welcome to official website of Grand Ayatollah Sobhani
فارسی العربیة
الصفحة الرئيسية المقالات الصور

اسم الکتاب : منية اللبيب في شرح التهذيب/ج 1*
تألیف :السيد ضياء الدين عبد الله بن محمد بن الأعرج الحسيني الحلّي*

منية اللبيب في شرح التهذيب/ج 1

صفحه 1
    منية اللبيب في شرح التهذيب/ج1
   

صفحه 2

صفحه 3
 
 
1

صفحه 4
 

صفحه 5
إشراف وتقديم آية الله العظمى جعفر السبحاني ـ دام ظله ـ
 
 
 
تأليف
السيد ضياء الدين عبد الله بن محمد بن الأعرج الحسيني الحلّي (بعد681 ـ كان حيّاً 740هـ)
الجزء الأوّل
تحقيق
اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)

صفحه 6
اعرجى، عبدالمطلب بن محمد، 681 ـ 754 ق
منية اللبيب في شرح التهذيب / تأليف ضياء الدين عبدالله بن محمد بن الأعرج الحسيني الحلّي ; اشراف وتقديم جعفر السبحانى، تحقيق اللجنة العلمية في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام). ـ قم : مؤسسه امام صادق(عليه السلام)، 1431 ق . = 1388 .
      ج .    ISBN 978 - 964 - 357 - 423 - 9 (دوره)
ISBN 978 - 964 - 357 - 422 - 2 (ج. 1)
كتابنامه.
1. علامه حلى، حسن بن يوسف، 648 ـ 726 ق. تهذيب الوصول إلى علم الأُصول ـ. ـ. نقد وتفسير. اصول فقه شيعه ـ ـ قرن 8 ق . الف. علامه حلى. حسن بن يوسف، 648 ـ 726 ق . تهذيب الوصول إلى علم الأُصول. شرح. ب. سبحانى تبريزى، جعفر، 1308 ـ ، مشرف. ج. مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام). د. عنوان. هـ : عنوان: تهذيب الوصول إلى علم الأُصول. شرح.
312/297    1388 9022ت8ع/ 8/158 BP
اسم الكتاب:   … منية اللبيب في شرح التهذيب
الجزء:    …الجزء الأوّل
المؤلف:   … السيد ضياء الدين عبد الله بن محمد بن الأعرج الحسيني الحلّي
الطبعة:   … الأُولى
تاريخ الطبع:   …1431 هـ . ق
المطبعة:   … مؤسسة الإمام صادق (عليه السلام)
الناشــر:   … مؤسسة الإمام صادق (عليه السلام)
عدد النسخ :   … 1000 نسخة
القطع:   … وزيري
عدد الصفحات:   … 632 صفحة
التنضيد والإخراج الفني:   … مؤسسة الإمام صادق(عليه السلام) ـ السيد محسن البطاط
مركز التوزيع
قم المقدسة
ساحة الشهداء ; مكتبة التوحيد
? 7745457 ; 09121519271
http://www.imamsadiq.org

صفحه 7
   
مقدمة المشرف
بسم الله الرحمن الرحيم

أُصول الفقه

ومناهجه عبر العصور
عُرّف علم الأُصول بالعلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعية، ولمّا كان هذا التعريف مختصّاً بالموارد التي يستنبط المجتهد فيها الحكم الشرعي من الكتاب والسنّة، ولا يشمل ما يستنبطه المجتهد بما يعد وظيفة فعلية للشاك في التكليف كأصل البراءة والاحتياط وغيرهما من الأُصول العملية، أضاف المتأخّرون من الأُصوليين على التعريف قيداً آخر، وهو:«أوما ينتهي إليه المستنبط في مقام العمل ».
وعلى كلّ تقدير فأُصول الفقه في كلا الحقلين يقع في خدمة الفقه، ويوصف بالطريق الموصل إليه، فلذلك يعدّ من المبادئ التصديقية للقواعد والمسائل الفقهية، ويراد من المبادئ التصديقية القضايا التي يتوقّف التصديق بالنسب الموجودة في العلم (الفقه) عليها.
وهذا التعريف للمبادئ التصديقية ينطبق تماماً على أُصول الفقه مثلاً قد وردت في الكتاب والسنّة أوامر ونواهي، والتصديق بوجوب ما أمر به أو حرمة ما

صفحه 8
نهي عنه موقوفٌ على ثبوت المسألة الأُصولية، وهو أنّ الأمر يدلّ على الوجوب وضعاً أو عقلاً، والنهي يدلّ على الحرمة كذلك، وهكذا سائر المسائل الأُصولية التي لها دور في استنباط الأحكام الشرعية.
إنّ أبواب المفاهيم لها دور في استنباط الحكم الشرعي، فلو ثبت في علم الأُصول أنّ الجملة الشرطية والوصفية تدلاّن على الثبوت عند الثبوت والانتفاء عند الانتفاء تستخدم المسألة الأُصولية في استنباط الحكم الشرعي الفرعي من الجمل الشرطية والوصفية الواردة في الكتاب العزيز. ويحكم على الحكم الشرعي في قوله:«الماء إذا بلغ قدر كرّ لم ينجّسه شيء » بالثبوت لدى ثبوت القيد والانتفاء عند انتفائه.
مقدّمة المشرف: أُصول الفقه ومناهجه المختلفة   
ونظير ذلك باب العام والمطلق فإنّ حجّية عموم العام وإطلاق المطلق عند الشك في التخصيص والتقييد مسألة أُصولية يستنبط منها الحكم الشرعي الفرعي، وذلك إذا ورد عام أو مطلق وشككنا في خروج فرد أو طائفة من تحتهما. إلى غير ذلك من المسائل الكثيرة التي لها دور في استنباط الأحكام.
فإذا كان لعلم الأُصول ذلك الشأن فلا محيص من الاهتمام به ودراسته وتدريسه وتدوينه، إلى غير ذلك ممّا يزيد في تكامل العلم وتساميه.

أُصول الفقه في أحاديث العترة

لم يكن علم الأُصول بمحتواه أمراً مغفولاً عنه في عصر الأئمّة(عليهم السلام)، فقد أملى الإمام الباقر(عليه السلام) وأعقبه الإمام الصادق(عليه السلام) على أصحابهما قواعد كليّة في الاستنباط، رتّبها بعض الأصحاب على ترتيب مباحث أُصول الفقه.
ونخصّ بالذكر الكتب الثلاثة التالية:

صفحه 9
1. الفصول المهمة في أُصول الأئمة للمحدث الحرّ العاملي(المتوفّى 1104هـ.).
2. الأُصول الأصلية للعلاّمة السيد عبد الله شبر الحسيني الغروي (المتوفّى 1242هـ.).
3. أُصول آل الرسول، للسيد هاشم بن زين العابدين الخوانساري الاصفهاني (المتوفّى 1318هـ.).
فقد بدأ نشاط تدوين علم أُصول الفقه عند الإمامية على ضوء القواعد الكلية الموجودة في أحاديث أئمتهم بالنحو التالي:
فألّف يونس بن عبد الرحمن (المتوفّى 208هـ.) كتابه «اختلاف الحديث ومسائله » وهو نفس باب التعادل والترجيح في الكتب الأُصولية.
كما ألّف أبو سهل النوبختي إسماعيل بن علي(237ـ 311هـ.) كتاب الخصوص والعموم، والأسماء والأحكام، وإبطال القياس.
إلى أن وصلت النوبة إلى الحسن بن موسى النوبختي فألّف كتاب «خبر الواحد والعمل به ». وهذه هي المرحلة الأُولى لنشوء علم أُصول الفقه عند الشيعة القدماء.
وبذلك يعلم أنّ أئمّة الشيعة(عليهم السلام) سبقوا غيرهم في إملاء القواعد الأُصولية على أصحابهم، كما أنّ تلامذتهم شاركوا الآخرين في حلبة التأليف والتصنيف.

أُصول الفقه ومناهجه المختلفة

لمّا ألّف الشافعي رسالته في أُصول الفقه وذاعت بين الفقهاء، عمد فقهاء أهل السنّة إلى تدوين مسائل الأُصول على طريقتين: اختصّ المتكلّمون بطريقة، وفقهاء الأحناف بطريقة أُخرى.

صفحه 10

الطريقة الأُولى: طريقة المتكلّمين

فقد تميّزت كتبهم بأمرين:
1. هؤلاء نظروا إلى علم الأُصول نظرة استقلاليّة، وأنّه علم برأسه، فصاروا يقتنصون قواعده من هنا وهناك من دون نظر إلى فتوى فقيه دون فقيه، وبذلك صار أُصول الفقه علماً مستقلاً كسائر العلوم يخدم الفقه بما أنّه من مبادئه التصديقية، وبه توزن فتوى الفقيه فإن وافقت القاعدة فقد أصاب، وإن خالفت فقد أخطأ.
2. سيادة الطابَع العقلي على مؤلّفهاتهم الأُصولية فأدخلوا فيه مسائل كلامية، كالحسن والقبح العقليّين وجواز تكليف ما لا يطاق وعدمه، إلى غير ذلك من المسائل العقلية .
فما بال علم باض وفرّخ بيد أهل المعقول الذين لا يصدرون في علومهم ومعارفهم إلاّ عن البرهان، فلا محالة تتسم آراء الأُصوليين بالطابع العقلي .
فأوّل من بدأ التأليف على هذا النمط هو أبو بكر الصيرفي (المتوفّى 330 هـ.)، قال القفّال في حقّه: ما رأيت أعلم بالأُصول بعد الشافعي من أبي بكر الصيرفي، له في الأُصول كتاب «البيان في دلائل الأعلام على أُصول الأحكام » وكتاب في الإجماع.
وقد تتابع التأليف على هذا النمط إلى أواخر القرن الثامن، فألّف جمال الدين الأسنوي شيخ الإسلام ورئيس الشافعية بالديار المصرية (المتوفّى 772 هـ.) «نهاية السؤول في شرح منهاج الوصول إلى علم الأُصول » المطبوع المنتشر، وله أيضاً كتاب الزوائد وهو تلخيص للكتب الثلاثة: «المحصول » للرازي، و «الإحكام » للآمدي و «مختصر الأُصول » لابن الحاجب.

صفحه 11
وممّا يجدر ذكره أنّ الكتب الأُم لهذه الطريقة لا تتجاوز ثلاثة:
1. المعتمد لأبي الحسين البصري (المتوفّى 436 هـ.).
2. البرهان لإمام الحرمين الجويني (المتوفّى 478 هـ.).
3. المستصفى للغزالي (المتوفّى 505 هـ.).
وأمّا سائر الكتب فتتمتع بالتلخيص، فقد لخّص هذه الكتب الثلاثة فخر الدين الرازي (المتوفّى 606 هـ.) وأسماه بالمحصول، كما قام بهذا العمل وزاد على الثلاثة شيئاً أبو الحسين المعروف بالآمدي (المتوفّى 621 هـ.) في كتابه المعروف بالإحكام في أُصول الأحكام، حتّى أنّ «منتهى السؤل والأمل في علم الأُصول والجدل » لابن الحاجب (المتوفّى 643 هـ.) هو تلخيص لكتاب الإحكام للآمدي.
وقد كان هذا النوع من التأليف أي الجمع والتلخيص عملاً شائعاً بين الأُصوليّين في تلك المرحلة.

الطريقة الثانية: طريقة الأحناف

هذه الطريقة على خلاف ما عليه أصحاب الطريقة الأُولى حيث نظروا إلى علم أُصول الفقه نظرة آلية لا استقلالية، فلم يعمدوا إلى جمع مسائله وشوارده من هنا وهناك، بل عمدوا إلى جمع المسائل الفقهية الموافقة لفتوى أبي حنيفة فانتزعوا منها قاعدة أُصولية، فصارت القاعدة خاضعة للفروع لا حاكمة عليها، ولذلك لاترى في هذا النمط من الآثار بحثاً عقلياً أو مسألة كلامية.
وقد ظهرت هذه الطريقة في أوائل القرن الثالث، وأوّل من ألّف على وفقها هو عيسى بن أبان بن صدقة الحنفي (المتوفّى 220 هـ.) فله في الأُصول رسالة مطبوعة ذكر فيها الأُصول الّتي عليها مدار كتب أصحاب أبي حنيفة.

صفحه 12
ثم تبعه أبو منصور الماتريدي (المتوفّى 333 هـ.) شيخ أهل السنّة في المشرق الإسلامي وله كتاب «مآخذ الشرائع في الأُصول » .1
ثم تلاه أبو بكر الجصّاص (المتوفّى 370 هـ.) وقد ألّف كتاباً في أُصول الفقه باسم «أُصول الجصاص » وقد تتلمذ على أبي الحسن الكرخي.
وجاء بعده أبو زيد الدبّوسي السمرقندي (المتوفّى 430 هـ.) له كتاب «تأسيس النظر » وهو مطبوع.
وتلاه فخر الإسلام البزدوي (المتوفّى 482 هـ.) فألف في الأُصول كتاب «كنز الوصول إلى معرفة الأُصول » وهو كتاب سهل العبارة يعدّ أوضح كتاب ألّف وفقاً لهذه الطريقة.
وتلاه شمس الأئمة السرخسي (المتوفّى 483 هـ.) له كتاب «تمهيد الفصول في الأُصول » 2 .
وآخر من ألّف على هذا النمط الحافظ النسفي (المتوفّى 790 هـ.) ومن تصانيفه «منار الأنوار » و «كشف الأسرار في شرح المنار » المطبوعان.
ولعلّ هناك مَن ألّف على هذه الطريقة ولم نقف عليه .

الطريقة الثالثة: الجمع بين الطريقتين

لمّا كانت لكل من الطريقتين مزيّة حيث إنّ النظرة إلى أُصول الفقه نظرة استقلالية والاستدلال عليها بالبرهنة تعدّ من مزايا هذه الطريقة غير أنّه تعوزها الصلة بين القاعدة والفروع المستنبطة، فالطالب يدرس أُصول الفقه كقواعد جافّة من دون أن يطّبقها على مواردها والفروع الّتي تترتب عليها، بخلاف الطريقة

1 . لاحظ كتابنا: بحوث في الملل والنحل: 3 / 11 .
2 . الفوائد البهية: 158 ; الجواهر المضيئة: 2 / 28 .

صفحه 13
الثانية، فإنّ الصلة بين القاعدة والفروع قويمة حيث إنّ القاعدة تنتزع من جمع الفروع من هنا وهناك غير أنّه تفقد شمولية القاعدة لسائر المذاهب الفقهية، لأنّ المفروض أنّ القاعدة منتزعة من فتوى الإمام المعين كأبي حنيفة، فكيف يمكن أن يستند إليها فقهاء سائر المذاهب؟
ولهذا حاول بعض المتأخّرين الجمع بين الطريقتين بمعنى تأسيس القاعدة والبرهنة عليها ثم تطبيقها على الفروع الكثيرة الواردة في الكتب الفقهية، وهذا نمط ثالث جدير بالتقدير، فإنّ القواعد الأُصوليّة كالقواعد الرياضية لا ينتفع بها المتعلم إلاّ بالتمرّن وحلّ المسائل على ضوء القواعد.
وممّن وفّق للتأليف على هذا النمط الفقيه المعروف بابن الساعاتي (المتوفّى 694 هـ.) له مصنّفات في الفقه والأُصول، منها «بديع النظام في أُصول الفقه »، جمع فيه بين طريقتي الآمدي في كتابه الإحكام الّذي عنى فيه بذكر القواعد دون التطبيق على الفروع، وطريقة فخر الإسلام البزدوي في كتابه الّذي عنى فيه بالشواهد الجزئية الفرعية.
وتلاه صدر الشريعة البخاري (المتوفّى 747 هـ) له كتاب «تنقيح الأُصول » المطبوع وشرحه «التوضيح » المطبوع أيضاً، جمع فيه بين ثلاثة كتب من أُصول البزدوي الحنفي المؤلّف على الطريقة الثانية والمحصول للرازي ومنتهى السؤل والأمل لابن الحاجب المؤلّفين على طريقة المتكلمين.
إلى غير ذلك من الكتب المؤلّفة على النمط الثالث.

الطريقة الرابعة: تخريج الفروع على الأُصول وتخريج الفروع على القواعد العربية

قد تعرفت على الطرق الثلاثة في تأليف أُصول الفقه، وهناك طريقة رابعة ربّما تكون أجمل وأكمل من الطريقة الثالثة، وهي تخريج الفروع على الأُصول

صفحه 14
على الطريقة الثالثة وتخريج الفروع على القواعد العربية، وهذا هو الّذي يميّز تلك الطريقة عن الطريقة الثالثة، حيث خرّج الفروع الفقهية على ضوء العلمين:
1. أُصول الفقه.
2. القواعد العربية.
وما أُلف على هذا النمط قليل جدّاً، نذكر منه:
1. الكوكّب الدّري للأسنوي الشافعي (المتوفّى 772 هـ).
2. تمهيد القواعد الأُصولية، والعربية للشهيد الثاني (المتوفّى 966 هـ) .
فقد جمع الشهيد فيه بين تخريج الفروع على الأُصول وتخريجها على القواعد العربية، فذكر من القسم الأوّل مائة قاعدة أُصولية يستنبط منها أحكام فقهية، كما ذكر من القسم الثاني مائة قاعدة عربية لها مدخلية تامّة في استنباط الأحكام. والكتاب جدير بالمطالعة، ومن حسن الحظ أنّه طبع أخيراً في المشهد الرضوي بتحقيق أنيق، فشكر الله مساعي القائمين بإنجاز الكتاب بصورة بهيّة .

منهج الإمامية في تدوين أُصول الفقه

إنّ أُصول الفقه لدى الأحناف ـ في الحقيقة ـ علم بالقواعد الفقهية حيث إنّ الفقيه يضمّ مسألة إلى مسألة ثم يوحّد بينهما وبين المسائل الأُخرى وينتزع من الجميع قاعدة فقهية. مثلاً إنّ الفقيه لمّا وقف على أنّ صحيح الإجارة وفاسدها يوجب الضمان ووقف أيضاً على أنّ البيع صحيحه وفاسده يوجب الضمان، إلى غير ذلك من المسائل الّتي فيها مبادلة مالين أو مال وانتفاع، فينتزع من الجميع قاعدة فقهية كلية ويقول: «كل ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده » وهذا غير علم الأُصول الّذي يستعين الفقيه به في استنباط الحكم الشرعي فلذلك نرى أنّ

صفحه 15
أصحابنا الإمامية منذ العصور الأُولى ألّفوا على طريقة المتكلّمين، فطرحوا أُصولاً وقواعد لها دور في استنباط الحكم الشرعي وربّما ألجأتهم الظروف إلى إدخال المسائل الكلامية، وهذا النمط هو السائد على ما ألّفه أصحابنا الإمامية من العصور المتقدمة إلى زماننا هذا، وفي الوقت نفسه ميّزوا القواعد الفقهية عن القواعد الأُصولية فألّفوا في ذينك الحقلين كتباً كثيرة. نذكر بعض مَنْ ألّف في علم الأُصول:
1. الشيخ المفيد (المتوفّى 413 هـ.) له كتاب «التذكرة في أُصول الفقه » .
2. الشريف المرتضى (المتوفّى 436 هـ.)له كتاب «الذريعة إلى أُصول الشريعة ».وقد قامت مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) بتحقيقه ونشره مجدداً في مجلد واحد، عام 1429هـ. .
3. سلاّر الديلمي (المتوفّى 448 هـ.)له كتاب «التقريب في أُصول الفقه » .
4. الشيخ الطوسي (المتوفّى 460 هـ.)له كتاب «العدّة في أُصول الفقه ».
5. ابن زهرة الحلبي (المتوفّى 558 هـ.)له كتاب «غنية النزوع إلى علمي الأُصول والفروع » .
6. سديد الدين الحمصي (المتوفّى 600 هـ.)له كتاب «المصادر في أُصول الفقه ».
7. نجم الدين المحقّق الحليّ (المتوفّى 676 هـ.)له كتاب «المعارج في أُصول الفقه ». شكر الله مساعيهم.
إلى أن وصلت النوبة لنادرة الآفاق وعلاّمة العراق الحسن بن يوسف بن المطهر (المتوفّى 726 هـ.) المعروف بالعلاّمة الحلي فغار في بحار هذا العلم

صفحه 16
وغاص في عبابها فأخرج لآلئها وإليك أسماء ما صنّفه في هذا العلم على وجه الإجمال:
1. «غاية الوصول وأيضاح السبل » في شرح مختصر منتهى الوصول والأمل في علمي الأُصول والجدل لابن الحاجب (المتوفّى 646 هـ.)، ذكره المصنّف في «خلاصة الرجال »، وقد حقّق في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)وطبع الجزء الأوّل منه عام 1430هـ.، والجزء الثاني قيد الطبع.
2. «مبادئ الوصول إلى علم الأُصول » مطبوع ذكره المصنّف لنفسه في «الخلاصة ». وفي إجازته للسيد المهنّا.
3. «منتهى الوصول إلى علم الكلام والأُصول » ذكره المصنّف في الخلاصة وفي إجازته للسيد المهنّا، فرغ منه يوم الجمعة السادس عشر من شهر جمادى الأُولى سنة 687 هـ .
4. «نهج الوصول إلى علم الأُصول »، ذكر المصنّف في الخلاصة وإجازته للسيد المهنّا.
5. «نهـاية الـوصـول إلى علم الأُصول » فقد حُقّقت في مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)ونشرت في خمسة أجزاء ما بين الأعوام 1425ـ 1429هـ. .
6. «تهذيب الوصول إلى علم الأُصول » المطبوع المنتشر، ولم يزل هذا الكتاب موضع اهتمام منذ تأليفه إلى يومنا هذا، وتشهد على ذلك كثرة الشروح والتعاليق عليه الّتي ذكرها شيخنا المجيز آغا بزرگ الطهراني (المتوفّى 1389 هـ.) في كتاب الذريعة إلى تصانيف الشيعة: فقد بلغ عدد الشروح 23 شرحاً، كما بلغ عدد التعاليق خمسة .
وربّما يوجد في المكتبات شروح وتعاليق أُخرى لم يقف عليها شيخنا

صفحه 17
المجيز، والكتاب يتميّز بالإيجاز في التعبير والرصانة في المعنى على نحو يناسب الكتب الدراسية .
وممّن قام بشرحه في عصر المؤلف أو بعد رحيله بقليل، الأخوان العالمان الكبيران والكوكبان المضيئان ابنا أُخت المؤلف، أعني:
1. ضياء الدين ابن الأعرج:مؤلف هذاالكتاب، ستأتي ترجمته .
2. عميد الدين ابن الأعرج: عبدالمطلب بن محمد بن علي بن محمد بن الأعرج الحسيني المعروف بالسيد عميد الدين أبوعبدالله الحلي البغدادي (681 ـ 754 هـ.) ابن أُخت العلاّمة الحلي وتلميذه.
ولد عميد الدين ليلة النصف من شعبان سنة 681 هـ.، وتتلمذ على خاله العلاّمة الحسن بن يوسف بن المطهر.
روى عن جده فخر الدين علي (المتوفّى 702 هـ.)، وأبيه مجد الدين أبي الفوارس محمد، وابن خاله فخر الدين محمد بن العلاّمة.روى عنه الشهيد الأوّل في الأربعين حديثاً، 12 حديثاً.
وبرع وتميّز عن أقرانه وصار من كبار العلماء في الفقه والأُصول والكلام، وبلغ درجة الاجتهاد.
صنّف كتاب «المباحث العليّة في القواعد المنطقية »، و«المسائل النافعة للمباحث الجامعة » لأقسام الورّاث، وقد طبعت.
وله شروح على بعض كتب خاله العلاّمة الحلّي نشير إليها:
1. كنز الفوائد في حل مشكلات القواعد في الفقه.
2. غاية السؤول في شرح مبادئ الأُصول في أُصول الفقه.

صفحه 18
3. النقول في شرح تهذيب الوصول إلى علم الأُصول.
4. تبصرة الطالبين في شرح نهج المسترشدين في أُصول الدين.
5. شرح أنوار الملكوت في شرح كتاب الياقوت في الكلام.
توفّي عميد الدين ببغداد 10 شعبان 754 هـ. ، وحملت جنازته إلى مشهد أمير المؤمنين(عليه السلام)بالنجف الأشرف.1
   

منية اللبيب من تأليف السيد ضياء الدين لا عميد الدين

اختلفت كلمات الأعلام في نسبة كتاب «منية اللبيب في شرح التهذيب » إلى أحد الأخوين وتباينت آراؤهم; فمنهم من ينسبه إلى عميد الدين ـ كصاحب الروضات ـ2 مدّعياً شهرته باسم شرح العميدي، وكذلك اشتهار نسبته إليه بين الطلبة; ومنهم مَن يحتمل هذه النسبة ويرجّحها، كصاحب الرياض3; ومنهم من ينسبه إلى السيد ضياء الدين كصاحب الذريعة كما سيوافيك.
ولكنّنا بعد المتابعة الدقيقة للمصادر وكتب التراجم وكذلك النسخ الخطية النفيسة التي عثرنا عليها يمكننا القول وبضرس قاطع: إنّ كتاب «منية اللبيب » هو من تأليف السيد ضياء الدين، وذلك للأُمور التالية:
1. حصلنا على نسخة نفيسة من مركز إحياء التراث الإسلامي في قم فالجزءَ الأوّل منها وبعض صفحات من الجزء الثاني بخط المؤلّف نفسه أشار إلى ذلك في نهاية الجزء الأوّل(ص 211 من المخطوطة) قائلاً: وليكن هذا آخر الجزء

1 . لاحظ ترجمته في موسوعة طبقات الفقهاء: 8 /118 برقم 2745 .
2. روضات الجنات:4/267. ولاحظ أيضاً خاتمة المستدرك:2/401.
3. رياض العلماء:3/241.

صفحه 19
الأوّل من شرح التهذيب ويتلوه في الجزء الثاني إن شاء الله تعالى قال قدس الله روحه: المقصد السابع في الإجماع. والحمد لله وحده وصلّى الله على سيدنا محمد النبي وآله الطاهرين وكتب مصنّفه عبد الله بن الأعرج الحسيني حامداً لله تعالى ومصلّياً على سيد رسله محمد النبي وآله الطاهرين.
وقد نسخ بقية الجزء الثاني بخط عبد الله بن حسين بن محمد بن حسن بن النجار وفرغ من كتابته يوم السبت 23شهر رمضان سنة 766هـ..
وقد أشار آقا بزرگ الطهراني في ذريعته إلى عين ما ذكرناه حول هذه النسخة قائلاً: والمجلد الأوّل مع بعض صفحات من المجلد الثاني بخط المؤلف وبقية المجلد الثاني بخط عبد الله بن حسين بن محمد بن حسن بن النجار، فرغ من الكتابة يوم السبت 23شهر رمضان سنة 766هـ.، وهذه النسخة عند السيد جلال الدين المحدّث بطهران.1 وهذا تأكيد وإمضاء لما توصّلنا إليه.
2. نسب شيخنا المجيز «منية اللبيب » إلى ضياء الدين وقال: والشرحان كلاهما موجودان في الخزانة الرضوية، وهما مختلفان عبارة ومطلباً وتاريخاً.
ويتميّز شرح عميد الدين عن شرح ضياء الدين، فإن الأوّل كتب شرحه في حياة خاله العلاّمة الحلّي كما يظهر من دعائه وليس له عنوان خاص يعرف به .
وأمّا شرح ضياء الدين فقد ألّفه بعد وفاة خاله حيث كتب في آخره: فرغ من تسويده العبد الفقير إلى الله تعالى عبدالله بن محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن علي الأعرج الحسيني في الخامس والعشرين من رجب أو ظهر الأربعاء خامس عشر شهر رجب سنة 740 هـ .2

1. الذريعة:23/208.
2. الذريعة:23/207 برقم 8653.

صفحه 20
وهذا عين ما جاء في آخر النسخة التي تحدّثنا عنها آنفاً.1
3. ذكر ابن الفوطي أنّ اسم كتاب عميد الدين هو:«النقول في شرح تهذيب الأُصول إلى علم الأُصول ».2 بينما أشار مؤلّف هذا الكتاب في آخر مقدّمته إلى اسم كتابه بالعبارة التالية:«فوضعت هذا الكتاب المسمّى بـ«منية اللبيب في شرح التهذيب »... .3
4. إنّ الشهيد الأوّل جمع بين الشرحين في كتاب سمّاه «جامع البين من فوائد الشرحين » .
يقول شيخنا المجيز: جمع الشهيد فيه بين فوائدهما وزاد عليهما فوائد أُخرى، ثم ينقل عن كشف الحجب: إن الشهيد ألّفه في أوائل شبابه ولم يراجع المسودّة فبقيت النسخة غير منقحّة، فوجدها الشيخ عزالدين حسين بن عبدالصمد والد الشيخ بهاء الدين (المتوفّى 984 هـ) فأصلحها في سنة 941 هـ.، وقال بعد تمام الإصلاح: «ثم إنّ الشيخ الشهيد ميّز ما اختص به شرح الضياء بعلامة (ض) وما اختص به شرح العميد بعلامة (ع) وأنا تابعته في ذلك، وما كان زائداً عليهما، كتبت في أوّله لفظة (زيادة) وفي آخره (هـ.)، فصارت هذه النسخة مميّزة مختصات الشرحين والزائدة عليهما ومختصّة بمزيد الإصلاح والتصحيح، ثم ينقل عن كشف الحجب أيضاً أنّه ظفر بحمدالله على نسخة خط الشيخ حسين بن عبدالصمد. أوّله: «أحمدك اللهم على سوابغ نعماءك وأبلغ محامدك وأسألك المزيد من فضلك »(4).

1. لاحظ السطر العاشر من صورة الصفحة الأخيرة من نسخة «ب »: ص 30.
2. راجع موسوعة طبقات الفقهاء:8/119برقم 2745.
3. راجع مقدمة المؤلّف ص 38.   4 . الذريعة: 5 / 43 ـ 44 .

صفحه 21
وقد حقّق الكتاب مكتب الإعلام الإسلامي وهو قيد الطبع. وليس ما بأيديهم من النسخ ما يميّز أحدهما عن الآخر.
ثمّ إنّ الشهيد الأوّل نقل عن شيخه وأُستاذه عميد الدين في (المقصد الثاني: في اللغات) نصاً نأتي به: «قال شيخنا عميد الدين في شرحه: بل اليسير أولى، لأنّه أكثر مبالغة فإنّه إذا كان الأقل الأضعف آية، فما ظنّك بالأقوى والأعجب؟ » وقد بحثنا عن هذا القول بدقة في كتابنا هذا فلم نجد نصه ولا معناه، وهذا يكون قرينة على أنّ كتاب «منية اللبيب » ليس لعميد الدين، وإلاّ لوجدنا ما نقله تلميذه عنه.
فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّ كتاب «منية اللبيب في شرح التهذيب » هو من تأليف السيد ضياء الدين عبدالله ابن الأعرج الحسيني.

ترجمة المؤلّف1

هو السيد ضياء الدين عبدالله بن الفقيه محمد بن علي بن محمد بن علي بن أحمد بن علي بن عبدالله بن أبي الحسن علي بن عبيد الله بن الأعرج بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الحسيني الحلّي، أخو الفقيه عميد الدين عبد المطلب، وهما ابنا أُخت العلاّمة الحلّي.
كان فقيهاً إمامياً، أُصوليّاً، متكلّماً، مشهوراً.
ولد بعد سنة إحدى وثمانين وستمائة، في أُسرة علمية جليلة.
وقد ذكر في كتب الأنساب أنّ أبا الحسن علي بن عبيد الله الجد الأعلى لهذا السيد كان كبيراً في الغاية، وكانت إليه رئاسة العراق، وكان مستجاب الدعوة، وقد

1. لاحظ ترجمته في: رياض العلماء:3/240; أعيان الشيعة:8/69; الفوائد الرضوية:256; طبقات أعلام الشيعة(القرن الثامن):3/124، موسوعة طبقات الفقهاء:8/117 برقم 2744.

صفحه 22
كان هذا مذكوراً في كتب الرجال ومدحوه كثيراً فيها، ولهذا الجد اختصاص تام بالإمامين الكاظم والرضا(عليهما السلام).
روى عن: خاله العلاّمة الحسن بن يوسف بن المطهر، وعن ابن خاله فخر الدين محمد بن العلاّمة الحلّي .
وروى عنه: تاج الدين محمد بن القاسم بن المعيّة الحسني (المتوفّى 776 هـ.)، والشهيد الأوّل محمد بن مكي العاملي (المتوفّى 786 هـ.)، والحسن بن أيوب الشهير بابن نجم الأطراوي العاملي.
ترجمة المؤلف ومنهجه في شرحه   
له مصنّفات، منها: كتاب «التحفة الشمسية في المباحث الكلامية »، وشرح تهذيب الوصول إلى علم الأُصول لخاله العلاّمة الحليّ سمّاه: «منية اللبيب في شرح التهذيب » فرغ من تأليفه في 15 رجب سنة 740 هـ بمشهد أمير المؤمنين بالنجف الأشرف، ورسالة في أُصول الدين نقل عنها الشيخ زين الدين القاضي في بعض مؤلّفاته.
ولم نظفر بوفاته، وهو أصغر من أخيه عبدالمطلب المعروف بعميد الدين بن الأعرج المتقدّمة ترجمته والمتوفّى سنة 754هـ. .

منهج المؤلف في شرحه

إنّ المؤلّف الشارح(قدس سره) يعتمد كثيراً في نقل الآراء والأفكار على الكتب الثلاثة التالية:
1. الذريعة للسيد المرتضى.
2. المحصول للرازي.

صفحه 23
3. نهاية الوصول في علم الأُصول للعلاّمة الحلّي.
ويناقش آراء السيد المرتضى، كما يناقش ما ينقله عن الرازي، وكثيراً ما يدعم نظرية خاله العلاّمة الحلّي. نعم ربّما ينقل عن المعتمد لأبي الحسين البصري، والإحكام للآمدي، وغيرهما.
كما قام باستعراض آراء الأُصوليين ; كالقاضي أبي بكر الباقلاني، والغزالي، وأبي بكر الصيرفي، وأبي هاشم الجبّائي، وأبي علي الجبّائي، والقاضي عبد الجبار، وابن فورك، والأشعري، والقفّال، وإمام الحرمين، وغيرهم; على اختلافها وتنوّعها وقام بمناقشتها وردّها أو التوقّف والتنظّر فيها.
والكتاب يعطينا صورة واضحة عن تكامل علم الأُصول في أواسط القرن الثامن عند الشيعة الإمامية.

صفحه 24
 
شكر وتقدير
وفي الختام لا يسعني إلاّ تقديم أسمى آيات الشكر والامتنان إلى المحقّقين الأعلام في مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، وهم:
1. السيد عبد الكريم الموسوي.
2. محمد عبد الكريم بيت الشيخ.
3. الشيخ محمد چياد الكناني.
فقد قام هؤلاء الأعزّاء الأفاضل ـ وفقهم الله ـ بتحقيق الكتاب على أكمل وجه وبجميع مراحله، وبذلوا جهودهم في مقابلة نسخه الخطية، وتقويم نصّه وضبطه، وتخريج مصادره وأقواله، وإعراب آياته، وترتيب عناوينه وفصوله، وحلّ معضلاته والتعليق عليها، وتنظيم فهارس كاملة للكتاب في آخره، وتصحيح الكتاب بدقّة حتى ظهر بهذا الشكل اللائق، فشكر الله سعيهم ووفقّهم للمزيد من البذل والعطاء وخدمة الإسلام.
كما أُقدّم شكري وامتنانيللشيخ الجليل: محمود باقرپور الذي قام بطبع الكتاب وإخراجه فنياً، وبذل غاية جهده ليخرج بهذه الحلّة القشيبة.
أمّا منهج التحقيق فأتركه لقلم المحقّقين.
   

النسخ المعتمدة

اعتمدنا في عملنا على النسخ الخطّية التالية:
1. النسخة الخطية المحفوظة في مركز إحياء التراث الإسلامي في قم برقم 218.
تمّ الانتهاء من كتابتها يوم الأحد المصادف للثامن عشر من شهر رمضان

صفحه 25
المبارك من سنة أربع وسبعين وتسعمائة(974هـ.)، كتبها غياث الدين محمد بن تاج الدين حسين بن نظام الدين علي الحسيني في بلدة قزوين. والنسخة تحتوي على 319 صفحة، وكل صفحة على 23سطراً، ذات أبعاد: 5/18×12سم. وقد رمزنا لها بالحرف: «أ ».
2. النسخة الخطية المحفوظة في مركز إحياء التراث الإسلامي برقم 2879. وهي نسخة نفيسة جداً، كتب المؤلّف الجزء الأوّل وعدّة صفحات من الجزء الثاني(216صفحة من صفحاتها الـ 392) بخط يده، وأتمّ كتابتها عبد الله بن حسين بن محمد بن حسن بن النجار، يوم السبت23 شهر رمضان من سنة ست وستين وسبعمائة(766هـ.). والنسخة تحتوي على 392صفحة، وكل صفحة تحتوي على 25 سطراً ذات أبعاد 22×5/14 سم. والنسخة ناقصة البداية، ويوجد فيها تقديم وتأخير، وما كتبه المؤلف أكثره غير منقط، ولكن هذا لا يضر بأهمية النسخة وجودتها. وقد رمزنا لها بالحرف «ب ».
3. النسخة الخطية المحفوظة في مكتبة مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) في قم برقم 26. كتب الجزء الأوّل منها عبد الخالق الزين ليلة السبت نسخ ربيع الثاني من شهور سنة 981هـ. .
وأمّا الجزء الثاني فليس في آخره من تاريخ النسخ عين ولا أثر.
والنسخة تحتوي على 233صفحة، تحتوي كل صفحة على 21سطراً، وذات أبعاد:8×14سم. وقد رمزنا لها بالحرف:«ج ».1

1. وعليها تملّك المشرف عام 1368ق. قال ـ دام ظله ـ : وما كنت أحلم يوم تملّكتها، أنّه سيكون لي شرف الإشراف على تحقيقها وإخراجها بهذه الحُلّة، وما هذا إلاّ فضله سبحانه يمنّ به على من يشاء من عباده.

صفحه 26
4. النسخة المحفوظة في مكتبة آية الله المرعشي النجفي في قم برقم 2336. كتبها علاء الدين بن فتح الله البسطامي، وفرغ من نسخها نسخ ربيع الثاني من سنة إحدى وثمانين وتسعمائة(981هـ.). والنسخة تحتوي على 202صفحة، كل صفحة تتكون من 23سطراً، ذات أبعاد:24×5/17سم. وهي نسخة جيدة من حيث سلامة المتن وقلّة الأخطاء، علاوة على جودة الخط، لكنّها لا تخلو من هفوات. وقد رمزنا لها بالحرف:«م ». وهي تتفق كثيراً مع نسخة «ب ».
5. الطبعة الحجرية المطبوعة في لكهنو سنة 1316هـ.، وتحتوي على 388 صفحة. وقد رمزنا لها بالحرف: ل.
6. اعتمدنا على كتاب «تهذيب الوصول إلى علم الأُصول » المطبوع بتحقيق السيد محمد حسين الرضوى الكشميري ونشرته مؤسسه الإمام علي(عليه السلام) في لندن سنة 1421هـ. في تصحيح المتن الموجود في النسخ الخطية، وقد رمزنا له بـ :المطبوع.

منهج التحقيق

1. بعد تهيئة النسخ قمنا بمقابلتها، وقد اعتمدنا على نسخة «ب »، لأنّها كما ذكرنا في الصفحة السابقة أنّ الجزء الأوّل وعدة صفحات من الجزء الثاني كتبه المؤلّف نفسه بخط يده، وما بقي من الجزء الثاني كُتب على نسخة المؤلّف، ولكنّنا لم نستغن عن بقية النسخ ـ وعلى الخصوص نسخة «م » ـ لأنّ نسخة «ب » ناقصة البداية ويوجد فيها تقديم وتأخير وأكثر من نصف صفحاتها غير منقطة، وقد أشرنا إلى اختلاف النسخ في المواقع الضرورية فقط.
2. بعد الانتهاء من مقابلة النسخ الخطية قمنا بتقويم نص الكتاب وضبطه وتنقيحه.

صفحه 27
3. إعراب الآيات القرآنية وتخريجها.
4. تخريج الأحاديث والروايات وأقوال الصحابة الواردة في متن الكتاب وإرجاعها إلى مصادرها الرئيسية.
5. تخريج أقوال العلماء واستعراض آرائهم مع ذكر مصادر هذه الأقوال.
6. كتابة بعض التعاليق الضرورية حول مواضيع الكتاب المختلفة وعلى الخصوص المتعلّقة بالأُمور العقائدية والكلامية.
7. كلّ ما بين المعقوفتين[   ] فهو إضافة منا لضرورة يقتضيها سياق العبارة.
8. قمنا بكتابة عناوين استنتاجية ووضعها بين معقوفتين تسهيلاً للقارئ الكريم، وتنظيماً لمطالب الكتاب ومحتوياته.
9. إتماماً للفائدة قمنا بترجمة الأعلام الذين ذكرهم المؤلف في متن كتابه.
10. وفي الختام قمنا بتنظيم مجموعة من الفهارس الفنية ـ تأتي في آخر الجزء الثاني ـ تسهّل على القارئ الكريم الاستفادة من مطالب الكتاب المختلفة، وتساعده على الوصول إلى ما يبتغيه بسرعة ويسر.
***
هذا نصّ المحقّقين الكرام حول منهج التحقيق، شكر الله مساعي الجميع.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين
جعفر السبحاني
مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)
قم المقدّسة
8شوال المكرم1430هـ.

صفحه 28
الصفحة الأُولى من نسخة«ب » المحفوظة في مركز إحيـاء التراث الإسلامي في قـم، وهـي بخط المؤلف
   

صفحه 29
الصفحة الأخيرة من الجزء الأوّل من نسخة«ب »بخط المؤلف وقد ذكر اسمه في السطر قبل الأخير.

 

صفحه 30
الصفحة الأخيرة من نسخة«ب » ويظهر فيها اسم المؤلف في السطر العاشر.

صفحه 31
الصفحة الأُولى من نسخة«ج » المحفوظة في مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام) في قم

صفحه 32
الصفحة الأخيرة من نسخة «ج »

صفحه 33
الصفحة الأُولى من نسخة«م » المحفوظة في مكتبة آية الله المرعشي النجفي

صفحه 34
الصفحة الأخيرة من نسخة«م »

صفحه 35
الصفحة الأُولى من نسخة«أ » المحفوظة في مركز إحياء التراث الإسلامي

صفحه 36
الصفحة الأخيرة من نسخة«أ »

صفحه 37
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين ربّ يسّر
اللهمّ إنّي أحمدك حمداً لا يقدر حصره، ولا يحصر قدره، ولا ينسى ذكره، ولا يطوى نشره، ولا ينتهي عدده، ولا ينقضي أمده; وأشهد أن لا إله إلاّ الله شهادة موجبة لجميل الأجر، سالبةً لثقيل الوزر، جالبة لغزير الثواب، خالية من الشك والارتياب; وأُصلّي على سيّد المرسلين وخاتم النبيين محمد المصطفى وعلى آله الأئمّة الطاهرين، صلاة باقية إلى يوم الدين.
أمّا بعد; فإنّ الالتفات إلى علم أُصول الفقه، وصرف الهمّة إلى عرفانه، وإمعان النظر فيه والبحث عن أقسامه وأفنانه، وبذل الوسع والطاقة في إيضاحه وبيانه من الأُمور الواجبة والفروض اللازمة، إذ يتعذّر بدونه امتثال الأوامر الإلهية واستعمال القوانين الشرعية. وكان شيخنا الأعظم ورئيسنا المعظم، أفضل العلماء على الإطلاق، وأكمل الفضلاء في الآفاق، قدوة أرباب التدقيق، مرجع أُولي التنقيب والتحقيق، أعلم المتأخّرين، لسان المتقدّمين، حجّة الله على العالمين، جمال الملّة والحق والدين، سديد الإسلام والمسلمين، أبو منصور الحسن بن مطهّر الحلي ـ قدّس الله نفسه، ونوّر رمسه، وأنار برهانه، وأعلى شأنه، ورفع في الجنان مقامه ومكانه ـ قد صنّف في هذا العلم كتباً كثيرة، مختصرات ومطوّلات، وكان

صفحه 38
أقلّها حجماً وأكثرها علماً وأحسنها ترتيباً ونظماً كتابه المسمّى بـ «تهذيب الوصول [إلى علم الأُصول » ]، فإنّه قد اشتمل على الحاصل من المحصول ، واحتوى على النهاية من علم الأُصول ، لكنّه لغزارة علمه ونزارة حجمه يحتاج الناظر فيه إلى الشرح والتنبيه; أحببتُ أن أُملي عليه شرحاً موضحاً لمسائله، مقرّراً لدلائله، ممهّداً لقواعده، مشيّداً لمقاصده من غير تطويل يفضي إلى الملل، أو تقليل يوجب الإهمال والخلل، فوضعت هذا الكتاب المسمّى بـ «منية اللبيب في شرح التهذيب » راجياً من الله تعالى حسن التوفيق والهداية إلى سواء الطريق، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
***

صفحه 39
   قال المصنّف بعد الخطبة:
   ورتّبت هذا الكتاب على مقاصد:

[ المقصد ] الأوّل:

في المقدّمات

                                                   وفيه فصول:

صفحه 40

صفحه 41

[ الفصل ] الأوّل:

في مباحث مهمة

تصـوّر المـركـب يستلزم تصوّر مفرداته، لا مطلقاً، بل من حيث هي صالحة للتركيب.*
* أقول: المقاصد جمع مقصد وهو موضع القصد.
والمقدّمات جمع مقدّمة، والمقدّمة عبارة عن قضية جعلت جزء قياس أو حجة، والمراد بها هاهنا ما يجب تقديمه من المباحث قبل الخوض في مسائل الكتاب.
والفصول جمع فصل، وهو لغة القطع ويطلق على المميز الذاتي، والمراد به هاهنا ما يفصل المباحث بعضها عن بعض.
إذا تقرّر هذا فنقول: كلّ طالب أمر من الأُمور لا يجب أن يكون متصوّراً له ولو باعتبار ما، فإنّ طلب ما ليس بمتصوّر أصلاً محال وأن يكون متصوراً لغايته وإلاّ لكان طلبه عبثاً، ولهذا بدأ المصنّف بتعريف هذا العلم ثم ذكر غايته ـ أعني: الغرض المطلوب منه ـ وإنّما قدّم الأوّل على الثاني لتقدّم ذي الغاية عليها في الوجود الخارجي وإن كانت الغاية متقدّمة

صفحه 42
على ذي الغاية في الوجود الذهني. ولأنّ العلم بالغاية من حيث إنّها غاية بشيء معين إنّما يتحقّق بعد العلم بذلك الشيء بالضرورة.
ولمّا كانت أُصول الفقه مركّباً من الأُصول والفقه وهما جزآه الماديان، ومن إضافة الأوّل إلى الثاني وهو جزؤه الصوري مهّد قاعدة كلية لكلّ مركّب، وهي: أنّ تصوّره أي حصول صورته في العقل مستلزم لتصوّر أجزائه، لا مطلقاً أي لا من كلّ وجه، بل من حيث صلاحيتها للتركيب. كالنجار مثلاً إذا تصوّر الكرسي وجب أن يتصوّر أجزاءَه من الخشب والحديد، لا من كلّ وجه بحيث يعلم كونهما مركّبين من المادة والصورة، أو1 الجواهر الأفراد2، أو كونهما قديمين أو حادثين، بل من حيث صلاحيتهما للتركيب والتأليف. وهذا المدعى ـ أعني: استلزام تصوّر المركب لتصوّر أجزائه ـ ظاهر، لأنّ حصول المركّب في العقل منفكّاً عن أجزائه محال، لاستحالة تحقّق الكل بدون جزئه بالضرورة.
قيل عليه: إن أردت بتصوّر المركّب التصوّر التام استلزم تصوّر أجزائه كذلك، ولم يكف تصوّرها من الوجه المذكور وحده، وإن أردت التصوّر مطلقاً ولو بوجه ما لم يستلزم تصوّر شيء من أجزائه فضلاً عن تصوّرها أجمع من الوجه المذكور.
وأُجيب بأنّ هنا قسماً آخر هو المراد، وهو تصوّر المركّب من حيث التركيب، فإنّه يستلزم تصوّر أجزائه من هذه الحيثية.

1. في «م » :و.
2. في «أ »:الفردية، وفي «ج »: الفردة.

صفحه 43
قال قدس الله روحه: فالأُصول لغةً: مايبنى عليها غيرها، وعرفاً: الأدلة. والفقه لغةً:الفهم. وعرفاً: العلم بالأحكام الشرعية الفرعية المستدل على أعيانها، بحيث لا يُعلم كونها من الدين ضرورة. فخرج: العلم بالذوات، وبالأحكام العقلية، وكون الإجماع وخبر الواحد ونظائرهما حجّة، وعلم المقلِّد، والأُصول الضرورية كالصلاة والزكاة. *

*[  الأُصول والفقه لغة واصطلاحاً ]

أقول: لمّا ذكر أنّ تصوّر المركب يستلزم تصوّر مفرداته، وكان أُصول الفقه مركباً من الأجزاء الثلاثة المذكورة، أشار إلى تعريف كلّ واحد منها على ترتيبها.
فالأُصول لغة ما يبنى عليها غيرها.
وفي عرف الأُصوليّين عبارة عن الأدلّة لابتناء العلم بالمدلولات عليها.
وأمّا الفقه فهو بحسب الوضع اللغوي عبارة عن الفهم، قال الله تعالى: (فَهُمْ لا يَفْقَهُون)1أي لا يفهمون، وقال:(وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبيحهُمْ)2 أي لا تفهمونه.
والفهم قيل: هو العلم، وقيل3: هو جودة الذهن من حيث استعداده لاكتساب المطالب.

1. التوبة:87; المنافقون:3.
2. الإسراء:44.
3. القائل هو الآمدي في الإحكام:1/9.

صفحه 44
ويضعف الأوّل، لصدق الفهم على العامي الفطن وكذب العلم عليه. وأمّا في عرف الأُصوليّين فهو عبارة عن العلم بالأحكام الشرعية الفرعية المستدل على أعيانها، بحيث لا يُعلم كونها من الدين ضرورة، فالعلم كالجنس يشترك فيه جميع العلوم.
وتقييده بتعلّقه بالأحكام يخرج العلم المتعلّق بالذوات والصفات الحقيقية.
وتقييد الأحكام بالشرعية يخرج العلم المتعلّق بالأحكام العقلية، كالتماثل والاختلاف والحسن والقبح عند من يجعلهما عقليين.
وتقييدها بالفرعية يخرج العلم المتعلّق بالأحكام الشرعيّة الأُصولية، ككون الإجماع وخبر الواحد ونظائرهما كالقياس والاستصحاب والاستحسان حجّة.
وتقييدها بكونها مستدلاً على أعيانها يخرج علم المقلِّد، فإنّه يعلم كثيراً من الأحكام الشرعية الفرعية لكن لا بالاستدلال على أعيانها، بل من حيث إنّ المفتي أفتاه به، وكلّ ما أفتاه المفتي به فهو حكم الله تعالى في حقّه، فلهذا لا تسمّى علومه1 فقهاً.
وتقييدها بكونها بحيث لا يعلم ثبوتها2 من الدين ضرورة يخرج العلم المتعلّق بالأُصول الضرورية، كوجوب الصلاة والزكاة وتحريم الخمر والميتة فإنّها اشتهرت في الدين حتى صارت معلومة الثبوت من دين الإسلام بالضرورة، وإن كانت في الابتداء ممّا يصحّ الاستدلال عليها.

1. في «م »: علمه.
2. في«أ » و «ج »: كونها.

صفحه 45
قال قدس الله روحه: وظنية الطريق لا تنافي علمية الحكم. *
وفيه نظر لعدم خروج علم المقلِّد بما ذكر من القيد، فإنّ الأحكام المعلومة للمقلّد يستدلّ المجتهد على أعيانها فيصدق عليه حينئذ الحد المذكور فإنّها أحكام شرعية فرعية يستدلّ1 على أعيانها وإن كان المستدل غيره .
ويدخل أيضاً في هذا الحدّ علم واجب الوجود تعالى، وعلم الملائكة(عليهم السلام)، وعلم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)بالأحكام المتلقّاة من الوحي بهذا الوجه المذكور، فإذن هذا الحد غير مطّرد.
ولو قيّد فيه حصول العلم بتلك الأحكام بالاستدلال كما فعله جماعة من المتأخّرين; اندفع النقض المذكور بعلم واجب الوجود وعلم الملائكة وعلم النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)وعلم المقلِّد أيضاً، إلاّ أن يقال: المقلِّد أيضاً يستدلّ على عين كلّ حكم يعلمه تقليداً بأنّه أفتاه المفتي، وكلّ ما أفتاه به المفتي فهو حكم الله تعالى في حقّه وإن كانت صورة دليله(2) في الكل واحدة.
* أقول: هذا جواب عن سؤال مقدّر يورد2 على حد الفقه المذكور، وتقرير(4) السؤال أن يقال: إنّ الفقه من باب الظنون، فإنّ أكثر طرقه كخبر الواحد والقياس والاستصحاب إنّما يفيد الظن فكيف يجعلون(5) جنسه العلم مع المباينة بين العلم والظن؟

1. في«أ » و «ج »: مستدل.   2 . في«أ » و «ج »: استدلاله.
2. في «م »: يرد.   4 . في «أ » و «م »: تقدير.   5. في«أ » و «ج »: يجعل.

صفحه 46
قال قدس الله روحه: وليس المراد العلم بالجميع فعلاً، بل قوة قريبة منه. *
والجواب: المنع من كونه من باب الظنون، بل هو معلوم والظنّ واقع
في طريقه، وذلك لأنّ المجتهد إذا غلب على ظنه1 حكم شرعي بأحد الطرق الشرعية حصل عنده مقدّمتان قطعيتان:
إحداهما: أنّ الحكم الفلاني مظنون الثبوت بالطريق الشرعي، وهذه مقدّمة وجدانية، فإنّ حصول الظن للظان معلوم له بالوجدان .
والثانية: أنّ كلّ مظنون الثبوت بالطريق الشرعي يجب العمل به وهذه مقدّمة إجماعية، فإنّ الإجماع واقع على وجوب العمل بالظن الحاصل من الطريق الشرعي، وهما ينتجان وجوب العمل بذلك الحكم، فقد ظهر أنّ الحكم معلوم والظن واقع في طريقه، لأنّه في تصوّرات المقدّمتين لا في النسبة الحكمية.
فإن قلت: نتيجة هذا القياس المركّب من هاتين المقدّمتين إنّما هو وجوب العمل بالحكم قطعاً، وذلك لا يستلزم كون الحكم معلوماً والنزاع إنّما هو فيه.
قلت: المراد بكون الحكم معلوماً كون وجوب العمل به معلوماً.
* أقول: هذا جواب سؤال آخر يورد على حدّ الفقه المذكور أيضاً، وتقرير السؤال أن يقال:إنّ المراد بالأحكام في قولكم: الفقه هو
العلم بالأحكام، إن كان بعض الأحكام لم يطّرد، بل يصدق الحد
بدون المحدود، كما في المقلِّد إذا علم بعض الأحكام الشرعية بالاستدلال

1. في«م » بزيادة: أنّه.

صفحه 47
قال قدس الله روحه: وإضافة اسم المعنى يفيد اختصاص المضاف بالمضاف إليه.*
على عينه، فإنّه لا يكون بذلك فقيهاً مع صدق الحدّ المذكور عليه، وإن كان المراد جميع الأحكام لم ينعكس، بل يصدق المحدود بدون الحدّ، فإنّ كثيراً من الفقهاء لا يحيطون علماً بجميع الأحكام الشرعية، حتى أنّ مالكاً سئل عن أربعين مسألة فقال في ست وثلاثين منها: لا أدري.1
والجواب: إنّا نختار القسم الثاني وعدم الانعكاس إنّما يلزم على تقدير أن يراد العلم بالجميع بالفعل2 وليس ذلك مراداً، وأمّا على تقدير أن يراد بالعلم بالجميع بالقوة القريبة من الفعل بحيث يكون متمكّناً من استخراج الأحكام الشرعية من أدلّتها الشرعية وهو الواقع فلا، فإنّ الانعكاس ثابت.
* أقول: لمّا فرغ من تعريف جزأي أُصول الفقه المادّيين ـ أعني: الأُصول والفقه ـ شرع في تعريف جزئه الصوري، وهو إضافة الأوّل منهما إلى الثاني.
واعلم أنّ الاسم ينقسم إلى اسم العين وهو ما لمسمّاه جثة كرجل وفرس، وإلى اسم المعنى وهو ما ليس لمسمّاه جثة كعلم وظن، وكلّ منهما ينقسم إلى اسم غير صفة كما ذكرناه في المثال فيهما، وإلى اسم هو صفة كقائم وراكب في الأوّل، وصادق وكاذب في الثاني.

1. لاحظ: المغني: 11/384، باب شروط الاجتهاد; المستصفى:2/389، في تجزّؤ الاجتهاد; الإحكام في أُصول الأحكام:4/164، في المجتهدين.
2. في«أ »: بالعقل.

صفحه 48
قال قدس الله روحه: فأُصول الفقه مجموع طرق الفقه على الإجمال، وكيفية الاستدلال بها وكيفية حال المستدل بها.*
إذا تقرّر هذا فنقول: المصنّف ـ قدس الله روحه ـ أشار إلى تعريف الإضافة المذكورة بتعريف مطلق إضافة اسم المعنى إلى شيء ما، لاندراج هذه الإضافة التي هي جزء أُصول الفقه تحتها، لكون الأُصول من أسماء المعاني، فهي فرد من أفرادها تخصّصت باعتبار تخصّص1 متعلّقها، أعني: المضاف وهو الأُصول ، والمضاف إليه وهو الفقه.
وعرّفها بغايتها وهي إفادتها اختصاص المضاف بالمضاف إليه.
وينبغي التقييد بقولنا في المعنى الذي عيّنت له لفظة المضاف كما ذكره فخر الدين الرازي2 في «المحصول »3 فإنّا إذا قلنا:«مكتوب زيد » لم يكن المكتوب مختصاً بزيد إلاّ في كونه مكتوباً له فقط، لا في كونه محسوساً ولا منظوراً إليه ولا غير ذلك ممّا يظهر مشاركة غيره له فيه، وحينئذ نقول: إضافة الأُصول إلى الفقه تفيد اختصاص الأُصول بالفقه في كونها أُصولاً له.
* أقول: لمّا فرغ من تعريف أجزاء أُصول الفقه شرع في تعريفه نفسه،

1. في«أ » و «ج »: و«م »: تخصيص.
2. هو محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري، أبو عبد الله، فخر الدين الرازي، المفسّر الأُصولي، أصله من طبرستان ومولده في الري سنة 544هـ وإليها نسبته، ويقال له: ابن خطيب الري، رحل إلى خوارزم وماوراء النهر وخراسان، وتوفّي في هراة سنة 606هـ . له تصانيف كثيرة، منها: مفاتيح الغيب ـ ط، لوامع البيّنات في شرح أسماء الله تعالى والصفات ـ ط، معالم أُصول الدين ـ ط، المحصول في علم الأُصول ـ ط، وغيرها. الأعلام:6/313.
3. المحصول في علم أُصول الفقه:1/11.

صفحه 49
قال قدس الله روحه: ورسمه ـ باعتبار العَلَمية ـ :العلم بالقواعد التي تُستنبط منها الأحكام الشرعية الفرعية.*
ولمّا كانت الفاء موضوعة للتعقيب كان قوله: «فأُصول الفقه » يشعر بلزوم تعريفه لما ذكر أوّلاً من تعريف الأجزاء.
وقوله: «مجموع طرق الفقه » احتراز عن الطريق الواحد من طرق الفقه، فإنّه وإن كان من أُصول الفقه إلاّ أنّه ليس إيّاه ضرورة تحقّق المغايرة بين الشيء وجزئه وطرق الفقه تشمل الأدلّة والأمارات.
وقوله: «على الإجمال » معناه كون تلك الأدلّة أدلّة في الجملة من غير اعتبار كونها أدلّة في الصور المخصوصة المعينة، فإنّا إذا قلنا: إنّ الإجماع حجّة مثلاً لا نذكر أنّه حجّة في المسألة الفلانية أو أنّه وجد في المسألة الفلانية، فإنّ ذلك ليس من أُصول الفقه.
وقوله: «وكيفية الاستدلال بها » يريد بها الشرائط التي يصحّ معها الاستدلال بتلك الطرق مثل كونها سالمة عن المعارض أو راجحة عليه.
وقوله: «وكيفية حال المستدل بها » أراد به البحث عن المفتي والمستفتي والاجتهاد وأحكامه وأحكام المجتهدين; فإنّ الطالب لحكم الله تعالى إن كان عامياً وجب عليه الاستفتاء وإن كان عالماً وجب عليه الاجتهاد.
* أقول: لفظ أُصول الفقه مركب إضافي من الأُصول والفقه، وكلّ واحد من جزأيه قد وضع في اللغة لمعنى واستعمل في العرف في معنى آخر، كما تقدّم بيانه.

صفحه 50
ثمّ إنّ مجموع هذين اللفظين صار علماً على علم مخصوص، فصار لهذا العلم بهذا الاعتبار تعريفان:
أحدهما بحسب الإضافة والتركيب، وهو يتوقّف على معرفة معاني الأجزاء التي تركّب منها، لأنّه متألّف من تعريفات أجزائه لاستحالة معرفة المركّب بدون معرفة أجزائه، وقد تقدّم ذلك.
والثاني باعتبار كون هذين اللفظين علماً على هذا العلم، وهذا لا التفات فيه إلى الأجزاء من حيث دلالتها على ما وضعت له لغة وعرفاً، وإنّما الالتفات فيه إلى الاستعمال الطارئ وهو كونه عَلَماً على هذا العلم المخصوص.
إذا عرفت هذا فنقول: رسم هذا العلم بهذا الاعتبار، أعني: باعتبار كون مجموع لفظي أُصول الفقه علماً على ما ذكره المصنّف وهو العلم بالقواعد التي يستنبط منها الأحكام الشرعية الفرعية، فقولنا: «العلم جنس » وتقييده بتعلّقه بالقواعد يخرج العلم المتعلّق بغيرها. والمراد بالقواعد الأُمور الكلية التي يبنى1 عليها غيرها.
وقوله: «التي يستنبط منها الأحكام » يخرج العلم بالقواعد التي يستنبط منها معرفة الماهيات والصفات .
وتقييـده الأحكـام بالشـرعيـة ليخـرج القـواعد التـي يستنبـط منهـا الأحكـام العقليـة، وتقييدها بالفـرعيـة يخـرج القـواعـد التي يستنبط منهـا الأحكـام الشـرعيـة الأصلية، مثـل كـون 2 الإجماع حجّـة وجعـل

1.في«أ » و «ج »: يبتني.
2. في«أ » بزيادة هذا.

صفحه 51
قال قدس الله روحه: ومعرفته واجبة على الكفاية، لتوقّف العلم بالأحكام الواجبة كذلك عليه.*
المصنّف هذا التعريف رسماً لهذا العلم، لأنّه تعريف له بالجنس والعوارض الخارجة1 عنه.
فإن قلت: هذا الرسم ليس باعتبار العَلَمية فإنّه صادق على هذا العلم وإن لم يعتبر صدق لفظ أُصول الفقه عليه باعتبار العلمية أو غيرها، بل وإن فرضنا عدم كونه علماً. نعم هذا رسم له باعتبار غايته.
قلت: المراد بقوله: «باعتبار العلمية » رسمه من غير الالتفات إلى مدلول اللفظين المضاف أحدهما إلى الآخر ـ أعني: أُصول الفقه لا بحسب اللغة ولا بحسب العرف ـ لا رسمه من حيث هو مسمّى بأُصول الفقه، وحينئذ لا ينافي ذلك كون الرسم باعتبار الغاية.
* أقول: معرفة هذا العلم واجبة ووجوبها على الكفاية، بمعنى أنّ الشارع تعلق غرضه بحصولها لا من مباشر بعينه، فإذا أتى بها بعض المكلفين سقط عن الباقين، أمّا كونها واجبة في الجملة فلأنّه قد ثبت في علم الكلام وجوب التكليف ووجوب العلم التصديقي بما وقع التكليف به ـ أعني: الأحكام الشرعية ـ وذلك لا يتم إلاّ بهذا العلم، إذ العلم التصديقي بالأحكام إنّما يستفاد من أدلتها وهي إنّما تتبين في هذا العلم، وما لا يتم الواجب المطلق إلاّ به فهو واجب، وإلاّ لزم خروج الواجب المطلق عن كونه واجباً مطلقاً، أو تكليف ما لا يطاق، وكلاهما محالان.

1. في «م »: الخارجية.

صفحه 52
قال قدس الله روحه: ومرتبته بعد علم الكلام واللغة والنحو والصرف.*
وأمّا كون وجوبها على الكفاية فلأنّ ما لأجله وجبت معرفة هذا العلم هو الفقه، ووجوبه إنّما هو على الكفاية، فيكون هذا أولى بكونه على الكفاية، لأنّه تابع له والتابع لا يكون أشدّ من متبوعه بالضرورة.

* [ في مرتبة علم الأُصول ]

أقول: أمّا تأخّر هذا العلم عن علم الكلام، فلأنّ هذا العلم باحث عن أدلّة الأحكام الشرعية وكونها مفيدة لها شرعاً، وذلك متوقّف على معرفة الله تعالى، فإنّ معرفة الحكم الشرعي بدون معرفة الشارع محال، وعلى معرفة صفاته من كونه قادراً عالماً مريداً مرسلاً للرسل، وعلى صدق الرسول وعصمته. وذلك إنّما يبيّن1 في علم الكلام، إذ هو المتكفّل ببيان هذه الأُصول، فلا جرم كان هذا العلم متوقّفاً على علم الكلام، فكان بعده.
وأمّا تأخّره عن اللغة والنحو، فلأنّ الأدلّة الشرعية التي يبحث عنها في هذا العلم إنّما تستفاد من الكتاب والسنّة وهما عربيان، فيتوقّف معرفتهما على معرفة اللغة العربية وعلى معرفة النحو، لاختلاف معاني اللفظ الواحد العربي عند اختلاف حركاته الإعرابية، كما تقول: ما أحسن زيداً وما أحسن زيدٌ وما أحسن زيد.
فإنّ الأوّل تعجّب، ومعناه: أي شيء أحسن زيداً.
والثاني خبر، ومعناه: ما صار زيد ذا حسن.

1. في «أ »: يتبيّن.

صفحه 53
قال قدس الله روحه: وغايته: معرفة أحكام الله تعالى، لتحصيل السعادة الأبدية بامتثالها.*
والثالث استفهام، ومعناه: أي خلق من أخلاق زيد وأي عضو من أعضائه أحسن.
ودلالة هذه الحركات على هذه المعاني إنّما تستفاد من علم النحو، فكان هذا العلم متأخّراً عن اللغة والنحو أيضاً .
واعلم أنّا لا نريد بتأخّر 1 هذا العلم عن هذه العلوم أنّه متأخّر
عن جميع مسائل كلّ علم من هذه العلوم، بل على ما يتوقّف عليه منها خاصّة; فإنّ المتكلّم يبحث مثلاً عن الأعراض هل هي باقية أم لا؟ وهل اللون البسيط عبارة عن السواد والبياض خاصة أو عنهما وعن الحمرة والخضرة والصفرة؟ وهل يجوز خلوّ الجسم من اللون والطعم والرائحة أم لا؟ ولا تعلّق لهذا العلم بهذه المسائل وأمثالها أصلاً فلا يكون متأخّراً عنها.

* [ غاية علم الأُصول ]

أقول: لمّا ذكر تعريف أُصول الفقه ووجوبه ومرتبته، شرع في ذكر غايته والغرض المطلوب منه.
واعلم أنّ الشيء قد يراد لذاته فلا يكون له غاية وراء ذاته، بل غايته هي ذاته، وقد يراد لغيره فيكون ذلك الغير غاية له، ثمّ ذلك الغير قد يراد

1.في «أ »: بتأخير.

صفحه 54
قال قدس الله روحه: ومبادئُه التصديقية: من الكلام واللغة والنحو، والتصورية: من الأحكام.*
لذاته وقد يراد لأمر آخر، وهكذا إلى أن ينتهي إلى أمر يراد لذاته فيكون ذلك الأمر هو الغاية الذاتية، والمتوسطات بينه وبين ذي الغاية غايات بالعرض.
ولمّا كان هذا العلم باحثاً عن أدلّة الفقه وكيفية استنباط الأحكام الشرعية منها، كانت غاية هذا العلم هي الفقه أي معرفة أحكام الله تعالى.
وغاية الفقه والغرض المطلوب منه تحصيل السعادة الأبدية والخلاص عن الشقاوة السرمدية، بامتثال1 أوامر الله تعالى والانزجار عن نواهيه; وتحصيل السعادة والخلاص عن الشقاوة مقصوداً2 لذاته، فهو الغاية الذاتية، والفقه أُدخل في الغاية الذاتية من هذا العلم، ولا امتناع في كون بعض العلوم غاية لعلم آخر كما لا امتناع في كونه آلة له.

* [ في مبادئ علم الأُصول ]

أقول: لكلّ علم على الإطلاق مسائل يبحث عنها ومباد لتلك المسائل، وهي قسمان: تصوّرات، وتصديقات.
فالمبادئ التصوّرية هي حدود3 أشياء تستعمل في ذلك العلم; وهي إمّا حدّ موضوع العلم، أو حدّ أجزائه، أو حدّ جزئياته إن كانت له جزئيات،

1. في «أ » و «ج »: لامتثال.
2. في«أ »: مقصودة.
3. في «م »: حدوث.

صفحه 55
أو حدّ أعراضه الذاتية.
وأمّا المبادئ التصديقية فهي مقدّمات يتوقّف ذلك العلم عليها، وهي قد تكون ضرورية، وقد تكون كسبية يتكفّل ببيانها علم آخر يكون مسائل منه.
فالمبادئ التصوّرية لهذا العلم هي معرفة الأحكام من حيث التصوّر، فإنّ الناظر في هذا العلم إنّما ينظر في أدلّة الأحكام الشرعية فيجب أن يكون متصوّراً لها.
قالوا: ولا يجوز أن يكون إثبات هذه الأحكام من جملة مبادئ هذا العلم وإلاّ لزم الدور; لأنّ العلم بثبوت هذه الأحكام إنّما يستفاد من أدلّتها، فلو توقّفت الأدلّة عليه دار.
وفيـه نظـر، فـإنّ المستفـاد من أدلّة الأحكام إنّما هو إثبات تلك الأحكام في الصور1 المعيّنـة المخصـوصة على سبيـل التفصيـل، وذلك يمنـع2 أن يكون من المبادئ لما ذكـروا مـن لـزوم الـدور، أمّـا إثبـات الأحكام فـي صـور ما على سبيل الإجمـال فليس مستفـاداً مـن أدلّتهـا، بل هـو معلوم بالضرورة من الدين، وحينئذ لا يلزم من كونه من مبادئ هذا العلم دور.
وفي انحصار المبادئ التصوّرية لهذا العلم في الأحكام نظر، يُعرف ممّا تقدّم من تقسيم المبادئ التصوّرية.
وأمّا التصديقية فمن الكلام واللغة والنحو .

1. في «أ »: الصورة.
2. في «أ » و «ج » و«م »: يمتنع.

صفحه 56
قال قدس الله روحه: وموضوعه: طرق الفقه على الإجمال. ومسائله: المطالب المثبتة فيه. *
أمّا الكلام، فلأنّ العلم بأدلّة الأحكام الشرعية وكونها مفيدة لها شرعاً يتوقّف على معرفة الله تعالى، فإنّ معرفة الوجوب الشرعي بدون الموجب محال; وعلى معرفة صفاته تعالى، ككونه قادراً عالماً مريداً; وعلى معرفة رسوله عليه السلام، وعلى ثبوت صدقه المتوقّف على دلالة المعجزة عليه. والبحث في هذه الأُمور إنّما يكون في علم الكلام.
وأمّا اللغة والنحو، فلأنّ الأدلّة مأخوذة من الكتاب والسنّة وهما عربيان، والاستفادة من الألفاظ إنّما يكون بعد العلم بموضوعاتها اللغوية من جهة: الحقيقة والمجاز، والعموم والخصوص، والانفراد والاشتراك، والحذف والإضمار وغير ذلك; وبعد معرفة مدلولات الحركات الإعرابية والصيغ المختلفة والتصاريف المتباينة بحسب الوضع، وغير ذلك ممّا يبيّن في علم اللغة والنحو.

* [ موضوع علم الأُصول ومسائله ]

أقول: موضوع كلّ علم ما يبحث في ذلك العلم عن عوارضه الذاتية، وهي اللاحقة له لذاته أو لجزئه أو لعرض يساوي ذاته، كالتعجّب والحركة بالإرادة والضحك للإنسان.
ولمّا كان هذا العلم باحثاً عن الأحوال العارضة لأدلّة الأحكام الشرعية وأقسامها، وكيفية استنباط الأحكام منها على سبيل الإجمال، كالعمـوم والخصـوص والأوامـر والنواهي والمجمل والمبيّن وغير ذلك

صفحه 57
   قال قدس الله روحه: والدليل: ما تفيد معرفته العلم بشيء آخر، إثباتاً أو نفياً. والأمارة: ظنّه. *
من العوارض الذاتية للأدلة، لا جرم كان موضوع هذا العلم هو أدلّة الفقه على الإجمال.
وإنّما قال: «على الإجمال » لما عرفت أنّه لا يبحث عن عوارض الأدلة من حيث دلالتها على الصور المخصوصة، بل يبحث عنها من حيث هي أدلّة للأحكام الشرعية في الجملة كما تقدّم.
وأمّا مسائل العلم فهي المطالب التي تثبت في ذلك العلم نسبة محمولها إلى موضوعها بالبرهان; فمسائل أُصول الفقه هي المطالب المثبتة فيه بالبرهان، مثل كون الإجماع حجّة، والنص مقدّم على القياس، وما شابه ذلك.

* [ في الدليل والأمارة ]

أقول: لمّا ذكر أنّ أُصول الفقه عبارة عن أدلّة الفقه والكيفيتين المذكورتين، وجب عليه أن يبيّن معنى الدليل. وهو في اللغة يطلق على الدال وهو الناصب للدليل والذاكر له، ويطلق أيضاً على كلّ ما فيه دلالة وإرشاد.
وأمّا بحسب العرف فقد عرّفه المصنّف بأنّه الذي تفيد معرفته العلم بشيء آخر إثباتاً أو نفياً، وهو تعريف له بحسب غايته. ومراده بالعلم هنا العلم التصديقي خاصّة، وأشار إلى ذلك بقوله: إثباتاً أو نفياً، إذ لو كان المراد العلم التصوّري أو الشامل للتصوّري والتصديقي لم يطرد، لصدقه

صفحه 58
على الحد فإنّ معرفته تفيد العلم بشيء آخر وهو المحدود وليس بدليل، بل وعلى سائر الماهيّات الملزومة لأشياء أُخر لزوماً بيّناً فإنّ معرفتها مفيدة للعلم بلوازمها وليست أدلّة بحسب العرف، وهذا الحد غير منعكس لخروج الدليل الثاني بعد إيراد الدليل الأوّل منه، لأنّه حينئذ لا تفيد معرفته1 العلم بشيء آخر لاستحالة تحصيل الحاصل واجتماع الأمثال مع صدق الدليل عليه.
والعلم والمعرفة مترادفان وبعضهم فرّق بينهما فجعل العلم ما تعلّق بالماهيّات المركّبة، والمعرفة ما تعلّق بالحقائق البسيطة ولهذا يقال: عرفت الله ولا يقال: علمت الله.
وآخرون جعلوا المعرفة ما تعلّق بالجزئيات والعلم ما تعلّق بالكلّيات.
وينقسم الدليل إلى لمّي وإنّي.
فالأوّل: الاستدلال بالعلّة على المعلول كما يقول: زيد متعفّن الأخلاط، وكلّ متعفّن الأخلاط فهو محموم. ينتج: أنّ زيداً محموم، فقد استدللنا على حمى زيد بتعفّن أخلاطه، وهو علّة حماه.
والثاني: الاستدلال بالمعلول على العلّة أو بأحد المعلولين على الآخر.
فالأوّل كقولنا: زيد محموم، وكلّ محموم فهو متعفّن الأخلاط، ينتج: زيد متعفّن الأخلاط. فقد استدللنا بحماه على تعفّن أخلاطه الذي هو علّتها.

1. في «أ » و «ج » و «م »: يفيد معرفة.

صفحه 59
والثاني كقولنا: زيد به حمى الغب، وكلّ من به حمى الغب فله قشعريرة، ينتج: زيد له قشعريرة. فقد استدللنا بحماه المذكورة وهي التي تنوب في كلّ يومين مرة على قشعريرته1، وهما معاً معلولا علّة واحدة، وهي تعفّن أخلاطه2 وحصولها خارج عروقه. وهذا القسم ـ أعني: الثالث ـ مركّب من الأوّلين، فإنّ وجود أحد المعلولين دليل على وجود علّته بالطريق الثاني، ووجود علّته يدلّ على وجود معلوله الآخر بالطريق الأوّل، وقد يخصّ لفظ الدليل بالقسم الثاني ـ أعني: الاستدلال بالمعلول على العلّة ـ فهو إذن مشترك3 بينه و بين المعنى الأوّل الشامل له ولقسميه اشتراكاً لفظياً .
وينقسـم الدليـل أيضـاً إلى عقلي، وهو ما يكون مقدّماته عقلية محضـة كما ذكـرناه مـن الأمثلـة. وقـد يكون نقليـاً وهـو مـا تكـون إحـدى مقدّمتيـه نقلية والأُخرى عقلية، وذلك كسائر السمعيات فإنّا إذا استدللنا على وجـوب أمر مثلاً، قلنا: الأمرالفلاني قال الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)إنّه واجب، وكلّ ما قـال الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)إنّه واجـبفهو واجب. فالأُولى سمعيـة، والثانية عقلية.
وهل يتركّب من النقليات المحضة دليل؟
قال الأكثرون: لا، لأنّ النقل إنّما يكون حجّة إذا كان المنقول عنه صادقاً، وكونه صادقاً مقدّمة عقلية.

1. في «أ » و «م »: قشعريرة.
2. في«م »: الأخلاط.
3. في «أ » و «ج » و «م »: مشترك.

صفحه 60
ويمكن أن يقال: إنّه لمّا ثبت صدق الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في جميع إخباراته، أمكن أن يتألّف من تلك الإخبارات مقدّمات متناسبة منتجة لمطلوب ما وإن كان لابدّ من انتهاء تلك المقدّمات في آخر الأمر إلى المقدّمات العقلية بالطريق المذكور، إلاّ أنّه لا يلزم من انتهائها إلى المقدّمات العقلية أن لا يتألّف منها دليل، كما لا يلزم من انتهاء القضايا النظرية إلى القضايا الضرورية أن لا يتألّف من النظريات دليل.
وأيضاً الدليل ينقسم إلى ما يفيد العلم بالإثبات، وإلى ما يفيد العلم بالنفي.
فالأوّل كقولنا: كلّ وضوء عبادة، وكلّ عبادة تجب فيها النية. ينتج: كلّ وضوء تجب فيه النية.
والثاني كقولنا: صلاة الوتر تؤدّى على الراحلة، ولا شيء من الصلوات المفروضات يؤدّى على الراحلة. ينتج: صلاة الوتر ليست من الصلوات المفروضات.
وبعض الفقهاء عرّف الدليل بأنّه الذي يمكن التوصّل بصحيح النظر فيه إلى العلم بمطلوب خبري1، فبالإمكان يدخل الدليل الذي لم ينظر فيه ولم يتوصّل به، فإنّ عدم التفطّن له والتوصّل به لا يخرجه عن كونه دليلاً على مدلوله، واحترز بالصحيح عن النظر الفاسد، وتقييد المطلوب بالخبري ليخرج عنه الحد، فإنّه يتوصّل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب إلاّ

1. ذكره الرازي في المحصول:1/15، والآمدي في الإحكام:1/13، والشهيد الثاني في حقائق الإيمان:142، والشيخ البهائي في زبدة الأُصول:42، وغيرها.

صفحه 61
قال قدس الله روحه: والعلم لا يُحدّ وإلاّ جاء الدور. *
أنّه ليس خبرياً.
وأمّا الأمارة فقد عرّفها المصنّف بأنّها الذي يفيد معرفته ظن شيء آخر، وأشار إلى ذلك بقوله: «والأمارة ظنّه » عطفاً على قوله: «والدليل ما تفيد معرفته العلم بشيء آخر » والهاء في قوله: «ظنّه » عائدة إلى الشيء الآخر.
وقيل1: الأمارة ما يمكن أن يتوصّل بصحيح النظر فيها إلى الظن.

* [ في حد العلم ]

أقول: اختلف الناس في ذلك فذهب المحقّقون إلى أنّ العلم غني عن التعريف، لأنّه من الكيفيات الوجدانية التي يجدها كلّ عاقل من نفسه، كالألم واللذة والجوع والشبع والفرح والغم، وغيرها من الوجدانيات.
واستدلّ فخر الدين الرازي2 على استحالة تعريفه بأنّ العلم لو كان معرفاً لكان المعرِّف له إمّا نفسه أو غيره، والقسمان باطلان فكونه معرفاً باطل، أمّا الملازمة فظاهرة.
وأمّا بطلان القسم الأوّل من قسمي التالي فلأنّ المعرِّف للشيء يجب أن يكون متقدّماً3 على المعرف في المعرفة وأجلى منه، والشيء يستحيل أن يكون متقدّماً في المعرفة على نفسه وأن يكون أجلى من نفسه.

1. القائل هو فخر الدين الرازي في المحصول:1/15.
2. المحصول في علم الأُصول:1/12.
3. في«ج » و «م » مقدماً.

صفحه 62
وأمّا بطلان القسم الثاني، فلأنّ ذلك الغير لا يعرف إلاّ بالعلم، لأنّ ما عدا العلم لا يعلم إلاّ به فلو كان معرِّفاً للعلم كان كلّ واحد منهما معرِّفاً لصاحبه، وهو دور محال، ويلزم كون كلّ منهما أعرف من الآخر وأجلى منه، وذلك ملزوم لكون كلّ منهما أعرف وأجلى من نفسه وأنّه محال.
وفيه نظر، فإنّ لمانع أن يمنع من بطلان القسم الثاني من قسمي التالي.
قوله: لأنّ ذلك الغير لا يعلم إلاّ بالعلم.
قلنا: إن أردت به أنّه يعلم بالعلم بمعنى كون العلم حدّاً أو رسماً له، فهو ظاهر الفساد.
وإن أردت أنّ ذلك الغير لا يكون معلوماً حتى يحصل صفة العلم المتعلّق به في النفس، فهو مسلّم لكن الدور غير لازم حينئذ، لأنّ حصول صفة العلم في النفس لا يتوقّف على الحدّ إنّما يتوقّف على الحدّ العلم بحقيقة العلم الحاصل كغيره من الصفات النفسانية، كالإرادة والقدرة مثلاً، فإنّ كون الشيء مراداً أو مقدوراً إنّما يتوقّف على قيام الإرادة والقدرة المتعلّقين به بالنفس لا على العلم بحقيقتهما. هذا إن كان المراد بالعلم المدّعى استحالة تعريفه العلم بالمعنى الأعم الشامل للتصوّرات والتصديقات بأسرها.
وإن كان المراد به العلم بالمعنى الأخصّ ـ أعني: الاعتقاد الجازم المطابق الثابت. وهو الظاهرمن كلام المتكلّمين في تعريفاتهم له حيث قالوا في تعريفه:إنّه اعتقاد الشيء على ما هو به مع طمأنينة النفس.1 أو

1. وهو قول المعتزلة.

صفحه 63
قال قدس الله روحه: والنظر ترتيب أُمور ذهنية ليتوصّل بها إلى آخر. *
معرفة المعلوم على ما هو به مع طمأنينة النفس.1 أو اعتقاد يقتضي سكون النفس2 ـ لم يصدق قوله:«إنّما عدا العلم لا يعلم إلاّ بالعلم »، لأنّ العلم بالماهيّات والحقائق وسائر المعاني بمعنى التصوّر لا يتوقّف على العلم بالمعنى الأخصّ المذكور، وهي مواد الحدود والرسوم فيجوز أن يكون حدّ العلم مؤلّفاً منها ولا دور.

* [ في النظر ]

أقول: هذا أجود تعريفات النظر فإنّه مركّب، وأجود رسوم المركّب ما كان باعتبار علله الأربع ـ أعني: المادية والصورية والفاعلية والغائية ـ وهو هنا كذلك، فإنّ الأُمور الذهنية تجري مجرى المادة للنظر، فإنّه إنّما يتحصّل منها.

1. وهو قول القاضي أبو بكر محمد بن الطيب المعروف بابن الباقلاني(المتوفّى سنة 403هـ) في كتابه«التقريب والإرشاد الصغير »:1/174.
2. وهو قول السيد المرتضى في الذريعة:42، تحقيق مؤسسة الإمام الصادق(عليه السلام)، قم ـ 1429هـ; والشيخ الطوسي في عدة الأُصول:1/12.
وتوجد أقوال أُخرى في تحديد العلم في حدّه، منها ما قال أبو الحسن الأشعري: العلم ما يوجب لمن قام به كونه عالماً. لاحظ المنخول للغزّالي: 94.
وقال بعض الأشاعرة: العلم تبيّن المعلوم على ما هو به. لاحظ البرهان في أُصول الفقه للجويني: 1/97. وقال الغزالي في المستصفى:1/67: الأشياء الظاهرة يعسر تحديدها وإنّما نشرح معناها بتقسيم ومثال.
وقال أبو بكر ابن فورك الأنصاري: العلم ما يصحّ من المتّصف به إحكام الفعل وإتقانه. نقله عنه الجويني في البرهان:1/98. نكتفي بهذا المقدار، ومن أراد المزيد فليراجع نهاية الوصول إلى علم الأُصول للعلاّمة الحلّىّ:1/77 ومابعدها، والإحكام للآمدي:1/14.

صفحه 64
قال قدس الله روحه: والظن اعتقاد راجح يجوز معه النقيض. ومرجوحه الوهم. والشك سلب الاعتقادَين. والجهل البسيط عدم العلم، والمركب كذلك مع اعتقاده. *
والترتيب العارض لتلك الأُمور ـ أعني: التأليف المخصوص ـ يجري مجرى الصورة. والتوصّل بها إلى آخر هو الغاية وفي قوله: «ليتوصّل » ضمير الفاعل وهو شامل للنظر في التصوّرات والتصديقات، سواء كانت علوماً أو ظنوناً أو غير ذلك، فإنّ الأُمور الذهنية تشمل المعاني المفردة التصوّرية، أعني الأجناس والفصول والخواص التي يتألّف منها الحدود والرسوم والتصديقات، أعني: القضايا التي يتألّف منها الحجج والتوصّل إلى آخر خاصة للنظر يتميز بها عن غيره من الأقوال.
ولمّا لم يكن ثبوت محمول المطلوب بالنظر لموضوعه أو سلبه عنه بيّناً وإلاّ لم يكن نظرياً، بل كان بديهياً افتقر إلى وسط بانضمامه إلى موضوع المطلوب يتحصّل مقدّمة وبانضمامه إلى محمول المطلوب يتحصّل أُخرى افتقر كلّ نظر إلى مقدّمتين، فإن كانتا علميتين فالنتيجة يجب كونها علمية وإلاّ فلا.

*[  في الظن والشك والجهل ]

أقول: الاعتقاد عبارة عن حكم الذهن بأمر على آخر، وعلى هذا يكون جنساً للعلم والظن والجهل المركّب واعتقاد المقلد، والمتكلّمون ينكرون ذلك ويجعلونه نوعاً مغايراً للعلم والظن مبايناً لهما، والصواب هو الأوّل.

صفحه 65
فإذن الظن: اعتقاد راجح يجوز معه النقيض1، فقولنا: «اعتقاد » جنس شامل للأقسام المذكورة، وقولنا: «راجح » يخرج به الشك إن جعلناه من قبل الاعتقادات، وقولنا: «يجوز معه النقيض » يخرج به العلم والجهل المركب واعتقاد المقلد المقارن للجزم. وجواز النقيض لا يريد به الجواز في نفس الأمر، بل في اعتقاد المعتقد; ولا يريد به التجويز الحقيقي، فإنّ الظان قد يغفل عن نقيض المظنون، بل ما هو أعم من ذلك بحيث يشمل التجويز التقديري.
وينقسم الظنّ إلى صادق وهو المطابق، وكاذب وهو ما ليس بمطابق.
ومرجوح الظن ـ أعني:الطرف المقابل للمظنون ـ هو الوهم.
وأمّا الشك فقيل هو سلب الاعتقادين.
وفيه نظر، فإنّ الغافل عن الشيء غير معتقد لأحد طرفيه مع أنّه لا يسمّى شاكّاً، والأولى أن يقال: إنّه تساوي الاعتقادين مع خطورهما بالبال.
والجهل يقال على بسيط، وهو عدم العلم. وينقسم إلى: مجهول التصوّر، ومجهول التصديق. ومركّب وهو عدم العلم مع اعتقاد العلم. فـإذن المعنى الأوّل جـزء من الثاني، فلا يكون من التصوّر المحض جهـل

1. عرّف الشريف المرتضى الظن في الذريعة:44 قائلاً: هو ما يقوى كون ما ظنّه على ما يتناوله الظن، وإن جوّز خلافه. وقد عرّفه الشيخ الطوسي في عدة الأُصول:1/17: وأمّا الظن فعندنا وإن لم يكن أصلاً في الشريعة تُستند الأحكام إليه، فإنّه تقفُ أحكام كثيرة عليه... وحدّه: ما قوي عند الظان كون المظنون كما ظنّه، ويجوز مع ذلك كونه على خلافه. وعرّفه الرازي في المحصول:1/14 بأنّه اعتقاد رجحان اللاّ وقوع، فإن كان مطابقاً للمظنون، كان ظناً صادقاً، وإلاّ كان ظناً كاذباً.
وعرّفه الآمدي في الإحكام:1/15 بأنّه عبارة ترجح أحد الاحتمالين في النفس على الآخر من غير قطع.

صفحه 66
قال قدس الله روحه: واعتقاد الرجحان جنس للاعتقاد الراجح الخالي عن الجزم.*
مركب بهذا المعنى.
* أقول: الرجحان تارة يكون للمعتقد وذلك بأن يكون أحد طرفي الممكن أولى بالوقوع من الآخر بأن يحصل أكثر أسباب وجوده وشرايطه، كنزول المطر عند وجود الغيم الرطب في الزمان المعهود نزوله فيه فإنّ نزوله يكون أرجح من عدم نزوله، ثم اعتقاد هذا الرجحان تارة يكون علماً بأن يكون جازماً مطابقاً ثابتاً، وتارة يكون ظناً كما إذا تجرّد عن الجزم، فهو إذن جنس لهما.
وتارة يكون الرجحان للاعتقاد نفسه، وذلك بأن يكون عند المعتقد اعتقاد نزول المطر واعتقاد عدم نزوله، وكلّ منهما جائز ولكن اعتقاد نزوله أقوى وأرجح، فيكون ذلك الاعتقاد الراجح ظناً لما عرفت من أنّ الظنّ اعتقاد راجح يجوز معه النقيض.
والأوّل وهو اعتقاد الرجحان جنس للثاني ـ أعني: الاعتقاد الراجح الخالي عن الجزم ـ كما بيّنّاه.
واعلم أنّ كون اعتقاد الرجحان جنساً1 للاعتقاد الراجح الخالي عن الجزم إنّما يتحقّق عند اتّحاد المتعلّق، بأن يكون متعلّق الاعتقاد الراجح ذلك الرجحان المعتقد بحيث يصير الأوّل اعتقاداً مطلقاً معلّقاً بالرجحان أعمّ من أن يكون جازماً أو غير جازم والثاني اعتقاداً مقيداً بالرجحان والخلو عن الجزم.

1. في «م »: ظناً.

صفحه 67
قال قدس الله روحه: ويستجمع العلم الجزم والمطابقة والثبات. ولا ينتقض بالعاديات، لحصول الجزم وإمكان النقيض باعتبارين. *
* أقول: الاعتقاد إمّا أن يكون جازماً، أو لا يكون.
والثاني الظن. والأوّل إمّا أن يكون مطابقاً، أو لا.
والثاني الجهل.1 والأوّل إمّا أن يكون تامّاً، أي لموجب من حسّ أو عقل أو مركب منهما، أولا.
والثاني اعتقاد المقلّد للحق. والأوّل العلم فقد استجمع العلم ثلاثة أشياء: الجزم وهو عبارة عن اعتقاد أنّ الشيء كذا مع امتناع أن لا يكون كذا، والمطابقة والثبات.
قيل عليه: إنّ ذلك منقوض بالعلوم العادية مثل كون الجبل لم ينقلب ذهباً، والبحر لم ينقلب دماً، والأواني التي في بيوتنا لم تصر عند غيبتنا عنها أشخاصاً مدققين في علم المنطق والهندسة، فإنّ انتفاء هذه الأُمور معلوم لنا بالضرورة مع انتفاء الجزم بها، لأنّ الله تعالى قادر على كلّ مقدور، فجاز أن يجعل الجبل ذهباً والبحر دماً والأواني عند غيبتنا أشخاصاً موصوفين بالأوصاف المذكورة.
والجواب: المنع من عدم الجزم بانتفاء هذه الأُمور، بل هو حاصل بالنظر إلى العادة، فإنّ هذه الأُمور ممتنعة بالنظر إليها وإن جاز وقوعها بالنظر إلى ذواتها الممكنة، وقدرة الله تعالى المتعلّقة بجميع الممكنات فانّ ذلك اعتبار آخر مغاير للأوّل.

1. في «أ » بزيادة: المركب، وفي حاشية«ج »: أي المركب.

صفحه 68
في الحكم الشرعي   
قال قدس الله روحه:

الفصل الثاني

في الحكم الشرعي

الحكم: خطاب الشرع المتعلّق بأفعال المكلّفين بالاقتضاء، أو التخيير، أو الوضع. والاقتضاء: قد يكون للوجود مع المنع من النقيض، فيكون وجوباً. ولا معه، فيكون ندباً. وقد يكون للعدم مع المنع من النقيض، فيكون حراماً. ولا معه، فيكون مكروهاً. والتخيير: الإباحة، والوضع: الحكم على الوصف بكونه شرطاً، أو سبباً، أو مانعاً. وربما رجع بنوع من الاعتبار إلى الأوّل. *
* أقول: اختلف الأشاعرة في تعريف الحكم الشرعي فقال الغزّالي1: الحكم خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلّفين. 2

1. هو أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزّالي، ولد سنة 450هـ في الطابران ـ و هي قصبة من قصبات طوس ـ وتوفّي فيها سنة 505هـ. رحل إلى نيسابور ثم إلى بغداد فالحجاز فبلاد الشام فمصر، وعاد إلى بلدته. نسبته إلى صناعة الغزل عند من يقول بتشديد الزاي، أو إلى غزالة (من قرى طوس) لمن قال بالتخفيف، صنّف كتباً كثيرة، منها: المستصفى في أُصول الفقه (مطبوع)، المنخول من تعليقات الأُصول(مطبوع)، شفاء العليل في أُصول الفقه، إحياء علوم الدين (مطبوع)، تهافت الفلاسفة(مطبوع)، مقاصد الفلاسفة(مطبوع)، المنقذ من الضلال(مطبوع)، فضائح الباطنية المعروف بفضائح المعتزلة(مطبوع). الأعلام:7/22.
2. المستصفى في علم الأُصول:1/112.

صفحه 69
والخطاب هو اللفظ المفيد المقصود به الإفهام. فباللفظ خرجت الإشارة والعقود والنصب، وبالمفيد خرج المهمل، وبقولنا: «المقصود به الإفهام » خرج كلام الساهي والنائم.
ونقض في طرده بقوله تعالى: (وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ)1، وأمثاله كقوله: (وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبير).2 فإنّ الحدّ المذكور صادق عليه لكونه خطاب الشرع المتعلّق بأفعال المكلّفين وليس حكماً شرعياً اتّفاقاً، فزاد بعض المتأخّرين في الحدّ المذكور لدفع هذا النقض قوله: بالاقتضاء أو التخيير. 3
والاقتضاء هو الطلب، وهو قد يكون للوجود مع المنع من نقيضه الذي هو الترك وهو الوجوب، أو لا مع المنع من الترك وهو الندب، وقد يكون للعدم وهو الترك فإمّا مع المنع من نقيضه الذي هو الفعل وهو التحريم، أو لا مع المنع من نقيضه وهو الكراهة. والتخيير: الإباحة.
ونقض في عكسه يكون الشيء سبباً وشرطاً ومانعاً، كما تقول: الدلوك سبب للصلاة والطهارة شرط لها والنجاسة مانعة منها فإنّ الحدّ المذكور غير متناول لها ولا صادق عليها مع كونها أحكاماً شرعية فزاد بعضهم فيه لدفع هذا النقض. قوله: أو الوضع بحيث تندرج هذه الأُمور فيه فإنّ كون الدلوك سبباً للصلاة والطهارة شرطاً لها والنجاسة مانعة منها إنّما هو بوضع الشارع، وهذا الحدّ بعد التتمة هو المذكور في الكتاب.

1. الصافات:96.
2. البقرة:234 و 271; آل عمران:180; الحديد:10; المجادلة:3 و 11; التغابن:8.
3. المحصول في علم الأُصول:1/15.

صفحه 70
قال قدس الله روحه: والواجب ما يُذم تاركه. ولا يرد المخيّر والموسَّع والكفاية، لأنّ الواجب في المخيّر والموسّع الأمر الكلي، وفي الكفاية فعل كلّ واحد يقوم مقام الآخر، فكأنّ التارك فاعل، أو يزاد في الحدّ لا إلى بدل. ويرادفه الفرض، والمحتوم، واللازم. *
   
ومن الناس من دفع هذا الأخير بأن منع من كون هذه الأُمور أحكاماً شرعية، بل هي اعلام للأحكام.
وآخرون بأنّها عائدة بنوع من الاعتبار إلى الأوّل ـ أعني: الاقتضاء أو التخيير ـ فإنّه لا معنى لكون الدلوك سبباً للصلاة إلاّ وجوب الصلاة عنده، ولا معنى لكون الطهارة شرطاً لها إلاّ وجوب إيقاع الصلاة مع الاتّصاف بها، ولا معنى لكون النجاسة مانعة من الصلاة إلاّ تحريم الصلاة معها. وإلى هذا أشار المصنّف بقوله: وربّما رجع بنوع من الاعتبار إلى الأوّل.
وفي عبارة المصنّف نظر، وذلك لأنّه قسّم اقتضاء العدم إلى الحرام والمكروه،والأجود تقسيمه إلى التحريم والكراهية كما قسم اقتضاء الوجود إلى الوجوب والندب دون الواجب والمندوب وقال: التخيير الإباحة ولم يقل المباح، وذلك لأنّ الحرام والمكروه معروضا هذا النوع من الاقتضاء لا من جزئياته المنقسم إليها، بل المنقسم إليها عوارضها، أعني: التحريم والكراهة .

* [ في حقيقة الوجوب وما يتعلّق به ]

أقول: لمّا ذكر تعريف الحكم الشرعي وأقسامه شرع في ذكر تعريف متعلّقات تلك الأقسام من حيث تعلّقها بها وبدأ بالواجب لتعلّق الطلب

صفحه 71
المؤكّد بوجوده.
واعلم أنّ الوجوب في اللغة يقال على الثبوت والاستقرار، كقوله(عليه السلام):«إذا وجب المريض فلا تبكين عليه باكية » أي استقر وزال عنه التزلزل والاضطراب.1
ويطلق أيضاً على السقوط، قال الله تعالى:(فَإذا وَجَبَتْ جُنُوبُها)2 أي سقطت.3 فإذن الواجب إمّا الثابت وإمّا الساقط.
وأمّا في عرف الفقهاء فالوجوب عبارة عمّا تقدّم في تقسيم الحكم، وهو الخطاب الشرعي المتعلّق بأفعال المكلّفين باقتضاء الوجود المانع من العدم، فالواجب حينئذ الفعل الّذي تعلّق به الوجوب.
وقد كان هذا القدر كافياً في تعريفه، وكذا متعلّقات باقي أقسام الحكم فإنّ التقسيم السالف مع تقدّم تعريف الحكم الشرعي الذي هو جنس للأحكام كاف في تعريفها، لكن المصنّف لم يكتف بذلك بل جرى على عادة أهل هذا العلم في ذكر رسومها المنقولة عن أوائلهم.4
وأجود رسوم الواجب ما نقل عن القاضي أبو بكر5 وهو قوله:

1. ذكره بهذا المعنى الآمدي في الإحكام:1/72. أمّا في معاجم اللغة فقد جاء فيها: وَجَبَ الرجل وُجوباً: ماتَ، والوجوب: الموت. راجع لسان العرب:1/794، مادة «وجب ». وأمّا في المصادر الحديثية فقد جاءت عبارة:«وجب المريض » أي مات. راجع: سنن أبي داود:2/60 برقم 3111; سنن النسائي:4/13; سنن البيهقي:4/70; مستدرك الحاكم:1/352.
2. الحج:36.
3. لاحظ لسان العرب:1/794، مادة «وجب ».
4. لاحظ: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/91ـ94.
5. هو محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر، أبو بكر، القاضي الباقلاني، أشعري من علماء الكلام، ولد في البصرة سنة338هـ، وسكن بغداد فتوفّي فيها سنة 403هـ . وجهه عضد الدولة سفيراً عنه إلى ملك الروم، فجرت له في القسطنطينية مناظرات مع علماء النصرانية بين يدي ملكها. من كتبه: دقائق الكلام، الملل والنحل، التمهيد في الرد على الملحدة والمعطّلة والخوارج والمعتزلة (مطبوع)، التقريب والإرشاد (مطبوع). الأعلام:6/176.

صفحه 72
الواجب ما يذمّ تاركه شرعاً على بعض الوجوه. فقولنا: «ما يذم » أجود من قولنا: ما يعاقب، لأنّ الله تعالى قد يعفو عن تارك الواجب ولا يقدح ذلك في وجوبه، وخير من قولنا: ما يخاف العقاب على تركه، لأنّ ما ليس بواجب قد يخاف على تركه عند الشك في وجوبه.
وقوله: «شرعاً » ليخرج الواجب العقلي الذي يذم تاركه عقلاً عند من يقول به.
وقوله: «على بعض الوجوه » ليتناول التعريف الواجب الموسّع والمخيّر والكفاية. فإنّ الموسّع يذم تاركه على بعض الوجوه وهو ما إذا تركه في جميع وقته، والواجب المخيّر إذا أخلّ بجميع الخصال، والكفاية إذا تركه المكلّفون بأسرهم.1
وهذا الرسم ارتضاه فخر الدين الرازي وأكثر المتأخّرين من الأشاعرة.2
واعترض بأنّه غير مطرد فإنّ الساهي والنائم والمسافر وغيرهم من ذوي الأعذار لا يجب عليهم الصوم مثلاً ويذمّون على تركه شرعاً، بل على بعض الوجوه وهو تقدير انتفاء أعذارهم.
فإن أُجيب بأنّ الوجوب ثابت على ذلك التقدير وإنّما يسقط بالنوم والسهو والسفر.

1. الإرشاد والتقريب:1/293.
2. المحصول:1/18. أمّا عند المعتزلة فالواجب ما يستحقّ تاركه الذم، أو ما يستحقّ العقاب بتركه، أو ما يكون على صفة باعتبارها يستحقّ فاعله المدح وتاركه الذم، أو ما يكون تركه في جميع وقته سبباً للذمّ. راجع نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/91.

صفحه 73
قلنا: فالواجب على الكفاية والموسّع والمخيّر يسقط بفعل البعض وبفعله في آخر الوقت وبفعل بدله، فلا حاجة إلى القيد فيها كما لا حاجة إلى القيد في الساهي والنائم والمسافر. 1
والمصنّف (قدس سره) حذف من الحدّ المذكور هذا القيد ـ أعني: قوله: «على بعض الوجوه » ـ كذلك واقتصر على ما قبله مع حذف قوله: «شرعاً »، لأنّ الوجوب عنده قد يكون عقلياً كما يكون شرعياً فيذم تاركه عقلاً.
ولا يرد عليه النقض2 في عكسه بالواجب المخيّر والموسّع والكفاية لتحقّق الوجوب فيها مع أنّ تاركها لا يذم، لأنّ الواجب في المخيّر الأمر الكلّي الصادق على الخصال المتعدّدة، فبأيّها أتى المكلّف كان آتياً به فلا يتحقّق تركه للواجب مع إتيانه بخصلة ما من الخصال وإن ترك الباقيات.
وكذا نقول في الموسّع فإنّ الواجب عليه إيقاع العبادة في الوقت، وهذا أمر كلّي صادق على إيقاعها في أوّل الوقت ووسطه وآخره.
وأمّا الواجب على الكفاية ففعل كلّ واحد من المكلّفين قائم مقام الباقين لحصول غرض الشارع وهو وقوعه من كلّ مكلّف ما، فكأنّ التارك للفعل فاعل له باعتبار وجود ما هو قائم مقامه وهو وقوعه من غيره، وإذا أردنا دفع النقض المذكور من غير تكلّف جوابه زدنا في الحد المذكور قولنا: لا إلى بدل.
واعلم أنّه كان ينبغي أن يضاف إلى قوله: في الحدّ المذكور ما يذم

1. ذكر الاعتراض والجواب عنه في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/92.
2. في«م » و «ج »: النقص.

صفحه 74
تاركه، قوله: «على تركه »، لأنّه بدونه غير مطرد لصدقه على المباح، بل وعلى الحرام إذا تركه تارك واجب أو فاعل محرم آخر. ولمّا حذف المصنّف من الحدّ لفظة «شرعاً » لم يبق مطرداً، لصدقه على كثير من الأفعال المباحة والمحرمة والمندوبة فإنّ تاركها قد يذم بأن يذمّه غير الشارع على تركها إمّا لتعلّق غرض الذام له بإيقاعها لأمر دنيوي، أو لكونه كافراً يرى ترك ذلك حراماً.
إذا تقرر هذا فاعلم أنّ الذم قول أو فعل أو ترك فعل أو ترك قول يبنى عن اتّضاع الغير حال الغير، والاتّضاع انخفاض المنزلة. ويرادف الواجب اللازم والمحتوم والفرض.
خلافاً للحنفية فإنّهم خصّوا الفرض بما ثبت بدليل قطعي، والواجب ما ثبت بدليل ظني، قالوا: لأنّ الفرض التقدير، قال الله تعالى:(فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ)1 أي قدّرتم، والوجوب: السقوط، فخصّصنا الفرض بما عرف وجوبه بدليل قطعيّ، لأنّه الذي علم منه تعالى أنّه قدّره علينا، وأمّا الذي عرف وجوبه بظني فإنّه الواجب، لأنّه الساقط علينا، ولا نسمّيه فرضاً لعدم علمنا بأنّه تعالى قدّره علينا. 2
وهذا الكلام لا يخفى على المتأمّل ضعفه، فإنّ الفرض التقدير، سواء كان طريق معرفته علماً أو ظناً، كما أنّ الساقط الواجب من غير اعتبار طريق ثبوته، ولكن لا مشاحة في الاصطلاح.

1. البقرة:237.
2. المحصول:1/19; الكاشف عن المحصول:1/244; رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب:1/494.

صفحه 75
قال قدس الله روحه: والمحظور هو الذي يذم فاعله. ويرادفه الحرام، والمزجور عنه، والمعصية، والذنب، والقبيح. *

* [ المحظور لغةً واصطلاحاً ]

أقول: الحظر في اللغة: المنع، يقال: حظرت عليه كذا إذا منعته منه. ويطلق أيضاً على القطع، ومنه الحظيرة: وهي البقعة المنقطعة التي يأتي إليها المواشي.1 ويقال أيضاً على ما كثرت آفاته كما يقال: لبن محظور2أي كثير الآفة.
وأمّا بحسب الاصطلاح فقد عرّفه المصنّف بأنّه الذي يذمّ فاعله. وهو غير مطرد، لصدقه على الأفعال المباحة والواجبة إذا ذمّ فاعلها غير الشارع من غير استحقاق، كما قلناه في الواجب. وكان ينبغي أن يضم إليه ما يدلّ على أنّ الذم على الفعل، وإلاّ لصدق على الأفعال الواجبة والمندوبة والمباحة أنّها محظورة إذا صدرت عن فاعل محرّم أو تارك واجب.
ويرادفه الحرام والمزجور عنه بمعنى أنّ الله تعالى زاجر عنه. والمعصيـة أي فعـل مـا كـرهـه الله تعالى على رأي أصحابنا، والمعتزلة مـن أنّـه تعالى كاره للمعاصي3، وعند الأشاعرة: المعصية فعل ما نهى الله

1. لسان العرب:4/202، مادة «حظر ».
2. كذلك ورد في الإحكام:1/82، ونهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/197، والصحيح: لبن محضور، وهو اسم مفعول للفعل حَضَرَ، والعرب تقول: اللبن مُحْتَضَرٌ ومَحْضُورٌ فغطّه، أي كثير الآفة يعني يحضره الجن والدواب وغيرها من أهل الأرض. راجع لسان العرب:4/199، مادة «حضر ».
3. نقله عنهم الرازي في المحصول:1/19.

صفحه 76
قال قدس الله روحه: والمندوب هو الراجح فعله مع جواز تركه، وهو المرغّب فيه والنافلة والمستحب والتطوّع والسنة والإحسان. وأمّا المباح فهو ما تساوى وجوده وعدمه، وهو الجائز والحلال والطلق. والمكروه وهو الراجح تركه، ولا عقاب على فعله. ويُطلق على الحرام وترك الأولى بالاشتراك. *
عنه.1
والذنب وهو المنهي عنه الذي يتوقّع عليه العقوبة والمؤاخذة.
والقبيح ومعناه الذي على صفة مؤثرة في استحقاق فاعله الذم أو الذي نهى عنه شرعاً، وسيأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى.

* [ في المندوب والمباح والمكروه ]

أقول: هذه تعريفات متعلقات باقي الأحكام فالمندوب في اللغة مأخوذ من الندب وهو الدعاء إلى أمر مهم. ومنه قول الشاعر:
لا يسألون أخاهم حين يندبهم *** في النائبات على ما قال برهانا2
وأمّا في العرف فهو عبارة عمّا ذكره المصنّف: «وهو الراجح فعله مع

1. المحصول:1/19.
2. خزانة الأدب:7/414. والبيت لقريط بن أنيف العنبري التميمي، الشاعر الجاهلي قاله ضمن قصيدة عندما أغار ناس من بني شيبان عليه فأخذوا له ثلاثين بعيراً، فاستنجد قومه فلم ينجدوه فأتى مازن تميم، فركب معه نفر فأطردوا لبني شيبان مائة بعير، فدفعوها إليه، فقال هذه القصيدة التي مطلعها:
لو كنت من مازن لم تستبح إبلى *** بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا الأعلام:5/195.

صفحه 77
جواز تركه ».1 فالراجح فعله جنس له وللواجب، وتقييده بجواز تركه فصل يفصله عن الواجب.
وفيه نظر، فإنّ أنواع الرجحان كثيرة مختلفة فإن أراد واحداً منها بعينه، وهو الرجحان بالنظر إلى طلب الشارع أو غيره مع عدم إتيانه بلفظ يدلّ عليه، لم يجز، إذ المقصود من الحد الإيضاح والبيان.
وإن أراد مطلق الرجحان فلم يطرد، فإنّ الفعل الراجح باعتبار كونه مراداً لتحصيل مصلحة دنيوية أو دفع مفسدة كذلك، أو باعتبار كونه مشتهى كالأكل والشرب والوقاع قبل الشرع يصدق عليه الحد المذكور وليس مندوباً.
وأيضاً فإنّ لفظ الجواز يصدق على الإمكان الخاص، وعلى إذن الشارع في الشيء، وعلى عدم اشتمال الشيء على صفة موجب الذم; وهذه معان مختلفة، وليس في اللفظ ما يدلّ على أحدها فتحقّق الإجمال وهو غير جائز في الحدود.
وأيضاً فرجحان الفعل قد يكون على الترك وقد يكون على فعل آخر، فالإجمال متحقّق من هذا الوجه أيضاً .
ويقال للمندوب: المرغّب فيه، لأنّ الشارع وعد المكلّف على فعله الثواب.

1. وقد عرّفه في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/96 قائلاً: ما يكون فعله راجحاً على تركه رجحاناً غير مانع من النقيض. وعرّفه الرازي في المحصول:1/20: هو الذي يكون فعله راجحاً على تركه في نظر الشرع، ويكون تركه جائزاً. وقال الآمدي في الإحكام:1/86: هو المطلوب فعله شرعاً من غير ذمٍّ على تركه مطلقاً. وقيل: هو ما فعله خير من تركه، وقيل: ما يمدح على فعله ولا يذم. راجع نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/96.

صفحه 78
والنافلة ومعناه: أنّه طاعة غير واجبة، وأنّ للمكلّف أن يفعله من غير حتم.
والمستحب ومعناه عرفاً: أنّ الله تعالى أحبّه.
والتطوّع ومعناه: أنّ المكلّف انقاد إلى الله بفعله مع أنّه قربة من غير حتم.
والسنّة: وهو ما يعدّ عرفاً كونه طاعة غير واجبة، ولفظ السنّة يختصّ في العرف بالمندوب لحسن قولهم: هذا الفعل واجب أو سنّة.
وبعض الناس يقولون1: إنّ لفظ السنّة لا يختص بالمندوب، بل يتناول كلّما علم وجوبه أو ندبيّته بأمر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أو بإدامته واستمراره على فعله، فإنّ السنّة مأخوذة عن الإدامة، ولهذا يقال:«الختان من السنّة »2 ولا يراد به أنّه غير واجب.
والإحسان وذلك إذا كان نفعاً موصلاً إلى الغير مع القصد إلى إيقاعه.
وأمّا المباح فهو في اللغة مأخوذ من الإباحة وهي الإعلان، ومنه باح فلان بسرّه.
وأمّا في العرف فقد عرّفه المصنّف بما تساوى وجوده وعدمه وكان

1. راجع المحصول:1/21.
2. أخرج أحمد في مسنده:5/75 باسناده عن أبي المليح بن أُسامة عن أبيه أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «الختان سنة للرجال ومكرمة للنساء ». وقد جاء الحديث بهذا النص في الكثير من كتب الفريقين. راجع: سنن البيهقي:8/325; المعجم الكبير للطبراني:7/273 و 274، الجامع الصغير للسيوطي:1/636برقم 4129; كنز العمال:16/435 برقم 45305; تهذيب الأحكام:7/445برقم 1783; مكارم الأخلاق:229; وسائل الشيعة:21/442برقم 27535، الباب 58 من أبواب أحكام الأولاد; مستدرك الوسائل:13/94 برقم 14872، الباب16 من أبواب ما يكتسب به.

صفحه 79
ينبغي أن يضم إليه قوله: في أنّه لا صفة له زائدة على حسنه1 أو بالنظر إلى خطاب الشارع، إذ لولا تعيّن ما فيه التساوي لم يطّرد لصدقه على جميع الأفعال الممكنة سواء كانت واجبة أو مندوبة أو محرمة. ويقال للمباح: الحلال، والطِلْق، والجائز.
وأمّا المكروه فهو في اللغة مأخوذ من الكراهية، وهي الشدة في الحرب.
وأمّا في العرف فقد عرّفه المصنّف بأنّه الراجح تركه ولا عقاب على فعله. فقوله: «الراجح تركه » جنس له وللحرام. وقوله: «ولا عقاب على فعله » يخرج الحرام. وهو منتقض في طرده بالحرام إذا عفا الله تعالى عن فاعله، وبالمحرمات الصغائر فإنّ تركها راجح ولا عقاب على فعلها لكونها تقع مكفّرة.
وهو ـ أعني: اللفظ المكروه ـ مشترك بين ثلاثة معان: ما نهى عنه نهي تنزيه، وهو ما علم فاعله، أو دلّ على أنّ تركه خير من فعله وإن لم يكن على فعله عقاب. والمحظور. وترك الأولى كترك النافلة ويسمّى تركها مكروهاً لا باعتبار كونه منهياً عنه، بل لكثرة الفضل في فعلها. 2

1. وهو قول المعتزلة. وعرّفه الرازي في المحصول:1/20بقوله: هو الذي أُعلم فاعله أو دُلّ على أنّه لا ضرر في فعله وتركه ولا نفع في الآخرة. وقال قوم: إنّه ما خيّر المرء فيه بين فعله وتركه شرعاً. وقيل: ما استوى طرفاه في عدم الثواب والعقاب. وقيل: ما دلّ الدليل السمعي على خطاب الشارع بالتخيير فيه بين الفعل والترك من غير بدل. وهو قول الآمدي في الإحكام:1/89. راجع نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/95.
2. وهو مختار الرازي في المحصول:1/21. وأضاف بعضهم معنى رابعاً وهو: ما وقعت الريبة والشبهة في تحريمه. راجع المستصفى:1/130، الإحكام:1/88.

صفحه 80
في تقسيم الفعل   
قال قدس الله روحه:

الفصل الثالث:

في تقسيم الفعل

وهو على وجوه: الأوّل: الفعل قد يوصف بالصحّة، وهو في العبادات ما وافق الشريعة، وعند الفقهاء ما أسقط القضاء، فصلاة من ظنّ الطهارة صحيحة على الأوّل خاصة، وفي العقود ما ترتب أثر السبب عليه. وقد يوصف بالبطلان، وهو ما قابل الاعتبارين، وهو مرادف للفاسد، خلافاً للحنفية حيث جعلوا الفاسد مختصاً بالمنعقد بأصله دون وصفه، كالربا المشروع من حيث إنّه بيع، الممنوع من حيث الزيادة. *
في تقسيم الفعل   
* أقول: عرّف المعتزلة الفعل بأنّه ما وجد بعد أن كان مقدوراً1، والأوائل بأنّه مبدأ التغيير في آخر2، وبعض العلماء بأنّه صرف الشيء من الإمكان إلى الوجوب وتقسيمه يكون من وجوه متعدّدة، والذي يجب

1. وإليه ذهب الشريف المرتضى في الذريعة:391، والشيخ الطوسي في التمهيد:98، والمحقق الحلّي في المسلك في أُصول الدين:77.
2. شرح المقاصد في علم الكلام:2/43.

صفحه 81
ذكره هاهنا ما يتعلّق بالأحكام الشرعية والتقاسيم التي ذكرها المصنّف كذلك. وهو من وجوه:
الأوّل: تقسيم الفعل باعتبار الصحّة والبطلان، فإنّهما عارضان للأفعال التي يمكن وقوعها على الوجهين وتلك الأفعال المعروضة لهما قد تكون من العبادات، وقد تكون من المعاملات.
فالمصنّف عرّف الفعل الموصوف بالصحّة من حيث هو موصوف بها إذا كان من العبادات بما عرّفه به المتكلّمون وهو ما وافق الشريعة، وقالت الفقهاء: إنّه ما أسقط القضاء.1
وفائدة الخلاف تظهر في صلاة من ظن الطهارة مع كذب ظنّه، فإنّها صحيحة على التقدير الأوّل لكونها موافقة للشريعة من حيث هو متعبّد بظنّه والقضاء وجب بأمر جديد، وباطلة على التقدير الثاني لعدم إسقاطها القضاء.
ويرد على طرد الأوّل ما لا يوصف بالصحة من الأفعال الموافقة للشريعة، كالختان مثلاً. وعلى عكس الثاني ما لا قضاء له من الفرائض كصلاة العيدين والنذر المطلق والقضاء نفسه ومن النوافل كغير المرتبة فإنّها ليست مسقطة للقضاء مع اتّصافها بالصحّة.
وأمّا إذا كان من العقود فالصحيح منها هو ما ترتّب عليه أثره، أي حصلت منه غايته، والغرض المقصود منه كالبيع مثلاً فإنّ غايته انتقال المبيع إلى المشتري والثمن إلى البائع، فما أفاد ذلك فهو الصحيح.

1. وهو تعريف متّفق عليه . راجع زبدة الأُصول:77; قوانين الأُصول للميرزا القمي:158; الفصول الغروية في الأُصول الفقهية:140; المستصفى:1/178; المحصول:1/26; وغيرها.

صفحه 82
وأمّا الباطل فهو مفسّر بما قابل الصحيح فيهما، فهو في العبادات بتفسير المتكلّمين: ما لم يوافق الشريعة، وبتفسير الفقهاء: ما لم يسقط القضاء، وفي العقود: ما لم يترتّب عليه أثره، أي لم يحصل الغرض المطلوب منه.
   
وهذا التعريف ـ أعني: تعريف الصحيح في العقود ـ غير مطّرد، لصدقه على ما لا يوصف بالصحة; كترتّب أثر السبب العقلي عليه، مثل ترتّب الشبع على الأكل، والري على الشرب; وكترتّب أثر بعض الأشياء الشرعية عليه، كترتّب وجود الحدّ على الزنا، وترتّب القصر على الخوف، ومنه ظهر عدم اطّراد التعريف المذكور للباطل منها.
ويرادف الباطل الفاسد في المشهور خلافاً للحنفية1 فإنّهم جعلوا الفاسد ما كان مشروعاً بأصله دون وصفه كالربا، فإنّه مشروع من حيث إنّه بيع، وغير مشروع من حيث اشتماله على الزيادة، والباطل ما ليس مشروعاً بأصله ولا وصفه كبيع الحصى. وهذا تكلّف لا حاجة إليه إلاّ أنّه لا حجر في الإطلاق.
وفي عبارة المصنّف نظر، وذلك أنّ ضمير هو في قوله: «وهو في العبادات ما وافق الشريعة » إمّا أن يكون راجعاً إلى الفعل وهو الظاهر، أو إلى مصدر يوصف.
   
فإن كان الأوّل كان قوله بعد ذلك: «وفي العقود[ ما ] ترتّب أثر السبب عليه » يقتضي تعريفه: الفعل الصحيح في العقود بترتّب أثر السبب عليه. وهو فاسد، لعدم صدقه عليه ووجوب صدق المعرَّف على المعرِّف.

1. نقله عنهم فخر الدين الرازي في المحصول:1/26، والغزالي في المستصفى:1/179.

صفحه 83
قال قدس الله روحه: الثاني: الفعل قد يكون حسناً، وهو ما للفاعل القادر عليه العالم به أن يفعله، أو الذي لم يكن على صفة تؤثر في استحقاق الذم، وقد يكون قبيحاً، وهو الذي ليس له فعله، أو الذي على صفة لها تأثير في استحقاق الذم. وهو قول، أو فعل، أو ترك قول، أو ترك فعل ينبئ عن اتّضاع حال الغير. والحق أنّهما عقليان، خلافاً للأشاعرة; للعلم الضروري بقبح الظلم والكذب الضار والجهل، وحسن الصدق النافع والإحسان والعلم، ولهذا يحكم به من لا يتديّن بالشرائع; ولأنّه لولا ذلك لصحّ إظهار المعجز على يد الكاذب، فيمتنع العلم بصدق المحقّ، فتنتفي فائدة النبوة، ولجاز الكذب عليه تعالى، فينتفي الوثوق بوعده ووعيده فتنتفي فائدة التكليف; ولأنّه يؤدي إلى إفحام الأنبياء; ولأنّا نعلم قطعاً اختيار العاقل الصدق لو خير بينه وبين الكذب مع تساويهما من كلّ جهة.*
وإن كان الثاني كان قوله أوّلاً: «وهو في العبادات ما وافق الشريعة » يقتضي تعريف وصف الصحّة بذلك، وهو أيضاً باطل بمثل ما قلناه .

* [ في أنّ الحسن والقبح عقليان ]

أقول: هذا هو التقسيم الثاني من تقاسيم الفعل وهو باعتبار اتّصافه بالحسن والقبح، إذ هما عارضان له يوصف بهما، فإنّ الفعل قد يكون حسناً وقد يكون قبيحاً، وكان الأليق تقديمه على القسم الذي قبله، لأنّ موضوع هذا التقسيم أعم فإنّه يشمل فعل الله تعالى وأفعال المكلّفين بأسرها; ولا كذلك موضوع التقسيم السابق، فإنّه إنّما يتناول ما يمكن وقوعه على وجهين من أفعال المكلّفين، ولهذا قال في الأوّل: «الفعل قد

صفحه 84
يوصف بالصحّة » وقد دليل على التقليل.
أمّا الحسن فله عند المعتزلة تفسيران: أحدهما: ما للقادر عليه العالم بحاله أن يفعله. وثانيهما: الذي لم يكن على صفة مؤثرة في استحقاق الذم.
وأمّا القبيح فله تفسيران يقابلان تفسيري الحسن وهو إمّا ما ليس للقادر عليه العالم بحاله أن يفعله. أو الذي على صفة مؤثرة في استحقاق الذم.1
فالذم قول أو فعل أو ترك قول أو ترك فعل ينبئ عن اتّضاع حال الغير. والاتّضاع انخفاض المنزلة. فالأوّل كالشتم من الرئيس لذي المروة، والثاني كالضرب منه، والثالث كتركه ردّ السلام عليه، والرابع كترك القيام له مع أهليته لذلك.
قيل على تفسير القبيح المذكور: ما الذي تريدون بقولكم ليس له أن يفعله، فإنّ ذلك صادق على العاجز عن الفعل، كالزمن بالنسبة إلى المشي; وعلى القادر الممنوع منه حبساً كالمقيّد، وعلى القادر المخلّى مع النفرة، وعلى القادر المزجور عنه شرعاً. والأوّلان غير مرادين قطعاً، ولا الثالث لأنّه قد يكون حسناً كشرب الدواء المرّ عند الحاجة، والأخير يلزم عوده إلى الشرع وأنتم لا تقولون به، ولا القدر المشترك بين هذه المعاني لانتفائه، لأنّ معنى الأوّل سلب القدرة وهو عدمي، ومعنى الرابع وهو ما يعاقب على تركه وهو وجودي ولا يشترك2 بين النقيضين.
وأيضاً ما المراد بقولكم: «استحقاق الذم » فإنّه قد يقال للأثر أنّه

1. ذكره الرازي في المحصول:1/22 نقلاً عن أبي الحسين البصري المعتزلي.
2. في«م » و «ج »: مشترك.

صفحه 85
يستحق المؤثر بمعنى افتقاره إليه، وللمالك أنّه يستحق الانتفاع بملكه بمعنى أنّه يحسن منه ذلك. والأوّل ظاهر الفساد، والثاني يلزم منه الدور لتوقّف معرفة الحسن على معرفة الاستحقاق حيث قالوا: الحسن ما لم يكن على صفة مؤثّرة في استحقاق الذم وبالعكس.
وأُجيب بمنع الحصر في الأقسام المذكورة: وأنّ المراد أنّه ليس له أن يفعله من حيث الحكمة لما يتبعه من الذم، والاستحقاق بمعنى الاستيجاب، وهو استحقاق المؤثّر أثره.
واعلم أنّ الأوّل من تفسيري الحسن أخص من الثاني، لصدق الثاني على القبيح لذاته، لا لصفته، فإنّه ليس له صفة مؤثرة في استحقاق فاعله الذم وكذب الأوّل عليه، إذ ليس للقادر عليه العالم بحاله أن يفعله. وتفسير القبيح بالعكس فإنّ الأوّل منهما وهو ما ليس للقادر عليه العالم بحاله أن يفعله شامل لما كان قبحه لذاته أو لصفته، والثاني وهو ما له صفة مؤثرة في استحقاق الذم لا يصدق على ما قبحه لذاته. وقد ظهر من هذا انتقاض كلّ واحد من التعريفين الثاني للحسن والتعريف الأوّل للقبح. لكن الأوّل في طرده والثاني في عكسه.
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الحسن والقبح قد يراد بهما: ملائمة الطبع ومنافرته، فيقال لما يلائم الطبع كالشيء اللذيذ أنّه حسن، ولما ينفر منه الطبع أنّه قبيح.
وقد يراد بهما: كون الشيء صفة كمال أو نقص كما نقول:«العلم حسن والجهل قبيح » وهما عقليان اتفاقاً. 1

1. الحسن والقبح بهذين المعنيين متّفق عليهما بين العدلية والأشاعرة. راجع المحصول:1/29.

صفحه 86
وقد يراد بهما: كون الفعل متعلّق المدح والذم وهو محل النزاع بين المعتزلة والأشاعرة، فالمعتزلة يقولون: إنّه عقلي وإنّ الأشياء إنّما تحسن أو تقبح لكونها تقع على وجوه مخصوصة يستحق فاعلها باعتبارها المدح أو الذم، وتلك الوجوه قد تعلم بالضرورة كحسن الصدق النافع وقبح الكذب الضارّ، وقد تعلم بالاستدلال كحسن الصدق الضار وقبح الكذب النافع، وقد لا يستقل العقل بإدراكه ضرورة ولا نظراً بل يحتاج إلى مساعدة الشرع، كقبح صوم العيد ووجوب صوم اليوم الذي قبله. وهذا هو مذهب الإمامية.1
والأوائل من المعتزلة ذهبوا إلى أنّ حسن الأشياء وقبحها إنّما هو لذواتها لا باعتبار صفاتها ولا باعتبار وجوه يقع عليها.2
وخالف الأشاعرة في ذلك فزعموا أنّ الحسن والقبح سمعيان، وأنّ الفعل إنّما يكون حسناً إذا أمر الله تعالى به وانّما يكون قبيحاً إذا نهى الله تعالى عنه، ولو أمر الله بالقبيح لانقلب حسناً ولو نهى عن الحسن لانقلب قبيحاً. 3
والمختار الأوّل. ولنا وجوه ذكر المصنّف في هذا الكتاب منها خمسة:

1. وإليه ذهب جميع الإمامية والكرامية والخوارج والبراهمة والثنوية وغيرهم سوى الأشاعرة، حتى أنّ الفلاسفة حكموا بحسن كثير من الأشياء وقبح بعضها بالعقل العملي. راجع نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/118ـ119، والإحكام:1/61.
2. نقله عنهم الآمدي في الإحكام :1/61 وأضاف قائلاً: ومنهم من أوجب ذلك كالجبائية، ومنهم من فصّل وأوجب ذلك في القبح دون الحسن.
3. راجع: المستصفى:1/113; المحصول:1/24 و 29; الإحكام:1/60ـ61.

صفحه 87
الأوّل: أنّا نعلم بالضرورة حسن الصدق النافع والعدل والإنصاف والعلم وردّ الوديعة; وقبح الكذب الضار والظلم والجور والجهل ومنع الوديعة وتكليف ما لا يطاق، مثل تكليف الأعمى نقط المصاحف وإعرابها، وتكليف الزمن الطيران في الهواء. وانّ من صدر منه ذلك أطبق العقلاء على ذمّه من غير ملاحظة الشرع، وإلاّ لما حكم به منكرو الشرائع كالبراهمة1 وغيرهم، ولو كان ذلك لمجرد الشرع لجرى مجرى غيره من الأحكام الشرعية كتحريم الزنا وشرب الخمر ووجوب الصلاة والزكاة، ومن المعلوم الضروري أنّه ليس كذلك.
الثاني: أنّه لو لم يكن الحسن والقبح عقليين لم يقبح من الله تعالى شيء، ولو لم يقبح من الله شيء لصحّ منه إظهار المعجزة على يد الكاذب، وذلك يوجب امتناع العلم بصدق المحقّ وينتفي الفرق بين النبي الصادق والمتنبي الكاذب عند المكلّفين فتنتفي فائدة النبوة والغرض المقصود منها، إذ المراد منها اتّباع الموصوف بها وامتثال أوامره باطناً وظاهراً، وذلك لا يمكن إلاّ إذا حصل العلم بصدقه، وهو ممتنع على ذلك التقدير، لعدم دلالة العام وهو ظهور المعجزة الذي يشترك فيه الصادق والكاذب على

1. البراهمة: قوم من الهند، انتسبوا إلى رجل منهم يقال له «براهم »، وقد مهّد لهم نفي النبوّات أصلاً وقرر استحالة ذلك في العقول. وقد ظن جماعة من الناس أنّهم سمّوا براهمة لانتسابهم إلى إبراهيم(عليه السلام)، ذلك خطأ، فإنّ هؤلاء هم المخصوصون بنفي النبوّات أصلاً ورأساً فكيف يقولون بنبوة إبراهيم(عليه السلام)؟! والبراهمة على أصناف: فمنهم (أصحاب البددة) ومعنى (البدّ) عندهم: شخص في هذا العالم لا يولد ولا ينكح ولا يطعم ولا يشرب ولا يهرم ولا يموت، وأوّل (بد) ظهر في العالم اسمه (شاكمين) يعني السيد الشريف. ومنهم (أصحاب الفكرة) وهم الذين يعظمون الفكر ويقولون هو المتوسط بين المحسوس والمعقول. ومنهم (أصحاب التناسخ)، وللمزيد من التقاصيل راجع الملل والنحل للشهرستاني:2/250ـ255.

صفحه 88
الخاص وهو الصادق، وذلك باطل بالاتفاق.
الثالث: أنّه لو لم يقبح من الله تعالى شيء لصحّ منه وقوع الكذب في إخباراته، وذلك يرفع الوثوق بوعده ووعيده فتنتفي فائدة التكليف، لأنّ الغرض المقصود منه تعريض المكلّف بالثواب، وذلك إنّما يتم لو كان مستحقاً بفعل الطاعة وترك المعصية وكان المكلّف عارفاً1 بذلك، وهو ممتنع على تقدير جواز الكذب في خبره ووعده ووعيده، لأنّه إنّما يعلم كون الطاعة طاعة بالوعد بالثواب على فعلها أو بالعقاب على تركها، وكون المعصية معصية بالتوعّد بالعقاب على فعلها، أو بإخباره تعالى بكون الفعل واجباً أو حراماً، وعلى تقدير جواز الكذب في ذلك يجوّز المكلّف فيما وعد الله تعالى على فعله الثواب أن يكون معصية، وفيما توعّد على فعله بالعقاب أن يكون طاعة، وفيما أخبر بوجوبه كونه حراماً، وفيما أخبر بتحريمه كونه واجباً، ويمتنع جزمه بشيء من الأحكام، وذلك باطل اتفاقاً.
الرابع: لو لم يكن الحسن والقبح عقليين لزم إفحام الأنبياء. والتالي باطل فالمقدّم مثله.
بيان الشرطية: أنّ الوجوب لا يكون متحقّقاً قبل الشرع على ذلك التقدير، فإذا طلب النبي من المكلّف اتّباعه; فللمكلّف أن يقول: لا يجب علىّ اتباعك إلاّ إذا علمت صدقك، ولا أعلم صدقك إلاّ بالنظر في معجـزتك، ولا أنظر في معجزتك إلاّ إذا وجـب علي النظر، والنظر لا يجب علي إلاّ بقولك، وقولك قبل ثبوت صدقك ليس بحجّـة، فينقطع النبي .

1. في «م »: جازماً.

صفحه 89
قال قدس الله روحه: احتجّوا بأنّ أفعال العباد اضطرارية فينتفي الحسن والقبح العقليان، ولقوله تعالى:(وماكُنّا معذّبين حتّى نبعث رسولاً). والجواب: المنع من صغرى القياس، وقد كذّبناها في كتبنا الكلامية، والسمع متأوّل بما ذكرناه في نهاية الوصول . *
الخامس: لو لم يكن الحسن والقبح عقليين لما كان العاقل إذا خيّر بين الصدق والكذب المتساويين من جميع الوجوه، سواء كان أحدهما كذباً والآخر صدقاً يختار الصدق، والتالي باطل فالمقدّم مثله والملازمة ظاهرة. وأمّا بطلان التالي فهو معلوم بالضرورة، فإنّا نعلم قطعاً اختيار العاقل الصدق على الكذب المساوي له في جميع ما عدا كونه صدقاً.1

* [ في أدلّة الأشاعرة على نفي الحسن والقبح العقليين والرد عليها ]

أقول: لمّا ذكر الحجج على مطلوبه شرع في ذكر ما يعارضها وهو حجّتان للأشعرية: إحداهما عقلية، والأُخرى سمعية.
أمّا الحجّة العقلية فتقريرها أن يقال: أفعال العباد اضطرارية، ومتى كانت اضطرارية انتفى الحسن والقبح العقليان.
أمّا الأوّل فلأنّ العبد لو كان قادراً على الفعل لكان ترجيح الفعل على الترك إمّا أن يتوقّف على مرجّح، أو لا يتوقّف على مرجّح.
والثاني محال، لاستحالة ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجّح.

1. وقد ذكر العلاّمة في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/121ـ124 وجوهاً أُخرى، فراجع.

صفحه 90
وأمّا الأوّل فإمّا أن يكون ذلك المرجّح من فعله، أو من فعل الله تعالى.
والأوّل محال، لأنّا ننقل الكلام إلى فعل ذلك المرجّح فإنّه إن لم يترجّح على تركه استحال تحقّقه، لما ذكرنا من استحالة الترجيح من غير مرجّح. وإن ترجّح فذلك المرجّح الآخر إن كان من فعله تسلسل وهو محال، وإن كان من فعل الله تعالى لزم الجبر والاضطرار، لأنّ الله تعالى إن فعل المرجّح وجب الفعل، وإن لم يفعله امتنع الفعل فلا قدرة على الواجب ولا على الممتنع. وأمّا الثاني فبالاتّفاق.
وأمّا الحجّة السمعية فتقريرها أن يقال: لو كان الحسن والقبح عقليين لزم حصول التعذيب قبل بعثة الرسل. والتالي باطل فالمقدّم مثله.
بيان الملازمة: انّ التعذيب لازم للوجوب على تقدير تركه وللحرام على تقدير فعله، فإذا كانت الأحكام عقلية لم يتوقّف على بعثة الرسل فيتحقّق قبل الشرع ويتحقّق لزومها معها، أعني: التعذيب والمدح والذم. وأمّا بيان بطلان التالي فلقوله تعالى: (وما كُنّا مُعَذِّبينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً)1فإنّه نفى التعذيب من دون بعثة الرسل.
والجواب عن الحجّة الأُولى بالمنع عن صغرى القياس، وهو كون أفعال العباد اضطرارية، وما ذكر لبيان صدقها فهو باطل، لجواز ترجيح القادر لأحد الطرفين ـ أعني: الفعل والترك على الآخر ـ لا لمرجّح، كالهارب من السبع إذا عرض له طريقان متساويان. وأيضاً لو صحّ هذا

1. الإسراء:15.

صفحه 91
الدليل لزم نفي قدرة الله تعالى، وهو باطل بالاتّفاق.
وعن الحجّة الثانية بتأويل المقدّمة السمعية بما ذكره المصنّف في كتابه المسمّى بـ «نهاية الوصول » وهو أنّ المراد وما كنّا معذّبين بالأوامر السمعية، أو بجعل الرسول إشارة إلى العقل، للمناسبة بينهما باعتبار المشاركة في الهداية و الإرشاد. 1
وهذان الاحتمالان وإن كانا مرجوحين لمخالفتهما الأصل من حيث إنّ الأوّل تخصيص والثاني مجاز إلاّ أنّهما صارا بانضمام ما دلّ على ثبوت الأحكام بالعقل أرجح من إجراء اللفظ على ظاهره.
ولقائل أن يقول: نمنع لزوم التعذيب للوجوب والتحريم. أمّا العقليان فظاهر، إذ العقل لا يقتضي ترتّب العقاب على ترك الواجب وفعل الحرام بمجرده وإنّما يقتضي ترتّب الذم على كلّ واحد منهما. وأمّا الشرعيان فلأنّه تعالى قد يعفو عن تارك الواجب وفاعل الحرام ولا يخرجان بذلك عن الوجوب والتحريم.
فإن قالوا: استحقاق التعذيب هو اللازم لهما لا نفس التعذيب.
قلنا: فالآية إنّما دلّت على نفي التعذيب لا على نفي الاستحقاق الذي هو اللازم بزعمكم، وحينئذ لا يدل على نفي الوجوب وأيضاً لا يلزم من نفي التعذيب إلى غاية معينة وهي بعثة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) نفي التعذيب مطلقاً لاحتمال التعذيب بعدها.

1. نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/133.

صفحه 92
قال قدس الله روحه: تذنيبان: الأوّل: لو لم يجب شكر المنعم عقلاً بالضرورة لم يجب المعرفة، لعدم الفرق بينهما عقلاً والتالي باطل وإلاّ لزم إفحام الأنبياء، فالمقدّم مثله. ولأنّه معلوم بالضرورة للعقلاء، ولأنّه دافع للخوف.احتجّت الأشاعرة بأنّ الوجوب لا لفائدة عبث، والفائدة إن كانت عاجلة فهي منتفية، لأنّ العاجل التعب، وإن كانت آجلة أمكن إيصالها بدونه فكان عبثاً. والجواب: لِمَ لا يجب لكونه شكراً إذ لا يلزم فائدة أُخرى، وإلاّ لزم التسلسل; أو: لِمَ لا يكون لفائدة آجلة ولا يمكن إيصالها على جهة الاستحقاق بدون الشكر. *

* [ في أنّ شكر المنعم واجب عقلاً ]

أقول: التذنيب: التفريع. والتذنيبان المذكوران بحث الأشاعرة مع المعتزلة فيهما على تقدير تسليم قول المعتزلة بالحسن والقبح والوجوب العقلي، فهما فرعان على هذا القول.
واعلم أنّ أصحابنا الإمامية والمعتزلة ذهبوا إلى أنّ شكر المنعم واجب عقلاً، وخالف في ذلك جمهور الأشاعرة. 1
احتجّت الإمامية والمعتزلة على ذلك بوجوه، ذكر المصنّف في هذا الكتاب منها ثلاثة وجوه:
الأوّل: لو لم يجب شكر المنعم عقلاً لم تجب المعرفة بالله تعالى عقلاً. والتالي باطل، فالمقدّم مثله.

1. راجع: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/134; المستصفى من علم الأُصول:1/120; المحصول:1/40; الإحكام في أُصول الأحكام:1/66.

صفحه 93
بيان الملازمة: أنّ العقل الصريح قاض بأنّ الشكر والمعرفة متساويان، وأنّه لا فرق بينهما فيجب تساويهما في حكم العقل، فإذا لم يقض العقل بوجوب الشكر استحال أن يقضي بوجوب المعرفة، وإلاّ لزم الترجيح من غير مرجّح وأنّه محال.
وأمّا بيان بطلان التالي فلأنّه يلزم إفحام الأنبياء، لأنّهم(عليهم السلام)إذا أظهروا المعجزات كان للمكلّف أن يقول لهم لا يجب عليّ النظر في معجزتكم إلاّ بالشرع، والشرع لا يستقر ولا يجب عليّ اتّباعه إلاّ بالنظر في معجزتكم، فينقطعون بذلك، وهو المراد بالإفحام.
واعلم أنّ في كلام المصنّف موضع نظر، وذلك أنّه جعل عدم وجوب شكر المنعم عقلاً بالضرورة ملزوماً لعدم وجوب المعرفة مطلقاً، واستدلّ على اللزوم1 المذكور بعدم الفرق بينهما، وهو غير دال على اللزوم المذكور، بل إن دلّ فإنّما يدلّ على لزوم عدم وجوب المعرفة عقلاً بالضرورة، وهذا اللازم أعمّ من الأوّل وغير مستلزم له لعدم استلزام العام للخاص وليس باطلاً حتى يستدل ببطلانه على بطلان ملزومه، أعني: عدم وجوب شكر المنعم عقلاً بالضرورة، بل هو حق متّفق على حقيّته، فإنّ أحداً لم يذهب إلى أنّ وجوب المعرفة ضروري ولا يلزم من تحقّقه إفحام الأنبياء، ويمكن أن يكون قوله: «بالضرورة » في قوله: «لو لم يجب شكر المنعم عقلاً بالضرورة » بياناً لكيفية لزوم التالي المذكور للمقدّم ولا يكون جزءاً من المقدّم ولا من التالي.

1. في «م »: التلازم.

صفحه 94
الثاني: أنّ وجوب شكر المنعم معلوم للعقلاء علماً ضرورياً.
الثالث: أنّه دافع للخوف، وكلّما كان دافعاً للخوف فهو واجب عقلاً.
أمّا الصغرى فلأنّ المكلّف يجوّز المؤاخذة على ترك شكر المنعم فيحصل له خوف، وذلك الخوف يندفع عنه بالشكر قطعاً.
وأمّا الكبرى وهو أنّ كلّ ما كان دافعاً للخوف فهو واجب عقلاً، فهو معلوم بالضرورة .
احتجّت الأشاعرة بأنّ شكر المنعم لو كان واجباً عقلاً لكان وجوبه إمّا أن يكون لا لفائدة، أو لفائدة. والتالي بقسميه باطل، فالمقدّم مثله. أمّا الملازمة فظاهرة. وأمّا بطلان القسم الأوّل من قسمي التالي فلأنّه عبث، والعبث عندكم قبيح عقلاً، فكيف يكون واجباً؟!
وأمّا الثاني فلأنّ تلك الفائدة إمّا أن تكون عائدة إلى الله تعالى، أو إلى الشاكر.
والأوّل محال، لاستغنائه تعالى عن كلّ شيء واستعلائه عن جلب النفع ودفع الضرر.
والثاني محال أيضاً، لأنّها إمّا أن تكون عاجلة أو آجلة. والأوّل محال إذ العاجل ليس إلاّ التعب والمشقة بأداء الشكر، والثاني محال أيضاً لإمكان إيصال تلك الفائدة الآجلة بغير توسّط الشكر فيكون توسّطه عبثاً. وأيضاً العقل لا يقتضي ترتّب فائدة أُخروية على الشكر بحيث يترتّب الوجوب عليها.

صفحه 95
والجواب: أنّ وجوبه لكونه شكراً لا لأمر آخر مغايراً له كما في جلب النفع ودفع الضرر فإنّه مطلوب لنفسه لا لأمر آخر، ولا يجب في كلّ أمر أن يكون مطلوباً لفائدة مغايرة له وإلاّ لزم التسلسل، لأنّ تلك الفائدة حينئذ تكون مطلوبة لفائدة أُخرى، والأُخرى لأُخرى، وهكذا لا إلى نهاية وأنّه محال.
أو نقول: لِمَ لا يجب لفائدة آجلة ولا يكون توسّطه عبثاً، لأنّ حصولها على وجه الاستحقاق أمر مطلوب وهو غير ممكن إلاّ بتوسط الشكر، أو لفائدة عاجلة وهي دفع الخوف عن النفس الحاصل في العاجل بسبب تجويز الضرر الآجل بتركه.
والحق أن يقال: إن أردتم بوجوب الشكر كونه بحيث يستحق فاعله المدح وتاركه الذم فذلك أمر لازم له لذاته أو لصفة لازمة لذاته، كحسن الصدق وقبح الكذب ومقابلة الوجود للعدم وبالعكس فلا يصحّ أن يقال فيه: إمّا أن يكون لفائدة أو لا لفائدة، كما لا يصحّ أن يقال في نظائره.
وإن أردتم به أنّ إتيان المكلّف بالشكر الواجب إمّا أن يكون لفائدة أو لا لفائدة.
قلنا: إنّه لفائدة هي دفع ضرر الذم اللاحق له بتركه وجلب نفع المدح الحاصل له بفعله أمّا الترديد في نفس الوجوب فإنّه إنّما يتصوّر إذا قلنا إنّه شرعي كما ذهب إليه الأشاعرة من حيث إنّه صادر عن الله تعالى فيقال: إيجاب الله تعالى الشكر إمّا أن يكون لفائدة أو لا لفائدة، ونسوق الكلام إلى آخره.

صفحه 96
قال قدس الله روحه: الثاني: ذهب جماعة من الإمامية. ومعتزلة بغداد إلى تحريم الأشياء التي ليست اضطرارية قبل ورود الشرع، وذهب معتزلة البصرة إلى أنّها على الإباحة، وتوقّف الأشعري. والحق الثاني، لأنّها منفعة خالية عن أمارات المفسدة، ولا ضرر على المالك، فوجب حسنه كالاستظلال بحائط الغير.
احتج المانع بأنّه تصرّف في مال الغير بغير إذنه، وكان حراماً. وجوابه: الإذن معلوم عقلاً كالاستظلال. *

* [ حكم الأشياء قبل الشرع ]

أقول: هذا هو التذنيب الثاني من التذنيبين اللّذين بحث الأشاعرة مع المعتزلة فيهما على تقدير تسليم القول بالحسن والقبح العقليين وهو البحث عن حكم الأشياء قبل ورود الشرع.
واعلم أنّ ما ينتفع به المكلّف إمّا أن يكون اضطرارياً، أي يضطر إليه في معاشه بحيث لا يمكن حياته من دونه، كالنفس في الهواء، وتناول الماء عند العطش العظيم، وأمثال ذلك; وإمّا أن لا يكون كذلك، كتناول الفاكهة، واستعمال الطيب وما شابههما.
والأوّل يجب القطع بعدم تحريمه إلاّ عند من يجوّز التكليف بما لا يطاق.
وأمّا الثاني فإمّا أن يدرك بضرورة العقل حسنه أو قبحه، كالصدق

صفحه 97
النافع والكذب الضار، أو لا. والثاني هو المقصود بالبحث هاهنا فذهب جماعة من الإمامية ومعتزلة بغداد1 وأبو علي بن أبي هريرة2 من فقهاء الشافعية إلى أنّها محرمة3، وذهب معتزلة البصرة4 وطائفة من فقهاء الشافعية والحنفية إلى أنّها مباحة5، وذهب أبوالحسن الأشعري6 وأبو

1. ينقسم المعتزلة إلى مدرستين: مدرسة البصرة، ومدرسة بغداد التي تأسّست في أواخر القرن الثاني في عاصمة الخلافة العباسية بغداد بعد مهاجرة أحد خرّيجي مدرسة البصرة إليها وهو بشر بن المعتمر (المتوفّى 210هـ) فظهر هناك رجال مفكّرون على منهج الاعتزال، وأثار التعدّد والبعد المكاني خلافات بين خرّيجي المدرستين في الكثير من المسائل الفرعية بعد الاتّفاق على المسائل الرئيسية، والمدرسة البغدادية توافق الشيعة أكثر من مدرسة البصرة، وقد ألّف الشيخ المفيد رسالة في ذلك سمّاها المقنعة. ومن أعلام هذه المدرسة: ثمامة بن الأشرس، جعفر بن حرب، جعفر بن مبشر، أبو الحسين الخياط، أبو القاسم البلخي. راجع بحوث في الملل والنحل للسبحاني:3/396.
2. هو أبو علي الحسن بن الحسين بن أبي هريرة الفقيه الشافعي، أخذ الفقه عن ابن سريج وأبي إسحاق المروزي وشرح مختصر المزني وله مسائل في الفروع، توفّي في رجب سنة خمس وأربعين وثلاثمائة. وفيات الأعيان:2/75 برقم 159.
3. راجع: التبصرة:532; عدة الأُصول:2/742.
4. معتزلة البصرة أو المدرسة البصرية تمثّل مهد الاعتزال ومغرسه، وفيها ظهرت المعتزلة إلى الوجود بواسطة واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد، ومن أعلامهم أبو الهذيل العلاّف والنظّام والجاحظ وعباد بن سليمان وأبو علي الجبائي وابنه أبو هاشم والقاضي عبد الجبار. راجع بحوث في الملل والنحل للسبحاني:3/396ـ398.
5. وهـو مـذهب أبي علـي وأبي هاشـم الجبّائيين والقاضي أبي حامد والسيد المرتضى والعلامة الحلّي. راجع الذريعة: 545; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/140; المعتمد:2/532; التبصرة:533.
6. هو أبو الحسن علي بن إسماعيل بن إسحاق الأشعري من نسل أبي موسى الأشعري مؤسس مذهب الأشاعرة، ولد في البصرة سنة 260هـ. ، تلقّى مذهب المعتزلة وتقدم فيهم ثم رجع وجاهر بخلافهم، توفّي ببغداد سنة 324هـ. ، له مصنّفات، منها: مقالات الإسلاميين ـ ط، الإبانة عن أُصول الديانة ـ ط، اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع ـ ط، وغيرها. الأعلام:4/ 263.

صفحه 98
بكر الصيرفي1 وجماعة من الفقهاء إلى أنّها على الوقف.2
ثم إنّ هذا الوقف فسّره قوم بأنّه لا حكم فيه أصلاً. ودلّ هذا التفسير بأنّه ليس وقفاً بل قطعاً بعدم الحكم.
وآخرون بأنّا لا ندري هل فيها حكم أو لا؟ ولو جوّزنا أنّ فيها حكماً، لم نعلم هل هو تحريم أو إباحة؟
واختار المصنّف المذهب الثاني وهو أنّها على الإباحة. واحتجّ عليه بما ذكره أبو الحسين البصري3 وهو أنّ تناول الفاكهة مثلاً منفعة خالية عن أمارات المفسدة، ولا ضرر على المالك فيه، فوجب القطع بكونه حسناً.
أمّا أنّه منفعة فظاهر. وأمّا خلوّه عن أمارات المفسدة، فلأنّا إنّما نتكلّم على تقديره. وأمّا أنّه لا ضرر على المالك فيه فبيّن. وأمّا أنّه متى كان كذلك وجب القطع بحسنه، فلأنّه يحسن منّا الاستظلال بحائط الغير عند

1. هو أبو بكر محمد بن عبد الله الصيرفي، فقيه شافعي من أهل بغداد، له كتب منها: البيان في دلائل الأعلام على أُصول الأحكام في أُصول الفقه، والفرائض. توفّي سنة 330هـ. الأعلام:6/224.
2. الوقف هنا بمعنى تجويز كل واحد من الأمرين فيه وينتظر ورود السمع بواحد منهما. وهذا المذهب كان ينصره الشيخ المفيد في التذكرة بأُصول الفقه:43، وقوّاه الشيخ الطوسي في عدّة الأُصول:2/742، وإليه ذهب أهل السنّة والجماعة، وهو قول أبي علي الطبري الشافعي، واختاره الغزالي والرازي والآمدي وأبو إسحاق الشيرازي. راجع: التبصرة:532; المستصفى:2/219; المحصول:1/47; الإحكام:1/68; الذريعة:545 .
3. هو أبو الحسين محمد بن علي بن الطيب البصري، المتكلم على مذهب المعتزلة، وهو أحد أئمتهم، له تصانيف منها: المعتمد في أُصول الفقه ومنه أخذ فخر الدين الرازي كتاب المحصول، وله: تصفّح الأدلّة، غرر الأدلة، وشرح الأُصول الخمسة. سكن بغداد وتوفّي بها سنة ست وثلاثين وأربعمائة، ودفن في مقبرة الشونيزي. وفيات الأعيان:4/271 برقم 609.

صفحه 99
كونه موصوفاً بالصفات المذكورة، أعني: كونه نافعاً خالياً عن أمارات المفسدة ولا ضرر فيه على مالكه.
وعلّة حسنه هو كونه موصوفاً بتلك الصفات لدورانه معها وجوداً وعدماً، وهذه العلّة متحقّقة في محل النزاع، فوجب القول بحسنه لوجوب وجود الحكم عند تحقّق العلّة.
واعترض بمنع الحكم في الأصل، أعني: حسن الاستظلال بحائط الغير وكونه معلّلاً بالأوصاف المذكورة، والدوران غير دال على العلّيّة على ما يأتي. وأيضاً لا يلزم من ثبوت الحكم في الأصل وكونه معلّلاً بالأوصاف المذكورة وتحقّقها في محل النزاع ثبوت الحكم فيه لجواز وجود شرط الحكم في الأصل دون الفرع أو وجود مانع منه في الفرع دون الأصل.
احتجّ أهل المذهب الأوّل على التحريم بأنّ ذلك تصرّف في ملك الغير بدون إذنه فيكون قبيحاً كما في الشاهد.
والجواب: المنع من عدم الإذن فإنّ وجوده معلوم عقلاً، أي بدليل العقل كالاستظلال بحائط الغير، والفرق بين الشاهد والغائب متحقّق وهو تضرر المالك في الشاهد بالتصرّف في ملكه بخلاف الغائب، ومع ظهور الفرق يبطل القياس. والهاء في قول المصنّف: «فوجب حسنه » راجع إلى مجموع الأشياء وإن لم يكن ملفوظاً، ولو قال: «حسنها » بحيث ترجع إلى الأشياء أو إلى المنفعة كان أليق.

صفحه 100
قال قدس الله روحه: الوجه الثالث: الفعل قد يكون مجزياً بمعنى أنّ الإتيان به كاف في سقوط التعبّد به. وإنّما يحصل ذلك لو أتى المكلّف به مستجمعاً لجميع الأُمور المعتبرة فيه شرعاً. وقد لا يكون كذلك إذا لم يوقعه المكلّف على وجهه المطلوب منه. وإنّما يصحّ وصف الفعل بالإجزاء إذا أمكن وقوعه على وجهين أو على جهات، أمّا ما لا يقع إلاّ على وجه واحد كالمعرفة، فلا يصح وصفه به. *
* أقول: هذا تقسيم ثالث للفعل باعتبار كونه مجزياً وكونه غير مجز، ولمّا كان مورد هذا التقسيم أخصّ من موردي التقسيمين اللّذين تقدّما أخّره عنهما.
واعلم أنّ العبادة توصف تارة بكونها مجزية كالصلاة الجامعة للأركان والشرائط، وتارة بكونها غير مجزية كالصلاة الخالية عنها. وإنّما يصحّ وصف الفعل بالإجزاء إذا أمكن أن يقع على وجهين أو وجوه يكون باعتبار بعضها مشتملاً على حكمة، وباعتبار بعضها لا يكون كذلك كالصلاة. وأمّا ما لا يكون كذلك ـ كمعرفة الله تعالى وردّ الوديعة ـ فلا يوصف بالإجزاء ولا بعدمه، لأنّه لا يقع إلاّ على وجه واحد.
إذا تقرّر هذا فنقول: معنى كون الفعل مجزياً أنّ الإتيان به كاف في سقوط التعبّد به إذا أتى به المكلّف مستجمعاً لجميع الأُمور المعتبرة فيه من حيث وقع التعبّد به. (ومعنى كونه غير مجز أنّ الإتيان به غير كاف في سقوط التعبّد به)1، وإنّما يكون(2) كذلك إذا أوقعه لا على وجه المطلوب شرعاً.

1. ليس في «م ».   2 . في «م »: لا يكون.

صفحه 101
قال قدس الله روحه: الرابع: الواجب إن أُتي به في وقته يسمّى الإتيان أداءً، وإن كان بعد وقته المضيّق أو الموسّع سمّي قضاء، وإن فعل ثانياً في وقته لوقوع الأوّل على نوع من الخلل سمّي إعادة. *
وقال قوم: الإجزاء عبارة عن سقوط القضاء. وردّ بأنّ سقوطه قد يتحقّق بدون الإجزاء فيغايره.1
بيانه: أنّ المكلّف إذا أتى بالفعل مجرداً عن بعض شرائطه ثم مات سقط القضاء مع أنّ ذلك الفعل غير مجز وفاقاً.
وأُجيب بأنّ المسقط للقضاء هنا إنّما هو الموت لا الفعل، فلا يصدق حينئذ على الفعل أنّه مسقط للقضاء مع أنّه غير مجز.

* [ وصف العبادة بالأداء والقضاء والإعادة ]

أقول: موضوع هذا التقسيم أخصّ من الذي قبله، فلهذا أخّره عنه، وذلك لأنّ موضوع التقسيم السابق العبادة مطلقاً، وهو أعمّ من كونها مؤقتة وغير مؤقتة، وموضوع هذا التقسيم العبادة المؤقتة.
واعلم أنّ العبادة المؤقتة توصف بكلّ واحد من هذه الأوصاف ـ أعني: الأداء، والقضاء، والإعادة ـ لأنّها إن أتى بها في وقتها المحدود سمّي ذلك الإتيان أداء، وإن أتى بها بعد خروج وقتها الموسّع أو المضيّق سمّي قضاء، وإن أتى بها مرة ثانية لوقوع الأوّل على نوع من الخلل كتجرّده عن شرط معتبر أو اقترانه بأمر مبطل سمّي ذلك الإتيان إعادة. فإن اعتبرنا الوقت كان الأداء أعم من الإعادة مطلقاً، لأنّ الأداء الإتيان بالعبادة

1. القول المذكور ذكره الرازي وأبطله في المحصول:1/27، ولم ينسبه إلى أحد.

صفحه 102
قال قدس الله روحه: وقد يعصي المكلّف اذا أخّر الموسّع عن الوقت الذي يغلب على ظنّه أنّه لو لم يفعله (فات وقته)1، فلو أخّره وعاش قال القاضي يصير قضاء وليس بمعتمد، لظهور بطلان ظنّه. ولو أخّر مع غلبة السلامة فمات فجأة لم يعص. *
في وقتها مطلقاً، وهو أعمّ من كونه مسبوقاً بإتيان آخر وهو الإعادة، أو غير مسبوق. وبعض الأُصوليّين لم يعتبر في الإعادة الفعل في الوقت، فعلى هذا يكون بينها وبين كلّ واحد من الأداء والقضاء عموم من وجه لصدقها مع الأداء دون القضاء إذا فعلت في الوقت، ومع القضاء دون الأداء إذا فعلت في خارجه، وصدق كلّ واحد منهما بدونها إذا لم يكن مسبوقاً بإتيان آخر.
واعلم أنّ المصنّف جعل مورد التقسيم الواجب خاصة، ونحن لمّا رأينا أنّ بعض المندوبات معروضة للأوصاف المذكورة جعلنا مورده العبادة ليكون شاملاً للجميع.

* [ في تأخير الإتيان بالواجب الموسّع  ]

أقول: هذان فرعان على ما تقدّم:
الأوّل: إذا غلب على ظنّ المكلّف في الواجب الموسّع أنّه لو أخّره عن أوّل وقته ولم يفعله فيه فات فعله في وقته أجمع، عصى بالتأخير، لأنّه متعبّد بظنّه. ومقتضاه تعيّن أوّل وقت للإتيان به، فلو أخّره وعاش إلى وسط الوقت أو أخّره وأتى به فيه هل يكون أداءً أو قضاءً؟

1. المطبوع:57: مات فيه.

صفحه 103
قال قدس الله روحه: ثمّ إنّ القضاء إنّما يثبت عند وجود سبب وجوب الأداء مع عدم الأداء، إمّا مع وجوبه وتركه كتارك الصلاة حتى يخرج الوقت، أو مع عدم الوجوب لامتناعه عقلاً كالنائم، أو شرعاً كالحائض، أو لا لامتناعه كالمسافر إذا علم القدوم قبل الزوال، والمريض إذا علم برأه قبل الزوال. *
قال الغزالي وجماعة من الأُصوليّين يكون أداءً، إذ لا عبرة بالظن بعد انكشاف فساده، فيبقى الحال كما كان قبل حصوله. 1
وقال القاضي أبو بكر: بل يكون قضاءً لتعيّن وقته بسبب غلبة ظنّه2، وإلاّ لم يعص بالتأخير عنه. وهو باطل اتّفاقاً، فإذا أوقعه خارج ذلك الوقت المتعيّن كان قضاء، إذ لا معنى له إلاّ ما فعل بعد وقته المتعيّن.
وليس بجيد، لأنّ حكم الظن مشروط باستمراره، ومع زواله وظهور فساده يسقط عن درجة الاعتبار ويبقى الحال على ما كان عليه قبله.
الثاني: لو أخّر المكلّف الإتيان بالواجب في أوّل الوقت مع غلبة ظنّه بالسلامة والبقاء إلى ثانيه فاتّفق موته فجأة أو قتل قبل دخول ثاني الوقت، لم يعص لعدم علمه وظنّه بتعيّن أوّل الوقت له.
* أقول: الفعل لا يسمّى قضاء إلاّ إذا حصل سبب وجوب أدائه ولم يؤد وذلك على قسمين:
أحدهما: أن يتحقّق معه الوجوب ولم يفعل الواجب، كالصلاة

1. المستصفى من علم الأُصول:1/179ـ 180.
2. نقله عنه الرازي في المحصول:1/27.

صفحه 104
المتروكة عمداً حتى يخرج وقتها، فإن فعلها فيما بعد يكون قضاء.
والثاني: أن لا يتحقّق معه الوجوب وهو على أقسام.
لأنّ عدم تحقّقه إمّا أن يكون لامتناع الفعل في تلك الحالة عقلاً، كالصلاة من النائم طول وقتها، فإنّ صدور الصلاة عنه في حالة نومه ممتنع امتناعاً عقلياً.
أو لامتناعه شرعاً، كالحائض فإنّ صدور الصيام عنها في حالة حيضها ممتنع شرعاً، إذ كون الحيض مانعاً من الصيام إنّما يستفاد من الشرع.
أولا لامتناعه كالمسافر إذا علم قدومه إلى أهله قبل زوال الشمس، فإنّ تحقّق الصوم منه ممكن عقلاً وشرعاً، وكالمريض إذا علم برأه قبل الزوال. لأنّ المسقط للصوم عن المسافر مستند إلى نفسه، لأنّ السفر فعله باختياره; ولا كذلك المريض لعدم استناد المرض إليه.
وفي جميع هذه الأقسام يسمى قضاء لوجود سبب الوجوب فيها كالدلوك للصلاة والشهر للصيام دون الوجوب خلافاً لبعض الفقهاء حيث زعم أنّ الوجوب متحقّق في هذه الصور وهو خطاء، فإنّ الحائض مثلاً مأمورة بترك الصيام فكيف يكون واجباً عليها؟! وإنّما قيّدنا المسافر بعلمه بالقدوم قبل الزوال، لأنّ المسافر عندنا لا يصحّ منه صوم رمضان وأنّه إذا قدم إلى أهله قبل الزوال ولم يتناول شيئاً أمسك وصحّ صوم ذلك اليوم.
وأمّا الجمهور فلمّا كان من مذهبهم صحة صوم المسافر شهر رمضان لم يحتاجوا في التمثيل به إلى القيد المذكور، هذا في قضاء الواجب، وأمّا قضاء النوافل فلا يتحقّق فيه ذلك.

صفحه 105
قال قدس الله روحه: الخامس: الفعل قد يكون عزيمة وهو ما جاز فعله لا مع قيام المقتضي للمنع، أو رخصة وهو الجائز معه. فمباح الأصل ليس رخصة، وتناول الميتة رخصة، وقد تجب الرخصة كالتناول عند خوف الهلاك. *

* [ العزيمة والرخصة لغةً واصطلاحاً ]

أقول: هذا تقسيم آخر للفعل باعتبار اقتران جوازه بقيام المقتضي للمنع منه وعدمه وهو تقسيمه إلى الرخصة والعزيمة.
واعلم أنّ العزيمة في اللغة مشتقة من العزم وهو القصد المؤكّد ومنه قوله تعالى:(فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً)1، وسمّي بعض الرسل أُولي العزم لتأكيد قصدهم في إظهار الحق والهُدى.
وأمّا بحسب الاصطلاح فهو عبارة عمّا جاز فعله لا مع قيام المقتضي للمنع منه، كصلوات الخمس ونحوها.
وأمّا الرخصة فهي لغة عبارة عن التيسير والتسهيل، ومنه قولهم: رخص السعر إذا تراجع وسهل الشراء.
واصطلاحاً عبارة عمّا جاز فعله مع قيام المقتضي للمنع منه; فمباح الأصل ليس رخصة، لأنّ جواز فعله لم يقترن بما يقتضي المنع منه; وتناول الميتة في المخمصة رخصة، لأنّ جوازه اقترن بما يقتضي المنع

1. طه:115.

صفحه 106
منه وهو سبب تحريم الميتة.
وقد تنتهي الرخصة إلى الوجوب، كتناول الميتة عند خوف الهلاك من السغب، فإنّ استبقاء المهجة وحفظ النفس واجب، وهو من هذه الحيثية عزيمة لا رخصة، إذ لم يقم دليل على تحريم استبقاء المهجة وحفظ النفس. نعم، هو رخصة من حيث اشتمال الميتة على الخبث المحرم.
وقد تكون الرخصة تركاً كالصوم وإسقاط الركعتين من الصلاة الرباعية في السفر، ولا ينتقض بذلك الحد المذكور للرخصة في عكسه، لأنّ المقصود بالحد هاهنا إنّما هو الفعل، لأنّه باحث عن تقسيماته.
ولو أردنا تعريف الرخصة مطلقاً بحيث يتناول الفعل والترك قلنا: الرخصة ما أُبيح للمكلّف مع قيام ما يقتضي المنع منه، واللام في قول المصنّف: «كالتناول عند خوف الهلاك » للعهد، والمراد به تناول الميتة المقدّم ذكره.

صفحه 107
   قال قدس الله روحه:

المقصد الثاني:

في اللغات

                                                   وفيه فصول:

صفحه 108
في الوضع   

صفحه 109

الأوّل:

في الواضع

ذهب عبّاد إلى أنّ اللفظ يدلّ على المعنى لذاته، لاستحالة ترجيح بعض الألفاظ بمعناه من غير مرجّح. وأطبق المحقّقون على بطلانه، والمخصِّص إمّا إرادة المختار، أو سبق المعنى حال خطور اللفظ. ثم اختلفوا: فالأشعري وابن فورك على أنّها توقيفية، لقوله تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها)، وقوله تعالى: (وَاختِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُم)وليس المراد الجارحة المخصوصة، للاتّفاق فيها، بل ما يصدر عنها تسميةً للمسبّب باسم السبب، ولافتقار الاصطلاح إلى مثله فيتسلسل. وأبو هاشم على أنّها اصطلاحية، لقوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنا مِنْ رَسُول إِلاّ بِلِسانِ قَوْمِهِ) دلّ على سبق اللغة على الرسول السابق على التوقيف. *
* أقول: قد عرفت فيما تقدّم أنّ من جملة مبادئ هذا العلم التصديقية ما هو مستفاد من اللغة، فلهذا أشار المصنف إليها على الوجه الكلّي.
واعلم أنّ لفظة اللغة مأخوذة من لغى يلغو إذا لهج بالكلام، ومعناها كلّ لفظ وضع لمعنى فاللفظ ما يلفظه الإنسان، ويخرج به الإشارات والرقوم، وقولنا: «وضع لمعنى » يخرج به المهمل.

صفحه 110
وقيل1: وهذا الحد شامل للمفرد والمركّب.
في الواضع   
وفيه نظر، لأنّ المركّب ليس بموضوع فلا يكون مندرجاً تحته. وهذا الحد مبني على ما ذهب إليه المحقّقون من أنّ دلالة اللفظ على المعنى لا يكون إلاّ بالوضع أو بما يتبع الوضع، خلافاً للعبّاد بن سليمان2 وجماعة من المعتزلة حيث ذهبوا إلى أنّ دلالة اللفظ على المعنى لذاته. وأطبق المحقّقون على بطلانه، وإلاّ لاهتدى كلّ واحد إلى كلّ لغة، وهو باطل بالوجدان.
احتج عبّاد ومن تبعه بأنّه لولا المناسبة الطبيعية بين اللفظ والمعنى، لكان اختصاص ذلك اللفظ بذلك المعنى دون غيره ترجيحاً بلا مرجّح، وأنّه محال.
والجواب: المنع من الملازمة، فإنّه لا يلزم من نفي الترجيح المستند إلى ذات اللفظ وذات المعنى نفي المرجّح مطلقاً. والمرجّح إمّا إرادة الواضع القادر المختار الذي من شأنه الترجيح بلا مرجّح، أو سبق المعنى إلى ذهنه حال خطور اللفظ بباله. والثاني يتأتّى في حق غير واجب الوجود تعالى. ولمّا كانت اللغة عبارة عن كلّ لفظ وضع لمعنى كان البحث فيها إمّا متعلّق بالموضوع وهو اللفظ، أو الموضوع له وهو المعنى له، أو الواضع وهو الذي يخصّص اللفظ بالمعنى، أو الغرض من الوضع.

1. ذكره العلاّمة في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/145.
2. هو أبو سهل عبّاد بن سليمان الصيمري البصري المعتزلي، من أصحاب هشام الفوطي، يخالف المعتزلة في أشياء اخترعها لنفسه. وكان أبوعلي الجبائي يصفه بالحذق في الكلام ويقول: لولا جنونه. له مصنّفات منها: إنكار أن يخلق الناس أفعالهم، وتثبيت دلالة الاعراض، وإثبات الجزء الذي لا يتجزأ. توفّي حدود سنة 250هـ . سير أعلام النبلاء:10/551برقم 183.

صفحه 111
والمصنّف أشار إلى ذلك وبدأ بالبحث عن تعيين الواضع، لأنّه علّة الوضع.
وقد اختلف الناس فيه فذهب أبو الحسن الأشعري و ابن فورك1وجماعة من الفقهاء إلى أنّ الواضع هو الله تعالى والعلم بوضعه مستفاد من التوقيف الإلهي إمّا بالوحي، أو بخلق أصوات وحروف يسمعها واحد أو جماعة، أو بخلق علم ضروري بأنّ اللفظ المعيّن موضوع للمعنى المعيّن.
وذهب أبو هاشم وأصحابه وجماعة من المتكلّمين إلى أنّها اصطلاحية إمّا من واحد أو من جماعة اتّفقوا على وضع هذه الألفاظ لمعانيها، ثم عرّف الواضعون غيرهم ذلك الوضع بالقرائن والإشارات كالأطفال.
وقال أبو إسحاق الاسفراييني2: إنّ القدر الضروري الذي يعلم به الاصطلاح توقيفي والباقي اصطلاحي. وتوقّف القاضي أبو بكر3

1. هو أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك الأنصاري الاصبهاني الشافعي، سمع بالبصرة وبغداد، وحدّث بنيسابور وبنى فيها مدرسة وتوفّي على مقربة منها سنة 406هـ ونقل إليها. قيل: قتله محمود بن سبكتكين بالسم لقوله: كان رسول الله(صلى الله عليه وآله)رسولاً في حياته فقط وانّ روحه قد بطل وتلاشى. له كتب كثيرة في أُصول الدين وأُصول الفقه ومعاني القرآن تناهز المائة، منها: الحدود في الأُصول، مشكل الحديث وغريبه، وحل الآيات المشكلات. الأعلام:6/83.
2. هو أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران الإسفراييني، كان يلقّب بركن الدين وهو أوّل من لقّب من الفقهاء، نشأ في إسفرايين ـ وهي مدينة بين نيسابور وجرجان ـ ثم خرج إلى نيسابور وبنيت له فيها مدرسة عظيمة فدرّس فيها، ورحل إلى خراسان وبعض أنحاء العراق، له رسالة في أُصول الفقه، وكتاب «الجامع » في أُصول الدين، وله مناظرات مع المعتزلة. مات في نيسابور سنة 418هـ. ، ودفن في إسفرايين. الأعلام:1/61.
3. التقريب والإرشاد:1/320.

صفحه 112
والغزالي1 وأكثر محقّقي المتأخّرين.2
احتج الأوّلون على التوقيف بوجوه ذكر المصنف منها ثلاثة:
الأوّل: قوله تعالى:(وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْماءَ كُلّها)3 دلّ على أنّ الأسماء توقيفية فتكون الأفعال والحروف كذلك، لأنّه لا قائل بالفرق، ولأنّ الاسم مشتق من السمة وهي العلامة فالجميع أسماء، ولأنّ المحادثة4 بالأسماء وحدها من دون انضمام الأفعال والحروف إليها متعذّر أو متعسّر.
الثاني: قوله تعالى:(وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّمواتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ اَلْسِنَتِكُمْ)5، وليس المراد بالألسنة الجوارح المخصوصة اللحمانية، لأنّها متّفقة في التركيب والتأليف، ولو قدر اختلافها بالمقدار والشكل لم يحسن جعله آية، لكون الاختلاف في غيرها من الأعضاء أظهر وأوضح. فوجب حملها على اللغات الصادرة عنها تسمية للمسبب باسم سببه، وهو من أحسن وجوه المجاز.
الثالث: لو لم تكن اللغات توقيفية لكانت اصطلاحية. والتالي باطل، فالمقدّم مثله.
أمّا الملازمة فلما ثبت من كونها مستفادة من الوضع لاستحالة مذهب

1. المستصفى:2/10.
2. وإليه ذهب الرازي في المحصول:1/64، واستقربه العلاّمة في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/158.
3. البقرة:31.
4. في «م »: المحاورة.
5. الروم:22.

صفحه 113
عبّاد وانحصار الواضع في الله تعالى وعباده، فإذا انتفى أحدهما ثبت الآخر.
وأمّا بيان بطلان التالي فلأنّ الاصطلاح إنّما يتمّ إذا كان كلّ واحد من المصطلحين قادراً على تعريف أصحابه ما يقصده، وذلك لا يمكن إلاّ بألفاظ أُخر دالّة على تلك المعاني والكلام في تلك الألفاظ ووضعها كما في الأوّل ويتسلسل وأنّه محال.
واحتـجّ أبـو هـاشم1 وأصحـابه علـى مـذهبهـم بـأنّ اللغات لـو كـانت تـوقيفية لكانت متأخّرة عن إرسال الرسل، لأنّ التوقيف من الله تعالى إنّما يكون على لسان رسول من رسله. والثاني2 باطل بدليل قوله تعالى:(وَمَـا أرْسَلنـا مِنْ رَسُول إلاّ بِلِسان قومه)3، فإنّ ذلك دالّ على أنّ لقوم كلّ رسول لساناً سابقاً على إرساله إليهم السابق على التوقيف المستفاد منه.
والحق أنّ كلاًّ من المذاهب المذكورة محتمل والحجج المذكورة كلّها ضعيفة الدلالة على المقصود كما يأتي .

1. هو عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب الجبّائي(277ـ321هـ) أبو هاشم من كبار المعتزلة، عالم بالكلام، له آراء انفرد بها وتبعته فرقة سمّيت «البهشمية » نسبة إلى كنيته، له مصنّفات منها: الشامل في الفقه، وتذكرة العالم، والعدة في الأُصول. الأعلام:4/7.
2. فى«م »: التالي.
3. إبراهيم:4.

صفحه 114
قال قدس الله روحه: والاعتراض: لِمَ لا يجوزحمل التعليم على الإلهام باحتياجه إلى هذه الألفاظ والإقدار على وضعها، أو حمل الأسماء على الصفات مثل كون الفرس للركوب والثور للحرث لأنّها علامات، أو علمه ما اصطلح عليه غيره؟ وليس حمل الألسنة على اللغات أولى من حملها على الإقدار عليها، مع تساويهما في كونهما آية. والاصطلاح قد يُعلم بالقرائن كالأطفال من غير تسلسل، وبمنع توقّف التوقيف على البعثة، لجواز حصوله بالإلهام أو بخلق علم ضروري أو أصوات في أجسام جمادية. *
* أقول: اعترض على الحجة الأُولى من حجج القائلين بالتوقيف وهي التمسّك بقوله تعالى:(وَعَلَّمَ آدَمَ الأسماء كُلّها) من وجوه ثلاثة:
الأوّل: لِمَ لا يجوز أن يكون المراد من التعليم الإلهام باحتياجه إلى هذه الألفاظ في محادثة1 زوجته وبنيه، وبعث عزمه على وضعها وإقداره على الوضع بخلق العلوم المحتاج إليها فيه، ونسب التعليم إليه تعالى، لأنّه الهادي إليه لا أنّه علّمه بالخطاب، كما قال تعالى في حقّ داود(عليه السلام):(وَعَلَّمناهُ صَنْعَةَ لَبُوس لَكُم)2أي ألهمناه; وليس التعليم عبارة عن إيجاد العلم، بل هو فعل صالح لأن يترتّب عليه العلم، ولهذا يقال: علَّمتُهُ3 فلم يتعلّم.
الثاني: لِمَ لا يجوز أن يكون المراد بالأسماء الصفات والعلامات؟

1. في «م »:محاورة.
2. الأنبياء:80.
3. في «م » و «ج »: علّمه.

صفحه 115
مثل كون الفرس صالحاً للركوب، والثور للحرث، والجمل للحمل; فإنّ الأسماء علامات لكونها مشتقة من السمة وهي العلامة، أو من السمو وهو العلو; وعلى كلا التقديرين فكلّ ما يُعَرِّف ماهية[ شيء ] أو يكشف عن حقيقته، فهو اسم. وتخصيص لفظ الاسم بهذه الألفاظ مستفادة من العرف الطارئ.
الثالث: لِمَ لا يجوز أن يكون تلك الأسماء ممّا اصطلح عليها قوم خلقهم الله تعالى قبل خلق آدم(عليه السلام). وأيضاً لا يلزم من تعليمه الأسماء كلّها تعليم اللغات كلّها، لاحتمال تعليمه معنى كل اسم بحسب لغة واحدة، ثم إنّ آدم(عليه السلام)أو غيره وضع كلّ اسم من تلك الأسماء لمعان أُخر متعدّدة بحسب تعدّد هذه اللغات.
وعلى الحجة الثانية وهي قوله تعالى:(وَاختِلاف ألسنتكُم)بأنّا لا نسلّم تعيّن حمل لفظ الألسنة على اللغات عند تعذّر حملها على حقيقتها، وإنّما يلزم من ذلك أن لو لم يكن هناك مجاز آخر وهو ممنوع فإنّ الإقدار على اللغات مجاز آخر، وليس صرف اللفظ إلى المجاز الأوّل أولى من صرفه إلى الثاني مع تساويهما في كون كلّ منهما آية.
وأجاب المصنّف عن هذا في كتاب النهاية1 بأنّ المجاز الأوّل أرجح لكونه من باب إطلاق السبب على المسبّب وهو أحسن وجوه المجاز، إذ اللغات صادرة عن الألسنة ولا كذلك الإقدار على اللغات، ولأنّ في الثاني زيادة إضمار وهو خلاف الأصل.

1. نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/153.

صفحه 116
وعلى الثالثة بأنّا نمنع بطلان تاليها، وهو كون اللغات اصطلاحية. وما ذكروه من افتقار الاصطلاح إلى سبق آخر ممنوع، لجواز أن يعلّم المصطلحون غيرهم اصطلاحهم، ويعلّم كلّ منهم أصحابه ما في نفسه بالقرائن والترديد كما يعلّم الأبوان الطفل لغتهما من غير تسلسل.
وعلى حجّة أبي هاشم بالمنع من توقّف التوقيف على بعثة الرسول، لاحتمال حصوله بالإلهام، أو بخلق أصوات وحروف في أجسام جمادية، أو خلق علم ضروري للسامعين لها بأنّ الله تعالى وضعها لمعانيها.

صفحه 117
قال قدس الله روحه:

الفصل الثاني :

في الموضوع له

كلّ معنى تشتدّ الحاجة إلى التعبير عنه وجب في الحكمة وضع لفظ بإزائه، لوجود القدرة والداعي وانتفاء الصارف. وما عداه لا يجب، وإلاّ لزم وضع ما لا يتناهى من الألفاظ، ولأنّ أنواع الروائح ومراتب الاشتداد لم يوضع لها ألفاظ بخصوصياتها. ولا يجوز وضع الظاهر بإزاء الخفي. وليس القصد بوضع المفرد إفادة معناه، لتقدّمها عليه، بل التمكّن من تركيب المعاني بواسطة تركيب الألفاظ. واللفظ يدل على المعنى الخارجي بواسطة الذهني، لتغاير الألفاظ عند تغاير التخيّلات للشخص المتّحد في الحقيقة. ومعرفة الوضع مستفادة من النقل المتواتر أو الآحاد أو من المركّب من النقلين، كالاستثناء من الجمع، وكون الاستثناء إخراجاً. *
* أقول: هذا الفصل مشتمل على مباحث:
الأوّل: في الموضوع له اللفظ
اعلم أنّ المعاني على قسمين: أحدهما: ما تكثر الحاجة وتشتد إلى

صفحه 118
التعبير عنه، والآخر ما ليس كذلك.
والأوّل يجب في الحكمة وضع لفظ بإزائه، لأنّه لمّا كان مقدوراً للواضع وكان الداعي إليه موجوداً والصارف عنه مفقوداً، وجب تحقّقه منه.
   
وأمّا الثاني فلا يجب أن يوضع له لفظ، بل يجوز خلو اللغات من لفظ يدل عليه. واستدل المصنّف عليه بوجهين:
الأوّل: أنّه لو وجب أن يوضع لكلّ معنى لفظ يختصّ به، لزم وضع ما لا يتناهى من الألفاظ. والتالي باطل، فالمقدّم مثله.
بيان الشرطية: أنّ المعاني غير متناهية، لأنّ بعضها كالأعداد ومراتب الاشتداد لا يتناهى ولا يقف عند حد، بل كلّ مرتبة من مراتبها وراءها أُخـرى إلى غيـر النهايـة، ومـا كـان بعضه غير متناه فمجموعه أولى بكونه غير متناه، فإذا وضع بإزاء كلّ معنـى من تلك المعاني لفظ يختص به كانت الألفاظ غير متناهية، لأنّ المساوي لما لا يتناهى يجب أن لا يتناهى.
وأمّا بطلان الثاني1، فلأنّ الألفاظ مركّبة من الحروف المتناهية، وكلّ مركّب من متناه فهو متناه بالضرورة، فالألفاظ متناهية.
الثاني: لو وجب أن يوضع لكلّ معنى لفظ يختص به، لزم أن يكون لكلّ واحد من أنواع الروائح ومراتب الاشتداد لفظ يدل عليه. والتالي باطل بالاتّفاق، فالمقدّم مثله والملازمة بيّنة بنفسها.

1. في «م » : التالي.

صفحه 119

[ عدم جواز وضع اللفظ الظاهر بإزاء المعنى الخفي ]

البحث الثاني: في أنّه لا يجوز وضع اللفظ الظاهر المشهور المتداول بين الخاصة والعامة بإزاء المعنى الخفي الذي لا يهتدي إلى معرفته إلاّ الخواص كما يقوله مثبتو الأحوال كأبي هاشم وأصحابه1 من أنّ الحركة معنى يوجب لذات الجوهر كونه متحرّكاً، فنقول: المعلوم عند الجمهور ليس إلاّ نفس كون الجوهر متحرّكاً، أمّا أنّ متحرِّكيّته حالة معلّلة بمعنى، وأنّها غير واقعة بالقادر فذلك أمر لو صحّ القول به لما عرفه إلاّ الأذكياء من الناس بالدلائل الدقيقة والبراهين الغامضة، ولفظة الحركة لفظ ظاهر متداول بين الجمهور من أهل اللغة الذين لا يتصوّرون هذا المعنى ولا تصل إليه أذهانهم.
وإذا كان كذلك امتنع أن يكون موضوعاً لذلك المعنى، بل لا مُسمّى للحركة في وضع اللغة إلاّ نفس كون الجسم منتقلاً لا غير، إذ وضع اللفظ للمعنى يتوقّف على تصوّر ذلك المعنى، وكذا ظهوره واشتهاره تابع لظهور معناه واشتهاره.
واعترض 2بأنّ الواضع إن كان هو الله تعالى فنسبة المعاني كلّها إليه على السواء فلا يجوز أن يكون بعضها خفياً عنده والخفاء عند الناس لا يمنع الوضع منه. وإن كان هو البشر فكذلك، لاحتمال أن يكون بعض البشر وقف على المعنى الدقيق، فوضع اللفظ بإزائه ثم خفي على غيره

1. نقله عنه الرازي في المحصول:1/68، والعلاّمة في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/163.
2. المعترض هو العلاّمة في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/163ـ164.

صفحه 120
ذلك المعنى، واستعمله في لازمه، واشتهر الثاني وإن كان الأصل هو ذلك المعنى الدقيق.
وفيه نظر، فإنّه ليس المراد أنّ خفاء المعنى واشتهار اللفظ يمنع من وضعه له ابتداء، كيف واشتهار اللفظ إنّما يكون بعد وضعه، بل المراد أنّ اشتهار اللفظ وتداوله بين عامّة أهل اللغة من غير نقل ولا تجوّز دليل على كون معناه ظاهراً جليّاً ويمتنع أن يكون دقيقاً خفيّاً لا يعلمه إلاّ الخواص، لأنّ تداول اللفظ واشتهاره إنّما يكون عند فهم المتداولين معناه وظهوره عندهم، فلو كان معناه خفيّاً لما تداولوه واشتهر بينهم، لكنّهم قد تداولوه واشتهر بينهم فلا يكون خفياً .
البحث الثالث: في أنّه ليس القصد بوضع الألفاظ المفردة إفادة معانيها
والدليل على ذلك: أنّ إفادة تلك الألفاظ المفردة لمعانيها موقوفة على العلم بكونها موضوعة لتلك المعاني الموقوفة على العلم بتلك المعاني ضرورة تأخّر العلم بأنّ اللفظ الفلاني موضوع للمعنى الفلاني عن العلم بذلك اللفظ وذلك المعنى، فلو استفيد العلم بتلك المعاني من تلك الألفاظ لزم الدور، بل الغرض من وضع الألفاظ المفردة لمعانيها بحيث يتمكّن الإنسان من تفهيم ما يتركّب من تلك المعاني بتوسّط تركيب ألفاظها الدالّة عليها.
فإن قلت: هذا بعينه وارد في المركّبات فإنّا لا نفهم منها معانيها إلاّ بعد العلم بكونها موضوعة لتلك المعاني، وذلك يستدعي سبق العلم بتلك المعاني، فلو استفيد العلم بتلك المعاني من تلك الألفاظ المركبة لزم الدور.

صفحه 121
قلت: لا نسلم أنّ إفادة الألفاظ المركّبة لمعانيها يتوقّف على العلم بكونها موضوعة لها.
وبيان ذلك: أنّا متى علمنا كون كلّ واحد من تلك الألفاظ المفردة موضوعاً لمعناه، وعلمنا أيضاً كون حركات تلك الألفاظ المفردة دالّة على النسب المخصوصة لتلك المعاني، فإذا توالت الألفاظ المفردة بحركاتها المخصوصة على السمع وارتسمت تلك المعاني المفردة مع نسب بعضها إلى بعض حصل العلم في ذهن السامع، ومتى حصلت المعاني المفردة مع نسب بعضها إلى بعض حصل العلم بالمعاني المركّبة لا محالة.1
فظهر: أنّ إفادة اللفظ المركّب لمعناه لا يتوقف على العلم بكونه موضوعاً له .

[ وضع الألفاظ للدلالة على المعاني الذهنية ]

البحث الرابع: في أنّ الألفاظ إنّما وضعت للمعاني الذهنية بذواتها وأنّها إنّما تدلّ على المعاني الخارجية بتوسّطها.
والدليل على ذلك: إنّا إذا رأينا جسماً من بعيد وظنناه إنساناً سمّيناه باسمه، فإذا قربنا منه وزال الظن الأوّل وظنناه فرساً سمّيناه باسمه، ثمّ لو زال هذا الظن أيضاً وتجدّد علم كونه حجراً سمّيناه باسمه، فقد تغايرت

1. ذكر الإشكال وأجاب عنه الرازي في المحصول:1/67. وتنظّر فيه العلاّمة في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/165 قائلاً: وفيه نظر، فإنّ الغرض من وضع اللفظ قد بيّنا أنّه تعريف الغير ما في ضمير المتكلّم من المعاني المدلول عليها بألفاظ، سواء كانت المعاني مفردة أو مركبة، ولا دور هنا، فإنّا لا نستفيد العلم بتلك المسمّيات من تلك الألفاظ، بل نستفيد قصد المتكلّم أو غرضه من المعاني المفردة من اللفظ المفرد.

صفحه 122
الألفاظ عند تغاير التخيّلات للشخص الواحد المتّحد في الحقيقة، وذلك دليل على أنّ الألفاظ ليست موضوعة للمعاني الخارجية، بل للذهنية لدورانها معها.

البحث الخامس: في طريق معرفة الوضع

اعلم أنّ العقل المحض لا طريق له إلى معرفة هذه الأشياء مستقلاً، لكونها أُموراً وضعية. وحينئذ يجب أن يكون الطريق إليها إمّا النقل المحض، أو المركّب من العقل والنقل.
والنقل إمّا متواتر، أو آحاد. فالأوّل ككون لفظي السماء والأرض موضوعين لمعنييهما، وكون الفاعل مرفوعاً والمفعول منصوباً.1 والثاني ككون لفظة الحمل موضوعة للسحاب، ولفظة الحاجة2 للشجرة الصغيرة.
وأمّا المركّب من العقل والنقل فهو كما إذا استفدنا مقدّمتين متناسبتين من نقلين فرتّبهما العقل حتى حصل منهما نتيجة، فطريق تلك النتيجة النقل والعقل.
مثال ذلك: إنّا إذا استفدنا من نقل صحّة الاستثناء من الجمع المعرف، ومن نقل آخر كون الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل، فعلمنا بالعقل بتوسّط هذين النقلين أنّ الجمع المعرف للاستغراق.

1. اعترض الرازي على امتناع التواتر في اللغة والنحو بوجوه. راجع المحصول:1/69.
2. الحاج: نبت من الحمض، وقيل: نبت من الشوك، وقيل: هو شجر، وقال أبو حنيفة: الحاج مما تدوم خضرته وتذهب عروقه في الأرض، ويتداوى بطبيخه، وله ورق دقاق طوال، وتصغيره: حُيَيْجَة. (لسان العرب:2/246، مادة«حيج »).

صفحه 123
قال قدس الله روحه:

الفصل الثالث:

في تقسيم الألفاظ

وهو من وجوه ستة: الأوّل: اللفظ يدل على المعنى بتوسّط وضعه له مطابقة، وبتوسّط دخوله فيما وضع له تضمّناً، وبتوسط لزومه له ذهناً التزاماً. *

* [ دلالة اللفظ على معناه ]

أقول: لمّا كان المراد من الألفاظ التي اشتمل هذا الفصل على ذكر تقسيمها إنّما هي الألفاظ الدالّة على المعاني وجب عليه أن يقدّم على ذلك تقسيم دلالة اللفظ على معناه إلى أقسامها.
واعلم أنّ الدلالة قد تكون عقلية كدلالة الصوت على المصوت، وقد تكون طبيعية كدلالة اح اح على أذى الصدر، وقد تكون وضعية أي مستفادة من الوضع كدلالة لفظ الإنسان على معناه. والمقصود بالبحث هاهنا إنّما هي الأخيرة والوضع هنا عبارة عن تخصيص شيء بشيء بحيث يفهم الثاني عند إطلاق الأوّل.

صفحه 124
وقد اختلف في تعريف الدلالة اللفظية فقال قوم: هي فهم المعنى من اللفظ عند إطلاقه وتخيّله بالنسبة إلى من هو عالم بالوضع، وردّ بأنّ الفهم يعلّل بالدلالة فيغايرها وبأنّ الدلالة صفة اللفظ الدال والفهم صفة للفاهم لا للفظ فتغايرا.
وقيل: هي كون اللفظ بحيث إذا أُطلق فهم منه معناه. وهي تنقسم إلى الأقسام الثلاثة ـ أعني: المطابقة والتضمّن والالتزام ـ لأنّ فهم المعنى من اللفظ إن كان بتوسط كونه موضوعاً له كانت دلالته عليه دلالة مطابقية، كدلالة لفظ الإنسان على الحيوان الناطق; وإن كان بتوسّط دخوله في المعنى الموضوع له ذلك اللفظ كانت دلالته تضمنية، كدلالة لفظ الإنسان على الحيوان وحده أو على الناطق وحده; وإن كان بتوسّط كونه لازماً ذهنياً للمعنى الموضوع له اللفظ كانت دلالة التزامية، كدلالة لفظ الإنسان على قابل العلم وصنعته الكتابة.
وفائدة قيد التوسّط في الدلالات الثلاث لئلاّ تنتقض تعريفاتها المذكورة باللفظ المشترك بين الشيء وجزئه، كلفظ الإمكان المشترك بين الخاص وهو رفع الضرورتين معاً ـ أعني: ضرورة الوجود وضرورة العدم ـ والعام وهو جزؤه، لأنّه رفع إحداهما.
واللفظ المشترك بين الشيء ولازمه، كالشمس المشترك بين الكوكب وضوئه، فإنّ لفظ الإمكان يدلّ على الإمكان العام بالمطابقة والتضمّن، لكن الأُولى بتوسّط وضعه له، والثانية بتوسّط دخوله فيما وضع له وهو الخاص; وكذا لفظ الشمس يدل على الجرم والضوء بالمطابقة والالتزام،

صفحه 125
لكن الأُولى بتوسّط وضع اللفظ له، والثانية بتوسّط لزومه لما وضع له وهو جرم الشمس.
فظهر أنّه لولا قيد التوسط انتقض تعريفات الدلالات الثلاث المذكورة.
والهاء في قول المصنّف:«بتوسّط وضعه » عائدة إلى اللفظ، وفي قوله: «له » عائدة إلى المعنى. والهاء في قوله: «بتوسّط دخوله » عائدة إلى المعنى الدالّ عليه اللفظ،(وفي قوله: «وضع له »)1 عائدة إلى المعنى الذي وضع له اللفظ، وفي قوله: «لزومه » (عائدة إلى المعنى الدال عليه اللفظ)2، وفي قوله:«له » عائدة إلى المعنى الموضوع له اللفظ.
واعلم أنّ دلالة المطابقة وضعية محضة، وأمّا الباقيتان فبمشاركة العقل للوضع، فإنّ اللفظ إذا وضع للمركب أو للملزوم، كان فهم ذلك المركّب أو ذلك الملزوم مستلزماً لفهم الجزء اللازم استلزاماً عقلياً. وقيد اللزوم بالذهني إذ لولاه لم تتحقّق الدلالة الالتزامية، لكون اللفظ ليس موضوعاً للازم ولا لمعنى هو جزؤه، فلو لم يكن بحيث يلزم من حصول موضوع اللفظ في الذهن حصوله فيه انتفت دلالة اللفظ عليه مطلقاً.
ولا يشترط اللزوم الخارجي لتحقّق الدلالة الالتزامية من دونه كما في الأعدام والملكات المتعاندة في الخارج.

1. ليس في «م ».
2. ليس في «م ».

صفحه 126
قال قدس الله روحه: والدال بالمطابقة مفرد إن لم يُقصد بجزئه الدلالة على جزء معناه حين هو جزء، ومركّب إن قُصد. *

* [ في المفرد والمركّب ]

أقول: تقسيم اللفظ الدال بالمطابقة إلى المفرد والمركّب وهي قسمة حاصرة، لأنّ اللفظ الدال بالمطابقة إمّا أن لا يقصد بجزئه الدلالة على جزء معناه حين هو جزؤه، أو يقصد.
فإن كان الأوّل فهو المفرد وهو شامل لما ليس له جزء أصلاً، كقِ و عِ إذا جعل علماً; وما له جزء غير دال أصلاً، كقم إذا جعل علماً; أو دال على غير جزء المعنى كعبد الله حال العلمية، فإنّ له جزءاً دالاًّ لكن على غير جزء المعنى; أو دال على جزء المعنى لكنّه غير مقصود، كالحيوان الناطق إذا سُمّي به إنسان، فإنّه في حال العلمية لا يقصد بالحيوان الدلالة على جزء منه وبالناطق الدلالة على الجزء الآخر.
وإن كان الثاني ـ وهو أن يقصد بجزئه الدلالة على جزء معناه حين هو جزؤه ـ فهو المركّب; سواء كان تقييدياً كالحيوان الناطق، أو غير تقييدي; تاماً أي يصح السكوت عليه كقام زيد، أو غير تام كرامي الحجارة.
والمراد بالجزء ما هو أعم من المحقّق والمقدّر ليدخل في المركّب، مثل: «قم » حال كونه أمراً فإنّ له جزءاً مقدّراً وهو أنت. وإنّما جعل المصنّف هذا التقسيم تابعاً للأوّل، لأنّ مورده أحد أقسام الأوّل وهو الدال

صفحه 127
بالمطابقة وانّما لم يقسّم الدال بالتضمّن والالتزام إلى المفرد والمركب.
أمّا التضمّن، فلأنّ اللفظ الواحد قد يكون بالنسبة إلى المعنى التضمني مفرداً ومركباً معاً فلا ينضبطان، كالحيوان الماشي مثلاً، فإنّ هذا المجموع يدلّ على الحيوان بالتضمّن، ولا تدل أجـزاؤه على أجـزاء معناه التضمّني ـ أعني: الحيوان ـ لا بالمطابقة ولا بالتضمّن، لعدم دلالة الماشي على شيء من أجزاء الحيـوان بالمطابقـة أو التضمّن، فحينئذ يكون مفرداً.
وأيضاً يدلّ هذا المجموع بعينه بالتضمّن أيضاً على الجسم الماشي لكونه جزأه مع دلالة أجزائه على أجزاء هذا المعنى، لدلالة الحيوان على الجسم بالتضمّن، ودلالة لفظ الماشي عليه بالمطابقة، وحينئذ يكون مركّباً.
وأمّا الالتزام، فلأنّ الدلالة الالتزامية مهجورة لعدم تناهي اللوازم إن كان المعتبر مطلق اللازم، وإن كان المعتبر اللازم البيّن لم ينضبط، لأنّها تختلف بحسب اختلاف الأشخاص، فإنّ مساواة زوايا المثلث الثلاث القائمتين لازم بيّن عند المهندسين وغير بيّن عند غيرهم.
وقيل: إنّما قيّد الدال بالمطابقة، لأنّه يقسّم الدال بالوضع، وذلك إنّما هو الدالّ بالمطابقة، لأنّها وضعية محضة، وأمّا الدلالتان الأخيرتان فإنّهما عقليّتان على ما عرفت.
إذا تقرّر هذا فليرجع إلى شرح التعريف المذكور في الكتاب للمفرد والمركّب.
أمّا المفرد فقد عرّفه بأنّه اللفظ «الدالّ بالمطابقة الذي لم يقصد بجزئه

صفحه 128
الدلالة على جزء معناه حين هو جزؤه ». فاللفظ جنس وتقييده بالدال يخرج المهمل، وتقييده الدلالة بالمطابقة فقد عرفت فائدته، وقوله: «الذي لم يقصد بجزئه الدلالة » يخرج سائر المركبات، وقوله:«على جزء معناه » ليدخل مثل عبد الله علماً فإنّه حينئذ مفرد مع أنّ جزأه يقصد به الدلالة لكن لا على جزء معناه، وقوله: «حين هو جزؤه » ليدخل مثل الحيوان الناطق حال كونه علماً على شخص إنساني، فإنّه يقصد بجزئه الدلالة على جزء معناه لكن لا حين هو جزؤه، (فإنّ الجزء الذي هو الحيوان)1في المثال المذكور حين هو جزء هذا العلم لم يقصد به الدلالة أصلاً فضلاً عن الدلالة على جزء المعنى.
والمركّب في مقابلة المفرد، وهو الذي يقصد بجزئه الدلالة على جزء معناه حين هو جزؤه كزيد قائم وعبد الله نعتاً.
وقد علم من هذا التقسيم أنّ اللفظ الواحد قد يكون مفرداً ومركباً لكن في حالتين، كعبد الله والحيوان الناطق وأمثال ذلك. وحينئذ يصدق على ذلك اللفظ الواحد تعريفا المفرد والمركّب، فيجب أن يزاد بالتعريف: «من حيث هو كذلك وإلاّ انتقض كلّ منهما في طرده ». ومع هذه الزيادة يستغنى عن القيدين المذكورين أخيراً.

1. في«م »: فإنّ الجزء كالحيوان.

صفحه 129
قال قدس الله روحه: والمفرد جزئي إن منع نفس تصوّره من الشركة، وكلّي إن لم يمنع. *

* [ في جزئية اللفظ المفرد وكلّيته ]

أقول: اللفظ المفرد إن منع نفس تصوّر معناه من وقوع الشركة فيه، أي من أن يشترك فيه كثيرون بحيث يكون ذلك المعنى صادقاً على كلّ واحد منها، فهو الجزئي كزيد وعمرو، فإنّ نفس تصوّر زيد مانع من أن يشرك فيه كثيرون.
وإن لم يمنع نفس تصوّره من وقوع الشركة فيه فهو الكلّي، سواء امتنع وقوع الشركة فيه لا لنفس المفهوم كواجب الوجود تعالى، أو لم يمتنع كالإنسان الذي يشترك فيه زيد و عمرو، سواء تعدّدت أفراده في الخارج كالإنسان أو لم يتعدّد كالشمس.
وقد يقال الجزئي على معنى آخر أعم من الأوّل، وهو: كلّ أخص يقع تحت أعم. ويسمّى هذا جزئياً إضافياً، لأنّ جزئيّته إنّما هي بالإضافة إلى ما وقع هو تحته. والأوّل يسمّى جزئياً حقيقياً. وإنّما كان الثاني أعمّ من الأوّل، لأنّ كلّ جزئي حقيقي فإنّه لابد وأن يكون مندرجاً تحت الماهية1المعرّاة عن المشخّصات، فهو إذاً أخص يقع تحت أعم، وهو معنى الجزئي الإضافي.
فثبـت أنّ كلّ جـزئي حقيقـي فهـو جـزئي إضـافي، ولا ينعكس. فإنّ

1. في «م »: ماهيته.

صفحه 130
قال قدس الله روحه: والكلّي إمّا أن يكون نفس الماهية، أو داخلاً فيها إمّا جنساً أو فصلاً، أو خارجاً عنها إمّا خاصة أو عرضاً عاماً. *
الجزئي الإضافي قد يكون كلّياً كالإنسان بالنسبة إلى الحيوان وليس هذا العموم، عموم الجنسية بمعنى أنّ الأعم جنس للأخص لانفكاكهما في التصوّر.
واعلم أنّ جزئية اللفظ وكلّيته تابعتان لجزئية المعنى وكلّيته، فإنّ اللفظ الموضوع للمعنى الجزئي يُسمّى جزئياً باعتبار جزئية المعنى، وكذلك اللفظ الموضوع للمعنى الكلّي يُسمّى كلّياً باعتبار كلّية معناه.
فإذن الكلية والجزئية لاحقتان بالذات للمعاني وبالعرض للألفاظ.
والمصنّف أضاف التصوّر المانع من الشركة إلى الهاء العائدة إلى المفرد، فإن قصد به اللفظ المفرد احتاج إلى زيادة لفظة معناه وإضافة التصوّر إليها، إذ اللفظ الجزئي هو الذي يمنع نفس تصور معناه من الشركة لا تصوّره; ويحتمل أن يكون قد حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، ويكون تقدير كلامه: ومعنى المفرد جزئي إن منع نفس تصوّره من الشركة، والهاء حينئذ تكون عائدة إلى المضاف.
وإن قصد به المعنى لم يحتج إلى هذه الزيادة، إلاّ أنّه إنّما يبحث هنا في تقسيم الألفاظ. وأيضاً كان ينبغي حينئذ أن يبيّن مراده من المعنى المفرد، واللام في المفرد على التقدير الأوّل للعهد وعلى التقدير الثاني للجنس.
* [ في الذاتي والعرضي ]
أقول: يريد تقسيم الكلّي من المعاني إلى الذاتي والعرضي.

صفحه 131
واعلم أنّ الكلّي إمّا أن يكون نفس ماهية ما تحته من الأفراد المشتركة فيه وإنّما يزاد عليه بأُمور عارضة مشخّصة وهو النوع الحقيقي، كالإنسان الصادق على زيد وعمرو وخالد وبكر ورسموه بأنّه كلّي مقول على كثيرين متّفقين بالحقائق في جواب ما هو.
وإمّا أن يكون داخلاً فيها ـ أي جزءاً منها ـ فإمّا أن يكون تمام المشترك بينها، أو لا.
والأوّل هو الجنس، كالحيوان الصادق على الإنسان والفرس وغيرهما من أنواعه، فإنّه تمام المشترك بينهما. ورسموه بأنّه كلّي مقول على كثيرين مختلفين بالحقائق في جواب ما هو.
والثاني هو الفصل كالناطق للإنسان. ورسموه بأنّه كلّي مقول على الشيء في جواب أي شيء هو في جوهره، والسائل عن الشيء بما هو يطلب كمال حقيقته وبأي شيء هو في جوهره يطلب المميز له عن غيره المقوّم له. وهذه الثلاثة يشملها الذاتي.
وإمّا أن يكون خارجاً عنها فإمّا أن يكون مختصاً بتلك الماهية بحيث لا يصدق على غيرها وهو الخاصة كالضاحك للإنسان. ورسموها بأنّه كلّي يقال على أفراد حقيقة واحدة فقط قولاً عرضياً.
أو لا يكون مختصاً بها بل يشترك معها غيرها فيه، وهو العرض العام كالماشي للإنسان. ورسموه بأنّه كلّي يقال على أفراد حقيقة واحدة وغيرها قولاً عرضياً وهذان القسمان يشملهما العرضي.

صفحه 132
قال قدس الله روحه: والخارج إمّا لازم للماهية أو للوجود أو مفارق، والمفارق إمّا سريع المفارقة أو بطيئوها، وسهل الزوال أو عسره. *
فالكلّيات هي هذه الخمسة لا غير: النوع، والجنس، والفصل، والخاصة والعرض العام. والبحث عن أقسامها وأحكامها ونسبة كلّ منها إلى الباقية بالمشاركة والمباينة لا يليق ذكره هاهنا، وهو بالكتب المنطقية أنسب.
* أقول: الخارج عن الماهية ـ أعني: العرضي لها ـ سواء كان مختصاً بها وهو الخاصة، أو مشتركاً بينها وبين غيرها وهو العرض العام إمّا أن يكون لازماً وهو ما لا ينفك الشيء عنه، أو مفارقاً.
واللازم إمّا أن يكون لازماً للماهية وهو الذي لا ينفك عنها وجوداً وتوهّماً مثل الزوجية للاثنين والفردية للثلاثة، أو للوجود كالأسود للزنجي والأبيض للرومي، فإنّ ذلك إنّما هو لازم للوجود الخارجي دون التوهّم، إذ قد يتصوّر زنجياً أبيض ورومياً أسود. ولازم الماهية أخصّ من لازم الوجود، فإنّ كلّ لازم للشيء لماهيّته فهو لازم له حالة وجوده الخارجي ولا ينعكس، إذ قد يلزم الشيء في حالة وجوده الخارجي ما لا يكون لازماً لماهيته كما ذكرناه في المثال.
والمفارق إمّا أن يكون سريع الزوال كحمرة الخجل وصفرة الوجل، أو بطيئه كالشيب والشباب. وأيضاً فهو إمّا سهل الزوال كغضب الحليم، أو عسره كغضب الحقود.

صفحه 133
قال قدس الله روحه: الوجه الثاني: اللفظ إن لم يستقل بالدلالة على معناه فهو الأداة، وإن استقل فهو الفعل إن دل بصيغة معينة على الزمان، وإلاّ فهو الاسم.*

* [ في بسائط الكلام ]

أقول: هذا هو التقسيم الثاني من تقاسيم الألفاظ وهو تقسيم اللفظ المفرد إلى الكلمات الثلاث اللاتي هي مادة الكلام، وذلك أن يقال: اللفظ المفرد إمّا أن لا يستقل بالدلالة على معناه، بل يفتقر في دلالته عليه إلى انضمام لفظ آخر إليه; أو يستقل، أي لا يحتاج في دلالته على معناه إلى انضمام لفظ آخر إليه.
والأوّل: الأداة ـ أعني: الحرف ـ كفي وعلى، فإنّ معنى كلّ منهما لا يفهم من لفظه المجرد عن لفظ آخر، بل يفتقر في فهم معناه إلى ضم لفظ آخر إليه، كما تقول زيد في النار أو على السطح.
والثاني: إمّا أن يدل بصيغته ووزانه على الزمان المعيّن من الأزمنة الثلاثة ـ أعني: الماضي والحاضر والمستقبل ـ أو لا.
والأوّل الفعل كقام ويقوم وسيقوم، فإنّ كلاًّ من هذه الكلمات مستقلة بالدلالة على معناها مع دلالتها بصيغتها على الزمان المعيّن من الأزمنة الثلاثة.
والثاني الاسم، كرجل وفرس وثوب. وإنّما قيد الدلالة في الفعل على الزمان المعيّن بصيغته ليخرج ما يدلّ على الزمان المعيّن بجوهره كأمس واليـوم وغـد فإنّها أسمـاء مع دلالتها على الزمـان المعيّن فلو أهمـل ذلك

صفحه 134
قال قدس الله روحه: الوجه الثالث: اللفظ والمعنى إن اتّحدا فهو العلم، والمضمر إن تشخّص المعنى، والمتواطئ إن تساوت أفراده، والمشكك إن اختلفت بالأولوية والأقدمية والأشدّية ومقابلاتها. وإن تكثّرا فهي المتباينة، سواء تعاند الموضوعان كالضدين، أو لا كالذات والصفة. وإن اتّحد المعنى خاصة فهي المرادفة وإن اتّحد اللفظ خاصة فهو المشترك إن وضع لهما معاً بالنسبة إلى كلّ واحد منهما، والمجمل بالنسبة إليهما معاً، والحقيقة والمجاز إن وضع لأحدهما ثم استعمل في الثاني إن لم يغلب فيه، وإلاّ فهو المنقول اللغوي أو العرفي أو الشرعي إن غلب وكان النقل لمناسبة، والمرتجل إن لم يكن لمناسبة. *
دخل مثل هذه الأسماء في تعريف الفعل وخرجت من تعريف الاسم فيكون الأوّل غير مطرد والثاني غير منعكس.1

* [ في نسبة اللفظ إلى المعنى ]

أقول: هذا هو التقسيم الثالث من تقاسيم الألفاظ وهو باعتبار نسبتها إلى معانيها بالاتّحاد والتعدّد. والمراد بمعانيها المعاني المدلول عليها بالمطابقة دون التضمّن والالتزام.
واعلم أنّ اللفظ المفرد ومعناه إمّا أن يتّحدا بأن يكون اللفظ واحداً ومعناه واحداً، أو يتكثّرا معاً بأن يكون اللفظ كثيراً ومعناه كذلك، أو يتكثّر اللفظ ويتّحد المعنى، أو بالعكس. فالأقسام أربعة:

1. ذكر العلاّمة والآمدي تفصيلات أكثر حول الفعل والاسم والحرف. راجع نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/177ـ 180، والإحكام في أُصول الأحكام:1/47ـ55.

صفحه 135

الأوّل: أن يكون اللفظ واحداً ومعناه واحداً

وهذا على أقسام; لأنّ ذلك المعنى الواحد إمّا أن يكون مشخّصاً، أو غير مشخّص.
والأوّل: يسمّى اللفظ الدال عليه علماً أو مضمراً; لأنّه إمّا أن يفتقر في دلالته على معناه إلى قرينة زائدة على الوضع، أو لا.
والثاني: العلَم، كزيد و عمر فإنّ كلاًّ منهما يدلّ على معناه من غير احتياج إلى قرينة زائدة على كونه مسمّى به وموضوعاً له.
والأوّل: المضمر، كأنا وأنت فإنّه إنّما يدلّ على شخص بعينه إذا اقترن بقرينة كمتكلّم أو مخاطب.
والثاني ـ وهو كون المعنى غير مشخّص ـ :إمّا أن يكون نسبته إلى الأفراد التي تحته على السواء من غير تفاوت، وهو المتواطئ، أي المتوافق، لتوافق أفراده فيه، كالإنسان الذي تساوى1 فيه أفراده كزيد وعمرو و خالد، ويسمّى اللفظ الدالّ على هذا المعنى متواطئاً تبعاً لمعناه.
أو لا بالسوية، بل يكون أفراده متفاوتة فيه بأن يكون بعضها أولى2من البعض الآخر كالوجود بالنسبة إلى الجوهر والعرض فإنّه للجوهر أولى من العرض.
أو يكون ثبوته لأحدهما أقدم من ثبوته للآخر، كالوجود بالنظر إلى العلّة والمعلول.
أو يكون في بعضها أشد من البعض الآخر، كالبياض فإنّه في الثلج

1. في «م »: يتساوى.
2. بزيادة به في «م ».

صفحه 136
أشد منه في العاج.
ويسمّى اللفظ الدال على مثل هذا المعنى مشكّكاً، وإنّما سُمّي بذلك لأنّ السامع له يتشكّك بين كونه مشتركاً وكونه متواطئاً، لأنّ بين أفراده اختلافاً بالمعاني المذكورة واتّحاداً في أصل المعنى; فباعتبار تفطّن السامع للاختلاف يعتقد كونه مشتركاً، لأنّه لفظ واحد موضوع لمعاني مختلفة وهو معنى المشترك; وباعتبار ذهوله عنه ونظره إلى أصل المعنى يعتقد كونه متواطئاً.

الثاني: أن يكون اللفظ كثيراً والمعنى كثيراً بحسب تكثر اللفظ

وتسمّى تلك الألفاظ بالمتباينة، كالإنسان والفرس فإنّهما لفظان لكلّ منهما معنى غير معنى الآخر، وإنّما قلنا بحسب تكثّر اللفظ ليخرج بعض الألفاظ المترادفة، فإنّا لو فرضنا وضع لفظ آخر مرادف للفظ مشترك كالعين مثلاً، تحقّق تكثّر اللفظ والمعنى مع أنّ كلّ واحد من ذينك اللفظين غيرمباين للآخر، لأنّ تكثّر المعنى هاهنا ليس لتكثّر الألفاظ لوجود ذلك التكثّر عند وحدة اللفظ ضرورة لتحقّقه عند إطلاق أحد ذينك اللفظين دون الآخر.
والتباين يتحقّق بين اللفظين، سواء تعاند موضوعاتهما بالتضاد كلفظي السواد والبياض، أو بالسلب والإيجاب كالوجود والعدم، أو بالملكة والعدم كالعمى والبصر، أو بالتضايف كالأُبوة والبنوة; أو لم يتعاند أصلاً، سواء امتنع انفكاك أحدهما عن الآخر إمّا باعتبار كونه جزءاً منه كالإنسان والحيوان، أو صفة لازمة له كالإنسان والتعجب، أو خارجاً كالإنسان والماشي بالفعل. فجميع هذه الأقسام تسمّى متباينة.

صفحه 137
واعلم أنّ التباين إنّما يلحق اللفظ عند نسبته إلى لفظ آخر ونسبة معناه إلى معناه، وتحقّق التغاير بينهما فهو لا يعقل إلاّ مع تكثّر اللفظ والمعنى.

الثالث: أن يتحد المعنى ويتكثر اللفظ

وتسمّى تلك الألفاظ مترادفة، كالإنسان والبشر، والأسد والسبع. وليس المراد باتّحاد المعنى هاهنا كونه واحداً في نفسه بالعدد، بل هو أعم من ذلك وهو اتّحاد نسبته إلى تلك الألفاظ المتكثّرة، لكونها موضوعة له بحيث يندرج فيها مرادف اللفظ المشترك .
فإن قلت: يلزمكم كون اللفظ الواحد نوعاً المتكثّر شخصاً، كقولنا: الإنسان إنسان، مرادفاً لصاحبه.
قلت: لا نسلم فإنّ المراد باتّحاد اللفظ وتكثّره إنّما هو باعتبار نوعه لا باعتبار شخصه، والألفاظ المتكرّرة حينئذ واحدة فليست من هذا القسم. وإنّما لم يعتبر الوحدة بالشخص في اللفظ، لأنّ لفظ الشخصي من حيث هو شخصي غير موضوع للمعنى، فلا يكون من تلك الحيثية دالاً دلالة وضعية أصلاً.

الرابع: أن يتحد اللفظ ويتكثر معناه

وهو على أقسام، لأنّه إمّا أن يكون موضوعاً لكلّ واحد من تلك المعاني المتكثّرة وضعاً، أو لا.
والأوّل: المشترك; كالقُرء الموضوع للحيض والطهر، والجون الموضوع للسواد والبياض، والعين الموضوعة للباصرة والنابعة والذهب

صفحه 138
والجاسوس وهذا اللفظ بالنسبة إلى معنييه أو معانيه مشترك، وبالنسبة إلى كلّ واحد مجمل، فإنّ كونه موضوعاً لهذا المعنى وحده ولهذا المعنى الآخر وحده أمر معلوم، فكان من هذه الحيثية مشتركاً. وأمّا أنّ المراد منه عند إطلاقه هذا المعنى أو ذاك فهو غير معلوم فكان مجملاً. والمصنّف ـ طاب ثراه ـ عكس ذلك هنا وجعل اللفظ بالنسبة إلى كلّ واحد منهما مشتركاً وبالنسبة إليهما معاً مجملاً.
وفيه نظر، فإنّ الاشتراك لا يعقل إلاّ بين شيئين.
والثاني: وهو أن لا يكون موضوعاً لتلك المعاني المتكثرة وضعاً، أو لا فهو لابد وأن يكون موضوعاً لأحدها ونقل إلى غيره فلا يخلو: إمّا أن لا يغلب استعماله في المنقول إليه على استعماله في المنقول منه، أو يغلب.
فإن كان الأوّل كان بالنسبة إلى معناه المنقول عنه حقيقة وإلى معناه المنقول إليه مجازاً، كلفظ الأسد الموضوع للحيوان المفترس المنقول إلى الرجل الشجاع.
وإن غلب استعماله في المنقول إليه على استعماله في المنقول منه سُمّي1 منقولاً .
ثمّ الناقل إمّا أهل اللغة، أو الشرع، أو العرف.
والأوّل: يُسمّى منقولاً لغوياً، كالقارورة الموضوعة أوّلاً لكلّ ما استقرّ فيه شيء ثمّ نقلها أهل اللغة إلى الآنية المخصوصة المتّخذة من الزجاج.
والثاني: يُسمّى منقولاً شرعياً، كالصلاة الموضوعة للدعاء ثم نقلها الشارع إلى ذات الأركان المخصوصة والأذكار المعينة، وكالصوم

1. في «م »: يسمّى.

صفحه 139
الموضوع لغةً للإمساك مطلقاً ثم نقله الشارع إلى الإمساك عن أشياء مخصوصة في زمان مخصوص مع النية .
والثالث: يُسمّى منقولاً عرفياً، كالدابة الموضوعة لغة لكلّ ما يدب على وجه الأرض ثم نقله أهل العرف إلى الفرس.
هذا كلّه إن كان النقل لمناسبة بين المعنى الأوّل والمعنى الثاني، وإن كان لا لمناسبة يُسمّى مرتجلاً، كجعفر الموضوع لغة للنهر الصغير ثم نقل إلى الرجل المسمّى به، وكطلحة الموضوعة للشجرة الواحدة من الطلح المنقول إلى الرجل، وهذا التفسير للمرتجل مخالف لما فسره النحاة به فإنّ المرتجل عندهم ما جعل علماً لشيء ولم يكن منقولاً إليه عن معنى آخر قبل.
والثلاثة الأُول ـ أعني: كون اللفظ واحداً ومعناه واحداً، وكونه كثيراً ومعناه كثيراً، وكونه كثيراً ومعناه واحداً ـ مشتركة في عدم الاشتراك، لاتّحاد معنى كلّ لفظ منها، فهي نصوص.
وفيه نظر، لما بيّنّا من جواز كون المرادف مشتركاً، وكذا المباين كالعين والقرء. و حينئذ يتحقّق الإجمال لتحقّق تعدّد المعنى.
واعلم أنّ لفظة «فهو » في قول المصنّف:«فهو العلم » ضمير اللفظ المتّحد والهاء في قوله: «أفراده » عائدة إلى المعنى الكلّي، وأشار إلى كلّيته بقوله: «إن تساوت أفراده » فإنّه لا يتحقّق الافراد إلاّ لكلّي.
وكان ينبغي أيضاً أن يضم إلى ذلك لفظة «فيه » ليتخصّص ما فيه التساوي، وإلاّ لم يتعيّن كونه متواطئاً، لجواز تساوي الأفراد في أمر

صفحه 140
وجودي أو عدمي مع اختلافها في المفهوم الكلّي الصادق عليها، فيكون اللفظ حينئذ مشكّكاً، اللّهم إلاّ أن يقال: إنّه لا يصدق عليها أنّها متساوية إلاّ عند تساويها في جميع الأُمور.
لكن ذلك ممنوع وبطلانه ظاهر، وإلاّ لما صدق على شيئين أنّهما متساويان أصلاً ضرورة ثبوت التغاير بين كلّ مفهومين، وإلاّ لما1 يتحقّق الاثنينية والتعدّد.
والتاء في قوله:«إن اختلفت » عائدة إلى الافراد.
والهاء والألف في قوله: «ومقابلاتها » عائدان إلى الأوّلية والأقدمية والأشدية. والمراد بالتقابل هنا تقابل التضايف فمقابل الأشدية مثلاً الأضعفية.
والهاء في قوله: «فهي المتباينة » إشارة إلى الألفاظ خاصة لا إلى معانيها.
وقوله:«فهي المرادفة » إشارة إلى الألفاظ وإن لم يكن منطوقاً بها، لأنّ قوله:«وان اتحد المعنى خاصة » يفهم منه تعدّد اللفظ هاهنا.
والضمير في قوله:«لهما معاً » عائد إلى المعنيين وإن لم يتقدّم لهما ذكر، لدلالة قوله:«وإن اتحد اللفظ خاصة » عليهما; كما قلناه في قوله:«وإن اتّحد المعنى خاصة »، وكذا في قوله:«منهما » وقوله: «إليهما »، وقوله: «لأحدهما ».2

1. في «م »: لم.
2. لمزيد من التفاصيل حول نسبة اللفظ إلى المعنى راجع: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/180، والمحصول:1/80.

صفحه 141
قال قدس الله روحه: الوجه الرابع: اللفظ المفيد إن لم يحتمل غير معناه فهو النص، وهو الراجح المانع من النقيض، وإن احتمل وكان راجحاً فهو الظاهر، والمشترك بينهما ـ وهو مطلق الرجحان ـ المحكم، وإن تساويا فهو المجمل، ومرجوح الظاهرالمؤول، والمشترك بينه وبين المجمل ـ وهو نفي الرجحان ـ المتشابه. *

* [ في النص والظاهر والمحكم والمجمل والمؤوّل والمتشابه ]

أقول: هذا تقسيم آخر للفظ المفيد ـ أعني: الدال على المعنى بالوضع باعتبار صفة دلالته على ذلك المعنى ـ وذلك أن يقال: اللفظ المفيد لمعنى إمّا أن يحتمل أن يراد منه غير ذلك المعنى بالنظر إلى اللغة التي وقع بها التخاطب، أو لا.
والثاني النص وهو الراجح الدلالة على معناه المانع من النقيض. وهو لغة: الظهور، ومنه منصّة العروس لظهورها وارتفاعها. وإنّما قيدنا باللغة التي وقع بها التخاطب، لأنّ اللفظ قد يكون نصّاً بالنظر إلى لغة لعدم احتمال إرادة غير معناه منه بحسب تلك اللغة، ومجملاً بالقياس إلى لغة أُخرى.
والأوّل وهو الذي يحتمل أن يراد به غير معناه بحسب تلك اللغة التي وقع بها التخاطب، إمّا أن يكون دلالته على معناه أرجح من ذلك الغير المحتمل، أو لا.
والأوّل هو الظاهر بالنسبة إلى معناه وبالنسبة إلى ذلك الغير المحتمل

صفحه 142
يكون مأوّلاً، كلفظة الأسد فإنّه ظاهر بالنسبة إلى الحيوان المفترس ومأوّل بالنسبة إلى الرجل الشجاع، وهو الراجح الدلالة على معناه الذي لا يمنع النقيض.
وقد ظهر أنّ بين النص والظاهر مشتركاً وهو مطلق الراجح الدلالة على معناه ويسمّى ذلك المشترك محكماً، وهو جنس لنوعي النص والظاهر.
والثاني هو الّذي لا يكون دلالته على معناه أرجح من ذلك الغير المحتمل الإرادة منه، بل كانا متساويين في دلالته عليهما يسمّى مجملاً بالنظر إلى كلّ منهما، كالقرء بالنسبة إلى كلّ واحد من معنييه. فقد اشترك المجمل والمؤوّل في أنّ كلاًّ منهما ليس راجح الدلالة على معناه، ويسمّى هذا المشترك متشابهاً فهو جنس لنوعي المجمل والمؤوّل، وينفصل المؤوّل عن المجمل بالمرجوحية والمجمل عنه بسلبها.
وقول المصنّف: «وإن تساويا » إشارة إلى معنى اللفظ وذلك الغير المحتمل والمراد بتساويهما في إفادة اللفظ لهما.
وفي جعل الرجحان محكماً ونفيه متشابهاً نظر، إذ المحكم اللفظ الراجح الدلالة على معناه، والمتشابه اللفظ الذي ليس براجح الدلالة لا نفس الرجحان وعدمه.1

1. لمزيد من التفاصيل راجع: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/182ـ183، والمحصول:1/81ـ82.

صفحه 143
قال قدس الله روحه: الخامس: اللفظ المركّب إن كان تامّاً ودل على طلب الفعل دلالة أولية فهو الأمر إن قارن الاستعلاء، والالتماس إن قارن التساوي، والسؤال والدعاء إن قارن الخضوع، وإلاّ فهو التنبيه إن لم يحتمل الصدق والكذب. وهو جنس للتمنّي والترجّي والتعجّب والقسم والنداء والعرض، وإن احتملهما فهو القضية والخبر والقول الجازم. وإن لم يكن تامّاً فهو إمّا تقييدي وهو المركب من الموصوف والصفة، أو غير تقييدي وهو المركب من اسم وأداة، أو من كلمة وأداة، أو من غيرهما. *

* [ في أقسام اللفظ المركّب ]

أقول: لمّا ذكر أقسام اللفظ المفرد شرع في ذكر أقسام المركّب، وقدّم الأوّل على الثاني لتقدّم المفرد على المركب بالذات.
واعلم أنّ اللفظ المركب إمّا أن يكون تاماً، أو غير تام.
والمراد بالتام: ما يحسن السكوت عليه، وهو إمّا أن يدلّ على طلب الفعل دلالة أولية، أي وضعية، أو لا.
والأوّل: هو الأمر إن قارن الاستعلاء، وهو طلب العلو بذلك القول على المخاطب، كقول الإنسان لعبده: قم. فإن قارن التساوي فهو الالتماس، كقول الإنسان لمساويه مرتبة1 من غير استعلاء عليه ولا خضوع له: إفعل. وإن قارن الخضوع والتذلّل فهو السؤال والدعاء، كقوله: «اللّهمّ اغفر لي ».

1. في «م »: رتبة.

صفحه 144
والثاني: وهو ما لا يدلّ على طلب الفعل دلالة أوّلية إن لم يكن محتملاً للصدق والكذب فهو التنبيه. وهو جنس يندرج تحته أنواع كثيرة، كالتمنّي مثل: يا ليتني كنت معهم، والترجّي مثل: (لَعلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعدَ ذَلِكَ أَمْراً)1،والتعجّب مثل: ما أحسن زيد، والقسم مثل: بالله، والنداء مثل: يا يحيى، والعرض مثل: ألا تزورنا.2
وإن كان محتملاً للصدق والكذب على سبيل البدل ـ كالجملة الاسمية مثل قولنا: زيد قائم، والفعلية مثل: قام زيد ـ فهو القضية والخبر والقول الجازم.
والمراد باحتمال الصدق والكذب إنّما هو من حيث ذات اللفظ المركّب لا بالنظر إلى مادة معينة أو متكلّم مخصوص.
ويدخل حينئذ في ذلك ما لا يحتمل الكذب أصلاً، مثل قولنا: الاثنان زوج، ومثل خبر الله تعالى وخبر رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم).
وما لا يحتمل الصدق أصلاً، كقولنا: الاثنان فرد، لأنّ عدم الاحتمال هنا إنّما هو باعتبار المادة المخصوصة والمخاطب المخصوص لا من حيث اللفظ، فإنّ القضية من حيث مفهومها محتملة لهما.
وأمّا غير التام: فهو إمّا تقييدي، وهو المركّب من لفظين فصاعداً أحدهما قيد في الآخر ومخصّص له، كالحيوان الناطق. وقد يقوم مقامهما

1. الطلاق:1.
2. وقد تنظّر فيه العلاّمة في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/184 قائلاً: وفيه نظر، فإنّ التمنّي والترجّي يشتملان على طلب الفعل، وقد جُعلا في التقسيم قسيمين.

صفحه 145
لفظ واحد كهذا المثال، فإنّ لفظ الإنسان قائم مقامهما في الدلالة على المعنى. وقد لا يقوم مقامهما لفظ واحد كالإنسان الفاضل. والغالب أن يكون مركباً من الموصوف وصفته، وهذا النوع من التركيب ينتفع به في اكتساب التصوّرات، فإنّ الحدود والرسوم إنّما يكون من هذا القبيل. وقد يكون مركباً لا من الموصوف والصفة، كرامي الحجارة وغلام زيد.
وإمّا غير تقييدي، وهو المركّب من اسم وأداة، مثل: «زيد في » أو كلمة وأداة مثل: «صعد على »; أو من غيرهما، أي غير كلمة وأداة، كمركب من اسمين كزيد وعمرو، أو من فعلين مثل: «جلس يتكلّم »، أو من حرفين مثل: «هل في ».
والضمير في قول المصنّف:«أو غيرهما » عائد إلى الكلمة والأداة. والمراد بالكلمة الفعل، وبالأداة الحرف وهي لغة الآلة.1
إذا تقرّر هذا فاعلم أنّه يلزم ممّا ذكره المصنّف من التقسيم هاهنا أن يكون النهي والاستفهام داخلين تحت جنس التنبيه، لأنّ كلاًّ منهما لا يدلّ على طلب الفعل ولا يحتمل الصدق والكذب، وذلك مخالف للاصطلاح.
والأولى أن يقال: اللفظ المركّب إن دلّ على الطلب دلالة أوّلية فإمّا على طلب الفهم وهو الاستفهام، أو على طلب الفعل وهو الأمر وقسيماه كما ذكر، أو على طلب الترك وهو النهي; وإن لم يدل على الطلب أصلاً فإن احتمل الصدق والكذب فهو الخبر، وإلاّ فهو التنبيه.

1. راجع: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/184، والمحصول:1/82.

صفحه 146
قال قدس الله روحه:السادس: اللفظ المفرد قد يكون مدلوله لفظاً إمّا مفرداً دالاً على معنى، كالكلمة الدالة على الاسم الدال على المعنى; أو غير دال، كالحرف المعجم الدال على كلّ واحد من الحروف التي لا تفيد شيئاً. وإمّا مركباً كالخبر والقضية . *

* [ في تقسيم اللفظ بالنسبة إلى معناه ]

أقول: هذا تقسيم آخر للفظ المفرد الدال باعتبار انقسام معناه اللفظي، وكان الأليق تقديم هذا التقسيم على الذي قبله وهو تقسيم اللفظ المركّب إلحاقاً له بباقي تقاسيم المفرد السابقة، لما عرفت من تقديم المفرد على المركّب لكن لمّا كان هذا التقسيم للفظ المفرد باعتبار دلالته على أقسام اللفظ المفرد والمركّب ذكره بعد ذكر أقسام المركّب.
واعلم أنّ مدلول اللفظ قد يكون لفظاً، وقد يكون معنى غير لفظ. والثاني قد تقدّم ذكر أقسامه.
والأوّل إمّا أن يكون ذلك اللفظ ـ أعني: المدلول ـ مفرداً، أو مركّباً. وعلى كلا التقديرين فإمّا أن يكون دالاًّ على معنى، أو غير دال. فالأقسام أربعة:
الأوّل: لفظ مفرد دال على مفرد دال على المعنى، كالكلمة الدالّة على الاسم الدالّ على المعنى.وكذلك أنواع الكلمة كلفظ الاسم فإنّه يدلّ على لفظ آخر دال على معنى، كالرجل الدال على معناه; وكلفظ الفعل الدال على لفظ آخر دال على معنى، كقام الدال على معناه.

صفحه 147
الثاني: لفظ دال على لفظ آخر غير دال على معنى، وذكر في مثاله الحرف المعجم فإنّه إنّما يدلّ على كلّ واحد من الحروف المعجمة كالألف والباء والتاء مثلاً فإنّها لا تدلّ على شيء.
وقد قيل على هذا: إنّ التمثيل به غير مطابق، لأنّا لا نسلم عدم دلالة كلّ واحد من الحروف المعجمة على معنى، فإنّ الألف تدلّ على المدة، والباء تدلّ على رقمها المخصوص بها، وكذا باقيها، وحينئذ يكون لفظ الحرف من القسم الأوّل لا من الثاني.
وأُجيب1: بأنّا لا نعني بعدم دلالته على شيء إلاّ دلالته على تلك المدة وذلك الرقم المخصوص.
وفيه نظر، فإنّ في هذا الجواب اعترافاً بدلالته على معنى ما، فلا يدفع الإيراد المذكور. والحق في الجواب أن يقال: المراد بدلالة اللفظ على المعنى دلالته عليه باعتبار كون اللفظ موضوعاً له، والألف وغيره من الحروف لا يدل على الرقوم باعتبار كونها موضوعة لتلك الرقوم، بل باعتبار كون تلك الرقوم موضوعة لها، وعلى هذا تكون مهملة، إذ المهمل هو اللفظ الذي لم يوضع لمعنى، وإن وضع له معنى من لفظ أو رقم كلفظ المهمل والمثال الذي لا يرد عليه ذلك لفظ المهمل فإنّه لفظ دالّ على لفظ كديز لا يدل على شيء. وأيضاً التمثيل بالحروف المعجمة غير مطابق لهذا القسم من وجه آخر وهو أنّه لفظ مركّب ومورد القسمة اللفظ المفرد، وفخر الدين الرازي إنّما مثّل به، لأنّه جعل مورد القسمة اللفظ مطلقاً من

1. ذكر الإشكال وأجاب عنه الرازي في المحصول:1/84.

صفحه 148
غير تقييد بافراد ولا تركيب.
الثالث: لفظ دال على لفظ مركّب دال على معنى وهو كثير، كلفظ الخبر فإنّه دال على مثل: زيد قائم، وهو لفظ مركّب دال على معناه، وكلفظ الأمر الدال على مثل: قم، وهو لفظ مركّب دال على معنى.
الرابع: لفظ دال على لفظ مركّب مهمل. قال فخر الدين الرازي في «المحصول »: والأشبه أنّه غير موجود، لأنّ التركيب إنّما يصار إليه لغرض الإفادة فحيث لا إفادة لا تركيب.1 والمصنّف ـ طاب ثراه ـ أهمل هذا القسم لذلك.
وفيه نظر، فإنّه لا يلزم من عدم وجوده ممّن لا يتكلّم إلاّ لغرض الإفادة عدم وجوده مطلقاً، ولو سلّم لكن لا يستلزم(2) من عدم وجوده عدم وضع لفظ بإزائه، فإنّه قد وضعت الألفاظ للمعدومات بل وللممتنعات، وقد ذكر بعض المتأخّرين في مثاله الهذيان.
والحق أن يقال: إن أُريد بالمركّب ما يدلّ جزؤه على جزء معناه لم يعقل مركّب مهمل، وإن أُريد به ضم لفظ إلى آخر جاز وقد وجد لفظ دال على مثل ذلك كمهملين فإنّه لفظ واحد صادق على مثل قولنا: دَيز لجزء وهو مركب لا يفيد شيئاً.
في الأسماء المشتقة   
واعلم أنّ اللفظ قد يكون مدلوله عدم اللفظ كالسكوت، وقد يكون مدلوله لفظاً مطلقاً أعمّ من كونه مهملاً أو مستعملاً مفرداً أو مركباً كنفس قولنا: لفظ.

1. المحصول:1/84.   2 . في «م »: يلزم.

صفحه 149
قال قدس الله روحه:

الفصل الرابع:

في الأسماء المشتقة

الاشتقاق اقتطاع فرع من أصل، تدور في تصاريفه حروف ذلك الأصل الأصول 1، وهو إمّا بالزيادة أو النقصان أو بهما، إمّا في الحروف أو الحركات أو فيهما، فالأقسام خمسة عشر. *
* أقول: لمّا كان اللفظ تارة يدل على الذات وتارة على الصفات وذكر المصنّف(رحمه الله)الأوّل وأنواعه وأصنافه وجب عليه ذكر الثاني وهو المشتق، وهذا الفصل مشتمل على ذلك، وإنّما قدم الأوّل على الثاني لتقدّم الذات على الصفة بالذات. والبحث هاهنا يتعلّق إمّا بماهية الاشتقاق، أو بأقسام المشتق أو أحكامه.
أمّا الأوّل فقال بعضهم2: الاشتقاق أن تجد بين اللفظين تناسباً في

1. ليس في المطبوع.
2. القائل هو أبو الفضل أحمد بن محمد بن أحمد الميداني النيسابوري(المتوفّى 518هـ) على ما نقله عنه العلاّمة في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/187، والرازي في المحصول:1/85.

صفحه 150
المعنى والتركيب، فيردّ أحدهما إلى الآخر.
وزيّف بأنّ الاشتقاق ليس عبارة عن وجدان التناسب المذكور، وبأنّه منقوض بالفعل الماضي والمستقبل كضرب يضرب، فإنّا نجد بينهما تناسباً في المعنى والتركيب وليس أحدهما مشتقاً من الآخر.1
وقال آخرون2: الاشتقاق اقتطاع فرع من أصل يدور في تصاريفه ـ أي تصاريف ذلك الفرع ـ حروف ذلك الأصل الأُصول.
والمراد بالتصاريف تنقلات الكلمة المركّبة من حروف معيّنة من صيغة إلى أُخرى مخالفة لها لتدل على المعاني المختلفة; فإنّ التصاريف لغة جمع تصريف، وهو مصدر: صرفت الشيء إذا جعلته في جهات مختلفة تشبيهاً له بتصريف الرياح من مهابها. وحروف الكلمة كالمادة والصيغ المختلفة بحسب تصاريفها كالصور المتعاقبة عليها.
ونسبة التصاريف إلى الأفعال كنسبة الإعراب إلى الأسماء، فكما أنّ الحركات الإعرابية تدلّ على المعاني المختلفة مع اتّحاد اللّفظ المعرب، فكذلك التصاريف تدلّ على المعاني المختلفة مع اتّحاد مادة الكلمة; كالضرب مثلاً فإنّ حروفه في ضرب يضرب فهو ضارب ومضروب وضربت واضرب موجودة مع اختلاف المعاني باختلاف هذه الصيغ، فإنّ الأوّل يدلّ على الماضي، والثاني على المستقبل، والثالث على الفاعل، والرابع على المفعول، والخامس على نسبة الضرب إليه في الزمان

1. تنظّر فيه العلاّمة في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/187.
2. القائل هو الرماني في كتاب الحدود النحوية. راجع نفائس الأُصول:1/323. وتوجد أقوال أُخرى ذكرها العلاّمة، فمن أراد الاطلاع عليها فليراجع: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/187ـ188.

صفحه 151
الماضي، والسادس على طلب الضرب.
وإنّما قيّد حروف ذلك الأصل بالأُصول ليخرج الحروف الزائدة عنه، فإنّه لا يجب بقاؤها عند تصاريفه.
والحروف الزائدة عشرة تجمعها: هم يتساءلون. وليس المراد أنّها تكون زائدة دائماً، بل إن كان في كلمة حرف زائد فهو منها. وهذا التعريف هو المذكور في الكتاب.
وعلى كلّ حال لابدّ في الاشتقاق من أركان أربعة: الأصل وهو المشتق منه وهو لفظ موضوع لمعنى، والفرع المشتق وهو لفظ آخر موضوع لمعنى مناسب للمعنى الأوّل، واشتراك اللفظين في الحروف الأصلية التي للأصل.
والتغيير يلحق الفرع إمّا بزيادة حركة، أو حرف، أو هما معاً; أو نقصان حركة، أو حرف، أو هما معاً; أو بالزيادة والنقصان معاً فيهما، أو في أحدهما، إذ لولا ذلك لكان المشتق والمشتق منه واحد، هذا خلف.
وأقسام المشتق حينئذ خمسة عشر، وإنّما كان كذلك لأنّ أقسام الزيادة وحدها ثلاثة وهي: زيادة حرف، زيادة حركة، زيادة حرف وحركة، وكذا أقسام النقصان تصير ستة، وأقسام اجتماع أحوال الزيادة الثلاثة مع أحوال النقصان الثلاثة تسعة، ضرورة كون الحاصل من ضرب ثلاثة في مثلها تسعة، فإذا ضمت إلى ستة صارت خمسة عشر.1

1. أمّا فخر الدين الرازي فقد جعلها تسعة أقسام، والظاهر أنّه رأى التغيير بزيادة ونقصان وبهما في ثلاثة: حرف، وحركة، وفيهما معاً. ومضروب الثلاثة في نفسها تسعة. راجع: المحصول1/85، ونهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/188.

صفحه 152
قال قدس الله روحه:الأوّل: زيادة الحركة، نحو «طَلَبَ » من «الطَلَب »، فإنّ حركة البناء كالخبر بخلاف حركة الإعراب العارضة. الثاني: زيادة الحرف فقط، نحو«كاذِب » من «الكَذِب ». الثالث: زيادتهما معاً، نحو «طالَبَ » من «الطَلَب »، زيدت الألف وحركة الباء للبنائية. الرابع: نقصان الحركة فقط، نحو «حَذِر » من «حَذِرَ » نقصت حركة البناء. الخامس: نقصان الحرف فقط، نحو:«خَفْ » من «الخوف ». السادس: نقصانهما معاً، نحو: «عِد » من «العدة »، نقصت الهاء التي هي عوض من الواو وحركة الدال. السابع: نقصان الحركة مع زيادتها، نحو«كَرُم » من «الكَرَم »، نقصت الفتحة وزيدت الضمة. الثامن: نقصان الحركة مع زيادة الحرف، نحو «عليم » من «عَلِمَ »، نقصت حركة الميم وزيدت الياء. التاسع: نقصان الحركة مع زيادتهما، نحو«اضرب » من «الضرب »، نقصت حركة الضاد وزيدت الهمزة متحركة وكُسِرت الراء. العاشر: نقصان الحرف مع زيادته، نحو«ديّان » من «الديانة »، نقصت التاء وزيدت ياء ساكنة. الحادي عشر: نقصان الحرف مع زيادة الحركة، نحو«ثبت » من «الثبات »، نقصت الألف وزيدت فتحة التاء للبناء. الثاني عشر: نقصان الحرف مع زيادتهما، نحو«خاف » من «الخوف »، نقصت الواو وزيدت الألف وفتحة الفاء. الثالث عشر: نقصانهما معاً مع زيادتهما معاً، نحو«ارم » من «الرمي »، زيدت الألف متحركة وكُسِرت الميم
والستة بسائط، إذ ليس فيها إلاّ تغير واحد إمّا بالزيادة وحدها وهي الثلاثة الأُول، أو بالنقصان وحده وهي الثلاثة الثانية.
وأمّا التسعة الحاصلة من ضرب الثلاثة الأُول في الثانية فمركّبات، إذ 2
كلّ واحد منها فيه تغييران: تغيّر بزيادة وتغيّر بنقصان.

صفحه 153
ونقصت الياء وفتحة الراء. الرابع عشر: نقصانهما معاً مع زيادة الحركة، نحو«عِد » من «الوعد »، نقصت الواو متحركة وزيدت كسرة العين. الخامس عشر: نقصانهما معاً مع زيادة الحرف، نحو:«كالّ » من «الكلال »، نقصت الألف التي بين اللامين وحركة اللام الأُولى وأُدغمت في الثانية وزيدت ألفاً بعد الكاف. *
E
* أقول: لمّا أشار المصنّف ـ طاب ثراه ـ إلى الأقسام الخمسة عشر الممكنة على سبيل الإجمال أراد الإشارة إليها على سبيل التفصيل وذكر أمثلتها زيادة في إيضاحها، وإنّما بدأ بذكر الأقسام البسيطة على المركبة، لتقدّم البسيط على المركب طبعاً فإذا قدم وضعاً يوافق الوضع والطبع; وقدّم أقسام الزيادة على أقسام النقصان، لكون الزيادة وجودية والنقصان عدميّاً; وقدّم زيادة الحركة على زيادة الحرف، لأنّ الحركة كالجزء من الحرف، فإنّ الواو يتولّد من إشباع الضمّة، والألف من إشباع الفتحة، والياء من إشباع الكسرة، والجزء مقدّم على الكل بالذات. وهذه هي أمثلة الأقسام كلّها.
الأوّل: زيادة الحركة في المشتق على المشتق منه طَلَبَ من الطلب، فإنّ المشتق وهو الفعل الماضي إنّما زاد على المشتق منه وهو المصدر بفتح الباء، وهي حركة بناء، وإنّما اعتبرت حركة البناء دون حركة الإعراب، لأنّ حركة البناء لازمة للكلمة لا تفارقها، فصارت كالجزء منها. وأمّا حركة الإعراب فإنّها عارضة مفارقة للكلمة زائلة عنها عند زوال العامل، فلم يكن معتدّاً بها.

صفحه 154
قيل على هذا: لا نسلّم أنّ حركة الإعراب عارضة للكلمة مفارقة لها، لأنّ المراد ليس الحركة الشخصية ولا الصنفية كالرفع مثلاً والنصب، بل المراد الحركة النوعية، أعني: مطلق حركة الإعراب، سواء كانت رفعاً أو نصباً أو جرّاً، وتلك لازمة للاسم المعرب الصحيح، فإن اقتضى اللزوم وعدم الزوال اعتبار حركة البناء اقتضى اعتبار حركة الاعراب المطلقة.1
فإن قلت: الإعراب إنّما يلحق الاسم بعد تمامه وأصله السكون، ولا ينافي هذا قول جمهور النحاة: إنّ الأصل في الأسماء الإعراب، لأنّ النظر النحوي في الاسم إنّما هو من حيث عروض التركيب له، والإعراب أصل في الأسماء من هذه الحيثية، بخلاف الاشتقاق فإنّ نظره يتعلّق بجوهر الكلمة المفردة من حيث الوضع الإفرادي.
قلت: الفعل الماضي أيضاً بالنظر إلى الوضع أصله الوقف، بدليل أنّ الأصل في الأفعال البناء، والأصل في البناء السكون، فكيف تصير حركته أصلاً؟!
ويمكن أن يجاب: بأنّ حركة الإعراب سواء كانت شخصية أو نوعية فهي إنّما تلحق الكلمة بسبب خارج عنها وهو العامل، فكما أنّ الشخصية محتاجة إلى عامل شخصي كذلك النوعية محتاجة إلى عامل نوعي، فهي عارضة للكلمة قطعاً; بخلاف حركة البناء فإنّ لحوقها للكلمة لا بسبب خارج عنها فكانت لازمة فاشبهت الجزء من هذه الحيثية، وهذا القدر كاف في اعتبار حركة البناء وإلغاء حركة الإعراب. وإذا أردنا التمثيل بكلمة مشتقة زيد فيها عن مصدرها حركة أصلية قلنا: ضرب من الضرب، أو قتل

1. في«م »: مطلقاً.

صفحه 155
من القتل; فإنّ الراء في المثال الأوّل والتاء في المثال الثاني ساكنان في المصدر، متحرّكان في الفعل.
الثاني: زيادة الحرف فقط: كاذِب من الكَذِب، فإنّ اسم الفاعل وهو الكاذب إنّما زاد على مصدره المشتق منه وهو الكذب بالألف خاصة.
الثالث: زيادة الحركة والحرف معاً: طالَبَ من الطَلَب، زدت في طالب الذي هو الفعل الماضي على الطلب الذي هو المصدر ألفاً وحركة الباء للبناء، ولو لم يعتبر حركة البناء قلنا في مثال هذا القسم: ضارب من الضرب زيد الألف وكسر الراء.
الرابع: نقصان الحركة فقط: حَذِر من حَذِرَ، فإنّ الراء من حذر الأوّل من اسم الفاعل ساكنة وفي الماضي متحركة للبناء، وهذا بناء على اعتبار حركة البناء وعلى اشتقاق اسم الفاعل من الفعل الماضي. ولو لم يعتبر حركة البناء قلنا في مثاله: ضرب من الضرب نقصت حركة الراء فإنّها متحركة في الفعل المشتق منه وساكنة في المصدر المشتق وهذا على رأي الكوفيين حيث ذهبوا إلى اشتقاق المصدر من الفعل بدليل توكيده من المصدر1، مثل: قمت قياماً، والمؤكد أولى بالأصالة من المؤكّد.
الخامس: نقصان الحرف فقط: خَفْ من الخوف، نقصت الواو فإنّها موجودة في المصدر المشتق منه مفقودة في فعل الأمر المشتق.
السادس: نقصان الحركة والحرف معاً: عِد من العدة، نقصت الهاء التي هي عوض عن الواو إذ الأصل الوعد، ونقصت أيضاً حركة الدال فإنّها

1. في «أ » بالمصدر.

صفحه 156
مفتوحة في العدة ساكنة في عد، والهاء المذكورة إنّما هي هاء في الخط وفي النطق عند الوقف وعند الدرج هي تاء.
السابع: نقصان الحركة مع زيادتها نحو: كَرُم من الكَرَم، نقصت فتحة الراء وزدت ضمّتها.1
الثامن: نقصان الحركة مع زيادة الحرف، مثل: عليم من علم، نقصت حركة الميم البنائية وزدت ياء، وهذا بناء على الاشتقاق من الفعل الماضي.
وعلى قول من لا يجعل الفعل الماضي مشتقاً منه يقال في مثاله: عادٌّ من العدد، ونقصت حركة الدال الأُولى المدغمة في الثانية وزدت ألفاً بعد العين.
التاسع: نقصان الحركة مع زيادة الحرف والحركة: اضرب من الضرب، نقصت حركة الضاد وزدت الهمزة متحركة وكسرة الراء.
العاشر: نقصان الحرف مع زيادته: ديّان من الديانة، نقصت التاء التي هي هاء عند الوقف وفي الخط وزدت ياء ساكنة مدغمة في الياء الأُخرى المفتوحة.
   
قيل2 على هذا: إنّ حركة النون التي قبل الياء في المشتق منه مفقودة في المشتق، وحينئذ لا يكون هذا المثال مطابقاً لهذا القسم، بل للقسم الخامس عشر وهو نقصان الحرف والحركة مع زيادة الحرف، والمثال المطابق لهذا القسم: «واكف » من «الوكيف » نقصت الياء وزدت الألف.

1. تنظّر فيه العلاّمة في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/190 قائلاً: فإنّ الاعتبار هنا بالحركة النوعيّة لا الشخصيّة، وإلاّ زادت الأقسام.
2. القائل هو العلاّمة في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/191.

صفحه 157
قال قدس الله روحه: ولا يشترط قيام المعنى بما صدق عليه الاشتقاق، فإنّ الضارب يصدق على ذات والضرب قائم بغيرها. *
الحادي عشر: نقصان الحرف مع زيادة الحركة: ثبت من الثبات، نقصت الألف وزدت حركة التاء للبناء.
الثاني عشر: نقصان الحرف مع زيادة الحركة والحرف معاً، مثل: خاف من الخوف، نقصت الواو وزدت الفاء، وفتحة الفاء للبناء.
الثالث عشر: نقصان الحركة والحرف مع زيادة الحركة والحرف معاً، مثل: ارم من الرمي، زدت الهمزة المتحركة وكسرة1 الميم ونقصت الياء وفتحة الراء.
الرابع عشر: نقصان الحركة والحرف معاً مع زيادة حركة فقط، مثل: عِدْ من الوعد، نقصت الواو وحركتها وهي الفتحة وزدت كسرة العين.
الخامس عشر: نقصان الحركة والحرف معاً مع زيادة الحرف فقط، مثل: كال من الكلال، نقصت الألف التي بين اللامين وحركة اللام الأُولى المدغمة في الثانية وزدت ألفاً بعد الكاف.
* أقول: لمّا فرغ من ذكر أقسام المشتق الخمسة عشر وأمثلتها مفصّلة، شرع في ذكر أحكام المشتق منه. وهي مسائل:

الأُولى: [ في أنّ صدق المشتق قد ينفك عن صدق المشتق منه ]

إنّه لا يشترط في صدق اللفظ المشتق على الذات قيام المعنى

1. في «أ »: كسرت.

صفحه 158
المشتق منه بتلك الذات وهو مذهب المعتزلة وأصحابنا خلافاً للأشاعرة.1
لنا: إنّه لو كان قيام المعنى الذي منه الاشتقاق بالذات التي يصدق عليها المشتق شرطاً لصدق اللفظ المشتق لما صدق على من صدق منه الضرب أنّه ضارب، والتالي باطل اتفاقاً، فكذا المقدّم.
أمّا بيان الملازمة: فلأنّ قيام الضرب الذي منه الاشتقاق إنّما هو ثابت للمضروب لا لمن صدر منه الضرب، وحينئذ ينتفي صدق الضارب على من صدر منه الضرب لانتفاء شرطه. ولأنّ الله تعالى متكلّم وليس الكلام قائماً بذاته، لأنّه عبارة عن الحروف والأصوات الحادثة الممتنع قيامها بذاته تعالى وإنّما يقوم بأجسام جمادية، فلو كان صدق اللفظ المشتق على الذات مشروطاً بقيام المعنى بها لوجد المشروط بدون شرطه، وأنّه محال. وأيضاً يصدق عليه تعالى أنّه خالق والخلق ليس قائماً بذاته تعالى، لأنّه عبارة عن المخلوق، إذ لو كان مغايراً له لزم التسلسل وليس المخلوق قائماً بذات الله تعالى بالضرورة .
فإن قلت: لا نسلم أنّ الضرب قائم بالمضروب، إذ ليس المراد به الأثر القائم بالمضروب، بل المراد تأثير القادر فيه، وذلك التأثير إنّما هو قائم بالضارب لا بالمضروب، وليس صدق التكلّم على الله تعالى باعتبار خلقه الأصوات والحروف القائمة بالأجسام الجمادية، بل باعتبار قيام المعنى القديم، أعني: الكلام النفساني الذي يدلّ عليه الحروف والأصوات بذاته

1. راجع: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/193; المحصول:1/86.

صفحه 159
تعالى والخلق ليس هو المخلوق، بل التعلّق الحاصل بين المخلوق والقدرة حالة الإيجاد، ولمّا نسب هذا التعلق إلى الله تعالى صدق لفظ الخالق عليه، وإطلاق الخلق على المخلوق مجاز.
قلت: التأثير ليس أمراً مغايراً للأثر وإلاّ لزم التسلسل، وأيضاً التأثير إن كان قديماً لزم قدم الأثر ضرورة استلزام قدم النسبة قدم المنتسبين لكونهما متقدمين عليها بالذات، وإن كان حادثاً كان له تأثير آخر وتسلسل. والقول بالكلام النفساني القديم باطل لكونه غير متصوّر، وقد بيّن ذلك في علم الكلام.1 والخلق ليس عبارة عن التعلّق ولو سلم ثبت المطلوب أيضاً، لأنّه حينئذ ليس قائماً بذاته تعالى لكونه حادثاً وامتناع قيام الحوادث بذاته تعالى، إذ لو كان قديماً لزم التسلسل ولزم قدم العالم أيضاً، لأنّ قدم التعلّق الذي هو نسبة بين الخالق والمخلوق يستلزم قدم المخلوق، وأنّه محال.
احتجت الأشاعرة بالاستقراء وهو هنا عبارة عن تتبع الكلمات المشتقة وعدم الظفر بكلمة منها صادقة على ذات، والمعنى المشتق منه قائم بغيرها.
وجوابه: ضعف الاستقراء وبطلانه بوجود الصور المذكورة.

1. للعلاّمة السبحاني بحث مفصّل حول هذه المسألة استعرض فيها أقوال المعتزلة والأشاعرة والإمامية وناقش استدلالاتهم وحججهم على ضوء الكتاب العزيز والسنّة النبوية وبالأدلّة العقلية والنقلية. راجع الإلهيات:1/189ـ220.

صفحه 160
قال قدس الله روحه: ولا يشترط بقاء المعنى في الصدق، فإنّ من انقضى منه الضرب يصدق عليه أنّه ضارب، لأنّ المراد من حصل له الضرب، وهو قدر مشترك بين الحال والماضي، وللإجماع من النحاة على أنّ اسم الفاعل بمعنى الماضي لا يعمل، ولصدق المتكلّم والمخبر والمؤمن على النائم. *

* [ الثانية: في أنّ بقاء المعنى هل هو شرط في الصدق؟ ]

أقول: هذه المسألة الثانية من المسائل الأربع وهي أنّه لا يشترط في صدق اللفظ المشتق على سبيل الحقيقة بقاء المعنى المشتقّ منه. وهو مذهب أصحابنا والمعتزلة وأبي علي ابن سينا1 خلافاً لجمهور الأشاعرة.2
احتجّ الأوّلون بوجوه ذكر المصنّف ـ طاب ثراه ـ منها أربعة:3

1. هو أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا، شرف الملك، الفيلسوف الرئيس، صاحب التصانيف في الطب والمنطق والإلهيات. أصله من بلخ، ومولده في إحدى قرى بخارى سنة370هـ ، نشأ وتعلّم بها، وطاف البلاد وناظر العلماء، واتّسعت شهرته وتقلّد الوزارة في همذان وثار عليه عسكرها ونهبوا بيته، ثم صار إلى إصفهان وصنّف بها أكثر كتبه، وعاد في أواخر أيامه إلى همذان، فمرض في الطريق ومات بها سنة 428هـ ، له مصنّفات تناهز المائة، ونظم الشعر الفلسفي الجيد، ودرّس اللغة حتى بارى كبار المنشئين. أشهر كتبه: القانون ـ ط كبير في الطب بقي معولاً عليه في علم الطب ستة قرون وترجمه الفرنج إلى لغاتهم وكانوا يتعلمونه في مدارسهم وطبعوه بالعربية وكان لابن سينا عندهم مكانة رفيعة، ومن تصانيفه: الشفاء في الحكمة ـ ط، المنطق ـ ط، الإشارات ـ ط، وغيرها. الأعلام:2/241.
2. راجع: المحصول:1/86; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/194.
3. ذكر العلامة في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/195 وجوهاً ستة مع ذكر الاعتراضات عليها والجواب عنها، فراجع.

صفحه 161
الأوّل: أنّ الضارب مثلاً من حصل له الضرب وهذا المفهوم ـ أعني: حصول الضرب له ـ أعم من حصوله له في الحال أو الماضي، بدليل أنّه قابل للتقسيم إليهما، ومورد التقسيم مشترك بين أقسامه لا محالة. وحينئذ يصدق على من انقضى منه الضرب أنّه ضارب حقيقة وإن صدق عليه أنّه ليس بضارب في الحال، لأنّ سلب الخاص الذي هو أحد قسمي المفهوم العام لا يستلزم سلبه.
الثاني: أنّ النحاة أجمعوا على أنّ اسم الفاعل كالضارب مثلاً إذا كان في تقدير الماضي لا يعمل عمل الفعل، فلا يقال: زيد ضارب عمراً أمس، ولو لم يتقرر عندهم أنّ اسم الفاعل يصحّ إطلاقه على ذات وجد منها الفعل في زمان ماض لكان هذا الكلام لغواً.
وفيه نظر، فإنّ ذلك إنّما يدلّ على صحّة إطلاقه بمعنى الماضي في الجملة، أمّا على كون ذلك الإطلاق حقيقة فلا والنزاع إنّما هو فيه.
الثالث: لو كان بقاء المعنى شرطاً في صدق المشتق لما صدق المتكلّم والمخبر على أحد حقيقة. والتالي باطل إجماعاً، فكذا المقدّم.
بيان الملازمة: أنّ الكلام مؤلف من حروف متتالية يعدم السابق منها بطريان اللاحق، وما كان كذلك فماهيته ممتنعة التحقّق، وما كان تحقّقه ممتنعاً فبقاؤه أحرى أن يكون ممتنعاً، إذ البقاء عبارة عن استمرار التحقّق، فلو كان ذلك البقاء شرطاً لصدق المشتق لكان ذلك الصدق ممتنعاً ضرورة استلزام امتناع الشرط لامتناع المشروط.
الرابع: لو كان بقاء المعنى المشتق منه شرطاً في صدق اللفظ المشتق لما صدق على النائم أنّه مؤمن. والتالي باطل وفاقاً، فالمقدّم مثله.
بيان الملازمة: أنّ الإيمان إمّا أن يكون عبارة عن العمل الصالح، أو عن

صفحه 162
التصديق، أو عنهما. وعلى كلّ تقدير فهو ممتنع التحقّق حال النوم، فلو كان شرطاً للصدق لكان صدق لفظ المؤمن عليه حال النوم ممتنعاً، لامتناع وجود المشروط عند عدم الشرط.
قيل1 على الأوّل: إنّ قبول التقسيم إلى الحاضر والماضي لو كان موجباً لكون إطلاق اللفظ على الماضي حقيقة لكان موجباً لكون إطلاق اللفظ على المستقبل حقيقة، لتحقّق قبول التقسيم إلى الحاضر والمستقبل، والتالي باطل اتّفاقاً، فالمقدم مثله والملازمة ظاهرة.
وعلى الثاني: إنّه معارض بما أجمع عليه النحاة من أنّ اسم الفاعل بمعنى المستقبل يعمل عمل الفعل كما يقال: «زيد ضارب عمراً غداً » فلو كان ذلك يقتضي كون الإطلاق حقيقة، لكان هاهنا كذلك، وهو باطل اتفاقاً.
وعلى الثالث: إنّ الأشياء التي يمتنع اجتماع أجزائها، في الوجود يكفي في صحّة إطلاق اللفظ المشتق منها وجود جزء من أجزائها.
وعلى الرابع: بالمنع من كون صدق لفظ المؤمن على النائم حقيقة.
وأُجيب عن الأوّل بالفرق، فإنّ الضارب من حصل له الضرب وفي المستقبل لم يحصل له الضرب، فكان صدق الضارب عليه مجازاً قطعاً، بخلاف الماضي. وهو بعينه الجواب عن الثاني.
وعن الثالث، لأنّه لا قائل بالفرق بين ما لا يجتمع أجزاؤه وما يجتمع، فالقول به خارق للإجماع.
وفيه نظر، فإنّ عدم القول بالفرق ليس قولاً بعدم الفرق ولا مستلزماً

1. القائل هو الرازي في المحصول:1/87ـ88.

صفحه 163
قال قدس الله روحه: وقولنا: «ليس بضارب الآن » لا يدلّ على النفي الكلّي، والمنع الشرعي من إطلاق «كافر » للمؤمن بعده لا يقتضي المنع اللغوي.*
له، وخرق الإجماع إنّما يكون في الثاني لا في الأوّل.
وعن الرابع: أنّ الأصل في الإطلاق الحقيقة.
* أقول: لمّا ذكر الأدلّة على ما اختاره أشار إلى ما عارض به الأشاعرة1 مع الجواب عنه، وذلك وجهان:
الأوّل: أنّ من انقضى منه الضرب مثلاً يصدق عليه أنّه ليس بضارب الآن، ومتى كان كذلك امتنع أن يصدق عليه أنّه ضارب حقيقة. أمّا الأوّل فللاتّفاق عليه. وأمّا الثاني فلأنّه إذا صدق عليه أنّه ليس بضارب الآن صدق عليه أنّه ليس بضارب مطلقاً، لأنّ ليس بضارب مطلقاً جزء من قولنا:«ليس بضارب الآن » وصدق الكلّ مستلزم لصدق كلّ جزء من أجزائه بالضرورة، فإذا صدق عليه أنّه ليس بضارب امتنع أن يصدق عليه أنّه ضارب، لأنّ ضارباً يناقض ليس بضارب، فلو صدقا معاً لزم اجتماع النقيضين، وأنّه محال.
والجواب: المنع من استلزام صدق ليس بضارب الآن لصدق ليس بضارب مطلقاً، فإنّ ضارباً الآن أخصّ من ضارب مطلقاً، فيكون سلب ضارب الآن أعم من سلب ضارب مطلقاً، لأنّ عدم الأخص أعم من عدم الأعم مطلقاً، وإذا كان ليس بضارب الآن أعم من ليس بضارب مطلقاً، لم

1. راجع: المحصول:1/86ـ87.

صفحه 164
يكن صدقه مستلزماً لصدقه، لأنّ صدق العام لا يستلزم صدق الخاص. والتحقيق هاهنا أنّ ضارباً عبارة عمّن حصل له الضرب، والضرب ماهية كلّية لها جزئيات كثيرة مختلفة بحسب اختلاف الأوقات من الماضي والحاضر والآلات كالسيف والسوط والقابل، أعني: المضروب كزيد وعمرو، فإذا قلنا:«ليس بضارب الآن » كان ذلك نفياً لجزئي معيّن من تلك الجزئيات وهو الضرب الواقع الآن، وإذا قلنا: «ليس بضارب مطلقاً » كان ذلك نفياً كلياً لسائر الجزئيات. والنفي الجزئي لا يستلزم النفي الكلّي، فلايدل عليه.
وإلى هذا أشار المصنّف ـ طاب ثراه ـ بقوله: وقولنا: «ليس بضارب الآن » لايدلّ على النفي الكلّي. وقولهم في الدليل: وصدق الكلّ مستلزم لصدق كلّ جزء من أجزائه.
قلنا: هذا مسلّم في جانب الإثبات، أمّا في جانب النفي فلا. وهو ظاهر فإنّ قولنا: «الفرس ليس بحيوان ناطق » صادق، وقولنا: «الفرس ليس بحيوان مطلقاً » الذي هو جزؤه ليس بصادق.
فإن قلت: ليس بضارب الآن قضية وقتية وهي مستلزمة للمطلقة العامة، أعني: ليس بضارب في الجملة مع اتّحاد موضوعهما، لأنّ المطلقة العامة أعم من كلّ قضية فعلية، وصدق الخاص مستلزم لصدق العام بالضرورة.
قلت: لا نسلم أنّها وقتية، بل هي مطلقة أيضاً والآن ليس وقتاً لسلب مطلق الضرب، بل للضرب المسلوب وهو الضرب المخصوص المقيّد بكونه واقعاً الآن. ومعنى قولنا: «ليس بضارب الآن » ليس بضارب يضرب موجود الآن. ولو كان المراد به كون الآن وقتاً لسلب مطلق الضرب منعنا

صفحه 165
قال قدس الله روحه: ولا يجب الاشتقاق مع قيام المعنى بالذات، فإنّ أنواع الروايح لم يشتق لمحالِّها أسماء منها. *
من صدقه، وكيف لا ومدّعانا أنّه يصدق على من انقضى منه الضرب أنّه ضارب على سبيل الحقيقة في الآن وبعده، ومن خواص الحقيقة عدم جواز السلب. ولو سلمنا أنّه ليس يصدق1 عليه أنّه ليس بضارب مطلقاً ولكن لا نسلّم أنّه حينئذ يمتنع أن يصدق عليه أنّه ضارب، إذ هما مطلقتان، والمطلقتان لا يتناقضان إنّما يتناقض المطلقة الدائمة.
والثاني: لو لم يشترط بقاء المعنى المشتق منه في صدق المشتق، لصدق على من كان كافراً وأسلم من صحابة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه كافر. والتالي باطل بالإجماع، فالمقدّم مثله، والملازمة بيّنة بنفسها.
والجواب: أنّ المنع هاهنا ليس من جانب الوضع اللغوي، بل هو سائغ بالنظر إليه وإنّما منع منه الشرع تعظيماً لشأن الإسلام، والكلام إنّما هو في صدق اللفظ المشتق من حيث اللغة لا من حيث الشرع.

* [ الثالثة: في أنّه هل يجب الاشتقاق مع القيام بالمحل؟ ]

أقول: هذه المسألة الثالثة من المسائل الأربع، وهي أنّ قيام المعنى بالذات لا يجب أن يشتق لها منه اسم وهو مذهب أصحابنا والمعتزلة، خلافاً للأشاعرة.2

1. في «أ »: يصدق.
2. على ما نقله فخرالدين الرازي في المحصول:1/91; والعلاّمة في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/199.

صفحه 166
قال قدس الله روحه: ومفهوم المشتق شيء ما له المشتق منه من غير دلالة على خصوصية الشيء. *
لنا: إنّ قيام المعنى بالذات لو كان موجباً للاشتقاق لما وجد من دونه. والتالي باطل، فالمقدّم مثله.
أمّا الملازمة فظاهرة، لأنّ العلّة الموجبة يستحيل تخلّف معلولها عنها.
وأمّا بيان بطلان التالي، فلأنّ أنواع الروايح كرائحة المسك والعنبر والكافور وغيرها قائمة بمحالها المذكورة قطعاً مع أنّه لم يشتق لتلك المحال منها اسماً اتّفاقاً.
وفيه نظر، فإنّ هذا الدليل إنّما يدلّ على أنّ قيام المعنى بالذات ليس علّة تامّة للاشتقاق ولايدل على أنّه ليس علّة في الجملة. ومن المعلوم أنّ إيجابه للاشتقاق مشروط، لكون ذلك المعنى القائم بالذات ذا لفظ موضوع بإزائه، إذ الاشتقاق لا يمكن من دون أصل تشتق منه وهو اللفظ الموضوع للمعنى فإنّه أحد أركان الاشتقاق، وأنواع الروايح وإن كانت قائمة بالمحال المذكورة، إلاّ أنّها خالية عن الشرائط المذكورة1، فإنّه لم يوضع لشيء منها لفظٌ بإزائه.

* [ الرابعة: في مفهوم المشتق ]

أقول: هذه رابعة المسائل المذكورة وهي أنّ اللفظ المشتق كالأبيض

1. في«م »: الشرط المذكور.

صفحه 167
مثلاً إنّما يدلّ على شيء ما له بياض، وليس له دلالة على خصوصية ذلك الشيء من كونه جسماً أو غير جسم، بل إنّما يستفاد ذلك من أمر خارج عن مفهوم اللفظ المشتق المطابقي، ولو دلّ على شيء من ذلك لكان بطريق الالتزام، إذ لفظ أبيض لم يوضع إلاّ لشيء ذي بياض، وأمّا خصوصية ذلك الشيء فلم يوضع له اللفظ وهي من أجزاء موضوع اللفظ فانتفت دلالة المطابقة والتضمّن والدليل على ما ذكرناه أن يقال: لو كان مفهوم الأبيض أنّه جسم لما صح أن يقال: أبيض الجسم. والتالي باطل، فالمقدّم مثله.
أمّا الملازمة، فلأنّ قولنا حينئذ: «الأبيض جسم » جار مجرى قولنا: «الجسم ذوالبياض جسم » ولا شك أنّ هذا هذر غير كلام صحيح.
وأمّا بيان بطلان التالي، فلأنّه يصحّ أن يقال لغة وعرفاً: «الأبيض جسم » وهو كلام مفيد وفاقاً.

صفحه 168
قال قدس الله روحه:

الفصل الخامس :

في المترادف

ووقوعه في نحو أسد وسبع وغيرهما يدلّ على جوازه، ولإمكان أن تضع قبيلة لفظاً للمعنى الذي وضعت له القبيلة الأُخرى لفظاً آخر، والباعث عليه من واضع واحد التسهيل والقدرة على الفصاحة، ولقيام الوزن بأحد اللفظين دون الآخر، وكذا السجع والقلب والتجانس وغيرها. *
* أقول: الكلام في المترادف إمّا في ماهيّته، وإمّا في أحكامه.
أمّا الأوّل فاعلم أنّ المترادف هو اللفظ الموضوع لمعنى وضع له لفظ آخر من حيث هو كذلك.1 فاللفظ كالجنس والتقييد بالموضوع لمعنى يخرج المهمل، وتقييد المعنى بكونه موضوع لفظ آخر يخرج اللفظ المباين لغيره من الألفاظ الموضوعة، وقولنا:«من حيث هو كذلك » لما عرفت من أنّ الترادف إنّما يلحق اللفظ عند نسبته إلى لفظ آخر موضوع

1. وقد عرّفه فخر الدين الرازي في المحصول:1/93 قائلاً: الألفاظ المترادفة هي: الألفاظ المفردة الدالّة على مسمّى واحد باعتبار واحد. وقد عرّفه العلاّمة بذلك في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/203.

صفحه 169
لمعناه، ومع قطع النظر عن ذلك لا يكون مترادفاً.
والمرادفة لغة: المتابعة. وإنّما أهمل المصنّف ـ طاب ثراه ـ تعريف المرادف هاهنا اكتفاء بما ذكره في تقسيم الألفاظ إلى المترادفة وغيرها، فإنّ فيه كفاية عن استيناف ذكره.

[ في أحكام المترادف ]

وأمّا أحكامه فمسائل:
الأُولى: في أنّه جائز. ويدلّ عليه أنّه لو لم يكن جائزاً ـ أي ممكناً ـ لما كان واقعاً، لكنّه واقع فيكون جائزاً.
أمّا الملازمة فظاهرة. وأمّا بيان أنّه واقع فإمّا بالنظر إلى لغتين فهو معلوم بالضرورة; وإمّا بالنظر إلى لغة واحدة فيدلّ عليه أنّ أهل اللغة نصّوا على أنّ كلّ واحدة من لفظتي الأسد والسبع موضوعة للحيوان المفترس، وأنّ كلّ واحدة من لفظتي الإنسان والبشر موضوعة للحيوان الناطق، وأنّ كلّ واحدة من لفظتي القعود والجلوس موضوعة للوضع المخصوص، وقولهم في أمثال ذلك حجّة.
ولأنّا نعلم بالضرورة أنّه يمكن أن تضع قبيلة لفظاً لمعنى ثم تضع قبيلة أُخرى لفظاً آخر لذلك المعنى بعينه من غير شعور بالوضع الأوّل.
وهذا هو السبب الأغلب في وضع المترادفات. ويمكن أن يضع واضع واحد لفظين أو أزيد لمعنى واحد ويكون الباعث له على ذلك والداعي له إليه تحصيل ما فيه من الفوائد، مثل اتّساع العبارة وسهولتها، والقدرة على التعبير عن المعنى عند نسيان أحد لفظيه، والتمكّن من الفصاحة ـ أي البلاغة ـ في النظم والنثر، ولقيام وزن الشعر بأحد اللفظين دون الآخر مثل قول الشاعر:

صفحه 170
أبلى الهوى أسفاً يوم النوى بدني *** وفرّق الهجر بين الجفن والوسن 1
فإنّه لو قال بدل النوى: البعد لم يقم وزن الشعر، ولو قال بدل الوسن: النوم لم يستقم الوزن ولم تحصل القافية.
وكذا السجع وهو الكلام المقفّى والقلب والتجانس وغيرها من أنواع البديع، فإنّ ذلك كلّه إنّما يسهل على المتكلّم مع وجود الألفاظ المترادفة.
فإن قلت: التجانس عبارة عن لفظين متساويين يدلّ كلّ منهما على معنى غير معنى الآخر، وذلك إنّما يكون بسبب الاشتراك، مثل: «احفظ العين بالعين » لا بسبب الترادف.
قلت: الاشتراك سبب في التجانس التام في الألفاظ الأصلية، وأمّا غير التام في الألفاظ الفرعية كالجموع والتثنية والمركّبات والمشتقات، كالأفعال وأسماء الفاعلين والمفعولين، فقد يقع التجانس فيها بسبب الترادف وهو كثير، مثل: «وسائل نجد وسائل » فإنّ الثاني جمع وسيلة المـرادفة للوصلة والذريعة2، فلو اقتصر الواضعون على لفظة واحدة من

1. القائل هو الشاعر المعروف أبو الطيب المتنبي وهو أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي الكندي الكوفي، ولد بالكوفة سنة 303هـ ، وقدم الشام في حال صباه وجال في أقطاره، واشتغل بفنون الأدب ومهر فيها، وكان من المكثرين من نقل اللغة والمطّلعين على غريبها وحواشيها، ولا يُسأل عن شيء إلاّ واستشهد فيه بكلام العرب من النظم والنثر. اتّصل بسيف الدولة الحمداني وانقطع إليه وأكثر القول في مدحه، ثم مضى إلى مصر فمدح بها كافور الخادم، وأقام هناك مدّة ثم خرج من مصر وورد العراق ودخل بغداد وجالس بها أهل الأدب، قُتل في شعبان سنة 354هـ ، في طريق عودته من بلاد فارس إلى بغداد بالقرب من النعمانية على يد فاتك بن أبي الجهل الأسدي. الكنى والألقاب:3/139.
2. في«م »: للوصيلة والذريعة الموصلة.

صفحه 171
قال قدس الله روحه: ويمكن إفراده بخلاف التابع. والمؤكِّد يفيد التقوية لا أصل المعنى. والحدّ يدل على علل الشيء المغايرة له، ويمكن إقامة كلّ واحد من المترادفين مقام صاحبه، لأنّ التركيب من عوارض المعاني. *
اللفظين المترادفين للوسيلة، أو عليهما لما أمكن هذا التجانس.
وكذا قول الشاعر:
وحللت فيهم سائلا *** ووجدت جوداً سائلاً
ولو جعلنا هذه الألفاظ مشتركة لاتّحادها وتعدّد معناها لم يناف كون السبب الترادف.
واعلم أنّه قد يشتهر بعض الألفاظ المترادفة عند قوم ويكثر استعماله في معناه دون مرادفه وحينئذ يعرّف الأخفى بالأظهر، وربّما انعكس الحال بالنسبة إلى قوم آخرين بأن يكون ذلك الظاهر خفيّاً عندهم والخفي ظاهراً، فيصير المعرَّف في الأوّل معرِّفاً وبالعكس. وهذا هو التعريف بحسب الاسم فإنّه عبارة عن تبديل لفظ بلفظ آخر أوضح منه في الدلالة على المعنى .
وقد ذهب قوم من المتكلّمين1 إلى أنّ هذا هو معنى التحديد، إذ لا معنى له إلاّ تبديل لفظ بلفظ آخر أوضح منه دلالة. وهو خطأ فإنّ الحد يدلّ بالتفصيل على ما يدلّ عليه الاسم إجمالاً.
* أقول: هاتان مسألتان أُخريان من مسائل أحكام الترادف:

1. ذكره العلاّمة في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/203.

صفحه 172

الأُولى: في ذكر ألفاظ ظن أنّها مترادفة وليست كذلك

ومنها:التابع والمتبوع، كقولهم: «شيطان ليطان »، و«عثمان مثمان » قال: قوم هما مترادفان.
وأبطل المصنّف ـ طاب ثراه ـ ذلك بأنّ المترادف يصحّ إفراده، أي إطلاقه منفكّاً عن ذكر مرادفه، كقوله تعالى:(ما هذا إلاّ بَشَر)1، (إنَّ الإنْسانَ لَفِي خُسْر).2والتابع ليس كذلك، لأنّه لا يقال: «ليطان » ولا «مثمان »، وكذا غيرهما من التوابع، وإنّما يقال بعد ذكر متبوعهما، فلا يكون التابع مرادفاً.3
ومنها المؤكِّد والمؤكَّد: فإنّ قوماً ذهبوا إلى أنّهما مترادفان، وهو خطأ، لأنّ المؤكِّد إنّما يفيد تقوية دلالة المؤكَّد على معناه لا أصل معناه، والمؤكَّد يفيد أصل المعنى لا تقويته. فإذن معناهما ليس واحداً والمترادفان معناهما واحد، فالمؤكِّد والمؤكَّد غير مترادفين.

[ في التأكيد وأحكامه ]

واعلم أنّ التأكيد لغة: الأحكام، وأمّا في الاصطلاح فقد فسّره فخر الدين الرازي بأنّه اللفظ الموضوع لتقوية ما يفهم من لفظ آخر.4
وفيه نظر، فإنّ هذا التعريف إنّما يصدق على المؤكّد لا على التأكيد، فإنّه ليس لفظاً بل معنى يدل عليه المؤكّد مع أنّه غير جامع، لأنّ التأكيد قد

1. المؤمنون:24 و 33.
2. العصر:2.
3. قال الرازي في المحصول:1/93: إنّ التابع وحده لا يفيد، بل شرط كونه مفيداً تقدّم الأوّل عليه.
4. المحصول:1/95.

صفحه 173
لا يكون بلفظ موضوع لتقوية ما يفهم من لفظ آخر كما يؤكد بتكرار اللفظ، وكون المقصود باللفظ ثانياً التأكيد لا يدلّ على أنّه موضوع له; ولأنّ بعض المعاني لا يقبل التقوية مع صحّة تأكيد ألفاظها الموضوعة لها.
والحقّ أن يقال: التأكيد تقوية دلالة اللفظ على معناه بلفظ مغاير له شخصاً.
والمؤكّد هو اللفظ المفيد لتقوية دلالة لفظ مغاير له شخصاً على معناه; وهو قد يكون للمفرد كلفظ النفس والعين، مثل: «رأيت زيداً نفسه أو عينه »; وللمثنى مثل كلا وكلتا، كـ «جاءني الرجلان كلاهما والمرأتان كلتاهما »; وللجمع مثل كلّ وأجمعون، كقوله تعالى:(فَسَجدُ المَلائكَةُ كُلُّهُمْ أجْمَعُون).1
وقد يكون التأكيد بتكرير اللفظ إمّا في المفرد فكقوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«أيّما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليّها فنكاحها باطل باطل باطل ».2
أو الجملة، كقوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«والله لأغزون قريشاً، والله لأغزون قريشاً، والله لأغزون قريشاً ».3
وجواز التأكيد معلوم بالضرورة ووقوعه مستفاد من استقراء اللغات.
ومنها: الحد واسم المحدود، كالحيوان الناطق والإنسان ذهب بعضهم

1. الحجر:30; ص :73.
2. مسند أحمد:6/47 و 66 و 166; سنن الدارمي:2/137; سنن ابن ماجة:1/605برقم 1879; سنن أبي داود:1/463برقم 2084; سنن الترمذي:2/281برقم 1108; عوالي اللآلي:1/306; بحار الأنوار:37/238.
3. مسند أبي يعلى الموصلي:5/78برقم 2674و 2675باسناده عن ابن عباس.

صفحه 174
إلى أنّهما مترادفان والحق خلافه، لأنّ الحد يدل بالمطابقة على علل المحدود، أعني: مقوّماته التي يحقّق بها حقيقته، والاسم إنّما يدلّ بالمطابقة على تلك الحقيقة لا على عللها. فإذن معناهما غير متّحد، فلا يكونان مترادفين.

المسألة الثانية: في صحّة إقامة كلّ من المترادفين مقام صاحبه

ذهب جماعة إلى جوازه، ومنعه فخر الدين الرازي1، وفصّل آخرون فأجازوا إقامة المرادف مقام مرادفه من لغته ومنعوا من غير لغته.
احتجّ الأوّلون بأنّ التركيب والإسناد بالفاعلية والمفعولية والإضافة وغيرها إنّما تعرض بالذات للمعاني، وبتوسّط عروضها لها تعرض للألفاظ الدالّة عليها فإذا صحّ ضم معنى إلى معنى آخر حال التعبير عنهما بلفظين لكلّ منهما مرادف جاز أن يعبّر عنهما بمرادفهما مطلقاً، فإنّه إذا جاز أن يقال: «رأيت إنساناً يضرب أسداً » جاز أن يقال:«رأيت بشراً يضرب سبعاً، أو رأيت إنساناً يضرب سبعاً، أو رأيت بشراً يضرب أسداً » إذ المعنى في الكلّ واحد من غير تفاوت.
احتجّ المانعون مطلقاً بأنّه لو صحّ إقامة كلّ من المترادفين مقام صاحبه لصحّ أن يقال:«خدا أكبر ». والتالي باطل، فالمقدّم مثله والملازمة ظاهرة.
والجواب: المنع من الملازمة إن أرادوا تكبيرة الافتتاح، وذلك لأنّ الشارع أوجب النطق بهذه الصيغة بعينها تعبّداً شرعياً فلا يخرج المكلّف

1. المحصول:1/95.

صفحه 175
عن العهدة إلاّ بها. وإن أرادوا الدلالة على مفهوم الله أكبر، فلا نسلّم بطلان التالي وحقيقته ظاهرة .1
أمّا القائلون بالتفصيل فقالوا: إنّ المعنى لمّا اتّحد في حالتي التعبير عنه باللفظ ومرادفه من لغته من غير استلزام مفسدة، جاز إقامة كلّ من المترادفين مقام صاحبه من لغته; ولمّا كان إقامة مرادفه من غير لغته مستلزماً لمفسدة وهو اختلاط إحدى اللغتين بالأُخرى، كان ممنوعاً منه وإن كان المدلول واحداً. والحقّ الجواز مطلقاً بالنظر إلى العقل2 والشرع معاً.
أمّا بالنظر إلى اللغة فالتفصيل هو الحق، وذلك لأنّ اللفظ المرادف للفظ آخر من غير لغته مهمل بالقياس إلى تلك اللغة، فلا يفيد حينئذ ما أفاده اللفظ المستعمل فيها.
والهاء في قول المصنّف ـ طاب ثراه ـ:«ويمكن إفراده » عائدة إلى المترادف.

1. راجع: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/206ـ 207.
2. في «م »: اللغة.

صفحه 176
قال قدس الله روحه:

الفصل السادس:

في الاشتراك

وفيه مباحث: الأوّل: المشترك، هو اللفظ الموضوع لحقيقتين فما زاد، وضعاً أوّلاً من حيث هما كذلك. فخرج المترادف جميعه بتعدّد الحقيقة، وخرج بالوضع الأوّل لهما المجاز، و من حيث هو1 كذلك خرج به المتواطئ المتناول للمختلفين لا من حيث الاختلاف. ووجوده دال على جوازه، ولإمكان وقوعه من القبيلتين أو من القبيلة الواحدة، وتكون الفائدة الإجمالية موجودة وإن انتفت التفصيلية كما في أسماء الأجناس. واحتجاج النفاة بالإخلال بالفهم على تقديره ضعيف، لأنّ مع القرينة لا إخلال، ولأنّ الفائدة الإجمالية موجودة. *
* أقول: لمّا فرغ من ذكر المترادف شرع في ذكر المشترك، وإنّما أخّره عنه، لأنّ المعنى في المترادف واحد وفي المشترك كثير، والواحد مقدّم على الكثير بالذات. ولكون المترادف عنده نصّاً في معناه كما عرفت

1. في المطبوع:70: هما.

صفحه 177
والمشترك مجمل في معناه قطعاً، والنصّ مقدّم على المجمل.

[ في اللفظ المشترك ]

وقد عرّفه المصنف ـ طاب ثراه ـ بأنّه اللفظ الموضوع لحقيقتين فمازاد وضعاً أوّلاً من حيث هما كذلك.1
فاللفظ جنس وتقييده بالموضوع يخرج المهمل.
وقوله: «لحقيقتين » يخرج ما لم يوضع إلاّ لحقيقة واحدة، سواء وافقه لفظ آخر في وضعه لتلك الحقيقة وهو المترادف، أو لا وهو المفرد.
وقوله: «فمازاد » ليدخل اللفظ الموضوع لحقائق كثيرة، كلفظ العين الموضوع للنابعة والباصرة وعين الشمس والميزان والذهب والجاسوس.
وقوله:«وضعاً أوّلاً » ليخرج المجاز فإنّه موضوع لحقيقتين وهما موضوعه الأصلي ومعناه المجازي لكن ليس ذلك فيهما أوّلاً بل وضعه للمعنى المجازي ثانياً متفرعاً على المعنى الحقيقي باعتبار العلاقة التي بينهما.
وقوله:«من حيث هما كذلك » ـ أي حقيقتان متعدّدتان ـ يخرج اللفظ المتواطئ، كلفظ الحيوان المتناول للإنسان والفرس، وهما حقيقتان متعدّدتان، لكن تناوله لهما لا من حيث هما حقيقتان متعدّدتان، بل من حيث اندراجهما تحت موضوعه، أعني:مفهوم الحيوان.
وهذا الحد هو المذكور في «المحصول » إلاّ أنّ فيه تغييراً يسيراً غير

1. في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/209ـ210 عرّفه بقوله:«اللفظ المشترك هو اللفظ الواحد الموضوع لأزيد من معنى واحد وضعاً أوّلاً من حيث هي متعدّدة ». ثم قال في الصفحة التالية: والأجود أن يقال: هو اللفظ الواحد المتناول لعدّة معان من حيث هو كذلك بطريق الحقيقة على السواء.

صفحه 178
مغيِّر للمعنى.1 نعم في «المحصول » قيّد الحقيقتين بالاختلاف وهنا أهمل ذلك، وأظنّ أنّ ذلك ممّا أسقطه الناسخون، لأنّ في شرحه التعريف ممّا يدل على ذكره.
وأيضاً ذكر في التعريف:«من حيث هما كذلك » وفي شرحه: «من حيث هو كذلك » فثنّى الضمير أوّلاً وهو ضمير الحقيقتين ووحّده ثانياً، وهذا أيضاً ممّا يمكن إسناده إلى الناسخين.
وفي هذا التعريف نظر أمّا أوّلاً: فلأنّه كان ينبغي أن يضم إليه ما يدلّ على أنّ وضعه للحقيقتين فمازاد إنّما هو على سبيل البدل، إذ الموضوع لحقيقتين أو أزيد على سبيل الجمع لا يكون مشتركاً.
وأمّا ثانياً: فلأنّ الحقيقة إنّما تصدق على الشيء الموجود، والاشتراك قد يتحقّق بين شيئين أحدهما وجودي والآخر عدمي، كالقرء المشترك بين الحيض والطُّهر الذي هو عدمه.
وقوله: «من حيث هما كذلك، يخرج به المتواطئ » فيه نظر، فإنّ المتواطئ يخرج بقوله: «الموضوع لحقيقتين » لأنّ المتواطئ لا يوضع إلاّ لحقيقة واحدة وإن كانت أفراد تلك الحقيقة متعدّدة مختلفة أو غير مختلفة، وصدقه على تلك الأفراد المختلفة أو المتّفقة إنّما هو باعتبار وجود موضوع اللفظ، أعني: المعنى الواحد الكلّي الصادق على تلك الأفراد فيها، لا لأنّها موضوعات اللفظ.
وقوله: «فخرج المترادف بتعدّد الحقيقة » فيه نظر، إذ قد يتعدّد معاني

1. قال فخرالدين الرازي في المحصول:1/96 في تعريف اللفظ المشترك: هو اللفظ الموضوع لحقيقتين مختلفتين أو أكثر وضعاً أوّلاً من حيث هما كذلك.

صفحه 179
المترادف كمرادف اللفظ المشترك.

[ في وجود اللفظ المشترك وإمكانه ]

إذا عرفت هذا فنقول اختلف الناس في وجود اللفظ المشترك، فقال قوم: إنّه واجب، وقال آخرون: إنّه ممتنع، والمحقّقون على أنّه ممكن، وهو المختار.1
لنا: إنّه واقع، فيكون جائزاً .
أمّا الأوّل فلأنّ القرء لفظ موضوع بحسب اللغة العربية للحيض والطهر على البدل، بدليل أنّ السامع إذا سمعه لم يتبادر ذهنه إلى فهم أحدهما ولا إلى معنى مشترك بينهما، بل يبقى الذهن متردّداً بينهما إلى أن تحصل قرينة تدلّ على تعيّن أحدهما وذلك آية الاشتراك، إذ لو كان متواطئاً لتبادر فهمنا للمشترك بينهما، ولو كان حقيقة ومجازاً لتبادر فهم المعنى الحقيقي دون المجازي عند التجرد عن القرينة، ولو كان منقولاً عن أحدهما إلى الآخر لفهمنا المنقول إليه دون المنقول منه، فلم يبق إلاّ أن يكون مشتركاً بينهما وهو المدّعى.
وكذا الكلام في لفظ عسعس بالنسبة إلى أقبل وأدبر. والجون بالنسبة إلى البياض والسواد.
وأمّا الثاني فظاهر.
واعلم أنّ هذا الدليل ينفي امتناع الاشتراك لا وجوبه، ولأنّا نعلم

1. للمزيد من التفاصيل راجع: المحصول:1/97; الإحكام في أصول الأحكام:1/19;نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/210ـ 215.

صفحه 180
بالضرورة إمكان أن تضع قبيلة لفظاً لمعنى ثم تضع قبيلة أُخرى ذلك اللفظ بعينه لمعنى آخر ويشتهرالوضعان وذلك معنى المشترك. ونعلم أيضاً إمكان وضع اللفظ من القبيلة الواحدة لمعنيين على سبيل البدل; ويكون الغرض من وضعه تمكّن المتكلّم من التعبير عن كلّ واحد من المعنيين مجملاً عند تجريده عن القرينة، ومفصّلاً عند اقترانه بها ولا يلزم من انتفاء الفائدة التفصيلية عند إطلاقه مجرداً عن قرينة معينة للمراد امتناع وضعه فإنّ أسماء الأجناس موضوعة وفاقاً مع عدم دلالة ألفاظها على شيء من الأنواع التي تحتها مفصّلة .
واحتجّ المانعون من وضعه بأنّ الغرض من وضع اللفظ إنّما هو الإفهام، وعلى تقدير جعل اللفظ مشتركاً بين معنيين أو أكثر يفوت ذلك الغرض ضرورة تردّد السامع بين معاني ذلك اللفظ وعدم حمله على أحدهما، وإلاّ لزم الترجيح بلا مرجّح. ولأنّه إمّا أن يذكر مقترناً بقرينة زائدة عليه، فيفضي إلى التطويل بل بغير فائدة; أو لا بقرينة زائدة فلا يفهم منه شيئاً أصلاً، فيكون إطلاقه عبثاً، إذ الغرض من إطلاق اللفظ فهم معناه.
والجواب عن الأوّل: المنع من فوات الغرض فإنّه أعمّ من أن يكون إفهام السامع معنى اللفظ على وجه التفصيل أو على وجه الإجمال، إذ كلّ منهما قد يكون غرضاً مطلوباً للعاقل، وتردّد السّامع بين المعاني المذكورة إنّما يمنع من الإفهام التفصيلي لا الإجمالي، فلا يكون مفوتاً لمطلق الغرض.
وعن الثاني: المنع من استلزام ذكر القرينة معه التطويل بغير فائدة، فإنّه قد يكون للمتكلّم غرض في ذلك، كأن تكون القرينة مفهومة عند مَن

صفحه 181
قال قدس الله روحه: البحث الثاني: في أقسامه، مفهوما اللفظ قد يتباينان، كالحيض والطهر والبياض والسواد، وقد يتوافقان إمّا بأن يكون أحدهما جزءاً من الآخر كـ«الممكن » المشترك بين العام والخاص، أو يكون أحدهما صفة للآخر كالأسود المسمّى به، ثم إطلاق الأسود على هذا الشخص وعلى القار بالتواطؤ إن قصد اللون، وبالاشتراك إن قصد اللقب. *
يطلب المتكلّم إفهامه للخطاب، مجهولة عند غيره من سامعيه الّذين لا يؤثر إفهامهم غرضه.
وأيضاً السعي في تحصيل القرينة بمعرفة المطلوب من الخطاب الشرعي فيه فائدة وهو تحصيل الثواب.
ونمنع أيضاً من عدم فهم شيء أصلاً من اللفظ المشترك حال تجرّده عن القرينة بحيث يكون إطلاقه عبثاً، فإنّ السامع يفهم أنّ المراد بذلك اللفظ أحد معانيه وإن لم يفهم المعنى المراد منها مفصّلاً، وهذا يكفي في انتفاء العبث على أنّ ذلك مقصوداً للعقلاء في بعض الأحوال كما أنّ الإفهام التفصيلي مقصود في بعضها وعنهما معاً بأنّ ما ذكرتموه على تقدير منعه وضع المشترك فإنّما يمنع من وضعه من واحد ولا يمنع من وضعه من قبيلتين، وانتفاء أحد سببي الشيء لا يدلّ على انتفائه مطلقاً.

* [ في أقسام اللفظ المشترك ]

أقول: يريد الإشارة إلى أقسام اللفظ المشترك باعتبار أحوال مفهوماته، أعني: معانيه الموضوع لكلّ واحد منها، وإنّما قال: «مفهوما اللفظ » ولم يقل مفهومات اللفظ، لأنّ المفهومين ضروريا الوجود في

صفحه 182
المشترك، وما زاد عليهما فغير ضروري.
واعلم أنّ مفهومي اللفظ المشترك قد يتباينان بأن لا يصدق أحدهما على شيء ممّا صدق عليه الآخر، كالحيض والطهر اللّذين هما مفهوما القرء المتقابلان بالعدم والملكة، وكالسواد والبياض اللّذين هما مفهوما الجون المتقابلان بالتضاد.
وقد يتوافقان إمّا بأن يكون أحدهما جزءاً من الآخر، كالإمكان العام ـ أعني: رفع الضرورة عن أحد الطرفين اللّذين هما الوجود والعدم بحسب الذات ـ والإمكان الخاص ـ وهو رفع الضرورة عن الطرفين معا بحسب الذات ـ اللّذين هما مفهوما لفظ الإمكان المطلق، فإنّ الأوّل جزء من الثاني ضرورة كون رفع أحد الضرورتين جزء من رفعهما معاً. ثمّ إنّ صدق لفظ الإمكان على الإمكان الخاص بالاشتراك أيضاً لاجتماع مفهومي الإمكان فيه، وهما رفع إحدى الضرورتين ورفعهما معاً.
وإمّا بأن يكون أحدهما صفة للآخر، كلفظ الأسود بالنسبة إلى شخص ذي سواد يسمّى أسود، فإنّ ذلك اللفظ صادق على ذاته باعتبار اللقب وعلى صفته وهو كونه ذا سواد.
ثمّ إنّ إطلاق لفظ الأسود على هذا الشخص المفروض ـ أعني: ذا السواد المسمّى بالأسود ـ وعلى القار بالتواطؤ إن قصد اللون ـ أعني: كونه ذا سواد ـ لكون هذا المعنى متحقّقاً فيه وفي القار أيضاً من غير تفاوت.
وإن كان السواد مقولاً على سواد ذلك الشخص وسواد القار بالتشكيك وإن قصد اللقب ـ أعني: كونه اسماً موضوعاً له علماً عليه ـ كان صدقه عليه وعلى القار بالاشتراك اللفظي لتباين مفهومهما بالذات.

صفحه 183
قال قدس الله روحه: ومنع بعضهم من اشتراك اللفظ بين عدم الشيء ووجوده، لأنّ الفائدة مشترطة في الوضع بحيث إذا أطلق اللفظ استفيد منه معنى، وإلاّ لكان عبثاً، ومثل هذا لا يتحقّق هذا المعنى فيه، لأنّه لا يفيد إلاّ التردّد بين النفي والإثبات، وهو معلوم لكلّ أحد. وهو ممنوع لجواز وقوعه من واضعَيْن. *
* أقول: هذا إشارة إلى ما ذهب إليه فخرالدين الرازي في «المحصول » من أنّه لا يجوز أن يكون اللفظ مشتركاً بين عدم الشيء ووجوده. قال: لأنّ اللفظ الموضوع لابد وأن يكون بحال متى أُطلق أفاد شيئاً، وإلاّ لكان ذلك الوضع عبثاً; واللفظ المشترك بين النفي والإثبات لا يفيد إلاّ التردّد بينهما، وهو معلوم لكلّ أحد قبل إطلاق ذلك اللفظ الموضوع لكلّ واحد منهما وبعده.1
والجواب: أنّ هذا إن دلّ على امتناع وضع مثل هذا اللفظ فإنّما يدلّ على امتناع صدوره من واضع واحد، ولا يدلّ على امتناع صدوره من واضعين، بأن يضعه أحدهما لوجود معنى والآخر لعدم ذلك المعنى من غير شعور أحدهما بوضع الآخر.
وهذا هو السبب الغالب لوجود اللفظ المشترك على أنّا نمنع من عدم صدوره من واضع واحد وعدم إفادته عند إطلاقه لغير التردّد المعلوم لكلّ أحد ممنوع، فإنّ قوله:«اعتدي بالقرء » يفيد السامع أمراً لم يكن حاصلاً قبل إطلاق هذا اللفظ مع أنّه مشترك بين الحيض والطهر الذي هو عدمه. وكذا إذا فرضنا وضع الواضع لفظ الألف لوجود الباء وعدمه ثمّ قال

1. المحصول:1/100.

صفحه 184
قال قدس الله روحه: البحث الثالث: اعلم أنّه لا يجوز استعمال اللفظ المشترك في معانيه إلاّ على سبيل المجاز، لأنّه إن كان موضوعاً للمجموع كما هو موضوع للأفراد فإن أُريد المجموع خاصة فهو استعماله في البعض، وإن أُريد به المجموع والآحاد لزم التناقض، لأنّ إرادة الآحاد تقتضي الاكتفاء بكلّ فرد وإرادة المجموع تقتضي عدم الاكتفاء إلاّ به. وإن لم يكن موضوعاً له كان استعماله فيه مجازاً، ولا يصار إليه إلاّ بقرينة. وذهب القاضي أبو بكر وأبو علي وعبد الجبار والشافعي إلى جوازه، وحمل اللفظ عليه عند التجرّد لقوله تعالى(إنّ اللهَ ومَلائكتَهُ يُصلّونَ عَلَى النَّبِي)، و(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمواتِ وَمَن فِي الأرضِ والشَّمْسُ والْقَمَرُ والنُّجُومُ وَالجِبالُ والشجرُ والدوابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ الناسِ وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذَاب)، ولأنّ حمله على البعض تحكُّم، وعدم حمله على شيء إخراج اللفظ عن الإفادة. والجواب: أنّ الخبر محذوف في الأوّل، والسجود المراد به الخشوع، والفائدة موجودة وهي دلالة اللفظ على أحدهما لا بعينه. *
قائل:«علمت الألف » أفاد هذا الإطلاق أنّه متحقّق لأحد الطرفين ـ أعني: وجود الباء وعدمه ـ ولم يكن هذا المعنى حاصلاً قبل الإطلاق.
نعم قد يعرّى إطلاق مثل هذا اللفظ عن الفائدة في بعض الصور، كما إذا قيل: «هذه المرأة ذات قرء » لكن عدم إفادته في بعض الصور لا يدلّ على عدم إفادته مطلقاً، والعبث إنّما يلزم في الثاني.1
* [ هل يجوز استعمال المشترك المفرد في معنييه؟ ]
أقول: اختلف الأُصوليون في جواز استعمال اللفظ المشترك في

1. راجع: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/216ـ217.

صفحه 185
جميع معانيه التي يمكن الجمع بينها، فجوّزه القاضيان ـ أعني: أبا بكر، وعبد الجبار1 ـ والشافعي2، والسيد المرتضى(رحمه الله)3، وأبو علي الجبائي.4
وأوجب بعض هؤلاء5 حمله عليها عند التجرّد عن القرينة الدالّة على قصد أحدها وإلغاء الباقي وجعل المشترك بالنسبة إلى معانيه كاللفظ العام بالنسبة إلى جزئياته.
ومنعه أبو هاشم، وأبو عبد الله6، وأبو الحسين البصري7، وفخر

1. هو أبو الحسين عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمذاني الأسدآبادي، كان شيخ المعتزلة في عصره، وهم يلقّبونه قاضي القضاة ولا يطلقون هذا اللقب على غيره، ولي القضاء بالري ومات فيها سنة 415هـ. ، له تصانيف كثيرة، منها: شرح الأُصول الخمسة ـ ط، المغني ـ ط، متشابه القرآن ـ ط. الأعلام:3/273.
2. هو أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان الشافعي، إمام المذهب الشافعي، ولد في غزّة سنة 150هـ. ، وحمل منها إلى مكة وهو ابن سنتين وزار بغداد مرتين وقصد مصر فتوفّي فيها سنة 204هـ. ، له تصانيف كثيرة، منها: كتاب الأُم في الفقه ـ ط، المسند في الحديث ـ ط، الرسالة في أُصول الفقه ـ ط. الأعلام:6/26.
3. الذريعة إلى أُصول الشريعة:40. وهو السيد علي بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى ابن إبراهيم بن الإمام موسى الكاظم(عليه السلام)، أبو القاسم العلوي الموسوي، الملقّب بالشريف المرتضى وبعلم الهدى، ولد في بغداد سنة 355هـ. ، وتوفّي فيها سنة 436هـ. ، له مصنّفات كثيرة، منها: الذريعة ـ ط، الشافي في الإمامة ـ ط، الانتصار في الفقه ـ ط.رجال النجاشي:270 برقم 708.
4. هو أبو علي محمد بن عبد الوهاب بن سلاّم الجبّائي(235ـ 303هـ.) من أئمة المعتزلة ورئيس علماء الكلام في عصره، وإليه نسبت الطائفة الجبّائية، نسبة إلى (جبى) قرية من قرى البصرة، له مقالات وآراء انفرد بها في المذهب، وله تفسير مطول. الأعلام:6/256.
5. يعني السيد المرتضى والشافعي والقاضي عبد الجبار.
6. هو أبو عبد الله الحسين بن علي بن إبراهيم البصري، الملقّب بالجُعَل، فقيه من شيوخ المعتزلة، ولد في البصرة سنة 288هـ. ، وتوفّي في بغداد سنة 369هـ، له تصانيف منها: الإيمان، والإقرار، والرد على الرازي، وغيرها. الأعلام:2/244.
7. المعتمد في أُصول الفقه:1/300.

صفحه 186
الدين الرازي1، وهو اختيار المصنّف ـ طاب ثراهـ .2
واحتجّ عليه بما ذكره فخر الدين في «المحصول ». وتقريره أن يقال: اللفظ المشترك بين تلك المعاني إمّا أن لا يكون موضوعاً لمجموعها كما هو موضوعاً لكلّ واحد منها، أو يكون. وعلى كلا التقديرين يمتنع استعماله في جميع معانيه على سبيل الحقيقة.
أمّا على تقدير الأوّل فظاهر، لأنّ استعمال اللفظ المشترك في المجموع حينئذ يكون استعمالاً له في غير ما وضع له فلا يكون حقيقة، بل مجازاً، ولا يصار إليه إلاّ عند وجود قرينة يمتنع من حمله على حقيقته.
وأمّا على التقدير الثاني فإمّا أن يراد به ذلك المجموع وحده، أو المجموع مع كلّ واحد من أفراده.
فإن كان الأوّل كان استعمال اللفظ في بعض معانيه لا في كلها، وليس الكلام فيه.
وإن كان الثاني لزم التناقض، لأنّ إرادة المجموع تقتضي عدم الاكتفاء إلاّ به لا بفرد من أفراده، وإرادة الأفراد تقتضي الاكتفاء بفرد من أفراده وذلك عين التناقض.
وفيه نظر، فإنّ الكلام في استعمال اللفظ في هذا المعنى بعينه وفي ذلك المعنى بعينه لا في المجموع; من حيث هو مجموع، والفرق بينهما

1. المحصول:1/101ـ102.
2. واستقـربه في نهايـة الـوصول إلى علم الأُصول:1/219. ثم إن المانعين اختلفوا فمنهم من منع منه لأمر يرجع إلى القصـد; ومنهـم من منـع لأمر يرجع إلى الوضع، وهو اختيار أبي الحسين البصري وفخر الدين الرازي، والغزالي في المستصفى:2/141، واستقربه العلاّمة كما ذكرنا.

صفحه 187
ظاهر، فإنّ المتكلّم في الأوّل يقصد كلّ واحد واحد قُصدا أو لا، وفي الثاني إنّما يقصد بالذات. والقصد الأوّل المجموع من حيث هو مجموع، وقصده كلّ واحد لا بالقصد الأوّل والذات، بل بالقصد الثاني والعرض.
وأيضاً في الأوّل يكون اللفظ دالاًّ على كلّ واحد واحد من تلك المعاني بالمطابقة، وفي الثاني يكون دالاًّ على كلّ واحد واحد منها بالتضمّن، وحينئذ لا يكون استعمال اللفظ في المجموع بالمعنى الأوّل استعمالاً له في بعض معانيه، بل في كلّها.
سلّمنا، لكن لا نسلّم لزوم التناقض على ذلك التقدير.
قوله: لأنّ إرادة الأفراد1 تقتضي الاكتفاء بفرد من أفراده.
قلنا: لا نسلّم وإنّما يلزم ذلك إن لو لم يكن باقي الأفراد مراداً أيضاً أو المجموع مراداً أمّا على ذلك التقدير فلا يقتضي الاكتفاء إلاّ بالمجموع، ولأنّ إرادة المجموع مستلزمة لإرادة كلّ فرد فكيف يكون إرادة كلّ فرد مناقضة لإرادة المجموع؟!
احتجّ الأوّلون بوجوه:
الأوّل: قوله تعالى:(إنَّ اللهَ وَمَلائكتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِىّ)2، ومن المعلوم أنّ الصلاة من الله تعالى الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار. وهما مختلفان ولفظ الصلاة مشترك بينهما وقد استعمل فيهما معاً، والأصل في الاستعمال الحقيقة.

1. في المطبوع (التهذيب):72: الآحاد. وكذلك في المتن هنا.
2. الأحزاب:56.

صفحه 188
الثاني: قوله تعالى:(أَلَمَ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمواتِ وَمَنْ فِي الأرضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ والنُّجُومُ وَالجِبالُ والشَّجَرُ والدّوابُّ وكثيرٌ مِنَ النّاسِ وكَثيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذاب)1، والسجود يستعمل تارة بمعنى الخشوع والانقياد، وتارة بمعنى وضع الجبهة على الأرض. والمعنيان مرادان من لفظ السجود هنا; أمّا إرادة الخشوع والانقياد فظاهر، لأنّه المعقول من سجود الدواب; وأمّا إرادة وضع الجبهة على الأرض، فلأنّه خصّص السجود بكثيرمن الناس والخشوع عام في الجميع، فالمخصّص ببعض الناس مغاير للشامل للجميع. فظهر أنّ استعمال لفظة السجود المشتركة بين هذين المعنيين فيهما معاً على سبيل الحقيقة، لأنّه الأصل في الاستعمال، وهو المطلوب.
الثالث: لو لم يجب حمل اللفظ المشترك على جميع معانيه عند التجرّد عن القرينة الدالّة على إرادة أحدها وإلغاء الباقي لزم أحد الأمرين، وهو إمّا التحكم والترجيح بلا مرجّح، وإمّا تعطيل اللفظ وإخراجه عن الإفادة. والتالي بقسميه باطل اتفاقاً، فكذا المقدّم.
أمّـا المـلازمة، فلأنّه إذا لم يحمـل اللفظ علـى جميـع معانيـه فإمّـا أن يحمـل على أحـد تلك المعـاني من غير قرينـة مرجّحـة لحمله عليه دون غيره فيلزم الأوّل، وإمّا أن لا يحمل على شيء منها أصلاً فيلزم الثاني.
واعلم أنّ الوجهين الأوّلين دلاّ على استعمال اللفظ في جميع معانيه، وهو أعم من كون ذلك الاستعمال واجباً أو جائزاً، وأمّا هذا الوجه فإنّه

1. الحج:18.

صفحه 189
يدلّ على وجوب حمل اللفظ على جميع معانيه التي يمكن الجمع بينها عند التجرّد عن القرينة.
والجـواب عـن الأوّل: المنـع من استعمـال لفظ الصلاة فى المعنيين معاً ـ أعني: صلاة الله تعالى وصلاة ملائكته ـ بل المراد بلفظ الصلاة هنا صلاة الملائكة حسب، والضمير في قوله (يصلّون)راجع إليهم دونه تعالى وخبر إنّ في الأوّل محذوف تقديره: إنّ الله يصلي والملائكة يصلون.
سلّمنا، لكن لا نسلّم أنّ هذا الاستعمال حقيقة، فإنّ الاستعمال قد يكون حقيقة وقد يكون مجازاً، فهو أعم من كلّ منهما، والعام لا يدل على الخاص.
وعن الثاني بالمنع من إرادة السجود بمعنى وضع الجبهة على الأرض من الآية المذكورة، بل المراد السجود بمعنى الخشوع، وهو مشترك بين جميع من نسب السجود إليه وتخصيص كثير من الناس بالذكر لا يدلّ على تخصيصهم بالحكم.
وعن الثالث: المنع من لزوم التحكّم والترجيح من غير مرجّح، أو تعطيل اللفظ لو لم يُحمل على جميع معانيه، لجواز حمله على أحد تلك المعاني لا بعينه; وليس ذلك تحكّماً، لأنّ اللفظ دالّ عليه لكونه لازماً لكلّ معنى من معانيه; ولا ترجيحاً من غير مرجّح لأنّ لهذا المعنى ـ أعني: أحد تلك المعاني لا بعينه ـ رجحاناً على غيره، لكونه متيقّن الإرادة دون غيره من المعاني فإنّ احتمال إرادته وعدمها متحقّق.

صفحه 190
قال قدس الله روحه: البحث الرابع: في أنّه على خلاف الأصل. إذ المراد بالذات من وضع الألفاظ إنّما هو إعلام السامع ما في ضمير المتكلّم، وقد تتبعه أُمور أُخر مرادة بالعرض، وإنّما تحصل الغاية الذاتية عند اتّحاد الوضع، فإنّه على تقدير تعدّده تكون نسبة المعاني إلى اللفظ واحدة فلا يتخصّص أحدها بالفهم فتنتفي الغاية; ولأنّ الاشتراك وعدمه لو تساويا لما حصل سبق ما ادّعي الوضع فيه دون غيره، فكان لا يحصل الفهم عند التخاطب. *

* [ في أنّ المشترك على خلاف الأصل ]

أقول: الاشتراك على خلاف الأصل، والمراد بذلك أنّ اللفظ إذا دار بين كونه مشتركاً وبين كونه غير مشترك، كان الثاني أغلب على الظنّ من الأوّل.
واستدلّ المصنّف ـ طاب ثراه ـ على ذلك هاهنا بوجهين:
الأوّل: أنّ المراد بالذات أي المقصود بالقصد الأوّلي من وضع الألفاظ للمعاني إنّما هو تمكّن المتكلّم من إفهام السامع ما في ضميره منها بإطلاق لفظه، ومتى كان كذلك كان الانفراد أرجح من الاشتراك. أمّا الأوّل فظاهر وأمّا الثاني فلأنّ الاشتراك مفوت للغرض من الوضع، إذ على تقدير كون اللفظ مشتركاً بين معاني متعدّدة لا يتمكّن المتكلّم من إفهام السامع مقصوده منها بإطلاق ذلك اللفظ، لأنّ نسبته إلى تلك المعاني واحدة بمعنى أنّ نسبته إلى كلّ واحدة منها كنسبته إلى غيره منها. وحينئذ

صفحه 191
يمتنع أن يفهم السامع منها واحداً بعينه دون غيره، لاستحالة الترجيح من غير مرجّح، والانفراد غيرمفوت للغرض من الوضع وهو ظاهر فكان أرجح .
الثاني: لو كان الاشتراك مساوياً لعدمه لما حصل سبق ما ادّعي وضع اللفظ له من المعاني إلى الأفهام دون غيره منها عند إطلاقه. والتالي باطل وإلاّ لما حصل التفاهم حالة التخاطب من دون الاستكشاف والتفحّص عن المراد من اللفظ وهو معلوم البطلان بالوجدان، فالمقدّم مثله.
بيان الشرطية: أنّ السامع لذلك اللفظ حينئذ يتردد بين فهم المعنى المعلوم وضع اللفظ له والمعنى الآخر المحتمل ويمتنع سبق أحدهما إلى الفهم وإلاّ لزم ترجيح أحد المتساويين على الآخر، وأنّه محال.
وفيهما نظر: أمّا الأوّل، فلما بيّنا من أنّ الغرض من الوضع قد يكون إفهام الشيء على سبيل الإجمال كما قد يكون على سبيل التفصيل، والمشترك غيرمفوت للأوّل ولا لمطلق الغرض الشامل للقسمين جميعاً، بل إن كان مفوّتاً فللقسم الثاني وهو الإفهام التفصيلي لا مطلقاً، بل عند التجرّد عن القرينة المعيّنة للمراد، وذلك لا يوجب كونه مظنون العدم وإلاّ لكانت حروف المعاني بأجمعها كذلك لعدم إفادتها بدون انضمام غيرها من الألفاظ إليها.
وأمّا الثاني، فالمنع من صدق الشرطية والتردّد بين فهم المعنى المعلوم وضع اللفظ له عند إطلاقه وبين غيره إنّما يتحقّق عند اعتقاد الاشتراك لا عند اعتقاد تساوي وجود الاشتراك وعدمه، ولا يلزم من سبق

صفحه 192
المعنى المعلوم وضع اللفظ له إلى الفهم دون ما يحتمل وضعه له ترجيح أحد المتساويين على الآخر، إذ المساواة ليست بينهما ثابتة، كيف ووضع اللفظ لأحدهما معلوم وللآخر مشكوك فيه، نعم المساواة ثابتة بين وضع اللفظ لذلك المعنى المحتمل وبين عدم وضعه له.
والتحقيق في هذا إن سبق فهم المعنى من لفظه يتوقّف على عدم اعتقاد السامع اشتراكه لا على اعتقاده عدم اشتراكه، وحينئذ يكون ذلك السبق دالاًّ على عدم اعتقاد الاشتراك لا على اعتقاد عدم الاشتراك الذي هو مدّعاكم، وسبب سبق المعنى المعلوم وضع اللفظ له إلى الفهم دون غيره ممّا يحتمل وضع ذلك اللفظ له رجحان إرادته من اللفظ على إرادة ذلك الغير، لأنّها ثابتة على تقدير عدم الاشتراك ومحتملة على تقدير ثبوته، وإرادة ذلك الغير منتفية على التقدير الأوّل ومحتملة على التقدير الثاني خاصة.
والأولى أن يقال في إثبات مرجوحية الاشتراك بالنسبة إلى الأفراد: إنّه موقوف على وضعين للمعنيين، سواء كان الواضع واحداً أو متعدّداً، والانفراد موقوف على وضع واحد، وثبوت ما يتوقف على أمرين مرجوح بالنسبة إلى ما لا يتوقف إلاّ على أحدهما بالضرورة.
واعلم أنّ الهاء في قول المصنّف ـ طاب ثراه ـ :«وقد يتبعه أُمور أُخر » عائدة إلى الوضع، وتلك الأُمور التابعة للوضع المقصود بالعرض هي دلالة اللفظ الموضوع لمعنى على أجزاء ذلك المعنى وهي المسمّاة بدلالة التضمن، ودلالته على لوازمه القريبة والبعيدة وهي المسمّاة بدلالة الالتزام

صفحه 193
وما يترتب على ذلك من البلاغة والفصاحة ومحاسن الكلام ومزاياه، فإنّ الواضع لم يقصد بوضع اللفظ للمعنى إلاّ فهم ذلك المعنى عند إطلاق ذلك اللفظ.
وأمّا فهم أجزائه ولوازمه القريبة والبعيدة فليس مقصود الواضع بالقصد الأوّل، بل تابعاً للمقصود الأوّل وهو فهم المعنى الموضوع له اللفظ.
ويمكن أن يكون قصد المصنّف ـ طاب ثراه ـ بهذا الكلام هنا الجواب عن سؤال يمكن إيراده على ما ذكر، وهو أن يقال: لا نسلّم أنّ الغاية الذاتية إنّما تحصل عند اتّحاد الوضع، فإنّ اللفظ المشترك يفهم منه عند إطلاقه أحد معانيه في الجملة وإن لم يفهم مفصلاً، وهذا القدر كاف في حصول الغرض من الوضع كما في أسماء الأجناس .
والجواب: أنّ دلالة اللفظ المشترك على أحد معانيه في الجملة دلالة التزامية ليست مقصودة بالقصد الأوّل، بل تابعة للوضع، إذ اللفظ المشترك لم يوضع لأحد معانيه في الجملة، بل لما كان ذلك لازماً لكلّ واحد من معانيه صار اللفظ دالاًّ عليه بالالتزام، فلم يكن الغرض المقصود من وضعه بالقصد الأوّل حاصلاً بل فائتاً، ولا كذلك اسم الجنس فإنّ إطلاق لفظ السواد ـ مثلاًـ يفهم منه مطلق السواد، وهو موضوع له مقصود بالقصد الأوّل، فكان الغرض من وضعه حاصلاً ومن جملة ما يتبع الوضع وليس مقصوداً بالذات بل بالعرض كون اللفظ المشترك مجمل الدلالة على معناه إذا كان صادراً عن واضعين.

صفحه 194
قال قدس الله روحه: البحث الخامس: في وقوعه في القرآن. ويدل عليه أنّ القُرء وضع للطهر والحيض معاً لا باعتبار أمر مشترك، وعسعس لأقبل وأدبر. احتجّ المانع بأنّ تجرّده عن القرينة يناقض الغرض ومجامعته تستلزم التطويل من غير فائدة.
والجواب: المنع من المقدّمتين فإنّ الغرض يحصل مع القرينة أو بدونها إذا كان القصد البيان الإجمالي، والفائدة مع القرينة توسيع العبارة.
ولقائل أن يقول: يجوز فيما ادّعي اشتراكه وضعه لقدر مشترك، أو لأحدهما وتجوّزه في الآخر ثم خفي لكثرة الاستعمال. *

* [ وقوع اللفظ المشترك في القرآن الكريم ]

أقول: اختلف القائلون بوقوع اللفظ المشترك في اللغة في أنّه هل وقع في القرآن العزيز أم لا؟ فذهب المحقّقون إلى وقوعه، وهو اختيار المصنف ـ طاب ثراه ـ ، وأنكره الباقون.1
احتجّ الأوّلون بقوله تعالى:(والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوء)2 والقرء لفظ موضوع للحيض والطهر على سبيل الاشتراك باتّفاق أهل اللغة.
وقوله تعالى:(واللّيلِ إذا عَسْعَسَ)3، وهو لفظ موضوع لإقبال الليل

1. راجع: المحصول:1/110ـ111.
2. البقرة:228.
3. التكوير:17.

صفحه 195
وإدباره على ما نقله الجوهري في صحاحه1 وغيره من أهل اللغة2، وقولهم في أمثال ذلك حجّة.
احتجّ المانعون بأنّ اللفظ المشترك إمّا أن يذكر مجرداً عن القرينة المعينة للمراد فيلزم نقض الغرض من إطلاق اللفظ وهو إفهام معناه لاستحالة فهم المعنى المعين من لفظ موضوع له ولغيره على سبيل البدل من غير أمر منفصل أو مجامعاً لها فيلزم التطويل بغير فائدة وهو غير جائز على الله تعالى.
والجواب: المنع من المقدّمتين، أعني: كون التجرّد عن القرينة يناقض الغرض وكون مجامعته لها يستلزم التطويل بغير فائدة.
أمّا الأُولى فلا نسلّم أنّ التجرّد عن القرينة يناقض الغرض المطلوب من اللفظ لجواز كون المقصود منه البيان الإجمالي وهو إفهام أحد معنيي المشترك من غير تعيين كما في أسماء الأجناس والمشتقات، وهو حاصل على تقدير التجرد عن القرينة.
وأمّا الثانية فلا نسلّم أنّ مجامعته للقرينة المعينة للمراد من اللفظ يستلزم التطويل بغير فائدة، فإنّ في ذلك فائدة ظاهرة وهو توسيع العبارة.
وأيضاً التكليف بالنظر في تحصيل تلك القرينة للعلم بالمراد موجب للثواب، وهو من أعظم الفوائد .

1. الصحاح:3/949،مادة «عسس ».
2. معجم مقاييس اللغة:4/42، مادة «عس »; النهاية لابن الأثير:3/236، مادة «عسس »; لسان العرب:6/139،مادة «عسس ».

صفحه 196
واعترض المصنّف ـ طاب ثراه ـ على حجّة الأوّلين بالمنع من اشتراك ما ادّعوا اشتراكه، وهو لفظ القرء ولفظ عسعس، لجواز كون كلّ واحد منهما موضوعاً لقدر مشترك بين معنييه المذكورين إمّا على سبيل التواطئ، أو التشكيك ثم خفى لهجره واشتهر استعمال لفظه في فرديه المذكورين حتى ظن اشتراكه، أو كون اللفظ حقيقة في أحد ذينك المعنيين خاصة واستعمل في المعنى الآخر على سبيل المجاز ثمّ خفي كونه مجازاً لاشتهاره وكثرة استعمال اللفظ فيه. ومع وجود هذين الاحتمالين لا يحصل العلم بالاشتراك المدّعى.
وفيه نظر، فإنّ الاحتمالين المذكورين يدفعهما اتّفاق أهل اللغة على خلافهما كما تقدّم، فتبقى الحجّة حينئذ سليمة عنهما.
وأيضاً أحكام اللغات من الاشتراك والحقيقة والمجاز وغيرها لا ينتهي الحال فيها إلى القطع المانع من تطرق الاحتمالات البعيدة، وما ذكره من الاحتمال فهو بعيد غير قادح في الحكم بالاشتراك.

صفحه 197
قال قدس الله روحه:

الفصل السابع:

في الحقيقة والمجاز

وفيه مباحث تسعة: الأوّل: الحقيقة فعيلة من الحق، وهو الثابت، لأنّه مقابل للباطل; فإن كانت للفاعل فهي الثابتة، وإلاّ المثبتة. والمجاز: مفعل من الجواز. وهما مجازان حقيقيان، فإنّ المراد من الحقيقة اللفظ المستعمل فيما وضع له في اللغة التي وقعت المخاطبة بها، والمجاز اللفظ المستعمل في غير ما وضع له لأجل مناسبته لما وضع له اللفظ. *
* أقول: الكلام في كل واحد من الحقيقة والمجاز: إمّا في لفظه، وإمّا في معناه.
والكلام في معناه: إمّا في تحقيق ماهيته، أو في أقسامه، أو في الأحكام اللاحقة له.
أمّا الأوّل، فاعلم أنّ لفظ الحقيقة فعيلة من الحق، والحق هو الثابت، لأنّه يقال في مقابلة الباطل الذي هو المعدوم، ومقابل المعدوم الموجود وهو الثابت.

صفحه 198
وفعيل يأتي تارة بمعنى الفاعل كعليم وقدير، وتارة بمعنى مفعول كقتيل وجريح.
فإن كانت الحقيقة بالمعنى الأوّل فهي الثابتة، وإن كانت بالمعنى الثاني فهي المثبتة.
والتاء في فعيلة لنقل اللفظ من الوصفية إلى الاسمية الصرفة، فلا يقال: شاة أكيلة ولا شاة نطيحة.
وأمّا لفظ المجاز فهو مفعل من الجواز الذي هو التعدي من قولهم:جزت المكان الفلاني، أو من الجواز الذي هو الإمكان. والثاني يرجع إلى الأوّل، لأنّه يفيد التردّد بين الوجود والعدم، فكأنّه ينتقل من الوجود إلى العدم أو بالعكس. واللفظ المستعمل في غير موضوعه الأصلي انتقل عن ذلك الموضوع إلى غيره فكأنّه جاز موضعه فسُمّي مجازاً.

[ في حدّ الحقيقة والمجاز ]

وأمّا الثاني، وهو الكلام في حدهما الكاشف عن حقيقتهما.
واعلم أنّ المصنّف ـ طاب ثراه ـ حدّ الحقيقة في هذا الكتاب بـ :«أنّها اللفظ المستعمل فيما وضع له في اللغة التي وقعت المخاطبة بها ».1فاللفظ كالجنس الشامل للمهمل والمستعمل وتقييده بالمستعمل يخرج المهمل والموضوع لمعنى لم يستعمل فيه ولا في غيره.

1. ذكر العلاّمة هذا التعريف في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/240. ووافقة على ذلك: السيد المرتضى في الذريعة:35، وأبوالحسين البصري في المعتمد:1/11، وفخر الدين الرازي في المحصول:1/112.

صفحه 199
وقوله: «فيما وضع له » يخرج المجاز وهو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له.
وقوله: «في اللغة التي وقعت المخاطبة بها » يخرج المجاز العرفي والمجاز الشرعي إذا كانا موضوعين لمعناهما لغة وينبغي أن يزاد في الحد: «من حيث هو كذلك »، لأنّ اللفظ الواحد قد يكون حقيقة ومجازاً إمّا بالنسبة إلى معنيين أو إلى معنى واحد بالنظر إلى وضعين، فلو لم يعتبر الحيثية لم يتميز الحقيقة عن المجاز.
وأمّا المجاز فقد حدّه: بـ«أنّه اللفظ المستعمل في غير ما وضع له، لأجل مناسبته لما وضع له ».1وينبغي أن يزاد فيه ما به يصير هكذا: اللفظ المستعمل في غير ما وضع له في اللغة التي وقعت بها المخاطبة لأجل مناسبة لما وضع له فيها من حيث هو كذلك. وقد عرفت فائدة هذه الزيادة في تعريف الحقيقة.
وهذان التعريفان شاملان للحقيقة والمجاز اللغويين والعرفيين والشرعيين.2 وقد ظهر منهما أنّ اللفظ الواحد قد يخلو عن كونه حقيقة

1. ذكر العلاّمة هذا التعريف في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/240، لكنّه قال بدل العبارة الأخيرة (لأجل مناسبته...) لعلاقة بينه وبين الأوّل. وهو نفس ما ذهب إليه الرازي بخلاف السيد المرتضى وأبي الحسين البصري حيث خلا تعريفهما من العبارة الأخيرة.
2. اختلف الناس في حدّ الحقيقة والمجاز على أقوال، منها: ما قاله أبو عبد الله البصري أوّلاً وأبو علي وأبو هاشم الجبّائيان: الحقيقة: ما انتظم لفظها معناها من غير زيادة ولا نقصان ولا نقل. والمجاز: هو الذي لا ينتظم لفظه معناه، إمّا لزيادة أو نقصان أو نقل.
ومنها: ما ذكره أبو عبد الله البصري ثانياً، فقال: الحقيقة ما أُفيد بها ما وضعت له. والمجاز ما أُفيد غير ما وضع له.
ومنها: ما ذكره ابن جنّي وهو أنّ الحقيقة ما أقرّ في الاستعمال على أصل وضعه في اللغة.
ومنها: ما ذكره عبد القاهر النحوي فقال: الحقيقة كلّ كلمة أُريد بها عين ما وقعت له في وضع واضع وقوعاً لا يستند فيه إلى غيره، كالأسد للبهيمة المخصوصة. وقد ردّ الرازي والعلامة على هذه التعاريف. راجع: المحصول:1/113ـ 116 ; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/236ـ241.

صفحه 200
ومجازاً مع كونه موضوعاً لمعنى بأن لا يستعمل في ذلك المعنى ولا في غيره.
إذا تقرّر هذا فاعلم أنّ إطلاق كلّ واحد من لفظي الحقيقة والمجاز على معناه المذكور إنّما هو على سبيل المجاز بالنظر إلى اللغة.
أمّا الحقيقة فلما تقدّم من أنّها مأخوذة من الحق وهو الثابت، ثم نقلت إلى الاعتقاد المطابق لأنّه أولى بالوجود من غير المطابق، ثم نقل إلى القول المطابق، ثم نقل إلى اللفظ المستعمل في موضوعه الأصلي لأنّه تحقيق لذلك الوضع، فظهر أنّه مجاز واقع في المرتبة الثالثة بحسب اللغة الأصلية.
وأمّا لفظ المجاز فلأنّه حقيقة في التعدّي والعبور، وذلك لا يحصل في اللفظ إلاّ على سبيل التشبيه بما يحصل فيه حقيقة وهو الأجسام التي يصحّ عليها الانتقال من حين إلى حين، فكان استعماله في اللفظ المستعمل في غير موضوعه مجازاً.
وأيضاً المجاز مفعل وبناؤه حقيقة إمّا في المصدر أو الموضع، وأمّا الفاعل فليس حقيقة فيه فإطلاقه على اللفظ المنتقل عن موضوعه إلى غيره لا يكون إلاّ مجازاً. هذا إذا قلنا:إنّه مأخوذ من التعدّي، وأمّا إذا قلنا: إنّه مأخوذ من الجواز الذي هو الإمكان كان حقيقة، لأنّ الجواز كما يمكن حصوله في الأجسـام كذا يمكـن حصـوله في الأعـراض، فاللفظ يكـون

صفحه 201
قال قدس الله روحه: وأقسام الحقيقة ثلاثة:لغوية، وعرفية، وشرعية. ووجود الأوّلين ظاهر، فإنّ هنا ألفاظاً وضعت لمعان واستعملت فيها، وهو معنى الحقيقة; وللعلماء اصطلاحات لم توضع في اللغة لما اصطلحت فيه بحيث إذا أُطلقت فهمت دون غيرها، كالفاعل عند النحويين، والقياس عند الفقهاء. ثمّ العرف قد يكون عاماً كالدابة، وخاصّاً كالفاعل. *
موضوعاً لذلك الجواز، لأنّه موضوع ـ أي محل ـ لجواز أن يستعمل في غير معناه الأصلي، فيكون حقيقة من هذا الوجه، إلاّ أنّا قد بيّنا في تفسير لفظ المجاز أنّ الجواز بمعنى الإمكان يرجع إلى المعنى الأوّل وهو العبور أو التعدي.
وإنّما أخّر المصنّف ـ طاب ثراه ـ البحث عن الحقيقة والمجاز عن البحث عن الاشتراك لكون الاشتراك غير متوقّف على شيء سوى الوضع، والحقيقة والمجاز يتوقّفان على الوضع والاستعمال جميعاً.

* [ في أقسام الحقيقة ]

أقول: لما بيّن أنّ الحقيقة عبارة عن اللفظ المستعمل فيما وضع له في اللغة التي وقعت بها المخاطبة; وكان الوضع تارة مستنداً إلى اللغة، وتارة إلى أهل العرف، وتارة إلى الشرع، انقسمت الحقيقة باعتبار انقسام الواضع إلى اللغوية والعرفية والشرعية. ووجود الأُوليين ـ أعني: الحقيقة اللغوية، والحقيقة العرفية ـ ظاهر.

صفحه 202

[ في الحقيقة اللغوية ]

أمّا الأُولى فلأنّـا لا نـرتاب فـي أنّ هنـا ألفاظاً وضعت في اللغة لمعان واستعملت بعد وضعها فيها، ولا معنى للحقيقـة اللغويـة إلاّ ذلك فقط.
وربّما احتجّ بعضهم1 على ذلك بأنّ هنا ألفاظاً مستعملة في معان فإن كانت موضوعة لغة لتلك المعاني، كانت حقيقة فيها; وإن لم تكن موضوعة كانت مجازاً، لكن المجاز فرع الحقيقة، ووجود الفرع مسبوق بوجود أصله، فإذن الحقيقة موجودة جزماً.
وهو ضعيف، للمنع من كون المجاز متفرّعاً على الحقيقة، نعم المجاز متفرّع على الوضع السابق فوجوده دال على سبق الوضع لا على سبق الحقيقة، لما عرفت من أنّ الوضع قد يخلو عن الحقيقة والمجاز جميعاً.

[ في الحقيقة العرفية ]

وأمّـا الثانيـة وهي الحقيقـة العـرفية، والمـراد بها اللفظـة التي انتقلـت عـن موضوعها اللغوي إلى غيره بعرف الاستعمال، إمّا العـامّ2 وهو الذي لا يختص بقـوم دون قـوم من أهل علـم أو صناعـة، أو الخـاص وهـو الذي يختص بأهـل علم مخصـوص أو صناعـة معينة. فلأنّا نعلم أنّ هنا ألفاظاً موضوعة في اللغة لمعان واستعملت في العرف في غير تلك المعاني، لمناسبتها لها، واشتهرت بحيث صارت عند الإطلاق مفهمة لتلك

1. راجع: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/243; المحصول:1/117; الكاشف عن المحصول: 2/208.
2. يعني العرف قد يكون عاماً، وقد يكون خاصاً.

صفحه 203
المعاني دون معانيها اللغوية، ولا نعني بالحقيقة العرفية سوى هذا القدر.
واعلم أنّ العرف العام منحصر في أمرين:
أحدهما: اشتهار المجاز اشتهاراً يصيّر معه الحقيقة غريبة مستنكرة. وجهات المجاز معدودة يأتى بيانها; فمنها حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، كقوله تعالى(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ)1، ومن المعلوم أنّ التحريم متعلّق بأكل الميتة لا بها; وكتسمية الشيء باسم مجاوره، مثل لفظ الراوية الموضوعة لغة للجمل الحامل للماء المنقولة إلى المِزَادَة التي هي وعاء للماء المحمول عليها; وكتسمية الشيء باسم ما له به تعلّق، كتسمية قضاء الحاجة بالغائط الموضوعة لغة للمكان المطمئن من الأرض.
والثاني: تخصيص الاسم ببعض أفراد مسمّاه اللغوي، كالدابة فإنّها موضوعة لغة لكلّ ما يدبّ ثم اختصّت ببعض البهائم، وكذا القارورة والخابية فإنّهما موضوعتان لما يستقر فيه الشيء ويخبّأ فيه ثمّ خصّصتا بآنيتين مخصوصتين.
وتحقّق علامات الحقيقة في هذه الألفاظ عرفاً من تبادر معانيها العرفية إلى الذهن عند الإطلاق واستغنائها في الدلالة عليها عن القرينة وامتناع سلبها عنها معلوماً جزماً من غير شك.
وأمّا العرف الخاص فهو ما لكلّ طائفة من العلماء من الاصطلاحات

1. المائدة:3.

صفحه 204
المختصّة بهم، كالفاعل عند النحاة، والقياس عند الفقهاء.
فإنّ الفاعل لغة موضوعة للمؤثر ثم اصطلح النحاة على وضعه للفظ الذي أُسند الفعل إليه كزيد في: قام زيد.
والقياس لغة التقدير والمساواة، ثم اصطلح الفقهاء على وضعه لإثبات مثل حكم معلوم لمعلوم، لاشتراكهما في علّة الحكم.
وكذا الجوهر والعرض عند المتكلّمين، والدور والتسلسل عند الحكماء، والموضوع والمحمول عند المنطقيين، فإنّه من المعلوم أنّ هذه الألفاظ لم توضع في اللغة لما اصطلح العلماء على وضعها له من المعاني، وهي بحيث إذا أُطلقت على لسان من يتكلّم بتلك الاصطلاحات، فهم كلّ عارف لتلك الاصطلاحات سامع لها معانيها المصطلح على وضعها لها دون معانيها اللغوية.
ومراد المصنّف ـ طاب ثراه ـ بالاصطلاحات في قوله: «وللعلماء اصطلاحات » الألفاظ المصطلح على استعمالها في المعاني المخصوصة المغايرة للمعاني اللغوية، وأُطلق عليها لفظ الاصطلاحات مجازاً تسمية للشيء باسم متعلّقه.

صفحه 205
قال قدس الله روحه: البحث الثاني: في الحقيقة الشرعية ونعني بها اللفظ الذي نقله الشارع من موضوعه اللغوي إلى معنى آخر بحيث إذا أطلقه فهم مَن يتكلّم على اصطلاحه المعنى المنقول إليه، كالصلاة الموضوعة في اللغة للدعاء ونقلها الشارع إلى الأفعال المخصوصة، والزكاة الموضوعة في اللغة للنمو وفي الشرع للقدر المخرج من المال، والحجّ الموضوع في اللغة للقصد ونقله الشارع إلى المناسك المؤدّاة في المشاعر. وقد طال التشاجر بين الأُصوليّين في إثباتها ونفيها، ونحن قد استقصينا الكلام في ذلك في نهاية الوصول1 ونقول هنا:إن قصد النافي عدم إرادة هذه المعاني شرعاً أو ثبوت إرادتها لغةً فهو مكابر، وإن قصد بها أنّها مجازات لغوية فهو حق لكنّها حقائق شرعية لوجود خواص الحقيقة فيها، وإنّما جعلناها مجازات لأنّ التقدير أنّ العرب لم تضعها لهذه المعاني، وإنّما قلنا: إنّها لغوية، لأنّها لو لم تكن عربية لخرج القرآن عن كونه عربياً والتالي باطل، لقوله تعالى (بلسان عربي)، ولقوله (إنّا أنزلناه قرآناً عربياً).*

* [ في الحقيقة الشرعيّة ]

أقول: إنّما أفرد لهذا القسم ـ أعني: الحقيقة الشرعية ـ بحثاً برأسه دون كلّ واحدة من قسميها، لكثرة التشاجر ـ أي التنازع ـ بين الأُصوليّين والاختلاف فيها دونهما.

1. نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/245ـ 259. وراجع المحصول:1/119ـ 129.

صفحه 206
واعلم أنّ الكلام إمّا في تعريفها، وإمّا في إمكانها، وإمّا في وقوعها.
أمّا الأوّل فما تقدّم من تعريف الحقيقة المطلقة الشاملة للحقائق الثلاثة يعرف معناه إذا ضمّ إليه ما يدلّ على أنّ الواضع الشرع.
وقد عرّفها المصنّف ـ طاب ثراه ـ في «النهاية » بأنّها اللفظة المستعملة شرعاً فيما وضعت له في ذلك الاصطلاح وضعاً أوّلاً.1
وقال فخرالدين الرازي في «المحصول »:إنّها اللفظ الذي استفيد من الشرع وضعه للمعنى، سواء كان اللفظ والمعنى مجهولين عند أهل اللغة، أو معلومين لكنّهم لم يضعوا ذلك اللفظ لذلك المعنى، أو كان أحدهما معلوماً والآخر مجهولاً.2
وهذان التعريفان شاملان لما وضعه الشارع من الألفاظ التي لم يضعها أهل اللغة لمعنى أصلاً، والألفاظ التي وضعها أهل اللغة لمعان مغايرة للمعاني التي وضعها لها الشارع. والقسم الأوّل غيرمندرج في التعريف الذي ذكره المصنّف هنا حيث قال: «إنّها اللفظ الذي نقله الشارع من موضوعه اللغوي إلى معنى آخر بحيث إذا أطلقه ـ أي أتى به مجرّداً عن القيود والقرائن ـ فهم مَن يتكلّم على اصطلاحه ـ أي مَن يعرف باصطلاحه ـ المعنى المنقول إليه، كالصلاة الموضوعة لغة للدعاء ونقلها الشارع إلى الأفعال المخصوصة ـ من الركوع والسجود والقيام والقعود والأذكار المعيّنة من التكبير والقراءة والتسبيح ـ والزكاة الموضوعة لغة للنمو ونقلها الشارع إلى القدر المخرج من المال، والحجّ الموضوع في

1. نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/245.
2. المحصول:1/119.

صفحه 207
اللغة للقصد ونقله الشارع إلى مجموع المناسك المؤدّاة في المشاعرـ المخصوصة ـ ».1
وإنّما خصّص المصنّف ـ طاب ثراه ـ الحقيقة الشرعية بما ذكر، لأنّ النزاع والاختلاف إنّما وقع فيه دون القسم الأوّل المندرج في تعريفه المذكور في «النهاية » وتعريف فخر الدين في «المحصول » .
وأمّا إمكانها فمتّفق عليه بين الأُصوليّين، والخلاف إنّما هو في الوقوع:
فمنعه القاضي أبو بكر مطلقاً، وزعم أنّ الألفاظ اللغوية مبقاة على حالها.2
وأثبته المعتزلة مطلقاً، وزعموا أنّ الشارع وضع الألفاظ اللغوية لغير معانيها من غير ملاحظة الموضوعات اللغوية. ثمّ إنّهم قسّموا الأسماء الشرعية إلى ما جرت على الأفعال كالصلاة والصوم والحجّ، وإلى ما جرت على الفاعلين كالمؤمن والفاسق والكافر، وسمّوا الأخير بالأسماء الدينية، فرقاً بينه وبين الأوّل.3
وقبل الاستدلال على المختار في هذه المسألة لابدّ من تمهيد مقدّمة هي: إنّا لا نرتاب في وجود هذه الألفاظ ـ أعني: لفظ الصلاة والزكاة والحجّ ـ وغيرها من الألفاظ الشرعية في اللغة العربية، فإنّ الشارع أراد بها أُموراً مغايرة للمعاني التي وضعها لها اللغويون، لكن لمّا كانت المعاني التي أرادها الشارع من تلك الألفاظ مشتملة على المعاني التي وضعها

1. نقل الشارح التعريف هنا بتصرّف يسير.
2. راجع: التقريب والإرشاد:1/387.
3. راجع: المعتمد:1/18.

صفحه 208
أهل اللغة لها، احتمل أن يكون الشارع إنّما أطلق تلك الألفاظ على تلك المعاني لأجل اشتمالها على معانيها اللغوية، فيكون حينئذ مجازات من الحقائق اللغوية من باب إطلاق اسم الجزء على الكلّ.
وأن يكون إطلاق تلك الألفاظ على المعاني اللغوية الموجودة في المعاني الشرعية خاصة، فيكون حينئذ حقائق لغوية كما كانت قبل الاستعمال.
وأن يكون وضعه تلك الألفاظ لتلك المعاني الّتي وضعها هو لها من غير التفات إلى المعاني اللغوية أصلاً، وحينئذ يكون وضعاً جديداً. فنقول: إن أوجبنا في الألفاظ الشرعية استعمال القوانين اللغوية، وجب اعتبار أحد الاحتمالين الأوّلين، ليكون العرف الشرعي جارياً على القانون اللغوي إمّا حقيقة أو مجازاً وإن لم يوجب أمكن تحقّق الاحتمال الثالث أيضاً، إلاّ أنّه لمّا دلّ الدليل على كون القرآن عربياً وكان مشتملاً على هذه الألفاظ الشرعية، انتفى الاحتمال الثالث وتعيّن أحد الأوّلين على ما يأتي بيانه.
والمختار: أنّها حقائق شرعية، مجازات لغوية.
أمّا الأوّل، فلأنّ المتكلّم على الاصطلاح الشرعي إذا أطلق هذه الألفاظ، فهم كلّ سامع لها عالم. بذلك الاصطلاح المعاني التي وضعها الشارع لها دون المعاني اللغوية، وذلك آية كونها حقيقة شرعية وعدم كونها حقيقة لغوية.
وأمّا الثاني وهو أنّها مجازات لغوية، فلأنّها لو لم تكن كذلك لم تكن عربية أصلاً، لأنّها ليست حقائق لغوية على ما تقدّم من كونها غير

صفحه 209
موضوعة لهذه المعاني لغة، فلو لم تكن مجازات لغوية لم تكن لغوية أصلاً، فلا تكون عربية مطلقاً. والتالي باطل، لأنّها لو لم تكن عربية لما كان القرآن العزيز عربياً، وبطلان التالي ملزوم لبطلان المقدّم.
أمّا الملازمة، فلأنّ القرآن العزيز مشتمل على هذه الألفاظ، كقوله تعالى:(الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ)1،(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ)(2)، (وَللهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ)(3)، وليس المراد منها موضوعاتها اللغوية خاصة وفاقاً، فإذا لم تكن هذه الألفاظ عربية لم يكن القرآن المشتمل عليها عربياً.
وأمّا بطلان التالي فلقوله تعالى:(إنّا أَنْزَلْناهُ قُرآناً عَرَبِياً)2، وقوله تعالى:(بِلِسان عَرَبيّ)(5)، وقوله:(وَمَا أَرْسَلْنا مِنْ رَسُول إلاّ بِلِسانِ قَوْمِهِ)(6).
واعلم أنّ ذلك لا يتمشّى على تقدير كون اللغات توقيفية، لأنّ المراد بالعربية على ذلك التقدير الألفاظ التي وقف الله تعالى العرب على أنّها موضوعة للمعاني المخصوصة بحيث يتحاورون بها، وهذا المعنى بعينه موجود في الألفاظ الشرعية فهي عربية وإن لم تلاحظ مسمّياتها المعهودة أوّلاً.
واعترض بأنّ هذا الدليل فاسد الوضع، وذلك لأنّه يدلّ على أنّ هذه الألفاظ مستعملة فيما كانت العرب تستعملها فيه، وبالاتفاق ليس كذلك، فإنّ الصلاة لا يراد بها في الشرع الدعاء، فإنّ ما يدلّ عليه هذا الدليل لا يقولون به، وما يقولون به لا يدلّ هذا الدليل عليه، فكان فاسداً.

1. المائدة:55; النمل:3.    2. البقرة:183.   3 . آل عمران:97.
2. يوسف:2.   5 . الشعراء:195.   6 . إبراهيم:4.

صفحه 210
سلّمنا، لكن لا نسلّم أنّها إذا لم تكن حقائق لغوية ولا مجازات لغوية لم تكن عربية مطلقاً، فإنّ هذه الألفاظ كانت مستعملة في لسان العرب وإن كانت في غير هذه المعاني، وذلك كاف في كونها عربية.
سلّمنا، لكن لِمَ قلتم إنّه يخرج القرآن عن كونه عربياً، فإنّ هذه الألفاظ قليلة جداً بالقياس إلى ألفاظ القرآن العزيز العربية، فلا تكون قادحة في عربيته، كالثور الأسود إذا كان فيه شعرات بيض قليلة فإنّه يصدق عليه أنّه أسود، وكذا القصيدة الفارسية المشتملة على الألفاظ اليسيرة العربية فإنّه لا يقدح في إطلاق الفارسية عليها تلك الألفاظ اليسيرة العربية.
سلّمنا، لكن لانسلّم استحالة كون مجموع القرآن ليس بعربي، والآيات المذكورة لا تدلّ على أنّ القرآن بكلّيته عربي، وذلك لأنّ لفظ القرآن يقال على الكلّ وعلى البعض، بدليل أنّه لو حلف على أنّه لا يقرأ القرآن حنث بقراءة بعضه .
سلّمنا أنّ ما ذكرتموه يدلّ على أنّ القرآن بجملته عربي، لكن هنا ما يدلّ على خلافه; فإنّ أوائل السور مثل يس وكهيعص والم وغير ذلك من الحروف المقطّعة ليست عربية، ولأنّ لفظة المشكاة حبشية، والاستبرق والسجيل فارسيّتان، والقسطاس رومية.
سلّمنا أنّ ما ذكرتموه يدلّ على مذهبكم، لكن هنا ما يدلّ على مذهب المعتزلة المخالف له، وذلك من حيث الإجمال، ومن حيث التفصيل.
أمّا الأوّل، فلأنّه قد ثبت أنّ الشارع أتى بمعان لم يضع لها أهل اللغة ألفاظاً لعدم وقوفهم عليها ويحتاج إلى تعريفها للمكلّفين فلابدّ من وضع الألفاظ لها، كالولد الحادث والأداة الحادثة.

صفحه 211
وأمّا التفصيل، فهو إنّا نبيّن أنّ تلك الألفاظ ليست مستعملة في معانيها الأصلية:
أمّا الإيمان فهو في أصل اللغة التصديق. وفي الشرع عبارة عن فعل الواجبات بدليل أنّ فعل الواجبات هو الدين، والدين هو الإسلام، والإسلام هو الإيمان، ينتج أنّ فعل الواجبات هو الإيمان .
أمّا المقدّمة الأُولى، فلقوله تعالى:(وَما أُمرُوا إلاّ ليعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دينُ القَيِّمَة)1، وذلك كناية عن جميع ما تقدّم، فيكون جميع ما تقدّم هو الدين.
وأمّا الثانية، فلقوله تعالى:(إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإسلامُ)(2).
وأمّا الثالثة، فلأنّه لو كان الإسلام مغايراً للإيمان لما كان الإيمان مقبولاً من مبتغيه، لقوله تعالى:(وَمَن يبْتَغِ غَيْر الإسلام ديناً فَلَنْ يُقبلَ مِنْهُ)(3)، وإن لم يكن مغايراً له كان نفسه وينتج المدّعى.
وأمّا لفظ الصلاة فهي في أصل اللغة: إمّا للمتابعة كما يقال للطائر الذي يتبع السابق مصلياً، وإمّا للدعاء كما في قول الشاعر:
وصلّى على دَنِّها وارتسم.2
وإمّا لعظم الورك كما قال بعضهم: إنّ الصلاة إنّما سمّيت صلاة، لأنّ

1. البيّنة:5.   2 . آل عمران:19.   3 . آل عمران:85.
2. تمام البيت هو: وقابلها الريح في دنّها      وصلّى على دنّها وارتسم
والبيت هو للأعشى ميمون بن قيس بن جندل، من بني قيس بن ثعلبة الوائلي، أبو بصير، المعروف بأعشى قيس وأعشى بكر بن وائل والأعشى الكبير، من شعراء الطبقة الأُولى في الجاهلية وأحد أصحاب المعلّقات، عاش عمراً طويلاً وأدرك الإسلام ولم يسلم، لقّب بالأعشى لضعف بصره، وعُمي في آخر عمره.
ولد في قرية «منفوحة » باليمامة قرب الرياض وتوفّي فيها سنة 7هـ. ، وقبره هناك. الأعلام:7/341.

صفحه 212
المصلّين يقفون صفوفاً يحاذي كلّ واحد منهم برأسه صلا الآخر عند الركوع.
ثم إنّها في الشرع لا تفيد شيئاً من ذلك، فإنّا إذا سمعنا لفظ الصلاة لم يفهم شيئاً من هذه المعاني الثلاثة أصلاً، ولأنّ صلاة الإمام وصلاة المنفرد لم يتحقّق فيها المتابعة ولا محاذاة رأسه لعظم ورك غيره، وصلاة الأخرس المنفرد ليس فيها شيء من الثلاثة.
وأمّا الزكاة فلأنّها موضوعة في اللغة للنمو والزيادة، وفي الشرع عبارة عن تنقيص المال على وجه مخصوص.
وأمّا الصوم فهو في اللغة لمطلق الإمساك، وفي الشرع عبارة عن الإمساك عن أشياء مخصوصة في وقت مخصوص ولا يتبادر إلى الذهن فهم مطلق الإمساك عند إطلاقه. وكذا الحجّ.
والجواب: أنّا لا نسلّم أنّ هذا الدليل فاسد الوضع.
قوله: لأنّه يقتضي كون هذه الألفاظ مستعملة في المعاني التي كانت العرب تستعملها فيها.
قلنا: على سبيل الحقيقة أو مطلقاً، أي أعم من كونها حقيقة أو مجازاً الأوّل ممنوع، والثاني مسلّم. فإنّ العرب كانوا يتكلّمون بالحقيقة والمجاز، ومن المجازات المشهورة تسمية الكل باسم جزئه، كما يقال للزنجي إنّه أسود، والدعاء الذي هو موضوع الصلاة لغة أحد أجزاء المجموع المسمّى بالصلاة شرعاً، بل هو الجزء المقصود، بدليل قوله تعالى:(وَأقِمِ الصلاةَ لِذِكْرِي) .1

1. طه:14.

صفحه 213
فإن قلت: شرط المجاز تنصيص أهل اللغة على تجويزه، وهنا لم يوجد ذلك لما ذكرتموه من أنّهم ما كانوا يتصوّرون هذه المعاني التي جاء بها الشرع، فكيف يقال: إنّهم نصّوا على جواز نقل لفظ الصلاة من الدعاء الذي هو أحد أجزاء هذا المجموع إليه؟
قلت: لا نسلّم أنّ شرط المجاز تصريح أهل اللغة بجوازه.
سلّمنا، لكنّهم صرّحوا بأنّ إطلاق لفظ الجزء على الكلّ جائز على سبيل المجاز، فدخلت هذه الصورة في هذا التصريح.
قوله: هذه الألفاظ مستعملة في لسان العرب وإن كانت في غير هذه المعاني، وذلك كاف في كونها عربية.
قلنا: لا نسلّم فإنّ كون اللفظة عربية ليس حكماً لاحقاً لها لذاتها، بل من حيث دلالتها على المعنى المخصوص، فإذا لم تكن تلك الدلالة عربية لم تكن اللفظة عربية.
قوله: هذه الألفاظ قليلة جداً بالقياس إلى ألفاظ القرآن العزيز، فلم يكن وجودها فيه قادحاً في عربيته.
قلنا: لا نسلّم فإنّ ما وجد فيه ما ليس بعربي وإن كان في غاية القلّة لا يكون مجموعه عربياً، وصدق الأسود على الثور المفروض والفارسية على القصيدة المذكورة ليس على سبيل الحقيقة، بل على سبيل المجاز من باب تسمية الكلّ باسم جزئه، بدليل صحّة الاستثناء من كلّ منهما، كما يقال: هذا الثور أسود إلاّ بعضه، وهذه القصيدة فارسية إلاّ قليلاً منها.
قوله: القرآن يقال على الكل والبعض.
قلنا: لا نسلّم فإنّ الإجماع منعقد على أنّ الله تعالى ما أنزل إلاّ قرآناً

صفحه 214
واحداً، ولو كان القرآن صادقاً على كلّ بعض منه لزم تعدّده، وهو خرق الإجماع، وما ذكروه من الدليل على صدق القرآن على بعضه معارض بما أنّه يقال في كلّ سورة وكلّ آية: إنّه بعض القرآن، والشيء لا يكون بعضاً من نفسه.
وفيه نظر، فإنّ لفظ القرآن إذا كان مشتركاً بين البعض والكلّ لا يلزم كونه بعضاً من نفسه، بل بعضاً من شيء مسمّى باسمه، وليس ذلك محالاً.
قوله: وجد في القرآن ما ليس بعربي، كأوائل السور والمشكاة والقسطاس والاستبرق والسجيل .
قلنا: لا نسلّم، بل هي عربية، أمّا الحروف فإنّها أسماء السور، وأيضاً فكلّ واحد منها موضوع لمسمّاه لغة. وباقي الألفاظ المذكورة يجوز اتّفاق اللغات فيها، كالتنور والصابون.
قوله: هذه المعاني التي جاء بها الشرع ليس لها ألفاظاً موضوعة لغة، فلابدّ من وضع الألفاظ اللغوية بازائها كالولد الحادث والاداة الحادثة.
قلنا: يكفي فيها المجاز، وهو تخصيص الألفاظ اللغوية المطلقة ببعض مواردها1، فإنّ الإيمان والصلاة والصوم كانت موضوعة لمطلق التصديق والدعاء والإمساك ثم تخصصت بسبب الشرع بتصديق معيّن ودعاء معيّن وإمساك معيّن، والتخصيص لابد وأن يكون بإدخال قيود زائدة على الأصل، فيكون إطلاق اسم المطلق على المقيد كما في الصور الثلاثة المذكورة من باب إطلاق اسم الجزء على الكلّ. وأمّا الزكاة فهي من باب نقل اسم السبب إلى المسبب، فإنّ ذلك النقص سبب في الزيادة

1. في«م »: موادها.

صفحه 215
والنمو، بدليل قوله تعالى:(يَمْحِقُ اللهُ الرِّبا ويُرْبِي الصَّدَقاتِ)1فأطلق عليه اسم السبب وهو الزكاة.
قوله: إنّ فعل الواجبات هو الدين لقوله تعالى:(وذلِكَ دِينُ القيِّمة) .
قلنا: لا نسلّم فإنّ ذلك لفظ الوجدان فلا يجوز صرفه إلى الأُمور الكثيرة. وأيضاً فهو مذكّر فلا يجوز صرفه إلى إقامة الصلاة، وحينئذ لابدّ من إضمار شيء آخر وهو أن يقول:ذلك الذي أمرتم به دين القيمة.
وإذا كان كذلك فليسوا بأن يضمروا ذلك بأولى من إضمار شيء آخر وهو أن يقول: معناه: أنّ ذلك الإخلاص، أو ذلك الدين دين القيمة; ويكون قوله:«مخلصين » دالاًّ على الإخلاص.
وإذا تعارض الاحتمالان فعليهم الترجيح وهو مَعَنا، لأنّ إضمارهم يؤدّي إلى تغيير اللغة وهو مخالف الأصل، وإضمارنا لايؤدّي إلى تغيير اللغة، فكان أولى.
واعترض على هذا بجواز عوده إلى المجموع من حيث هو مجموع، وهو واحد مذكّر ولا حاجة إلى الإضمار المخالف للأصل.
وقول المصنّف ـ طاب ثراه ـ: «ونقول هنا: إنّ قصد النافي » أي نافي الحقيقة الشرعية عدم إرادة الشارع هذه المعاني التي جاء بها من هذه الألفاظ اللغوية أو هذه المعاني الشرعية مراده من هذه الألفاظ بوضع اللغة فهو مكابر. وإن قصد أنّها مجازات لغوية باعتبار استعمال هذه الألفاظ في غير ما وضعت له لغة للعلاقة فهو حق، وهو مدّعانا ومع ذلك فهي حقائق شرعية لما عرفت من وجود خواص الحقيقة فيها وباقي كلامه ظاهر ممّا ذكره.

1. البقرة:276.

صفحه 216
قال قدس الله روحه: البحث الثالث: النقل على خلاف الأصل عملاً بالاستصحاب، ولأنّ الفهم إنّما يتمّ مع عدمه، ولتوقّفه على الوضع الأصلي ونسخه وثبوت الوضع الثاني، فيكون مرجوحاً بالنسبة إلى ما يتوقّف على الأوّل. واعلم أنّ من جملة المنقولات الشرعية صيغ العقود، فإنّ الشارع نقلها من الإخبار إلى الإنشاء، وإلاّ لزم الكذب أو مسبوقية كل صيغة بأُخرى ويتسلسل. *
* أقول: لمّا أثبت النقل شرع في ذكر ما يتفرّع عليه وذكر فرعين:

الأوّل: أنّ النقل على خلاف الأصل

بمعنى أنّ عدمه أغلب على الظن من وجوده. واستدلّ عليه بوجوه ثلاثة:
الأوّل: أنّ كون اللفظ موضوعاً لمعنى من المعاني غير منقول عنه إلى غيره في وقت ما يفيد ظن كونه كذلك فيما بعده ما لم يظهر ما يدلّ على خلاف ذلك لما سيظهر من أنّ استصحاب الحال حجّة.
الثاني: لو لم يكن وجود النقل مرجوحاً بالنسبة إلى عدمه لما حصل التفاهم حال التخاطب قبل السؤال عن كلّ واحد واحد من الألفاظ التي وقعت بها المخاطبة هل نقل عن موضوعه إلى غيره أو لا؟ والتالي باطل بالوجدان، فالمقدّم مثله .
بيان الملازمة: أنّه على تقدير تساوي احتمال النقل وعدمه عند السامع يتردّد ذهنه في فهم المعنى الأصلي والمعنى المنقول إليه، و لا يتبادر إلى فهم أحدهما دون الآخر، وإلاّ لزم الترجيح من غير مرجّح،

صفحه 217
وحينئذ لا يحصل فهم المراد من الخطاب.
وفيه نظر، فإنّ لمانع أن يمنع الملازمة، فإنّ تبادر المعنى إلى الذهن يدلّ على عدم اعتقاد السامع نقله، لا على اعتقاده عدم نقله الذي هو مدّعاكم، والمرجّح لفهم المعنى الأصلي دون غيره باطل وهو علم السامع بوضع اللفظ له وعدم علمه بوضعه لغيره.
الثالث: كون اللفظ منقولاً يتوقّف على أُمور ثلاثة: الوضع الأصلي، ونسخه، والوضع الجديد. وكونه غير منقول لا يتوقّف إلاّ على الأوّل فكان أرجح.

الفرع الثاني:[ في أنّ صيغ العقود إنشاءات أم إخبارات ]

إنّ صيغ العقود مثل بعت وآجرت وتزوجت منقولات شرعية فإنّها كانت موضوعة لغة للإخبار فنقلها الشارع إلى الإنشاء.1
أمّا الأوّل فمتّفق عليه. وأمّا الثاني فلأنّها لو لم تكن منقولات عن موضوعها لزم أحد الأمرين: وهو إمّا الكذب، أو كون كلّ صيغة مسبوقةً بأُخرى ويتسلسل إلى غير النهاية. والتالي بقسميه باطل، فكذا المقدّم.
أمّا الملازمة فلأنّه إذا قال: «بعت » فإمّا أن لا يكون قبل هذه الصيغة أُخرى فيلزم الأوّل وهو الكذب، إذ لا يتحقّق البيع بدون صيغته وفاقاً; وإمّا أن يكون، فيلزم الثاني وهو التسلسل، لأنّا ننقل الكلام إلى تلك الصيغة السابقة وما قبلها إلى غير النهاية .
وأمّا بطلان الأوّل، فلأنّ الكذب لا عبرة به فلا يترتّب عليه حكم شرعي.

1. راجع: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/263; المحصول:1/131.

صفحه 218
قال قدس الله روحه: البحث الرابع في الفرق بين الحقيقة والمجاز وهو من وجوه:
الأوّل: أن ينص أهل اللغة عليه. الثاني: وجود الخواص. الثالث: سبق المعنى إلى الفهم دليل الحقيقة، وعكسه دليل المجاز. الرابع: تجرّده عن القرينة من خواص الحقيقة وتوقّفه عليها دليل المجاز. الخامس: تعلّق الكلمة بما يستحيل تعلّقها به لغة دليل المجاز مثل (واسْئَلِ القرية). السادس: الاطّراد دليل الحقيقة، فإنّ العالم لما صدق على ذي علم حقيقة صدق على كلّ ذي علم بخلاف (واسْئَلِ القرية) لامتناع: واسأل الجدار. ويضعف بأنّ عدم الاطّراد قد يكون للمانع الشرعي مثل الفاضل والسخي، أو اللغوي كمنع الأبلق في غير الفرس. *
وأمّا بطلان الثاني وهو التسلسل فمما تبيّن في علم الكلام.
والهاء في قول المصنّف ـ طاب ثراه ـ:«إنّما يتم مع عدمه » عائدة إلى النقل وكذا في قوله: «لتوقّفه ».
والفرق بين الإخبار والإنشاء أنّ مدلول الخبر الحكم بثبوت أمر لآخر أو نفيه عنه، ومدلول الإنشاء نفس ذلك الثبوت أو النفي.

* [ الفرق بين الحقيقة والمجاز ]

أقول: يريد بالفرق بين الحقيقة والمجاز ما يعرف به كون اللفظ المخصوص حقيقة في المعنى المعين أو مجازاً فيه، لا الفرق بين ماهية الحقيقة وماهية المجاز، لأنّ ذلك معلوم من حدّيهما المتقدّم ذكرهما. وقد ذكر المصنّف ـ طاب ثراه ـ لذلك طرقاً ستة، فمنها ما يشترك فيه الحقيقة

صفحه 219
والمجاز ومنها ما يختصّ بأحدهما.
فالأوّل طريقان نص أهل اللغة عليه، أي على كون اللفظ حقيقة في المعنى الفلاني أو مجازاً فيه. وذلك يكون على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يقولوا هذا اللفظ حقيقة في هذا المعنى، وهذا اللفظ مجاز فيه.
وثانيها: أن يذكروا حدّيهما بأن يقولوا: هذا اللفظ موضوع لهذا المعنى المستعمل فيه وضعاً أو لا، وهذا اللفظ ليس موضوعاً لهذا المعنى المستعمل فيه وضعاً أو لا، بل لمناسبة، فيعلم بذلك أنّ اللفظ الأوّل حقيقة والثاني مجاز.
وثالثها: ذكر خواصّهما بأن يقولوا هذا اللفظ لا يجوز سلبه عن هذا المعنى وهذا اللفظ يجوز سلبه عنه، فيعلم بذلك أنّ الأوّل حقيقة والثاني مجاز.
الثاني: وجود الخواص، فإنّا إذا وجدنا في لفظ مستعمل في معنى معين شيئاً من خواص الحقيقة، مثل عدم جواز سلبه عنه، علمنا أنّه حقيقة في ذلك المعنى; وكذا إذا وجدنا فيه شيئاً من خواص المجاز، كجواز سلبه عنه، فإنّا نعلم كونه مجازاً فيه، لأنّ خواص الشيء لا يوجد لغيره وإلاّ لما كانت خواص له.
وأمّا ما يختصّ بالحقيقة فأشياء:
منها: أن يسبق المعنى إلى إفهام المتحاورين باللغة عند إطلاق لفظه مجرداً عن القرائن المخصصة لذلك اللفظ بذلك المعنى، فيعلم أنّ ذلك اللفظ حقيقة في ذلك المعنى، إذ لولا كونه موضوعاً له دون غيره من المعاني لكان سبقه إلى الفهم من دونها ترجيحاً من غير مرجّح، وأنّه

صفحه 220
محال. وعدم ذلك دليل المجاز، فإنّ اللفظ المستعمل في معنى إذا أُطلق ولم يسبق ذلك المعنى إلى الفهم عند إطلاقه، بل افتقر في فهمه منه إلى قرينة زائدة عليه، كان مجازاً.
وفيه نظر، فإنّه منقوض باللفظ المشترك بالنسبة إلى كلّ واحد من معانيه، فإنّه ليس مجازاً فيه مع عدم سبق معناه إلى الفهم عند إطلاقه.
وقول المصنّف ـ طاب ثراه ـ:«وعكسه المجاز » أراد بالعكس هنا المقابل، وهو عدم سبق المعنى إلى الفهم، وأطلق عليه لفظ العكس مجازاً ليشاركهما في التضايف.
ومنها: استعمال أهل اللغة اللفظ مجرّداً عن القرائن المعينة للمراد منه قاصدين إفهام سامعيه منه معنى معيناً، ولو عبّروا عن ذلك المعنى بغير ذلك اللفظ أو بذلك اللفظ عن غير ذلك المعنى لم يقتصروا عليه، بل ضمّوا إليه قرينة زائدة فإنّه يعلم منه كون ذلك اللفظ حقيقة في ذلك المعنى، إذ لولا علمهم بأنّ ذلك اللفظ مستحق لذلك المعنى لكونه موضوعاً له لما جردوه عن القرينة، وتوقّف فهم المعنى من اللفظ على وجود قرينة زائدة عليه دليل على كون ذلك اللفظ في ذلك المعنى مجازاً.
وفيه نظر، لما عرفت من انتقاضه بالمشترك، فإنّ دلالته على معناه المعيّن يتوقّف على قرينة زائدة عليه.
وأمّا ما يختص بالمجاز زيادة على ما تقدّم ذكره فتعليق الكلمة بما يستحيل تعلّقها به لغة، كقوله تعالى:(واسْئَلِ الْقَرْيَةَ)1 فإنّ السؤال

1. يوسف:82.

صفحه 221
يستحيل تعلّقه بالقرية التي هي عبارة عن مجتمع الناس حقيقة، فيعلم أنّ المراد من لفظ القرية المجاز وهو ساكنوها تسمية للمحوى باسم الحاوي.
قيل على هذا: لا نسلّم تعيّن المجاز هاهنا، لاحتمال كون لفظ القرية مشتركة بين المساكن وأهلها، فإذا تعذّر حمله على أحدهما تعيّن حمله على الآخر ولم يكن ذلك الآخر مجازاً.
وأُجيب عنه :بأنّ الاشتراك مخالف للأصل، والمجاز وإن كان مخالفاً للأصل إلاّ أنّه أرجح من الاشتراك. والحق أنّ هذا السؤال غير وارد، لأنّ المدّعى استلزامه1 تعيّن(2) المجاز وهو تعليق الكلمة بما يستحيل تعلّقها به، وعلى تقدير اشتراك لفظ القرية بين المعنيين المذكورين لا يتحقّق ذلك، فلا ينتقض ما قلناه لعدم استلزامه تعيّن المجاز حينئذ. نعم هذا
الاعتراض وارد على المثال وهو هذه الآية المذكورة وجوابه ما ذكروا وإنّما جعل المصنّف استحالة تعليق الكلمة بما يستحيل تعلّقها به كالسؤال بالقرية مستندة إلى اللغة وإن كان قد يتخيل2 استنادها إلى العقل، لأنّ الاستحالة تابعة لدلالة اللفظ على المعنى المخصوص، وهي مستندة إلى وضع أهل اللغة، فلو أنّهم وضعوا لفظ القرية لما يصحّ تعليق السؤال به لما تحقّقت هذه الاستحالة.
واعلم أنّ تعليق الكلمة بما يستحيل تعلّقها به يوجب العدول إلى المجاز، لكن تارة يكون التجوّز في نفس الكلمة المتعلّقة ويجري ما3

1. في «ج »: استلزام.   2 . في «م »: تعيين.
2. في«م »: يستحيل.
3. في «م »: بما.

صفحه 222
يستحيل تعلّقها به على حقيقته، وتارة بالعكس، وتارة يحتمل الأمران فلا يتعيّن العدول عن ظاهر أحدهما دون الآخر إلاّ لأمر مرجّح، وتارة يكون التجوّز فيهما معاً.
مثال الأوّل: قوله تعالى:(جِداراً يُريدُ أن يَنَقَضَّ)1، فقد علّق الإرادة بالجدار وهو محال،والتجوّز هنا إنّما هو في لفظ الإرادة المتعلّقة والمراد منه الميل الحاصل في الجدار المقتضي لسقوطه، وأمّا لفظ الجدار فهو جار على ظاهره.
ومثال الثاني: ما تقدّم من قوله تعالى:(وَاسْئَلِ الْقَرْيَةَ)، فإنّ لفظ السؤال الذي هو المتعلّق جار على ظاهره، والتجوّز إنّما هو في المتعلّق الذي هو القرية والمراد أهلها.
ومثال الثالث: قولك رأيت أسداً يسجد أو يتكلّم، ومنه يعلم مثال الرابع.
ومن الأدلة على كون اللفظ حقيقة في المعنى المعيّن اطّراده، كالعالم فإنّه لمّا صدق على ذي علم حقيقة صدق على كلّ ذي علم أنّه عالم وهو معنى الاطّراد، بخلاف ما ليس بحقيقة فإنّه لا يطّرد، إذ لا يلزم من صحّة قوله:(وَاسْئَلِ الْقَرْيَةَ) قولنا: «واسأل الجدار ».
واعترض عليه بأنّ عدم الاطّراد قد يكون لمانع شرعي، كالفاضل والسخي فإنّه مـوضـوع حقيقة لكلّ ذي فضل وسخاء وهما حاصلان لله تعالى مع عدم صدقهما عليه لوجود المانع الشرعي أو لمانع لغوي، كمنع

1. الكهف:77.

صفحه 223
قال قدس الله روحه: البحث الخامس: في أقسام المجاز وهو من وجوه:الأوّل: إمّا أن يقع في المفردات كالأسد، أو في المركّبات كطلعت الشمس وهو عقلي، أو فيهما مثل: أحياني اكتحالي بطلعتك. الثاني: المجاز قد يكون بالزيادة، أو النقصان، أو النقل. الثالث: إطلاق السبب على المسبب وبالعكس. الرابع: تسمية الشيء باسم شبيهه وهو المستعار، وبضده، وبجزئه، وبالعكس، وبما يؤول إليه، وبما كان عليه، وبالمجاور، وبأحد جزئياته، وبالمتعلّق. *
الأبلق في غير الفرس، فإنّ الأبلق عبارة عن كلّ جسم ذي لونين سواد وبياض، إلاّ أنّ أهل اللغة خصّوا ذلك بالفرس فلا يقال: ثور أبلق ولا جمل أبلق; وهذا غير وارد على قولهم: «الاطّراد دليل الحقيقة »، لأنّه لا يلزم من كونه دليلاً على الحقيقة أن يكون عدمه دليلاً على عدمها، لجواز أن يكون المدلول أعمّ من دليله. نعم لو قيل: «عدم الاطّراد دليل المجاز » كان ذلك وارداً عليه، لتخلّف المدلول عن الدليل، وأنّه محال.
وتخلّص صاحب الإحكام1 من هذا الايراد بأنّ جعل الدال على المجاز عدم الاطّراد مع عدم ورود المنع من أهل اللغة والشارع.2

* [ في أقسام المجاز ]

أقول: لمّا ذكر أقسام الحقيقة وما به تمتاز عن المجاز شرع في ذكر

1. الإحكام في أُصول الأحكام:1/28.
2. لمزيد الاطّلاع على الفروق بين الحقيقة والمجاز راجع: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/292ـ 296; المستصفى من علم الأُصول:2/24ـ26; المحصول:1/148ـ151; الإحكام في أُصول الأحكام:1/27ـ30.

صفحه 224
أقسام المجاز.
واعلم أنّ المجاز ينقسم تارة باعتبار ما يقع فيه التجوّز، وتارة باعتبار ما به يقع التجوّز من المتكلّم .
أمّا الأوّل فنقول: التجوّز إمّا أن يقع في مفردات الألفاظ، وإمّا أن يقع في تركيبها، وإمّا أن يقع فيهما معاً.
أمّا الأوّل كإطلاق لفظ الأسد على الشجاع، والحمار على البليد.
والثاني مثل: طلعت الشمس، (وَ أَخْرَجَتِ الأْرضُ أَثْقالَها).1
وقال الشاعر:
أشاب الصَّغير وأفنى الكبيـ *** ـر كرُّ الغداة ومرُّ العشيّ2
فـإنّ المـراد من كلّ واحـدة من لفظـي الطلـوع والشمس حقيقتهمـا، وكـذا لفظ الإخـراج والأرض والأثقـال ومفـردات البيت المـذكـور، والتجـوّز إنّمـا هـو في التـركيب وهـو إسناد الطلوع إلى الشمس، والإخراج إلى الأرض، والشيب والفناء إلى كرّ الغداة ومرّ العشيّ، لأنّ هذه الأُمور بالحقيقة مستندة إلى الله تعالى لا غيـر فإسنـادها إلى هذه الأشياء المذكورة يكون مجازاً، وهذا المجاز عقلي لا وضعىّ، لأنّ اسناد الأثر إلى مـؤثره حكم عقلي ثابت في نفس الأمر لا يتغير بتغير الأوضـاع

1. الزلزلة:2.
2. البيت للشاعر الصلتان العبدي قثم بن خبية العبدي، من بني محارب بن عمرو، من عبد القيس، وله قصيدة في الحكم بين جرير والفرزدق يقول فيها:
أرى الخطفي بذ الفرزدق شأوه *** ولكن خيراً من كليب مجاشع.
ففضّل شعر جرير وفضّل قوم الفرزدق، توفّي نحو 80هـ . الأعلام:5/190.

صفحه 225
والاصطلاحات، فنقله عن ذلك المؤثر واسناده إلى غيره نقل لحكـم عقلي لا للفظ لغوي.
وأمّا الثالث فكقوله: أحياني اكتحالي بطلعتك، فإنّ كلّ واحدة من هذه الألفاظ لم يرد منه حقيقة، إذ المراد من الإحياء: السرور، ومن الاكتحال الرؤية، ومن الطلعة: الصورة. والتركيب مجاز أيضاً، لأنّه أسند الإحياء الذي هو فعل الله تعالى إلى رؤيته، إلاّ أنّ المجاز في هذه المفردات وضعي وفي التركيب عقلي لما عرفت.
وأمّا الثاني: وهو التقسيم العارض للمجاز باعتبار ما به يقع التجوّز من المتكلّم فهو إمّا بالزيادة، وهو أن يضيف إلى الكلمة ما لولاه لكانت جارية على حقيقتها، كقوله تعالى:(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء)1، فإنّ الكاف لو لم تضف إلى لفظة مثله لكان الكلام منتظما جارياً على حقيقته، إذ المقصود بيان وحدته تعالى ونفي مماثله وذلك حاصل على تقدير عدم الكاف، وأمّا على تقدير ثبوتها فلا يمكن إجراؤها على حقيقتها، لأنّها موضوعة للتشبيه فيصير المعنى: ليس مثل مثله شيء، وهو كفر، لأنّه يكون نفياً لله تعالى لكونه مثلاً لمثله لو قدر.
وأمّا النقصان وهو أن يحذف عن الكلمة ما لو كان مضافاً إليها لكانت جارية على حقيقتها، كقوله تعالى:(وَاسْئَل القَرْيَة) فإنّه لو قيل: واسأل أهل القرية لجرت الكلمة على حقيقتها، وأمّا مع هذا النقصان فيجب حمل لفظ القرية على المجاز.

1. الشورى:11.

صفحه 226
وأمّا النقل وهو نقل اللفظ عن موضوعه الأصلي إلى غيره لعلاقة بينهما، مثل تسمية البليد حماراً والشجاع أسداً، ثم ليس مطلق العلاقة كافياً في التجوّز، فإنّ كثيراً من المعاني له علاقة بغيره ولا يصحّ إطلاق لفظه على ذلك الغير ولا بالعكس، كالأب والابن، والجوهر والعرض، والمادة والصورة، بل العلاقة المخصوصة وهي التي اعتبر نوعها أهل اللغة وهي أحد عشر نوعاً:
الأوّل: إطلاق لفـظ السبب على المسبّب. أمّـا الفاعل مثـل نـزل السحـاب، أو القابـل مثل سـال الـوادي، أو الصـورة كإطلاق لفظ القـدرة على اليـد فـإنّ القـدرة تشابـه الصـورة لليد مـن حيث إنّ الأثـر الصـادر عـن اليد لا يكون إلاّ بتوسط القدرة، فكانت كالجسم الذي لا يؤثر إلاّ بتوسط صورته، ولحلول القدرة فيها كحلول الصورة في المادة، والمشهور في الاستعمال تسمية القدرة يداً كما يقال: الأمر الفلاني بيدك، ولي في هذا الأمر يدٌ .
وأمّا الغاية فكتسمية العنب خمراً والعقد نكاحاً، ولمّا كانت الغاية علّة في الذهن لمعلولها ومعلولة في الخارج له، كان لها بذي الغاية علاقة العلية والمعلولية، فكان المجاز فيها أقوى من باقي الأقسام.
الثاني: عكسه وهو تسمية المسبّب باسم السبب، كتسمية المرض الشديد موتاً.
الثالث: تسمية الشيء باسم شبيهه، كتسمية الشجاع أسداً والبليد حماراً، ويسمّى هذا بالمستعار.

صفحه 227
الرابع: تسمية الشيء باسم ضده، كتسمية جزاء السيئة سيئة وجزاء العدوان عدواناً، كقوله تعالى:(وَجَزاءُ سَيِّئَة سَيِّئَةٌ مِثْلُها)1،(فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ).2
الخامس: تسمية الشيء باسم جزئه كما يقال للزنجي: إنّه أسود وإن كان بعض أجزائه أبيض كسنّه.
السادس: عكسه، كإطلاق لفظ القرآن على أبعاضه، وهذا أولى من عكسه لاستلزام الكلّ الجزء دون العكس.
السـابع: تسمية الشيء باسم مايؤول إليه، كتسمية الشارب بالسكران .
الثامن: تسمية الشيء باسم ما كان عليه، كضارب لمن انقضى منه الضرب; وهذا على رأي الأشاعرة3، أمّا المعتزلة فعندهم أنّ هذا الإطلاق حقيقة كما تقدّم.
التاسع: تسمية الشيء باسم مجاوره، كتسمية المزادة المحمولة على الجمل راوية، وهي اسم لنفس الجمل.
العـاشر: تسمية الشيء باسم أحد جـزئياته، كتسميـة الاعتقـاد علماً.
الحادي عشر: تسمية الشيء باسم متعلّقه، كتسمية المخلوق خلقاً.4

1. الشورى:40.
2. البقرة:194.
3. راجع: المحصول:1/136.
4. وقد أضاف العلاّمة في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/275، والرازي في المحصول: 1/136ـ137 نوعين آخرين، وهما: تسمية الإمكان بالوجود كما يقال في الخمر فى الدّن إنها مسكرة، والمجاز بسبب ترك أهل العرف استعماله فيما كانوا يستعملونه كالدابة في الحمار.

صفحه 228
قال قدس الله روحه: البحث السادس: لا يشترط فيه النقل، للافتقار إلى النظر في العلاقة، ولأنّ إعارة اللفظ تابعة لإعارة المعنى، وإلاّ لم تحصل المبالغة، وللعلم بأنّ الحقائق الشرعية والعرفية لم يستعملها اللغويون في معانيها مطلقاً.
احتجّوا بأنّه يخرج القرآن عن كونه عربياً، وبامتناع نخلة لغير الإنسان، وأب للابن وبالعكس، وشبكة للصيد.
والجواب: أنّ تلك الألفاظ مجازات لغوية، واستعمالها في معانيها لأجل المناسبة مع إعطاء القانون الكلّي في التجوّز مطلقاً مع وجود العلاقة وامتناع الاستعمال فيما نقلتموه للنص على عدمه. *

* [ لا يشترط في المجاز النقل ]

أقول: اختلف الأُصوليون في أنّه هل يفتقر إطلاق اللفظ على معناه المجازي في كلّ صورة إلى النقل عن أهل اللغة، أم يكفي فيه ظهور العلاقة بين ذلك المعنى والمعنى الحقيقي؟ فذهب جماعة منهم فخر الدين الرازي إلى الأوّل، والأكثرون ذهبوا إلى الثاني، وهو اختيار المصنّف ـ طاب ثراه ـ .1
واحتجّ عليه بوجوه: أوّلها: أن يقال: لو كان النقل من أهل اللغة شرطاً في التجوّز لما افتقر المتجوّز إلى النظر في العلاقة بين المعنى المجازي والحقيقي، بل كان النقل كافياً فيه كما كان كافياً في إطلاق اللفظ على معناه

1. المحصول:1/138.

صفحه 229
الحقيقي. والتالي ظاهر البطلان، فالمقدّم مثله، والملازمة ظاهرة.
وثانيها: أنّ إعارة اللفظ تابعة لإعارة معناه الحاصلة بمجرد قصد المبالغة من غير توقّف على النقل، ومتى كان كذلك لم يتوقّف التجوّز على النقل.
أمّا الأوّل فلأنّك إذا قلت: «رأيت أسداً » وعنيت به الرجل الشجاع لم يحصل التعظيم والمبالغة بمجرّد إعارة اللفظ دون معناه، فإنّك لو سمّيته بالأسد لم يدلّ على شجاعته أصلاً فضلاً عن بلوغه إلى مرتبة الأسد فيها، بل إنّما تحصل المبالغة والتعظيم المقصودان من التجوّز بإعارته معنى الأسد حتى كأنّك تفرضه أسداً، وقد يبالغ في ذلك فيقال: هذا ليس إنساناً إنّما هو أسد، كما قال الله تعالى:(ما هذا بَشَراً إنْ هذا إلاّ مَلَكٌ كَرِيم).1
وأمّا الثاني فظاهر، فإنّ صدق اللفظ على معناه لا يحتاج إلى النقل في كلّ صورة جزئية.
وثالثها: أن يقول: لو كان النقل عن أهل اللغة شرطاً للتجوّز لما وجد التجوّز من دون النقل. والتالي باطل، فالمقدّم مثله .
أمّا الملازمة فظاهرة، لاستحالة وجود المشروط من دون شرطه.
وأمّا بيان بطلان التالي، فلأنّا بيّنا فيما تقدّم أنّ الحقائق الشرعية والعرفية مجازات لغوية، ومن المعلوم أنّ أهل اللغة لم يستعملوها في المعاني الشرعية والعرفية مطلقاً، أي لا حقيقة ولا مجازاً ولم ينصّوا على جواز استعمالها فيها، لأنّ ذلك موقوف على تعقّلهم لمعانيها، ونحن نعلم قطعاً أنّهم لم يتصوّروها.

1. يوسف:31.

صفحه 230
احتجّ المخالف بوجهين: الأوّل: لو لم تكن المجازات منقولة عن أهل اللغة لما كانت عربية. والتالي باطل، فالمقدّم مثله، والملازمة ظاهرة.
وأمّا بيان بطلان التالي، فلأنّه يلزم خروج القرآن عن كونه عربياً لاشتماله على كثير منها، وأنّه محال لما تقدّم.
الثاني: لو لم يكن النقل عن أهل اللغة شرطاً للتجوّز لجاز التجوّز في كلّ صورة تتحقّق فيها العلاقة بين المعنيين. والتالي باطل، فالمقدّم مثله، والملازمة ظاهرة.
وأمّا بيان بطلان التالي، فلأنّ العلاقة ثابتة بين الأب والابن، والنخلة والحبل الطويل، والشبكة والصيد، مع أنّه لا يقال للأب ابن ولا للابن أب، ولا لما غاير الإنسان من الأشياء المشاركة له في الطول نخلة، ولا يقال للشبكة صيداً ولا بالعكس.
في أنّه لا تلازم بين الحقيقة والمجاز، اللفظ الموضوع لا يلزم الحقيقة والمجاز   
والجواب عن الأوّل: أنّ تلك الألفاظ التي اشتمل عليها القرآن العزيز مجازات لغوية، وإنّما استعملت في معانيها لأجل مناسبتها للمعاني اللغوية مع إعطاء أهل اللغة القانون الكلّي في التجوّز مطلقاً من غير تقييد بغير وجود العلاقة، فإن ادّعى الشارطون بالنقل هذا القدر وهو إذن أهل اللغة في التجوّز عند وجود العلاقة مطلقاً فهو وفاق، وإلاّ كان ممنوعاً.
وعن الثاني: أنّ التجوّز إنّما لم يجز في الصور المذكورة لنصّ أهل اللغة على عدم جوازه لا لعدم نصّهم على جوازه، فعدمه مستند إلى وجود المانع لا إلى عدم المقتضي، والحق أنّ العلاقة المسوغة للتجوّز إنّما هي العلاقة التي اعتبر أهل اللغة نوعها، وقد تقدّم ذكرها، لأنّا علمنا منهم تسويغ التجوّز عند العلاقة المذكورة لتحقّقه في كلامهم ولم يوجد لهم نص على تسويغه عند وجود مطلق العلاقة.

صفحه 231
قال قدس الله روحه: البحث السابع: الحقيقة لا تستلزم المجاز قطعاً. والحق العكس أيضاً، فإنّ المجاز يتوقّف على الوضع السابق، أمّا على الاستعمال فيه فلا، وهو حال الوضع قبل الاستعمال ليس حقيقة ولا مجازاً. وفائدة المجاز: إمّا عذوبة لفظه، أو لفوائد البديع، أو لطلب التعظيم، أو التحقير، أو للمبالغة فإنّ:«رأيت أسداً » أبلغ من «رأيت رجلاً كالأسد »، أو لتلطيف الكلام لحصول شوق النفس إلى طلب الكمال بعد العلم الإجمالي. *
* أقول: هذه مسائل ثلاث متعلّقة بالحقيقة والمجاز .

الأُولى: في أنّه لا تلازم بينهما

بمعنى أنّ اللفظ إذاكان حقيقة في معنى لا يلزم كونه مجازاً في معنى آخر، وبالعكس أي لا يلزم من كون اللفظ مجازاً في معنى كونه حقيقة في غيره.
أمّا الأوّل فظاهر، فإنّه من المعلوم أنّ استعمال اللفظ في موضوعه لا يوجب استعماله في غيره ممّا له علاقة به.
وأمّا الثاني، فلأنّ المجاز عبارة عن اللفظ المستعمل في غير ما وضع له للعلاقة، فهو يستدعي سبق الوضع لمعنى غير معناه المجازي، أمّا سبق استعماله في ذلك المعنى الموضوع له الذي باعتباره يكون حقيقة فلا .

الثانية: اللفظ الموضوع لا يلزم الحقيقة ولا المجاز

لأنّ اللفظ قبل استعماله في شيء من موضوعه وغيره ليس حقيقة ولا مجازاً، لما عرفت من أنّ الحقيقة عبارة عن اللفظ المستعمل فيما وضع له،

صفحه 232
والمجاز اللفظ المستعمل في غير ما وضع له للعلاقة، فالاستعمال لازم لهما فلا يتحقّقان بدونه، فاللفظ في ابتداء وضعه قبل استعماله خال عنهما.
قالوا: والأعلام كزيد وعمرو لا توصف بكونها حقيقة ولا مجازاً، لأنّ الحقيقة إنّما تكون عند استعمال اللفظ فيما وضع له أوّلاً، والمجاز في غير ما وضع له أوّلاً، وذلك يستدعي كون الاسم الحقيقي والمجازي في وضع اللغة موضوعاً لشيء قبل هذا الاستعمال; وأسماء الأعلام ليست كذلك، فإنّ مستعملها لم يستعملها فيما وضعها أهل اللغة له أوّلاً، ولا في غيره لأنّها لم تكن من وضعهم فلا تكون حقيقة ولا مجازاً. هكذا قال صاحب الإحكام وشيخنا طاب ثراه في النهاية.1
وفيه نظر، فإنّ أكثر الأعلام منقولة عن معان وضعها لها أهل اللغة، وما مثّل به وهو زيد وعمرو موضوعان لغة، فإنّ زيداً مصدر زاد وعمراً مصدر عمر وكونها مستعملة لا فيما وضعها له أهل اللغة ولا في غيره محال، لاستحالة ثبوت واسطة بين هذين القسمين.
   
والحق أنّ الأعلام بعد استعمالها حقائق بالنظر إلى وضعها الجديد، وأمّا بالنظر إلى اللغة فليست حقائق ولا مجازات وإن كانت منقولات عن معان وضعها لها أهل اللغة، لأنّ واضعها أعلاماً لم يستعملها في معانيها اللغوية، ولم يلاحظ في مسمّياتها علاقتها بالمسمّيات اللغوية، وقبل استعمالها ليست حقائق ولا مجازات فيما هي أعلام عليه مطلقاً.

1. الإحكام:1/30; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/290.

صفحه 233

الثالثة: في الباعث على التكلّم بالمجاز

اعلم أنّ التعبير عن المعنى قد يكون باللفظ الموضوع له، وقد يكون بغيره ممّا له به علاقة.
والأوّل أرجح، لأنّ المتكلّم به يستغني عن ضمّ قرينة زائدة عليه، وفي الثاني يفتقر إلى ضم قرينة صارفة للّفظ عن معناه الحقيقي، وحينئذ لا يتحقّق العدول عن الحقيقة إلى المجاز إلاّ لفائدة عظيمة يصغر في ضمنها الافتقار إلى القرينة، لأنّه لولا ذلك لزم الترجيح من غير مرجّح وأنّه محال. وتلك الفائدة قد تكون متعلّقة بجوهر اللفظ، وقد تكون متعلّقة بعوارضه، وقد تكون متعلّقة بمعناه.
فالأوّل أن يكون اللفظ المجازي عذباً سلساً والحقيقي ثقيلاً على اللسان إمّا لأجل مفردات حروفه، أو لتنافر تركيبه.
كقول الشاعر:
وقبر حرب بمكان قفر1 *** وليس قرب قبر حرب قبر2
فقد قيل: إنّ أحداً لا يتمكّن من إيراد هذا البيت ثلاث مرات من غير تتعتع ولا تلجلج فيعدل عن الحقيقي إليه.
وأمّا الثاني فبأن يكون اللفظ المجازي صالحاً للشعر لقيام الوزن به.
أو السجع وهو تكلّف التقفية من غير تارك الوزن، كقوله تعالى:(فِيها

1. القفر: المفازة والأرض التي لا نبات فيها ولا ماء.
2. قيل: إن البيت هو من شعر الجن، وحروفه متنافرة، لا يمكن إنشاده إلاّ بتتعتع!! أمّا حرب المذكور في البيت فهو على ما قيل: حرب بن أُميّة بن عبد شمس جد معاوية. راجع: إعجاز القرآن للباقلاني:269; شرح شافية ابن الحاجب للأسترآبادي:4/487برقم 236; مختصر المعاني للتفتازاني:17.

صفحه 234
سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ*وَأكْوابٌ مَوضُوعَةٌ)1 وهو مأخوذ من سجع الحمامة.
أو القلب، مثل قول الشاعر:
حسامك فيه للأحباب فتح *** ورمحك فيه للأعداء حتف
أو التجانس كما تقدّم.
أو الطباق، كقوله تعالى: (لِكَيْلا تأسَوا عَلى ما فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِما آتيكُم).2
أو لغير ذلك من أنواع البديع، واللفظ الحقيقي ليس كذلك.
وأمّا الثالث فإمّا أن يكون اللفظ المجازي مفيداً للتعظيم، كقوله: سلام على المجلس العالي.
أو للتحقير، كما يعبّر عن قضاء الحاجة بالغائط الذي هو اسم للمكان المطمئن من الأرض.
أو للمبالغة كقوله: «رأيت أسداً » يريد الرجل الشجاع، فإنّه أبلغ في المقصود من قوله: رأيت إنساناً كالأسد.
أو لتلطيف الكلام بأن يكون مفيداً لإفهام المعنى من بعض الوجوه لكونه موضوعاً لبعض لوازمه الخارجية المختصّة به فتشتاق النفس إلى إدراك الباقي وتحصل لها لذّة بإدراك ذلك الوجه وألم بفُقدان تمام المعرفة، ثم كلّما حصل لها علم بوجه لم يكن حاصلاً قبل، حصل لها لذّة عظيمة، لأنّ أكمل أحوال اللذة البشرية أن تحصل عقيب الألم، وحينئذ يكون هناك لذّات مسبوقة بآلام متعدّدة بحسب ما يحصل من إدراك ذلك

1. الغاشية:13ـ14.
2. الحديد:23.

صفحه 235
قال قدس الله روحه: البحث الثامن: في وقوعه في اللغة، خلافاً لأبي: إسحاق، لاستعمال الأسد في الشجاع، والحمار في البليد وهو كثير، ولا إخلال بالفهم مع القرينة، ووقع أيضاً في القرآن خلافاً للظاهرية، ويدل عليه قوله تعالى:(جداراً يريد أن ينقض)، (واسئَل القرية)، و(جاء ربّك)، و(تجري بأعيننا)،(والسماء بنيناها بأيد)إلى غير ذلك، ولا يلزم اشتقاق اسم الفاعل له تعالى كما في أنواع الروائح، ولأنّ أسماءه تعالى توقيفية، والمعرّب في القرآن، فإنّ المشكاة هندية، وسجِّيل فارسية، وقسطاس رومية.*
المعنى فتحصـل في النفس حـالـة كالدغدغـة النفسانيـة; ولمّا كان إطلاق اللفظ الحقيقي موجباً لفهم معناه بتمامه دفعة لم يحصـل للنفس شوق إلى إدراكه لاستحالة تحصيل الحاصل، فلا جرم لم يحصل لها تلك الحالة المذكورة من اللذة الوافرة، فصار التعبير عن المعنى باللفـظ المجازي أولى لاحتقار1 تكلّف إيجاد القرينة في ضمن تحصيل هـذه الفائدة.2
وقول المصنّف ـ طاب ثراه ـ :«وهو حال الوضع » ضمير اللفظ الموضوع وإن لم يكن مذكوراً لدلالة لفظ الوضع عليه، والمراد بالوضع نقل اللفظ من معناه الحقيقي إلى معناه المجازي.
* أقول: في هذا البحث مسائل ثلاث تتعلّق بالمجاز خاصة:

1. في «م »:لاختصار.
2. راجع: المحصول:1/141ـ143; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/270ـ271.

صفحه 236
في وقوع المجاز في القرآن العزيز   

الأُولى: في وقوعه في اللغة

وقد اتّفق أكثر الناس عليه وخالف فيه الأُستاد أبوإسحاق الإسفراييني1 وأصحابه. والحق الأوّل.
لنا: إطلاق أهل اللغة الأسد على الرجل الشجاع والحمار على الإنسان البليد، وقولهم: ظهر الطريق، وفلان على جناح السفر، وشابت لمّة الليل2، وقامت الحرب على ساق، وكبد السماء3، وغير ذلك ممّا يكثر تعداده وقلّ أن يخلو التجوّز في أشعارهم ورسائلهم.
ولذلك قال ابن جنّي4: أكثر اللغة مجازات وهذه الكلمات المذكورة حقائق في غير هذه المعاني، فإنّ لفظ الأسد موضوع للسبع، ولفظ الحمار للحيوان الناهق، ولفظ الظهر والجناح والساق والكبد موضوعات لأعضاء مخصوصة من الحيوان، واللّمّة: الشعر، فإمّا أن تكون أيضاً حقائق في المعاني المذكورة، أو لا فيلزم الاشتراك، وهو باطل، وإلاّ لما سبق فهم أحد

1. وهو أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الإسفراييني، المعروف بالأُستاذ والملقّب بركن الدين، ولد في اسفرايين ـ بين نيسابور وجرجان ـ ثم خرج إلى نيسابور وبنيت له فيها مدرسة عظيمة فدرّس فيها، ومكث في نيسابور حتى مات فيها سنة 418هـ. ، ودفن في أسفرايين. له رسالة في أُصول الفقه. الأعلام:1/61.
2. اللمّة مجاز الليل، والشيب مجاز عن حدوث البياض فيه، وقيل: اللِمّة ـ بكسر اللام وتشديد الميم ـ بمعنى الشعر المتدلّي الذي يجاوز شحمة الأُذن، شبه صورة منتزعة عن متعدّد هي حالة ظهور بياض الصبح في آخر الليل. راجع: تعليقة على معالم الأُصول للقزويني:1/312.
3. الكبد: الوسط، وكبد السماء: ما استقبلك من وسطها. العين:5/333، مادة «كبد ».
4. هو عثمان بن جني الموصلي، أبو الفتح، من أئمة الأدب والنحو، وله شعر. ولد بالموصل وتوفّي ببغداد سنة 392هـ عن عمر يناهز 65 عاماً، وكان أبوه مملوكاً رومياً لسليمان بن فهد الأزدي الموصلي. من تصانيفه: من نسب إلى أُمه من الشعراء، شرح ديوان المتنبي ـ ط، المذكر والمؤنث ـ ط. كان المتنبي يقول: ابن جني أعرف بشعري مني. الأعلام:4/204.

صفحه 237
هذه المعاني عند إطلاق لفظه مجرداً عن القرائن، والمعلوم خلافه. وأيضاً المجاز أولى من الاشتراك عند التعارض على ما ستعرفه، فتعيّن كونها مجازات.1
احتجّ المخالف بأنّ المجاز مخلّ بالفهم ضرورة تردّد ذهن السامع على تقديره بين فهم المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، وهو خلاف الغرض من وضع اللفظ ومن إطلاقه.
والجواب: لا نسلّم أنّه مخلّ بالفهم، وإنّما يكون كذلك لو كان مجرّداً عن القرينة المعينة للمراد، وكان الغرض فهم المعنى المجازي، أمّا على تقدير تحقّق القرينة المذكورة أو إرادة فهم المعنى الحقيقي فلا .

الثانية: في وقوعه في القرآن العزيز

الحق ذلك2، خلافاً للظاهرية.3
لنا:قوله تعالى:(جِدَاراً يُريدُ أنْ يَنْقَضَّ فَأقامَه )4 وقوله (وَاسْئَل

1. راجع: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/281; المحصول:1/143.
2. نسب الآمدي في الإحكام:1/38 إلى الشيعة قولهم بعدم وقوع المجاز في القرآن، وهو خطأ، فإنّهم نصّوا على وقوعه كما تلاحظ.
3. أصحاب داود بن علي بن خلف الاصفهاني الشافعي الظاهري(200ـ270هـ)، لُقّب بالظاهري لقوله بأخذ معنى القرآن والحديث الظاهر دون الباطن، وكان ابن حزم الأندلسي الظاهري من أكبر دعاة المدرسة الظاهرية وصنّف الإحكام في أُصول الأحكام، والمحلّى وهو مطبوع في عشرة أجزاء جمع فيه أحاديث الأحكام وفقه علماء الأمصار، من آرائه الشاذة: بطلان الاجتهاد، جواز مس المصحف للمجنب، وقاتل الإمام علي(عليه السلام) كان مجتهداً!!
بحوث في الملل والنحل:3/204; معجم الفرق الإسلامية:165
4. الكهف:77.

صفحه 238
القَريَةَ)1،(وَجاءَرَبُّكَ)(2)،(تَجْرِي بِأعْيُنِنا جَزاءً)(3)،(يَدُ الله فَوقَ أيْدِيهِمْ)(4)،
(وَالسَّماءَ بَنَيناها بِأيْد)2،(فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ)3،(تَجْري مِنْ تَحْتِهَا الأنْهارُ)4، (وَاشْتَعَلَ الرأسُ شَيْباً)5، (وَاخْفِضْ لَهُما جَنَاحَ الذُّلِ)6، (الحَجُّ أشْهُرٌ معْلُوماتٌ)7، (فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ)8، (وَجَزاءُ سَيِّئة سَيِّئةٌ مِثْلُها)9،(اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ)10إلى غير ذلك، ومن المعلوم أنّ هذه الألفاظ لا يمكن حملهاعلى حقائقها فتعيّن حملها على مجازاتها.
احتجّ المخالف بأنّه لو كان في كلام الله تعالى مجاز لاشتق له تعالى منه اسم الفاعل فيصدق عليه تعالى أنّه متجوّز. والتالي باطل اتّفاقاً، فكذا المقدّم، والملازمة ظهرت عند الكلام في الاشتقاق.
في المعرّب   
والجواب: المنع من الملازمة، وقد بيّنّا فيما تقدّم أنّ قيام المعنى لا يوجب الاشتقاق كما في أنواع الروائح فإنّها قائمة بمحالها11 ولم يشتق لها منها أسماء أصلاً.

1. يوسف:82.      2 . الفجر:22.      3 . القمر:14.   4 . الفتح:10.
2. الذاريات:47.
3. البقرة:115.
4. البقرة:25، 226; آل عمران:15...
5. مريم:4.
6. الإسراء:24.
7. البقرة:197.
8. البقرة:194.
9. الشورى:40.
10. البقرة:15.
11. في«م »: بمجالها.

صفحه 239
سلّمنا، لكن أسماء الله تعالى توقيفية فمهما1 لم يأذن الشارع في إطلاق الاسم عليه لم يجز إطلاقه وإن كان جائزاً بحسب اللغة، كما في الفاضل والسخي ولم يوجد إذن الشارع فيما ادّعيتم لزومه .

الثالثة: المعرّب

وهو اللفظ الذي لم يكن من موضوعات أهل اللغة العربية ثم استعملوه، موجود في القرآن العزيز، وهو منقول عن ابن عباس2وعكرمة3 ، والمنقول عن الباقين خلافه.4
احتجّ الأوّلون بقوله تعالى: (مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاة فِيها مِصْبَاحٌ)5والمشكاة6 لفظة هندية، وقوله تعالى:(تَرْمِيهِمْ بِحِجارَة مِنْ سِجِّيل)7

1. في «م »: فمنها.
2. هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي، أبو العباس، حبر الأُمّة، الصحابي الجليل، ولد بمكة سنة 3 قبل الهجرة، ونشأ في بدء عصر النبوة فلازم رسول الله(صلى الله عليه وآله) وروى عنه، وشهد مع علي(عليه السلام) الجمل و صفين، وكفّ بصره في آخر عمره، فسكن الطائف وتوفّي بها سنة 68هـ. الأعلام:4/95.
3. هو عكرمة بن عبدالله البربري المدني، مولى ابن عباس، تابعي، طاف البلدان وذهب إلى نجدة الحروري فأقام عنده ستة أشهر، ثم كان يحدّث برأي نجدة، وخرج إلى بلاد المغرب فأخذ عنه أهلها رأي الصفرية، وعاد إلى المدينة فطلبه أميرها فتغيّب عنه حتى مات، وكانت وفاته بالمدينة هو وكثير عزّة في يوم واحد. الأعلام:4/244.
4. راجع: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/259; الإحكام :1/40.
5. النور:35.
6. المشكاة: الكوة التي ليست بنافذة، وقيل: هي الحديدة التي يعلّق عليها القنديل. النهاية لابن الأثير:4/324، مادة «مشك ».
7. الفيل:4.

صفحه 240
وسجيل1 لفظة فارسية وكذا الاستبرق2، وقوله تعالى:(وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقيم)3والقسطاس4 لفظة رومية .
وأجاب الباقون بالمنع من كون هذه الألفاظ ليست عربية، وما ذكرتموه إنّما يدلّ على أنّها موضوعة لغير العرب، ولا يدلّ على أنّها غير موضوعة لهم، ومن الجائز أن تكون هذه الألفاظ ممّا اشترك اللغات فيها كالتّنور والصابون.
ثم احتجّوا على مطلوبهم بقوله تعالى:(وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرآناً أعْجَمِيّاً لَقَالُوا لَوْلاَ فُصِّلَتْ آياتُهُ أأعْجَمِيٌّ وَعَرَبِي)5 فنفى الله تعالى كونه أعجمياً، وقطع اعتراضهم بتنوّعه بين أعجمّي وعربيّ، فلو كان بعضه أعجمياً لما انتفى اعتراضهم المذكور.
وبقوله تعالى: (بِلِسان عَرَبِيّ مُبِين)6، فظاهر هذه الآية ينافي أن يكون فيه ما ليس بعربي.
وفيه نظر: أمّا الأوّل، فلأنّ اتّفاق أهل اللغة العربية وغيرها على وضع هذه الألفاظ لمعانيها مخالف للأصل والظاهر معاً وللنقل عن جماعة من اللغويين أنّها معربة.

1. السجّيل: حجارة كالمدر، أو الصلب من الحجارة، وقالوا: حجارة من طين طُبخت بنار جهنم وكتب فيها أسماء القوم لقوله عزوجل:(لنرسل عليهم حجارة من طين) راجع تاج العروس:14/335، مادة«سجل »، مجمع البحرين:2/341،مادة«سجل ».
2. الاستبرق: هو ما غلظ من الحرير والإبريسم. النهاية لابن الأثير:1/47، مادة«استبرق ».
3. الإسراء:35.
4. القسطاس: الميزان. صحاح الجوهري:3/964، مادة«قسطس ».
5. فصّلت:44.
6. الشعراء:195.

صفحه 241
وأمّا الثاني، فلأنّ المراد بالأعجمي الباقي على عجمته الذي لم يتداوله العرب ولم يفهم معناه، لا ما اشتهر عندهم وفهموا معناه واستعملوه فيه، بدليل قوله تعالى:(لولا فصّلت آياته)، أي بيّنت بالعربية حتى يفهمه، فإنّه لو كان المراد ما هو مفهوم عندهم لما توجّه قولهم المذكور.
وقوله: (أأعجمي وعربي)معناه: أكتاب أعجمي ونبي عربي؟ وليس معناه:أبعضه أعجمي وبعضه عربي؟ بحيث يكون قطعه تعالى اعتراضهم المذكور بجعله عربياً بكلّيته.
والآية الثانية إنّما ينافي وجود ما ليس بعربي فيه رافع عنه اسم العربية، لا وجود مطلق ما ليس بعربي وإن كان نادراً غير قادح في صدق العربية عليه كهذه الكلمات.
والهاء في قول المصنّف ـ طاب ثراه ـ :«في وقوعه » عائدة إلى المجاز. وقوله: «ووقع » إشارة إلى المجاز. والهاء في قوله: و«يدلّ عليه » عائدة إلى مصدر وقع وهو الوقوع.1

1. راجع البحث في: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/259ـ261; الإحكام:1/40ـ41; التبصرة:180ـ183.

صفحه 242
قال قدس الله روحه: البحث التاسع في أنّه على خلاف الأصل. وإلاّ لما حصل التفاهم حالة التخاطب، ولأنّه مع تجرّده لو حمل على مجازه لكان حقيقة فيه، ولو حمل عليهما لكان حقيقة في المجموع، فتعيّن حمله على الحقيقة، وإلاّ لزم إهماله، ولتوقّفه على وضع سابق ونقل وعلاقة، والمتوقّف على الأوّل أولى. والوجه الوقف في الحقيقة المرجوحة والمجاز الراجح. ويمكن كون اللفظ حقيقة ومجازاً بالنسبة إلى معنيين، أو إلى معنى واحد باعتبار وضعين، ويمتنع باعتبار وضع واحد. وقد تنقلب الحقيقة مجازاً عرفياً لقلّة استعمالها والمجاز حقيقة عرفية لكثرته. *
   
* أقول: قد اشتمل هذا البحث على مسائل أربع:

الأُولى: في أنّ المجاز على خلاف الأصل

ويدلّ عليه ثلاثة أوجه:
أوّلها: أنّه لو لم يكن كذلك لم يحصل التفاهم حالة التخاطب بالألفاظ التي لها مجازات يمكن إرادتها. والتالي باطل، فالمقدّم مثله.
أمّا الملازمة، فلأنّ المجاز ليس أصلاً أي راجحاً على الحقيقة إجماعاً، فإذا لم يكن على خلاف الأصل ـ أي مرجوحاً ـ كان مساوياً للحقيقة، وحينئذ يتردّد سامعو اللفظ بين معناه المجازي والحقيقي، فلا يفهمون شيئاً منهما إلاّ بعد البحث والاستكشاف. وأمّا بطلان التالي فبالوجدان.
وثانيها: أنّ اللفظ إذا تجرّد عن القرينة فإمّا أن يحمل على حقيقته، أو على مجازه، أو عليهما معاً، أو لا على واحد منهما. والثلاثة الأخيرة باطلة،

صفحه 243
فتعيّن الأوّل.
أمّا بطلان حمله على المجاز، فلأنّ شرطه وجود القرينة وحيث انتفت انتفى، ولأنّ الواضع لو أمر بحمل اللفظ عند تجرّده عن القرينة على مجازه لكان المجاز حقيقة، إذ لا معنى للحقيقة إلاّ ذلك.
وأمّا بطلان حمله عليهما معاً، فلأنّ الواضع لو قال:«احملوه عليهما » لكان اللفظ حقيقة في المجموع، ولو قال: «احملوه على هذا أو على ذاك » كان مشتركاً، والتقدير خلاف ذلك.
وأمّا بطلان عدم حمله على شيء منهما، فلأنّه يلزم تعطيل اللفظ وإلحاقه بالمهملات. فظهر تعيّن حمله على الأوّل، وهو المطلوب.
وثالثها: أنّ المجاز قد يتوقّف على نقل لفظ عن معنى موضوع له إلى غيره لعلاقة بينهما، فهو لا محالة يستدعي أُموراً ثلاثة: وضعه أوّلاً لمعنى، ونقله عنه إلى آخر، وعلاقة بين المعنيين. والحقيقة إنّما تتوقّف على الأوّل خاصة، فكانت أرجح.
واعلم أنّ قولنا: «المجاز على خلاف الأصل » يُفهم منه معنيان:
أحدهما: أنّ اللفظ إذا أُطلق مجرّداً عن القرائن كان اعتقاد السامع إرادة حقيقته منه أرجح من اعتقاده إرادة مجازه.
وثانيهما: أنّا إذا رأينا لفظاً معيناً مستعملاً في معنى معين، كان اعتقادنا كونه حقيقة في ذلك المعنى أرجح من اعتقادنا كونه مجازاً.
والفرق بين هذين المعنيين ظاهر، فإنّ المعنى الموضوع له اللفظ معلوم في الأوّل، وإنّما الاحتمال في أنّ المراد من ذلك اللفظ هل هو ذلك المعنى أو معنى آخر مناسب له؟ وفي الثاني المراد من اللفظ معلوم

صفحه 244
والاحتمال إنّما هو في كونه موضوعاً له أو لما يناسبه؟
والدليلان الأوّلان يدلاّن على الأوّل، والثالث يدلّ على المعنى الثاني.1
في أنّ اللفظ الواحد قد يكون حقيقة ومجازاً معاً، الحقيقة قد تصير مجازاً وبالعكس   

الثانية: [ إذا دار اللفظ بين الحقيقة المرجوحة وبين المجاز الراجح ]

إذا دار اللفظ بين الحقيقة المرجوحة لقلّة استعمالها التي لم يبلغ هجرها إلى حد المجاز والمجاز الراجح لكثرة استعماله الذي لم يبلغ اشتهاره إلى حدّ الحقيقة.
قال أبوحنيفة2: الحقيقة المرجوحة أولى، لثبوت الأولوية قبل اشتهار المجاز، فكذا يثبت بعده عملاً بالاستصحاب.
وقال أبويوسف3: المجاز الراجح أولى، لطريان رجحانه.
وقال آخرون4: يحصل التعارض، لأنّ كلّ واحد من الحقيقة والمجاز المذكورين راجح على الآخر من وجه ومرجوح من وجه آخر، فيتحقّق التعادل. وهو اختيارالمصنّف ـ طاب ثراه ـ .
وهذه المسألة فرع على التي قبلها وهي كون المجاز على خلاف الأصل، إذ لولا ذلك لكان العمل بالمجاز هنا متعيّناً، لأنّه إذا كان مساوياً

1. راجع البحث في: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/282ـ284; المحصول:1/144ـ 146.
2. هو أبو حنيفة النعمان بن ثابت أحد أئمة المذاهب الأربعة، قيل: أصله من أبناء فارس، كان يبيع الخز ويطلب العلم في صباه ثم انقطع للتدريس والإفتاء، توفّي ببغداد سنة 150هـ. . الأعلام:8/36.
3. هو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري، تفقّه على أبي حنيفة ونشر مذهبه، واشتهر بصاحب أبي حنيفة، وله آراء يخالف فيها أُستاذه، مات سنة 182هـ. . الأعلام: 8/193.
4. منهم العجلي الاصبهاني في الكاشف عن المحصول:2/340.

صفحه 245
للحقيقة بدون هذا الرجحان فمع انضمامه يكون أرجح قطعاً.1

الثالثة: في أنّ اللفظ الواحد قد يكون حقيقة ومجازاً معاً

أمّا بالنسبة إلى معنيين فجوازه ظاهر، فإنّ لفظ الأسد بالنسبة إلى السبع حقيقة، وبالنسبة إلى الرجل الشجاع مجاز.
وأمّا بالنسبة إلى معنى واحد فإن اتحد الوضع امتنع، لأنّ كونه حقيقة في ذلك المعنى يوجب كونه موضوعاً له بذلك الوضع، وكونه مجازاً فيه يوجب كونه غير موضوع له بذلك الوضع، والجمع بينهما تناقض.
وإن تعدّد الوضع جاز، كلفظ الصلاة بالنسبة إلى الدعاء فإنّها حقيقة بالنسبة إلى وضع اللغة ومجاز بالنسبة إلى وضع الشرع، وبالعكس إذا نسبناه إلى الصلاة الشرعية.2

الرابعة: الحقيقة قد تصير مجازاً وبالعكس

أمّا الأوّل فبأن يهجر استعمال اللفظ في معناه الحقيقي بحيث يصير مفتقراً في دلالته عليه إلى انضمام قرينة إليه .
وأمّا الثاني فبأن يكثر استعمال اللفظ في المعنى المجازي ويشتهر بحيث يصير متبادراً إلى الفهم عند إطلاقه مجرداً عن القرائن الزائدة، فتنقلب الحقيقة اللغوية مجازاً عرفياً، والمجاز اللغوي حقيقة عرفية .3

1. راجع المسألة في: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/284ـ285; المحصول:1/146ـ147.
2. راجع البحث في: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/291; المحصول:1/147.
3. راجع البحث في: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/292; المحصول:1/147ـ 148.

صفحه 246
   
قال قدس الله روحه:

الفصل الثامن:

في تعارض الأحوال

وهو من عشرة أوجه واقعة بين خمسة، فإنّ مع انتفاء الاشتراك والنقل يكون اللفظ حقيقة واحدة، ومع انتفاء المجاز والإضمار يكون المراد تلك الحقيقة، ومع انتفاء التخصيص يكون المراد كلّ تلك الحقيقة ويحصل كمال المقصود.
الأوّل: إذا وقع التعارض بين الاشتراك والمجاز فالمجاز أولى، لكثرته، ولحصول الفائدة أمّا مع القرينة فالمجاز، وأمّا بدونها فالحقيقة.
واعترض بأولوية المشترك لعدم الخطأ، فإنّ القرينة إن وجدت حمله السامع على ما دلّت عليه، وإلاّ توقّف، وفي المجاز إذا انتفت يحمله السامع على الحقيقة ويريد المجاز فيقع في الخطأ، ولتوقّف المجاز على الوضع والنقل والعلاقة، والمشترك على الأوّل، ولكثرة الاشتقاق في المشترك دون المجاز، ولكثرة التجوّز بكثرة الحقائق. والجواب: المجاز أكثر. *
* أقول: قد عرفت أنّ اللفظ إذا أُطلق مجرّداً عن القيود والقرائن المعينة للمراد منه حمل على حقيقته، وتلك الحقيقة قد تتحد ظاهراً

صفحه 247
ويتعذر حمل اللفظ عليها لوجود قرينة دالة على عدم إرادتها من ذلك اللفظ، وحينئذ يبقى ذلك اللفظ معطّلاً ما لم يقترن بأحد الاحتمالات الخمسة المخالفة للأصل ـ أعني: الاشتراك، والنقل، والمجاز، والإضمار، والتخصيص ـ فيجب على الأُصولي البحث عن أولوية أحدها ليحمل اللفظ عليه، ثمّ قد يقترن باللفظ ما يرفع أحد تلك الاحتمالات فيبحث عن أولوية الباقي، وهكذا إلى أن يبقى اثنان فيبحث عن أولوية أحدهما، وهذا الفصل لهذا الغرض .
واعلم أنّ المقتضي لاختلال فهم المعنى من اللفظ إنّما هو احتمال أحد هذه الخمسة لا غير.
أمّا الأوّل فظاهر، إذ على تقدير احتمال أحدها احتمالاً متساوياً لا يبقى المعنى المقصود من اللفظ متعيّناً للفهم.
وأمّا الثاني، فلأنّ اللفظ إذا انتفى عنه احتمال كونه مشتركاً ومنقولاً كان له حقيقة واحدة، فإذا انتفى عنه احتمال المجاز والإضمار كان المراد تلك الحقيقة، وإذا انتفى عنه احتمال التخصيص كان المراد باللفظ كلّ تلك الحقيقة، فيحصل حينئذ كمال المقصود من إطلاق اللفظ وهو فهم معناه بتمامه، ولا يبقى خلل في الفهم أصلاً.
واعلم أنّ معارضات هذه الاحتمالات الخمسة، عشر، لأنّ أحدها يعارض كلّ واحد من الأربعة الباقية وهي أربع معارضات، ثم يعارض واحد من تلك الأربعة كلّ واحد من الثلاثة الباقية بعده وذلك ثلاث معارضات، ثم يعارض واحد من تلك الثلاثة كلاًّ من الباقين بعده وذلك معارضتان، ثم يعارض أحد الباقيين صاحبه وهي معارضه واحدة.

صفحه 248

المعارضة الأُولى: معارضة الاشتراك والمجاز والمجاز أولى

   
وذلك كلفظ النكاح فإنّه يحتمل أن يكون مجازاً في الوطي حقيقة في العقد، ويحتمل أن يكون مشتركاً بينهما.
فعلى الأوّل: يكون قوله تعالى:(وَلا تَنْكحُوا ما نَكَحَ آباؤكُمْ مِنَ النِّساءِ)1 دالاًّ على تحريم من عقد عليها الأب على ابنه وإن فارقها قبل المسيس، لتعيّن حمل اللفظ على حقيقته عند التجرّد عن القرائن.
وعلى الثاني: لا يدل، لاحتمال أن يكون المراد من النكاح في الآية الوطي، إذ لا يتعين حمل اللفظ المشترك على أحد معانيه عيناً عند تجرّده عن القرينة.
واحتجّ المصنّف ـ طاب ثراه ـ على ذلك بوجهين:
الأوّل: أنّ المجاز أكثر من الاشتراك، فإنّ من تتبّع الألفاظ اللغوية والعرفية والشرعية عرف أنّ المجاز فيها أكثر من الاشتراك، والكثرة دليل الرجحان.
الثاني: أنّ الفائدة حاصلة عند إطلاق اللفظ مع المجاز دائماً، أمّا مع القرينة الدالة عليه فيفهم السامع معناه، وأمّا مع عدمها فيفهم حقيقة ذلك اللفظ، ولا كذلك الاشتراك لتحقّق الإجمال فيه عند تجرّده عن القرينة الدالة على أحد معانيه، فكان المجاز أولى.
واعترض على هذا من حيث المعارضة وذلك من وجوه:
الأوّل: أنّ الاشتراك غير موجب للوقوع في الغلط وفهم غير مراد

1. النساء:22.

صفحه 249
المتكلّم من اللفظ والمجاز بهذه المثابة، فكان الاشتراك أولى.
بيانه: أنّ اللفظ المشترك إمّا أن يرد مقترناً بما يدل على تعيين المراد منه، أو مجرداً عن ذلك. فإن كان الأوّل فهم السامع المعنى المقصود للمتكلّم، وإن كان الثاني توقّف ولم يحمل اللفظ على أحد معانيه على التعيين، بل فهم أنّ المقصود منه واحد منها في الجملة وهو أمر واقع، فلا غلط في الفهم على التقديرين.
وأمّا المجاز فقد يراد من اللفظ المجرّد عن القرينة المعيّنة له، فيحمله السامع على الحقيقة التي ليست مقصودة للمتكلّم، فيقع في الغلط.
الثاني: أنّ المجاز يتوقّف على الوضع الأوّل، والنقل والعلاقة والمشترك لايتوقّف إلاّ على الأوّل منها وهو الوضع، فكان أولى.
الثالث: أنّ كون اللفظ مشتركاً يوجب تكثّر الفائدة بكثرة الاشتقاق منه باعتبار تعدّد حقائقه بخلاف المجاز، فكان الاشتراك أولى.
الرابع: كون اللفظ مشتركاً يوجب كثرة التجوّز، إذ كلّ معنى من معانيه يناسب معنى مغايراً لما يناسب المعنى الآخر، وذلك موجب لاتّساع العبارة والتمكّن من فوائد البديع.
وأجاب المصنّف ـ طاب ثراه ـ عن هذه الوجوه كلّها بشيء واحد يشملها وهو: أنّ كثرة المجاز وأغلبيته على الاشتراك في المواضعات يوجب ظن رجحانه عليه، ولا يقدح ما ذكرتموه في ذلك الرجحان.1

1. راجع البحث في: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/303ـ306; المحصول:1/154ـ 155.

صفحه 250
قال قدس الله روحه: الثاني: النقل أولى من الاشتراك لتعدّد الحقيقة في المشترك دونه، فيختل الفهم. *

* [ المعارضة الثانية: معارضة الاشتراك للنقل ]

أقول: هذه المعارضة الثانية وهي معارضة الاشتراك للنقل، كقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «الطواف بالبيت صلاة »1، فإنّه دالّ على وجوب الطهارة فيه على تقدير نقل لفظ الصلاة من المعهود اللغوي إلى الشرعي، لوجوب حمل اللفظ المنقول على المعنى المنقول إليه، وهو مشروط بالطهارة اتفاقاً; وعلى تقدير اشتراك اللفظ بين المعنيين ـ أعني: اللغوي والشرعي ـ لا يبقى الحديث المذكور دالاً على وجوب الطهارة فيه، إذ لا يتعيّن حمل لفظ الصلاة على الشرعي على تقدير الاشتراك، بل يحتمل كون المراد منه المعنى اللغوي الّذي ليس مشروطاً بالطهارة، كاحتمال إرادة المعنى الشرعي من غير رجحان لأحدهما .
وقد اختلف في الأولى منهما فقال فخر الدين: النقل أولى2، وهو اختيار المصنّف ـ طاب ثراه ـ هنا. وقال آخرون: الاشتراك أولى، وهو اختيار المصنّف ـ طاب ثراه ـ في النهاية.3

1. سنن الدارمي:2/44; سنن النسائي:5/222; مستدرك الحاكم:1/459; مستدرك الوسائل: 9/410، الباب38 من أبواب الطواف، الحديث2.
2. المحصول:1/152.
3. نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/300.

صفحه 251
احتجّ الأوّلون بأنّ اللفظ المشترك متعدد الحقيقة في الوقت الواحد، وذلك موجب لاختلال فهم السامع للمعنى المقصود من اللفظ بخلاف المنقول فإنّه متّحد الحقيقة في كلّ وقت، فإنّه قبل النقل حقيقة في المنقول عنه خاصة، وبعده حقيقة في المنقول إليه خاصة، فهو يفهم دائماً من غير إجمال فكان أولى.
واحتجّ الآخرون بأنّ المشترك أكثر وجوداً في اللغات من المنقول، فيكون أرجح منه.
أمّا الأوّل فظاهر. وأمّا الثاني، فلأنّ مفاسد المشترك لو كانت أكثر لكان الواضع قد رجّح كثير المفسدة على قليلها وهو محال، ولو كانت مساوية لزم الترجيح من غير مرجّح.
والجواب بعد تسليم أكثرية المشترك أنّ الرجحان إنّما يلزم من الأكثرية لو كان المشترك صادراً عن الواضع الواحد، أمّا على تقدير تعدّد واضعه ـ وهو الأغلب ـ فلا، لأنّ كون اللفظ مشتركاً على هذا التقدير ليس مقصوداً للواضعين بالذات، بل بالعرض لما تقدّم، وحينئذ لا يلزم ترجيح الواضع كثير المفسدة على قليلها ولا الترجيح من غير مرجّح.1

1. لمزيد من التفاصيل راجع البحث في: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/300ـ 303; المحصول:1/152ـ 154.

صفحه 252
قال قدس الله روحه: الثالث: الإضمار أولى من الاشتراك، لاختصاص الإجمال في بعض الصور في الإضمار، وعموميته في الاشتراك. *

* [ المعارضة الثالثة: الإضمار أولى من الاشتراك ]

أقول: هذه ثالثة المعارضات وهي معارضة الاشتراك للإضمار، كما في قوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«في خمس من الإبل شاة »1، فإنّ لفظ «في » يحتمل أن يكون مشتركاً بين الظرفية والسببية، ويحتمل كونها للظرفية خاصة وحينئذ يجب الإضمار فيصير تقديره: في خمس من الإبل مقدار شاة فالإضمار أولى، لأنّ دلالة اللفظ على المعنى على تقدير الإضمار ظاهرة لا يتحقّق الإجمال فيها إلاّ في صورة واحدة، وهي ما إذا كان هناك أُمور متعدّدة متساوية في احتمال الإضمار وعدم قرينة تدلّ على تعيين أحدها، فحينئذ يتحقّق الإجمال.
أمّا في غير هذه الصورة، كاتّحاد المضمر أو رجحان بعض ما يصلح للإضمار على الباقي، فلا إجمال لوجوب العمل بالراجح، بخلاف المشترك فإنّ الإجمال ثابت عام شامل لجميع صور وجوده منفكّاً عن القرينة المعيّنة للمراد منه.
2
وأيضاً الإضمار مـن باب الإيجاز والاختصار، فهو من محاسن الكلام قال(صلى الله عليه وآله وسلم): «أوتيت جـوامع الكلـم، واختصـر لي الكـلام اختصـاراً »2 وليس المشترك بهذه الصفة، فكان الأوّل أولى.

1. سنن ابن ماجة:1/573 برقم 1798; سنن أبي داود:1/351 برقم 1568; سنن الترمذي:2/66 برقم 617; مسند أحمد:2/14; عوالي اللآلي:1/85 و 157 و 211، و ج2/229; مستدرك الوسائل: 7/60، الباب2 من أبواب زكاة الأنعام، الحديث4.
2. عوالي اللآلي:4/120برقم 194; مجمع الزوائد:1/173 و 182باختلاف; فتح الباري13/438، كنز العمال:1/371برقم 1625، و ج11/440 برقم 32068.

صفحه 253
قال قدس الله روحه: الرابع: التخصيص أولى من الاشتراك، لأنّه خير من المجاز على ما يأتي، والمجاز خير من الاشتراك. الخامس: المجاز أولى من النقل، لتوقّف النقل على اتّفاق أهل اللسان عليه، بخلاف المجاز. السادس: الإضمار أولى من النقل، لما قلناه في المجاز. السابع: التخصيص أولى من النقل، لأنّه أجود من المجاز على ما يأتي، والمجاز أولى من النقل. الثامن: المجاز والإضمار متساويان، لاحتياج كلّ منهما إلى قرينة صارفة له عن الظاهر. التاسع: التخصيص أولى من المجاز، لأنّه إذا انتفت القرينة في التخصيص حمل على الجميع فيدخل المراد وغيره، بخلاف المجاز. العاشر: التخصيص أولى من الإضمار، لأنّه خيرمن المجاز المساوي للإضمار. *
لا يقال: الإضمار محوج إلى ثلاث قرائن: ما يدل على أصل الإضمار، وما يدلّ على موضعه، وما يدلّ على تعيين المضمر; والمشترك محوج إلى واحدة، وهي القرينة الدالة على المعنى المقصود من اللفظ فكان أولى.
لأنّا نقول: الإضمار إنّما يحوج إلى القرائن الثلاثة في صورة واحدة كما بيّنّاه والمشترك محوج في كلّ صور وجوده، فكان الأوّل أولى. 1

* [ في بقية المعارضات2]

أقول: هذه بقية المعارضات العشر:

1. راجع البحث في: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/306ـ307; المحصول:1/155ـ156.
2. راجع البحث في: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/307ـ 311; المحصول:1/156ـ 158.

صفحه 254

إحداها: معارضة الاشتراك للتخصيص

معارضة النقل للإضمار، معارضة التخصيص للنقل   
كما لو قال:النكاح حقيقة في العقد خاصة، فمقتضى قوله تعالى:(وَ لاَ تَنْكَحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُم مِنَ النِّساءِ)1 تحريم مَن عقد عليها الأب على الابن وإن كان العقد فاسداً إلاّ أنّ هذه المنكوحة بالعقد الفاسد خصّت عن قضية النص، فتبقى المنكوحة بالعقد الصحيح داخلة تحت النص.
فيقول الآخر: لا نسلّم أنّ النكاح حقيقة في العقد خاصة، بل هو حقيقة في الوطي أيضاً، وحينئذ لا تدل الآية على تحريم مَن عقد عليها الأب على ابنه، لاحتمال أن يكون المراد من النكاح المذكور في الآية الوطي. فالأوّل أولى، لأنّ التخصيص خير من المجاز على ما يأتي; والمجاز خير من الاشتراك على ما تقدم، والخير من الخير من شيء خير من ذلك الشيء بالضرورة.

وثانيها: معارضة المجاز للنقل

كلفظ الصلاة فإنّه يحتمل أن يكون منقولاً عن موضوعه لغة وهو الدعاء إلى الصلاة المعهودة شرعاً، ويحتمل أن يكون إطلاق لفظ الصلاة على الشرعية مجازاً من باب تسمية الكل باسم جزئه.
فالثاني أولى، لأنّ النقل متوقّف على اتفاق أهل اللسان عليه وهو متعسّر، بخلاف المجاز المتوقّف على وجود العلاقة وهو متيسر.
وأيضاً النقل متوقّف على نسخ الوضع الأوّل، والمجاز ليس كذلك فكان أولى.

1. النساء:22.

صفحه 255

وثالثها: معارضة النقل للإضمار

كما لو قال: لا يجوز بيع البرّ بالبرّ متفاضلاً لأنّه ربا فيكون حراماً، لقوله تعالى:(وَحَرَّمَ الرِّبا)1
فيقول الآخر: الربا في اللغة الزيادة، ونقله إلى العقد المتضمّن لها خلاف الأصل، بل في الكلام إضمار لفظ:«أخذ »، أي: وحرم أخذ الربا.
فالثاني أولى لعين ما ذكرناه في بيان رجحان المجاز على النقل من كون النقل متوقّفاً على اتّفاق أهل اللسان، والإضمار ليس كذلك، بل يكفي فيه دلالة باقي الكلام عليه; ولتوقّف النقل على نسخ الوضع الأوّل وإحداث وضع ثان، بخلاف الإضمار.

ورابعها: معارضة التخصيص للنقل

كقوله تعالى:(وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ)2، فلو قال: لفظ البيع موضوع لكلّ معاوضة ومبادلة تجري بين الناس، وخصّ الشارع ما ليس جامعاً للأركان والشرائط الشرعية.
فقال الآخر: بل الشارع نقله عن موضوعه إلى المعاوضة الجامعة للأركان والشرائط الشرعية.
كان الأوّل أولى، لأنّ التخصيص أولى من المجاز على ما يأتي، والمجاز أولى من النقل على ما تقدّم، والأولى من الأولى من شيء أولى من ذلك الشيء بالضرورة.

1. البقرة:275.
2. البقرة:275.

صفحه 256

وخامسها: معارضة المجاز للإضمار

   
كقوله تعالى:(وَاسْئَلِ الْقَرْيَةَ)1 فإنّه يحتمل إضمار لفظة أهل، والتقدير: واسأل أهل القرية، ويحتمل إطلاق لفظ القرية على أهلها مجازاً تسمية للمحوي باسم الحاوي، فهما متساويان لاحتياج كلّ منهما إلى قرينة صارفة له عن الظاهر.
وفي هذا الاستدلال نظر، فإنّه لا يلزم من تساويهما في الاحتياج إلى القرينة الصارفة للفظ عن ظاهره عدم رجحان أحدهما على الآخر، فإنّ التخصيص مساو لكلّ منهما في الاحتياج المذكور مع ثبوت رجحانه على كلّ منهما.
والحق أنّ الإضمار أولى من المجاز، لاحتياج المجاز إلى كلّ من الوضع السابق واللاحق والعلاقة واستغناء الإضمار عن ذلك.

وسادسها: معارضة التخصيص للمجاز

كقوله تعالى:(اقتلوا المشركين)(2) فيقول الخصم: المراد الحقيقة، وخصّ عنه أهل الذمّة.
فيقول الآخر: بل المراد بالمشركين من عدا أهل الذمّة فيكون مجازاً من باب تسمية الجزء باسم الكلّ.
فالأوّل أولى، لأنّ المقصود يحصل مع التخصيص على تقديري وجود القرينة الدالة عليه وعدمها. أمّا الأوّل فظاهر وأمّا الثاني فلأنّه يجري

1. يوسف:82.   2 . التوبة:5.

صفحه 257
اللفظ على عمومه فيندرج فيه المقصود من اللفظ، بخلاف المجاز فإنّه على تقدير عدم القرينة الدالّة على إرادته يحمل اللفظ على حقيقته التي قد لا تكون مقصودة أصلاً ويترك المعنى المجازي مع كونه مقصوداً.

وسابعها: معارضة التخصيص للإضمار

كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا صيام لمن لم يجمع الصيام من اللّيل ».1
فيقول الخصم: إنّه يتناول بعمومه الفرض والنفل وخص النفل بجواز عقد نيّته إلى الزوال فيبقى حجّة في الفرض.
فيقول الآخر: بل يجوز التأخير في الفرض أيضاً إلى الزوال، لأنّ في الخبر إضماراً، وتقديره: لا صيام كامل أو فاضل.
فالأوّل أولى بدليل أنّ التخصيص أولى من المجاز المساوي للإضمار، والأولى من المساوي لشيء يكون أولى من ذلك الشيء، وفيه ما تقدّم من منع مساواة المجاز للإضمار .
واعلم أنّ المراد بالتخصيص في هذه المعارضات إنّما هو التخصيص في الأشخاص، أمّا التخصيص في الأزمان وهو النسخ فهو مرجوح، وكلّ من الاحتمالات الخمسة المذكورة أولى منه عند معارضته إيّاه.
واحتجّ فخر الدين الرازي على أنّ الاشتراك أولى من النسخ بأنّ النسخ يحتاط فيه ما لا يحتاط في تخصيص العام، بدليل جواز تخصيص العام بخبر الواحد والقياس، وعدم جواز النسخ بهما.

1. عوالي اللآلي:3/132.

صفحه 258
والعلّة في ذلك أنّ الخطاب بعد النسخ يصير كالباطل، وبعد التخصيص لا يصير كالباطل.1
واعترض المصنّف ـ طاب ثراهـ بأنّ ذلك إنّما يدلّ على كون التخصيص أولى من النسخ، وليس فيه دلالة على كون الاشتراك أولى من النسخ الذي هو المطلوب.2
وربما قيل:إنّ الناسخ مبطل للحكم الثابت وهو خلاف الأصل، والمشترك ليس بمبطل لحكم ثابت، بل يفيد به الإجمال، وليس الإجمال كالإبطال.
ومثاله: لو قال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):صلّوا في كلّ يوم في الوقت الفلاني، ثم بعد ذلك قال: طوفوا في ذلك الوقت، فيحتمل أن يكون لفظ الطواف موضوعاً للصلاة كما هو موضوع لمعناه المعهود على سبيل الاشتراك، ويحتمل عدم اشتراكه فيحمل على معناه، فيلزم نسخ الأمر بالصلاة، لما بين الصلاة والطواف من المضادة.
   

1. المحصول:1/158ـ159.
2. نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/311ـ312.

صفحه 259
قال قدس الله روحه:

الفصل التاسع:

في تفسير حروف يحتاج إليها

فمنها الواو ومعناها الجمع من غير ترتيب خلافاً للفرّاء.
لنا:إجماع أهل اللغة، قال أبوعلي: اتّفق اللغويون والنحويون البصريون والكوفيون على أنّ الواو للجمع المطلق من غير ترتيب، ولوروده في مثل: تَقاتَلَ زيد وعمرو، ولصدق: قام زيد وعمرو قبله أو:بعده من غير تكرير ولا تناقض، ولقوله تعالى:(ادْخُلُوا البابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ)وبالعكس، ولسؤال الصحابة عن مبدأ السعي، ولمساواة واو العطف في الأسماء المختلفة واوَ الجمع في المتّفقة. *
* أقول: هذه الحروف تشتد حاجة الفقيه إلى معرفة معانيها لاختلاف الأحكام المستفادة من الألفاظ باختلافها

أوّلها: الواو العاطفة

وقد اختلف في معناها فذهب الأكثرون من رؤساء الأُدباء ومحقّقي الأُصوليّين إلى أنّها موضوعة للجمع المطلق المحتمل للترتيب والمعية.

صفحه 260
وذهب الفرّاء1 إلى أنّها للترتيب المطلق بمعنى كون المعطوف بعد المعطوف عليه المحتمل للتعقيب والتراخي.2
والحق الأوّل، وهو اختيار المصنف ـ طاب ثراه ـ .3
واحتجّ عليه بوجوه ستة:
   
الأوّل: إجماع أهل اللغة على ذلك. قال أبو علي الفارسي4 : اتّفق اللغويون والنحويون البصريون والكوفيون على أنّ الواو للجمع المطلق من غير ترتيب.

1. هو يحيى بن زياد بن عبد الله الديلمي، أبوزكريا المعروف بالفرّاء، إمام الكوفيّين وأعلمهم بالنحو واللغة وفنون الأدب، ولد بالكوفة سنة 144هـ ، وانتقل إلى بغداد، عهد إليه المأمون العباسي تربية ابنيه، قال ثعلب: لولا الفرّاء ما كانت اللغة. وكان مع تقدّمه في اللغة فقيهاً متكلماً. له مصنّفات، منها: معاني القرآن، ما تلحن فيه العامة، ومشكل اللغة. توفّي في طريق مكة سنة 207هـ . الأعلام:8/145ـ146.
2. ذهب إليه أحمد بن يحيى بن زيد بن سيار المعروف بـ«ثعلب » و غلامه أبو عمر الزاهد محمد ابن عبد الواحد، والشيرازي في «التبصرة » ثم عدل عنه في كتابه «اللمع »، وقد اشتهر هذا المذهب عن الشافعية، وهو منسوب لقطرب والربعي وهشام وأبي جعفر الدينوري. راجع التبصرة في أُصول الفقه:231; نهاية السول:1/220; المغني لابن هشام:2/31 حاشية الأمير.
3. ذهب إليه الجصاص والشيرازي في اللمع والرازي والآمدي وابن الحاجب وابن السبكي وغيرهم. راجع: الفصول في الأُصول:1/87; اللمع في أُصول الفقه:190; المحصول:1/160; الإحكام:1/49; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/313.
4. هو الحسن بن أحمد بن عبد الغفار، الفارسي الأصل، أحد الأئمة في علم العربية، وُلد في «فسا » من أعمال فارس سنة 288هـ ، دخل بغداد سنة 307هـ وتجوّل في كثير من البلدان، وقدم حلب سنة 341هـ فأقام مدة عند سيف الدولة، وعاد إلى فارس فصحب عضد الدولة ابن بويه، وتقدّم عنده فعلمه النحو وصنّف له كتاب الإيضاح في قواعد العربية، ثم قدم بغداد فأقام بها إلى أن توفّي بها سنة 377هـ ، كان متّهماً بالاعتزال. له مصنّفات منها: تعاليق سيبويه، والتذكرة في علوم العربية، وجواهر النحو. الأعلام:2/179ـ180.

صفحه 261
وقال سيبويه1 في سبعة عشر موضعاً من كتابه: إنّ الواو للجمع المطلق وإجماعهم في ذلك حجّة.
الثاني: أنّ الواو يستعمل فيما يمتنع حصول الترتيب فيه، مثل: تقاتَل زيد وعمرو وتناظر خالد وبكر، والأصل في الاستعمال الحقيقة على ما عرفت، فيجب كون الواو حقيقة في غير الترتيب فلا يكون حقيقة فيه وإلاّ لزم الاشتراك المخالف للأصل وإذا كانت غير موضوعة للترتيب كانت موضوعة للجمع المطلق إجماعاً .
الثالث: لو كانت الواو للترتيب لكان قول القائل:«قام زيد وعمرو قبله » متناقضاً، ولو قال: «بعده » لكان مكرراً. والتالي باطل (بإجماع الأُدباء)2فالمقدّم مثله.
بيان الشرطية: أنّ الواو حينئذ يفيد كون عمرو ليس قبل زيد، ولفظة «قبله » تفيد كونه قبل زيد وذلك عين التناقض، ولفظة «بعده » في القول الثاني تفيد كون عمرو بعد زيد، وهذا المعنى بعينه مستفاد من الواو وذلك عين التكرار. وإذا بطل كونها للترتيب تعيّن كونها للجمع اتّفاقاً.
الرابع: قوله تعالى في سورة البقرة:(وَادخُلُوا الباب سُجَّداً وقُولُوا

1. هو عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي بالولاء، أبو بشر، الملقّب بـ«سيبويه » إمام النحاة وأوّل من بسط علم النحو، ولد في إحدى قرى شيراز سنة148هـ ، وقدم البصرة، فلزم الخليل بن أحمد وصنّف كتابه المسمّى «كتاب سيبويه » في النحو(مطبوع). رحل إلى بغداد فناظر الكسائي وأجازه الرشيد بعشرة آلاف درهم. وسيبويه كلمة فارسية معناها رائحة التفاح، لُقّب بهذا اللقب لأنّ وجنتيه كانتا كأنّهما تفاحتان وكان في غاية الجمال، توفّي شاباً في الأهواز سنة 180هـ . الأعلام:5/81.
2. في «م »: بالإجماع.

صفحه 262
حِطَّةٌ)1، وفي الأعراف (وقُولُوا حِطَّةٌ وادْخُلُوا البابَ سُجَّداً)2 والقصّة واحدة، فلو كانت الواو للترتيب لزم كون المتقدّم متأخّراً وبالعكس، فتعيّن كونها للجمع المطلق.
وفيه نظر، لجواز حصول الأمر بهذا القول قبل الدخول وبعده، وحينئذ لا يلزم من كون الواو للترتيب كون المتقدّم متأخّراً ولا عكسه.
الخامس: روي أنّ الصحابة بعد ما سمعوا قوله تعالى:(إنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ)3 قالوا للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)حين أرادوا السعي: بأيّهما نبدأ يا رسول الله؟ فقال لهم(صلى الله عليه وآله وسلم): «ابدأوا بما بدأ الله به ».4 ولو كانت الواو دالة على الترتيب لما سألوه ذلك، لكونهم من أهل اللسان، بل كانوا يفهمون البدأة بالصفا .
الواو العاطفة   
السادس: قال أهل اللغة: واو العطف في الأسماء المختلفة كواو الجمع وألف التثنية ويائهما في الأسماء المتّفقة، فإنّهم لمّا لم يتمكّنوا من جمع المختلفات بواو الجمع أتوا بواو العطف; ولمّا لم يكن شيء من واو الجمع وألف التثنية وياؤهما دالاً على الترتيب إجماعاً، كان واو العطف المساوي لها كذلك.5

1. البقرة:58.
2. الأعراف:161.
3. البقرة:158.
4. بدائع الصنائع:2/134. وقد ورد الحديث مفصّلاً وباختلاف في الألفاظ في باب حجة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)في المصادر التالية: صحيح مسلم:4/40; سنن ابن ماجة:2/1023; سنن أبي داود:1/425; سنن الترمذي:2/176; وغيرها.
5. ذكر العلاّمة وجوهاً أُخرى في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/314ـ317، فراجع.

صفحه 263
قال قدس الله روحه: احتجوا بإنكاره عليه الصلاة والسلام على من قال: «ومن عصاهما »، وبإنكار الصحابة على ابن عباس في أمرهم بالعمرة قبل الحج وقد قال الله تعالى:(وأتِمُّوا الحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لله)، وبعدم وقوع الثانية لمن قال: «أنت طالق وطالق » بخلاف طلقتين، ولأنّ الترتيب على التعاقب له الفاء، وعلى التراخي له ثمّ، ومطلق الترتيب معنى تشتد الحاجة إلى التعبيرعنه فله الواو إذ لا غيره، وهو أولى من جعله لمطلق الجمع، لاستلزام المركب الجزء بخلاف العكس.
والجواب: الإنكار لترك الإفراد بالذكر، فإنّه أبلغ في التعظيم، وإنكارهم على ابن عباس معارض بأمر ابن عباس، وأيضاً فإنّ أمر ابن عباس، يدلّ على المطلوب، بخلاف إنكارهم، لاحتمال فهمهم الجمع المطلق المتناول لتقديم الحج وتقديم العمرة، فأمر ابن عباس بتقديم العمرة يرفع العمومية المستفادة من مطلق الجمع الدال على التخيير وهو مطلوبنا، والطلاق الثاني ليس تفسيراً للأوّل وقد طلقت بالأوّل لتمامه، ووضع اللفظ للأعم أولى، لأنّ الحاجة إلى التعبير عنه أشد، فإنّ الحاجة إلى الخاص تستلزم الحاجة إليه، وقد يحتاج إلى العام و يستغنى عن التعبير عن الخاص. *

* [ في أدلّة المخالف والجواب عنها ]

أقول: هذا إشارة إلى ما احتجّ به الفرّاء ومَن تابعه على أنّ الواو للترتيب مع الجواب عنه، وذلك من وجوه:
الأوّل: أنّ خطيباً قام بحضرة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: من أطاع الله ورسوله فقد اهتدى ومن عصاهما فقد غوى، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «بئس الخطيب أنت، قل:

صفحه 264
ومَن عصى الله ورسوله ».1 ولو لم يكن الواو للترتيب لم يكن بين ما استهجنه منه وبين ما لقّنه فرق. والتالي باطل، فالمقدّم مثله.
الثاني: أنّ الصحابة أنكروا على ابن عباس أمره إيّاهم بتقديم العمرة على الحجّ محتجّين عليه بقوله تعالى:(وَأتِمُّوا الحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ)2 وذلك دليل فهمهم من الواو للترتيب، وهم أخبر بمواقع اللغة العربية وموضوعاتها، فوجب كونه كذلك.
الثالث: أنّ الفقهاء اتّفقوا على أنّ من قال لزوجته التي لم يدخل بها:«أنت طالق وطالق » لم يقع إلاّ واحدة، ولو قال لها:«أنت طالق طلقتين » وقعتا معاً، وذلك دليل على أنّها عندهم للترتيب، إذ لو كانت للجمع لم يكن بينهما فرق.
الرابع: أنّ أهل اللغة وضعوا لجزئيات الترتيب المطلق ألفاظاً فوضعوا الفاء للترتيب على التعقيب، وثم للترتيب على التراخي، فوجب أن يضعوا للترتيب المطلق لفظاً، لأنّه معنى تشتدّ الحاجة إلى التعبير عنه، ولأنّ الاحتياج إليه أشد من الاحتياج إلى جزئياته، وغير الواو من الألفاظ ليس موضوعاً له وفاقاً فتعيّن وضع الواو له وهو المدّعى.
فإن قلت: هذا معارض بمطلق الجمع فإنّه معنى تشتد الحاجة إلى التعبير عنه، فوجب وضع لفظ بإزائه، وليس غير الواو موضوعاً له، فتعيّن الواو.
قلت: إذا وقع التعارض وجب الترجيح وهو مَعَنا، لأنّه إذا كان موضوعاً

1. صحيح مسلم:3/12، باب تخفيف الصلاة والخطبة; سنن البيهقي:3/216; مسند أحمد:4/256.
2. البقرة:196.

صفحه 265
للترتيب المطلق أمكن إطلاقه على مطلق الجمع لكونه لازماً للترتيب، بل هو جزؤه، فجاز إطلاق لفظه عليه مجازاً.
ولو كان موضوعاً للجمع المطلق لم يكن الترتيب لازماً له فلَمْ يصحّ إطلاق اللفظ عليه.
وفيه نظر، لما عرفت في باب أقسام المجاز في صحّة إطلاق لفظ العام على الخاص، وكون موضوع اللفظ ملزوماً للمعنى المجازي غير شرط في التجوّز، إذ قد يطلق لفظ الضد على ضده مع تحقّق المعاندة بينهما التي هي أخص من المباينة التي هي أخص من عدم الملازمة. وأيضاً التعارض غير متحقّق، لإمكان وضعه للجمع والترتيب على سبيل الاشتراك، ومرجوحية الاشتراك لا تمنع من ذلك لما تقدم.
والجواب عن الأوّل: أنّ الإنكار إنّما كان لترك إفراد الله تعالى بالذكر، فإنّه أبلغ في التعظيم، لا لأنّ الواو دال على الترتيب، فإنّ معصية الله تعالى لا تنفك عن معصية رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فيستحيل فيهما الترتيب، ومن هنا قال فخر الدين الرازي في «المحصول »: فهذا بأن يدلّ على فساد قولكم أولى1، وذلك لوجود الواو منفكّاً عن الترتيب.
وعن الثاني: أنّ إنكارهم على ابن عباس معارض بأمر ابن عباس، فإنّه لو فهم كون الواو للترتيب لم يأمرهم بتقديم العمرة على الحج، وهذا أرجح، لأنّ أمره إيّاهم بالتقديم دالّ على عدم فهمه الترتيب من الواو.
وأمّا إنكارهم عليه فلا يدل على فهمهم الترتيب، لجواز فهمهم من

1. المحصول:1/164.

صفحه 266
الواو الجمع المطلق المتناول لتقديم الحج على العمرة وعكسه الموجب للتخيير، ولمّا كان أمر ابن عباس رافعاً للتخيير وموجباً لتضييق تقديم العمرة، لاجرم أنكروا عليه، على أنّ ابن عباس أعرف ممّن أنكر عليه ذلك بدلالات الألفاظ وأعلم بمواقعها، فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال في حقّه: «كنيف ملئ علماً » .1
وعن الثالث: أنّ الطلاق المعطوف ليس تفسيراً للطلاق المعطوف عليه، بل كلام آخر وقع بعد تمام الأوّل فلم يقع، لعدم مصادفته2 الزوجية التي هي شرط في وقوع الطلاق لزوالها بالأوّل، بخلاف طلقتين فإنّهما تفسير وبيان لقوله: «طالق » فكانت كالجزء منه، إذ الكلام لا يتم إلاّ بآخره .
   
وعن الرابع: بالمنع من رجحان وضع اللفظ للترتيب المطلق على وضعه للجمع المطلق، بل الأمر بالعكس فإنّ وضع اللفظ للأعمّ أولى من وضعه للأخصّ، لأنّ الاحتياج إلى الخاص مستلزم للاحتياج إلى العام دون العكس فإنّه قد يحتاج إلى العام مَن لا يحتاج إلى الخاص.
وفيـه نظر، فـإنّ ذلك إنّمـا يلـزم منـه رجحـان وضع اللفظ للعام إذا لم

1. لم نعثر عليه بهذا اللفظ، وقد ورد القول المذكور على لسان عمر بن الخطّاب بحق عبد الله بن مسعود. راجع مستدرك الحاكم:3/318; مجمع الزوائد:6/303، المعجم الكبير للطبراني: 9/349; كنز العمال:13/462برقم 37200 و ج15/77 برقم 40172.
وكذلك ورد عن أمير المؤمنين(عليه السلام) أنّه قال بحضرة المهاجرين والأنصار وأشار إلى صدره: «كنيف ملئ علماً لو وجدت له طالباً، سلوني قبل أن تفقدوني... ». مناقب ابن شهرآشوب: 1/317; الصراط المستقيم:1/217.
والكنيف: الساتر، وناقة كنوف: وهي التي تستتر في أطراف الإبل من البرد، وأكناف الجبل أو الوادي: نواحيه. العين:5/382، مادة«كنف »; صحاح الجوهري4/1424، مادة «كنف ».
2. في«أ »: مصادقته.

صفحه 267
قال قدس الله روحه: ومنها الفاء وهي للتعقيب بحسب ما يمكن، لإجماع أهل اللغة عليه. وقوله تعالى:(لا تَفْتَرُوا عَلى اللهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ)مجاز، فإنّ الوعيد من الله تعالى يشبه الوقوع لامتناع الخلف فيه. *
يمكن التعبير عنه باللفظ الموضوع للخاص باعتبار كونه ملزوماً له، أمّا على هذا التقدير وهو الواقع فلا.
وقول المصنّف ـ طاب ثراه ـ :«من غير ترتيب » عقيب قوله: «الواو للجمع » ليس تقييداً له بنفي الترتيب، بل نفياً لتقييده بالترتيب. وكذا في القول الذي نقله عن أبي علي.
والهاء في قوله:«ولوروده » عائدة إلى الواو.1

* [ في الفاء ]

أقول: من الحروف التي نحتاج إلى تفسيرها الفاء، وهي موضوعة لغة للتعقيب على حسب ما يمكن بمعنى كون المعطوف واقعاً عقيب المعطوف عليه على ما يمكن، فلو قال:«دخلت بغداد فالكوفة » لم يفد دخول الكوفة عقيب دخول بغداد بلا فصل، لأنّ ذلك ممتنع، بل يفيد دخول الكوفة عقيب دخول بغداد بمدة لا يمكن دخوله إليها في أقل منها عادة.
والدليل على أنّها موضوعة للتعقيب إجماع أهل اللغة عليه، وإجماعهم في ذلك وأمثاله حجة.

1. ذكر العلاّمة وفخر الدين الرازي والآمدي وجوهاً أُخرى مع جواباتها. راجع: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/317ـ321; المحصول:1/162ـ164; الإحكام:1/51.

صفحه 268
قال قدس الله روحه: ومنها «في » وهي للظرفية تحقيقاً مثل: زيد في الدار، وتقديراً مثل: (في جُذُوعِ النَّخْلِ).*
احتجّ المخالف بورود الفاء في كتاب الله تعالى لغير التعقيب، ومتى كان كذلك لم تكن موضوعة له.
أمّا الأوّل، فلقوله تعالى:(لا تَفْتَرُوا عَلى اللهِ كَذِباً فَيُسْحِتَكُمْ بِعذاب)1والإسحات لا يقع عقيب الافتراء بل يتراخى إلى يوم القيامة.
وأمّا الثاني، فلأنّها حينئذ تكون لغير التعقيب لكون الأصل في الاستعمال الحقيقة على ما عرفت، فلا تكون حقيقة فيه أيضاً، وإلاّ لزم الاشتراك المخالف للأصل .
والجواب: المنع من صدق الشرطية، فإنّ استعمال الفاء هنا مجاز لما ثبت من إجماع الأُدباء على أنّها للتعقيب، فلو كانت حقيقة في غيره لزم الاشتراك، والمجاز خير منه فيجب المصير إليه. ووجه العلاقة: أنّ وعيده تعالى يمتنع الخلف فيه ويجب وقوعه من حيث إخباره تعالى به، فأشبه الواقع في الحال.2

* [ حرف الـ«في » ]

أقول: لفظة «في » من الحروف التي يحتاج الفقيه إلى تفسير معناها،

1. طه: 61.
2. ذكر العلاّمة والرازي والآمدي تفاصيل واعتراضات أُخرى وأجابوا عنها. راجع: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/321ـ324; المحصول:1/164ـ 166; الإحكام:1/53.

صفحه 269
وهي موضوعة للظرفية إمّا تحقيقاً كقوله تعالى:(وَقَرَنَ فِي بُيُوتِكُنَّ).1
وإمّا تقديراً كقوله تعالى:(وَلاَُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ)2لتمكّن المصلوب على الجذع تمكّن المتمكّن في مكانه.
والظرف منه حقيقي، وهو ما لا يزيد على المظروف، كالماء في الكوز حال امتلائه، وغير حقيقي وهو ما يزيد على المظروف، كزيد في الدار وفي البلد.
والدليل على أنّها موضوعة للظرفية إجماع أهل اللغة عليه.
وقال بعض الفقهاء: إنّها للسببية، لقوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«في النفس المؤمنة مائة من الإبل ».3
وضعّفه الإمام فخر الدين الرازي بأنّ أحداً من أهل اللغة لم يذكر ذلك مع أنّ المرجع في هذه المباحث إليهم.4
وفيه نظر، لجواز ذكر أهل اللغة أو بعضهم ذلك ولم يصل إليه، وعدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود.

1. الأحزاب:33.
2. طه:71.
3. السنن الكبرى للبيهقي:8/100; عمدة القاري:1/112 و 168; عوالي اللآلي:1/236برقم 246; مستدرك الوسائل:18/296برقم 22779، الباب 1 من أبواب ديات النفس.
4. المحصول:1/166. وضعّفه العلاّمة في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/325، والأرموي في الحاصل من المحصول:1/376.

صفحه 270
قال قدس الله روحه: ومنها: «من » وهي مشتركة بين ابتداء الغاية، والتبعيض، والتبيين، وزائدة.1 ومنها:«إلى » وهي لانتهاء الغاية، ولا إجمال كما توهّم قوم، لدخول الغاية تارة وخروجها أُخرى، لأنّها موضوعة للانتهاء، ثم الغاية قد تنفصل حسّاً كالليل فيجب خروجها، وقد لا تتميز كالمرفق فيجب دخولها. ومنها:«الباء » وقيل:إنّها في غير المتعدّي للإلصاق وفي المتعدّي للتبعيض، وأنكر سيبويه في سبعة عشر موضعاً من كتابه كونها للتبعيض، والفرق بين (مسحت بالمنديل) و(مسحت المنديل) من حيث جعل المنديل آلة في المسح مع الباء وممسوحاً مع عدمها، لا من حيث التبعيض. ومنها: «إنّما » وهي للحصر بالنقل عن أهل اللغة، ولأنّ «إنّ » للإثبات و«ما » للنفي، ولا يتواردان على محل واحد، ولا يمكن صرف النفي إلى المذكور والإثبات إلى غيره، فتعيّن العكس.*
من الحروف المحتاجة إلى تفسير حرف «من »   

* [ في باقي الحروف المحتاجة إلى تفسير ]

أقول: هذه بقية الحروف المحتاج إلى تفسيرها:

فمنها:«من »

وهي موضوعة على سبيل الاشتراك لابتداء الغاية، وللتبعيض، وللتبيين.
فالأوّل: كقوله تعالى:(فَخَرَجَ على قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرابِ).2ومن هذا

1. في«أ » بزيادة: كقوله ما جاءني من أحد أي ما جاءني أحد.
2. مريم:11.

صفحه 271
الباب فلان أفضل من فلان، أي ساواه في الفضل ثم ابتدأ فضلاً.
والثاني: كقوله تعالى:(خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً).1
والثالث: كقوله تعالى:(يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحاف مِنْ ذَهَب).2
وقد تكون زائدة كقوله تعالى:(مَا لِلظّالِمينَ مِنْ حَمِيم)3،وقوله تعالى:(ومَا لِلظالِمينَ مِنْ أَنْصار).4
وقيل: إنّها هنا لعموم النفي.
وقد تكون بمعنى على كقوله تعالى: (وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَومِ الذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا)5أي على القوم.
وقال فخرالدين: إنّها حقيقة موضوعة للتبيين6 خاصة، لأنّه قدر مشترك بين الأقسام الثلاثة المذكورة، فكان وضع اللفظ له متعيّناً، وإلاّ لزم الاشتراك على تقدير وضعه لكلّ منها. والمجاز على تقدير وضعه لأحدها وهما على خلاف الأصل، ففي الأوّل ميّز مبدأ الخروج عن غيره، وفي الثاني ميّز المأخوذ منه عن غيره، وفي الثالث ميّز جنس الصحاف التي يطاف بها.

1. التوبة:103.
2. الزخرف:71.
3. غافر:18.
4. البقرة:270.
5. الأنبياء:77.
6. قال فخر الدين الرازي في المحصول:1/166: والحق عندي أنّها للتمييز... وتنظّر فيه العلاّمة في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/325 قائلاً: إذ لا يلزم من الاشتراك في معنى كلّىّ وضع اللفظ له، ولا من وضعه له عدم وضعه للجزئيّات، وإلاّ لزم نفي الاشتراك بين الكلّ وجزئه، والمرجع في ذلك إلى أهل اللغة.

صفحه 272
ومنها حرف:«إلى »   

ومنها: «إلى »

وهي موضوعة لانتهاء الغاية، كقوله تعالى:(فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إلى الْمَرافِقِ)1، وقوله:(أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللّيلِ)(2).
وقال قوم2: إنّها مجملة في دلالتها على دخولها في ذي الغاية وخروجها عنه، لاستعمالها فيهما كما في هاتين الآيتين، فإنّ الغاية داخلة في الأُولى وخارجة في الثانية.
وهو ضعيف، فإنّ مطلق الاستعمال لا يدلّ على الإجمال وهي موضوعة للانتهاء، ودخول المرافق في الغسل ليس من حيث إنّها غاية فإنّه من هذه الحيثية يجب خروجها، لأنّ غاية الشيء نهايته وآخره، بل باعتبار عدم انفصاله عن ذي الغاية بمفصل محسوس وعدم أولوية إخراج بعض المقادير عن الغسل من غيره، وأمّا عند انفصالها عن ذي الغاية بمفصل محسوس كالليل فإنّه يجب خروجها.
   
وفخر الدين ضعّف هذا أيضاً بأنّ الإجمال إنّما يتحقّق لو كانت موضوعة للدخول وعدمه على سبيل الاشتراك، وهو غير جائز على ما تقدّم من امتناع كون اللفظ مشتركاً بين وجود الشيء وعدمه.3

1. المائدة:6.   2 . البقرة:187.
2. القائل هو أبو عبد الله البصري المعتزلي، نقله عنه محمد بن محمود العجلي الاصفهاني في الكاشف عن المحصول:2/443.
3. المحصول:1/167. وقد أردفه قائلاً: بل الحقّ أنّ الغاية إن كانت متميّزة عن ذي الغاية بمفصل حسّيّ كما في الليل والنهار وجب خروجها، وإن لم تكن متميّزة عنها بمفصل حسّي كما في اليد والمرفق وجب دخولها، لأنّه ليس بعض المقادير أولى من بعض. ووافقه العلاّمة في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/326.

صفحه 273
وفيه نظر، للمنع من المقدّمتين معاً، فإنّ الإجمال قد يتحقّق بدون الاشتراك على ما يأتي، وامتناع اشتراك اللفظ بين وجود الشيء وعدمه ممنوع وقد تقدّم.
وزعم قوم أنّ «إلى » في الآية الأُولى بمعنى مع1 فإنّها قد ترد كذلك، كما في قوله تعالى:(مَنْ أنصارِي إلى اللهِ)2 أي مع الله، وقوله: (وَلاَ تَأكُلُوا أمْوالَهُمْ إلى أمْوالِكُمْ)3 أي مع أموالكم.

ومنها:«الباء »

وهي موضوعة للإلصاق والاستعانة، مثل: مررت بزيد وكتبت بالقلم.
وقال فخر الدين: إن دخلت على فعل غير متعدٍّ بنفسه أفادت الإلصاق كالمثالين المذكورين، وإن دخلت على فعل متعدٍّ بنفسه كقوله تعالى:(وامْسَحُوا بِرءُوسِكُمْ)4 أفادت التبعيض.
أمّا الأول فللاتّفاق عليه. وأمّا الثاني فاحتجّ عليه بأنّ الفرق واقع بين

1. قال الرازي في تفسيره:8/66 في تفسير قوله تعالى:(فَلَمّا أحَسَّ عيسى مِنْهُمُ الْكُفْر قالَ مَنْ أنْصاري إلى اللهِ)[ آل عمران:52 ]: قال الأكثرون من أهل اللغة بأنّ «إلى » هاهنا بمعنى مع، قال تعالى:(وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالهُمْ إلى أمْوالِكُمْ)أي معها، وقال(صلى الله عليه وآله وسلم):«الذود إلى الذود إبل » أي مع الذود. قال الزجّاج: كلمة «إلى » ليست بمعنى مع فإنّك لو قلت: «ذهب زيد إلى عمرو » لم يجز أن تقول: «ذهب زيد مع عمرو »، لأنّ «إلى » تفيد الغاية، و«مع » تفيد ضم الشيء إلى الشيء، بل المراد من قولنا: أنّ «إلى » هاهنا بمعنى «مع » هو أنّه يفيد فائدتها من حيث إنّ المراد من يضيف نصرته إلى نصرة الله إيّاي، وكذلك المراد من قوله:(وَلا تَأْكُلُوا أموالهُمْ إلى أَمْوالكُم) أي لا تأكلوا أموالهم مضمومة إلى أموالكم، وكذلك قوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«الذود إلى الذود إبل » معناه: الذود مضموماً إلى الذود إبل. وراجع الصحاح للجوهري:2/471 و 607 و ج6/2330 و 2543، ولسان العرب:3/169، مادة «ذود ».
2. آل عمران:52; الصف:14.
3. النساء:2.
4. المائدة:6.

صفحه 274
مسحت يدي بالمنديل وبالحائط وبين قوله: مسحت المنديل والحائط، وهو إفادة التبعيض في الأوّل والشمول في الثاني.1
والمصنّف ـ طاب ثراه ـ لم يرتض هذا القول وأشار إلى ضعفه بإنكار سيبويه في سبعة عشر موضعاً من كتابه كون الباء للتبعيض، ولو كانت الباء مفيدة له لغة لما خفي عن مثل سيبويه مع تقدّمه في علم الأدب ومعرفته بلغة العرب.
ويؤكد ذلك قول ابن جني:إنّ الذي يقال من أنّ الباء للتبعيض فهو شيء لا يعرفه أهل اللغة.2
ثم أشار إلى جواب حجّة فخر الدين الرازي بأنّ الفرق بين القولين كون المنديل والحائط في القول الأوّل آلتين في مسح اليد، وفي الثاني كونهما نفس الممسوح، لا ما ذكره من إفادة الأوّل التبعيض والثاني الشمول، فإنّ الأوّل نفس النزاع وأمّا الثاني فهو ممنوع.
وأيضاً فإنّ الفعل مع ذكر المفعول الأوّل وهو «يدي » لا يتعدّى بنفسه إلى «المنديل » فهو خارج عن المتنازع، ولو حذفت لفظة «يدي » وجعل المنديل نفس الممسوح منعنا الفرق.3
وقد ترد الباء بمعنى على، كقوله تعالى:(وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطار يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ)4 أي على قنطار.5

1. المحصول:1/167.
2. راجع:الحاصل من المحصول:1/378ـ379.
3. راجع: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/327.
4. آل عمران:75.
5. راجع: مجمع البيان: 4/302; إملاء ما منّ به الرحمن للعكبري:1/140; تاج العروس:20/378، مادة «الباء »; خزانة الأدب:1/197 و 3/178 و 4/101; الإحكام في أُصول الأحكام:1/48.

صفحه 275
وبمعنى في، كقوله تعالى: (وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيّاً)1 وقيل معناها هاهنا للسببية .2

ومنها: لفظة «إنّما »

وهي موضوعة للحصر واستدلّ المصنّف ـ طاب ثراه ـ على ذلك بوجهين:
أحدهما: النقل عن أهل اللغة واستعمال العرب إيّاها فيه، كما قال الأعشى:
ولست بالأكثر منهم حصىً *** وإنّما العزة للكاثر3وقال الفرزدق4:
أنا الذائد الحامي الذمار وإنّما *** يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي
ولا يحصل غرضهما بهذا الكلام إلاّ مع كونها للحصر.
ولأنّ أبا علي الفارسي نقل ذلك عن النحاة وصوّبهم فيه، ونقله وقوله حجّة، لكونه من أعاظم علماء العربية.
وثانيهما: أنّ لفظة «إنّ » موضوعة للإثبات ولفظة «ما » موضوعة للنفي،

1. مريم:4.
2. راجع: مجمع البيان:10/84; مغني اللبيب:1/193; خزانة الأدب:9/203; الإحكام:1/48.
3. ديوان الأعشى:193.
4. هو همام بن غالب بن صعصعة التميمي الدارمي، أبو فراس الشهير بالفرزدق، شاعر من النبلاء من أهل البصرة، عظيم الأثر في اللغة، كان يقال: لولا شعر الفرزدق لذهب ثلث لغة العرب، ولولا شعره لذهب نصف أخبار الناس،وهو صاحب الأخبار مع جرير والأخطل ومهاجاته لهما أشهر من أن تذكر، كان شريفاً في قومه، عزيز الجانب، ولقّب بالفرزدق لجهامة وجهه وغلظه، وتوفّي في بادية البصرة في سنة 110هـ وقد قارب المائة. الأعلام:8/93.

صفحه 276
فعند تركيب هذه الكلمة ـ أعني: إنّماـ منهما يجب بقاء كلّ منهما على حالها لأصالة عدم النقل.
وحينئذ نقول: لا يمكن توارد مدلوليهماـ أعني: النفي والإثبات ـ على محل واحد، لاستحالة التناقض ولورود النفي على المذكور والإثبات على غيره لوقوع الإجماع على انتفائه، فتعيّن العكس وهو ورود الإثبات على المذكور والنفي على غيره، وهو معنى الحصر المدّعى وضع لفظة «إنّما » له.
فإن قلت: قد وردت لفظة «إنّما » في مواضع من كتاب الله تعالى لغير الحصر، كما في قوله تعالى:(إنّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ)1، ومن المعلوم أنّ الإيمان ليس منحصراً في الموصوفين بهذه الصفة; وقوله تعالى:(إنّما يُريدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)2،وظاهر أنّ إرادته تعالى ليست منحصرة في ذلك; وقوله تعالى: (إِنَّما أنْتَ مِنْذِرُ مَنْ يَخْشاها)3،وإنذاره(صلى الله عليه وآله وسلم)ليس منحصراً في مَن يخشى الساعة، بل هو شامل له ولغيره، فتكون موضوعة لغير الحصر فلا تكون موضوعة له وإلاّ لزم الاشتراك.
قلت: لا نسلّم ورودها لغير الحصر في الكتاب العزيز والحصر في الآيات المذكورة متحقّق، إذ المراد من المؤمنين في الآية الأُولى الكاملون في الإيمان.

1. الأنفال:2.
2. الأحزاب:33.
3. النازعات:45.

صفحه 277
وفي الثانية إضمار، وتقدير الآية والله أعلم: إنّما يريد الله بخلق العلوم والألطاف الزائدة على ما هو شرط التكليف لكم أهل البيت إذهاب الرجس عنكم وتطهيركم.
وفي الثالثة أنّ المراد بالإنذار إنّما هو الإنذار النافع المؤثر في التقريب إلى الطاعة لا مطلق الإنذار. ولو سلم لم يلزم كونها موضوعة لغير الحصر، لأنّ الاستعمال يوجد مع الحقيقة كما يوجد مع المجاز، فلا يكون بمجرده دالاًّ على أحدهما عيناً، بل لا يمكن أن يكون هنا حقيقة لما بيّنا من اتّفاق أهل اللغة على كونها موضوعة للحصر، فلو كانت حقيقة في غيره لزم الاشتراك المخالف للأصل، فتعيّن أن يكون مجازاً.
واعلم أنّ الحصر بإنّما قد يكون بثبوت الوصف المذكور للموصوف المذكور ونفيه عن غيره، وقد يكون بثبوت الوصف له ونفي غيره عنه.
فالأوّل: كقوله تعالى:(إنّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا)1، فإنّه يفيد كون الولاية ثابتة لهم منفية عن غيرهم.
والثاني: كقوله تعالى: (إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ)2، فإنّه يفيد إثبات هذا الوصف ـ أعني: البشرية والمماثلة والوحي ـ له (صلى الله عليه وآله وسلم)،ونفي غير ذلك من الصفات الموهمة عنه مثل كونه ملكاً أو غير ذلك عنه .

1. المائدة:55.
2. الكهف:110; فصلت:6.

صفحه 278
   
قال قدس الله روحه:

الفصل العاشر:

في الخطاب

وفيه مباحث: الأوّل: الخطاب هو الكلام المقصود به الإفهام، فلا يقع من الحكيم المخاطبة بالمهمل لاشتماله على النقض. واحتجاج الحشوية بالحروف المقطعة، وبقوله تعالى: (كأنّه رؤوس الشياطين)، و (تلك عشرة كاملة)، و (ما يعلم تأويله إلاّ الله)لامتناع العطف، لاستحالة عود ضمير يقولون إلى المعطوف عليه باطل، لأنّ الحروف قيل: إنّها أسماء للسور، والتمثيل برؤوس الشياطين تمثيل بالمستنكر في الغاية1، والتوكيد مفهوم، والعطف لا يقتضي عود الضمير إلى المعطوف عليه. *
* أقول: قد عرفت في صدر الكتاب أنّ الخطاب هو اللفظ المفيد المقصود به الإفهام، والمصنّف ـ طاب ثراه ـ عرّفه هاهنا بأنّه الكلام المقصود به الإفهام، فالكلام كالجنس وبه تخرج الإشارات والحركات والرقوم. وقوله:«المقصود به الإفهام » يخرج كلام الساهي والغافل، فإنّه وإن كان كلاماً إلاّ أنّه ليس خطاباً، والمراد ما يقصد به الإفهام بحسب

1. في المطبوع:87: العادة.

صفحه 279
شخصه لا بحسب نوعه وإلاّ لانتقض بكلام الساهي، وإنّما حذف لفظ المفيد لدلالة الكلام عليه، فإنّه بدون الإفادة لا يكون كلاماً، بخلاف لفظ الصادق على المفيد والمهمل فإنّ التعريف به يحوج إلى التقييد بالمفيد.
وأعلم أنّ غرض المصنّف ـ طاب ثراه ـ من هذا الفصل معرفة كيفية الاستدلال بخطاب الشارع على الأحكام فبدأ بتعريفه، لأنّ التصديق بأنّ الخطاب الشرعي دالّ على الحكم مسبوق بتصوّر ذلك الخطاب وذكر تعريف مطلق الخطاب ليكون عند إضافته إلى الشارع مفيداً لمعرفة خطابه مع إفادته معرفة الخطاب المطلق.
ثم لمّا كانت دلالة الخطاب الشرعي على الحكم تتوقّف على أمرين:
أحدهما: استحالة خطابه تعالى بما لا يعني به شيئاً البتة، سواء كان ذلك اللفظ مهملاً غير موضوع لمعنى أصلاً، أو موضوعاً لمعنى لكنّه لم يرد منه ذلك المعنى ولا غيره.
وثانيهما: استحالة خطابه بما يدلّ على معنى دلالة راجحة ويقصد منه غير ذلك المعنى الراجح مع تجريده عن القرينة الدالة على المقصود إذ على تقدير جواز أحد هذين الأمرين لا تبقى لنا وسيلة إلى معرفة شيء من معاني الألفاظ الشرعية، لجواز أن لا يعني بها شيئاً، أو يعني بها خلاف مدلولاتها.
فلهذا بدأ المصنّف ـ طاب ثراه ـ بذكر هذين الأمرين، وجعل كلاًّ منهما في بحث مفرد.

صفحه 280
   

الأوّل: في استحالة خطابه تعالى بالمهمل

والمراد بالمهمل هنا ما لا يفيد شيئاً بحسب شخصه، سواء كان غير موضوع لمعنى، أو موضوعاً لمعنى لكن ليس في ذكره بحسب شخصه فائدة لفهم معناه بدونه.
واعلم أنّ المعتزلة والأشاعرة اتّفقوا على استحالة خطابه تعالى بما لا معنى له في نفسه، وخالف في ذلك الحشوية1 ـ أعني: أصحاب الحديث ـ وجوّزوا ذلك .
واحتجّ المصنّف ـ طاب ثراه ـ على الاستحالة بأنّ الخطاب بالمهمل بالتفسير المذكور نقص، والنقص على الله تعالى محال، أمّا المقدّمة الأُولى فمعلومة بالضرورة، وأمّا الثانية فبالإجماع.
واحتجّت الحشوية على نقيض ذلك بوجهين:2
الأوّل: أنّـه قـد ورد فـي القـرآن العـزيز مـن الكلام مـا لا معنـى لـه أصلاً; كالحـروف المقطعة في أوائل السور، كقوله تعالى:

1. الحشوية طائفة من أصحاب الحديث تمسّكوا بالظواهر، سُمّوا بذلك لأنّهم يحشون الأحاديث التي لا أصل لها في الأحاديث المروية عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وجميع الحشوية يقولون بالجبر والتشبيه، وأجازوا على الله الملامسة والمصافحة وأنّ المسلمين المخلصين يعانقونه في الدنيا والآخرة إذا بلغوا إلى حد الإخلاص، وحكي عن بعضهم أنّه كان يجوّز الرؤية في دار الدنيا، وأثبتوا لله الحركة والانتقال والحد والجهة والقعود والاستلقاء والاستقرار فذهبوا بذلك إلى التجسيم. وقد ذكر الصفدي بأنّ الغالب على الحنفية الاعتزال، والشافعية أشاعرة، والمالكية قدرية، والغالب في الحنابلة حشوية. راجع: معجم الفرق الإسلامية: 97ـ98; بحوث في الملل والنحل:1/170.
2. نقله عنهم: العلاّمة في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/340ـ341; والرازي في المحصول:1/170ـ171.

صفحه 281
(كهيعص)1،(طسم)2، (يس)3، (حم)4، و ما أشبه ذلك; وكقوله تعالى:(كأَنَّهُ رُؤُوسُ الشياطِين)5، وممّا لا فائدة في ذكره، كقوله تعالى: (ثَلاثَةِ أيّام فِي الحَجِّ وَسَبْعَة إذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرةٌ كامِلَة)6فقوله:(عشرة كاملة)لا يفيد أمراً زائداً على ماتقدّم.
الثاني: أنّ الوقف على الله تعالى من قوله: (وَمَا يَعْلَمُ تَأوِيلَهُ إلاّ اللهُ وَالراسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا)7 واجب، ومتى كان كذلك لزم كونه تعالى متكلّماً بما لا يفهم منه شيء.
أمّا الأوّل، فلأنّه لولاه لزم كون الواو في قوله تعالى:(والراسخون في العلم) واو عطف ويكون قوله:(يقولون آمنّا به) واقعاً موقع الحال، كأنّه قال: قائلين آمنّا به كلّ من عند ربّنا، ويصير ذلك عائداً إلى المعطوف والمعطوف عليه وهو الله تعالى، لوجوب اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في الحال، فيكون الله تعالى من جملة القائلين: (آمنّا به كلّ من عند ربنا) ومن المعلوم خلاف ذلك.
وأيضاً فكونها عاطفة يستلزم زيادة الاستثناء وإضمار حروفه، وهما خلاف الأصل، وذلك لأنّ التقدير: وإلاّ الراسخون في العلم، فتعيّن كونها للاستئناف.

1. مريم:1.
2. الشعراء:1; القصص:1.
3. يس:1.
4. غافر:1; فصلت:1; الشورى:1; الزخرف:1; الدخان:1; الجاثية:1; الأحقاف:1.
5. الصافات:65.
6. البقرة:196.
7. آل عمران:7.

صفحه 282
وأمّا الثاني، فلأنّه يكون علم تأويل المتشابهات مختصّاً بالله تعالى مع كونه مخاطباً بها.
وفيه نظر، فإنّه لا يلزم من عدم علمنا بالتأويل عدم فهمنا له، لجواز حصول الظن بالمراد من اللفظ، وهو كاف في صدق الفهم وحصول فائدة الخطاب، وكيف لا وعند أكثر الناس أنّ الأدلة اللفظية لا تفيد العلم، وأنّ مراد المتكلّم بكلامه المجرد عن القرائن لا يعلمه إلاّ هو، وأمّا غيره فإنّما يحصل له الظن .
والجواب عن الأوّل: المنع من عدم إفادتها شيئاً فإنّ المفسّرين ذكروا لها معان كثيرة، وأحسنها كونها أسماء السور.
وأمّا رؤوس الشياطين، فإنّ العرب كانوا يستقبحون ذلك التخيّل ويستنكرونه ويضربون به المثل في القبح، فهو ليس ممّا لا يفهم مطلقاً.
وأمّا قوله: (تلك عشرة كاملة) فهو كلام مفيد، والغرض منه التأكيد، وهو معنى مقصود زائد على معنى المؤكّد.
وعن الثاني: المنع من كون واو (والراسخون) للاستئناف، بل يجب حملها على العطف لكونها حقيقة فيه، ولا يلزم من كونها عاطفة عود ضمير «يقولون » إلى المعطوف عليه، وإن كان هذا القول واقعاً موقع الحال لجواز اختصاصها بالمعطوف ويجب القول به لثبوت القرينة وهي الدليل الدال على استحالة عوده إلى الجميع وقد جاءت الحال مختصة بالمعطوف، كما في قوله تعالى:(وَوَهَبْنا لَهُ إسحاقَ وَيَعقُوبَ نَافِلَةً)1.2

1. الأنبياء:72.
2. ذكر العلاّمة في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/341 احتجاجاً ثالثاً للحشوية، وهو: أنّ الله خاطب الفُرس بلسان العرب وهم لا يفهمونه، فجاز مطلقاً. وأجاب عن احتجاجهم هذا بأنّ الفرس متمكّنون من فهم الخطاب بالتعبير، بخلاف مالا يفهم منه البتّة.

صفحه 283
قال قدس الله روحه: البحث الثاني: يمتنع أن يخاطب الله بشيء ويريد خلاف ظاهره من دون البيان، وإلاّ لزم الإغراء بالجهل، ولأنّه بالنسبة إلى غير ظاهره مهمل. *

* [ في أنّه يستحيل أن يخاطب الله بما يدلّ ظاهره على غير المقصود ]

أقول: هذا هو الأمر الثاني من الأمرين اللّذين يتوقّف عليهما الاستدلال بكلام الشارع على الأحكام، وهو أنّه يمتنع أن يخاطب الله تعالى بشيء ويريد خلاف ظاهره من دون البيان .
واعلم أنّ الأُصوليّين اتّفقوا على ذلك وخالف فيه المرجئة1. واستدلّ المصنّف ـ طاب ثراه ـ على ذلك بوجهين:
الأوّل: أنّ ذلك ملزوم لإغرائه تعالى بالجهل. واللازم باطل، فالملزوم مثله.
بيان الملازمة: أنّ إطلاق اللفظ الظاهر الدلالة على معنى يوجب اعتقاد سامعه العالم بوضعه إرادة لافظه منه ذلك المعنى، وذلك معلوم

1. المرجئة من الإرجاء وهو إمّا أن يكون من الرجاء لأنّهم يرجون لأصحاب المعاصي الثواب من الله، أو يكون مشتقاً من الإرجاء وهو التأخير لأنّهم أخّروا حكم أصحاب الكبائر إلى الآخرة إذا ماتوا بدون توبة. وهم الذين قالوا: لا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة. وقالوا: الإيمان قول بلا عمل، وقد أسقطوا الوعيد جملة عن المسلمين. معجم الفرق الإسلامية:219ـ220.

صفحه 284
بالوجدان، فإذا لم يكن ذلك المعنى مراداً للافظ، كان اعتقاد إرادته له جهلاً. وحينئذ يكون إطلاق اللفظ المذكور مع عدم إرادة معناه إغراء للسامع بذلك الاعتقاد للجهل وهو المدّعى.
وأمّا بطلان اللازم، فلأنّ الإغراء بالجهل قبيح والله تعالى منّزه عنه على ما ثبت في علم الكلام، وقد ظهر من ذلك أنّ الإغراء بالجهل إنّما هو لازم من الخطاب باللفظ مع عدم إرادة ظاهره، والمصنّف ـ طاب ثراه ـ جعل ذلك لازماً لإرادة خلاف ظاهره.
وفيه نظر، لجواز إرادة ظاهر اللفظ وخلاف ظاهره منه، وحينئذ لا يتحقّق الإغراء بذلك الجهل.
الثاني: أنّ اللفظ الظاهر الدلالة بالنسبة إلى غير ظاهره مهمل غير مفيد، لأنّه لم يوضع له، وقد تقدّم استحالة خطابه تعالى بالمهمل.
وفيه نظر، فإنّ الذي تقدّم إنّما هو استحالة خطابه بالمهمل مطلقاً ـ أعني: الذي لا يفيد شيئاً البتة لكونه نقصاًـ ولا كذلك ما نحن فيه فإنّه يفيد السامع فهم ظاهره، سواء كان مراداً للمتكلّم أو لم يكن، ولا يلزم من كونه مهملاً بالقياس إلى معنى كونه مهملاً مطلقاً.1

1. لمزيد من التفاصيل راجع: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/342ـ343; المحصول: 1/171.

صفحه 285
قال قدس الله روحه: البحث الثالث: قيل: الدلائل اللفظية ظنيّة; لتوقّفها على: نقل اللغة، والنحو، والتصريف، وعدم الاشتراك، والمجاز، والنقل، والتخصيص، والإضمار، والتقديم، والتأخير، والناسخ، والمعارض العقلي الذي لو رجّح النقل عليه لزم إبطال النقل، إذ بطلان الأصل يستلزم بطلان الفرع، ولا شك أنّ هذه ظنية فالموقوف عليها ظنّي. والحق خلاف هذا، فإنّ بعض اللغات والنحو والتصريف متواتر النقل، وعدم الأشياء التي ذكروها قد يُعلم في محكمات القرآن فثبت القطع. *

* [ في أنّ الاستدلال بالخطاب هل يفيد القطع أم لا؟ ]

أقول: اختلفوا في أنّه هل يوجد في الأدلّة النقلية ما يفيد اليقين أم لا؟ فمنع منه جماعة وهو الذي رجّحه فخر الدين1 في المحصول والمحصل، وجوّزه آخرون .
احتجّ الأوّلون بأنّ إفادة الدليل النقلي لمدلوله يتوقّف على مقدّمات عشر غير يقينية، والموقوف على ما ليس بيقيني يمتنع أن يكون يقينياً.
المقدّمة الأُولى: نقل اللغة والنحو والتصريف وهي ظنية.
أمّا اللغة فظاهر، لأنّ المرجع في كون اللفظ موضوعاً لمعناه إنّما هو إلى نقل أهل اللغة، والإجماع واقع على عدم عصمتهم وعدم تواترهم، وحينئذ يجوز عليهم الكذب والغلط والتصحيف، وقد غلّط بعضهم بعضاً.
وأمّا النحو والتصريف فلاختلاف المعاني باختلافهما، والمرجع فيهما إنّما هو إلى أشعار القدماء، وذلك موقوف على مقدّمتين ظنّيتين:

1. المحصول:1/177.

صفحه 286
إحداهما: كون هذا الشعر صادراً عن الشاعر المنسوب إليه، وذلك إنّما يستفاد من نقل الآحاد، ونقل الآحاد غير مفيدة للعلم. وأيضاً فإنّ الروايات عنه مرسلة والمراسيل مردودة عند الأكثر.
وثانيهما: حقيّة قول الشاعر، وهو غير معلوم لعدم عصمته، وحينئذ يجوز غلطه ولحنه، وقد لحن المتأخّرون كثيراً من المتقدّمين.
الثانية: عدم الاشتراك، إذ على تقدير كون اللفظ مشتركاً بين المعنى المعلوم وضعه له وبين غيره، لايبقى1 وثوق بإرادة ذلك المعنى من اللفظ، وعدم الاشتراك ظنّي.
الثالثة: عدم المجاز، فإنّ حمل اللفظ على حقيقته إنّما يجب إذا لم يكن مجازه مراداً، لكن عدم إرادة المجاز ظنّي .
الرابعة: عدم النقل، فإنّ حمل اللفظ على معناه الأصلي إنّما يتحقّق عند عدم نقله إلى معنى آخر، إذ على تقدير نقله يجب حمله على المعنى المنقول إليه، وعدم النقل ظني.
الخامسة: عدم الإضمار، فإنّ حمل اللفظ على ظاهره إنّما يتحقّق عند عدم إضمار ما يدلّ على خلاف ذلك الظاهر، وعدم الإضمار ظنّي.
السادسة: عدم التخصيص، وتقريره ظاهر ممّا مر.
السابعة: عدم الناسخ، إذ على تقديره لا يبقى الحكم المدلول عليه بالدليل السابق ثابتاً، وعدمه ظني.
الثامنة: عدم التقديم والتأخير، لتغيّر المعنى بذلك وهو ظاهر، وانتفاؤه ظني.
التاسعة: عدم المعارض النقلي الراجح عليه، إذ على تقدير وجوده

1. في «م »: لانتفى.

صفحه 287
يتعيّن العمل به والعدول عن الدليل المرجوح، وعدمه ظني. وهذه المقدّمة لم يتعرّض لها المصنّف ـ طاب ثراه ـ هنا وأشار إليها في «النهاية »1 ولابدّ منها.
العاشرة: عدم المعارض العقلي، إذ على تقدير وجود دليل عقلي يدلّ على نقيض مدلول الدليل النقلي يجب العمل به وتأويل الدليل النقلي، إذ لو رجّح النقلي عليه لزم إبطال النقلي فإنّ الدليل العقلي أصل للدليل النقلي، فلو أبطل الدليل العقلي لمعارضة الدليل النقلي لأبطل النقلي أيضاً ضرورة استلزام بطلان الأصل بطلان فرعه، فتعيّن ما قلناه من تأويل النقلي والعمل بالعقلي.
والمصنّف ـ طاب ثراه ـ لم يرتض هذا القول وادّعى أنّ الحق خلافه بدليل علمنا بتواتر بعض اللغات، ككون لفظتي السماء والأرض موضوعتين لمعنييهما، وكذا في النحو والتصريف فإنّ كون الفاعل مرفوعاً والمفعول منصوباً والمضاف إليه مجروراً متواتر، وكذا زيادة حروف المضارعة وإبدال الهمزة ألفاً وياء وواواً نحو رأس و بئر و مؤمن، وأشباه ذلك.
وبأنّا نعلم أنّ المراد من محكمات القرآن العزيز، مثل قوله تعالى:
(قُلْ هُوَ اللهُ أحَد)2،(اللهُ لا إلهَ إلاّ هُوَ)3،و أمثال ذلك ظواهرها، وأنّ هذه القوادح منفية عنها علماً قطعياً لا يقبل التشكيك، فيكون الدليل المؤلّف من أمثال تلك المحكمات يقينياً.4

1. نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/346.
2. التوحيد:1.
3. البقرة:255.
4. راجع البحث في: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/344ـ347; والمحصول:1/172ـ178.

صفحه 288
قال قدس الله روحه: البحث الرابع: خطاب الله تعالى يحمل على الحقيقة الشرعية إن وجدت، سواء وجد غيرها من الحقائق أو لا، فإن انتفت الشرعية فالعرفية إن غلبت على اللغوية في الاستعمال، وإلاّ فهو مشترك يفتقر في حمله على أحدهما إلى قرينة، فإن انتفت العرفية فاللغوية، فإن لم تكن فالمجاز. فإن تعدّدت العرفية حملت كلّ طائفة الخطاب على المتعارف عندها. وقد يدل بالالتزام إمّا باعتبار اللفظ المفرد بأن يكون شرطاً للمطابقي، ويسمّى دلالة الاقتضاء إمّا شرعاً كنذر العتق، أو عقلاً كرفع الخطأ; أو المركّب بأن يكون مكمِّلاً للمقصود كدلالة تحريم التأفيف على تحريم الضرب، أو لا يكون كدلالة تخصيص الذكر على تخصيص الحكم، وقد يجتمع من الخطابين حكم آخر مثل: (وحمله وفصاله ثلاثون شهراً) مع قوله: (وفصاله في عامين). وقد ينضم إلى النص غيره ويحصل الحكم منهما، مثل دلالة الإجماع على تساوي الخال والخالة ودلالة النص على إرث الخال. وقد يتعذر حمل الخطاب على ظاهره، فإن اتّحد المجاز حمل عليه، وإلاّ بقي مشتركاً إن لم يترجّح أحدهما، وإلاّ حمل على الراجح. *

* [ في كيفية الاستدلال بالخطاب ]

أقول: يريد الإشارة إلى كيفية الاستدلال بخطاب الله تعالى على الأحكام الشرعية فمهّد لذلك قاعدة، وهو أنّ اللفظ الصادر عن الشارع إمّا أن يكون له حقيقة شرعية أو لا.

صفحه 289
فإن كان الأوّل وجب حمله على تلك الحقيقة، سواء كان له حقيقة أُخرى عرفية أو لغوية يمكن حمله عليها، أو لا; لأنّ الظاهر أنّ الشارع إنّما يتكلّم على وضعه.
فإن لم يكن أو كان له حقيقة شرعية وتعذّر حمله عليها، فإن كان له حقيقة عرفية غالبة على اللغوية وجب حمله عليها، لأنّ المعنى العرفي الغالب هو المتبادر إلى الذهن عند الإطلاق دون اللغوي.
فإن تعدّدت العرفية بأن كان اللفظ مستعملاً عند طائفة في معنى وعند غيرهم في غيره، حملت كلّ واحدة من الطائفتين ذلك اللفظ على ما هو متعارف عندها ويجب أن يكون الله تعالى أراد ذلك، إذ لولاه لزم خطابه تعالى بما له ظاهر من غير إرادة ظاهره مع تجرّده عن القرينة، وقد تقدّم بطلانه.
وإذا لم تغلب العرفية على اللغوية بل كانتا متساويتين، كان اللفظ مشتركاً بينهما لا يحمل على أحدهما إلاّ بالقرينة المرجّحة لإرادته .
وإن لم تكن له حقيقة عرفية أو كانت وتعذر حمل اللفظ عليها، حمل على الحقيقة اللغوية، فإن تعذّر فعلى المجاز.
ثمّ المجاز إمّا أن يكون متّحداً أو متكّثراً.
فإن كان الأوّل تعيّن للإرادة.
وإن كان الثاني فإن ترجّح أحدها وجب الحمل عليه، وإن لم يترجّح أحدهما أو كان الراجح متعدّداً متساوياً كان كاللفظ المشترك يفتقر في

صفحه 290
حمله على أحدها على التعيين إلى قرينة موجبة لذلك.
إذا تقرّر هذا فاعلم أنّ الخطاب الشرعىّ إمّا أن يدل على الحكم الشرعي بلفظه أو بمعناه.
والأوّل إمّا أن يستغني في دلالته عن انضمام غيره إليه، أو يفتقر إلى الضميمة.
فالأوّل: كقوله تعالى:(وأحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا)1، فإنّ كلاًّ من الخطابين مستغن في دلالته على الحكم المذكور فيه عن غيره من الضمائم.
والثاني: وهو المحتاج في دلالته إلى الضميمة بحيث يكون المجموع الحاصل منه ومن ذلك الغير المنضم دالاًّ على الحكم فينقسم إلى أربعة أقسام بحسب انقسام ذلك المنضم فإنّه: قد يكون خطاباً آخر، وقد يكون إجماعاً، وقد يكون قياساً عند من يقول بكونه حجّة، وقد يكون شهادة حال المتكلم.
والأوّل: إمّا أن يكون كلّ واحد من ذينك الخطابين دالاًّ على مقدّمة مناسبة للمقدّمة التي يدلّ عليها الآخر بحيث ينتظم منهما قياس منتج للحكم، مثل قوله تعالى:(أفَعَصَيْتَ أمْرِي)2 الدالّ على أنّ تارك المأمور به عاص مع قوله تعالى:(وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّم)3 الدالّ على

1. البقرة:275.
2. طه:93.
3. الجن:23.

صفحه 291
أنّ كلّ عاص مستحق للعقاب، فإنّهما ينتجان أنّ تارك المأمور به يستحقّ العقاب، وهو معنى كون الأمر للوجوب.
وإمّا أن يكون أحدهما دالاًّ على تعيّن مدة الأمرين والآخر دالاً على تعيّن بعض تلك المدة لأحدهما، فإنّهما يدلاّن على تعين باقي المدة للآخر، مثل قوله: (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً)1 مع قوله:(وَفِصالُهُ فِي عَامَيْن)2، فإنّهما يدلاّن على أنّ أقلّ الحمل ستة أشهر.
وأمّا الثاني: فكما إذا دلّ الخطاب على أنّ الخال يرث ودلّ الإجماع على أنّ الخالة بمثابته في الإرث، فإنّهما يدلاّن على أنّ الخالة ترث لاستلزامهما متصلة موجبة استثنى فيها عين مقدّمها فأنتجت عين تاليها، هكذا كلّما كان الخال وارثاً كانت الخالة وارثة، لكن الخال وارث ينتج فالخالة وارثة، فالمتّصلة دلّ عليها الإجماع والمقدمة الاستثنائية دلّ عليها الخطاب.
وأمّا الثالث: فكما إذا دلّ الخطاب على تحريم الربا في البر ودلّ القياس على مساواة التفاح له، فإنّهما يدلاّن على تحريم الربا في التفاح لاستلزامهما متّصلة موجبة دلّ عليها القياس ودلّ على المقدّمة الاستثنائية وهي استثناء عين مقدّمها الخطاب كما تقدّم.
وأمّا الرابع فكقوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«الاثنان فما فوقهما جماعة »3، فإنّه متردّد

1. الأحقاف:15.
2. لقمان:14.
3. سنن ابن ماجة:1/312برقم 972; كنز العمال:7/555برقم 20224.

صفحه 292
بين كونه بياناً للحكم العقلي وهو أنّ أقلّ الجمع اثنان، وبين كونه بياناً للحكم الشرعي وهو كونه مبيحاً للسفر حيث كان قد نهى(صلى الله عليه وآله وسلم) عن السفر إلاّ في جماعة، فإنّ شهادة حاله(صلى الله عليه وآله وسلم) من حيث كونه مبعوثاً لبيان الأحكام الشرعية دون العقلية يرجّح الاحتمال الثاني على الأوّل.

[ ما يدلّ عليه الخطاب بمعناه ]

وأمّا ما يدلّ عليه الخطاب بمعناه وهي الدلالة الالتزامية فنقول: ذلك المعنى المدلول عليه بالالتزام إمّا أن يكون مستفاداً من معاني الألفاظ المفردة، أو من تركيبها.
فالأوّل قسمان:
أحدهما: أن يكون المعنى الالتزامي شرطاً للمعنى المطابقي وتسمّى هذه الدلالة دلالة الاقتضاء. ثم شرطيته قد تكون مستفادة من العقل، كقوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«رفع عن أُمّتي الخطاء والنسيان »1 فإنّ العقل دلّ على أنّ هذا المعنى لا يصحّ، إلاّ إذا أضمر فيه رفع المؤاخذة أو الحكم الشرعي، وإلاّ لزم الكذب على الشارع، لوقوع الخطأ والنسيان من الأُمّة، وأنّه محال. هكذا قيل.
وفيه نظر: أمّا أوّلاً: فللمنع من عدم صحّة هذا الكلام من دون هذا المضمر، وذلك لأنّ الأُمّة عبارة عن مجموع المسلمين، والخطاء والنسيان

1. الخصال:417 ح9; التوحيد للصدوق:353 ح24; تحف العقول:50; عمدة القاري:5/94; كنز العمال:4/233 برقم 10307.

صفحه 293
مرتفعان عنهم وإن جازا على آحادهم، لما يأتي في الإجماع.
وأمّا ثانياً: فلأنّا لا نسلّم أنّ هذا المعنى مستفاد من اللفظ المفرد، بل الظاهر أنّه إنّما لزم من التركيب وقد تكون شرطيته مستفادة من الشرع، كنذر العتق فإنّه يدلّ على وجوب تحصيل الملك لكونه شرطاً للعتق، واستفيد ذلك من قوله (صلى الله عليه وآله وسلم):«لا عتق إلاّ في ملك ».1
والثاني: ما لا يكون شرطاً، كدلالة إباحة الضرب على إباحة الإيلام.
وأمّا إذا كان تابعاً لتركيبها فإمّا أن يكون من مكملات ذلك المعنى المقصود، أو لا يكون.
فالأوّل كدلالة تحريم التأفيف على تحريم الضرب، لأنّ الغرض من تحريم التأفيف كفّ الأذى عن الوالدين، وإنّما يكمل ويتمّ بتحريم الضرب، وتسمّى هذه دلالة التنبيه ومفهوم الموافقة.
والثاني كدلالة التخصيص بالوصف على التخصيص بالحكم، مثل «في الغنم السائمة زكاة »2 ويسمّى دليل الخطاب ودلالة المفهوم كدلالة التخصيص بالذكر على التخصيص بالحكم عند من يقول به.3

1. الكافي:6/178، باب لا عتق إلاّ بعد ملك، الحديث1و2; الاستبصار:4/5، باب أنّه لا عتق قبل الملك، الحديث 1و 2; تهذيب الأحكام:8/217برقم 774.
2. عوالي اللآلي:1/399 برقم 50.
3. راجع البحث في: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/347ـ349; والمحصول:1/178ـ180.

صفحه 294

صفحه 295
   قال قدس الله روحه:

المقصد الثالث:

في الأمر والنهي

                                                   وفيه فصول:

صفحه 296

صفحه 297

الأوّل:

في حقيقة الأمر

وفيه مباحث: الأوّل: الأمر حقيقة في القول ومجاز في الفعل. ولا نزاع في الأوّل. وأمّا الثاني فلأنّه لولاه لزم الاشتراك. احتجّوا بصحّة الاستعمال فيه على الحقيقة، كما في قوله تعالى:(حتّى إذا جاء أمرنا وفار التنور)والمراد الأفعال العجيبة، وكما يقال: أمر فلان مستقيم، وهذا أمر عظيم. والجواب: أنّ الاستعمال يوجد مع المجاز كما يوجد مع الحقيقة فلا يجوز الاستدلال به عليه، خصوصاً وقد بيّنا أولوية المجاز من الاشتراك. *
* أقول: لمّا فرغ من المباحث المتعلّقة بالخطاب الذي هو جنس للأمر والنهي وغيرهما، شرع في المباحث المتعلّقة بأنواعه بخصوصياتها وبدأ بمباحث الأمر والنهي لدلالتهما على الاقتضاء دون غيرهما، وبدأ بالأمر لتعلّقه بجانب الوجود وأخّر النهي عنه لتعلّقه بجانب العدم.
[ الأمر حقيقة في القول ومجاز في الفعل ]
واعلم أنّ لفظة الأمر حقيقة في القول المخصوص، أعني: الدال على طلب الفعل وفاقاً، وإنّما الخلاف في أنّها هل هي مع ذلك حقيقة في غيره

صفحه 298
أم لا؟ فالمحقّقون على أنّها ليست كذلك1، وبعض الفقهاء ذهب إلى أنّها حقيقة في الفعل أيضاً،2 وزعم أبو الحسين البصري أنّها مشتركة بين القول المذكور وبين الشيء وبين الصفة وبين الشأن والطريق.3 والحقّ الأوّل.
لنا: إنّها لو كانت حقيقة في غير القول المخصوص مع كونها حقيقة فيه لزم الاشتراك، وقد تقدّم كونه على خلاف الأصل .
واحتجّ القائلون بأنّه حقيقة في الفعل أيضاً بأنّ أهل اللغة استعملوا لفظة الأمر في الفعل، ومتى كان كذلك كانت حقيقة فيه.
أمّا الأوّل: فيدلّ عليه القرآن العزيز، والشعر، والعرف.
أمّا القرآن: فكقوله:(حتّى إذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّور)4،والمراد بالأمر هنا الأفعال العجيبة التي فعلها الله تعالى في ذلك الوقت.
وقوله تعالى:(أتَعْجَبينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ)(5) وأراد به الفعل.
وقوله:(ومَا أَمْرُنا إلاّ واحِدةٌ كَلَمْح بِالْبَصَر)(6)،(تَجْرِي فِي الْبَحْرِ

1. ذهب إليه الشيخ الطوسي في عدة الأُصول:1/159 قائلاً: الأمر عبارة عن قول القائل لمن هو دونه: افعل. والفعل لا يُسمّى أمراً إلاّ على وجه المجاز والاستعارة، وهذا مذهب أكثر المتكلّمين والفقهاء. كما ذهب إليه العلاّمة في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/359، والرازي في المحصول:1/184.
2. وهو مذهب الشريف المرتضى في الذريعة:47، ومذهب بعض أصحاب الشافعي، منهم: أبو العباس بن سريج، وأبو سعيد الاصطخري، وأبوعلي بن أبي هريرة، وأبو علي بن جيران. راجع ميزان الأُصول للسمرقندي:1/196.
3. المعتمد في أُصول الفقه:1/39.
4. هود:40.   5 . هود:73.   6 . القمر:50.

صفحه 299
بِأَمْرِهِ)1،(مُسَخّرات بِأَمْرِهِ)(2)،(وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيد)(3)والمراد فعله.
وأمّا الشعر: فكقول الشاعر: لأمر ما يُسَوّدُ مَنْ يُسَوِّد.2
وأمّا العرف: فكقول الزَّبّاء3: لأمر ما جدع قصير أنفه.4
وكقولهم:«أمر فلان مستقيم » والمراد طريقه وفعله. ويقولون: هذا أمر عظيم، ورأيت أمراً هالني.
وأمّا الثاني: فلما عرفت من أنّ الأصل في الاستعمال الحقيقة.5
أجاب المصنّف ـ طاب ثراهـ بالمنع من دلالة الاستعمال على الحقيقة، وذلك لأنّ الاستعمال يوجد تارة مع الحقيقة وتارة مع المجاز، فهو مشترك بينهما أعمّ منهما فلا يكون دالاًّ على أحدهما على التعيين،

1. الحج:65.   2 . الأعراف:54.   3 . هود:97.
2. البيت للشاعر أنس بن نهيك، وتمامه كما في الصحاح:1/380:
عزمت على إقامة ذي صباح      لأمر ما يُسوِّد مَنْ يُسَوِّد
3. هي الزَّبّاء بنت عمرو بن الظرب بن حسّان بن أذينة بن السميدع، الملكة المشهورة في العصر الجاهلي، صاحبة تدمر وملكة الشام والجزيرة. يسمّيها الإفرنج زنوبيا، وأُمّها يونانية من ذرية كليوبطرة ملكة مصر، كانت غزيرة المعارف، بديعة الجمال، مولعة بالصيد والقنص، تحسن أكثر اللغات الشائعة في عصرها، كتبت تاريخاً للشرق، وليت تدمر واستقلت بالملك بعد طرد الرومان منها، وامتد حكمها من الفرات إلى بحر الروم ومن صحراء العرب إلى آسيا الصغرى، واستولت على مصر مدة، توفّيت سنة 358ق.هـ/285م. الأعلام:3/41.
4. مثل مشهور وفيه قصة مشهورة خلاصتها: إنّ الزبّاء قتلت جذيمة الوضّاح ملك العراق فاحتال ابن أُخت له اسمه: عمرو بن عدي عن طريق قصير بن سعد الذي جدع أنفه وقطع أُذنه ولحق بالزبّاء زاعماً أنّ عمرو بن عدي صنع به ذلك وأنّه لجأ إليها هارباً منه وأخذ يتلطّف إليها إلى أن وثقت به، فوضع خطة استطاع بها عمرو بن عدي من دخول قصر الزبّاء وهمّ بقتلها فامتصت سمّاً قاتلاً وقالت: بيدي لا بيد عمرو. راجع خزانة الأدب:8/276; الأعلام:3/41.
5. ذكر هذه الاحتجاجات الشريف المرتضى في الذريعة:47ـ48.

صفحه 300
لأنّ العام لا يدلّ على الخاص المعيّن من جزئياته بإحدى الدلالات الثلاث، هذا إذا كانت نسبة العام إلى جزئياته على السواء، أمّا مع كونه أولى بأحدهما من الآخر كما في مسألتنا هذه فإنّ كون الاستعمال هنا مجازاً أولى من كونه حقيقة، لاستلزام الثاني الاشتراك وهو مرجوح بالنسبة إلى المجاز، فأولى أن لا يدلّ على المرجوح.
وأُجيب أيضاً بالمنع من استعمال لفظة الأمر في الفعل، ويجوز أن يكون المراد في الآية الأُولى القول أو الشأن ولو سلّم إرادة الفعل، لكن لا نسلّم أنّه أطلق عليه لفظة الأمر بخصوص كونه فعلاً، بل لعموم كونه شأناً.وكذا الآية الثانية.
وقوله:(وما أمر فرعون برشيد)يحتمل أن يكون المراد به القول، بل الظاهر ذلك بدليل قوله تعالى قبل ذلك (فَاتَّبَعُوا أمْرَ فِرْعَوْن)أي أطاعوه في ما أمرهم به.
وأمّا قوله:(وما أمرنا إلاّ واحدة كلمح بالبصر)فيمتنع إجراؤه على ظاهره، لاستلزامه وحدة فعله تعالى وانّه لا يحدث إلاّ كلمح بالبصر في السرعة، ومن المعلوم أنّه ليس كذلك، وحينئذ نقول:المراد به ـ والله أعلم ـ أنّه تعالى من شأنه إذا أراد شيئاً وقع كلمح بالبصر.
وقوله: (مسخّرات بأمره)المراد الشأن، لأنّ الجري والتسخير ليس بفعله، بل بقدرته تعالى.
ويمكن أن يجاب أيضاً بأنّ الاستعمال الدال على الحقيقة إنّما هو

صفحه 301
المجرد عن القرائن وهنا ليس كذلك، فإن ادّعوا في هذه الصور التجرّد عن القرينة الدالّة على إرادة الفعل، منعنا من كون الفعل مراداً وبطل احتجاجهم بالكلية.
واحتجّ أبو الحسين على مذهبه بأنّ مَن قال:«هذا أمر » لم يدر السامع أي هذه الأُمور أراد، ولو قال: هذا أمر بالفعل، أو أمر فلان مستقيم، أو تحرك الجسم لأمر، أو جاء زيد لأمر; فهم السامع من الأوّل:القول، ومن الثاني الشأن، ومن الثالث: الشيء، ومن الرابع: أنّه جاء لغرض من الأغراض; وتردّد الذهن بين فهم هذه المعاني عند إطلاق لفظة الأمر دليل على اشتراكها بينها، إذ لو كانت حقيقة في أحدها لتبادر إلى الفهم، وكذا لو كانت حقيقة في أمر مشترك بينها.
والجواب: المنع من التردّد عند إطلاق لفظة الأمر، بل المدّعى أنّه يتبادر القول إلى الفهم.
والهاء في قوله: «فيه على الحقيقة » عائدة إلى الفعل، وعلى يتعلّق باحتجّوا.
والهاء في قوله: «فلا يجوز الاستدلال به » عائدة إلى الاستعمال وفي قوله:«عليه » عائدة إلى كونه حقيقة.

صفحه 302
قال قدس الله روحه: البحث الثاني: في حدّه. وهو طلب الفعل بالقول على جهة الاستعلاء. وهذا الطلب معلوم لكلّ عاقل، وهو غير الصيغة، لعدم اختلافه باختلاف اللغات، ولوجودها من الساهي والنائم والغافل مع انتفائه. وهل هو الإرادة أو غيرها؟ الحق الأوّل، فإنّا لا نعلم الزائد على الإرادة، ولا يجوز وضع اللفظ الظاهر لمعنى غير معقول. والأشاعرة أثبتوا للطلب معنى مغايراً للإرادة، لأنّ الله تعالى أمر الكافر بالطاعة ولم يردها منه، لأنّه عالم بعدم إيقاعها منه، فيكون تكليفه بها تكليفاً بالمحال ولصحّة: أُريد منك الفعل ولا آمرك به. ولأمر السيد عبده بفعل لا يريد إيقاعه منه، طلباً لإظهار عذره. والجواب: المنع من عدم إرادة الطاعة من الكافر، والعلم لا يؤثر في المعلوم، وتمام الاستقصاء في هذه المسألة مذكور في كتبنا الكلامية. ونفي الأمر معناه نفي الإلزام وإن كان مريداً لإيقاع الفعل اختياراً، والطلب والإرادة متساويان في أمر طالب العذر. والجواب واحد، وهو أنّه وجد منه صورة الأمر وإن لم يرده ولا يطلبه. *

* [ في حد الأمر ]

أقول: لمّا بيّن أنّ لفظة الأمر موضوعة للقول المخصوص شرع في تعريف ذلك القول. فقوله: «طلب » جنس شامل لطلب الفعل وطلب الترك الذي هو النهي، وبه يخرج ما ليس بطلب من أنواع الكلام، كالإخبار والتهديد وغيرهما، وإضافته إلى الفعل فصل يميزه عن النهي. والمراد بالفعل هاهنا ما يعمّ القول أيضاً ليندرج فيه الأمر بالأمر وبالنهي وبالخبر، وغير ذلك من أنواع الكلام.

صفحه 303
وقوله: «بالقول » احترازاً من طلب الفعل بالإشارة ونحوها فإنّه لا يسمّى أمراً، إذ الأمر نوع من أنواع الكلام.
وقوله: «على جهة الاستعلاء » ليخرج الدعاء والالتماس ولم يعتبر العلوّ كما اعتبره جماعة من المعتزلة1 لوجود الأمر بدونه بدليل قوله تعالى حكاية عن فرعون:(فَمَاذَا تَأمُرُونَ)2
وقول عمرو بن العاص لمعاوية:
أمرتك أمراً جازماً فعصيتني *** وكان من التوفيق قتل ابن هاشم3
وهذا الحدّ هو الذي ذكره فخر الدين في «المحصول »، واختاره المصنّف ـ طاب ثراه ـ في «النهاية ».4
وفيه نظر، فإنّ الأمر عندنا ليس هو الطلب المدلول عليه بالقول، بل نفس القول الدال على الطلب.
وحدّه فخر الدين أيضاً في بعض كتبه بأنّه اللفظ الدال على طلب

1. ذهب إليه العلاّمة أيضاً في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/385، واختاره أبو الحسين البصري في المعتمد:1/43 على خلاف جماعة المعتزلة الذين اشترطوا العلو في الأمر الصادر من الآمر. ووافقهم من أصحابنا الإمامية: الشيخ المفيد في تذكرة الأُصول:30ـ 33، والشريف المرتضى في الذريعة:53، والشيخ الطوسي في عدة الأُصول:1/159. ووافقهم أيضاً بعض الأُصوليين من العامّة كأبي إسحاق الشيرازي وأبي نصر بن الصبّاغ وأبي المظفر بن السمعاني وأحمد بن حنبل. راجع التبصرة:17; شرح اللمع:1/191; روضة الناظر:176.
أمّا الأشاعرة فقالت: لا يعتبر العلوّ ولا الاستعلاء. وهو مذهب جمهور الأُصوليين من العامة. راجع: المحصول:1/198.
2. الأعراف:110; الشعراء:35.
3. شرح نهج البلاغة:8/31; الغدير:2/171.
4. المحصول:1/190 و 199; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/373 و 385.

صفحه 304
الفعل على سبيل الاستعلاء.1
فاللفظ جنس وتقييده بالدال أخرج المهمل.
وقوله: «على طلب الفعل » أخرج ما لا يدلّ على طلب أصلاً كالخبر والتعجّب وغيرهما، وما يدلّ على طلب الترك كالنهي.
وقوله: «على سبيل الاستعلاء » أخرج الدعاء والالتماس.
والمراد بالدلالة هنا الدلالة المطابقية لا الالتزامية، وإلاّ لانتقض في طرده بمثل قول الإنسان لغيره مستعلياً عليه لا تستمر في هذا المكان أو لا تسكت، فإنّه يدلّ على طلب الفعل وهو الخروج من المكان في المثال الأوّل، والكلام في المثال الثاني.
وعلى قول الأشاعرة: إنّ المطلوب بالنهي فعل الضد ينتقض الحد في طرده أيضاً ويرد على عكس الحدّين المذكورين. مثل قوله تعالى: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّور)2،وقوله تعالى:(وَمَا نَهاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا)3، ومثل:«اسكتوا عمّا سكت الله عنه »4 فإنّها أوامر ولا يصدق أحد الحدين على شيء منها ولا يرد على طردهما مثل اطلب منك الفعل، لأنّه إنّما يدلّ بالوضع على الإخبار بطلب الفعل لا على نفس الطلب، ويمكن أن يقال على الثاني انّه منقوض بمثل طلب الفعل.
فإن قلت: المراد بقولنا الدال على طلب الفعل الدال على وجود الطلب لا على ماهيته خاصة.

1. المحصول:1/190.
2. الحج:30.
3. الحشر:7.
4. عوالي اللآلي:3/166. وقد ورد مضمونه عن علي(عليه السلام) في نهج البلاغة:4/24 برقم 105.

صفحه 305
قلت: فينتقض بقولنا وجود طلب الفعل.
والجواب الحق: أنّ المراد باللفظ الدال المفيد فائدة تامة، لأنّ الأمر من جملة أقسام المركّب التام. وحينئذ يندفع النقض بالقولين المذكورين.1
وقد نقل عن أوائل الأُصوليّين حدود ردّية، مثل قول القاضي أبي بكر:«إنّه القول المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به »2، وهو دوري باعتبار كون كل من المأمور والمأمور به مشتقاً من الأمر فيتوقف معرفتهما عليه، فتعريفه بهما يكون دوراً.
ولتعريف الطاعة بأنّها موافقة الأمر فيكون الأمر معرفاً لها، فلو كانت معرفة له دار أيضاً.
وكقول المعتزلة الأمر هو قول القائل لمن دونه: «افعل » أوما يقوم مقامه في الدلالة، فيدخل فيه الأمر بغير العربية، فإنّه منقوض طرداً وعكساً.
أمّا الأوّل فلصدق هذا التعريف على التهديد وغيره من المعاني الآتية مع كذب الأمر على كلّ واحد منها.
وأمّا الثاني فلصدق الأمر على الصيغة الصادرة من الأدنى نحو الأعلى حال استعلائه مع كذب التعريف المذكور عليه. وأيضاً فيه لفظة«أو » وهي موضوعة للشك والإبهام، وهما ينافيان التحديد.

1. في «أ » و«م »: بالقول المذكور.
2. نقله عنه الرازي في المحصول:1/188. وقال به أيضاً الجويني في «البرهان في أُصول الفقه »: 1/151، والغزالي في المستصفى:2/61.

صفحه 306

[ في التغاير بين الصيغة والطلب ]

واعلم أنّ هذا الطلب أمر معلوم لكلّ عاقل، لأنّه يأمر وينهى ويدرك تفرقة ضرورة بينهما ويميّز بين طلب الفعل وطلب الترك وبين الطلب والخبر وهذه آيات كونه معلوماً له.
وهو مغاير للصيغة الدالة عليه ضرورة مغايرة الدليل للمدلول.
ولأنّ الصيغة مختلفة بحسب اختلاف اللغات والأُمم والطلب ليس مختلفاً بشيء من ذلك فتغايرا.
ولوجود الصيغة منفكّة عن الطلب عند صدورها من الساهي والنائم والغافل فلا يكون هي إيّاه، وإلاّ لانفكّ الشيء عن نفسه.
وهل هو مغاير للإرادة؟ قالت الأشاعرة: نعم1، وأنكره المعتزلة وزعموا أنّ الطلب عبارة عن إرادة المأمور به. وهو الحق.2
لنا:إنّ الزائد على الإرادة غير معقول لنا، ولو ثبت لكان أمراً خفياً في الغاية لا يدركه إلاّ الأفراد من العقلاء، وحينئذ لا يجوز وضع لفظة الأمر المتداولة بين الخاص والعام بإزائه، لاستحالة وضع اللفظ الظاهر المشهور لأمر غير معقول أصلاً أو في غاية الخفاء، بل الواجب كونها موضوعة في اللغة للمعنى المتعارف بينهم.
واحتجّت الأشاعرة بوجوه:3 الأوّل: أنّه تعالى أمر الكافر الذي علم منه

1. إليه ذهب الرازي في المحصول:1/191.
2. وهو مختار العلاّمة أيضاً في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/379.
3. احتجّ بهذه الوجوه الرازي في المحصول:1/191.

صفحه 307
عدم الطاعة بها ولم يردها منه، لكونها ممتنعة، وإلاّ لجاز انقلاب علمه تعالى جهلاً، وأنّه محال، والممتنع لا يكون مراداً لله تعالى اتّفاقاً. فقد ثبت وجود الأمر من دون الإرادة، ويلزم منه وجود الطلب من دون الإرادة، لكون الطلب إمّا نفس الأمر، أو لازماً له .
الثاني: أنّه يصحّ أن يقول الإنسان لغيره:«أُريد منك الفعل ولا آمرك به »، فلو كان الأمر به عبارة عن الإرادة لم يصحّ ذلك، لكونه حينئذ متناقضاً.
وفيه نظر، لأنّه إنّما يدلّ على مغايرة الإرادة للأمر وما أظن أحداً ادّعى اتّحادهما وليس دالاًّ على مغايرة الإرادة للطلب الذي هو المطلوب. اللّهم إلاّ أن يقال: إنّ الأمر عبارة عن الطلب فيكون الاستدلال صحيحاً إلاّ أنّه ممنوع.
ولو عكس وقال:«آمرك بالفعل ولا أُريده منك » لزم المغايرة المطلوبة لو صحّ هذا القول.
الثالث: أنّ السيد قد يأمر عبده بما لا يريد، كما لو ضربه فتوعده الملك بالمؤاخذة إن كان لا لموجب فاعتذر بأنّه لا يمتثل أمره، فطلب الملك امتحانه بأن يأمره في حضرته بأمر، فإنّ السيد حينئذ يأمره بفعل ولا يريده منه، فقد وجد الأمر من دون الإرادة ويلزم منه وجود الطلب من دونها لما تقدّم فيغايرها.1

1. في «م »: فتغايرا.

صفحه 308
وأجاب المصنّف 1ـ طاب ثراه ـ عن الأوّل بالمنع من عدم إرادة الطاعة ممّن علم منه استمرار عدمها ومن استحالتها على تقدير تعلّق علمه تعالى بعدمها، إذ العلم لا يؤثر في المعلوم لكونه حكاية عنه والاستقصاء في هذه المسألة ـ أعني: عدم اقتضاء علم العدم الامتناع والوجود الوجوب ـ مذكور في كتبه الكلامية.
وعن الثاني: أنّ المراد بالأمر المنفي الإلزام مع كونه مريداً لإيقاع الفعل اختياراً، فكأنّه قال: «أُريد منك الفعل ولا أُلزمك به » مع أنّه معارض فيه بأنّه يحسن أن يقول: «أطلب منك الفعل ولا آمرك به » ولهذا يستقبح الناس أن يقول السائل للملك:«آمرك بكذا » ولا يستقبحون: «اطلب منك كذا ».
والتحقيق: أنّ الأمر ليس عبارة عن مجرد الطلب أو الإرادة، بل عن جملة جزؤها الطلب أو الإرادة، وحينئذ لا يلزم من ثبوت الإرادة وانتفاء الأمر انفكاك الإرادة عن الأمر، لأنّها أعمّ منه، بل يلزم عكسه.
وعن الثالث: أنّ السيّد في تلك الحال كما لا يريد الفعل المأمور به كذا لا يطلبه، والإرادة والطلب متساويان في الانتفاء عن ذلك الفعل المأمور به، والجواب عنهما واحد وهو أنّه إنّما أوجد صورة الأمر من غير أمر.
واعلم أنّ في الدليل الأوّل المذكور للأشاعرة موضع نظر، وذلك أنّ قوله: فيكون تكليفه بها تكليفاً بالمحال ليس له مدخل في حجّتهم، لأنّ تكليفه بها واقع اتّفاقاً وإن كان وقوعها محالاً عندهم والتكليف بمثل هذا المحال لا يمنعونه، ولو قال بدله: فيكون إيقاعها محالاً فلا يكون مراد له تعالى، كان أجود.

1. راجع: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/380ـ381.

صفحه 309
قال قدس الله روحه: البحث الثالث: اعلم أنّ الصيغة تدلّ على الطلب بالوضع فلا تفتقر إلى الإرادة كغيرها من الألفاظ. احتجّ الجبّائيان بأنّ المميز بين الأمر والتهديد الإرادة. والجواب: أنّها حقيقة في الطلب مجاز في غيره، ولا أثر لإرادة المأمور به في صيرورة الصيغة أمراً، خلافاً لهما، لأنّها دالة بالوضع على الإرادة فلا تفيد الصيغة الدالّة عليها صفة كالمسمّيات مع الأسماء. وقد تقوم صيغة الأمر مقام الخبر، مثل: «إذا لم تستح فاصنع ما شئت ». وبالعكس، مثل: (والوالدات يرضعن أولادهن) لاشتراكهما في الدلالة على وجود الفعل. وكذا النهي مثل: «لا تنكح المرأة على عمّتها وخالتها ». *
* أقول: قد اشتمل هذا البحث على مسائل ثلاث:

الأُولى: [ في أنّ دلالة الصيغة على الطلب بالوضع ]

في أنّ دلالة صيغة الأمر على الطلب يكفي في تحقّقها الوضع من غير افتقار إلى إرادة أُخرى. وهو قول الكعبي، وخالف في ذلك أبو علي وأبو هاشم الجبّائيّان وزعما أنّه لابدّ مع ذلك الوضع من إرادة أُخرى.
واختار المصنف ـ طاب ثراه ـ الأوّل.1
واحتجّ عليه بأنّ هذه الصيغة موضوعة لمعنى هو الطلب، فلا يفتقر في دلالتها عليه إلى إرادة كسائر الألفاظ الموضوعة لمعانيها. مثل دلالة كلّ من لفظي الإنسان والفرس على معناهما.

1. راجع: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/389.

صفحه 310
احتجّ الجبّائيّان بأنّا نميّز بين الصيغة إذا كانت أمراً وبينها إذا كانت تهديداً و لا مميز بينهما إلاّ الإرادة فبدونها لا تتحقّق دلالة الصيغة على الطلب.
في إقامة كلّ من لفظتي الأمر والنهي مقام الخبر وبالعكس   
والجواب: أنّ الصيغة إنّما تفتقر في دلالتها على الطلب إلى أمر آخر غير الوضع من إرادة أو غيرها لو كانت حقيقة في غيره كالتهديد وغيره، أمّا إذا كانت حقيقة في الطلب خاصة مجازاً في غيره، كانت مفيدة للطلب عند إطلاقها مجردة عن القرائن كغيرها من الألفاظ الموضوعة لمعانيها المتّحدة. ولو سلّم كون الصيغة مشتركة بين الأمر والتهديد وأنّها تفتقر في دلالتها على الأمر إلى قرينة زائدة على الوضع لم يجز كون تلك القرينة عبارة عن الإرادة، بل يجب كونها غيرها، لأنّ الإرادة أمر باطني خفي لا يطّلع عليه السامع فلا يفيده تمييزاً أصلاً. والحقّ أنّ التهديد إنّما يفهم من الصيغة عند اقترانها بما يدلّ عليه أمّا عند تجرّدها عن القرائن فلا يفهم منها إلاّ طلب الفعل .

المسألة الثانية:[ تأثير إرادة المأمور به في صيرورة الصيغة أمراً ]

ذهب أبو علي وابنه إلى أنّ إرادة المأمور به مؤثرة في صيرورة الصيغة أمراً وأنكره المحقّقون واستدل المصنّف ـ طاب ثراه ـ على بطلان مذهبهما بأنّ الصيغة موضوعة لتلك الإرادة ودالّة عليها كغيرها من الألفاظ الموضوعة لمعانيها، فلا تكون مفيدة لها صفة الأمرية قياساً على غيرها من المسمّيات مع أسمائها.

صفحه 311
وفيه نظر منشؤه ضعف القياس والحق أن يقال: إن أراد مدّعي تأثير الإرادة في كون الصيغة أمراً أنّها مؤثّرة في وضع الواضع إيّاها بإزاء الأمر كان ظاهر الاستحالة، وإن أراد أنّ الصيغة الشخصية المجردة عن تلك الإرادة ليست أمراً حقيقة فهو حق، بل يكون اللافظ حينئذ مستعملاً لها في غير موضوعها كاستعماله إيّاها في الخبر وغيره، وقد اعترف المصنّف ـ طاب ثراه ـ بذلك حيث قال: إنّ أمر السيد عبده لتمهيد عذره ليس أمراً حقيقة، بل هو صورة الأمر وذلك لعدم إرادته المأمور به.
وفخرالدين اعترف هاهنا بأنّ صيغة افعل التي هي عبارة عن الأمر موضوعة للإرادة1، وقد أبى ذلك من قبل وزعم أنّها موضوعة للطلب المغاير للإرادة.(2)

المسألة الثالثة: في إقامة كلّ من لفظتي الأمر والنهي مقام الخبر وبالعكس

اعلم أنّك قد عرفت فيما تقدّم أنّ اللفظتين إذا تشابه معناهما أو كان بينهما علاقة معتبرة في اللغة، جاز إطلاق كلّ منهما على معنى الآخر; ولمّا كان الخبر مشابهاً للأمر من حيث دلالته على الفعل المأمور به وطلب تحصيله ومشاركة الخبر إيّاه في ذلك، صحّ أن يطلق كلّ من اللفظين على معنى الآخر، وقد وقع ذلك في الكتاب العزيز والسنّة المقدّسة.
أمّا إطلاق لفظ الخبر على الأمر، فكقوله تعالى:(والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ

1. المحصول:1/194.   2 . المحصول:1/191.

صفحه 312
بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثةَ قُرُوء)1،وكقوله: (وَالوَالِداتُ يُرْضِعْنَ أولاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ)(2) والمراد أمرهنّ بذلك.
وأمّا عكسه فلقوله (صلى الله عليه وآله وسلم):«إذا لم تستح فاصنع ما شئت »2 أي صنعت ما شئت.
وكذا الكلام في النهي فإنّ الخبر يشاركه في مدلوله، فإنّ قول القائل:«اطلب منك ترك القيام » دال على ما يدلّ عليه قوله: «لا تقم » فصحّ إطلاق لفظ كلّ منهما على الآخر.
فإطلاق لفظ الخبر وإرادة النهي كثير كقوله تعالى: (لا يَمَسُّهُ إلاّ المُطَهَّرُونَ).3
وقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): «لا تنكح المرأة على عمّتها ولا على خالتها ».4وقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لا تنكح اليتيمة حتى تستأمر »5، معناه لا تنكح إلى غاية الاستيمار.6

1. البقرة:228.   2 . البقرة:233.
2. صحيح البخاري:7/100، كتاب الأدب، باب إذا لم تستح فاصنع ما شئت; سنن أبي داود:2/436 برقم 4797، باب الحياء; مسند أحمد:5/273; مستدرك الوسائل:8/464 برقم 10021، باب استحباب الحياء; مصباح الشريعة:189.
3. الواقعة:79.
4. مسند أحمد:1/78 و 372 و ج2/179 و 189 و 207; صحيح البخاري:6/128، كتاب النكاح; صحيح مسلم:4/136، باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها; سنن ابن ماجة:1/621، باب لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها; سنن أبي داود:1/458برقم 2065; الكافي:5/425 ح2; من لا يحضره الفقيه:3/411برقم 4436...
5. سنن الدار قطني:3/162; فتح الباري:9/169.
6. راجع البحث في: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/399; المحصول:1/200.

صفحه 313
قال قدس الله روحه:

الفصل الثاني:

في مدلول الصيغة

وفيه مباحث: الأوّل: في أنّ الأمر للوجوب صيغة افعل تستعمل في معان متعددة، كالإيجاب والندب والإرشاد والتهديد والإهانة والدعاء. وهي حقيقة في الأوّل. وقيل: هي مشتركة بين الأوّل والثاني. وقيل للقدر المشترك. لنا: قوله تعالى (ما منعك ألاّ تسجد إذ أمرتك)ذمّه على ترك السجود عقيب الأمر، ولولا أنّه للوجوب لما استحق الذم بمجرد الترك وقوله تعالى: (وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون)ذمّهم على الامتناع عقيب الأمر. وقوله تعالى:(فليحذر الذين يخالفون عن أمره) أمر مخالف الأمر بالحذر. ولولا العقاب لما حسن التحذير. ولأنّ تارك المأمور به عاص، والعاصي يستحق العقاب. ولقوله(صلى الله عليه وآله وسلم):«لولا أن أشق على أُمّتي لأمرتهم بالسواك » نفى الأمر مع ثبوت الندبية، ونفى الأمر وأثبت الشفاعة المندوب قبولها في خبر بُريرَة. ولحسن ذمّ العبد على الترك. ولأنّ حمله على الوجوب احتراز عن الضرر المظنون. *
* أقول: لمّا ذكر أنّ لفظة الأمر حقيقة في القول الدالّ على طلب

صفحه 314
الفعل، شرع في ذكر مدلول ذلك القول مفصّلاً.
واعلم أنّ صيغة افعل تستعمل في خمسة عشر معنى على سبيل البدل:
الأوّل: الإيجاب، كقوله تعالى:(أقِمِ الصلاةَ).1
الثاني: الندب، كقوله تعالى: (فَكاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً)(2).
الثالث: الإرشاد، كقوله تعالى:(وَأَشْهِدُوا إذا تَبَايَعْتُمْ)(3). وهذه الثلاثة تشترك في طلب تحصيل المصلحة، إلاّ أنّ المصلحة في الأوّلين أُخروية وفي الثالث دنيوية، إذ الثواب لا ينقص ولا يزداد بالإشهاد ولا بعدمه .
الرابع: التهديد، كقوله تعالى: (اعْمَلُوا ما شِئْتُم).2
الخامس: الإهانة، كقوله تعالى:(ذُقْ إنَّكَ أنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيم)(5).
السادس: الدعاء، مثل (رَبِّ اغْفِرْ لِي).(6)
السابع:الإباحة، كقوله تعالى:(وإذا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا).3
الثامن: الامتنان، كقوله تعالى:(كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ).(8)
في مدلول الصيغة   
التاسع: الإكرام، كقوله تعالى:(ادْخُلُوها بِسَلام آمِنِين).(9)
العاشر:التسخير، كقوله تعالى: (كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئينَ).4
الحادي عشر:التعجيز (فَأْتُوا بِسُورَة مِنْ مِثْلِهِ).(11)
الثاني عشر:التسوية (فَاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا).(12)

1. الإسراء:78; لقمان:17.   2 . النور:33.   3 . البقرة:282.
2. فصلت:40.   5 . الدخان:49.   6 . الأعراف:151; نوح:28.
3. المائدة:2.   8 . الأنعام:142.   9 . الحجر:46.
4. البقرة:65.   11. البقرة:23.   12 . الطور:16.

صفحه 315
الثالث عشر: التمنّي:
ألا يا أيّهاالليل الطويل ألا انجلي *** بصبح وما الإصباح منك بأمثل1
الرابع عشر: الاحتقار، مثل: (ألْقُوا ما أنْتُمْ مُلْقُون).2
الخامس عشر: التكوين (كُنْ فَيَكُون).(3)
والمصنف ـ طاب ثراه ـ اقتصر على ذكر الستة الأُولى.3 والاتّفاق واقع على أنّ هذه الصيغة ليست حقيقة في جميع هذه المعاني، لأنّ كثيراً منها كالتعجيز والتحقير والإهانة والتسوية لا يفهم من مجرد الصيغة، بل إنّما يفهم منها عند اقترانها بقرائن دالّة على خصوصياتها. وإنّما الخلاف فيما هي حقيقة فيه من هذه المعاني فذهب الشافعي وأكثر الفقهاء وجماعة من المتكلّمين، كأبي علي الجبائي في أحد قوليه، وأبي الحسين البصري، وفخر الدين الرازي إلى أنّها حقيقة في الأوّل ـ أعني: الوجوب ـ وهو اختيار المصنّف ـ طاب ثراه ـ هنا.4

1. هذا البيت من معلّقة امرؤ القيس المشهورة، وفيها خمسة أبيات في وصف الليل. خزانة الأدب:3/236. وهو امرؤ القيس بن حجر بن الحارث الكندي من بني آكل المرار، أشهر شعراء العرب على الإطلاق، يماني الأصل مولده بنجد نحو 130ق هـ ، أو بمخلاف السكاسك باليمن، اشتهر بلقبه واختلف المؤرّخون في اسمه، فقيل: حندج، وقيل: مليكة، وقيل: عدي، وكان أبوه ملك أسد وغطفان، وأُمّه أخت المهلهل الشاعر، فلقّنه المهلهل الشعر، فقاله وهو غلام، توفّي بأنقرة في طريقه إلى فلسطين سنة 80 قبل الهجرة بسبب قروح ظهرت في جسمه. الأعلام:2/11.
2. الشعراء:43.   3 . يس:82.
3. ذكر العلاّمة الوجوه الخمسة عشر جميعاً في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/373.
4. المعتمد في أُصول الفقه:1/51; المحصول:1/204. وإليه ذهب الشيخ المفيد في التذكرة:30، والشيخ الطوسي في عدة الأُصول:1/170، والشيرازي في التبصرة:26، والجويني في البرهان:1/162ـ 163. وهو مذهب الأشعرية والظاهرية ومشايخ العراق أصحاب أبي حنيفة كالكرخي والجصاص. راجع الإحكام لابن حزم:3/269.

صفحه 316
وقال في «النهاية »: إنّها موضوعة لغة للطلب المطلق الشامل للوجوب والندب ومن حيث الشرع للوجوب.1
وذهب جماعة من المتكلّمين والفقهاء إلى أنّها حقيقة في الندب، وهو منقول عن الشافعي أيضاً، وعن أبي هاشم.2
وزعم بعضهم أنّها حقيقة في الإيجاب دون الوجوب.
وفرّق بينهما بأنّ الإيجاب دلالة الأمر على أنّ الآمر أوجب الفعل المأمور به، والوجوب دلالة الأمر على أنّ المأمور به له صفة الوجوب، وهذا الفرق يتمّ على رأي المعتزلة دون الأشاعرة.
وقال السيد المرتضى(رحمه الله): إنّها مشتركة بين الوجوب والندب من حيث اللغة، والعرف الشرعي خصصها بالوجوب.3
وقال آخرون: إنّها مشتركة بينهما مطلقاً.
وقال آخرون: إنّها حقيقة في القدر المشترك بينهما وهو ترجيح الفعل مطلقاً.

1. نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/402.
2. المحصول:1/204، الإحكام:1/291; المعتمد:1/69. وقد نفى الشيرازي في شرحه على اللمع(1/206) هذه النسبة عن بعض المعتزلة ولكن صريح كلام أبي الحسين البصري في المعتمد يفيد اعتماد جماعة من المعتزلة هذا الرأي.
3. الذريعة:66. وهو مختار الأشعري، والقاضي أبي بكر الباقلاني في التقريب والإرشاد الصغير:2/27 و 35، والغزالي في المستصفى:2/70، والآمدي في الإحكام:2/292.

صفحه 317
وقال قوم: إنّها مشتركة بين الوجوب والندب والإباحة والتحريم والتنزيه.
وزعم آخرون أنّها مشتركة بين الثلاثة الأُول، وبعضهم جعلها موضوعة لأقل المراتب وهي الإباحة.
والحق انّها حقيقة في طلب الفعل دون غيره بدليل أنّا عند سماع هذه الصيغة مجردة عن القرائن نفهم منها طلب الفعل دون ما سواه ولو لم يكن حقيقة فيه خاصّة لما كان كذلك، إذ كونها حقيقة في غيره خاصة يوجب فهم ذلك الغير، وكونها حقيقة في غيره وفيه على سبيل البدل يوجب تردد الذهن بينهما، وانتفاء هذين اللازمين دليل على انتفاء ملزومهما وتحقّق المدعى.1
وتوقّف الأشعري والقاضي أبو بكر والغزالي في ذلك.2
واحتجّ المصنّف ـ طاب ثراه ـ على أنّها للوجوب بوجوه ثمانية: أربعة من الكتاب العزيز، واثنان من السنّة، واثنان من طريق العقل.
الأوّل: قوله تعالى مخاطباً لإبليس لعنه الله:(ما مَنَعَكَ ألاّ تَسْجُدَ إذْ أَمَرْتُكَ)3،وليس المراد الاستفهام لاستحالته على الله تعالى، فتعيّن الذم والتوبيخ.

1. راجع الأقوال في: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/400ـ402; المحصول:1/204ـ205; الإحكام في أُصول الأحكام:1/291ـ292; التبصرة:26ـ27; عدة الأُصول:1/170ـ 172، وغيرها.
2. ليس المقصـود مـن الـوقف هـو الامتناع عـن اتخاذ المـوقف العملي تجاه صيغة الأمر مطلقاً، بل المقصود ما قاله الغزالي في المستصفى:2/72: لسنـا نقـول: التوقّف مذهب، لكنّهم أطلقوا هذه الصيغة للندب مرة وللوجوب أُخرى، ولم يوقفونا على أنّه موضوع لأحدهما دون الثاني، فسبيلنا أن لا ننسب إليهم ما لم يصرّحوا به، وأن نتوقّف عن التقوّل والاختراع عليهم.
3. الأعراف:12.

صفحه 318
ولو لم يكن الأمر للوجوب لما ذمّ إبليس بمجرد تركه السجود المأمور به، وكان له أن يقول: إنّك لم توجبه عليّ.
وفيه نظر، فإنّه إن دلّ فإنّما يدلّ على أنّ الأمر للوجوب، ولا يدلّ على أنّ صيغة افعل للوجوب الذي هو المطلوب.
واعترض أيضاً باحتمال كون الأمر في تلك اللغة مفيداً للوجوب، ولا يلزم من ذلك كونه في لغتنا أو شريعتنا كذلك.
وأُجيب بأنّ الظاهر يقتضي ترتّب الذمّ على مخالفة الأمر، فتخصيصه بأمر خاص خلاف الظاهر.
وفيه نظر أيضاً، لأنّه لو كان مفيداً في تلك اللغة دون لغتنا لزم النقل المخالف للأصل.
الثاني: قوله تعالى: (وإذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ)1 ذمّهم الله تعالى تركهم ما قيل لهم افعلوه، ولولا كون قوله افعلوه للوجوب، لما حسن ذمّهم على تركه.
وفيه نظر، لاحتمال ذمّهم على تركهم الركوع لأجل أمره إيّاهم به تحقيقاً لمخالفته وممانعته.
واعترض أيضاً بالمنع من كون الذم على الترك، بل إنّما ذمّهم على عدم اعتقادهم حقّيّة الأمر، ويدلّ على ذلك قوله تعالى عقيبه: (وَيْلٌ يَوْمَئِذ لِلْمُكَذِّبِين).2
وأيضاً فالأمر قد يفيد الوجوب عند اقترانه بما يدلّ على إرادته، فلِمَ لا

1. المرسلات:48.
2. المرسلات:49.

صفحه 319
يجوز أن يكون قد اقترن بذلك الأمر قرينة دالّة على الوجوب؟
وأُجيب عن الأوّل: بأنّ المكذبين إمّا أن يكونوا هم الذين لم يركعوا عقيب أمرهم به، أو غيرهم. فإن كان الأوّل جاز أن يستحقّوا الذم بترك الركوع والويل بسبب التكذيب، فإنّ الكفّار عندنا معذّبون على تركهم العبادات كما يعذّبون على تركهم الإيمان. وإن كانوا غيرهم لم يكن إثبات الويل لقوم بسبب تكذيبهم منافياً لذمّ قوم بتركهم ما أمروا به.
وعن الثاني: أنّ الذمّ مرتّب على تركهم الركوع عقيب الأمر به مطلقاً، فكان ذلك الترك سبباً للذمّ من غير اعتبار القرينة.
الثالث: قوله تعالى:(فَلْيَحْذَرِ الذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ أن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أو يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أليمٌ )1، أمر الله تعالى مخالف الأمر بالحذر عن العذاب، وتارك المأمور به مخالف للأمر بدليل أنّ المخالفة ضد الموافقة، وموافقة الأمر العمل بمقتضاه فيضادها ترك العمل بمقتضاه، والأمر بالحذر عن العذاب إنّما يحسن عند قيام مقتضيه. فثبت أنّ تارك المأمور به قد وجد في حقّه ما يقتضي نزول العذاب به، وترتّب هذا الحكم على هذا الوصف مؤذن بكونه علّة له، ولا نعني بكون الأمر للوجوب إلاّ هذا.
وفيه نظر، فإنّا لا نسلّم أنّ تارك المأمور به مخالف للأمر، بل المخالف للأمر هو التارك لأجل الأمر على سبيل الممانعة والمشاقة، وذلك لا يدلّ على كون الأمر للوجوب، بل يدلّ على تحريم مخالفة الأمر بهذا المعنى.
واعترض أيضاً بالمنع من كون تارك المأمور به مخالفاً للأمر، ولا

1. النور:63.

صفحه 320
نسلّم كون موافقته الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه مطلقاً، بل على الوجه الذي اقتضاه، فإنّه لو أتى به المكلّف على وجه الندب وكان المراد إتيانه به على وجه الوجوب أو بالعكس لم يكن موافقاً للأمر به بل مخالفاً .فإذن المخالفة عبارة عن الإتيان بالمأمور به على غير الوجه الذي اقتضاه الأمر له أو يقول: إنّ موافقة الأمر عبارة عن اعتقاد حقيّته، فالمخالفة إذن عبارة عن عدم اعتقاد حقّيته.
سلّمنـا، لكن لا نسلّم أنّ مخالفة الأمر موجبة للعقاب ونمنع دلالة الآية على أمر مخالفي الأمر بالحذر، بل هي دالّة على الحذر عن مخالفي الأمر.
سلّمنا، لكن الآية إنّما دلّت على أنّ مخالف الأمر مأمور بالحذر لا على وجوب الحذر، نعم يدل على ذلك بتقدير كون الأمر للوجوب لكنّه نفس المتنازع .
فإن قلت: حسن الحذر كاف لأنّه إنّما يحسن عند قيام المقتضي لنزول العذاب.
قلت: لا نسلّم، بل يحسن عند احتمال نزول العذاب أيضاً، وهذا الاحتمال قائم، لأنّ هذه المسألة اجتهادية لا قطعية.
سلّمنا، لكن ذلك يدلّ على كون أمر ما للوجوب فلِمَ قلتم: إنّ كلّ أمر كذلك. وأيضاً فالهاء في أمره يحتمل عودها إلى الله تعالى وإلى رسوله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وحينئذ لا يدلّ على أنّ أمر أحدهما على التعيين للوجوب.
والجواب: أنّ العبد إذا امتثل أمر سيّده حسن لغة وعرفاً أن يقال: هذا العبد موافق لأمر سيده، ولو لم يمتثل أمره قيل إنّه ما وافق أمره بل خالفه.

صفحه 321
وقوله: الموافقة عبارة عن الإتيان بمقتضى الأمر على الوجه الذي اقتضاه.
قلنا: نسلّم لكن لا نسلّم انحصار مخالفة الأمر في الإتيان بالمأمور به على غير الوجه الذي اقتضاه الأمر، بل يدّعى أنّ مخالفة الأمر عبارة عن عدم الإتيان بمقتضاه على الوجه الذي اقتضاه، وذلك شامل للمخالفة بالتفسيرين.
وأمّا قوله:«موافقة الأمر عبارة عن اعتقاد حقيّته » فليس بشيء، لأنّ ذلك لا يكون موافقة للأمر، بل للدليل الدالّ على كونه حقّاً، إذ موافقة الشيء عبارة عن تقرير مقتضاه ومقتضى الدليل كون الأمر حقّاً.
وأمّا منع دلالة الآية على أمر مخالفي الأمر بالحذر ودعوى دلالتها على الحذر عن مخالفي الأمر، فيبطلهما عدم تعيّن المأمور بالحذر.
فإن قيل: المأمور بالحذر هو مَن تقدّم ذكرهم، وهم الذين يتسلّلون منكم لواذاً.
قلنا: المتسلّلون هم المخالفون عن أمره، فكيف يأمرهم بالحذر عن أنفسهم؟! وعلى تقدير تسليمه يبقى قوله:(أنْ تُصيبَهُمْ فِتْنَةٌ أوْ يُصيبَهُمْ عَذابٌ أليم) ضائعاً، لأنّ يحذر لا يتعدّى إلى مفعولين.
قوله: الآية إنّما دلّت على الأمر بالحذر لا على وجوبه.
قلنا: لا ندّعي وجوب الحذر الآن، ولكنّه لا أقل من أن يدلّ على جوازه، وذلك كاف في غرضنا، إذ جواز الحذر مشروط بوجود ما يقتضي وقوعه، لأنّه لو لم يوجد المقتضي لوقوعه لكان الحذر عنه حذراً عمّا لم

صفحه 322
يوجد ولم يوجد المقتضي لوقوعه، وذلك سفه وعبث، فيمتنع ورود الأمر به.
قوله: إنّما تدلّ الآية على كون أمر ما للوجوب فلِمَ قلتم: إنّ كلّ أمر كذلك؟
قلنا: الأمر المذكور للعموم بدليل صحّة الاستثناء منه بأن يقال:(فليحذر الذين يخالفون عن أمره) إلاّ الأمر الفلاني، ولأنّه تعالى رتّب العقاب على مخالفة الأمر، وترتّب الحكم على الوصف مشعر بكون الوصف علّة لذلك الحكم، وحينئذ يتحقّق الحكم في جميع صور وجود الوصف.
وأمّا قوله: إنّه يدلّ على أنّ أمر أحدهما ـ يعني: الله ورسوله ـ في الجملة واجب، وذلك غير مستلزم لكون أمر أحدهما على التعيين للوجوب.
قلنا: إنّه لا قائل بالفرق.
الرابع: تارك ما أمر الله تعالى ورسوله به عاص، وكلّ عاص فهو مستحق للعقاب. ينتج أن تارك ما أمر الله ورسوله به مستحقّ للعقاب، ولا نعني بكون الأمر بالوجوب إلاّ هذا.
أمّا الصغرى، فلقوله تعالى: (لا يَعْصُونَ اللهَ مَا أمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)1، وقوله:(أفَعَصَيْتَ أمْري)2،وقوله: (وَلا أعْصِي لَكَ أمْراً)3

1. التحريم:6.
2. طه:93.
3. الكهف:69.

صفحه 323
والمراد بالعصيان هنا ترك المأمور به.
وأمّا الكبرى، فلقوله تعالى:(وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِداً فيها).1
واعترض بالمنع من المقدّمتين. أمّا الصغرى فلأنّ العصيان لو كان عبارة عن ترك المأمور به، لكان قوله تعالى:(ويفعلون ما يؤمرون) عقيب قوله: (لا يعصون الله ما أمرهم)تكراراً عارياً عن الفائدة، وذلك غير جائز على الحكيم.
بيان الملازمة: أنّ عدم العصيان على ذلك التقدير دليل على فعلهم ما أمروا به، فذكره بعد ذلك يكون تكراراً من غير فائدة. وأيضاً فالمستحب قد يكون مأموراً به مع كون تاركه غير عاص.
وأمّا الكبرى فيمتنع كلّيتها بل هي جزئية، إذ المراد بهم بعض العصاة بدليل تقييد عقابهم بالخلود وذلك مختصّ بالكفّار.
والجواب عن الأوّل: المنع من لزوم التكرار على ذلك التقدير، وإنّما يلزم لو كان زمان الفعلين واحداً، وظاهر أنّه ليس كذلك، فإنّ الأوّل ماض والثاني مستقبل، والمعنى والله أعلم: لا يعصون الله ما أمرهم به في الماضي ويفعلون ما يؤمرون به في المستقبل.
سلّمنا، لكن عدم عصيان الأمر يدلّ على الإتيان بالمأمور به التزاماً لا مطابقة، ودلالة قوله: (ويفعلون ما يؤمرون) مطابقة فلا تكرار لحصول التأكيد بإرداف إحدى الدلالتين بالأُخرى، وكون المندوب مأموراً به ليس حقيقة، بل مجازاً لكونه لازماً للوجوب والكبرى كلية، لأنّ «من » لفظ

1. الجن:23.

صفحه 324
موضوع للعموم على ما يأتي والأصل استعماله في موضوعه .
ونمنـع من كـون الخلود مختصّـاً بالكفّار، لأنّه قـد يـراد بـه الـزمـان المتطاول. ولأنّ الحكم مرتّب على العصيان فيتحقّق حيـث يتحقّـق.
الخامس: قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «لولا أن أشقّ على أُمّتي لأمرتهم بالسُّواك عند كلّ صلاة »1، نفى أمره إيّاهم بالسُّواك لاقتضائه المشقّة عليهم وإنّما يكون كذلك لو كان للوجوب، إذ لو كان للندب لم يكن عليهم حرج في تركه، فلم تتحقّق المشقة منه. ولأنّ الندبية ثابتة اتّفاقاً، فلو كان الأمر للندب لم يستلزم مشقة زائدة يمتنع لأجلها.
وفخر الدين استدلّ بهذا الخبر وبما بعده على كون المندوب غير مأمور به قال: لأنّ لفظة لولا مفيدة لامتناع الشيء لوجود غيره، فيكون هنا مفيداً امتناع الأمر بالسواك لوجود المشقّة والإجماع واقع على ندبيته، وإذا كان الأمر بالسواك غير متحقّق وندبيّته متحقّقة، لزم كون المندوب غيرمأمور به، فإذا انضم إلى ذلك كون الأمر موضوعاً لطلب الفعل تعيّن كونه للوجوب.2
وفيه نظر، فإنّ الخبرين إنّما دلاّ على أنّ بعض المندوب غير مأمور به،

1. صحيح البخاري:1/214، باب السواك يوم الجمعة، و ج2/234، كتاب الصوم، و ج8/131، كتاب الأحكام; صحيح مسلم:1/151، باب السواك; سنن ابن ماجة:1/105، باب السواك; سنن أبي داود:1/19، باب السواك; سنن الترمذي:1/18 و 19، باب ما جاء في السواك; سنن النسائي:1/12، باب السواك; مسند أحمد:1/80و 120; الكافي:3/22 ح1، باب السواك; بحارالأنوار:73/126 ح3، و ج77/340 و 341.
2. المحصول:1/218ـ219.

صفحه 325
لأنّ نتيجة الشكل الثالث لا تكون إلاّ جزئية. وحينئذ لا يتعيّن كون المأمور به واجباً لاحتمال كونه مندوباً، فإنّ قولنا:«بعض المندوب غير مأمور به » لا ينافي صدق قولنا:«كلّ مأمور به مندوب ».
السادس: خبر بريرة1 وهي أنّها عتقت تحت عبد وكرهته، فقال(عليه السلام)لها:«راجعيه » فقالت: تأمرني يا رسول الله؟ فقال: «لا إنّما أنا شافع » فقالت: لا حاجة لي فيه.2
فقد نفى(عليه السلام) الأمر وأثبت الشفاعة الدالّة على الندبية، وذلك دليل على أنّ المندوب غير مأمور به، فتعيّن كون المأمور به واجباً لما تقدّم من بطلان كونه موضوعاً لغير طلب الفعل.
ولأنّها علّلت بأنّه لو كان ذلك القول أمراً لكان واجباً وأقرّها النبي عليه، فكان الأمر للوجوب.
وفيهما نظر: أمّا الأوّل، فلما عرفت من أنّ ثبوت الندبية وانتفاء الأمر لا يدلّ على عدم كون المأمور به مندوباً.
وأمّا الثاني، فلأنّا لا نسلّم أنّها علّلت بأنّه لو كان أمراً لكان واجباً مع أنّه يحتمل أن يكون مرادها من أمره(عليه السلام) إلزامه.
السابع: أنّ العبد إذا لم يفعل ما أمره به سيده ذمّه العقلاء، وعلّلوا ذمّه بمخالفة أمره سيده، وذلك دليل على حسن ذم تارك المأمور به، وهو معنى كون الأمر للوجوب.

1. بريرة مولاة عائشة بنت أبي بكر فأعتقتها، صحابية، قيل: كانت مولاة لقوم من الأنصار، وقيل لآل عتبة بن أبي إسرائيل، وقيل لبني هلال. الإصابة:8/50برقم 10934.
2. سنن أبي داود:1/497برقم 2231; سنن الدارمي:2/170; مسند أحمد:1/215.

صفحه 326
الثامن: حمل الأمر على الوجوب يفيد القطع بعدم مخالفة أمر الشارع، وحمله على الندب يقتضي الشك فيه، ومتى كان كذلك تعيّن حمل الأمر على الوجوب.
   
أمّا الأوّل، فلأنّ المأمور به إن كان واجباً كان حمله على الوجوب موجباً للقطع بعدم الإقدام على مخالفة الأمر; وإن كان مندوباً كان حمله على الوجوب مقتضياً للسعي في تحصيله بأبلغ الوجوه فلم تتحقّق مخالفة الأمر على التقديرين، وأمّا حمله على الندب فلا يحصل معه القطع بعدم مخالفة الأمر إلاّ على تقدير كونه مندوباً، وأمّا بتقدير كونه واجباً فتتحقّق مخالفة الأمر.
وأمّا الثاني فكقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ».1
ولأنّه إذا تعارض طريقان أحدهما آمن والآخر مخوف، تعيّن سلوك الآمن، وذلك من مقتضيات العقول.
ولأنّ في مخالفة الأمر ضرراً مظنوناً فيجب دفعه، وإنّما يتحقّق بحمل الأمر على الوجوب لما مرّ.
وفيه نظر، فإنّه لا يدلّ على المطلوب من كون الصيغة موضوعة للوجوب دون الندب، لأنّ ما ذكره بعينه وارد على تقدير كون الصيغة مشتركة بين الوجوب والندب، بل وعلى تقدير كونها موضوعة للقدر المشترك بينهما أو حقيقة في الندب مجازاً في الوجوب.2

1. مسند أحمد:3/112و 153; مستدرك الحاكم:1/51 و ج2/13; مجمع الزوائد:1/238 و ج5/56.
2. ذكر العلاّمة وجوهاً أُخرى في نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/402ـ430، فراجع. وراجع أيضاً المحصول:1/204ـ236; والإحكام:1/291ـ 298.

صفحه 327
قال قدس الله روحه: احتجّوا باستعماله في الوجوب والندب، والأصل عدم الاشتراك والمجاز، فيكون حقيقة في القدر المشترك.
والجواب: المجاز قد يصار إليه للدليل وقد بيّناه. *

* [ في أدلّة المنكرين للوجوب والجواب عنها ]

أقول: لمّا فرغ من ذكر الأدلّة على مطلوبه أشار إلى ما احتجّ به الخصم القائل بأنّ الأمر حقيقة في القدر المشترك بين الوجوب والندب، وهو مطلق طلب الفعل مع جوابه. وتقرير الدليل أن يقال: الأمر يستعمل تارة في الوجوب، وتارة في الندب، ومتى كان كذلك كان حقيقة في القدر المشترك بينهما.
أمّا الأوّل: فلما تقدّم من قوله تعالى:(أقِمِ الصَّلاةَ)1، وقوله:(فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً).2
وأمّا الثاني: فلأنّه لولاه لكان إمّا حقيقة في كلّ واحد منهما بخصوصيته، أو حقيقة في أحدهما مجازاً في الآخر. والأوّل ملزوم للاشتراك والثاني للمجاز، وهما على خلاف الأصل على ما تقدّم، فتعيّن المطلوب.
والجـواب: أنّ المجـاز وإن كـان مخـالفاً للأصل فإنّـه يجب القـول به للدليل الـدال عليه، وقد بيّنّا جملة من الأدلّة الدالّة على كون الأمر حقيقة فـي الـوجـوب بخصـوصيتـه، وذلك يـوجـب كـونه مجازاً فيما عداه ممّا

1. الإسراء:78.
2. النور:33.

صفحه 328
قال قدس الله روحه: تذنيب: الأمر الوارد عقيب الحظر للوجوب، لوجود المقتضي وانتفاء ما يصلح للمانعية، وهو الانتقال من الحظر، لتساوي الأحكام في التضاد. وقوله تعالى: (وإذا حللتم فاصطادوا)معارض بمثل (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين). *
استعمل فيه، كالندب وكالقدر المشترك بينهما، وإلاّ لزم الاشتراك المخالف للأصل المرجوح بالنسبة إلى المجاز عند التعارض.
وأيضاً فالمجاز لازم على تقدير عدم الاشتراك، سواء قلنا بوضعه للقدر المشترك بينهما، أو للوجوب وحده، إذ على تقدير كونه للقدر المشترك يكون استعماله في كلّ واحد بخصوصيته على سبيل المجاز، لأنّه لم يوضع له اللفظ ولاحتياجه في دلالة اللفظ عليه إلى قرينة، وحينئذ يكون احتمال كونه مجازاً في أحدهما دون الآخر أرجح من كونه موضوعاً للقدر المشترك لكونه ملزوماً لكثرة المجاز.

* [ في الأمر الوارد عقيب الحظر والاستئذان ]

أقول: القائلون بأنّ الأمر للوجوب اختلفوا في الأمر الوارد عقيب الحظر أو الاستيذان، فقال بعضهم: إنّه للوجوب كالأمر المبتدأ، وهو اختيار المصنّف ـ طاب ثراه ـ 1، وقال آخرون: إنّه للإباحة.2

1. نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/432. وإليه ذهب الشريف المرتضى في الذريعة:79، والشيخ الطوسي في عدة الأُصول:1/183، وأبو إسحاق الشيرازي في التبصرة:38، والرازي في المحصول:1/236، والمعتزلة كما في الإحكام:2/315، وابن السمعاني والقاضي أبو الطيب كما في المعتمد:1/75 وروضة الناظر:174.
2. وهو مختار الشيخ المفيد في التذكرة:30، والشافعي ومن تابعه، ومالك وأصحابه، وأحمد. راجع المعتمد:1/75، وروضة الناظر:174، والتبصرة:38.

صفحه 329
احتجّ الأوّلون بأنّ المقتضي للوجوب متحقّق، وما يدّعى كونه معارضاً لا يصلح للمعارضة، فتعيّن القول بالوجوب.
أمّا الأوّل، فلأنّ المقتضي للوجوب هو الأمر على ما تقدّم، وهو متحقّق.
وأمّا عدم صلاحية ما يُدّعى معارضته للمعارضة وهو تقدّم الحظر المضادّ له فلكون الأحكام كلّها متضادة، وكما لا يمتنع الانتقال من الحظر إلى الإباحة، كذلك لا يمتنع الانتقال منه إلى الوجوب، والعلم بجواز ذلك ضروري.
وأيضاً فقول السيد لعبده: «اخرج من الحبس إلى المكتب » يفيد الوجوب، وأمر الحائض والنفساء بالصوم بعد الحظر يفيد الوجوب اتّفاقاً.
وفيه نظر، للمنع من تحقّق المقتضي، فإنّا لا نسلّم أنّ الأمر مطلقاً للوجوب، بل الأمر المبتدأ وتساوي الأحكام في التضاد ممنوع، فإنّ الوجوب، إنّما يضاده الحظر، أمّا غيره فليس ضداً له وإن استحال اجتماعه معه. وإفادة أمر العبد الوجوب للقرينة، والحائض والنفساء مأمورتان بالصوم عند زوال المانع، فالوجوب مستفاد من الأمر السابق لا من أمر آخر.
واحتجّ الخصم بأنّ الأمر عقيب الحظر لو كان للوجوب لكان قوله تعالى:(وَإذا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا)1،(فَإذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله)2، مفيـداً لـوجـوب الصيـد والوطء. والتالي باطل اتفاقاً، فكذا المقدّم

1. المائدة:2.
2. البقرة:222.

صفحه 330
قال قدس الله روحه: البحث الثاني: الحق أنّ الأمر يدلّ على طلب الماهية من غير شعور بوحدة ولا تكرار، لاستعماله فيهما والاشتراك والمجاز خلاف الأصل، ولاستلزام كون كلّ عبادة ناسخة لما تقدّمها، ولقبوله القيدين فيقال:افعل مرة ودائماً من غير تكرار ولا نقض.احتجّوا بأنّ النهي يقتضي التكرار فكذا الأمر. والجواب: المنع من الصغرى، وبالفرق فإنّ الانتهاء دائماً ممكن بخلاف الفعل.
احتجّ السيد المرتضى(رحمه الله) على الاشتراك بحسن الاستفهام والاستعمال وهما غير دالّين على مطلوبه على ما سيأتي. *
والملازمة بيّنة.
وأجاب المصنّف ـ طاب ثراه ـ عنه بأنّ ذلك معارض بقوله تعالى:(فَإذا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ)1،فإنّه يفيد الوجوب اتّفاقاً مع كونه عقيب الحظر، وهذا أرجح ممّا ذكروه، لأنّ تخلّف الأثر عن المقتضي لمانع أمر معقول جائز غير قادح في كونه مقتضياً ووجود الأثر بغير مقتضيه محال في بداهة العقول .
ويجاب عمّا ذكروه أيضاً بأنّ عدم إفادة الآيتين المذكورتين للوجوب مستفاد من القرينة لا من مجرد كونه عقيب الحظر.

* [ الأمر المطلق لا يقتضي التكرار ]

أقول: اختلف الأُصوليون في الأمر المجرد عن القرائن: فقال أبو إسحاق الاسفراييني وجماعة من الفقهاء والمتكلمين:إنّه يقتضي التكرار

1. التوبة:5.

صفحه 331
المستوعب لمدة العمر مع الإمكان.1
وقال آخرون: إنّه لا يقتضي وحدة ولاتكراراً من حيث المفهوم، إلاّ أنّ ذلك المطلوب وهو تحصيل الماهية لمّا حصل بالمرة الواحدة اكتفى بها. وهذا هو مذهب المحقّقين كالسيّد المرتضى2، وأبي الحسين البصري3، وفخر الدين الرازي4، واختاره المصنّف ـ طاب ثراه ـ.5
وقال قوم: إنّه يقتضي المرة الواحدة لفظاً.6
وتوقّف الباقون إمّا لادّعائهم الاشتراك بين المرة والتكرار، أو لعدم العلم بأنّه حقيقة في الوحدة أو التكرار.7
واحتجّ المصنّف ـ طاب ثراه ـ على ما اختاره بوجوه ثلاثة:
أوّلها: أنّ الأمر قد استعمل في كلّ واحد من قسمي الوحدة والتكرار شرعاً وعرفاً، ومتى كان كذلك كان حقيقة في القدر المشترك بينهما.
أمّا الأوّل فظاهر، إذ الأمر بالحج والعمرة للوحدة، والأمر بالصلاة والصيام للتكرار. وقول السيّد لعبده:«اشتر اللحم » يفيد الوحدة، وقوله

1. وهو مختار القاضي أبي بكر الباقلاني وأبي حاتم الرازي كما في شرح اللمع:1/219.
2. الذريعة إلى أُصول الشريعة:98.
3. المعتمد:1/98ـ99.
4. المحصول:1/237.
5. نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/435. وهو مختار الغزالي في المستصفى:2/82، وأبي إسحاق الشيرازي في التبصرة:42، والآمدي في الإحكام:2/298.
6. وهو مختار أكثر المتكلّمين والفقهاء، وهو المحكي عن أبي الحسن الكرخي، والظاهر من قول الشافعي. ومن أصحابنا الإمامية فقد ذهب إليه المفيد في التذكرة:30، وتبعه الشيخ الطوسى في العدة:1/200.
7. وإليه ميل إمام الحرمين والواقفية. راجع الإحكام:2/298.

صفحه 332
له:«احفظ دابتي » يفيد التكرار، بدليل أنّ العقلاء يذمّونه لو كرّر شراء اللحم أو حفظ الدابة لحظة وأرسلها.
وأمّا الثاني فلأنّه لو لم يكن حقيقة في القدر المشترك بينهما لكان إمّا حقيقة في كلّ منهما بخصوصيته، أو في أحدهما مجازاً وفي الآخر حقيقة. والقسمان باطلان للزوم الاشتراك على التقدير الأوّل والمجاز على التقدير الثاني، وهما على خلاف الأصل، فتعيّن المطلوب وهو كونه حقيقة في القدر المشترك. وحينئذ لا يدلّ بمجرّده على وحدة ولا تكرار، لأنّ القدر المشترك أعمّ من كلّ واحد منهما، والعام لا يدلّ على الخاص.
الثاني: لو كان مفيداً للتكرار لكان الأمر بكلّ عبادة ناسخاً لما تقدّمها من العبادات مع المضادة. والتالي باطل اتّفاقاً، فالمقدّم مثله.
بيان الملازمة: أنّ التكرار يقتضي استيعاب الأوقات، فإنّه لا أولوية لبعضها بالفعل دون باقيها، لا من جهة اللفظ ولا من جهة المعنى، فتخصيصه بوقت دون غيره يكون ترجيحاً بلا مرجّح، وأنّه محال.
الثالث: أنّ الأمر يصحّ تقييده بالوحدة تارة وبالتكرار أُخرى من غير لزوم تكرار ولا نقض، ومتى كان كذلك لم يكن موضوعاً لأحدهما.
أمّا الأوّل فظاهر، فإنّه يصحّ أن يقول السيّد لعبده:«افعل الفعل الفلاني دائماً » ويصحّ أن يقول له:«افعله مرة واحدة » وليس في أحد هذين القولين تكرار ولا نقض.
وأمّا الثاني، فلأنّه لو كان موضوعاً لأحدهما لكان تقييده به تكراراً عارياً عن الفائدة، لإفادة أصل الأمر ما أفاده القيد، وتقييده بالآخر نقضاً

صفحه 333
لإفادة أصل الأمر ضدّ ما أفاده القيد. والتالي باطل بقسميه كما تقدّم، فكذا المقدّم.
وفي كلّ واحد من هذه الوجوه الثلاثة نظر.
أمّا الأوّل: فلأنّ المراد باستعمال اللفظ في كلّ من الوحدة والتكرار إن كان لخصوصيته، كان الاشتراك أو المجاز لازماً قطعاً، سواء كان اللفظ موضوعاً للقدر المشترك بينهما أو لم يكن.
أمّا على تقدير عدم وضعه له فلما ذكرتموه.
وأمّا على تقديره فلأنّ استعماله في كلّ واحد منهما بخصوصيته إن كان باعتبار وضعه له أيضاً ثبت الاشتراك، وإلاّ كان مجازاً، لأنّه موضوع لجزئه وهو ذلك المشترك لا له; ولأنّه يفتقر في إفادته إيّاه إلى قرينة، وذلك آية المجاز على تقدير انتفاء الاشتراك.
وإن كان أعم من كونه لخصوصيته أو لأمر صادق عليه فلا نسلّم لزوم المجاز أو الاشتراك على تقدير كونه موضوعاً لأحدهما دون الآخر، وإنّما يلزم ذلك إن لو لم يكن أحدهما ملزوماً للآخر، أمّا على هذا التقدير فلا، والحال هنا كذلك، لأنّ الوحدة لازمة للتكرار.
وأمّا الثاني: فعلى تقدير صحّته إنّما يدلّ على عدم اقتضائه التكرار، وذلك غير مستلزم لمطلوبه وهو كونه موضوعاً للقدر المشترك لاحتمال وضعه للوحدة.
وأمّا الثالث: فلا نسلّم لزوم التناقض أو التكرار بغير فائدة على تقدير التقييد بالوحدة أو التكرار، لاحتمال إرادة التأكيد ورفع احتمال التجوّز عند تقييده بمقتضاه، والتجوز عند تقييده بضده، كما في قوله تعالى:(تِلْكَ

صفحه 334
عَشَرَةٌ كامِلَة)1،وقول القائل: رأيت أسداً يرمي.
سلّمنا، لكن هذا إنّما يلزم على تقدير وضعه لأحدهما خاصة، أمّا إذا كان موضوعاً لكلّ منهما على سبيل الاشتراك فلا، لأنّ التقييد حينئذ يكون تعييناً لأحد معنيي اللفظ المشترك وتبيّناً لإرادته.
واحتج القائلون بالتكرار بأنّ الأمر والنهي اشتركا في الدلالة على الطلب، وإن كان المطلوب بالأمر الفعل وبالنهي الترك، إلاّ أنّ اقتضاء مطلق الطلب مشترك بينهما، ولمّا كان النهي يقتضي التكرار كان الأمر كذلك.
والجواب: منع الحكم في الأصل وهو اقتضاء النهي التكرار، وعبّر المصنف ـ طاب ثراه ـ عنه بالصغرى. ولئن سلّمناه منعنا الملازمة، لتحقّق الفرق بين الترك والفعل، فإنّ الانتهاء عن الفعل وهو الترك دائماً ممكن، والإتيان بالفعل دائماً غير ممكن. ونمنع أيضاً من عليه الوصف، أعني: الطلب المطلق للحكم.
واحتجّ القائلون بالاشتراك بأنّه يحسن استفهام الآمر بأن يقال له: أردت مرة أو التكرار؟ كما روي أنّ سراقة2 قال للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم): أحجّنا هذا لعامنا أو للأبد؟3 وذلك دليل على اشتراك الأمر بينهما، إذ لو كان موضوعاً

1. البقرة:196.
2. هو سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي الكناني، أبو سفيان، كان شاعراً، أسلم عام الفتح، كان ينزل قديداً، له في كتب الحديث 19 حديثاً، وكان في الجاهلية قائفاً، توفّي سنة 24هـ . الأعلام:3/80.
3. وردت هذه الرواية باختلاف في الألفاظ. راجع: مسند أحمد:3/320 و366 و 388، وج4/175; سنن أبي داود:1/402 برقم 1787 وص 426; سنن البيهقي:4/326 و 338; سنن النسائي:2/366 برقم 3788 و 3789; المعجم الكبير للطبراني:7/127; عوالي اللآلي:2/235 برقم1.

صفحه 335
لأحدهما أو لقدر مشترك بينهما، لتبادر إلى فهم السامع فلم يحتج إلى الاستفهام.
وبأنّه قد ورد استعمال الأمر في كلّ واحد من الوحدة والتكرار، والأصل في الاستعمال الحقيقة. والمصنّف ـ طاب ثراه ـ جعل هذا مذهباً للمرتضى(رحمه الله) هنا، وفي النهاية1 نقل أنّه ذهب إلى أنّ الأمر ليس موضوعاً لأحدهما، بل للقدر المشترك بينهما، كما ذكرناه أوّلاً.
والجواب: أنّا لا نسلّم أنّ الاستفهام إنّما يحسن على تقدير الاشتراك، إذ قد يحسن الاستفهام عن افراد المتواطي، فإنّ من قال لغيره:«اعتق عبدي » وله عبيد يحسن أن يقال له: أي عبيدك؟ بل قد يحسن الاستفهام لنفي احتمال التجوّز; كما لو قال:«قتلت أسداً » فيقال له: تعني الحيوان المفترس أو الرجل الشجاع؟
وعن الثاني: أنّ الاستعمال يشترك فيه الحقيقة والمجاز فلا يكون دالاًّ على أحدهما لعدم دلالة العام على الخاص، وكون الأصل في الاستعمال الحقيقة يعارضه أصالة عدم الاشتراك. وحينئذ يجب حمله على القدر المشترك.
وقول المصنّف ـ طاب ثراه ـ :«على ما سيأتي » يريد به ما سنذكره في أنّ للعموم صفة تخصّه.2

1. نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/435.
2. ذكر العلاّمة في نهايته وجوهاً أُخرى للموافقين والقائلين بالتكرار أو بالوحدة أو بالاشتراك وأجاب عن حججهم بالتفصيل. راجع نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/435ـ443.

صفحه 336
قال قدس الله روحه: البحث الثالث: الأمر المعلّق على شرط أو صفة لا يتكرر بتكررهما إلاّ مع العلّيّة، لحسن:«إذا دخلت السوق فاشتر اللحم » مع عدم إرادة التكرار، وكذا:«أعطه درهماً إن دخل الدار ». ولأنّ التعليق أعمّ منه بقيدي الوحدة والتكرار، ولا دلالة للعام على شيء من جزئياته، ومع العلّيّة يثبت العموم لوجوب وجود المعلول عند وجود العلّة.*

* [ في الأمر المعلّق بشرط أو صفة ]

أقول: لمّا بيّن أنّ الأمر المطلق لا يقتضي الوحدة ولا التكرار، شرع في بيان أنّ الأمر المعلّق على شرط أو صفة، كقوله تعالى:(وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا)1،وقوله: (والسارِقُ والسارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما)2،لا يقتضي تكرارهما بتكرّره.
واعلم أنّ الناس اختلفوا في ذلك فأطبق القائلون باقتضاء الأمر المطلق التكرار على القول بتكرار الأمر بتكرر الشرط أو الصفة.
وأمّا القائلون بعدمه فاختلفوا في ذلك: فذهب جماعة من الفقهاء والسيّد المرتضى(رحمه الله)3 إلى عدم تكرره بتكررهما مطلقاً.
وقال آخرون بتكرره مطلقاً.
وقال فخر الدين وجماعة من المتأخّرين: إنّه لا يفيد التكرار من

1. المائدة:6.
2. المائدة:38.
3. الذريعة:103.

صفحه 337
حيث اللفظ ويفيده من حيث الأمر بالعمل بالقياس.1
ويقرب من هذا اختيار المصنّف ـ طاب ثراه ـ وهو: أنّ الشرط والوصف إن لم يكن علّة للحكم لم يتكرر بتكرره وإلاّ تكرر.2
واحتجّ المصنّف ـ طاب ثراه ـ على الجزء الأوّل من مختاره وهو عدم إفادته التكرار على تقدير عدم العلّيّة بوجهين:
الأوّل: أنّ الأمر المعلّق على الشرط أو الصفة لا يفيد التكرار بتكررهما عرفاً، وكذا لغة وشرعاً.
أمّا الأوّل: فلأنّ من قال لغلامه: «إن دخلت السوق فاشتر اللحم »، أو: «اعط هذا درهماً إن دخل الدار » لم يحسن منه شراء اللحم كلّما دخل السوق، وإعطاء المذكور درهماً كلّما دخل الدار، ولو فعل ذلك لذمّه العقلاء ولاموه عليه، وذلك دليل على عدم إفادته التكرار.
وأمّا الثاني: فلأنّه لولاه لزم النقل وهو خلاف الأصل.
وفيه نظر، فإنّ ذلك مستفاد من القرينة، ولهذا لم يطّرد في غيره من الصور، فإنّ من قال لعبده: «إذا شبعت فاحمد الله، وإذا صمت فافطر على مباح » فهم منه التكرار.
الثاني: أنّ تعليق الحكم على الشرط أو الصفة قد يكون في جميع الصور، وقد يكون في بعضها. فمطلق التعليق أعمّ من كلّ واحد من القسمين، والعام لا يدلّ على شيء من جزئياته بشيء من الدلالات

1. المحصول:1/243.
2. نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/443. اعلم أنّ محلّ النزاع في هذه المسألة مبني على الحكم في المسألة السابقة، فمن قال بالتكرار لمجرّد الأمر قال به هنا، ومن قال: إنّه يفيد مرة واحدة قال به هنا أيضاً. فللاطّلاع على المزيد راجع ما ذكرناه في المسألة السابقة.

صفحه 338
الثلاث.
وفيه نظر، فإنّ انتفاء دلالة العام على شيء من جزئياته إنّما يكون عند تساوي نسبته إليها، أمّا مع كونه في أحدها أرجح فلا. ومدّعي التكرار يزعم أنّه موضوع اللفظ فيصرف العام إليه، ألاترى أنّ اللفظ الموضوع لمعنى يطلق تارة ويراد به حقيقته، وتارة يراد به مجازه، فإطلاقه مطلقاً أعم من كلّ واحد من القسمين مع وجوب حمله على الحقيقة.
وأمّا على الجزء الثاني وهو إفادته التكرار على تقدير كون الشرط أو الوصف علّة للحكم، فلأنّ العلّة تستصحب معلولها في جميع صور وجودها وإلاّ لم تكن علّة، وهذا حق إن كان المراد بالعلّة العلّة التامة.
وأمّا القائلون بإفادته التكرار من جهة القياس دون اللفظ فاحتجّوا على الجزء الثاني بما تقدّم.
وعلى الأوّل بأنّ ترتّب الحكم على الشرط أو الوصف يشعر بكون ذلك الشرط أو الوصف علّة لذلك الحكم، وإذا كان علّة تحقّق الحكم حيث تحقّق. أمّا الثاني فظاهر. وأمّا الأوّل فلأنّ مَن قال: «إن كان هذا عالماً فاقتله ونكّل به، وإن كان جاهلاً فأكرمه وأحسن إليه » ذمّه العقلاء واستقبحوا منه ذلك، وكذا إذا قال: «استخف بالعلماء وعظّم الجهّال »، فهذا الاستقباح إمّا أن يكون من حيث جعل العلم علّة للقتل والتنكيل والاستخفاف والجهل علّة للإكرام والإحسان والتعظيم، وإمّا أن يكون بسبب كون العلم ينافي الاستخفاف والجهل ينافي التعظيم. والتـالي باطل فإنّه لا امتناع في استحقاق العالم القتل والاستخفاف بسبب ارتداد أو زنا أو غير ذلك من الأُمور المبيحة لذلك، واستحقـاق الجاهـل الإكـرام

صفحه 339
قال قدس الله روحه: البحث الرابع: الحق أنّ الأمر لا يفيد الفور ولا التراخي، لاستعماله فيهما، والمجاز والاشتراك على خلاف الأصل، فيكون موضوعاً للقدر المشترك بينهما، ولقبوله التقييد بكلّ منهما من غير تكرار ولا نقض. ولأنّ المراد من الأمر إدخال المصدر في الوجود، وهو شامل للقيدين كالخبر. *
والتعظيم لسخائه وشجاعته ولا يجوز استناد الاستقباح إلى وصف آخر، لأنّ الحكم به يتحقّق مع الذهول عن سائر الأوصاف، بل ومع فرض عدمها فتعيّن الأوّل. وحينئذ يتكرر الحكم بتكرره ضرورة وجود المعلول في جميع صور وجود علّته.
وفيه نظر، لاحتمال كون الاستقباح من حيث جعل العلم شرطاً للعقوبات المذكورة، وجعل الجهل شرطاً لضدها والشرط غير ملزوم للمشروط وجوداً.

* [ في أنّ الأمر هل يقتضي الفور أو التراخي؟ ]

أقول: اختلف الناس هنا فقالت الحنفية والحنابلة والذاهبون إلى أنّ مطلق الأمرمفيد للتكرار: إنّ الأمر يفيد الفور.1

1. وهو مختار الشيخ المفيد في التذكرة:30، والشيخ الطوسي في عدة الأُصول:1/227. وهو المحكي عن أبي الحسن الكرخي الحنفي وأبي بكر الصيرفي ومالك، وعليه جمهور المالكيين عدا المغاربة، وهو مختار الحنابلة وعامة أهل الحديث والظاهرية وبعض الحنفية ولكن الظاهر من كتب الأحناف كأُصول السرخسي:1/26 وغيرها أنّهم على ما اختاره الجمهور ـ أي علي التراخي ـ وقد نسب الشيرازي في التبصرة:53 هذا القول إلى الحنفية وتابعه عليها جمهور الأُصوليين من بعده. راجع نفائس الأُصول للقرافي:2/183، وشرح اللمع للشيرازي:1/234، والإحكام لابن حزم:3/307.

صفحه 340
وقال الجبائيان وأبو الحسين البصري والقاضي أبو بكر وجماعة من الشافعية والأشعرية: إنّه يفيد التراخي بمعنى جواز تأخّر الفعل عن أوّل أوقات الإمكان لا وجوبه. 1
وقالت الواقفية باشتراكه بينهما. واتّفق المتأخّرون على أنّه يدلّ على الطلب المطلق المشترك بين الفور والتراخي ولا دلالة له على أحدهما إلاّ من خارج. وهو اختيار المصنّف ـ طاب ثراه ـ واختاره فخر الدين ومتابعوه.2
واحتجّوا على ذلك بوجوه ذكر المصنّف منها ثلاثة:
الأوّل: أنّ الأمر قد استعمل تارة في الفور وأُخرى في التراخي، كما في الحجّ عندنا فإنّه واجب على الفور، والنذر المطلق والكفّارات وقضاء الواجبات فإنّها واجبة على التراخي بالمعنى المذكور، فتعيّن كونه حقيقة

1. المعتمد:1/111; التقريب والإرشاد:2/208. وهو مختار الشيرازي في التبصرة:52، والغزالي في المستصفى:2/88، والآمدي في الإحكام:2/306، والسرخسي في أُصوله:1/26، وابن حزم في الإحكام:3/307. وبه قال ابن الحاجب، ونقله ابن السبكي عن ابن أبي هريرة وأبي بكر القفال وابن خيران وأبي علي الطبري وأبي حامد الاسفراييني وابن السمعاني. وهو مذهب كثير من الفقهاء والمتكلّمين وأعيان المعتزلة كالقاضي عبد الجبار والجبائيّان وجماعة من الشافعية والأشاعرة. راجع عدة الأُصول:1/225ـ226، ونهاية السول:2/35.
2. نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/451; المحصول:1/247. وقد ذهب إلى الوقف السيد المرتضى في الذريعة:119، والغزالي في المنخول:180، والجويني وأبو منصور الماتريدي كما في العدة:1/225. ثمّ إنّ الواقفة على قسمين: قسم ذهب إلى أنّ مَن بادر في أوّل الوقف عدّ ممتثلاً، والقسم الثاني ذهب إلى أنّه حتى لو بادر لا يقطع بكونه ممتثلاً.

صفحه 341
في القدر المشترك بينهما لما عرفت، وحينئذ لا تتحقّق دلالته على أحدهما لعدم دلالة العام على الخاص.
الثاني: أنّه يصحّ تقييده بكلّ منهما من غير نقض ولا تكرار، فإنّه يحسن أن يقول السيد لعبده: افعل الفعل الفلاني في الحال، ويحسن أن يقول له: افعله غداً أو متى شئت. ومن المعلوم أنّ كلّ واحد من هذين القولين غير مشتمل على نقض ولا تكرار، وذلك يوجب كونه موضوعاً للقدر المشترك بينهما كما تقدّم.
الثالث: قال أهل اللغة لا فرق بين قولنا: يفعل أو افعل، إلاّ أنّ الأوّل خبر والثاني أمر، وذلك يوجب تساويهما في جميع ما عدا ذلك، ولمّا كان مدلول الخبر إدخال الماهية في الوجود الشامل لكلّ من الفور والتراخي كان الأمر كذلك.
وفي كلّ واحد من هذه الوجوه نظر. أمّا الأوّل والثاني فلما تقدّم. وأمّا الثالث، فلأنّ المراد بالفارق إن كان كلّ واحد من ماهية الأمر والخبر مع خواصه لم يلزم مساواته للخبر في عدم الدلالة على الفور، وإنّما يكون كذلك إن لو لم يكن ذلك من خواص الأمر وهو ممنوع، إذ هو المتنازع، وإن كان لا مع خواصه بل مجرد ماهيته لزم مساواة الخبر للأمر في لوازمهما معاً فيكون الخبر للوجوب والأمر محتمل للصدق والكذب وهو باطل اتفاقاً.

صفحه 342
قال قدس الله روحه: احتجّوا بذم إبليس على ترك السجود في الحال وبقوله تعالى:(وَسارِعُوا إلى مَغْفِرَة مِنْ رَبِّكُمْ)، (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ)، ولأنّ التأخير إن كان إلى غاية معيّنة غير مبيّنة أو غير معيّنة لزم تكليف ما لا يطاق، وإن جاز دائماً خرج الواجب عن كونه واجباً، وإن كان إلى غاية معينة مبيّنة وجب معرفة البيان والجواب: أنّ إبليس استحقّ الذم بتركه لا بعزم الفعل، ولأنّ الأمر هنا للفور، لقوله تعالى:(فقعوا له ساجدين)والمسارعة إلى المغفرة مجاز، إذ المراد ما يقتضيها، وليست الآية دالّة على الفورية، ولو دلّت لاستفيد الفور من خارج، والتأخير يجوز إلى غاية يغلب معها الظن بالتلف عقيب الفعل، كما لو قال: افعل أيّ وقت شئت، وكقضاء الواجب والنذر المطلق. *

* [ أدلّة القائلين بالفور ]

أقول: احتجّ القائلون باقتضاء الأمر الفور بوجوه:
الأوّل: أنّ الله تعالى ذمّ إبليس ـ لعنه الله ـ على تركه السجود عقيب الأمر به بقوله جلّ من قائل:(ما مَنَعَكَ ألاّ تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ)1، ولو لم يكن الأمر للفور لم يتوجّه عليه الذم، وكان له أن يقول:إنّك لم توجبه علىّ في الحال.
الثاني: قوله تعالى:(وَسارِعُوا إلَى مَغْفِرَة مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّة عَرْضُها السَّمواتُ وَالأرْضُ)2،والمراد به سبب ذلك وهو امتثال الأمر; وقوله

1. الأعراف:12.
2. آل عمران:133.

صفحه 343
تعالى:(فاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ)1،وامتثال الأمر من الخيرات فكانت المسارعة إلى المأمور به والمسابقة إليه واجبة، وذلك عبارة عن الفورية.
الثالث: لو جاز التأخير لكان إمّا إلى غاية، أو لا إلى غاية، والقسمان باطلان، فالقول بجواز التأخير باطل.
أمّاالأوّل فلأنّ تلك الغاية إمّا أن تكون معيّنة، أو غير معيّنة.
فإن كان الأوّل وجب كونها عند حصول ظن المكلّف بأنّه لو لم يشتغل بالفعل المأمور به لفاته، إذ الإجماع منعقد على انتفاء غاية معلومة غيرها، لكن الظن إن لم يكن لأمارة موجبة له لم يعتد به وجرى ذلك مجرى الظنون السوداوية، وإن كان لأمارة فليست إلاّ لمرض أو علو السن، إذ لا قائل بغيرهما; لكن ذلك باطل، لأنّ كثيراً من الناس من يموت فجأة من غير كبر سن و لا مرض، وهو يقتضي كونه غير مكلّف بالفعل في نفس الأمر مع أنّ ظاهر الأمر الوجوب على كلّ مكلّف.
وإن لم تكن الغاية معينة أو كانت معينة غير معلومة، لزم تكليف ما لا يطاق ، لأنّه يكون مكلّفاً بتحريم التأخير عن وقت معين في نفسه غير معلوم له، أو عن وقت غير معيّن أصلاً وهو غير معلوم له أيضاً، ولا شك في كونه غير مقدور له.
وأمّا الثاني وهو جواز التأخير لا إلى غاية فإنّه يخرج الواجب عن كونه واجباً، إذ ما يجوز تركه دائماً لا يكون واجباً على ما تقدّم.

1. المائدة:48.

صفحه 344
والجواب عن الأوّل: المنع من كون الذم على مجرد الترك في الحال، بل عليه مقترناً بالعزم على عدم الامتثال في ثانيه وإبائه واستكباره، بدليل قوله تعالى:(أَبى وَاسْتَكْبَرَ)1،ولتجبّره على آدم(عليه السلام)وافتخاره عليه بقوله: (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نار وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِين)2.ولأنّ أمر إبليس بالسجود كان مقترناً بما يدلّ على الفور، لقوله تعالى:(فَإذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فيهِ مِنْ رُوحي فَقَعُوا لَهُ ساجِدين)3، والفاء للتعقيب على ما تقدّم.
وعن الثاني: أنّ المراد بالمغفرة ليس حقيقتها لكونها من فعل الله تعالى، بل المراد سببها المقتضي لها، وليس في الآية ما يدلّ على أنّه امتثال الأمر على سبيل الفور، وقد حمله بعضهم على التوبة. فإذن ليس فيها دلالة على أنّ الأمر يفيد الفور، ولو دلّت على وجوب الإتيان بالمأمور به على الفور لكان مستفاداً من خارج لا من مجرد الأمر، وليس ذلك محل النزاع.
وعن الثالث: أنّ التأخير يجوز إلى غاية هي وقت غلبة الظن بالفوات لولم يفعل فيه، وما ذكرتموه على هذا القسم معارض بما إذا صرّح وقال:«افعل أي وقت شئت »، وبما وقع الاتّفاق على وجوبه مع جواز تأخيره كقضاء الواجب والنذور المطلقة والكفّارات وسائر الواجبات الموسّعة، فما هو جوابكم عن ذلك فهو جوابنا.

1. البقرة:34.
2. الأعراف:12.
3. الحجر:29.

صفحه 345
قال قدس الله روحه: البحث الخامس: الأمر المعلّق بكلمة إن عدم عند عدم الشرط، لأنّه ليس علّة في وجوده ولا مستلزماً له، فلو لم يستلزم العدم العدم لخرج عن كونه شرطاً، وإلاّ جاز أن يكون كلّ شيء شرطاً لكلّ شيء، ولأنّ يعلى بن أُمية سئل عن سبب القصر مع الأمن وأقره النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «والله لأزيدن على السبعين » عقيب (إن تستغفر لهم سبعين مرة). *

* [ في أنّ الأمر المعلّق بشرط عدم عند عدمه ]

أقول: اختلف الأُصوليّون في أنّ الأمر المعلّق على شيء بكلمة إن هل يجب عدمه عند عدم ذلك الشيء أم لا؟
فذهب القاضيان وأبو عبد الله البصري إلى أنّه لا يجب.1
وذهب أبو الحسين البصري وابن سريج2 وجماعة من الشافعية وأبو الحسن الكرخي3 إلى الوجوب، وهو اختيار فخر الدين الرازي وأتباعه والمصنف ـ طاب ثراه ـ . 4

1. التقريب والإرشاد:3/363; المعتمد:1/142. وإليه ذهب الآمدي في الإحكام:2/62.
2. وهو أبو العباس أحمد بن سريج البغدادي، فقيه الشافعية في عصره ومتكلّمهم، وكان يلقّب بالباز الأشهب، ولي القضاء بشيراز، له تصانيف كثيرة ومناظرات مع محمد بن داود الظاهرى. ولد في بغداد سنة 249، وتوفّي بها سنة 306هـ . الأعلام:1/185; تذكرة الحفاظ:2/689; سير أعلام النبلاء:14/172.
3. هو أبو الحسن عبد الله بن الحسين الكرخي، فقيه حنفي، ولد في بغداد جانب الكرخ سنة 260هـ. وتوفّي بها سنة 340هـ . له رسالة في الأُصول عليها مدار فروع الحنفية، وشرح الجامع الصغير، وشرح الجامع الكبير. الأعلام:4/193.
4. المعتمد:1/142; المحصول:1/253; نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/461.

صفحه 346
واحتجّوا عليه بوجوه:
الأوّل: أنّ الشيء المقترن به حرف «إن » شرط لما علّق عليه، ومتى كان كذلك وجب عدم ذلك المعلّق عند عدمه.
أمّا الأوّل فلاتّفاق النحاة على تسمية «إن » حرف شرط، ويعنون بذلك أنّ ما يقترن به شرط للجزاء المعلّق عليه، والأصل في الاستعمال الحقيقة. ولأنّه لو لم يكن في اللغة كذلك لزم النقل المخالف للأصل.
وأمّا الثاني، فلأنّ شرط الشيء ما ينتفي ذلك الشيء عند انتفائه، لاتّفاق الفقهاء على تسمية الوضوء شرطاً لصحّة الصلاة والحول شرطاً لوجوب الزكاة، ويعنون بذلك انتفاء الصلاة عند انتفاء الوضوء وانتفاء الزكاة عند انتفاء الحول.
والأصل في الاستعمال الحقيقة، ولعدم استلزام الشرط وجود مشروطه وتأثيره فيه وحينئذ لو لم يستلزم عدمه عدم مشروطه خرج عن كونه شرطاً له، إذ لو كان شرطاً له مع انتفاء التلازم بينهما وجوداً وعدماً لكان كلّ شيء شرطاً لكلّ شيء، وهو باطل اتّفاقاً.
وفيه نظر، فإنّ لفظ الشرط قد استعمل في العلاقة وفي العلّة، بل وفي جميع ما يقترن به حرفه وهو «إنْ »، حتى أنّ أكثر المستدلّين بهذا الدليل كفخر الدين وأتباعه ادّعوا أن حرف الشرط يدلّ على علّية ما اقترن به للحكم1 المعلق عليه.
ولأنّ المتبادر إلى الفهم إنّما هو لزوم المعلّق لما علّق عليه وجوداً لا عدماً، ولهذا حكم بأنّ استثناء نقيض تالي الشرطية منتج لنقيض مقدّمها،

1. في «أ »: الحكم.

صفحه 347
واستثناء نقيض مقدّمها غيرمنتج شيئاً.
وحينئذ نقول: لو كان الشرط حقيقة فيما ينتفي الحكم المعلّق عليه بانتفائه بخصوصيته لزم الاشتراك إن كان حقيقة في هذه المعاني أيضاً أو في شيء منها، والمجاز إن لم يكن وهماً خلاف الأصل، فتعيّن كونه موضوعاً للقدرالمشترك بينهما، وهو اللازم لما علّق عليه في وجوده أو عدمه، وعلى هذا لا يلزم من عدم ما علّق عليه عدمه، لاحتمال كونه لازماً له وجوداً لا عدماً.
وقوله: «لو كان شرطاً له مع عدم التلازم بينهما وجوداً وعدماً لكان كلّ شيء شرطاً لكلّ شيء » ممنوع، فإنّه لا يلزم من مشاركة غير الشرط له في عدم الملازمة وجوداً وعدماً مشاركته له في كونه شرطاً، إذ المختلفات قد تشترك في اللوازم على أنّ ما ذكره مندرج فيه لزوم كون الشيء شرطاً لنفسه ولمعانده، وذلك ظاهر الفساد.
الثاني: أنّ يعلى بن أُمّية1 فهم من تعليق القصر على الخوف بكلمة «إن » عدم القصر عند عدم الخوف حيث سأل عمر بن الخطاب وقال له: ما بالنا نقصر وقد آمنا وقد قال تعالى:(وَإذا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُم)؟2 وفهم عمر أيضاً ذلك لقوله له: لقد عجبت ممّا عجبت منه، فسألت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) عن ذلك؟ فقال: «تلك

1. هو يعلى بن أُمية بن أبي عبيدة بن همام بن الحارث التميمي الحنظلي، ويقال له: يعلى بن منية وهي أُمّه وقيل:أُم أبيه، صحابي أسلم بعد الفتح، وكان والياً زمن الخلفاء الثلاثة وخرج مع عائشة في وقعة الجمل ثم شهد صفين مع علي ويقال: قتل بها، وقيل: إنّه مات سنة 47هـ ،له روايات عديدة في صحاح أهل السنّة. الإصابة:6/539; الأعلام:8/204.
2. النساء:101.

صفحه 348
صدقة تصدّق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته ».1 وفهم المذكورين لزوم عدم المعلّق لعدم المعلّق عليه وهما من أهل اللسان مع تقرير الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)إيّاهما على ذلك دليل ظاهر على المدّعى.
واعترض بالمنع من فهمهما ذلك والتعجب لم يكن من بقاء المعلّق عند عدم المعلّق عليه، بل من عدم تحقّق المقتضي وهو الإتمام عند تحقّق المقتضي، لأنّهما عقلا من الآيات الواردة في وجوب الصلاة وجوب الإتمام، وأنّ حالة الخوف مستثناة منها فبقي ماعداها ثابتاً على أصله وهو الإتمام.
ثم إنّ ذلك حجّـة عليكـم لا لكم، لأنّـه قـد تحقّق المشروط وهو القصر مع عدم شرطه وهو الخوف للإجماع على القصر في السفر مع الأمن .
وأُجيب عن الأوّل بالمنع من دلالة الآيات على وجوب الإتمام فإنّه قد روت عائشة أنّ كلاًّ من صلاة الحضر والسفر كانتا ركعتين فأُقرّت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر.
وفيه نظر، لأنّه لو كان كذلك لم يطلق على صلاة السفر أنّها مقصورة ولم يكن فعلها قصراً كما في صلاة الصبح، إذ المقصورة اسم لما جوّز الاقتصار عليه من الركعتين في الرباعية ولفظ القصر لنفس الاقتصار على تينك الركعتين، فإطلاق لفظ القصر في الآية دليل على سبق وجوب الإتمام.
وعن الثاني: أنّه إنّما يكون حجة علينا إن لو لم يكن القصر لدليل

1. صحيح مسلم:2/143، باب صلاة المسافر; سنن ابن ماجة:1/339برقم 1065; سنن أبي داود:1/269برقم 1199; عوالي اللآلي:2/61برقم 164.

صفحه 349
أقوى دلالة من عدم الشرط على1 عدم المشروط، أمّا إذا كان كذلك فلا.
وفيه نظر، لأنّه يلزم التعارض بين الدليلين وهو خلاف الأصل.
الثالث: قوله تعالى:(اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَومَ الْفاسِقينَ).(2) فقال النبي(صلى الله عليه وآله وسلم):«والله لأزيدنّ على السبعين ».2 وهذا يدل على أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)فهم أنّ عدم الشرط ـ أعني: الاقتصار على السبعين ـ مقتض لعدم المشروط ـ أعني: عدم الغفران ـ وهو المدّعى.
وأُجيب بالمنع من صحة الخبر، لأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يستغفر للكفّار وفاقاً. ولأنّه (صلى الله عليه وآله وسلم)أعرف الخلق بمعاني الكلام، وذكر السبعين جرى مبالغة في اليأس وقطع الطمع عن الغفران، كقول القائل: اشفع أو لا تشفع أن تشفع لهم سبعين مرة لم أقبل شفاعتك.
سلّمنا، لكن لا نسلّم أنّه فهم ما ذكرتم، إذ ليس في كلامه (صلى الله عليه وآله وسلم) ما يدلّ على أنّه يزيد على السبعين ليغفر لهم، ومن المحتمل أن يكون ذلك لاستمالة قلوب الأحياء منهم ولترغيبهم في الدين، أو لمصلحة رآها في ذلك.
وفيه نظر أيضاً، فإنّه(صلى الله عليه وآله وسلم) لم يفهم انتفاء المشروط لانتفاء شرطه، إذ لا يجب الغفران لهم على تقدير الزيادة على السبعين اتفاقاً، بل إنّما فهم جواز عدم المشروط عند عدم شرطه، وليس هو المدّعى ولا ملزومه.

1. في «م »: عند.   2 . التوبة: 80 .
2. الدر المنثور:3/264; تفسير الرازي:16/147. وقد جاءت الرواية بهذا المضمون مع اختلاف في الألفاظ في صحيح مسلم:7/116، كتاب فضائل الصحابة; سنن البيهقي:3/402. وقد استظهر الغزالي في المستصفى:2/201 عدم صحة الحديث، وقطع في المنخول:212 بكذبه. ولاحظ تعليق الشيخ الطوسي على الحديث في التبيان:5/268، والسيد الطباطبائي في الميزان:9/354.

صفحه 350
قال قدس الله روحه: احتجّوا بإمكان قيام غيره مقامه، وبقوله تعالى: (ولا تُكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصُّناً) فإنّه لا يقتضي إباحة الإكراه مع عدم إرادة التحصّن. والجواب: أنّ الشرط حينئذ أحدهما لا بعينه، لا ما فرض شرطاً، والآية تقتضي تحريم الإكراه مع إرادة التحصُّن، فينتفي التحريم عند عدم الإرادة، ولا يلزم من نفي التحريم الإباحة، فإنّ نفي التحريم قد يكون للإباحة وقد يكون لامتناع المنهي عنه عقلاً، وهو كذلك هنا، فإنّ مع إرادة البغاء الحاصلة من نفي إرادة التحصّن يمتنع الإكراه على البغاء. *
واعلم أنّ الوجه الثالث على تقدير صحّته إنّما يدلّ على أنّ الخبر المعلّق على الشرط عدم عند عدمه، والمصنّف ـ طاب ثراه ـ خصّص دعواه بالأمر فلم يكن هذا الوجه دالاًّ على مطلوبه.

* [ في أدلّة النافين والجواب عنها ]

أقول: هذه إشارة إلى حجّة الخصم مع الجواب عنها، وهي من وجهين:
أحدهما: أنّه يمكن أن يقوم مقام الشرط شيء آخر، وحينئذ لا يلزم من عدم الشرط مطلقاً عدم المشروط، لجواز وجود ذلك الشيء القائم مقام الشرط.
والثاني: المعارضة وتقريرها أن يقال: لو كان عدم الشرط موجباً لعدم الحكم المشروط به لزم إباحة إكراه الفتيات على البغاء عند عدم إرادتهن التحصّن. والتالي باطل اتّفاقاً، فالمقدّم مثله.

صفحه 351
بيان الملازمة: قوله تعالى:(ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى البِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً)الآية1، فإنّه تعالى شرط في تحريم إكراههنّ على البغاء إرادتهنّ للتحصّن، فإذا كان عدم الشرط موجباً لعدم مشروطه كان عدم إرادتهنّ التحصّن موجباً لعدم تحريم الإكراه على البغاء، وإذا لم يكن محرّماً كان مباحاً.
والجواب عن الأوّل: أنّ قيام غير الشرط مقامه يوجب كون الشرط أحد الأمرين ـ أعني: ما فرض شرطاً ـ و(2) القائم مقامه لا بعينه. وحينئذ لا يتحقّق عدم الشرط على تقدير عدم أحدهما ووجود الآخر، لأنّ الكلّي يتحقّق بتحقّق أحد جزئياته.
وعن الثاني: المنع من الملازمة، فإنّه لا يلزم من انتفاء تحريم الفعل إباحة ذلك الفعل، إذ قد يكون انتفاء التحريم لكون الفعل ممتنعاً، وهو هنا كذلك فإنّه على تقدير عدم إرادتهن التحصّن يردن البغاء فيمتنع إكراههنّ عليه، لأنّه عبارة عن حملهنّ على البغاء كرهاً، وهو غير ممكن بدون كراهتهنّ له، ولمانع أن يمنع الملازمة بين عدم إرادتهنّ التحصّن وإرادتهنّ البغاء، لجواز عدم تعلّق إرادتهنّ بشيء منهما كما في حالة الذهول عنهما.
وأيضاً لمّا خصّص المصنّف ـ طاب ثراه ـ الدعوى بالأمر المعلّق لم يرد عليه النقض بقوله تعالى: (ولا تكرهوا فتياتكم)، لأنّه نهي معلّق على الشرط، وكلامه في الأمر لا في النهي.

1. النور:33.   2 . في«م »: أو.

صفحه 352
قال قدس الله روحه: البحث السادس: الحق أنّ عدم الوصف لا يقتضي عدم الأمر المعلّق به، مثل: زكُّوا عن الغنم السائمة، لانتفاء الدلالات الثلاثة، أمّا المطابقة والتضمّن فظاهر، وأمّاالالتزام فلأنّ ثبوت المعلّق على الوصف يصدق مع ثبوته عند عدم الوصف ومع عدمه لا يستلزم العام الخاص. *

* [ في الأمر المقيّد بالصفة ]

أقول: اختلفوا في الخطاب الدال على حكم متعلّق باسم عام مقيد بصفة خاصة، كقوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «في الغنم السائمة زكاة »1 هل يدلّ على نفي ذلك الحكم عمّا عدا محل تلك الصفة منه كنفي الزكاة عن المعلوفة من الغنم هنا أم لا؟
فأثبته الشافعي، ومالك، وأحمد، والأشعري.(2)
ونفاه أبوحنيفة، وجماهير المعتزلة2، والقاضي أبو بكر(4)،
والقفال3، وابن سريج. وهو اختيار فخر الدين4، والمصنّف ـ طاب ثراه ـ .5

1. تهذيب الأحكام:1/234برقم 623.   2 . راجع التبصرة: 218.
2. المعتمد:1/150.   4 . التقريب والإرشاد:3/332.
3. هو محمد بن علي بن إسماعيل، أبو بكر الشاشي القفّال الكبير، من أكابر علماء عصره بالفقه والحديث واللغة، وعنه انتشر المذهب الشافعي في بلاده، رحل إلى العراق والحجاز والشام، له تصانيف منها: أُصول الفقه ـ ط، وشرح رسالة الشافعي. ولد بالشاش سنة 291هـ وتوفّي فيها سنة 365هـ . الأعلام:6/274.
4. المحصول:1/261.
5. نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/471. وهو مختار السيد المرتضى في الذريعة:286. وإليه ذهب القاضي أبو حامد المروزي، وأبو بكر الباقلاني، والقاضي عبد الجبار، والغزالي في المستصفى:2/197.

صفحه 353
واحتجّوا عليه بأنّه لو دلّ على نفي الحكم عمّا عدا محل الوصف لدل إمّا بالمطابقة أو التضمّن أو الالتزام. والتالي بأقسامه باطل، فالمقدّم مثله.
أمّا الملازمة فظاهرة، لما عرفت من انحصار الدلالة اللفظية في الأقسام الثلاث.
وأمّا بطلان الأوّل والثاني من أقسام التالي فظاهر أيضاً، لأنّ اللفظ الدال على ثبوت الحكم في محل الوصف ليس موضوعاً لنفيه عن غير محل ذلك الوصف، وإلاّ لكان اللفظ دالاًّ عليه بمنطوقه لا بمفهومه، وليس الكلام فيه ولا لمعنى مشتمل على جزء هو انتفاء الحكم عن غير محل الوصف.
وأمّا الثالث، فلأنّ شرط الدلالة الالتزامية اللزوم الذهني بين موضوع اللفظ والمعنى المدلول عليه بالالتزام، وهو مفقود هنا، لأنّ تصوّر ثبوت الزكاة في السائمة وانتفائها عن المعلوفة ليسا متلازمين في الذهن، لتصوّر كلّ منهما حال الذهول عن الآخر، ولتجويز العقل شمول وجوب الزكاة لهما وعدمه عنهما، كما لو قال: زكّوا عن كلّ الغنم، أو قال: لا زكاة في شيء من الغنم. ولأنّ ثبوت الحكم في محل الوصف يتحقّق تارة مع ثبوت الحكم في غير محلّه، وتارة مع عدم ثبوته فيه.
أمّا الأوّل فكقوله تعالى:(وَ لاَ تَقْتَلُوا أولادَكُمْ خَشْيَةَ إملاَق)1

1. الإسراء:31.

صفحه 354
قال قدس الله روحه: وقول أبي عبيد في قوله(عليه السلام):«لَيُّ الواجد يحل عقوبته وعرضه » إنّه يدلّ على أنّ لي غير الواجد لا يحل عقوبته ولا عرضه، مبني على اجتهاده لا أنّه نقل عن أهل اللغة وفائدة التخصيص إمّا الاهتمام بالذكر1، أو لسبق بيانه، أو لسبق خطوره في حقّ غير الله تعالى، أو لحاجة السامع، أو ليستدل السامع على المسكوت عنه به فيحصل له رتبة الاجتهاد، أو لأنّ بيان المسكوت عنه غير واجب، أو ليبيّنه بالنصوص، أو يحيله على الأصل، كما لو قال: لا زكاة في السائمة، وخصّ المنطوق للاشتباه فيه. *
وقوله:(وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ)2، فإنّ النهي عن القتل ثـابت مع انتفاء خشية الإملاق والجزاء ثابت مع القتل خطاء.
وأمّا الثاني فكالمثال المذكور، وهو قوله(صلى الله عليه وآله وسلم): «في الغنم السائمة زكاة »، وحينئذ يكون ثبوت الحكم في محل الوصف أعمّ منهما، والعام لا يستلزم الخاص، وإذا انتفت الدلالات الثلاث انتفت الدلالة اللفظية مطلقاً.
* أقول: لمّا ذكر الحجّة على مختاره أشار إلى ما احتجّ به الخصم ووجه الانفصال عنه وقد احتجوا بوجهين:
الأوّل: أنّ أبا عبيد القاسم بن سلام3 قال بدليل الخطاب حيث قال

1. في المطبوع:102: بالمذكور.
2. المائدة:95.
3. هو القاسم بن سلاّم الهروي الأزدي الخزاعي بالولاء، الخراساني البغدادي، أبو عبيد، ولد في هراة سنة 157هـ وتعلّم بها، ورحل إلى بغداد فولي القضاء بطرسوس ثماني عشرة سنة، ورحل إلى مصر سنة 213هـ. ، وحجّ وتوفّي بمكة سنة 224هـ. كان منقطعاً للأمير عبد الله بن طاهر، له مصنّفات منها: الأموال (مطبوع)، الأمثال(مطبوع)، الغريب المصنّف (مطبوع). الأعلام للزركلي:5/176.

صفحه 355
بدلالة قوله(عليه السلام): «لي الواجد يحلّ عقوبته وعرضه »1 على أنّ لي غير الواجد لا يحلّ عقوبته ولا عرضه، وبدلالة قوله(عليه السلام): «مطل الغني ظلم »2على أنّ مطل غير الغني ليس ظلماً. وقوله حجّة، لأنّه من أهل اللغة العارفين بمدلولات الألفاظ. والواجد: الغني، وليه: مطله، ومعنى إحلال عرضه: مطالبته وعقوبته: حبسه.
الثاني: أنّ الحكم لو لم يكن مختصاً بمحل الوصف لكان تخصيصه بالذكر دون غيره ترجيحاً من غير مرجّح. والتالي باطل اتفاقاً، فكذا المقدّم. وهذا الوجه لم يذكره المصنّف ـ طاب ثراه ـ صريحاً، بل أشار إليه بذكر جوابه.
والجواب عن الأوّل: أنّ أبا عبيد لم ينقل ذلك عن أهل اللغة وإنّما قال به بناء على اجتهاده، وليس فيما يقتضيه اجتهاده حجّة على غيره، ثم هو معارض بمذهب جماعة من أهل اللغة الذين نفوا القول بدليل الخطاب، كالأخفش3 وغيره; والمصنّف ـ طاب ثراه ـ لما خصّص دعواه بالأمر

1. صحيح البخاري:3/85، كتاب في الاستقراض وأداء الديون; سنن ابن ماجة:2/811 برقم 2427; سنن أبي داود:2/171 برقم 3628; سنن النسائي:7/316; مسند أحمد:4/222; أمالي الطوسي:520برقم 1146; عوالي اللآلي:4/72برقم 44; بحارالأنوار:100/146 ح4.
2. صحيح البخاري:3/55، كتاب الحوالات; صحيح مسلم:5/34، باب تحريم مطل الغني; سنن ابن ماجة:2/803 برقم2404; من لا يحضره الفقيه:4/380برقم 5819; عوالي اللآلي:4/72 برقم 45.
3. هو سعيد بن مسعدة المجاشعي بالولاء، البلخي ثم البصري، أبو الحسن المعروف بالأخفش الأوسط، نحوي عالم باللغة والأدب، أخذ العربية عن سيبويه، صنّف كتباً منها: تفسير معاني القرآن، معاني الشعر، القوافي، توفّي سنة 215هـ . الأعلام3/101.

صفحه 356
المعلّق على الصفة كما فعله فخر الدين، لم يرد عليه النقض بما ذكره أبو عبيد لكونه خبراً.
وعن الثاني: المنع من الملازمة فإنّ هنا أُموراً ظاهرة صالحة لإفادة التخصيص، وهي:
إمّا شدة الاهتمام ببيان حكم الوصف لتحقق حاجة السامع إلى بيانه، كأن يكون مالكاً للسائمة مثلاً دون غيرها.
أو لكونه مسؤولاً عنه دون غيره.
أو أنّه بين حكم غير محل الوصف من قبل.
أو لسبق خطور محل الوصف ببال المتكلم، وهذا آت في حقّ غيره تعالى أمّا في حقّه فلا، لاستحالة التجدّد في علمه تعالى.
أو ليستدل السامع به على حكم المسكوت عنه، إذ قد يكون ذكر حكم محل الوصف دليلاً على حكم غيره، كما في قوله تعالى: (ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق) فإنّه يدلّ على المنع من قتلهم عند عدم خشية الإملاق، وهي حالة الغنى بطريق الأولى.
أو أخّر بيان حكم غير محل الوصف، إمّا لكونه غير واجب، أو ليبيّن بنص آخر مختص به لكون دلالته عليه أقوى من دلالة اللفظ العامل الشامل له وللقسم الآخر، ولهذا كان الثاني محتملاً للتخصيص دون الأوّل.
أو بقياس عند مَن يقول بكونه دليلاً ليجتهد المكلّف في استخراجه بأن يستنبطه من التنصيص على المذكور عليه الوصف المشترك بينه وبين غيره المسكوت عنه، فيعطيه مثل حكمه، فيحصل ثواب المجتهدين.

صفحه 357
قال قدس الله روحه: تذنيب: إن كان الوصف علّة لزم من نفيه نفي الحكم تحقيقاً للعلّية، ولا يفيد التخصيص بالذكر التخصيص في الحكم في قوله تعالى:(ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق)، و لا في قوله تعالى:(وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا)، لأنّ التخصيص هنا للعادة، وأيضاً تخصيص الحكم بوصف في جنس لا يدلّ على نفيه عمّا زال عنه الوصف في غير ذلك الجنس. *
أو ليحيل حكم المسكوت عنه على الأصل ويبيّن حكم غيره لكونه محل الاشتباه، كما لو قال: لا زكاة في السائمة، فإنّها لمّا كانت خفيفة المؤونة كان احتمال وجوب الزكاة فيها أرجح.
* أقول: هذه فروع على ما تقدّم:

الأوّل: [ لو كان الوصف علّة ]

الوصف المعلّق عليه الحكم إن كان علّة لذلك الحكم، اقتضى عدمه عدم ذلك الحكم تحقيقاً للعلّية، فإنّ علّة الشيء ما يفيد وجوده بوجودها وعدمه بعدمها. ولأنّ الحكم لو كان ثابتاً حال عدم ذلك الوصف، لكان إمّا أن لا يستند إلى علّة أصلاً، وهو محال، إذ التقدير كونه معلولاً لذلك الوصف; أو يستند إلى علّة مغايرة لذلك الوصف، فلا يكون ذلك الوصف بخصوصيته علّة له، بل العلّة أحد الأمرين، أعني: الوصف أو العلّة المغايرة له، وقد فرض الوصف علّة له. هذا خلف.
وفيه نظر، فإنّ علل الشرع معرّفات وعلامات على الأحكام لا مؤثرات

صفحه 358
فيها، ولا يلزم من عدم علامة الحكم ومعرّفه عدمه.
سلمنا، لكن لا نسلّم انتفاء ذلك الوصف علّة لذلك الحكم في الجملة على تقدير استناده إلى علّة مغايرة له، فإنّ كون الزنا علّة لإباحة الذم لا يرفع كون الردة علّة لها، وكذا في العلل العقلية فإنّ كون الشمس علّة لتسخين الماء مثلاً لا يرفع كون النار علة له. نعم إذا أُخذ الحكم شخصياً استحال تعليله بشيئين على سبيل البدل إذا كانت العلّة بمعنى المؤثر وهو ظاهر.

الثاني:[  التقييد بالوصف يفيد نفي الحكم عن غير محله ]

القائلون بدليل الخطاب اعترفوا بأنّ التقييد بالوصف إنّما يفيد نفي الحكم عن غير محله إذا لم يظهر للتقييد سبب باعث عليه مغاير لذلك النفي، أمّا مع ظهور السبب الباعث المغاير للنفي فلا، كما في قوله تعالى:(ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق) فإنّ الباعث على ذكر القيد دفع ما يتوهّم من إباحة قتلهم عند خشية الإملاق لو اقتصر على قوله: (ولا تقتلوا أولادكم) وقوة الدلالة على تحريم قتلهم عند عدم خشية الإملاق. ويمكن أن يكون الباعث على التقييد منع العرب عما كانوا يعتادونه من قتل الأولاد عند خوف الفقر، ومع ظهور هذا الباعث يمتنع ظن كون التقييد لنفي الحكم عن المسكوت عنه.
وكما في قوله تعالى:(وَإنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ)1، فإنّ الباعث على التخصيص هو العادة، إذ الخلع لا يجري غالباً إلاّ عند

1. النساء:35.

صفحه 359
الشقاق، ومع ظهور هذا الاحتمال يمتنع حصول الظن بكون سببه نفي الحكم عمّا عداه.
وكمـا في قولـه تعالى:(وَرَبائِبُكُـمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائُكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنّ).1 وكذا لو كان التقييد لسؤال سائل كما لو قال:أفي سائمة الغنم زكاة؟ فقال(عليه السلام)مجيباً له: في سائمة الغنم زكاة. ففي هذه الصور وأمثالها يمتنع حصول الظن بكون التقييد لنفي الحكم عمّا عدا المقيد.

الثالث:[  تعليق الحكم على صفة في جنس ]

الحكم المعلّق على وصف في جنس هل يقتضي انتفاء ذلك الحكم عن غير محل الوصف في غير ذلك الجنس، كما في قوله(عليه السلام): «في سائمة الغنم زكاة »، فإنّه يقتضي عند القائلين بدليل الخطاب نفي الزكاة عن معلوفة الغنم؟ وهل يقتضي نفي الزكاة عن معلوفة البقر أو الإبل أم لا؟ قال به بعض فقهاء الشافعية وأنكره المحقّقون، وهو الحق.2
واستدلّ فخر الدين على ذلك بأنّ دليل الخطاب نقيض المنطوق، فلمّا تناول المنطوق سائمة الغنم كان نقيضه مقتضياً لمعلوفة الغنم دون غيرها.3
احتجّ الأوّلون بأنّ السوم يجري مجرى العلّة في وجوب الزكاة، لأنّه وصف مناسب للحكم المعلّق عليه، وذلك موجب لظن علّيته له، وحينئذ يلزم انتفاء وجوب الزكاة في جميع صور انتفاء السوم، لأنّ عدم العلة

1. النساء:23.
2. نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/482.
3. المحصول:1/268.

صفحه 360
قال قدس الله روحه: البحث السابع: الحكم المقيّد بالغاية يدلّ على مخالفة ما بعد الغاية له، فإنّ معنى صوموا إلى الليل: صوموا صوماً آخره الليل، فلو وجب بعدها لم يكن آخراً. أمّا مفهوم اللقب فليس حجّة عند الأكثر، وإلاّ لزم الكفر من قولنا: زيد موجود، و: عيسى رسول الله. ومفهوم الحصر حجّة، مثل: صديقي زيد، و:العالم بكر، وإلاّ لزم الإخبار بالأخصّ عن الأعم. وإذا كان العدد علّة لعدم الحكم كان الزائد عليه علّة، لاشتماله على العلّة. ولا يلزم من اتّصاف الناقص بأمر اتّصاف الزائد به، فإنّ وجوب ركعتي الصبح لا يقتضي وجوب الثلاثة، وإباحة الأربع لا يستلزم إباحة الزائد.
وإذا أُبيح عدد لزم إباحة الناقص إن وجب دخوله، كإباحة الخمسين عند إباحة جلد مائة، وإن لم يدخل لم يجب كالحكم بالشاهدين لا يستلزم الحكم بالشاهد الواحد، لأنّ الحكم بشهادة الواحد لا يدخل تحت الحكم بالشاهدين وإذا حرّم عدداً فقد يكون تحريم الأقل منه أولى، مثلاً تحريم استعمال نصف الكر النجس، فتحريم الأقل منه أولى، وقد لا يكون، فإنّ تحريم جلد الزاني أكثر من مائة لا يستلزم تحريم المائة. فظهر أنّ تعليق الحكم على عدد لا يقتضي نفيه عمّا عداه. *
مستلزم لعدم الحكم ظاهراً لأصالة اتحاد العلة .
والجواب: أنّ الوصف المذكور هو سوم الغنم لا مطلق السوم، فيكون حينئذ علّة في جنسه خاصة، لاستحالة ثبوت سوم الغنم لغيرها.
* أقول: قد اشتمل هذا البحث على مسائل:

صفحه 361

الأُولى:في تقييد الحكم بالغاية

كقوله تعالى:(ثُمَّ أَتِمُّوا الصِيامَ إلى اللَّيلِ)1، وقوله تعالى:(وَ لا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ )(2)، وقوله:(فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ)(3) هل يدل على نفي ذلك الحكم فيما بعد الغاية، أم لا؟
فذهب جماعة من الفقهاء والمتكلّمين كالقاضيين وأبي الحسين البصري2 إليه، واختاره فخر الدين الرازي(4)، والمصنّف(5) ـ طاب ثراه ـ
وهو الحقّ; خلافاً لأصحاب أبي حنيفة، وجماعة من الفقهاء.3
احتجّ الأوّلون بأنّ كلمتي: حتّى وإلى لانتهاء الغاية، وحينئذ يكون قوله:صوموا إلى الليل جارياً مجرى قوله: صوموا صوماً آخره ونهايته الليل، وذلك يمنع من وجوب الصوم في الليل، إذ لو كان الصوم ثابتاً بعد مجيء الليل لم يكن الليل آخراً ونهاية للصوم وقد فرض كذلك، هذا خلف.
احتجّ المخالف بأنّ تقييد الحكم بالغاية لو دلّ على نفي ذلك الحكم فيما بعد الغاية لدلّ إمّا بالمطابقة، أو التضمّن، أو الالتزام. والتالي بأقسامه باطل، فالمقدّم مثله.
أمّا الملازمة فبيّنة، لما عرفت من انحصار الدلالة اللفظية في الأقسام الثلاثة المذكورة.
وأمّا بطلان الأوّلين من أقسام التالي فظاهر، إذ انتفاء الحكم فيما بعد الغاية ليس موضوع اللفظ ولا جزءاً منه.

1. البقرة:187.   2 . البقرة:222.   3 . البقرة:230.
2. المعتمد:1/145.      4 . المحصول:1/425.   5 . نهاية الوصول إلى علم الأُصول:2/279.
3. راجع الإحكام:3/65.

صفحه 362
وأمّا بطلان الثالث فلما عرفت من اشتراط الدلالة الالتزامية بلزوم المعنى الالتزامي لموضوع اللفظ ذهناً، وهو مفقود هنا، فإنّ تصوّر وجوب الصيام إلى الليل قد ينفك عن تصوّر عدم وجوبه في الليل، ولإمكان شمول الوجوب لهما، فإنّه لا مانع من ورود خطاب فيما بعد الغاية بمثل الحكم السابق وفاقاً.
والجواب: المنع من عدم اللزوم، فإنّه لا يمكن تصوّر الصوم المقيد بكون آخره الليل منفكّاً عن تصوّر عدمه في الليل على ما تقدّم، وإمكان شمول الوجوب لهما بورود خطاب بعد الحكم المقيد بالغاية بمثله بعدها لا يدلّ على عدم اللزوم، بل يكون مثبتاً لعدم إرادة حقيقة الغاية من لفظها، ولو صرّح بأنّ المراد بلفظ الغاية حقيقتها كان ذلك نسخاً عند من يجوز النسخ في مثله لكونه رفع حكم شرعي، ومن لا يجوّزه يدّعي استحالة وقوع هذا المفروض، أو يقول: الحكم المستند إلى الخطاب الأوّل مغاير للحكم المستند إلى الخطاب الثاني، وإن ماثله فهو موجود حال عدم الأوّل.

المسألة الثانية: مفهوم اللقب ليس حجّة

والمراد به أنّ تعليق الحكم على الاسم لا يقتضي نفيه عمّا عداه، مثل الصلاة واجبة فإنّه لا يقتضي نفي الوجوب عن غير الصلاة. وهو اختيار جمهور الأُصوليّين من أصحابنا، والمعتزلة، والأشاعرة. وخالف في ذلك أبو بكر الدقاق من الأشاعرة، وأصحاب أحمد بن حنبل.1

1. راجع: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/467ـ468; المحصول:1/360; الإحكام:3/66.

صفحه 363
لنا: لو كان مفهوم اللقب حجّة لكان قولنا: «زيد موجود » و:«عيسى رسول الله » كفراً. والتالي باطل اتّفاقاً، فالمقدّم مثله.
والشرطية ظاهرة فإنّ قولنا: «زيد موجود » على ذلك التقدير يقتضي الإخبار بأنّ مَن عدا زيداً غير موجود، ويندرج في ذلك إضمار الله سبحانه والإخبار بكونه تعالى غير موجود كفر إجماعاً، وكذا قوله عيسى رسول الله فإنّه يقتضي الإخبار بأنّ مَن عداه ليس رسولاً لله تعالى فيدخل في ذلك محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)،والقول بأنّ محمداً(صلى الله عليه وآله وسلم)ليس رسولاً لله كفر قطعاً.
وأيضاً لو كان حجّة لم يجز الإخبار بالأعمّ عن الأخصّ لكونه كذباً، والتالي باطل اتّفاقاً.
احتجّ المخالف بأنّ تخصيص الشيء بالذكر لابدّ له من مخصّص، ونفي الحكم عن غيره أمر ظاهر يصلح للتخصيص والأصل عدم غيره فتعيّن هو لذلك. وبأن إنساناً لو قال لغيره:«لست زانياً » أو:«ليست أُختي زانية » فهم كل سامع أنّه رمى المخاطب وأُخته بالزنا، ولهذا أوجب أصحاب أحمد عليه الحد بذلك.
والجواب عن الأوّل: أنّ المخصّص تعلّق غرض المخبر بالإخبار عمّا أخبر عنه دون غيره.
وعن الثاني: أنّ ذلك لا يفهم من مجرد اللفظ، بل منه مع اقترانه بالقرائن الحالية ولهذا كان مختصّاً بقذف المخاطب دون غيره عند من يقول به، وليس هذا الاختصاص مستنداً إلى مجرد اللفظ وهو ظاهر، بل إليه منضماً إلى القرينة.

صفحه 364

المسألة الثالثة: [ في مفهوم الحصر ]

اختلفوا في مفهوم الحصر، مثل قول القائل:«صديقي زيد والعالم بكر » هل هو حجّة بمعنى أنّه يكون دالاًّ على ثبوت صداقته لزيد والعلم لبكر وانتفائهما عن غيرهما أم لا؟ فذهب جماعة من الفقهاء والغزالي1إلى كونه حجّة، وخالف فيه الحنفية والقاضي أبوبكر وجماعة من المتكلّمين(2)، واختار المصنّف ـ طاب ثراه ـ الأوّل.
واحتجّ عليه بأنّ الصديق والعالم لو لم ينحصرا في زيد وبكر لكانا أعمّ منهما، فيكون الإخبار عن الصديق والعالم بزيد وبكر إخباراً بالأخص عن الأعم وذلك كذب كما لو قيل: الحيوان إنسان أو اللون سواد.
قيل عليه: إنّ الكذب إنّما يلزم لو كان الواحد المضاف أو الألف واللام للعموم، وهو ممنوع، بل هما ظاهران في البعض. وحينئذ يكون التقدير:بعض صديقي زيد وبعض العالم بكر وذلك صادق، ولو سلم كونهما للعموم وكان مقصوداً للمتكلّم التزمنا كونه كاذباً على تقدير تعدّد العلماء وأصدقائه.
واحتجّ المخالف بأنّ هذا التركيب لو كان مفيداً للحصر لكان عكسه كذلك. والتالي باطل اتّفاقاً، فالمقدّم مثله.
بيان الملازمة: أنّ الموضوع والمحمول في الأصل والعكس متحدان، فإذا كانا متساويين في الأصل كانا في العكس كذلك.
في الحكم المعلّق بعدد   
والجواب: المنع من الملازمة والفرق بين الأصل والعكس ظاهر، وذلك لأنّ المطلق يجب إجراؤه على حاله في احتمال العموم ما لم يمنع

1. المستصفى:2/212.   2 . وهو مختار الآمدي في الإحكام:3/68.

صفحه 365
منه مانع، والمانع متحقّق في الأصل وهو استلزامه كون المبتدأ أعم من الخبر، وذلك غير جائز ومفقود في العكس لجواز كون الخبر أعم من المبتدأ، فيبقى على حاله.

المسألة الرابعة: [ في الحكم المعلّق بعدد ]

في الحكم المتعلّق بعدد معين هل يدل على حكم مازاد عليه، أو ما نقص عنه؟
قال قوم: نعم وزعموا أنّ حكم ماعدا ذلك العدد مخالف لحكمه.
وأنكـره آخـرون مطلقاً بمعنى أنّه لا يدلّ على حكم شيء منهما البتة.
والمحقّقون فصّلوا فقالوا إنّ العدد المعين إذا كان علّة لعدم حكم وجب كون الزائد عليه علّة لذلك العدم لاشتماله على الناقص الذي هو علّة ذلك العدم.
وفي هذا نظر، فإنّ المشتمل على العلّة لا يكون علّة، ولو قالوا ملزوماً لذلك العدم لاشتماله على علّته كان أولى، ومثال ذلك قوله(عليه السلام):«إذا بلغ الماء كراً لم يحمل خبثاً »1 فإنّه دال على عدم حمل ما زاد عليه للخبث لوجود علّة عدم حمل الخبث وهو الكر في الزائد عليه، وإذا كان العدد المعين موصوفاً بوصف وجودي، لم يجب كون مازاد عليه موصوفاً بذلك الوصف، فإنّ اتّصاف ركعتي الصبح بالوجوب لا يقتضي اتّصاف مازاد

1. عوالي اللآلي:1/76 برقم 156; مستدرك الوسائل:1/198، الباب9 من أبواب الماء المطلق، الحديث6.

صفحه 366
عليهما به، وإباحة نكاح الأربع لا يستلزم إباحة مازاد عليهن، هذا حكم العدد الزائد عمّا علّق الحكم عليه.
وأمّا الناقص عنه فلا يخلو إمّا أن يكون ذلك الحكم إباحة، أو إيجاباً، أو حظراً.
فإن كان الأوّل فإمّا أن يكون الناقص واجب الدخول في الزائد، أو لا.
فإن كان الأوّل لزم إباحة الناقص كإباحة جلد الزاني مائة فإنّه يوجب إباحة جلده خمسين، وينبغي أن يراد بالإباحة هنا ما أذن في فعله مطلقاً بحيث يكون محتملاً للوجوب وإلاّ لم يستمر فإنّه لو قال:يجب جلد الزاني في المسجد مائة وعشرين تغليظاً، لا يلزم منه كون مادونه وهو المائة مباحاً بمعنى جواز فعله وتركه، لأنّ استيفاء الحد واجب.
وإن كان الثاني لم يلزم، كإباحة الحكم بالشاهدين فإنّه لا يستلزم الحكم بشهادة الواحد، لأنّ الحكم بشهادة الواحد غير داخل تحت الحكم بشهادة الشاهدين.
وإن كان إيجاباً فكذلك، فإنّ إيجاب الكلّ مستلزم لإيجاب كلّ جزء من أجزائه.
وإن كان حظراً فثبوت تحريم العدد قد يكون فيما نقص عنه أولى، وقد لا يكون.
فالأوّل كما إذا حظر علينا استعمال نصف الكر مع وقوع النجاسة فيه فتحريم الأقل منه أولى.
   
ومثال الثاني تحريم جلد الزاني زيادة على المائة لا يوجب تحريم المائة، وقد ظهر من هذا أنّ تعليق مطلق الحكم على عدد لا يستلزم نفيه

صفحه 367
قال قدس الله روحه: البحث الثامن: الآمر إن نقل كلام غيره دخل فيه إن تناوله، وكذا لو نقل أمر غيره بكلام نفسه، وإلاّ فلا. ويمكن أن يقول الإنسان لنفسه: «افعل » ويريد الفعل، لكنّه لا يُسمّى أمراً، لأنّ الاستعلاء معتبر، ولا يحسن أيضاً، لأنّ فائدة الأمر الإعلام، ولا فائدة في إعلام الرجل نفسه ما في قلبه. *
عمّا عداه زائداً كان أو ناقصاً، والضابط في ذلك ما ذكرناه.1

* [ في أنّ الآمر هل يدخل تحت الأمر؟ ]

أقول: الآمر بالشيء هل يدخل تحت أمره بذلك الشيء أم لا؟
فصّل أبو الحسين2 في ذلك تفصيلاً استحسنه فخر الدين(3)
والمصنف (4) ـ طاب ثراه ـ وهو أنّ هذا الباب يتضمّن مسائل:
الأُولى: أنّه هل يمكن أن يقول الإنسان لنفسه افعل مع أنّه يريد ذلك الفعل؟ ولا شك في إمكانه .
الثانية: هل يسمى هذا القول أمراً أم لا؟
والحق لا، لأنّ الاستعلاء يعتبر في الأمر، وهو إنّما يتحقّق بين اثنين: أحدهما آمر والآخر مأمور، ومن لا يعتبر الاستعلاء يقول: الأمر طلب الفعل من الغير، ولا مغايرة بين الشخص ونفسه، فلا أمر إذاً مطلقاً .
الثالثة: هل يحسن ذلك أم لا؟
الحق أنّه لا يحسن، لأنّ فائدة الأمر إعلام الغير طلبه، ولا فائدة في

1. راجع: نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/465; المحصول:1/257; الإحكام:1/66.
2. المعتمد:1/136ـ138.   3. المحصول:1/268.   4. نهاية الوصول إلى علم الأُصول:1/483.

صفحه 368
إعلام الشخص نفسه ما في قلبه.
الرابعة: إذا خاطب الإنسان غيره بالأمر هل يكون داخلاً فيه؟
والحق أنّه إمّا أن ينقل أمر غيره بكلام نفسه، أو بكلام ذلك الغير.
أمّا الأوّل فإن كان يتناوله دخل، وإلاّ لم يدخل. مثال الأوّل أن يقول: إنّ فلاناً يأمرنا بكذا، ومثال الثاني:إنّ فلاناً يأمركم بكذا.
وأمّا الثاني وهو أن ينقل أمر غيره بكلام ذلك الغير، كقوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أوْلادِكُمْ)1فهذا يدخل الكلّ فيه، لأنّه خطاب مع المكلّفين فيتناولهم بأجمعهم، إلاّ من خصّه الدليل.
وفي هذا نظر،