الغسل، ثمّ يتوضّأ.
2. إن لم يكن عنده ماء فإن كان الموجب، هو الجنابة يكفيه تيمّم واحد، وإلاّ وجب عليه تيمّمان.2

(1) مدارك الأحكام: 6/58.
(2) لاحظ العروة، فصل أحكام التيمم، المسألة 24.

صفحه 211
المسألة 53: لايجب على من أجنب في النهار بالاحتلام أو نحوه من الأعذار أن يبادر إلى الغسل فوراً، وإن كان هو الأحوط.(*)
المسألة54: لو تيقّظ بعد الفجر من نومه فرأى نفسه محتلماً لم يبطل صومه، سواء علم سبقه على الفجر أو علم تأخّره أو بقي على الشكّ، لأنّه لو كان سابقاً كان من البقاء على الجنابة غير متعمّد، ولو كان بعد الفجر كان من الاحتلام في النهار، نعم إذا علم سبقه على الفجر لم يصحّ منه صوم قضاء رمضان مع كونه موسّعاً، وأمّا مع ضيق وقته فالأحوط الإتيان به وبعوضه.(**)
ــــــــــــ
(*) قد تضافرت الروايات على أنّ الاحتلام نهاراً لا ينقض الصوم، وأمّا المبادرة إلى الاغتسال، فيدل على عدمها صحيح العيص بن القاسم أنّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن الرجل ينام في شهر رمضان فيحتلم ثمّ يستيقظ ثمّ ينام قبل أن يغتسل؟ قال: «لا بأس».1
وما في مرسل إبراهيم بن عبد الحميد من قوله: «فلا ينام حتى يغتسل»2 محمول على الكراهة.
(**) قد عرفت أنّ البقاء على الجنابة عمداً مبطل مطلقاً أداءً وقضاء. وأمّا البقاء عليها من غير عمد فهو غير مبطل لصوم رمضان، مبطل لقضائه ومرت رواياته: إنّما الكلام فيما إذا كان الوقت للقضاء مضيقاً، فهل يبطل أيضاً أو لا. ربما يقال باختصاص الحكم بالموسّع لما في صحيح ابن سنان:«لا تصم هذا اليوم وصم غداً».3

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 35 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 3 و 5.
(2) الوسائل: الجزء 7، الباب 35 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 3 و 5.
(3) الوسائل: الجزء 7، الباب 19 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 2.

صفحه 212
المسألة 55: من كان جنباً في شهر رمضان في اللّيل لايجوز له أن ينام قبل الاغتسال إذا علم أنّه لايستيقظ قبل الفجر للاغتسال، ولو نام واستمرّ إلى الفجر لحقه حكم البقاء متعمّداً فيجب عليه القضاء والكفّارة، وأمّا إن احتمل الاستيقاظ جاز له النوم وإن كان من النوم الثاني أو الثالث أو الأزيد، فلايكون نومه حراماً، وإن كان الأحوط ترك النوم الثاني فمازاد، وإن اتّفق استمراره إلى الفجر، غاية الأمر وجوب القضاء أو مع الكفّارة في بعض الصور كما سيتبيّن.(*)
ــــــــــــــ
ويمكن أن يقال: انّ القيد وارد في مورد الغالب، أعني: سعة الوقت، والمراد اليوم الآخر وإن كان بعد شهر رمضان بشهادة روايته الأُخرى ولا يصوم ذلك اليوم ويصوم غيره.1 مضافاً إلى عموم التعليل الوارد في موثقة «سماعة» حيث قال: «فانّه لا يشبه رمضان شيء من الشهور»2الدال على أنّ عدم إخلال البقاء على الجنابة نسياناً من خصائص رمضان فقط. فيبطل في غيره مطلقاً موسعاً كان الوقت أو مضيقاً.
(*) يقع الكلام تارة فيما يعلم أنّه لا يستيقظ، وأُخرى فيمن يحتمله.
أمّا الأوّل فهو من مصاديق البقاء على الجنابة الذي مرّ انّه موجب للقضاء والكفارة، وقد مرّ انّ مورد بعضها هو النوم متعمّداً كما هو كذلك في رواية الحلبي3 وغيره.
وأمّا الثاني فالكلام في حكمه الوضعي يأتي في المسألة الآتية إنّما الكلام في حكمه التكليفي، وهو جواز نومه وعدمه، فلو كان مطمئناً للاستيقاظ فالظاهر

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 19 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1، 3.
(2) الوسائل: الجزء 7، الباب 19 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1، 3.
(3) الوسائل: الجزء 7، الباب 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.

صفحه 213
جوازه، لأنّه علم عرفي. إنّما الكلام فيما إذا كان محتملاً فقط، فهل يجوز له النوم أو لا؟ قولان:
1. الحرمة. اختاره الشهيد الثاني في المسالك حتى فيما إذا اعتاد الانتباه قال: قد تقدم انّ النومة الأُولى إنّما تصح مع العزم على الغسل وإمكان الانتباه أو اعتياده، فإذا نام بالشرط ثمّ انتبه ليلاً حرم عليه النوم ثانياً، وإن عزم على الغسل واعتاد الانتباه. لكن لو خالف وأثم، فأصبح نائماً وجب عليه القضاء خاصة.1
والقول بالقضاء مع الاعتياد والاطمئنان بعيد جداً إنّما الكلام إذا لم يطمئن، فاستدلّ على الحرمة بوجوه:
1. صحيح معاوية بن عمار، قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام)...قلت: فانّه استيقظ ثمّ نام حتى أصبح؟ قال: «فليقض ذلك اليوم عقوبة».2
يلاحظ عليه: أنّ العقوبة الأُخروية دليل الحرمة، لا العقوبة الدنيوية مثل إيجاب سجدتي السهو فانّهما عقوبة لما تركه من الواجب، وليس دليلاً على الحرمة. وقد ورد في ناسي النجاسة: يعيد صلاته3 كي يهتمّ بالصلاة.
2. واستدل في الجواهر بخبر إبراهيم بن عبد الحميد ... وإن أجنب ليلاً في شهر رمضان فلا ينام إلاّ ساعة حتى يغتسل.4 ولكنّه مرسل لا يُحتج به.
3. النوم المحتمل فيه عدم الاستيقاظ محكوم بالاستمرار إلى الفجر بمقتضى الاستصحاب 5 فهذا نوم مستمر إلى الصباح عمداً، قد صدر باختياره فهو عامد

(1) المسالك: 2/18.
(2) الوسائل: الجزء 7، الباب 15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث1.
(3) الوسائل: الجزء 2، الباب 42 من أبواب النجاسات، الحديث 5.
(4) الوسائل: الجزء 7، الباب 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 4.
(5) والاستصحاب بهذا المعنى لم نعثر عليه إلاّ في كلام السيد الخوئي لاحظ المستند:207.

صفحه 214
المسألة 56: نوم الجنب في شهر رمضان في اللّيل مع احتمال الاستيقاظ أو العلم به إذا اتّفق استمراره إلى طلوع الفجر على أقسام:فإنّه إمّا أن يكون مع العزم على ترك الغسل، وإمّا أن يكون مع التردّد في الغسل وعدمه، وإمّا أن يكون مع الذهول والغفلة عن الغسل، وإمّا أن يكون مع البناء على الاغتسال حين الاستيقاظ مع اتّفاق الاستمرار ، فإن كان مع العزم على ترك الغسل أو مع التردّد فيه لحقه حكم تعمّد البقاء جنباً، بل الأحوط ذلك إن كان مع الغفلة والذهول أيضاً وإن كان الأقوى لحوقه بالقسم الأخير.(*)
ــــــــــــ
إليه فيندرج تحت النصوص المتضمنة: انّ من تعمد النوم إلى الفجر وهو جنب قد أبطل صومه وعليه القضاء والكفّارة.1
يلاحظ عليه: أنّ الاستصحاب عبارة عن جرّ الحالة السابقة إلى الحالة الفعلية، وأمّا جرّها من الحالة الفعلية إلى الحالة المستقبلة، فليس منه عين ولا أثر في روايات الاستصحاب ولا السيرة العقلائية ولا في كلمات العلماء.
فلو صحّ ما ذكره لحرمت الصلاة والصوم فيما إذا رأت المرأة الدم محتملة انقطاعها قبل الثلاثة ، لكون الدم محكوم بالاستمرار إلى الثلاثة وبعدها كما أنّه تجب عليها العبادة فيما إذا تجاوز الدم عن أيّام العادة حيث يُستصحب استمرار الدم إلى العشر وبعده إلى غير ذلك من الأُمور التي لا يلتزم بها الفقيه.
والقول الثاني: الجواز وهو الأقوى أخذاً بالأصل وعدم التصريح بالحرمة في الروايات مع أنّ المورد يكثر به الابتلاء.
(*) إذا أجنب في ليالي شهر رمضان، فأراد النوم واستمرّ نومه إلى ما بعد الفجر،

(1) لاحظ الباب 16من أبواب ما يمسك عنه الصائم.

صفحه 215
هل يجب عليه القضاء والكفّارة، أو فيه تفصيل حسب الصور الأربع المذكورة في كلام الماتن.
فإذا كان عازماً على ترك الغسل أو كان متردّداً في الغسل وعدمه فهو من مصاديق البقاء على الجنابة عمداً.
أمّا الأوّل فواضح، ولا يشترط في البقاء كونه مستيقظاً، بل يصدق إذا كان نائماً ولا يعدّمثل هذا النوم عذراً (إذا نام مع العزم على ترك الغسل). وقد ورد في بعض الروايات قوله: «نام متعمداً في شهر رمضان».1
ومثله الثاني، لأنّ التردد في الغسل وعدمه يلازم عدم كونه ناوياً للصوم، وهذا يكفي في البطلان والقضاء، بل وتتعلّق به الكفارة لصدق العمد، إذ لا يشترط في صدقه القصد إلى الترك، بل يكفي التواني والتساهل والتسويف.
إنّما الكلام في الصورة الثالثة: أعني: إذا كان ذاهلاً عن الغسل ربما يقال بوجوب القضاء دون الكفارة. أمّا الثانية فواضحة لعدم كونه عامداً; وأمّا الأوّل، لأنّ الذهول لا ينفكان عن النسيان، لأنّه علم بالجنابة حينما جامع أو حينما انتبه من نومة الاحتلام ثمّ طرأ عليه الذهول والغفلة فهو مسبوق بالعلم ولا نعني بالنسيان إلاّهذا فتشمله النصوص المتقدمة في الناسي المتضمنة وجوب القضاء على من نسي الجنابة حتى مضى عليه يوم أو أيّام.2
يلاحظ عليه: بالفرق بينه و بين الناسي إذ يتوسط في النسيان بين العلم بالموضوع والذهول، ذكر الموضوع ثمّ طروء الغفلة عليه، بخلاف المقام، فانّه ليس وراء العلم إلاّالغفلة، اللّهمّ إلاّ أن يقال بإلغاء الخصوصية أو عدم توجه العرف إلى هذا الفرق.

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.
(2) مستند العروة، كتاب الصوم:210.

صفحه 216
وإن كان مع البناء على الاغتسال أو مع الذهول على ما قوَّينا، فإن كان في النومة الأُولى بعد العلم بالجنابة فلا شيء عليه، وصحّ صومه، وإن كان في النومة الثانية ـ بأن نام بعد العلم بالجنابة، ثمّ انتبه ونام ثانياً ـ مع احتمال الانتباه فاتّفق الاستمرار وجب عليه القضاء فقط دون الكفّارة على الأقوى.(*)
ــــــــــــــ
وأمّا الصورة الرابعة، أعني : إذا كان ناوياً للغسل، ففيها تفصيل: فتارة لا يجب عليه شيء، وأُخرى يجب عليه القضاء دون الكفارة، وثالثة يجب كلاهما، وهذا ما يأتي في كلام المصنف تالياً.
(*) الكلام مركز على الصورة الرابعة، أعني: ما إذا نام ناوياً للغسل بعد العلم بالجنابة واستمرّ إلى ما بعد الفجر فلا قضاء ولا كفارة في النومة الأُولى، والقضاء في النومة الثانية. وأمّا الثالثة فسيوافيك بيان حكمها بعد شرح قول الماتن.

حكم النومة الأُولى

قال الشيخ في الخلاف:إذا أجنب في أوّل الليل ونام عازماً على أن يقوم في الليل ويغتسل فبقي نائماً إلى طلوع الفجر لم يلزمه شيء بلا خلاف. وإن انتبه دفعة ثمّ نام وبقي إلى طلوع الفجر كان عليه القضاء بلا كفارة.1
وتدل عليه صحيحة معاوية بن عمار قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الرجل يُجنب من أوّل الليل ثمّ ينام حتى يُصبح في شهر رمضان؟ قال: «ليس عليه

(1) الخلاف: 2/222، كتاب الصوم، المسألة 88.

صفحه 217
شيء». قلت: فانّه استيقظ ثمّ نام حتى أصبح؟ قال: «فليقض ذلك اليوم عقوبة».1
والصحيحة صريحة في المقصود، فلا ينافيه ما دلّ بظاهره على وجوب القضاء في النومة الأُولى، أعني: صحيحة محمد بن مسلم وموثقة سماعة التاليتين:
1. قال: سألته عن الرجل تصيبه الجنابة في شهر رمضان ثمّ ينام قبل أن يغتسل؟ قال: «يتم صومه ويقضي ذلك اليوم».2
2. سألته عن رجل أصابته جنابة في جوف الليل في رمضان، فنام و قد علم بها ولم يستيقظ حتى يدركه الفجر؟ فقال: «عليه أن يتم صومه ويقضي يوماً آخر».3
وذلك لإمكان رفع المعارضة بوجوه:
أ. حملها على النومة الثانية بأن يقال: انّ المراد من قوله: «ولم يستيقظ حتى أدركه الفجر»، انّه لم يستيقظ في الوقت الذي يمكن فيه الغسل لا انّه لم يستيقظ أصلاً حتى أدركه الفجر.
ب. حمله على ما إذا لم يكن ناوياً للغسل وإن كان ضعيفاً جداً.
ج. ردّعلمها إليهم لإعراض المشهور عن مفاده.
إلى هنا تمّ رفع المعارضة بين الصحيحة ، والروايتين الأُخريين . بقي الكلام في رواية ابن أبي يعفور فقد نقله الفقيه بصورة، والشيخ بصورة أُخرى. وعلى ما ذكره الصدوق يدل ذيل الصحيحة على أنّه لا شيء في النومة الأُولى بعد النوم الذي احتلم فيه والهدف من دراسته استفادة حكم النوم الأوّل من ذيلها. وإليك ما نقله الصدوق في الفقيه.

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1و3و5.
(2) الوسائل: الجزء 7، الباب 15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1و3و5.
(3) الوسائل: الجزء 7، الباب 15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1و3و5.

صفحه 218

رواية ابن أبي يعفور في الفقيه

قلت لأبي عبد اللّه : الرجل يُجنب في شهر رمضان ثمّ يستيقظ، ثمّ ينام ثمّ يستيقظ، ثمّ ينام حتى يصبح.
قال: «يتمّ صومه ويقضي يوماً آخر، وإن لم يستيقظ حتى يُصبح أتمّ صومه وجاز له».
والحديث صريح في أنّ الجنابة كانت بالاحتلام، خلافاً لصحيحة معاوية بن عمّار، فانّها كانت فيها بالجماع.
فلو قلنا بعدم احتساب نومة الاحتلام، تنطبق الرواية على صحيحة معاوية ابن عمار بشرط الإمعان في الفقرات الثلاث الواردة في كلام السائل.
1. «الرجل يجنب في شهر رمضان ثمّ يستيقظ».
هذه الفقرة راجعة إلى نومة الاحتلام التي لا تُحسب.
2. ثمّ ينام ثمّ يستيقظ هذا هو النوم الأوّل سواء لحقه النوم الثاني أو لا.
3. ثمّ ينام حتى يُصبح: هذا هو النوم الثاني.
إذا عرفت ذلك، فلندرس جواب الإمام وله شقّان:
أ. «يتم صومه ويقضي يوماً آخر».
والجواب يرجع إلى ما انتهى إليه سؤال السائل والمفروض انّه انتهى إلى النوم الثاني إنّما الكلام في الشقّ الثاني أعني قوله:
ب. «وإن لم يستيقظ حتى يُصبح أتمّ صومه وجاز له».
ففيه احتمالات ثلاثة:

صفحه 219

الاحتمال الأوّل

انّه ورد لإكمال ما ورد في الفقرة الثانية المتعرضة للنوم الأوّل فانّه له حالات ثلاث:
1. أن ينام ويستيقظ، ولا ينام أصلاً إلى الفجر و لم يذكر حكم هذا في الشقين لوضوح حكمه، لأنّه إذا اغتسل صحّ صومه وإلاّفلا.
2. أن ينام ويستيقظ، ثمّ ينام حتى يُصبح وهذا ما ورد جوابه في الشقّ الأوّل من كلام الإمام.
3. أن ينام ولا يستيقظ إلى الصبح فهذا هو الذي جاء حكمه في الشقّ الثاني من كلامه، أعني قوله: «وإن لم يستيقظ حتى يصبح أتم صومه وجاز له» أي إذا نام ولم يستيقظ.

الاحتمال الثاني

إنّه ورد لإكمال الفقرة الأُولى المتكفلة لبيان النوم المقرون بالاحتلام، أعني قوله: «الرجل يُجنب في شهر رمضان ثمّ يستيقظ» ويكون معناه : أي وإن لم يستيقظ عن ذلك النوم لا شيء عليه.
وهذا بعيد جدّاً أوّلاً لاستلزامه رجوع الشرط إلى أبعد الفروض في كلام الراوي وكون الجواب لتوضيح أمر واضح وهو انّ الاحتلام لا يُبطل الصوم وإن استمرّ النوم إلى الصبح.

الاحتمال الثالث

أن يرجع إلى الفقرة الثالثة، أعني قوله: «ثمّ ينام حتى يُصبح» وهذا ممّا لا

صفحه 220
يحتمل أصلاً، لأنّه عندئذ يتحد مفاده مع تلك الفقرة ويكون تعبيراً ثانياً عنه، مع استلزامه التناقض في الحكم، لأنّ الفقرة الثالثة دلّت على وجوب القضاء، وهذا الشق دل على صحّة الصوم بلا قضاء.
وبذلك ظهر مفاد الصحيحة وانّه لا مناص عن تفسيرها بما ذكرناه وينطبق مع مضمون رواية ابن عمار وبالتالي يدل الذيل على أنّه لا شيء في النومة الأُولى.

رواية ابن أبي يعفور في التهذيب

قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الرجل يجنب في شهر رمضان ثمّ يستيقظ، ثمّ ينام حتى يُصبح؟ قال: «يتم صومه ويقضي يوماً آخر وإن لم يستيقظ، حتى يُصبح أتمّ صومه وجاز له».1
وعلى هذا، ليس بعد الاستيقاظ من النوم الذي احتلم فيه، سوى نوم واحد مستمرّ إلى أن يُصبح فقد حكم فيه بالقضاء، مع أنّه حكم عليه حسب رواية الصدوق بعدم القضاء.
والترجيح مع الفقيه لكونه أضبط من الشيخ، لكثرة ما في التهذيب من الخلل في السند والمتن مضافاً إلى أنّه إذا دار الأمر بين الزيادة(من جانب الصدوق) والنقيصة (من جانب الشيخ) فالثانية أولى، لغلبة النقص في الكتابة على الزيادة السهوية.
على أنّه يمكن حملها ـ على فرض عدم ثبوت الزيادة ـ على صورة العمد وهو ليس ببعيد من قوله:«ثمّ ينام حتى يصبح» وبذلك علم أنّ في المقام أحاديث أربعة:
1. صحيحة معاوية بن عمار، وهي الرواية الصريحة التي عمل بها

(1) التهذيب:4/277، الحديث 19 من الباب 16 من أبواب كتاب الصوم.

صفحه 221
الأصحاب.
2و3. صحيحة محمد بن مسلم وموثقة سماعة، وقد علمت أنّهما محمولتان على النومة الثانية بحمل قوله: «ولم يستيقظ حتى يدركه الفجر» على أنّه لم يغتسل في الوقت الذي يمكن فيه الغسل.
4. صحيحة ابن أبي يعفور، فعلى ثبوت الزيادة ينطبق على صحيحة معاوية ابن عمار، وعلى فرض عدمها، يحمل على العامد.
هذا كلّه حول النومة الأُولى.

ما هو المرادمن النومة الأُولى؟

إذا أجنب بالجماع، فالنوم الأوّل هو المتحقّق بعدها، وأمّا إذا احتلم، فهل نومة الجنابة هي الأُولى، أو المتحققة بعد الاستيقاظ منها؟
والظاهر هو الثاني بشهادة ما سبق من رواية الفقيه حيث لم يترتب على النومة المتوسطة بين نومة الجنابة، والنومة المتأخرة أثر إنّما رتّب القضاء على النومة الأخيرة.
ويدل عليه أيضاً صحيحة العيص بن القاسم انّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن الرجل ينام في شهر رمضان فيحتلم ثمّ يستيقظ، ثمّ ينام قبل أن يغتسل، قال: «لا بأس».1 والمراد: «نام قبل أن يغتسل إلى الفجر» وإلاّ فلا مورد للسؤال إذا انتبه قبل الفجر واغتسل.

حكم النومة الثانية

إذا نام بعد العلم بالجنابة ثمّ انتبه ونام ثانياً مع احتمال الانتباه فاتفق

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 13 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 2.

صفحه 222
وإن كان في النومة الثالثة فكذلك على الأقوى، وإن كان الأحوط ما هو المشهور من وجوب الكفّارة أيضاً في هذه الصورة، بل الأحوط وجوبها في النومة الثانية أيضاً، بل وكذا في النومة الأُولى أيضاً إذا لم يكن معتاد الانتباه ولايعدّ النوم الّذي احتلم فيه من النوم الأوّل، بل المعتبر فيه النوم بعد تحقّق الجنابة، فلو استيقظ المحتلم من نومه ثمّ نام كان من النوم الأوّل لا الثاني.(*)
ــــــــــــ
الاستمرار وجب عليه القضاء فقط دون الكفّارة.
قد اتضح حكمها ممّا حررناه في الصورة الأُولى فتدل عليه صحيحة معاوية بن عمار أوّلاً، وصحيحة ابن أبي يعفور ثانياً على ما مرّ، أعني:
1. يتم صومه ويقضي يوماً آخر.
2. وإن لم يستيقظ حتى يصبح أتم صومه وجاز له.

(*) النومة الثالثة

لاشكّ في أنّه يجب عليه إتمام صومه والإمساك تأدّباً والقضاء لكونه أولى بالعقوبة إنّما الكلام في وجوب الكفارة عليه والقدماء على وجوبها عليه.
قال الشيخ: وإن انتبه دفعتين كان عليه القضاء والكفّارة على ما قلناه، وخالف جميع الفقهاء في ذلك.1
وقال القاضي في باب ما يُفسِد الصوم ويجب القضاء والكفارة: النوم على حال الجنابة إلى أن يطلع الفجر بعد الانتباه مرّتين.2
وقال ابن حمزة في نفس ذلك الباب: ومعاودة النوم بعد انتباهين إلى طلوع

(1) الخلاف: 2/222، كتاب الصوم، المسألة 88.
(2) المهذب: 3/192.

صفحه 223
الفجر.1
وقال ابن سعيد في نفس ذلك الباب : ومعاودة النوم جنباً بعد انتباهين حتى طلع الفجر.2 إلى غير ذلك.
وقال المحقّق في الشرائع: وفيه تردد. وتبعه العلاّمة ،3 واستدل له بإطلاق خبر المروزي،4 ومرسل عبد الحميد،5 بعد تقييدهما بما دلّ على القضاء فقط في النومة الثانية.
وليس حملها على العامد بقرينة خبر أبي بصير،6 أولى من حملها على من نام بعد انتباهين.
يلاحظ عليه: أنّ حملهما على العامد، أوضح من حملهما على من نام بعد انتباهتين، إذ لو كان هذا هو المراد لكان ترك القيد مستهجناً.
نعم ورود القضاء والكفارة في الكتب الملتزمة بالإفتاء بلفظ النص، كما في فقه الرضا،7 والمقنعة،8 والنهاية،9 وهذا يدل على ورود النص عليه وكون الحكم مشهوراً بين القدماء، إذ من البعيد أن يكون الإفتاء لأجل هذين الخبرين القاصرين دلالة، أو من باب الاجتهاد وإن كان الظاهر من المفيد هو الثاني حيث علّل الكفارة بأنّه تعمَّد الخلاف، ولكنّه لا يتنافي مع ورود النصّ، فالأحوط هو التكفير .

(1) الوسيلة: 142.
(2) الجامع: 156.
(3) الجواهر:16/275.
(4) الوسائل:الجزء7، الباب 16، من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 3، 4، 2.
(5) الوسائل:الجزء7، الباب 16، من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 3، 4، 2.
(6) الوسائل:الجزء7، الباب 16، من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 3، 4، 2.
(7) فقه الرضا: 207.
(8) المقنعة: 347.
(9) النهاية: 154.

صفحه 224
المسألة 57:الأحوط إلحاق غير شهر رمضان من الصوم المعيّن به في حكم استمرار النوم الأوّل أو الثاني أو الثالث حتّى في الكفّارة في الثاني والثالث إذا كان الصوم ممّا له كفّارة كالنذر ونحوه.(*)
ــــــــــ
ولا يشترط اعتياد الانتباه كما عليه صاحب المسالك،1 بل يكفي احتمال الانتباه، وإلاّفلا وجه لكون القضاء عقوبة، كما مرّ إذا كان الانتباه عادياً.
(*) أقول: تقدّم عن المصنّف في مقدمة المفطر الثامن قوله: «البقاء على الجنابة عمداً إلى الفجر الصادق في صوم شهر رمضان أو قضائه دون غيرهما من الصيام الواجبة والمندوبة وإن كان الأحوط تركه في غيرهما أيضاً خصوصاً في الصيام الواجب موسعاً كان أو مضيّقاً».
فإذا كان الأصل مختصاً برمضان، فكيف حال الفرع؟ أعني: أحكام النومات الثلاث التي وردت في خصوص شهر رمضان كما مرّ .
نعم يمكن تعميم الحكم إلى قضائه لما علمت اتحادهما في الأحكام وانّ الأصل يتسامح فيه، ولا يتسامح في الفرع، كما في الإصباح جنباً من غير عمد، إذ لا يوجب البطلان في شهر رمضان ويوجبه في قضائه، وعلى ذلك لا يبعد من عطف القضاء على الأداء.
فإن قلت: عطف القضاء على الأداء فرع وجود نص يتمسك بإطلاقه، ولم يكن في الأصل دليل سوى الشهرة الفتوائية بين القدماء وهي مختصة بالأصل أو المتيقن منه، هو صوم رمضان.
قلت: نعم ولكن الموجب لعطف القضاء على الأداء هو الأولوية المستفادة

(1) المسالك: 2/18.

صفحه 225
المسألة 58: إذا استمرّ النوم الرابع أو الخامس، فالظاهر أنّ حكمه حكم النوم الثالث.(*)
المسألة 59: الجنابة المستصحبة كالمعلومة في الأحكام المذكورة.(**)
المسألة60: ألحق بعضهم الحائض والنفساء بالجنب في حكم النومات، والأقوى عدم الإلحاق وكون المناط فيهما صدق التواني في الاغتسال، فمعه يبطل وإن كان في النوم الأوّل، ومع عدمه لايبطل وإن كان في النوم الثاني أو الثالث.(***)
ـــــــــــ
من الفرع السابق، وانّه لا يتسامح في القضاء مع جوازه في الأداء، مضافاً إلى موثقة زرارة قال: سألت أباجعفر (عليه السلام)عن رجل صام قضاء من شهر رمضان فأتى النساء قال: «عليه من الكفارة ما على الذي أصاب في شهر رمضان، لأنّ ذلك اليوم عند اللّه من أيام رمضان».1 وبما انّ الإفطار جائز قبل الزوال فالحديث محمول على ما بعده.
وأمّا غير صوم رمضان ولا قضاءه، فالحقّ عدم الدليل على التعميم.
(*) لعدم احتمال انّ زيادة العدد، يهدم الحكم السابق.
(**) لأنّ العلم المأخوذ في البقاء على الجنابة تعمداً طريق والاستصحاب يقوم مقام العلم المأخوذ طريقاً.
(***) لا تلحق الحائض و النفساء بالجنب في حكم النومات، لأجل اختصاص النصوص بالجنب، وانّ الميزان فيها هو التواني والتساهل لكن مقتضى

(1) التهذيب: 4، كتاب الصوم، الباب 26 ، باب قضاء شهر رمضان، الحديث19.

صفحه 226
المسألة 61: إذا شكّ في عدد النومات بنى على الأقلّ.(*)
المسألة62: إذا نسي غسل الجنابة ومضى عليه أيّام وشكّ في عددها يجوز له الاقتصار في القضاء على القدر المتيقّن، وإن كان الأحوط تحصيل اليقين بالفراغ.(**)
المسألة 63: يجوز قصد الوجوب في الغسل وإن أتى به في أوّل اللّيل، لكن الأولى مع الإتيان به قبل آخر الوقت أن لايقصد الوجوب بل يأتي به بقصد القربة.(***)
ـــــــــــ
ما ذكرنا من الأولوية، هو الإلحاق لما عرفت من أنّ الجنابة غير مانعة من وجوب الصوم وصحته في بعض الصور، لكن الحائض والنفساء لا يصح منهما الصوم، فالحدث الناجم منهما أقوى من حدث الجنابة، فلو كانت النومة الثانية موجبة للقضاء، في الجنابة ففيهما أولى، ولأجل ذلك فالأحوط الإلحاق، وعدم الاكتفاء بالتواني.
(*) للأصل الموضوعي والحكمي، أمّا الأوّل فانّ القضاء مترتب في لسان الدليل على من علم بالجنابة ثمّ نام واستيقظ، ثمّ نام واستيقظ بعد الفجر ،و المتيقن عنده هو الأوّل: «النوم والاستيقاظ بعد الفجر، وأمّا الثاني فهو مشكوك فيه، والأصل عدمه، وأمّا الثاني فلاستصحاب عدم وجوب القضاء.
(**) لجريان قاعدة الفراغ في القدر المشترك،مضافاً إلى استصحاب كونه متطهراً إلى ذلك اليوم. وليس مثله مثبتاً كما أوضحنا حاله في محله.
(***) إذا كان الوجوب الغيري ناشئاً من الوجوب النفسي على وجه يكون الوجوب الثاني من مبادئ وجوده، كيف يمكن أن يتحقق الوجوب الغيري مع

صفحه 227
عدم وجود علّته، أعني: وجوب الصوم، لأنّه مشروط بطلوع الفجر، والمفروض أنّه يأتي به قبل الوقت، نعم لو أتت به بعده ـ كما سبق ـ فلا إشكال.
ثمّ إنّ القوم صاروا إلى تصحيح نية الوجوب إذا أتى الصائم به قبله بوجوه مذكورة عند البحث عن المقدّمات المفوّتة في الأُصول، وقد أوضحنا حاله فيها، ونشير إلى إجمالها:
1. الالتزام بصحّة الواجب المعلّق، وهو ما يكون الوجوب حالياً والواجب استقبالياً ومقيّداً بقيد غير لازم التحصيل سواء كان تحصيله غير ممكن، كالزمان، أو ممكناً معتبراً حصوله لا تحصيله، كالاستطاعة على القول بكونها قيداً للواجب لا للوجوب. فعندئذ يجب الصوم قبل الفجر وبتبعه يكون الاغتسال واجباً شرعياً. وثمرة هذا الوجوب، لزوم الإتيان بمقدِّمته، ولو اشترط في الوجوب الفعلي إمكان الإتيان بالواجب كذلك لزم امتناع الأمر بالمركب حاليّاً، لأنّه لا يمكن الإتيان بعامة أجزائه مرة واحدة فالبعث إلى المركب حالي والإتيان بالأجزاء استقبالي.
2. انّ الملازمة بين الوجوبين لا تعني أنّ وجوب المقدمة ناشئ ومترشح من وجوب ذيها حتى يعدّ وجوب الثاني من مبادئ وجوب الأُولى. بل المراد منها، كون وجوبها لأجل وجوبه، وفي الوقت لكلّ وجوب، ملاك خاص، فملاك وجوب الأوّلي كونها مما يتوقف عليها الواجب، وملاك الثاني، قيام المصلحة به، وعلى ذلك فلا مانع من تقدم وجوب الأوّلي على وجوب ذيه، وذلك لكون الملاك قائماً بالمقدمة السابقة وجوداً على وجوبه، دون المتأخرة وجوداً.
وبعبارة أُخرى: وجوب المقدمة مطلق ووجوب ذيها مشروط ولا مانع من إطلاق وجوبها، واشتراط ذيها لما عرفت من إنكار حديث النشوء ومعلولية وجوبها لوجوب ذيه.
3. ما نقل عن المحقّق الأردبيلي في مورد التعلّم إذا لم يتمكن بعد دخول

صفحه 228
المسألة64:فاقد الطهورين يسقط عنه اشتراط رفع الحدث للصوم فيصحّ صومه مع الجنابة، أو مع حدث الحيض أو النفاس.(*)
ــــــــ
الوجوب، من أنّه واجب نفسي تهيّؤي وقد عمّمه المحقّق النائيني إلى المقام أيضاً.
4. الالتزام بأنّ الزمان اللاحق شرط للوجوب النفسي على نحو الشرط المقدّم، أي بوجوده الخارجي وهوبعدُ غير متحقق فلا يكون واجباً، ولكنّه شرط للوجوب الغيري على نحو الشرط المتأخر، أي بوجوده اللحاظي المقارن مع وجوبها، وإن لم يدخل الوقت.
5. الالتزام بأنّ الشرط لكلا الوجوبين هو الزمان وطلوع الفجر بنحو الشرط المتأخر، أي المتقدم لحاظاً والمتأخر وجوداً، فيكون هذا الوجه في النتيجة موافقاً للقول بالواجب المعلّق من كون الوجوب النفسي حالياً، كما أنّ الوجوب الغيري مثله.
كلّ هذه المحاولات لإضفاء الوجوب على الاغتسال وجوباً مقدمياً، ولكن قد قلنا في محله بعدم وجوب المقدمة وجوباً شرعياً وأنّ إيجابها أمر لغو، لأنّ جعل الوجوب لها لأجل كونه باعثاً نحوها، وهو إمّا غير باعث أو غير محتاج إليه، لأنّه لو كان معرِضاً عن الإتيان بذيها، فلا يكون إيجابها باعثاً أصلاً ولو كان قاصداً إليها، فهو يأتي بالمقدمة وإن لم تكن واجبة.
وأمّا قصد القربة فهو غير متوقف على وجود الأمر، بل يكفي إمكان الإتيان بالشيء للّه سبحانه، ومن غير فرق بين الواجب الغيري أو النفسي.
على أنّه هناك من يقول باستحباب الطهارات الثلاث استحباباً نفسياً، وعندئذ يصحّ قصد ذلك الأمر.
(*) إذا كان القيد، دخيلاً في أصل الوجوب كالزوال في وجوب الظهر، والشرائط

صفحه 229
المسألة 65: لايشترط في صحّة الصوم، الغسلُ لمسّ الميّت كما لايضرّ مسّه في أثناء النهار.(*)
المسألة 66: لايجوز إجناب نفسه في شهر رمضان إذا ضاق الوقت عن الاغتسال أو التيمّم، بل إذا لم يسع للاغتسال ولكن وسع للتيمّم، ولو ظنّ سعة الوقت فتبيّن ضيقه، فإن كان بعد الفحص صحّ صومه، وإن كان مع ترك الفحص فعليه القضاء على الأحوط.(**)
ــــــــــ
العامة كلّها، كالعقل والبلوغ، فلا وجوب مع عدمها. وأمّا إذا كان دخيلاً في صحّة الواجب فلو كان شرطاً مطلقاً كالطهارة من الحدث بالنسبة إلى الصلاة فمثل ما سبق، وأمّا إذا كان دخيلاً في الصحّة في صورة التمكن لا مطلقاً، لا يسقط الواجب بتعذّره، و من هذا الباب رفع الحدث، فانّ المخلّ منه هو التعمد لا مطلقاً، فلا يعم العاجز، فيسقط القيد دون المقيد.
(*) لعدم الدليل على كونه مفطراً حتى يكون البقاء عليه مفطِّراً، والدليل على مانعيته مختص بباب الصلاة.
(**) ففي المسألة فروع ثلاثة:
1. لا يجوز أن يُجنِبَ نفسه والوقت لا يسع لواحد من الاغتسال و «التيمم» ولو فعل عصى وبطل صومه وعليه القضاء والكفارة ، وقد سبق.
2. إذا لم يسع للاغتسال، ولكن وسع للتيمُّم قلنا انّه عصى وصحّ صومه وقد مضى.
3. لو ظن سعة الوقت فتبين ضيقه، فقد فصّل الماتن بين كون الظن بالسعة بعد الفحص فيصح صومه، وأمّا مع عدمه فعليه القضاء.

صفحه 230
وعلّله في المستمسك بعدم الدليل على المفطرية في الأوّل واحتمال صدق التعمد بترك الفحص في الثاني.1
أقول: لعلّ التفصيل هومقتضى القاعدة لجريان استصحاب الليل أو عدم طلوع الفجر في الأوّل دون الثاني، وقد قلنا في محله: اشتراط جريان الأُصول في الشبهات الموضوعية بالفحص إذا أمكن تحصيل الواقع بسهولة، فقد أفطر في الأوّل عن حجّة فلا قضاء فيه بخلاف الثاني.
وأمّا النصوص فهي بينما تدل على القضاء مطلقاً من غير تفصيل بين الفحص وعدمه كصحيح حماد،2 وخبر إبراهيم بن مهزيار،3وعلي بن أبي حمزة.4 وما تدل على التفصيل وهي موثقة سماعة بن مهران قال سألته عن رجل أكل أو شرب بعد ما طلع الفجر في شهر رمضان فقال: «إن كان قام فنظر فلم ير الفجر فأكل ثمّ عاد فرأى الفجر، فليتمَّ صومه ولا إعادة عليه، وإن كان قام فأكل وشرب ثمّ نظر إلى الفجر فرأى انّه قد طلع الفجر فليتم صومه ويقضي يوماً آخر، لأنّه بدأ بالأكل قبل النظر فعليه الإعادة».5 ومورد الحديث وإن كان الأكل والشرب لكن التعليل يعم جميع المفطِّرات واحتمال الخصوصية لهما كماترى.
ويدل عليه أيضاً صحيح معاوية بن عمار قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): آمر الجارية لتنظر إلى الفجر، فتقول: لم يطلع بعدُ فآكل ثمّ أنظر فأجده قد كان طلع حين نظرتْ قال: «إقضه امّا انّك لو كنت أنت الذي نظرت لم يكن عليك شيء».6
ومنه يظهر حكم فرعين آخرين:

(1) المستمسك:8/306.
(2) الوسائل: الجزء 7، الباب 44 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1و2و4و3.
(3) الوسائل: الجزء 7، الباب 44 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1و2و4و3.
(4) الوسائل: الجزء 7، الباب 44 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1و2و4و3.
(5) الوسائل: الجزء 7، الباب 44 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1و2و4و3.
(6) الوسائل: الجزء 7، الباب 46 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.

صفحه 231
1. اختصاص التفصيل بالقادر على الفحص فينتفي وجوب القضاء عند عدم القدرة، فلو ترك المراعاة لعجز عنها وتناول المفطر فصادف النهار، فلا يجب عليه القضاء للأصل واختصاص الروايات بالقادر على المراعاة.
2. سقوط القضاء إذا تناول اعتماداً على خبر العدلين، لأنّهما حجّة شرعية على جواز الأكل، ومعنى الحجية انّه اكتفى الشارع في امتثال أمره بهذا المقدار، كما أوضحناه في باب الإجزاء.

صفحه 232

التاسع: الحقنة

التاسع من المفطرات: الحقنة بالمائع ولو مع الاضطرار إليها لرفع المرض، ولابأس بالجامد وإن كان الأحوط اجتنابه أيضاً. (*)
ــــــــــــ
(*) اختلفت كلمة الفقهاء في مفطّرية الحقنة فقال أبو حنيفة: يُفطِّر مطلقاً وقال: الحسن بن صالح بن حيّ : لا يفطِّر وفصل الشافعي بين الواصل فيفطِّر دون غيره، كما فصل مالك بين القليل والكثير.1
وأمّا أصحابنا فقد ذهب المفيد في المقنعة والسيّد في «الناصريات» والشيخ في «الخلاف» والقاضي في «المهذب» و أبو الصلاح في «الكافي» إلى أنّ الحُقْنة بالمائعات تفطر.
ولم يذكره ابن أبي عقيل من المفطِّرات، وقال ابن الجنيد: يستحب له الامتناع من الحقنة، وقال الشيخ في النهاية وابن إدريس في السرائر بالحرمة التكليفية.
واستدل العلاّمة على كونها مفطِّرة بالقياس وقال: إنّه قد أوصل إلى جوفه المفطِّر، فأشبه مالو ابتلعه لاشتراكهما في الاغتذاء.2 وهو كما ترى قياس لا نقول به، كما استدل الشيخ بأصالة البراءة من القضاء. وهو أيضاً مثله لعدم وصول النوبة إلى الأصل مع وجود الدليل، ففي صحيح البزنطي عن أبي الحسن انّه سأله

(1) الخلاف:2/213، كتاب الصوم، المسألة 73.
(2) المختلف: 2/412، كتاب الصوم.

صفحه 233
عن الرجل يحتقن تكون به العلة من شهر رمضان؟ فقال: «الصائم لا يجوز له أن يحتقن».1
والحقنة الاحتباس، وفي الحديث «لا رأي لحاقن» سواء المحتَبس بولاً أو جائفة في البطن وإذا ذهبت إلى باب «الافتعال»، يكون معناه عالج الحقنة باستعمال دواء في المقعدة لتسهيل بطن المريض، وإطلاق الرواية تقتضي المنع عنها مطلقاً مائعاً كان أو جامداً والقول بالانصراف إلى الجامد، كما ترى. نعم يمكن تقييده بما رواه الشيخ عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحسن، عن أبيه قال: كتبت إلى أبي الحسن ما تقول في التلطف يستدخله الإنسان وهو صائم؟ فكتب:«لا بأس بالجامد».2
قال المحقّق الخوئي: المراد من أحمد بن محمد، إمّا ابن عيسى أو ابن خالد وكلاهما ثقتان والمراد من علي بن الحسن، هو علي بن الحسن بن الفضّال، عن أبيه، الحسن بن فضال.
وفيه تأمّل، لأنّه لم يرو علي بن الحسن عن أبيه أصلاً لصغره.
قال النجاشي: ولم يرو عن أبيه شيئاً وقال علي بن الحسن: كنتُ أقابله وسنِّي ثمان عشرة سنة بكتبه ولم أفهم إذ ذاك الروايات، ولا استحلّ ان أرويها عنه وروى عن أخويه عن أبيهما.3
والظاهر انّ المراد منهما غيره بقرينة ما رواه نفس الشيخ في ذلك الباب قال: محمد بن يعقوب، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحسن، عن أحمد بن الحسن، عن أبيه، عن علي بن رباط ... .

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 5 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 4.
(2) الوسائل: الجزء 7، الباب 5 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 2.
(3) رجال النجاشي: 2/82، برقم 674.

صفحه 234
فالمراد من أحمد، بقرينة رواية الكليني عنه، هو أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة المتوفّى سنة 333، لا الأحمدين، المعروفين، لأنّ الكليني لا يروي عنهما إلاّ بواسطة. فقد توفّي ابن خالد عام 274 أو 280، و ابن عيسى حوالي عام 280.
كما انّ المراد من علي بن الحسن، علي بن الحسن الميثمي الواقفي.
وهو يروي عن أخيه أحمد بن الحسن الميثمي.
وهو يروي عن أبيه الحسن الميثمي.
وعلى هذا فلو كان السند في الروايتين واحداً، فقد سقط من السند الأوّل لفظة «عن أخيه أحمد بن الحسن الميثمي».
ولعلّ الشيخ أخذ الحديث عن كتاب أحمد بن محمد بن عقدة، وقد ذكر سنده إليه في المشيخة.
ثمّ إنّ التفصيل بين الجامد وغيره رواه الكليني أيضاً في الكافي بالسند التالي:
أحمد بن محمد، عن علي بن الحسن، عن محمد بن الحسين، عن أبيه قال: كتب إلى أبي الحسن (عليه السلام)ما تقول في التلطف يستدخله الإنسان وهو صائم؟ فكتب: «لا بأس بالجامد».1
والمراد من أحمد، هو ابن عقدة، والمراد من الراوي الثالث: هو محمد بن الحسين بن أبي الخطاب المتوفّى عام 262 والراوي عنه ابنه، والذي روى هو عنه أبوه. والرواية ضعيفة لعدم ورود التوثيق على الابن والأب.
فتلخص بذلك، انّ الاحتقان بالمائع مفسد للصوم دون الجامد.
فإن قلت: الظاهر من الصحيحة: «الصائم لا يجوز له أن يحقن به» هو

(1) الكافي: 4/110، باب في الصائم يسعط، الحديث 6.

صفحه 235
المسألة 67:إذا احتقن بالمايع لكن لم يصعد إلى الجوف بل كان بمجرّد الدخول في الدبر، فلايبعد عدم كونه مفطراً وإن كان الأحوط تركه.(*)
المسألة 68: الظاهر جواز الاحتقان بما يشكّ في كونه جامداً أو مايعاً وإن كان الأحوط تركه.(**)
ــــــــــــ
الحرمة التكليفية فقط، لا الوضعية فلا دليل على الإفساد.
قلت: المتبادر في هذه المقامات ، هو الإرشاد إلى المانعية نظير قوله: «لا تجوز الصلاة في وبر ما لا يؤكل لحمه»، فإذا ثبت كونه مانعاً ومفسداً، فتلازم الحرمة التكليفية، ضرورة حرمة إفطار صوم رمضان وغيره من الصوم الواجب.
فما عن الشيخ من كونه حراماً تكليفياً فقط، أو عن ابن الجنيد من استحباب عدم الاحتقان، فكأنّهما في غير محلهما.
(*) الظاهر عدم صدق الاحتقان لما عرفت من أنّ الغاية منه، تسهيل خروج ما في البطن وهو لا يتم إلاّبورود المائع الجوف، دون أن يدخل في الدبر فيخرج.
(**) فلو قلنا بأنّ الاحتقان، لا يصدق إلاّ على المائع دون الجامد، فالشكّ في كون شيء مائعاً أو جامداً، شكّ في كونه مصداقاً للمفطر أو لا، والمرجع فيه البراءة.
وأمّا إذا قلنا ما عرفت من صدقه على المائع والجامد، غير انّ الأخير خرج تخصيصاً ، فيكون مرجع الشكّ إلى كونه مصداقاً للمخصص أو لا، ومعه لا يصحّ التمسك بالعام وهو عدم جواز الاحتقان، لأنّه حجّة في غير ما صدق عليه عنوان الخاص وهو ـ عدم صدق عنوان الخاص ـ بعدُ غير محرز، لاحتمال كونه في الواقع جامداً.

صفحه 236
فإن قلت: يمكن إحراز عدم صدق عنوان الخاص بالبيان التالي:
«انّ الباقي تحت العام في المقام بعد إخراج الجامد هو ـ كلّ احتقان لا يكون بجامد لا الاحتقان المنعوت بكونه بالمائع ـ فالموضوع للبطلان مركّب من جزءين:
1. الاحتقان وأن لا يكون جامداً، والأوّل محرز بالوجدان، والثاني بأصالة عدم كونه جامداً ولو بأصل العدم الأزلي فيلتئم الموضوع ويترتب الحكم من الحرمة والبطلان. وبما انّ القيد المأخوذ في جانب العام وجوديّ فلدى الشكّ مقتضى الأصل، عدمه وبه يحرز انّ هذا احتقان بما ليس بجامد، فلا يجوز.1
يلاحظ عليه أوّلاً: ـ بما ذكرناه في الأُصول ـ أنّ استصحاب العدم الأزلي مصداق عقلي، لقوله: «لا تنقض اليقين بالشك» وليس مصداقاً عرفياً له، فلو خالف الإنسان لا يقال انّه نقض يقينه بالشك.
وثانياً: أنّ الأصل مثبت، وذلك لأنّ لموضوع ـ مركب من أجزاء ثلاثة ـ على خلاف ما ذكره من أنّه مركّب من جزءين:
1. الاحتقان ، 2. لا يكون بجامد، 3. النسبة الحكمية بين الموضوع والمحمول، فليس الموضوع أمرين مختلفين لا صلة بينها، بشهادة جعلهما موضوعاً واحداً، لحكم واحد وهو فرع وجود الصلة والرابطة بينهما فعلى هذا فالموضوع بعد التخصيص في الرواية: «الصائم لا يجوز أن يحتقن بغير الجامد» فانّ الجزءين، أعني: الاحتقان محرز بالوجدان، والقيد المنقطع عن الموصوف، محرز بالاستصحاب، لكن كون هذا الاحتقان موصوفاً بغير الجامد، ليست له حالة سابقة.
وبذلك ظهر، انّ الأقوى الجواز على كلا القولين.

(1) مستند العروة الوثقى:230.

صفحه 237

العاشر : تعمّد القيء

العاشر: تعمّد القيء وإن كان للضرورة من رفع مرض أو نحوه، ولابأس بما كان سهواً أو من غير اختيار، والمدار على الصدق العرفيّ، فخروج مثل النواة أو الدود لايعدّ منه.(*)
ـــــــــــ
(*) قال الشيخ: إذا تقيّأ متعمداً وجب عليه القضاء بلا كفارة، فإن ذرعه1 القيء، فلا قضاء عليه أيضاً، وهو المروي عن علي (عليه السلام)وعبد اللّه بن عمر. وبه قال أبو حنيفة، والشافعي، ومالك، والثوري، وأحمد، وإسحاق.
وقال ابن مسعود وابن عباس: لا يفطّره على حال وان تعمّد. وقال عطاء وأبو ثور: ان تعمّد القيء، أفطر وعليه القضاء والكفارة . 2
فالأقوال عندهم ثلاثة: 1. القضاء، 2. القضاء والكفّارة، 3. عدم وجوب شيء منهما.
وأمّا أقوال فقهائنا:
فالمشهور بين علمائنا ان تعمَّد القيء يوجب القضاء خاصة، فإن ذرعه لم يجب به شيء. ذهب إليه ابن أبي عقيل، والشيخان، وأبو الصلاح، وابن البراج.
ونقل السيد المرتضى عن بعض علمائنا انّه يوجب القضاء والكفارة .

(1) يقال ذرعه القيء سبق إلى فيه .
(2) الخلاف: 2/178، كتاب الصوم، المسألة 19.

صفحه 238
وقال ابن الجنيد بالقول المشهور إذا كان القيء من محلّل، وأمّا إذا كان القيء من محرم فيكون فيه إذا ذرعه القيء، القضاء، وإذا استكره (تعمد) القضاء والكفارة.
وقال السيد المرتضى: ينقض الصوم ولا يبطله.
وقال ابن إدريس: لا يجب به قضاء ولا كفارة بل يكون مخطئاً.1
وتدل على وجوب القضاء روايات:
1. صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «إذا تقيّأ الصائم فقد أفطر وإن ذرعه من غير أن يتقيّأ فليتمّ صومه».2 وهو متحد مع ما رواه عن ابن مسكان عن الحلبي.3 لوحدة المروي عنه واللفظ.
2. موثقة سماعة قال: سألته عن القيء في رمضان فقال: «إن كان شيء يبدره فلا بأس، وإن كان شيء يُكره نفسه عليه فقد أفطر وعليه القضاء».4
3. رواية علي بن جعفر في كتابه عن أخيه سألته عن الرجل يستاك وهو صائم فيقيئ، ماعليه؟! قال:« إن كان تقيّأ متعمداً فعليه قضاؤه، وإن لم يكن تعمّد ذلك فليس عليه شيء»5 إلى غير ذلك من الروايات البالغة عددها إلى سبع.
نعم تخالفه رواية عبد اللّه بن ميمون عن أبي عبد اللّه عن أبيه (عليهما السلام)، قال:«ثلاثة لا يفطرن الصائم: القيء، والاحتلام، والحجامة».6
وهو محمول على صورة النسيان بقرينة الاحتلام في الرواية وإن أبيت فهو

(1) المختلف:3/420، كتاب الصوم.
(2) الوسائل:الجزء 7، الباب 29 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1و3و5و10.
(3) الوسائل:الجزء 7، الباب 29 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1و3و5و10.
(4) الوسائل:الجزء 7، الباب 29 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1و3و5و10.
(5) الوسائل:الجزء 7، الباب 29 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1و3و5و10.
(6) الوسائل: الجزء 7، الباب 29 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 7.

صفحه 239
خبر واحد، لا يقاوم ما مضى من الروايات المتضافرة فالترجيح معها.
وأمّا صحيحة ابن مسلم قال: سمعت أبا جعفر(عليه السلام)يقول: «لا يضرُّ الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال: الطعام والشراب، والنساء، والارتماس في الماء». 1 فالظاهر انّ الحصر إضافي وبما انّ الراوي نقل جواب الإمام ولم ينقل السؤال، يمكن الحدس بأنّه كان في المجلس من يقول بمفطرية أُمور أُخرى وراء هذه الأربعة فحصر الإمام المفطِّر فيها ناظراً إلى نفي تلك الأُمور، لا غيرها وإلاّلزم عدم مفطرية ما اتّفق الأصحاب عليه كالكذب على اللّه، والبقاء على الجنابة وإن كان عن احتلام، والحقنة، فالقول بالقضاء هو المتعين.
إنّما الكلام في وجوب الكفارة ولم يذكرها الماتن في الحُقنة ولا في المقام. نعم ذكرها في فصل خاص أعني فيما يوجب الكفارة.
ويمكن تقريب وجوبها، فانّ وجوب الكفارة مترتب في لسان الأدلة على عنوان الإفطار، فعن صحيحة عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)في رجل أفطر في شهر رمضان متعمداً يوماً واحداً قال: «يعتق نسمة».2
ومثلها صحيحة جميل بن دراج،3 وخبر عبد الرحمان بن أبي عبد اللّه،4 إلى غير ذلك من الروايات المذكورة في بابها ، هذا من جانب.
ومن جانب آخر، حكم على من تقيّأ عن عمد بأنّه أفطر ;كما هو الحال في صحيحة الحلبي،5 وموثقة سماعة،6 وخبر مسعدة بن صدقة.7 فبضمّ الصغرى الواردة فيها إلى الكبرى الواردة فيما سبق، يحكم على من تقيّأ، بالكفارة. نعم لا يجري ذلك البيان في الحقنة، لأنّ لسان الروايات هو النهي غاية الأمر إرشاد

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 1 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.
(2) الوسائل: الجزء 7، الباب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1و2و4.
(3) الوسائل: الجزء 7، الباب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1و2و4.
(4) الوسائل: الجزء 7، الباب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1و2و4.
(5) الوسائل: الجزء 7، الباب 29 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1،5، 6.
(6) الوسائل: الجزء 7، الباب 29 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1،5، 6.
(7) الوسائل: الجزء 7، الباب 29 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1،5، 6.

صفحه 240
إلى كون الصوم فاسداً، وهل الفساد يلازم الإفطار أو ربما يكون أعم، كما فيما إذا صام رياء وسمعة فصومه فاسد، وليس هوبمفطر، ولكن التفصيل بين الحقنة والقيء، إحداث قول ثالث.
هذا ويمكن القول بعدم وجوب الكفّارة بوجوه:
1. خلوّ هذه الروايات الدالّة على الفساد عن ذكر الكفّارة ولو كانت واجبة كان على الإمام، ذكرها ولو في بعضها.
وأجاب عنه المحقّق الخوئي بأنّ ما ذكره لا يتجاوز عن كونه ظهوراً إطلاقياً، ويكفي في التقييد النصّ الوارد بصورة العموم من «أنّ من أفطر متعمداً فعليه الكفّارة».
يلاحظ عليه: أنّ التقييد فرع تسليم صدق الإفطار في مورد الحقنة والقيء، لما سيوافيك من احتمال انصرافه إلى الأكل والشرب واستخدامه في المقام لأجل بيان فساد الصوم ووجوب القضاء لا انّهما مثل الأكل والشرب، وانّه يجب فيهما القضاء والكفارة.
2. ما ذكره صاحب المصباح: إطلاق اسم الإفطار عليه في بعض الروايات لو سلم كونه حقيقياً، لا يجعله مندرجاً في موضوع قوله: «من أفطر متعمداً فعليه كذا»، بعد انصراف هذا الإطلاق عرفاً إلى الأكل والشرب لولم نقل بكونه حقيقة فيهما، والمراد بلفظ «الإفطار» في مثل هذه الموارد، هو مطلق الإفساد لا التشبيه بالأكل والشرب حتى يدّعى أنّ مقتضى إطلاق التشبيه مساواتهما في الحكم لا في خصوص القضاء.
مع إمكان أن يقال: إنّه على تقدير إرادة التشبيه ينصرف إلى خصوص القضاء،لأنّه هو الوجه الظاهر الذي ينصرف إليه التشبيه.1

(1) مصباح الفقيه : 14/516، كتاب الصوم .

صفحه 241
المسألة 69: لو خرج بالتجشّؤ شيء ثمّ نزل من غير اختيار لم يكن مبطلاً، ولو وصل إلى فضاء الفم فبلعه اختياراً بطل صومه وعليه القضاء والكفّارة بل تجب كفّارة الجمع إذا كان حراماً من جهة خباثته أو غيرها.(*)
ـــــــــــ
وأورد عليه السيد الخوئي: فانّه لا واسطة بين الصوم والإفطار، فإذا فسد صومه فهو غير صائم، فيكون مفطراً، ولا وجه لاختصاصه بالأكل والشرب.
يلاحظ عليه: بوجود الواسطة بين الصوم الصحيح والإفطار، فربما يكون صومه فاسداً لكنَّه غير مفطر كما في المرائي وغير الناوي، وعلى ضوء ذلك فمن تقيّأ عمداً صائم صوماً فاسداً وليس بمفطر.
وممّا يؤيد عدم وجوب الكفارة قوله في رواية مسعدة بن صدقة :«وعليه الإعادة وإن شاء اللّه عذبه وإن شاء غفر له».1 فلو كانت الكفارة واجبة ، كان عليه أن يقول: عليه الكفارة حتى يكون معفواً قطعاً.
ومع تضارب الأدلة والشكّ في وجوبها ، فالأصل عدمها في الحقنة والقيء وإن كان الاحتياط حسناً. وسيوافيك تفصيل الكلام في الفصل السادس، فانتظر.
(*) التجشّؤ عبارة عن خروج الريح من فم الإنسان مع صوت عند الشبع وهو غير القيء مفهوماً ومصداقاً، وقد عبر عنه في الروايات بالقلس.2
والظاهر انّه غير التجشّؤ، وقد فسر بما خرج من البطن إلى الفم من الطعام والشراب. وسببه عادة عسر الهضم ثمّ إنّ الخارج إذا كان قليلاً فهو القلس وإن كان يملأ الفم فهو القيء.

(1) الوسائل: الجزء: 7، الباب 29 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 6.
(2) الوسائل: الجزء 7، الباب 30 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1و2.

صفحه 242
وعلى كلّ تقدير: فقد حكم الماتن في هذه المسألة بأُمور:
1. لو خرج بالتجشّؤ شيء ثمّ نزل من غير اختيار لم يكن مبطلاً، وهو واضح لعدم صدق الأكل أوّلاً وتضافر الروايات على أنّ القلس لا يبطل الصوم.1
2. لو وصل إلى فضاء الفم فبلعه اختياراً بطل صومه وعليه القضاء والكفارة، لصدق الأكل المفطِّر ولا ينقص ابتلاعه عن بلع ما يبقى في خلال الأسنان كما مرّ،ويشمله قولهم: «من أفطر متعمداً فعليه الكفّارة».
هذا مقتضى القاعدة ولكن روى الشيخ باسناده عن ابن سنان قال: سئل أبو عبد اللّه عن الرجل الصائم يقلس فيخرج منه الشيء من الطعام أيفطره ذلك؟ قال:« لا» قلت: فان ازدرده بعد أن صار على لسانه؟ قال: «لا يفطره ذلك».2
والرواية محمولة على الازدراد، نسياناً لمخالفتها للقاعدة.
3. وجوب الكفارة وقد علم حاله ممّا سبق في الإفطار بالقيء.وسيوافيك الضابطة فيما يوجب الكفارة في الفصل السادس.
4. كفّارة الجمع إذا كان حراماً من جهة خباثته أو غيرها.
أقول: لقد دلّت الروايات على وجوب كفارة الجمع عند الإفطار بحرام، ففي رواية عبد السلام بن صالح الهروي عن الرضا (عليه السلام): «متى جامع الرجل حراماً أو أفطر على حرام في شهر رمضان فعليه ثلاث كفارات».3 وفي مرسلة الفقيه: «فيمن أفطر يوماً من شهر رمضان متعمداً بجماع محرم عليه أو بطعام محرم عليه، انّ عليه ثلاث كفارات». 4

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 30 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 3 و 4.
(2) الوسائل: الجزء 7، الباب 29 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 9.
(3) الوسائل: الجزء 7، الباب 10 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1و3.
(4) الوسائل: الجزء 7، الباب 10 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1و3.

صفحه 243
وقد دلت الآية على حرمة الخبائث قال سبحانه: في بيان أوصاف النبي: (الَّذينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَبيَّ الأُميَّ الَّذِي يَجدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التّوراة والإِنْجيل يَأْمُرهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلَّ لَهُمُ الطِّيِّبات وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِث)1 لكن الكلام في أنّ ما يخرج إلى فضاء الفم هل هو من الخبائث أو لا؟
قال الفيّومي : يطلق الخبيث على الحرام كالزنا وعلى الرديّ المستكره طعمُه أو ريحُه كالثوم والبصل، ومنه الخبائث وهي التي كانت العرب تستخبثها مثل الحية والعقرب، قال تعالى: (وَلا تيمَّمُوا الْخَبيث مِنْه تُنْفِقُون) أي لا تخرجوا الرديّ من الصدقة عن الجيّد، والأخبثان: البول والغائط.2
وعلى هذا فالشريعة الإسلامية تُحلّ الطيبات وتُحرّم الخبائث ، والموصوف بهما يكون الفعل، كالنكاح والزنا وأُخرى العين الخارجية أي الشيء المستكره إلى حدّ يُوصف الرديّ من الصدقة بالخبيث، وعلى ضوء هذا فالخارج من الداخل إلى ظاهر الفم خبيث بالنسبة إلى غير الإنسان وأمّا بالنسبة إليه فلا، كما أنّ ما يزدرده الإنسان، طيب بالنسبة إلى الآكل، دون غيره فصدقه عليه مشكوك جداً.
على أنّه يحتمل في الآية وجه آخر، وهو تحريم الخبائث التي كانت العرب تتداولها وتمارسها، غافلة عن خبثها، كالزنا والقمار، والميتة والدم، والخبيث وإن كان أعم، لكن المحرم منه، شيء أخص، وذلك لأنّ الآية بصدد التعريف بالنبي ومدحه، وتحريم ما يستكرهه الناس ويستقذره، ليس أمراً مهمّـاً، بعد افتراض انّ الناس بطباعهم ينزجرون عنها، بل المراد الأفعال القبيحة التي يمارسها الناس أو الأعيان التي يتغذى منها، بلا استكراه ولا تنفّر، غافلة عمّا فيها من المفاسد

(1) الأعراف:157.
(2) المصباح المنير: 197.

صفحه 244
المسألة 70: لو ابتلع في اللّيل ما يجب عليه قيئه في النهار فسد صومه إن كان الإخراج منحصراً في القيء، وإن لم يكن منحصراً فيه لم يبطل إلاّ إذا اختار القيء مع إمكان الإخراج بغيره، ويشترط أن يكون ممّا يصدق القيء على إخراجه، وأمّا لو كان مثل درّة أو بندقة أو درهم أو نحوها ممّا لايصدق معه القيء لم يكن مبطلاً.(*)
ــــــــــ
والمضار فالنبي حرّمها ومنع عنها وأين هو من النخامة أو ما قاءه، أو ما خرج من الداخل إلى ظاهر الفم، التي لا يرغب إليها أحد، فلو افترضنا خُبثها فالآية غير ناظرة إليها.
(*) إذا بلع مالَ الغير قُبيل الفجر، وكان الصوم واجباً غير معين وبما انّ ردّمال الغير واجب يكون المورد من قبيل المتزاحمين من وجوب ردّ مال الغير، وإتمام الصوم فيقدم ما ليس له بدل، أعني: ردّمال الغير، على ما له بدل، أعني: الصوم، أو كان الصوم واجباً معيناً كشهر رمضان لكن كان إبقاؤه في الداخل مضراً للصحّة، فيقدم ما هو الأقوى ملاكاً، أعني صيانة النفس عن الضرر.
إذا عرفت موضوع المسألة، فاعلم أنّ له حالتين:
تارة يكون الطريق إلى العمل بالأهم منحصراً بالقيء، وأُخرى يكون له طريقان:
أمّا الصورة الأُولى، فقد أفتى الماتن بأنّه يَفْسُد صومه سواء تقيّأ أم لم يتقيّأ. أمّا إذا تقيّأ فالحكم واضح. وأمّا إذا لم يتقيّأ ففي الحكم ببطلان الصوم وجهان نابعان، من أنّ ترك القيء جزء للصوم أو القيء ضد وجودي له. فعلى الثاني يصح وإن عصى ولم يتقيّأ.
 

صفحه 245
توضيح ما أفاده: هو انّه إذا كان ترك القيء جزءاً للصوم، فالأمر به يكون أمراً بتركه، والمفروض انّه مأمور بالقيء، لأجل ردّ مال الغير فلا يمكن الأمر بالصوم إذ يكون مآله إلى الأمر بالقيء وتركه.
فينحصر الأمر في واحد منهما وهو التقيؤ الذي يعد مقدمة لرد مال الغير بخلاف ما إذا قلنا : القيء ضد وجودي، وبما انّ الحقّ انّ الأمر بالشيء لا يستلزم النهي عن ضدّه، أعني: الصوم، غايته عدم الأمر به في عرضه، فإذاً يصحّ تعلّق الأمر به في ظرف عصيان الأمر بالأهم، فيكون الأمر الثاني في طول الأمر الأوّل بأن يقال: بأن يأمر بالقيء وإن عصى فبالصوم، وقد أوضحنا في محله انّ الأمر الثاني على نحو الترتب ممكن ويكفي في وقوعه إمكانه.
فإن قلت: إنّ الأمر على نحو الترتب إنّما يصحّ في الضدين اللّذين لهما ثالث، على وجه لا يستلزم ترك أحدهما، فعل الآخر وبالعكس كما في الإزالة والصلاة، حيث إنّ ترك الأوّل لا يلازم الصلاة بل يجتمع مع أفعال أخرى فيصحّ الأمر بالإزالة، والأمر بالصلاة عند ترك الأُولى، وأمّا الضدان اللّذان لا ثالث لهما كالحركة والسكون فلا يصحّ تعلق الأمر بالضد الآخر عند ترك الضد، لأنّه يكون من قبيل تحصيل الحاصل، فعند ترك الحركة يكون السكون حاصلاً قهراً بلا حاجة إلى الأمر، والمقام من هذا القبيل، فبعصيان الأمر بالأهم، أعني: التقيّؤ، يكون الصوم متحقّقاً قهراً من دون حاجة إلى الأمر.
قلت أوّلاً: إنّ المخاطب بالأمر الترتبي ليس خصوص المخاطب الذي، يريد الإمساك والصوم، حتى يكون الأمر به ـ عند ترك القيء ـ تحصيلاً للحاصل بل المخاطب مطلق المكلفين، ويكفي في صحّة الأمر الكلي بالمكلّفين وجود الملاك في الغالب وخطابات التكليف، خطابات قانونية لا شخصية، نعم لو قلنا بأنّ لكلّ مكلّف خطاباً شخصياً كان لما ذكر وجه.

صفحه 246
المسألة 71: إذا أكل في اللّيل ما يعلم أنّه يوجب القيء في النهار من غير اختيار فالأحوط القضاء.(*)
المسألة 72: إذا ظهر أثر القيء وأمكنه الحبس والمنع وجب إذا لم يكن حرج وضرر.(**)
ـــــــــــ
وثانياً: ليس القيء والإمساك من قبيل الضدين اللّذين لا ثالث لهما، لإمكان أن يترك القيء ولا يصوم أيضاً،بل يأتي بسائر المفطرات.
وإذا لم يكن ردّ مال الغير، أو إخراج ما في الداخل منحصراً بالقيء، فلا يبطل إلاّ إذا اختار القيء مع إمكان الإخراج بغيره ووجهه واضح.
ثمّ إنّه يشترط في مسألة الصوم أن يكون المخرج مما يصدق عليه القيء أمّا خروج شيء من الداخل كالدرهم، الّذي لا يصدق عليه القيء، فلا يفسد.
(*) وجهان مبنيان على أنّ المفسد هل هو صدق تناول المفطر اختياراً فيفسد في المقام، لأنّ الفعل حين الصدور وإن كان خارجاً عن الاختيار، إلاّ أنّ مقدمته كانت اختيارية إذ كان في وسعه ترك ما يؤدّي إلى القيء، أو أنّ المفسد عبارة عن تقيّؤ الصائم عامداً وهو غير متحقّق، والظاهر هو الأوّل، وهذا نظير ما إذا ذهب بعد الفجر إلى مكان يعلم انّه يجبر فيه، بالإفطار، من دون ملزِم للذهاب. وإن لم يكن حين الإفطار مختاراً.
(**) وجهه انّه إذا تمكن من الحبس من غير ضرر وحرج يكون القيء فعلاً اختيارياً له فيجري عليه حكم المتعمد.ولكن الأقوى عدم الإفساد، وذلك لأنّ الموضوع هو القيء الذي يُكره نفسه عليه كما في موثقة سماعة :«إن كان شيء يُكْرِه نفسَه عليه فقد أفطر وعليه القضاء» والمفروض انّه لا يُكْره نفسَه عليه هو بل يتقيّأ

صفحه 247
المسألة 73: إذا دخل الذباب في حلقه وجب إخراجه مع إمكانه ولايكون من القيء، ولو توقّف إخراجه على القيء سقط وجوبه وصحّ صومه.(*)
ــــــــــ
باقتضاء الطبع، غاية الأمر انّه يتمكن من الحبس، وهذا لا ينافي كونه ليس بإكراه نفسه، بل بمقتضى طبعه، فإذا كان غير محكوم بالإفساد، فلا يكون الحبس محكوماً بالوجوب التكليفي.
(*) المراد من دخولها في حلقه ، هو وصوله إلى بداية الحلق دون منتهاه الذي يتحقّق معه البلع. وبعبارة أُخرى: وصل إلى مخرج «الخاء» ولم يتجاوزه، فالناس ـ عند ذاك ـ حسب طباعهم على صنفين، فمنهم من يتمكن من إخراجه بسهولة بلا تقيّؤ، ومنهم من يلازم إخراجُه، التقيّؤ.
أمّا الأوّل فيجب إخراجه بوجهين:
1. حرمته التكليفيّة لكونه قذراً، ومضراً، أو خبيثاً، وأمّا تعليل حرمة أكلها بكونها غير مذكّى فيدخل في المستثنى منه، من الآية:(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَة وَالدَّم...إِلاّما ذَكَّيْتُمْ) .1 فكما ترى لأنّ التقابل بين المذكّى وغير المذكّى تقابل العدم والملكة، فلا يطلق غير المذكّى إلاّ ما كان فيه ملكة التذكية والذباب ليس كذلك والأولى تعليلها بما ذكرنا.
2. حرمته الوضعية لصدق الأكل المبطل عليه.
وأمّا الثاني فإذا كان ملازماً للقيء، سقط وجوب إخراجه وصحّ صومه لدوران الأمر بين حرمة الابتلاع، وحرمة إبطال الصوم بالتقيّؤ، وبما انّ الصوم من

(1) المائدة:35.

صفحه 248
المسألة 74: يجوز للصائم التجشّؤ اختياراً وإن احتمل خروج شيء من الطعام معه، وأمّا إذا علم بذلك فلايجوز .(*)
المسألة 75:إذا ابتلع شيئاً سهواً فتذكّر قبل أن يصل إلى الحلق وجب إخراجه وصحّ صومه، وأمّا إن تذكّر بعد الوصول إليه فلايجب بل لايجوز إذا صدق عليه القيء، وإن شكّ في ذلك فالظاهر وجوب إخراجه أيضاً مع إمكانه عملاً بأصالة عدم الدخول في الحلق.(**)
ــــــــــ
الفرائض التي بني عليها الإسلام، فصيانته من البطلان أهمّ من ابتلاع الذباب الذي ليست حرمته في الأهمية كوجوب الصوم.
يلاحظ عليه: أنّه إذا كان المفروض فيما إذا لم يبلغ منتهى الحلق الذي يتحقّق بعده البلع، فصومه باطل على كلّ تقدير، إمّا للبلع إذا لم يخرج، أو للقيء إذا أخرجه. وبالجملة فأمره دائر بين أحد أمرين اختياريين وكلّ منهما مفطر للصوم، فلا يصحّ عدّ حفظ الصوم مرجحاً، بل يمكن أن يقال انّ الإخراج مع القيء أولى من تركه، إذ فيه إبطال للصوم عن عذر، وفي الثاني إبطال له أوّلاً كذلك، ومخالفة للتكليف بحرمة أكل الذباب ثانياً.
(*) الظاهر الجواز مطلقاً، أمّا الاوّل، فلإطلاق ما دلّ على جوازه1; وأمّا الثاني، فلأنّ المبطل هو القيء وليس مثله قيئاً.
(**) الظاهر انّ المراد من عدم الوصول إلى الحلق أو الوصول إليه هو ما يأتي منه (قدس سره)في المسألة 76 من عدم الوصول إلى الحدّ من الحلق كمخرج الخاء أو وصوله إليه.

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 30 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1و2.

صفحه 249
المسألة76:إذا كان الصائم بالواجب المعيـّن مشتغلاً بالصلاة الواجبة، فدخل في حلقه ذباب أو بقٌّ أو نحوهما أو شيء من بقايا الطعام الذي بين أسنانه وتوقّف إخراجه على إبطال الصلاة بالتكلّم بأخ أو بغير ذلك، فإن أمكن التحفّظ والإمساك إلى الفراغ من الصلاة وجب، وإن لم يمكن ذلك ودار الأمر بين إبطال الصوم بالبلع أو الصلاة بالإخراج فإن لم
ــــــــــ
وإن شئت قلت: المقصود وصوله إلى حدّ لم يبلغ مرتبة البلع وإلى حدّ يصدق عليه البلع، وعلى هذا لا يرد عليه ما ورد في بعض التعاليق من أنّ الميزان لجواز البلع ليس الوصول إلى الحلق، لأنّه لا تأثير له في جواز بلعه وعدم إبطاله للصوم، فيجب إخراجه ما لم ينزل إلى الجوف ولا يعد مثله قيئاً.1
وإن شئت قلت: إنّ مراده من قبل الوصول إلى الحلق وهو عدم وصوله إلى منتهاه الذي لا يصدق عنده البلع ومن بعد وصوله إليه الذي يصدق معه البلع.
وعلى ذلك فما ذكره وجيه لا إشكال فيه، إذ على الأوّل يجب إخراجه لعدم بلعه، وعلى الثاني لا يجب لتحقّق الأكل والبلع، فلا دليل على إخراج ما أكله سهواً، فربما يصدق عليه القيء.
نعم لو شكّ في ذلك، فقد أفتى المصنف بوجوب إخراجه مع إمكانه عملاً بأصالة عدم الدخول في الحلق.
ولكن الأصل لا أصل له، لأنّ الموضوع هو الأكل والشرب، والأصل المزبور لا يثبت كون ابتلاعه أكلاً وشرباً.
نعم يمكن أن يقال بأنّ الأصل وجوب إخراجه سابقاً قبل أن يصل إلى هذا الحدّ، والأصل بقاؤه لعدم العلم بتجاوزه عن الحدّ الذي لا يجب إخراجه.

(1) تعليقة السيد البروجردي على العروة الوثقى.

صفحه 250
يصل إلى الحدّ من الحلق كمخرج الخاء وكان ممّا يحرم بلعه في حدّ نفسه كالذباب ونحوه،وجب قطع الصلاة بإخراجه، ولو في ضيق وقت الصلاة ، وإن كان مما يحل بلعه في ذاته كبقايا الطعام، ففي سعة الوقت للصلاة ولو بإدراك ركعة منه يجب القطع والإخراج، وفي الضيق يجب البلع وإبطال الصوم تقديماً لجانب الصلاة لأهميّتها، وإن وصل إلى الحدّ فمع كونه ممّا يحرم بلعه وجب إخراجه بقطع الصلاة وإبطالها على إشكال، وإن كان مثل بقايا الطعام لم يجب وصحّت صلاته وصحّ صومه على التقديرين لعدم عدّ إخراج مثله قيئاً في العرف.(*)
ـــــــــــــ
(*) مجموع الصور الأصليّة لا يتجاوز عن خمس.
إذا دخل في حلقه شيء فتوقف إخراجه على إبطال الصلاة بالتكلّم بـ «أخ» أو لغير ذلك.
إمّا يمكن له التحفظ إلى الفراغ عن الصلاة، أو لا يمكن; وعلى التقدير الثاني: فإمّا أن لا يصل إلى حدّ الخاء أو يصل، وعلى التقديرين إمّا أن يحرم بلعه كالذباب، أو لا كبقايا الطعام. وإليك بيان الصور:
الأُولى: إذا أمكن التحفظ وجب، لحرمة قطع الصلاة الواجبة.
الثانية: أعني: ما إذا لم يمكن التحفظ إلى الفراغ عن الصلاة ولم يصل إلى حد الخاء من الخلق، وكان ممّا يحرم بلعه في حدّ نفسه كالذباب، فقد أفتى الماتن بقطع الصلاة كان الوقت وسيعاً أم ضيقاً، أدرك ركعة منها أو لا.
أمّا إذا كان الوقت وسيعاً، أو أمكن إتيان ركعة منها في الوقت فلا إشكال فيه، وأمّا إذا استلزم فوات الصلاة بالمرة فجواز القطع غير ظاهر إذ كيف يجوز تركها لأجل امتثال النهي عن أكل الحرام.

صفحه 251
المسألة 77: قيل:يجوز للصائم أن يدخل أصبعه في حلقه ويخرجه عمداً، وهو مشكل مع الوصول إلى الحدّ، فالأحوط الترك.(*)
ـــــــــ
والظاهر انّ حكم تلك الصورة حكم الصورة الآتية من لزوم إبطال الصلاة، إلاّ إذا لم يبق شيء من الوقت.
الثالثة: تلك الصورة ولكن كان ممّا يحل بلعه في ذاته ففي سعة الوقت ـ و لو بإدراك ركعة منه ـ يجب القطع والإخراج، وفي الضيق يجب البلع وإبطال الصوم تقديماً لجانب الصلاة لأهميتها.
الرابعة: تلك الصورة وكان ممّا يحرم بلعه .فقال الماتن: وجب إخراجه بقطع الصلاة وإبطالها، على إشكال، وعلى ضوء ما ذكرنا يجب أن يقول وجب القطع إلاّ أن يستلزم فوتَ الصلاة بالمرة، فيقدم على امتثال النهي عن أكل الحرام.
ويمكن أن يقال: يختلف حكم هذه الصورة مع حكم الصورة الثانية، فانّ الأمر فيها دائر بين الحرمتين: التكليفية والوضعية وبين قطع الصلاة، وأمّا المقام فلا دليل على حرمة بلعه إذا دخل الجوف وتمّ الأكل كما لا دليل على إبطالها الصوم . فالظاهر انّه يقدم الصلاة في جميع الأوقات في سعة الوقت وضيقه.
الخامسة: تلك الصورة وكان بلعها أمراً حلالاً، فيظهر حالها ممّا ذكرنا في الصورة الرابعة، بل أولى منها لعدم الشبهة التكليفية فيه ويبقى احتمال الحرمة الوضعية وإبطاله الصوم، وقد عرفت عدم كونه مبطلاً لتحقق الأكل بلا اختيار.
(*) الظاهر الجواز لعدم صدق القيء، وقد تقدم من الماتن في المسألة الخامسة من ذلك الفصل انّه لا يبطل الصوم بإنفاذ الرمح أو السكين أو نحوهما بحيث يصل إلى الجوف وإن كان متعمداً.

صفحه 252
المسألة78: لابأس بالتجشّؤ القهريّ وإن وصل معه الطعام إلى فضاء الفم ورجع بل لابأس بتعمّد التجشّؤ ما لم يعلم أنّه يخرج معه شيء من الطعام وإن خرج بعد ذلك وجب إلقاؤه ولو سبقه الرجوع إلى الحلق لم يبطل صومه وإن كان الأحوط القضاء.(*)
ـــــــــ
(*) أمّا إذا كان خارجاً عن الاختيار فواضح وإن رجع إلى الداخل، وأمّا إذا كان عن عمد، فقد خصّ المصنف الجواز بما إذا لم يعلم انّه يخرج معه شيء من الطعام، وقد عرفت جوازه حتى مع العلم بالخروج ما لم يصدق عليه التقيّؤ.
كما أنّه إذا سبقه الرجوع إلى الحلق، لا يبطل ما لم يصدق عليه الأكل تعمّداً واختياراً، كما سيوافيك في الفصل التالي.

صفحه 253

الفصل الثالث

في شرطية العمد و الاختيار

المفطرات المذكورة ما عدا البقاء على الجنابة الّذي مرّ الكلام فيه تفصيلاً إنّما توجب بطلان الصوم إذا وقعت على وجه العمد والاختيار، وأمّا مع السهو وعدم القصد فلاتوجبه من غير فرق بين أقسام الصوم من الواجب المعيّن والموسّع والمندوب، ولافرق في البطلان مع العمد بين الجاهل بقسميه والعالم، ولابين المكره وغيره، فلو أُكره على الإفطار فأفطر مباشرة فراراً عن الضرر المترتّب على تركه بطل صومه على الأقوى، نعم لو وجر في حلقه من غير مباشرة منه لم يبطل.(*)
ــــــــــــ
(*) في هذه المسألة فروع أربعة:
1. يعتبر في غير البقاء على الجنابة ـ على التفصيل المذكورـ العمد والاختيار في الإفطار، فلو صدر بدونهما سواء صدر بلا قصد إلى فعل المبطل، كما إذا قاء بلا اختيار، أو احتلم، أو سبق ماء المضمضة، أو صدر مع القصد إليه، لكن ناسياً صومه.
2. لا فرق في ذلك الحكم بين أقسام الصوم من الواجب المعيّـن والموسع والمندوب.
3. لا فرق في البطلان بين الجاهل بالحكم تقصيراً أو قصوراً والعالم.

صفحه 254
4. لا فرق بين المكره وغيره، إلاّ إذا لم يصدق العمد كما إذا وُجر في حلقه.
وإليك دراسة الفروع واحداً تلو الآخر.
أمّا الأوّل: أي إذا صدر عنه الفعل بلا قصد. فيدلّ على عدم كونه مفطراً، الأُمور التالية:
1. تقييد القيء بالعمد مثل قوله: «إن ذرعه من غير أن يتقيّأ»و« أو تقيأ من غير عمد».1
2. ما جاء في تعليل عدم مفطرية الاحتلام من أنّ «النكاح فعله، والاحتلام مفعول به».2
3. ما ورد في سبق ماء المضمضة انّه :«إن تمضمض في وقت فريضة فدخل الماء حلقه فليس عليه شيء، وقد تمّ صومه».3
4. ما دلّ على أنّه لا يضرّ الصائم ما صنع إذا اجتنب أربع خصال.4 وهو ظاهر في الاجتناب عن اختيار.
5. ما دلّ على صحّة صوم الناسي، مع كونه متعمداً وقاصداً إلى ذات الفعل. ففيما لا قصد فيه إلى الفعل يكون صحيحاً بطريق أولى.
والمجموع يشرف الفقيه على القطع بالحكم مضافاً إلى كونه أمراً متسالماً عليه.
وأمّا إذا قصد الفعل، ولكن نسي كونه صائماً، فيدل عليه ما مضى في محله

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 29 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1و2 وغيرهما.
(2) الوسائل: الجزء 7، الباب 35 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 4.
(3) الوسائل: الجزء 7، الباب 23 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 3.
(4) الوسائل: الجزء 7، الباب 1 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.

صفحه 255
من صحّة صوم الناسي إذا تناول المفطر أو جامع ناسياً1 و في بعضها: «إنّما هو شيء رزقه اللّه فليتم صومه أو شيء أطعمه اللّه إياه».
وربّما يستدل بما دلّ على القضاء فيمن أفطر متعمداً. وقد استشكل عليه: بأنّ القيد ورد في أربعة مواضع2 في سؤال الرواة، ومورد واحد في جواب الإمام3. فالأوّل: لا يحتج به، لأنّ اختصاص سؤاله بالعمد لا يدل على اختصاص الجواب به. وأمّا الثاني: فقد جاء في الجواب :«من أفطر يوماً من شهر رمضان متعمداً فعليه عتق رقبة مؤمنة ويصوم يوماً بدل يوم» فالجزاء فيها مجموع الحكمين: القضاء والكفارة، فلا تدل على تقييد القضاء به.
يلاحظ عليه: أنّ ورود القيد في كلام الرواة غير مرة يدل على وجود ارتكاز عندهم على صحّة صوم غير العامد، وإلاّ فلا معنى لوروده مرة بعد أُخرى، مضافاً إلى عدم تعرض الإمام إلى سعة الحكم وانّ العمد لا مدخلية له في الحكم.
أمّا الثاني: أي عدم الفرق بين أقسام الصوم، فيدل عليه إطلاق رواية الحلبي،4 وعمار بن موسى،5 و الزهري،6 ومحمد بن قيس،7و عمار الساباطي،8 وخصوص رواية أبي بصير في النافلة،9 والتعميم في مرسلة الفقيه،10 مضافاً إلى الاتّفاق المحكي وعدم الخلاف.
أمّا الثالث: أي عدم الفرق بين العالم والجاهل مقصراً أو قاصراً، فهذا ما سنطرحه تالياً.

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، جميع أحاديثه.
(2) الوسائل: الجزء 7، الباب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، 1، 2، 4، 13.
(3) الوسائل: الجزء 7، الباب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 11.
(4) الوسائل: الجزء 7، الباب 9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1، 2، 7، 9، 11، 10، 3.
(5) الوسائل: الجزء 7، الباب 9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1، 2، 7، 9، 11، 10، 3.
(6) الوسائل: الجزء 7، الباب 9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1، 2، 7، 9، 11، 10، 3.
(7) الوسائل: الجزء 7، الباب 9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1، 2، 7، 9، 11، 10، 3.
(8) الوسائل: الجزء 7، الباب 9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1، 2، 7، 9، 11، 10، 3.
(9) الوسائل: الجزء 7، الباب 9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1، 2، 7، 9، 11، 10، 3.
(10) الوسائل: الجزء 7، الباب 9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1، 2، 7، 9، 11، 10، 3.

صفحه 256

عموم الحكم للعالم والجاهل

قد تقدمت شرطية العمد والاختيار في مفطرية الأُمور الماضية، بقي الكلام في شرطية العلم بالحكم وعدمها، فالمشهور على عدم اشتراطه، وانّ العالم والجاهل في الوضع والتكليف سيّان، واستدلوا على ذلك بالأُمور التالية:
1. عموم أدلّة المفطرات وشمولها للعالم والجاهل.
2. انّ تخصيص الأحكام بالعالم، أمر مشكل حتى قيل انّه يستلزم الدور .
يلاحظ عليه: أنّه غير صحيح لإمكان تخصيصه به بدليل ثان غير الدليل الأوّل المتضمن لتشريع الحكم.
3. انّ تعلّق العلم والجهل بالأحكام، دليل ارتكازي على عمومه لهما، وإلاّ يكون التقسيم غير صحيح.
ثمّ إنّ البحث في المقام، يرجع إلى الجاهل المقصر التارك للفحص، وأمّا القائم بالفحص وعدم العثور على دليل ومع استقلال عقله بالبراءة أو حكم الشرع عليه بالرفع فهو خارج عن مصبِّ الحكم داخل في مبحث الإجزاء والتعبد بالأحكام الظاهرية.
نعم خرج عن تحت القاعدة الموارد التالية:
1. من جهر في موضع المخافتة وخافت في موضع الجهر.
2. من أتم في موضع القصر، ولا عكس.
3. من تزوّج في العدة بلا دخول وكان جاهلاً بالتحريم.1
وأمّا ما عدا ذلك، فالجاهل والعالم سيان عملاً بالإطلاقات إلاّ ما خرج

(1) دلت عليه صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج، راجع الوسائل: الجزء 14، الباب 17 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة، الحديث 4.

صفحه 257
بالدليل.
وذهب صاحب الحدائق في المقام (وتبعه السيد الحكيم في خصوص الجاهل المقصر غير المردّد) إلى اختصاص البطلان بالعالم بالحكم مستدلين بالروايتين التاليتين:
1.موثقة زرارة وأبي بصير قالا جميعاً: سألنا أبا جعفر (عليه السلام)عن رجل أتى أهله في شهر رمضان و أتى أهله وهو محرم وهو لا يرى إلاّ أنّ ذلك حلال له؟ قال: «ليس عليه شيء».1
وجه الاستدلال: انّ بين مفاد الإطلاقات والموثقة عموماً وخصوصاً من وجه; فالأُولى عامة من حيث شمولها العالم والجاهل، وخاصة باختصاصها بالقضاء; والثانية عامة لشمول النفي، القضاء والكفارة، وخاصة باختصاصها بالجاهل، فيتعارضان في الجاهل في مورد القضاء ويتساقطان، ويكون المرجع الأصل العملي، وهو البراءة من وجوبه.
وأُجيب عن الاستدلال: بأنّ المنفيّ في ظرف الجهل إنّما هو الأثر المترتب على الفعل وانّه ليس عليه شيء من ناحية الفعل الصادر عن جهل لا ما يترتب على الترك، ومن المعلوم أنّ الأثر المترتب على الفعل، أعني: الإفطار، إنّما هو الكفّارة فقط، فهي المنفي; وأمّا القضاء، فليس هو من آثار الفعل، وإنّما هو من آثار ترك الصوم، وعدم الإتيان به في ظرفه على وجهه، فهو أثر للعدم لا للوجود.
نعم لأجل الملازمة بين الأمرين، أعني :الإفطار وترك الصوم، صحّ اسناد أثر أحدهما إلى الآخر مجازاً وبنحو من العناية فيقال: الإفطار موجب للقضاء مع أنّ الموجب لازمه وهو ترك الصوم.2

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 12.
(2) مستند العروة الوثقى: كتاب الصوم:1/254.

صفحه 258
يلاحظ عليه: أنّ ما ذكره دقة فلسفية لا يلتفت إليه العرف، ولذلك نرى أنّ القضاء في بعض الروايات، رتب على نفس الإفطار، بدون تجوّز وعناية.1
والأولى أن يقال انّ المدّعى صحيح، ولكن وجه اختصاص الموثقة بالكفارة هو انّ المرتكز في ذهن الرواة في هذه الموارد، هو ترتب الكفارة وعدمها، (لا القضاء) وكأنّ القضاء كان أمراً مسلّماً، ويدل على ذلك رواية الصدوق عن أبي جعفر(عليه السلام): انّ رجل أتى النبي فقال: هلكت وأهلكت فقال: ما أهلكك؟ فقال: أتيت امرأتي في شهر رمضان وأنا صائم فقال النبي: «اعتق رقبة».2
وبما انّ السؤال كان عن كيفية الخروج عن المهلكة أشار النبي إلى الكفارة دون القضاء وكأنّه كان أمراً مسلماً، وعليه فالرواية ناظرة لمثل هذه الحادثة.
2. ما رواه عبد الصمد بن بشير، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)، قال: جاء رجل يلبِّي حتى دخل المسجد وهو يلبّي وعليه قميصه، فوثب إليه ناس من أصحاب أبي حنيفة، فقالوا: شُقَّ قميصك وأخرجه من رجليك، فانّ عليك بدنة وعليك الحجّ من قابل، وحجّك فاسد. فطلع أبو عبد اللّه (عليه السلام)على باب المسجد فكبّر واستقبل الكعبة، فدنا الرجل من أبي عبد اللّه (عليه السلام)وهو ينتف شعره ويضرب وجهه، فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): «اسكن يا عبد اللّه» فلمّا كلمه ـ وكان الرجل أعجمياً ـ فقال: ما تقول؟ قال: كنت رجلاً أعمل بيدي، فاجتمعت لي نفقة فجئت أحج لم أسأل أحداً عن شيء، فأفتوني هؤلاء أن أشقّ قميصي وأنزعه من قبل رجلي وانّ حجّي فاسد وانّ عليّ بدنة فقال له: «متى لبست قميصك أبعد ما لبيّت أم قبل؟» قال: قبل أن أُلبّي، قال: «فاخرجه من رأسك، فانّه ليس عليك بدنة وليس عليك حجّ من قابل . أيّ رجل ركب أمراً بجهالة فلا شيء عليه. طف بالبيت سبعاً وصلّ

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 11 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ، الحديث 2.
(2) الوسائل: الجزء 7، الباب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 5.

صفحه 259
ركعتين عند مقام إبراهيم (عليه السلام)واسع بين الصفا والمروة، وقصّر من شعرك، فإذا كان يوم التروية فاغتسل وأهلّ بالحج، واصنع كما يصنع الناس».1
يلاحظ عليه: أنّ لُبس ثوبي الإحرام واجب ولكن لا يبطل الإحرام بتركه، وفي المدارك: ولو أخل باللُّبس ابتداءً، فقد ذكر جمع من الأصحاب انّه لا يبطل إحرامه وإن أثم، وهوحسن، لإطلاق ما دلّ على حصول الإحرام بالنية والتلبية.2
وعلى فرض شرطية الثوب في صحّة الإحرام، فالرجل قد كان واجداً لهذا الشرط، وإن كان مقروناً بالمانع وهو لبس المخيط تحته، فعلى هذا فلم يفته شيء من الفريضة، أمّا الإحرام فقد أحرم، وأمّا سائر الأعمال فقد أمر الإمام بالإتيان بها ولم يفته شيء، ولذلك أمر الإمام بالاستمرار على العمل.
فقوله: أي رجل ركب أمراً لجهالة فلا شيء عليه، يريدمثل هذا الرجل الذي لم يفته من الفريضة شيء، غير انّه يحتمل لزوم الكفّارة عليه فنفاها الإمام بحجّة انّها للعالم لا للجاهل، وليس لقوله:«أي رجل ركب...» مطلق الجاهل الذي ترك الفريضة وأبطلها، كما لا يخفى.
وأمّا الفرع الرابع فهو ما يلي ضمن أمرين:

1. لا فرق بين المكره وغيره

لو أُكره على الإفطار فأفطر مباشرة فراراً عن الضرر المترتب على ترك ما أُكره عليه، بطل صومه، وذلك لإطلاق أدلّة المفطرات، ولا وجه لانصرافها عن الإفطار عن إكراه بعد كونه فعلاً اختيارياً وإن لم يكن بطيب النفس عليه.
ويؤيده ما روي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)بطرق متعددة: «إفطاري يوماً وقضاؤه

(1) الوسائل: الجزء 10، الباب 45 من أبواب تروك الاحرام من كتاب الحج، الحديث 3.
(2) الجواهر: 18/234.

صفحه 260
أيسر عليّ من أن يضرب عنقي ولا يعبد اللّه».1
يلاحظ عليه: بما ذكرنا سابقاً من نظائر المقام، وهو انّه إذا قلنا بالإجزاء في مورد امتثال أمر المولى بالأمر الظاهري أو الواقعي الثانوي، كالتقية والإكراه والإضطرار، أو أصل البراءة عند الجهل، يكون الإجزاء موافقاً للقاعدة، فإذا أفطر في جزء من الزمان وأمسك الباقي، يكون أشبه بمن ترك جزء الصلاة، جهلاً أو نسياناً أو اضطراراً وقد امتثل أمر المولى في عامة الزمان، إلاّ في جزء خاص، فإذا كان الإفطار مرفوعاً، وكان الإفطار كلا إفطار، صحّ صومه، ولولا ظهور الاتفاق على القضاء وما عرفت من المرسلة لكان القول بعدم القضاء أوجه.
والظاهر من الشيخ الطوسي صحّة الصوم وعدم وجوب القضاء والكفارة قال: من أكره على الإفطار لم يُفطِر، ولم يلزمه شيء، سواء كان إكراه قهر، أو إكراه على أن يفعل باختياره.
وقال الشافعي: إن أُكره إكراه قهر مثل أن يصبّ الماء في حلقه لم يفطر، وإن أُكره حتى أكل بنفسه فعلى قولين.
ثمّ استدل بحديث الرفع.2
ثمّ إنّ المحقّق الخوئي استقرب البطلان بالبيان التالي: إنّ الأمر بالصوم قد تعلّق بمجموع التروك من أوّل الفجر إلى الغروب، وليس كلّ واحد من هذه التروك متعلّقاً لأمر استقلالي، بل الجميع تابع للأمر النفسي الوجداني المتعلّق بالمركب، فإذا تعلّق الإكراه بواحد من تلك الأجزاء، فمعنى رفع الأمر به، رفع الأمر النفسي المتعلّق بالمجموع المركب، لعدم تمكنه حينئذ من امتثال الأمر بالاجتناب عن

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 5.
(2) الخلاف:2/195، كتاب الصوم، المسألة 46.

صفحه 261
مجموع هذه الأُمور، فإذا سقط ذلك الأمر، بحديث الرفع، فتعلّق الأمر حينئذ بغيره يحتاج إلى الدليل.1
ومن المعلوم أنّ حديث الرفع شأنه الرفع لا الوضع. فهو لا يتكفّل لنفي المفطرية عن الفعل الصادر عن إكراه ليُنتج كون الباقي مأموراً به ومجزياً.
يلاحظ عليه: أنّه ليس للأوامر الضمنية واقعية سوى انبساط الأمر الوحداني على الأجزاء من خلال تعلّقه بالعنوان الذي هونفس الأجزاء في ثوب الوحدة، كما أنّ الأجزاء عبارة عن نفس العنوان في مرآة الكثرة. وعلى ذلك فليس تعلّق الأمر النفسي بكلّ جزء رهن تعلّقه بالجزء الآخر وإلاّ يكون من قبيل الواجب بشرط شيء، وهو خلاف المفروض، بل الواجب كلّ جزء من الأجزاء في حال وجوب الجزء الآخر.
فلو دلّ الدليل على سقوط الأمر عن جزء خاص، فلا يكون دليلاً على سقوطه عن الجزء الآخر.
ويظهر ذلك بما ذكرناه في محلّه من أنّ دعوة الأمر إلى كلّ جزء بنفس دعوته إلى الكل، لا بدعوة خاصة وانّ الإتيان بكلّ جزء، امتثال للأمر النفسي، لا للأمر الضمني الموهوم، وبما انّ ماهية المأمور به أمر تدريجي، يكون امتثاله أيضاً تدريجياً.

2. الإيجار في حلقه

لو أُجِر في حلقه من غير مباشرة لم يبطل لعدم صدق الإفطار عن اختيار.

(1) مستند العروة الوثقى: كتاب الصوم:1/258.

صفحه 262
المسألة 1: إذا أكل ناسياً فظنّ فساد صومه فأفطر عامداً بطل صومه، وكذا لو أكل بتخيّل أنّ صومه مندوب يجوز إبطاله فذكر أنّه واجب.(*)
ــــــــــــ
(*) قال الشيخ: إذا أكل ناسياً فاعتقد انّه أفطر، فجامع، وجب عليه الكفارة.
وقال الشافعي في الأُمّ : لا كفارة عليه.
دليلنا : انّه وطء في صوم صحيح في شهر رمضان يجب أن تلزمه الكفارة لدخوله تحت عموم الأخبار الواردة في هذا المعنى.1
أقول: المسألة مزيجة من النسيان والجهل، وقد تقدم انّ الإفطار في صورة النسيان، لا يبطل كما أنّه في صورة الجهل بالحكم يبطل، فيقع الكلام فيما إذا اجتمع النسيان مع الجهل، كما إذا أكل ناسياً، فظن فساد صومه ـ جهلاً ـ فأفطر عامداً. فهو ملحق بالجاهل، لأنّ الإفطار الأوّل وإن كان مستنداً إلى النسيان، لكن الثاني مستند إلى الجهل بالحكم حيث زعم فساد صومه، فأفطر مع أنّ صومه كان صحيحاً وكان عليه الإمساك إلى الليل، فيشمله حكم الجاهل من لزوم القضاء.
نعم هنا فرق بين المقام وما تقدم من الجاهل بالحكم، حيث إنّ الثاني يعتقد بكونه صائماً ويجهل بكون الارتماس مثلاً مفطّراً، بخلاف المقام حيث يعتقد فيه بأنّه غير صائم، ويعلم أنّ ما يتناوله ـ لو كان صائماً ـ مفطر.
ولكن هذا المقدار من التفاوت لا يؤثر في الحكم، فكلّ واحد تناول المفطر بزعم انّه حلال، غير انّ المبدأ لارتكابه يكون تارة الجهل بكونه مفطراً، وأُخرى الجهل بحكم صومه الذي أفطره نسياناً، فمقتضى إطلاقات أدلة المفطرات هو بطلان صومه وعليه القضاء.
ثمّ إنّ السيد الحكيم (قدس سره)حاول إبداء الفرق بين الصورتين، وقال بأنّه لو قلنا

(1) الخلاف:2/190، كتاب الصوم، المسألة 39.

صفحه 263
المسألة 2: إذا أفطر تقيّة من ظالم بطل صومه.(*)
ـــــــــــ
بدخول الصورة الأُولى تحت موثقة زرارة أو صحيحة عبد الصمد، فلا وجه لإدخال الثانية تحتهما، وحاول السيد الخوئي مساواتهما أمامهما وانّ الفرق غير فارق.
ونحن في غنى عن الأمرين لما عرفت من أنّهما غير ناظرين إلى سقوط القضاء عن الجاهل بالحكم، بل تدلاّن على نفي الكفارة عنه.
ثمّ إنّ لفظة «فظن» في عبارة المصنّف بمعنى الاطمئنان والعلم العرفي، وإن شئت قلت: بمعنى «اعتقد»، و إلاّفلو كان بمعنى الظن المقابل لليقين يكون البطلان واضحاً غير محتاج إلى البحث لصدق التعمد بخلاف صورة القطع، إذ يكون للبحث فيه مجال.
(*) التقيّة من ظالم في شهر رمضان يتصور على وجهين:
1. التقيّة في كيفية الصيام بإتيان ما لا يرونه مفطراً كالإفطار قبل ذهاب الحمرة و الارتماس في الماء، كلّ ذلك تقية.
2. التقية في ترك الصوم كالإفطار يوم العيد.
هل يبطل الصوم في كلتا الصورتين اعتماداً على أدلّة القضاء، أو يصحّ مطلقاً اعتماداً على نصوص مشروعية التقية، أو يفصل بينهما بالصحّة في الأُولى والبطلان في الثانية، كما هو المحكيّ عن نجاة العباد من الإجزاء إذا تناول ما ليس مفطراً عندهم، أو أفطر قبل الغروب تقية، ووجوب القضاء فيما لو أفطر بما هو مفطر عندهم، وجوه ثلاثة:
والمهم دراسة أدلّة التقية، ومقدار دلالتها على الإجزاء.

صفحه 264
وحاصل الفرق انّه لو صام على طريقتهم كما إذا اجتنب عن الأكل والشرب والجماع ولم يجتنب عن الارتماس، فهو جدير بالبحث، وانّ أدلّة التقية هل تتكفل بإضفاء الصحّة على العمل؟ وأمّا لو أفطر بشيء اتّفق الفريقان على كونه مفطِّراً كالأكل في آخر شهر رمضان وقد حكم حاكم الجور بكونه يوم الفطر وكانت المخالفة مظنة الضرر، فلا موضوع للبحث عن الإجزاء، لأنّه لم يصم ولم يأت بعمل عبادي، حتى يقوم الناقص مكان الكامل، نظير ما إذا لم يصلّ تقية من الكافر.
أقول: قد تقدم الكلام في المكره من أنّه إذا صام طول النهار وأُكره على الأكل في فترة منه، فقد قلنا بقيام العمل الناقص مكان الكامل، وليس هذا مثل ما إذا لم يأت بعمل بتاتاً وفي المقام، لو أفطر بمقدار ارتفعت به التقية، وصام إلى الليل، فيقع البحث في إقامة العمل الناقص مكان الكامل.
وعلى كلّ تقدير فسواء أكان البحث مركزاً على القسم الأوّل أو عامّاً يعم القسمين، يقع الكلام في مفاد أحاديث التقية.
أمّا صحّة العمل الجاري على وفق التقية، كما إذا فقد الشرط أو الجزاء واقترن بالمانع فيدل عليه الروايات في الأبواب التالية، ونقتصر في كلّ باب برواية واحدة.

1. وجوب غسل الرجلين تقية

عن داود بن زربي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن الوضوء؟ فقال لي: «توضأ ثلاثاً، ثلاثاً»، قال: ثمّ قال لي :«أليس تشهد بغداد وعساكرهم؟» قلت: بلى، قال: فكنت يوماً أتوضأ في دار المهدي، فرآني بعضهم وأنا لا أعلم به، فقال:كذب من زعم أنّك فلاني وأنت تتوضأ هذا الوضوء قال: فقلت: لهذا واللّه أمرني.1

(1) الوسائل: الجزء 1، الباب 32 من أبواب الوضوء، الحديث 1. و لاحظ الحديث 2و3و 4.

صفحه 265

2. جواز الصلاة خلف المخالف تقية

روى حماد بن عثمان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)انّه قال: «من صلّى معهم في الصفّ الأوّل، كان كمن صلّـى خلف رسول اللّه في الصفّ الأوّل».1
روى عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: قلت :إنّي أدخل المسجد وقد صلّيت، فأصلّي معهم فلا احتسب بتلك الصلاة؟ قال: «لا بأس، وأمّا أنا فأُصلّي معهم وأُريهم أنّي أسجد وما أسجد».2
عن سماعة قال: سألته عن رجل كان يصلّي فخرج الإمام وقد صلّى الرجل ركعة من صلاة فريضة؟ قال: «إن كان إماماً عدلاً فليصلّ أُخرى، وينصرف، ويجعلهما تطوّعاً، وليدخل مع الإمام في صلاته كما هو، وإن لم يكن إمام عدل، فليبن على صلاته كما هو، ويصلّي ركعةً أُخرى ويجلس قدرَ ما يقول: أشهد أن لاإله إلاّاللّه وحده لا شريك له وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله، ثمّ ليتمّ صلاته معه على ما استطاع، فانّ التقية واسعة».3

3. الاتّباع في الفطر والأضحى

روى أبو الجارود قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام)انّا شككنا سنة في عام من تلك الأعوام في الأضحى، فلمّـا دخلت على أبي جعفر(عليه السلام)وكان بعض أصحابنا يضحِّي فقال: «الفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحِّي الناس، والصوم

(1) الوسائل: الجزء5، الباب 5 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 1. ولاحظ: الحديث: 2، 3، 4، 5، 6، 7، 8، 9، 10.
(2) الوسائل: الجزء 5، الباب 6 من أبواب صلاة الجماعة ، الحديث 8 وغيره.
(3) الوسائل: الجزء 5، الباب 56 من أبواب صلاة الجماعة، الحديث 2.

صفحه 266
يوم يصوم الناس».1
نعم القدر المتيقن من الرواية هو عدم تبيين الخلاف بقرينة قوله: إنّا شككنا سنة في عام من تلك الأعوام في الأضحى، ولا يعمّ العلم بالخلاف، لكن في سائر الروايات وما يأتي غنى وكفاية.
هذا بعض ما ورد من الروايات الواردة في أبواب خاصة.
ثمّ إنّ هنا روايات، يستفاد منها مضيّ كلّ عمل أتى به المكلّف عن تقية:
1. روى الكليني بسند صحيح عن أبي جعفر انّه يقول: «التقية في كلّ شيء يضطر إليه ابن آدم، فقد أحلّه اللّه له». 2 والسند ينتهي إلى الأكابر من أصحاب الإمام أبي جعفر(عليه السلام)، كإسماعيل بن جابر الجعفي الذي وثّقه الشيخ والعلاّمة، ومعمر بن يحيى بن سالم ـ كما في نسخة الوسائل، أو ابن سام كما في نسخة رجال النجاشي، أومسافر كما في رجال ابن داود و قال: كذا رأيته بخط الشيخ أبي جعفر(رحمه الله)عرّفه النجاشي بقوله: كوفي عربي، صميم، ثقة متقدم ـ ومحمد بن مسلم وزرارة .
والمراد من قوله: «أحلّه اللّه» هو الحلية الوضعية مثل قوله سبحانه: (إِنَّما الْبَيعُ مِثْل الرِّبا وَأَحلَّ اللّهُ البيعَ وحرّمَ الرِّبا).3 فإذا كان نافذاً، وضعاً يكون حلالاً شرعاً ومعنى تنفيذه انّه يترتب عليه آثار الصحة وسقوط القضاء والإعادة.
وليس المراد مجرّد الحلية التكليفية، فقط إذ لم تكن الحلية به بهذا المعنى أمراً خفياً على شيعتهم إذا عملوا بالتقية وأعادوا العمل في الوقت أو خارجه، وإنّما

(1) الوسائل: الجزء 7 ، الباب 57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 7.
(2) الوسائل: الجزء 11، الباب 25 من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الحديث 2.
(3) البقرة:275.

صفحه 267
الخفي هو قيام ذلك العمل الموافق لمذهب المخالف، مكانَ العمل الموافق للمذهب الحقّ.
وقد روى الكليني عن زرارة، عن أبي جعفر(عليه السلام):« التقية في كلّ ضرورة وصاحبها أعلم بها حين تنزل به».1
وروى البرقي في المحاسن عن معمر2 بن يحيى بن سالم، عن أبي جعفر(عليه السلام): «التقية في كلّ ضرورة».3 والمجموع رواية واحدة لاتحاد المروي عنه راوياً وإماماً، وقد نقلت الأخيرتان غير كاملتين وإذا دار الأمر بين النقيصة والزيادة السهويين، فالنقيصة أولى، لكثرة النقيصة السهوية وندرة الزيادة كذلك.
2. روى الكليني بسند صحيح عن هارون بن مسلم السرمن رائي الثقة، عن مسعدة بن صدقة ـ الزيدي البتريّ الذي يقول في حقّه العلاّمة المامقاني:والإنصاف انّ الرجل ثقة ـ عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)في حديث طويل: «فكلّ شيء يعمل المؤمن ، بينهم لمكان التقية مما لا يؤدّي إلى الفساد في الدين فإنّه جائز».4
وطريق الاستدلال واحد.
ثمّ إنّ هناك طريقاً آخر لإثبات إجزاء العمل الصادر عن تقية، وهو انّ الروايات الكثيرة الهائلة الباعثة إلى العمل بالتقية في كلّ شؤون الدين على نحو يقول الإمام:«لا دين لمن لا تقيه له» .5 تدل بالملازمة العادية على أنّ الشارع اكتفى في امتثال أوامره ونواهيه في ظروف الاضطرار والخوف على النفس والعرض

(1) الوسائل: الجزء 11، الباب 25 من أبواب الأمر بالمعروف، الحديث 1، 8، 6.
(2) وفي الوسائل المطبوع عمر مكان معمر وهو تصحيف.
(3) الوسائل: الجزء 11، الباب 25 من أبواب الأمر بالمعروف، الحديث 1، 8، 6.
(4) الوسائل: الجزء 11، الباب 25 من أبواب الأمر بالمعروف، الحديث 1، 8، 6.
(5) الوسائل: الجزء 7، الباب 57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 3.

صفحه 268
والمال، بأداء العمل على النهج المألوف بين أهل الخلاف، إذ لو كان العمل غير مجز كان عليه التصريح بلزوم الإعادة والقضاء ولو مرّة واحدة مع أنّك لا تجد بين هذه الروايات الكثيرة التي يبلغ عددها إلى أربع وخمسين رواية1 ما يدلّ على لزوم الإعادة والقضاء، وقد قلنا في مبحث الإجزاء من علم الأُصول انّ في الأمر بالعمل بالأمارة في الأجزاء والشرائط والموانع، دلالة واضحة على أنّ الشارع اكتفى في امتثال سننه وفرائضه ومكروهاته ومحظوراته على ما يصل إلى المكلّف من خلال الأمارة وسائر الحجج الشرعية، والقول بعدم الإجزاء في مورد التقية مطلقاً أو الاقتصار في القول بالاجتزاء بباب الطهارة والصلاة ، كما عليه السيد المحقّق الخوئي في مستند العروة، كأنّه في غير محلّه.
ثمّ إنّ السيد الحكيم (قدس سره)استدل برواية لا دلالة لها على الإجزاء قال: ظاهر جملة من النصوص الواردة في الأمر بالتقية:صحّة العمل الجاري على طبق التقية وإن وجد مانعاً أو فقد شرطاً أو جزءاً، مثل المصحح عن أبي عمر الأعجمي: قال لي أبو عبد اللّه(عليه السلام): «يا أبا عمر انّ تسعة أعشار الدين التقية. ولا دين لمن لا تقية له. والتقية في كلّ شيء، إلاّ في النبيذ، والمسح على الخفين».2 فانّ استثناء المسح على الخفين يقتضي شمول المستثنى منه للحكم الوضعي، ومصحح زرارة: «قلت له: في مسح الخفين تقية ؟فقال (عليه السلام): «ثلاثة لا أتّقي فيهن أحداً: شرب المسكر، ومسح الخفين، ومتعة الحجّ»3.4
وأورد عليه السيد الخوئي (قدس سره)بأنّ الرواية قاصرة الدلالة، فإنّ الاستثناء في

(1) جامع أحاديث الشيعة، الجزء 14، الباب 1 من أبواب وجوب التقية، ولاحظ سائر الأبواب.
(2) الوسائل: الجزء 11، الباب 24 من أبواب الأمر والنهي، الحديث 3; والباب 25 من هذه الأبواب، الحديث 3.
(3) الوسائل: الجزء 11، الباب 25 من أبواب الأمر والنهي، الحديث 5.
(4) مستمسك العروة الوثقى:8/320.

صفحه 269
المسألة 3: إذا كانت اللقمة في فمه وأراد بلعها لنسيان الصوم فتذكّر وجب إخراجها، وإن بلعها مع إمكان إلقائها بطل صومه، بل تجب الكفّارة
ــــــــــــ
قوله: «التقية في كلّ شيء إلا...» استثناء عما ثبت، والذي ثبت، هو الوجوب بقرينة: «انّ من لا تقية له لا دين له» ويكون معنى الرواية انّ التقية واجبة إلاّ في هذه الثلاثة وأين هذا من الدلالة على الاجزاء.1
والظاهر انّ الرواية قاصرة الدلالة من جهة أُخرى، وهي انّها بصدد حدّ التقيّة في الإفتاء، وانّه يجب الإفتاء بالتقية في عامة المسائل إلاّ في هذه المسائل الثلاث، ولذلك قال الإمام في الرواية الثانية: «ثلاثة لا اتّقي فيهن أحداً» وليست في مقام بيان حدّ التقية في العمل في مقام العمل، ولعلّ عدم اتقائه فيها في مقام الإفتاء هو كونها من المسائل المختلف فيها وليس للمخالفين فيها رأي واحد.
وبذلك تُعلم صحّة العمل الجاري على وجه التقية من غير فرق بين الأجزاء والشرائط، وغيرهما كما إذا أفطر يوم فطرهم عن تقية وأمسك عنه إلى المغرب، فهو محكوم بالصحّة والإجزاء، لأنّ الصوم عمل مستمر من الفجر إلى المغرب وقد ابتلى بالتقية في جزء من النهار واقتصر بالمقدار الذي يرتفع به التقية، ولكنّه صام تمام النهار فهو من مصاديق قوله: كلّما اضطر إليه ابن آدم فقد أحلّه اللّه له وأنفده.
وأمّا ما ورد من قوله: «إفطاري يوماً وقضاؤه أيسر علي من أن يضرب عنقي ولا يعبد اللّه».2 فقد تقدّم انّه ورد في رواية واحدة وهي مرسلة لا يحتج بها ولم يرد في سائر الروايات.

(1) مستند العروة الوثقى: كتاب الصوم: 1/265.
(2) الوسائل: الجزء 7، الباب 57 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ، الحديث 5.

صفحه 270
أيضاً، وكذا لو كان مشغولاً بالأكل فتبيّن طلوع الفجر.(*)
المسألة4: إذا دخل الذباب أو البقّ أو الدخان الغليظ أو الغبار في حلقه من غيراختياره لم يبطل صومه، وإن أمكن إخراجه وجب ولو وصل إلى مخرج الخاء.(**)
المسألة 5:إذا غلب على الصائم العطش بحيث خاف من الهلاك يجوز له أن يشرب الماء مقتصراً على مقدار الضرورة، ولكن يفسد صومه بذلك، ويجب عليه الإمساك بقيّة النهار إذا كان في شهر رمضان، وأمّا في غيره من الواجب الموسّع والمعيّن فلايجب الإمساك، وإن كان أحوط في الواجب المعيّن.(***)
ــــــــــــــــ
(*) قد تبين ممّا سبق حكم هذه المسألة، وقد مضى الفرق بين الأكل بعد الفحص عن طلوع الفجر والأكل بدونه وانّ القضاء يختص بالأوّل دون الثاني.
(**) تقدم الكلام فيه وانّه لو دخل الجوف وإن أمكن إخراجه، فلا دليل على وجوب إخراجه لعدم صدق الأكل عندئذ كما لا دليل على حرمة بلعه مع قطع النظر عن الصوم.

(***) فيه فروع:

1. إذا غلب على الصائم العطشُ بحيث خاف من الهلاك، قال المصنّف : يجوز له أن يشرب، بل يجب للزوم صيانة النفس عن الهلاك، ولعلّ التعبير بالجواز، لدفع توهم الحظر، ومثله إذا كان حرجاً أو خاف ضرراً فيجوز الشرب لدليل نفي الحرج، والضرر على القول بأنّ المراد منهما عدم جعل حكم ضرري أوحرجيّ،

صفحه 271
كما هو الظاهر في الثاني دون الأوّل.
2. يقتصر على مقدار الضرورة، لأنّها تتقدّر بقدرها، وهو مقتضى موثقة عمار،1 وخبر المفضّل.2
ففي الأوّل في الرجل يصيبه العطاش حتى يخاف على نفسه؟ قال (عليه السلام): «يشرب بقدر ما يُمسِك رمقَه، ولا يشرب حتى يروي». وفي نسخه الوسائل: «العطاش» ولكنّه تصحيف، سواء أكان بكسر الفاء فهو جمع العطشان، ولا يصحّ اسناد الإصابة إليه أو بضمها، فهو داء يصيب الإنسان فيشرب الماء ولا يروى والمفروض انّه يروي، وهذا يكشف عن كون النسخة غلطاً، والصحيح :العطش كما في التهذيب،3 وعليه عنوان الباب في الوسائل.
3. يفسد صومه بذلك قيل لاستعمال المفطِّر اختياراً وأدلّة رفع الاضطرار لا تدل على صحة الصوم، لأنّها إنّما ترفع الحكم التكليفي، فغايته جواز الشرب الذي كان محرماً في نفسه، وأمّا صحّة الصوم ليجزي بالإمساك عن الباقي، فلا دليل عليها.

يلاحظ عليه بأمرين:

أ. الملازمة العرفية بين تجويز الإفطار بمقدار الضرورة، وصحّة صومه وقد مرّ نظيره.
ب. انّ الصحّة مقتضى إطلاق دليل الفريضة، حيث ينطبق عليه عنوان الصوم، نظير الإفطار عن نسيان أو تقيّة كما مرّ، ويؤيّد ذلك سكوت الإمام عن

(1) الوسائل: الجزء7، الباب 16 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1،2.
(2) الوسائل: الجزء7، الباب 16 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 1،2.
(3) التهذيب: 4/240، باب العاجز عن الصيام، الحديث 9.

صفحه 272
المسألة6:لايجوز للصائم أن يذهب إلى المكان الذي يعلم اضطراره فيه إلى الإفطار بإكراه أو إيجار في حلقه أو نحو ذلك، ويبطل صومه لو ذهب وصار مضطرّاً، ولو كان بنحو الإيجار بل لايبعد بطلانه بمجرّد القصد إلى ذلك فإنّه كالقصد للإفطار.(*)
ــــــــــــ
القضاء، واحتمال أنّ سكوته لأجل كون المخاطب عارفاً به، أوّلاً، لأنّه لم يكن في مقام البيان، كما ترى.
4. يجب عليه الإمساك بقية النهار: تدل عليه الموثقة الماضية، ومن المعلوم عدم الفرق بين النهي عن الارتواء وسائر المفطرات، وقد مرّ الإمساك التأدبي فيمن أفطر يوم الشك من رمضان ثمّ تبين انّه من رمضان.
5. هل يختص الإمساك بشهر رمضان كما هو المتبادر من الموثقة، أو يعمّ الواجب المعيّن؟ فعلى ما سلكناه من الصحّة لا كلام في وجوب الإمساك في الصيام المعيّن، وعلى القول ببطلانه فلا دليل على وجوبه في غير رمضان، لأنّ الموثقة وخبر مفضل منصرفة إلى شهر رمضان، بشهادة أنّه يقول: إنّ لنا فتيات وشبّان لا يقدرون على الصيام. ومثله الموثقة، فهي إمّا منصرفة، أو مهملة من هذه الجهة، فلا يمكن التمسك بإطلاقها.
(*) لا يجوز للصائم أن يذهب إلى المكان الذي يعلم أنّه يُكْره على الإفطار بإيعاد فيختار الإفطار دفعاً للضرر، لصدق الاختيار والإفطار عن عمد، لما عرفت من أنّ الفعل الصادر عن إكراه من مصاديق الاختيار.
ومثله ما لو اضطر إلى الإفطار، مثلاً يعلم أنّه إن يذهب إلى مكان يغلب عليه العطش على نحو لو لم يشرب الماء لهلك.

صفحه 273
بل يمكن أن يقال إنّه بمجرد القصد إلى الذهاب يبطل صومه، لكونه ناوياًللقاطع، هذا مما لا سترة عليه.
إنّما الكلام فيما إذا ذهب إلى مكان يعلم أنّه يضطر إلى الإفطار بنحو الايجار،فلا شكّ أنّه لو ذهب وأُوجر، يكون صومه باطلاً، لأنّ الايجار وإن كانفعلاً غير اختياري لكنّه بالنسبة إلى مقدماته اختياري بوسعه أن لا يذهب.
هل يبطل صومه هذا بمجرّد القصد إلى ذلك، أو لا؟ مال السيد الحكيم إلى الوجه الثاني، قائلاً بأنّه غير مفطِّر نظير الاحتلام، لأنّه مفعول به، فالعمد إليه ليس عمداً إلى المفطِّر حتى يكون حراماً، فالعمد إليه بالذهاب ليس عمداً إلى الحرام كما إذا علم أنّه إذا نام يحتلم، أو إذا أكل في الليل شيئاً احتلم.1
يلاحظ عليه أوّلاً: لا نسلّم أنّ الإيجار على وجه الإطلاق غير مفطر وإنّما هو كذلك إذا لم يكن اختيارياً ولو باختيار ما ينتهي إليه من المقدمة، وأمّا معه فهو فعل اختياري تسبيبيّ ومفطِّر قطعاً.
وثانياً: وجود الفرق بين الاحتلام والايجار، بأنّ الاحتلام ليس من المفطرات، وإنّما المفطر هو الجماع، أو الاستمناء أو البقاء على الجنابة، فلا يكون شرب الدواء حراماً وإن انتهى إلى الاحتلام، وهذا بخلاف الأكل والشرب فانّهما من المفطرات إذا صدرا عن اختيار، ومناطه كون الفعل أعمّ من أن يكون بنفسه أو مقدماته اختيارياً.

(1) المستمسك: 8/325.

صفحه 274
المسألة7: إذا نسي فجامع لم يبطل صومه، وإن تذكّر في الأثناء وجب المبادرة إلى الإخراج، وإلاّ وجب عليه القضاء والكفّارة.(*)
ــــــــ
(*) مرّ الكلام فيها في الفصل الثاني، من كتابنا هذا في المسألة 12 فلاحظ.

صفحه 275

الفصل الرابع

فيما لا يفسد الصوم

لابأس للصائم بمصّ الخاتم أو الحصى، ولابمضع الطعام للصبيّ،ولابزقّ الطائر، ولابذوق المرق ونحو ذلك ممّا لايتعدّى إلى الحلق، ولايبطل صومه إذا اتّفق التعدّي إذا كان من غير قصد ولاعلم بأنّه يتعدّى قهراً أو نسياناً أمّا مع العلم بذلك من الأوّل فيدخل في الإفطار العمديّ.(*)
ـــــــــ
(*) ذكر في هذا الفصل أُموراً ربما يتوهم كونها ممنوعة على الصائم وليس بممنوع، لعدم كونها من المفطّرات التي أهمّها الأكل والشرب، فليس مصّ الخاتم أو الحصى، ولا مضغ الطعام للصبي، ولا زقُّ الطائر، أو ذوق المرق، مضافاً إلى ورود روايات خاصة في الموضوع.1
كما تضافرت الروايات على ذوق المرق.2 لكن في رواية سعيد الأعرج3 النهي عنه قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن الصائم أيذوق الشيء ولا يبلعه قال: «لا» وهو محمول على الكراهة، بقرينة ما دلّ على الجواز.
وإنّما يجوز إذا لم يعلم بأنّه يتعدّى إلى الحلق، سواء علم بالعدم أو احتمل، وأمّا مع العلم به، فيبطل لدخوله في الإفطار العمدي.

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 38 و40 من أبواب ما يمسك عنه الصائم.
(2) الوسائل: الجزء 7، الباب 37 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ، الحديث 1، 3، 5، 6.
(3) الوسائل: الجزء 7، الباب 37 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ، الحديث2.

صفحه 276
وكذا لابأس بمضغ العلك ولاببلع ريقه بعده وإن وجد له طعماً فيه مالم يكن ذلك بتفتّت أجزاء منه بل كان لأجل المجاورة، وكذا لابأس بجلوسه في الماء مالم يرتمس رجلاً كان أو امرأة وإن كان يكره لها ذلك، ولاببلّ الثوب ووضعه على الجسد ولابالسواك باليابس بل بالرطب أيضاً، لكن إذا أخرج المسواك من فمه لايردّه وعليه رطوبة وإلاّ كانت كالرطوبة الخارجيّة لايجوز بلعها إلاّ بعد الاستهلاك في الريق، وكذا لابأس بمصّ لسان الصبيّ أو الزوجة إذا لم يكن عليه رطوبة، ولابتقبيلها أو ضمّها أو نحو ذلك.(*)
ـــــــــ
(*) ذكر فيه فروعاً لا بأس للصائم بها:

1. مضع العلك وبلع ريقه.

العِلْك ـ بكسر العين وسكون اللام ـ كلّ صمغ يُعْلَك ويُمضغ ويُلاك، وهي ثمرة الشجرة، أمّا مضغها بلا بلع ريقها فجوازه مقتضى القاعدة، إنّما الكلام في مضغها مع بلع ريقه وتفتّت أجزائه.
ففي صحيحة ابن مسلم عن أبي جعفر(عليه السلام):«إيّاك أن تمضغ علكاً، فإنّي مضغت اليوم علكاً وأنا صائم فوجدت في نفسي منه شيئاً».1
وفي صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: قلت : الصائم يمضغ العلك؟ قال: «لا».2
وفي خبر أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: سألته عن الصائم يمضغ العلك؟ قال: «نعم إن شاء».3
وعلى كلّ تقدير: عمل الإمام دليل على الجواز، وانّ تحذير ابن مسلم لغاية خاصة، وهي أحد أمرين:

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 36 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1و2و3.
(2) الوسائل: الجزء 7، الباب 36 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1و2و3.
(3) الوسائل: الجزء 7، الباب 36 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1و2و3.

صفحه 277
1. بلع الريق الممتزج بطعمه لأجل المجاورة.
2. بلع الريق بتفتت أجزائه واستهلاكه فيه.
وهل النهي لغاية الاحتراز عن كلا الأمرين، أو لخصوص الأمر الثاني؟ وبما أنّ النهي لأجل الأمرين يلازم غالباً النهي عن مضغه بتاتاً، يتعين الثاني ولا يمكن أن يحمل النهي في صحيحة ابن مسلم على الكراهة ،لمنافاة وروده بصيغة التحذر يقول ابن مالك:
إيّاك والشر ونحوه نصب *** محذّر، بما استتاره وجب
أي بعّد نفسك عن مضغ العلك.
وأمّا العلْك الرائج اليوم باسم «ادامس» فبما انّ تركيبه غير متبيّن لنا، فالحكم بالجواز يحتاج إلى دراسة تركيبه، ولعلّ أجزاؤه تتفتّت شيئاً فشيئاً في أوائل المضغ ويورث البطلان.

2. الجلوس في الماء

لا بأس بجلوس الرجل في الماء ما لم يرتمس. إنّما الكلام في المرأة، فقد ورد النهي عن جلوسها في رواية حنّان بن سدير1، ولأجله اختلفت كلمة الفقهاء.
قال الشيخ : يكره للمرأة الجلوس في الماء إلى وسطها. وقال المفيد: ولا تقعد المرأة إذا كانت صائمة في الماء، فإنّها تحمله بقبلها. وقال أبو الصلاح: يجب به القضاء خاصّة. وقال ابن البراج: يجب به القضاء والكفارة معاً، إذا تعمّدت. والمعتمد الأوّل.2

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 3 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 6.
(2) مختلف الشيعة:3/420.

صفحه 278
وحنان بن سدير واقفي ثقة، ولكن الرواية محمولة على الكراهة، ولو كان جلوسها فيه من المفطرات لبان حكمها لكثرة الابتلاء.
وأمّا حملها الماء فليس فيه بعد، بعد ضغط الماء، وربما تحمل المرأة النطفة عن طريق جذبها، ولو شدّت فرجها بشيء مانعة عن حمل الماء، ربّما ارتفعت الكراهة.

3. بلّ الثوب ووضعه على الجسد

لا بأس ببلّ الثوب ووضعه على الجسد. ويدل عليه صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام)قال: «الصائم يستنقع في الماء، ويصبّ على رأسه، ويتبرّد بالثوب».1 والمقصود بلّ الثوب بالماء، وما دلّ على المنع يحمل على الكراهة،نظير خبر عبد اللّه بن سنان،2 والحسن الصيقل،3 والحسن بن راشد،4 لما ذكرنا من أنّه لو كان مفسداً لبان بين الأصحاب، وعموم الحصر في صحيحة محمد بن مسلم: «لا يضرّ الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال، الطعام والشراب، والنساء، و الارتماس».5

4. السواك باليابس والرطب

قال الشيخ: لا بأس بالسواك في أوّل النهار وآخره، بالرطب واليابس. وهو قول الصدوق ابن بابويه، والشيخ المفيد، وقال ابن أبي عقيل: لا بأس بالسواك للصائم في أوّل النهار وآخره ولا يستاك بالعود الرطب. و الأقرب الأوّل.6

(1) الوسائل: الجزء7، الباب 3 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 2، 3، 4، 5 ولاحظ 10.
(2) الوسائل: الجزء7، الباب 3 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 2، 3، 4، 5 ولاحظ 10.
(3) الوسائل: الجزء7، الباب 3 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 2، 3، 4، 5 ولاحظ 10.
(4) الوسائل: الجزء7، الباب 3 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 2، 3، 4، 5 ولاحظ 10.
(5) الوسائل: الجزء 7، الباب 1 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.
(6) مختلف الشيعة: 3/426.

صفحه 279
وقال في الخلاف: لا يكره السواك للصائم على كلّ حال. وبه قال أبو حنيفة.
وقال الشافعي: يكره بعد الزوال ولا يكره قبله.1
ويدل عليه مضافاً إلى ما دلّ على جواز السواك للصائم على وجه الإطلاق من غير تقييده باليابس، خصوص ما ورد في جوازه، من صحيحة الحلبي: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام):أيستاك الصائم بالماء وبالعود الرطب يجد طعمه؟ فقال:«لا بأس».2 ويؤيده خبر الرازي3 والحسين بن علوان.4 وبهذا يحمل ما دلّ على النهي على الكراهة.

5. إذا أخرج المسواك من فمه

إذا أخرج المسواك من فمه لا يردّه وعليه رطوبة، وإلاّ كانت كالرطوبة الخارجية لا يجوز بلعها، إلاّ بعد الاستهلاك في الريق. وقدمرّ الكلام فيه.

6. مصّ لسان الصبي أو الزوجة

لا بأس بمصّ لسان الصبي أو الزوجة إذا لم تكن عليه رطوبة، وكان عليه أن يضيف :ولا حدثت عليه الرطوبة بمصّه. وقد دلت الروايات5 على جوازه، وما ذكر من القيد أمر فرضي، ولعلّ الرطوبة القليلة غير المحسوسة لا تُبطل، وبذلك يعلم حكم التقبيل أو الضم، وقد ورد النصّ على جوازه.6

(1) الخلاف: 2/220، كتاب الصوم، المسألة 82.
(2) الوسائل: الجزء 7، الباب 28 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 3، 4، 14.
(3) الوسائل: الجزء 7، الباب 28 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 3، 4، 14.
(4) الوسائل: الجزء 7، الباب 28 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 3، 4، 14.
(5) الوسائل: الجزء 7، الباب 34 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1، 2، 3.
(6) الوسائل: الجزء 7، الباب 33 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 12.

صفحه 280
المسألة 1: إذا امتزج بريقه دم واستهلك فيه يجوز بلعه على الأقوى، وكذا غير الدم من المحرّمات والمحلّلات، والظاهر عدم جواز تعمّد المزج والاستهلاك بالبلع، سواء كان مثل الدم ونحوه من المحرّمات أو الماء ونحوه من المحلّلات، فما ذكرنا من الجواز إنّما هو إذا كان ذلك على وجه الاتّفاق.(*)
ـــــــــــ
(*) فصّل (قدس سره)بين الاستهلاك القهري فيجوز بلعه، والاستهلاك العمدي فلايجوز، وأورد عليه السيد الحكيم (قدس سره): انّ وجهه غير ظاهر، لأنّه إذا فرض جواز البلع بعد الاستهلاك كان المنع عن الاستهلاك غير ظاهر الوجه، لأنّه محتاج إلى دليل، وهومفقود، والأصل يقتضي الجواز.1
وأورد عليه بأنّه وإن لم يصدق عليه الأكل أو الشرب لفرض الاستهلاك، إلاّ أنّ التكليف غير مقصور على المنع عن الأكل والشرب، بل الصائم مكلف بمقتضى قوله: «لا يضر الصائم ما صنع إذا اجتنب أربع خصال: الطعام، والشراب، والنساء، والارتماس»2 بالاجتناب عن الطعام والشراب، ومعنى الاجتناب أن يكون على جانب منه وبعيداً عنه، ومن الواضح أنّ المتعمّد المزبور غير مجتنب عن ذلك، فانّ من جعل الماء في فيه قطرة فقطرة فمزجه بريقه حتى استهلك فبلع وكذا السكر ونحوه ... يصحّ أن يقال عرفاً: إنّه لم يجتنب عن الشراب والطعام.3

(1) مستمسك العروة الوثقى:8/330.
(2) الوسائل: الجزء 7، الباب 1 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.
(3) مستند العروة الوثقى: كتاب الصوم:1/280 ـ 281.

صفحه 281

الفصل الخامس

فيما يكره للصائم

يكره للصائم أُمور:
أحدها:مباشرة النساء لمساً وتقبيلاً وملاعبة خصوصاً لمن تتحرّك شهوته بذلك ، بشرط أن لايقصدالإنزال، ولاكان من عادته وإلاّ حرم إذا كان في الصوم الواجب المعيّن.
الثاني: الاكتحال بما فيه صبر أو مسك أو نحوهما ممّا يصل طعمه أو رائحته إلى الحلق، وكذا ذرُّ مثل ذلك في العين.
الثالث: دخول الحمّام إذا خشي منه الضعف.
الرابع: إخراج دم المضعف بحجامة أو غيرها، وإذا علم بأدائه إلى الإغماء المبطل للصوم حرم، بل لايبعد كراهة كلِّ فعل يورث الضعف أو هيجان المرّة.
الخامس: السعوط مع عدم العلم بوصوله إلى الحلق، وإلاّ فلايجوز على الأقوى.
السادس: شمّ الرياحين خصوصاً النرجس، والمراد بها كلّ نبت طيّب الريح.

صفحه 282
السابع: بلّ الثوب على الجسد.
الثامن: جلوس المرأة في الماء، بل الأحوط لها تركه.
التاسع: الحقنة بالجامد.
العاشر: قلع الضرس بل مطلق إدماء الفم.
الحادي عشر: السواك بالعود الرطب.
الثاني عشر: المضمضة عبثاً، وكذا إدخال شيء آخر في الفم لالغرض صحيح.
الثالث عشر:إنشاد الشعر ولايبعد اختصاصه بغير المراثي، أو المشتمل على المطالب الحقّة من دون إغراق أو مدح الأئمّة (عليهم السلام)وإن كان يظهر من بعض الأخبار التعميم.
الرابع عشر: الجدال والمراء وأذى الخادم والمسارعة إلى الحلف ونحو ذلك من المحرّمات والمكروهات في غير حال الصوم فإنّه تشتدّ حرمتها أو كراهتها حاله. (*)
ـــــــــــ
(*) لأجل وضوح حكم هذه الفروع تركنا التعليق عليها.

صفحه 283

الفصل السادس

فيما يوجب الكفّارة

المفطرات المذكورة كما أنّها موجبة للقضاء كذلك توجب الكفّارة إذا كانت مع العمد والاختيار من غير كره ولا إجبار، من غير فرق بين الجميع حتّى الارتماس والكذب على اللّه وعلى رسوله، بل والحقنة والقيء على الأقوى نعم الأقوى عدم وجوبها في النوم الثاني من الجنب بعد الانتباه، بل والثالث، وإن كان الأحوط فيها أيضاً ذلك، خصوصاً الثالث.(*)
ــــــــــــ
(*) أشار في المتن إلى الفروع التالية:
1. تجب الكفارة مع العمد والاختيار، فأخرج صورُ الإكراه والإجبار.
2. تجب الكفارة في عامة المفطرات.
3. عدم وجوبها في النوم الثاني بعد الانتباه، والثالث وإن كان أحوط.
وإليك دراستها واحداً بعد الآخر.

1. وجوب الكفارة في صورة العمد

تجب الكفارة في صورة العمد، لوروده في غير واحد من الروايات، وقد ورد غالباً في سؤال الراوي لا في جواب الإمام، نظير صحيحة عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام):في رجل أفطر من شهر رمضان متعمِّداً يوماً واحداً من غير عذر،

صفحه 284
قال:« يعتق نسمة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكيناً».1
نعم ورد في رواية المشرقي في كلام الإمام فعن أبي الحسن (عليه السلام)قال: سألته عن رجل أفطر من شهر رمضان أياماً متعمِّداً، ما عليه من الكفارة؟ فكتب«من أفطر يوماً من شهر رمضان متعمداً فعليه عتق رقبة مؤمنة ويصوم يوماً بد ل يوم».2 والمشرقي ـ وهو هشام بن إبراهيم العباسي ـ و إن كان لم يوثق3 إلاّ انّ الراوي عنه هو البزنطي، وهو مما لا يروي إلاّ عن ثقة ـ كما ذكرناه في الكليات ـ وفي المجموع من حيث المجموع غنى وكفاية، وذلك لأنّ ورود القيد في كلام السائل يعرب عن كون المغروس في أذهانهم انّ الكفارة، للمتعمِّد، دون غيره.
أضف إلى ذلك انّ ما لم يذكر فيه القيد منصرف إلى العمد، لأنّ الكفارة جريمة الذنب ولا ذنب في غير تلك الصورة.
ثمّ إنّ المراد من العمد، هو الفعل المقصود الصادر عن إرادة واختيار وهو يشمل المُكْرَه، لأنّه فعل إرادي واختياري، وإنّما يفقد طيب النفس، فخروجه عن وجوب الكفارة لأجل حديث الرفع وغيره، والقول بانصراف العمد إلى غير المكره موضع تأمل، وقد قلنا إنّ حديث الرفع رافع للكفارة والقضاء، وقد استدل الإمام بحديث الرفع، في رفع الأثر الوضعي كما في رواية البزنطي، عن أبي الحسن الثاني (عليه السلام)والرجل يُستكره على اليمين، فيحلف بالطلاق، والعتاق، وصدقة ما يملك، أيلزمه ذلك؟ فقال: «لا. قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): وُضع عن أُمّتي ما أُكرهوا عليه وما لم

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1. ولاحظ الحديث 2، 4، 10، 13.
(2) الوسائل: الجزء 7، الباب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 11.
(3) قال النجاشي: هاشم بن إبراهيم العباسي الذي يقال له المشرقي روى عن الرضا، له كتاب يرويه جماعة .(رجال النجاشي برقم 1169).وربما يقال انّ العباسي المسمّى بـ«هاشم» غير المشرقي المسمّى بـ «هشام » وقد وثّقه الكشي، وقال: إنّه ثقة ثقة. (لاحظ الموسوعة الرجالية:2/310).

صفحه 285
يُطيقوا وما أخطأوا».1 فقد دلّ الحديث على عدم اختصاص الرفع بالحكم التكليفي، بل يرفع الحكم الوضعي، أعني: صحّة الطلاق، وصيرورة المال صدقة.
2. لزوم الكفارة في عامة المفطرات
هل تجب الكفارة في عامة المفطرات، كما هو ظاهر الماتن أو لا ؟
قال المحقّق في الشرائع : يجب مع القضاء، الكفّارة بسبعة أشياء:
1. الأكل، 2. الشرب، 3. الجماع، 4. تعمد البقاء على الجنابة، 5. الإصباح جنباً عمداً، 6. الاستمناء، 7. إيصال الغبار الغليظ.
وفي الحقيقة خصّ الكفارة بالأكل والشرب والجنابة وبما انّه عمّم الأكل والشرب للمعتاد وغيره فأدخل الغبار الغليظ تحت الأكل، ولم يوجبها من الارتماس، ولا من الكذب على اللّه ورسوله والأئمّة (عليهم السلام)، ولا من الحُقنة، ولا من القيء، ولا من النومة الثالثة.2
وبما أنّه وردت الكفّارة في الموارد المذكورة في النصوص ، اقتصر عليها، وأمّا من قال بهما في عامة المفطرات فقد استند إلى قاعدة مضروبة للكفارة في بعض الروايات(رواية المشرقي) وهو «انّ من أفطر في شهر رمضان متعمّداً فعليه عتق رقبة مؤمنة، ويصوم يوماً بدل يوم».3 وهذه القاعدة إذا ضمّت إلى صدق الصغرى في عامة الموارد ينتج وجوبها في الجميع.
وتصور أنّ الإفطار منصرف إلى الإفطار بالأكل والشرب والجماع، محجوج بوروده في القيء والكذب على اللّه في الأحاديث التالية:

(1) الوسائل: الجزء 16، الباب 12 من أبواب الأيمان، الحديث 12.
(2) الجواهر:16/264; مصباح الفقيه:471.
(3) الوسائل: الجزء 7، الباب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 11.

صفحه 286
1. «إذا تقيّأ الصائم فقد أفطر».1
2. «إن كان شيء يُكره نفسَه عليه فقد أفطر».2
3. «من تقيّأ متعمداً،وهو صائم فقد أفطر».3
كما أنّه ورد في الكذب على اللّه وعلى رسوله والأئمّة (عليهم السلام).
4. سألته عن رجل كذب في رمضان؟ فقال: «قد أفطر».4
5. «الكذبة تنقض الوضوء وتفطر الصائم».5
6. سأله عن رجل كذب في شهر رمضان؟ فقال:«فقد أفطر».6
7. «انّ الكذب على اللّه ورسوله وعلى الأئمة يُفطر الصائم».7
8. «خمسة أشياء تفطر الصائم... الارتماس في الماء، و الكذب على اللّه وعلى رسوله وعلى الأئمّة (عليهم السلام)». 8
9. «إنّ الكذبة لتفطر الصائم».9
ويحتمل اختصاص الكفّارة بما ورد فيها التصريح بالكفّارة، وذلك للوجوه التالية:
أ. انّ الضابطة وردت في رواية المشرقي الذي ترجمه النجاشي في رجاله ولم يذكر في حقّه شيئاً وإن استظهرنا وثاقته من وجه آخر .
فإن قلت:قد ورد في أسئلة الرواة قولهم: رجل أفطرمن شهر رمضان متعمداً؟ فأُجيبوا بوجوب الكفارة عليهم، وهذه الروايات مبثوثة في الباب الثامن من أبواب ما يمسك عنه الصائم، وقد مرّ ذكرها عند البحث في شرطية التعمّد في وجوب

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 29 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1، 5، 6.
(2) الوسائل: الجزء 7، الباب 29 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1، 5، 6.
(3) الوسائل: الجزء 7، الباب 29 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1، 5، 6.
(4) الوسائل: الجزء 7، الباب 2 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1، 2، 3، 4.
(5) الوسائل: الجزء 7، الباب 2 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1، 2، 3، 4.
(6) الوسائل: الجزء 7، الباب 2 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1، 2، 3، 4.
(7) الوسائل: الجزء 7، الباب 2 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1، 2، 3، 4.
(8) الوسائل: الجزء 7، الباب 2 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 6، 9.
(9) الوسائل: الجزء 7، الباب 2 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 6، 9.

صفحه 287
القضاء؟
قلت: إنّ السائلين لم يكونوا في مقام البيان من هذه الجهة حتى يؤخذ بإطلاق كلامهم، وإنّما كانوا بصدد استفهام مايجب على الإفطار العمدي، وأمّا ما هو المرادمن الإفطار، فلعلّه كان منصرفاً في ألسنتهم إلى الأكل والشرب والجماع، لما سيوافيك من أنّ الإفطار مأخوذ من الفطر وهو الشق، وهو كناية عن شق الفم الملازم للأكل والشرب.
ب. لو افترضنا صحّة حديثه، لكنّه منصرف إلى الأكل والشرب،وإنّما عطف عليهما، الجماع لأجل تضافر الروايات على الكفارة فيه ـ وذلك لأنّه من «فطر» بمعنى شق، قال سبحانه: (إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَت) أي شقت.
قال في المقاييس: أصل صحيح يدل على فتح شيء وإبرازه، ومن ذلك الفطر من الصوم.
وقال في اللسان: الفَطْر: الشق، إلى أن قال: أخذ فطر الصائم لأنّه يفتح فاه.
وهذا يدل على أنّ إطلاق الفطر على الصائم يناسبه فتح فيه، فلا إطلاق للحديث، وتصور أنّ ملاك الإطلاق، شقُّ نيته، بعيد عن الأذهان العرفية.
ج. انّ الإمام علل فساد الصوم بإيصال الغبار ولزوم الكفارة فيه، بقوله: «فانّ ذلك له مفطر مثل الأكل والشرب والنكاح»1 وهذا يعرب عن كون الأصل هو الثلاثة.
د. علل عدم بطلان الصوم بالكحل في رواية محمد بن مسلم بقوله: «لا بأس به،

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 22 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.

صفحه 288
ولا فرق أيضاً في وجوبها بين العالم والجاهل المقصِّر والقاصر على الأحوط وإن كان الأقوى عدم وجوبها على الجاهل خصوصاً القاصر والمقصّر غيرالملتفت حين الإفطار، نعم إذا كان جاهلاً بكون الشيء مفطراً مع علمه بحرمته كما إذا لم يعلم أنّ الكذب على اللّه ورسوله من المفطرات فارتكبه حال الصوم فالظاهر لحوقه بالعالم في وجوب الكفّارة.(*)
ـــــــــــ
لأنّه ليس بطعام ولا شراب».1 وفي رواية ابن أبي يعفور2: «لا بأس به، إنّه ليس بطعام ولا شراب».
وهذا يدل على أنّ الملاك، الطعام والشراب مضافاً إلى الجماع.
هـ. عدم ورودها في لسان الصادقين، ولوكانت واجبة لما ترك التنصيص بها، مع كثرة الابتلاء، والاعتماد فيها على مثل رواية المشرقي، عن أبي الحسن الرضا(عليه السلام)، مشكل.
والأقوى عدم لزومها، إلاّ فيما ورد النص فيه على لزوم الكفّارة.

3. عدم وجوب الكفّارة في النومة الثانية والثالثة

قد مضى الكلام فيه عند البحث عن المفطّرات.

(*) لا فرق بين العالم والجاهل

مقتضى الإطلاقات عدم الفرق بين العالم والجاهل إلاّ إذا كانت هناك قرينة على الانصراف، وهو ليس ببعيد في القاصر، لأنّ الكفارة تكفير للذنب المكتسب، و الجاهل القاصر معذور عقلاً وشرعاً، فلا ذنب له حتى يُكفّر، نعم يجب عليه القضاء، لأنّه لجبر المصلحة الفائتة، وهو أمر مشترك بين العالم والجاهل.

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 25 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1و6.
(2) الوسائل: الجزء 7، الباب 25 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1و6.

صفحه 289
ثمّ إنّ الماتن احتمل خروج المقصر غير الملتفت حين الإفطار اعتماداً على موثق أبي بصير، وزرارة، قالا ـ جميعاً ـ وسألنا أبا جعفر عن رجل أتى أهله في شهر رمضان و أتى أهله وهو محرم، وهولا يرى إلاّ انّ ذلك حلال له؟قال: «ليس عليه شيء».1ومراده من غير الملتفت هو الجاهل المركب.
يلاحظ عليه: أنّ الجهل بعدم مفطرية الجماع في شهر رمضان لا يتصور إلاّ في حقّ الجاهل القاصر كالجهل بعدم مفطرية الأكل والشرب، حتى أنّ الأعرابي الذي جاء إلى النبي وقال: هلكت وأهلكت وجامعت أهلي في شهر رمضان. كان عالماً به، والرواية ناظرة إلى الجاهل القاصر، دون المقصر، والمنفي هو الكفارة دون القضاء.
ثمّ لو قلنا بخروج المقصّر، ولكنّه مختص بما إذا كان معتقداً بحلّيته عليه حين الصوم، وأمّا إذا كان عالماً بحرمته وإن كان جاهلاً بمفطّريته كالكذب على اللّه ورسوله فارتكبه حال الصوم فهو ملحق بالعالم.
ويمكن أن يقال: إنّه لا وجه للاختصاص لاحتمال أن يكون المراد من قوله: وهو لا يرى إلاّ أنّ ذلك حلال له كونه غير مخلّ بالصوم، وهو موجود في هذا المورد أيضاً، وليس المراد كونه حلالاً في نفسه كما لا يخفى كي يخرج هذا القسم من تحت الرواية.
نعم خروج المقصر، مورد تأمل ونظر، فكيف خروج هذا القسم عنه؟!
وقد مرّ عدم وجوب الكفارة في غير ما ورد الدليل فيه من غير فرق بين العالم والجاهل، فالكذب على اللّه ليس فيه كفارة مطلقاً.

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 12.

صفحه 290
المسألة 1:تجب الكفّارة في أربعة أقسام من الصوم:
الأوّل: صوم شهر رمضان وكفّارته مخيّرة بين العتق وصيام شهرين متتابعين وإطعام ستّين مسكيناً على الأقوى، وإن كان الأحوط الترتيب فيختار العتق مع الإمكان، ومع العجز عنه فالصيام، ومع العجز عنه فالإطعام، ويجب الجمع بين الخصال إن كان الإفطار على محرّم كأكل المغصوب وشرب الخمر والجماع المحرّم ونحو ذلك.(*)
ــــــــــ
(*) فيها فرعان:
أ. كفارة صوم رمضان بالتخيير بين الأُمور الثلاثة، وإن كان الأحوط الترتيب.
ب. يجب الجمع بين الخصال عند الإفطار بالحرام.
أ. كفارة صوم رمضان بالتخيير
هل الكفّارة فيه مخيّرة أو مرتّبة؟ الأقوال مختلفة، لاختلاف الروايات.
قال الشيخ في الخلاف: كفارة من أفطر في شهر رمضان لأصحابنا فيه روايتان:
إحداهما :انّها على الترتيب، مثل كفارة الظهار. العتق أوّلاً، ثمّ الصوم ثمّ الإطعام. وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، والشافعي والأوزاعي والليث ابن سعد.
والأُخرى: انّه مخيّر فيها. وبه قال مالك.1
والمشهور بين الأصحاب هو التخيير، ذهب إليه الشيخان، وابن الجنيد وابنا

(1) الخلاف:2/186ـ187، كتاب الصوم، المسألة32.

صفحه 291
بابويه، والسيد المرتضى، وأبو الصلاح، وسلاّر، وابن البراج، وابن إدريس. وقال ابن أبي عقيل بالترتيب.
وفي المبسوط اختار التخيير، ثمّ قال: وقد روي أنّها مرتّبة مثل كفارة الظهار.
وقال في الاقتصاد: وفي أصحابنا من قال إنّها مرتبة كالظهار. ونقل السيد المرتضى في الجمل كلا القولين.
واختار العلاّمة التخيير1 كما عليه المحقّق في الشرائع.
ويدل على قول المشهور لفيف من الروايات:
1. صحيح عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)في رجل أفطر من شهر رمضان متعمِّداً يوماً واحداً من غير عذر قال: «يعتقُ نسمة، أو يصوم شهرين متتابعين، أويطعم ستين مسكيناً، فإن لم يقدر تصدّق بما يُطيق».2
2. موثق سماعة قال: سألته عن رجل أتى أهله في شهر رمضان متعمداً؟ قال : «عليه عتق رقبة، أو إطعام ستين مسكيناً، أو صوم شهرين متتابعين، وقضاء ذلك اليوم، و من أين له مثل ذلك اليوم».3
3. موثقه الآخر، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: سألته عن معتكف واقع أهله؟ قال: «عليه ما على الذي أفطر يوماً من شهر رمضان متعمداً، عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أوإطعام ستين مسكيناً».4
4. خبر أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن رجل وضع يده على شيء من جسد امرأته فأدفق؟ فقال: «كفارته أن يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم

(1) المختلف:3/438ـ 439.
(2) الوسائل: الجزء 7 ، الباب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1، 13.
(3) الوسائل: الجزء 7 ، الباب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1، 13.
(4) الوسائل: الجزء 7 ، الباب 6 من أبواب كتاب الاعتكاف، الحديث 5.

صفحه 292
ستين مسكيناً، أو يعتق رقبة».1
ويؤيده ما في الفقه الرضوي:«و من جامع في شهر رمضان أو أفطر، فعليه عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أوإطعام ستين مسكيناً، لكلّ مسكين مدٌّ طعام، وعليه قضاء ذلك اليوم، وأنى له بمثله».2 وما ذكره نفس ما رواه سماعة كما عرفت، ومنه يعلم أنّه ليس تأليف الإمام ،وإنّما هو تأليف عالم فقيه شيعي واقف بالأخبار والروايات.
بقيت هنا روايات ربما يتصوّر تعارضها مع ما سبق.
الأُولى: ما يدل على أنّ العتق واجب تعييني، وليس له بدل، روى البزنطي عن المشرقي، عن أبي الحسن (عليه السلام)انّه قال:«فعليه عتق رقبة مؤمنة، ويصوم يوماً بدل يوم»3.
يلاحظ عليه : أنّها تخالف كلا القولين، فانّ مفاد الاقتصار على العتق يُعرب عن كون الكفّارة شيئاً واحداً وهو العتق فلا ترتيب ولا تخيير، فعلى كلا القولين فهي بحاجة إلى التقييد، إمّا بما دلّ على الترتيب، أو بما دلّ على التخيير، فليست الصحيحة دليلاً على أحد القولين، فعلى القول بالترتيب ذكر ما هو الواجب أوّلاً، وعلى القول بالتخيير ذكر أحد الأعدال الأفضل.
الثانية: ما اقتصر فيه على التصدق، نظير صحيح عبد الرحمان بن أبي عبداللّه، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: سألته عن رجل أفطر يوماً من شهر رمضانمتعمّداً؟ قال: «عليه خمسة عشر صاعاً لكلّ مسكين مدّ، مدّ النبي أفضل».4 وبهذا المضمون وردت عدّة روايات.5

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 4 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 5.
(2) فقه الرضا:25.
(3) الوسائل: الجزء 7، الباب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 11، 10. لاحظ الأحاديث 2، 3، 4، 6، 7 ، 8، 12 من هذا الباب.
(4) الوسائل: الجزء 7، الباب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 11، 10. لاحظ الأحاديث 2، 3، 4، 6، 7 ، 8، 12 من هذا الباب.
(5) الوسائل: الجزء 7، الباب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 11، 10. لاحظ الأحاديث 2، 3، 4، 6، 7 ، 8، 12 من هذا الباب.

صفحه 293
والكلام فيها نفس ما سبق في الصحيحة، حيث إنّ مقتضى إطلاقها، كون التصدّق واجباً تعيينياً لابدل له، لا ترتيباً ولا تخييراً، فعلى كلا القولين يجب أن يتصرف فيها بنحو تنطبق امّا على الترتيب أو التخيير، والقائل بالترتيب يقول: ذكر ما هو الواجب ثانياً، والقائل بالتخيير يقول: ذكر أحد الأفراد.
الثالثة: ما يدل على كون الواجب تعيينياً ترتيبياً، فهذا الصنف يعارض ما يدل على كونه واجباً تخييرياً بالدلالة المطابقية، وما يدل عليه لا يتجاوز عن حديثين:
1. حديث الأعرابي الذي رواه الصدوق، تارة عن طريق عبد المؤمن بن الهيثم الأنصاري، عن أبي جعفر (عليه السلام)، وأُخرى عن طريق عمرو بن شمر، وكلا السندين غير نقيّين. قال: إنّ رجلاً أتى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)فقال: هلكتُوأهلكتُ! فقال: «وما أهلكك؟» قال: أتيت امرأتي في شهر رمضان وأنا صائم، فقال له النبي(صلى الله عليه وآله وسلم): «اعتق رقبة» قال: لا أجد، قال : «فصم شهرين متتابعين» قال: لا أُطيق، قال: «تصدّق على ستين مسكيناً...».1
يلاحظ عليه أوّلاً: الظاهر أنّ ما يحكيه من الواقعة هي نفس ما يحكيه جميل ابن دراج من الواقعة، وقد ذكر فيها الإمام التصدق واقتصر عليه، ولعلّه (عليه السلام)كان بصدد بيان ما يتعلق بالصدقة و ما أجاب به النبي، ولكن جاء في آخر الرواية «فلما خرجنا قال أصحابنا: إنّه بدأ بالعتق فقال: اعتق، أو صم، أو تصدق»2. وهذا يعرب عن أنّ النبي أمره بالثلاثة على وجه التخيير، لا على وجه الترتيب، وأنّ ظهوره فيه ظهور بدئي وإنّما بدأ النبي بالأفضل فالأفضل، وعلى هذا لا يعتدّبمثل هذا الظهور، مضافاً إلى ضعف السند.

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 5.
(2) الوسائل: الجزء 7، الباب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 2.

صفحه 294
2. ما رواه علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام)قال: سألته عن رجل نكح امرأته وهو صائم في رمضان ما عليه؟ قال: «عليه القضاء وعتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، فإن لم يجد فليستغفر اللّه».1
ودلالته على اعتبار الترتيب أوضح من حديث الأعرابي، لأنّ التقييد بعدم التمكن جاء في كلام الإمام، بخلاف حديث الأعرابي، حيث جاء في كلامه عند ما اقترح عليه النبي العتق، أو الصوم. فقال: لا أُطيق.
وأجاب السيد الخوئي عن الاستدلال: بأنّها لا تقاوم النصوص المتقدمة الصريحة في التخيير، فانّها إنّما تدل على الوجوب التعييني بالظهور الإطلاقي ـ كما في الأُصول ـ وتلك قد دلّت على التخيير بالظهور الوضعي على ما تقتضيه كلمة «أو».2
يلاحظ عليه: أنّ دلالة الصحيحة على الترتيب أيضاً بالظهور الوضعي، حيث يقيد كفاية الثاني، بعدم وجدان الأولى.
والأولى أن يقال : لابد من التصرف في هذا الظهور لأجل أظهرية الروايات الدالة على التخيير، لكثرتها وشهرتها، وقوّة دلالتها، ومخالفتها لما عليه أكثر فقهاء العامة، فتحمل الصحيحة على الأفضل فالأفضل.

ب: الإفطار بالحرام

لو أفطر بجماع محرم عليه، أو طعام محرم، في نهار رمضان، فقد ذهب جماعة

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 9.
(2) مستند العروة الوثقى:1/290، كتاب الصوم.

صفحه 295
إلى أنّ كفّارته كفارة الجمع، وأفتى به الصدوق في الفقيه1، وابن حمزة في الوسيلة2،والشيخ في تهذيبه3 وقال المحقّق: قيل يجب بالإفطار بالمحرم ثلاث كفارات، مشعراً بضعف القول به. وقال العلاّمة: المشهور ايجاب كفارة واحدة.4
ومقتضى الإطلاقات السابقة عدم الفرق بين الإفطار بحلال أو حرام، والأصل البراءة، إلاّ أن يدل دليل على التقييد أو التخصيص، وقد استدل بما يلي:
1. روى الشيخ باسناده عن الحسين بن سعيد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة: قال: سألته: عن رجل أتى أهله في رمضان متعمّداً فقال: «عليه عتق رقبة، وإطعام ستين مسكيناً، وصيام شهرين متتابعين».5
أقول: هذه الرواية، تصلح أن تكون معارضة لما سبق من أنّ الواجب إحدى الخصال مرتبة أو مخيرة، ولا تصلح أن تكون دليلاً على وجوب الجمع في خصوص الإفطار بالحرام، إلاّ أن يكون هناك قرينة على الحمل، ويكفي في رفع التعارض حمل الواو على التنويع مثل قولهم: الكلمة: فعل وحرف، أو على التخيير: مثل قوله تعالى: (مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباع)6، أو احتمال كون نسخة الشيخ غير صحيحة، وانّ الصحيح هو لفظة: «أو» مكان «الواو»، ويدل على ذلك أنّ الرواية نقلها أحمد بن محمد بن عيسى في نوادره بتلك اللفظة، ورواها عنه صاحب الوسائل في الباب

(1) من لا يحضره الفقيه:2/118ذ ح1892.
(2) الوسيلة: 146.
(3) التهذيب: 4/208 ح604.
(4) مختلف الشيعة: 3/447ـ 448.
(5) الوسائل: الجزء 7، الباب 10من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث2 ورواه الشيخ في التهذيب : 4/208، الحديث 604.
(6) النساء:3.

صفحه 296
الثامن كما مرّ نقله في المسألة السابقة.1 حيث قال: «وعنه» أي عن أحمد بن محمد ابن عيسى المذكور في سند الرواية المتقدمة عن سماعة الخ.
نعم حمَل الشيخ الحديث على الإفطار بحرام وقال: ويحتمل أيضاً أن يكون هذا الحكم مخصوصاً بمن أتى أهله في حال تحرم الوطء فيها، مثل الوطء في الحيض، أو في حال الظهار قبل الكفارة، فانّه من فعل ذلك لزمه الجمع بين الكفّارات الثلاث، لأنّه وطأ في شهر رمضان، وقال: ويدل على هذا التأويل الرواية التالية.2
2. روى الصدوق، عن عبد الواحد بن محمد بن عبدوس النيسابوري، عن علي بن محمد بن قتيبة، عن حمدان بن سليمان، عن عبد السلام بن صالح الهروي، قال: قلت للرضا (عليه السلام): يابن رسول اللّه قد روي عن آبائك(عليهم السلام)فيمن جامع في شهر رمضان، أو أفطر فيه ثلاث كفّارات، وروي عنهم أيضاً كفّارة واحدة، فبأي الحديثين نأخذ ؟قال: «بهما جميعاً،متى جامع الرجلُ حراماً أو أفطر على حرام في شهر رمضان فعليه ثلاث كفارات: عتق رقبة، وصيام شهرين متتابعين، وإطعام ستين مسكيناً، وقضاء ذلك اليوم، وإن كان قد نكح حلالاً أو أفطر على حلال، فعليه كفارة واحدة، وإن كان ناسياً فلا شيء عليه».3 ولندرس السند:
1. عبد الواحد، من مشايخ الصدوق ولم يَرو عنه الصدوق، إلاّ رواية أو روايتين، وليست مثل هذه الشيخوخة أمارة الوثاقة، وإنّما تكون أمارة إذا أكثر النقل عنه.4

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 8 ، من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 13.
(2) التهذيب: 4/209، الحديث 12، كتاب الصيام.
(3) الوسائل: الجزء 7، الباب 10 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.
(4) معجم رجال الحديث: 11/37 برقم 7357.

صفحه 297
2. علي بن محمد بن قتيبة: قال النجاشي: عليه اعتمد أبو عمرو الكشي في كتاب الرجال. «أبو الحسن» صاحب الفضل بن شاذان. وراوية كتبه، له كتب، منها: كتاب يشتمل على ذكر مجالس «الفضل» مع أهل الخلاف، ومسائل أهل البلدان.1
لكن اعتماد الكشي لا يُضفي عليه الوثاقة، لأنّه يروي عن الضعفاء كثيراً كما نصّ به النجاشي في ترجمته.2
3. حمدان بن سليمان أبو سعيد النيسابوري ثقة، من وجوه أصحابنا، كما ذكره النجاشي.3
4. عبد السلام بن صالح، أبو الصلت الهروي، ثقة، صحيح الحديث، كما ذكره النجاشي.4
وبذلك يعلم أنّ الإفتاء بمضمونها مشكل، لإعراض المشهور عنها أوّلاً، ولم تثبت وثاقة الأوّلين ثانياً، إذ لم يرد في حقّ الأوّل إلاّ كونه من مشايخ الصدوق، كما لم يرد في حقّ الثاني إلاّ كونه من مشايخ الكشي، مع أنّه يروي عن الضعفاء كثيراً.5
3.ما رواه الصدوق في الفقيه: أمّا الخبر الذي رُوي فيمن أفطر يوماً من شهر رمضان متعمداً أنّ عليه ثلاث كفارات، فإنّي أُفتي به فيمن أفطر بجماع محرّم عليه، أو بطعام محرّم عليه، لوجود ذلك في روايات أبي الحسن الأسدي ـ رضي اللّه عنه ـ

(1) رجال النجاشي: برقم 676.
(2) رجال النجاشي: برقم 1019.
(3) رجال النجاشي: برقم 355.
(4) رجال النجاشي: برقم 641.
(5) رجال النجاشي: برقم 1019.

صفحه 298
الثاني: صوم قضاء شهر رمضان إذا أفطر بعد الزوال، وكفّارته إطعام عشرة مساكين لكلّ مسكين مدّ، فإن لم يتمكّن فصوم ثلاثة أيّام، والأحوط إطعام ستّين مسكيناً.(*)
ـــــــــــ
فيما ورد عليه من الشيخ أبي جعفر محمد بن عثمان العمري قدس اللّه روحه.1
وليس فيه تصريح على أنّ الرواية من المهدي (عليه السلام)،وإن نسبه في الوسائل إلى المهدي (عجّل اللّه فرجه) ولعلّه استنبطه من قرينة خارجية، للعلم بأنّه لا يقول وردت إلاّ إذا أخذه منه، ولكن الرواية مرسلة، لأنّ الأسدي وإن كان ثقة صحيح الحديث لكن لم يدركه الصدوق، لأنّه توفي عام 312هـ، وقد ولد الصدوق حوالي عام 306 فكيف يروي عنه؟!
فتلخص أنّ القول بوجوب كفارة الجمع لا يخلو من إشكال.
(*) أقول: يقع الكلام في هذه المسألة في مواضع:

الأوّل. إفطار قضاء رمضان قبل الزوال

المشهور بين الأصحاب جواز الإفطار قبل الزوال، وأرسله المحقّق في المعتبر،2 والعلاّمة في المنتهى،3 إرسال المسلّم ولم ينقلا خلافاً.
ويظهر ممّا نقله العلاّمة في المختلف أنّ ابن أبي عقيل وأبا الصلاح لم يفرِّقا بين الوقتين فحرّما الإفطار مطلقاً، قال الأوّل: ومن أصبح صائماً لقضاء كان عليه

(1) الفقيه: 2/118، طبعة جامعة المدرسين.
(2) المعتبر: 2/674.
(3) المنتهى :2/576، الطبعة الحجرية تحت عنوان فروع الأوّل.

صفحه 299
من شهر رمضان وقد نوى الصوم من الليل فأراد أن يُفْطِر في بعض النهار لم يكن له ذلك.1
وقد تضافرت الروايات على الجواز قبل الزوال وعدمه بعده نذكر منها ما يلي:
1. صحيحة جميل بن دراج، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)انّه قال في الذي يقضي شهر رمضان: «إنّه بالخيار إلى زوال الشمس، فإن كان تطوعاً فانّه إلى الليل بالخيار».2
2. صحيحة عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «صوم النافلة لك أن تفطر ما بينك و بين الليل، متى ما شئت، وصوم قضاء الفريضة لك أن تفطر إلى زوال الشمس، فإذا زالت الشمس فليس لك أن تفطر»3 وبهذا المضمون غيرهما.4
وهناك ما يدل على كراهة الإفطار بعد الزوال وهو: موثق أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن المرأة تقضي شهر رمضان فيكرهها زوجها على الإفطار فقال: «لا ينبغي له أن يكرهها بعد الزوال».5 فانّه محمول على الحرمة بقرينة سائر الروايات، وقد استعمل اللفظة في التحريم في غير واحد من الروايات.
كما أنّ هناك ما يدل على المنع مطلقاً حتى قبل الزوال، وهو: صحيح عبد الرحمان بن الحجاج قال: سألته عن الرجل يقضي رمضان، أله أن يفطر بعد ما يصبح قبل الزوال إذا بدا له؟ فقال: «إذا كان نوى ذلك من الليل وكان من قضاء

(1) المختلف:3/556.
(2) الوسائل: الجزء 7، الباب 4 من أبواب وجوب الصوم ونيته، الحديث 4، 9، ولاحظ: 8، 10، وغيرهما.
(3) الوسائل: الجزء 7، الباب 4 من أبواب وجوب الصوم ونيته، الحديث 4، 9، ولاحظ: 8، 10، وغيرهما.
(4) الوسائل: الجزء 7، الباب 4 من أبواب وجوب الصوم ونيته، الحديث 4، 9، ولاحظ: 8، 10، وغيرهما.
(5) الوسائل: الجزء 7، الباب 4 من أبواب وجوب الصوم ونيته، الحديث 2.

صفحه 300
رمضان فلا يفطر ويتم صومه».1 ويحمل على الكراهة، ومثل ما ورد من عدم جواز الإفطار في النوافل بعد الزوال.2

الثاني: لو أفطر بعد الزوال هل تجب الكفارة أو لا؟

اتّفقت كلمتهم على الوجوب ـ لما سيوافيك من الروايات في الموضع الثالث ـ ولم ينقل الخلاف إلاّ من ابن أبي عقيل فتمسك بالأصل المدفوع بالدليل مضافاً إلى أنّه زمان لم يتعين للصوم لا تجب به الكفارة كقبل الزوال، وكأنّه اجتهاد في مقابل النصّ.
نعم روى عمار بن موسى الساباطي: قال فإن نوى الصوم ثمّ أفطر بعد ما زالت الشمس؟ قال: قد أساء وليس عليه شيء إلاّ قضاء ذلك اليوم الذي أراد أن يقضيه»3. وهو من متفردات عمار، وقال الشيخ في العدة : لا يعمل بمتفرّدات عمار. ويحتمل أن يكون المراد نفي القضاء بالنسبة إلى اليوم الذي أفطر فيه، لا نفي الكفارة وكونه من قبيل توضيح الواضح فإنّما هو بالنسبة إلى ظروفنا ، لا إلى ظروف الراوي. ويؤيده ما في رواية بريد العجلي:«فلا شيء عليه إلاّيوم مكان يوم».4 فلا شبهة في وجوب الكفارة.

الثالث: في نوع الكفّارة

فهل يجب عليه الكفّارة الكبرى، أي كفّارة شهر رمضان أو الكفارة الصغرى؟ فقد اختلفت كلمتهم فيه.

(1) الوسائل: الجزء7، الباب 4 من أبواب وجوب الصوم ونيته، الحديث 6.
(2) الوسائل: الجزء 7، الباب 4 من أبواب وجوب الصوم ونيته، الحديث 5.
(3) الوسائل: الجزء 7، الباب 29 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 4.
(4) الوسائل: الجزء 7، الباب 29 من أبواب أحكام شهر رمضان ، الحديث 1.

صفحه 301
1. فذهب ابن الجنيد والمفيد، والشيخ وابن البراج وابن إدريس إلى أنّ كفارته إطعام عشرة مساكين، فإن لم يتمكن صام ثلاثة أيام بدلاً من الكفارة، وهذا القول هو المشهور بين الأصحاب.
2. التخيير بين الإطعام والصيام: وهو خيرة الشيخ في الجمل والعقود، وفي فصل أقسام الصوم من المبسوط، مع أنّه اختار الترتيب في فصل القضاء منه.
3. الإثم إن أفطر قبل الزوال، والإثم والكفارة إن أفطر بعده: وهو خيرة أبي الصلاح قال: إن أفطر يوماً عزم على صومه قضاءً قبل الزوال فهو «مأزور».1وإن كان بعد الزوال تعاظم وزره ولزمته الكفّارة: صيام ثلاثة أيام أو إطعام عشرة مساكين.
4. كفّارة شهر رمضان، إن أفطر استخفافاً، والتخيير بين الأمرين إن أفطر لغير ذلك: وهو خيرة ابن حمزة قال: إن أفطر بعد الزوال استخفافاً به فعليه كفارة مثل كفارة من أفطر يوماً من شهر رمضان، وإن أفطر لغير ذلك فكفّارته صيام ثلاثة أيام أو إطعام عشرة مساكين وهو خيرة ابن حمزة.
5. عليه كفارة اليمين التي جاء في الذكر الحكيم . قال سبحانه: (فَكَفّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرةِ مَساكِين مِنْ أَوسَطِ ماُتْطعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبة فَمَنْ لَمْ يَجِدْفَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّام)2: وهو خيرة ابن البراج في المهذب، وذكر أنّ الأحوط انّ كفارته كفارة شهر رمضان.
6. انّ كفّارته، كفارة شهر رمضان: وهو خيرة الصدوقين، وسيوافيك مقدار صحّة النسبة.
هذه هي الأقوال الموجودة في المسألة، التي أخذناها من مختلف الشيعة.3

(1) كذا في المطبوع، ولعلّ الصحيح موزور كما في المنجد، وهو من الوزر بمعنى الإثم، أي فهو آثم تكليفاً.
(2) المائدة:89.
(3) مختلف الشيعة: 3/ 554ـ 558.

صفحه 302
وقد ذكرت مصادر الأقوال في الهامش، وستعرف أنّه لا دليل على أكثر هذه الأقوال.

دليل القول المشهور روايتان

1. رواية بريد العجلي: عن أبي جعفر (عليه السلام)في رجل أتى أهله في يوم يقضيه من شهر رمضان؟ قال: «إن كان أتى أهله قبل زوال الشمس، فلا شيء عليه إلاّ يوم مكان يوم; وإن كان أتى أهله بعد زوال الشمس، فانّ عليه أن يتصدق على عشرة مساكين، فإن لم يقدر عليه صام يوماً مكان يوم، وصام ثلاثة أيّام كفارة لما صنع».1 والسند لا غبار عليه إلاّ الحارث بن محمد الذي يروي عنه الحسن بن محبوب فانّه غير موثق، لكن الرواية معتبرة لعمل المشهور بها، وقد رواها الكليني في الكافي، والصدوق في الفقيه، وأفتى الثاني بمضمونه في المقنع، غير انّه أسقط العِدْل الثاني، أعني: ما إذا لم يقدر فعليه صيام ثلاثة أيّام.
2. صحيحة هشام بن سالم قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):رجل وقع على أهله وهو يقضي شهر رمضان؟ فقال: «إن كان وقع عليها قبل صلاة العصر، فلا شيء عليه، يصوم يوماً بدل يوم; و إن فعل بعد العصر صام ذلك اليوم، وأطعم عشرة مساكين، فإن لم يمكنه صام ثلاثة أيام كفارة لذلك».2 والسند لا غبار عليه غير انّها تضمنت التحديد بالعصر مكان الظهر، ولعلّه مصحّف الظهر لكن حمله الشيخ على ما يوافق الأوّل لدخول وقت الصلاتين عند الزوال.

دليل القول بأنّ كفّارته كفّارة رمضان

وقد نسب إلى الصدوقين انّهما قالا بأنّ كفارته، كفارة إفطار شهر رمضان ويدل عليه:

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 29 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 1 و 2.
(2) الوسائل: الجزء 7، الباب 29 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث 1 و 2.

صفحه 303
1. موثقة زرارة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام)عن رجل صام قضاء من شهر رمضان فأتى النساء؟ قال : «عليه من الكفارة ما على الذي أصاب في شهر رمضان، لأنّ ذلك اليوم عند اللّه من أيام رمضان».1
2. مرسلة حفص بن سوقه، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه في الرجل يلاعب أهله أو جاريته وهو في قضاء شهر رمضان فيسبقه الماء فينزل؟ قال: «عليه من الكفّارة مثل ما على الذي يجامع في شهر رمضان».2
ومقتضى الرواية الأُولى عدم الفرق بين الزوال وبعده كما هو ظاهر عدم التفريق، ومقتضى التعليل ولكن لم يقل به أحد إذ التفريق قبل الزوال وبعده أمر متسالم فيه، ويمكن الحمل على التشبيه في وجوب الكفارة لا في قدرها، أو على الاستحباب والرواية الثانية مرسلة، لا يحتج بها.
وقد نسب العمل بهما إلى الصدوق، ولكن عبارة الفقيه، لا تدل على ذلك، فإنّه (قدس سره)نقل أوّلاً رواية بريد العجلي الدالة على القول المشهور ثمّ قال: وروي أنّه إن أفطر قبل الزوال فلا شيء عليه وإن أفطر بعد الزوال فعليه الكفّارة مثل ما على من أفطر يوماً في شهر رمضان.3 ولو لم نستظهر ميله إلى القول المشهور، فلا أقلّ من عدم دلالة فيه على انتخاب القول الثاني.
وأمّا سائر الأقوال فليس لها دليل يذكر وأصحابها أولى بها.ولكن الماتن احتاط وقال: والأحوط إطعام ستين مسكيناً. لأجل العمل بكلتا الطائفتين من الروايات، والأولى كما في بعض التعاليق «أو ضمّ العتق أو صيام شهرين على إطعام العشرة» لأنّ الواجب من كفارة شهر رمضان، ليس الإطعام فقط بل أحد الأُمور الثلاثة، فيكون الأولى الجمع بين إطعام عشرة مساكين وواحد من هذه الخصال.

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 29 من أبواب أحكام شهر رمضان، الحديث3.
(2) الوسائل: الجزء 7، الباب 4 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 2.
(3) الفقيه: 2/149،طبع مؤسسة النشر الإسلامي.

صفحه 304
الثالث: صوم النذر المعيّن وكفّارته كفّارة إفطار شهر رمضان.(*)
ـــــــــ
(*) اختلفت آراؤهم في كفارة حنث النذر، سواء أتعلق النذر، بالصوم أم بغيره، فلهم أقوال:
1. إنّ كفارته، كفارة شهر رمضان، أي الخصال الكبرى مخيّرة. وهو خيرة المرتضى في الانتصار، وابن زهرة في الغنية، كما في الجواهر، ونسبه إلى المشهور.1
2. كفارته، كفارة اليمين. وهو خيرة الصدوق في المقنع،2 وخيرة المحقّق في النافع،3 وهوخيرة العلمين، الحكيم والسيد الخوئي ـ قدّس سرهما ـ .
3. كفّارته، كفارة شهر رمضان إذا كان المنذور صوماً، وكفارة اليمين إذاكان غيره، نقله صاحب الوسائل،4 ونسبه إلى جماعة واستحسنه. ونسبه في المسالك إلى المرتضى و ابن إدريس والعلاّمة في غير المختلف.5
4. ذلك القول، لكن مع التردد في نذر غير الصوم. وهو خيرة المحقّق في الشرائع قال: وكفارة من أفطر يوماً نذر صومه على أشهر الروايتين، وكذا كفارة الحنث في العهد، وفي النذر على تردد.6
هذه هي الأقوال الموجودة في المسألة.
ويظهر من الخلاف اختصاص القول بكفّارة شهر رمضان ـ في خصوص ما إذا نذر صوم يوم معين ـ بالشيعة قال: من أفطر يوماً نَذَر صومه من غير عذر

(1) الجواهر:16/271.
(2) المقنع:409.
(3) كما في المسالك:10/17.
(4) الوسائل: الجزء 15، الباب 23 من أبواب الكفّارات، ذيل الحديث 8.
(5) المسالك: 10/18.
(6) المصدر نفسه:17، قسم المتن.

صفحه 305
لزمته الكفارة، وخالف جميع الفقهاء في ذلك.1 والمراد، كفارة شهر رمضان لا مطلق الكفّارة ، كيف؟ وقد رووا عن النبي: كفارة النذر، كفارة اليمين.2
إذا علمت ذلك فاعلم أنّ الروايات على طوائف:
الأُولى: ما يدل على أنّ كفّارة حنث النذر مطلقاً هو كفّارة شهر رمضان سواء كان المنذور هو الصوم أو غيره، وهو رواية واحدة صحيحة السند إلاّ الراوي الأخير عن الإمام.
خبر عبد الملك بن عمر، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام):من جعل للّه عليه أن لا يركب محرّماً فركبه، قال: لا، ولا أعلمه إلاّ قال: فليعتق رقبة أو ليصم شهرين، أو ليطعم ستين مسكيناً 3.
والرواية غير صالحة للاحتجاج لا في كفارة مطلق خلف النذر، ولا في خصوص المورد، أمّا الثاني. فواضح إذ لم يتعلق النذر بالصوم، وإنّما تعلق بترك المحرمات في الكتاب، وأمّا الأوّل، فلوجهين:
أ. تردد الراوي في نقل المضمون حيث قال: ولا أعلمه إلاّ قال.
ب. انّ عبد الملك بن عمرو لم يوثّق، فقد عدّه الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق، وقال: عربي كوفي، روى عنهما.
وروى الكشي عنه قال لي أبو عبد اللّه(عليه السلام): إنّي لأدعوا لك.4 ودعاء الصادق (عليه السلام)منقول عن طريقه فلا يكون حجّة في حقّه، وعمل المرتضى في الانتصار، وابن زهرة لا يكون جابراً للسند، مع تردّد المحقّق فيه في الشرائع،

(1) الخلاف: 2/221، كتاب الصوم، المسألة 84.
(2) مسند أحمد: 4/144، وغيره.
(3) الوسائل: الجزء 22، الباب 23 من أبواب الكفّارات، الحديث 7.
(4) قاموس الرجال: الجزء 7، برقم 6432.

صفحه 306
وإفتائه بالخلاف في النافع.
نعم ذهب المحقّق في خصوص هذه المسألة إلى أنّ كفارته، كفارة كبرى مخيرة، أفتى بها في كتاب الصوم في كتاب النذر، وإنّما تردد، أو أفتى بالخلاف في غير هذا المورد، وهو أمر عجيب، كما ذهب إلى هذا التفصيل ابن إدريس في السرائر والعلاّمة في غير المختلف كما مر.1
والحاصل: الذي يدل على أنّ كفّارته، كفارة كبرى مخيرة هو هذه الرواية وهي ضعيفة السند، والمتن غير خال عن الإشكال.
الثانية: ما يدل على أنّ كفارته تحرير رقبة، وتدل عليه مكاتبات ثلاث:
أ. مكاتبة ابن مهزيار: انّه كتب إليه يسأله: يا سيدي، رجل نذر أن يصوم يوماً بعينه، فوقع ذلك اليوم على أهله، ما عليه من الكفّارة؟ فأجابه:«يصوم يوماً بدل يوم وتحرير رقبة مؤمنة».2
نقله صاحب الوسائل في كتاب الصوم بالسند التالي: محمد بن يعقوب، عن محمد بن جعفر الرزاز(شيخ الكليني الثقة )عن ابن عيسى (محمد بن عيسى بن عبيد) عن ابن مهزيار وكلّهم ثقات.
ونقله في باب كفارة خلف النذر بسند آخر، وهو: عن أبي علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن علي بن مهزيار3 وكلا الاسنادين صحيحان.
ب. مكاتبة الحسين بن عبيدة.4
ج. مكاتبة القاسم بن الصيقل.5
 

(1) المسالك: 10/18.
(2) الوسائل: الجزء 7،الباب 7 من أبواب بقية الصوم الواجب، الحديث 1.
(3) الوسائل: الجزء 15، الباب 23 من أبواب الكفّارات، الحديث: 1، 2.
(4) الوسائل: الجزء 7، الباب 7 من أبواب بقية الصوم الواجب، الحديث 2، 3.
(5) الوسائل: الجزء 7، الباب 7 من أبواب بقية الصوم الواجب، الحديث 2، 3.

صفحه 307
والجميع ظاهر في تعيّن تحرير الرقبة، ولو حملوا على بيان أحد الأعدال، فهو مشترك بين الكفارة الكبرى المخيرة، وكفارة اليمين، حيث إنّ الواجب فيه: إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، ومن لم يستطع فإطعام ثلاثة أيّام، ومثل ذلك لا يكون دليلاً على أحد القولين.
الثالثة: ما يدل على أنّ كفارته، كفارة حنث اليمين ، وهي روايات ثلاث:
1. صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: «إن قلت: للّه عليّ فكفّارة يمين». والسند صحيح لا غبار عليه.1
2. معتبرة حفص بن غياث، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: سألته عن كفّارة النذر ؟فقال: «كفّارة النذر، كفّارة اليمين».2 والسند معتبر رواه الكليني، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن القاسم بن محمد الجوهري الثقة، عن سليمان بن داود المنقري الثقة، عن حفص بن غياث الذي عمل الأصحاب برواياته، وإن كان عامي المذهب.
3. ما رواه علي بن مهزيار قال: كتب بندار مولى إدريس: يا سيدي، نذرت أن أصوم كلّ يوم سبت، فإن أنا لم أصمه ما يلزمني من الكفّارة؟ فكتب إليه وقرأته: «لا تتركه إلاّ من علّة، وليس عليك صومه في سفر ولا مرض إلاّ أن تكون نويت ذلك، وإن كنت أفطرت فيه من غير علّة فتصدق بعدد كلّ يوم على سبعة مساكين، نسأل اللّه التوفيق لما يُحب ويرضى».3
بناء على أنّ سبعة مصحّف «عشرة» كما عبّر بها في المقنع على ما عرفت حيث إنّ الظاهر ان التعبير، عبارة النص وقال في المسالك: إنّه كذلك بخط الصدوق الذي عندي.

(1) الوسائل: الجزء 15، الباب 23 من أبواب الكفّارات، الحديث 1، 4.
(2) الوسائل: الجزء 15، الباب 23 من أبواب الكفّارات، الحديث 1، 4.
(3) الوسائل: الجزء 7، الباب 7 من أبواب بقية الصوم الواجب، الحديث 4.

صفحه 308
وقد رواه صاحب الوسائل عن تهذيب الشيخ1، نعم رواه الكافي بسند آخر، وبذلك يظهر النظر فيما ذكره المحقّق الخوئي من أنّ هذه الرواية بسندها المذكور في الوسائل غير موجودة في الكافي، وإنّما هي موجودة فيه بسند آخر وهو: عن أبي علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار، عن علي بن مهزيار. وذلك لأنّ صاحب الوسائل أخذ الرواية من التهذيب، والسند فيهما واحد، ولم ينقل من الكافي.
هذه هي الروايات الواردة في المقام وخلاصتها:
1. أنّ خبر عبد الملك يدل على أنّ كفّارته كفارة شهر رمضان، ومورد الرواية نذر ترك مطلق المحرمات.
2. انّ ظاهر المكاتبات الثلاث هو تعيّن تحرير الرقبة، وموردها نذر الصوم، دون غيره.
3. ما يدل على أنّ كفّارته كفّارة اليمين، وهو بين مطلق، يعم مطلق حنث النذر، كما هو الحال في صحيحة الحلبي، ومعتبرة حفص، وخاص بالصوم، كما هو الحال في مكاتبة بندار، والطائفة الثالثة ظاهرة في تعين الرقبة، ولو أغمض عن دلالتها على التعيّن فهي صالحة للحمل على بيان إحدى الأعدال الموجودة في كفارة رمضان، أو كفّارة اليمين.
فالمعارضة بين خبر عبد الملك، وصحيحة الحلبي ومعتبرة غياث، ومكاتبة بندار، والترجيح مع الثانية،نعم هي موافقة للعامة الذين اتّفقت كلمتهم على أنّ كفّارة النذر، هي كفّارة اليمين، والعجب أنّ الشهيد في المسالك جعلها من المؤيدات والمرجحات لهذه الطائفة، مع أنّ المنصوص أنّها مرجحة للمخالف قال: اتّفاق روايات العامة التي صحّحوها عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)وهي وإن لم تكن حجّة إلاّ أنّها

(1) التهذيب: 4/286، باب قضاء شهر رمضان، الحديث 40.

صفحه 309
الرابع: صوم الاعتكاف وكفّارته مثل كفّارة شهر رمضان مخيّرة بين الخصال، ولكن الأحوط الترتيب المذكور هذا، وكفّارة الاعتكاف مختصّة بالجماع فلاتعمّ سائر المفطرات، والظاهر أنّها لأجل الاعتكاف لاللصوم ولذا تجب في الجماع ليلاً أيضاً.(*)
ــــــــــ
لا تقصر عن أن تكون مرجّحة.1
اللّهمّ إلاّ أن يقال: لم يثبت حجية خبر «عبد الملك» فلا تكون المخالفة مرجحة، ولم يثبت عمل المشهور لما عرفت من الاختلاف في الفتوى، فالقول بأنّ كفّارة النذر هو كفّارة اليمين ، هو الأقوى، و إن كان القول الآخر هو الأحوط.
(*) هنا فروع:
1. إذا اعتكف في غير شهر رمضان فأفطر بالجماع.
2. إذا اعتكف في غير شهر رمضان ، لكن أفطر بسائر المفطرات.
3. إذا اعتكف في غير شهر رمضان، وجامع في الليل.
4. إذا اعتكف في شهر رمضان، فأفطر بالجماع.
5. تلك الصورة، لكنّه أفطر بسائر المفطرات.
6. إذا اعتكف في شهر رمضان، وجامع بالليل.
7. إذا اعتكف في غير شهر رمضان، لكن كان الصوم واجباً بالنذر، أو دخل في اعتكافه اليومَ الثالث حيث يجب اعتكافه فيجب صومه أيضاً، فهو بمنزلة شهر رمضان بصوره الثلاث فتكون الصور تسع. ويأتي حكم الفرع السابع بصوره الثلاث في المسألة الآتية فلاحظ.

(1) المسالك:10/20.

صفحه 310
وإليك دراسة الفروع:

1. إذا أفطر المعتكف في غير شهر رمضان بالجماع.

إذا كان صومه ممحضاً للاعتكاف، ولم يكن واجباً بأحد العناوين كصوم رمضان أو قضائه أو النذر المعين، فكفارته كفارة شهر رمضان مخيراً.
قال أبو الصلاح : إن أفطر نهاراً أوجامع ليلاً فسخ اعتكافه، ووجب عليه استئنافه وكفارة رمضان.
وقال سلاّر: من أفطر في أيام الاعتكاف أو جامع نهاراً أو ليلاً، فعليه كفّارة افطار يوم من شهر رمضان.1
والحكم مورد اتّفاق كما سيوافيك، إنّما الكلام في كونها مخيرة أو مرتبة، حيث دلّت موثقة سماعة على التخيير، روى الشيخ باسناده، عن عبد اللّه بن المغيرة، عن سماعة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن معتكف واقع أهله؟ قال:« هو بمنزلة من أفطر يوماً من شهر رمضان».2
ومثلها موثقته الأُخرى التي هي صريحة في التخيير: عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: سألته عن معتكف واقع أهله؟ قال: «عليه ما على الذي أفطر يوماً من شهر رمضان متعمداً : عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أوإطعام ستين مسكيناً».3
وبازائهما صحيحتان:
1. روى زرارة قال: سألت عن المعتكف يجامع أهله؟ قال:«إذا فعل ذلك فعليه ما على المظاهر».4

(1) المختلف:3/593 ـ 594، وقد نقل عبارات الأصحاب في المقام.
(2) الوسائل: الجزء7، الباب 6 من أبواب الاعتكاف، الحديث 2، 5.
(3) الوسائل: الجزء7، الباب 6 من أبواب الاعتكاف، الحديث 2، 5.
(4) الوسائل: الجزء 7، الباب 6 من أبواب الاعتكاف، الحديث 1.

صفحه 311
2. روى أبو ولاد الحناط: قال سألت أبا عبد اللّه عن امرأة كان زوجها غائباً فقدم وهي معتكفة بإذن زوجها، فخرجت حين بلغها قدومه من المسجد إلى بيتها فتهيأت لزوجها حتى واقعها؟ فقال:«إن كانت خرجت من المسجد قبل أن تنقضي ثلاثة أيام ولم تكن اشترطت في اعتكافها فانّ عليها ما على المظاهر».1
وبما انّ الموثقة الثانية صريحة في التخيير، والصحيحتان ظاهرتان في الترتيب يجمع بينهما، بحمل الترتيب على الأفضلية، فترفع اليد عن الظاهر بالنص.
ويمكن أن يقال: إنّ كفارة شهر رمضان هي نفس كفّارة الظهار، غير أنّ الترتيب في الأوّل مستحب دون الآخر لما مرّ من رواية علي بن جعفر (عليه السلام).2 وعلى ذلك فلامانع من حمل قوله : «عليه ما على المظاهر » على إرادة الفرد الأفضل من كفّارة شهر رمضان.

2. إذا أفطر المعتكف بغير الجماع

إذا كان معتكفاً في غير شهر رمضان ،ولم يكن صومه واجباً معيّناً، وأفطر بغير الجماع، فذهب المفيد وأبو الصلاح إلى وجوب الكفارة أيضاً، وقد مرّت عبارتهما، وهو خيرة المرتضى قال: فإن أفطر بغير الجماع في نهار الاعتكاف ـ من غير عذر ـ كان عليه ما على المفطر في نهار شهر رمضان.3
وقال سلاّر: من أفطر في أيّام الاعتكاف أوجامع نهاراً أو ليلاً فعليه كفّارة إفطار يوم من شهر رمضان.4
ولكن المساعدة مع هذا القول مشكلة لاختصاص الأدلة بالجماع، وكون

(1) الوسائل: الجزء 7 ، الباب 6، من أبواب الاعتكاف، الحديث 6.
(2) الوسائل: الجزء 7، الباب 8، من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 9.
(3) المختلف: 3/593ـ 594.
(4) المختلف: 3/593ـ 594.

صفحه 312
الإفطار محرَّماً لا يلازم الكفّارة، وهل يلحق الاستمناء بالجماع؟ فالظاهر من عبارة الشيخ في الخلاف هو وحدة الحكم.1 ولعلّه لقوله في صحيحة عبد الرحمان بن الحجاج قال: «عليهما جميعاً الكفارة مثل ما على الذي يجامع»،2 وهو غير تام، لاختصاص موردها بشهر رمضان، فلا يدل على وجوب الكفّارة في غيره.

3. إذا اعتكف وجامع في الليل

إذا اعتكف في غير شهر رمضان وجامع في الليل تجب عليه كفارة الاعتكاف، لخبر عبد الأعلى بن أعين قال: سألت أبا عبد اللّه عن رجل وطئ امرأته وهو معتكف ليلاً في شهر رمضان؟ قال:« عليه الكفارة»، قال : قلت: فإن وطأها نهاراً؟ قال: «عليه كفارتان».3 ونظيره مرسلة الصدوق غير انّه أسقط قيد شهر رمضان.4
والظاهر صلاحيته للاستدلال وإن اشتمل على لفظ «شهر رمضان» إذ لو كان له دخل في الحكم فانّما هو في نهاره لا في ليله، فليله وليل غيره في الاعتكاف سواء.
ثمّ إنّ الظاهر وجوب الكفّارة لمطلق الاعتكاف سواء كان مستحباً أو واجباً بنذر وشبهه، كما هو إطلاق الروايات، وعليه السيد الأُستاذ في تحريره بشرط عدم الرفع عن اعتكافه قال: وكذا في المندوب على الأحوط إذا جامع مع عدم رفع اليد عن الاعتكاف، وأمّا معه فالأقوى عدم الكفارة، غير أنّ الظاهر من ابن أبي عقيل وتبعه العلاّمة في المختلف عدم وجوبه للمندوب منه قال في المختلف: وقال ابن

(1) الخلاف:2/238، كتاب الاعتكاف، المسألة 113.
(2) الوسائل: الجزء 7، الباب 4 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 3.
(3) الوسائل: الجزء 7 ، الباب 6 من أبواب الاعتكاف، الحديث 4، 5.
(4) الوسائل: الجزء 7 ، الباب 6 من أبواب الاعتكاف، الحديث 4، 5.

صفحه 313
أبي عقيل ـ ونعم ما قال: ـ و من أفطر في اعتكافه أو جامع عامداً فقد أفسد عليه اعتكافه وعليه القضاء إذا كان اعتكافه نذراً. وقال العلاّمة ـ بعد نقل كلامه ـ: والوجه أنّ الاعتكاف إن كان في شهر رمضان متعيناً بنذر وشبهه وجب بالإفطار فيه والجماع نهاراً، كفارتان: أحدهما لرمضان والأُخرى للاعتكاف، وبالجماع ليلاً كفارة واحدة.
وإن كان في غير رمضان وكان متعيّناً فكذلك.
وإن لم يكن متعيّناً فلا كفارة فيه بالإفطار، ويجب فيه بالإجماع كفارة واحدة، إن كان (الصوم) واجباً وإلاّ فلا ـ إلى أن قال: ـ و لأنّه أبطل اعتكافاً لم يتعين وقته فلا كفارة فيه، ومع الندبيّة أولى.1

4. إذا اعتكف في شهر رمضان وأفطر بالجماع

قال الشيخ : لا يجوز للمعتكف المواقعة ليلاً ونهاراً، فإن واقع ليلاً فعليه كفارة رمضان: عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكيناً; وإن كانت مواقعته بالنهار في شهر رمضان كان عليه كفارتان. وجرى عليه في المبسوط، والخلاف والاقتصاد، وبه قال ابن الجنيد، والسيد المرتضى في الانتصار، وابن البراج في المهذب، وابن إدريس في السرائر، وابن حمزة في الوسيلة، ونسبه الصدوق في الفقيه إلى الرواية.2
قال العلاّمة: الوجه انّ الاعتكاف إن كان في شهر رمضان متعيناً بنذر وشبهه وجب بالإفطار فيه، والجماع نهاراً، كفّارتان: إحداهما لرمضان، والأُخرى للاعتكاف. وبالجماع ليلاً كفارة واحدة، وإن كان في غير رمضان وكان متعيناً

(1) المختلف:3/594.
(2) المختلف:3/592ـ 594.

صفحه 314
فكذلك.1
حاصله: أنّ الموضوع للكفارة هو الاعتكاف، وهو سبب مستقل، وصوم رمضان سبب آخر، فلا يتداخلان.
ويؤيده ما رواه الصدوق، والشيخ، عن محمد بن سنان، عن عبد الأعلى بن أعين قال: سألت أبا عبد اللّه عن رجل وطئ امرأته وهومعتكف ليلاً في شهر رمضان؟ قال: «عليه الكفّارة». قال: قلت: فإن وطأها نهاراً؟ قال: «عليه كفّارتان».2 ولعلّه نفس مرسلة الصدوق.3
والرواية ضعيفة لمحمد بن سنان ـ على القول بضعفه ـ، وأمّا عبد الأعلى بن أعين، فقد قال المفيد في حقّه في الرسالة العددية: من فقهاء أصحاب الصادقين (عليهما السلام)والاعلام الرؤساء المأخوذ عنهم الحلال والحرام والفتيا والأحكام الذي لا يطعن عليهم، ولا طريق إلى ذم واحد منهم، وهم أصحاب الأُصول المدوّنة والمصنفات المشهورة.4 والرواية صالحة للتأييد.

5. إذا اعتكف في رمضان وأفطر بسائر المفطرات

فلا يجب عليه إلاّ كفارة واحدة، وهي لأجل الإفطار في شهر رمضان، لا للاعتكاف لما عرفت من أنّ اختصاص الكفّارة فيه بالجماع.

6. إذا اعتكف في شهر رمضان لكنّه جامع بالليل: فعليه كفّارة واحدة.

هذا حكم الفروع التي أشرنا إليها، وهناك فروع أُخرى نشير إلى حكمها في المسألة الآتية.

(1) المختلف: 3/594.
(2) الوسائل: الجزء 7، الباب 6 من أبواب كتاب الاعتكاف، الحديث4، 3.
(3) الوسائل: الجزء 7، الباب 6 من أبواب كتاب الاعتكاف، الحديث4، 3.
(4) قاموس الرجال:6/42.

صفحه 315
وأمّا ما عدا ذلك من أقسام الصوم فلاكفّارة في إفطاره واجباً كان كالنذر المطلق والكفّارة، أو مندوباً فإنّه لاكفّارة فيها، وإن أفطر بعد الزوال.(*)
المسألة 2: تتكرّر الكفّارة بتكرّر الموجب في يومين أو أزيد من صوم له كفّارة، ولاتتكرّر بتكرّره في يوم واحد في غير الجماع وإن تخلّل التكفير بين الموجبين أو اختلف جنس الموجب على الأقوى، وإن كان الأحوط التكرار مع أحد الأمرين، بل الأحوط التكرار مطلقاً، وأمّا الجماع فالأحوط بل الأقوى تكريرها بتكرّره.(**)
ـــــــــ
(*) 1. إذا اعتكف في غير رمضان لكن كان الصوم واجباً معيناً بالنذر أو وجب الاعتكاف بدخوله في اليوم الثالث أو السادس ومعه وجب صومه، فأفطر، فحكمه حكم رمضان في الكفارة، فلو جامع نهاراً فعليه كفارتان: إحداهما للاعتكاف، والأُخرى للصوم الواجب بالنذر.
2. ولو جامع ليلاً، فله كفارة واحدة للاعتكاف.
3. ولو أفطر نهاراً بسائر المفطرات، فعليه كفارة واحدة للإفطار، دون الاعتكاف لما عرفت من اختصاص كفارته بالجماع واللّه العالم.
(**) أقول: الكلام في إفطار الصوم الذي له كفارة ولا خلاف نصاً وفتوىً في أنّ الكفارة تتكرر بتكرر الموجب إذا كان في يومين.
إنّما الخلاف في تكرّرها بتكرار الموجب في اليوم الواحد، وهنا صور:
لأنّ الموجب المتكرِّر، إمّا هو الجماع، أو غيره; وعلى الثاني، إمّا يختلفان جنساً، أو يتحدان; وعلى فرض الاتحاد إمّا يتخلّل التكفير بين الموجبين، أو لا، فقد

صفحه 316
قوّى الماتن التعدّد فيما إذا كان الموجب هو الجماع، ونسب التكرر في المختلف جنساً أو المتخلل بينها التكفير إلى الاحتياط، ثمّ احتاط في جميع الصور.
هذه صور المسألة، وأمّا الأقوال:
1. لا يتكرّر بتعدّد الموجب مطلقاً. وهو خيرة الشيخ في المبسوط، وابن حمزة في الوسيلة.
2. تتكرّر مطلقاً. نقله الشيخ في المبسوط عن بعض أصحابنا.
3. التفصيل بين الجماع فتتكرّر ، وغيره فلا. وهوخيرة المرتضى، وأبي الحسن زكريا بن يحيى صاحب كتاب شمس الذهب.
4. التفصيل بين التكفير عن الموجب الأوّل فتتكرّر، دون ما إذا لم يكفّر فواحدة. وهو خيرة ابن الجنيد.
5. التفصيل بين تغاير جنس المفطر فتتعدد سواء اتحد الزمان أو لا، كفّر عن الأوّل أو لا واتحاد جنس المفطر في يوم واحد، فإن كفر عن الأوّل تتعدد الكفارة وإلاّ فلا. وهوخيرة العلاّمة في المختلف.1
وهذه الفتاوى مبنية على كون تعدد الأسباب موجباً لتعدد المسببات وعدمه، أو يفصل بين التكفير وغيره، أو بين وحدة الجنس وعدمه.
وأمّا أهل السنة، فقد حكى الشيخ في الخلاف عدم الخلاف بينهم في عدم تعدّد الكفارة وانّهم نصوا بذلك، ثمّ نقل عن السيد المرتضى التفصيل المتقدم.2
أمّا ابتناء التعدّد وعدمه على المسألة الأُصولية من تداخل الأسباب وعدمه، فالظاهر انّه لا موضوع له كما نصّ به غير واحد من الأعلام، لأنّه مبني على أحد

(1) المختلف:3/450، أُخذت الأقوال منه.
(2) الخلاف: 2/189 ـ 190، كتاب الصوم، المسألة 38.

صفحه 317
أمرين غير ثابتين.
1. انّ السبب نفس استعمال ذات المفطر من الأكل والشرب.
2. السبب هو إفطار الصوم، أو مخالفة وجوب الإمساك التأدبي. ولكنّهما غير ثابتين.
فلأنّ المتبادر من قوله: «من أفطر من شهر رمضان متعمداً يوماً واحداً» هوكفارة من نقض صومه، وأبطل فريضته، وهو يتحقق بالموجب الأوّل ولا يبقى للموجب موضوع.
أقول: إنّ هنا احتمالين :
أ. انّ التكفير مترتب على عنوان الإفطار وهو غير صادق في مورد السبب الثاني أو على استعمال المفطر فيعمّ الموجبَ الثاني كالأوّل، ولكن الاحتمال الأوّل أظهر، لأنّ المتبادر من الروايات انّها جريمة على نقض الصوم وإبطاله، وهو يتحقّق بالأوّل دون الثاني.
ومنه يعلم حكم الجماع أيضاً، فانّ العنوان فيه وإن كان قوله: «في رجل واقع أهله في شهر رمضان» وهو يصدق على الموجب الثاني والثالث، ولكن الاعتماد على هذا الظهور كالاعتماد على عنوان الإفطار، يُعدُّ دقة عقلية، بعد كون المتبادر في هذه الموارد، كون الكفّارة لأجل إبطال الصوم وقد بطل فلا موضوع للتكفير.
وأبعد منه كون المخالفة للإمساك تأدّباً هي موضوع للحكم، فيجب التعدّد مطلقاً حسب الواجبات، فالقول بعدم التعدّد هو الأقوى.
وأمّا الاعتماد في تعدّده بالجماع على الروايات المروية في المقام، فكلّها ضعاف كما لا يخفى.1

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 11 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1، 3.

صفحه 318
المسألة 3:لافرق في الإفطار بالمحرّم الموجب لكفّارة الجمع بين أن تكون الحرمة أصليّة كالزناء وشرب الخمر، أو عارضيّة كالوطء حال الحيض أو تناول ما يضرّه.(*)
المسألة 4: من الإفطار بالمحرّم الكذب على اللّه وعلى رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)، بل ابتلاع النخامة إذا قلنا بحرمتها من حيث دخولها في الخبائث لكنّه مشكل.(**)
المسألة5: إذاتعذّر بعض الخصال في كفّارة الجمع وجب عليه الباقي.(***)
ـــــــــ
(*) قد عرفت أنّ وجوب كفارة الجمع من باب الاحتياط، وعليه لا فرق بين الذاتي والعرضي لإطلاق لفظ الحرام الوارد في النصوص.1
(**) تقدم الكلام في معنى «الخبائث» و انّ المراد منها، هي الميتة والدم ولحم الخنزير التي كانت العرب تتناولها، مضافاً إلى تعارف بلعه بلا اكثرات.
(***) وذلك لأنّ الوارد في لسان النصوص «فعليه ثلاث كفارات»، الظاهر في وجوب كل على وجه الاستقلال، فلا يضرّ سقوط البعض لأجل التعذّر كالعتق في هذه الأيّام، بوجوب الباقي فما استظهره السيد الحكيم (قدس سره)في كون التكليف بالجمع ارتباطياً وانّ مقتضى القاعدة الأوّلية سقوط وجوب الممكن منها بالعجز عن بعض أجزائه لا يخلو من تأمّل.
أضف إلى ذلك انّه يلزم أن يكون المفْطِر بالمحرَّم أهون أمراً من غيره، إذ يتعين على الثاني غير المتعذر من الأُمور الثلاثة، بخلاف المقام، فإذا تعذر إحدى الخصال يسقط الباقي وهو كما ترى.

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 10 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.

صفحه 319
المسألة 6: إذا جامع في يوم واحد مرّات وجب عليه كفّارات بعددها وإن كان على الوجه المحرّم تعدّدت كفّارة الجمع بعددها.(*)
المسألة7: الظاهر أنّ الأكل في مجلس واحد يعدّ إفطاراً واحداً وإن تعدَّدت اللقم، فلو قلنا بالتكرار مع التكرّر في يوم واحد لاتتكرّر بتعدّدها ، وكذا الشرب إذا كان جرعة فجرعة.(**)
المسألة8: في الجماع الواحد إذا أدخل وأخرج مرّات لاتتكرّر الكفّارة وإن كان أحوط.(***)
المسألة 9: إذا أفطر بغير الجماع ثمّ جامع بعد ذلك يكفيه التكفير مرّة، وكذا إذا أفطر أوّلاً بالحلال ثمّ أفطر بالحرام تكفيه كفّارة الجمع.(****)
ــــــــــ
(*) على القول بتعدّد الكفّارات في الجماع والقول بكفّارة الجمع في الإفطار بالمحرم.
(**) لأنّ المجموع يعدّ إفطاراً واحداً.
(***) لأنّ المجموع يعدّ جماعاً واحداً، لأنّ لوحدة المجلس مدخلية في إضفاء وصف الوحدة على العمل المتكرر.
(****) ذكر فيها فرعان:
1. إذا أفطر بغير الجماع ثمّ جامع، فقال المصنّف: يكفيه التكفير الواحد.

صفحه 320
2. إذا أفطر بحلال ثمّ أفطر بحرام فقال (قدس سره): تكفيه كفارة الجمع.
أمّا الأوّل، فكان ما دلّ على وجوب الكفارة بالجماع منصرف إلى ما إذا لم يسبقه استعمال مفطِّر قبله.
لكنّه إنّما يتم لو كان المعتمَد في تكرّر الكفارة بالجماع، النصوص الضعيفة الماضية.1 وأمّا إذا كان الدليل لوجوب الكفارة في الجماع هو عنوان :«المواقعة» فهو موجب للكفارة سبقه مفطِّر آخر، أو لا، بخلاف سائر المفطرات، فانّ الموضوع فيها هو الإفطار فلا يصدق فيما إذا سبقه مفطر آخر، فما ذكره صحيح فيما إذا عكس، أي جامع ثمّ تناول مفطراً.
أمّا الثاني فله صور:
1. إذا أفطر بحلال ثمّ بحرام وكانا بغير الجماع، كما إذا أكل حلالاً ثمّ شرب الخمر.
2. إذا أفطر بحلال بغير الجماع ثمّ جامع بالجماع الحرام.
3. أن يكون على العكس.
ففي الصورة الأُولى، تكفيه إحدى الخصال، لما عرفت من أنّه لا تأثير للمفطر الثاني، لأنّه ليس بصائم.
وفي الصورة الثانية منها، يجب الجمع بين إحدى الخصال للأوّل وكفارة الجمع للثانية، أمّا الأُولى فلكونه مفطراً، وأمّا الثانية فلأنّ العنوان هو المواقعة الصادقة على ما إذا تقدّمها مفطر آخر.
وفي الصورة الثالثة تكفي كفارة الجمع، إذ ليس للمفطر الآخر تأثير.

(1) الوسائل:الجزء7، الباب 11 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1و2و3.

صفحه 321
المسألة 10:
1. لو علم أنّه أتى بما يوجب فساد الصوم وتردّد بين ما يوجب القضاء فقط أو يوجب الكفّارة أيضاً لم تجب عليه.
2. وإذا علم أنّه أفطر أيّاماً ولم يدر عددها يجوز له الاقتصار على القدر المعلوم.
3. وإذا شكّ في أنّه أفطر بالمحلّل أو المحرّم كفاه إحدى الخصال.
4. وإذا شكّ في أنّ اليوم الّذي أفطره كان من شهر رمضان أو كان من قضائه وقد أفطر قبل الزوال لم تجب عليه الكفّارة.
5. وإن كان قد أفطر بعد الزوال كفاه إطعام ستين مسكيناً، بل له الاكتفاء بعشرة مساكين.(*)
ـــــــــ
(*) تتضمن المسألة فروعاً خمسة، وأساس الأحكام المذكورة هو انّه إذا دار الأمر بين الأقل والأكثر فهو مجرى للبراءة دونما إذا دار الأمر بين المتبائنين، فالمحكّم هو الاحتياط وإليك التطبيق:
أمّا الصورة الأُولى، فلدوران الأمر بين الأقل والأكثر، فوجوب القضاء معلوم على كلّ حال، والكفارة مشكوكة الوجوب تجري فيها البراءة .
أمّا الصورة الثانية، فكذلك: فإذا تردّد الفائت بين عشرة أو عشرين، فوجوب الأقل معلوم ووجوب الأكثر مشكوك يقع مجرى للبراءة.
وربما يقال بالاحتياط، وذلك بوجهين:
1. انّ التكليف بصوم شهر رمضان قد تنجّز في ظرفه وشُكَّ في الخروج عن

صفحه 322
عهدة التكليف المعلوم بإتيان الأقل، فلا تحصل البراءة اليقينية إلاّبالإتيان بالأكثر.
يلاحظ عليه : أنّ التكليف بشهر رمضان لمّا سقط بالعصيان، في المقام، فحدث تكليف جديد باسم القضاء مردّد بين الأقل والأكثر، فتجري البراءة في الأكثر المحتمل.
2. المفروض انّه كان ذاكراً المقدار الفائت من الصوم وتنجز الواقع عند ذاك ثمّ طرأ النسيان، ففي مثله يجب الخروج عن عهدة التكليف على وجه اليقين. ولا يحصل البراءة إلاّ بالاحتياط.
يلاحظ عليه: أنّ العلم السابق إنّما ينجز إذا كان موجوداً، فإذا انعدم بطروء النسيان فقد زال تنجزه.
فإن قلت: ربما يزول العلم ويبقى أثره، كما إذا أراق أحد الإناءين المشتبهين، فليس عندئذ علم إجمالي بنجاسة الإناء الباقي أثره.
قلت: الفرق بين المقامين واضح، لأنّ العلم في مورد الاناءين بكمّه وكيفه موجود في ظرفه حتى بعد الإراقة، أي يعلم أنّ أحد الإناءين كان نجساً قبل الإراقة، وهذا بخلاف المقام، إذ ليس في المقام بعد النسيان إلاّ العلم بأصل الفوت، وأمّا مقداره فهو مجهول.
ومنه يعلم عدم وجوب الكفّارة إلاّ بالمقدار المتيقن قضاؤه، وأمّا المشكوك، فلا يجب قضاؤه ولا كفّارته.
وأمّا الصورة الثالثة، فلجريان البراءة عن وجوب جميع الخصال، وتصور تردّد الواجب بين عنوانين متبائنين: إحدى الخصال أو جميعها، فيجب الاحتياط، مدفوع بأنّ العنوانين يشيران إلى الخارج، وهو تردّد الواجب في نظر العقل مردّد بين واحد أو كثير.

صفحه 323
أمّا الصورة الرابعة، أعني: ما إذا أفطر قبل الزوال ودار الأمر بين كونه من رمضان فتتعلّق به الكفارة، أو من قضائه فلا تتعلّق، فيدور الأمر بين وجوب الكفّارة وعدمه فيكون مجرى للبراءة.
وأمّا الصورة الخامسة، وهي نفس الصورة لكن أفطر بعد الزوال، فتردد بين كونه من قضاء شهر رمضان، فيكفي في كفارته إطعام عشرة مساكين ـ على ما مرّ ـ أو من رمضان، فلا تكفي إلاّإطعام ستين مسكيناً، وقد أفتى الماتن بكفاية الأقلّ.
فاستدل السيد الحكيم عليه بقوله: إنّ الشكّ المذكور يوجب العلم إجمالاً بوجوب التصدّق على عشرة مساكين تعييناً، أو بوجوب الصدقة على ستين مسكيناً تخييراً بينه وبين العتق وصوم شهرين متتابعين، فالتصدق على عشرة مساكين مما يعلم بتعلّق الطلب به المردّد بين التعيين والتخيير، ولأجل ذلك يعلم بتحقّق الامتثال به ويشك في وجوب الزائد عليه، فيرجع فيه إلى أصل البراءة.1
وأورد عليه المحقّق الخوئي بالمنع عن كون المقام من قبيل الدوران بين التعيين والتخيير، ليؤخذ بالمتيقن في مقام الجعل ويدفع الزائد بالأصل، وذلك لما ذكرناه في محلّه من الأُصول من أنّ متعلّق الوجوب إنّما هو الجامع الانتزاعي المنطبق على كلّ من الطرفين أو الأطراف، وليس الطرف بنفسه متعلقاً للتكليف بوجه، وإنّما هو محقّق للامتثال، وعليه ففي المقام نعلم إجمالاً بتعلّق الطلب إمّا بالعنوان الجامع، أعني: إحدى الخصال من إطعام الستين وأخويه، أو بإطعام عشرة مساكين. ومن الضروري انّ العشرة مباينة مع الجامع المزبور وليس أحدهما متيقناً بالإضافة إلى الآخر ليؤخذ به ويدفع الزائد بالأصل. نعم العشرة متيقنة بالإضافة إلى الستين، ولكن الستين ليس متعلّقاً للتكليف جزماً، فكما أنّ مقتضى

(1) المستمسك:8/358.

صفحه 324
الأصل عدم تعليق التكليف بالجامع كذلك مقتضاه عدم تعلّقه بالعشرة، فيسقطان بالمعارضة، فلابدّ من الاحتياط، ويتحقّق: إمّا بالجمع بين العشرة وبين العتق أو الصيام، وإمّا باختيار الستين للقطع بتحقّق الامتثال في ضمنه، إمّا لكونه عدلاً للواجب التخييري، أو لأجل اشتماله على العشرة وزيادة.1
يلاحظ عليه : أنّه مبني على أنّ الواجب في الواجب التخييري هو العنوان الانتزاعيّ المنطبق على كلّ واحد من الأطراف، ولكنّه أحد الآراء وليس على تعيّنه دليل، لو لم نقل بقيام الدليل على خلافه، فانّ الظاهر انّ الواجب هو كلّ واحد من الأطراف لكن على وجه لو أتى بواحد منها سقط التكليف عن غيره بخلاف الواجب التعييني بالنسبة إلى تعييني آخر، فانّ الإتيان به لا يسقط التكليف عن الآخر، وذلك لأجل تعدّد الملاك في الأخير ووحدته في الأوّل وحصوله بكلّ واحد منهما.
ويؤيد ذلك ظهور الآية فيما ذكرنا، أعني: قوله سبحانه في كفارة اليمين: (فَكَفّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرةِ مَساكِين مِنْ أَوسَطِما تُطعِمُونَ أَهلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبة فَمَنْ لَمْ يَجِد فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّام ذلِكَ كَفّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ) .2 فانّ الآية ظاهرة في تعلّق التكليف بنفس العناوين لا بالأمر الانتزاعي الجامع بينها وكلّواحد من الأُمور الثلاثة واجب تعلق به الطلب لكن على وجه لو أتى بواحد منها، يسقط الطلب عمّـا عداه.
وعلى ذلك فنحن نعلم بوجوب إطعام العشرة: إمّا تعييناً إذا أفطر قضاء شهر رمضان، أو في ضمن ستين مسكيناً تخييراً بينه وبين أخويه، فينتج العلم بوجوب العشرة والشكّ في تعلّقه بالزائد عنه.

(1) مستند العروة الوثقى: كتاب الصوم:1/325ـ 326 بتلخيص.
(2) المائدة:89.

صفحه 325
المسألة 11: إذا أفطر متعمّداً ثمّ سافر بعد الزوال لم تسقط عنه الكفّارة بلا إشكال، وكذا إذا سافر قبل الزوال للفرار عنها، بل وكذا لو بدا له السفر لابقصد الفرار على الأقوى، وكذا لو سافر فأفطر قبل الوصول إلى حدّ الترخّص، وأمّا لو أفطر متعمّداً ثمّ عرض له عارض قهريٌّ من حيض أو نفاس أو مرض أو جنون أو نحو ذلك من الأعذار ففي السقوط وعدمه وجهان، بل قولان، أحوطهما الثاني وأقواهما الأوّل.(*)
ــــــــــ
ومع هذا فنحن لا نؤمن بالانحلال وحصول العلم التفصيلي بوجوب العشرة، وذلك لأنّ العلم التفصيلي بوجوب الأقل على كلّ تقدير، معلول العلم إجمالي إمّا بوجوب العشرة بنفسها أو في ضمن إطعام ستين مسكيناً مع أخويه، وهذا العلم الإجمالي هو العلّة لحصول العلم التفصيلي، ومع ذلك كيف يكون العلم التفصيلي سبباً هادماً للعلم الإجمالي بإجراء الأصل عن وجوب إطعام ستين مسكيناً مع أخويه، وهذا أشبه بكون المعلول هادماً لعلته.
وهذا نفس الإشكال الذي أورده المحقّق الخراساني على القائلين بالانحلال في الواجب المردّد بين الأقل والأكثر الارتباطيين، ونحن وإن أجبنا عن إشكاله في الأُصول لكن الجواب المذكور غير ناجع في المقام، كما هو الظاهر لمن أمعن النظر في جوابنا.1
(*) موضوع المسألة من أفطر صوماً تتعلّق الكفارة بإفطاره، ولكنّه طرأ عليه عنوان مسوغ للإفطار، فهل يكون ذلك كاشفاً عن عدم وجوب الصوم عليه في الواقع، وبالتالي عدم كونه مفطراً للصوم.

(1) لاحظ المحصول:3/548.

صفحه 326
ثمّ إنّ للمسألة فروعاً:
الأوّل: إذا أفطر بلا مسوِّغ وطرأ عليه عنوان لم يكن مسوِّغاً له، كما إذا أفطر قبل الزوال وسافر بعده، فانّ السفر بعد الزوال لا يؤثر في جواز الإفطار عندنا وعند عامة الفقهاء إلاّ أحمد.1
وهذه الصورة خارجة عن المقسم، أعني: طروء عنوان يرخّص الإفطار.
الثاني: إذا أفطر ثمّ سافر قبل الزوال للفرار عن الكفارة.
الثالث: إذا أفطر ثمّ سافر قبل الزوال لقضاء الحاجة.
الرابع: إذا أفطر وطرأ عليه عنوان مسوغ للإفطار خارج عن الاختيار، كما إذا حاضت أو نفست أو مرض أو جُنَّ وغير ذلك.
هذه هي صور المسألة.
وأما الأقوال، فهي ثلاثة: فمن قائل بوجوب الكفارة مطلقاً، إلى آخر بعدمه مطلقاً، إلى ثالث قائل بالتفصيل.
أمّا الأوّل، فهو خيرة الشيخ في الخلاف، فقال بعدم سقوط الكفّارة وأضاف: وللشافعي فيه قولان: أحدهما: مثل ما قلناه وهو أقيسهما; والثاني: لا كفارة عليه، وبه قال أبو حنيفة.2
وأمّا الثاني، فلم نجد من الأصحاب قائلاً به، وحكاه الشيخ في الخلاف عن أبي حنيفة، ووجهه كون السفر كاشفاً عن عدم وجوب الصوم عليه، فلا تتعلّق الكفارة بالإفطار المجاز واقعاً.
وأمّا الثالث، فهو خيرة العلاّمة في المختلف قال: الأقرب عندي السقوط إن

(1) الخلاف: 2/219، كتاب الصوم، المسألة 80.
(2) الخلاف:2/219، كتاب الصوم، المسألة 79.

صفحه 327
كان المسقط من قبل اللّه تعالى كالحيض والمرض والإغماء والجنون، أو من قبله و إن كان باختياره لا لذلك كالسفر، أمّا لو كان غرضه من فعل المسقط إسقاط الكفّارة فلا، كما لو أفطر ثمّ خرج إلى السفر لإسقاطها، فان الكفارة لا تسقط عنه.1
وهناك تفصيل آخر اختاره السيد الحكيم (قدس سره)وهو التفريق بين الناقض الاختياري وعدمه مطلقاً، فلا يسقط في الأوّل ويسقط في الثاني.2
وإليك دراسة الأقوال.
أمّا الأوّل فله وجهان:
1. ما ذكره المحقّق الخوئي (قدس سره)وحاصله: انّ الإفطار الموضوع لوجوب الكفّارة عبارة عن نقض العدم، وقلبه إلى الوجود، لأنّه في مقابل الإمساك الذي هو صوم لغويّ، ولا يتوقف صدقه على تحقّق الصوم الشرعي بل كان مأموراً بالإمساك سواء أكان ذلك مصداقاً للصوم الشرعي أيضاً أم لا.
وحاصله: انّ المكلّف في هذه الفترة ليس مأموراً بالصوم بل مأمور بالإمساك إلى أن يسافر، أو يطرأ عليه طارئ، فلو تناول المفطر لصدق عليه انّه أفطر.
يلاحظ عليه: أنّ القدر المتيقن من الأدلة هو المفطر لصومه، فالموضوع للكفارة هو إفطار الصائم بلا مسوغ لا إفطار الممسك بلا مسوغ.
2. انّ المكلّف في هذه الفترة صائم ظاهراً وواقعاً، فلو أفطر، فقد أفطر صائماً فتعمّه أدلة الكفّارة .

(1) المختلف:3/452.
(2) مستمسك العروة الوثقى:8/360.

صفحه 328

توضيحه:

أ. انّ عدم السفر ليس شرطاً للصوم ولا قيداً للواجب وإنّما هو ناقض له، فإذا تحقق، ينقض الصوم شأن كلّ مانع وقاطع وناقض، وقد ذكرنا في محله انّ كون الشيء مانعاً، ليس بمعنى أخذ عدمه في جانب المأمور، بل وجوده، مانع عن تحقّق الواجب، فلو كان حين الفجر حاضراً يكون مأموراً بالصوم غاية الأمر لو سافر، يكون السفر ناقضاً ومانعاً عن استدامته، لا انّ وجوب الصوم مقيد بعدم السفر في ذلك اليوم، نعم لو كان حين الفجر مسافراً فهو غير مكلّف بالصوم لوجود المانع من أوّل الأمر، ولذلك قال سبحانه: (فَمَنْ كانَ مَريضاً أَوْ عَلى سَفَر فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّام أُخَر ) .
ب. ليس الصوم علماً، للإمساك مع النية من مطلع الفجر إلى المغرب، بل هو يصدق على القليل والكثير، كالصلاة والماء، فهو بين الحدين صائم، فلو أفطر فقد أفطر صائماً.
ج. انّه مكلف بالإمساك مع النيّة بين الحدين، ولذلك لا يجوز له الإفطار قبل الوصول إلى حدّ الترخص، ولا يجوز على المرأة الإفطار حتى تطمث.1
وعلى ضوء ذلك، تجب عليه الكفّارة مطلقاً من غير فرق بين الاختيار والاضطرار.
وأمّا القول الثاني، أعني: السقوط مطلقاً، فهو مبني على أنّه غير مكلف بالصوم في علم اللّه، فلو أفطر، فقد أفطر وهو غير صائم، فلا تترتب عليه الكفّارة.

(1) الوسائل: الجزء7، الباب 25 من أبواب من يصح منه الصوم، الحديث 2و4.

صفحه 329
يلاحظ عليه: بما عرفت من أنّه ليس قيداً للوجوب ولا للواجب، غير انّ بينه و بين الصوم منافرة وتمانع، ومعه لا دليل على أنّه غير مكلّف بالصوم بالمقدار الممكن.
وأمّا التفصيل بين الاختياري والاضطراري فهو خيرة السيد الحكيم وحاصل ما أفاده: انّ موضوع الكفارة: الصوم الصحيح الواجب على المكلّف صحّة تأهلية، وهذا المعنى لا يختل بوجود السفر باختياره.
نعم لو كان السفر غير اختياري كان موجباً للمنع عن التكليف بالصوم، لأنّه مع الاضطرار إلى السفر لا يقدر على إتمامه فلا يكون مكلّفاً به فينتفي موضوع الكفارة، لأنّه الصوم الواجب. وأمّا السفر الاختياري فلا يمنع عن القدرة على الصوم التامّ، ولا عن التكليف به من غير جهة السفر.1
يلاحظ عليه: بأنّه مبني على تقييد الواجب بعدم طروء الطوارئ إلى نهاية اليوم، فعندئذ لا يكون الصوم أمراً مقدوراً في الواقع ومكلّفاً به. ولكنّك عرفت انّ مرجع المانع أو الناقض إلى وجود التباين والتنافي بين الأمرين على نحو يزاحم الآخر، لا إلى وجوب الواجب مشروط بعدمه، فعندئذ لا مانع من تعلّق خطاب الصوم به في مطلع الفجر غاية الأمر إذا طرأ المانع يكون الاستمرار أمراً غير مقدور.
ثمّ إنّه يمكن أن يستدل على عدم سقوط الكفّارة بما رواه زرارة و محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام):
«أيّما رجل كان له مال حال عليه الحول، فإنّه يزكّيه»، قلت له: فإن وهبه قبل حلّه بشهر أو بيوم؟ قال (عليه السلام): «ليس عليه شيء أبداً».

(1) المستمسك:8/360.

صفحه 330
وقال زرارة عنه (عليه السلام): «إنّما هذا بمنزلة رجل أفطر في شهر رمضان يوماً في إقامته، ثمّ يخرج في آخر النهار في سفر، فأراد بسفره إبطال الكفارة التي وجبت عليه».
وقال: «إنّه حين رأى الهلال الثاني عشر وجبت عليه الزكاة، ولكنّه لو كان وهبها قبل ذلك لجاز ولم يكن عليه شيء بمنزلة من خرج ثمّ أفطر».1
لقد شبه الإمام من وهبَ المال الذي تعلّقت الزكاة به بعد حلول الحول، بمن أفطر ثمّ خرج بعد الزوال كما شبّه من وهب قبل حلوله، بمن خرج ثمّ أفطر، فكما أنّ الهبة بعد التعلّق، لا يؤثر في وجوب الزكاة فهكذا الإفطار أوّلاً، ثمّ السفر ثانياً، لا يؤثر في الحكم الشرعي، فعليه القضاء والكفّارة.
وأورد عليه السيد الحكيم: بأنّ مورده السفر بعد الزوال في آخر النهار، وقد عرفت أنّه لا إشكال في عدم إسقاطه للكفّارة.2
ويمكن أن يقال: إنّ وجه التقييد به لأجل حفظ المشابهة بين الموردين، فانّ الزكاة لا تتعين إلاّ بحلول الحول، فهكذا الصوم لا يتعين إلاّ بدخول الزوال، فناسب التمثيل بمورد يتعين فيه الزمان للصوم، وليس هو إلاّ إدراك الإنسان الزوال صائماً .
وبذلك يعلم تعلّق الكفارة بجميع الصور، لأنّه أفطر وكان مكلّفاً بالصوم وتصور انّ المكلّف مع السفر الاضطراري لا يقدر على إتمامه فلا يكون مكلّفاً به ومثله سائر الموانع الاضطرارية غير تام، لأنّه يكشف عن عدم وجوب الصوم التام، لا المقدار الذي وجب عليه الصوم ظاهراً وواقعاً. وليس للمرأة التعلل من غُسْل الجنابة بحكم علمه بأنّها تحيض أثناء النهار، لأنّها مأمورة بالصوم مادام لم

(1) الوسائل:الجزء7، الباب 58، من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.
(2) المستمسك:8/359.

صفحه 331
المسألة 12: لوأفطر يوم الشكّ في آخر الشهر ثمّ تبيّـن أنّه من شوّال فالأقوى سقوط الكفّارة، وإن كان الأحوط عدمه، وكذا لو اعتقد أنّه من رمضان ثمّ أفطر متعمّداً فبان أنّه من شوّال أو اعتقد في يوم الشكّ في أوّل الشهر أنّه من رمضان فبان أنّه من شعبان.(*)
المسألة 13: قد مرّ أنّ من أفطر في شهر رمضان عالماً عامداً إن كان مستحلاً فهو مرتدُّ، بل وكذا إن لم يفطر ولكن كان مستحلاً له، وإن لم يكن مستحلاً عزِّر بخمسة وعشرين سوطاً، فإن عاد بعد التعزير عزِّر ثانياً، فإن عاد كذلك قتل في الثالثة، والأحوط قتله في الرابعة.(**)
ـــــــــ
تحض، فإذاحاضت انقطع الوجوب، لا انّه كشف عن عدم وجوب الصيام عليها رأساً.
وبالجملة فالمحكّم هو إطلاق الدليل، وهو شامل لهذه الأصناف وليس الموضوع كونه عارياً عن المانع في علم اللّه إلى الغروب، إذ ليس علمه سبحانه موضوعاً للتكليف.
(*) وجه هذه الفروع الثلاثة واضحة، لأنّ الحكم تابع لموضوعه واقعاً، والمفروض انّه لم يكن من رمضان، بل كان إمّا من شعبان، أو من شوال، فلم يكن الصوم واجباً حتى تتعلق به الكفارة وما احتاط به ليس له وجه.
نعم هو متجرّ وعليه ما على المتجرّي من الحكم.
(**) مرّ الكلام فيه في صدر الكتاب، والمسألة مطروحة في كتاب الحدود، ويطلب التفصيل من هناك.

صفحه 332
المسألة 14: إذا جامع زوجته في شهر رمضان وهما صائمان مكرهاً لها كان عليه كفّارتان وتعزيران خمسون سوطاً، فيتحمّل عنها الكفّارة والتعزير، وأمّا إذا طاوعته في الابتداء فعلى كلّ منهما كفّارته وتعزيره، وإن أكرهها في الابتداء ثمّ طاوعته في الأثناء فكذلك على الأقوى، وإن كان الأحوط كفّارة منها وكفّارتين منه، ولا فرق في الزوجة بين الدائمة والمنقطعة.(*)
ــــــــ
(*) في المسألة قولان، والمشهور انّه يجب عليه كفّارتان، والقول الآخر لابن أبي عقيل انّ عليه كفارة واحدة.
قال الشيخ في الخلاف: يجب بالجماع كفّارتان: إحداهما: على الرجل، والثانية :على المرأة إن كانت مطاوعة له، فإن استكرهها كان عليه كفّارتان.
وقال الشافعي في القديم والأُم:كفّارة واحدة، وعليه أصحابه وبه يُفتون. وهل عليه أم عليها، ويتحملها الزوج على وجهين. وقال في الإملاء: كفارتان: على كلّ واحد منهما كفارة كاملة من غير تحمل، وبه قال مالك وأبوحنيفة.1
وقال ابن أبي عقيل: ولو انّ امرأة استكرهها زوجها فوطأها، فعليها القضاء وحده وعلى الزوج القضاء والكفارة.
وقال ابن إدريس: إذا أكرهها لم يكن عليها قضاء ولا كفارة.
يقع الكلام تارة في مقتضى القاعدة الأوّلية، وأُخرى في مقتضى النصوص الواردة في المسألة.
أمّا الأوّل: فلوكان الإكراه مستمراً، لم يتعلّق بالزوج إلاّ كفارة واحدة; وأمّا الكفارة الثانية، فلا وجه لها، أمّا على القول بصحّة صوم الزوجة، كما هو الأقوى;

(1) الخلاف:2/182، كتاب الصوم، المسألة 26، ولم يعلم مورد قوله: «وقال في الاملاء» فهل هو ناظر إلى صورة المطاوعة أو الاكراه؟

صفحه 333
وعليه ابن إدريس في سرائره.1 فواضح إذ الكفارة فرع فساد الصوم و المفروض صحّته وأمّا على القول الآخر، من بطلان صومها،فالكفارة مرفوعة بحكم حديث الإكراه، فليس هنا كفّارة حتى يتحمّلها الزوج، وعلى فرض عدم رفعها، فانتقال الكفّارة من شخص إلى شخص آخر يحتاج إلى الدليل.
أمّا الملفّق من الطاعة والإكراه، فلو كانت مطاوعة في الابتداء فلكلّ كفارته، وذلك لأنّها أفسدت صومها بالجماع عن طوع ورغبة، ولو رضيت في الآخر، بعد ان كانت مستكرهة في الابتداء، فعدم تعلّقها بها رهن شمول حديث الإكراه بهذا القسم، فهي مكرهة في بعض الوقت ومختارة في البعض الآخر، ولعلّ الحديث منصرف عن هذه الصورة.
فتبين انّ مقتضى القاعدة، وجوب كفّارة واحدة على الزوج في الأوّلين من الصورة وكفّارتين إحداهما للزوج والأُخرى للزوجة في ثالثها.
وأمّا حسب النص الوارد في المسألة فقد روى الكليني، عن علي بن محمد بن بندار، عن إبراهيم بن إسحاق الأحمر، عن عبد اللّه بن حماد، عن المفضل بن عمر، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)في رجل أتى امرأته وهو صائم وهي صائمة؟ فقال: إن كان استكرهها فعليه كفّارتان، وإن كانت طاوعته فعليه كفّارة وعليها كفّارة، وإن كان أكرهها فعليه ضرب خمسين سوطاً نصف الحد، وإن كانت طاوعته ضُرب خمسة وعشرين سوطاً وضُربت خمسة وعشرين سوطاً».2
والاستدلال رهن صحّة السند أو جبر ضعفه إذا كان ضعيفاً.
أمّا علي بن محمد بن بندار فهو شيخ الكليني لم يوثق; وأمّا إبراهيم بن إسحاق الأحمر، فهو النهاوندي الذي قال في حقّه النجاشي: كان ضعيفاً في حديثه3; وأمّا عبد اللّه بن حماد، فهو ثقة بلا ريب عرّفه النجاشي بقوله: من

(1) السرائر: 1/386.
(2) الوسائل: الجزء 7، الباب 12 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.
(3) رجال النجاشي: 1/94 برقم 20.

صفحه 334
شيوخ أصحابنا، له كتابان 1; وأمّا المفضل فقد اختلفت فيه كلمة الرجاليين، وإن كان الأقوى وثاقته.
فخرجنا بتلك النتيجة أنّ السند لا يُحتج به، إلاّ أنّ الظاهر عمل المشهور به، قال المحقّق: إنّ سندها ضعيف لكن علماءنا ادّعوا على ذلك إجماع الإمامية، ومع ظهور القول بها ونسبة الفتوى إلى الأئمّة (عليهم السلام)يجب العمل بها.2 ومع شهادة فقيه كالمحقّق، يحصل الاطمئنان بصدور الرواية عنهم (عليهم السلام)وإن كان السند غير نقيّ لما عرفت من أنّ الحجّة هو الموثوق صدوره.
قد عرفت مقتضى القاعدة الأوّلية وأنّه لا يجب على الزوج مطلقاً كفّارتان، وأمّا الزوجة فهي بينما لا تجب عليها الكفّارة مطلقاً كما إذا كانت مستكرهة، أو تجب عليها كفّارة واحدة كما في الصورتين الملفَّقتين.
وأمّا إذا عملنا بالرواية، فإن قلنا بأنّها ناظرة إلى صورة واحدة، أعني: ما إذا كان الإكراه مستمراً، فيرجع في غيرها إلى القواعد الأوّلية وقد عرفت مقتضاها.
وأمّا لو قلنا بعدم الاختصاص، ففيما إذا كانت مطيعة في بدء الأمر فلكلّ كفارته، وليس للإكراه بعد الطاعة أثر، لبطلان صومها بالمطاوعة أوّلاً. وأمّا إذا كانت مستكرهة في بدئه ومطيعة في الأثناء، فقد قوى الماتن وحدة حكم الصورتين، وانّه ليس عليه كفّارتان، ولعلّه لظهور الخبر في استمرار الإكراه إلى الفراغ، فليس لمثل هذا النوع من الإكراه أثر كما في الصورة الأُولى أيضاً.
ولكنّه على فرض الثبوت ظهور بدئي، لصدق أنّه أكرهها على الجماع وأفسدت صومها فعليها الكفّارة، و ما احتاط به هو الأقوى، حيث قال: وإن كان الأحوط كفارة منها وكفّارتين منه.
وأمّا أنّه لا فرق بين الدائمة والمنقطعة فهو مقتضى الإطلاق.

(1) رجال النجاشي:2/15 برقم 566.
(2) المعتبر: 2/681.

صفحه 335
المسألة 15:لو جامع زوجته الصائمة وهو صائم في النوم لا يتحمّل عنها الكفّارة ولا التعزير كما أنّه ليس عليها شيء ولا يبطل صومها بذلك، وكذا لا يتحمّل عنها إذا أكرهها على غير الجماع من المفطرات حتّى مقدّمات الجماع وإن أوجبت إنزالها.(*)
المسألة 16: إذا أكرهت الزوجة زوجها لاتتحمّل عنه شيئاً.(**)
المسألة 17: لاتلحق بالزوجة الأمة إذا أكرهها على الجماع وهما صائمان، فليس عليه إلاّ كفّارته وتعزيره وكذا لاتلحق بها الأجنبيّة إذا أكرهها عليه على الأقوى، وإن كان الأحوط التحمّل عنها خصوصاً إذا تخيّل أنّها زوجته فأكرهها عليه.(***)
ـــــــــ
(*) لخروج المورد عن النص، وقد عرفت أنّ مقتضى القاعدة الأوّلية، مضافاً إلى ما قيل من أنّ الكفارة لأجل فساد الصوم والمفروض عدم بطلان صومها، لعدم صدور عمل منه.
وقد عرفت عدم بطلان صومها إذا كانت شاعرة وفاقاً لابن إدريس.
(**) للأصل وعدم الدليل.
(***) واحتمل العلاّمة شمول الحديث للأَمة لقوله «إلى امرأته» ولم يقل زوجته.
لو أكره أجنبية على الفجور، قال الشيخ في المبسوط: ليس لأصحابنا فيه نص، والذي يقتضيه الأصل أنّ عليه كفارة واحدة; لأنّ حملها على الزوجة قياس لا نقول به. قال: ولو قلنا: إنّ عليه كفارتين لعظم المأثم فيه كان أحوط.1

(1) المختلف: 3/429; المبسوط: 1/275.

صفحه 336
المسألة 18: إذا كان الزوج مفطراً بسبب كونه مسافراً أو مريضاً أو نحو ذلك وكانت زوجته صائمة لا يجوز له إكراهها على الجماع وإن فعل لايتحمّل عنها الكفّارة ولا التعزير، وهل يجوز له مقاربتها وهي نائمة إشكال.(*)
ــــــــــ
أقول: القياس الأُولوي إنّما يصحّ إذا كان الحكم على وفق القاعدة، لا ما إذا كان على خلافها كما في المقام ،وأيضاً أنّ الكفّارة لتكفير الذنب فقد يكون الذنب كبيراً لا يؤثر في إسقاطه ولا في تخفيفه الكفّارة.1
(*) في المسألة فروع:
1. إذا كان الزوج غير صائم والزوجة صائمة، فهل يجوز إكراهها على الجماع أو لا؟
ذهب صاحب المدارك إلى عدم الجواز، وقال: إنّ الأصح التحريم، لأصالة عدم إجبار المسلم على غير الحقّ الواجب عليه. وقال في الجواهر: وفيه بحث.2
أقول : يقع الكلام في موضعين:
1. إكراه الزوجة على الأمر المباح، الذي عبّر عنه صاحب المدارك بغير الحقّ الواجب.
2. إكراهها على الأمر المحرم.
أمّا الأمر الأوّل: فهو على قسمين: إمّا يكون فعل المباح مزاحماً لحقّ الانتفاع بحقّه الشرعي، أو لا يكون.

(1) المختلف: 3/430.
(2) الجواهر:16/309ـ 310.

صفحه 337
فعلى الأوّل، يجوز الإكراه، بل يحرم عليها الاشتغال بالأمر المباح المزاحم لحقّ الزوج، وعلى الثاني، لا يجوز الإكراه، لأنّه يتضمن الإيذاء وهو أمر محرم، مخصوصاً إذا توصل إليه بالتوعد بأمر محرم كالضرب والهتك وغيره.
نعم للزوج أن يتوصل إلى إكراهها إلى ترك أمرمباح بالتوعيد بأمر مشروع، كما إذا قال: لو اشتغلت بهذا الأمر لطلّقتك ، أو تزوّجت عليك بزوجة أُخرى، بليجوز هذا النوع من الإكراه في حقّ غيرها كالأصدقاء والجيران كمالا يخفى.
فتلخص انّه يجوز الإكراه على ترك المباح إذا كان مزاحماً لحقوق الزوج، وإلاّ فلا يجوز، خصوصاً إذا توعدها بالضرب والهتك، إلاّ إذا هددها بالانتفاع بحقّ مشروع للمكره كما عرفت.
وأمّا الإكراه على أمر محرم: كما في المقام فلا يجوز، لأنّ المجامعة في هذه الحالة أمر مبغوض عند الشرع سواء أتوصل إليه مباشرة أو تسبيباً، فالإكراه من أدوات الأخير، من غير فرق بين إيعادها بأمر مباح كالطلاق والتزويج بثانية، أو بأمر محرم كالضرب.
وذلك لأنّ مقتضى الجمع بين حقّه سبحانه، وحقّ الزوج ووجوب إطاعته، فانّ حقّ طاعته كحقّ إطاعة الوالدين محدد بغير المعصية، قال سبحانه: (وَإِنْ جاهَداكَ على أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما) .1
ويظهر من السيد الخوئي (قدس سره)انّه لو كانت المرأة مستطيعة ولكن الزوج لا تسمح له نفسه بذهابها إلى الحج، فيعدم موضوع الاستطاعة بالإكراه فيقول: إن

(1) لقمان:15.

صفحه 338
ذهبتِ إلى الحجّ طلّقتُكِ أو تزوجتُ عليكِ أُخرى، وكلّ من الطلاق والتزويج حرج عليها وهو أمر سائغ في الشريعة الإسلامية حتى ابتداء ومن غير إكراه، أفهل هناك مانع من جواز هذا الإكراه؟!1
أقول: المانع موجود، وذلك لأنّ الحجّ مطلوب للشارع لا يرضى بتركه فالتسبيب إليه ولو بالتوصل بالانتفاع بحقّ شرعي، مبغوض أيضاً، كما أنّ إفساد الصوم أمر مبغوض، فالتسبب إليه ـ ولو بالتهديد بالانتفاع بحقّ مشروع ـ مبغوض مثله، وقد عرفت أنّ مقتضى الجمع بين الحقّين، هو تحديد الانتفاع بالحقّ بغير ما ينتهي إلى ترك المطلوب أو فعل المبغوض.
2. إذا أكرهها على الجمـاع ـ سـواء أقلنا بجـوازه أم بحرمته ـ فيقع الكلام في تعلّق الكفّارة في الزوجة والزوج وعدمه.
أمّا على الزوجة فلا لكونها مكرهة، بل يصحّ صيامها على الأقوى ; و أمّا على الزوج، لما عرفت من أنّه على خلاف القاعدة، وهو خارج عن مورد النصّ.
3. هل يجوز مقاربتها وهي نائمة؟
فيه إشكال، ناش من ثبوت الحقّ له في هذه الحالة، وعدم صدور الفعلعلى وصف المبغوضية، ومن أنّ مقتضى الجمع بين وجوب التمكين، ووجوبالصوم، اختصاص حقّه بغير تلك الحالة، وعدم صدور مبغوض منهالامباشرة ولا تسبيباً، غير كاف في جوازه، لعدم وجود الإطلاق في دليل التمكين.

(1) مستند العروة الوثقى: كتاب الصوم: 1/347ـ348.

صفحه 339
المسألة 19: من عجز عن الخصال الثلاث في كفّارة مثل شهر رمضان تخيّر بين أن يصوم ثمانية عشر يوماً أو يتصدّق بما يطيق ولو عجز أتى بالممكن منهما وإن لم يقدر على شيء منهما استغفر اللّه تعالى ولو مرة بدلاً عن الكفّارة وإن تمكّن بعد ذلك منها أتى بها.(*)
ــــــــــ
(*) في المسألة فروع:
الفرع الأوّل: من عجز عن الخصال الثلاث تخيّر بين أمرين.
الفرع الثاني: لو عجز عنهما أتى بالممكن منهما.
الفرع الثالث: إن لم يقدر استغفر اللّه ولو مرّة.
الفرع الرابع: ولو تمكن بعد ذلك أتى بها.
أمّا الفرع الأوّل: فقد ذهب المفيد، والسيد المرتضى، وابن إدريس إلى تعيّن صوم ثمانية عشر يوماً.
وقال ابن الجنيد، والصدوق في المقنع: بالتصدق بما يطيق.
وقال العلاّمة في المختلف: الأقرب عندي التخيير. وهو مقتضى الجمع بين الروايات، حيث دلّ بعضها على الأوّل، وبعضها على الثاني، فالجمع بعد كون الأصل عدم الترتيب فوجب القول بالتخيير.1
أمّا الأوّل: فاستدل بخبر أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: سألته عن رجل كان عليه صيام شهرين متتابعين فلم يقدر على الصيام ،ولم يقدر على العتق، ولم يقدر على الصدقة؟ قال: «فليصم ثمانية عشر يوماً، عن كلّ عشرة مساكين

(1) مختلف الشيعة:3/444ـ445.

صفحه 340
ثلاثة أيّام».1

يلاحظ على الاستدلال

أوّلاً: بضعف السند، حيث ورد فيه إسماعيل بن مرّار، وعبد الجبار بن المبارك ولم يوثّقا وإن كانت القرائن تدل على وثاقة الأوّل.
وثانياً: أنّ الحديث محمول على الظهار، بقرينة أنّه جعل كلّ ثلاثة أيّام بدلاً من عشرة مساكين، لا بدلاً من غيرها، وهذا يدل على تعيّـن الإطعام عليه فصار صيام ثمانية عشر بدلاً عنه ولا يتعين الإطعام إلاّ في الخصال المترتبة، لا المخيّرة فانّ الجميع في عرض واحد.
وهذا الاحتمال قريب، خصوصاً على نقل الشيخ في الاستبصار حيث ترك فيه قوله: «ولم يقدر على العتق» الذي توسط في الحديث بين العجز عن الصيام والعجز عن الإطعام، وعندئذ اقتصر الراوي على العجز عن الأمرين المترتبين، فأجاب الإمام بالبدل.
وثالثاً: أنّ صحيح أبي بصير، عن أبي عبد اللّه ، يصلح أن يكون مبيناً للمقصود، أعني: الحديث التالي.
2. قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)عن رجل ظاهر امرأته فلم يجد ما يعتق، ولا ما يتصدق ولا يقوى على الصيام؟ قال: «يصوم ثمانية عشر يوما،ً لكلّ عشرة مساكين ثلاثة أيّام».2
ويحتمل اتحاد الحديثين، وهو صريح في الظهار، فيكون خارجاً عن محلّ البحث، أعني: كفارة إفطار شهر رمضان، ولا مانع من العمل بهما في موردهما إذا

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 9من أبواب بقية الصوم الواجب، الحديث 1.
(2) الوسائل: الجزء15، الباب 8 من أبواب الكفارات، الحديث 1.

صفحه 341
صحّ جبر الضعف بعمل المشهور، وإن كان المتن غير خال عن الشذوذ لتقديم العجز عن التصدق، على العجز عن الصيام، مع أنّ مقتضى الترتب هو العكس.
فتبيّـن أنّ ما استدل به على القول الأوّل غير ظاهر فيه بل ظاهر في غيره.
وأمّا ما يدل على القول الثاني، فهو صحيحة عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)في رجل أفطر من شهر رمضان متعمداً يوماً واحداً من غير عذر، قال: «يُعتِق نسمة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يُطعم ستين مسكيناً، فإن لم يقدر تصدق بما يطيق».1
ومثله صحيحته الأُخرى، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)في رجل وقع على أهله في شهر رمضان فلم يجد ما يتصدّق به على ستين مسكيناً ؟قال: «يتصدق بقدر ما يُطيق».2 والحديث محمول على عجزه عن الأمرين أيضاً، وإلاّ لم تصل النوبة إلى الأمر الرابع.
والظاهر وحدة الروايتين، إذ من البعيد أن يسأل ابن سنان أبا عبد اللّه عن مسألة واحدة مرتين.
وأمّا القول الثالث: فمبني على تعارض الروايتين،والجمع بينهما بالتخيير.
لكنّه فرع التعارض، لما عرفت من اختلاف موردهما، فما دلّ على صوم ثمانية عشر يوماً، فإنّما ورد في المظاهر العاجز، وأمّا ما دلّ على التصدّق بما يُطيق فإنّما ورد فيمن أفطر شهر رمضان بلا عذر، وعجز عن التكفير، فيُعْمل بكلّ في مورده.
وبذلك ظهرت قوة القول الثاني، الذي هو خيرة الصدوق في المقنع، دون الأوّل ودون القول بالتخيير.

(1) الوسائل: الجزء 7 ، الباب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 1.
(2) الوسائل: الجزء 7، الباب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 3.

صفحه 342
وهناك احتمال رابع، وهو الجمع بين الأمرين، لاحتمال أن يكون العِدْل المجعول في ظرف العجز عن الخصال الثلاث هو صوم ثمانية عشر يوماً، والتصدق بما يطيق.
وهو ضعيف لم يقل به أحد، مضافاً إلى استلزامه عدم كون الروايات بصدد بيان ما هو الواجب.
وهنا احتمال خامس، وهو الواجب على من عجز عن الخصال الثلاث هو الصدقة بما يطيق، مع الاستغفار، ويدل عليه أمران:
1. ما عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام): قال: سألته عن رجل نكح امرأته وهو صائم في رمضان ما عليه؟ قال: «عليه القضاء وعتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، فإن لم يجد فليستغفر اللّه».1
ومقتضى الرواية كون الاستغفار في رتبة التصدق بما يُطيق.
يلاحظ عليه أوّلا: أنّ الرواية غير صالحة للاحتجاج، لأنّ السائل يسأل عن كفارة شهر رمضان، والجواب جاء على وفق كفّارة الظهار.
وثانياً: عدم ورود الأمر بالتصدق بما يُطيق كاشف عن عدم كونها لبيان تمام الوظيفة.
وثالثاً: أنّ ما روي في كتاب المسائل لعلي بن جعفر لا يعادل ما جاء في الكتب الأربعة.
2. صحيح أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: «كلّ من عجز عن الكفّارة التي تجب عليه من صوم، أو عتق، أو صدقة في يمين، أو نذر، أو قتل، أو غير

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 9.

صفحه 343
ذلك ممّا يجب على صاحبه فيه الكفّارة، فالاستغفار له كفارة ما خلا يمين الظهار، فانّه إذا لم يجد ما يكفِّر به، حرم عليه أن يجامعها، وفُرِّق بينهما إلاّ أن ترضى المرأة أن يكون معها ولا يجامعها».1
يلاحظ عليه: أنّ المتبادر من الرواية، هو العاجز عن مطلق الكفارة مبدلاً وبدلاً، كما يشير إليه في قوله: «أو غير ذلك ممّا يجب على صاحبه فيه الكفّارة» فلا يكون الاستغفار عندئذ في رتبة التصدق بما يُطيق، بل في درجة متأخرة، كما يأتي في الفرع الثالث.

الفرع الثاني: ما أشار إليه بقوله:ولو عجز أتى بالممكن منهما.

والعبارة لا تخلو من مسامحة، فإنّ المفروض عجزه عن التصدق بما يُطيق، ومعه كيف يُمكن أن يقال: ولو عجز أتى بالممكن منهما، ولعلّ الصحيح منها أي من ثمانية عشر، تمسكاً بقاعدة الميسور.
وبما انّك عرفت أنّ مورد ما دلّ على صيام ثمانية عشر يوماً، هو المظاهِر العاجِز، فلو صحّ التمسك بقاعدة الميسور لاختص بمورد الظهار، ولا يعمُّ المفطِر، فلو عجز المفطِر عن التصدق بما يطيق، فلا شيء عليه إلاّ الاستغفار كما سيوافيك.

الفرع الثالث: إذا عجز عن كلّ شيء فعليه الاستغفار:

فيدلّ عليه مضافاً إلى صحيح علي بن جعفر الماضي، صحيح أبي بصير عن أبي عبد اللّه(عليه السلام)قال: «كلّ من عجز عن الكفارة التي تجب عليه، من صوم، أو عتق، أو صدقة في يمين، أو نذر، أو قتل، أو غير ذلك ممّا يجب على صاحبه فيه الكفارة، فالاستغفار له كفارة ما خلا يمين الظهار، فانّه إذا لم يجد ما يكفِّر به حرم

(1) الوسائل: الجزء 15، الباب 6 من أبواب الكفارات، الحديث 1.

صفحه 344
عليه أن يجامِعَها، وفُرِّق بينهما، إلاّ أن ترضى المرأة أن يكون معها ولا يجامعها».1
الفرع الرابع: لو عجز عن الإتيان بإحدى الخصال، فانتقل إلى البدل، وهو إمّا ثمانية عشر، أو التصدّق بما يطيق، ثمّ تجددت القدرة على الإتيان بإحداها قال المصنف:«أتى بها».2 ولعل الوجه: اختصاص البدلية بالعجز المستمر فإذا تمكن من ذلك، انكشف عدم البدلية، وربما يفصل بين ما يجب فيه البدار إلى البدل، فيسقط المبدل منه بالإتيان بالبدل. وما لا يجب فيه، فيكون إسقاط البدل مراعى باستمرار العجز.
كما ربما يفصل بين المؤقت وغيره، ففيما إذا كان المبدل منه من المؤقتات فلو كان له وقت معين وكان عاجزاً عن الإتيان به في وقته وقد جُعِلَ له بدل، فمقتضى دليل البدلية بحسب الفهم العرفي وفاء البدل بكلّ ما يشمل عليه البدل معه في الملاك بخلاف ما إذا كان غير مؤقّت بزمان، بل يستمرّ مادام العمر فلا ينتقل إلى البدل إلاّ لدى العجز المستمرّ، فلو تجدّدت القدرة كشف ذلك عن عدم تحقق موضوع البدل وعدم تعلّق الأمر به.
ولكن الظاهر كفاية ما أتى، وذلك لظهور الأمر بالبدل وفاؤه بكلّ ما يشمل المبدل منه من الملاك الذي نتيجته الاجزاء.
هذا من غير فرق بين كون المبدل منه من المؤقّتات، وقد عجز عن الإتيان به في وقته، أو كان غير مؤقت بزمان خاص، وسواء أكان فورياً أولم يكن، فانّ الأمر بالبدل في ظرف العجز دليل على أنّ المولى اقتصر في باب الامتثال بهذا المقدار،

(1) الوسائل: الجزء 15، الباب 6 من أبواب الكفارات، الحديث 1.
(2) هذا هو المقصود من العبارة لا ما يظهر من المستمسك من أنّه إذا عجز عن الاستغفار، ثمّ تمكن منه، وأُورد عليه انّ لازم عدم الاكتفاء، هو عدم اكتفاء بدلية الصوم ثمانية عشر، والصدقة بما يطيق، فتدبر.

صفحه 345
المسألة 20:يجوز التبرّع بالكفّارة عن الميّت صوماً كانت أو غيره وفي جواز التبرّع بها عن الحيّ إشكال والأحوط العدم خصوصاً في الصوم.(*)
ـــــــــ
وذلك ممّا يفهمه العرف من الأمر بالبدل. فوجوب التدارك أو القضاء يحتاج إلى الدليل، فما نقلناه من الاعلام الفرق بين المؤقت وغيره، أو ما يجب فيه البداء وعدمه أمر يخالف ما هو المتبادر عند العرف من الأمر بالبدل.
نعم ورد الأمر في باب الظهار، كما في مصحح إسحاق بن عمار، عن أبي عبداللّه(عليه السلام)قال: «الظهارإذا عجز صاحبه عن الكفّارة، فليستغفر ربّه، وينوي أن لا يعود قبل أن يُواقع ثمّ ليواقع، وقد أجزأ ذلك عنه من الكفارة، فإذا وجد السبيل إلى ما يكفّر يوماً من الأيّام، فيلكفّر».1
وقد احتمل السيد الحكيم احتمال إلقاء الخصوصية، وهو موضع تأمّل، لما دلّ عليه صحيح أبي بصير من تشديد الأمر في الظهار لأجل عدم كفاية الاستغفار في المجامعة وإن رضيت الزوجة وإنّما تكفي في جواز المعاشرة الاجتماعية لا في المجامعة، ومعه لا يمكن إلغاء الخصوصية.
(*) أمّا التبرع عن الميت بالصوم وغيره فلا إشكال فيه، فانّه ـ مضافاً إلى أنّه إحسان إليه وسعي في براءة ذمته عن دين اللّه ـ مقتضى الروايات الخاصة في غير واحد من الأبواب من جواز الصلاة والصوم والحجّ والصدقة من غير فرق بين كون المتبرِّع هو الولد، أو غيره، روى الصدوق بسند صحيح، عن عمر بن يزيد الثقة، قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): نصلِّي عن الميت؟ فقال: «نعم حتى أنّه ليكون في ضيق فيوسِّعُ اللّه عليه ذلك الضيق، ثمّ يؤتى فيقال له: خفِّف عنك هذا الضيق

(1) الوسائل: الجزء 15، الباب 6 من أبواب الكفارات، الحديث 4.

صفحه 346
بصلاة فلان أخيك عنك» قال: فقلت له:فأُشرك بين رجلين في ركعتين؟ قال: «نعم».1
وأرسله الصدوق إرسال المسلَّم، وقال: قال (عليه السلام): «يدخل على الميت في قبره، الصلاة والصوم والحج والصدقة والبرّ والدعاء ويُكْتَب أجره للذي يفعله وللميّت». 2
روى النسائي في سننه، عن ابن عباس قال: قال رجل يا رسول اللّه(صلى الله عليه وآله وسلم)إنّ أبي مات ولم يحج أفأحج عنه؟قال: «أرأيت لو كان على أبيك دين، أكنت قاضيه؟» قال: نعم، قال: «فدين اللّه أحقّ».3
وقوله في صحيح عمر بن يزيد الماضي: «بصلاة فلان أخيك عنك» يدل على جواز ذلك للولد وغيره، وهو حجّة على من ينفيه في غير الولد.
روى الشيخ في التهذيب، عن عمر بن يزيد قال: كان أبو عبد اللّه(عليه السلام)يصلّي عن ولده كلّ ليلة ركعتين.4
وقد نقل المحدّث البحراني ما يدل على جواز العبادة عن الأموات أحاديث تناهز أربعة وثلاثين حديثاً. وقد جمعها علي بن طاووس في كتابه «غياث سلطان الورى، لسكان الثرى».5
ثمّ إنّ الصلاة أو الصوم عن الميت تارة بنحو إهداء الثواب إليه وهذا ما لا يشترط فيه سوى قابلية الميت للإهداء كالإيمان وأُخرى بنحو النيابة عنه، وهذا لا يصحّ إلاّ بعد العلم بالاشتغال، أو احتمال الاشتغال فيصلّي عندئذ رجاء، وأمّا الصلاة عنه وإن علم فراغ ذمته منها فهو مشكل، لأنّ فعل العبادات أمر توقيفي، فلا يجوز إلاّ بدليل شرعي.

(1) الوسائل: الجزء 2، الباب 28 من أبواب الاحتضار، الحديث 1 و 3.
(2) الوسائل: الجزء 2، الباب 28 من أبواب الاحتضار، الحديث 1 و 3.
(3) سنن النسائي : 2/5. وقدنقل أصحاب السنن هذه الرواية باسناد مختلفة .
(4) الوسائل: الجزء 2، الباب 28 من أبواب الاحتضار، الحديث 7.
(5) الحدائق: 11/32ـ 38.

صفحه 347
وربما يستدل على الجواز بما رواه النجاشي في ترجمة صفوان: كان صفوان شريكاً لعبد اللّه بن جندب وعلي بن النعمان، وروى: أنّـهم تعاقدوا في بيت اللّه الحرام، انّه من مات منهم، صلّى من بقي، صلاته وصام عنه صيامه، وزكّى عنه زكاته ،فماتا وبقي صفوان، فكان يصلّي في كلّ يوم مائة وخمسين ركعة، ويصوم في السنة ثلاثة أشهر، ويزكّي زكاته ثلاث دفعات، وكلّ ما يتبرع به عن نفسه ممّا عدا ما ذكرناه، تبرع عنهما مثله.1
لكن المروي عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: سألته عن امرأة مرضت في شهر رمضان، وماتت في شوال فأوصتني أن أقضي عنها؟ قال: «هل برئت من مرضها؟» قلت: لا، ماتت فيه، قال: «لا تقضي عنها، فانّ اللّه لم يجعله عليها قلت: فإنّي أشتهي أن أقضي عنها وقد أوصتني بذلك؟ قال: كيف تقضي شيئاً لم يجعله اللّه عليها».2
هذا كلّه حول التبرع عن الميت.

التبرّع بالكفارة عن الحيّ

وأمّا التبرّع بالكفارة عن الحيّ، فقد اختلفت كلمتهم في جوازه مطلقاً، أو عدم جوازه كذلك، أو يفصل بين الصوم فلا يجوز، وغيره فيجوز.
قال العلاّمة في المختلف: لو تبرّع بالتكفير عن الحيّ، قال الشيخ في المبسوط: أجزأ. وقال بعض أصحابنا: لا يجزئ. والوجه عندي الأوّل.3
ولم يُشر إلى التفصيل المحقّق في الشرائع حيث قال: يراعى في خصوص

(1) رجال النجاشي :1/439، ترجمة صفوان برقم 522.
(2) الوسائل: الجزء 7، الباب 23 من أحكام شهر رمضان، الحديث 12.
(3) المختلف: 3/452.

صفحه 348
الصوم الوفاة، وقال صاحب الجواهر: والأقوى عندي عدم التبرّع عن الحي مطلقاً، وفاقاً لجماعة ،بل لعله المشهور. للأصل، وقد تبعه المصنف فجعل عدم التبرع هو الأحوط مكان الأقوى لصاحب الجواهر، والظاهر ما في الجواهر عن كونه الأقوى وذلك:
انّ ظاهر الأمر، هو قيام المكلّف بالمأمور به مباشرة أو تسبيباً على وجه يُسند الفعل إليه، وكفاية تبرّع الغير وسقوط المأمور به، بفعله يحتاج إلى الدليل.
توضيح ذلك: ربما يكون الغرض قائماً بنفس الفعل، كتطهير الثوب ودفن الميت، فلو غسل الثوب بإطارة الريح إياه إلى الماء الكر، ثمّ قذفه الموج إلى خارجه يحصل غرض المولى ،ويصحّ إقامة الصلاة معه، وأُخرى يكون الغرض قائماً بصدور الفعل عن المكلّف الخاص لغاية التأديب والتربية كما في المقام، فانّ غرض المولى قائم بقيام المكلّف بالعتق أو الصوم أو الإطعام حتى تكون الجريمة رادعة عن العود إليه ثانياً، ففي مثله كيف يكون تبرّع الغير مسقطاً للتكليف؟!وأقصى ما يمكن أن يقال: إنّ الأفعال على قسمين: قسم يكون المأموربه قابلاً للتسبيب، أي يكفي في إسقاط الواجب صحة اسناد الفعل إليه ، ولو بالتسبيب فيما تصح فيه النيابة كمافي الموارد التالية:
1. أن يوكّل المكلف الغير في أن يُعتِق أو يطعم من ماله.
2. أن يملّك الغير شيئاً من ماله للمكلّف ، ليقوم بالعتق أو الإطعام.
3. أن يأذن الغير للمكلّف، أن يعتق أو يطعم ماله وإن لم يملكه بناء على جوازه.
وعلى أحد الوجهين الأخيرين يحمل قول رسول اللّه للأعرابي الذي قال: هلكت يا رسول اللّه، فقال له الرسول : «تصدّق واستغفر ربك» فقال الرجل: فوالذي عظّم حقّك ما تركت في البيت شيئاً لا قليلاً ولا كثيراً ـ إلى أن قال: ـ فقال

صفحه 349
له رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): «خذ هذا التمر فتصدق به».1
روى الكليني بسند موثق، عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)قال: سمعته يقول: «جاء رجل إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال: يا رسول اللّه ظاهرت من امرأتي؟ قال: فاذهب فأعتق رقبة، قال: ليس عندي ـ إلى أن قال : ـ فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم): أنا أتصدّق عنك فأعطاه تمراً لإطعام ستين مسكيناً، قال: اذهب فتصدّق بها».2 وهو أيضاً محمول على أحد الأمرين، لا التبرع.
هذا كلّه إذا كان المأمور به قابلاً للتسبيب كالعتق أو الإطعام، وأمّا ما تشترط فيه المباشرة كالصلاة والصوم في الحي فلا يكفي التسبيب، إلاّ إذا قام الدليل عليه فضلاً عن التبرع.
استدل للقول بالجواز بوجهين:
1. انّ خصال الكفّارة دين اللّه، وكلّ دين يجوز التبرّع فيه. روى النسائي في سننه، عن ابن عباس قال: قال رجل يا رسول اللّه : إنّ أبي مات ولم يحج أفأحج عنه؟ قال: «أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيه؟» قال: نعم، قال:« فدين اللّه أحق».3
2. قول النبي للأعرابي: «خذ هذا التمر وتصدّق به».
والوجهان ضعيفان:
أمّا الأوّل : انّ مورده الميّت، وقد دلّ الدليل على جواز التبرع عنه، لعدم إمكان المباشرة والتسبيب، وإنّما الكلام في الحيّ الذي يستطيع أن يقوم بالواجب بأحد الوجهين، وأمّا جواز التبرع في وفاء دين الحي فهو من باب إبراء ذمة المديون،

(1) الوسائل: الجزء 7، الباب 8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم، الحديث 2.
(2) الوسائل: الجزء 15، الباب 2 من أبواب الكفارات، الحديث1.
(3) سنن النسائي:2/5.

صفحه 350
المسألة 21: من عليه الكفّارة إذا لم يؤدّها حتّى مضت عليه سنين لم تتكرّر.(*)
المسألة 22:الظاهر أنّ وجوب الكفّارة موسّع فلا تجب المبادرة إليها. نعم لا يجوز التأخير إلى حدّ التهاون.(**)
ـــــــــ
لغاية تملك ما تبرع به الغير وذلك لأنّ المفروض أنّ الغير لا يتبرع ولا يملِّكه إلاّبهذا الشرط، وإلاّ فالسقوط يحتاج إلى دليل.
وأمّا الثاني: أعني: حديث الأعرابي، فقد عرفت أنّها من باب التمليك أو الإذن في أن يتصدق بمال النبي، وعلى كلا الوجهين فالفعل منسوب إلى الأعرابي.
أمّا التفصيل بين الصوم فلا يجوز، وغيره فيجوز، فوجهه انّ الصوم عن الغير لا يقبل الوكالة، فلا يكفي التبرّع بخلاف الأخيرين فيقبلان الوكالة، وكلما جازت فيه الوكالة تجوز فيه النيابة والتبرع.
يلاحظ عليه: أنّ الكبرى غير مسلمة، للفرق بي